البحث في رسالات عشر
محمد حسن القديري
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
الكلام في صلاة الجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين.
قال المحقققدسسره : الجماعة مستحبة في الفرائض كلها.
اقول: اما استحباب الجماعة في الجملة فهو من ضروريات الدين، وقال صاحب الجواهر –قدسسره : ان المنكر له داخل في سبل الكافرين، مضافا الى انه موافق للكتاب والسنة المتواترة، ويدل عليه الاجماع بكلا قسميه، بل لولا الروايات التي يظهر منها الاستحباب كصحيحة زرارة والفضيل(١) لكان المستفاد من سائرها الوجوب كما سيأتي ان شاء الله. والقدر المتيقن من ذلك الحواضر اليومية مضافا الى الأخبار الخاصة الواردة في خصوص كل منها، بل قيل انه المنصرف من الادلة المطلقة. واما بالنسبة الى قضاء الفوائت فمع امكان منع الانصراف والمستفيضة الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث ٢.
وآله(١) وبعض الروايات الاخرى يمكن استفادة مشروعية الجماعة فيها مما دل على مشروعيتها في الحواضر، فان المستفاد من ادلة القضاء ان القضاء عين الاداء بحسب الحقيقة الا انها بعد الوقت، فصلاة المغرب قضاء عين صلاة المغرب اداء بحسب الحقيقة، وانما الفرق بينهما ان الاداء في الوقت والقضاء بعده، ولذا يحكم في صلاة القضاء بجميع ماحكم به في صلاة الاداء كأحكام السهو والنسيان اولشك وغيرها، فما دل على مشروعية الجماعة في الصلوات – ولو قيل بعدم الاطلاق فيه من جهة قضاء الصلوات الا انه بعد ضميمة الجهة المذكور وهي عينية الاداء والقضاء اليه – يدل على مشروعية الجماعة في القضاء ايضا، هذا مع انه لا خلاف فيه ظاهرا بل ادعي عليه الاجماع، فلا مجال للارتياب فيه.
واما بالنسبة الى سائر الفرائض فلا كلام ولا اشكال في صلاة الآيات والاموات للأخبار الخاصة الواردة(٢) فيهما كما ان الامر في صلاة الجمعة والعيدين موكول الى محلهما لورود الادلة الخاصة فيهما(٣) واختلاف الاقوال فيهما ايضا، الا ان المسلم الذي هو القدر المتيقن من ادلتهما وجوب الجماعة فيهما في الجملة، والكلام في محله.
بقي الكلام في صلاة الطواف، ولم يرد في مشروعية الجماعة فيها دليل بالخصوص، فلابد من ملاحظة الأدلة العامة فنقول: قد استدل على المشروعية فيها بامور:
(منها): الاطلاقات الواردة في باب الجماعة مثل قولهعليهالسلام في
____________________
(١) الوسائل: ج٣، باب ٦١ من ابواب المواقيت، حديث٦.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٧ و١٢ من ابواب صلاة الكسوف والآيات وج٢ باب ٦ و١٦ و١٧ و١٩ و٢١ و٢٥ و٢٧ و٢٩ و٣٢ و٣٣ من ابواب صلاة الجنازة.
(٣) الوسائل: ج٥، باب ٢ و٥ و٦ من ابواب صلاة الجمعة، وباب ٢ من ابواب صلاة العيد.
صحيحة ابن سنان: الصلاة جماعة تفضل على صلاة الفرد بأربع وعشرين درجة(١) . ولايخفى ما في هذا الاستدلال، فان هذه المطلقات واردة مورد حكم اخر ولايمكن التمسك بها فيما ليست في مقام بيانه، وبعبارة اخرى أنها ناظرة الى بيان امر في طول التشريع ولايدل على اصل التشريع الا بالاستلزام ولا اطلاق لمثل هذه الادلة، وان شئت قلت: ان مشروعية الجماعة امر مفروغ عنها في هذه الروايات واخذت مفروض الوجود، والروايات انما هي في مقام بيان امر مترتب عليها لا في مقام بيان اصلها، عباراتنا شتى... الخ.
(ومنها): خصوص صحيحة زرارة والفضيل قالا: قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال الصلوات فريضة وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها ولكنه سنة – الحديث(٢) . وقد اورد على الاستدلال بهذه الصحيحة بأن لفظ الصلوات في صدر الرواية لا تدل على مطلق الصلوات، اذ ليس مطلقها بفريضة قطعا بل المراد الصلوات اليومية بحكم الانصراف، فيدل ذيل الخبر على كون الجماعة مسنونة فيها لا في كل صلاة واجبة. وبأن ظاهر الراوية السؤال عن كونها فريضة أو لا مفروغا عن مشروعيتها، فليس في مقام التشريع ليؤخذ باطلاقه.
وأنت خبير بما فيهما، فان دلالة الرواية ليست بالاطلاق حتى يقال بالانصراف او عدم كونها في مقام البيان، بل دلالتها بالعموم، فان الصلوات في «ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها» جمع محلى باللام تفيد العموم و«كلها» فيها تاكيد لها، فالنتيجة ان الاجتماع ليس بمفروض في شيء من الصلوات، والضمير في «لكنها» راجع الى نفس الموضوع في هذه الجملة أي الاجتماع في عموم الصلوات، فيستفاد من ذلك ان الاجتماع في جميع
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٢.
الصلوات سنة ومنها صلاة الطواف.
ان قلت: ان الكلية والعموم مناف لوجوب الاجتماع في الجمعة والعيدين.
قلت: نلتزم في ذلك بالتخصيص فانه ما من عام الا وقد خص.
ان قلت: ان ورود حرف السلب علىالعموم يفيد سلب العموم لا عموم السلب، وهذا سور سالبة الجزئية لا الكلية، فعلى هذا نستفيد من الرواية انه ليس الاجتماع في جميع الصلوات مفروضا، وبالنتيجة ان الاجتماع في بعضها مفروض وفي بعضها سنة، فلايمكن الاستدلال بها لمشروعية الجماعة في صلاة الطواف، فان الكبرى موجبة لا كلية.
قلت: (أولا) يكفي في الاستدلال سلب العموم، فان سلب المفروضية عن عموم الصلوات واثبات المسنونية فيما ليس بمفروض مستلزم للمشروعية في عموم الصلوات كما لايخفى. (وثانيا) الظاهر من الرواية عموم السلب لا سلب العموم وذلك من وجهين:
١ – ان السلب وارد على مفروضية الاجتماع وهذا متعلق للظرف والمظروف عام و«كلها» تأكيد له، فلم يرد السلب على العموم. والحاصل: ان معنى الرواية سلب مفروضية الاجتماع عن كل الصلوات، وكم فرق بين ان يقال انه ليس الاجتماع بمفروض في كل الصلوات وبين ان يقال انه ليس كل صلاة جماعة بمفروض.
٢– يستفاد من الذيل وهو جملة «لكنه سنة» ان السلب بنحو العموم، فان ظاهر الضمير هو الرجوع الى نفس الموضوع المذكور في الجملة السابقة، ومع كون السلب واردا على العموم لايكون مرجع الضمير مذكورا فيها بخلاف عموم السلب، فان المرجع ايضا العموم المذكور، وكيف كان الظهور العرفي للرواية في العموم غير قابل للانكار، ودعوى الانصراف او عدم كون الرواية بصدد البيان مبنية على كون الدلالة بالاطلاق وقد ثبت انها بالعموم، واما ماقيل من ان السؤال عن خصوص صلاة اليومية للانصراف فالجواب ايضا مخصوص بها، ممنوع بعد كون الجواب عاما ولا يكون السؤال والمورد مخصصا للعموم، هذا مع امكان منع الانصراف والقول بانه بدوي فلا بأس بالاستدلال بالصحيحة لمشروعية الجماعة في صلاة الطواف ولايضر الاضمار فيها كما لايخفى.
(ومنها): ادلة التسامح في ادلة السنن فان الجماعة مستحبة، فيكفي في القول بمشروعيتها مجرد بلوغ الثواب عليها.
وفيه (اولا) انه لم يبلغ الثواب على الجماعة في خصوص صلاة الطواف حتى بخبر ضعيف، والمفروض ان المطلقات لا تشملها، والفتاوى خارجة عن موضوع الروايات كما بين في محله، ونفس احتمال الرجحان والثواب لايصدق عليه البلوغ، فلا موضوع لهذا الاستدلال.
(وثانيا) ان الجماعة في الواجبات على تقدير مشروعيتها ليست من الامور المستحبة كسائر المستحبات بل هي مصداق للواجب وافضل الفردين منه، فلا يمكن اثبات مشروعيتها بأدلة التسامح في ادلة السنن.
(وثالثا) انا لو سلمنا دلالة ادلة التسامح على الاستحباب لكن لا نسلم دلالتها على استحباب الشيء بعنوانه الخاص، بل غايتها الدلالة على الاستحباب بعنوان انه شيء بالغ عليه الثواب، ولذا لا يمكن القول بكفاية الغسل الذي ثبت استحبابه بادلة التسامح عن الوضوء ولو قيل بالكفاية في سائر الموارد، فان ادلة التسامح لا تدل علىازيد من استحباب الغسل بعنوان انه شيء بالغ عليه الثواب، واما الاستحباب بعنوان انه غسل فلا، فليس في البين غسل استحبابي حتى يقال بكفايته عن الوضوء، وهكذا في المقام ادلة التسامح لو شملت الجماعة الا انها لا يثبت الاستحباب على عنوان صلاة الجماعة حتى يترتب عليها احكام الجماعة بل غايتها انها تثبت الاستحباب على
البالغ عليه الثواب، ولا يتوهم ان انطباق هذا العنوان على الجماعة قهري، فالجماعة ايضا مستحبة من جهة تلك الادلة. فان الانطباق لايوجب استحباب المنطبق عليه بعنوانه بل المستحب هو العنوان المنطبق ولو كان الانطباق قهريا.
فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الأقوى مشروعية الجماعة في صلاة الطواف ايضا وان كان الاحتياط في اتيانها فرادى، وذلك لاستشكال كثير من فقهائنا فيها، فلاحظ حواشي المسألة الرابعة في العروة، وان كان المناسب ان تكون الحواشي على قول الماتن «في جميع الفرائض» في أول الجماعة.
ثم انه لو بنينا على عدم تمامية الادلة حتى الصحيحة ولم نستكشف المشروعية عن الادلة الاجتهادية فهل الأصل العملي يقتضي عدم المشروعية او ان الأصل يقتضي المشروعية؟ فلقد يتوهم ان الامر حينئذ دائر بين الاطلاق والتقييد، فان الشك في مشروعية الجماعة لبا يرجع الى الشك في ان الوظيفة هي مطلق الصلاة ولو جماعة، او انها هي الصلاة فرادى فقط، وفي مثل هذا الشك المرجع هو البراءة عن خصوصية الفرادى.
وقد يورد عليه (أولا) بوجود الأصل الموضوعي في المقام وهو اصالة عدم انعقاد الجماعة وهي حاكمة على الأصل المذكور. (وثانيا) بأن أصالة البراءة عن الفرادى لا تثبت الآثار والأحكام الخاصة للجماعة، فلا يمكن اثبات سقوط القراءة بالاقتداء ولزوم المتابعة واغتفار زيادة الركن وسائر المختصات للجماعة بأصالة البراءة، بل الاصول الجارية في هذه الأحكام مؤكدة لكون الصلاة
فرادى، فان الاصل في الشك في سقوط القراءة وضمان الامام لها اصالة الاشتغال واصالة عدم ضمان الامام، وفي الشك في لزوم المتابعة اصالة البراءة عنه، وفي الشك في اغتفار زيادة الركن اصالة الاشتغال، وكل هذه الاصول موافق لكون الصلاة فرادى، هذا.
وشيء من الايرادين لا يتم، (اما الأول) فلأن الجماعة كسائر الموضوعات امر عرفي، والشارع انما اضاف الى ذلك الأمر العرفي مجرد الشرائط والقيود في صحتها، ومن الظاهر أن الجماعة العرفية حاصلة والشك انما هو في ان الشارع هل اعتبر في الجماعة شرطا خاصا وهو ان تكون في غير صلاة الطواف اولا؟ او انه هل اعتبر في صلاة الطواف مانعا عن صحة الجماعة او لا؟ فأصالة عدم تحقق الجماعة لا اصل لها لتحققها بالوجدان، والشك انما هو في الصحة من جهة الشك في شرطية شيء او مانعية شيء لصحتها والاصل فيها البراءة.
(واما الثاني) فيتوجه على ظاهر الاستدلال وهو اصالة البراءة عن خصوصية الفرادى واما على واقع الاستدلال فلا، فان المراد من اصالة البراءة عن خصوصية الفرادى انما هو اصالة البراءة عن اعتبار خصوصية في الجماعة، والمفروض تحقق الجماعة العرفية فيترتب عليها جميع آثار الجماعة. وتوهم اصالة الاشتغال في القراءة او وجود دليل اجتهادي في المقام وهو لا صلاة الا بفاتحة الكتاب(١) سيجيء الكلام فيه في تأسيس الاصل في الجماعة، هذا تمام الكلام في الفرائض بالأصل.
واما الفرائض بالعرض كالصلوات المنذورة او المستأجرة او المأمور بها بأمر المولى او من يجب اطاعته كالوالد بناء على الوجوب فلا تكون الجماعة مشروعة فيها، اما بناء على عدم وجود اطلاق او عموم يثبت مشروعية الجماعة مطلقا او في كل الصلوات فواضح، لعدم الدليل على المشروعية حينئذ والأصل عدم المشروعية على النحو الذي ذكرناه. واما بناء على وجود الاطلاق او العموم كما اخترناه فلابد من التماس دليل على التقييد او التخصيص، والدليل الروايات
____________________
(١) الوسائل: ج٤، باب ١ من ابواب القراءة في الصلاة، حديث١.
الدالة على انه لا جماعة في نافلة(١) وانها بدعة(٢) على ما سيأتي ان شاء الله.
نعم قد يقال بأن الحكم في هذه الروايات يدور مدار صفة النفلية وبعد النذر ينقلب الوصف فيشمل العموم النوافل المنذورة، ولكن البحث في ذلك يختلف على حسب اختلاف المباني فانه على مبنى السيد الاستاد المحقق – مد ظله – من «ان المستفاد من ادلة النذر ليس الا وجوب الوفاء بالنذر من دون سراية الحكم الى المنذور، فنذر صلاة الليل مثلا واجب الوفاء مع بقاء صلاة الليل على استحبابه لان لكل عنوان حكمه ولايسري احدهما الى متعلق الآخر» لايكون الجماعة مشروعة في النوافل المنذورة لبقائها على صفة النفلية على هذا المبنى.
وهنا اشكال في المبنى، وهو ان مفاد النذر جعل شيء لله على العهدة فقوله «لله علي ان احج» جعل الحج لله على عهدته، هذا هو مفاد انشاء النذر، وحينئذ ادلة وجوب الوفاء لو كان متكفلا لايجاب الوفاء تأسيسا على عنوان الوفاء من دون نظر الى المنذور كما افاده – مد ظله – يبقى انشاء النذر بلا تنفيذ من الشارع، وهذا لايمكن.
وبعبارة اخرى: ان الشارع المقدس اما ينفذ النذر الانشائي اولا، فعلى التنفيذ يكون جعل الوجوب التكليفي التأسيسي للوفاء لغوا، فان العقل مستقل بلزوم الاتيان بالعمل بعدتنفيذ الشارع جعل الشخص امرا على عهدته نظير استقلاله بلزوم الامتثال في التكاليف، فأي فرق بين جعل الشارع الحج تأسيسا على المكلف كما هو مضمون الآية المباركة(٣) وجعله الحج امضاء عليه؟ فكما ان الحكم بلزوم الخروج عن العهدة والامتثال في الأول عقلي فكذلك في
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب٧ من ابواب نافلة شهر رمضان، حديث٦.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ١٠ من ابواب نافلة شهر رمضان، حديث١.
(٣) آل عمران: ٩٧.
الثاني.
واما على عدم التنفيذ فلا يحتمل وجوب الوفاء، اترى انه يجب الوفاء بنذر لم يكن نافدا شرعا؟ فالجعل التأسيسي لوجوب الوفاء لا اقل من انه خلاف الظاهر وخلاف المتفاهم العقلائي، بل لعله مستحيل، فتأمل.فلم يبق الا الجعل الارشادي بامضاء النذر وتنفيذه، ومعنى ذلك كون المنذور على عهدة الناذر شرعا، فلو نذر صلاة الليل تكون صلاة الليل على عهدته شرعا، ولا ينافي ذلك تحقيق العصيان بترك صلاة الليل، فان العقل مستقل بتحقيق العصيان في ترك الاتيان بما في عهدة المكلف امضاء، كما انه مستقل به في مورد التأسيس، فالعصيان عصيان لترك الاتيان بما في العهدة وهو المنذور، لا عصيان لمخالفة الامر بالوفاء بالنذر، فانه ارشادي امضائي لا يكون مولويا تأسيسيا. هذا على مبنى الاستاد – مد ظله –.واما على المبنى المشهور المنصور من كون المنذور على العهدة شرعا فالشبهة اقوى، وهو ان الخارج من عموم استحباب الجماعة في كل الصلوات هو النافلة الفعلية، والمفروض ان النذر موجب لانقلاب النفل الى الفرض.وقد اجاب المحقق الهمداني –قدسسره – عن الشبهة بوجهين: (احدهما) ان ظهور الروايات في ارادة النافلة من حيث هي الغير المنافية لكونها معروضة للوجوب من جهات خارجية. (وثانيهما) وقوع التصريح بمناط المنع في الاخبار وان علته عدم المشروعية وكونها بدعة دون مبدأ اشتقاقها أي وصف النفلية، فلا مفهوم للرواية ليدل على انتفاء الحكم عند انتفاء وصف النفلية لعدم التعليق حينئذ على الوصف بل على العلة المذكورة.ويمكن الايراد على الوجه الأول بأن ظاهر اخذ وصف في موضوع حكم ترتب الحكم على فعلية الوصف، فقولك لاجماعة في النافلة ظاهر في نفي الجماعة في النافلة بالفعل، فكلما صدق عليه النافلة فعلا لايتحقق فيه الجماعة، والمفروض ان الصلاة المنذورة واجبة بالفعل فكيف تكون نافلة بالفعل.
ويمكن الايراد على الوجه الثاني بأنا لا نحتاج الى المفهوم في الروايات بل يكفينا عدم صدق الموضوع وهو النافلة، فلو لم تكن صلاة المنذورة نافلة بالفعل يشملها عموم صحيحة زرارة والفضيل، ولايشمله دليل المخصص لعدم تحقق موضوعه.
وبما ذكرنا يظهر ما في بعض التعبيرات من ان ظاهر الاخبار نفي الجماعة عن النافلة بالأصل وان كان واجبا بالعرض، فانه – مضافا الى امكان منع الظهور لان الظاهر كما مر النفي عن
النافلة بالفعل والمفروض انها ليست بنافلة بالفعل – لا محصل لهذا التنويع بناء على مبنى ترتب الحكم على المنذور ولا الوفاء بالنذر، فانه كما ان صلاة الليل نافلة بالاصل كذلك صلاة الليل المنذورة واجبة بالاصل، لان كلا الحكمين مجعولان شرعا حسب الفرض، غاية الامر ان الاول
تأسيسي والثاني امضائي، وهذا لايوجب كون احدهما اصليا والآخر عرضيا، هذا.
ومع ذلك يمكن ان يقال انه ليس معنى النفل الاستحباب حتى ينافي الوجوب النفل فعلا، بل معنى النفل هو الزيادة، ولا ينافي الايجاب مع صدق الزيادة الفعلية بل النذر في غير الواجبات ليس الا جعل امر زائد على العهدة، والحاصل ان صلاة الليل لولا النذر امر زائد على الواجبات وبالنذر يجعلها على عهدته، والشارع يمضي هذا الجعل فتصير واجبة، فعلى هذا، الشارع يوجب بسبب النذر ذلك الامر الزائد فهذا زائد واجب ولاينافي الزيادة مع الوجوب بل هما متلائمان في الفرض، فتصدق على صلاة الليل المنذورة النافلة الواجبة فيشملها دليل المخصص وهو لا جماعة في النافلة. مع ان عدم مشروعية الجماعة في النافلة المنذورة ايضا لا خلاف فيه بين من قال بعدم المشروعية في غيرها من سائر النوافل. وبما ذكرنا ظهر الحال في النافلة جماعة الواجبة بالاستيجار او بأمر المولى او كل من يجب اطاعته من المخلوق لصدق النالة على كلب منها وان كان واجبا ، وان الزيادة لاينافي الوجوب بل المنافي للوجوب هو الاستحباب. قوله «قده»: ولايجوز في شيء من النوافل... الخ.أقول: يدل على ذلك بعد الشهرة المحققة والاجماع المنقول عن غير واحد، عدة من الروايات(١) وان كان في سندها ضعف الا ان الشهرة جابرة لها، مع ان فيها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل وفيها قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ان الصلاة في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة(٢) . واختصاصها بشهر رمضان ونوافله لايضر لعدم القول بالفصل اولا، واحتمال حذف مبتدأ «فيها» ثانيا فيكون «من النافلة» بمنزلة العلة للحكم.
ومما يؤيد هذا الاحتمال او احتمال السقط في الراوية نقل نفس القصة في خبر محمد بن سليمان، وفي هذا الخبر نقل قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله بهذه العبارة: ان هذه الصلاة نافلة ولن تجتمع للنافلة(٣) .
وهنا عدة روايات صحاح يمكن ان يستدل بها للجواز، كلها واردة مورد حكم آخر غير جواز الاجتماع في النافلة، فلا اطلاق لها من هذه الجهة، ويكفي في ذلك وجود نافلة واحدة تجوز الجماعة فيها كصلاة الاستسقاء – نعم هنا صحيحة تدل على الجواز وهي صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن الصادقعليهالسلام قال: صل بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة فاني أفعله(٤) .
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ١٠ من ابواب نافلة شهر رمضان.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ١٠ من ابواب نافلة شهر رمضان، حديث ١.
(٣) الوسائل: ج٥، باب ٧ من ابواب نافلة شهر رمضان، حديث٦.
(٤) الوسائل: ج٥، باب ٢٠ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١٣.
ولكنها معارضة لما سبق الواردة في مورد نوافل شهر رمضان، والترجيح لما سبق لكثرتها وعمل المشهور عليها ومخالفتها للعامة، بل لو بنينا على عدم الترجيح والتساقط فالاصل عدم المشروعية فلا تجوز الجماعة في شيء من النوافل.
نعم، عن العلامة في التذكرة عن ابي الصلاح انه روى استحباب الجماعة في صلاة الغدير، وعن جملة من الاصحاب القول باستحباب الجماعة فيها، واستدل عليه بذلك، وما عن المقنعة من حكاية صلاة النبيصلىاللهعليهوآله يوم الغدير جماعة، والاستدلال بالروايتين انما يتم على القول بالمسامحة في ادلة المستحبات وتطبيقها على المقام.
ولكن صاحب الجواهر –قدسسره – منع التعويل عليها في المقام، لانها معارضة بالادلة العامة الدالة على حرمة الجماعة في النافلة.
والمحقق الهمداني –قدسسره – اعترض عليه بأن الحرمة تشريعية لا ذاتية، ومع اثبات الجواز بادلة التسامح ينتفي موضوع التشريع، وذكربعد ذلك كلاما طويلا قابلا للمناقشة، والذي يخطر بالبال ان ادلة التسامح انما تثبت الاستحباب لعنوان البالغ عليه الثواب الماتي به رجاء لذلك الثواب، وهذا في الطرف المقابل للتشريع، فالتشريع لاينافي ما ثبت الاستحباب فيه بدليل التسامح لانه اسنادي والثاني رجائي، ولكن مع ذلك لايثبت استحباب الجماعة في صلاة الغدير لعدم دلالة ادلة التسامح على حجية الخبر الضعيف ولا على اثبات مضمونه، بل ولابجواز العمل بالخبر بما هو خبر، بل الخبر منقح لموضوع ادلة التسامح وبما انه يصدق بذلك بلوغ الثواب، فلو عمل المكلف بذلك العمل البالغ عليه الثواب رجاء لذلك الثواب فقد عمل امرا محبوبا ومستحبا، لا ان الصلاة بما هي صلاة او الجماعة ام مستحب، فلو اراد الاتيان بصلاة الغدير لابد له من اتيانها فرادى، واما الجماعة فيها فليس استحبابها ثابتة بل الثابت استحباب العمل البالغ عليه الثواب بما هو ذلك.
هذا، لو لم نقل بعدم الاستحباب حتى بهذا العنوان والا فالأمر أوضح، وايضا لو لم نقل باستفادة الحرمة الذاتية من ادلة النهي عن الجماعة في النافلة، والا فلا مجال لأدلة التسامح اصلا، فان موضوعها بلوغ الثواب المنافي لثبوت العقاب بحجة معتبرة بنظر العرف وان كان بالدقة يصدق بلوغ الثواب، لكن العرف يفهم من ذلك صورة لم تقم حجة معتبرة على العقاب فيها. فلا موضوع لما توهم من التعارض بين ادلة التسامح وادلة الناهية، فلابد من ترجيح الادلة الناهية او التساقط والرجوع الى اصالة عدم المشروعية.
تنبيه
استثني من الحكم المذكور في النافلة عدة موارد كصلاة الاستسقاء والعيدين، عند عدم اجتماع الشرائط وصلاة المعادة، والبحث في كل منها موكول الى محله، ويأتي الكلام في بعض منها.
قوله «قده»: وتدرك الصلاة جماعة بادراك الركوع وبادراك الامام راكعا.
أقول: وجهه عدة من الروايات وفيها الصحاح كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللهعليهالسلام انه قال: اذا ادركت الامام وقد ركع فكبرت وركعت قبل ان يرفع رأسه فقد ادركت الركعة وان رفع الامام رأسه قبل ان تركع فقد فاتتك الركعة(١) .
وبازاء هذه الروايات عدة من الروايات كروايات محمد بن مسلم التي فيها: اذا ادركت التكبيرة قبل ان يركع الامام فقد ادركت الصلاة(٢) . وبعض
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٤٥ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٢.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٤٤ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١.
منها بلسان: لا تدخل معهم في تلك الركعة(١) . او: لا تعتد بالركعة(٢) الخ في مورد عدم درك تكبيرة الركوع.
وقد يقال في الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على الكراهة، ونوقش في هذا الجمع بانه لامعنى للحمل على الكراهة، فان الكراهة الذاتية لايمكن في العبادة، والكراهة بمعنى اقل الثواب لايمكن في الجماعة التي لاتشرع الا اذا كانت أكثر ثوابا من الفرادى، وأقل ثوابا من الجماعة الاخرى بعيد عن مفاد الروايات، ولذلك يعامل مع الطائفتين معاملة المعارضة، والترجيح للاولى لموافقتها مع المشهور.
ولكن يمكن الجواب عن المناقشة بأن الجماعة في تمام الصلاة وان كانت اكثر ثوابا من الفرادى الا أن مشروعية الجماعة في كل ركعة غير مستلزمة لكن هذه الركعة اكثر ثوابا من الركعة المأتي بها فرادى، ولا نرى أي مانع من تجويز الشارع جماعة تكون الركعة الاولى منها اقل ثوابا من الفرادى وسائر ركعاتها اكثر ثوابا منها، فلو اقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين هذا الحمل نلتزم به، فالصلاة المشتملة على ثلاث ركعات جماعة وركعة فرادى بعدها افضل من الصلاة المشتملة على اربع ركعات جماعة بحيث لم يدرك فيها تكبير الركوع في الركعة الاولى. نعم، يبقى الاشكال فيما اذا لم يدرك المأموم الا الركعة الأخيرة من الامام ولم يدرك تكبير ركوعها. ولكن يمكن الالتزام بما مر والقول بانه لا مانع من جواز الاقتداء في هذه الركعة وكونها اقل ثوابا من الفرادى، ولا دليل على الملازمة بين مشروعية الجماعة واكثرية الثواب عن الفرادى في ابعاض الصلاة.
وكيف كان فالعمل على طبق المشهور، وتوهم اختصاص الصحاح بما
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٤٤ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٢و٤.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٤٤ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٣
اذا لم يكن المأموم حاضرا قبل ركوع الامام، وادراكه الامام راكعا مدفوع بان ظاهر الدرك في الروايات وان كان ذلك بقرينة التفريع في «فكبرت» الا انه لا قائل بالفرق والفصل، مع انه يمكن استفادة الاطلاق من بعض الروايات كقولهعليهالسلام في حديث محمد بن قيس: ان اول صلاة احدكم الركوع(١) . وضعف السند منجبر بعمل المشهور.
وهنا رواية الاحتجاج التي نقلت في عدم اعتبار درك التكبيرة بل اذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وان لم يسمع تكبيرة الركوع(٢) . وضعفها منجبر بالعمل، وهذه الرواية تؤيد وتؤكد العمل بالصحاح ورفع اليد عما يعارضها او حملها على الكراهة، وبما انها في مقام بيان عدم اعتبار سماع التكبيرة لا في مقام اعتبار سماع التسبيحة ويحتمل ان ذكر التسبيحة في الرواية من جهة احراز درك المأموم ركوع الامام لايمكن الاستدلال بالرواية لاعتبار درك التسبيحة.
وينبغي التنبيه على امور:
الأول: انه لايبعد كفاية درك الامام راكعا ولو بعد شروعه في القيام مالم يصل الى حد لايصدق عليه الركوع لصدق ركوع المأموم قبل رفع الامام رأسه وصدق ركوع المأموم والامام راكع كما في الروايات(٣) ولذا لو شرع في الرفع ثم استقر قليلا يجوز الالتحاق به قطعا.
الثاني: لو كبر وركع ثم شك في ان الامام هل كان راكعا او رافعا رأسه. فلو كان الشك بعد الفراغ لايعتني به، ولو كان قبل ذلك فذكر جماعة منهم المحقق الهمداني -قدسسره - انه لايمكن احراز ادراك المأموم الامام راكعا
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٤٥ من ابواب صلاة الجماعة، حديث ٦.
(٢) الاحتجاج: ج٢، ص٤٨٨، ط بيروت.
(٣) الوسائل: ج٥، باب ٤٥، من ابواب صلاة الجماعة.
بالاصول، بل الاصل عدم الادراك. وقال بعض بمعارضة اصالة عدم رفع الامام رأسه عن الركوع مع اصالة عدم لحوق المأموم بركوع الامام. وفصل بعض بانه ان كان الاقتران من الاعتباريات المحضة التي ليس لها خارج اصلا بل انه منتزع من ركوع المأموم في زمان ركوع الامام فيمكن اجراء الاصول على التفصيل بين مجهولي التاريخ والعلم بتاريخ احدهما دون الآخر، وان كان للاقتران نحو خارجية لايمكن احرازه بالاستصحاب، هذا. وكل ذلك لايرتبط بما اخذ موضوعا في الروايات، فان الادراك الواقع في الرواية هو الادراك قبل تكبير المأموم لا درك الركوع بعد التكبيروالموضوع المستفاد من بعض الروايات: كبر ثم ركع قبل ان يرفع الامام رأسه(١) .
ومن المعلوم عدم اعتبار عنوان القبلية موضوعا بحيث يلزم احراز ان ركوع المأموم قبل رفع رأس الامام، ولم يقل بذلك أحد، بل هذا العنوان اخذ للاشارة الى بقاء الامام في الركوع حال ركوع المأموم وهذا يجري فيه الاصول. نعم يمكن ان يقال ان العنوان مشير لعنوان الدرك، ولكن لايخفى انه خلاف المتفاهم العرفي من جملة «قبل رفع رأس الامام» بل بعد ما علمنا من عدم دخل هذا العنوان في الموضوعية بل هذا عنوان مشير يفهم العرف ما ذكرنا، بل ليس كلمة «قبل» مذكورا في بعض الروايات كرواية زيد الشحام انه سأل ابا عبد اللهعليهالسلام عن رجل انتهى في الامام وهو راكع، قال: اذا كبر واقام صلبه ثم ركع فقد ادرك(٢) . ورواية معاوية بن ميسرة عن ابي عبد اللهعليهالسلام انه قال: اذا جاء الرجل مبادرا والامام راكعا أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع(٣) .
____________________
(١) الوسائل. ج٥، باب ٤٥ من ابواب صلاة الجماعة حديث١.
(٢) و(٣) الوسائل: ج٥ باب ٤٥ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٣ و٤.
فعلى هذه الروايات، الموضوع كون الامام راكعا في حال ركوع المأموم، وهذا قابل لأن يحرز بالاصل، فالاصول تقتضي بقاء الامام راكعا حال ركوع المأموم في مورد الابتلاء نوعا وهو مورد العلم بتاريخ ركوع المأموم والجهل بتاريخ رفع رأس الامام، وسائر الصور خارج عن محل ابتلاء النوع، مع انه عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ بالنسبةالى الحادث الأخر ليس مسلما.
نعم، يمكن ان يستدل بدليل اجتهادي للزوم احراز بقاء الامام في الركوع احرازا علميا أو بامارة، وهو رواية الاحتجاج لاعتبار اللحوق بتسبيحة في الاعتداد بالركعة واللحوق بالتسبيحة وان لم يعتبر شرطا في درك الركعة، الا ان اعتبارها في الراوية من جهة لزوم احراز درك الركوع يقينا او بامارة، والا فلو امكن احراز ذلك بالاصول لم يكن وجه لاعتبار التسبيحة بل ذكرها كان من اللغو، هذا. ولكن سند الرواية ضعيف ولم يعلم استناد المشهور الى هذه الرواية حتى يجبر ضعفها بالعمل، مع ان ظاهرها اعتبار درك التسبيحة في الاعتداد بالركعة، ولم يعمل بهذا الظاهر قطعا، وارادة غير هذا الظاهر بحيث تحمل الرواية عليها موقوفة على جبر سندها، و بعبارة اوضح ان ظاهرها غير معمول به، فأي دليل يدلنا على ان المشهور عملوا بهذه الرواية حتى نصرفها عن ظاهرها، ونحملها على ان ذكر التسبيحة لاعتبار احراز الركعة، مع انه لو علمنا باستناد المشهور اليها فمع ذلك لايمكننا الجزم بما ذكر من الحمل لعدم قيام قرينة عليه، بل على هذا لابد من رد علمها الى اهلها.ثم انه على ما ذكرنا من امكان احراز موضوع جاز الاقتداء بالاصل لا فرق بين كون الشك قبل الشروع وبعده، واذا انكشف الخلاف تبطل الجماعة، ولكن صحت صلاته لقاعدة «لاتعاد».واما على مبنى لزوم احراز الدرك فلو شك في الدرك وهو في الركوع او علم بعدمه في تلك الحالة فالجماعة محكومة بالبطلان لأصالة عدم الدرك وصلاته صحيحة لقاعدة «لاتعاد».واما لو شك قبل الشروع فهل يجوز له الدخول في الصلاة رجاء لادراك الركوع ويترك القراءة لذلك اولا؟ ولو ركع كذلك وبقي في الشك او علم بعدم الادراك فهل يحكم بصحة صلاته اولا؟ وان حكم ببطلان جماعته محل تأمل، وان كان حسب القاعدة عدم جواز الركوع بلا قراءة وبطلان الصلاة في الفرضين لعدم شمول «لاتعاد» لمورد ترك الجزء بلا عذر.وقد ادعى بعض السادة -قدسسره - ظهور النصوص وقيام السيرة على جواز الاقتداء في مورد الشك، ولذا يحكم بصحة الصلاة في مورد كشف الخلاف لان ترك القراءة عذري. ولكن عهدة الدعوى على مدعيها ولم نستفد من النصوص ذلك، وقيام السيرة في مورد الشك واحراز انها متصلة الى زمان المعصومعليهالسلام ولم يردع عنها ممنوع، فلو كان الموضوع لجواز الاقتداء درك الركوع لايجوز الاقتداء والالتحاق الا اذا علم بانه يدرك الركوع. ولو اقتدى ولم يدرك او بقي في ان شكه عصي وبطلت صلاته
فضلا عن جماعته.نعم، لو اقتدى برجاء درك الركوع وركع وانكشف الادراك يحكم بصحة جماعته وصلاته وان كان متجريا بترك القراءة، وتوهم لزوم الجزم في النية ممنوع بانه لم يظهر من الادل الا لزوم التكبير بنية الجماعة وادراك الركوع، ورجاء الادراك كاف في التكبير بنية الجماعة، والمفروض انه ادرك الركوع واقعا فلا موجب لبطلان الجماعة، واعتبار الجزم زائدا على ما ذكر ممنوع.الثالث: ما مر من الروايات تدل على ان حد ادراك الركعة في الجماعة هو ادراك ركوع الامام قبل الشروع في رفع رأسه لا انه لابد من ادراك المأموم ركوع الامام، والا لم تحسب له ركعة، فلو دخل في الجماعة من اول الركعة او اثنائها واتفق انه تأخر عن الامام فلا تدل هذه الروايات على البطلان فيها، فاستصحاب بقاء القدوة لامانع منه، مع ان صحيح ابن الحجاج الوارد في صلاة الجمعة(١) يدل على ذلك، ويدل عليه غيره(٢) ايضا. ومورد الرواية وان كان هو الضرورة الا انها تدل على الانعقاد فيستصحب، مضافا الى انه يمكن القاء خصوصية الضرورة عن المورد بدعوى ان العرف يفهم من ذلك عدم اشتراط درك الركوع في صحة الجماعة مطلقا لا في خصوص مورد الضرورة، وخصوصية الضرورة انما هي في الأحكام التكليفية لا الوضعية. الرابع: ما ذكر انما هو في ابتداء الجماعة لا بالنسبة الى الركعات الاخر، فان الظاهر من الروايات(٣) بل صريح بعضها ان شروع الائتمام لا يتحقق الا بدرك الركوع اذا لم يقتد بالامام حتى ركع ولايستفاد منها، ان بقاء القدوة والائتمام مشروط بدرك ركوع سائر الركعات، بل لا يستفاد منها شرطية درك شيء من الركعة في بقاء القدوة، والأصل بقاء القدوة ما لم يكن التأخير بحيث لا يصدق الائتمام على ذلك عرفا. وبالجملة لو فرضنا ان المأموم تأخر عن الامام ولم يدرك ركوع الركعة الثانية - مثلا - فلا يضر بصحة جماعته، بل لو كان التأخير بمقدار لم يدرك ركعة من ركعات صلاة الامام لاينافيه بقاء القدوة، وما يرى في عبارات القوم من الحكم ببطلان الجماعة حينئذ لعدم ادراك الركعة مبني على منافاة القدوة مع عدم درك الركعة، وهذا ممنوع، فالمأموم حينئذ يأتي بما تأخر عن الامام ويلحق به في سائر الركعات والافعال، فلو تأخر عن الامام في الركعة الثانية يأتي بها ويقرأ فيها لعدم درك الامام فيها حتى يكون الامام ضامنا لقراءاتها ويلحق بالامام، هذا على حسب القاعدة
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ١٧ من ابواب صلاة الجمعة وادابها، حديث١.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ١٧ من ابواب صلاة الجمعة وادابها، حديث ٣و٤.
(٣) الوسائل، ج٥، باب ٤٥ من ابواب صلاة الجماعة.
ولكن حكي عن الاصحاب انه يظهر من كلماتهم في صلاة الجمعة المفروغية عن عدم الفرق بين الركعة الاولى والثانية، فلو تم اجماع والا فالقاعدة تقتضي ما ذكرنا، وطريق الاحتياط معلوم.
الخامس: ما ذكرنا من اعتبار درك ركوع الامام انما هو بالنسبة الى الركعة لا اصل الجمعة، فلو كبر ولم يدرك ركوع هذه الركعة لم يدرك الركعة ولكن انعقد صلاته جماعة بالتكبيرة فمع عدم عروض مبطل للصلاة او للجماعة كركوعه بعد التكبير او تأخيره عن الامام تأخيرا فاحشا مخلا بصدق الائتمام تصح صلاته جماعة بانتظاره حتى يقوم الامام للركعة المتأخرة فيتابعه حينئذ ويأتي بوظيفته.
والحاصل: ان في هذه المسألة وهي انه لو كبر المأموم فرفع الامام رأسه قبل ان يركع صحت الجامعة على القاعدة، ولا دليل على عدم انعقادها اصلا بل الدليل قائم على عدم ادراك الركعة، فلو انتظر المأموم حتى أتى الامام بالسجدتين وسائر وظيفته في هذه الركعة يتابعه بعد قيامه في الركعة المتأخرة وصحت جماعته، وحكم قصد انفراد المأموم حكم سائر الموارد، ويجيء الكلام فيه ان شاء الله.
نعم لو كان تأخيره عن الامام فاحشا، مخلا بصدق الائتمام تكون صلاته فرادى بانقلاب جماعته الى فراداى لا لكون صلاته فراداى من اول الامر كما توهم من جهة عدم درك المأموم صلاة الامام ابدا، وذلك لان المفروض وقوع التكبير بقصد الجماعة وهي من اجزاء الصلاة ولا دليل على عدم وقوعها جماعة، فالتوهم باطل. وقد ظهر ان ما ذكر من التخيير بين قصد الانفراد والانتظار مبني على القول بمشروعية قصد الانفراد، وبما ذكرنا ظهر ان المسألة غير محتاجة الى النصوص حتى يتمسك لها بنصوص بعضها اجنبية عنها فلاحظ كلام بعض السادة -قدسسره - في شرح العروة.
نعم هذا مبني على وجود اطلاق يمكن التمسك به لاثبات مشروعية الجماعة في مورد الشك في شرطية شيء لها او مانعيته لها، كما انه ليس ببعيد
على ما يأتي ان شاء الله، والا فأصالة عدم المشروعية على النحو الذي مر بيانها في مسألة مشروعية الجماعة في الطواف تثبت عدم انعقاد الجامعة الا في المورد المتيقن انعقادها، ففي المسألة نحتاج الى ملاحظة النصوص، ويكفي فيها موثق عمار، عن رجل ادرك الامام وهو جالس بعد
الركعتين، قالعليهالسلام : يفتح الصلاة ولا يقعد مع الامام حتى يقوم(١) . وهذه الرواية تدلنا على عدم لزوم صبر المأموم لوصول الامام الى القيام حتى يكبر بل يصح الاقتداء ولو في غير حالة القيام والركوع لكن على المأموم الصبر حتى يصل الامام الى القيام ليتابعه، فبهذه الموثقة يعلم انعقاد
الجماعة، فالانفراد بقصد النفراد مبني على ما يأتي من المسألة الكلية. وقد ظهر انعقاد الجماعة بذلك سواء قلنا بالقاعدة او بالرواية، فما في كلام بعض السادة من انه لاينبغي الاشكال في جواز الانفراد هنا، ولو قيل بعدم جوازه اختيارا لعدم انعقاد الجماعة فيكون منفردا من اول الامر لايمكن المساعدة عليه بوجه، كما ان ما جعله من الروايات معارضا للموثقة لايصلح للمعارضة لعدم دلالة مثل «اذا سبقك الامام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها»(٢) على ان السجدة بعد التكبيرة، ولا دلالة للنهي عن الاعتداد على انه بصدد اغتفار الركن الزائد فيكون بعد التكبير لاحتمال ان النهي انما هو عن احتساب ذلك من الصلاة، وهذا ان لم يكن دالا على لوم الاتيان بالتكبيرة بعد ذلك لايدل على تقديم التكبيرة، مع انه لو تمت المعارضة فلا تضربما نحن بصدده وهو جواز الاقتداء في هذه الحالة كما لا يخفى، وقال -قدسسره - في الجمع بينهما بالحمل على التخيير، مع ان الاولى تنهى عن اللحوق بالامام والثانية تأمر به. وليس هنا امر بشيئين حتى يجمع بينهما
____________________
(١) الوسائل: ج٥، من باب ٤٩ من ابواب صلاة الجماعة حديث٤.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٤٩ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٢.
بالحمل على الواجب التخييري، مع ان مورد الاولى اتمام الامام الركعتين، ومورد الثانية ان المأموم يمكنه الوصول الى سجدة الامام فلا معارضة لاختلاف موردهما، والصحيح ما ذكرنا من ان هذه الروايات لو لم تدل على لزوم الاتيان بالتكبير بعد ذلك لاتدل على تقديمه فلا تعارض الموثقة الدالة على جواز الاقتداء، ولو كبر لايقعد حتى يقوم.
قوله «قده»: ولا تصح مع حائل بين الامام والمأموم يمنع المشاهدة.
اقول: صار بناؤهم على تحقيق الاصل في المسألة قبل ملاحظة الرواية الواردة في الباب، وحيث ان تحقيق ذلك نافع جدا في هذه المسألة وكثير من مسائل صلاة الجماعة فنحن ايضا نقتفي اثرهم ونقول: قد يقال انه لا اطلاق في ادلة تشريع الجماعة في مقام البيان حتى نتمسك به في الموارد المشكوكة، والامر كذلك، فان الادلة المرغبة لصلاة الجماعة كلها واردة في طول التشريع وبيان تواب الجماعة، وما ورد في مقام التشريع كصحيحة زرارة والفضيل لا اطلاق لها بالنسبة الى حالات الصلاة بل ناظرة الى عموم انواع الصلوات، فليس لنا اطلاق في الادلة. ولكن هذا انما يصير مانعا من التمسك بالاطلاق اللفظي في هذه الروايات، واما الاطلاق المقامي الذي لا يتوقف على وجود لفظ اصلا فلا بأس بجريانه في المقام.
بيان ذلك: ان المجعولات الشرعية كالصلاة المركبة من الاجزاء المقيدة بقيود لايمكن معرفتها الا ببيان الشارع، وحيث انا نعلم بأن الشارع المقدس في مقام بيان احكامه وتشريعاته ولو ببيانات منفصلة بعضها عن بعض فلو فحصنا عن وجود جزء ما او قيد ما لماهية مخترعة ولم نظفر عليه يمكننا جريان اصالة الاطلاق في مقام الاثبات، ونستكشف منه الاطلاق في مقام الثبوت بعين جريان اصالة الاطلاق في الاطلاقات اللفظية.
وبعبارة اخرى: ان مقدمات جري الاصل في الاطلاقات اللفظية كلها موجودة في الاطلاق المقامي فانه بعد ما علم من الشارع انه في مقام بيان تشريعاته ومنها الاجزاء والشرائط التي اعتبرها في الصلاة مثلا فلو فحصنا عن مظان بيانها ولم نظفر عليه نقول بان الاجزاء والشرائط الكذائية معتبرة في الصلاة لوجود البيان فيها، والجزء او الشرط المشكوك لم يبين في دليل وحيث ان الشارع في مقام بيان جميع تشريعاته، فلو كان ذلك المشكوك معتبرا في الواجب لبينها وحيث ليس فليس، وهذا هو ما عبر عنه في الكلمات بانه لو كان لبان، او عدم الدليل دليل العدم، ولا يخفى انه ليس دليلا مفيدا للقطع بعدم دخالة المشكوك في الواجب الا في بعض الموارد وهي موارد عموم البلوى لكنه حجة عقلائية بعين ملاك حجية الاطلاقات اللفظية ونسميه بالاطلاق المقامي، ففي
ما نحن فيه حيث انا نعلم بان القيود المعتبرة في الجماعة تشريعها بيد الشارع وانه في مقام بيان جميع تشريعاته، فلو فحصنا عدم اعتبار ذلك فيها، فانه لو كان لبين بلا فرق بين ما تم به البلوى من القيود وغيره.
ومن هنا ظهر ان تفصيل بعض المشايخ -قدسسره - بين ما تعم به البلوى وغيره لايتم، ولايتم ايضا تفصيله بين قيد لم يبين في دليل قطعا وبين قيد يحتمل بيانه في دليل معلوم ولم نتمكن استظهاره منه كاعتبار عدم الحائل المستفاد من صحيحة زرارة، بناء على انه يستظهر منها اعتباره في الجملة، واما مطلقا فلا يمكن استظهاره منها ولكن يحتمل ان الشارع بين الاعتبار مطلقا بهذه الصحيحة، وبعبارة اخرى بتقريب منا فرق بين الاطلاق اللفظي والمقامي من هذه الجهة وهي انه يتمسك بالاطلاق اللفظي حتى يعلم البيان ولا يتمسك بالاطلاق المقامي الا اذا علم عدم البيان.
ولكن لايخفى وجه عدم تمامية ذلك فانه كما نعلم بان الشارع في مقام
بيان جميع تشريعاته نعلم بأنه لا يبين ذلك ببيان مجمل ولا يحتمل ان الشارع المقدس الذي يريد ما شرعه يكتفي في بيانه بالمجملات بل المجمل ليس ببيان، فلا فرق بين الاطلاقين من هذه الجهة لا يرفع اليد عن الاطلاق لفظيا او مقاميا الا اذا بين التقييد ببيان ظاهر. وان شئت قلت: ان الاطلاق حجة ما لم يكن حجة على التقييد بلا فرق بين اللفظي والمقامي.
فتحصل من ذلك انه وان لا يمكن التمسك بإطلاق لفظي في صلاة الجماعة لرفع الشك في اعتبار قيد ما فيها الا ان الاطلاق المقامي رافع للشك ومثبت لعدم اعتباره فيها، فعلى هذا لاتصل النوبة الى الاصول العملية لان الاطلاق ولو مقاميا من الادلة الاجتهادية الرافعة لشك فهو حاكم على جميع الاصول العملية، ولكن حيث ان الاصحاب ذكروا الاصول العملية وتمسكوا بها في المقام نتعرض لها ايضا، ونقول:
قد يقال : ان الاصل عدم مشروعية الجماعة في مورد الشك وقد بينا سابقا ما يكون وجها صحيحا لهذا الاصل في صلاة الطواف جماعة، ورد بان اصالة عدم اعتبار المشكوك حاكمة على ذلك.
واجاب بعض السادة -قدسسره - عن هذا الرد بأن اصالة عدم الشرطية لا تثبت انعقاد الجماعة الا مثبتا، فان القدوة والجماعة محصل من الفعل الخارجي الواجد لجميع الشرائط نظير ما يقال في مورد الشك في اعتبار شيء في الوضوء على القول بأن الشرط في الصلاة الطهارة المسببة عن الوضوء بجميع شرائطه. وقال صاحب الجواهر -قدسسره -: ان اصالة عدم الشرطية معارضة لاصالة عدم تحقق القدوة.
وشيء من الجوابين لايتم، فانه على القول بان الجماعة امر عرفي والشارع انما يضيف اليها جزء او شرطا لا ان حقيقتها امر مخترع شرعي فالمفروض ان الجماعة العرفية حاصلة والشك انما هو في اعتبار الشارع امرا زائدا على ما يعتبره العرف فيها، فاصالة عدم تحقق الجماعة لا اصل لها حتى تعارض اصالة عدم الشرطية، ولا تكن من الاثار العقلية لاُصالة عدم الشرطية حتى تكون مثبتا، واما على القول بان الجماعة حقيقة شرعية فكون الشك حينئذ من الشك في المحصل لا محصل له، مع ان المحصل الشرعي وظيفة بيانه على الشارع، فمع عدم البيان تجري البراءة في ما شك في اعتباره في المحصل على ما هو التحقيق في المسألة، فلا فرق في جريان اصالة عدم الشرطية بين كون الشك في المحصل وبين غيره، ولايخفى انا لا نريد من اصالة عدم الشرطية الاستصحاب لعدم جريانه، فان المجعول اما مشروط من الاول او غير مشروط من الاول، بل المراد منها اصالة البراءة عقلا - على القول به - وشرعا.
واما اصالة عدم انعقاد الجماعة، فلو كان المراد منها الاستصحاب لا يجري لان عدم الجماعة بعد الاقتداء انما هو في الموضوع الموجود، والاشكال الوارد على الاستصحاب في الاعدام الازلية وارد هنا ايضا وهو عدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة. ولو كان المراد منها قاعدة الاشتغال فقد مر ان المورد مجرى اصالة البراءة ولو كان من قبيل الشك في المحصل.
وقد أجاب بعض المشايخ -قدسسره - عن الرد المذكور بأن أصالة عدم الشرطية اصل عملي ولامجال لجريانها مع وجود دليل اجتهادي في البين، وهنا دليل اجتهادي أي «لا صلاة الا بفاتحة الكتاب»(١) وهو مثبت للشرطية بالدلالة الالتزامية. وتقريب ذلك ان هذا العموم قد خصص بالجماعة الواقعية، ومع الشك في الشرطية نشك في تحقق الجماعة والشبهة مفهومية، والمرجع فيها العموم فلابد من قراءة المأموم الفاتحة في صلاته، وهذا معنى عدم
____________________
(١) الوسائل: ج٤، باب ١ من ابواب القراءة في الصلاة، حديث١.
ترتيب اثار الجماعة الا مع احراز جميع الشرائط المتيقنة والمشكوكة، ثم قال: انه يمكن ان يقال بان في صلاة الجماعة عهدة القراءة على الامام فليس تخصيص في العام المذكور، فان في الجماعة ايضا فاتحة الكتاب، غاية الامر الامام يأتي بها فلا يكون هنا عام مخصص بتخصيص مجمل بالشبهة المفهومية حتى يرجع اليه، فلا مانع من جريان اصالة عدم الشرطية وفصل حينئذ بين البراءة الشرعية والعقلية، فراجع كلامه اعلى الله مقامه.وما افاده اخيرا من عدم التخصيص متين جدا فان ادلة ضمان الامام القراءة حاكمة على عموم «لا صلاة الا بفاتحة الكتاب» بالحكومة التفسيرية لا انها مخصصة لها، فعليه تجري اصالة البراءة بلا مانع، مضافا الى انه على هذا المبنى الشك في صحة الجماعة مستلزم للشك في واجدية الصلاة للقراءة وهذا من الشبهة المصداقية لا المفهومية، واما التفصيل بين البراءة الشرعية والعقلية على القول بها قد مر عدم تماميته، فان اللازم على المكلف تحصيل الحجة والمؤمن، وتكفي في ذلك البراءة العقلية كما تكفي فيه البراءة الشرعية.
هذا - مع انا لو بنينا على التخصيص - فقد مر ان الشبهة في المخصص ترتفع بالاطلاق المقامي، ومع التنزل فلو قلنا بان الجماعة حقيقة عرفية اضاف اليها الشارع امورا اعتبارها في مطلوبه فلا شبهة في مفهوم الجماعة فنتمسك باطلاق دليل المخصص حتى يدل على اعتبار ذلك الامر دليل، الا ان يقال بأن القرينة العقلية قائمة على ان المخصص الجماعة الصحيحة وعليه تتعلق الشبهة بالمفهوم، كما اذا قلنا بأن الجماعة حقيقة مخترعة شرعية، وحينئذ لابد من التمسك بالعموم حتى يثبت التخصيص.ويرد عليه انه ولو قلنا بالتخصيص بالصحيح لكن المخصص واقع الصحيح لامفهومه فذات الجماعة المنطبق عليه مفهوم الصحيح خارجة عن الدليل، وحينئذ يمكن احراز المخصص بالاصل بلا محذور، هذا.وهنا اشكال اخر غير مبني على الالتزام بالتخصيص وهو ان اشتغال المأموم بالقراءة مسلم غاية الامر قراءة الامام مسقطة له، فاذا شك في تحقق الجماعة قاعدة الاشتغال تقتضي الاتيان بالقراءة وهكذا الكلام في الركن الزائد المغتفر في الجماعة، واصالة البراءة عن وجوب المتابعة ايضا جارية، فالاصول الجارية في خصوصيات المقام كلها موافقة لكون الصلاة فرادى، وقد مر هذا الاشكال في مسألة الجماعة في صلاة الطواف وقلنا في دفعه بان اصالة عدم الشرطية في الجزء المشكوك او القيد المشكوك حاكمة على جميع هذه الاصول لانها جارية في موضوعها بلا فرق بين ما اذا قلنا بان الجماعة امر عرفي او قلنا بانها امر شرعي، اما على الاول فالمفروض تحقق الجماعة
والقيد المشكوك مندفع بالاصل فيحرز موضوع دليل السقوط، واما على الثاني فلأن شرعية الجماعة لاتنافي اجراء الاصول في ورد الشك بلا فرق بين كون الشك في المحصل او المحصل، فاذا
قال الشارع بأن المام ضامن للقراءة في الجماعة - والمفروض ان عدة بيان الجماعة على الشارع - فاذا جرى الاصل في قيد ما فيها واحرز سائر قيودها المعتبرة تترتب على ذلك اثار الاجماعة والا لزامت المؤاخذة بلا بيان.والحاصل: ان الاصول الجارية في المسقط الموبجة للاكتفاء به كافية للحكم بالسقوط وحاكمة على اصالة عدم السقوط. وكيف كان يكفينا الاطلاق المقامي مع انه لا تخصيص في المقام، ومع قطع النظر عن الاطلاق المقامي اصالة البراءة شرعا وعقلا - على القول بها - بلا مانع، هذا بيان الاصل في المسألة.واما اصل المسألة فالأصل فيها صحيحة زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام : ان صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لايتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام، واي صف كان اهله يصلون بصلاة الامام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة(١) فان كان بينهم سترة او جدار فليس تلك لهم بصلاة الا من كان بحيال الباب، قالعليهالسلام : وهذه المقاصير لم يكن في زمن احد من الناس وانما احدثها الجبارون، وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة - الحديث(٢) . والكلام فيها يقع من جهات:
الاولى: ان صاحب الوسائل ارتكب التقطيع في الرواية ولذا ذكر بدل جملة «فان كان بينهم ستر او جدار» «ان صلى قوم بينهم وبين الامام سترة او جدار» ولا يخفى ما في هذا التبديل من تغيير المعنى، والظاهر ان هذا التغيير من جهة التقطيع والا فليس في نسخ التهذيب الا الجملة الاولى. الثانية: هل المراد من «لايتخطى» ما يكون مانعا عن التخطي والاستطراق كالجدار ونحوه؟ او المراد منه مالايمكن جعله خطوة من جهة المسافة او الاعم منهما؟ والظاهر هو الثاني للتبادر من هذه الجملة في المورد وقرينية كلمة «قدر» في الجلمة الثانية على ذلك، هذا. وما يقال من ان الاول خلاف الظاهر والثالث موجب لاستعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد أي المشي والبعد لايتم، لان الثالث لايستلزم ذلك لوجود الجامع وهو عدم امكان التخصي. الثالثة: انه وان حكي عن بعض نسخ الوافي «و» بدل «ف» في (فان كان بينهم) الا ان المذكور في الوسائل وسائر مظان الراوية هو «ف» وهذا يناسب التفريع، ولذا ذكر سيدنا الاستاذ في الحاشية: انما المعتبر في الجماعة عدم الفصل بين الامام والمأموم بما لايتخطى من سترة او جدار ونحوهما وكذا الحال بين كل صف وسابقه. انتهى. فان كان مراده من «ما لايتخطى» ما
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٦٢ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٢.
(٢) الوسائل: باب ج٥، باب ٥٩ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١.
لايمكن الاستطراق منه فاللازم القول بمانعية الشباك المانع من ذلك مع انه لا يلتزم به. وقد مر ان هذا خلاف المتبادر من التعبير وخلاف قرينية «قدر» في الجملة الثانية، وان كان مراده من ذلك ما يكون بعده ازيد من الخطوة فاللازم منه عدم مانعية الستر والجدار اذا لم يكونا كذلك، والظاهر انه خلاف الاجماع، ولا اظن انه ايضا يلتم به، ومن هذا ظهر ان التفريع غير مناسب في الرواية، وكثيرا ما يؤتى بـ«ف» ولا يراد منها التفريع، ولا بأس بالالتزام بان هذه القسمة من الرواية في مقام بيان مانع اخر مستقل في المانعية غير المانع المذكور في القسمة الاولى كما استفاده الفقهاء من الراوية، وسنذكر امكان ردهما الى مانع واحد وتناسب التفريع.
الرابعة: لا اشكال في عدم خصوصية السترة والجدار في الرواية وانهما من مصاديق المانع، فهل المانع المنطبق عليهما الحائل او الساتر؟ فما يظهر من المتن وعبارات كثير من الاصحاب الثاني، فانهم قالوا في بيان الشرط: ان لا يكون بين الامام والمأموم حائل يمنع المشاهدة وكذا بين بعض المأمومين مع الاخر.. الخ.
لكن ذكر بعض السادة -قدسسره - في المقام ان اطلاق لفظ الجدار الشامل للجدار المخرم وقرينة المناسبة بين الحكم والموضوع يساعدان الاول، فان الظاه رمن الرواية كون المانع هو انفصال المصلين بعضهم عن بعض بنحولا يكونون مجتمعين في الصلاة.
اقول: ما يمكن تأييد ما ذكر -قدسسره - من التفريع المذكور في الرواية، فان تفريع مانعية الحائل وان لا يناسب على مانعية البعد الا انه لو قلنا بأن مانعية البعد والحائل من جهة أمر واحد وهو انفصال المصلين بعضهم عن بعض يكون التفريع في محله، فكأن الرواية صدرا وذيلا في مقام بيان شرط واحد لصلاة الجماعة وهو اتصال المصلين بعضهم ببعض بنحو لا يكون بينهم بعد ازيد من خطوة ولا حائل، ولو قلنا بأن المانع الساتر لا الحائل لايتم ذلك ولايرتبط
الصدر بالذيل لان المشاهدة لا يناسب الاتصال كما لايخفى، فعلى ذلك التحفظ على ظهور «ف» في التفريع يقتضي القول بان المانع المنطبق على الستر والجدار هو مطلق الحائل بلا فرق بين كونه مانعا عن المشاهدة اولا، فالحائل الزجاجي او الشباك اذا كان ضيق الثقب مانع عن صحة الجماعة.
الخامسة: هل يستفاد من الاستثناء «الا من كان بحيال الباب» ما افيد من ان الظاهر منها ان الجدار والحائل بين الصفين مبطل لصلاة اهل الصف المتأخر اجمع، الا من كان بحيال الباب، ومقتضى ذلك عدم صحة صلاة من يصلي الى جانبي المأمومين المصلين بحيال الباب، ونسب
ذلك الى الفريد البهبهاني ناسبا له الى النص وكلام الاصحاب، او للايستفاد ذلك بتقريب ان مناسبة الحكم والموضوع قرينة على ارادة ا قدح الحائل الموجب لانفصال المأمومين عن الامام او انفصال بعضهم عن بعض والصحيح في مقام اعتبار الاتصال بالامام ولو بواسطة؟.
اقول: لو قلنا بان المستفاد من جملة «فان كان بينهم الخ» اعتبار شرط غير مترتب على الشرط السابق وهو عدم اعتبار عدم البعد بل انما هي في مقام اعتبار امر جديد وهو عدم الحائل المانع من المشاهدة فالظاهر من الرواية عدم كفاية الاتصال فقط بل لابد من وجود الاتصال مع المشاهدة، فعلى هذا ما ادعي من ان ظاهر الاستثناء عدم صحة صلاة من يصلي الى جانبي المأمومين المشاهدين ان لم يشاهد المتقدم هو الصحيح على تأمل فيه، فان اعتبار المشاهدة اذا كان بمعنى مشاهدة المتقدم يلزم بطلان صلاة من كان في جانب الامام، واذا كان بمعنى مشاهدة الامام يلزم بطلان من صلى في الصفوف الاخيرة بحيث لايرى الامام من جهة كثرة الصفوف، ولو كان بمعنى مشاهدة من يتصل بسببه الى الامام يلزم كفاية مشاهدة المأموم من في جانبه المشاهد للامام او الصف المتقدم، وحيث لاوجه للأولين يتعين الثالث الا ان يقال ان
المانع وجود حائل مانع لمشاهدة الصف المتقدم او الامام، فلا يزلم شيء من الايرادين ويتم المدعى لامكان الاخذ بظهور الرواية حينئذ، وكيف كان فقد مر ان ظاهر الرواية ولو بقرينة التفريع ان هنا ليس الا شرطا واحدا والبعد والحائل منافيان لذلك الشرط وهو الاتصال. وما قيل من ان مناسبة الحكم والموضوع قرينة على ذلك مجرد تعبير والا فنفس الرواية ظاهرة فيه كما مر، فالراوية في مقام بيان ان البعد خل بالاتصال والحائل ايضا مخل به وليست في مقام بيان اعتبار المشاهدة ابدا، فعلى هذا يستفاد من المستثنى منه ان الحائل بين الصفين مانع للاتصال الا من كان بحيال الباب، والاستثناء انقطاعي في مقام تأكيد المستثنى.
فالمتحصل من الرواية حينئذ انه لو كان بين المأموم ومن يتصل بسببه الى الامام حائل لا صلاة له بل لابد من مراعاة عدم وجود الحائل حتى يتم الاتصال، ومما يوُكد ذلك ان في الرواية فرض وجود البعد او الحائل بين الامام والصف المتأخر عنه وبين الصفين ولم تتعرض لوجودهما حينئذ بين اهالي صف واحد او بين الامام والمأوم المصلي في جانب الامام، مع ان البعد والحائل مبطلان للجماعة في هذين الفرضين ايضا اذا لم يكن المأموم متصلا بالامام في الفرض الاول من جهة اخرى غير ذلك، والسر فيه ان اعتبار الاتصال مفروض في الرواية وانما هي في مقام بيان ان البعد والحائل مخلان بالاتصال المعتبر، وما ذكر فيها من باب المثال لا الحصر، ولو كانت الرواية في مقام بيان اعتبار عدم وجود حائل مانع عن مشاهدة المتفدم يلزم منها صحة صلاة من كان بينه وبين
المأوم المتصل به حائل ولكن يشاهد الصف المتقدم ولا اظن احدا يلتزم بذلك.
وبالجملة لعل التأمل في خصوصيات الرواية وما يتفرع عليها يورث القطع بان الراوية اجنبية عن اعتبار المشاهدة والمحصل منها ما ذكرنا، ومما يؤكد ذلك
ايضا صحة الجماعة استدارة حول الكعبة وصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللهعليهالسلام : لا ارى بالصفوف بين الاساطين بأسا(١) . فان الاساطين بين الصفوف قد تكون مانعا عن مشاهدة المتقدم، بل الصحيحة ناظرة الى نفي البأس من هذه الجهة، هذا ولو شككنا في ذلك ولم نطمئن على وجود ظهور في الرواية، فالاصل المتقدم كاف في التصحيح والحمد لله، مع انه نسب الى الاشهر بل المشهور الحكم بالصحة بل قيل انه لا خلاف فيه، نعم نسب الخلاف الى الفريد البهبهاني -قدسسره - وقد تقدم ذكره، وقال المحقق الهمداني -قدسسره -: انه لم يظهر في المسالة مخالف الى زمان المحقق المذكور، فالحكم بصحة صلاةالمتصل بالمصلي حيال الباب قوي جدا.
السادسة: لا مانع من وجود الحائل بين الرجل والمرأة اذا كان الامام رجلا لموثقة عمار(٢) الدالة على ذلك، وذكر الطريق في الراوية لا تدل على عدم مانعية البعد ايضا، فان الطريق في الحديث محمول على الطريق المعهود وهو طريق الدار، مضافا الى دلالة ذيل صحيحة زرارة المتقدمة على عدم استثناء البعد اذا كان المأموم امرأة.
السابعة: لو صلى مع وجود الحائل جماعة، فاذا كان ذلك عمدا وعلما فان اخل بوظيفة المنفرد - كما هو الغالب من ترك القراءة او غير ذلك - تبطل جماعته وصلاته، ولو كان ذلك سهوا او نسيانا او جهلا فبطلان جماعته لا اشكال فيه، كما ان الظاهر عدم الخلاف فيه ايضا لاطلاق مانعية الحائل عن الجماعة، واما اصل صلاته منفردا فيمكن تصحيحها بقاعدة «لاتعاد»(٣) اذا لم يخل بها بزيادة ركن والا فتبطل صلاته منفردا أيضا، وما في الرواية من نفي
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٥٩ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٢.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٦٠ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١.
(٣) الوسائل: ج١، باب ٣ من ابواب الوضوء، حديث٨.
الصلاة مع الحائل محمول على نفيها جماعة او محكوم بـ«لاتعاد» كسائر ادلة الشرائط والموانع. نعم اذا كان جاهلا بالحكم وكان جهله تقصيريا فالظاهر بطلان صلاته حتى منفردا اذا أخل بوظيفة المنفرد كتركه القراءة لعدم امكان تصحيح الصلاة بـ«لاتعاد» في مورد الجهل التقصيري، والتحقيق في محله.
الثامنة: اطلاق الشرط في الرواية أي «فلان كان بينهم سترة او جدار فليس تلك لهم بصلاة» يقتضي عدم الفرق بين كون الحائل في مجموع الصلاة او في بعضها فتبطل الجماعة من حين حدوث الحائل، فتوهم ان المانع وجود الحائل في مجموع الصلاة بدليل ان ليس تلك لهم بصلاة تدل على مفروضية الصلاة مع الحائل فاسد كما لايخفى.
التاسعة: اذا احتمل فساد صلاة الصف المتقدم فيجوز الاقتداء لا لما ذكره المحقق الهمداني من ان الاتصال الظاهري محفوظ، وبعد كشف الخلاف ينكشف بطلان جماعته لا اصل صلاته بل لان صلاة الواسطة صحيحة باصالة الصحة، فالاتصال بواسطة من يصلي صحيحا موجود وليس له كشف الخلاف فتصح جماعته حتى بعد كشف بطلان صلاتهم.
العاشرة: الحائل اذا كان قصيرا بحيث يكون حائلا في بعض احوال الصلاة كحال الجلوس او السجود ففيه اشكال لايترك معه الاحتياط، بل لا تخلو المانعية عن قوة لاطلاق الدليل.
الحادية عشرة: قيل الصف المتقدم اذا لم يدخلوا في الصلاة ولكن كانوا متهيئين لها لايقدح حيلولتهم فيجوز الاقتداء. ولكن يشكل ذلك في مثل الصلاة المعهودة من توالي الافتتاح في صلاة المأمومين، نعم اذا كانت الصلوات موافقة للنص الوارد في صلاة الجماعة من انه اذا قال الامام الله اكبر فيقول المأمومون الله اكبر دفعة عرفية يمكن القول بمجرد التهيؤ حينئذ لاستظهار ذلك من النص، ولكن في امثال صلواتنا اعتبار توالي الافتتاح لايخلو عن وجه.
الثانية عشرة: لا بأس الحائل غير المستقر لعدم صدق الحائل عليه عرفا، وان شئت قلت لانصراف النص عن مثله، ومن ذلك تمامية صلاة الصف المتقدم اذا قاموا بعد الاتمام بلا فصل ودخلوا مع الامام في صلاة اخرى بحيث يكون الفصل قليلا ولا يصدق عليه الحيلولة عرفا وكان النص منصرفا عن مثله فتصح صلاة من يتصل بواسطتهم.
قوله «قده»: ولا تنعقد والامام اعلى من المأمومين بما يعتد به كالابنية على تردد.
اقول: يستدل على ذلك بعدة امور، (منها) صحيحة زرارة المتقدمة بدعوى ان المراد من الموصول في قوله «مالايتخطى» مطلق البعد ولو من جهة العلو. وفيه: ان ظاهر الرواية اعتبار ذلك في الارض المبسوطة. (ومنها) موثقة عمار المتقدمة في اقتداء النساء خلف الدار بعد
تخصيصها في صورة التساوي. (ومنها) موثقة اخرى له قال: سألته عن الرجل يصلي بقوم وهم في موضع اسفل من موضعه الذي يصلي فيه، فقال: ان كان الامام على شبه الدكان او على موضع ارفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، فان كان ارفع منهم بقدر اصبع او اكثر او اقل اذا كان الارتفاع ببطف مسيل (في الكافي وبعض نسخ التهذيب) بقطع مسيل (في بعض اخر من نسخ التهذيب) بقدر يسير (محكي عن نسخة) بقدر شبر (محكي عن نسخة اخرى) فان كان ارضا مبسوطة وكان في موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع وقام من خلفه اسفل منه والارض مبسوطة الا انهم في موضع منحدر فلا بأس - الخبر(١) . والكلام في ذلك من جهات:
الاولى: دلالة هذه الموثقة على اصل الاعتبار في الجملة غير قابلة للمناقشة
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٦٣ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١.
لصراحتها في ان الامام اذا كان على شبه الدكان او على موضع ارفع من المأمومين لم تجز صلاتهم، فما توهم من ان تهافت المتن موجب لعدم التعويل عليها حتى من هذه الجهة لايرجع الى محصل.
الثانية. احتمال كون «وان كان» وصلية مدفوع بان الارتفاع بقدر الاصبع او اكثر منه بيسير او اقل لايضر بصحة الجماعة بلا اشكال ولا خلاف، واحتمال كونها شرطية والجزء محذوف وهو «لابأس» مثلا مدوفع بان مثل ذلك لايعد كلاما صحيحا عرفا فتعين كونها شرطية والجزاء الشرطية الثانية الى اخر الجملة، فالنتيجة ان ما قبل «وان كان» حكم الارض المبسوطة التي لا انحدار فيها وما بعدها حكم الاراضي المنحدرة، ومن هذا نستنتج ان حد العلو لم يعين في الموثقة بالنسبة الى الارض المسطحة فلابد من ايكال ذلك الى العرف، فان فهم مداليل الفاظ الروايات موكول اليهم، فلو صدق عندهم ان الامام على موضع ارفع من موضعهم تبطل الجماعة والا فلا.
الثالثة: ان الحكم في الاراضي المنحدرة المستفادة من الشرطية ايضا كذلك فان اجمال الشرط فيها موجب لعدم امكان القول بالغاء اعتبار عدم العلو في هذه الاراضي وان لم يمكن القول بحد ما فيها، فالقول بالاعتبار وايكال حده الى العرف مثل سائر الاراضي موافق للاعتبار، نعم هنا احتمال وهو ان اعتبار عدم العلو انما هو بين الامام ومجموع المأمومين لا احادهم لقوله «وهم في موضع اسفل من موضعه»، وفي الاراضي المنحدرة لو كان الارتفاع بسبب انحدار الارض شيئا فشيئا قد لايصدق ذلك، وان صدق الارتفاع بالنسبة الى الاحاد فلا باس بالجماعة فيها وان كان الانحدار فاحشا، ومع ذلك فالاحتياط في محله، هذا.
وما قيل بان الحد هو الشبر مبني علىثبوت نسخة الشبر ولم يثبت. وقد ظهر مما مر حكم مالوكان الانحدار في الارض شبيها بالتسنيم ولا نطيل.
قوله «قده»: ولو كان المأموم على بناء عال كان جائزا.
اقول: وجهه بعد الاصل والجماع عدة من الروايات منها: ذيل موثقة عمار السابقة قال: وسئل فان قام الامام اسفل من موضع من يصلي خلفه. قال: لا بأس، وقال: ان كان رجلا فوق بيت او غير ذلك دكانا كان او غيره وكان الامام يصلي على الارض اسفل منه جاز للرجل ان يصلي خلفه ويقتدي بصلاته وان كان ارفع منه بشيء كثير. وذيلها يدل على صحة الجماعة، وان كان المأموم في موضع ارفع من الامام بشيء كثير فلا يحد ذلك بمثل الدكان والبيت ونحوهما، نعم لابد من صدق الاتصال عرفا بحيث يصدق الائتمام على ذلك، والا فلا تصح الجماعة.
قوله «قده»: ولايجوز تباعد المأموم عن الامام بما يكون كثيرا في العادة.
اقول: اما اصل الاعتبار فمما لا اشكال فيه وقد ادعي عليه الاجماع ايضا من الخاصة، مضافا الى ان عدم التباعد في الجملة دخيل في مفهوم الاجتماع المطلوب في صلاة الجماعة كما ورد في بعض النصوص(١) ، بل لا يبعد دخله في مفهوم نفس الجماع، وكيف كان فالاعتبار في الجملة لايحتاج الى البحث والاطالة.
واما حد البعد فقد يقال بانه قدر ما لايتخطى بقرينة صحيحة زرارة المتقدمة في بحث الحائل، واشكال على ذلك بلزوم الحمل على الاستحباب
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ١و٢ من ابواب صلاة الجماعة.
بقرينة ذيل الصحيحة، واجاب المحقق الهمداني -قدسسره - عن هذا الاشكال بالنقض والحل، اما النقض: فان اللازم الالتزام بالوجوب بقرينة اعتبار عدم الحائل لزوما، فان وحدة السياق كما يمكن ان تجعل الذيل قرينة لحمل الصدر على الاستحباب كذلك يمكن ان تجعل حكم الحائل قرينة على الوجوب. واما الحائل: فان الذيل لا يدل على الاستحباب فان «ينبغي» غير متعلقة بـ«لايكون» بل هذه الجملة مستقلة يستفاد منها اللزوم، هذا. ولكن الانصاف ان ظهور الذيل في الاستحباب غير قابل للانكار كما ان ظهور الصدر في الوجوب كذلك. ومن غريب الامر الالتزام بارادة الوجوب من الذيل والاستحباب من الصدر فلاحظ الرواية يظهر وجه الغرابة بلا تأمل.
وقال ايضا: بان المقطوع به خلاف ما في الصدر، فان ظاهر الصدر اعتبار عدم التخطي بين الموقفين، وهذا ليس بواجب قطعا فيحمل على الاستحباب، ولكن ظهور الصدر في الوجوب قوي وحمله على الاستحباب بعيد، فان حمل «ليس لهم بامام» على نفي الكمال حمل لايقبله العرف، والجمع العرفي هو الجمع المقبول والقول بالاجمال اولى من هذا الحمل.
فنقول: انه كما يحتمل ان تكون الرواية في مقام اعتبار الحد بين الموقفين كذلك يحتمل ان تكون في مقام اعتبار الحد بين مسجد المأموم وموقف الامام ولا دليل على الاول ان لم نقل بأن الظاهر هو الثاني ولاسيما بقرينة الذيل، ومع احتمال الامرين الرواية تنفي الجماعة فيما اذا كان البعد بين الموقف والمسجد بهذا المقدار واما الاقل فالمانعية مدفوعة بالاصل، وعلى ذلك لا مجال للحمل على الاستحباب ولو لم نقل بأنه بعيد كما قلنا، فدلالة الرواية على اعتبار عدم البعد بين مسجد المأموم وموقف الامام تامة.
بقي الكلام في الموثقة التي توهم معارضتها للصحيحة، وقد تقدمت الموثقة في جواز اقتداء النساء من داخل الدار وان كان بينهن وبين غيرهن جدار او
طريق الذي يبعد ان لايكون بقدر مالا يتخطى حتى بين المسجد والموقف.
وقال المحقق الهمداني -قدسسره -: ان ظهور الموثقة في جواز البعد اقوى من ظهور الصحيحة في الوجوب فتحمل على الاستحباب، وفيه: مع ان الحمل على الاستحباب بعيد عن الفهم العرفي كما مر، وان الموثقة لااطلاق لها من جهة البعد لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، ان الاقوائية ليست مناطا في الجمع العرفي بين الروايات بل العرف حينئذ يرى المعارضة بين الصحيحة والموثقة، فان المستفاد من الصحيحة حكم وضعي وهو اعتبار عدم البعد بذلك المقدار في الجماعة، والمستفاد من الموثقة عدم الاعتبار وبينهما معارضة، فلابد من العلاج، والصحيحة ترجع
على الموثقة من جهة السند اولا ومن جهة موافقة الموثقة للعامة ثانيا، فالأقوى هو الاعتبار بالحد المذكور، ومما يدل على الحكم والتفصيل بين الحد الاستحبابي والوجوبي صحيحة عبد الله بن سنان الدالة على ان اقل الحد مربض غنم واكثره مربض فرس(١) .
فروع
الأول: لا فرق بين كون التباعد من اول الصلاة او حصوله في اثنائها ويحكم ببطلان الجماعة في الموردين فالشرط شرط ابتداء واستدامة، وذلك لاطلاق الأدلة. نعم على القول بحمل الصحيحة على الاستحباب وعدم كون التباعد بمقدار يخل بصدق مفهوم الجماعة والاجتماع يشكل الامر في فرض الحصول في الاثناء، فان الدليل على الاعتبار على هذا المبنى ليس الا الاجماع والقدر المتيقن منه فرض كون التباعد في جميع الصلاة، الا ان يتمسك باطلاق معقد الاجماع ولا يتم ذلك بحسب الكبرى وان قلنا بتماميته بحسب الصغرى.
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٦٢ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٣
الثاني. لو عرض البعد في اثناء الصلاة وتدارك المأموم بلحوقه بالصف من دون تراخ او عاد من انتهت صلاته الى الجماعة بلا فصل فالظاهر بقاء القدوة لانصراف الدليل عن الشمول لهذه الصورة، ومع التنزل عن ذلك والقول ببطلان القدوة يمكن القول بجواز اللحوق بالصف وتجديد نية الجماعة في المقام وان لم نقل بالعدول عن الانفراد بالائتمام في غيره، وذلك لما دل(١) على انه لو عرض للامام مانع عن اتمام الصلاة يجوز للمأموم تحصيل الجماعة اذا فقدها في الاثناء.
الثالث. قد مرفي مسألة الحائل حكم تكبير المأموم في الصف المتأخر عن الصف الأول عند اتصال الصفوف وتهيئتهم للصلاة قبل ان يكبر الصف الاول وانه هل يكون الصف الاول من الحائل اول؟ والكلام هو الكلام من جهة البعد ايضا فلا يحتاج الى الاعادة.
الرابع. اذا شك في صحة صلاة الصف المتقدم فلا يضر فصلهم لاصالة الصحة والسيرة القطعية.
الخامس: تكفي صحة صلاة الصف المتقدم بحسب تقليدهم في جواز اقتداء الصف المتأخر، وذلك للحكم بالاجزاء في صلاتهم من جهة التقليد وقاعدة «لاتعاد»، فصلاة الصف المتقدم صحيح يترتب عليها اثار الصحة، نعم لو كانت صلاة الصف المتقدم باطالة عند اهل الصف المـتأخر لعدم قولهم بالاجزاء في صلواتهم حتى من جهة قاعدة «لاتعاد» فلا يجوز لهم الاقتداء لوجود الفصل بنظرهم.
السادس: لايضر الفصل بالصبي المميز مالم يعلم بطلان صلاته، لمشروعية عباداته بل مطلقا لانصراف ادلة الفصل عن ذلك، وهذا ظاهر
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٧٢ من ابواب صلاة الجماعة
قوله «قده»: ويكره ان يقرأ المأموم خلف الامام الا اذا كانت الصلاة جهرية ثم لايسمع ولا همهمته.
اقول: المهم هو الجمع بين روايات الباب، فهنا صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قال ابو جعفرعليهالسلام : كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: من قرأ خلف امام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة(١) . وهذه الرواية تدل على حرمة القراءة خلف الامام بدلالة واضحة، ولايرد عليها ما يرد على الأخبار الناهية من ان النهي عقيب توهم الوجوب وهو لايدل على ازيد من السقوط او ان النهي انما يكون غيريا للانصات المأمور به، لان الرواية ليست بلسان النهي وظاهرها دخل القراءة في موضوع الحرمة بنحو الموضوعية لا الطريقية، فدلالة الرواية كسندها تامة واطلاقها يقتضي عدم الفرق بين الصلوات الجهرية والاخفاتية ويقتضي ايضا عدم الفرق بين الركعتين الاولتين والأخيرتين، وان ابيت وقلت بالانصراف الى الاولتين تتم الاستدلال بالنسبة الى الأخيرتين بذيل صحيحة زرارة،: فالأخيرتان تبعان للاولتين(٢) ، ومورد الصحيحة وان كان خاصا وهو الصلوات الجهرية الا ان المستفاد من التفريع المذكور الكبروية.
فقد تحصل ان ما هو بمنزلة الاصل في المقام حرمة القراءة واثبات الجواز يحتاج الى دليل.
فنقول: يكفينا في اثبات الجواز في الصلوات الاخفاتية رواية ابن سنان عن ابي عبد اللهعليهالسلام : اذا كنت خلف الامام في صلاة لايجهر فيها بالقراءة
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٤.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٣
حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القران فلا تقرأ خلفه في الاولتين وقال: يجزيك التسبيح في الأخيرتين – الخبر(١) . ودلالة الرواية على الجواز من جهة ان «يجزيك التسبيح في الأخيرتين» تدل على جواز التسبيح فيجوز تركه والاتيان ببدله وهو القراءة، وحيث ان الاخيرتين تبعان للاولتين لصحيحة زرارة المتقدمة نستكشف الجواز في الاولتين ايضا، فنحمل النهي في «فلا تقرأ» على الكراهة.
لا يقال: ظاهر رواية ابن سنان حرمة القراءة في الاولتين والجواز في الاخيرين وظاهر صحيحة زرارة عموم تبعية الأخيرتين للاولتين فلماذا جعل العموم قرينة على حمل النهي عن القراءة في الاولتين على الكراهة؟ بل لابد من تخصيص العموم بذلك فتختص التبعية بالصلوات الجهرية التي تكون مورد الصحيحة ايضا. لأنا نقول مورد صحيحة زرارة وان كانت هي الصلوات الجهرية الا ان حمل ما بعد التفريع «فالأخيرتان تبعان للاولتين» على خصوص المورد مستلزم للتكرار بلا وجه، بل التكرار بلسان الكبرى الموجب للالقاء المخاطب في خلاف الواقع.
ولايتوهم ان في جميع العمومات المخصصة بدليل منفصل يلزم هذا الاشكال، فان في تلك الموارد الجمع بين العموم والخصوص بحمل العام على الخاص يكون بمقتضى طبيعة جعل القانون فيجعل القانون بنحو العموم اولا، ثم يبين تخصيصات ذلك، ولا ينطبق هذا الوجه على ما نحن فيه، فان جعل قانون يقتضي عموم التبعية وتطبيقه على المورد أي الصلوات الجهرية وتخصيص هذا العموم بعد ذلك بما يقتضي عدم شمول العموم لغير المورد أي الصلوات الجهرية يعد من اللغو الواضح، فعموم التبعية المستفاد من الصحيحة غير قابل للتخصيص بخصوص الصلوات الجهرية، ودلالة «يجزيك» على الجواز كالنص.
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٩.
في ذلك فلم يبق الا النهي عن القراءة في الاولتين وهذا قابل للحمل على الكراهة، ولابد من هذا الحمل، فان اقتضاء النهي للحرمة انما هو من جهة مقدمات الحكمة ومنها عدم البيان، وعموم التبعية بيان. ولايتوهم ان استفادة عموم التبعية ايضا من جهة مقدمات الحكمة لما ذكرنا من ان العموم المستفاد من الرواية غير قابل للتخصيص بموردها للزوم ما ذكرنا، فان العرف يرى لسان «الأخيرتان تبعان للاولتين» قرينة على حمل النهي على الكراهة لا العكس، ويكفينا في الجمع بين الروايات كونه مقبولا عند العرف.
بقي الكلام في سند الرواية، والمذكور في التهذيب (ابن سنان عن ابي عبد اللهعليهالسلام ) وفي الوسائل الطبعة القديمة اضيف الى ابن سنان (يعني عبد الله). وفي الطبعة الجديدة اضيف الى ذلك (الحسن باسناده) فصار ابن سنان يعني عبد الله الحسن باسناده الى ابي عبد الله، ومن المعلوم ان الطبعة الجديدة غلط، ورواية الوسائل هي المذكور في الطبعة القديمة (ابن سنان يعني عبد الله عن ابي عبد الله) لكن عبارة (يعني عبد الله) من صاحب الوسائل وليست في التهذيب هذه العبارة، فيبقى السؤال اولا عن انه لماذا تصرف صاحب الوسائل في الرواية باجتهاد نفسه؟ وثانيا بأنه هل هذا التفسير صحيح اولا؟ وعهدة الجواب عن السؤال الاول عن صاحب الوسائل –قدسسره –.
واما الجواب عن السؤال الثاني: ففي جامع الرواة (في التهذيب في باب تلقين المحتضرين عنه، عن محمد بن سنان وبكير، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في باب القضاء والديات محمد بن عيسى، عن ابن سنان، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في باب تلقين المحتضرين من ابواب الزيادات. اقول: الظاهر ان روايته في هذين الموضعين عن ابي عبد الله مرسلة لبعد زمانهما والله اعلم) انتهى موضع الحاجة.
اقول: تاريخ وفاة محمد بن سنان عام ٢٢٠ على ما في جامع الرواة نقلا عن ابن الغضائري تواريخ قبض ابي عبد اللهعليهالسلام عام ١٤٨ على ما في نفس المهموم وغيره، والفرق ٧٢ سنة، وعلى هذا ممكن درك محمد بن سنان زمان الصادقعليهالسلام وروايته عنه فلا موجب لحمل الروايتين على الارسال، كما انه لايكون وجها لما ذكره صاحب الوسائل في المقام من التفسير، فان الراوي عن ابن سنان في الرواية صفوان، وهذا يروي عن عبد الله ومحمد، والمروي عنه وهو الامام الصادق عليه السالم ايضا يمكن روايتهما عنه على ما تقدم، فابن سنان في رواية التهذيب محتمل لشخصين عبد الله ومحمد، ولكن الصحيح ان ابن سنان عن ابي عبد الله منصرف الى عبد الله فانه من اصحاب ابي عبد اللهعليهالسلام وكثير الرواية عنه، مع ان محمد ايضا ثقلة فلا اثر لهذا الترديد وقد وثقه
الشيخ المفيد –قدسسره – ولايتم شيء مما قيل في ضعف روايته، مع ان رواياته معمول بها عند الاصحاب، فقد تحصل تمامية الاستدلال بهذه الرواية على جواز القراءة في الركعتين الأخيرتين بل الاولتين في الصلوات الاخفاتية، وبهذا نرفع اليد عن عموم التحريم المستفاد من صحيحة زيادة ومحمد بن مسلم بالنسبة الى الصلوات الاخفاتية.
وهنا روايات استدل بها المحقق الهمداني –قدسسره – وغيره بالنسبة الىالركعتين الاولتين من الاخفاتية وهي: رواية المرافقي والبصري عن جعفر بن محمدعليهالسلام ، وفي الرواية «وان احببت ان تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه»(١) وسند الرواية ضعيف، اللهم الا ان يدعى الانجبار كما ادعاه المحقق الهمداني –قدسسره – وقد عبر عن هذه الرواية بهذه العبارة: وما رواه الشيخ باسناده عن
____________________
(١) الوسائل: ج٥. باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١٥.
ابراهيم المرافقي وعمرو بن الربيع البصري. وهذا التعبير خلاف الاصطلاح بينهم، فان الرجلين هما الراوي المتصل بالمعصومعليهالسلام والراوي الذي يروي الشيخ –قدسسره – عنه وله اسناد اليه احمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، وكيف كان لايبعد تمامية الاستدلال بهذه الراوية لتمامية دلالتها وانجبار ضعف سندها.
وخبر سليمان بن خالد لقولهعليهالسلام : لاينبغي له(١) الظاهر في الكراهة، ولايخفى مافي هذا الاستدلال، لعدم تمامية الظهور المدعى.
وصحيحة علي بن يقطين قال: سألت ابا الحسنعليهالسلام عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أيقرأ بالحمد وهو امام يقتدى به؟ فقال: ان قرأت فلا بأس وان سكت فلا بأس(٢) . قال المحقق الهمداني –قدسسره – ان الاستدلال مبني على ما فهمه غير واحدمن ان المراد بها الاوليين من الاخفاتية، وفيه: ان الظاهر ان المراد بها الأخيرتين. انتهى.
اقول: الظاهر من الراوية تعيين وظيفة الامام ولا ارتباط لها بوظيفة المأموم فالرواية اجنبية عن بحثنا فليتدبر. وان لم نقل بان هذا هو الظاهر فلا اقل من انه محتمل فيسقط الاستدلال، ومن غريب ما صدر من المحقق الهمداني –قدسسره – في هذا المقام دعواه انه ليس بالبعيد ان يدعى ان وقوع هذا النوع من التهديدات (الواردة في صحيحة زرارة الحاكية لقول الأميرعليهالسلام ) في عرف اهل البيتعليهمالسلام من امارات الكراهة، فلاحظ الصحيحة وكلامه تتضح الغرابة.
ويدلنا على جواز القراءة في الصلوات الجهرية التي لم يسمع المأموم قراءة
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٨.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١٣.
الامام ولا همته مضافا الى الشهرة بل الاجماع المدعى، عدة روايات منها صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللهعليهالسلام لقولهعليهالسلام : الا ان تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ(١) . بعد ضميمة صحيحة عبيد بن زرارة عنهعليهالسلام انه ان سمع الهمهمة فلا يقرأ(٢) . والامر في «فاقرأ» لا يدل على الوجوب لوقوعه مقام توهم الحظر، مع دلالة صحيحة علي بن يقطين على الجواز لقولهعليهالسلام «لابأس ان صمت وان قرأ»(٣) هذا حكم الركعتين الاولتين في الجهرية التي لم تسمع قراءة الامام حتى همهمته، واما الأخيرتان من ذلك فكذلك للتبعية المستفاد من صحيحة زرارة المتقدمة، فلم يبق الا الصلوات الجهرية مع سماع المأموم قراءة الامام ولو همهمته. وما مر من صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وضميمة صحيحة زرارة الدالة على التبعية تدلنا على حرمة قراءة المأموم فيها بلا فرق بين الركعتين الاولتين منها او الأخيرتين، وليس في البين ما يعارض ذلك بل الروايات في الباب مؤيدة له ولو اغمضنا النظر عن دلالتها عليه.
نعم، هنا روايتان استدل بهما المحقق الهمداني على الكراهة وهما: صحيحة ابن الحجاج قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن الصلاة خلف الامام أقرأ خلفه؟ فقال.. – الى ان قالعليهالسلام –: واما الصلاة التي يجهر فيها فانما امر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فانصت – الخبر(٤) . وصحيحة زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام انه قال: وان كنت خلف امام فلا تقرأن شيئا في الاولتين وانصت لقراءته ولا تقرأن شيئا في الأخيرتين فإن الله عز وجل يقول
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٢.
(٣) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١١.
(٤) الوسائل: ج٥، باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٥.
للمؤمنين واذا قرئ القرآن – يعني في الفريضة خلف الامام – فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون(١) .
وقال في تقريب الاستدلال: ان المستفاد من الصحيحتين ان النهي عن القراءة من جهة الامر بالانصات،بل ترك القراءة مأخوذ في الانصات المأمور به وحيث ان الأمر بالانصات استحبابي بالاجماع وغير الاجماع من القرائن الداخلية والخارجية فلا يكون النهي عن القراءة الزاميا، ثم وجه الكلام الى الآية الكريمة وانه هل الانصات محكوم فيها بالوجوب او الاستحباب؟ وقال: ان ظاهر الأمر بالانصات وان كان هو الوجوب، الا ان هنا روايتين(٢) ، دالتين على انه رخص في الدعاء للمأموم ان كان الامام يجهر بالقراءة فيحمل الامر على الاستحباب، ثم احتمل ابقاء الامر على ظاهره وارتكاب التخصيص في الاية الكريمة باخراج الدعاء عنها، ثم اقام شواهدا على ترجيح الحمل على الاستحباب، ثم قال: بأن التخصيص من اهون التصرفات، وبالاخرة احتاط في ترك القراءة، هذا.
اقول: الظاهر من الروايتين وان كان ما افاده –قدسسره – من ان النهي عن القراءة من جهة منافاة القراءة للانصات المأمور به الا ان هذا لا يدل على كون النهي عن القراءة غير الزامي، وذلك لان المنافاة بين الانصات والقراءة لايقتضي الا عدم الأمر بهما معا لا الأمر بأحدهما والنهي عن الاخر، فلو فرضنا ورود النهي بغير المأمور به كما في المقام وكان ظاهر الدليل ان النهي من جهة المنافاة فلابد من ارتكاب توجيه لذلك، والتوجيه مشترك بين كون النهي تحريميا او غيره.
____________________
(١) الوسائل:ج٥، باب ٣١من ابواب صلاة الجماعة، حديث٣.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٣١، حديث١١ وباب ٣٢ حديث٢ من ابواب صلاة الجماعة
وبعبارة اخرى: ان المنافاة بينهما تقتضي عدم طلبهما معا، وهذا يجتمع مع الامر بالانصات وعدم الامر بالقراءة ومع الأمر بالانصات والنهي عن القراءة تنزيهيا او تحريميا، فالروايتان لا تدلان على خصوص النهي التنزيهي حتى تكونا دليلين على تقييد صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وغيرها مما دل على التحريم، ثم انه لاحاجة الى الاستشهاد بالرواية لحمل الاية على الاستحباب فان الانصات هو السكوت مستمعا لا السكوت المطلق، والسكوت مستمعا كنفس الاستماع المأمور به ليس بواجب قطعا.
تنبيه «١»
قد مر ان حكم سماع الهمهمة حكم سماع القراءة لصحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة، ولكن قد يقال بان ظاهر صحيحة علي بن يقطين السابقة يعم صورة سماع الهمهمة، والروايات الامرة بالقراءة لدى عدم السماع مخصوصة بما اذا لم يسمع اصلا، فتخصص الصحيحة وتحمل على صورة سماع الهمهمة، والنتيجة: وجوب القراءة اذا لم يسمع اصلا والتخيير اذا سمع الهمهمة، واجاب المحقق الهمداني –قدسسره – عنه بأن هذا الحمل تخصيص بالفرد الخفي وهو ابعد من حمل الامر على الاستحباب، ثم قال: نعم لايبعد ان يدعى انصراف الاخبار المشتملة على الامر بالانصات الى ما اذا سمع الكلمات وتنزيل النهي عن القراءة مع سماع الهمهمة على الرخصة في الترك دون الحرمة فيتجه هذا التفصيل فليتأمل، انتهى. اقول: جوابه عن الجمع بارتكاب التخصيص صحيح متين، لكن ما نفى عنه البعد في مقام الجمع انما يتم لو لم يكن هنا اطلاق دال على حرمة القراءة، ومع وجوده كما هو الصحيح – وقد مر – فالأصل هو الحرمة الا ما خرج بالدليل والخارج انما هو مورد عدم السماع، فلو قلنا بظهور ذلك فيما اذا لم يسمع المأموم حتى الهمهمة فالاطلاق يقتضي الحرمة في مورد سماع الهمهمة، ولو قلنا بعدم الظهور واحتمل الامران أي عدم سماع الكلمات وعدم سماع الصوت فالقدر المتيقن الثاني، ولابد في مورد الشك من التمسك بالمطلق قضية للتمسك به في المقيد المجمل المردد بين الاقل والاكثر، وعلى أي تقدير لايجوز للمأموم القراءة لدى سماعه صوت الامام حال القراءة وان لم يسمع الكلمات والحروف
تنبيه «٢»
لو سمع بعض قراءة الامام دون بعض فاحتمل المحقق الهمداني –قدسسره – احتمالات ثلاثة
واختار ان الأشبه الاجتزاء بما سمع والقراءة في ما لم يسمع. اقول: اطلاق الدليل كما مر
يقتضي حرمة قراءة المأموم، خرجنا عن ذلك اذا لم يسمع القراءة ولا اطلاق لدليل المخرج بالنسبة الى سماع البعض فلابد من الأخذ بالمتيقن في هذا الدليل ويؤخذ بالمطلق في مورد الشك، والنتيجة حرمة القراءة حتى اذا سمع بعض قراءة الامام.
تنبيه «٣»
قد مر ان مقتضى الجمع بين صحيحة زرارة الدالة على تبعية الركعتين الأخيرتين للاولتين وصحيحة ابن سنان الدالة على اجزاء التسبيح في الاخيرتين في الصلوات الاخفاتية حرمة القراءة في الاخيرتين من الجهرية مع سماع صوت الامام والتخيير في الاخيرتين من الاخفاتية وفيهما من الجهرية اذا لم يسمع صوت الامام، فالتمسك بالادلة الناهية عن القراءة بالنسبة الى المأموم والقول بسقوط القراءة والتسبيح كليهما لايرجع الى محصل، كما ان التمسك بها لاثبات سقوط القراءة وتعين التسبيح مطلقا لايتم، فان الجمع بين هذه الأدلة والصحيحتين يقتضي ما اخترناه من التفصيل، هذا. ثم ان هنا روايتين متعارضتين وهما رواية معاوية بن عمار قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن القراءة خلف الامام في الركعتين الأخيرتين، قال: الامام يقرأ فاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح - الحديث(١) . ورواية سالم ابي خديجة فان فيها: فاذا كان في الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك ان يقرأوا فاتحة الكتاب، وعلى الامام ان يسبح - الخبر(٢) . وحمل المحقق الهمداني -قدسسره - الرواية الأخيرة على الماموم المسبوق، ثم قال: ولا أقل من الاجمال المانع من الاستدلال.
اقول: تعارض الروايتين بظاهرهما لايخفى، ولكن صحيحة زرارة الدالة على التبعية شاهد جمع بينهما فيحمل الاولى على الجهرية والأخيرة على الاخفاتية، فيحصل ان في الجهرية لابد من التسبيح وفي الاخفاتية الافضل القراءة فتأمل. وكيف كان فلا يعارض شيء من الروايات ما هو مقتضى الجمع بين الصحيحتين والله العالم. قوله «قده»: ولو كان الامام لايقتدى به وجبت القراءة.اقول: فرض المسألة فيما اذا كان الصلاة معهم لأجل التقية اما اضطرارا او مدارة، فبحسب الأدلة العامة تصح الصلاة ولاتجب القراءة اذا اقتضت التقية تركها، وليس المراد من اقتضاء التقية ترك القراءة عدم امكانها، بل المراد من ذلك كسائر موارد التقية ان التخلف والاتيان
____________________
(١) الوسائل: ج٥،باب ٣٢ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٥.
(٢) الوسائل: ج٥، باب٣٢ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٦.
بالواقع لايمكن الا بالحيلة، فلا تجب الحيلة على حسب النصوص العامة التي منها «فكل شيء يعمله المؤمن بينهم لمكان التقية مما لايؤدي الى الفساد في الدين فانه جائز فكلما صدق عليه عنوان التقية جائز»(١) ولاتجب الحيلة للفرار عن التقية، ولذا لانرى اعتبار عدم المندوحة لا في الأفراد الطولية ولا العرضية بل ولا في نفس العمل، والحكم يدور مدار صدق التقية الغير المتوقف على الخوف ولا الاضطرار بل يصدق العنوان حتى اذا كان مدارة ومماشاة معهم، هذا بحسب الادلة العامة.
واما الروايات الواردة في باب الصلاة جماعة معهم فبعضهم يدل على ما اقتضته تلك الادلة كخبر زرارة(٢) وخبر بكير(٣) . وعارضها عدة من الروايات وهي لاتخلو اما من ضعف السند كرواية عمرو بن ربيع(٤) ورواية ناصح(٥) واما من عدم الادلة له على الخلاف كما دل على ايقاع الفريضة قبل او بعد(٦) وهي محمولة على الاستحباب لما سبق من الادلة العامة والروايات الخاصة الدالة على الاجزاء(٧) ومادل على قراءة المأموم(٨) وهي ايضا محمولة على الاستحباب لما سبق.
والحاصل: ان ملاحظة عمومات التقية وخصوصاتها تدلنا على ان التقية واسعة ولابد من العمل على وفق العامة في دار التقية ولاتجب الفرار والحيلة، بل لايجوز في بعض الموارد اذا كان خلاف التقية والعمل على غير ما اقتضته التقية والاتيان بالواقع الاولي لعله باطل، فان التقية دين ولا دين لمن لاتقية
____________________
(١) الوسائل: ج١١، باب ٢٥ من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما، حديث٦.
(٢) الوسائل: ج٥، باب ٣٤ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٥.
(٣) الوسائل: ج٥، باب ٣٤ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٣.
(٤) الوسائل: ج٥، باب ٦ من ابواب صلاة الجماعة، حديث.
(٥) الوسائل: ج٥، باب ٥ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٧.
(٦) الوسائل: ج٥، باب ٦ من ابواب صلاة الجماعة.
(٧) و(٨) الوسائل: ج٥. باب ٣٣ من ابواب صلاة الجماعة.
له، فالعمل المذكور خارج عن الدين فيبطل، فتأمل.
بل يمكن ان يستفاد من بعض الروايات التنزيل الموضوعي اللازم منه تقييد الواقع، ففي رواية ابي الجارود قال: انا شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى، فلما دخلت علي ابي جعفرعليهالسلام وكان بعض اصحابنا يضحي فسألت عنهعليهالسلام فقال: الفطر يوم يفطر الناس والصوم يوم يصوم الناس والاضحى يوم يضحي الناس(١) . فانه تنزيل موضوعي يدل على ان في مورد التقية الاضحى هو يوم يضحي الناس وان كان واقعا يوم التاسع، فلابد من متابعة العامة في الوقوفين وفي اعمال منى بلا فرق بين العلم بالخلاف والشك بمقتضى ادلة التقية ولاسيما هذ الرواية، وماقاله استاذنا المحقق - مد ظله - من عدم تصور التقية في اعمال منى خلاف هذه الرواية، مع ان فيها ايضا يصدق التقية فانها واسعة ولايجب الصبر الى الغد فانها من الفرار عن التقية ولايجب، وبهذه الرواية نحمل مادل على افطار الامامعليهالسلام يوما من شهر رمضان تقية معللا بان الافطار والقضاء احب عنده من ان يضرب عنقه على استحباب القضاء(٢) ، فتدبر جيدا. والايراد في سند الرواية بأبي الجارود مندفع بان الظاهر اعتبار رواياته لرواة كثير من الأكابر والافاضل بل الفقهاء من الراوة كعبد الله بن مغيرة في نفس هذه الرواية عنه، وهذا يكفي للاعتماد على روايات الرجل مع ان الشواهد والمؤيدات الاخر على اعتبار رواياته ايضا موجودة.
(منها) توثيق الشيخ المفيد -قدسسره - عنه المستفاد من كلامه بانه من الاعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا في الاحكام الذين لايطعن
____________________
(١) الوسائل: ج٧، باب ٥٧ من ابواب مايمسك عنه الصائم، حديث٧.
(٢) الوسائل:ج٧، باب ٥٧ من ابواب مايمسك عنه الصائم، حديث٤و٥.
عليهم ولا طريق الى ذم واحد منهم.
(ومنها) ما ذكره ابن الغضائري من اعتماد الاصحاب على ما رواه محمد بن بكر الارجني عنه الذي يعلم منه بالأولوية اعتمادهم على رواية عبد الله بن مغيرة عنه في هذه الرواية، وكل ما ورد في طعنه من الروايات ضعاف، مع عدم امكان ما ورد في بعضه، وفي جامع الرواة رواية اكثر من ثلاثين شخص عنه وفيهم الأكابر والفقهاء مع انه ازيد من ذلك جزما، فلو قلنا بأنه من المتيقن اعتبار روايات ابي الجارود لم نقل قولا جزافا.
والمتحصل من جميع ما ذكرنا عدم وجوب القراءة على المأموم المصلي خلفهم اذا كان في مورد التقية، نعم يستحب ذلك ما لم يكن مخالفا للتقية، والا فلا يجوز. وما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - في الجمع بين روايات الباب من ان ما دل على لزوم القراءة ناظر الى ما اذا لم تقتض التقية ترك القراءة ومادل على سقوطها ناظر الى صورة الاقتضاء لايمكن المساعدة عليه، فان المفروض ان الاقتداء في مورد التقية ولا معنى حينئذ للقول بعدم اقتضاء التقية ترك القراءة، ويؤيد ما ذكرنا دلالة بعض الروايات(١) على الاكتفاء بمثل حديث النفس في بعض الصور، مع ان حديث النفس لايعد من القراءة حتى بأدنى مراتب القراءة، وهذا تكليف استحبابي يدل عليه الجمع بين مادل على الاجزاء كالعمومات وبعض الخصوصات ، وهذه الروايات الظاهرة في لزوم القراءة او حديث النفس.
قوله «قده»: وتجب على المأموم المتابعة للامام.
اقول: قد استدل على وجوب المتابعة في الأفعال (اولا) بالاجماع والشهرة
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٣٣ من ابواب صلاة الجماعة.
ولكن ليس هذا الاجماع او الشهرة كاشفا عن الحكم لاختلاف المباني، واختلافهم في المراد من الوجوب، ووجود الخلاف في المسألة، مع ان المحتمل بل المظنون استنادهم الى الادلة الاتية.
(وثانيا) بالنبوي اما يخشى الذين يرفع رأسه قبل الامام ان يحول الله رأسه رأس حمار(١) . وهذه الرواية - مع كونها مرسلة، ولم يحرز اعتماد الاصحاب عليها - لا تدل على المطلب، فان المدعي وجوب المتابعة في جميع الافعال شرطا او تكليفا، والرواية لا تدل على ازيد من عدم جواز التقدم في السجود ولعله لخصوصية فيه.
(وثالثا) بالنبوي انما جعل الامام ليؤتم به فاذا ركع فاركعوا واذا سجد فاسجدوا - الخبر(٢) . وفي بعض الطرق: فاذا كبر فكبروا واذا ركع... الخ. والاستدلال بهذه الرواية ايضا لا يتم وان فرض جبر سندها.
ولابد من بيان امور: ١ - ان جعل الامام محتمل لكونه من الشارع تأسيسا ويحتمل كونه من الماموم مع امضاء الشارع له وان كان الظاهر هو الثاني، ولا ثمرة مهمة للفرق وان جعله بعض السادة الأعاظم منشأ لترتب اثر عليه.
٢- الائتمام محتمل لكونه هو المقوم لماهية الجماعة ويحتمل كونه ازيد من ذلك بمعنى المتابعة في جميع افعال الصلاة، والظاهر من الرواية الثاني لا الاول، لصدق الجماعة مع عدم متابعة المأموم في بعض افعال الصلاة كما لايخفى.
٣ - ظهور الفاء في اصل التفريع لا الترتيب الزماني، ولذا يصح ان يقال وجدت العلة فوجد المعلول.
____________________
(١) صحيح مسلم: ج٤، ص١٥١.
(٢) كنز العمال: ج٤، ص٢٥٠ الرقم ٥٢٢٤.
٤ - اذا ظرفية مفيدة معنى الشرط فقوله «اذا ركع فاركعوا» يعني في زمان ركوع الامام فاركعوا.
٥ - الشرط مقدم على المشروط رتبة لازمانا بلا فرق بين التكوين والاعتبار، فوجوب الحج بنفس الاستطاعة وفي حال الاستطاعة لابعدها.
٦ - الامتثال متأخر عن الأمر مرتبة لازمانا، ولذا لو علم الشخص بأن المولى سيأمره فيما بعد في زمان لابد من امتثاله في نفس ذلك الزمان لايكون معذورا في ترك الامتثال، ولايسمع عذره بأن ظرف الامر مقدم على ظرف الامتثال.
٧ - ظاهر «اذا ركع فاركعوا» ان لا يتأخر المأموم عن الامام ولا يقدم عنه ولايختص بصورة التأخر كما قيل، كما لا يختص بصورة التقدم كما احتمل، قضية للاطلاق، فحاصل المعنى انه في زمان ركع الامام فاركعوا بلا تقدم ولا تأخر، وقد مر ان الفاء والشرط لايقتضيان الترتيب والتقدم الزماني.
٨ - لا يجب وقوع تكبير المأموم في زمان تكبير الامام جزما، بل ادعي وجوب تأخره عنه، ومع ذلك لا يضر التأخر الفاحش، وهذا مسلم وافق للنصوص.
٩ - الظاهر انه ليس هنا الا رواية واحدة، والاختلاف في طريق الراوية لا ان هنا روايتين احداهما واجدة لجملة «فاذا كبر فكبروا» واخراهما فاقدة لها، فحينئذ يحصل الترديد في اشتمال الرواية لهذه الجملة وعدمه، والصناعة وان اقتضت البناء على الاشتمال الا انها في مورد كان الطريق صحيحا وهنا الرواية المشتملة عليها وردت بطريق عامي ولايعلم اعتماد الاصحاب على الواردة بهذا الطريق، فالترديد باق.
١٠ - يظهر مما ذكرنا من الامور عدم دلالة الرواية على ازيد من الاستحباب، فان مراعاة العمل على وفق «اذا كبر فكبروا» امر مستحب جزما، فبوحدة السياق اولا، والتفريع على الائتمام المنطبق على الجميع ثانيا، يعلم ان حكم المتابعة المذكور في استحبابي، على ان ظاهر جميع الجمل
الأمر بمراعاة عدم التقدم وعدم التأخر وبيان مطلوبية كون افعال المأمومين بنحو منظم منطبق على فعل الامام، وهذا نظير اتصال الصفوف الذي مر الكلام في استحبابه، ويؤيد ذلك خبر ابي
سعيد الخدري المروي من مجالس الصدوق مسندا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: اذا قمتم الى الصلاة فاعدلوا صفوفكم واقيموها وسووا الفرج، واذا قال امامكم الله اكبر فقولوا الله اكبر - الخبر(١) .
١١ - قد ظهر مما مر انه لا دلالة للرواية على لزوم تأخير افعال المأموم عن الامام وان قلنا بدلالتها على لزوم المتابعة، فان غاية ما يمكن ان يقال في وجه دلالتها على ذلك وجوه (منها) ان التفريع يدل على الترتيب، فلابد من كون ركوع المأموم مثلا عقيب ركوع الامام. (ومنها) ان الامر بالركوع مثلا في النبوي مشروط بركوع الامام وما لم يتحقق الشرط لا امر بالركوع حتى يمتثل فلابد من كون ركوع المأموم متأخرا عن ركوع الامام قضية لتأخير الامتثال عن الامر المتأخر عن شرط الأمر. (ومنها) ان الائتمام الذي جعل غاية لجعل الامامة لا يتم الا بذلك.
وشيء من هذه الوجوه لايتم لما ذكرنا من ان الفاء لايدل على الترتيب الزماني، وكذا الشرط لايتقدم على المشروط زمانا، كما ان الامتثال لايلزم ان يتأخر عن الأمر زمانا، والائتمام صادق على صورة التقارن ايضا كما يصدق على صورة تقدم افعال الامام، وهذا على مبنى دلالة الرواية على لزوم المتابعة، ولو كان الدليل الاجماع والشهرة فكذلك، لان القدر المتيقن من اعتبار المتابعة بحيث تبطل الجماعة بالاخلال بها صورة عدم تقدم المأموم على الامام، واما سائر الصور ومنها المقارنة فلا اجماع على البطلان فيها، ولا دليل على الاعتبار
_____________________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٧٠ من ابواب صلاة الجماعة، حديث٦.
فيها، والمرجع ما اسسناه من الاصل وهو البراءة بل الاطلاق المقامي.
١٢- قد ظهر مما مر أن ما جعله المحقق الهمداني وجها ودليلا على لزوم المتابعة في الافعال وهو ان التبعية مأخوذة في مفهوم الائتمام والاقتداء واسنده الى الشيخ الاعظم - قدسسرهوايده - خارج عن محل البحث، فان الكلام في لزوم المتابعة بعد فرض صدق الجماعة وان تخلف المأموم، ولذا ذكر في اخر كلامه ان الائتمام قد يلاحظ بالنظر الى مجموع الصلاة على سبيل الاجمال، وقد يلاحظ كونها فعلا تدريجيا حاصلا بمتابعة الامام في افعالها المتدرجة، فلاحظ كلامه وتأمل فيه، وما هو دخيل في الجماعة هو الأول، وما هو محل الكلام في الثاني.
١٣ - حكم التأخير الفاحش حكم التقديم حرفا بحرف، فلو فرضنا ان التأخير كان بحيث اخل بهيئة الجماعة بحيث لايرى انه مأموم مقتد في الصلاة فتبطل الجماعة، ولو لم يكن كذلك فمجرد التأخير الفاحش لايكون مضرا بصحة الجماعة ولم يحصل به اثم، وما استدل الهمداني -قدسسره - به من روايتين لا دلالة لهما، فلاحظ.
١٤ - لو بنينا على استفادة الوجوب من الرواية او دلنا الاجماع او الشهرة على الوجوب فهل الوجوب شرعي او شرطي؟ اما الرواية فالظاهر منها الوجوب الشرطي للائتمام الذي جعل غاية لجعل الامامة، وأما ان الائتمام هل هو واجب بوجوب شرعي أو شرط في صحة الجماعة فلا يعلم من الرواية، واما الشهرة او الاجماع فلم يقم على خصوص واحد منهما، بل الاصحاب بين قائل بالوجوب الشرعي وقائل بالوجوب الشرطي، فلايحرز احدهما، فعلى كلا المبنيين نتردد في ذلك، فلو قام دليل كالاجماع والشهرة على احدهما كما ادعي قيام الشهرة على الوجوب النفسي ينحل العلم الاجمالي، والا فيعلم اجمالا بثبوت احدهما، فلو بنينا على ان الشك في اعتبار شيء في الجماعة مورد
للاشتغال ينحل العلم الاجمالي حكميا ويثبت الشرطية للاشتغال وينفي التكليف بالبراءة، وعلى ما بنينا عليه من انه مورد للبراءة فالاصلان متعارضان ولابد من ترتيب اثار كلا الوجوبين، فمع التخلف تجب الاعادة والتوبة.
وقد افاد المحقق الهمداني -قدسسره - في المقام من ان الوجوب شرعي، وان شئت قلت شرطي بالنسبة الى الجزء لا الكل، وهذا - مع انه قول بلا دليل - مناقضة في الكلام، ولا يستقيم مع مابنى عليه من ظهور الرواية على الشرطية للائتمام المعتبر في حقيقة الجماعة، فلاحظ. هذا كله
بالنسبة الى المتابعة في الأفعال، وقد تحصل ان الصناعة تقتضي عدم الوجوب لا شرطا ولا شرعا الا اذا كان التخلف بمقدار يكون مخلا بهيئة الجماعة، ومع ذلك الاجماعات المنقولة والشهرة والسيرة الخارجية تمنعنا عن الجزم بالحكم والافتاء، فلا يترك الاحتياط بترتيب آثار الوجوب شرعا، واما الشرطية فلم تثبت جزما.
والاقوال فلا تجب المتابعة فيها ولو قلنا بوجوب المتابعة في الافعال، وذلك لعدم قيام دليل في الاقوال، ولا يشملها ما ادعي دلالتها على الوجوب في الافعال، فان الاجماع والشهرة لم تقم على الوجوب في الاقوال بل ادعي الاجماع وقيام الشهرة على عدم الوجوب فيها، والنبوي ايضا منصرف عن المتابعة في الاقوال، وعدم جواز تكبيرة الاحرام قبل الامام ليس من باب وجوب المتابعة، بل من جهة انه لا تنعقد الجماعة بانفراد المأموم بالتكبير، ولذا لا بأس بالتأخير الفاحش في تكبيرة الاحرام لا شرطا ولا شرعا، وهل يجوز المقارنة في التكبير، او لابد من المتأخير في الشروع وان كان الختم مقدما، او لابد من التأخير في الشروع والختم، اولابد من التأخير عن تكبير الامام جميعا؟ الظاهر هو الاول لصدق الجماعة عليه، وقد مر عدم قيام دليل على المتابعة بمعنى الفصل الزماني فلا يمكن التمسك بقولهصلىاللهعليهوآله : «فاذا كبر فكبروا» على لزوم التأخير، مضافا الى تفريع ذلك على الائتمام، فلابد من ملاحظة انه هل يصدق الاتمام او لا يصدق؟ والظاهر صدق الائتمام بالمقارنة، بل يجوز المقارنة في الشروع ولو ختم المأموم مقدما للصدق ايضا.
وما توهم من ان المأموم على هذا دخل في الصلاة قبل دخول الامام في الصلاة مبني على خروج تكبيرة الاحرام عن الصلاة، وهذا واضح الفساد، وتسميتها بتكبيرة الافتتاح من جهة انها الجزء الاول منه، لا ان الصلاة تفتتح بها بمعنى ان الصلاة امر والتكبيرة خارجة عنها وتفتتح الصلاة بها نظير الباب والمفتاح، فالامام والمأموم دخلا في الصلاة معا بشروعهما في التكبير مقارنا وان كان ختم تكبير المأموم مقدما على ختم تكبير الامام.
واما التسليم فلا بأس بتقدم المأموم على الامام فيه، فانه مضافا الى ما مر في مطلق الاقوال
يكفي في الدلالة على ذلك صحيحة ابي المعزا عن الصادقعليهالسلام في الرجل يصلي خلف امام فيسلم قبل الامام قال: ليس بذلك بأس(١) فانها مطلقة تشمل العمد ايضا، ودعوى الانصراف الى السهو - ولا سيما بملاحظة صحيحه الاخر(٢) الوارد في مورد السهو - ممنوع، فان الانصراف بدوي مع ان صحيح الحلبي عن الصادقعليهالسلام في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد فقال: يسلم من خلفه ويمضي لحاجته ان احب(٣) وارد في مورد العمد، ودعوى ان مورد الصحيحة مورد العذر فاسد، فان الاطالة في التشهد ليست بمقدار يوجب العذر عن المتابعة، واحتمال ان تسليم المأموم في الرواية مع قصد الانفراد مدفوع بعدم دلالة الدليل على لزوم قصد الانفراد، هذا. مع ان صحة التسليم على القواعد وان قلنا بوجوب المتابعة شرطا او شرعا،
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٦٤ من ابواب صلاة الجماعة حديث٤.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ٦٤ من ابواب صلاة الجماعة حديث ٥.
(٣) الوسائل: ج٥ باب ٦٤ من ابواب صلاة الجماعة حديث١.
لما تقدم من ان بطلان الجماعة لايستلزم بطلان الصلاة، ووجوب المتابعة لا يستلزم النهي عن التسليم، فالتسليم وقع موافقا للأمر فتصح الصلاة جزما، وليس في البين الا احتمال الاثم، وهو مدفوع بأصالة البراءة لعدم قيام دليل صالح لاثبات ذلك.
قوله «قده»: فلو رفع المأموم رأسه عامدا استمرر.
اقول: هذا هو الموافق للقاعدة، فان ركوعه او سجوده وقع موافقا للامر فيجري، والشك في بطلان الصلاة او الجماعة لا اثر له، فان العمل موافق للمأمور به والاحتمال المذكور يدفع بالاطلاق لفظا او مقاما، مع ان استصحاب الصحة وبقاء القدوة يكفي في ذلك.
ان قلت: رفع الرأس محرم فكيف يكون موافقا للأمر، وعليه فلا يمكن تصحيح الصلاة لأنه مع اعادة الركوع او السجود تحصل الزيادة العمدية، ومع عدم الاعادة يحصل الاخلال من جهة رفع الرأس.
قلت: رفع الرأس غير محرم حتى بناء على القول باقتضاء الامر بالشيء - وهو المتابعة في المقام - للنهي عن ضده الخاص، فان المنهي وان كان هو الضد الخاص الا انه بعنوان انه مضاد للواجب لا بعنوان اخر، فالحركة المذكورة مجمع لعنوانين احدهما رفع الرأس من السجدة او الركوع والاخر كونها مضادا للواجب، والنهي على القول بالاقتضاء متعلق بهذا العنوان ولايسري الى ذاك العنوان، مع ان القول بالاقتضاء باطل كما حقق في محله، مضافا الى ان رفع الرأس ليس من اجزاء الصلاة حتى توجب حرمته فساد الصلاة بفساد جزئها، بل هو مقدمة للجزء وهو القيام بعد الركوع او الجلوس بعد السجود.
وقد اشكل المحقق الهمداني -قدسسره - على الاستدلال بان اعادة الركوع
او السجود ليس من ايجاد الزائد الممنوع في الصلاة، بل اما يوجب احداث وصف الزيادة في المتقدم وهذا لايكون مبطلا، وذكر هذا في مواضع متن كتابه، ولكن لايخفى انه لو سلم هذا الكبرى، أي ان الممنوع ايجاد الزائد لايجاد وصف الزيادة في الجزء السابق لكن لايرتبط بما نحن فيه، فان المحرم - على القول به - ليس الا رفع الرأس لا الركوع او السجود، فالركوع او السجود وقع صحيحا واعادتهما من ايجاد الزائد وهو مبطل للصلاة.
فتحصل: ان مقتضى القاعدة صحة الصلاة اذا رفع المأموم رأسه عامدا، وقد مر انه لا دليل
على وجوب المتابعة شرطا للصلاة او الجماعة لو لم نقل بعدم الدليل على الوجوب التكليفي ايضا. واما وجوب الاستمرار فأيضا موافق للقاعدة، فان ترك الاستمرار واعادة الركوع او السجود موجب لحصول الزيادة العمدية، بل زيادة الركن في اعادة الركوع، هذا بحسب القاعدة.
واما الادلة الخاصة في المقام فمضافا الى الشهرة كما يظهر من كلماتهم، بل ادعي على ذلك انه مذهب الاصحاب: موثقة غياث بن ابراهيم قال: سئل ابو عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الامام ايعود فيركع اذا أبطأ الامام ويرفع رأسه معه؟ فقال: لا(١) بناء على ثبتو الاطلاق فيها بحيث تشمل صورة العمد او تقيد بهذه الصورة جمعا، والا فلا دليل على ذلك، الا انه مقتضى القاعدة وموافق للشهرة. ثم انه هل يكون للرواية اطلاق؟ وعلى تقدير ثبوت الاطلاق، هل يمكن تقييدها بصورة العمد أولا؟ فقد يدعى ان السؤال عن الرفع قبل الامام، واجاب الامامعليهالسلام بالنفي ولم يفصل بين صورة العمد وغيره، وهذا يدل على اطلاق الحكم لصورة العمد، وادعى المحقق الهمداني -قدسسره - انصراف الراوية الى غير مورد العمد. والانصاف انه لا
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من اباوب صلاة الجماعة حديث٦.
يمكن الاعتماد على أي من الدعويين، فان ندرة وجود العمد في التقدم تكون موجبة لاحتمال الانصراف بل الظن به، ومع ذلك لايمكن احراز ان المتكلم في مقام بيان الاطلاق فنبقى في الشك في الاطلاق والانصراف ومعه اطلاقات ادلة مبطلية الزيادة محكمة، على انه لو فرضنا الاطلاق لابد من حمل الرواية على نفي الوجوب وحمل الروايات الاتية على الاستحباب، فالنتيجة التخيير بين الاستمرار والاعادة وان كانت الاعادة مستحبة، فالاستمرار موافق للاحتياط، فانه على جميع التقادير لا بأس به، والحاصل ان وجوب الاستمرار لو لم يكن اقوى فلا اقل من انه احوط.
قال المحقق الهمداني - قدس سره: لا يقال: الاجماع على عدم وجوب الاستمرار في مورد السهو يخصص الموثقة بصورة العمد، وتنقلب النسبة بين الموثقة والروايات الاتية الدالة على وجوب العود مطلقا فتخصص الروايات بالموثقة، فتحصل وجوب الاستمرار في مورد العمد ووجوب العود في مورد السهو. لأنا نقول: ان الاجماع من قبيل المخصص المنفصل الذي يجب ملاحظة النسبة بين المتعارضين قبل التخصيص به لابعده، فلابد من الجمع بين الموثقة والروايات بحملها على الاستحباب، وهذا لاينافي الاجماع.
اقول: الظاهر انه لابد من الالتزام بما يقتضيه انقلاب النسبة، فان العرف لايرى عموم لايكرم الفساق مثلا المبتلى بمخصص مثل يستحب اكرام الجاهل الفاسق معارضا لعموم اكرم العلماء، بل يرى قرينية المخصص للارادة الجدية من العموم الاول، ويرى ذلك قرينة للارادة الجدية من العموم الثاني، هذا بحسب الكبرى، لكن في المقام لايمكن القول به، فان تخصيص الموثقة بالاجماع موجب للتخصيص المستهجن، فان مورد التخلف العمدي نادر جدا، فلا يمكن رفع اليد عن عمومها لغير مورد العمد، والنتيجة هو الحمل على الاستحباب، لكن الكلام في عمومها لمورد العمد، وقد مر دعوى الانصراف
عنه في كلام بعض الفقهاء
قوله «قده»: ولو كان ناسيا اعاد.
اقول: قد ظهر مما مر ان هذا الحكم على خلاف القاعدة، يدل عليه - مضافا الى التسالم بينهم وان كان وجوب الاعادة واستحبابها مورد الخلاف - بعض الروايات كخبر محمد بن سهل
عن ابيه عن أبي الحسنعليهالسلام قال: سألته عمن يركع مع امام يقتدي به ثم رفع رأسه قبل الامام، قال: يعيد ركوعه معه(١) . وبمضمونه خبر علي بن يقطين(٢) . وكصحيحة الفضيل بن يسار انه سأل ابا عبد اللهعليهالسلام عن رجل صلى مع امام يأتم به ثم رفع رأسه من السجود قبل ان يرفع الامام رأسه من السجود قال: فليسجد(٣) . وبمضمونها موثقة محمد بن علي بن فضال(٤) الا انهعليهالسلام قال: اعد واسجد.
والجمع بين هذه الروايات وموثقة غياث قد تقدم، وقلنا بانه لابد من حمل هذه الروايات على الاستحباب، قلنا بانصرافها الى غير العمد او لم نقل، فان السؤال في الموثقة وهذه الروايات بلسان واحد، فلو قلنا بالانصراف نقول في الجميع ولو لم نقل لا نقول في الجميع، وعلى أي حال فالقدر المتيقن من شمول هذه الروايات صورة غير العمد، وبما انه لابد من حمل الامر فيها على الاستحباب جمعا فيحصل استحباب الاعادة فيما اذا رفع المأموم رأسه قبل الامام ناسيا.
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من ابواب صلاة الجماعة حديث٣.
(٣) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من ابواب صلاة الجماعة حديث١.
(٤) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من ابواب صلاة الجماعة حديث٥.
تنبيهان
١ - لو قلنا بوجوب العود على الناسي فان اخل به عمدا فهل تبطل صلاته؟ قولان مبنيان على استفادة الشرطية من الأوامر الواقعة في هذه الروايات او استفادة التكليف منها. وقال المحقق الهمداني -قدسسره -: المتبادر من الامر في مثل المقام ليس الا بيان ماهو وظيفته من حيث كونه مقتديا لا من حيث كونه مصليا، فمخالفته غير موجبة لبطلان الصلاة بل ولا اصل الجماعة.
اقول: اما بطلان اصل الصلاة فغير محتمل مع الاتيان بوظيفة المنفرد وعدم الاخلال بها، والكلام انما هو في صحة الجماعة وعدمها، وليس في الروايات شيء يعتمد عليه من ان الحكم فيها تكليفي او شرطي، فان احتمال كل من ذلك احتمال عقلائي، ودعوى التبادر ممنوعة، ولابد من ملاحظة ما هو المرجع للشك في ان المجعول الشرطية او التكليف المحض والمفروض عدم دليل اجتهادي صالح لاثبات احدهما، واصالة البراءة عن الشرطية تعارض اصالة البراءة عن التكليف، فتصل النوبة الى الاصل الحكمي وهو استحباب بقاء القدوة وصحة الجماعة بلا مانع، والنتيجة موافق لعدم الشرطية والوجوب التكليفي.
٢ - لو رفع رأسه قبل الذكر الواجب فهنا صور اربع: الرفع عمدا مع ترك الذكر عمدا. الرفع عمدا مع ترك الذكر سهوا. الرفع سهوا مع ترك الذكر عمدا. الرفع سهوا مع ترك الذكر سهوا.
اما صورة كون الرفع والترك عمديين فلا ينبغي الاشكال في بطلان الصلاة، للاخلال بالذكر الواجب عمدا مع عدم امكان تداركه.
كما لاينبغي الاشكال في صحة الصلاة والجماعة في مورد كون الرفع عمديا والترك سهويا، وذلك لكون الاخلال بالذكر الواجب سهويا فلا
يوجب البطلان، وقد مر صحة الجماعة ولزوم الاستمرار في هذه الصورة.
واما في صورة كون الرفع سهويا والترك عمديا فهل يحكم ببطلان الصلاة او يجب العود لتدارك الذكر الواجب، ومعه يحكم بصحة الصلاة والجماعة؟ وجهان.
وهكذا في صورة كون الرفع والترك سهويين فلا اشكال في صحة الصلاة والجماعة، لكن هل يجب العود لتدارك الذكر اولا؟ ولو تذكر بعد العود فهل يجب الذكر اولا؟ الوجهان مبنيان على ان الركوع الثاني او السجدة الثانية هل هما امر مستقل وركوع او سجود زائد مغتفر في الصلاة، او ان الشارع الغى الزائد واعتبر المصلي بعد العود عائدا الى ما كان فكانه في نفس الركوع الاول او السجدة الاولى؟ فقد اختار المحقق الهمداني -قدسسره - الوجه الثاني، وادعى ان المتبادر من الامر
بالعود والرجوع والاعادة بذلك.
اقول: ليس في الروايات كلمة العود والرجوع، وانما وردت في راويتين(١) منها يعيد وأعد، ولو لم نقل بان اعادة الركوع او السجدة ظاهرة في أن المعادة اعتبرت مغايرة للمأتي به اولا فلا اقل من عدم الظهور في خلافه، والحاصل ان كلا الوجهين محتمل في الروايات. ودعوى تبادر احدهما عهدتها على مدعيها، نعم ما اختاره من الوجه امر مناسب ملائم للذوق، لكن دعوى التبادر بمجرد ذلك غير ممكن، ولايمكن الافتاء على شيء بمجرد انه مناسب للذوق وملائم للطبع، فلابد من ملاحظة ما هو المرجع في مثل هذا الشك.
والظاهر الفرق بين الصورتين، فمع كون ترك الذكر عمديا لابد من العود والاتيان بالذكر الواجب، والا فتبطل الصلاة للاخلال بالذكر الواجب عمدا، ولكن لو اعاد واتى بالذكر يحكم بصحة الصلاة والجماعة
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من ابواب صلاة الجماعة
للاستصحاب، ولا مانع منه لتمامية اركانه، فوجوب العود حينئذ عقلي لامكان اتمام الصلاة مع العود صحيحا، واما صورة كون ترك الذكرسهويا فالاصل البراءة، ولايجب العود، بل لايجب الذكر لو عاد ثم تذكر، والله العالم.
قوله «قده»: وكذا لو اهوى الى الركوع او سجود.
اقول: فيستمر مع العمد، والخصوصية المحتملة في هذه المسألة الفارقة بينها وبين المسألة السابقة امور:
الاول: ان الركوع من اجزاء الصلاة بخلاف رفع الرأس منه، وكذا السجود والرفع منه، فقد يقال ان ترك المتابعة عمدا في الركوع موجب للنهي عنه المفسد له بخلاف ترك المتابعة في الرفع وان كان عمدا، فان النهي عن الرفع لا اثرله الا الاثم فقط، وهذا الفرق وان كان صحيحا الا انه ليس بفارق، لما مر من عدم سراية النهي الى الركوع وان قلنا باقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده الخاص، لان المنهي حينئذ الاتيان بمضاد الواجب وهذا عنوان غير عنوان الركوع، والحكم المتعلق الى عنوان لايسري الى عنوان اخر، هذا فضلا عما اذا لم نقل بالاقتضاء.
الثاني: الرفع المقدم على الامام لا يكون مبطلا على حسب النص(١) وفي المقام لم يرد نص في خصوص العمد. ولكن هذا ايضا ليس بفارق، فان القاعدة تقتضي لزوم الاستمرار كما ذكرناها في تلك المسألة، مع ان شمول النص لصورة العمد في المسالة السابقة قد عرفت حاله.
الثالث: هنا خصوصية في بعض الفروض وهو فرض ركوع المأموم قبل اتمام الامام القراءة، و هذا مورد للاشكال من جهات:
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من ابواب صلاة الجماعة
(الاولى) وقوع الاخلال بواجبات القراءة من القيام والطمأنينة حالها. ولكن لا دليل على اعتبار هذه الواجبات بالنسبة الى غير القارىء، والقارىء في المقام هو الامام لا المأموم.
(الثانية) القيام الواجب هو القيام بمقدار القراءة والمفروض اخلال المأموم به. والجواب انه لا دليل على ذلك بالنسبة الى غير القارىء الذي يجب عليه القيام حال القراءة، وبعبارة اخرى: هنا قيام واجب وهو من اجزاء الصلاة وقيام واجب في القراءة، ولا دليل على الثاني بالنسبة الى غير القارىء ولا تحديد في الأول في مقداره.
(الثالثة) ان المأموم اخل بمتابعة الامام في القيام الواجب حال القراءة، ولكن هذا الاشكال لايزيد عن اشكال الاخلال بالمتابعة في اصل الركوع.
(الرابعة) ركوع المأموم وقع في غير محله لانه مترتب على القراءة، والمفروض عدم تمامية القراءة بعد، فهذا ركوع زائد مبطل للصلاة. وهذا الاشكال هو المهم في المسألة وبه يحصل الفرق بينها وبين السابقة، فان الرفع ليس بجزء حتى يقال بأن الرفع قبل تمام الذكر من الزيادة المبطلة لوقوعه في غير محله، فتحصل مما ذكرنا انه لو اهوى الى الركوع او السجود عمدا فان كان بعد القراءة يستمر ويصح الصلاة، ولو كان في اثناء القراءة تبطل الصلاة من جهة الزيادة المبطلة.
واما اذا كان سهوا فقد استدل على وجوب الرجوع بمكاتبة ابن فضال الى ابي الحسن الرضاعليهالسلام في الرجل كان خلف امام يأتم به فليركع قبل ان يركع الامام وهو يظن ان الامام قد ركع، فلما راه لم يركع رفع رأسه ثم اعاد الركوع مع الامام، أيفسد ذلك عليه صلاته ام تجوز تلك الرجعة؟ فكتبعليهالسلام : تتم صلاته ولاتفسد صلاته بما صنع(١) . والكلام يتم في هذا
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٤٨ من ابواب صلاة الجماعة حديث٤.
الاستدلال بذكر جهات:
(الاولى) لا اختصاص للحكم بمورد الرواية وهو الظان بركوع الامام، بل الحكم يعم الناسي والساهي وغيرهما من المعذورين، للاجماع على عدم الفرق، واستفادة ذلك من الرواية من جهة الفهم العرفي بالغاء الخصوصية على تأمل في ذلك.
(الثانية) لايستفاد من الرواية ازيد من جواز الرجوع فانها في مقام بيان حكم القضية الواقعة ولم يبين فيها وجوب رجوع المأموم، ولكن ادعى المحقق الهمداني -قدسسره - عدم القول بجواز العود والاستمرار ومع ذلك هو بنفسه اختار الجواز وهذا يوهم ما ادعاه، مع ان امثال هذه الجماعات محصلها لا يكشف عن رأي المعصوم فضلا عن منقولها، فان المجمعين والناقلين كلهم يجتهدون في دعواهم وفتواهم ولا سيما مع احتمال اعتمادهم على نفس هذه الرواية، فالحق عدم استفادة الوجوب بل غاية ما يستفاد الجواز، والجواز في المقام ملازم للمحبوبية فيستحب العود للمتابعة.
(الثالثة) حكي عن بعض المتأخرين التفصيل بين الركوع والسجود، بوجوب الاستمرار في الثاني اقتصارا على مورد النص في الحكم المخالف للاصل، ولكن المحقق الهمداني ادعى عدم القول بالفصل والقطع بالمناط، مع امكان منع صدق الزيادة المبطلة بهذه الزيادة التي اتى بها بقصد تدارك المتابعة وادعى انصراف الادلة عن مثل هذه الزيادة. وفيه: ان المفروض وقوع السجدة موافقا للامر والانطباق قهري والاجزاء عقلي، فكيف لايصدق على الثاني الزيادة مع انها عرفي مثل سائر الموضوعات، ودعوى الانصراف ممنوعة جدا، واما دعواه القطع بالمناط، فقضية ابان - الذي توهم ان ما أتى به من الحكم انما هو من الشيطان - واردة في مورد القطع بالمناط، فالقياس باطل وان كان في مورد القطع بالمناط، فان السنة اذا قيست محق الدين، وعدم امكان الردع في مورد
القطع امر لو سلم اجنبي عن هذا، ومحل الكلام فيه في الاصول، فلم يبق الا دعواه الاجماع، ويمكن دعوى الغاء الخصوصية عن الركوع عرفا بحيث يستفاد من الفاظ الرواية ان الحكم ثبت لتقدم المأموم على الامام بلا خصوصية في الركوع، فليتأمل.
وكيف كان، الحكم في المسالة كأنه مسلم، ولكن الاحوط - بناء على استفادة الجواز من الرواية لاالوجوب - هو التفصيل بين الركوع والسجود، بالقول بالجواز في الاول ويستمر في الثاني.
وقد يستدل على وجوب المتابعة بالنبوي المتقدم: انما جعل الامام اماما ليؤتم به الخ. ولكن الاستدلال بذلك لا يتم لما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - من ان الرواية ليست في مقام بيان لزوم
التبعية فيما يكون مخلا بصلاة المأموم نظير الركعة والركن الزائدين بل مطلق الزيادة، وما نحن فيه من ايجاد الزيادة فلا يشمله الدليل.
ثم انه بناء على وجوب الرجوع فلو اخل به لاتبطل الجماعة، لا لما ذكره المحقق الهمداني من ان الوجوب من جهة المتابعة وهو تكليفي لما مر من عدم ادلالة الدليل على ذلك، بل لما ذكرنا من احتمال كلا الأمرين في الدليل، ولا يمكن استظهار احدهما منه، فتصل النوبة الى استصحاب بقاء القدوة وصحة الجماعة. نعم قد يقال بانه لو كان ذلك اثناء القراءة فلابد من الرجوع لدرك القراءة والا تبطل الصلاة للاخلال بالقراءة عمدا.
وقال المحقق الهمداني -قدسسره - في رده انه لو كان الركوع الاول هو الركوع الصلاتي لكانت القراءة ساقطة لفوات محلها ولو كان هو الملغى، والثاني هو الصحيح فالواجب الرجوع ولو بعد القراءة بل ولو وقع قصد الانفراد، ثم احتمل صحة الاول معلقة على عدم الغائه، وبما انه لاصلاة الا بفاتحة الكتاب
لابد من الغائه لامكان تدارك القراءة في محلها حينئذ بالغاء الركوع. انتهى ملخصا، وفيه جهات من النظر:
١ - لو بنينا على ان الركوع الاول هو الصحيح، فيمكن ان يقال ان الساقط من جهة السهو هو الترتيب بين القراءة والركوع، واما اصل القراءة فلا، فلابد من الرجوع لاتيانها ولو بمسقطها.
٢ - لو كان صحة الركوع الأول معلقة على عدم الغائه، فمع عدم الالغاء تكون السجدة صحيحة، وعليه لابد من سقوط القراءة لما ذكره من فوات المحل، ولا دليل على لزوم الالغاء، ودليل وجوب القراءة لايدل على لزوم الالغاء، فانه على المفرض الديل مخصوص بعدم فوت المحل، ومع عدم الغاء الركوع يفوت المحل على هذا الاحتمال.
٣ - لا معين لهذا الاحتمال ولا يتم بدليل، فما افاده من «ان القول بالبطلان حينئذ مع موافقته للاحتياط لايخلو من وجه» لاوجه له.
والتحقيق ان يقال: ان الركوع الاول وقع موافقا للامر فيسقط الامر به، ولا وجه لتوهم انه لايحسب من الصلاة الا بدليل الرجوع، ولا دلالة له على ان الاول ملغي بحكم الشارع، غايته الدلالة على لزوم المتابعة، واما ان الاول ليس بجزء فلا، فعلى القواعد ان الاول وقع جزء للصلاة والثاني اما متابعة محضا، او ركوع اخر للصلاة، او توسعة في الركوع الاول أي عود فيه باعتبار الشارع كما ليس ببعيد عن الذوق، وشيء من ذلك لايقتضي البطلان بالاخلال بالرجوع،
واحتمال ان الثاني ركوع اخر للصلاة ففي هذه الركعة ركوعان بحكم الشارع، لايوجب بطلان الصلاة بعدم الرجوع. اولا: هذا احتمال محض مدوفع بالبراءة.
وثانيا: ان غاية ما يمكن ان يقال انه بالمتابعة يكون الركوع الثاني ايضا من الصلاة، لا ان جزئية الركوع الثاني يقتضي لزوم المتابعة، ولم يقل بذلك احد
ايضا، وذلك مجرد احتمال احتملناه، وليس في كلامهم منه عين ولا اثر، وبعبارة اخرى: انه مع الاتيان به جزء لا ان جزئيته تقتضي الاتيان به، لعدم الدليل على الجزئية مطلقا، وكيف كان، الصلاة مشتملة على جميع اجزائها، واحتمال بطلان اصل الصلاة لا وجه له، واحتمال بطلان الجماعة يرتفع باستصحاب بقاءالقدوة وصحة الجماعة، وغايته حصول الاثم بترك المتابعة وعدم الرجوع.
ثم انه لايجب مراعاة واجبات الركوع في الركوع الاول كالذكر مثلا بناء على لزوم المتابعة فانه فوري، وكذا على الجواز لاطلاق دليله من جهة ترك الاستفصال، وهل يجب المراعاة في الركوع الثاني؟ فلابد من التفصيل بين ما اذا اتى بالواجبات في الركوع الاول فلايجب في الثاني لاصالة البراءة، وما اذا لم يأت بها فيجب في الثاني فانه على احتمال ان الثاني توسعة في الاول والركوع الثاني رجوع الى الاول بحكم الشارع يحصل الشك في سقوط الوظيفة برفع الرأس عن الركوع الاول، والاصل الاشتغال وعدم السقوط، مع امكان ان يقال ان الركوع الاول وان كان موافقا لامره والانطباق القهري مستلزم للاجزاء العقلي، الا ان تجويز الشارع الغاءه والاتيان بالثاني يقتضي ان يكون الثاني ايضا ركوعا صلاتيا توسعة في الركوع الاول، لابمعنى انه رجوع في الاول بل بمعنى انه يعامل معه معاملة الركوع الاول الواجب في الصلاة ، فمع الاخلال بالواجبات في الركوع الاول يأتي بها في الثاني، ومع الاتيان بها في الاول لا يجب الاتيان بها في الثاني، ومع الاتيان بها في الثاني فانه أتى بها على الفرض ولايجب الاتيان بها ثانيا، فتأمل في ذلك فانه لايخلو عن دقة. ولايتوهم ان لزوم معاملة الركوع الواجب يقتضي الاتيان بذكره، فان المراد ان الشارع جعل توسعة في الركوع لا تضييقا، وكيف كان فمع عدم امكان استفادة ذلك من الدليل اللفظي فالاصل العملي كاف في المقام كما ذكرناه.
قوله «قده»: ولايجواز ان يقف المأموم قدام الامام.
اقول: قد استدل على ذلك بالاجماع، وقد ادعي انه مستفيض نقله بل متواتر، وبالسيرة المستمرة الجارية على الالتزام بعدم تقدم المأموم على الامام في الموقف، وبان الجماعة امر توقيفي
مأخوذ من الشارع ولابد من الاحتياط حينئذ في مورد الشك، لعدم وجود اطلاق يرفع الشك، ولا اصل فيه الا الاشتغال، وبأن الحكم معروف بين المتشرعة على وجه كاد ان يلحق بالضروريات، وبأنه علم ان هذه الكيفية المخصوصة بين المسلمين ملحوظة في الشريعة وليست من باب الاتفاق، وبالروايات الاتية الدالة على لزوم تقدم الامام فكيف بتقدم المأموم عليه، وبظهور لفظ الامام، وبخبر محمد بن عبد الله الواردة في تقدم الصلاة على قبر الامامعليهالسلام فان فيه: واما الصلاة فانها خلفه ويجعله الامام ولايجوز ان يصلي بين يديه، لأن الامام لا يتقدم، ويصلى عن يمينه وشماله(١) .
وعن الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله الحميري عن صاحب الزمانعليهالسلام مثله، الا انه قال: ولايجوز ان يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن شماله، لان الامام لا يتقدم ولا يساوى(٢) ، هذا.
اما الاجماع في المقام فيمكن ان يخدش فيه، بانه ليس اجماعا تعبديا، لاحتمال استناد المجمعين الى سائر الوجوه ومنها الخبر المذكور.
واما السيرةفلا تثبت جهة العمل وانه وجوبي او غير وجوبي، وما ذكر من ان السيرة جارية على الالتزام بذلك. فلو فرض كونها كذلك الا ان السيرة
____________________
(١) الوسائل: ج٣ باب ٢٦ من ابواب مكان المصلي حديث١.
(٢) الاحتجاج: ج٢ ص٤٩٠ ط. بيروت.
ليست بحجة في الملتزمات، بل حجيتها انما تثبت في جواز ما قامت عليه من العمل الخارجي، فان وجه حجيتها انها متصلة الى زمان المعصومعليهالسلام وفي منظر منهعليهالسلام ولم يردع عنه فيستكشف انه راض بذلك، وهذا لايثبت الا جواز نفس العمل الذي كان بمنظر منهعليهالسلام .
واما توقيفية الجماعة، فلا تنافي امكان اثباتها بالاطلاق المقامي او الرجوع في الموارد المشكوكة الى البراءة كما مر في تأسيس الاصل، واما دعوى ضروية الحكم او ان الكيفية الخارجية ليست من باب الاتفاق. فلا يزيد عن دعوى الاجماع والسيرة، وقد عرفت الحال فيهما، الا ان يقال بان الحكم لايحتاج الى دليل فانه من الضروريات، ولكن هذا المقدار لايكفي، لامكان منع كون الحكم ضروريا.
واما الروايات التي ادعيت دلالتها على لزوم تقدم الامام، فسيجيء الكلام فيها وفي دلالتها، وانه لا تدل على اللزوم، فلم يبق الا ظهور لفظ الامام المؤيد بخبر محمد بن عبد الله المتقدم، بل نفس الخبر يكفي في اثبات ذلك، فانها موثقة وان كان خبر الاحتجاج ضعيفا.
وتقريب الاستدلال مع كون الخبر في مقام بيان حكم الصلاة مقدمة على قبر الامامعليهالسلام ان التعليل بـ«ان الامام لا يتقدم» لايختص بمورد الخبر، فانه ليس تعليلا تعبديا لعدم امكان تعليل الشيء بنفسه، فان الحكم المذكور في الرواية عدم جواز التقدم على قبر الامام، ولايمكن ان يعلل هذا الحكم بجملة ان الامام لايتقدم، فانها نفس الحكم المذكور لاعلته، بل العلة انما هي امر ارتكازي وهو ان الامام الذي جعل لان يتابعه المأموم كيف يتأخر عن المأموم، و هذا الامر الارتكازي لايختص بالامام الواجد لمنصب الامامة فقط، بل عدم جواز التقدم على هذا الامام ايضا من جهة امامته المنافية لتقدم المأموم عليه، وهذا المعنى ينطبق على امام الجماعة أيضا فانه امام الجماعة والامام لايتقدم.
والحاصل: ان التعليل لو كان بأمر تعبدي لامكن ان يقال باختصاصه بمورده وهو الامام الواجد للمنصب، لكنه لايمكن لان العلة على هذا يكون نفس الحكم، واما لو كان بأمر ارتكازي - كما هو الصحيح - فالارتكاز اشمل من المورد، ولذا ايدنا ظهور لفظ الامام في ذلك بهذا الخبر، وان شئت قلت: انه لايرى العرف من وقف مقدما على شخص مقتديا بذلك الشخص ومأموما له، وعلى ذلك يحصل لنا دليلان على المسألة (احدهما) صحة سلب الجماعة على مثل هذه الجماعة، فانها مقومة بامام ومأموم ولايصدق على المأموم المتقدم انه مأموم. (وثانيهما) الخبر المذكور، فان التعليل فيه بأمر ارتكازي شامل لصلاة الجماعة ايضا، واماما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - من
المناقشة في دلالة الرواية، وعدم استناده الى ظهور لفظ الامام لقوله في ذلك كما يؤمي الدال على انه لايستند الى هذا الدليل، واستناده -قدسسره - الى سائر الوجوه فلا يتم لما ذكرنا، بل لو لم يتم ما ذكرنا من الدليلين لايمكن ان يثبت المسألة بدليل الا بدعوى الضرورة، أو انه لااشكال في المسألة، وامثال هذه الدعاوى مع انها كما ترى.
ثم انه قد يستشكل على الاستدلال بالرواية بأن التعليل لابد وان ينطبق على مورده وبما ان الصلاة مقدما على قبر الامامعليهالسلام لايكون باطلا، بل غايته ان التقدم على القبر حرام، والرواية ايضا لا تدل على ازيد من ذلك مع انه بحسب الفتوى انه ليس بحرام ايضا، فيعلم عدم انطباق التعليل على صلاة الجماعة الا باعتبار الحكم التكليفي للتقدم، فلا يمكن اثبات البطلان بهذا الدليل. ولكن هذا الاشكال مدفوع بان التعليل بالأمر الارتكازي - وهو منافاة الامامة مع التقدم عليه - يدل عل بطلان الجماعة فيما نحن فيه، وما عدم البطلان في المورد من جهة ان الامامة غير دخيلة في الصلاة بل انما هي مؤثرة في عدم جواز التقدم على القول به، وبعبارة اخرى: ظهور التعليل في المنافاة بين الامامة والتقدم عليه، وتطبيقه على المورد ينتج حرمة التقدم فقط ولا دخل لذلك
في اصل الصلاة، وتطبيقه على مسألتنا ينتج بطلان الجماعة لاقتضاء المنافاة ذلك كما لايخفى.
ان قلت: يمكن تصوير ان يكون التعليل تعبديا بان يكون المراد منه حرمة التقدم على مطلق الامام، فليس في تعليل الشيء بنفسه.
قلت: هذا وان كان جوابا عن الاشكال الذي اوردناه علىكون التعليل تعبديا، الا ان نفس التعبير بان الامام لايتقدم بتناسب الحكم والموضوع ظاهر في بيان المنافاة بين الامامة والتقدم عليه، وهذا هو الذي ذكرنا انه امر ارتكازي، وكيف كان، دلالة الخبر على المسألة تامة، كما انها تظهر ايضا عن مفهوم الجماعة وكون شخص اماما والاخر مأموما.
هذا كله في حكم تقدم المأموم على الامام، واما اذا كانا مساوويين في الموقف فنسب الى المشهور الجواز، بل عن التذكرة دعوى الاجماع عليه، ولكنها لايتم لوجود الخلاف كما نسب الى الحلي -قدسسره - عدم الجواز، وكيف كان فلابد من ملاحظة النصوص الواردة في الباب اولا، فلو تم والا فنتمسك بالقواعد، فقد استدل على القول بعدم الجواز ووجوب التأخر بما في خبر الحميري
المتقدم من قوله: لايساوي، وصحيحة ابن مسلم عن الباقرعليهالسلام عن الرجل يؤم الرجلين قال: يتقدمهما ولايقوم بينهما(١) . وما دل على الامر بتقديم امام في مسألة ما لو مات الامام في اثناء الصلاة او حدث له مانع عن اتمامها ونظائر ذلك. وما دل على كيفية صلاة العراة من ان امامهم يتقدمهم بركبتيه في صحيحة ابن سنان(٢) ، ويتقدمهم امامهم في موثقة اسحاق بن عمار(٣) ، هذا. ولا دلالة في شيء من ذلك على وجوب تأخر
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب٢٣ من ابواب صلاة الجماعة حديث٧.
(٢) و(٣) الوسائل: ج٣ باب ٥١ من ابواب لباس المصلي حديث ١ و٢.
المأمومعلى الامام.
اما رواية الحميري مع ضعف سندها معارضة بخبر محمد المتقدم، واما سائر الروايات فكلها الا صحيحة ابن مسلم التي نتكلم فيها واردة في مقام بيان امر اخر غير حكم التقدم، مثل حكم الامامة عند عروض حادث للامام، والامامة في جماعة العراة، وليست هذه الروايات ناظرة الى بيان نوع حكم التقدم وانه وجوبي او استحبابي، فيحمل الامر بالتقدم فيها الى التقدم المشروع في الجماعة.
وبعباراة اخرى: الروايات ناظرة الى حكم اخير غير حكم التقدم، فالتقدم المذكور فيها اخذ مفروض الوجود، ولا دلالة للامر بالتقدم الذي اخذ مفروضا ومعهودا على نوع حكمه وانه وجوبي او استحبابي.
واما الصحيحة فأيضا لا تدل على اعتبار تأخر المأموم وجوبا، لانها بقرينة «لايقوم بينهما» لاتكون بصدد بيان الحكم الالزامي جزما، والا فأي فرق بين القيام بينهما والقيام على طرفهما؟ وبعبارة اخرى: ان عطف «لايقوم بينهما» على «يتقدمهما» يدل على ان الامر المعتبر في الجمعة في المورد لايتحقق الا بالتقدم ولايحصل بقيام الامام بينهما، وهذا انما يتم اذا كان الامر استحبابيا حتى يكون لذكر القيام بينهما وجها وهو توهم حصول الاستحباب بذلك، والا فلا خصوصية له، مع ان تقدم الامام بمقدار سقوط جسد المأموم في حال السجدة امر مستحب يدل عليه ما مر في البحث عن اعتبار الخطوة ومانعيتها، وحينئذ فالامر الوارد في الصحيحة بالجملة الخبرية «يتقدمهما» لو لم نقل بانصرافه الى ما هو المعتبر في الجماعة وهو التقدم المستحب فلا اقل من امكان منع ظهوره في الامر بجنس التقدم حتى يقال بلزوم حمله على الوجوب. وبعبارة اخرى: الامر بالتقدم الوارد في الجماعة التي لتقدم الامام حكم خاص لايكون ظاهرا الا في ما هو المعهود منه في الجماعة، فلا دلالة لشيء من ذلك في وجوب التأخر فيكفينا اصالة البراءة عن اعتبار التأخر، بل الاطلاق المقامي يرفع الشك بعد صدق
الجماعة، وكون احدهما اماما والاخر مأموما في مورد التساوي.
نعم قد استدل على ذلك بعدة من الروايات كلها واردة في موارد خاصة، ولا دلالة لشيء منها على المدعي، فلا حاجة الى بيانها بعد كفاية الاطلاق المقامي والاصل، وقد ذكرها المحقق الهمداني -قدسسره - واجاب عنها بأجوبة وافية فلا نطيل. ولكنه -قدسسره - اختار وجوب التأخر واستدل عليه بما ورد في كيفية صلاة العراة من ان امامهم يتقدمهم(١) ، او يتقدمهم بركبتيه ويجلسون ويركعون ويسجدون ايماء(٢) .
وقال في تقريب الاستدلال ما محصله: انه لو لم يكن التقدم واجبا وجاز التساوي لما كان للايماء وجه، فانه مع التساوي يحصل الامن من النظر بخلاف التقدم. ولا يخفى مافيه فانه أي دليل دل على ان وجه اعتبار الايماء حصول الا من النظر، فلعل الوجه سترهم وعدم كشف عورتهم بسبب الركوع والسجود، فان الستر الصلاتي امر والستر عن الناظر المحتوم امر اخر، فقد تحصل ان المعتبر عدم تقدم المأموم على الامام لا تأخره عنه، ومقتضى الدليل ان الشرط واقعي لا علمي، فلو اخل به ولو سهوا بطلت قدوته.
ثم انه لو تقدم على الامام ثم عاد الى موقفه، فلو كان التقدم بمقدار لا يكون مضرا بصدق عنوان الدليل وهو الامام على المقتدى به، يصح صلاته وجماعته بلا تخلل الانفراد في البين، لعدم الدليل على ذلك حينئذ، واما لو كان بمقدار مضر بصدق هذا العنوان فتبطل الجماعة، والعود يحتاج الى دليل.
قوله «قده»: ولابد من نية الائتمام.
اقول: يقع الكلام في ذلك جهات، الاولى: ان هذا الشرط فيه مقوم
____________________
(١) و(٢) الوسائل: ج٣ باب ٥١ من ابواب لباس المصلي.
للجماعة او شرط لصحتها؟ الثانية: انه بالاخلال بهذه النية هل تبطل الجامعة فقط او تبطل الصلاة ايضا؟ الثالثة: انه ما معنى نية الجماعة؟.
اما الجهة الاولى: فيختلف الاعتبار باختلاف المباني، فلو قلنا بان الجماعة امر شرعي مجعول من قبل الشارع تأسيسا، فمن الواضح دخل النية في قوامها، ولو قلنا بانها امر عرفي اضاف الشارع اليها قيودا وشرائط دخيلة في صحتها، فلابد من ملاحظة الجماعة العرفية، فلو قلنا بانه مجرد الاجتماع في الصلاة فالنية شرط لصحتها، ولو قلنا بانها ربط معنوي حتى عند العرف لاينفك عن النية، فالنية تقوم لها، وعلى أي تقدير لاتصح الجماعة الا بنية الجماعة، وان كان الوجه الاخير لايخلو عن قوة.
واما الجهة الثانية: فاحتمال بطلان اصل الصلاة من وجوه: (الاول) ما قد يتوهم من لزوم قصد خصوص الفرادي حتى تصح الصلاة فرادى، ومع عدم قصد الفرادى ايضا لاتصح الصلاة، فان المفروض انه لم يقصد الجماعة ولا الفرادى. (الثاني) ان المضي على احكام الجماعة من دون نية الجماعة مبطل للصلاة، للاخلال بالواجبات حينئذ التي منها القراءة .(الثالث) نفس اقتران المصلي فعله بفعل غيره مناف للصلاة، لانه وقف صلاته على صلاة الغير لا لاكتساب الفضيلة، ولما فيه من ابطال الخشوع وشغل القلب.
وشيء من ذلك لايتم (اما الاول) فلعدم لزوم القصد في صلاة الفرادى، فان الجماعة ليست من الفصول المنوعة لماهية الصلاة في مقابل الفرادى، بل هي خصوصية موجبة لتأكد مطلوبية الطبيعة ولحوق احكام خاصة بها، فلا يكون قصدها منافيا لقصد اصل الطبيعة بل متوقف عليه، ولايتوقف وقوعها فرادى على قصد حصولها كذلك بل على عدم قصد الجماعة او عدم سلامتها له، فمتى لم تصح جماعة وقعت بنفسها فرادى، وان لم يقصدها كذلك مالم يخل بشيء فيها حال الانفراد. (وأما الثاني) فأخص من المدعى، بل اللازم منه
البطلان فيما لو اخل بوظيفة المنفرد لا البطلان مطلقا. (واما الثالث) ففيه ما لا يخفى فقد تحصل ان اصل الصلاة حينئذ صحيحة وتقع فرادى ولابد من الاتيان بوظيفة المنفرد فيها.
واما الجهة الثالثة: فلا يعتبر في النية الاخطار في القلب كما هو الحال في سائر الموارد، بل يكفي مجرد وجود الداعي حال العمل بحيث لو سئل عنه انك مشتغل باي نحو من الصلاة يكون جوابه جماعة، ولايكفي في النية مجرد قصد اقتران الصلاة بالصلاة فان الجماعة امر معنوي وربط
بين المأموم والامام لا يحصل الا بقصد الائتمام، وان شئت قلت: ان معنى قصد الجماعة قصد الائتمام والاقتداء، هذا في المأموم.
ثم انه هل يعتبر قصد الامامة بالنسبة الى الامام ام لا؟ لاينبغي الاشكال في عدم الاعتبار لا لما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - من ان افعال الامام مساوقة لما يفعله المنفرد، فلا وجه لاعتبارتمييز احدهما عن الاخر بالقصد. فان اعتبار القصد اعم من ان يكون لاعتبار التمييز او شيء اخر، بل لان الجماعة وان فرض انها شرعية الا ان مفهومها كسائر المفاهيم مفهوم عرفي، والعرف انما يرى اعتبارقصد المأموم للائتمام في الجماعة لا قصد الامام للامامة فيها، وهذا ظاهر.
ثم انه هل يعتبر قصد الامام للامامة في الجماعة الواجبة نظير صلاة الجمعة او المعادة على القول بها ام لا؟ الظاهر عدم الاعتبار كغيرها من افراد الجماعات، بل لوقيد الامام نيتة بكون صلاته بنحو الانفراد ولكن اقتدى المأموم به تصح الصلاة جماعة، لعدم الدليل على لزوم قصد الامامة، وما توهم من عدم التمكن حينئذ من قصد التقرب الا اذا قصد الامامة ولو اجمالا، او ان الالتفات الى ان الجمعة لا تصح فرادى ولابد من تحققها جماعة مستلزم لقصد الجماعة، فلا يخفى مافيه، فان هذا المقدار لايدل على اعتبار قصد الجماعة،
فلو لم يقصد الجماعة في مورد الجهل بحيث اتى منه قصد القربة وحصلت الجماعة باقتداء المأمومين تكون الجماعة صحيحة مع تحقق قصد القربة.
قوله «قده»: ولابد من القصد الى الامام معين، فلو كان بين يديه اثنان فنوى الائتمام بهما او بأحدهما ولم يعين لم تنعقد الجماعة.
اقول: وجهه ما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - بما لامزيد عليه من ان الجماعة علاقة خارجية لا يعقل تعلقها بالمبهم الذي ليس له وجود الا في الذهن، مع ان المسألة اجماعية ولا كلام فيها
فرع «١»
لو نوى الاقتداء بزيد فظهر عمرو، او اقتدى بهذا الامام على انه زيد فظهر عمرو، فمع كون عمرو عادلا تصح الجماعة، فان الاقتداء علاقة خارجية بين المأموم وشخص الامام، والتوصيف والتسمية زائد على المقصود بالائتمام به وهذا مقصود على أي حال، فتصح الجماعة بلا فرق بين التقييد والتطبيق، وبلا فرق بين كون القصد بنحو وحدة المطلوب او تعدد المطلوب، فان القصد بالاقتداء بالخارج موجود على أي حال وهذا يكفي في صحة الجماعة، وما قيل في هذه المسألة من التفصيلات لايرجع الى محصل، فلاحظ.
ولو كان عمرو فاسقا لاتصح الجماعة، فان البطلان على القاعدة، ولا دليل على الصحة الا الرواية الواردة(١) في صحة صلاة من اقتدى بيهودي باعتقاد عدالته ثم ظهر فساده، والرواية لاتشمل المقام، وتنقيح المناط او الاولوية ليس الا القياس الممنوع فالجماعة باطلة، وصحة أصل الصلاة
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣٧ من اباوب صلاة الجماعة حديث١و٢.
وبطلانها مبنيان على ما تقدم من ان وقوع الصلاة فرادى تحتاج الى قصد كونها فرادى او يكفي في صحة الصلاة فرادى عدم سلامتها جماعة، والحق هو الثاني، لان الجماعة مشتملة على امر زائد على اصل الصلاة وهي الجماعة فلابد من قصدها، واما الفرادى فغير مشتملة على امر زائد على اصل الطبيعة، فلا يتوقف على ازيد من قصد اصل الطبيعة هذا حاصل على الفرض، فتصح اصل الصلاة وان بطلت الجماعة.
فرع «٢»
ذكر المحقق الهمداني -قدسسره - انه لو شك في انه هل نوى الائتمام او لا؟بنى على عدمه، الا ان يكون مشغولا بافعال الجماعة فلايلتفت حينئذ الى شكله لكونه شك في الشيء بعد تجاوز محله.
اقول: اما ما ذكره في المستثنى منه فصحيح، لاصالة عدم القصد، فلابد من اتمام صلاته فرادى، واما ما افاده في المستثنى فلايمكن المساعدة عليه، فان قاعدة التجاوز متكفل لنفي اعتبار الشك فلايجب تدارك المشكوك، ولا ينطبق هذا المعنى على ما نحن فيه، فان المشكوك في المقام قصد الجماعة ولا معنى لاعتبار الشك فيه والحكم بلزوم تداركه، فلايكون بعد تجاوز محله موردا لقاعدة التجاوز.
والحاصل: ان معنى اعتبار الشك في الشيء لزوم الاتيان بالمشكوك وتداركه، وهذا لايشمل الشك في قصد الجماعة كما لايخفى، وقاعدة التجاوز ليست الا بمعنى عدم اعتبار الشك وعدم لزوم تدارك المشكوك، فاذا لم يكن قصد الجماعة موردا للشك في المحل لايكون موردا للقاعدة ايضا، مع ان لشمول القاعدة لموارد الشك في النية كلاما مذكورا في الفرع الاول من فروع العلم الاجمالي (والفرع في خاتمة مسائل الخلل في العروة الوثقى).
قوله «قده»: يجوز ان يأتم المفترض بالمفترض وان اختلف الفرضان.
اقول: تقدم الوجه في جواز الائتمام في كل فريضة، ونتعرض في هذه المسالة لحكم اختلاف الفرضين، فنقول: مقتضى ما تقدم مفصلا في تأسيس الاصل ان الاطلاق المقامي واصالة البراءة تدلان على جواز الاقتداء وان كان الفرضان مختلفين، والروايات الواردة في الباب كلها موافقة للقاعدة، ولا دليل على الخلاف في شيء من الموارد، فنلتزم بعموم الجواز في جميع موارد اختلاف الفرض، بلا فرق بين كون الاختلاف في العدد كالقصر والتمام، او في النوع كالظهر والعصر، او في الصنف كالاداء والقضاء، فيصح الائتمام في صلاة الصبح بالطواف، وبالعكس، بل في صلاة الصبح بالايات مع حفظ الائتمام والمتابعة وبالعكس، كل ذلك على القواعد.
قوله «قده»: والمتنفل بالمفترض وبالمتنفل، والمفترض بالمتنفل في اماكن.
اقول: قد تقدم عدم مشروعية الجماعة في مطلق النوافل الا ماخرج بالدليل وانحصار المشروعية في مطلق الفرائض، واما ما اطلق عليه النافلة في هذه المسألة مثل المعادة والمأتي بها بعنوان الاحتياط الاستحبابي وامثالهما فلو قلنا بجواز الجماعة فيها فليس من جهة تخصيص دليل عدم المشروعية في النوافل، بل وجهه انطباق عنوان الفريضة عليها وان كان فعلا مطلوبا بالامر الاستحبابي، فان المراد بالفريضة ذات الصلاة المتعلق للحكم لا الصلاة مع تعلق الحكم الوجوبي بها فعلا، ولذا تجري احكام الشكوك الواردة في الفريضة
في امثال هذه الصلوات
والحاصل: ان المراد من الفريضة ما يكون بالطبع بلا عروض عنوان غير نفسه عليه محكوما بالوجوب كصلاة الظهر والعصر، وان كان بالفعل محكوما بالاستحباب كصلاة الظهر بالنسبة الى الصبي او المعادة في بعض الموارد، فلو كانت الصلاة كذلك تترتب عليها الاحكام المترتبة على الفريضة كأحكام الشكوك ومشروعية الجماعة فيها، وليست الفريضة عنوانا للصلاة بلحاظ ترتب الوجوب عليها فعلا، فان الفريضة امر والوجوب امر اخر، والنافلة شيء والمستحب شيء اخر، ولذا ذكرنا ان النافلة المنذورة ليست بفريضة ولو كانت واجبة، وعلى هذا تصح الجماعة في المعادة المستحبة والمتبرع بها عن الغير، واما في موارد الاحتياط بالاعادة فحيث لايعلم وجود امر بها اصلا فلا تصح الجماعة فيها، الا اذا كان الاحتياط من جهة واحدة، وهكذا في صلاة الاحتياط، اذا حصل الشك بالنسبة الى الامام والمأموم من جهة واحدة والا فلا تصح، وقد ظهر جواز الجماعة في صلاة العيدين وان قلنا باستحبابهما في عصر الغيبة، فانها فريضة وان كانت مستحبة.
واما صلاة الاستسقاء وصلاة الغدير فجواز الجماعة فيهما مع كونهما مستحبا فمن جهة النصوص.
قوله «قده»: ويستحب ان يعيد المنفرد صلاته اذا وجد من يصلي تلك الصلاة جماعة، اماما كان او مأموما.
اقول: هذا هو المتيقن من الروايات الواردة في الباب(١) ، والظاهر ان التعدي عن ذلك بغيره لايمكن استفادته من هذه الاخبار، والمهم ملاحظة
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٥٤ من ابواب صلاة الجماعة.
مقتضى القاعدة في المقام وهي مسالة جواز الامتثال عقيب الامتثال وعدمه، فقد افاد السيد الاستاذ - مد ظله - ان الالتزام بالجواز التزام بالمتناقضين، فان فرض الامتثال اولا فرض حصول الغرض في المأمور به باتيانه على وجهه، وفرض الامتثال الثاني عدم حصول الغرض بعد وهما متناقضان، وقد يقال بانه بالامتثال يسقط داعوية الامر، فلا يعقل حينئذ الامتثال الثاني، ولكن التحقيق التفصيل بين ما لو كان الحكم المتعلق بالطبيعة مستفادا من لفظ دال عليه بالمفهوم الاسمي وبين ما كان مستفادا من الهيئة، ففي الاول يفصل بين الوجوب والاستحباب، فلو قال المولى: تجب الصلاة فمعناه الالزام بهذه الطبيعة، ومع الامتثال الاول يسقط الالزام لا محالة، قضية لتعلق الوجوب بالطبيعة ووفاء المأتي به بها، وهذا واضح لايحتاج الى برهان. ولو قال تستحب الصلاة فمعناه ان هذه الطبيعة محبوبة عند المولى مبعوثا اليها ندبا، وبما ان اطلاق هذا المعنى قابل للانطباق على الفرد الثاني ايضا كالفرد الاول فالاطلاق يقتضي جواز التعبد ثانيا بعد التعبد الأول.
واما لو استفدنا الحكم من الهيئة كما اذا قال المولى صل، فلايخفى ان دلالة هذه الصيغة على الوجوب ليست بالوضع ولا بالانصراف ولا بالاطلاق وجريان مقدمات الحكمة كما حقق في محله، بل بحكم العقل على انها حجة على الوجوب حتى يظهر خلافه، وبحكم العقلاء كافة على تمامية الحجة على العبد مع صدور البعث من المولى ولزوم اطاعة العبد مالم يرد فيه الترخيص، وعليه لم يظهر من ذلك ان البعث الزامي وان داعي المولى على البعث الارادة الحتمية، بل حكم العقلاء والعقل على ذلك انما هو في مقام الامتثال بلا نظر الى كيفية الجعل، وبما انه يمكن في مقام الجعل ان يكون الداعي الى الجعل والغرض من البعث نحو الطبيعة الالزام والحتم بالنسبة الى الوجود الاول والندب بالنسبة الى سائر الوجودات، وقضية الاطلاق ايضا هذا المعنى، فلابد
من القول بجواز الامتثال بعد الامتثال، فان البعث المتعلق بالطبيعة باطلاقه باق بعد الايجاد الاول، وحيث ان الوجوب ساقط جزما فالاطلاق يقتضي الاستحباب، ولاتناقض في هذا البيان كما لايخفى.
ومن غريب الامر ما يقال: ان الامتثال عقيب الامتثال غير معقول ومع ذلك يتمسك بالروايات لاثبات استحباب الاعادة في مفروض المسألة، مع ان الاعادة اعادة تلك الطبيعة ويعلم
من ذلك بقاء امرها، ولاسيما مع دلالة الروايات من انه تجعلها فريضة او ان الله تعالى يختار احبهما اليه(١) على ان الثاني ايضا امتثال، والاشكال العقلي لايندفع بالتعبد كما لايخفى، واغرب من ذلك ما يظهر منهم في المقام ان المستفاد من الروايات بديل الامتثال لا الامتثال بعد الامتثال، مع ان الظاهر منها الامتثال بعد الامتثال، مضافا الى ان تبديل الامتثال غير معقول جزما، فان الشيء لاينقلب عما وقع عليه، والتحقيق ما ذكرنا من ان البعث نحو الطبيعة باطلاقه باق بعد الوجود الاول ولا دليل على سقوطه بذلك، لاحتمال كون البعث نحوها بداعيين طوليين، فمقتضى الاطلاق بعد هذا الاحتمال بقاء البعث، ولايمكن الا ان يكون استحبابيا، هذا بحسب كبرى المسألة.
واما الصغرى فهنا امران: (احدهما) متعلق بطبعية الصلاة (والاخر) بالجماعة فيها، والامر الاول وان كان ايجابيا الا انه مستفاد من الهيئة، واطلاقه يقتضي البقاء. والامر الثاني استحبابي لايسقط بالامتثال الاول كما مر، مع ان اطلاق هذا ايضا يقتضي البقاء فالمعادة جائزة على القواعد، ففي جميع الصور المفروضة في المسألة تصح الصلاة والجماعة بحسب القاعدة، وان لا يمكن استفادة ذلك الا فيما ذكره الماتن -قدسسره - من روايات الباب،
____________________
(١) الوسائل:ج٥، باب ٥٤ من ابواب صلاة الجماعة، حديث١و١٠ و١١.
فلاحظ.
قوله «قده»: يعتبر في الامام الايمان والعدالة.
اقول: اصل اعتبار الامرين في الجملة من ضروريات المذهب، فلا حاجة الى اقامة الدليل عليه، ويكفي في ذلك من الروايات رواية علي بن راشد فان فيها: لا تصل الا خلف من تثق بدينه(١) .
وغيرها مما يكون بهذا المضمون او مضمون اخر، انما الكلام في ان المعتبر نفس العدالة الواقعية، فلا تصح الجماعة اذا لم يكن الامام عادلا واقعا، فلا تصح امامته اذا علم من نفسه عدم العدالة، او ان المعتبر احراز المأموم عدالة الامام، فتصح امامة غير العادل اذا كان المأموم معتقدا لعدالته، وان علم الامام عدم عدالة نفسه.
افاد المحقق الهمداني -قدسسره - ان الأخير هو الصحيح، لظهور «تثق بدينه» في ان المعتبر وثوق المأموم بدين الامام، واورد على نفسه بان لازم ذلك ان لايكتفي بالبينة لاثبات الشرط اذا لم يحصل بها الوثوق. واجاب عنه: بان الوثوق وان كان دخيلا في الموضوع، الا ان الظاهر هو اخذ فيه على وجه الطريقة فتقوم مقامه سائر الطرق والأمارات.
ولكن لايخفى ان هذا خلاف المتفاهم العرفي من جملة «تثق بدينه» وان الوثوق الموضوعي على وجه الطريقية بعيد عن الانظار العرفية، بل امر ذلك بنظر العرف دائر بين الطريقية والموضوعية، فاذا لم يمكن الالتزام بالموضوعية فلابد من القول بالطريقية، وان الشرط هو العدالة الواقعية، والوثوق طريق اليها، مع ان الضرورة قائمة على ان العدالة شرط في الجماعة، لا ان الشرط هو الوثوق
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ١٠ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
بالعدالة، وعلى هذا لايصح امامة من لم يعلم من نفسه العدالة، فلا يصح منه ترتيب اثار الجماعة من الرجوع في شكه الى المأموم مثلا. نعم تصح صلاته فرادى لما مر من انه كلما بطلت الجماعة فلو اتى بوظيفة المنفرد تصح الصلاة.
ويجوز له التصدي للامامة تكليفا لعدم الدليل على حرمته والاصل البراءة، والمأموم انما يعمل بحسب وظيفته فلو كان محرزا لامامة امام يقتدى به والا فلا.
ثم انه لو احرز المأموم عدالة الامام واقتدى به ثم انكشف الخلاف فلو لم تكن صلاته مخالفة لوظيفة المنفرد بحسب الاركان، فلا اشكال في عدم وجوب اعادته الصلاة ويكفي فيه قاعدة «لاتعاد»، واما لو اخل بالاركان فهل تجب الاعادة ام لا؟الصحيح عدم الوجوب، وذلك لان ظاهر جواز الصلاة خلف من يثق المأموم بدينه، المستفاد من الاستثناء في رواية علي بن راشد جواز الاكتفاء به وان كان الشرط مفقودا بحسب الواقع، ولذا نرى الجزاء في كل مورد من موارد امتثال الامر الظاهري الذي يكون بمثل هذا اللسان، نظير فامضه(١) كما هو في قاعدة التجاوز او كن على يقين(٢) المستفاد من دليل الاستصحاب وغير ذلك، هذا مضافا الى ورود دليل في خصوص المقام الدال على اجزاء الصلاة خلف اليهودي معتقدا لعدالته، فلاحظ.
واما ماهية العدالة: فهي عبارة عن الاستقامة في الدين، وانما تستكشف بمجرد حسن الظاهر من دون اعتبار الوثوق، بل ولا الظن بها واقعا، والدليل على ذلك عدة روايات التي منها صحيحة ابن أبي يعفور(٣) والصحيحة تدل على ان عدالة الرجل تعرف بان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢٣ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة حديث٣.
(٢) الوسائل: ج١ باب ١ من ابواب نواقض الوضوء.
(٣) الوسائل: ج١٨ باب ٤١ من ابواب الشهادات حديث١.
واليد واللسان، وهذه الفقرة مبنية لماهية العدالة وهي الاستقامة في الدين، ثم جعل لذلك طريقا وهو ان يكون الشخص ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك، وهذا هو حسن الظاهر، واما مادل على انه «لا تصل الا خلف من تثق بدينه» لا يدل على انحصار الطريق بالوثوق، فان الظاهر منه اخذ الوثوق طريقا لا موضوعا، فيقوم مقامه سائر الطرق التي منها حسن الظاهر الدال عليه الصحيحة المتقدمة، ولذا يجوز الصلاة خلف من قامت البينة على عدالته وان لم يحصل بها الوثوق بل الظن، هذا.
واحتمال ان حقيقة العدالة هي حسن الظاهر مدفوع بظهور الصحيحة على خلافه، وتكون قرينة على ما يكون ظاهره كون العدالة بمعنى حسن الظاهر نظير رواية علقمة: فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا ولم يشهد بذلك عليه شاهدان فهو من اهل العدالة والستر(١) . بل دلالة نفس الرواية على ذلك محل تأمل.
ثم انه قد يقال بكفاية الاسلام مع عدم ظهور الفسق في مقام احراز عدالة الرجل، واستدل بعدة امور لايرجع شيء منها الى محصل، فلاحظ كلام المحقق الهمداني -قدسسره - في ذلك.
ثم انه لايعتبر في احراز حسن الظاهر القطع به، بل المعتبر ما هو طريق عقلائي لاحراز مثله من كون ذلك معروفا بين قبيلته واهل محلته، او احراز مواظبته على الطاعات في الجملة كحضور الجماعات، ويكون بحيث لو سألت حاله عن قبيلته واهل محلته لقيل في حقه لانعلم منه الا خيرا، ويدل على ذلك جميع الاخبار الواردة في الباب(٢) ومنها الصحيحة المتقدمة.
ثم انه لايعتبر في نفس العدالة ولا في طريقها اجتناب منافيات المروة،
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٤١ من ابواب الشهادات حديث١٣.
(٢) الوسائل: ج١٨ باب ٤١ من ابواب الشهادات.
لعدم الدليل عليه، وقولهعليهالسلام «ساترا لجميع عيوبه» في الصححية لا يريد منه الا العيوب الشرعية وهي المعاصي، وهكذا سائر العناوين الواردة في الادلة، وهذا ظاهر.
ثم انه ظهر مما مر انه لا فرق بين ارتكاب الكبائر والصغائر في كونه مخلا بالعدالة، لخروج الشخص بذلك عن الاستقامة، وليس هذا امرا دقيقا لا يفهمه العرف من مفهوم العدالة، فلا وجه لما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - من ان ارتكاب الصغيرة غير ناف لمفهوم العدالة عرفا، نعم ورد في الصحيحة المتقدمة في معرفة العدالة «ويعرف باجتناب الكبائر...الخ» ولكن هذا لا يدل على ان ارتكاب الصغيرة لاينافي العدالة، بل غايته الدلالة على ان معرفة اجتناب الكبائر طريق لوجود العدالة، وهذا نلتزم به، ولكن عدم دخل معرفة اجتناب الصغائر في الطريق امر وعدم دخل نفس الاجتناب عنها في ذي الطريق امر اخر، ولذا لو علمنا بارتكاب الصغيرة لانحكم بالعدالة، فان الطريق مجعول في مورد الجهل والمفروض انا نعلم بعدم العدالة.
والحاصل: ان هذه الجملة في الرواية بصدد بيان الطريق على العدالة لانفسها، فلا تدل على عدم اعتبار اجتناب الصغائر في نفس العدالة، والظاهر من هذا المفهوم الاستقامة في الدين بلا فرق بين الاستقامة في الاجتناب عن الكبائر او الصغائر، بل اطلاق صدر الصحيحة «كف البطن والفرج واليد واللسان» يدل على عدم الفرق ايضا. نعم، لو احرز بما مر من طريق الاحراز ان الشخص يجتنب الكبائر لايعتبر التدقيق واحراز انه هل يجتنب الصغائر اولا، لدلالة الرواية على ان اجتناب الكبائر طريق الى العدالة.
ثم انه لو شككنا في ذنب انه هل يكون كبيرة حتى يعتبر احراز ان الشخص يجتنب عنه او صغيرة حتىلايجب الفحص، فالظاهر عدم لزوم الفحص اذا صدق على الشخص ان ظاهره مأمون ولو سئل عن قبيلته أو أهل
محلته لقالوا فيه خيرا، فان الطريق غير منحصر باجتناب الكبائر، بل ظاهر الرواية كفاية هذا المقدار. نعم، لو شككنا في هذا ايضا فلا يجوز ترتيب اثار العدالة، للشك فيها مع عدم قيام طريق اليها، فاذا البحث عن تعداد الكبائر قليل الجدوى كما لايخفى، مع عدم دلالة الروايات الواردة في ذلك على الحصر وما يستفاد من مجموعها ان الكبيرة ما اهتم بها المولى وعظمها، وطريق اثبات ذلك بامور مذكورة في المفصلات، فراجع.
قوله «قده»: والعقل وطهارة المولد والبلوغ على الاظهر.
اقول: يكفي في اثبات الاولين صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: خمسة لايؤمنون الناس على كل حال، وعد منهم المجنون وولد الزنا(١) . وفي الثالث خبر اسحاق(٢) وغيره. وهنا جهات من البحث ينبغي التكلم فيها:
١ - مقتضى القاعدة صحة الصلاة ومشروعية الجامعة في مفروض المسألة وان قلنا بان الاصل في الجماعة عدم المشروعية، فان ادلة الجماعة وان لم يكن لها اطلاق من حيث القيود المعتبرة فيها، الا ان اطلاقها من حيث الموضوع وهو المكلف لا كلام فيه، فدليل الجماعة مثبت لاستحباب الجماعة لكل مكلف باصل الصلاة. وبعبارة اخرى معنى صحيحة زرارة والفضيل(٣) الدالة على استحباب الجماعة في كل فريضة ان كل من هو مكلف بالفريضة يستحب ان يأتي بها جماعة، ولا ربط لذلك بان الدليل من جهة القيود المعتبرة في الجماعة مطلقة او مهملة، وهذا لعله ظاهر.
فحينئذ نقول: اطلاقات الادلة الاولية لصلاة الفريضة شاملة لكل من
____________________
(١) و(٢) الوسائل: ج٥ باب١٤ من ابواب صلاة الجماعة حديث١و٧.
(٣) الوسائل: ج٥ باب ١ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
المجنون وولد الزنا والصبي، ولا دليل على اختصاصها بغيرهم، ولذا بنينا على مشروعية عبادات الصبي، وقلنا بان الدليل على المشروعية هو نفس الاطلاقات الاولية، وحديث الرفع(١) لايرفع اصل البعث لمخالفته للامتنان اولا، ولوجود القرائن الداخلية والخارجية على ان المراد من الرفع رفع قلم السيئات والالزامات لاغير ثانيا، وتوهم ان هذا مناف لبساطة معنى الامر مدفوع بان البساطة صحيح الا ان هذا المعنى البسيط وهو البعث مشترك بين موارد الوجوب والاستحباب، وانما نستكشف الوجوب والاستحباب من المرحلة المتأخرة عن هذا الجعل، فلو اذن المولى في الترك نستكشف الاستحباب والا فالعقل يحكم بلزوم الامتثال من جهة تمامية الحجة، وحديث الرفع وهو الاذن في ترك الامتثال بلسان رفع القلم أي رفع قلم السيئات ورفع الالزامات ورفع المؤاخذة، عباراتنا شتى... الخ، فتدبر جيدا.
والحاصل: ان اطلاقات ادلة الفرائض شاملة للمجنون والصبي وولد الزنا، وبما ان ادلة الجماعة دالة على مشروعيتها لكل من هو مكلف بتكليف الفرائض، فيثبت استحباب الجماعة لهؤلاء ايضا بلا فرق بين كونهم اماما او مأموما، فيثبت جواز امامة هؤلاء من نفس ادلة مشروعية الجماعة، بملاحظة شمول الاطلاقات الاولية للفرائض لهم، هذا هو مع انه قد مر ان الاصل في موارد الشك في صحة الجماعة الصحة، ومن الغريب ان المحقق الهمداني - مع انه بنى سابقا على ان الاصل في الجماعة البراءة - افاد في المقام ان الاصل عدم المشروعية، وفيه: ان المقام اولى بأصالة المشرعية من غيره كما بينا وجهه.
٢ - لابد من احراز المأموم وجود هذه الشرائط في الامام علما او بأمارة شرعية او عقلائية، نعم لا يبعد دعوى بناء العقلاء على ترتيب اثار العقل
____________________
(١) الوسائل: ج١ باب ٤ من ابواب مقدمة العبادات، حديث١١.
وطهارة المولد مالم يعلم الخلاف، وهذا البناء لم يحرز في مورد الشك في البلوغ.
٣ - هنا روايات تدلنا على جواز امامة الصبي(١) وتعارض ما مر من الاخبار الدالة على عدم الجواز، ولكنها مخالفة لفتوى المشهور، مضافا الى انها لا تخلو عن ضعف السند غير المنجبر بشيء وضعف الدلالة، مع انه لو بنينا على المعارضة وعدم العلاج فيكفينا الاصل المتقدم.
قوله «قده»: ان لا يكون قاعدا بقيام.
أقول: وجهه مضافا الى انه المشهور بل ادعي عليه الاجماع، مرسلة الصدوق قال: قال ابو جعفرعليهالسلام : ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلى بأصحابه جالسا فلما فرغ قال: لايؤمّن احدكم بعدي جالسا(٢) : والسند منجبر بعمل المشهور، مضافا الى ما قيل من صحة مرسلات الصدوق اذا اسند الرواية الى الامامعليهالسلام بمثل «قال».
وهل يمكن التعدي عن الراوية الى المنع عن امامة المضطجع بالقاعد، او امامة المضطجع على الجنب الأيسر بالمضطجع الأيمن؟ لايبعد ذلك من جهة الفهم العرفي عن الرواية، لا تنقيح المناط كما قيل، فانه قياس محض وان حصل منه القطع، هذا والحكم مخالف للقاعدة، فانه لا دليل على ازيد من اعتبار صحة صلاة الامام واتيان المأموم بوظيفته وحصول الاقتداء، والشك في اعتبار ازيد من ذلك مدفوع بالأصل المحرر سابقا في باب الجماعة، ودليل المتابعة لايدل على لزوم متابعة المأموم فيما ليس وظيفته الاتيان به كمن اقتدى في صلاة الصبح بظهر الامام مثلا، فلا يتوهم دلالة دليل لزوم المتابعة على لزوم متابعة الامام في الركعتين الأخيرتين ايضا، ومن هذا القبيل توهم ان دليل
____________________
(١) و(٢) الوسائل: ج٥ باب ٢٥ من ابواب صلاة الجماعة حديث ٣ و٨و١٨.
المتابعة يقتضي تبعية المأموم لجلوس الامام وحيث لايجوز له الجلوس فلا يجوز له الاقتداء.
وبعبارة اخرى: ان هنا قياس استثنائي وهو انه لو كان الاقتداء صحيحا لوجبت المتابعة وحيث لاتجب فلا يصح الاقتداء.
وهذا التوهم مدفوع (اولا) بما ذكرنا من ان وجوب المتابعة انما هو في ما تكون وظيفة المأموم الاتيان به. (وثانيا) ان الملازمة بين صحة الاقتداء ووجوب المتابعة كليا ممنوعة، فان المفروض عدم وجوب المتابعة في المقام، والامر دائر بين ان يكون تخصيصا في عموم وجوب المتابعة فيصح الاقتداء ولا تجب المتابعة، وان يكون خارجا عنه تخصصا بحيث لايصح الاقتداء به فلا تجب المتابعة، واصالة العموم لاتثبت حال الفرد الخارج قطعا وان خروجه تخصص لا تخصيص كما بين في محله، وقد اطال المحقق الهمداني -قدسسره - في اثبات ان الاصل في المقام عدم مشروعية الاقتداء، ومحصله ان ادلة لزوم المتابعة دالة على ذلك بالالتزام، وقد ظهر ضعفه.
قوله «قده»: وان لايكون اميا بمن ليس كذلك.
اقول: المراد بالامي: من لايحسن القراءة، ولا دليل في خصوص المقام، فلابد من ملاحظة ما هو مقتضى القاعدة، فقد مر ان القاعدة تقتضي جواز امامة المعذور بغير المعذور، ولكن قد يمنع عن ذلك في مفروض المسألة بأن الامام ضامن لقراءة المأموم، فلابد من ان يأتي بها على حسب وظيفة المأموم حتى تسقط عن ذمته، وهذا انما يصح في ما اذا لم يأت المأموم بوظيفته مباشرة كما اذا لم يقرأ، او كانت الصلاة جهرية مع سماع صوت الامام، او قلنا بأن السقوط حتى في الاخفاتية عزيمة لا رخصة، والا فتسقط ذمته بالاتيان بالقراءة مباشرة، وما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - من انه لابد من كون قراءة
الامام بنحو تكون مسقطا لذمة المأموم ولو قلنا بان سقوط القراءة عن المأموم رخصة لاعزيمة لا دليل عليه بل يشبه المصادرة كما لايخفى، مع انه لو سلم وجود عموم كذلك أي كلما كانت الجماعة صحيحة لكانت قراءة الامام مسقطة، الا انه قابل للتخصيص في المورد، ومجرد وجود هذا الدليل والعلم بعدم المسقطية لايوجب الحكم ببطلان الجماعة لاحتمال التخصيص، واصالة العموم لاتجري في مثل المقام الذي يدور الامر فيه بين التخصيص والتخصص كما مر، وانما تجري فيما اذا كان المكلف شاكا في ارادة المولى، لافيما اذا تردد بين كون المراد المعلوم من جهة التخصيص او التخصص، فالصحيح صحة الجماعة في موارد جواز القراءة على المأموم ولزوم اتيان المأموم بالقراءة الصحيحة بنفسه، واما في مالا يجوز له القراءة فلا يصح الاقتداء، فان المفروض
عدم جواز الاعتماد على قراءة الامام، وعدم جواز قراءته بنفسه، فلا يمكن الاتيان بالجماعة الصحيحة.
قوله «قده»: ويشترط في الامام الذكورة اذا كان المأموم ذكرانا او ذكرانا واناثا، ويجوز ان تؤم المرأة للنساء.
اقول: يكفي في اثبات الاشتراط النبوي «لا تؤم امرأة رجلا»(١) المنجبر بعمل المشهور، مع انه لاخلاف في المسألة كما ادعي، بل ادعي عليه الجامع، ويدل عليه ايضا الروايات(٢) الدالة على جواز امامة المرأة للنساء وفيها الصحاح، فان الظاهر منها ان عدم جواز امامتها للرجال مفروغ عنه.
واما وجه جواز امامتها للنساء، فمضافا الى نقل الشهرة والاجماع، عدة
____________________
(١) سنن البيهقي: ج٣ ص٩٠.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ٢٠ من ابواب صلاة الجماعة.
روايات منها موثقة سماعة قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن المرأة تؤم النساء؟ فقال: لا بأس(١) وغيرها من الاخبار وفيها الصحاح أيضا، وبازاء ذلك عدة من الروايات تدل على التفصيل بين الفريضة والنافلة، كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن المرأة هل تؤم النساء؟ قال: تؤمهن في النافلة واما في المكتوبة فلا - الخبر(٢) . وغيرها(٣) .
وحمل صاحب الوسائل الطائفة الثانية على الكراهة جمعا، وفيه: ان الظاهر من جملة «واما المكتوبة فلا» بطلان الجماعة، وحمل الوضع على الكراهة لا معنى له. وحمل صاحب الحدائق -قدسسره - النافلة والمكتوبة على كونهما صفة للجماعة لا للصلاة، وهذا كما ترى.
والمحقق الهمداني -قدسسره - بعد ان رد علم الجملة الاولى منها وهي «تؤمهن في النافلة» الى اهله، حمل الجملة الثانية على الكراهة، وقد عرفت مافيه.
والصحيح ان يقال: (اولا) لو فرضنا المعارضة واليأس عن العلاج، فتصل النوبة الى التخيير او الرجوع الى القاعدة، فالقول بالجواز الموافق للمشهور عدل للتخيير وموافق للقاعدة كما مر. (وثانيا) الشهرة في طرف اخبار الجواز مرجحة لها. (وثالثا) ان علائم التقية في الروايات المفصلة ظاهرة. (ورابعا) اخبار الجواز مخالف للعامة فترجح.
(وخامسا) في روايات الجواز رواية تدل على الجواز في المكتوبة صريحا وهي رواية الحسن بن زياد الصيقل وفيها: ففي صلاة المكتوبة أيؤم بعضهن بعضا؟ قال: نعم(٤) .
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢٠ من ابواب صلاة الجماعة حديث١١.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ٢٠ من ابواب صلاة الجماعة حديث١.
(٣) الوسائل: ج٥ باب ٢٠ من ابواب صلاة الجماعة.
(٤) الوسائل: ج٥ باب ٢٠ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
فابتلت روايات المنع بالمعارض في خصوص المكتوبة، وبعد التعارض المرجع عموم روايات الجواز، فان مخصصها مبتلى بالمعارض ولا يصلح للتخصيص حينئذ.
نعم لو قيل بان تخصيص روايات الجواز بالنافلة تخصيص بالفرد النادر كما افاده المحقق الهمداني -قدسسره - وغيره فيعامل مع جميع الروايات معاملة المعارضة بين المتباينات فلا يتم الجمع الاخير، وكيف كان ففي سائر الوجوه كفاية مع ان المسألة غير خلافية كما مر.
قوله «قده»: وكذا الخنثى ولا تؤم رجلا ولا خنثى.
اقول: وجه جواز امامتها للنساء ظاهر، واما وجه عدم جواز امامتها للرجال والخناثى فلعدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية للمخصص، فان ادلة الجماعة مجوزة للامامة في جيمع الموارد، وقد خرجنا عنها بما دل على عدم جواز امامة المرأة لغيرها، والمقام شبهة مصداقية للمخصص، ولكن هذا لو قلنا بأن الاصل الاولي يقتضي عدم مشروعية الجماعة، والا فكون المورد من الشبهة المصداقية لايوجب بطلان الجماعة، فان الاصل الجاري فيها يقتضي الصحة، وهذا كاف بعد عدم جواز التمسك بالدليل الاجتهادي، نعم لو قلنا بان الاصل في الشبهات الموضوعية الاشتغال يتم ماقيل، ولكن المبنى فاسد كما قرر في الاصول.
قوله «قده»: ولو كان الامام يلحن في قراءته لم يجزىء امامته بمتقن على الاظهر.
اقول: قد تقدمت المسألة في امامة الامي لغيره، ولا خصوصية لتلك المسألة الا ان الامي يلحن في قراءته فلا وجه لاعادتها.
قوله «قده»: اذا ثبت ان الامام فاسق او كافر او على غير طهارة بعد الصلاة لم تبطل صلاة المؤتم.
اقول: تقدم الكلام في ما اذا ثبت ان الامام فاسق او كافر، واما لو تبين انه على غير طهارة بعد الصلاة، فمضافا الى ان عدم بطلان صلاة المأموم هو المشهور، بل ادعي عليه الاجماع، انه موافق للقاعدة ايضا اذا لم يأت بما يكون مبطلا لصلاته حتى بنحو الانفراد، مثل زيادة الركن او الشكوك المبطلة للصلاة، فان مجرد الائتمام بل ترك القراءة، لايكون مضرا بصحة الصلاة لقاعدة «لاتعاد»، نعم اذا اتى بركن زائد متابعة او رجع الى الامام في شكه مع انه خلاف وظيفة المنفرد لايمكن تصحيح الصلاة بهذه القاعدة، بل نحتاج الى دليل مثبت لصحة جماعته في مفروض المقام، ويترتب عليها اثار الجماعة الصحيحة وان كان الامام فاقدا للشرط. ومما يمكن ان يستدل به
لاثبات ذلك عدة روايات وفيها الصحاح، ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قوم صلى بهم امامهم وهو غير طاهر، اتجوز صلاتهم ام يعيدوها؟ فقال: لا اعادة عليهم تمت صلاتهم وعليه الاعادة - الخبر.(١) فان ترك استفصال الامامعليهالسلام يدل على عدم الفرق بين صورة الاخلال بوظيفة المنفرد وصورة عدم الاخلال بها، نعم هنا بعض الاخبار تدل على البطلان مطلقا، ولكنها لا تخلو عن ضعف في السند او في الدلالة، فلاحظ.
ثم انه لو ثبت ان الامام كان فاقدا للشرط غير ما تقدم من العدالة والطهور فقد ظهر ان صحة الصلاة فيما اذا لم يخل المأموم بوظيفة المنفرد من زيادة ركن ونحوها على القاعدة، واما اذا اخل بذلك فحيث ان بطلان الجماعة بل اصل
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣٦ من ابواب صلاة الجماعة حديث٥.
الصلاة موافق للقاعدة، واثبات الصحة يحتاج الى دليل مفقود في غير مورد الشرطين المذكورين، نلتزم ببطلان الصلاة، والغاء الخصوصية عن الشرطين ليس بمعلوم، بل تعدي الحكم عنهما الى غيرهما من اسراء الحكم من موضوع الى موضوع اخر وهو القياس، استفادة التعميم من جملة «فانه ليس على الامام ضمان» في صحيحة زرارة(١) وجملة «فانه تجزي عن القوم صلاتهم» في صحيحته الاخرى(٢) ، كما في كلام المحقق الهمداني ممنوع، فانهما لا تدلان على ازيد من صورة وجود شرائط صحة الصلاة بنحو الانفراد فلاحظ.
وقد ظهر مما مر انه لو علم بذلك في اثناء الصلاة، فمع عدم الاخلال بوظيفة المنفرد تصح الصلاة ويتمها منفردا، والا ففي مورد الاخلال بالشرطين لايبعد استفادة الصحة من الروايات المتقدمة وان كان الاحتياط في محله، وفي غيرهما لابد من استئناف الصلاة، نعم لو حدث سبب البطلان في الاثناء لايضر بصحة صلاة المأموم مطلقا، بل يمكنهم اتمام الصلاة جماعةباستنابة شخص اخر مكان الامام، على ما يستفاد من اخبار جواز الاستنابة فيما اذا عرض للامام ضرورة، بعد الغاء الخصوصية عن مواردها. نعم لايمكن الغاء الخصوصية عنها والقول بذلك فيما اذا حدث سبب البطلان باختيار الامام، لكن صحة اصل الصلاة بالنسبة الى المأموم على القواعد.
قوله «قده»: لايجوز للمأموم مفارقة الامام بغير عذر، فان نوى الانفراد جاز.
اقول: تقدم الكلام في عدم جواز المفارقة في السابق في مسألة المتابعة في
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣٦ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ٣٩ من ابواب صلاة الجماعة حديث١.
الأفعال، فلا حاجة الى الاعادة، وينبغي البحث هنا عن مسألة قصد الانفراد، فقد استدل على الجواز بامور (منها) دعوى الجماع على الجواز. (ومنها) ان الاصل في المستحب جواز رفع اليد عنه. (ومنها) فعل النبيصلىاللهعليهوآله ، فانه صلى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة ثم خرجت من صلاته واتمّت منفردة(١) . (ومنها) ما ورد من جواز مفارقة الامام عند اطالته في التشهد(٢) وما ورد من جواز التسليم قبل الامام(٣) .
وشيء من ذلك لايتم فان المسألة خلافية، وجواز رفع اليد عن المستحب بقاء لايثبت التلفيق، فان رفع اليد عن الصلاة او الصوم الاستحبابي في الاثناء معناه ابطاله بحيث لايترتب عليه اثر من اوله الى اخره، ورفع اليد في المقام معناه صحة الجماعة الى حين قصد الانفراد وبطلانها بعده، وهذا المعنى لا اصل يثبته، وفعل النبيصلىاللهعليهوآله وهكذا الروايات الواردة في جواز المفارقة كلها واردة في مورد العذر، مع ان جواز التسليم قبل الامام اجنبي عن المقام، فان التسليم قبل الامام جائز حتى على القول بعدم جواز قصد الانفراد، بل حتى على كون المأموم باقيا على قصد الجماعة، لان تقدم المأموم على الامام في الاقوال جائز، ولايخرج المأموم من الجماعة الا بعد تسليمه فلا ارتباط بين المسألتين.
وبالجملة: ليس الكلام في جواز قصد الانفراد تكليفا ولا وضعا بمعنى كون صلاته منفردا بمجرد قصد الانفراد وان لم يستمر في صلاته بنحو صلاة المنفرد، بل الكلام في انه هل شرع التلفيق بين الجماعة والفرادى في صلاة واحدة أو
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢ من ابواب صلاة الخوف والمطاردة حديث١.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ٦٤ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
(٣) الوسائل: ج٥ باب ٦٤ من ابواب صلاة الجماعة حديث٣و٤و٥.
لا؟ فعلى الاول يصح اتمام الصلاة المنعقدة جماعة فرادى وبالعكس، الا ان جواز العكس خلاف مظنة الاجماع. وعلى الثاني فحيث ان المفروض الاستمرار في الصلاة فرادى فلا يمكن الحكم بصحة الجماعة في الكل، فلابد اما من القول ببطلان الجماعة او بطلان اصل الصلاة، وهما مبنيان على وقوع الاخلال بوظيفة المنفرد وعدمه، وهذا المعنى في تحرير محل البحث يشمل جميع موارد وقوع الافنراد في الاثناء حتى مع عدم قصد الانفراد، والحاصل: البحث في مشرعية التلفيق بين الجماعة والفرادى في صلاة واحدة وشيء من الادلة المتقدمة لا يثبت ذلك.
وقد يقال: ان الجماعة امر عرفي يصدق على الاجتماع حتى في ركعة واحدة. ولكن هذا المعنى وان لاينكر، الا ان مشروعية كل ما يكون اجتماعا بنظر العرف يحتاج الى دليل، لا اقل من وجود اطلاق في ادلة الجماعة، والملسم بينهم عدم اطلاق في مقام البيان فيها، فالمسألة موقوفة على ما مر من تأسيس الاصل في الجماعة، فعلى القول بالاطلاقات المقامية او اصالة البراءة في امثال هذه الشكوك تثبت الصحة، والا فالأصل الاشتغال وعدم صحة الجماعة، وحينئذ فلو اخل بوظيفة المنفرد في الاركان والشكوك تبطل الصلاة أيضا، والا فلا مانع من صحة أصل الصلاة فرادى، لما مر من ان بطلان الجامعة لايستلزم بطلان اصل الصلاة.
ان قلت: ان قصد الانفراد لو حصل في الاثناء فاستصحاب صحة الصلاة جار بلا مانع، واما لو كان من اول الأمر قاصدا للانفراد في الأثناء فمشروعية مثل هذه الصلاة مشكوكة من الأول، والأصل عدم المشروعية.
قلت: هذا موافق لما استفدنا من سيدنا الاستاذ في هذه المسألة. وفيه: ان الكلام ليس في شأن قصد الانفراد بما هو قصد كما مر، فان مجرد هذا القصد لايكون مخلا بالصحة بلا فرق بين حصوله في الاثناء او من الاول، بل الكلام
انما هو في مشروعية الصلاة ملفقة بين الجماعة والفرادى، وهذا أيضا لا فرق فيه بين حصول القصد في الأثناء او من الأول، هذا مضافا الى ان استصحاب الصحة لا أصل له، فان الصحة ليست بمجعول شرعي ولابموضوع ذي حكم كما بنينا عليه في محله، مع ان اصالة عدم المشروعية ليست الا الاصل المدعى جريانه في تمام موارد الشك في قيدية شيء لصحة الجماعة، وقد اثبتنا فيما تقدم ان الأصل يقتضي المشروعية، فالمسألة مبتنية على الأصل المؤسس في شكوك الجماعة، وعليه لا ينبغي ترك الاحتياط وان قلنا بأن الأصل الصحة.
والحمد لله رب العالمين.
الكلام في صلاة الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد واله الطاهرين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أقول - مستعينا بالله -: لما وصل بحث سيدنا الاستاذ في باب الصلاة الى صلاة الجمعة شرع فيها وبين انظاره في أصل حكم صلاة الجمعة بنحو الايجاز والاختصار.
واغتنمت الفرصة وكتبت ما افاد وعلقت عليه بعض الايرادات وما خطر بالبال مع مراعاة الاختصار أيضا.
قال: ويقع الكلام فيها في جهتين: (الجهة الأولى) في وجوب عقدها وإقامتها. (والجهة الثانية) في وجوب الحضور بعد الانعقاد.
ولنقدم الكلام في الجهة الأولى، والمحتملات في ذلك ثلاثة:
١ - وجوبها تعيينا، ونتيجته عدم إجزاء الظهر عنها.
٢ - عدم مشروعيتها، ونتيجته عدم إجزائها عن الظهر.
٣ - وجوبها تخييرا بينها وبين صلاة الظهر، ونتيجته إجزاؤها عن الظهر وبالعكس.
وقد وقع الاختلاف بين العلماء في ذلك بعد اتفاقهم على وجوب صلاة الجمعة اجمالا، بل قامت عليه ضرورة الدين، ولم يخالف فيه احد من المسلمين.
اما الوجوب التعييني لصلاة الجمعة فهو مذهب الشهيد الثاني -قدسسره - في رسالته المؤلفة في صلاة الجمعة. وتبعه صاحب المدارك -قدسسره -
واما القول بعدم مشروعيتها فعليه الشهرة بين المتقدمين بل نقل اتفاقهم على ذلك والاختلاف نشأ بعد الشهيد -قدسسره -.
واما القول بالتخيير فنسب الى الشهيد الثاني -قدسسره - في قوله الاخر في باقي كتبه. وذكر صاحب الجواهر -قدسسره - ان الرسالة قد يظن صدورها منه في حال صغره لما فيها من الجرأة التي ليست من عادته على اساطين المذهب وكفلاء ايتام ال محمدعليهمالسلام وحفاظ الشريعة، ولما فيها من الاضطراب والحشو الكثير، ولمخالفتها لما في باقي كتبه من الوجوب التخييري.
اقول: الأقوال في المسألة ثلاثة: الوجوب التعييني مطلقا. الوجوب التعيين حال بسط يد الامام وعدم المشروعية حال عدمه. الوجوب التعيني حال بسط يد الامام والتخيير حال عدمه.
واما المحتملات التي افاده - دام ظله - فان اراد منها ما هو محتمل بحسب اصل الشرع لافي خصوص زمان عدم بسط يد الامام كم هو الظاهر لأنه ملتزم
بالوجوب التخييري كذلك، أي يرى ان سنخ تشريع الجمعة هو الوجوب تخييرا. وقد صرح بذلك في جواب ما سألنا عنه ويظهر ايضا في منض استدلاله على ما اختاره فانه يحمل الاخبار الدالة عنده على الوجوب على الوجوب التخييري، وليس هذا الا الالتزام بالتخيير بحسب اصل الشرع أي حتى حال حضور الامامعليهالسلام وبسط يده، فلم يعهد بين القدماء الا القول بالوجوب التعييني. اما عدم المشروعية فمخالف لضرورة الدين وقد صرح هو به أيضا.
واما الوجوب التخييري فاسناده - دام ظله - الى الشهيد الثاني -قدسسره - في غير محله. فان مختاره في سائر كتبه هو الوجوب التخييري في زمان الغيبة لا بحسب اصل الشرع، فانه صرح في الروضة اثناء كلامه في ذيل عبارة الشهيد الأول -قدسسره - «مع امكان الاجتماع في الغيبة»: والحال انها في حال الغيبة لا تجب عندهم عينا وذلك شرط الواجب العيني خاصة. وصرح في اخر كلامه: ولو لا دعواهم الاجماع على عدم الوجوب العيني لكان القول به في غاية القوة، فلا اقل من التخييري، مع رجحان الجمعة.
وكلامه صدرا وذيلا ينادي بأنه يريد اختيار الوجوب التعييني مع حضور الامام، والوجوب التخييري في زمان الغيبة. فما اختاره - دام ظله - من القول بالوجوب التخييري بحسب اصل الشرع حتى حال حضور الامام وبسط يده فليس في كلمات القدماء منه عين ولا اثر، وان اراد منها في خصوص زمان الغيبة فالقول بالتخيير وان كان صحيحا على ما سنبين، الا انه ليس هو التخيير بحسب اصل الشرع الذي هو ملتزم به، بل ليس هو التخيير في مرحلة الجعل ايضا حتى حال عدم بسط يد الامام، بل المراد منه هو التخيير في مرحلة الامتثال حال عدم بسط يد الامام، فان مبنى هذا القول ان صلاة الجمعة ولائية، أي لاتجب عينا الا مع وجود الامام او من نصبه، ومع ذلك ثبتت المشروعية عند عدم وجود ولي الامر بدليل. ومعنى ذلك اشتراط الوجوب
التعييني بوجود ولي الأمر واطلاق المشروعية، ويتضح هذا ازيد من ذلك ان شاء الله.
هذا مضافا الى أن اسناده القول بعدم المشروعية الى المشهور ليس في محله، بل المشهور والمعروف بين القدماء هو القول بالتخيير كما يظهر من كلام الشهيد الثاني المتقدم أيضا.
نعم يمكن ان يقال ان مراده - مد ظله - من هذه المحتملات هو الوجوب التعييني مطلقا، وعدم المشروعية حال الغيبة، والوجوب التخييري مطلقا، الا انه بعد الاغماض عن لزوم البيان حينئذ، وعدم معهودية الوجوب التخييري مطلقا، يرد عليه بأنه لا ينحصر الاقوال حينئذ بما ذكر، بل هناك قول اخر وهو المشهور بين القدماء وهو القول بالوجوب التعييني مشروطا بوجود الامام او من نصبه، والوجوب التخييري في زمان الغيبة وهو الصحيح عندنا بالمعنى المذكور، أي اشتراط الوجوب واطلاق المشروعية، ويظهر خلال الابحاث ان شاء الله ومنه التوفيق.
قال: وكيف كان فالحق في المقام هو القول الثالث وهو القول بالتخيير فلابد من التكلم في مقامين: (المقام الأول) نفي وجوبها تعيينا في قبال من زعم ذلك. (المقام الثاني) اثبات مشروعيتها في قبال القول بالحرمة. وهذا المقدار كاف في اثبات التخيير كما يظهر ان شاء الله.
اما المقام الأول: وهو نفي عينية الوجوب فيكفي فيه عدم الدليل عليه، فلابد من بطلان ادلة القائلين بالوجوب التعييني.
وقد استدلوا على ذلك (اولا) بالاية الكريمة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِکْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِکُمْ خَيْرٌ لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) . بتقريب ان اختصاص يوم الجمعة بالذكر يدل على ان النداء انما هو لصلاةالجمعة، فحينئذ تدل الاية الكريمة على انه متى نودي لصلاة الجمعة يجب السعي اليها، فان الامر ظاهر في الوجوب ولاسيما في الايات القرانية كما في الحدائق، ولم نعرف وجها للاختصاص وهذا معنى الوجوب.
والجواب عن هذا يظهر بأدنى تأمل: (اولا) ان الاية الكرمية علق فيها وجوب السعي على تقدير تحقق النداء فلا تدل على وجوب صلاة الجمعة مطلقا بل تدل على وجوبها مشروطا بتحقق النداء ويحتاج اثبات وجوب النداء الى دليل.
اقول: الاحسن ان يقال: انه لو كان النداء دخيلا في وجوب صلاة الجمعة فالاية لا تدل على وجوب العقد، بل غاية انها تدل على وجوب صلاة الجمعة عند النداء، فيحتاج وجوب النداء الى دليل. ولا فرق في ذلك بين ان يكون المراد من النداء هو الأذان عموما او الأذان لخصوص صلاة الجمعة.
ولو كان النداء غير دخيل في ذلك فيكون ما ذكر في الاية عنوانا طريقيا كفائيا لما هو شرط للوجوب، فيحتمل ان يكون ذو الطريق ارادة من له الاقامة، أي اذا اراد من له الاقامة اقامة الصلاة فاسعوا. فتكون الاية من ادلة المنصبية، ويحتمل ان تكون ذو الطريق ارادة الاقامة مطلقا. فالاية حينئذ لا تدل على الوجوب عند عدم الارادة.
نعم قد يقال بل قيل: ان ذا الطريق دخول الوقت، ولكنه قول بلا شاهد بعد الاحتمالات السابقة.
____________________
(١) الجمعة:٩.
وأما ما اعترض على صاحب الحدائق من انه لا نعرف وجها لاختصاص الأوامر القرانية بالدلالة على الوجوب، وجهه وحدة الامر والحاكم (المولى) فيها وتعددهما في غيرها، فان وجه حمل الأوامر على الوجوب انما يجري اذا كانت صادرة عن المولى بداعي البعث، كما هو كذلك في الاوامر الواردة في الكتاب الكريم في مقام بيان الاحكام.
واما اذا كانت صادرة للارشاد كما هو الشان في أوامر المعصومينعليهمالسلام في بيان الأحكام الشرعية فانها صادرة عنهمعليهمالسلام لحكاية احكام الله تعالى لا في مقام اعمال مولويتهمعليهمالسلام بل للارشاد الى احكامه تعالى وهو المولى، فهي تابعة للمرشد اليها، نظير الاوامر الصادرة عن الفقهاء في مقام بيان الفتوى، ويسمى هذا النوع من الأوامر بـ«الأوامر الافتائية» هذا هو الوجه، وان كان فيه بحث، وقد بين هذا الوجه والدي العلامة - اعلى الله مقامه - في توجيه ما ذكره صاحب الحدائق -قدسسره - ونقلت عنه باسمه اداء لبعض حقوقه مع اعترافي بالعجز عنه فانه قد دأب على تربيتي وتغذيتي بالاداب الدينية والعلوم الاسلامية وصرف نفسه ونفيسه لرعايتي وتقويمي ومع ذلك هو من جملة اساتذتي ومشايخي تغمده الله برحمته ورضوانه واسكنه بحبوحة جنانه انه سميع مجيب.
قال: (ثانيا) سلمنا لكن المذكور في الاية وجوب السعي وهو المشي السريع، ولم يقل بوجوبه احد حتى القائلين بالوجوب التعييني. مضافا الى ان ترتب المشي السريع على النداء دال على ان المراد بذكر الله هو الخطبة، والا فلا وجه للسعي بمجرد النداء، مع ان الخطبة فاصلة بين الاذان والصلاة. ولا نلتزم بوجوب حضور الخطبة في صلاة الجمعة فضلا
عن السعي اليها ولم يلتزم به الخصم ايضا.
ويدل على ان المراد من ذلك هو الخطبة ما في الاية المباركة المتأخرة:( وَ إِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَ تَرَکُوکَ قَائِماً ) (١) . فان الظاهر من ذلك هو القيام للخطبة. على ان الاية المباركة دالة على ان السعي المذكور فيها غير واجب فقد قال سبحانه: «ذلك خير لكم» وكلمة خير افعل التفضيل وهو ظاهر في ارجحية المفضل على المفضل عليه، وهذا لا يزيد على المحبوبية والاستحباب.
وبهذا ظهر انه ولو كان المراد من ذكر الله هو الصلاة ايضا لم نلتزم بأن المذكور في الاية وجوب السعي، لمكان كلمة خير. وايضا بهذا ظهر انه لايمكن التمسك لهذا القول بالاية المتأخرة عن هذه الاية، وهي قوله تعالى «واذا رأوا... الخ» بتقريب انها في مقام ذم تارك صلاة الجمعة. فان في ذيل هذه الاية ايضا كلمة خير( قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجَارَةِ ) (٢) مضافا الى ان القيام هو القيام للخطبة لا للصلاة كما مر. فتحصل انه لا تدل الاية الكريمة على وجوب صلاة الجمعة.
اقول: لو سلمنا ان الامر في كلمة «اسعوا» دال على الوجوب فمع ذلك لا تدل الاية على وجوب عقد صلاة الجمعة مطلقا، فانها في مقام الامر بالسعي الى صلاة الجمعة المنعقدة وليست في مقام ايجاب عقدها، فليست ناظرة الى شرائط الانعقاد، وبعبارة اخرى: ان الايةفي مقام بيان ما هو في طول تشريع شرائط الانعقاد، وبعبارة اخرى: ان الاية في مقام بيان ما هو في طول تشريع
____________________
(١ و٢) الجمعة: ١١.
صلاة الجمعة وهو وجوب الحضور اليها بعد انعقادها فلا تدل على اصل التشريع سعة وضيقا الا بالادلة الاستلزامية، ولا اطلاق لهذا النحو من الادلة فان غايتها الدلالة على تشريع الجمعة اجمالا لا تفصيلا، فلا يمكن التمسك باطلاق الاية لا لوجوب عقد الجمعة لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، ولا لوجوب الحضور لمطلق صلاة الجمعة المنعقدة بعين تلك العلة. ومن هنا ظهر انه لا حاجة الى البحث عن دلالة «اسعوا» على الوجوب وعدمها، ولا الى البحث عن المراد من ذكر الله.
ان قلت: ان الجملة الشرطية ظاهرة في بيان الملازمة بين الطرفين، والملازمة اطلاقا وتقييدا تدور مدار طرفيها، فالملازمة المطلقة ماكان طرفاها مطلقين، فعلى ذلك ظاهر الاية الكريمة اطلاق الملازمة بين وجوب السعي وتحقق النداء، وهذا لايتم الا بتمامية الاطلاق في تحقق النداء، أي متى تحقق النداء يجب السعي. فعلم وجوب الحضور الى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة.
قلت: ان مورد نزول الاية الكريمة، وهكذا ذيلها «وتركوك قائما» قرينتان على ان الاية ليست في مقام بيان الملازمة بين المقدم والتالي بل انها ناظرة الى اثبات التالي على تقدير وجود المقدم الذي اخذ مفروض الوجود، وكم فرق بين الامرين. وبعبارة اخرى: ان القرينتين تدلان على ان الاية في مقام بيان وجوب الحضور الى الجمعة التي اخذت مفروض الانعقاد لا الملازمة بين الوجوب والانعقاد. وليس هذا من تخصيص عموم الوارد بقرينة المورد بل انه قرينة معينة لمصب عموم الوارد، فليتدبر.
واما ما استدل به على عدم دلالة الاية الكريمة على الوجوب من قرينية مادة السعي على عدم ارادة الوجوب من الهيئة وقرينية «خير» على عدم الوجوب فانه من افعل التفضيل ففيه مالايخفى. فان «اسعوا» تدل على شدة الاهتمام بالحضور، وهذا يدل على ان الحضور مأمور به فلابد من الالتزام بوجوب الحضور
لوجود ملاك حمل الأوامر على الوجوب فيه وهو تمامية حجة المولى على العبد وعدم ثبت الاذن في ترك الامتثال، ولم يثبت كون الخير في الآية من افعل التفضيل بل لعله نظير الأولوية في اية اولوا الأرحام تعييني.
وفي مجمع البحرين: انه قد يكون اسم فاعل لايراد به التفضيل نحو «الصلاة خير من النوم» وما قال من عدم وجوب الحضور الى الخطبة غير مسلم، والبحث عنه موكول الى محله.
قال: واغرب من ذلك التمسك باية اخرى وهي قوله سبحانه( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى ) (١) . بتقريب ان المراد من صلاة الوسطى هو الظهر في غير يوم الجمعة، وصلاة الجمعة في هذا اليوم. وقد فسرت الاية بذلك. الا انه لم يعلم تفسير المذكور الا بما رواه الطبرسي -قدسسره - في تفسيره(٢) . وهي رواية مرسلة دالة على ذلك، ولكنها من جهة ارسالها، لايعتدبها. مع انه لو سلمنا ذلك وقلنا بان المراد من الصلاة الوسطى ما يشمل صلاة الجمعة أيضا فحينئذ تدل الاية على وجوب المحافظة على صلاة الجمعة الا انها اجنبية عن بيان شرائط وجوبها.
اقول: وبعبارة اخرى: ان الاية الكريمة كالاية السابقة ناظرة الى بيان ما في طول التشريع وفي المرتبة المتاخرة عنه وهي المحافظة على صلاة الجمعة التي اخذت مفروض الوجوب، فلا يكون ناظرا الى التشريع نفسه.
نعم يعلم من ذلك التشريع بالاستلزام، الا ان غايته الكشف عن ذلك اجمالا لا تفصيلا، ولذا نقول: انه لا اطلاق لهذا النحو من الدلالة التي نسميه بالدلالة الاستلزامية. فلا تدل الاية الكريمة على سعة وجوب صلاة الجمعة
____________________
(١) البقرة: ٢٣٨.
(٢) مجمع البيان: ج٢، ص٣٤٣.
وضيقه، ولايمكن التمسك باطلاقها لاثبات وجوب الجمعة مطلقا ودفع ماشك في اعتباره في وجوبها.
قال: (وثانيا) بالروايات، وهي كثيرة تبلغ حد التواتر ولو اجمالا، فيعلم صدور بعضها اجمالا مع ان عدة منها صحاح. نذكر جملة منها.
(فمنها) صحيحة زرارة عن ابي جعفر الباقرعليهالسلام قال: انما فرض الله عز وجل على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها الله عز وجل في جماعة وهي الجمعة ووضعها عن تسعة(١) الخبر. وهذه الرواية صحيحة سندا وتامة دلالة على ان صلاة الجمعة واجبة على جميع الناس عدا ما استثني فيها.
اقول: الرواية وان كانت تامة الدلالة على الوجوب الا انه لايستفاد منها الوجوب بالنسبة الى عموم المكلفين (في خصوص صلاة الجمعة)، فانها مشتملة على قيد وهو (في جماعة). والاحتمالات في ذلك ثلاثة:
الاول: وجوب تحصيل الجماعة.
الثاني: وجوب الحضور للجماعة بمعنى ان كل مكلف موظف بالحضور حتى تحصل الجماعة.
الثالث: وجوب الصلاة مشروطا بحصول الجماعة. ومع هذا كيف يمكن التمسك بالرواية لاثبات المطلق.
وبعبارة اخرى: ان الرواية وان كانت دالة على وجوب صلاة الجمعة الا انها دالة على الوجوب في جماعة. ولا يعلم من الرواية ان الجماعة قيد للواجب
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب١ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١.
أو الوجوب.
وبعبارة ثالثة: ان «في جماعة» ظرف ولا يعلم انها ظرف للفرض او المفروض لو لم نقل بظهور العبارة في الأول. هذا. مع احتمال ان تكون الجماعة دالة على الفرد المجهول والا فلو كان الظرف حالا عن الفرض لم يحتج الى «في»، فكلمة «في» تقتضي كون الجماعة ظرفا و لا حالا محضا فيكون المراد انه فرضها الله عز وجل في جماعة خاصة من الجماعات، فلا يستفاد الوجوب حينئذ من الرواية حتى مع اقامة الجمعة وتحقق الجمعة في زمان الغيبة، لعدم العلم بانطباق الجماعة المذكورة في الرواية على هذه الجماعة المنعقدة، فافهم.
على ان الادلة الدالة على المنصبية تفسر الجماعة بالحكومة التفسيرية، هذا والمهم هو الاشكال الاتي، فلاحظ.
قال: نعم قد يناقش في ذلك: ان الرواية ليست الا في مقام بيان اصل وجوب صلاة الجمعة كسائر الصلوات، أي انما هي في مقام بيان تعداد الصلوات الواجبة فلا اطلاق لها في مقام البيان لسائر الجهات من شرائط الوجوب والواجب وغير ذلك.
اترى امكان التمسك باطلاق هذه الرواية لدفع ماشك في شرطيته وجزئيته لسائر الصلوات؟ ولكن المناقشة واردة على الأخذ بالاطلاق لدفع شرائط المأمور به المشكوك فيها لا لدفع ما شك في شرطيته للوجوب، فانها في مقام بيان وجوب ما ذكر فيها من الصلوات على جميع الناس ولاسيما بملاحظة الاستثناء الوارد في ذيلها فلو كان لوجوب الصلاة شرط اخر غيرما يفهم من ذيل الرواية لكان الموضوع عنهم عشرة لا تسعة فاذا الرواية بحسب الدلالة كسندها لابأس بها.
أقول: التحقيق ان الراوية ليست في مقام بيان مطلق شرائط الوجوب، فانه بقرينة ذكر من كان على رأس فرسخين في عقد الاستثناء يعلم انها في مقام بيان وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة، فغاية ما تكون الرواية في مقام بيانه من شرائط الوجوب هي الشرائط المعتبرة في المكلف بالحضور كالبلوغ والعقل وغير ذلك من المذكورات. واما غيرها مما هو دخيل في وجوب عقد الجمعة فليست الرواية ناظرة اليه.
ومن هنا يعلم دفع ما افاده من انه لو كان للوجوب شرط اخر غير ما ذكر في عقد الاستثناء لكان اللازم استثاء غير واجد الشرط ايضا. فان دخول الوقت او الاقتدار على الخطبة ولو في الجملة شرط للوجوب يقينا، ومع ذلك لم يذكر في الرواية.
والسر في ذلك ما ذكرناه ن ان الرواية مسوقة لبيان وجوب الحضور بعد الانعقاد وشرائط وجوب الحضور لا الانعقاد، وشرائط وجوب العقد. فلا تدل الرواية لا على وجوب العقد مطلقا ولا على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة، فتدبر جيدا.
قال: (ومنها) حسنة زرارة عن ابي جعفر الباقرعليهالسلام قال: صلاة الجمعة فريضة والاجتماع اليها فريضة مع الامام، فان ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولايدع ثلاث فرائض من غير علة الا منافق(١) .
(ومنها) صحيحة ابي بصير ومحمد بن مسلم قالا: سمعنا ابا جعفر محمد بن عليعليهالسلام يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متواليات بغير
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ١ من ابواب صلاة الجمعة، وادابها حديث٨و١١.
علة طبع الله على قلبه(١) . ولا بأس بدلالة الروايتين كسندهما فانهما بالعموم تدلان على وجوب الجمعة على كل احد.
اقول: (اولا) الحسنة مشتملة على كلمة (مع الامام) ولاينبغي الاشكال في ظهوره في امام خاص فيها، ولو لم يكن ظاهرا في ذلك في غيرها فانه لو كان المراد مطلق من يقتدى به لكان القيد مستدركا بذكر الاجتماع اليها ولزم اللغو، فدفعا لمحذور اللغوية لابد من ان يكون القيد اشار الىاشتراط وجوب الاجتماع بالامام الخاص، فالرواية من ادلة المنصبية، فهي دالة على خلاف المطلوب.
(ثانيا) لو تنزلنا عن ذلك ولم نقل انه امام خاص فلا اقل من انه محتمل، لعدم ارادة الجنس منه يقينا فهو معهود فيكون مجملا. اترى ان ما بين الشرائط المعتبرة في الامام ناظر الى هذه الرواية بلسان التقييد ام يبين المراد منه بنحو التقييد ومن باب ضيق فم الركية.
(ثالثا) لو تنزلنا عن ذلك وقلنا انه ظاهر في مطلق من يقتدى به الا ان ادلة المنصبية على ما سيجيء الكلام فيها يعين المراد منه، وانه ولي الامر او من نصبه.
(رابعا) ان الرواية غير ناظرة الى بيان كيفية التشريع وشرائطه. واليك تحليل الرواية:
اما صدرها «صلاة الجمعة فريضة» فلا يكون مسوقا الا لبيان اصل الشرع، فلا دلالة له حتى بالاطلاق على وجوب الجمعة على كل واحد، بل ليس ذلك مصبا للاستدلال عند المستدل ايضا.
واما الجملة الثانية، وهي «الاجتماع اليها فريضة» فناظرة الى بيان وجوب الاجتماع الى صلاة الجمعة المنعقدة وليست ناظرة الى بيان شرائط الانعقاد فلا يمكن الاستدلال بها لاثبات وجوب الانعقاد مطلقا او وجوب
____________________
(١) الوسائل: ج٥٤ باب ١ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٨و١١.
الحضور الى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة.
واما الذيل: وهو «فان ترك رجل.... الخ» فيحتمل ثبوتا ان يكون تفريعا على الجملة الاولى او على الجملة الثانية او كلتيهما، فلو كان تفريعا على الجملة الاولىيكون المراد من الترك هو ترك الاتيان بصلاة الجمعة. ولو كان تفريعا على الجملة الثانية يكون المراد منه ترك الحضور الى الجمعة المنعقدة. ولو كان تفريعا على كلتا الجملتين يكون المراد منه اعم من ترك الحضور والاتيان.
اما على الأول: فذيل الرواية ناظرة الى رتبة الامتثال وهو ترك الجمعة المفروضة، وهذا في الرتبة المتأخرة عن شرع الجمعة، وفي طول ذلك فلا تدل عليه الا بالاستلزام، وقد ذكرنا ان الدلالة الاستلزامية لا اطلاق لها فلا تدل على اطلاق شرع الجمعة.
واما على الثاني: مضافا الى انها ناظرة الى مرحلة الامتثال، لا تدل على ازيد مما يستفاد من الجملة الثانية نفسها وهو وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة من دون نظر الى شرائط الانعقاد. وظهر بذلك حال الاحتمال الثالث لعدم استفادة اطلاق الشرع من الرواية على كلا التقديرين. مضافا الى ان التفريع على الجملة الاولى فقط مستلزم للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، فلابد إمّا من ان يكون التفريع على الجملة الثانية او على كلتا الجملتين. اما التفريع على كلتا الجملتين فمستلزم لاجتماع اللحاظين، ولا اقل من انه خلاف الظاهر، فلابد من ان يكون التفريع على الجملة الثانية فقط، وان ابيت فلا اقل من عدم الدليل على التفريع على ازيد من الجملة الثانية، فانه القدر المتيقن والزائد مشكوك فيه، فلاتدل الرواية بحسب ذيلها ايضا على ازيد من وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة، ساكتة عن شرائط الانعقاد.
فتحصل انه لا اطلاق ولا عموم لهذه الرواية يدل على وجوب الجمعة على كل احد حتى مع قطع النظر عن ادلة المنصبية. هذا وسنذكر المستفاد من
الرواية من جهة التفصيل بين اصل الصلاة والاجتماع اليها وانها ملائمة مع القول بالمنصبية، فانتظر.
وقد ظهر مما ذكرناه اخيرا ان الرواية الأخيرة ايضا غير ناظرة الى مرحلة الجعل وتشريع صلاة الجمعة، بل هي ناظرة الى المرتبة المتأخرة عن التشريع وهي مرحلة الامتثال، فهي مسوقة لبيان ما في طول التشريع فلا تدل على التشريع الا بالاستلزام ولا اطلاق للدلالة الاستلزامية كما مر، فكيف تثبت بها كيفية التشريع.
وبعبارة اخرى: ان الرواية تدل علىحرمة ترك الجمعة المفروضة وليست في مقام بيان شرائط انعقادها وشرائط وجوبها، فلا تدل على وجوب الجمعة لا عقدا ولا حضورا حتى بالاطلاق.
قال: (ومنها) صحيحة ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبداللهعليهالسلام قال: ان الله عز وجل فرض في كل سبعة ايام خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة: المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي(١) . وعموم هذه الرواية غير قابل للانكار.
(ومنها) صحيحة منصور عن ابي عبد اللهعليهالسلام في حديث قال: الجمعة واجبة على كل احد لايعذر الناس فيها الا خمسة: المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي(٢) . وهذه الرواية كسابقتها في الدلالة.
____________________
(١و٢) الوسائل: ج٥ باب ١ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١٤ و١٦.
مقام بيان شرائط الانعقاد، فلا تدل لا على وجوب العقد مطلقا، ولا على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة.
والرواية الثانية ليست في مقام بيان وجوب الجمعة على كل شخص، فان ظهور الاستثناء في الاتصال يقتضي ان يكون المراد من الاحد هو الواحد النوعي لا الشخصي، فان المستثنى هي الانواع لا الاشخاص، فيكون مفاد الرواية ان الجمعة واجبة على كل نوع عدا ما خرج فهي في مقام بيان دخل النوع في الوجوب، لا الوجوب على كل شخص.
وبعبارة اخرى: ان الرواية ليست في مقام تشريع الجمعة بل انما هي في مقام بيان نفي وجوبها مطلقا عن المذكورات، ودخل غيرها في الوجوب لا في مقام بيان وجوبها المطلق على كل واحد، فهي بمثابة ان يقال: الجمعة الثابتة في الشريعة كيف كانت واجبة على كل احد غير ما استثنى، لا تقييدا بل تقييدا من جهة ان الرواية في مقام بيان ما في طول التشريع، فافهم واغتنم.
قال: ولكن هذه الروايات وان دلت على الوجوب على كل احد بالعموم الا ان دلالتها على التعيين انما هو باطلاق ولابد من رفع اليد عن هذا الاطلاق، وحمل الوجوب على الوجوب التخييري لوجوه، وهذا هو المقام الثاني من الكلام.
اقول: على ما ذكرنا سابقا قد عرفت انه لم توجد حتى رواية واحدة تدل على الوجوب التعييني في زمان عدم بسط يد الامام حتى بالاطلاق. فان المهم من الروايات التي تمسك بها على القول بالوجوب التعييني ما مر، وسيجيء بعض اخر منها.
وحاصل ما يقال في جميع هذه الروايات انها واردة في مورد حكم مرتب على التشريع فلا تدل على التشريع نفسه الا بالاستلزام، والدلالة الاستلزامية لا اطلاق لها
بل هي مجملة من حيث سعة التشريع وضيقه، وقد مر بيان ذلك بنحو أوفى.
وليعلم ان دلالة هذه الروايات ولو بملاحظة مجموعها على الوجوب التعييني في الجملة غير قابل للانكار فمع عدم الدليل على الوجوب التخييري مطلقا كما هو كذلك على ما سيظهر، نلتزم بالوجوب التعييني اجمالا. فما التزم به - دام ظله - أي الوجوب التخييري بحسب اصل الشرع مخالف لظاهر هذه الروايات من دون وجود دليل صالح عليه.
ومحل نظرنا عدم استفادة الوجوب التعيني مطلقا حتى مع عدم بسط يد الامام من هذه الروايات، فالوجوب المستفاد منها أي الوجوب التعييني اجمالا لاوجه لحمله على التخييري كما
سيظهر ان شاء الله، وما يمكن الالتزام بالتخيير فيه ليست هذه الروايات ناظرة الى حكمه، فتدبر جيدا.
قال: (الاول) ان صلاة الجمعة من المسائل التي تعم بها البلوى ومحتاج اليها جميع الناس عدا ما استثني في الروايات فلو كانت مثل هذه الصلاة واجبة تعيينا لبان وظهر ظهور الشمس في رائعة النهار، كيف والمشهور بين القدماء عدم وجوبها تعيينا بل نقل على ذلك اجماعهم، وهذا اقوى شاهد على عدم الوجوب التعييني لصلاة الجمعة.
(الثاني) السيرة القطعية بين اصحاب الأئمةعليهمالسلام كانت جارية على ترك صلاة الجمعة مع انهم اجلاء وردت في حقهم مدائح كثيرة، فلو كانت صلاة الجمعة واجبة تعيينا للزم تجاهرهم بالفسق والعياذ بالله.
أترى أن زرارة مع شأنه الجليل ومنزلته الرفيعة وهو الذي كان من اصحاب سر الامامعليهالسلام وورد في حقه ما هو غني عن البيان كان تاركا لهذه الفريضة مع وجوبها تعيينا ولا سيما بملاحظة ان عدة
كثيرة من هذه الروايات الدالة على وجوبها وردت بطريقه، ودلت على كونهم تاركين لصلاة الجمعة. صحيحة زرارة من جهة دلالة الحث على ان زرارة واصحابه كانوا تاركين لها. وموثقة عبد الملك، فانها تدل على ان عبد الملك لم يصل الجمعة حتى مرة واحدة بحيث يقول له الامامعليهالسلام : مثلك يهلك ولم يصل. ونذكر الروايتين في الوجه الثالث.
اقول: هذان الوجهان لايدلان على الوجوب التخييري بحسب اصل الشرع، بل غايتها الدلالة على عدم الوجوب التعييني في زمان عدم بسط يد الامام. فانهما دليلان لبيان، ولا اطلاق للدليل اللبي، فلعل منشأ الوجهين منصبية الجمعة.
وبعبارة اخرى: انه لو اراد بذلك ان الوجهين دالان على عدم التعيين حتى زمان بسط يد الامامعليهالسلام فبطلانه واضح. فمن اين ثبت ان ترك اصحاب الامامعليهالسلام كان في زمان بسط يد الامام، واي دليل دل على انه لو كان واجبا تعيينيا مشروطا ببسط يد الامام لبان وظهر.
وان اراد بذلك انهما دالان على عدم الوجوب تعيينا في الجملة فهو مسلم، الا ان الوجوب التخييري لا يثبت بذلك، هذا لو اغمضنا النظر عن ادلة المنصبية والا فالأمر واضح، فلا دلالة لهذه القرينة وماقبلها على عدم الوجوب التعييني بالنسبة الى اصل العقد.
نعم دلالتهما للوجهين على عدمه في زمان عدم بسط يد الامام تمام ويظهر من الوجه الأول زائدا على ذلك عدم وجوب الحضور بعد الانعقاد في زمان عدم بسط يد الامام بنفس التقريب السابق، ونتعرض لذلك ان شاء الله.
قال: ومما يدل على عدم الوجوب التعييني وثبوت التخيير نفس المعتبرتين وهما: صحيحة زرارة قال: حثنا ابو عبد اللهعليهالسلام على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد ان نأتيه. فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا، انما عنيت عندكم(١) . فان الجمع بين ترك زرارة وحث الامام يثبت التخيير.
وموثقة عبد الملك بن اعين عن أبي جعفرعليهالسلام قال: مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله. قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة(٢) . والتقريب كسابقتها.
ولايمكن حمل المعتبرتين على ارادة حضور جمعة المخالفين بل ظاهر الروايتين اتيان الجمعة عندهم مع ان صلاة الجمعة معهم باطلة لفسق الامام. فكيف تكون مثل هذه العبارة «مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله» ناظرة الى ذلك، فلابد من حمل الروايات السابقة ايضا على التخيير بقرينة هاتين المعتبرتين.
اقول: المعتبرتان وان دلتا على عدم الوجوب التعييني، الا انهما غير صالحتين لاثبات الوجوب التخييري.
أولا: انهما من الأدلة المنصبية من جهة «نغدو عليك» و«كيف أصنع» والحث انما هو بلحاظ مابعد التشريع وفقدان الشرط وهو بسط يد الامام فتدلان على انه لو لم يكن من كان من شأنه الاقامة فالمكلف مرخص في تطبيق
____________________
(١ و٢) الوسائل: ج٥ باب ٥ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١و٢.
الوظيفة الفعلية على الجمعة، وهذا غير الوجوب التخييري لاصل العقد، بل غايته الدلالة على التخيير عند عدم الشرط المذكور.
ثانيا: الروايتان لا تدلان على الوجوب التخييري مطلقا حتى مع قطع النظر عن المنصبية. فان الحث وهكذا صلوا في مقام الجواب عن الكيفية ناظران الى مرحلة الامتثال وهو في طول التشريع، فلا يدلان على سنخ التشريع.
ومن هنا يظهر ان الروايتين لا تدلان على الوجوب التخييري حتى حال عدم بسط يد الامام ايضا، بل غايته الدلالة على التخيير في مرحلة الامتثال لا في مرحلة الجعل، فتكون النتيجة من ضم الامرين المذكورين (أولا وثانيا) اشتراط الوجوب واطلاق المشروعية.
والحاصل: انه بملاحظة هذه الامور في الرواية أي «ترك زرارة واصحابه وهكذا عبد الملك لصلاة الجمعة» و«ارتكازية المنصبية عندهم المستفاد من الكلمتين - نغذو عليك - وكيف اصنع» و«حث الامام للاتيان» يستكشف ما ذكرناه أي الوجوب المشروط والمشروعية المطلقة.
لايقال: ان غاية ما يستفاد من الرواية المشروعية بالنسبة الى زرارة واصحابه وعبد الملك، فان الرواية في مقام بيان الترخيص في هذا المورد الخاص، فكيف يستكشف منها المشروعية المطلقة؟.
لأنا نقول: ان الرواية ليست في مقام بيان الترخيص في المورد الخاص بل انما هي في مقام الكشف عن المشروعية الواقعية وتطبيقها على ذلك المورد، فان الحث وهكذا تعبير «مثلك يهلك ولم يصل» يدلان على سبق المشروعية والحث على متعلقها بعنوان التطبيق، وهذا ظاهر. على انه لايستفاد من الروايتين ازيد مما ذكرناه على القول بعدم المنصبية ايضا، فانها واردة مورد حكم اخر غير تشريع الجمعة كما ذكرناه. فالمستفاد منهما جواز تطبيق الوظيفة ظهر يوم الجمعة على صلاة الجمعة حتى على القول بالمنصبية.
وهذا يظهر من كلمة «صلاة الجمعة» في صحيحة زرارة ومن كلمة «فريضة فرضها الله» في موثقة عبد الملك، ولازم هذا الاجزاء ولو قلنا بالمنصبية فانه بعد الانطباق كون الوظيفة واحدة بل كون الظهر والجمعة ماهية واحدة، كما يستفاد مما دل على انه جعلت الخطبتان مكان الركعتين يكون الاجزاء عقليا لا محالة. ولذا نعبر عن ذلك بتطبيق الوظيفة الفعلية على الجمعة الذي يستلزم الاجزاء عقلا ولو بنحو اجزاء غير الواجب عن الواجب. وبعبارة اخرى: حيث ان الروايتين
ناظرتان الى مرحلة الامتثال فلا تدلان على مرحلة الجعل حتى على الوجوب التخييري في تلك المرحلة. بل غايته الدلالة على اطلاق المشروعية ويعلم من تطبيق الامامعليهالسلام صلاة الجمعة والفريضة على المأتي به ولاسيما بملاحظة مادل على ان الظهر والجمعة ماهية واحدة الاجزاء. ويعلم من ادلة المنصبية اشتراط الوجوب التعييني. فالنتيجة اشتراط الوجوب واطلاق المشروعية. ولازم ذلك التخيير في مرحلة الامتثال عند عدم الشرط.
ولهذا توجد نظائر في الفقه مثل الوضوء الحرجي لو أتى به على قول بعضهم من صحة الوضوء المذكور مع انه غير واجب، والوجه في ذلك ان دليل الحرج بمقتضى امتنانيته انما يرفع اللالزام فقط دون اصل المشروعية الدال عليها اطلاق دليل الوضوء فالوجوب مشروط والمشروعية مطلقة. ومثل ما يقال من صحة صلاة غير البالغ وان بلغ بعد الاتيان بها في الوقت، والوجه فيه عين ما ذكر، فان دليل رفع القلم عن الصبي بمقتضى امتنانيته لايدل على ازيد من رفع اللازام بالنسبة اليه دون المشروعية التي تدل عليها اطلاق دليل الصلاة.
فبالنتيجة وجوب الصلاة مشروط بالبلوغ ومشروعيتها مطلقة، وهذا غير الوجوب التخييري، كما لايخفى، بل هو امر اخر نعبر عنه باشتراط الوجوب واطلاق المشروعية فكما لايقال في مورد كون الوضوء حرجيا ان الواجب الوضوء او التيمم تخييرا وان كان كل منهما صحيحا مع الاتيان به، فكذا
لا نقول بان الواجب في زمان عدم بسط يد الامام الجمعة والظهر تخييرا، بل نقول بان الواجب هو الظهر ويسقط باتيان الجمعة فانها ايضا مشروعة وان لم تكن واجبة الا مشروطة باقامة الامام المبسوط اليد.
قال: ومما يدل على ذلك استثناء كل من كان على رأس فرسخين عن المكلف لصلاة الجمعة في عدة من الروايات، فلو كانت الجمعة واجبة تعيينا لكان جعل الحد لغوا محضا، بل كان تجب عليهم الاقامة في محلهم كغيرهم فانه ليس المراد منهم المسافر، لجعلهم قسيما للمسافر في مقام الاستثناء، ومن البعيد جدا عدم وجود سائر الشرائط كالعدد والاقتدار على الخطبة في الامام في محل اقامتهم فانه مامن محل لاقامة احد الا ويوجد فيها سبعة نفر من المسلمين وفيهم امام جماعة ويقتدر على الخطبة ولو بمقدار اقل الواجب، وهذا ظاهر.
اقول: لو اثبتنا المنصبية - كما هو ثابت بالأدلة ويأتي ان شاء الله - فوجه عدم الوجوب بالنسبة الى من كان على رأس فرسخين ظاهر لعدم وجود الامام او من يقوم مقامه حينئذ.
بل لو تنزلنا عن ذلك وقطعنا النظر عن ادلة المنصبية فمع ذلك هذه الروايات لا تدل على الوجوب التخييري، وهذا ظاهر. بل لا دلالة لها على نفي الوجوب التعييني على الاطلاق، فان عدم الوجوب بالنسبة الى من كان على راس فرسخين لازم اعم لعدم الوجوب التعييني والوجوب المشروط مع عدم حصول شرطه بالنسبة اليه، فكيف يتمسك به لاثبات عدم الوجوب التعييني على الاطلاق حتى مع حصول الشرط، والمراد من الشرط هنا وجود ولي الأمر (الأعم من الامام او من نصبه) وبسط يده للاقامة، كمالايخفى.
قال: ومما يدل على ذلك الروايات الواردة في بيان وظيفة اهل القرى وانهم يصلون الجمعة اذا كان من يخطب، والا يصلون الظهر اربع ركعات. فانه لا ينبغي الاشكال في أن المراد ممن يخطب هو من يخطب فعلا لظهور الوصف في الفعلية لا من كان من شأنه ان يخطب لانه مضافا الى مخالفة الظاهر يكون التقييد في الرواية لغوا محضا، فانه ما من قرية الا ولها امام جماعة وهو يقدر على الخطبة ولو بمقدار اقل الواجب ومن شأنه ان يخطب.
بل لو فرضنا ان الجمعة واجبة تعيينا لكان اللازم على جميع المكلفين تعلم الخطبة فان مقدمة الواجب المطلق واجبة، فلا وجه للتقييد، الا بان يكون المراد انه يجب على اهل القرى حضور الجمعة على تقدير الاقامة فعلا. وعلى تقدير عدم الاقامة يصلون الظهر.
ويدل على ان المراد ممن يخطب ليس مطلق من يقتدر على الخطبة، بل المراد منه هو من يخطب فعلا، ترخيص الامام في بعض الروايات في الاتيان بصلاة الظهر يوم الجمعة جماعة ان لم يكن هناك امام يخطب. فلو كان المراد ممن يخطب مطلق من كان من شأنه ان يخطب، وكان انعقاد الجمعة على تقدير وجود من يقتدر على الخطبة واجبا تعيينيا لما صح اتيان الظهر بالجماعة لأن هذا من قبيل الاقتداء بالفاسق، فانه على ما ذكرنا لاتوجد قرية الا ويوجد فيها من يقدر على الخطبة ولو بمقدار اقل الواجب. بل لو لم يكن فيها من هو كذلك للزم تعلم الخطبة عليهم،
فكيف يجوز الاقتداء بمثل شخص يقتدرعلى ايراد الخطبة مع عدم اقامته الجمعة او عدم تعلمه الخطبة. واليك بعض هذه الروايات:
١ - صحيحة محمد بن مسلم عن احدهماعليهماالسلام قال: سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: نعم، ويصلون اربعا اذا لم يكن من يخطب(١) .
٢ - صحيحة عبد الله بن بكير قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم، أيصلون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟فقال: نعم، اذا لم يخافوا(٢) .
٣ - موثقة سماعة قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: اما مع الامام فركعتان، واما من يصلي وحده فهي اربع ركعات بمنزلة الظهر. يعني اذا كان امام يخطب، فان لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات وان صلوا جماعة(٣) .
وهذه الروايات تدل على ما ذكرنا من دون التقييد بالقرية لعدم احتمال الخصوصية. فالمتحصل من هذه الروايات وجوب الحضور الى الجمعة عند قيام احد بالأمر وجواز ترك الجمعة عند عدم قيامه. فبضميمة مادل على وجوب العقد من الروايات السابقة نستنتج التخيير بالنسبة الى العقد
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ١٢ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١.
(٣) الوسائل: ج٥ باب ٥ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٣.
اقول: (اولا) ان غاية ما يستفاد من هذه الروايات ان وجوب الجمعة مشروط بفعلية الخطبة. واما شرائط فعليتها لفلا يستفاد منها. فلو قلنا بالمنصبية كما هو المشهور فبحكومة ادلة المنصبية على هذه الروايات حكومة تفسيرية يعلم ان المراد ممن يخطب هو ولي الامر او من نصبه. فتدل على عدم الوجوب عند عدم وجوده بلا فرق بين العقد والحضور بعد الانعقاد.
ومع قطع النظر عن ادلة المنصبية فلا يستفاد من الروايات الا اشتراط فعلية الخطبة في وجوب صلاة الجمعة لا شرائط الفعلية. فلا يمكننا التمسك باطلاقها لدفع مايحتمل كونه شرطا في فعلية الخطبة، فلا تدل الرواية على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة.
(ثانيا) المذكور في الروايات هو اشتراط وجود من يخطب في وجوب الجمعة ولايراد منه الجنس يقينا، والمعهود يحتاج في تعيينه من دليل، فالروايات تصبح مجملة من هذه الجهة. وان شئت فاعتبر في نفسك ان مادل على شرائط الخطبة وقيودها هل هو مقيد لاطلاق من يخطب الواقع في هذه الروايات؟ او هو معين للمراد منها؟.
والفرق بين الأمرين: ان وزان المطلق والمقيد - بالكسر - المنفصل عن المطلق وزان المقتضي والمانع، بخلاف ماسميناه بالمعين للمراد فانه معين لحد المقتضي من الاول من باب ضيق فم الركية.
(ثالثا) ان هذه الروايات مشتلمة على كلمة الخطبة فيقع السؤال عن ذلك، وانه ماهي الخطبة، ومعتبرة العلل الواردة في بيان ماهية الخطبة مشتملة على كلمة الأمير ومطالب لاتناسب الا بالأمير، فيعلم منها ان من يخطب هو الأمير او من نصبه.
(رابعا) لو سلمنا تمامية هذه الروايات في الدلالة على ما افاده - دام ظله - الا انه بازاء هذه الروايات ما دل على اعتبار المصر في وجوب صلاة الجمعة.
وان شئت فقايس بين هذه الروايات الدالة علىتعليق وجوب الجمعة علىوجود من يخطب بالنسبة الى أهل القرية، وبين هذه الموثقة: «لا جمعة الا في مصر تقام فيه الحدود»(١) . فبالمقايسة بين الطائفتين وتحاكمهما يظهر ان دخل المصر في الموضوع ليس دخلا موضوعيا، بل اشتراطه من جهة كونه وعاء لما هو الشرط وهو اقامة الحدود، وبعد ذلك فلاحظ انه أية مناسبة بين اقامة الحدود ووجود من يخطب. فاذا لاحظت بعين التدقيق والتدبر ترى ما هو المشهور من ان صلاة الجمعة منصب ولائي بلا غبار عليه، فافهم واغتنم. وان ابيت فلا اقل من اعتبار فعلية اقامة الحدود في صلاة الجمعة فاطلاق وجوب الحضور ممنوع.
(خامسا) ان شيئا من هذه الروايات ليست في مقام البيان من جهة وجوب الحضور بعد الانعقاد بل انما هي ناظرة الى بيان حكم اخر في طول الشرع.
اما صحيحة محمد بن مسلم فهي ناظرة الى بيان جواز صلاة الجمعة جماعة بالنسبة الى اهل القرى والتنويع بالنسبة الى الاتيان بالظهر والجمعة، وليست في مقام بيان اطلاق الوجوب وعدمه، وتوسعة من حيث الشرط وعدمه. وهكذا صحيحة عبد الله بن بكير.
وأما موثقة سماعة فمضافا الى ما ذكر مشتملة على كلمة الامام وقد مر مايناسب ان يقال في ذلك. على ان الرواية وردت بمتون أربعة: منها ما ذكر وهو مشتمل على كلمة «يعني... الخ»، وفي بعض منها ليست هذه العبارة، وفي بعض منها جملة «بمنزلة الظهر» ساقطة، وفي بعض منها عبارة «يعني» المفسرة ساقطة مع وجود «وان صلوا جماعة فيها». فلا يعلم وجود عبارة «يعني اذا كان امام يخطب» في الرواية. مضافا الى انها لو كانت في الرواية فليست
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٣.
من كلام الامامعليهالسلام لعدم امكان تفسير الامام كلام نفسه الشريف بجملة يعني. فلابد من كونها من كلام الراوي ولايمكن الاعتماد على ما فهمه الراوي مع عدم ذكر منشأ فهمه.
وليس شيء من الروايات المشتملة على «من يخطب» او ما بمعناه في مقام البيان من جهة توسع ذلك وتضيقه، على ان بعضها ناظرة الى ما هو شرط للانعقاد لا الوجوب لوجود خمسة فيها، فراجع.
(سادسا) ان ما استفاده السيد الاستاذ - دام ظله - مبني على ان يكون كلمة «يخطب» خبر «كان» ولكن من المعلوم ان«كان» في الرواية ليست من افعال الناقصة بل هي فعل تام بقرينة كلمة «من» الموصولة، فان الموصول وصلته بمنزل الكلمة الواحدة. فمعنى اذا كان من يخطب: ان من يخطب بوجوده تاما شرط في وجوب صلاة الجمعة لا بوجوده ناقصا أي في حال الخطبة، فالشرط هو الوجود لا الخطبة، وهذا انما يناسب اذا كان من يخطب عنوانا لشخص خاص بحيث يكون وجوده شرطا في الوجوب. فعلى ذلك الرواية على خلاف المطلوب، وهو القول بالمنصبية ادل.
نعم هذا البيان في «امام يخطب» غير جار الا ان يعلم المراد منه مما ذكرنا في «من يخطب»، فتدبر جيدا.
قال: بقي الكلام في بعض ما استدل به على الوجوب التعييني لصلاة الجمعة من الروايات.
الأول: صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سعبة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين احدهم الامام. فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم
بعضهم وخطبهم(١) .
فان موضوع الوجوب هو طبيعي السبعة، فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا وجب ان يؤمهم بعضهم ويخطبهم. ولكن الرواية لا تدل على الوجوب التعييني. فانه لو كان المراد من الوجوب على السبعة ان السبعة شرط للصحة، أي لا تصح صلاة الجمعة الا بوجود السبعة، فمع انه خلاف الظاهر تكون الرواية معارضة لما دل على ان الجمعة تصح من خمسة، ومنه ذيل هذه الرواية.
ولو كان المراد ان السبعة بوجودها شرط للوجوب فيكون بيان هذا الشرط من اللغو الواضح، فانه ما من قرية بل وما من محل لاقامة احد الا وتوجد فيها سبعة. نعم يمكن فرض عدم وجود السبعة بالنسبة الى المسافر، ولكن الجمعة موضوع عنه فتنحصرافادة الشرط بفرد نادر، كالمرتاضين والساكنين في الجبال انفرادا، فاذا يكون الشرط هو الاجتماع، وتنادي الرواية - صدرا وذيلا - بذلك. فاذا اجتمع سبعة تجب عليهم الجمعة، وحينئذ الرواية دالة على وجوب الحضور بعد الانعقاد. واما بالنسبة الى الاجتماع فنحكم بالوجوب التخييري لما ذكرناه ولاخذه في الموضوع في هذه الروايات شرطا لوجوب الجمعة، وطبع كل شرط للوجوب ثبوت التخيير بالنسبة اليه.
أقول: (اولا) نختار ان السبعة بوجودها شرط للوجوب، والمحذور انما يلزم اذا
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٤.
كان المراد منها الجنس، واما اذا كان المراد منها سبعة خاصة فلا.
ومعتبرة محمد بن مسلم عن ابي جعفرعليهالسلام قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على اقل منهم: الامام، وقاضيه، والمدعي حقا، والمدعى عليه، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي الامام(١) دالة على ان السبعة هي سبعة خاصة. فان الامام في هذه المعتبرة غير صادق الا على المعصومعليهالسلام ونتعدى عن ذلك بالمنصوب من قبله بالدليل، فملاحظة الروايتين تدل على المنصبية.
ان قلت: على ذلك لزم عدم وجوب صلاة الجمعة على غيرهم فان وجوب الجمعة في الرواية مقصور على هذه السبعة.
قلت: نلتزم بذلك ونقول: ان الواجب على غيرهم هو الالتحاق الى هذه الجمعة، فان الجمعة فريضة، والاجتماع اليها فريضة على ما في صحيحة زرارة، مضافا الى ان المحذور وهو ظهور الرواية في قصر الوجوب على السبعة المخصوصة يندفع بحمل من عدا الامام على الطريقية، وبيان ان الشرط ليس زائدا على وجود الامام وبسط يده وتمكنه من اجراء الحدود فان وجود هؤلاء من لوازم حضور الامام وبسط يده غالبا، فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الرواية في دخل الامام في الوجوب. فالرواية الثانية يبين المراد من الرواية الاولى، وان احد السبعة المذكورة فيها هو الامام بشرط اقتداره وتمكنه من اجراء الحدود.
والحاصل: ان الاضطرار الى حمل الرواية على خلاف ظاهرها وهو الحصر لايوجب حملها عل خلاف ظاهرها وهو دخل الامامعليهالسلام في الوجوب، فتدبر جيدا.
(ثانيا) نختار شرطية الاجتماع الا ان ادلة المنصبية حاكمة على ذلك،
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٩.
فطبعا بمقتضى حكومة ادلة المنصبية عليها يظهر دخل الشرطين في الوجوب: اجتماع العدد، ووجوب صاحب الامر. كما ان هذا البيان يجري في سائرالشروط ايضا، وحينئذ وجوب الاجتماع عند الشرط المذكور أي وجود الامام او المنصوب من قبله يظهر من الادلة الدالة على وجوب العقد اجمالا كالمطلقات السابقة ومادل على وجوب الاجتماع مع الامام كصحيحة زرارة المذكورة انفا.
فينتج عدم وجوب الجمعة لا عقدا ولا حضورا عند عدم وجود الامامعليهالسلام او المنصوب من قبله ووجوبها حضورا وعقدا عند وجود الشرط.
(ثالثا) ان الرواية في نفسها لا تدل على الوجوب التعييني للحضور، ولا على التخيير في العقد في زمان عدم بسط يد الامام، وان شككنا في المنصبية، فان فيها كلمة الامام، ولا يراد منها الجنس يقينا وتعيين المعهود يحتاج الى دليل، فالرواية من هذه الجهة مجملة.
وايضا يظهر ن روايات الخطبة انها ليست شأن كل احد، فانها مشتملة على امور: نظامي عالمي، والموعظة، والترغيب في الطاعة، والترهيب من المعصية، والتوقيف على «ما اراده» الخطيب الذي تبينه رواية العلل من انه الأمير، والاخبار بما ورد من الافاق. والخطبة الاولى مشتملة «على ما يريده الخطيب ان يعلمهم من امره ونهيه مافيه الصلاح والفساد» - على ما في راوية العلل وفيها كلمة الأمير - افيمكن الالتزام بانه اذا اجتمع مطلق السبعة ولو سبعة نفر من الذين لايعرفون الهر من البر وفقط يتمكنون من التكلم باتق الله واحسن، وقراءة سورة قل هو الله احد مثلا، يجب ان يؤمهم بعضهم ويخطبهم؟ افلا يظهر من ذلك ان الخطبة شأن رجل بصير بالوضع العالمي، نافذ الرأي والارادة، قابل لتوقيف المستمعين على ما اراد، قابل لأن يعلمهم من امره ونهيه.
ولعمري ان هذا واضح غاية الوضوح لمن تأمل في روايات الباب،
ولاسيما بملاحظة رواية العلل الواردة في بيان كيفية الخطبة لاشتمالها على كلمة الأمير، وهذه المطالب الراقية التي لايناسب الا الامير، فكيف يمكن التمسك بتلك الرواية لاثبات الوجوب التعييني.
وبعبارة صناعية: ان البعض وان كان مفهوما كليا قابلا للانطباق على كل فرد، الا انه يخرج عن هذا الاطلاق والشمول بواسطة معطوفة وهو «خطبهم» ويسأل عن انه من الخطيب، فارادة الجنس لايمكن قطعا لما ذكرناه فهو خطيب خاص ومعهود، وتعيين المعهود يحتاج الى قرينة، فعلى الشك في المنصبية لابد من التوقف لاجمال الدليل.
فتحصل ان الرواية لا تدل على الوجوب التعييني لصلاة الجمعة مطلقا، ولا لوجوب الحضور بعد الانعقاد مطلقا، ولا للتخيير في العقد. اما على المنصبية فواضح، واما على الشك فيها فلا جمالها من هذه الجهات حينئذ.
(رابعا) لو تنزلنا عن جميع ذلك وكنا نحن وهذه الرواية فكانت النتيجة وجوب العقد عند اجتماع السبعة ،فنفس اجتماع السبعة في محل ظهر يوم الجمعة موجب لوجوب امامة بعضهم وخطبته اياهم، وهذا غير الحضور بعد الانعقاد.
ولو قيل: بان المراد من اجتماع السبعة هو انعقاد الجمعة، قلنا: قد اصبح عنوان الاجتمع عنوانا كذائيا مؤولا بلا موجب له وبلا شاهد عليه.
قال: الثاني: ما دل على ان صلاة الجمعة واجبة لايعذر فيها احد الا من استثني كصحيحة منصور السابقة، بتقريب ان عدم العذر لايناسب الوجوب التخييري فلابد من الالتزام بالوجوب التعييني.
والجواب: ان هذه الرواية دالة على وجوب الحضور بعد الانعقاد لذكر كل من كان على رأس فرسخين في عقد الاستثناء، فان هذا
الاستثناء انما يصح اذا كان المستثنى منه وجوب الحضور لا وجوب العقد، لعدم تعيين الاستثناء بذلك عن وجوب العقد.
الثالث: ما دل على ان من ترك الجمعة ثلاث جمع متوالية يطبع الله على قلبه، بالتقريب السابق والجواب ايضا هو الجواب السابق، فان ترك الجمعة ظاهر في فعلية الجمعة حال الترك، ولايناسب هذا الا ترك الجمعة المنعقدة.
فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الجمعة واجبة تخييرا بحسب العقد من جهة الجمع بين الاطلاقات السابقة، والقرائن السالفة. وواجبة تعيينا بحسب الحضور بعد الانعقاد من جهة الروايات الواردة في بيان وظيفة اهل القرى المشتملة على كلمة «يخطب» وغيرها، مما قد عرفت. وبما ذكرنا ظهر الكلام في المقام الثاني ايضا، وهو حكم الحضور بعد الانعقاد.
اقول: قد ذكرنا سابقا انه لايعلم تشريع الجمعة من هاتين الطائفتين الا بالاستلزام، والدلالة الاستلزامية لا اطلاق لها، فان الرواية في مقام بيان حكم اخر غير التشريع مترتب على التشريع، فلا تدل على سعة التشريع وضيقه. فكما لايمكن التمسك بهذه الروايات لاثبات الوجوب التعييني للعقد، كذلك لا يمكن التمسك بها لاثبات وجوب الحضور الى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة، الا انها ليست في مقام بيان شرائط الانعقاد. فليس في البين حتى رواية واحدة تدل على وجوب الجمعة مطلقا، لاعقدا ولا حضورا، كما انه لا اطلاق يدل على الوجوب التخييري بحسب العقد مطلقا.
واما الجواب المذكور في كلام السيد الاستاذ فلا يمكن المساعدة عليه، فان الروايات المشتملة على عدم العذر غير مشتملة على ذلك الاستثناء، وما هو مشتمل على ذلك الاستثناء لم تذكر فيه هذه الكلمة فلاحظ الروايات. واما كلمة ترك الجمعة فهي وان كانت مشعرة بترك الحضور، الا انها غير صريحة في ذلك. نعم الرواية في مقام بيان عقوبة ترك الجمعة، لا شرائط وجوب الجمعة، ولذا لايمكن التمسك بهذه الروايات، كماافاده - مد ظله -.
ولا ينقضي تعجبي انه ما الوجه في عدم تمسكه - دام ظله - بعدم وجوب الحضور بعد الانعقاد بما تمسك به اولا في بيان القرينة على عدم وجوب العقد تعيينا من انه لو كان حكم مثل هذه المسالة التي تعم بها البلوى هو الوجوب كيف يمكن اختفاؤه على احد، فضلا عن اختفائه على المعظم من الاصحاب.
فتحصل من جميع ما ذكرناه انه لو قلنا بالمنصبية كما هو المشهور ونقول به، ومدعي القطع بصراحة الأدلة في المنصبية غير مجازف، فبمقتضى الجمع بين مادل على تشريع الجمعة وادلة المنصبية نحكم بوجوب العقد والحضور الى الجمعة المنعقدة مطلقا عند وجوب الشرائط، ولا نقول بالوجوب عند فقدان الشرط، لا حضورا ولا عقدا، لعدم موجب لذلك. نعم نحكم باجزاء الجمعة عن الظهر ومشروعيتها بالمعتبرتين، وقد تقدم بيان ذلك.
واما لو لم نقل بالمنصبية، وشككنا فيها فلا نتمكن من استنتاج شيء من الادلة لا الوجوب التعييني مطلقا، ولا الوجوب التخييري للعقد، ولا الوجوب التعييني للحضور، وقد تقدم ايضا. نعم القدر المسلم اجزاء الجمعة عن الظهر من جهة المعتبرتين، وعند الشك لابد من الرجوع الى ما تقتضيه القاعدة ونبين ان شاء الله.
ولا بأس بالاشارة الى ما ذكره المحقق الكركي هنا: وهو انه ولو قلنا بالمنصبية الا ان الادلة الدالة على ولاية الفقيه ولاية عامة، تدلنا على انه ولي الأمر فهو منصوب من قبل الامام، وقد حصل الشرط، فتجب الجمعة في زمان
الغيبة ايضا. ولكن هذا وان استفدناه من ادلة الولاية للفقيه من انها دلت على اعطاء الولاية بجميع مراتبها الثابتة للامام الى الفقيه، ولا نقول بما قيل من ان غاية ما نلتزم به اعطاء منصب الحكومة، وهي فصل الخصومة اليه «فاني قد جعلته حاكما». وهذا لايلازم اعطاء جميع مناصب الامام له.
ان ظاهر كلمة الامام هو الامام بالفعل، وهو الحاكم الشرعي المبسوط اليد، وولي الامر الامام شأنا وهو من جعل له منصب الامامة وان لم يكن مقتدرا ومبسوط اليد. ويدل على هذا بعد ظهور لفظ الامام، الروايتان الاتيتان: رواية طلحة بن زيد، ورواية محمد بن مسلم، فلاحظ.
فانا وان لا نقول بظهور الامام في امام الأصل الا انا لا نقول ايضا بظهوره لمطلق امام الجماعة، بل نقول بظهوره في الامام بالفعل، وهو الحاكم الشرعي المبسوط اليد، ومنه الفقيه الجامع للشرائط في زمان اقتداره وبسط يده، وفي عصر تشكيل الدولة الاسلامية والحكومة الشرعية كزماننا والحمد لله. اللهم اجعل دولتنا من الدولة الكريمة تعزبها الاسلام واهله، وتذل بها النفاق واهله، وتجعلنا فيها من الدعاة الى طاعتك، والقادة الى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والاخرة. امين.
هذا ولكن لايمكن القول بالوجوب التعييني في مثل هذا الزمان ايضا، لعدم وجود دليل مطلق يثبت ذلك، ومقتضى الاصل عدمه. ولا ينافي هذا منصبية صلاة الجمعة، فان المنصبية امر والوجوب التعيني امر اخر، كما لا يخفى.
قال: وذهب جماعة الى عدم المشروعية في زمان الغيبة، واستدلوا على ذلك بعدة وجوه، تأتي ان شاء الله.
فلو ارادوا من ذلك الاستدلال على عدم الوجوب التعييني لأصل العقد فهو مسلم بلا حاجة الى تلك الادلة. وقد ذكرنا عدم استفادة الوجوب التعييني من الروايات في نفسها.
وان ارادوا من ذلك الاستدلال على عدم المشروعية في زمان الغيبة حتى بالنسبة الى الحضور الى الجمعة المنعقدة فهذا مناف لاطلاق الروايات السابقة، وعلى مدعي الاشتراط، الاثبات. وقد استدل على ذلك:
اولا: بالاجماع، الا انه لا يحتمل الاجماع على عدم المشروعية لذهاب جمع من العلماء الى الوجوب التخييري.
اقول: ظهر مما ذكرناه عدم وجود اطلاق يدلنا على وجوب العقد، او وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة، فعلى ذلك على مدعي الوجوب الاثبات، والا فلابد من الرجوع الى مقتضى الأصل العملي. هذا لو لم يتم شيء من ادلة المنصبية، كيف ودلالة الأدلة على المنصبية كالنور على الطور، وكالشمس في ريعان الظهور.
واما الاجماع، فلو اريد به الاجماع على عدم المشروعية فالأمر كما ذكره الا انه لايراد من ذلك الاجماع عليها بل اريد منه الاجماع على المنصبية، وهذا لا ينافي الالتزام بالوجوب التخييري في زمان الغيبة وعدم بسط اليد بترخيص منهم، او من جهة اطلاق المشروعية، او من جهة الوجوب التخييري بحسب اصل الجعل في خصوص زمان الغيبة، وعدم بسط اليد، بلا فرق بين العقد والحضور، لعدم الدليل على الفرق حينئذ.
ولاينبغي الشك بعد التتبع في كلمات القدماء قبل زمان الشهيد الثاني -قدسسره - في حصول القطع بالمنصبية، ووجود الاجماع عليها بين القدماء.
وكيف كان فلا يهمنا اطالة الكلام في ذلك، فان في الرجوع الى الروايات غنى وكفاية كما سيظهر ان شاء الله.
قال: وثانيا: بقيام السيرة القطعية في زمان النبيصلىاللهعليهوآله والائمة المعصومين سلام الله عليهم اجمعين بتعيين امام الجمعة. وهذا اقوى دليل على المنصبية، والنتيجة عدم المشروعية عند عدم وجود الامام او المنصوب من قبله كزمان الغيبة.
ولكن هذا الوجه ايضا ساقط، فمن اين علمنا تحقق السيرة في زمان النبيصلىاللهعليهوآله ، وهكذا في زمان الائمةعليهمالسلام على ذلك؟ بل ولم يعلم حتى تعيين شخص واحد من قبلهم لاقامة الجمعة. نعم كان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) يعين القضاة والولاة، الا ان تعيين القاضي والوالي غير تعيين امام الجمعة وان قام بها القاضي والوالي ايضا.
وثالثا: بالروايات الدالة على عدم الوجوب بالنسبة الى من بعد عنها بفرسخين، فانه لو لم يكن وجوب صلاة الجمعة مشروطا بوجود الامام او المنصوب من قبله لم يكن لجعل الحد معنى، لوجوب الاقامة عليهم ايضا في محلهم. فانه ليس المراد من ذلك المسافر لجعله في مقابل المسافر في
الروايات، فهو مقيم في ذلك المحل ويوجد نوعا في المحلات العدد المعتبر في صلاة الجمعة، وهكذا من يقتدر على الخطبة ولو بمقدار اقل الواجب، فهذه الروايات تدلنا على اشتراط وجوب الجمعة بوجود الامام او المنصوب من قبله، وعدم المشروعية عند عدم الشرط موافق للقاعدة.
ولكن هذا الاستدلال ايضا لا يتم، فان غاية ما يستفاد من الرواية، عدم الوجوب التعييني لاصل العقد، واما عدم الوجوب التخييري فلا، وهكذا يعلم منها اشتراط وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة بالحد المذكور. واما اشتراط الامام او المنصوب من قبله في الوجوب فلا.
ورابعا: ان اطلاق الوجوب مثير للفساد، فانه لاتقام في كل بلد الا جمعة واحدة، فيقع التنازع في امامة الجمعة، وربما ينجر الى القتل والقتال ونحو كذلك كما شوهد في الخارج ايضا، ولكن هذا وان كان لابأس به الا انه قرينة على عدم الوجوب التعييني فقط. اما على ما اخترناه من الوجوب التخييري فلا، لامكان ارتفاع النزاع بتركهم الجمعة جميعا. واما بالنسبة الى وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة فبعد رعاية الشرائط المعتبرة في الامام - ومنها العدالة - لا يتحقق نزاع ابدا. نعم يقع النزاع بناء على مذهب العامة من عدم اعتبار العدالة في الامام.
اقول: ما افاده - دام ظله - من عدم تحمقق النزاع بملاحظة الشرائط المعتبرة في الامام غير تمام، بل اثارة الفساد بالنسبة الى ما بعد الانعقاد لعله ازيد منها بالنسبة الى اصل العقد، وهذا ظاهر، والذي يسهل الخطب عدم تسليم اثارة اطلاق الوجوب للفساد. فان الفساد ليس مسببا عن جعل الشارع، بل انما هو مسبب عن سوء اختيار المكلفين ولادينيتهم. والا فمع ملاحظة الحدود الشرعية لايجري نزاع ابدا. فلا محذور مثل هذا الحكم اصلا، ويكفي لهذا الجعل اثرا عند تحقق الفساد عصيان المقصرين في ذلك. نعم لايترتب العقاب على ترك الباقين لكونهم معذورين فيه.
قال: وخامسا: بالروايات التي توهم دلالتها على اشتراط وجوب صلاة الجمعة بوجود الامام او من نصبه.
(منها) راوية الصدوق في العلل وعيون الاخبار: باسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضاعليهالسلام قال: انما جعلت الخطبة يوم الجمعة لان الجمعة مشهد عام، فاراد ان يكون للأمير سبب الى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة، وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما اراد من مصلحة دينهم
ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من الافاق (و) من الاهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة، ولايكون الصابر في الصلاة منفصلا، وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة. وانما جعلت خطبتين لتكون واحدة للثناء على الله والتمجيد والتقديس لله عز وجل، والاخرى للحوائج والاعذار والانذار، والدعاء، ولما يريد ان يعلمهم من امره، ونهيه، مافيه الصلاح والفساد(١) .
تقريب الاستدلال بوجهين: (الأول): ان الرواية مشتملة على كلمة الأمير، ومطالب لا تناسب الاية. (وثانيا) انها مشتملة على جملة «ليس بفاعل غيره» ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة. فدلت الرواية بهذين الوجهين على ان صلاة الجمعة لم تشرع الا بوجود الامام او من
____________________
(١) عيون اخبار الرضاعليهالسلام : ج٢، ص١١٠، ب٣٤، ح١، علل الشرايع: ج١، ص٢٦٥، باب ١٨٢، ح٩، مع اختلاف يسير.
نصبه. ولكن هذا الاستدلال لايتم.
(اولا) الرواية ضعيفة سندا، فان في الطريق عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري العطار، وعلي بن حمد بن قتيبة ولم يثبت وثاقتهما.
أقول: الظاهر صحة طريق الصدوق الى فضل بن شاذان، فانه يروي عن عبد الواحد بن عبدوس عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل، والرجلان وان لم يرد في حقهما توثيق في كلمات القدماء الا انه لم يرد في حقهما قدح ايضا.
وهنا قرائن يحصل من ملاحظة مجموعها الوثوق بحسن حالهما لا أقل. ويكفي هذا المقدار في صحة الرواية، واليك القرائن المذكورة:
اما بالنسبة الى عبد الواحد بن عبدوس:
١ - هو من مشايخ الصدوق التي يروي عنه بلا واسطة مع تكرر ذلك كما عن الشهيد، او مترضيا عليه كما عن العلامة، وهذا يدلنا على انه من الامامية، وحسن الحال.
٢ - ذكر الصدوق -قدسسره - في كتاب عيون الأخبار رواية من ثلاث طرق: احدها عبد الواحد، وقال عقيب ذلك، وحديث عبد الواحد بن عبدوس عندي اصح، وهذه شهادة منه بصحة الرواية الناشئة من صحة الراوي.
٣ - نقل عن اخر الجلد الأول من العيون للصدوق من ان كلما لم يصححه شيخه محمد بن الحسن بن الوليد فهو لايذكره في مصنفاته. فمع ذكر هذه الرواية فيها يعلم تصحيح محمد بن الحسن بن الوليد لها. وبعد هذه القرائن يحصل الاطمئنان بوثاقته. ولا اقل من حسن حاله.
واما بالنسبة الى علي بن محمد بن قتيبة:
١ - ذكر الشيخ -قدسسره - في حقه انه تلميذ الفضل بن شاذان النيسابوري، فاضل. وهذا مدح له.
٢ - ذكر النجاشي في حقه عليه اعتمد ابو عمرو الكشي في الرجال. وهذا
أيضا يعد من المدح.
٣ - اعتمد عليه ابو عمرو الكشي وقال: انه صاحب الفضل بن شاذان. وراوية كتبه له. وبعد ذلك يحصل الاطمئنان بوثاقته، ولا اقل من حسن حاله.
ويؤيد ما ذكرنا تصحيح العلامة والشهيد والجزائري وصاحب المدارك للأول، ولاسيما بملاحظة مسلك الثلاثة الاخيرة المعروف في الروايات من انهم صحيح اعلائي، وتصحيح العلامة والسيد الداماد والجزائري للثانية، فالظاهر صحة هذا الطريق.
قال: (ثانيا) الرواية لا تدل على المدعي، فان ذكر الأمير وما لا يناسب الا بعه لا يدل على اعتبار الأمير في الوجوب، بل ذكر ذلك من جهة طبع امامة صلاة الجمعة، وعدم تحققها خارجا لا شرعا الا من شخص بصير قابل للترغيب والترهيب لا من كل امام جماعة.
وبهذا يظهر الجواب عن الوجه الثاني والتمسك بجملة «ليس بفاعل غيره» فانها اشارة الى ما في الخارج، لا الى اشتراط المنصبية في اقامة الجمعة.
اقول: (اولا) لا اطلاق يدلنا على وجوب صلاة الجمعة مطلقا لا حضورا ولا انعقادا كما مر، فعلى ذلك لا دليل على الوجوب بالنسبة الى غير مفروض الرواية، وهو اقامة الأمير لصلاة الجمعة وان لم تدل الرواية على الاشتراط.
(ثانيا) حمل الرواية على بيان ما هو الواقع تكوينا خلاف الظاهر، بل الظاهر من جملة «ليس بفاعل غيره» سلب الفاعلية في وعاء الشرع. كما ان
الظاهر من «ان الجمعة مشهد عام، فاراد ان يكون للأمير سبب» اعتبار جميع هذه القيود شرعا.
(ثالثا) كيف يمكن صرف الرواية الى بيان ما هو واقع في الخارج، مع ان المذكور فيها كلمة الأمير، افهل يكون امام صلاة الجمعة الواقعة في الخارج نوعا على تقدير عدم القول بالمنصبية الأمير؟ فذكر الأمير كاف في اثبات المنصبية.
قال: (ومنها) موثقة سماعة: قال: سألت ابا عبد الله عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: اما مع الامام فركعتان، واما لمن صلى وحده فهي اربع ركعات وان صلوا جماعة(١) . بتقريب، ان كلمة الامام تدل على الامام الأصل او من نصبه، بقرينة ذكر «وان صلوا جماعة» في الرواية. فانه لو كان المراد من الامام مطلق من يقتدى به لم يكن وجه لذكر هذه العبارة.
الا ان هذه الرواية وردت بطريق الصدوق من دون هذا القيد، أي «وان صلوا جماعة». ووردت بطريق الكليني مشتملة على تفسير الامام بجملة يعني اذا كان امام يخطب. فاذا لا وجه لحمل الامام على امام الاصل او من نصبه، بل المتعين هو حمله على ما ذكرناه من امام صلاة الجمعة،
وهو من يخطب، والتفسير وان ورد من سماعة الا انه لا بأس بالأخذ به، ولو بقرينة سائر الروايات الدالة على ذلك.
اقول: هذه الموثقة وان وردت بمتون اربعة مختلفة كما مر منا ايضا، فلا تدل على المنصبية الا انا قد ذكرنا عدم دلالتها على ما افاده - دام ظله - ايضا لعدم
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب٦ من ابواب صلاة الجمعة وادابها، حديث٨.
ثبوت امام يخطب فيها وعدم دلالة غيرها ايضا على ذلك، ومن هنا يعلم انه ليس الوجه في عدم دلالة الرواية على المنصبية الاحتمال الذي ذكره - مد ظله - في الامام، فان هذا الاحتمال لا منشأ له، بل الامر دائر بين كون الامام المذكور في الرواية هو الامام الأصل او المنصوب من قبله او مطلق من يقتدى به مع اقتداره على الخطبة، وهذا الاحتمال نشأ من الروايات المشتملة على من يخطب، وقد ذكرنا ما فيها بل وجه عدم الدلالة سقوط «وان صلوا جماعة» في بعض المتون الواردة في هذه الراوية، والا لكانت الدلالة تامة، فلا تغفل.
قال: (ومنها) عدة روايات كلها مراسيل. كمرسلة دعائم الاسلام عن امير المؤمنينعليهالسلام : لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا بامام او من يقيمه(١) .
ومرسلة الأشعثيات: ان الجمعة، والحكومة لامام المسلمين(٢) .
ومرسلة ابن عصفور: الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا(٣) .
ولكن لايمكن الاعتماد على هذه المراسيل. مع امكان ان يقال: انه لا منافاة بين وجوب الجمعة مطلقا وكون الجمعة لهم، بمعنى انه في زمان الحضور اقامة الجمعة مختصة بهم، ولايجوز لاحد مزاحمتهم في ذلك، واطلاق الوجوب لاينافي هذا.
وبهذا يظهر الجواب عن الاستدلال بما في الصحيفة السجادية:
____________________
(١) دعائم الاسلام، ج١، ص١٨٢.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) نفس المصدر السابق.
اللهم ان هذا المقام لخلفائك قد ابتزوها(١) فانه لا منافاة بين الأمرين كما ذكرنا.
اقول: (اولا) لا دليل على الوجوب مطلقا - على ما مر - حتى يقال بعدم التنافي بين اختصاص هذه الصلاة بالامام واطلاق الوجوب. بل غاية ما يستفاد من هذه الروايات اختصاص صلاة الجمعة بالامام، فينتفي الحكم في غير مورد وجود الامام بعدم الدليل عليه.
(ثانيا) كيف يقال بعدم التنافي بين اطلاق الوجوب واختصاص الجمعة شرعا بالامام؟ فان معنى الاختصاص المستفاد من (ل) عدم جواز اقامة الغير للجمعة. وهذا مناف لاطلاق الوجوب، لو كان في البين اطلاق، فكيف بعدم ثبوته. فمع تمامية سند الصحيفة السجادية، كما هو المفروض في كلامه، يكفينا ذلك لاثبات المنصبية.
قال: (ومنها) ما ورد من ترخيص امير المؤمنين لعدم الاتيان بالجمعة في يوم اجتمع فيه العيد والجمعة. وهذا يدل على اختصاص الجمعة بالامام، والا فلم يكن لهذا الترخيص وجه. الا ان الروايات الواردة في هذا الباب ثلاث:
الاولى: صحيحة الحلبي سأل ابا عبد اللهعليهالسلام عن الفطر والاضحى اذا اجتمعا في يوم الجمعة فقال: اجتمعا في زمان عليعليهالسلام ، فقال: من شاء ان يأتي الى الجمعة فليأت، ومن قعد فلا
____________________
(١) الصحيفة السجادية: ص١٦٠ رقم٤٨.
يضره، وليصل الظهر(١) الحديث.
وهذه الرواية غير دالةعلى ترخيص الامام بعنوان انه مختص به، بل تدل على انهعليهالسلام بين الحكم الكلي الواقعي، وصرف بيان الامامعليهالسلام انه «من شاء يأتي الى الجمعة فليأت، ومن قعد فلا يضره» لا يدل على ان الجمعة حق له، وانهعليهالسلام في مقام اعمال المنصب، فيخصص بظاهر هذه الرواية الادلة الدالة علىوجوب الحضور الى صلاة الجمعة المنعقدة بغير يوم الجمعة التي وقع فيه العيد.
الثانية رواية سلمة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنينعليهالسلام فخطب الناس فقال: هذا يوم اجتمع فيه عيدان، فمن احب ان يجمع معنا فليفعل، ومن لم يفعل فان له رخصة(٢) ، يعني من كان متنحيا.
وهذه الرواية ضعيفة بحسب السند، فان معلى بن محمد لم يوثق (بل ورد القدح في حقه)، ودلالتها ايضا قاصرة، لان صرف اشتمالها على كلمة الرخصة لايدل على ان الرخصة من قبل الامام، بل لعلها هي الرخصة من الله. بل الظاهرمن الرواية هو ان الرخصة، رخصة واقعية، فتكون النتيجة كالرواية الاولى.
الثالثة: رواية اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه، ان علي بن ابي طالبعليهالسلام كان يقول: اذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ١٥ من ابواب صلاة العيد حديث١.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ١٥ من ابواب صلاة العيد حديث٢.
فانه ينبغي للامام ان يقول للناس في خطبته الاولى: انه قد اجتمع لكم عيدان، فانا اصليهما جميعا، فمن كان مكانه قاصيا فأحب ان ينصرف عن الاخر فقد اذنت له(١) .
وهذه الرواية ضعيفة سندا فان محمد بن احمد بن يحيى اخذ هذا الحديث من كتاب محمد بن حمزة بن اليسع، رواه عن محمد بن الفضيل، وكلا الرجلين لم يثبت وثاقتهما، مضافا الى انها وان دلت على ان الامام يرخص الا ان التعبير بالرخصة في مقام بيان الواقع، لا في مقام الترخيص في ترك الجمعة المختصة به شايع، فلا دلالة لهذه الرواية على ازيد مما دلت عليه الروايتان السابقتان.
فتحصل من جميع ما ذكرناه، ان القول بالوجوب التعييني، والقول بعدم المشروعية كليهما باطلان. والحق هو القول الوسط، وهو الوجوب التخييري بحسب اصل العقد، ووجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة.
اقول: تحصل من جميع ما ذكرناه الى حد الان امور، نذكرها بضميمة امور اخرى لتتميم الكلام في بحث صلاة الجمعة ومنصبيتها وتأييد مابنينا عليه في حكمها:
١ - عدم دليل لفظي يدل على وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة لا عقدا ولا حضورا حتى بالاطلاق. فلو قلنا بالمنصبية، والا فالمرجع ما هو مقتضى القاعدة.
٢ - اجزاء صلاة الجمعة عن صلاة الظهر حتى في زمان الغيبة وهذا يظهر
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ١٥ من ابواب صلاة العيد حديث٣.
من صحيحة زرارة وموثقة عبد الملك السابقتين. وليس هذا هو القول بالوجوب التخييري بحسب اصل الشرع حتى حال حضور الامام، كما يدعيه السيد الاستاذ، ولا الوجوب التخييري في زمان الغيبة، كما عليه بعض الفقهاء العظام. بل المراد منه هو اطلاق المشروعية واجزائها عن الظهر، ولو من قبيل اجزاء غير الواجب عن الواجب لعدم ظهور الروايتين في ازيد من ذلك.
٣ - اشتراط وجوب الجمعة بوجود الامام او من نصبه، بلا فرق بين العقد والحضور، لعدم احتمال ان يكون وجوب العقد مشروطا ووجوب الحضور مطلقا، أي يكون الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة واجبة تعيينا، لعدم الدليل عليه، أي على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة (اولا) كماذكرنا، وحكومة ادلة المنصبية باطلاقها عليه ولو سلم وجوده (ثانيا) وقد بينا بعض ما دل على المنصبية:
(منها) الاجماع بين القدماء على اشتراط الوجوب بوجود الامام او من نصبه، والاختلاف نشأ من زمان الشهيد الثاني -قدسسره -
(ومنها) القطع بعدم وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة وعدم بسط اليد تعيينا لا عقدا ولا حضورا، فان المسالة مما تعم بها البلوى. فلو كان مثل حكم هذه المسألة هو الوجوب لبان وظهر ظهور الشمس في رائعة النهار والنارعلى المنار، كيف والمتقدمون من الاصحاب متسالمون على عدم الوجوب تعيينا حضورا وعقدا.
(ومنها) معتبرة العلل على ما ذكرنا.
(ومنها) ما في صحيحة السجادية على ما مر.
(ومنها) المعتبرتان لزرارة وعبد الملك من جهة «نغدو عليك» و«كيف اصنع» لدلالة ذلك على ان مرتكز زرارة وهكذا عبد الملك المنصبية، ولا موجب لاحتمال غير ذلك، كاحتمال ان يكون مرتكزهم ان الامام يريد ان
يخطب فيصير مصداقا لمن يخطب فعلا، ولذا لم يحتمل ذلك احد غير السيد الاستاذ - مد ظله -، مضافا الى ان السؤال عن كيفية الصنع، لا يلائم هذا الاحتمال كما هو واضح.
هذا، والروايتان دالتان على عدم وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة، فان الامام في مقام حث زرارة واصحابه وعبد الملك على صلاة الجمعة بان يصلوها جماعة عندهم وبلد زرارة واصحابه عبد الملك والامامعليهالسلام كان محلا واحدا، فانهم من اصحاب الامامعليهالسلام بل من
اصحاب سره. ومن المقطوع به عدم حضورالامام في جمعتهم بحيث يقتدي بهم لو اقاموها، فانه مخالف لدلالة الرواية على الاتيان عندهم اولا، وعدم قبول مثل زرارة وعبد الملك لاقتداء الامام بصلاتهم، بل وعدم مناسبة لذلك بعد امكان اقامة صلاة الجمعة كما هو المفروض، فيمكن اقامة الامامعليهالسلام ولو سرا، واقتداء زرارة واصحابه وعبد الملك به، ومع ذلك لايقيمهعليهالسلام ويحثهم على صلاة الجمعة عندهم، فالجمع بين الحث على صلاة الجمعة عندهم وعدم حضور الامام في تلك الجمعة المنعقدة يدلنا على عدم وجوب الحضور الىمطلق صلاة الجمعة المنعقدة.
(ومنها) حسنة زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام قال: صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع اليها فريضة مع الامام(١) لظهور لفظ الامام في امام الاصل، لعدم ارادة مطلق من يقتدى به منه جزما، للزوم اللغوية في الكلام، لاستدراكه بقيد الاجتماع اليها، وعدم الموجب لاحتمال غيره، كمن يخطب فعلا، الذي ادعاه السيد الاستاذ - مد ظله - بعد ما ذكرنا في بيان هذه الكلمة والمراد منها، واستظهرنا من الدليل عدم وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ١ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٨.
(ومنها) صحيحة عبد الرحمن بن سيابة عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: على الامام ان يخرج المحبوسين يوم الجمعة الى الجمعة ويوم العيد الى العيد، ويرسل معهم، فاذا قضوا الصلاة والعيد ردهم الى السجن(١) .
والدلالة بوجهين: (الأول) وحدة السياق بين الجمعة والعيد في الرواية، والمفروض ان الامام في صلاة العيد هو ولي الأمر. (الثاني) اخراج المحبوسين وردهم الى السجن، فانهما ليسا شأن غير امام الأصل.
وما ذكره - دام ظله - سابقا من ان هذا من باب تطبيق الرواية، على ما في الخارج والتكوين، لا من باب اشتراط الجمعة بوجود الامام قد عرفت مافيه، وانه على القول بعدم المنصبية واقامة واحد من العلماء العظام في هذا الزمان مثلا للجمعة هل يخرج المحبوسين، وهل يقتدر عليه؟ فكيف يدعي ان هذا من باب تطبيق الرواية على مافي الخارج والتكوين، لا من باب التشريع.
نعم قد يقال: ان الامام المذكور في الرواية هو الامام الأصل، او من يكون اخراج المحبوسين وردهم تحت سلطنته. فعلى ذلك - غاية ما تدل عليه الرواية - ان وظيفة الامام اخراجهم لصلاة الجمعة وردهم، لا منصبية الجمعة، وعدم اقامةالجمعة الا بالامام، فالرواية ناظرة الى وجوب الاخراج على الأمير، لا اشتراط الجمعة بالأمير، الا ان هذا مسلم على ان يكون المراد من الامام المأخوذ في الرواية، هو الرئيس لا الامام في صلاة الجمعة، فلو كان المراد منه هو الامام فيها فتدل الرواية على المنصبية لدلالتها على ان من شأن امام الجمعة اخراج المحبوسين وردهم الى السجن. والظاهر من العدول عن التعبير بالأمير او الرئيس الى الامام، ولاسيما بمناسبة الحكم والموضوع، ان المراد من الامام هو الامام في الصلاة، والله العالم.
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢١ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١.
وهنا روايتان موثقتان ذكرناهما سابقا، ولم يتعرض لهما السيد الاستاذ، وهما صريحتان في عدم الوجوب تعيينا في زمان الغيبة وعدم بسط اليد. وقبل بيانهما نتعرض لبيان مقدمة مفيدة في جميع ابواب الفقه، وهي مشتملة على امور:
الأول: الحق عندنا عدم التعبد في شيء من الطرق والامارات، بل كلها كواشف عقلائية حاكية عن الواقع بنظرهم، ولو سلم ورود امر باتباع امارة ما من الشارع، فهو ارشاد محض، وليس البرهان على ذلك ان الالتزام بالتعبد بلا موجب ثبوتا كما عليه بعض اساتيذنا، بتقريب ان جعل الحجية للحجة عند العقلاء تحصيل للحاصل، وجعلها لما هو ليست بحجة عندهم يعد من اللغو. فانه بلا ملاك يستدعي ذلك فيلزم الترجيح بلا مرجح، وهو قبيح، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ولا يقاس ذلك بالاحكام المجعولة، فان الحجية هي الطريقية، وهي من الامور الواقعية لا الاعتبارية. والامور الواقعية غير قابلة للاعتبار، فلو صح اعتبار الطريقية لما هو ليس بطريق لصح اعتبار البرودة للنار والحرارة للثلج ايضا. ومن هنا ظهر ان جعل الطريقية مستحيل، فان اعتبار الموصل لايمكن، والاعتبار المحض غير الطريقية، فافهم.
ووجه بطلان ذلك يظهر من بعض ما كتبناه في المقام الحاصل منه امكان جعل الطريقية لما ليس بطريق تكوينا قابل لاعتباره طريقا بنظر العقلاء، بحيث لولا جعل ذلك لما كان حجة. وتتمة الكلام في محله، بل البرهان عدم الملزم له بحسب الاثبات، فانه لا دليل على جعل الحجية لشيء من الامارات. وما ذكر في هذا الباب اما اجنبي عن المقام، او مشتمل على ما ينادي بالارشاد الى بناء العقلاء، وتمام الكلام في محله.
فما دار في الألسنة من ان المجعول في الطريق هو تتميم الكشف، او الغاء
احتمال الخلاف، او تنزيل النفس منزلة العالم، او تنزيل المؤدي منزلة الواقع، او العلم التعبدي، او غير ذلك مما يسمع، مجرد تعابير الذي يقال له بالفارسية (فرمايش محض) ولا واقع لشيء منها.
هذا في الامارات، واما في الاصول العملية فلا يلتزم بالاصل العقلي غير الاحتياط. نعم نلتزم بالاصل المرخص الشرعي في موارد البراءة، ونلتزم بالاصل الشرعي في موارد الاستصحاب ايضا والتفصيل في محله.
الثاني: المدار في الطريقية بنظر العقلاء هو الكشف عن الواقع والوصول اليه لاغير، فان الظاهر من ملاحظة حالهم في امورهم المعاشية، وفي محاوراتهم انما هو اتباع ما يحصل منه الاطمئنان، وترتيب اثار الواقع على ما ادى اليه الوثوق.
الثالث: ضم الأمرين المذكورين ينتج، ان المدار في حجية الروايات بحسب السند هو الوثوق بالصدور لاغير، فان المهم هو تبوت الحكم بسبب الرواية، ولا عبرة بكون الراوي ثقة، وعدمه، (بالمصطلح الدارج).
نعم الوثوق بالراوي يورث الوثوق بالصدور، عند العقلاء. الا انه لاينحصر حصول مناط الحجية وهو الوثوق بالصدور من الوثوق بالراوي. ولذا بنينا على ان استناد المشهور من القدماء جابر للسند، فانه موجب للوثوق بالصدور، ولا سيما بملاحظة كثرة تورعهم في الفقه، وشدة تحفظهم على عدم الاخذ بالروايات المجعولة، او الواردة في غير مقام البيان، كما يظهر من التتبع في احوالهم. بل نفس استناد المشهور بالرواية هو مقوم للوثوق النوعي، لاموجب له، فانهم من اظهر مصاديق العقلاء. فالوثوق النوعي حاصل من نفس الرواية، فالرواية في نفسها حجة، واستناد المشهور اليها كاشف عنها لا موجب لها، فتدبر جيدا.
ان قلت: ان الالتزام بذلك مستلزم للالتزام بحجية الشهرة الفتوائية ايضا.
قلت: الشهرة انما تكون حجة أي يحصل منه الوثوق الى الواقع اذا لم تكن
مستندة الى المباني النظرية المختلفة، والا فلا تتحقق الشهرة اصلا، فان كلا يكذب الاخر لعدم حجية مبناه بنظره، والشهرة الفتوائية من هذا القبيل. نعم لو علمنا بان مستند الشهرة الفتوائية امر واحد نلتزم بحجيتها ايضا.
وقد سمعت من بعض من يدافع عن القول بعدم الانجبار بانه لعل اخذ المشهور بالرواية نشأ من حسن ظنهم بالسلف السابق فلا يعلم استنادهم اليها بما هي حجة. وهذا كما ترى بان لايجاب عنه احرى. أفهل يجوز هذا النحو من اتهام بهؤلاء العلماء العظام مع جلالة شأنهم وعلو مرتبتهم في المباحث العلمية ودقائقها؟ افهل يعقل حصول الظن مما لايورث الظن لمتعارف العقلاء؟ وهل يكون حسن الظن منهم بالقدماء، ناشئا عن مجرد الوسوسة؟ او ليس حسن الظن من هؤلاء لهؤلاء مستنداالى انكشاف ملكاتهم الفاضلة دقة وورعا وكمالا، وغير ذلك لديهم.
وبنينا ايضا على ان اعراض المشهور عن الرواية موجب لوهن الرواية المستلزم لطرحها عقلا، لابمعنى الحكم بعدم صدورها حتى يقال: ان الرواة كلهم ثقات، بل بمعنى عدم امكان التمسك بها لاثبات مدلولها، فان هذه هي الغاية بنظر العقلاء، ومناط الحجية غير حاصل والحال هذا لكشف الاعراض عن خلل في جهة الصدور. وما يمكن ان يقال بان الحمل على التقية له مقام مخصوص، وهو ما اذا عارض دليل معادل له في الحجية مدفوع بعدم قيام دليل على الحصر، وتمام الكلام في محله.
الرابع: قال شيخ الطائفة في العدة: ميزت الطائفة بين ما يرويه محمد بن ابي عمير وصفوان بن يحيى واحمد بن محمد بن ابي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لايروون ولايرسلون الا عمن يوثق به وبين ما اسنده غيرهم ولذلك عملوا بمراسيلهم. انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وهذا كما ترى شهادة منه -قدسسره - بعمل الطائفة على ما يرويه أحد هؤلاء، ومعرفتهم بانه لايروون ولايرسلون الا عن ثقة. وهذه الشهادة مستندة الى الحس، كما هو ظاهر، فيثبت بها المشهود به. وبما ان الطائفة هم اهل الخبرة للروايات تثبت بهذه السيرة العملية المذكورة منهم حجية ما يرويه احد هؤلاء ووثقاء من روى عنه احدهم، ولاسيما بملاحظة تراكم اراء الطائفة مع جلالة قدرهم علما وعملا، وعدم تصور الاقتراح في حقهم.
ان قلت: انا نرى بالوجدان رواية هؤلاء عن الضعاف كرواية ابن ابي عمير عن ابي حمزة البطائني، وهذا يوهون ما ذكر.
قلت: ان اقوى ما تمسك به لوهن ما حكاه الشيخ عن عمل الطائفة ونظرهم، هو رواية ابن ابي عمير عن البطائني، الا ان حاله معروف في الرجال، وانه ذو حالتين، عدل عن الاستقامة اواخر عمره، ويروي عنه عدة من اصحاب الاجماع، ومنهم ابن ابي عمير حال استقامته. واليك نص ما ذكره النجاشي في شرح حال الرجل: «روى عن ابي الحسن موسىعليهالسلام ، وروى عن ابي عبد اللهعليهالسلام ثم وقف».
ويظهر من هذه العبارة ان الوقف كان بعد ما روى عن ابي الحسن موسىعليهالسلام ، فمع رواية ابن ابي عمير عنه لابد لنا من الاخذ بالرواية لوجهين: شهادة الشيخ بان الطائفة يرون انه لايروي الا عن ثقة، وعدم وجود رواية واحدة من البطائني عن الرضا (سلام الله عليه). فاذا جميع روايات الرجل حجة لثبوت وثقاته حال روايته لعدم رواية ابن ابي عمير وصفوان بن يحيى واحمد بن محمد البزنطي الاّ عن ثقة.
الخامس: الحكم بن مسكين المكفوف، لم يرد في حقه توثيق من القدماء، ولكن لم يرد في حقه طعن ايضا. والحق وثاقة الرجل، وذلك يظهر بملاحظة هذه الامور:
١ - انه امامي لذكر النجاشي والشيخ - قدس سرهما - انه من اصحاب الصادقعليهالسلام .
٢ - انه كثير الرواية ومقبولها، وكونه صاحب كتب متعددة.
٣ - يروي عنه عدة من الاجلة وفيهم اصحاب الاجماع، كابن ابي عمير وعلي بن اسباط ومحمد بن حسين بن ابي الخطاب النهدي ومعاوية بن حكيم والحسن بن علي بن فضال واحمد بن محمد بن ابي نصر والحسن بن محبوب.
٤ - حكم المحقق -قدسسره - بصحة رواياته.
وبعد ملاحظة هذه الامور يحصل الوثوق بحسن حال الرجل بل بوثاقته، وهذا هو مناط الحجية كما مر مضافا الى انا قد ذكرنا ان رواية ابن ابي عمير واحمد بن محمد بن ابي نصر عن رجل تدل على وثاقته، فالحكم بن مسكين ثقة بلا كلام ينبغي.
السادس: طلحة بن زيد. لم يرد في حقه توثيق من القدماء، ولكن لم يرد في حقه طعن ايضا. والحق وثاقة الرجل، وذلك يظهر بملاحظة هذه الامور:
١ - ذكر الشيخ -قدسسره - في الفهرست ان كتابه معتمد.
٢ - يروي عنه عدة من الأجلة، وفيهم اصحاب الاجماع، كمنصور بن يونس وابراهيم بن هاشم ومحمد بن احمد بن يحيى وصفوان بن يحيى وموسى بن بكر وعبد الله بن المغيرة ومنصور بن حازم وعثمان بن عيسى.
٣ - يظهر ن المحكي عن الاقا باقر(البهبهاني) انه كالسكوني عملت الطائفة بأخباره.
وبعد ملاحظة هذه الامور يحصل الوثوق بحسن حال الرجل، بل بوثاقته. وهذا هو مناط الحجية كما مر. فلا يضر كونه عاميا، بل ولو كان بتريا اذ المدار في الحجية ما ذكرنا وهو حاصل. مضافا الى انا قد ذكرنا: ان رواية صفوان بن يحيى عن رجل تدل على وثاقته.
والسيد الاستاذ - مد ظله - أيضا ملتزم بوثاقة الرجلين لا لما ذكرنا، بل لوجودهما في اسناد كامل الزيارات، وقد شهد ابن قولويه في اول هذا الكتاب
بأن جميع الروايات الواردة فيه قد وردت من الثقات.
السابع: وليعلم انه لابد في حمل الرواية على التقية من موجب له، والا فالاصل العقلائي الجاري في جهة الصدور يقتضي الحكم بورودها بداعي الجد وهذا ظاهر، والموجب له احد الأمور:
١ - التعارض بين الروايتين احداهما موافقة للعامة والاخرى مخالفة لها، مع وجود شرائط الترجيح بهذا المرجح، أي عدم امكان الجمع الدلالي بينهما، وعدم وجود مرجح سابق عليه لو قلنا بالترتيب بين المرجحات، وهذا هو القسم الاكثر.
٢ - الشاهد الداخلي في نفس الرواية على وجود خلل في جهة صدورها. وقد اشير الى ذلك بان لنا معاريض عن الكذب، او ان فيه ما يشهد بانه خرج من جراب النورة.
٣ - الشاهد الخارجي على ذلك. ومن القسم الأخير اعراض القدماء عن الرواية، وقد مر.
الثامن: ان اجراء الحدود من الامور الولائية، أي مما هو مشروط بوجود الامامعليهالسلام واقامته ذلك، او الحاكم الشرعي المبسوط اليد، والدليل عليه موثق حفص بن غياث، قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام : من يقيم الحدود ااسلطان او القاضي؟ فقال: الحدود الى من اليه الحكم(١) . فاقامة الحدود مربوط بالحكم.
ان قلت: الحاكم الشرعي ايضا حاكم، وليس في الرواية ما يدل على اختصاص الاقامة بالامامعليهالسلام لعدم اختصاص الحاكم به.
قلت: نعم وان كان الظاهر من الرواية ان المقيم هو الأعم من الحاكم بالأصل، ومن الحاكم بالتنزيل، واعطاء الحكومة للفقيه يلازم اعطاء اثارها
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٢٨ من ابواب مقدمات الحدود واحكامها العامة حديث١.
أيضا. وبعبارة اخرى تنزيل الفقيه منزلة الامام في الحكومة يلازم التنزيل في اثارها التي منها اقامة الحدود، الا ان ظاهر الحاكم في الرواية هو الحاكم بالفعل، وليس هذا الا في مورد بسط اليد، وكما ان ظاهر الرواية الاتية وهي رواية طلحة بن زيد ان الجمعة مشروطة بفعلية اقامة الحدود، ومن المعلوم ان فعليتها لايمكن الا اذا كان الحاكم الشرعي ولو كان هو الفقيه مبسوط اليد، فمع عدم بسط اليد لا تقام الحدود ولاتجب الجمعة، وهذا معنى المنصبية.
اذا عرفت ذلك، فنقول: ان في المقام روايتين دالتين على المنصبية، أي اشتراط الوجوب بوجود الامام او من نصبه.
(احداهما) محمد بن الحسن، باسناده عن احمد بن محمد بن محمد بن يحيى عن طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن عليعليهالسلام قال: لا جمعة الا في مصر تقام فيه الحدود(١) .
اما السند: فبقرينة المروي عنه، وهو محمد بن يحيى العطار، احمد بن محمد هو احمد بن محمد بن عيسى، وسند الشيخ اليه صحيح، وطلحة بن زيد ثقة، على مامر، فالرواية موثقة.
واما الدلالة: فظاهر الرواية اعتبار القيدين في الجمعة: المصر، واقامة الحدود، وقد ذكرنا ان اقامة الحدود من الامور الولائية، والمشروط بامر ولائي يسقط باسقاط شرطه الساقط بانتفاء شرطه ايضا. مضافا الى انه قد مر من ان التحاكم بين هذه الرواية والروايات الواردة في بيان وظيفة اهل القرى الدالة على وجوب الجمعة عليهم عند وجود من يخطب يدل على المنصبية، فراجع.
وان ابيت عن جميع ذلك، فلا اقل من ظهور الرواية في اعتبار فعلية اقامة الحدود في الجمعمة، فتنتفي بانتفاء شرطها، فالجمعة منتفية الا اذا كان هناك
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٣.
حاكم شرعي مبسوط اليد مجر للحدود، فبلسان الحكومة يقيد جميع روايات وجوب صلاة الجمعة. فاذا كان اصل الجمعة مشروطا يكون الحضور الى الجمعمة ايضا مشروطا لاشتراط الشهود بتحقق المشهود اليه. فلا وجه لان يقال: انه لا مانع من اشتراط الانعقاد واطلاق الحضور. نعم يمكن هذا ثبوتا الا ان في مقام الاثبات اخذت الجمعة موضوعا لوجوب الاجتماع، فان الجمعة فريضة والاجتماع اليها فريضة، وقد استشكلوا على ذلك بأمرين:
١ - ضعف السند. وقد عرفت الجواب عن ذلك.
٢ - اخذ المصر في موضوع الجمعة في الرواية(١) وهو موافق لمذهب اكثر العامة، فلابد من حمل الرواية على التقية كما في الوسائل. قال الشيخ: هذا محمول على التقية لانه موافق لاكثر مذاهب العامة. والجواب عن ذلك بوجوه:
الأول: انه لاموجب للحمل على التقية.
ان قلت: الموجب هو التعارض بين هذه الرواية، والروايات الدالةعلى وجوب الجمعة على اهل القرى اذا كان فيهم من يخطب.
قلت: (اولا) هذا لو لم يمكن الجمع بينهما، وهو هنا ممكن، فانه بحكومة الرواية الثانية على الاولى يستكشف ان اخذ القيد ليس من باب التعبد الشرعي، بل من باب الارشاد الى ما هو وعاء للقيد الثاني وهو اقامة الحدود.
(وثانيا) انه ليس مذهب اكثر العامة اعتبار المصر في الجمعة كما نسب الى الشيخ -قدسسره - بل هو مذهب ابي حنيفة، فليرجع الىمظانه. على انه ايضا لايرى اعتبار المصر من حيث اقامة الحدود في وجوب الجمعة بل يرى الاعتبار من حيث العدد في ذلك، فكيف يمكن حمل الرواية على التقية.
(وثالثا) سلمنا ورود القيد الأول مورد التقية، الاانه لاموجب لحمل
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٣.
القيد الثاني عليها ولاسيما بملاحظة عدم قائل بدخله في وجوب الجمعة من العامة. فالانصاف الموافق للتحقيق تمامية هذه الرواية للدلالة على المنصبية.
(وثانيتهما) محمد بن الحسن، باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن محمد ابن الحسين عن الحكم بن مسكين عن العلاء عن محمد بن مسلم عن ابي جعفرعليهالسلام قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين (المؤمنين)، ولا تجب على اقل منهم: الامام وقاضيه، والمدعي حقا والمدعى عليه والشاهدان والذي يضرب الحدود بين يدي الامام(١) .
اما السند: فليس فيه من لم يوثق الا الحكم بن مسكين، وقد عرفت انه ثقة.
واما الدلالة: فظاهر الرواية دخل الامام في الوجوب وهو الامام الاصل بقرينة ما ذكر بعده. وقد حكى صاحب الحدائق -قدسسره - عن رسالة الشهيد الثاني -قدسسره - وجوبها في مقام الجواب عن الاستدلال بهذه الرواية نذكر ما هو المهم منها:
١ - ان الخبر متروك الظاهر، لان مقتضى الظاهر ان الجمعة لا تنعقد الا باجتماع هؤلاء، واجتماعهم جميعا ليس بشرط اجماعا.
والجواب: ان عهدة دعوى الاجماع على مدعيه، ولاسيما اذا كان المراد منه الاجماع على عدم الشرطية، لا عدم القول بالشرطية. فنستدل بالرواية على اعتبار اجتماع هؤلاء في الوجوب. مضافا الى ان حضور غيره خرج بالاجماع، فيكون هو المخصص لمدلول الخبر، فتبقى دلالته على ما لم يجمع عليه باقية، وليس مخالفة ظاهر اكثر مدلوله موجبا لطرح الرواية من رأس.
والحاصل: انه - بعد ملاحظة الرواية والاطمئنان بعدم دخل من عدا الامامعليهالسلام في الوجوب - لا وجه لرفع اليد عن ظهور الرواية في دخل
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٩.
الامامعليهالسلام فيه، ولعل ذكر الستة أعني غير الامامعليهالسلام من باب ان حضور هذه الستة عند الامام من لوازم بسط يده وتمكنه ن رتق الامور وفتقه واجرائه الحدود وقضائه، فان حضور هذه الستة عنده من لوازم سلطته واقتداره، لا لخصوصية اشخاصهم في الموضوع فعلى ذلك لاتجب الجمعة الا اذا كان هناك حاكم شرعي، وولي ديني ذو سلطة واقتدار متصد لادارة الحكومة الاسلامية، وكان الحاكم الشرعي متصديا للقضاء فعلا، وتجري الحدود الشرعية فعلا، ولانريد من المنصبية الا هذا المعنى.
٢ - ان مدلوله من حيث العدد وهو السبعة متروك ايضا، ومعارض بالأخبار الصحيحة الدالة على اعتبار الخمسة خاصة.
والجواب عن ذلك ظاهر، فان المستفاد من الاخبار اعتبار الخمسة في الانعقاد، والسبعة في الوجوب.
٣ - ان العمل بظاهر الخبر يقتضي ان لا يقوم نائبه مقامه،وهو خلاف اجماع المسلمين.
والجواب عن ذلك ان النيابة بعد اعطاء المنصب الى النائب مؤكدة للمنصبية لا نافية لها.
٤ - لا ريب في انه ليس المراد من الرواية حصر متعلق الوجوب في هذه السبعة، بمعنى السقوط عن غيرهم. فلابد من حمل الرواية على ان اجتماع هؤلاء محقق لسائر الشرائط كعدم الخوف مثلا، فان هذا يقتضي بسط اليد وانتفاء الخوف، بخلاف ما لو اجتمعت سواهم. وبعبارة اخرى: اخذت السبعة في موضوع الوجوب في الرواية طريقا لا موضوعا.
والجواب (اولا) يمكن ان نلتزم بحصر الوجوب على نفس هذه السبعة ودخلها موضوعا في وجوب صلاة الجمعة، واما بالنسبة الى سائر الناس فيجب الالتحاق في حقهم، فان الجمعة فريضة، والاجتماع اليها فريضة مع الامام.
(وثانيا) ان الجزم بعدم السقوط عن غيرهم لايوجب حمل اجتماع جميع ذلك على الطريقية، بل لابد من ارتكاب خلاف الظاهر في الرواية، لما يندفع المحذور، وهذا يتم بالتحفظ على ظهور الرواية في دخل الامام في موضوع الوجوب، وحمل من عداه على الطريقية، وبيان ان الشرط حضور الامام مع بسط يده، وتمكنه من اجراء الحدود، فان حضور هؤلاء عند الامام من لوازم بسط يده وسلطته واقتداره غالبا، فيكون حاصل الرواية ان وجوب الجمعة مشروط بوجود الامام، وتمكنه من اجراء الحدود، كما في الرواية السابقة وموضوع الوجوب سبعة نفر من المسلمين،
احدهم الامام، كما في رواية محمد بن مسلم السالفة. وبهذا يظهر عدم موجب لحمل ذلك على المثال، او غير ذلك مما هو خلاف ظاهر الرواية. فالانصاف الموافق للتحقيق تمامية هذه الرواية ايضا للدلالة على مذهب المشهور، وهو القول بالمنصبية.
فتحصل ان الجمعة امر ولائي منصبي لاتجب الا مع اقامة ولي الامر ذلك ومع وجوده وتحقق الشرائط تجب تعيينا، لا تخييرا. ولا دليل على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة، نعم لو أتى بها مع عدم اقامة من له المنصب يجزي عن الظهر، والنتيجة هو اشتراط الوجوب التعييني واطلاق المشروعية.
قال: الكلام في ما هو مقتضى القاعدة في حكم صلاة الجمعة مع صرف النظر عن الادلة اللفظية.
لو قلنا: بان ما دل على ان صلوات اليومية سبعة عشر ركعة لغير المسافر، له اطلاق بالنسبة الى جميع الأيام كما هو كذلك، فالأمر واضح، فان اصالة الاطلاق تقتضي الاتيان باربع ركعات ظهر يوم الجمعة.
ولو صرفنا النظر عن ذلك، فلو كان طرفي الاحتمال الوجوب التعييني لصلاة الجمعة والوجوب التخييري لها فالأمر دائر بين التعيين والتخيير، والمرجع اصالة البراءة عن التعيين. ولو كان للاحتمال طرف اخر وهو عدم مشروعيتها، فأيضا يرجع الى اصالة البراءة عن التعيين. ولو كان الاحتمال دائرا بين الوجوب التعييني وعدم المشروعية، فلو لم يحتمل عدم المشروعية بالنسبة الى صلاة الظهر ايضا فيدور الامر بين التعيين والتخيير بالنسبة الى الظهر، والمرجع اصالة البراءة عن التعيين. ولو احتملنا عدم المشروعية بالنسبة اليها فيتشكل العلم الاجمالي، ولابد من الجمع بينهما. هذا اذا لم نعلم بالوجوب التعييني لصلاة الجمعة في زمان الحضور، والاّ فلو بنينا على جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية يجري الاستصحاب، والا كما هو الحق عندنا فلا.
أقول: الحق عدم جريان الاستصحاب، وان قلنا بالوجوب التعييني حال الحضور، فان الشك في سنخ الحكم المستصحب وانه هل هو مطلق او مشروط؟ فلا نعلم كيفية الجعل من الأول. فالوجوب المطلق غير متيقن حدوثا، ومطلق الوجوب وان كان مجرى الاستصحاب، الا انه لا اثر له مالم يعلم فعليته بفعلية موضوعه بجميع قيوده، ولايمكن اثبات ذلك حتى على القول بالأصل المثبت، لعدم اثبات الحكم وجود موضوعه ولو كان محرزا بالوجدان.
وبهذا ظهر الوجه في عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فان الحكم في مرحلة الجعل لاشبهة في بقائها على نحو حدوثها مشروطا، او مطلقا الا من ناحية عدم احتمال النسخ المفروض عدمه وفي مرحلة الفعلية لاشك في البقاء، الا مع الشك في الموضوع بالبيان المتقدم. وقد ظهر بهذا البيان، انه ليس الوجه في عدم الجريان ما افاده السيد الأستاذ - دام ظله - من معارضة
الاستصحاب مع استصحاب عدم الجعل، لعدم جريان الاستصحاب لا في مرحلة الفعلية، ولا في مرحلة الجعل، فضلا عن المعارضة بينهما، هذا اولا.
وثانيا ان عدم الجعل ليس اثرا شرعيا، ولا موضوعا لأثر شرعي، وعدم الحكم لازم عقلي له، فلا يجري الاستصحاب فيه واستصحاب نفس عدم الحكم في مرحلة الجعل لايعارض استصحاب الحكم في مرحلة الفعلية، فان المرحلتين مرتبتان عقلا. وكما ان استصحاب وجود الحكم في مرحلة الجعل، لا يثبت فعليته بالبيان المتقدم، كذلك استصحاب عدمه في تلك المرحلة لايثبت عدمه في مرحلة الفعلية، فاستصحاب الوجوب في مرحلة الفعلية بلا معارض. وتفصيل الكلام في محله.
وحيث ان المحتملات ثلاثة (في زمان الغيبة): الوجوب التعييني للظهر، والوجوب التعييني للجمعة، والتخيير بينهما، فيرجع الى البراءة عن التعيين، والنتيجة هو التخيير. واما الأصل اللفظي فالحق كما افاده، الا انه يرفع اليد عن ظهور المطلقات في الوجوب التعييني للظهر، بما دل على جواز الاتيان بالجمعة والاكتفاء بها، قلنا بالمنصبية او لم نقل بها فالنتيجة هو التخيير ايضا.
وهنا طريق اخر لبيان الاصل اللفظي في المقام، وهو ان الظاهر من قولهعليهالسلام في صحيح زرارة: وانما وضعت الركعتن اللتان اضافهما النبيصلىاللهعليهوآله يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين(١) وغيره من الاخبار المشتملة على تعليل سقوط الركعتين في صلاة الجمعة بوجود الخطبتين، كون المجعول الأولي لظهر يوم الجمعة اربع ركعات كالظهر في سائر الأيام. ووضعت الركعتان في ذلك اليوم لمكان الخطبتين. فيكون وزان ذلك وزان دليلين: (احدهما) عام يدل على ان الوظيفة الأولية يوم الجمعة هي اربع ركعات.
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٦ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١.
(والثاني) ما يخصص ذلك بغير يوم الجمعة. فمع الشك في التخصيص نتمسك بعموم العام، وهو القول بأصالة الأربع.
نعم من رأى عدم جواز التمسك في موارد الشك في التخصيص لما يرى من ان المخصص ينظر الى العام بلسان تنويع موضوعه، فلا يمكنه الاستدلال بذلك، ولكن الحق المحقق في محله هو الجواز. فالأصل اللفظي يقتضي وجوب الظهر عند عدم بسط يد الامام، وبضميمة ذلك الى ما دل على مشروعية الجمعة مطلقا يثبت التخيير بالمعنى الذي ذكرناه على البيان المتقدم.
فالنتيجة هو التخيير في مقام الامتثال على أي تقريب كان، أي سواء كان بالنظر الى الروايات، او بالنظر الى مقتضى القاعدة اللفظية، او بالنظر الى مقتضى الاصول العملية.
تنبيه
قد ذكرنا ان ما يستفاد من الروايات في حكم صلاة الجمعة هو اشتراط الوجوب التعييني واطلاق المشروعية، وهذا غيرالوجوب التخييري بحسب اصل الشرع، وهذا ظاهر. وليس من الوجوب التخييري في مقام الجعل حتى في زمان الغيبة أيضا.
ان قلت: انه ما الفرق بين الوجوب التخييري للجمعة والظهر، وبين مشروعية الجمعة واجزائها عن الظهر، وليس هذا الا مجرد تفنن في التعبير.
قلت: الفرق بين الأمرين يظهر من تفصيل، وهو ان الحق المحقق في محله، ان الاحكام ولو كانت بعنوانها مجعولة الا ان البعث والزجر او اعتبار ايجاد الشيء او اتركه على ذمة المكلف حجة على الوجوب او الحرمة، لحكم العقل بلزوم الخروج عن العهدة بالنظر الى البعث والزجر، او اعتبار المولى ايجاد الشيء وتركه على المكلف من دون الاذن في ترك الامتثال. كما انه يكشف الاستحباب او الكراهة بالنظر الى البعث او الزجر، او ذلك الاعتبار مع
الترخيص في ترك الامتثال من قبل المولى. فالبعث او الزجر أو الاعتبار المذكور في مورد الوجوب والاستحباب وفي موارد الحرمة والكراهة سواء، والفارق انما هو الاذن في ترك الامتثال وعدمه الناشىء من عدم ارادة الالزام ووجوده، وتمام الكلام في محله.
ومن هنا بنينا على شرعية عبادات الصبي على خلاف ما افاده السيد الاستاذ - دام ظله - فان أدلة التكاليف باطلاقها تشمل غير البالغين ايضا، بحيث لو لم يكن هنا دليل الحاكم لالتزمنا بالوجوب بالنسبة اليه ايضا، الا انه مع وجوده لابد من الحكم بعدم الوجوب.
ان قلت: ان المعتبر المجعول امر بسيط لا تركيب فيه حتى يمكن ارتفاع احد جزئيه بدليل الحكم وبقاء الجزء الاخر، فالمرتفع بذلك هو نفس ذلك الامر البيسط، فدليل الحاكم يرفع اصل الاعتبار، فأين المشروعية بالنسبة الى غير البالغ؟.
قلت: ان المعتبر وان كان بسيطا، الا ان الدليل الحاكم غير ناظر الى ارتفاعه عن غير البالغ، فانه وارد الامتنان، ورفع اصل الاعتبار لا منة فيه، بل خلاف الامتنان جدا، فهو ناظر الى الترخيص في ترك الامتثال، والعقل بملاحظة اصل الاعتبار، وهذا الترخيص يكشف الاستحباب، فعبادات الصبي مشروعة. ولذا بنينا على خلاف مسلك السيد الاستاذ: انه لو اقدم الصبي المميز بتكفين الميت او تغسيله او الصلاة عليه يسقط التكليف عن الباقين، لاطلاق دليل الاعتبار. والماهية واحدة، غاية الامر الصبي مرخص في ترك الامتثال دون غيره، واما عدم اجزاء حج الصبي عن حجة الاسلام اما هو بالدليل الكاشف عن دخل البلوغ في سنخ الحكم (الالزامي) كما بنينا في بحث الحج.
وقد ظهر بهذا البيان ان البلوغ شرط للوجوب فقط، لا للمشروعية، وايضا في موارد التكاليف الحرجية، نلتزم باشتراط الوجوب واطلاق المشروعية بعين
البيان المتقدم، ونحكم بصحة العبادة الحرجية.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فان الجمع بين الأدلة الدالة على وجوب الجمعة اجمالا وما دل على المنصبية يقتضي اشتراط الوجوب التعييني بالامام، او من نصبه. ولو كنا نحن وهذه الأدلة فقط، لالتزمنا بعدم المشروعية بالنسبة الى غير واجد الشرط، لعدم وجود اطلاق يدلنا على المشروعية المطلقة، الا ان صحيحة زرارة وعبد الملك تدلنا على المشروعية بالنسبة الى غيرهم ايضا، لامن جهة ترخيص الامامعليهالسلام تشريعا، بل من جهة كشف قولهعليهالسلام عن الواقع، فانه في مقام الارشاد الى الواقع، وهي الرخصة في التطبيق لا التشريع الفعلي. وقد مر ذلك.
هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى ان ترك زرارة وعبد الملك يكشف عن عدم الوجوب التعييني لصلاة الجمعة حينئذ. فحكم العقل بلزوم الخروج عن العهدة بإتيان الجمعة ساقط. وايضا ان الحث انما هو ناظر الى مرحلة الامتثال لا مرحلة الجعل، فمشروعية صلاة الجمعة مسلمة. واما الوجوب التخييري فلا. فالنتيجة هو اشتراط الوجوب، واطلاق المشروعية. فقد ظهر الفرق بين الوجوب التخييري وما ذكرناه من اطلاق المشروعية غاية الظهور.
واما الاجزاء عن الظهر فمن وجهين:
الأول: انهما ماهية واحدة، لظهور ما دل على انه وضعت الركعتان لمكان الخطبتين على ذلك، فيجزي الاتيان بالجمعة عن الإتيان بالظهر ولو على نحو اجزاء غير الواجب عن الواجب، مثل اجزاء تغسيل الصبي للميت عن الواقع واسقاط ذلك لتكليف البالغين.
الثاني: ان لسان صحيحة زرارة وموثقة عبد الملك هو تطبيق الوظيفة الفعلية على صلاة الجمعة ولازم ذلك الاجزاء عن الوظيفة كيف كانت.
والحمد لله رب العالمين
ظاهر هذه الروايات ولاسيما الاخيرة ان الصلاة مع المخالف جماعة حقيقة ولها احكام الجماعة كسقوط القراءة عن المأموم، ومن الأحكام اغتفار زيادة الركن في بعض الموارد فشملت الركنيات ايضا، فتأمل.
والذي يسهل الخطب عدم الحاجة الى دليل لاثبات الاجزاء في الركنيات مستقلا، والدليل على الاجزاء فيها هو الدليل على الاجزاء في غيرها، وقد مر الدليل وتقريبه. نعم، يستكشف بملاحظة الروايات الواردة في هذا الباب اهتمام الشارع باتيان العمل تمام الاجزاء والشرائط ولزوم التحفظ على ذلك مهما أمكن حتى في المستحبات فكيف بالأجزاء الركنية، واليك بعض ما دل على ذلك من الروايات:
(منها) مصحح ابراهيم بن شيبة، قال: كتبت الى أبي جعفر الثانيعليهالسلام أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنينعليهالسلام وهو يرى المسح على الخفين او خلف من يحرم المسح وهو يمسح، فكتبعليهالسلام ان جامعك واياهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فأذن لنفسك وأقم، فان سبقك الى القراءة فسبح(١) . وهذه الرواية تدل على الاهتمام باتيان العمل التام حتى مع الأذان والاقامة في مورد حدوث الاضطرار بالطبع، فكيف بالركنيات وبمورد حدوث ذلك بالاختيار.
(ومنها) صحيحة الحلبي او حسنته عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: اذا صليت خلف امام لايقتدى به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع(٢) . وهذه الرواية تدل على لزوم التحفظ على القراءة كيف كان. ويدل على ذلك الروايات الاخر يظهر بالمراجعة، وما ذكرنا يكفي لما نحن بصدده.
قال السيد الاستاذ: لو سقط الدليلان من الجانبين يرجع الأمر الى مقتضى
____________________
(١ و٢) الوسائل: ج٥ باب ٣٣ من ابواب الجامعة حديث٢و٩.
القاعدة وهو الاجزاء بالنسبة الى غير الركنيات تحفظا على اطلاق دليل الأول بالنسبة الى سائر الأجزاء أي الباقي بعد ارتفاع بعضها بالعذر وعدم الاجزاء بالنسبة الى الركنيات لحكومة دليلها على دليل الحاكم على الاطلاق.
اقول: قد مر ان مقتضى القاعدة الاجزاء مطلقا على ما مر من التقريب مع ان الجمع بين الأدلة يقتضي حمل الطائفة الأخيرة على الاستحباب وشدة الاهتمام ولا تصل النوبة الى التساقط، واستحباب اتيان العمل التام لا يستدعي ازيد من الاستحباب في الركنيات وغيرها.
السابع: الروايات الواردة في باب الصوم من ان الفطر يوم يفطر الناس وفيها ان الأضحى يوم يضحي الناس. بتقريب أنه لا اشكال في ان الوقوف منسك في الحج متقوم بزمان خاص كما في بعض النصوص، وبمكان خاص كما يظهر من بعضها الاخر، بحيث لو اخل بذلك ولم يحصل في ذلك الزمان او في ذلك المكان لم يحصل الوقوف، فان وقوع الوقوف في الزمان المعين. وهكذا وقوعه في المكان المعين مقوم للوقوف وركن له، وهذه تدل على كفاية الوقوف في غير زمانه الخاص في مورد التقية، فان كون الأضحى يوم يضحي الناس يستلزم عدم اعتبار كون الوقوف في زمانه الواقعي بالدلالة الالتزامية، وبالغاء الخصوصية نستكشف منها الاجزاء في الركنيات مطلقا، هذا بالنسبة الى الأضحى.
واما بالنسبة الى الفطر فقد وردت عدة روايات دالة على ما ذكر، وظاهرها جواز الافطار في ذلك اليوم وكونه فطرا بالتنزيل وهذا معنى الاجزاء، ولكن لابد من ملاحظة الروايات والتأمل في مفادها حتى يظهر الأمر.
تعرض السيد الاستاذ للروايات وناقش في جميعها ونحن نذكرها مع تلك المناقشات ونجيب عنها بعد بيان تمامها:
(منها) موثقة عيسى بن أبي منصور قال: كنت عند ابي عبد اللهعليهالسلام
في اليوم الذي يشك فيه. فقال: يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا. فذهب ثم عاد. فقال: لا، فدعا بالغداء وتغدينا معه(١) .
وتقريب الاستدلال ما مر من ان جواز الافطار في يوم أفطر السلطان ظاهر في ان ذلك اليوم فطر ولو بالتنزيل، ولكن لايخفى مافيه:
اولا: الرواية في نفسها ساكتة عن الاجزاء وعدمه بمعنى لزوم القضاء وعدمه.
وثانيا: قد اخذ الشك في الموضوع، فكما يحتمل ان يكون الافطار في يوم افطر السلطان من جهة التنزيل يحتمل ايضا كون افطار السلطان امارة على ثبوت الهلال والفطر في طرف الشك لو لم نقل بأن التحفظ على ظهور اخذ الشك في الموضوع في الاختصاص، ولم نقل أيضا بان طبع هذا الأمر الطريقية، ولا ظهور للرواية في ثبوت التنزيل فتكون مجملة، مضافا الى ان معتبرة أبي الجارود قال: سمعت ابا جعفر محمد بن عليعليهماالسلام قال: صم حين يصوم الناس وافطر حين يفطر الناس، فان الله جعل الأهلة مواقيت(٢) . دالة على الطريقية لعدم ملاءمة التعليل الوارد فيها الا مع ذلك، فاذا الرواية غير دالة على الاجزاء ولاسيما مع العلم بالمخالفة.
(ومنها) مرسلة داود بن الحصين عن أبي عبد اللهعليهالسلام انه قال - وهو بالحيرة في زمان أبي العباس -: اني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم وهو والله من شهر رمضان، فسلمت عليه فقال: يا أبا عبد الله أصمت اليوم؟ فقلت: لا - والمائدة بين يديه - قال: فادن فكل. قال: فدنوت فأكلت. قال: وقلت: الصوم معك والفطر معك. فقال الرجل لأبي عبد اللهعليهالسلام : تفطر يوما من
____________________
(١) الوسائل: ج٧ باب ٥٧ من ابواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث١.
(٢) مستدرك الوسائل: ج١ باب ٩ من ابواب احكام شهر رمضان حديث١.
شهر رمضان؟ فقال: أي والله افطر يوما من شهر رمضان أحب الى من ان يضرب عنقي(١) .
وتقريب الاستدلال ظاهر فان قولهعليهالسلام : «الفطر معك» ظاهر في التنزيل، فلابد من القول بالاجزاء.
والجواب: أولا: الرواية مرسلة.
وثانيا: أنها ساكتة عن حكم القضاء والاجزاء، واما قولهعليهالسلام «الفطر معك» فهو وارد مورد التقية، ولايمكن اجراء الاصل في الجهة هنا ولو مع الشك في ذلك، فان الكلام وارد في ذلك المورد، والعرف والعقلاء لا يرون ورود مثل هذه العبارة في هذا المورد بداعي الجد، ولاسيما بملاحظة ذيل الرواية الدالة على ان الافطار في يوم احب اليهعليهالسلام من ان يضرب عنقه، فمع ورود الرواية في مثل هذا الحال كيف يمكن استنباط التنزيل مع عدم ذكر الاجزاء وعدمه فيها؟.
(ومنها) مرسلة رفاعة عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: دخلت على أبي العباس بالحيرة. فقال: يا ابا عبد الله ما تقول في صيام اليوم؟ فقال: ذاك الى الامام، ان صمت صمنا وان افطرت أفطرنا. فقال: يا غلام علي بالمائدة. فأكلت معه وأنا أعلم والله انه يوم من شهر رمضان. فكان افطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من ان يضرب عنقي ولايعبد الله(٢) . وتقريب الاستدلال ظهور «ان افطرت افطرنا» في التنزيل والاجزاء.
والجواب: - بعد الارسال وورود هذه الجملة مورد التقي ولو لم نقل بورود الكبرى وهي ذاك الى الامام في ذلك المورد، ولذا قد يتمسك لاثبات نفوذ حكم الحاكم في ثبوت الفطر بهذه الرواية - ان الرواية دالة على خلاف
____________________
(١و٢) الوسائل: ج٧ باب ٥٧ من ابواب مايمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث ٤و٥.
المطلوب، فانها تدل على ثبوت القضاء وان كان محمولا على الاستحباب جمعا الا ان الكلام في نفس الرواية.
(ومنها) موثقة خلاد، قال: قال ابو عبد اللهعليهالسلام : دخلت على أبي العباس في يوم شك وأنا أعلم أنه من شهر رمضان وهو يتغذى. فقال: يا ابا عبد الله ليس هذا من أيامك. قلت: لم يا امير المؤمنين؟ ما صومي الا بصومك ولا افطاري الا بافطارك. فقال: ادن، قال: فدنوت فأكلت وانا والله اعلم انه من شهر رمضان(١) .
وتقريب الاستدلال والجواب قد ظهر مما تقدم فان افطاري بافطارك وارد مورد التقية، مع أنها ساكتة عن حكم القضاء وغاية ما يستفاد من الرواية جواز الافطار عند افطار الرجل، وهذا لايلازم التنزيل.
(ومنها) معتبرة أبي الجارود، قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام انا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلما دخلت على أبي جعفرعليهالسلام وكان بعض اصحابنا يضحي فقال: الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس(٢) .
وتقريب الاستدلال وجوابه ظهر مما مر لسكوت الرواية عن القضاء، والالتزام بالتنزيل لا موجب له وبلا ملزم. وقد اخذ في موضوعها الشك فلا تدل الرواية على الاجزاء حتى مع العلم بالمخالفة لاحتمال الطريقية بل الجزم بها من جهة نفس هذه المعتبرة أو رواية أبي الجارود السابقة، فهذه الروايات أيضا لا تدل على الاجزاء في الركنيات.
أقول: هذه الكيفية التي عامل الاستاذ مع هذه الروايات كيفية دفاعية عن مطلب مفروض لاكيفية التدقيق في الراويات وتحقيق مفادها فكأنه بين
____________________
(١و٢) الوسائل: ج٧ باب ٥٧ من ابواب مايمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث٦و٧.
الروايات بداعي النقاش فيها لا بداعي فهم أمر ما منها، مع ان شيئا من المناقشات التي ذكرها ليس بشيء، فان ضعف السند او الارسال في بعضها منجبرة، مع كفاية ما هو صحيح السند، والسكوت عن القضاء بعد التنزيل في بعضها يدل على عدم لزومها مثل الرواية الأخيرة، فان قولهعليهالسلام «الفطر يوم يفطر الناس» صريح في التنزيل ولازمه سقوط القضاء، والجمع بينها ومادل على ثبوت القضاء كمرسلة رفاعة يقتضي الحكم باستحباب القضاء، وما ذكر من اخذ الشك في موضوع الرواية الاخيرة وموثقة عيسى يوجب عدم دلالة الرواية على الاجزاء لاحتمال الطريقية اغرب من سابقه، فان الشك في مورد الرواية لا في موضوع حكمها، مع انه لايحتمل جواز الافطار او التضحية عند الشك اذا لم تكن عن تقية، فالموجب للافطار والتضحية هو التقية لا جعل طريق في مورد الشك ولو كان شيء مجعولا في مورد التقية بهذا اللسان لايمكن الا تنزيل العمل المتقى به منزلة الواقع وكفاية عنه.
وأعجب من جميع هذه المناقشات ما ذكره في مرسلة داود ومرسلة رفاعة والرواية الاخيرة من ورودها مورد التقية فلا يمكن التمسك بها، فان ما نحن بصدده اثبات حكم مورد التقية فلو لم نتمكن من اخذ الحكم من الروايات الواردة في مورد كان الامام في تقية فمن اين يمكننا أخذه؟.
والحاصل: ان كون الامام في مورد التقية بعينه موضوع مسألتنا وعمله في مورد التقية حجة لنا ولا موجب لحمل كلامهعليهالسلام على التقية، فان التقية في تطبيق الكلام لا اصل الحكم المستفاد منه، فتدبر جيدا.
الثامن: الروايات الواردة في بيان حسن المعاشرة معهم ولا سيما مع الامر بالصلاة في عشائرهم، فا هذه الروايات بالدلالة الالتزامية تدل على الاجزاء.
والجوب (اولا) انه لايعلم من الروايات ان الأمر بالصلاة في عشائرهم
هو الأمر بتطبيق الوظيفة عليها بل غايته ان يستفاد منها محبوبية نفس الدخول في عشائرهم والصلاة معهم وحسن معاشرتهم، وقد ظهر سابقا ان الروايات الدالة على ذلك دلت على زلوم اتيان الصلاة قبله او بعده، وهذا لايلائم الاجزاء ولا سيما على القول بعدم تصور الامتثال عقيب الامتثال، وفصلنا سابقا بما لامزيد عليه، وانما خصصناه بالذكر (ثانيا) من جهة حيثية الاستدلال، فان الحيثيتين هنا وفي السابق مختلفة، فلاحظ.
التاسع: ان ادلة مشروعية التقية كافية لاثبات الاجزاء في العمل المتقى به، فان المشروعية تستلزم ذلك، الا ترى ان مشروعية التقية في مورد شرب النبيذ يستلزم ارتفاع الحرمة عنه، فيعلم ان مشروعية التقية في كل مورد مستلزمة لما يناسبها في ذلك المورد وليس في العبادات الا الصحة والاجزاء.
وبعبارة اخرى: ان تطبيق عنوان التقية على العمل - بما لها من المشروعية - دال على تنزيل العمل المتقى به منزلة العمل الصحيح بالدلالة الاستلزامية، وهذا معنى الاجزاء، ولا فرق فيما ذكر بين الركنيات وغيرها.
والجواب: ان هذا النحو من الدلالة أي الدلالة الاستلزامية متوقفة على دوام الملازمة او غلبتها، مثلا ان عفو الدم بمقدار اقل من درهم في البدن او اللباس في الصلاة يستلزم عفو محل الدم بالدلالة الاستلزامية، فانه لو لم يكن المحل معفوا عنه مع الملازمة الغالبية بين ثبوت الدم ونجاسة محله به للزم اللغوية في مثل هذا الجعل أي عفو الدم لعدم وجود اثر له غالبا، ولكن لا ملازمة غالبية بين مشروعية التقية و اجزاء العمل المتقى به، فليس لهذه الروايات مثل هذا النحو من الدلالة.
العاشر: ان كثرة اخبار التقية والاهتمام بها في الروايات دالة على الاجزاء، فان اصل المشروعية لا تحتاج الى هذا الاهتمام وهذه الاخبار الكثيرة، فبملاحظة هذه الكثرة وشدة التأكيد نستفيد الاجزاء وهذا مثل أخبار «من
بلغ»، فان كثرة هذه الاخبار ايضا تدل على استحباب العمل مع بلوغ الثواب عليه.
والجواب عن ذلك اوضح، فان كثرة الأخبار وشدة الاهتمام لازم اعم للاجزاء، بل ذكرنا سابقا ان اصل العنوان - بما هو - مرغوب فيه عند الشارع، والقياس بأخبار من بلغ فيه مافيه، فان تلك الاخبار ايضا لا تدل على الاستحباب، والتفصيل في محله.
قال السيد الاستاذ: فتحصل من جميع ما مر انه لا دليل على الاجزاء في الركنيات، فانا وان نقول بان مقتضى الاطلاق الأولي الاجزاء الا ان ادلة الركنيات حاكمة على ذلك، ولايمكن التمسك بهذه الروايات لاثبات الاجزاء في الركنيات.
اقول: قد مر عدم وجود أي دليل في الركنيات حتى يكون حاكما على مادل على الاجزاء، وانا وان لانقول بأن مقتضى الاطلاق الأولي الاجزاء الا اذا كان لدليل حكم الطبيعة اطلاق وعدم وجود اطلاق لأدلة الاجزاء والشرائط الا انا نقول بان نفس ما دل على الاجزاء في غير الركنيات بعينها يدل عليه في الركنيات ايضا، وقد علقنا بعض ما هو ادل من غيره على الموارد المناسبة التي تعرض لها الاستاذ، ولم نصر على المناقشة في كلامه في سائر الموارد لا للارتضاء بما قال بل لعدم الحاجة اليه بعدم ما ذكرنا في غيرها.
ومما استدل به على عدم الاجزاء في الركنيات الروايات(١) الدالة بعضها على اتيان أمير المؤمنينعليهالسلام اربع ركعات بعد صلاة الجمعة التي اقتدى بهم فيها، وبعضها دالة على وجوب اضافة ركعتين بالصلاة الواقعة معهم في جمعتهم بعد تماميتها، بتقريب انه لو جاز الاكتفاء بما يقتدى بهم لكان اضافة
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ٢٩، من ابواب صلاة الجمعة وادابها.
الركعتين او الاتيان بأربع ركعات زائدا، ولاسيما بناء على عدم امكان الامتثال بعد الامتثال، فمن هنا يعلم عدم الاجزاء عند ترك الركن ولزوم تداركه مطلقا.
ان قلت: الكلام في مورد الخالي عن المندوحة والمفروض في الروايات وجود المندوحة.
قلت: قد ذكرنا سابقا ان موضوع دليل الحاكم هو العذر بالنسبة الى المأمور به، وهذا يصدق بالعذر في ان مع تجديد القدرة بعد ذلك. وبعبارة اخرى: لا تفيد المندوحة بالنسبة الى الافراد الطولية في رفع اليد عن ديل الاضطرار الاعذار، بل العمل الواقع حال الاضطرار صحيح لحكومة دليل الاعذار على الدليل الأول وان وجدت المندوحة بالنسبة الىتلك الافراد، فمن عدم الصحة في باب صلاة الجمعة مع تحقق العذر في ان الاتيان بالصلاة والصحة في سائر الموارد يستكشف عدم الاجزاء في الركنيات.
ولا يتوهم ان هنا مورد وجود المندوحة حال العمل، فان الظاهر من الروايات خلاف ذلك بل الظاهر منها تطبيق الوظيفة على ما يؤتى معهم تقية وتتميمها بالركعتين او الاعادة، فالمورد من قبيل وجود المندوحة بعد العمل لاحاله، ونشير الى روايتين في هذا الباب:
(الاولى) موثقة حمران وهي كالصحيح لوجود صفوان في السند عن أبي عبد اللهعليهالسلام (في حديث) اذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين اخريين، قلت: فأكون قد صليت أربعا لنفسي لم اقتد به، فقال: نعم(١) .
(الثانية) صحيحة زرارة على الصحيح. قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام :
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢٩ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث١.
ان أناسا رووا عن امير المؤمنينعليهالسلام انه صلى اربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم، فقال: يا زرارة ان امير المؤمنينعليهالسلام صلى خلف فاسق فلما سلم وانصرف قام امير المؤمنينعليهالسلام فصلى اربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم. فقال رجل الى جنبيه: يا أبا الحسن صليت اربع ركعات لم تفصل بينهن، فقال: (اما) انها اربع ركعات مشبهات، وسكت، فوالله ما عقل ما قال له(١) .
والمتحصل من هذا الاستدلال امور ثلاثة: استحباب الدخول معهم في صلواتهم. الاجزاء بالنسبة الىغير الركنيات عند عدم امكان التحفظ عليها. عدم الاجزاء بالنسبة الى الركنيات.
ولكن المتحصل مما اسلفناه الاجزاء مطلقا ويكفيه معتبرة أبي الجارود السابقة الواردة في الأضحى، بل استفيد الاجزاء من غيرها ايضا كروايات الافطار وغيرها، واما ما استدل به لعدم الاجزاء في الركنيات من روايات باب صلاة الجمعة فلا يتم.
اولا: انه ليس وزان هذه الروايات بأزيد من وزان الرواية السابقة الدالة على ثبوت الاتيان في الاجزاء غير الركنية المحمولة على الاستحباب.
ثانيا: ان صلاة الجمعة لها خصوصية حيث انها منصبية ولائية لايقاس غيرها بها.
ثالثا: ان الجمع بينها وبين غيرها بحملها على الركنيات وحمل غيرها على غيرها جمع تبرعي لاشاهد عليها.
وينبغي التنبيه على امور:
الأول: انه هل يكون مناط شرع التقية في موردها وجود الضرر الحالي
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٢٩ من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث٤.
الفعلي الشخصي او يعم الضرر الاستقبالي والشأني والنوعي أيضا؟ ظاهر بعض الأخبار الأول، كقولهعليهالسلام : ان كان عنده اخر فعل او ان جامعك معهم مورد لم تجد بدا من الصلاة معهم فأذن لنفسك وأقم(١) او الروايات التي اخذ الخوف فيها موضوعا للتقية(٢) . الا ان هذا الظهور لهذه الروايات محكوم بما دل على ا التقية لأجل صيانة النفس او الاخوان المؤمنين او الدين، فان العلة تعمم.
فيستفاد من ذلك ان الضرر النوعي ايضا يكفي في مشروعية التقية، كما انه محكوم بما دل على انه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره(٣) . فان المستفاد من ذلك عموم المناط للضرر الشأني الاستقبالي ايضا، مضافا الى انه لا ظهور للطائفة الاولى أصلا، فانها واردة في مقام بيان حكم اخر مترتب على التقية لا في مقام بيان مناط ثبوت التقية.
الثاني: انه تفترق التقية عن سائر الاعذار بكفاية ثبوت العنوان حال العمل في مشروعية التقية من دون اعتبار عدم المندوحة بالنسبة الى الأفراد الطويلة او العرضية فيها بخلاف غيرها من الأعذار في الجملة على ما اسلفنا سابقا، فان المستفاد من اخبار التقية كما مر هو ذلك، وبهذا تظهر الثمرة في الأمرين الاتيين.
الثالث: انه هل تختص مشروعية التقية بكون من يتقى منه مخالفا او تعم غيره من الكفار والمعاند للحق وغيرهما؟ فالمشهور على الأول، وقد استدل بامور ثلاثة:
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣٣ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
(٢) الوسائل: ج١١ باب ٢٩ من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث ٦ و١١.
(٣) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما حديث٢٨.
(الأول) ان اطلاقات مشروعية مثل لا دين لمن لا تقية له(١) او التقية في كل شيء(٢) او التقية في دار التقية واجبة(٣) ، او غير ذلك كلها مسوقة لبيان شرعها من دون نظر الى عموم من يتقى منه او خصوصه، فلا يمكن الأخذ بها لا لاثبات العموم ولا لاثبات الخصوص، الا ان الحكم على خلاف القاعدة يقتصر على المتيقن من ثبوته وهو كون من يتقى منه مخالفا فقط.
(الثاني) الانصراف، بدعوى ان اخبار التقية كلها صدرت في زمان شوكة المخالفين فهي منصرفة الى مشروعية التقية منهم.
(الثالث) الصرف، بدعوى ان الوارد في بعض اخبار التقية هو الأمر بالخلطة والمعاشرة معهم والضمير راجع الى المخالفين وقد صرح في بعضها، فبهذه القرائن يستفاد مصب اطلاقات التقية، وانها واردة في خصوص التقية من المخالفين. الا ان شيئا من ذلك لا يصلح لاثبات الاختصاص.
(اما الأول) فلأخذ عنوان التقية في موضوع الاطلاقات والحكم يدور مدار موضوعه، فمع عموم الموضوع كيف يختص الحكم ببعض افراده؟ وبعبارة اخرى: ان الروايات مسوقة لبيان المشروعية لما صدق عليه عنوان التقية ومعه لامجال للأخذ بالقدر المتيقن.
(وأما الثاني) فلعدم صلاحية ما ذكر لكونه منشأ للانصراف.
(واما الثالث) فلعدم ثبوت عقد سلبي لما ورد في خصوص التقوى من المخالفين ومعه لاوجه لتقييد مطلقات التقية، هذا مع ان في بعض الروايات مايدل على العموم كما ورد في تفسير ذلك مثل ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم
____________________
(١) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من ابواب الامر والنهي ومايناسبهما حديث٢٢.
(٢) الوسائل: ج١١ باب ٢٥ من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث٢٢.
(٣) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما حديث٢١.
وفعلهم على غير حكم الحق وفعله(١) وما اشتمل على قصة ابراهيمعليهالسلام وانه اتقى في قوله: اني سقيم. أو قصة يوسف وانه اتقى في قوله: أيها العير انكم لسارقون(٢) ، فتأمل.
الرابع: انه هل تختص مشروعية التقية بمورد جهل المتقى منه بمذهب المتقي او تعم مورد العلم أيضا؟ ظهر مما ذكرناه العموم، فانه اخذت عنوان التقية موضوعا لأدلة مشروعيتها فتدور المشروعية مدار ثبوت هذا العنوان، والتقية بمعنى التحفظ عن الضرر فتعم صورة العلم والجهل كليهما، الا انه قد يدعى الاختصاص ويستدل على ذلك بامور:
١ - ظاهر خبر ابن أبي يعفور: اتقوا في دينكم واحجبوه(٣) . ان التقية مختصة بمورد حجب الدين والا فلا يكون معنى للأمر بالحجب.
٢ - ظاهر جعل المقابلة بين التقية والاذاعة في المستفيضة الدالة على ان الحسنة التقية، والسيئة الاذاعة(٤) . ان التقية مختصة بمورد عدم الاذاعة والا فلا وجه للمقابلة.
٣ - ظاهر ما عبر فيها عن التقية بالخباء(٥) اختصاص التقية بمورد الخباء، الا ان شيئا من ذلك لا يصلح لتقييد المطلقات السابقة.
(اولا) لعدم وجود عقد سلبي في هذه الروايات يدل على انه لا تقية في غير مورد الحجب او الاذاعة او الخباء، وذكر التقية في مورد الحجب وعدم الاذاعة والخباء في الروايات من باب التطبيق على المصداق الغالب لا من باب الاختصاص بذلك المصداق.
____________________
(١) الوسائل: ج١١ باب ٢٥ من ابواب الامر والنهي ومايناسبهما حديث٦
(٢) الوسائل: ج١١ باب٢٥ من ابواب الامر والنهي ومايناسبهما حديث٤.
(٣) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من اباب الامر والنهي ومايناسبهما حديث٧.
(٤ و٥) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من ابواب الامر والنهي ومايناسبهما حديث١و١٤.
(وثانيا) لاستفادة العموم من بعض الروايات ايضا كأخبار البراءة الواردة في شرح قضية عمار بن ياسر وتفسير الاية المباركة النازلة فيها «الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان»(١) . فان المورد مورد العلم كما يشهد له الامر بالبراءة منه وقتل أبوي عمار لعدم البراءة.
ولكن يمكن الجاوب عن ذلك بأن أخبار البراءة واردة مورد قلب الايمان الى الكفر بحسب الظاهر فلا يمكن الاستدلال بها للتقية في مقام العمل، وفي ما ذكرناه غنى وكفاية، ومع ذلك لا بأس بالاحتياط لدعوى التسالم على الاختصاص لدى قاطبة الفقهاء - رضياللهعنهم -.
الخامس: انه هل تكون مشروعية التقية حينية او دائمية؟ بمعنى انه هل يختص ترتيب اثار العمل المتقى به عليه بزمان ثبوت العنوان أو ترتب عليه بعد زوال العنوان أيضا؟ مثاله هل يكون الوضوء الناقص الواقع تقية مطهرا مادام بقاء التقية فقط او يكون مطهرا مطلقا بحيث تبقى الطهارة بعد ارتفاع التقية أيضا؟.
فنقول: ان الأثر المنظور فيه اما ان يكون عقليا كالاجزاء بالنسبة الى العمل العبادي الواقع حال التقية او يكون شرعيا كالطهارة والحدث على القول بكونهما اثرا شرعيا.
فعلى (الأول) لا معنى للمشروعية الحينية ابدا، فان المأتي به اما ان يكون فردا واقعيا للمكلف به - على القول بان عنوان التقية حيثية عقليلية للحكم - او يكون فردا تنزيليا له - على القول بأنها حيثية تقييدية لذلك -. وفي كلا الفرضين الانطباق قهري والاجزاء عقلي، فلا معنى للاجزاء حين التقية أصلا.
وعلى (الثاني) فاما ان يكون اثر العمل المترتب مناقضا او مضادا للأثر
____________________
(١) الوسائل: ج١١ باب ٢: من ابواب الامر والنهي ومايناسبهما حديث٢و٣.
الثابت قبل العمل كالطهارة المترتبة على الوضوء المناقضة لعدم الطهارة او المضادة للحدث الثابتين قبل الوضوء بسبب النوم ونحوه او يكون مخالفا له كالاباحة المترتبة على الوضوء الناقص تقية على القول بها والحدث.
اما على (الاول) فلا تتصور المشروعية الحينية ايضا، فان المأتي به بنظر الشارع موضوع للأثر الورافع للاثر السابق، وعود الأثر السابق بعد ارتفاع العذر يحتاج الى موضوع جديد.
نعم، تتصور المشروعية الحينية على الثاني، فان الأثرين مجتمعان حال التقية، ويمكن بقاء الاثر الأول بعد ارتفاع التقية مع زوال الأثر الثاني بارتفاعها.
ولا بأس بتتميم الكلام في الوضوء الناقص حال التقية. فنقول: لو بنينا في باب الطهارة على ان الطهارة والنجاسة والطهارة والحدث من الامور الواقعية وكشف عنها الشارع كما بنى عليه الشيخ الاعظم -قدسسره - يدخل المقام في الصورة الاولى التي فرض فيها كون الأثر عقليا وقلنا ان الحينية لا معنى لها حينئذ. ولو فرضنا انها ليست من الامور الواقعية بل انما هي اعتباريةمحضة فمع ذلك لا يتصور فيها الحينية، لدخول المقام حينئذ في الصورة الثانية التي فرضها فيها كون الأثر الشرعي مناقضا او مضادا للأثير السابق على العمل. وما قد يقال من ان الوضوء الواقع تقية ليست بطهارة واقعا بل انما هو مبيح فقط لا يرجع الى محصل، فان عروض عنوان التقية على الوضوء يوجب فردية الوضوء المأتي به للمكلف به موافقا للقاعدة، فان فردية الميسور بعد ثبوت العسر بالنسبة الى المعسور للواقع موافق لها سواء كان منشأ رفع الحكم عن المعسور عموم الاضطرار او خصوص التقية، مضافا الى ان الالتزام بالاباحة موجب للتقييد في اشتراط الصلاة بالطهارة ولا وجه له، فالصحيح بقاء اثر الوضوء الناقص الواقع حال التقية بعد ارتفاعها وعدم وجوب اعادته بزوالها، فافهم.
أقول: اما على ما بنى عليه الشيخ الأعظم -قدسسره - من كون الطهارة والنجاسة والطهارة والحدث من الامور الواقعية، فقد بنى الفقهاء في باب الطهارة على خلافه وكونها اعتبارية محضة، واما توهم الاباحة التي يلزم من الالتزام بها التقييد في ادلة اعتبار الطهارة في الصلاة فلم يعهد من ذهب اليها بهذا المعنى، بل ما يظهر من الكلمات ان مراد من قابل بالاباحة هو الطهارة الحينية، فالنزاع في ان الوضوء العذري او التيمم رافع او مبيح هو النزاع في ان ذلك طهارة حينية او دائمية، واما ما ذكر في وجه عدم تصور الحينية في الصورة الثانية التي فرض فيها كون الاثر الشرعي المترتب
علي العمل مناقضا او مضادا للأثر السابق على العمل من ارتفاع الأثر السابق باللاحق، وعوده يحتاج الى موضوع فلا يمكن المساعدة عليه، فان الباب باب الاعتبار وهو سهل المؤونة فيمكن اعتبار الموضوع السابق لأثره مطلقا، ومع تخلل الموضوع الثاني في الاثناء يعتبر ثبوت الأثر الثاني مادام بقاء موضوعه، ويلزمه انقطاع الاثر الأول في البين فقط، فالأثر الثابت بعد ارتفاع الأثر الثاني بالتراع موضوعه مستند الى الموضوع السابق، ومن هذا القبيل اجارة المستأجر العين المستأجرة بعض مدة اجارته في وسط تلك المدة افنه بعد انقضاء هذا البعض من المدة تعود ملكية المنفعة للمستأجر الأول لا بسبب جديد بل بسبب سابق وهي الاجارة الاولى، ويمكن ان يعتبر الشارع كون النوم مثلا موضوعا للحدث مطلقا، ويعتبر ايضا رفع ذلك الحدث بالطهارة العذرية مادام العذر فقط مع ارتفاع الطهارة بزوال العذر بحيث يكون الحدث اللاحق مستندا الى النوم السابق، ولا محذور يتصور في ذلك بوجه. فللنزاع في ان الطهارة العذرية هل هي طهارة مادامية او دائمية مجال.
وبعد الفراغ عن امكان اعتبار كلتا الصورتين ثبوتا لابد من ملاحظة دليل الاثبات على كيفية الاعتبار، ومع عدم تقييد الدليل بشيء منهما يكون اطلاق
دليل الحاكم حاكما على دليل المحكوم، فالنتيجة بقاء الطهارة بعد ارتفاع التقية، ولذا افتوا في الوضوء على الجبيرة او الغسل عليها ايضا على بقاء الطهارة مع برء المحل. نعم، ترتفع الطهارة في التيمم بوجدان الماء بالدليل.
ونختم الرسالة ببعض ما افاده استاذنا المحقق مد ظله في رسالته.
ختامها مسك:
١ - قسم التقية باعتبارالتقية خوفا والتقية مداراة وقال: المراد بالتقية مداراة ان يكون المطلوب فيها نفس شمل الكلمة ووحدتها بتحبيب المخالفين وجر مودتهم من غير خوف ضرر كما في التقية خوفا. ويمكننا ارجاع هذا القسم الى القسم الأول وهو التقية خوفا، فان مطلوبية تحبيبهم ووحدة الكلمة بيننا وبينهم انما هو لترتب الضرر بواسطة التفرق والعداوة بين فرق المسلمين على نفس المتقي او اخوانه المؤمنين بل يمكن ترتب ذلك على حوزة الاسلام، والا فنفس وحدة الكلمة من دون ترتب أي ضرر بواسطة التفرق لا تكون مطلوبة، فالتقسيم بهذا الاعتبار من تقسيم التقية خوفا الى قسمين، والمداراة انما يكون محبوبا اذا كان في تركها خوف تفرق المسلمين وتسلط الكفار عليهم كأمثال زماننا.
وعلى هذا: الدليل على مشروعية القسمين واجزاء العمل المتقى به عن الواقع دليل واحد ولانحتاج الى تجزئتهما وجعل عنوان لكل منهما واقامة دليل مستقل لكل منهما كما فعله - مد ظله - فلاحظ كلامه الشريف وتدبر فيه جيدا، فانه نافع جدا واستفاد الاجزاء من ادلة التقية، والحق معه وهو مع الحق.
٢ - قال في بعض كلماته: وليعلم ان المستفاد من تلك الروايات صحة العمل الذي يؤتى به تقية سواء كانت التقية لاختلاف بيننا وبينهم فلي الحكم كما في المسح على الخفين والافطار لدى السقوط او في ثبوت الموضوع الخارجي كالوقوف بعرفات اليوم الثامن لاجل ثبوت الهلال عندهم، والظاهر عدم
الفرق بين العلم بالخلاف والشك، ومما يشهد لترتب اثر التقية في الموضوعات وان الوقوفين في غير وقتهما مجزيان انه من بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله الى زمان خلافةأمير المؤمنين ومن بعده الى زمان الغيبة كان الائمة وشيعتهم مبتلين بالتقية اكثر من مائتي سنة، وكانوا يحجون مع امراء الحاج من قبل خلفاء الجور او معهم، وكان امر الحج وقوفا وافاضة بأيديهم لكونه من شؤون السلطنة والامارة، ولا ريب في كثرة تحقق يوم الشك في تلك السنين المتمادية، ولم يرو من الائمةعليهمالسلام مايدل على جواز التخلف عنهم او لزوم اعادة الحج في سنة يكون هلال شهر ذي الحجةثابتا لدى الشيعة مع كثرة ابتلائهم، ولامجال لتوهم عدم الخلاف في اول الشهر في نحو مائتي واربعين سنة، ولا في بنائهم على ادراك الوقوف خفاء كما يصنع جهال الشيعة في هذه الازمنة، ضرورة انه لو وقع ذلك منهم ولو مرة او امروا به ولو دفعة لكان منقولا الينا لتوفر الدواعي به، فعدم امرهم به ومتابعتهم لهم اول دليل على اجزاء العمل تقية ولو في الخلاف الموضوعي، وهذا مما لا اشكال فيه ظاهرا.
انما الاشكال في انه هل تثبت الموضوعات الخارجية بحكم حاكمهم مع الشك في الثبوت فيكون حكمهم كحكم حكام العدل؟ او يجب ترتب اثارها عليها ولو مع العلم بالخلاف؟ او لا ترتب ولا تثبت مطلقا؟ الظاهر هو الأخير لان عمومات التقية واطلاقاتها لاتفي بذلك، لان مثل قوله: التقية في كل شيء يضطر اليه ابن ادم. أو قوله: التقية في كل شيء الا المسح على الخفين. ظاهر في اجزاء العمل على وجه التقية لا لثبت الموضوع تعبدا او لزوم ترتب اثار الواقع مطلقا على ما ثبت عندهم، وهذا واضح.
نعم، روى الشيخ باسناده عن ابي الجارود زياد بن منذر قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام انا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الاضحى، فلما دخلت على أبي جعفرعليهالسلام وكان بعض اصحابنا يضحي فقال:
الفطر يوم يفطرالناس، والاضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يوصم الناس. والظاهر منه ان يوم يضحي الناس يكون اضحى ويترتب عليه اثار الموضوع واقعا وبالقاء الخصوصية عرفا يفهم الحكم في سائر الموضوعات التي تترتب عليها الاثار الشرعية.
فحنئذ ان قلنا بان التعبد لايناسب ولايكون مع العلم بالخلاف يختص بمورد الشك فيكون حكم حكامهم كحكم الحاكم العدل، وان قلنا بانه - بملاحظة وروده في باب التقية - يترتب الأثر حتى مع العلم بالخلاف، فحينئذ يقيد اطلاقه بالروايات الواردة في قضية افطار ابي عبد اللهعليهالسلام تقية عن ابي العباس في يوم يعلم انه من شهر رمضان قائلا: ان افطاري يوما وقضاءه أيسر علي من ان يضرب عنقي ولايعبد الله. لكن اثبات الحكم بمثل رواية ابي الجارود الضعيف غير ممكن فترك الصوم يوم الشك تقية لا يوجب سقوط القضاء على الظاهر، وهذا بخلاف اتيان اعمال الحج وفق التقية، فان مقتضى اطلاق ادلة التقية جزاؤه حتى مع العلم بالخلاف كما يصح الوضوء والصلاة مع العلم بكونهما خلاف الواقع الأولي.
اقول: كم فرق بين من عبر عن هذه الرواية بالصحيحة كالاستاذ في ما تقدم وسيدنا الاستاذ المحقق في هذا الكلام بقوله بمثل رواية ابي الجارود الضعيف. والحق ان الراوية معتبرة، فان ابا الجارود كان ذا حالتين حالة استقامة وحالة قلب كما يظهر من مراجعة حاله والرواية الواردة فيه وغيرها. والظاهر صدور هذه الرواية عنه حال استقامته لدلالة نفس الموضوع على ذلك اولا.
وثانيا الراوي عنه صفوان بن يحيى، ومن المطمأن به انه لا يروي عنه حاله قلبه، بل نفس وجود صفوان في السند كاف لاعتبار السند، بناء على كون اصحاب الاجماع في السند كافيا لاعتباره بالنسبة الى من بعدهم، وكيف
كان الاطمئنان حاصل بعدم كذب أبي الجارود في هذه الرواية فالرواية معتبرة تثبت الموضوع في حال التقية كامثال زماننا، فالازم متابعتهم في الوقوفين وسائر الأعمال، فان الأضحى يوم يضحي الناس، ولازم هذا التنزيل الاجزاء والسقوط، بل في الصوم ايضا بنينا على السقوط استحباب القضاء للجمع بين مادل على التنزيل ومادل على افطار أبي عبد اللهعليهالسلام تقية قائلا : ان افطاري يوما وقضاءه أيسر عليّ من ان يضرب عنقي.
نقلنا هذا الكلام بعينه عن الرسالة الشريفة للسيد الاستاذ حول التقية لأهمية الموضوع وكون المسألة محلا للابتلاء جدا في زماننا في الحجّ، وملاحظة ان وجه تفصيل السيد الاستاذ في المناسك وغيره بين الوقوفين واعمال منى بلزوم متابعتهم فيهما ولزوم احراز الواقع فيها غير صحيح.
(اولا) لوجود التعبد في الموضوع كما تدل عليه المعتبرة، بل وغيرها مما ورد في الصوم بعد ملاحظة عدم الفرق قطعا بين الموارد، والالتزام بالتعبد والتنزيل في الصوم دون الحج بلا وجه.
(وثانيا) نفس ما استدل به لزوم المتابعة في الوقوفين من بناء الائمةعليهمالسلام طول السنين المتمادية عليها تدل على لزوم المتابعة في اعمال منى أيضا، ضرورة انه لو وقع منهم خلاف ذلك ولو مرة او أمروا به ولو دفعة لكان منقولا الينا لتوفر الداوعي به، فعدم امرهم به ومتابعتهم لهم ادل دليل على اجزاء العمل تقية ولزوم متابعتهم في اعمال منى ايضا كالوقوفين حرفا بحرف.
٣ - تعرض السيد الاستاذ المحقق - مد ظله - لمسالة لم نتعرض لها وهي هل ترك التقية مفسد للعمل او لا؟.
افاد ان مقتضى القواعد صحته لان الامر بالتقية لايوجب النهي عن العمل، ونسب الى الشيخ الاعظم -قدسسره - التفصيل بين الموارد ففي مثل السجدة على التربة عن اقتضاء التقية تركه حكم بالبطلان لكونه منهيا عنه وفي مثل ترك
التكفير حكم بالصحة لعدم اعتباره في المأمور به، واعترض عليه بما افاده قبل ذلك من ان الأمر بالتقية لايوجب النهي عن العمل حتى في الصورة الاولى.
أقول: لو كان الدليل على الاجزاء ما دل على الترخيص والتحليل في مورد التقية كقوله: التقية في كل شيء اضطر اليه ابن ادم فقد أحله الله. فالحق مع ما أفاد وأجاد، فان الامر بالتقية لايدل على النهي عن العمل الصادر عن غير تقية، و التحليل لايوجب رفع اليد عن الحكم الاولي فلا دليل على بطلان العمل.
ولو كان الدليل على ذلك أدلة الاعذار وقلنا بان التقية أيضا منها فالعمل المتقى به عمل عذري، فالمسألة تبتني حينئذ على ان دليل الحاكم في مورد الاعذار هل يدل على كفاية العمل العذري او يدل على تبديل الوظيفة بذلك مثل ما يقال من ان الرفع في دليل الرفع واقعي أو ظاهري، فلابد من ملاحظة لسان دليل الحاكم، ولامجال لدعوى التبديل اذا كان الدليل اطلاق دليل الاعذار كما لايخفى.
ولو كان الدليل علىذلك ما يكون بلسان التنزيل كالمعتبرة في الصوم والحج فالظاهر فساد العمل عن غير تقية فان لازم التعبد في الموضوع هو التعبد بالاثار، فلزم ترتيب الاثارعلى الموضوع المتعبد به والا يفسد العمل، فلو خالف التقية وأتى بالوقوفين الواقعيين لايمكن الحكم بصحة حجه، فان لازم القول بان الأضحى يوم يضحي الناس ان يكون الوقوف بوقوفهم والوقوف غير وقوفهم لغوا.
والحمد لله رب العالمين.
التقية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطاهرين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، واللعن الدائم علىاعداء ال محمد أجمعين.
وقبل الورود في اصل المطلب لابد من تقديم امور:
الأول: التقية لغة هي تحفظ الشيء عن امر ما، كوقاية المال عن السرق والطفل عن الغرق والكتاب عن الحرق. ومن ذلك التقية المصطلحة وهو تحفظ النفس عن ضرر الغير بموافقته في قول او فعل مخالف للحق كما عرفها الشيخ -قدسسره - بذلك. فليس في التقية جعل قبال المعنى اللغوي، مضافا الى ان الالتزام بذلك بلا ملزم ثبوتا مع عدم الدليل عليه اثباتا.
واما التعريفات الواقعة في كلمات العلماء لذلك فليست من جهة الالتزام بالوضع الجديد بل انما هي في مقام الاشارة الى المصداق الخاص من التقية المعروضة للأحكام الخاصة.
الثاني: التقية ليست من العناوين المتأصلة التي لها مطابق في الأعيان بل هي عارضة على الشيء كالفعل النحوي المسمى بالحركة الفاعلية في اصطلاح
المعقول، وحيث انه ليس للحركة الفاعلية جنس ولا فصل فليس لها عنوان منتزع من صميم ذاتها فلا يكون عنوان التقية عنوانا متأصلا بمعنى الانتزاع عن ذاتيات شيء ما حتى يكون التطبيق عليها بلحاظ ذلك، وانما تكون معنونا بالعناوين الخاصة بواسطة الحيثيات والاضافات كالأكل والشرب وغير ذلك. ثم ان تلك العناوين حيث تطرأ عليها بسبب الحيثيات والاضافات الأولية تسمى بالعناوين الأولية.
وأما ما قد ينطبق عليها من العناوين بعد تعنونها بالعنوان الأولي فيكون عنوانا ثانويا لها، اذ هو في طول العنوان الأولي كالجهل في الاكل جهلا والاضطرار في الشرب اضطرارا، والتقية في العبادة تقية من هذا القبيل، فالتقية من العناوين الثانوية الطارئة على الحركة الفاعلية بعد عروض العناوين الأولية عليها وفي طولها، ولذا قد يثبت العنوان الأولي بدون التقية، وقد تثبت التقية في غير مورد ذلك العنوان.
الثالث: يظهر بالتأمل مما ذكرنا انه لا ملازمة بين ثبوت حكم ما على عنوان التقية وثبوته على معروضها وهو الشيء بعنوانه الأولي، بل الظاهر من كل دليل دل على ثبوت حكم على عنوان موضوع كون الموضوع بماله ن العنوان معروضا للحكم مستقلا وبنفسه لا ان يكون سببا لعروض الحكم على أمر اخر وان كان هو الموضوع لا معنونا بذلك العنوان.
وعلى هذا فالظهور الأولي لدليل التقية يقتضي كونها واسطة لعروض الأحكام على عنوانها لا واسطة للثبوت فقط فيكون نفس العمل الاوقع تقية محكوما بالحكم، وعلى ذلك الأخير يحتمل في مقام الثبوت كون ما هو المجعول بدليل التقية بدلا عن المأمور به ولو على نحو تنزيل المبائن منزلة المبائن كما يحتمل كون لسانه تقييدا للحكم الثابت على الشيء بعنوانه الأولي، وذلك ايضا على انحاء ثلاثة: رفع الحكم عن الموضوع المركب بأجمعه، ورفع الحكم عن
مورد التعذر فقط جزء او شرطا، ورفع الالزام كما سيتضح ان شاء الله تعالى.
الرابع: وليعلم ان ادلة الحواكم مطلقا سواء كانت ناظرة الى اصل الشرع او الالزام - على ما سيجيء الكلام في ذلك - ترفع الحكم عن موردها لان عنوان الحاكم انما ينطبق على مورد معنونه فقط، فلسانه قاصر عن رفع الحكم عن غير مورد انطباق عنوانه، فهو يرفع مورد عنوانه وهو مورد التعذر فقط.
نعم لو بنينا على التنافر ثبوتا بين بساطة الحكم الوارد على المركب وتبعضه بالنسبة الى كل جزء منه بسبب الأعذار فلا محالة يرتفع اصل الحكم بارتفاع بعضه للعذر، وحينئذ يكون ارتفاع الكل بارتفاع البعض بالاستلزام العقلي، وقد دار في السنة القوم ان المركب عدم بعدم بعضه، وهذا نسميه بـ«وحدة المطلوب».
فلو دل دليل على ثبوت الحكم على الباقي كالميسور مثلا فلابد من الالتزام بالتنزيل او تشريع جديد طولي، اذ الحكم الأولي قد ارتفع بالعذر بالنسبة الى بعض متعلقه واستلزم ذلك ارتفاع الحكم عن البقية، فيكون هذا الحكم الثابت بالدليل حسب الفرض حكما مغايرا مع الاخر.
وانا لو بنينا على عدم التنافر وامكان التبعض ثبوتا فالامكان الثبوتي ملازم للوقوع لاقتضاء الظهور المحاوري ذلك، اذ هو مقتضى الجمع بين الدليل المثبت للحكم الاولي المتعلق بالمركب والدليل الحاكم الرافع للحكم عن مورد انطباق عنوان الحاكم. فرفع الحكم عن المعسور لايستلزم رفع الحكم عن الميسور، ونتيجة ذلك بقاء الحكم بالنسبة الى البقية بنفس دليل الحكم الأولي ولا يحتاج الى دليل اخر مثبت له، فدليل الميسور يصبح موافقا للقاعدة وتقريرا لدليل الحكم الأولي لا تأسيسا لحكم جديد، وهذا نسميه بـ«تعدد المطلوب».
فعلى ذلك لو دل دليل على رفع الحكم عن الباقي ايضا كعقد الاستثناء في حديث لا تعاد(١) فلابد من الالتزام بوحدة المطلوب، ويكون هذا اللسان في الرتبة الثالثة، اذ مرتبة ثبوت الحكم للمركب هي الرتبة الاولى، ومرتبة سقوطه عن البعض المعذور هي الرتبة الثانية، ومرتبة سقوط الحكم عن الجميع بسبب سقوطه عن البعض هي الرتبة الثالثة. مثلا لقولهعليهالسلام «اقيموا الصلاة» انما هو في مرتبة جعل الحكم بالنسبة الى جميع اجزاء الصلاة وشرائطها. وقولهعليهالسلام «لا تعاد» في مرتبة رفع الحكم عن جزء او شرط منسي و مضطر الى تركه، ومرتبة قولهعليهالسلام «الا من خمسة» في مرتبة سقوط الحكم عن البقية حين سقوطه عن تلك الامور التي نسميها بالاجزاء والشرائط الركنية ونجعلها عللا لقوام الصلاة.
ثم لو فرض دليل رابع دال على عدم سقوط الحكم عن البقية حين سقوط الحكم عن تلك الامور أيضا في مورد من الموارد - كباب صلاة الجماعة بالنسبة الى زيادة ركوع مثلا - نقول بان هذا الدليل واقع في المرتبة الرابعة.
اذا عرفت ذلك فلاحظ لسان الموثقة«التقية في كل شيء يضطر اليه ابن ادم فقد احله الله له»(٢) حتى ترى بان هذا اللسان هل هو واقع في الرتبة الثانية كسائر الادلة الحاكمة ام الرابعة؟ وسيأتي بيان ذلك ان شاء الله.
هكذا افاد بعض اساتيذنا ولكن لايمكن المساعدة لتمام ما ذكره وبيان ذلك:
(اولا) بعد ثبوت الحكم بنفس الدليل الأولي بالنسبة الى مورد الاستثناء في حديث «لا تعاد» لا نحتاج الى عقد الاستثناء حتى نجعل له رتبة محكومة او حاكمة.
____________________
(١) الوسائل: ج٣ باب ٩ من ابواب القبلة حديث١.
(٢) الوسائل: ج١١ باب ٢٥ من ابواب الامر والنهي ومايناسبه حديث٢.
(ثانيا) ان الاستثناء حد للمستثنى منه لا انه مثبت لشيء بعد الاستثناء، وماقيل من ان الاستثناء اخراج بظاهره لايصح فان قوله جاء القوم الا زيد في مقام اثبات المجيء لمن عدا زيد لا عدم المجيء له، ولو فهم عدم مجيئه ايضا ليس لدلالة الاستثناء على الاخراج، بل تحديد الجائي بغير زيد كاف لانفهام ذلك، فتدبر جيدا. وكيف كان فذيل دليل «لاتعاد» حافظ لاطلاق الدليل الاول لا انه مثبت لشيء.
(وثالثا) ان الركنيات اعم من ذيل «لاتعاد» ولاسيما بملاحظتها في غير باب الصلاة كالحج، ولا دليل في مطلقها حتى يكون حكمها حكم موارد الاستثناء في حديث «لاتعاد»، فما افاده من الترتيب بين دليل المأمور به وادلة الحواكم لايصح مع انه غير مفيد لما هو بصدده، على ما سيأتي الكلام فيه عند تعرضه ان شاء الله.
الخامس: لو لم يكن دليل الحاكم بلسان التنزيل وجعل بدلية الناقص مقام التام او المبائن منزلة المبائن، بل كان بلسان التقييد ورفع الحكم الأولي عن مورد العذر فهل يرفع بذلك اصل الشرع أو الالزام؟ فيه كلام، فالمتقدمون حيث كانوا ملتزمين بالتركيب في الحكم من الجنس والفصل، وان الوجوب مركب من رجحان الفعل مع المنع من الترك اختلفوا فيها اذا ارتفع الوجوب هل يبقى الجواز ام لا يرتفع بارتفاعه؟ الا ان مبنى هذا الاختلاف فاسد، فان الحكم لو كان امرا تكوينيا بمعنى ان طلب المولى أي تصديه نحو البعث، فقد مر عدم تصور التركيب في الحركة الفاعلية سواء كان فعلا جارحيا ام جانحيا.
ولو كان امرا اعتباريا بأن يكون مفاد الهيئة أي النسبة البعثية او جعل المادة على ذمة المكلف اعتبارا او البعث في مقام التشريع جعلا من الشارع النافذ اعتباره او غير ذلك من التعبيرات فبساطته اوضح من ان يخفى، لعدم واقع للأمر الاعتباري في عالم العين فضلا عن تركبه من الجنس والفصل، ولذا
توهم جمع من المتأخرين ان ادلة الحواكم ترفع اصل الشرع، فان الحكم الأولي قد ارتفع على الفرض ولا دليل على ثبوت حكم اخر للعمل العذري، الا ان هذا ايضا باطل ضرورة ان المجعول كما بنينا في موضعه عبارة عن ايجاد البعث او الزجر وانشائهما وهو المنشأ لاعتبار اهل الاعتبار عنوان الطلب وما بمعناه في الوجوب والندب، وغيرهما كالابتعاد والتسخير مثلا خارج عن هذا المفهوم عارض عليه بنحو الوصف المفارق، فان المجعول في مورد الوجوب والندب واحد من حيث
الذات والحقيقة، ولا جزء لهذا الواحد اذ الجزئية نوع التركب وهو لاجزاء له حسب الفرض من عدم التركب في الفعل النحوي، والوصف المقارن غير مجعول بل هو حكم العقل بلزوم تطبيق مراد المولى على الخارج ووجوب اطاعته فلو اذن الشارع في ترك الامتثال يحكم العقل بالاستحباب بخلاف عدم ترخيصه في ذلك فانه يحكم بالوجوب.
وبعبارة اخرى: الوجوب عبارة عن حكم العقل بلزوم العمل في مورد الاعتبار مع عدم المؤمن، والاستحباب حكمه في مورد الاعتبار ووجود المؤمن. وحينئذ دليل الحاكم غير ناظر الى الأحكام بهذا المعنى فانه تقييد في حكم العقل ولامعنى له، واما رفع اصل الاعتبار أي تقييد الدليل وتنويع متعلق الحكم مناف للامتنان الذي مستفاد من مساق ادلة الحواكم، واحتمال رفع استحقاق العقاب ايضا ساقط لأن الحاكم بذلك هو العقل، فانحصر ورودها في مقام الترخيص والاذن في ترك الامتثال، وهذا تقييد في مورد حكم العقل لا في نفسه، ويكون من شأن الشارع ذلك فانه جعل الترخيص والتأمين انما هو بيده، فهذا ترخيص بلسان الحكومة. وبهذا ظهر شرعية عبادات الصبي بل المجنون ايضا.
ومن الحواكم دليل التقية، وقد مر ان التقية كما انها معروضة للحكم وهو الوجوب كذلك سبب لعروض الحكم على الفعل، أي يكون دليلها
حاكما على الدليل الأولي فتكون رافعة للالزام لا لأصل الشرع، وبهذا صححنا المسح على البشرة في مورد التقية وان كان مخالفا لها، واجبنا عن الاشكالين في المقام، الأول: ان جواز المسح على البشرة في مورد التقية مرفوع، فكيف يحكم بالصحة؟ الثاني: ان المسح على البشرة مخالف للتقية الواجبة فيحرم فيبطل. وقد ظهر الجاوب عنهما. فان المرفوع انما هو الالزام لا اصل الشرع، والمسح على البشرة مخالف للواجب التطبيقي أي الاتقاء فمن جهة المسح يصح ومن جهة مخالفة الاتقاء يحرم فالمسح الصحيح بلا حاجة الى الترتب. نعم، يمكن تصوير البطلان من جهة عدم التمكن من قصد القربة، وهذا أمر اخر.
هذا ولكن كل ما ذكر مبني على ان لايكون الوجوب حكما شرعيا بل هو حكم عقلي، والحكم الشرعي انما هو البعث او اعتبار المادة على ذمة المكلف او المشروعية، وغير ذلك من التعبيرات، وحيث ان رفع ما هو المجعول شرعا مناف للامتنان فيكون وزان دليل الحاكم وزان المؤمن فلا يحكم العقل بالوجوب، وهذا ما نعني من رفع الالتزام، ولكن الصحيح ان الوجوب
كسائر الاحكام الخمسة حكم شرعي مجعول ويختلف عن الاستحباب من جهة داعي المولى، فان البعث بداعي الالزام هو الوجوب وبداعي المحبوبية هو الندب.
نعم، توهم ان في رفعه خلاف الامتنان ات هنا ايضا، لكن يدفع بان الامتنان في جعل مفاد دليل الحاكم لايقتضي كونه موافقا للامتنان في الموارد الشخصية، بل الامتنان اقتضى جعل قانون وهو رفع الوجوب والالزام عند طرو عنوان موضوع دليل الحاكم كالتقية مثلا، وهذا لايستلزم لزوم موافقة الرفع للامتنان في كل مورد من موارد تطبيق الدليل، ولذا لا نرى صحة الوضوء في موارد الوضوء الضرري والحرجي، وان حكم بعض الفقهاء بالصحة ولا سيما في مورد الحرج، بدعوى ان امتنانية دليل الحرج تقتضي رفع الالزام لا المشروعية، فان حديث الامتنان لايقتضي ازيد ن نفي الجعل في مورد الحرج،
فاذا انتفى المجعول وهو الالزام او المشروعية او الجزئية او غير ذلك يحتاج اثبات غيره الى دليل.
نعم، لا نضايق عن الالتزام بعدم رفع اصل الحكم المجعول وكون الرفع بمعنى الاذن في الترك في بعض الموارد اذا دل عليه الدليل مثل مورد عبادات الصبي، الكلام فعلا مع عدم وجود دليل غير دليل الحاكم مثل موارد التقية، فان الظاهر من ادلتها نفي الأحكام الاولية وتبديلها بغيرها.
فالنتيجة ان العمل على خلاف التقية باطل لعدم الأمر به ومع جعل الشارع بدلا عن الوظيفة الأولية لابد من الاتيان به، ومع عدم الاتيان يحكم ببطلان اصل العمل من جهة فقد الجزء، فالمسح على البشرة في مورد التقية لم يشرع بأي كيفية كانت شرعية المسح، والمسح على غيرها الموافق للتقية الذي اقتضى الدليل لزوم الاتيان بها يكون جزء للوضوء حينئذ، ومع تركه والاتيان بالمسح على البشرة يبطل الوضوء فان الجزء فيه لم يؤت به وما اتى به ليس بجزء في هذا المورد.
والحاصل: ان الوجوب مجعول قابل للرفع كما هو قابل للجعل، وظاهر دليل الحاكم رفعه ولا يلاحظ الامتنان في المورد الشخصي، بل انه في اصل جعل القانون، وعليه يحتاج أي حكم اخر ثابت في المقام من دليل على حدة.
السادس: هل يعتبر عدم المندوحة في تطبيق عنوان المأمور به على المأتي به تقية ام لا. وبعبارة اخرى: هل يعتبر في شمول اطلاقات التقية للمورد عدم التمكن من اتيان العمل في غير ذلك المورد فلا يجزي الاتيان بالفرد المنطبق عليه عنوان التقية عن المأمور به اولا يعتبر ذلك فيكون المآتي به مشمولا لاطلاق دليل التقية؟ وبما ان دليل التقية حافظ لاطلاق دليل الحكم ومتمم لموضوعه فيكون مجزيا عن المأمور به لكونه فردا له حقيقة، وليعلم ان المندوحة تتصور على ثلاثة أقسام:
الأول: المندوحة بالنسبة الى الافراد الطولية وهو امكان اتيان العمل في غير زمان الاضطرار واماكن تطبيق المأمور به على الفرد الاختياري منه في الزمان المضروب ظرفا له.
الثاني: المندوحة بالنسبة الى الأفراد العرضية وهو امكان اتيان العمل في غير مكان الاضطرار ولو في زمان الاضطرار وامكان تطبيق المأمور به على الفرد الاختياري منه في مكان اخر غير مكان الاضطرار.
الثالث: المندوحة بالنسبة الى حالات نفس المكلف ولو في الظرف الواحد من الزمان والمكان مثل المسح على الرجل في مورد الابتلاء بالعامة على نحو يتوهم الناظر انه غسل رجله.
(اما الأول) وهي المندوحة بالنسبة الى الأفراد الطولية فقد قيل باعتبار عدمها في التقية، واستدل على ذلك بوجهين:
الأول: انصراف دليل العذر عن مورد وجودها، بتقريب ان مصب الادلة العذرية ما اذا كان العذر مستوعبا لجميع ازمنة امكان ايجاد المأمور به، ويظهر ذلك من المحقق الهمداني -قدسسره -. ولكن دعوى الانصراف لابرهان عليه بعد امكان اجتزاء المولى بهذا الفرد اما لوجود ملاك يناسب الاجتزاء بهذا الفرد علاوة عن كفايته في الوفاء بغرضه وهو محبوبية الاستباق الى العمل والاسراع في الامتثال، واما لوجود ملاك في مرحلة الامتثال موجب للاجتزاء بهذا الفرد كمصلحة التسهيل مثلا.
الثاني: - وهو العمدة - اقتضاء الأخذ باطلاق دليل الحكم ذلك بتقريب ان متعلق الحكم هي الطبيعة السارية وهي السعي القابلة للانطابق على كل فرد من العمل في ظرف المأمور به زمانا مابين المبدأ والمنتهى، ودليل العذر انما هو ناظر الى تعذر المأمور به، وما لم يكن العذر مستوعبا لم يكن المأمور به متعذرا، فالعذر في اول الوقت مع وجود المندوحة بعده غير مشمول لدليل الحاكم فيبقى
اطلاق دليل الحكم الدال على لزوم الاتيان بالعمل تام الأجزاء والشرائط على حاله.
ولن هذا ايضا لايتم، فان الأمور به انما هو الطبيعي الصالح للانطباق على كل فرد، ومن الافراد الفرد المتعذر تطبيق الطبيعي التام عليه، فالمتعذر في ان التعذر انما هو نفس الطبيعي المأمور به، والفرد بخصوصيته الفردية غير متعذر لخروج المفردات عن دائرة الحكم نفيا واثباتا، وحينئذ لايعقل تعلق الأمر به كتعلق دليل الحاكم به حرفا بحرف، فالمتعذر هو الطبيعي المطبق على هذا الفرد على نحو القضية الحينية لا بنحو يكون الزمان قيدا لمتعلق العذر حتى يقال بأن المكلف غير مضطر الى هذا الفرد الناقص.
وبعبارة اخرى: ان الالتزام بعدم شمول دليل العذر للفرد المتعذر مع وجود المندوحة مستلزم لتقييد دليل الحكم بغير ذلك الفرد تقييد دليل الحاكم بالعذر المستوعب، وكلاهما بلا موجب فالتحفظ على الاطلاقين يقتضي كون دليل الحاكم معمما لاطلاق دليل الحكم وحافظا له، أي كون المأتي به عذرا مصداقا للمأمور به مجزيا عنه وهو ما ذكرناه، والمتحصل منه جواز البدار لاولي العذار ومنها التقية.
(وأما الثاني) وهي المدوحة بالنسبة الى الافراد العرضية فحيث انه مع وجودها لايصدق عنوان الاضطرار والعذر على الطبيعة المأمور بها ولو حينا ما، فلابد من الالتزام باعتبار عدمها في اتيان الفرد المتعذر والاجتزاء به.
بيان ذلك: ان القدرة على امتثال التكليف صادق ولو بالقدرة على ايجاد مقدماته، فايجاد المقدمة اعمال القدرة في سبيل ايجاد المكلف به لا تحصيل لها، فالمكلف العاجز عن امتثال التكليف في مكان خاص القادر على امتثاله في مكان اخر ولو بايجاد مقدمته بان يذهب الى ذلك المكان غير عاجز عن امتثال التكليف الاختياري ولو في مكان الاضطرار، اذ في ذلك المكان قادر على
امتثال التكليف بايجاد مقدمته فلا يصدق عليه عنوان المضطر فلا تشمله ادلة الحواكم. نعم، لايمكنه امتثال التكليف بتطبيق الطبيعي الاختياري على الفرد الواقع في ذلك المكان، وهذا غير ضائر، فان فردية هذا الفرد للطبيعي المأمور به سالبة بانتفاء الموضوع، وليس هذا تقييدا في دليل المأمور به، فان المأمور به هو الطبيعي، والامر به فعلي بالنسبة الى القادر والمفروض ان المكلف قادر على الامتثال فخروج هذا الفرد عنه خروج تقيدي لا تقييدي، فافهم.
وقد ظهر مما ذكرنا الفرق بين وجود المندوحة في الأفراد الطولية ووجودها في الافراد العرضية، فانه في الأول يصدق عنوان الاضطرار بالنسبة الى الطبيعي في ان الاضطرار لعدم القدرة على تطبيق الطبيعي الاختياري على الفرد الواقع في ذلك الان على الفرض وعدم القدرة على المأمور به ولو بايجاد مقدمته، فان مرور الزمان امر غير اختياري للمكلف فهو عاجز عن الامتثال الاختياري فيشمله دليل الحاكم.
نعم، بعد مرور الزمان تحصل القدرة على الامتثال الا ان الصبر الى ان تحصل القدرة غير واجب بعد شمول دليل الحاكم للمورد، بخلاف الثاني لصدق القدرة على الامتثال ولو في مكان الاضطرار فانه قادر على ايجاد المقدمة الاختيارية على الفرض.
والحاصل: ان التحول من مكان الى مكان أمر اختياري بخلاف مرور الزمان، فالتحول اعمال للقدرة والانتظار صبر الى حصول القدرة طبعا من دون دخل لقدرة المكلف في تحصيل تلك القدرة على المأمور به، وبهذا الفرق يفصل بين المقامين.
وتوهم عدم كون الفرق فارقا بعد كون المأمور به الطبيعي بما هو طبيعي، والمفروض التمكن من ايجاده في ضمن الفرد المقدور ولو بعد مضي زمان تحصل القدرة فيه بالطبع مدفوع بانه كيف لايكون فارقا بعد كفايته في صدق
الاضطرار الحيني في القسم الأول دون الثاني؟ ولذا ذكرنا في بحث التيمم ان مقتضى القاعدة انه لو كان تحصيل الماء موقوفا على ايجاد مقدمات اختيارية له كحفر البئر او تحصيل الة النزح وغير ذلك يجب الوضوء ولا ينتقل الامر الى التييمم، بخلاف ما اذا كان وجدان الماء موقوفا على مضي زمان فانه يجوز على المكلف البدار فانه من اولي الاعذار. نعم، لابد من الاحتياط في المبحث المذكور نظرا الى وجود بعض الأخبار وفتوى الأخبار، وقد ظهر بذلك الحكم في (القسم الثالث) وهي المندوحة بالنسبة الى حالة المكلف فلابد من القول باعتبار عدمها لعدم صدق الاضطرار بالنسبةالى الطبيعي ولو في زمان الامتثال.
نعم، يجوز اجتزاء الشارع بالفرد الاضطراري في القسم الثاني والثالث تسهيلا او لمصلحة اخرى، الا انه لابد في اثبات ذلك من التماس دليل خاص لعدم شمول مطلقات اولي الأعذار له، وقد دل اخبار التقية على الاجتزاء في الثاني دون الثالث ويأتي ان شاء الله بيانه.
اذا عرفت ذلك فاعلم انه قد يتمسك لاثبات الاجزاء في العمل الواقع تقية بوجوه:
الأول: السيرة بتقريب انه لا اشكال في وقوع الاختلاف في يومي عرفة والعيد بين الشيعة والسنةمن لدن ائمتنا المعصومين سلام الله عليهم اجمعين، كما انه لا اشكال في عدم تمكن الشيعة من درك الوقوفين الواقعين عندهم وكانوا يتبعون السنة في ذلك، ولم يعهد منهم اعادة الحج ولا من الائمةعليهمالسلام الأمر بها، وهذا اقوى دليل على اجزاء العمل المأتي به تقية عن الواقع ولو كانت التقية في الاجزاء الركنية التي تتقوم بها الماهية المأمور بها. والجواب عن ذلك: ان الاستدلال بهذه السيرة موقوف على اثبات امور:
(الأول) انهم كانوا يكتفون بما اتوا به من الحج في صورة العلم بالمخالفة،
والا فلا يدل ذلك على المدعى، فانه يمكن ان يقال بان الجزاء في صورة عدم العلم بالمخالفة ثابت بالنص لا من جهة تطبيق عنوان التقية على المأتي به، والنص المدعى في المقام هو رواية ابي الجارود - وسيأتي التعرض لها - ولكنها مطلقة بالنسبة الى صورتي العلم بالمخالفة وعدم العلم بها، فلو كانت حجة معتبرة تكون بنفسها دليلا على الاجزاء في الحج. ولايخفى ان ما ذكر من الامور لا تدفع السيرة المدعاة وهي اقوى دليل علىالمطلب.
(الثاني) ان ذلك كانت سيرة من كان مستقرا عليه الحج او الصورة مع استطاعته بعد ذلك، والا فعدم الاعادة ليس الا من جهة السلب بانتفاء الموضوع وهي الاستطاعة.
(الثالث) انهم لم يدركوا حتى الاضطراري من احد الموقوفين، والا فعدم الاعادة من جهة درك الجزء الركني وهو الوقوف ولو اضطرارا.
(الرابع) انه قد عرض ذلك علىالامامعليهالسلام ، او كان بمرأى منه ولم يردعهم عن ذلك، والا فصرف قيام السيرة لا تدل على التشريع.
الثاني: عقد الاستثناء في صحيحة ابن ابي عمير عن ابي عبد اللهعليهالسلام انه قال: لا دين لمن لا تقية له، التقية في كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفّين(١) . بتقريب ان ذكر المسح على الخفين في المستثنى، وظهور الاستثناء في الاتصال يدل على عموم التقية للأحكام التكليفية والوضعية، ولا معنى لشمول ذلك للوضع الا برفع الجزئية او شرطية ما اضطر الى تركه او رفع مانعية ما اضطر الى فعله، وهذا معنى الصحة ويلزمه الاجزاء قهرا. والجواب عن ذلك:
(أولا) ان عدم جريان التقية في المسح على الخفين الذي هو مركز الاستدلال غير مفتى به بين الاصحاب ومخالف للنصوص، فلابد من حمل ذلك
____________________
(١) الوسائل: ج١١ باب ٢٥ من ابواب الأمر والنهي وما يناسبها حديث٣.
على ان عدم جريان التقية في المسح على الخفين انما هو من جهة خروج ذلك عن التقية موضوعا أي لم يضطر احد خارجا الى ذلك، والامر كذلك ايضا، فان العامة لم يذهبوا الى وجوب المسح على الخفين بل يرون غسل الرجل عدلا له. نعم، يجوزون المسح على الخفين. فبناء علىعدم منافاة غسل الرجل ومسحه كما هو الصحيح ففي جميع الموارد المندوحة موجودة فلا يمكن الكتفاء بغسل الرجل فكيف بالمسح على الخفين.
(ثايا) لو سلمنا دلالة الرواية على الاجزاء الا انه لايكون شأنها ازيد من سائر الادلة الحاكمة، وقد نقلنا سابقا عن بعض اساتيذنا ان ما دل على لزوم الاعادة في فرض الاخلال بالاجزاء الركنية التي قوام الماهية بها ولم تتحفظ صورته النوعية الا بها حاكم على ذلك، فلايمكن التمسك بعقد الاستثناء لهذه الرواية لاثبات الاجزاء في صورة الاخلال بالاجزاء الركنية ولكن لم يمكن المساعدة له، وقد مر الوجه فيه ويأتي ان شاء الله ايضا.
الثالث: عقد المستثنى منه للرواية السابقة وصحيحة زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام : التقية في كل شيء يضطر اليه ابن ادم فقد أحله الله(١) . بتقريب ان ظهور «في» في الظرفية أي التقية منطبقة على كل شيء، ولا معنى لذلك الا اذا كان الشيء ذا حكم عند المخالف، فيكون مفاد الرواية ان كل شيء د حكم عندهم فهو ظرف للتقية، أي كل ما كان مصداقا للشيء بما له من الحكم ينطبق عليه عنوان التقية، فلو اضطر الى شرب النبيذ لوجود المخالف ينطبق عليه عنوان التقية فيحل، ولو اضطر الىاتيان الصلاة متكتفا تنطبق عيه التقية فتجب وتصح، فظهور الرواية في تطبيق عنوان التقية على العمل المتقى به - لمكان في - دال على ثبوت حكم ذلك العمل حال التقية، فلو كان العمل
____________________
(١) الوسائل:ج١١ باب ٢٥ من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما حديث٢.
ذا حكم تكليفي ووقع الاضطرار الى تركه يرتفع بالتقية، ولو كان ذا حكم وضعي كالماهيات المركبة يثبت بالتقية كما ذكرناه من المثال.
وقد ظهر بذلك ان هذا الكلام جار بالنسبة الى الاجزاء الركنية ايضا للظهور الاطلاقي للرواية في التطبيق، غاية الامر ان تطبيق عنوان التقية على العمل المتقى به في غير مورد الركنيات ملازم للتنزل بخلاف موارد تلك الاجزاء فانه ملازم للتنزيل، وغير خفي ان هذا لايلازم الجمع بين اللحاظين التنزيل والتنزل، لان كل ذلك من اللوازم القهرية للتطبيق ولايحتاج الى أي لحاظ.
والحاصل: ان ظهور الرواية في التطبيق يدل على الاجزاء في الركنيات وغيرها وان كان التطبيق قد يلازم التنزيل وقد يلازم التنزل قهرا لا لحاظا، والجواب عن ذلك: انه لو كنا نحن و«التقية في كل شيء» صرفا لامكننا الالتزام بذلك، الا ان ذيل هذه الرواية وهو «فقد احله الله» يدل على ان وزان ذل وزان سائر الادلة الحاكمة أي يكون بلسان الترخيص في اتيان العمل العذري فقط، وبعبارة اخرى انه يحتمل ان تكون جملة «فقط احله الله» خبرا للتقية فيكون الظرف وهو «في كل شيء» لغو، ويحتمل ان يكون الظرف هو الخبر فيكون مستقرا، وعلى كلا الاحتمالين تدل الراوية على الترخيص في تطبيق المأمور به على العمل المتقى به فقط.
(اما) على الأول فواضح لعدم الدلالة على تطبيق عنوان التقية على العمل كي يقال ان التطبيق فرع التشريع، بل غاية الدلالة على ان التقية محللة.
(واما) على الثاني فالرواية وان كانت دالة على التطبيق الا انها لا تدل عليه بلحاظ ما للعمل من الحكم عند المخالف، بل تدل عليه بلحاظ ما يظهر من الذيل وهو الترخيص والتحليل، فان جملة «فقد احله الله»مفسرة لظرف، فافهم جيدا.
فالمتحصل من الرواية على كلا الاحتمالين ان التقية محللة ومرخصة لكل
شيء، وهذا هو ما ذكرناه من ان وزارن هذه الرواية وزان سائر الادلة الحاكمة، فلا تشمل الركنيات على مبنى بعض اساتيذنا من خروجها عن هذه الادلة بالحكومة، هذا فيما كان مشتملا على هذا الذيل «فقد احله الله» من الروايات، واما ما لم يكن كذلك فيفسر بما يشتمل عليه بالحكومة التفسيرية. وقد ظهر بما ذكرنا على هذا المبنى الجواب عن تقريب اخر للاستدلال وهو الأخذ باطلاق دليل الحاكم وهو العقد المستثنى منه «التقية في كل شيء» ولو مع قطع النظر عن التطبيق، فانه دال على جريان التقية في كل شيء ولو في الاجزاء الركنية، فانه حيث ان لسان دليل الحاكم لسان التقييد لا التنزيل والمفروض على هذا المبنى ان هذا اللسان محموم بمثل ذيل
حديث «لاتعاد» فانه في الرتبة المتأخرة عن ذلك ولذا لايمكن الاخذ بالاطلاق لاثابت الجزاء في الاجزاء الركنية.
ولكن قد مر عدم امكان المساعدة على هذا المبنى، فان الرواية وان دلت على ان التطبيق بلحاظ ما يظهر من الذيل وهو التحليل الا ان ظهورها في ان التطبيق بهذا اللحاظ في كل شيء غير قابل للانكار فتشمله جميع الاجزاء والشرائط حتى الركنيات.
واما التقريب الثاني الذي ذكره في الجواب عن الوجه الثاني ايضا فمخدوش (اولا) ذيل حديث «لاتعاد» لا يدل على الاستثناء في الاجزاء الركنية بهذا العنوان حتى تسري الى جميع الموارد والابواب مثل الحج مثلا. (وثانيا) لا نسلم وجود اطلاق في عقد الاستثناء من دون ملاحظة تمام الجملة، وبهذا اللحاظ لايحصل من الاستثناء ازيد من ثبوت الجزئية والشرطية في الموارد المذكورة على نحو يستفاد من الادلة الاولية.
وبعبارة اخرى: عقد الاستثناء في حديث «لاتعاد» حافظ لاطلاق الادلة الاولية لا ان له بنفسه اطلاق، ونتيجة ذلك شمول المستثنى وهو «لاتعاد» بالنسبة
الى غير ما ورد في الاستثناء واما في موارد الاستثناء فالدليل الاول باق على اطلاقه، وعلى هذا التقريب يظهر حكومة دليل التقية على ذلك حتى في الركنيات ، فتدبر جيدا.
الرابع: موثقة سماعة(١) قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: ان كان اماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا وليدخل مع الامام في صلاته كما هو، وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول: «اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله» ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة وليس شيء من التقية الا وصاحبها مأجور عليها ان شاء الله.
وتقريب الاستدلال على الاجزاء مطلقا حتى في الركنيات بهذه الرواية الشريفة من وجوه ثلاثة:
(الأول) مفهوم كلمة «مااستطاع» فانها ليست ناظرة الى بيان وجوب اتمام الصلاة مهما امكن أي العقد الايجابي للقضية، فان المتكفل لبيان هذه الجهة نفس الادلة الاولية، فبيان هذه الجهة في
الرواية غير محتاج اليه بل لغو محض، فانها في مقام بيان سعة التقية وحكمها لا التحفظ على الاطلاقات وتأكيدها، فهذه الكلمة ناظرة الى العقد السلبي للقضية وهو الترخيص في ترك مالم يستطع من اتمامه بسبب التقية بلسان تطبيق الوظيفة على الناقص وهذا معنى الاجزاء، وباطلاقه يشمل الركنيات ايضا.
(الثاني) التعليل الوارد في الرواية للحكم المذكور، وهو «فان التقية واسعة» فانه لا شبهة في انه ليس ناظرا الى العقد الايجابي للقضية بل سعة
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٥٦ من ابواب صلاة الجماعة حديث٢.
التقية لا تناسب الا الترخيص في ترك المعسور، وحيث ان الرواية في بيان تطبيق الوظيفة على الميسور نستكشف الاجزاء، وبالاطلاق نلتزم به في الركنيات ايضا.
(الثالث) ذيل الرواية الدالة على ترتب الاجر على التقية، وحيث ان مورد التقية في الرواية هو تطبيق الوظيفة على العمل المقتى به فلابد من ترتب الاجر على ذلك، وهذا لايستقيم الا مع صحة العمل واجزائه عن الواقع، فانه لا معنى لترتب الاجر على العمل الباطل. وبعبارة اخرى: ان ذيل الرو اية دليل اني على صحة التطبيق، وبعد الانطباق لابد من الالتزام بالاجزاء فانه عقلي، وبالاطلاق نلتزم بذلك في الركنيات ايضا. وذكر السيد الاستاذ ان شيئا من هذه الوجوه لايتم.
اولا: لو سلم جميع ذلك فان ذيل حديث «لاتعاد» حاكم على ذلك فلا يمكن الالتزام بالاجزاء في الركنيات، اللهم الا ان يقال ان ترتب الاجر على التطبيق يكشف انا عن صحة التطبيق فيدل على تنزيل المأتي منزلة الواقع، ومع التنزيل يكون الأمر بالعكس أي حديث المنزلة حاكم على حديث «لاتعاد» لا العكس.
وقد مر بيان ذلك وقلنا: ان الأدلة الأولية باطلاقها شاملة لوجوب الاتيان بالميسور في مورد الاضطرار الى ترك بعض الأجزاء والادلة الحاكمة كلها يرفع الحكم عن مورد الاضطرار، فقاعدة الميسور موافقة للقاعدة، فأدلة الميسور على فرض تماميتها حافظة للاطلاق ومؤكدة له، فلو دل دليل على عدم الاجزاء في مورد ما يكون هذا الدليل في الرتبة الثالثة وحاكما على الحاكم، ولكن هذا في ما اذا كان دليل الحاكم الأول بلسان التقييد ورفع الحكم عن مورد الاضطرار لا بلسان تنزيل المطبق عليه منزلة الواقع وكفايته عنه، والا فهذا مترتب على مثل ذيل «لاتعاد» ولذلك ترى صحة الصلاة في مورد ازدياد
الركن في باب صلاة الجامعة، وفي ما نحن فيه ايضا الأمر كذلك فان لسان الراوية هو التطبيق والتنزيل كما عرفت.
ثانيا: لا نسلم ان تكون الرواية بلسان التطبيق والتنزيل بل المسلم عدمه، فان التنويع في الروايةبين كون الامام عدلا وبين كونه غير عدل، ونقل النية الى النفل في الأول دون الثاني يدلا على ان الاقتداء في الثاني صوري وهو مأمور باتمام صلاة نفسه معه على نحو يشبه عليهم.
ويدل على ذلك ايضا اضافة الصلاة بالضمير الراجع الى المصلي في «ثم ليتم صلاته معه» والجلوس بقدر الشهادتين، فان ذلك يدل على لزوم الاتيان بالعمل ولو استعجالا على نحو مشبه،
فعلى ذلك الرواية ناظرة الى بيان كيفية الفرار والارشاد الى ترتيب المندوحة حال التقية، لا في مقام تطبيق الوظيفة على العمل الناقص بل انما هو ناظر الى لزوم التمام بجميع الأجزاء، غاية الامر على نحو مشبه عليهم، فعلى ذلك جملة ما استطاع ناظرة الى لزوم حفظ الواقع مهما تيسر وسقوط مالم يستطع عن التنجز الا ان السقوط بالتقية كالسقوط بسائر الأعذار تعبدي تنجيزي للواقع فيكون في رتبة سائر الحواكم على ما اسلفنا ويكون ادلة الركنيات حاكمة عليه قهرا، فلو لم تكن تلك الجملة ناظرة الى العقد الايجابي لم يكن التعبير قياسيا كما ان التعليل وان كان ناظرا الى السقوط الا ان المراد منه ان باب التقية اوسع، اليس مما يفر منه !! وهل هو الا كسائر الأعذار!!.
واما ما ذكر في الوجه الثالث من ان ترتب الاجر يدل على صحة التطبيق والتنزيل منزلة الواقع فغير صحيح، فان ترتب الأجر مستزلم لكون التقية مشروعة لا لكونها مشرعة، فلا تدل الراوية على التطبيق وتنزيل الناقص منزلة التام حتى لايمكن تقييدها بمثل ذيل «لاتعاد» بل الامر بالعكس، فانها في مقام بيان الاهتمام بالعمل واتمامه على ما هو عليه غاية الأمر على ما استطاع،
ومن البديهي ان القدرة شرط للتنجز، والعجز مسقط له.
والحاصل: انه لم يثبت بهذا الدليل ان وزان التقية غير وزان سائر الحكومات بحيث لم يمكن تقييدها بغير الركنيات.
اقول: قد مر انه ليس لدليل الركنيات ترتب على دليل الحاكم بحيث يكون حاكما على الحاكم، فان ذيل «لاتعاد» استثناء عن السابق والاستثناء محدد لحكم المستثنىمنه لا انه مثبت لحكم اخر في مورده، بل حكم مورد الاستثناء يستفاد من نفس الدليل الأولي، فالاستثناء في ذيل «لاتعاد» وسائر الركنيات - لو كان لها ايضا - دليل حافظ لاطلاق الدليل الأول فيرد عليه دليل الحاكم لا انه يرد على دليل الحاكم، فتدبر جيدا.
الخامس: الروايات الدالة على محبوبية التقية او العبادة سرا او ان التقية من الدين التي يستكشف فيها تطبيق العبادة او الدين على العمل المتقى به، ولازم ذلك التنويع في العبادة عبادة خبأية او سرية وهي الواقعة في مورد التقية، وعبادة غير خبأية وهي الواقعة في غير هذا المورد، ولازم ذلك التنزيل ولو بنحو تنزيل المبائن منزلة المبائن أي تنزيل العبادة الخبأية الواقعة تقية منزلة الاوقع وهو العمل التام جزء او شرطا فلا تكون ادلة الركنيات حاكمة على ذلك حتى على تلك المبنى، فهذه الروايات دالة على اجزاء العمل المتقى به عن الواقع ولو كان فاقدا للأركان او مشتملا على زيادة الركن، الا انه لابد من ملاحظة هذه الروايات ودلالتها حتى يظهر الحال ونذكر المهم منها:
(الأول) رواية معلى بن خنيس قال: قال لي ابو عبد اللهعليهالسلام : يا معلى اكتم امرنا ولا تذعه فانه من كتم امرمنا ولايذيعه اعزه الله في الدنيا وجعله نورا بين عينيه يقوده الى الجنة، يا معلى ان التقية ديني ودين ابائي ولا دين لمن لا تقية له، يا معلى ان الله يحب ان يعبد في السر كما يحب ان يعبد في العلانية
والمذيع لأمرنا كالجاحد له(١) ويقع الكلام في هذه الرواية تارة من جهة السند واخرى من جهة الدلالة.
اما من جهة السند فقد يقال: ان معلى بن خنيس لم يوثق بل هو مذيعا لأمرهمعليهمالسلام كما يظهر من هذه الرواية ومن غيرها فلايمكن الاعتماد على رواياته، الا ان التتبع في احوال الرجل يشهد بأنه كان اماميا فضائليا محبا لهمعليهمالسلام . نعم، كا ينشر فضائلهم ويبينها حتى في مورد التقية ولذا امره الامامعليهالسلام بالاخفاء والعبادة سرا لا أمرا مولويا بل ارشاديا الى انه يقتل كما في بعض الروايات، بل يعلم من استرحام الامام - بعد قتل معلى - له ان هذا التظاهر والاذاعة ليس امرا محرما وان صار سببا لقتله أيضا كما في مورد قتل ميثم. فالانصاف ان ما ذكر قدحا للرجل فهو مدح له، على ان المعتبر في باب حجبة الرواية الوثاقة في القول لا في العقيدة وملاحظة احوال المعلى ان لم تشهد بوثاقيته في العقيدة والقول تشهد بوثاقته في القول، فالراوية من جهة السند لا بأس بها.
نعم، لا دلالة للرواية على الاجزاء فان «التقية ديني ودين ابائي» لا تدل الا على مشروعية التقية، فان ذكر العنوان في الموضوع دال على دخله في الموضوعية، فالتقية بنفسها لا من جهة انطباقها على الحركة الفاعلية دين، وأين هذا من التقييد فضلا عن التنزيل. واما «يعبد في السر» فأيضا لا تدل الا على المشروعية، فان المستفاد من ذلك ان السر ظرف للعبادة لا قيد لها بحيث تنوع العبادة الى نوعين سري وغير سري.
وحاصل ذلك: ان الله تعالى يحب ان يعبد في حالة الخفاء، وبما ان العبادة اخذت سابقة على وقوعه في ذلك الظرف فتدل الرواية على محبوبية العبادة
____________________
(١) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث٢٣.
التامة في السر فهي على خلاف المقصود ادل.
(الثاني) صحيحة هشام بن سالم على الصحيح، قال: سمعت ابا عبد اللهعليهالسلام يقول: ما عبد الله بشيء احب اليه من الخباء. قلت: وما الخباء؟ قال: التقية(١) . وقد ظهر الاستدلال بهذه الرواية تقريبا وجوابا من وراية المعلى، فان الرواية لا تدل على ازيد من مشروعية التقية.
اولا: ان أخذ العنوان في الموضوع ظاهر في دخله فيه فلا تدل الرواية على حيثية تطبيق العنوان.
وثانيا: ان الخباء ظرف للعبادة على ما يظهر من الرواية السابقة لا قيد لها فلا تدل الراوية على التنويع.
(الثالث) رواية الكندي: اياكم ان تعملوا عملا نعير به، فان ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم اليه زينا ولا تكونوا علينا شينا، صلوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولايسبقونكم الى شيء من الخير فأنتم اولى به منهم والله ما عبد الله بشيء احب اليه من الخباء. قلت: وما الخباء؟ قال التقية(٢) . وتقريب الاستدلال والجواب كالرواية السابقة، مضافا الى ان الأوامر في هذه الرواية كلها اخلاقية بقرينة صدرها، فلايمكن التمسك بهذه الراوية للالتزام بالتنويع ايضا.
(الرابع) الروايات الكثيرة الواردة لبيان انه: لا دين لمن لا تقية له(٣) ولا ايمان لمن لاتقية له. بتقريب ان هذه الروايات ظاهرة في ان التقية مشرعة ومنوعة للدين الى نوعين، وهذا هو التنزيل. ولكن لايخفى ما في ذلك فان كون
____________________
(١) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث١٤.
(٢) الوسائل: ج١١ باب ٢٦ من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث٢ والرواية هكذا: عن هشام الكندي قال: سمعت ابا عبد اللهعليهالسلام ... الخ.
(٣) الوسائل: ج١١ باب ٢٤ من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث٢و٣.
التقية من الدين لايستلزم كونها مشرعة بل هي لازمة لمشروعيتها، فالحق انه لادلالة لهذه الروايات ايضا على التنزيل.
السادس: الروايات الخاصة الواردة في الابواب المختلفة ومنها في باب صلاة الجماعة.
(فمنها) صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد اللهعليهالسلام انه قال: من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الصف الأول(١) . بتقريب ان مقايسة القيدين هو الاقتداء في الصف الأول مستلزم لمقايسة المقيدين، فالرواية تدل التزاما على ان الصلاة معهم كان كالصلاة خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآله صحيح جزما فكذلك الصلاة مع المخالف، وهذا يدل باطلاقه على الاجزاء في الركنيات وغيره، فالاقتداء لهم في صلاة الجمعة مجز عن الظهر ولو فات منه اركان.
(ومنها) راوية حفص البختري عن ابي عبد اللهعليهالسلام : يحسب لك اذا دخلت معهم وان كنت لاتقتدي بهم مثل ما يحسب لك اذا كنت مع من تقتدي به(٢) . فان المراد من «لاتقتدي» نفي صحة الاقتداء بقرينة الدخول معهم وجملة «من تقتدي به» فان المراد منه صحة الاقتداء جزما، فالراوية تدل على ان الاقتداء لهم صحيح مجز عن الواقع ويحسب للانسان، وبالاطلاق يدل على الاجزاء في الركنيات ايضا.
(ومنها) صحيحة ابن سنان قال: سمعت ابا عبد اللهعليهالسلام الى ان قال -: ثم قال: عودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم واشهدوا لهم وعليهم وصلوا معهم في مساجدهم(٣) . وهذا امر بتطبيق الصلاة على الاوقع معهم في
____________________
(١ و٢و٣) الوسائل: ج٥ باب ٥ من ابواب صلاة الجماعة حديث١و٣و٨.
مساجدهم فتدل على الاجزاء ولو في الاجزاء الركنية.
ولكن هذه الروايات لا تدل على الاجزاء بالنسبة الى العمل الاوقع تقية ابدا فان مقايسة الصلاة مع المخالف والصلاة خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآله او ترتب الثواب على الدخول في الصلاة معهم او الامر بالصلاة معهم في مساجدهم او في عشائرهم - كما في بعض الروايات - غير ظاهرة في ذلك، بل من المحتمل بل المطمأن به - على ما يظهر ان شاء الله - ان تكون هذه الروايات ناظرة الى مرغوبية العبادة الواقعة مع المخالف في نفسها بحيث يكون العنوان واسطة في العروض والحيثية تقييدية، لا مرغوبيتها بعنوان تطبيق الوظيفة عليها بحيث يكون عنوان التقية واسطة في الثبوت، والحيثية حيثية تعليلية.
ولا تدل هذه الراويات على ازيد من مطلوبية العبادة معهم. وان شئت فلاحظ الروايات الاتية الواردة في باب استحباب ايقاع الفريضة قبل المخالف او بعده وحضورها معه، فانه بعد البناء على عدم تصور الامتثال عقيب الامتثال او البناء على امكان الاعادة في مورد الاجادة فقط كما بنى عليه المحقق الهمداني -قدسسره -. ودلالة هذه الروايات على ان لايكتفي بالصلاة مع المخالف وان يؤتي بالفريضة قبل المخالف او بعده نستكشف ان مطلوبية الصلاة معهم ليست من باب تطبيق الوظيفة على الواقع معهم بل ن باب مرغوبية نفس الشركة معهم في العبادة واراءتهم ان يعبد معهم، والا فما معنى الامر بالجمع بين العبادتين والامر بالرغبة في ذلك؟ فلو كان الفرد الكامل هو الواقع لا عن تقية فتطبيق الوظيفة على الواقع عن تقية لغو، ولو كان الفرد الكامل هو الواقع عن تقية فتطبيق الوظيفة على الواقع لا عن تقية لغو، فلا يستقيم الامر بالجمع الا بان يقال: ان الوظيفة هو العمل التام الواقع لا عن تقية، والدخول معهم انما هو مرغوب في نفسه مطلوب بحياله. واليك بعض هذه الروايات:
١ - صحيحة عمر بن زيد عن ابي عبد اللهعليهالسلام انه قال: ما منكم
أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضىء الا كتب الله له بها خمسا وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك(١) . وبمضمونها صحيحتان لعبد الله بن سنان(٢) ورواية نشيط بن صالح(٣) . ورواية الأرجاني(٤) وفي الاخيرتين الارشاد بان من دخل معهم في صلاتم يخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتم، وان من صلى في مساجدهم خرج بحسناتهم.
فالظاهر من هذه الطائفة ان المقصود من الصلاة معهم هو الأجر وتخليف الذنوب عليهم والخروج بحسناتهم ولاسيما بعد ما ذكرنا من عدم امكان الامتثال بعد الامتثال ولو في الجملة، لا تطبيق الوظيفة على المأتي معهم. ولا يتوهم ان الأمر بالتوضو يدل على ان الصلاة معهم فرد من الصلاة المأمور به والا لم يحتج الى الوضوء، فانه يمكن ان يكون الوجه في ذلك عدم الدخول في العبادة بدون الوضوء، فانا لا ننكر العبادية بل ندعي عدم فرديتها للمأمور به، فتأمل.
٢ - وراية عمر بن ربيع عن جعفر بن محمد (في حديث) انه سأل عنه الامام ان لم أكن اثق به اصلي خلفه وأقرأ؟ قال: لا، صل قبله او بعده. قيل له: أفأصالي خلفه واجعلها تطوعا؟ قال: لو قبل التطوع لقلبت الفريضة ولكن اجعلها سبحة(٥) . فالأمر بجعلها سبحة ادل دليل على ماذكرنا.
٣ - رواية ناصح المؤذن، قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : اني اصلي في البيت وأخرج اليهم. قال: اجعلها نافلة ولا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة فان مفتاح الصلاة التكبير(٦) . وهذه الرواية تدلنا على ان المطلوب هو الاشتراك معهم في صورة العبادة لا بواقعها.
____________________
(١ و٢و٣و٤) الوسائل: ج٥ باب ٦ من ابواب صلاة الجمعة حديث١و٢ و٣و٦و٩.
(٥و٦) الوسائل: ج٥ باب ٦ من ابواب صلاة الجماعة حديث٥و٧.
٤ - رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت: اني ادخل المسجد وقد صليت فاصلي معهم فلا (ولا) احتسب بتلك الصلاة. قال: لا بأس، فأما أنا فاصلي معهم واريهم اني اسجد وما اسجد(١) . وهذه أيضا كسابقتها في الدلالة على محبوبية العبادة معهم ولو بنحو الاشتراك في الصورة.
فتحصل من جميع ذلك: ان غاية ما يستفاد من هذه الروايات هي مطلوبية الدخول في مساجدهم وفي صلواتهم واراءتهم الموافقة معهم، واين هذا من الترخيص في تطبيق الواجب على المأتي به معهم حتى يستكشف منه الاجزاء.
نعم، للخصم ان يقول: ان في مفروض الروايات المندوحة موجودة فلا يقاس بذلك مورد عدم وجود المندوحة. الا ان المقصود من بيان هذه الروايات اثبات ان مادل على مطلوبية الصلاة معهم او الصلاة في عشائرهم لا تدل على ازيد من مفاد هذه الروايات، وان الشركة معهم في عباداتهم مطلوبة مرغوبة، فانه على مدعي الاجزاء الاثبات، ولا نريد بذلك بيان المعارض للروايات السابقة بعد تسليم دلالتها، بل المراد بيان عدم دلالة الروايات السابقة على الاجزاء. نعم، هنا عدة روايات تدل على الاجزاء عند سقوط بعض الاجزاء او الشرائط نعم ليس فيها رواية ناظرة الى الركنيات والاجزاء فيها.
ولكن قد مر ان حكومة دليل العذر على دليل الحكم الأولي يقتضي الاجزاء مطلقا، فعدم الاجزاء في مورد كالركنيات يحتاج الى دليل، ولا دليل في شيء من مواردها. نعم، حديث «لاتعاد» بمقتضى ذيلها لايدل على الاجزاء الا بالنسبة الى غير موارد الاستثناء، ففي موارد الاستثناء لا دليل على
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٦ من ابواب صلاة الجماعة حديث٨.
الاجزاء، واطلاق دليل الحكم يقتضي عدم الاجزاء لا ان الاستثناء دال على عدم الاجزاء حتى تصل النوبة الى التماس حاكم على الذيل، مع انه يمكننا استظهار الاطلاق من هذه الروايات ايضا، فتأمل فيها جيدا. وعلى هذا حكومة مطلقات التقية الاتية على الأدلة الأولية بلا محذور فانها في عرض أدلة الاعدار بلا واسطة دليل خاص للركنيات، ولا بأس بالاشارة الى بعض ذلك:
(فمنها) صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت ابا الحسنعليهالسلام عن الرجل يصلي خلف من لايقتدى بصلاته والامام يجهر بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك، وان لم تسمع نفسك فلا بأس(١) . هذه الرواية تدل على سقوط صفة القراءة وهو الجهر في مورد التقية.
(ومنها) صحيحة ابي بصير، قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : من لا أقتدي الصلاة، قال: افرغ قبل ان يفرغ فانك في حصار، فان فرغ قبلك فاقطع القراءة واركع معه(٢) . هذه الرواية تدل على سقوط بعض القراءة في مورد التقية.
(ومنها) مصحح بكير، قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن الناصب يؤمنا، ما تقول في الصلاة معه؟ فقال: اما اذا جهر فأنصت للقراءة واسمع ثم اركع واسجد أنت لنفسك(٣) . وهذه الرواية تدل على سقوط القراءة في مورد التقية رأسا.
(ومنها) رواية زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال: لا بأس بأن تصلي خلف الناصب ولا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه، فان قراءته يجزيك اذا سمعتها(٤) .
ولكن هذه الروايات لا تدل على الاجزاء في الركنيات، الا ان يقال
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٣٣ من ابواب صلاة الجماعة حديث١.
(٢ و٣و٤) الوسائل: ج٥ باب ٣٤ من ابواب صلاة الجماعة حديث١و٣و٥.
الكلام في اللباس المشكوك كونه من اجزاء ما لا يؤكل لحمه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.
والأقوال في المسألة عديدة: عدم الجواز على الاطلاق، نسب الى المشهور. الجواز على الاطلاق، نسب الى المحقق القمي –قدسسره – ومال اليه صاحب المدارك –قدسسره – ايضا، التفصيل بين الشرطية والمانعية، كما ذكره صاحب الجواهر –قدسسره – أي لو قلنا بشرطية كون اللباس مما يؤكل لحمه في الصلاة فلابد من احراز الشرط، ومع الشك يحكم ببطلان الصلاة. ولو قلنا بمانعية كون اللباس من غير مأكول اللحم فلابد من احرازه للحكم بالبطلان، ومع الشك يحكم بالصحة. بل ذكر المرحوم النائيني –رحمهالله – في رسالته المفردة في المشكوك ان مبنى النزاع هو القول بالمانعية والا فعلى القول بالشرطية لامجال للقول بالجواز، وسيجيء انه بعض الوجوه المذكورة في الكلمات دليلا على عدم الجواز يلائم القول بالشرطية أيضا، فالنزاع جار على كلام الوجهين. والتفصيل بين اللبس من أول الصلاة وفي الاثناء ففي الأول لايجوز دون الثاني.
وهناك تفاصيل مبنى جميعها التفصيل المتقدم أي الشرطية والمانعية، وهو التفصيل بين اللباس وغيره. والتفصيل بين الساتر وغيره. والتفصيل بين ما علم بكون المشكوك من اجزاء الحيوان وما لم يعلم، كما يظهر من العروة الوثقى فانه اختار في الأول الجواز ونفى الاشكال في الجواز في الثاني.
ثم ان الجواز في المقام ليس تكليفيا متعلقا بذات العمل، فانه لايحتمل كون لبس ما لايؤكل لحمه محرما من المحرمات الالهية، بل اما انه وضعي بمعنى المضي والنفوذ الملازم للصحة او تشريعي من جهة الاستناد الى الشارع الملازم لها ايضا.
ثم انه هل الجواز في المقام ظاهري بمعنى ان الحكم به يتوقف على اجزاء القواعد والاصول، ومع انكشاف الخلاف بعد ذلك لابد من اعادة الصلاة بناء على القول بعدم الاجزاء في الأحكام الظاهرية؟ او واقعي بمعنى ان الحكم به غير متوقف الا على نفس الدليل الدال على الواقع، ولا موضوع للاعادة فيه حتى مع انكشاف الخلاف؟ او ظاهري بحسب الابتداء وواقعي بحسب جواز الاكتفاء بمعنى انه لايحكم به الا بملاحظة اصل جار في المقام، ولا يحتاج الى الإعادة ولو انكشف الخلاف بعد العمل في الجملة؟.
ذكر المحقق القمي –رحمهالله – في بعض أجوبة مسائله ان مقتضى التبادر والانصراف اخذ العلم في موضوع ادلة المانعية او الشرطية، أي ما نعية لبس غير المأكول أو شرطية لباس المأكول مرتبة على صورة العلم بكون اللباس من المأكول او غيره، والا فمع الجهل يحكم بصحة الصلاة واقعا فانها واجدة لجميع شرائطها فاقدة لجميع موانعها.
ومنع ما ذكره ظاهر، فان التبادر والانصراف ممنوع، والألفاظ وضعت للمعاني الواقعية من دون دخل العلم وغيره من الحالات النفسانية فيها، ولذا ذكر المرحوم النائيني –رحمهالله – ان الجواز ظاهري، ونحتاج في ذلك الى اجراء أمارة أو أصل، وبنى على لزوم الاعادة بعد انكشاف الخلاف، وحكمه هذا مبني علىء عدم شمول حديث «لا تعاد»(١) لمورد الجهل، بل كون مورده السهو فقط، فان الحكم بالاعادة وعدمها موقوف على عدم اقتضاء الخطاب الأولي للفعل كما في النسيان، والا ففي مورد الجهل نفس الخطاب الواقعي شامل له ويقتضي العمل على وفقه تاما فلا معنى لأن يقال للجاهل أعد أولا لا تعد. ولكن لايخفى ان خطاب الجاهل بعد العمل بذلك الخطاب لامحذور فيه ابدا، وفي الروايات عبر بذلك كثيرا حتى في مورد العمل كمن تكلم في صلاته متعمدا اعاد صلاته(٢) . هذا في الجاهل القاصر.
وأما في المقصر، فان كان ملتفتا حال العمل فلا يشمله حديث «لاتعاد» لان الظاهر منه انه بعد العمل على ما يراه وظيفته وانكشاف الخلاف لاتعاد الصلاة، فلايمكن تصحيح هذه الصلاة بحديث لاتعاد، وبعين هذا البيان يظهر عدم شمول الحديث لمورد العمد ايضا مع انه لو فرض شمول اطلاق الحديث له يخرج عنه في مورد العمل بالدليل. واما الجاهل المقصر الغير الملتفت فيمكن ان يلتزم بخروجه ايضا عن الدليل لا من جهة عدم شموله له بظاهره بل لأمر اخر، وهو انه لو لم يكن خارجا عنه يختص مادل على لزوم اعادة الصلاة عند الاخلال بها شرطا او جزء بمورد العمد فقط، وهذا تقييد بفرد نادر، فتأمل.
فالمتحصل مما ذكرنا ان الجواز في المقام ظاهري أي يحتاج الى اجراء الاصول، ومع انكشاف الخلاف بعد العمل لا حاجة الى الاعادة واقعا فيما اذا وقعت المخالفة عن عذر، والا تجب الاعادة بل تجري الاصول حينئذ، كما لايخفى.ثم انه لا فرق في الاحتياج الى احراز الامتثال ولو بجريان الأصل بين
____________________
(١) الوسائل: ج١، باب من ابواب الوضوء، حديث٨.
(٢) الوسائل: ج٤، باب ٢٥، من ابواب قواطع الصلاة، حديث٢و٥.
الشرطية والمانعية وان قلنا بأن الأول مجرى الاشتغال والثاني مجرى البراءة، وهذا ظاهر. واما ما يقال من ان نفس الشك في المانعية كاف في البناء على عدمها بلا حاجة الى احرازها او اجراء اصل فيها وذلك من باب قاعدة المقتضي والمانع فمدفوع صغرى وكبرى، اما الكبرى فلا تتم هذه القاعدة لعدم الدليل عليها لا لفظيا ولا لبيا ببناء العقلاء، واما الصغرى فلو تمت القاعدة فانما تتم في موارد المقتضي والمانع الحقيقيين، واما في مثل المقام الذي قوامه ليس الا بالاعتبار فليس فيه الا الموضوع وقيوده، والحكم اجنبي عن المقتضي والمانع، بل الشيء لو اعتبر وجوده في الموضوع فهو شرط ولو اعتبر عدمه فيه فهو مانع، وهذا مجرد تعبير وليس من ذلك الباب.
ثم ان الشرط او المانع في المقام لابد وان يكون امرا اختياريا فانه مأخوذ في المأمور به ولو تقيدا لا قيدا، ولا يمكن تعلق الامر الا بما يكون اختياريا بجميع قيوده حتى تقيده بشيء ما، فحرمة أكل الحيوان او عدم حليته، وحليته او عدم حرمته اجنبية عن ذلك، بل المعقول كونه شرطا وقوع الصلاة في محلل الأكل او غير محرم الأكل، والمعقول كونه مانعا وقوعا في محرم الأكل او غير محلل الأكل، فلا فرق بين استفادة حليةالأكل عنه او عدم حرمته، وان التزم بعض الأساطين بالفرق بان الأولين ظاهران في الشرطية والاخرين في المانعية، وقد ظهر ضعفه.
ثم انه لا يعقل كون احد الضدين شرطا لشيء والاخر مانعا عنه. (أما تكوينا) فان المانع امر يزاحم مقتضي الشيء عن التأثير بعد تمامية اجزاء علته سوء عدم هذا المانع، ولا يعقل اتصاف شيء بالمانعية مالم تتم تلك الاجاء، فعلى ذلك مع وجود الضد الذي فرض انه شرط ينتفي الضد الاخر لا محالة، فأين المانع؟ ومع عدمه ووجود الضد الاخر فلا يتصف هذا الموجود بالمانع لعدم وجود شرط تأثير المقتضي، فكون احد الضدين شرطا تكوينيا والاخر مانعا
كذلك غير معقول. (واما اعتبارا) فبما انه ليس تأثير ولا تأثير في الاعتباريات، بل ما اعتبر وجوده في المأمور به شرطا له، وما اعتبر عدمه فيه مانع عنه لابد من ملاحظة امكان الاعتبار وعدمه، والحق انه لايمكن اعتبار الشرطية لاحد الضدين والمانعية للاخر مطلقا. اما في الضدين لا ثالث لهما فأحد الاعتبارين يغني عن الاخر فأحدهما لغو، وأما فيما له ثالث فاعتبار الشرطية يغني عن اعتبار المانعية وان لم يكن اعتبار المانعية مغنيا عن اعتبار الشرطية.
ووجه الاغناء انه مع وجود ما اعتبر شرطا ينتفي الاخر لا محالة ومع عدمه يبطل العمل لعدم شرطه فجعل المانعية يصبح لغوا محضا، ووجه عدم الاغناء في العكس فان نتيجة جعل المانعية لاحد الاضداد ترك هذا الضد حال العمل، ولايلازم وجود ضدّ معين له في هذا الحال، فان المفروض الأضداد متعددة بخلاف مالو لم يكن في البين ثالث، فان ترك الضد المانع يلازم وجود الضد الاخر.
ثم انه هل يستفاد من الادلة الشرطية او المانعية؟ فيه كلام بين الأعلام، والمستفاد من الروايات – وفيها الصحاح – المانعية صريحا. الا انه قد يتوهم من جملة الروايات الشرطية.
(ومنها) ذيل موثقة ابن بكير التي هي العمدة في أدلة الباب: «لاتقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما احل الله اكله(١) . ووجه استفادة الشرطية غير ظاهرة، ذكر المرحوم النائيني –قدسسره – ان المستفاد من صدر الرواية المانعية «فالصلاة في وبره و.... فاسدة». وهذا يكون قرينة على ان المراد من الذيل ايضا ذلك حيث انه معتمد على الصدر، والتعبير بما يشعر بالشرطية من سوء تعبير الراوي فانه نقل الرواية بالمعنى.
____________________
(١) الوسائل: ج٣ باب، ٢، من ابواب لباس المصلي، حديث١.
وقد يقال بتعارض الصدر والذيل وتساقطهما والرجوع الى الاصول العملية. وقد يقال بأن الصدر دال على المانعية في غير الساتر بقرينة بعض المذكورات كالبول والروث والذيل دال على الشرطية في الساتر، فان عمومه لغير الساتر غير معقول فانه ليس شرطا بنفسه، فلا يعقل كونه من المأكول شرطا حتى على فرض الوجود أي اللبس، لانه اما من اشتراط الشيء لنفسه او لضده، فمع لبس المأكول يكون اشتراطه بكونه من المأكول من قبيل الأول، ومع لبس غيره يكون من قبيل الثاني، هذا.
وان امكن ان يجاب عن ذلك بمثل مايجاب عن الاشكال المعروف في القضايا الحملية بأن المشروط له نفس اللبس لا بشرط، وبهذا يمكن اشتراطه بكونه من المأكول. ودقيق النظر يقتضي عدم استفادة الشرطية من الرواية، فان ظاهر الصدر المانعية والذيل الذي ادعي انه ظاهر في المانعية مشتمل على كلمة الاشارة «تلك» والمشار اليه ليس نفس الصلاة الشخصية لفسادها على أي حال وغير قابلة للتعدد حتى يحكم بفسادها بوجه وصحتها بوجه اخر فهي اما طبيعي الصلاة بجنسها أو نوعها كصلاة الفجر او غيره.
اما الصلاة الواقعة في اجزاء الحيوان التي هي مورد الرواية، فعلى الأول يمكن دعوى استفادة الشرطية من الذيل، الا انه خلاف الظاهر، فان السؤال عن الصلاة في الفنك وغيره من الحيوان فلابد من كون الاشارة الى ذلك، ونتيجة الصدر ان الصلاة في الحيوان قسمين قسم في المأكول وقسم في غير المأكول، والقسم الثاني منها فاسد، فلابد في الحكم بالصحة من وقوع الصلاة على نحو القسم الأول، وهذا امر واقعي غير محتاج الى الجعل، وجملة الذيل انما هي مشيرة الى نفسها الأمر الواقعي، وليس في مقام بيان اشتراط الصلاة بوقوعها في محلل الأكل، فأصل ظهور الذيل ممنوع فضلا عن وقوع المعارضة والعلاج.
وهنا بعض روايات اخرى يمكن الاستدلال بها على الشرطية ولا تخلو اما من الضعف في السند او الدلالة، وتعرف حالها مما ذكرنا، فلا نطيل.
ثم انه لو شككنا في ان المعتبر هل هو الشرطية او المانعية ولم يمكننا استفادة ذلك من الروايات، فقد يقال ان الشك في الشرطية يوجب الشك في التكليف الزائد، والاصل البراءة عن ذلك. ولكن ضعفه ظاهر في ان كلا من الشرطية والمانعية يوجب التضييق بالنسبة الى المكلف، ويلزم التكليف الزائد والأصل البراءة، فالحق ان العلم الاجمالي بثبوت احد الحكمين – الشرطية او
المانعية – يقتضي العلم بالبراءة والخروج عن عهدة ذلك فالاصل الاشتغال، والأصلان المذكوران اما غير جار او معارض على الخلاف في جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي.
ثم ان عنوان حرمة الأكل المأخوذ في الروايات هل هو معروف الى العناوين الذاتية الثابتة للحيوانات كالأسد والأرنب وغير ذلك؟ او انه اخذ موضوعا للحكم بما هو عنوان حرمة الأكل؟ مال المرحوم النائيني –قدسسره – الى الأول، ولكن لايمكن المساعدة عليه فان ظاهر كل عنوان مأخوذ في لسان دليل دخله في الموضوعية وثبوت الحكم له.
وايضا هل يكون المأخوذ في لسان دليل الحرمة الطبعية والشأنية التي هي ثابتة للحيوان بطبعه وفي ذاته او الحرمة الفعلية التي قد تختلف باختلاف الأشخاص والحالات والأزمنة، فان لحم الغنم حلال بطبعه. ولكن أكله حرام في نهار شهر رمضان مثلا، او لحم الارنب حرام بطبعه ولكنه حلال في حال الضرورة مثلا؟ ظاهر الدليل الأول، فان اسناد حرمة الأكل الىالحيوان ظاهر في انه لابد وان يكون الحيوان بطبعه محرم الأكل، وعروض العوارض الخارجية لايوجب تبديلا في ذلك وان كان الحكم الفعلي دائرا مدار تلك الطوارىء والعوارض.
وعلى ذلك هل يختص بما هو ثابت لطبع الحيوان لذاته؟ او يعم ذلك وما هو ثابت له بواسطة امر خارجي كعنوان الموطوءة مثلا؟ الاطلاق يقتضي التعميم ولا يختص ذلك بما لو لم يكن هذا العنوان الطارىء قابلا للزوال كالموطوءة والجدي المسترضع من الخنزيرة، بل يعم ذلك وما كان قابلا له كعنوان الجلل الذي هو قابل للزوال بالاستبراء، فان الاطلاق يقتضي ذلك، فانه قبل الاستبراء حيوان محرم الأكل. ولم يرض المرحوم النائيني –قدسسره – بذلك مع انه في باب النجاسات ذهب الى ان بول محرم الأكل وخرءه نجس ولو كانت الحرمة ناشئة من الجلل، أخذا باطلاق «اغسل ثوبك
من أبوال ما لا يؤكل لحمه»(١) والحال ان المسألتين من واد واحد.
والحاصل: ان عنوان محرم الأكل من جهة أخذه في الرواية يعلم أخذه موضوعا لا طريقا، ومن جهة اضافته الى الحيوان يظهر ثبوت الحكم بما لو كان الحيوان محرما ولو لعارض قابل للزوال او غير قابل له، لكن لابد وان يكون هذا العارض على نحو يمكن اسناد الحرمة الى الحيوان كالوطىء والجلل. واما لو لم يكن كذلك كالافطار في نهار شهررمضان او الضرورة مثلا، فلا.
وبعبارة اخرى: ان القابل لتعلق الحرمة او الحلية به الذي هو فعل الملكف أكل الحيوان في المقام، لكن تعلق الحرمة او الحلية به اما من جهة خصوصية في الحيوان بطبعه او لعارض عليه او خصوصية في الأكل بطبعه او لعارض عليه، المأخوذ في لسان الدليل من جهة ظهور الاضافة هو الأول لا الثاني، فلا يجوز الصلاة في شيء من الأسد مطلقا وان كان محلل الأكل في موضع الضرورة لان الضرورة توجب خصوصية في الأكل لا في الحيوان، وايضا لايجوز الصلاة في الغنم الموطوء او المسترضع من لبن الخنزيرة او الجلال لان الحكم بالحرمة فيها
____________________
(١) الوسائل: ج٢، باب ٨ من ابواب النجاسات حديث٢.
من جهة خصوصية في الحيوان لا في الأكل.
ثم انه هل اعتبار المانعية او الشرطية راجع الى الصلاة أي يعتبر في الصلاة ان تقع في محلل الأكل او لا تقع في محرم الأكل؟ او راجع الى اللباس أي يعتبر في اللباس ان يكون من المأكول او لا يكون من غيره؟ او راجع الى المصلي أي يعتبر في المصلي ان يكون لابسا للمأكول او لا يكون لابسا لغيره؟ كل ذلك محتمل، والثمرة تظهر بينها في التفصيل بين امكان التمسك بالأصل لو كان اللبس في الأثناء بخلاف مالو كان من الأول في الأخيرين دون الأول على بعض المباني، وسيجيء الكلام في جريان الاصول العملية في المشكوك.
والكلام هنا في صغرى المسألة، وان الاعتبار راجع الى أي من المذكورات. والتحقيق ان الاعتبارين الأخيرين غير معقول، فان الشرط والمانع ما يكون دخيلا في متعلق الأمر تقيدا لا تقييدا، فلابد وان يكون تحت اختيار المكلف وراجعا الى فعله، فعلى ذلك لابد من ان يقال ان الاعتبار راجع الى نفس الصلاة.
نعم يمكن تصوير الاختلاف في مركز الاعتبار، أي يقال انه هل المعتبر في الصلاة كونها واقعة في كذا او عدم كونها واقعة في كذا؟ او المعتبر فيها كون المصلي لابسا لكذا او عدم كونه لابسا لكذا؟ او المعتبر فيها كون اللباس من كذا او عدم كونه من كذا؟ وحينئذ نقول ان الأخير أيضا غير معقول، فان كون اللباس من المأكول او عدم كونه من غير مأكول خارج عن تحت اختيار المكلف، ونتيجة اعتباره في الصلاة تقيدها بأمر غير اختياري.
نعم الأولان معقولان في نفسهما، لكن المستفاد من موثقة سماعة «ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه»(١) ان مركز الاعتبار المصلي، وان كان ظاهر
____________________
(١) الوسائل: ج٣ باب ٥ من ابواب لباس المصلي حديث٣.
موثقة ابن بكير(١) انه هو الصلاة، الا انه بالدقة يكشف عن ان المراد منها ايضا الأول نظير ما في موثقة سماعة.
الكلام فيما يقتضيه الاصل في اللباس المشكوك: ويقع اولا فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية، ثم ما تقتضيه الاصول العملية
الأدلة الاجتهادية
فقد استدل على جواز الصلاة في اللباس المشكوك بوجوه:
الأول: ما ذكره المحقق القمي –قدسسره – وهو ان المستفاد من ادلة الاعتبار انه ينحصر بمورد الاحراز فقط، ويدفعه اطلاقات دليل الاعتبار كموثقة ابن بكير وسماعة المتقدمة، والألفاظ موضوعة لنقل المعاني الواقعية، والاحراز وعدمه خارج عن دائرة المعنى.
الثاني: وهو عمدة مايمكن الاستدلال به لذلك، الأخذ باطلاقات او عمومات جواز الصلاة في أي لباس، والتقييد بعدم كون اللباس من غير المأكول وان كان ثابتا، الا ان حجية دليل المقيد مشروطة باحرازه صغرى وكبرى ومع عدم الاحراز – كما في المقام للشك في صغرى ذلك الدليل فيه – يتمسك باطلاق دليل الأول أو عمومه للشك في تخصيصها او تقييدها بغير المقام.
والجواب عن ذلك ظهر في الاصول في بحث العموم والخصوص في التمسك في الشبهات المصداقية للمخصص من ان الشك في صغرى المخصص وان كان موجبا لسقوط دليل المخصص عن الحجية الا انه لاحجية للعموم ايضا في ذلك، فانه مخصص بعنوان المأخوذ في المخصص واقعا، فدائرة العام وان كانت شاملة للمصداق المشكوك فيه بحسب الارادة الاستعمالية الا انه بعد فرض تخصيص
____________________
(١) الوسائل: ج٣ باب ٢ من ابواب لباس المصلي حديث١.
العام بعنوان المخصص والشك في انطباق المخصص على المشكوك فيه وعدمه لا يمكن احراز ان دائرة العام بحسب الارادة الجدية شاملة له فيسقط العام عن الحجية فيه.
وبعبارة اخرى: المعتبر عند العقلاء في أصالة العموم هو ما اذا كان الشك في التخصيص والاخراج، وأما اذا علم بالتخصيص والاخراج ولم يعلم انطباق المخصص والخارج فلم يعهد من العقلاء التمسك بها، وتمام الكلام في محله.
الثالث: ما يظهر من بعض كلمات المحقق القمي –رحمهالله – أيضا وهو ان فعلية الحكم موقوفة الى الوصول فما لم يصل الحكم لم يكن فعليا. نعم في الوضعيات الفعلية لا تدور مدار ذلك، الا انه في الأحكام التكليفية حيث ان البعث او الزجر يكون بداعي الانبعاث او الانزجار ولا يتحقق الا بالوصول فلابد في فعليتها ذلك، وفي المقام أن دليل عدم جواز الصلاة في غير المأكول كموثقة سماعة «لا تلبسوا منها... الخ » انما هو بلسان النهي والزجر فلابد في فعلية مدلوله الوصول، والمفروض ان الموضوع مشكوك فيه، فدليل المانعية ساقط عن اثباتها فيه، فنتمسك بالاطلاقات لاثبات الصحة.
والجواب: (أولا) ان دليل مانعية لبس غير المأكول لاينحصر بما هو بلسان الزجر كموثقة سماعة بل ظاهر موثقة ابن بكير المانعية وهي من الوضعيات.
(وثانيا) لو سلم ما ذكر فيما لو كان التكليف بداعي الانبعاث والانزجار لانسلمه فيما لو كان بداعي الارشاد الى الشرطية والمانعية وغيرهما من الاحكام الوضعية، والمفروض ان النواهي الموجودة في المقام وامثاله ليست بنواهي نفسية بل كلها ارشادية الى ذلك.
(وثالثا) ان المبنى فاسد فان اشتراط فعلية الحكم بالوصول بعد تسليم ان الوصول غير مأخوذ في موضوعه خلف، فان فعلية الحكم دائرة مدار وجود موضوعه، ولذا يقال ان الاحتياط حسن حتى في مورد عدم وجوبه، فلو لم يكن
الحكم فعليا في فرض عدم الوصول لم يكن موضوعا للاحتياط فضلا عن حسنه. نعم الوصول معتبر في تنجز التكليف، أي المكلف معذور في مخالفة التكليف الغير الواصل، وأين هذا من دخله في موضوع الحكم وفعليته؟.
(ورابعا) ان ما ذكره تقريب اخر عن الشبهة المصداقية فان التكليف بحسب الكبرى واصل وانما الشك في الصغرى وانطباق ذلك التكليف على مورد الشك، وحينئذ وان لا يمكن التمسك بدليل التكليف لاثبات فعليته في مورد الشك الا انه لايمكن التمسك بالاطلاقات ايضا لاثبات الصحة لعدم جواز التمسك بالعموم والاطلاق في الشبهات المصداقية.
(وخامسا) لو سلمنا جميع ما ذكره في ذلك لانسلم سقوط دليل المانعية عن شموله للموضوع المشكوك وان كان بلسان النهي والزجر، فان الساقط ليس الا النهي والزجر عن الفعلية لا ان الكراهة والمبغوضية الواقعية التي يكشف عنها اطلاق دليل المانعية ولو قبل الوصول ساقطة، وتكفي نفس الكراهة الواقعية لحكم العقل بلزوم الامتثال. نعم في موارد الشبهات المصداقية يختلف الحال والكلام فعلا مع قطع النظر عنه.
بيان ذلك: ان ظاهر ادلة التكاليف المشتملة على الأمر والنهي هو البعث والزجر، والبعث اذا كان بداعي الالزام فهو وجوب والا فندب وكذا الزجر اذا كان بداعي الالزام فهو حرمة والا فكراهة، هذا في مقام الثبوت.
واما في مقام الاثبات فالبعث والزجر حجة على المكلف الا اذا ثبت الترخيص من الشارع. واما ما بنى عليه سيدنا الاستاذ – مد ظله – من أن الأمر والنهي دالان على اعتبار شيء على ذمة المكلف لايتم. نعم في مثل( لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (١) يمكن دعوى ذلك، واما في موارد
____________________
(١) ال عمران: ٩٧.
الأوامر والنواهي فلا. نعم في المرتبة السابقة على البعث والزجر لابد من تعلق المطلوبية او المبغوضية الواقعية بالفعل، واذا علم المكلف بتلك المطلوبية او المبغوضية يجب عليه الجري على طبقه بحكم العقل وان لم يكن في مورده بعث او زجر لجهة من الجهات.
وبنينا ايضا في مسألة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ان الجمع بين البعث والزجر الواقعيين والترخيص في الظاهر مستحيل، فان البعث والزجر انما هو بداعي الانبعاث والانزجار، والمفروض ثبوت الرخصة في ترك الامتثال، ولايمكن انقداح ارادة البعث او الزجر والترخيص في ترك الامتثال.
وما افاده السيد الاستاذ – في هذا المقام – من ان الحكمين ليسا بمتضادين بالذات فانهما اعتباريان، والتنافي بحسب المبدأ وهو اجتماع المصلحة والمفسدة غير موجود في الجمع بين الظاهري والواقعي، والمفروض ان التنافي بحسب المنتهى ومرحلة الامتثال ايضا مفقود لأن في ظرف امتثال الحكم الظاهري الواقعي غير ثابت، وفي ظرف ثبوته لاموضوع لحكم الظاهري لايمكن المساعدة عليه، فان البعث والزجر وهكذا الترخيص في مرحلة الانشاء مسبوقة بمبادىء خاصة منها داعي الالزام في الأولين وعدمه في الأخير، واجتماع الداعي وعدمه مستحيل فانه من اجتماع النقيضين في التكوين. ولذا بنينا على انه لو كنا نحن ونفس اطلاقات الأدلة لقلنا بلزوم الاحتياط عقلا، لعدم ثبوت حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بالمعنى الذي اريد من البيان في مورد الشك في التكليف ولاسيما في الشبهات الموضوعية.
نعم لابد من تقييدها بغير مورد العجز عقلا، فان تكليف العاجز قبيح عقلا بل غير معقول اذا كان المولى عالما بعجز العبد عن الامتثال – كما هو كذلك في المولى الحقيقي – لعدم انقداح داعي البعث والزجر في محله حينئذ، وقانونية الجعل التي بنى عليه استاذنا المحقق – مد ظله – لا تصحح المطلب بعد
فرض شمول القانون للمورد، ولايقاس قيود الموضوع في الواجبات العينية بقيود المتعلق، فان المطلوب في الثاني نفس الطبيعة، ومع العجز عن البعض والقدرة على الاخر يصدق القدرة على الطبيعة بخلاف الأول، فان المطلوب منه ليس نفس الطبيعة بل هي بقيد التكثر في العمومات والسريان في الاطلاقات، ولذا يجب على جميع الأفراد بحيث يكون كل منهم مكلفا بتكليف نفسه لابتكليف الاخرين، والتكثير والسريان بحيث يشمل العاجز – مضافا الى كونها لغوا لعدم ترتب أثر عليه في الخارج – غير معقول لعدم انقداح الداعي في محله، فتكليف العاجز بمعنى البعث والزجر قبيح عقلا بل مستحيل بخلاف الجاهل.
نعم بحسب الأدلة الشرعية علمنا ان الجاهل معذور في مقام الامتثال، وقد ذكرنا ان الجمع بين البعث والزجر والمعذورية في مقام الامتثال غير ممكن، فلابد من رفع اليد عن ظهور الأدلة الواقعية في البعث والزجر بالنسبة الى الجاهل ايضا كالعاجز، الا انه حيث ان الاجماع والضرورة وبعض النصوص الدالة على اشتراك العالم والجاهل في التكليف تمنعنا عن الالتزام بعدم ثبوت التكليف الواقعي على الجاهل، نلتزم بأن الساقط هو البعث او الزجر والمطلوبية او المبغوضية الواقعية بعد باقية، وبما ان مثل هذا الاجماع والضرورة وغيرهما مفقود في العاجز – والمفروض ان اطلاق الدليل سقط عن الشمول – فلا دليل على بقاء ذلك بالنسبة اليه.
ونتيجة ماذكرنا اجزاء الأمر الاضطراري عن الواقع بل لا واقع له غير الحكم في مورد الاضطرار حتى يبحث عن الاجزاء. نعم يمكن البحث عن مبنى تعدد المراتب المطلوبية، وتمام الكلام في محله، بخلاف الأمر الظاهري فانه لا يجزي عن الواقع، والعقل يحكم بلزوم الجري على تلك المطلوبية او المبغوضية الثابتة بالاجماع والضرورة، ونتيجته لزوم الامتثال ولو قضاء، فان القضاء وان كان بأمر جديد الا ان ظاهر دليله ان مطلوبية القضاء مرتبة من مراتب
مطلوبية نفس الطبيعة، أي الثابت في مورد القضاء نفس ما ثبت في مورد الأداء، غاية الأمر سقط بعض مراتبه.
ومما ذكرنا ظهر الحال في الأحكام الوضعية فانها عامة للجاهل والعاجز لوجود المقتضي وعدم المانع. نعم حيث انه قد يجعل ذلك استقلالا وقد يجعل تبعا فلابد من ملاحظة لسان الدليل، فمع كونه بلسان البعث والزجر فالنتجية وان كان جعل الشرطية والجزئية مثلا الا انهما منتزعان من مدلول ذلك الدليل وهو البعث نحو شيء اخر او لشيء اخر، فيجري فيه ما ذكرنا في التكاليف النفسية.
وحاصل ما ذكرنا ان ما بنى عليه المحقق القمي –رحمهالله – من عدم فعلية الشرطية او المانعية يتم بالنسبة الى نفس البعث او الزجر الراجع الى اللبس مع بقاء اصل المطلوبية او المبغوضية ولو قلنا بالمعذورية في الترك
الاصول العملية
فقد يستدل على ذلك بقاعدة الحلية بتقريب ان الشك في اللباس مسبب عن الشك في أن الحيوان المأخوذ منه ذلك هل هو حلال أكل لحمه او حرام أكل لحمه، وكل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه. فبجريان هذا الأصل ينقح موضوع جواز الصلاة وهو لبس محلل الأكل او عدم لبس محرمه.
وقد أشكل المرحوم النائيني –قدسسره – على ذلك بوجوه:
الأول: ان قاعدة الحلية انما تجري في شيء له واقع شك في حليته وحرمته وفي المقام لاشك كذلك، فان الحيوان المأخوذ منه اللباس مردد بين فردين محلل الأكل جزما ومحرم الأكل قطعا، وعنوان أحدهما لا واقع له حتى يحكم بحليته فلا يجري الأصل. ولكن لايمكن المساعدة على ذلك فانه لامانع من
جريانت الأصل في هذا النحو من الترديد، فان المفروض وقوع الشك في الحيوان المأخوذ منه اللباس ولو كان طرفا الشك محكومين بحكم جزما، فنشير الى ذلك الحيوان ونقول: ان هذا المردد بين كونه غنما أو أرنبا شك في حليته وحرمته فهو حلال، كما اذا وجدت قطعة لحم شك فيها كذلك، وهنا وان اخذ اللباس من احد الحيوانين الغير الموجودين بالفعل لكن يمكن الاشارة المذكورة، كما لايخفى.
الثاني: ان عنوان الحل والحرمة في روايات اللباس قد اخذ مشيرا الى العناوين الواقعية كالأسد والأرنب والغنم والبقر وهكذا، فعلى ذلك ما هو موضوع للروايات غير جار فيه الأصل لعدم الشك في شيء منها وما هو مجرى الأصل وهو ما اخذ منه اللباس على اهماله ليس بموضوع للروايات. وقد تقدم ما يمكن الجواب به عن ذلك، وهو ان ظاهر العنوانين المأخوذين في الروايات دخلهما في الموضوع على النحو الموضوعية لا الطريقية فلا يجوز الصلاة في محرم الأكل ويجوز في محلل الأكل، والمفروض الشك في حلية المأخوذ منه اللباس وحرمته والأصل الحلية.
الثالث: أن المأخوذ في الروايات الحرمة والحلية الطبعيتان لا الفعليتان، وقاعدة الحلية انما تثبت الحلية الفعلية في مورد الشك لا الطبعية الا على القول بالأصل المثبت. وهذا جواب متين فانه لا ملازمة بين الحرمة الفعلية وعدم جواز الصلاة، فان الصلاة في صوف الغنم صحيح وان لم يذك والثابت هو الملازمة بين حرمة أكل الحيوان بطبعه وعدم جواز الصلاة ولذا الصلاة في اجزاء الأرنب لايصح وان كان مذكى.
ومن هنا يعلم انه لو بني على جواز التمسك بالاستصحاب في الأعدام الأزلية وجريان استصحاب عدم التذكية مع ذلك لايمكن التمسك باستصحاب عدم التذكية لاثبات عدم جواز الصلاة، فان ما يثبت استصحاب عدم التذكية هي الحرمة الفعلية لا الطبعية للحيوان، وما هو موضوع لعدم جواز
الصلاة هي الطبعية. نعم لو كان الأصل مثبتا للحلية الطبعية في مورد مثل مورد الشك في حصول الجلل في الحيوان المحلل أكله لقلنا بجريانه وجواز الصلاة فيه، الا ان المقام ليس كذلك كما هو ظاهر.
وقد يستدل على ذلك أيضا بقاعدة الطهارة، لكن طهارة الحيوان لايلازم حلية أكله، بل ومع الملازمة لايثبت الأصل ذلك الا على القول بالأصل المثبت.
وقد يستدل عليه أيضا باستصحاب عدم الحرمة الثابتة لكل شخص قبل بلوغه. ويرد على هذا الاستدلال أيضا ماورد على الاستدلال بقاعدة الحلية، فان عدم الحرمة المستصحبة حينئذ حكم فعلي لهم لا طبعي للحيوان، واستصحاب عدم الحرمة الفعلية بالنسبة الى الشخص لايثبت أن الحيوان بطبعه حلال بحيث يجوز أكله بالنسبة الى البالغين.
وبعبارة اخرى: لازم الحرمة الطبعية للحيوان حرمة أكله على البالغين، واستصحاب عدم الحرمة الثابتة لغير البالغ لايثبت عدم الحرمة على البالغ ولا عدم حرمة أكل الحيوان بطبعه، فهذا الاستصحاب لايفيد، ولذا نحكم بعدم جواز الصلاة في غير المأكول حتى بالنسبة الى غير البالغين.
وهنا استدلال اخر وهو استصحاب عدم جعل الحرمة للحيوان المأخوذ منه اللباس بلا فرق بين كون الشبهة حكمية او موضوعية، فانه في الثاني أيضا يمكن اجراء ذلك الاستصحاب فيقال ان هذا الحيوان مردد امره بين كونه داخلا في المحلل أكله أو داخلا في المحرم اكله فيشك في حرمته وحليته فيستصحب عدم حرمته.
وقد يستشكل على هذا الاستصحاب من وجوه ذكرها المرحوم النائيني –قدسسره –:
الأول: ان موضوع الأثر في المقام هو عدم الحرمة النعتي، وهو غير متيقن
سابقا، فانه لايعلم عدم حرمة الحيوان في الشريعة المقدسة سابقا حتى يستصحب. وما هو المتيقن سابقا العدم المحمولي وليس بموضوع للأثر، والتمسك باستصحاب العدم المحمولي لاثبات العدم النعتي مثبت فلا يجري هذا الاستصحاب.
والجواب عن ذلك ان الأحكام الثابتة في الشريعة المقدسة لم تجعل من اول انعقادها بل انما جعلت تدريجا، فنعلم ان في اول انعقاد الشرع لم يجعل الحرمة للحيوان فيستصحب عدم الجعل في نفس الشرع، فالمستصحب العدم النعتي والمفروض انه الموضوع للأثر.
الثاني: ان الأصل المذكور معارض لأصالة الاباحة فان كلا من الحرمة والاباحة حكمان مجعولان حادثان مسبوقا بالعدم.
والجواب عن ذلك: (اولا) ظهر مما تقدم، فانا نعلم باباحة أكل الحيوان في أول الشرع فالمستصحب هو الاباحة لا عدمها. (وثانيا) ان موضوع الاثر في المقام حرمة الأكل وعدمها كما مر في بيان ما يستفاد من موثقة ابن بكير لا اباحته وعدمها، فالاستصحاب غير جار في الاباحة في نفسه.
الثالث: ان موضوع الأثر هو الحرمة الفعلية لا الانشائية، والفرق بينهما انه في الثاني مقام جعل الحكم والأول مرحلة المجعول ووجود الموضوع، فاستصحاب عدم جعل الحرمة ليس له اثر، والحرمة الفعلية غير متيقن سابقا فانه ليس زمان علم فيه عدم حرمة الحيوان بعد وجوده، واستصحاب عدم الجعل لايثبت عدم الفعلية الا على القول بالأصل المثبت.
قال السيد الاستاذ في الجواب عن ذلك: ان مقام الجعل والمجعول لايغير الحكم ولاينوعه الى نوعين، بل الحكم في مرحلة الفعلية هو الحكم في مرحلة الجعل. غاية الأمر انه في مرحلة الجعل جعل على الموضوع، ولو لم يكن موجودا بالفعل والموضوع في مرحلة الفعلية موجود بالفعل، فالموضوع الموجود محكوم بالحكم من الأول حتى قبل وجوده لعدم دخل وجوده في موضوعيته. فعلى ذلك
يمكن الاشارة الى الموضوع الموجود ويقال ان هذا لم يجعل له الحرمة أي لم يكن محرما في الشرع والان كما كان.
أقول: ان جعل الأحكام وان كان على نحو قضايا الحقيقية وبنحو القانون وفعلية وجود الموضوع غير دخيل فيه، الا ان جريان الاستصحاب لاتثبت ترتب المستصحب على الموضوع الموجود بالفعل الا على الاثبات، فعدم جعل حرمة الأكل للحيوان المشكوك حكمه امر وترتبه على الموجود أمر اخر، وان أراد ما هو ظاهر أخير كلامه من ان موضوع المستصحب نفس الموجود، وبالاشارة يقال ان هذا لم يجعل له الحرمة والان كما كان. ففيه ان عدم جعل الحرمة لهذا – أي الموجود – معلوم لايحتاج الى الاستصحاب، فان الحكم لم يجعل على الفرد الموجود جزما، ولاشك في ذلك حتى يستصحب، لكن عدم جعل الحرمة للموجود لاينفي عدم فردية الموجود للموضوع وعدم انطباق المجعول على الموجود. والصحيح ان هذا الاستصحاب ايضا لايفيد وان بنى عليه السيد الاستاذ – مد ظله – وقال بأنه يجوز الصلاة في المشكوك من جهة تنقيح موضوعه باستصحاب عدم الحرمة.
ثم انه على تقدير جريان الاستصحاب لا فرق فيه بين القول بالشرطية والمانعية، فانه كما يمكن استصحاب عدم الحرمة بناء على المانعية يمكن استصحاب الاباحة بناء على الشرطية أيضا، هذا مضافا الى امكان استصحاب عدم مانعية هذا اللباس للصلاة، بناء على القول بأنه كما ان جعل الاحكام الاستقلالية تدريجي جعل الأحكام الضمنية أيضا كذلك، فانه يقال ان هذا اللبس لم يكن مانعا للصلاة في زمان هذا الشرع والان كما كان، ولا يجري هذا الاستصحاب بناء على الشرطية، كما هو ظاهر.
هذا ما تم به السيد الاستاذ – مد ظله – كلامه في هذا الاستصحاب وبنى عليه. ولكنك خبير بأنه اذا وصلت النوبة الى استصحاب عدم المانعية تكفي لاثبات جواز الصلاة في المشكوك نفس أدلة البراءة حتى في الشبهة الموضوعية بلا حاجة الى الاستصحاب حتى يرد عليه بان عدم مانعية الموجود غير متيقنة سابقا وعدم المانعية بنحو القانون لايثبت فردية الموجود لموضوعها وترتبها عليه. والصحيح جواز الصلاة في المشكوك فان مانعية المشكوك او شرطية غيره مشكوك، والأصل البراءة، ولا نحتاج الى اثبات أي أمر اخر حتى يقال بأنها مثبتة، فان ما تمت الحجة عليه وهو أصل الصلاة قد أتى بها وما احتمل دخله فيها لم تقم حجة عليه ومرفوع وهذا معنى صحة الصلاة المأتي بها، ونتعرض لذلك ان شاء الله فيما سيأتي.
ثم ان السيد الاستاذ – مدل ظله أفاد فرعا في المقام لايجري عليه استصحاب الحرمة الذي جرى بنظره على الفرع السابق، وتمسك فيه باستصحاب العدم الأزلي وصرف عنان كلامه فيه. ونحن أيضا نتبع ما افاده لنرى أنه هل يمكن المساعدة لما بنى عليه أو لا؟.
قال: ولا يخفى ان الاستصحاب المذكور انما يتم فيما اذا علم بكون اللباس من اجزاء الحيوان، فلو تردد أمره بين كونه من محرم الأكل او من القطن مثلا لايجري استصحاب عدم الحرمة، فلابد لاثبات الجواز من التمسك بأصل موضوعي اخر وهو أصالة عدم جزئية هذا اللباس للحيوان المحرم اكل لحمه، وهل هذا الاستصحاب حجة أم لا؟ مبني على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية وعدمه.
ثم قال: ولا بأس بصرف عنان الكلام في ذلك فنقول: يقع الكلام اولا في عدة امور:
الأول: ان موضوع الحكم – الأعم من المتعلق – قد يكون بسيطا وقد يكون مركبا من أمرين او عدة امور، أما (الأول) فلا اشكال في جريان الاستصحاب فيه اذا تم فيه أركانه. واما (الثاني) فجريان الاستصحاب في نفس المركب عند تمامية الأركان فيه أيضا كذلك، واما لو فرضنا حصول العلم ببعض أجزائه – الأعم من الشرائط – والشك في الباقي فهل يمكن اجراء الأصل في المشكوك فيه واحراز الموضوع بضم الوجدان الى الأصل أم لا؟ المشهور والمعروف امكان ذلك، وقد يقال ان الأصل الجاري في الجزء المشكوك فيه معارض بأصالة عدم حصول المركب عند فقدان ذلك الجزء. لكنه فاسد جزما لأن موضوع الحكم لو كان العنوان المأخوذ من الأجزاء بحيث تكون الأجزاء محصلا له، فمع أنه خارج عن الفرض – فان الكلام فيما اذا كان الموضوع مركبا لا بسيطا – لايجريالأصل في الجزء المشكوك فيه لعدم ترتب اثر عليه فضلا عن وقوع المعارضة بين الأصلين. ولو كان الموضوع ذوات الاجزاء بأسرها فاصالة عدم المركب لامعنى لها، فان المركب محرز على الفرض بضم الوجدان الى الأصل، فالأصلان لا يجريان في مورد واحد حتىتقع المعارضة بينهما.
وقد ذكر المرحوم النائيني –قدسسره – في مقام الجواب عن الشبهة بأن الأصل الجاري في الجزء حاكم على الأصل الجاري في المركب حكومة الأصل الجاري في السبب على الأصل الجاري في مسببه. ولايتم ماذكره بوجه، فان السببية وان كانت صحيحة الا نها غير شرعية ومعه لاحكومة الا بناء على جريان الاصول المثبتة، ولا نقول به.
اقول: لو كانت بين الجزء والمركب سببية شرعية كالطهارة والصلاة فما ذكره النائيني هو الصحيح، والا فلا يمكن تصديق السيد الاستاذ بما ذكره من ان اصالة عدم المركب لا معنى لها مع جريان الأصل في الجزء، فان هذا الأصل الجاري في الجزء ليس بمفروض الوجود حتى يقال بعدم وجود المعنى للأصل في المركب مع هذا الاصل، بل الأصلان في مرتبة واحدة ولايلزم ان يكون جريانهما في مورد واحد حتى تقع المعارضة بينهما، بل نفس العلم بعدم جريان احد الأصلين كاف في وقوع المعارضة بينهما، فتدبر جيدا. نعم أصالة عدم المركب غير جارية في نفسه لعدم ترتب اثر شرعي عليها فتبقىالأصل الجاري في الجزء بلا معارض.
ثم قال: هذا اذا كان الموضوع مركبا من جوهرين او عرضين او جوهر وعرض قائم بغير ذلك الجوهر، مثال الأول وجود الاخوة في حجب الام، ومثال الثاني كالطهارة والصلاة، ومثال الثالث كوجود الوارث وموت المورث. واما لو كان الموضوع مركبا من جوهر وعرضه القائم به فهل يجري الأصل في ذلك ام لا؟ فليعلم ان تركب الموضوع من العرض ومحله لايمكن الا اذا اخذ العرض ناعتا في محله، أي كون المأخوذ في الموضوع الا تصاف بكذا لا بما ذكره المرحوم النائيني –رحمهالله – من ان انقسام المعروض كزيد مثلاباتصافه بالعرض كالقيام وعدمه يقدم على انقسام العرض بكونه قائما بالمعروض وعدمه، فلابد من اخذ الاتصاف في المعروض، والا فيقع التهافت بين اطلاق المحل وثبوت العرض له او تقديم انقسام العرض على انقسام معروضه لان المعروض لايخلو أمره عن التقييد بالاتصاف وهو المطلوب او الاطلاق فيقع التهافت، فان المفروض اخذ العرض القائم بمحله في الموضوع او عدمه فيقدم انقسام العرض على انقسام المعروض. فان ماذكره كلام لايرجع الى معنى صحيح، لان العرض ليس له وجودان وجود في نفسه ووجود في غيره بل له وجود واحد والاختلاف انما هو باللحاظ، فلو لوحظ قائما بالغير يقال له الاتصاف ولو لوحظ مستقلا يقال له العرض، فاتصاف المعروض بالعرض عين قيام العرض به فأين التقدم والتأخر؟ بل وجه ذلك ماذكرنا من ان وجود العرض في نفسه عين وجوده في غيره فلا يعقل أخذ العرض ومحله في الموضوع الا مع كون المحل متصفا بذلك، فانه لو كان العرض مع ذلك مطلقا لزم الخلف، فان المعروض ليس محلا لعرضه على اطلاق العرض، أي ولو كان ثابتا في غير ذلك المحل، وهذا ظاهر، واذا كان الأمر كذلك لا يمكن اجراء الأصل في الموضوع الا اذا كان الاتصاف او عدمه مسبوقا بحالة سابقة كاستصحاب كرية الماء او عدمها، واما مع عدم السبق بذلك لايمكن اثبات الاتصاف باستصحاب محمولي، فانه من الأصل المثبت، فلو شككنا في عمى زيد وعدمه أي
اتصافه بعدم البصر وعدمه مع عدم وجود حالة سابقة معلومة له كذلك لايمكن اثبات اتصافه بالعمى باستصحاب عدم البصر له فانه من المثبت.
الثاني: ان الموضوع او المتعلق في مقام الثبوت بالنسبة الى المولى الملتفت الى موضوع حكمه ومتعلقه لايخلو أمره – بالنظر الى كل خصوصية – من الاطلاق او التقييد بذلك، ولا يعقل الاهمال في هذا المقام لان هذه الخصوصية اما هي معتبرة في الموضوع او المتعلق أو لا، فالأول التقييد والثاني الاطلاق، واما في مقام الاثبات فيمكن الاهمال من جهة عدم كون المتكلم في مقام بيان اعتبار تلك الخصوصية في متعلق حكمه او موضوعه وعدم اعتبارها، وهذا ظاهر.
الثالث: كما ان تخصيص العام بالمتصل يوجب تعنونه بعنوان الخاص من جهة عدم انعقاد الظهور للكلام الا في ذلك كذلك تخصيصه بالمنفصل أيضا يوجب تعنونه بغير العنوان المأخوذ في المخصص لا من جهة هدم الظهور ولا كشف الخاص عن المستعمل فيه في لفظ العام، بل لأن حجية العام في مدلوله موقوف بعدم وجود حجة أقوى على خلافه، ومع وجود ذلك فحجية العام منحصرة بما وراء ذلك الخاص، فبما ان الاهمال في مقام الثبوت غير معقول نستكشف من التخصيص ان الجد في العام متحقق في غير مورد التخصيص، والارادة الجدية في مقام تعلق الحكم – لا في مقام الاستعمال – متعلق بغير ذلك المورد.
الرابع: ذكرنا ان موضوع الحكم أو متعلقه لو كان مركبا من العرض ومحله لابد من ان يؤخذ العرض ناعتا، فان وجود العرض في نفسه عين وجوده لغيره هذا اذا كان التركيب من الذات ووجود العرض، واما اذا كان منه ومن عدم
عرضه القائم به فلا، لان القضية السالبة لايحتاج الى وجود الموضوع بل لا يعقل الربط بين العدم والشيء، فان العدم بطلان محض، فلو اخذ ناعتا كما في القضايا المعدولة لايؤخذ بنفسه ناعتا بل يؤخذ عنوان وجودي مقارن له كذلك كالعمى مثلا المقارن لعدم البصر، ومن المعلوم ان هذا خلاف الظاهر من أخذ عنوان العدم في الموضوع، فطبع أخذ العدم في الموضوع يقتضي أخذه محمولا على نحو سلب الربط وسالبة محصلة لا أخذه ناعتا على نحو ربط السلب وموجبة معدولة، وبهذا يظهر عدم تمامية جملة مما ذكره المرحوم النائيني –رحمهالله – في هذا المقام فراجع كلامه – أعلى الله مقامه –.
وقد ظهر بما ذكرنا انه فيما اذا كان الموضوع مركبا من الذات وعدم اتصافه بالعرض يجري استصحاب عدم الاتصاف ويلتئم الموضوع بصم الوجدان الى الأصل، فانه كما ان الذات مسبوق بالعدم كذلك اتصافه بالعرض ايضا مسبوق بالعدم، فأركان الاستصحاب تامة، بخلاف ما لو اخذ العدم فيه على النحو الناعتية، فلا يجري الاستصحاب فيه اذا كان لنفس الاتصاف بالعدم حالة سابقة، والا فلا يجري الاستصحاب فيه ولايمكن اثباته بجريان الاستصحاب في العدم المحمولي، كما لايخفى، هذا.
وقد فصل بعض الأعاظم بين ما لو كان موضوع الحكم المركب من العرض ومحله على النحو المركبات الناقصة التقييدية كزيد العالم فيجري الاستصحاب عند الشك فيه لو كان مسبوقا بالوجود أو في عدمه لو كان مسبوقا بالعدم، بخلاف ما لو كان من قبيل الجمل الخبرية التامة التي يؤخذ الموضوع فيها مفروض الوجود كزيد الذي هو عالم فلا يجري الاستصحاب في عدمه وان كان يجري في وجوده لو كانت له حالة سابقة، فان عدم البديل للشيء في مرتبة نفسه، فكما أخذ الموضوع المفروض الوجود بالنسبة الى وجود العرض لابد من أخذه كذلك بالنسبة الى عدم ذلك أيضا، فلايمكن جريان استصحاب العدم
حينئذ لعدم العلم بسبق عدم العرض مع كون الموضوع مفروض الوجود.
ولكن لايتم شيء مما افاده –قدسسره – أمّا في المركبات التقييدية فهي وان كان الامر فيها كما ذكره من امكان جريان الاستصحاب الا انها خارجة عن محلّ الكلام، فان محل الكلام ما اذا اخذ العدم في الموضوع نعتا او محمولا لا إخذ عنوان وجودي كذلك فانه لا إشكال حينئذ في جريان الاستصحاب فيه اذا كان مسبوقا بحالة سابقة. واما في الجمل الخبرية فما ذكره من ان عدم البديل للشيء في مرتبة نفس الشيء لايتم، لان نقيض وجود الخاص عدم الخاص لا العدم الخاص، أي نقيض عدالة زيد ولو اخذ ناعتيا عدم اتصاف زيد بها لا اتصاف زيد بالعدم، والمفروض ان عدم النعت امر أزلي له حالة سابقة يجري فيه الاستصحاب.
والحاصل: انه لو اخذ الموضوع مركبا من الذات وعدم اتصافه بالوصف يمكن اجراء الاستصحاب في العدم، ويلتئم الموضوع حينئذ بضم الوجدان الى الأصل، بخلاف ما لو اخذ مركبا من الذات واتصافه بالعدم أو أتصافه بعرضه – كما هو قضية الأخذ مركبا من العرض ومحله – فلايمكن اجراء الاستصحاب الا اذا كان لنفس الاتصاف او لعدمه حالة سابقة، ولايمكن اثبات الاتصاف بالعدم باستصحاب عدم الاتصاف لكونه مثبتا، فيمكن اجراء استصحاب عدم قرشية
المرأة اذا اخذ الموضوع مركبا من المرأة وعدم انتسابها الى قريش، بخلاف ما اذا اخذ مركبا منها ومن اتصافها بعدم القرشية او كونها غير قرشية فلا يجري الاستصحاب حينئذ لانعتا ولا محمولا.
ففي محل كلامنا – وهو اللباس المشكوك فيه – يمكن اجراء استصحاب عدم كونه من غير المأكول لالتئام الموضوع بضم الوجدان وهو اللباس والأصل وهو عدم كونه كذلك بناء على مانعية لبس غير المأكول للصلاة، واما بناء على الشرطية والقول باشتراط وقوع الصلاة في اللباس الغير المأخوذ من غير المأكول
فلا، فان استصحاب عدم كون اللباس من غير المأكول لا يثبت به وقوع الصلاة في غير المأخوذ من غير المأكول، وحيث انا استفدنا من الروايات المانعية فيجري الاستصحاب بلا اشكال. هذا ما استفدنا من كلام السيد الاستاذ – دام ظله – في الدرس ونقلناه بطوله.
ولنا كلام اخر من سيدنا الاستاذ المحقق – مد ظله – استفدناه من الدرس ايضا ننقله في هذا المقام، ويستفاد منه عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية حتى بنحو استصحاب عدم الاتصاف، وعليه استصحاب عدم انتساب المرأة الى قريش او استصحاب عدم اتصاف اللباس بكونه من غير المأكول أيضا لا يجريان. والحق معه – مد ظله – فلاحظ ما ننقله من كلامه تعرف حقيقة مرامه ان شاء الله.
قال في بيان أدلة لزوم المعاطاة ونقلنا عنه في التقريرات ولم يتعرض هو – دام ظله – عن ذلك في كتابه (كتاب البيع): ولا بأس بجر الكلام الى استصحاب عدم تأثير الفسخ وملاحظة الحال في الاعدام الأزلية، وهل يجري الاستصحاب فيها ام لا؟ وقبل الورود في ذلك لابد من ملاحظة وضع القضايا السالبة لتوقفه عليه، ونبين القضايا الحملية الموجبة أولا استطرادا لما فيها من الفائدة.
فاعلم ان المعروف بين المحققين – خلفا عن سلف – ان القضية مركبة من الموضوع والمحمول والنسبة، لكن لما تفحصنا عن ذلك وفتشنا القضايا على اختلافها حملا ومحمولا ايجابا وسلبا ما وجدنا لا في الخارج ولا في القضية المعقولة ولا في الملفوظة مايكون نسبة بين المحمول والموضوع الا في القضايا الموجبة التي لوحظ فيها النسبة بين الأمرين وسميناها بالقضايا الحملية المؤولة نحو: زيد في الدار وعمرو علىالسطح وغير ذلك، بلا فرق بين الخارج والمعقولة والملفوظة، ولذلك يعبر عن تلك النسبة في هذه القضايا بحرف من الحروف.
والدليل على ما ادعينا من ان القضايا الحملية الحقيقية فاقدة للنسبة ان طرفيها متحدان في الخارج بالضرورة بل الحمل حقيقة عبارة عن الهوهوية والاتحاد، والنسبة لا يعقل قيامها الا بالمنتسبين، فمع فرض الاتحاد خارجا والحكم بالهوهوية كيف يعقل وجود النسبة خارجا؟ بل ليس في الخارج الا شيء واحد منتزع منه عنوانان احدهما موضوع والاخر محمول، والحمل في طرف المباينة من النسبة لما ذكرنا من ان النسبة قائمة بالمنتسبين والحمل عبارة عن الهوهوية. فالقول بوجود النسبة في القضايا الحملية خارجا خلف ومناقضة، ولذلك ترى انه في امثال هذا التركيب من القضايا: زيد زيد، الوجود موجود، الله – جل جلاله – موجود او عالم، زيد موجود، لايعقل وجود النسبة بين عقديها في الخارج، فان الالتزام به التزام بمغايرة الشيء ونفسه والتزام بأصالة الماهية والتزام بزيادة الصفات عن الباري والشرك تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فليكن الأمر في الهليات المركبة مثل زيد قائم كذلك ايضا بعين البيان، هذا بحسب الخارج.
واما المعقولة والملفوظة فهما حاكيان عن الخارج فوجود النسبة فيهما دون الخارج مستلزم لعدم تطابق الحاكي والمحكي، وهذا كبطلانه ظاهر.
وبعبار اخرى: ان الحاجة الى تفهيم الواقعيات وتفهمهما اقتضت وضع الألفاظ لمداليلها، فلابد من ملاحظة الواقع وما هو المتكلم بصدد بيانه، ففي مثل القيام لزيد الواقع هو الربط بين العرض الجوهر القائم به، فهنا عارض ومعروض وعروض، كل منها مدلول لدال لفظي، وحيث ان هذا المقدار غير كاف للدلالة على تصديق المتكلم بالربط، ولذلك ترى عدم دلالة موضوع هذه الجملة (القيام لزيد ثابت) على ذلك وضعت الهيئة للدلالة عليه ونسميه بالدلالة التصديقية، فهنا نسبة وطرفاها والتصديق بثبوتها لها ولكل منها دال وليس في البين حمل الا بالتأويل والاستمداد من كون الرابط، وفي مثل زيد موجود أو الله موجود أو عالم الواقع ليس الا الاتحاد بين العنوانين المنتزعين او المدركين، فلو اريد من ذلك زيد له الوجود او الله – جل جلاله – له الوجود او له العلم فهي خلاف الواقع وخلاف ما كان المتكلم بصدد بيانه، مع انه يلزم من الأول زيادة الوجود عن الماهية وأصالتها كالوجود، ومن الثاني ان يكون الباري – جل اسمه – معروضا لعوارض قد برهن فساد كل منها في محله، وهكذا الحال في الحمل الأولي الذاتي كحمل الحد على المحدود وما كان كذلك من الحمل الشائع كحمل الذاتيات على الشيء.
واما في موارد الهليات المركبة كزيد قائم فالأمر أيضا كذلك وان لم يلزم منه تلك الاستحالات، فان الواقع هو الاتحاد لا الربط بين الموضوع والمحمول والمتكلم في مقام بيان هذا الاتحاد والهوهوية، فلو اخذت النسبة بينهما في الملفوظة تكون خلاف الواقع، ففي هذا القسم من الحمل الذي هو الحمل الحقيقي موضوع ومحمول ولكل منهما دال والهيئة دالة على الهوهوية التصديقية، وفي مثل زيد القائم الهيئة دالة على الهوهوية التصورية.
أقول: تتميما لما استفدته مما افاده – مد ظله –: ان الهيئة غير دالة الا على التصديق بمفاد الجملة وهي مشتركة بين جميع ما افيد من القضايا ويعبر عنها بـ«أست» بالفارسية، كما انها موجودة في القضايا السالبة ايضا مع انه لا هوهوية فيها، واما الاتحاد والهوهوية فيفهم من مقام الحمل الذي موجود في زيد القائم ايضا، فهنا دوال أربعة: زيد، والقائم، والحمل، والهيئة، وهذا بخلاف القسم الاول، فان الحمل غير موجود هناك بل الموجود فيه الربط والنسبة.
فتحصل ان في القسم الاول منسوب ومنسوب اليه والنسبة والتصديق بها، وفي القسم الثاني محمول وموضوع والحمل والتصديق به، ولذا الأنسب تسمية القضايا في القسم الأول بالقضايا النسبية، وفي القسم الثاني بالقضايا
الحملية، ولو قيل بان الحمل أيضا قسم من النسبة وهي النسبة الاتحادية فانها تدل على اتحاد العنوانين المتغايرين بحسب المفهوم خارجا لم يكن به بأس، والجهات في القضايا الموجهة كزيد كاتب بالامكان راجع الى هذا المعنى من النسبة والشك والظن والقطع متعلق بها أيضا، ولعل القوم ايضا ارادوا بالنسبة ذلك فيصبح النزاع لفظيا. وعلى أي تقدير لابد من التفصيل المذكور الذي افاده – مد ظله – فان القسم الأول مما افاد لا حمل فيه الا مؤولا والأمر ظاهر.
وهنا نكتة لا بأس بالتنبيه بها وهي ان المحكي بالقضية ليس هو الخارج او الواقع، فانه قد لا يكون للقضية واقع اصلا بل في نفس القضية يحكم بعدم الواقع كالقضايا السالبة والموجبة المعدولة، المحمول، بل المحكي بها هي المفاهيم فمحكي زيد مفهومه كما ان محكي شريك الباري أيضا مفهومه، لا اريد من المهفوم الموجود الذهني بل اريد منه ماهو منسلخ عنه قابل للانطباق عليه الذي قد يعبرون عنه بالماهية، ولذا يقال ان الالفاظ موضوعة للمفاهيم والوجود الخارجي او الذهني غير دخيلين في الموضوع له، فزيد قائم قضية مركبة مما دل على مفهوم زيد وهو الموضوع ومادل على مفهوم القائم وهو المحمول، ومما دل على اتحادهما وهو الحمل ومادل على التصديق بالحمل وهي الهيئة.
واما خصوصية الخارجية فيفهم من المقام بمعنى انه مع امكان تطبيق اجزاء القضية على الخارج ووجود المصداق لها خارجا العقلاء يفهمون من القضية الاتحاد الخارجي والا فلا يفهمون منها الا مجرد المفهوم. وقد ظهر ان معنى قضية شريك الباري ممتنع مثلا اتحاد مفهوم شريك الباري والممتنع. وبهذا ايضا يمكن تصوير النسبة الاتحادية، فان المفهومين المحكيين متغايران، فليتدبر.
ثم قال – مد ظله – هذا حال القضايا الموجبة، وأما السوالب فلا نسبة في شيء منها، اما في الهليات البسيطة كزيد ليس بموجود والقضايا السالبة المحصلة
السالبة الموضوع كالعنقاء ليس بأبيض فلا واقع لشيء من طرفيها أصلا ففضلا عن النسبة بينهما، بل مفادها سلب تحقق الشيء في الأول وسلب الوصف من باب سلب الموصوف في الثاني، ففرض وجود النسبة واقعا خلاف الواقع بل خلف.
واما في الهليات المركبة كزيد ليس بقائم والقضايا الحملية المؤولة كزيد على السطح فسالبتها يمكن بوجهين (احدهما) ان تكون من باب سلب الموضوع وقد ذكر حاله. (وثانيهما) ان تكون سالبة محققة الموضوع. ففي ذلك لا واقع لاجزاء القضية الا لموضوعها، واما المحمول او النسبة فلا، وفرض وجودهما – مضافا الى انه خلاف الواقع – خلف، ولايتوهم ان السلب أيضا نسبة، فان السلب نفي الهوهوية في الأول ونفي النسبة في الثاني، فكيف يعقل أنها نسبة؟ مضافا الى ان النسبة قائمة بالمنتسبين والمفروض انتفاء احدهما، بل لو فرض وجودهما تنقلب السالبة موجبة، هذا حال القضية الواقعية.
واما المعقولة والملفوظة فقد عرفت لزوم تطابقهما والواقع، فلايمكن اشتمالهما على النسبة، واما الطرفان فيهما وان كان لا واقع لشيء منهما في الهليات البسيطة والسوالب السالبة الموضوع ولا واقع لاحدهما في السوالب المحققة الموضوع لكنهما مدركان في المعقولة ولمفوظات في اللفظية لا للحكاية عن وجودهما خارجا بل لتعلق السلب بهما للحكاية عن عدم التحقق خارجا موضوعا ومحمولا فقط في الثاني.
اقول: قد عرفت – مما ذكرنا سابقا – وجود الحكاية هنا أيضا، فان المحكي هو المفهوم مع قطع النظر عن الوجود والسلب أيضا متعلق بذلك، وسلب التحقق خارجا أو سلب الهوهوية في الخارج او سلب النسبة في الخارج يعلم من المقام بالمعنى المتقدم. نعم لا ينبغي الاشكال في عدم اشتمال السالبة للنسبة، فان نفي النسبة او الهوهوية في طرف المباينة للنسبة فلا يعقل كونها
نسبة، الا ان يقال ان سلب مفهوم عن مفهوم ايضا نسبة كالاتحاد بينهما. لكن هذا مجرد تعبير لا واقع له والقياس مع الفارق، كمالايخفى.
ثم قال – مد ظله –: والحاصل ان الموجبة على قسمين: (الأول) ماكان مفادها الحمل والهوهوية. (والثاني) ما كان مفادها النسبة بين العرض ونحوه ومحله. والسالبة على قسمين: (الأول) ما كان مفادها سلب الهوهوية. (والثاني) ماكان مفادها سلب النسبة، وشيء من هذه القضايا غير مشتمل على النسبة الا القسم الثاني من الموجبات.
واما القضايا الموجبة المعدولة أيضا حكمها حكم الموجبات فان المعتبر من القضايا المعدولة ما كان المنفي فيها من باب العدم والملكة فلا يقال للجدار انه لا بصير، ولو اريد هذا المفاد يلقى بالسالبة التحصيلية أي الجدار ليس له البصر، فعلى ذلك ان له حظا من الوجود فيمكن جعلها محمولا للقضية الحملية او موضوعا لها او طرفا للنسبة في الحملية المؤولة. فقد علم ان وضع الحكاية في الموجبات تختلف وضعها في السوالب، وفي الأول الحكاية عن امر واقع في نفس الأمر بخلاف الثاني فإن الحكاية فيه عن عدم التحقق في الواقع ونفس الأمر.
وبهذا ظهر ان مناط الصدق في القضايا الموجبة والسالبة هو موافقة القضية وصفحة الوجود، لكن تختلف الموجبة عن السالبة بأن المحكي في الأول امر له واقع في صفحة الكون وباعتبار توافقه مع ذلك الواقع وعدمه يتصف بالصدق والكذب بخلاف الثاني، فان المفروض انه لا واقع له في صفحة الكون وباعتبار توافقه مع ذلك وعدمه أي خلو صفحة الوجود عنه وعدمه يتصف بهما، هذا حال القضايا.
فلنرجع الى ما كنا بصدد بانه – وهو جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية كاستصحاب عدم قرشية المرأة للحكم بعدم تحيضها بعد خمسين – فنقول: ان موضوع الحكم الذي هو المستصحب يتصور على انحاء ثلاثة:
١– المرأة المتصفة بغير القرشية بحيث تكون القضية المتشكلة عن ذلك قضية ايجابية معدولة المحمول وهي المرأة غير القرشية.
٢ – المرأة التي ليست بقرشية بحيث تكون القضية المتشكلة عن ذلك قضية ايجابية سالبةالمحمول وهي المرأة هي التي ليست بقرشية.
٣ – من لم تكن قرشية بحيث تكون القضية المتشكلة عن ذلك قضية سالبة محصلة وهي المرأة ليست بقرشية. وهذا الأخير يتصور على انحاء ثلاثة أيضا:
١– سالبة تحصيلية مع فرض وجود الموضوع
٢ – سالبة تحصيلية بسلب الموضوع.
٣ – سالبة تحصيلية أعم منها.
ومن الظاهر ان الأخيرين لايكونان موضوعا للحكم، فان الحكم مترتب على المرأة مع رؤيتها الدم، فانحصرت المحتملات على انحاء ثلاثة، اما الأولان فعدم جريان الاستصحاب فيها ظاهر لفقد الحالة السابقة فيها، فأي زمان كان وكانت المرأة غير قرشية او التي ليست بقرشية حتى يحكم ببقاء ذلك؟ واي زمان كان وكانت غير القرشية موجودة يقينا حتى يستصحب؟ واما الأخير وهو السالبة مع وجود الموضوع فأيضا لايجري فيه الاستصحاب، وذلك لان القضية المتيقنة ليست سالبة مع وجود الموضوع فانه أي زمان كانت المرأة موجودة ولم تكن قرشية؟ بل هي سالبة بسلب الموضوع والقضية المشكوكة سالبة مع فرض وجود الموضوع، فالقضيتان متغايرتان فلا يجري فيهما الاستصحاب. ولو قيل بجريان استصحاب الأعم لايمكن اثبات الأخص الا على القول بالأصل المثبت، فالاستصحاب في هذا القسم اما غير جار او مثبت.
أقول: قد يتوهم ان هذا لو كانت القضية المتيقنة قضية سلبية بسلب الموضوع وهي المرأة لم تكن بقرشية والمفروض انها لم تكن فلم تكن قرشية، لكن اذا شكلنا قضية سالبة موضوعها المرأة الموجودة بالفعل فتتحد القضيتان.
والحاصل انه لا فاصل بين الوجود والعدم، فلو لم يمكننا ان نقول هذه المرأة الموجودة كانت متّصفة بالقرشية فلا محالة يصح لنا ان نقول هذه المرأة الموجودة بالفعل لم تكن قرشية سابقا فالان أيضا ليست بقرشية.
ولا يتوهم ان عدم كون هذه المرأة قرشي سابقا من باب عدم الموضوع فان هذا هو منشأ السلب والا فأركان الاستصحاب تامة على ما ذكرنا. ولكن هذا غفلة عن دقيقة وهي ان القضية المتيقنة فيما ذكر وهي ان المرأة الموجودة بالفعل لم تكن قرشية سابقا أي قبل وجوده ليس بقضية سالبة تحصيلية بل هي قضية موجبة سالبة المحمول، بخلاف القضية المشكوكة فانها سالبة تحصيلية مع فرض وجود الموضوع فاختلفت القضيتان، فلا يجري الاستصحاب على هذا التوهم أيضا.
هذا ما استفدناه من كلام سيدنا الاستاذ المحقق – مد ظله – ولايحتاج الى أي توضيح وبيان واقامة دليل وبرهان، فإن الشمس بازغة بالعين والبصر.
وظهر مما افاده – مد ظله – عدم جريان الاستصحاب في المسألة المبحوث عنها – وهي مسألة الصلاة في اللباس المشكوك – فان ظاهر الدليل ان اللباس المفروض الوجود اذا كان من الحيوان المحرم اكل لحمه موجب لبطلان الصلاة، واذا لم يكن كذلك لايوجب البطلان فلا يجري الاستصحاب مع هذه الحالة، فان القضية المتيقنة في استصحاب عدم كون الحيوان من غير المأكول سالبة بسلب الموضوع او اعم، والقضية المشكوك فيها سالبة مع وجود الموضوع فلا يمكن الحكم بصحة الصلاة بجريان هذا الاستصحاب على انحاء تصوراته، وقد مر بيانها.
وحينئذ لو استظهرنا من الأدلة ان اعتبار عدم لبس غير المأكول راجع الى اللباس فالمرجع هو البراءة او الاشتغال على كلام يأتي ان شاء الله. ولو استظهر منها ان الاعتبار راجع الى الصلاة فلابد من التفصيل بين اللبس في الأثناء
واللبس من الأول، فعلى الأول يجري استصحاب عدم كون الصلاة مقارنا للبس غير المأكول وعلى الثاني فلا يجري الاستصحاب الا اذا بنينا على جريان الاستصحاب التعليقي، بان يقال هذه الصلاة لو كانت واقعة قبل ذلك لم تكن مقارنة للبس غير المأكول والان أيضا كذلك، والا فالمرجع هو البراءة او الاشتغال أيضا على الكلام الاتي.
ولو استظهرنا من الأدلة رجوع الاعتبار الى المصلي فيمكننا استصحاب عدم كون المصلي لابسا لغير المأكول ووجهه ظاهر. وحيث انه ظهر في المقدمات ان المستفاد من الأدلة ذلك أي رجوع الاعتبار الى المصلي فيجري الاستصحاب ويحرز به صحة الصلاة لوجود شرائطها وتمامية اجزائها وفقد موانعها ولو بالأصل.
ثم لو قلنا بان الاعتبار راجع الى الصلاة فهل يجري الاستصحاب التعليقي لاثبات عدم اقترانها بلبس غير المأكول لو كان اللبس من الأول ام لا؟ ذكر المرحوم النائيني –رحمهالله – ان الاستصحاب التعليقي غير جار في الاحكام فضلا عن الموضوعات، ومع تسلي الجريان ففي المقام لايجري لتبدل الموضوع نظير استصحاب الحرمة على تقدير الغليان الثابت لماء العنب بالنسبة الىالزبيب المغلي في الماء الخارج.
وقال سيدنا الاستاذ – مد ظله –: ان ما ذكره من منع الاستصحاب التعليقي في الاحكام هو الصحيح فان الحكم في مقام الجعل متيقن لاشك فيه وفي مرحلة المجعول غير متحقق سابقا، نعم لو كان الغليان متحققا سابقا كانت الحرمة متحققة، الا ان هذا ليس بحكم شرعي، بل ليس
الا الملازمة بين مقارنة احد جزأي الموضوع وجزئه الاخر وبين الحكم، وهذا امر عقلي لاحكم شرعي، كما ان ماذكره من منع الاستصحاب التعليقي في الموضوعات حتى مع البناء على جريانه في الأحكام ايضا متين، ووجهه ان الأثر الشرعي يترتب
على الوجود الحقيقي لا التقديري، فمع عدم وجود الموضوع سابقا الا تقديرا لا اثر للمستصحب، واثبات اثر الوجود الحقيقي باستصحاب الوجود التقديري مثبت، ففي مقامنا وقوع الصلاة في غير المأكول وصحتها من اثار الوجود الحقيقي للصلاة لا التقديري، فلو قيل هذه الصلاة لو وقعت سابقا لكانت واقعة في المأكول او لم تكن واقعة في غير المأكول والان كما كان لم يثبت الا ترتب الاثر على الوجود التقديري واما الحقيقي فلا، وايضا ما ذكره من ان الموضوع في مثال العصير متبدل صحيح، لان الموضوع هو غليان عصير العنب لا غليان امر اخر، والمفروض ان الزبيب لا ماء له فلا عصير والغليان انما يعرض الماء الخارجي حينئذ، ولا نريد من تبدل الموضوع مغايرة العنب والزبيب فانهما امر واحد، وانما الاشكال في ما ذكره من ان المقام ايضا من هذا القبيل، فان الموضوع للصحة فيه هو طبيعي الصلاة، والطبيعي لو وجد سابقا لم يكن واقعا في غير المأكول وكان صحيحا والان كما كان فالموضوع غير متبدل، فوجه عدم جريان الاستصحاب فيه – ولو سلم جريانه في الاحكام – ما مر من ان الاثر غير مترتب على الوجود التقديري.
أقول: اما ما ذكره من الحرمة المتحققة سابقا على تقدير الغليان ليس بحكم شرعي بل ليس الا الملازمة بين مقارنة جزأي الموضوع وبين الحكم ففيه اشكال ظاهر، فان الملازمة امر والحكم على تفدير وجود الموضوع امر اخر والأول عقلي والثاني شرعي، كما لايخفى.
واما ما ذكره من ان الموضوع في مسألة العصير غليان عصير العنب لاغليان أمر اخر فهو وان كان صحيحا الا ان موضوع الاستصحاب غير موضوع الدليل، فلو اشرنا الى الزبيب المغلي وقلنا بان هذا اذا غلى سابقا يحرم والان كما كان ليس الموضوع الا هذا لا العصير.
نعم يمكن منع هذه القضية وانكار حرمة هذا على تقدير الغليان سابقا،
فان نتيجة قياس هذا كان عنبا، والعنب عصيره اذا غلى يحرم فهذا كان عصيره اذا غلى يحرم والان كما كان لكن بما انه لا عصير للزبيب لا تنطبق هذه النتيجة عليه، والمقصود مما ذكرنا التنبيه على انه يختلف موضوع الاستصحاب وموضوع الدليل. واما ماقال من عدم المغايرة بين الزبيب والعنب وانهما أمر واحد فليس عرفيا ولعله ظاهر.
ولا بأس بالتعرض لما افاده سيدنا الاستاذ المحقق – مد ظله – حول الاستصحاب التعليقي بمناسبة في المعاطاة نقلنا عنه في التقريرات، وما افاده نافع جدا فلي مسألتنا وغيرها، قال: قد يكون التعليق شرعيا وقد يكون عقليا، وفي الأول اما ان يكون المجعول الحكم المعلق على شيء، او سببية المعلق عليه الحكم، فعلى الأول لا مانع من جريان الاستصحاب في الحكم المعلق مع تمامية اركانه، وتوهم الاثبات ندفع بان وزان هذا الاستصحاب وزان الاستصحاب التنجيزي في الأحكام، فكما ان استصحاب الحكم التنجيزي لايكون مثبتا بعد تحقق موضوعه وينطبق الحكم المستصحب على ذلك الموضوع قهرا كذلك الاستصحاب التعليقي ايضا غير مثبت بعد تحقق المعلق عليه بل الانطباق هنا ايضا قهري، واما على الثاني والثالث فاستصحاب السببي والملازمة وان كان صحيحا في نفسه – لجعلهما –، الا ان ترتب المسبب وهو الحكم على السبب بعد تحققه امر عقلي لا يثبته الاستصحاب، وان شئت فطبق ماذكر على المثال المعروف في الباب وهو ان العصير العنبي اذا غلى ونش يحرم فانه بعد صيرورته زبيبا يجري فيه الاستصحاب على الأول ولايجري بناء على الأخيرين.
لايقال ان موضوع النص العنب والمفروض انه انقلب زبيبا فلا يجري الاستصحاب بناء على الأول ايضا ولو قيل بأنهما واحد فيشمله النص بلا حاجة الى الاستصحاب. فانه يقال ان موضوع النص وان كان منقلبا الا ان موضوع
الاستصحاب لم ينقلب، فان في ظرف اليقين بعد ضم كبرى تعليقية وهو النص الى صغرى وجدانية وهي «هذا عنب» يحصل ان هذا اذا غلى يحرم فموضوع الاستصحاب «هذا لاعنب» وهو باق في ظرف الشك. ولايتوهم اخذ عنوان عنب في هذا، فان موضوع الصغرى هذا لا هذا العنب والا لزم اخذ المحمول في الموضوع وهو مستحيل، هذا اذا كان التعليق شرعيا.
واما اذا كان عقليا كما اذا ورد ان العصير المغلي يحرم الراجع عند العقل الى تعليق وهو ان العصير اذا غلى يحرم، فوجه عدم جريان الاستصحاب حينئذ لاثبات الحكم ظاهر لاستلزامه الاثبات، فان موضوع الحكم وهو العصير المغلي لازم عقلي للحرمة التقديرية، ولا فرق فيما ذكرنا بين الاستصحاب في الاحكام كما مر والاستصحاب في الموضوعات، كالماء اذا بلغ حجمه كذا فهو كر او الماء البالغ أشبارا معلومة فهو كر المثال الأول للتعليق الشرعي والمثال الثاني للتعليق العقلي. هذا، وحيث ان في مسألتنا التعليق غير شرعي فلا يجري فيه الاستصحاب التعليقي، هذا تمام الكلام في التمسك بالاصول المحرزة.
واما الاصول غير المحرزة فهل المقام مجرى البراءة او الاشتغال؟ التحقيق الأول فانه من الشك في التكليف المردد بين الأقل والأكثر والمورد من قبيل الشك في التطبيق والشبهة في الموضوع الخارجي، وقد ثبت في الاصول ان الشبهات الموضوعية للتكليف المشكوك فيه مجرى البراءة كما ان المرجع في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين ايضا ذلك.
اما الأول فلأن تنجز التكليف متوقف على ضميمة كبرى شرعية الى صغرى وجدانية فمع احراز الصغرى مع الشك في الكبرى يرجع الى البراءة، كما انه مع احراز الكبرى والشك في الصغرى ايضا كذلك.
وبعبارة اخرى حيث ان القضايا المتكفلة لاثبات الاحكام الشرعية قضايا كلية وقانونية لايمكن احراز شمولها للمورد وتوجهها الى المكلف الا اذا كان
الانطباق معلوما، والا فالشك في الانطباق شك في ثبوت الحكم في المورد والمرجع البراءة، فالشك في مانعية اللباس المشكوك فيه عن الصلاة شك في انطباق ما جعل مانعا على المورد وهذا شك في الحكم والأصل البراءة، هذا بناء على استفادة المانعية من روايات الباب.
واما بناء على ما ذكره العلامة –قدسسره – من ان المجعول شرطية وقوع الصلاة واللباس المأخوذ من الحيوان المحلل أكل لحمه فلايمكن اجراء البراءة، فان الشك راجع الى الامتثال لا الانطباق. نعم لو كان اصل جاريا في الموضوع ولو استصحاب العدم الأزلي على القول به بحيث يحرز به وجود الشرط تصح الصلاة لاحراز شرطه بالأصل، والا فالمرجع الاشتغال.
واما الثاني فلأن العلم الاجمالي بوجوب الأقل لا بشرط او بشرط شيء وان لا ينحل حقيقة إلى العلم التفصيلي والشك البدوي الا انه ينحل حكما لعدم تعارض الأصل في الطرفين، فانه لا يجري أصالة البراءة عن الأقل لا بشرط بخلاف الأول بشرط شيء وهو الأكثر، فالأمر دائر بين السعة والضيق، والمرجع البراءة والتفصيل موكول الى محله.
والحمد لله رب العالمين.
الكلام في حديث الرفع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد واله الطاهرين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، واللعن على أعداء ال محمد اجمعين إلى يوم الدين.
روى المرحوم الشيخ الصدوق –رحمهالله – في الخصال بسند عن حريز عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسلم: رفع عن امتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لايعلمون، ومالايطيقون، وما اضطروا اليه، والحسد، والطيرة والتفكير في الوسوسة في الخلق مالم ينطبق بشفة(١) . هذه الرواية وصفوها بالصحيحة وفي سندها أحمد بن محمد بن يحيى ولم يوثق في الرجال. فلو بنينا على انجبارها باستناد المشهور اليها كما هو الصحيح خلافا لمبنى سيدنا الاستاذ – مد ظله – والا فلا يمكن الاعتماد عليها في مقام الافتاء بحكم شرعي.
____________________
(١) الخصال: ج٢، باب ٩، حديث٩. وجامع احاديث الشيعة: ج١، باب ٨ من ابواب المقدمات، حديث٣.
وهنا رواية اخرى دالة على رفع الستة(١) ذكرها سيدنا الاستاذ في المجلد الثالث من التنقيح في مسألة الاضطرار إلى شرب النجس ووصفها بالصحة، وعدل عن ذلك في الدورة الأخيرة في بحث الاصول وقال في سندها قطع لعدم تمامية السند بحسب طبقة الرواة. وكيف كان فيكفينا في صحة الرواية اشتهارها بين الاصحاب.
اصل: هل الرفع ظاهري او واقعي او هنا تفصيل بين ما لايعلمون وغيره؟ افاد سيدنا الاستاذ – دام ظله – ان الرفع في مالا يعلمون ظاهري وفي غيره واقعي. وما يمكن ان يقال في وجه ما افاده: أنه في مالايعلمون الرفع الواقعي مستلزم للتصويت. ولذا نحكم بالرفع الظاهري فيه، واما في غيره فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الرفع في الرفع واقعا. حينئذ ان رفع الاضطرار وما لايطابق والسهو بل الاكراه في بعض موارده عقلي والدليل ارشاد إلى ذلك. وهكذا يظهر من استاذنا المحقق – مد ظله – ان مقتضى حكومة دليل الرفع على الأدلة الواقعية اختصاص الحكم المجعول فيها بغير موارد هذه العناوين.
أقول: الظاهر ان حديث الرفع لايرفع الأحكام الواقعية، بل المستفاد منه العذر عند مخالفتها في الموارد المذكورة فيه ولنا قرائن على ذلك:
١ – كون الحديث امتنانية، والامتنان لا يقتضي رفع الحكم الواقعي، فلو اكره على الافطار في شهر رمضان وتحمل الضرر المتوعد به ولم يفطر لا منة في الحكم بطلان هذا الوصم وسقوط امره بالاكراه، بل المنة لايقتضي ازيد من جعل المكلف في عذر عند مخالفة الواقع.
٢ – ظاهر الدليل ان الرفع من جهة عروض عنوان ثانوي على الواقع الأولي وبما ان كل عنوان مأخوذ في دليل الحكم ظاهر في موضوعيته للحكم، فتكون
____________________
(١) جامع احاديث الشيعة، ج١، من ابواب المقدمات، حديث٣.
النتيجة ثبوت حكمين في المورد حكم اولي وحكم ثانوي، مثلا لو اكره على شرب الخمر فمن حيث انه شرب الخمر حرام ومن حيث انه مكره عليه مرفوع والجمع بين الأمرين يقتضي ثبوت الحكم الاوقعي وكون الرفع عذرا على المكلف لا تقييدا في الواقع.
٣ – لا يؤيد ذلك حكمهم بالتفصيل في مورد الاكراه على الافطار في شهر رمضان بأنه لو اكرهه عليه بحيث لم يصدق عليه عنوان الافطار العمدي لا يبطل الصوم والا يبطل، فان قضية عموم الرفع لو كان تقييدا في الأدلة، الصحة حتى في مورد الثاني، وهكذا حمهم بثبوت بعض الكفارات حتى في مورد الاكراه بل النسيان، فليراجع.
وأما ما افاده سيدنا الاستاذ – مد ظله – من انه لاموجب لرفع اليد عن ظهور الرفع في الرفع الواقعي ففيه (أولا) لابد له من الالتزام بالرفع الواقعي؟ في الشبهات الموضوعية ايضا، والقول باختصاص الحرمة بالمعلوم الخمرية مثلا بعين الدليل، والتصويب المستحيل او الباطل هو التصويب في الأحكام لا في الموضوعات. (وثانيا) قد عرفت ان الرفع الواقعي خلاف الظاهر بالوجوه المتقدمة.
وأما ما ذكرنا في وجه ما أفاده من ان العقل حاكم بما ذكر والحديث ارشاد إلى ذلك قلت: (اولا) لو كان الأمر كما ذكر لما صح الامتنان ولما كان ذلك مختصا بهذه الامة. (وثانيا) العقل غير حاكم بالرفع في مورد العجز عن غير اختيار وفي مورده ايضا لايحكم بالرفع واقعا بل يحكم بالمعذورية في مخالفة الواقع، واما في غير ذلك فلا مانع عقلا من وجوب تحمل الضرر في مورد الاكراه او الاضطرار وايجاب التحفظ في مورد النسيان لئلا يحصل. ووجوب الاتيان بما لايطاق فان عدم الطاقة غير العجز والاول بمعنى المشقةالشديدة التي يمكن طرو مرض او ضرر بل موت على المحتمل لهذه المشقة. والثاني لا
يمكن الايجاد في مورده. نعم الامتنان يقتضي جعل اللطيف المنان عباده في عذر عند طرو هذه العناوين.
ويؤيد ذك بل يؤكده ان العجز في مورده عذر عقلي لمخالفة التكليف الثابت، لا قيد في الأدلة الواقعية، ولايكون امر العناوين المذكورة اشد من العذر العقلي. فالصحيح ان الرفع في جميع العناوين المذكورة في الرواية عذري، بمعنى ان الحديث يرفع العناوين ادعاء، والمصحح لذلك عدم
الالزام في الاتيان بالواقع كيف كان فكأنه لم يكن واقع، والمكلف معذور من قبل الشارع في مخالفته. وان شئت قلت المصحح للرفع الادعائي في ما لايعلمون عدم ايجاب الاحتياط، وفي مورد النسيان عدم ايجاب التحفظ، وفي غيره عدم ايجاب الاهتمام بالامتثال، كيف كان وجامع ما ذكر ان حديث الرفع ناظر إلى جعل المكلف في العذر في مخالفة الواقع.
ففي الكلام ادعاءان (أحدهما) في اطلاق الرفع مع انه لم يرفع واقعا. (وثانيهما) تعلق الرفع بالعناوين مع انها غير قابلة للرفع، ويكفي ما ذكرنا في تصحيح كلا الادعاءين. ومن هنا ظهر ان المناسب للاستعمال كلمة الرفع لا الدفع، فلا تصل النوبة إلى تويجه هذا الاطلاق بما ذكروا ولاسيما المرحوم النائيني –قدسسره – مع ان فيه مافيه فلاحظ، ولا حاجة إلى ما افاده استاذنا المحقق – مد ظله – من ان الرفع بلحاظ شمول خطاب القانون للموارد وغير ذلك مما افادوا فيه.
ان قلت: جعل المكلف في العذر انما يتم في الأحكام التكليفية، واما الاحكام الوضعية فلا معنى لذلك فيه واطلاق الدليل يشمل كلا الحكمين، فلابد من الالتزام بالرفع واقعا ولو في الجملة.
قلت: الأحكام الوضعية على انحاء: (منها) ما هو مترتب على المعاملات بعد تحققها كالملكية والزوجية ونحو ذلك لا الصحة والفساد لعدم قابليتهما للجعل فانهما أمران انتزاعيان عقلا كما حقق في محله. (ومنها) ما هو مترتب على الذوات لا الأفعال بحيث تكون الافعال واسطة لثبوت الحكم الوضعي لموضوعه نظير نجاسة الملاقي للنجس او لا تكون الافعال دخيلة في ذلك كنجاسة الاعيان النجسة. ومن هذا النحو من الاحكام الوضعية جنابة الشخص عند عروض احد اسبابها او ضمان الشخص عند عروض سببه. (ومنها) ما هو مترتب على الافعال حتى في باب التكاليف وهو الشرطية والجزئية والمانعية. اما النحو الاول فخارج عن حديث الرفع بالكلية. اما في ما لا يعلمون فواضح لعدم التقييد في مورده قطعا. واما في الاضطرار إلى المعاملة فلا يصح التمسك برفع ما اضطروا اليه للحكم بفسادها لما في الرفع من خلاف المنة. واما في الاكراه اليها فلاعتبار الرضا والطيب المعاملي فيها، فدليل تنفيذها مقيد بنفسه بالرضا والطيب المنافي للاكراه، فلا تصل النوبة إلى حكومة دليل الرفع على أدلة التنفيذ.
واما ما أفاده سيدنا الاستاذ في مكاسبه من ان دليل الرفع واعتبار الرضا وارادن في مرتبة واحدة على الأدلة المطلقة او العاملة الدالة على تنفيذ المعاملات ففيه:
(اولا) دليل الرفع متكفل لبيان حكم ثانوي في طول الحكم الأولي كما هو ظاهر من لسان الرفع المتعلق بالعناوين، ودليل اعتبار الرضا يقيد ادلة التنفيذ بالنسبة إلى الحكم الأولي، فكيف يمكن القول بانهما في مرتبة واحدة؟.
(وثانيا) عمدة الدليل على تنفيذ المعاملات بناء العقلاء وسيرتهم فيها والمعتبر أنها عندهم ما كان عن رضا مالكه والادلة العامة كلها منصرفة إلى المعتبر عند العقلاء، فاذا ليس لنا عام أو مطلق يقيد بدليل الرضا، بل لا دليل على اعتبار الرضا في المعاملات غير ما ذكرنا. اما دليل عدم حلية مال الغير الا بطيبة نفس منه فغير ناظر إلى المعاملات، ودليل التجارة عن تراضي لامفهوم له فان القيد غالبي، وتمام الكلام في محله. فما أفاده بعض المحققين في حاشيته على المكاسب من ان حديث رفع الاكراه مختص بباب المعاملات، ورفع الاضطرار مختص بباب العبادات غير تام. واما سائر العناوين فما يمكن فرضها في المعاملات ليس الا الخطأ والنسيان، ومعهما لا مقتضي لترتب الاثر على المعاملة للاخلال بموضوعها بهما فان حديث الرفع دال على رفع الشيء لا اثباته. ورفع الشرطية والجزئية بالنسبة إلى ترتب الأثر لايمكن بالنسبة إلى ما هو شرط او جزء في الموضوع بنظر العقلاء لفقد الموضوع. واما بالنسبة إلى ما هو دخيل فيه شرعا ففي فرض نقص الشرط او الجزء فالمأتي به لا اثر له شرعا حتى يرفع وما هو موضوع للأثر لم يؤت به، وهكذا في فرض زيادة المانع ونفس رفع اعتبار الشرطية او الجزئية او المانعية لا يوجب اعتبار غيره تمام الموضوع للأثر، ولذا لم يفت فقيه بوقوع الطلاق بقوله أنت طلاق بدل انت طالق خطأ أو نسيانا، فتأمل، مع انه يمكن تصوير الرفع بمعنى العذر في ذلك كما لايخفى.
واما النحو الثاني فأيضا خارج عن حديث الرفع. اما بالنسبة إلى ما لايعلمون فواضح. واما بالنسبة إلى ما اضطراو اليه وما اكرهوا عليه والخطأ وما لايطيقون فلأن متعلقها الأفعال لا الذاوت، فما يمكن ان يرفع بها لاحكم له وما له حكم لم تتعلق به شيء من هذه العناوين. وأما بالنسيان فهو وان يمكن تعلقه بالذاوت او حكمها الا ان حكمه حكم مالايعلمون في الشبهات الموضوعية والحكمية فان ظاهرهما ثبوت الحكم الواقعي في موردهما وتعلق الجهل والنسيان به، فلا معنى للقول بتقييد الواقع بغيرها.
واما النحو الثالث فيمكن تصوير الرفع بمعنى العذر فيه مع كون ذلك ظاهر الدليل. والحديث لايساعد برفع الشرطية او الجزئية او المانعية في موردها واقعا على ما مر فلا ملزم للالتزام بالرفع واقعا في شيء من موارد امكان شمول الحديث لها.
أصل: لو اضطر المكلف إلى ترك جزء او شرط من المركب او ايجاد مانع في فرد او اكره على ذلك او نسى احدها فترك الأولان أو أوجد الأخير وهكذا في مورد الخطأ والجهل فهل يحكم بالاجزاء عند كشف الخلاف اولا؟ ظهر مما تقدم من ان الرفع في هذه الموارد عذري لا واقعي، ان مقتضى القاعدة عدم الاجزاء في شيء من هذه الموارد، فان قضية تقييد المطلقات بأدلة الاجزاء والشرائط والموانع الجزئية المطلقة او الشرطية المطلقة او المانعية المطلقة والعذر لاينافي ترك الاوقع فالمأمور به لم يؤت به والمأتي به فاقد للقيد المتبحر فيه فلا دليل على سقوط الأمر بذلك، ومن هنا يعلم انه لايمكن اثبات الاجزاء الا بدليل اخر غير حديث الرفع نظير لا تعاد(١) في الصلاة.
وقد افاد سيدنا الاستاذ – مدل ظله – من انه لابد من التفصيل بين مورد الجهل وغيره دليلا والقول بعدم الاجزاء في كليهما. اما موجه عدم الاجزاء في مورد الجهل من جهة ان الرفع في مورده ظاهري ولا دليل على الاجزاء في موارد الاوامر الظاهرية مع كشف الخلاف. واما وجه عدم الجزاء في غير ذلك، فان رفع الشرطية او الجزئية او المانعية وان كان واقعيا الا ان حديث الرفع لا يمكنه اثبات الأمر بالفاقد بنفس رفع القيد. وبعبارة اخرى ان الشرطية والجزئية والمانعية وان كانت مجعولة الا ن جعلها بتبع منشأ انتزاعها وهو الامر بالمركب لعدم تعدد الامر في المركبات كما هو المفروض، فمع رفع الشرطية او الجزئية او المانعية يسقط الأمر لامحالة، فلا بدمن اثبات الامر بالباقي من اقامة دليل.
وقد افاد استاذنا المحقق – مد ظله – في مورد الجهل ان لسان الرفع يقتضي الاجزاء نظير قاعدة الطهارة، فلو صلى مع لباس شك في طهارته ونجاسته بالبناء على الطهارة لقاعدتها يجزي ذلك وان انكشف الخلاف بعد ذلك، فان
____________________
(١) جامع احاديث الشيعة، ج١، باب ١ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، حديث١.
لسان دليلها يقتضي حكومتها على ادلة اشتراط الصلاة بطهارة اللباس، فتكون النتيجة اشتراطها بالأعم من الطهارة الواقعية والبنائية. وفي المقام لسان رفع الجزئية يقتضي الاكتفاء بفاقد الجزء في المورد. وفي باقي العناوين ان حكومة دليل الرفع على ادلة الأجزاء والشرائط والموانع تقتضي اختصاص الجزئية وغيرها بغير مورد طرو هذه العناوين، ففي موردها لا دليل على تقييد المطلقات الأولية، فالقاعدة تقتضي الاجزاء بلا حاجة إلى حديث لاتعاد. وقد فصل في مبحث اجزاء الأمر الظاهري عن الواقع بين موارد الامارات والاصول بالاجزاء من الثاني دون الاول من جهة استفادة ذلك من لسان الدليل في الثاني بخلاف الأول فانها طريق إلى الواقع يمكن فيه فرض كشف الخلاف وهذا كما ترى مبتني على القول بتقييد الواقع بسبب تحكيم دليل الرفع على دليل الاوقع. واما لو قلنا بأنه لايستفاد من ذلك الا العذر في مخالفة الاوقع فقد عرفت ان مقتضى القاعدة عدم الاجزاء مطلقا، واما لو فرضنا تقييد الاوقع في غير مورد الجهل من سائرالعناوين فالحق كما افاده استاذنا المحقق – مد ظله – ووجهه مابينه.
واما ما أفاده سيدنا الاستاذ من عدم الدليل على اثبات الامر بالفاقد بعد رفع القيد بالحديث فانما يتم لو تعلق الامر بالمركب بأمر واحد، وأما مع تعلق الأمر بنفس الطبيعة وبين قيوده وشرائطه بدليل اخر فلا، فان مقتضى دليل القيود وان كان القيدية المطلقة الا انه يقيد بدليل الرفع فلا دليل على القيدية في مورد العناوين، والاطلاقات محكمة. واما في مورد الجهل فالحق مع سيدنا الاستاذ – مد ظله – فان المفروض عدم الاتيان بالواقع والمأتي به موافق للأمر الظاهري فقط ولا معنى للقول بأن لسان الدليل يقتضي التعميم في الواقع مع الالتزام بعدم التصويب. ففي موارد العلم باشتراك الجاهل والعالم في الحكم الواقعي لابد من الحكم بعدم الاجزاء. نعم في موارد امكان الاختلاف نظير
المثال في قاعدة الطهارة نبني على الاجزاء، ولا محذور في ذلك، الا انه لايتم في المقام وفي موارد الاصول لان المفروض عدم استفادة ازيد من العذر من حديث الرفع وعدم استفادة ازيد من الحكم الظاهري في موارد جريان الاصول.
اصل: ذكر استاذنا المحقق – مد ظله – انه حيث ان الظاهر من الحديث الشريف ان المرفوع لابد وان يكون ما هو متعلق العنوان فيظهر الفرق بين النسيان والخطأ وما لا يطاق وبين الاكراه والاضطرار في مورد ترك الجزء او الشرط من جهة طرو احدها والحكم بصحة العمل في الاولى وعدمها في الثانية.
واما في مورد ايجاد المانع فلا فرق بينها، ويحكم بالصحة في جميعها. ووجه ما افاد ان نسيان الجزء مثلا او ايجاد المانع يرفع اثر المنسي وهو وجود الجزء والمانع وهو الجزئية والمانعية فيصح العمل بترك الجزء او ايجاد المانع نسيانا. واما لو اكره على ترك الجزء فالمكره عليه الترك ولا اثر للترك بما هو غير البطلان ووجوب الاعادة وهما عقليان لاشرعيان فلا يمكن الحكم بصحة العمل حينئذ، بخلاف ما لو اكره على ايجاد المانع فان المكره عليه وهو ايجاد المانع يرفع اثره وهي المانعية، فيصح العمل حينئذ. وقد افاد – مد ظله – انه لا فرق في ما ذكرنا بين العبادات والمعاملات لو كان المنسي الجزء او الشرط الشرعيان لا المعتبران بنظر العقلاء في قوام ماهية المعاملة او دخيلان في ترتب الاثر بنظرهم، وهكذا في المانع سواء وجد نسيانا او عن اكراه، وهذا على مبناه – دام ظله – من ان الرفع في المذكورات واقعي متين بجميع ما افاده لكن على ما بنينا عليه من ان الامتنان لايقتضي ازيد من جعل المكلف في عذرحتى في المعاملات، والرفع عذري لا واقعي يظهر عدم الفرق في الحكم بالبطلان وعدم الاجزاء في جميع ذلك وان كان المكلف معذورا في مخالفة الواقع في موارد العناوين. نعم لو دل دليل على الاجزاء في مورد نتمسك به ونحكم بالصحة والاجزاء بلا فرق بين ما ذكر ايضا.
وأيضا يظهر عن بعض الاعاظم – قدس سرهم – اختصاص الرفع بالامور الوجودية حيث قال: ان شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم. لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود لان تنزيل المعدوم منزلة الموجود انما يكون وضعا لا رفعا. واورد عليه استاذنا المحقق – دام ظله – بأنه لا مانع من تعلق الرفع بالامور العدمية اذ الرفع رفع ادعائي لا حقيقي والمصحح له ليس الا اثر ذلك العدم واحكامها، كما ان المصحح لرفع الامور الوجودية هو اثارها واحاكامها، وانت خبير بأن كلا من الاستدلال والايراد مبنيان على كون الرفع واقعيا، ومع كون الرفع عذريا فلا مجال لذلك البحث، فان حاصل الحديث على هذا المبنى انه عند طرو احد هذه العناوين المكلف معذور في مخالفة الواقع، ولا فرق في ذلك بين الوجودي والعدمي. هذا وان كان الحق على ذلك المبنى مع استاذنا، ولكلامه بقية يرجع إلى التقريرات.
اصل: ذكروا ان المرفوع في الموارد المذكورة هو اثار العناوين المأخوذة طريقا إلى معنوناتها واما الاثار المترتبة على نفس العناوين فغير مرفوع قطعا بل لا يعقل رفع تلك الاثار بما يوجبها.
وفصل استاذنا المحقق بين الرفع في الموارد الثلاثة الاخيرة وماعداها والتزم برفع اثارالمعنونات في ماعداها، فان العناوين المذكورة فيها كلها طريقية لتبادرها بخلاف الثلاثة فانها عناوين نفسية لا
مناص فيها الا رفع ما هو اثار لانفسها لعدم قابليتها على الطريقية وان لزم منه التفكيك الا ان هذا المقدار مما لابد منه. بل يمكن ان يقال: ان الرفع قد تعلق في الجميع بعناوين نفسية حسب الارادة الجدية الا ان ذلك اما بذكر نفس تلك العناوين النفسية في الثلاث او بذكر ما هو طريق اليها في غيرها من دون تفكيك.
اقول: على ما ذكرنا لا موضوع لهذا الكلام اصلا فان المرفوع في الجميع على
سياق واحد وماله إلى جعل العذر في مخالفة الواقع فان هنا ادعاءان (احدهما) في نفس اطلاق الرفع (وثانيهما) في اسناد الرفع إلى الذوات ومصحح كليهما عدم ايجاب التحفظ او عدم ايجاب الاحتياط كمامر، وتؤكد ذلك بعض الروايات الواردة في الصفات الذميمة مالم يظهرها الشخص في الخارج الدالة علىالعفو عنها. وهذا لايصح الا اذا كان الواقع في مورد العفو موجودا. ومما يؤيد كون الرفع عذريا وحدة السياق بين الثلاثة وغيرها ولاتتم الوحدة الا بذلك، فان الرفع الواقعي لايمكن الاباسناده إلى الثلاثة نفسيا والى غيرها طريقيا. وما افاده من وحدة السياق بحسب الارادة الجدية أجنبي عن ذلك، فان السياق انما يلحظ في الارادة الاستعمالية لا الجدية، والارادة الاستعمالية في الثلاثة نفسية وفي غيرها طريقية ومما يؤيد ذلك ايضا وحدة السياق بين ما لايعلمون والنسيان وغيرهما بناء على تعميمهما للأحكام، فان الرفع فيهما عذري قطعا والا يلزم الدور وان ابيت فلا أقل من لزوم التصويت.
اصل: ذكر بعضهم ان الرفع في ما لايعلمون مختص بالشبهات الموضوعية وذكروا في وجه ذلك:
١ – وحدة السياق وعدم امكان تعلق الاضطرار او الاكراه الا بالموضوع الخارجي أي الفعل، وفيه ان الالتزام بعموم الرفع في مالايعلمون لا ينافي وحدة السياق فان الاستحالة المذكورة من جهة استحالة الانطباق لا من جهة استعمال الموصول في الفعل بل الموصول مستعمل في معناه في جميع ماذكر وسعته وضيقه بسعة صلته وضيقه.
١ – اسناد الرفع الىالحكم حقيقي والى الفعل مجازي ولايمكن الاسناد بكلا النحوين باسناد واحد. اجاب عن ذلك سيدنا الاستاذ بأن المحذور انما هو في الرفع التكويني لا التشريعي فانه حقيقي في الفعل ايضا. وذكر في بيان المراد من الرفع التشريعي انه تشريع رفعا في مقابل التشريع وضعا فكما ان
الحكم قابل للتشريع وضعا قابل للتشريع رفعا غايته ان الرفع في المقام ظاهري ونتيجته الترخيص الظاهري، ولا منافاة بين اجتماع الحكمين واقعي وظاهري كما حقق في حله. وفيه – بعد تسليم الرفع التشريعي – انه في الحكم من الوصف بحال نفس الموصوف وفي متعلق الحكم من الوصف بحال متعلقه ودعوى استحالة جمعهما في اسناد واحد من جهة عدم الجامع بين الأمرين. وصرف رد المجاز إلى الحقيقة لايدفع المحذور.
واجاب عنه ثانيا: بأن الاسناد حينئذ ليس بحقيقي ولابحقيقي ومجازي، بل مجازي لان النتيجة تابعة لأخس المقدمتين نظير الماء والميزاب قد جريا، فان اسناد الشيء إلى أمرين جمعا بهذا النحو اسناد إلى غير ما هو له. وفيه ان هذا ايضا لايدفع الاستحالة المذكورة، فان الكلام ليس في كيفية الاسناد بل في امكانه.
اجاب بعض الأعاظم – قدس سرهم – عن ذلك بان المرفوع في جميع التسعة انما هو الحكم الشرعي والاضافة الى الافعال الخارجية لأجل تعلق العناوين بها، والا فالمرفوع فيها هو الحكم الشرعي وهو الجامع بين الشبهات الموضوعية والحكمية، ومجرد اختلاف منشأ الشبهة لايقتضي الاختلاف فيما اسند الرفع اليه. وقد اشكل عليه استاذنا المحقق – مد ظله – بان مناط الاشكال انما هو في الاسناد بحسب الارادة الاستعمالية، فان الاسناد إلى الحكم اسناد إلى ما هو له دون الاسناد إلى الموضوع فلابد ان يراد في جميعها الموضوع حتى يصح الاسناد المجازي في الجميع، فكون المرفوع بحسب الجد الحكم الشرعي لايدفع الاشكال. وقد اجاب هو عن الاشكال بما اجاب به شيخه الاستاذ العلامة بتقريب ان المتكلم ادعى قابلية رفع ما لايقبل الرفع تكوينا، ثم اسند الرفع إلى جميعها حقيقة، وبعبارة اخرى جعل كل العناوين بحسب الادّعاء في رتبة واحدة وصنف واحد في قبولها الرفع واسند الرفع اليها حقيقة فلا يلزم منه محذور.
أقول: اما ما أفاده بعض الاعاظم فان الحكم في مورد الشبهة الموضوعية هو الحكم الواقع في النتيجة، وهذا لم يتعلق به، قلم الجعل والوضع حتى يرفع، بل الجعل والوضع متعلقان بالحكم الواقع في الكبرى فالشبهة الموضوعية لاترجع إلى الشبهة في الحكم بل انما هي الشبهة في الموضوع والشبهة في انطباق الحكم عليه وكلاهما امر واحد فان الجهل بالخمرية بمجرده لايكون مشمولا لحديث الرفع الا بان يكون للخمر حكم كالحرمة، فالشبهة في الحقيقة في ان هذا مصداق لموضوع ام لا. وان شئت فعبر بان الحركة المجعولة على الخمر منطبقة علىهذا ام لا. فالشبهة الموضوعية هي الشبهة في الموضوع والانطباق لا في نفس الحكم.
واما ما اشكل عليه استاذنا المحقق فليت شعري كيف يجتمع ماذكره هنا من ان الاسناد بحسب الارادة الاستعمالية. وما ذكر ونقلنا عنه في تصحيح وحدة السياق في الرواية من ان الرفع قد تعلق بعناوين نفسية في الجميع بحسب الارادة الجدية فالسياق واحد ولاتفكيك. فان مرحلة الاسناد هي مرحلة السياق فاما هما يلحظان بحسب الارادة الاستعمالية او بحسب الارادة الجدية. الصحيح انهما بحسب الارادة الاستعمالية لا بان يستعمل اللفظ في الاسناد بل الاسناد يتحصل من مقال المتكلم باستعمال جميع مفردات كلامه في معانيها، ولذا قد يكون استعمال المفردات كلها حقيقيا والاسناد مجازي، ويجيء زيادة توضيح لذلك ان شاء الله.
ولايخفى ان الايراد الصحيح على ما ذكره بعض الاعاظم ما ذكرنا لا ما افاده استاذنا المحقق، فان الحكم في موارد الشبهات الموضوعية غير مشكوك فيه، فان الكبرى مسلمة على الفرض، والشك في الصغرى وان اوجب الشك في النتيجة الا انه راجع إلى الشك في الانطباق لا الجعل، فالحكم غير مرتفع حتى بحسب الارادة الجدية. واما وجه شمول الدليل لموارد الشبهات الموضوعية،
فيجيء الكلام فيه، وانه هو وجه الشمول لموارد الشبهات الحكمية بعينه. واما ما اجاب به استاذنا المحقق عن الاشكال فهو مناف لما افاده هو بنفسه في مبحث حديث الرفع من ان الرفع ادعائي في مالايعلمون نظير نفي الحرج والضرر في ادلتهما، فكيف يجتمع كون الرفع حقيقيا لادعاء كون متعلقه قابلا للرفع وكون الرفع ادعائيا؟ على ان دعوى قابلية ما لا يقبل الرفع للرفع وضمه إلى ما يقبل الرفع واسناد الرفع الىالمجموع حقيقة انما يتم لو ذكر الجميع في الكلام بعنوان مستقل، وأما لو ذكر بعنوان عام كما لايعلمون الشامل للحكمية والموضوعية معا على الفرض فعلا. فان كل لفظ لايحكي الا عن معناه ولايمكن في هذه اللحاظ الا لحاظ نفس المعنى ومن المعلوم ان المعنى في «مالايعلمون» امر واحد فكيف يمكن ادعاء قبوله للرفع لينطبق على الموضوعية وعدم الادعاء لكونه شاملا للحكمية.
ان قلت: ان الموصول مشير إلى الذوات ولو كانت الحيثية تعليلية يدور الرفع مدارها وليست نكتة للرفع، والذوات امور متعددة بعضها قابلة للرفع حقيقة وبعضها ادعاء ويجمعها المتكلم بعنوان عام ويسند الرفع اليه حقيقة. وبالجملة الامر الواحد غير قابل للادعاء وعدمه لكن المعنى في «مالايعلمون» لايكون واحدا الا اذا كانت الحيثية تقييدية بحيث يكون المفهوم ملحوظا اسميا واما لو لوحظ حرفيا كما هو الحق في الموصولات فالمعنى متعدد.
قلت: كون الموصول من قبيل اداة الاشارة مسلم، لكن ليس معنى هذا ان المتكلم بالموصول يلحظ الذوات اولا تفصيلا ثم يجمعها بعنوان واحد بل معناه تعلق الرفع بالذوات الملحوظة اجمالا حال الكلام، فالملحوظ في هذا الحال ليس الا أمرا واحدا غايته اجمال للتفصيل المتعلق به الرفع حقيقة، وفي هذا اللحاظ لايجتمع الادعاء وعدمه. وهكذا الكلام في صدر الحديث. وهو «رفع عن امتي تسعة» فكيف يجتمع الادعاء وعدمه في التسعة في هذا اللحاظ الاجمالي؟.
والصحيح في الجواب ان يقال: اما بناء على مسلكنا من كون الرفع عذريا لا واقعيا فليس في البين اسناد واقع في محله فان الحكم ايضا غيرمرفوع كالموضوع غايته ادعي انه مرفوع ومصحح الادعاء في مورد النسيان والخطأ والثلاثة الاخيرة عدم ايجاب التحفظ وفي ما لايعلمون عدم ايجاب الاحتياط وفي الاكراه والاضطرار ومالايطيقون عدم ايجاب تحمل الضرر والجامع عدم ايجاب الاهتمام في مقام الامتثال للاتيان بالواقع، فاسناد الرفع إلى الحكم والموضوع كليهما على نسق واحد ادعائي والمصحح ماذكر. واما بناء على مسلكهم من كون الرفع في غير ما لايعلمون واقعيا فليس في مالايعلمون اسناد واقع في محله، ولو قلنا بشموله للاحكام فانهم لايلتزمون بالرفع الواقعي في مورده، فالرفع ادعائي والمصحح ما مر – نعم بالنسبة إلى نسيان الحكم – الكلام في محله لرفع الحكم المنسي واقعا، وهذا خارج عما نحن بصدده وهو شمول ما لايعلمون للشبهات الحكمية، وهل الاسناد في النسيان في محله اولا؟ فالتحقيق ان يقال انه مركب من الاسناد في محله ومن الاسناد في غير محله. وهكذا في صدر الحديث اسناد الرفع إلى التسعة مركب من الاسناد في محله وهو اسناد الرفع إلى الحكم المنسي ومن الاسناد في غير محله وهو ما عداه. وذلك فان المجازفي الاسناد يغاير المجاز في الكلمة وهذا ظاهر، وفي المقام المجاز المدعى انما هو في الاسناد كما لايخفى. وحينئذ، نقول: لو قلنا بان الماء جرى فقد استعملنا الكلمتين والهيئة في معناها، واسنادنا في محله، وهذا هو الاسناد الحقيقي. ولو قلنا بان الميزاب جرى فقد استعملنا الكلمتين والهيئة في معناها كالسابق، والاسناد في غير محله، وهذا هو الاسناد المجازي. ولو قلنا بان الميزاب والماء قد جريا. فالكلمات كلها قد استعملت في معناها. وبما انه اسند الجري إلى امرين الماء والميزاب والاسناد إلى احدهما في محله والى الاخر في غير محله فلابد من الالتزام بان الاسناد حقيقي ومجازي. لايقال: الاسناد واحد فكيف
يتصف بوصفين؟ فانه يقال: الاسناد ليس معنى الهيئة حتى يقال ان الهيئة امر واحد بل الاسناد ما يوجده المتكلم من استعمال الكلمات في معانيها، وهذا قد تعلق بأمرين احدهما حقيقي
والاخر مجازي. وهكذا في ما نحن فيه فلو قال بانه رفع الحكم الاسناد كالاستعمال في جميع الكلمات حقيقي. ولو قال بانه رفع الفعل الاسناد مجازي بخلاف الاستعمال، واما لو قال رفع الحكم والفعل فالاسناد حقيقي ومجازي والاستعمال حقيقي. ولامحذور في ذلك، والايراد المذكور بأنه لايمكن كلا النحوين باسناد واحد خلط بين مقام الاستعمال والاسناد فان الاسناد لبا راجع إلى اسنادين.
وهكذا الكلام بالنسبة إلى صدر الحديث واسناد الرفع إلى التسعة. نعم هنا اشكال اخر وهو انه في غير ما لا يعلمون الرفع واقعي وفيه عذري، وفي مورد النسيان الرفع حقيقي في الأحكام لايحتاج في ذلك إلى الادعاء وفي الموضوعات المنسية وفي غير النسيان مما عدا مالايعلمون الرفع ادعائي يحتاج إلى مصحح، والمصحح رفع الاثار الواقعية على الفرض، ومصحح الادعاء في ما لايعلمون رفع ايجاب الاحتياط كما مر فكيف يجتمع الادعاء وعدمه في اسناد الرفع إلى النسيان؟ وكيف يجتمع نحوان من الادعاء وعدم الادعاء في اسناد الرفع إلى التسعة؟.
وما ذكرنا في الجمع بين الكيفيتين من الاسناد انما هو فيما اذكر المسند اليه في الكلام تفصيلا ولو بنحو العطف في الموضوع. واما اذا ذكر بعنوان عام اجمالي كالنسيان او التسعة فلا يلحظ المتكلم حال الاسناد الا هذا المعنى الاجمالي الملحوظ بنعت الوحدة لا الكثرة وفي هذا اللحاظ اما ان يدعى اولا، ومع الادعاء فاما ان يدعى بالكيفية الواقعة في مالايعلمون او بالكيفية الواقعة في غيره. والجمع بين هذه الامور في لحاظ واحد لايمكن، وهذا مما يدل على ان الرفع عذري في جميع الموارد، فان الادعاء ومصحح الادعاء في الجميع واحد
– كما مر – اللهم إلا ان يقال ان الملحوظ احل الكلام انما هو نفس معاني المفردات وما هو بصدد بيانه. واما وجه تصحيح الاستعمال فلا يلزم لحاظه حال الاستعمال والادعاء في مرتبة سابقة على الاستعمال والاسناد، فيمكن ادعاء المتكلم كل من الكثرات بنحو مناسب له، ويلحظ هذه الكثرات بعنوان اجمالي عام ملحوظ بنعت الوحدة، ففي مقام لحاظ المصحح الكثرات ملحوظة بنعت الكثرة وفي مقام لحاظها بنعت الوحدة لانحتاج إلى لحاظ المصحح. فحينئذ الاسناد يتصف بالحقيقي والمجازي معا باعتبار الكتراث الملحوظة قبله، وبالمجازي باعتبار الوحدة الملحوظة حاله، وعلى ذلك الاشكال بعدم تصوير الجامع بين هذه الامور ايضا مندفع. فانه بعد لحاظ رفع ما لا يعلمون بمصحح رفع ايجاب الاحتياط ورفع الحكم المنسي واقعا ورفع موضوع المنسي وسائر العناوين بمصحح رفع الاثار يمكن ان يقال رفع النسيان، وهكذا المعمّيات لا
المحاورات العرفية، فلو لاحظنا الحديث بالنظر العرفي لايمكننا حملها على ما ذكر، وهذا شاهد علىان الرفع عذري في الجميع.
٣ – ان مفهوم الرفع يقتضي ان يكون متعلقه ثقيلا، والثقيل هو الفعل ولا ثقل في الحكم نفسه. اجاب سيدنا الاستاذ عن ذلك بانه كما يصح اسناد الرفع إلى الفعل لكونه ثقيلا كذلك يصح الاسناذ إلى الحكم لكونه سببا موجبا له.
اقول: لو قلنا بان متعلق الرفع هو الفعل لكنه من الواضح عدم تعلقه بالفعل الاوقع في الخارج كما هو كذلك في جميع الاحكام والمتعلقات والموضوعات، بل متعلق الحكم وموضوعه ليس الا نفس الطبيعة. نعم اختار سيدنا الاستاذ – مد ظله – تبعا لشيخه الاستاذ –قدسسره – ان موضوعات الاحكام هي الوجودات وفي مقام الانشاء لاحظها الجاعل مفروض الوجود
وجعل الحكم للموجود وفسر القضية الحقيقية بذلك، وان مآل كل قضية حقيقية إلى شرطية وبنيا على ذلك استحالة اجتماع الأمر والنهي في موارد التركب الاتحادي، ولكن جميع ما ذكراه خلاف التحقيق فان المتكلم بقضية الخمر حرام لايلحظ في مقام التكلم الا نفس معاني مفردات هذه القضية، وفرض الوجود اجنبي عن مفاد هذا الكلام بالكلية، بل لايعقل لحاظ غير معنى الكلام حين الكلام لعدم تحقق مبادىء اللحاظ الا بالنسبة إلى معنى الكلام، بل الحكم في مقام الانشاء مترتب على نفس العنوان ومرحلة الفعلية هي مرحلة انطباق الحكم لوجود موضوعه.
واما ما فسرا القضية الحقيقية به وان يمكن استفادته من كلام بعض الفلاسفة الا انه ليس بصحيح. والموضوع في القضية الحقيقية والخارجية العنوان، غاية الامر ان افراد الموضوع في الخارجية منحصرة بالموجود بخلاف القضية الحقيقية، فان افراد موضوعها غير منحصرة بذلك بل يعم الموجود وما يوجد فيما بعد، ولذا لايمكن ان يقال في متعلقات الاحكام «على اصطلاحهما» مثل الصلاة واجبة ما ذكراه مع ان هذه القضية حقيقية بلا اشكال، فلو كان الموضوع فيها الوجود الامر بالحاصل وهو مستحيل. ومما ذكرنا ظهر ان اجتماع الامر والنهي جائز فان متعلق الحكم العنوان والخارج مجمع العنوانين ولايسري الحكم من متعلقه إلى غيره، وتمام الكلام في محله.
فلو اكره احد على شرب الخمر مثلا فلا يقال ان شرب الخمر الواقع في الخارج مرفوع بحيث لاينطبق الحديث على المورد قبل تحقق الشرب، ولذا يحكم بجواز الشرب حتى قبل تحققه، فنفس طبيعة شرب الخمر مرفوع بما انها مكره عليها. وعليه أي ثقل في نفس الطبيعة على المكلف مع
قطع النظر عن حكمها؟ أي لم يكن ملزما في الاتيان بها، فان الموجب للثقل هو الالزام المتعلق بها. فلا يصح ان يقال ان المرفوع هو نفس الطبيعة، بل المرفوع مايوجب
الثقل والموجب هو الالزام. ولذا قلنا بان اسناد الرفع إلى الفعل يحتاج إلى العناية والادعاء، على ان الرفع في عالم التشريع هو رفع لأمر تشريعي يوجب الثقل، وهذا لايناسب الموضوع، فلو كنا نحن ونفس اسناد الرفع لقلنا باختصاص الحديث بالشبهات الحكمية الا ان القرينة الداخلية في غير ما لايعلمون والداخلية والخارجية في ما لايعلمون دلتنا على اختصاص الرفع بالموضوعية في الاول وبشموله له في الثاني على ما مر.
٤ – ان الرفع والوضع متقابلان يواردان على مورد واحد، ومتعلق الوضع انما هو الفعل او الترك على ذمة المكلف. فلا مناص من كون متعلق الرفع كذلك فيختص الحديث بالشبهات الموضوعية. واجاب سيدنا الاستاذ – مد ظله – عن ذلك بان هذا انما يتم اذا كان ظرف الرفع او الوضع ذمة المكلف. واما اذا كان ظرفه الشرع كما هو ظاهر الحديث كان متعلقهما هو الحكم لا محالة، فيكون المرفوع هو الحكم.
اقول: (اولا) هذا مناف لمبناه – دام ظله – من ان الالزامات الشرعية ليس الا اعتبارشيء على ذمة المكلف، والرفع في عالم التشريع ايضا هو رفع هذا الاعتبار فظرف الرفع ايضا الذمة. وعليه لابد من ان يجب الاستاذ عن الاشكال بان الموضوع في الشبهات الحكمية ايضا هو الفعل او الترك على ذمة المكلف، فهذا لايوجب اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية.
(وثانيا) ان اصل وضع الفعل او الترك على ذمة المكلف لانعقل له معنى الا بان يعتبرا في الذمة نظير الدين كالاية الكرية( لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (١) وهذا لايوجب اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية كما ترى في الاية الكريمة، وما جعل الحكم فليس مرتبطا بذمة المكلف، اما في مرحلة
____________________
(١) ال عمران: ٩٧.
جعل القانون فظاهر، وأما في مورد الشبهات الموضعية فلم يوضع فيها حكم بالخصوص حتى يقال بان هذه الموارد وضع الفعل او الترك على الذمة، بل الشبهة في طول الوضع وفي المرتبة المتأخرة عنه، فالجعل بالخمرية لايوجب قلب ما هو المجعول واقعا من حرمة شرب الخمر (الغير المتعلق بالذمة كما هو مفروض الاشكال) إلى وضع اخر وهو وضع الترك إلى الذمة حتى يرفع.
والحاصل: ان في موارد الشبهات الموضوعية لم يوضع شيء غير ما هو الموضوع قانونا، فلو لم يكن حديث الرفع شاملا للجهل بنفس القانون لم يكن شاملا للشبهة الموضوعية ايضا. ويمكن تقريب الاشكال بوجه يسلم من بعض هذه الايرادات، وهو ان في مورد الشبهة الحكمية تعلق قلم الوضع بالحكم نفسه، وفي مورد الشبهة الموضوعية وان لم يوضع حكم بالخصوص الا انه لو وضع شيء لوضع الفعل او الترك على الذمة وبما ان الوضع ظاهر في ذلك والرفع في ما يقابله فيختص الرفع بالشبهات الموضوعية. وهذا مخدوش طردا وعكسا، فان في مورد الحكمية قد يتعلق الوضع بالحكم كعمدة الاحكام، وقد يتعلق بالفعل كالحج، هذا تنجيزا، وأما تعليقا فأيضا كذلك لامكان ان يقال فيها لو وضع لوضع الحكم او الموضوع، واما في مورد الموضوعية فلم يجعل حكم بالخصوص كما مر. واما قضية التعليق فكلا الأمرين ممكن لانه يمكن ان يقال فيها انه لو وضع لوضع الفعل على الذمة، او لوضع الحكم على الفعل فلا محصل لاصل الاشكال ولا لما سلمه سيدنا الاستاذ – مد ظله –.
والصحيح في الجواب ان يقال: ان هذا الاشكال لو لم يكن دليلا على اختصاص الحديث بالشبهات الحكمية لايكون دليلا على اختصاصه بالشبهات الموضوعية، فان الشبهة في الموضوع هي الشبهة في صغرى فعلية الحكم (كالشبهة في ان هذا خمر) والشبهة في الحكم هي الشبهة في الكبرى (كالشبهة في حرمة الخمر) والنتيجة في كلا الموردين الشبهة في حرمة هذا. والوضع انما هو في
الكبرى وبنحو من المسامحة في النتيجة. واما في الصغرى فلا وضع كما هو واضح فلو لاحظنا الوضع في الكبرى يكون الحديث مختصا بالشبهات الحكمية، ولو لاحظنا الوضع في النتيجة ولو بنحو من العناية يعم الحديث لكلا الموردين، فتأمل، حتى لايتوهم ان المرفوع في الشبهات الموضوعية على هذا الحكم لا الموضوع فان عموم الحديث لكلا الموردين بلحاظ الحكم غير عمومه لرفع الحكم بل الظاهر من الحديث رفع المشتبه والمصحح لاسناد الرفع إلى الموضوع المشتبه رفع الحكم على ما مر هذا. ولايخفى ان ما ذكرنا في الجواب عن الاشكالين(٣و٤) انما هو
عليمبنى القوم من كون الحديث ناظرا إلى رفع الحكم، اما على مسلكنا من ان الرفع عذري والاسناد في كلتا الشبهتين الموضوعية والحكمية يحتاج إلى مصحح الادعاء، والمصحح رفع ايجاب الاحتياط، فالجواب عنهما اظهر من ان يخفى لان المرفوع حقيقة ليس هو الفعل حتى يقال بأن رفع الفعل يناسب الشبهة الموضوعية بل المرفوع حقيقة ايجاب الاحتياط والموصول كما هو صالح للانطباق على الفعل صالح للانطباق على الحكم واسناد الرفع إلى كلا الامرين يحتاج إلى المصحح بلا فرق بينهما، الثقل انما هو في ايجاب الاحتياط لا الفعل نفسه والموضوع ليس هو الفعل او الترك على الذمة بل انما هو ايجاب الاحتياط فكذلك الموضوع على تفصيل ظهر مما تقدم.
والحمد لله رب العالمين.
الكلام في فروع العلم الاجمالي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد واله الطاهرين، واللعن على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين.
ونقدم اقسام الخلل الواقع في الصلاة، وبيان بعض احكامها بنحو الاختصاص، فانه لايخلو عن المنافسة والفائدة، وقبل بيان ذلك لا بأس بالتعرض لصحيحة زرارة الدالة على القاعدة المعروفة بـ«لاتعاد» وموارد شمولها ومورد عدم شمولها، وانه هل يكون من باب الصرف او الانصراف.
روى زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام انه قال: لا تعاد الصلاة الا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود. ثم قال: القراءة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة(١) .
مقتضى اطلاق الصحيحة عدم الفرق بين جميع الصور من العمد والسهو الجهل. وما يقال: من انه لابد من تقييدها بغير العمد – والا تنافي الصحيحة ادلة الاجزاء والشرائط والقواطع والموانع، فانه لو لم يكن العمل باطلا حتى في
____________________
(١) الوسائل: ج٤ باب ٢٩ من ابواب القراءة في الصلاة حديث٥.
مورد الخلل العمدي فما معنى الجزئية وغيرها – مدفوع.
اولا: النقض بغير العمد ايضا، الا ان يلتزم بالتقييد واختصاص الجزئية والشرطية مثلا بمورد العمد فقط، والمفروض عدم الاختصاص للاجماع وظواهر الأدلة.
وثانيا: لا منافاة ابدا لامكان مطلوبية الاجزاء والشرائط وغيرهما بنحو تعدد المراتب المطلوبية، فيصح العمل عند وجود الخلل وان لم يشتمل على المرتبة الكاملة من المطلوبية التي كان اللازم تحصيلها ايضا. وتفصيل الكلام في محله.
وقد يقال بانصراف الصحيحة عن صورة العمد.
والجواب: ان الانصراف بدوي ولا منشأ لدعوى الانصراف. فعلى ذلك لو كنا نحن وهذه الصحيحة لكانت معارضة لادلة الاجزاء والشرائط والقواطع والموانع. فلو كان في ادلتها قيد العمد يحكم ببطلان الخلل العمدي، والا فيحكم بالبطلان مطلقا، فان تلك الادلة بالنسبة الى حديث «لاتعاد» خاص بالنسبة الى العام، الا ان يجمع بينهما بتعدد المراتب المطلوبية، ولكن هذا الجمع انما يتصور في موارد ادلة الاجزاء والشرائط وغيرها، التي تكفلت لبيان الجزئية والشرطية وغيرها محضا. واما في مثل ادلة القواطع التي ذكر فيها لزوم الاعادة بفعل القاطع فلايمكن هذا الجمع، فتدبر.
ولكن وردت في باب القراءة، صحيحة زرارة عن احدهماعليهماالسلام ، قال: ان الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلاة ومن نسي فلا شيء عليه(١) .
فيعلم من هذه الصحية ان ترك الفريضة مبطلة عمدا وسهوا، وأما ترك
____________________
(١) الوسائل: ج٤ باب ٢٧ من ابواب القراءة في الصلاة حديث١.
السنة مبطلة عمدا لا سهوا فيقيد بذلك ذيل صحيحة «لاتعاد» من انه لا تنقض السنة الفريضة.
فالنتيجة: انه لا تنقض السنة الفريضة اذا حصلت بلا عمد، فقيدت صحيحة «لاتعاد» بغير العمد. وحينئذ لو ترك الجزء او الشرط، او وجد المانع من دون عمد لاتعاد قضية لحكومة الصحيحة على ادلتها. والجواب عن اشكال المنافاة، فرغنا عنه بامكان تعدد المراتب المطلوبية.
واما اذا كان الاخلال عمديا، فيحكم بالبطلان لوجهين: (الأول) صحيحة زرارة المتقدمة الدالة على ان ترك السنة متعمدا مبطلة.
(الثاني) اطلاق دليل الجزئية والشرطية وغيرهما، فان ظاهره الدخل مطلقا بحيث لم يمتثل التكليف من دون الاتيان به، والمفروض انه لاحاكم عليه، بخلاف صورة غير العمد، فتدبر جيدا.
ويقع الكلام في اقسام خلل الصلاة، وهي اما بنقيصة او زيادة، وكل منهما اما عمدي او جهلي او سهوي.
اما النقيصة العمدية، فقد افاد المحقق الهمداني –قدسسره – ان من القضايا التي قياساتها معها بطلان الصلاة بذلك لعدم تمامية المأمور به على الفرض. وعدم الاجزاء حينئذ مقتضى القاعدة.
والتحقيق ان دليل الجزء او الشرط او المانع التي وقع الاخلال به لو كان له اطلاق يشمل صورة تركه ايضا يتم ما ذكره، والا فلا. وايضا بحسب الثبوت كما يمكن جعل الجزء بنحو يكون مع سائر الاجزاء دخيلا في اصل المطلوبية، يمكن جعله بنحو يكون دخيلا في تمام المطلوب بحيث يكون المأمور به مطلوبا بنحو تعدد مراتب المطلوبية، مع انه لو قلنا بذلك على القواعد الا انه للشارع الاجتزاء بالفاقد، غاية الأمر في مقام الاثبات يحتاج الى دليل، فلقائل ان يدعي ان دليل «لاتعاد» يشمل صورة العمد ايضا، ولكن لاخلاف في
البطلان بالخلل العمدي، مع «لاتعاد» مقيد بغير العمد بقرينة سائر الروايات، وان كان دعوى النصراف الى غير العمد بلاوجه. وقد انقدح بذلك عدم تمامية الاستدلال على المطلب، بان الجزئية والشرطية والاجزاء على تقدير الاخلال لايجتمعان، وحيث ان حديث «لاتعاد» دل على الاجزاء، فلابد ن القول بعدم الجزئية والشرطية في مورد الحديث، ولايمكن الاخذ باطلاقه لمنافاته لأدلة الاجزاء والشرائط، ولزوم اللغوية في جعل الجزئية والشرطية، فلابد من الالتزام بالتقييد فيه، والقدر المتيقن من التقيد اخراج العمد عن مورده، فلابد من الحكم بالبطلان فيه، هذا.
ووجه عدم تمامية الاستدلال (ايضا) عدم المنافاة بين الجزئية والشرطية والاجزاء على تقدير الاخلال، لامكان الجعل بنحو تعدد المراتب.
(وثانيا) نفس «لاتعاد» ظاهر في عدم لزوم الاعادة في مورد الجزئية والشرطية، والا يلزم منه السلب بانتفاء الموضوع، وهذا خلاف الظاهر.
(وثالثا) يستفاد من ملاحظة الادلة الدالة على كيفية الصلاة في مورد السهو او الاضطرار بترك الاجزاء والشرائط وفواتها في بعض الموارد، كباب القضاء ان جعل الاجزاء والشرائط كلها الا الاركان بنحو تعدد المراتب.
فالحق ما مر من ان مقتضى الصناعة اولا الاخذ باطلاق ادلة الاجزاء والشرائط لو كان لها اطلاق، والحكم بالبطلان على تقدير الخلل، الا ان «لاتعاد» يثبت الصحة، وبما انه مقيد بغير العمد ففي مورد العمد يحكم بالبطلان دون غيره، ولابأس بذكر وجه التقييد بغير العمد. ففي صحيح زرارة علل عدم لزوم الاعادة في غير الخمسة ، بأنه: لا تنقض السنة الفريضة. وفي صحيح محمد بن مسلم: القراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلاة(١) .
____________________
(١) الوسائل: ج٤ باب ٢٧ من ابواب القراءة في الصلاة حديث٢.
فيستفاد من التفريع ان كل سنة حكمه هكذا فيقيد صحيح زرارة بغير العمد بهذه القرينة.
ثم ان الماتن بين محل النقص، واختار بالاخرة ان المحل باق حتى يدخل في الركن، فانه مع التدارك وتحصيل الترتيب في ما اذا ترك جزء واشتغل بغيره لا اشكال الا من جهة الزيادة، وهذا ليس من ايجاد الزائد، بل هو من قبيل ايجاد وصف الزيادة في المتقدم. ولكن يرد بان الجزء المأتي به قبل التدارك ليس بجزء وقد اتى به بهذا القصد فهو من ايجاد الزائد بالفعل، وتوهم ان اتصافه بالزائد موقوف على كون العمل ناقصا بالجزء السابق، ولازمه كون البطلان مستندا الى النقص، فبالنقص يبطل العمل في المرتبة المتقدمة فليس من ايجاد الزائد، فلزم من اتصافها بالزيادة عدم الاتصاف، مستدفع بان الامر دائر بين النقص الفعلي (لو لم يتدارك) والزيادة الفعلية(لو تدارك)، فلايمكن تصحيح هذه الصلاة.
واما النقيصة عن جهل، فقد تقدم ان الاصل الأولي وان كان مقتضيا للاعادة على تقدير الاخلال بالنقيصة الا ان الاصل الثانوي بملاحظة حديث «لاتعاد» المخصص بغير العمد عدم لزوم الإعادة في غير موارد المستثنى، بلا فرق بين كون الخلل للجهل حكما او موضوعا او السهو او النسيان، لكن قد يقال بان الحديث لايشمل صورة الجهل بالحكم. وقيل في وجهه امور:
١ – لو كان الحديث شاملا لصورة الجهل يلزم اختصاص الجزئية او الشرطية بصورة العلم، ويلزم الدور(والجواب) ان هذا مبني على القول بعدم الجزئية في مورد شمول الحديث، وقد مر ان ظاهر نفس الحديث ثبوت الجزئية والشرطية.
٢ – اطلاق العمد في صحيحةمحمد بن مسلم، الدالة على لزوم الاعادة بترك القراءة عمدا، الشامل لصورة الجهل (والجواب) ان الرواية واردة في
مورد العلم وقد اخذ العلم مفروضا فيها فلا اطلاق لها من هذه الحيثية.
٣ – ما افاده المحقق الهمداني –قدسسره – من ان الحديث لم يرد في مقام بيان الاطلاق، فان صورة العمد خارجة عنه قطعا، فيدور الأمر بين اختصاصه بالسهو ومايضاهيه، او هو والجهل ولا قرينة، والقدر المتيقن الأول، مع انه لو فرض وروده في مقام البيان لكن يدور الامر بين تقييده وتقييد ادلة الجزئية والشرطية واختصاصها بصوره العلم، والثاني ممتنع، فلابد من تقييد الحديث والحاق الجاهل بالعامد. (والجواب) اما عن الاول، فبما مر من ان ظاهر الحديث الاطلاق، حتى بالنسبة الى العمد فضلا عن الجهل، والتقييد بغير العمد من جهة الدليل الخارجي وهو صحيح
محمد بن مسلم، واما عن الثاني، فبما مر ايضا من ان عدم الاعادة، لايستلزم نفي الجزئية والشرطية حتى يقال بالامتناع في تقييد ادلة الجزئية او الشرطية بل لابد من تقديم «لاتعاد» لحكومته على ادلتها.
٤ – ما افاده الميرزا النائيني –قدسسره – ولا بأس بالاشارة الى جميع اطراف كلامه ملخصا ومحصلا. ذكر ان الجاهل ملحق بالعامد، لا من جهة اطلاق ادلة الجزئية بالنسبة الى العالم والجاهل؛ لان الاطلاق من هذه الجهة كالتقييد بالعلم في الاستحالة، لكن لما كان الاهمال في الاقع غير معقول، فالاوقع اما مقيد ذاتا، او مطلق كذلك، وكل من التقييد والاطلاق لابد من اثباته بدليل اخر، ونسمي ذلك بنتيجة التقييد او نتيجة الاطلاق. وبما ان اطلاقات كثيرة دلت على اشتراك العالم والجاهل في الأحكام، فمن هذه الجهة نستكشف بنتيجة الاطلاق ان الجاهل ملحق بالعامد. نعم لو كان حديث «لاتعاد» شاملا للجاهل لقلنا بعدم الاعادة في حقه. لحكومة «لاتعاد» على ادلة الاشتراك، ولكن الحديث لايشمل الجاهل، فان الحكم بنفي الاعادة في مقابل الحكم بالاعادة ظاهر في ان مورد الحكم قابل للحكم بالاعادة وفيها، وليس
الأمر كذلك بالنسبة الى الجاهل، فان الجاهل مكلف بالواقع حين تركه الجزء او الشرط. ونفس هذا الامر يدعو الى الاتيان بمتعلقه مع تمام الجزاء والشرائط، لا الأمر بالاعادة، بخلاف الساهي والناسي، فان الامر بالاتيان بالمركب كذلك ساقط في حالة السهو والنساين، للزوم تكليف العاجز، فالاتيان بتمام الاجزاء ثانيا موضوع للأمر بالاعادة، كما ان الاكتفاء بالناقص وعدم لزوم الاتيان كذلك موضوع للحكم بنفي العادة. فالقابل للامر بالاعادة او الحكم بنفيها انما هو مورد السهو والنسيان لا الجهل، فان نفس الامر الاول متوجه الى الجاهل، ويستدعي الاتيان بمتعلقه تاما.
هذا ما استفدنا من وجه قوله بعدم شمول الحديث للجاهل، وان ذكر بعض تلامذته تقريبات اخرى يستبعد عما هو بصدده. وفيه:
أولا: ما ذكره من ان اطلاق دليل الحكم بالنسبة الى العالم والجاهل مستحيل نشأ من مبناه في الاطلاق، وان الاطلاق هو الاطلاق اللحاظي المسمى باللا بشرط القسمي، وقد حقق في محله ان الإطلاق هو جعل نفس الطبيعة موضوعا للحكم بنحو اللابشرط المقسمي. ولايلحظ فيه الا نفس طبيعة المتعلق، لا اصنافه وافراده. فلو قلنا باستحالة التقييد لا نقول باستحالة الاطلاق من جهة استحالة اللحاظ. واما توهمك عدم تمامية مقدمات الحكمة من جهة عدم كون المولى في
مقام البيان من جهة هذا القيد فمدفوع بان اللازم كون المولى في مقام بيان ما تعلق به الحكم، وهو نفس الطبيعة، بلا لحاظ شيء اخر، وهذا بمكان من الامكان.
وثانيا: الحكم في مقام الثبوت اما مطلق او مقيد او مهمل، والدليل الدال عليه اما مطلق او مقيد او مهمل او مجمل، وليس في البين امر اخر نسميه بالاطلاق الذاتي او التقييد الذاتي، فمع القول باستحالة الاطلاق والتقييد ثبوتا لابد من الالتزام بالاهمال، وهكذا في مقام الاثبات لو استحال الاطلاق
والتقييد يلزم الاهمال او الاجمال.
وثالثا: لا استحالة في التقييد ثبوتا او اثباتا، فضلا عن الاطلاق اما الثبوت فلانه متقوم باللحاظ، ولحاظ المتأخر ممكن. واما الاثبات فلانه كاشف عن الثبوت وعالم اللحاظ، ولامانع من بيان مالوحظ ثبوتا في مقام الاثبات.
ورابعا: ليس في البين اطلاق واحد دال على اشتراك العالم والجاهل في الاحكام بالاطلاق، فضلا عن اطلاقات كثيرة، ومادل على ثبوت بعض الاثار على المصيب والمخطىء ناظر الى بيان حكم اخر، والدليل على الاشتراك ليس الا الاجماع المفقود في المقام.
وخامسا: ما ذكره في الحديث منقوض بأنه لو نسي الركن وتذكر بعد الصلاة في الوقت، افهل يلتزم بان الملزم للاتيان ثانيا هو الامر بالاعادة ولولاه لما وجب؟ ومن هذا يعلم ان الامر بالاعادة في جميع المقامات ارشاد الى بقاء الأمر الأول، وعدم تحقق امتثاله.
وسادسا: تكليف العاجز بنحو الجعل القانوني امر ممكن، كما قرر في محله، والقدرة قيد للتنجز، لا شرط للتعلق، ولو سلم فانما هو قيد للتكليف لا للوضع، ومنه الجزئية، ولازمه سقوط الامر بالمركب في مورد السهو والنسيان، وبعد رفعهما لابد من امتثال الامر الاول، ولو قيل بأن نفي الاعادة يثبت ان الشارع اكتفى بالناقص، يقال عليه: فلماذا لانقول به في مورد الجهل ايضا؟.
وسابعا: لو سلمنا جميع ما ذكره، الا ان اللازم اختصاص وجوب الاعادة بمورد السهو والنسيان فانه قابل للخطاب باعد، واما الجاهل فلا يقال عليه اعد، بل يقال: صل، واما نفي الاعادة بمعنى ان الشارع اكتفى بالناقص، فمشترك بين الساهي والناسي والجاهل، وهذا ظاهر.
وثامنا: كل ذلك مبني على القول بسقوط الجزئية والشرطية في مورد
«لاتعاد» واما على القول بالثبوت، كما هو ظاهر «لاتعاد» ايضا لا موضوع لما ذكره اصلا،
لثبوت الجزئية والشرطية بالنسبة الى الناسي والجاهل، ومع الالتزام بتعدد المراتب واكتفاء الشارع بالناقص فهدم لزوم الاعادة مشترك فيهما، ومع الالتزام بوحدة المرتبة وعدم اكتفاء الشارع بالناقص لزوم الإعادة مشترك فيهما. هذا وقد ظهر مما مر ان الحق شمول الحديث للجاهل ايضا ولا تجب عليه الاعادة لاطلاق الحديث، ولولاه لكان اللازم الاعادة لا لأدلة الاشتراك ونتيجة الاطلاق، بل لنفس اطلاق دليل الجزئية والشرطية كما مر.
ثم انه لو قلنا بلزوم الاعادة بالنسبة الى الجاهل فقد استثنى منه المحقق –قدسسره – موارد:
الأول: الجهر في موضع الاخفات وبالعكس. ووجهه صحيحة زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام في رجل جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الخفاء فيه فقال: أي ذلك فعل متعمدا، فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، فلان فعل ذلك ناسيا او ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمت صلاته(١) .
الثاني: الصلاة في الثوب او المكان المغصوب. والظاهر عدم صحة الاستثناء، فانه لو قلنا بجواز الامر والنهي والحكم بالبطلان من جهة الاجماع فالقدر المتيقن من الاجماع صورة العمد، بل المتيقن عدم الاجماع في غيرها فالصحة في مورد الجهل على القاعدة، ولو لم نقل بدلالة «لاتعاد» على الصحة فيه. ولو قلنا بعدم الجواز، فاما ان يكون وجهه عدم امكان قصد القربة، فاختصاصه بمورد العمد ظاهر، فالصلاة كذلك جهلا صحيح، وان لاتكون مشمولة للحديث. واما ان يكون وجهه عدم صلاحية المحرم، لكونه مصداقا.
____________________
(١) الوسائل: ج٤، باب ٢٦ من ابواب القراءة في الصلاة، حديث١.
للواجب، فلابد من الحكم بالبطلان، حتى في مورد الجهل، ولو قلنا بشمول «لاتعاد» للجاهل فان موضوع «لاتعاد» هو الصلاة التي يمكن ان تكون مأمور به، في مورد الخلل، والصلاة في المغصوب ليس كذلك، لامتناع كون المحرم مصداقا للواجب.
وبعبارة اخرى: الوجه العقلي غير قابل للتخصيص، والمفروض عموم الوجه لمورد الجهل ايضا، فتجب الاعادة لثبوت المقتضي وفقد المانع، فان شمول «لاتعاد» للمورد مستلزم للتخصيص في الدليل العقلي، فليتدبر. والكلام في الوضوء بالماء المغصوب هو الكلام بعينه فلا نطيل بذكره، وان جعله المحقق فرعا مستقلا في المقام.
الثالث: الجهل بنجاسة الثوب او البدن او موضع السجود. وجه الاستثناء ان ما دل على الطهارة في مورد الشك، ينقح موضوع دليل الاشتراط بالطهارة، فيكون حاكما عليه، وكشف الخلاف انما هو بحسب نفس الطهارة الواقعية، لا ما هو الشرط في الصلاة وبعبارة اخرى: ما هو دائر في الألسنة من ان الشرط الطهارة الاعم من الاوقعية والظاهرية، وهذا لم ينكشف الخلاف فيه كما لايخفى.
فرعان
الأول: لو احرز تذكية الحيوان وصلى في جلده، فانكشف الخلاف تصح الصلاة ولاتجب الاعادة. فان الشرط طهارة الثوب الأعم من الواقع والظاهر كما مر، وهذا حاصل مع كفاية «لاتعاد» لاثبات الصحة، لو لم نقل بذلك. ولا فرق في ذلك بين كون الاحراز واقعيا او بأمارة او اصل لاشراك الجميع في العلة. واما الصلاة فيه مع الشك في التذكية فلا تصح لا لاستصحاب عدم التذكية، فانه لايتم، بل لدلالة الروايات عليها، وبعضها مذكور في المتن، فراجع (مصباح الفقيه).
الثاني: الصلاة في اللباس المشكوك في كونه مما يؤكل او مما لايؤكل، صحيحة لا لاستصحاب عدم كونها فيما لا يؤكل، لانه من الاستصحاب في العدم الأزلي، ولانقول به، بل لأصالة البراءة من مانعية اللباس المذكور عن الصلاة، وهذا مبني على القول بالمانعية لا الشرطية. والمستفاد من الادلة مثل موثقة ابن بكير(١) المانعية، مع ان المانع المستفاد من الأدلة، مصاحبة ما لايؤكل في الصلاة وان لم يكن في اللباس، وهذه قابلة لاستصحاب العدم فيها بلا محذور، وقد أجرى السيد الاستاذ البراءة حتى على القول بالشرطية، وهذا كما ترى لا يثبت وقوع الصلاة مع الشرط كما لايخفى.
واما النقيصة السهوية، فقد تقدم ان مقتضى القاعدة، وان كان هو البطلان بالاخلال ولو سهوا، الا ان حديث «لاتعاد» يثبت الصحة في موارد المستثنى منه، ولا فرق بين الجهل والسهو والنسيان، ويستفاد من الصحيحة البطلان مع الاخلال بالمذكورات في المستثنى، مع ان القاعدة ايضا تقتضي ذلك. والمذكورات بعضها شرط، وهو الطهور والوقت والقبلة والباقي جزء وهو الركوع والسجود. ويلحق بذلك تكبيرة الافتتاح، فان الاخلال بها – ولو جهلا او سهوا – يوجب البطلان لصحيحة زرارة(٢) ، بل الاخلال بالقيام حالها ايضا يوجب ذلك لموثقة عمار(٣) . واما النسية فخارجة عن العمل، وان كان دخيلا في قوام العمل. فالاخلال بها يوجب عدم تحقق العمل. والقيام المتصل بالركوع مقوم للركوع، فحاله حال الركوع، فلم يبق من اركان الصلاة الا الركوع والسجود، ولابد من البحث عنهما في جهات:
١ – هل الاخلال بهما يوجب فساد الصلاة، أو لا؟
____________________
(١) الوسائل: ج٣، باب ٢ من ابواب لباس المصلي، حديث١.
(٢) الوسائل: ج٤، باب ٢ من ابواب تكبيرة الاحرام، حديث١.
(٣) الوسائل: ج٤، باب ١٣ من ابواب القيام، حديث١.
٢ – حد امكان التدارك فيهما، وهل يوجب الدخول في السجدة الاولى بطلان الصلاة لو علم بنسيانه الركوع، او لا؟.
اما الجهة الاولى فيدل على البطلان الاجماع والاخبار الدالة على اعادة الصلاة بنسيانهما، والمستثنى في «لاتعاد» مضافا الى ان القاعدة تقتضي البطلان، ومع صرف النظر عن الأدلة الدالة على البطلان، فلا أقل من عدم الدليل على الخروج عن القاعدة، وهذا ظاهر.
نعم استدلال المحقق الهمداني، بما دل على كون الركوع والسجود فريضة لا يتم، فان الفريضة ما ذكر في القران في قبال السنة التي سنها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لا الوجوب في قبال الاستحباب، ولا ما هو داخل في قوام الماهية في قبال سائر الأجزاء.
واما الجهة الثانية، فحد امكان تدارك السجود الدخول في الركوع. فالدليل على فوت محل التدارك بالدخول فيه عدم امكان تصحيح الصلاة لا بالتدارك للزوم زيادة الركن، ولا بعدمه للزوم النقيصة. وتوهم امكان التدارك وسقوط الترتيب فاسد، فان الترتيب ليس بشيء معتبر في الصلاة ماوراء نفس الاجزاء المترتبة، وعلى ذلك الجزء الغير المترتب ليس بجزء حقيقة، لا انه جزء غير مترتب. فالركوع المأتي به بلا سجود قبله ليس بجزء للصلاة، بل زيادة محضة، وعليه يمكننا القول ببطلان الصلاة من جهة زيادة الركن حتى مع التدارك، فتدبر.
واما ما ورد من اسقاط الزائد والاتيان بالفائت كصحيحة محمد بن مسلم(١) ، مع انه مخالف للمشهور ففي نفسه ليس بحجة، معارض؛ لعدة من الروايات الدالة على البطلان، مع ان الصحيحة واردة في مورد نسيان الركوع،
____________________
(١) الوسائل: ج٤، باب ١١ من ابواب الركوع، حديث٢.
فيمكن منع شمولها للمسألة، واما الدليل على بقاء محل التدارك مالم يدخل في الركوع شمول دليل «لاتعاد» للزيادة السهوية، فلا مانع من التدارك من جهة الزيادة الحاصلة، والاشتغال بالصلاة يقتضي الاتيان، والامتثال على وجهه، يقتضي الاجزاء. وبعبارة اخرى: مع التدارك لا خلل الا من جهة الزيادة، وهي غير مانعة. هذا مع استفادة الحكم من الروايات ايضا مع انه لاخلاف فيه. وحد امكان تدارك الركوع بالدخول في السجدة الأخيرة.
اما فوت محل التدارك بعدها، لما ذكرنا في الركوع من الدوران بين نقص الركن وزيادته، والمانع لايصلح للمانعية؛ لسقوطه عن الحجية بمخالفة المشهور ومعارضته بعدة من الروايات. فلو لم نقل بترجيحها فلا اقل من التساقط والرجوع الى القاعدة. واما ما ذكره المحقق الهمداني من امكان حملها على الاستحباب، ففيه: انها ارشاد الى البطلان، ولا معنى للحمل على الاستحباب في ذلك، فعلم من ذلك عدم تمامية التفصيلات المذكورة في المسألة، مع عدم دلالة شيء من الادلة على التفصيل، والجمع بين الطائفتين بما ذكر من التفصيل، جمع تبرعي بلا شاهد.
واما الدليل على بقاء محل التدارك قبل الدخول في السجدة الاولى مامر في نسيان السجود قبل الدخول في الركوع بلا تفاوت.
بقي الكلام في نسيان الركوع، والدخول في السجدة الاولى، والتذكر حينئذ. فهل هناك مجال للتدارك، أو لا؟ فيه خلاف، ذكر المحقق الهمداني –قدسسره – ان مقتضى اطلاق الامر بالاستقبال واعادة الصلاة في موثقة اسحاق(١) ورواية أبي بصير(٢) الثانية من غير استفصال هو لزوم الاستئناف بالدخول في السجدة. وفيه: ان الموضوع في الروايتين نسيان الركوع، ومن
____________________
(١ و٢) الوسائل: ج٤، باب ١٠ من ابواب الركوع، حديث٢و٤.
المعلوم ان النسيان بوجوده انا لا يوجب البطلان، بل النسيان مع عدم الاتيان بالمنسي الى أن يفوت محله موجب له، فاذا مادل على اغتفار زيادة السجدة الواحدة سهوا حاكم على ذلك فانه يدل على بقاء المحل، فلا موضوع للروايتين.
وذكر المرحوم النائيني –قدسسره – ان من المعلوم على المراجع الى أدلة اغتفار زيادة السجدة الواحدة سهوا انها تدل على اغتفارها فيما اذا كان السهو متعلقا الى السجدة، لا فيما اذا أتى بها عمدا للسهو عن أمر اخر كالركوع في المقام، فأدلة الاغتفار لاتشمل الفرض، والقاعدة تقتضي البطلان. وفيه: ان هذا اشتباه في متعلق السهو، فان السهو غير متعلق بالسجدة في شيء من الموارد، حتى موارد الاغتفار بنظره، بل السجدة اوتي بها عمدا واختيارا، وانما السهو متعلق بالزيادة، فالزيادة سهوية، لا ان السجدة سهوية، وتعلق السهو بالزيادة مشترك بين ما كان من جهة السهو في امر اخر وبين مالم يكن كذلك، فمن أتى بالسجدة الثالثة سهوا زاد سجدة واحدة في صلاته سهوا، بعين زيادة السجدة الواحدة سهوا الحاصلة من جهة ترك الركوع سهوا، فلا فرق بينهما من هذه الجهة، فيشمل دليل الاغتفار لكلا الموردين.
وفي اثناء كلامه عبارة وهي «فعلى هذا، فتكون السجدة الواحدة ركنا، بالقياس الى عدم جواز زيادتها لتدارك منسي غيرها» وهذه العبارة، توهم انه –قدسسره – يرى ان الاتيان بالسجدة بعد تدارك الركوع المنسي زيادة، والحال ان الزيادة هي السجود المأتي به بلا ركوع قبله، فلاحظ كلامه وتأمل فيه.
والصحيح شمول ادلة اغتفار زيادة السجدة الواحدة للموارد، ونتيجة ذلك بقاء محل التدارك، فلا تبطل الصلاة بترك الركوع سهوا مالم يدخل في السجدة الثانية، ويؤيد ذلك خبر ابي بصير عن الصادقعليهالسلام قال: اذا أيقن الرجل انه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين أو ترك الركوع
استأنف الصلاة(١) . فانه ظاهر في دخل سجود سجدتين في الحكم، سواء كان من جهة مفهوم الوصف او الشرط. فان التقييد او التعليق بشيء لو كان بصدد بيان الضابط يستفاد منهما المفهوم بلا فرق بينهما، فالرواية دالة على ان بالدخول في السجدة الاولى لايجب الاستئناف. فعلم مما ذكرنا في تقريب المهفوم عدم تمامية ايراد صاحب الجواهر –قدسسره – من ان الوصف لا مفهوم له، والشرط في الرواية اليقين بترك الركعة وسجود سجدتين، وانتفائه انتفاء اليقين بذلك في مورد سجود سجدتين، لا انتفاء السجدتين.
وجه عدم تمايمة ماذكره: (اولا) ما ذكرنا من انه يستفاد من الرواية دخل سجود سجتدين في الحكم، لكونها في مقام القاء القاعدة والضابط، فلو كان من قبيل الوصف ايضا يدل على المفهوم.
(وثانيا) اليقين في الرواية، طريقي لا موضوعي، والرواية غير ناظرة الى بيان مورد الشك بل ناظرة الى بيان ترك الرعة وسجود سجدتين، فايراده –قدسسره – على مفهوم الشرط ليس في محله. كما ان توهم ان المفهوم من قبيل السلب بانتفاء الموضع، فان نفي الشرط هو عدم ترك الركعة وسجود سجدتين، فاسد، لما ذكرنا من دلالة الرواية على دخالة سجود سجدتين في الحكم. وان ترك الركعة انما يضر في مورد سجود سجدتين، ومفهوم الرواية انه لو ترك الركعة ولم يسجد سجدتين لم يستأنف الصلاة، فتدبر جيدا.
واما الزيادة العمدية، فيكفي في وجه البطلان بها خبر أبي بصير: من زاد في صلاته فعليه الاعادة(٢) والقدر المتيقن منها العمد، واما ما قيل من ان وجه البطلان بالزيادة وقوع النقيصة في المأتي به، فان المأمور به مقيد بعدم الزيادة،
____________________
(١) الوسائل: ج٤ باب ١٠ من ابواب الركوع حديث٣.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ١٩ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة حديث٢.
ولم يحصل القيد فحصلت النقيصة، مدفوع، بان اعتبار المانع لايرجع الى اعتبار الشرطية، ووجود الزيادة مانع، لا انه عدمها شرط، وهذا ظاهر.
واما الزيادة عن جهل او سهو في غير الأركان فمقتضى القاعدة وان كان هو البطلان، الا ان صدر «لاتعاد» مثبت للصحة على ما مر. ويستفاد من الروايات الخاصة ايضا، والمهم هو البحث عن زيادة الاركان.
اما زيادة النية، فلا معنى لها بناء على الحق من انها ليست الا الداعي الى العمل، لا الاخطار بالقلب، ولو قلنا بانها الاخطار، فالزيادة فيها لايضر؛ لعدم صدق الزيادة في الصلاة، فان النية خارجة عن الصلاة، وليست مسانخة لأجزاء الصلاة، فلا يصدق على تكرارها الزيادة في الصلاة.
واما زيادة التكبيرة، فتعد من الزيادة في البطلان، فتكون مبطلة لها في صورة العمد. واما غير العمد فالظاهر عدم البطلان بزيادتها كذلك، لشمول «لاتعاد» لها. والدليل الخارجي قد دل على البطلان بنقيصتها، وقد مر، فتبقى الزيادة مشمولة للحديث. ثم انه لو قلنا بكونها مبطلة للصلاة كصورة العمد فهل يمكن احتسابها من تكبير الصلاة، والاتيان بالصلاة بعدها؟ أم لابد من تكبير جديد؟ فقد يقال بانها زيادة، والزيادة منهية، فهي فاسدة للنهي عنها. وفيه: ان النهي ارشادي اولا، ولايدل على الفساد. وثانيا: النهي متعلق بالزيادة لا بالتكبيرة، فالمقام من اجتماع الامر والنهي، لا النهي في العبادة.
وقد يقال بان التكبيرة الزائدة غير مأمور بها، وان لم يكن منهيا عنها، وهذا يكفي في الفساد. وفيه: ان التكبيرة والزيادة موجودتان بوجود واحد، وبتحقق الزيادة تبطل الصلاة، وينتفي المانع من كون التكبيرة مأمور بها، وبعبارة اخرى: مع فرض صحة الصلاة لا تكون التكبيرة مأمور بها، وهذا ظاهر، الا انه لايلزم من ذلك كون الأمر بالتكبيرة مترتبا على بطلان الصلاة بحيث يكون في طوله وفي المرتبة المتأخرة عنه، بل يمكن فرض كون التكبيرة المقارنة للبطلان
مأمور بها فتشملها اطلاقات ادلة التكبيرة، هذا، والاحتياط في محله، من جهة نقل الاجماع على البطلان.
واما زيادة القيام حال التكبيرة، او زيادة القيام المتصل بالركوع فلا تحقق الا بزيادة التكبيرة والركوع، كما هو ظاهر، وقد مر حال زيادة التكبيرة، ويأتي حال زيادة الركوع.
وقد بقي من زيادة الاركان، زيادة الركوع والسجود، وذكروا قبل ذلك زيادة الركعة من جهة ورود النصوص فيها. واستدلوا على البطلان فيها بامور:
الأول: خبر أبي بصير «من زاد في صلاته فعليه الاعادة»(١) ولكنه محكوم بحديث «لاتعاد»، فان الخلل بالزيادة، مندرج في عقد المستثنى منه، والخلل الاتي من الركوع والسجود الواقع في المستثنى انما هو بتركهما، واما زيادتهما فليس خللا في الصلاة من جهة الركوع والسجود، بل انما هو من جهة الزيادة، وبعبارة اخرى: حديث «لاتعاد» دال على صحة الصلاة من جهة وقوع خلل فيها، لو كان الخلل من غير المذكورات في المستثنى. واما فيها فتبطل الصلاة، ومعنى الخلل في الصلاة ترك الاتيان بما اعتبر فيها جزء او شرطا، او الاتيان بما اعتبر فيها قاطعا ومانعا. والركوع والسجود معتبران في الصلاة جزء، فمعنى الخلل من جهتهما ترك الاتيان بهما. وأما زيادة الركوع والسجود قاطعة او مانعة للصلاة والخلل الاتىي منهما انما هو باتيانها، وهذا غير مشمول لعقد الاستثناء، بل داخل في المستثنى منه. فمقتضى ظهور «لاتعاد» صحة الصلاة في جميع مواردالزيادات السهوية، فبحكومتها على الخبر يستكشف اختصاص الخبر بصورة العمد، كالخلل في سائر الاجزاء والشرائط.
الثاني: ما رواه الشيخ عن زرارة وبكير عن أبي جعفرعليهالسلام قال:
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ١٩ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، حديث٢.
اذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة، لم يعتد بها، واستقبل صلاته استقبالا(١) . بل في رواية الكليني اضافة ركعة. ولا يرد على هذا الاستدلال ماورد على سابقه من حكومة «لاتعاد» عليه، فان مورد الرواية الزيادة الغير العمدية كما لايخفى.
الثالث: التعليل في رواية الأعمش: ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته، لأنه قد زاد في فرض الله عز وجل(٢) . والقدر المتيقن من التعليل، زيادة الركعة، ولكن هذا ايضا قابل لكونه محكوما «بلاتعاد» ويؤيد ذلك ان الاتمام في السفر جهلا بالحكم صحيح.
الرابع: خبر عبد الله بن محمد عن أبي الحسنعليهالسلام قال: الطواف المفروض اذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة اذا زدت عليها، فعليك الاعادة(٣) . وهذا ايضا قابل لكونه محكوما «بلا تعاد»، ولاسيما بملاحظة ان الزيادة السهوية في الطواف لاتضر به.
الخامس: ما ورد في صحيحة منصور وخبر عبيد، من انه لايعيد صلاته من سجدة، ويعيدها من ركعة(٤) . بناء على كون الركعة ظاهرة فيها تماما، لا مجرد الركوع المقابل للسجدة، او القول بأن زيادة الركعة تماما مشتملة على زيادة الركوع ايضا. ومورد الروايتين السهو فلا يمكن تحكيم «لاتعاد» عليهما، الا ان الظاهر من الركعة الركوع بقرينة المقابلة. واما القول باشتمال زيادة الركعة على زيادة الركوع، فلا يتم؛ لأنا لو بنينا على عدم البطلان بزيادة الركعة مطلقا، او في الجملة نقول بعدم البطلان في زيادة الركوع اخر الصلاة
____________________
(١) الوسائل: ج٥. باب ١٩ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، حديث١.
(٢) الوسائل: ج٥ باب ١٧ من ابواب صلاة المسافر، حديث٨.
(٣) الوسائل: ج٩، باب ٣٤ من ابواب الطواف، حديث ١١.
(٤) الوسائل: ج٤، باب ١٤ من ابواب الركوع، حديث٢و٣.
على نحو زيادة الركعة. والحكم بالبطلان بزيادة الركوع مختص بمورد الزيادة في الصلاة، لا على الصلاة، كما هو ظاهر الأخبار، فيختص الحكم بزيادة في الأثناء.
السادس: مضمرة الشحّام، قال: سألته عن الرجل يصلي العصر ست ركعات، او خمس ركعات، قال: ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد(١) . وهذه الرواية لابأس بدلالتها، فانحصر الدليل برواية زرارة وبكير ومضمرة الشحام. وقد حكي عن المحقق –قدسسره – الحكم بالصحة بزيادة الركعة ان جلس في الرابعة قدر التشهد، واستدل بامور:
الأول: بأن نسيان التشهد غير مبطل.
الثاني: صحيحة زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن رجل صلى خمسا. فقال: ان كان قد جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته(٢) .
الثالث: صحيحة جميل(٣) وصحيحة محمد بن مسلم(٤) الدالتان على مفاد صحيحة زرارة المتقدمة وقد ظهر حكم زيادة الركوع والسجود مما مر فلا نطيل فراجع المفصلات هذا بعض الكلام في أقسام الخلل، وبعض احكامها بنحو الايجاز.
بيان فروع العلم الاجمالي
قال السيد «رحمهالله »: الاولى: اذا شك في ان ما بيده ظهر او عصر، فان كان قد صلى الظهر بطل ما بيده، وان كان لم يصلها او شك في أنه صلاها، او لا، عدل بها اليها.
____________________
(١) الوسائل: ج٥، باب ١٩ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، حديث٣.
(٢و٣و٤) الوسائل: ج٥ باب ١٩ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة حديث٤و٦و٥.
أقول: اما وجه وجوب العدول في الصورة الثانية فظاهر؛ لاحرازه امتثال الامر بالظهر حينئذ. واما وجه البطلان في الصورة الاولى، فقد ذكروا في ذلك ان ما بيده لايصح ظهرا لانه قد صلاها، ولا عصرا لعدم احراز نيتها، ولا مجال لاحرازها بقاعدة التجاوز؛ لان صدق التجاوز يتوقف على احراز العنوان، وهو موقوف على النية، فلايمكن اثباتها به، فالحكم البطلان.
وفصل الماتن -قدسسره - في مبحث النية في هذه المسألة «مسألة ١٩»، بين مالو رأى نفسه في صلاة العصر وشك في انه من الأول نواها او نوى غيرها، وبين مالو كان شاكا بالفعل بالنسبة الى مابيده. واختار سيدنا الاستاذ - مدّ ظله - ايضا هذا التفصيل. وافاد في وجه ذلك ان محل نية العصر وان كان قبل صلاة المعنونة بالعصر، واحراز التعنون بصلاة العصر موقوف على احراز النية، فلا تجري القاعدة في النية مطلقا. الا انه لو رأى نفسه في صلاة العصر وشك في انه من الأول بأي نية شرع في الصلاة، فيمكن اجراء القاعدة في المنوي لا في النية، وهي الأجزاء السابقة. فانا نشك في وجود تكبيرة موافقة للأمر وعدمه، فتشملها القاعدة، لأنها كما تشمل الشك في الوجود تشمل الشك في الموجود ايضا، بل الشك في الموجود يرجع حقيقة الى الشك في الوجود، وقد حقق ذلك في محله. لكن ما افاده وان كان تاما بالنسبة الى تصحيح الاجزاء السابقة، الا انه لايتم بالنسبة الى تصحيح الاجزاء الاتية، فان صحتها موقوفة علىاحراز ان الداعي اليها هي نية الصلاة بنحو المجموع من الأول، ولايمكن احراز ذلك بالقاعدة.
وجه بعض الأكابر -قدسسره - حكمه بالصحة في الفرض، بان النية موجودة لم تتخلف، فان الداعي للشخص، وهو امتثال امره الواقعي، المتعلق بما هو في يده. وقد أخطأ التطبيق. وفيه: ان الخطأ في التطبيق انما يتصور في ما اذا لم يعتبر قصد العنوان في المأمور به، كمسألة الاقتداء، وفي المقام يعتبر ذلك فيه،
فان تعنون صلاة الظهر بها موقوف علىالاتيان بها بهذا العنوان، فلا معنى للخطأ في التطبيق في ذلك، ولذا بنينا على ان العدول من صلاة الى صلاة في مورد تذكر عدم الاتيان بها ولزوم الاتيان بها اولا، او مورد تذكر الاتيان بالمعدول عنه، والاستغناء عنه على خلاف القاعدة والنص يصحح العدول من اللاحقة الى السابقة، لا العكس، وان علم الاتيان بالسابقة اثناء الاشتغال بها، مع ان تعليل المذكور للحكم بالصحة جار في هذا ايضا، بل لا حاجة الى العدول لحصول النية من الأول، وانما حصل الاشتباه في التطبيق، بناء على هذا القول. ومن هنا ظهر عدم تمامية ما افاده الماتن -قدسسره - في مسألة «٣٠» من مسائل النية، فلاحظ.
فالمتحصل مما ذكرناه بطلان الصلاة في مفروض المسألة، لعدم احراز قصد العنوان وعدم امكان تصحيح الصلاة بقاعدة التجاوز، لا من جهة عدم جريانها في النية حتى يقال بكفاية جريانها في المنوي. ولا من جهة عدم جريانها في موارد الشك في الموجود حتى يقال بان الشك في الموجود ايضا راجع الى الشك في الوجود، او استفادة العموم من دليل القاعدة. ولا من جهة عدم احراز نشوء العمل عن قصد العنوان حتى يقال بعدم اعتبار ذلك، بل لان صحة الاجزاء اللاحقة موقوفة على الاتيان بمجموع هذه الصلاة، من اولها الى اخرها بقصد العنوان، والقاعدة لاتثبت ذلك؛ لعدم جريانها في النية وعدم اثبات ذلك بجريانها في المنوي، الا على القول بالاصل المثبت. والحاصل ان تعنون عنوان العصرية مثلا موقوف على قصد عنوان العصرية، فلابد من احراز ذلك، ولايمكن الاحراز بقاعدة التجاوز بالنسبة الى مامضى، كما هو واضح، بل الاحراز بجريان القاعدة دوري.
قال: الثانية: اذا شك في أن ما بيده مغرب أو عشاء، فمع علمه
باتيان المغرب بطل ومع علمه بعدم الاتيان بها او الشك فيه، عدل بنيته اليها ان لم يدخل في ركوع الرابعة، والا بطل أيضا.
اقول: الوجه في هذه المسألة عين الوجه في المسألة السابقة. نعم تمتاز هذه المسألة عن سابقتها بانه لو حصل العلم بعدم الاتيان بالمغرب بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة فانه لايمكن العدول حينئذ، بل لا مصحح لهذه الصلاة الا على مبنى الميرزا النائيني -رحمهالله - من سقوط شرطية الترتيب، ولكن لاتصح هذه الدعوى، اذ الترتيب المعتبر انما هو بين الصلاتين بتمام اجزائهما، ولا دليل على سقوطه بينهما بالنسبة الى ما لم يؤت به من الأجزاء.
لا اقول: ان دليل الترتيب يعتبر الترتيب بين اجزاءالصلاة حتى يقال بأن هذا خلاف الظاهر وان الترتيب المعتبر انما هو بين الصلاتين ولايمكن احرازه الا باعادة الصلاة. بل أقول بأن الترتيب، وان كان معتبرا بين الصلاتين الا ان اعتباره انما هو بالنسبة اليهما بنحو جميع الاجزاء لا مجموع الأجزاء. فالترتيب معتبر بين الجميع والجميع، لا المجموع والمجموع، فتدبر جيدا.
قال: الثالثة: اذا علم بعد الصلاة او في اثنائها انه ترك سجدتين من ركعتين سواء كانتا من الأولتين او الأخيرتين صحت وعليه قضاؤهما وسجدتا السهو مرتين، وكذا ان لم يدر انهما من أي الركعات بعد العلم بأنهما من الركعتين.
اقول: وجهه، ان السلام مفرغ، ففات محل التدارك، حتى بالنسبة الى الركعة الأخيرة. نعم لو كان قبل السلام واحتمل تركها من الركعة الأخيرة يأتي بها ويقضي الاخرى بعد السلام ويسجد سجدتين بناء على القول بها
لسقوط قاعدة التجاوز بالنسبة الى ما يأتي بها في الأثناء.
قال: الرابعة: اذا كان في الركعة الرابعة مثلا وشك في ان شكه السابق بين اثنتين والثلاث كان قبل اكمال السجدتين او بعدهما بنى على الثاني، كما أنه كذلك اذا شك بعد الصلاة.
أقول: والاقوى لزوم اعادة الصلاة، وجواز رفع اليد عما بيده في الأثناء. فان رجوع هذا العلم الاجمالي الى انه هل يسقط الامر باتيان هذا الفرد اولا، بل لابد من الاعادة. والشك انما هو في فردية الفرد كونه مسقطا للأمر. نعم على فرض كونه مسقطا لابد من اتمامها والاتيان بالركعة المفصولة. وهذا حكم موضوعه نفس ذلك الشك. وقاعدة الاشتغال بالصلاة تقتضي لزوم الاعادة، ولزوم اتمام الصلاة والاتيان بالركعة يدفع بأصالة البراءة. ولا معارضة بين أصالة الاشتغال بالنسبة الى الاعادة، واصالة البراءة بالنسبة الى الاتمام. بل الثاني في طول الأول، ويقدم الأول عليه، وينحل العلم الاجمالي.
قال: الخامسة: اذا شك في الركعة التي بيده اخر الظهر، أو أنه أتمها وهذه أول العصر، جعلها اخر الظهر.
أقول: لأصالة الاشتغال بالنسبة اليه.
قال: السادسة: اذا شك في العشاء بين الثلاث والأربع، وتذكر انه سها عن المغرب، بطلت صلاته، وان كان الاحوط اتمامها عشاء، والاتيان بالاحتياط، ثم اعادتها بعد الاتيان بالمغرب.
أقول: الوجه في البطلان ان اتمامها عشاء مستلزم لعدم مراعاة الترتيب بين
صلاة المغرب وباقي العشاء، ولايمكن العدول من العشاء الى المغرب في مفروض المسألة. فلا مصحح لهذه الصلاة، ومع التنزل عن ذلك والحكم بصحة صلاة اللاحقة اذا لم يكن العدول الى السابقة وان لا يراعى الترتيب بينهما بالنسبة الى الأجزاء الاتية نقول: الامر حينئذ يدور بين وجوب العدول الى المغرب ووجوب اتمام العشاء، ولايمكنه الجمع بينهما، والتخيير لايحرز به الامتثال، والرجوع الى أدلة العلاج موقوف الى احراز الرباعية، والمفروض انه مردد بين وجوب العدول حتى تكون الصلاة ثلاثية، ووجوب الاتمام حتى تكون رباعية. واحراز الثاني بأدلة العلاج دوري، الا ان يقال: انه مشغول باتيان الرباعية وجدانا، وبالعدول تنقلب الرباعية الى الثلاثية،
فيمكننا التمسك بالعلاج. لكن مع ذلك، لايمكنه الرجوع الى أدلة العلاج؛ للعلم بعدم جعل صلاة الاحتياط في حقه، فانها تتميم مانقص، ومع النقصان لابد من العدول.
والتحقيق ان الترتيب، شرط احرازي لا واقعي، فمع احراز امكان العدول لابد منه، ومع عدمه - كما في المقام - دليل اعتبار الترتيب ساقط، فليس لنا علم اجمالي بوجوب العدول او اتمام الصلاة، فيصح اتمام الصلاة عشاء، والاتيان بصلاة الاحتياط، ولايحصل العلم بعدم جعل الاحتياط في حقه، بل خلاقه معلوم؛ لعدم شمول دليل الترتيب المقام.
قال: السابعة: اذا تذكر في اثناء العصر انه ترك من الظهر ركعة، قطعها وأتم الظهر، ثم اعاد الصلاتين. ويحتمل العدول الى الظهر، بجعل مابيده رابعة لها، اذا لم يدخل في ركوع الثانية. ثم اعادة الصلاتين. وكذا اذا تذكر في اثناء العشاء انه ترك من المغرب ركعة.
اقول: اما مع امكان العدول فنحكم بالعدول الى الركعة الفائتة لاطلاق
دليله٠ ومع عدم الامكان٠ فان كان هذا من جهة فعل االمنافي بين الصلاتين تبطل الظهر،فلابدمن العدول الى الظهر، والاتيان بها ظهرا٠ ولو كان من جهة تجاوز محل العدول، فلو قلنا بان زيادة الركن ، مبطل للصلاة وان لم يكن بقصد الجزئية فتبطل الظهر، ولابدمن العدول، اليه٠ ومع عدم القول بذلك ، فيؤتي بالركعة اثناء العصر الاان يقال انه لم يعهد مثل هذه الصلاة في الشريعة المقدسة، فيحكم ببطلان صلاة الظهرولزوم العدول، فلايستقيم شيء مما ذكر في المتن٠ والمختار لزوم العدول وتتميمها ظهرا لبطلان الظهر بالزيادة، فيشملها دليل العدول٠ وسند عدم اعتبار قصد الجزئية في زيادة الاركان ما روي في بطلان الصلاة بالاتيان بسجدة آية العزيمة فيها، معللا بانها زيادة في الفريضة، مع امكان دعوى عدم اعتبار ذلك في مطلق الزيادة لعدم حصول الجدّ بذلك بالنسبة الى العالم، والجاهل القاصر مشمول لدليل(لاتعاد).
وكذلك الجاهل المقصر لوزاد في الصلاة سهوا، فتبقى الزيادة العمدية بالنسبة الى الجاهل المقصر تحت دليل من زاد، وهذامن اخراج الاكثر المستهجن. فالزيادةاضافة مايشبه الاجزاء اليها، سواء كانت بقصد الجزئيةاو لا. فمثل حك الجسد خارج عنه تخصصا. نعم الجاهل القاصر و الساهي خارج عنه بدليل(لاتعاد). والعالم العامد في مثل القراءة والاذكار خارج بدليل خاص، ولايحصل الجد بالجزئية منه، في مثل ذلك ايضا كما مر. فالخارج هو القراءة والذكر، والحال انه لم يقصد به الجرئية لعدم امكانه. ويبقى العالم العامد في غير ذلك، والجاهل الامقصر تحت الدليل، ولااستهجان.
قال: الثامنة: اذاصلى صلاتين، ثم علم نقصان ركعة اوركعتين من احداهما، من غير تعيين، فان كان قبل الاتيان بالمنافي ضم الى الثانية ما يحتمل من النقص ثم اعاد الاولى فقط بعد الاتيان بسجدتي
المهو لاجل السلام احتياطا، وان كان بعد الاتيان بالمنافي، فان اختلفتا في العدداعادهما، والااتى بصلاة واحدة، بقصد ما في الذمة.
اقول: مفروض الكلام ما اذا كان الاتيان بالمنافي تعد الثانية، سواء اتى بالمنافي تعد الاولى ام لا. وماذكره هو الصحيح، تحصيلا للقطع بالفراغ بعد كون الاشتغال معلوما. ولايبعد في الصورة الاولى جواز الاتيان بالمنافي، ثم العمل بما ذكر في الصورة الثانية. وقد افيدانه مع عدم الاتيان بالمنافي بعدهما يمكن الاكتفاء بركعة متصلا، اوركعتين متصلتين بقصد ما في الذمة. وهذامبني على جواز اقحام الصلاة في الصلاة، وهو خلاف التحقيق، لتخلل الزيادة على ما مر، والاخلال بالموالاة.
قال: التاسعة: اذاشك بين الاثنتين والثلاث، او غيره من الشكوك الصحيحة، ثم شك في الركعة التي بيده آخر صلاته، او اولى صلاة الاحتياط، جعلها آخر صلاته واتم ثم اعاد الصلاة احتياطا، بعد الاتيان بصلاة الاحتياط.
اقول: وجه هذه المسألة ايضا جريان قاعدة الاشتغال فيها، بلا وجوداصل مرخص. نعم قيل: ان مقتضى اصالة عدم الاتيان بالمنافي عدم الاعتناء باحتمال الفصل، فلا تجب اعادة الصلاة لكنها من الاصل المثبت، فان اصالة عدم الاتيان بالمنافي لا يدفع احتمال الفصل وجدانا، وهو واضح، ولا تعبدا لعدم كونها موضوعا له في دليل شرعي. نعم يمكن الاحتياط بوجه آخر،
وهو الاتيان بالركعة بقصد ما في الذمة ثم الاتيان بصلاة الاحتياط، وحينئذ لاتجب اعادة الصلاة للقطع بعدم تحقق الفصل.
قال: العاشرة: اذا شك في ان الركعة التي بيده رابعة المغرب، او انه سلم على الثلاث وهذه اولى العشاء، فان كان بعد الركوع بطلت ووجب عليه اعادة المغرب. وان كان قبله يجعلها من الغرب ويجلس ويتشهد ويسلم، ثم يسجد سجدتي السهو لكل زيادة من قوله(بحول الله) وللقيام و للتسبيحات احتياطا، وان كان في وجوبها اشكال من حيث عدم علمه بحصول الزيادة في المغرب.
اقول: ما افاده في هذه المسالة ايضا مقتضىقاعدة الاشتغال بالنسبة الى اصل الصلاة، واصل البراءة بالنسبة الى سجدتي السهو، بناء على وجوبهما لكل زيادة. والمراد بالبطلان عدم امكان
التصحيح، فلا يجوز الشروع في اعادة المغرب بلا فصل بعد الشك المزبور، الا بعد فوات الموالاة، او الاتيان بمناف آخر للصلاة، ووجهه ظاهر.
وهنا كلام لبعض الاساتيذ، وهو الحكم بصحة المغرب ووجوب استئناف العشاء لجريان قاعدة التجاوز بالنسبة الى صلاة المغرب. وفيه ان صدق التجاوز موقوف على احراز تحقق المغرب و الفراغ منه بالتشهد و التسليم، و المفروض وقوع الشك فيه.
قال: الحادية عشرة: اذا شك وهو جالس بعد السجدتين بين الاثنتين و الثلاث، وعلم بعدم اتيان التشهد في هذه الصلاة، فلا اشكال في انه يجب عليه ان يبني على الثلاث، لكن هل عليه ان يتشهد ام لا وجهان، لايبعد عدم الوجوب، بل وجوب قضائه بعد الفراغ،
اما لانه مقتضى البناء على الثلاث، واما لانه لا يعلم بقاء محل التشهد، من حيث ان محله الركعة الثانية، وكونه فيها مشكوك بل محكوم بالعدم. واما لو شك وهو قائم بين الثلاث و الاربع مع علمه بعدم الاتيان بالتشهدفي الثانية فحكمه المضي و القضاء بعد السلام، لان الشك بعد تجاوز محله.
اقول: لايخفى ما في التعليل الاخير، فان المفروض العلم بعدم اتيان التشهد، الا ان يكون المراد ان الشك بين الثلاث و الاربع بعد تجاوز محل التشهد، أي الركعة الثانية، فلا يمكن تدارك التشهد في الصلاة، ويجب قضاؤه بعدها.
وكيف كان، الحكم في الصورتين البناء على الاكثر، وعدم الاتيان بالتشهد في اثناء الصلاة، ووجوب قضائه بعد الفراغ، لما ذكره اولا، بانه مقتضى البناء على الاكثر. ولا يخفى ضعف ما علل به ثانيا، فان نفس الشك في المحل لا يوجب الحكم بعدم وجوب التشهد، فانه من التمسك بالمخصص في موارد شبهات مصداقه، واصالةالبراءة لا بجري بعد الجزم بالاشتغل، و استصحاب عدم المحل الذي اشار اليه بقرله:(بل محكوم بالعدم) من قبيل استصحاب العدم الازلي، ولا يصح.
قال: الثانية عشرة: اذا شك في انه بعد الركوع من الثالثة او قبل الركوع من الرابعة، بنى على الثاني لانه شاك بين الثلاث و الاربع، ويجب عليه الركوع لانه شاكّ فيه مع بقاء محله، وايضا هو مقتضى البناء على الاربع في هذه الصورة. واما لوانعكس، بان كان شاكا في انه قبل
الركوع من الثالثة او بعده من الرابعة، فيحتمل وجوب البناء على الاربع بعد الركوع فلا يركع، بل يسجد ويتم، وذلك لان مقتضى البناء على الاكثر البناء عليه من حيث انه احد طرفي شكه، وطرف الشك، الاربع بعد الركوع، لكن لا يبعد بطلان صلاته لانه شاك في الركوع من هذه الركعة، ومحله باق، فيجب عليه ان يركع، ومعه يعلم اجمالا انه اما زاد ركوعا او نقص ركعة، فلا
يمكن اتمام الصلاة، مع البناء على الاربع و الاتيان بالركوع مع هذا العلم الاجمالي.
اقول: الظاهر عدم امكان تصحيح الصلاة في الصورة الاولى بوجه، فانه لو لم يركع وبنى على الاربع، يعلم تفصيلا بان سلامه يقع على صلاة باطلة، اما لنقص الركعة، او الركوع، ومعه لا موضوع لادلة العلاج. ولو ركع يعلم بعدم جعل الاحتياط في حقه، لانه اتمام للنقص، و المفروض انه مع فرض النقص و الاحتياج الى الركعة، الصلاة باطلةبزيادة الركوع. و الرجوع الى الاستصحاب لامجال له، بعد الغاء الشارع الاستصحاب في الشك في الركعات. ولابد من الحكم بالبطلان في الصورة الثانية ايضا، فانه لو اتى بالركوع وبنى على الاربع، يعلم تفصيلا بان سلامه يقع على صلاة باطلة اما لنقص الركعة، او زيادةالركوع، ومعه لا موضوع لادلة العلاج. ولو لم يات به يعلم بعدم جعل الاحتياط في حقه، لانه اتمام للنقص، و المفروض انه مع فرض النقص و الاحتياج الى الركعة تبطل الصلاة بنقص الركوع. نعم يمكن ان يقال في هذه الصورة، بامكان تصحيح الصلاة، بالاتيان بالركوع، و البناء على الاربع. و القول بان سلامه يقع على صلاة باطلة، لا يصح، فان السلام على الركعة الثالثة عند الشك في الركعات لا يقع على صلاة باطلة،
لجبر الركعة الناقصة بصلاة الاحتياط. وكيف كان الاحتياط حسن على كل حال.
قال: الثالثة عشرة: اذا كان قائما وهو في الركعة الثانية من الصلاة وعلم انه اتى في هذه الصلاة بركوعين، ولا يدري انه اتى بكليهما في الركعة الاولى حتى تكون الصلاة باطلة، او اتى فيها بواحد واتى بالاخرى في هذه الركعة، ومحله باق، فيجب عليه ان يركع، مع انه اذا ركع يعلم بزيادة ركوع في صلاته، ولا يجوز له ان لا يركع مع بقاء محله، فلا يمكنه تصحيح الصلاة.
اقول: التعليل المذكور لا يصح، للعلم بعدم شمول قاعدة الشك في المحل للمورد، فان الامر دائر بين بطلان الصلاة، فلا موضوع لوجوب الركوع في الركعة الثانية وبين سقوط الامر بالركوع، لانه اتى به، فلا يجب الركوع في الركعة الثانية جزما. نعم قاعدة الاشتغل بالنسبة الى اصل الصلاة تقتضي تحصيل الجزم بالفراغ. ومع عدم وجود اصل يقتضي صحة الصلاة تجب اعادتها بحكم العقل، الا ان يقال: ان الجزم بعدم لزوم الاتيان بالركوع واصالة الصحة في الصلاة يقتضيان جواز اتمام الصلاة بلا ركوع لهذه الركعة، ولا يلزم اثبات تحقق الركوع في الركعة الثانية، حتى يقال بان الاصل مثبت، ولا يلزم اثبات عنوان عدم تحقق ركوعين ايضا، بل نفس التعبد بصحة الصلاة الى الآن، و الجزم بعدم لزوم الركوع كاف في جواز اتمام الصلاة بلا ركوع جديد في الثانية، بلا حاجة الى اثبات اي عنوان آخر لازم، او ملازم لمجرى الاصل.
لا اقول بان الحكم بصحة الصلاة من جهة قاعدة الفراغ في الركوع، فان
القاعدة لا تثبت تحقق الركوع في الركعة الثانية، ولا تثبت عدم زيادة الركوع في الاولى، فما افاده بعض اساتيذنا لوجه صحة الصلاة لايتم. وبعبارة اخرى: منشأ بطلان هذه الصلاة اما زيادة الركوع في الاولى او نقص الركوع في الثانية ولاثالث، والاصل يقتضي عدم زيادة الركوع في الاولى للتجاوز عن محله، والجزم بعدم الاشتغال بركوع الثانية في هذه الصلاة موجب لعدم شمول قاعدة المحل لها، فاتمام الصلاة بلا ركوع جديد في الثانيةمطابق للقواعد، وان كان الاحتياط في الاتمام ثم الاعادة.
قال: الرابعة عشرة: اذا علم بعد الفراغ من الصلاة انه ترك سجدتين، ولكن لم يدر انهما من ركعة واحدة او من ركعتين، وجب عليه الاعادة، ولكن الاحوط قضاء السجدة مرتين،وكذا سجود السهو مرتين اولا، ثم الاعادة، وكذا يجب الاعادة اذا كان ذلك في اثناء الصلاة والاحوط اتمام الصلاة، وقضاء كل منهما، وسجود السهو مرتين، ثم الاعادة.
اقول: هذه المسالة من افراد دوران الامر بين بطلان الصلاة بترك ركن وبين لزوم قضاء ما يجب القضاء بتركه، او لزوم سجدتي السهو بترك ما يوجبه تركه وفوت محل التدارك. والصحيح انه لابد من اعادة الصلاة، لعدم المصحح لها مع الاشتغال بها، وعدم وجوب القضاء او السجدتين للسهو، لاصالة البراءة.
ولا يتم ما افاده بعض من ان وجه لزوم الاعادة اصالة عدم الاتيان، لانه يرد عليه بانها معارضة بمثلها، مع انه. بعد معارضة القواعد المصححة تصل النوبة الى اصالة الاشتغال، ولا معنى لاصالة العدم الا ان يراد بها قاعدة الاشتغال
فالوجه الصحيح للبطلان هو ان الترديد في المقام راجع الى الترديد في سقوط الامر بالصلاة وثبوت امر آخر بالقضاء او سجدتي السهو. وفي عدم سقوطه وعدم ثبوت امر آخر وكما دار الامر بين السقوط وعدم الثبوت ينحل العلم الاجمالي لجريان قاعدة الاشتغال في الاول، واصالة البراءة في الثاني.
واما ما ذكره بعض الاعاظم ـقدسسره من ان العلم الاجمالي منحل بالقطع الوجداني و الشك البدوي، فان الاشتغال بالجزء الغير الركني معلوم سواء اتى بالركن او تركه، فانه اما لم يؤت به اصلا، او لم يؤت به على وفق امره، فلا تجري القاعدة فيه، وتجري في الجزء الركني. ففيه ان العلم الاجمالي، لا يوجب انحلال نفسه، الا على وجه دائر، ويلزم من جريان القاعدة في الجزء الركني انقلاب العلم التفصيلي شكا، ويلزم منه عدم جريان القاعدة في الاول ايضا لسقوطها بالمعارضة.
واما ما ذكره الاستاذ من ان ترتب الاثر على ما ليس اثره البطلان، موقوف على جريان
القاعدة فيما اثره البطلان. فهذا مدفوع لوجهين:
(الاول) ان قاعدة التجاوز توجب صحة حيثيته لا مطلقة. وبعبارة اخرى: عند الشك في الركوع مفاد القاعدة (بلى قد ركع)(١) واما صحة سائر الاجزاء، فلابد فيها من مؤمن آخر، ولا يرتبط احدهما بالآخر. نعم لا تجري القاعدة في صلاة محرز البطلان، لعدم ترتب اثر عليها. واما في صلاة يمكن تصحيحها، فلا مانع من جريانها في الجزء الغير الركني في عرض تصحيح الصلاة، بجريان القاعدة في الجزء الركني، لاندفاع محذور اللغوية بجريانهما في عرض واحد. (الثاني) الطولية لا توجب عدم جريانها في المتاخر بعد عدم كون الملازمة شرعية، فان جريانها فيما اثره البطلان يثبت الصحة، وجريانها في الآخريثبت
____________________
(١) هذه القاعدة هو مضمون ما ورد في الوسائل: ج٤ ، باب١٣،من ابواب الركوع.
عدم القضاء و السجدتين، ولا ربط بينهما شرعا. نعم لا يجري في الاخير، الا بعد جريانها في الاول على الفرض، الاانه بعد جريانها في الاول لامانع من جريانها في الثاني. والحاصل: القول بالصحة لجري القاعدة في ما أثره البطلان اعتراف بجريها في ما ليس أثره ذلك، وإن قلنا باعتبار صحة العمل من سائر الجهات في جري القاعدة، لتحقيق موضوعها، وهو الصحة من سائر الجهات بجريها في الاول.
وبعبارة اخرى: انا وان سلمنا ما افاده من ان ترتب الاثر فيما ليس له البطلان متوقف على جريان القاعدة فيما اثره البطلان لعدم احراز الصحة بدونه، الاانه بناء على ذلك لازم جريان القاعدة فيما اثره البطلان، عدم جريانها فيه، فانه بجريانها فيه يحرز صحة العمل، ومعها تجري القاعدة فيما ليس اثره البطلان ايضا، فتتعارض القاعدتان وتسقطان معا. فالصحيح الحكم بالبطلان في مفروض المسألة. واما مع بقاء المحل بالنسبة الى احدهما، او عدم ترتب اثر على فوت الجزء الغير الركني، فالامر واضح، وينحل العلم الاجمالي، وتصح الصلاة.
قال: الخامسة عشرة: ان علم بعد ما دخل في السجدة الثانية مثلا، انه اما ترك القراءة او الركوع، اوانه اما ترك سجدة من الركعة السابقة او ركوع هذه الركعة، وجب عليه الاعادة لكن الاحوط هنا ايضا اتمام الصلاة وسجدتي السهو في الفرض الاول، وقضاء السجدة مع سجدتي السهو في الفرض الثاني، ثم الاعادة. ولو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة، فكذلك.
اقول: ظهر مما ذكرنا في المسألة السابقة، انه في الفرض الاول يحكم بصحة
الصلاة، لعدم ترتب اثر على ترك القراءة سهوا، وعدم وجوب سجدتي السهو فيه ايضا، فتكون جريان القاعدة في الركوع بلا معارض. واما في الفرض الثاني فينحل العلم الاجمالي بجريان الاشتغال بالنسبة الى الجزء الركني وهو الركوع، واصالة البراءة بالنسبة الى قضاء السجدة. وبالجملة حكم هذه المسالةيظهر من التفصيل الذي ذكرناه في المسالة السابقة، فلا حاجة الى اعادة التفصيل.
قال: السادسة عشرة: لو علم بعد الدخول في القنوت، قبل ان يدخل في الركوع، انه اما ترك سجدتين من الركعة السابقة، او ترك القراءة، وجب عليه العود لتداركهما، و الاتمام، ثم الاعادة.
اقول: الظاهر وجوب العود لتداركهما و الاتمام، وعدم وجوب الاعادة. فانه بعد تعارض القاعدتين، والاصول المرخصة لا بد من العود للتدارك، قضية للاشتغال، وبعد الاتيان بهما لو كان العلم الاجمالي بترك السجدتين او القراءة على نحو منع الخلو، تتم صلاته ولا شيء عليه، لاحتمال
عدم الاتيان بهما معا. ولو علم اجمالا باتيان احدهما ايضا، فيحصل العلم الاجمالي بزيادة السجدتين عمدا او زيادة القراءة سهوا، لانه لو اتى بالسجدة فالثانية زيادة عمدية، ولو لم يات بها وابى بالقراءة فالقراءة الاولى زيادة زيادة سهوية، لوقوعها في غير محلها، والثانية واقعة في محلها. فلو قلنا بان لكل زيادة ونقيصة سجدتين، تقع الصلاة باطلة، لعدم المصحح لها بعد حصول العلم الاجمالي بالبطلان، او لزوم السجدتين، المنحل بقاعدة الاشتغال في الاول واصالة البراءة في الثاني. ولو لم نقل بذلك، فمقتضى اصالة عدم زيادة السجدتين صحة الصلاة لعدم معارضتها باصالة عدم زيادة القراءة، لعدم ترتب اثر عليها. وحيث ان الصحيح عدم وجوب السجدتين لكل زيادة ونقيصة، فلا نحكم بلزوم اعادة الصلاة. وما
افاده الماتن فدس سره ، مبني على ما اختاره في سجدتي السهو، من وجوبهما لكل زيادة ونقيصة.
ثم قال: ويحتمل الاكتفاء بالاتيان بالقراءة، والاتمام من غير لزوم الاعادة، اذا كان ذلك بعد الاتيان بالقنوت، بدعوى ان وجوب القراءة عليه معلوم، لأنه، اما تركها او ترك السجتدين، فعلى التقديرين يجب الاتيان بها، ويكون الشك بالنسبة الى السجدتين بعد الدخول في الغير الذي هو القنوت.
أقول: ما ذكره مبني على القول بامكان انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي المتولد منه. واما على القول بعدم الامكان، للزوم الدور والخلف والمحال كما مر، فلا يكون العلم بوجوب القراءة على أي حال، موجبا لجريان القاعدة في السجدتين بلا معارض. فالصحيح ما مر من لزوم العود لتداركهما وعدم وجوب الاعادة، الا اذا قلنا بلزوم سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة، وحينئذ تجب الاعادة، ولاتجب العود للتدارك. هذا ولايخفى ان محقق التجاوز عن السجدتين القيام لا القنوت، ولعل ما ذكره من سهو القلم.
ثم قال: واما اذا كان قبل الدخول في القنوت، فيكفي الاتيان بالقراءة، لان الشك فيها في محلها، وبالنسبة الى السجدتين بعد التجاوز.
اقول: ما افاده هو الصحيح، ووجهه ظاهر كما بينه.
ثم قال: وكذا الحال لو علم بعد القيام الى الثالثة انه اما ترك السجدتين او التشهد، او ترك سجدة واحدة او التشهد. واما لو كان قبل القيام فيتعين الاتيان بهما مع الاحتياط بالعادة.
اقول: ظهر مما مر انه لا فرق بين صورة قبل القيام وبعده في هذه المسألة، ولاتجب اعادة الصلاة في شيء منهما، للزوم تدارك اطراف العلم الاجمالي في كلتا الصورتين وكلتا المسألتين. وبعد التدارك يحصل العلم الاجمالي بالزيادة العمدية في السجدتين في الاولى، والسجدة الواحدة في الثانية، والزيادة السهوية بالنسبة الى التشهد. وحيث انه لا اثر للزيادة السهوية في التشهد حتى وجوب سجدتي السهو تجري اصالة عدم الزيادة في السجدة، بلا معارض كما مر. نعم على مبناه -رحمهالله - من وجوب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة، تعارض الاصل المذكور اصالة عدم زيادة التشهد، وبعد تساقطهما تصل النوبة الى قاعدة الاشتغال بالنسبة الى الزيادة العمدية واصالة البراءة عن سجدتي السهو، فلابد حينئذ من اعادة الصلاة بلا حاجة الى تداركهما.
قال: السابعة عشرة: اذا علم بعد القيام الى الثالثة انه ترك التشهد، وشك في انه ترك السجدة ايضا، ام لا. يحتمل ان يقال: يكفي الاتيان بالتشهد، لان الشك بالنسبة الى السجدة بعد الدخول في الغير الذي هو القيام، فلا اعتناء به، والاحوط الاعادة بعد الاتمام سواء أتى بهما او بالتشهد فقط.
اقول: لا يعتبر الدخول في الغير، في جريان قاعدة التجاوز، بل نفس الفراغ
والتجاوز كاف فيه، فالأقوى ماذكره من الاحتمال، لتحقق التجاوز. ولو اعتبرنا الدخول في الغير فيه، وقلنا بان الغير هو الغير المترتب، كما قيل، لاتجري القاعدة، وحينئذ تجب الاتيان بالسجدة، وبعدها التشهد كما لايخفى.
قال: الثامنة عشرة: اذا علم اجمالا انه أتى باحد الأمرين من السجدة والتشهد من غير تعيين، وشك في الاخرى، فان كان بعد الدخول في القيام لم يعتن بشكه، وان كان قبله يجب عليه الاتيان بهما؛ لانه شاك في كل منهما مع بقاء المحل، ولايجب الاعادة بعد الاتمام، وانه كان احوط.
اقول: ما ذكره في الصورة الاولى ظاهر، لصدق الشك بعد المحل، وايضا ما حكم به في الصورة الثانية هو الصحيح. وتوهم انه مع هذا العلم تحصل زيادة في الصلاة، مدفوع بأنها لاتكون عمدية، بل بعد الاتيان بهما يحصل العلم الاجمالي بأنه اما زاد سجدة عمدا او زاد تشهدا سهوا، فانه على فرض عدم الاتيان بالسجدة يكون التشهد زائدا ولابد من اعادتها ايضا، وعليه لايكون التشهد الثاني زائدا، بل الزئد التشهد الاول، وقد أتى به سهوا.
وحينئذ، لو قلنا بوجوب سجدتي السهو لكل زياد ونقيصة، كما بنى عليه الماتن، يجب الاتيان بهما، واعادة الصلاة. فما ذكره من عدم وجوب الاعادة لايتم على مبناه. واما على ما هو
الصحيح من عدم وجوب سجدتي السهو يكون الشك في زيادة السجدة عمدا شكا بدويا، يدفع بالأصل، ولا اثر لزيادة التشهد سهوا، فلا حاجة الى الاعادة، هذا.
وقد ذكر الاستاذ في التعليقة، انه يجب عليه الاتيان بالتشهد فقط، لان السجدة اما قد اتى بها، او ان الشك فيها بعد تجاوز المحل. وهذا غريب، فان
مفاد قاعدة التجاوز، التعبد بوقوع ماشك فيه، كما يظهر من قولهعليهالسلام : «بلى قد ركع»، فلا تجري في المقام، لان معنى جريانها التعبد بالوقوع في فرض عدم الوقوع جزما، والمفروض ان مجرى القاعدة والتعبد الشك لا القطع.
قال: التاسعة عشرة: اذا علم انه اما ترك السجدة من الركعة السابقة او التشهد من هذه الركعة، فان كان جالسا ولم يدخل في القيام أتى بالتشهد واتم الصلاة وليس عليه شيء، وان كان حال النهوض الى القيام او بعد الدخول فيه مضى وأتم الصلاة، وأتى بقضاء كل منهما مع سجدتي السهو، والاحوط اعادة الصلاة ايضا. ويحتمل وجوب العود لتدارك التشهد والاتمام، وقضاء السجدة فقط مع سجود السهو، وعليه ايضا الأحوط الاعادة أيضا.
اقول: اما ما ذكره في الصورة الاولى فواضح؛ لانحلال العلم الاجمالي بلزوم الاتيان بالتشهد لكون شكه في المحل، وعدم لزوم تدارك السجدة لكون شكها بعد المحل. واما في الصورة الثانية، فالظاهر وجوب العود لتدارك التشهد وقضاء السجدة مع سجود السهو كما احتمله، وذلك مقتضى قاعدة الاشتغال بعد سقوط القاعدة. واما ما اختاره من المضي بلا العود لتدارك التشهد فلاوجه له بعد وقوع الشك في التشهد وسقوط القاعدة، والاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني.
وهنا تنبيه، وهو ان النهوض في القيام، لايكون محققا للتجاوز، على مبنى من يعتبر الدخول في الغير في جريان القاعدة. وعلى هذا لو كان العلم الاجمالي حال النهوض الى القيام حكمه ما ذكره في الصورة الاولى، أي وجوب الاتيان
بالتشهد وعدم الاعتناء بالشك في السجود. واما على المختار من ان ظاهر دليل «انما الشك اذا كنت في شيء لم تجزه»(١) ان صدق التجاوز كاف في جريان القاعدة، وان لم يدخل في الغير. فالحال هو الحال فيما اذا علم اجمالا بذلك بعد الدخول في القيام، هذا ولايتوهم الحاق المورد بمورد الشك في السجود حال النهوض الى القيام، الذي دلت صحيحة عبد الرحمن على ان النهوض فيه لايكفي للتجاوز، فانه مختص بمورد الرواية، وهو الشك في السجود لا غير.
قال: العشرون: اذا علم انه ترك سجدة، اما من الركعة السابقة او من هذه الركعة، فان كان قبل الدخول في التشهد او قبل النهوض الى القيام او في اثناء النهوض قبل الدخول فيه، وجب عليه العود اليها، لبقاء المحل ولاشيء عليه، لانه بالنسبة الى الركعة السابقة شك بعد تجاوز المحل. وان كان بعد الدخول في التشهد او في القيام، مضى وأتم الصلاة، وأتى بقضاء السجدة وسجدتي السهو، ويحتمل وجوب العود، لتدارك السجدة من هذه الركعة والاتمام، وقضاءالسجدة مع سجود السهو. والاحوط على التقديرين اعادة الصلاة أيضا.
اقول: اما ما ذكره في الصورة الاولى، فهو الصحيح، لما ذكره من الوجه. وقد مر في المسألة السابقة ما يظهر منه ان الشك حال النهوض الى القيام، في خصوص السجدة محكوم بحكم الشك في المحل، لصحيحة عبد الرحمن، وان صدق عليه التجاوز. وبعبارة اخرى: قاعدة التجاوز مخصص في خصوص هذا
____________________
(١) الوسائل: ج١، باب ٤٢ من ابواب الوضوء، حديث٢٠.
المورد. واما في الصورة الثانية فالصحيح ماذكره من الاحتمال بعين الوجه المذكور في المسألة السابقة.
قال: الحادية والعشرون: اذا علم انه اما ترك جزء مستحبا كالقنوت مثلا، او جزء واجبا سواء كان ركنا أو غيره من الأجزاء التي لها قضاء كالسجدة والتشهد، او من الأجزاء التي يجب سجود السهو لاجل نقصها، صحت صلاته ولاشيء عليه. وكذا لو علم انه اما ترك الجهر او الاخفات في موضعهما، او بعض الأفعال الواجبة المذكورة لعدم الأثر لترك الجهر والاخفات، فيكون الشك بالنسبة الى الطرف الاخر بحكم الشك البدوي.
اقول: لو كان في محل الجزء الواجب يجب الاتيان به، ولو كان في محل الجزء المستحب يجوز الاتيان به، وتجري القاعدة في الاخر بعد فوات محله. واما مع فوات محلهما، فلو كانت لجزء المستحب اثر ايضا كقضاء القنوت - على القول به - تتعارض القاعدتان، والنتيجة بطلان الصلاة في مثال الركن، لما مر في المسائل المتقدمة كرارا، ولزوم القضاء، او السجدتين في غير الاركان مما وجب في تركه القضاء او سجدتي السهو. ويترتب اثر ترك الجزء المستحب أيضا. نعم لو لم يكن اثر لترك الجزء المستحب تجري القاعدة في الواجب الذي تجاوز محله. كما انه اذا كان طرف العلم الاجمالي واجبا ولكن لم يكن أثر في تركه كالجهر والاخفات يكون الشك في الجزء الاخر بعد محله، من الشك بعد التجاوز كما افاده الماتن أيضا.
قال: الثانية والعشرون: لا اشكال في بطلان الفريضة اذا علم
اجمالا انه اما زاد فيها ركنا او نقص ركنا. وأما في النافلة فلا تكون باطلة، لأن زيادة الركن فيها مغتفر والنقصان مشكوك. نعم لو علم أنه اما نقص فيها ركوعا أو سجدتين بطلت. ولو علم اجمالا انه اما نقص فيها ركوعا فعلا او سجدة واحدة أو ركوعا او تشهدا أو نحو ذلك مما ليس بركن لم يحكم باعادتها؛ لان نقصان ما عدا الركن فيها لا اثر له، من بطلان او قضاء او سجود سهو، فيكون احتمال نقص الركن كالشك البدوي.
أقول: وجه المسألة ظاهر، واشار اليه الماتن ايضا في مورد النافلة. نعم ماذكره من البطلان اذا علم انه اما نقص فيها ركوعا او سجدتين مبني على القول بالبطلان في نقص الركن في النافلة سهوا، كما هو مقتضى الاحتياط. ولايخفى ان ماذكره من الفروع في هذه المسألة، كلها مفروض بنحو لايمكن تدارك ماشك فيه، وكان الشك بعد تجاوز المحل. والا فلو كان الشك في المحل لابد من الاتيان والتدارك.
قال: الثالثة العشرون: اذا تذكر - وهو في السجدة او بعدها، من الركعة الثانية مثلا - انه ترك سجدة من الركعة الاولى وترك ايضا ركوع هذه الركعة، جعل السجدة التي اتى بها للركعة الاولى، وقام وقرأ وقنت واتم صلاته. وكذا لو علم انه ترك سجدتين من الاولى وهو في السجدة الثانية من الثانية، فيجعلهما للاولى ويقوم الى الركعة الثانية. وان تذكر بين السجدتين، سجد اخرى بقصد الركعة الاولى ويتمّ. وهكذا بالنسبة الى سائر الركعات، اذا تذكر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية
انه ترك السجدة من السابقة وركوع هذه الركعة، ولكن الاحوط في جميع هذه الصور، اعادة الصلاة بعد الاتمام.
أقول: ما افاده هو الصحيح ومقتضى القاعدة، ولايحتاج الى مزيد بيان واقامة برهان. نعم ما ذكره بقوله: سجد اخرى بقصد الركعة الاولى، يريد به سجد اخرى ويحسب للركعة الاولى، فانه لاحاجة الى القصد كمالايخفى.
قال: الرابعة والعشرون: اذا صلى الظهر والعصر، وعلم بعد السلام نقصان احدى الصلاتين ركعة. فان كان بعد الاتيان بالمنافي عمدا وسهوا أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمة. وان كان قبل ذلك قام فأضاف الى الثانية ركعة، ثم سجد للسهو عن السلام في غير المحل، ثم اعاد الأول، بل الأحوط ان لاينوي الاولى بل يصلي اربع ركعات بقصد مافي الذمة، لاحتمال كون الثانية على فرض كونها تامة محسوبة ظهرا.
الخامسة والعشرون: اذا صلى المغرب والعشاء، ثم علم بعد السلام من العشاء انه نقص من احدى الصلاتين ركعة. فان كان بعد الاتيان بالمنافي عمدا وسهوا وجب عليه اعادتهما. وان كان قبل ذلك قام فاضاف الى العشاء ركعة، ثم يسجد سجدتي السهو، ثم يعيد المغرب.
أقول: هاتان المسألتان قد تقدم الكلام فيهما في المسألة الثامنة، وتكرار لتلك المسألة.
قال: السادسة والعشرون: اذا صلى الظهرين، وقبل ان يسلم للعصر علم اجمالا انه اما ترك ركعة من الظهر، والتي بيده رابعة العصر، او ان ظهره تامة وهذه الركعة ثالثة العصر. فبالنسبة الى الظهر، شك بعد الفراغ، ومقتضى القاعدة البناء على كونها تامة. وبالنسبة الىالعصر، شك بين الثلاث والاربع، ومقتضى البناء على الأكثر الحكم بان ما بيده رابعتها، والاتيان بصلاة الاحتياط بعد اتمامها، إلا انه لايمكن اعمال القاعدتين معا؛ لان الظهر ان كانت تامة فلا يكون مابيده
رابعة، وان كان مابيده رابعة فلا تكون الظهر تامة، فيجب اعادة الصلاتين؛ لعدم الترجيح في اعمال احدى القاعدتين. نعم الاحوط، الاتيان بركعة اخرى للعصر، ثم اعادة الصلاتين، لاحتمال كون قاعدة الفراغ من باب الامارات. وكذا الحال في العشاءين، اذا علم انه اما صلى المغرب ركعتين، ومابيده رابعة العشاء، او صلاها ثلاث ركعات، ومابيده ثالثة العشاء.
اقول: لكل من الاعلام في تعليقاتهم كلام في هذه المسألة، نشير الى بعض منها:
١ - هذا على تقدير كون الحكم بتمامية الظهر بقاعدة الفراغ مستلزما للحكم بنقص العصر، والبناء على أن ما بيده ثالثة العصر تعبدا. وكذلك يكون مفاد أدلة البناء على الأكثر، هو البناء والالتزام على ان مابيده في فرض الشك بين الثلاث والأربع هو الأربع، والالتزام بعدم النقص، والا فلا تدافع بين
القاعدتين اصلا، كما هو كذلك جزما، فلا يتحقق العلم الاجمالي بكذب مفاد احد الاصلين. وعلى فرص التنافي، فبما ان جريان قاعدة البناء على الأكثر في العصر فرع جريان قاعدة الفراغ في الظهر، فلا يمكن ان يكون معارضا لها، وان لم تكن امارة، فعليه ان يأتي بركعة متصلة، ولايحتاج لصلاة الاحتياط، ولا باعادة الصلاة أصلا، انتهى.
وليت شعري، كيف لا يكون تنافيا بين القاعدتين مع العلم الاجمالي المذكور؟ اليس معنى جريانهما، الحكم بالتمام في الظهر، والبناء على الاربع في العصر؟ او ليس هذا منافيا للعلم بنقصان احداهما؟ وقضية الفرعية ايضا لا محل له، فانه لم يؤخذ في دليل البناء على الاكثر في العصر تقديم جريان القاعدة في الظهر، بل دليل كلتيهما مطلق، وينطبقان على الصلاتين معا في عرض واحد، ويحصل التنافي، بل لو فرضنا الطولية، فبعد تصحيح صلاة الظهر باحدى القاعدتين ينقح موضوع الاخرى، فيجري في العصر، ويحصل المحذور. ثم ان ما ذكره من لزوم الاتيان بالركعة المتصلة غريب، لان المفروض وجود الشك بعد، وبالاتيان بالركعة المتصلة، لايكون المكلف جازما بالاتيان بأربع ركعات.
٢ - ادلة البناء على الاكثر قاصرة عن شمول مثل المقام، حيث ان موضوعها هو الشك الساذج بين الأقل والأكثر في الركعات. اما هنا، فالشك ناش عن علم اجمالي بين نقص هذه والاخرى، فليس شكا مستقلا في نقص هذه، او تمامها، الذي هو موضوع أدلة البناء. وعلى ذلك، فلا تدافع بين القاعدتين، لان قاعدة البناء على الأكثر لا تجري في الثانية رأسا، بل مقتضى قاعدة الاشتغال فيها هو الاتيان بركعة متصلة، وتجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى الاولى، انتهى.
وملخص ما ذكره، ان موضوع أدلة البناء الشك الساذج، وهو الشك البدوي، لا المقرون بالعلم الاجمالي. وهذا مع انه خلاف ظاهر الدليل، وان موضوعه الشك، سواء كان بدويا، او مقرونا، ينافي ما التزم به من جريان قاعدة الفراغ في الاولى. فان موضوع القاعدة ايضا الشك. ولنا ان ندعي انه هو الشك البدوي لا المقرون. ثم ان قاعدة الاشتغال، لايقتضي الاتيان بركعة متصلة، لأنه لايحصل به القطع بالفراغ كما لايخفى.
٣ - قاعدة البناء على الأكثر لاتشمل المقام؛ للعلم بعدم صحة اتمام الصلاة عصرا، فانها اما ناقصة ركعة، او يجب العدول بها الى الظهر. ويعتبر في جريان القاعدة احتمال صحة الصلاة في نفسها انتهى.
ولا يخفى انه لو سلمنا كون احتمال صحة الصلاة في نفسها معتبرا في جريان القاعدة، أي لا تجري القاعدة في الصلاة التي نجزم ببطلانها، الا ان تقييدها بازيد من ذلك، واعتبار احتمال صحتها عصرا، ممنوع؛ لعدم الدليل عليه بعد اطلاق دليلها. بل لا نسلم دخل احتمال الصحة في جريانها ايضا، ويكفي تصحيحها بنفس القاعدة، من دون ان يكون احتمال الصحة موضوعا لها، كل ذلك للتمسك باطلاق دليل القاعدة. فالقاعدتان في عرض واحد تنطبقان على الصلاتين، وتصححان الصلاتين، ولا ترتب بينهما اصلا. نعم اشكال ، التنافي الذي ذكره الماتن بعد باق على حاله.
٤ - لامانع من اعمالهما، فان اعمال قاعدة الفراغ لا يثبت كون العصر ناقصا، ومع بقاء الشك يجبر نقصه ان كان بصلاة الاحتياط، فمع احتمال تمامية الظهر ونقص العصر يكون المورد مجرى القاعدتين، انتهى.
نعم الشك في طرفي العلم الاجمالي مجرى القاعدتين، الا ان اشكال التنافي يوجب سقوطهما عن الطرفين، كما ذكره الماتن -قدسسره - الا أن يقال انه لا معنى للتنافي في المسألة، الا مخالفة مفاد القاعدتين مع المعلوم بالاجمال، وهذا لا اشكال فيه في ركعات الصلاة، فان وزان القاعدة خصوصا البناء على الاكثر وزان
تقييد الواقع، ولذا لو شك في صلاة وبنى على الاكثر، وبعد صلاة الاحتياط انكشف الخلاف لاتجب اعادة الصلاة. او لو فرض انه شك في صلاة الظهر وبنى على الاكثر وأتى بصلاة الاحتياط، ثم شك في العصر وبنى على الأكثر فيها وأتى بصلاة الاحتياط، ثم علم اجمالا بنقص احداهما، لاتجب الاعادة. نعم في قاعدة الفراغ، لا يحكم بالصحة واقعا، ولذا لو انكشف الخلاف يحكم بلزوم الاعادة، لكن يكفي في رفع التنافي، ماذكرنا في البناء على الأكثر. فلا مانع من اجراء
القاعدتين ولاتنافي أصلا.
قال: السابعة والعشرون: لو علم انه صلى الظهرين ثماني ركعات ولم يدر انه صلى كلا منهما اربع ركعات، أو نقص من احداهما ركعة وزاد في الاخرى، بنى على انه صلى كلا منهما أربع ركعات، عملا بقاعدة عدم اعتبار الشك بعد السلام. وكذا اذا علم انه صلى العشاءين سبع ركعات، وشك بعد السلام في انه صلى المغرب ثلاثة والعشاء اربعة، أو نقص من احداهما وزاد في الاخرى، فيبني على صحتها.
أقول: ما افاده هو الصحيح، ووجهه ظاهر.
قال: الثامنة والعشرون: اذا علم انه صلى الظهرين ثمان ركعات، وقبل السلام من العصر شك في انه هل صلى الظهر اربع ركعات فالتي بيده رابعة العصر او انه نقص من الظهر ركعة فسلم على الثلاث وهذه التي بيده خامسة العصر. فبالنسبة الى الظهر شك بعد السلام. وبالنسبة الى العصر شك بين الاربع والخمس، فيحكم بصحة الصلاتين، اذ
لامانع من اجراء القاعدتين. فبالنسبة الى الظهر تجري قاعدة الفراغ والشك بعد السلام، فيبني على أنه سلم على الأربع. وبالنسبة الى العصر يجري حكم الشك بين الاربع والخمس، فيبني على الأربع اذا كان بعد اكمال السجدتين فيتشهد ويسلم، ثم يسجد سجدتي السهو. وكذا الحال في العشاءين، اذا علم قبل الصلاة من العشاء انه صلى سبع ركعات، وشك في انه سلم من المغرب على ثلاث فالتي بيده رابعة العشاء او سلم على الاثنتين فالتي بيده خامسة العشاء، فان يحكم بصحة الصلاتين واجراء القاعدتين.
اقول: قد ظهر وجه هذ المسألة ايضا، مما ذكرنا في المسألة السادسة والعشرين، بل لو قلنا بالتنافي بين القاعدتين هناك لا نقول به هنا، كما بنى الماتن -قدسسره - على التنافي هناك، واجراهما في المسألة. والسر فيه، انه في مسألتنا لايحصل مخالفة عملية للواقع، بخلاف تلك المسألة على مبناه -رحمهالله -.
قال: التاسعة والعشرون: لو انعكس الفرض السابق، بان شك بعد العلم بانه صلى الظهرين ثمان ركعات قبل السلام من العصر في انه صلى الظهر أربع فالتي بيده رابعة العصر. او صلاها خمسا فالتي بيده ثالثة العصر. فبالنسبة الى الظهر شك بعد السلام، وبالنسبة الى العصر شك بين الثلاث والأربع. ولا وجه لاعمال قاعده الشك بين الثلاث والأربع في العصر، لأنه ان صلى الظهر أربعا فعصره ايضا اربع، فلا محل لصلاة الاحتياط. وان صلى الظهر خمسا فلا وجه للبناء على الأربع
في العصر وصلاة الاحتياط. فمقتضى القاعدة اعادة الصلاتين.
نعم لو عدل بالعصر الى الظهر وإلى بركعة اخرى وأتمها، يحصل له العلم بتحقق ظهر صحيحة مرددة بين الاولى ان كان في الواقع سلم فيها على الأربع، وبين الثانية المعدول بها اليها ان كان سلم فيها على الخمس. وكذا الحال في العشاءين، اذا شك بعد العلم بانه صلى سبع ركعات قبل السلام من العشاء، في انه سلم في المغرب على الثلاث حتى يكون ما بيده رابعة العشاء. أو على الأربع حتى يكون ما بيده ثالثتها. وهنا ايضا اذا عدل الى المغرب وأتمها يحصل له العلم، بتحقق مغرب صحيحة، اما الاولى او الثانية المعدول اليها. وكونه شاكا بين الثلاث والأربع، مع ان الشك في المغرب مبطل لا يضر بالعدول، لأن في هذه الصورة يحصل العلم بصحتها، مرددة بين هذه والاولى، فلا يكتفي بهذه فقط حتى يقال ان الشك في ركعاتها يضر بصحتها.
اقول: نتيجة ما ذكره من التعليل، لعدم اعمال قاعدة الشك بين الثلاث والأربع في العصر، عدم امكان تصحيح العصر، لاعدم جريان قاعدة الفراغ في صلاة الظهر. فقول «فمقتضى القاعدة اعادة الصلاتين» غير مترتب على ذلك، بل نتيجة ما افاد صحة صلاة الظهر ولزوم اعادة العصر، مع انه لايخفى ما في التعليل المزبور، فان قوله: «ان صلى الظهر أربعا فعصره أيضا أربع، فلا محل لصلاة الاحتاط. وان صلى الظهر خمسا، فلا وجه للبناء على الأربع في العصر وصلاة الاحتياط» في قوة ان يقال في جميع موارد الشك بين الثلاث والأربع في الصلاة، انه ان صلى أربعا فلا محل لصلاة الاحتياط، وان صلى ثلاثا فلا
وجه للبناء على الأربع وصلاة الاحتياط. ان نفس الشك بين الثلاث والأربع موضوع للبناء على الأربع وصلاة الاحتياط. وفي المقام ايضا هذا الشك موجود، فقاعدة البناء شاملة له بحسب الاقتضاء، واما معارضتها مع قاعدة الفراغ في الظهر امر اخر نذكرها، ولم تذكر في عبارة الماتن.
ومما ذكرنا ظهر ما في كلام بعض اساتيذنا في التعليقة فانه قال على التعليل المذكور «لايخفى ما في هذا التعليل» والصحيح هو التعليل بان العلم بعدم الحاجة الى صلاة الاحتياط لجبر النقص المحتمل في العصر مانع عن شمول القاعدة لها، لانها ان كانت تامة لم تحتج الى صلاة الاحتياط. وان كانت ناقصة وجب العدول بها الى الظهر. وعلى كل حال لايجبر نقصها المحتمل بصلاة الاحتياط. وعليه فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في الظهر، فتجب اعادة العصر خاصة. هذا، فان نتيجة التفكيك بين طرفي الشك، وملاحظة كل منهما، وان كان عدم لزوم صلاة الاحتياط على كل حال، الا ان هذا لازم في جميع موارد الشك. واذا كان نفس الشك موضوعا لصلاة
الاحتياط فهو موجود فيما نحن فيه ايضا، فتجب صلاة الاحتياط.
نعم يمكن ان يعبر عما افاده، والظاهر ان مراده ايضا ذلك ان جبر صلاة الاحتياط في موارد الشك انما يكون على تقدير النقص، وهذا ظاهر قولهعليهالسلام «الا اعلمك شيئا اذا فعلته ثم ذكرت أنك ان أتممت أو نقصت لم يكن عليه شيء»(١) وفي المقام على تقدير النقص لايجبر بصلاة الاحتياط فانه على هذا التقدير صلاة الظهر باطلة، فيجب العدول اليها. ولكن لايمكن المساعدة لهذا أيضا، فان التعبد بصحة الظهر مطلقا يرفع موضوع وجوب العدول، والتزم هو أيضا بذلك.
____________________
(١) الوسائل: ج٥ باب ٨ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة حديث٣.
وبعبارة اخرى: الملازمة بين وجوب العدول ونقص العصر انما هي فيما اذا لم يتعبد الشارع بصحة الظهر، والا فبتحكيم دليل التعبد نثبت تمامية صلاة الظهر حتى اذا كان العصر ناقصا، كما اختاره أيضا، وحينئذ يمكن جبر النقص بصلاة الاحتياط. نعم نبقى نحن ومعارضة قاعدة الفراغ في الظهر، وقاعدة البناء في العصر. وبما انه لايحصل قطع بالمخالفة العملية، فلا مانع من جريانهما، فان غاية مايمكن ان يلزم في المقام كون صلاة الظهر خمسا والعصر ثلاثا. ولكن هذا ليس جزميا، بل غايته الاحتمال، وقد الغى الشارع احتمال ذلك بجريان القاعدتين، كما لايخفى.
وبالجملة ان المعارضة انما توجب رفع اليد عن القواعد اذا لزم من جريانها مخالفة عملية جزمية. ومع جريان القاعدتين في المقام لايلزم ذلك، فالصحيح الالتزام بصحة الظهر ولزوم البناء وصلاة الاحتياط في العصر.
قال: الثلاثون: اذا علم انه صلى الظهرين تسع ركعات، ولايدري أنه زاد ركعة في الظهر او في العصر. فان كان بعد السلام من العصر وجب عليه اتيان صلاة اربع ركعات بقصد ما في الذمة. وان كان قبل السلام، فبالنسبة الى الظهر يكون من الشك بعد السلام، وبالنسبة الى العصر من الشك بين الاربع والخمس. ولايمكن اعمال الحكمين. لكن لو كان بعد اكمال السجدتين وعدل الى الظهر واتم الصلاة وسجد للسهو يحصل له اليقين بظهر صحيحة، اما الاولى او الثانية.
اقول: أما ما افاده من وجوب الاتيان بصلاة أربع ركعات بقصد ما في الذمة في الصورة الولى، أي حصول العلم اجمالي بعد السلام، فوجهه ظاهر، لعدم جواز الركوع الى القواعد والاصول المصححة لكلتا الصلاتين، فان فساد احداهما معلوم اجمالا، فمقتضى لزوم احراز الفراغ عن عهدة التكليف المعلوم الاتيان بماذكر.
واما ما افاده في الصورة الثانية، وهي حصول العلم الاجمالي قبل السلام، فقد تقدم في المسألة السابقة، عدم امكان المساعدة له ومقتضى التعبد الحكم بصحة الظهر، ولزوم عمل الشك بين الأربع والخمس في صلاة العصر، ولا بأس بالعلم بالخلاف في احد الحكمين، فان باب التعبد والتنزيل واسع، ويجيء توضيحه في المسألة الاتية. ولايتم ماذكره الاستاد في هذه المسألة، كالمسألة السابقة بعين البيان المتقدم.
قال: الحادية والثلاثون: اذا علم انه صلى العشاءين ثماني ركعات ولايدري انه زاد الركعة الزائدة في المغرب او في العشاء، وجب اعادتهما، سواء كان الشك بعد السلام من العشاء او قبله.
أقول: ظهر مما تقدم لزوم التفصيل بين الصورتين، بوجوب اعادتهما، لو كان الشك بعد السلام. واما قبله، فالظاهر الحكم بصحة المغرب، ووجوب عمل الشك بين الأربع والخمس في صلاة العشاء. ولا بأس بحصول العلم بالخلاف في الحكمين لعدم احراز المخالفة العملية، كما ذكرنا في المسألة السابقة. فان هذا هو مقتضى التعبد والتنزيل في المقام.
وبعبارة اخرى: ليس حال العلاج في شكوك الصلاة حال الأحكام الظاهرية التي تكون مفاد ادلة الامارات والاصول، حتى يحكم بعدمها في موارد العلم الاجمالي، بل لأدلة العلاج في المقام نحو تنزيل وتحكيم، ولذا لايجب اعادة الصلاة في مورد تبين نقصان الصلاة بعد صلاة الاحتياط في الشكوك الصحيحة التي توجبها، فتدبر جيدا. وبعد في النفس شيء في المسألتين، وطريق الاحتياط واضح.
قال: الثانية والثلاثون: لو أتى بالمغرب ثم نسي الاتيان بها، بأن اعتقد عدم الاتيان، او شك فيه فأتى بها ثانيا، وتذكر قبل السلام أنه كان اتيا بها، ولكن علم بزيادة ركعة، اما في الاولى او الثانية، له أن يتم الثانية ويكتفي بها بحصول العلم بالاتيان بها، اما أولا أو ثانيا. ولايضره كونه شاكا في الثانية بين الثلاث والأربع، مع ان الشك في ركعات المغرب موجب للبطلان، لما عرفت سابقا من ان ذلك اذا لم يكن هناك طرف اخر يحصل معه اليقين بالاتيان صحيحا. وكذا الحال اذا أتى بالصبح، ثم نسي وأتى بها ثانيا، وعلم بالزيادة اما في الاولى او الثانية.
أقول: ما أفاده في هذه المسألة صحيحة، ووجهه ظاهر، كما ذكره. نعم يبقى في المسألة شيء، تعرض له غير واحد من المحشين، وهو انه يجوز له الاكتفاء بالاولى، ويبني على صحتها بقاعدة الفراغ، ومع عدم تسليم ما أفاده في المتن في جواب المناقشة يمكننا الحكم بصحة الصلاة الاولى على أي حال.
قال: الثلاثة والثلاثون: اذا شك في الركوع و هو قائم وجب عليه الاتيان به، فلو نسي حتى دخل في السجود فهل يجري عليه حكم الشك بعد تجاوز المحل أم لا؟ الظاهر عدم الجريان، لان الشك السابق باق وكان قبل تجاوز المحل. وهكذا لو شك في السجود قبل ان يدخل في التشهد ثم دخل فيه نسيانا وهكذا.
أقول: ليس الوجه في عدم جريان حكم الشك بعد تجاوز المحل ما ذكره من بقاء الشك السابق، فان الشك - وهو الحالة النفسانية الترددية الاولى - قد ارتفع بالنسيان جزما، والحالة
الثانية وجدت بعد تجاوز المحل قطعا. بل الوجه في ذلك انه حين حصول الشك اولا كان في الحل، وتنجز عليه وجوب الاتيان بالركوع، ولم يأت به، والشك الثاني ليس في اتيان هذا التكليف المنجز، حتى يقال بأنه شك بعد المحل، فان المفروض العلم بعدم الاتيان بالركوع بعد حصول الشك في المحل.
قال: الرابعة والثلاثون: لو علم نسيان شيء قبل فوات محل المنسي، ووجب عليه التدارك، فنسي حتى دخل في ركن بعده، ثم انقلب علمه بالنسيان شكا، يمكن اجراء قاعدة الشك بعد تجاوز المحل، والحكم بالصحة ان كان ذلك الشيء ركنا، والحكم بعدم وجوب القضاء، وسجدتي السهو فيما يجب فيه ذلك. لكن الاحوط مع الاتمام اعادة الصلاة اذا كان ركنا. والقضاء وسجدتا السهو في مثل السجدة والتشهد، وسجدتا السهو فيما يجب في تركه السجود.
الخامسة والثلاثون: اذا اعتقد نقصان السجدة او التشهد مما يجب قضاؤه، او ترك مايوجب سجود السهو في اثناء الصلاة، ثم تبدل اعتقاده بالشك في الأثناء، او بعد الصلاة ، قبل الاتيان به، سقط وجوبه. وكذا اذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها، ثم زال اعتقاده.
أقول: الوجه في هاتين المسألتين ان المدار في جريان احكام الشك والسهو
وغيرهما، الحالة الفعلية للمكلف، فالشاك الفعلي مع كونه معتقدا سابقا او ناسيا يعمل بوظيفة الشك. والمعتقد الفعلي وان كان شاكا قبلا، يعمل باعتقاده.
نعم، هنا أمر لاباس بالتنبيه عليه، وهو انه يمكن دعوى اختصاص ذلك بما اذا حصل العلم بالنسيان في المسألة الاولى، والعلم بالنقصان في المسالة الثانية بعد التجاوز، وأما اذا حصل العلم بهما في المحل فاجراء القاعدة بالنظر الى الحالة الفعلية محل اشكال، لا لما افيد من انصراف دليل القاعدة عن ذلك، بل لما مر من ان تنجز التكليف قبل النسيان والتبدل يوجب الخروج عن عهدته، وعروض الشك بعد النسيان او تبدل الاعتقاد بالشك لايوجب ذلك.
قال: السادسة والثلاثون: اذا تيقن بعد السلام - قبل اتيان المنافي عمدا أو سهوا - نقصان الصلاة، وشك في ان الناقص ركعة أو ركعتان، فالظاهر انه يجري عليه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث، فيبني على الأكثر، ويأتي بالقدر المتيقن نقصانه، وهو ركعة اخرى، ويأتي بصلاة احتياطية. وكذا اذا تيقن نقصان ركعة، وبعد الشروع فيها شك في ركعة اخرى. وعلى هذا فاذا كان مثل ذلك في صلاة المغرب والصبح، يحكم ببطلانهما، ويحتمل جريان حكم الشك بعد السلام بالنسبة الى الركعة المشكوكة، فيأتي بركعة واحدة من دون الاتيان بصلاة الاحتياط، وعليه فلا تبطل الصبح والمغرب أيضا بمثل ذلك، ويكون كمن علم نقصان ركعة فقط.
أقول: أفاد سيدنا الاستاذ المحقق - مد ظله - في التعليقة على «يحتمل» لكنه لاوجه له، وقال السيد الاستاذ - مد ظله - في تعليقته على ذلك: هذا الاحتمال ضعيف جدا. وما ذكراه هو الصحيح، فان عدم اعتبار الشك بعد السلام، انما يكون في السلام الصلاتي، لا السلام الزائد، كما هو المفروض في المسألة. والوجه في المسألة ما أفاده الماتن قبل الاحتمال بما لامزيد عليه.
قال: السابعة والثلاثون: لو تيقن بعد السلام قبل اتيان المنافي نقصان ركعة، ثم شك في أنه أتى بها أم لا، ففي وجوب الاتيان بها، لأصالة عدمه او جريان حكم الشك في الركعات عليه وجهان، والأوجه الثاني.
وأما احتمال جريان حكم الشك بعد السلام عليه فلا وجه له، لان الشك بعد السلام لايعتنى به اذا تعلق بما في الصلاة، وبما قبل السلام، وهذا متعلق بما وجب بعد السلام.
أقول: لايخفى ما فيما ذكره أخيرا من دليل نفي احتمال جريان الشك بعد السلام، بأن هذا متعلق بما وجب بعد السلام. فانه بعد فرض اليقين بنقص الركعة لايكون السلام سلاما صلاتيا، بل هو سلام زائد واقع في الصلاة. وبهذا يرد الاحتمال المذكور أيضا. فان جريان حكم الشك بعد السلام على المورد موقوف على كون السلام سلاما صلاتيا، وهذا سلام زائد على الفرض.
وأما أصل المسألة: فقد افاد سيدنا الاستاذ المحقق - مد ظله - في التعليقة على «والأوجه الثاني». بل الأوجه الأول على ما هو ظاهر المفروض من الشك في اتيانها تاما، وعدم اتيانها رأسا. فانه مع الاتيان بركعة متصلة يقطع ببراءة
الذمة، وأدلة البناء على الاكثر لاتشمل المفروض، نعم مع القطع بعدم تحقق السلام وعروض الشك في حينه، فالظاهر جريان حكم الشك، لكنه خلاف المفروض ظاهرا، انتهى.
وقال السيد الاستاذ في تعليقته على ذلك: هذا اذا لم يعلم بوقوع السلام على تقدير الاتيان بالركعة الناقصة، وأما مع العلم بوقوعه على تقديره فلا يخلو الوجه الأول عن وجه وجيه، انتهى.
والوجه الوجيه ما في كلام الاستاذ المحقق، من ان الاتيان بركعة متصلة في هذا الفرض يوجب القطع ببراءة الذمة، ولاتجري أدلة العلاج بالبناء على الأكثر والاتيان بالركعة المفصولة؛ لان موردها حصول الشك في الصلاة لامطلقا. وفي الفرض يحتمل تمامية الصلاة وحصول الشك بعدها. والاستصحاب لا يثبت موضوع دليل العلاج، فلا يمكن التسمك به، الا اذا قلنا بجواز التمسك بالدليل في الشبهات المصداقية، ولا نقول به. فالصحيح ما افاده - مد ظله - في التعليقة من التفصيل.
قال: الثامنة والثلاثون: اذا علم ان ما بيده رابعة ويأتي به بهذا العنوان، لكن لايدري أنها رابعة واقعية أو رابعةبنائية، وانه شك سابقا بين الاثنتين والثلاث فبنى على الثلاث، فتكون هذه رابعة بعد البناء على الثلاث، فهل تجب عليه صلاة الاحتياط لأنه وان كان عالما بانها رابعة في الظاهر الا انه شاك من حيث الواقع فعلا بين الثلاث والأربع، او لاتجب، لأصالة عدم شك سابق. والمفروض انه عالم بانها رابعة فعلا؟ وجهان: والوجه الأول.
أقول: بل الوجه هو الأول، ولا وجه للثاني، فانه لا اثر لأصالة عدم الشك
السابق، والمدار على الحال الفعلي، وهو الشك بين الثلاث والأربع، سواء كان شاكا قبلا أم لا.
قال: التاسعة والثلاثون: اذا تيقن بعد القيام الى الركعة التالية انه ترك سجدة او سجدتين او تشهدا، ثم شك في انه هل رجع وتدارك ثم قام، أو هذا القيام هو القيام الأول؟ فالظاهر وجوب العود الى التدارك؟ لأصالة عدم الاتيان بها بعد تحقق الوجوب. واحتمال جريان حكم الشك بعد تجاوز المحل - لأن المفروض انه فعلا شاك وتجاوز عن محل الشك - لا وجه له؟ لأن الشك انما حدث بعد تعلق الوجوب، مع كونه في المحل بالنسبة الى النسيان، ولم يتحقق التجاوز بالنسبة الى هذا الواجب.
أقول: الأولى ان يقال: ان الترديد المزبور مساوق للشك في ان ما بيده من القيام هو القيام الزائد او القيام الصلاتي، ومعه لم يحرز التجاوز، ويكون المورد من موارد الشبهة المصداقية لقاعدة التجاوز، وحينئذ لابد من الاتيان بالمشكوك، عملا بقاعدة الاشتغال المعبر عنها بأصالة عدم الاتيان في المتن.
ذكر المحقق العراقي -رحمهالله - ما لفظه: بعد فرض حدوث الشك في قيام يصلح للجزئية، لاقصور حينئذ في جريان القاعدة بالنسبة الى السجدة المشكوكة، ومجرد العلم بوجود قيام باطل في البين - مع احتمال كون ذلك غيره - غير مضر بوجود موضوع القاعدة كما لايخفى فتأمل، انتهى.
وفيه: انه لو اراد من «قيام يصلح للجزئية» انه صالح لها، فالصغرى غير محرزة، فان القيام الباطل، غير صالح للجزئية، والمفروض احتمال كون هذا القيام هو القيام الباطل. ولو اراد من ذلك انه يحتمل ان يكون جزء، فالكبرى
ممنوعة؛ لعدم جواز التمسك بالدليل في موارد الشبهات المصداقية.
وذكر سيدنا الاستاذ في رد ما ذكره المحقق المذكور -رحمهالله - ان المعتبر هو الدخول في الغير المترتب، فصرف كونه في القيام مع احتمال كونه غير داخل في الغير أصلا لايكفي في جريانها، بل لابد من احراز الدخول في الغير المترتب، انتهى موضع الحاجة.
وفيه: منع اعتبار الدخول في الغير في قاعدة التجاوز، فضلا عن اعتبار كون الغير من الغير المترتب، بل موضوع القاعدة هو صدق التجاوز فان الشك اذا كنت في شيء لم تجزه، والمصداق مشكوك في المقام، وتمام الكلام في محله.
قال: الأربعون: اذا شك ين الثلاث والأربع مثلا، فبنى على الأربع، ثم أتى بركعة اخرى سهوا، فهل تبطل صلاته من جهة زيادة الركعة، أم يجري عليه حكم الشك بين الأربع والخمس؟ وجهان، والأوجه الأول.
أقول: الوجه في ذلك تنجز حكم الشك بين الثلاث والأربع في حقه، والمفروض عدم الاتيان بهذه الوظيفة، والاتيان بركعة زائدة عليها. وهي تبطل الصلاة ولو كان سهوا. وتبدل الشك بالشك بين الأربع والخمس لايوجب الانقلاب في ما تنجز على المكلف. ومخالفته بما تبطل الصلاة به، قبل انقلاب الشك الأول بشك اخر.
هذا هو الوجه، لا ما يقال من انصراف دليل علاج الشك بين الأربع والخمس، بالشك الحادث، لا الشك المتولد من الشك الاخر، ولا تعارض القاعدتين والرجوع الى الاشتغال، فانه يمكن منع الانصراف، ودعوى اطلاق
الدليل. ولا تعارض بين القاعدتين اذا كانت احداهما جارية في صلاة باطلة، كما في المقام. فان الشك بين الأربع والخمس انما حدث بعد تعبد الشارع ببطلان الصلاة، كما ذكرنا.
قال: الحادية والاربعون: اذا شك في ركن بعد تجاوز المحل، ثم اتى به نسيانا، فهل تبطل صلاته من جهة الزيادة الظاهرية او لا؟ من جهة عدم العلم بها بحسب الواقع. وجهان، والأحوط الاتمام والاعادة.
أقول: في تعليقة استاذنا المحقق - مد ظله - أوجههما الأول، وفي تعليقة السيد الاستاذ - مد ظله - اظهرها البطلان. ولكن لا وجاهة ولا ظهور للثاني، أي الصحة. فان الحكم بالصحة من جهة عدم العلم بالزيادة - بحسب الواقع أيضا - ليس الا حكما ظاهريا، يحكم بها لاصالة البراءة عن مانعية ما احتمل زيادته. وهذا محكوم بالدليل الاجتهادي الدال على عدم جواز الاعتناء بالشك في المحل. فالزيادة وان كانت ظاهرية الا ان دليل البطلان بها هو الدليل الاجتهادي، ودليل
الصحة أصالة البراءة، ولايخفى تقدم الدليل على الاصل العملي.
قال: الثانية والأربعون: اذا كان في التشهد، فذكر انه نسي الركوع، ومع ذلك شك في السجدتين أيضا، ففي بطلان الصلاة من حيث انه بمقتضى قاعدة التجاوز محكوم بأنه أتى بالسجدتين، فلا محل لتدارك الركوع. أو عدمه، اما لعدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم من اجرائها بطلان الصلاة، واما لعدم احراز الدخول في ركن اخر، ومجرد الحكم بالمضي لا يثبت الاتيان. وجهان، والوجه الثاني.
ويحتمل الفرق بين سبق تذكر النسيان وبين سبق الشك في السجدتين، والأحوط العود الى التدارك، ثم الاتيان بالسجدتين، واتمام الصلاة، ثم الاعادة، بل لايترك هذا الاحتياط.
أقول: مقتضى اصالة عدم الاتيان بالسجدتين هو الرجوع والاتيان بالركوع وبالسجدتين واتمام الصلاة، وتكون محكومة بالصحة. ولا تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدتين؛ وذلك لما في المتن من الوجه الأول، وهو ان مورد جريان القاعدة ماتكون القاعدة مصححة للصلاة لا مبطلة كما في المقام. مع ان السجدتين المشكوك فيهما لم يؤمر بهما قطعا، فلا معنى لجريان قاعدة التجاوز بالاضافة اليهما. واما ما في المتن من الوجه الثاني فلا يتم لأن لسان أدلة القاعدة ليس مجرد المضي، بل لسان بعضها التعبد بالجزء المشكوك فيه كقوله «بلى قد ركع».
وذكر سيدنا الاستاذ وجها اخر لعدم جريان القاعدة في المقام، وهو ان التشهد لم يقع جزء من الصلاة قطعا، فلا يتحقق معه الدخول في الغير. وقد مر عدم امكان المساعدة لهذا المبنى، وعدم اعتبار الدخول في الغير في جريان القاعدة وكفاية المضي والتجاوز في ذلك. فالصحيح ما مر من لزوم الرجوع، والاتيان بالمنسي والمشكوك، واتمام الصلاة، بلا فرق بين سبق تذكر النسيان وبين سبق الشك في السجدتين. فان الشك السابق يرتفع موضوعه بتذكر النسيان، كما ان الشك يوجب تغيير حكم النسيان.
قال: الثالثة والأربعون: اذا شك بين الثلاث والأربع مثلا، وعلم انه على فرض الثلاث ترك ركنا، او ما يوجب القضاء، او مايوجب سجود السهو، لا اشكال في البناء على الأربع ، وعدم وجوب شيء
عليه، وهو واضح، وكذا اذا علم انه على فرض الأربع ترك مايوجب القضاء، او ما يوجب سجود السهو، لعدم احراز ذلك بمجرد التعبد بالبناء على الأربع. وأما اذا علم انه على فرض الاربع ترك ركنا او غيره مما يوجب بطلان الصلاة، فالأقوى بطلان صلاته، لا لاستلزام البناء على
الأربع ذلك؛ لأنه لا يثبت ذلك بل للعلم الاجمالي بنقصان الركعة او ترك الركن مثلا، فلايمكن البناء على الأربع حينئذ.
أقول: لا فرق بين الفرض الأول والأخير في أن الأقوى بطلان الصلاة. والوجه فيه ما ذكره سيدنا الاستاذ - مد ظله - من ان جريان قاعدة البناء على الأكثر، يتوقف على أمرين، احتمال صحة الصلاة في نفسها، واحتمال جبر النقص المحتمل بصلاة الاحتياط. وعليه فاذا علم الشاك بترك ركن على تقدير الصلاة فلا يحتمل جابرية الركعة المنفصلة، لانه اما ان صلاته اربع ركعات فلا حاجة الى الركعة المنفصلة، او باطلة على تقدير النقص. واذا علم بترك ركن على تقدير الأربع فجابرية الركعة المنفصلة، وان كانت محتملة، الا ان الصلاة - على تقدير كونها أربع ركعات - مقطوعة البطلان، فلا تجري القاعدة في شيء من الفرضين، فيحكم ببطلان الصلاة في كليهما، لقاعدة الاشتغال.
قال: الرابعة والأربعون: اذا تذكر بعد القيام انه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها، فان أتى بالجلوس بين السجدتين ثم نسي السجدة الثانية يجوز له الانحناء الى السجود من غير جلوس. وان لم يجلس أصلا وجب عليه الجلوس ثم السجود. وان جلس بقصد الاستراحة والجلوس بعد السجدتين، ففي كفايته عن الجلوس بينهما وعدمهما وجهان، الأوجه
الأول. ولا يضر نية الخلاف، لكن الأحوط الثاني، فيجلس ثم يسجد.
أقول: وجه هذه المسألة ظاهر، ولا حاجة الىالاحتياط في الفرض الأخير، فانه لم يثبت للجلسة بين السجدتين او بعدهما عنوان قصدي في الأدلة. بل الثابت مجرد الجلوس بقصد القربة، والمفروض حصوله، فالانطباق قهري، والاجزاء عقلي.
قال: الخامسة والأربعون: اذا علم بعد القيام، او الدخول في التشهد، ونسيان احدى السجدتين، وشك في الاخرى، فهل يجب عليه اتيانهما، لأنه اذا رجع الى تدارك المعلوم يعود محل المشكوك ايضا، او يجري بالنسبة الى المشكوك حكم الشك بعد تجاوز المحل؟ وجهان، أوجههما الأول، والأحوط اعادة الصلاة أيضا.
أقول: تقدم الكلام في نظير هذه المسألة، في المسألة السابعة عشرة، وقوينا هناك احتمال العمل بحكم الشك بعد تجاوز المحل؛ لصدق المضي والتجاوز بالنسبة الى المشكوك، وعود محل المشكوك لا دليل عليه، فان المضي بعد تحققه لاينقلب عما وقع عليه.
وما ذكره السيد الاستاذ - مد ظله - من ان التشهد او القيام وقع في غير محله، فالشك في اتيان السجدة الاولى شك في محله، مبني على مبناه، من اعتبار الدخول في الغير المترتب في جريان القاعدة. ولا نقول به، فان الظاهر من الادلة عدم لزوم الدخول في الغير، فضلا عن الغير المترتب بل اللازم هو التجاوز عن المحل المفروض في المقام وجوده.
قال: السادسة والأربعون: اذا شك بين الثلاث والأربع مثلا وبعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم انها كانت أربعا، ثم عاد شكه، فهل يجب عليه صلاة الاحتياط لعود الموجب وهو الشك. او لا، لسقوط التكليف عنه حين العلم، والشك بعده شك بعد الفراغ؟ وجهان، والأحوط الأول.
أقول: عود الشك بحيث يكون العائد عين الزائل غير معقول. والشك الأول قد ارتفع بحدوث العلم، والثاني شك جديد. فأدلة البناء لا تشمل المسألة. ومع ذلك لاتجري قاعدة الفراغ أيضا، لا لما ذكره السيد الاستاذ -مد ظله - من ان اطلاق دليل البناء يشمل الشك الاول، فان المتيقن من الخارج عن ذلك الحكم، صورة علمه بتمامية الصلاة اذا لم يتبدل بالشك. واما في مورد التبدل فلابد من العمل بما يقتضيه الشك الاول لاطلاق الدليل، فان لازمه جريان الحكم المذكور حال العلم المتوسط بين الشكين، وهذا كما ترى. والحكم يدور مدار موضوعه، وموضوع الحكم قد زال بالعلم. والشك الثاني لايوجب عود الموضوع الزائل لانه مستحيل، بل لما ذكره أخيرا، وهو عدم جريان قاعدة الفراغ في مثله لفرض الشك في حال العمل، وعدم احتمال الالتفات واختصاص القاعدة بصورة عدم الشك حين الفراغ منه.
أفلم يبق الا قاعدة الاشتغال المقتضية للاتيان بركعة متصلة، والسجدتين للسلام الزائد، فان الامر دائر بين كون صلاته تامة أو ناقصة، ومع الاتيان بركعة متصلة، يقطع بالخروج عن العهدة، فمع كونها تامة تكون الركعة زائدة بعد السلام، ومع كونها ناقصة تكون الركعة جابرة، والسلام الواقع قبلها سلاما زائدا موجبا لسجود السهو.
قال: السابعة والأربعون: اذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشك في ركوع هذه الركعة وفي السجدتين من الاولى ففي البناء على اتيانها من حيث انه شك بعد تجاوز المحل، او الحكم بالبطلان؛ لأوله الى الشك بين الواحدة والاثنتين وجهان، والأوجه الاول. وعلى هذا فلو فرض الشك بين الاثنتين والثلاث بعد اكمال السجدتين، مع الشك في ركوع الركعة التي بيده وفي السجدتين من السابقة لايرجع الى الشك بين الواحدة والاثنتين حتى تبطل الصلاة. بل هو من الشك بين الاثنتين والثلاث بعد الاكمال. نعم لو علم بتركهما مع الشك المذكور يرجع الى
الشك بين الواحدة والاثنتين، لأنه عالم حينئذ باحتساب ركعتيه بركعة.
أقول: ما ذكره الماتن في هذه المسألة ظاهر، بل تعبيره بأن الأوجه الاول ليس بوجيه. فانه لاوجاهة للوجه الثاني، لأنه بدخوله في القيام الى الثانية تجاوز عن محل السجدتين، وبدخوله في السجدة تجاوز عن محل ركوع الركعة الثانية التي قام لها. ولاموجب لاحتمال الغاء القيام الى الركعة الثانية، حتى يحصل الشك في الركعات.
قال: الثامنة والأربعون: لايجري حكم كثير الشك في صورة العلم الاجمالي. فلو علم ترك احد الشيئين اجمالا من غير تعيين يجب عليه مراعاته. وان كان شاكا بالنسبة الى كل منهما، كما لو علم حال القيام انه اما ترك التشهد او السجدة، او علم اجمالا أنه اما ترك الركوع أو
القراءة. وهكذا لو علم بعد الدخول في الركوع انه اما ترك سجدة واحدة او تشهدا، فيعمل في كل واحد من هذه الفروض حكم العلم الاجمالي المتعلق به، كما في غير كثير الشك.
أقول: في الأمثلة مناقشة، وهي أنه لا خصوصية لكثرة الشك في ملاك شبهةالمسألة، وهي عدم الاعتناء بشك كثير الشك، فان هذه الشبهة جارية ولو في غير كثير الشك ايضا في هذه الأمثلة. فانه بعد التجاوز لايعتني بالشك، ولو لم يكن كثير الشك. والمناسب المثال بالعلم الاجمالي مع كون الشخص باقيا في المحل، بحيث لو لم يكن كثير الشك يجب عليه الاتيان.
وهنا مناقشة اخرى في المثال الثاني، فان ما ذكره مبني على ان يكون ترك القراءة موجبا لسجدة السهو، والا فلا اثر للعلم الاجمالي، ويجري عليه حكم كثير الشك بالنسبة الى شكه في الركوع. وكيف كان، التحقيق هو التفصيل بين ما لو قلنا بالعزيمة او الرخصة؛ لعدم الاعتناء بالشك المذكور، فعلى الثاني، لابد من الاتيان بالمعلوم بالاجمال وتصح الصلاة. واما على القول الاول، فلايجب الاتيان بالمعلوم بالاجمال، بل اللازم اعادة الصلاة، فان العلم الاجمالي لايلاحظ فيه العلم فقط، بل انه علم وشك، ولذا يعبر عن الشك في طرفه انه شك مقرون بالعلم الاجمالي. ومن هنا يظهر انه لو علم اجمالا بترك احد الجزئين، وعلم أيضا الاتيان بأحدهما، لايجب عليه الاتيان بهما، وعليه اعادة الصلاة فقط، ولو قلنا بالرخصة في ترك الاعتناء.
وحيث ان الصحيح البناء على العزيمة، لايمكن تصحيح الصلاة بالاتيان بالجزئين فيها، وتجب اعادة الصلاة.
قال: التاسعة والأربعون: لو اعتقد انه قرأ السورة مثلا، وشك في
قراءة الحمد فبنى على أنه قرأها، لتجاوز محله، ثم بعد الدخول في القنوت تذكر انه لم يقرأ السورة. فالظاهر وجوب قراءة الحمد أيضا، لان شكه الفعلي وان كان بعد تجاوز المحل بالنسبة الى الحمد لله، انه هو الشك الأول الذي كان في الواقع قبل تجاوز المحل، وحكمه الاعتناء به، والعود الى الاتيان بما شك فيه.
أقول: ما ذكره هو الصحيح، فان شكه الفعلي بعينه الشك الأول، وليس شكا جديدا حتى يعامل معه معاملة الشك بعد تجاوز المحل. واما ما ذكره السيد الاستاذ - مد ظله - من لغوية القنوت من جهة وجوب تدارك السورة، فلا تكون القنوت من الغير المترتب، فقد مر عدم تمامية مبنى هذا البناء. واغرب من ذلك ما ذكره بعض الأعاظم من ان لغوية القنوت مانعة من صدق التجاوز بالنسبة الى الشك في الفاتحة، فان التجاوز والمضي وجداني لايحتاج الى الاستدلال والبرهان.
قال: الخمسون: اذا علم أنه ما ترك سجدة أو زاد ركوعا فالأحوط قضاء السجدة وسجدتا السهو، ثم اعادة الصلاة. ولكن لايبعد جواز الاكتفاء بالقضاء وسجدة السهو، عملا بأصالة عدم الاتيان بالسجدة وعدم زيادة الركوع.
أقول: ذكر السيد الاستاذ في تعليقته على «ولكن لايبعد جواز الاكتفاء» بل هو الأظهر، لا لما ذكر، بل لجريان قاعدة التجاوز في الشك في زيادة الركوع من دون معارض لأن كل ما لايترتب عليه البطلان لايعارض جريان القاعدة فيه جريانها فيما يترتب عليه البطلان. وعليه فتجري أصالة عدم الاتيان
بالسجدة، ويترتب عليه أثره، انتهى.
وبعد ما فهمت معنى جريان قاعدة التجاوز في الشك في زيادة الركوع فأين محل زيادة الركوع أو عدمها في الصلاة حتى نعرف التجاوز والمضي عنه، ولاسيما على مبناه، من اعتبار الدخول في الغير المترتب؟ فأي جزء من أجزاء الصلاة مترتب على زيادة الركوع او عدمها؟ نعم أصالة عدم الاتيان جارية في الركوع الزائد، وهذا غير قاعدة التجاوز. وأما ما ذكره من المبنى مامر سابقا، من أنه لاتجري القاعدة لاثبات السجدة للعلم بعدم امتثال امرها، اما لعدم الاتيان بها، او لبطلان الصلاة. فأصالة عدم الاتيان جارية في الركوع الزائد بلا معارض. فلو كان الشك في محل السجدة، تجب الاتيان بها، ومع فوت المحل الذكري لابد من قضاء السجدة وسجدتا السهو، بلا حاجة الى اعادة الصلاة.
ولكن ذكرنا سابقا من استحالة انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي المتولد منه، ولزوم مراعاة الشك في نفسه لتطبيق القواعد، فتقع المعارضة بين قاعدة التجاوز عن محل السجدة، وأصالة عدم زيادة الركوع، فتسقطان، فتصل النوبة الى أصالة البراءة بالنسبة الى قضاء السجدة وسجدتا السهو، وقاعدة الاشتغال بالنسبة الى اعادة الصلاة. هذا اذا حصل العلم الاجمالي بعد فوات المحل الذكري للسجدة. واما قبل ذلك، وبعد المحل الشكي، فلابد من التدارك في الصلاة، واعادة الصلاة لقاعدة الاشتغال في كلتيهما. نعم اذا حصل العلم في المحل الشكي، فلا معارضة بين قاعدة الاعتناء بالشك في المحل، وأصالة عدم زيادة الركوع، فيكتفي بتدارك السجدة فقط. وقد مر في المسائل السابقة توضيحا اكثر مما ذكرنا، فراجع. وقد يتوهم أنه في مورد حصول العلم الاجمالي بعد المحل الشكي تجري اصالة عدم الاتيان بالسجدة، وقاعدة الاشتغال بالنسبة الى أصل الصلاة، ولذا لابد من الجمع بين الوظيفتين.
وناقش استاذنا المحقق في جريان أصالة عدم الاتيان بالسجدة، بأن
الموضوع للحكم ليس الترك المطلق، والترك عن سهو ليس له الحالة السابقة. وهذا اشكال حسن، ونتيجته ان حصول العلم اذا كان قبل المحل الذكري فقاعدة الاشتغال بالنسبة الى السجدة تقتضي الإتيان بها، كما ان قاعدة الاشتغال بالنسبة الى أصل الصلاة تقتضي اعادتها، فيجب الجمع بينهما.
نعم حصول العلم بعد المحل الذكري لايقتضي الجمع بين القضاء والاعادة الى هذا المبنى، بل يقتضي لزوم الاعادة فقط، لقاعدة الاشتغال. واما التكليف بالقضاء فمورد لاصالة البراءة فينحل العلم الاجمالي حينئذ.
ونقتصر بما ذكرنا من خمسين فرعا من فروع العلم الاجمالي، لما نرى من كفاية ذلك، وظهور بقية الفروع المذكورة في العروة وغيرها، مما بيناه في هذه المسائل.
والحمد لله رب العالمين.
رسالة في اعتبار اتفاق الافق في اثبات رؤية الهلال
بسم الله الرحمن الرحيم
هل تكفي رؤية الهلال في بلد ما لاثبات الشهر في جميع البلدان سواء اتفق الافق بينه وبينها أم اختلف حتى اذا كان البلد المرئي فيه الهلال غربيا بالنسبة الى تلك البلدان او لايكفي ذلك؟ فقد اختار السيد الاستاذ كفاية ذلك لجميع البلاد واستدل عليه بأمرين. وملخص دليله الاول ما ذكره في اخر كلامه بقوله: ومن هنا يظهر ان ذهاب المشهور الى اتحاد البلدين في الافق مبني على تخيل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها، الا أنه لاصلة لخروج القمر عنه ببقعة معينة دون اخرى فان حاله مع وجود الكرة الأرضية وعدمها سواء.
أقول: ليت شعري انه لو قطعنا النظر عن بقاع الأرض فأي ارتباط بين القمر والشمس نسميه بالمحاق او تحت الشعاع؟ واي معنى محصل لقوله لارتباط خاص بين القمر والشمس من دون ارتباط له ببقاع الارض؟ فلو فهم من تحت الشعاع ان القمر يكون بين أشعة الشمس يرد عليه ان القمر دائما تحت الشعاع بهذا المعنى الا عند الخسوف بلا فرق بين كون القمر في المحاق أولا، فان نصف القمر منور دائما بالشمس في جميع حالاته طول الشهر، ولوفهم ان القمر في حالة المحاق يكون في مسافة خاصة للشمس بحيث لايرى، يرد عليه ان القرب والبعد بالنسبة الى الشمس لا يؤثران في الرؤية مادام القمر موجود ويستضيء من نور الشمس والمانع بين الأرض والقمر مفقود.
فلو قيل: ان اشعة الشمس مانعة عن الرؤية. يقال: مع ان شعاع الشمس مثبت للرؤية لا انه مانع لها فافهم، لازم ذلك الحكم بوجود القمر وترتيب اثار الشهر، فان المفروض ان عدم الرؤية من جهة المانع وهو شعاع الشمس ومانعية شعاع الشمس كمانعية الغيم.
ولو قيل: ان بقاع الارض مانعة عن الرؤية يرد عليه مع انه خلاف ما هو بصدده وهو ان حالة المحاق تستدعي عدم الرؤية لازم ذلك ارتباط الارض أيضا في الخروج عن المحاق ولكن شيئا من ذلك لايتم، والصحيح ان تحت الشعاع وكذا المحاق ربط بين القمر والشمس وبقاع الأرض لأن الشهر نتيجة حركة القمر الانتقالية حول الارض على خلاف حركة الأرض الوضعية أي من المشرق الى المغرب، وأسرعية حركة الأرض عن حركة القمر بمقدار يقرب اربعين دقيقة في دور واحد، فان حركة الأرض الوضعية من المغرب الى المشرق وحركة القمر الانتقالية حول الارض من المشرق الى المغرب وتختلف الحركتان بمقدار أربعين دقيقة في دور واحدة، ونتيجة هذا الاختلاف تأخير غروب القمر عن غروب الشمس كل ليلة بمقدار أربعين دقيقة، فيحصل في كل ليلة موضع
خاص للقمر بالنسبة الى الشمس وبالنسبة الى الأرض، وحيث ان نصف كرة القمر منور دائما بالشمس ونصف كرة القمر مواجه لكرة الأرض يختلف النصف المواجه للأرض باختلاف موضع القمر بحسب الليالي، فقد يكون النصف المواجه للأرض باختلاف موضع القمر بحسب الليالي، فقد يكون النصف المواجه للأرض مواجها للشمس أيضا تماما، ولذا يرى تمام هذا النصف كليالي البيض، وقد يكون بعض النصف المواجه للأرض مواجها للشمس فيرى ذلك البعض ويختلف ذلك باختلاف موضع القمر في الليالي ويحصل منه الهلال والتربيع وغيرهما، وقد لايكون شيء من النصف المواجه للأرض مواجها للشمس والنصف المنور في الطرف الاخر فلايرى من القمر
شيء وهذا يسمى بالمحاق.
هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى ان في ليالي اخر الشهر يكون غروب الهلال اما مع غروب الشمس او يختلف بمقدار قليل، ويكون المقدار المنور من القمر المواجه للشمس والأرض أيضا قليلا فيكون مقهورا لأشعة الشمس بحيث لايكون قابلا للرؤية، وهذا يسمى بتحت الشعاع، فعلة عدم رؤية الهلال في الليالي الأخيرة أحد أمرين على سبيل منع الخلو المحاق أو كون القمر تحت الشعاع، والقوم اطلقوا تحت الشعاع على المحاق أيضا، وعبروا عن ذلك بتحت الشعاع فقط وقالوا إنّ بداية الشهر هو خروج القمر عن تحت الشعاع. ومن المعلوم اختلاف كلا الأمرين المحاق وتحت الشعاع باختلاف البقاع، فان ارتباط بقاع الأرض في كلا الأمرين ارتباط ركني، فلو لم تكن الارض لم يكن محاق ولا تحت شعاع، فان الأول يحصل من مواجهة النصف المظلم للقمر الى الأرض، والثاني يحصل من اتحاد الغروبين زمانا أو اختلافها يسيرا بحيث يكون المقدار المنور من القمر – اليسير أيضا – مقهورا لأشعة الشمس، ولا معنى لشيء من ذلك مع قطع النظر عن بقاع الأرض، ومن الظاهر انه تختلف الحالتين باختلاف البقاع.
فما ذكره من ان المحاق فرد واحد في الكون لايعقل تعدده بتعدد البقاع مع انه مصادرة غير صحيح، فان المحاق وضع القمر للشمس بحيث لاترى الجهة المنورة منه بالنسبة الى الرائي الواقع في بقعة من بقاع الارض، واختلاف هذا باختلاف البقاع ظاهر.
وما ذكره من ان عدم الرؤية في بلد مع الرؤية في البلد الاخر لمانع خارجي كشعاع الشمس او حيلولة بقاع الأرض او ماشاكل ذلك أيضا لايصح، فانه قد يكون موضع القمر للشمس بالنسبة الى بقعة موضعا لايرى أصلا وبالنسبة الى البقعة الاخرى لايكون كذلك فيرى. مضافا الى ان ماذكره
خلف الفرض فان المفروض ان عدم الرؤية في محل دون الاخر من جهة الاختلاف في الافق لا من جهة المانع الخارجي كشعاع الشمس وبقاع الأرض وماشاكل ذلك، فقد علم بوضوح ان عدم الرؤية في بلد والرؤية في الاخر من جهة ان البلد الأول غير مواجه للجهة المنورة القابلة للرؤية من القمر والبلد الاخر مواجه لبعض منها، فما ذكره من الدليل الأول دليل على اعتبار اتحاد الافق، او كون البلد المرئي فيه بحيث يقطع بوجود الهلال في مطلع البلد الاخر لا ان يكون دليلا على عدم الاعتبار.
وأما الدليل الثاني: وهو النصوص، فقد تمسك بجملة من الروايات واستنتج منها ان رؤية الهلال في بقعة كافية لثبوته في بقية البقاع من دون فرق في ذلك بين الاتفاق في الافق او الاختلاف فيه.
ونحن نبحث لذلك في ضمن أمرين: (الأول) هل يصح التمسك باطلاق الدليل الشرعي لاثبات ذلك أولا؟ (الثاني) هل يتم ماذكره من الأدلة او لا؟.
أما الأول: فالمسلم بينه وبين غيره ان بداية الشهر هو خروج القمر عن المحاق وعن تحت الشعاع كما ذكره في الأمر الأول، وانما الاختلاف بينه وبين غيره في ان الخروج عن هذا الوضع هل يختلف باختلاف البقاع اولا؟ ولايمكن التمسك بالاطلاق لرفع هذا الشك واثبات انه لايختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع، فان هذا امر تكويني عبر هو عنه بالظاهرة الكونية، ولامجال لاثبات الامور التكوينية بالاطلاقات بل لابد من مراجعة الفن المربوط بهذا الأمر، وتحقيق انه هل يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع اولا يختلف من العلم المدون له.
ان قلت: الامر التكويني وان لايثبت باطلاق الدليل الشرعي الا ان الاطلاق يثبت حكم ذلك الامر، فلو قال الشارع: ان الفقاع خمر يثبت حكم الخمر للفقاع وان لايثبت خمرية الفقاع فانه من الامور التكوينية، وفي ما نحن فيه لو قال الشارع «فان شهد اهل بلد اخر انهم رأوه فاقضه» يثبت حكم وجوب القضاء وان لايثبت ان اليوم الذي أفطر فيه كان من شهر رمضان.
قلت: مضافا الى انه خلاف ما هو بصدده فانه في مقام اثبات ان اليوم المذكور من شهر رمضان والافطار والواقع فيه افطار في شهر رمضان، ومضافا الى انه خلاف المقطوع به بيننا وبين الاصحاب من عدم وجوب القضاء لو لم يكن الافطار في شهر رمضان ومن عدم جواز الافطار لو علم ان اليوم من شهر رمضان بل لا يقول بذلك مسلم فضلا عن الفقهاء لايكفي اطلاق المذكور لاثبات ذلك بل لابد من دليل خاص لاثبات الحكم في صورة عدم الموضوع وهو الشهر.فان المحتمل في هذه المطلقات أمران: (احدهما) ان يكون التعبد بالقضاء مطلقا ولو لم يكن اليوم المفطر فيه من الشهر. (وثانيهما) اختصاص الحكم بصورة كون اليوم المذكور من الشهر
والثاني لو لم يكن موافقا لظاهر الدليل من جهة التعبير بالقضاء فانه ظاهر في فوت الصوم في الوقت فلا اقل من احتمال الأمرين، فيسقط الاطلاق عن الاستدلال لمخالفة كل من الاحتمالين للظاهر من جهة.
فالمتحصل انه لو اراد من التمسك بالاطلاقات اثبات الشهر واقعا في بلد لم يرفيه الهلال فهذا من اثبات التكوين بالتعبد، ولو اراد من ذلك اثبات حكم الشهر فمع انه خلاف المقطوع به دون اثباته خرط القتاد. فان جميع المطلقات ناظرة الى بيان لزوم قضاء صوم يوم افطر فيه مع رؤية الهلال في غير البلد، وهذا لو لم يكن دالا على ان فوت صوم شهر رمضان مفروض في المطلقات ولذا عبر فيها بالقضاء وهو التدارك، فلا اطلاق للرواية حتى يلزم التقييد بل الحكم متقيد من الأول لايكون دالا على الاطلاق أيضا، فان الاطلاق خلاف ظاهر لفظ القضاء والتحفّظ بظاهر القضاء ينافي الاطلاق فلا يمكن التمسك بأصالة الاطلاق مع هذه الحالة.
واما الثاني: فقد تمسك بعدة روايات (منها) صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللهعليهالسلام انه قال فيمن صام تسعة وعشرين: قال«ان كانت له بينة عادلة على اهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما»(١) بتقريب ان هذه الصحيحة باطلاقها تدلنا بوضوح على ان الشهر اذا كان ثلاثين يوما في مصر كان كذلك في بقية الامصار، واطلاقها يشمل صورتي اتحاد الافق واختلافه.
أقول: الرواية غير ناظرة الى بيان انه لو رئي الهلال في مصر يثبت الشهر في غير هذا المصر، فان الشهر امر تكويني لايتغير بالتعبد، والقول بالتعبد بالحكم خلاف ما هو بصدده وخلاف المقطوع به كما مر، مضافا الى ظهور لفظ القضاء في ان فوت صوم شهر رمضان مفروض الوجود فلابد من حمل الرواية على اتحاد الافق بين المصرين او كون المصر المرئي فيه الهلال غربيا بالنسبة الى المصر الاخر، مع ان في الرواية لم يعلم رجوع ضمير رؤيته الى الهلال، فان الهلال غير مذكور في الرواية بل ظاهر تعبيرات الرواية ان الضمير راجع الى من صام تسعة وعشرين، وعلى هذا يكون اليوم المفطر فيه من اخر الشهر لا من أوله، فيحصل في الرواية اشكال، فان يوم الشك الاخر لابد من صومه ومع الافطار لابد من قضائه، بلا فرق بين قيام البينة على انه من شهر رمضان وعدم قيام البينة، فتأمل. (ومنها) صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان فقال: لا تقضه الا ان يثبت شاهدان عادلان من
____________________
(١) الوسائل: ج٧، باب ٥ من ابواب احكام شهر رمضان، ح١٣.
جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر، وقال: لاتصم ذلك اليوم الذي يقضى الا ان يقضي اهل الامصار، فان فعلوا فصمه(١) بتقريب ان الشاهد في الصحيحة جملتان «من جميع اهل الصلاة» و«اهل الأمصار».
أقول: مضافا الى ما ذكرنا من عدم امكان التعبد في التكوين وظهور لفظ القضاء في ان فوت صوم الشهر مفروض انه يحتمل في الجملة الاولى تعلق الجار والمجرور بـ«يثبت» فتكون الرواية في مقام بيان كفاية شاهدين عادلين وعدم لزوم الزائد عليهما لا ان تكون ناظرة الى مكان الرؤية، والجملة الثانية على خلاف مطلوبه أدل، فان الجمود على ظاهرها يقتضي الحكم بعدم وجوب القضاء الا اذا قضى أهل الامصار عموما فان هذه الجملة ظاهرة في العموم، فقضاء بعضهم دون البعض لايوجب القضاء، وهذا يدلنا على امكان قضاء بعض دون بعض، فلا تكفي رؤية بعض لثبوت الهلال عند الاخر.
(ومنها) صحيحة اسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان فقال لاتصمه الا ان تراه، فان شهد أهل بلد اخر انهم رأوه فاقضه»(١) بتقريب ان اطلاق بلد اخر يشمل موردي اتحاد الافق واختلافه.
أقول: مضافا الى مامر ان السؤال في مورد الغمام وهو الغيم فان الغمام السحاب – كما في المنجد – فالسائل يحتمل وجود الهلال في المطلع وكون الغيم مانعا عن رؤيته وجواب الامام عن حكم هذه المسالة ووارد في مورد احتمال وجود الهلال في المطلع، فلا تشمل الرواية صورة عدم الرؤية لأجل الاختلاف في الافق ولم يذكر في الجواب كبرى كلية حتى نتمسك بها ويقال ان المورد
____________________
(١) الوسائل: ج٧، باب ١٢ من ابواب احكام شهر رمضان. ح١.
(٢) الوسائل: ج٧ باب ٨ من ابواب احكام شهر رمضان حديث٣.
لايخصص عموم الوارد.
بقي وجهان اخران أستشهد بواحد منهما واستدل بالاخر. (أما الأول) ما يقال في صلاة العيدين وهو «أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا»(١) بتقريب ان الظاهر ان المشار اليه يوم معين خاص لا انه كل يوم ينطبق عليه انه يوم العيد، وايضا الظاهر منه ان هذا العيد عيد للمسلمين كلهم لا لخصوص اهل بلد تقام فيه صلاة العيد.
أقول: لعل وجه الاستشهاد لا الاستدلال سند الدعاء، وكيف كان لايمكن التصرف في الواقع بمثل هذه التعبيرات والقول بالتعبد خلاف المقطوع به مع ان في المقام خصوصية وهو ان التعبد بمثل هذه العبارة هو التعبد بالتنزيل، والتنزيل التعبدي الحكمي انما يتصور في مورد عدم الموضوع فلابد من لحاظ عدم الموضوع فيه، والمفروض شمول الاطلاق لصورة وجود الموضوع ايضا. ولحاظ عدم الموضوع وعدم هذا اللحاظ في لحاظ واحد غير معقول وعلى هذا يعلم احد أمرين، اما ان المشار اليه عنوان الفطر او الاضحى او ان المسلمين خصوص مسلمي بلد العيد.
(واما الثاني) الاية الكريمة الظاهرة في ان ليلة القدر ليلة واحدة شخصية ضرورة ان القران نزل في ليلة واحدة وهي ليلة القدر، وفيها يفرق كل امر حكيم، ويكتب الأرزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة، وهذا لايتم الا بكونها ليلة واحدة شخصية.
أقول: مضافا الى ما مر نفس هذا الاستدلال لا يتم، فان نزول القران في ليلة واحدة وهي ليلة القدر لايستلزم انحصار ليلة القدر بما انزل فيه القران بل يمكن تعدد الليلة والقران انزل في ليلة واحدة منها، ويصح ان يقال انا انزلناه في
____________________
(١) الوسائل: ج١، باب ٢٦ من ابواب صلاة العيد، حديث٢و٥.
ليلة القدر. وهكذا قضية كتابة الارزاق والبلايا والمنايا في ليلة القدر لاتستدعي الوحدة. وهكذا الكلام في تفريق كل امر حكيم فانه ايضا لا يستلزم وحدة الليلة. والذي يسهل الخطب ان المقام ليس مقام التمسك بالألفاظ والاطلاقات، فما ذكره أخيرا من قوله «هذا مضافا الى سكوت الروايات ضعيفة» ايضا غيروجيه، فان المسألة غير مرتبطة بالرواية عن المعصوم ولا تنالها يد التعبد حتى تطلب من الروايات، بل لابد من أخذها من العلم المعد له، وقد ثبت الاختلاف باختلاف الافق الا ان يكون البلد المرئي فيه شرقيا، فمع رؤيته في البلاد الشرقية يرى في البلاد الغربية بخلاف العكس، وقد مر وجه ذلك، وهنا اشكال نقضي يرد على السيد الاستاذ – مد ظله – وهو الحكم في البلاد التي يكون اليوم فيها مقارنا لليل في بلادنا، والليل فيها مقارنا لليوم فيه. فاذا كان اليوم في بلادنا يوم العيد فهل يتلزم بأنه عيد بالنسبة اليهم مع كونهم في الليلة؟ وكذا لو كان الليل في بلادنا ليلة القدر فهل يلتزم بأنه ليلة القدر في بلادهم أيضا مع كونهم في اليوم؟ ولايمكن التفصي عن هذا الاشكال الا بأن يلتزم باختلاف عيدنا مع عيدهم واختلاف ليلة القدربالنسبة الينا واليهم، وهذا هو المطلوب.
ولا بأس بالتعرض لما ذكره بعض اساتذتنا اداء لحقه. وهو ان الدليل قد دل على انه صام للرؤية وافطر للرؤية(١) فيعلم من ذلك ان الشهر من الرؤية الى الرؤية، واما الخروج عن المحاق او وجود الهلال في المطلع فخارج عما اعتبره الشارع في الشهر. وبما ان الرؤية ظاهرة في صرف وجود طبيعتها فالنتيجة انه لو تحقق صرف وجود الرؤية يحكم بأول الشهر، ووجوب الصوم والافطار
____________________
(١) الوسائل: ج٧ باب ٣ من ابواب احكام شهر رمضان، حديث١٣.
مطلقا بالنسبة الى بلد الرؤية وغيره مع اتحاد الافق واختلافه.
أقول: لايرد على هذا التقريب مامر من التعبّد في التكوين موضوعا او حكما فانه يرى للشهر حقيقة شرعية من صرف وجود الرؤية الى صرف وجود الرؤية. ولكن يرد عليه ان الشهر ام واقعي يرجع الى العرف في مفهومه، وليس للشارع اصطلاح خاص فيه، والرؤية المأخوذة في الرواية قد أخذت طريقا الى ماهو ملاك اول الشهرولا موضوعية لها، وهذا نظير ما ذكرنا في الاستطاعة من انها أمر واقعي عقلائي، وليس للشارع اصطلاح خاص فيها حتى يمكن الأخذ بالادلة المفسرة للاية(١) الشريفة من ان الاستطاعة هي الزاد والراحلة.
والحمد لله رب العالمين
رسالة في عدم حجية الخبر الواحد في الموضوعات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطاهرين والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين واللعن الدائم على أعدائهم اجمعين الى يوم الدين.
الكلام في حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية وعدمها، وحجية البينة فيها: وحيث ان بعض أعاظم العصر –قدسسره – تعرض للمسألة مفصلا في المجلد الثاني من بحوثه رأيت كفاية الاكتفاء بنقل مواضع النظر من كلامه وبيان النظر فيه والتحقيق حولها، والله هو الموفق والمعين.
تعرض –رحمهالله – لهذه المسألة مفصلا في ذيل المسألة السادسة من العروة الوثقى، وهي المسالة المبينة لطرق ثبوت النجاسة.
قال: وتوضيح الحال في ذلك ان الفقهاء ذكروا عدة طرق لاثبات النجاسة وهي كما يلي: ١ – العلم: ولا شك في الخروج به عن عموم اصل الطهارة لكونه محققا للغاية التي أخذت في دليل القاعدة، وانما الكلام في ان العلم المأخوذ غاية لها هل هو طريق صرف الى النجاسة الواقعية او مأخوذ في موضوعها؟
اقول: العلم ماخوذ في الموضوع في قاعدة الطهارة وان كان طريفا بالنسبة الى النجاسة الواقعية، وقد اخذ موضوعها على وجه الطريفية الى النجاسات الواقعية، فتقوم مقامها الامارات وبعض الاصول على ما حقق في الاصول.
قال: البينة ويمكن الاستدلال على حجيته بوجوه: الاول: استفادة ذلك مما دل على حجيتها في باب القضاء، وحيث ان هذا الدليل وارد في القضاء وفصل الخصومة فالاستناد اليه لاثبات حجية البينة في امثال المقام يحتاج الى توجيه، ويمكن ان يقرب هذا التوجبه بعدة تقريبات: (احدها) ما ذكره المحقق الهمدانيقدسسره من التعدي عن مورد الدليل بالاولوية او المساواة، فانه اذا كانت البينة حجة رغم معارضتها للقواعد التي توافق قول المنكر، فحجيتها في امثال المقام مما لا يكون فيه معارض لها سوى اصالة الطهارة ونحوها اوضح. الى ان قال: وقد اعترض السيد الاستاذ على ذلك نقضا وحلا، اما النقض فبان حجية شيء في باب القضاء لا يستلزم حجيته في غيرهذا الباب لوضوح ان اليمين حجة في ذلك الباب مع عدم حجيته في غيره. واما الحل فبان باب القضاء يتميز بنكتة وهي لزوم فصل الخصومة حفظاللنظام، ومثل هذه النكتة غير موجودة في
سائر الموارد. الى ان قال: والتحقيق انه لا يتم النقض ولا الحل ولا التقريب. اما النقض فبتوضيح الفرق بين البينة واليمين، فان حجية اليمين في باب القضاء ليست بمعنى حجيتها في اثبات الواقع الذي يطابق قول المنكر، فان هذا الواقع يثبت بالاصل الجاري دائما على طبق قول المنكر، ولهذا يصح لنا ترتيب الاثر عليه ولو لم يكن هناك يمين من المنكر وانما حجية
اليمين بمعنى حجيته في فصل الخصومة، أي كونه موضوعا لحكم الحاكم بفصل الخصومة على طبق الاصل، ومثل هذه الحجية لا معنى لجريانها في غير باب القضاء، واما بينة المدعي فحجيتها ليست بمعنى كونها فاصلة للخصومة فقط بل هي حجة ايضا بلحاظ اثبات الواقع على طبق كلام المدعي اذلا مثبت له سوى البينة، ومن هنا امكن دعوى التعدي من حجيتها في اثبات الواقع في باب القضاء الى سائر الموارد.
اقول: (اولا) الفرق الذي ذكرهرحمهالله لا يضر بالنقض، فان جعل شيء طريقا في مورد له خصوصية لا يستلزم جعله طريقا في غير هذا المورد بل ولو لم يعلم له خصوصية مع احتمالها. (وثانيا) كانهرحمهالله جعل الحجية للبينة مفروضة، وقد اشكل على النقض مع انها اول الدعوى فان المدعى استفادة حجية البينة على الاطلاق من مثل (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان)(١) . فقوله ان حجية اليمين بمعنى حجيته في فصل الخصومة وحجية البينة بلحاظ اثبات الواقع تقريب للدليل بعين المدعى، بل يمكن ان يقال ان عطف الايمان على البينات وجعلهما مستندا للقضاء يدل على ان حجية البينة كاليمين في مقام فصل الخصومة لاغير.
قال: واما الحل: الى ان قال (صفحة ٨٠س٧):ـ لان نكتة فصل الخصومة انما تستدعي جعل الحجيةالتي يقضي الحاكم على اساسها، ولكنها لا تعين هذه الحجة في البينة المطابقة لقول المدعي او في الاصل المطابق لقول المنكر، فترجيح البينة على الاصل في الحجية انما
____________________
(١) الوسائل: ج١٨، باب٢من ابواب كتاب القضاء، حديث١.
يكون لطريقية البينة في نظر الشارع. وكونها اقوى كشفا من الاصول المعارضة، فيتجه التعدي حينئذ.
اقول: ان نكتة فصل الخصومة تستدعي جعل شيء مستندا له، فكما ان اليمين جعلت مستندا له كذلك البينة جعلت مستندا له، ومجرد انها جعلت مستندا للفصل في باب القضاء لا يوجب جعلها حجة في جميع الموارد، وصرف ان البينة بلحاظ طريقيتها جعلت مستندا في باب القضاء لا يوجب جعلها طريقا في جميع الموارد فاشكالهرحمهالله على السيد الاستاذ في نقضه وحله غير وارد.
قال: واما اصل التقريب فلان اعتماد الشارع على البينة في مورد القضاء، والغاء الاصول في مقابلها وان كان يكشف عن كونها في نظره اقوى واصوب كشفا، ولكن لا يلزم من الزام الشارع بالاخذ بها في غير هذا الباب والغاء الاصول، لان مراتب اهتمام الشارع بالايصال الى الواقع متفاوتة. فقد يكون غرضه في الايصال الى الواقع في موارد حقوق الناس وخصوماتهم اشد من غرضه في الايصال إلى الواقع في مثل الطهارة والنجاسة.
اقول: المستدل لا يحتاج الى دعوى الملازمة بين الالزام في باب القضاء والالزام في غيره بل يكفيه جواز الاخذ بالبينة في غير باب القضاء، بتقريب انه لو كانت البينة لازمة الاخذ في مورد اهتمام الشارع بالايصال الى الواقع يجوز الاخذ بها في سائر الموارد بالاولوية العرفية، وجواز الاخذ ملازم للزوم الاخذ لانه لا معنى لجواز الاخذ بالشيء إلا حجيته، فلا بد من ترتيب آثار الحجية عليه. فما اورده على التقريب ايضا لا يتم، والصحيح ما ذكره السيد الاستاذ من
عدم امكان التعدي عن موارد القضاء الى غيرها. نعم نتعبد بالحجية في موارد الحدود ايضا للادلة الخاصة، واما الحجية في غير موارد القضاء والحدود فلاتستفاد من هذه المادة، فلا بد من ملاحظة غيرها.
قال:(ثانيها) ما ذكره السيد الاستاذ، وتوضيحه: ان البينة في قولهصلىاللهعليهوآله (انما اقضي بينكم بالبينات) اذا حملت على معناها اللغوي العرفي كانت بمعنى ما يبين الشيء ويكون حجة عليه، وحيث ان هذا القول نفسه في مقام انشاء الحجية القضائية للبينة، أي كونها حجة في مقام القضاء، فهناك حجيتان في القول المذكور:
احداهما مجعولة فيه وهي حجية البينة في القضاء. والاخرى الحجية الماخوذة في موضوعه التي تدل عليها نفس كلمة البينة بمعناها اللغوي و العرفي، ولابد ان تكون هذه الحجية المجعولة في نفس
ذلك القول. فهي اذن الحجية في نفسها. وحيث ان النبيصلىاللهعليهوآله طبق الموضوع على شهادة عدلين فيثبت انها حجة في نفسها وبذلك يتم المطلوب. واما اذا حملنا البينة المأخوذة موضوعا لقوله (اقضي بينكم بالبينات) على شهادة عدليه ابتداء فلا يستفاد من القول المذكور نحو ان من الحجية ليتم هذا التقريب.
ويرد عليه (اولا) انه لو سلمت الاستفادة المذكورة فلا يكون في الدليل اطلاق يتمسك به لاثبات ان حجية البينة تفي نفسها ثابتة في جميع الموارد، لان الدليل كان مسوقا لبيان الحجية القضائية للبينة، لا لحجيتها الاخرى، وانما اخذت الحجية الاخرى مفروغا عنها في موضوع الكلام، وما دام الدليل غير مسوق لبيانها فلا يمكن اثبات الاطلاق في
حجية البينة. (وثانيا) ان قوله(انما اقضي بينكم بالبينات) لو كان في مقام انشاء الحجية في باب القضاء بهذا الخطاب فقد يتجه ما ذكر، واما اذا كان في مقام الاخبار وتوضيح ان النبيصلىاللهعليهوآله لايستعمل في مقام الفقضاء علمه الغيبي وانما يعمل الموازين والحجج الظاهرية، فلا يتضمن القول المذكور حينئذنحوين من الحجية، بل نحوا واحدا. ففرق بين ان يقال جعلت الحجية في باب القضاء لما هو حجة، او يقال: لااعتمد في باب القضاء على علم الغيب بل على الحجة، فان الاول تستفاد منه حجية في المرتبة السابقة على الحجية القضائية، بخلاف الثاني.
اقول: ان جعل البينة بمعنى الحجة موضوعا للقضاء وجعلها مقابلة لليمين وتطبيقها على شهادة عدلين تدل عرفا على ان شهادة عدلين طريق وحجة. والمفروض الغاء خصوصية مورد القضاء لان الحجية اخذت مفروضة. فقوله (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان) مساوق للقول بانه انما اقضي بينكم بالحجج، أي الطرق والايمان، وتطبيق الحجة في قبال اليمين على شهادة عدلين والغاء خصوصية مورد القضاء للمفروغية يدلنا على ان شهادة عدلين طريق وحجة مطلقا عرفا، فالصحيح ما افاده الاستاذ. وما اورده عليه من الاشكال غير وارد، ومن الغرائب الاشكال الثاني فانه يرد عليه: (اولا) ان جعل الحجية للحجة غير معقول ولا يقول به الاستاذ ايضا، بل المراد ان الحجة مستند للحكم في القضاء، واين هذا من جعل الحجية للحجة
(وثانيا) كيف لا يدل القول باني لا اعتمد الاعلى الحجة مفروغية الحجية قبل الاعتماد مع انها مستندة للاعتماد.
قال:(ثالثها) ان يقال ان قوله(اقضي بينكم بالبينات) بعد ضم الصغرى اليه المتحصلة من فعل النبيصلىاللهعليهوآله وتطبيقه لعنوان البينة على شهادة عدلين الذي هو امر معلوم وواضح يدل على ان
شهادة عدلين بينة أي مما يبين المطلب ويوضحه، وهذه الدلالة وان لم يكن لها اطلاق في نفسها، ولكن بضم ارتكازية حجية البينة عقلائيا ينعقد لمثل تلك الدلالة ظهور في امضاء ماعليه العقلاء من حجية البينة، وبذلك يكسب الدليل الاطلاق من اطلاق الارتكاز الممضى. فان الادلة التي تتكفل قضايا مركوزة عقلائيا ينشا لها ظهور في امضاء الارتكاز، بنحو يكون مفادها تابعا لدائرته سعة وضيقا. ولعل هذا التقريب اوجه من سابقيه.
اقول: (اولا) ليس هذا تقريبا للادلة اللفظية فان مآل ذلك الى ان البينة حجة للارتكاز العقلائي ، ويكفي الاستناد الى الشارع عدم الردع عنها بلا حاجة الى الامضاء. وبعبارة اخرى الدليل هو الارتكاز العقلائي بضم عدم الردع لا الادلة الواردة في القضاء بضم الارتكاز. (وثانيا) لا اطلاق لهذا التقريب فان الارتكاز دليل لبي لا يمكن التمسك به في الموارد المشكوكة. واحسن التقريب ما ذكره الاستاذ على مامر.
قال: الثاني من الوجوه الدالة على حجية البينة: الاستدلال برواية مسعدة بن صدقة(١) ، التي ورد في ذيلها(والاشياء كلها على هذا حتى
____________________
(١) الوسائل:ج١٢باب٤من كتاب التجارةحديث٤.
يستبين لك غير ذلك او تقوم به البينة) وقد يستشكل في ذلك باختصاصها بحجية البينة في مقابل الحل المشار اليه بكلمة(هذا) لافي مقابل الطهارة. وبعد فرض التجاوز عن هذا الاشكال، اما بدعوى الغاء العرف لخصوصية الحل في مقابل الطهارة، وفهمه جعل الحجية للبينة في مقابل الاصول والقواعد الترخيصية او بتوسيع نطاق الحل واعطائه معنى يشمل الحلية الوضعية على نحو تكون الطهارة معه نحوا من الحل ايضا. او بملاحظة آثار الطهارة فتكون البينة حجة على نفي الحلية التي هي اثر الطهارة، ومع عدم امكان التفكيك عرفا بين نفي الاثر ونفي سببه في الامارات المركوز كون مثبتاتها حجة ايضا يثبت نفي الطهارة.
اقول: لا تصل النوبة الى هذه الدعاوى، فان البينة في الامثلة غير قائمة على الحرمة، بل هي قائمة على كون الثوب سرقة او كون المبيع حرا او كون المراة الاخت او كونها رضيعة. فالرواية تدل على حجية البينة في هذه الموضوعات وغيرها بالغاء الخصوصية عرفا. والبينة وان كانت رافعة لقاعدة الحل لكن لا بملاحظة مقابلتها لها بل بلحاظ بيان الموضوع فتستفاد من الرواية حجية البينة في الموضوعات فيترتب عليها آثارها حرمة او نجاسة او غير هما، ولذا يستفاد من الرواية فساد البيع في المثالين الاولين وفساد النكاح في الاخيرين، مع ان الفساد غير الحرمة.
قال: يبقى الاشكال من ناحية سند الرواية لعدم ثبوت وثاقة مسعدة بن صداقة، ودعوى ان رواياته كلها متقنة ومحكمة، انما تدل على فضله لا على وثاقته.
اقول: الرواية معمول بها بين الاصحاب، ولذا يرى ان اساطين الفقه لم يناقشوا في سندها، ولم يتعرضوا للمناقشات التي ذكرها غيرهم ايضا ويستندون اليها، فلا مجال للمنافشة السندية فيها لحصول ملاك الاعتبار وهو الوثوق بالصدور على ما قالوا، اواحتجاج العقلاء بمثل هذا الخبر على مطلوبات المولى من العبيد على ما اخترناه في ملاك حجية الخبر.
قال: الثالث من الوجوه: الاجماع، ولا ينبغي الاستشكال فيه لمن لاحظ كلماتهم في الموارد المتفرقة في الفقه التي يستظهر منها المفروغية عند الجميع عن حجية البينة على الاطلاق، فان كان هذا الاجماع مستندا الى رواية مسعدة بن صدقة كان بنفسه سببا صالحا للوثوق بالرواية وان كان مستندا الى استظهار الكلية من روايات القضاء. فهذا بنفسه يؤكد عرفية هذا الاستظهار وصحته وان كان غير مستند الى ما تقدم، فهو اجماع تعبدي صالح لان يكشف عن تلقي معقده بطريق معتبر، فالاعتماد على الاجماع في مقام بمثل هذا البيان ليس ببعيد.
اقول: الوجه غير منحصر بالوجوه الثلاثة التي ذكرها، لاحتمال استناد بعض الاصحاب الى رواية مسعدة، واستناد البعض الى استظهار الكلية من روايات القضاء، واستناد البعض الى انها امر ارتكازي عقلائي، فعلى ذلك لا يمكن دعوى الوثوق بالرواية ولا عرفية الاستظهار ولا تعبدية الاجماع.
قال: ٣ـ خبر العدل الواحد: ومرد البحث في ذلك الى الكلام عن حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية بعد الفراغ في الاصول عن حجيته في الشبهات الحكمية، والبحث في ذلك يقع في ثلاث جهات:
الجهةالاولى: في امكان التمسك بنفس دليل حجية خبر الواحدفي الشبهة الحكمية لاثبات حجيته في الشبهة الموضوعية، ولو لم تكن الشبهة الموضوعية ملحوظة فيه بالاطلاق، وذلك باحد تقريبين:
(الاول) ان يدعى رجوع الشبهة الحكمية الى الشبهة الموضوعية في الحقيقة فيكون دليل الحجية في الاولى دليلاعليها في الثانية. فان زرارة مثلا في الشبهة الحكمية لا يخبر عن الحكم الكلي الالهي بوجوب السورة ابتداء، بل عن ظهور كلام الامام الذي هو مصداق لكبرى حجية الظهور شرعا. فيكون اخبارا عن الموضوع في الحقيقة. والجواب على ذلك: ان فرقا يظل ثابتا بين خبر زرارة واخبار العادل عن نجاسة الثوب رغم هذا الارجاع. وهو ان خبر زرارة فيه حيثيتان: احداهما كونه اخبارا عن الموضوع لحجية الظهور، والاخرى كونه كاشفا ولو بتوسط كشفه عن كلام المعصوم عن الحكم الكلي بوجوب السورة، واخبار العادل بنجاسة الثوب يشترك مع خبر زرارة في الحيثية الاولى دون الثانية فلا يمكن التعدي.
اقول: ليس المخبربه في الاحكام الكلية ظهور كلام الامام، بل المخبر به نص قول الامام ومقالته هو الحكم الكلي، والفرق بينه وبين الشبهة الموضوعية ان فيه يلاحظ القول طريقا الى الحكم الكلي دونها، ولذا يشمل دليل الحجية للوسائط في الاخبار مع الواسطة في الاحكام الكلية. مع ان المخبر به في الوسائط قول الراوي لا الامامعليهالسلام ولا يشمل مايؤخذ قول الامام موضوعا فيه، كما انه لو نذرانه لو سمع كلام الامام يتصدق فلا يشمل دليل الحجية الخبر الذي يخبر عن ان هذا كلام الامام.
والحاصل: ان قول الراوي وهكذا قول الامام في الشبهات الحكمية يلاحظ طريقا الى بيان الحكم بخلاف الشبهات الموضوعية، فان الموضوع فيها يلاحظ موضوعا واستقلالا، ولذا لا نرى شمول دليل الحجية لاخبار التحليل مع الالتزام بالتحليل المالكي الامع التعدد، وقد ظهر مما ذكرنا
مواقع للنظر في كلامهقدسسره (منها) ما قال بان اخبار العادل في الشبهة الموضوعية يشترك مع خبر زرارة في الحيثية الاولى وهي الاخبار عن الموضوع دون الثاني وهو كونه كاشفا ولو بتوسط كشفه عن كلام المعصوم فلا يمكن التعدي. ووجه النظر ان الحيثية الثانية في طول الاولى ومتفرعة عليها، فلو لم يشمل دليل الحجية للشبهات الموضوعية لا يشمل للشبهات الحكمية ايضا.
والصحيح الفرق الماهوي بينهما، فان الموضوع في الشبهة الموضوعية لوحظ مستقلا بخلاف قول الامام في الشبهة الحكمية. فانه كقول الراوي لوحظ آليا. (ومنها) ما قال بعد هذا ما لفظه: والتحقيق ان دليل حجية الخبر في الشبهة الحكمية لم يدل على حجية الخبر عن الحكم الكلي بهذا العنوان. ليبذل الجهد في ارجاع بعض الاخبار في الموضوعات الى الخبر عن الحكم الكلي بالالتزام وانما دل الدليل المتحصل من السنة المتواترة اجمالا على مضمون، مثل قوله(١) : (العمري وابنه ثقتان، فما اديا اليك فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما واطعهما فانهما الثقتان المامونان) فموضوع الحجية هو الخبر
____________________
(١) الوسائل:ج١٨باب١١من ابواب صفات القاضي حديث٤. والرواية هكذا(عن محمد بن عبد الله الحميري، ومحمد بن يحيى جميعا، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن احمد بن اسحاق، عن ابي الحسنعليهالسلام قال: سالته وقلت: من اعامل ؟ وعمن آخذ؟ وقول من اقبل؟ فقال: العمري ثقتي فما ادى اليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له واطع، فانه الثقة المامون، قال: وسالت ابا محمدعليهالسلام عن مثل ذلك فقال: العمري وابنه...الخ).
الذي يعتبر اداء عن الامام، وهذا ينطبق على خبر زرارة دون خبر العادل عن الاجتهاد. ومن اجل ذلك قلنا في موضعه من كتاب الخمس: ان اخبار التحليل قد يقال بشمول الدليل المذكور على الحجية لها وان حملت على التحليل المالكي، لانها وان لم تكن اخبارا عن الحكم الكلي، ولكنها اداء عن الامام فيشملها موضوع الحجية في ذلك الدليل.
اقول: لازم ما ذكرهرحمهالله شمول الدليل لمثال النذر المتقدم، والحق ما مر من الفرق، فلا يشمل الدليل لا لاخبار التحليل بناء على المالكي الامع التعدد، ولا لمثال النذر. هذا لوقلنا بان دليل الحجية يدل على امر تاسيسي من الشارع. ولو قلنا بالحجية العقلائية فالقدر المتيقن من بناء العقلاء المتصل بزمان المعصومعليهالسلام هو الاحتجاج بالاخبار في مقام الاحتجاج، واتمام الحجة على مطلوبات المولى من العبد، فتختص الحجية حينئذ بالشبهات الحكمية لا الموضوعية.
قال: (الثاني) التعدي بملاك الاولوية العرفية: بمعنى ان العرف يرى ان المولى اذا كان يعتمد على خبر الواحد في ايصال الحكم الكلي او نفيه مع ما يترتب على ذلك من وقائع كثيرة من الامتثال و العصيان فهو يعتمد عليه في ايصال الموضوع ونفيه الذي لا يترتب عليه الا واقعة واحدة من وقائع الامتثال او العصيان. وهذه الاولوية العرفية تجعل دلالة التزامية عرفية في دليل الحجية، يثبت بها حجية الخبر في الموضوعات، ولا يخلو هذا البيان من وجاهة.
اقول: لا وجاهة فيه، فان الدلالة الالتزامية انماهي دلالة المعنى المطابقي
على المعنى الالتزامي، لادلالة اللفظ على المعنى الالتزامي،لعدم دلالة للفظ الا على نفس معناه، وهو المعنى المطابقي، ولا يعقل ازيد من ذلك كما قرر في محله. فلو اريد من الدلالة دلالة المعنى المطابقي وهو الحجية في الشبهة الحكمية على الحجية في الشبهة الموضوعية فلا يمكن دعوى ذلك الا مع القطع بالمناط، ولا ظن بالمناط فضلا عن القطع به. ولو اريد منها دلالة االلفظ عليها فاللفظ لا دلالة له الا على معناه. نعم لو كان القيد في الكلام بحيث لا يراه العرف دخيلا في
الموضوع ويفهم المعنى الجامع بين المقيد وفاقد القيد من اللفظ يكون هذا من دلالة اللفظ، ونسميه بالغاء الخصوصية كالغاء الخصوصية عن ثوب زرارة في قوله(اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه)(١) ومن الظاهر ان قيد الشبهة الحكمية ليس من هذا القبيل بحيث لا يفهم العرف من دليل الحجية فيها القيدية. كل ذلك مع الالتزام بالتعبد فيه، والافلا موضوع لالغاء الخصوصية. بل لابد من الاخذ بالقدر المتيقن وهو الحجية في الشبهات الحكمية.
قال: الجهة الثانية في دعوى ان دليل حجية الخبر في الشبهة الحكمية له اطلاق في نفسه للشبهة الموضوعية ايضا. وتحقيق هذه الدعوى باستعراض المهم من ادلة تلك الحجية، ليرى مدى الاطلاق فيها للشبهة الموضوعية. ومهم تلك الادلة امور: احدها: السيرة العقلائية: ولا اشكال في شمولها للشبهة الموضوعية، وانما الكلام في دعوى الردع عن اطلاقها لهذه الشبهة لاحدى روايتين.
____________________
(١) الوسائل:ج٢، من ابواب النجاسات، حديث٢.
اقول: بل لعله لا اشكال في عدم شمولها له فان ما توهم من امثلة ذلك كلها في موارد احتمال الضرر الذي ينجزه نفس الاحتمال بلا حاجة الى الخبر، اترى انه لو احتمل السم في طعامه فاخبره الثقة بعدم السم فيه ولكن بعد يحتمل السم؟ أفهل يرى العقلاء هذا الخبر حجة بحيث لايذم لوشرب وصادف السم؟ نعم العقلاء يحتجون في مطلوبات الموالي من العبيد بخبر الثقة، ولذا نلتزم بالحجية العقلائية في الشبهات الحكيمة وفي مثله كفتوى الفقيه من جهة بناء العقلاء، واما في الموضوعات فلا بد من دق باب الشرع فيها لعدم احراز بناء العقلاء على العمل بالخبر فيها، بل لعل عدم البناء محرز.
قال: الرواية الاولى: خبر مسعدة بن صدقة المتقدم، حيث حصر الاثبات بالعلم والبينة فيدل على عدم حجية خبر الواحد بتقريب التمسك باطلاق المغيى في قوله(والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك او تقوم به البينة)
اقول: ليس للمغيى وحدها ولا للغاية وحدها اطلاق يؤخذبه، بل الاطلاق الذي يمكن الاخذ به انما هو بعدتمام الكلام بتمام لواحقه. مضافا الى ان المورد مورد التمسك بالعموم لا الاطلاق، فكانه قال: (كل شيء حلال حتى تقوم بحرمته البينة) فما لم تقم عليها البينة يبقى تحت عموم الحلية.
قال: والجواب عن دعوى الرادعية المذكورة عن السيرة بهذا الخبر يمكن بوجوه: (الاول) ان الرواية ضعيفة السند، فهي لا توجب ثبوت الردع. فان قيل: ان احتمال صدقها يوجب على الاقل احتمال الردع، وهو
كاف لاسقاط السيرة عن الحجية لتوقف حجيتها على الجزم بالامضاء الموقوف على الجزم بعدم الردع. قلنا: ان عدم الردع قبل الامام الصادقعليهالسلام في صدر الاسلام محرز لعدم نقل ما يدل على الردع، ويكشف ذلك عن الامضاء حدوثا. فاذا اوجب خبر مسعدة عن الصادقعليهالسلام الشك في نسخ ذلك الامضاء الثابت في اول الشريعة جرى استصحابه.
اقول: من اين احرزتم ذلك؟ ومجرد عدم نقل ما يدل على الردع لا يوجب الاحراز حتى يتم اركان الاستصحاب.مضافا الى ان الامضاء المستفاد من عدم الردع لا يوجب كون الحجية من الاحكام الشرعية بل عقلائي على الفرض لم يردع عنه الشارع فيمكن الاحتجاج به حينئذ عقلا، وعلى ذلك لو كانت الحجية مجرى الاستصحاب فهذه ليست بحكم شرعي ولا موضوع له، ولو كان المستصحب غيرها كالامضاء ونحوه، فمضافا الى الاشكال المذكور يكون الاستصحاب مثبتا،
هذا ويظهر مما ذكرهرحمهالله انه سلم الردع مع قطع النظر عن هذا الاستصحاب. والصحيح ان مجرد احتمال الردع لا يوجب سقوط السيرة عن الحجية لو فرض وجودها، والا لم يمكن التمسك باي سيرة عقلائية، فان باب الاحتمال واسع. الا ترى انهم يستدلون بالسيرة العقلائية في باب المعاطاة وفي باب رجوع الجاهل الى العالم مع انه يحتمل ردع الشارع عنها و الوجه في ذلك بتقريبين:
١ـ التمسك بنفس السيرة، أي ان السيرة قائمة على العمل بالخبر او المعاطاة او رجوع الجاهل الى العالم حتى مع احتمال ردع الشارع عنها وهي حجة الا اذا ثبت الردع، والا فالكلام بعينه.
٢ـ السيرة بنفسها حجة مع عدم الردع وردع الشارع حجة توجب هدم
حجية السيرة، فمع قيام السيرة على شيء واحتمال الردع قامت الحجة عليه، ولم نحرز قيام حجة هادمة لحجيتها، ولايجوز عقلا رفع اليد عن الحجة بمجرد احتمال قيام الحجة الهادمة. وبعبارة اخرى ليس عدم الردع دخيلا في الحجية؛ بل الردع هادم للحجية، فرفع اليد عن السيرة بمجرد احتمال الردع رفع لليد عن الحجة بغير الحجة، وهو احتمال الهدم.
قال: (الثاني) ان الرواية حتى لو صح سندها لاتكفي لاثبات الردع، لان مستوى الردع يجب ان يتناسب مع درجة قوة السيرة وترسّخها، ومثل هذه السيرة على العمل بخبر الثقة لو كان الشارع قاصدا ردعها ومقاومتها لصدرت بيانات عديدة من اجل ذلك كما صدر بالنسبه الى القياس، لشدة ترسخ السيرة العقلائية على العمل بخبر الثقة وتركزها، ولما اكتفى باطلاق خبر من هذا القبيل.
أقول: هذا صحيح الا انه مع تسليم قيام السيرة على العمل بالخبر في الشبهة الموضوعية والا فتبقى رواية مسعدة على حجيتها، فلو دل دليل لفظي من الشرع على حجية الخبر في الموضوعات يقع التعارض بين هذه الروايات ورواية مسعدة، فلابد من الجمع الدلالي او العلاج، والا فلا بدّ من العمل بالرواية.
قال: (الثالث) ان تحمل البينة في الخبر على المعنى اللغوي أي مطلق الكاشف فلا تكون الرواية رادعة، بل يكون دليل حجية الخبر محققا مصداقا للبينة، وهذا بعيد.
إلى ان قال: (الرابع) ان الغاية في خبر مسعدة مشتملة على عنواني «الاستبانة» المساوقة للعلم، «والبينة». ودليل حجية الخبر – وهو
السيرة – يجعل خبر الواحد علما بالتعبد، فيكون مصداقا للغاية، ومعه لايعقل الردع عنه باطلاق المغيى.
ويرد عليه (أولا) ان هذه الحكومة سنخ ما يدعى في الاصول من حكومة دليل حجية الخبر على الايات الناهية عن العمل بالظن لاقتضائه كون الخبر علما. وقد اجبنا هناك بأن مفاد الايات هو النهي عن العمل بالظن ارشادا الى عدم حجيته، فاذا كانت الحجية بمعنى جعل الامارة علما فمفاد الايات نفسه هو نفي العلمية التعبدية عن الظن، فيكون في عرض دليل الحجية، ولايعقل حكومة هذا الدليل عليه. ونفس هذا الكلام يأتي في المقام لان مفاد خبر مسعدة هو حصر الحجة بالعلم والبينة ونفي حجية ماعداها.
أقول: هذا لو كان موضوع دليل الحجية الظن لاالخبر فان مفاد دليل نفي اعتبار الظن بناء على ما افاده –رحمهالله – ان الظن ليس بعلم تعبدا. فلو دل دليل على ان الظن علم تعبدا يقع التعارض بينهما لامحالة، الا ان الدليل قد دل على ان الخبر علم تعبدا، وهذا حاكم على دليل عدم اعتبار الظن، فان الخبر ليس بظن لدليل اعتبار الخبر، فلا ينطبق عليه دليل ان الظن ليس بعلم تعبدا حتى تقع المعارضة بين الدليلين، هذا.
ولو سلم التعارض فالنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق فان دليل اعتبار الخبر ناظر الى مورد لم يحصل منه العلم، والا فاعتباره غير قابل للجعل، والنتيجة نتيجة الحكومة. والتحقيق عدم دلالة دليل الحجية على العلمية التعبدية. وما ذكر من العلم التعبدي او تنزيل النفس منزلة العالم أو أن الشارع في عالم التشريع قد أوجد فردا من العلم كلها مجرد تعابير لا واقع لها لعدم ورودها في
شيء من الأدلة، بل مفاد الأدلة نفس الاعتبار بلا لحاظ شيء اخر من العلمية او غيرها، مع ان جعل العلم غير معقول كما حقق في الاصول، فالنتيجة عدم الحكومة، فلو دل الدليل على اعتبار الخبر في الشبهات الموضوعية يكون مخصصا لرواية مسعدة او معارضا لها على ما يأتي. كما ان دليل اعتبار الخبر في الشبهات الحكمية مخصص لدليل عدم اعتبار الظن.
قال: (وثانيا) ان الحكومة انما تتم عرفا لو لم تقم قرينة في دليل المحكوم على ان العلم لوحظ بما هو علم وجداني خاصة كما في المقام، فان العلم جعل في مقابل البينة التي هي علم تعبدي، وهذه المقابلة بنفسها قرينة عرفا على ان المولى لاحظ في العلم خصوص الفرد الوجداني بنحو يأبى عن التوسعة بالحكومة.
أقول: ما افاده –رحمهالله – استظهار صحيح من الرواية فالمقابلة بين الأمرين والحصر بهما يدلان على حصر الاعتبار بالعلم الوجداني والبينة. وعلى هذا لو دل خبر على حجية الخبر في الموضوعات لايكون مخصصا للرواية بل يعامل معهما معاملة التعارض بنحو التباين، فان الحكومة
مدفوعة بما ذكرنا أو باستظهار العلم الوجداني من الاستبانة بقرينة المقابلة، والتخصيص مناف لخصوصية البينة في الحصر، فلابد من اعمال قواعد التعارض بين المتباينين.
قال: الرواية الثانية: رواية عبد الله بن سليمان الواردة في الجبن «كل شيء لك حلال، حتى يجيئك شاهدان يشهدان ان فيه ميتة(١)
____________________
(١) الوسائل: ج١٧، باب ٦١ من ابواب الأطعمة المباحة حديث٢.
وجملة من المناقشات في رادعية خبر مسعدة عن السيرة لا تأتي في المقام، الا انها تختص بمناقشة اخرى وهي ورودها في مورد مخصوص مع ان الرواية ضعيفة السند.
إلى ان قال: ثانيها: سيرة أصحاب الائمة على الرجوع الى الروايات والاعتماد عليها في مقام التعرف على الحكم الشرعي، وقد اثبتنا في الاصول ثبوت هذه السيرة على العمل بالأخبار في مقام الاستنباط، واما انعقادها على العمل بالخبر في الموضوعات على الاطلاق فلا دليل عليه.
ثم قال: ثالثها: الكتاب الكريم – الى ان قال:– وانما الجدير بالبحث علاج المعارضة بين اطلاق مفهوم اية النبأ(١) واطلاق خبر مسعدة بن صدقة، فان كان احدهما أخص من الاخر قدم الأخص، وان كان بينهما عموم من وجه سقط اطلاق الخبر لدخوله في عنوان الخبر المخالف للكتاب.
أقول: الظاهر عدم دخول مثل ذلك تحت هذا العنوان حتى في باب التعارض بين الروايات فضلا عن غير مورد التعارض بينهما، كما بنينا عليه في الاصول، وبملاحظة مامر يظهر ان النسبة – مع قطع النظر عن اطلاق الاية بالنسبة الى التعدد – هو التباين لا العموم من وجه ولا العموم المطلق، والوجه في ذلك ان خبر مسعدة دال على عدم اعتبار الخبر الواحد في الموضوعات لدلالة خصوصية البينة في الحصر، فلو كان خبر الواحد حجة لكان ذكر البينة لغوا. والاية تدل على اعتبار خبر العادل في الموضوعات من جهة تيقن شمولها لموردها، فتقع المعارضة بينهما بنحو التباين، الا ان اطلاق الاية من جهة الوحدة والتعدد يوجب خصوصية الخبر فتخصص الاية به.
____________________
(١) الحجرات: ٦.
بيان ذلك: ان الخبر دال على عدم اعتبار الخبر في الموضوعات، والا لم تصل النوبة الى البينة. واما الاية فبناء على مفهوم الوصف فيها تدل على تعليق الحكم بوصف الفسق بلا فرق بين التعدد وعدمه، ولذا يجب التبين مع مجيء فاسقين او اكثر بالنبأ مالم يحصل العلم بمنطوق الاية الشريفة. وهذا يدل على الانتفاء عند الانتفاء بلا فرق بين التعدد وعدمه. فان المفهوم ظل المنطوق. فالمتحصل عدم وجوب التبين عند انتفاء صفة الفسق عن المخبر، وهذا مطلق من جهة تعدد المخبر وعدمه، فيقيد بخبر مسعدة الدال على عدم الاعتبار مالم يتعدد.
وبناء على مفهوم الشرط في الاية تدل على ان النبأ لو ان الجائي به الفاسق يجب التبين، ولو لم يكن الجائي به الفاسق لايجب التبين، ومن جهة استلزم وجود النبأ وعدم مجيء الفاسق به لكون الجائي به العادل يظهر اعتبار خبر العادل، لكن هذا ايضا مطلق من جهة تعدد المخبر وعدمه لعدم تقييد المنطوق بالوحدة، والا لكان خبر الفاسقين أو أكثر معتبرا بمفهوم الاية، فتقييد الاية بالخبر بلا محذور.
ومما ذكرنا ظهر ان ما ذكره –رحمهالله – من ان النسبة بناء على ملاحظة اطلاق الاية من جهة تعدد المخبر هو العموم من وجه غفلة عن دقيقة وهي ان دلالة الخبر على عدم اعتبار خبر الواحد ليست من جهة اطلاقه بالنسبة الى عدم اعتبار البينة حتى يقال كما قال –رحمهالله – خبر مسعدة يقول لا حجة في الشبهة الموضوعية غير البينه سواء كان خبر الواحد أو لا. بل دلالته من جهة دلالته على حصر الاعتبار بالبينة، فلو كان خبر الواحد حجة لكان جعل الاعتبار للبينة لغوا ظاهرا، وان شئت قلت: ان خبر مسعدة نص في عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات، والاية ظاهرة من جهة الاطلاق فتقيد الاية بنص الخبر.
قال: رابعها: الأخبار المستدل بها على حجية خبر الواحد في الشبهة
الحكمية مثل رواية «العمري وابنه ثقتان فما أدّيا فعني يؤديان» فان التفريع في الرواية يجعلها مشتلمة على حكم وتعليل، فكانه قيل ما أديا فعني يؤديان لانهما ثقتان، وهذا تعليل بالصغرى مع حذف الكبرى، وتقدير حجية خبر الثقة في الاحكام مبرى في القياس وان كان يكفي، ولكن حيث ان كبرى حجية خبر الثقة بنحو اوسع مركوزة فينصرف ملك الفراغ اليها حفظا لمناسبات الصغرى والكبرى المركوزة في الذهن العرفي. ومعه يتم الاستدلال على المطلوب.
أقول: مع فرض كون الكبرى حجية خبر الثقة مركوزة فأي معنى للتمسك براوية «العمري وابنه ثقتان الخ»؟ وتتميم الاستدلال بضم هذه الكبرى اليها فان الكبرى المركوزة بنفسها حجة مالم يدل دليل شرعي على خلافها.
والصحيح كون الرواية ارشادا الى الكبرى المركوزة فلا يمكن التمسك بها لاثبات التعبد بالخبر بل لابد من ملاحظة حدود هذه الكبرى، وقد تقدم ان ما هو المرتكز عند العقلاء هو الاحتجاج على مطلوبات الموالي من العبيد بخبر الثقة، والرواية ارشادا الى هذا المعنى لاغير. هذا مضافا الى انه لو سلم تمامية دلالة مثل هذه الرواية على اعتبار خبر الواحد نقيدها بالشبهات الحكمية بقرينة خبر مسعدة الخاصة بالشبهات الموضوعية.
بقي الكلام في الروايات الخاصة، وقد جمعها –رحمهالله – وذكر وجه عدم دلالة جميعها الا الروايتين الأخيرتين، وهما رواية هشام بن سالم(١) الدالة على ان الوكاله ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه او يشافهه بالعزل عن الوكالة. ورواية اسحاق بن عمار(٢) الدالة على ان الامامعليهالسلام بعدما
____________________
(١) الوسائل: ج١٣، باب ٢ من كتاب الوكالة، ح١.
(٢) الوسائل: ج١٣، باب ٩٧ من كتاب الوصية، ح١.
قال السائل انه أخبره مسلم صادق بأن الموصي قد اوصى بالتصدق بعشرة دنانير، قال: أرى أن تصدق منها بعشرة دنانير.
وقال –رحمهالله –: وهكذا يظهر ان احسن روايات الباب الروايتان الأخيرتان.
أقول: اما الرواية الأخيرة فيحتمل انه كان الخبر بالوصية محفوفا بالقرينة القطعية وهو اخبار المخبر بالدنانير او غيره، ووجه السؤال عن الامام انه هل يعمل بالوصية الاولى او الثانية؟.
واما الرواية الاولى فاحتمال خصوصية المورد فيها يمنعنا عن التعدي ولا دافع لهذا الاحتمال، ولاسيما بملاحظة كون الحكم على خلاف القاعدة، اذا لا دليل على اعتبار خبر الواحد في الشبهات الموضوعية، بل الدليل على خلافه، وهو رواية مسعدة بن صدقة الدالة علىعدم اعتبار غير البينة فيها، بل أصالة عدم الحجية كافية في ذلك بعد مامر من عدم تمامية السيرة والأدلة، ومما يدل على عدم حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية عدة من الروايات الواردة في الموارد الخاصة بعد الغاء خصوصية المورد. وقد ذكر –رحمهالله – رواية الحسن بن زياد والحلبي وابن أبي نصر، وعدم التزام الاصحاب بانتهاء عدة الوفاة الدالة عليه الاولتان لايضر بما نحن بصدده، وهو عدم اعتبار غير البينة في ذلك.
ونذكر رواية لم يتعرض لها وهي رواية يونس(١) «سألته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها: ألك زوج؟ فقالت: لا، فتزوجها ثم ان رجلا أتاه فقال: هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك، مايلزم الزوج؟ قال: هي امرأته الا ان يقيم البينة وظاهر هذه الرواية ان الزوج لايعتني بقول المدعي الا أن
____________________
(١) الوسائل: ج١٤، باب ٢٣ من ابواب عقد النكاح واولياء العقد، ح٣.
يقيم البينة عنده، وليس فيها اقامة البينة عند الحاكم حتى يقال عدم اعتبار غير البينة في مقام فصل الخصومة عند الحاكم لايدل على عدم اعتباره في غير هذا المقام.
قال: وقد تلخص من مجموع ماذكرناه ان خبر الثقة حجة في الشبهات الموضوعية، الا في مورد دل الدليل فيه على عدم الحجية.
أقول: وقد تحصل مما ذكرناه عدم حجية خبر الثقة فيها بل الحجة فيها هي البينة، الا اذا دل الدليل على خلافها.
والحمد الله رب العالمين
رسالة في علاج الخبرين المتعارضين والجمع بين أخبار العلاج
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطاهرين والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، واللعن الدائم على أعداء ال محمد أجمعين الى يوم الدين.
الكلام في الخبرين المتعارضين والجمع بين الأخبار العلاجية. أقول – ومن الله الاستعانة –:
تأسيس الأصل في المسألة: هل القاعدة في المتعارضين التساقط او التخيير؟ قد يقال في وجه التساقط:
١ – بناء على الحق المحقق في حجية الامارات من انها طريق مجعول الى الواقع ولا موضوعية لها ولا سببية، لابد من الالتزام بالتساقط في مورد المعارضة فان جعل طريقين متعارضين غير معقول وجعلها لواحد منهما دون الاخر بلا دليل.
٢ – لاتشمل اطلاقات أدلة الحجية لشيء من المتعارضين، فان شمولها للمتعارضين لايمكن لفرض التعارض وشمولها للواحد المعين منهما بلا معين، وشمولها للواحد المردد لا دليل عليه مع ان الواح المردد لا معنى له، وشمولها للجامع بينهما خلاف ظاهر الدليل وقول بلا دليل فلا تشمل الأدلة للمورد.
ويرد على الأول: ١ – ليس معنى حجية الامارة جعل الطريقية لها، فان
الطريقية ليست من الامور المجعولة بل هي تكوينية محضة وجعلها نظير جعل البرودة والحرارة، فما قيل من ان الامارة علم تعبدي مجرد عبارة، فان التعبد بالعلم من قبيل التعبد بالبرودة والحرارة تعبد في الامور التكوينية. لا أقول بعدم امكان التعبد بذلك، فان معناه ليس الا التنزيل، وهذا بمكان من الامكان، لكن الاشكال في انه هل هذا الاعتبار عقلائي او لا؟ ولو فرض انه عقلائي فلا دليل على ان المجعول في الامارات العلم والطريقية ونحو ذلك، فأي دليل دل على ان الخبر مثلا علم او طريق؟ أو أي دليل دل على ان المجعول تنزيل النفس منزلة العالم او تنزيل المؤدي منزلة الواقع؟ او غير ذلك مما افادوا من التعبيرات. كل هذه تصورات وتخيلات وليس في دليل واحد عين منها ولا أثر. بل معنى الحجية في الامارة انها معتبرة عند معتبرها، أي يستند اليها ويحتج بها، فالخبر اذا كان حجة يحتج به فيكون منجزا للواقع عند الاصابة وموجبا للعذر عند المخالفة، وهذا المعنى من الحجية عقلائي وشرعي فيمكن ان يكون شيء حجة عقلائية أي يكون موجبا
للاحتجاج به عندهم مع ردع الشارع عنه نظير القياس، ويمكن العكس كالخبر على القول بالتعبد فيه. وعلى هذا فلا مانع من جعل الحجية بهذا النحو للخبرين المتعارضين، بأن يكون كل منهما موجبا للاحتجاج به عند الاصابة والخطأ، الا في مورد عدم امكان الامتثال وهو دوران الامر بين النفي والاثبات وبين المحذورين.
بيان ذلك: ذكروا ان التعارض أصلي وعرفي. فالأول هو الدوران بين النفي والاثبات، نظير ما اذا دل دليل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ودليل اخر على عدمه. والثاني غير ذلك مع العلم بالمخالفة في احد منهما، نظير ما اذا دل دليل على وجوب الظهر ودليل اخر على وجوب الجمعة، وجعل الحجية بهذا المعنى غير ممكن في الأول، بأن يجعل الدليل الدال على وجوب الدعاء موجبا للتنجز عند الاصابة، وان كان الدليل الدال على نفي الوجوب
أيضا حجة، فان معنى حجيته انه موجب للعذر ولو كان خطأ، وان كان الاول مصيبا والتنجز والعذر في مورد واحد لايجتمعان.
واما الثاني فلا مانع من جعل الحجية بهذا المعنى للخبر الدال على وجوب الجمعة والخبرالدال على وجوب الظهر معا وان علم عدم وجوب الجمعة والظهر معا. فان معنى حجيتهما ان الواقع منجز لو كان واحد من الدليلين مصادفا له، والمكلف معذور في ترك الواقع لو كان الواقع على خلاف كلا الدليلين. وهذا امر معقول لا محذور فيه بوجه ولا يتوهم ان العلم الاجمالي كاف في ذلك، فان العلم بنفي التكليف لا الاثبات، فتدبر.
نعم لو دلت الامارتين على النفي وتعليق العلم الاجمالي بالاثبات فلا تجري الامارتان، لان العذر والعلم بالتكليف لايجتمعان، فتأمل.
٢ – لو سلمنا ان الطريقية أمر جعلي الا ان ما ذكر من عدم امكان جعلها في مورد التعارض خلط بين الاحكام القانونية والشخصية، وان الشارع لم يجعل الخبر من المتعارضين طريقا الى الواقع حتى يقال انه غير معقول، بل جعل الخبر طريقا ومورد التعارض مورد التطبيق لا الجعل، وتطبيق الدليل على المورد مع الاشكال العقلي يتقيد بمقدار المحذور وبالاشكال، لا ان يرفع اليد عن اصله، ويظهر من جواب الوجه الثاني ان شاء الله كل ذلك مع القول بقيام دليل شرعي مطلق على حجية الامارة، والا فلو قلنا بعدم الدليل الشرعي او قلنا بانه ارشاد الى بناء العقلاء ولا اطلاق له فالعقلاءلايرون شيئا من المتعارضين حجة ولا يعتبرون شيئا منهما.
والمتحصل من جميع ذلك ان الامارات العقلائية تسقط في مورد التعارض لعدم بناء العقلاء فيه
وعدم قيام دليل شرعي مطلق فيه على الفرض. والامارات الشرعية على فرض وجوده لا مانع من شمولها لمورد المعارضة على المبنى الصحيح في معنى حجية الامارة الا اذا كان الدوران بين النفي
والاثبات ومنها الدوران بين المحذورين.
ويرد على الثاني: ان الاطلاقات – لو سلم وجودها – غير واردة في مورد التعارض بل هي ناظرة الى نفس طبيعة الامارة، وبما ان تطبيقها على مورد التعارض مستلزم للمحذور العقلي وهو لزوم التنجز والعذر في مورد الاصابة، وهذا غير ممكن، فلابد من تقييد الاطلاقات بغير مورد لزوم المحذور، فالنتيجة الامارة حجة ويتقيد بصورة عدم لزوم المحذور ويمكن انطباق هذا على مورد التعارض أي كل من المتعارضين حجة في صورة عدم الأخذ بالاخر، أي لو اخذ به وكان الاخر مصادفا يكون معذورا، ولو لم يؤخذ به ولا بالاخر وكان مصادفا او الاخر مصادفا لم يعذر، ومع امكان التطبيق بهذا النحو الذي نتيجته التخيير او الترجيح مع وجوده لابد من التمسك بالدليل، ولا وجه للالتزام بالتساقط، وهذا البيان لايختص بالمبنى الصحيح في حجية الامارات بل يجري على جميع المباني بناء على ان الامارة شرعية دل عليها الاطلاق. نعم بناء على ان الامارة عقلائية لايعتبر العقلاء شيئا من الامارتين حجة في مورد التعارض فتحصل ان مقتضى القواعد التساقط اذا كانت الامارة معتبرة بنظر العقلاء ولم يكن فيها تأسيس من الشارع والتخيير بناء على الجعل الشرعي الدال عليه الاطلاقات، وبما ان الخبر حجة عقلائية ولم يدل على حجيتها الشرعية دليل بل جميع الادلة ارشاد الى ما عليه العقلاء فالأصل الأولي في الخبرين المتعارضين التساقط.
ومما ذكرنا ظهر ضعف ما افاده السيد الاستاذ – مد ظله – في وجه التساقط من عدم شمول الأدلة لمورد التعارض، فان شمولها للجميع غير معقول، ولواحد دون اخر ترجيح بلا مرجح، والتخيير لا دليل عليه.
وجه الضعف مامر من انه لو كانت الحجية ببناء العقلاء نظير حجية الخبر لايشمل الدليل لمورد التعارض لا لما افاد بل لعدم بناء العقلاء، ولو كانت بالاطلاقات. الاطلاق حجة في مورد عدم القيد، ويرفع اليد عن الاطلاق بمقدار القيد، والقيد العقلي في المورد لايمنع الا عن شمول الدليل لجميع الطرفين. واما الشمول والانطباق بمقدار لايستلزم المحذور فلا مانع منه، فيجب الاخذ بالاطلاق بهذا المقدار، والنتيجة التخيير على ما مر.
ثم ان معنى التخيير في المقام ليس هو التخيير بحسب الحكم الواقعي لعدم العلم بالاصابة أولا،
ولا معنى للتخيير بين الحكم الواقعي وغيره ثانيا. وليس معناه حجية احدهما مرددا، فان احدهما المردد لا واقع له، ولا الحجية التخييرية فانها مساوق للترديد، في الحجية، بل معناه انه مع الاخذ بواحد منهما يكون معذورا عند الخطأ، ومع عدم الاخذ بشيء منهما يكون التكليف منجزا عليه بسبب الامارة المصيبة هذا على ما اخترناه من معنى الحجية وان الحجة مابه الاحتجاج.
واما بناء على مبنى جعل الطريقية ان كلا منهما طريق للواقع، والمكلف مخير في تطبيق العمل على كل منهما ، وهذا المعنى نظير ما يقال في الواجب التخييري ان كلا من الطرفين او الاطراف واجب، والمكلف مخير في مقام الامتثال فليتأمل.
علاج الخبرين المتعارضين بحسب الأخبار: والكلام في هذا المقام تارة في صورة عدم المرجّح واخرى في صورة وجوده.
اما الصورة الاولى فالأقوال فيها ثلاثة: التخيير، التساقط، التوقف في الحكم والاحتياط في مقام العمل، ولايخفى ان شيئا من ادلة الباب لايدل على التساقط، وما يمكن ان يقال في وجه هذا القول ان اخبار التخيير والتوقف متعارضة ولايمكن علاجها بأدلة العلاج، فان الكلام في نفس ادلة العلاج، فيرجع الى القاعدة الاولية وهي تساقط نفس هذه الأدلة وتساقط الخبرين المتعارضين المفروضين او يضعف كلا الطرفين من اخبار التخيير والتوقف
بحسب السند ويرجع الى هذه القاعدة، فلابد من ملاحظة اخبار التخيير والتوقف، فلو أمكن الأخذ بها والجمع ان الترجيح والا فيرجع الى القاعدة الأولية التي اسسناها.
اما أخبار التخيير (فمنها) رواية مكاتبة حميري «بأيهما اخذت من باب التسليم كان صوابا»(١) وهذه الرواية لاتدل على المطلوب اذ لعلها ناظرة الى بيان ان التكبير لما كان مستحبا وورد فيه حديثان احدهما يأمر باتيانه، وثانيهما يرخصه في تركه، فالاتيان به صواب لانه مستحب، وكذا تركه اذ الأخذ بالدليل المرخص في المستحب صواب، فالاخذ بكل واحد منهما صواب لا من حيث التخيير بل من حيث كون الواقع كذلك، فتكون الرواية أجنبية عن أخبار التعارض.
(ومنها) راوية علي بن مهزيار «موسع عليك بأية عملت»(١) وهذه أيضا كسابقتها تدل على ان التوسعة في العمل من حيث كون الواقع كذلك لا من حيث التخيير فأجنبية عن أخبار التعارض.
(ومنها) مرفوعة زرارة «اذا فتخير احدهما فتأخذ به وتدع الاخر»(٣) وقد طعن صاحب الحدائق الذي ليس دأبه المناقشة في الاسناد في التأليف والمؤلف اذ قال «فانا لم نقف عليها في غير كتاب
عوالي اللئالي مع ما هي عليه من الرفع والارسال وما عليه الكتاب من نسبة صاحبه الى التساهل في نقل الأخبار والاهمال وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها»(٤) فالأولى عدم التكلم في هذه المرفوعة.
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٣٩.
(٢) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٤٤.
(٣) مستدرك الوسائل – ط الاسلامية: ج٣ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٢.
(٤) الحدائق الناضرة: ج١ ص٩٩ المقدمة السادسة.
(ومنها) مرسلة الكليني «بأيهما اخذت من باب التسليم وسعك»(١) ومن المطمأن به ان هذه لاتكون رواية مستقلة بل مأخوذة من روايات الباب فلا تنفع لاثبات التخيير.
(ومنها) رواية ابن المغيرة(٢) وهي ليست من روايات الباب بل تدل على حجية خبر الثقة.
(ومنها) رواية الفقه الرضوي(٣) «وبأي هذه الاحاديث أخذ من باب التسليم جاز» والفقه الرضوي فيه مافيه، ولا تنطبق هذه الكبرى على مورد الرواية فضلا عن غيره.
(ومنها) رواية الميثمي(٤) ولا تدل الا على التخيير في موارد النهي اعانة او الامر فضلا، فلا تثبت الكلية.
(ومنها) رواية حسن بن الجهم عن الرضاعليهالسلام «قال: قلت يجيئنا الرجلان كلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق. قال: فاذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما اخذت»(٥) والمهم في المقام هذه الرواية وهي دالة على التخيير، الا ان في سدها ضعف ولايبعد جبره بعمل الأصحاب، الا ان الاطمئنان بكون مستند الاصحاب هذه الرواية غير حاصل، والله العالم.
هذه هي ما ذكر من أدلة التخيير وشيء منها غير قابل للاستناد اليه الا رواية ابن الجهم على تأمل.
واما أخبار التوقف (فمنها) خبر سماعة: سألته عن رجل اختلف عليه
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٦.
(٢) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث ٤١.
(٣) مستدرك الوسائل – ط الاسلامية: ج٣ باب ٩ من ابواب صفات القاضي ص١٨٦ حديث١٢.
(٤) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٢١.
(٥) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٤٠.
رجلا من أهل دينه في امر كلاهما يرويه احدهما يأمر بأخذه والاخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه(١) ويحتمل في هذه الرواية وجوه:
١ – ان يروي كلا الرجلين رواية واحدة، وكان الاختلاف في لزوم الاخذ بها ولزوم ردها من جهة احتمال التقية مثلا.
٢ – ان يروي كلاهما هذه الرواية وكان الاختلاف في مضمونها كأن يرويها احدهما بالأمر والاخر بالنهي، وهذا يعد من اشتباه الراوي فلا يعلم ماهي الرواية الصادرة.
٣ – ان يروي كل منهما راوية في احداهما الامر وفي الاخرى النهي، والرواية لو لم تكن ظاهرة في احد الاحتمالين الأولين غير ظاهرة في خصوص الأخير فلا يمكن التمسك بها لاثبات التوقف في مورد التعارض.
(ومنها) خبر سماعة أيضا: عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والاخر ينهانا عنه قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك: فتسأله عنه. قلت: لابد ان نعمل بواحد منهما. قال: خذ بمافيه خلاف العامة(٢) . وهذا الخبر ايضا لايدل على المطلوب، فان ذيله يدل على ان الصدر انما يكون في ما اذا لم يكن لابدية في العمل بأن أمكن تأخير العمل حتى يسأل عن الامامعليهالسلام ، وهذا غير ما نحن بصدده مع ان هذا الخبر وسابقه واردان في مورد دوران الأمر بين المحذورين. وحينئذ لو كان الأمر بالارجاء حتى يسأله عن الامامعليهالسلام في سعة الوقت فهذا خارج عن محل النزاع ولو كان في مورد عدم امكان رفع الجهل في الوقت، فيمكن ان يكون الأمر
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٥.
(٢) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٤٢.
بالارجاء من جهة انه لا أثر للأمر بالتخيير في الاخذ بالخبرين فان المكلف بنفسه اما فاعل او تارك، فتدبر جيدا.
(ومنها) مرسلة عوالي اللئالي «اذا فارجئه حتى تلقى امامك فتسأله»(١) ولايزيد مرسلته عن مرفوعته.
(ومنها) رواية الميثمي: وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بارائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف(٢) . وغاية ماتدل هذه الرواية عليه ان لايقال في الروايتين المختلفتين بالرأي، ويلزم التوقف عن ذلك، واما العمل بواحد من الخبرين تخييرا فلا تدل الرواية على نفيه.
(ومنها) ذيل المقبولة: فارجئه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات(٣) ولكن بما ان المقبولة واردة في القضاء وفصل الخصومة، ومن الظاهر انه لاترتفع الخصومة بالتخيير، فلايمكن الاستدلال بها في غير ذلك من تعارض الراويتين.
(ومنها) بعض روايات ضعيفة قاصرة الدلالة نظير رواية السرائر: ماعلمتم انه قولنا فالزموه ومالم تعلموه فردوه الينا(٤) وقريب منها ما في المستدرك عن البصائر(٥) . ولاتدل الرواية على وجوب التوقف ولزوم الرد اليهمعليهمالسلام اعم من التوقف في العمل، مع ان طرفي المعارضة ماعلم بانه قولهمعليهالسلام ومالم يعلم، ومن البديهي ان اللازم حينئذ الأخذ بالمعلوم دون غيره، وهذا غير
____________________
(١) مستدرك الوسائل: ج٣ باب ٩ من كتاب القضاء حديث٢.
(٢) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٢١.
(٣) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٣٦.
(٤) مستدرك الوسائل: ج٣ باب ٩ كتاب القضاء حديث٩.
مانحن فيه كما لايخفى. فشيء مما تمسك به من روايات التوقف لا تدل على المطلوب، فلا معارض لرواية ابن الجهم مع البناء على جبر سندها بالعمل، ولكن لم يحرز الاستناد اليها. نعم المتسالم بين الفقهاء التخيير في مورد التعادل ورواية ابن الجهم بضميمة التسالم، ولاسيما مع احتمال استناد الاصحاب الى الرواية مورث للاطمئنان بان الحكم في تعارض الروايتين مع عدم المرجح التخيير، فيرفع اليد عن الاصل الأولي وهو التساقط ويلتزم بالتخيير، ولايخفى ان هنا فرقا بين ما لو احرز استناد الاصحاب الى الخبر وبين مالو لم يحرز ذلك وكان الحكم بالتخيير من جهة الاطمئنان الحاصل من التسالم بضميمة الخبر ولاسيما مع احتمال الاستناد، والفرق ان مدرك التخيير على الأول الخبر فيمكن التمسك باطلاقه في موارد الشك. واما على الثاني المدرك هو الاطمئنان الحاصل، ولا اطلاق له كي يتمسك به في موارد الشك. هذا تمام الكلام في الصورة الاولى.
واما الصورة الثانية، وهي صورة المرجح: فالأصل الأولي فيها التخيير بناء على تمامية رواية ابن الجهم سندا بحيث يطمأن باستناد الاصحاب اليها، واما بناء على ما اتممنا الصورة الاولى هي التعادل من ان ضم المتسالم بين الاصحاب الى الرواية موجب للاطمئنان بأن الحكم في صورة التعادل التخيير، فالاصل في المقام الترجيح لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، والأصل هو التعيين.
لايقال: ان الأصل الاولي التساقط، لانه يقال: نعم، ولكن خرجنا عنه بما تسالم عليه الاصحاب بضميمة الخبر في صورة التعادل، ولايحتمل ان تكون صورة الترجيح اسوء حالا من صورة التعادل، فالأمر دائر بين التخيير والترجيح، فيؤخذ بالراجح عملا بقاعدة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية. واما بحسب الأخبار الواردة فلا تدل الروايات على الترجيح في مورد
فانها بين ضعيفة السند غير المنجبر كالمرفوعة، أو أجنبية عن حكم الرواية كالمقبولة(١) أو دالة على التمييز بين الحجة واللاحجة.
بيان ذلك: ان الترجيح بالصفات لم يذكر في غير المرفوعة(٢) والمقبولة، والاولى علم حالها، والثانية واردة في ترجيح الحكم لا الرواية، وايضا الترجيح بالشهرة غير مذكور في غيرهما. وقد عرفت ان الاولى غير قابلة للاستناد، والثانية واردة في ترجيح الحكم مع انها في مقام تمييز الحجة عن غيرها، فان تطبيق التعليل الوارد فيها على ما اشتهر يدل على انه بين الرشد فمخالفه بين الغي فلابد من طرحه، وهذا من معارضة الحجة واللاحجة، والترجيح بموافقة الاحتياط لم يذكر في غير المرفوعة فلا يتم. بقي الترجيح بموافقة الكتاب، ومخالفة العامة، وهما ايضا من قبيل التمييز لا الترجيح فان المراد بلفظ الكتاب ليس ظاهر كلام القران بل المراد منه الحلال والحرام والواجب الذي في القران كما هو ظاهر لفظ الكتاب. ويدل عليه خبر الميثمي أيضا. فالمراد من مخالفة الكتاب مخالفة حكم الله الثابت في الكتاب، ومن المعلوم ان هذا المعنى من مخالفة يعد من الزخرف ولايقوله الامام، فجميع روايات العرض على الكتاب وترجيح الرواية بموافقة الكتاب ناظرة الى مطلب واحد وهو ان مخالفة القران – أي حكم الله الثابت فيه – لا يصدر من الامام، وما ذكر من لفظ الموافقة في الروايات يراد منها ما لايخالف أي يمكن الجمع بينهما لا ان يكون في الكتاب مايكون بمضمونه، والا للزم طرح اكثر الروايات، مع ان نفس هذه الروايات الدالة على ان موافقة الرواية للكتاب شرط لجواز اخذ الرواية لا موافق لها في الكتاب فلا يجوز الاخذ بها، وليعلم ان هذا لا أثر له في الروايتين المتعارضتين، فان موافقة أحدهما
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث١.
(٢) مستدرك الوسائل: ج٣ باب ٩ من كتاب القضاء حديث٣.
للكتاب لايتصور الا مع مخالفة الاخر له، وعلى هذا لا محصل للتفصيل بين المخالفة بالتباين وغيره، وهذا أجنبي عن مطلب الروايات.
فالمتحصل ان ماثبت انه حكم الله في الكتاب او السنة يطرح مايخالفه من الرواية في مورد المعارضة وغيرها، فانها ليست بحجة.
لايقال: ظاهر الكتاب دليل على الكتاب، لأنه يقال: الرواية المخالفة للظاهر ايضا بمدلولها الالتزامي تدل على ان الكتاب الواقعي – أي حكم الكتاب – ليس موافقا لظاهره، فلايمكن الأخذ بظاهر الكتاب لاثبات الكتاب وطرح الخبر. نعم لو ثبت حكم الكتاب يطحر الخبر المخالف له بخلاف ما لو لم يثبت ونريد ان نثبته بظاهر الكتاب، هذا حكم الترجيح بموافقة الكتاب وانه ليس من الترجيح بل تمييز.
واما الترجيح بمخالفة العامة فهذا ايضا ليس ترجيحا لاحد المتعارضين، بل تمييز بين الحجة وغيرها، فان اصالة الجهة في الروايات عقلائية، فلو فرضنا ورود روايتين متعارضتين احداهما موافقة للعامة والاخرى مخالفة لها لايرى العقلاء الرواية الموافقة للعامة مع وجود المعارض لها واردة لبيان الواقع، فلايجري أصالة لجهة، وان شئت قلت: اصالة الجد في الرواية الموافقة، فلايمكن الأخذ بها بخلاف الرواية المخالفة، فان شرائط الحجية فيها موجودة بتمامها، والمعارض غير ممكن الأخذ لعدم جريان أصالة الجهة فيه، فيؤخذ بالمخالف ويطرح الموافق، فالمخالف حجة والموافق ليس بحجة، فما دل من الروايات على لزوم الاخذ بالمخالف وان الرشد في ذلك من باب انه حجة والموافق غير حجة، فهذا ايضا ليس مرجحا بل يكون مميزا بين الحجة واللاحجة، هذا ولم نذكر الروايات بتفصيلها لعد الحاجة الى الذكر بعد هذا التقريب.
فتحصل من جميع ما مر انه لا دليل على ثبوت الترجيح من الروايات، فلو تم خبر أبن الجهم فيؤخذ باطلاقه ويحكم بالتخيير حتى في مورد وجود المرجح.
واما مع التأمل في سند الخبر فلا يمكننا التمسك بالاطلاق، وفي كل مورد احتملنا لزوم الترجيح من المرجحات المنصوصة ومن غيرها فلابد من الاخذ بذي المزية عملا بقاعدة الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية، وهذا مضافا الى انه موافق للصناعة موافق للاحتياط ايضا وهو طريق النجاة، فافهم.
وينبغي التنبيه على امور:
ورد في بعض الروايات الترجيح بالأحدثية، فما كان من الراويتين احدث فليؤخذ، كرواية الكناني: قال: قال لي ابو عبد اللهعليهالسلام : يا أبا عمرو أرأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت اخبرتك او افتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدهما وادع الاخر، فقال: قد اصبت ياباعمرو أبى الله الا نه يعبد سرا، اما والله لئن فعلتم ذلك انه لخير لي ولكم أبى الله عز وجل لنا في دينه الا التقية(١) . ولكن لاتدل الرواية على ان وجه اصابة أبي عمرو في الأخذ بالاحداث ان الاحداث موافق للواقع، بل ذيل الرواية تدل على ان هذا الاختلاف من جهة التقية ولعل التقية في الأحدث، ففي زماننا وبالنسبة الينا مع عدم التقية وتكليفنا بتحصيل الحجة على الاوقع لا موضوع لمثل هذه الرواية.
٢ – لا بأس بتطبيق ماذكرنا سابقا على رواية أيوب: مالم يوافق من الحديث القران فهو زخرف(٢) .
(أولا) من الحكم نستكشف الموضوع فقوله «زخرف» تدل على ان «مالم يوافق» بمعنى مخالفة الكتاب التي بيناها.
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث١٧.
(٢) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث١٢.
(ثانيا) نقول: اما ان يسلم بأن المراد من «ما لم يوافق» المخالف فتدل الرواية على المخالفة المتقدم، واما ان يؤخذ بظاهره ويقال: انه لابد من ان يكون الحديث موافقا للقران وله شاهد من الكتاب العزيز، فنقول نفس هذه الرواية غير موافقة للقران بهذا المعنى فلايمكن الأخذ بها لدلالة نفسها على ان مالم يوافق فهو زخرف.
وبعين هذا البيان يقال في روايةابن أبي يعفور: قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لانثق به، قال: اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله او من قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله والا فالذي جاءكم به اولى به(١) مع ان في الرواية شهادة على ان المقام من قبيل معارضة باللاحجة لقوله «يرويه من نثق به ومنهم من لانثق به» وشهادة اخرى على ان الموافقة والمخالفة للكتاب في الروايتين المتعارضتين والرواية الواحدة غير معارضة بمعنى واحد لتطبيق الامامعليهالسلام الكبرى الكلية التي ليس فيها قيد التعارض علىمورد التعارض، وهذه الكبرى بعينها قد انطبقت في الرواية على غير موارد التعارض ايضا. فما ذكر في بيان المخالفة للكتاب من المعنيين مخالف لتطبيق هذه الكبرى في الروايات على الموردين.
٣ – مما يدل على ان المراد من الكتاب أحكامه لا ظاهره ضميمة السنة اليه في رواية أيوب: قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام : يقول كل شيء مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لايوافق كتاب الله فهو زخرف(٢) . والحكم بكفر المخالف للكتاب والسنة في رواية ابن ابي عمير: عن بعض
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث١١.
(٢) الوسائل: ج١٨ من ابواب صفات القاضي حديث١٤.
اصحابه قال: سمعت ابا عبد اللهعليهالسلام يقول: من خالف كتاب الله وسنة محمدصلىاللهعليهوآله فقد كفر(١) .
لايقال ان هذه الروايات واردة في غير مورد التعارض، فان يقال: التعبير في الموردين مخالفة الكتاب وموافقة الكتاب، ويعلم من هذه الرواية ان مخالفة الكتاب والسنة هي التي توجب الكفر، فينطبق عليها كبرى تلك المسألة أيضا مع ماذكرنا سابقا من ظهور لفظ مخالفة الكتاب وموافقة الكتاب، ورواية الميثمي(٢) على ذلك.
٤ – الظاهر ان ما اسند الى الكليني وعبر عنه بمرسلة الكليني(٣) ليست رواية اخرى غير روايات الباب، فلاحظ.
٥ – مما يشهد على ان الروايات في مقام بيان تمييز الحجة عن غيرها تعرض بعضها لموافقة الكتاب ومخالفة الكتاب وعدم تعرضها لموافقة العامة ومخالفتها، وتعرض بعض بالعكس. والمقبولة جمعت بين موافقة الكتاب ومخالفة العامة بعبارة واحدة، وفي بعض النصوص تقديم موافقة الكتاب على مخالفة العامة، وهذا لايستقيم مع كونهما مرجحا. فلاحظ رواية ابن عبد الله، قال: قلت للرضاعليهالسلام كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال: اذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا الى مايخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا الى ما يوافق اخبارهم فدعوه(٤) . فيسأل ان موافقة الكتاب لو كانت مرجحة لم اهملت في هذه الرواية مع ان الترجيح بها مقدم على الترجيح بمخالفة العامة؟ ومما يؤكد ذلك التعبير الوارد في رواية ابن الجهم «فاذا لم تعلم» واليك
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٦.
(٢) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي كتاب القضاء حديث٢١.
(٣) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي كتاب القضاء حديث٦.
(٤) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٣٤.
الرواية:
عن ابن الجهم عن الرضاعليهالسلام قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة فقال: ماجاءك عنا فقس على كتاب الله عزوجل واحاديثنا، فان كان يشبههما فهو منا وان لم يكن يشبههما فليس منا، قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم ايهما الحق، قال: فاذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما اخذت(١) . فمن هذا التعبير يعلم انه قبل وصول النوبة الى التخيير تعلم الرواية ولو بالمقايسة على الكتاب والسنة، ولو علمت الرواية التي لابد من الاخذ بها يعلم لزوم طرح الاخر وليس هذا الا التمييز بين الحجة وغيرها.
٦ – بناء على ما اخترناه من ان الروايات في مقام التمييز لا الترجيح يعلم ان العلل الواردة فيها من «ان المجمع عليه لاريب فيه»(٢) او «فان الرشد في خلافهم»(٣) وغير ذلك كلها منطبقة على التمييز لا الترجيح فلايمكن الاخذ بعمومها والقول بلزوم التعدي عن المرجحات المنصوصة، فانها ليست بمرجحات وانها مميزات، ولايسري حكم المميز على المرجح، ولاتنطبق كبرى المنطبقة على الأول على الثاني.
٧ – احسن رواية سندا ودلالة على كون موافقة الكتاب ثم مخالفة العامة مرجحا في باب التعارض او مميزا على ما اخترناه رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قال الصادقعليهالسلام : اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وماخالف كتاب الله فردوه، فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على اخبار العامة، فما وافق
____________________
(١) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٤٠.
(٢) مقبولة عمر بن حنظلة، راجع وسائل الشيعة: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث١.
(٣) الوسائل: ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث١٩.
أخبارهم فذروه وماخالف أخبارهم فخذوه(١) .
٨ – لو فرضنا المعارضة بين اخبار التوقف والتخيير تكون نتيجتها التخيير أيضا، فان ظاهر اخبار التوقف هو التوقف في الأخذ والاحتياط في مقام العمل، وهذا القول شاذ، فان الفقهاء اما ملتزمون بالتخيير او التساقط والرجوع الى ساير القواعد، واما الاحتياط فيعد من الشاذ وبمقتضى لزوم ترك الشاذ والأخذ بغير الشاذ الدال عليه اخبار الترجيح، بل نفس الشذوذ مانع عن العمل بالشاذ على مامر يحكم بالتخيير مضافا الى ان أخبار التخيير نص فيه، واخبار التوقف ظاهر في وجوب التوقف قضية لظهور الامر، فيؤخذ بالنص ويحمل الظاهر على الرجحان، وهذا جمع عقلائي مقبول، ومع هذا الجمع لاتصل النوبة الى سابقه، كمالايخفى.
٩ – النسبة بين الروايتين لو كانت عموما وخصوصا مطلقا فهما لايعدان من المتعارضين لوجود الجمع العقلائي بينهما ولزوم حمل الاعم على الأخص. ولو كانت النسبة بينهما التباين فيشملها مامر من الترجيح والتخيير قطعا. واما لو كانت النسبة بينهما عموما وخصوصا من وجه فهل تكونان مشمولة لذلك او لا؟ فيه كلام بين الأعلام، والحق عدم الشمول، فان غاية دليلنا في التخيير والترجيح التسالم ودوران الأمر بين التعيين والتخيير، ولا تسالم في المقام، والأمر غير ذائر بينهما بل يحتمل التساقط، وهو الاصل الأولي في الامارتين المتعارضتين على مامر، فبمقتضى هذا الأصل يحكم بالتساقط لعدم تمامية الدليل الثانوي في هذا المورد، مع ان معنى التخيير والترجيح الأخذ باحدى الروايتين تخييرا او ترجيحا وطرح الاخر، وهذا لا ينطبق على العامين من وجه.
١٠ – هل التخيير ابتدائي او استمراري؟ اما على ما اخترناه أن دليل
____________________
(١) الوسائل ج١٨ باب ٩ من ابواب صفات القاضي حديث٢٩.
التخيير لا اطلاق له فالقدر المتيقن هو الابتدائي ولابد من الأخذ به. واما على تمامية سند رواية ابن الجهم فيمكن القول بشمول الدليل للوقايع المتأخرة أيضا. الا ان العلم اجمالا بالمخالفة القطعية لو كان له اثر في كلا الطرفين بالفعل لابد من مراعاته على مابين في دوران الأمر بين المحذورين، وتفصيل الكلام في محله.
والحمدلله رب العالمين
رسالة في الاجتهاد والتقليد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد واله الطاهرين والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، واللعن على اعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
الكلام في الاجتهاد والتقليد:
اعلم أن كل مكلف اذا التفت إلى حكم شرعي فاما ان يحصل له القطع به اولا. اما اذا حصل له القطع به فيقطع باستحقاق العقاب بمخالفة قطعه ولذا يجب عليه الجري على وفقه عقلا من دون حاجة إلى أي جعل شرعا، وهذه الصورة خارجة عن محل الكلام وهو الاجتهاد. واما اذا لم يحصل له القطع بالحكم كما هو الحال غالبا فلايحتمل ان لا تكون التكاليف الواقعية موجهة اليه، فلابد له من تحصيل البراءة اليقينية عنها، وبعبارة اخرى: العقل يحكم بلزوم عمل يحصل بسببه القطع بالفراغ عن عهدة تلك التكاليف الواقعية والا لم يؤمن من العقاب. وان أبيت الا عن احتمال تلك التكاليف غير مقرون بالعلم الاجمالي فالحكم أيضا كذلك من جهة ان تلك الشبهة شبهة قبل الفحص ولاتجري فيها ادلة البراءة لا عقلا ولا شرعا كما قرر في محله فلابد له من عمل يقطع به الأمن من العقاب، وهذا لايحصل الا بالاستناد إلى حجة ثبتت حجيتها بدليل قطعي، وذلك اما الاجتهاد او التقليد أو الاحتياط التام في كل محتمل التكليف.
لكن يشكل الأخير (أولا) في موارد لايتمكن من الاحتياط مثل موارد دوران الأمر بين المحذورين فلابد له من الاجتهاد فيها و التقليد.
(وثانيا) في موارد عدم تمكن الشخص من الاحتياط.
(وثالثا) من جهة عدم حصول الامن بالإحتياط فقط، فقد يكون التكليف المحتمل أمرا عباديا، فالعمل به في ذلك رجاء مناف للجزم في النية المحتمل وجوبه، وقد يكون الاحتياط مستلزما للتكرار المحتمل افساده للعبادة، وبعبارة اخرى نفس جواز الاحتياط في العبادات عموما وفي موارد يلزم منه التكرار في العمل خصوصا حكم مشكوك فيه والاحتياط فيه غير ممكن فلابد من الاجتهاد فيه او التقليد.
ومما ذكرنا يظهر ان جواز التقليد ايضا لابد وان يثبت بدليل قطعي غير التقليد للزوم الدور او التسلسل فلابد من الاجتهاد فيه. فتحصل ان المكلف لابد وان يستند في عمله إلى حجة ثبتت حجيتها بدليل قطعي، وهي اما في نفس المورد واما الاحتياط الذي ثبتت حجيته بدليل قطعي،
وهي اما في نفس المورد واما الاحتياط الذي ثبتت حجيته بالاجتهاد او التقليد، او التقليد الذي ثبتت حجيته بالاجتهاد، فالأساس هو الاجتهاد في مقام العمل.
ثم ان هذا الوجوب هل هو عقلي او غيري او نفسي او طريقي؟ والحق في المقام انه عقلي وهو من افراد وجوب الاطاعة لأن العقل يحكم بعدم حصول الاطاعة يقينا الا بذلك فيجب فظهر من ذلك ان عدم جواز الاجتزاء بعبادات العامي او معاملاته الذي تارك للاحتياط او التقليد والقول ببطلانهما كما يظهر من المسالة السابعة من فروع العروة عقلي في مقام الظاهر لا واقعي، فلايجوز الاكتفاء بذلك مالم يعلم مطابقته للواقع، فاذا كان العمل مطابقا للواقع ولم يعلم هو بذلك ابدا فأيضا صحيح في الواقع غاية الأمر لايجوز له الاكتفاء بذلك عقلا في مقام الظاهر. فتحصل ان هذا الوجوب من باب دفع
الضرر المحتمل وهو عقلي. وقد يقال ان التعلم مقدمة لحصول تلك التكاليف فيجب غيريا، لكنه فاسد من وجهين:
اولا: ثبت في بحث مقدمة الواجب ان القول بالوجوب الغيري للمقدمة لايرجع إلى محصل ووجوب المقدمة ايضا وجوب عقلي من افراد وجوب الطاعة.
ثانيا: لو تنزلنا عن ذلك وقلنا ان مقدمة الواجب واجبة بوجوب مولوي ناش عن وجوب ذيها، وهذا معنى الوجوب الغيري الا انه انما يتم في مقدمات الواجب لا في مقدمات حصول العلم بحصوله، وبعبارة اخرى: وجود ذات الواجب محكوم بالوجوب فمقدماته تجب بوجوبه لكن العلم بوجود الواجب وجوبه غير مسلم، وما نحن فيه ليس من المقدمات الوجودية في شيء، اما في مورد الاحتياط الغير المستلزم للتكرار فلا تتصور مقدمة حتى يلتزم بوجوبها فان الاحتياط في موارد الشبهات الوجوبية بالفعل وفي موارد الشبهات التحريمية بالترك، وحينئذ ذلك الفعل او الترك اما نفس الفعل المكلف به او لا يكون متعلقا للتكليف اصلا فأين المقدمة حتى تجب؟.
وأما في موارد يستلزم الاحتياط فيها للتكرار فتكرار العمل ليس مقدمة وجودية بل مقدمة علمية كما هو واضح، وهكذا الكلام في الاجتهاد والتقليد أيضا، فان التعلم ليس مقدمة وجودية دائما، بل في بعض الموارد تحصيل العلم مقدمة للعلم بحصول الواجب مثل رد السلام فتحصيل العلم بوجوبه ليس مقدمة لذاته بل يمكن رد السلام ولو جاهلا بحكمه.
نعم قد يكون التعلم مقدمة وجودية مثل الصلاة للفارسي فلا توجد الصلاة الا بالتعلم او الحج والواجبات المركبة التي بينها ترتيب فلا يوجد الا بالتعلم، ولكن يمكن ان يقال بانه لو سلم
تصور ذلك الكبرى وهو امكان فرض لم يوجد الواجب الا في فرض التعلم لكن المثالين والواجبات المركبة خارجة عن ذلك فان التعلم هو تحصيل الحجة ويمكن ان توجد المذكورات من دون ذلك بل بتحصيل غير حجة مع مطابقتها الواقع فافهم.
واما احتمال الوجوب النفسي فلا وجه له الا الايات والروايات التي يدعى دلالتها على ذلك مثل آية النفر(١) والأخبار الدالة على وجوب التعلم، لكن هذا واضح البطلان فقد ذكر في محله دلالة المذكورات على الوجوب الطريقي، وتدل عليه هذه الرواية ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالما؟ فان قال: نعم قال له: أفلا عملت؟ وان قال: كنت جاهلا قال: أفلا تعلمت حتى تعمل؟(٢) ثم على تقدير التسليم بان التعلم واجب نفسي لكن الاحتياط غير التعلم، فكيف يصير واجبا من باب وجوب التعلم؟ فان الاحتياط هو احراز اتيان العمل بجميع محتملاته لا تعلم الحكم كما هو أوضح من ان يخفى وأيضا التقليد على الصحيح من انه استناد إلى قول الغير ليس بتعلم والتعلم مقدمته.
واما احتمال الوجوب الطريقي لهذه الثلاثة فأيضا ساقط من جهة ان الاحتياط لايكون معذرا لعدم تصور مخالفة الواقع في مورده، ولايكون منجزا أيضا لما ذكرنا من ان التكليف الاوقعي بنفسه منجزا اما للعلم او الاحتمال قبل الفحص فلا يحتاج إلى منجز اخر فكيف يكون الاحتياط منجزا له؟ فلا يكون الاحتياط واجبا كذلك.
واما الاجتهاد والتقليد فأيضا لايكونان منجزين للتكليف بعين ما ذكرنا
____________________
(١) التوبة: ١٢٢.
(٢) جامع احاديث الشيعة: ج١، ص٩٤، حديث٢٥ – نقلا عن امالي المفيد، وفي المصدر هكذا (قال حدثني – ٣ –) هارون بن مسلم قال: حدثني مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمدعليهالسلام وقد سئل عن قوله تعالى فلله الحجة البالغة فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالما؟ فان قال: نعم قال: أفلا عملت بما علمت؟ وان قال كنت جاهلا قال له أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه وذلك (فتلك) الحجة البالغة (لله عزوجل في خلقه).
في سابقهما ومع التسليم و القول باحتياج الاحكام إلى منجز اخر غير ماذكر فلا يكون الاجتهاد التقليد مع ذلك منجزا للتكليف، فان المنجز في الاجتهاد هو الدليل الدال على الحكم عند المجتهد لا اجتهاده، وفي التقليد هو فتوى الغير لا استناده، نعم لا بأس بالقول بكونهما معذرين، فاذا اجتهدوا أخطأ او قلد العامي ولم يصل إلى الواقع فيصح الاعتذار عند المولى بأني استفرغت الوسع في تحصيل الواقع وأخطأت، أو أني عملت اسنادا إلى قول المجتهد ولم اصل، هذا، ولكن لايمكن المساعدة لذلك فان لازمه ان لايكون وجوب العمل على وفق جميع الطرق والامارات طريقيا، لعدم كونها منجزا لان الحكم منجز في المرتبة السابقة من جهة العلم الاجمالي او الاحتمال.
نعم يكون معذرا عند مخالفة المؤدي للواقع وهذا كما ترى فمعنى الوجوب الطريقي هو الالتزام بالعمل على شيءبلحاظ وصوله إلى الواقع سواء كانت نتيجته التعذر او لم تكن، وسواء كانت نتيجته التتجز او لم تكن، وهذا في ما نحن فيه موجود فان ذلك الوجوب العقلي الذي مر بيانه، ولو كان من باب وجوب دفع الضرر المحتمل الا انه بلحاظ الوصول إلى الواقع، وهذا معنى الوجوب الطريقي ولايضر اجتماع وجوب عقلي وطريقي.
الكلام في الاجتهاد
ويقع الكلام اولا في تعريفه. اما لغة فانه مأخوذ من الجهد وهو المشقة، او الجهد وهو الطاقة او المشقة. فاجتهد فلان أي بذل طاقته او تحمل المشقة، والظاهر انه لا يفرق في معناه بين الأخذ من أي المادتين.
واما بحسب الاصطلاح فقد عرف بانه استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، والعامة اصل لهذا التعريف كما يظهر من الحاجبي وغيره، وتبعهم جمع من الخاصة ايضا، لكن هذا التعريف علىمسلك العامة وان كان لاضير فيه لانهم يرون الظن حجة مطلقا الا انه على مذهب الخاصة لايستقيم، فان الظن ليس بحجة عندهم والاستناد اليه بدع محرم على مسلكهم، بل هذا لايصح على مذهب العامة أيضا، فان جل الحجج الشرعية غيرمفيدة للظن كأصالة البراءة وغيرها، والمدار كما ذكرنا تحصيل الحجة سواء كان مفيدا للظن او لم يكن ولا عبرة بما ليس بحجة سواء كان مفيدا له او لم يكن.
وقد عرف الاجتهاد بانه ملكة يقتدر بها لاستنباط الاحكام الشرعية. وهذا التعريف وان كان
سالما عن ما اوردنا على سابقه لكنه لايستقيم على مامر من كونه طرفا للواجب التخييري، وان الامن من الضرر لايحصل الا بالاجتهاد او التقليد او الاحتياط. فان الملكة بنفسها لا دخل لها في ذلك اوان لم يستنبط شيئا فعلا، نعم سيجيء في بحث التقليد من ان المقلد لابد وان يكون مجتهدا. وايضا لايجوز صاحب الملكة صرفا بل لابد فيه من الاستنباط فعلا او غير ذلك فهذا خارج عن ما نحن فيه. وسيجيء الكلام فيه مفصلا.
قال سيدنا الاستاذ – مد ظله –: الصحيح في المقام تعريفه بانه تحصيل الحجة على الحكم الشرعي. والظاهر ان الصحيح تعريفه بأنه تحصيل الحكم الشرعي عن حجة تفصيلية، فان المجتهد يبذل طاقته لتحصيل الحكم الالهي لا الحجة عليه وان لاينفك احدهما عن الاخر، وقيدنا الحجة بالتفصيلية لان المقلد ايضا يحصل الحكم عن الحجة، وهي فتوى مرجعه الا انها حجة اجمالية فالأولى تعريف الاجتهاد بانه تحصيل الوظيفة الشرعية عن الأدلة التفصيلية.
هذا وقد وقع التصالح بين الأخباريين والاصوليين وارتفع استيحاشهم، فانهم انما ينكرون الاجتهاد علىالمجتهدين لزعمهم انهم يريدون من الاجتهاد المعنى الأول وهو استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي. وعلى هذا الاستيحاش في محله. لكن على ما ذكرنا يرتفع الاستيحاش فان الأخباري
أيضا لا ينكر لزوم تحصيل الامن من الضرر في مقام امتثال الاحكام الشرعية ولايحصل الا بالعمل على وفق الحجة.
الجهة الثانية: حيث ان الاجتهاد من المقدمات العقلية قليل جدا مثل وجوب المقدمة وحكم الضد وجواز اجتماع الامر والنهي فلاد من الرجوع إلى الايات والروايات كثيرا. وحيث ان ذلك من اللغة العربية فلابد من تحصيل علم اللغات فنحتاج الىعلم اللغة، وأيضا لابد من العلم بقواعد اللغة العربية وهو الصرف والنحو والمعاني والبيان بمقدار يفهم منه ظواهر ألفاظ الكتاب والسنة، والزائد على ذلك من تلك العلوم غير محتاج اليه، وأما علم المنطق فلا دخل له في الاستنباط أبدا وذلك من جهة ان مقدار مالابد منه من ذلك ضرورية والزائد على ذلك لايحتاج اليه.
بقي هنا علمان: علم الاصول وعلم الرجال. اما الأول، فوجه الاحتياج اليه واضح بين في أول الاصول. واما علم الرجال، فان قلنا بحجية جميع الروايات المذكورة في الكتب الأربعة، او قلنا بعدم حجية مالم يكن معتمدا بفتوىالمشهور فأيضا لايحتاج اليه، وذلك ظاهر واما بناء على الصحيح
من انه لابد في حجية الروايات من احد أمرين اما الوثوق بالصدور او الوثوق بالراوي فيحتاج إلى علم الرجال وان كان استناد المشهور ايضا كاف في دخول الخبر في ملاك الحجية أي الامرين المذكورين خلافا للسيد الاستاذ – مد ظله – لكن هذا لايوجب عدم الحاجة الىعلم الرجال في موارد عدم احراز استناد المشهور وهذا ظاهر.
الجهة الثالثة: ينقسم المجتهد باعتبار إلى من استنبط الحكم وعلم به فعلا والى من لم يستنبط كذلك بل له ملكة يقتدر بها من الاستنباط، وبعبارة اخرى إلى المستنبط بالفعل والمستنبط بالملكة. وأيضا ينقسم إلى من له ملكة يقتدر بها من استنباط جميع الاحكام والى من ليس له الا بالنسبة إلى بعض
ذلك، وبعبارة اخرى إلى المطلق والمتجزي. فالصور اربعة وفي كل واحد منها يقع الكلام اما في حكم نفسه وذلك جواز تقليده للغير، واما في حكم غيره، وذلك اما في جواز تقليد الغير له، واما في جواز تصديه للحسبيات ونفوذ احكامه، وغير ذلك من المناصب المربوطة بالمجتهد، والقدر المتيقن من ذلك هو المجتهد المطلق المستنبط بالفعل.
وأما في المجتهد المطلق الغير المستنبط بالفعل فبالنسبة إلى جواز تقليده للغير فقد ادعى الشيخ الأعظم –قدسسره – في رسالته المخصوصة بالاجتهاد والتقليد الاجماع على عدم الجواز والحق كما ذكره –قدسسره – وان خالفه صاحب المناهل –قدسسره – وذلك من جهة ان الاحكام الواقعية منجزة في حقه اما من جهة العلم الاجمالي واما من جهة قيام الحجة عليها وتمكنه من الوصول اليها، ولابد له من احراز الامتثال لذلك التكليف المنجز، ولايحصل الا باجتهاد نفسه للشك في الخروج عن عهدة ذلك استنادا إلى فتوى الغير، ولايكن احراز ذلك بواسطة اطلاق ادلة جواز تقليد الجاهل للعالم لان القدر المتيقن من السيرة العقلائية غير ذلك. والأدلة اللفظية ايضا غير شاملة له لان المتبادر من( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) مثلا من لم يتمكن من تحصيل العلم الا بالسؤال، وهكذا سائر الادلة. ولايخفى ان هذا البحث غير مجد بالنسبة إلى ذلك المجتهد من جهة ان نفس هذه المسألة أعني جواز تقليده للغير مما يمكنه الاستنباط فعلا بحسب الفرض ولايمكنه الاستناد إلى الغير فيها للزوم الدور فلابد له من الاجتهاد فيه فعلا ويعمل حسب ما ادى اليه رأيه، على ان كل مجتهد يعلم اجمالا بمخالفة رأي مجتهد اخر لما يؤدي اليه اجتهاده لو استنبط فكيف يعمل بقوله مع ذلك العلم الاجمالي؟
____________________
(١) النحل: ٤٣.
واما الحكمان الثاني والثالث – أعني جواز رجوع الغير اليه ونفوذ قضائه واحكامه – فالمناسب ان يبحث عنه في بحث التقليد، الا انه لا ضير في التكلم فيه هنا أيضا.
فنقول: ان المتبادر من ادلة التقليد كون المرجع فقيها او عالما او عارفا بالحكم فهذا المجتهد المستنبط بالملكة ان لم يستنبط ولو حكما فلا يعقل تقليده، وان استنبط لكن لابمقدار يصدق عليه العناوين المذكورة فلا يجوز تقليده لان احراز امتثال التكاليف الواقعية متوقف على تقليد من كان معنونا بتلك العناوين، والمتبادر من العناوين من كان متبلسا بالمادة بالفعل. واما بالنسبة إلى الحكم الثالث فحيث ان نفوذ قضاء احد على احد أو جواز تصرف أحد في مال الغير وغير ذلك من المناصب الثابتة للفقيه خلاف الأصل، فلابد من ملاحظة الأدلة المخرجة عن ذلك والأدلة مشتملة على تلك العناوين ولاتصدق الا على المجتهد المستنبط بالفعل.
بقي الكلام في المتجزي بقسميه، فتارة يقع الكلام في امكان التجزي واخرى في الأحكام الثلاثة المذكورة. أما الأول فلا شبهة في امكانه بل وقوعه لأن أدلة المسائل مختلفة سهولة وغموضة عقلية وشرعيا. فقد يكون الشخص مجتهدا في المعاملات بخلاف العبادات من جهة قلة الروايات في ذلك وتسلطه على القواعد الكلية المذكورة في ابواب المعاملات، وقد يكون بالعكس من جهة تسلطه على الجمع بين الروايات والاستظهار فيها. والقول بان الاجتهاد ملكة ولا تتصور القسمة في ذلك لانها من الكيف النفساني والقسمة من مختصات الكم، فالملكة ان حصلت تحصل في الجميع والا فليس الشخص بمجتهد اصلا مغالطة، لأنا لا نقول بتقسيم نفس الملكة، بل حصول الملكة مختلف باعتبار اختلاف متعلقه، فقد تحصل الملكة بحيث يسهل له اشكال المسائل الرياضية ولكن لا يقدر على انشاء شعر واحد، فقد تحصل الملكة بالنسبة إلى باب من
أبواب الفقه من جهة خصوصية في ذلك ولم تحصل بالنسبة إلى غيره لعدم تلك الخصوصية فيه. وكيف كان فلا اشكال في اصل تصوره.
واما الاحكام الثلاثة فيعلم مما ذكرنا سابقا فان المتجزي المستنبط بالفعل لايجوز له تقليد الغير في المسألة المستنبط فيها فانه من باب رجوع العالم إلى الجاهل في نظره وكذلك المتجزي المستنبط بالملكة لعدم احراز الامتثال الا بتحصيل الحجة على الحجم بنفسه، واما رجوع الغير إلى المتجزي ونفوذ قضائه وتصرفاته في أموال القصر والغيب فعين مامر في المجتهد بالملكة.
الكلام في التخطئة والتصويب
لا اشكال في ثبت التخطئة في الامور الواقعية حتى بالنسبة إلى غير مقولة الجواهر والأعراض من تلك الامور مثل اجتماع النقيضين مثلا فكل من قال بجوازه فقد أخطأ وهكذا مثل اجتماع الامر والنهي فاحد القولين القول بجوازه، والقول بعدمه خطأ، والالزام اجتماع النيقضين، وهذا واضح. انما الكلام في ان الامور الاعتبارية التي قوامها باعتبار المعتبر هل هي كذلك ايضا ام لا؟ ففي الاحكام الشرعية هل هي تابعة لقيام الامارة عليها – ومنها نظر المجتهد – وهذا هو التصويب ام لله احكام يشترك فيها الجاهل والعالم وانما الاماراة طريق اليها فقد تصيب وقد تخطىء، وهذه هي التخطئة الذي نسب إلى العامة هو التصويب، وهذا بمعنى غير معقول وهو المنتسب إلى الاشاعرة وبمعنى غير واقع وهو المنتسب إلى المعتزلة؟ أما الأول وهو عدم وجود حكم في الواقع اصلا ولا حكم الا بعد قيام الامارة فبطلانه اوضح من ان يخفى، والظاهر ان الاشاعرة ايضا غير قائلين به، فاذا لم يكن حكم في الواقع فما هو المخبر به والمحكي عنه وذو الطريق؟ وهل هذا الا فرض غير معقول. واما الثاني وهو ان الاحكام الثابتة في الواقع انشائيات محضة ولاتصير فعلية منبعثا نحوها او منزجرا عنها الا بعد قيام الامارة عليها فانه وان لم يرد عليه الاشكال العقلي السابق الا انه غيرواقع من جهة الأدلة الدالة على ثبوت الأحكام المشتركة بين الجاهل والعالم مضافا إلى الاتفاق القطعي على خلاف ذلك مع ان اطلاقات أدلة الاحكام تدل على هذا الاشتراك، فان الدليل الدال على ان الخمر حرام مطلق بالاضافة إلى صورتي العلم والجهل فتلخص ان الثابت في الواقع احكام فعليات تشترك بين العالم والجاهل والامارات طرق محضة، فان وافقها فصواب والا فخطأ.نعم يبقى الاشكال المشهور المنسوب بابن قبة وهو في كيفية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري وقد دفع الاشكال في اول مبحث الظن واثبت انه لامانع من ان يكون في الواقع حكم فعلي والامارة قائمة على خلافه والمكلف معذور حينئذ والتفصيل يرجع إلى محله. هذا تصوير التخطئة بالنسبة إلى الاحكام الواقعية، واما بالنسبة إلى الاحكام الظاهرية فبالنسبة إلى مرحلة الجعل منها فكذلك فلابد من القول بالتخطئة في مثل اصل حجية الاستصحاب، واما بالنسبة إلى مرحلة المجعول فلامحيص الا عن القول بالتصويب فان الاستصحاب حجة بالنسبة إلى من كان على يقين فشك دون غيره.
الكلام في الاجزاء وعدمه
اذا تبدل فتوى المجتهد بحيث متعلق نظره بحكم مناف لما تعق به اولا وكان اتيان عمل موافق للأول مخالفا للثاني وباطلا بحسب الفتوى الثانية. وهكذا اذا عدل عن فتوى مجتهد إلى مجتهد اخر بحيث يكون لهما نظران في مورد واحد كسابقه سواء كان المجتهد المعدول عنه حيا او ميتا فهل يحكم بالاجزاء مطلقا او يحكم بعدمه مطلقا أو يفصل؟ فقد وقع الكلام في ذلك بين الاعلام. وقبل تنقيح المرام وبيان ماله من النقض والابرام لابد من تنبيه في المقام، وهو ان النزاع انما يقع على القول بالتخطئة حتى يتصور مخالفة المأتي به بمقتضى الفتوى الأول الواقع كي يعقل القول بعدم الاجزاء، والا فعلى القول بالتصويب وان ما أدى اليه نظر المجتهد هو حكم الله الواقعي فلا يتصور مخالفة حتى يبحث عن اجزاء المأتي به عن المأمور به وعدمه كما لايخفى.اذا عرفت ذلك فاعلم ان التفصيل الذي ذهب اليه صاحب العروة –قدسسره – لا وجه له، حيث افاد في المسألة الثالثة والخمسين ما هذا لفظه: اذا قلد مجتهدا يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الاربع واكتفى بها، او قلد من يكفي بضربة واحدة ثم مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدد لايجب عليه اعادة الاعمال السابقة. وكذا لو اوقع عقدا او ايقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة. نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني، واما اذا قلد من يقول بطهارة شيء كالغسالة ثم مات وقلد من يقول بنجاسته، فالصلوات والاعمال السابقة محكومة بالصحة وان كانت مع استعمال ذلك بطهارته وكذا في الحالية والحرمة. فاذا افتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد مثلا فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد وقلّد من يقول بحرمته فان باعه أو أكله حكم بصحة البيع واباحة الأكل، وأما اذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلايجوز بيعه ولا اكله وهكذا، انتهى.والمتحصل من ذلك التفصيل بين الاعمال السابقة واللاحقة بالاجزاء في الاولى، واما في الثانية فان كان العمل عباديا او عقدا أو ايقاعا فكذلك يحكم بالصحة وتترتب عليه الاثار، والا فلابد من الالتزام بفسادها، وهذا التفصيل لايمكن المساعدة عليه من جهة عدم الدليل عليه.اما القول بالاجزاء مطلقا فقد يقال بأنه مبني على ظاهر الاجتماع لكنه مع انه غير ثابت بل صرح بعض بالخلاف لايكون كاشفا في مثل هذه المسألة الجديدة المستحدثة. وبذلك يظهر فيما يدعى قيام السيرة على ترتيب اثار الصحة مطلقا لانها مع فرض تسليم ذلك مبنية على فتاوى المجتهدين عصرا بعد عصر ولايعلم قيامها في زمان المعصوم سلام الله عليه. بل لايعلم قيام واحد على ذلك، فكيف يمكن استكشاف رأي
المعصومعليهالسلام مع هذه الاحتمالات؟ واما ما يدعى من كونه مقتضى نفي العسر والحرج فأيضا غير سديد لكونه اخص من المدعى لعدم لزوم ذلك في جميع الموارد. بل لابد في موارد لزوم العسر من رفع اليد بمقدار يرفع العسر فان المحذورات تتقدربقدرها. والمهم في المقام ما قيل بأن الفتوى اللاحق لايكشف عن عدم حجية السابق وعدم كونه معذرا ومنجزا بل كما ان الثانية حجة في ظرفه الأولي أيضا حجة في ظرفه واحتمال عدم المطابقة للواقع مشترك بينهما، والمفروض ان العمل اتي به موافقا للحجة الموجودة في ظرفه فلا وجه للتمسك بالفتوى الثانية على ذلك حتى يحكم بعدم الاجزاء. وبعبارة اخرى: الحجج الشرعية بالنسبة إلى مرحلة المجعول كلها حجة واقعا ولايتصور فيها تصويب اصلا كما ذكرناه سابقا لقيام موضوعها بنفس المكلف وذلك من الامور التكوينية التي امرها دائر بين الوجود والعدم، فاذا كان موجودا فالحجة موجودة واقعا والا فلا. مثلا دليل حجية الاستصحاب هو لا تنقض اليقين بالشك، فقوام حجية الاستصحاب واقعا باليقين السابق والشك اللاحق، وهذا اما موجود في نفس المكلف او غير موجود، ولذلك بنينا على انه لايتصور شبهة في الموضوع في الاحكام الظاهرية أبدا، فاذا كان الحكم كذلك ففي محل الكلام الفتوى الاولى كانت حجة إلى زمان الثانية واقعا والعمل واقع موافقا للحجة. وحجية الثانية في ظرفها لاتنافي حجية الاولى فيكون العمل مجزيا عن الواقع.وليعلم ان هذا الوهم انما يتم في الاعمال السابقة فقط دون اللاحقة كما لايخفى، لعدم حجية الاولى بعد الثانية قطعا والعمل وان كان موافقا للحجة حدوثا الا أن بقاءه أيضا يحتاج إلى حجة. وهذا كما تراه لايتم ايضا فان حجية كل منهما في ظرفه وان كان ثابتا الا ان فتوى الثانية لاتكشف عن الحكم من زمان وقوعها فقط بل تكشف عن وجود من أول الأمر. فان كانت الصلاة بلاسورة صحيحة بمقتضى الثانية فالفتوى اللاحقة تكشف عن جزئية السورة للصلاة من الأول. فالحجة قائمة على عدم اتيان المكلف بالصلاة الواقعية فلابد من القول بعدم الاجزاء. هذا ولكن لابد من ملاحظة دليل الحجة الثانية فان كان له اطلاق يمكن الأخذ به فالحكم كما ذكر والا فالقدر المتيقن من حجية ذلك بعد زمان قيامه فالعمل موافق للحجة في ظرفه. والحجة الثانية غير قابلة للقيام على مخالفته للواقع ولعل مسألة تبديل الفتوى او المجتهد من هذا القبيل، فافهم. والنتيجة حينئذ الاجزاء بالنسبة إلى السابق دون اللاحق، وكيف كان فلو قلنا بعدم الاجزاء لكن لابد من الخروج عنه بالنسبة إلى الصلاة من جهة حديث: «لاتعاد الصلاة الا من خمس»(١) .
____________________
(١) الوسائل: ج٤، باب ١ من ابواب افعال الصلاة، حديث١٤. وباب ٢٩ من ابواب القراءة في الصلاة، حديث٥. وباب ١٠ من ابواب الركوع، حديث٥: وباب ١ من ابواب قواطع الصلاة، حديث٤.
يرتبونها على هذه التعاريف فغير مترتبة عليها لعدم وجود لفظ التقليد في موضوع تلك الاثار المترتبة في المقام، وسيأتي تفصيل ذلك ان شاء الله.
التقليد
فقد يقال في تعريفه بأنه الالتزام بقول الغير، وقد يقال بانه العمل على قول الغير. وقد يقال بأنه أخذ رسالة الغير، ولايمكن المساعدة على شيء من هذه التعاريف فانه ليس للتقليد معنى مغايرا لمعناه العرفي. وهو جعل الشيء ذا قلادة والعامي يجعل العمل على عنق المفتي ويقلده. فالتقليد هو الاستناد بقول الغير في مقام العمل فهو مقارن للتقليد. هذا معنى التقليد، واما الثمرات التي وأما الأدلة الدالة على حجية قول الغير في حق العامي ووجوب التقليد فوجوه. ذكرها السيد الاستاذ – مد ظله –.
الأول: السيرة العقلائية قامت على رجوع الجاهل إلى العالم والشارع لم يردع عنه فيستكشف بذلك حجية قول العالم في الشرعيات ايضا.
الثاني: دليل الانسداد، وهو انه بعد العلم بثبوت التكاليف الواقعية وعدم التمكن من الامتثال علما تفصيليا وعدم الجواز او عدم وجوب الامتثال علما اجماليا وهو الاحتياط فلابد من الاستناد إلى الحجة الموجودة في البين، والمفروض ان المكلف عامي لايمكن في حقه ذلك. بل لايوجد ظن بالواقع لعدم تمكنه من السير في الادلة فلا يتمكن من الامتثال الا بالاستناد إلى قول العالم وهذا معنى التقليد.
الثالث: آية النفر( فَلَوْ لاَ نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (١) دلت هذه الاية على وجوب الحذر عند الانذار الذي غاية للتفقه الذي هو غاية للنفر الواجب، والفتوى بالدلالة الالتزامية انذار فيجب الاخذ به على العامي. بل لفظة التفقه أيضا شاهدة على ذلك. ووجوب الحذر عند انذار المنذر غير مقيد بصورة حصول العلم فلا يصغى إلى ماقيل من عدم دلالة الاية على حجية الفتوى لاحتمال وجوب الحذر عند حصول العلم.
ان قلت: ان في زمان صدور الاية التفقه والاجتهاد لم يكن كالتفقه والاجتهاد في زماننا فلا تدل الاية الكريمة على حجية الفتوى في هذه الأزمنة.
____________________
(١) التوبة: ١٢٢.
قلت: التفقه في زمانين بمعنى واحد غاية الأمر اختلافهما سهولة وغموضة لقربهم بالمعصومينعليهمالسلام وعدم توسعة المباحث مثل زماننا. مثلا في ذلك الزمان ايضا كانوا يفتون بما يفهمون من ظواهر الكتاب والسنة فكانت الظواهر حجة في ذلك الزمان أيضا. غاية الأمر ما كانوا محتاجين إلى الرجال لقربهم بالمعصومينعليهمالسلام ، وهكذا. فدلالة الاية تامة لحجية الفتوى ووجوب استناد العامي إلى قول المجتهد في مقام العمل.
الرابع: آية السؤال:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) دلت على هذه الآية على وجوب السؤال عند عدم العلم وهو الاخذ بالفتوى، فالعامي حيث لم يعلم بتكليفه يجب عليه الأخذ بقول اهل الذكر وهم العلماء. وتقييد الاية بعدم لزوم ترتيب الاثار حتى يحصل له العلم مناف للظاهر بلا دليل عليه، والمراد من اهل الذكر ما يشمل العلماء وان فسرت بالائمة أو علماء اليهود لانه من باب الجري بالمصداق.
الخامس: الروايات الكثيرة الدالة على اثبات حجية قول الفقيه في الجملة فلاحظ هذا. ولكن شيئا من هذه الوجوه لايتم.
اما السيرة العقلائية فلايعلم قيامها في مثل الرجوع إلى المفتي الذي تكون مبادىء فتواه حدسية اجتهادية كثيرة الخطأ، ومع قيامها لم تعهد في زمان الشارع والائمة المعصومينعليهمالسلام حتى نكشف رأيهمعليهمالسلام من عدم ردعهم عنها، وتنظير المسألة بمثل رجوع المريض إلى الطيب قياس مع الفارق فتدبر جيدا.
واما دليل الانسداد فلا يثبت الا لزوم التبعيض في الاحتياط، واما حجية قول العالم فأجنبية عن مدلوله كمالايخفى.
____________________
(١) النحل: ٤٣.
وأما آية النفر فلا تدل الا على لزوم الانذار بعد التفقه والرجوع حتى يحصل الخوف عند تخويفهم والحذر عند انذارهم، وهذا لايستلزم حجية قول المنذرين فضلا عن حجية فتواهم، وبالجملة التخويف لغرض حصول الخوف لايستلزم الحجية، فان الخوف قد يحصل من تخويف من لايكون قوله حجة كالصبي والمجنون بل الفاسق وغيرهم. والحاصل ان الاية ليست في مقام جعل الحجية لشيء فضلا عن الفتوى والاجتهاد مع ان ذلك لايستلزم الانذار كما لا يخفى.
واما الآية السؤال فموردها معرفة النبيصلىاللهعليهوآله والسؤال فيها لايغني من الحق شيئا حتى يحصل به العلم.
فلاتبقى الا الروايات، ولا ننكر دلالة بعضها على حجية الفتوى، ويكفي في ذلك ماقاله الصادقعليهالسلام لأبان بن تغلب «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فاني احب ان أرى في شيعتي مثلك»(١) ولكن لا اطلاق لهذه الروايات نتمسك بها في مورد الشك مع انه لا حاجة اليها مع وجود دليل اخر في باب التقليد أقوى من الجمع وهو قيام السيرة المتشرعة في شرع الاسلام بل في جميع الأديان على التقليد ورجوع الناس إلى علمائهم في مسائلهم والسؤال عنهم وقبول الجواب عنهم بلا تأمل، وليس هذا من جهة حصول الاطمئنان كما توهم بل يرون موضوعية لقول عالم الشرع ويجعلون عملهم الموافق لقول العالم على عاتقه، ويظهر هذا من ملاحظة حال الناس في مراجعتهم العلماء ولايختص هذا بمذهب دون مذهب حتى يقال لعل ذلك من جهة فتوى المجتهدين، فان غير المسلمين أيضا متعبدون بذلك بل ظهوره في بعضهم أشد من المسلمين.
____________________
(١) معجم رجال الحديث: ج١، ص١٤٧. وكذا اختيار معرفة الرجال: ص٣٣٠ حديث٣٠٦ مع اختلاف في العبارة عما في معجم رجال الحديث، وكذا في رجال النجاشي: ص١٠ باب الألف منه ويطابق مافي النجاشي مع المتن المذكور هنا.
والحاصل: ان الرجوع إلى العالم الديني واخذ المسائل منه أمر مسلم بين جميع الملل والاديان وهذا هو التقليد ونكشف قطعيا عن وجوده في شريعتنا، وهذا اقوى دليل على التقليد، بل يمكن استفادة ذلك من بعض روايات الباب مثل رواية علي بن المسيب قال: قلت للرضاعليهالسلام : ان شقتي بعيدة ولست اصل اليك في كل وقت فمن اخذ معالم ديني؟ قالعليهالسلام : من زكريا بن ادم القمي المأمون على الدين و الدنيا(١) . فان سؤاله «عمن اخذ معالم ديني» يدل على ان هذا امر ارتكازي له وبما انه متدين بالدين يرى انه لابد من اخذ معالم دينه من احد ويسأل عمن يعينه الامامعليهالسلام وجوابهعليهالسلام ايضا يؤيد ذلك، فان توصيف من عينه بالمأمون على الدين والدنيا بيان لما هو المرتكز عند السائل وهو لزوم اخذ معالم الدين من شخص مأمون على الدين والدنيا وهو ماذكرنا من التقليد.
وهكذا رواية عبد العزيز قال: قلت للرضاعليهالسلام : ان شقتي بعيدة فلست اصل اليك في كل وقت فآخذ معالم ديني عن يونس مولى ال يقطين؟ قالعليهالسلام : نعم(٢) . والتقريب عين ما قلناه في الرواية السابقة، ومن الغرائب ان يلتزم بان السؤال في هذه الرواية عن وثاقة يونس وهكذا جواب الامام فيها وفي الرواية السابقة مجرد توثيق لا ازيد. بل المسألة في الروايتين تنشأ من الامر المسلم عند المتدينين وهو لزوم اخذ المتدين معالم دينه من عالم دينه ولذا يسأل الراوي عن تعيين في الاولى وعن اهلية يونس لذلك في الثانية.
فالتقليد امر شرعي ليس من قبيل الامور العقلائية في غير مورده كالطب ورجوع الجاهل إلى العالم وهو جعل العمل على عاتق مرجع التقليد والاستناد اليه في مقام العمل، ودليله السيرة المتشرعة والمتدينين ولو في غير الاسلام
____________________
(١ و٢) الوسائل: ج١٨، باب ١١ من ابواب صفات القاضي، حديث٢٧ و٣٥.
والروايات وان كانت مبينة ومؤكدة إلى تلك السيرة، ويمكن استفادة ذلك من التوقيع الشريف «واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله»(١) فان حجية الشخص غير حجية قوله. ومعنى ذلك ان من يكون مرجعا للناس في الحوادث والامور التي ترجع اليه في الشريعة هو راوي الحديث والمعين له الامامعليهالسلام ، كما ان شأن الامامعليهالسلام ايضا كذلك الا انه بتعيين الله عزوجل.
الكلام في تقليد الأعلم
الاعلم في مقام الثبوت ليس من كان اعرف بمباني الاستنباط ومبادئه من غيره ولا من كان اعرف من غيره بالفروع العملية، بل العلم من كان في مقام تطبيق القواعد على الفروع اقوى استنباطا وامتن استنتاجا. فمن كان في مقام الاستنباط أقوى وفي مقام الاستنتاج امتن فهو اعلم كما يظهر ذلك بملاحظة ارباب الصنايع والحرف ولايحتاج إلى مزيد بيان انما الكلام في وجوب تقليد الأعلم وعدمه.
ويقع الكلام في ذلك في مقامين (الأول) في وظيفة العامي حسب ارتكازه. (والثاني) في ما يستفاد من الأدلة للفقيه.
أما الأول: فحيث ان العامي عالم بتكاليف واقعية منجزة عليه لابد له من العلم بالخروج عن عهدة ذلك ولا يقطع بالفراغ الا بالرجوع إلى الأعلم من جهة دوران الامر بين حجية فتواه تعيينا وبين حجيته تخييرا بينه وبين غير الأعلم، فحجية فتوى الأعلم مقطوع بها وحجية فتوى غيره مشكوك فيها تدفع بالأصل فيعلم وجوب الرجوع إلى الاعلم ابتداء. نعم اذا أفتى الاعلم بحجية فتوى غير الأعلم فقد ذكر سيدنا الاستاذ – مد ظله – انه يجوز الرجوع إلى غير الأعلم ولايصغى إلى ما في العروة من عدم جواز الرجوع حتى عند ذلك، لأن
____________________
(١) الوسائل: ج١٨، باب ١١ من ابواب صفات القاضي، حديث٩.
الرجوع حينئذ بواسطة الاستناد إلى فتوى الأعلم فيقطع بالفراغ عن العهدة. على ان المستشكل حينئذ ان كان هو الاعلم فخارج عن الفرض وان كان غير الأعلم فلا أثر لاستشكاله هذا ولكن الكلام هنا في موضعين:
الأول: انه هل يجوز للمجتهد ان يجوز تقليد غيره في المسألة المخالفة فيها الفتوى ام لا؟ والظاهر انه لا، فانه يرى بطلان رأي الاخر فكيف يجوز الرجوع إلى ذلك الرأي الباطل عنده!! وبهذا ظهر عدم جواز الافتاء بجواز تقليد الغير حيا كان أو ميتا حدوثا او بقاء.
الثاني: هل يصح للعامي تقليد غير الاعلم اذا جوزه الاعلم ام لا؟ والظاهر انه لا. وذلك فان فتوى الاعلم لا يسقط عن الحجية بتجوزيه الرجوع إلى غيره بل تصير فتوى الغير ايضا حجة بفتواه، فتكون في المقام حجتان للعامي متعارضتان فتسقطان معا فلابد له من الاحتياط، ومع فرض عدم جوازه او عدم وجوبه لابد له من الرجوع إلى الأعلم ايضا فتدبر جيدا. ثم انه اذا فرضنا ان للمقلد مرتبة من العلم بحيث علم عدم جواز تقليد غير الاعلم فلا يجوز له تقليده، وان جوزه الأعلم كما اذا تعلق نظره بالجواز فيجوز له وان افتى الأعلم بعدم الجواز لأنه في نظره يرى خطأ الأعلم في هذه المسالة. والحاصل ان المدار هو الاستناد إلى الحجة في مقام العمل فكلما علم به، والا فمقتضى القاعدة عدم الحجية للأصل وحينئذ لا اثر لفتوى غير الأعلم حجية فتوى غير الأعلم في حق العامي وعدمه كما لايخفى.
وأما الثاني: فصور المسألة ثلاث: (الاولى) ما اذا علم – ولو اجمالا – بموافقة فتوى غير الأعلم لفتوى الأعلم. (والثانية) ما اذا علم بالاختلاف. (الثالثة) ما إذا لم يعلم لا بالموافقة ولا بالمخالفة.
أما الاولى: فلا شك في جواز تقليد غير الأعلم فالدليل حجية الطرق يدل على نحو صرف الوجود، فالمقلد يعلم بمطابقة عمله للحجة حينئذ.
وأما الثانية: فالمشهور وجوب تقليد الأعلم فيها كما يظهر من شيخنا الأنصاري –قدسسره – بل ادعى جامع المقاصد الاجماع عليه. ومع ذلك ذهب إلى عدمه جماعة. فالمهم النظر في استدلال الطرفين حتى يظهر الأمر، فنقول:
أما الأدلة التي أقاموها على عدم وجوب تقليد الأعلم فالمهم منها الاطلاقات الواردة في اصل الحجية التقليد مثل آيتي السؤال(١) والنفر(٢) والروايات الواردة في المقام، لكن لايمكن التمسك باطلاق دليل الحجية لاثابت الحجية في موارد التعارض بناء على ان المجعول في الطرق والامارات الطريقية، فان شمول الاطلاق لمورد التعارض مستلزلم لجعل الطريقية بالنسبة اليهما، وجعلها للمتعارضين ولو تخييرا لا معنى له، وهذا عمدة الاشكال في ذلك، لا ماذكره سيدنا الاستاذ من ان جعل الحجية لكلا الفتويين جعل المتناقض وهو محال بالنسبة إلى الحكيم تعالى، وجعل الحجية لواحد معين منهما وان كان ممكنا ثبوتا الا انه في مقام الاثابت ترجيح بلا مرجح، والحجية التخييرية قول بلا دليل، فلم يبق الا القول بالتساقط. وذلك فان الحجية بمعنى غير الطريقية كالمنجزية والمعذرية قابلة للجعل في مورد التعارض بجعل احدهم منجزا ومعذرا، وفي مقام الاثبات أيضا لابد من تقييد الاطلاق بالمقدار المتيقن، ونتيجة شمول الاطلاق للمورد التقييد بالقدر المتيقن رفع اليد عن حجية كل بالاستناد بالاخر، وهذا معنى التخيير، ونظير هذا الكلام ذكر في باب الترتب فلاحظ.
نعم بناء على ان المجعول الطريقية لا معنى لشمول الاطلاق لمورد التعارض فان حقيقة الطريقية ومورد المعارضة متغايران ومتنافيان حتى بنحو التخيير هذا، وحيث انه لا دليل على ازيد من التعذير والتنجيز في الحجج لابد من الالتزام بالتخيير بناء على ان يكون دليل التقليد الاطلاقات، فالنتيجة جواز تقليد غير
____________________
(١) النحل: ٤٣.
(٢) التوبة: ١٢٢.
الأعلم، وحيث لم نقل بذلك لابد من ملاحظة ساير الوجوه الدالة على التقليد وسيأتي ان شاء الله.
وقد يتمسك لاثبات جواز تقليد غير الأعلم بوجوه اخر: (ومنها) تعيين الامامعليهالسلام اشخاصا متعددة للفتوى، والظاهر اختلافهم في العلم والفتوى بل يعلم بواسطة القرائن اختلافهم في الفتوى، ونتيجة ذلك حجية فتوى غير الأعلم مع اختلاف فتواه لنظر الأعلم. ولكن هذا أيضا لايمكن المساعدة عليه لعدم العلم باختلافهم في الفتوى ووجود القرينة على ذلك ممنوع، على ان الامامعليهالسلام في مقام بيان اصل حجية الفتوى لا أحكامها وموارد التعارض.
(ومنها) ان وجوب الرجوع إلى الأعلم موجب للحرج لصعوبة تشخيصه مفهوما ومصداقا وعدم امكان رجوع الناس إلى شخص واحد.
وفيه (اولا) ان مفهوم الأعلم كما ذكرناه من كان في مقام الاستنباط اقوى وفي مقام الاستنتاج أمتن، وهذا لا صعوبة في تشخيصه أصلا، ومصداقه يعلم بالاختبار شخصا او بقيام الامارة عليه مثل البينة والشياع المفيد للاطمئنان، وهذا أيضا لاحرج فيه أبدا. ورجوع الناس إلى شخص واحد سيما في هذا العصر لا استبعاد فيه.
(وثانيا) ان محل الكلام صورة العلم باختلاف الأعلم وغير الأعلم ولاحرج في الرجوع إلى الأعلم حينئذ.
(ومنها) ان الامامعليهالسلام عين المفتي في عصرهعليهالسلام ، وهذا لايستقيم الا اذا فرض حجية فتوى غير الأعلم مع وجود الأعلم، والا فلا معنى لحجية فتوى احد معه وجود الامامعليهالسلام ، وفيه ان محل الكلام صورة العلم بالاختلاف في الفتوى كما عرفت. وفي صورة العلم باختلاف فتوى شخص لقول الامامعليهالسلام لاحجية لتلك الفتوى قطعا، فلا محيص الا عن
الالتزام بحجية فتوى من عينه الامامعليهالسلام لذلك في موارد عدم العلم بالاختلاف، وحينئذ يسقط الدليل عن الستدلال لما نحن فيه.
واستدل على وجوب تقليد الأعلم بوجوه: الأول: ان السيرة العقلائية قامت على الرجوع إلى الأعلم في مقام المخالفة في الرأي، والشارع لم يردع عنها، فيستكشف وجوب الرجوع إلى الأعلم في الشرعيات ايضا في مقام المخالفة في الفتوى. قال سيدنا الاستاذ – مد ظله –: ان هذا هو الوجه المهم الصحيح في الاستدلال على وجوب تقليد الأعلم، لكنه مبني على كون دليل التقليد
السيرة العقلائية، وقد مر عدم امكان المساعدة عليه، وان اقوى دليل على التقليد السيرة المتشرعية، وان التقليد امر شرعي فلا يتم هذا الاستدلال، فان قيام السيرة على الرجوع إلى الاعلم في الامور العقلائية والعادية سيرة عقلائية لايستلزم قيام السيرة على الرجوع إلى الأعلم في التقليد لاسيرة عقلائية ولامتشرعية فانهما ليسا بملاك واحد ومناط فارد.
الثاني: الاجماع المدعى عن جامع المقاصد، وفيه – مضافا إلى عدم حجية الاجماع المحكي وذهاب جماعة على خلافه – عدم استكشاف مثل هذا الاجماع عن رأي المعصومعليهالسلام لاحتمال ان يكون مدرك المجمعين هذه الوجوه التي استدل بها على وجوب تقليد الأعلم.
الثالث: دلالة مقبولة عمر بن حنظلة(١) بانه في مقام المخالفة في القول لابد من الرجوع إلى الأفقه. ان الترجيح بالأفقهية المذكورة في الرواية في الحكمين والقاضيين لا في المفتي، ولذا لايعتبر الأصدقية في المفتي مع انها مذكورة في الرواية، مع ان الأفقهية المذكورة فيها اضافية بالنسبة إلى القاضي الأخير لا أفقه الناس وهذا غير المدعى.
____________________
(١) الوسائل: ج١٨، باب ٩ من ابواب صفات القاضي، حديث١.
هذا واستشكل سيدنا الاستاذ في سند المقبولة وقال انها ضعيفة بعمر بن حنظلة فانه لم يوثق وقبول الاصحاب الرواية غير معلوم لنا، على انه لايجبر به السند ولايمكن تصحيح الرواية برواية يزيد بن خليفة(١) حيث قال سلام الله عليه فيها: بأن عمر بن حنظلة لايكذب علينا فان يزيد بن خليفة ايضا ضعيف لايمكن الأخذ بروايته. ولكن هذا على مبناه من عدم الاعتبار بقبول الاصحاب الرواية وعدم جابرية الشهرة لسند الرواية والا فالرواية منجبرة، فانها متلقاة بالقبول عندهم بحيث عبر عنها بالمقبولة، وقوله «قبول الاصحاب الرواية» غير معلوم لنا انكار لأمر مسلم. فمن جهة السند لا اشكال في الرواية.
الرابع: ان فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غيره، ولذا يجب التمسك به والاستناد اليه في مقام العمل. واجاب السيد الاستاذ عن ذلك بان الاقربية الطبعية وان كانت موجودة في فتوى العلم ممنوعة لامكان موافقة فتوى غير الأعلم لفتوى المشهور مثلا، وغير ذلك من المرجحات.
أقول: لو تمسكنا بالسيرة العقلائية على لزوم تقليد الاعلم يمكن القول بان السيرة قائمة على الرجوع إلى من كان رأيه أقرب إلى الواقع فعلا. ولذا ان كان غير الأعلم اوثق من الأعلم في مطابقة قوله للواقع يأخذون بقوله. فالواجب الرجوع إلى من كان اوثق من غيره في الفتوى، والا فتقليد الأعلم بما هو اعلم غير واجب تعبدا لعدم التعبد في طريقة العقلاء، فعلى هذا السيرة العقلائية ايضا لا تدل على ازيد مما يستفاد من هذا الدليل بضميمة جواب السيد الاستاذ – مدل ظله –. فلم يثبت من هذه الأدلة تعين الرجوع إلى الأعلم حتى في موارد الاختلاف الا اذا كان رأيه اقرب إلى الواقع فعلا. هذا بناء على التمسك
____________________
(١) الوسائل: ج٣، باب ٥ من ابواب المواقيت، حديث٦.
بالسيرة العقلائية في المقام، والا فلايمكن اثبات التعين من هذه الأدلة حتى من تلك الحيثية أيضا.
فتلخص مما ذكرناه ان شيئا من ادلة الطرفين لايتم. فلم يثبت لزوم الرجوع إلى الاعلم ولا جواز الرجوع إلى غيره من هذه الأدلة. نعم بناء على مابنينا عليه من دليل التقليد وهو ان التقليد امر شرعي قامت عليه السيرة المتشرعية يمكن القول بالتخيير وجواز الرجوع إلى الأعلم، فان المتشرعة بماهم متشرعة والمتدين بالدين يرجع إلى العالم بالدين ويأخذ معالم دينه منه بشرط كونه ثقة ايضا كمايستفاد من الروايات السابقة ايضا. بل يمكن الاستدلال بتلك الراويات ايضا على ذلك، فان توصيف الرضاعليهالسلام زكريا بن ادم بالمأمون على الدين والدنيا والارجاع اليه يدلنا على كفاية كون العالم بالدين المأخوذ منه معالم الدين مأمونا على الدين والدنيا. وهكذا الارجاع في التوقيع الشريف إلى رواة حديثهم يدل على كفاية ذلك، فعلى هذا يتم الدليل على جواز تقليد غير الأعلم، والله العالم وهو الموفق والمعين.
ثم انه لو فرضنا عدم صلاحية كل من الدليلين المثبت والنافي لاثبات مدلولهما فلابد من الرجوع إلى الاصل العملي. والمقام من صغريات باب الاشتغال لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية بمعنى المعذرية، فلابد من الرجوع إلى الأعلم. فان العلم الاجمالي بثبوت التكاليف الواقعية موجود فيجب الخروج العهدة اما علما واما بالاستناد إلى امارة علم بمعذريتها عن الواقع. والمفروض ان فتوى الأعلم معذر يقينا ولا يعلم بمعذرية فتوى غيره فيتعين الاستناد اليه، وهذا هو الحال في كل مادار الأمر بين الحجية التعيينية والتخييرية كذلك بمعنى المعذرية.
واما دوران الامر بينهما بمعنى المنجزية مثل موارد الدوران بين التعيين والتخيير في الاحكام فلا يقتضي الا اصالة البراءة عن التعيين، وكما اذا دار الأمر في مورد بين وجوب صلاة العصر تماما تعيينا او تخييرا بينه وبين القصر يرجع إلى أصالة البراءة عن الكلفة الزائدة وهو تعين التمام. هكذا اذا فرضنا قيام امارة على وجوب التمام وقيام امارة اخرى على وجوب القصر، والمفروض انه لايجوم منجز اخر للتكليف مثل العلم الاجمالي وغيره غير هاتين الامارتين، ودار الامر بين ان تكون الاولى حجة تعيينا لوجود رجحان فيه او تخييرا بينها وبين الثانية، فدار الأمر بين الحجية التعيينة والتخييرية، لكن لاندري هل يتعين الاخذ بمدلول الاول فقط او نحن في سعة عن ذلك ويمكننا الاخذ بأيهما نريد؟.
وبعبارة اخرى: العقاب وعدمه لايترتبان على مخالفة الواقع بما هو واقع بل يترتبان على مخالفة
الواقع المنجز. فعند الشك في منجزية امارة وعدمها تجري اصالة البراءة عن التكليف لعدم وصوله إلى المكلف بما يرفع شكه في التكليف. وحيث ان دوران الأمر بين التعيين والتخيير في المنجزية يرجع إلى الشك في منجزية ما احتمل تعينه في المنجزية تعيينا لابد من الرجوع إلى أصالة البراءة للشك في الكلفة الزائدة، هذا.
ولكن مقامنا من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير في المعذرية بعد ما صار التكليف منجزا على المكلف بسبب علمه الاجمالي فلابد من تحصيل العذر القطعي ولايمكن الا بالرجوع إلى مقطوع المعذرية وهو فتوى الأعلم. فتحصل مما ذكرناه انه لابد من الرجوع إلى الأعلم اذا كان مدرك الحكم في هذه المسألة الأصل العملي، والا فمقتضى قيام السيرة المتشرعة المؤيدة بالأدلة اللفظية جواز الرجوع إلى غير الاعلم، وحيث انه مع هذا الدليل لاتصل النوبة إلى الاصل نلتزم بعدم وجوب تقليد الاعلم وجواز تقليد غيره. نعم الاحوط تقليد الاعلم من جهة فتاوى عدة من الاعاظم المؤيدة بالاصل، والاشكال في ماذكرناه من السيرة المتشرعة، والله العالم
وأما الصورة الثالثة من صور المسألة وهي ما لم يعلم مخالفة فتوى غير الاعلم مع الأعلم، فلو قلنا بعدم وجوب تقليد الاعلم في الصورة الثانية وهي صورة العلم بالمخالفة فعدم الوجوب في هذه الصورة اولى واظهر. ولو قلنا بالوجوب في الصورة السابقة فهل يجب في هذه الصورة ايضا اولا؟ فقد يقال بالوجوب لوجوه:
الأول: مقبولة عمر بن حنظلة. وقد عرفت الجواب عن هذا الوجه.
الثاني: ان قول الأعلم اقرب إلى الواقع فلابد من الأخذ به في مقام تحصيل العلم بالفراغ، وقد عرفت الجواب عن هذا ايضا. ويمكن الجواب عن هذين الوجهين بأنهما في مورد التعارض والفرض عدم العلم بالتعارض في المورد.
الثالث: الأصل يقتضي وجوب تقليد الأعلم تعيينا، لان الامر دائر بين التعيين اولتخيير في الحجية وفي مقام الامتثال. ولايخفى ان هذا الوجه انما يتم لو لم يدل على خلافه دليل، فلابد من ملاحظة ما استدل به على الحجية التخييرية والوجوه الدالة على تخيير المقلد بين الرجوع إلى الأعلم وغيره في هذا المورد.
الوجه الأول: الاطلاقات الواردة في اثبات حجية الفتوى تثبت ذلك بتقريب ان الاطلاقات ولو لم تكن شاملة لموارد التعارض الا انه غير معلوم في المقام حسب الفرض فلا مانع من شمول الاطلاق له.
ان قلت: التمسك بالاطلاق في هذا المورد من قبيل التمسك به في الشبهة المصداقية لاحتمال وجود المعارضة.
قلت: هذه الشبهة ترتفع بواسطة الاستصحاب المنقحة لمجرى الاطلاق، وذلك لان المعارضة امر حادث مسبوق بالعدم ازليا ونعتيا فتدفع باستصحاب العدم الأزلي والنعتي، فان قبل وجود المجتهدين المعارضة لم تكن والان كما كان، او ان العارضة قبل اجتهاد المجتهدين لم تكن الان كما كان، فاذا لم تكن المعارضة بينهما بحكم الأصل فلا مانع من شمول الاطلاق له.
ان قلت: الاستصحاب لايجري قبل الفحص.
قلت: الفحص في الشبهات الموضوعية غير لازم والمورد منها. وقد يقال: بان المقيد لبي ولامانع من التمسك بالاطلاق المقيد بالتقييد اللبي في الشبهات المصداقية ولكنه كما ترى فان ملاك عدم جواز التمسك مشترك بين ان يكون المقيد لبيا او لفظيا. هذا ما يمكن ان يقال في توجيه الوجه الأول، وبينه السيد الاستاذ – مد ظله – ولكن يظهر مما مر أنه: (اولا) لا اطلاق في باب التقليد يمكن التمسك به في موارد الشك. (وثانيا) الاستصحاب في المورد وامثاله غير جار لا ازليا ولا نعتيا على ماذكرنا برهانه في الاصول وبنينا عليه، فهذا الوجه لايتم.
الوجه الثاني: ان سيرة العقلاء قائمة علىالرجوع إلى غير الأعلم في موارد احتمال المخالفة، والا لكان غير الأعلمين معطلين في المجتمع، والمشاهد خلافه، والشارع لم يردع عن ذلك، فيستكشف عنه في الشرعيات ايضا. وفيه ان دليل التقليد ليس سيرة العقلاء كما مر مع ان احراز اتصاله إلى زمان المعصوم بحيث يكشف عدم ردعهم عنها لامضائهم ممنوع، فهذا ايضا لايتم.
الوجه الثالث: ارجاع الامامعليهالسلام الناس إلى اشخاص خاصة مثل يونس بن عبد الرحمن، وزكريا بن ادم، مع احتمالهم بمخالفة فتواهم للامامعليهالسلام واحتمالنا لايستلزم احتمالهم، فهذا ايضا لايتم فلم يبق مايتمسك به في مقابل الاصل العملي القائم بوجوب تقليد العلم فلابد من التمسك بالاصل والقول بوجوب تقليد الأعلم في هذه الصورة ايضا. نعم لو بنينا على ماقلناه في الصورة السابقة من السيرة المتشرعية فالحق عدم وجوب تقليد الأعلم في الصورتين، لكن الكلام على فرض تسليم وجوب تقليد الأعلم في الصورة السابقة وصرف النظر عن
السيرة المتشرعية، وحينئذ تصل النوبة إلى الاصل العملي ومقتضاه وجوب تقليد الاعلم بلا فرق بين الصورتين. ولو قلنا بالاحتياط نقول به في الصورتين ايضا. هذا اذا علم الاعلم بشخصه، فان كان مرددا بين شخصين أو لم يكن اعلم في البين بل كانا متساويين فالمعروف بين الاصحاب
الحكم بالتخيير. ولكن قال سيدنا الاستاذ – مد ظله –: ان ادلة الحجية لاتشمل موارد التعارض فلا تثبت حجية أي منهما، فلابد للعامي الاحتياط حتى يقطع بالفراغ. لكن قد مر ان الدليل على التقليد هو السيرة المتشرعة على اخذ معالم الدين من اهله، ولايفرقون بين وجود الأعلم وعدمه ولابين العلم بمخالفتهم في الفتوى وعدمه. فما عليه المشهور هو المنصور. فمقتضى هذا الدليل التخيير في جميع الصور.
ومما ذكرنا ظهر انه لا اعتبار للأورعية في وجوب الأخذ بالفتوى اذا كان الدليل غير الاصل العملي، وتمسكنا بالسيرة المتشرعية ما اذا كان الدليل الاصل، فانه لابد من الاخذ بقول الاورع لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية بمعنى المعذرية. ولكنه اجاب شيخنا الانصاري –قدسسره – عن الدوران بانه اذا لم يكن لشيء دخل في ملاك الحجية فلا اثر لدوران الامر بين الحجية التعيينة والتخييرية والأوروعية من هذا القبيل، ولكن هذا الجواب غير واف بحل الاشكال من جهة دوران الأمر في ذلك مدار القطع والشك فان احدهما مقطوع الحجية والاخر مشكوك الحجية، ودعوى عدم دخل الأورعية في ملاك الحجية بلا دليل فان الحجية بمعنىكون الشيء بحيث يكون قابلا للاحتجاج به، ولانرى أي مانع من اعتبار الشارع هذا المعنى في قول الاورع دون غيره.
هذا على ما اخترناه في المتساويين من القول بالتخيير، واما على ما ذكره السيد الاستاذ – مد ظله – من انه لابد من الاحتياط لعدم شمول دليل الحجية لمورد المعارضة فلابد من الاحتياط في مورد كون احد المجتهدين اورع ايضا بعين البيان.
ثم انه لو قلنا بوجوب تقليد الأعلم لابد من القول بوجوب التبعيض في التقليد اذا كان احد المجتهدين اعلم من الاخر في بعض الأحكام والاخر كان اعلم من الأول في الباقي. ووجهه ظاهر كما انه لو قلنا بالتخيير في مورد التساوي لابد من القول بجواز التبعيض في التقليد عنهما الا اذا لزم منه المخالفة العملية على رأيهما معا مثل ان يقلد المجتهد في جواز ترك السورة مع ان الاخر يرى وجوبها ويقلد الاخر في جواز الاكتفاء بالمرة في التسبيحات مع ان الاول يرى وجوب الثلاث، فهذه الصلاة الفاقدة للسورة والواجدة للتسبيحة الواحدة باطل برأي كل من المجتهدين فلايجوز الاكتفاء بها.
ثم ان وجوب تقليد الاعلم على القول به ثابت في ما اذا كان له فتوى، اما اذا لم يكن له فتوى اصلا فلا اشكال في جواز تقليد غير الاعلم وقيام السورة المتشرعة عليه. لكن الاشكال فيما اذا افتى الاعلم بلزوم الاحتياط في مسألة فهل يجوز تقليد غيره فيها بناء على القول بوجوب
تقليد الأعلم اولا؟ الظاهر عدم الجواز، فان الفتوى بلزوم الاحتياط ليس الا من جهة عدم وجود دليل صالح على خلاف الاحتياط بنظره، ولذا يرى فساد مستند فتوى غيره، لانه فحص عن جميع الادلة ولم ير دليلا على ذلك، ففي هذا المورد لايجوز الرجوع إلى غير الاعلم لبطلان فتواه بنظر الأعلم مثلا اذا فحص فحصا تاما عن الادلة المربوطة بتكليف المسافر اربعة فراسخ الغير الراجع ليومه فرأى عدم صلاحية الأدلة لوجوب القصر ولاالتمام فأفتى بالاحتياط بالجمع بين الصلاتين، فكيف يجوز للعامي ان يقلد غير الأعلم الذي يفتي بوجوب القصر حينئذ – على مبنى وجوب تقليد الأعلم –؟ نعم على ما اخترناه من عدم الوجوب يجوز في المقام ايضا كغيره.
الكلام في تقليد الميت
ويقع الكلام في ذلك في مقامين: (الأول) التقليد الابتدائي.
(الثاني) التقليد الاستمراري المعبر عنه بالبقاء على تقليد الميت.
اما المقام الأول: وهو التقليد الإبتدائي عن الميت، فالعامة ذهبوا بأجمعهم الىجوازه ولذا يقلدون عدة مخصوصة منهم. واما الخاصة فالأخباريون منهم ايضا على ذلك، والمحقق القمي –قدسسره – من الاصوليين ايضا من المجوزين، ولكن ذهاب الأخباريين والمحقق المذكور لايضر بدعوى الاجماع.
اما المحقق القمي –قدسسره – فلاحتمال ان تكون مبنى فتواه على الجواز نظره بتمامية مقدمات الانسداد، ولذا يفتي بجواز تقليد الميت عند حصول الظن. والمبنى والبناء المذكور لايصحان (اما) المبنى فلما تبين في محله من عدم تمامية مقدمات الانسداد فانه ثبتت حجية الظواهر بالنسبة إلى من قصد افهامه ومن لم يقصد، وايضا ثبتت حجية خبر الثقة، فباب العلمي مفتوح حينئذ فلاتصل النوبة إلى الامتثال الظني. (واما) البناء فحصول الظن بفتوى الميت ممنوع، ولاسيما اذا كان فتواه مخالفا لفتوى جماعة من العلماء.
واما الأخباريون فلأن مدركهم في ذلك مااستفادوا من التوقيع الشريف: واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا. من ان رجوع الجاهل إلى العالم من باب الأخذ بالرواية ولايشترط في الراوي الحياة قطعا. وهذا ايضا لايتم مبنى وبناء. (أما) المبنى فلان رجوع الجاهل إلى العالم ليس من باب الاخذ بالرواية بل من باب الاخذ بقول اهل الخبرة مع ان التوقيع ليس في مقام بيان ذلك واجنبي عن رجوع الجاهل إلى العالم، والتقليد ايضا ليس من هذا الباب كما مر بل التقليد
امر شرعي مدركه السيرة المتشرعة، ولم يثبت رجوعهم إلى الاموات في ذلك ان لم نقل ثبوت خلافه، وظاهر التوقيع ايضا هو الرجوع إلى الاحياء بتناسب الحكم والموضوع وان لم نستفد منه اعتبار الحياة في التقليد. (واما) البناء فلأن الاموات مختلفين في الفتوى فلا يجوز للعامي الاخذ بقولهم الا بأعمال المرجحات، والا فالعمل على طبق مايعالج به الروايات المتعارضة
والقواعد الاخرى من التساقط والتخيير، فان الرجوع إلى رواة الحديث لو كان من باب اخذ الرواية لابد وان يكون مطابقا لقواعد اخذ الرواية، ولا اظن بالأخباري القول بذلك بالنسبة إلى العامي، وهذا الاشكال وان لاينحصر بتقليد الميت بل يعم تقليد الأحياء ايضا على مبناهم، الا ان تعميم الاشكال لايدفع الاشكال، والمقصود انه لو كان التقليد من باب الأخذ بالرواية للزم على العامي اعمال قواعد الأخذ بالرواية ولايسعه ذلك ولايخرج عن كونه عاميا.
وأما سائر أدلة المجوزين فقد يقال ان مقتضى الاطلاقات عدم الفرق بين الحي والميت في جواز التقليد. ولكن على ما مر من ان المطلقات لاتدل على التقليد، ومع الدلالة لا تدل عليه مطلقا وليست في مقام بيان ما يعتبر في جواز التمسك بالاطلاق كونها بصدد بيانه.
ذكر سيدنا الاستاذ – مد ظله – ان ظاهر المطلقات اعتبار الحياة في المفتي، فان الاية الشريفة توجب الحذر عند انذار الفقيه القوم فتقوم الحجية بمقتضى الاية(١) بصدق هذا العنوان، ولايصدق هذا العنوان الا اذا كان الفقيه حيا. لا اقول باعتبار المقارنة بين الانذار والحذر، بل أقول بانه لابد في الحجية من صدق عنوان انذار الفقيه القوم، فان الفقيه قبل وجود القوم لايصدق هذا العنوان. واما الروايات ففي مثل الارجاع إلى الاشخاص الخاصة ليس اطلاق يؤخذ به. وفي بعضها الاخر اخذ عنوان العالم والعارف بالاحكام و الفقيه وغير ذلك موضوعا لجواز التقليد، وهذه العناوين ظاهرة في فعلية التلبس فلا يصدق الا على الحي، فلايصدق الرجوع إلى العالم الا ان يكون المفتي عالما حال الرجوع، والميت ليس بعالم حال الرجوع.
ولايمكن المساعدة على شيء مما ذكره في هذا المقام. أولا: انا نفرض
____________________
(١) التوبة: ١٢٢.
صدور الفتوى قبل تولد الشخص وبعد بلوغه إلى حد التكليف ان المفتي حي بعد لم يمت فيجوز لهذا الشخص العمل بذلك الفتوى مع ان اشكال صدق العنوان موجد فيه ايضا، فأي زمان أنذر الفقيه هذا الشخص؟ والجواب عن هذا هو الجواب عن اصل الاشكال.
وثانيا: لازم ما ذكره انه اذا انذر الفقيه شخصا وقبل الحذر مات الفقيه يجوز التقليد لصدق العنوان حينئذ، والمدعى عدم الجواز بحيث تشمل هذا المورد أيضا.
وثالثا: الآية في مقام بيان التحريض والترغيب إلى التفقه، والانذار والحذر بواسطة الانذار لا في مقام بيان انه يشترط في المنذر الحياة، فلا يمكن التمسك بها. هذا مع انه ذكرنا سابقا عدم دلالة الرواية على التقليد فكيف باطلاقها!!.
ورابعا: غاية ما يستفاد من الروايات انه لابد من الرجوع الى العالم حال الرأي بل عن بعض التعليلات الواردة في بعضها من انه يروي عني وغير ذلك يظهر انه لاموضوعية في المقام ابدا. والمدار صدق الرواية عن الامام، ولو بمعنى الفتوى. مع انه قد مر عدم كون الروايات في مقام جعل الحجية تأسيسا، بل انها ناظرة إلى بيان أمر في طولها، فلايمكن التمسك باطلاقها كما حقق في محله من عدم وجود شرائط التمسك بالاطلاق في هذا النحو من الدلالة، وقد سميناها تبعا لبعض اساتيذنا بالدلالة الاستلزامية.
وقد يقال بان السيرة العقلائية القائمة بالرجوع إلى الاعلم لا تفرق بين الحي والميت، فان المريض اذا علم بطبابة ابن سينا لمرضه مثلا لايرجع إلى الحي المخالف لذلك الميت الأدون منه في الفضيلة. ذكر سيدنا الاستاذ – مد ظله –: ان هذه السيرة وان كانت قائمة لايمكن انكارها، الا انه مضافا إلى ردع الشارع عنها ان فتاوى الاموات متعارضة ولاتشمل السيرة للفتاوى المعارضة.
أقول: (أولا) لا دليل في المقام يوجب ردع السيرة غير الاجماع المدعى، ولا أقل من احتمال كون مدركه ماذكرنا من الوجوه، فلايكون كاشفا عن قول المعصومعليهالسلام .
(وثانيا) المعارضة بين الفتاوى لاتنحصر في فتاوى الاموات بل المعارضة موجودة بين فتاوى الاحياء والاموات جميعا، فأي تدبير جرى في علاج المعارضة في الاحياء يجري في الاموات ايضا.
(وثالثا) لاينقضي تعجبي عما ذكره من ان السيرة غير شاملة لمورد التعارض، مع ان السيرة العقلائية القائمة على الرجوع إلى الاعلم على مبناه – مد ظله – انما هي في مورد المعارضة واختلاف الفتوى كما قاله هو ايضا. فتحصل انه لو كان دليل التقليد السيرة العقلائية لابد من القول بجواز تقليد الميت ولو ابتداء، الا ان يثبت ردع الشارع عنها. والذي يسهل الخطب ماذكرناه
من ان التقليد امر شرعي ولايكون مدركه السيرة العقلائية، ورجوع الجاهل إلى العالم في كل فن، بل الدليل عليه السيرة المتشرعة في كل شرع، وبناء المتدينين في كل دين على أخذ معالمهم من عالمهم المأمون على الدين والدنيا، وهذا لو لم نقل بانحصاره إلى الرجوع إلى الاحياء لايدل على جواز الرجوع إلى الاموات، فلا نحتاج إلى دليل الردع.
وقد يقال بان الاستصحاب يدل على جواز تقليد الميت بدعوى ان فتوى الميت كانت حجة في زمان حياة المجتهد فيستصحب بالنسبة إلى ما بعد الموت ايضا.
ذكر سيدنا الاستاذ – مد ظله – ان الاستصحاب وان كانت اركانه تامة ولم يكن فيه اشكال في نفسه الا ان المعارضة المذكورة بين فتاوى الاموات مانعة عن جريانها. مضافا إلى ان الاستصحاب في الشبهات الحكيمة غير جار، على ان الحجية الفعلية لفتوى الميت بالنسبة إلى العامي الموجود متيقن العدم حدوثا. والحجية التعليقية أي الانشائية التي مفاد القضية الحقيقية مشكوك الحدوث بالنسبة إلى هذا الشخص، فان القدر المتيقن من ذلك حجيته بالنسبة إلى الموجودين.
واما جعل الحجية بالنسبة إلى المعدومين فمشكوك الحدوث. فأركانه الاستصحاب غير تامة، وهذا نظير ما يقال في موارد استصحاب عدم النسخ، وان ادعى المحقق الاسترابادي –قدسسره – الاجماع على الجريان فيها فان الحجية الفعلية مقطوع العدم حدوثا، والحجية الشأنية مشكوك الحدوث بالنسبة الى هذا الشخص.
أقول: أما ما ذكره من ان المعارضة بين فتاوى الاموات مانعة عن جريان الاستصحاب ففيه ما مر من انه ليس اشكالا في جريان الاستصحاب غايته ترتيب حكم الاحياء علىالأموات بواسطة الاستصحاب، مضافا إلى امكان استصحاب حجية فتوى الاعلم منهم ان علم به، والا فعلى القول بالتخيير يستصحب التخييبر او يستصحب الحجية في الجميع، والنتيجة التخيير بعد ذلك، والا فلا اقل من سقوط حجية فتوى المجتهد الحي ايضا لو لم يكن اعلم من الأموات، والمقصود ان المعارضة بين الفتاوى لاتكون مانعة عن الاستصحاب.
واما ما ذكره من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فنوافقه – دام ظله – في المدعى لا في الدليل، فان عدم الجريان فيها ليس لأجل التعارض بين الاستصحاب فيها واستصحاب عدم الجعل كما قال، بل الوجه فيه تبدل الموضوع وتغاير القضية المتقنة والمشكوكة، والتفصيل في محله. واما ما ذكره من الاشكال فمدفوع بان الحجية المجعولة للامارة – ومنها فتوى
المجتهد – لاتكون الا أمرا واحدا وحكما فاردا نظير سائر الأحكام المجعولة قانونا، ولايكون فيها قسمان فعلية وشأنية، ولم تجعل الا لنفس الفتوى، وليست فيها أي نسبة حتى
يقال بالنسبة إلى هذا كذا وبالنسبة إلى ذاك كذا، بل انها مجعولة بنحو القانون لنفس الفتوى ولو كان قيدا كالحياة دخيلا فيها يدخل في موضوعها فتجعل الحجية لفتوى المجتهد الحي والا فالموضوع لايقيد بها.
وعلى هذا نشير إلى فتوى المجتهد في زمان حياته ونقول كانت حجية في ذلك الزمان قطعا سواء كان المجعول حجية فتوى المجتهد الحي او كان المجعول حجية فتوى المجتهد مطلقا، لانطباق كليهما عليها، والمفروض وقوع الشك بعد الموت فتتم الاركان وتستصحب حجيتها. هذا تمام الكلام في أدلة المجوزين.
وأما أدلة المانعية فوجوه:
الأول: دعوى الاجماع من علماء الشيعة، ومخالفة الأخباريين والمحقق القمي لايضر كما مر من احتمال المدرك، ولكن هذا الوجه لايمكن المساعدة عليه لانه يحتمل استناد المجمعين إلى الوجوه الاتية، فلايكون كاشفا عن قول المعصوم، على ان مخالفتهم وان يحتمل فيها الاستاد إلى ما ذكر سابقا، الا ان احتمال عدم ذلك كاف في عدم كون الاجماع كاشفا.
الثاني: الاطلاقات الدالة على جواز التقليد ظاهرة في اعتبار الحياة. وفيه ان الاطلاقات وان كان موضوعها الحي الا انها ليست في مقام الحصر، واعتبار الحياة في المفتي فبالنسبة إلى الميت من قبيل عدم الدليل على الجواز، لا الدليل على عدم جواز تقليده.
الثالث: انه ان اريد من جواز تقليد الميت جواز تقليد أي واحد منهم فهذا وان كان لا اشكال فيه ثبوتا. الا انه لا دليل عليه لعدم شمول الاطلاقات لجميع الاموات لمعارضة فتاواهم بل الحجية لجميعها امر غير معقول، والحجية التخييرية ليست مفاد الأدلة. وان اريد من ذلك جواز تقليد الأعلم بين الاحياء والاموات فينحصر في الواحد ولابد من مراجعة جيمع الناس لهذا الشخص، وهذا خلاف ضرورة الشيعة.
ولكن بطلان هذا الوجه غني عن البيان وان رضي به السيد الاستاذ – مد ظله – وقال: المهم هذا الوجه، فانه لاينحصر في الواجد بل يجوز ان يكون في عصر شخص أعلما وفي العصر المتأخر شخص اعلم منه وهكذا، مع انه لايرد الاشكال على القول بعدم وجوب تقليد الأعلم. وكيف
كان فهذا الوجه ايضا لايتم، والمهم ما مر من ان التقليد امر شرعي لادليل عليه الا السيرة المتشرعة، وبعض الاطلاقات التي لاتكون متكفلة لتأسيس الحجية على الفتوى بل كلها ارشاديات وفي طول الجعل. وهذا الدليل لو لم نقل باختصاصه بالاحياء فلا أقل من عدم وجود اطلاق له يشمل الأموات أيضا.
المقام الثاني: التقليد الاستمراري والبقاء على تقليد الميت، فقد يستدل على جوازه بالسيرة العقلائية بدعوى ان السيرة قائمة على رجوع االجاهل إلى العالم حيا كان او ميتا، ولم يردع عنها الشارع المقدس الا بالنسبة إلى التقليد الابتدائي. وجوابه يظهر مما سبق في المقام الأول، وبالاطلاقات وتقريبها، واعتراض السيد الاستاذ – مد ظله – عليها والجواب عنه.
ووجه عدم جواز التمسك بها يعلم ما سبق ايضا وبالاستصحاب، فان الفتوى كانت حجة في حق هذا العامي حال الحياة فيستصحب بعد وفاته، ولايرد على هذا التقريب مااشكل السيد الاستاذ – مد ظله – على جريان الاستصحاب في التقليد. فان الحجية كانت فعلية في حق العامي، ويستصحب الحجية الفعلية بعد الموت وان اجبنا عنه هناك ايضا، الا ان جريان هذا الاستصحاب موقوف على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الذي لانقول به، بل لو اريد به الاستصحاب في الحكم الجزئي فأيضا لانقول به، فان قضية هذه الفتوى كانت حجة وان كانت مسلمة وصادقة، الا ان حجيتها لاتكون بهذيته قطعا، بل حيث انه لاندري بموضوع الحجية في مقام الجعل سعة وضيقا نتردد في موضوع هذه القضية، وان المشار اليها في موضوعها هل فتوى المجتهد الحي او فتوى المجتهد مطلقا؟ فان الحكم المترتب على الموضوع ولو سمي بالحكم الجزئي مترتب على حيثية عنوان موضوعه لا امر اخر فتصبح القضية المتيقنة قضية منفصلة، والمفروض ان القضية المشكوكة قضية حملية، والا فلاشك في المنفصلة حتى في الزمان اللاحق، فتغايرت القضيتان فلا تجري الاستصحاب. هذا ومن هنا ظهر عدم امكان المساعدة لما افاده سيدنا الاستاذ المحقق – مد ظله – في هذا الباب من التمسك بالاستصحاب، فراجع كلامه الشريف.
فلم يبق الا الوجه الذي اخترناه وبنينا عليه في اصل التقليد وهو قيام السيرة المتشرعة على ذلك، فلو احرزنا ذلك في موارد البقاء على تقليد الميت، والا فيقع الاشكال فيه، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الفهرس
البحث في رسالات عشر ١
محمد حسن القديري ١
الكلام في صلاة الجماعة٣
تنبيه١٣
فروع ٣٤
تنبيه «١» ٤٣
تنبيه «٢» ٤٣
تنبيه «٣» ٤٤
تنبيهان ٥٨
الكلام في صلاة الجمعة٩٣
التقية١٧٠
الكلام في اللباس المشكوك كونه من اجزاء ما لا يؤكل لحمه١٩٣
الأدلة الاجتهادية٢٠١
الاصول العملية٢٠٦
الكلام في حديث الرفع ٢٢٤
الكلام في فروع العلم الاجمالي ٢٤١
بيان فروع العلم الاجمالي ٢٥٨
رسالة في اعتبار اتفاق الافق في اثبات رؤية الهلال ٢٩٢
رسالة في عدم حجية الخبر الواحد في الموضوعات ٣٠٠
رسالة في علاج الخبرين المتعارضين والجمع بين أخبار العلاج ٣١٩
رسالة في الاجتهاد والتقليد ٣٣٦
الكلام في الاجتهاد٣٣٩
الكلام في التخطئة والتصويب ٣٤٣
الكلام في الاجزاء وعدمه٣٤٤
التقليد ٣٤٦
الكلام في تقليد الأعلم٣٥٠
الكلام في تقليد الميت ٣٦٠
الفهرس ٣٦٦