المعالم الجديدة للأصول غاية الفكر
التجميع علم أصول الفقه
الکاتب السيد محمد باقر الصدر
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

المعالم الجديدة للأصول

غاية الفكر

تأليف:

آية العظمى الشهيد

السيّد محمّد باقر الصدرقدس‌سره


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


صدر، محمد باقر، ١٩٣١ - ١٩٧٩م. Sadr Muhammd Bagir

المعالم الجديدة للأصول / مؤلّف : محمد باقر الصدر ؛ إعداد وتحقيق لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر. قم : مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، ١٤٢١ ق. = ١٣٧٩.

٢٥٦، ١٤٤ ( تراث الشهيد الصدر : ٨) ISBN ٩٦٤-٥٨٦٠-٢٦-١عربى.

فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

كتاب حاضر بمناسبت برگزاري "المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره منتشر شده است.

كتابنامه:

١ - أصول فقه.ألف. كنگره بين المللى آيت الله العظمى شهيد صدرقدس‌سره گروه تحقيق.ب - پزوهشگاه علمى تخصص شهيد صدر. ج - عنوان : التشيع والإسلام.ه- عنوان.

٦م ٤ ص ٨ / ١٥٩ / ٢ BP

٣١٢ / ٢٩٧

كتابخانه ملّى إيران ١٥٤٢ - ٧٩ م

اسم الكتاب : المعالم الجديدة للأصول.[ وكتاب : ] غاية الفكر

المؤلّف : آية العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدرقدس‌سره

إعداد وتحقيق : لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره

الناشر : مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدرقدس‌سره

الطبعة المحقّقة في المؤتمر : الثانية

المطبعة : شريعت - قم

تاريخ الطبع : ١٤٢٥ ق.

الكميّة : ٣٠٠٠ نسخة

رقم الشابك : ٤ - ٠٢ - ٥٨٦٠ - ٩٦٤ : ISBN

جميع الحقوق محفوظة للناشر



بسم الله الرّحمن الرّحيم



كلمة المؤتمر :

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

منذ منتصف القرن العشرين، وبعد ليل طويل نشر أجنحته السوداء على سماء الأُمة الإسلامية لعدة قرون، فلفّها في ظلام حالك من التخلّف والانحطاط والجمود، بدأت بشائر الحياة الجديدة تلوح في أُفق الأمّة، وانطلق الكيان الإسلامي العملاق - الذي بات يرزح تحت قيود المستكبرين والظالمين مدى قرون - يستعيد قواه حتى انتصب حيّاً فاعلاً قويّاً شامخاً بانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران تحت قيادة الإمام الخمينيقدس‌سره يقضّ مضاجع المستكبرين، ويبدّد أحلام الطامعين والمستعمرين.

ولئن أضحت الأُمّة الإسلاميّة مدينة في حياتها الجديدة على مستوى التطبيق للإمام الخمينيقدس‌سره فهي بدون شك مدينة في حياتها الجديدة على المستوى الفكري والنظري للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره ، فقد كان المنظّر الرائد بلا منازع للنهضة الجديدة ؛ إذ استطاع من خلال كتاباته وأفكاره التي تميّزت بالجِدَة والإبداع من جهة، والعمق والشمول من جهة أخرى، أن يمهّد السبيل للأمّة ويشقّ لها الطريق نحو نهضة فكرية إسلاميّة شاملة، وسط ركام هائل من التيّارات الفكرية المستوردة التي تنافست في الهيمنة على مصادر القرار الفكري والثقافي في المجتمعات الإسلاميّة، وتزاحمت للسيطرة على عقول مفكّريها وقلوب أبنائها المثقّفين.

لقد استطاع الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدرقدس‌سره بكفاءةٍ عديمة النظير أن ينازل بفكره الإسلامي البديع عمالقة الحضارة الماديّة الحديثة ونوابغها الفكريّين، وأن يكشف للعقول المتحرّرة عن قيود التبعيّة الفكريّة والتقليد الأعمى ،


زيف الفكر الإلحادي، وخواء الحضارة الماديّة في أُسسها العقائدية ودعائمها النظريّة، وأن يثبت فاعليّة الفكر الإسلامي وقدرته العديمة النظير على حلّ مشاكل المجتمع الإنساني المعاصر، والاضطلاع بمهمّة إدارة الحياة الجديدة بما يضمن للبشريّة السعادة والعدل والخير والرفاه.

ثمّ إنّ الإبداع الفكري الذي حقّقته مدرسة الإمام الشهيد الصدر، لم ينحصر في إطار معيّن، فقد طال الفكر الإسلامي في مجاله العام، وفي مجالاته الاختصاصيّة الحديثة كالاقتصاد الإسلامي والفلسفة المقارنة والمنطق الجديد، وشمل الفكر الإسلامي الكلاسيكي أيضاً، كالفقه والأُصول والفلسفة والمنطق والكلام والتفسير والتاريخ، فأحدث في كل فرع من هذه الفروع ثورةً فكريّة نقلت البحث العلمي فيه إلى مرحلة جديدة متميّزة سواء في المنهج أو المضمون.

ورغم مضيّ عقدين على استشهاد الإمام الصدر، ما زالت مراكز العلم ومعاهد البحث والتحقيق تستلهم فكره وعلمه، وما زالت الساحة الفكريّة تشعر بأمسّ الحاجة إلى آثاره العلميّة وإبداعاته في مختلف مجالات البحث والتحقيق العلمي.

ومن هنا كان في طليعة أعمال المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر إحياء تراثه العلمي والفكري بشكل يتناسب مع شأن هذا التراث القيّم.

وتدور هذه المهمّة الخطيرة - مع وجود الكمّ الكبير من التراث المطبوع للشهيد الصدر - في محورين :

أحدهما : ترجمته إلى ما تيسّر من اللغات الحيّة بدقّة وأمانة عاليتين.

والآخر : إعادة تحقيقه للتوصّل إلى النصّ الأصلي للمؤلّف منزّهاً من الأخطاء التي وقعت فيه بأنواعها من التصرّف والتلاعب والسقط نتيجة كثرة الطبعات وعدم دقّة المتصدّين لها وأمانتهم، ثمّ طبعه من جديد بمواصفات راقية.

ونظراً إلى أنّ التركة الفكرية الزاخرة للسيّد الشهيد الصدرقدس‌سره شملت العلوم والاختصاصات المتنوّعة للمعارف الإسلاميّة وبمختلف المستويات الفكريّة، لذلك


أوكل المؤتمر العالمي للشهيد الصدر مهمّة التحقيق فيها إلى لجنة علمية تحت إشراف علماء متخصّصين في شتّى فروع الفكر الإسلامي من تلامذته وغيرهم، وقد وُفّقت اللجنة في عرض هذا التراث بمستوى رفيع من الاتقان والأمانة العلميّة، ولخّصت منهجيّة عملها بالخطوات التالية :

١ - مقابلة النسخ والطبعات المختلفة.

٢ - تصحيح الأخطاء السارية من الطبعات الأُولى أو المستجدة في الطبعات اللاحقة، ومعالجة موارد السقط والتصرّف.

٣ - تقطيع النصوص وتقويمها دون أدنى تغيير في الأُسلوب والمحتوى، أمّا الموارد النادرة التي تستدعي إضافة كلمة أو أكثر لاستقامة المعنى فيوضع المضاف بين معقوفتين.

٤ - تنظيم العناوين السابقة، وإضافة عناوين أخرى بين معقوفتين.

٥ - استخراج المصادر التي استند إليها السيّد الشهيد بتسجيل أقربها إلى مرامه وأكثرها مطابقة مع النصّ ؛ ذلك لأنّ المؤلّف يستخدم النقل بالمعنى - في عددٍ من كتبه وآثاره - معتمداً على ما اختزنته ذاكرته من معلومات أو على نوع من التلفيق بين مطالب عديدة في مواضع متفرّقة من المصدر المنقول عنه، وربّما يكون بعض المصادر مترجماً وله عدة ترجمات ؛ ولهذا تُعدّ هذه المرحلة من أشقّ المراحل.

٦ - إضافة بعض الملاحظات في الهامش للتنبيه على اختلاف النسخ أو تصحيح النصّ أو غير ذلك، وتُختم هوامش السيّد الشهيد بعبارة :( المؤلّف قدس‌سره ) تمييزاً لها عن هوامش التحقيق.

وكقاعدة عامّة - لها استثناءات في بعض المؤلّفات - يُحاول الابتعاد عن وضع الهوامش التي تتولّى عرض مطالب إضافيّة أو شرح وبيان فكرةٍ مّا أو تقييمها ودعمها بالأدلّة أو نقدها وردّها.


٧ - تزويد كلّ كتاب بفهرس موضوعاته، وإلحاق بعض المؤلّفات بثبت خاص لفهرس المصادر الواردة فيها.

وقد بسطت الجهود التحقيقيّة ذراعيها على كلّ ما أمكن العثور عليه من نتاجات هذا العالم الجليل، فشملت : كتبه، وما جاد به قلمه مقدمةً أو خاتمةً لكتب غيره ثم طُبع مستقلاًّ في مرحلة متأخرة، ومقالاته المنشورة في مجلاّت فكريّة وثقافيّة مختلفة، ومحاضراته ودروسه في موضوعات شتّى، وتعليقاته على بعض الكتب الفقهيّة، ونتاجاته المتفرّقة الأُخرى، ثمّ نُظّمت بطريقة فنيّة وأعيد طبعها في مجلّدات أنيقة متناسقة.

ونقدّم بين يدي القارئ كتابين من الكتب التي شملته الجهود التحقيقيّة المذكورة، وهما :

١ - ( المعالم الجديدة للأصول ) الذي ألّفه الإمام الشهيدقدس‌سره في سنة ١٣٨٥ الهجريّة كحلقةٍ أولى من سلسلة ( دروس تمهيديّة في علم الأصول ) وكان يقدّر وقتئذٍ ضرورة تكميل هذه الحلقة بحلقتين أخريين على غرارها ضمن هذه السلسلة لتكون بمجموعها كتباً دراسيّةً معدّةً لثلاث مراحل دراسيّة لعلم الأصول، ولكنّه لم يوفّق لذلك إلى حين مضيّ اثنتي عشرة سنة تقريباً من تأليفه لهذا الكتاب.

وفي عام ١٣٩٧ الهجري حالفه التوفيق الربّاني لاستئناف النظر في هذه الأُطروحة، وإدخال تعديلات أساسيّة فيها، وإكمالها وإخراجها في ثلاث حلقات تحت عنوان ( دروس في علم الأصول )، وهي السلسلة المعروفة اليوم ب- ( الحلقات ).

ولا يخفى أنّ كتاب ( المعالم الجديدة للأُصول ) وإن انتهى أمره - في التطوّر التكاملي المذكور - إلى الصياغة المطروحة في الحلقة الأُولى من حلقات ( دروس في علم الأُصول )، لكن قد بقي لهذا الكتاب بعض المميّزات الخاصّة به، من قبيل تميّزه بلغة عصريّة بعيدة عن التعقيدات اللفظيّة والمنويّة بدرجةٍ أعلى وأرفع ممّا التزم به المؤلّفقدس‌سره في كتاب الحلقات، وتميّزه - أيضاً - بالشرح والتفصيل وكثرة


الأمثلة التوضيحيّة لجملة من المطالب المندرجة فيه.

ومن المميّزات المهمّة لهذا الكتاب أيضاً اشتماله على فصل مهمّ جدّاً في دراسة وتحليل تأريخ علم الأصول لم يسبقه في ذلك غيره، وقد حذفه السيّد الشهيدرحمه‌الله في كتاب الحلقات حرصاً منه على الاحتفاظ بالطابع العلمي والدراسي للكتاب بالنحو المقبول في أوساط الحوزة العلميّة.

ولعلّه بهذه المميّزات وغيرها بقي الكتاب - بصورته السابقة - أكثر تناسباً وائتلافاً مع حاجة الأوساط العلميّة في الجامعات والمعاهد العلميّة غير الحوزويّة، بالإضافة إلى قيمته التأريخيّة المعبّرة عن النشاط العلمي للمؤلّف في ذلك العهد.

٢ -( غاية الفكر ) وهو كتاب علمي تخصّصي رفيع المستوى في علم الأصول، رتّبه المؤلّفقدس‌سره في عشرة أجزاء - كما جاء في مقدّمة الكتاب - ولم يطبع منه سوى هذا الجزء الذي هو الجزء الخامس منه، ولا يعرف مصير باقي الأجزاء، لذا فلم نستطع استخراج ما ورد في هذا الجزء من إحالاتٍ أو إرجاعات إلى الأجزاء الأُخرى ؛ لعدم توفّر تلك الأجزاء.

وهذا الكتاب على صغر حجمه يعبّر عن مستوى العمق الفكري الذي كان يتمتّع به الإمام الشهيد الصدرقدس‌سره وهو في ريعان الشباب ؛ فقد طبع هذا الجزء من الكتاب في سنة ١٣٧٤ الهجريّة، وصرّح المؤلّف في مقدّمته بأنّه بدأ بتأليف الكتاب قبل ثلاث سنوات تقريباً، وهو يساوي سنة ١٣٧١ الهجريّة، وبمقارنة هذا التأريخ مع تأريخ ولادته ( ١٣٥٣ ه- ) يعرف أنّ عمره الشريف عند شروعه بتأليف هذا الكتاب لم يكن يتجاوز ثماني عشرة سنة، ولا شكّ أنّ صدور مثل هذا الكتاب المشتمل على أعقد المطالب العلميّة الرفيعة في مجال هذا العلم على يد شابّ مراهق في مثل هذا العمر يعتبر رقماً قياسيّاً بين العلماء والمجتهدين في العصر الأخير.

ولا يخفى أنّ هذا الكتاب - رغم أنّه خالف المشهور في جملة من الآراء والنظريّات العلميّة - قد جرى فيه المؤلّفقدس‌سره على مسايرة الأصحاب ومجاراتهم في


بعض ما لا يتّفق معهم فيه من رأي، ظنّاً منه بأنّ التصريح بمخالفتهم في ذلك ممّا لا يمكن استيعابه في الوسط العلمي السائد وقتئذٍ، فبنى في محاوراته العلميّة مع المشهور على التسليم ببعض المباني السائدة بينهم وإن لم يتّفق معهم في ذلك منذ عهد تأليفه لهذا الكتاب، وقد صرّح بمخالفته لهم بعد ذلك في كتبه المتأخّرة.

فليس تسليمه لقاعدة قبح العقاب بلا بيان مثلاً في هذا الكتاب مع رفضه لها في كتبه الأخرى من أجل تبدّلٍ له في الرأي، بل إنّما هو من أجل ما ذكرناه من التزامهرحمه‌الله بمجاراة الأصحاب في بعض المباني في هذا الكتاب.

ولمّا كان الكتاب المذكور قد طبع في حياة المؤلّفقدس‌سره طبعة واحدة فحسب بالطريقة القديمة، فاقدةً للعناوين المناسبة للمواضيع العلميّة المطروحة فيه، وخاليةً عن الضوابط الفنّية الأُخرى المتداولة اليوم، لهذا اضطرّت لجنة التحقيق إلى بذل جهود خاصّة في تحقيق هذا الكتاب، ومن جملة ما صنعته فيه وضع العناوين المناسبة لمواضيع الكتاب بصورة كاملة من العناوين الرئيسيّة والفرعيّة، ولمّا كانت هذه العناوين كلّها جديدة وصادرة من قبل لجنة التحقيق لم تجد اللجنة حاجةً إلى وضعها بين المعقوفتين على خلاف ما حصل في باقي مؤلّفات الشهيد الصدر، حيث وضعت العناوين الجديدة فيها بين المعقوفتين.

ولا يفوتنا أن نشيد بالموقف النبيل لورثة السيّد الشهيد كافّة سيّما نجله البارّ ( سماحة الحجّة السيّد جعفر الصدر حفظه الله ) في دعم المؤتمر وإعطائهم الإذن الخاصّ في نشر وإحياء التراث العلمي للشهيد الصدرقدس‌سره .

وأخيراً نرى لزاماً علينا أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى اللجنة المشرفة على تحقيق تراث الإمام الشهيد، والعلماء والباحثين كافّة الذين ساهموا في إعداد هذا التراث وعرضه بالأسلوب العلمي اللائق، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يتقبّل جهدهم، وأن يمنّ عليهم وعلينا جميعاً بالأجر والثواب، إنّه سميع مجيب.

المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره

أمانة الهيئة العلميّة




كلمة المؤلِّف :

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمدٍ وآله المعصومين الطاهرين.

وبعد : فإنّي لم أضع هذا الكتاب ليعبِّر عن بحوث علم أصول الفقه كما تعالج في الدراسات الخاصّة، ولا ليبرهن على وجهات نظري في المسائل الأصولية بالصورة الكافية لإبرازها إبرازاً دقيقاً والاستدلال عليها ومقارنتها الواسعة بسائر الآراء والاتّجاهات القائمة في علم الأصول، كما هي الطريقة المتّبعة في الكتب التي تُصنَّف على مستوى الدراسات العالية وبحوث الخارج.

وإنّما الهدف الذي أتوخّاه من هذا الكتاب هو تقديم علم الأصول بصورةٍ بدائيةٍ ومبسَّطةٍ للمبتدِئين في دراسة هذا العلم، ولهذا راعيت في كلّ جوانب الكتاب أن يكون في مستوى هذا الهدف.

وقد حاولت إضافةً إلى ذلك أن أمكِّن الهواة الراغبين في معلوماتٍ عامّةٍ عن العلم من الحصول عليها في هذا الكتاب، ولأجل هذا لاحظت في درجة التوضيح ما يحقّق ذلك.

ويعبِّر هذا الكتاب عن حلقةٍ من حلقاتٍ ثلاثٍ تندرّج في عرض علم الأصول وتمهيده، وتشكِّل كلّ واحدةٍ منها دراسةً كاملةً لعلم الأصول وإن اختلفت في مستوى العرض والدرجة العلمية للبحث.


ففي هذه الحلقة تَوفَّرنا على إيجاد تصوّراتٍ علميةٍ عامّةٍ عن النظريات الأصولية، وتجنّبنا في الغالب الخوض في المناقشات والاحتجاج.

ويتهيّأ الطالب عند إكمال هذه الحلقة لدراسة تلك النظريات بصورةٍ تصديقيةٍ في الحلقة الثانية التي سوف نعمِّق فيها التصوّرات المعطاة في الحلقة الأولى مع بحثٍ تصديقيٍّ مجملٍ عن كلّ نظرية.

وأمّا الحلقة الثالثة فهي تعرض المستوى الثالث من الدروس التمهيدية لعلم الأصول، ويمارس فيها الطالب دراسة النظريات الأصولية في إطارٍ من الأقوال ووجهات النظر المتخالفة والأدلّة المتقابلة.

وأمّا الهيكل العامّ والتصميم المشترك الذي وضعتُه للحلقات الثلاث فله مبرّراته التي ترتبط بما أشرت إليه من الأهداف المتوخّاة من وضع هذه الحلقة وما يليها، كما سنتحدّث عنه في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

النجف الأشرف : ١٤ جمادي الثانية ١٣٨٥ ه-

محمد باقر الصدر


المعالم الجديدة للأصول القسم الأوّل

المدخل إلى علم الأُصول

تعريف علم الأصول.

جواز عمليّة الاستنباط.

الوسائل الرئيسيّة للإثبات في علم الأصول.

تأريخ علم الأصول.

مصادر الإلهام للفكر الأصولي.

الحكم الشرعي وتقسيمه.



تعريف علم الأصول

تمهيد :

بعد أن آمن الإنسان بالله والإسلام والشريعة، وعرف أنّه مسئول - بحكم كونه عبداً لله تعالى - عن امتثال أحكام الله تعالى يُصبح ملزَماً بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشريعة الإسلامية، ومدعوّاً بحكم عقله إلى بناء كلّ تصرّفاته الخاصّة علاقاته مع الأفراد الآخرين على أساسها، أي اتّخاذ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيّته للشريعة بوصفه عبداً للمشرِّع سبحانه الذي أنزل الشريعة على رسوله.

ولأجل هذا كان لزاماً على الإنسان أن يعيِّن الموقف العملي الذي تفرضه هذه التبعية عليه في كلّ شأنٍ من شؤون الحياة ويحدّده، فهل يفعل أو يترك ? وهل يتصرّف بهذه الطريقة أو بتلك ؟

ولو كانت أحكام الشريعة وأوامرها ونواهيها في كلّ الأحداث والوقائع واضحةً وضوحاً كاملاً بديهياً للجميع لكان تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة في كلّ واقعةٍ أمراً ميسوراً لكلّ أحد ؛ لأنّ كلّ إنسانٍ يعرف أنّ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة في الواجبات هو ( أن يفعل)، وفي المحرّمات هو ( أن يترك )، وفي المباحات هو ( أنّه بالخيار : إن شاء فعل وإن شاء ترك ).فلو


كانت الواجبات والمحرّمات وسائر الأحكام الشرعية محدّدةً ومعلومةً بصورةٍ عامةٍ وبدهية لكان الموقف العملي المحتّم على الإنسان بحكم تبعيته للشريعة واضحاً في كلّ واقعة، ولَما احتاج تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة إلى بحثٍ علميٍّ ودراسةٍ واسعة.

ولكنّ عوامل عديدةً - منها بُعدنا الزمني عن عصر التشريع - أدّت إلى عدم وضوح عددٍ كبيرٍ من أحكام الشريعة واكتنافها بالغموض.فنشأ نتيجةً لذلك غموض في الموقف العملي الذي تفرضه على الإنسان تبعيته تجاه الشريعة في كثيرٍ من الوقائع والأحداث ؛ لأنّ الإنسان إذا لم يعلم نوع الحكم الذي تقرِّره الشريعة في واقعةٍ مّا، أهو وجوب أو حرمة أو إباحة ؟ فسوف لن يعرف طبيعة الموقف العملي الذي يتحتّم عليه أن يتّخذه تجاه الشريعة في تلك الواقعة بحكم تبعيته للشريعة.

وعلى هذا الأساس كان من الضروري أن يوضَع علم يتولّى رفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كلّ واقعةٍ بإقامة الدليل على تعيين الموقف العملي الذي تفرضه على الإنسان تبعيته للشريعة وتحديده.

وهكذا كان، فقد أنشئ علم الفقه للقيام بهذه المهمّة، فهو يشتمل على تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً.والفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كلّ حدثٍ من أحداث الحياة وناحيةٍ من مناحيها، وهذا ما نطلق عليه في المصطلح العلمي اسم ( عملية استنباط الحكم الشرعي )، فاستنباط الحكم الشرعي في واقعةٍ معناه إقامة الدليل على تحديد الموقف العملي للإنسان تجاه الشريعة في تلك الواقعة، أي تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً.ونعني بالموقف العملي تجاه الشريعة : السلوك الذي يفرض على الإنسان بحكم تبعيته للشريعة أن يسلكه تجاهها ؛ لكي يفي


بحقّها ويكون تابعاً مخلصاً لها.

فعلم الفقه - إذن - هو : العلم بالدليل على تحديد الموقف العملي من الشريعة في كلِّ واقعة، والموقف العملي من الشريعة الذي يقيم علم الفقه الدليل على تحديده هو ( السلوك الذي تفرضه على الإنسان تبعيته للشريعة لكي يكون تابعاً مخلصاً لها وقائماً بحقّها )، وتحديد الموقف العملي بالدليل هو ما نعبِّر عنه ب-( عملية استنباط الحكم الشرعي ) .ولأجل هذا يمكن القول بأنّ علم الفقه هو علم استنباط الأحكام الشرعية، أو علم عملية الاستنباط بتعبيرٍ آخر.

وتحديد الموقف العملي بدليلٍ يزيل الغموض الذي يكتنف الموقف يتمّ في علم الفقه بأسلوبين:

أحدهما : الأسلوب غير المباشر، وهو تحديد الموقف العملي الذي تفرضه على الإنسان تبعيته للشريعة عن طريق اكتشاف نوع الحكم الشرعي الذي قرّرته الشريعة في الواقعة وإقامة الدليل عليه، فيزول الغموض عن الحكم الشرعي، وبالتالي يزول الغموض عن طبيعة الموقف العملي تجاه الشريعة.فنحن إذا أقمنا الدليل على أنّ الحكم الشرعي في واقعةٍ مّا هو الوجوب استطعنا أن نعرف ما هو الموقف الذي تحتِّم تبعيتنا للشريعة أن نقفه تجاهها، وهو ( أن نفعل ).

والأسلوب الآخر لتحديد الموقف العملي هو : الأسلوب المباشر الذي يقام فيه الدليل على تحديد الموقف العملي ؛ لا عن طريق اكتشاف الحكم الشرعي الثابت في الواقعة - كما في الأسلوب الأوّل - بل يقام الدليل على تحديد الموقف العملي مباشرةً، وذلك في حالة ما إذا عجزنا عن اكتشاف نوع الحكم الشرعي الثابت في الواقعة وإقامة الدليل على ذلك، فلم ندرِ ما هو نوع الحكم الذي جاءت به الشريعة ؟ أهو وجوب أو حرمة أو إباحة ؟ ففي هذه الحالة لا يمكن استعمال الأسلوب الأوّل ؛ لعدم توفّر الدليل على نوع الحكم الشرعي، بل يجب أن نلجأ إلى


أدلّةٍ تحدّد الموقف العملي بصورةٍ مباشرةٍ وتوجّهنا كيف نفعل ونتصرّف في هذه الحالة ؟ وأيّ موقفٍ عمليٍّ نتّخذ تجاه الحكم الشرعي المجهول الذي لم نتمكّن من اكتشافه ؟ وما هو السلوك الذي تحتّم تبعيتنا للشريعة أن نسلكه تجاهه لكي نقوم بحقّ التبعية ونكون تابعين مخلصين وغير مقصِّرين ؟

وفي كِلا الأسلوبين يمارس الفقيه في علم الفقه استنباط الحكم الشرعي، أي يحدّد بالدليل الموقف العملي تجاه الشريعة بصورةٍ غير مباشرةٍ أو مباشرة.

ويتّسع علم الفقه لعمليات استنباطٍ كثيرةٍ بقدر الوقائع والأحداث التي تزخر بها حياة الإنسان، فكلّ واقعةٍ لها عملية استنباطٍ لحكمها يمارس الفقيه فيها أحد ذينك الأسلوبين المتقدِّمين.

وعمليات الاستنباط تلك التي يشتمل عليها علم الفقه بالرغم من تعدّدها وتنوّعها تشترك في عناصر موحّدةٍ وقواعد عامةٍ تدخل فيها على تعدّدها وتنوّعها، ويتشكّل من مجموع تلك العناصر المشتركة الأساس العام لعملية الاستنباط.

وقد تطلّبت هذه العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وضع علمٍ خاصٍّ بها لدراستها وتحديدها وتهيئتها لعلم الفقه، فكان علم الأصول.

تعريف علم الأصول :

وعلى هذا الأساس نرى أن يُعرَّف علم الأصول بأنّه :( العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي ) .ولكي نستوعب هذا التعريف بفهمٍ يجب أن نعرف ما هي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ؟

ولنذكر لأجل ذلك نماذج بدائيةً من هذه العملية في صيغٍ مختصرة ؛ لكي نصل عن طريق دراسة هذه النماذج والمقارنة بينها إلى فكرة العناصر المشتركة


في عملية الاستنباط.

أفرضوا أنّ فقيهاً واجه هذه الأسئلة :

١ - هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء ؟

٢ - هل يجب على الشخص إذا ورث مالاً من أبيه أن يؤدّي خمسه ؟

٣ - هل تبطل الصلاة بالقهقهة في أثنائها ؟

وأراد الفقيه أن يجيب على هذه الأسئلة فإنّه سوف يجيب على السؤال الأول مثلاً : ( نعم، يحرم الارتماس على الصائم ).

ويستنبط الفقيه هذا الحكم الشرعي بالطريقة التالية : قد دلّت رواية يعقوب بن شعيب عن الإمام الصادقعليه‌السلام على حرمة الارتماس على الصائم، قد جاء فيها : أنّ الصادقعليه‌السلام قال : (لا يرتمس المحرِم في الماء ولا الصائم )(١) .والجملة بهذا التركيب تدلّ في العرف العام - أي لدى أبناء اللغة بصورةٍ عامةٍ - على الحرمة، وراوي النصّ يعقوب بن شعيب ثقة، والثقة وإن كان قد يخطئ أو يشذّ أحياناً، ولكنّ الشارع أمرنا بعدم اتّهام الثقة بالخطأ والشذوذ، واعتبر روايته دليلاً وأمرنا باتّباعها، دون أن نُعِير احتمال الخطأ أو الشذوذ بالاً.

والنتيجة هي : أنّ الارتماس حرام على الصائم، والمكلَّف ملزم بتركه في حالة الصوم بحكم تبعيته للشريعة.

ويجيب الفقيه على السؤال الثاني بالنفي، أي : لا يجب على الولد أن يدفع الخمسَ من تَرِكة أبيه ؛ لأنّ رواية علي بن مهزيار التي حدّد فيها الإمام الصادقعليه‌السلام نطاق الأموال التي يجب أداء الخمس منها ذكرت : أنّ الخمس ثابت في ( الميراث الذي لا يحتسب من غير أبٍ ولا ابن )(٢) .والعرف العامّ يفهم من

____________________

(١) وسائل الشيعة ١٢ : ٥٠٩، الباب ٥٨ من أبواب تروك الإحرام، الحديث ٤.

(٢) وسائل الشيعة ٩ : ٥٠٢، الباب ٨ من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث ٥.


هذه الجملة أنّ الشارع لم يجعل خمساً على الميراث الذي ينتقل من الأب إلى ابنه، والراوي وإن كان من المحتمل وقوعه في خطأٍ أو شذوذٍ بالرغم من وثاقته، ولكنّ الشارع أمرنا باتّباع روايات الثقات والتجاوز عن احتمال الخطأ والشذوذ، فالمكلّف إذن غير ملزمٍ بحكم تبعيته للشريعة بدفع خمس المال الذي يرثه من أبيه.

ويجيب الفقيه على السؤال الثالث بالإيجاب : ( القهقهة تبطل الصلاة ) ؛ بدليل رواية زُرارة عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : ( القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة )(١) .والعرف العام يفهم من النقض أنّ الصلاة إذا وقعت فيها القهقهة اعتبرت لغواً ووجب استئنافها، وهذا يعني بطلانها.ورواية زُرارة هي من تلك الروايات التي أمرنا الشارع باتّباعها وجعلها أدلّةً كاشفة، فيتحتّم على المصلِّي بحكم تبعيته للشريعة أن يعيد صلاته ؛ لأنّ ذلك هو الموقف العملي الذي تتطلّبه الشريعة منه.

وبملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة نجد أنّ الأحكام التي استنبطها الفقيه كانت من أبوابٍ شتّى، فالحكم الأول يرتبط بالصوم والصائم، والحكم الثاني يرتبط بالخمس والنظام المالي في الإسلام، والحكم الثالث يرتبط بالصلاة ويحدّد بعض حدودها.

كما نرى أيضاً أنّ الأدلّة التي استند إليها الفقيه مختلفة، فبالنسبة إلى الحكم الأول استند إلى رواية يعقوب بن شعيب، وبالنسبة إلى الحكم الثاني استند إلى رواية عليّ بن مهزيار، وبالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زُرارة.ولكلٍّ من الروايات الثلاث نصّها وتركيبها اللفظي الخاصّ الذي يجب أن يدرس بدقّةٍ

____________________

(١) وسائل الشيعة ٧ : ٢٥٠، الباب ٧ من أبواب قواطع الصلاة، الحديث الأوّل.


ويحدّد معناه، ولكن توجد في مقابل هذا التنوّع وهذه الاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه في عملية الاستنباط في المواقف الثلاثة جميعاً.

فمن تلك العناصر المشتركة الرجوع إلى العرف العام في فهم النصّ(١) ، فإنّ الفقيه اعتمد في فهمه للنصّ في كلّ موقفٍ على طريقة فهم العرف العام للنصّ، وذلك يعني أنّ العرف العام حجّة ومرجع في تعيين مدلول اللفظ.وهذا ما يطلق عليه في علم الأصول اسم :( حجية الظهور ) (٢) ، فحجّية الظهور إذن عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث.

وكذلك أيضاً يوجد عنصر مشترك آخر، وهو أمر الشارع باتّباع روايات الثقات ؛ لأنّ الفقيه في كلّ عمليةٍ من عمليات الاستنباط الثلاث كان يواجه نصّاً يرويه ثقة قد يحتمل فيه الخطأ والشذوذ ؛ لعدم كونه معصوماً، ولكنّه تجاوز هذا الاحتمال وأخرجه من حسابه استناداً إلى أمر الشارع باتّباع روايات الثقات، وهو ما نطلق عليه اسم : ( حجّية الخبر ).ومعنى هذا أنّ حجّية الخبر عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث، ولولا هذا العنصر المشترك لَما أمكن للفقيه أن يستنبط حرمة الارتماس في الموقف الأوّل، ولا عدم وجوب الخمس من رواية عليّ بن مهزيار في الموقف الثاني، ولا بطلان الصلاة بالقهقهة في الموقف الثالث.

____________________

(١) نريد بالنصّ هنا : الكلام المنقول عن المعصومعليه‌السلام ( المؤلّف قدس‌سره ).

(٢) الحجّية في مصطلح علم الأصول تعني : كون الدليل صالحاً لاحتجاج المولى به على العبد بقصد مؤاخذته إذا لم يعمل العبد به، ولاحتجاج العبد به على المولى بقصد التخلّص من العقاب إذا عمل به.فكلّ دليلٍ له هذه الصلاحية من كلتا الناحيتين يعتبر حجّةً في المصطلح الأصولي، وظهور كلام المولى من هذا القبيل، ولهذا يوصف بالحجّية( المؤلّف قدس‌سره ) .


وهكذا نستنتج : أنّ عمليات الاستنباط للأحكام في الفقه تشتمل على عناصر خاصّة، كما تشتمل على عناصر مشتركة، ونعني بالعناصر الخاصّة : تلك العناصر التي تتغيّر من مسألةٍ إلى مسألة، فرواية يعقوب بن شعيب عنصر خاصّ في عملية استنباط حرمة الارتماس ؛ لأنّها لم تدخل في عمليات الاستنباط الأخرى، بل دخل بدلاً عنها عناصر خاصّة أخرى، كرواية عليّ بن مهزيار ورواية زُرارة.

ونعني بالعناصر المشتركة : القواعد العامة التي تدخل في عمليات استنباط أحكامٍ عديدةٍ على مواضيع مختلفة، كعنصر حجّية الظهور، وعنصر حجّية الخبر.

وفي علم الأصول تُدرس العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي لا يقتصر ارتباطها على مسألةٍ فقهيةٍ خاصّةٍ بالذات.وفي علم الفقه تدرس العناصر الخاصّة بكلّ عمليةٍ من عمليات الاستنباط في المسألة التى ترتبط بتلك العملية.

وهكذا يترك للفقيه في كلّ مسألةٍ أن يفحص بدقّةٍ الروايات الخاصّة التي ترتبط بتلك المسألة ويدرس قيمة تلك الروايات، ويحاول فهم نصوصها وألفاظها على ضوء العرف العام.بينما يتناول الأصولي البحث عن حجّية العرف العام بالذات والبحث عن حجّية الخبر، ويطرح أسئلة ليجيب عليها، من هذا القبيل : هل العرف العام حجّة ؟ وما هو مدى النطاق الذي يجب الرجوع فيه إلى العرف العام ؟ وبأيِّ دليلٍ نثبت حجّية الخبر ؟ وما هي الشروط العامة في الخبر الذي منحه الشارع صفة الحجّية واعتبره دليلاً ؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تتّصل بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

وعلى هذا الضوء نستطيع أن نفهم التعريف الذي أعطيناه لعلم الأصول، إذ


قلنا : إنّ علم الأصول :( هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط ) ، أي أنّه علم يبحث عن العناصر التي تدخل في عمليات استنباطٍ متعدّدةٍ لأحكام مواضيع متنوعة، كحجّية الظهور العرفي وحجّية الخبر، العنصرين المشتركين اللذَين دخلا في استنباط أحكام الصوم والخمس والصلاة.

ولا يحدّد علم الأصول العناصر المشتركة فحسب، بل يحدّد أيضاً درجات استعمالها في عملية الاستنباط، والعلاقة القائمة بينها، كما سنرى في البحوث المقبلة - إن شاء الله تعالى -، وبهذا يضع للعملية الاستنباطية نظامها العامّ الكامل.

ونستخلص من ذلك : أنّ علم الأصول وعلم الفقه مرتبطان معاً باستنباط الحكم الشرعي، فعلم الفقه هو علم نفس عملية الاستنباط، وعلم الأصول علم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، والفقيه يمارس في علم الفقه عملية استنباط الحكم الشرعي بإضافة العناصر الخاصّة للعملية في البحث الفقهي إلى العناصر المشتركة التي يستمدّها من علم الأصول.والأصولي يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ويضعها في خدمة الفقيه.

موضوع علم الأصول :

لكلِّ علمٍ - عادةً - موضوع أساسي ترتكز جميع بحوثه عليه وتدور حوله، وتستهدف الكشف عمّا يرتبط بذلك الموضوع من خصائص وحالاتٍ وقوانين، فالفيزياء - مثلاً - موضوعها الطبيعة، وبحوث الفيزياء ترتبط كلّها بالطبيعة وتحاول الكشف عن حالتها وقوانينها العامة.والنحو موضوعه الكلمة ؛ لأنّه يبحث عن حالات إعرابها وبنائها ورفعها ونصبها، فما هو موضوع علم الأصول الذي يتوفّر هذا العلم على دراسته وتدور بحوثه حوله ؟


ونحن إذا لاحظنا التعريف الذي قدّمناه لعلم الأُصول استطعنا أن نعرف أنّ علم الأُصول يدرس في الحقيقة نفس عملية الاستنباط التي يمارسها الفقيه في علم الفقه، وتتعلّق بحوثه كلّها بتدقيق هذه العملية وإبراز ما فيها من عناصر مشتركة، وعلى هذا الأساس تكون عملية الاستنباط هي موضوع علم الأصول باعتباره علماً يدرس العناصر المشتركة التي تدخل في تلك العملية، من قبيل حجّية الظهور العرفي وحجّية الخبر.

علم الأصول منطق الفقه :

ولا بدّ أنّ معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا أن نستخدم علم المنطق كمثالٍ لعلم الأصول، فإنّ علم المنطق - كما تعلمون - يدرس في الحقيقة عملية التفكير مهما كان لونها ومجالها وحقلها العلمي، ويحدّد النظام العام الذي يجب أن تتّبعه عملية التفكير لكي يكون التفكير سليماً.مثلاً : يعلّمنا علم المنطق كيف يجب أن ننهج في الاستدلال بوصفه عملية تفكيرٍ لكي يكون الاستدلال صحيحاً ؟ كيف نستدلّ على أنّ سقراط فانٍ ؟ وكيف نستدلّ على أنّ نار الموقد الموضوع أمامي محرقة ؟ وكيف نستدلّ على أنّ مجموع زوايا المثلّث تساوي قائمتين ؟ وكيف نستدلّ على أنّ الخطّ الممتدّ بدون نهايةٍ مستحيل ؟ وكيف نستدلّ على أنّ الخسوف ينتج عن توسّط الأرض بين الشمس والقمر ؟

كلّ هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامة للاستدلال، كالقياس والاستقراء التي تطبّق في مختلف هذه الحقول من المعرفة، فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقاً، إذ يضع المناهج والعناصر العامة فيها.

وعلم الأصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية، غير أنّه يبحث عن نوعٍ خاصٍّ من عملية التفكير، أي عن عملية التفكير الفقهي في استنباط الأحكام ،


ويدرس العناصر المشتركة العامة التي يجب أن تستوعبها عملية الاستنباط، وتتكيّف وفقاً لها لكي يكون الاستنباط سليماً والفقيه موفّقاً في استنتاجه.فهو يعلّمنا : كيف يجب أن ننهج في استنباط الحكم الشرعي ؟ كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم ؟ كيف نستنبط الحكم باعتصام ماء الكرّ ؟ كيف نستنبط الحكم بوجوب صلاة العيد ؟ كيف نستنبط الحكم بحرمة تنجيس المسجد ؟ كيف نستنبط الحكم ببطلان البيع الصادر عن إكراه ؟ كلّ هذا يوضّحه علم الأصول بوضع المناهج العامة لعملية الاستنباط والكشف عن عناصرها المشتركة.

وعلى هذا الأساس قد نطلق على علم الأصول اسم ( منطق علم الفقه ) ؛ لأنّه يلعب بالنسبة إلى علم الفقه دوراً إيجابياً مماثلاً للدور الإيجابي الذي يؤدّيه علم المنطق للعلوم والفكر البشري بصورةٍ عامة، فهو على هذا الأساس( منطق علم الفقه ) ، أو ( منطق عملية الاستنباط) بتعبيرٍ آخر.

ونستخلص من ذلك كلّه : أنّ علم الفقه هو العلم بعملية الاستنباط، وعلم الأصول هو منطق تلك العملية الذي يبرز عناصرها المشتركة ونظامها العام الذي يجب على علم الفقه الاعتماد عليه.

أهمّية علم الأصول في عملية الاستنباط :

ولسنا بعد ذلك بحاجةٍ إلى التأكيد على أهمّية علم الأصول وخطورة دوره في عالم الاستنباط ؛ لأنّه ما دام يقدِّم لعملية الاستنباط عناصرها المشتركة يضع لها نظامها العام، فهو عصب الحياة في عملية الاستنباط والقوة الموجّهة، وبدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاماً متناثراً من النصوص والأدلّة دون أن يستطيع استخدامها والاستفادة منها في الاستنباط، كإنسانٍ يواجه أدوات النجارة


ويعطى منشاراً وفأساً وما إليهما من أدوات دون أن يملك أفكاراً عامةً عن عملية النجارة وطريقة استخدام تلك الأدوات.

وكما أنّ العناصر المشتركة في الاستنباط التي يدرسها علم الأصول ضرورية لعملية الاستنباط فكذلك العناصر الخاصّة التي تختلف من مسألةٍ إلى أخرى، كمفردات الآيات والروايات المتناثرة التي تشكِّل العناصر الخاصّة والمتغيّرة في علمية الاستنباط، فإنّها الجزء الضروريّ الآخر فيها الذي لا تتمّ العملية بدونه، ولا يكفي في إنجاحها مجرّد الاطّلاع على العناصر المشتركة التي يمثّلها علم الأصول واستيعابها.

ومن يحاول الاستنباط على أساس الاطّلاع الأصولي فحسب نظير من يملك معلوماتٍ نظرية عامة عن عملية النجارة ولا يوجد لديه فأس ولا منشار وما إليهما من أدوات النجارة، فكما يعجز هذا الشخص عن صنع سريرٍ خشبيٍّ - مثلاً - فكذلك يعجز الأصولي عن الاستنباط إذا لم يفحص بدقّةٍ العناصر الخاصّة المتغيّرة.

وهكذا نعرف أنّ العناصر المشتركة والعناصر الخاصّة قطبان مندمجان في عملية الاستنباط، ولا غنى للعملية عنهما معاً، ولهذا يتحتّم على المستنبط أن يدرس العناصر المشتركة ويحدّدها في علم الأصول، ثمّ يضيف إليها في بحوث علم الفقه العناصر الخاصّة لتكتمل لدية عملية الاستنباط التي يمارسها في علم الفقه.

الأصول والفقه يمثّلان النظرية والتطبيق :

ونخشى أن نكون قد أوحينا إليكم بتصوّرٍ خاطئ حين قلنا : إنّ المستنبط يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة ويحدّدها، ويتناول في بحوث علم


الفقه العناصر الخاصّة ليكمل بذلك عملية الاستنباط ؛ إذ قد يَتصوّر البعض أنّا إذا درسنا في علم الأصول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، وعرفنا - مثلاً - حجّية الخبر وحجّية الظهور العرفي وما إليهما من العناصر الأصولية، فلا يبقى علينا بعد ذلك أيّ جهدٍ علمي، إذ لا نحتاج ما دمنا نملك تلك العناصر إلاّ إلى مجرّد استخراج الروايات والنصوص من مواضعها، نظير مَن يستخرج تأريخ غزوة خبير أو روايات الهجرة من تأريخ السيرة النبوية، وبهذا يكون عمل الفقيه في علم الفقه مقتصراً على مجرّد التفتيش عن العناصر الخاصّة من الروايات والنصوص ؛ لكي تضاف إلى العناصر المشتركة ويستنبط منها الحكم الشرعي، وهو عمل سهل يسير بطبيعته لا يشتمل على جهدٍ علمي، ونتيجة ذلك أنّ الجهد العلمي الذي يبذله المجتهد في عملية الاستنباط يتمثّل في وضع العناصر المشتركة وتنظيمها ودراستها في علم الأصول، لا في جمع العناصر الخاصّة من النصوص والروايات وغيرها في علم الفقه.

ولكنّ هذا التصوّر خاطئ إلى درجةٍ كبيرة ؛ لأنّ المجتهد إذا درس العناصر المشتركة لعملية الاستنباط وحدّدها في علم الأصول لا يكتفي بعد ذلك بتجميعٍ أعمى للعناصر الخاصّة من كتب الأحاديث والروايات مثلاً، بل يبقى عليه أن يمارس في علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة ونظرياتها العامة على العناصر الخاصّة.والتطبيق مهمّة فكرية بطبيعتها تحتاج إلى درسٍ وتمحيص، ولا يغني الجهد العلمي المبذول أصولياً في دراسة العناصر المشتركة وتحديد نظرياتها العامة عن بذل جهدٍ جديدٍ في التطبيق.

ولا نستطيع الآن أن نضرب الأمثلة المتنوّعة لتوضيح دقّة التطبيق ؛ لأنّ فهم الأمثلة يتوقّف على اطّلاعٍ مسبقٍ على النظريات الأصولية العامة.ولهذا نكتفي بمثالٍ واحدٍ بسيط، فنفرض أنّ المجتهد آمن في علم الأصول بحجّية الظهور


العرفي بوصفه عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط، فهل يكفيه بعد هذا أن يضع إصبعه على رواية عليّ بن مهزيار التي حدّدت مجالات الخمس - مثلاً -، ليضيفها إلى العنصر المشترك ويستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس في ميراث الأب ؟ أَوَ ليس المجتهد بحاجةٍ إلى تدقيق مدلول النصّ في الرواية لمعرفة نوع مدلوله في العرف العام ودراسة كلّ ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفي من قرائن وأماراتٍ داخل إطار النصّ أو خارجه ؛ لكي يتمكّن بأمانةٍ من تطبيق العنصر المشترك القائل بحجّية الظهور العرفي ؟!

فهناك إذن بعد اكتشاف العنصر المشترك والإيمان بحجّية الظهور مشكلة تعيين نوع الظهور في النصّ ودراسة جميع ملابساته، حتّى إذا تأكّد المجتهد من تعيين الظهور في النصّ ودلالته على عدم وجوب الخمس في الميراث طبّق على النصّ النظرية العامة التي يقرّرها العنصر المشترك القائل بحجّية الظهور العرفي، واستنتج من ذلك أنّ الحكم الشرعي هو عدم وجوب الخمس.

وفي هذا الضوء نعرف أنّ البحث الفقهي عن العناصر الخاصّة في عملية الاستنباط ليس مجرّد عملية تجميع، بل هو مجال التطبيق للنظريات العامة التي تقرّرها العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، وتطبيق النظريات العامة له دائماً موهبته الخاصّة ودقّته، ومجرّد الدقّة في النظريات العامة لا يغني عن الدقة في تطبيقها.ألا ترون أنّ مَن يدرس بعمقٍ النظريات العامة في الطبّ يحتاج في مجال تطبيقها على حالةٍ مَرَضيةٍ إلى دقّةٍ وانتباهٍ كاملٍ وتفكيرٍ في تطبيق تلك النظريات على المريض الذي بين يديه ؟!

فالبحث الأصولي عن العناصر المشتركة وما تقرّره من نظرياتٍ عامة يشابه بحث العالم الطبيب عن النظريات العامة في الطبّ، ودراسة الفقيه للعناصر الخاصّة في مجال تطبيق تلك النظريات العامة من قبيل دراسة الطبيب لحالات المريض


في مجال تطبيق النظريات العامة في الطبّ عليه، وكما قد يحتاج الطبيب إلى قدرٍ كبيرٍ من الدقّة والجهد لكي يوفَّق لتطبيق تلك النظريات العامة على مريضه تطبيقاً صحيحاً يمكِّنه من شفائه، فكذلك الفقه بعد أن يخرج من دراسة علم الأصول بالعناصر المشتركة والنظريات العامة ويواجه مسألةً في نطاق البحث الفقهي من مسائل الخمس أو الصوم أو غيرهما فهو يحتاج أيضاً إلى دقّةٍ وتفكيرٍ في طريقة تطبيق تلك العناصر المشتركة على العناصر الخاصّة بالمسألة تطبيقاً صحيحاً.

وهكذا نعرف أنّ علم الأصول الذي يمثّل العناصر المشتركة هو( علم النظريات العامة ) ، وعلم الفقه الذي يشتمل على العناصر الخاصّة هو( علم تطبيق تلك النظريات في مجال العناصر الخاصّة ) ، ولكلٍّ منهما دقّته وجهده العلمي الخاصّ.

واستنباط الحكم الشرعي هو نتيجة مزج النظرية بالتطبيق، أي العناصر المشتركة بالعناصر الخاصّة، وعملية المزج هذه هي عملية الاستنباط، والدقّة في وضع النظريات العامة لا تغني عن الدقّة في تطبيقها خلال عملية الاستنباط.

وقد أشار الشهيد الثاني إلى أهمّية التطبيق الفقهي وما يتطلّبه من دقّة، إذ كتب في قواعده يقول : ( نعم، يشترط مع ذلك - أي مع وضع النظريات العامة - أن تكون له قوة يتمكّن بها من ردِّ الفروع إلى أصولها واستنباطها منها، وهذه هي العمدة في هذا الباب...وإنّما تلك القوّة بيد الله يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده، ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخلٌ عظيم في تحصيلها )(١) .

____________________

(١) هذه العبارة جاءت نصّاً في الروضة البهيّة ٣ : ٦٦، ولم نعثر عليها في كتابيه فوائد القواعد وتمهيد القواعد.


التفاعل بين الفكر الأصولي والفكر الفقهي :

عرفنا أنّ علم الأصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى علم الفقه، والعلاقة بينهما علاقة النظرية بالتطبيق ؛ لأنّ علم الأصول يمارس وضع النظريات العامة عن طريق تحديد العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، وعلم الفقه يمارس تطبيق تلك النظريات والعناصر المشتركة على العناصر الخاصّة التي تختلف من مسألةٍ إلى أخرى.

وهذا الترابط الوثيق بين علم الأصول وعلم الفقه يفسِّر لنا التفاعل المتبادل بين الذهنية الأصولية ومستوى البحث العلمي على صعيد النظريات من ناحية، وبين الذهنية الفقهية ومستوى البحث العلمي على صعيد التطبيق من ناحيةٍ أخرى ؛ لأنّ توسّع بحوث التطبيق يدفع بحوث النظرية خطوةً إلى الأمام ؛ لأنّه يثير أمامها مشاكل ويضطرّها إلى وضع النظريات العامة لحلولها.كما أنّ دقّة البحث في النظريات تنعكس على صعيد التطبيق، إذ كلّما كانت النظريات أدقَّ تطلّبت طريقة تطبيقها دقةً وعمقاً واستيعاباً أكبر.

وهذا التفاعل المتبادل بين الذهنيّتين والمستويين الفكريّين لعلم الأصول وعلم الفقه يؤكّده تأريخ العِلمين على طول الخطّ، وتكشف عنه بوضوح دراسة المراحل التي مرّ بها البحث الفقهي والبحث الأصولي في تأريخ العلم.فقد كان علم الأصول يتّسع ويُثري تدريجاً تبعاً لتوسّع البحث الفقهي ؛ لأنّ اتّساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة، فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة، وتتّخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الأصول.

كما أنّ تدقيق العناصر المشتركة في علم الأصول وتحديد حدودها بشكلٍ صارمٍ كان ينعكس على مجال التطبيق، إذ كلّما كانت النظريات العامة موضوعةً


في صيغٍ أكثر صرامةً وبدقّةٍ أكبر، كانت أكثر غموضاً وتطلّبت في مجال التطبيق التفاتاً أكبر وانتباهاً أكمل.

ولا نستطيع الآن - ونحن في الحلقة الأولى - أن نقدِّم النماذج من العِلمين على هذا التفاعل ؛ لأنّ الطالب لا يملك حتّى الآن خبرةً واسعةً ببحوث علم الأصول، ولكن يكفينا أن يعرف الطالب الآن أنّ التفاعل بين البحث الفقهي والبحث الأصولي هو مصداق لخطٍّ عريضٍ يعبِّر عن التفاعل المتبادل في كثيرٍ من الأحايين بين بحوث النظرية وبحوث تطبيقها.

أَوَ ليس ممارسة العالم الطبيب لتطبيق النظريات على مَرضاهُ في نطاقٍ واسعٍ يوحي إليه بمشاكل جديدةٍ باستمرار، فيتولّى بحث النظريات العامة العلمية في الطبّ حلّ تلك المشاكل، ويتعمّق تدريجاً وينعكس بالتالي على التطبيق ؟! إذ كلّما ازداد الرصيد النظري للطبيب أصبح التطبيق بالنسبة إليه عملاً واسعاً.وكلّنا نعلم أنّ طبيب الأمس كان يكتفي في مجال التطبيق بإحصاء نبض المريض فينتهي عمله في لحظات، بينما يظلّ طبيب اليوم يدرس حالة المريض في عمليةٍ معقّدةٍ واسعةِ النطاق.

ونفس ظاهرة التفاعل المتبادل بين الفكر الفقهي والفكر الأصولي - الذي يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى الفقه - نجدها بين الفكر العلمي إطلاقاً والفكر المنطقي العام الذي يدرس النظام الأساسي للتفكير البشري، إذ كلّما اتّسع نطاق المعرفة البشرية وتنوّعت مجالاتها تجدّدت مشاكل في مناهج الاستدلال والنظام العام للفكر، فيتولّى المنطق تذليل تلك المشاكل وتطوير نظرياته وتكميلها بالشكل الذي يحتفظ لنفسه بقوة التوجيه والتنظيم العليا للفكر البشري.

وعلى أيِّ حالٍ فإنّ فكرة التفاعل هذه - سواء كانت بين علم الفقه ومنطقه الخاصّ المتمثّل في الأصول، أو بين العلوم كلّها ومنطقها العام، أو بين بحث أيِّ


نظريةٍ وبحث تطبيقها - تحتاج إلى توضيحٍ وشرحٍ أوسع.ولا نستهدف الآن من الإشارة إلى الفكرة إلاّ أن ينفتح ذهن الطالب لها ولو على سبيل الإجمال.

نماذج من الأسئلة التي يجيب عليها علم الأصول :

ويحسن بنا أن نقدِّم قائمةً تشتمل على نماذج من الأسئلة التي يعتبر الجواب عليها من وظيفة علم الأصول ؛ لنجسِّد بذلك للطالب الذي لا يملك الآن خبرةً ببحوث هذا العلم أهمّية الدور الذي يلعبه علم الأصول في عملية الاستنباط :

١ - ما هو الدليل على حجّية خبر الثقة ؟

٢ - لماذا يجب أن نفسِّر النصّ الشرعي على ضوء العرف العام ؟

٣ - ماذا نصنع في مسألةٍ إذا لم نجد فيها دليلاً يكشف عن نوع الحكم الشرعي فيها ؟

٤ - ما هي قيمة الأكثرية في المسألة الفقهية ؟ وهل يكتسب الرأي طابعاً شرعياً ملزماً بالقبول إذا كان القائلون به أكثر عدداً ؟

٥ - كيف نتصرّف إذا واجهنا نصَّين لا يتّفق مدلول أحدهما مع مدلول الآخر ؟

٦ - ما هو الموقف إذا كنّا على يقينٍ بحكمٍ شرعيٍّ معيَّنٍ ثمّ شككنا في استمراره ؟

٧ - ما هي الألفاط التي تدلّ مباشرةً على الوجوب والإلزام ؟ وهل يعتبر منها فعل الأمر، من قبيل : ( اغتسل )، ( توضّأ )، ( صلِّ ) ؟

إلى عشراتٍ من الأسئلة التي يتولّى علم الأصول الجواب عليها، ويحدّد بذلك العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، ويملأ كلّ الثغرات التي يمكن أن تواجه الفقيه في عملية استنباطه للحكم الشرعي.


جواز عمليّة الاستنباط

في ضوء ما تقدّم عرفنا أنّ علم الأصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى عملية الاستنباط ؛ لأنّه يشتمل على عناصرها المشتركة، ويمدّها بقواعدها العامة ونظامها الشامل، ولهذا لا يتاح للشخص أن يمارس عملية الاستنباط بدون دراسة علم الأصول.

وما دام علم الأصول مرتبطاً بعملية الاستنباط هذا الارتباط الوثيق فيجب أن نعرف قبل كلّ شئٍ موقف الشريعة من هذه العملية، فهل سمح الشارع لأحدٍ بممارستها، أوْ لا ؟ فإن كان الشارع قد سمح بها فمن المعقول أن يوضع علم باسم ( علم الأصول ) لدارسة عناصرها المشتركة، وأمّا إذا كان الشارع قد حرّمها فيلغو الاستنباط، وبالتالي يلغو علم الأصول رأساً ؛ لأنّ هذا العلم إنّما وُضِع للتمكين من الاستنباط، فحيث لا استنباط لا توجد حاجة إلى علم الأصول ؛ لأنّه يفقد بذلك مبرّرات وجوده، فلا بدّ - إذن - أن تُدرس هذه النقطة بصورةٍ أساسية.

والحقيقة : أنّ هذه النقطة - أي مسألة جواز الاستنباط - حين تطرح للبحث بالصيغة التي طرحناها لا يبدو أنّها جديرة بالتأمّل والبحث العلمي ؛ لأنّنا حين نتساءل : هل يجوز لنا ممارسة عملية الاستنباط، أوْ لا ؟ يجيء الجواب على البداهة بالإيجاب ؛ لأنّ عملية الاستنباط هي - كما عرفنا سابقاً - عبارة عن ( تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً


استدلالياً )، ومن البديهي أنّ الإنسان بحكم تبعيته للشريعة ووجوب امتثال أحكامها عليه ملزم بتحديد موقفه العملي منها، ولمّا لم تكن أحكام الشريعة غالباً في البداهة والوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل فليس من المعقول أن يحرم على الناس جميعاً تحديد الموقف العملي تحديداً استدلالياً، ويحجر عليهم النظر في الأدلّة التي تحدّد موقفهم تجاه الشريعة، فعلمية الاستنباط إذن ليست جائزةٍ فحسب، بل من الضروري أن تمارس.وهذه الضرورة تنبع من واقع تبعية الإنسان للشريعة، والنزاع في ذلك على مستوى النزاع في البديهيات.

ولكن لسوء الحظ اتّفق لهذه النقطة أن اكتسبت صيغةً أخرى لا تخلو عن غموضٍ وتشويش، فأصبحت مثاراً للاختلاف نتيجةً لذلك الغموض والتشويش، فقد استخدمت كلمة( الاجتهاد) للتعبير عن عملية الاستنباط، وطرح السؤال هكذا : هل يجوز الاجتهاد في الشريعة، أوْ لا ؟ وحينما دخلت كلمة( الاجتهاد ) في السؤال - وهي كلمة مرّت بمصطلحاتٍ عديدةٍ في تأريخها - أدّت إلى إلقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث، ونتج عن ذلك أن تقدَّم جماعة من علمائنا المحدثين ليجيبوا على السؤال بالنفي، وبالتالي ليشجبوا علم الأصول كلّه ؛ لأنه إنّما يراد لأجل الاجتهاد، فإذا ألغي الاجتهاد لم تعدْ حاجة إلى علم الأصول.

وفي سبيل توضيح ذلك يجب أن نذكر التطوّر الذي مرّت به كلمة( الاجتهاد ) ؛ لكي نتبيّن كيف أنّ النزاع الذي وقع حول جواز عملية الاستنباط والضجّة التي أثيرت ضدّها لم يكن إلاّ نتيجة فهمٍ غير دقيقٍ للاصطلاح العلمي، وغفلة عن التطوّرات التي مرّت بها كلمة( الاجتهاد ) في تأريخ العلم.

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو ( بذل الوسع للقيام بعملٍ ما )، وقد استعملت هذه الكلمة - لأوّل مرّة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قرّرتها بعض مدراس الفقه السنّي وسارت على أساسها، وهي القاعدة القائلة : ( إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً ولم يجد نصاً يدلّ


عليه في الكتاب أو السنّة رجع إلى الاجتهاد بدلاً عن النصّ ).

والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي، فالفقيه حيث لا يجد النصّ يرجع إلى تفكيره الخاص ويستلهمه ويبني على ما يرجح في فكره الشخصي من تشريع، وقد يعبّر عنه بالرأي أيضاً.

والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلاً من أدلّة الفقيه ومصدراً من مصادره، فكما أنّ الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنّة ويستدل بهما، كذلك يستند في حالات عدم توفّر النصّ إلى الاجتهاد الشخصي ويستدلّ به.

وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السنّي، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة، ولقي في نفس الوقت معارضةٍ شديدةٍ منّ أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم، كما سنرى في البحث المقبل.

وتَتَبُّع كلمة( الاجتهاد ) يدلّ على أنّ الكلمة حملت هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمّة إلى القرن السابع، فالروايات المأثورة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام تذمّ الاجتهاد(١) ، وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتّخذ من التفكير الشخصي مصدراً من مصادر الحكم، وقد دخلت الحملة ضدّ هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمّة أيضاً والرواة الذين حملوا آثارهم، وكانت الحملة تستعمل كلمة( الاجتهاد ) غالباً للتعبير عن ذلك المبدأ وفقاً للمصطلح الذي جاء في الروايات، فقد صنّف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتاباً أسماه ( الاستفادة في الطعون على الأوائل والردّ على أصحاب الاجتهاد والقياس ) وصنّف هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني(٢) كتاباً في الموضوع باسم كتاب ( الردّ على من ردَّ آثار الرسول واعتمد على نتائج العقول )(٣) ، وصنّف، في عصر

____________________

(١) راجع : وسائل الشيعة ٢٧ : ٣٥، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي.

(٢) في المصدر : ( الدُّلفي ) بدلاً عن ( المدني ).

(٣) في المصدر : ( واعتمد نتائج العقول ) بدون كلمة ( على ).


الغيبة الصغرى أو قريباً منه، إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتاباً في الردّ على عيسى بن أبان في الاجتهاد، كما نصّ على ذلك كلّه النجاشي صاحب الرجال في ترجمة كلّ واحدٍ من هؤلاء(١) .

وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة، ونذكر له - على سبيل المثال - تعقيبه في كتابه على قصّة موسى والخضر، إذ كتب يقول : ( إنّ موسى مع كمال عقله وفضله ومحلّه من الله تعالى لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتّى اشتبه عليه وجه الأمر به ،... فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان مَن دونهم من الأُمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك...فإذا لم يصلح موسى للاختيار مع فضله ومحلّه فكيف تصلح الأمّة لاختيار الإمام ؟ وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة ؟ )(٢) .

وفي أواخر القرن الرابع يجيء الشيخ المفيد فيسير على نفس الخطّ ويهجم على الاجتهاد، وهو يعبّر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر، ويكتب كتاباً في ذلك باسم ( النقص على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي )(٣) .

ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس إذ كتب في الذريعة يذمّ الاجتهاد ويقول : ( إنّ الاجتهاد باطل، وإنّ الإمامية لا يجور عندهم العمل بالظنّ ولا الرأي ولا الاجتهاد )(٤) .وكتب في كتابه الفقهي

____________________-

(١) رجال النجاشي : ٣١، الرقم ٦٨ و ٢٢٠ الرقم ٥٧٥ و ٤٤٠ الرقم ١١٨٦.

(٢) علل الشرائع : ٦٢، الباب ٥٤، ذيل الحديث ١ و ٢ مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(٣) ذكره النجاشي في رجاله : ٤٠٢، الرقم ١٠٦٧.

(٤) الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٦٣٦ و ٦٤٦، ولم نقف على العبارة نصّاً، ونسب صدر هذه العبارة المحقّق الإصفهاني في هداية المسترشدين ( ص ٤٨٢، س ٨ ) إلى السيد المرتضىقدس‌سره .


( الانتصار ) - معرّضاً بابن الجنيد - قائلاً : ( إنّما عوّل ابن الجنيد في هذه المسألة على ضربٍ من الرأي والاجتهاد، وخطأه ظاهر )(١) .وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار : ( إنّا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به )(٢) .

واستمرّ هذا الاصطلاح في كلمة( الاجتهاد ) بعد ذلك أيضاً، فالشيخ الطوسي الذي توفّي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدّة قائلاً : ( أمّا القياس والاجتهاد فعندنا أنّهما ليسا بدليلين، بل محظور استعمالهما )(٣) .

وفي أواخر القرن السادس يستعرض ابن إدريس في مسألة تعارض البيّنتين من كتابه ( السرائر ) عدداً من المرجّحات لإحدى البيّنتين على الأخرى، ثمّ يعقّب ذلك قائلاً : ( ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطلٌ عندنا )(٤) .

وهكذا تدلّ هذه النصوص بتعاقبها التأريخي المتتابع على أنّ كلمة( الاجتهاد ) كانت تعبيراً عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدّم إلى أوائل القرن السابع، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لوناً مقيتاً وطابعاً من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الإمامية ؛ نتيجةً لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه.

ولكنّ كلمة( الاجتهاد ) تطوّرت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا، ولا يوجد لدينا الآن نصّ شيعي يعكس هذا التطوّر أقدم تأريخاً من كتاب المعارج للمحقّق

____________________

(١) الانتصار : ٤٨٨، المسألة ٢٧١.

(٢) لم نعثر على العبارة بعينها، وحكاها المحقّق الإصفهاني في هداية المسترشدين : ٤٨٢، راجع الانتصار : ١١٣، المسألة ١٤.

(٣) عدّة الأصول ١ : ٣٩.

(٤) السرائر ٢ : ١٧٠.


الحلّي المتوفّى سنة ( ٦٧٦ ه-)، إذ كتب المحقّق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول : ( وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع اجتهاداً ؛ لأنّها تبتني على اعتباراتٍ نظريةٍ ليست مستفادةً من ظواهر النصوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياساً أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.فإن قيل : يلزم على هذا أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد.قلنا : الأمر كذلك، لكن فيه إيهام من حيث أنّ القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس )(١) .

ويلاحظ على هذا النصّ بوضوحٍ أنّ كلمة( الاجتهاد ) كانت لا تزال في الذهنية الإمامية مثقلةً بتبعة المصطلح الأوّل، ولهذا يلمح النصّ إلى أنّ هناك مَن يتحرّج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمّى فقهاء الإمامية مجتهِدين.

ولكنّ المحقّق الحلّي لم يتحرّج عن اسم الاجتهاد بعد أن طوّره أو تطوّر في عرف الفقهاء تطويراً يتّفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي، إذ بينما كان الاجتهاد مصدراً للفقيه يصدر عنه ودليلاً يستدلّ به كما يصدر عن آيةٍ أو روايةٍ أصبح في المصطلح الجديد يعبّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلّته ومصادره، فلم يعدْ مصدراً من مصادر الاستنباط، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه.

والفرق بين المعنيين جوهريّ للغاية، إذ كان للفقيه على أساس المصطلح الأول للاجتهاد أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاصّ في حالة عدم توفّر النص، فإذا قيل له : ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا ؟ استدلّ بالاجتهاد، وقال : الدليل هو اجتهادي وتفكيري الخاصّ. وأمّا المصطلح الجديد فهو

____________________

(١) معارج الأصول : ١٧٩.


لا يسمح للفقيه أن يبرّر أيَّ حكمٍ من الأحكام بالاجتهاد ؛ لأنّ الاجتهاد بالمعني الثاني ليس مصدراً للحكم، بل هو عملية استنباط الأحكام من مصادرها، فإذا قال الفقيه : ( هذا اجتهادي ) كان معناه أنّ هذا هو ما استنبطه من المصادر والأدلّة، فمن حقّنا أن نسأله ونطلب منه أن يدلّنا على تلك المصادر والأدلّة التي استنبط الحكم منها.

وقد مرّ هذا المعني الجديد لكلمة( الاجتهاد ) بتطوّرٍ أيضاً، فقد حدّده المحقّق الحلّي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص، فكلّ عملية استنباطٍ لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمّى اجتهاداً دون ما يستند إلى تلك الظواهر.ولعلّ الدافع إلى هذا التحديد أنّ استنباط الحكم من ظاهر النصّ ليس فيه كثير جهدٍ أو عناء علمي ليسمّى اجتهاداً.

ثمّ اتّسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك، فأصبح يشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النصّ أيضاً ؛ لأنّ الأصوليّين بعد هذا لاحظوا - بحقٍّ - أنّ عملية استنباط الحكم من ظاهر النصّ تستبطن كثيراً من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجّية الظهور العرفي.ولم يقف توسّع الاجتهاد كمصطلحٍ عند هذا الحدّ، بل شمل في تطوّرٍ حديثٍ عملية الاستنباط بكلّ ألوانها، فدخلت في الاجتهاد كلّ عمليةٍ يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي، أو على تعيين الموقف العملي مباشرة.

وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط، وبالتالي أصبح علم الأصول العلم الضروري للاجتهاد ؛ لأنّه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

وهذه التطوّرات التي مرّت بها كلمة( الاجتهاد ) كمصطلح ترتبط بتطوّرات نفس الفكر العلمي إلى حدٍّ ما، وهذا ما قد يمكن توضيحه خلال دراستنا لتأريخ علم الأصول.


على هذا الضوء يمكننا أن نفسِّر موقف جماعةٍ من المحدّثين عارضوا الاجتهاد وبالتالي شجبوا علم الأصول، فإنّ هؤلاء استفزّتهم كلمة( الاجتهاد ) ؛ لِمَا تحمل من تراث المصطلح الأوّل الذي شنَّ أهل البيتعليهم‌السلام حملةً شديدةً عليه، فحرّموا الاجتهاد الذي حمل المجتهدون من فقهائنا رايته، واستدلّوا على ذلك بموقف الأئمّةعليهم‌السلام ومدرستهم الفقهية ضدّ الاجتهاد، وهم لا يعلمون أنّ ذلك الموقف كان ضدّ المعني الأول للاجتهاد، والفقهاء من الأصحاب قالوا بالمعني الثاني للكلمة.

وهكذا واجهت عملية الاستنباط هجوماً مريراً من هؤلاء باسم الهجوم على الاجتهاد، وتحمّلت التبعات التأريخية لهذه الكلمة، وبالتالي امتدّ الهجوم إلى علم الأصول لارتباطه بعملية الاستنباط والاجتهاد.

ونحن بعد أن ميَّزنا بين معنَيي الاجتهاد نستطيع أن نعيد إلى المسألة بداهتها، ونتبيّن بوضوحٍ أنّ جواز الاجتهاد بالمعنى المرادف لعملية الاستنباط من البديهيات.

وما دامت عملية استنباط الحكم الشرعي جائزةً بالبداهة فمن الضروري أن يحتفظ بعلم الأصول لدراسة العناصر المشتركة في هذا العملية.

ويبقى علينا - بعد أن أثبتنا جواز عملية الاستنباط في الإسلام - أن ندرس نقطتين :

إحداهما هي : أنّ الإسلام هل يسمح بهذه العملية في كلّ عصرٍ ولكلّ فرد، أو لا يسمح بها إلاّ لبعض الأفراد وفي بعض العصور ؟

والنقطة الأخرى هي : أنّ الإسلام كما يسمح للشخص أن يستنبط حكمه هل يسمح له باستنباط حكم غيره وإفتائه بذلك ؟ وسوف ندرس هاتين النقطتين في بعض الحلقات المقبلة التي أعددناها لمراحل أعلى من دراسة هذا العلم.


الوسائل الرئيسة للإثبات في علم الأصول

عرفنا أنّ عملية الاستنباط تتألّف من عناصر مشتركةٍ وعناصر خاصّة، وأنّ علم الأصول هو علم العناصر المشتركة في علمية الاستنباط ففيه تدرس هذه العناصر وتحدّد وتنظّم.

وما دام علم الأصول هو العلم الذي يتكفّل بدراسة تلك العناصر فمن الطبيعي أن يبرز هذا السؤال الأساسي : ما هي وسائل الإثبات التي يستخدمها علم الأصول لكي يثبت بها حجّية الخبر أو حجّية الظهور العرفي، أو غير ذلك من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ؟

ونظير هذا السؤال يواجهه كلّ علم، فبالنسبة إلى العلوم الطبيعية نسأل مثلاً : ما هي وسائل الإثبات التي تستخدمها هذه العلوم لاكتشاف قوانين الطبيعة وإثباتها ؟

والجواب هو : أنّ وسيلة الإثبات الرئيسية في العلوم الطبيعية هي التجربة.

وبالنسبة إلى علم النحو يسأل أيضاً : ما هي وسائل الإثبات التي يستخدمها النحوي لاكتشاف قوانين إعراب الكلمة وتحديد حالات رفعها ونصبها ؟

والجواب هو : أنّ الوسيلة الرئيسية للإثبات في علم النحو هي النقل عن


المصادر الأصليّة للّغة وكلمات أبنائها الأوّلين.

فلا بدّ لعلم الأصول - إذن - أن يواجه هذا السؤال، وأن يحدّد منذ البدء وسائل الإثبات التي ينبغي أن يستخدمها لإثبات العناصر المشتركة وتحديدها.

وفي هذا المجال نقول : إنّ الوسائل الرئيسية التي ينبغي لعلم الأصول أن يستخدمها مردّها إلى وسيلتين رئيسيّتين، وهما :

١ - البيان الشرعي ( الكتاب والسنّة ).

٢ - ( الإدراك العقلي. (

فلا تكتسب أيّ قضيةٍ طابع العنصر المشترك في عملية الاستنباط، ولا يجوز إسهامها في العملية إلاّ إذا أمكن إثباتها بإحدى هاتين الوسيلتين الرئيسيّتين، فإذا حاول الأصولي - مثلاً - أن يدرس حجّية الخبر لكي يدخله في عملية الاستباط - إذا كان حجّةً - يطرح على نفسه هذين السؤالين :

هل ندرك بعقولنا أنّ الخبر حجّة وملزِم بالاتّباع، أمْ لا ؟

وهل يوجد بيان شرعيّ يدلّ على حجّيته ؟

ويحاول الأصولي في بحثه الجواب على هذين السؤالين وفقاً للمستوى الذي يتمتّع به من الدقّة والانتباه، فإذا انتهى الباحث من دراسته إلى الإجابة بالنفي على كلا السؤالين، كان معنى ذلك أنّه لا يملك وسيلةً لإثبات حجّية الخبر، وبالتالي يستبعد الخبر عن نطاق الاستنباط.وأمّا إذا استطاع الباحث أن يجيب بالإيجاب على أحد السؤالين أدّى هذا إلى إثبات حجّية الخبر ودخولها في عملية الاستنباط بوصفها عنصراً أصولياً مشتركاً.

وسوف نرى خلال البحوث المقبلة أنّ عدداً من العناصر المشتركة قد تمّ إثباتها بالوسيلة الأولى - أي البيان الشرعي - وعدداً آخر ثبت بالوسيلة الثانية، أي الإدراك العقلي.فمن قبيل الأول : حجّية الخبر وحجّية الظهور العرفي، ومن


نماذج الثاني القانون القائل : ( إنّ الفعل لا يمكن أن يكون واجباً وحراماً في وقتٍ واحدٍ ).

وعلى ضوء ما تقدّم نعرف أنّ من الضروري - قبل البدء في بحوث علم الأصول لدراسة العناصر المشتركة - أن ندرس الوسائل الرئيسية التي ينبغي للعلم استخدامها في سبيل إثبات تلك العناصر، ونتكلّم عن حدودها ؛ لكي نستطيع بعد هذا أن نستخدمها وفقاً لتلك الحدود.


البيان الشرعي

البيان الشرعي : هو إحدى الوسيلتين الرئيسيّتين لإثبات العناصر التي تساهم في عملية الاستنباط.ونقصد بالبيان الشرعي ما يلي :

١ - الكتاب الكريم، وهو القرآن الذي أُنزل بمعناه ولفظه على سبيل الإعجاز وحياً على أشرف المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ - السُنّة، وهي كلّ بيانٍ صادرٍ من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو أحد الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، والبيان الصادر منهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

١ - البيان الإيجابي القولي، وهو الكلام الذي يتكلّم به المعصومعليه‌السلام .

٢ - البيان الإيجابي الفعلي، وهو الفعل الذي يصدر من المعصومعليه‌السلام .

٣ - البيان السلبي، وهو تقرير المعصومعليه‌السلام ، أي سكوته عن وضعٍ معيَّنٍ بنحوٍ يكشف عن رضاه بذلك الوضع وانسجامه مع الشريعة.

ويجب الأخذ بكلّ هذه الأنواع من البيان الشرعي، وإذا دلَّ شيء منها على عنصرٍ مشتركٍ من عناصر عملية الاستنباط ثبت ذك العنصر المشترك واكتسب طابعه الشرعي.

وفي هذا المجال توجد عدّة بحوثٍ نتركها للحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.


الإدراك العقلي

الإدراك العقلي : هو الوسيلة الرئيسية الثانية التي تستخدم في بحوث هذا العلم لإثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، إذ قد يكون العنصر المشترك في عملية الاستنباط ممّا ندركه بعقولنا دون حاجةٍ إلى بيانٍ شرعيٍّ لإثباته، من قبيل القانون القائل : ( إنّ الفعل لا يمكن أن يكون حراماً وواجباً في وقتٍ واحد )، فإنّنا لا نحتاج في إثبات هذا القانون إلى بيانٍ شرعيٍّ يشتمل على صيغةٍ للقانون من هذا القبيل، بل هو ثابت عن طريق العقل ؛ لأنّ العقل يدرك أنّ الوجوب والحرمة صفتان متضادّتان، وأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يشتمل على صفتين متضادّتين، فكما لا يمكن أن يتّصف الجسم بالحركة والسكون في وقتٍ واحدٍ كذلك لا يمكن أن يتّصف الفعل بالوجوب والحرمة معاً.

والإدراك العقلي له مصادر متعدّدة ودرجات مختلفة.

فمن ناحية المصادر ينقسم الإدراك العقلي إلى أقسام :

منها : الإدراك العقلي القائم على أساس الحسِّ والتجربة.ومثاله: إدراكنا أنّ الماء يغلي إذا بلغت درجة حرارته مئة، وأنّ وضعه على النار إلى مدّةٍ طويلة يؤدّي إلى غليانه.

ومنها : الإدراك العقلي القائم على أساس البداهة.ومثاله : إدراكنا جميعاً أنّ الواحد نصف الاثنين، وأنّ الضدّين لا يجتمعان، وأنّ الكلّ أكبر من الجزء.فإنّ هذه الحقائق بديهية ينساق إليها الذهن بطبيعته دون عناءٍ أو تأمّل.

ومنها : الإدراك القائم على أساس التأمّل النظري.ومثاله : إدراكنا أنّ المعلول يزول إذا زالت علّته، فإنّ هذه الحقيقة ليست بديهية، ولا ينساق إليها


الذهن بطبيعته، وإنّما ندرك بالتأمّل عن طريق البرهان والاستدلال.

ومن ناحية الدرجات ينقسم الإدراك العقلي إلى درجات :

فمنه الإدراك الكامل القطعي، وهو : أن ندرك بعقولنا حقيقةً من الحقائق إدراكاً لا نحتمل فيه الخطأ والاشتباه، كإدراكنا أنّ زوايا المثلّث تساوي قائمتين، وأنّ الضدّين لا يجتمعان، وأنّ الأرض كرويّة، وأنّ الماء يكتسب الحرارة من النار إذا وضع عليها.

ومن الإدراك العقلي ما يكون ناقصاً، والإدراك الناقص هو : اتّجاه العقل نحو ترجيح شيءٍ دون الجزم به لاحتمال الخطأ، كإدراكنا أنّ الجَوَاد الذي سبق في مناوراتٍ سابقةٍ سوف يسبق في المرّة القادمة أيضاً، وأنّ الدواء الذي نجح في علاج أمراضٍ معيَّنةٍ سوف ينجح في علاج أعراضٍ مَرَضيةٍ مشابهة، وأنّ الفعل المشابه للحرام في أكثر خصائصه يشاركه في الحرمة.

والسؤال الأساسي في هذا البحث : ما هي حدود العقل أو الإدراك العقلي الذي يقوم بدور الوسيلة الرئيسية لإثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ؟ فهل يمكن استخدام الإدراك العقلي كوسيلةٍ للإثبات مهما كان مصدره ومهما كانت درجته، أوْ لا يجوز استخدام الإدراك العقلي كوسيلةٍ للإثبات إلاّ ضمن حدودٍ معيَّنةٍ من ناحية المصدر أو الدرجة ؟

وقد اتّجه البحث حول هذه النقطة نحو معالجة الدرجة أكثر من اتّجاهه نحو معالجة المصدر، فاتّسعت الدراسات الأصولية التي تناولت حدود العقل من ناحية الدرجة، واختلفت الاتّجاهات حول مدى شمول العقل وحدوده - بوصفه وسيلة إثباتٍ رئيسية - فهل يشمل الإدراكات الناقصة التي تؤدّي إلى مجرّد الترجيح، أو يختصّ بالإدراك الكامل المنتج للجزم ؟

ولهذا البحث تأريخه الزاخر في علم الأصول وفي تأريخ الفكر الفقهي ،


كما سنرى.

الاتّجاهات المتعارضة في الإدراك العقلي :

وقد شهد تاريخ التفكير الفقهي اتّجاهين متعارضين في هذه النقطة كلّ التعارض، يدعو أحدهما إلى اتّخاذ العقل في نطاقه الواسع الذي يشمل الإدراكات الناقصة وسيلة رئيسية للإثبات في مختلف المجالات التي يمارسها الأصولي والفقيه.والآخر يشجب العقل ويجرّده إطلاقاً عن وصفه وسيلةً رئيسيةً للإثبات، ويَعتبرُ البيان الشرعي هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها في عمليات الاستنباط.

ويقف بين هذين الاتّجاهين المتطرِّفَين اتّجاه ثالث معتدل يتمثّل في جُلِّ فقهاء مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، وهو الاتّجاه الذي يؤمن - خلافاً للاتّجاه الثاني - بأنّ العقل أو الإدراك العقلي وسيلة رئيسية صالحة للإثبات إلى صفّ البيان الشرعي، ولكن لا في نطاقٍ منفتحٍ كما زعمه الاتّجاه الأوّل، بل ضمن النطاق الذي تتوفّر فيه للإنسان القناعة التامّة والإدراك الكامل الذي لا يوجد في مقابله احتمال الخطأ، فكلّ إدراكٍ عقليٍّ يدخل ضمن هذا النطاق ويستبطن الجزم الكامل فهو وسيلة إثبات، وأمّا الإدراك العقلي الناقص الذي يقوم على أساس الترجيح ولا يتوفّر فيه عنصر الجزم فلا يصلح وسيلة إثباتٍ لأيِّ عنصرٍ من عناصر عملية الاستنباط.

فالعقل في رأي الاتّجاه الثالث أداة صالحة للمعرفة، وجديرة بالاعتماد عليها والإثبات بها إذا أدّت إلى إدراك حقيقةٍ من الحقائق إدراكاً كاملاً لا يشوبه شكّ.فلا كفران بالعقل كأداةٍ للمعرفة، ولا إفراط في الاعتماد عليه فيما لا ينتج عنه إدراك كامل.


وقد تطلّب هذا الاتّجاه المعتدل الذي مثّله جُلّ فقهاء مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام أن يخوضوا المعركة في جبهتين :

إحداهما : المعركة ضدّ أنصار الاتّجاه الأوّل الذي كانت مدرسة الرأي في الفقه تتبنّاه بقيادة جماعةٍ من أقطاب علماء العامّة.

والأخرى : المعركة ضدّ حركةٍ داخليةٍ نشأت داخل صفوف الفقهاء الإماميّين ؛ متمثّلةٍ في المحدّثين والأخباريّين من علماء الشيعة الذين شجبوا العقل وادّعوا أنّ البيان الشرعي هو الوسيلة الوحيدة التي يجوز استخدامها للإثبات، وهكذا نعرف أنّ المعركة الأُولى كانت ضدّ استغلال العقل، والأُخرى كانت إلى صفّه.

١ - المعركة ضدّ استغلال العقل :

قامت منذ أواسط القرن الثاني مدرسة فقهية واسعة النطاق تحمل اسم مدرسة ( الرأي والاجتهاد ) بالمعنى الأوّل الذي تقدّم في البحث السابق، وتطالب باتّخاذ العقل بالمعنى الواسع الذي يشمل الترجيح والظنّ والتقدير الشخصي للموقف أداةً رئيسيةً للإثبات إلى صفّ البيان الشرعي، ومصدراً للفقيه في الاستنباط، وأطلقت عليه اسم( الاجتهاد ) .

وكان على رأس هذه المدرسة أو من روّادها الأوّلين أبو حنيفة المتوفّى سنة ( ١٥٠ ه- )، والمأثور عن رجالات هذه المدرسة أنّهم كانوا حيث لا يجدون بياناً شرعياً يدلّ على الحكم يدرسون المسألة على ضوء أذواقهم الخاصّة، وما يدركون من مناسبات، وما يتفتّق عنه تفكيرهم الخاصّ من مرجّحاتٍ لهذا التشريع على ذاك، ويفتون بما يتّفق مع ظنّهم وترجيحهم، ويسمّون ذلك(استحساناً ) أو( اجتهاداً ) .


والمعروف عن أبي حنيفة أنّه كان متفوّقاً في ممارسة هذا النوع من العمل الفقهي، فقد روي عن تلميذه محمّد بن الحسن : أنّ أبا حنيفة كان يناظر أصحابه فينتصفون منه ويعارضونه، حتى إذا قال : أستحسن لم يلحقه أحد(١) .وجاء في كلام له وهو يحدِّد نهجه العام في الاستنباط : (إنّي آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده أخذت بسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذت بقول أصحابه مَن شئت وأَدَع من شئت، ثمّ لا أخرج من قولهم إلى غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين فلي أن أجتهد كما اجتهدوا )(٢) .

والفكرة الأساسية التي دعت إلى قيام هذه المدرسة وتبنّي العقل المنفتِح بوصفه وسيلةً رئيسيةً للإثبات ومصدراً لاستنباط الحكم هي الفكرة الشائعة في صفوف تلك المدرسة التي كانت تقول :( إنّ البيان الشرعي المتمثّل في الكتاب والسنّة قاصر لا يشتمل إلاّ على أحكام قضايا محدودة، ولا يتّسع لتعيين الحكم الشرعي في كثيرٍ من القضايا والمسائل ) .

وقد ساعد على شيوع هذه الفكرة في صفوف فقهاء العامة اتّجاههم المذهبي السنّي، إذ كانوا يعتقدون أنّ البيان الشرعي يتمثّل في الكتاب والسنّة النبوية المأثورة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقط، ولمّا كان هذا لا يفي إلاّ بجزءٍ من حاجات الاستنباط، اتّجهوا إلى علاج الموقف وإشباع هذه الحاجات عن طريق تمطيط العقل والمناداة بمبدأ الاجتهاد.

وأمّا فقهاء الإمامية فقد كانوا على العكس من ذلك بحكم موقفهم المذهبي ؛

____________________

(١) مناقب الإمام الأعظم للموفّق المكّي ١ : ٨٢.

(٢) انظر : تأريخ بغداد ١٣ : ٣٦٨، تهذيب الكمال ٢٩ : ٤٤٣.


لأنّهم كانوا يؤمنون بأنّ البيان الشرعي لا يزال مستمرّاً باستمرار الأئمّةعليهم‌السلام ، فلم يوجد لديهم أيّ دافعٍ نفسيٍّ للتوسّع غير المشروع في نطاق العقل.

وعلى أيِّ حالٍ فقد شاعت فكرة عدم كفاية الكتاب والسنّة لإشباع حاجات الاستنباط، ولعبت دوراً خطيراً في عقلية كثيرٍ من فقهاء العامة، ووجّهتهم نحو الاتّجاه العقلي المتطرِّف.

وتطوّرت هذه الفكرة وتفاقم خطرها بالتدريج، إذ انتقلت الفكرة من اتّهام القرآن والسنّة - أي البيان الشرعي - بالنقص وعدم الدلالة على الحكم في كثيرٍ من القضايا إلى اتّهام نفس الشريعة بالنقص وعدم استيعابها لمختلف شؤون الحياة، فلم تعد المسألة مسألةَ نقصانٍ في البيان والتوضيح، بل في التشريع الإلهي بالذات.ودليلهم على النقص المزعوم في الشريعة هو : أنّها لم تُشرَّع لتبقى في ضمير الغيب محجوبةً عن المسلمين، وإنّما شُرِّعت وبُيِّنت عن طريق الكتاب والسنّة ؛ لكي يعمل بها وتصبح منهاجاً للأُمّة في حياتها، ولمّا كانت نصوص الكتاب والسنّة - في رأي العامة - لا تشتمل على أحكام كثيرٍ من القضايا والمسائل فيدلّ ذلك على نقص الشريعة، وأنّ الله لم يشرِّع في الإسلام إلاّ أحكاماً معدودة، وهي الأحكام التي جاء بيانها في الكتاب والسنّة، وترك التشريع في سائر المجالات الأُخرى إلى الناس أو إلى الفقهاء من الناس بتعبيرٍ أخصّ ؛ ليشرّعوا الأحكام على أساس الاجتهاد والاستحسان، على شرط أن لا يعارضوا في تشريعهم تلك الأحكام الشرعية المحدودة المشرّعة في الكتاب والسنّة النبوية.

وقد رأينا أنّ الاتّجاه العقلي المتطرّف كان نتيجةً لشيوع فكرة النقص وانعكاسها، وحين تطوّرت فكرة النقص من اتّهام البيان إلى اتّهام نفس الشريعة انعكس هذه التطوّر أيضاً على مجال الفكر السنّي، ونتج عنه القول بالتصويب الذي


وصل فيه ذلك الاتّجاه العقلي المتطرّف إلى قصارى مداه، ولتوضيح ذلك لا بدّ من إعطاء فكرةٍ عن القول بالتصويب.

القول بالتصويب :

بعد أن استباح فقهاء مدرسة الرأي والاجتهاد لأنفسهم أن يعملوا بالترجيحات والظنون والاستحسانات وفقاً للاتّجاه العقلي المتطرّف كان من الطبيعي أن تختلف الأحكام التي يتوصّلون إليها عن طريق الاجتهاد تبعاً لاختلاف أذواقهم وطرائق تفكيرهم ونوع المناسبات التي يهتمّون بها.فهذا يرجِّح في رأيه الحرمة ؛ لأنّ الفعل فيه ضرر.وذاك يرجّح الإباحة ؛ لأنّ في ذلك توسعة على العباد، وهكذا.

ومن هنا نشأ السؤال التالي : ما هو مدى حظّ المجتهدين المختلفين من إصابة الواقع ؟ فهل يعتبرون جميعاً مصيبين ما دام كلّ واحدٍ منهم قد عبّر عن اجتهاده الشخصي، أو أنّ المصيب واحد فقط والباقون مخطئون ؟

وقد شاع في صفوف مدرسة الرأي القول بأنّهم جميعاً مصيبون ؛ لأنّ الله ليس له حكم ثابت عامّ في مجالات الاجتهاد التي لا يتوفّر فيها النصّ، وإنّما يرتبط تعيين الحكم بتقدير المجتهد وما يؤدّي إليه رأيه واستحسانه، وهذا هو القول بالتصويب.

وفي هذا الضوء نتبيَّن بوضوحٍ ما ذكرناه آنفاً من أنّ القول بالتصويب يعكس تطوّر فكرة النقص وتحوّلها إلى اتّهامٍ مباشرٍ للشريعة بالنقص وعدم الشمول، الأمر الذي سوّغ لهؤلاء الفقهاء أن ينفوا وجود حكمٍ شرعيٍّ ثابتٍ في مجالات الاجتهاد ويصوّبوا المجتهدين المختلفين جميعاً.

وهكذا نعرف أنّ فكرة النقص في البيان الشرعي دفعت إلى الاتّجاه العقلي


المتطرّف تعويضاً عن النقص المزعوم في البيان الشرعي، وحينما تطوّرت فكرة النقص إلى اتّهام الشريعة نفسها بالنقصان وعدم الشمول أدّى ذلك إلى تمخّض الاتّجاه العقلي المتطرّف عن القول بالتصويب.

وهذا التطوّر في فكرة النقص - الذي أدّى إلى اتّهام الشريعة بالنقصان وتصويب المجتهدين المختلفين جميعاً - أحدث تغييراً كبيراً في مفهوم العقل أو الاجتهاد الذي يأخذ به أنصار الاتّجاه العقلي المتطرّف، فحتّى الآن كنّا نتحدّث عن العقل والإدراك العقلي بوصفه وسيلة إثبات، أي كاشفاً عن الحكم الشرعي كما يكشف عنه البيان في الكتاب أو السنّة، ولكنّ فكرة النقص في الشريعة التي قام على أساسها القول بالتصويب تجعل عمل الفقيه في مجالات الاجتهاد عملاً تشريعياً لا اكتشافياً، فالعقل بمعناه المنفتح أو الاجتهاد في مصطلح الاتّجاه العقلي المتطرّف لم يعدْ - على أساس فكرة النقص في الشريعة - كاشفاً عن الحكم الشرعي ؛ إذ لا يوجد حكم شرعي ثابت في مجالات الاجتهاد ليكشف عنه الاجتهاد، وإنّما هو أساس لتشريع الحكم من قبل المجتهد وفقاً لِمَا يؤدّي إليه رأيه.وهكذا يتحوّل الاجتهاد على ضوء القول بالتصويب إلى مصدر تشريع، ويصبح الفقيه متشرّعاً في مجالات الاجتهاد ومكتشفاً في مجالات النصّ.

ولسنا نريد الآن أن ندرس القول بالتصويب ونناقشه، وإنّما نستهدف الكشف عن خطورة الاتّجاه العقلي المتطرّف، وأهمّية المعركة التي خاضتها مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ضدّ هذا الاتّجاه، إذ لم تكن معركةً ضدّ اتّجاهٍ أصوليٍّ فحسب، بل هي في حقيقتها معركة للدفاع عن الشريعة وتأكيد كمالها واستيعابها وشمولها لمختلف مجالات الحياة، ولهذا استفاضت الأحاديث عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في عصر تلك المعركة تؤكّد اشتمال الشريعة على كلّ ما تحتاج إليه الإنسانية من أحكامٍ وتنظيمٍ في شتّى مناحي حياتها، وتؤكّد أيضاً وجود


البيان الشرعي الكافي لكلّ تلك الأحكام متمثّلاً في الكتاب والسنّة النبوية وأقوالهمعليهم‌السلام .وفي ما يلي نذكر جملةً من تلك الأحاديث عن أصول الكافي :

١ - عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : ( إنّ الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد ؛ حتّى لا يستطيع عبد أن يقول : لو كان هذا أُنزل في القرآن، إلاّ وقد أنزله الله فيه )(١) .

٢ - عنهعليه‌السلام أيضاً أنّه قال : ( ما من شيءٍ إلاّ وفيه كتاب أو سنّة )(٢) .

٣ - وعن الإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام أنّه قيل له : أكلّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه أو تقولون فيه ؟ قال : ( بل كلّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه )(٣) .

٤ - وفي حديثٍ عن الإمام الصادقعليه‌السلام يصف فيه الجامعة التي تضمّ أحكام الشريعة، فيقول : ( فيها كلّ حلالٍ وحرامٍ، وكلّ شيءٍ يحتاج إليه الناس حتّى الأرش في الخدش )(٤) .

ردّ الفعل المعاكس في النطاق السنّي :

ولا يعني خوض مدرسة أهل البيت معركةً حاميةً ضدّ الاتّجاه العقلي المتطرّف أنّ هذا الاتّجاه كان مقبولاً على الصعيد السنّي بصورةٍ عامة، وأنّ المعارضة كانت تتمثّل في الفقه الإمامي خاصّة، بل إنّ الاتّجاه العقلي المتطرّف قد لقي معارضةً في النطاق السنّي أيضاً، وكانت له ردود فعلٍ معاكسة في مختلف حقول الفكر.

____________________

(١) و (٢) الكافي ١ : ٥٩.

(٣) المصدر نفسه ١ : ٦٢.

(٤) المصدر نفسه ١ : ٢٣٨.


فعلى الصعيد الفقهي تمثّل ردّ الفعل في قيام المذهب الظاهري على يد داود ابن عليّ بن خلف الأصبهاني في أواسط القرن الثالث، إذ كان يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب والسنّة، والاقتصار على البيان الشرعي، ويشجب الرجوع إلى العقل.

وانعكس ردّ الفعل على البحوث العقائدية والكلامية متمثّلاً في الاتّجاه الأشعري الذي عطّل العقل وزعم أنّه ساقط بالمرّة عن إصدار الحكم حتى في المجال العقائدي.فبينما كان المقرّر عادةً بين العلماء : أنّ وجوب المعرفة بالله والشريعة ليس حكماً شرعياً، وإنّما هو حكم عقلي ؛ لأنّ الحكم الشرعي ليس له قوة دفعٍ وتأثير في حياة الإنسان إلاّ بعد أن يعرف الإنسان ربّه وشريعته، فيجب أن تكون القوة الدافعة إلى معرفة ذلك من نوعٍ آخر غير نوع الحكم الشرعي، أي أن تكون من نوع الحكم العقلي، أقول : بينما كان هذا هو المقرّر عادةً بين المتكلّمين خالف في ذلك الأشعري، إذ عزل العقل عن صلاحية إصدار أيِّ حكم، وأكّد أنّ وجوب المعرفة بالله حكم شرعي كوجوب الصوم والصلاة.

وامتدَّ ردّ الفعل إلى علم الأخلاق - وكان وقتئذٍ يعيش في كنف علم الكلام - فأنكر الأشاعرة قدرة العقل على تمييز الحُسن من الأفعال عن قبيحها حتّى في أوضح الأفعال حُسناً أو قبحاً، فالظلم والعدل لا يمكن للعقل أن يمِّيز بينهما، وإنّما صار الأوّل قبيحاً والثاني حسناً بالبيان الشرعي، ولو جاء البيان الشرعي يستحسن الظلم ويستقبح العدل لم يكن للعقل أيّ حقٍّ للاعتراض على ذلك.

وردود الفعل هذه كانت تشمل على نكسةٍ وخطرٍ كبيرٍ قد لا يقلّ عن الخطر الذي كان الاتّجاه العقلي المتطرّف يستنبطه ؛ لأنّها اتّجهت إلى القضاء على العقل بشكلٍ مطلق، وتجريده عن كثيرٍ من صلاحياته، وإيقاف النموّ العقلي في الذهنية الإسلامية بحجّة التعبّد بنصوص الشارع والحرص على الكتاب والسنّة.ولهذا


كانت تختلف اختلافاً جوهرياً عن موقف مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام التي كانت تحارب الاتّجاه العقلي المتطرّف، وتؤكّد في نفس الوقت أهمّية العقل وضرورة الاعتماد عليه في الحدود المشروعة، واعتباره ضمن تلك الحدود أداةً رئيسيةً للإثبات إلى صفّ البيان الشرعي، حتى جاء في نصوص أهل البيتعليهم‌السلام : ( أنّ لله على الناس حجّتين : حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول )(١) .

وهذا النصّ يقرّر - بوضوحٍ - وضع العقل إلى صفّ البيان الشرعي أداةً رئيسيةً للإثبات.

وهكذا جمعت مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام بين حماية الشريعة من فكرة النقص، وحماية العقل من مصادرة الجامدين.

وسوف نعود إلى الموضوع بصورةٍ عمليةٍ موسّعةٍ في الحلقات المقبلة.

٢ - المعركة إلى صفّ العقل :

وأمّا الاتّجاه الآخر المتطرّف في إنكار العقل وشجبه الذي وجد داخل نطاق الفكر الإمامي فقد تمثّل في جماعةٍ من علمائنا اتّخذوا اسم( الأخباريّين والمحدّثين ) ، وقاوموا دور العقل في مختلف الميادين، ودعوا إلى الاقتصار على البيان الشرعي فقط ؛ لأنّ العقل عرضة للخطأ، وتأريخ الفكر العقلي زاخر بالأخطاء، فلا يصلح لكي يستعمل أداةَ إثباتٍ في أيّ مجالٍ من المجالات الدينية.

وهؤلاء الأخباريون هم نفس تلك الجماعة التي شنّت حملةً ضدّ الاجتهاد ،

____________________

(١) وسائل الشيعة ١٥ : ٢٠٧، الباب ٨ من أبواب جهاد النفس، الحديث ٦.


كما أشرنا في البحث السابق.

ويرجع تأريخ هذا الاتّجاه إلى أوائل القرن الحادي عشر، فقد أعلنه ودعا إليه شخص كان يسكن وقتئذٍ في المدينة باسم( الميرزا محمّد أمين الاسترابادي ) المتوفّى سنة ( ١٠٢٣ ه- )، ووضع كتاباً أسماه( الفوائد المدنية ) بلور فيه هذا الاتّجاه وبرهن عليه ومَذْهَبَه، أي جعله مذهباً.

ويؤكّدالاسترابادي في هذا الكتاب أنّ العلوم البشرية على قسمين : أحدهما العلم الذي يستمدّ قضاياه من الحسّ، والآخر العلم الذي لا يقوم البحث فيه على أساس الحسّ، ولا يمكن إثبات نتائجه بالدليل الحسّي.

ويرىالمحدّث الاسترابادي أنّ من القسم الأوّل الرياضيات التي تستمدّ خيوطها الأساسية - في زعمه - من الحسّ، وأمّا القسم الثاني فيمثّل له ببحوث ما وراء الطبيعة التي تدرس قضايا بعيدةً عن متناول الحسّ وحدوده، من قبيل تجرّد الروح، وبقاء النفس بعد البدن، وحدوث العالم.

وفي عقيدة المحدّثالاسترابادي أنّ القسم الأوّل من العلوم البشرية هو وحده الجدير بالثقة ؛ لأنّه يعتمد على الحسّ، فالرياضيات - مثلاً - تعتمد في النهاية على قضايا في متناول الحسّ، نظير أنّ ( ٢ + ٢ = ٤ ).وأمّا القسم الثاني فلا قيمة له، ولا يمكن الوثوق بالعقل في النتائج التي يصل إليها في هذا القسم ؛ لانقطاع صلته بالحسّ(١) .

وهكذا يخرجالاسترابادي من تحليله للمعرفة بجعل الحسّ معياراً أساسيا لتمييز قيمة المعرفة ومدى إمكان الوثوق بها.

ونحن في هذا الضوء نلاحظ بوضوحٍ اتّجاهاً حسّياً في أفكار المحدّث

____________________

(١) انظر : الفوائد المدنية : ١٢٩.


الاسترابادي يميل به إلى المذهب الحسّي في نظرية المعرفة القائل : بأنّ الحسّ هو أساس المعرفة، ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخبارية في الفكر العلمي الإسلامي أحد المسارب التي تسرَّب منها الاتّجاه الحسّي إلى تراثنا الفكري.

وقد سبقت الأخبارية - بما تمثّل من اتّجاهٍ حسّيٍّ - التيار الفلسفي الحسّي الذي نشأ في الفلسفة الأوروبية على يد( جون لوك ) المتوفّى سنة ( ١٧٠٤ م )، و( دافيد هيوم ) المتوفّى سنة ( ١٧٧٦ م )، فقد كانت وفاة الاسترابادي قبل وفاة( جون لوك ) بمئة سنةٍ تقريباً، ونستطيع أن نعتبره معاصراً ل-( فرنسيس بيكون ) المتوفّى سنة ( ١٦٢٦ م )، الذي مهّد للتيار الحسّي في الفلسفة الأوروبية.

وعلى أيِّ حالٍ فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الأخبارية والمذاهب الحسّية والتجريبية في الفلسفة الأُوروبية، فقد شنّت جميعاً حملةً كبيرةً ضدّ العقل، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدّها من الحسّ.

وقد أدّت حركة المحدّث الاسترابادي ضدّ المعرفة العقلية المنفصلة عن الحسّ إلى نفس النتائج التي سجّلتها الفلسفات الحسّية في تأريخ الفكر الأُوروبي، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوّةً - بحكم اتّجاهها الخاطئ - إلى معارضة كلّ الأدلّة العقلية التي يستدلّ بها المؤمنون على وجود الله سبحانه ؛ لأنّها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس.

فنحن نجد مثلاً محدّثاً -كالسيّد نعمة الله الجزائري - يطعن في تلك الأدلّة بكلّ صراحةٍ وفقاً لاتّجاهه الأخباري، كما نقل عنه الفقيه الشيخيوسف البحراني في كتابهالدرر النجفية (١) ، ولكنّ ذلك لم يؤدِّ بالتفكير الأخباري إلى الإلحاد كما أدّى بالفلسفات الحسّية الأُوروبية ؛ لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على

____________________

(١) الدرر النجفية : ١٤٦.


نشوء كلٍّ منهما، فإنّ الاتّجاهات الحسّية والتجريبية في نظرية المعرفة قد تكوّنت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة وإبراز أهمّيتها، فكان لديها الاستعداد لنفي كلّ معرفةٍ عقلية منفصلةٍ عن الحسّ.

وأمّا الحركة الأخبارية فكانت ذات دوافعٍ دينية، وقد اتّهمت العقل لحساب الشرع، لا لحساب التجربة، فلم يكن من الممكن أن تؤدّي مقاومتها للعقل إلى إنكار الشريعة والدين.

ولهذا كانت الحركة الأخبارية تستبطن - في رأي كثيرٍ من ناقديها - تناقضاً ؛ لأنّها شجبت العقل من ناحيةٍ لكي تُخلِي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي، وظلّت من ناحيةٍ أُخرى متمسّكةً به لإثبات عقائدها الدينية ؛ لأنّ إثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي، بل يجب أن يكون عن طريق العقل.


تأريخ علم الأُصول

مولد علم الأُصول :

نشأ علم الأُصول في أحضان علم الفقه، كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث ؛ تبعاً للمراحل التي مرَّ بها علم الشريعة.

ونريد بعلم الشريعة : العلم الذي يحاول التعرّف على الأحكام التي جاء الإسلام بها من عند الله تعالى.فقد بدأ هذا العلم في صدر الإسلام متمثّلاً في الحملة التي قام بها عدد كبير من الرواة لحفظ الأحاديث الواردة في الأحكام وجمعها، ولهذا كان علم الشريعة في مرحلته الأولى قائماً على مستوى علم الحديث، وكان العمل الأساسي فيه يكاد أن يكون مقتصراً على جمع الروايات وحفظ النصوص.وأمّا طريقة فهم الحكم الشرعي من تلك النصوص والروايات فلم تكن ذات شأنٍ في تلك المرحلة ؛ لأنّها لم تكن تعدو الطريقة الساذجة التي يفهم بها الناس بعضهم كلام بعضٍ في المحاورات الاعتيادية.

وتعمّقت بالتدريج طريقة فهم الحكم الشرعي من النصوص، حتّى أصبح استخراج الحكم من مصادره الشرعية عملاً لا يخلو عن دقّة، ويتطلّب شيئاً من العمق والخبرة، فانصبّت الجهود وتوافرت لاكتساب تلك الدقّة التي أصبح فهم


الحكم الشرعي من النصّ واستنباطه من مصادره بحاجةٍ إليها، وبذلك نشأت بذور التفكير العلمي الفقهي وولد علم الفقه، وارتفع علم الشريعة من مستوى علم الحديث إلى مستوى الاستنباط والاستدلال العلمي الدقيق.

ومن خلال نموِّ علم الفقه والتفكير وإقبال علماء الشريعة على ممارسة عملية الاستنباط، وفهم الحكم الشرعي من النصوص بالدرجة التي أصبح الموقف يتطلّبها من الدقّة والعمق، أقول : من خلال ذلك أخذت الخيوط المشتركة( العناصر المشتركة ) في عملية الاستنباط تبدو وتتكشّف، وأخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون اشتراك عمليات الاستنباط في عناصر عامةٍ لا يمكن استخراج الحكم الشرعي بدونها، وكان ذلك إيذاناً بمولد التفكير الأُصولي وعلم الأصول، واتّجاه الذهنية الفقهية اتّجاهاً أُصولياً.

وهكذا ولد علم الأُصول في أحضان علم الفقه، فبينما كان الممارسون للعمل الفقهي قبل ذلك يستخدمون العناصر المشتركة في عملية الاستنباط دون وعيٍ كاملٍ بطبيعتها وحدودها وأهمّية دورها في العملية أصبحوا بعد تغلغل الاتّجاه الأُصولي في التفكير الفقهي يَعُونَ تلك العناصر المشتركة ويدرسون حدودها.

ولا نشكّ في أنّ بذرة التفكير الأُصولي وجدت لدى الفقهاء أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام منذ أيام الصادقَينعليهما‌السلام على مستوى تفكيرهم الفقهي، ومن الشواهد التأريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلةٍ ترتبط بجملةٍ من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وجَّهها عدد من الرواة إلى الإمام الصادقعليه‌السلام وغيره من الأئمّةعليهم‌السلام وتلقَّوا جوابها منهم(١) .فإنّ تلك الأسئلة

____________________

(١) فمن ذلك الروايات الواردة في علاج النصوص المتعارضة، وفي حجّية خبر الثقة، وفي =


تكشف عن وجود بذرة التفكير الأُصولي عندهم، واتّجاههم إلى وضع القواعد العامة وتحديد العناصر المشتركة.ويعزّز ذلك : أنّ بعض أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام ألّفوا رسائل في بعض المسائل الأُصولية، كهشام بن الحكم من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام الذي ألّف رسالةً في الألفاظ(١) .

وبالرغم من ذلك فإنّ فكرة العناصر المشتركة وأهمّية دورها في عمليات الاستنباط لم تكن بالوضوح والعمق الكافيَين في أوّل الأمر، وإنّما اتّضحت معالمها وتعمّقت بالتدريج خلال توسّع العمل الفقهي ونموّ عمليات الاستنباط، ولم تنفصل دراسة العناصر المشتركة بوصفها دراسةً عمليةً مستقلّةً عن البحوث الفقهية وتصبح قائمةً بنفسها إلاّ بعد مضيِّ زمنٍ منذ ولادة البذور الأولى للتفكير الأُصولي، فقد عاش البحث الأُصولي ردحاً من الزمن ممتزجاً بالبحث الفقهي غير مستقلٍّ عنه في التصنيف والتدريس، وكان الفكر الأُصولي خلال ذلك يثري ويزداد دوره وضوحاً وتحديداً، حتّى بلغ في ثرائه ووضوحه إلى الدرجة التي أتاحت له الانفصال عن علم الفقه.

ويبدو أنّ بحوث الأُصول حتّى حين وصلت إلى مستوىً يؤهِّلها للاستقلال بقيت تتذبذب بين علم الفقه وعلم أُصول الدين، حتّى أنّها كانت أحياناً تُخلَط

____________________

= أصالة البراءة، وفي جواز إعمال الرأي والاجتهاد...، وما إلى ذلك من قضايا.( المؤلّف قدس‌سره ).

وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٥، و ١١٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٩، و ١٧٣ - ١٧٤، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٦٧، و ١٤٨، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٣٦.

(١) راجع : رجال النجاشي : ٤٣٣، الرقم ١١٦٤.


ببحوثٍ في أُصول الدين والكلام، كما يشير إلى ذلكالسيّد المرتضى في كتابه الأُصولي( الذريعة ) ، إذ يقول : ( قد وجدت بعض من أفرد لأُصول الفقه كتاباً - وإن كان قد أصاب في سرد معانيه وأوضاعه ومبانيه - ولكنّه قد شرد عن أصول الفقه وأسلوبها وتعدّاها كثيراً وتخطّاها، فتكلّم على حدّ العلم والنظر، وكيف يولِّد النظر العلم ؟ ووجوب المسبّب عن السبب إلى غير ذلك من الكلام الذي هو محض صرف خالص الكلام في أُصول الدين دون أُصول الفقه ) (١) .

وهكذا نجد أنّ استقلال علم أُصول الفقه بوصفه علماً للعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي وانفصاله عن سائر العلوم الدينية من فقهٍ وكلامٍ لم ينجزْ إلاّ بعد أن اتّضحت أكثر فأكثر فكرة العناصر المشتركة لعملية الاستنباط وضرورة وضع نظامٍ عامٍّ لها، الأمر الذي ساعد على التمييز بين طبيعة البحث الأُصولي وبطبيعة البحوث الفقيهة والكلامية، وأدّى بالتالي إلى قيام علمٍ مستقلٍّ باسم ( علم أُصول الفقه ).

وبالرغم من تمكّن علم الأصول من الحصول على الاستقلال الكامل عن علم الكلام ( علم أُصول الدين ) فقد بقيت فيه رواسب فكرية يرجع تأريخها إلى عهد الخلط بينه وبين علم الكلام، وظلّت تلك الرواسب مصدراً للتشويش، فمن تلك الرواسب - على سبيل المثال - الفكرة القائلة بأنّ أخبار الآحاد ( وهي الروايات الظنّية التي لا يعلم صدقها ) لا يمكن الاستدلال بها في الأصول ؛ لأنّ الدليل في الأُصول يجب أن يكون قطعياً.

فإنّ مصدر هذه الفكرة هو علم الكلام، ففي هذا العلم قرّر العلماء أنّ أُصول الدين تحتاج إلى دليلٍ قطعي، فلا يمكن أن نثبت صفات الله والمعاد

____________________

(١) الذريعة إلى أُصول الشريعة ١ : ٢.


- مثلاً - بأخبار الآحاد، وقد أدّى الخلط بين علم أُصول الدين وعلم أُصول الفقه واشتراكهما في كلمة ( الأُصول ) إلى تعميم تلك الفكرة إلى أُصول الفقه، ولهذا نرى الكتب الأُصولية ظلّت إلى زمان المحقّق في القرن السابع تعترض على إثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط بخبر الواحد انطلاقاً من تلك الفكرة.

ونحن نجد في كتاب الذريعة لدى مناقشة الخلط بين أُصول الفقه وأُصول الدين تصوّراتٍ دقيقةً نسبياً ومحدّدةً عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، فقد كتب يقول : ( اعلم : أنّ الكلام في أُصول الفقه إنّما هو على الحقيقة كلام في أدلّة الفقه ...، ولا يلزم على ما ذكرناه أن تكون الأدلّة والطرق إلى أحكام وفروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أُصولاً ؛ لأنّ الكلام في أُصول الفقه إنّما هو كلام في كيفية دلالة ما يدلّ من هذه الأُصول على الأحكام على طريق الجملة دون التفصيل، وأدلّة الفقهاء إنّما هي على نفس المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل)(١) .

وهذا النصّ في مصدرٍ من أقدم المصادر الأُصولية في التراث الشيعي يحمل بوضوحٍ فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، ويسمّيها أدلّة الفقه على الإجمال، ويميِّز بين البحث الأُصولي والفقهي على أساس التمييز بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية، أي بين العناصر المشتركة والعناصر الخاصّة في تعبيرنا، وهذا يعني أنّ فكرة العناصر المشتركة كانت مختمرةً وقتئذٍ إلى درجةٍ كبيرة، والفكرة ذاتها نجدها بعد ذلك عند الشيخ الطوسي وابن زهرة(٢)

____________________

(١) الذريعة إلى أُصول الشريعة ١ : ٧.

(٢) الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : ٤٦١.


والمحقّق الحلّي(١) وغيرهم، فإنّهم جميعاً عرّفوا علم الأُصول بأنّه( علم أدلّة الفقه على وجه الإجمال) وحاولوا التعبير بذلك عن فكرة العناصر المشتركة.

ففي كتاب العدّة قال الشيخ الطوسي : ( أُصول الفقه هي أدلّة الفقه، فإذا تكلّمنا في هذه الأدلّة فقد نتكلّم فيما يقتضيه من إيجابٍ وندبٍ وإباحة، وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة، ولا يلزمنا عليها أن تكون الأدلّة الموصلة إلى فروع الفقه ؛ لأنّ هذه الأدلّة أدلّة على تعيين المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل )(٢) .

ومصطلح الإجمالية والتفصيلية يعبّر هنا عن العناصر المشتركة والعناصر الخاصّة.

ونستخلص ممّا تقدّم : أنّ ظهور علم الأُصول والانتباه العلمي إلى العناصر المشتركة في عملية الاستنباط كان يتوقّف على وصول عملية الاستنباط إلى درجةٍ من الدقّة والاتّساع وتفتّح الفكر الفقهي وتعمّقه، ولهذا لم يكن من المصادفة أن يتأخّر ظهور علم الأُصول تأريخياً عن ظهور علم الفقه والحديث، وأن ينشأ في أحضان هذا العلم بعد أن نَما التفكير الفقهي وترعرع بالدرجة التي سمحت بملاحظة العناصر المشتركة ودرسها بأساليب البحث العلمي، ولأجل ذلك كان من الطبيعي أيضاً أن تختمر فكرة العناصر المشتركة تدريجاً وتدقّ على مرّ الزمن ؛ حتّى تكتسب صيغتها الصارمة وحدودها الصحيحة ؛ وتتميّز عن بحوث الفقه وبحوث أصول الدين.

___________________

(١) معارج الأُصول : ٤٧.

(٢) عدّة الأُصول ١ : ٧.


الحاجةُ إلى علم الأصول تأريخيةٌ :

ولم يكن تأخّر علم الأصول تأريخياً عن ظهور علم الفقه والحديث ناتجاً عن ارتباط العقلية الأُصولية بمستوىً متقدّمٍ نسبياً من التفكير الفقهي فحسب، بل هناك سبب آخر له أهمّية كبيرة في هذا المجال، وهو : أنّ علم الأصول لم يوجد بوصفه لوناً من ألوان الترف الفكري، وإنّما وجد تعبيراً عن حاجةٍ ملحَّةٍ شديدةٍ لعملية الاستنباط التي تتطلّب من علم الأُصول تموينها بالعناصر المشتركة التي لا غنى لها عنها، ومعنى هذا : أنّ الحاجة إلى علم الأُصول تنبع من حاجة عملية الاستنباط إلى العناصر المشتركة التي تدرس في هذا العلم وتحدّد، وحاجة عملية الاستنباط إلى هذه العناصر الأُصولية هي في الواقع حاجة تأريخية، وليست حاجة مطلقة، أي أنّها حاجة توجد وتشتدّ بعد أن يبتعد الفقه عن عنصر النصوص، ولا توجد بتلك الدرجة في الفقه المعاصر لعصر النصوص.

ولكي تتّضح الفكرة لديك : اُفرض نفسك تعيش عصر النبوّة على مقربةٍ من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسمع منه الأحكام مباشرةً، وتفهم النصوص الصادرة منه بحكم وضوحها اللغوي ومعاصرتك لكلّ ظروفها وملابساتها، أَفكنت بحاجةٍ - لكي تفهم الحكم الشرعي - أن ترجع إلى عنصرٍ مشتركٍ أصوليٍّ كعنصر حجّية الخبر وأنت تسمع النصّ مباشرةً من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو ينقله لك أُناس تعرفهم مباشرةً ولا تشكّ في صدقهم ؟! أَوَ كنت في حاجةٍ إلى أن ترجع إلى عنصرٍ مشتركٍ أصولي كعنصر حجّية الظهور العرفي وأنت تدرك بسماعك للنصّ الصادر من النبيّ معناه الذي يريده إدراكاً واضحاً لا يشوبه شكّ في كثيرٍ من الأحيان بحكم اطّلاعك على جميع ملابسات النصّ وظروفه ؟! أَوَ كنت بحاجةٍ إلى التفكير في وضع قواعد لتفسير الكلام المجمل إذا صدر من النبيّ وأنت قادر على سؤاله والاستيضاح منه


بدلاً عن التكفير في تلك القواعد ؟!

وهذا يعني : أنّ الإنسان كلّما كان أقرب إلى عصر التشريع وأكثر امتزاجاً بالنصوص كان أقلّ حاجة إلى التفكير في القواعد العامة والعناصر المشتركة ؛ لأنّ استنباط الحكم الشرعي يتمّ عندئذٍ بطريقةٍ ميسّرةٍ دون أن يواجه الفقيه ثغراتٍ عديدةً ليفكِّر في ملئها عن طريق العناصر الأُصولية.وأمّا إذا ابتعد الفقيه عن عصر النصّ واضطرّ إلى الاعتماد على التأريخ والمؤرّخين والرواة والمحدّثين في نقل النصوص فسوف يواجه ثغراتٍ كبيرةً وفجواتٍ تضطرّه إلى التفكير في وضع القواعد لملئها، فهل صدر النصّ المرويّ من المعصوم حقيقةً أو كَذِبَ الراوي أو أخطأ في نقله ؟ وماذا يريد المعصوم بهذا النصّ ؟ هل يريد المعنى الذي أفهمه فعلاً من النصّ حين أقرأه أو معنى آخر كان له ما يوضّحه من الظروف والملابسات التي عاشها النصّ ولم نعِشْها معه ؟ وماذا يصنع الفقيه حيث يعجز عن الحصول على نصٍّ في المسألة ؟

وهكذا يصبح الإنسان بحاجةٍ إلى عنصرٍ كحجّية الخبر، أو حجّية الظهور العرفي، أو غيرهما من القواعد الأُصولية.

وهذا هو ما نقصده من القول بأنّ الحاجة إلى علم الأصول حاجة تأريخية ترتبط بمدى ابتعاد عملية الاستنباط عن عصر التشريع وانفصالها عن ظروف النصوص الشرعية وملابساتها ؛ لأنّ الفاصل الزمني عن ذلك الظرف هو الذي يخلق الثغرات والفجوات في عملية الاستنباط.وهذه الثغرات هي التي توجِد الحاجةَ الملحَّةَ إلى علم الأُصول والقواعد الأُصولية.

وارتباط الحاجة إلى علم الأُصول بتلك الثغرات ممّا أدركه الرُوّاد الأوائل لهذا العلم، فقد كتب السيد الجليلحمزة بن عليّ بن زهرة الحسيني الحلبي - المتوفّى سنة ٥٨٥ ه-في القسم الأول منكتابه الغنية يقول : ( لمّا كان الكلام في


فروع الفقه يبنى على أُصولٍ له وجب الابتداء بأُصوله ثمّ إتباعها بالفروع، وكان الكلام في الفروع من دون إحكام أصله لا يثمر، وقد كان بعض المخالفين سأل فقال : إذا كنتم لا تعملون في الشرعيات إلاّ بقول المعصوم فأيّ فقرٍ بكم إلى أُصول الفقه ؟ وكلامكم فيها كأنّه عبث لا فائدة فيه )(١) .

ففي هذا النصّ يربط ابن زهرة بين الحاجة إلى علم الأُصول والثغرات في عملية الاستنباط، إذ يجعل التزام الإمامية بالعمل بقول الإمامعليه‌السلام فحسب سبباً لاعتراض القائل بأنّهم ما داموا كذلك لا حاجة لهم بعلم الأُصول ؛ لأنّ استخراج الحكم إذا كان قائماً على أساس قول المعصوم مباشرةً فهو عمل ميسَّر لا يشتمل على الثغرات التي تتطلّب التفكير في وضع القواعد والعناصر الأُصولية لملئها.

ونجد في نصٍّللمحقّق السيّد محسن الأعرجي - المتوفّى سنة ( ١٢٢٧ ه- ) في كتابه الفقهي( وسائل الشيعة ) وعياً كاملاً لفكرة الحاجة التأريخية لعلم الأُصول، فقد تحدّث عن اختلاف القريب من عصر النصّ عن البعيد منه في الظروف والملابسات، وقال في جملة كلامه : ( أين مَن حَظِيَ بالقرب ممّن ابتلي بالبعد حتى يدّعى تساويهما في الغنى والفقر ؟! كلاّ إنّ بينهما ما بين السماء والأرض، فقد حدث بطول الغيبة وشدّة المحنة وعموم البليّة ما لولا الله وبركة آل الله لردّها جاهلية، فسدت اللغات، وتغيّرت الاصطلاحات، وذهبت قرائن الأحوال، وكثرت الأكاذيب، وعظمت التقية، واشتدّ التعارض بين الأدلّة، حتّى لا تكاد تعثر على حكمٍ يسلم منه، مع ما اشتملت عليه من دواعي الاختلاف، وليس هنا أحد يرجع إليه بسؤال.وكفاك مائزاً بين الفريقين قرائن الأحوال، وما يشاهد في المشافهة من الانبساط والانقباض ...، وهذا بخلاف من لم يصب

___________________

(١) الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : ٤٦١.


إلاّ أخباراً مختلفةً وأحاديث متعارضةً يحتاج فيها إلى العرض على الكتاب والسنّة المعلومة...، فإنّه لا بدّ من الإعداد والاستعداد والتدرّب في ذلك كي لا يزلّ، فإنّه إنّما يتناول من بين مشتبك القنا)(١) .

وفي هذا الضوء نعرف أنّ تأخّر علم الأُصول تأريخياً لم ينتج فقط عن ارتباطه بتطوّر الفكر الفقهي ونموّ الاستنباط، بل هو ناتج أيضاً عن طبيعة الحاجة إلى علم الأُصول فإنّها حاجة تأريخية توجد وتشتدّ تبعاً لمدى الابتعاد عن عصر النصوص.

التصنيف في علم الأُصول :

وعلى الضوء المتقدِّم الذي يقرّر أنّ الحاجة إلى علم الأُصول حاجة تأريخية نستطيع أن نفسِّر الفارق الزمني بين ازدهار علم الأُصول في نطاق التفكير الفقهي السنّي وازدهاره في نطاق تفكيرنا الفقهي الإمامي، فإنّ التأريخ يشير إلى أنّ علم الأُصول ترعرع وازدهر نسبياً في نطاق الفقه السنّي قبل ترعرعه وازدهاره في نطاقنا الفقهي الإمامي، حتّى أنّه يقال : إنّ علم الأُصول على الصعيد السنّي دخل في دور التصنيف في أواخر القرن الثاني، إذ ألّف في الأُصول كلّ من الشافعي(٢) - المتوفّى سنة ١٨٢(٣) ه- ومحمد بن الحسن الشيباني(٤) - المتوفّى

____________________

(١) وسائل الشيعة للأعرجي : ٤ من المقدّمة.

(٢) كالرسالة، وإبطال الاستحسان.

(٣) المذكور في ترجمته أنّه توفّي سنة ( ٢٠٤ ه- )، انظر تهذيب التهذيب ٩ : ٢٩، وفيات الأعيان ٤ : ١٦٥، تأريخ بغداد ٢ : ٧٠.

(٤) ككتاب الأصل.


سنة ١٨٩ ه - بينما قد لا نجد التصنيف الواسع في علم الأُصول على الصعيد الشيعي إلاّ في أعقاب الغيبة الصغرى - أي في مطلع القرن الرابع - بالرغم من وجود رسائل سابقةٍ لبعض أصحاب الأئمةعليهم‌السلام في مواضيع أصوليةٍ متفرّقة(١) .

وما دمنا قد عرفنا أنّ نموّ التفكير الأُصولي ينتج عن الحاجة إلى الأُصول في عالم الاستنباط، وأنّ هذه الحاجة تأريخية تتّسع وتشتدّ بقدر الابتعاد عن عصر النصوص فمن الطبيعي أن يوجد ذلك الفارق الزمني وأن يسبق التفكير الأُصولي السنّي إلى النموّ والاتّساع ؛ لأنّ المذهب السنّي كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحين اجتاز التفكير الفقهي السنّي القرن الثاني كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافةٍ زمنيةٍ كبيرةٍ تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات في عملية الاستنباط ؛ الأمر الذي يوحي بالحاجة الشديدة إلى وضع القواعد العامة الأُصولية لملئها.

وأمّا الإمامية فقد كانوا وقتئذٍ يعيشون عصر النصّ الشرعي ؛ لأنّ الإمامعليه‌السلام امتداد لوجود النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الإمامية في الاستنباط أقلَّ بكثيرٍ إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للإحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأُصول.

ولهذا نجد أنّ الإمامية بمجرّد أن انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجهٍ خاصٍّ تفتّحت ذهنيتهم الأُصولية وأقبلوا على

____________________

(١) ككتاب ( اختلاف الحديث ومسائله ) ليونس بن عبد الرحمن، وكتاب ( الخصوص والعموم ) و( إبطال القياس ) و (نقض اجتهاد الرأي ) لأبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي، راجع : تأسيس الشيعة : ٣١١.


درس العناصر المشتركة، وحقّقوا تقدّماً في هذا المجال على يد الروّاد النوابغ من فقهائنا، من قبيل الحسن بن عليّ بن أبي عقيل(١) ، ومحمّد بن أحمد ابن الجنيد الإسكافي(٢) في القرن الرابع.

ودخل علم الأُصول بسرعةٍ دور التصنيف والتأليف، فألّف الشيخمحمد بن النعمان الملقّببالمفيد - المتوفّى سنة ٤١٣ ه- كتاباً في الأُصول (٣) ، واصل فيه الخطّ الفكري الذي سار عليهابن أبي عقيل وابن الجنيد قبله، ونَقَدهما في جملةٍ من آرائهما.

وجاء بعده تلميذهالسيّد المرتضى (٤) - المتوفّى سنة ٤٣٦ ه- فواصل تنمية الخطّ الأُصولي، وأفرد لعلم الأُصول كتاباً موسّعاً نسبياً سمّاه( الذريعة ) ، وذكر في مقدّمته(٥) : أنّ هذا الكتاب منقطع النظير في إحاطته بالاتّجاهات الأُصولية التي تميِّز الإمامية باستيعابٍ وشمول.

ولم يكن السيّد المرتضى هو الوحيد من تلامذة المفيد الذين واصلوا تنمية هذا العلم الجديد والتصنيف فيه، بل صنَّف فيه أيضاً عدد آخر من تلامذة المفيد، منهمسلاّر بن عبد العزيز الديلمي - المتوفّى سنة ٤٣٦ ه- إذ كتب كتاباً باسم( التقريب في أصول الفقه ) (٦) .

____________________

(١) راجع أعيان الشيعة ٥ : ١٥٧ - ١٥٩.

(٢) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : ٣١٢.

(٣) نقل ذلك الخونساري في روضات الجنات ٦ : ١٥٤.

(٤) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : ٣١٢ - ٣١٣.

(٥) الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٥ مع اختلافٍ في اللفظ.

(٦) راجع أعيان الشيعة ٧ : ١٧٠.


ومنهم الشيخ الفقيه المجدِّدمحمد بن الحسن الطوسي - المتوفّى سنة ٤٦٠ ه- الذي انتهت إليه الزعامة الفقهية بعد أستاذيه الشيخالمفيد والسيّدالمرتضى ، فقد كتب كتاباً في الأُصول باسم( العدّة في الأُصول ) ، وانتقل علم الأُصول على يده إلى دورٍ جديدٍ من النضج الفكري، كما انتقل الفقه أيضاً إلى مستوىً أرفع من التفريع والتوسّع.

وكان يقوم في هذا العصر إلى صفّ البحث الأُصولي عمل واسع النطاق في جمع الأحاديث المنقولة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ودمج المجاميع الصغيرة في موسوعاتٍ كبيرة، فما انتهى ذلك العصر حتّى حصل الفكر العلمي الإمامي على مصادر أربعةٍ موسّعةٍ للحديث، وهي :الكافي لثقة الإسلاممحمد بن يعقوب الكُليني - المتوفّى سنة ٣٢٩ ه-ومن لا يحضره الفقيه للصدوق محمّد بن عليّ بن الحسين - المتوفّى سنة ٣٨١ ه-والتهذيب للشيخ الطوسي ألّفه في حياة الشيخ المفيد،والاستبصار له أيضاً.وتسمّى هذه الكتب في العرف الإمامي بالكتب الأربعة.

تطوّر علم النظرية وعلم التطبيق على يد الشيخ الطوسي :

لم تكن مساهمة الشيخ الطوسي في الأُصول مجرّد استمرار للخطّ وإنّما كانت تعبِّر عن تطورٍ جديدٍ كجزءٍ من تطورٍ شاملٍ في التفكير الفقهي والعلمي كلّه أُتيح لهذا الفقيه الرائد أن يحقّقه، فكان كتاب( العدّة ) تعبيراً عن الجانب الأُصولي من التطوّر، بينما كان كتاب( المبسوط ) في الفقه تعبيراً عن التطوّر العظيم في البحث الفقهي على صعيد التطبيق بالشكل الذي يوازي التطوّر الأُصولي على صعيد النظريات.

والفارق الكيفي بين اتّجاهات العلم التي انطلقت من هذا التطوّر الجديد


واتّجاهاته قبل ذلك، يسمح لنا باعتبار الشيخ الطوسي : حدّاً فاصلاً بين عصرين من عصور العلم ؛ بين العصر العلمي التمهيدي والعصر العلمي الكامل.فقد وضع هذا الشيخ الرائد حدّاً للعصر التمهيدي، وبدأ به عصر العلم الذي أصبح الفقه والأُصول فيه علماً له دقّته وصناعته وذهنيته العلمية الخاصّة.

ولعلّ أفضل طريقةٍ ممكنةٍ في حدود إمكانات هذه الحلقة لتوضيح التطوّر العظيم الذي أحرزه العلم على يد الشيخ الطوسي، أن نلاحظ نصَّين، كتب الشيخ أحدهما في مقدّمة كتاب(العدّة) ، وكتب الآخر في مقدّمة كتاب( المبسوط ) .

أمّا في كتاب( العدّة ) فقد كتب في مقدِّمته يقول : ( سألتم - أيدكم الله - إملاء مختصرٍ في أُصول الفقه يحيط بجميع أبوابه على سبيل الإيجاز والاختصار على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجبه أُصولنا، فإنّ من صنَّف في هذا الباب سلك كلّ قومٍ منهم المسلك الذي اقتضاه أُصولهم، ولم يعهد من أصحابنا لأحدٍ في هذا المعنى إلاّ ما ذكره شيخنا أبو عبد اللهرحمه‌الله في( المختصر ) الذي له في أُصول الفقه ولم يستقصِه، وشذّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها وتحريرات غير ما حرّرها، وإنّ سيّدنا الأَجَلّ المرتضى - أدام الله علوّه - وإن أكثر في أماليه وما يقرأ عليه شرح ذلك فلم يصنِّف في هذا المعنى شيئاً يرجع إليه ويجعل ظهراً يستند إليه، وقلتم : إنّ هذا فنّ من العلم لا بدّ من شدّة الاهتمام به ؛ لأنّ الشريعة كلّها مبنيّة عليه، ولا يتمّ العلم بشيءٍ منها دون إحكام أُصولها، ومن لم يُحكِم أُصولَها فإنّما يكون حاكياً ومعتاداً، ولا يكون عالماً )(١) .

وهذا النصّ من الشيخ الطوسي يعكس مدى أهمّية العمل الأُصولي الذي

____________________

(١) عدّة الأُصول ١ : ٣ - ٤.


أنجزهقدس‌سره في كتاب( العدّة ) وطابعه التأسيسي في هذا المجال، وما حقّقه من وضع النظريات الأُصولية ضمن الإطار المذهبي العام للإمامية.

ويعزّز هذا النصّ من الناحية التأريخية أوّلية الشيخ المفيد في التصنيف الأُصولي على الصعيد الشيعي، كما أنّه يدلّ على أنّ الشيخ الطوسي كتب كتاب( العدّة ) أو بدأ به في حياة السيّد المرتضى، إذ دعا له بالبقاء.ولعلّه لأجل ذلك لم يكن يعرف وقتئذٍ شيئاً عن كتاب الذريعة للمرتضى، إذ نفى وجود كتابٍ له في علم الأُصول.وهذا يعني أنّ الطوسي بدأ بكتابه قبل أن يكتب المرتضى الذريعة، أو أنّ الذريعة كانت مؤلّفةً فعلاً ولكنّها لم يعلن عنها ولم يطّلع عليها الشيخ الرائد حين بدأ تصنيفه للكتاب.

وكتب الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي العظيم( المبسوط ) يقول : ( إنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقِّهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستخفّون بفقه أصحابنا الإمامية، وينسبونهم إلى قلّة الفروع وقلّة المسائل، ويقولون : إنّهم أهل حَشوٍ ومناقصة، وإنّ من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الأُصول ؛ لأنّ جُلّ ذلك وجمهوره مأخوذ من هذين الطريقين، وهذا جهل منهم بمذاهبنا وقلّة تأمّلٍ لأصولنا، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أنّ جُلَّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا ومنصوص عليه عن أئمّتنا الذين قولهم في الحجّة يجري مجرى قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إمّا خصوصاً، أو عموماً، أو تصريحاً، أو تلويحاً.

وأمّا ما كثَّروا به كتبهم من مسائل الفروع فلا فرع من ذلك إلاّ وله مدخل في أُصولنا ومخرج على مذاهبنا، لا على وجه القياس، بل على طريقةٍ توجب علماً يجب العمل عليها، ويسوغ المصير إليها من البناء على الأصل، وبراءة الذمّة، وغير ذلك.مع أنّ أكثر الفروع لها مدخل في ما نصّ عليه أصحابنا، وإنّما كثر


عددها عند الفقهاء ؛ لتركيبهم المسائل بعضها على بعضٍ، وتعليقها والتدقيق فيها، حتى أنّ كثيراً من المسائل الواضحة دقّ لضربٍ من الصناعة وإن كانت المسألة معلومةً واضحة.

وكنتُ على قديم الوقت وحديثه متشوِّق النفس إلى عمل كتابٍ يشتمل على ذلك تتوق نفسي إليه، فيقطعني عن ذلك القواطع، وتشغلني الشواغل، وتضعِّف نيّتي أيضاً فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه، وترك عنايتهم به ؛ لأنّهم ألّفوا الأخبار وما رَوَوه من صريح الألفاظ، حتّى أنّ مسألةً لو غيِّر لفظها وعبِّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لَعجبوا منها وقصر فهمهم عنها.

وكنتُ عملت على قديم الوقت كتاب( النهاية ) ، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم وأَصَّلُوها من المسائل وفرّقوه في كتبهم، ورتّبته ترتيب الفقه، وجمعت بين النظائر، ورتّبت فيه الكتب على ما رتّبت للعلّة التي بيّنتها هناك، ولم أتعرّض للتفريع على المسائل، ولا لتعقيد الأبواب وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة ؛ حتّى لا يستوحشوا من ذلك، وعملت بآخره مختصر( جمل العقود ) في العبادات، سلكت فيه طريق الإيجاز والاختصار وعقود الأبواب في ما يتعلّق بالعبادات، ووعدت فيه أن أعمل كتاباً في الفروع خاصّةً يضاف إلى كتاب النهاية ويجتمع معه يكون كاملاً كافياً في جميع ما يحتاج إليه، ثمّ رأيت أنّ ذلك يكون مبتوراً يصعب فهمه على الناظر فيه ؛ لأنّ الفرع إنّما يفهمه إذا ضبط الأصل معه، فعدلت إلى عمل كتابٍ يشتمل على عددٍ بجميع كتب الفقه التي فصّلها الفقهاء، وهي نحو من ثلاثين كتاباً، أذكر كلّ كتابٍ منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، واقتصرت على مجرّد الفقه دون الأدعية والآداب، وأعقد فيه الأبواب، وأقسِّم فيه المسائل، وأجمع بين النظائر وأستوفيه غاية الاستيفاء ،


وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون، وأقول ما عندي على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجبه أصولنا بعد أن أذكر أصول جميع المسائل...، وهذا الكتاب إذا سهّل الله تعالى إتمامه يكون كتاباً لا نظير له، لا في كتب أصحابنا، ولا في كتب المخالفين، لأنّي إلى الآن ما عرفت لأحدٍ من الفقهاء كتاباً واحداً يشتمل على الأُصول والفروع مستوفياً مذهبَنا، بل كتبهم وإن كانت كثيرةً فليس يشتمل عليهما كتاب واحد.وأمّا أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى ما يشار إليه، بل لهم مختصرات )(١) .

وهذا النصّ يعتبر من الوثائق التأريخية التي تتحدّث عن المراحل البدائية من تكوّن الفكر الفقهي التي مرّ بها علم الشريعة لدى الإمامية ونما من خلالها حتى أنتج أمثال الشيخ الطوسي من النوابغ الذين نقلوه إلى مستوى أوسع وأعمق.

ويبدو من هذا النصّ أنّ البحث الفقهي الذي سبق الشيخ الطوسي وأدركه هذا الفقيه العظيم وضاق به كان يقتصر في الغالب على استعراض المعطيات المباشرة للأحاديث والنصوص، وهي ما سمّاها الشيخ الطوسي بأُصول المسائل، ويتقيّد في استعراض تلك المعطيات بنفس الصيغ التي جاءت في مصادرها من تلك الأحاديث.ومن الطبيعي أنّ البحث الفقهي حين يقتصر على أُصول المسائل المعطاة بصورةٍ مباشرةٍ في النصوص ويتقيّد بصيغتها المأثورة، يكون بحثاً منكمشاً لا مجال فيه للإبداع والتعمّق الواسع النطاق.

وكتاب المبسوط كان محاولةً ناجحةً وعظيمةً في مقاييس التطوّر العلمي لنقل البحث الفقهي من نطاقه الضيِّق المحدود في أُصول المسائل إلى نطاقٍ واسعٍ

____________________

(١) المبسوط ١ : ١ - ٣.


يمارس الفقيه فيه التفريع والتفصيل والمقارنة بين الأحكام، وتطبيق القواعد العامة، ويتتبّع أحكام مختلف الحوادث والفروض على ضوء المعطيات المباشرة للنصوص.

وبدرس نصوص الفقيه الرائد - رضوان الله عليه - في العدّة والمبسوط يمكننا أن نستخلص الحقيقتين التاليتين :

إحداهما : أنّ علم الأُصول في الدور العلمي الذي سبقالشيخ الطوسي كان يتناسب مع مستوى البحث الفقهي الذي كان يقتصر وقتئذٍ على أُصول المسائل والمعطيات المباشرة للنصوص، ولم يكن بإمكان علم الأُصول في تلك الفترة أن ينمو نموّاً كبيراً ؛ لأنّ الحاجات المحدودة للبحث الفقهي الذي حصر نفسه في حدود المعطيات المباشرة للنصوص لم تكن تساعد على ذلك، فكان من الطبيعي أن ينتظر علم الأُصول نموّ التفكير الفقهي واجتيازه تلك المراحل التي كان الشيخ الطوسي يَضيق بها ويشكو منها.

والحقيقة الأُخرى هي : أنّ تطوّر علم الأُصول الذي يمثّلهالشيخ الطوسي في كتاب(العدّة) كان يسير في خطٍّ موازٍ للتطوّر العظيم الذي أُنجز في تلك الفترة على الصعيد الفقهي.وهذه الموازاة التأريخية بين التطوّرين تعزِّز الفكرة التي قلناها سابقاً عن التفاعل بين الفكر الفقهي والفكر الأُصولي، أي بين بحوث النظرية وبحوث التطبيق الفقهي، فإنّ الفقيه الذي يشتغل في حدود التعبير عن مدلول النصّ ومُعطاهُ المباشر بنفس عبارته أو بعبارةٍ مرادفةٍ ويعيش قريباً من عصر صدوره من المعصوم لا يحسّ بحاجةٍ شديدةٍ إلى قواعد، ولكنّه حين يدخل في مرحلة التفريع على النصّ ودرس تفصيلات وافتراض فروضٍ جديدةٍ لاستخراج حكمها بطريقةٍ مّا من النصّ يجد نفسه بحاجةٍ كبيرةٍ


ومتزايدةٍ إلى العناصر والقواعد العامة، وتنفتح أمامه آفاق التفكير الأُصولي الرحيبة.

ويجب أن لا نفهم من النصوص المتقدّمة التي كتبها الشيخ الطوسي أنّ نقل الفكر الفقهي من دور الاقتصار على أُصول المسائل والجمود على صيغ الروايات إلى دور التفريع وتطبيق القواعد قد تمّ على يد الشيخ فجأةً وبدون سابق إعداد، بل الواقع أنّ التطوّر الذي أنجزه الشيخ في الفكر الفقهي كان له بذوره التي وضعها قبله أستاذاه السيّد المرتضى والشيخ المفيد وقبلهما ابن أبي عقيل وابن الجنيد، كما أشرنا سابقاً(١) ، وكان لتلك البذور أهمّيتها من الناحية العلمية، حتى نقل(٢) عن أبي جعفر بن معد الموسوي - وهو متأخّر عن الشيخ الطوسي - أنّه وقف على كتاب ابن الجنيد الفقهي واسمه ( التهذيب )، فذكر أنّه لم يرَ لأحدٍ من الطائفة كتابا أجود منه، ولا أبلغ ولا أحسن عبارة، ولا أرقّ معنى منه، وقد استوفى فيه الفروع والأُصول، وذكر الخلاف في المسائل، واستدلّ بطريق الإمامية وطريق مخالفيهم.

فهذه الشهادة تدلّ على قيمة البذور التي نمت حتى آتت أكلها على يد الطوسي.

وقد جاء كتاب( العدّة ) للطوسي - الذي يمثل نمو الفكر الأُصولي في أعقاب تلك البذور - تلبية لحاجات التوسّع في البحث الفقهي.وعلى هذا الضوء نعرف أنّ من الخطأ القول بأنّ كتاب( العدّة ) ينقض العلاقة بين تطوّر الفقه وتطوّر

____________________

(١) سبق تحت عنوان : التصنيف في علم الأُصول.

(٢) نقله عنه العلاّمة في إيضاح الاشتباه : ٢٩١ في ترجمة ( ابن الجنيد ).


الأُصول، ويثبت إمكانية تطوّر الفكر الأُصولي بدرجة كبيرة دون أن يحصل أدنى تغيير في الفكر الفقهي ؛ لأنّ الشيخ صنّف( العدّة ) في حياة السيد المرتضى والفكر الفقهي وقتئذٍ كان يعيش مستواه البدائي ولم يتطوّر إلاّ خلال كتاب( المبسوط ) الذي كتبه الشيخ في آخر حياته.

ووجه الخطأ في هذا القول : أنّ كتاب( المبسوط ) وإن كان متأخراً تأريخياً عن كتاب( العدّة ) ولكن كتاب( المبسوط ) لم يكن إلاّ تجسيداً للتوسّع والتكامل للفكر الفقهي الذي كان قد بدأ بالتوسّع والنمو والتفريع على يد ابن الجنيد والسيد المرتضى وغيرهما.

الوقوف النسبي للعلم :

ما مضى المجدِّد العظيم محمّد بن الحسن الطوسيقدس‌سره حتى قفز بالبحوث الأُصولية وبحوث التطبيق الفقهي قفزة كبيرة، وخلّف تراثاً ضخماً في الأُصول يتمثّل في كتاب( العدّة ) ، وتراثا ضخماً في التطبيق الفقهي يتمثّل في كتاب( المبسوط ) .ولكن هذا التراث الضخم توقّف عن النمو بعد وفاة الشيخ المجدّد طيلة قرن كاملٍ في المجالين الأُصولي والفقهي على السواء.

وهذه الحقيقة بالرغم من تأكيد جملة من علمائنا لها تدعو إلى التساؤل والاستغراب ؛ لأنّ الحركة الثورية التي قام بها الشيخ في دنيا الفقه والأُصول والمنجزات العظيمة التي حقّقها في هذه المجالات كان من المفروض والمترقّب أن تكون قوّة دافعة للعلم، وأن تفتح لمن يخلف الشيخ من العلماء آفاقا رحيبة للإبداع والتجديد، ومواصلة السير في الطريق الذي بدأه الشيخ، فكيف لم تأخذ أفكار الشيخ وتجديداته مفعولها الطبيعي في الدفع والإغراء بمواصلة السير ؟!


هذا هو السؤال الذي يجب التوفّر على الإجابة عنه، ويمكننا بهذا الصدد أن نشير إلى عدّة أسباب من المحتمل أن تفسِّر الموقف :

١ - من المعلوم تاريخياً أنّ الشيخ الطوسي هاجر إلى النجف سنة ٤٨٨ ه- نتيجة للقلاقل والفتن التي ثارت بين الشيعة والسنّة في بغداد، أي قبل وفاته ب- ( ١٢ ) سنة، وكان يشغل في بغداد قبل هجرته مركزا علميا معترفاً به من الخاصة والعامة، حتى ظفر بكرسي الكلام والإفادة من الخليفة القائم بأمر الله الذي لم يكن يمنح هذا الكرسي إلاّ لكبار العلماء الذين يتمتّعون بشهرة كبيرة، ولم يكن الشيخ مدرّساً فحسب، بل كان مرجعاً وزعيماً دينياً ترجع إليه الشيعة في بغداد وتلوذ به في مختلف شؤونها منذ وفاة السيد المرتضى عام ٤٣٦ ه-، ولأجل هذا كانت هجرته إلى النجف سبباً لتخلّيه عن كثير من المشاغل وانصرافه انصرافاً كاملاً إلى البحث العلمي، الأمر الذي ساعده على أنجاز دوره العلمي العظيم الذي ارتفع به إلى مستوى المؤسّسين، كما أشار إلى ذلك المحقّق الشيخ أسد الله التُستري في كتاب ( مقابس الأنوار )، إذ قال : ( ولعل الحكمة الإلهية في ما اتّفق للشيخ تجرده للاشتغال بما تفرّد به من تأسيس العلوم الشرعية، ولا سيّما المسائل الفقهية )(١) .

فمن الطبيعي على هذا الضوء أن يكون للسنين التي قضاها الشيخ في النجف أثرها الكبير في شخصيته العلمية التي تمثّلت في كتاب( المبسوط ) ،

وهو آخر ما ألّفه في الفقه، كما نصّ على ذلك ابن إدريس في بحث الأنفال من السرائر(٢) ، بل آخر ما ألّفه في حياته كما جاء في كلام مترجميه(٣) .

____________________

(١) مقابس الأنوار : ٥، في ترجمة الشيخ الطوسي.

(٢) السرائر ١ : ٤٩٩.

(٣) روضات الجنّات ٦ : ٢٢٢.


وإلى جانب هذا نلاحظ أنّ الشيخ بهجرته إلى النجف قد انفصل في - أكبر الظن - عن تلامذته وحوزته العلمية في بغداد، وبدأ ينشئ في النجف حوزة فتية حوله من أولاده أو الراغبين في الالتحاق بالدراسات الفقهية من مجاوري القبر الشريف، أو أبناء البلاد القريبة منه، كالحلّة ونحوها، ونمت الحوزة على عهده بالتدريج، وبرز فيها العنصر المشهدي - نسبة إلى المشهد العلوي - والعنصر الحلّي، وتسرّب التيار العلمي منها إلى الحلّة.

ونحن حين نرجّح أنّ الشيخ بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية وأنشأ في مهجره حوزة جديدة نستند إلى عدّة مبررات :

فقبل كلّ شيء نلاحظ أن مؤرّخي هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف لم يشيروا إطلاقا إلى أنّ تلامذة الشيخ الطوسي في بغداد رافقوه أو التحقوا به فور هجرته إلى النجف، وإذا لاحظنا - إضافة إلى ذلك - قائمة تلامذة الشيخ التي يذكرها مؤرّخوه نجد أنّهم لم يشيروا إلى مكان التلمذة إلاّ بالنسبة إلى شخصين جاء النصّ على أنّهما تلمّذا على الشيخ في النجف، وهما : الحسين بن المظفر بن علي الحمداني، والحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمّي، وأقرب الظن فيهما معاً أنّهما من التلامذة المحدّثين للشيخ الطوسي.

أمّا الحسين بن المظفر فقد ذكر الشيخ منتجب الدين في ترجمته من الفهرست(١) : أنّه قرأ على الشيخ جميع تصانيفه في الغري، وقراءته لجميع تصانيف الشيخ عليه في النجف يعزّز احتمال أنّه من تلامذته المحدّثين الذين التحقوا به بعد هجرته إلى النجف، إذ لم يقرأ عليه شيئاً منها قبل ذلك التأريخ، ويعزز ذلك أيضاً أنّ أباه المظفّر كان يحضر درس الشيخ الطوسي أيضاً، ومن قبله

____________________

(١) فهرست منتخب الدين : ٤٢٠، الرقم ٧٣.


السيد المرتضى، كما نصّ على ذلك منتجب الدين في الفهرست، وهذا يعزز احتمال كون الابن من طبقة متأخّرة عن الطبقة التي يندرج فيها الأب من تلامذة الشيخ.

وأمّا الحسن بن الحسين البابويهي القمّي فنحن نعرف من ترجمته أنّه تلمّذ على عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي أيضاً، وروى عن الكراجكي والصهرشتي، وهؤلاء الثلاثة هم من تلامذة الشيخ الطوسي، وهذا يعني أنّ الحسن الذي تلمّذ على الشيخ في النجف كان من تلامذته المتأخّرين ؛ لأنّه تلمّذ على تلامذته أيضاً.

وممّا يعزّز احتمال حداثة الحوزة التي تكونت حول الشيخ في النجف الدور الذي أدّاه فيها ابنه الحسن المعروف بأبي علي، فقد تزعّم الحوزة بعد وفاة أبيه، ومن المظنون أنّ أبا علي كان في دور الطفولة أو أوائل الشباب حين هاجر أبوه إلى النجف ؛ لأنّ تأريخ ولادته ووفاته وإن لم يكن معلوماً ولكن الثابت تأريخياً أنّه كان حياً في سنة ( ٥١٥ ه- ) كما يظهر من عدة مواضع من كتاب بشارة المصطفى(١) ، أي إنّه عاش بعد هجرة أبيه إلى النجف قرابة سبعين عاماً، ويذكر عن تحصيله : أنّه كان شريكاً في الدرس عند أبيه مع الحسن بن الحسين القمّي الذي رجّحنا كونه من الطبقة المتأخّرة، كما يقال عنه : إنّ أباه أجازه سنة ( ٤٥٥ ه-)، أي قبل وفاته بخمسين سنة، وهو يتّفق مع حداثة تحصيله.

فإذا عرفنا أنّه خلف أباه في التدريس والزعامة العلمية للحوزة في النجف بالرغم من كونه من تلامذته المتأخّرين في أغلب الظن، استطعنا أن نقدّر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة، ويتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكوّن.

والصورة التي تكتمل لدينا على هذا الأساس هي : أنّ الشيخ الطوسي

____________________

(١) بشارة المصطفى : ١٠٥، ١٨٨.


بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية في بغداد، وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف، وتفرّغ في مهجره للبحث وتنمية العلم، وإذا صدقت هذه الصورة أمكننا تفسير الظاهرة التي نحن بصدد تعليلها، فإنّ الحوزة الجديدة التي نشأت حول الشيخ في النجف كان من الطبيعي أن لا ترقى إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطوّر الذي أنجزه الطوسي في الفكر العلمي، لحداثتها.

وأمّا الحوزة الأساسية ذات الجذور في بغداد فلم تتفاعل مع أفكار الشيخ ؛ لأنّه كان يمارس عمله العلمي في مهجره منفصلاً عن تلك الحوزة، فهجرته إلى النجف وإن هيأته للقيام بدوره العلمي العظيم لِمَا أتاحت له من تفرّغ ولكنّها فصلته عن حوزته الأساسية، ولهذا لم يتسرّب الإبداع الفقهي العلمي من الشيخ إلى تلك الحوزة التي كان ينتج ويبدع بعيدا عنها، وفرق كبير بين المبدع الذي يمارس إبداعه العلمي داخل نطاق الحوزة ويتفاعل معها باستمرار وتواكب الحوزة إبداعه بوعي وتفتّح، وبين المبدع الذي يمارس إبداعه خارج نطاقها وبعيداً عنها.

ولهذا كان لا بدّ - لكي يتحقّق ذلك التفاعل الفكري الخلاّق - أن يشتدّ ساعد الحوزة الفتيّة التي نشأت حول الشيخ في النجف حتى تصل إلى ذلك المستوى من التفاعل من الناحية العلمية، فسادت فترة ركود ظاهري بانتظار بلوغ الحوزة الفتية إلى ذلك المستوى، وكلّف ذلك العلم أن ينتظر قرابة مئة عام ليتحقّق ذلك، ولتحمل الحوزة الفتية أعباء الوراثة العلمية للشيخ حتى تتفاعل مع آرائه وتتسرّب بعد ذلك بتفكيرها المبدع الخلاق إلى الحلّة، بينما ذوت الحوزة القديمة في بغداد وانقطعت عن مجال الإبداع العلمي الذي كانت الحوزة الفتية في النجف - وجناحها الحلّي بصورة خاصة - الوريثة الطبيعية له.

٢ - وقد أسند جماعة من العلماء ذلك الركود الغريب إلى ما حظي به الشيخ الطوسي من تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد ،


وجعل من آرائه ونظرياته شيئاً مقدّسا لا يمكن أن ينال باعتراض أو يخضع لتمحيص.

ففي المعالم كتب الشيخ حسن بن زين الدين ناقلاً عن أبيهقدس‌سره : أنّ أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتّبعونه في الفتوى تقليداً له؛ لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنّهم به(١) .وروي عن الحمصي - وهو ممّن عاصر تلك الفترة - أنّه قال : ( لم يبق للإمامية مفتٍ على التحقيق، بل كلّهم حاكٍ )(٢) .

وهذا يعني أنّ ردّ الفعل العاطفي لتجديدات الشيخ قد طغى متمثلاً في تلك النزعة التقديسية على ردّ الفعل الفكري الذي كان ينبغي أن يتمثّل في درس القضايا والمشاكل التي طرحها الشيخ والاستمرار في تنمية الفكر الفقهي.

وقد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الأصحاب أنّا نجد فيهم من يتحدّث عن رؤيا لأمير المؤمنينعليه‌السلام شهد فيها الإمامعليه‌السلام بصحّة كلّ ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي ( النهاية )(٣) ، وهو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري والروحي للشيخ في أعماق نفوسهم.

ولكنّ هذا السبب لتفسير الركود الفكري قد يكون مرتبطاً بالسبب الأوّل، إذ لا يكفي التقدير العلمي لفقيه في العادة - مهما بلغ - لكي يغلق على الفكر الفقهي للآخرين أبواب النمو والتفاعل مع آراء ذلك الفقيه، وإنّما يتحقّق هذا عادة حين لا يكون هؤلاء في المستوى العلمي الذي يؤهِّلهم لهذا التفاعل، فيتحوّل التقدير إلى إيمان وتعبّد.

____________________

(١) معالم الدين : ١٧٦.

(٢) رواه ابن طاووس في كشف المحجّة لثمرة المهجة : ١٢٧.

(٣) خاتمة مستدرك الوسائل ٣ : ١٧١.


٣ - والسبب الثالث يمكننا أن نستنتجه من حقيقتين تأريخيّتين :

إحداهما : أنّ نمو الفكر العلمي والأُصولي لدى الشيعة لم يكن منفصلاً عن العوامل الخارجية التي كانت تساعد على تنمية الفكر والبحث العلمي، ومن تلك العوامل : عامل الفكر السنّي ؛ لأنّ البحث الأُصولي في النطاق السنّي ونمو هذا البحث وفقا لأُصول المذهب السنّي كان حافزاً باستمرار للمفكّرين من فقهاء الإمامية لدراسة تلك البحوث في الإطار الإمامي، ووضع النظريات التي تتّفق معه في كلّ ما يثيره البحث السنّي من مسائل ومشاكل، والاعتراض على الحلول المقترحة لها من قبل الآخرين.

ويكفي للاستدلال على دور الإثارة الذي كان يقوم به التفكير الأُصولي السنّي هذان النصّان لشخصين من كبار فقهاء الإمامية :

١ - قال الشيخ الطوسي في مقدّمة كتاب( العدّة ) يبرر إقدامه على تصنيف هذا الكتاب الأُصولي : ( إنّ من صنّف في هذا الباب سلك كلّ قوم منهم المسلك الذي اقتضاه أُصولهم، ولم يعهد من أصحابنا لأحدٍ في هذا المعنى )(١) .

٢ - وكتب ابن زهرة في كتابه الغنية - وهو يشرح الأغراض المتوخّاة من البحث الأُصولي - قائلاً : ( على أنّ لنا في الكلام في أُصول الفقه غرضا آخر سوى ما ذكرناه، وهو : بيان فساد كثير من مذاهب مخالفينا فيها وكثير من طرقهم إلى تصحيح ما هو صحيح منها(٢) ، وأنّه لا يمكنهم تصحيحها وإخراجهم بذلك عن العلم بشيء من فروع الفقه ؛ لأنّ العلم بالفروع من دون العلم بأصله محالٌ، وهو

____________________

(١) عدّة الأُصول ١ : ٣.

(٢) أي : الكشف عن فساد كثيرٍ من متبنّياتهم من ناحية، وفساد الأدلّة التي يستندون إليها لإثبات المتبنّيات الصحيحة من ناحيةٍ أخرى.( المؤلّف قدس‌سره ).


غرض كبير يدعوا إلى العناية بأُصول الفقه ويبعث على الاشتغال بها )(١) .

هذه هي الحقيقة الأولى.

والحقيقة الأخرى هي : أنّ التفكير الأُصولي السنّي كان قد بدأ ينضب في القرن الخامس والسادس، ويستنفذ قدرته على التجديد، ويتّجه إلى التقليد والاجترار، حتى أدى ذلك إلى سدّ باب الاجتهاد رسمياً.

ويكفينا لإثبات هذه الحقيقة شهادة معاصرة لتلك الفترة من عالم سنّي عاشها، وهو الغزّالي المتوفى سنة ( ٥٠٥ ه- )، إذ تحدّث عن شروط المناظر في البحث، فذكر منها : ( أن يكون المناظر مجتهدا يفتى برأيه، لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، حتى إذا ظهر له الحقّ من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له، فأمّا من لم يبلغ رتبة الاجتهاد - وهو حكم كلّ أهل العصر - فأيّ فائدة له في المناظرة )(٢) .

ونحن إذا جمعنا بين هاتين الحقيقتين، وعرفنا أنّ التفكير الأُصولي السنّي الذي يشكّل عامل إثارة للتفكير الأُصولي الشيعي كان قد أخذ بالانكماش ومُني بالعقم، استطعنا أن نستنتج أن التفكير العلمي لدى فقهائنا الإمامية - رضوان الله عليهم - قد فقد أحد المثيرات المحرِّكة له، الأمر الذي يمكن أن نعتبره عاملا مساعداً في توقّف النموّ العلمي.

ابن إدريس يصف فترة التوقف :

ولعل من أفضل الوثائق التأريخية التي تصف تلك الفترة ما ذكره الفقيه

____________________

(١) الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : ٤٦١، السطر ١٣.

(٢) إحياء علوم الدين ١ : ٥٦.


المبدعمحمّد بن أحمد بن إدريس ، الذي أدرك تلك الفترة، وكان له دور كبير في مقاومتها، وبث الحياة من جديد في الفكر العلمي، كما سنعرف بعد لحظات، فقد كتب هذا الفقيه في مقدمة كتابه ( السرائر ) يقول : ( إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمّدية والأحكام الإسلامية، وتثاقلهم عن طلبها، وعداوتهم لِمَا يجهلون، وتضييعهم لِمَا يعلمون، ورأيت ذا السنّ من أهل دهرنا هذا لغلبة الغباوة عليه مضيِّعا لما استودعته الأيام، مقصِّراً في البحث عمّا يجب عليه علمه، حتى كأنّه ابن يومه ومنتج ساعته...، ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان، وميدانه قد عطّل منه الرهان، تداركت منه الذماء الباقي، وتلافيت نفساً بلغت التراقي)(١) .

تجدد الحياة والحركة في البحث العلمي :

ما انتهت مئة عام حتى دبّت الحياة من جديد في البحث الفقهي والأُصولي على الصعيد الإمامي، بينما ظلّ البحث العلمي السنّي على ركوده الذي وصفه الغزالي في القرن الخامس.

ومرد هذا الفرق بين الفكرين والبحثين إلى عدّة أسباب أدّت إلى استئناف الفكر العلمي الإمامي نشاطه الفقهي والأُصولي دون الفكر السنّي، ونذكر من تلك الأسباب السببين التاليين :

١ - أنّ روح التقليد وإن كانت قد سرت في الحوزة التي خلّفها الشيخ الطوسي، كما تغلغلت في أوساط الفقه السنّي، ولكنّ نوعية الروح كانت تختلف ؛ لأنّ الحوزة العلمية التي خلّفها الشيخ الطوسي سرى فيها روح التقليد لأنّها كانت

____________________

(١) السرائر ١ : ٤٢.


حوزة فتية، فلم تستطع أن تتفاعل بسرعة مع تجديدات الشيخ العظيمة، وكان لا بدّ لها أن تنتظر مدة من الزمن حتى تستوعب تلك الأفكار، وترتفع إلى مستوى التفاعل معها والتأثير فيها، فروح التقليد فيها مؤقتة بطبيعتها.

وأمّا الحوزات الفقهية السنّية فقد كان شيوع روح التقليد فيها نتيجةً لشيخوختها بعد أن بلغت قصارى نموّها، أو بعد أن استنفدت أغراضها، الأمر الذي لا يمكننا التوسّع في شرحه الآن على مستوى هذه الحلقة، فكان من الطبيعي أن يتفاقم فيها روح الجمود والتقليد.

٢ - إنّ الفقه السنّي كان هو الفقه الرسمي الذي تتبناه الدولة وتستفتيه في حدود وفائها بالتزاماتها الدينية، ولهذا كانت الدولة تشكّل عامل دفع وتنمية للفقه السنّي، الأمر الذي يجعل الفقه السنّي يتأثر بالأوضاع السياسية، ويزدهر في عصور الاستقرار السياسي، وتخبو جذوته في ظروف الارتباك السياسي.

وعلى هذا الأساس كان من الطبيعي أن يفقد الفقه السنّي شيئاً مهمّاً من جذوته في القرن السادس والسابع وما بعدهما ؛ تأثّراً بارتباك الوضع السياسي، وانهياره أخيراً على يد المغول الذين عصفوا بالعالم الإسلامي وحكوماته.

وأمّا الفقه الإمامي فقد كان منفصلاً عن الحكم دائماً، ومغضوباً عليه من الأجهزة الحاكمة في كثير من الأحايين، ولم يكن الفقهاء الإماميّون يستمدّون دوافع البحث العلمي من حاجات الجهاز الحاكم، بل من حاجات الناس الذين يؤمنون بإمامة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، ويرجعون إلى فقهاء مدرستهم في حلّ مشاكلهم الدينية ومعرفة أحكامهم الشرعية، ولأجل هذا كان الفقه الإمامي يتأثّر بحاجات الناس، ولا يتأثّر بالوضع السياسي كما يتأثّر الفقه السنّي.

ونحن إذا أضفنا إلى هذه الحقيقة عن الفقه الإمامي حقيقة أخرى، وهي أنّ


الشيعة المتعبّدين بفقه أهل البيت كانوا في نموّ مستمرٍّ كمِّياً، وكانت علاقاتهم بفقهائهم وطريقة الإفتاء والاستفتاء تتحدّد وتتّسع، استطعنا أن نعرف أنّ الفقه الإمامي لم يفقد العوامل التي تدفعه نحو النمو، بل اتسعت باتساع التشيع وشيوع فكرة التقليد بصورة منظّمة.

وهكذا نعرف أنّ الفكر العلمي الإمامي كان يملك عوامل النمو داخلياً باعتبار فتوّته وسيره في طريق التكامل، وخارجياً باعتبار العلاقات التي كانت تربط الفقهاء الإماميّين بالشيعة وبحاجاتهم المتزايدة.

ولم يكن التوقّف النسبي له بعد وفاة الشيخ الرائد إلاّ لكي يستجمع قواه ويواصل نموه عند الارتفاع إلى مستوى التفاعل مع آراء الطوسي.

وأمّا عنصر الإثارة المتمثّل في الفكر العلمي السنّي فهو وإن فقده الفكر العلمي الإمامي نتيجة لجمود الحوزات الفقهية السنّية ولكنّه استعاده بصورة جديدة، وذلك عن طريق عمليات الغزو المذهبي التي قام بها الشيعة، فقد أصبحوا في القرن السابع وما بعده في دور الدعوة إلى مذهبهم، ومارس علماؤنا - كالعلاّمة الحلّي وغيره - هذه الدعوة في نطاق واسع، فكان ذلك كافيا لإثارة الفكر العلمي الشيعي للتعمّق والتوسّع في درس أصول السنّة وفقهها وكلامها، ولهذا نرى نشاطا ملحوظا في بحوث الفقه المقارن قام به العلماء الذين مارسوا تلك الدعوة من فقهاء الإمامية كالعلاّمة الحلّي.

[ من ] صاحب السرائر إلى صاحب المعالم :

وكانت بداية خروج الفكر العلمي عن دور التوقّف النسبي على يد الفقيه المبدع محمّد بن أحمد بن إدريس المتوفّى سنة ( ٥٩٨ ه- ) ؛ إذ بثّ في الفكر العلمي روحاً جديدة، وكان كتابه الفقهي ( السرائر ) إيذانا ببلوغ الفكر العلمي في مدرسة


الشيخ إلى مستوى التفاعل مع أفكار الشيخ ونقدها وتمحيصها.

وبدراسة كتاب السرائر ومقارنته بالمبسوط يمكننا أن ننتهي إلى النقاط التالية :

١ - أنّ كتاب السرائر يبرز العناصر الأصولية في البحث الفقهي وعلاقتها به بصورة أوسع ممّا يقوم به كتاب المبسوط بهذا الصدد، فعلى سبيل المثال نذكر : أنّ ابن إدريس أبرز في استنباطه لأحكام المياه الثلاث قواعد أصولية(١) وربط بحثه الفقهي بها، بينما لا نجد شيئاً منها في أحكام المياه من كتاب المبسوط وإن كانت بصيغتها النظرية العامة موجودة في كتب الأصول قبل ابن إدريس.

٢ - إنّ الاستدلال الفقهي لدى ابن إدريس أوسع منه في كتاب المبسوط، وهو يشتمل في النقاط التي يختلف فيها مع الشيخ على توسع في الاحتجاج وتجميع الشواهد، حتى أنّ المسألة التي لا يزيد بحثها في المبسوط على سطر واحد قد تبلغ في السرائر صفحة مثلاً، ومن هذا القبيل مسألة طهارة الماء المتنجّس إذا تمّم بماء متنجّس أيضاً، فقد حكم الشيخ في المبسوط(٢) ببقاء الماء على النجاسة، ولم يزد على جملة واحدة في توضيح وجهة نظره.وأمّا ابن إدريس فقد اختار طهارة الماء في هذه الحالة، وتوسّع في بحث المسألة، ثمّ ختمه قائلا : ( ولنا في هذه المسألة منفردة نحو من عشر ورقات قد بلغنا فيها أقصى الغايات، وحججنا القول فيها والأسئلة والأدلة والشواهد من الآيات والأخبار )(٣) .

____________________

(١) السرائر ١ : ٥٨ - ٦٩.

(٢) المبسوط ١ : ٧.

(٣) السرائر ١ : ٦٩.


ونلاحظ في النقاط التي يختلف فيها ابن إدريس مع الشيخ الطوسي اهتماماً كبيراً منه باستعراض الحجج التي يمكن أن تدعم وجهة نظر الطوسي وتفنيدها، وهذه الحُجج التي يستعرضها ويفندها : إمّا أن تكون من وضعه وإبداعه يفترضها افتراضاً ثمّ يبطلها لكي لا يبقي مجالاً لشبهة في صحّة موقفه، أو أنّها تعكس مقاومة الفكر التقليدي السائد لآراء ابن إدريس الجديدة.أي إنّ الفكر السائد استفزته هذه الآراء وأخذ يدافع عن آراء الطوسي، فكان ابن إدريس يجمع حجج المدافعين ويفنّدها.وهذا يعني أنّ آراء ابن إدريس كان لها ردّ فعل وتأثير معاصر على الفكر العلمي السائد الذي اضطره ابن إدريس للمبارزة.

ونحن نعلم من كتاب السرائر أنّ ابن إدريس كان يجابه معاصريه بآرائه ويناقشهم، ولم يكن منكمشاً في نطاق تأليفه الخاص، فمن الطبيعي أن يثير ردود فعل، وأن تنعكس ردود الفعل هذه على صورة حجج لتأييد رأي الشيخ.

فمن مجابهات ابن إدريس تلك : ما جاء في المزارعة من كتاب السرائر، إذ كتب عن رأي فقهي يستهجنه ويقول : ( والقائل بهذا القول : السيد العلوي أبو المكارم بن زهرة الحلبي، شاهدته ورأيته وكاتبته وكاتبني وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ فاعتذررحمه‌الله بأعذار غير واضحة )(١) .

كما نلمح في بحوث ابن إدريس ما كان يقاسيه من المقلّدة الذين تعبّدوا بآراء الشيخ الطوسي، وكيف كان يضيق بجمودهم، ففي مسألة تحديد المقدار الواجب نزحه من البئر إذا مات فيها كافر يرى ابن إدريس : أنّ الواجب نزح جميع ما في البئر، بدليل أنّ الكافر إذا باشر ماء البئر وهو حي وجب نزح جيمعها اتّفاقا، فوجوب نزح الجميع إذا مات فيها أولى.وإذا كان هذا الاستدلال

____________________

(١) السرائر ٢ : ٤٤٣.


- الاستدلال بالأولوية - يحمل طابعا عقليا جريئا بالنسبة إلى مستوى العلم الذي عاصره ابن إدريس فقد علّق عليه يقول : ( وكأنّي بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه ويستبعده ويقول : من قال هذا ؟ ومن ينظِّره في كتابه ؟ ومن أشار من أهل هذا الفنّ الذين هم القدوة في هذا إليه ؟ )(١) .

وأحيانا نجد أنّ ابن إدريس يحتال على المقلّدة فيحاول أن يثبت لهم أنّ الشيخ الطوسي يذهب إلى نفس رأيه ولو بضرب من التأويل، فهو في مسألة الماء المتنجّس المتمّم كراً بمثله يفتي بالطهارة، ويحاول أن يثبت ذهاب الشيخ الطوسي إلى القول بالطهارة أيضاً، فيقول : ( فالشيخ أبو جعفر الطوسي الذي يتمسّك بخلافه ويقلّده في هذه المسألة ويجعل دليلاً يقوي القول والفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله.وأنا أبين - إن شاء الله - أنّ أبا جعفر تفوح من فيه رائحة تسليم هذه المسألة بالكلّية إذا تؤمّل كلامه وتصنيفه حقّ التأمّل وأبصر بالعين الصحيحة وأحضر له الفكر الصافي )(٢) .

٣ - وكتاب السرائر من الناحية التأريخية يعاصر إلى حدّ ما كتاب الغُنية الذي قام فيه حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي بدراسة مستقلّة لعلم الأصول ؛ لان ابن زهرة هذا توفي قبل ابن إدريس ب- ( ١٩ ) عاما، فالكتابان متقاربان من الناحية الزمنية.

ونحن إذا لاحظنا أصول ابن زهرة وجدنا فيه ظاهرة مشتركة بينه وبين فقه ابن إدريس تميّزهما عن عصر التقليد المطلق للشيخ، وهذه الظاهرة المشتركة هي الخروج على آراء الشيخ، والأخذ بوجهات نظر تتعارض مع موقفه الأصولي أو

____________________

(١) السرائر ١ : ٧٣.

(٢) السرائر ١ : ٦٦.


الفقهي، وكما رأينا ابن إدريس يحاول في السرائر تفنيد ما جاء في فقه الشيخ من أدلّة كذلك نجد ابن زهرة يناقش في الغنية الأدلة التي جاءت في كتاب العدّة، ويستدلّ على وجهات نظر معارضة، بل يثير أحيانا مشاكل أصولية جديدة لم تكن مثارة من قبل في كتاب العدّة بذلك النحو(١) .

وهذا يعني أنّ الفكر الفكر العلمي كان قد نما واتسع بِكلا جناحيه الأصولي والفقهي، حتى وصل إلى المستوى الذي يصلح للتفاعل مع آراء الشيخ ومحاكمتها إلى حدّ ما على الصعيدين الفقهي والأصولي، وذلك يعزّز ما قلناه سابقا(٢) من أنّ نمو الفكر الفقهي ونمو الفكر الأصولي يسيران في خطّين متوازيين، ولا يتخلّف أحدهما عن الآخر تخلّفا كبيراً ؛ لِمَا بينهما من تفاعل وعلاقات.

واستمرت الحركة العلمية التي نشطت في عصر ابن إدريس تنمو وتتّسع وتزداد ثراء عبر الأجيال، وبرز في تلك الأجيال نوابغ كبار صنّفوا في الأصول

____________________

(١) لا بأس أن يذكر المدرِّس مثالين أو ثلاثةً للمسائل التي اختلف فيها رأي ابن زهرة عن رأي الشيخ.

فمن ذلك : مسألة دلالة الأمر على الفور، فقد كان الشيخ يقول بدلالته على الفور، وأنكر ابن زهرة ذلك، وقال : ( إنّ صيغة الأمر حيادية لا تدلّ على فورٍ ولا تراخٍ ).الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : ٤٦٥، السطر ٣٢.

ومن ذلك أيضاً : مسألة اقتضاء النهي عن المعاملة لفسادها، فقد كان الشيخ يقول بالاقتضاء، وأنكر ابن زهرة ذلك مميِّزاً بين مفهومي الحرمة والفساد، ونافياً للتلازم بينهما.المصدر السابق : ٤٦٨، السطر ٤.وقد أثار ابن زهرة في بحوث العامّ والخاصّ مشكلة حجّية العام المخصّص في غير مورد التخصيص، المصدر السابق: ٤٧٠، السطر ٢٦.بينما لم تكن هذه المشكلة قد أثيرت في كتاب العدّة.( المؤلّف قدس‌سره ).

(٢) سبق تحت عنوان : التفاعل بين الفكر الأصولي والفكر الفقهي.


والفقه وأبدعوا، فمن هؤلاء :المحقّق نجم الدين جعفر بن حسن بن يحيى بن سعيد الحلّي المتوفّى سنّة ( ٦٧٦ ه- )، وهو تلميذ ابن إدريس، ومؤلّف الكتاب الفقهي الكبير( شرائع الإسلام) ، الذي أصبح بعد تأليفه محوراً للبحث والتعليق والتدريس في الحوزة بدلاً عن كتاب ( النهاية ) الذي كان الشيخ الطوسي قد ألّفه قبل المبسوط.

وهذا التحوّل من( النهاية ) إلى( الشرائع ) يرمز إلى تطوّر كبير في مستوى العلم ؛ لأنّ كتاب( النهاية ) كان كتاباً فقهياً يشتمل على أمّهات المسائل الفقهية وأصولها، وأمّا(الشرائع) فهو كتاب واسع يشتمل على التفريع وتخريج الأحكام وفقا للمخطط الذي وضعه الشيخ في المبسوط، فاحتلال هذا الكتاب المركز الرسمي لكتاب النهاية في الحوزة، واتّجاه حركة البحث والتعليق إليه، يعني أنّ حركة التفريع والتخريج قد عمّت واتسعت حتى أصبحت الحوزة كلّها تعيشها.

وقد صنف المحقّق الحلّي كتباً في الأصول، منها كتاب( نهج الوصول إلى معرفة الأصول ) ، وكتاب( المعارج ).

ومن أولئك النوابغ تلميذ المحقّق وابن أخته المعروف بالعلاّمة، وهوالحسن بن يوسف بن علي بن مطهر المتوفّى سنة ( ٧٢٦ ه- )، وله كتب عديدة في الأصول، من قبيل( تهذيب الوصول إلى علم الأصول ) و( مبادئ الوصول إلى علم الأصول ) وغيرهما.

وقد ظلّ النمو العلمي في مجالات البحث الأصولي إلى آخر القرن العاشر، وكان الممثّل الأساسي له في أواخر هذه القرن الحسن بن زين الدين المتوفّى سنة ( ١٠١١ ه- )، وله كتاب في الأصول باسم( المعالم ) مثّل فيه المستوى العالي لعلم الأصول في عصره، بتعبيرٍ سهلٍ وتنظيمٍ جديدٍ، الأمر الذي جعل لهذا الكتاب شأناً كبيراً في عالم البحوث الأصولية، حتى أصبح كتابا دراسياً في هذا العلم ،


وتناوله المعلّقون بالتعليق والتوضيح والنقد.

ويقارب المعالم من الناحية الزمنية كتاب( زبدة الأصول ) الذي صنّفه علم من أعلام العلم في أوائل القرن الحادي عشر،وهو الشيخ البهائي المتوفّى سنة ( ١٠٣١ ه- ).

الصدمة التي مُني بها علم الأصول :

وقد مُني علم الأصول بعد صاحب المعالم بصدمة عارضت نموّه وعرّضته لحملة شديدة، وذلك نتيجة لظهور حركة الأخبارية في أوائل القرن الحادي عشر على يد الميرزا محمّد أمين الاسترابادي المتوفى سنة ( ١٠٢١ ه- )، واستفحال أمر هذه الحركة بعده، وبخاصة في أواخر القرن الحادي عشر وخلال القرن الثاني عشر.

وكان لهذه الحملة بواعثها النفسية التي دفعت الأخباريين من علمائنا رضوان الله عليهم - وعلى رأسهم المحدّث الاسترابادي - إلى مقاومة علم الأصول، وساعدت على نجاح هذه المقاومة نسبياً، نذكر منها ما يلي :

١ - عدم استيعاب ذهنية الأخباريين لفكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، فقد جعلهم ذلك يتخيّلون أنّ ربط الاستنباط بالعناصر المشتركة والقواعد الأصولية يؤدّي إلى الابتعاد عن النصوص الشرعية والتقليل من أهمّيتها.

ولو أنّهم استوعبوا فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط كما درسها الأصوليون لعرفوا أنّ لكلّ من العناصر المشتركة والعناصر الخاصة دورها الأساسي وأهمّيتها، وأنّ علم الأصول لا يستهدف العناصر الخاصة بالعناصر المشتركة، بل يضع القواعد اللازمة لاستنباط الحكم من العناصر


الخاصة.

٢ - سبق السنّة تاريخياً إلى البحث الأصولي والتصنيف الموسّع فيه، فقد اكسب هذا علم الأصول إطاراً سنّيا في نظر هؤلاء الثائرين عليه، فأخذوا ينظرون إليه بوصفه نتاجاً للمذهب السنّي.وقد عرفنا سابقاً(١) أنّ سبق الفقه السنّي تأريخياً إلى البحوث الأصولية لم ينشأ عن صلة خاصة بين علم الأصول والمذهب السنّي، بل هو مرتبط بمدى ابتعاد الفكر الفقهي عن عصر النصوص التي يؤمن بها، فإنّ السنّة يؤمنون بأنّ عصر النصوص انتهى بوفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .وبهذا وجدوا أنفسهم في أواخر القرن الثاني بعيدين عن عصر النصّ بالدرجة التي جعلتهم يفكّرون في وضع علم الأصول، بينما كان الشيعة وقتئذ يعيشون عصر النصّ الذي يمتدّ عندهم إلى الغيبة.

ونجد هذا المعنى بوضوح ووعي في نصّ للمحقّق الفقيه السيد محسن الأعرجي المتوفّى سنة ( ١٢٢٧ ه-)، إذ كتب في وسائله رداً على الأخباريين يقول : ( إنّ المخالفين لمّا احتاجوا إلى مراعاة هذه الأمور قبل أن نحتاج إليها سبقوا إلى التدوين ؛ لبعدهم عن عصر الصحابة، وإعراضهم عن أئمّة الهدى، وافتتحوا باباً عظيماً لاستنباط الأحكام، كثير المباحث، دقيق المسارب، جمّ التفاصيل، وهو القياس.فاضطرّوا إلى التدوين أشدّ ضرورة، ونحن مستغنون بأرباب الشريعة وأئمّة الهدى، نأخذ منهم الأحكام مشافهة، ونعرف ما يريدون بديهة، إلى أن وقعت الغيبة، وحيل بيننا وبين إمام العصرعليه‌السلام ...، فاحتجنا إلى تلك المباحث، وألّف فيها متقدّمونا، كابن الجنيد وابن أبي عقيل، وتلاهما من جاء بعدهما، كالسيد والشيخين، وأبي الصلاح، وأبي المكارم، وابن إدريس ،

____________________

(١) سبق تحت عنوان : التصنيف في علم الأصول.


والفاضلين، والشهيدين إلى يومنا هذا.أترانا نعرض عن مراعاتها مع مسيس الحاجة لأنّه سبقنا إليها المخالفون، وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحكمة ضالّة المؤمن ؟ ! وما كنّا في ذلك تبعاً، وإنّما بحثنا عنها أشدّ البحث، واستقصينا أتمّ الاستقصاء، ولم نحكم في شيء منها إلاّ بعد قيام الحجّة وظهور المحجَّة)(١) .

٣ - وممّا أكّد في ذهن هؤلاء الإطار السني لعلم الأصول أنّ ابن الجنيد - وهو من رواد الاجتهاد وواضعي بذور علم الأصول في الفقه الإمامي - كان يتّفق مع أكثر المذاهب الفقهية السنّية في القول بالقياس.ولكن الواقع أن تسرّب بعض الأفكار من الدراسات الأصولية السنّية إلى شخصٍ كابن الجنيد لا يعني أنّ علم الأصول بطبيعته سنّي، وإنّما هو نتيجة لتأثر التجربة العملية المتأخرّة بالتجارب السابقة في مجالها.ولمّا كان للسنّة تجارب سابقة زمنياً في البحث الأصولي فمن الطبيعي أن نجد في بعض التجارب المتأخّرة تأثراً بها، وقد يصل التأثّر أحيانا إلى درجة تبني بعض الآراء السابقة غفلة عن واقع الحال، ولكنّ ذلك لا يعني بحالٍ أنّ علم الأصول قد استورده الشيعة من الفكر السنّي وفُرض عليهم من قبله، بل هو ضرورة فرضتها على الفقه الإمامي عملية الاستنباط وحاجات هذه العملية.

٤ - وساعد على إيمان الأخباريين بالإطار السنّي لعلم الأصول تسرب اصطلاحات من البحث الأصولي السنّي إلى الأصوليين الإماميين وقبولهم بها بعد تطويرها وإعطائها المدلول الذي يتفق مع وجهة النظر الإمامية.

ومثال ذلك : كلمة ( الاجتهاد ) كما رأينا في بحث سابق(٢) ، إذ أخذها علماؤنا الإماميّون من الفقه

____________________

(١) وسائل الشيعة للأعرجي : ٢٢ من المقدّمة.

(٢) سبق تحت عنوان : جواز عمليّة الاستنباط.


السنّي وطوّروا معناها، فتراءى لعلمائنا الأخباريين الذين لم يدركوا التحوّل الجوهري في مدلول المصطلح أنّ علم الأصول عند أصحابنا يتبنّى نفس الاتّجاهات العامة في الفكر العلمي السنّي، ولهذا شجبوا الاجتهاد وعارضوا في جوازه المحقّقين من أصحابنا.

٥ - وكان الدور الذي يلعبه العقل في علم الأصول مثيراً آخر للأخباريين على هذا العلم نتيجة لاتّجاههم المتطرّف ضد العقل، كما رأينا في بحث سابق(١) .

٦ - ولعل أنجح الأساليب التي اتّخذها المحدّث الاسترابادي وأصحابه لإثارة الرأي العام الشيعي ضد علم الأصول هو استغلال حداثة علم الأصول لضربه، فهو علم لم ينشأ في النطاق الإمامي إلاّ بعد الغيبة، وهذا يعني أن أصحاب الأئمّة وفقهاء مدرستهم مضوا بدون علم أصول، ولم يكونوا بحاجة إليه.وما دام فقهاء تلامذة الأئمّة - من قبيل زُرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، ومحمّد بن أبي عُمير، ويونس بن عبد الرحمن، وغيرهم - كانوا في غنى عن علم الأصول في فقههم، فلا ضرورة للتورّط فيما لم يتورّطوا فيه، ولا معنى للقول بتوقّف الاستنباط والفقه على علم الأصول.

ويمكننا أن نعرف الخطأ في هذه الفكرة على ضوء ما تقدّم سابقاً من أنّ الحاجة إلى علم الأصول حاجة تأريخية، فإنّ عدم إحساس الرواة والفقهاء الذين عاشوا عصر النصوص بالحاجة إلى تأسيس علم الأصول لا يعني عدم احتياج الفكر الفقهي إلى علم الأصول في العصور المتأخّرة التي يصبح الفقيه فيها بعيداً عن جو النصوص ويتّسع الفاصل الزمني بينه وبينها ؛ لأنّ هذا الابتعاد يخلق فجواتٍ

____________________

(١) سبق تحت عنوان : المعركة إلى صفّ العقل.


في عملية الاستنباط ويفرض على الفقيه وضع القواعد الأصولية العامة لعلاج تلك الفجوات.

الجذور المزعومة للحركة الأخبارية :

وبالرغم من أنّالمحدّث الاسترابادي كان هو رائد الحركة الأخبارية فقد حاول في فوائده المدنية أن يرجع بتاريخ هذه الحركة إلى عصر الأئمّة، وأن يثبت لها جذوراً عميقة في تاريخ الفقه الإمامي لكي تكتسب طابعاً من الشرعية والاحترام، فهو يقول : إنّ الاتّجاه الأخباري كان هو الاتّجاه السائد بين فقهاء الإمامية إلى عصر الكُليني والصدوق وغيرهما من ممثّلي هذه الاتّجاه في رأي الاسترابادي، ولم يتزعزع هذا الاتّجاه إلاّ في أواخر القرن الرابع وبعده حين بدأ جماعة من علماء الإمامية ينحرفون عن الخط الأخباري ويعتمدون على العقل في استنباطهم ويربطون البحث الفقهي بعلم الأصول ؛ تأثّراً بالطريقة السنّية في الاستنباط، ثمّ أخذ هذا الانحراف بالتوسع والانتشار(١) .

ويذكر المحدّث الاسترابادي(٢) بهذا الصدد كلاماً للعلاّمة الحلّي الذي عاش قبله بثلاث قرون جاء فيه التعبير عن فريق من علماء الإمامية

بالأخباريين، ويستدلّ بهذا النصّ على سبق الاتّجاه الأخباري تأريخياً.

ولكنّ الحقيقة أنّ العلاّمة الحلّي يشير بكلمة الأخباريين(٣) في حديثه إلى مرحلة من مراحل الفكر الفقهي لا إلى حركة ذات اتّجاه محدّد في

____________________

(١) الفوائد المدنية : ٤٣ - ٤٤.

(٢) المصدر السابق : ٤٤.

(٣) نهاية الأصول ( مخطوط ) : ٢٩٦.


الاستنباط، فقد كان في فقهاء الشيعة منذ العصور الأولى علماء أخباريون يمثّلون المرحلة البدائية من التفكير الفقهي، وهؤلاء هم الذين تحدّث عنهم الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط(١) ، وعن ضيق أُفقهم، واقتصارهم في بحوثهم الفقهية على أصول المسائل، وانصرافهم عن التفريع والتوسّع في التطبيق.وفي النقطة المقابلة لهم الفقهاء الأصوليّون الذين يفكّرون بذهنية أصولية ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع.فالأخبارية القديمة - إذن - تعبّر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي، لا عن مذهب من مذاهبه.

وهذا ما أكّده المحقّق الجليل الشيخ محمّد تقي - المتوفّى سنة ١٢٤٨ ه- في تعليقته الضخمة على المعالم، إذ كتب بهذا الشأن يقول :

فإن قلت : إنّ علماء الشيعة كانوا من قديم الزمان على صنفين : أخباري وأصولي، كما أشار إليه العلاّمة في النهاية وغيره.

قلت : إنّه وإن كان المتقدّمون من علمائنا على صنفين وكان فيهم أخبارية إلاّ أنّه لم تكن طريقتهم ما زعمه هؤلاء، بل لم يكن الاختلاف بينهم وبين الأصولية إلاّ في سعة الباع في التفريعات الفقهية، وقوّة النظر إلى القواعد الكلّية والاقتدار على تفريع الفروع عليها، فقد كانت طائفة منهم أرباب النصوص ورواة الأخبار، ولم تكن طريقتهم التعدّي عن مضامين الروايات وموارد النصوص، بل كانوا يفتون غالباً على طبق ما يرون ويحكمون على وفق متون الأخبار، ولم يكن كثير منهم من أهل النظر والتعمّق في المسائل العلمية...، وهؤلاء لا يتعرّضون غالباً للفروع غير المنصوصة، وهم المعروفون بالأخبارية.وطائفة منهم أرباب النظر والبحث عن المسائل، وأصحاب التحقيق والتدقيق في استعلام الأحكام من

____________________

(١) المبسوط ١ : ١ - ٢.


الدلائل، ولهم الاقتدار على تأصيل الأصول والقواعد الكلّية عن الأدلة القائمة عليها في الشريعة، والتسلّط على تفريع الفروع عليها واستخراج أحكامها منها، وهم الأصوليّون منهم،كالعماني، والاسكافي، وشيخنا المفيد، وسيدنا المرتضى، والشيخ ، وغيرهم ممّن يحذو حذوهم.

وأنت إذ تأمّلت لا تجد فرقاً بين الطريقتين إلاّ من جهة كون هؤلاء أرباب التحقيق في المطالب، وأصحاب النظر الدقيق في استنباط المقاصد وتفريع الفروع على القواعد، ولهذا اتسعت دائرتهم في البحث والنظر، وأكثروا من بيان الفروع والمسائل، وتعدوا عن متون الأخبار...، وأولئك المحدّثون ليسوا غالبا بتلك القوّة من الملكة وذلك التمكّن من الفنّ، فلذا اقتصروا على ظواهر الروايات، ولم يتعدّوا - غالباً - عن ظواهر مضامينها، ولم يوسعوا الدائرة في التفريعات على القواعد، وأنّهم لما كانوا في أوائل انتشار الفقه وظهور المذهب كان من شأنهم تنقيح أصول الأحكام التي عمدتها الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة، فلم يتمكّنوا من مزيد إمعان النظر في مضامينها وتكثير الفروع المتفرّعة عليها، ثمّ إنّ ذلك إنّما حصل بتلاحق الأفكار في الأزمنة المتأخّرة)(١) .

وفي كتابالحدائق يعترف الفقيه الجليل الشيخيوسف البحراني - بالرغم من موافقته على بعض أفكار المحدّث الاسترابادي - بأنّ هذه المحدّث هو أوّل من جعل الأخبارية مذهباً، وأوجد الاختلاف في صفوف العلماء على أساس ذلك، فقد كتب يقول : ( ولم يرتفع صيت هذا الخلاف، ولا وقع هذا الاعتساف إلاّ في زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية ؛ فإنّه قد جرّد لسان التشنيع على الأصحاب، وأسهب في ذلك أي إسهاب، وأكثر من التعصّبات

____________________

(١) هداية المسترشدين : ٤٨٣، السطر ٣١.


التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب )(١) .

اتّجاه التأليف في تلك الفترة :

وإذا درسنا النتاج العلمي في الفترة التي توسّعت فيها الحركة الأخبارية في أواخر القرن الحادي عشر وخلال القرن الثاني عشر وجدنا اتّجاها نشيطاً موفّقا في تلك المدّة إلى جمع الأحاديث وتأليف الموسوعات الضخمة في الروايات والأخبار، ففي تلك المدّة كتبالشيخ محمّد باقر المجلسي قدس‌سره - المتوفّى سنة ١١١٠ ه- كتاب( البحار ) وهو أكبر موسوعة للحديث عند الشيعة، وكتبالشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي قدس‌سره - المتوفّى سنة ١١٠٤ ه- كتاب( الوسائل ) الذي جمع فيه عدداً كبيراً من الروايات المرتبطة بالفقه، وكتبالفيض محسن القاساني - المتوفّى سنة ١٠٩١ ه- كتاب( الوافي ) المشتمل على الأحاديث التي جاءت في الكتب الأربعة، وكتبالسيد هاشم البحراني - المتوفّى سنة ١١٠٧ ه- أو حوالي ذلك - كتاب ( البرهان ) في التفسير جمع فيه المأثور من الروايات في تفسير القرآن.

ولكنّ هذا الاتّجاه العام في تلك الفترة إلى التأليف في الحديث لا يعني أنّ الحركة الأخبارية كانت هي السبب لخلقه، وإن كانت عاملا مساعداً في أكبر الظنّ، بالرغم من أنّ بعض أقطاب ذلك الاتجاه لم يكنوا أخباريين، وإنّما تكوّن هذه الاتجاه العام نتيجة لعدّة أسباب، ومن أهمّها : أنّ كتباً عديدة في الروايات اكتشفت خلال القرون التي أعقبت الشيخ لم تكن مندرجة في كتب الحديث الأربعة عند الشيعة، ولهذا كان لا بدّ لهذه الكتب المتفرّقة من موسوعات جديدة

____________________

(١) الحدائق الناضرة ١ : ١٧٠.


تضمّها وتستوعب كلّ ما كشف عنه الفحص والبحث العلمي من روايات وكتب أحاديث.

وعلى هذا الضوء قد يمكن أن نعتبر العمل في وضع تلك الموسوعات الضخمة التي أنجزت في تلك الفترة عاملاً من العوامل التي عارضت نمو البحث الأصولي إلى صف الحركة الأخبارية، ولكنّه عامل مبارك على أيّ حال ؛ لأنّ وضع تلك الموسوعات كان من مصلحة عملية الاستنباط نفسها التي يخدمها علم الأصول.

البحث الأصولي في تلك الفترة :

وبالرغم من الصدمة التي مُنِي بها البحث الأصولي في تلك الفترة لم تنطفئ جذوته، ولم يتوقّف نهائياً، فقد كتب الملاعبد الله التوني - المتوفّى سنة ١٠٧١ ه-( الوافية في الأصول ) ، وجاء بعده المحقّق الجليلالسيد حسين الخونساري - المتوفّى سنة ١٠٩٨ ه- وكان على قدرٍ كبيرٍ من النبوغ والدقّة، فأمدّ الفكر الأصولي بقوّة جديدة كما يبدو من أفكاره الأصولية في كتابه الفقهي( مشارق الشموس في شرح الدروس ) ، ونتيجة لمرانه العظيم في التفكير الفلسفي انعكس اللون الفلسفي على الفكر العلمي والأصولي بصورة لم يسبق لها نظير.

ونقول : انعكس اللون الفلسفي لا الفكر الفلسفي ؛ لأنّ هذا المحقّق كان ثائراً على الفسلفة، وله معارك ضخمة مع رجالاتها، فلم يكن فكره فكراً فلسفياً بصيغته التقليدية وإن كان يحمل اللون الفلسفي، فحينما مارس البحث الأصولي انعكس اللون، وسرى في الأصول الاتّجاه الفلسفي في التفكير بروحية متحرّرة من الصيغ التقليدية التي كانت الفلسفة تتبنّاها في مسائلها وبحوثها، وكان لهذه الروح أثرها الكبير في تأريخ العلم فيما بعد، كما سنرى إن شاء الله تعالى.


وفي عصر الخونساري كان المحقّق محمّد بن الحسن الشيرواني - المتوفّى سنة ١٠٩٨ ه- يكتب حاشيته على المعالم.

ونجد بعد ذلك بحثين أصوليين : أحدهما قام بهجمال الدين بن الخونساري ، إذ كتب تعليقاً على شرحالمختصر للعضدي ، وقد شهد لهالشيخ الأنصاري فيالرسائل (١) بالسبق إلى بعض الأفكار الأصولية.والآخر السيدصدر الدين القمّي الذي تلمّذ علىجمال الدين ، وكتب شرحاًلوافية التوني ، ودرس عنده الأستاذالوحيد البهبهاني ، وتوفّي سنة [ ١١٦٥ ه- ].

والواقع أنّالخونساري الكبير ومعاصرهالشيرواني وابنهجمال الدين وتلميذ ولدهصدر الدين - بالرغم من أنّهم عاشوا فترة زعزعة الحركة الأخبارية للبحث الأصولي وانتشار العمل في الأحاديث - كانوا عوامل رفع للتفكير الأصولي، وقد مهّدوا ببحوثهم لظهور مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني التي افتتحت عصراً جديدا في تأريخ العلم كما سوف نرى، وبهذا يمكن اعتبار تلك البحوث البذور الأساسية لظهور هذه المدرسة، والحلقة الأخيرة التي أكسبت الفكر العلمي في العصر الثاني الاستعداد للانتقال إلى عصر ثالث.

انتصار علم الأصول وظهور مدرسة جديدة :

وقد قدر للاتجاه الأخباري في القرن الثاني عشر أن يتّخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له، وبهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه والأصول نشأت في كربلاء أيضاً على يد رائدها المجدّد الكبيرمحمّد باقر البهبهاني المتوفّى سنة ( ١٢٠٦ ه- )، وقد نصبت هذه المدرسة الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الأخبارية والانتصار لعلم

____________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٤٠٠.


الأصول، حتى تضاءل الاتّجاه الأخباري ومُنِي بالهزيمة، وقد قامت هذه المدرسة إلى صف ذلك بتنمية الفكر العلمي والارتفاع بعلم الأصول إلى مستوى أعلى، حتى أن بالإمكان القول بأنّ ظهور هذه المدرسة وجهودها المتضافرة التي بذلها البهبهاني وتلامذة مدرسته المحقّقون الكبار قد كان حداً فاصلا بين عصرين من تأريخ الفكر العلمي في الفقه والأصول.

وقد يكون هذا الدور الايجابي الذي قامت به هذه المدرسة فافتتحت بذلك عصراً جديداً في تاريخ العلم متأثّراً بعدّة عوامل :

منها : عامل ردّ الفعل الذي أوجدته الحركة الأخبارية، وبخاصة حين جمعها مكان واحد ككربلاء بالحوزة الأصولية، الأمر الذي يؤدّي بطبيعته إلى شدّة الاحتكاك وتضاعف ردّ الفعل.

ومنها : أنّ الحاجة إلى وضع موسوعات جديدة في الحديث كانت قد أشبعت، ولم يبقَ بعد وضع الوسائل والوافي والبحار إلاّ أن يواصل العلم نشاطه الفكري مستفيداً من تلك الموسوعات في عمليات الاستنباط.

ومنها : أنّ الاتّجاه الفلسفي في التفكير الذي كان الخونساري قد وضع إحدى بذوره الأساسية زوَّد الفكر العلمي بطاقة جديدة للنموّ وفتح مجالاً جديدا للإبداع، وكانت مدرسة البهبهاني هي الوارثة لهذا الاتّجاه.

ومنها : عامل المكان، فإنّ مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني نشأت على مقربة من المركز الرئيسي للحوزة - وهو النجف - فكان قربها المكاني هذا من المركز سببا لاستمرارها ومواصلة وجودها عبر طبقات متعاقبة من الأساتذة والتلامذة، الأمر الذي جعل بإمكانها أن تضاعف خبرتها باستمرار وتضيف خبرة طبقة من رجالاتها إلى خبرة الطبقة التي سبقتها، حتى استطاعت أن تقفز بالعلم قفزة كبيرة وتعطيه ملامح عصر جديد.وبهذا كانت مدرسة البهبهاني تمتاز عن


المدارس العديدة التي كانت تقوم هنا وهناك بعيداً عن المركز وتتلاشى بموت رائدها.

نصّ يصوِّر الصراع مع الحركة الأخبارية :

وللمحقّق البهبهاني رائد هذه المدرسة كتاب في الأصول باسم( الفوائد الحائرية ) نلمح فيه ضراوة المعركة التي كان يخوضها ضدّ الحركة الأخبارية.

ونقتبس من الكتاب نصّاً يشير فيه إلى بعض شبهات الأخباريين وحججهم ضدّ علم الأصول، ويلمّح لدى تفنيدها إلى ما شرحناه سابقاً من أنّ الحاجة إلى علم الأصول حاجة تأريخية.

قال البهبهاني : ( لمّا بَعُد العهد عن زمان الأئمّةعليهم‌السلام وخفت أمارات الفقه والأدلة - على ما كان المقرّر عند الفقهاء والمعهود بينهم بلا خفاء بانقراضهم وخلوّ الديار عنهم إلى أن انطمس أكثر آثارهم، كما كانت طريقة الأُمم السابقة والعادة الجارية في الشرائع الماضية : أنّه كلما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى أمارات قديمة، وتحدث خيالات جديدة إلى أن تضمحلّ تلك الشريعة - توهّم متوهّم أنّ شيخنا المفيد ومن بعده من فقهائنا إلى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة، مبدِعين بدعاً كثيرةً...، متابعين للعامة، مخالفين لطريقة الأئمّة، ومغيِّرين لطريقة الخاصّة، مع غاية قربهم(١) لعهد الأئمّة، ونهاية جلالتهم وعدالتهم ومعارفهم في الفقه والحديث و تبحّرهم وزهدهم وورعهم )(٢) .

____________________

(١) أي : إنّ هذه التهمة توجّه إليهم بالرغم من أنّهم في غاية القرب لعهد الأئمّةعليهم‌السلام .( المؤلّف قدس‌سره ).

(٢) الفوائد الحائرية : ٨٥ - ٨٦.


ويستمرّ في استعراض مدى جرأة خصومه على أولئك الكبار ويحاسبهم على تلك الجرأة، ثمّ يقول : ( وشبهتهم الأخرى هي : أنّ رواة هذه الأحاديث ما كانوا عالِمين بقواعد المجتهدين(١) ، مع أنّ الحديث كان حجّة لهم، فنحن أيضاً مثلهم لا نحتاج إلى شرط من شرائط الاجتهاد، وحالنا بعينه حالهم، ولا ينقطعون بأنّ الراوي كان يعلم أنّ ما سمعه كلام إمامه، وكان يفهم من حيث إنّه من أهل اصطلاح زمان المعصومعليه‌السلام ، ولم يكن مبتلىً بشيءٍ من الاختلالات التي ستعرفها، ولا محتاجاً إلى علاجها )(٢) .

استخلاص :

ولا يمكننا على مستوى هذه الحلقة أن نتوسّع في درس الدور المهمّ الذي قامت به هذه المدرسة أستاذاً وتلامذة وما حقّقته للعلم من تطوير وتعميق.

وإنّما الشيء الذي يمكننا تقريره الآن مع تلخيص كلّ ما تقدم عن تأريخ العلم هو : أنّ الفكر العلمي مرَّ بعصورٍ ثلاثة :

الأوّل : العصر التمهيدي، وهو عصر وضع البذور الأساسية لعلم الأصول، ويبدأ هذا العصر بابن أبي عقيل وابن الجنيد، وينتهي بظهور الشيخ.

الثاني : عصر العلم، وهو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور، وأثمرت وتحدّدت معالم الفكر الأصولي، وانعكست على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع، ورائد هذا العصر هو الشيخ الطوسي، ومن رجالاته الكبار : ابن إدريس، والمحقّق الحلّي، والعلاّمة، والشهيد الأوّل، وغيرهم من النوابغ.

____________________

(١) يقصد بقواعد المجتهدين : علم الأصول.( المؤلّف قدس‌سره ).

(٢) الفوائد الحائرية : ٨٨ - ٨٩.


الثالث : عصر الكمال العلمي، وهو العصر الذي افتتحته في تأريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني، وبدأت تبني للعلم عصره الثالث بما قدّمته من جهود متضافرة في الميدانين الأصولي والفقهي.

وقد تمثّلت تلك الجهود في أفكار وبحوث رائد المدرسة الأستاذ الوحيد وأقطاب مدرسته الذين واصلوا عمل الرائد حوالي نصف قرن، حتى استكمل العصر الثالث خصائصه العامة ووصل إلى القِمّة.

ففي هذه المدّة تعاقبت أجيال ثلاثة من نوابغ هذه المدرسة :

ويتمثّل الجيل الأوّل في المحقّقين الكبار من تلامذة الأستاذ الوحيد، كالسيّد مهدي بحر العلوم المتوفّى سنة ( ١٢١٢ ه- )، والشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفّى سنة ( ١٢٢٧ ه- )، والميرزا أبي القاسم القمّي المتوفّى سنة [ ١٢٣١ ه- ]، والسيد علي الطباطبائي المتوفّى سنة [ ١٢٣١ ه- )، والشيخ أسد الله التُستري المتوفّى سنة ( ١٢٣٤ ه- ).

ويتمثّل الجيل الثاني في النوابغ الذين تخرّجوا على بعض هؤلاء، كالشيخ محمّد تقي عبد الرحيم المتوفّى سنة ( ١٢٤٨ ه- )، وشريف العلماء محمّد شريف ابن حسن بن عليّ المتوفّى سنة ( ١٢٤٥ ه- )، والسيد محسن الأعرجي المتوفّى سنة ( ١٢٢٧ ه- )، والمولى أحمد النراقي المتوفّى سنة ( ١٢٤٥ ه- )، والشيخ محمّد حسن النجفي المتوفّى سنة ( ١٢٦٦ ه- )، وغيرهم.

وأمّا الجيل الثالث فعلى رأسه تلميذ شريف العلماء المحقّق الكبير الشيخ مرتضى الأنصاري، الذي ولد بُعَيد ظهور المدرسة الجديدة عام ( ١٢١٤ ه-)، وعاصرها في مرحلته الدراسية وهي في أوج نموّها ونشاطها، وقدِّر له أن يرتفع بالعلم في عصره الثالث إلى القمّة التي كانت المدرسة الجديدة في طريقها إليها.


ولا يزال علم الأصول والفكر العلمي السائد في الحوزات العلمية الإمامية يعيش العصر الثالث الذي افتتحته مدرسة الأستاذ الوحيد.

ولا يمنع تقسيمنا هذا لتأريخ العلم إلى عصور ثلاثة إمكانية تقسيم العصر الواحد من هذه العصور إلى مراحل من النموّ، ولكلّ مرحلة رائدها وموجِّهها.وعلى هذا الأساس نعتبر الشيخ الأنصاريقدس‌سره - المتوفّى سنة ١٢٨١ ه- رائدا لأرقى مرحلة من مراحل العصر الثالث، وهي المرحلة التي يتمثّل فيها الفكر العلمي منذ أكثر من مئة سنة حتّى اليوم.


مصادر الإلهام للفكر الأصولي

لا نستطيع - ونحن لا نزال في الحلقة الأُولى - أن نتوسّع في دراسة مصادر الإلهام للفكر الأصولي، ونكشف عن العوامل التي كانت تلهم الفكر الأصولي وتمدّه بالجديد تلو الجديد من النظريات ؛ لأنّ ذلك يتوقف على الإحاطة المسبقة بتلك النظريات، ولهذا سوف نلخِّص في ما يلي مصادر الإلهام بصورة موجزة :

١ - بحوث التطبيق في الفقه : فإنّ الفقيه تنكشّف لديه من خلال بحثه الفقهي التطبيقي المشاكل العامة في عملية الاستنباط، ويقوم علم الأصول عندئذ بوضع الحلول المناسبة لها، وتصبح هذه الحلول والنظريات عناصر مشتركة في عملية الاستنباط.ولدى محاولة تطبيقها على مجالاتها المختلفة كثيرا ما ينتبه الفقيه إلى أشياء جديدة يكون لها أثر في تعديل تلك النظريات أو تعميقها.

ومثال ذلك : أنّ علم الأصول يقرّر أنّ الشيء إذا وجب وجبت مقدّمته، فالوضوء يجب - مثلاً - إذا وجبت الصلاة ؛ لأنّ الوضوء من مقدّمات الصلاة، كما يقرّر علم الأصول أيضاً أنّ مقدّمة الشيء إنّما تجب في الظرف الذي يجب فيه ذلك الشيء ولا يمكن أن تسبقه في الوجوب، فالوضوء إنّما يجب حين تجب


الصلاة، ولا يجب قبل الزوال، إذ لا تجب الصلاة قبل الزوال، فلا يمكن أن يصبح الوضوء واجباً قبل أن يحلّ وقت الصلاة وتجب.

والفقيه حين يكون على علمٍ بهذه المقرّرات ويمارس عمله في الفقه فسوف يلحظ في بعض المسائل الفقهية شذوذاً جديرا بالدرس، ففي الصوم يجد - مثلاً - أنّ من المقرّر فقهياً أن وقت الصوم يبدأ من طلوع الفجر ولا يجب الصوم قبل ذلك، وكذلك من الثابت في الفقه أنّ المكلّف إذا أجنب في ليلة الصيام فيجب عليه أن يغتسل قبل الفجر لكي يصحّ صومه ؛ لأنّ الغسل من الجنابة مقدّمة للصوم فلا صوم بدونه، كما أنّ الوضوء مقدّمة للصلاة ولا صلاة بدون وضوء.

ويحاول الفقيه بطبيعة الحال أن يدرس هذه الأحكام الفقهية على ضوء تلك المقرّرات الأصولية، فيجد نفسه في تناقض ؛ لأنّ الغسل وجب على المكلّف فقهياً قبل مجيء وقت الصوم، بينما يقرّر علم الأصول أنّ مقدّمة كلّ شيء إنّما تجب في ظرف وجوب ذلك الشيء ولا تجب قبل وقته.وهكذا يُرغِم الموقف الفقهي الفقيه أن يراجع من جديدٍ النظرية الأصولية، ويتأمّل في طريقة للتوفيق بينهما وبين الواقع الفقهي، وينتج عن ذلك تولّد أفكار أصولية جديدة بالنسبة إلى النظرية تحدّدها أو تعمّقها وتشرحها بطريقة جديدة تتّفق مع الواقع الفقهي.

وهذا المثال مستمد من الواقع، فإنّ مشكلة تفسير وجوب الغُسل قبل وقت الصوم تكشَّفت من خلال البحث الفقهي، وكان أوّل بحث فقهيٍّ استطاع أن يكشف عنها هو بحث ابن إدريس في السرائر(١) وإن لم يوفّق لعلاجها.

وأدّى اكتشاف هذه المشكلة إلى بحوث أصولية دقيقةٍ في طريق التوفيق

____________________

(١) السرائر ١ : ١٣٠.


بين المقرّرات الأصولية السابقة والواقع الفقهي، وهي البحوث التي يطلق عليها اليوم اسم بحوث المقدّمات المفوِّتة.

٢ - علم الكلام : فقد لعب دوراً مهمّا في تموين الفكر الأصولي وإمداده، وبخاصة في العصر الأول والثاني ؛ لأنّ الدراسات الكلامية كانت منتشرة وذات نفوذ كبير على الذهنية العامة لعلماء المسلمين حين بدأ علم الأصول يشقّ طريقه إلى الظهور، فكان من الطبيعي أن يعتمد عليه ويستلهم منه.

ومثال ذلك : نظرية الحسن والقبح العقليّين، وهي النظرية الكلامية القائلة : بأنّ العقل الإنساني يدرك بصورةٍ مستقلّة عن النصّ الشرعي قبح بعض الأفعال، كالظلم والخيانة، وحسن بعضها، كالعدل والوفاء والأمانة، فإنّ هذه النظرية استخدمت أُصولياً في العصر الثاني لحجّية الإجماع، أي إنّ العلماء إذا اتّفقوا على رأي واحدٍ فهو الصواب، بدليل أنّه لو كان خطأً لكان من القبيح عقلا سكوت الإمام المعصوم عنه وعدم إظهاره للحقيقة، فقبح سكوت الإمام عن الخطأ هو الذي يضمن صواب الرأي المجمع عليه.

٣ - الفلسفة : وهي لم تصبح مصدرا لإلهام الفكر الأصولي في نطاق واسع إلاّ في العصر الثالث تقريباً، نتيجة لرواج البحث الفلسفي على الصعيد الشيعي بدلاً عن علم الكلام، وانتشار فلسفات كبيرة ومجدّدة، كفلسفة صدر الدين الشيرازي المتوفّى سنة ( ١٠٥٠ ه- )، فإنّ ذلك أدّى إلى إقبال الفكر الأصولي في العصر الثالث على الاستمداد من الفلسفة واستلهامها أكثر من استلهام علم الكلام، وبخاصة التيار الفلسفي الذي أوجده صدر الدين الشيرازي.ومن أمثلة ذلك: ما لعبته مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية في مسائل أصولية متعدّدة، كمسألة اجتماع الأمر والنهي، ومسألة تعلّق الأوامر بالطبائع والأفراد، الأمر الذي لا يمكننا فعلاً توضيحه.


٤ - الظرف الموضوعي الذي يعيشه المفكر الأصولي : فإنّ الأصولي قد يعيش في ظرف معيّن فيستمدّ من طبيعة ظرفه بعض أفكاره، ومثاله : أولئك العلماء الذين كانوا يعيشون في العصر الأوّل ويجدون الدليل الشرعي الواضح ميسراً لهم في جلِّ ما يواجهونه من حاجات وقضايا، نتيجة لقرب عهدهم بالأئمّةعليهم‌السلام ، وقلّة ما يحتاجون إليه من مسائل نسبياً، فقد ساعد ظرفهم ذلك وسهولة استحصال الدليل فيه على أن يتصوّروا أنّ هذه الحالة حالة مطلقة ثابتة في جميع العصور.وعلى هذا الأساس ادّعوا أنّ من اللطف الواجب على الله أن يجعل على كلِّ حكمٍ شرعيٍّ دليلاً واضحاً ما دام الإنسان مكلّفا والشريعة باقية.

٥ - عامل الزمن : وأعني بذلك أنّ الفاصل الزمني بين الفكر الفقهي وعصر النصوص كلما اتّسع وازداد تجدّدت مشاكل وكلف علم الأصول بدراستها، فعلم الأصول يُمنى نتيجةً لعامل الزمن وازدياد البعد عن عصر النصوص بألوانٍ من المشاكل، فينمو بدراستها والتفكير في وضع الحلول المناسبة لها.

ومثال ذلك : أنّ الفكر العلمي ما دخل العصر الثاني حتى وجد نفسه قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة تجعل أكثر الأخبار والروايات التي لديه غير قطعية الصدور، ولا يتيسّر الاطلاع المباشر على صحتها كما كان ميسوراً في كثير من الأحيان لفقهاء العصر الأوّل، فبرزت أهمّية الخبر الظنّي ومشاكل حجّيته، وفرضت هذه الأهمية واتّساع الحاجة إلى الأخبار الظنّية على الفكر العلمي أن يتوسّع في بحث تلك المشاكل ويعوِّض عن قطعية الروايات بالفحص عن دليل شرعيٍّ يدلّ على حجّيتها وإن كانت ظنّية، وكان الشيخ الطوسي رائد العصر الثاني هو أوّل من توسّع في بحث حجّية الخبر الظنّي وإثباتها.

ولمّا دخل العلم في العصر الثالث أدّى اتّساع الفاصل الزمني إلى الشكّ حتّى في مدارك حجّية الخبر ودليلها الذي استند إليه الشيخ في مستهلّ العصر


الثاني، فإنّ الشيخ استدلّ على حجية الخبر الظّني بعمل أصحاب الأئمّة به، ومن الواضح أنّا كلّما ابتعدنا عن عصر أصحاب الأئمّة ومدارسهم يصبح الموقف أكثر غموضاً، والاطّلاع على أحوالهم أكثر صعوبة.

وهكذا بدأ الأصوليّون في مستهلّ العصر الثالث يتساءلون : هل يمكننا أن نظفر بدليل شرعيٍّ على حجّية الخبر الظنّي، أوْ لا ؟

وعلى هذا الأساس وجد في مستهلِّ العصر الثالث اتجاه جديد يدّعي انسداد باب العلم ؛ لأنّ الأخبار ليست قطعية، وانسداد باب الحجّة ؛ لأنّه لا دليل شرعيّ على حجّية الأخبار الظنّية، ويدعو إلى إقامة علم الأصول على أساس الاعتراف بهذا الانسداد، كما يدعو إلى جعل الظنّ بالحكم الشرعي - أيّ ظنٍّ - أساسا للعمل، دون فرق بين الظن الحاصل من الخبر وغيره ما دمنا لا نملك دليلاً شرعياً خاصّاً على حجّية الخبر يميِّزه عن سائر الظنون.

وقد أخذ بهذا الاتّجاه عدد كبير من روّاد العصر الثالث ورجالات المدرسة التي افتتحت هذه العصر، كالأستاذ البهبهاني، وتلميذه المحقّق القمّي، وتلميذه صاحب الرياض، وغيرهما، وبقي هذا الاتّجاه قيد الدرس والبحث العلمي حتى يومنا هذا.

وبالرغم من أنّ لهذا الاتجاه الانسدادي بوادره في أواخر العصر الثاني فقد صرّح المحقّق الشيخ محمّد باقر(١) بن صاحب الحاشية على المعالم : بأنّ الالتزام بهذا الاتّجاه لم يعرف عن أحدٍ قبل الأستاذ الوحيد البهبهاني وتلامذته، كما أكّد أبوه المحقّق الشيخ محمّد تقي في حاشيته(٢) على المعالم : أنّ الأسئلة التي يطرحها

____________________

(١) لم نعثر على التصريح.

(٢) هداية المسترشدين : ٣٨٥.


هذه الاتّجاه حديثة ولم تدخل في الفكر العلمي قبل عصره.

وهكذا نتبيّن كيف تظهر بين فترة وفترة اتجاهات جديدة، وتتضخّم أهّميتها العلمية بحكم المشاكل التي يفرضها عامل الزمن.

٦ - عنصر الإبداع الذاتي : فإنّ كلّ علم حين ينمو ويشتدّ يمتلك بالتدريج قدرة على الخلق والتوليد الذاتي نتيجة لمواهب النوابغ في ذلك العلم والتفاعل بين أفكاره.ومثال ذلك في علم الأصول : بحوث الأصول العملية، وبحوث الملازمات والعلاقات بين الأحكام الشرعية، فإنّ أكثر هذه البحوث نتائج أصولي خالص.

ونقصد ببحوث الأصول العملية : تلك البحوث التي تدرس نوعية القواعد الأصولية والعناصر المشتركة التي يجب على الفقيه الرجوع إليها لتحديد موقفه العملي إذا لم يجد دليلاً على الحكم وظلّ الحكم الشرعي مجهولاً لديه.

ونقصد ببحوث الملازمات والعلاقات بين الأحكام : ما يقوم به علم الأصول من دراسة الروابط المختلفة بين الأحكام، من قبيل مسألة أنّ النهي عن المعاملة هل يقتضي فسادها، أوْ لا ؟ إذ تدرس في هذه المسألة العلاقة بين حرمة البيع وفساده، وهل يفقد أثره في نقل الملكية من البائع إلى المشتري إذا أصبح حراماً، أو يظلّ صحيحاً ومؤثّراً في نقل الملكية بالرغم من حرمته ؟ أي أنّ العلاقة بين الحرمة والصحّة هل هي علاقة تضادٍّ أوْ لا ؟

عطاء الفكر الأصولي وإبداعه :

وبودِّي أن أُشير بهذا الصدد إلى حقيقة يجب أن يعلمها الطالب ولو بصورة مجملة، حيث لا يمكن توضيحها والتوسع فيها على مستوى هذه الحلقة.

وهذه الحقيقة هي : أنّ علم الأصول لم يقتصر إبداعه الذاتي على مجاله


الأصيل، أي مجال تحديد العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، بل كان له إبداع كبير في عدد من أهمّ مشاكل الفكر البشري ؛ وذلك أنّ علم الأُصول بلغ في العصر العلمي الثالث وفي المرحلة الأخيرة من هذا العصر بصورة خاصّة قمّة الدقّة والعمق، ووعى بفهم وذكاء مشاكل الفلسفة وطرائقها في التفكير والاستدلال، وبحثها متحرّرا من التقاليد الفلسفية التي تقيّد بها البحث الفلسفي منذ ثلاثة قرون، إذ كان يسير في خطٍّ مرسوم، ولا يجسر على التفكير في الخروج عن القواعد العامّة للتفكير الفلسفي، ويستشعر الهيبة للفلاسفة الكبار، وللمسلّمات الأساسية في الفلسفة بالدرجة التي تجعل هدفه الأقصى استيعاب أفكارهم والقدرة على الدفاع عنها.

وبينما كان البحث الفلسفي على هذه الصورة كان البحث الأصولي يخوض بذكاء وعمق في درس المشاكل الفلسفية متحّرّراً من سلطان الفلاسفة التقليديّين وهيبتهم.وعلى هذا الأساس تناول علم الأصول جملة من قضايا الفلسفة والمنطق التي تتّصل بأهدافه، وأبدع فيها إبداعاً أصيلا لا نجده في البحث الفلسفي التقليدي، ولهذا يمكننا القول بأنّ الفكر الذي أعطاه علم الأصول في المجالات التي درسها من الفلسفة والمنطق أكثر جدةً من الفكر الذي قدّمته فلسفة الفلاسفة المسلمين نفسهم في تلك المجالات.

وفي ما يلي نذكر بعض الحقول التي أبدع فيها الفكر الأُصولي(١) :

١ - في مجال نظرية المعرفة : وهي النظرية التي تدرس قيمة المعرفة

____________________

(١) هذه النماذج لا يطلب تدريسها بالتفصيل، وإنّما يكتفي المدرِّس - إذا رأى مجالاً - بالإشارة إلى بعضها، وسوف نستعرضها بصورةٍ أوضح في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.( المؤلّف قدس‌سره ).


البشرية ومدى إمكان الاعتماد عليها، وتبحث عن المصادر الرئيسية لها.

فقد امتدّ البحث الأصولي إلى مجال هذه النظرية، وانعكس ذلك في الصراع الفكري الشديد بين الأخباريّين والمجتهدين، الذي كان ولا يزال يتمخّض عن أفكار جديدة في هذا الحقل، وقد عرفنا سابقاً كيف أنّ التيّار الحسّي تسرّب عن طريق هذا الصراع إلى الفكر العلمي عند فقهائنا، بينما لم يكن قد وجد في الفلسفة الأوروبية إلى ذلك الوقت.

٢ - في مجال فلسفة اللغة : فقد سبق الفكر الأُصولي أحدث اتّجاه عالميّ في المنطق الصوري اليوم، وهو اتّجاه المناطقة الرياضيّين الذين يردّون الرياضيات إلى المنطق، والمنطق إلى اللغة، ويرون أنّ الواجب الرئيسي على الفيلسوف أن يحلِّل اللغة ويفلسفها بدلا عن أن يحلِّل الوجود الخارجي ويفلسفه.فإنّ المفكّرين الأُصوليّين قد سبقوا في عملية التحليل اللغوي، وليست بحوث المعنى الحرفي والهيئات في الأصول إلاّ دليلاً على هذا السبق.

ومن الطريف أن يكتب اليوم( برتراند رسل ) - رائد ذلك الاتّجاه الحديث في العالم المعاصر، محاولا التفرقة بين جملتين لغويّتين في دراسته التحليلية للّغة، وهما :( مات قيصر ) و( موت قيصر ) أو( صدق موت قيصر ) ، فلا ينتهي إلى نتيجة، وإنما يعلّق على مشكلة التمييز المنطقي بين الجملتين - فيقول : ( لست أدري كيف أعالج هذه المشكلة علاجا مقبولاً ؟ ) (١) .

أقول : من الطريف أن يعجز باحث في قمّة ذلك الاتّجاه الحديث عن تحليل الفرق بين تلك الجملتين، بينما يكون علم الأُصول قد سبق إلى دراسة هذا الفرق

____________________

(١) أصول الرياضيات ١ : ٩٦ ترجمة الدكتور محمّد موسى أحمد والدكتور أحمد فؤاد الأهواني.


في دراساته الفلسفية التحليلية للّغة ووضع له أكثر من تفسير.

٣ - وكذا نجد لدى بعض المفكّرين الأصوليّينبذور نظرية الأنماط المنطقية ، فقد حاول المحقّقالشيخ محمّد كاظم الخراساني فيالكفاية (١) أن يميِّز بين الطلب الحقيقي والطلب الإنشائي بما يتّفق مع الفكرة الرئيسية في تلك النظرية.وبهذا يكون الفكر الأُصولي قد استطاع أن يسبق ( برتراند رسل ) صاحب تلك النظرية، بل استطاع بعد ذلك أكثر من هذا، فقام بمناقشتها ودحضها، وحلّ التناقضات التي بنى ( رسل ) نظريته على أساسها.

٤ - ومن أهمّ المشاكل التي درستها الفلسفة القديمة وتناولتها البحوث الجديدة في التحليل الفلسفي للّغة هيمشكلة الكلمات التي لا يبدو أنّها تعبِّر عن شيء موجود ، فماذا نقصد بقولنا مثلا : ( الملازمة بين النار والحرارة ) ؟ وهل هذه الملازمة موجودة إلى جانب وجود النار والحرارة، أو معدومة ؟ وإذا كانت موجودة فأين هي موجودة ؟ وإذا كانت معدومةً ولا وجود لها فكيف نتحدّث عنها ؟

وقد درس الفكر الأُصولي هذه المشكلة متحرّراً عن القيود الفلسفية التي كانت تحصر المسألة في نطاق الوجود والعدم، فأبدع فيها.

وكلّ هذه الأمثلة والنماذج نذكرها الآن لينفتح لها الطالب على سبيل الإجمال، وأمّا توضيحها وشرحها فنؤجِّله إلى الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

____________________

(١) كفاية الأُصول : ٨٤.



الحكم الشرعي وتقسميه

عرفنا أنّ علم الأُصول يدرس العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي، ولأجل ذلك يجب أن نكوِّن فكرة عامة منذ البدء عن الحكم الشرعي الذي يقوم علم الأُصول بتحديد العناصر المشتركة في عملية استنباطه.

الحكم الشرعي : هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان.والخطابات الشرعية في الكتاب والسنّة مبرِزة للحكم وكاشفة عنه، وليست هي الحكم الشرعي نفسه.

وعلى هذا الضوء يكون من الخطأ تعريف الحكم الشرعي بالصيغة المشهورة بين قدماء الأُصوليين، إذ يعرِّفونه : بأنّه الخطاب الشرعي المتعلّق بأفعال المكلّفين.(١) ؛ فإنّ الخطاب كاشف عن الحكم، والحكم مدلول الخطاب.

أضف إلى ذلك : أنّ الحكم الشرعي لا يتعلّق بأفعال المكلّفين دائماً، بل قد يتعلّق بذواتهم أو بأشياء أُخرى ترتبط بهم ؛ لأنّ الهدف من الحكم الشرعي تنظيم

____________________

(١) القواعد والفوائد ١ : ٣٩، قاعدة [ ٨ ]، وراجع للتفصيل مفاتيح الأصول للسيّد المجاهد : ٢٩٢.


حياة الإنسان، وهذا الهدف كما يحصل بخطاب متعلّق بأفعال المكلّفين - كخطاب ( صلِّ ) و ( صُم ) و ( لا تشرب الخمر ) - كذلك يحصل بخطاب متعلق بذواتهم، أو بأشياء أخرى تدخل في حياتهم، من قبيل الأحكام والخطابات التي تنظِّم علاقة الزوجية وتعتبر المرأة زوجةً للرجل في ظلِّ شروط معيّنة، أو تنظِّم علاقة الملكية وتعتبر الشخص مالكاً للمال في ظلّ شروطٍ معيّنة، فإنّ هذه الأحكام ليست متعلّقةً بأفعال المكلّفين، بل الزوجية حكم شرعي متعلّق بذواتهم، والملكية حكم شرعي متعلّق بالمال.

فالأفضل إذن استبدال الصيغة المشهورة بما قلناه من أنّ الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الإنسان، سواء كان متعلقاً بأفعاله أو بذاته أو بأشياء أخرى داخلة في حياته.

تقسيم الحكم إلى تكليفيٍّ ووضعي :

وعلى ضوء ما سبق يمكننا تقسيم الحكم إلى قسمين :

أحدهما : الحكم الشرعي المتعلّق بأفعال الإنسان والموجّه لسلوكه مباشرة في مختلف جوانب حياته الشخصية والعبادية والعائلية والاقتصادية والسياسية التي عالجتها الشريعة ونظّمتها جميعا، كحرمة شرب الخمر، ووجوب الصلاة، ووجوب الإنفاق على بعض الأقارب، وإباحة إحياء الأرض، ووجوب العدل على الحاكم.

والآخر : الحكم الشرعي الذي لا يكون موجّها مباشراً للإنسان في أفعاله وسلوكه، وهو كلّ حكم يشرِّع وضعا معيّنا يكون له تأثير غير مباشر على سلوك الإنسان، من قبيل الأحكام التي تنظِّم علاقات الزوجية، فإنّها تشرع بصورة مباشرة علاقة معيّنة بين الرجل والمرأة، وتؤثّر بصورة غير مباشرة على السلوك


وتوجّهه ؛ لأنّ المرأة بعد أن تصبح زوجة - مثلا - تُلزَم بسلوكٍ معيَّن تجاه زوجها، ويسمّى هذا النوع من الأحكام بالأحكام الوضعية.

والارتباط بين الأحكام الوضعية والأحكام التكليفية وثيق، إذ لا يوجد حكم وضعي إلاّ ويوجد إلى صفّه حكم تكليفي، فالزوجية حكم شرعي وضعي توجد إلى صفِّه أحكام تكليفية، وهي : وجوب إنفاق الزوج على زوجته، ووجوب التمكين على الزوجة.والملكية حكم شرعي وضعي توجد إلى صفّه أحكام تكليفية، من قبيل حرمة تصرّف غير المالك في المال إلاّ بإذنه، وهكذا.

أقسام الحكم التكليفي :

ينقسم الحكم التكليفي - وهو الحكم المتعلّق بأفعال الإنسان والموجّه لها مباشرة - إلى خمسة أقسام، وهي كما يلي :

١ - ( الوجوب ) : وهو حكم شرعي يبعث نحو الشيء الذي تعلّق به بدرجة الإلزام، نحو وجوب الصلاة، ووجوب إعالة المعوِزين على وليّ الأمر.

٢ - ( الاستحباب ) : وهو حكم شرعي يبعث نحو الشيء الذي تعلّق به بدرجة دون الإلزام، ولهذا توجد إلى صفّه دائماً رخصة من الشارع في مخالفته، كاستحباب صلاة الليل.

٣ - ( الحرمة ) : وهي حكم شرعي يزجر عن الشيء الذي تعلّق به بدرجة الإلزام، نحو حرمة الربا، وحرمة الزنا، وبيع الأسلحة من أعداء الإسلام.

٤ - ( الكراهة ) : وهي حكم شرعي يزجر عن الشيء الذي تعلّق به بدرجة دون الإلزام، فالكراهة في مجال الزجر كالاستحباب في مجال البعث، كما أنّ الحرمة في مجال الزجر كالوجوب في مجال البعث، ومثال المكروه :


خلف الوعد.

٥ - ( الإباحة ) : وهي أن يفسح الشارع المجال المكلَّف لكي يختار الموقف الذي يريده، ونتيجة ذلك أن يتمتّع المكلّف بالحرّية، فله أن يفعل وله أن يترك.


المعالم الجديدة للأُصول القسم الثاني

بحوث علم الأصول

تنويع البحث.

النوع الأوّل : العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الدليل.

النوع الثاني : العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي.



تنويع البحث

حينما يتناول الفقيه مسألة - كمسألة الإقامة للصلاة - ويحاول استنباط حكمها يتساءل في البداية : ما هو نوع الحكم الشرعيّ المتعلّق بالإقامة ؟ أهو وجوب، أو استحباب ؟ فإن حصل على دليل يكشف عن نوع الحكم الشرعي للإقامة أمكنه الجواب على السؤال الذي طرحه منذ البدء في ضوء هذا الدليل، وكان عليه أن يحدِّد موقفه العملي واستنباطه على أساسه، فيكون استنباطاً قائماً على أساس الدليل.

وإن لم يحصل الفقيه على دليل يعيِّن نوع الحكم الشرعي المتعلق بالإقامة فسوف يضطرّ إلى الكفِّ عن محاولة اكتشاف الحكم الشرعي ما دام لا يوجد في المجال الفقهي دليل عليه، ويظلّ الحكم الشرعي مجهولا للفقيه لا يدري أهو وجوب، أو استحباب ؟ وفي هذه الحالة يستبدل الفقيه سؤاله الأوّل الذي طرحه في البداية بسؤال جديد كما يلي : ما هي القواعد الفقهية التي تحدِّد الموقف العملي تجاه الحكم الشرعي المجهول ؟

فبينما كان الفقيه يحاول تحديد الموقف العملي عن طريق اكتشاف نوع الحكم الشرعي وإقامة الدليل عليه أصبح يحاول تحديد الموقف العلمي على ضوء القواعد التي تعالج مثل هذا الموقف تجاه الحكم المجهول، وهذه القواعد تسمّى بالأُصول العملية.ومثالها : أصالة البراءة، وهي القاعدة القائلة : ( إنّ كلّ إيجاب أو تحريم مجهول لم يقم عليه دليل فلا أثر له على سلوك الإنسان، وليس الإنسان ملزماً بالاحتياط من ناحيته والتقيّد به )، ويقوم الاستنباط في هذه الحالة على أساس الأصل العملي بدلاً عن الدليل.


ولأجل هذا يمكننا تنويع عملية الاستنباط إلى نوعين :

أحدهما : الاستنباط القائم على أساس الدليل، كالاستنباط المستمدِّ من نصٍّ دالٍّ على الحكم الشرعي.

والآخر : الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي، كالاستنباط المستمدِّ من أصالة البراءة.

ولمّا كان علم الأصول هو : ( العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط ) فهو يزوّد كلا النوعين بعناصره المشتركة، وعلى هذا الأساس ننوِّع البحوث الأُصولية إلى نوعين، نتكلّم في النوع الأول عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط القائمة على أساس الدليل، ونتكلّم في النوع الثاني عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط القائمة على أساس الأصل العملي :

العنصر المشترك بين النوعين :

ويوجد بين العناصر المشتركة في عملية الاستنباط عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي بكلا نوعيها : ما كان منها قائما على أساس الدليل، وما كان قائما على أساس الأصل العملي.

وهذا العنصر هو حجّية العلم ( القطع )، ونريد بالعلم : انكشاف قضية من القضايا بدرجة لا يشوبها شكّ.ومعنى حجّية العلم يتلخّص في أمرين :

أحدهما : أنّ العبد إذا تورّط في مخالفة المولى نتيجةً لعمله بقطعه واعتقاده فليس للمولى معاقبته، وللعبد أن يتعذر عن مخالفته للمولى بأنّه عمل على وفق قطعه، كما إذا قطع العبد خطأً بأنّ الشراب الذي أمامه ليس خمراً، فشربه اعتمادا على قطعه وكان الشراب خمرا في الواقع فليس للمولى أن يعاقبه على شربه للخمر ما دام قد استند إلى قطعه، وهذا أحد الجانبين من حجّية العلم، ويسمّى بجانب المعذّرية.

والآخر : أنّ العبد إذا تورّط في مخالفة المولى نتيجة لتركه العمل بقطعه


فللمولى أن يعاقبه ويحتج عليه بقطعه، كما إذا قطع العبد بأن الشراب الذي أمامه خمر، فشربه وكان خمراً في الواقع فإنّ من حقّ المولى أن يعاقبه على مخالفته ؛ لأنّ العبد كان على علمٍ بحرمة الخمر وشربه فلا يعذر في ذلك، وهذا هو الجانب الثاني من حجّية العلم، ويسمّى بجانب المنجّزية.

وبديهيّ أنّ حجّية العلم بهذا المعنى الذي شرحناه لا يمكن أن تستغني عنه أيّ عملية من عمليات استنباط الحكم الشرعي ؛ لأنّ الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائما بنتيجة، وهي العلم بالموقف العملي تجاه الشريعة وتحديده على أساس الدليل، أو على أساس الأصل العملي.ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثر لا بدّ من الاعتراف مسبقا بحجّية العلم ؛ إذ لو لم يكن العلم حجّة ولم يكن صالحاً للاحتجاج به من المولى على عبده ومن العبد على مولاه لكانت النتيجة التي خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغواً ؛ لأنّ علمه ليس حجّة، ففي كلّ عملية استنباط لا بدّ - إذن - أن يدخل عنصر حجّية العلم ؛ لكي تعطي العملية ثمارها ويخرج منها الفقيه بنتيجةٍ إيجابية.وبهذا أصبحت حجّية العلم أعمَّ العناصر الأُصولية المشتركة وأوسعها نطاقاً.

وليست حجّية العلم عنصراً مشتركا في عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعي فحسب، بل هي في الواقع شرط أساسي في دراسة الأُصولي للعناصر المشتركة نفسها أيضاً، فنحن حينما ندرس - مثلاً - مسألة حجّية الخبر أو حجّية الظهور العرفي إنّما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة، فإذا لم يكن العلم حجّةً، فأيُّ جدوىً في دراسة حجّية الخبر والظهور العرفي ؟!

فالفقيه والأُصولي يستهدفان معاً من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية ( تحديد الموقف العلمي تجاه الشريعة )، أو الأصولية ( العنصر المشترك )، فبدون الاعتراف المسبق بحجّية العلم تصبح بحوثهما عبثاً لا طائل تحته.

وحجّية العلم ثابتة بحكم العقل، فإنّ العقل يحكم بأنّ المولى سبحانه حقَّ


الطاعة على الإنسان في كلِّ ما يعلمه من تكاليف المولى وأوامره ونواهيه، فإذا علم الإنسان بحكم إلزاميٍّ من المولى ( وجوب أو حرمة ) دخل ذلك الحكم الإلزامي ضمن نطاق حقّ الطاعة، وأصبح من حقّ المولى على الإنسان أن يمتثل ذلك الإلزام الذي علم به، فإذا قصّر في ذلك أو لم يؤدِّ حقّ الطاعة كان جديرا بالعقاب، وهذا هو جانب المنجّزية في حجّية العلم.

ومن ناحية أخرى يحكم العقل أيضاً بأنّ الإنسان القاطع بعدم الإلزام من حقّه أن يتصرّف كما يحلو له، وإذا كان الإلزام ثابتاً في الواقع والحالة هذه فليس من حق المولى على الإنسان أن يمتثله، ولا يمكن للمولى أن يعاقبه على مخالفته ما دام الإنسان قاطعا بعدم الإلزام، وهذا هو جانب المعذّرية في حجّية العلم.

والعقل كما يدرك حجّية القطع كذلك يدرك أنّ الحجّية لا يمكن أن تزول عن القطع، بل هي لازمة له، ولا يمكن حتى للمولى أن يجرّد القطع من حجّيته ويقول : ( إذا قطعت بعدم الإلزام فأنت لست معذوراً )، أو يقول : إذا قطعت بالإلزام فلك أن تهمله، فإنّ كلّ هذا مستحيل بحكم العقل ؛ لأن القطع لا تنفكّ عنه المعذّرية والمنجّزية بحال من الأحوال، وهذا هو معنى المبدأ الأُصولي القائل ( باستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع ).

قد تقول : هذا المبدأ الأُصولي يعني أنّ العبد إذا تورّط في عقيدة خاطئةٍ فقطع - مثلاً - بأنّ شرب الخمر حلال فليس للمولى أن ينبِّهه على الخطأ.

والجواب : أنّ المولى بإمكانه التنبيه على الخطأ وإخبار العبد بأنّ الخمر ليس مباحاً ؛ لأنّه بذلك يزيل القطع من نفس العبد ويردّه إلى الصواب، والمبدأ الأُصولي الآنف الذكر إنّما يقرّر استحالة صدور الردع من المولى عن العمل بالقطع مع بقاء القطع ثابتاً، فالقاطع بحلّية شرب الخمر يمكن للمولى أن يزيل قطعه، ولكن من المستحيل أن يردعه عن العمل بقطعه ويعاقبه على ذلك ما دام قطعه ثابتا ويقينه بالحلّية قائماً.


بحوث علم الأُصول النوع الأوّل

العناصر المشتركة

في الاستنباط القائم على أساس الدليل

تمهيد.

١ - الدليل اللفظي.

٢ - الدليل البرهاني.

٣ - الدليل الاستقرائي.

٤ - التعارض بين الأدلّة.



تمهيد :

الدليل الذي يستند إليه الفقيه في استنباط الحكم الشرعي إمّا أن يؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعي، أوْ لا.

ففيالحالة الأُولى يكون الدليل قطعيا ويستمدّ شرعيته وحجّيته من حجّية القطع ؛ لأنّه يؤدّي إلى القطع بالحكم، والقطع حجّة بحكم العقل، فيتحتّم على الفقيه أن يقيم على أساسه استنباطه للحكم الشرعي.ومن نماذج الدليل القطعي : كلّ آية كريمة تدلّ على حكم شرعيٍّ بصراحة ووضوح لا يقبل الشكّ والتأويل، ومن نماذجه أيضا : القانون القائل : ( كلّما وجب الشيء وجبت مقدِّمته )، فإنّ هذا القانون يعتبر دليلاً قطعياً على وجوب الوضوء بوصفه مقدِّمة للصلاة.

وأمّا فيالحالة الثانية فالدليل ناقص ؛ لأنّه ليس قطعياً، والدليل الناقص إذا حكم الشارع بحجّيته وأمر بالاستناد إليه في عملية الاستنباط بالرغم من نقصانه أصبح كالدليل القطعي، وتحتّم على الفقيه الاعتماد عليه.ومن نماذج الدليل الناقص الذي جعله الشارع حجّة : خبر الثقة ؛ فإنّ خبر الثقة لا يؤدّي إلى العلم، لاحتمال الخطأ فيه أو الشذوذ، فهو دليل ظنّي ناقص وقد جعله الشارع حجّةً وأمر باتّباعه وتصديقه، فارتفع بذلك في عملية الاستنباط إلى مستوى الدليل القطعي.


وإذا لم يحكم الشارع بحجّية الدليل الناقص فلا يكون حجّة، ولا يجوز الاعتماد عليه في الاستنباط ؛ لأنّه ناقص يحتمل فيه الخطأ.

وقد نشكّ ولا نعلم هل جعل الشارع الدليل الناقص حجة، أوْ لا، ولا يتوفّر لدينا الدليل الذي يثبت الحجّية شرعاً أو ينفيها ؟ وعندئذٍ يجب أن نرجع إلى قاعدة عامة يقرّرها الأُصوليون بهذا الصدد، وهي القاعدة القائلة : ( إنّ كل دليل ناقص ليس حجّة ما لم يثبت بالدليل الشرعي العكس )، وهذا هو معنى ما يقال في علم الأُصول من أنّ : ( الأصل في الظنّ هو عدم الحجّية إلاّ ما خرج بدليلٍ قطعي ).

ونستخلص من ذلك : أنّ الدليل الجدير بالاعتماد عليه فقهياً هو الدليل القطعي، أو الدليل الناقص الذي ثبتت حجّيته شرعاً بدليلٍ قطعي.

تقسيم البحث :

والدليل في المسألة الفقهية - سواء كان قطعياً أو لم يكن - ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

١ - الدليل اللفظي : وهو الدليل المستمدّ من كلام المولى، كما إذا سمعت مولاك يقول : (أقيموا الصلاة ) فتستدلّ بذلك على وجوب الصلاة.

٢ - الدليل البرهاني :(١) وهو الدليل المستمدّ من قانونٍ عقليّ عامّ، كما إذا

____________________

(١) لا نريد بكلمة ( البرهان ) مصطلحها المنطقي، بل نريد بها : الطريقة القياسية في الاستدلال، غير أنّا تحاشينا عن استخدام كلمة ( القياس ) بدلاً عن كلمة ( البرهان ) ؛ لأنّ لها معنىً في المصطلح الأُصولي يختلف عن مدلولها المنطقيِّ الذي نريده هنا( المؤلّف قدس‌سره ).


ثبت لديك وجوب الوضوء بوصفه مقدِّمةً للصلاة استناداً إلى القانون العقلي العام الذي يقول : ( كلّما وجب الشيء وجبت مقدّمته ).

٣ - الدليل الاستقرائي : وهو الدليل المستمد من تتبع حالات كثيرة، كما إذا استطعت أن تعرف أنّ أباك يأمرك بالإحسان إلى جارك الفقير عن طريق تتبّعك لذوقه وأمره بالإحسان إلى فقراء كثيرين في حالات مماثلة.

ولكلٍّ من هذه الأدلّة الثلاثة نظامه الخاصّ، ومنهجه المتميِّز، وعناصره المشتركة.

وعلى هذا الأساس سوف نقسِّم البحث إلى ثلاثة أقسام، فندرس في القسم الأوّل الدليل اللفظي وعناصره المشتركة، وفي القسم الثاني الدليل البرهاني وعناصره المشتركة، وفي القسم الثالث الدليل الاستقرائي وعناصره المشتركة.



الاستنباط القائم على أساس الدليل ١

الدليل اللفظي

تمهيد.

الفصل الأوّل في تحديد ظهور الدليل اللفظي.

الفصل الثاني في حجّية الظهور.



تمهيد

الاستدلال بالدليل اللفظي على الحكم الشرعي يرتبط بالنظام اللغوي العامّ للدلالة، ولهذا نجد من الضروري أن نمهِّد للبحث في الأدلّة اللفظية والعناصر الأُصولية المشتركة فيها بدراسة إجمالية لطبيعة الدلالة اللغوية، وكيفية تكوّنها، ونظرة عامة فيها :

ما هو الوضع والعلاقة اللغوية ؟ :

في كلّ لغة علاقات بين مجموعة من الألفاظ ومجموعة من المعاني، ويرتبط كلّ لفظ بمعنىً خاصٍّ ارتباطا يجعلنا كلّما تصوّرنا اللفظ انتقل ذهننا فورا إلى تصوّر المعنى، فالإنسان العارف بالعربية متى تصوّر كلمة( الماء ) - مثلاً - قفز إلى ذهنه فوراً إلى تصوّر ذلك السائل الخاص الذي نشربه في حياتنا الاعتيادية.وهذا الاقتران بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى وانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر هو ما نطلق عليه اسم( الدلالة ) ، فحين نقول : ( كلمة الماء تدلّ على السائل الخاصّ ) نريد بذلك أنّ تصوّر كلمة( الماء ) يؤدّي إلى تصوّر ذلك السائل الخاص، ويسمّى اللفظ(دالاٍّ) ، والمعنى( مدلولاً ).

وعلى هذا الأساس نعرف أنّ العلاقة بين تصوّر اللفظ وتصور المعنى تشابه


إلى درجةٍ مّا العلاقة التي نشاهدها في حياتنا الاعتيادية بين النار والحرارة، أو بين طلوع الشمس والضوء، فكما أنّ النار تؤدّي إلى الحرارة وطلوع الشمس يؤدّي إلى الضوء كذلك تصوّر اللفظ يؤدّي إلى تصوّر المعنى، ولأجل هذا يمكن القول بأنّ تصوّر اللفظ سبب لتصوّر المعنى، كما تكون النار سبباً للحرارة، وطلوع الشمس سببا للضوء، غير أنّ علاقة السببية بين تصوّر اللفظ والمعنى مجالها الذهن ؛ لأنّ تصوّر اللفظ والمعنى إنّما يوجد في الذهن، وعلاقة السببية بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء مجالها العالم الخارجي.

والسؤال الأساسي، بشأن هذه العلاقة التي توجد في اللغة بين اللفظ والمعنى، هو السؤال عن مصدر هذه العلاقة وكيفية تكوّنها، فكيف تكوَّنت علاقة السببية بين اللفظ والمعنى ؟ وكيف أصبح تصوّر اللفظ سبباً لتصوّر المعنى مع أنّ اللفظ والمعنى شيئان مختلفان كلّ الاختلاف ؟

ويذكر في علم الأُصول عادةً اتّجاهان في الجواب على هذا السؤال الأساسي :

يقومالاتّجاه الأوّل على أساس الاعتقاد بأنّ علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته، كما نبعت علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها، فلفظ( الماء ) - مثلاً - له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاصّ الذيّ نفهمه منه، ولأجل هذه يؤكّد هذا الاتّجاه أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية، وليست مكتسبة من أيّ سببٍ خارجي.

ويعجز هذا الاتّجاه عن تفسير الموقف تفسيراً شاملاً ؛ لأنّ دلالة اللفظ على المعنى وعلاقته به إذا كانت ذاتية وغير نابعةٍ من أيّ سببٍ خارجيٍّ، وكان اللفظ بطبيعته يدفع الذهن البشري إلى تصوّر معناه فلماذا يعجز غير العربي عن الانتقال إلى تصور معنى كلمة( الماء ) عند تصوّره للكلمة ؟ ولماذا يحتاج إلى تعلّم اللغة


العربية لكي ينتقل ذهنه إلى المعنى عند سماع الكلمة العربية وتصوّرها ؟

إنّ هذا دليل على أنّ العلاقة التي تقوم في ذهننا بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى ليست نابعة من طبيعة اللفظ، بل من سبب آخر يتطلّب الحصول عليه إلى تعلّم اللغة، فالدلالة إذن ليست ذاتية.

وأمّاالاتّجاه الآخر فينكر - بحقٍّ - الدلالة الذاتية، ويفترض أنّ العلاقات اللغوية بين اللفظ والمعنى نشأت في كلّ لغة على يد الشخص الأوّل أو الأشخاص الأوائل الذين استحدثوا تلك اللغة وتكلّموا بها، فإنّ هؤلاء خصَّصوا ألفاظاً معيّنة لمعان خاصّة، فاكتسبت الألفاظ نتيجة لذلك التخصيص علاقة بتلك المعاني، وأصبح كلّ لفظ يدلّ على معناه الخاصّ، وذلك التخصيص الذي مارسه أولئك الأوائل ونتجت عنه الدلالة يسمّى ب-( الوضع ) ، ويسمّى الممارس له( واضعاً )، واللفظ( موضوعاً ) ، والمعنى( موضوعاً له ) .

والحقيقة أنّ هذا الاتجاه وإن كان على حقٍّ في إنكاره للدلالة الذاتية ولكنّه لم يتقدّم إلاّ خطوة قصيرة في حلّ المشكلة الأساسية التي لا تزال قائمة حتّى بعد الفرضية التي يفترضها أصحاب هذه الاتّجاه، فنحن إذا افترضنا معهم أنّ علاقة السببية نشأت نتيجةً لعملٍ قام به مؤسِّسو اللغة إذ خصّصوا كلّ لفظ لمعنىً خاصٍّ فلنا أن نتساءل : ما هو نوع هذا العمل الذي قام به هؤلاء المؤسّسون ؟

وسوف نجد أنّ المشكلة لا تزال قائمة ؛ لأنّ اللفظ والمعنى ما دام لا يوجد بينهما علاقة ذاتية، ولا أيّ ارتباط مسبق، فكيف استطاع مؤسّس اللغة أن يوجد علاقة السببية بين شيئين لا علاقة بينهما ؟ وهل يكفي مجرّد تخصيص المؤسِّس للَّفظ وتعيينه له سببا لتصوّر المعنى لكي يصبح سببا لتصوّر المعنى حقيقة ؟ وكلّنا نعلم أنّ المؤسِّس وأيّ شخص آخر يعجز أن يجعل من حمرة الحبر الذي يكتب به سببا لحرارة الماء ولو كرّره مئة مرّةٍ قائلاً : ( خصصت حمرة الحبر الذي أكتب به


لكي يكون سبباً لحرارة الماء )، فكيف استطاع أن ينجح في جعل اللفظ سببا لتصوّر المعنى بمجرّد تخصيصه لذلك دون أيِّ علاقة سابقة بين اللفظ والمعنى ؟

وهكذا نواجه المشكلة كما كنّا نواجهها، فليس يكفي لحلّها أن نفسِّر علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية يقوم بها مؤسّس اللغة، بل يجب أن نفهم محتوى هذه العملية لكي نعرف كيف قامت علاقة السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة ؟

والصحيح في حلِّ المشكلة : أنّ علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقاً لقانون عامٍّ من قوانين الذهن البشري.

والقانون العام هو : أنّ كل شيئين إذا اقترن تصوّر أحدهما مع تصوّر الآخر في ذهن الإنسان مِراراً عديدة ولو على سبيل الصدفة قامت بينهما علاقة، وأصبح أحد التصوّرين سببا لانتقال الذهن إلى تصوّر الآخر.ومثال ذلك في حياتنا الاعتيادية : أن نعيش مع صديقين لا يفترقان في مختلف شئون حياتهما نجدهما دائما معاً، فإذا رأينا بعد ذلك أحد هذين الصديقين منفرداً أو سمعنا باسمه أسرع ذهننا إلى تصوّر الصديق الآخر ؛ لأنّ رؤيتهما معا مرارا كثيرة أوجد علاقة بينهما في تصوّرنا، وهذه العلاقة تجعل تصورنا لأحدهما سبباً لتصوّر الآخر.

ومثال آخر من تجارب الفقهاء : أنا قد نجد راوياً يقترن اسمه دائما باسم راو آخر معيَّن، كالنوفلي الذي يروي دائماً عن السكوني، فكلّما وجدنا في الأحاديث اسم النوفلي وجدنا إلى صفّه اسم السكوني أيضاً، فتنشأ بسبب ذلك علاقة بين هذين الاسمين في ذهننا، فإذا تصوّرنا بعد ذلك النوفلي أو وجدنا اسمه مكتوبا في ورقة قفز ذهننا فوراً إلى السكوني نتيجة لذلك الاقتران المتكرّر بين الاسمين في مطالعتنا.

وقد يكفي أن تقترن أحد الشيئين بفكرة الآخر مرّة واحدة لكي تقوم بينهما علاقة، وذلك إذا اقترنت الفكرتان في ظرف مؤثّر، ومثاله : إذا سافر أحد


إلى المدينة المنورة ومُنِي هناك بالملاريا الشديدة ثمّ شفي منها ورجع، فقد يُنتِج ذلك الاقتران بين الملاريا والسفر إلى المدينة علاقةً بينهما، فمتى تصوّر المدينة انتقل ذهنه إلى تصوّر الملاريا.

وإذا درسنا على هذا الأساس علاقة السببية بين اللفظ والمعنى زالت المشكلة، إذ نستطيع أن نفسِّر هذه العلاقة بوصفها نتيجة لاقتران تصوّر المعنى بتصوّر اللفظ بصورة متكرّرة أو في ظرف مؤثّر، الأمر الذي أدّى إلى قيام علاقة بينهما، كالعلاقة التي قامت بين المدينة والملاريا أو بين النوفلي والسكوني، فالسبب في تكوّن العلاقة اللغوية والدلالة اللفظية هو السبب في قيام العلاقة بين المدينة المنورة والملاريا، أو بين النوفلي والسكوني تماماً.

ويبقى علينا بعد هذا أن نتسأل : كيف اقترن تصوّر اللفظ بمعنى خاصٍّ مراراً كثيرة أو في ظرف مؤثّر فأنتج قيام العلاقة اللغوية بينهما ؟ فنحن نعلم - مثلاً - أنّ اسم السكوني واسم النوفلي اقترنا مراراً عديدة في مطالعاتنا للروايات ؛ لأنّ النوفلي يروي دائماً عن السكوني، فكنّا نجد السكوني إلى جانبه كلّما وجدنا اسمه فقامت العلاقة بينهما، فما هي الأسباب التي جعلت اللفظ يقترن بالمعنى كما اقترن اسم النوفلي باسم السكوني أو كما اقترنت فكرة الملاريا بفكرة المدينة في ذهن الشخص الذي أصيب بها حال سفره إلى المدينة ؟

والجواب على هذا السؤال : أنّ بعض الألفاظ اقترنت بمعان معيّنة مراراً عديدة بصورة تلقائية، فنشأت بينهما العلاقة اللغوية، وقد يكون من هذا القبيل كلمة ( آه )، إذ كانت تخرج من فم الإنسان بطبيعته كلما أحس بالألم، فارتبطت كلمة ( آه ) في ذهنه بفكرة الألم، فأصبح كلما سمع كلمة ( آه ) انتقل ذهنه إلى فكرة الألم.

ومن المحتمل أنّ الإنسان قبل أن توجد لديه أيّ لغة قد استرعى انتباهه


هذه العلاقات التي قامت بين الألفاظ، من قبيل ( آه ) ومعانيها نتيجة لاقتران تلقائيٍّ بينهما، وأخذ ينشئ على منوالها علاقات جديدة بين الألفاظ والمعاني.

وبعض الألفاظ قرنت بالمعنى في عملية واعية مقصودة لكي تقوم بينهما علاقة سببية، وأحسن نموذج لذلك الأسماء الشخصية، فأنت حين تريد أن تسمِّى ابنك علياً تقرن اسم عليٍّ بالوليد الجديد لكي تنشئ بينهما علاقة لغوية ويصبح اسم عليٍّ دالاًّ على وليدك، ويسمّى عملك هذه ( وضعاً ).

فالوضع : هو عملية تقرن فيها لفظا بمعنى نتيجتها أن يقفز الذهن إلى المعنى عند تصوّر اللفظ دائماً.

ونستطيع أن نشبِّه الوضع على هذا الأساس بما تضعه حين تسأل عن طبيب العيون فيقال لك: هو ( جابر )، فتريد أن تركِّز اسمه في ذاكرتك وتجعل نفسك تستحضره متى أردت، فتحاول أن تقرن بينه وبين شيء قريب من ذهنك، فتقول مثلا : أنا بالأمس قرأت كتابا أخذ من نفسي مأخذا كبيرا اسم مؤلّفه جابر فلأتذكّر دائماً أنّ اسم طبيب العيون هو اسم صاحب ذلك الكتاب.وهكذا توجِد عن هذا الطريق ارتباطا خاصّاً بين صاحب الكتاب والطبيب جابر، وبعد ذلك تصبح قادراً على استذكار اسم الطبيب متى تصوّرت ذلك الكتاب.

وهذه الطريقة التي تستعملها لإيجاد العلاقة بين تصوّر الكتاب وتصوّر اسم الطبيب لا تختلف جوهرياً عن الطريقة التي تستعمل في الوضع لإقامة العلاقة اللغوية بين الألفاظ والمعاني.

ما هو الاستعمال ؟ :

بعد أن يوضع اللفظ لمعنىً يصبح تصوّر اللفظ سبباً لتصوّر المعنى، ويأتي عندئذٍ دور الاستفادة من هذه العلاقة اللغوية التي قامت بينهما، فإذا كنت تريد أن


تعبِّر عن ذلك المعنى لشخص آخر وتجعله يتصوّره في ذهنه فبإمكانك أن تنطق بذلك اللفظ الذي أصبح سبباً لتصوّر المعنى، وحين يسمعه صاحبك ينتقل ذهنه إلى معناه بحكم علاقة السببية بينهما، ويسمّى استخدامك للّفظ بقصد إخطار معناه في ذهن السامع( استعمالاً ) .

فاستعمال اللفظ في معناه يعني إيجاد الشخص لفظاً لكي يعدَّ ذهن غيره للانتقال إلى معناه، ويسمّى اللفظ( مستعملاً ) ، والمعنى( مستعملاً فيه ) ، وإرادة المستعمل إخطار المعنى في ذهن السامع عن طريق اللفظ( إرادة استعمالية ).

الحقيقة والمجاز :

ويقسَّم الاستعمال إلى حقيقيٍّ ومجازي.

فالاستعمال الحقيقي : هو استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له الذي قامت بينه وبين اللفظ علاقة لغوية بسبب الوضع، ولهذا يطلق على المعنى الموضوع له اسم( المعنى الحقيقي ) .

والاستعمال المجازى : هو استعمال اللفظ في معنىً آخر لم يوضع له، ولكنّه يشابه ببعض الاعتبارات المعنى الذي وضع اللفظ له، ومثاله : أن تستعمل كلمة( البحر ) في العالم الغزير علمه ؛ لأنّه يشابه البحر من الماء في الغزارة والسعة، ويطلق على المعنى المشابه للمعنى الموضوع له اسم( المعنى المجازي ) ، وتعتبر علاقة اللفظ بالمعنى المجازي علاقة ثانوية ناتجة عن علاقته اللغوية الأولية بالمعنى الموضوع له ؛ لأنّها تنبع عن الشبه القائم بين المعنى الموضوع له والمعنى المجازي.

والاستعمال الحقيقي يؤدّي غرضه، وهو انتقال ذهن السامع إلى تصوّر المعنى بدون أيِّ شرط ؛ لأنّ علاقة السببية القائمة في اللغة بين اللفظ والمعنى


الموضوع له كفيلة بتحقيق هذه الغرض.وأمّا الاستعمال المجازي فهو لا ينقل ذهن السامع إلى المعنى، إذ لا توجد علاقة لغوية وسببية بين لفظ ( البحر ) و ( العالم )، فيحتاج المستعمل لكي يحقّق غرضه في الاستعمال المجازي إلى قرينة تشرح مقصوده، فإذا قال مثلا : ( بحر في العلم ) كانت كلمة ( في العلم ) قرينة على المعنى المجازي، ولهذا يقال عادة : إنّ الاستعمال المجازي يحتاج إلى قرينة دون الاستعمال الحقيقي.

قد ينقلب المجاز حقيقة :

وقد لاحظ الأصوليون بحقٍّ أنّ الاستعمال المجازي وإن كان يحتاج إلى قرينة في بداية الأمر ولكن إذا كثر استعمال اللفظ في المعنى المجازي بقرينة وتكرّر ذلك بكثرة قامت بين اللفظ والمعنى المجازي علاقة جديدة، وأصبح اللفظ نتيجة لذلك موضوعا لذلك المعنى، وخرج عن المجاز إلى الحقيقة، ولا تبقى بعد ذلك حاجة إلى قرينة.

وهذه الظاهرة يمكننا تفسيرها بسهولة على ضوء طريقتنا في شرح حقيقة الوضع والعلاقة اللغوية ؛ لأنّنا عرفنا أنّ العلاقة اللغوية تنشأ عن اقتران اللفط بالمعنى مراراً عديدة أو في ظرف مؤثّر، فإذا استعمل اللفظ في معنى مجازيٍّ مرارا كثيرة اقترن تصوّر اللفظ بتصوّر ذلك المعنى المجازي في ذهن السامع اقترانا متكرّراً، وأدّى هذا الاقتران المتكرّر إلى قيام العلاقة اللغوية بينهما، كما قامت العلاقة بين اسم النوفلي واسم السكوني.

تصنيف اللغة :

تنقسم كلمات اللغة - كما قرأتم في النحو - إلى اسم وفعل وحرف، وقولنا :


( تهتدي الإنسانية في الإسلام ) يشتمل على الأقسام الثلاثة، ف- ( الإنسانية ) و ( الإسلام ) من الأسماء، و ( في ) حرف من حروف الجرّ، و ( تهتدي ) فعل من أفعال المضارعة.

وإذا درسنا مفردات هذه الجملة بشيء من الدقّة نجد أن كلمة ( الإنسانية ) لو فُصِلت عن سائر الكلمات وبقيت بمفردها لظلّت تحتفظ بمدلولها ومعناها الخاصّ، وكذلك كلمة ( الإسلام ) توحي بنفس المعنى الخاصّ بها، سواء كانت جزءاً من الجملة أو منفصلة عنها.وأمّا كلمة ( في ) فهي تفقد معناها إذا جُرِّدت عن الجملة ولوحظت بمفردها، إذ لا توجد في ذهننا عندئذ أيّ تصور محدّد، بينما هي في داخل الجملة شرط ضروري فيها، إذ لولاها لَما استطعنا أن نربط بين الإنسانية والإسلام، فلو قلنا : ( تهتدي الإنسانية الإسلام ) لأصبحت الجملة غير مفهومة، فكلمة ( في ) تقوم بدور الربط بين الإنسانية والإسلام(١) ، وهذا يعني أن معنى الحرف هو الربط بين معاني الأسماء والتعبير عن أنواع العلاقات والروابط التي تقوم بين تلك المعاني، فكلمة ( في ) في قولنا : ( تهتدي الإنسانية في الإسلام إلى أرقى الثقافات ) تعبِّر عن نوع من الربط بين الإنسانية والإسلام، وكلمة ( إلى ) في قولنا : ( تهتدي الإنسانية إلى الإسلام كلّما ازداد وعيها ) تعبِّر عن نوع آخر من الربط بينهما، و ( ب ) في قولنا : ( تهتدي الإنسانية بالإسلام إلى طريق الله المستقيم ) يعبِّر عن نوع ثالث من الربط بينهما، وهكذا سائر الحروف.

____________________

(١) يجب الانتباه إلى أنّ الربط في الحقيقة يقوم في هذا المثال بين مادة الفعل - أي اهتداء الإنسانية - والإسلام، لا بين الإنسانية نفسها والإسلام، وإنّما نعبّر بذلك في المتن تسهيلاً على المبتدئ عند دراسته للكتاب ؛ لأنّنا حتّى الآن لم نذكر شيئاً عن تحليل الفعل إلى مادة وهيئة( المؤلّف قدس‌سره ).


ونعتبر كلّ معنى يمكن تصوّره وتحديده بدون حاجة إلى وقوعه في سياق جملة( معنى اسمياً ) ، ونطلق على الروابط التي لا يمكن تصوّرها إلا في سياق جملة اسم( المعاني الحرفية ) .

وأمّا كلمة ( تهتدي ) في جملتنا المتقدمة التي تمثّل فئة الأفعال من اللغة فهي تشتمل على معنى كلمة ( الاهتداء )، فإنّ ما نتصوّره حين نسمع كلمة ( الاهتداء ) نتصوّره من كلمة ( تهتدي )، وكلمة ( الاهتداء ) اسم ومعناها معنى اسمي، فنعرف من ذلك أنّ الفعل يشتمل على معنى اسميٍّ ما دامت كلمة ( تهتدي ) تدلّ على نفس المعنى الذي تدلّ عليه كلمة ( الاهتداء )، ولكن الفعل مع هذا لا يدلّ على المعنى الاسمي فحسب، بدليل أنّه لو كان مدلوله اسميا فقط لأمكن استبداله بالاسم، ولصحّ أن نقول : ( الإنسانية اهتداء في الإسلام ) بدلاً عن قولنا : ( الإنسانية تهتدي في الإسلام )، مع أنّا نرى أنّ الجملة تصبح مفكَّكة وغير مرتبطة إذا قمنا بعملية استبدال من هذا القبيل، فهذا يدلّ على أنّ الفعل يشتمل إضافة إلى المعنى الاسمي على معنى حرفيٍّ يربط بين الاهتداء والإنسانية في قولنا : ( الإنسانية تهتدي في الإسلام ).

ونستخلص من ذلك : أنّ الفعل مركب من اسم وحرف ؛ لأنّه يشتمل على معنى اسميٍّ استقلالي، ومعنى حرفيٍّ ارتباطي، وهو يدلّ على المعنى الاسمي بمادته، ويدلّ على المعنى الحرفي بهيئته، ونريد بالمادة الأصل الذي اشتقّ الفعل منه كالاهتداء بالنسبة إلى ( تهتدي )، ونريد بالهيئة الصيغة الخاصّة التي صيغت المادة بها - أي صيغة ( يَفْعَل ) في المضارع و ( فَعَل ) في الماضي - فإنّ هذه الصيغة تدلّ على معنى حرفيٍّ يربط بين معنى المادة ومعنى آخر في الجملة.وقد ربطت صيغة ( تهتدي ) في مثالنا بين الاهتداء والإنسانية - أي بين مادة الفعل والفاعل - بوصفهما معنيين اسميّين.


هيئة الجملة :

عرفنا أنّ الفعل له هيئة تدلّ على معنى حرفي، أي على الربط، وكذلك الحال في الجملة أيضاً.ونريد بالجملة(١) : كلّ كلمتين أو أكثر بينهما ترابط، ففي قولنا : ( عليّ إمام ) نفهم من كلمة ( عليّ ) معناها الاسمي، ومن كلمة ( إمام ) معناها الاسمي، ونفهم إضافة إلى ذلك ارتباطا خاصّا بين هذين المعنيين الاسميّين، وهذا الارتباط الخاصّ لا تدلّ عليه كلمة ( عليّ ) بمفردها، ولا كلمة ( إمام ) بمفردها، وإنّما تدلّ عليه الجملة بتركيبها الخاص، وهذا يعني أنّ هيئة الجملة تدلّ على نوع من الربط، أي على معنى حرفي.

نستخلص ممّا تقدم : أنّ اللغة يمكن تصنيفها من وجهة نظر تحليلية إلى فئتين :

إحداهما : فئة المعاني الاسمية، وتدخل في هذه الفئة الأسماء ومواد الأفعال.

والأخرى : فئة المعاني الحرفية - أي الروابط - وتدخل فيها الحروف، وهيئات الأفعال، وهيئات الجمل.

الرابطة التامة والرابطة الناقصة :

( المفيد عالم بالعلوم الإسلامية كلّها ).( المفيد العالم بالعلوم الإسلامية كلّها ).

( الإسلام نظام كامل للحياة ).( قلم أخي.. ).

( الشريعة خالدة ).( الدار المتهدّمة الواقعة في الشارع ).

____________________

(١) ولا نتقيّد بالمصطلح النحوي للجملة( المؤلّف قدس‌سره ).


( وجب الأمر بالمعروف ).( الثوب الجميل ).

إذا لاحظنا الفئة الأولى من هذه الجمل نجد أنّ كلّ جملة منها تدلّ على معنىً مكتملٍ يمكن للمتكلَّم الإخبار عنه، ويمكن للسامع تصديقه أو تكذيبه.بينما نجد أن الجمل في الفئة الثانية ناقصة لا يمكن للمتكلِّم الاكتفاء بها، ولا يمكن للسامع أن يعلِّق عليها بتصديق أو تكذيب ما لم تكمل بخبر من قبيل أن نقول : ( قلم أخي ضائع ).ومردّ الفرق بين الفئتين إلى نوع الربط الذي تدلّ عليه هيئة الجملة، فهيئة الجملة في الفئة الأولى تدلّ على نوع من الربط يختلف عن الربط الذي تدلّ عليه هيئة الجملة في الفئة الثانية.وعلى هذا الأساس نعرف أنّ الربط نوعان :

أحدهما : الربط التامّ، ويسمّى أحيانا ب- ( النسبة التامة )، وهو الربط الذي يصوغ جملة تامة كما في الفئة الأولى.

والآخر : الربط الناقص، ويسمّى أيضا ب- ( النسبة الناقصة )، وهو ما يصوغ جملة ناقصة كما في الفئة الثانية.

ونحن إذا دقّقنا في أكثر الجمل التي وردت في الفئة الأولى نجد فيها أكثر من معنى حرفيٍّ واحد، ففي الجملة الأولى نجد - مثلاً - المعنى الحرفي الذي تدلّ عليه هيئة الجملة، وهو الربط بين المبتدأ والخبر، ونجد أيضا المعنى الحرفي الذي يدلّ عليه حرف الباء، وهو الربط بين علم المفيد والعلوم الإسلامية كلّها، غير أنّ الجملة إنّما أصبحت تامة نتيجة للربط الأوّل الذي دلّت عليه هيئة الجملة دون الربط الذي دلّ عليه الحرف، ولهذا إذا احتفظنا بالربط الثاني دون الأوّل أصبحت الجملة ناقصة، كما إذا قلنا : ( عالم بالعلوم الإسلامية كلّها ) بدلا عن قولنا : ( المفيد عالم بالعلوم الإسلامية كلّها )، فهيئة الجملة إذن هي التي تدلّ على النسبة التامة والربط التام دون الحرف، وأمّا الحروف فهي تدلّ دائماً على النسبة الناقصة


والربط الناقص.

ونستخلص من ذلك : أنّ الحروف تدلّ دائماً على النسبة الناقصة، وأمّا الهيئات فهي في بعض الأحيان تدلّ على النسبة التامة كما في الجمل المفيدة الاسمية والفعلية، وأحيانا تدلّ على النسبة الناقصة كما في الجمل الوصفية.

وأمّا ما هو الفرق الجوهري بين واقع النسبة التامة وواقع النسبة الناقصة ؟ فهذا ما نجيب عليه في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

المدلول اللغوي والمدلول النفسي :

قلنا سابقاً(١) : إنّ دلالة اللفظ على المعنى هي : أن يؤدّي تصوّر اللفظ إلى تصوّر المعنى، ويسمّى اللفظ( دالاًّ )، والمعنى الذي نتصوّره عند سماع اللفظ( مدلولاً ) .

وهذه الدلالة لغوية، ونقصد بذلك : أنّها تنشأ عن طريق وضع اللفظ للمعنى ؛ لأنّ الوضع يوجِد علاقة السببية بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى، وعلى أساس هذه العلاقة تنشأ تلك الدلالة اللغوية، ومدلولها هو المعنى اللغوي للَّفظ.

ولا تنفكّ هذه الدلالة عن اللفظ مهما سمعناه ومن أيِّ مصدر كان، فجملة ( الحقّ منتصر ) إذا سمعناها انتقل ذهننا فوراً إلى مدلولها اللغوي، سواء سمعناها من متحدِّث واع أو من نائم في حالة عدم وعيه، وحتى لو سمعناها نتيجة لاحتكاك حجرين ! فإنّ الجملة في جميع هذه الحالات تدلّ دلالة لغوية، أي تؤدّي بنا إلى تصوّر معناها اللغوي، فنتصوّر معنى كلمة ( الحقّ ) ونتصوّر معنى كلمة ( منتصر )، ونتصوّر النسبة التامة التي وضعت هيئة الجملة لها، وتسمّى هذه

____________________

(١) مضى تحت عنوان : ما هو الوضع والعلاقة اللغويّة ؟


الدلالة لأجل ذلك( دلالة تصوّرية ) .

ولكنّا إذا قارنّا بين تلك الحالات وجدنا أنّ الجملة حين تصدر من نائم أو تنتج نتيجة عن احتكاك بين حجرين لا يوجد لها إلاّ مدلولها اللغوي ذاك، ويقتصر مفعولها على إيجاد تصوّرات ل- : الحقّ، والانتصار، والنسبة التامة في ذهننا.وأمّا حين نسمع الجملة من متحدِّث واع فلا تقف الدلالة عند مستوى التصوّر، بل تتعدّاه إلى مستوى التصديق، إذ تكشف الجملة عندئذ عن أشياء نفسية في نفس المتكلِّم، فنحن نستدلّ عن طريق صدور الجملة منه على وجود إرادة استعمالية في نفسه، أي أنّه يريد أن يخطر المعنى اللغوي لكلمة ( الحقّ ) وكلمة ( المنتصر ) وهيئة الجملة في أذهاننا، وأن نتصوّر هذه المعاني.كما نعرف أيضا أنّ المتكلِّم إنّما يريد منّا أن نتصوّر تلك المعاني لا لكي يخلق تصوّرات مجرّدة في ذهننا فحسب، بل لغرض في نفسه، وهذا الغرض الأساسي هو في المثال المتقدم - أي في جملة ( الحق منتصر ) - غرض الإخبار عن ثبوت الخبر للمبتدأ، فإنّ المتكلِّم إنّما يريد منّا أن نتصور معاني الجملة لأجل أن يخبرنا عن ثبوتها في الواقع، ويطلق على الغرض الأساسي في نفس المتكلِّم اسم( الإرادة الجدّية ) .

وتسمّى الدلالة على هذين الأمرين -الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدّية -( دلالة تصديقية ) ؛ لأنّها دلالة تكشف عن إرادة المتكلِّم وتدعو إلى تصديقنا بها، لا إلى مجرّد التصوّر الساذج.كما نسمّيها أيضا ب-( الدلالة النفسية ) ؛ لأنّ المدلول هنا نفسيّ وهو إرادة المتكلِّم.

وهكذا نعرف أنّ الجملة التامة لها - إضافة إلى مدلولها التصوّري اللغوي - مدلولان نفسيان :

أحدهما : الإرادة الاستعمالية، إذ نعرف عن طريق صدور الجملة من


المتكلّم أنّه يريد منا أن نتصوّر معاني كلماتها.

والآخر : الإرادة الجدية، وهي الغرض الأساسي الذي من أجله أراد المتكلّم أن نتصوّر تلك المعاني.

وأحيانا تتجرّد الجملة عن المدلول النفسي الثاني، وذلك إذا صدرت من المتكلّم في حالة الهزل لا في حالة الجدّ، ولم يكن يستهدف منها إلاّ مجرّد إيجاد تصوّرات في ذهن السامع لمعاني كلماتها، فلا توجد في هذه الحالة إرادة جدية، بل إرادة استعمالية فقط.

والدلالة التصديقية ليست لغوية، أي أنّها لا تعبِّر عن علاقة ناشئة عن الوضع بين اللفظ والمدلول النفسي ؛ لأنّ الوضع إنّما يوجد علاقة بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى، لا بين اللفظ والمدلول النفسي، وإنّما تنشأ الدلالة التصديقية من حال المتكلِّم، فإنّ الإنسان إذا كان في حالة وعي وانتباه وجدّية وقال : ( الحقّ منتصر ) يدلّ حاله على أنّه لم يقلْ هذه الجملة ساهياً ولا هازلاً، وإنّما قالها بإرادة معيّنه واعية.

وهكذا نعرف أنّا حين نسمع جملة كجملة ( الحقّ منتصر ) نتصوّر المعاني اللغوية للمبتدأ والخبر والهيئة بسبب الوضع الذي أوجد علاقة السببية بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى، ونكتشف الإرادة الواعية للمتكلِّم بسبب حال المتكلِّم، وتصوّرنا ذلك يمثِّل الدلالة التصوّرية، واكتشافنا هذا يمثِّل الدلالة التصديقية، والمعنى الذي نتصوّره هو المدلول التصوّري واللغوي للَّفظ، والإرادة التي نكتشفها في نفس المتكلِّم هي المدلول التصديقي والنفسي الذي يدلّ عليه حال المتكلّم.

وعلى هذا الأساس نكتشف مصدرين للدلالة :

أحدهما : اللغة بما تشتمل عليها من أوضاع، وهي مصدر الدلالة التصوّرية ؛


لأنّها تقيم علاقات السببية بين تصوّر الألفاظ وتصوّر المعاني.

والآخر : حال المتكلّم، وهو مصدر الدلالة التصديقية، أي دلالة اللفظ على مدلوله النفسي التصديقي، فإنّ اللفظ إنّما يكشف عن إرادة المتكلّم إذا صدر في حالة يقظة وانتباه وجدّية، فهذه الحالة إذن هي مصدر الدلالة التصديقية، ولهذا نجد أنّ اللفظ إذا صدر من المتكلّم في حالة نوم أو ذهول لا توجد له دلالة تصديقية ومدلول نفسي.

الجملة الخبرية والجملة الإنشائية :

تقسَّم الجملة عادة إلى خبرية وإنشائية، ونحن في حياتنا الاعتيادية نحسّ بالفرق بينهما، فأنت حين تتحدّث عن بيعك للكتاب بالأمس وتقول : ( بعتُ الكتابَ بدينار ) ترى أنّ الجملة تختلف بصورة أساسية عنها حين تريد أن تعقد الصفقة مع المشتري فعلاً، فتقول له : ( بعتك الكتاب بدينار ).

وبالرغم من أنّ الجملة في كلتا الحالتين تدلّ على نسبة تامّة بين البيع والبائع - أي بينك وبين البيع - يختلف فهمنا للجملة وتصوّرنا للنسبة في الحالة الأولى عن فهمنا للجملة وتصوّرنا للنسبة في الحالة الثانية، فالمتكلّم حين يقول في الحالة الأولى : ( بعت الكتاب بدينار ) يتصوّر النسبة بما هي حقيقة واقعة لا يملك من أمرها فعلاً شيئاً إلاّ أن يخبر عنها إذا أراد، وأما حين يقول في الحالة الثانية : ( بعتك الكتاب بدينار ) فهو يتصوّر النسبة لا بما هي حقيقة واقعة مفروغ عنها، بل يتصوّرها بوصفها نسبة يراد تحقيقها.

ونستخلص من ذلك : أنّ الجملة الخبرية موضوعة للنسبة التامّة منظوراً إليها بما هي حقيقة واقعة وشيء مفروغ عنه، والجملة الإنشائية موضوعة للنسبة التامّة منظوراً إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها.


الظهور اللفظي :

قد تقوم عدة علاقات بين لفظ واحد ومعان عديدة، فيعتبر كلّ واحد من تلك المعاني معنى للّفظ.ومثاله : كلمة ( المولى ) فإنّها ذات معنيين : أحدهما السيد الحاكم، والآخر الصديق، وللّفظ علاقة بكلٍّ من هذين المعنيين.

وهذه العلاقات العديدة إمّا أن تكون متكافئة ومتساوية في الدرجة، أوْ لا.

فالعلاقات المتكافئة توجد نتيجةً لوضع اللفظ في اللغة لعدّة معانٍ، فتنشأ بسبب ذلك علاقات متساوية في الدرجة بين اللفظ وكلّ واحد من تلك المعاني، ويسمّى اللفظ في هذه الحالة(مشتركاً) ؛ لاشتراكه بين معنيين، ومن أمثلته : كلمة( المولى ) الموضوعة للسيد الحاكم وللصديق، وكلمة( القرء ) الموضوعة للطهر والحيض، وكلمة( العين ) الموضوعة لعين الإنسان وعين الماء.

والعلاقات غير المتكافئة في الدرجة من أمثلتها : علاقات اللفظ الواحد بالمعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فكلمة ( البحر ) لها علاقة بالمعنى الحقيقي وهو البحر من الماء، ولها علاقة بالمعنى المجازي وهو العالم الغزير علمه، ولكنّ هاتين العلاقتين غير متكافئتين، وليستا من درجة واحدة ؛ لأنّ علاقة اللفظ بالمعنى المجازي نبعت من علاقته بالمعنى الحقيقي، فقد قامت العلاقة أوّلاً بين كلمة( البحر ) و ( البحر من الماء )، ولأجل الشبه بين ماء البحر والعالم الغزير علمه في الغزارة والسعة نشأت في ظلّ ذلك علاقة بين كلمة ( البحر ) و ( العالم الغزير علمه )، فمن الطبيعي أن تكون هذه العلاقة أقلّ درجة من علاقة اللفظ بمعناه الحقيقي.

وفي حالة عدم تكافؤ العلاقات يعتبر المعنى الأوثق علاقةً من الناحية اللغوية هو المعنى الظاهر من اللفظ ؛ لأنّ الذهن ينتقل إليه قبل أن ينتقل إلى غيره


من معاني اللفظ، ونطلق على هذا الظهور اسم ( الظهور اللفظي ).

تقسيم البحث :

الدليل اللفظي : هو الكلام الصادر عن المعصوم، وهو يتألّف من كلمات وجمل لغوية، وفهم الحكم الشرعي من الدليل اللفظي يتوقّف على العلم بالعلاقات اللغوية التي تقوّم بين ألفاظ الدليل والمعاني في اللغة العربية، ومعرفة أقوى المعاني علاقة باللفظ إذا كانت معانيه متعدّدة ؛ لكي نحدّد بذلك الظهور اللفظي للدليل، حتّى إذا حدّدنا الظهور اللفظي للدليل جاء دور البحث عن حجّية الظهور وإمكانية جعله أساساً لتفسير الدليل اللفظي وفهم الحكم الشرعي منه.

وعلى هذا الأساس سوف نقسِّم البحث إلى فصلين :

أحدهما : في تحديد الظهور اللفظي للدليل عن طريق تحديد العلاقات اللغوية التي تقوم بين ألفاظ الدليل والمعاني، ومعرفة أقوى المعاني علاقة باللفظ عند تعدّد معانيه.

والفصل الآخر : في إمكان جعل الظهور اللفظي أساساً لتفسير الدليل :


الفصل الأوّل

في تحديد ظهور الدليل اللفظي

١ - ( أحسِنْ إلى الفقير ).٢ - ( حافظ على أحكام الشريعة ).٣ - ( ادفع الخطر عن الإسلام ).

١ - ( إذا زالت الشمس وجبت الصلاة ).٢ - ( إذا هلَّ هلال شهر رمضان وجب الصوم).٣ - ( إذا هاجم العدو بلاد الإسلام وجب الجهاد ).

١ - ( العلماء أولياء الأمور ).٢ - ( يجب على الفقهاء إيصال الأحكام ).٣ - ( الصبيان لا يجوز بيعهم ).

هذه ثلاث فئات من الكلام تشتمل كلّ فئة على مجموعة من الجمل تصلح كلّ واحدة من تلك الجمل أن تكون دليلا لفظياً لإثبات حكم شرعي، ولكي نفهم الحكم الذي تدلّ عليه تلك الجملة يجب أن نعرف المعاني اللغوية والظواهر اللفظية في الجملة.

ونحن إذا دقّقنا النظر في كلِّ فئة وجدنا أنّ كلّ جملة فيها تتميّز، بألفاظها عن الجمل الأخرى، فالإحسان والفقير كلمتان تتميّز بهما الجملة الأولى القائلة : ( أحسن إلى الفقير )، كما أنّ الجملة الثانية بكلمة ( الشريعة ) وكلمة ( أحكام ) وكلمة ( حافظ )، وهكذا.ولهذا إذا أردنا أن نفهم الحكم الذي تدلّ عليه الجملة الأولى يجب أن نعرف معنى ( الإحسان ) ومعنى كلمة ( الفقير )، بينما


لا نحتاج إلى معرفة ذلك إذا أردنا أن نفهم الحكم الذي تدلّ عليه الجملة الثانية، وإنّما نحتاج بدلا عن ذلك إلى معرفة كلمة ( الشريعة ) وكلمة ( أحكام ) وكلمة ( حافظ ) الأُمور التي جاءت في الجملة الثانية، ولكن يوجد في جميع جمل الفئة الأولى عنصر عام يتوقّف فهم الحكم الشرعي من جميع تلك الجمل على معرفة معناه، وهذا العنصر هو( صيغة فعل الأمر ) ، فإنّ هذه الصيغة موجودة في الجمل الثلاث بالرغم من اختلاف تلك الجمل في جميع كلماتها، فلا بدّ أن نعرف ما هو مدلول صيغة فعل الأمر ؟ وأنّها هل تدل على الوجوب أو الاستحباب ؟ لكي نستنبط نوع الحكم المتعلّق بالإحسان إلى الفقير، ونوع الحكم المتعلق بالمحافظة على أحكام الشريعة، ونوع الحكم المتعلّق بدفع الخطر عن الإسلام.

وإذا لاحظنا الجملة في الفئة الثانية وجدنا فيها أيضا عنصراً عاما يتوقّف على معرفة معناه فهم الأحكام التي تدلّ عليها تلك الجمل، وهذا العنصر العام هو( أداة الشرط ) المتمثِّلة في كلمة ( إذا )، فإنّ هذه الأداة هي التي تدلّ على ربط وجوب الصلاة بالزوال، وربط وجوب الصوم بهلال رمضان، وربط وجوب الجهاد بمهاجمة العدو لبلاد الإسلام.

وفي الفئة الثالثة نجد عنصراً عامّا وهو( صيغة الجمع المعرَّف باللام ) ، فإنّ هذه الصيغة موجودة في كلمة ( العلماء ) وكلمة ( الفقهاء ) وكلمة ( الصبيان )، فيجب لكي نفهم حدود الأحكام التي دلّت عليها الجمل الثلاث أن نعرف ما هو المدلول اللغوي لصيغة الجمع المعرّف باللام ؟ وهل تدلّ على العموم - أي على شمول الحكم لجميع الأفراد - أوْ لا ؟

وفي هذا الضوء نستطيع أن نقسِّم العناصر اللغوية من وجهة نظر أصولية إلى عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، وعناصر خاصّة في تلك العملية.

فالعناصر المشتركة : هي كلّ أداة لغوية تصلح للدخول في أيِّ دليلٍ مهما


كان نوع الموضوع الذي يعالجه ذلك الدليل، ومثاله صيغة فعل الأمر، فإن بالإمكان استخدامها بالنسبة إلى أيِّ موضوع، فيقال تارةً : ( أحسِن إلى الفقير )، وأخرى ( صَلِّ )، وثالثةً ( ادفع الخطر عن الإسلام ).

والعناصر الخاصّة في عملية الاستنباط : هي كلّ أداة لغوية لا تصلح للدخول إلاّ في الدليل الذي يعالج موضوعا معيّناً، ولا أثر لها في استنباط حكمِ موضوعٍ آخر، ككلمة ( الإحسان ) فإنّها لا يمكن أن تدخل في دليلٍ سوى الدليل الذي يشتمل على حكم مرتبط بالإحسان، ولا علاقة للأدلّة التي تشتمل على حكم الصلاة - مثلاً - بكلمة ( الإحسان )، فلهذا كانت كلمة ( الإحسان ) عنصرا خاصّا في عملية الاستنباط ؛ لأنّها تختصّ باستنباط أحكام نفس الإحسان، ولا أثر لها في استنباط حكمِ موضوعٍ آخر.

وعلى هذا الأساس يدرس علم الأُصول من اللغة القسم الأوّل من الأدوات اللغوية التي تعتبر عناصر مشتركةً في عملية الاستنباط، فيجب عن مدلول صيغة فعل الأمر، وأنّها هل تدلّ على الوجوب، أو الاستحباب ؟ ولا يبحث عن مدلول كلمة ( الإحسان ).

ويدخل في القسم الأوّل من الأدوات اللغوية أداة الشرط أيضاً ؛ لأنّها تصلح للدخول في استنباط الحكم من أيِّ دليل لفظيٍّ مهما كان نوع الموضوع الذي يتعلّق به، فنحن نستنبط من النصّ القائل : ( إذا زالت الشمس وجبت الصلاة ) أنّ وجوب الصلاة مرتبط بالزوال بدليل أداة الشرط، ونستنبط من النصّ القائل : ( إذا هلَّ هلال شهر رمضان وجب الصوم )، أنّ وجوب الصوم مرتبط بالهلال، ولأجل هذه يدرس علم الأصول أداة الشرط بوصفها عنصراً مشتركاً، ويبحث عن نوع الربط الذي تدلّ عليه ونتائجه في استنباط الحكم الشرعي.

وكذلك الحال في صيغة الجمع المعرَّف باللام ؛ لأنّها أداة لغوية صالحة


للدخول في الدليل اللفظي مهما كان نوع الموضوع الذي يتعلّق به.

وفي ما يلي نذكر بعض النماذج من هذه الأدوات المشتركة التي يدرسها الأُصوليون :

١ - صيغة الأمر :

صيغة فعل الأمر نحو ( اذهب ) و ( صلِّ ) و ( صُمْ ) و ( جاهِدْ ) إلى غير ذلك من الأوامر.والمقرّر بين الأصوليّين عادةً هو القول بأنّ هذه الصيغة تدلّ لغةً على الوجوب.

وهذا القول يدعونا أن نتساءل : هل يريد هؤلاء الأعلام من القول بأنّ صيغة فعل الأمر تدلّ على الوجوب أنّ صيغة فعل الأمر تدلّ على نفس ما تدلّ عليه كلمة ( الوجوب ) فيكونان مترادفين كالترادف بين كلمتي ( إنسان ) و ( بشر ) ؟ وكيف يمكن افتراض ذلك، مع أنّنا نحسّ بالوجدان أنّ كلمة ( الوجوب ) وصيغة فعل الأمر ليستا مترادفتين ؟ وإلاّ لجاز أن نستبدل إحداهما بالأخرى، فيقول الآمر : ( وجوب الصلاة ) بدلا عن ( صلِّ ) ويقول : ( وجوب الصوم ) بدلا عن ( صُمْ )، وما دام هذا الاستبدال غير جائز فنعرف أنّ صيغة فعل الأمر تدلّ على معنىً يختلف عن المعنى الذي تدلّ عليه كلمة ( الوجوب )، ويصبح من الصعب عندئذٍ فهم القول السائد بين الأصوليّين بأنّ صيغة فعل الأمر تدلّ على الوجوب.

والحقيقة أنّ هذا القول يحتاج إلى تحليل مدلول صيغة فعل الأمر لكي نعرف كيف تدلّ على الوجوب، ونحن حين ندقّق في فعل الأمر نجد أنّه يشكِّل جملة مفيدة بضمّ فاعله إليه، نظير فعل الماضي أو المضارع إذا ضُمَّ فاعله إليه، فكما أنّ ( ذهب عامر ) جملة مفيدة مكوّنة من فعل ماض وفاعل كذلك جملة ( اذهب ) إذا


خاطبتَ عامرا بها.

وقد مرّ سابقا(١) أنّ الجملة المفيدة تدلّ هيئتها دائماً على النسبة التامة، وعلى هذا الأساس يكون مدلول فعل الأمر بوصفه جملة مفيدة هو النسبة التامة بين مادة الفعل والمخاطب، أي بين الذهاب والشخص المدعوِّ للذهاب في مثال ( اذهب )، وبين الصلاة والشخص المدعوِّ للصلاة في ( صلِّ )، وهكذا.كما أنّ مدلول فعل الماضي أو المضارع هو النسبة التامة أيضاً، ف- ( ذهب عامر ) و ( اذهب ) كلتاهما جملتان مفيدتان تدلاّن على النسبة التامة بين مادة الفعل والفاعل.

ولكن ( اذهب ) و ( ذهب ) بالرغم من دلالتهما معاً على النسبة التامة يختلفان أيضا من ناحية أُخرى ؛ لأنّ ( اذهب ) تعتبر جملة إنشائية، وكذلك كلّ أفعال الأمر، و ( ذهب ) تعتبر جملةً خبرية، فأنت تقول : ( ذهب عامر ) حين تريد أن تخبر عن ذهابه، وتقول : ( اذهب ) حين تريد أن تدفعه إلى الذهاب.

وهذا الاختلاف يعنى - على ضوء ما عرفنا سابقاً من فرق بين الجملة الإنشائية والجملة الخبرية - أنّ مدلول ( اذهب ) هو النسبة بين الذهاب والمخاطب بما هي في طريق التحقيق وباعتبارها يراد تحقيقها، بينما تدلّ صيغة ( ذهب ) على النسبة بما هي حقيقة واقعة مفروغ عنها

ونستخلص من ذلك : أنّ صيغة فعل الأمر تدل على نسبة تامة بين مادة الفعل والفاعل منظوراً إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها وإرسال المكلَّف نحو إيجادها.أرأيت الصياد حين يرسل كلب الصيد إلى فريسته ؟ إنّ تلك الصورة التي يتصوّرها الصياد عن ذهاب الكلب إلى الفريسة وهو يرسله إليها هي نفس الصورة

____________________

(١) مضى تحت عنوان : الرابطة التامّة والرابطة الناقصة.


التي يدلّ عليها فعل الأمر، ولهذا يقال في علم الأُصول : إنّ مدلول صيغة الأمر هو النسبة الإرسالية.

وكما أنّ الصياد حين يرسل الكلب إلى فريسته قد يكون إرساله هذا ناتجاً عن شوق شديد إلى الحصول على تلك الفريسة ورغبة أكيدة في ذلك، وقد يكون ناتجاً عن رغبة غير أكيدة وشوق غير شديدٍ، كذلك النسبة الإرسالية التي تدلّ عليها الصيغة في فعل الأمر قد نتصوّرها ناتجة عن شوق شديد وإلزام أكيد، وقد نتصوّرها ناتجة عن شوق أضعف ورغبة أقلّ درجة.

وعلى هذا الضوء نستطيع الآن أن نفهم معنى ذلك القول الأُصولي القائل : إنّ صيغة فعل الأمر تدلّ على الوجوب، فإنّ معناه : أنّ الصيغة قد وضعت للنسبة الإرسالية بوصفها ناتجة عن شوق شديد وإلزام أكيد، ولهذا يدخل معنى الإلزام والوجوب ضمن الصورة التي نتصوّر بها المعنى اللغوي للصيغة عند سماعها دون أن يصبح فعل الأمر مرادفاً لكلمة ( الوجوب ).

وليس معنى دخول الإلزام والوجوب في معنى الصيغة أنّ صيغة الأمر لا يجوز استعمالها في مجال المستحبّات، بل قد استعملت كثيراً في موارد الاستحباب كما استعملت في موارد الوجوب، ولكنّ استعمالها في موارد الوجوب استعمال حقيقي ؛ لأنّه استعمال للصيغة في المعنى الذي وضعت له، واستعمالها في موارد الاستحباب استعمال مجازي يبرِّره الشبه القائم بين الاستحباب والوجوب.

٢ - صيغة النهي :

صيغة النهي نحو ( لا تذهب )، ( لا تخن )، ( لا تكسل في طلب العلم ).والمقرّر بين الأُصوليين هو القول بأنّ صيغة النهي تدلّ على الحرمة، ويجب أن


نفهم هذا القول بصورة مماثلة لفهمنا القول بأنّ صيغة الأمر تدلّ على الوجوب، فإنّ النهي يشكِّل جملة مفيدة ويشتمل لأجل ذلك على نسبة تامة، وتعتبر الجملة التي يشكِّلها جملة إنشائية لا إخبارية، فأنت حين تقول : ( لا تذهب ) لا تريد أن تخبر عن عدم الذهاب، وإنّما تريد أن تمنع المخاطب عن الذهاب وتمسكه عن ذلك، فصيغة الأمر والنهي متّفقتان في كلّ هذا، ولكنّهما تختلفان في الإرسال والإمساك ؛ لأنّ صيغة الأمر تدلّ على نسبة إرسالية كما سبق، وأمّا صيغة النهي فتدلّ على نسبة إمساكية، أي إنا حين نسمع جملة ( اذهب ) نتصوّر نسبة بين الذهاب والمخاطب، ونتصوّر أنّ المتكلِّم يرسل المخاطب نحوها ويبعثه إلى تحقيقها كما يرسل الصياد كلبه نحو الفريسة، وأمّا حين نسمع جملة ( لا تذهب ) فنتصوّر نسبة بين الذهاب والمخاطب، ونتصوّر أن المتكلِّم يمسك مخاطبه عن تلك النسبة ويزجره عنها، كما لو حاول كلّ الصيد أن يطارد الفريسة فأمسك به الصياد، ولهذا نطلق عليها اسم( النسبة الإمساكية ) .

وتدخل الحرمة في مدلول النهي بالطريقة التي دخل بها الوجوب إلى مدلول الأمر، ولنرجع بهذا الصدد إلى مثال الصياد، فإنّا نجد أن الصياد حين يمسك كلبه عن تتبع الفريسة قد يكون إمساكه هذا ناتجاً عن كراهة تتبّع الكلب للفريسة بدرجة شديدة، وقد ينتج عن كراهة ذلك بدرجة ضعيفة.ونظير هذا تماماً نتصوّره في النسبة الإمساكية التي نتحدّث عنها، فإنّا قد نتصوّرها ناتجةً عن كراهة شديدة للمنهيِّ عنه، وقد نتصوّرها ناتجةً عن كراهةٍ ضعيفة.

ومعنى القول بأنّ صيغة النهي تدلّ على الحرمة في هذا الضوء : أنّ الصيغة موضوعة للنسبة الإمساكية بوصفها ناتجة عن كراهة شديدة وهي الحرمة، فتدخل الحرمة ضمن الصورة التي نتصوّر بها المعنى اللغوي لصيغة النهي عند سماعها.

وفي نفس الوقت قد تستعمل صيغة النهي في موارد الكراهة فُينهى عن


المكروه أيضاً بسبب الشبه القائم بين الكراهة والحرمة، ويعتبر استعمالها في موارد المكروهات استعمالاً مجازياً.

٣ - الإطلاق :

وتوضيحه : أنّ الشخص إذا أراد أن يأمر ولده بإكرام جاره المسلم فلا يكتفي عادة بقوله : ( أكرم الجار )، بل يقول : ( أكرم الجار المسلم )، وأمّا إذا كان يريد من ولده أن يكرم جاره مهما كان دينه فيقول : ( أكرم الجار ) ويطلق ( كلمة ) الجار، أي لا يقيدها بوصف خاص، ويفهم من قوله عندئذ أن الأمر لا يختص بالجار المسلم، بل يشمل الجار الكافر أيضاً، وهذا الشمول نفهمه نتيجة لذكر كلمة ( الجار ) مجردة عن القيد، ويسمّى هذا ب-( الإطلاق ) ، ويسمّى اللفظ في هذه الحالة( مطلقاً ) .

وعلى هذا الأساس يعتبر تجرّد الكلمة من القيد اللفظي في الكلام دليلاً على شمول الحكم، ومثال ذلك من النص الشرعي قوله تعالى :( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (١) ، فقد جاءت كلمة ( البيع ) هنا مجرَّدة عن أيِّ قيد في الكلام، فيدلّ هذا الإطلاق على شمول الحكم بالحلّية لجميع أنواع البيع.وأمّا كيف أصبح ذكر الكلمة بدون قيد في الكلام دليلا على الشمول ؟ وما هو مصدر هذه الدلالة ؟ فهذا ما لا يتّسع له البحث على مستوى هذه الحلقة.

٤ - أدوات العموم :

أدوات العموم مثالها ( كل ) في قولنا : ( احترِمْ كلّ عادل ) و ( قاطِعْ كلّ من يعادي الإسلام )، وذلك أنّ الآمر حين يريد أن يُدلِّل على شمول حكمه وعمومه

____________________

(١) البقرة : ٢٧٥.


قد يكتفي بالإطلاق وذكر الكلمة بدون قيد - كما شرحناه آنفا - فيقول : ( أكرم الجار )، وقد يريد مزيدا من التأكيد على العموم والشمول فيأتي بأداة خاصّة للدلالة على ذلك فيقول في المثال المتقدم مثلا : ( أكرم كلّ جار )، فيفهم السامع من ذلك مزيدا من التأكيد على العموم والشمول، ولهذا تعتبر كلمة ( كلّ ) من أدوات العموم ؛ لأنّها موضوعة في اللغة لذلك، ويسمّى اللفظ الذي دلّت الأداة على عمومه ( عامّاً، ويعبّر عنه ب- ( مدخول الأداة ) ؛ لأنّ أداة العموم دخلت عليه وعمّمته.

ونستخلص من ذلك : أنّ التدليل على العموم يتمّ بإحدى طريقتين :

الأولى سلبية، وهيالإطلاق ، أي ذكر الكلمة بدون قيد.

والثانية إيجابية، وهي استعمال أداة العموم نحو ( كلّ ) و ( جميع ) و ( كافّة )، وما إليها من ألفاظ.

وقد اختلف الأصوليون في صيغة الجمع المعرَّف باللام من قبيل : ( الفقهاء )، ( العلماء )، ( الجيران )، ( العقود ).

فقال بعضهم(١) : إنّ هذه الصيغة نفسها من أدوات العموم أيضا، مثل كلمة ( كلّ )، فأيّ جمع من قبيل ( فقهاء ) أو ( علماء ) أو ( جيران ) إذا أراد المتكلّم إثبات الحكم لجميع أفراده والتدليل على عمومه بطريقة إيجابية أدخل عليه اللام، فيجعله جمعاً معرَّفاً باللام ويقول : ( احترم الفقهاء ) أو ( أكرم الجيران ) أو( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) (٢) .

وبعض الأصوليين(٣) يذهب إلى أنّ صيغة الجمع المعرَّف باللام ليست من

____________________

( ١ ) كالفاضل التوني في الوافية : ١١٣، والمحقّق النائيني في فوائد الأصول ٢ : ٥١٦.

( ٢ ) المائدة : ١.

( ٣ ) كالمحقّق الخراساني في كفاية الأصول : ٢٥٥، وراجع للتفصيل الفصول الغرويّ : ١٦٩.


أدوات العموم.ونحن إنّما نفهم الشمول في الحكم عندما نسمع المتكلّم يقول : ( أكرم الجيران ) - مثلاً - بسبب الإطلاق وتجرّد الكلمة عن القيود لا بسبب دخول اللام على الجمع، أي بطريقة سلبية لا إيجابية، فلا فرق بين أن يقال : ( أكرم الجيران ) أو ( أكرم الجار )، فكما يستند فهمنا للشمول في الجملة الثانية إلى الإطلاق كذلك الحال في الجملة الأولى، فالمفرد المعرَّف باللام - وهو الجار - والجمع المعرَّف باللام - وهو الجيران - لا يدلاّن على الشمول إلاّ بالطريقة السلبية، أي بإطلاق الكلمة وتجريدها عن القيد.

٥ - أداة الشرط :

أداة الشرط مثالها ( إذا ) في قولنا : ( إذا زالت الشمس فصلِّ )، و ( إذا أحرمت للحجِّ فلا تتطيّب )، وتسمّى الجملة التي تدخل عليها أداة الشرط جملة شرطية، وهي تختلف في وظيفتها اللغوية عن غيرها من الجمل التي لا توجد فيها أداة شرط، فإنّ سائر الجمل تقوم بربط كلمة بأخرى، نظير ربط الخبر بالمبتدأ في قولنا : ( عليٌّ إمام )، أو ربط الفعل بالفاعل في قولنا : ( ظهر نورُ الإسلام ).وأمّا الجملة الشرطية فهي تربط بين جملتين، ففي مثال ( إذا زالت الشمس فصلِّ ) تعتبر ( زالت الشمس ) جملة، وتعتبر ( صلِّ ) جملة أخرى، وأداة الشرط تربط بين هاتين الجملتين وتجعل الأُولى شرطا والثانية مشروطة أو جزاء.

وعلى هذا الأساس نعرف أنّ الجملة الشرطية تحتوي على شرط ومشروط، وإذا لاحظنا المثالين المتقدمين للجملة الشرطية وجدنا أنّ الشرط في مثال ( إذا زالت الشمس فصلِّ ) هو زوال الشمس، والشرط في قولنا : ( إذا أحرمت للحجّ فلا تتطيّب ) هو الإحرام للحجّ، وأمّا المشروط فهو مدلول جملة ( صلِّ ) و ( لا تتطيّب ).ولمّا كان مدلول ( صلِّ ) بوصفه صيغةَ أمرٍ هو الوجوب


ومدلول ( لا تتطيّب ) بوصفه صيغة نهي هو الحرمة - كما تقدّم - فنعرف أنّ المشروط هو الوجوب أو الحرمة، أي الحكم الشرعي، ومعنى أنّ الحكم الشرعي مشروط بزوال الشمس أو بالإحرام للحجّ : أنّه مرتبط بالزوال أو الإحرام ومقيّد بذلك، والمقيّد ينتفي إذا انتفى قيده.

وينتج عن ذلك : أنّ أداة الشرط تدلّ على انتفاء الحكم الشرعي في حالة انتفاء الشرط ؛ لأنّ ذلك نتيجة طبيعية لدلالتها على تقييد الحكم الشرعي وجعله مشروطا، فيدلّ قولنا : ( إذا زالت الشمس فصلِّ ) على عدم وجوب الصلاة قبل الزوال، ويدلّ قولنا : ( إذا أحرمت للحجّ فلا تتطيّب ) على عدم حرمة الطيب في حالة عدم الإحرام للحجّ، وبذلك تصبح الجملة الشرطية ذات مدلولين : أحدهما إيجابي، والآخر سلبي.

فالإيجابي هو ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، أي أنّ الوجوب يثبت عند الزوال.

ومدلولها السلبي هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، أي عدم وجوب الصلاة قبل الزوال، وعدم حرمة الطيب في غير حالة الإحرام للحجّ.

ويسمّى المدلول الإيجابي( منطوقاً ) للجملة، والمدلول السلبي( مفهوماً ) .وكلّ جملة لها مثل هذا المدلول السلبي يقال في العرفي الأصولي : إنّ هذه الجملة أو القضية ذات مفهوم.

وقد وضع بعض الأصوليين(١) قاعدة عامة لهذا المدلول السلبي في اللغة، فقال : إنّ كلَّ أداة لغوية تدل على تقييد الحكم وتحديده لها مدلولها سلبي ؛ إذا تدلّ

____________________

(١) كفاية الأصول : ٢٤٦، وأجود التقريرات ١ : ٤٣٧، وفوائد الأصول ١ - ٢ : ٥٠٥، ودرر الفوائد ١ - ٢ : ٢٠٤.


على انتفاء الحكم خارج نطاق الحدود التي تضعها للحكم، وأداة الشرط تعتبر مصداقاً لهذه القاعدة العامة ؛ لأنّها تدلّ على تحديد الحكم بالشرط.

ومن مصاديق القاعدة أيضاً : أداة الغاية حين تقول مثلاً : ( صُمْ حتّى تغيب الشمس )، فإن ( صُمْ ) هنا فعل أمر يدلّ على الوجوب، وقد دلّت حتّى بوصفها أداة غاية على وضع حدٍّ وغاية لهذا الوجوب الذي تدلّ عليه صيغة الأمر، ومعنى وضع غاية له : تقييده، فيدلّ على انتفاء وجوب الصوم بعد مغيب الشمس، وهذا هو المدلول السلبي الذي نطلق عليه اسم(المفهوم ) .

ويسمّى المدلول السلبي للجملة الشرطية ب-( مفهوم الشرط ) ، كما يسمّى المدلول السلبي لأداة الغاية - من قبيل ( حتّى ) في المثال المتقدّم ب-( مفهوم الغاية ) .


الفصل الثاني

في حجّية الظهور

ما هو المطلوب في التفسير ؟ :

إذا أردنا أن نفسّر كلمة من ناحيةٍ لغوية - كما يصنع اللغويون في معاجم اللغة - فسوف نفسِّرها بمعناها الذي ارتبطت به في اللغة، أو بأقرب معانيها إليها إذا كانت ذات معان متعدّدة، فنقول عن كلمة( بحر ) مثلا : إنّها تدلّ في اللغة على الكمّية الهائلة الغزيرة من الماء المجتمعة في مكان واحد ؛ لأنّ هذه هو أقرب المعاني إلى الكلمة في اللغة، أي المعنى الظاهر منها.

وأمّا إذا جاءت كلمة ( بحر ) في كلام شخص يقول : ( اذهب إلى البحر في كلّ يوم ) وأردنا أن نفسّر الكلمة في كلامه فلا يكفي أن نعرف ما هو أقرب المعاني إلى كلمة ( البحر ) لغة، أي المعنى الظاهر منها، بل يجب أن نعرف ماذا أراد المتكلِّم بالكلمة ؛ لأنّ المتكلّم قد يريد بالكلمة معنىً آخر غير المعنى الظاهر.فالمهمّ بصورة أساسية إذن أن نكتشف مراد المتكلّم، أي المدلول النفسي للفظ، ولا يكفي مجرّد معرفة المدلول اللغوي.

ومثال ذلك أيضا : صيغة الأمر إذا جاءت في كلام الآمر ولم ندر هل أراد الوجوب أو الاستحباب ؟ فإنّ الغرض الأساسي هو أن نعرف ماذا أراد ؟ ولا يكفينا أن نعرف مدلول الصيغة لغويا فحسب، إذ قد يكون مدلولها


اللغوي هو الوجوب والمتكلّم قد أراد الاستحباب على سبيل الاستعمال المجازي مثلاً.

وإذا كنّا قد درسنا في الفصل السابق المدلول اللغوي لصيغة( إفعل ) فإنّما ذلك لكي نستفيد منه في تحديد المدلول النفسي التصديقي للصيغة، ولكي يوجّهنا المدلول اللغوي إلى معرفة المدلول التصديقي واكتشاف إرادة المتكلّم كما سنرى.

ظهور حال المتكلّم :

عرفنا سابقا أنّ للدلالة مصدرين :

أحدهما : اللغة بما تشتمل عليه من أوضاع، وهي مصدر الدلالة التصوّرية.

والآخر : حال المتكلّم، وهو مصدر الدلالة التصديقية النفسية.

وكما نتساءل بالنسبة إلى المصدر الأوّل : ما هو أقرب المعاني إلى اللفظ في اللغة لكي يكون هو المعنى الظاهر للَّفظ لغوياً من بين سائر معانيه ؟ كذلك نتساءل بالنسبة إلى المصدر الثاني : ما هو المدلول التصديقي النفسي الأقرب إلى حال المتكلّم ؟ ونريد بالمعنى الأقرب إلى اللفظ لغة في السؤال الأوّل : المعنى الذي ينتقل الذهن إلى تصوّره عند سماع اللفظ قبل أن ينتقل إلى تصوّر غيره، ونريد بالمدلول التصديقي الأقرب لحال المتكلّم في السؤال الثاني : ما هو المرجّح في تقدير نوعية الإرادة التي توجد في نفس المتكلّم.

ومثال ذلك : كلمة ( البحر )، فنحن نتساءل أوّلاً : ما هو المعنى الأقرب إليها في اللغة، هل البحر من الماء أو البحر من العلم ؟ ونجيب : أنّ المعنى الأقرب لغويا لها بموجب النظام اللغوي العام هو البحر من الماء ؛ لأنّه معنىً حقيقي، والمعنى الحقيقي في النظام اللغوي العام أقرب من المعنى المجازي، ويعني كون المعنى


الحقيقي أقرب إلى اللفظ : أنّ الذهن ينتقل إلى تصوّره عند سماع اللفظ قبل أن ينتقل إلى تصوّر غيره.

ونتساءل ثانياً : ماذا يريد المتكلِّم بكلمة ( البحر ) في قوله : ( اذهب إلى البحر في كلّ يوم ) ؟ فهل يريد المعنى الأقرب لغويا الذي نتصوّره عند سماع الكلمة قبل غيره من المعاني وهو البحر من الماء، أو يريد المعنى الأبعد لغوياً وهو البحر من العلم ؟ ولمّا كان مصدر الدلالة التصديقية الدالّة على إرادة المتكلّم هو حال المتكلّم فيجب أن نعرف أيَّ هذين التقديرين أقرب إلى حال المتكلِّم، فهل الأقرب إلى حاله أن يريد المعنى الحقيقي الظاهر من اللفظ لغةً، أو المعنى الأبعد ؟

ويجيب علم الأصول على ذلك : أنّ الظاهر من حال المتكلّم أنّه يريد المعنى الأقرب لغوياً، ويعني كون هذا أقرب إلى حال المتكلّم : أنّ المرجّح في حال المتكلّم - بوصفه قد تكلّم بلفظ له معنى لغوي ظاهر - أنّه يريد المعنى الظاهر الأقرب إلى اللفظ دون الأبعد.

فلدينا إذن ظهوران : ظهور لغوي لكلمة ( البحر ) في المعنى الحقيقي، وهذا الظهور لا يعني أكثر من أنّ الذهن ينتقل إلى تصوّر هذا المعنى قبل تصور المعاني الأخرى، وظهور حالي تصديقي وهو ظهور حال المتكلّم في أنّه يريد باللفظ إفهام الأقرب إليه من معانيه لغةً، وهذا الظهور يعني أنّ الأرجح في حال المتكلّم أن يريد باللفظ معناه الظاهر.

حجّية الظهور :

ومن المقرَّر في علم الأصول أنّ ظهور حال المتكلّم في إرادة أقرب المعاني إلى اللفظ حجّة، ومعنى حجّية هذا الظهور اتّخاذه أساساً لتفسير الدليل


اللفظي على ضوئه، فنفترض دائماً : أنّ المتكلم قد أراد المعنى الأقرب إلى اللفظ في النظام اللغوي العام(١) أخذا بظهور حاله.ولأجل ذلك يطلق على حجّية الظهور اسم( أصالة الظهور ) ؛ لأنّها تجعل الظهور هو الأصل لتفسير الدليل اللفظي.

وفي ضوء هذه نستطيع أن نعرف لماذا كنّا نهتمّ في الفصل السابق بتحديد المدلول اللغوي الأقرب للكلمة والمعنى الظاهر لها بموجب النظام اللغوي العام، مع أنّ المهمّ عند تفسير الدليل اللفظي هو اكتشاف ماذا أراد المتكلّم باللفظ من معنى ؟ لا ما هو المعنى الأقرب إليه في اللغة، فإنّا ندرك في ضوء أصالة الظهور أنّ الصلة وثيقة جداً بين اكتشاف مراد المتكلّم وتحديد المدلول اللغوي الأقرب للكلمة ؛ لأنّ أصالة الظهور تحكم بأنّ مراد المتكلم من اللفظ هو نفس المدلول اللغوي الأقرب، أي المعنى الظاهر من اللفظ لغةً، فلكي نعرف مراد المتكلّم يجب أن نعرف المعنى الأقرب إلى اللفظ لغة لنحكم بأنّه هو المعنى المراد للمتكلّم.

تطبيقات حجية الظهور على الأدلّة اللفظية :

وسوف نستعرض فيما يلي ثلاث حالات لتطبيق قاعدة حجّية الظهور :

الأولى : أن يكون للَّفظ في الدليل معنىً وحيد في اللغة ولا يصلح للدلالة على معنىً آخر في النظام اللغوي العام.والقاعدة العامة تحتِّم في هذه الحالة أن

____________________

(١) لا نريد باللغة والنظام اللغوي العامّ هنا اللغة في مقابل العرف، بل النظام القائم بالفعل لدلالة الألفاظ، سواء كان لغوياً أوّلياً أو ثانوياً.( المؤلّف قدس‌سره ).


يُحمَل اللفظ على معناه الوحيد ويقال : ( إنّ المتكلّم أراد ذلك المعنى ) ؛ لأنّ المتكلّم يريد باللفظ دائماً المعنى المحدَّد له في النظام اللغوي العام، ويعتبر الدليل في مثل هذه الحالة صريحا في معناه.

الثانية : أن يكون للَّفظ معانٍ متعدّدة متكافئة في علاقتها باللفظ بموجب النظام اللغوي العام من قبيل المشترك، وفي هذه الحالة لا يمكن تعيين المراد من اللفظ على أساس تلك القاعدة، إذ لا يوجد معنى أقرب إلى اللفظ من ناحية لغوية لتطبَّق القاعدة عليه، ويكون الدليل في هذه الحالة مجملاً.

الثالثة : أن يكون للَّفظ معانٍ متعدّدة في اللغة، وأحدها أقرب إلى اللفظ لغوياً من سائر معانيه، ومثاله كلمة( البحر ) التي لها معنى حقيقي قريب، وهو ( البحر من الماء ).ومعنى مجازي بعيد وهو ( البحر من العلم )، فإذا قال الآمر : ( اذهب إلى البحر في كلِّ يومٍ ) وأردنا أن نعرف ماذا أراد المتكلّم بكلمة( البحر ) من هذين المعنيين ؟ يجب علينا أن ندرس السياق الذي جاءت فيه كلمة( البحر ) .ونريد ب- ( السياق ) : كلّ ما يكتف اللفظ الذي نريد فهمه من دوالٍّ أخرى، سواء كانت لفظيةً كالكلمات التي تشكّل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاماً واحداً مترابطاً، أو حالية كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالةٍ في الموضوع.

فلا بدّ لنا لكي نفهم المعنى الذي أراده المتكلّم من لفظ( البحر ) في المثال المتقدّم أن ندرس السياق الذي جاءت فيه كلمة( البحر ) ، ونحدّد المدلول اللغوي والمعنى الظاهر لكلّ كلمة وردت في ذلك السياق، فإن لم نجد في سائر الكلمات التي وردت في السياق ما يدلّ على خلاف المعنى الظاهر من كلمة( البحر ) كان لزاما علينا أن نفسِّر كلمة( البحر ) على أساس المعنى اللغوي الأقرب، ونقرِّر أنّ مراد الآمر من البحر الذي أمرنا بالذهاب إليه في كلِّ يومٍ هو بحر الماء، لا بحر


العلم تطبيقا للقاعدة العامة القائلة بحجّية الظهور.

وقد نجد في سائر أجزاء الكلام ما لا يتّفق مع ظهور كلمة( البحر ) ، ومثاله أن يقول الآمر : ( اذهب إلى البحر في كلّ يوم واستمع إلى حديثه باهتمام ) فإنّ الاستماع إلى حديث البحر لا يتّفق مع المعنى اللغوي الأقرب إلى كلمة( البحر ) ؛ لأنّ البحر من الماء لا يستمع إلى حديثه، وإنّما يستمع إلى حديث البحر من العلم، أي العالم الذي يشابه البحر لغزارة علمه، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا نتساءل : ماذا أراد المتكلّم بكلمة ( البحر ) ؟ هل أراد بها البحر من العلم بدليل أنّه أمرنا بالاستماع إلى حديثه، أو أراد بها البحر من الماء ولم يقصد بالحديث هنا المعنى الحقيقي، بل أراد به الإصغاء إلى صوت أمواج البحر ؟

وهكذا نظل متردِّدين بين كلمة( البحر ) وظهورها اللغوي من ناحية، وكلمة ( الحديث ) وظهورها اللغوي من ناحية أخرى، ومعنى هذا أنّا نتردّد بين صورتين : إحداهما صورة الذهاب إلى بحر من الماء المتموِّج والاستماع إلى صوت مَوجه، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة ( البحر ).والأخرى صورة الذهاب إلى عالم غزير العلم والاستماع إلى كلامه، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة ( الحديث ).

وفي هذا المجال يجب أن نلاحظ السياق جميعا ككلٍّ ونرى أيَّ هاتين الصورتين أقرب إليه في النظام اللغوي العام ؟ أي أنّ هذا السياق إذا اُلقي على ذهن شخصٍ يعيش اللغة ونظامها بصورة صحيحة هل سوف تسبق إلى ذهنه الصورة الأولى أو الصورة الثانية ؟ فإن عرفنا أنّ إحدى الصورتين أقرب إلى السياق بموجب النظام اللغوي العام - ولنفرضها الصورة الثانية - تكوَّن للسياق ككلٍّ ظهور في الصورة الثانية ووجب أن نفسِّر الكلام على أساس تلك الصورة الظاهرة.


ويطلق على كلمة ( الحديث ) في هذا المثال اسم( القرينة ) ؛ لأنّها هي التي دلّت على الصورة الكاملة للسياق وأبطلت مفعول كلمة ( البحر ) وظهورها.

وأمّا إذا كانت الصورتان متكافئتين في علاقتهما بالسياق فهذا يعني أنّ الكلام أصبح مجملاً ولا ظهور له، فلا يبقى مجال لتطبيق القاعدة العامة.

القرينة المتّصلة والمنفصلة :

عرفنا أنّ كلمة ( الحديث ) في المثال السابق قد تكون قرينةً في ذلك السياق، وتسمّى ( قرينة متّصلة ) ؛ لأنّها متّصلة بكلمة ( البحر ) التي أبطلت مفعولها وداخلة معها في سياقٍ واحد، والكلمة التي يبطل مفعولها بسبب القرينة تسمّى ب-( ذي القرينة ) .

ومن أمثلة القرينة المتّصلة : الاستثناء من العام، كما إذا قال الآمر : ( أكرم كلّ فقير إلاّ الفسّاق )، فإنّ كلمة ( كلّ ) ظاهرة في العموم لغةً، وكلمة ( الفسّاق ) تتنافى مع العموم، وحين ندرس السياق ككلٍّ نرى أنّ الصورة التي تقتضيها هذه الكلمة أقرب إليه من صورة العموم التي تقتضيها كلمة ( كلّ )، بل لا مجال للموازنة بينهما، وبهذا تعتبر أداة الاستثناء قرينةً على المعنى العام للسياق.

فالقرينة المتّصلة هي : كلّ ما يتّصل بكلمة أخرى فيبطل ظهورها ويوجّه المعنى العام للسياق الوجه التي تنسجم معه.

وقد يتّفق أنّ القرينة بهذا المعنى لا تجيء متّصلةً بالكلام، بل منفصلةً عنه فتسمّى( قرينةً منفصلة ) .ومثاله أن يقول الآمر : ( أكرم كلّ فقير )، ثمّ يقول في حديث آخر بعد ساعة : ( لا تكرم فسّاق الفقراء )، فهذا النهي لو كان متّصلاً


بالكلام الأول لاعتُبر قرينةً متّصلة ولكنّه انفصل عنه في هذا المثال.

وفي هذا الضوء نفهم معنى القاعدة الأصولية القائلة :( إنّ ظهور القرينة مقدَّم على ظهور ذي القرينة، سواء كانت القرينة متّصلةً أو منفصلة ) .

وهناك فروق بين القرينة المتّصلة والمنفصلة لا مجال لدراستها على مستوى هذه الحلقة.


الاستنباط القائم على أساس الدليل ٢

الدليل البرهاني

تمهيد.

العلاقات القائمة بين نفس الأحكام.

العلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه.

العلاقات القائمة بين الحكم ومتعلّقه.

العلاقات القائمة بين الحكم والمقدّمات.

العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد.



تمهيد :

دراسة العلاقات العقلية :

حينما يدرس العقل العلاقات بين الأشياء يتوصّل إلى معرفة أنواع عديدة من العلاقة، فهو يدرك - مثلاً - علاقة التضاد بين السواد والبياض، وهي تعني استحالة اجتماعهما في جسم واحد، ويدرك علاقة التلازم بين السبب والمسبَّب، فإنّ كلّ مسبَّبٍ في نظر العقل ملازم لسببه ويستحيل انفكاكه عنه، نظير الحرارة بالنسبة إلى النار.ويدرك علاقة التقدّم والتأخّر في الدرجة بين السبب والمسبَّب.ومثاله : إذا أمسكت مفتاحاً بيدك وحرَّكت يدك فيتحرّك المفتاح بسبب ذلك، وبالرغم من أنّ المفتاح في هذا المثال يتحرّك في نفس اللحظة التي تتحرّك فيها يدك، فإنّ العقل يدرك أن حركة اليد متقدِّمة على حركة المفتاح، وحركة المفتاح متأخّرة عن حركة اليد لا من ناحية زمنية، بل من ناحية تسلسل الوجود، ولهذا نقول حين نريد أن نتحدّث عن ذلك : ( حرّكتُ يدي فتحرَّك المفتاح )، فالفاء هنا تدل على الترتيب وتأخّر حركة المفتاح عن حركة اليد، مع أنّهما وقعا في زمانٍ واحد.

فهناك إذن تأخّر لا يمتّ إلى الزمان بصلة، وإنّما ينشأ عن تسلسل الوجود في نظر العقل، بمعنى أنّ العقل حين يلحظ حركة اليد وحركة المفتاح ويدرك أنّ


هذه نابعة من تلك يرى أنّ حركة المفتاح متأخّرة عن حركة اليد بوصفها نابعةً منها، ويرمز إلى هذا التأخّر بالفاء فيقول : ( تحرَّكتْ يدي فتحرّك المفتاح )، ويطلق على هذا التأخّر اسم ( التأخر الرُّتبي ) أي التأخّر في الدرجة.

وبعد أن يدرك العقل تلك العلاقات يستطيع أن يستفيد منها في اكتشاف وجود الشيء أو عدمه، فهو عن طريق علاقة التضادّ بين السواد والبياض يستطيع أن يثبت عدم السواد في جسم إذا عرف أنّه أبيض ؛ نظرا إلى استحالة اجتماع البياض والسواد في جسمٍ واحدٍ، فما دام أبيض وجب بحكم علاقة التضادّ أن لا يكون أسود.وعن طريق علاقة التلازم بين المسبَّب وسببه يستطيع العقل أنّ يثبت وجود المسبَّب إذا عرف وجود السبب ؛ نظرا إلى استحالة الانفكاك بينهما.وعن طريق علاقة التقدّم والتأخّر يستطيع العقل أن يكتشف عدم وجود المتأخّر قبل الشيء المتقدّم ؛ لأنّ ذلك يناقض كونه متأخّراً، فإذا كانت حركة المفتاح متأخّرة عن حركة اليد في تسلسل الوجود فمن المستحيل أن تكون حركة المفتاح - والحالة هذه - موجودة بصورة متقدّمة على حركة اليد في تسلسل الوجود ؛ لأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون متقدِّماً على الشيء ويكون في نفس الوقت متأخّراً عنه.

وكما يدرك العقل هذه العلاقات بين الأشياء ويستفيد منها في الكشف عن وجود شيء أو عدمه، كذلك يدرك العلاقات القائمة بين الأحكام، ويستفيد من تلك العلاقات في الكشف عن وجود حكم أو عدمه، فهو يدرك - مثلاً - التضادّ بين الوجوب والحرمة، كما كان يدرك التضادّ بين السواد والبياض، وكما كان يستخدم هذه العلاقة في نفي السواد إذا عرف وجود البياض، كذلك يستخدم علاقة التضاد بين الوجوب والحرمة لنفي الوجوب عن الفعل إذا عرف أنّه حرام.

فهناك إذن أشياء تقوم بينها علاقات في نظر العقل، وهناك أحكام تقوم بينها


علاقات في نظر العقل أيضاً.ونطلق على الأشياء اسم( العالم التكويني ) ، وعلى الأحكام اسم( العالم التشريعي ) .

وكما يمكن للعقل أن يكشف وجود الشيء أو عدمه في العالم التكويني عن طريق تلك العلاقات كذلك يمكن للعقل أن يكشف وجود الحكم أو عدمه في العالم التشريعي عن طريق تلك العلاقات.

ومن أجل ذلك كان من وظيفة علم الأصول أن يدرس تلك العلاقات في عالم الأحكام بوصفها قضايا عقلية صالحة لان تكون عناصر مشتركة في عملية الاستنباط.

الطريقة القياسية :

وهذه العلاقات تدخل في عملية الاستنباط ضمن دليل يشكله الفقيه بطريقة قياسية، وهي الطريقة التي نستنتج فيها نتيجة خاصة من قانون عام، من قبيل قولنا : ( هذا مثلث، وكلّ مثلث له ثلاثة أضلاع، فهذا المثلث له ثلاثة أضلاع )، فإنّ هذا القول يشتمل على استنتاج عدد أضلاع هذه المثلث وأنّها ثلاثة من القانون العامِّ القائل : ( إنّ كلّ مثلث له ثلاثة أضلاع ).

وهكذا الحال في العلاقات التي ندرسها في العالم التشريعي، فإنّها تشكِّل قوانين عامة، ويستنتج الفقيه منها نتائج خاصّه بطريقة قياسية، فيقول مثلا : ( الصلاة في المكان المغصوب حرام، وكلّ حرام لا يمكن أن يكون واجبا لعلاقة التضادّ القائمة بين الوجوب والحرمة، فالصلاة في المكان المغصوب إذن لا يمكن أن تكون واجبة ).

ومن الطبيعي على هذا الأساس أن نتكلّم عن العلاقات العقلية القائمة في عالم الأحكام تحت عنوان ( الدليل القياسي ) ؛ لأنّها تكوِّن العناصر المشتركة في


الدليل القياسي، ولكنّا بالرغم من ذلك استبدلنا كلمة( القياس ) ب-( البرهان ) ؛ لأنّ كلمة( القياس ) قد يختلط معناها المنطقي الذي نريده هنا بمعان أُخرى، فآثرنا أن نضع الدليل البرهاني عنواناً لدراسة تلك العلاقات العقلية.

وقد تعرّضت الطريقة القياسية في الاستدلال لنقد شديدٍ من الناحية المنطقية وبخاصّة في عصرنا الحديث، وسوف نتناول ذلك في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.

تقسيم البحث :

توجد في العالم التشريعي أقسام من العلاقات :

فهناك قسم من العلاقات قائم بين نفس الأحكام، أي بين حكم شرعيٍّ وحكم شرعيٍّ آخر.

وقسم ثان من العلاقات قائم بين الحكم وموضوعه.

وقسم ثالث بين الحكم ومتعلّقه.

وقسم رابع بين الحكم ومقدّماته.

وقسم خامس، وهو العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد.

وقسم سادس، وهو العلاقات القائمة بين الحكم وأشياء أُخرى خارجة عن نطلق العالم التشريعي.

وسوف نتحدّث عن نماذج لأكثر هذه الأقسام(١) في فصول :

____________________

(١) أي : لغير القسم السادس، وأمّا القسم السادس فنريد به ما كان من قبيل علاقة التلازم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي المقرّرة في المبدأ القائل : ( كلّ ما حَكَم به العقل حَكَم به الشرع )، فإنّ هذه العلاقة تقوم بين الحكم الشرعي وشيء خارج عن نطاق العالم التشريعي، وهو حكم العقل.وقد أجَّلنا دراسة ذلك إلى الحلقات المقبلة( المؤلّف قدس‌سره ).


الفصل الأوّل

في العلاقات القائمة بين نفس الأحكام

علاقة التضادّ بين الوجوب والحرمة :

من المعترف به في علم الأصول أنّه ليس من المستحيل أن يأتي المكلَّف بفعلين في وقت واحد أحدهما واجب والآخر حرام، فيعتبر مطيعاً من ناحية إتيانه بالواجب وجديراً بالثواب، ويعتبر عاصياً من ناحية إتيانه للحرام ومستحقّا للعقاب.فشرب الماء النجس - مثلا - حرام، ودفع الزكاة إلى الفقير واجب، فلو أنّ إنساناً حمل الماء النجس بإحدى يديه وشربه وأعطى باليد الأُخرى في نفس الوقت زكاته للفقير فقد عصى وامتثل، وأتى بالحرام والواجب في وقت واحد.

وأمّا الفعل الواحد فلا يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة معاً ؛ لانّ العلاقة بين الوجوب والحرمة هي علاقة تضادٍّ ولا يمكن اجتماعهما في فعل واحد، كما لا يمكن أن يجتمع السواد والبياض في جسم واحد، فدفع الزكاة إلى الفقير لا يمكن أن يكون - وهو واجب - حراماً في نفس الوقت، وشرب النجس لا يمكن أن يكون - وهو حرام - واجباً في نفس الوقت.

وهكذا يتّضح :

أوّلا : أنّ الفعلين المتعدّدين - كدفع الزكاة وشرب النجس - يمكن أن يتّصف أحدهما بالوجوب والآخر بالحرمة ولو أوجدهما المكلَّف في زمان واحد.

وثانياً : أنّ الفعل الواحد لا يمكن أن يتّصف بالوجوب والحرمة معاً.

والنقطة الرئيسية في هذا البحث عند الأصوليين هي : أنّ الفعل قد يكون واحداً بالذات والوجود ومتعدّداً بالوصف والعنوان، وعندئذٍ فهل يلحق بالفعل


الواحد لأنّه واحد وجوداً وذاتاً، أو يلحق بالفعلين لأنّه متعدّد بالوصف والعنوان ؟

ومثاله : أن يتوضّأ المكلَّف بماءٍ مغصوب، فإنّ هذه العملية التي يؤدّيها إذا لوحظت من ناحية وجودها فهي شيءٍ واحدٍ، وإذا لوحظت من ناحية أوصافها فهي توصف بوصفين، إذ يقال عن العملية : إنّها وضوء، ويقال عنها في نفس الوقت : إنّها غصب وتصرّف في مال الغير بدون إذنه، وكلّ من الوصفين يسمّى ( عنواناً )، ولأجل ذلك تعتبر العملية في هذا المثال واحدة ذاتاً ووجوداً ومتعدّدة وصفاً وعنواناً.

وفي هذه النقطة قولان للأصوليّين :

أحدهما : أنّ هذه العملية ما دامت متعدّدةً بالوصف والعنوان تلحق بالفعلين المتعدّدين، فكما يمكن أن يتّصف دفع الزكاة للفقير بالوجوب وشرب الماء النجس بالحرمة كذلك يمكن أن يكون أحد وصفَي العملية وعنوانيها واجباً وهو عنوان الوضوء، والوصف الآخر حراماً وهو عنوان الغصب، وهذا القول يطلق عليه اسم :( القول بجواز اجتماع الأمر والنهي ) .(١)

والقول الآخر : يؤكّد على إلحاق العملية بالفعل الواحد على أساس وحدتها الوجودية، ولا يبرِّر مجرّد تعدّد الوصف والعنوان عنده تعلّق الوجوب والحرمة معا بالعملية، وهذا القول يطلق عليه اسم :( القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي ) .(٢)

وهكذا اتّجه البحث الأُصولي إلى دراسة تعدّد الوصف والعنوان من ناحية أنّه هل يبرّر اجتماع الوجوب والحرمة معاً في عملية الوضوء بالماء المغصوب، أو أنّ العملية ما دامت واحدة وجوداً وذاتاً فلا يمكن أن توصف بالوجوب والحرمة

____________________

(١) ذهب إلى ذلك المحقّق النائيني، انظر : فوائد الأصول ٢ : ٣٩٨.

(٢) اختاره المحقّق الخراساني، ونسبه أيضاً إلى المشهور.انظر : كفاية الأصول : ١٩٣.


في وقت واحد.

ونحن نعتقد أنّ العملية التي لها وصفان وعنوانان يمكن أن يتعلّق الوجوب بأحدهما والحرمة بالآخر، ولا تمنع عن ذلك وحدة العملية وجوداً، ولكنّ هذا لا ينطبق على كلّ وصف، بل إنّما تتّسع العملية الواحدة للوجوب والحرمة معاً إذا كان لها وصفان وعنوانان يتوفّر فيهما شرائط خاصّة لا مجال لتفصيلها الآن.

هل تستلزم حرمة العقد فساده ؟

إنّ صحّة العقد معناها : أن يترتّب عليه أثره الذي اتّفق عليه المتعاقدان، ففي عقد البيع يعتبر البيع صحيحاً ونافذا إذا ترتّب عليه نقل ملكية السلعة من البائع إلى المشتري ونقل ملكية الثمن من المشتري إلى البائع، ويعتبر فاسداً وباطلاً إذا لم يترتّب عليه ذلك.

وبديهيّ أنّ العقد لا يمكن أن يكون صحيحاً وفاسداً في وقت واحد، فإنّ الصحة والفساد متضادّان كالتضادّ بين الوجوب والحرمة، فكما لا يمكن أن يكون الفعل الواحد واجباً وحراماً كذلك لا يمكن أن يكون العقد الواحد صحيحاً وفاسداً.

والسؤال هو : هل يمكن أن يكون العقد صحيحاً وحراماً ؟

ونجيب على ذلك بالإيجاب، إذ لا تضادّ بين الصحة والحرمة، ولا تلازم بين الحرمة والفساد ؛ لأنّ معنى تحريم العقد منع المكلّف من إيجاد البيع، ومعنى صحته أنّ المكلَّف إذا خالف هذا المنع والتحريم وباع ترتّب الأثر على بيعه وانتقلت الملكية من البائع إلى المشتري، ولا تنافي بين أن يكون إيجاد المكلَّف للبيع وممارسته له مبغوضاً للشارع وممنوعاً عنه وأن يترتّب عليه الأثر في حالة صدوره من المكلّف، فلا تلازم إذن بين حرمة العقد وفساده، ولا تضادّ بين حرمته


وصحته، بل يمكن أن يكون العقد حراماً وصحيحا في نفس الوقت.

ومثال ذلك في حياتنا الاعتيادية : أنّك قد لا تريد أن يزورك فلان وتبغض ذلك أشدّ البغض، ولكن إذا اتّفق وزارك ترى لزاماً عليك أن ترتِّب الأثر على زيارته وتقوم بضيافته.فكما أمكن في هذا المثال أن تبغض زيارة فلان لك وفي نفس الوقت ترتّب الأثر عليها إذا اتّفق له أن زارك، كذلك يمكن في مسألتنا أن يبغض الشارع صدور عقد البيع من المكلّف ويمنع عنه، ولكنّه يرتّب الأثر عليه إذا عصى المكلَّف ومارس البيع، فيحكم بنقل الملكية من البائع إلى المشتري، كما ترتِّب أنت الأثر على زيارة فلان لك، إذا زارك بالرغم من أنّك تبغض زيارته.

وهذا يعني أنّ النهي عن المعاملة - أي عقد البيع ونحوه - لا يستلزم فسادها، بل يتّفق مع الحكم بصحة العقد في نفس الوقت، خلافاً لعدد من الأصوليين القائلين بأنّ( النهي عن المعاملة يقتضي فسادها ) (١) ؛ إيماناً منهم بوجود علاقة تضادٍّ بين الصحّة والحرمة.

____________________

(١) منهم الشهيد الأوّل في القواعد والفوائد ١ : ١٩٩، قاعدة [ ٥٧ ] والفاضل التوني في الوافية : ١٠١ و ١٠٣.


الفصل الثاني

في العلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه

الجعل والفعلية :

حين حكمت الشريعة بوجوب الحجّ على المستطيع وجاء قوله تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (١) ، أصبح الحجّ من الواجبات في الإسلام، وأصبح وجوبه حكماً ثابتاً في الشريعة، ولكن إذا افترضنا أنّ المسلمين وقتئذٍ لم يكن يوجد فيهم شخص مستطيع تتوفّر فيه خصائص الاستطاعة شرعاً فلا يتوجّه وجوب الحجّ إلى أيِّ فرد من أفراد المسلمين ؛ لأنّهم ليسوا مستطيعين، والحجّ إنّما يجب على المستطيع، أي أنّ وجوب الحجّ لا يثبت في هذه الحالة لأيِّ فرد بالرغم من كونه حكماً ثابتاً في الشريعة، فإذا أصبح أحد الأفراد مستطيعا اتّجه الوجوب نحوه وأصبح ثابتاً بالنسبة إليه.

وعلى هذا الضوء نلاحظ أنّ للحكم ثبوتين : أحدهما ثبوت الحكم في الشريعة، والآخر ثبوته بالنسبة إلى هذا الفرد أو ذاك.فحين حكم الإسلام بوجوب الحجّ على المستطيع في الآية الكريمة ثبت هذا الحكم في الشريعة ولو لم يكن يوجد مستطيع وقتئذٍ إطلاقا، بمعنى أنّ شخصاً لو سأل في ذلك الوقت ما هي أحكام الشريعة ؟ لذكرنا من بينها وجوب الحجّ على المستطيع، سواء كان في المسلمين مستطيع فعلا أوْ لا، وبعد أن يصبح هذه الفرد أو ذاك مستطيعاً يثبت الوجوب عليه.

____________________

(١) آل عمران : ٩٧.


ونعرف على هذا الأساس أنّ الحكم بوجوب الحجّ على المستطيع لا يتوقّف ثبوته في الشريعة بوصفه حكماً شرعياً إلاّ على تشريعة وجعله من قبل الله تعالى، سواء كانت الاستطاعة متوفّرة في المسلمين فعلا أوْ لا.وأمّا ثبوت وجوب الحجّ على هذا المكلّف أو ذاك فيتوقّف - إضافة إلى تشريع الله للحكم وجعله له - على توفّر خصائص الاستطاعة في المكلّف.

والثبوت الأوّل للحكم - أي ثبوته في الشريعة - يسمّى ب- :الجعل ( جعل الحكم ) .

والثبوت الثاني للحكم - أي ثبوته على هذا المكلّف بالذات أو ذاك - يسمّى ب- :الفعلية ( فعلية الحكم ) ، فجعل الحكم معناه تشريعه من قبل الله، وفعلية الحكم معناها ثبوته فعلاً لهذا المكلّف أو ذاك.

موضوع الحكم :

وموضوع الحكم مصطلح أصولي نريد به مجموع الأشياء التي تتوقّف عليها فعليه الحكم المجعول بمعناها الذي شرحناه، ففي مثال وجوب الحجّ يكون وجود المكلّف المستطيع موضوعاً لهذا الوجوب ؛ لأنّ فعلية هذا الوجوب تتوقّف على وجود مكلَّف مستطيع.

ومثال آخر : حكمت الشريعة بوجوب الصوم على كلّ مكلّف غير مسافر ولا مريض إذا هلَّ عليه هلال شهر رمضان، وهذا الحكم يتوقّف ثبوته الأوّل على جعله شرعاً، ويتوقّف ثبوته الثاني - أي فعليته - على وجود موضوعه، أي وجود مكلّف غير مسافر ولا مريض وهلَّ عليه هلال شهر رمضان، فالمكلّف وعدم السفر وعدم المرض وهلال شهر رمضان هي العناصر التي تكوِّن الموضوع الكامل للحكم بوجوب الصوم.


وإذا عرفنا معنى موضوع الحكم استطعنا أن ندرك أنّ العلاقة بين الحكم والموضوع تشابه ببعض الاعتبارات العلاقة بين المسبّب وسببه، كالحرارة والنار، فكما أنّ المسبّب يتوقّف على سببه، كذلك الحكم يتوقّف على موضوعه ؛ لأنّه يستمدّ فعليته من وجود الموضوع.وهذا معنى العبارة الأصولية القائلة :( إنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية موضوعه ) أي أنّ وجود الحكم فعلاً يتوقّف على وجود موضوعه فعلاً.

وبحكم هذه العلاقة بين الحكم والموضوع يكون الحكم متأخّراً في درجته عن الموضوع، ويكون الموضوع متقدّماً عليه كما يتقدّم كلّ سبب على مسبَّبه.

وتوجد في علم الأُصول قضايا تستنتج من هذه العلاقة وتصلح للاشتراك في عمليات الاستنباط لا مجال للدخول في تفاصيلها الآن.


الفصل الثالث

العلاقات القائمة بين الحكم ومتعلّقه

عرفنا أنّ وجوب الصوم - مثلاً - موضوعه مؤلَّف من عدّة عناصر تتوقّف عليها فعلية الوجوب، فلا يكون الوجوب فعلياً وثابتاً إلاّ إذا وجد مكلّف غير مسافر ولا مريض وهلَّ عليه هلال شهر رمضان، وأمّا متعلّق هذا الوجوب فهو الفعل الذي يؤدّيه المكلّف نتيجة لتوجّه الوجوب إليه، وهو الصوم في هذا المثال.

وعلى هذا الضوء نستطيع أن نميِّز بين متعلّق الوجوب وموضوعه، فإنّ المتعلّق يوجد بسبب الوجوب، فالمكلّف إنّما يصوم لأجل وجوب الصوم عليه، بينما يوجد الحكم نفسه بسبب الموضوع، فوجوب الصوم لا يصبح فعلياً إلاّ إذا وجد مكلّف غير مريض ولا مسافر وهلّ عليه الهلال.

وهكذا نجد أنّ وجود الحكم يتوقّف على وجود الموضوع، بينما يكون سبباً لإيجاده المتعلّق وداعيا للمكلّف نحوه.

وعلى هذا الأساس نعرف أنّ من المستحيل أن يكون الوجوب داعياً إلى إيجاد موضوعه ومحرِّكا للمكلّف نحوه كما يدعو إلى إيجاد متعلّقه، فوجوب الصوم على كلِّ مكلّفٍ غير مسافر ولا مريض ولا يمكن أن يفرض على المكلّف أن لا يسافر، وإنّما يفرض عليه أن يصوم إذا لم يكن مسافراً، ووجوب الحجّ على المستطيع لا يمكن أن يفرض على المكلّف أن يكتسب ليحصل على الاستطاعة، وإنّما يفرض الحجّ على المستطيع ؛ لأنّ الحكم لا يوجد إلاّ بعد وجود موضوعه، فقبل وجود الموضوع لا وجود للحكم لكي يكون داعياً إلى إيجاد موضوعه ،


ولأجل ذلك وضعت في علم الأصول القاعدة القائلة :( إنّ كلّ حكم يستحيل أن يكون محرِّكاً نحو أيِّ عنصر من العناصر الدخيلة في تكوين موضوعه، بل يقتصر تأثيره وتحريكه على نطاق المتعلَّق ) .


الفصل الرابع

العلاقات القائمة بين الحكم والمقدِّمات

المقدِّمات التي يتوقّف عليها وجود الواجب على قسمين :

أحدهما : المقدِّمات التي يتوقّف عليها وجود المتعلّق، من قبيل السفر الذي يتوقّف أداء الحجِّ عليه، أو الوضوء الذي تتوقّف الصلاة عليه، أو التسلّح الذي يتوقّف الجهاد عليه.

والآخر : المقدِّمات التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب، من قبيل نيّة الإقامة التي يتوقّف عليها صوم شهر رمضان، والاستطاعة التي تتوقّف عليها حجّة الإسلام.

والفارق بين هذين القسمين : أنّ المقدِّمة التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب يتوقّف على وجودها الوجوب نفسه ؛ لما شرحناه سابقاً من أنّ الحكم الشرعي يتوقّف وجوده على وجود موضوعه، فكلّ مقدّمة دخيلة في تحقق موضوع الحكم يتوقف عليها الحكم ولا يوجد بدونها، خلافا للمقدِّمات التي لا تدخل في تكوين الموضوع، وإنّما يتوقّف عليها وجود المتعلَّق فحسب، فإنّ الحكم يوجد قبل وجودها ؛ لأنّها لا تدخل في موضوعه.

ولنوضِّح ذلك في مثال الاستطاعة والوضوء : فالاستطاعة مقدِّمة تتوقّف عليها حجّة الإسلام، والتكسّب مقدّمة للاستطاعة، وذهاب الشخص إلى محلّه في السوق مقدِّمة للتكسّب، وحيث إنّ الاستطاعة تدخل في تكوين موضوع وجوب الحجّ فلا وجوب للحجّ قبل الاستطاعة وقبل تلك الأمور التي تتوقّف عليها الاستطاعة.وأمّا الوضوء فلا يدخل في تكوين موضوع وجوب الصلاة ؛ لأنّ


وجوب الصلاة لا ينتظر أن يتوضّأ الإنسان لكي يتّجه إليه، بل يتّجه إليه قبل ذلك، وإنّما يتوقّف متعلَّق الوجوب - وهو الصلاة - على الوضوء، ويتوقّف الوضوء على تحضير الماء الكافي، ويتوقّف تحضير هذا الماء على فتح خزّان الماء مثلاً.

فهناك إذن سلسلتان من المقدّمات :

الأولى : سلسلة مقدِّمات المتعلَّق، أي الوضوء الذي تتوقّف عليه الصلاة، و تحضير الماء الذي يتوقّف عليه الوضوء، وفتح الخزّان الذي يتوقّف عليه تحضير الماء.

والثانية : سلسلة مقدِّمات الوجوب، وهي الاستطاعة التي تدخل في تكوين موضوع وجوب الحجّ، والتكسّب الذي تتوقف عليه الاستطاعة، وذهاب الشخص إلى محلّه في السوق الذي يتوقّف عليه التكسّب.

وموقف الوجوب من هذه السلسلة الثانية، وكلّ ما يندرج في القسم الثاني من المقدِّمات سلبيّ دائماً ؛ لأنّ هذا القسم يتوقّف عليه وجوب موضوع الحكم، وقد عرفنا سابقاً أنّ الوجوب لا يمكن أن يدعو إلى موضوعه.وتسمّى كلّ مقدِّمة من هذا القسم( مقدِّمة وجوب ) أو( مقدِّمة وجوبية ) .

وأمّا السلسلة الأولى والمقدّمات التي تندرج في القسم الأوّل فالمكلّف مسئول عن إيجادها، أي أنّ المكلّف بالصلاة - مثلاً - مسئول عن الوضوء لكي يصلّي، والمكلّف بالحجّ مسئول عن السفر لكي يحجّ، والمكلّف بالجهاد مسئول عن التسلّح لكي يجاهد.

والنقطة التي درسها الأصوليون هي نوع هذه المسؤولية، فقد قدَّموا لها تفسيرين :

أحدهما : أنّ الواجب شرعاً على المكلّف هو الصلاة فحسب، دون مقدّماتها من الوضوء ومقدّماته، وإنّما يجد المكلّف نفسه مسئولاً عن إيجاد


الوضوء وغيره من المقدّمات ؛ لأنّه يرى أنّ امتثال الواجب الشرعي لا يتأتى له إلاّ بإيجاد تلك المقدّمات(١) .

والآخر : أنّ الوضوء واجب شرعاً ؛ لأنّه مقدّمة للواجب، ومقدّمة الواجب واجبة شرعاً، فهناك إذن واجبان شرعيان على المكلّف : أحدهما الصلاة، والآخر الوضوء بوصفه مقدّمة للصلاة.ويسمّى الأوّل ب-( الواجب النفسي ) ؛ لأنّه واجب لأجل نفسه.ويسمّى الثاني ب-( الواجب الغيري ) ؛ لأنّه واجب لأجل غيره، أي لأجل ذي المقدّمة وهو الصلاة.

وهذا التفسير أخذ به جماعة من الأصوليين(٢) إيماناً منهم بقيام علاقة تلازم بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، فكلّما حكم الشارع بوجوب فعل حكم عقيب ذلك مباشرة بوجوب مقدّماته.

____________________

(١) مصابيح الأُصول ١ : ٤٠٥.

(٢) منهم المحقّق الخراساني في كفاية الأصول : ١٥٦، والمحقّق النائيني في فوائد الأصول ١ - ٢ : ٢٨٤، والمحقّق العراقي في نهاية الأفكار ١ : ٣٥١.


الفصل الخامس

في العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد

قد يتعلّق الوجوب بشيء واحد، كوجوب السجود على كلّ من سمع آية السجدة.وقد يتعلّق بعملية تتألّف من أجزاء وتشتمل على أفعال متعدّدة، من قبيل وجوب الصلاة، فإنّ الصلاة عملية تتألّف من أجزاء وتشتمل على أفعال عديدة، كالقراءة والسجود والركوع والقيام والتشهّد، وما إلى ذلك.وفي هذه الحالة تصبح العملية بوصفها مركّبةً من تلك الأجزاء واجبة، ويصبح كلّ جزء واجبا أيضاً، ويطلق على وجوب المركّب اسم( الوجوب الاستقلالي ) ، ويطلق على وجوب كلّ جزء فيه اسم( الوجوب الضمني ) ؛ لأنّ الوجوب إنّما يتعلّق بالجزء بوصفه جزءاً في ضمن المركّب، لا بصورة مستقلّة عن سائر الأجزاء، فوجوب الجزء ليس حكماً مستقلاًّ، بل هو جزء من الوجوب المتعلّق بالعملية المركّبة.ولأجل ذلك كان وجوب كلّ جزء من الصلاة - مثلاً - مرتبطاً بوجوب الأجزاء الأخرى ؛ لأنّ الوجوبات الضمنية لأجزاء الصلاة تشكِّل بمجموعها وجوبا واحداً استقلالياً.ونتيجة ذلك قيام علاقة التلازم في داخل إطار الحكم الواحد بين الوجوبات الضمنية فيه.

وتعني علاقة التلازم هذه : أنّه لا تمكن التجزئة في تلك الوجوبات أو التفكيك بينها، بل إذا سقط أيّ واحد منها تحتّم سقوط الباقي نتيجة لذلك التلازم القائم بينها.

مثال ذلك : إذا وجب على الإنسان الوضوء وهو مركّب من أجزاء عديدة، كغسل الوجه وغسل اليمنى وغسل اليسرى ومسح الرأس ومسح القدمين، فيتعلّق


بكلّ جزء من تلك الأجزاء وجوب ضمني بوصفه جزءاً من الوضوء الواجب، وفي هذه الحالة إذا تعذّر على الإنسان أن يغسل وجهه لآفة فيه وسقط لأجل ذلك الوجوب الضمني المتعلّق بغسل الوجه كان من المحتّم أن يسقط وجوب سائر الأجزاء أيضاً، فلا يبقى على الإنسان وجوب غسل يديه فقط ما دام قد عجز عن غسل وجهه ؛ لأنّ تلك الوجوبات لا بدّ أن ينظر إلهيا بوصفها وجوباً واحداً متعلّقا بالعملية كلّها، أي بالوضوء، وهذا الوجوب إمّا أن يسقط كلّه، أو يثبت كلّه، ولا مجال للتفكيك.

وعلى هذا الضوء نعرف الفرق بين ما إذا وجب الوضوء بوجوب استقلاليٍّ ووجب الدعاء بوجوب استقلاليٍّ آخر، فتعذّر الوضوء، وبين ما إذا وجب الوضوء فتعذّر جزء منه كغسل الوجه مثلا، ففي الحالة الأولى لا يؤدّي تعذّر الوضوء إلاّ إلى سقوط الوجوب الذي كان متعلّقا به، وأمّا وجوب الدعاء فيبقى ثابتاً ؛ لأنّه وجوب مستقلّ غير مرتبط بوجوب الوضوء.

وفي الحالة الثانية حين يتعذّر غسل الوجه ويسقط وجوبه الضمني يؤدّي ذلك إلى سقوط وجوب الوضوء وارتفاع سائر الوجوبات الضمنية.

قد تقول : نحن نرى أنّ الإنسان يكلّف بالصلاة، فإذا أصبح أخرس وعجز عن القراءة فيها كلّف بالصلاة بدون قراءة، فهل هذا إلاّ تفكيك بين الوجوبات الضمنية ونقض لعلاقة التلازم بينها ؟

والجواب : أنّ وجوب الصلاة بدون قراءة على الأخرس ليس تجزئة لوجوب الصلاة الكاملة، وإنّما هو جوب آخر وخطاب جديد تعلّق منذ البدء بالصلاة الصامتة، فوجوب الصلاة الكاملة والخطاب بها قد سقط كلّه نتيجة لتعذّر القراءة، وخلفه وجوب آخر وخطاب جديد.


الاستنباط القائم على أساس الدليل ٣

الدليل الاستقرائي

تمهيد.

الاستقراء في الأحكام.

الدليل الاستقرائي غير المباشر.



تمهيد

الاستقراء : هو استنتاج قانون عامّ من تتبّع حالات جزئية كثيرة.ومثال ذلك : أن نلاحظ هذه القطعة من الحديد فنراها تتمدّد بالحرارة، ونلاحظ تلك فنراها تتمدّد بالحرارة، وهكذا الثالثة والرابعة، فنستنتج من تتبّع هذه الحالات الجزئية قانوناً عاماً، وهو :أنّ كلّ حديدٍ يتمدّد بالحرارة .وهذه الطريقة من الاستدلال هي الطريقة التي يستخدمها العلماء الطبيعيون في العلوم الطبيعية لاكتشاف قوانين الكون والطبيعة.

ونحن إذا تأمّلنا في الدليل الاستقرائي نجد أنّ كلّ حالةٍ من الحالات الجزئية التي نلاحظ فيها تمدّد الحديد بالحرارة تشكِّل قرينةً على القانون العام القائل : ( إنّ كلّ حديدٍ يتمدّد بالحرارة )، غير أنّ كلّ حالةٍ بمفردها تعتبر قرينة إثباتٍ ناقصة، أي أنّها لا تؤدّي بنا إلى القطع بالقانون العام، ولكن حين نضيف إليها حالة جزئيةً أخرى مماثلةً يقوى في ظنِّنا أنّ ظاهرة التمدّد بالحرارة عامة، فإذا لاحظنا التمدّد في حالةٍ ثالثةٍ مماثلةٍ أيضاً تأكّد ظنّنا بالتعميم نتيجةً لتجمّع ثلاث قرائن، وهكذا تزداد القرائن كلّما ازدادت الحالات التي نستقرئها، وبالتالي يزداد ظنّنا بالقانون العام حتى نصل إلى القطع به.

ونحن هنا نسمّي كلّ دليلٍ يقوم على أساس القرائن الناقصة ويستمدّ قوّته


من تجمّع تلك القرائن( دليلاً استقرائياً ) .

ومن أمثلة الدليل الاستقرائي بهذا المعنى الذي نريده هنا :( التواتر ) ، وهو : أن يخبرك عدد كبير جدّاً من الناس بحادثةٍ رأوها بأعينهم، فأنت حين تسمع الخبر من أحدهم تحتمل صدقه ؛ ولكنّك لا تجزم بذلك، فتعتبر خبره قرينة ناقصة على وقوع الحادثة، فإذا سمعت الخبر نفسه من شخص آخر تقوَّى في نفسك احتمال وقوع الحادثة نتيجة لاجتماع قرينتين، وهكذا يظلّ احتمال وقوع الحادثة ينمو ويكبر كلّما جاء مخبر جديد عنها حتّى يصل إلى درجة العلم.

وقد نطلق على الدليل الاستقرائي بالمعنى الذي حدّدناه اسم( الدليل الاحتمالي ) أو(الدليل القائم على حساب الاحتمالات ) ؛ لأنّ الدليل الاستقرائي لمّا كان مردّه في التحليل العلمي إلى عملية تجميع القرائن فهو يتضمّن قياس قوّة الاحتمال الناتج عن كلّ قرينة وجمع القُوى الاحتمالية لمجموع القرائن وفقاً لقوانين سوف نشير إليها في الحلقات المقبلة، وقياس تلك القوى الاحتمالية وجمعها هو ما يسمّى بحساب الاحتمالات، وحيث إنّ الدليل الاستقرائي يتضمّن ويعتمد عليه فهو يقوم على أساس حساب الاحتمالات.

وسوف نتحدّث فيما يلي عن دور الدليل الاستقرائي في استنباط الأحكام، وذلك في فصلين:


الفصل الأوّل

الاستقراء في الأحكام

من ألوان الدليل الاستقرائي أن ندرس عدداً كبيراً من الأحكام الشرعية فنجد أنّها تشترك جميعاً في اتّجاه واحد، فنكتشف قاعدة عامة في التشريع الإسلامي عن طريقها.

ولنذكر على سبيل المثال لهذا الدليل محاولة ذكرها الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابيه : الحدائق(١) والدرر النجفية(٢) تستهدف إثبات قاعدة عامة عن طريق الاستقراء، وتلك القاعدة العامّة هي القاعدة القائلة بمعذورية الجاهل، أي أنّ كلّ جاهل إذا ارتكب خطأ نتيجة لجهله بالحكم الشرعي فلا تترتّب على ذلك الخطأ تبعة.وقد استدلّ الفقيه البحراني على هذه القاعدة بحالات كثيرة في الفقه ثبت شرعاً أنّ الجاهل بالحكم معذور فيها، واستكشف عن طريق استقراء تلك الحالات القاعدة القائلة بمعذورية الجاهل شرعاً في جميع الحالات.

وتلك الحالات التي أقام عليها الفقيه البحراني استقراءه واستنتاجه للقاعدة العامة هي الحالات التي نصّت عليها الأدلّة التالية :

أوّلاً : ما دلّ من الشرع في أحكام الحجّ(٣) على أنّ الجاهل معذور، فمن

____________________

(١) الحدائق الناضرة ١ : ٧٧، المقدّمة الخامسة.

(٢) الدرر النجفية : ٧، السطر ١٧.

(٣) وسائل الشيعة ١٣ : ١٥٨، الباب ٨ من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث ٤.


لبس وهو محرم ثوباً لا يجوز له لبسه جهلاً منه بالحكم لا شيء عليه.

وثانياً : ما دلّ في أحكام الصوم(١) على أنّ الجاهل معذور، فمن صام في السفر وهو لا يدري أنّ الصوم في السفر غير جائز صحّ صومه ولا شيء عليه.

وثالثاً : ما دلّ في أحكام النكاح(٢) على أنّ الجاهل معذور، فمن تزوّج امرأة في عدّتها جهلاً منه بحرمة ذلك لم تحرم عليه بالحرمة المؤبّدة نظراً إلى جهله، بل كان له أن يتزوّجها من جديد بعد انتهاء عدّتها.

ورابعاً : ما دل في أحكام الحدود(٣) على أنّ الجاهل معذور، فمن شرب الخمر جهلاً منه بحرمته لا يحدّ.

وخامساً : ما دل في أحكام الصلاة(٤) على أن من صلّى أربعاً وهو مسافر جهلاً منه بوجوب القصر، صحّت صلاته ولم يجب عليه القضاء.

فكلّ حالة من هذه الحالات قرينة إثبات ناقصة بالنسبة إلى القاعدة العامة القائلة بمعذورية الجاهل شرعاً في جميع الحالات.وبتجمّع تلك القرائن يقوى في نفس الفقيه احتمال القاعدة العامة ووثوقه بها.

ومثال آخر ، وهو : أنّا حين نريد أن نعرف اشتمال الاقتصاد الإسلامي على القاعدة القائلة: ( إنّ العمل في الثروات الطبيعية أساس للملكية ) قد نستعرض

____________________

(١) وسائل الشيعة ١٠ : ١٧٩، الباب ٢ من أبواب من يصحّ منه الصوم.

(٢) وسائل الشيعة ٢٠ : ٤٥١ و ٤٥٣، الباب ١٧ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الحديث ٤ و ١٠.

(٣) وسائل الشيعة ٢٨ : ٢٣٢، الباب ١٠ من أبواب حدّ المسكر، الحديث الأوّل.

(٤) وسائل الشيعة ٨ : ٥٠٦، الباب ١٧ من أبواب صلاة المسافر، الحديث ٣ و ٤.


حالاتٍ عديدةً من العمل ثبت أنّ العمل فيها أساس للملكية، فنستنتج من استقراء تلك الحالات صحة القاعدة العامة، إذ نرى - مثلاً - أنّ العمل في إحياء الأرض ينتج ملكيتها، والعمل في إحياء المعدن ينتج ملكيته، والعمل في حيازة الماء ينتج ملكيته، والعمل في اصطياد الطائر ينتج ملكيّته فنستدلّ باستقراء هذه الحالات على قاعدة عامة في الاقتصاد الإسلامي، وهي : ( أنّ العمل في الثروات الطبيعية أساس للملكية ).

وموقفنا من الاستقراء يتلخّص في التمييز بين القطعي منه وغيره، فإذا كان قطعياً - أي أدّى إلى القطع بالحكم الشرعي - فهو حجّة ؛ لأنّه يصبح دليلاً قطعيا ويستمدّ حجّيته من حجّية القطع، وإذا لم يكن قطعياً فلا حجّية فيه مهما كانت قوة الاحتمال الناجمة عنه ؛ لأنّنا عرفنا سابقا أنّ كلّ دليل غير قطعيّ ليس حجّة ما لم يحكم الشارع بحجّيته، والشارع لم يحكم بحجّية الاستقراء الذي لا يؤدّي إلى العلم.

القياس خطوة من الاستقراء :

وقد تؤخذ خطوة واحدة من خطوات الاستقراء ويكتفى بها في الاستدلال، كما إذا اكتفينا بحالة واحدة من الحالات التي أقام صاحب الحدائق عليها استقراءه وجعلنا منها دليلاً على كون الجاهل معذوراً في سائر الحالات الأخرى.ويسمّى هذا ب-( القياس ) عند أبي حنيفة وغيره من فقهاء السنّة الذين يكتفون في الاستدلال على ثبوت حكم لموضوع بثبوت حكم من نفس النوع على موضوع واحد مشابه له، ولا يكلِّفون أنفسهم بتتبّع موضوعات مشابهة عديدة واستقراء حالات كثيرة.فبينما كان الاستقراء يكلِّفنا بملاحظة حالات كثيرة يعذر فيها الجاهل لكي نصل إلى القاعدة العامة القائلة : ( إنّ كلّ جاهل معذور ) لا يكلِّفنا


القياس الحنفي إلاّ بملاحظة حالةٍ واحدةٍ واتّخاذها دليلاً على إثبات حكمٍ من نفس النوع لسائر الحالات الأُخرى.

وما دام الاستقراء ليس حجّة ما لم يحصل منه القطع بالحكم الشرعي فمن الطبيعي أن لا يكون القياس حجّة ؛ لأنّه خطوة من الاستقراء فُصِلت عن سائر الخطوات.


الفصل الثاني

الدليل الاستقرائي غير المباشر

كان الدليل الاستقرائي الذي درسناه في الفصل السابق يشتمل على استقراء عدد من الأحكام الخاصّة واستنتاج حكم عامٍّ منها، فالحكم العامّ يكتشف بالاستقراء مباشرة، ولهذا نطلق عليه اسم( الدليل الاستقرائي المباشر ) .

ويوجد قسم آخر من الدليل الاستقرائي، وهو الدليل الاستقرائي غير المباشر، ونريد به : أن نستدلّ بالاستقراء لا على الحكم مباشرة، بل على وجود دليل لفظيٍّ يدلّ بدوره على الحكم الشرعي، ففي هذا الاستقراء نكتشف بصورة مباشرة الدليل اللفظي، وبعد اكتشاف الدليل اللفظي عن طريق الاستقراء نثبت الحكم الشرعي بذلك الدليل اللفظي.

ومثال ذلك :( التواتر ) ، فقد عرفنا سابقاً(١) أنّ التواتر دليل استقرائي يقوم على أساس تجميع القرائن، فإذا أخبرنا عدد كبير من الرواة بنصٍّ عن المعصومعليه‌السلام أصبح النصّ متواتراً، وحينئذ نستدلّ بالتواتر بوصفه دليلا استقرائياً على صدور ذلك الكلام من المعصومعليه‌السلام ، أيّ على دليل اللفظي، ثمّ نستدلّ بالدليل اللفظي - أيّ بذلك الكلام الثابت صدوره من المعصومعليه‌السلام بالتواتر - على الحكم الشرعي الذي يدلّ عليه.

وللدليل الاستقرائي غير المباشر بهذا المعنى الذي شرحناه أمثلة عديدة، منها :( الإجماع ) و( الشهرة ) و( الخبر ) و( السيرة ) .

____________________

(١) تقدّم تحت عنوان : الدليل الاستقرائي.


الإجماع والشهرة :

إذا لاحظنا فتوى الفقيه الواحد بوجوب الخمس في المعادن نجد أنّها تشكِّل قرينة إثبات ناقصة على وجود دليل لفظيٍّ مسبق يدلّ على هذا الوجوب ؛ لأنّ فتوى الفقيه تجعلنا نحتمل تفسيرين لها:

أحدهما : أن يكون قد استند في فتواه إلى دليل لفظيٍّ - مثلاً - بصورةٍ صحيحة.

والآخر : أن يكون مخطئاً في فتواه.وما دمنا نحتمل فيها هذين التفسيرين معاً فهي قرينة إثبات ناقصة.

فإذا أضفنا إليها فتوى فقيه آخر بوجوب الخمس في المعادن أيضاً، كبر احتمال وجود دليل لفظيٍّ يدلّ على الحكم نتيجة لاجتماع قرينتين ناقصتين، وحين ينضمّ إلى الفقيهين فقيه ثالث نزداد ميْلا إلى الاعتقاد بوجود هذا الدليل اللفظي.وهكذا نزداد ميلاً إلى الاعتقاد بذلك كلّما ازداد عدد الفقهاء المفتِين بوجوب الخمس في المعادن، فإذا كان الفقهاء قد اتفقوا جميعاً على هذه الفتوى سمِّي ذلك( إجماعاً ) ، وإذا كانوا يشكّلون الأكثرية فقط سمّي ذلك( شهرة ) .

فالإجماع والشهرة على ضوء مفهومنا الخاصّ عن الدليل الاستقرائي دليلان استقرائيان على وجود دليل مسبق على الحكم قام على أساسه الإجماع أو الشهرة.

وحكم الإجماع والشهرة من ناحية أصولية أنّه متى حصل العلم بسبب الإجماع أو الشهرة وجب الأخذ بذلك في عملية الاستنباط، وأصبح الإجماع والشهرة حجّة، وإذا لم يحصل العلم بسبب الإجماع أو الشهرة فلا اعتبار بهما.

الخبر :

الخبر هو نقل شيء عن المعصومعليه‌السلام استنادا إلى الحسِّ، كما يصنع الرواة ،


إذ ينقلون نصوصاً سمعوها من المعصومعليه‌السلام بصورة مباشرة أو غير مباشرة.ويعتبر الخبر قرينة إثبات ناقصة ؛ لأنّنا إذا سمعنا شخصاً ينقل شيئاً عن المعصومعليه‌السلام احتملنا صدقه واحتملنا كذبه، فيكون قرينة إثبات ناقصة، وتزداد قوّة الإثبات إذا نقل شخص آخر نفس الشيء عن المعصومعليه‌السلام أيضاً نتيجة لاجتماع قرينتين.وهكذا كبر احتمال الصدق كلّما كثر المخبرون حتّى يحصل الجزم، فيسمّى الخبر( متواتراً ) .

وكما يكبر احتمال الصدق بسبب زيادة عدد المخبِرين كذلك يكبر بسبب نوعية المخبِر، فالمخبِر الواحد يزداد احتمال صدقه كلّما ازداد اطّلاعنا على دينه وورعه وانتباهه.

وحكم الخبر : أنّه إذا ازداد احتمال صدقه إلى درجة شارفت على القطع كان حجّة، سواء نشأت زيادة احتمال الصدق فيه من كثرة عدد المخبِرين، أو من خصائص الورع والنزاهة في المخبِر الواحد، وأمّا إذا لم يؤدِّ الخبر إلى القطع فيجب أن يلاحظ الراوي، فإن كان ثقةً أخذنا بروايته ولو لم نقطع بصحتها ؛ لأنّ الشارع جعل خبر الثقة حجّة، ولكنّ هذه الحجّية ثابتة ضمن شروط لا مجال هنا لتفصيلها.وإذا لم يكن الراوي ثقةً فلا يؤخذ بروايته ولا يجوز إدخالها في عملية الاستنباط.

سيرة المتشرِّعة :

سيرة المتشرِّعة هي السلوك العامّ للمتديّنين في عصر التشريع، من قبيل اتّفاقهم على إقامة صلاة الظهر في يوم الجمعة بدلاً عن صلاة الجمعة، أو على عدم دفع الخمس من الميراث.

وهذا السلوك العامّ إذا حلَّلناه إلى مفرداته ولاحظنا سلوك كلّ واحدٍ بصورةٍ


مستقلّة نجد أنّ سلوك الفرد المتديّن الواحد في عصر التشريع يعتبر قرينة إثبات ناقصة عن صدور بيان شرعيٍّ يقرِّر ذلك السلوك ؛ لأنّنا نحتمل استناد هذا السلوك إلى البيان الشرعي، وإنّ كنّا نحتمل في نفس الوقت أيضا الخطأ والغفلة وحتى التسامح.فإذا عرفنا أنّ فردين في عصر التشريع كانا يسلكان نفس السلوك ويصلّيان الظهر - مثلاً - في يوم الجمعة ازدادت قوّة الإثبات.

وهكذا تكبر قوّة الإثبات ؛ حتى تصل إلى درجة كبيرة عندما نعرف أنّ ذلك السلوك كان سلوكاً عاماً يتّبعه جمهرة المتديّنين في عصر التشريع، إذ يبدو من المؤكّد حينئذٍ أنّ سلوك هؤلاء جميعاً لم ينشأ عن خطأ أو غفلة أو تسامح ؛ لأنّ الخطأ والغفلة والتسامح قد يقع فيه هذا أو ذاك، وليس من المحتمل أن يقع فيه جمهرة المتديّنين في عصر التشريع جيمعاً.

وهكذا نعرف أنّ السلوك العام مستند إلى بيان شرعيٍّ يدلّ على إمكان إقامة الظهر في يوم الجمعة، وعدم وجوب الخمس في الميراث.ولأجل هذا نعتبر سيرة المتشرِّعة دليلاً استقرائياً كالإجماع والشهرة، وهي في الغالب تؤدّي إلى الجزم بالبيان الشرعي ضمن شروط لا مجال لتفصيلها الآن.ومتى كانت كذلك فهي حجّة، وأمّا إذا لم يحصل منها الجزم فلا اعتبار بها.

السيرة العقلائية :

وهناك نوع آخر من السيرة يطلق عليه في علم الأصول اسم( السيرة العقلائية ) .والسيرة العقلائية : عبارة عن ميل عامٍّ عند العقلاء - المتديّنين وغيرهم - نحو سلوك معيّن دون أن يكون للشرع دور إيجابي في تكوين هذا الميل.ومثال ذلك : الميل العامّ لدي العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلّم.

وفي هذا الضوء نعرف أنّ السيرة العقلائية تختلف عن سيرة المتشرّعة، فإنّ سيرة المتشرّعة التي درسناها آنفا كانت وليدة البيان الشرعي، ولهذا تعتبر كاشفة


عنه، وأمّا السيرة العقلائية فمردّها - كما عرفنا - إلى ميل عامٍّ يوجد عند العقلاء نحو سلوك معيّن، لا كنتيجة لبيان شرعي، بل نتيجة لمختلف العوامل والمؤثّرات الأخرى التي تتكيّف وفقا لها ميول العقلاء وتصرّفاتهم، ولأجل هذا لا يقتصر الميل العامّ الذي تعبّر عنه السيرة العقلائية على نطاق المتديّنين خاصّة ؛ لأنّ الدين لم يكن من عوامل تكوين هذا الميل.

وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ طريقة الاستدلال التي كنّا نستخدمها في سيرة المتشرِّعة لا يمكننا استعمالها في السيرة العقلائية، فقد كنّا في سيرة المتشرِّعة نكتشف عن طريق السيرة البيان الشرعي الذي أدّى إلى قيامها بوصفها نتيجة للبيان الشرعي وناشئة عنه، إذ لم يكن من المحتمل أن يتّفق المتشرّعة جميعاً على أداء صلاة الظهر في يوم الجمعة - مثلاً - دون أن يكون هناك بيان شرعي يدلّ على ذلك.

وأمّا الميل العامّ الذي تمثّله السيرة العقلائية فهو ليس ناشئاً عن البيان الشرعي، ولا ناتجاً عن دوافع دينية ليتاح لنا أن نكتشف عن طريقه وجود بيان شرعيٍّ أدّى إلى تكوّنه وقيامه.

ولأجل هذا يجب أن ننهج في الاستدلال بالسيرة العقلائية نهجا آخر يختلف عن نهجنا في الاستدلال بسيرة المتشرِّعة.

ويمكننا تلخيص هذا المنهج في ما يلي :

إنّ الميل الموجود عند العقلاء نحو سلوك معيّن يعتبر قوة دافعة لهم نحو ممارسة ذلك السلوك، فإذا سكتت الشريعة عن ذلك الميل ولم تردع عن الانسياق معه كشف سكوتها هذا عن رضاها بذلك السلوك وانسجامه مع التشريع الإسلامي.

ومثال ذلك : سكوت الشريعة عن الميل العامِّ عند العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلّم وعدم ردعها عنه، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها تقرّ هذه الطريقة في فهم


الكلام، وتوافق على اعتبار الظهور حجّة وقاعدة لتفسير ألفاظ الكتاب والسنّة، وإلاّ لمنعت الشريعة عن الانسياق مع ذلك الميل العامّ وردعت عنه في نطاقها الشرعي.

والاستدلال بالسيرة العقلائية يقوم على أساس تجميع القرائن، كما رأينا سابقا في سيرة المتشرّعة أيضاً ؛ لأنّنا إذا حلّلنا السيرة العقلائية إلى مفرداتها وجدنا أنّ الميل العامّ عند العقلاء نحو سلوك معيّن - كالأخذ بالظهور مثلاً - يعبر عن ميول متشابهة عند عدد كثير من الأفراد تشكّل بمجموعها ميلاً عاماً، وحين نأخذ فرداً من أولئك الأفراد الذين يميلون إلى الأخذ بالظهور - مثلاً - ونلاحظ سكوت المولى عنه وعدم ردعه له عن الجري وفق ميله يمكننا أن نعتبر سكوت المولى هذه قرينة ناقصة على حجية الظهور عند المولى ؛ لأنّ من المحتمل أن يكون هذا السكوت نتيجة لرضا المولى وموافقته، وهذا يعني الحجّية.

ومن المحتمل في نفس الوقت أيضاً أن لا يكون السكوت ناتجاً عن رضا المولى بالأخذ بالظهور، وإنّما سكت عن ذلك الفرد - بالرغم من أنه لا يقرّ العمل بالظهور بالأدلة الشرعية - لسبب خاصٍّ، نظير أن يكون المولى قد اطّلع على أنّ هذا الفرد لا يرتدع عن العمل على وفق ميله ولو ردعه، فتركه وشأنه، أو أنّ المولى قد اطلع على أن هذا الفرد سوف لن يجري على وفق ميله، ولن يأخذ بالظهور في الدليل الشرعي دون سؤال من الشارع، أو أن هذا الفرد لن يصادفه ظهور في النطاق الشرعي ليحاول الأخذ به وفقاً لميله ...، إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تفسر سكوت المولى عن ذلك الفرد وتجعل منه قرينة ناقصة لا كاملة على رضا المولى.

ولكن إذا أضيف إلى ذلك فرد آخر له نفس الميل وسكت عنه المولى فيقوى احتمال الرضا ؛ لاجتماع قرينتين، وهكذا يكبر هذا الاحتمال حتى يؤدّي إلى العلم حين يوجد ميل عامّ ويسكت عنه المولى.


الاستنباط القائم على أساس الدليل ٤

التعارض بين الأدلّة

التعارض بين دليلين لفظيّين.

التعارض بين الدليل اللفظي ودليل آخر.



بعد أن استعرضنا الأدلة التي يمكن أن تساهم في عملية الاستنباط بأقسامها الثلاثة يتحتم علينا أن ندرس موقف عملية الاستنباط منها إذا وجد بينها تعارض، كما إذا دلّ دليل على وجوب شيء - مثلاً - ودلّ دليل آخر على نفي ذلك الوجوب، فما هي الوظيفة العامة للفقيه في هذه الحالة ؟

والتعارض على قسمين : لأنّه يوجد تارة في نطاق الدليل اللفظي بين كلامين صادرين من المعصوم، وأخرى بين دليل لفظيٍّ ودليل من نوع آخر استقرائي أو برهاني، أو بين دليلين من غير الأدلّة اللفظية.

وسوف نتحدّث عن كلٍّ من القسمين في فصل :


الفصل الأوّل

[ في التعارض بين دليلين لفظيّين ]

في حالة التعارض بين دليلين لفظيّين توجد قواعد نستعرض في ما يلي عددا منها :

١ - من المستحيل أن يوجد كلامان للمعصوم يكشف كلّ منهما بصورة قطعية عن نوع من الحكم يختلف عن الحكم الذي يكشف عنه الكلام الآخر ؛ لأنّ التعارض بين كلامين صريحين من هذا القبيل يؤدّي إلى وقوع المعصوم في التناقض، وهو مستحيل.

٢ - قد يكون أحد الكلامين الصادرين من المعصومصريحاً وقطعياً، ويدلّ الآخربظهوره على ما ينافي المعنى الصريح لذلك الكلام.ومثاله : أن يقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نصٍّ مثلا : ( يجوز للصائم أن يرتمس في الماء حال صومه )، ويقول في نصٍّ آخر : ( لا ترتمس في الماء وأنت صائم )، فالنصّ الأول دالّ بصراحة على إباحة الارتماس للصائم، والنصّ الثاني يشتمل على صيغة نهي، وهي تدلّ بظهورها على الحرمة ؛ لأنّ الحرمة هي أقرب المعاني إلى صيغة النهي وإن أمكن استعمالها في الكراهة مجازاً، فينشأ التعارض بين صراحة النصّ الأول في الإباحة وظهور النصّ الثاني في الحرمة ؛ لأنّ الإباحة والحرمة لا يجتمعان.وفي هذه الحالة يجب الأخذ بالكلام الصريح القطعي ؛ لأنّه يؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعي، فنفسّر الكلام الآخر على ضوئه ونحمل صيغة النهي فيه على الكراهة ؛ لكي ينسجم مع النصّ الصريح القطعي الدالّ على الإباحة.

وعلى هذا الأساس يتّبع الفقيه في استنباطه قاعدة عامة، وهي الأخذ


بدليل الإباحة والرخصة إذا عارضه دليل آخر يدلّ على الحرمة أو الوجوب بصيغة نهي أو أمر ؛ لأنّ الصيغة ليست صريحة ودليل الإباحة والرخصة صريح غالبا.

٣ - قد يكون موضوع الحكم الذي يدلّ عليه أحد الكلامين أضيق نطاقا وأخصّ دائرة من موضوع الحكم الذي يدلّ عليه الكلام الآخر.ومثال أن يقال في نصٍّ : ( الربا حرام )، ويقال في نصٍّ آخر : ( الربا بين الوالد وولده مباح )، فالحرمة التي يدلّ عليها النصّ الأوّل موضوعها عام ؛ لأنّها تمنع بإطلاقها عن التعامل الربوي مع أيّ شخص، والإباحة في النصّ الثاني موضوعها خاصّ ؛ لأنّها تسمح بالربا بين الوالد وولده خاصّة، وفي هذه الحالة نقدّم النصّ الثاني على الأوّل ؛ لأنّه يعتبر بوصفه أخصّ موضوعاً من الأوّل قرينة عليه، بدليل أنّ المتكلِّم لو أوصل كلامه الثاني بكلامه الأوّل فقال : ( الربا في التعامل مع أيّ شخص حرام، ولا بأس به بين الوالد وولده ) لأبطل الخاصّ مفعول العام وظهوره في العموم.

وقد عرفنا سابقاً أنّ القرينة تقدّم على ذي القرينة، سواء كانت متّصلة أو منفصلة.

ويسمّى تقديم الخاصّ على العامّ تخصيصا للعامّ إذا كان عمومه ثابتا بأداة من أدوات العموم، وتقييداً له إذا كان عمومه ثابتاً بالإطلاق وعدم ذكر القيد، ويسمّى الخاصّ في الحالة الأولى(مخصّصاً ) وفي الحالة الثانية( مقيّداً ) .

وعلى هذا الأساس يتّبع الفقيه في الاستنباط قاعدة عامة، وهي الأخذ بالمخصّص والمقيّد وتقديمهما على العامّ والمطلق.

٤ - وقد يكون أحد الكلامين دالاّ على ثبوت حكم لموضوع، والكلام الآخر ينفي ذلك في حالة معيّنة بنفي ذلك الموضوع.ومثاله أن يقال في نصٍّ :


( يجب الحجّ على المستطيع )، ويقال في نصٍّ آخر : ( المَدين ليس مستطيعاً )، فالنصّ الأوّل يوجب الحجّ على موضوع محدّد وهو المستطيع، والنصّ الثاني ينفي صفة المستطيع عن المَدين، فيؤخذ بالثاني ويسمّى( حاكماً ) ويسمّى الدليل الأوًل( محكوما ) .

٥ - إذا لم يوجد في النصّين المتعارضين كلام صريح قطعي، ولا ما يصلح أن يكون قرينة على تفسير الآخر ومخصِّصا له أو مقيِّداً أو حاكماً عليه فلا يجوز العمل بأيِّ واحد من النصّين المتعارضين ؛ لأنّهما على مستوى واحد ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.


الفصل الثاني

في التعارض بين الدليل اللفظي ودليل آخر

وحالة التعارض بين دليل لفظيٍّ ودليل من نوع آخر، أو دليلين من غير الأدلة اللفظية لها قواعد أيضاً نشير إليها ضمن النقاط التالية :

١ - الدليل اللفظي القطعي لا يمكن أن يعارضه دليل برهاني أو استقرائي قطعي ؛ لأنّ دليلاً من هذا القبيل إذا عارض نصّاً صريحاً من المعصومعليه‌السلام أدّى ذلك إلى تكذيب المعصومعليه‌السلام وتخطئته، وهو مستحيل.ولهذا يقول علماء الشريعة : إنّ من المستحيل أن يوجد أيّ تعارض بين النصوص الشرعية الصريحة وأدلّة العقل القطعية.

وهذه الحقيقة لا تفرضها العقيدة فحسب، بل يبرهن عليها الاستقراء في النصوص الشرعية، ودراسة المعطيات القطعية للكتاب والسنّة، فإنّها جميعاً تتّفق مع العقل ولا يوجد فيها ما يتعارض مع أحكام العقل القطعية إطلاقاً.وبذلك تتميّز الشريعة الإسلامية عن الأديان الأُخرى المحرّفة التي تعيش الآن على وجه الأرض، فإنّها زاخرة بالتناقضات التي تتعارض مع صريح العقل السليم.ولهذا نشأت في المسيحية - مثلاً - مشكلة الدين والعقل، وأنّ الإنسان كيف يُتاح له الاعتقاد بهما معاً على تناقضهما ؟ بينما يقوم العقل في الإسلام بدور الرسول الباطني، وتحتِّم الشريعة أن يقوم الاعتقاد بأصولها على أساس العقل، وترفض أخذها على سبيل التقليد.

٢ - إذا وجد تعارض بين دليل لفظيٍّ ودليل آخر ليس لفظياً ولا قعطياً، قدَّمنا الدليل اللفظي ؛ لأنّه حجّة، وأمّا الدليل غير اللفظي فهو ليس حجّة ما دام لا يؤدّي


إلى القطع.

ومثاله : أن يدلّ النصّ على أنّ الجاهل بأحكام الزكاة ليس معذوراً، ويدلّ الاستقراء غير القطعي الذي نقلناه سابقاً عن الفقيه البحراني على القاعدة العامة القائلة بمعذورية الجاهل في جميع الحالات.

٣ - إذا عارض الدليل اللفظي غير الصريح دليلاً عقلياً قطعياً برهانياً أو استقرائياً قدِّم العقلي على اللفظي ؛ لأنّ العقلي يؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعي، وأمّا الدليل اللفظي غير الصريح فهو إنّما يدلّ بالظهور، والظهور إنّما يكون حجّة بحكم الشارع إذا لم نعلم ببطلانه، ونحن هنا على ضوء الدليل العقلي القطعي نعلم بأنّ الدليل اللفظي لم يُرِد المعصومعليه‌السلام منه معناه الظاهر الذي يتعارض مع دليل العقل، فلا مجال للأخذ بالظهور.

٤ - إذا تعارض دليلان من غير الأدلّة اللفظية فمن المستحيل أن يكون كلاهما قطعياً ؛ ًلأنّ ذلك يؤدّي إلى التناقض، وإنّما قد يكون أحدهما قعطياً دون الآخر فيؤخذ بالدليل القطعي.


بحوث علم الأصول

النوع الثاني

العناصر المشتركة

في الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي

١ - القاعدة العمليّة الأساسيّة.

٢ - القاعدة العمليّة الثانويّة.

٣ - قاعدة منجّزيّة العلم الإجمالي.

٤ - الاستصحاب.

التعارض بين الأصول.

أحكام تعارض النوعين.



تمهيد :

استعراضنا في النوع الأول العناصر الأُصولية المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الدليل، فدرسنا أقسام الأدلّة وخصائصها، وميَّزنا بين الحجّة منها وغيرها.ونريد الآن أن ندرس العناصر المشتركة في حالة أخرى من الاستنباط، وهي حالة عدم حصول الفقيه على دليل يدلّ على الحكم الشرعي وبقاء الحكم مجهولاً لديه، فيتّجه البحث في هذه الحالة إلى محاولة تحديد الموقف العلمي تجاه ذلك الحكم المجهول بدلاً عن اكتشاف نفس الحكم.

ومثال ذلك : حالة الفقيه تجاه التدخين، فإنّ التدخين نحتمل حرمته شرعاً منذ البدء، ونتّجه أولاً إلى محاولة الحصول على دليل يعين حكمه الشرعي، فلا نجد دليلاً من هذا القبيل، ويبقى حكم التدخين مجهولاً لدينا لا ندري أحرمة هو أم إباحة ؟ وحينئذ نتساءل : ما هو الموقف العملي الذي يتحتّم علينا أن نسلكه تجاه ذلك الحكم المجهول ؟ هل يتحتّم علينا أن نحتاط فنجتنب عن التدخين ؛ لأنّ من المحتمل أن يكون التدخين حراماً، أوْ لا يجب الاحتياط، بل نكون في حرّية وسعة ما دمنا لا نعلم بالحرمة ؟

هذا هو السؤال الأساسي الذي يعالجه الفقيه في هذه الحالة، ويجيب عليه في ضوء الأصول العملية بوصفها عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، وهذه الأصول هي موضع درسنا الآن :


١ - القاعدة العملية الأساسية

ولكي نعرف القاعدة العملية الأساسية التي نجيب في ضوئها على سؤال : هل يجب الاحتياط تجاه الحكم المجهول ؟ لا بدّ لنا أن نرجع إلى المصدر الذي يفرض علينا إطاعة الشارع، ونلاحظ أنّ هذا المصدر هل يفرض علينا الاحتياط في حالة الشكّ وعدم وجود دليل على الحرمة، أو يسمح لنا بترك الاحتياط واستعمال الدخان - مثلاً - ما دامت حرمته لم تثبت بدليل ؟

ولكي نرجع إلى المصدر الذي يفرض علينا إطاعة المولى سبحانه لا بدّ لنا أن نحدّده، فما هو المصدر الذي يفرض علينا إطاعة الشارع ويجب أن نستفتيه في موقفنا هذا ؟

والجواب : أنّ هذا المصدر هو العقل ؛ لأنّ الإنسان يدرك بعقله أنّ لله سبحانه حقّ الطاعة على عبيده، وعلى أساس حقّ الطاعة هذا يحكم العقل على الإنسان بوجوب إطاعة الشارع لكي يؤدّي إليه حقّه.فنحن إذن نطيع الله تعالى ونمتثل أحكام الشريعة لأنّ العقل يفرض علينا ذلك لا لأنّ الشارع أمرنا بإطاعته ؛ وإلاّ لأعدنا السؤال مرّة أخرى : ولماذا نمتثل أمر الشارع لنا بإطاعة أوامره ؟ وما هو المصدر الذي يفرض علينا امتثاله ؟ وهكذا حتى نصل إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة القائم على أساس ما يدركه من حقّ الطاعة لله سبحانه على الإنسان

وإذا كان العقل هو الذي يفرض إطاعة الشارع على أساس إدراكه لحقّ الطاعة فيجب الرجوع إلى العقل في تحديد الجواب على ذلك السؤال الأساسي : هل يجب علينا الاحتياط تجاه الحكم المجهول، أوْ لا ؟ ويتحتّم علينا عندئذٍ أن


ندرس حقّ الطاعة الذي يدركه العقل ويقيم على أساسه حكمه بوجوب إطاعة الشارع، وندرس حدود هذا الحقّ، فهل هو حقّ لله سبحانه في نطاق التكاليف المعلومة فقط - بمعنى أنّ الله سبحانه ليس له حقّ الطاعة على الإنسان إلاّ في التكاليف التي يعلم بها، وأمّا التكاليف التي يشك فيها ولا علم له بها فلا يمتدّ إليها حقّ الطاعة - أو أنّ حقّ الطاعة كما يدركه العقل في نطاق التكاليف المعلومة يدركه أيضاً في نطاق التكاليف المحتملة، بمعنى أنّ من حقّ الله على الإنسان أن يطيعه في التكاليف المعلومة والمحتملة، فإذا علم بتكليف كان من حقّ الله عليه أن يمتثله، وإذا احتمل تكليفا كان من حقّ الله عليه أن يحتاط، فيترك ما يحتمل حرمته، أو يفعل ما يحتمل وجوبه ؟

وهكذا يتّضح أنّ الموقف العملي في حالة عدم وجدان الدليل يجب أن يحدّد على ضوء ما نعرفه من حقّ الطاعة وحدوده ومدى شموله.

والصحيح في رأينا هو : أن الأصل في كل تكليف محتمل هو الاحتياط ؛ نتيجة لشمول حقّ الطاعة للتكاليف المحتملة، فإنّ العقل يدرك أنّ للمولى على الإنسان حقَّ الطاعة لا في التكاليف المعلومة فحسب، بل في التكاليف المحتملة أيضاً ما لم يثبت بدليل أنّ المولى لا يهتمّ بالتكليف المحتمل إلى الدرجة التي تدعوا إلى إلزام المكلّف بالاحتياط.

وهذا يعني أنّ الأصل بصورة مبدئية كلّما احتملنا حرمة أو وجوباً هو أن نحتاط، فنترك ما نحتمل حرمته، ونفعل ما نحتمل وجوبه نيتجة لامتداد حقّ الطاعة إلى التكاليف المحتملة.ولا نخرج عن هذا الأصل إلاّ إذا ثبت بالدليل أنّ الشارع لا يهتمّ بالتكليف المحتمل إلى الدرجة التي تفرض الاحتياط ويرضى بترك الاحتياط، فإنّ الإنسان يصبح حينئذ غير مسئول عن التكليف المحتمل.

فالاحتياط إذن واجب عقلاً في موارد الشك، ويسمّى هذا الوجوب


( أصالة الاحتياط ) أو( أصالة الاشتغال ) ، أي اشتغال ذمّة الإنسان بالتكليف المحتمل، ونخرج عن هذا الأصل حين نعرف أن الشارع يرضى بترك الاحتياط.

وهكذا تكون أصالة الاحتياط هي القاعدة العملية الأساسية.

ويخالف في ذلك كثير من الأصوليّين ؛ إيماناً منهم بأنّ الأصل في المكلّف أن لا يكون مسئولاً عن التكاليف المشكوكة ولو احتمل أهمّيتها بدرجة كبيرة، ويرى هؤلاء الأعلام أنّ العقل هو الذي يحكم بنفي المسئولية ؛ لأنّه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلّف للتكليف الذي لم يصل إليه، ولأجل هذا يطلقون على الأصل من وجهة نظرهم اسم( قاعدة قبح العقاب بلا بيان ) أو( البراءة العقلية ) ، أي أنّ العقل يحكم بأنّ عقاب المولى للمكلّف على مخالفة التكليف المشكوك قبيح، وما دام المكلّف مأمونا من العقاب فهو غير مسئول ولا يجب عليه الاحتياط.

ولكن لكي ندرك أنّ العقل هل يحكم بقبح معاقبة المولى تعالى للمكلّف على مخالفة التكليف المشكوك، أوْ لا ؟ يجب أن نعرف حدود حقّ الطاعة الثابت للمولى تعالى، فإذا كان هذا الحقّ يشمل التكاليف المشكوكة التي يحتمل المكلّف أهمّيتها بدرجة كبيرة - كما عرفنا - فلا يكون عقاب المولى للمكلّف إذا خالفها قبيحاً ؛ لأنّه بمخالفتها يفرِّط في حقّ مولاه فيستحقّ العقاب، فالقاعدة الأولية إذن هي أصالة الاحتياط.


٢ - القاعدة العملية الثانوية

وقد انقلبت بحكم الشارع تلك القاعدة العملية الأساسية إلى قاعدة عملية ثانوية، وهي أصالة البراءة القائلة بعدم وجوب الاحتياط.والسبب في هذا الانقلاب : أنّا علمنا عن طريق البيان الشرعي أنّ الشارع لا يهتمّ بالتكاليف المحتملة إلى الدرجة التي تحتِّم الاحتياط على المكلّف، بل يرضى بترك الاحتياط.والدليل على ذلك نصوص شرعية متعدّدة، من أهمّها النصّ النبويّ القائل :( رُفع عن أُمّتي ما لا يعلمون ) (١) .

وهكذا أصبحت القاعدة العملية هي عدم وجوب الاحتياط بدلاً عن وجوبه، وأصالة البراءة بدلاً عن أصالة الاشتغال.

وتشمل هذه القاعدة العملية الثانوية موارد الشكّ في الوجوب وموارد الشكّ في الحرمة على السواء ؛ لأنّ النصّ النبويّ مطلق، ويسمّى الشك في الوجوب ب-( الشبهة الوجوبية ) ، والشك في الحرمة ب-( الشبهة التحريمية ) .كما تشمل القاعدة أيضاً الشكّ مهما كان سببه، ولأجل هذا نتمسّك بالبراءة إذا شككنا في التكليف، سواء نشأ شكّنا في ذلك في عدم وضوح الحكم العام الذي جعله الشارع، أو من عدم العلم بوجود موضوع الحكم.

ومثال الأوّل : شكّنا في وجوب صلاة العيد أو في حرمة التدخين، فإنّ هذا

____________________

(١) الخصال ٢ : ٤١٧، باب التسعة.وانظر : وسائل الشيعة ١٥ : ٣٦٩، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس، الحديث الأوّل.ومتن الحديث هو : ( رُفع عن أمّتي تسعة أشياء : الخطأ، والنسيان، وما اُكرهوا عليه، وما لا يعلمون...).


الشكّ ناتج عن عدم العلم بالجعل الشرعي، ويسمّى ب- ( الشبهة الحكمية ).

ومثال الثاني : شكّنا في وجوب الحجّ لعدم العلم بتوفّر الاستطاعة، فإنّ هذا الشكّ لم ينشأ من عدم العلم بالجعل الشرعي ؛ لأنّنا جميعا نعلم أنّ الشارع جعل وجوب الحجّ على المستطيع، وإنّما نشأ من عدم العلم بتحقّق موضوع الحكم، وتسمّى الشبهة ( موضوعية ).


٣ - قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي

تمهيد :

قد تعلم أنّ أخاك الأكبر قد سافر إلى مكّة.وقد تشكّ في سفره لكنّك تعلم على أيِّ حال أنّ أحد أخويك - الأكبر أو الأصغر - قد سافر فعلاً إلى مكّة.وقد تشكّ في سفرهما معاً ولا تدري هل سافر واحد منهما إلى مكة، أوْ لا ؟

فهذه حالات ثلاث،ويطلق على الحالة الأولى اسم( العلم التفصيلي ) ؛ لأنّك في الحالة الأولى تعلم أنّ أخاك الأكبر قد سافر إلى مكّة، وليس لديك في هذه الحقيقة أي تردّد أو غموض، فلهذا كان العلم تفصيلياً.

ويطلق على الحالة الثانية اسم( العلم الإجمالي ) ؛ لأنّك في هذه الحالة تجد في نفسك عنصرين مزدوجين : أحدهما عنصر الوضوح، والآخر عنصر الخفاء، فعنصر الوضوح يتمثّل في علمك بأنّ أحد أخويك قد سافر فعلاً، فأنت لا تشك في هذه الحقيقة، وعنصر الخفاء والغموض يتمثّل في شكِّك وتردّدك في تعيين هذا الأخ ؛ لأنّك لا تدري أنّ المسافر هل هو أخوك الأكبر أو الأصغر ؟ ولهذا تسمّى هذه الحالة ب- ( العلم الإجمالي )، فهي علم لأنّك لا تشكّ في سفر أحد أخويك، وهي إجمال وشكّ لأنّك لا تدري أيّ أخويك قد سافر.ويسمّى كلّ من سفر الأخ الأكبر وسفر الأصغرطرفا للعلم الإجمالي ؛ لأنّك تعلم أنّ أحدهما لا على سبيل التعيين قد وقع بالفعل.

وأفضل صيغة لغوية تمثّل هيكل العلم الإجمالي ومحتواه النفسي بكلا عنصريه هي : ( إمّا، وإمّا )، إذ تقول في المثال المتقدّم : ( سافر إمّا أخي الأكبر وإمّا أخي الأصغر ) فإنّ جانب الإثبات في هذه الصيغة يمثّل عنصر


الوضوح والعلم، وجانب التردّد الذي تصوِّره كلمة( إمّا ) يمثل عنصر الخفاء والشكّ، وكلّما أمكن استخدام صيغة من هذا القبيل دلّ ذلك على وجود علم إجماليٍّ في نفوسنا.

ويطلق على الحالة الثالثة اسم( الشكّ الابتدائي ) أو( البدوي ) أو( الساذج ) ، وهو شكّ محض غير ممتزج بأيِّ لون من العلم، ويسمّى بالشكّ الابتدائي أو البدوي تمييزاً له عن الشكّ في طرف العلم الإجمالي ؛ لأنّ الشكّ في طرف العلم الإجمالي يوجد نتيجة للعلم نفسه، فأنت تشكّ في أنّ المسافر هل هو أخوك الأكبر أو أخوك الأصغر ؟ نتيجة لعلمك بأنّ أحدهما لا على التعيين قد سافر حتما، وأمّا الشك في الحالة الثالثة فيوجد بصورة ابتدائية دون علم مسبق.

وهذه الحالات الثلاث توجد في نفوسنا تجاه الحكم الشرعي، فوجوب صلاة الصبح معلوماً تفصيلاً، ووجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة مشكوك شكّاً ناتجاً عن العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة في ذلك اليوم، ووجوب صلاة العيد مشكوك ابتدائي غير مقترن بالعلم الإجمالي.وهذه الأمثلة كلّها من الشبهة الحكمية.

وأمّا أمثلة الحالات الثلاث من الشبهة الموضوعية فيمكن توضيحها في( الماء ) ، فأنت إذا رأيت قطرة من دم تقع في كأس من ماء، تعلم علماً تفصيلياً بنجاسة ذلك الماء.وأمّا إذا رأيت القطرة تقع في أحد كأسين ولم تستطع أن تميِّز الكأس الذي وقعت فيه بالضبط، فينشأ لديك علم إجمالي بنجاسة أحد الكأسين، ويصبح كلّ واحد منهما طرفاً للعلم الإجمالي.وقد لا تكون متأكّداً من أنّ هناك قطرة دمٌ لا في هذا الكأس ولا في ذاك، فيكون الشكّ في النجاسة عندئذٍ شكّاً ابتدائياً ساذجاً.

ونحن في حديثنا عن القاعدة العملية الثانوية التي قلّبت القاعدة العملية


الأساسية كنا نتحدّث عن الحالة الثالثة، أي حالة الشكّ الساذج الذي لم يقترن بالعلم الإجمالي.والآن ندرس حالة الشكّ الناتج عن العلم الإجمالي، أي الشكّ في الحالة الثانية من الحالات الثلاث السابقة، وهذا يعني أنّنا درسنا الشك بصورته الساذجة وندرسه الآن بعد أن نضيف إليه عنصراً جديداً وهو العلم الإجمالي، فهل تجري فيه القاعدة العملية الثانوية كما كانت تجري في موارد الشكّ الساذج، أوْ لا ؟

منجّزية العلم الإجمالي :

وعلى ضوء ما سبق يمكننا تحليل العلم الإجمالي إلى علم بأحد الأمرين وشكٍّ في هذا وشكٍّ في ذاك.ففي يوم الجمعة نعلم بوجوب أحد الأمرين ( صلاة الظهر أو صلاة الجمعة )، ونشك في وجوب الظهر كما نشكّ في وجوب الجمعة، والعلم بوجوب أحد الأمرين - بوصفه علماً - يشمله مبدأ حجّية العلم الذي درسناه في بحث سابق، فلا يسمح لنا العقل لأجل ذلك بترك الأمرين معاً : الظهر والجمعة ؛ لأنّنا لو تركناهما معا لخالفنا علمنا بوجوب أحد الأمرين، والعلم حجّة عقلاً في جميع الأحوال سواء كان إجمالياً أو تفصيلياً.

ويؤمن الرأي الأصولي السائد في مورد العلم الإجمالي لا بثبوت الحجّية للعلم بأحد الأمرين فحسب، بل يؤمن أيضاً بعدم إمكان انتزاع هذه الحجّية منه واستحالة ترخيص الشارع في مخالفته بترك الأمرين معاً، كما لا يمكن للشارع أن ينتزع الحجّية من العلم التفصيلي ويرخّص في مخالفته وفقا للمبدأ الأصولي - المتقدّم الذكر في بحث حجّية القطع(١) - القائل باستحالة صدور الردع من

____________________

(١) تقدّم تحت عنوان : العنصر المشترك بين النوعين.


الشارع عن القطع.

وأمّا كلّ واحد من طرفي العلم الإجمالي - أي وجوب الظهر بمفرده ووجوب الجمعة بمفرده - فهو تكليف مشكوك وليس معلوماً.وقد يبدو لأوّل وهلةٍ أنّ بالإمكان أن تشمله القاعدة العملية الثانوية، أي أصالة البراءة النافية للاحتياط في التكاليف المشكوكة ؛ لأنّ كلّ واحد من الطرفين تكليف مشكوك.

ولكنّ الرأي السائد في علم الأصول يقول بعدم إمكان شمول القاعدة العملية الثانوية لطرف العلم الإجمالي ؛ بدليل أنّ شمولها لكلا الطرفين معاً يؤدّي إلى براءة الذمّة من الظهر والجمعة وجواز تركهما معاً، وهذا يتعارض مع حجّية العلم بوجوب أحد الأمرين ؛ لأنّ حجية هذا العلم تفرض علينا أن نأتي بأحد الأمرين على أقلّ تقدير.فلو حكم الشارع بالبراءة في كلٍّ من الطرفين لكان معنى ذلك الترخيص منه في مخالفة العلم، وقد مرَّ بنا أنّ الرأي الأصولي السائد يؤمن باستحالة ترخيص الشارع في مخالفة العلم ولو كان إجمالياً وعدم إمكان انتزاع الحجّية منه.

وشمول القاعدة لأحد الطرفين دون الآخر وإن لم يؤدِّ إلى الترخيص في ترك الأمرين معاً لكنّه غير ممكن أيضاً ؛ لأنّنا نتساءل حينئذ : أيّ الطرفين نفترض شمول القاعدة له ونرجِّحه على الآخر ؟ وسوف نجد أنّا لا نملك مبرِّرا لترجيح أيٍّ من الطرفين على الآخر ؛ لأنّ صلة القاعدة بهما واحدة.

وهكذا ينتج عن هذا الاستدلال القول بعدم شمول القاعدة العملية الثانوية ( أصالة البراءة ) لأيّ واحد من الطرفين، ويعني هذا أنّ كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي يظلّ مندرجاً ضمن نطاق القاعدة العملية الأساسية القائلة بالاحتياط ما دامت القاعدة الثانوية عاجزة عن شموله.

وعلى هذا الأساس ندرك الفرق بين الشكّ الابتدائي والشكّ الناتج عن


العلم الإجمالي، فالأوّل يدخل في نطاق القاعدة الثانوية وهي أصالة البراءة، والثاني يدخل في نطاق القاعدة الأولية وهي أصالة الاحتياط.

وفي ضوء ذلك نعرف أنّ الواجب علينا عقلا في موارد العلم الإجمالي هو الإتيان بكلا الطرفين، أي الظهر والجمعة في المثال السابق ؛ لأنّ كلاًّ منهما داخل في نطاق أصالة الاحتياط.ويطلق في علم الأُصول على الإتيان بالطرفين معا اسم( الموافقة القطعية ) ؛ لأنّ المكلّف عند إتيانه بهما معا يقطع بأنّه وافق تكليف المولى، كما يطلق على ترك الطرفين معا اسم( المخالفة القطعية ) ، وأمّا الإتيان بأحدهما وترك الآخر فيطلق عليهما اسم( الموافقة الاحتمالية ) و( المخالفة الاحتمالية ) ؛ لأنّ المكلّف في هذه الحالة يحتمل أنّه وافق تكليف المولى، ويحتمل أنّه خالفه.

انحلال العلم الإجمالي :

إذا وجدتَ كأسين من ماء قد يكون كلاهما نجساً وقد يكون أحدهما نجسا فقط، ولكنّك تعلم - على أيِّ حالٍ - بأنّهما ليسا طاهرين معاً، فينشأ في نفسك علم إجمالي بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين.فإذا اتّفق لك بعد ذلك أن اكتشفت نجاسة في أحد الكأسين وعلمت أنّ هذا الكأس المعيَّن نجس فسوف يزول في رأي كثير من الأُصوليين علمك الإجمالي بسبب هذا العلم التفصيلي ؛ لأنّك الآن بعد اكتشافك نجاسة ذلك الكأس المعيَّن لا تعلم إجمالاً بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، بل تعلم بنجاسة ذلك الكأس المعيَّن علما تفصيليا وتشكّ في نجاسة الآخر.ولأجل هذا لا تستطيع أن تستعمل الصيغة اللغوية التي تعبّر عن العلم الإجمالي ( إمّا، وإمّا )، فلا يمكنك أن تقول : ( إمّا هذا نجس أو ذاك )، بل هذا نجس جزماً، وداك لا تدري بنجاسته.


ويعبّر عن ذلك في العرف الأصولي ب-( انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بأحد الطرفين والشكّ البدوي في الآخر ) ؛ لأنّ نجاسة ذلك الكأس المعيَّن أصبحت معلومةً بالتفصيل، ونجاسة الآخر أصبحت مشكوكة شكّاً ابتدائياً بعد أن زال العلم الإجمالي، فيأخذ العلم التفصيلي مفعوله من الحجّية وتجري بالنسبة إلى الشكّ الابتدائي أصالة البراءة، أي القاعدة العملية الثانوية التي تجري في جميع موارد الشكّ الابتدائي.

موارد التردّد :

عرفنا أنّ الشكّ إذا كان ابتدائياً حكمت فيه القاعدة العملية الثانوية القائلة بأصالة البراءة، وإذا كان مقترنا بالعلم الإجمالي حكمت فيه القاعدة العملية الأولية.

وقد يخفى أحيانا نوع الشكّ فلا يعلم أهو من الشكّ الابتدائي أو من الشكّ المقترن بالعلم الإجمالي، أو الناتج عنه بتعبير آخر ؟ ومن هذا القبيل مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر كما يسمّيها الأصوليون، وهي : أن يتعلّق وجوب شرعي بعملية مركّبة من أجزاء كالصلاة، ونعلم باشتمال العملية على تسعة أجزاء معيّنة ونشكّ في اشتمالها على جزء عاشر ولا يوجد دليل يثبت أو ينفي، ففي هذه الحالة يحاول الفقيه أن يحدِّد الموقف العملي فيتساءل : هل يجب الاحتياط على المكلّف فيأتي بالتسعة ويضيف إليها هذا العاشر الذي يحتمل دخوله في نطاق الواجب لكي يكون مؤدّياً للواجب على كلّ تقدير، أو يكفيه الإتيان بالتسعة التي يعلم بوجوبها ولا يطالب بالعاشر المجهول وجوبه ؟

وللأصوليين جوابان مختلفان على هذا السؤال يمثِّل كلّ منهما اتّجاها في تفسير الموقف :

فأحد الاتّجاهين يقول بوجوب الاحتياط تطبيقا للقاعدة العملية


الأولية ؛ لأنّ الشك في العاشر مقترن بالعلم الإجمالي، وهذا العلم الإجمالي هو علم المكلّف بأنّ الشارع أوجب مركّبا مّا، ولا يدري أهو المركّب من تسعة أو المركّب من عشرة، أي من تلك التسعة بإضافة واحد ؟

والاتّجاه الآخر يطبّق على الشكّ في وجوب العاشر القاعدة العملية الثانوية بوصفه شكّاً ابتدائياً غير مقترن بالعلم الإجمالي ؛ لأنّ ذلك العلم الإجمالي الذي يزعمه أصحاب الاتّجاه الأول منحلّ بعلمٍ تفصيلي، وهو علم المكلّف بوجوب التسعة على أيِّ حال ؛ لأنّها واجبة سواء كان معها جزء عاشر أوْ لا، فهذا العلم التفصيلي يؤدّي إلى انحلال ذلك العلم الإجمالي، ولهذا لا يمكن أن نستعمل الصيغة اللغوية التي تعبِّر عن العلم الإجمالي، فلا يمكن القول بأنّا نعلم إمّا بوجوب التسعة أو بوجوب العشرة، بل نحن نعلم بوجوب التسعة على أيِّ حالٍ ونشكّ في وجوب العاشر.وهكذا يصبح الشكّ في وجوب العاشر شكّاً ابتدائياً بعد انحلال العلم الإجمالي، فتجري البراءة.

والصحيح هو القول بالبراءة من غير الأجزاء المعلومة من الأشياء التي يشكّ في دخولها ضمن نطاق الواجب تبعاً لتفصيلاتٍ لا مجال للتوسّع فيها.


٤ - الاستصحاب

على ضوء ما سبق نعرف أنّ أصل البراءة يجري في موارد الشبهة البدوية دون الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي.

ويوجد في الشريعة أصل آخر نظير أصل البراءة، وهو ما يطلق عليه الأصوليون اسم(الاستصحاب ) .

ومعنى الاستصحاب : حكم الشارع على المكلّف بالالتزام عملياً بكلِّ شيء كان على يقين منه ثم شك في بقائه.ومثاله : أنّا على يقين من أنّ الماء بطبيعته طاهر، فإذا أصابه شيء متنجِّس نشكّ في بقاء طهارته ؛ لأنّنا لا نعلم أنّ الماء هل تنجّس بإصابة المتنجِّس له، أوْ لا ؟

وكذلك نحن على يقين - مثلاً - بالطهارة بعد الوضوء ونشكّ في بقاء هذه الطهارة إذا حصل الإغماء ؛ لأنّنا لا نعلم أنّ الإغماء هل ينقض الطهارة، أوْ لا ؟

والاستصحاب يحكم على المكلّف بالالتزام عملياً بنفس الحالة السابقة التي كان على يقينٍ بها، وهي طهارة الماء في المثال الأوّل، والطهارة من الحدث في المثال الثاني.

ومعنى الالتزام عملياً بالحالة السابقة : ترتيب آثار الحالة السابقة من الناحية العملية، فإذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة نتصرّف فعلا كما إذا كانت الطهارة باقية، وإذا كانت الحالة السابقة هي الوجوب نتصرّف فعلا كما إذا كان الوجوب باقياً.

والدليل على الاستصحاب : هو قول الإمام الصادقعليه‌السلام : ( لا ينقض اليقين


أبداً بالشك )(١) .

ونستخلص من ذلك : أنّ كلّ حالة من الشكّ البدوي يتوفّر فيها القطع بشيء أوّلاً والشكّ في بقائه ثانياً يجري فيها الاستصحاب.

الحالة السابقة المتيقَّنة :

عرفنا أنّ وجود حالة سابقة متيقَّنة شرط أساسي لجريان الاستصحاب، والحالة السابقة قد تكون حكماً عاماً نعلم بجعل الشارع له وثبوته في العالم التشريعي، ولا ندري حدود هذا الحكم المفروضة له في جعله ومدى امتداده في عالمه التشريعي، فتكون الشبهة حكمية، ويجري الاستصحاب في نفس الحكم.

ومثاله : حكم الشارع بطهارة الماء، فنحن نعلم بهذا الحكم العام في الشريعة ونشكّ في حدوده، ولا ندري هل يمتدّ الحكم بالطهارة بعد إصابة المتنجّس للماء أيضا، أوْ لا ؟ فنستصحب طهارة الماء.

وقد تكون الحالة السابقة شيئا من أشياء العالم التكويني نعلم بوجوده سابقا ولا ندري باستمراره وهو موضوع للحكم الشرعي، فتكون الشبهة موضوعية ويجري الاستصحاب في موضوع الحكم.

ومثاله : أن نكون على يقين بأنّ عامراً عادل وبالتالي يجوز الإئتمام به، ثمّ نشكّ في بقاء عدالته، فنستصحب العدالة فيه بوصفهاً موضوعاً لجواز الإئتمام.

ومثال آخر : أن يكون المكلّف على يقينٍ بأنّ الثوب نجس ولم يغسل

____________________

(١) وسائل الشيعة ١ : ٢٤٥، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء، الحديث الأوّل.


بالماء ولا ندري هل غسل بالماء بعد ذلك وزالت نجاسته، أوْ لا ؟ فنستصحب عدم غسله بالماء، وبالتالي نثبت بقاء النجاسة.

وهكذا نعرف أنّ الحالة السابقة التي نستصحبها قد تنتسب إلى العالم التشريعي، وذلك إذا كنّا على يقينٍ بحكم عامٍّ ونشكّ في حدوده المفروضة له في جعله الشرعي، وتعتبر الشبهة شبهة حكمية، ويسمّى الاستصحاب ب-( الاستصحاب الحكمي ) .

وقد تنتسب الحالة السابقة التي نستصحبها إلى العالم التكويني، وذلك إذا كنّا على يقين بوجود موضوع الحكم الشرعي ونشكّ في بقائه، وتعتبر الشبهة شبهةً موضوعية، ويسمّى الاستصحاب ب-( الاستصحاب الموضوعي ) .

ويوجد في علم الأصول اتّجاه ينكر جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، ويخصّه بالشبهة الموضوعية(١) .

الشكّ في البقاء :

والشكّ في البقاء هو الشرط الأساسي الآخر لجريان الاستصحاب.

ويقسِّم الأصوليون الشكّ في البقاء إلى قسمين تبعاً لطبيعة الحالة السابقة التي نشك في بقائها؛ لأنّ الحالة السابقة قد تكون قابلةً بطبيعتها للامتداد زمانياً، وإنّما نشكّ في بقائها نتيجة لاحتمال وجود عامل خارجيٍّ أدّى إلى ارتفاعها.

ومثال ذلك : طهارة الماء، فإنّ طهارة الماء تستمرّ بطبيعتها وتمتدّ إذا لم يتدخّل عامل خارجي، وإنّما نشكّ في بقائها لدخول عامل خارجيٍّ في الموقف ،

____________________

(١) ذهب إليه السيّد الخوئي، راجع مصباح الاُصول ٣ : ٤٠.


وهو إصابة المتنجِّس للماء.

وكذلك نجاسة الثوب، فإنّ الثوب إذا تنجّس تبقى نجاسته السابقة التي من هذا القبيل ب-(الشك في الرافع ) .

وقد تكون الحالة السابقة غير قادرة على الامتداد زمانياً، بل تنتهي بطبيعتها في وقت معيَّن ونشكّ في بقائها نتيجة لاحتمال انتهائها بطبيعتها دون تدخل عامل خارجيٍّ في الموقف.

ومثاله : نهار شهر رمضان الذي يجب فيه الصوم إذ شكّ الصائم في بقاء النهار، فإنّ النهار ينتهي بطبيعته ولا يمكن أن يمتدّ زمانياً، فالشكّ في بقائه لا ينتج عن احتمال وجود عامل خارجي، وإنّما هو نتيجة لاحتمال انتهاء النهار بطبيعته واستنفاده لطاقته وقدرته على البقاء.ويسمّى الشكّ في بقاء الحالة السابقة التي من هذا القبيل ب-( الشكّ في المقتضي ) ؛ لأنّ الشكّ في مدى اقتضاء النهار واستعداده للبقاء.

ويوجد في علم الأصول اتّجاه ينكر جريان الاستصحاب إذا كان الشكّ في بقاء الحالة السابقة من نوع الشكّ في المقتضي ويخصّه بحالات الشكّ في الرافع(١) .

وحدة الموضوع في الاستصحاب :

ويتّفق الأصوليون على أنّ من شروط الاستصحاب وحدة الموضوع ،

____________________

(١) ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاري وجعله تاسع الأقوال، راجع فرائد الأصول ٣ : ٥٠ - ٥١، وراجع بحوث في علم الأصول ٦ : ١٥٤، أيضاً.


ويَعنُون بذلك أن يكون الشكّ منصبّاً على نفس الحالة التي كنّا على يقين بها، فلا يجري الاستصحاب - مثلاً - إذا كنّا على يقين بنجاسة الماء ثمّ صار بخاراً وشككنا في نجاسة هذه البخار ؛ لأنّ ما كنّا على يقين بنجاسته هو الماء وما نشكّ فعلا في نجاسته هو البخار، والبخار غير الماء، فلم يكن مصبّ اليقين والشكّ واحداً.


التعارض بين الأصول

ويواجهنا بعد دراسة الأصول العملية السؤال التالي : ماذا يصنع الفقيه إذا اختلف حكم الاستصحاب عن حكم أصل البراءة ؟

ومثاله : أنّا نعلم بوجوب الصوم عند طلوع الفجر من نهار شهر رمضان حتّى غروب الشمس، ونشكّ في بقاء الوجوب بعد الغروب إلى غياب الحمرة، ففي هذه الحالة تتوفّر أركان الاستصحاب من اليقين بالوجوب أوّلاً، والشكّ في بقائه ثانياً، وبحكم الاستصحاب يتعيّن الالتزام عمليا ببقاء الوجوب.

ومن ناحية أخرى نلاحظ أنّ الحالة تندرج ضمن نطاق أصل البراءة ؛ لأنّها شبهة بدوية في التكليف غير مقترنة بالعلم الإجمالي، وأصل البراءة ينفي وجوب الاحتياط ويرفع عنّا الوجوب عملياً، فبأيّ الأصلين نأخذ ؟

والجواب : أنّا نأخذ بالاستصحاب ونقدّمه على أصل البراءة، وهذا متّفق عليه بين الأصوليين؛ والرأي السائد بينهم لتبرير ذلك : أنّ دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصل البراءة ؛ لانّ دليل أصل البراءة هو النصّ النبويّ القائل :( رفع ما لا يعلمون ) (١) ، وموضوعه كلّ ما لا يعلم، ودليل الاستصحاب هو النصّ القائل : ( لا يَنقض اليقين أبداً بالشك )(٢) ، وبالتدقيق في النصّين نلاحظ أنّ دليل الاستصحاب يلغي الشكّ ويفترض كأنَّ اليقين باقٍ على حاله، فيرفع بذلك

____________________

(١) الخصال ٢ : ٤١٧، باب التسعة.ووسائل الشيعة ١٥ : ٣٦٩، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس، الحديث الأوّل.

(٢) وسائل الشيعة ١ : ٢٤٥، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء، الحديث الأوّل.


موضوع أصل البراءة.

ففي مثال وجوب الصوم لا يمكن أن نستند إلى أصل البراءة عن وجوب الصوم بعد غروب الشمس بوصفه وجوباً مشكوكا ؛ لأنّ الاستصحاب يفترض هذا الوجوب معلوماً، فيكون دليل الاستصحاب حاكماً على دليل البراءة ؛ لأنّه ينفي موضوع البراءة.


أحكام تعارض النوعين

استعرضنا حتّى الآن نوعين من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط :

أحدهما : العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الدليل.

والآخر : العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي.

وقد عرفنا أنّ العناصر من النوع الأول تشكِّل أدلّة على تعيين الحكم الشرعي، والعناصر من النوع الثاني تشكِّل قواعد عملية لتعيين الموقف العملي تجاه الحكم المجهول.

ووجود نوعين من العناصر على هذا الشكل يدعو إلى البحث عن موقف الفقيه عند افتراض وقوع التعارض بينهما، كما إذا دلّ دليل على أنّ الحكم الشرعي هو الوجوب - مثلاً - وكان أصل البراءة أو الاستصحاب يقتضي الرخصة.

والحقيقة : أنّ الدليل إذا كان قطعياً فالتعارض غير متصوّرٍ عقلا بينه وبين الأصل ؛ لأنّ الدليل القطعي على الوجوب - مثلاً - يؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعي، ومع العلم بالحكم الشرعي لا مجال للاستناد إلي أي قاعدة عملية ؛ لأنّ القواعد العملية إنّما تجري في ظرف الشكّ، إذ قد عرفنا سابقاً أنّ أصل البراءة موضوعة كلّ ما لا يعلم، والاستصحاب موضوعه أن نشكّ في بقاء ما كنّا على يقين منه، فإذا كان الدليل قطعياً لم يبقَ موضوع لهذه الأصول والقواعد العملية.

وإنّما يمكن افتراض لون من التعارض بين الدليل والأصل إذا لم يكن الدليل قطعياً، كما إذا دلّ خبر الثقة على الوجوب أو الحرمة - وخبر الثقة كما مرّ بنا دليل ظنّي حكم الشارع بوجوب اتّباعه واتّخاذه دليلاً - وكان أصل البراءة من


ناحية أخرى يوسّع ويرخّص.

ومثاله : خبر الثقة الدالّ على حرمة الارتماس على الصائم، فإنّ هذه الحرمة إذا لاحظناها من ناحية الخبر فهي حكم شرعيّ قد قام عليه الدليل الظنّي الحجّة، وإذا لاحظناها بوصفها تكليفاً غير معلوم نجد أنّ دليل البراءة ( رفع ما لا يعلمون ) يشملها، فهل يحدِّد الفقيه في هذه الحالة موقفه على أساس الدليل الظنّي أو على أساس الأصل العملي ؟ ويسمِّي الأصوليون الدليل الظنّي بالأمارة، ويطلقون على هذه الحالة اسم التعارض بين الأمارات والأصول.

ولا شكّ في هذه الحالة لدى علماء الأصول في تقديم خبر الثقة وما إليه من الأدلّة الظنّية المعتبرة على أصل البراءة ونحوه من الأصول العملية ؛ لأنّ الدليل الظنّي الذي حكم الشارع بحجّيته يؤدّي - بحكم الشارع هذا - دور الدليل القطعي، فكما أنّ الدليل القطعي ينفي موضوع الأصل ولا يُبقي مجالاً لأيِّ قاعدة عملية فكذلك الدليل الظنّي الذي أسند إليه الشارع نفس الدور وأمرنا باتّخاذه دليلاً، ولهذا يقال عادةً : إنّ الأمارة حاكمة على الاُصول العملية.

كلمة الختام :

هذا آخر ما أردنا استعراضه من بحوثٍ ضمن الحدود التي وضعناها لهذه الحلقة.وبذلك تكتمل في ذهن الطالب تصوّرات علمية عامة عن العناصر المشتركة بالدرجة التي تؤهِّله لدراستها على مستوىً أرفع في الحلقة الآتية.

والحمد لله أوّلاً وآخراً، ومنه نستمدّ التوفيق لما يحبّ ويرضى، إنّه وليّ الإحسان، وهو على كلِّ شيءٍ قدير.


فهرس المصادر

١ - أجود التقريرات، للسيّد الخوئي، تقرير بحث المحقّق النائيني، ط مكتبة المصطفوي - قم.

٢ - إحياء علوم الدين، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي، دار القلم - بيروت.

٣ - أصول الرياضيات، برتراند رسل، ترجمة الدكتور محمّد موسى أحمد والدكتور أحمد فؤاد الأهواني.

٤ - أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، دار التعارف - بيروت.

٥ - الانتصار، للسيّد المرتضى، مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٦ - إيضاح الاشتباه، العلاّمة الحلّي، مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٧ - بحوث في علم الأصول، المؤلّف الشهيد، ط مكتب الإعلام الإسلامي - قم.

٨ - بشارة المصطفى، أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبري، منشورات مطبعة الحيدرية - النجف الأشرف.

٩ - تأريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب، دار الفكر - بيروت.

١٠ - تأسيس الشيعة، السيّد حسن الصدر، منشورات الأعلمي - طهران.


١١ - تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر - بيروت.

١٢ - تهذيب الكمال، أبو الحجّاج يوسف المزي، مؤسّسة الرسالة - بيروت.

١٣ - الحدائق الناضرة، المحدّث البحراني، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

١٤ - الخصال، الشيخ الصدوق، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

١٥ - خاتمة مستدرك الوسائل، المحدّث النوري، ط مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.

١٦ - الدراسات في علم الأصول، تقريرات أبحاث السيّد الخوئي للسيّد علي الشاهرودي.

١٧ - درر الفوائد، الشيخ عبد الكريم الحائري، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

١٨ - الدرر النجفيّة، المحدّث البحراني، الطبعة الحجرية من منشورات مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.

١٩ - الذريعة إلى أصول الشريعة، السيّد المرتضى، من منشورات جامعة طهران.

٢٠ - رجال النجاشي، أحمد بن علي النجاشي، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٢١ - روضات الجنّات، ميرزا محمّد باقر الخوانساري، ط مكتبة إسماعيليان - قم.

٢٢ - الروضة البهيّة، الشهيد الثاني، تحقيق السيّد الكلانتر، ط انتشارات داوري - قم.

٢٣ - السرائر، ابن إدريس الحلّي، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٢٤ - عدّة الأصول، شيخ الطائفة الطوسي، ط مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.

٢٥ - علل الشرائع، الشيخ الصدوق، مكتبة الداوري - قم.

٢٦ - الغنية ( ضمن الجوامع الفقهيّة )، ابن زهرة، الطبعة الحجرية من منشورات مكتبة السيّد المرعشي - قم.


٢٧ - فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ط مجمع الفكر الإسلامي - قم.

٢٨ - الفصول الغرويّة، الشيخ محمّد حسين الإصفهاني، الطبعة الحجرية من منشورات دار إحياء العلوم الإسلاميّة.

٢٩ - فهرست منتجب الدين، الشيخ منتجب الدين علي بن بابويه الرازي، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي، نشر مجمع الذخائر الإسلامية - قم.

٣٠ - فوائد الأصول، الشيخ محمّد علي الكاظمي، تقريرات أبحاث المحقّق النائيني، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٣١ - الفوائد الحائرية، الوحيد البهبهاني، ط مجمع الفكر الإسلامي - قم.

٣٢ - الفوائد المدنيّة، المحدّث الاسترابادي، الطبعة الحجرية من منشورات دار النشر لأهل البيتعليهم‌السلام .

٣٣ - القواعد والفوائد، الشهيد الأوّل، مكتبة المفيد - قم.

٣٤ - كشف المحجّة لثمرة المهجة، ابن طاووس، منشورات المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف.

٣٥ - كفاية الأصول، المحقّق الخراساني، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٣٦ - المبسوط، شيخ الطائفة الطوسي، ط المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة - طهران.

٣٧ - مصابيح الأصول، تقريرات أبحاث السيّد الخوئي، عزّ الدين بحر العلوم، ط النجف الأشرف.

٣٨ - مصباح الأصول، السيّد الخوئي، ط مطبعة النجف.

٣٩ - معارج الأصول، المحقّق الحلّي، ط مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.


٤٠ - معالم الدين، الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٤١ - مفاتيح الأصول، السيّد محمّد المجاهد، ط مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.

٤٢ - مقابس الأنوار، الشيخ أسد الله التستري، من منشورات مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.

٤٣ - مناقب أبي حنيفة، المرفق بن أحمد المكّي، دار الكتاب العربي - بيروت.

٤٤ - نهاية الأصول، العلاّمة الحلّي، مخطوط مكتبة السيّد الگلپايگاني.

٤٥ - نهاية الأفكار، المحقّق الأغا ضياء العراقي، ط مؤسّسة النشر الإسلامي - قم.

٤٦ - هداية المسترشدين، محمّد تقي الإصفهاني ط مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.

٤٧ - الوافية، الفاضل التوني، ط مجمع الفكر الإسلامي - قم.

٤٨ - وسائل الشيعة، السيّد محسن بن حسن الأعرجي الكاظمي، ط مصطفوي - قم.

٤٩ - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، المحدّث الحرّ العاملي، ط مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام - قم.

٥٠ - وفيات الأعيان، أحمد بن محمّد بن خلّكان، دار إحياء التراث العربي - بيروت.


غاية الفكر



غاية الفكر

تأليف سماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد

السيد محمد باقر الصدرقدس‌سره

المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره



بسم الله الرحمن الرحيم



مقدّمة المؤلّف :

أيّها القارئ الكريم، هذا هو جزء من كتابٍ في الأصول شرعت فيه قبل ثلاث سنواتٍ تقريباً، وقد ابتدأت فيه من القسم الثاني من المباحث الأصولية، أي مباحث الأدلّة العقلية، ورتّبته على عشرة أجزاء، وهذا الذي بين يديك هو الجزء الخامس منها في أكثر مباحث الاشتغال، أعني في أصل المسألة مع بعض تنبيهاتها.ويليه الجزء السادس في باقي تنبيهات المسألة مع أصل مسألة الأقلّ والأكثر.

ولئِن كان أكثر مطالب هذا الكتاب مخالفاً لِمَا هو المسموع من الكلمات، فليس ذلك لأنّي قد اهتديت إلى ما لم يصل إليه الأساتذة والأكابر، وهيهات لذهني القاصر أن يرتفع إلى ذلك ؛ وإنّما هو لأنّي لم أوفَّق للعروج إلى آفاق تفكيرهم ومجاراتهم في أنظارهم الدقيقة، وكلّ رجائي من المولى سبحانه أن يشملني بعنايته ولطفه، ويوفّقني لاقتفاء أثرهم، ويعدّني للتشرّف باتّباع خطواتهم المباركة، إنّه على كلّ شيءٍ قدير.

الراجي عفو ربِّه

محمّد باقر الصدر



غاية الفكر ٥

مباحث الاشتغال

مقدار منجّزية العلم الإجمالي.

مدى جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي.

تنبيهات العلم الإجمالي.



مباحث الاشتغال ١

مقدار منجّزيّة العلم الإجمالي

الرأي المختار في حقيقة العلم الإجمالي.

المباني المطروحة في حقيقة العلم الإجمالي.

منجّزية العلم الإجمالي وما يتنجَّز به.



بسم الله الرّحمن الرّحيم

والحمد لله ربّ العالمين، وصّلّى الله عَلى سَادة الخلق، ومصَابيح الحقّ، وكلمات الله التامات محمَّدٍ وآله الهداة الميامين.

وبعد فالبحث في المقام يقع في ناحيتين :

الأولى : في تحقيق مقدار تنجيز العلم الإجمالي، ورفعه لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ المنقَّحة كبروياً في مباحث البراءة.

الثانية : في شمول أدلّة الأصول للأطراف بعضاً أو كلاًّ، ثبوتاً أو إثباتاً.

وبتعبيرٍ آخر : أنّ المبحوث عنه هنا هو أنّ المقدار الذي ثبت من تنجيز العلم الإجمالي وتبديله ل-( لا بيان ) ب-( البيان ) هل يوجب خروج أطرافه أو شيءٍ منها عن دائرة أدلّة الأصول - إمّا للقصور ثبوتاً، أو للقصور في مقتضيات مقام الإثبات - أوْ لا ؟



الناحية الأولى

ولتوضيح الحقّ فيها لا بدّ من بيان المختار في حقيقة العلم الإجمالي، ثمّ نذكر سائر المسالك المعروفة في تصويره مع دفعها، وبعده نبحث عن مقدار تنجيز العلم الإجمالي وإيصاله للواقع على جميع تلك المباني.

الرأي المختار في حقيقة العلم الإجمالي

مقدّمة :

ولتحقيق الحقّ وتشخيص متعلّق العلم الإجمالي نقدِّم أمرين لهما دخل في حلّ المشكلة :

الأوّل : أنّ الحمل على قسمين : الحمل الأوّلي الذاتي، والحمل الشائع الصناعي، كما هو واضح.والشيء قد يصدق حمل مفهومٍ عليه بالحمل الأولي، ولا يجوز حمله عليه بالحمل الشائع الصناعي، ولذا اشترط بعض المحقّقين(١) في التناقض وحدة الحمل، فمفهوم النوع - مثلاً - نوع بالحمل الأولي، وليس نوعاً

____________________

(١) وهو صدر المتألّهين محمّد بن إبراهيم ملا صدرا الشيرازي في الأسفار ١ : ٢٩٢ - ٢٩٤.


بالحمل الشائع.وكذلك الجنس.

ومثلهما مفهوم الجزئي فإنّه جزئيّ بالحمل الأوّلي، وكلّي بالحمل الشائع.بل كلّ الصور العقلية - كصورة الإنسان - فإنّها بالحمل الأولي إنسان، وبالحمل الشائع من الكيفيات العَرَضية القائمة في النفس أو بها، على ما حقّق في مباحث الوجود الذهني.

فتحصَّل : أنّ الشيء قد لا يصحّ حمل نفسه عليه بالحمل الشائع ؛ وإن كان هو نفسه بالحمل الأوّلي ضرورة.

الثاني : المعروف أنّ انتزاع الكلّي من الجزئيات إنّما هو بتجريدها عن الخصوصيات التي لا يبقى بعدها إلاّ صرف الطبيعة المسمّاة بالكلّي.

كما أنّ المعروف لأجل هذا - كما صرح به في تقريرات بحث المحقّق العراقي(١) - أنّ نسبة الكلّي إلى فرده نسبة الجزء التحليلي إلى الكلّ، وعلى ذلك بنى أنّ مطابق الصورة العلمية الإجمالية إنّما هو الواقع ؛ ولكن بنحوٍ مجمل، وليس المعلوم الإجمالي أمراً كلّياً، لشهادة الوجدان بأنّ المعلوم إنّما هو سنخ عنوانٍ إجماليٍّ ينطبق على الواقع بتمامه، لا بجزءٍ تحليليٍّ منه، كما في الكلّي.

ووجه الالتزام : بأنّ الكلّي لا ينطبق على الفرد بتمامه، باعتبار أنّه إنّما يكون كلّياً جامعاً بين فردين إذا ألغيت في رتبته خصوصية كلٍّ من الفردين، وإلاّ لم يكن كلّياً، وعليه فلا ينطبق على فرده بما أنّه متخصّص بما يمتاز به على الفرد الآخر.

ولكنّ التحقيق : أنّ الالتزام بذلك بلا ملزم، بل قد يكون الكلّي منطبقاً على فرده بتمامه، كما في موارد التشكيك الخاصّي في الماهيات، بناءً على إمكانه ،

____________________

(١) نهاية الأفكار ١ : ٣٥.


كما هو التحقيق، بأن تكون الماهية متفاوتةً بنفسها في الأفراد، بحيث إنّ ما به الاشتراك بينهما بعينه جهة الامتياز بينهما، كالأربعة والستّة، فإنّهما مشتركتان في العددية وممتازتان فيها، ومفهوم العدد ينطبق عليهما بتمامهما ؛ لأنّ المفروض أنّه جهة امتياز كلٍّ منهما، فهو كما يصدق على ما به يشترك العددان كذلك بصدق على ما يمتاز به أحدهما عن الآخر.

وكذلك مفهوم الجزئي والمتشخّص فإنّه كلّي لقابليته للصدق على كثيرين، ولا يعقل فيه دعوى أنّه لا ينطبق على فرده بتمامه، إذ أنّه إذا ألغي من فرده خصوصيته الموجبة لجزئيته يخرج عن كونه مطابقاً له.

وإن شئت قلت : إنّ أيّ متخصّصٍ يفرض ينطبق عليه مفهوم الجزئي، فإن كان منطبقاً عليه بتمامه فهو المطلوب، وإن انطبق عليه مع قطع النظر عن خصوصيته التي بها يمتاز على جزئيٍّ آخر، نقلنا الكلام إلى هذه الخصوصية، فإنّها أيضاً مصداق لمفهوم الجزئي، فإن كان منطبقاً عليها بتمامها فهو، وإلاّ ننقل الكلام إلى خصوصياتها، وهكذا، حتى ينتهي الأمر إلى انطباق الكلّي على فرده بتمامه ؛ لبطلان التسلسل في الخصوصيات.

فقد ثبت بهذا البرهان مع براهين التشكيك الخاصّي إمكان انطباق الكلّي على فرده بتمامه، فافهم واغتنم.

حدود المعلوم بالإجمال :

إذا تقرّر هذان الأمران نقول : إنّ المعلوم الإجمالي هو الجامع بين الأطراف، ولكن بتقريبٍ لا يرد عليه المحاذير التي سوف نشير إلى توجّهها على القول بتعلّقه بالجامع.

وتحقيقه : أنّ العلم الإجمالي عبارة عن التصديق بجزئيٍّ متخصّصٍ


بخصوصيةٍ واقعيةٍ بنحوٍ يكون خارجاً عن حدِّ الجامعية إلى مرتبة الفردية، ويكون في عين الحال قابلاً للصدق على أكثر من واحدٍ بحسب الخارج ؛ لأنّه جزئيّ بالحمل الأوّلي، فإنّ العالم بالإجمال يتصوّر مفهوم الإنسان الجزئي المتعيّن بنحوٍ لا ينطبق على غيره ويصدّق بوجوده، فما تعلّق به التصديق العلمي هو هذا المفهوم الجامع بين الأطراف مع كونه جزئياً بالحمل الأوّلي.ونحن إذا حلّلنا ما في نفس العالم بالإجمال نرى أموراً :

أحدها : العلم التصوّري، أي حضور صورةٍ جزئيةٍ بالحمل الأوّلي، بمعنى تصوّر مفهوم الإنسان الجزئي.

ثانيها : التصديق بأنّ ذاك المعلوم التصوّري له وجود، فالمصدّق به ليس وجود هذا الإنسان أو ذاك بعينه، بل وجود جزئي متعيّن من الإنسان.

ثالثها : احتمال أن يكون مطابق الصورة المذكورة زيداً أو عَمرواً.

وعلى هذا لا ترد سائر الإشكالات الموردة على الالتزام بأنّ المعلوم الإجمالي هو الجامع أو الواقع على سبيل الإجمال، إذ لم نلتزم بأنّ المعلوم جامع ملغي عنه الخصوصيّات، وكذلك لم ندّع أنّه نفس الواقع والخصوصيّة بالحمل الشايع أي واقع ما يأبى الصدق على كثيرين على سبيل الإجمال.وسوف نذكر الإشكالات على المسلَكَين مفصّلاً، إلاّ أنّنا نشير إليها هنا لبيان عدم ورودها على التقريب المذكور.

أمّا الإشكالات على كون الجامع هو المعلوم الإجمالي فهي :

أوّلاً : ما يظهر من نهاية الأفكار(١) ، من أنّ الصورة الإجمالية ليست نسبتها إلى الخصوصية الواقعية نسبة الجزء إلى الكلّ، بل تنطبق عليها بتمامها، فلا يمكن

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٤٧.


الالتزام بأنّ العلم الإجمالي عبارة عن العلم التفصيلي بالجامع، إذ يكون المعلوم منطبقاً على الواقع حينئذٍ بجزئه، بل هو عبارة عن صورةٍ إجماليةٍ حاكيةٍ عن الواقع.

وثانياً : أنّ الجامع يعلم باستحالة وجوده بلا خصوصية، فلابدّ أن ينتهي العلم الإجمالي إلى العلم بالخصوصية الواقعية على سبيل الإجمال، كما سيأتي بيانه مفصّلاً إن شاء الله، فراجع.

وهذان الإشكالان لا يردانِ على تقريب القول بالجامع بتعلّق العلم الإجمالي بمفهومٍ جزئيٍّ بالحمل الأولي، وكلّيٍّ بالحمل الشائع.

أمّا الأوّل فلما عرفت في المقدّمة الثانية من أنّ عنوان الجزئي الذي هو المعلوم الإجمالي وإن كان جامعاً وكلّياً إلاّ أنّه منطبق على فرده بتمامه، وليس كسائر الكلّيات التي لا تنطبق على المشخّصات.فالجامع المزبور يحكي عن الواقع الجزئي بما أنّه جزئي، بخلاف سائر الكلّيات التي تحكي عن ذات المتشخّص لا بما أنّه متشخّص، فانطباق المعلوم على الواقع بتمامه وحكايته عنه لا يتوقّف على الالتزام بكون العلم الإجمالي مبايناً للعلم التفصيلي ومتقوّماً بصورةٍ إجماليةٍ حاكيةٍ عن الواقع، بل يتمّ مع الالتزام برجوعه إلى العلم التفصيلي، وكونه صورةً تفصيليةً للجامع، ولكن للجامع المحتوي على نكتةٍ توجب انطباقه على فرده بتمامه، كما بيّناه.

وأمّا الثاني فلأنّ المعلوم الإجمالي سنخ كلّي لا يعقل أن يكون متشخّصاً بأمرٍ زائدٍ على ما ينطبق عليه حتى يُدَّعى تعلّق العلم بذلك الأمر الزائد أيضاً، فإنّ مفهوم الإنسان يحتاج في تشخّصه إلى أكثر من الحصّة التي ينطبق عليها ؛ لأنّه لا ينطبق على المشخّصات.وأما مفهوم الإنسان الجزئي فهو لا يحتاج في تشخّصه إلى أكثر ممّا ينطبق عليه ؛ لأنّه ينطبق على نفس المتشخّص بما أنّه كذلك ،


فلا علم لنا بأكثر من هذا الكلّي، وليس ذلك إلاّ لأنّه جامع بين الجزئية بالحمل الأولي والكلّية بالحمل الشائع.

وأمّا الإشكالات على كون العلم الإجمالي متعلّقاً بالخصوصية الواقعية على نحوٍ مجمل فهي :

أوّلاً : أنّه خلاف الوجدان القاضي بأنّ كلّ خصوصيةٍ من خصوصيات الأطراف مشكوكة وليست بمعلومة، وإلاّ لزم اجتماع الشكّ والعلم، وهو محال.

وثانياً : أنّه لو فرض وجود كِلاَ الإنسانين فأيّهما يكون هو المعلوم مع استواء نسبة العلم إلى كلٍّ منهما ؟

وثالثاً : ما سنحقّقه من استحالة الإجمال في الصورة العلمية، بل هي : إمّا تفصيلية شخصية، أو كلّية.

وكلّ هذا لا يرد على ما عرفت، من كون المعلوم الإجمالي هو خصوصية واقعية بالحمل الأوّلي، لا بالحمل الشائع.

أمّا الأول فلأنّه إنّما يرد إذا قلنا : إنّ واقع الخصوصية والأمر الخارجي معلوم بالصورة الإجمالية، وأمّا إذا كان المعلوم عنوان الإنسان الخاصّ لا واقعه فلم يجتمع اليقين والشكّ على متعلّقٍ واحد ؛ لأنّ الشكّ متعلّق بوجود الإنسان الجزئي بالحمل الشائع، والعلم متعلّق بوجود الإنسان المتخصّص بالحمل الأولي.

وأمّا الثاني فلأنّنا لم نلتزم بتعلّق العلم الإجمالي بالواقع الحقيقي حتى يُسأل عمّا هو متعلّقه في الفرض المذكور، بل بالجامع.

وأمّا الثالث فلأنّ الصورة تفصيلية ولا إجمال فيها، بمعنى أنّها صورة لجامعٍ معيّنٍ لا لفردٍ مجملٍ حتى تكون مجملة، وإذن فالمعلوم الإجمالي كلّيّ بالحمل الأولي ولا يرد عليه إشكالات تعلّق العلم الإجمالي بالكلّي، وجزئي بالحمل الآخر ولا يرد عليه إشكالات تعلّقه بالجزئي.


المباني المطروحة في حقيقة العلم الإجمالي

وبعد هذا لا بأس بالإشارة إلى المباني التي قيلت في العلم الإجمالي، وهي ثلاثة :

تعلّق العلم بالفرد الواقعي :

الأوّل : ما ذهب إليه المحقّق العراقي(١) من مغايرة الصور العلمية الإجمالية مع الصور العلمية التفصيلية سنخاً، فليس العلم الإجمالي بالإضافة إلى معلومه صورة تفصيلية - كما يدّعيه من يلتزم بأنّ معلومه هو الجامع -، بل هو بالإضافة إليه كالمجمل إلى المفصَّل، بمعنى أنّه عبارة عن صورةٍ إجماليةٍ حاكيةٍ عن الواقع، على نحوٍ لو كُشِفَ الغطاء لكان المعلوم بالإجمال عين المعلوم بالتفصيل ومنطبقاً عليه بتمامه، لا بجزءٍ منه، فالفرق بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي في إجمالية الصورة العلمية وتفصيليّتها، لا أنّ العلم الإجمالي صورة تفصيلية للجامع والعلم التفصيلي صورة تفصيلية للفرد، بل الأوّل صورة إجمالية للفرد، والثاني صورة تفصيلية له.

ولا يظهر منه البرهنة على هذا المبنى ؛ وإن أمكن استفادته من بعض كلمات التقريرات - نهاية الأفكار(٢) - إذ يظهر منها التزامه بأنّ الصورة العلمية الإجمالية منطبقة على الواقع بتمامه، وهو لا يتمّ إلاّ على المبنى المزبور.

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٩.

(٢) نهاية الأفكار ٣ : ٣٠٩.


كما يمكن الاستدلال له أيضاً : بأنّ لدى العالِم علماً بأكثر من الجامع ؛ لأنّ الجامع لا يوجد إلاّ متخصِّصاً، فالانتهاء إلى خصوصيةٍ تكون متعلَّقاً للعلم الإجمالي لا بدّ منه.

وقد عرفت في ما سبق أنّ هذين الوجهين إنّما يبطلان القول بتعلّق العلم الإجمالي بالجامع المُلغى عنه خصوصيات الأطراف، والممتنع انطباقه عليها بخصوصياتها، ولا يعيِّنان كون الصورة العلمية إجماليةً وحاكيةً عن الواقع ؛ لإمكان الالتزام بتفصيلية الصورة، وكون المعلوم بها هو الجامع، ولكن بالنحو الذي أوضحناه، فلا يرد شيء من الإشكالين.

وإذن، فلا برهان على ما أفيد، بل البرهان على خلافه.

وتحقيق ذلك : أنّ الوجود الذهني كالوجود الخارجي في أنّه ملازم للتشخّص والتعيّن، بل عينهما بوجه، فالتشخّص والتعيّن مساوق لتحقيقة الوجود السارية في عالم الذهن والخارج، فكما يمتنع أن يكون الموجود الخارجي مردّداً أو غير متعيّن الهوية كذلك الوجود الذهني، والصور الذهنية يستحيل فيها عدم التعيّن من سائر الجهات.

والعلم : عبارة عن حضور الشيء لدى النفس، وقيام الصورة بها على نحوٍ يقترن بالتصديق.

وعلى هذا فالصورة الذهنية القائمة في نفس العالم بالإجمال والتي هي محطّ التصديق باعتبار فنائها في معنونها وجود الذهني، حاله حال سائر الوجودات في أنّه لا بدّ من كونه وجوداً لأمرٍ متعيَّنٍ بخصوصياته ؛ لاستحالة وجود الأمر المردّد، وحينئذٍ نقول : إنّها إمّا أن تكون وجوداً لطبيعيّ الوجوب الملغى عنه خصوصيات الأطراف، وإمّا أن تكون وجوداً للوجوب المتخصّص بخصوصية طرفٍ بعينه، كخصوصيّة التعلّق بالظهر، وإمّا أن تكون وجوداً للوجوب


المتخصّص بخصوصيّةٍ مردّدة.

ومردّ الأوّل إلى كون المعلوم هو الطبيعيّ الجامع القائم في النفس بتوسّط الصورة، فمُعَنوَنُ الصورة هو الجامع بين الوجوبين الخارجيّين، لا أحدهما المعيّن إذا المعنون مطابق لعنوانه.

فإذا كانت الصورة الحاكية المأخوذة بنحو المرآتية وجوداً للطبيعي خالياً عنه الخصوصيات فلا يعقل أن تحكي إلاّ عن وجود الطبيعي في الخارج خالياً عن خصوصيات الأطراف.

ومرجع الثاني إلى العلم التفصيلي بالخصوصية، إذ فرضه فرض كون خصوصية وجوب الظهر قد اقترن وجودها الذهني بالتصديق من قِبَل النفس بما أنّه آلة للخارج، ولا نعني بالعلم التفصيلي غير هذا فهو خُلْفُ دعوى إجمال الصورة.

والثالث أمر غير معقول، إذ كما يمتنع أن يوجد الوجوب في الخارج متخصّصاً بالخصوصية المردّدة بين الظهر والجمعة كذلك يمتنع أن تكون صورته الذهنية وجوداً لِمَا لا تعيّن له.

ودعوى : أنّ كلاًّ من طرفي العلم الإجمالي يُنتزع منه عنوانِ ( أحدهما )، فكلّ منهما هو أحد الطرفين، والمعلوم إحدى الإحْدَيَتَين مدفوعة : بأنّ المعلوم إن كان الأحد المعيَّن من الأحَدَيْن بخصوصيته فالصورة تفصيلية، وإن كان جامع الأحَدَيْن الملغى عنه خصوصية كلٍّ منهما فالمعلوم الإجمالي هو الجامع، وإن كان هو الأحد المردّد بحسب الخصوصية فهو ممتنع الوجود ذهناً وخارجاً، فلا نتعقّل الصورة الإجمالية أصلاً.

ثمّ إنّه قد أورد على المسلك المزبور وجهان :

الأوّل : استلزامه لاجتماع اليقين والشكّ، إذ يكون الواقع منكشفاً بالصورة


العلمية بحسب الفرض، ومشكوكاً بالضرورة.

الثاني : أنّ المعلوم الإجمالي قد لا يكون له واقع أصلاً، كما إذا علم بنجاسة أحد الإناءين وكان كلاهما نجساً، فأيّهما المعلوم مع استواء نسبة العلم إلى كلٍّ منهما ؟

ويرد على الاعتراض الأوّل : أنّ المحال هو تقوّم العلم والشكّ بموضوعٍ واحدٍ وصورةٍ واحدةٍ في أفقهما، فإنّ المتضادَّين يمتنع اجتماعهما على شيءٍ واحدٍ في موطن وجودهما وتضادّهما.

والحاصل : أنّ العلم والشكّ متقوّمان بالصورة، لا بالواقع، فالممتنع اجتماعهما على صورةٍ واحدة، ففي موارد العلم التفصيلي بزيدٍ - مثلاً - يمتنع الشكّ فيه ؛ لأنّ أيّ صورةٍ تفصيليةٍ لزيدٍ تُفرض يقوم الشكّ بها فهي متعلّق للتصديق العلمي من قبل النفس أيضاً، فيلزم اجتماعهما، وأمّا في المقام فالشكّ متقوّم بالصورة التفصيلية والعلم بالصورة الإجمالية، فموضوعهما الحقيقي متعدّد وإن كان المضاف إليه خارجاً متّحداً.

وإن شئت قلت : إنّ الانكشاف لشيءٍ على هذا المبنى عبارة عن حضور صورته الإجمالية أو التفصيلية لدى النفس مقروناً بالتصديق.وفي المقام عند العلم بنجاسة الإناء الأبيض إجمالاً لدينا شيئان : أحدهما نجاسة الإناء الأبيض الذي هو أحد طرفي العلم الإجمالي، والآخر كونها هي المطابقة للصورة العلمية الإجمالية.

والأوّل معلوم لحضوره للنفس.والثاني هو المشكوك، فإنّ المطابقة أمر غير نفس المطابق، ويمكن انكشاف أحدهما دون الآخر.

وأمّا الاعتراض الثاني : فهو وإن كان لا يرد عليه النقض بدعوى وروده على القول بتعلّق العلم الإجمالي بالجامع أيضاً، إذ المراد بذلك تعلّقه بالوجود الواقعي


بما أنّه مضاف إلى الجامع لا إلى الفرد، فيُسأل حينئذٍ في الفرض المزبور أنّه متعلّق بأيٍّ من الوجودَين بما أنّه مضاف إلى الجامع ؟

ووجه عدم الورود : أنّ المعلوم الإجمالي عند القائل بالتعلّق بالجامع هو الجامع بين الوجود الخارجي وغيره، لا الوجود الخارجي ولو مضافاً إلى الطبيعي ؛ الذي هو عبارة أخرى عن الحصّة من الطبيعيّ الموجودة في ضمنه، إذ الصورة العلمية قد ألغي عنها جميع خصوصيات الأطراف، فلا يمكن الالتزام بأنّ المعلوم بها هو وجود أحد الطرفين المعيّن بما أنّه وجود للطبيعي، إذ بعد تجريد الصورة لا وَجْه لتعيّن واحدٍ معيّنٍ من الطرفين لأن يكون وجوده هو المنكشف ولو بما أنّه وجود للطبيعي.

ولكن يرد على الاعتراض المزبور : أنّه لا يكون إشكالاً على المبنى المزبور، ولا على ما فرَّعه عليه صاحبه من القول بالعلّية، على ما سيأتي بيانه.

وذلك لأنّ المهمّ في هذا المسلك إثبات كون الصورة العلمية الإجمالية مباينةً سنخاً للصورة العلمية التفصيلية، وأنّ نسبتها إلى معلومها ليس كنسبة تلك إلى معلومها، فالصورة القائمة في موارد العلم الإجمالي صورةٍ إجمالية لوجوبٍ شخصي، لا صورةً تفصيليةً للجامع بين وجوبين.

وما أُفيد من الإشكال لا يكون هادماً لدعوى إجمالية الصورة العلمية في المقام، ولا مثبتاً لرجوعها إلى الصورة العلمية التفصيلية، بل يثبت أنّ هذه الصورة الإجمالية قد لا يكون لها مطابق في الخارج لاستواء نسبة الطرفين اليها.وهذا لا يضرّ بالمسلك المزبور أصلاً، إذ المدّعى فيه ليس هو وجود المعلوم بالعرض للعلم الإجمالي دائماً، كيف وقد يكون جهلاً مركّباً ؟ بل المدّعى فيه إجمالية الصورة وحكائيّتها عن شيءٍ جزئي لا عن الجامع، وهذا المحكيّ عنه قد لا يكون أصلاً لكون العلم جهلاً مركّباً، وقد لا يتعيّن أحد الطرفين لكونه محكيّاً عنه ؛ لاستواء نسبتهما.


والحاصل : المقصود إثبات أنّ القائم بالنفس المقرون للتصديق فرد مجمل من الإنسان - مثلاً - نسبته إلى كلّ طرفٍ من أطراف العلم الإجمالي نسبة المجمل إلى المفصَّل، لا الكلّي إلى فرده، لا أنّ للعلم الإجمالي ولهذا الفرد المجمل مطابقاً في الخارج دائماً، أو أنّ العلم الإجمالي متقوّم بالواقع الخارجي ليُشكَل بأنّه في هذا الفرض متقوّم بأيٍّ من الطرفين الخارجيَّين.

وأمّا تفريع العلّية على هذا المسلك فلا يضرّ به الإشكال المزبور أيضاً، وإن كان قد يُقرَّب إضراره ببيان : أنّ دعوى العلّية مبتنية على أن يكون هناك واقع معيّن منكشف بالعلم الإجمالي، ويكون العلم الإجمالي علّةً تامةً لتنجيزه حتى يكون احتمال التكليف في كلّ طرفٍ احتمالاً للتكليف المُنجَّز بالحكم التنجيزي من العقل.وأمّا إذا فرض أنّه ليس هناك طرف معيّن لأن يكون هو المنكشف لأجل نجاسة كِلاَ الإناءين - مثلاً - واستواء نسبتهما إلى العلم - كما هو مقتضى النقض المزبور - فلا يتنجّز شيء من الطرفين بخصوصه ؛ لأنه بلا مرجّح.ولا يتنجّز كلاهما بنفس العلم ابتداءً، إذ ليس هو علماً بهما معاً، فلا محالة إنّما يتنجّز الجامع فقط وينهدم أساس العلّية ؛ لأنّه كان مبنياً على التنجّز الواقع بنفس العلم ابتداءً.

ولكن يندفع هذا التقريب : بأنّ مَن يعلم إجمالاً بنجاسة أحد إناءين ويحتمل نجاسة الآخر وإن كان يحتمل أن لا يكون هناك طرف منهما متعيّن للمنكشفية بعلمه ؛ لاحتماله نجاستهما معاً، واستواء نسبتهما إلى علمه الموجب لعدم تعيّن أحد الطرفين للمعلومية، ولأن يتلقّى التنجيز من العلم الإجمالي ابتداءً إلاّ أنّه مع ذلك يحتمل وجود مطابقٍ معيّنٍ لعلمه، إذ يحتمل وحدة النجس في البين المساوقة لوجود معلومٍ إجماليٍّ معيّنٍ له في الخارج يكون متنجّزاً بالعلم، وإذن فهو يحتمل التكليف المعلوم الخارج عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ في


كلّ طرف ؛ لأنّه يحتمل أن يكون لعلمه معلوم معيّن في الخارج منجّز به.

والحاصل : أنّ العالم بالإجمال يقول : إنّه على فرض نجاسة الواحد منهما فقط يكون لي معلوم إجمالي معيّن في الخارج، أحتَمِل انطباقه على كلّ طرف، وهذا كافٍ للتنجيز.

لا يقال : إنّه على هذا يحتمل وجود معلومٍ إجماليٍّ معيّنٍ له في الخارج، كما يحتمل أن لا يكون له معلوم كذلك، وأن يكون الطرفان متساويَي النسبة إلى علمه، ومن المعلوم أنّ مجرّد احتمال المعلومية لا ينجّز، بل المنجّز العلم بتمامية البيان والوصول.

لأنّه يقال : إنّ هذا الإشكال يهدم القول بالعلّية - كما سنوضّحه - ولا ربط له بالنقض المزبور الذي أفيدَ في مقام الاعتراض على هذا المسلك، إذ في غير مورد النقض لا تكون معلومية النجس الواقعي محرزة.وانتظر لذلك مزيد إيضاح.

فتحقّق أنّ الاعتراض بالنقض المزبور لا يضرّ بما أفاده المحقّق العراقي، لا مبنىً ولا بناءً.

كما اتّضح أنّ توجيه هذا المسلك غير تام، لا بتقريب أنّ المعلوم الإجمالي ينطبق على الواقع بتمامه بشهادة الوجدان، وهو يتوقّف على أن يكون العلم الإجمالي صورةً إجماليةّ حاكيةً عن الواقع، كما قد يظهر منالنهاية (١) .ولا بتقريب أنّ الجامع لا يوجد بلا خصوصية، فلنا علم بأكثر من الجامع ؛ لأنّ الجامع الذي حقّقنا كونه هو المعلوم الإجمالي سنخُ جامعٍ ينطبق على الواقع بتمامه، ولا يحتاج في تشخّصه إلى أكثر ممّا ينطبق عليه، فإنّ مفهوم الإنسان الجزئي المتخصّص الذي هو المعلوم عند العلم الإجمالي بوجود أحد إنسانين

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٩.


لا يتخصّص في وجوده بخصوصيةٍ زائدةٍ ليدّعى العلم بتلك الخصوصية، كما تحصَّل أنّ الإجمال في الصورة العلمية غير معقول.

تعلّق العلم بالجامع :

الثاني من المسالك في العلم الإجمالي : أنّه متعلّق بالجامع، كما ذهب إليه المحقّق النائيني(١) والمحقّق الأصفهاني(٢) (قدس‌سرهما).

وملخّص برهانه على ما أفاده الأخير : أنّ العلم الإجمالي : إمّا أن لا يكون له طرف، أو يكون متعلّقه الفرد المردّد، أو الواقع، أو الجامع.

والأوّل باطل ؛ لأنّ العلم من الأمور ذات الإضافة.

وكذا الثاني ؛ لأنّ الفرد المردّد لا ثبوت له.

وكذا الثالث ؛ لأنّ مقتضاه كون ذاك الواقع معلوماً، وهو خلف.

فيتعيّن الرابع.

والتحقيق هو هذا أيضاً، ولكن لا بمعنى كون المعلوم الإجمالي هو الجامع الملغى عنه التعيّنات والتخصيصات بكلا الحملين، بل المعلوم سنخ جامعٍ يكون متخصّصاً بالحمل الأولي، بمعنى أنّ المعلوم وجود نجسٍ متخصّص في البين، لا جامع النجس بلا خصوصية، ولا واقع المتخصّص.

والذي أوجب عدول المحقّق العراقيقدس‌سره عن الالتزام بتفصيلية الصورة العلمية الإجمالية وكون المعلوم بها هو الجامع، إلى إجماليّتها وكون المعلوم بها الواقع، وضوح بطلان كون المعلوم هو الجامع الملغى عنه الخصوصيات بكلّ

____________________

(١) أجود التقريرات ٢ : ٤٩.

(٢) نهاية الدراية ٤ : ٢٣٦ - ٢٣٧.


وجهٍ، على حدِّ ما يؤخذ متعلَّقاً للتكليف، فالتزم لأجل ذلك بالمغايرة السنخية بين الصورة العلمية الإجمالية، والصورة العلمية التفصيلية، وصرّح في المقالات(١) : بأنّ العلم الإجمالي بالإضافة إلى معلومه ليس علماً تفصيلياً.

إلاّ أنّك عرفت مرجعيته إلى العلم التفصيلي بالجامع، ولكن الجامع الذي يكون معلوم الوجوب في مورد العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة ليس على حدّ الجامع الذي يكون متعلَّقاً للتكليف عند من يرى أنّ الوجوب الشرعي تعلّق بالجامع بين الظهر والجمعة على نحو التخيير، فإنّ هذا الجامع المأخوذ في متعلّق التكليف ليس متخصّصاً أصلاً، وليس متعيّناً بالحمل الأوّلي، بخلاف الجامع المدّعى في المقام فإنّ العالم بالإجمال يعلم بتخصّصه، وإن كان واقع خصوصيته غير منكشفٍ لديه، فمعلومه هو الإلزام بالجامع المتخصّص، إلاّ أنّ هذا لا يخرجه عن كونه جامعاً.

فحينئذٍ : إن أريد بالعدول عن مبنى تعلّق العلم الإجمالي بالجامع أنّه ليس متعلّقاً بما هو من سنخ الجامع المأخوذ في متعلّق التكليف، فيرد عليه : أنّه وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه ليس معنى ذلك إنكار كون العلم الإجمالي بالإضافة إلى معلومه علماً تفصيلياً، كما صرّح به في المقالات، ولا كون الصورة العلمية بالإضافة إلى الواقع كالمجمل إلى المفصَّل، لا الكلّي إلى الفرد، كما صرّح به بعض الأجلّة من مقرِّري بحثه(٢) ، بل الصورة العلمية صورة تفصيلية لجامعٍ وهو مفهوم الإنسان المتخصّص مثلاً، ويكون الواقع فرداً لهذا الجامع.

وإن أريد بالعدول المزبور أنّ العلم الإجمالي ليس علماً تفصيلياً بالجامع

____________________

(١) مقالات الأصول ٢ : ٢٣٠.

(٢) هو الشيخ البروجردي في نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٩.


حتّى الجامع الذي ذكرناه، فهو الذي عرفت أنّه بلا دليل، بل البرهان على خلافه ؛ لاستحالة الإجمال في الصورة العلمية.

ملاحظات على مبنى الجامع :

وما أورد أو يمكن أن يورد على القول بتعلّق العلم الإجمالي بالجامع وجوه :

الأوّل من تلك الوجوه : أنّ البرهان القائم على مساوقة التشخّص والتخصّص للوجود، يوجب القطع بأنّه قد وجدت في الخارج خصوصية مشخِّصة لهذا الجامع.

وهذه الخصوصية إن كانت كليةً أيضاً فهي أيضاً يُعلم بوجود مخصِّصٍ لها، فننقل الكلام إلى هذه الخصوصية الثانية، وهكذا حتى يلتزم بتعلّق العلم بخصوصيةٍ شخصيةٍ مجملةٍ لا تكون كليّة، فثبت أنّ المعلوم يزيد على الجامع.

الثاني : ما أُورد من أنّه في موارد دوران الأمر بين المحذورين لا يمكن الالتزام بأنّ المعلوم الإجمالي هو الجامع، أي الإلزام بالجامع بين الفعل والترك ؛ لأنّ الإلزام بالجامع بين النقيضين غير معقول فكيف يكون معلوماً ؟ فلا بدّ من الالتزام بمعلومية شيءٍ أزيد من الجامع.

الثالث : أنّه في موارد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين أو طهارته، أو حجّية إحدى الأمارتين لا يمكن الالتزام بأنّ المعلوم هو نجاسة الجامع، أو طهارته، أو حجِّيته ؛ لأنّ الأحكام المزبورة يستحيل تعلّقها بالجامع المأخوذ بنحو صرف الوجود، إذ يستحيل حينئذٍ سريانها من الجامع إلى طرفٍ معيَّنٍ بالخصوص ؛ لأنّه ترجيح بلا مرجِّح بعد استواء نسبة الفردين إلى الجامع، ولا إلى الفردين معاً ؛ لأنّ الجامع مأخوذ بنحو صرف الوجود، لا مطلق الوجود حتّى


يسري إلى كلا فردَيه.وإذن فحجّية الجامع بين الخبرَين غير معقولةٍ فكيف تكون هي المعلوم الإجمالي ؟

وهذه الإشكالات إنّما ترد إذا كان الجامع في المقام على حدّ الجامع الذي يتعلّق به التكليف، وإلاّ على ما بيّناه من أنّه سنخُ جامعٍ متخصّصٍ مفهوماً وعنواناً فلا ترد.

أمّا الأوّل : فلوضوح أنّ الجامع المعلوم هو نحو جامع لا يحتاج إلى أكثر ممّا ينطبق عليه حتّى يُدّعى العلم بالزائد، كما فصّلناه سابقاً فراجع.

وأمّا الثالث : فسوف نبيّن في مبحث التعادل إمكان جعل الحجّية للجامع، إلاّ أنّنا نقول الآن - مع غض النظر عن ذلك - إنّ هذا الإشكال والإشكال الثاني واضحا الاندفاع ؛ وذلك لأنّ المعلوم وجوبه أجمالاً في موارد دوران الأمر بين المحذورين - مثلاً - ليس هو الجامع بين النقيضين على جامعيته، بل الجامع المتخصّص وإن كان واقع تخصّصه مجهولاً.

فإن قلت : إنّ الجامع المتخصّص لا يخرج عن كونه جامعاً بين النقيضين، فإذا كان المعلوم هو الإلزام بالجامع المتخصّص لا بواقع المتخصص لزم المحذور من تعلّق الإلزام بالجامع بين النقيضين ؛ لأنّ عنوان الجامع المتخصّص جامع بين الفعل والترك.

قلت: إنّ الجامع المتخصّص وإن كان كلّياً بحسب الحقيقة - ولذا نقول بكون المعلوم الإجمالي هو الجامع - إلاّ أنّه إنّما يكون محطّاً للتصديق العلمي بالوجوب والإلزام بما أنّه فانٍ في أحد أفراده ومرآة لبعض مصاديقه، لا بما هو حتى يلزم تعلّق التصديق العلمي بأمرٍ محال، وهو الإلزام بالجامع بين النقيضين، بل التصديق العلمي بالوجوب ينصبّ على الجامع، وهو عنوان المتخصّص بما أنّه فانٍ في غير نفسه، فلا يعقل أن يكون الإلزام المصدّق به هو الإلزام بنفس هذا العنوان الكلّي ،


فهو نظير حكمنا على النسبة بأنّها معنىً حرفي، وعلى المعدوم المطلق بأنّه لا يُخبَر عنه، فإنّ النسبة ليست نسبةً ولا معنىً حرفياً، بل هي معنىً اسميّ وُضِعَت له لفظة ( النسبة )، فعند حكمنا عليه بالحرفية لا يكون هذا الحكم كاذباً، بتوهّم أنّه مسلّط على مفهوم النسبة لا على واقعها ؛ لأنّ الحاضر في الذهن مفهومها، وهو ليس حرفياً، بل هو حكم صادق ؛ لأنّه مسلّط على هذا المفهوم باعتبار فنائه في واقعه وأفراده، فكما أنّ التصديق بحرفيّة مفهوم النسبة الفاني لا يقتضي التصديق بحرفيّة نفس هذا المفهوم كذلك التصديق بالإلزام لا يكون تعلّقه بعنوان المتخصّص الملحوظ فانياً في صرف وجوده ؛ موجباً للتصديق بكون الإلزام ثابتاً لنفس عنوان المتخصّص الجامع بين النقيضين.

فاتّضح بما ذكرناه أنّ الصورة العلمية الإجمالية صورة تفصيلية للجامع، ونسبتها إلى الواقع نسبة الكلّي إلى الجزئي، وأنّها محطّ للتصديق العلمي باعتبار فنائها في أحد أفرادها.فالمقدار المعلوم من متعلّق الإلزام في موارد العلم الإجمالي هو الجامع بين الطرفين، أي عنوان الفعل المتخصّص بما أنّه فانٍ وحاكٍ عن صرف وجوده، أي بما أنّه متخصّص، لا بما أنّه كلّي.

تعلّق العلم بالفرد المردّد :

الثالث من المباني : تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد، لا بمعنى أنّ الثابت واقعاً فرد مردّد حتى يقال : إنّه لا مَهيّة له ولا هوية، بل بمعنى أنّ المقدار المنكشف هو هذا، فإنّ الانكشاف لم يتعلّق بأكثر من خصوصيةٍ مردّدةٍ يمكن أن نعبِّر عنها بأنّها إمّا هذا وإمّا ذاك، فمفاد قولنا : ( إمّا هذا وإمّا ذاك ) هو المعلوم الإجمالي.

ويرد عليه : أنّ المحذور في دعوى انكشاف الفرد المردّد ليس هو أنّ


المردّد لا وجود له خارجاً، فكيف يكون معلوماً، حتى يقال : إنّ المردّد وإن لم يكن له وجود خارجاً إلاّ أنّ المقدار المنكشف من الوجود الخارجي مردّد، وهو لا يقتضي كون المردّد موجوداً في الخارج بما أنّه مردّد، وإنّما هو لأجل أنّ ما في الخارج لم ينكشف بتمامه، بل بمقدارٍ مردّدٍ منه، بل المحذور في انكشاف المردّد هو استحالة التردّد في نفس الصورة العلمية ؛ لأنّها وجود ذهني.

وحينئذٍ نقول : إنّ ما به يكون الواقع جزئياً ومتخصّصاً - وهو خصوصيته المفردة له - إن كان موجوداً في ضمن الصورة فمعناه انكشاف الواقع المعيّن بتمامه، وإن لم يكن موجوداً ومنكشفاً فمعناه كون المنكشف أمراً كلّياً قابلاً للصدق على كلّ طرف، إذ لم تنكشف الخصوصية التي يكون بها جزئياً، ولا شقّ ثالث، إذ انكشاف خصوصيةٍ مردّدةٍ بين خصوصية هذا الطرف وذاك عبارة أخرى عن كون الصورة العلمية وجوداً للخصوصية المردّدة، وهو محال.

وتجد هذا المعنى في حاشية المحقّق الأصفهاني(١) بعباراتٍ مختلفةٍ في مقام إقامة البرهان على استحالة التردّد في المعلوم، فراجع.

وأمّا أنّ مفاد قولنا : ( إمّا هذا وإمّا ذاك ) هو المعلوم الإجمالي ففيه : أنّه إن أريد بتعلّقه بهذا أو ذاك أنّه متعلّق بهذا فقط أو بذاك فقط رجع إلى كون العلم الإجمالي متعلّقاً بالواقع.وإن أريد أنّ متعلّقه دائماً لا يختلف، وهو عبارة عن - إمّا هذا، وإمّا ذاك - رجع إلى أنّ الصورة العلمية هي إمّا هذا، وإمّا ذاك، وهو محال ؛ لأنّ المردّد لا يوجد في الموطنين.

هذا تمام ما وسعني تحقيقه بحسب الفكر القاصر في مقام تصوير العلم الإجمالي وتحقيق المسالك فيه.

____________________

(١) نهاية الدراية ٣ : ٨٩ - ٩٠ و ٤ : ٢٣٦ - ٢٣٧.


منجّزية العلم الإجمالي وما يتنجّز به

وحيث اتّضحت المباني في حقيقة العلم الإجمالي ومقدار تعلّقه ومتعلّقه يقع الكلام في مقدار تنجيزه وما يتنجّز به، وذلك في مرحلتين :

الأولى : في حرمة المخالفة القطعية.

والثانية : في وجوب الموافقة القطعية.

١ - حرمة المخالفة القطعيّة :

أمّا المرحلة الأولى فالحقّ فيها علّية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، بمعنى أنّه يصحِّح العقاب على ارتكاب كلا الطرفين المعلوم حرمة أحدهما، وليست مصحّحيّته للعقاب المزبور وقبح المخالفة القطعية مشروطين بشرطٍ أصلاً ؛ لأنّ الجامع ما بين الطرفين معلوم على جميع تلك المباني المزبورة، وإنّما يمتاز بعضها بدعوى معلومية شيءٍ آخر مضافاً إلى الجامع، ومن المعلوم أنّ ضمّ معلومٍ آخر إلى العلم التفصيلي بالجامع لا يوجب خروج هذا العلم عن المنجّزية بنحو العلّية، كما هو الحال في سائر موارد العلم التفصيلي، فلو فُرِض أنّ المعلوم الآخر الذي يُدَّعى معلوميّته على بعض تلك المباني كَلاَ معلومٍ لكان العلم التفصيلي بوجوب الجامع بين الظهر والجمعة في المقام نظير العلم التفصيلي بوجوب الجامع في موارد التخيير العقلي أو الشرعي، فكما يكون هذا منجّزاً بنحو العلّية فكذلك ذاك.

وبتعبيرٍ آخر : أنّ ما يزيد على الجامع ممّا يكون معلوماً على بعض تلك المباني لا يتنجّز بانكشافه ؛ لِمَا سنحققه في المرحلة الثانية من أنّه لا يتنجّز بالعلم


الإجمالي شيء غير الجامع على جميع المسالك، وحينئذٍ فما يكون منجّزاً بالوصول هو الجامع فقط، ووجود شيءٍ آخر واصلٍ بوصولٍ منجّزٍ أو غير منجّزٍ لا يؤثّر في عدم تنجّز الجامع بالعلم الوجداني المتعلّق به على نحوٍ تنجّز كلّ معلومٍ بعلمه التفصيلي.فالتكليف الواقعي بمقدار كونه تكليفاً بالجامع يتنجّز.

ومن الواضح أنّ هذا المقدار المتنجّز إنّما يقتضي الحركة إلى الجامع، لا أزيد منه، فيستحقّ العقاب حينئذٍ على ترك الجامع بكلا فرديه، ويكون قبيحاً بنحو العلّية.

وممّا ذكرناه ظهر استحالة الترخيص في المخالفة القطعية للجامع المعلوم في المقام، كما يستحيل الترخيص في مخالفة التكليف في سائر موارد العلم التفصيلي، إذ بعد البناء على تنجيزية حكم العقل باستحقاق العقاب على مخالفة الجامع وقبحها، لا محالة يكون الترخيص المفروض ترخيصاً في ما هو قبيح بحكم العقل، ومورد العقاب، وهو معنى الترخيص في المعصية، وليس حكم العقل معلّقاً على عدمه حتى يكون الترخيص رافعاً لموضوعه.

فإن قلت : امتناع الترخيص في المخالفة القطعية ليس لأنّه ترخيص في المعصية حتّى يتوقّف على دعوى تنجيزية حكم العقل، بل بملاك التضادّ بينه وبين الإلزام الواقعيّ المعلوم بالإجمال، فإنّهما متضادّان في مقام التأثير والعمل، فإنّ الإلزام بشيءٍ مع الترخيص فيه لا يجتمعان في مقام الوصول ؛ لتضادّهما، مع قطع النظر عن محذور تنجيزية حكم العقل، ولذا لو فرضنا صدور الإلزام ممّن لا يجب امتثاله عقلاً ووصوله من السافل إلى العالي بعنوان الالتماس لَما صحّ للسافل أن يرخِّص في ما ألزم به، مع أنّه ليس فيه ترخيص في المعصية.

قلت : إنّ الإلزام الواصل له اقتضاءان :

أحدهما : اقتضاء تشريعي باعتبار حكم العقل بلزوم امتثاله.


وثانيهما : اقتضاء تكويني لمن يتعلّق له غرض شخصي في امتثال التكليف.فإنّ هذا إذا عُلم يتكليفٍ جرى على طبق علمه قهراً تحصيلاً لمرامه، كمن يريد الماء فإنّه عند إحرازه لوجوده يجري على طبقه، ولا نتصوّر له اقتضاءً آخر، وحينئذٍ فإن أريد أنّ الترخيص في المخالفة القطعية ينافي الإلزام الواصل من حيث اقتضائه الأوّل فهو معنى لزوم الترخيص في المعصية.وإن أريد أنّه ينافيه من حيث الاقتضاء الثاني ففيه : أنّ غاية ما يلزم من الترخيص حينئذٍ - إذا قطعنا النظر عن الاقتضاء الأوّل - هو الترخيص في فعلٍ يكون موافقاً لغرض المكلّف، ولا محذور فيه أصلاً.

وأمّا التضادّ بين الترخيص والإلزام الواصل بحسب وجوديهما الواقعيّين، أو باعتبار ملاكاتهما فكلّ ذلك ممّا فرغ عن إبطاله في جواب شبهة ابن قبّة.

وإذن فتمام المحذور في الترخيص المزبور هو منافاته لحكم العقل بقبح المخالفة القطعية، ولزوم كونه ترخيصاً في المعصية.

وممّا ذكرناه ظهر الحال في ترخيص غير المولى لما ألزم به.

٢ - وجوب الموافقة القطعية :

وأمّا المرحلة الثانية - أعني وجوب الموافقة القطعية - فالتحقيق فيه عدم اقتضاء العلم الإجمالي لهذه المرتبة من التنجيز - فضلاً عن العلّية - على جميع المسالك المزبورة في تصوير العلم الإجمالي.

وذلك لأنّ وجوب الموافقة القطعية فرع سريان التنجّز إلى الواقع الموجود في البين، بحيث يصير العلم الإجمالي سبباً لحكم العقل بوجوب امتثال ذلك الواقع وصحّة العقاب على مخالفته، ولمّا كان كلّ طرفٍ يحتمل أن يكون هو ذلك الواقع فيكون احتمال التكليف في كلّ طرفٍ احتمالاً للتكليف المنجّز، فتجب


الموافقة القطعية.

وأمّا إذا لم يوجب العلم الإجمالي تنجّز الواقع بخصوصه، بل اقتصر على تنجّز الجامع ولم يسرِ هذا التنجّز من الجامع إلى الواقع فلا موجب للموافقة القطعية أصلاً، إذا المقدار المنجّز من الإلزام هو الإلزام بالجامع، ومن المعلوم أنّ هذا المقدار إنّما يقتضي الإتيان بالجامع في ضمن أحد أفراده، لا الإتيان بجميع الأطراف، وإذن فوجوب الموافقة القطعية مبنيّ على تنجّز الواقع بالعلم الإجمالي، وعدم اختصاص التنجّز بالجامع، وهذا ممنوع أشدّ المنع.

أمّا بناءً على تعلّق العلم الإجمالي بالجامع بالنحو الذي حقّقناه، أو بالجامع بمعنى الملغي عنه الخصوصيات بكلّ وجهٍ فواضح، إذ بعد عدم سراية الانكشاف من الجامع إلى الواقع يستحيل سراية التنجّز، فإنّ كلّ وصولٍ إنّما ينجّز الواصل به لا غيره، فالمقدار المعلوم هو المنجّز، والمقدار المعلوم هو وجوب الجامع فيختصّ التنجّز به، وما يقتضيه هذا الوجوب المنجّز ليس أزيد ممّا يقتضيه الوجوب التخييري المتعلّق بالجامع، فكما أنّه لا يقتضي إلاّ الإتيان بصرف الجامع في ضمن أحد أفراده كذلك المقدار المنجّز من الوجوب في المقام.

وحاصل المرام أمران :

أحدهما : أنّ التنجّز لا يسري من الجامع إلى الفرد ؛ لعدم سراية العلم، فالمقدار المنجّز هو الجامع.

ثانيهما : أنّ الإلزام بالجامع الذي هو المنجّز لا يقتضي إلاّ الإتيان بأحد الفعلين، فالإتيان بأحدهما موافقة قطعية للمقدار الواصل المنجّز، بمعنى أنّه لا يبقى له اقتضاء للحركة بعد ذلك.

ومن هنا يظهر ما في كلام المحقّق الإصفهاني(١) ، في مقام تقريب عدم

____________________

(١) نهاية الدراية ٣ : ٩٣، ضمن تعليقة ٤١.


وجوب الموافقة القطعية، من : أنّ عدم الإتيان بأحد الطرفين مخالفة احتمالية للتكليف الواصل، والمخالفة الاحتمالية للتكليف الواصل ليست قبيحةً عقلاً، بل القبيح هو المخالفة القطعية للتكليف الواصل التي لا تحصل إلاّ بترك الطرفين معاً.

ووجه الإشكال : أنّ ترك أحد الطرفين ليس مخالفةً احتماليةً للمقدار الواصل من الإلزام أصلاً ؛ لأنّ المقدار الواصل هو الجامع الذي لا يقتضي أكثر من الجامع بين الفعلين، فالإتيان بأحدهما موافقة قطعية للمقدار المنجّز وإن كان موافقةً احتماليةً للواقع.

والحاصل : أنّنا لا نقول كما أفيد من أنّ المخالفة الاحتمالية للتكليف الواصل ليست قبيحة، وإلاّ لَلَزم في موارد العلم التفصيلي بوجوب فعلٍ أنّه إذا شكّ في الإتيان به لا يلزم الاحتياط، إذ تركه حينئذٍ ليس إلاّ مخالفة احتمالية للتكليف المعلوم بالتفصيل، مع أنّه لا إشكال في اقتضاء العلم التفصيلي لوجوب الموافقة القطعية له.

وإنّما نقول : إنّ ترك أحد الطرفين في المقام ليس مخالفةً احتماليةً للمقدار الواصل من التكليف أصلاً، فافهم واغتنم.

تقريبات وجوب الموافقة القطعيّة :

ولا بأس بذكر الكلمات والتقريبات التي قُرِّب بها وجوب الموافقة القطعية : إمّا بدعوى سراية التنجّز من الجامع إلى الواقع، أو بدعوى كفاية تنجّز الجامع في إيجاب الموافقة القطعية، وهي متعدّدة :

أحدها : ما في موضعٍ من مقالات المحقّق العراقي(١) من : أنّ العلم بالجامع

____________________

(١) مقالات الأصول ٢ : ٣٣.


وإن لم يسرِ إلى الأفراد ولكنّ التنجّز الذي هو نتيجته قائم بالجامع وتابع له في قابلية السراية إلى ما انطبق عليه الجامع، ولا يقف على نفس الجامع، غاية الأمر القطع به سبب قيام التنجّز على موضوعه، ومجرّد عدم قابلية السبب للسراية لا يوجب عدم سراية مسبّبه تبعاً لموضوعه، انتهى.

وحاصله : أنّ التنجّز الذي هو حكم عقلي يتبع موضوعه في السراية، لا سببه.

ولكنّ التحقيق : عدم سراية كلٍّ من السبب والموضوع، فلا موجب لسراية التنجّز أصلاً ؛ وذلك لأنّ معنى تنجّز الجامع المسبّب عن العلم بالجامع هو استحقاق العقاب على مخالفته، فالاستحقاق والتنجّز مترتّب على مخالفة الجامع، فما هو الموضوع للتنجّز والاستحقاق عقلاً هو مخالفة الجامع، بمعنى مخالفة ما يقتضيه جامع الإلزام من الحركة في مقام العمل، وما يقتضيه الجامع هو الإتيان بالجامع بين الفعلين، فمخالفته عبارة عن ترك الجامع رأساً.

ومن المعلوم أنّ مخالفة الجامع التي تكون بترك كلا الفعلين، والتي هي موضوع استحقاق العقاب بسبب العلم الإجمالي ليست منطبقةً على مخالفة التكليف الواقعيّ الموجود في البين، فإنّ مخالفة التكليف الواقعي إنّما تحصل بترك متعلّقه، وترك الجامع ليس نسبته إلى ترك ذاك المتعلّق نسبة الكلّي إلى فرده حتّى يكون منطبقاً عليه ليسري الاستحقاق إلى مخالفة الواقع أيضاً.

والحاصل : أنّ استحقاق العقاب على مخالفة الجامع - الذي هو معنى تنجّز الجامع - ليس سببه سارياً إلى الواقع، ولا موضوعه.

أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فلأنّ موضوع الاستحقاق هو مخالفة الجامع، وهي لا تنطبق على مخالفة التكليف الواقعي ؛ لأنّ مخالفة الواقع ليست مخالفةً للجامع حتى يترتّب استحقاق العقاب عليها ويسري التنجّز إليها.


ثانيها : ما في موضعٍ من نهاية الأفكار(١) من : أنّ الجامع المعلوم بالإجمال في المقام ليس هو الجامع بحيال ذاته، أو بما أنّه حاكٍ عن مقدار منشئه، بل بما أنّه مرآة إجمالية للخصوصية الواقعية المردّدة في نظره بنحوٍ تكون نسبته إليها نسبة الإجمال والتفصيل، ومن البديهي أنّ مثل هذا الجامع يسري التنجّز منه إلى الخصوصية الواقعية.

ويرد عليه : أنّه إن أريد بهذا أنّ الصورة العلمية في المقام صورة شخصية إجمالية لا كلّية، وأنّه لا فرق في تنجّز التكليف بانكشافه بصورته الشخصية بين أن تكون صورته المنكشفة إجماليةً أو تفصيليةً فمرجعه إلى الوجه الرابع الذي سنذكره، ولا معنى حينئذٍ لتسليم كون المعلوم هو الجامع.

وإن أريد أنّ المعلوم الإجمالي وإن كان هو الجامع إلاّ أنّه هو الجامع المتخصّص، بمعنى أنّه يعلم بتخصّصه وتعينه، وليس كالجامع الذي يتعلق به التكليف فيسري التنجّز إلى خصوصيته.ففيه : أنّ ما يفترق به الجامع في المقام عن الجامع المأخوذ في متعلّق التكليف ليس إلاّ العلم بمفهوم الخصوصية والتعيّن، لا بواقع الخصوصية، بمعنى أنّ المعلوم أصل تخصّص الجامع، لا حقيقة تخصّصه بالحمل الشائع، حتّى تتنجّز الخصوصية الواقعية.

والحاصل : أنّ المنكشف هو خصوصية الجامع بالحمل الأوّلي، وهي لا أثر لها، وليست قابلةً للتنجّز، وما هو قابل للتنجّز - أي ما هو خصوصية الجامع بالحمل الشائع - ليست منكشفةً أصلاً.

وإذن فما هو المنكشف من الخصوصية - وهو مفهومها - لا أثر له، ولذا لو فرضنا - ولو محالاً - أنّ الإلزام تعلّق بجامعٍ أخذ فيه مفهوم الخصوصية، ولم تؤخذ

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٤٧.


فيه خصوصية من الخصوصيات الواقعية لم يكن يزيد في أثره على الإلزام المتعلّق بصِرف الجامع، وإنّما الأثر لخصوصية الظُهر وخصوصية الجمعة، والمفروض أنّهما غير منكشفتين.

فإن قلت : قد ذكرت سابقاً : أنّ التصديق العلمي إنّما يتعلّق بعنوان الجامع المتخصّص بما أنّه فانٍ في فرده، لا بما هو، فقهراً يتنجّز فرده.

قلت : إنّ الجامع المزبور وإن كان محطّاً للتصديق العلمي بما أنّه فانٍ ومرآة، ولكن لا بما أنّه مرآة وحاكٍ عن الخصوصية الواقعية بخصوصها، بل بما أنّه فانٍ في صِرف وجوده، بمعنى أنّ صرف وجود هذا الجامع معلوم، فكيف يسري التنجّز إلى الخصوصية الواقعية بخصوصها ؟

ثالثها : ما أفاده في نهاية الأفكار(١) أيضاً من : أنّه لو سُلِّم وقوف التنجّز على الجامع نقول بعد انحصار فرد هذا الجامع بإحدى الخصوصيتين : لا بدّ في مقام الخروج عن عهدة التكليف بهذا الجامع المنحصر فرده بإحدى الخصوصيتين من الإتيان بكلتا الخصوصيتين، إذ مع الإتيان بإحداهما مع احتمال انحصاره بالأخرى يشكّ في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم.

ويرد عليه : أنّه بعد فرض اختصاص التنجّز بالجامع فالمقدار المنجّز من التكليف الواقعي هو مقدار تعلّقه بأحد الفعلين، لا تعلّقه بأحدهما المعيَّن، وعليه فعند الإتيان بأحد الفعلين يقطع بفراغ الذمّة عن المقدار الواصل المنجّز ؛ وذلك لأنّ تعلّق الوجوب بالجامع الذي هو المنجّز لا يقتضي من الحركة إلاّ بمقدار أحد الفعلين.فالجامع في نفس الأمر وإن احتُمل كونه متعيّناً بنحوٍ لا يحصل امتثاله بالفعل المأتيّ به إلاّ أنّه بما أنّه معلوم لا يكون متخصّصاً بخصوصية الظهر

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٤٨.


ولا الجمعة، فلا يقتضي أكثر من الإتيان بأحدهما.

وإن شئت قلت : إنّ مصداقية المأتيّ به من أحد الفعلين في الواجب الواقعي وإن كانت مشكوكةً إلاّ أنّ مصداقيته للمقدار المعلوم منه معلومة، فالمكلّف بعد الإتيان بالظهر - مثلاً - لا يشكّ في الخروج عن عهدة المقدار المعلوم أصلاً.

رابعها : ما في مقالات المحقّق العراقي(١) من : أنّ تنجّز الأحكام إنّما هو من لوازم وجودها خارجاً، لا من لوازم صورها الذهنية، غاية الأمر أنّ الحكم بوجوده الخارجي إنّما يكتسب التنجّز باعتبار انكشافه بصورته، ولا يفرّق في صورته التي تكسبه التنجّز بين أن تكون صورةً إجماليةً له أن تفصيلية.

والحاصل : أنّ التنجّز ليس ثابتاً لنفس الصورة العلمية حتى يقال بعدم سريانه تبعاً للعلم، بل هو ثابت للحكم الواقعي، ومجرّد كون ثبوته له باعتبار الصورة العلمية لا يوجب تبعيّته لها في عدم السراية.

ويرد عليه :

أوّلاً : أنّ التنجّز بمعنى استحقاق العقاب على شيءٍ من لوازم العلم والوجود العلمي للتكليف، فتمام الموضوع والسبب له هو العلم، ولذا لا فرق في استحقاق العقاب بين موارد إصابة القطع وموارد خطئه.وأمّا التكليف بوجوده الواقعي فليس هو موضوع الاستحقاق وملزومه، ولا جزء موضوعه أصلاً، كما نقّحنا ذلك مفصّلاً في مبحث التجرّي، فراجع.

وثانياً : أنّه لو فرض كون التنجّز من لوازم الوجود الخارجي للحكم، لا العلمي، إلاّ أنّنا نقول: إنّه لا يكفي في اكتساب الحكم الواقعي للتنجّز انكشافه بالصورة الإجمالية التي نِسبتها إليه نسبة المجمل إلى المفصَّل، بناءً على تعقّل

____________________

(١) مقالات الأصول ٢ : ٢٣٦.


ذلك، والالتزام بأنّ العلم الإجمالي صورة إجمالية للواقع، فإنّه مع ذلك لا يكون الواقع منجّزاً بالصورة الإجمالية أصلاً ؛ وذلك لأنّها غير طاردةٍ للشكّ الذي هو مناط المعذّرية عقلاً.

وبتعبيرٍ آخر : أنّ انكشاف الشيء والعلم به بوجوده الواقعي لا يزيد على نفس الواقع، وإنّما ينجّز بوجوده الواصل، وفي المقام لم يحرز معلومية الواقع وكونه هو المنكشف بالصورة الإجمالية ليتنجّز، فموجب اكتساب الحكم للتنجّز إنّما هو انكشافه بصورته التفصيلية، ولذا لو لم يكن الجامع في المقام منكشفاً بالصورة التفصيلية لَما تنجّز شيء من أطراف العلم أصلاً.

والحاصل : أنّه على تقدير تسليم كون العلم الإجمالي صورةً إجماليةً للواقع لا يمكن الالتزام بتنجّز الواقع بها، وكون منكشفيته بها موجبةً لتنجّزة، وإن لم يحرز المكلّف كونه منكشفاً بها.

فإن قلت : إنّ منكشفية الواقع بالصورة الإجمالية وإن لم تكن واصلةً بالعلم التفصيلي إلاّ أنّها واصلة إجمالاً ؛ للعلم بمنكشفية أحد الطرفين بالصورة الإجمالية.

قلت : ننقل الكلام إلى هذا العلم الإجمالي بمنكشفية أحد الطرفين، فإنّه لا يمكن أن ينجّز الواقع أيضاً، بل إنّما ينجّز الجامع بين منكشفية هذا الطرف ومنكشفية ذاك الطرف.

والذي يدلّ على أنّ منكشفية الواقع بالصورة العلمية الإجمالية لا تكفي لتنجيزه بوجودها الواقعي : أنّه لو كان وجوب الظهر منكشفاً بالصورة العلمية الإجماليّة بأنّ علم المكلّف إجمالاً بوجوب الظُهر أو الجمعة، ثمّ جرى الأصل المثبت لوجوب الجمعة، فإنّه لا إشكال في عدم تنجيز العلم الإجمالي حينئذٍ لوجوب الظهر، مع أنّه لو قلنا بأنّ منكشفية تكليفٍ بصورته الإجمالية واقعاً يكفي


في تنجيزه لكان وجوب الظهر منجَّزاً، إذ المفروض أنّه منكشف بالصورة العلمية الإجمالية واقعاً.وسوف يأتي لهذا الإشكال مزيد توضيحٍ في مبحث الانحلال، فانتظر.

وإذن، فهذا كاشف عن أنّ منكشفية الشيء بوجودها الواقعي لا أثر لها، وإنّما التنجّز فرع المنكشفية المحرَزة، فلا يتنجّز الواقع بالصورة العلمية الإجمالية أصلاً.

خامسها : ما أفاده المحقّق الأصفهاني(١) من : أنّ عنوان عدم المبالاة بالتكليف اللزومي وعدم الانبعاث ببعثه في وجدان العقل ظلم على المولى ؛ لخروجه عن زَيِّ الرِقّيّة، ومن المعلوم أنّ المبالاة بالوجوب المتعلّق بما لا يخرج عن الطرفين ليست إلاّ بالانبعاث عنه، والانبعاث عن المعلوم لا عن الواقع لا يكون إلاّ بفعلهما معاً، فإنّ الانبعاث عن المعلوم المحكوم بالحسن عقلاً ليس إلاّ الانبعاث في وجدان العقل، وفعل أحدهما وإن كان يحتمل أن يكون انبعاثاً لكنّه انبعاث عن الواقع المحتمل، لا انبعاث عن المعلوم، فالانبعاث عن البعث المعلوم في وجدان العقل إنّما هو بإتيان كلا الفعلين، فعدم الجمع بينهما عبارة أخرى عن عدم الانبعاث عن البعث المعلوم، وهو مصداق لعنوان عدم المبالاة بأمر المولى ؛ الذي هو قبيح بحكم العقل، فينتج : أنّ ترك المخالفة القطعية مصداق لعنوانٍ قبيحٍ عقلاً.

ويتّضح الجواب عنه بما ذكرناه لدفع التقريب الثالث، فإنّ المقدار المعلوم من التكليف لا يقتضي عقلاً إلاّ الإتيان بأحد الفردين، إذ المقدار المعلوم هو الإلزام بالجامع، والخصوصيات لمَّا كانت مشكوكةً فوجودها وعدمها سيّان.

فالإلزام بالجامع المعلوم في المقام لا يزيد على الإلزام بالجامع في موارد

____________________

(١) نهاية الدراية ٣ : ٩٤.


التخيير العقلي أو الشرعي، إلاّ بخصوصيات غير واصلة، فلو كان زائداً عليه في الأثر لكان معنى هذا أنّ تلك الخصوصيّات غير الواصلة مؤثّرة، وهو محال.

وإذن فكما أنّ الإلزام بطبيعيّ صلاة الظهر يكون الإتيان بأحد مصاديقها انبعاثاً عنه كذلك الإلزام بالجامع بين الجمعة والظهر - الذي هو المقدار المعلوم في المقام - يكون الإتيان بالظهر فقط انبعاثاً عنه، بمعنى أنّه إتيان بما يقتضيه عقلاً.وإذن، فالانبعاث بأحد الفعلين انبعاث عن المقدار المعلوم، وليس الانبعاث عنه بالإتيان بكلا الفعلين.نعم، الانبعاث عن التكليف الواقعي في وجدان العقل إنّما يكون بإيجاد الفعلين معاً.

والحاصل : أنّ معنى الانبعاث عن تكليفٍ هو الإتيان بما يقتضيه عقلاً، والإلزام بالجامع المعلوم في المقام إنّما يقتضي عقلاً الإتيان بأحد الفعلين، لا غير، فيكون الإتيان بأحدهما انبعاثاً عن المقدار المعلوم وتوفيةً لما هو حقّه عقلاً من الحركة.

سادسها : أنّ تنجّز الجامع يوجب تعارض الأُصول في الأطراف وتساقطها، فتجب الموافقة القطعية.

ولا يخفى أنّ هذا ليس تقريباً لتنجيز العلم الإجمالي للواقع، بل هو تقريب لتنجّزه بالاحتمال بعد تعارض الأصول، وهو مبنيّ على تسليم وقوع المعارضة في الأطراف، وسوف يأتي ما هو الحقّ في ذلك في الناحية الثانية.

هذا كلّه ما وصل إلى ذهني القاصر لإثبات عدم تنجّز الواقع بالعلم الإجمالي، ودفع جميع ما أفيد من التقريبات، فافهم واغتنم.

وممّا ذكرناه ظهر : أنّه لا يفرّق في ما ادّعيناه من إنكار تنجّز الواقع بالعلم الإجمالي بين القول بتعلّقه بالجامع أو بالواقع على سبيل الإجمال ؛ لِمَا عرفت من أنّ العلم الإجمالي لو كان عبارةً عن صورةٍ إجماليةٍ للواقع لَما صلح لتنجيزه أيضاً.


وكذلك الأمر بناءً على كون المعلوم بالإجمال هو الفرد المردّد، إذ لا يعقل حينئذٍ سراية التنجّز إلى الواقع بشخصه لمّا لم يكن منكشفاً بعينه، وتنجّز الفرد المردّد ووجوب الإتيان به عقلاً لا معنى له ؛ لأنّ المردَّد لا يعقل وجوده في الخارج حتّى على هذا المبنى، إذ المدّعى في هذا المبنى تعقّل التردّد في الصورة العلمية، لا في الوجود الخارجي، وإذن فلم يبقَ شيء يعقل تنجّزه إلاّ الجامع.

وبما ذكرناه اتّضح أيضاً انهدام القول بعلّية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية بجميع تقريباتها ؛ لأنّ العلّية مبنية على أمرين :

أحدهما : تنجّز الواقع بالعلم الإجمالي، ووقوعه موضوعاً لحكم العقل بسبب ذلك.

وثانيها : أنّ هذا الحكم تنجيزيّ من قبل العقل، وليس معلَّقاً على عدم ورود الترخيص الشرعي، وعليه ففي كلّ طرفٍ يحتمل التكليف المنجّز بنحوٍ يأبى عن الترخيص فيه، ونحن قد هدمنا أساس العلّية بإنكار الأمر الأول، كما هو واضح.

وأمّا تقريب الكفاية للعلّية وللتلازم بين حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية فهو مبنيّ على مبانيها غير المقبولة عندنا، وقد مرّ تفصيل الكلام فيه وفي مبانيه في مبحث العلم الإجمالي من مباحث القطع، فراجع.

والمتحقّق في هذه الناحية : أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية، ولا اقتضاء بالإضافة إلى وجوب الموافقة القطعية.


مباحث الاشتغال ٢

مدى جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي

جريان الأصول النافية في جميع الأطراف.

جريان الأصول النافية في بعض الأطراف.

جريان الأصول المثبتة مع العلم بالترخيص.



الناحية الثانية

وهي أنّه بعد أن تحقّق أنّ المقدار المنكشف بالعلم الإجمالي إنّما هو الجامع، والمقدار المنجَّز هو الجامع أيضاً فقط - كما بيّناه في الناحية الأولى - نريد أن نعرف أنّ هذا المقدار من الوصول والتنجّز هل يمنع عن جريان الأصول النافية في المقام، أوْ لا ؟

وتمام الكلام في جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي يستوفى بالبحث في مقامين :

المقام الأوّل : في جريان الأصول النافية في جميع الأطراف.

المقام الثاني : في جريانها في بعض الأطراف.

جريان الأصول النافية في جميع الأطراف

أمّا المقام الأوّل فلم أرَ مَن يستشكل في امتناع جريان الأصول النافية في جميع الأطراف، بعد البناء على علّية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية وقبحها، بدعوى أنّ مقتضى جريانها في جميع الأطراف الترخيص في المعصية القبيحة بحكم العقل، وهي المخالفة القطعية، إذ المفروض هو البناء على سببية


العلم الإجمالي لقبح المخالفة القطعية، فبعد البناء على هذا لا مجال لجريان الأُصول في تمام الأطراف المؤدّي إلى الإذن فيها.

والتحقيق : أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ جريان الأصول المؤمِّنة في تمام الأطراف إذا أدّى إلى الترخيص في المخالفة القطعية يكون ممتنعاً، بعدما اتّضح في الناحية الأُولى من استقلال العقل بقبح المخالفة القطعية، وعلِّية العلم الإجمالي لذلك، فالحريّ بنا أن نبحث عن أنّ جريانها في جميع الأطراف هل يؤدّي إلى ذلك ليكون ممتنعاً، أوْ لا ؟

والإنصاف : أنّ للمنع عن تأديته إلى ذلك مجالاً واسعاً، فإنّ جريان الأصول في تمام الأطراف لا ينافي حرمة المخالفة القطعية، وعلِّية العلم الإجمالي لتنجيزها وقبحها أصلاً، من دون فرقٍ بين الأصل العقلي - أي قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ - أو الأصل الشرعي النافي، كالبراءة أو الاستصحاب.

فالكلام إذن يقع : تارةً في جريان البراءة العقلية في تمام الأطراف، وأخرى في جريان البراءة الشرعية كذلك، وثالثةً في جريان الاستصحاب النافي في الجميع.

البراءة العقليّة في جميع الأطراف :

أمّا الأوّل - أي البراءة العقلية، وقاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ - : فقد اتّضح في الناحية الأولى أنّ موضوعها في كلٍّ من الطرفين في نفسه محقَّق، إذ العلم الإجمالي إنّما يكون بياناً للجامع فقط، كما عرفت، فكلّ طرفٍ لم يتمَّ البيان عليه، وإنّما تمّ البيان على الجامع، إلاّ أنّه قد يتوهّم أنّ موضوعها في كلّ طرفٍ وإن كان محقّقاً لعدم تمامية البيان عليه إلاّ أنّ إجراء القاعدة في كلٍّ من الطرفين معاً ينافي الحكم باستحقاق العقاب على المخالفة القطعية، إذ أنّ إجراء البراءة العقلية عن


وجوب الظهر - بمعنى قبح العقاب على تركها - وإجراءَها عن وجوب الجمعة - بمعنى قبح العقاب على تركها - يؤدّي إلى قبح العقاب على تركهما معاً، الذي هو معنى المخالفة القطعية، فلا بدّ من الالتزام بعدم إعمال القاعدة في الطرفين ؛ لمنافاته مع الحكم بصحة العقاب على المخالفة القطعية.

ولكنّه يندفع بوضوح : أنّ قبح العقاب على كلٍّ من ترك الظهر والجمعة لا ينافي صحة العقاب على ترك الجامع بينهما، بمعنى أنّ الإتيان بالظهر لا مقتضي له ؛ لعدم إحراز وجوبها فيقبح العقاب على تركها ؛ لأنّه عقاب بلا بيانٍ وبلا مقتضي كما أنّ الإتيان بالجمعة لا مقتضي له ؛ لعدم وصول وجوبها، فيقبح العقاب على تركها بنفس المناط المزبور.

وأمّا الإتيان بالجامع بينهما فله مقتضٍ، إذ المفروض أنّ المكلّف قد أحرز تعلق الإلزام الشرعي بمقدار الجامع بين الفعلين، فالعقاب على ترك الجامع عقاب مع المقتضي للحركة، ومع البيان الموصل للتكليف.

وبتعبيرٍ آخر : أنّ مرجع قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ - كما بيّنه المحقّق النائيني(١) في محلّه، وأوضحناه في الجزء الثالث - إلى أنّ حركة المكلّف إذا لم يكن لها مقتضٍ يقبح العقاب على تركها، وأنّ المقتضي للحركة منحصر في التكليف بوجوده الواصل، وحينئذٍ ففي المقام المقدار الواصل من التكليف - وهو الإلزام بالجامع - إنّما يقتضي الحركة بمقدار الجامع، ولا يقتضي الحركة إلى الظهر خاصّة، ولا إلى الجمعة خاصّة ؛ لما عرفت في الناحية الأولى من عدم سراية التنجّز من الجامع إلى الواقع، فالحركة إلى الجامع لها مقتضٍ للعقاب فيصحّ العقاب على تركها، وأمّا الحركة إلى الظهر والحركة إلى الجمعة فلا مقتضي لهما فيقبح

____________________

(١) فوائد الأصول ٢ : ٢١٧ - ٢١٨.


العقاب على ترك كلٍّ منهما.والعقاب الذي يحكم به العقل عند ترك المكلّف للفعلين معاً ليس على أحد التركين بخصوصه ليكون منافياً لقبح العقاب على كلٍّ منهما بخصوصه، بل على الجمع بين التركين الذي هو عبارة أخرى عن ترك الجامع.

فاتّضح : أنّه لا مانع من إعمال البراءة العقلية في كلٍّ من الطرفين، بمعنى الحكم بقبح العقاب من جهة ترك الظهر وقبح العقاب من جهة ترك الجمعة، ولا ينافي الحكم بصحة العقاب في مورد المخالفة القطعية من جهة ترك الجامع، إذ أنّ الحركة إلى الجامع كان لها منجّز ومقتضي، فتركها مورد للعقاب، بخلاف الحركة إلى الجمعة والحركة إلى الظهر فإنّه لم يكن هناك منجِّز لأيٍّ منهما.

البراءة الشرعيّة في جميع الأطراف :

وأمّا الثاني - أي البراءة الشرعية - : فهي أيضاً تجري في جميع الأطراف من دون أن تنافي تنجّز الجامع، سواء ما كان منها بلسان الرفع -كرُفِعَ ما لا يعلمون - أو بلسان الحلّية -ككلّ شيءٍ حلال - إلى آخره.

أمّا الرفع فلأنّه بعد معلومية أنّه ليس رفعاً واقعياً ليكون إجراء الرفع في كلٍّ من الطرفين مؤدّياً إلى رفع الجامع واقعاً لا محالة، بل هو رفع ظاهريّ للتكليف المشكوك بعدم إيجاب الاحتياط من جهته، ولا أعني بذلك أنّ الرفع منصبّ ابتداءً على وجوب الاحتياط بحيث يكون هو المرفوع، بل الرفع متعلّق بالواقع ولكن لا في قبال وضعه الواقعي، بل في قبال وضعه الظاهري بإيجاب الاحتياط، فإنّ وضع التكليف المشكوك ظاهراً إنّما هو بجعل منجّزٍ له، كإيجاب الاحتياط، فرفعه ظاهراً المقابل لذلك الوضع يرجع إلى أنّ التكليف المشكوك لم يوضع في الظاهر


بجعل إيجاب الاحتياط، فمفاد البراءة الشرعية هو نفي الوضع الظاهري للواقع المشكوك.

وعليه ففي المقام مقتضى البراءة الشرعية عن وجوب الظهر هو عدم وضع هذا الوجوب بإيجاب الاحتياط، ومقتضى البراءة الشرعية عن وجوب الجمعة هو عدم وضع هذا الوجوب بإيجاب الاحتياط.فلو جرت البراءة وثبت الرفع في كلا الطرفين لكان معنى ذلك أنّ كلاًّ من الطرفين لم يوضع في مرتبة الظاهر بإيجاب الاحتياط.ومن المعلوم أن عدم وضع وجوب الجمعة ظاهراً وعدم الإلزام بها ظاهراً بعنوان الاحتياط، وعدم وضع وجوب الظهر كذلك ودم الإلزام بها ظاهراً لا ينافيان لزوم الجامع ووجوبه عقلاً.

وبتعبيرٍ أوضح : أنّ مفاد الرفع إن كان يرجع إلى الترخيص الظاهري في الارتكاب فيكون شأنه شأن قوله :( كلّ شيءٍ حلال ) وسوف نتكلّم عنه.

وإن كان يرجع إلى مجرّد نفي الوضع الظاهري والإلزام الظاهري فمن الواضح أنّ عدم الإلزام الظاهري بالجمعة وعدم الإلزام الظاهري بالظهر لا ينافيان حرمة المخالفة القطعية، ولا يقتضيان نفي الإلزام بالجامع بين الظهر والجمعة واثبات الترخيص في تركه.

وأمّا ما كان بعنوان الترخيص الظاهري من أدلّة البراءة فيمكن أن يقال : إنّ شموله لكلا الطرفين معناه الترخيص في ترك الظهر والترخيص في ترك الجمعة، وهذان الترخيصان إنّما يقتضيان المعذروية، وينفيان العقاب من جهة كلٍّ من التركين، لا من جهة ترك الجامع المتحقّق بالتركين معاً.

وأكبر شاهدٍ على ذلك أنّه لو فرض أنّ الوجوب الشرعي تعلّق واقعاً بالجامع بين الظهر والجمعة فإنّه حينئذٍ يكون ترك الظهر مرخَّصاً فيه بجميع حصصه، أي سواء كان منفرداً أو في حال انضمامه إلى ترك الجمعة، كما أنّ ترك


الجمعة مرخَّص فيه في حال انفراده وفي حال انضمامه إلى ترك الظهر، ولا يكون الترخيص في ترك الظهر والترخيص في ترك الجمعة كذلك منافيين للوجوب الشرعي المفروض تعلّقه بالجامع أصلاً، فكما لا يكون هذان الترخيصان الواقعيان منافيين للوجوب الشرعي المتعلّق بالجامع كذلك لا يكون الترخيصان الظاهريان في المقام منافيين للوجوب العقلي المتعلّق بالجامع.

وبتعبيرٍ أوضح : أنّ الوجوب الشرعي لو تعلّق بالجامع بين الظهر والجمعة حقيقةً فليس مرجعه إلى الإلزام بكلٍّ منهما في ظرف ترك الآخر بحيث يكون عبارةً عن إلزامين مشروطين، بل هو إلزام بالجامع فقط.وأمّا الظهر خاصّةً فليست متعلّقةً للإلزام حتى في ظرف ترك الجمعة، بل هي مباحة لا إلزام بها حتى في هذا الظرف، وإنّما الإلزام واقف على الجامع دائماً.

وعليه فالإباحة ثابتة لصلاة الظهر في جميع الأحوال والإلزام غير متعلّقٍ بها أصلاً، وكذلك صلاة الجمعة ؛ فإنّه لا إلزام بها حتى في ظرف ترك الظهر، وإذن فهي متعلّقة للإباحة في جميع أحوالها أيضاً.وعليه فقد اجتمع وجوب شرعيّ للجامع بين الظهر والجمعة مع الإباحة الواقعية للظهر في جميع أحوالها، وللجمعة في جميع أحوالها، ففي المقام أيضاً لا يكون إباحة كلٍّ من الفعلين بالإباحة المطلقة منافياً لوجوب الجامع بينهما وتنجّزه عقلاً.

وتمام المرام بيان أنّ ثبوت الإباحة المطلقة الظاهرية في كلٍّ من الطرفين اللذَين يعلم بوجوب أحدهما ليس معناه إذن الترخيص في ترك الجامع رأساً، وليس ملازماً لمعذوريته في ترك الجامع حتى ينافي حكم العقل بوجوب الإتيان بالجامع، وإلاّ لو كان ملازماً لذلك ومؤدّياً له لكانت الإباحة الواقعية الثابتة لكلٍّ فرد من أفراد الواجب الشرعي في جميع أحواله مؤدّيةً إلى الإذن في ترك الواجب رأساً.


ولا يمكن دعوى أنّه لا تثبت هناك الإباحة الواقعية لكلّ فردٍ في جميع أحواله، بل في ظرف وجود الفرد الآخر ؛ لوضوح أنّ نتيجة ذلك أنّ كلّ فردٍ في حال عدم وجود الفرد الآخر ليس مباحاً بل واجباً، وهو يقتضي الالتزام بوجوباتٍ مشروطةٍ بعدد الأفراد، بمعنى أنّ كلّ فردٍ يكون واجباً في ظرف عدم الآخر، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به بداهةً، فلا بدّ من الاعتراف بأنّ كلّ فردٍ من أفراد الواجب متعلّق للإباحة المطلقة حتى في ظرف عدم الآخر، إلاّ أنّ هذه الإباحات المطلقة لا تؤدّي إلى الإذن في ترك الواجب رأساً، فلتكن الإباحات المطلقة الظاهرية في المقام الثابتة للأطراف غير مؤدّيةٍ إلى الإذن في ترك الجامع أيضاً، وإذا لم تكن مؤدّيةً إلى ذلك فلا مانع من ثبوتها ؛ لعدم منافاتها حينئذٍ لِمَا يقتضيه المقدار المعلوم من الحركة.

فإن قلت : على هذا يثبت أنّ الترخيص الظاهري في ترك الجمعة والترخيص الظاهري في ترك الظهر إنّما يؤمِّنان من ناحية ذاتَي التَّرْكَين، لا من ناحية الجمع بين تركيهما الذي هو معنى ترك الجامع بينهما، وعليه فلو كانت عندنا شبهتان وجوبيّتان بدويّتان وثبت في كلٍّ منهما الإباحة المطلقة لم يكن ذلك كافياً لجواز ترك الجامع بين الفعلين رأساً.

قلت : نعم، لا يكفي الأصلان الجاريان في الشبهتين لذلك، بل لابدّ من إعمال الأصل لنفي وجوب نفس الجامع وإثبات حلّية تركه إن كان محتمل الوجوب.

وبما ذكرناه ظهر أنّه لو بني على كون العلم الإجمالي مستتبعاً لوجوب الموافقة القطعية عقلاً ولكن بنحو الاقتضاء لا بنحو العلّية - بمعنى مشروطية حكم العقل بذلك بعدم الترخيص الشرعي - لم يكن ذلك مجدياً أيضاً في إلزام المكلّف بالموافقة القطعية ؛ لِمَا عرفت من جريان الأُصول الشرعية المؤمّنة في الأطراف


الرافعة لموضوع حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية.

والمتحصّل : أنّ الوجوب الواقعي الموجود في البين لا يوجب إلاّ الإتيان بأحد الطرفين، ولا يصحِّح العقاب إلاّ على ترك الجامع رأساً باعتبار وصوله وصولاً إجمالياً.وأمّا الإباحة الظاهرية في كلّ من الطرفين بالخصوص - اللذَين أحدهما هو الواجب الواقعي - فهي لا تقتضي إلاّ عدم العقاب على ترك كلّ من الفعلين بالخصوص، ولا توجب المعذورية في ترك الجامع رأساً، فهي لا تزيد في أثرها على البراءة العقلية.

جريان الاستصحاب في جميع الأطراف :

وأمّا الثالث - وهو الاستصحاب - : فقد ظهر الكلام فيه ممّا مضى، فإنّ العلم الإجمالي، بالإلزام بعد أن كان لا يوجب إلاّ لزوم الإتيان بأحد الفعلين عقلاً واستحقاق العقاب على ترك الجامع بينهما رأساً فلا يكون منافياً لجريان استصحاب عدم الوجوب في كلٍّ من الطرفين ؛ لأنّ التعبّد الاستصحابي بعدم الوجوب في كلٍّ منهما إنّما يقتضي جواز تركه، لا جواز ترك الجامع رأساً، وجواز الجمع في الترك، وإلاّ لكانت الإباحات الواقعية المطلقة المتعلقة بأفراد الواجب الشرعي مقتضيةً للترخيص في ترك الواجب، كما عرفت مفصّلاً.

وبالجملة : الثابت بالعلم الإجمالي أنّ ترك الجامع بين الفعلين سبب وعلّة لاستحقاق العقاب عقلاً، والمؤمِّن الشرعي في جانب صلاة الجمعة - مثلاً، سواء كان براءةً أو استصحاباً - إنّما يوجب التأمين بمعنى عدم كون ترك صلاة الجمعة موجباً لاستحقاق العقاب : إمّا لحلّيتها كما هو مقتضى أصالة البراءة، أو للتعبّد بإحراز عدم وجوبها كما هو مقتضى الاستصحاب، فالذي يثبت بالمؤمِّن


بأيِّ لسانٍ كان إنّما هو عدم سببية ترك الجمعة لاستحقاق العقاب مطلقاً، حتى فيما لو وقع ترك الجمعة في ظرف ترك الظهر، فإنّ ترك الجمعة الواقع في هذا الظرف ليس منشأً للعقاب أيضاً ببركة الحكم بإباحتها، أو التعبّد الاستصحابي بعدم وجوبها، كما أنّ الحال في الظُهر ذلك أيضاً، بمعنى أنّ تركها ولو في ظرف ترك الجمعة لا يكون منشأً للعقاب ببركة الحكم بإباحتها أو التعبّد الاستصحابي بعدم وجوبها.

وإذن فلو اجتمع التركان فلا يكون ترك الجمعة مصحِّحاً للعقاب ؛ لأنّه ترك لفعلٍ مباحٍ ظاهراً، أو متعبّد بعدم وجوبه استصحاباً.كما أنّ ترك الظهر لا يكون مصحِّحاً للعقاب لعين الوجه، إلاّ أنّ ذلك لا ينافي أن يكون ترك الجامع بين الفعلين المتحقّق بالتركين معاً منشأ للعقاب ومصحِّحاً له بحكم العقل.

وبتعبيرٍ آخر : أنّ المجعول في باب الاستصحاب إمّا أن يكون هو الحكم المماثل للمؤدّى، أو الطريقية والكاشفية.

فعلى الأوّل : يكون استصحاب عدم وجوب الظهر، متكفّلاً للحكم بعدم الإلزام به المساوق للترخيص والإباحة، كما أنّ مرجع استصحاب عدم وجوب الجمعة إلى الترخيص والإباحة أيضاً، فتكون الجمعة مباحةً ظاهراً بقولٍ مطلقٍ إباحةً استصحابيةً ظاهرية، وكذلك الظهر، وقد عرفت سابقاً أنّ ثبوت الإباحة المطلقة لكلٍّ من الفردين لا ينافي لزوم الجامع، ولا يؤدّي إلى الإذن في تركه رأساً.

وأمّا على الثاني - أي لو كان المجعول هو الطريقية - فالأمر أوضح.

بيان ذلك : أنّ الطريقية الاعتبارية الشرعية عند من يلتزم بمجعوليتها يترتّب عليها ما يترتّب على الطريقية التكوينية من التنجيز والتعذير، فالانكشاف التعبّدي للإلزام يوجب خروجه عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وصحة


العقاب ؛ لأنّه عقاب مع وجود البيان على التكليف.كما أنّ الانكشاف التعبّدي لعدم الإلزام يوجب قبح العقاب بملاك قبح العقاب على مخالفة تكليفٍ مع قيام البيان على عدمه.

إذا اتّضح هذا نقول : إنّ معنى إجراء الاستصحابين في كلا الطرفين معاً هو انكشاف عدم وجوب الظهر تعبّداً، وانكشاف عدم وجوب الجمعة تعبّداً أيضاً، ومن الواضح أنّ هذين الانكشافين لا يسريان من موضوعيهما التفصيليّين إلى الجامع، بمعنى أنّ المنكشف عدمه بهما هو هذا الطرف بعينه، وذاك الطرف [ كذلك ]، لا الجامع المنكشف بالصورة العلمية الإجمالية، وإذن فلا يسري العلم الإجمالي إلى الواقع، ولا الإحراز التعبّدي الاستصحابي في كلٍّ من الطرفين يسري إلى المقدار المنكشف بالصورة الإجمالية.

وحينئذٍ فإذا جرى الاستصحاب في كلّ من الطرفين وأحرزنا تعبّداً ببركة الاستصحاب عدم وجوب الجمعة كما أحرزنا عدم وجوب الظهر فالمقدار المنكشف بالاستصحابين تعبّداً هو عدم وجود هذا الوجوب، وعدم وجود ذاك الوجوب، لا عدم الجامع، فلنا أمران قد انكشف عدمهما تعبّداً، وهما : وجوب الظهر، ووجوب الجمعة، وأمر قد انكشف وجوده بالصورة العلمية الإجمالية وجداناً وهو أصل الإلزام، وهذا المقدار المنكشف وجداناً من الإلزام إنّما يوجب تنجّز الجامع بين الفعلين ووجوب الإتيان به عقلاً، بمعنى إدراك العقل واستقلاله بأنّ ترك الجامع مصحِّح للعقاب وسبب له، فلا بدّ حينئذٍ أن نرى أنّ ذينك الانكشافين الاستصحابيّين التعبّديّين لعدم وجوب الظهر وعم وجوب الجمعة هل ينافيان هذا المقدار من التنجّز حتى يمتنع جريانهما، أوْ لا ؟

ومن الواضح ممّا بيّناه هو عدم المنافاة ؛ وذلك لأنّ الانكشاف التعبّدي


الاستصحابي لعدم وجوب الجمعة يؤثّر عقلاً في جعل العقاب على ترك الجمعة قبيحاً ؛ لأنّه عقاب على ترك أمرٍ مع قيام البيان على عدم التكليف به، فما يوجبه هو أنّ ترك الجمعة ليس سبباً للعقاب أصلاً.

كما أنّ الانكشاف الاستصحابي لعدم وجوب الظهر يؤثّر عقلاً في جعل العقاب على ترك الظهر قبيحاً بعين الوجه، فما يوجبه هو أنّ ترك الظهر ليس سبباً للمؤاخذة.

وإذن فنتيجة الاستصحابين عقلاً هي : أنّ ترك الجمعة ليس سبباً للعقاب، وأنّ ترك الظهر ليس سبباً له، ومن المعلوم أنّ هذه النتيجة لا تنافي ما يستوجبه العلم الإجمالي من تنجّز الجامع وكون تركه سبباً للعقاب، فإنّ عدم سببية كلٍّ من التركين لا يقتضي نفي كون ترك الجامع سبباً.

وإذن فعندنا تروك ثلاثة :

أحدها : ترك الجامع، وهو يصحّ العقاب عليه ؛ لأنّه عقاب على ترك شيءٍ كان هناك مقتضٍ للحركة على طبقه، إذ المفروض أنّ المقدار الواصل من الإلزام إجمالاً يقتضي الإتيان بالجامع، فتركه ترك لِمَا لَه مقتضٍ فيصير سبباً للعقاب.

وثانيها : ترك الظهر، وهو ليس سبباً للعقاب، ولا يصحّ العقاب عليه ؛ لأنّه ترك لفعلٍ لم يكن له مقتضٍ، بل قد قام البيان على عدم وجوبه.

كما أنّ ترك الجمعة يكون تركاً لفعلٍ قد قام البيان الاستصحابي على عدم وجوبه.

وعليه فترك الجامع يندرج في قاعدة صحّة العقاب مع البيان وتمامية المقتضي، وترك الظهر وترك الجمعة يندرجان في قاعدة قبح العقاب مع بيان العدم ولو بياناً تعبّدياً.

فاتّضح : أنّ توهّم المعارضة بين الاستصحابين مبنيّ إمّا على تخيّل أنّ


مرجع الانكشافين التعبّديّين إلى الانكشاف التعبّدي لعدم أصل الإلزام رأساً الموجب لعدم لزوم الإتيان بالجامع أصلاً، وهو غير معقول ؛ لاستقلال العقل بلزوم الإتيان به.أو تخيّل أنّ الانكشافين المزبورين وإن لم يكن مرجعهما إلى انكشاف عدم جامع الإلزام إلاّ أنّهما يقتضيان عدم صحة العقاب [ لا ] على ترك الظهر ولو في ظرف اجتماعه مع ترك الجمعة، ولا على ترك الجمعة ولو في ظرف اجتماعه مع ترك الظهر، وهذا يؤدّي إلى عدم صحة العقاب في مورد اجتماع التركين معاً.

وكلا التخيّلين مدفوع - كما عرفت - بما لا مزيد عليه.

أمّا الأوّل فلأنّ الانكشافين التعبّديّين لا يسريان إلى المقدار المنكشف بالصورة العلمية الإجمالية، نعم، لو كان انكشافين حقيقيّين لكانا ملازمين للعلم بعدم أصل الإلزام.

والحاصل : أنّ المعلوم الوجداني هو الجامع بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة، بمعنى أنّ طبيعيّ الوجوب الجامع بين الوجوبين هو المعلوم، والانكشاف التعبّدي لعدم هذا الوجوب بخصوصه والانكشاف التعبّدي لعدم ذاك الوجوب بخصوصه ليسا انكشافاً لعدم الجامع بين الوجوبين، وإلاّ لكان استصحاب عدم الفرد الطويل حاكماً على استصحاب الكلّي في القسم الثاني، مع أنّهم لا يقولون بالحكومة، وليس ذلك إلاّ لأنّ استصحاب عدم الفرد الطويل لا يثبت به عدم الكلّي حتى يكون مُلغياً للشكّ في الكلّي وحاكماً على استصحابه، فإنّه لو كان يثبت عدم الكلّي باستصحاب عدم الفرد الطويل لتمّت الحكومة، وكان استصحاب عدم الفرد رافعاً لموضوع استصحاب الكلّي ومقتضياً لإحراز عدمه وارتفاع الشكّ في بقائه.

فاتّضح بهذا : أنّ محطّ الانشكاف التعبّدي الثابت بدليله إذا كان هو عدم


الفرد فلا يسري إلى عدم طبيعيّ الوجوب الجامع بين الوجوبين، كما لا يسري الانكشاف التعبّدي لعدم ( الفيل ) إلى الانكشاف التعبّدي لعدم( طبيعيّ الحيوان ) في موارد القسم الثاني من استصحاب الكلّي.

وتتمّة الكلام في هذه الجهة وتحقيقها إثباتاً ونفياً في مباحث الاستصحاب، وإنّما نتكلّم هنا على المباني المفروغ عنها.

وأمّا الثاني : فلأنّ عدم صحة العقاب على كلٍّ من التركين، ولو في فرض اجتماعه مع الترك الآخر، لا ينافي صحة العقاب على ترك الجامع في هذا الفرض ؛ لأنّه ترك لأمرٍ كان له مقتضٍ دون كلٍّ من التركين بخصوصه، فافهم واغتنم.

وإذا شئت قلت : أنّ الانكشاف التعبّدي لا يزيد على الانكشاف الوجداني التفصيلي من حيث أثره، وقد عرفت سابقاً أنّ كلّ فردٍ من أفراد الواجب يعلم تفصيلاً بعدم وجوبه في جميع أحواله، ولا تؤدّي هذه العلوم التفصيلية هناك إلى تجويز ترك الواجب رأساً ومخالفة ما يستقلّ به من لزوم الإتيان، فكذلك في المقام لا تزيد الانكشافات التعبّدية على تلك الانكشافات، فلا تؤدّي إلى ترك الجامع رأساً وعدم المعاقبة عليه، وليست أيضاً مستلزمةً لانكشاف عدم الجامع رأساً ؛ لأنّ الانكشافات الوجدانية لأعدام الأفراد تستلزم الانكشاف الوجداني لعدم جامعها، دون الانكشافات التعبّدية لدورانها مدار مقدار التعبّد بها.

هذا كلّه ما وصل إليه الذهن القاصر لتحقيق مقام الثبوت.

وأمّا مقام الإثبات - بمعنى أنّ دليل الأصل هل له إطلاق يقتضي الشمول لجميع الأطراف، أوْ لا ؟ - فنتكلّم في اقتضاء دليل كلّ أصلٍ في البحث المخصَّص له.


جريان الأصول النافية في بعض الأطراف

أمّا المقام الثاني - وهو جريان الأصل في بعض الأطراف - فلا موضوع له، بعدما عرفت من جريان الأصول في تمام الأطراف فضلاً عن بعضها، فلا بدّ أن نفرض في المقام الالتزام بما التزم به الكلّ من عدم إمكان جريانها في جميع الأطراف بنحو التعيين، فهل تجري في البعض، أوْ لا ؟

والكلام في المقام لا بدّ أن يكون بعد الفراغ عن أنّ المحذور في جريانها في تمام الأطراف هو لزوم المخالفة القطعية، وأنّ العلم الإجمالي ليس علّةً لوجوب الموافقة القطعية، وإلاّ فلا إشكال في امتناع جريان الأصل ولو في بعض الأطراف.

وعليه فنقول : إنّ جريانها في البعض المعيَّن من الأطراف وإن كان معقولاً على غير مبنى العلّية من المباني إلاّ أنّه بلا موجبٍ بحسب مقام الإثبات أصلاً، إذ بعد فرض عدم إمكان شمول دليل الأصل لكلٍّ من الطرفين واستواء نسبتهما إليه يكون تعيّن أحدهما للشمول والآخر للسقوط ترجيحاً بلا مرجّح، وإذن فيتمحّض الكلام في أنّه هل يمكن جريانها في جميع الأطراف ولكن بنحو التخيير لا بنحو التعيين المفروض استلزامه للمخالفة القطعية، أو أنّه لا يمكن الالتزام بالتخيير في المقام ؟

نظريّة القول بالتخيير في أطراف العلم الإجمالي :

وقد وُجِّه التخيير بوجوه :

أوَّلها وأهمّها : تقييد الأصل في كلٍّ من الطرفين بترك الآخر، ففيما إذا علم


إجمالاً بحرمة أحد فعلين يكون كلّ منهما مجرىً للإباحة المشروطة بالاجتناب عن الآخر، ويندفع بذلك المحذور لعدم أداء الإباحتين المشروطتين كذلك إلى المخالفة القطعية.

وملخّص الوجه فيه : أنّ الأمر دائر بين إخراج الطرفين بالكلّية عن عموم الأصل، أو تقييد إطلاقه لسائر أحوال كلٍّ من الطرفين بالكلّية عن عموم الأصل، أو تقييد إطلاقه لسائر أحوال كلٍّ من الطرفين بخصوص حال ترك الآخر، وحيث يندفع به المحذور فلا موجب للالتزام بأكثر من ذلك.

أجوبة الأصحاب عن نظريّة التخيير :

وقد أجيب عنه بوجوه :

الأوّل : ما أفاده المحقّق النائينيقدس‌سره (١) من أنّ جعل الترخيص لكلٍّ منهما مقيَّداً بترك الآخر غير معقول ؛ لاستحالة الإطلاق الموجبة لاستحالة التقييد ؛ لأنّ التقابل بينهما تقابل الدم والملكة.

ويرد عليه - على تقدير تسليم أنّ التقابل كذلك وأنّه يشترط فيه القابلية الشخصية - : أنّ جعل الترخيص في كلٍّ من الطرفين في نفسه بنحوٍ مطلقٍ أمر معقول، فيكون التقييد معقولاً أيضاً، وإنّما الممتنع جعل الترخيص المطلق في طرفٍ في ظرف الترخيص المطلق في الطرف الآخر ؛ لأدائه إلى المخالفة القطعية.

فإن قلت : إذا كان الإطلاق في كلٍّ من الترخيصين المقارن للتقييد في الترخيص الآخر محالاً، فيكون التقييد في كلٍّ من الترخيصين المقارن للتقييد في الترخيص الآخر محالاً أيضاً ؛ لأنّه مقابله.

قلت : إنّ المقابل للإطلاق حال الإطلاق هو التقييد حال الإطلاق ،

____________________

(١) أجود التقريرات ٢ : ٢٤٤ - ٢٤٥.


لا التقييد حال التقييد، إذ لا بدّ من حفظ الموضوع الواحد في كلٍّ منهما، فإذا استحال الإطلاق في طرفٍ حال إطلاق الترخيص في طرفٍ آخر امتنع التقييد حال الإطلاق في الطرف الآخر، لا التقييد حال التقييد.

فإن قلت : إنّ التقييد حال الإطلاق إذا صار مستحيلاً فالإطلاق حال التقييد مستحيل أيضاً ؛ لأنّ المقيَّد بالمحال محالٌ، وحينئذٍ يكون مقابله محالاً أيضاً، وهو التقييد حال التقييد.

قلت : إنّ استحالة التقييد حال الإطلاق لا توجب استحالة الإطلاق المقارن للتقييد، وكون المقيَّد بالمحال محالاً مسامحةً مرجعها إلى محاليّة اللازم وما أخذ قيداً دون نفس المقيّد.

فاتّضح : أنّ طبيعيّ الإطلاق في الترخيص في كلّ طرفٍ في نفسه ليس محالاً ليكون مقابله محالاً أيضاً، بل المحال حصّة خاصّة منه، وهي الإطلاق حال إطلاق الترخيص في الطرف الآخر أيضاً.

الثاني : ما ذكره سيدنا الأستاذ(١) من : أنّ المحذور حاصل، وهو الجمع في الترخيص وإن لم يلزم الترخيص في الجمع، فإنّ مقتضى الترخيصات المشروطة المدّعاة الترخيص القطعي في مخالفة الواقع الواصل، وهذا ممّا يأباه العقل، وإن لم يؤدِّ إلى وقوع المخالفة القطعية خارجاً مرخّصاً فيها، فالعلم الإجمالي علّة لاستحالة الترخيص القطعي في مخالفة الواقع، لا استحالة الترخيص في المخالفة القطعية.

وما يختلج في النظر القاصر في المقام أنّه : إمّا أن يكون المحذور في الترخيصات المشروطة المزبورة هو صيرورتها فعليةً عند تحقّق شرطها الموجب

____________________

(١) مصباح الأصول ٢ : ٣٥٥.


للترخيص الفعلي القطعي في مخالفة الواقع، فإنّ المكلف عند تركه لكلا الطرفين معاً يكون كلا الترخيصين فعلياً [ له ]، وأحدهما ترخيص في مخالفة الواقع قطعاً، وهو معنى الترخيص القطعي في ذلك.

وإمّا أن يكون المحذور في مجرّد ثبوتها ولو مشروطةً، بحيث لو فرض امتناع اجتماعهما في الفعلية لكانَ ذات محذورٍ أيضاً، بدعوى أنّ الترخيص القطعي في مخالفة الواقع ولو مشروطاً ممتنع عند العقل، وإن لم يكن منافياً لحرمة المخالفة القطعية وما ينجّزه العلم الإجمالي من الحركة.

فعلى الأوّل - أي إذا قلنا : إنّ المحذور ليس في ثبوت الترخيص في كلٍّ من الطرفين مشروطاً، بل لا مانع من الجمع بين الترخيصات المشروطة، وإنّما المحذور في أنّ هذين الترخيصين المفروضين يمكن تحقّق الشرط لكلٍّ منهما فيكونان فعليّين، وحينئذٍ يتحقّق المحذور وهو الترخيص الفعلي القطعي في الحرام - فنقول : إنّه يمكن جعل الترخيصات المشروطة بنحوٍ من الاشتراط والتقيّد، بحيث يستحيل اجتماعهما في الفعلية وتحقّق الشرط لكلٍّ منها، وذلك فيما إذا فرضنا العلم الإجمالي ذا أطرافٍ ثلاثة، كما إذا علم بحرمة أحد أفعالٍ ثلاثةٍ فإنّه يمكن أن نلتزم في هذا الفرض بثبوت الترخيص في كلّ واحدٍ منها، ولكن مشروطاً بارتكاب أحد الأمرين الآخرين وترك الآخر، ومن المعلوم أنّه لا يعقل تحقّق الشرط للترخيصات الثلاثة جميعاً لتكون فعلية، كما يظهر بأدنى تأمل، فالترخيصات المشروطة بالنحو المزبور - أي المقيّدة بفعل واحدٍ وترك الآخر - لا يعقل فعلية أكثر من اثنين منها، فلم يلزم الترخيص الفعلي القطعي في مخالفة الواقع.

لا يقال : إنّه إذا كان قد أخذ في موضوع كلٍّ من الترخيصات ارتكاب أحد الأطراف فلا بدّ من فرض مجوّزٍ ومؤمِّنٍ للمكلف يعتمد عليه في اقتحامه لأحد


الأطراف مع قطع النظر عن الترخيصات المزبورة، ليتحقّق بعد ذلك موضوع الترخيص بالإضافة إلى طرفٍ آخر.

لأنّه يقال : إنّه لا يلزم استناد المكلّف إلى مؤمِّنٍ خارجي، ضرورة أنّ المكلف يعلم بأنّه إذا أتى بفعلين وترك الثالث فلا شيء عليه ببركة تلك الترخيصات المشروطة، إذ يكون كلّ من الارتكابين محقِّقاً لشرط الترخيص في الارتكاب الآخر، فلا محالة مع علمه هذا تنقدح في نفسه الإرادة إلى ارتكاب فعلين، من دون حاجةٍ إلى مؤمِّنٍ آخر غير نفس الترخيصات المفروضة.

على أنّه لو سلِّم أنّها لا تؤمِّن من ناحية أحد الارتكابين نفرض أنّ المكلّف ارتكب أحد الأطراف أوّلاً بلا استنادٍ إلى مؤمِّن، فمقتضى الترخيصات المزبورة جواز الإتيان بأحد الطرفين الآخرين، بحيث لو كان الواقع منطبقاً عليه لَما عوقِب على عصيانه لاستناده إلى المؤمّن.

هذا كلّه لو فرض أنّ المحذور في الترخيص الفعلي القطعي في مخالفة الواقع.

وأمّا إذا قيل بأنّ المحذور إنّما هو في الترخيص القطعي في الحرام ولو مشروطاً فالنقض المزبور لا يرد، كما هو واضح، إذ الترخيص المشروط في مخالفة الواقع ثابت جزماً فيه أيضاً، إلاّ أنّ مقتضى ذلك أنّه لو علم إجمالاً بنجاسة مائعٍ أو ماءٍ، وكان الماء مجرىً للاستصحاب في نفسه، والمائع مجرىً لأصالة الطهارة فقط، أن يجري استصحاب الطهارة في الماء بلا معارض، مع أنّه لا يلتزم به أحد، إذ الأساطين بين من يقول بسقوط الاستصحاب والقاعدة معاً في طرف الماء بالمعارضة(١) ، وبين من يقول بسقوط الاستصحاب بالمعارضة وجريان

____________________

(١) منهم المحقّق النائيني في فوائد الأصول ٤ : ٤٨.


الأصل الطولي وهو أصالة الطهارة في الماء(١) ، وأمّا جريان الاستصحاب في الماء بلا معارض، فهو ممّا لم يلتزم به.

وتوضيح لزوم هذا المعنى يأتي قريباً في التنبيه الأوّل من تنبيهات المسألة، فانتظر.

وأيضاً يلزم على هذا - أي على الالتزام بأنّ المحذور في الترخيص في الحرام ولو مشروطاً، بحيث [ إنّ ] مجرّد الجمع بين الترخيصات المشروطة يكون محالاً - أنّ العلم الإجمالي إذا اضطرّ إلى أحد طرفيه لا بعينه يسقط عن التنجيز رأساً ؛ حتى بالإضافة إلى حرمة المخالفة القطعية.

وسيأتي بيان لزوم ذلك في التنبيه المعدِّ للبحث عن الاضطرار إلى أحد الأطراف مفصّلاً، إلاّ أنّه حيث إنّ هذا التنبيه ليس في هذا الجزء فنشير هنا إجمالاً إلى لزوم هذا المعنى.

فنقول : إنّه لا إشكال عند الاضطرار إلى أحد الطرفين - لا بعينه - في ترخيص الشارع في تطبيق ما اضطرّ إليه، وهو الجامع بين الطرفين على أيٍّ منهما.

وإن شئت قلت : إنّ المضطرَّ إليه هو الوجود الأوّل منهما، لا الوجود الثاني ؛ لاندفاع الاضطرار بالأوّل، فالشارع لا محالة يرخِّص في الوجود الأوّل القابل الانطباق على كلٍّ من الطرفين بنحو التبادل، وهو يستدعي الترخيص في تطبيق هذا الوجود الأوّل على أيٍّ من الطرفين، ومعنى هذا ثبوت الترخيص في كلّ طرفٍ مشروطاً بأن يوجد أوّلاً.

فتحصّل عندنا ترخيصات شرعية بعدد الأطراف، إلاّ أنّها مشروطة بعنوان الأوّلية، وهذه الترخيصات يستحيل فعليتها جميعاً في عرضٍ واحد ؛ لأنّ عنوان

____________________

(١) منهم المحقّق العراقي في نهاية الأفكار ٣ : ٣٢٠ - ٣٢١.


الأوّلية إنّما يثبت لأحدها، ولا يعقل ثبوتها للجميع، إلاّ أنّ المحذور - بحسب الفرض - لا يختصّ بالترخيص الفعلي في الحرام، بل يشمل الترخيص القطعي فيه ولو مشروطاً، فقهراً تكون الترخيصات المشروطة المفروضة في مورد الاضطرار إلى أحد الأطراف - لا بعينه - منافيةً للواقع الواصل، حيث إنّ مقتضاها الترخيص القطعي في الحرام ولو مشروطاً بعنوان الأوّلية، فلا بدّ من الالتزام بسقوط التكليف الواقعي رأساً ؛ لئلاً يكون منافياً للترخيصات المشروطة الثابتة سبب الاضطرار قطعاً، ومع سقوطه ينحلّ العلم الإجمالي ويسقط عن التأثير بالمرَّة.

فاتّضح : أنّ جعل المحذور الترخيص القطعي الفعلي في الحرام الواقعي لا يدفع شبهة التخيير في بعض الموارد، وجعل المحذور الترخيص القطعي في الحرام ولو مشروطاً وإن اندفعت به شبهة التخيير في سائر الموارد إلاّ أنّه يترتّب على ذلك أمور لا نلتزم بها.

الثالث من الأجوبة لبعض مشايخنا المحقّقين(١) من : أنّ التقييدات التي يندفع بها المحذور لا تنحصر في تقييد كلٍّ من الترخيصين بترك الآخر، بل يمكن تقييد الترخيص في كلٍّ من الطرفين بأن يكون سابقاً أو مسبوقاً بالآخر، فإنّ الترخيص في كلٍّ من الطرفين - سواء كان سابقاً أو مسبوقاً - وإن كان محالاً إلاّ أنّ ثبوته مقيَّداً بأحد الأمرين من السابقيّة والمسبوقية لا محذور فيه، ولا مرجّح للتقييد المدّعى عليه.

وأجاب عنه : بأنّ العلم الإجمالي بخروج كلٍّ من الوجود الأوّل لكلٍّ منهما، أو الوجود الثاني لكلٍّ منهما موجب لعدم شمول العامّ للوجود الأوّل أو الثاني لكلٍّ منهما، وأمّا الوجود الوحداني لكلٍّ منهما فلا علم إجمالاً بخروجه، وليس طرفاً

____________________

(١) لم نعثر عليه.


لعلمٍ إجماليٍّ بالخروج أصلاً.

الرابع : ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين(١) أيضاً من : أنّ تقريب الشبهة مبنيّ على أن يكون لدليل الأصل عموم للأفراد، وإطلاق باعتبار حالاتها، وحينئذٍ يقال : إنّ التحفّظ على أصالة العموم لازم لعدم العلم بالتخصيص بعد اندفاع المحذور بالتقييد، إلاّ أنّ دليل الأصل ليس كذلك، فإنّ حِصص شرب كلٍّ من الطرفين ثابتة بنفس عموم قوله : ( كلّ شيءٍ حلال ) ؛ لأنّ كلّ حصةٍ منها فعل مشكوك الحرمة، فالتخصيص في عمومه معلوم على كلّ حال، وكما يندفع المحذور بما ذكر في شبهة التخيير كذلك يندفع بتخصيص العموم بأحد الشربين رأساً.

ودَفعه بما سبق أيضاً، من : أنّه لو فرض ثبوت الحصص بالعموم نقول : إنّ كلّ حصّةٍ من تلك الحصص طرف للعلم الإجمالي بالخروج والتخصيص، إلاّ الشرب المقارن لترك الآخر فإنّه ليس معلوم الخروج لا تفصيلاً ولا إجمالاً، فيؤخذ بالعام بالإضافة إليه.

الردّ المختار على نظريّة التخيير :

الخامس : ما هو التحقيق في النظر القاصر في مقام الجواب، وهو متوقّف على مقدِّمةٍ نشير إليها هنا إجمالاً، وتفصيلها في محلّه، وهي : أنّ القضية الحينية غير معقولة، فإنّ الحكم يمتنع أن يكون ثابتاً لذات حصّةٍ خاصّةٍ مع خروج كلٍّ من القيد والتقيّد عن موضوعه، بل فرض خروجها كذلك وإلغاء الموضوع عنها هو فرض إطلاقه وعدم اختصاصه بالحصّة الخاصّة.وقد فصّلنا هذا في مباحث القطع

____________________

(١) لم نعثر عليه.


من هذا الكتاب، وبيّنّا الوجه في بطلان القضية الحينية تبعاً لسيّدنا الأُستاذ(١) ، فإنّه ذهب إلى ذلك، وإلى أنّه لا واسطة بين الإطلاق والتقييد، بل الشيء إمّا مطلق، أو مقيّد، ولأجل امتناعها ذهب المحقّق الدواني(٢) إلى رجوع لوازم الماهية كلّها إلى لوازم الوجود على ما نسب إليه، ولم يتصوّر كون اللازم لازماً للماهية حين الوجود بحيث لا يكون الوجود مأخوذاً في الملزوم بوجهٍ أصلاً.

والحاصل : أنّنا نتكلّم على هذا المبنى، فنقول : إنّه تارةً يتكلّم فيما إذا علم إجمالاً بحرمة أحد الفعلين، وأخرى فيما إذا علم بوجوب أحدهما، وملاك الجواب وإن كان واحداً إلاّ أنّ التعبير عنه مختلف.

أمّا في الأوّل - كما إذا علم بحرمة شرب أحد المائعين - فمقتضى شبهة التخيير إجراء أصالة الحلّية في كلٍّ من الشُربَين بنحوٍ مخصوص.

وحينئذٍ نسأل : أنّ هذه الحلّية الظاهرية الثابتة لكلٍّ من الشربين بنحوٍ مخصوصٍ : إمّا أن يكون موضوعها هو الشرب بجميع حصصه، أي طبيعيّ شرب المائع المزبور الجامع بين شربه الواقع في عرض شرب الآخر، أو شربه الواقع في حال اجتناب الآخر.وإمّا أن يكون موضوع الحلّية الشرب المقيّد بترك الآخر بحيث تكون هذه الحصّة الخاصّة محكومةً بالحلّية الظاهرية.

والثاني غير معقول ؛ لأنّ الشرب الخاصّ المقيّد بترك الآخر ليس مشكوك الحرمة حتى تشمله الحلّية المجعولة في دليلها على عنوان المشكوك ؛ لأنّ المحتمل إنّما هو حرمة كلّيّ الشرب، لاحصصه وأفراده بما أنّها أفراد وحصص خاصّة، إذ الإطلاق إنّما هو رفض القيود، لا الجمع بينها، فمعنى ثبوت الحرمة

____________________

(١) محاضرات ٥ : ٣٦٤.

(٢) نهاية الحكمة : ١٢.


لجميع الحصص المتصوّرة لشرب المائع هو ثبوتها لطبيعيّ الشرب الملغى عنه خصوصيات الحصص من كونها واقعةً في ظرف الاجتناب عن الطرف الآخر، أو في ظرف ارتكابه، وغير ذلك من خصوصيات الأفراد.

وحينئذٍ فالمكلّف إذا علم بخمرية أحد المائعين فهو إنّما يحتمل حرمة أصل شرب كلٍّ من المائعين، ولا يحتمل أن يكون الشرب المقيّد بترك الآخر بما أنّه شرب مقيّد حرام حتى يحكم بالحلّية الظاهرية.وإذن فلا يمكن الالتزام بثبوت الحلّية الظاهرية للشرب ؛ المقيّد في كلٍّ من الطرفين، بل لا بدّ من الالتزام بثبوتها لطبيعي الشرب لأنّه هو المحتمل حرمته.

وحينئذ نسأل : أنّ هذه الحلّية الظاهرية الثابتة لطبيعيّ الشرب في كلٍّ من الطرفين هل هي حلّية مطلقة، أو مقيّدة بظرف الاجتناب عن الطرف الآخر ؟

والأوّل - أي أن تكون حلّيةً مطلقةً في كلٍّ من الطرفين - : غير معقول ؛ لأنّه خلف دعوى التخيير، ويؤدّي إلى المخالفة القطعية.

والثاني - أي أن تكون حلّيةً مقيّدةً بترك الآخر - : غير معقولٍ أيضاً ؛ وذلك لأنّ المفروض أنّ موضوعها هو طبيعيّ الشرب الجامع بين الشرب الواقع حال ترك الآخر والواقع حال اقتحامه، ومع سعة الموضوع وإطلاقه يمتنع أن تكون الحلّية الظاهرية مقيّدةً بظرف ترك الآخر ؛ لوضوح أنّها لو كانت مقيّدةً بظرف ترك الآخر لاستحال تعلقّها بطبيعيّ الشرب الشامل للشرب حال فعل الآخر، إذ يستحيل أن تكون مؤمِّنةً للمكلف من ناحية الشرب الواقع في غير ظرفها.

والحاصل : أنّ الحلّية الظاهرية إنّما جعلت بداعي التأمين، ومن المعلوم أنّها إنّما تؤمِّن في ظرف ثبوتها، فإذا فرضنا أنّ ثبوتها مختصّ بصورة ترك الآخر خاصّةً ومع عدم كونها مؤمِّنةً عنه يستحيل شمولها له ولو بالإطلاق.

وإن شئت قلت : إنّ موضوع الحلّية الظاهرية إنّما يعقل إطلاقه لكلِّ حصّةٍ


يمكن أن تكون الحلّية المزبورة مؤمِّنةً من ناحيتها في ظرف وقوعها، وأمّا الحصّة التي لا تكون كذلك فلا يعقل إطلاق موضوع الحلّية الظاهرية لها ؛ لِلَغويته، فإذا فرض أنّ الحلّية مقيّدة بظرف ترك الآخر فلا تؤمِّن من ناحية الشرب الواقع في حال ارتكاب الآخر، فيكون إطلاق موضوعها لهذه الحصّة من الشرب مستحيلاً.وإذن فالصور كلّها مستحيلة.

وبالجملة : لدينا صور ثلاث :

أحدها : تعلّق الحلّية الظاهرية المطلقة بمطلق الشرب الجامع بين الحصص.

ثانيها : تعلّق الحلّية الظاهرية المختصّة بظرف ترك الآخر، بمطلق الشرب الشامل للشرب حال ارتكاب الآخر.

ثالثها : تعلّق الحلّية بالشرب المقيّد بحال ترك الآخر.

وكلّها ممتنع.

أمّاالأوّل فلأدائه إلى المخالفة القطعية، ومخالفته لفرض التخيير.

وأمّاالثاني فلأنّ الحلّية المقيّدة بظرفٍ لا يمكن أن تتعلّق بطبيعيّ الشرب غير المقيّد بذلك الظرف بحيث يشمل الشرب الواقع في غير ظرف الحلّية ؛ لأنّها لا تؤمِّن إلاّ من ناحية ما يقع في ظرفها.

وأمّاالثالث فهو وإن كان معقولاً في نفسه إلاّ أنّه لا يمكن أن يثبت بدليل أصالة الحلّية الذي أخذ في موضوعه الشكّ في الحرمة ؛ لوضوح أنّ الشرب المقيّد بترك الآخر بما أنّه كذلك غير محتمل الحرمة.

وعلى هذا فإن شئت قلت : إنّ التقييد إنّما يُلتزم به في الموارد التي يكون الإطلاق فيها ذا محذورٍ إذا لم يكن هذا التقييد موجباً لخروج المورد عن المصداقية والفردية لموضوع العام، وإلاّ فاستحالة الإطلاق حينئذٍ ملازمة لعدم شمول العام له رأساً، كما في المقام، إذ أنّ تقييد الفعل بترك الآخر يخرجه عن كونه


مشكوك الحرمة، فلا ينطبق عليه عنوان المشكوك الذي أخذ في موضوع العام.

نعم، لو قام دليل خاصّ على حلّية الشرب المقيّد ولم يكن قد أخذ في موضوعه الشكّ أخذ به في المقام بلا محذور، إلاّ أنّه ليس هناك مثل هذا الدليل الخاصّ.

فإن قلت : إنّ التقييد بترك الآخر يؤخذ في طول الشكّ، بمعنى أنّ طبيعيّ الشرب المشكوك الحرمة يقيّد بترك الآخر، فتقييد طبيعيّ الشرب بحال ترك الآخر يكون في طول فرض مشكوكيّته وتقيّده بالشكّ، فلا يعقل أن يكون التقييد المأخوذ في طول مشكوكية المائع مؤثّراً في رفع مشكوكيّته.

قلت : إنّ التقييد بترك الآخر وإن كان في طول التقيّد بالشكّ فرضاً، إلاّ أنّ هذا الشكّ المأخوذ والثابت للشرب في المرتبة السابقة على تقييده بترك الآخر إنّما يوجب كون متعلّقه بما هو - أي الطبيعي - مصداقاً لموضوع أدلة البراءة والحلّية، والمفروض أنّ الموضوع الذي يراد إثبات حلّيته ليس هو الطبيعيّ المتعلّق به الشكّ في الحرمة، بل هو بعد تقييده بحال ترك الآخر، فنحتاج في شمول دليل الحلّية إلى شكٍّ آخر يكون متعلّقاً بالمشكوك بعد تقييده بهذا القيد، ومن المعلوم أنّ المشكوك المقيّد بترك الآخر ليس محتمل الحرمة واقعاً بما أنّه مقيّد بهذا القيد.

والحاصل : أنّ كلّ شكٍّ إنّما يصحّ ثبوت الحلّية بالإضافة إلى متعلّقه، لا بالإضافة إلى متعلّقه بعد أن يقيَّد بقيدٍ يخرجه عن كونه مشكوكاً، فالشكّ في ثبوت الحرمة لطبيعيّ الشرب واقعاً يصحّح شمول دليل أصالة الحلِّ لهذا الطبيعي، لا لَه بعد تقييده بترك الآخر، إذ أنّه بما هو مقيَّد ليس بمشكوك الحرمة، فتدبّره فإنّه دقيق.

فإن قلت : إنّنا نختار كون نفس الحلّية مقيَّدةً بترك الآخر، وموضوعها


حينئذٍ وإن كان قهراً يتقيّد بترك الآخر - لاستحالة تعلّق الحلّية المقيّدة بترك الآخر بالشرب المطلق غير المقيّد - إلاّ أنّ هذا التقييد في الموضوع الناشئ من جهة الحكم وتقيّده، والموجب لخروج الموضوع عن المشكوكية لا ينافي مشكوكيته في مرتبة موضوعيّته التي هي المرتبة السابقة على لحوق الحلّية له.

وبعبارةٍ أخرى : أنّ الموضوع لا بدّ أن يكون مشكوكاً في نفسه مع قطع النظر عن الحلّية الثابتة له، وما تستلزمه من تقيّده بصورة ترك الآخر.

قلت : إنّ تقييد الحكم بظرف ترك الآخر ليس سبباً في مقام الواقع والجعل لتقيّد الموضوع، بحيث إنّ تقيّد الموضوع ينشأ حقيقةً من تقيّد الحكم حتى يقال : إنّ ما ينشأ من قبل الحكم لا يضرّ بموضوعية الموضوع، بل هو كاشف عن تقيّد الموضوع في المرتبة السابقة واستحالة إطلاقه في هذه المرتبة.

فإن قلت : على هذا كيف تجري أصالة البراءة أو الحلّية في الشبهات الموضوعية البدوية ؟ كما إذا احتمل خمريّة مائع مع أنّه لا يحتمل حرمة هذا المائع بخصوصه.

قلت : إنّما تجري البراءة عنه لا بما أنّه مائع خاصّ، بل بما أنّه مائع منسوب إلى طبيعته التي يحتمل أن تكون هي الخمر، وأن تكون هي الخلّ، وهذا في المقام غير ممكن ؛ لأنّ معناه إثبات الحلية لطبيعيّ الفعل، فإنّ الحكم بالحلّية إذا تعلّق بالشرب المقارن لترك الآخر لا بما أنّه شرب خاصّ بل بما أنّه مضاف إلى طبيعيِّه معناه حلّية الطبيعي.

نعم، لو كانت القضية الحينية معقولةً لأمكن الالتزام بتعلّق الحلّية بذات الشرب المقارن لترك الآخر، بحيث لا يكون ترك الآخر ولا التقيّد به دخيلاً في موضوعها، إلاّ أنّ المفروض امتناعها، كما عرفت.

وبالجملة : الحلّية الظاهرية المجعولة في كلّ طرفٍ إمّا أن يكون موضوعها


الشرب المقيّد بترك الآخر، أو الشرب المطلق، ولا واسطة بين المطلق والمقيّد، وكلاهما غير صحيح.

أمّاالأوّل فلأنّ الشرب المقيّد بما أنّه مقيّد غير محتمل الحرمة حتى يشمله دليل أصالة الحلِّ.

وأمّاالثاني فلأنّ الحلّية المتعلّقة بالشرب المطلق لا يمكن أن تكون بنفسها مطلقةً أيضاً ؛ لأنّه خلاف دعوى التخيير في جريان الأصول، ولا يمكن أن تكون مقيّدةً ؛ لأنّ الحكم المقيّد بظرفٍ لا يمكن أن يتعلّق بما هو مطلق من حيث ذلك الظرف.

وممّا ذكرناه ظهر الكلام في موارد العلم الإجمالي بالوجوب أيضاً، فإنّه لا يمكن أيضاً إثبات رفع كلٍّ من الوجوبين على تقدير فعل الآخر بحديث الرفع ؛ لأنّ المرفوع : إمّا الإلزام المقيّد بترك الآخر، أو طبيعي الإلزام بسائر حصصه، وكلاهما ممتنع.

أمّاالأوّل فلأنّ الإلزام المشروط لا يحتمله المكلّف في أيٍّ من الطرفين ليرفع بحديث الرفع.

وأمّاالثاني فلأنّ الإلزام المطلق لا يمكن رفعه لا بالرفع المطلق ولا بالرفع المقيّد بترك الآخر.

أمّا الرفع المطلق فلأنّه خلاف شبهة التخيير، وأمّا الرفع المقيَّد بظرف ترك الآخر فيمتنع أن يتعلّق بالإلزام المطلق الشامل للحصّة الثابتة منه في غير ظرف الرفع، إذ أنّ هذه الحصّة غير قابلةٍ للوضع في ظرف ترك الآخر لترفع في هذا الظرف، وإذن فلا أساس لشبهة التخيير أصلاً، فافهم واغتنم.

هذا تمام الكلام في جريان الأصول النافية في أطراف العلم الإجمالي تعييناً أو تخييراً.


جريان الأصول المثبتة مع العلم بالترخيص

وأمّا جريان الأصول المثبتة في تمام الأطراف مع العلم بعدم التكليف في بعضها فسوف يأتي تحقيقه في مباحث الاستصحاب في الجزء التاسع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، إذ جهة البحث فيه ليس عن مانعية المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي بالتكليف عن جريانها، بل عن مانعية العدم والترخيص المعلوم بالإجمال عن ذلك، وسوف تعرف أنّ التحقيق جريان الأصول المثبتة غير التنزيلية في تمام الأطراف، وكذلك التنزيلية على تفصيلٍ فيها - على مقتضى مبانيهم - بين بعض الموارد وبعض.

وبهذا انتهى الكلام في أصل المسألة، وتحقّق بما لا مزيد عليه أنّ العلم الإجمالي إنّما يكون علّةً لحرمة المخالفة القطعية فقط، ولا يوجب وجوب الموافقة القطعية، لا بنحو العلّية ولا بنحو الاقتضاء، لا بلا واسطةٍ ولا بواسطة إيجابه لتعارض الأصول ؛ لما عرفت من عدم إيجابه لتعارض الأصول في الأطراف.وعلى هذا ينسدّ الكلام في أكثر التنبيهات الآتية، إلاّ أنّنا سوف نتكلّم في التنبيهات جرياً على مبانيهم ؛ ليتحقّق مجال للبحث فيها.


مباحث الاشتغال ٣

تنبيهات

العلم الإجمالي

جريان الأصول الطوليّة بعد تساقط العرضيّة.

فرضيّة الترتّب بين طرفي العلم الإجمالي.

تعلّق العلم الإجمالي بجزء الموضوع.



جريان الأصول الطوليّة بعد تساقط العرضيّة

التنبيه الأوّل : في جريان الأصول الطولية بعد تساقط الأصول العَرْضية في أطراف العلم الإجمالي.

وبتعبيرٍ آخر : أنّ الأصل الطولي هل سيسقط بالمعارضة مع الأصل المعارض للحاكم، أو يجري بعد سقوط الحاكم مع معارضه ؟

وقد أفاد سيّدنا الأستاذ(١) - دامت بركاته - في المقام : أنّ الأصلين العرضيّين إمّا أن يكونا من سنخٍ واحد، أو من سنخين.

فعلى الأوّل : يجري الأصل الطولي، كما إذا علم بنجاسة ماءٍ أو ثوبٍ، فإنّ أصالة الإباحة في الماء تجري بعد تساقط أصالتي الطهارة، ولا تكون طرفاً للمعارضة مع أصالة الطهارة في الثوب، للعلم بتخصيص دليل أصالة الطهارة بأحد الطرفين، لاستحالة شموله لكلّ منهما، وهو موجب لإجماله، بخلاف دليل أصالة الإباحة، فإنّه لا يعلم بتخصيص فيها، ولا يعارضها دليل أصالة الطهارة بشموله للثوب، لأنّ المفروض إجماله، والمجمل لا يعارض غيره.

وعلى الثاني : فإمّا أن لا يكون في بعض الأطراف أصل مثبت في طول

____________________

(١) مصباح الأصول ٢ : ٣٥٦ - ٣٦٠.


الأصل النافي، أو يكون :

ففي الصورة الأولى : كما إذا علم إجمالاً بنجاسة ماءٍ أو بولية مائعٍ يكون أصالة الطهارة في مشكوك البولية معارضاً لكلٍّ من الأصل الحاكم في الماء الذي هو استصحاب الطهارة، والأصل المحكوم الذي هو أصالة الطهارة، فالأصل الطولي في هذا الصورة لا يجري، بل يسقط بالمعارضة؛ لانّ اقتضاءه وإن كان فرع عدم فعلية الأصل الحاكم وسقوطه بالمعارضة إلاّ أنّ قانون اقتضاءه وإن كان فرع عدم فعلية الأصل الحاكم وسقوطه بالمعارضة إلاّ أنّ قانون العلّية يقتضي الاجتماع في الزمان، فاقتضاء الأصل الطولي في عرض اقتضاء الأصل الحاكم، واقتضاء الأصل المعارض له زماناً، فيكون هناك اقتضاءات ثلاثة مجتمعة في الوجود، وتسقط كلّها بالمعارضة.

وأمّا في الصورة الثانية - أي فيما إذا كان هناك أصل طولي في أحد الطرفين مثبت للتكليف-: يجري الأصل الطولي المثبت ؛ لانحلال العلم الإجمالي به، كما إذا علم إجمالاً بزيادة ركعةٍ في صلاةٍ أو نقصانها في صلاةٍ أخرى، فإنّه بعد تعارض قاعدتي الفراغ في الصلاتين يجري استصحاب عدم الزيادة في الأولى، واستصحاب عدم الإتيان بالرابعة في الأخرى.

هذا ملخَّص ما أفاده - دام ظلّه العالي - في المقام.

جهات في النظر :

وهنا جهات من الكلام خطرت في النظر القاصر :

الجهة الأولى : أنّه - بعد البناء على أنّ مجرّد طولية الأصل وترتّبه على عدم الأصل الحاكم لا يوجب عدم سقوطه بالمعارضة مع الأصل الجاري في الطرف الآخر - لم يتّضح الفرق بين أن يكون في الطرف الآخر أصل مثبت للتكليف في طول الأصل النافي، أوْ لا.

فالحكم - فيما إذا كان في أحد الطرفين أصل طولي مثبت، وفي الآخر أصل


طولي نافٍ - بانحلال العلم الإجمالي بجريان هذين الأصلين بعد تساقط الأصلين العرضيّين غير واضحٍ، بل كما يكون الأصل الطولي النافي معارضاً للأصل في الطرف الآخر - فيما إذا كان الأصلان العرضيان غير متسانخين، ولم يكن هناك أصل طولي مثبت في الطرف الآخر - كذلك يعارضه فيما إذا كان هناك أصل طولي مثبتٍ في الطرف الآخر.

وتوضيح ذلك بذكر مثالٍ للمطلب، فنقول : إنّه لو علم إجمالاً بعد صلاة الصبح والظهر إمّا بأنّ الطهارة الحدثية التي كانت ثابتةً له قبل صلاة الصبح قد ارتفعت حال صلاة الصبح، وإمّا بنقصان ركعةٍ من صلاة الظهر(١) ، فإنّ كلاًّ من الطرفين في نفسه مجرىً لقاعدة الفراغ، وقاعدة الفراغ المصحِّحة لصلاة الظهر كما تعارض قاعدة الفراغ المصحِّحة للصبح كذلك تعارض استصحاب الطهارة في الصبح، وملاك هذه المعارضة هو التكاذب الحاصل بين إطلاقَي الدليلين، فإنّه كما يعلم بعدم جريان قاعدة الفراغ في كلتا الصلاتين كذلك يعلم بعدم جريان كلا الأمرين : من قاعدة الفراغ في صلاة الظهر، واستصحاب الطهارة في الصبح ؛ لأنّ جريانهما معاً مستلزم للمخالفة القطعية، وإذن فيعلم بكذب أحد الدليلين، وحينئذٍ فكلّ من دليل الاستصحاب المصحِّح للصبح ودليل قاعدة الفراغ المصحِّحة للظهر يكون مكذِّباً للآخر بدلالته الالتزامية، كما هو الحال في كلّ دليلين علم إجمالاً بكذب أحد مدلوليهما فلا محالة لا يجري استصحاب الطهارة في صلاة الصبح، كما لا تجري قاعدة الفراغ فيها ؛ لسقوطهما معاً بالمعارضة مع قاعدة الفراغ في صلاة الظهر.

____________________

(١) وإن كان المثال لا يخلو عن مسامحة، إذ فرضنا الأصلين العرضيّين من سنخٍ واحد ؛ وذلك لأجل توضيح المطلب، وإلاّ فيمكن تصوير أنّهما من سنخين، كما لا يخفى.( المؤلّف قدس‌سره ).


ومجرّد أنّ هناك أصل طولي في صلاة الظهر يثبت التكليف لا يوجب عدم وقوع المعارضة بين قاعدة الفراغ في صلاة الظهر مع كلٍّ من الأصل العرضي والطولي في الطرف الآخر، بعد وجود التكاذب الموجب لوقوع التعارض بين الدليلين.

ولا يتوهّم أنّ قاعدة الفراغ في صلاة الظهر والاستصحاب في الصبح أصلان ومثبتاتهما ليست بحجّة، فكيف ينفي كلّ منهما الآخر بالالتزام الموجب للتكاذب بينهما، وذلك لأنّ دليل كل منهما دليل اجتهادي، وهو دال بالالتزام - لا محالة - على نفي ما ينافي مدلوله وإن كان نفس المجعول أصلاً.

وإن شئت قرَّبت التعارض بينهما : بأنّ الجمع بينهما مخالفة قطعية، وترجيح كلٍّ منهما بلا مرجّح، كما أنّ ترجيح كلٍّ من قاعدتي الفراغ على الأخرى بلا مرجّح.

والمتحصّل : أنّ انحلال العلم الإجمالي بالأصل الطولي المثبت في طرفٍ والأصل الطولي النافي في طرفٍ آخر غير واضح.

لا يقال : غاية ذلك الانتهاء إلى البراءة العقلية بعد سقوط الأصول النافية كلّها بالمعارضة مع الأصل العرضي في الطرف الآخر، فإنّه لو فرض في طرفٍ أصلٌ نافٍ وفي طوله أصل مثبت، وفي الطرف الآخر أصل نافٍ وفي طوله أصل نافٍ سقط هذان الأصلان النافيان بالمعارضة مع الأصل النافي في الطرف الآخر، ويجري الأصل الطولي المثبت في الطرف الآخر وينحلّ به العلم الإجمالي، ونرجع في ذلك الطرف الذي كان فيه أصلان نافيان سقطا بالمعارضة إلى البراءة العقلية.

لأنّه يقال : إنّ هذا لا يتمّ في ما ذكرناه من المثال ونحوه ؛ لوضوح أنّ قاعدة الفراغ واستصحاب الطهارة بالإضافة إلى صلاة الصبح إنْ سقطا بالمعارضة بقاعدة


الفراغ في الظهر كان المرجع فيه أصالة الاشتغال ؛ للشكّ في وجود الشرط، لا البراءة العقلية.

ثمّ إنّ إشكالاً آخر هناك في انحلال العلم الإجمالي بالأصول الطولية التي يكون بعضها مثبتاً وبعضها نافياً، وهو ما أشار إليه في الفوائد(١) من أنّه يلزم من وجودها عدمها، سوف نتعرّض له مع دفعه في تنبيه الانحلال إن شاء الله تعالى.

الجهة الثانية : أنّ مقتضى ما أفيد في مقام تقريب جريان الأصل الطولي فيما إذا كان الأصلان متسانخين، من إجمال دليل هذين الأصلين المتسانخين، باعتبار أنّه دليل واحد، وقد علم فيه بالتخصيص إجمالاً دون دليل الأصل الطولي، أنّه إذا علم المكلّف ببولية المائع الأصفر، أو المائع الأبيض، وعلم ببولية المائع الأبيض أو نجاسة ماءٍ، بحيث تكون بولية الأبيض طرفاً لعلمين إجماليّين فبما أنّ المائعين مجرىً لأصالة الطهارة في نفسيهما، ويعلم بتخصيص دليل الأصل وخروج أحدهما منه فيكون مجملاً، وأمّا الماء فيكون مشمولاً لدليل الاستصحاب لأجل العلم بطهارته سابقاً، ولا يعارضه أصالة الطهارة في المائع الأبيض، إذ المفروض إجمال دليلها.

ولكنّا نقول : إنّ الأصلين العَرْضِيّين إن كان متسانخين بأن كان كلّ منهما أصل الطهارة - مثلاً - فتخصيص دليل أصالة الطهارة وإن كان معلوماً بالإجمال إلاّ أنّ هذا العلم الإجمالي - بتخصيص الدليل وخروج أحد الطرفين عنه الموجب لعدم جريان الأصل في كلٍّ من الطرفين - لا يكون سبباً لإجمال دليل الأصل بمعنى سقوط ظهوره، وإنّما يوجب إجماله الحكمي بمعنى سقوط حجّيته ؛ وذلك لأنّ

____________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٤٦.


المخصّص في المقام مخصّص منفصل، وهو برهان منجّزية العلم الإجمالي، فإنّ هذا البرهان هو الموجب لخروج أحد الطرفين عن عموم الدليل ؛ لاستحالة شموله لكلا الطرفين، وهذا البرهان مخصّص لبّيّ منفصل، إذ ليس من الوضوح بحيث يُعَد متّصلاً أو المتّصل حتى يوجب سقوط الظهور رأساً.

ومن المعلوم أنّ المخصّص المجمل الدائر بين المتباينين إن كان منفصلاً فلا يوجب سقوط العام عن الظهور، بل عن الحجّية، وحينئذٍ فظهور دليل أصالة الطهارة في كلٍّ من الطرفين موجود في نفسه، وكما يكون ظهوره بالإضافة إلى طرفٍ منافياً لظهوره بالإضافة إلى طرفٍ آخر كذلك ينافي ظهور دليل الأصل الآخر، فمثلاً : فيما إذا علم بنجاسة ثوبٍ أو مائعٍ يكون إطلاق دليل أصالة الطهارة للثوب منافياً لإطلاقه للمائع ولإطلاق دليل أصالة الحلّية للمائع أيضاً، والإجمال الحكمي لدليل أصالة الطهارة لا يوجب عدم وقوع أصالة الطهارة في الثوب معارضاً لإطلاق دليل أصالة الحلّية للمائع.

والحاصل : أنّ في المقام ظهوراتٍ ثلاثة :

أحدها : ظهور دليل أصالة الطهارة في الشمول للثوب.

وثانيها : ظهوره في الشمول للمائع.

وثالثها : ظهور دليل أصالة الحلّية في الشمول للمائع.

وهذه الظهورات ثابتة في نفسها، فيقع الظهور الأوّل طرفاً للمعارضة مع الظهورين الآخرين، وعلى هذا فلا فرق بين ما إذا كان الأصلان من سنخٍ واحدٍ أو من سنخين.

الجهة الثالثة : أنّه قد يتوهّم بناءً على ما أفيد - من أنّ الأصلين العَرْضِيين إذا كانا متسانخين فيجري الأصل الطولي لإجمال دليلهما دون دليله - أنّ لازم ذلك جريان الأصل العرضي الحاكم دون الطولي المحكوم في بعض الموارد ،


كما إذا علم بنجاسة ماءٍ أو بولية مائعٍ فإنّ الماء في نفسه مجرىً لاستصحاب الطهارة ثمّ لأصالة الطهارة، والمائع مجرىً لأصالة الطهارة فقط، ومعنى هذا أنّ دليل أصالة الطهارة يبتلي بالإجمال ؛ لأنّه شامل في نفسه لكلٍّ من الطرفين ويعلم بتخصيصه بالإضافة إلى أحدهما، وحينئذٍ يجري الاستصحاب في الماء، ولا يعارضه دليل أصالة الطهارة بإطلاقه للمائع ؛ لأنّ المفروض إجماله.

والحاصل : بعد فرض أنّ الأصل الطولي يتمّ اقتضاؤه في ظرف معارضة الأصلين العَرْضِيّين وزمانها ففي الفرض المزبور يكون اقتضاء دليل أصالة الطهارة للشمول للماء تاماً في عرض معارضة استصحاب طهارته مع أصالة الطهارة في المائع زماناً، فكما يكون العلم الإجمالي بتخصيص دليل الأصلين العرضيّين موجباً لإجماله والرجوع إلى الأصل الطولي الثابت بدليلٍ آخر كذلك يكون العلم الإجمالي بتخصيص دليل أصالة الطهارة في المثال موجباً لإجماله وجريان الاستصحاب في الماء بلا معارض.

ولكنّ هذا التوهم مندفع : بأنّ مدلول أصالة الطهارة في الماء يكون تام الاقتضاء وفعلياً في فرض سقوط الاستصحاب، والكاذب في دليل أصالة الطهارة في المثال فرع فعلية المدلولين في نفسيهما، وعليه فالتكاذب في دليل أصالة الطهارة فرع سقوط الاستصحاب فلا يعقل أن يكون موجباً لجريان الاستصحاب.

والحاصل : أنّنا وإن كنّا ندّعي أنّ أصالة الطهارة في الماء تعارض في عرض معارضة الحاكم إلاّ أنّ هذا لا ينافي كون فرض معارضتها للأصل في الطرف الآخر هو فرض سقوط الاستصحاب وإجمال دليله، فكيف يكون إجمال دليل أصالة الطهارة في الطرفين المعلول لإجمال دليل الاستصحاب وسقوطه، سبباً في عدم إجماله وجريان الاستصحاب ؟ !


وبتعبيرٍ آخر : أنّه لو كان استصحاب الطهارة في الماء جارياً لَمَا حصل إجمال وتكاذب في دليل أصالة الطهارة ؛ لأنّ التكاذب فيه فرع شموله لكلٍّ من الطرفين في نفسه، ومع جريان الاستصحاب في الماء لا يكون دليل أصالة الطهارة شاملاً في نفسه للماء حتّى يحصل فيه التكاذب والإجمال، وإذن فإجماله فرع سقوط الاستصحاب، فلا يكون منشأً لجريانه.

ولا يخفى عليك أنّا قد نقلنا جواباً في مقام دفع شبهة التخيير في جريان الأصول في أطراف العلم،حاصله : أنّ المحذور إنّما هو في الترخيص القطعي في مخالفة الواقع، لا الترخيص في المخالفة القطعية، وقد ذكرنا عند التكلّم حول شبهة التخيير الفرق بين الأمرين، وذكرنا : أنّ المحذور إمّا أن يكون في الترخيص القطعي الفعلي في مخالفة الواقع، وإمّا أن يكون في الترخيص القطعي في مخالفة الواقع ولو مشروطاً.

وعلىالأوّل نقضنا بما إذا كان للعلم الإجمالي أطراف ثلاثة فإنّ إعمال الأصول فيها بنحوٍ من أنحاء التخيير لا يؤدِّي إلى الترخيص الفعلي القطعي في مخالفة الواقع، فراجع.

وأمّا علىالثاني ، بمعنى أنّ الترخيص القطعي في مخالفة الواقع ولو مشروطاً بشرطٍ لا يتحقّق أصلاً، محال، بحيث يكون الترخيص في أحد طرفي العلم الإجمالي، على تقدير نزول المطر، والترخيص في الطرف الآخر على تقدير عدم نزوله - مثلاً - محالاً أيضاً، مع استحالة اجتماع الترخيصين في الفعلية، فالشبهة المزبورة - أي جريان الأصل الحاكم في ما ذكرناه من المثال، وهو ما إذا علم إجمالاً ببولية مائعٍ أو نجاسة ماءٍ - ممّا لا محيص عنها.

وبيانه : أنّ دليل أصالة الطهارة بالإضافة إلى الماء له دلالتان :

إحداهما : دلالته على ثبوت الطهارة الفعلية الظاهرية للماء، وهذه الدلالة


متوقّفة على سقوط الاستصحاب ؛ لأنّها فرع الشكّ في الطهارة، وإذا جرى الاستصحاب لا يبقى شكّ في طهارته، ففعلية هذه الدلالة متوقّفة على سقوط الاستصحاب.

والأخرى : دلالته على الطهارة الظاهرية المشروطة بسقوط الاستصحاب وعدمه، المحقق لعنوان الشكّ، فإنّ الدليل المزبور له مثل هذه الدلالة أيضاً بمعنى أنّه يدلّ على طهارة كلِّ شيءٍ على تقدير تحقّق موضوعه، وهو الشكّ المساوق لعدم وجود الاستصحاب الحاكم للشكّ، ككلّ دليلٍ يتكفّل ثبوت حكمٍ على تقديرٍ، فإنّه يدلّ على فعلية الحكم عند ثبوت ذاك التقدير، وهذه الدلالة الثانية على الطهارة المشروطة ليست متوقّفةً على سقوط الاستصحاب، بل سواء جرى أوْ لا، يكون دليل أصالة الطهارة دالاً على الطهارة الظاهرية للماء على تقدير سقوط الاستصحاب فيه.كما أنّ دلالة الدليل المزبور على طهارة الطرف الآخر غير مشروطةٍ بعدم جريان الاستصحاب في الماء.

وحينئذٍ فلنا دلالتان لدليل أصالة الطهارة، وكلاهما غير مشروطٍ بسقوط الاستصحاب في الماء:

الأولى : دلالته على الطهارة الفعلية للمائع.

والثانية : دلالته على طهارة الماء المقيّد بعدم جريان الاستصحاب فيه.

فلو أخذنا بهاتين الدلالتين كان مقتضاهما ثبوت الترخيص الفعلي في طرفٍ وهو المائع، والترخيص على تقديرٍ في طرفٍ آخر وهو الماء، والمفروض أنّ الترخيص في تمام الأطراف ولو مشروطاً بشرطٍ لا يتحقّق أصلاً غير معقول، فيحصل التكاذب بين الدلالتين المزبورتين والإجمال في دليلهما، وهذا الإجمال ليس مترتّباً على سقوط الاستصحاب ليمتنع أن يكون علّةً لجريانه، بل لا مانع حينئذٍ من جريان الاستصحاب أصلاً.


والحاصل : أنّه إن قيل : إنّ الترخيص المشروط في أطراف العلم محال مطلقاً، ولو فرض أنّه سنخ ترخيصٍ أخذ بنحوٍ لا يصل إلى مرتبة الفعلية أصلاً ففي المقام يحصل التكاذب في دليل أصالة الطهارة، من دون أن يتوقّف ذلك على سقوط الاستصحاب بالفعل ؛ لأنّه يدلّ على الترخيص الفعلي في المائع والترخيص المشروط بعدم الأصل الحاكم في الماء، وهاتان الدلالتان لا يمكن الأخذ بهما ؛ لأنّ نتيجتهما ثبوت الترخيص في جميع أطراف العلم ولو مشروطاً، والمفروض أنّ الترخيص المشروط كذلك غير معقولٍ أيضاً وإن قيل بأنّ المحال إنّما هو في الترخيصات الفعلية في الأطراف.

وأمّا إذا كان أحدها مشروطاً - كما في المقام - فلا استحالة، فلا محيص عن شبهة التخيير ببعض الأنحاء فيما إذا كانت أطراف العلم ثلاثة، إذ يمكن إجراء الأصول بنحو التخيير هناك، بحيث ينتج ترخيصات مشروطة في الأطراف يمتنع فعليتها جميعاً.

الجهة الرابعة : في البحث عن أصل المطلب، أي سقوط الأصل الطولي بالمعارضة مع الأصل في الطرف الآخر، أو عدم سقوطه وجريانه بعد تساقط الحاكم مع الأصل الآخر.

والتحقيق فيه تبعاً له - دام ظلّه - وللمحقّق النائينيقدس‌سره السقوط، إلاّ أنّ ما أفيد في الفوائد(١) لتقريب ذلك - من : أنّ تعارض الأصول إنّما هو باعتبار مؤدّياتها، والمؤدّى في كلٍّ من استصحاب الطهارة وقاعدتها أمر واحد وهو طهارة المشكوك، والمفروض عدم إمكان جعل الطهارة في كلٍّ من الإناءين فكلٌّ من مؤدّى الاستصحاب والقاعدة يعارض مؤدّى القاعدة في الإناء الآخر

____________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٤٨.


إلى آخره - مخدوش بما أفاده المحقّق العراقيقدس‌سره (١) :

أوّلاً : من إمكان جعل طهارتين طوليّتين بحيث [ تكون ] إحداهما مترتّبةً على عدم الأخرى، والمقام من هذا القبيل، فسقوط مؤدّى الاستصحاب - الذي هو الطهارة الأولى - لا يوجب سقوط الطهارة الطولية المجعولة في القاعدة.

وما أفاده ثانياً : من أنّه لو فرض أنّ المؤدّى سنخ واحد من الطهارة إلاّ أنّه من الممكن جعل ظهورين طوليّين على هذا المجعول بحيث بانعدام حجّية أحدهما تتحقّق حجّية الآخر فالمجعول الوحداني إنّما يسقط في المرتبة الأولى، بمعنى أنّه لا يثبت بالظهور الأوّل، فالساقط بالمعارضة إنّما هو حجّية الظهور الأوّل بلحاظ مدلوله، لا ذات المدلول من حيث هو، إذ لا وجه لسقوطه إلاّ بمقدار كاشفه، ولهذا كان المشهور عدم سقوط الأصل الطولي.

وتوجيهه بأحد أمور :

الأوّل : ما قد يتوهّم من : أنّ الأصل الطولي يكون في طول الأصل في الطرف الآخر باعتبار أنّه متأخّر عمّا هو في عرضه، والمتأخّر عن أحد المتساويين في المرتبة متأخّر عن الآخر.

ويندفع بما حقِّق في محلّه من : أنّ التأخّر الرتبي لشيءٍ عن شيءٍ بملاكٍ يقتضي تأخّره عنه، لا يوجب تأخّره عمّا يساويه في المرتبة إذا لم يكن ذلك الملاك حاصلاً له بالإضافة إلى الآخر.

الثاني : ما هو المشهور في مقام تقريب عدم السقوط من : أنّ الأصل الطولي وإن لم يكن في طول الأصل في الطرف الآخر إلاّ أنّ اقتضاء الدليل له

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٣٢١.


موقوف على سقوط الأصل الحاكم بالمعارضة، ومن المعلوم أنّه في المرتبة المتأخّرة عن سقوط الأصل الحاكم بالمعارضة لا يبقى معارض للأصل الطولي ؛ لأنّ المفروض أنّ الحاكم قد سقط مع الأصل في الطرف الآخر في المرتبة السابقة.

وفيه : أنّ ما يتوقّف عليه اقتضاء دليل الأصل الطولي هو سقوط الأصل الحاكم بالمعارضة، لا سقوط الأصل في الطرف الآخر بالمعارضة.

والحاصل : أنّ المعارضة تقتضي سقوطين، وما هو محقّق لاقتضاء الأصل الطولي منهما هو سقوط الحاكم، لا سقوط معارضه.

وحينئذٍ : فإمّا أن يُدَّعى أنّ السقوطين لمَّا كانا في عرضٍ واحدٍ فالأصل الطولي المتأخّر عن أحدهما متأخّر عن الآخر أيضاً، فلا يعقل أن يعارض الأصل في الطرف الآخر بعد تأخّره عن سقوطه وتوقّفه على اضمحلاله، ويرجع هذا إلى الوجه الأوّل، وقد عرفت جوابه.

وإمّا أن يُدَّعى أنّ الأصل الطولي وإن كان متوقّفاً في اقتضائه على سقوط الحاكم فقط إلاّ أنّ معنى ذلك أنّه لا بدّ من فرض معارضة الأصل في الطرف الآخر للحاكم في مرتبةٍ سابقةٍ على اقتضاء الأصل الطولي، إذ لو لا فرضها كذلك لَمَا كان هناك موجب لسقوط الحاكم، ولَمَا انتهت النوبة حينئذٍ إلى الأصل الطولي، وإذا فرضنا المعارضة كذلك بين الحاكم وبين الأصل في الطرف الآخر ففي ظرف تحقّق اقتضاء الأصل الطولي يكون الأصل في الطرف الآخر مفروض المعارضة والإجمال والسقوط، فكيف يعارض الأصل المزبور ؟ !

ففيه : أنّ اقتضاء الأصل الطولي محقّق في عرض اقتضاء الأصل الحاكم والأصل في الطرف الآخر زماناً، وإن كان في طول الأوّل رتبةً، إذ ظرف المعلول خارجاً هو ظرف علّته، ففي ظرف تساقط الأصلين العَرْضيّين يكون الأصل الطولي تامّ الاقتضاء، كما أنّ كلاًّ من الأصلين العرضيّين تامّ الاقتضاء، وليس


ساقطاً في زمانٍ سابق، ولا معنى للسقوط في مرتبةٍ سابقة، فقهراً تسقط الاقتضاءات الثلاثة كلّها بالمعارضة.وهذا التحقيق ممّا لا محيص عنه، وسوف يأتي له مزيد تأييد.

الثالث : ما يمكن أن يقال من : أنّ مانعية الأصل الطولي للأصل في الطرف الآخر غير معقولةٍ فيستحيل وقوعه معارضاً له، بل لا بدّ أن يكون الأصل في الطرف الآخر ممنوعاً مع قطع النظر عنه، إذ لا يتصوّر وقوع المعارضة بين أصلين إلاّ إذا كان كلّ منهما يصلح للممانعية عن الآخر في حدِّ نفسه، وفي المقام ليس كذلك ؛ لأنّه يلزم من مانعية الأصل الطولي عن الأصل في الطرف الآخر عدم مانعيته عنه، إذ مانعيته كذلك توجب رفع المانع عن جريان الحاكم ؛ لأنّ المانع عنه لم يكن إلاّ الأصل في الطرف الآخر، فلو كان ممنوعاً من جهة الأصل الطولي لجرى الأصل الحاكم لا محالة، فيسقط الأصل الطولي حينئذٍ لمحكوميّته له، وترتفع مانعيته، وإذن فيلزم من مانعيته للأصل في الطرف الآخر - بمعنى عدم جريانه بسببه - ارتفاع مانعيته، وما يلزم من وجوده عدمه محال، فلا يمكن وقوع المعارضة بين الأصل الطولي والأصل في الطرف الآخر بعد عدم صلاحيته للمانعية واستحالتها في حقّه، فلا يحصل التمانع من الجانبين الموجب للتساقط.

ويندفع هذا البيان : بأنّه بعد فرض نشوء اقتضاء الأصل الطولي المحقّق لمانعيته عن إجمال دليل الأصل الحاكم وسقوطه فلا يعقل أن يكون الممنوعية عن جريان الأصل في الطرف الآخر، الناشئ من مانعية الأصل الطولي الناشئة من اقتضائه الناشئ من إجمال دليل الحاكم وسقوطه موجباً لجريانه والأخذ بدليله.

والحاصل : أنّ سقوط الأصل في الطرف الآخر المسبّب عمّا هو معلول لسقوط الحاكم لا يعقل أن يكون موجباً لجريانه وثبوته، بل هو قريب من عدم الرطوبة الناشئة من عدم تأثير النار في مقتضاها وهو الإحراق، فإنّ هذه الحصّة


من عدم الرطوبة لا يعقل أن تكون محقّقةً للإحراق ومتمِّمة لعلّته، وإذن فمانعية الأصل الطولي معقولة ؛ لأنّها وإن كانت توجب - على فرض ثبوتها - رفع المعارض للأصل الحاكم إلاّ أنّ هذا الارتفاع للمعارض لمّا كان مسبّباً عن مانعية الأصل الطولي، المسبّبة عن سقوط الحاكم فلا يجوز أن يكون مصحِّحاً لجريانه، فتدبّره فإنّه دقيق.

فتلخّص : أنّ الوجوه المزبورة لا تنهض على عدم سقوط الأصل الطولي بالمعارضة، والمتعيّن على هذا سقوطه، ووجهه وإن اتّضح بما سبق إلاّ أنّنا نقرِّب ذلك في المقام بتقريبٍ لا يخلو من تفصيل ؛ ليتّضح المطلب تمام الوضوح، وذلك بتقديم أمرين :

أحدهما : أنّ العلم الإجمالي سواء تعلّق بتكليفٍ مردّدٍ أو بتخصيصٍ مردّدٍ يكون منجِّزاً، فكما أنّ العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة منجِّز للجامع - بمعنى مصحِّحيّته للعقاب على مخالفته - وتتعارض الأصول في الأطراف بلحاظ ذلك، كذلك العلم الإجمالي بتخصيص عمومِ من العمومات بأحد فردين وخروجه منه، فإنّه يوجب قصور العموم عن الشمول لكلا الفردين، وهو يوجب تعارض عموم العامِّ لكلٍّ من الفردين مع عمومه للفرد الآخر، ويبقى العامّ مجملاً بالإضافة إلى كلٍّ منهما.

ثانيهما : أنّ العلم الإجمالي اذا كان أحد طرفيه منجِّزاً في الزمان السابق أو في الرتبة السابقة صار هذا على مبانيهم مانعاً عن تنجيز العلم الإجمالي، بمعنى أنّه إذا كان علماً بالتكليف المردّد لم يتنجّز التكليف في الطرف الآخر، وإذا كان علماً بخروج فردٍ مردّدٍ عن عامٍّ لم يصر العامّ مجملاً بالإضافة إلى الفرد الآخر ؛ لانحلال العلم الإجمال بالمنجِّز القائم في أحد طرفيه في الرتبة السابقة.

إذا اتّضح هذا فنقول : إنّ المكلف في المقام لمّا كان يعلم بنجاسة أحد


إناءين وفرض أنّ أحدهما مجرىً لاستصحاب الطهارة في نفسه فهو يعلم بخروج هذا الطرف عن عموم دليل الاستصحاب، أو خروج الطرف الآخر عن عموم دليل أصالة الطهارة، إذ لا يعقل شمول الاستصحاب المؤمِّن لفرده، وشمول أصالة الطهارة لفردها أيضاً، وإلاّ يلزم المخالفة القطعية، فأحد الدليلين يعلم بتخصيصه، وهذا العلم يوجب، أوّلاً : عدم إمكان إعمال العمومين في كلا الدليلين، وحيث يكون ترجيح كلٍّ من عموم دليل الاستصحاب وعموم دليل القاعدة على الآخر بلا مرجّحٍ فيتساقطان، فالعلم الإجمالي بتخصيص أحد الدليلين يؤثّر في إجمال كلٍّ من الدليلين، وبعد عروض الإجمال لدليل الاستصحاب لمكان العلم الإجمالي المزبور يتمّ اقتضاء أصالة الطهارة في مورده، ويحصل علم إجمالي آخر : إمّا بخروج هذا المورد عن دليل أصالة الطهارة، أو خروج الطرف الآخر، إذ دخولهما معاً مستلزم للمخالفة القطعية، فكما كان يعلم إمّا بخروج ذاك المورد عن الاستصحاب أو الآخر عن دليل أصالة الطهارة - إذ لو لم يكن شيء منهما خارجاً لَلَزمت المخالفة القطعية - كذلك يعلم - بعد تمامية اقتضاء أصالة الطهارة في ما كان مورداً للاستصحاب - بعدم شمول دليل القاعدة لأحد الطرفين، فهذا العلم الإجمالي موجود لا محالة.

وإنّما الكلام في أنّ هذا العلم الإجمالي هل يكون هناك مانع عن تنجيزه وإيجابه لإجمال دليل أصالة الطهارة بالإضافة إلى كلا الطرفين، أو لا يكون منجِّزاً وموجباً للإجمال، فلا يمنع عن الأخذ بالقاعدة وإعمال دليلها في ما كان مورداً للاستصحاب.

وغاية ما يقرَّب به عدم التنجيز وعدم إيجابه للإجمال دعوى : أنّ أحد طرفي العلم الإجمالي المزبور منجَّز بمنجِّزٍ سابق، بمعنى أنّ دليل أصالة الطهارة بالإضافة إلى غير ما كان مورداً للاستصحاب قد أصبح مجملاً بالعلم الإجمالي


الأوّل، فلا يبقى مجال لتنجيز العلم الإجمالي الثاني.

وبتعبيرٍ آخر : أنّ لدينا عِلمين إجماليّين : أحدهما العلم بعدم شمول دليل الاستصحاب لِمَا لَه حالة سابقة ولنفرضه الماء، أو عدم شمول القاعدة للآخر ولنفرضه الثوب.والآخر العلم بعدم شمول دليل القاعدة للثوب، أو عدم شمولها للماء، فبين العِلمين طرف مشترك، وهو عدم شمول دليل القاعدة للثوب، فإنّه طرف لكلا العلمين الإجماليّين، وحيث إنّه منجَّز بالعلم الإجمالي الأول أوّلاً، فلا يبقى مجال لتنجّزه بالعلم الثاني فينحلّ العلم الثاني ككلّ علمٍ يتنجّز أحد طرفيه سابقاً.

ولكنّ هذه الدعوى ممنوعة ؛ لأنّ الطرف المشترك - وهو عدم شمول دليل القاعدة - لم يثبت له التنجّز لا في زمانٍ سابقٍ على العلم الإجمالي الثاني، ولا في رتبةٍ سابقة عليه.

والحاصل : لا بدّ إمّا من إثبات السبق الزماني لتنجّز الطرف المشترك على العلم الثاني، أو السبق الرتبي له، وكلاهما ممنوع.

أمّا الأوّل فلأنّ المنجِّز للطرف المشترك مع قطع النظر عن العلم الثاني هو العلم الإجمالي الأوّل، والعلمان متقارنان زماناً، وليس لأحدهما سبق زماني على الآخر ليتنجّز الطرف المشترك به في زمانٍ سابقٍ بحيث يمنع عن تنجيز المتأخّر.

وأمّا الثاني فلأنّ العلم الإجمالي الثاني معلول لتمامية اقتضاء دليل القاعدة بالإضافة إلى الماء ليحصل العلم الإجمالي بتخصيصه بأحد الطرفين، وتمامية اقتضائه كذلك معلول لإجمال دليل الاستصحاب بالإضافة إلى الماء، وإلاّ لم يكن لدليل القاعدة اقتضاء الشمول للماء، وإجمال دليل الاستصحاب كذلك وسقوطه معلول للعلم الإجمالي الأوّل.وإذن فالعلم الإجمالي الثاني متأخّر مرتبةً عن


سقوط الاستصحاب وإجمال دليله المعلول للعلم الأوّل، لا عن إجمال دليل القاعدة بالإضافة إلى الثوب وسقوطها فيه.

والحاصل : أنّ العِلمين الإجماليّين اللذَين لهما طرف مشترك إنّما يمنع أحدهما عن تنجيز الآخر إذا كان الآخر متأخّراً عن تنجّز الطرف المشترك للعلم الآخر، إمّا زماناً وإمّا رتبةً.ففي المقام العلم الإجمالي الثاني إنّما يصير ممنوعاً عن التنجيز وغير مؤثّرٍ في إجمال دليل أصالة الطهارة بالإضافة إلى الطرفين إذا كان الطرف المشترك بينه وبين العلم الآخر - وهو عدم شمول قاعدة الطهارة للثوب - قد تنجّز، بمعنى أنّه قد صارت القاعدة مجملةً بالإضافة إلى الثوب في زمانٍ سابقٍ أو في رتبةٍ سابقة، وشيء منهما غير حاصل، فالعلم الإجمالي الثاني لا مانع من تنجيزه، فإنّ الثابت في المرتبة السابقة عليه سقوط الاستصحاب في طرف الماء وإجمال دليله، لا سقوط أصالة الطهارة في الثوب وإجمال دليلها، فالعلم الإجمالي بسقوط أصالة الطهارة في الثوب أو أصالة الطهارة في الماء لا مانع عن تنجيزه، بمعنى إيجابه لإجمال دليل الأصل بالإضافة إلى كلٍّ من الطرفين ؛ لأنّه معلول ومتأخّر مرتبةً عن سقوط الاستصحاب في الماء وإجماله من ناحية العلم الإجمالي الأوّل، لا أنّه معلول ومتأخّر رتبةً عن سقوط قاعدة الطهارة في الثوب حتّى يمتنع أن يكون هو المؤثر في إسقاط أصالة الطهارة فيه.نعم، العلم الإجمالي المزبور يكون متأخّراً عمّا هو في عرض سقوط أصالة الطهارة في الثوب وهو سقوط الاستصحاب كما عرفت، إلاّ أنّ تأخّر العلم الإجمالي رتبةً عن شيءٍ لا يوجب تأخّره عمّا يساويه، كما ذكرنا سابقاً.

وإنّما أوضحتُ هذا المطلب بما لا مزيد عليه لأنّي وجدت شبهة عدم سقوط الأصل الطولي عالقةً في الأذهان، فقدَّمت هذا البيان لدفع الشبهات الموجودة في المقام، ومن الله الهداية والتوفيق.


فرضيّة الترتّب بين طرفي العلم الإجمالي

التنبيه الثاني : فيما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي بالتكليف في طول عدم الطرف الآخر ومترتّباً على عدمه، كوجوب الحجّ المرتّب على عدم التكليف بالدّين، ونحو ذلك.

والذي يظهر أنّه لا خلاف منهم في إثبات التكليف المترتّب بإجراء الأصل النافي للتكليف المترتّب عليه.

وقد ذكر المحقّق العراقي(١) هذا بعنوان النقض على مختاره من علّية العلم الإجمالي الموافقة القطعية، وإبائه عن الترخيص ولو في بعض الأطراف، بتقريب : أنّه على هذا المبنى لا مجال لإجراء الأصل المرخّص في جانب الدَين المشكوك ؛ لأنّ في رتبة جريانه لم يثبت تكليف بالحجّ ليكون العلم الإجمالي منحلاًّ، بل ثبوت التكليف بالحجّ إنّما يكون في رتبةٍ متأخّرةٍ عن جريان الأصل النافي للدَين، فهو في مرتبة جريانه يكون العلم الإجمالي قائماً، فينا في مع علّيته التامة.

وأجاب عن ذلك بتفصيلٍ ملخّصه : أنّ التكليف المترتّب تارةً يكون مترتّباً على العدم الواقعي للتكليف الآخر، وأخرى يكون مترتّباً على الأعمِّ من العدم الواقعي والظاهري، وثالثةً يكون مترتّباً على المعذورية من جهة التكليف الآخر ولو عقلاً.

أمّا في الأوّل فلا مانع من إجراء الأصل التنزيلي النافي للدَين، وذلك بتقريب : أنّه بعد أن كان وجوب الحجّ من الآثار الشرعية لعدم الدَين، فدليل

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٣١٥.


الأصل التنزيلي لاستصحاب عدم الدَين - مثلاً - يقتضي بإطلاق التنزيل فيه ترتّب جميع الآثار الشرعية لهذا العدم التي منها وجوب الحجّ، فإنّه أثر شرعي لعدم الدَين الذي هو مدلوله المطابقي، وحينئذٍ فيرفع اليد عن المدلول المطابقي لدليل الأصل التنزيلي، وهو نفي التكليف بالدَين ظاهراً، ويؤخذ بمدلوله الالتزامي وبإطلاق التنزيل فيه، الذي هو من شئون المدلول المطابقي وهو وجوب الحجّ، وحينئذٍ ينحلّ العلم الإجمالي، وفي الرتبة المتأخّرة يؤخذ بالمدلول المطابقي، إذ في هذه المرتبة لا يبقى مانع عن نفي الدَين بعد انحلال العلم الإجمالي في المرتبة السابقة بالمدلول الالتزامي لدليل الأصل.

والحاصل : أنّ دليل استصحاب عدم الدَين يكون له مدلولان : أحدهما مطابقيّ وهو نفي الدَين، والآخر ثابت بإطلاق التنزيل وهو وجوب الحجّ، فيؤخذ بالمدلول الثاني أوَّلاً ثمّ الأوّل.

وأمّا في الثاني فلا يأتي البيان السابق لتصحيح إجراء أصالة الحلّية، إذ دليل أصالة الحلّية لا يتكفّل لتعبّدين : أحدهما بالحلّية، والآخر بأثرها ليؤخذ بالتعبّد الثاني أوَّلاً، بل لا بدّ من الالتزام بالأخذ بالمدلول المطابقي له وهو الحلّية والترخيص، إلاّ أنّ هذه الحلية ليست مجعولةً بلحاظ التوسعة والمعذّرية، بل يكون الغرض منها مجرّد ترتّب الوجوب الذي هو أثرها عليه، فلا بأس بجعل هذا السنخ من الحلّية في طرف، ولا موجب للالتزام برفع اليد عن دليل الأصل بالمرّة.

وأمّا في الثالث فتنجيز العلم الإجمالي بحدِّ ذاته غير معقول ؛ لأنّ منجّزية كلّ علمٍ لطرفٍ ملازم لمنجّزيته للطرف الآخر، وفي المقام منجّزية العلم الإجمالي في أحد الطرفين توجب الجزم بعدم وجود الطرف الآخر واقعاً إلى آخره.

ويرد عليه أوّلاً : أنّ تنجيز العلم الإجمالي في الصورة الثانية - أي فيما إذا


كان أحد التكليفين مترتّباً على عدم الآخر الأعمّ من الظاهري والواقعي - غير معقول، بمعنى أنّ مانعية العلم الإجمالي المزبور عن جريان أصالة الحلّية في الطرف المترتّب عليه، أي في طرف الدَين ممتنعة، فمثلاً لو نذر صوم يومٍ على تقدير ثبوت الحكم بحلّية مائعٍ مخصوصٍ أعمّ من الواقعية والظاهرية فيكون له علم إجمالي يستحيل أن يكون مانعاً عن جريان أصالة الحلّية في المائع، فلا حاجة لأن يتكلّف لجريانها بما أفيد من البيان ممّا لا يخلو عن المناقشة أيضاً.

والوجه في استحالة مانعية العلم الإجمالي المزبور عن جريان أصالة الإباحة في المائع هو : أنّ تنجيز العلم الإجمالي موقوف على عدم انحلاله بالعلم التفصيلي بأحد طرفيه، فإنّ العلم التفصيلي بذلك وإن لم يكن موجباً للانحلال الحقيقي عند المحقّق العراقي إلاّ أنّه مانع عنده عن تأثير العلم الإجمالي وتنجيزه، وإذن فالعلم الإجمالي في المقام تنجيزه متوقّف على عدم حصول العلم التفصيلي بوجوب الصوم ومشروط بذلك، وإلاّ لو حصل العلم التفصيلي بذلك لَما نجّز، وعدم حصول العلم التفصيلي بوجوب الصوم موقوف على عدم جريان أصالة الإباحة في المائع، وإلاّ لو جرت أصالة الإباحة في المائع لحصل العلم التفصيلي بوجوب الصوم، إذ المفروض أنّ وجوب الصوم لا يتوقّف إلاّ على ثبوت الحلّية ولو ظاهراً في المائع، فحيث تجري أصالة الحلّية في المائع يتحقّق وجوب الصوم جزماً، فيتّضح أنّ تنجيز العلم الإجمالي في المقام مشروط بعدم حصول العلم التفصيلي بوجوب الصوم، وعدم حصول العلم التفصيلي بذلك مشروط بعدم جريان الإباحة في المائع، ومعنى هذا أنّ تنجيز العلم الإجمالي المزبور متوقّف - بواسطةٍ - على عدم جريان الإباحة في المائع، فلا يعقل أن يكون تنجيزه مانعاً عن جريانها، إذ أنّ ما يكون متوقّفاً على عدم شيءٍ لا يعقل أن يكون هو المانع عن


وجوده، وإلاّ لزم كون الشيء محقّقاً لشرط وجوده، وهو محال، وهذا لخلافه في سائر موارد العلم الإجمالي فإنّه لا يكون فيها جريان أصالة الإباحة في أحد طرفيه مانعاً عن تنجيز العلم الإجمالي وموجباً لانحلاله.

والحاصل : أنّ عدم جريان الإباحة في المائع في المقام من مبادئ تنجّز العلم الإجمالي، فهو في مرتبةٍ سابقةٍ على تنجّزه ككلِّ شرطٍ بالنسبة إلى مشروطه، بمعنى أنّه لا بدّ أن يثبت في المرتبة السابقة على تنجّزه عدم جريان الأصل في المائع، وفي هذه المرتبة السابقة لا مانع من جريان الأصل أصلاً، فتدبّره فإنّه دقيق.

ويرد عليه ثانياً : أنّ لازم ما ذكره في الصورة الأولى من الأخذ أوّلاً بالمدلول الالتزامي لدليل الأصل التنزيلي، وبتعبيرٍ آخر : بمدلول الإطلاق فيه من ثبوت وجوب الحجّ، ثمّ يؤخذ بالمدلول المطابقي له وهو الترخيص في طرفه، محذورٌ لا يلتزم به أحد.

وتوضيح ذلك : أنّه لو فرض أنّ وجوب الحجّ مترتّب على عدم الدين واقعاً وكانت قد تواردت على المكلّف كلتا الحالتين : من ثبوت الدَين في زمانٍ، وعدمه في زمانٍ ويشكّ في المتأخّر منهما فإنّه لا إشكال من أحدٍ - بناءً على جريان الاستصحاب في نفسه في المقام - في وقوع المعارضة بين استصحاب الدَين واستصحاب عدم الدَين، مع أنّ لازم ما ذكره أن يكون استصحاب الدَين حاكماً على استصحاب عدم الدَين.

وتحقيق ذلك : أنّ موضوع كلٍّ من استصحاب عدم الدَين واستصحاب وجوده هو الشك في الدَين، ولاستصحاب عدم الدَين اقتضاءان ومدلولان : أحدهما مدلول مطابقيّ وهو نفي الدَين، والآخر مدلول ثابت بإطلاق التنزيل بلحاظ الآثار وهو وجوب الحجّ، ولا بأس بتسميته بالمدلول الالتزامي.وبناءً


علىما أفيد يكون ثبوت المدلول المطابقي لاستصحاب عدم الدَين في طول مدلوله الالتزامي، ومتوقّف على ثبوته في المرتبة السابقة لينحلّ به العلم الإجمالي.وثبوت المدلول الالتزامي لاستصحاب عدم الدَين في المرتبة السابقة متوقّف على تمامية أركان الاستصحاب المزبور في هذه المرتبة : من اليقين بعدم الدَين حدوثاً، والشكّ فيه بقاءً، وإلاّ لو لم تكن أركان الاستصحاب تامّةً في هذه المرتبة لَما كان هناك مجال لإجراء استصحاب عدم الدّين حينئذٍ ولو بمقدار مدلوله الالتزامي.

ومن الواضح أنّ استصحاب بقاء الدَين بلحاظ مدلوله المطابقي - وهو وجود الدَين - يلغي الشكّ في الدَين، ويهدم بذلك أركان استصحاب عدم الدّين، فلا يبقى مجال لإعمال مدلوله الالتزامي في المرتبة الأولى ؛ لانهدام أركانه، ولا لإعمال مدلوله المطابقي، وهو نفي الدَين في المرتبة المتأخّرة ؛ لأنّه فرع ثبوت المدلول الالتزامي له في الرتبة السابقة، والمفروض أنّه محكوم في الرتبة السابقة باستصحاب وجود الدَين.

والحاصل : أنّ استصحاب عدم الدَين لو كان يقتضي ثبوت مدلوله المطابقي ابتداءً لكان معارضاً لاستصحاب وجود الدَين، كما هو الشأن في سائر موارد توارد الحالتين، إذ كلّ منهما يلغي الشكّ في الدَين فلا حكومة لأحدهما على الآخر، ولكنّ المفروض أنّ اقتضاءه لمدلوله المطابقي فرع تمامية اقتضائه لمدلوله الالتزامي وفعليته، بحيث لو لا فعلية المدلول الالتزامي أوَّلاً لَما كان للدليل اقتضاء للمدلول المطابقي لاستصحاب عدم الدَين ؛ لمنافاته حينئذٍ لبرهان منجِّزية العلم الإجمالي المخصّص لأدلّة الأصول، فإذا كان اقتضاء الاستصحاب للمدلول المطابقي متوقّفاً على اقتضائه للمدلول الالتزامي فلا محالة يكون استصحاب وجود الدَين حاكماً على المدلول الالتزامي لاستصحاب عدم الدَين ؛ لأنّه رافع


لموضوع الاستصحاب المزبور، وهو الشكّ في الدَين، بخلاف المدلول الالتزامي المزبور لاستصحاب عدم الدَين فإنّه لا يلغي الشكّ في الدَين حتى يكون في عرض استصحاب بقاء الدَين، بل مفاده التعبد بوجوب الحجّ فقط.

وعليه فاستصحاب وجود الدَين يكون حاكماً على المدلول الالتزامي لاستصحاب عدم الدَين؛ لأجل رفعه لموضوعه وهو الشكّ في الدَين، بخلاف العكس، فلا يثبت المدلول الالتزامي لاستصحاب عدم الدَين لأجل المحكومية، وحينئذٍ لا تصل النوبة إلى الأخذ بالمدلول المطابقي لاستصحاب عدم الدَين ؛ لأنّه موقوف على ثبوت المدلول الالتزامي، والمفروض محكوميته وعدم ثبوته.

وإن شئت قلت : إنّ ملاك الحكومة - وهو دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص - موجود في المقام، فإذا أخذنا باستصحاب بقاء الدَين كان اقتضاء الاستصحاب الآخر لمدلوله الالتزامي محكوماً وخارجاً بالتخصّص، وكذلك ينهدم اقتضاؤه في المرتبة المتأخّرة لمدلوله المطابقي.

وأمّا إذا أخذنا باستصحاب عدم الدَين بكلا مدلوليه الالتزامي والمطابقي كان ذلك تخصيصاً بالإضافة إلى استصحاب بقاء الدَين لا تخصّصاً.

فاتّضح أنّه على ما أفاد من الجواب يلزم حكومة استصحاب بقاء الدَين على استصحاب عدمه في موارد توارد الحالتين، مع أنّ الأصحاب الذين هو بصدد توجيه كلامهم على مبانيه لا يلتزمون بذلك.

ويرد عليه ثالثاً : أنّنا لا نتعقّل تشكّل علمٍ إجماليٍّ في الصورة الثالثة أصلاً، أي فيما إذا كان وجوب الحجّ مترتّباً على المعذّرية من ناحية وجوب الوفاء بالدَين، فما ذكره : من أنّ الأمر ينتهي حينئذٍ إلى العلم الإجمالي بوجوب الوفاء بالدَين أو وجوب الحجّ إلاّ أنّه غير قابلٍ للتنجيز، ممنوعٌ ؛ وذلك لأنّ العلم الإجمالي متقوّم بطرفين أو أكثر.


ففي المقام العلم الإجمالي المُدَّعى أحد طرفيه هو وجوب الحجّ، ولا بدّ له من طرفٍ آخر، فإن ادُّعي أنّ الطرف الآخر هو وجوب الوفاء بالدَين ففيه : أنّ المكلّف يحتمل عدم ثبوت التكليفين معاً، وذلك في فرض عدم ثبوت وجوب الوفاء واقعاً مع تنجّزه ظاهراً، فإنّه على هذا التقدير لا يكون كلا الحكمين ثابتاً.

أمّا وجوب الوفاء فلأنّه مفروض العدم واقعاً.وأمّا وجوب الحجّ فلعدم تحقّق موضوعه - وهو المعذرية - من ناحية الدَين.وإذن فالمكلّف يحتمل عدم ثبوت كلا التكليفين على بعض التقادير، فكيف يدّعى كونه عالماً بأحدهما على كلِّ تقدير ؟ !

والحاصل : أنّ فرض عدم وجوب الحجّ ليس هو فرض وجوب الوفاء واقعاً البتّة حتى يكون الأمر دائراً بينهما ويكون المكلف عالماً بأحدهما إجمالاً، بل فرض عدم وجوب الحجّ هو فرض عدم موضوع، أي عدم المعذورية من ناحية الدَين، وتنجّزه، وهو أعمّ من كونه ثابتاً في الواقع، أوْ لا، فوجوب الوفاء بالدَين بوجوده الواقعي ليس طرفاً للعلم الإجمالي أصلاً، وإن ادّعي أنّ العلم الإجمالي المدّعى تشكيله في المقام أحد طرفيه وجوب الحجّ، والآخر هو وجوب الوفاء بالدَين، ولكن لا بوجوده الواقعي، بل بوجوده التنجّزي، بمعنى أنّ المكلف يعلم : إمّا بوجوب الحجّ، أو بتنجّز وجوب الوفاء بالدَين.

فيدفعه : أنّ التنجّز لا يعقل أن يكون طرفاً للعلم الإجمالي ؛ لأنّ من شؤون الطرفية للعلم الإجمالي أن يكون مشكوكاً.ومن الواضح أنّ المنجِّزية لا يتصوّر فيها الشكّ ؛ لأنّها ليست إلاّ عبارةً عن إدراك العقل لإمكان العقاب على تقدير مخالفة التكليف وصحّته، وهذا ممّا لا يمكن التردّد فيه، فإنّ الاحتمال أمر وجداني، فإن احتمل العقل العقاب فالمنجّزية ثابتة جزماً، وإلاّ فلا منجّزية جزماً.

وإذن فطرفيّة المنجّزية للعلم الإجمالي غير معقولة.


على أنّه لو فرض طرفيتها لم تكن حينئذٍ مورداً للأصل المؤمِّن بلا إشكال ؛ لأنّ احتمال المنجّزية مساوق لاحتمال التكليف المنجّز، ومن المعلوم أنّ احتمال التكليف المنجّز ليس مورداً للأصل المؤمِّن، بل مورده احتمال التكليف الواقعي.

والحاصل : أنّنا لا نتعقّل حصول علم إجماليٍّ في هذه الصورة أصلاً، بل لا بدّ من ملاحظة وجوب الوفاء بالدَين المشكوك، فإن كان هناك من سائر الجهات ما يوجب تنجّزه تنجّز وانعدم وجوب الحجّ جزماً، وإن لم يكن له منجّز في نفسه جرت عنه البراءة، وثبت وجوب الحجّ من دون الانتهاء إلى علمٍ إجماليٍّ بوجوب الوفاء أو وجوب الحجّ ليمنع عن قابليته للتنجيز.

نعم، لو فرض أنّ وجوب الحجّ مترتّب على الجامع بين المعذورية عقلاً وبين العدم الواقعي لوجوب الوفاء لحصل العلم الإجمالي بأحد التكليفين، إلاّ أنّه خلاف فرض الصورة الثالثة من كونه ناشئاً من القدرة المسبّبة عن مجرّد معذورية المكلف عقلاً من ناحية الدَين.

وإن شئت قلت : إنّ المكلف في هذه الصورة على تقدير تنجّز الدَين عليه بمنجِّزٍ ما يعلم تفصيلاً بعدم وجوب الحجّ، ويحتمل وجوب الوفاء بالدَين، وكون المنجِّز للدَين مطابقاً للواقع.وعلى تقدير عدم وجود منجّزٍ له يعلم تفصيلاً بوجوب الحجّ، ويشكّ بَدواً في وجوب الوفاء، ولا ثالث لهذين التقديرين، إذ لا يتصوّر الشكّ في وجود منجِّزٍ عقلاً للدَين، فأين العلم الإجمالي المدّعى ؟ !

فاتّضح بهذا كلّه : أنّ القول بالعلّية لا يلائم جريان الأصل النافي للتكليف المترتّب عليه في الصورة الأولى ؛ لعدم خلوِّه عن محذور، وهو حكومة استصحاب الدَين على استصحاب عدمه في موارد توارد الحالتين.وأمّا في الصورة الثانية فيستحيل تنجيز العلم الإجمالي، كما عرفت.وأمّا في الصورة الثالثة فلا علمَ إجماليٌّ أصلاً.


تعلّق العلم الإجمالي بجزء الموضوع

التنبيه الثالث : لا إشكال في أنّ التكليف الفعلي الذي يكون موضوعاً لوجوب الامتثال على تقدير وصوله إنّما يكون بتمامية الكبرى والصغرى، بمعنى وجود الجعل من قِبَل المولى، وتحقّق تمام الموضوع المأخوذ في مقام الجعل بقيوده وأجزائه، وعليه فالعلم الإجمالي إنّما ينجِّز إذا كان علماً بتمام الموضوع ولو في ظرفٍ متأخّر ؛ لأنّه حينئذٍ يكون علماً بالتكليف الفعلي.

وأمّا العلم بجزء الموضوع إجمالاً فلا أثر له في تنجيز حكم ذلك الموضوع.فإذا علم المكلّف إجمالاً بخمرية أحد المائعين تتنجّز حرمة الشرب المتعلّقة بالخمر ؛ للعلم بتمام موضوعها وهو الخمرية، ولكن لا يتنجّز وجوب الحدّ ؛ لعدم العلم بتمام موضوعه المركّب من الخمر وشربه، بل لا يتحقّق بعد شرب أحد المائعين إلاّ احتمال تحقّق موضوعه بلا علمٍ إجماليٍّ به، وتجري حينئذٍ أصالة البراءة عن وجوب الحدّ بلا معارض ؛ لعدم وقوعه طرفاً لعلمٍ إجماليٍّ أصلاً، وهذا كبروياً ممّا لا ريب فيه، وإنّما الكلام في بعض المصاديق المشتبهة التي يشتبه تنجّز تكليفٍ فيها ؛ لاشتباه كون المعلوم الإجمالي تمام موضوعه حتى يتنجّز، أو جزء موضوعه حتى لا يتنجّز.

والمهمّ منها مسألتان :

حكم النماء عند العلم الإجمالي بالغصبيّة :

المسألة الأولى : ما إذا علم بغصبية إحدى الشجرتين أو الحيوانين، ثمّ تجدّد لإحداهما ثمرة دون الأُخرى فقد يقال بجواز التصرّف في الثمرة تكليفاً، وعدم ضمانها وضعاً ؛ لعدم العلم بما هو تمام الموضوع للتكليف أو الوضع المتعلّق بالثمرة.


وقد يقال : بتنجّز الحرمة والضمان معاً بالنسبة إلى الثمرة، كما اختاره المحقّق النائينيقدس‌سره (١) ، بعد فراغ كلا الفريقين عن تنجيز العلم الإجمالي لضمان كلٍّ من الأصلين وحرمة التصرّف فيه.

ووجه القول بتنجّز ضمان الثمرة هو : أنّ وضع اليد على العين المغصوبة موجب لضمانها وضمان منافعها إلى الأبد، ومن ثَمّ جاز للمالك الرجوع إلى الغاصب الأوّل في المنافع المتجدّدة بعد خروج العين عن يده ودخولها تحت الأيدي المتأخّرة، فالعلم الإجمالي بغصبية إحدى الشجرتين كما يترتّب عليه ضمان نفس العين المغصوبة كذلك يترتّب عليه ضمان منافعها المتأخّرة؛ لأنّ وضع اليد على العين ولو آناً ما تمام الموضوع لذلك.

ووجه عدم تنجّز الضمان : أنّه تارةً يكون ذو الثمرة مجرىً للأصل المثبت لملكية الغير له ؛ فلا إشكال في ضمان الثمرة، وأخرى لا تكون كذلك فلا ضمان ؛ لأنّ ضمان المنفعة موقوف على أن تكون منفعة للعين المغصوبة الداخلة تحت اليد، فما لم يحرز كونها كذلك لم يحرز كونها مصداقاً لموضوع الضمان، فبقاء اليد على العين المغصوبة الى حين تجدّد المنفعة، بحيث تكون المنفعة تحت اليد، وإن لم يكن شرطاً في ضمان المنافع ؛ لكفاية كون العين تحت اليد آناً ما في ضمان منافعها الحادثة ولو بعد ارتفاع اليد إلاّ أنّه لا بدّ في ضمان المنفعة من أن تكون منفعةً لعين مغصوبةٍ واقعةٍ تحت اليد ولو آناً ما، وفي المقام بمجرّد العلم الإجمالي بغصبية إحدى العينين لا يحرز كون المنفعة منفعةً مضافةً إلى المغصوب ولو إجمالاً.

هذا ملخَّص ما أفيد في المقام.

____________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٧٣ - ٧٦.


والتحقيق في النظر القاصر : أنّ العلم الإجمالي بغصبية إحدى الشجرتين لا يوجب ضمان إحداهما إذا تلفت، ولا ينجّز الحكم بتداركها فضلاً عن منافعها المتجّددة، بمعنى أنّ ذا الثمرة لا يكون ضمانه منجّزاً بالعلم الإجمالي المزبور، فكيف بمنافعه ؟! ولا يفرّق في هذا المدّعى بين سائر المسالك المعروفة في الضمان.

توضيح ذلك : أنّ الضمان تارةً يقال بأنّه عبارة عن اشتغال الذمّة بالمثل أو القيمة على تقدير التلف، فهو اشتغال مشروط بالتلف، كما لعلّه المشهور.

وأخرى يقال : إنّه عبارة عن دخول الشيء في عهدة الضامن بالمقدار الممكن أداؤه منه، فما دامت العين قائمةً يكون متعلّق العهدة هو العين بخصوصيّاتها الشخصية، وإذا تعذّرت سقطت الخصوصيات الشخصية من العهدة، وبقي متعلّقها مطلقاً من ناحية الخصوصيات الشخصية وإن كان مقيّداً بالخصوصيات النوعية والصنفية، وهو المعبَّر عنه بضمان المثل، ومع تعذّر هذه الخصوصيات أيضاً تسقط من العهدة، وتبقى المالية لا بشرط.

وثالثةً يقال : إنّ الضمان بمعنى كون العين الشخصية بخصوصياتها في العهدة، من دون أن يسقط شيء منها بتعذّر أوصاف الشخص أو النوع، وإنّما يختلف أثرها التكليفي، فإنّ أثرها مع التمكّن من أوصاف الشخص وجوب ردّ نفس العين، ومع تلفها وجوب ردّ المثل في المثليات، والقيمي في القيميات.

فعلى الأوّل يكون موضوع الضمان - الذي هو بمعنى اشتغال الذمّة - مركّب من وضع اليد على العين المغصوبة وتلفها، إذ المفروض أنّه عبارة عن الاشتغال المشروط بالتلف، وهذا الموضوع المركّب غير محرزٍ ولو إجمالاً، بل العلم الإجمالي تعلّق بجزء الموضوع، وهو وضع اليد على عينٍ مغصوبة، وأمّا تلفها فليس محرزاً أصلاً.


والحاصل : عند تلف إحدى العينين لا يكون موضوع الضمان معلوماً ولو بالإجمال، فأصالة البراءة عن ضمان العين التالفة تجري بلا معارض، وليس المعلوم الإجمالي - وهو غصبية إحدى العينين - تمام الموضوع للضمان حتى يتنجّز بالعلم الإجمالي.

وأمّا على المسلك الثاني فالمعلوم الإجمالي - وهو وضع اليد على العين المغصوبة المردّدة - تمام الموضوع لكون العين بخصوصياتها متعلقةً للعهدة، إذ لا يتوقّف كون العين في العهدة بخصوصياتها الشخصية إلاّ على وضع اليد العادية عليها، وهذا معلوم في المقام إجمالاً، إلاّ أنّ العهدة المتعلقة بالعين بشخصها لا تقتضي أكثر من ردّ نفس العين دون المثل أو القيمة على تقدير التلف الذي يراد إثبات تنجيزه في المقام، بل الذي يقتضي دفع المثل هو العهدة المتعلّقة بالشجرة لا بشرطٍ من جهة الخصوصيات الشخصية، ومن المعلوم أنّ العهدة المتعلّقة بالمال لا بشرط من جهة الخصوصيّات الشخصيّة مشروطة بتعذّر الخصوصيات الشخصية وتلف العين، إذ ما لم تتلف العين تكون بخصوصياتها في العهدة.

وإذن فوضع اليد المعلوم إجمالاً إنّما يكون تمام الموضوع للعهدة المتعلّقة بشخص العين، وهذه العهدة ليست هي العهدة الضمانية المقصود إثبات تنجّزها ؛ لأنّها لا تقتضي إلاّ رد نفس العين، والعهدة الضمانية المدّعى تنجّزها بالعلم الإجمالي في المقام هي العهدة المقتضية لدفع المثل أو القيمة، أي العهدة المتعلّقة بنوع العين، أو بِصرف ماليتها، ووضع اليد على العين لا يكون تمام الموضوع لهذه العهدة ؛ لكونها متوقّفةً على أمرٍ آخر وهو تعذّر الخصوصيات الشخصية، إذ ما لم تتعذّر تكون العهدة متعلقةً بشخص العين لا بنوعها، وهذا الأمر الأخير الذي هو شرط لتحقق عهدة المثل أو القيمة ليس معلوماً ولو إجمالاً، فعند تلف إحدى العينين لا يكون هناك إلاّ الشكّ البَدوي في تعلّق العهدة بالمثل أو القيمة، أي نوع


العين أو أصل ماليتها ؛ لأنّ موضوعها ليس محرزاً أصلاً ؛ لاحتمال كون المغصوب غير التالف، فنسبة العهدة المتعلّقة بالمثل - أي بنوع العين المقتضية لدفع المثل - إلى وضع اليد المعلوم إجمالاً نسبة الحكم إلى جزء موضوعه، كوجوب الحدِّ بالنسبة إلى وجود الخمر ؛ لأنّ موضوع العهدة المزبورة مركّب من وضع اليد على العين وتعذّر خصوصياتها، وهذا الموضوع المركّب غير معلوم أصلاً ؛ لاحتمال أنّ العين المغصوبة ليست هي التالفة المتعذّرة خصوصياتها.

فإن قلت : إنّ المكلّف عند تلف إحدى العينين، يحصل له علم إجمالي بعهدةٍ مردّدةٍ بين العهدة المتعلّقة بنفس العين التي لم تتلف، - المقتضية لِلزوم ردّها بشخصها - والعهدة المتعلّقة بنوع العين التي تلفت، المقتضية لِلزوم دفع المثل، فإنّه إن كان المغصوب هو التالف ففي عهدته مثل التالف، وإن كان المغصوب هو العين الأخرى ففي عهدته شخص هذه العين، ويكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً، فلا بدّ من ردّ العين التي لم تتلف وإعطاء مثل التالف.

قلت : إنّ هذا العلم الإجمالي بالعهدة المردّدة لا يكون منجِّزاً ؛ لأنّ أحد طرفين - وهو عهدة العين التي لم تتلف - قد تنجّزت بعلمٍ إجماليٍّ سابق، فلا ينجِّز بالنسبة إلى الطرف الآخر، كما سيأتي دعوى ذلك منهم، فإنّ المكلف حين وضعه اليد على العين المغصوبة المردّدة بين عينين يعلم إمّا بدخول هذه العين بشخصها في عهدته، أو تلك كذلك، فبعد تلف إحداهما وإن تشكّل علم إجمالي بدخول غير التالف بشخصه في عهدته، أو دخول نوع التالف في عهدته إلاّ أنّ الطرف الأوّل، لمَّا كان منجّزاً بالعلم الأول فلا بدّ من انحلال العلم الإجمالي الثاني.

فإن قلت : إنّ العلم الإجمالي الثاني وإن كان منحلاًّ وغير منجّز ؛ لأنّ العهدة الشخصية لغير التالف منجَّزة سابقاً إلاّ أنّه بعد دفع العين التي لم تتلف يشكّ في بقاء تلك العهدة المردّدة المعلومة بالإجمال ؛ لأنّه إن كان المغصوب هو العين التالفة


فعهدته قد تعلّقت بنوع التالف، وهذه العهدة باقية حتى بعد دفع العين التي لم تتلف.وإن كان المغصوب هو العين التي لم تتلف فعهدته قد تعلّقت بشخص العين غير التالفة، وتكون عهدته حينئذٍ ساقطة بدفعها.وإذن بعد أداء العين التي لم تتلف يشكّ في بقاء العهدة المعلومة بالإجمال.

قلت : إن أريد استصحاب العهدة المعلومة قبل تلف كلٍّ من العينين ففيه : أنّ تلك العهدة الثابتة حال وضع اليد هي عهدة متعلّقة بشخص المغصوب، وهي معلومة الارتفاع تفصيلاً بعد تلف إحدى العينين وأداء الأخرى، إذ أنّ المغصوب :

إن كان هو التالف، فالعهدة المتعلّقة به قد ارتفعت وتبدّلت إلى عهدةٍ مباينةٍ لها وهي عهدة المثل.وإن كان هو غير التالف فالعهدة المتعلّقة به قد ارتفعت بأدائه.

وإن أريد استصحاب العهدة المعلومة بالإجمال حال تلف إحدى العينين المردّدة بين عهدة نوع التالف ومثله، أو عهدة شخص العين الأخرى، فهي وإن كانت على التقدير الأوّل تكون باقيةً وعلى التقدير الثاني تكون مرتفعةً فيستصحب الجامع بين العهدة المرتفعة على تقدير ثبوتها والعهدة الباقية على تقدير ثبوتها على نحو استصحاب الكلّي في القسم الثاني إلاّ أنّ هذا الاستصحاب لا يجري.

أمّا أوّلاً فلأنّه معارض باستصحاب عدم الفرد الطويل، أي عدم تعلّق عهدةٍ له بنوع التالف، بناءً على أنّ استصحاب عدم الفرد الطويل إذا لم يسقط بالمعارضة باستصحاب عدم الفرد القصير يعارض به استصحاب الكلّي، فإنّ المقام من هذا القبيل، إذ أنّ استصحاب عدم الفرد القصير من العهدة - أي عهدة شخص العين غير التالفة - قد سقط بالمعارضة مع استصحاب عدم عهدة شخص العين الأخرى بمجرّد وضع اليد على العينين، فحين تلف إحداهما وتشكّل علمٍ إجمالي إمّا بعهدة نوع التالف أو عهدة شخص ما لم يتلف لا يكون لاستصحاب عدم حدوث عهدة


نوع التالف معارض في نفسه، فيعارض استصحاب كلّيّ العهدة الذي يُدَّعى جريانه بعد أداء العين الباقية، وإن كان المبنى غير منقّح.

وأمّاثانياً فلأنّ الجامع بين عهدة شخص غير التالف وعهدة نوع التالف لا أثر له فعلاً ليمكن إثباته بالاستصحاب، إذ أنّه جامع بين عهدة شخص غير التالف التي لا أثر لها فعلاً لأنّ المفروض أنّه قد أدّاها للمالك، وبين عهدة نوع التالف التي لها أثر، فإن أريد باستصحاب الجامع بين العهدتين إثبات مجرّد الجامع، فيدفعه : أنّ الجامع بين عهدة لها أثر وعهدة ليس لها أثر لا أثر له ليثبت بالتعبّد الاستصحابي، وإن أريد إثبات عهدة المثل باستصحاب الجامع فهو مثبت.

وأمّا على المسلك الثالث في باب الضمان فعهدة الشخص وإن كان قد علم بما هو تمام الموضوع لها إجمالاً - وهو وضع اليد - إلاّ أنّ الحكم التكليفي بوجوب دفع البدل لا يكفي فيه مجرّد كون العين في العهدة ؛ فإنّ كون العين في العهدة على هذا المسلك ملائم مع وجوب ردّ نفس العين ومع وجوب دفع مثلها.وإذن فوجوب دفع المثل مشروط بتلف العين، بمعنى أنّ عهدة الشخص إنّما تقتضي وجوب المثل وتكون موضوعاً له بشرط تلفها، وإلاّ فلا تكون موضوعاً إلاّ لوجوب ردّ نفس العين، فموضوع وجوب المثل مركّب من وضع اليد المحقّق لعهدة العين المغصوبة، ومن تلفها المحقّق لاقتضاء العهدة لوجوب المثل، وحيث إنّ الجزء الثاني غير محرزٍ ولو بالإجمال، فتجري عند تلف إحدى الشجرتين البراءة عن وجوب البدل.

حكم الملاقي لبعض الأطراف :

المسألة الثانية : ما إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد المائعين ثمّ لاقى شيء ثالث أحدهما، فإنّه يتكلّم في أنّ نجاسة الملاقي هل تتنجّز بالعلم الإجمالي بنجاسة أحد المائعين أوْ لا ؟


وقد بنيت المسألة على القول بالسراية بمعنى التوسّع والانبساط، وعدمه.فعلى الأول نجاسة الملاقِي هي بنفسها نجاسة الملاقَى - بالفتح - التي تنجّزت بالعلم الإجمالي، فلا تكون مجرىً للأصل المؤمِّن، بخلافه على الثاني.

والتحقيق : أنّ السراية بمعنى انبساط النجاسة وتوسّعها أمر مستحيل، بناءً على الصحيح من أنّ النجاسة حكم شرعيّ واعتبار مولوي فإنّ الاعتبار يتشخّص بمتعلّقه، ولا يعقل توسّع متعلّقه ولا تضيّقه، إذ هو خلاف تشخّصه في أفق الاعتبار بأطرافه ومشخّصاته.

فما ذكره

المحقّق العراقي قدس‌سره (١) وغيره(٢) من : أنّ نجاسة الملاقي يمكن أن تكون لمحض التعبّد الشرعي، ويمكن أن تكون من جهة السراية بمعنى الاكتساب، بأن تكون نجاسة الملاقي ناشئةً عن نجاسة الملاقَى - بالفتح - ومسبّبةً عنها نشوء حركة المفتاح من حركة اليد، ويمكن أن تكون نجاسته من السراية بمعنى الانبساط، بأن تكون الملاقاة منشأً لاتّساع دائرة نجاسة الملاقَى وانبساطها إلى الملاقِي، بحيث تكون نجاسته عين نجاسته، ممنوع ؛ لأنّ نفس النجاسة لا يتصوّر فيها السريان والاتّساع ؛ لكونها اعتبارية.

ومنه يظهر الإشكال في السراية بمعنى إيجاب الملاقاة لعلّية نجاسةٍ لنجاسة، كما اختاره، فإنّ العلّية والاكتساب لا يتصوّر في الأمور الاعتبارية القائمة كلّها بالمعتبر قيام الفعل بفاعله، أو المعلول بعلّته.نعم، كون نجاسة الملاقَى - بالفتح - معدّةً لصدور اعتبارٍ آخر من المعتبر بنحوٍ من معاني الإعداد أمر معقول.وبعد عدم معقولية السراية بكلا معنييها لا حاجة إلى التكلّم في مقام الإثبات.

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٣٥٣ - ٣٥٤.

(٢) كالمحقّق النائيني في أجود التقريرات ٢ : ٢٥٧، وفوائد الأصول ٤ : ٤١ - ٤٢.


هذا كلّه، مضافاً إلى أنّه لو تمّ مبنى السراية بمعنى الانبساط ثبوتاً وإثباتاً لَما اقتضى تنجّز نجاسة الملاقي بالعلم الإجمالي ؛ لأنّ انباسط النجاسة على الملاقي من الملاقى وسعة دائرتها واختلاف حدّها لو تعقّلناه، فلا يمكن تنجّزه بالعلم الإجمالي ؛ لأنّه فرع ملاقاة الملاقي للشيء النجس، فالمعلوم الإجمالي ليس تمام الموضوع للسراية وسعة دائرة النجاسة، بل هو مع فرض ملاقاة الملاقي له، ومن المعلوم أنّ ملاقاة النجس المعلوم بالإجمال ليست معلومةً ولو إجمالاً.

فظهر بذلك النظر في ما أفادهالمحقّق النائيني (١) ، من : أنّ التنجيس لو كان من جهة السراية لَوجب الاجتناب عن ملاقي طرف الشبهة ؛ لأنّ العلم الإجمالي يوجب تنجّز معلومه بتمام مَالَه من الأثر، فكلّ ما يترتّب عليه من أثرٍ على فرض وجوده في أيِّ طرفٍ من الأطراف يتنجّز بالعلم الإجمالي، وحيث إنّ المفروض كون وجوب الاجتناب عن الملاقي من آثار نفس المعلوم بالإجمال على تقدير وجوده في ما لاقاه فمقتضى العلم الإجمالي هو ترتيب ما للنجاسة من الأثر، فيجب الاجتناب عن الملاقي أيضاً.

ووجه النظر : أنّ العلم الإجمالي - كما أفيد - إنّما ينجِّز الآثار التي يكون المعلوم الإجمالي تمام الموضوع لها، بمعنى أنّه إذا علم بنجاسة الإناء الأبيض أو الأصفر - مثلاً - فأيّ أثرٍ يكفي في وجوده مجرّد تحقّق النجاسة المعلومة بالإجمال في الأبيض يتنجّز، وأمّا إذا كان مجرّد وجودها في الأبيض، لا يكفي، بل يحتاج إلى تحقّق أمرٍ آخر ليتحقّق الأثر فلا يتنجّز الأثر أصلاً، والمقام من هذا القبيل، فإنّه لو فرض ملاقاة الثوب للإناء الأبيض لا يكون مجرّد انطباق النجاسة المعلومة بالإجمال على الأبيض كافياً في وجوب الاجتناب عن الثوب، بل

____________________

(١) أجود التقريرات ٢ : ٢٥٩، وفوائد الأصول ٤ : ٤٢.


وجوب الاجتناب عن الثوب فرع انبساط النجاسة من الإناء الأبيض عليه واتّساع حدودها.والانبساط المزبور من الإناء على الثوب أيضاً لا يكفي فيه مجرّد نجاسة الإناء، بل يتوقّف - مضافاً إلى ذلك - على ملاقاته له.

وإذن فالمعلوم الإجمالي - وهو نجاسة أحد الإناءين - على فرض انطباقه على الإناء الأبيض لا يكون تمام الموضوع لسريان النجاسة وسعة دائرتها ؛ لتوقّف السعة المزبورة على وقوع ملاقاة شيءٍ له في الخارج.ولا تمام الموضوع لوجوب الاجتناب عن الملاقي ؛ لتوقّفه على انبساط النجاسة عليه، فالنجاسة بمرتبتها الوسيعة ودائرتها المنبسطة لا يعقل أن تتنجّز بالعلم الإجمالي بنجاسة أحد إناءين ؛ لأنّ سعتها متوقّفة على وجود نجسٍ وملاقاة شيءٍ له، ووجود النجس وإن كان معلوماً إجمالاً إلاّ أنّ ملاقاة شيءٍ له غير معلومة ؛ لاحتمال أنّ الثوب قد لاقى غير النجس المعلوم إجمالاً، فما هو تمام الموضوع وتمام العلّة لانبساط النجاسة ليس معلوماً ولو إجمالاً، وإنّما المعلوم إجمالاً جزؤه، فلا يتنجّز الانبساط ولا ما ينشأ عنه من الأحكام التكليفية وانبساطها بالعلم الإجمالي المزبور.

نعم، لو أريد بالسراية ما اصطلح عليهالمحقّق الأصفهاني قدس‌سره بكون الملاقَى - بالفتح - واسطةً في العروض بالإضافة إلى ملاقيه، بمعنى كون وجوب الاجتناب عن الملاقَى - بالفتح - المترتّب على نجاسته بنفسه يقتضي الاجتناب عن ملاقيه ؛ لعدم حصول الاجتناب عن شيءٍ إلاّ بالاجتناب عن ملاقيه، لكان ما ذكر متّجهاً، إذ يكون الاجتناب عن الملاقِي حينئذٍ من شئون امتثال الأمر بالاجتناب عن الملاقَى ( بالفتح )، فبدونه يشكّ في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم إجمالاً، فلا بدّ من الاحتياط، لا أنّ دائرة التكليف ودائرة النجاسة كلتاهما تتّسعان بسبب الملاقاة حتى يقال : إنّ النجاسة والتكليف بوجودهما السعي غير واصلين فلا يتنجّزان، كما عرفت، بل نفس وجوب الاجتناب عن الملاقَى - بالفتح - من


دون أن تختلف حدوده ودائرته بالملاقاة يكون امتثاله موقوفاً على اجتناب الملاقِي، وهذا المعنى يكون معقولاً ثبوتاً، ولا يرد عليه ما أوردناه على السراية.

إلاّ أنّ هذا ليس من السراية بشيء، وليس من باب اتّساع النجاسة، ولا يصحّ التنظير له بما ذكرهقدس‌سره من امتزاج المائع المتنجّس بغيره، إذ أفاد أنّ امتزاج المائع المتنجّس بغيره كما يوجب اتّساع النجاسة وانبساطها على الأجزاء كذلك الملاقاة توجب الانبساط واتّساع النجاسة، فلا يكون الملاقي فرداً آخر من النجس في قبال ما لا قاه، بل نجاسته بعينها هي نجاسته.فإنّ هذا صريح في أنّه إنّما يتكلّم في المقام على السراية بمعناها الحقيقي، لا على دعوى كون الاجتناب عن الملاقي من مقتضيات الاجتناب عمّا لاقاه.

وقد عرفت أنّه على المبنى المزبور للسراية وإن كانت نجاسة الملاقي بعينها نجاسة الملاقَى - بالفتح - إلاّ أنّه لا يعقل أن تنجّز النجاسة أو آثارها بوجودها السعي وبدائرتها المنبسطة بالعلم الإجمالي ؛ لأن المعلوم أصل النجاسة، لا جهة سعتها وشمولها لشيءٍ آخر، ولا مانع من التفكيك بين الجهتين في مقام التنجّز.

واتّضح بما سبق أنّ مجرّد العلم الإجمالي بنجاسة أحد إناءين لا ينجِّز نجاسة ملاقيه، فإن كان هناك وجه لتنجّز النجاسة في الملاقي فهو وقوعه بنفسه طرفاً لعلمٍ إجمالي آخر، إذ كما يعلم بنجاسة الإناء الأبيض أو الأصفر كذلك يعلم بنجاسة الثوب الملاقي للإناء الأبيض أو الإناء الأصفر، ولا إشكال في وجود هذا العلم الإجمالي.

والتحقيق : منجّزيته في سائر الموارد، المنتج لوجوب الاجتناب عن الملاقِي عقلاً، إلاّ أن المعروف بين الأساطين خلاف ذلك.

وقد ذكر لعدم تنجيز هذا العلم الإجمالي وجوه، بعضها يقتضي عدم تنجّز الملاقِي مطلقاً، وبعضها يقتضي عدم تنجّزه في بعض الموارد، كما سنشير إليه :


الوجه الأوّل : وهو مختصّ بصورة تأخّر العلم بالملاقاة عن العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف زماناً، وملخّصه : أنّ العلم الإجمالي الأوّل المتعلّق بنجاسة أحد إناءين حين حدوثه أوجب بقانون تنجيز العلم الإجمالي تعارض الأصول في الأطراف وتساقطها، وحين حصول العلم الإجمالي الثاني بنجاسة الثوب الملاقي للإناء الأبيض أو الإناء الأصفر يكون الأصل المؤمِّن في ناحية الإناء الأصفر قد سقط في زمانٍ سابقٍ بالمعارضة بملاحظة العلم الإجمالي الأوّل، فلا يكون هناك معارض لجريان أصالة الطهارة في الثوب الملاقي، والأصل في أحد طرفي العلم الإجمالي إذا لم يكن له معارض، جرى بلا محذور.

وإن شئت قلت : إنّ المقام من صغرويات العلم الإجمالي الذي يكون أحد طرفيه منجَّزاً بمنجِّزٍ سابق، والمنقّح في محله انحلال مثل هذا العلم الإجمالي وعدم صلاحيته للتنجيز : إمّا ببيان جريان الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، وإمّا ببيان أنّه يمتنع أن يكون منجِّزاً لمعلومه على كلّ تقدير، إذ المنجِّز لا يتنجّز، فيسقط عن التأثير.

وهذا التقريب على القول بالعليّة لا مجال له أصلاً ؛ لِمَا ستعرف في تنبيه الانحلال، وأشرنا إليه سابقاً من أنّه على هذا المبنى لا وجه لانحلال العلم الإجمالي بتنجّز أحد طرفيه بمنجِّزٍ سابق ؛ لأنّ العلم الإجمالي عند صاحب هذا المبنى لا يكون تنجيزه مقصوراً على الجامع بين الطرفين حتّى يقال: إنّ الجامع بين المنجِّز وغير المنجِّز لا يقبل التنجيز، فما هو المعلوم بالعلم الإجمالي - وهو الجامع - لا يصلح للتنجيز، وما يصلح للتنجيز وهو خصوص الطرف غير المنجّز ليس بمعلوم، بل الصورة العلمية الإجمالية حاكية عنده عن الواقع ومنجّزة له، فلا بدّ من صلاحية الواقع للتنجيز، لا الجامع.

فلو فرض أنّ الواقع المنكشف إجمالاً في المقام هو الطرف الغير المنجِّز


كان صالحاً للتنجيز بالعلم الإجمالي، ومجرّد كونه مشكوكاً لا يمنع عن التنجيز على هذا المسلك، إذ الواقع الموجود في البين مشكوك في سائر موارد العلم الإجمالي، ومع ذلك يلتزم بكونه منجِّزاً بالصورة العلمية الإجمالية، فليكن في المقام كذلك.وسوف نتعرّض لهذا تفصيلاً في مبحث الانحلال، فانتظر.

وأمّا على مباني الاقتضاء فلانحلال العلم الإجمالي في المقام بتنجّز أحد طرفيه بالعلم السابق وجه، إذ لا يبقى حينئذٍ مانع عن جريان الأصل النافي في الطرف الآخر.

إلاّ أنّ التحقيق في النظر القاصر عدم تمامية التقريب المزبور في المقام ؛ حتّى على مباني الاقتضاء، بمعنى أنّ نجاسة الملاقِي - بالكسر - في المقام طرف لعلمٍ إجماليٍّ لم يتنجّز شيء من طرفيه بمنجِّزٍ سابقٍ أصلاً حتّى يكون الأصل في الملاقي جارياً بلا معارض.

وبيان ذلك : أنّه لا إشكال عند حصول الملاقاة بين الثوب والإناء الأبيض في حصول علمٍ إجماليٍّ بنجاسة الثوب أو الإناء الأصفر الذي هو طرف الإناء الأبيض، وليس العلم الأول بنجاسة الأبيض أو الأصفر موجباً لانحلال هذا العلم انحلالاً حقيقياً، وإن كانت بعض الكلمات موهمة لذلك ؛ وذلك لوضوح أنّ العِلمين الإجماليّين لا يوجب أحدهما انحلال الآخر بمجرّد وجود طرفٍ مشتركٍ بينهما، فالكلام إذن يتمحّض في الانحلال الحكمي، وذلك بدعوى جريان الأصل في الملاقي بلا معارض باعتبار تنجّز الطرف الآخر وهو نجاسة الأصفر، وسقوط الأصل فيه سابقاً.

وعليه فنقول : إنّه إذا علم إجمالاً عند الزوال بنجاسة الإناء الأبيض أو الأصفر فهذا العلم الإجمالي يكون علماً فعلياً بالنجاسة الثابتة في هذا الزمان بالفعل لأحد الإناءين، ويكون علماً تدريجياً بنجاسة كلٍّ من الإناءين في هذا


الزمان، أو نجاسة الإناء الآخر في سائر قطعات الزمان إلى آخر أزمنة الشكّ والإجمال، ومن المعلوم أنّ الأصل الجاري بالفعل - أي عند الزوال - في كلٍّ من الطرفين يكون ساقطاً بالمعارضة ؛ لأجل العلم الإجمالي الفعلي بنجاسة أحدهما في هذا الزمان، وأمّا الأصل في القطعات الزمانية المتأخّرة بالإضافة إلى الإناء الأصفر - أي أصالة الطهارة في الإناء الأصفر في الساعة الثانية - فسقوطه ليس موقوفاً على أن يكون في الساعة الثانية بعد الزوال علم إجماليّ فعليّ بنجاسة الأصفر أو الأبيض، بحيث تكون نجاسة الأصفر في ذلك الزمان طرفاً لعلمٍ فعليٍّ في ذلك الزمان، بل قد لا يكون في الساعة الثانية علم إجمالي فعليٌّ بنجاسة أحد الإناءين ؛ لخروج الأبيض في ذلك الزمان عن الطرفية الفعلية ؛ للعلم بطهارته في ذلك الزمان ولو بسبب التطهير، بل يكفي في تنجيز الإناء الأصفر في القطعات المتأخّرة من الزمان، أي في الساعة الثانية.وسقوط أصالة الطهارة في ذلك الظرف كون القطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر، أي نجاسته في الساعة الثانية طرفاً للعلم الإجمالي التدريجي بتلك القطعات المتأخّرة، أو بنجاسة الأبيض فعلاً حين الزوال.

وبتعبير واضح : أنّ نجاسة كلٍّ من الإناء الأبيض والأصفر، تتحصّص من حيث الزمان إلى حصص، فالحصّة الأُولى من نجاسة الأصفر تتنجّز بالعلم الإجمالي الفعلي بنجاسة أحد الإناءين وأمّا الحصص المتأخّرة من الإناء الأصفر فتتنجّز بالعلم الإجمالي التدريجي بنجاسة الأبيض حين الزوال، أو بتلك الحصص المتأخّرة لنجاسة الأصفر، وبمثل هذا العلم الإجمالي التدريجي دفعوا شبهة عدم وجوب الاجتناب عن طرفٍ إذا خرج الطرف الآخر عن الطرفية في الأثناء، إلاّ أنّ هذا العلم الإجمالي التدريجي إنّما يوجب سقوط الأصل بالإضافة إلى الإناء الأصفر في القطعات المتأخّرة، وعدم شمول الدليل لتلك القطعات المتأخّرة


فيما إذا بقي إلى الزمان المتأخّر، وإلاّ فلو انحلّ هذا العلم الإجمالي التدريجي بعد ساعةٍ من حدوثه فلا مانع من نفي دليل الأصل حينئذٍ للقطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر، فما هو المنجِّز لهذه القطعات والموجب لعدم نفيها في ظرفها بدليل الأصل، هو العلم الإجمالي التدريجي بوجوده البقائي، ولا يكفي حدوثه في انقطاع الأصل في ظرف القطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر، وعلى هذا فالقطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر إنّما تتنجّز ببقاء ذلك العلم التدريجي، لا بحدوثه، فلو وقعت في ظرفها طرفاً لعلمٍ إجماليٍّ آخر فلا مانع من تنجيزه.

ولا يقال : إنّ هذه القطعات المتأخّرة قد تنجّزت بمنجّزٍ سابقٍ، وهو العلم الإجمالي التدريجي الحاصل من حين الزوال.

لأنّه يقال : إنّ هذا العلم الإجمالي إنّما ينجِّز القطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر بوجوده البقائي، إذ لو انحل قبل أن يأتي ظرف تلك القطعات المتأخرة، لَمَا نجّزها، ووجوده البقائي ليس سابقاً في الزمان على العلم الإجمالي الآخر المفروض، فينجّز العلمان في الظرف المتأخّر معاً، ويستحيل تنجيز أحدهما دون الآخر، بل يستند سقوط الأصل في القطعات المتأخّرة في ذلك الظرف إليهما معاً.

إذا اتّضح هذا يتّضح أنّه إذا علم بنجاسة الأصفر أو الأبيض عند الزوال، ثمّ حصلت ملاقاة الثوب للإناء الأبيض مغرباً فالقطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر تكون طرفاً للعلم الإجمالي بها أو بنجاسة الملاقي، وتلك القطعات المتأخّرة وإن كانت طرفاً لعلمٍ إجماليٍّ تدريجيٍّ حاصلٍ من حين الزوال إلاّ أنّه لا ينجّز تلك القطعات في ظرفها إلاّ بوجوده البقائي المعاصر زماناً للعلم الإجمالي الجديد، فيؤثّر كلا العلمين في التنجيز معاً.

والحاصل : أنّ معنى تنجّز القطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر في ظرفها إنّما هو سقوط الأصل المؤمِّن النافي لها في ذلك الظرف، ومن المعلوم أنّ سقوط


أصالة طهارة الإناء الأصفر في الظرف المتأخّر - ولنفرضه الساعة الثانية - لا يكفي فيه حدوث العلم الإجمالي التدريجي في الساعة الأولى ؛ لأنّ العلم في زمانٍ لا يوجب سقوط الأصل في زمانٍ آخر بالضرورة، وإذن فأصالة الطهارة في الساعة الثانية النافية لنجاسة الأصفر في ذلك الزمان ليست ساقطةً بمنجّزٍ سابق على العلم الإجمالي الجديد بحسب الزمان، بل بمنجِّز في عَرْضه، وهو بقاء العلم الإجمالي الأوّل، ولا مرجِّح لاستناد التنجيز إلى هذا البقاء دون العلم الإجمالي الحادث.

وبهذا البيان يندفع ما يمكن أن يقال من أنّ العلم الإجمالي بحدوثه عند الزوال ينجِّز القطعات المتأخّرة، ولكن مشروطاً بشرطٍ متأخّر، وهو بقاؤه إلى ذلك الزمان، ومعنى تنجيزه بحدوثه منعه عن جريان الأصل النافي للقطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر في ظرف حدوثه، فإنّ القطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر مشمولة للأصل النافي في نفسها من حين الزوال، ولا يشترط في جريان الأصل النافي لها أن يأتي زمانها المتأخّر، بل مقتضى دليل الأصل حين الزوال - أي حين حدوث العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين - جريان الأصل النافي لنجاسة الأصفر في جميع الأزمنة، وبسائر حصصها المتأخّرة، والعلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين يكون مانعاً عن ذلك.

فقد ثبت بذلك : أنّ العلم الإجمالي الحاصل حين الزوال بنفسه وبحدوثه يكون مانعاً عن جريان الأصل النافي لسائر قطعات نجاسة الأصفر، لا أنّه ببقائه يكون كذلك، إذ أنّ اقتضاء الدليل للأصل النافي لسائر القطعات المتأخّرة حاصل من حين الزوال، فيكون العلم الإجمالي الأوّل هو المانع عن فعليته وثبوت مدلوله، وبعد ذلك لا يبقى معارض للأصل في الملاقي حين حدوث الملاقاة.

ووجه اندفاع هذا الإشكال : أنّ كلّ علمٍ في أيّ زمانٍ إنّما يمنع عن جريان


الأصل النافي لمعلومه أو لأحد أطرافه في ذلك الزمان، كما هو واضح، فلو سُلِّم أنّ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين بوجوده حين الزوال يمنع عن أن يجري في ظرفه - أي حال الزوال - الأصل النافي النجاسة الإناء الأصفر ولو بقطعاتها المتأخّرة إلاّ أنّه لا يعقل مانعيته عن نفي القطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر بأصلٍ يجري في الزمان المتأخّر، فإنّ هذا الأصل إنّما يمنع عنه العلم في ذلك الزمان المتأخّر.

والحاصل : أنّ المراد في المقام إثبات أنّ نفي القطعات المتأخّرة من نجاسة الأصفر بأصلٍ يجري في ظرفها المتأخّر - الذي هو ظرف ملاقاة الثوب للإناء الأبيض - لا يعقل أن يكون ممتنعاً بالعلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين بحدوثه حين الزوال ؛ لأنّ حدوث العلم الإجمالي حين الزوال إنّما يمنع عن جريان الأصل النافي حينه، وأمّا جريانه في زمانٍ آخر من أزمنة الشكّ فالمانع عنه إنّما هو بقاء ذلك العلم الإجمالي إلى ذلك الزمان، فدليل أصالة الطهارة يقتضي الشمول للإناء الأصفر في كلّ زمان، وشموله له في كلّ زمانٍ إنّما يمنع عنه العلم الإجمالي في ذلك الزمان، لا العلم الإجمالي في زمانٍ سابق.

وعليه فشمول دليل الأصل للإناء الأصفر في ظرف ملاقاة الثوب للإناء الأبيض ليس ساقطاً بسببٍ سابق، بل بالعلم الإجمالي التدريجي أو الفعلي بنجاسة أحد الإناءين الموجود في ذلك الظرف.

وحينئذٍ فلا يكون هناك مانع عن تنجيز العلم الإجمالي الآخر بنجاسة الملاقي، أو الأصفر فعلاً، ويكون الأصل في الملاقي معارضاً للأصل في الطرف الآخر، ولا يفرق في ما ذكرناه بين أن يقال : بأنّ نجاسة الأصفر في الزمان المتأخّر منجَّزة بالعلم الإجمالي التدريجي بها، أو بنجاسة الأبيض في الزمان الأوّل، أو أنّ هذا لا يكفي بناءً على عدم تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات،


وأنّه لا بدّ من العلم بنجاسةٍ فعليةٍ ثابتةٍ في الظرف المتأخّر على كلّ تقدير، فإنّه على كلّ حالٍ المنجِّز إنّما هو العلم بوجوده البقائي في ذلك الظرف، إذ لولا بقاؤه يستحيل مانعيته عن شمول دليل الأصل في ذلك الظرف.

وإنّما أطلنا الكلام في المقام لأنّ التقريب المزبور أمتن التقريبات المذكورة في المقام وأشيعها، فأردنا توضيح المقام بنحوٍ تتّضح جهات الإشكال فيه اتّضاحاً تامّاً، فتدبّر واغتنم، ومنه سبحانه التوفيق إلى فهم كلمات الأكابر.

الوجه الثاني : وهو لا يختصّ بصورة تأخّر العلم بالملاقاة زماناً، بل يشمل صورة التقارن بين العلمين أيضاً، وحاصله : أنّ الأصل في الملاقَى - بالفتح - لمّا كان حاكماً على الأصل في الملاقي فيسقط بالمعارضة مع الأصل في الطرف الآخر في الرتبة السابقة، وحين وصول النوبة إلى الأصل في الملاقي لا يكون له معارض في مرتبته فيجري.

وهذا البيان متوقّف :

أوّلاً : على كون المحذور في جريان الأصل في بعض الأطراف هو المعارضة، لا علّية العلم الإجمالي، وإلاّ امتنع جريان الأصل في الملاقي وإن لم يكن له معارض.

وثانياً : على إجداء التأخّر الرتبي في عدم وقوع الأصل الطولي طرفاً للمعارضة مع الأصل في الطرف الآخر.

وثالثاً : على عدم كون الطرف الآخر مجرىً لأصالة الحلّية في نفسه، بناءً على الشبهة الحيدرية المعروفة التي نقلها المحقّق العراقيقدس‌سره في مجلس بحثه عن سيّدنا الوالد ( قدّس الله نفسه الزكية )، وسيأتي توضيحها.

ورابعاً : على تسليم الطولية بين أصل الطهارة في الملاقي وأصالة الطهارة في الملاقَى، وكون الأوّل حاكماً على الثاني.


أمّا الأوّلان فقد سبق تحقيقهما بما لا مزيد عليه، وبيّنّا أنّه لا أساس للقول بالعلّية، كما بيّنّا أنّ مجرّد طولية أصلٍ ومحكوميته لأصلٍ لا يمنع عن سقوطه بالمعارضة مع معارض الأصل الحاكم عليه.

وأمّا الثالث فملخّص ما ينسب إلى سيّدنا الوالدقدس‌سره (١) في المقام : أنّ أصالة الطهارة في الملاقي كما يكون في طول أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - كذلك يكون هناك أصل آخر في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر، وهو أصالة الحلّية فيه، إذ الحلّية فيه من الآثار الشرعية لطهارته، وهذان الأصلان الطوليان - أعني أصالة الحلّية في الطرف الآخر فيما إذا كان قابلاً للحلّية، وأصالة الطهارة في الملاقى - في رتبةٍ واحدةٍ فيتساقطان بالمعارضة.

وهذا البيان قد أورده سيّدنا الوالد على التقريب المزبور لإجراء أصالة الطهارة في الملاقي بعد تسليم مباني التقريب التي أشرنا إلى ابتنائه عليها، بمعنى أنّها إذا تمّت فيرد على التقريب المزبور ما أفيد.وقد اعترف بالبيان المزبور جملة من معاصريه من المحقّقين(٢) ، إلاّ أنّه غير واضحٍ في النظر القاصر، كما سنشير إليه.

وأمّا الرابع فهو من المسلّمات عندهم، إلاّ أنّ لمنعه مجالاً واسعاً، بمعنى أنّ التحقيق في النظر القاصر : هو عدم حكومة أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - على أصالة الطهارة في الملاقي.

وبيان ذلك : أنّ الحكومة إمّا أن تكون بملاك رفع دليل الحاكم لموضوع دليل المحكوم بالتعبّد، كما في الأمارة المجعول فيها الطريقية بالإضافة إلى الأصول، ولا يفرّق في الرفع المذكور الذي هو ملاك هذه الحكومة بين أن يكون

____________________

(١) نسبه المحقّق العراقي في نهاية الأفكار ٣ : ٣٦٢.

(٢) منهم المحقّق العراقي في نهاية الأفكار ٣ : ٣٦٣.


بين المدلولين طولية - كما في استصحاب طهارة الشيء الحاكم على استصحاب طهارة ملاقيه - أو أن يكون مدلول الحاكم والمحكوم متّحداً، كالبيّنة القائمة على طهارة شيءٍ مع استصحاب طهارته، ولا فرق أيضاً بين كون المحكوم نافياً لِمَا يثبته الحاكم أو موافقاً له.

وإمّا أن تكون الحكومة بملاك النظر، وتعرّض أحد الدليلين لمفاد الآخر وملاحظته له.والنظر تارةً يستفاد من نفس اللفظ، وأخرى باعتبار أنّه لو لا فرض مفاد الدليل المحكوم في المرتبة السابقة وكونه ملحوظاً في جانب الدليل الحاكم لَكان الحاكم ممّا لا معنى له، فصوناً له عن ذلك يستكشف نظره إلى المحكوم، كما في دليل أصالة الطهارة - مثلاً - بالنسبة إلى أدلّة الآثار الواقعية المترتّبة على الطهارة، فإنّه لو لا وجود آثارٍ خاصّةٍ للطهارة واقعاً لَكان التعبّد بالطهارة ظاهراً ممّا لا معنى له، فلابدّ أن يكون التعبّد المزبور ناظراً إلى تلك الآثار وحاكماً عليها حكومة ظاهرية.

إذا عرفت هذا فنقول : إنّ الحكومة المدَّعاة لأصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - إن كانت من القسم الأوّل - أيّ بملاك كونها مَلغِيةً لموضوع أصالة الطهارة في الملاقي - فيندفع : بأنّ موضوع أصل الطهارة في الملاقي هو الشكّ في طهارته الواقعية، لا الشكّ في طهارته الظاهرية، وأصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - ليس المجعول فيها هو الطريقية حتى تكون مُلغِيةً للشكّ في طهارة الملاقي ومقتضيةً لإحراز طهارته الواقعية تعبّداً، بل المجعول فيها صرف الحكم بطهارة الملاقَى - بالفتح - ظاهراً وترتّب جميع الآثار ظاهراً، فما هو موضوع أصل الطهارة في الملاقي لم يرتفع.

ودعوى : أنّ أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - تحكم بطهارته شرعاً، ويثبت بذلك عدم نجاسته شرعاً، إذ لا بأس بإثبات عدم النجاسة بالتعبّد بالطهارة ،


وحيث ثبت أنّ الملاقَى - بالفتح - ليس نجساً فيرتفع الشكّ في نجاسة ملاقيه ؛ لأنّ نجاسة الملاقي إنّما تكون بسبب نجاسة الملاقى - بالفتح -، وحيث حكم بعدم نجاسته شرعاً فلا معنى للشكّ في نجاسة ملاقيه.مدفوعةٌ : بأنّ الإشكال ليس من ناحية أنّ عدم نجاسة الملاقَى - بالفتح - لا يثب بالتعبّد بطهارته، فلا يثبت طهارة الملاقِي ؛ لأنّها من آثار عدم نجاسة الملاقَى - بالفتح -، لا من آثار طهارته حتّى يجاب عن ذلك بأنّ التعبّد بالطهارة يثبت به عدم النجاسة، أو أنّه بعينه تعبّد بعدم النجاسة، بل الإشكال من ناحية أنّ هذا التعبّد لا يقتضي إلغاء الشكّ في طهارة الملاقي أصلاً، بل يقتضي الحكم بطهارة الملاقي ؛ لأنّها من آثار عدم نجاسة الملاقَى - بالفتح - الثابت بجريان أصالة الطهارة فيه، إلاّ أنّ الحكم بطهارة الملاقي أمر وإلغاء الشكّ في طهارته الواقعية الذي هو المحقِّق للحكومة في المقام أمر آخر، فالتعبّد بأنّ الملاقَى - بالفتح - ليس بنجس تعبّد بأنّ الملاقي ليس بنجس، لا تعبّد بأنه ليس بمشكوك النجاسة، ولا ملازمة بين التعبّدين.

وإن كانت الحكومة المدَّعاة بملاك النظر ففيه : أنّ أصالة الطهارة إنّما توجب ترتيب جميع آثار الطهارة الواقعية في الظاهر، فهي ناظرة إلى أدلّة الأحكام الواقعية وحاكمة عليها حكومةً ظاهرية، إذ لا معنى لها لو لا فرض تلك الآثار في المرتبة السابقة، وليس لها نظر إلى حكمٍ ظاهريٍّ أصلاً، فأصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - لا يكون ناظراً إلى أصالة الطهارة في الملاقي، إذ لا موجب لتقدير هذا النظر في الأصل المزبور، وإنّما هي ناظرة إلى الآثار الواقعية المترتّبة على طهارة الملاقَى - بالفتح -، وعلى هذا فلا حكومة أصلاً في المقام، بل في فرض ملاقاة شيءٍ، لمشكوك الطهارة تكون أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - مقتضية لترتيب جميع آثارها التي منها طهارة الملاقي كما أنّ دليل الأصل يقتضي جريان أصالة الطهارة في نفس الملاقي مستقلاًّ، وليست أصالة الطهارة في


الملاقَى - بالفتح - المقتضية بإطلاقها لطهارة الملاقي حاكمةً على نفس أصالة الطهارة التي يقتضي الدليل بمقتضى إطلاقه جريانها في الملاقي مستقلاًّ.

وحينئذٍ فإذا ادُّعي لَغوية الجمع بين الأمرين - أي بين إطلاق أصل الطهارة في الملاقَى - بالفتح - لسائر الآثار حتى طهارة الملاقي، وبين إطلاق دليل الأصل المقتضي لجريان أصالة الطهارة في الملاقي مستقلاًّ بما أنّه فرد من المشكوك ؛ لأدائه إلى ثبوت تعبّدين بطهارة الملاقي - فلا بدّ إمّا من رفع اليد عن إطلاق دليل الأصل بالإضافة إلى الملاقي والالتزام بعدم جريان الأصل فيه مستقلاًّ، أو عن إطلاق أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - والالتزام بأنّ المجعول فيها من آثار الطهارة لا يشمل طهارة الملاقي، ولا مرجِّح لأحد الإطلاقين على الآخر.

نعم، أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - مقدَّمة على سائر الأصول الثابتة بأدلّةٍ أخرى والجارية في آثار الطهارة إثباتاً أو نفياً، كأصالة الحلّية، أو استصحاب الحدث لمن توضّأ بماءٍ مشكوك الطهارة، ونحو ذلك، وذلك لا بملاك الحكومة ؛ لعدم وجود شيءٍ من ملاكَيها في المقام، كما عرفت، بل بملاك لزوم اللغوية في دليل أصالة الطهارة على فرض تقديم أدلّة تلك الأصول، وهذا الوجه لا يأتي في المقام، إذ الأمر دائر في محلّ الكلام بين جريان أصالة الطهارة في الملاقِي - بالكسر - ابتداءً، أو إطلاق أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - لطهارة الملاقي التي هي من آثاره ؛ لِلَغوية ثبوتهما معاً بحسب الفرض، وكلّ منهما صغرى لكبرى أصالة الطهارة المجعولة في قوله : ( كلّ شيءٍ طاهر إلى آخره)، فلا يلزم من إسقاط إحدى الصغريَين لَغوية الكبرى.

والحاصل : أنّ تقديم أدلّة الأصول الأخرى الموافقة والمخالفة على دليل أصالة الطهارة موجب لِلَغويته، بخلاف تقديم أيٍّ من الجهتين المزبورتين في المقام فإنّه لا يوجب لَغوِية الكبرى ؛ لأنّ تمامية كلٍّ من الجهتين على فرض ثبوتها


إنّما تكون بلحاظ الكبرى، فلا يكون تقديم إحدى الجهتين موجباً لِلَغويّتها ليتعيّن تقديم الجهة الأخرى.

وعلى هذا فيظهر أنّ التقريب المزبور لجريان أصالة الطهارة في الملاقي لا أساس له ؛ لأنّه فرع كون أصل الطهارة في الملاقي في طول أصل الطهارة في الملاقَى - بالفتح - ومحكوماً له، وقد عرفت بطلان ذلك.

إلاّ أنّه قد يقال مع هذا : إنّ التقريب المزبور يتمّ أيضاً ببيان : أنّ أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - وإن لم تكن حاكمةً إلاّ أنّ استصحاب الطهارة في الملاقَى - بالفتح - حاكم بلا إشكال ؛ لأنّ المجعول فيه هو الطريقية، فيتعارض مع استصحاب الطهارة في الطرف الآخر أوّلاً، ثمّ تتعارض أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - وأصالة الطهارة في الطرف الآخر، واستصحاب الطهارة في الملاقي ؛ لأنّها كلّها في عرضٍ واحد، بناءً على إنكار حكومة أصالة الطهارة في الملاقّى - بالفتح - على الأصول المؤمّنة في جانب الملاقي، وبعد تساقطها تصل النوبة إلى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض.

إلاّ أنّ حكومة الاستصحاب على الأصول الأخرى قابلة للخدشة أيضاً، كما سيأتي تحقيقه مفصّلاً في الجزء التاسع من هذا الكتاب ؛ وذلك لأنّ المجعول في باب الاستصحاب ليس هو الطريقية حتى يكون مُلغِياً للشكّ، بل تحريم النقض العملي لليقين بالشكّ تحريماً طريقياً، كما سنوضّح مقام ثبوته وإثباته مفصّلاً في محلّه.

على أنّه لو فرض كون المجعول هو الطريقية، فلنا بيانات لإبطال الحكومة المدَّعاة، سوف يأتي تحقيقها إثباتاً ونفياً في الجزء التاسع من هذا الكتاب، فانتظر.

الوجه الثالث : ما أفاده المحقّق العراقيقدس‌سره (١) ، وهو مختصّ بصورة نشوء

____________________

(١) نهاية الأفكار ٣ : ٣٥٧ - ٣٦٠.


العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف من العلم بنجاسة الملاقّى - بالفتح - أو الطرف ومعلوليته له، فإنّه فصّل في المقام بين ما إذا كان العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف معلولاً للعلم الآخر، أو علّةً له، أو في عرضه.

ففي الأوّل لا يكون العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف منجِّزاً لنجاسة الملاقَى ؛ لأنّه معلول للعلم بنجاسة الملاقى - بالفتح - أو الطرف.وفي الثاني، يكون الأمر بالعكس.وفي الثالث ينجِّز كلا العِلمين.

وأفاد في تقريب ذلك : أنّ العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف إذا كان ناشئاً عن العلم بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف فلا أثر له لتنجّز التكليف بالاجتناب عن الطرف في المرتبة السابقة بالعلم الإجمالي السابق رتبةً، فإنّه يعتبر في منجّزية العلم الإجمالي أن لا يكون مسبوقاً بمنجِّزٍ آخر موجبٍ لتنجّز أحد طرفيه، وإلاّ فيخرج عن صلاحية المنجّزية، ومعه يرجع الشكّ في نجاسة الملاقي - بالكسر - ووجوب الاجتناب عنه إلى الشكّ البدوي، فتجري فيه أصالة الطهارة.

ويرد عليه : أنّه على تقدير تسليم المبنى وسقوط العلم الإجمالي عن الأثر بتنجّز أحد طرفيه سابقاً فمناط المحرومية من الأثر أن يكون تنجّز أحد الطرفين سابقاً بحسب الرتبة على العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف، وفي الفرض ليس كذلك، فإنّه في الفرض المزبور يكون نفس العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف معلولاً للعلم الإجمالي بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف، فهو في مرتبةٍ متأخّرةٍ عنه، إلاّ أنّه ليس متأخّراً مرتبةً عن تنجّز الطرف المعلول للعلم الإجمالي الأول حتّى يمتنع تأثيره في تنجيز معلومه، بل العلم الإجمالي الأوّل بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف كما يكون علّةً لتنجيز الطرف كذلك هو علّة للعلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف، فما هو الموجود في المرتبة السابقة على العلم الثاني هو العلم الأوّل، لا أثره، وحينئذٍ فثبوت أثر العلم الأول دون أثر


العلم الثاني بلا مرجِّح.

والحاصل : أنّ المخرج للعلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف عن قابلية التنجيز، إنّما هو تنجّز الطرف وصحة العقاب عليه من غير جهته، فإنّه حينئذٍ لا يكون منجِّزاً ولا مصحِّحاً للعقاب، وفي المقام لا وجه للالتزام بثبوت تنجّز العلم الأوّل دون العلم الثاني حتى يُدّعى سقوط العلم الثاني عن التنجيز ؛ لأنّ التنجّز الأوّل ليس في مرتبةٍ سابقةٍ على تنجّز الثاني ليقال : إنّه يثبت في المرتبة السابقة ولا يبقى مجالاً لتنجّز العلم الثاني في المرتبة المتأخّرة، بل هو في عرضه، فلا موجب للالتزام بثبوت أحد التنجّزين وجعله مانعاً عن التنجّز الآخر.

وتوهمّ أنّ سبق علّة أحد التنجّزين على علّة الآخر يوجب سبقه على التنجّز الآخر مدفوع : بأنّ كون العلم الإجمالي الأوّل سابقاً بالعلّية على العلم الإجمالي الثاني لا يوجب أن يكون أثره سابقاً بالرتبة على أثره، كما هو المحقَّق في محلّه، فالتنجّزان في عرضٍ واحد، وليس بينها سبق رتبي، فيستحيل مانعية أحدهما عن ثبوت الآخر.وأمّا مجرّد وقوع الطرف طرفاً لعلمٍ إجماليٍّ في المرتبة السابقة على العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف فلا يمنع عن تنجيزه، إذ المانع عن التنجيز إنّما هو تنجّزه السابق الموجب لعدم تحمّله لتنجّزٍ آخر، كما هو واضح، لا مجرّد طرفيته لعلمٍ إجماليٍّ في المرتبة السابقة.

الوجه الرابع : وهو شامل لصورة تقارن العلمين، وصورة تقدّم أحدهما على الآخر، وبيانه كما أفاده المحقّق النائينيقدس‌سره على ما في فوائد المحقّق الكاظمي الخراساني(١) : أنّ العلم الإجمالي بوجوب الاجتناب عن أحد الشيئين إنّما يقتضي الاجتناب عنهما إذا لم يحدث ما يقتضي سبق التكليف بالاجتناب عن أحدهما ،

____________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٤٥.


ولو كان ذلك علماً إجمالياً آخر كان المعلوم به سابقاً في الزمان أو في الرتبة على المعلوم بالعلم الإجمالي الأوّل، فلو علم بوقوع قطرة من دمٍ في أحد الإناءين، ثمّ علم بوقوع قطرةٍ أخرى من الدم في أحدهما المعيَّن، أو في إناء ثالث، ولكنّ ظرف القطرة المعلومة ثانياً أسبق من ظرف وقوع القطرة المعلومة أوَّلاً فلا ريب في أنّ العلم الإجمالي الثاني يوجب انحلال الأوّل ؛ لسبق معلومه عليه.

ومن الواضح أنّ العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف دائماً يكون المعلوم به متأخّراً عن المعلوم بالعلم الإجمالي بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف، فإنّ رتبة وجوب الاجتناب عن الملاقَى - بالفتح - أو الطرف سابقة على وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - ؛ لأنّ التكليف في الملاقِي إنّما جاء من قبل التكليف بالملاقَى، فلا أثر لتقدم زمان العلم وتأخّره بعدما كان المعلوم في أحد العلمين سابقاً رتبةً على المعلوم بالآخر، ففي أيّ زمانٍ يحدث العلم الإجمالي بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف يسقط العلم الإجمالي بنجاسة الملاقِي والطرف عن التأثير ؛ لأنّه يتبيّن سبق التكليف بالاجتناب عن أحد طرفيه، وهو طرف الملاقَى - بالفتح -.

ويرد عليه أوَّلاً : أنّ التنجّز يدور مدار العلم ؛ لأنّه من شئونه، ولا معنى لحصوله في مرتبةٍ أو زمانٍ سابقين على العلم، إذ يكون من باب حصول المعلول قبل علّته، كما أفاده المحقّق العراقي في مقالاته(١) ، فالمعلوم إنّما يتنجّز من حين العلم، وحينئذٍ فمجرّد سبق المعلوم بالعلم الأوّل لا يوجب كونه منجّزاً في ظرفه، بل كون المعلوم السابق منجّزاً من حين العلم به، فلا يعقل مانعية العلم الثاني عن تنجيز العلم الأوّل ؛ لأنّه سابق بمعلومه على معلوم الأوّل، لا أنّه سابق عليه

____________________

(١) مقالات الأصول ٢ : ٢٤٩.


بتنجّزه، والموجب للانحلال، إنّما هو السبق بالتنجّز.

وتوهّم أنّ العلم الأوّل يخرج من حين حدوث العلم الثاني بالمعلوم السابق عن كونه علماً بالنجاسة الحادثة والتكليف على كلّ تقدير، مدفوعٌ : بأنّه إن أريد أنّه حين العلم الثاني ينكشف أنّ أحد طرفي العلم الأوّل منجّز سابقاً فيستحيل تنجّزه به فهو بديهي البطلان ؛ لِمَا عرفت من أنّ العلم الثاني لا يكون سبباً في ثبوت تنجّز معلومه السابق من حينه وفي ظرفه، وإنّما يوجب تنجّز المعلوم السابق من الآن.

وإن أريد أنّه وإن لم يكن أحد طرفي العلم الإجمالي الأول منجّزاً سابقاً إلاّ أنّه ينكشف أنّ المعلوم بالعلم الأول ليس نجاسةً حادثةً بحسب الواقع على كلّ تقدير ؛ لاحتمال انطباقه على نفس المعلوم بالعلم الثاني، فهو أوضح بطلاناً، إذ خصوصية الحدوث والبقاء لا دخل لها في باب المنجّزية، ولا يختصّ الحدوث بقابلية التنجّز، فإذا علم إجمالاً بنجاسة الإناء الأبيض أو الأصفر عند الزوال، ثمّ علم بنجاسة الأبيض أو الثوب منذ الفجر فالعلم الثاني لا يوجب كون نجاسة الإناء الأبيض منجّزةً في مرحلةٍ سابقةٍ على حدوث العلم الأوّل، وغاية ما يوجبه أن لا تكون النجاسة المعلومة بالعلم الأوّل نجاسةً حادثةً على كلّ تقدير، إذ على تقدير انطباق كلا المعلومين على الإناء الأبيض لا تكون النجاسة المعلومة بالعلم الأوّل نجاسةً حادثة، بل بقاءً للنجاسة الثابتة من حين الفجر، إلاّ أنّه ليس من شرائط تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي أن يكون حادثاً، وأن لا يكون بقاءً لشيءٍ آخر واقعاً ؛ لوضوح أنّ بقاء النجاسة والتكليف قابل للتنجّز كحدوثهما، وإنّما شرط تنجّزه بالعلم الإجمالي أن لا يكون منجّزاً سابقاً، وهذا حاصل في المقام.

ويرد عليه ثانياً : أنّنا لو سلَّمنا كون سبق أحد المعلومين موجباً لانحلال العلم الإجمالي بالمعلوم المتأخّر وإن كان نفس العلم سابقاً إلاّ أنّ المقام ليس


صغرى لذلك، إذ المراد بسبق أحد التكليفين المعلومين إجمالاً على الآخر هو كونه ثابتاً لنفس موضوع المعلوم الآخر في مرتبةٍ أو زمانٍ سابقين، وأمّا مجرّد سبقه ولو كان في موضوع آخر فلا يوجب قصور العلم الآخر عن تنجيز معلومه، إذ لم يتنجّز شيء من أطرافه في المرتبة السابقة على معلومه، وإنّما تنجّز حكمٍ آخر في موضوعٍ آخر يكون سابقاً على معلومه.

وبالجملة : لو قلنا : إنّ التنجّز يثبت من حين زمان المعلوم لا من حين زمان العلم فلا يقتضي ذلك في المقام - أي فيما إذا فرض تقدّم العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو الطرف على العلم الآخر - انحلال العلم الإجمالي الأوّل بنجاسة الملاقي أو الطرف، وسقوطه عن التأثير بسبب العلم الإجمالي الثاني بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف ؛ لأنّ المعلومين بكلا العلمين إن كانا منطبقين على نجاسة الطرف فمعلومهما واحد، ولا وجه حينئذٍ لسبق تنجّز العلم الثاني على تنجّز العلم الأوّل ليكون مانعاً عن تنجيزه بعد انطباق كلا المعلومين على شيءٍ واحدٍ بعينه.

وإن كان المعلوم السابق منطبقاً على نجاسة الملاقَى - بالفتح - والمعلوم اللاحق منطبقاً على نجاسة الملاقي - بالكسر - فكلّ من المعلومين نجاسة في موضوع غير الموضوع للنجاسة الأخرى المعلومة بالعلم الآخر، غاية الأمر أنّ إحدى النجاستين - وهي نجاسة الملاقَى - بالفتح - سابقة بالرتبة على النجاسة الأخرى الثابتة للملاقي.ومن الواضح أنّ تنجّز الملاقَي - بالكسر - عن قابلية التنجّز بالعلم بها في المرتبة المتأخّرة، إذ أنّ ما يمنع عن تنجّز شيءٍ بمنجِّزٍ إنّما هو تنجّز نفسه بمنجِّزٍ سابق، لا تنجّز حكم سابقٍ عليه في الرتبة بمنجِّزٍ سابق.

ويرد عليه ثالثاً : أنّ العلم المنجِّز ليس هو العلم بنجاسة أحد الأمرين، بل العلم بلزوم الاجتناب عن أحدهما تكليفاً، أو مانعيته وضعاً ونحو ذلك من آثار


النجاسة، ومن المعلوم أنّه لا طولية بين المعلومين حينئذٍ أصلاً، إذ أنّ الطولية إنّما هي بين نجاسة الملاقَى - بالفتح - ونجاسة الملاقِي لا بين وجوب الاجتناب عن الملاقى ووجوب الاجتناب عن الملاقي.

والمتلخّص من كلّ ما سبق : أنّه إن كان المُدَّعى هو سبق التنجّز على العلم وتبعيته للمعلوم في ظرفه فحيث يكون المعلوم مقتدّماً يكون تنجّزه متقدماً، وإن كان نفس العلم به متأخّراً فيرد عليه ما عرفت من الإشكالات.

وإن كان المُدَّعى أنّ التنجّز وإن لم يكن سابقاً على العلم إلاّ أنّه مع ذلك يكون العلم الثاني باعتبار سبق معلومه موجباً لانحلال العلم الأوّل الذي يكون معلومه متأخّراً ومخرجاً له عن كونه علماً بالتكليف الحادث على كلّ تقدير فيسقط عن التأثير، وإن لم يكن شيء من أطرافه قد تنجّز في المرتبة السابقة على تنجّزه فهو الذي عرفت أنّه ممّا لا يمكن الالتزام به أصلاً، إذ شرط تنجّز المعلوم الإجمالي بعلمه أن لا يكون بعض أطرافه منجّزاً سابقاً، وهذا الشرط في المقام حاصل بالإضافة إلى العلم الإجمالي الأوّل، فيؤثّر لا محالة

وهناك وجوه أخرى للنظر في ما أفيد، فتدبّر جيّداً.

بقي أمران :

حكم الملاقي في صورتين :

الأوّل : أنّ المحقّق الخراسانيقدس‌سره (١) ذكر صورتين لوجوب الاجتناب عن الملاقي وعدم وجوب الاجتناب عن الملاقَى - بالفتح - :

إحداهما : فيما لو علم إجمالاً بنجاسة الثوب أو المائع، ثمّ علم بملاقاة الثوب لإناءٍ وأنّه لا وجه لنجاسته إلاّ ذلك فإنّه يحصل حينئذٍ على إجمالي آخر

____________________

(١) كفاية الأصول : ٤١٢.


بنجاسة الإناء أو المائع الذي هو طرف العلم الإجمالي الأوّل، ولا تتنجّز نجاسة الإناء الملاقَى - بالفتح - بالعلم الإجمالي الثاني ؛ لأنّ أحد طرفيه - وهو المائع - قد تنجّز بمنجِّزٍ سابق، فتجري أصالة الطهارة في الإناء بلا معارض، ولا تجري في الثوب ؛ لسقوطه بالمعارضة مع الأصل في المائع بلحاظ العلم الإجمالي الأوّل.

والتحقيق في النظر القاصر : هو عدم صحة التفكيك المزبور، فإنّنا إن لم نقل في صورة تأخّر العلم بنجاسة الملاقِي - بالكسر - أو الطرف عن العلم بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف بانحلال المتأخّر وعدم تنجيزه - كما عرفت - ففي المقام لا نقول أيضاً بانحلال العلم الإجمالي المتأخّر بنجاسة الملاقَى - بالفتح - أو الطرف، بل تتنجّز به نجاسة الملاقَى -بالفتح-.

وإن قلنا بانحلال العلم الإجمالي المتأخّر فمقتضاه في الصورة المذكورة جريان أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح -، ويترتّب عليها جميع آثارها التي منها طهارة الملاقِي - بالكسر -، أي الثوب في المثال، فلا يجب الاجتناب عن كلٍّ منهما مع قطع النظر عن محذور علّية العلم الإجمالي، وإلاّ فعلى علّية العلم الإجمالي الأوّل المتعلّق بنجاسة الملاقِي - بالكسر - أو الطرف لا مجال لثبوت طهارة الملاقِي - بالكسر - من ناحية أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - بعد تنجيز العلم الإجمالي الأوّل بنحو العلِّية وبقائه على شرائط تنجيزه.

فنحن نتكلّم بناءً على أنّ المحذور في جريان الأصل هو المعارضة، وأنّ كلَّ طرفٍ يتنجّز بالاحتمال بعد سقوط الأصل فيه بالمعارضة، فإنّه على هذا إنّما كان الملاقي - بالكسر - منجّزاً بسبب سقوط الأصل المؤمِّن فيه بالمعارضة، فلو حدث أصل آخر بقاءً يؤمِّن من ناحيته ولا يكون مبتلىً بالمعارضة أثَّر أثره قهراً، وهو أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - في المقام، فإنّها تؤمِّن من ناحية الملاقي - بالكسر - أيضاً.

وأمّا دعوى أنّ مقتضى التعبّد بطهارة الملاقَى - بالفتح - بعد تنجّز التكليف


في الملاقي - بالكسر - وطرفه، ليس إلاّ ترتيب أثر الطاهر بما هو طاهر على الملاقِي - بالكسر -، لا رفع وجوب الاجتناب العقلي التابع للعلم الإجمالي الأوّل الذي لا مانع عن تأثيره، فمدفوعة : بأنّه بعد فرض أنّ تنجّز الملاقي - بالكسر - ووجوب الاجتناب عنه الناشئ من العلم الإجمالي الأوّل إنّما هو بملاك سقوط الأصل فيه بالمعارضة، وعدم وجود مؤمّنٍ فيه، وحيث فرضنا بقاءً أنّه حصل هناك مؤمِّن فيه ببركة أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - فيرتفع وجوب الاجتناب.

فإن قلت : إنّ الأصل الجاري في طرف الملاقي - بالكسر - أي المائع في المثال - كما يعارض أصالة الطهارة الجارية في نفس الملاقي - بالكسر - كذلك يعارض أصالة الطهارة في الملاقَى - بالفتح - الجارية حين حدوث العلم الثاني من حيث إثباتها لطهارة الملاقي - بالكسر -، فيسقط إطلاقها المقتضي لطهارة الملاقي - بالكسر -.

قلت : إنّه حين حدوث العلم الإجمالي الأوّل بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو المائع لم يكن هناك معارض للأصل في المائع إلاّ الأصل في الملاقي - بالكسر -، دون الأصل في الملاقَى - بالفتح - ولو من حيث إطلاقه، فيسقط بالمعارضة مع الأصل في الملاقي - بالكسر - خاصة.

وبتعبيرٍ واضح : أنّ المعارضة بين أصلين فرع إحراز تمامية اقتضاء دليل الأصل لكلٍّ منهما، ولو بأن يكون أحد الاقتضاءين محرزاً لثبوت في زمانٍ متأخّرٍ مع العلم باستحالة فعليتهما معاً، فالمكلَّف إذا أحرز اقتضاءين لدليل الأصل ولو كانا تدريجيّين، كما في أطراف العلم الإجمالي التدريجي بوجوب شيءٍ فعلاً، أو وجوب شيءٍ مشروطاً بالزوال المتحقّق متأخّراً، فإنّه هنا يعلم بأنّ دليل الأصل له اقتضاء فعلاً لنفي الوجوب الفعلي، واقتضاء حين الزوال لنفي الوجوب المشروط بالزوال، مع عدم إمكان فعلية كلا الاقتضاءين لمكان العلم الإجمالي، فتحصل


المعارضة بين الأصلين.

وهذا بخلافه في المقام، فإنّه حين حصول العلم الإجمالي الأوّل بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو المائع لم يكن المكلّف يعلم بأنّه سوف يحصل في ما بعد اقتضاء لدليل الأصل للتأمين من ناحية نجاسة الملاقي - بالكسر - بسبب أصالة الطهارة في الملاقى - بالفتح - حتى يسقط هذا الاقتضاء للتأمين بالمعارضة مع الأصل في الطرف، بل لم يكن المكلّف يعلم إلاّ باقتضاءين لدليل الأصل : أحدهما اقتضاؤه لجريان أصالة الطهارة في المائع، والآخر اقتضاؤه لجريان أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر )، وحيث يعلم بعدم إمكان فعليتهما معاً فيسقطان بالمعارضة، وأمّا الاقتضاء للتأمين في جانب الملاقي - بالكسر - من ناحية شمول دليل الأصل للملاقَى - بالفتح - فلم يكن طرفاً للعلم الإجمالي بالسقوط أصلاً ؛ لعدم العلم بتحقّقه أصلاً، ففي ظرف تمامية الاقتضاء المزبور لا مانع من تأثيره.

الصورة الثانية(١) : ما إذا علم بالملاقاة ثمّ حدث العلم الإجمالي بنجاسة الطرف أو الملاقَى - بالفتح - والملاقِي - بالكسر - من جهة ملاقاته، إلاّ أنّ الملاقى - بالفتح - كان خارجاً عن مورد الابتلاء حين حدوث هذا العلم فلا يكون مجرىً للأصل في نفسه، بل يتعارض الأصل في الطرف مع الأصل في الملاقي - بالكسر - ويتنجّز هذان الطرفان، وبعد ذلك إذا دخل الملاقَى - بالفتح - في محلّ الابتلاء لا يتنجّز ؛ لأنّ العلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة الطرف الآخر منحلّ بتنجّز طرفه الآخر سابقاً، بل يجري الأصل في الملاقَى - بالفتح - بلا معارض.

وقد أورد المحقّق العراقيقدس‌سره (٢) على ما ذكر من وجوب الاجتناب عن

____________________

(١) ممّا ذكره المحقّق الخراسانيقدس‌سره في الكفاية : ٤١١ - ٤١٢.

(٢) نهاية الأفكار ٣ : ٣٦٣.


الملاقي - بالكسر - في هذه الصورة بأنّه غير مناسبٍ للقول بالاقتضاء، ببيان : أنّ الملاقى - بالفتح - وإن لم يكن داخلاً في محلّ الابتلاء حال حصول العلم الإجمالي إلاّ أنّ هذا لا يوجب عدم جريان الأصل فيه إذا كان مورداً لسنخ من الأصل بحيث يترتّب عليه طهارة ملاقيه، فإنّه يكون لجريان الأصل فيه حينئذٍ أثر باعتبار ترتّب طهارة ملاقيه عليه الذي هو داخل في محلّ الابتلاء، فيتعارض الأصل فيه مع الأصل في الطرف الآخر، وتنتهي النوبة إلى الأصل في جانب الملاقي - بالكسر - بلا معارض.

وهذا الكلام متين، ولا يتوهّم أنّ مقتضاه حينئذٍ هو وجوب الاجتناب عن الملاقَى -بالفتح- بعد دخوله في محلّ الابتلاء، باعتبار سقوط الأصل فيه بالمعارضة ؛ وذلك لأنّ أصالة الطهارة إنّما تسقط بالمعارضة بلحاظ آثارها التكليفية، فالمحذور أوّلاً إنّما يقتضي عدم ثبوت تلك الآثار، وسقوط أصالة الطهارة بعد ذلك بملاك اللغوية حيث لا يبقى لها أثر، وحينئذٍ فإذا كان لها أثر تكليفي وسقطت بلحاظه المعارضة، ثمّ حدث بعد ذلك لها أثر تكليفي آخر لا مانع من جريانها ؛ لأنّ سقوطها في نفسها لم يكن لأجل المعارضة حتى يقال : إنّ الساقط بالمعارضة لا يعود، بل لِلَغوية المرتفعة بتجدّد أثرٍ لها بقاءً، كما نبّه على ذلك بعض مشايخنا المحقّقين(١) .

حكم الملاقي عند الشكّ في الطوليّة :

الأمر الثاني : ذكر المحقّق العراقيقدس‌سره (٢) : أنّه إذا كان العلم الإجمالي علماً إجمالياً بنجاسة طرفين أو طرف إلاّ أنّه شكّ في طولية ذينك الطرفين، بأن احتمل

____________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) نهاية الأفكار ٣ : ٣٦٥.


كون نجاسة أحدهما المعيَّن في طول نجاسة الآخر، واحتمل كونها في عرضها، كما إذا احتمل كون نجاسة ذلك المعيَّن بسبب الملاقاة للآخر، أو علم أنّها بهذا السبب، إلاّ أنّه شكّ في أنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - هل هي في طول نجاسة الملاقى - بالفتح - أو في عرضها بنحو السراية ؟ فلا بدّ من الاحتياط على القول بالاقتضاء والعلّية معاً.

أمّا على الأوّل فلأنّ جريان الأصل النافي في بعض الأطراف على هذا المسلك إنّما هو بمناط السببية والمسبّبية الموجبة لحكومة أحد الأصلين على الآخر، ومن الواضح أنّ ذلك إنّما يكون في فرض إحراز وجود الحاكم بعينه المتوقّف على العلم بالطولية بين الأثرين، وإلاّ فلا يكفي مجرّد احتمال وجود الحاكم واقعاً في رفع اليد عن أصل المحكوم.

وأمّا علىمسلك العلّية فواضح.

والتحقيق : أنّ الحكومة المحتمل ثبوتها لأحد الأصلين على الآخر : إمّا أن تكون حكومةً بملاك رفع الحاكم لموضوع المحكوم، كما فيما إذا علم بنجاسة الإناء الأصفر أو الأبيض والأسود، واحتمل كون نجاسة الأسود وطهارته من الآثار المترتّبة شرعاً على نجاسة الأبيض وطهارته فقهراً يحتمل كون استصحاب الطهارة في الأبيض حاكماً على الأصل في جانب الأسود، بمعنى كونه رافعاً لموضوعه ؛ لاقتضائه التعبّد بإحراز سائر آثار طهارة الأبيض التي يحتمل كون طهارة الأسود منها.

وإمّا أن تكون الحكومة المحتملة لا بهذا المعنى الراجع إلى تصرّف الحاكم في موضوع المحكوم ثبوتاً وواقعاً، بل بمعنىً يرجع واقعه إلى التخصيص، بمعنى أنّه لا يكون متكفّلاً لرفع موضوع المحكوم في عالم الاعتبار حقيقةً، بل يكون لسانه لسان رفع الموضوع، وواقعه هو التخصيص، إلاّ أنّه يقدَّم على المحكوم ،


ولا تلحظ النسبة بينهما ؛ لأنّه بحسب لسانه ومقام إثباته رافع للموضوع وإن لم يكن الموضوع مرتفعاً أصلاً، لا خارجاً ولا اعتباراً.

فإن كانت الحكومة المحتملة للأصل في الأبيض في الأصل في الأسود في المثال من القسم الأوّل فلا محالة إنّما يحرز اقتضاء الدليل لجريان الأصل في الأسود بعد سقوط جريان الأصل في الأبيض، حيث إنّ اقتضاءه لذلك فرع تحقّق موضوعه المحتمل توقّفه على عدم إجراء الأصل في الأبيض، وحينئذٍ فلا يحرز موضوع الأصل الجاري في الأسود المحقّق لشمول الدليل له إلاّ بعد سقوط الأصل في الأبيض بالمعارضة.

فإذا قلنا بجريان الأصل الطولي في أمثال المقام فيكفي احتمال الطولية في المقام للجريان، وعدم وقوع الأصل المحتمل الطولية طرفاً للمعارضة ابتداءً، إذ طرفية أصل للمعارضة متوقّفة على إحراز اقتضائه ووجود موضوعه، وإلاّ فمع الشكّ في موضوع الأصل لا يكون معارضاً، وإنّما يحرز موضوعه في المقام بعد سقوط الأصل في الإناء الأبيض بالمعارضة، وفي هذه المرتبة لا معارض له.

فإن قلت : إنّ لازم ذلك عدم الأخذ بكلّ محكومٍ عند الشكّ في الحاكم، فمثلاً لا يتمسّك بالاستصحاب بعد الفحص لاحتمال وجود خبرٍ واقعاً يكون حاكماً ورافعاً لموضوعه، ولا يمكن الالتزام بذلك، فلا بدّ من الالتزام بأنّ الحاكم إنّما يكون حاكماً بوجوده المحرز، لا بوجوده الواقعي.

قلت : بل الحاكم بالحكومة المتكلّم عنها في المقام - أي الرافع للموضوع - يكون حاكماً بوجوده الواقعي، فالخبر بوجوده الواقعي حاكم على الاستصحاب ؛ لأنّ الاستصحاب أخذ في موضوعه عدم وجود العلم بالانتقاض واقعاً، لا عدم إحراز العلم بالانتقاض، وحيث يشكّ في وجود الخبر فيشكّ في أنّه هل اعتبر المكلف عالماً بالانتقاض ؟ وهل هو داخل في موضوع الاستصحاب، أوْ لاَ ؟ إلاّ


أنّه في سائر موارد احتمال الحاكم، نتمسّك باستصحاب عدم الحاكم، وعدم التعبّد بالإحراز، ونحو ذلك ممّا يثبت به موضوع الأصل المحكوم.

فإن قلت : فليتمسّك في المقام أيضاً باستصحاب عدم وجود حاكمٍ على الأصل في الإناء الأسود، فيثبت موضوعه، ويكون معارضاً حينئذٍ للأصل في الإناء الأصفر في عرض الأصل الجاري في الإناء الأبيض في المثال المزبور.

قلت : إذا كان هناك حكم واقعي أو ظاهري مترتّب على موضوع وجرى استصحاب ذلك الموضوع فذاك الحكم الواقعي أو الظاهري إنّما يثبت بنفس دليل الاستصحاب، لا بدليله المثبت له، وهذا من خواصّ كون حكومة الاستصحاب على الأدلة حكومةً ظاهريةً لا واقعية.

فمثلاً : إذا استصحبنا اجتهاد زيدٍ فجواز تقليده يثبت بنفس الاستصحاب، لا بدليل جواز تقليد المجتهد، كما هو واضح.

وعليه فنقول في المقام : إنّ الأصل المؤمِّن في الإناء الأسود إذا أثبتنا موضوعه - وهو عدم وجود الحاكم بالاستصحاب - لم يكن مقتضى ذلك ثبوت الأصل المزبور في الإناء الأسود بدليله، بل إنّما يثبت بنفس دليل الاستصحاب تعبّداً، كما هو الحال في جواز التقليد عند استصحاب الاجتهاد، وحينئذٍ فلا يكون استصحاب عدم الحاكم محقّقاً لاقتضاء الأصل في الإناء الأسود وموضوعه حقيقةً حتى تقع المعارضة بينه وبين الأصل في الإناء الأصفر في عرض الأصل في الإناء الأبيض، بل الاستصحاب المذكور بنفسه يكون متكفِّلاً للتعبّد بجريان الأصل في الإناء الأسود، فيقع بنفسه طرفاً للمعارضة مع الأصل في الإناء الأصفر.

وأمّا دليل الأصل الجاري في الإناء الأسود فوقوعه طرفاً للمعارضة فرع اقتضائه، واقتضاؤه إنّما يثبت جزماً بعد سقوط الأصل في الأبيض بالمعارضة مع الأصل في الطرف الآخر، وفي هذه المرتبة لا معارض لاقتضائه، فيجري، فتدبّره فإنّه دقيق.


وأمّا إذا كانت الحكومة المحتملة في المقام للأصل في الأبيض على الأصل في الأسود من السنخ الثاني فيكون حال المحاكم بحسب الحقيقة حال الدليل المخصِّص، بمعنى أنّه في المورد الذي يرجع فيه إلى العامّ عند الشكّ في التخصيص يرجع هنا إلى المحكوم عند الشكّ في الحاكم، وفي المورد الذي لا يجوز التمسّك فيه بالعامّ من موارد الشكّ لا يجوز فيه التمسّك بالدليل المحكوم في المقام أيضاً.

والحاصل : أنّه يفصّل بين الشبهات الحكمية للحاكم والشبهات المصداقية له.ففي الأوّل يرجع إلى الدليل المحكوم دونه في الثاني، على تفصيلٍ محقّقٍ في مباحث العموم والخصوص.

وحينئذٍ : فإن كان الشكّ في المقام في حكومة الأصل في الإناء الأبيض ناشئاً عن الشكّ في مقدار المجعول فيه بنحو الشبهة الحكمية، كما إذا شكّ كلّيّةً في أنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - هل هي من الآثار الشرعية لنجاسة الملاقى - بالفتح - أو لاَ ؟ فيرجع إلى الدليل المحكوم، ويكون اقتضاء الأصل في الإناء الأسود تامّاً، فيسقط بالمعارضة مع الأصل في الإناء الأصفر في عرض سقوط الأصل في الإناء الأبيض.

وإن كان الشكّ في حكومة الحاكم ناشئاً عن الشبهة الموضوعية، بمعنى أنّه يعلم بأنّ المجعول فيه هو طهارة الملاقي - بالكسر - وخروج ملاقيه عن مقتضى الدليل المحكوم، إلاّ أنّه يشكّ في أنّ الإناء الأسود هل هو ملاقٍ للإناء الأبيض، أوْ لاَ ؟ فلا مجال للتمسّك حينئذٍ بدليل المحكوم إلاّ بعد سقوط الحاكم فتأمّل جيّداً.

والحمد لله أوّلاً وآخراً


الفهرس

المعالم الجديدة للأصول غاية الفكر تأليف: آية العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدس‌سره ١

كلمة المؤتمر : ٧

كلمة المؤلِّف : ١٥

المدخل إلى علم الأُصول تعريف علم الأصول. جواز عمليّة الاستنباط الوسائل الرئيسيّة للإثبات في علم الأصول تأريخ علم الأصول مصادر الإلهام للفكر الأصولي الحكم الشرعي وتقسيمه ١٧

تعريف علم الأصول ١٩

جواز عمليّة الاستنباط ٣٧

الوسائل الرئيسة للإثبات في علم الأصول ٤٥

تأريخ علم الأُصول ٦٣

مصادر الإلهام للفكر الأصولي ١١٣

الحكم الشرعي وتقسميه ١٢٣

بحوث علم الأصول تنويع البحث النوع الأوّل : العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الدليل النوع الثاني : العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي ١٢٧

تنويع البحث ١٢٩

العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الدليل تمهيد ١ - الدليل اللفظي ٢ - الدليل البرهاني ٣ - الدليل الاستقرائي ٤ - التعارض بين الأدلّة ١٣٣

تمهيد : ١٣٥


تقسيم البحث : ١٣٦

الدليل اللفظي تمهيد الفصل الأوّل في تحديد ظهور الدليل اللفظي الفصل الثاني في حجّية الظهور ١٣٩

تمهيد ١٤١

الفصل الأوّل في تحديد ظهور الدليل اللفظي ١٥٩

الفصل الثاني في حجّية الظهور ١٧١

الدليل البرهاني تمهيد العلاقات القائمة بين نفس الأحكام العلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه العلاقات القائمة بين الحكم ومتعلّقه العلاقات القائمة بين الحكم والمقدّمات العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد ١٧٩

تمهيد : ١٨١

الفصل الأوّل في العلاقات القائمة بين نفس الأحكام ١٨٥

الفصل الثاني في العلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه ١٨٩

الفصل الثالث العلاقات القائمة بين الحكم ومتعلّقه ١٩٢

الفصل الرابع العلاقات القائمة بين الحكم والمقدِّمات ١٩٤

الفصل الخامس في العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد ١٩٧

الدليل الاستقرائي تمهيد الاستقراء في الأحكام الدليل الاستقرائي غير المباشر ١٩٩

تمهيد ٢٠١

الفصل الأوّل الاستقراء في الأحكام ٢٠٣

الفصل الثاني الدليل الاستقرائي غير المباشر ٢٠٧

التعارض بين الأدلّة التعارض بين دليلين لفظيّين التعارض بين الدليل اللفظي ودليل آخر ٢١٣

الفصل الأوّل [ في التعارض بين دليلين لفظيّين ] ٢١٦

الفصل الثاني في التعارض بين الدليل اللفظي ودليل آخر ٢١٩


العناصر المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي ١ - القاعدة العمليّة الأساسيّة ٢ - القاعدة العمليّة الثانويّة ٣ - قاعدة منجّزيّة العلم الإجمالي ٤ - الاستصحاب التعارض بين الأصول أحكام تعارض النوعين ٢٢١

تمهيد : ٢٢٣

١ - القاعدة العملية الأساسية ٢٢٤

٢ - القاعدة العملية الثانوية ٢٢٧

٣ - قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي ٢٢٩

٤ - الاستصحاب ٢٣٦

التعارض بين الأصول ٢٤١

أحكام تعارض النوعين ٢٤٣

كلمة الختام : ٢٤٤

فهرس المصادر ٢٤٥

غاية الفكر ٢٤٩

غاية الفكر تأليف سماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس‌سره ٢٥١

مقدّمة المؤلّف : ٢٥٥

مباحث الاشتغال مقدار منجّزية العلم الإجمالي مدى جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي تنبيهات العلم الإجمالي ٢٥٧

مقدار منجّزيّة العلم الإجمالي ٢٥٩

الناحية الأولى الرأي المختار في حقيقة العلم الإجمالي ٢٦٣

المباني المطروحة في حقيقة العلم الإجمالي ٢٦٩

منجّزية العلم الإجمالي وما يتنجّز به ٢٨٢

مباحث الاشتغال ٢ مدى جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي جريان الأصول النافية في جميع الأطراف جريان الأصول النافية في بعض الأطراف جريان الأصول المثبتة مع العلم بالترخيص ٢٩٥


الناحية الثانية جريان الأصول النافية في جميع الأطراف ٢٩٧

جريان الأصول النافية في بعض الأطراف ٣١٠

جريان الأصول المثبتة مع العلم بالترخيص ٣٢٤

تنبيهات العلم الإجمالي جريان الأصول الطوليّة بعد تساقط العرضيّة فرضيّة الترتّب بين طرفي العلم الإجمالي تعلّق العلم الإجمالي بجزء الموضوع ٣٢٥

جريان الأصول الطوليّة بعد تساقط العرضيّة ٣٢٧

فرضيّة الترتّب بين طرفي العلم الإجمالي ٣٤٤

تعلّق العلم الإجمالي بجزء الموضوع ٣٥٢

الفهرس ٣٨٩