البدعة
الدكتور الشيخ جعفر السبحاني
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
تهدف الدراسة التي أضعها بين يدي القارئ الكريم باختصار إلى رسم صورة واقعية لمفهوم (البدعة)، من خلال دراسة مستفيضة للقيود الدخيلة في صياغة الحدّ النهائي لهذا المفهوم، ووضع الضابطة العامة التي يتم بموجبها تطبيقه على هذا المورد دون ذاك.
وتأتي الأهمية التي يحظى بها هذا البحث من خلال النظر في أمرين:
أولاً: إنَّا نجد أنَّ البحث في مفهوم (البدعة) يكاد أن يكون غائباً في الدراسات التخصصية المستقلة، والبحوث الموضوعيّة الشاملة، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى قوة الوضوح التي يحملها هذا المفهوم، وسعة حضوره في صفوف مفردات الثقافة الاسلامية البارزة.
وثانياً: إنِّه على الرغم من الوضوح الذي يحمله هذا المفهوم من الوجهة النظريّة، إلا أنّا نجد خللاً واضحاً في تطبيق هذا المفهوم على مصاديقه، وارتباكاً ملحوظاً في تحديد موارده، الأمر الذي جعل هذهِ النقطة بالذات تمثل مشكلة حقيقية باتت ترافق المفهوم باطّراد من خلال تلك التطبيقات العملية الخاطئة، وأصبحت بمثابة التيار الموجّه لتفتيت وحدة المسلمين، وتمزيق شملهم، وشق عصا تآلفهم وتضامنهم على مبادئ
الاسلام المثلى.
ومما يؤسف له حقاً أن يقع هذا المفهوم الاسلامي الحساس ضحيةً لالوان شتى من الايهام والتمويه، ويُستغل بطريقة غير مشروعة لتحقيق منافع ذاتية ومآرب خاصة لا تعود على المسلمين إلا بالتفرق والتشتيت.
فبالنظر لأهمية دراسة هذا الموضوع من مختلف جوانبه وأبعاده، وإعطاء نظرة تفصيلية حول حدوده وشرائط تطبيقه، فقد عمدت إلى وضع هذهِ الدراسة المتواضعة بين يدي القارئ الكريم.
وانطلاقاً من كون التشريع الاسلامي تشريعاً شاملاً لمختلف جوانب الحياة وأبعادها، فإنّا نرى أنَّه قد اختزن ذاتياً الرصيد الاكبر من مقومات الحصانة والبقاء أولاً، وعناصر الديمومة والاستمرار ثانياً.
ولعلَّ من أبرز مظاهر هذهِ الحصانة هو إعلان المواجهة الشاملة مَعَ البدع والمحدثات، والسعي الحثيث نحو قلعها واجتثاثها من الجذور، والتثقيف المركّز باتجاه خلق وعي التعبّد والانقياد في نفوس المسلمين، وقطع الطريق على كلّ بادرة تحاول أن تخترق غطاء الحصانة الشرعي الذي وفّره الاسلام لمختلف مفردات الشريعة وأحكامها ومبادئها.
هذا الامر يدعونا إلى أن نتعرف إجمالاً على الخطوط الرئيسية لحصانة التشريع، والانتهاء من خلال ذلك إلى بيان خطورة ظاهرة الابتداع في الدين، ومن ثم بيان أهم الأسباب التي أدَّت إلى نشوء هذه الظاهرة في حياة المسلمين.
وهذا ما ستطالعه أيها القارئ الكريم في الباب الاول من أبواب هذه الدراسة.
وبما انَّ إعطاء الصورة النهائية لأي مفهوم لا يمكن أن تتم بمعزلٍ عن النظر إلى
طبيعة الصياغات التطبيقية له، ووضع الضابطة التي تجعله شاملاً لجميع أفراده، وغير منطبق على شيء من غير أفراده، فقد خضع مفهوم (البدعة) في دراستنا الماثلة إلى نفس هذهِ المنهجية، وحاولنا أن نسير مَعَ المفهوم في معناه اللغوي، ثم الاصطلاحي، ثم نتبيَّن ما يمكن أن يفي به من مداليل، وما يُدّعى له من تقسيم، ثمَّ نترك الحكم للنصوص الاسلامية للافصاح عن المعنى الواقعي لهذا المفهوم، ونستنطقها فيما يتعلق بموارده وتطبيقاته، ونتخذ من هذهِ النصوص أساساً لوضع القيود الدخيلة في إجلاء حقيقة هذا المفهوم، وتأسيس منهجية ثابتة يتم على ضوئها تطبيق (البدعة) على مواردها الواقعية، ورفعها عمّا لا يصح إطلاقها عليه.
وهذا يتطلب في الواقع اماطة اللثام عن هوية الابتداع، وبيان قيوده وخصوصياته، وهو ما خصصنا له جوهر هذهِ الدراسة ضمن الباب الثاني الذي يشتمل على موضوعين رئيسيين وهما: (تقسيم البدعة)، و(مفهوم البدعة بين الاطّراد والانعكاس).
ولا يخفى ما للمثال من دور كبير في تجسيد الفكرة واقعياً، وتوضيح معالمها بكل ما تحمله من خصوصيات وتفاصيل، ولا سيما إذا كان لاختيار المثال مدخلية في القاء نظرة أعمق على المفهوم، ومساهمة ثانوية في تكريس ما يشتمل عليه من عناصر وقيود.
فكانت ضرورة البحث العلمي تدعو لأن ننتقي للقارئ الكريم نموذجين بارزين للابتداع في الباب الثالث من هذهِ الدراسة، ثم نعطف بعد ذلك الكلام حول حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، ونبحثه من ناحيتي السند والمضمون، ونناقش الآراء التي أخرجت بواسطته الكثير من البدع من حيِّز الذم والانتقاد.
ثم ننتقل إلى الباب الرابع والاخير من هذهِ الدراسة فنستهل الحديث فيه
باستعراض موجز لمعنى التشيع، وإبطال الرأي القائل بأنَّه بدعة حدثت في فترة متأخرة عن حياة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من خلال دراسة مختصرة لنشأة التشيع، ومناقشة الآراء المختلفة في هذا المجال.
ثم نستعرض روائياً مجمل الدور الرسالي الذي تحمّل أعباءَه أهلُ البيتعليهمالسلام في مواجهة البدع والمحدثات الدخيلة على الدين، وقد اقتصرنا خلال ذلك على بيان الخطوط العامة للمواجهة مَعَ البدع المتعلقة بالجوانب الاعتقادية في حياة المسلمين، لعدم إمكانية استقصاء مراحل المواجهة وحجمها ضمن هذهِ الدراسة، وتعذُّر استيفاء ذلك.
ولا يفوتني في الختام أن أتقدم بوافر الشكر وجميل الثناء إلى أخي المفضال الشيخ مصطفى قصير العاملي الذي تجشم عناء المطالعة النهائية لفصول هذهِ الدراسة، وساهم من خلال ملاحظاته السديدة ووجهات نظره البنّاءة في تنضيج مضمونها، وترشيد محتواها، فجازاه اللّه عن الاسلام وعنّا خير الجزاء.
وأعترف مسبقاً انَّ الكتابة في مثل هذا الموضوع الحساس لا تخلو من عثرة في القول أو زلة في القلم، على الرغم من أنّي قد بذلت غاية الوسع في تغطية جوانب هذا الموضوع، واستقصاء شوارده بالدراسة والتحليل، فلا ادّعي لنفسي العصمة والكمال، إذ لا عصمة إلا لمن عصم اللّه، ولا كمال إلا لِلّه وحده.
( سُبحانَكَ لا عِلمَ لَنا إلا ما عَلَّمتَنا إنَّكَ أنتَ العَليمُ الحَكيمُ )
قم المقدسة
جعفر محمد علي الباقري
الباب الأول: حصانة التشريع وخطورة الابتداع
الفصل الاول : عناصر ديمومة التشريع
تمهيد
يعتبر عنصر العمومية والشمول الذي تتميَّز به تعاليم الشريعة الاسلامية الخاتمة من أبرز العناصر والمقومات التي تمنح هذهِ الشريعة المقدّسة قابلية الديمومة والبقاء ومواكبة السلوك الانساني المتحّرك والمتغيِّر باستمرار.
فقد اُرد لهذه الشريعة أن تمتد في اُفق الحياة إلى حيث اللحظات الاخيرة، وتلبّي جميع احتياجاتها، وتستوعب مختلف أبعادها، بالرؤية الواضحة، والتكليف المشخص، والموقف العملي المحدّد، من خلال المفاهيم والاحكام المتنوعة التي عالجت جميع جوانب الوجود، ودخلت في كل تفاصيله، انطلاقاً من كون الشريعة الاسلامية هي الشريعة الخاتمة، وهي الشريعة الشاملة، قال تعالى:
( اليَومَ أكملت لَكم دِينَكُم وَأتممتُ عَليكُم نِعمتي وَرضيتُ لَكُم الإسلام دَيناً ) (١) .
وقال أيضاً:( وَأنزلنَا إِلَيكَ الكتابَ بِالحقِّ مُصدّقاً لِما بينَ يَديهِ مِن الكتابِ وَمُهيمناً عَليهِ ) (٢) .
فيترشح على أساس ذلك جوهر الأهداف التي تكمن وراء بعثة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم برسالته الخاتمة، والتي تتمثل بتنظيم حياة الانسان، وتقنين حركته، وبرمجة تصرفاته
____________________
(١) المائدة: ٣.
(٢) المائدة: ٤٨.
وتعاملاته المختلفة، مع نفسه ومع اسرته، ومع مجتمعه، ومع خالقه. بما يضمن سيره في طريق الكمال، واتجاهه نحو السعادة الأبدية، والخلود الدائم، والنعيم المقيم، الذي خُلق الانسان من أجل بلوغه وادراكه، فهو الكائن الاجتماعي الذي يأتلف مع باقي البشر من أبناء جنسه، وينصهر معهم في مختلف الرؤى والاهداف، فيشكل بذلك جزءاً فاعلاً في المجتمع الذي ينتمي إليه، ويحقق من خلال السلوك المتزن، والهدي الاسلامي الرفيع أمل الرسالة المعقود عليه، وهو الطاعة والعبادة للّه وحده، قال تعالى:
( وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلا لِيعبُدونِ ) (١) .
ولنا أن نقطع بانَّ هذا الشمول والاستيعاب يكمن في انبثاق هذه التعاليم والقوانين التشريعية من عالم الغيب والكمال المطلق، واتصالها بالقدرة الالهية المهيمنة على هذا الكون، والمدركة لجميع مصالحه ومفاسده بكل تفصيل.
كما انَّ اليد الالهية هي التي تقف وراء حفظ هذهِ التعاليم والذب عنها إلى آخر لحظة في الوجود، يقول اللّه عزَّ شأنه:
( إنّا نحنُ نُزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنّا لهُ لَحافظُونَ ) (٢) .
إذن فهناك عنصران رئيسيان يقفان وراء ديمومة وبقاء الشريعة الاسلامية المقدسة في حياة الانسان، وهما: استيعاب مساحة التطبيق، وغيبية النشوء، وهذا الأمر نجده مفقوداً في كل القوانين والانظمة والنظريات الوضعية التي حاولت معالجة مشكلة الكون والانسان، وسعت إلى رسم المسار الصحيح للبشرية، وتشخيص الوضع الأمثل لها، لأنَّها تفتقد لكلا العنصرين المتقدمين، فهي محدودة ضمن إطار المكان الذي تتحرك عليه، والزمان الذي تُطبق فيه من جانب، ومن جانب آخر نرى انَّها ناشئة من معطيات
____________________
(١) الذاريات: ٥٦.
(٢) الحجر: ٩.
العقل البشري القاصر الذي ينحصر عطاؤه في حدود ظرف الامكان، ولا يتعدى ذلك إلى حيث التمامية والكمال.
والتجربة الانسانية غنيّة بمثل هذهِ الطروحات الوضعية التي ما انفكت تتهاوى الواحدة تلو الاخرى أمام تيار الزمن المتجدد، والتطلعات الانسانية الصاعدة، فهي ما برحت تعاني من الانكفاء والتخلّف ومواكبة الواقع المتغير، وتتعرض إلى الاصلاح والترقيع والترميم على مدى الأزمنة المتعاقبة، ولكن دون جدوى، قال تعالى:
( أَفلا يَتدَبَّرونَ القُرآنَ وَلو كانَ مِن عندِ غَيرِ اللّه لَوجَدُوا فِيهِ اختلافاً كَثيراً ) (١) .
فالقوة الغيبية المطلقة إذن هي صاحبة الدور الوحيد في صياغة الرؤية الاسلامية المحددة إلى مختلف الوقائع والاحداث التي تكتنف بها الحياة، وهي التي تحدد للسوك الانساني طبيعةَ سيره وحركته ضمن مفردات هذا الكون الواسع.
وقد كان القرآن الكريم هو المجسد الأول لهذه الغاية، والملبي الامثل لذلك الغرض المرتجى والهدف المرسوم، نظراً لما اشتمل عليه من أنظمة وقوانين وأحكام تملأ جميع مساحات الواقع، وتستجيب لمختلف متطلباته واحتياجاته، فلا تبقى واقعة في الحياة تخلو من حكم، ولا يمكن أن تعترضَ الانسانَ مشكلةٌ في طريق سعادته وكماله إلا وتجد لها الحل بين طيّات الكتاب الكريم، قال تعالى:
( وَنَزَّلْنا عَليكَ الكتابَ تِبياناً لكلِّ شَيءٍ وَهدى وَرحمَةً وبُشرى لِلمُسلِمينَ ) (٢) .
وقال تعالى:( ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شيءٍ ) (٣) .
____________________
(١) النساء: ٨٢.
(٢) النحل: ٨٩.
(٣) الانعام: ٣٨.
وجاءت الآيات الكثيرة تأمر المسلمين باتباع القرآن الكريم، واسترشاده، والاستلهام منه، كما قال تعالى:
( وَهذا كِتاب أَنزَلناهُ مُبارك فَاتَّبعوهُ وَاتَّقُوا لَعَلّكُم تُرحمُونَ ) (١) .
وقال تعالى:( اتَّبِعُوا مَا انُزِل إِليكُم مِن رَبِّكُم وَلا تَتَّبعُوا مِن دُونِهِ أَوليَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكّرونَ ) (٢) .
هذا هو الخط التشريعي الأول المتصل بالسماء، وأما الخط الثاني الذي يكمّل شوط هذه المهمة، ويتناول تفاصيلها باستيعاب، فهو عبارة عن سنة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، قولاً وفعلاً وتقريراً، حيث التجسيد العملي الأمثل لتلك التعاليم القرآنية، والتوضيح المتمم للخصوصيات والتفاصيل الجزئية التي انطوت عليها عموميات الكتاب الكريم، إذ انَّ من المفترض أن يتناول الكتاب الكريم اصول التشريع الاسلامي، وخطوطه العامة، دون الجزئيات والتفاصيل، فقد قال تعالى:
( وَأَنزلنَا إِليكَ الِذّكرَ لتُبيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّل إِليهِم وَلعَلَّهُم يَتفَكَّرُونَ ) (٣) .
وقد قرن اللّه تعالى في كتابه الكريم طاعة الرسول بطاعته، مقرراً أنَّ كلَّ واحدٍ من هذين المصدرين يكمّل الآخر، ويوضح معالمه، كما قال تعالى:
( قُل أَطيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلّوا فَإنَّ اللّهَ لا يُحبُّ الكافِرينَ ) (٤) .
وقال تعالى:( وَأَطيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلكُم تُرحَمُونَ ) (٥) .
وقال تعالى:( يا أيها الذينَ آمنُوا أطيعُوا اللّهَ ورسولَه ولا تَولّوا عنه وأنتُم
____________________
(١) الانعام: ١٥٥.
(٢) الاعراف: ٣.
(٣) النحل: ٤٤.
(٤) آل عمران: ٣٢.
(٥) آل عمران: ١٣٢.
تَسمعُونَ ) (١) .
وقال تعالى:( ومَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخشَ اللّهَ وَيَتَّقهِ فَأُولئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ ) (٢) .
وقال تعالى:( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقد فَازَ فَوزاً عَظِيماً ) (٣) .
وقال تعالى:( يَا أيُّها الُّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإن تَنازَعتُم فِي شَيءٍ فَردُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إن كنتُم تُؤمنُونَ بِاللّهِ وَاليومِ الآخرَ ذَلكَ خير وَأَحسنُ تَأويلاً ) (٤) .
وقال تعالى:( قُل أَطِيعُوا اللّهَ وأَطيعُوا الرَّسولَ فإن تَولوا فَإنَّما عَليهِ مَا حُمِّلَ وَعليكُم مّا حُمِّلتُم وإن تُطيعُوهُ تهتدُوا وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبينُ ) (٥) .
كما تظافرت الآيات على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتبجيله، وتوقيره، ونصرته، واتباع سيرته وسلوكه، كما في قوله تعالى:
( لقد كانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللّهِ أُسوة حَسَنة ) (٦) .
وقوله تعالى:( الَّذِين يَتَّبعُونَ الرسُول النبِي الأُمّي الَّذي يَجدُونَهُ مَكتُوباً عِندهُم فِي التَّوراةِ والانجِيلِ يَأمُرهُم بَالمعروفِ وَينهاهُم عَن المنكِرِ ويُحلُّ لَهمُ الطيباتِ ويحرِّم عَليهِم الخبائثَ وَيَضعُ عَنهُم إصرهُم وَالاغلالَ التي كانت عَليهم فَالَّذينَ آمَنُوا بهِ وَعزَّروهُ وَنَصروهُ وَاتَّبعُوا النورَ الذي اُنزِلَ مَعُه أولئكَ هُم المُفلحونَ*قُل يَا أيُّها النَّاسُ إنّي رَسولُ اللّهِ اليكُم جَميعاً الذي لَه مُلكُ السِّمواتِ
_______________________
(١) الانفال: ٢٠.
(٢) النور: ٥٢.
(٣) الاحزاب: ٧١.
(٤) النساء: ٥٩.
(٥) النور: ٥٤.
(٦) الاحزاب: ٢١.
وَالأرض لا الهَ إلا هوَ يُحيي ويمِيتُ فآمِنوا بِاللّهِ وَرسولهِ النَّبي الأمي الِّذين يُؤمِنُ بِاللّهِ وكَلِماتِه وَاتَّبِعُوه لَعلَّكُم تَهتدُون ) (١) .
وقال تعالى مخاطباً نبيَّه الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قُل إن كُنتم تُحِبّون اللّهَ فَاتَّبعُوني يُحبِبكُمُ اللّهُ وَيَغفر لَكُم ذُنوبَكُم وَاللّهُ غَفُور رَحيم ) (٢) .
كما وَرَدَ التحذير في الكتاب الكريم عن مخالفة أوامر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والخروج عن جادة السعادة التي اختطها للبشرية بعنائه، وجهاده، وصبره على أداء الرسالة السماوية المقدسة، كما في قوله تعالى:
( لا تَجعلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينَكم كَدُعاءِ بَعضِكم بَعضاً قَد يَعلمُ اللّهُ الَّذينَ يَتَسللُون مِنكم لِوَاذاً فَليحذَرِ الُّذينَ يُخالِفونَ أن أمرِهِ أن تُصيبَهُم فِتنَة أو يُصيبَهم عَذاب أليم ) (٣) .
وجاءت الاحاديث عن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم لتؤكد على نفس هذا المعنى، وتحث المسلمين على اتباع سنته وتحذِّر من مخالفته، فقد ورد عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«مَن تمسكَ بسنتي في اختلاف امتي كان له أجر مائة شهيد»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«كل امتي يدخلون الجنةَ إلا مَن أبى!، قالوا: يا رسولَ اللّه! ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
____________________
(١) الاعراف، ١٥٧ - ١٥٨.
(٢) آل عمران: ٣١.
(٣) النور: ٦٣.
(٤) أبو جعفر البرقي، المحاسن، تحقيق: مهدي الرجائي، ج: ١، باب: ثواب الأخذ بالسنّة، ح: ٧، ص: ٩٥.
(٥) البخاري، صحيح البخاري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، ج: ٨، ص: ١٣٩.
«ستة لعنتُهم لعَنَهُم اللّه وكل نبي مجاب: المكذّب بقدر اللّه، والزائد في كتاب اللّه، والمتسلط بالجبروت يُذِلُّ مَن أعزَّ اللّه ويُعزّ مَن أذلَّ اللّه، والمستحل لحرم اللّه، والمستحل من عترتي ما حرَّم اللّه، والتارك لسنتي».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«ما أمرتكمبه فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا باصابة السنة».
وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنَّه قال:
«إنَّ الفقيه حق الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبيصلىاللهعليهوآله ».
وجاءَ في (نهج البلاغة) عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«اقتدوا بهدي نبيكم فانَّه أفضل الهدي، واستنّوا بسنته فانها أهدى السنن».
وفي الحقيقة ان قضية اتباع سنة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم تُعد من القضايا البديهية التي يقوم عليها عود الاسلام، وترتكز على أساسها مجمل تعاليمه وأحكامه، حتى أصبح أصل اتباع سنة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم مورداً لاجماع المسلمين على الاطلاق، وان كان هناك اختلاف بينهم في طريقة الاخذ بالسنة وشروط ذلك.
ومن المقطوع به ان انكار هذا المعنى الشرعي بخصوص السنة النبوية يساوق
____________________
(١) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي، ج: ١، ص: ٣٦.
(٢) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج: ١، باب: اتباع سنة رسول اللّه، ح: ١، ص: ٣.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح: ٩، ص: ٧٠.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح: ٨، ص: ٧٠.
(٥) نهج البلاغة: خ / ١١٠.
انكار الاسلام من الأساس، وعدم الايمان بأهم أولياته ومرتكزاته، لأنَّ هذا المصدر يعتبر عصب الحياة بالنسبة إلى الشريعة الاسلامية، ويشكّل القاعدة الثانية للتشريع بعد القرآن، ولولا السنة النبوية لما أمكننا أن نفهم أحكام الشريعة، ونعيَ مقاصدها الحقيقية بشكل مطلق.
وقد ورد في الاحاديث ان المخالف لسنة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمتحدّي لها يُعد خارجاً عن دائرة الايمان باللّه، فضلاً عن المنكر لها من الأساس، فقد ورد عن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام في أمر التشديد على مخالفة السنة النبوية أنه قال:
«مَن خالف كتابَ اللّه وسنّةَ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد كفر»(١) .
وورد عنهعليهالسلام أيضاً أنه قال:
«لو أنَّ قوماً عبدوا اللّهَ وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه اللّه تعالى: ألا صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلكَ في قلوبهم، لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا قوله تعالى:( فَلا وربِّكَ لا يؤمنونَ حتى يُحكّموكَ فِيمَا شَجرَ بينهم ثُم لا يَجِدوا فِي أنفُسِهم حَرَجاً مِما قَضيتَ ويُسلِّموا تَسلِيماً ) (٢) ، ثم قال أبو عبد اللّهعليهالسلام وعليكم بالتسليم»(٣) .
وهكذا الأمر بالنسبة إلى سنة أهل البيتعليهمالسلام الذين أذهبَ اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فهي الامتداد الشرعي لسنة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والسبيل المتمم للشوط الذي بدأ بهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد دلَّ عليها الكتاب الكريم، ودلَّت عليها السنة النبوية الشريفة.
وفي الحقيقة ان منصب الامامة الذي يتقلده أهل البيتعليهمالسلام منصب يتأهل له
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الاخذ بالسنة.، ح: ٦، ص: ٧٠.
(٢) النساء: ٦٥.
(٣) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، باب: تصديق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ح: ٣٧١، ص: ٤٢٣.
المعصوم عن طريق النص، ليكمل مسيرة النبوة، وشوط الرسالة، ويتحمل اعباءَها بأمانة واخلاص، ولا يصح بحكم العقل أن يترك النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم امته من دون ولي وقيِّم عليها، وقد ورد النص بتعيين الولي من بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في القرآن الكريم في عدة مواضع اتفق على شأن نزولها الفريقان وذكروها بالطرق الصحيحة المعتبرة في كتب الحديث، منها قوله تعالى:
( إنّما وَليكمُ اللّهُ وَرسولُهُ وَالذينَ آمنُوا الذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاة وَيؤتونَ الزَّكاةَ وَهُم رَاكعونَ ) (١) .
وقوله تعالى:( أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعوا الرَّسولَ وَاولي الأَمر مِنكم ) (٢) .
وقوله تعالى:( إنمَا يُريدُ اللّهُ لِيُذهبَ عَنكمُ الرّجسَ أَهلَ الَبيتِ ويطهّركُم تطهيراً ) (٣) .
وأما السنة، فقد طفحت الكتب الحديثية منها بالروايات المتواترة والمستفيضة على لسان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مقام تعيين الولي من بعده، والوصية الصريحة له بالخلافة،
____________________
(١) المائدة: ٥٥، انظر للاطلاع على سبب نزول الآية: (علي في الكتاب والنسة) لحين الشاكري، ج: ١، ص: ٩٥ - ١٠٣، نقلاً عن السيوطي في تفسير الدر المنثور، ج: ٢٠، ص: ٢٩٣، والرازي في تفسيره، ج: ٢، ص: ٦١٨، والزمخشري في تفسيره، ج: ١، ص: ١٥٤، والبيضاوي في تفسيره، ص:١٥٤، والنيسابوري في تفسير غرائب القرآن، ج: ٢، ص: ٨٢، وغير ذلك من المصادر.
ولمزيد من التفصيل راجع (احقاق الحق)، ج: ٢، ص: (٣٩٩ - ٤٠٨).
(٢) النساء: ٥٩، انظر (علي في الكتاب والسنة)، ج: ١، ص: ٧٩ - ٨٠، نقلاً عن (شواهد التنزيل) للحاكم الحسكاني، ج: ١، ص: ١٤٨ - ١٥٢، وغيره من المصادر.
ولمزيد من التفصيل راجع: (احقاق الحق)، ج: ٣، ص: ٤٢٤، وج: ١٤، ص: ٣٤٨ - ٣٥٠.
(٣) الاحزاب: ٣٣، انظر (علي في الكتاب والسنة)، ج: (١، ص: ٤١١ - ٤٢٤) نقلاً عن الترمذي في (الجامع الصحيح)، ج: ٥، ص: ٣٥١، ح: ٣٢٠٥ و ص: ٣٥٢، ح: ٣٢٠٦، وص: ٦٦٣، ح ٣٧٨٧، وص: ٦٩٩، ح: ٣٨٧١، وفي مسند أحمد بن حنبل، ج: ١، ص: ٣٣٠، و ج: ٤، ص: ١٠٧. والطبراني في المعجم الصغير ج: ١، ص: ٦٥ و ١٣٤، وتاريخ بغداد، ج: ٩، ص: ١٢٦، وفي فتح الباري ج: ٧، ص: ٦٠ وفي الاصابة ج: ٢ ص: ١٦٩ و ٥٠٣، و ج: ٤، ص: ٣٦٦، وغير ذلك من الكتب الحديثية المعتبرة عند ابناء العامة فضلاً عن مصادرنا المتواترة بهذا الشأن.
وبيان منزلة أهل البيتعليهمالسلام ، وأنهم أولى الناس بالرسالة، وأجدرهم بحملها، والحث الاكيد على اتباعهم، والتمسك بسيرتهم، والسير على هداهم، وبيَّنت ان هذا الامر من تمام النعمة وكمال الدين، فقرنهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وخلَّفهم شهداء على الامة، وادلاء على الطريق، من خلال جملة كبيرة من الاحاديث التي جاءت بها كتب الفريقين، ونحن نذكر من بين هذه الاحاديث الكثيرة التي دلَّت على تعيين الولي من بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثةَ أحاديث فقط على سبيل المثال، ونشير إلى بعض مصادرها في كتب العامة:
١ - حديث الدار : روى ابن الاثير والطبري وغيرهما من المؤرخين عن عليعليهالسلام ما مفاده: انّه لما نزل قوله تعالى:( وَأَنذِر عَشيرَتكَ الأَقربِينَ ) (١) أمَرَ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم علياًعليهالسلام أن يصنع صاعاً من الطعام، ويجعل عليه رجل شاة، ويملأ عساً من لبن، ويجمع بني عبد المطلب، وهم يومئذٍ أربعونَ رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب.
فاجتمعوا وأكلوا وشربوا، وبعد ان انتهوا أراد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكلمهم إلا انَّ أبا لهب قاطعه، وتفرَّق القوم.
فدعاهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرةً اُخرى، وصنع لهم ما صنع في المرة الاولى، ثم تكلم وقال:
يا بني عبد المطلب اني واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فايكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟
فاحجم القوم عنها جميعاً، - يقول عليعليهالسلام - قلت وانّي لأحدثهم سناً، وأرمصهم
____________________
(١) الشعراء: ٢١٤.
عيناً، واعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً:
أنا يا نبي اللّه اكون وزيرك عليه.
فأخذ برقبتي ثم قال:
إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمركَ أن تسمع لابنكَ وتطيع»(١) .
٢ - حديث الثقلين : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما»(٢) .
٣ - حديث الغدير : روي عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند نزول قوله تعالى:( يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغ مَا اُنزِلَ إليكَ مِن ربِّكَ وإِن لم تَفعل فَمَا بَلَّغتَ رِسالتهُ واللّهُ يَعصمُك مِن الناس. ) (٣) أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بيد عليعليهالسلام عند غدير خم، بعد العودة من حجة الوداع قائلاً أمام حشود المسلمين الذين كانوا يرافقونه المسير:
أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال:
____________________
(١) ابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج: ٢ ص: ٦٢ - ٦٣، والطبري، تاريخ الطبري، ج: ٢، ص: ٦٢ - ٦٣.
انظر لمزيد من التفصيل مصادر الحديث في احقاق الحق، ج: ٣، ص: ٥٦٢، و(علي في الكتاب والسنة) للشاكري، ج: ١، ص: ٢٠٤ - ٢٠٦.
(٢) محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، المجلد الخامس، ص: ٦١٢، ح: ٣٧٨٦. المتقي الهندي في كنز العمال، ج: ١، ص: ٣٨١، ح: ١٦٥٧.
وقد أخرج الحفّاظ والمحدّثون هذا الحديث بطرق كثيرة صحيحة، حتى ناهز عدد رواته من الصحابة بضعة وثلاثين صحابياً وصحابية، راجع للتفصيل مجلة (رسالة الثقلين)، العدد الرابع، ص: (١١٢ - ١١٩).
(٣) المائدة: ٦٧.
مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأدرِ الحقَّ معه كيفما دار.»(١) .
والاحاديث في هذا المجال متواترة وكثيرة، وقد ذكرتها الكتب المختصة بهذا الشأن، وأما الاحاديث التي حدَّدت هوية أهل البيتعليهمالسلام ، وذكرت عددهم، وشخصتهم من بين المسلمين، فهي مذكورة في مظانها أيضاً، وسنأتي على قسمٍ منها في لاحق دراستنا هذه إن شاء اللّه تعالى.
وبهذا تتظافر نظرة الاسلام إلى جميع جوانب الوجود وأبعاده، ويبقى التشريع الالهي ملازماً لحياة الانسان، ضمن دائرة الغيب، وفي اطار الاستلهام المباشر وغير المباشر من السماء، فالطريق المباشر يتمثل بسنة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذي اختصه اللّه تعالى بالوحي، وتميَّز بذلك دون أهل البيتعليهمالسلام ، فقد قال تعالى بشأن نبيه الكريم:( وَمَا ينطقُ عَنِ الهَوى* إن هُوَ إلا وَحي يُوحى ) (٢) .
وقال تعالى على لسان نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( إن اتَّبعُ إلا مَا يُوحى إليَّ وَمَا أنا إلا نذِير مُّبِين ) (٣) .
والطريق غير المباشر هو سنة أهل البيتعليهمالسلام فقد جاءَ عن ابي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال:
____________________
(١) حديث الغدير أشهر من أن يشار بشأنه إلى مصدر معيَّن، ودونَك موسوعة (الغدير في الكتاب والسنة) للعلامة الاميني، وانظر مدارك الحديث الغفيرة من كتب أبناء العامة في (احقاق الحق)، ج: ٢، ص: ٤١٥ - ٤٦٦، وقد ذكر السيّد محسن الامين في أعيان الشيعة ان مجموع ما اُلف في موضوع الغدير من السنة والشيعة قد بلغ ستاً وعشرين مؤلفاً.
(٢) النجم: ٣ - ٤.
(٣) الاحقاف: ٩.
«حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قول اللّه عزَّ وجلَّ»(١) .
وورد عن سماعة أنه قال: قلت لابي الحسن موسىعليهالسلام : أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو تقولونَ فيه؟ قالعليهالسلام :
«بل كلُّ شيءٍ في كتاب اللّه وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٢) .
وعن قتيبة أنه قال: سأل رجل أبا عبد اللّهعليهالسلام عن مسألةٍ فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيتَ ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقالعليهالسلام له:
«مَه، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لسنا من: (أرأيتَ) في شيء»(٣) .
وروي عن محمّد بن حكيم أنه قال للامام الصادقعليهالسلام : جعلتُ فداك أتى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما يكتفون به؟ فقالعليهالسلام :
«أتى رسول اللّه بما استغنوا به في عهده، وبما يكتفون به من بعده إلى يوم القيامة، قال: قلت:
ضاع منه شيء؟ فقالعليهالسلام :
لا هو عند أهله»(٤) .
____________________
(١) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: ١٩٤.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الرد إلى الكتاب والسنة، ح: ١٠، ص: ٦٢.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ٢١، ص: ٥٨.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٤٩، ص: ٣٠٥.
الخطوط الأساسية لحصانة التشريع
إنَّ ثوابت الشريعة الاسلامية التي بُنيت على أساس كون التشريع امراً توفيقياً ومستمداً من خصوص المصادر الاساسية التي تقدمت الاشارة اليها، لا تسمح مطلقاً بورود أيَّ لونٍ من ألوان التشريع من خارج هذا الاطار، لأنَّ مثل هذا التشريع الدخيل يُعد خرقاً للحصانة المنيعة التي تقف وراء سرِّ ديمومة التشريع، وبقائه واستمراره إلى حيث الشوط الاخير في هذهِ الحياة، مما يؤدّي في النتيجة إلى إحداث فجوات خطيرة، وشروخ عميقة، في هذا الغطاء الذي يؤطّر الاحكام الشرعية المقدسة، ويحيط بها، ويصونها عن نفوذ الرؤية القاصرة التي تسبب حدوث المسخ والتشويه والتحريف.
وقد ضمن المولى سبحانه وتعالى توفير هذه الحصانة لكتابه العزيز، وصيانته من التحريف والتبديل والتغيير، ومخالطة الباطل له، حيث يقول:
( إنّا نَحنُ نَزَّلنا الذِكرَ وإنَّا لَهُ لَحافظُون ) (١) .
ويقول تعالى:( وَانَّه لكِتاب عَزيز* لا يَأتيهِ البَاطلُ مِن بَينِ يَديهُ وَلا مِن خَلفهِ تَنزيل مِن حَكيمٍ حَميدٍ ) (٢) .
كما امرَ المولى سبحانه وتعالى نبيَّه الكريم أيضاً أن يشدد على هذا المعنى، ويؤكّد عليه بشأن السنة النبوية، ويعالج هذا الأمر بما يتناسب مع حجمه وخطورته من تنبيه وتأكيد وتذكير، فورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام سيل متدفق من
____________________
(١) الحجر: ٩.
(٢) فصلت: ٤١ - ٤٢.
الاحاديث، وحشد كبير من التوصيات التي اتجهت مضامينها نحو توفير هذا الضمان، وتهيئة الأجواء الملائمة له، عبر خطوط أساسية أهمها ما يلي:
الخط الأول: شمولية التشريع
يتمثل الخط الاول من خطوط الحصانة للتشريع الالهي ببيان أنَّ الشريعة الاسلامية شريعة خاتمة لجميع الشرائع السماوية السابقة، حيث انَّ تلك الشرائع كانت شرائع مؤقتة ومحدودة ضمن الظرف الذي عاشت فيه، على الرغم من انها كانت تتفق في الخطوط الرئيسية العامة، وتشتمل على قواسم دينية مشتركة في طريق هداية البشرية نحو السعادة والفضيلة، وتسير بالانسان في رحلة تكاملية تهيؤه لاستقبال الشريعة الاسلامية الخاتمة وتعدّه لها.
وبهذا فانَّ الشريعة الاسلامية تتميز عن الشرائع السماوية السابقة بانها شريعة شاملة ومستوعبة لجميع مستجدات الواقع وضروراته واحتياجاته، وان الخطوط العامة الواردة في الكتاب العزيز، والتفاصيل المترامية المذكورة في الحديث الشريف، كافية لأن تغطّي هذه الحاجة مهما تقدَّم الزمن بالانسان وارتقى فيه، فما من واقعة تمرّ بالانسان وتطرأ في حياته المتواصلة إلا ولها حكم في الكتاب العزيز أو سنة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام .
وبما انَّ هذه السنة مستلهمة ومستوحاة من عموميات الكتاب الكريم، فيكون الكتاب في النتيجة هو الدستور الذي يشتمل على كل تفاصيل الحياة وأحكامها ضمن اطاراته العامة وأحكامه الكلية، فلا يبقى مع هذا أيّ مجال لورود القوانين الوضعية البشرية في قبال التشريع الالهي المقدس، ما دامت الشريعة الاسلامية تغطّي كل مساحة التطبيق، وتتناول كل جزئيات الحياة.
يقول اللّه تعالى بشأن شمولية الكتاب الكريم:
( ما فرَّطنَا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ ) (١) .
ويقول تعالى:( وَكل شَيءٍ فَصَّلناهُ تَفصِيلاً ) (٢) .
ويقول تعالى:( . مَا كَانَ حَديثاً يُفترَى وَلَكن تَصدِيقَ الذِي بَينَ يَديهِ وَتفصِيلَ كُل شَيءٍ وَهُدىً وَرحَمةً لِقَومٍ يُؤمنونَ ) (٣) .
ويقول تعالى:( وَنَزَّلنَا عَلَيَكَ الكِتَابَ تِبياناً لِكُلِ شَيءٍ وَهُدىً وَرحمةً وَبُشرَى لِلمُسلِمينَ ) (٤) .
وورد عن ابي عبد اللّه الصادقعليهالسلام بهذا الصدد أنه قال:
«إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ أنزل في القرآن تبياناً لكل شيء، حتى واللّه ما يستطيع عبد أن يقول: لو كان في القرآنِ هذا، إلا وقد أنزله اللّه فيه»(٥) .
وعنهعليهالسلام أنه قال:
«إنَّ اللّه أنزل عليكم كتابه الصادق البار، فيه خبركم، وخبر ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وخبر السماء، وخبر الارض، فلو أتاكم مَن يخبركم بذلك لعجبتم»(٦) .
وعنهعليهالسلام أنه قال:
«إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب اللّه، ثم قال في بعض حديثه: انَّ رسول اللّهعليهالسلام نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول اللّه أين هذا من كتاب اللّه؟ قال: إنِّ اللّه عزَّ وجلَّ يقول:( لا خَيرَ فِي كَثِيرٍ مِن
____________________
(١) الانعام: ٣٨.
(٢) الاسراء: ١٢.
(٣) يوسف: ١١١.
(٤) النحل: ٨٩.
(٥) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١: باب: أنزل اللّه في القرآن تبياناً لكل شيء، ح: ٣٥٨، ص: ٤١٦.
(٦) أبو جعفر البرقي، المحاسن: ج: ١، باب: أنزل اللّه في القرآن تبياناً لكل شيء، ح: ٣٥٩، ص: ٤١٦.
نَّجوَاهُم إلا مَن أمَرَ بصَدقةٍ أو مَعروفٍ أو إِصلاحٍ بَينَ النَّاس ) (١) وقال: ( وَلا تُؤتُوا السُّفهاءَ أَموالكُم الَّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُم قِياماً ) (٢) ، وقال:( لا تَسألوا عَنْ أَشياءَ إِن تُبدَ لَكمْ تَسؤكُمْ ) .»(٤) .
وبالنظر لهذه السعة والشمولية في مفردات الكتاب العزيز نرى أنه لا يزداد مع تقدم الزمن ونموه إِلا حداثة وطراوة، وان القارئ له والمتأمل فيه يشعر وكأنَّه قد نزل في العصر الذي هو فيه، فلا تتحجم مفرداته مع سعة الحياة وكثرة تعقيداتها، ولا تتراخى تعاليمه عن مواكبة المسيرة الانسانية الحثيثة. فقد ورد عن الامام الرضاعليهالسلام عن ابيه موسى بن جعفرعليهالسلام قال:
«إنَّ رجلاً سأل أبا عبد اللّه الصادقعليهالسلام : ما بال القرآن لا يزداد مع النشر والدرس إلا غضاضةً؟ فقالعليهالسلام : إنَّ اللّه تبارك وتعالى لم يجعله لزمانٍ دونَ زمان، ولناسٍ دونَ ناس، فهو في كلِّ زمانٍ جديد، وعند كلِّ قومٍ غضّ إلى يوم القيامة»(٥) .
وعن عليعليهالسلام أنه قال في صفة القرآن:
«لا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع»(٦) .
وورد عن الامام الرضاعليهالسلام في نفس المعنى أنه قال:
«لا يخلق من الأزمنة، ولا يغثّ على الألسنة، لانَّه لم يجعل لزمان دونَ زمان، بل جُعل دليل البرهان، وحجة على كلِّ اسنان، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه،
____________________
(١) النساء: ١١٤.
(٢) النساء: ٥.
(٣) المائدة: ١٠١.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الرد إلى الكتاب والسنة، ح: ٥، ص: ٦٠.
(٥) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، كتاب: العلم، باب: ٣٢، ح: ٤٤، ص: ٢٨٠.
(٦) نهج البلاغة: خ / ١٥٦.
تنزيل من حكيم حميد»(١) .
وتتمتع السنة الشريفة الواردة عن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام بنفس ما يتمتع به الكتاب الكريم من شمولية واستيعاب، باعتبار الملازمة الثابتة بينهما، وعدم امكانية تصور وفاء احدهما بدوره دون الآخر، فالكتاب يشتمل على عموميات التشريع، والسنة تضطلع بتفصيل عموميات الكتاب الكريم، فقد قال تعالى موضحاً هذه الملازمة:
( وَأنَزلنا إِليكَ الذّكرَ لِتبَيِّنَ لِلنَّاس مَا نُزِّل إِليهِم. ) (٢) .
وجاءَ عن عبد الرحمن بن يزيد:
«أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى محرماً عليه ثيابه، فنهى المحرم، فقال: ائتني بآية من كتاب اللّه تنزع ثيابي، قال: فقرأ عليه:( وَمَا آتَاكمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وَما نَهاكم عَنهُ فَانتَهوا ) (٣) »(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال في خطبته عند حجة الوداع:
« يا أيها الناس واللّه ما من شيء يقربكم من الجنة، ويباعدكم من النار، إلا وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه.»(٥) .
وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام :
«انَّه أتاه رجل بمكة، فقال له: يا محمّد بن علي أنت الذي تزعم انه ليس شيء إلا
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٨٩، باب: فضل القرآن واعجازه، ح: ٦، ص: ١٤.
(٢) النحل: ٤٤.
(٣) الحشر: ٧.
(٤) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج: ١، ص: ٣٧.
(٥) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الطاعة والتقوى، ح: ٢، ص: ٧٤.
وله حدّ؟، فقال أبو جعفرعليهالسلام : نعم أنا أقول: انه ليس شيء مما خلقَ اللّه صغيراً ولا كبيراً، إلا وقد جعل اللّه له حداً، إذا جوَّز به ذلك الحد فقد تعدّى حدَّ اللّه فيه، قال: فما حدُّ مائدتك هذه؟ قال: تذكر اسم اللّه حين توضع، وتحمد اللّهَ حين تُرفع، وتقمّ ما تحتها، قال: فما حدُّ كوزك هذا؟ قال: لا تشرب من موضع اُذنه، ولا من موضع كسره، فانه مقعد الشيطان، وإذا وضعته على فيكَ فاذكر اسم اللّه، وإذا رفعته عن فيكَ فاحمد اللّهَ، وتنفَّس فيه ثلاثة أنفاس، فإن النفس الواحدة يكره»(١) .
إلى غير ذلك من الاحاديث التي دلَّت على استيعاب سنة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام لجميع أبعاد الحياة وشؤونها، وأنه ما من واقعة تخلو من حكمٍ شرعي خاصٍّ بها.
وفي الحقيقة انَّ أساس هذا الأمر ينشأ من كون الشريعة الاسلامية شريعة فطرية تنسجم مع واقع الفطرة الانسانية وتوجهاتها السليمة، وتلبي احتياجاتها الثابتة، وتعين المصالح والمفاسد الواقعية التي لا تتأثر بما يستجد ويتغيَّر من وقائع وأحداث.
وقد قام التشريع بتلبية هذه الحاجة عن طريق تقنين القواعد والانظمة الثابتة التي يُلزم الانسان بامتثالها مهما تغيَّرت الظروف من حوله، كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الخمر والزنا. وما إلى ذلك من أحكام أساسية ثابتة في الشريعة.
كما تمَّ أيضاً تشخيص المناطق المرنة في التشريع، والتي يتمكن (الولي) في نطاقها من التحرك والانتقال من حكمٍ شرعي الى، آخر حكمٍ شرعي وتشخيص الموقف الشرعي ضمن اطارات تلك الاحكام الثابتة، والعمل نحو تحقيق أهدافها العامة، من خلال الاستناد إلى العموميات والقواعد التي هيأتها الشريعة لمختلف الأحداث في ظل شروط وقيود معينة.
____________________
(١) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، باب التحديد، ح: ٣٨٩، ص: ٤٢٨.
ويسمى النحو الأول من التشريع ب(التشريع الالهي)، وأما النحو الثاني فيسمى ب(التشريع الولائي).
وفي الحقيقة ان (التشريع الولائي) مكمِّل ومتمم ل(التشريع الالهي)، لأنَّه يقوم بمواكبة الموارد التطبيقية ل(الأحكام الالهية) والمحافظة على أهداف الشريعة الثابتة، من باب تقديم الأهداف وتزاحم الملاكات، وذلك نتيجة لاختلاف الظروف والأحوال التي يمرّ بها الانسان، فتتكامل بذلك نظرة الدين إلى الحياة، ولا يبقى أي فراغ في التشريع.
ولا شك في انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام يمتلكون حق (التشريع الولائي) باعتبار أنَّ وظيفتهم الدينية تحتم ذلك وتستلزمه.
وبما انَّ الشريعة الاسلامية مستمرة ومتواصلة بالانسان إلى آخر نقطة في هذهِ الحياة، فقد أوكل النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام هذهِ المهمة من بعدهم إلى العلماء، وخوّلوا أمر (التشريع الولائي) اليهم، باعتبار انهم الامناء على الدين، والحاملون لمهامه وأعبائه، والعارفون بتفاصيل التشريع، والقادرون على استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، بعد مرحلة الادراك الواعي للتشريع، والفهم المعمَّق لجميع أبعاده وحدوده.
وقد اشترطت النصوص الاسلامية مواصفات دقيقة وحساسة فيمن يقدَّر له أن يتصدّى لملء دائرة الفراغ، كأن يكون حافظاً لدينه، صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه(١) ، وعلى أن تكون هذه الممارسة ضمن الاطار العام للاحكام الواقعية الثابتة.
ومن الجدير بالذكر انَّ هذه المرونة في التشريع لا تعني اكثر من الانتقال من دائرة المباحات العامة إلى دائرة الالزامات (فعلاً أو تركاً)، بعد تشخيص المصلحة الاسلامية
____________________
(١) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج: ج ٢ / ح: ٣٣٧، ص ٥١١ من حديث للامام الحسن العسكريعليهالسلام .
العليا المنسجمة مع الأحكام الالهية الثابتة.
يقول العلامة السيد (محمّد حسين الطباطبائيرحمهالله ) موضحاً هذهِ الفكرة: (فكرة الحكم الولائي):
«مثلما يستطيع أحد أفراد المجتمع الاسلامي - نتيجة للحقوق التي يحصل عليها عن طريق القانون الديني - أن يغير محيط حياته الخاصة بالشكل الذي يرغب فيه (بالطبع في ظل التقوى وشريطة مراعاة القانون)، ويستطيع أن يستخدم ماله وثروته في تحسين معيشته من مأكل وملبس ومسكن وما إلى ذلك من امور أخرى، أو غض النظر عن جزءٍ منها، ويستطيع كذلك الدفاع عن حقوقه المشروعة أمام أي اعتداء وادعاء، والمحافظة على وجوده في الحياة، أو التخلي عن الدفاع فيما إذا اقتضت المصلحة، وغض النظر عن جزءٍ من ماله وثروته، وكما يستطيع أن يبذل النشاطات لضمان حاجاته، بل والعمل ليلاً ونهاراً، أو التخلي عن عمله والقيام بعمل آخر حسب ما يراه صحيحاً، فانَّ لولي أمر المسلمين - الذي يُعيَّن طبقاً للقوانين الاسلامية، وله ولاية عامة في نطاق حكومته - الحق في القيام بما يراه مناسباً في محيط الحياة العامة، فهو يستطيع في ظل التقوى ومراعاة الاحكام الدينية الثابتة، أن يضع مثلاً قوانين خاصة بالطرق والمعابر، والدور، والاسواق، ووسائط النقل، وللبضائع، والمسافرين وعلاقات طبقات الناس ببعضها، ويستطيع كذلك أن يأمر بالدفاع في يومٍ ما أو التخلي عن الدفاع إذا كانت في ذلك مصلحة، أو توقيع معاهدات مفيدة.
إنه يستطيع اتخاذ قرارات في مجال تطوير الثقافة الخاصة بالدين أو بالحياة الرغيدة للناس، ويبذل نشاطات مكثفة في هذا المجال، كما يستطيع في يومٍ ما أن يغض النظر عن بعض، ويحض على دراسة علوم وغيرها.
وخلاصة القول: إنَّ وضع أية قوانين جديدة تعود بالفائدة على المجتمع، وتنتهي
لصالح الاسلام والمسلمين، هو من اختصاص ولي الأمر، وليست هناك أية محدودية في وضع مثل هذه القوانين أو تطبيقها، وبديهي انَّ مثل هذه القوانين وان كانت لازمة التنفيذ كما ينص الاسلام على ذلك، ويتعين على الفقيه العمل بها وتطبيقها، فهي لازمة الاطاعة، ومع ذلك لا تعد شريعة الهية، لانَّ قيمة مثل هذهِ القوانين تتوقف - بالطبع - على الوضع الذي يتطلب تشريعها، فهي تذهب حال انتفاء المصلحة، وفي هذه الاثناء يعلن ولي الامر السابق، أو ولي الامر الجديد عن القوانين الجديدة للناس، وينسخ القوانين السابقة».
ويضيف موضحاً خصائص (الاحكام الالهية):
«وغير أنَّ الاحكام والقوانين الالهية التي تعتبر من اصول الشريعة، فهي قائمة وثابتة دائماً، ولا يحق لأيٍّ كان حتى ولي الأمر أن يغيرها تبعاً لتغير الازمان، أو يلغيها نظراً لانتفاء الحاجة لبعضها»(١) .
وقد نقل لنا التاريخ حصول موارد عديدة لهذا النوع من الاحكام في حياة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام .
ومما ورد في ذلك انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد منعَ في ظروف خاصة إجارة الارض، ونهى المسلمين عن ذلك، فروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «مَن كانت له أرض فليزرعها، فان لم يستطع أو عجز عنها فليمنحها أخاه، ولا يؤاجرها»(٢) .
فمن الواضح انَّ اجارة الارض جائزة من وجهة نظر الفقه الاسلامي، وانَّ الحكم الاولي قد دل على ذلك بشكل قاطع، إلا انَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قد استعمل في هذا المورد
____________________
(١) الطاهري الخرّم آبادي، بين ولاية الفقيه وحكم الشعب، ص: ٢٥ - ٢٧، عن كتاب الاسلام والحاجات الواقعية لكل عصر، للعلامة الطباطبائي، ص: ٥١ - ٥٣.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند الامام أحمد بن حنبل، ج: ٣، ص: ٣٠٢، ح: ١٣٨٣٠، وص: ٣٠٤، ح: ١٣٨٥٧، ص: ٣٥٤ ح: ١٤٣٩٩، وفي مواضع عديدة اُخر.
صلاحيته الخاصة، وانتقل من دائرة الجواز إلى دائرة التحريم، من أجل المحافظة على حالة التوازن الاجتماعي بين المسلمين، ولما كان يمرُّ به المهاجرون آنذاك من ألوان الفاقة والعوز.
ولعلَّ خير ما جسَّد هذا التشخيص الولائي في حياة علماء مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، وأظهر من خلال ذلك قوة التشريع وعظمة شوكته. هو الفتوى الشهيرة للميرزا محمّد حسن الشيرازي، المعروف بالميرزا الشيرازي المجدد الكبير (١٣١٢ هجري)، في عام ١٨٩١ م، والتي حرَّم فيها استعمال التنباك والتتن بأي نحوٍ كان، في الوقت الذي منح فيه ملك ايران (ناصر الدين شاه) امتيازاً لشركة التنباك الانجليزية، يسمح لها فيه باحتكار التنباك وبيعه لمدة (٥٠) عاماً، مما يؤدي إلى إحداث أضرار فادحة بالمزارعين والتجار وعامة الناس.
وقد أدَّت هذهِ الفتوى إلى مقاطعة شاملة من قبل الايرانيين للتدخين، واغلاق جميع محلات بيع التبغ، الأمر الذي اضطرَّ الحكومة إلى استرداد حق الامتياز(١) .
فكما لا يخفى انَّ التدخين مباح بالحكم الشرعي الاولي، إلا انَّ المرجع الديني الأعلى قد قدَّر ضرورة الحكم بحرمة استعماله بأي نحو كان، حفاظاً على كرامة المسلمين، ومصالح الاسلام العليا، وأهدافه الرفيعة السامية.
من خلال هذا كله ندرك شمولية التشريع الاسلامي لكل وقائع الحياة، وانتفاء الحاجة إلى أي تشريع آخر يضع نفسه أمام التشريع الالهي الخالد.
____________________
(١) محسن الأمين، أعيان الشيعة ج: ٤، ص: ٢١٥.
الخط الثاني: سعة دائرة الحلال
عمدت الشريعة الاسلامية إلى توسعة المساحة التي يمكن للانسان أن يتحرك في حدودها خارج اطار الالزام الشرعي إلى أقصى حدٍّ ممكن، عن طريق اطلاق عنان المكلف في الامور التي لم تبيَّن له، ولم يرده بشأنها دليل أو بيان خاص:
قال تعالى:( وَمَا كُنّا مُعذّبِينَ حَتّى نَبعثَ رَسُولاً ) (١) .
وقال تعالى:( لا يُكلّفُ اللّهُ نَفساً إلا مَا آتَاهَا ) (٢) .
وورد في الحديث عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال:
«الحلال ما أحلَّ اللّهُ في كتابه، والحرام ما حرَّمَ اللّه في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«انَّ اللّه فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء عن غير نسيانٍ فلا تبحثوا عنها»(٤) .
وعن أي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال:
«وما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم»(٥) .
وعن عبد الاعلى بن أعين قال:
«سألتُ أبا عبد اللّهعليهالسلام عمَّن لم يعرف شيئاً هل عليه شيء؟ قال: لا»(٦) .
وعنهعليهالسلام أنه قال:
«كل شيءٍ فيه حلال وحرام فهو لكَ حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه
____________________
(١) الاسراء: ١٥.
(٢) الطلاق: ٧.
(٣) ابن الأثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ٧، ح: ٥٥٤٢، ص: ٤٥٤.
(٤) ابن الاثير جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ٥، ح: ٣٠٧٠، ص: ٥٩.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب ٦٤: التعريف والبيان، ح: ٩، ص: ٤١٣.
(٦) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٤ التعريف والبيان، ح: ٨، ص: ٤١٢.
فتدعه»(١) .
وعنهعليهالسلام :
«إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ احتجَّ على الناس بما آتاهم وما عرَّفهم»(٢) .
وفي الحقيقة انَّ الافعال المباحة قد تنشأ في واقع الامر من ملاكات اقتضائية، فتكون رغبة المولى سبحانه وتعالى متوجهة إلى اطلاق عنان المكلف فيها، وعدم تعامله معها على نمط التعامل مع الاحكام الالزامية.
من هنا نرى ان الشريعة الاسلامية تحافظ دائماً على توفير هذا الجو الاختياري للملكف، وتكييف العوامل الملائمة له، لكي يتوازن السلوك الانساني، ولا يتعرض إلى التخلخل والاضطراب، ويروى: أنَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم صنع شيئاً ترخَّص فيه، وتنزه عنه القوم، فحمد اللّه ثم قال:
«ما بالُ أَقوامٍ يرغبونَ عمَّا رُخِّصَ لي فيهُ فواللّهِ لأَنا أَعلمُهُم باللّهِ وأشدُّهُم لَه خشيَةً»(٣) .
وقد دعى الاسلام من خلال اصوله ومبانيه الثابتة إلى أن يأخذ الانسان نصيبه من الحياة الدنيا، عن طريق الممارسات المحللة، والتصرفات المشروعة، وأكّد على ضرورة أن يستوفي كلُّ عضوٍ من أعضاء الانسان حظه من الراحة والاستجمام، وأن تُعطى النفس حقَّها من الالتذاذ والتنعم بما أباحه اللّه لعباده، قال تعالى:
( قُل مَن حَرَّمَ زِينةَ اللّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعبادِهِ وَالطيِّباتِ مِنَ الرِزقِ قُل هِي للذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيَا خالِصةً يَومَ القِيامةِ. ) (٤) .
____________________
(١) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ١٢، باب: عدم جواز الانفاق من الكسب الحرام، ح: ١، ص: ٥٩.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٤، ح: ٢، ص: ٤١٠.
(٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٥، ص: ١٠٦.
(٤) الاعراف: ٣٢.
وفي واقع الأمر انَّ هذه التوسعة تعبِّر عن واحدٍ من أهم المقومات الاساسية التي تساهم في إثراء حركة التكاملية نحو اللّه تعالى، واعطائها صورة متكافئة، لا تتحجم في الجانب العبادي الخاص وتذوب فيه إلى درجة الانهماك التام، ولا تنساب مع الملاذ من دون قيود وحدود، ولذا نرى انَّ الاسلام يشجب حالة الرهبنة والانعزال عن المجتمع، ويحارب ظاهرة القسوة بحق النفس الانسانية، وتحميلها المشاق والصعوبات، ويوجِّه الانسان بدلاً عن ذلك نحو السلوك المتوازن الذي يحفظ حق اللّه وحقّ النفس معاً، ولا ينأى عن الحياة الاجتماعية إلى حيث الاذكار والاوراد والعبادات الخالية من روح النفع والعطاء.
وقد ورد في هذا الشأن:
«أنَّ ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يسألون عن عبادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما اُخبروا كأنَّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال أحدهم: أما أنا فانّي اصلّي الليل أبداً، وقال الآخر: اني أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: اني اعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما واللّهِ إني لأخشاكم للّه وأتقاكم له، لكنّي أصوم وافطر، واصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني».
وجاء عن الامام الرضاعليهالسلام أنه قال:
«إنَّ امرأةً سألت أبا جعفرعليهالسلام فقالت: أصلحك اللّه اني متبتّلة، فقال لها: وما التبتّل عندكِ؟ قالت: لا اُريد التزويج أبداً، قال: ولمَ؟ قالت: ألتمس في ذلك الفضل، فقال: انصرفي فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمةعليهاالسلام أحق به منكِ، انه ليس أحد يسبقها إلى
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٧، كتاب النكاح، ح: ١، ص: ١١٦.
الفضل»(١) .
إلى غير ذلك من الاحاديث التي شجبت ظاهرة الانزواء والرهبنة والانعزال عن المجتمع البشري، والتي سنأتي على شطرٍ منها في لاحق دراستنا هذه إن شاء اللّه تعالى.
ومن أجل تحقيق هذه التوسعة، وخدمة هذه الغاية، نلاحظ أنَّ الشريعة تؤكّد أيضاً على ترك الالحاح في السؤال، والتكلّف في الاستقصاء، وقد أوصت المسلمين بأن يتركوا الامور تأخذ مجاريها الطبيعية، لأنَّ نفس الانسان قد تنزع إلى البحث عن تفاصيل الاحكام وجزئياتها، وتغرق في السؤال عن ذلك من باب التنصل، أو التعجيز، أو الاختبار، أو التسامح. أو غير ذلك من الاغراض والغايات، وغالباً ما نرى أنه عندما ينكشف للانسان واقع الأمر يبدأ بمحاولة التهرّب من أدائه، والتنصل من القيام بواجب اللّه تعالى فيه، ولذا نرى أنَّ الشريعة الاسلامية من باب الرحمة بالانسان والارفاق به قد نهته عن تكلّف الامور واستقصائها، وأمرته بالاكتفاء بما يحصل عليه من الطرق الطبيعية الجارية، لأنَّ الشارع لو كان يريد الزيادة على ما هو موجود لبيَّن تلك الزيادة إلى الناس، ولو كانت هناك ضرورة لأن يرتكب الانسان سلوكاً خاصاً في حياته على نحو الالزام أو ما دون ذلك لما كان يجدر بالشريعة أن تتهاون في توضيحه وبيانه، فما سكتت عنه الشريعة ولم تتطرق له من قريب أو من بعيد فهو عفو، لا يؤمر الانسان بالتحرّي عنه، والالحاح في متابعته.
من هنا نرى أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول:
«اتركوني ما تركتكم فإذا حدثتكم فخذوا عنّي، فانما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»(٢) .
____________________
(١) أبو جعفر الطوسي، أمالي الشيخ الطوسي، ص: ٣٨٠.
(٢) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب العلم، باب: ١٧، ح: ٢٦٧٩، ص: ٤٥ - ٤٦.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«إنّ اعظم المسلمين في المسلمين جرماً مَن سأل عن أمرٍ لم يُحرَّم فحُرِّم على الناس من أجل مسألته».
إنَّ كل ما تقدَّم انما هو ناشئ من كون الشريعة الاسلامية شريعة سهلة سمحاء، لا تضييق فيها على المرء ولا قهر ولا اكراه.
وقال تعالى:( يُريدُ اللّهُ بِكمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ ) .
وقال تعالى:( يُريدُ اللّهُ أنُ يُخففَ عَنكُم وَخُلقَ الإِنسانُ ضَعِيفاً ) .
وقال تعالى:( يَا أيُّها الذِينَ آمنوا لا تُحرِّموا طَيباتِ مَا أحلَّ اللّهُ لَكم وَلا تَعتدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ المُعتدينَ* وَكلوا مِمَّا رَزَقكمُ اللّهُ حلالاً طَيباً وَاتقُوا اللّهَ الَّذي أَنتُم بِهِ مُؤمنونَ ) .
وقال تعالى:( الَّذينَ يَتبعُون الرَّسُول النَّبي الأُمي الَّذي يَجدُونهُ مَكتُوباً عِندَهم فِي التَّوراةِ وَالانجَيلِ يَأمرُهم بَالمَعروفِ وَينَهاهم عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيحرِّمُ عَليهِم الخبائث وَيَضعُ عَنهُم إصرَهُم وَالاغلالَ الَّتي كَانت عَليهم. ) .
وفي الحديث عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«اني لم اُبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بُعثت بالحنيفيّة المسحة».
وعن أبي جعفرعليهالسلام عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«إنَّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه،
____________________
(١) أبو داود، سنن أبي داود، ج: ٤، باب: لزوم السنّة، ح،: ٤٦١٠، ص: ٢٠١.
(٢) البقرة: ١٨٥.
(٣) النساء: ٢٨.
(٤) المائدة: ٨٧ - ٨٨.
(٥) الاعراف: ١٥٧.
(٦) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ٢١٧٨٨، ص: ٢٦٦.
فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى»(١) .
الخط الثالث: ضرورة عرض المعضلات على الكتاب والسنّة
يتمثل الخط الثالث من خطوط حصانة التشريع الالهي بالتشديد على ضرورة عرض الامور المعضلة والمشتبهة على كتاب اللّه الكريم وسنة رسوله القطعية، فما وافقهما من تلكَ الامور فهو مقبول، وما خالفهما فهو مرفوض يجب القاؤُه والتخلّي عنه، فقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجة الوداع أنه قال:
«قد كثرت عليَّ الكذّابة وستكثر، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه وسنتي، فما وافق كتاب اللّه وسنتي فخذوا به، وما خالفَ كتاب اللّه وسنتي فلا تأخذوا به»(٢) .
وذكر أمير المؤمنينعليهالسلام ذلك في عهده لمالك الاشتر حيث يقول:
«واردد إلى اللّه ورسوله ما يضلعكَ من الخطوب، ويشتبه عليكَ من الامور، فقد قال اللّه سبحانه لقومٍ أحبَّ إرشادهم:( يَا أيُّها الذِينَ آمَنوا أَطِيعوا اللّهَ وَأطِيعوا الرَّسولَ واُولي الأَمرِ مِنكُم فَإن تَنازَعتم فِي شَيءٍ فَردُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرسُولِ ) (٣) ، فالرد إلى اللّه الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة»(٤) .
وعن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
____________________
(١) محمّد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الاقتصاد في العبادة، ح: ١: ص: ٨٦.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب ٢٩، ح: ٢، ص: ٢٢٥.
(٣) النساء: ٥٩.
(٤) نهج البلاغة، الكتاب / ٥٣.
«إذا حُدثتم عنّي بالحديث فانحلوني أهنأه وأسهله وأرشده، فإن وافق كتابَ اللّه فأنا قلته، وان لم يوافق كتاب اللّه فلم أقله»(١) .
وعنه أيضاًعليهالسلام انَّه قال:
«كل شيءٍ مردود إلى الكتاب والسنّة، وكل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف»(٢) .
الخط الرابع: التوقّف عند الشبهات
اكّدت الشريعة على ضرورة التوقف عند الشبهات، وعدم اقتحامها، وضرورة التثبّت عندها، من أجل الاحتياط في الدين، وضمان سلامة التحرك في حدوده المشروعة وفي ضمن اطاراته المقررة، ولكي لا يقع المكلف في مخالفة شرعية ولو على مستوى الاحتمال، حرصاً على ايجاد الفواصل المنيعة بين المحللات والمحرّمات، وتلافياً لاحتمال اختلاط بعضها بالبعض الآخر.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بيَّنهما اللّه عزَّ وجلَّ في الكتاب، وبيَّنتُها في سيرتي وسنتي، وبينهما شبهات من الشيطان وبدع بعدي، مَن تركها صلح له أمر دينه، وصلحت له مروته وعرضه، ومَن تلبَّس بها ووقع فيها واتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، ومَن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه أن يرعاها في الحمى، ألا وانَّ لكل ملكٍ حمى، ألا وانَّ حمى اللّه عزَّ
____________________
(١) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ح: ١٣٠، ص: ٣٤٨.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح: ٣، ص: ٦٩.
وجلَّ محارمه، فتَوقّوا حمى اللّه ومحارمه»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«دع ما يريبكَ إلى ما لا يريبك، فانكَ لن تجد فقدَ شيءٍ تركته للّه عزّ وجلَّ»(٢) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام في وصيته لكميل بن زياد أنه قال:
« يا كميل أخوكَ دينكَ فاحتط لدينك بما شئت»(٣) .
وعن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال:
«الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركُكَ حديثاً لم تروه خير من روايتكَ حديثاً لم تحصه»(٤) .
وعنه أيضاًعليهالسلام أنه قال: «أورع الناس مَن وقفَ عند الشبهة»(٥) .
الخط الخامس: الرجوع في تفاصيل التشريع إلى العلماء
تظافرت الادلة على أمرِ ارجاع الشريعة الاسلامية مكلَّفيها إلى العلماء المؤتمنين على الدين في فروع المسائل الشرعية وتفصيلاتها، والترغيب في طلب المعرفة قدر المستطاع، قال تعالى:
( فَلولا نَفرَ مِن كُلِّ فِرقةٍ مِنهم طَائِفة لِيَتفقهُوا فِي الدِّينِ وَلينذِروا قَومَهم إذَا رَجعُوا إِليهِم لَعلَّهُم يَحذَرونَ ) (٦) .
_____________________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣١، ح: ١٧، ص: ٢٦٠.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣١، ح: ١٦، ص: ٢٦٠.
(٣) محمد بن النعمان المفيد، الأمالي، ص: ٢٨٣.
(٤) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ح: ١٠١، ص: ٣٤٠.
(٥) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣١، ح: ٢، ص: ٢٥٨.
(٦) التوبة: ١٢٢.
وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنه قال:
«عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد».
وعن معاوية بن عمّار قال:
«قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام : رجل راوية لحديثكم يبث ذلكَ في الناس، ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعلَّ عابداً من شيعتكم ليس له هذه الرواية، أيهما أفضل؟ قال: الراوية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد».
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال:
«سمعتُ الرضاعليهالسلام يقول: رحمَ اللّهُ عبداً أحيى أمرنا، قلت: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس».
وقد حمَّلت الشريعة هؤلاء العلماء وظيفة حفظ معالم التشريع، واستفراغ الوسع في الذب عن حريم الاسلام العظيم، واعلاء كلمته، وادامة خط الانبياء والمرسلينعليهمالسلام في تبليغ الرسالة، وأدائها للناس، وفي تحّمل مهامهم الجسيمة، ووظائفهم الثقيلة، فيكونوا بذلك ورثة حقيقيين لمعارفهم وعلومهم، فقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول اللّه، ومَن خلفاؤك؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«الفقهاء اُمناء الرسل، ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول اللّه، وما دخولهم في
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول في الكافي، ج: ١ باب: صفة العلم وفضله، ح: ٨، ص: ٣٣.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: صفة العلم وفضله، ح: ٩، ص: ٣٣.
(٣) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ١٨، الباب - ١١ - من أبواب صفات القاضي، ح: ١١ ص ١٠٢.
(٤) أبو جعفر الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، تعليق: علي اكبر الغفاري، ج: ٤، ح: ٥٩١٩، ص: ٤٢٠.
الدنيا؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اتباع السلطان، فان فعلوا ذلك، فاحذروهم على دينكم»(١) .
ولم يكن هذا التأهيل تأهيلاً عفوياً، وانّما كان مبنياً على اُسس موضوعية دقيقة، ومؤهلات ذاتية مقوِّمة، فقد افترضت الشريعة الاسلامية في هؤلاء العلماء المتصدين شروطاً دقيقة وحساسة ترشحهم لهذا المنصب الخطير، فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام في قول اللّه عزَّ وجلَّ:( إِنّما يخشَى اللّهَ مِن عِبادهِ العُلماءُ ) (٢) ، قال:
«يعني بالعلماء: مَن صدقَ فعلهُ قولَه، ومَن لم يصدق فعله قوله فليس بعالمٍ»(٣) .
وورد عن الامام العسكريعليهالسلام أنه قال:
«مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه»(٤) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«ألا اُخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ مَن لم يُقَنِّط الناس من رحمة اللّه، ولم يؤمّنهم من عذاب اللّه، ولم يرخّص لهم في معاصي اللّه، ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره، ألا لا خير في علمٍ ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءةٍ ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر»(٥) .
وعن الامام الرضاعليهالسلام أنه قال:
«إنَّ من علامات الفقيه الحلم والصمت»(٦) .
فلاذا توفرت هذه الشروط والمؤهلات في عالم معيَّن وجب على العوام الرجوع إليه
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: المستأكل بعلمه، ح: ٥، ص: ٤٦.
(٢) فاطر: ٢٨.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، كتاب العلم، باب: ١١، ح: ٤١، ص: ٥٩.
(٤) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ٢، ص: ٤٥٨.
(٥) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: صفة العلماء، ح: ٣، ص: ٣٦.
(٦) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: صفة العلماء، ح: ٤، ص: ٣٦.
في شؤون، دينهم وتحتم عليهم أن يأخذوا عنه معالم التشريع، فقد ورد عن اسحاق بن يعقوب انه قال:
«سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمانعليهالسلام . وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم وأنا حجة اللّه عليهم»(١) .
وعن أبي يعفور قال:
«قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام : أنه ليس كلّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني، وليس عندي كل ما يسألني عنه، فقالعليهالسلام : فما يمنعكَ من محمّد بن مسلم الثقفي؟ فانه قد سمع عن أبي وكان عنده وجيهاً»(٢) .
وعن الحسن بن علي بن يقطين قال:
«قلت لابي الحسن الرضاعليهالسلام : جُعلت فداكَ لا أكاد أصل اليكَ لأسئلكَ عن كل ما احتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقالعليهالسلام : نعم»(٣) .
ومن جانب اخر نجد أنَّ الشريعة قد أوصت هؤلاء العلماء المتصدّين لأمر الفتيا في الدين بالتقيّد بالحجة، واعتماد الدليل المقر من قبل الشريعة، وأن يوثِّقوا كل ما يصدر عنهم من أقوال في شأن التشريع بالأدلة والبراهين والمدارك المعتبرة، كما جاء التحذير الشديد عن مخالفة هذه الضوابط والحدود، والافتاء للناس من غير علم، فقد قال تعالى:
( وَلا تَقوُلوا لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكمُ الكَذِبَ هَذَا حَلال وَهذَا حَرَام لِتَفتروا عَلَى
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، تعليق: علي اكبر الغفاري، ج: ٢، باب: ٤٥، ح: ٤، ص: ٤٨٣.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، كتاب: العلم، ج: ٢، ح: ٦٠، ص: ٢٤٩.
(٣) النجاشي، رجال النجاشي، ج: ٢، ص: ٤٢١.
اللّهِ الكَذِبَ إنَّ الِذينَ يَفَترونَ عَلَى اللّهِ الكذِبَ لا يُفلِحونَ ) (١) .
وقال تعالى:
( وَمَن أظلمُ مِمنِ افترَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أو كذَّبَ بآيَاتِهِ إنَّه لا يُفلحُ الظالِمُونَ ) (٢) .
وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنه قال:
«مَن أفتى الناس بغير علمٍ ولاهدىً لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر مَن عمل بفتياه»(٣) .
وعن زرارة بن أعين قال:
«سألت أبا جعفرعليهالسلام : ما حق اللّه على العباد؟ فقالعليهالسلام : أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون»(٤) .
وعن المفضل بن يزيد قال:
«قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام : أنهاكَ عن خصلتين فيهما هلاك الرجال: أنهاكَ أن تدينَ اللّه بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم»(٥) .
الخط السادس: عدم جواز الاجتهاد في مقابل التشريع
يتمثل الخط السادس ببيان أنَّ التشريع الالهي أمر توقيفي لا يجوز الاجتهاد في مقابله، أو الادلاء برأي شخصي في شأنه، لأنّه صادر من الكمال المطلق المحيط بكل
____________________
(١) النحل: ١١٦.
(٢) الانعام: ٢١.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن القول بغير علم، ح: ٣، ص: ٤٢.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن القول بغير علم، ح: ٧، ص: ٤٣.
(٥) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن القول بغير علم، ح: ١، ص: ٤٢.
جزئيات الحياة، والمستوعب لمختلف أجوائها وظروفها، والتشديد على أية ظاهرة تشريعية تحاول أن تحدث منفذاً في هذا الاطار العام، أو تصنع نفسها بديلاً عن القوانين الالهية الشاملة، وكان بسبب ذلك أن حذَّرت الشريعة الاسلامية تحذيراً شديداً من الكذب والافتراء على اللّه ورسوله، من خلال حشد كبير من الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة، فمن ذلك قوله تعالى:
( فَمن أظَلمُ مَمنِ افترى عَلى اللّهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بِآيَاتهِ إِنَّهُ لا يُفلحُ المُجرِمونَ ) (١) .
وقوله تعالى:( قُل أَرأيتُم مَّا أَنزَل اللّهُ لَكُم مِن رِزقٍ فَجَعلتُم مِنُه حَرَاماً وَحَلالاً قُل اللّه أذِنَ لَكُم أم عَلى اللّهِ تَفترونَ. ) (٢) .
وقوله تعالى:( إنّمَا يَفترِي الكَذِبَ الَّذينَ لا يؤمِنونَ بِآيَاتِ اللّهِ ) (٣) .
وقوله تعالى:( وَلا تَقولُوا لِما تَصِف الِسنتُكم الكَذِبَ هَذَا حَلال وَهَذَا حَرام لِتفترُوا عَلَى اللّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفترُون عَلَى اللّهِ الكَذِب لا يُفلحُون ) (٤) .
وقوله تعالى:( وَيَومَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوههُم مُّسوَدّة أليسَ فِي جَهنَّم مَثوى لِلمُتكَبرِينَ ) (٥) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال:
«اتقوا تكذيب اللّه!، قيل: يا رسول اللّه وكيف ذاك؟ قال: يقول أحدكم: قال اللّه، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ: كذبت لم أقله، ويقول لم يقل اللّه، فيقول عزَّ وجلَّ: كذبت قد
____________________
(١) يونس: ١٧.
(٢) يونس: ٥٩.
(٣) النحل: ١٠٥.
(٤) النحل: ١١٦.
(٥) الزمر: ٦٠.
قلته»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«مَن قال عليَّ ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار»(٢) .
وفي حديث آخر عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«مَن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(٣) .
وعن الامام الرضاعليهالسلام أنه قال:
«واللّه ما أحد يكذّب علينا إلا ويذيقه اللّه حرَّ الحديد»(٤) .
كما حذَّرت الشريعة تحذيراً شديداً من أي لونٍ من ألوان الاستدلال العقلي الذي لا يحمل غطاءاً شرعياً، ولا يستند إلى اساس راسخٍ في الدين، من أمثال الرأي والقياس والاستحسان، وغلَّظت على هذه الحالة الدخيلة في مجموعة كبيرة من الآيات والروايات أيضاً، قال تعالى:
( وَمَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدىً مِنَ اللّهِ ) (٥) .
وقال تعالى:( وَلا تَتبعِ الهَوى فَيضلكَ عَن سَبيلِ اللّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضلّونَ عَن سَبيلِ اللّهِ لَهُم عَذاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَومَ الحِسابِ ) (٦) ، وقال تعالى:( أَم لَهُم شُركَاء شَرعُوا لَهمُ مِن الدِينِ مَا لَم يَأذَن بِهِ اللّهُ ) (٧) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ١٦، ح: ١٦، ص: ١١٧.
(٢) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج ١، ح ٣٧٤، ص: ٢٠٩.
(٣) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ص: ١٣ ح: ٣٠ و ٣٣.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ١٦، ح: ١٨، ص: ١١٧.
(٥) القصص: ٥٠.
(٦) ص: ٢٦.
(٧) حمعسق: ٢١.
«قال اللّه جلَّ جلاله: ما آمن بي مَن فسَّر برأيه كلامي، وما عرفني مَن شبَّهني بخلقي، وما على ديني مَن استعمل القياس في ديني»(١) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«لا رأي في الدين»(٢) .
وعن ابي جعفر الباقرعليهالسلام أنه قال:
«إنَّ السنة لا تُقاس، وكيف تقاس السنة والحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة»(٣) .
وعن سعيد الاعرج قال:
«قلتُ لابي عبد اللّهعليهالسلام : إنَّ من عندنا ممن يتفقه يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب اللّه ولا في السنة، فنقول فيه برأينا، فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام : كذبوا، ليس شيء إلا وقد جاءَ في الكتاب، وجاءت فيه السنة»(٤) .
وعن سماعة قال:
«قلت لأبي الحسنعليهالسلام : إنَّ عندنا مَن قد أدرك أباك وجدَّك وانَّ الرجل منّا يُبتلى بالشيء لا، يكون عندنا فيه شيء، فيقيس؟ فقال: إنَّما هلكَ مَن كان قبلكم حين قاسوا»(٥) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، أمالي الصدوق، المجلس الثاني، ح: ٣، ص: ١٥.
(٢) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ح: ٧٨، ص: ٣٣٣.
(٣) أبو جعفر المحاسن، ج: ١، ح: ٩٥، ص: ٣٣٨.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٤٧، ص: ٣٠٤.
(٥) أبو جعفر البرقي، المحاسن ج: ١، ح: ٨٦، ص: ٣٣٥.
الفصل الثاني : مواجهة الابتداع
مواجهة الابتداع
من خلال هذا الاستعراض المجمل للخطوط الرئيسية التي تشكل مفردات الحصانة لوقاية التشريع من الدس والافتراء والتحريف. ندرك الفلسفة التي تقف وراء الكفاح النبوي اللاحب لمواجهة البدع ومحدثات الامور، والتشديد على مرتكبها بألوان التهديد والوعيد، وتحميل العلماء مسؤولية الذب عن الدين، وحماية حريمه ومقدساته ومضامينه، من خلال اظهار علومهم، ونشرمعارفهم، في حالة نشوء هذه المحدثات المعرقلة لحركة الشريعة، والمعطّلة لفاعليتها وتأثيرها في الحياة على الوجه المطلوب، وقد اعتبرت الشريعة العالم الذي لا يقوم بواجبه الديني عند بروز هذه الظواهر الخطيرة إنساناً خائناً لموقعه ورسالته في المجتمع، وكاتماً لما أنزله اللّه تعالى على نبيه الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم من تعاليم وأحكام، إذ انَّ هذا الذب والدفاع يعتبر من أبرز مهام العالم الديني الذي ائتمنته الشريعة على تعاليمها ومقدساتها، وأول الواجبات الملقاة على عاتقه في هذا السبيل، فقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«إذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«إذا ظهرت البدع، ولعن آخر هذه الامة أولها، فمن كان عنده علم فلينشره، فانَّ كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أنزل اللّه على محمّد»(٢) .
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ٢، ص: ٥٤.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ٩٠٣، ص: ١٧٩.
وعن الصادقينعليهماالسلام انهما قالا:
«إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سُلب نور الايمان»(١) .
وسوف نستعرض معاً طائفة من الروايات التي واجهت ظاهرة الابتداع، وأكدت على استئصالها ضمن هذه العناوين:
١ - ذم البدع والتحذير منها:
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«الأمر المفظع، والحمل المضلع، والشر الذي لا ينقطع، إظهار البدع»(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم»(٤) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إيّاكم والبدع، فانَّ كلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة تسير إلى النار»(٥) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن غشّ من امتي فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، قالوا: يا رسول اللّه:
____________________
(١) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ١١، كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب: ٤٠، ح: ص: ٥١٠.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠١، ص: ٢١٩.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١٠٩٣، ص: ٢١٨.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١١٢، ص: ٢٢١.
(٥) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١١٣، ص: ٢٢١.
وما الغش؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يُقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا باصابة السنة»(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ألا وكل بدعة ضلالة، ألا وكل ضلالة في النار»(٣) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«ما اُحدث بدعة إلا تُرك بها سنّة، فاتقوا البدع، والزموا المهيَع(٤) ، وانَّ عوازم الامور أفضلها، وانَّ محدثاتها شرارها»(٥) .
وعنهعليهالسلام :
«أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تُتّبع، وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها كتاب اللّه، يقلِّد فيها رجال رجالاً على غير دين اللّه»(٦) .
وعنهعليهالسلام :
«إنَّ اللّه بعث رسولاً هادياً بكتابٍ ناطق وأمرٍ قائمٍ، لا يهلك عنه إلا هالك، وان المبتدعات المشبهات هنَّ المهلكات، إلا ما حفظ اللّه منها»(٧) .
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١١٨، ص: ٢٢٢.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٢، ح: ٢، ص: ٢٦١.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٢، ح: ١٢، ص: ٢٦٣.
(٤) المَهيَع: (بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء): الطريق الواسع البيِّن.
(٥) نهج البلاغة: الخطبة / ١٤٥.
(٦) نهج البلاغة: الكلام / ٥٠.
(٧) نهج البلاغة: الخطبة / ١٦٩.
٢ - التنكيل بأصحاب البدع وذمهم
جاءَ عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«أصحاب البدع كلاب النار»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أهل البدع شر الخلق والخليقة»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«يجيء قوم يُميتون السنّة، ويوغلونَ في الدين، فعلى اولئكَ لعنة اللّه، ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض عليه»(٤) .
وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام في قوله تعالى:( وَالذِينَ كَسبُوا السَّيئَاتِ جَزاءُ سَيِئةٍ بِمثلِهَا وَتَرهقُهم ذِلة مَا لَهم مِنَ اللّهِ مِن عَاصِمٍ ) (٥) قالعليهالسلام :
«هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات، يسوّد اللّهُ وجوههم ثم يلقونه»(٦) .
وعن يونس بن عبد الرحمن قال:
«قلت لابي الحسن الأولعليهالسلام : بمَ أوحّد اللّه؟ فقال: يا يونس لا تكوننَّ مبتدعاً، مَن نظر برأيه هلكَ، ومَن ترك أهل بيت نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم ضلَّ، ومَن ترك كتاب اللّه وقول نبيه
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١٠٩٤، ص: ٢١٨.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١٠٩٥، ص: ٢١٨.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٢٤، ص: ٢٢٣.
(٤) أبو جعفر الصدوق، ثواب الاعمال، تصحيح وتعليق وتقديم الشيخ حسين الأعلمي، ص: ٣٠٤.
(٥) يونس: ٢٧.
(٦) علي بن ابراهيم القمي، تفسير علي بن ابراهيم، ج: ١، ص: ٣١١.
كفر»(١) .
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ما تقولونَ في قومٍ تدخل قادتهم الجنة وأتباعهم النار، قالوا: يا رسول اللّه: وان عملوا بمثل أعمالهم، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : وان عملوا بمثل أعمالهم، يدخل هؤلاء بما سبق لهم الجنة، ويدخل هؤلاء بما أحدثوا النار»(٢) .
وعن عليعليهالسلام انه قال:
«وآخر قد تسمّى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، وأضاليل من ضلال. يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع، ويقول أعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة انسان، والقلب قلب حيوان»(٣) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله تعالى:( إنَّ الذِينَ فَرَّقوا دِينهم وَكانُوا شِيَعاً ) (٤) ، قال:
«هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة، أنا منهم بريء، وهم براء»(٥) .
وعن عليعليهالسلام أنه قال:
«إنَّ من عزائم اللّه في الذكر الحكيم، التي عليها يثبب ويعاقب، ولها يرضى ويسخط، أنه لا ينفع عبداً - وان أجهدَ نفسه وأخلص فعله - أن يخرج من الدنيا لاقياً ربَّه بخصلةٍ من هذهِ الخصال لم يتب منها. أو يستنجح حاجةً إلى الناس باظهار بدعةٍ في
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١٠، ص: ٥٦.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٢٩، ص: ٢٢٣.
(٣) نهج البلاغة: خ / ٨٧.
(٤) الأنعام: ١٥٩.
(٥) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ٢٩٨٧، ص: ٢٢٣.
دينه»(١) .
وعنهعليهالسلام :
«إنَّ أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان: رجل وكله اللّه إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتُتن به، ضال عن هدي مَن كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته»(٢) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«انَّ الاسلام يشيع ثم تكون له فترة، فمن كانت فترته إلى غلوٍّ وبدعة، فاولئكَ أهل النار»(٣) .
٣ - التأكيد على مقاطعة المبتدعين
كما جاءت جملة كبيرة من الاخبار لتدلل على ضرورة مقاطعة المبتدعين، وهجرانهم، وعدم معاشرتهم بشكل مطلق، تأكيداً على بشاعة هذا الأمر، وإيغالاً في شجبة ومواجهته، فمن ذلكَ ما ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«مَن وقَّر صاحب بدعة فقد أعانَ على هدم الاسلام»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إذا رأيتم صاحب بدعةٍ، فاكفهرّوا في وجهه»(٥) .
____________________
(١) نهج البلاغة: خ / ١٥٣.
(٢) نهج البلاغة: الكلام / ١٧.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠٦، ص: ٢٢٠.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠٢، ص: ٢١٩.
(٥) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١٦٧٦، ص: ٣٨٢.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن تبسَّم في وجه مبتدع، فقد أعانَ على هدمِ دينه»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن أرعبَ صاحب بدعة، ملأ اللّه قلبه أمناً وايماناً، ومَن انتهر صاحب بدعة، آمنه اللّه من الفزع الاكبر، ومَن أهانَ صاحب بدعة، رفعه اللّه في الجنة درجة، ومَن لانَ له لقيه تبشبشاً، فقد استخف بما اُنزل على محمد»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن أعرض عن صاحب بدعة بغضاً له، ملأ اللّه قلبه أمناً وإيماناً»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن مشى إلى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الاسلام»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي، فاظهروا البراءة منهم، واكثروا من سبِّهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم، كي لا يطعموا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة»(٥) .
٤ - عدم قبول توبة المبتدع
وبما انَّ الأثر السيّئ لصاحب البدعة لا ينحصر في نطاق شخص صاحبه، وحياته
____________________
(١) عباس القمي، سفينة البحار، ج: ١، ص: ٦٣.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ٥٥٩٨، ص: ٨٢.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ٥٥٩٩، ص: ٨٢.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٢٣، ص: ٢٢٣.
(٥) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ١١، ص: ٥٠٨، ح: ١.
الخاصة، وانما يتعدى ذلك إلى الحياة الاجتماعية العامة، فيؤثر فيها سلباً. ويعرقل حركتها، ويشوّه معالمها، نتيجة الدس والتحميل والافتراء، ووضع العقبات أمام القانون الالهي من أن يأخذ مساره الطبيعي في توجيه الفرد والمجتمع، والوصول بالبشرية إلى حيث السعادة والكمال، فقد تم التاكيد أيضاً على إغلاق باب التوبة في وجه المبتدع، وأنَّ أعمال البر لا تُقبل منه، وأنَّ المبتدع يحمل وزره ووزر مِن عمل ببدعته، لأنَّه المسؤول الأول عن ذلك، قال تعالى:( لِيحمِلوا أوزارهم كَامِلةً يَومَ القِيامَةِ وَمِن أوزارِ الذِينَ يُضلونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ ) (١) .
وجاءَ في الحديث عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«ومن ابتدعَ بدعةً ضلالة لا ترضي اللّه ورسولهُ كان عليه مثل آثام مَن عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً»(٢) .
كل ذلك من أجل أنَّ أيَّ تهاون في هذا المجال، وأيَّ تسامح في مواجهة هذه الظاهرة، سوف يعرِّض الشريعة الاسلامية إلى الخطر المحدق، ويهدد وجودها وكيانها العظيم بالتحريف والتزوير.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا الشأن:
«إنَّ اللّه احتجر التوبة على صاحب كلِّ بدعة»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أبى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة»(٤) .
وعن عبد اللّه بن عباس أنَّه قال:
____________________
(١) النحل: ٢٥.
(٢) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ١٢٢.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠٥، ص: ٢٢٠.
(٤) أبو جعفر الصدوق، علل الشرائع، ص: ٤٩٢.
«كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا جاءَ شهر رجب، جمع المسلمين حوله، وقامَ فيهم خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر مَن كان قبله من الأنبياء فصلّى عليهم، ثم قال: أيها المسلمون قد أظلَّكم شهر عظيم مبارك، وهو شهر الأصب، يصب فيه الرحمة على مَن عبده، إلا عبداً مشركاً، أو مظر بدعة في الاسلام»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآله :
«لا يقبل اللّه لصاحب بدعةٍ صلاةً، ولا صوماً، ولا صدقة، ولا حجّاً، ولا عمرة، ولا جهاداً، ولا صرفاً، ولا عدلاً، حتى يخرج من الاسلام كما تخرج الشعرة من العجيبن»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أبى اللّه أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعتَه»(٣) .
وعن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام قال:
«كان رجل في الزمن الأول طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها، وطلبها من حرام فلم يقدر عليها، فأتاه الشطان فقال له: يا هذا إنكَ قد طلبتَ الدنيا من حلال فلم تقدر عليها، وطلبتها من حرام فلم تقدر عليها، أفلا أدّلكَ على شيءٍ تكثر به دنياك، ويكثر به تبعك؟ قال: بلى، قال: تبتدع ديناً وتدعو إليه الناس.
ففعل، فاستجاب له الناس وأطاعوه، وأصاب من الدنيا، ثمَّ أنَّه فكّر فقال: ما صنعت؟ ابتدعت ديناً ودعوت الناس، وما أرى لي توبة، إلا أن آتي مَن دعوته إليه فأردّه عنه، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه، فيقول لهم: انَّ الذي دعوتكم إليه باطل وانما ابتدعته، فجعلوا يقولون: كذبت وهو الحق، ولكنَّك شككت في دينك فرجعتَ عنه،
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٩٤، باب: ٥٥، ح: ٣٣، ص: ٤٧.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠٨، ص: ٢٢٠.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠٣، ص: ٢١٩.
فلما رأى ذلكَ عمد إلى سلسلة فوتد لها وتداً ثم جعلها في عنقه، وقال: لا أحلّها حتى يتوب اللّه عزَّ وجلَّ عليَّ، فأوحى اللّه عزَّ وجلَّ إلى نبي من الأنبياء: قل لفلان: وعزتي، لو دعوتني حتى تنقطع أوصالك، ما استجبت لك، حتى تردَّ مَن مات إلى ما دعوته إليه، فيرجع عنه»(١) .
____________________
(١) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ص: ٣٢٨، ح: ٧٠.
الفصل الثالث : أسباب نشوء البدع
(البدايات)
أسباب نشوء البِدَع (البدايات)
هناك عوامل عديدة أدَّت إلى ظهور (البدع) في حياة المسلمين، وقد بدأت ظاهرة الابتداع بالنشوء والترعرع، ومن ثمَّ الاتساع في أوائل عهد الرسالة الاسلامية، ومنذ بدايات التشريع، وأخذت (البدع) تتزايد وتتنوع كلما ابتعد الانسان عن هذا العصر، وكلما جنحت حياته نحو السعة والتعقيد.
وكان للتحديات التي واجهها الاسلام على مرّ العصور، والسياسات اللادينية الحاكمة، وما مرَّ به المسلمون من ظروف تاريخية معقدة. الدور الكبير في نشوء (البدع) وازدياد حدّتها، وتناميها، في جسد الكيان الاسلامي الكبير.
والذي يلاحظه المتأمل في فصول التاريخ الاسلامي الاُولى أنَّ ظاهرة الابتداع حينما وُلدت في حياة المسلمين وُلدت وهي بسيطة وساذجة، تحمل الطابع البدائي، والاسلوب العفوي، والاندفاع السطحي، ولا سيما تلك التي نشأت في حياة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكنَّ هذهِ الظواهر وبعد أنَّ ارتحل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المليك الاعلى بدأت تتخذ طابعاً كيفيّاً مؤثراً، وأُسلوباً تخريبباً خطيراً، وخصوصاً تلك (البدع) و (المحدثات) التي يقف وراءها قصد التشويه والتحريف، وقلب الحقائق والموازين الشرعية الثابتة، والتي تنشأ عن اتباع الأهواء، والانقياد مع الباطل، والصدِّ عن صراط اللّه المستقيم، والهدي النبوي القويم.
وقد وردت الاشارة في القرآن الكريم إلى أنَّ الامة الاسلامية ستمر بهذا المخاض، وتوضع على محكّ الفتنة، وموازين الاختبار، بعد وفاة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث يقول اللّه عزَّ وجلَّ:( ومَا مُحمّد إلا رَسول قَد خَلت مِنَ قَبلهِ الرسُلُ أفَئن مَّاتَ أو قُتِلَ انقَلبتم عَلَى أعقابِكم وَمَن يَنقلِب عَلَى عَقبيهِ فَلَن يَضُرَّ اللّه شَيئاً وَسيَجزي اللّهُ الشَّاكِرينَ ) (١) .
ولم يكن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ليترك التعبير عمّا كان يقرأه في صفحات الغيب، وما يراه على جبين المستقبل القريب، مما سيؤول إليه أمر الامة الاسلامية من التشتت والتفرق والتمزيق، بعد رحيله إلى الرفيق الاعلى، فقد كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يحذِّر المسلمين بين الحين والآخر من مغبّة الوقوع في متاهات البدع والأهواء، والانحراف عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، إلى حيث السبل المتشتتة، والمسالك الضالة.
روي عن ابن مسعود أنه قال:
«خط رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطاً بيده ثم قال: هذا سبيل اللّه مستقيماً، ثمَّ خطَّ خطوطاً عن يمين ذلك وعن شماله ثم قال: وهذهِ السبل، ليس من سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ:( وَأنَّ هَذا صِرَاطي مُستقِيماً فاِتّبِعوهُ وَلا تَتبعُوا السبُل فَتفَرق بكُم عَن سَبيلِهِ ) (٢) (٣) .
ويبيِّن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم لامته أنَّهم سيمرون من بعده بفتن مظلمة، ومخاضات عسيرة، تنجرف معها طبقات كثيرة من المسلمين، فهو يقول:
«يوشك الامم أن تداعى عليكم كما تداعى الآكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللّه من
____________________
(١) آل عمران: ١٤٤.
(٢) الانعام: ١٥٣.
(٣) جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج: ٣، ص: ٥٦.
صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول اللّه؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا»(٢) .
وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«إذا فُتحت عليكم فارس والروم أيّ قومٍ أنتم، قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا اللّه، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أو غيرُ ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض»(٣) .
وعن افتراق الامة الاسلامية وتمزقها واتباعها سنن الامم الماضية من التيه والضلال والانحراف، يتحدث الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً:
«كل ما كان في الامم السالفة، فانَّه يكون في هذهِ الامه مثله، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله تعالى:( لَتركَبُنَّ طَبقاً عَن طَبقٍ ) (٥) أنه قال:
«حالاً بعد حال، لتركبنَّ سنة مَن كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ، شبر بشبر، وذراع بذراع، وباع بباع، حتى أنه لو كان قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهودَ والنصارى تعني يا رسول اللّه؟ قال: فمن أعني؟
____________________
(١) أبو داود السجستاني، سنن أبي داود، ج: ٤، كتاب الملاحم، ح: ٤٢٩٧، ص: ١١١.
(٢) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٤، كتاب الفتن، باب: ٣٠، ح: ٢١٩٥، ص: ٤٢٢.
(٣) مسلم، صحيح مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٨، كتاب الزهد، ص: ٩٦.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢٨، كتاب الفتن والمحن، باب: ١، ح: ١٥، ص: ١٠.
(٥) الانشقاق: ١٩.
لتنقضنَّ عرى الاسلام عروة عروة، فيكون أول ما تنقضون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة»(١) .
ونلاحظ أنَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم مبالغة في إيضاح معالم الطريق الحق أمام المسلمين، وتحديد الرؤية الدقيقة التي لا تسمح بالشك والتوقف والترديد، ينص على الفرقة الناجية من هذهِ الفتن والمدلهمات، ويشخّص الرائد الاول لمسيرة النجاة، فيقولصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«يا علي مثلَك في امتي مثل المسيح عيسى بن مريم، افترق قومه ثلاث فرق، فرقة مؤمنون به وهم الحواريون، وفرقة عادوه وهم اليهود، وفرقة غلّوا فيه فخرجوا عن الايمان، وانَّ امتي ستفترق فيكَ ثلاث فرق، فرقة شيعتُكَ وهم المؤمنون، وفرقة أعداؤك وهم الناكثون، وفرقة غلّوا فيكَ وهم الجاحدونَ السابقون، فانت يا علي وشيعتكَ في الجنة، ومحبُّو شيعتك في الجنة، والغالي فيكَ في النار»(٢) .
وذكر عليعليهالسلام عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، سبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصيَّه، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، فاحدى وسبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصيَّه، وستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصيي، - يقول عليعليهالسلام - وضرب بيده على منكبي ثم قال:
اثنان وسبعون فرقة حلَّت عقدَ الاله فيك، وواحدة في الجنة، وهي التي اتخذت محبتكَ، وهم شيعتُك»(٣) .
ويذكر النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم مسمّيات صريحة للانشقاقات البارزة، والمحدثات
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢٨، كتاب الفتن والمحن، باب: ١، ح: ١١، ص: ٨.
(٢) الخوارزمي، المناقب، تحقيق: مالك المحمودي، الفصل: ١٩: ح: ٣١٨، ص: ٣١٧.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢٨، كتاب الفتن والمحن، باب: ١، ح: ٣٠، ص: ١٣.
الخطيرة التي ستحصل من بعده، تكريساً لمفهوم الفرقة الناجية، وبلورة أبعادها ومعالمها بكل تفصيل، وايغالاً في إلقاء الحجّة البالغة على المسلمين، فنراهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مواضع متعددة يُسمّي الناكثين، والقاسطين، والمارقين، وغير هؤلاء من فرق الضلال الاخرى، فقد روى:
«إنَّ رجلاً أتى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم حنين، وهو يقسِّم تبراً فقال: يا محمَّد اعدل! فقال: ويحكَ من يعدل إذا لم أعدل؟! - أو عند مَن يلتمس العدل بعدي؟! - ثم قال: يوشك أن يأتي قوم مثل هذا، يسألون كتاب اللّه وهم أعداؤه، يقرأون كتاب اللّه ولا يحل حناجرهم، محلقة رؤوسهم، فإذا خرجوا فاضربوا رقابهم»(١) .
وجاء في (شرح النهج) لابن أبي الحديد عن عليعليهالسلام :
«ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال له: إنَّ اللّه قد كتب عليكَ جهاد المفتونين، كما كتب عليَّ جهاد المشركين، قال: فقلت: يا رسول اللّه، ما هذهِ الفتنة التي كتب عليَّ فيها الجهاد؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
قوم يشهدون ان لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه، وهم مخالفون للسنة.
فقلتُ: يا رسول اللّه، فعلامَ اُقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
على الإحداث في الدين، ومخالفة الأمر. فقلت: يا رسول اللّه، إنكَ كنتَ وعدتني الشهادة فاسأل اللّه ان يجعلها لي بين يديكَ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
فمن يقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين؟ أما اني وعدتك الشهادة، وستستشهد، تُضرب على هذهِ فتخضب هذه، فكيف صبرك إذن؟
قلت: يا رسول اللّه ليس ذا بموطن صبر، هذا موطن شكر، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أجل أصبت، فأعدَّ للخصومة، فانكَ مخاصَم.
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٢٢٠، ص: ١٩٩.
فقلت: يا رسول اللّه لو بَّينت لي قليلاً! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
انَّ امتي ستُفتن من بعدي، فتتأول القرآن، وتعمل بالرأي، وتستحل الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرِّف الكتاب عن مواضعه، وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتكَ حتى تقلَّدها، فإذا قلَّدتها، جاشت عليكَ الصدور، وقلبت لك الامور، تقاتل حينئذٍ على تأويل القرآن، كما قاتلتَ على تنزيله، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى.
فقلت: يا رسول اللّه فبأي المنازل اُنزل هؤلاء المفتونين من بعدك؟ أبمنزلة فتنة، أم بمنزلة ردّة؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل.
فقلت: يا رسول اللّه أيدركهم العدل منّا، أم من غيرنا؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
بل منّا، بنا فتح اللّه، وبنا يختم، وبنا ألَّف اللّه بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلّف بين القلوب بعد الفتنة.
فقلت: الحمد للّه على ما وهبَ لنا من فضله»(١) .
وعن قيس بن أبي حازم قال:
«قال علي للزبير: أما تذكر يوم كنت أنا وأنت في سقيفة قوم من الانصار، فقال لكَ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أتحبُّه؟ فقلت: وما يمنعني، قال: أما انكَ ستخرج عليه، وتقاتله وأنت ظالم»(٢) .
وجاءَ في (مسند أحمد) عن قيس أنه قال:
«لمّا أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب، قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟
____________________
(١) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ٩، ص: ٢٠٦.
(٢) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، وبذيله التلخيص للحاكم الذهبي، ج: ٣، كتاب معرفة الصحابة، ص، ٣٦٦.
قالوا: ماء الحوأب قالت: ما أظنني إلا اني راجعة، فقال بعض مَن كان معها: بل تقدمين فيراكِ المسلمون فيصلح اللّه عزَّ وجلَّ ذات بينهم، قالت: إنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لها ذات يوم: كيف باحداكنَّ تنبح عليها كلابُ الحوأب»(١) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً أنه قال لعليعليهالسلام :
«أنه سيكون بينكَ وبين عائشة أمر، فإذا كان كذلك فارددها إلى مأمنها»(٢) .
وعن ابن عباس قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لازواجه:
«أيتكنَّ صاحبة الجمل الأزَبّ، تُقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعد ما كادت»(٣) .
وعن حذيفة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«أرأيتكم لو حدّثتكم أنكم تأخذون كتابكم فتحرقونه وتلقه في الحشوش صدّقتموني؟ قالوا: سبحانَ اللّه! ويكونُ هذا؟ قال: أرأيتكم لو حدَّثتكم أنكم تكسرون قبلتكم صدقتموني؟ قالوا: سبحانَ اللّه! ويكون هذا؟ قال: أرأيتكم لو حدّثتكم أنَّ امَّكم تخرج في فرقة من المسلمين وتقاتلكم صدقتموني؟ قالوا: سبحانَ اللّه! ويكون هذا؟!»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«ويح ابن سُميّة! تقتله الفئة الباغية»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«من لقي الحرورية فليقتلهم»(٦) .
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٦، ح: ٢٣٧٣٣، ص: ٥٢.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٢١٢، ص: ١٩٧.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٦٦٧، ص: ٣٣٣.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٦٩٣، ص: ٣٤١.
(٥) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق روحية النحاس، ج: ١٨، ص: ٢١٨.
(٦) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٢٥٧، ص: ٢٠٨.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«مَن قتله الحرورية فهو شهيد»(١) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«.عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن اقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين»(٢) .
وعن أنس قال:
«أشهد اني سمعت رسول اللّه يقول: إنَّ قوماً يتعمقون في الدين يمرقون منه، كما يمرق السهم من الرمية»(٣) .
وعن أبي أيوب الانصاري قال:
«انَّ رسول اللّه عهد الينا أن نقاتل مع علي الناكثين، فقد قاتلناهم، وعهد الينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجَّهنا اليهم - يعني معاوية وأصحابه - وعهد الينا ان نقاتل مع علي المارقين، فلم أرهم بعد»(٤) .
وقال (ابن أبي الحديد) في (شرح النهج):
«قد تظافرت الاخبار حتى بلغت حدَّ التواتر بما وعد اللّه تعالى قاتلي الخوارج من الثواب على لسان رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٥) .
إذن فبداية وقوع الفتن والمحدثات رافقت بدايات التشريع الاسلامي زماناً، وكانت بذورها موجودة في فترة وجود النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم بين ظهراني الامة، إلا ان بعض الدعوات والاصوات لم يكن بامكانها الجهر بمآربها وطموحاتها المقاطعة لشريعة
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٢٥٨، ص: ٢٠٨.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٦٤٩، ص: ٣٢٧.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٥٤٣، ص: ٢٨٨.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١١، ح: ٣١٧٢٠، ص: ٣٥٢.
(٥) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ٢، ص: ٢٦٥.
الاسلام ومبادئه ومباينه، باعتبار الحصانة التي كان يمتلكها التشريع الاسلامي آنذاك بوجود شخص الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ أنه كان يمثل المحور الذي تلتف حوله الامة الاسلامية بشكل عام، من دون أن يتجرأ أحد - أيّاً كان - من أن يعلن أيَّ مظهر من مظاهر الخلاف، وأن يصرح بدعوةٍ من هذا القبيل.
ولم يكن من السهل اكتشاف تلك الطبقات المبطّنة من قبل المسلمين، وظهور دخائل نفوسهم للملأ العام، لانهم كانوا يتسترون في الظاهر بالاسلام، ويحتمون بعنوانه العام، الذي اتخذوه وسيلة للتآمر على الشريعة المقدسة من قرب، واضمار المنازلة معها بعد غياب صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ساحة الصراع المبيَّت.
وكان أن لقي الاسلام أعنف ضربة تاريخية لثوابته ومبادئه على أيدي بعض تلك المجاميع التي كانت تعيش حول الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتنتظم ضمن طبقة اصحابه ومرافقيهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقد ساهمت بعض تلك المجاميع مساهمة كبيرة في تأجيج جذوة الفتن والمحدثان الاولى، التي اصبحت بعد ذلك أساساً ومصدراً لكل ألوان التحريف والفساد التي اُصيب بها الاسلام في منطلقاته ومواقعه اللاحقة كافة.
وفي نفس الوقت نجد أنَّ هناك طبقة كبيرة من الصحابة وقفت بوجه البدع والمحدثات مواقف رسالية خالدة، أخذ يرددها التاريخ بفخرٍ واعتزاز.
روى البخاري في صحيحه عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أنا على حوضي أنتظر مَن يرد عليَّ فيؤخذ بناسٍ من دوني، فأقول امتي، فيقول: لا تدري مشوا على القَهقرى»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٨، كتاب الفتن، ح: ١، ص: ٨٦.
«أنا فرطكم على الحوض، ليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت لاناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي ربِّ أصحابي! فيقول: لاتدري ما أحدثوا بعدك»(١) .
وروت ام سلمة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«إنَّ من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبداً»(٢) .
وروى سهل بن سعد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«اني فرطكم على الحوض، مَن مرَّ عليَّ شرب، ومَن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنَّ عليَّ أقوام، أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم. فأقول انَّهم مني، فيقال، إنكَّ لا تدري ما أحدثوا بعدَكَ، فاقول: سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي»(٣) .
وعن عبد اللّه بن مسعود عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«وإني فرطكم على الحوض، وإني ساُنازع رجالاً، فاغلب عليهم، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنكَ لا تدري ما أحدثوا بعدك»(٤) .
وقد مرَّت الامة الاسلامية نتيجة لتلك الفتن الحالكة بمنعطفات حادة كادت أن توجّه إليه الضربة القاتلة، لولا ما كان يتمتع به أهل البيتعليهمالسلام وعلى رأسهم أمير المؤمنينعليهالسلام بالصبر والحكمة واليقظة الدائمة، والحرص على بقاء اُسس التشريع الاسلامي ثابتة، ومعامله الرئيسية محفوظة، على الرغم من ان الامة الاسلامية قد ابتعدت في مسيرتها عن الكثير من الخصوصيات والتفاصيل التي تتعلق بحقوقهمعليهمالسلام .
وسوف نتعرض إلى مجمل الدور الرسالي الذي تحمَّل أعباءه أهل البيتعليهمالسلام في إطار مواجهة ظاهرة (الابتداع) ومكافحتها بمختلف الوسائل والاساليب في لاحق
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٧، كتاب الرقاق، ص: ٢٠٦.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٦، ح: ٢٦١١٩، ص: ٣١٢.
(٣) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٧، كتاب الرقاق، ص: ٢٠٨.
(٤) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ١، ح: ٣٨٥٦، ص: ٤٠٨.
دراستنا هذه إن شاء اللّه تعالى.
والآن ننتقل إلى استعراض أهم العوامل التي أدت إلى نشوء ظاهرة (الابتداع) في حياة المسلمين، وخصوصاً تلك التي نشأت في بدايات التشريع الاسلامي وأصبحت أساساً تتفرع منه البدع الاخرى، وذلك ضمن النقاط التالية:
١ - السذاجة والجهل والتسامح في أمر الدين
السذاجة، والجهل، والتسامح. ظواهر اجتماعية عامة كانت تسود مجتمع الجزيرة العربية حين بعثة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وانبثاق فجر التشريع. إذ لم يكن المجتمع آنذاك، وبعد أن آمن بالدين الاسلامي الجديد، متحرراً من جميع الرواسب والمخلَّفات التي تركتها الحياة الجاهلية عليه، حيث الاعراف والنواميس البعيدة عن القيم والاخلاق والمثل الانسانية الرفيعة التي دعى اليها الاسلام العظيم.
وكان للطابع المادي المحض الذي ساد الحياة آنذاك، وتحكَّم في جميع أبعادها، وأصبح مقياساً للتفاضل والقيم، قبل إطلالة الاسلام. الأثر الكبير في قتل روح الابداع والتفكير الحر، والنزوع نحو العلم والمعرفة والابتكار، فانسان ذلك الوقت كان يعيش حالة الجهل المطبق، وخصوصاً بالنسبة إلى العلوم والمعارف الحقّة، ولا يعي أبسط الاشياء من حوله، وإذا ما أدرك شيئاً من ذلك، فانَّ الجوَّ الجاهلي القاتم الذي يلفّه ويحيط به، يمنعه من أن ينتشل نفسه من ذلك الواقع المدلهم.
ولذا فانَّ الاسلام بتعاليمه السماوية المشرقة، يمثل في أول أبعاده، وأهم اشعاعاته، صحوةً فكرية متألقة، اكتسحت تلك الطبقات الكثيفة المظلمة من الجهل والتخلف والانحطاط، التي كانت تلبّد حياة الانسان، وتقطع طريق العلم والمعرفة عليه، ففي اللحظات الاولى لاتصال الارض بالسماء، وفي بداية شوط الرسالة الاول، صدع الوحي لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقول:
( اقرأ بِاسمِ رِّبكَ الذِي خَلَقَ ) (١) .
فالاسلام دعا إلى العلم الذي يعني في أحد بعديه مواكبة الحياة في نموها وتطورها، والتطلّع المستمر لكشف أسرارها وكنوزها، واثراء الفكر البشري بمختلف المعارف العلمية والانسانية المتنوعة، التي لا تقف عند حدِّ ولا تنتهي إلى أمد.
ويعني العلم في منظار الشريعة من خلال بعده الثاني، الانفتاح على المعرفة الاسلامية، وعدم الجمود في تلقي أحكامها ومفاهيمها، وضرورة تحريك الطاقة الفكرية الخلاقة التي أودعها اللّه تعالى في النفس الانسانية، في مجالات التأملات المشروعة، ومحاولة انتزاع الرؤى والمفاهيم والصياغات المتنوعة في كافة مجالات الحياة والكون، بالاعتماد على التراث الفكري، والثروة الغنية التي يمتلكها الاسلام العظيم، والادراك الواعي للاحكام، والفهم المعمَّق للتشريع، من دون أن يتجاوز العقل حدوده المشروعة، ويضع نفسه في مقابل الاحكام الالهية، أو يتقهقهر إلى حيث التحجم والانزواء، فيُشل عن الفاعلية والتأثير.
من هنا نرى تأكيد الشريعة واصرارها على محاربة الجهل، واعتباره العدو الأول الذي يجب مكافحته واستئصاله من جسد الامة الاسلامية، كما نرى الحث الاكيد على ضرورة التعلم والتفقه في الدين، من خلال مجموعة كبيرة من النصوص الاسلامية الواردة في هذا المجال، فمن ذلك قوله تعالى:
( يَرفَعِ اللّهُ الذِينَ آمنُوا مُنكم وَالذِينَ اُوتُوا العِلمَ دَرجَاتٍ ) (٢) .
وقوله تعالى:( قُل هَل يَستَوي الذِينَ يَعلَمون وَالذِينَ لا يَعلمُون انّمَا يَتذَكرُ أُولوا الألبَابِ ) (٣) .
____________________
(١) العلق: ١.
(٢) المجادلة: ١١.
(٣) الزمر: ٩.
وقد قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم، ألا انَّ اللّه يحب بغاة العلم»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن طلب علماً فأدركه كتب اللّه له كفلين من الأجر، ومن طلب علماً ولم يدركه كتب اللّه له كفلاً من الأجر»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن طلب العلم فهو كالصائم نهاره، القائم ليله، وانَّ باباً من العلم يتعلمه الرجل، خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً، فأنفقه في سبيل اللّه»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن جاءَه الموت وهو يطلب العلم، ليحيي به الاسلام، كان بينه وبين الانبياء درجة واحدة في الجنة»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«اطلبوا العلم ولو بالصين»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهَّل اللّه له طريقاً إلى الجنة»(٦) .
وروى أنه خرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذا في المسجد مجلسان، مجلس يتفقهون، ومجلس يدعون اللّه ويسألونه، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: فرض العلم، ح: ١، ص: ٣٠.
(٢) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: ٢٣.
(٣) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: ٢٣.
(٤) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: ٢٣.
(٥) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: ٢٥.
(٦) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: ٢٥.
«كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون اللّه، وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل بالتعليم، ارسلت لما ارسلت، ثم قعد معهم»(١) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«تعلم العلم، فانَّ تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وهو عند اللّه لاهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة، فهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الاعداء، وزين الاخلاء، يرفع اللّه به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يُقتدى بهم، تُرمق أعمالهم، وتقبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلواتهم، لأنَّ العلم حياة القلوب، ونور الابصار من العمى، وقوة الابدان من الضعف، ينزل اللّه حامله منازل الأبدال، ويمنحه مجالسة الاخيار في الدنيا والآخرة، بالعلم يُطاع اللّه ويُعبد، وبالعلم يُعرف اللّه ويوحَّد، وبالعلم توصل الارحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل تابعه، يلهمه اللّه السعداء، ويحرمه الاشقياء»(٢) .
وعن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال:
«عليكم بالتفقه في دين اللّه، ولا تكونوا أعراباً، فانَّه مَن لم يتفقه في دين اللّه، لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة، ولم يزكِّ له عملاً»(٣) .
وعنهعليهالسلام أيضاً أنه قال:
«لوددتُ أنَّ أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا»(٤) .
لقد شخَّصت الشريعة الاسلامية أنَّ أخطر المخاطر التي تهدد كيانها إنَّما تكمن في
____________________
(١) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: ٢٦.
(٢) محمد بن الفتال النيسابوري، روضة الواعظين، ج: ١، ص: ٩.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: فرض العلم، ح: ٧، ص: ٣١.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: فرض العلم، ح: ٨، ص: ٣١.
أن يتعامل معها الفرد المسلم من موقع الجهل واللامبالاة، ويجري على ظواهر أحكامها بسذاجة واسترسال، وقد شجبت الشريعة هذا النمط من السلوك، وعدَّت العبادة الخالية من العلم والفقه والتفكر، عبادةً خاوية جوفاء، لا تفرز معطياتها، ولا تنتج ثمارها المرجوّة من قبل التشريع.
جاءَ عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا الصدد أنه قال:
«مَن عمل بغير علمٍ، كان ما يفسد أكثر مما يصلح»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«لا خير في عبادةٍ لا فكر فيها، ولا في قراءةٍ لا تدبُّر فيها»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«من خرج يطلب باباً من العلم ليردَّ به باطلاً من حق، أو ضلالاً من هدى، كان كعبادة متعبدٍ أربعين عاماً»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«تذاكر العلم ساعة خير من قيام ليلة»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»(٦) .
____________________
(١) ابن جمهور، غوالي اللئالي، ج: ٤، الجملة الثانية، ح: ٦١، ص: ٧٦.
(٢) ابن جمهور، غوالي اللئالي، ج: ٤، الجملة الثانية، ح: ١٧٣، ص: ١١٢.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٠، ح: ٢٨٨٣٥، ص: ١٦١.
(٤) محمد بن النعمان المفيد، الاختصاص، تعليق: علي أكبر الغفاري، ص: ٢٤٥.
(٥) محمد بن الحسن الصّفار، بصائر الدرجات، ج: ١، باب: ٤، ح: ٢، ص: ٧.
(٦) زين الدين العاملي، منية المريد، ص: ٢٣.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ركعتان يصليهما العالم، أفضل من ألف ركعة يصليها العابد»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«والذي نفس محمدٍ بيده، لعالم واحد أشد على ابليس من ألف عابد، لأنَّ العابد لنفسه، والعالم لغيره»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«فضل العالم على العابد بسبعين درجة، بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاماً، وذلكَ انَّ الشيطان يضع البدعة للناس، فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادته، لا يتوجه لها، ولا يعرفها»(٣) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«ركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لأنَّ العالم تأتيه الفتنة، فيخرج منها بعلمه، وتأتي الجاهل، فتنسفه نسفاً»(٤) .
وعن الامام الباقرعليهالسلام أنه قال:
«عالم ينتفع بعلمه، أفضل من عبادة سبعين ألف عابد»(٥) .
فمن الواضح أنَّ على المسلم على ضوء التعاليم الاسلامية أن يتحرّى ويفكّر ويعمل بوعي، ويسأل عن معالم دينه، ويستزيد من العلم بشريعته، حيناً بعد حين، من دون توقف أو انقطاع.
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٧٤، باب: ٣، ح: ٣، ص: ٥٧.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٠، ح: ٢٨٩٠٨، ص: ١٧٤.
(٣) محمد بن الفتّال النيسابوري، روضة الواعظين، ج: ١، ص: ١٢.
(٤) محمد بن النعمان المفيد، الاختصاص، ص: ٢٤٥.
(٥) محمد بن الحسن الصفّار، بصائر الدرجات، ج: ١، باب: ٤، ح: ١، ص: ٦.
وهذا لا يتنافى طبعاً مع التسليم لأمر اللّه تعالى، وأمر رسوله الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، وهذا التحرّي والسؤال لا يصطدم بطبيعة الحال مع وجوب الانقياد والامتثال المطلق لتعاليم الشريعة المقدسة، والاذعان للأحكام الاسلامية المشتملة على علل وملاكات غيبية وخفية - في الاغلب - على الانسان. إذ انَّ التسليم والانقياد لاحكام الشريعة وتعاليمها، مع الوعي بفلسفة هذهِ الأحكام وحقائقها، يُعد غاية الامتثال، ومنتهى الطاعة والتسليم لأمر اللّه عزَّ وجلَّ، فكم هو الفرق بين مَن يطاوع الشريعة في كلِّ ما تقول عشوائياً، من دون أن يعي فلسفة انقياده لها، ومن دون أن يدرك عظمة التشريع، وأسرار إحكامه وإتقانه. وبين مَن يطاوع الشريعة وهو مستشعر لحقيقة الأمر، وعارف بخلفياته ومبانيه.
وبسبٍ من الجهل، والتسامح، والسذاجة في أمر الدين، والسطحية في تلقّي الاحكام وامتثالها، والخلط بين ما هو محلل ومحرَّم، من دون الالتفات إلى توقيفية التشريع وقدسيته، فقد ظهرت في حياة المسلمين بدع كثيرة في حياة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبعد وفاته قريباً من عصر التشريع، وسوف نقوم بدرج نماذج لبعض هذهِ الحالات فيما يلي:
١ - روي في (الموطأ):
«انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: نذرَ أن لا يتكلَّم ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس، ويصوم، فقال رسول اللّه صلى عليه وآله وسلم: مُرهُ فليتكلَّم، وليستظل، وليجلس، وليتم صيامه».
فمن الواضح من خلال هذهِ الرواية أنَّ هذا الرجل قد اندفع بتسامح وعفوية الى ارتكاب هذا العمل المحظور، ولم يدرك حقيقة النذر المشروع، وشروطه، وضوابطه،
____________________
(١) مالك بن أنس، الموطأ، الايمان والنذور، ح: ١٠٢٩، ص: ٢٩٥.
وموارده المسموح بها، فابتكر من وحي نفسه عملاً يظنُّ أنه داخل في حيِّز التشريع، وألزم نفسه بتطبيقه، وتحمّلِ آثاره.
ولا شك في انَّ هذا العمل يُعد إدخالاً لشيء من خارج الدين فيه، فيكون من مصاديق الابتداع وموارده.
وبما انَّ هذا العمل قد اشتمل على جزءٍ صحيح ومشروع، فانّا نرى انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد فصَّل النهي، ولم يطلق القول بعدم مشروعية العمل كلِّه، فقد نهىصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الامور غير المشروعة، وهي نذره للوقوف في الشمس، والقيام، وعدم التكلم، وبيَّن صحة نذره للامر المشروع وهو الصيام، ولذا أمره باتمام صيامه، لأنَّ نذر الصيام جائز من وجهة نظر الفقه الاسلامي.
٢ - جاءَ في (الاعتصام) عن قيس بن حازم أنه قال:
«دخل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على امرأةٍ من قيس يُقال لها زينب، فرآها لا تتكلَّم، فقال: ما لها؟ فقيل: حجة مصمتة، فقال لها: تكلمَّي فانَّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية»(١) .
فنلاحظ هنا أيضاً انَّ هذهِ الحالة تشبه الحالة السابقة، إذ انَّ هذهِ المرأة قد ابتدعت من عند نفسها عملاً دخيلاً على التشريع، وتصورت انه عمل مشروع تريد التقرب به إلى اللّه تعالى، وكان ذلك بسبب الجهل، وعدم الاطلاع على حدود الدين وتعاليمه بدقّة، فنهاها النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك، وعَّد سلوكها هذا من عمل الجاهلية.
٣ - روي عن أنس أنه قال:
«رأى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلاً يهادي بين ابنين له، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يا رسول اللّه، نذر أن يحج ماشياً، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم إنَّ اللّه لغني عن تعذيبه نفسه، فليركب»(٢) .
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ٥٢.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٣، ح: ١٣٤٥٤، ص: ٢٧١.
وهذه الحادثة ناشئة من الجهل بامور التشريع أيضاً، ومتولدة من عدم إدراك أحكام الفقه الاسلامي بالشكل الصحيح، وهذا الجهل يشكل النواة الاولى لنشوء البدع، والخروج إلى حيث الاجتهاد الشخصي في مقابل النص الشرعي، والسلوك الخاطئ الوارد إلى الدين من خارج حدوده.
ولذا نرى أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بادر إلى معالجة هذا الموقف، ونبَّه إلى أنّ هذا العمل عمل غير مشروع بصورته الحالية التي توجب مشقة النفس وتعذيبها، وان كان اصل مشروعية الحج مشياً على الاقدام ثابت ومقر من قبل الاسلام، وللانسان أن ينذر ذلك، ولكن لا إلى الدرجة التي تؤدي بالمكلّف إلى المشقة والحرج.
٤ - روي عن رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده:
«أنه حجَّ مع ذي قرابة له مقترناً به، فرآه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ما هذا؟قال: أنه نذر. فأمرصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقران أن يُقطع»(١) .
وهذه ظاهرة دخيلة على التشريع أيضاً، وهي ان يقترن شخصان بقران يربطهما معاً، ويؤدّيان مناسك الحج بهذه الصورة، وأغلب الظن ان هذه الظاهرة نشأت من حالة العفوية والسذاجة والجهل باحكام الشريعة الاسلامية أيضاً.
وكان موقف الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم تجاه هذهِ الحادثة موقفاً حاسماً، إذ بعد أن سأل عن الامر، وتبيَّن له أنه قد بُني على أساس خاطئٍ وتصورٍ موهوم، أمر بقطع القران الذي يربط بين الرجلين.
٥ - قال جابر بن عبد اللّه:
«انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في سفر، فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلل عليه، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما هذا؟ قالوا: صائم! قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس من البر الصيام في السفر»(٢) .
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ٢٠٠٦٦، ص: ٤٨.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٣، ح: ١٤٠١٧، ص: ٣١٩.
ومن خلال هذهِ الحادثة ندرك أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي كان يتحرّى ويبادر إلى السؤال والاستفسار عن مختلف الظواهر التي قد تمسّ تعاليم الشريعة الاسلامية، وتتجاوز حدودها، وعندما يرىصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّ هذا الشخص قد أحدثَ أمراً لا وجود له في الشريعة، بل وارتكب ما ورد النهي بشأنه، معتقداً انَّ ذلك يقرّبه إلى اللّه تعالى، ويصب في طريق طاعته وعبادته، وجَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم المسلمين إلى عدم مشروعية هذا العمل، وعدم صحة الصيام في السفر.
٦ - عن معاوية السلمي قال:
«صليت مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمكَ اللّه، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمياه! ما شأنكم تنظرون اليَّ؟! قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، لكنّي سكت!
فلما قضى النبي الصلاة - بأبي هو وامي، ما شتمني، ولا كرهني، ولا ضربني - فقال: إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا! إنّما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»(١) .
ولعلَّ هذه الحادثة تكشف لنا بوضوح كامل عن طبيعة التفكير الساذج الذي كان يحمله بعض المسلمين آنذاك، والطريقة السطحية والعفوية التي يتعاملون بها مَعَ الامور التشريعية التوقيفية، التي لا يصح فيها الزيادة ولا النقصان، وخصوصاً مثل الصلاة التي تمثل عمود الدين وأساسه.
فنرى من خلال الحديث المذكور انَّ هذا الشخص الذي جاءَ يصلي خلف رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد بدأ بالحديث والحوار مَعَ بقية المصلّين، من غير أن يكثرث بما أوجبه اللّه تعالى في هذهِ العبادة التوقيفية من تعاليم وحدود، لا بد من الالتزام بها ومراعاتها، والتي
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ٢٣٢٥٣، ص: ٤٤٨.
من أهمها أن يقتصر المصلّي على أذكارها وأفعالها المخصوصة، ولا يتجاوز ذلك إلى حيث الامور غير المشروعة، ولكنَّ هذا الرجل كان يتعامل مَع الصلاة وكأنَّه متحرر من كلِّ إلزام شرعي.
ومن الطبيعي انَّ هذا الأمر إذا لم يُعالج ولم يُستأصل منذ البدايات، فانَّه سوف يكون منشأً لدخول ما ليس من الدين فيه، واختلاط المحللات بالمحرَّمات، وهو يعني الابتداع.
ولذا نرى انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد بادر إلى معالجة الموقف واستدراكه بهدوء كامل، وتوجيه رسالي مثالي رفيع، فوجَّه الرجل إلي حيث الالتزام بالحدود المشروعة للصلاة والتقيّد بها، وعدم الخروج من ذلك إلى حيث التصرفات المحرَّمة والمبطلة لها.
٧ - ذكر ابن سيرين:
«ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج فلقيه حذيفة، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم ما لكَ؟ قال: يا رسول اللّه كنت جنباً! فقال: رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : إنَّ المسلم لا ينجس»(١) .
فبدافع من الجهل هنا نرى انَّ هذا الصحابي يبتدع من عند نفسه حكماً خاصاً، ليس له أي أساس في التشريع، فيدرك النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك منه، ويأمره بالعودة إلى حيث تعاليم السنة الناصعة وترك ما ظن أنه من المحظورات الشرعية، ولو استمر هذا الصحابي على ما كان عليه من الاعتقاد بنجاسة الجنب، لكان ذلك يعني تشريع وتأسيس حكم جديد في مقابل التشريع الالهي الثابت.
٨ - روى (ابن وضاح) عن أبي اسحاق أنه قال:
«انَّ الناس نودي فيهم بعدَ نومة: انه مَن صلّى في المسجد الأعظم دخل الجنة، فانطلق النساء والرجال حتى امتلأ المسجد قياماً يصلّون، قال أبو اسحاق: انَّ امي
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ٢٢٩٠٧، ص: ٤٠٢.
وجدتي فيهم.
فاُتي بن مسعود فقيل له: أدرك الناس، فقال: ما لهم، قيل: نودي فيهم بعد نومة أنه مَن صلّى في المسجد الأعظم دخل الجنّة.
فخرج ابن مسعود يشير بثوبه: ويلكم اخرجوا لا تُعذَّبوا، انما هي نفخة من الشيطان، أنه لم يُنزل كتاباً بعد نبيكم، ولا ينزل بعد نبيكم.
فخرجوا، وجلسنا إلى عبد اللّه فقال: انَّ الشيطان إذا أراد أن يوقع الكذب، انطلق فتمثل رجلاً، فيلقى آخر فيقول له: أما بلغكَ الخبر؟ فيقول الرجل: وما ذاك، فيقول: كان من الأمر كذا وكذا، فانطلق فحدِّث أصحابك، قال: فينطلق الآخر فيقول: لقد لقينا رجلاً إني لا أتوهمه أعرف وجهه، زعم أنه كان من الامر كذا وكذا، وما هو إلا الشيطان»(١) .
فعلى تقدير صحة هذه الرواية نجد انَّ الاعداد الكبيرة من الناس قد انجرفت مَعَ دعاية لا أساس لها بدافع من الجهل أيضاً، وعدم التمعّن في اصول الشريعة وأحكامها، والسير على نهجها بوعي.
ومن غير شك ان هذا الانجراف العفوي، والمبادرة إلى ذلك العمل المزعوم، تعدّ من مصاديق الابتداع ومن الموارد التي دخلت إلى الدين عن طريق التسامح والجهل واللامبالاة.
٩ - ما روي في (الاعتصام) عن الزبير بن بكار أنَّه قال:
«سمعت مالكَ بنَ أنس وقد أتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللّه من أين اُحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: إني اُريد أن اُحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فاني أخشى عليكَ الفتنة. قال وأي فتنة هذه؟ انما هي أميال
____________________
(١) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، تصحيح وتعليق: محمد أحمد دهمان، ص: ٩ - ٨.
أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى انكَ سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ إني سمعتُ اللّه يقول:( فَليَحذرِ الّذينَ يُحالِفُونَ عَن أمِرِه أن تُصيبَهُم فِتنة أو يُصيبَهُم عَذاب أليم ) (١) (٢) .
وفي الحقيقة ان توجيه مالك بن أنس لهذا الرجل لم يبتعد عن الصواب، فانَّ الرجل يرى أنَّ الأمر لا يعدو أن يكون قضية ذوقية، يستطيع أن يزيد منها أو ينقص ما يشاء! لا سيما وأنه يعطي لنفسه المبرر المشروع، وينتحل لها العذر، لأنَّه يريد أن يتطوّع بأكثر من المطلوب! وهذا أيضاً من قبيل الابتداع المحرَّم الذي ينشأ عن حالة الجهل والتسامح في أمر الدين.
٢ - النظرة البتراء للدين
رافقت الاديان السماوية بشكل عام ظاهرة خطيرة تجنح إلى فصل الدين عن الحياة، والاقتصار على الامور العبادية الفردية التي لا علاقة لها بالمجتمع والامور التي تحيط بالانسان.
وقد أخذت هذهِ الظاهرة المجال الاوسع لها من الدين الاسلامي أيضاً، ومنذ بدايات التشريع، من خلال ظهور دعوات متعددة ومتكررة، لا زال الواقع الاسلامي يعاني من رواسبها ومخلفّاتها الشيء الكثير.
وكان للظروف السياسية والحكومات التي تآمرت على الاسلام الدخل الكبير في تشجيع هذه الظاهرة، والايحاء إلى المسلمين بأنَّ الدين لا يعني أكثر من الصلاة والدعاء وإقامة الشعائر العبادية الاخرى، وأما شؤون المجتمع والحياة والادارة والحكم فهي من
____________________
(١) النور: ٦٣.
(٢) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ١٣٢.
وظائف الحكام والامراء، ولا دخل للتشريع بها، ولا يحق لهم التدخل فيها.
ولذا نجد انَّ هذا السلوك الديني الشاذ، يجد في مختلف العصور الدعم السياسي الكامل، والارضية المهيئة لانتشاره، واتساع نطاق تأثيره من قبل حكومات الجور والضلال، لأنَّ الامر لا يقتصر فيه على عدم التقاطع مَعَ تلك الحكومات، وعدم تهديد مصالحها من قريب أو بعيد فحسب، وانما نجد أنَّه يقدم الخدمات الكبيرة لها في أغلب الأحيان.
ومن غير شك انَّ الدين الاسلامي الذي يدعو الفرد إلى أن يدخل في غمار الحياة، ويتفاعل مع المجتمع بالأخذ والعطاء، ويغيِّر وجه الحياة إلى ما هو أفضل دائماً، ويوجهها نحو الفضيلة والطهر والصفاء. يحارب هذهِ الظاهرة بقوة، ويؤكد على استئصالها وقلعها من الجذور، ويعدّها من أخطر الظواهر التي تهدد الشريعة بالانزواء والتلاشي والاضمحلال.
ولذا نجد أنَّ الاسلام قد دعا إلى أن يأخذ الانسان نصيبه من هذه الحياة، عن طريق السلوك المحلّل، وأن يعطي لكل عضوٍ من أعضائه حظّاً من الراحة، وأن يهب لنفسه حقها من الالتذاذ بما أباحه اللّه لعباده من طيبات الرزق، وجعله بذلك مقوماً لحركة الانسان التكاملية نحوه عزَّ وجلَّ، قال اللّه تعالى:
( يا بَنِي آدمَ خُذُوا رينَتَكم عِندَ كلِّ مسجدٍ ) (١) .
وقال تعالى( قل مَن حرَّم زينةَ اللّهِ الّتي أخرَجَ لعبادِهِ والطيباتِ منَ الرزقِ قُل هيَ للّذينَ آمنُوا في الحياةِ الدُّنيا خالصةً يَومَ الِقيامَةِ ) (٢) .
فشجب الاسلام حالة الرهبنة، والقسوة بحق النفس، وتحميلها المشاق
____________________
(١) الاعراف: ٣١.
(٢) الاعراف: ٣٢.
والصعوبات البالغة، ووجَّه المجتمع نحو السلوك المتوازن، الذي يحفظ حقَّ اللّه تعالى وحقَّ النفس معاً، ولا ينأى عن الحياة الاجتماعية، ويغرق في الاذكار والاوراد والعبادات المحضة، الخالية من النفع والعطاء.
وفي الحقيقة انِّ هذه التوسعة تعبِّر عن أحد المقومات الاساسية التي تساهم في إثراء حركة الانسان التكاملية نحو اللّه تعالى، وإعطائها صورة متكافئة، لا تتحجم في الجانب العبادي وتنعزل عن دورها في الحياة بشكل مطلق، ولا تنساب مع الزخارف والملاذ من دون قيود.
وهناك دواعٍ عديدة تؤدي إلى نشوء حالة (الرهبنة)، والانقطاع للعبادة، والانزواء عن الحياة، من أبرزها الخوف من الدخول في شؤون الحكم والسياسة، والتجبجب عن ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، والابتعاد عن سطوة الظالمين، وبطشهم، وارهابهم، ومما يصلح أن يكون مؤشراً على ذلك ما رواه الطبرسي في (مجمع البيان) عن ابن مسعود أنه قال:
«كنت رديف رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على حمار، فقال: يا ابن ام عبد! هل تدري من أين أحدثت بنو اسرائيل الرهبانية؟ فقلت: اللّه ورسوله أعلم، فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى، يعملون بمعاصي اللّه، فغضب أهل الايمان، فقاتلوهم، فهُزم أهل الايمان ثلاث مرات، فلم يبقَ منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبقَ للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الارض، إلى أن يبعث اللّه النبي الذي وعدنا به عيسى - يعنون محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم - فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية، فمنهم مَن تمسكَ بدينه، ومنهم مَن كف، ثم تلا هذهِ الآية:( ورهبانيةً ابتَدَعوُها ما كَتبناها عَليهِم إلا ابتِغاءَ رضوانِ اللّهِ فَما رَعَوها حَقَّ رعايَتِها فآتَينا الّذينَ آمنُوا مِنهُم أجرَهُم وَكَثير مِنهُم
فاسِقُون ) ، ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا ابنَ ام عبد! أتدري ما رهبانية امتي؟ قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة.».
ومن الدواعي الاخرى لنشوء الرهبانية، المشاكل النفسية، والازمات الروحية، أو الانتكاسات الاجتماعية التي قد يصاب بها الانسان في حياته، فقد يضطره ذلك إلى الانزواء، وملء الفراغ الذي يعيش فيه، بالذكر والعبادة والدعاء، وقد روي في هذا الشأن عن أنس أنه قال:
«توفي ابن لعثمان بن مظغون، فاشتد حزنه عليه، حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبد فيه، فبلغ ذلك رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال له: يا عثمان إنَّ اللّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنَّما رهبانية امتي الجهاد في سبيل اللّه».
وذكر الكراجكي في كنز الفوائد ما يشير إلى هذا المعنى أيضاً حيث يقول:
«لقد اضطررتُ يوماً إلى الحضور مع قومٍ من المتصوفين، فلما ضمهم المجلس، أخذوا فيما جرت به عادتهم من الغناء والرقص، فاعتزلتهم إلى احدى الجهات، وانضاف إليَّ رجل من أهل الفضل والديانات، فتحادثنا ذم الصوفية على ما يصنعون، وفساد أغراضهم فيما يتناولون، وقبح ما يفعلون من الحركة والقيام، وما يدخلون على أنفسهم في الرقص من الآلام، فكان الرجل لقولي مصوِّباً، وللقوم في فعلهم مخطّئاً.
ولم نزل كذلكَ إلى أن غنّى مغنّي القوم هذهِ الأبيات:
وما اُمُّ مكحول المدامع ترتعى |
ترى الاُنس وحشاً وهي تأنسُ بالوحش |
|
غدت فارتعت ثم انتشت لرضاعه |
فلم تلف شيئاً من قوائمه الخمشِ |
|
فطافت بذاك القاع ولهاً فصادمت |
سباع الفلا ينهشنه أيّما نهشِ |
____________________
(١) الحديد: ٢٧.
(٢) الفضل بن الحسن الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج: ٩، ص: ٣٠٨.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٦٧، باب: ٥١، ح: ١، ص: ١١٤ - ١١٥، عن أمالي الصدوق ص: ٤٠.
بأوجع منّي يوم ظلّت أنامل |
تودّعني بالدرِّ من شبكِ النقشِ |
فلما سمع صاحبي ذلك نهض مسرعاً مبادراً، ففعل من القفز والرقص والبكاء واللطم ما يزيد على ما فعله مَن قبله ممن كان يخطئه ويستهجنه، وأخذ يستعيد من الشعر ما لا يحسن استعادته، ولا جرت عادتهم بالطرب على مثله وهو قوله:
فاطفت بذاك القاع ولهاً فصادفت |
سباع الفلا ينهشنه أيّما نهشِ |
حتى بلغ من نفسه المجهود، ووقع كالمغشي عليه من الموت، فحيَّرني ما رأيت من حاله، واخذتُ افكر في أفعاله المضادة، لما سمعت من أقواله، فلما أفاق من غشيته، لم أملك الصبر دون سؤاله عن أمره، وسبب ما صنعه بنفسه، مع تجهيله من قبل لفاعله، وعن وجه استعادته من الشعر ما لم تجرِ عادتهم باستعادة مثله، فقال لي: لستُ أجهل ما ذكرت، ولي عذر واضح فيما صنعت، اعلمكَ أنَّ أبي كان كاتباً، وكان بي برّاً وعليَّ شفيقاً، فسخط السلطان عيه فقتله، فخرجت إلى الصحراء لشدة ما لحقني من الحزن عليه، فوجدته ملقى والكلاب ينهشون لحمه، فلما سمعت المغنّي يقول:
فطافت بذاك القاع ولهاً فصادفت |
سباع الفلا ينهشنه أيّما نهش |
ذكرت ما لحق أبي، وتصور شخصه بين عيني، وتجدد حزنه عليَّ، ففعلتُ الذي رأيتَ بنفسي».
وقد يكون في نفس هذه الاتجاه ما رواه أبو سلمان الداراني عن الربيع بن خيثم: «أنه كان جالساً على باب داره إذا جاءه حجر فصكَّ جبهته فشجه فجعل يمسح الدم ويقول: لقد وُعظت يا ربيع، فقام ودخل داره، فما جلس بعد ذلك على باب داره حتى اُخرجت جنازته».
____________________
(١) أبو الفتح الكراجكي، كنز الفوائد، تحقيق: عبد اللّه بن نعمة، ج: ٢، ص: ٧٨ - ٨٠.
(٢) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٣.
وقد تُبطَّن ظاهرة الاعتزال والرهبنة برغبة الخلوة باللّه تعالى، والانفراد به، الفرار من مخالطة الناس، التي تكدِّر - على زعمهم - صفو هذا الانفراد، وتقطع الانسان عن مزاولة عباداته بالشكل المطلوب.
ولعلَّ أكثر ظواهر الرهبنة والاعتزال تبتني أساساً على هذا الهدف، وترفع شعار الدعوة إليه وتبرير الموقف من خلاله.
فيذكر الغزالي في (الاحياء) عن بعض الصالحين أنه قال: «بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام، إذا أنا بعابد خادج من بعض تلك الجبال، فلّما نظر اليَّ تنحّى إلى أصل شجرة، وتستَّر بها، فقلت: سبحان اللّه! تبخل عليَّ بالنظر اليك؟ فقال: يا هذا إني أقمت في هذا الجبل دهراً طويلاً، اُعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها، فطال في ذلك بقائي، وفني فيه عمري، فسألت اللّه تعالى أن لا يجعل حظّي من أيامي في مجاهدة قلبي، فسكّنه اللّه عن الاضطراب، وألفه الوحدة والانفراد، فلما نظرت اليكَ خفت أن اوقع في الأمر الأمل: فاليكَ عني، فاني أعوذ من شرِّك بربِّ العارفين وحبيب القانتين.».
ولمّا بنى عروة قصره بالعقيق، ولزمه، ولم يخرج منه، قيل له: «لزمت القصر، وتركت مسجد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: رأيت مساجدكم لاهية، وأسواقكم لاغية، والفاحشة في فجاجكم عالية، وفيما هنالك عمّا أنتم فيه عافية».
وينُقل عن سفيان بن عيينة انه قال: «لقيت ابراهيم بن أدهم في بلاد الشام فقلت له: يا ابراهيم تركت خراسان، فقال: ما تهنأت بالعيش إلا هنا، أفرُّ بديني من شاهق إلى شاهق، فمن رآني يقول: موسوس أو حمّال أو فلاح».
وقال الفضيل: «إذا رأيتُ الليل مقبلاً فرحتُ به، وقلت: أخلو بربّي، وإذا رأيت
____________________
(١) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٩.
(٢) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٥٥.
(٣) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٨.
الصبح أدركني، استرجعت كراهية لقاء الناس، وأن يجيء من يشغلني عن ربّي»(١) .
وقال الربيع بن خثيم: «إن استطعت أن تكون في موضع لا تَعرف ولا تُعرف فافعل»(٢) .
وقال وهيب بن الورد: «بلغنا أنَّ الحكمة عشرة أجزاء، فتسعة منها في الصمت، والعاشرة في عزلة الناس»(٣) .
وقال الفضيل أيضاً: «إني لأجد للرجل عندي يداً، إذا لقيته أن لا يسلِّم عليَّ، وإذا مرضتُ أن لا يعودني»(٤) .
وقد تعود ظاهرة الرهبنة والاعتزال في بعض مظاهرها وحالاتها إلى الجهل الذي تمت الاشارة إليه عند ذكر العامل الاول من العوامل التي أدَّت إلى نشوء البدع في حياة المسلمين، أو إلى غير ما ذكرناه من دواعٍ ومسببات.
وعلى أية حال فنحن في غنى لأن نستغرق في الرد على هذا النمط من التفكير والسلوك، المخالف لصريح النصوص الشرعية القطعية، الواردة بشأن حث الانسان على التعامل والاختلاط مع باقي أبناء البشر، وأداء الدور الرسالي الملقى على عاتقه، ومواصلة الناس، وبرِّهم، والاحسان اليهم، والصبر على أذاهم، ومداراتهم بالخلق الحسن، والهدي الطيب، والتأثير فيم بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة. كما انَّ هذا السلوك المتطرف يخالف الاهداف العليا لايجاد الانسان على وجه هذهِ الأرض، والغايات التي من اجلها اُنزلت الشرائع، وبعث الأنبياء، وتظافرت الاديان، فكيف يمكن للانسان الذي يمثل المخلوق المنتقى لخلافة اللّه على وجه الارض ووراثتها أن يمارس
____________________
(١) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٩.
(٢) محسن الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء، تعليق علي أكبر الغفاري، ج: ٤، كتاب العزلة، ص: ٤.
(٣) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٣.
(٤) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٣.
سلوكه في الحياة، ويدرك هذه الاهداف، وهو يعيش في زوايا المجتمع، ويسير على هامش الزمن، ولا يُحسن من الدين إلا الاذكار والاوراد المجرَّدة، ولا يمنح المجتمع الذي يعيش فيه أملاً يُرتجى، أو عطاءاً يُذكر؟
وهل يمكن أن يكون هناك مَن هو أكثر قداسةً وأشدّ قرباً إلى اللّه تعالى من صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي كان يجسِّد السلوك الامثل، ويمارس كل ما يمكن أن تترقبه الشريعة من أهداف وأبعاد، ولا يتسنى لنا أن نتصور أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد تخطّى طموحاً قد أمرت به الشريعة، أو تجاوز كمالاً من كمالاتها وقيمها بشكل مطلق، فسيرة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم حافلة بالممارسات الاجتماعية المتنوعة، كما هي حافلة كذلك بالابعاد الروحية والعبادية المثلى، وهو يمثل بجمعه بين هذين الجانبين السلوك الامثل الذي أمرت الشريعة به، وحثَّت عليه.
أضف إلى أنَّ الشريعة الاسلامية لم تلغِ الخلوة والانفراد للعبادة بشكل كامل، وانّما ندبت الانسان المسلم إلى بعض الممارسات العبادية التي تسير به في اتجاه تربية الروح وتهذيبها وتعريضها للنفحات الالهية، ويعد (الاعتكاف) من أبرز العبادات التي تلبّي هذه الغاية، وتعكس هذا الاهتمام، فهو يمثل في مرتكزاته التشريعية وفلسفته الدينية النقاط المضئية التي تتخلل مسيرة الانسان الروحية نحو اللّه سبحانه وتعالى، فتمنح سلوكه عزماً مستأنفاً، ونشاطاً ودأباً جديدين.
والآن نحاول أن نستعرض جملة من البدع والمواقف المحدثة التي ظهرت في الحياة الاسلامية بسبب هذه النظرة القاصرة إلى الدين:
١ - «روي أنَّ سلمان الفارسيرضياللهعنه جاءَ زائراً لأبي الدرداء فوجد ام الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنكِ؟ قالت: إنَّ أخاكَ ليست له حاجة في شيء من أمر الدنيا.
فلما جاءَ أبو الدرداء رحَّب بسلمان وقرَّب إليه طعاماً، فقال لسلمان أطعم، فقال:
إني صائم، قال (أبو الدرداء): أقسمت عليكَ إلا ما طعمت، فقال (سلمان): ما أنا بآكل حتى تأكل.
وبات عنده، فلما جاءَ الليل قام أبو الدرداء، فحبسه سلمان، وقال: يا أبا الدرداء، إنَّ لربكَ عليكَ حقاً، وانَّ لجسدكَ عليكَ حقاً، ولأهلكَ عليكَ حقاً، فصم وافطر، وصلِّ ونم، وأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فأتى أبو الدرداء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأخبره بما قال سلمان، فقال له مثل قول سلمان»(١) .
٢ - روي عن جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام أنه قال:
«كان رسول اللّه يأتي أهل الصُّفّة، وكانوا ضِيفان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كانوا هاجروا من أهاليهم وأموالهم إلى المدينة، فأسكنهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم صفّة المسجد، وهم أربعمائة رجل، فكان يسلِّم عليهم بالغداة والعشي، فأتاهم ذات يوم، فمنهم مَن يخصف نعله، ومنهم مَن يرقع ثوبه، ومنهم مَن يتلّفى، وكان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يرزقهم مداً مداً من تمرٍ في كل يوم.
فقام رجل منهم فقال: يا رسول اللّه! التمر الذي ترزقنا قد أحرقَ بطوننا، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أما اني لو استطعت أن اُطعمكم الدنيا لاطعمتكم، ولكن مَن عاش منكم من بعدي، يُغدى عليه بالجفان، ويُراح عليه بالجفان، ويغدو أحدكم في قميصه، ويروح في اخرى، وتنجّدونَ بيوتكم، كما تنجّد الكعبة.
فقام رجل فقال: يا رسول اللّه إنّا إلى ذلكَ الزمان بالأشواق! فمتى هو؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : زمانكم هذا خير من ذلك الزمان، إنَّكم إن ملأتم بطونكم من الحلال، توشكون أن تملؤوها من الحرام.
فقام سعد بن أشج فقال: يا رسول اللّه ما يفعل بنا بعد الموت؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحساب
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٦٧، باب:٥١، ح: ١٤، ص: ١٢٨، عن تنبيه الخواطر، ج: ١، ص:٢.
والقبر، ثم ضيقه بعد ذلك، أو سعته، فقال: يا رسول اللّه هل تخاف أنت ذلك؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ولكن أستحي من النعم المتظاهرة التي لا اُجازيها ولا جزءاً من سبعة، فقال سعد بن أشج: اني اُشهد اللّه، واُشهد رسوله، ومَن حضرني، أنَّ نوم الليل عليَّ حرام، والأكل بالنهار عليّ حرام، ولباس الليل عليَّ حرام، ومخالطة الناس عليَّ حرام واتيان النساء عليَّ حرام، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا سعد لم تصنع شيئاً، كيف تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، إذا لم تخالط الناس، وسكونُ البرية بعد الحضر كفر للنعمة، نَم بالليل، وكل بالنهار، والبس ما لم يكن ذهباً، أو حريراً، أو معصفراً، وأتِ النساء»(١) .
٣ - «روي انَّ رجلاً أتى الجبل ليتعبد به، فجيء به إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تفعل أنت، ولا أحد منكم، لصبر أحدكم في بعض مواطن الاسلام خير من عبادة أحدكم أربعين عاماً»(٢) .
٤ - ورد في (الاحياء) عن أبي هريرة أنه قال:
«غزونا على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فمررنا بشعب فيه عُيينة طيبةُ الماءِ، فقال واحد من القوم: لو اعتزلتُ النساء في هذا الشعب، ولن أفعل ذلك حتى أذكر لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فذكر له، فقال (رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ) لا تفعل، فانَّ مقام أحدكم في سبيل اللّه، خير من صلاته في أهله ستين عاماً، ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم، وتدخلون الجنة؟ اغزوا في سبيل اللّه، فانَّه مَن قاتل في سبيل اللّه فواقَ ناقة، أدخله اللّه الجنة»(٣) .
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٦٧، باب: ٥١، ح: ١٥، ص: ١٢٨ - ١٢٩، عن نوادر الراوندي، ص: ٢٥ - ٢٦.
(٢) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٥.
(٣) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٤٥.
٥ - روي عن أنس أنَّه قال:
«جاءَ ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يسألون عن عبادة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما اُخبروا، كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ،. وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فاُصلي الليل أبداً، وقال الآخر، اني اُصوم الدهر ولا افطر، وقال الآخر: إني أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللّه اني لأخشاكم للّه، وأتقاكم له، لكنّي أصوم، وأفطر، واصلي وارقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(١) .
٦ - خرَّج اسماعيل القاضي من حديث أبي قلابة أنه قال:
«أراد ناس من أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يرفضوا الدنيا، وتركوا النساء، وترهبوا، فقام رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فغلَّظ فيهم المقالة، وقال: إنما هلك مَن كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم، فشدَّد اللّه عليهم، فاولئكَ بقاياهم في الديار والصوامع، اُعبدوا اللّه، ولا تشركوا به شيئاً، وحجّوا، واعتمروا، واستقيموا، يُستقم بكم، قال: ونزلت فيهم:( يا أيُّها الّذيَن آمنُوا لا تُحرِّمُوا طيِّباتِ ما أحَلَّ اللّهُ لَكُم ولا تَعتَدوا إنّ اللّهَ لا يُحبُّ المُعتَدينَ ) (٢)(٣) .
٧ - ذكر اسماعيل عن يحيى بن يعمر:
«انَّ عثمان بن مظعون همَّ بالسياحة، وهو يصوم النهار، ويقوم الليل، وكانت امرأته امرأةً عطرة، فتركت الكحل والخضاب، فقالت لها امرأة من ازواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أشهيد أنتِ أم مغيَّب؟ قالت: بل شهيد، غير انَّ عثمان لا يريد النساء، فذكرت ذلك للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلقيه رسول اللّه، فقال له: أتؤمن بما نؤمن به؟ قال: نعم، قال: فاصنع مثل
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٦، كتاب النكاح، ح: ١، ص: ١١٦.
(٢) المائدة: ٨٧.
(٣) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٣٢٣.
ما نصنع، ولا تحرّموا طيبات ما أحلَّ اللّهُ لكم»(١) .
٨ - خرَّج ابن المبارك:
«انَّ عثمان بن مظعون أتى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ائذن لي في الاختصاء، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس منّا مَن خصي ولا اختصى، إنَّ اختصاء امتي الصيام، قال: يا رسول اللّه! ائذن لي في الترهب، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ ترهب اُمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة»(٢) .
٩ - عن أنس بن مالك قال:
«دخل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ماهذا؟ قالوا: لزينب تصلّي، فاذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : حلّوه، ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد»(٣) .
١٠ - روي عن عليعليهالسلام أنه قال:
«انَّ جماعة من الصحابة كانوا حرّموا على أنفسهم النساء، والافطار بالنهار، والنوم بالليل، فأخبرت اُم سلمة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرج إلى أصحابه، فقال: أترغبونَ عن النساء، إني آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(٤) .
١١ - روي أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد مرَّ على رجل يصلّى على صخرة بمكة، فأتى ناحية مكة، فمكث مليّاً، ثم انصرف فوجد الرجل يصلّي على حاله فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيها
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٣٢٥.
(٢) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٣٢٥.
(٣) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٣، ح: ١١٥٧٥، ص: ١٠١.
(٤) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ١٤، كتاب النكاح، باب كراهة العزوبة، ح: ٩، ص: ٨.
الناس عليكم بالقصد والقسط - ثلاثاً - فانَّ اللّه لن يملَّ حتى تملّوا»(١) .
٣ - السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات
جرت عادة البشر على أن يرجع الأدنى إلى الاعلى في مختلف الحقول والميادين، بما في ذلك حقل العلم والمعرفة. وكان (السؤال) يمثل الوسيلة الاساسية التي تفي بهذا الغرض، وتعبِّر عنه، فيُستعان عادة بالسؤال لغرض التعرف على خصوصيات الامور، واستجلاء حقائقها، وسبر أغوارها المختلفة.
وفي حقيقة الأمر انَّ السؤالَ ولد في نفس الانسان منذ اللحظات الاولى التي وُجد فيها على وجه هذه الارض، ورافقه في لحظات مسيرته الاولى في هذا الوجود، فهو، لكي يلبّي غريزة حُبِّ الاستطلاع المغروسة في نفسه يسأل عن كل ما يحيط به من ظواهر ووقائع وأحداث. ومن هذه النقطة بدأ الانسان سيره العلمي الطويل، وعلى هذا الاساس انبثق في داخله كيان المعرفة الجبّار.
ف(السؤال) إذن مظهر من مظاهر التطلّع نحو الكمال، والتزود من العلم، وسبر الحقائق واكتشافها.
وانطلاقاً من هذهِ الأهمية التي يتخذها السؤال في حياة الانسان، أكدت الشريعة الاسلامية على ضرورة ممارسة الانسان المسلم لهذه الظاهرة باستمرار، واستجلاء المعارف الدينية عن هذا الطريق، قال تعالى:
( فَاسئَلُوا أهلَ الذِّكرِ إن كُنتُم لا تَعلَمونَ ) (٢) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال:
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٣٠٤.
(٢) النحل: ٤٣.
«العلم مخزون عند أهله، وقد اُمرتم بطلبه منهم»(١) .
وروى عن أبي موسى أنه قال:
«كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا صلّى الفجر، انحرفنا إليه، فمنّا مَن يسأله عن القرآن، ومنّا مَن يسأله عن الفرائض، ومنّا مَن يسأله عن الرؤيا»(٢) .
وورد عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه كان يقول:
«لا تسألوني عن شيءٍ إلى يوم القيامة، إلا حدثتكم»(٣) .
وورد في (الكافي) وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام أنَّه قال:
«إنّما يهلك الناس، لانَّهم لا يسألون»(٤) .
وفيه أيضاً عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا قال:
«سألت أبا عبد اللّهعليهالسلام عن مجدور أصابته جنابة، فغسلوه، فمات، قالعليهالسلام : قتلوه! ألا سألوا، فانَّ داء العيِّ السؤال»(٥)
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام :
«القلوب أقفال، ومفاتيحها السؤال»(٦) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«العلم خزائن، ومفاتيحه السؤال، فاسألوا رحمكم اللّه، فانَّه يؤجر أربعة: السائل، والمتكلم، والمستمع، والمحب لهم»(٧) .
____________________
(١) ابن جمهور، غوالي اللئالي، ج: ٤، الجملة الثانية، ح: ٨، ص: ٦١.
(٢) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج: ١، ص: ١٥٩.
(٣) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٣، ح: ١١٦٣٣، ص: ١٠٧.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: سؤال العالم، ح: ٢، ص: ٤٠.
(٥) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: سؤال العالم، ح: ١، ص: ٤٠.
(٦) غرر الحكم: الحكمة / ١٤٢٦.
(٧) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٠، ح: ٢٨٦٦٢، ص: ١٣٣.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«السؤال نصف العلم»(١) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام :
«سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء، أعلم منّي بطرق الأرض»(٢) .
وقد كان النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم يحث المسلمين على ضرورة تتبع أمر الدين، وتحرّي أحكامه وتعاليمه، عن طريق السؤال، ويشجعهم على ممارسة هذا السلوك النافع، من خلال اصغائه العميق لهم، واهتمامه البالغ بما يبثوه إليه من مسائل استفسارات، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يتوانى، ولا يصيبه الضجر، من الاستماع إلى أية مسئلة شرعية، صغيرة كانت أم كبيرة، وانما كان من خُلقه العظيم، وهديه الرفيع، أن يعير حواسه باهتمام إلى مَن يقصده بالسؤال والحديث، ويستمع لهذا، ويجيب ذاك، من دون أي ملَل أو امتعاض، يقول اللّه تعالى مبيّناً هذه الصفة القيادية الفذة في شخصية الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم :
( وَمنهُم الذينَ يُؤذُونَ النَبيَّ ويَقُولُون هُوَ اُذُن قُل هو اُذنُ خيرٍ لَكُم يُؤمنُ باللّهِ ويُؤمُن للمؤمنينَ ورحمة للَّذينَ آمنُوا منكُم والَّذينَ يُؤذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُم عَذاب أليم ) (٣) .
وقد تحدَّث القرآن الكريم عن موارده متعددة، كان يسأل الاصحابُ عنها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيرجئ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم الاجابة عنها إلى حين نزول الوحي، وينتظر بشأنها أمر السماء، ومن تلك النماذج قوله تعالى:
( يَسألونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرام قتالٍ فيه ) (٤) .
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٠، ح: ٢٩٢٦٠، ص: ٢٣٨.
(٢) نهج البلاغة: الخطبة / ١٨٩.
(٣) التوبة: ٦١.
(٤) البقرة: ٢١٧.
وقوله:( يَسألونك عَن الخَمرِ والمَيسرِ ) (١) .
وقوله:( ويسألونَك عَنِ اليَتامى ) (٢) .
وقوله:( وَيسألونَكَ عن المَحيضِ ) (٣) .
وقوله:( يَسألونَكَ عَنِ الأنفالِ ) (٤) .
وقوله:( ويسألونَكَ ماذا يُنفقون ) (٥) .
وقوله:( يَسألونَكَ عنِ الأهّلة ) (٦) .
وقوله:( يَسألونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُم ) (٧) .
وقوله:( يسألونَكَ عنِ الساعةِ أيّانَ مرساها ) (٨) .
وقوله:( ويسألونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) (٩) .
وقوله:( ويَسألونَكَ عن ذِي القَرنَينِ ) (١٠) .
وقوله:( وَيسألونَكَ عَنِ الِجبالِ ) (١١) .
وكان من أمر النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه يبادر أصحابه السؤال، ويحرِّك في أنفسهم كوامن التطلع والمعرفة، ويستنطقهم عن اُمور الشريعة المقدسة، ليقرأ ما تمكّنوا من
____________________
(١) البقرة: ٢١٩.
(٢) البقرة: ٢٢٠.
(٣) البقرة: ٢٢٢.
(٤) الانفال: ١.
(٥) البقرة: ٢١٩.
(٦) البقرة: ١٨٩.
(٧) المائدة: ٤.
(٨) الاعراف: ١٨٧.
(٩) الاسراء: ٨٥.
(١٠) الكهف: ٨٣.
(١١) طه: ١٠٥.
استيعابه وهضمه، فيصحح ما أخطأوا في فهمه، ويُقرُّهم لهم ما أصابوه، ويوقفهم على ما جهلوه، فحياة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيتعليهمالسلام مليئة بهذا النمط من المبادرات، وطافحة بالكثير منها، ولو أردنا أن نستوفي الحديث عن ذلك لما وسعتنا المؤلفات الكبيرة، ولكنّا نقتصر على ذكر نماذج توضيحية، تدلل على عمق الاهتمام الذي كان يوليه النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام بهذا الجانب، لضمان سلامة الرسالة، والاطمئنان على تطبيق تعاليمها من قبل المسلمين بدقة كاملة، والتأكّد من فهم المسلمين الواعي لمفردات الثقافة الاسلامية، وعدم التعامل معها من موقع السذاجة، والجهل الذي يسبب الوقوع في البدع والمحدثات، والابتعاد عن تعاليم الشريعة السمحاء.
فمن الموارد التي كان يبادر النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم فيها أصحابه بالسؤال، ليفتح لهم آفاقاً جديدة من تعاليم السماء ما روي عن معاذ بن جبل أنَّه قال:
«كنت ردف رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يامعاذ! أتدري ما حق اللّه على العباد؟، قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : فهل تدري ما حق العباد على اللّه إذا هم فعلوا ذلكَ؟ قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يعذبهم».
وورد عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال لأبي موسى:
«هل أدلكَ على كنز من كنوز الجنة؟ قال: اللّه ورسوله أعلم، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا حول ولا قوة إلا باللّه».
وسألصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه يوماً:
«أيكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول اللّه! ما من أحد إلا ماله
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ٢١٤٨٦، ص: ٢٢٨.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٤، ح: ١٩١٠٧، ص: ٤٠٢.
أحبُّ إليه من مال وارثه، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالَكَ من ما لَكَ إلا ما قدّمت، ومال وارثكَ ما أخرت».
وبينما يدخلصلىاللهعليهوآلهوسلم المسجد ذات يوم وإذا به يرى رجلاً قد طاف حوله الناس والتفّوا به، فبادر النفر الذين كانوا معه بالقول:
«مَن هذا؟ فقالوا: أنّه علاّمة يا رسول اللّه! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : وما العلاّمة؟ قالوا: هو أعلم الناس بأنساب العرب، ووقائعها، وأيام الجاهلية، والاشعار العربية! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ذاك علم لا يضر مَن جهله، ولا ينفع مَن علمه! إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة عادلة، وسُنّة قائمة، وما خلاهنَّ فهو فضل».
ومن أجل أن يعطي الاصحاب فهماً أعمق لمفردات الحياة، يسأل النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه قائلاً:
«ما الصرعة فيكم؟ فيجيب الاصحاب: الشديد القوي الذي لا يوضع جنبه، فيقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : بل الصرعة حقّ الصرعة، رجل وكز الشيطان في قلبه، واشتد غضبه، وظهر دمه، ثم ذكر اللّه، فصرعَ بحلمه غضبه».
وفي موضع آخر نراهصلىاللهعليهوآلهوسلم يبادر أصحابه:
«ما تعدّون فيكم الرقوب؟ قالوا: الذي لا ولد له، فيقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا، ولكنَّ الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً».
ويقول لأصحابه تارةً اخرى:
«ما تعدّونَ الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي يقاتل، فُيقتل في سبيل اللّه تعالى،
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ١، ح: ٣٦١٩، ص: ٣٨٢.
(٢) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: ٣١.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٧٧، ح ٨٦، ص: ١٥٠.
(٤) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ١، ح: ٣٦١٩، ص: ٣٨٢.
فيقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ شهداء اُمتي إذاً لقليل! القتيل في سبيل اللّه تبارك وتعالى شهيد. والمبطون شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد - يعني النفساء -».
وجاءَ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال لأصحابه:
«ما تقولونَ في الزنا؟ قالوا: حرَّمه اللّه، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره.
ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرَّمها اللّه ورسوله، فهي حرام، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لئن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لاصحابه ذات مّرة:
«هل تدرون أول مَن يدخل الجنة من خلق اللّه؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: أول مَن يدخل الجنة من خلق اللّه، الفقراء المهاجرون، الذين تُسد بهم الثغور، ويُتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم، وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«هل تدرون ما الغيابة؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما ليس فيه».
وعن أنس بن مالك قال:
«أغفى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اغفاءَة فرفع رأسه مبتسماً - امّا قال لهم، وإمّا قالوا له - لم ضحكت؟ فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انه اُنزلت عليَّ آنفاً سورة، فقرأ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ٢٢١٧٧، ص: ٣١٥.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٦، ح: ٢٣٣٤٣، ص: ٨.
(٣) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٢، ح: ٦٥٣٤، ص: ١٦٨.
(٤) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٢، ح: ٩٥٨٦، ص: ٤٥٨.
بسمِ اللّهِ الرَحمنِ الرحيم( إَنّا أعطَيناكَ الكَوثرَ. ) حتى ختمها، ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم! قال: هو نهر أعطانيه ربي عزَّ وجلَّ في الجنة، عليه خير كثير، يرد عليه اُمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فاقول: يا ربِّ أنه من اُمتي، فيقال لي: انكَ لا تدري ما أحدثوا بعدَك».
ويروى عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال لأصحابه:
«أتدرون ما المفلس؟ فقيل: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاعَ له، فقال: المفلس من اُمتي، مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، اُخذ من خطاياهم فُطرحت عليه، ثم طُرح في النار، ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ المفلس حقيقةً هو هذا».
ويقول أبو ذر انَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم بادرني يوماً بالقول:
« يا أبا ذر! أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول اللّه! قالصلىاللهعليهوآلهوسلم فترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول اللّه! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : انما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب».
ويروى عن علي علي السلام في هذا الصدد، أنه أبصر رجلاً ينقر بصلاته، فبادره القول: «منذ كم صليت بهذه الصلاة؟ قال: منذ كذا وكذا، فقالعليهالسلام : مثلك عند اللّه كمثل الغراب، لو مُتَّ متَّ على غير ملّة أبي القاسمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم قالعليهالسلام أنَّ أسرق الناس مَن سرق صلاته».
____________________
(١) الكوثر: ١.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٣، ح: ١١٥٨٥، ص: ١٠٢.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٦٩، باب: ٩٤، ح: ٣، ص: ٦.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٨١، كتاب الصلاة، باب: ١٦، ح: ٢٧، ص: ٢٤٢، عن المحاسن للبرقي، ص: ٨٢.
وروي عن سليمان بن جعفر النهدي أنه قال: قال لي جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام :
« يا سليمان مَن الفتى؟ قال: قلت له جُعلتُ فداك، الفتى عندنا الشاب، قال لي، أما علمت انَّ أصحاب الكهف كانوا كلّهم كهولاً، فسماهم اللّه فتنية بايمانهم، يا سليمان! مَن آمن باللّه واتقى فهو الفتى».
بل ونرى انَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم يتحرى بالسؤال، ويبادر الاصحاب في كل موضع يعتقد فيه انَّ من الممكن أن تقترب ممارسات هؤلاء الاصحاب من دائرة التشريع، فيحصل أن يرتكب البعض العمل من منطلق خاطئ، أو نظرة ناقصة، أو فهم مرتبك لحقائق التشريع، فيروى مثلاً:
«انَّ الاصحاب كانوا يسيرون مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحكَ القوم، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما يضحككم؟ فقالوا: لا، إنّا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً».
وروي أيضاً أنه خرج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فلقيه حذيفة، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء، فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ما لكَ؟ قال: يا رسول الله كنت جنباً! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ المسلم لا ينجس».
ولعلَّ من غير الخفي علينا أنَّ (السؤال) الذي ورد الحث عليه في لسان النصوص الشرعية المتقدمة، إنما يتعلق بالامور التي ينبغي للانسان أن يطلع عليها، ويتعلمها، ويجري على مقتضياتها، في تعديل سلوكه، وتنظيم حياته الفردية والاجتماعية،
____________________
(١) العياشي، تفسير العياشي، ج: ٢، ص: ٣٢٣.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٦، ح: ٢٢٥٥٥، ص: ٣٦٢.
(٣) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ٢٢٩٠٧، ص: ٤٠٢.
والتحرّي عن تفاصيل الاحكام الشرعية، وتحصيل أكبر رصيد منها، عن طريق التعلم والاكتساب، ولذا يقول أمير المؤمنينعليهالسلام :
«سل عمّا لا بدَّ لكَ من علمه، ولا تُعذر في جهله».
هذا النوع من السؤال يكتسب الاهمية العلمية أولاً، من خلال ما يفتح للانسان من آفاق المعرفة، وما يدركه الانسان بواسطته من آثار ايجابية متعددة، وثمار علمية كثيرة، ويكتسب الخلفية الشرعية ثانياً، من خلال النصوص الشرعية المتعددة التي ساهمت في اقراره، بل والدعوة إليه، في المجالات التي تتعلق بتنظيم حياة الانسان، وسلوكه الخاص والعام.
ولكنا نواجه في نفس الوقت نوعاً آخر من (السؤال)، وهو (السؤال) الذي لا يمتلك هذين المقومين معاً، فهو لا يحظى بالاهمية العلمية، لأنه يعرقل سير الحياة، وحركتها العلمية، ومقتضياتها الواقعية، كما أنَّه لا يكتسب الخلفية الشرعية، لأنه وقع مورداً لذم الشريعة، ونقدها الحاد.
ويمكن لنا أن نحصر (السؤال) المذموم في نظر الشريعة الاسلامية عند ثلاث زوايا:
الزاوية الاولى: أن يسأل الانسان عن الشيء تعنتاً واختباراً، ولكي يوقع المسؤول في موقع الحرج والارتباك، أو لكي يظهر للآخرين أنَّه من أصحاب المراعاة والاهتمام، فقد نهت الشريعة عن هذا النوع من الأسئلة، ودعت إلى (السؤال) الذي ينطلق من موقع الاستفادة، والتفقه في أمر الدين.
فقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
____________________
(١) غرر الحكم: الحكمة / ٥٥٩٥.
«شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل، كي يُغلِّطوا بها العلماء»(١) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال لسائل سأله عن معضلة:
«سَل تفقهاً، ولا تسأل تعنتاً، فانَّ الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، وانَّ العالم المتعسِّف شبيه بالجاهل المتعنت»(٢) .
وعنهعليهالسلام :
«والناس منقوصون مدخولون، إلا مَن عَصَم اللّه: سائلهم متعنت، ومجيبهم متكلِّف»(٣) .
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال:
«شهدت علي بن أبي طالب يخطب، فقال في خطبته: سلوني، فواللّه لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني عن كتاب اللّه، فواللّه ما من آية إلا أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل.
فقام إليه ابن الكّواء فقال: يا أمير المؤمنين، ما الذاريات ذرواً؟ فقال له: ويلك سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً، والذاريات ذرواً: الرياح، فالحاملات وقراً: السحاب، فالجاريات يسراً، السفن، فالمقسمات أمراً: الملائكة»(٤) .
الزاوية الثانية : أن يسأل الانسان عن تفاصيل الامور الشرعية التي تمَّ السكوت عنها، ولم تُبيَّن للناس في أحكام الشريعة الواردة والواصلة إليه من قريب أو بعيد، وقد يكون السؤال هنا ناتجاً عن اللامبالاة، أو محاولة التنصل والخلاص من التكليف، أو الرغبة في التحدي والتعجيز. أو غير ذلك من الدواعي الاخرى، إلا أنّا نجد
____________________
(١) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ٧، ح: ٣٠٦٧، ص: ٥٨.
(٢) نهج البلاغة: الحكمة / ٣٢٠.
(٣) نهج البلاغة: الحكمة / ٣٤٣.
(٤) - علاء الدين الهندي، كنز العمال، ٢، ح: ٤٧٤٠، ص: ٥٦٥.
في الغالب انَّ هذا السائل حينما ينكشف له واقع الأمر، ويقف على حقيقة هذه الاحكام ويُشرَّع منها ما لم يكن قد كُلِّف به سابقاً. نجده يتهرب من أداء هذا التكليف والقيام بواجب اللّه فيه.
ولذا نرى أنَّ الشريعة الاسلامية، ومن باب الرحمة بالانسان، والارفاق به، تنهاه عن تكلّف الامور، والالحاح في طلبها واستقصائها، والاكتفاء بما يحصل عليه من الطرق الطبيعية الجارية، والوسائل المتاحة، لأنَّ الشارع المقدس لو كان يريد الزيادة على ذلك، لبيَّن تلك الزيادة إلى الناس، ولم يكتفِ بذكرها اجمالاً، ولو كانت هناك ضرورة تقتضي في ملاكات الشريعة ان يرتكب الانسان سلوكاً خاصاً في حياته، على نحو الالزام، أو مما هو دون ذلك، مما فيه رغبة مولوية خاصة، لما كان يجدر بالشريعة أن تتهاون في توضيحه وبيانه. فما سكتت عنه الشريعة إذن فهو عفو، وخارج عن مساحة وجوب الانقياد والامتثال.
ورد عن رسول اللّه أنه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إنَّ اللّهَ فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تقربوها، وتركَ أشياء عن غير نسيان فلا تبحثوا عنها»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ذروني ما تركتم فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه»(٢) .
وعن سلمان الفارسي قال:
«سئل رسول اللّه عن أشياء، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحلال ما أحلَّ اللّه في كتابه، والحرام ما
____________________
(١) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ٥، ح: ٣٠٧٠، ص: ٥٩.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ٩١٦، ص: ١٨١.
حرَّمه اللّه في كتابه، وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلّفوا».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«لولا انَّ بني اسرائيل قالوا: «وانّا إن شاءَ اللّهُ لَمهتَدُونَ» ما اُعطوا أبداً، ولو انَّهم اعترضوا بقرةً من البقر فذبحوها، لأجزأت عنهم، ولكنّهم شددوا فشدَّدَ اللّه عليهم».
وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله تعالى:( وإذ قالَ مُوسى لِقَومِهِ إنَّ اللّهَ يأمُرُكُم أن تَذبَحُوا بَقَرةً قالُوا أتَتخِذُنا هُزُواً قالَ أعُوذُ باللّهِ أن أكونَ مِنَ الجاهِلينَ* قالوا ادعُ لنا رَبَّك يُبَيِّن لَنا ما هِيَ. ) أنه قال:
«انهم اُمروا بأدنى بقرة، ولكنَّهم لما شدَّدوا على أنفسهم، شدَّد اللّهُ عليهم، وايم اللّه، لو لم يستثنوا ما بُيِّنت لهم إلى آخر الأبد».
وفي قوله تعالى:( يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَسألوا عَن أشياء إن تُبدَ لكُم تَسؤكُم ) خطب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:
«إنَّ اللّه كتب عليكم الحج، فقام عكاشة بن محصن، ويروى سراقة بن مالك، فقال: أفي كلِّ عامٍ يا رسول اللّه؟ فأعرض عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى عاد مرتين أو ثلاثة، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ويحكَ وما يؤمنكَ أن أقول: نعم، واللّه لو قلتُ نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم
____________________
(١) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ٥، الكتاب الرابع، ح: ٣٠٦٩، ص: ٥٨ - ٥٩.
(٢) البقرة: ٧٠.
(٣) جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج: ١، ص: ٧٧.
(٤) البقرة: ٦٧ - ٦٨.
(٥) الفضل بن الحسن الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج: ١، ص: ١٧٢.
(٦) المائدة: ١٠١.
عن شيء فاجتنبوه».
وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«إنَّ اعظم المسلمينَ في المسلمينَ جرماً، مَن سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على الناس، فُحرِّم من أجل مسألته».
الزاوية الثالثة: أن يسأل الانسان عن الامور التي تفتح أمامه مجال الشك والترديد في اعتقاداته الفطرية السليمة، وتزعزع ثقته واذعانه بالمسلَّمات الشرعية الثابتة.
وأنَّه لمن الواضح لدينا أنه على الرغم من القدرة العقلية الخلاقة، والمواهب الذهنية الجبّارة، التي أودعها اللّه تعالى في صميم الانسان، إلا انَّ هذا المخلوق يبقى عاجزاً عن فهم الكثير من الظواهر الكونية المحيطة به، وقاصراً عن ادراكها، ولا يتسنّى لأي بشرٍ مهما كانت قابلياته الذهنية، وقدراته العقلية، من أن يحيط بعلمٍ واحدٍ من العلوم المتاحة، من جميع جوانبه وجهاته، وفي مختلف مراحله وأدواره، فضلاً عن أن يحيط بكل العلوم البشرية، ويلم بها جميعاً، إلا اللهمَّ مَن وهبه اللّه العصمة، وخصَّه بالالهام، من أنبيائه وأوصيائهعليهمالسلام ، فأودعهم علم ما كان وما يكون، ضمن خصوصيات تفصيلية، لا يمكن التطرق اليها في هذا البحث.
وإذا كان شأن الانسان في المعارف الحسيّة كذلك، فانَّ مما لا شك فيه، أنه سوف لن يكون نصيبه من معارف الغيب بأحسن من ذلك، فهناك الكثير من المعارف الغيبية التي يقف عقل الانسان عاجزاً عن فهمها، والاحاطة بها، وادراكها، على ما هي عليه في واقع الامر، على الرغم من أنه يكوِّن فكرةً عامة لها، ويأخذ مفهوماً اجمالياً عنها.
____________________
(١) عبد علي الحويزي، تفسير نور الثقلين، ج: ١، ح: ٤٠٦، ص: ٦٨٢.
(٢) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ٥، الكتاب الرابع، ح: ٣٠٦٢، ص: ٥٤.
والشريعة الاسلامية قد كلَّفت الانسان في مثل هذه الموارد بأن يؤمن بهذه المعارف والتعاليم، بشكلها الذي يتوصل إليه الادراك الطبيعي، ومن خلال الفهم الواعي لخطوطها الاجمالية العامة، ومن دون حاجة إلى أن يكلّف نفسه الاستغراق في أبعادها التفصيلية، التي قدَّرت الشريعة أنها تكون عادةً خارج حدود امكاناته الخاصة، وقدراته الذهنية الطبيعية.
ولا أروع من كلمات صادق أهل البيتعليهالسلام إذ يبيِّن هذهِ الحقيقة بالقول:
«يا ابنَ آدم لو أكل قلبَك طائر لم يُشبعه، وبصركَ لو وُضع عليه خرقُ ابرةٍ لغطّاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السموات والارض! إن كنتَ صادقاً، فهذهِ الشمس خلق من خلق اللّه،فان قدرتَ أن تملأ عينيكَ منها، فهو كما تقول»(١) .
ومن هذا الباب جاءَ النهي عن السؤال عن الذات الالهية المقدسة، والتفكير في هذا الجانب الغيبي العميق، إذا لا يمكن لمن يعيش الامكان من أساسه، أن يدرك خصائص الواجب بالذات، الذي تقف عنده سلسلة العلل والاسباب.
فقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«لن يبرح الناس يتساءلون: هذا اللّه خالق كل شيء، فمن خلقَ اللّه؟»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«لا تقوم الساعة حتى يُكفر باللّه جهراً، وذلكَ عند كلامهم في ربِّهم»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«تفكروا في خلق اللّه، ولا تفكروا في اللّه فتهلكوا»(٤) .
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن الكلام في الكيفية، ح: ٨، ص: ٩٣.
(٢) ابن الاثير، جامع الاصول في احاديث الرسول، ج: ٥، الكتاب الرابع، ح: ٣٠٦٥، ص: ٥٧.
(٣) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج: ١، ص: ٨١.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ٥٧٠٥، ص: ١٠٦.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إنَّ الشيطان يأتي أحدكم فيقول: مَن خلق السماء؟ فيقول: اللّه، فيقول مَن خلق الارض؟ فيقول: اللّه، فيقول: مَن خلقَ اللّه؟ فإذا وجدَ ذلكَ أحدكم، فليقل: آمنتُ باللّه ورسوله»(١) .
وعن أبي جعفرعليهالسلام أنه قال:
«إيّاكم والتفكر في اللّه، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة اللّه، فانظروا ألي عظيم خلقه»(٢) .
وعن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام في قول اللّه عزَّ وجلَّ:( وأنَّ إلى ربِّكَ المُنتَهى ) (٣) أنَّه قالعليهالسلام :
«إذا انتهى الكلام إلى اللّه عزَّ وجلَّ، فأمسكوا»(٤) .
وعن ابي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال:
«إياكم والتفكر في اللّه، فانَّ التفكر في اللّه لا يزيد إلا تيهاً، إنَّ الله لا تدركه الابصار، ولا يوصف بمقدار»(٥) .
وعنهعليهالسلام :
«تكلموا في خلق اللّه، ولا تتكلموا في اللّه، فانَّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلا تحيراً»(٦) .
ومن هذا الباب أيضاً ورد النهي عن الخصومة في أمر الدين، والجدال بآيات اللّه،
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ١٢٤٧، ص: ٢٤٧.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، تحقيق: هاشم الطهراني، باب: ٦٧، ح: ٢٠، ص: ٤٥٨.
(٣) النجم: ٤٢.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٧، ح: ٩، ص: ٤٥٦.
(٥) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٣، كتاب التوحيد، باب: ٩، ح: ٤، ص: ٢٥٩.
(٦) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن الكلام في الكيفية، ح: ١، ص: ٩٢.
والأخذ والرد في المعارف الغيبية العميقة التي ورد النهي عن الخوض فيها، وخصوصاً من قبل مَن لا يمتلك الحصيلة العقلية الكافية، والادلة والبراهين الاستدلالية المقنعة على ما يتفوه به من مناظرات وكلام، قال تعالى:
( ومِنَ الناس مَن يِجادل في اللّهِ بغَيرِ علمٍ وَيتَّبع كُلَّ شَيطانٍ مَريدٍ ) (١) .
وقال تعالى:( وَمنَ الناسِ مَن يُجادل في اللّهِ بَغيرِ عِلمٍ ولا هُدىً ولا كِتابٍ مُنيرٍ* ثانيَ عطفِهِ ليُضلّ عَن سَبيلِ اللّهِ لَهُ في الدُّنيا خِزي وَنُذيقُه يَومَ القيامةِ عَذابَ الحَرِيقِ ) (٢) .
وقال تعالى:( إنَّ الذينَ يُجادِلونَ في آياتِ اللّهِ بغيرِ سلطانٍ أتاهُم إن في صدورِهِم إلا كِبر ما هُم ببالغيهِ ) (٣) .
وجاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«مَن طلب الدين بالجدل تزندق»(٤) .
وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنه قال لأبي عبيدة:
«يا أبا عبيدة إياكَ وأصحاب الخصومات والكذابين علينا، فانهم تركوا ما اُمروا بعلمه، وتكلَّفوا ما لم يؤمروا بعلمه، حتى تكلفوا علم السماء، يا أبا عبيدة خالقوا الناس بأخلاقهم، وزايلوهم باعمالهم، انّما لا نعد الرجل فقيهاً عاقلاً حتى يعرف لحن القول، ثم قرأ قوله تعالى: (وَلَتعرِفَنَّهم في لحنِ القول).»(٦) .
وعن زرارة قال: سألت ابا جعفرعليهالسلام : ما حجة اللّه على العباد؟ قالعليهالسلام :
____________________
(١) الحج: ٣.
(٢) الحج: ٨ - ٩.
(٣) المؤمن: ٥٦.
(٤) محسن الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء، ج: ١، كتاب العلم، ص: ١٠٧.
(٥) محمّدصلىاللهعليهوآله : ٣٠.
(٦) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٧، ح: ٢٤، ص: ٤٥٨.
«أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون»(١) .
وعنهعليهالسلام أنه قال لزياد:
« يا زياد إياكَ والخصومات، فانها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم الرجل بالشيء فلا يُغفر له، انَّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به، وطلبوا علم ما كُفُوهُ، حتى انتهى كلامُهُم إلى اللّه عزَّ وجلَّ فتحيَّروا»(٢) .
وعنهعليهالسلام :
«الخصومة تمحق الدين، وتحبط العمل، وتورث الشك»(٣) .
وعن أبي الحسنعليهالسلام أنه قال لعلي بن يقطين:
«مُر أصحابكَ أن يكفّوا من ألسنتهم، ويدعوا الخصومة في الدين، ويجتهدوا في عبادة اللّه عزَّ وجلَّ»(٤) .
كما انَّ من هذا الباب أيضاً ما ورد من نواهيَ مستفيضة على لسان الشرع من الخوض في القضاء والقدر. وغير ذلك من المعاني الدقيقة، والمطالب الاعتقادية الخطيرة، التي لا يمكن أن ينجو منها إلا مَن تحصَّن بالعلم والبصيرة واليقين.
فقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«مَن تكلَّم في شيءٍ من القدر سُئل عنه يوم القيامة، ومَن لم يتكلم فيه لم يُسأل عنه»(٥) .
فالتعمق في مثل هذه الامور إذن يكون غالباً عكسي التأثير على قناعات
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٧، ح: ٢٧، ص: ٤٥٩.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٧: ح: ١١، ص: ٤٥٦.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٧، ح: ٢٩، ص: ٤٦٠.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٧، ح: ١١، ص: ٤٥٦.
(٥) أبن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، ح: ٨٤، ص: ٣٣.
الانسان، وايمانه باللّه عزَّ وجلَّ، وبالتالي على سلوكه، وطريقة تعامله مع ظواهر الوجود المختلفة التي تحيط به.
فلا بدَّ أن تتوفر للانسان القناعة الراسخة بأنَّ الوسائل الحسيّة التي زُوّدَ بها، لا يمكن أن تنال إلا ما هو داخل في دائرة ادراكها ومتناولها، وأما الامور الغيبية الدقيقة، فهي اُمور يتعامل معها القلب والوجدان، وتسلِّم لها النفس في قناعاتها الفطرية السليمة، ويذعن لها الفؤاد والعقل من خلال السير العقلي المعزّز بالادلة والبراهين. ويشتد هذا التسليم ويتعاظم كلما صفت نفس الانسان، وطهرت روحه من الأعلاق الدنيوية الزائلة، وانقشعت عن قلبه حجب الخطايا، وظلمات المعاصي، وتسامى عقله عن التأثر والتلوث بالأهواء، والأنانيات، والمصالح الذاتية الحاكمة.
ولعلنا لا نضيف للقارئ الكريم جديداً حين نقول بأنّ هذا الذي تقدم، من التوجيهات الشرعية الحثيثة، حول ضرورة الكف عن الخوض في ما لا يحسن الخوض فيه، من المعاني الدقيقة، والمفاهيم الحساسة. لا يعني الدعوة إلى شلِّ الطاقة العقلية التي يختص بها الانسان عن باقي مخلوقات الوجود، واقصاء الفكر والوعي والادراك عن ساحة الاعتقاد، والسير عشوائياً في طريق الايمان باللّه تعالى، من دون تأمل وتفكير وتدقيق. فانَّ الاسلوب القراني، يعدُّ أكبر حجة على المنحى العقلي في الاقناع والاثبات والاستدلال، كما انَّ النصوص الشرعية المتظافرة في أبواب الاعتقادات المختلفة، والتي وردت عن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، تصب في هذا الاتجاه أيضاً بما لا يقبل الشك والترديد، ودعوةُ الاسلام إلى التفكّر في آيات اللّه، والتطلع إلى أرقى مستويات المعارف البشرية، والحث الاكيد على طلب العلم، وإعمال العقل في مختلف المجالات، لهي أكبر من أن ينالها نقاش، أو يعتريها لبس وترديد.
وانّما الذي نفهمه من هذه النصوص، هو أن لا يؤدي (السؤال) أو (التفكير) أو
(الجدال) إلى ما يخل بأساسيات الدين، وان لا يتجاوز العقل البشري حدوده في التعامل مع الاشياء، وأن يترك الغيب مستأثراً بالمعارف والاحكام التي لم يستطع تفسير الحكمة منها، والخلفيات التي تقف وراءها، ما دام قد أذعن لأصل وجود الحكمة، والمصلحة الالهية، في كل تفاصيل التشريع.
كما انّ الدعوة المذكورة تحذِّر من أن يعالج الانسان مسائل الدين، من منطلق الجهل أو العفوية أو التنظير الشخصي المحض، الذي لا يستند إلى اُسس شرعية قاطعة ومسلّمة.
بالاضافة إلى أنها تدعو الانسان المسلم، وقبل أن يسترسل ويتعمق في هذه المطالب الشائكة والمعقدة، إلى أن يتحصن بقاعدة فكرية رصينة، ومبادئ اعتقادية واضحة ومستحكمة، تحميه من أن يتزلزل أمام عواصف الشبهات المثارة، وتمنحه الثبات في مهب التيارات الجدلية المتضاربة.
وعلى أية حال فانَّ ما تقدم الحديث عنه من طريقة شاذة في السؤال، والتفكير، والالحاح في طلب معرفة الاشياء المحظورة شرعياً، أو التي لا يؤمَن من أن يقع الانسان بسبب ولوجها في مهاوي الشك والترديد،. انما هو ناتج عن نزوع النفس الانسانية إلى الاطلاع على غوامض الامور، وخبايا الاشياء، وإثارة الجدل حول المعاني الخفية والعميقة، وعن محاولة العقل التدخل في كل أمرٍ يعرض عليه، وإبداء وجهة النظر الاستقلالية في فهم ذلك، ونقله إلى الآخرين، فهي غريزة انسانية راسخة في ذات البشر، ومستحكمة في أعماقه، لا تنفك عنه، ولا تنفصل عن ذاته، إلا إذا كان بصيراً بدينه، عارفاً بقدرة نفسه، متواضعاً للعلم والمعرفة، وما تلك الدعوات والادعاءات التي ظهرت في فترات مختلفة من عمر البشرية، كادّعاء القيادة، والنبوة، والالوهية، والاحاطة بكل شيء. وما إلى ذلك من اُمور، إلا صدىً لتلك الرغبة الكامنة، وافرازاً عن ذلك النزوع
الانساني، الذي يسعى دائماً لأن يجعل العقل بديلاً عن تعاليم السماء، ولكنَّه يبتلى أبداً بالانتكاس والخسران.
وكان من جراء هذا التفكير الملتوي، والسلوك المنحرف، أن ظهرت بدع كثيرة في حياة المسلمين، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالاعتقادات، وترتبط بمعارف اُصول الدين، فنشأت فرق، ومذاهب، ومشارب متعددة، تتقاطع مع تعاليم الشرع الاسلامي المبين، وتدعو إلى ألوان شتى من الانحراف الفكري، والاعتقاد المغلوط.
وكانت مفاتيح هذهِ الطائفة من البدع والمحدثات، بيد تلك المجاميع التي دخلت في عالم الاعتقادات بكل ما له من أبعاد وتفاصيل، وطرقت المفاهيم الاسلامية الحساسة، من موقع الجهل، وقلة الخبرة، واللامبالاة.
وسوف نقوم باستعراض بعض المواقف والاحداث، التي شكلت النواة الاساسية الاولى لهذا النمط من الابتداع، والمظاهر التي انساقت مع هذا التيار في بدايات عمر التشريع:
١ - «روي أنَّ رجلاً أتى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول اللّه! لتعلمني من غرائب العلم! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما صنعتَ في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل عرفتَ الرب؟ قال: نعم، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : فما صنعتَ في حقِّه؟ قال: ما شاءَ اللّه! فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اذهب فاحكم ما هنالك، ثم تعالَ اُعلّمكَ من غرائب العلم»(١) .
وفي كتاب (التوحيد) للشيخ (الصدوق): «قال الرجل: وما رأس العلم يا رسول اللّه؟ قال: معرفة اللّه حقّ معرفته، قال الأعرابي: وما معرفة اللّه حق معرفته؟ قال: تعرفه بلا مثل، ولا شبهٍ، ولا ندٍّ، وانَّه واحد، أحد، ظاهر، باطن، أول، آخر، لا كفو له،
____________________
(١) ابو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ١٣.
ولا نظير، فذلك حق معرفته»(١) .
فنرى انَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قد وجَّه هذا الرجل نحو العمل الصالح، ومعرفة الاصول الشرعية المطلوبة أولاً، ومن ثمَّ إذا ما أحكم ذلك، وترسخ أمر الدين في نفسه، من خلال عنصري العلم والعمل، فانَّ بامكانه أن يطّلع إلى ما يطمح إليه من غرائب العلم، وزوائد الاعتقاد.
وهذا يدل على انَّ الانسان، ما لم يتسلح بسلاح الايمان والمعرفة والبصيرة أولاً، ويتزود بقدرٍ كافٍ من التقوى والعمل الصالح ثانياً، فان دخوله في مثل هذهِ الغرائب والاستفاضات، سيؤدي به إلى الانحراف الفكري والعقائدي من دون ريب.
٢ - جاءَ في كتاب (التوحيد) للشيخ (الصدوق) باسناده عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّهعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام أنَّه قال:
«مرَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على رجلٍ، وهو رافع بصره إلى السماء يدعو، فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : غُضَّ بصرَكَ فانكَ لن تراه.
وقال: ومرَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على رجل، رافع يديه إلى السماء، وهو يدعو، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اقصر من يديكَ فانكَ لن تناله»(٢) .
فهذا التوجيه النبوي يهدف إلى صرف ذهنية المسلمين من الادراك الساذج لمعارف التوحيد، ومن الشعور البدائي المختمر بالحس، إلى حيث الادراكات القلبية، والمعاني التجريدية العقلية، فبين رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم للمسلمين أنَّ اللّه تعالى لا تناله الحواس، ولا تدركه الابصار، وأنَّ ما ارتكز في أذهانهم جهلاً، من أنه تعالى كائن في السماء، هو أمر خاطئ لا أساس له، فاللّه تعالى حاضر وموجود في كلِّ آنٍ ومكان، ولا
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٤٢، ح: ٥، ص: ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٢) بو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨ ما جاء في الرؤية، ح: ١، ص: ١٠٧.
نحتاج في مخاطبتنا إيّاه أن نرفع بأيدينا إلى السماء، أو نشخص بابصارنا نحوها، بهذهِ الطريقة المبنية على السذاجة والجهل، لأنّا لا نراه، ولا نناله.
٣ - عن أبي هريرة قال:
«خرج علينا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فقيء في وجنته الرمان، فقال: أفبهذا اُمرتم؟ أم بهذا اُرسلت اليكم؟ إنَّما هلكَ مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم، عزمتُ عليكم، ألا تنازعوا فيه»(١) .
٤ - وورد في (مجمع الزوائد) عن ثوبان أنه قال:
«اجتمع أربعون من الصحابة ينظرون في القدر والجبر، فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فنزل الروح الأمين جبرائيلصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: يا محمَّد اخرج على امتكَ فقد احدثوا، فخرج عليهم في ساعة لم يكن يخرج عليهم في مثلها، فانكروا ذلك، وخرج عليهم متلمعاً لونه، متوردة وجنتاه، كأنما تقفا بحب الرمان الحامض، فنهضوا إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حاسرين أدرعتهم، ترعد أكفهم وأذرعهم، فقالوا: تُبنا إلى اللّه ورسوله، فقال: اولى لكم ان كنتم لتوجبون، أتاني الروح الأمين فقال: اُخرج على اُمتكَ يا محمد فقد أحدثت»(٢) .
٥ - روي أنه: جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال:
«يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قالعليهالسلام : بحر عميق فلا تلجه! فقال: يا أمير المومنين أخبرني عن القدر، قالعليهالسلام : طريق مظلم فلا تسلكه! قال: يا أمير المؤمنين
____________________
(١) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٤، كتاب: القدر، باب: ١، ح: ٢١٣٣، ص: ٣٨٦.
(٢) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: ٧، باب: النهي عن الكلام في القدر، ص: ٢٠١.
أخبرني عن القدر: قالعليهالسلام : سر اللّه فلا تتكلفه!.»(١) .
٦ - روي أنه: «مرَّ أمير المؤمنينعليهالسلام على قومٍ من أخلاط المسلمين، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، وهم قعود في بعض المساجد، في أول يوم من شعبان، وإذا هم يخوضون في أمر القدر، وغيره مما اختلف الناس فيه، قد ارتفعت أصواتهم، واشتد فيه جدالهم، فوقف عليهم، وسلّم، فردّوا عليه، ووسعوا له، وقاموا إليه يسألونه القعود اليهم، فلم يحفل بهم، ثم قال لهم - وناداهم -:
يا معشر المتكلمين ألم تعلموا انَّ للّه عباداً قد أسكتتهم خشيتُه من غير عيٍّ ولا بكم؟ وانَّهم هم الفصحاء البلغاء الالباء، العالمون باللّه وأيامه، ولكنّهم إذا ذكروا عظمة اللّه، انكسرت السنتهم، وانقطعت أفئذتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، إعزازاً للّه وإعظاماً واجلالاً، فإذا أفاقوا من ذلكَ، استبقوا إلى اللّه بالاعمال الزاكية، يعدّون أنفسهم من الظالمين والخاطئين، وانَّهم براء من المقصرين والمفرطين، إلا أنهم لا يرضونَ اللّه بالقليل، ولا يستكثرون اللّه الكثير، ولا يدلّون عليه بالأعمال، فهم إذا رأيتهم مهيَّمون، مروَّعون، خائفون، مشفقون، وجلون، فأين أنتم منهم يامعشر المبتدعين، ألم تعلموا
انَّ أعلم الناس بالضرر أسكتهم عنه، وانَّ أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه؟»(٢) .
٧ - عن جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام عن أبيهعليهالسلام أنه قال:
«إنَّ رجلاً قال لأمير المؤمنينعليهالسلام : هل تصف ربَّنا نزداد له حباً وبه معرفةً؟! فغضب وخطب الناس فقال فيما قال: عليكَ يا عبد اللّه بما دلَّكَ عليه القرآن من صفته، وتقدسكَ فيه الرسول من معرفته، فأتم به، واستضئ بنور هدايته، فانَّما هي نعمة
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٥، كتاب: العدل والمعاد، باب: ٣، ح: ٣٥، ص: ١١٠.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٣، كتاب: التوحيد، باب: ٩، ح: ٣٠، ص: ٢٦٥.
وحكمة اُوتيتها، فخذ ما اُوتيت، وكن من الشاكرين، وما كلَّفك الشيطان علمه، مما ليس عليكَ في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول وائمة الهداة أثره، فكِل علمه إلى اللّه، ولا تقدّر عليه عظمة اللّه.
واعلم يا عبد اللّه انَّ الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام على السدد المضروبة دونَ الغيوب، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنّا بهِ كلّ من عند رِّبنا، وقد مدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً».
٨ - روي عن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال:
«جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فقال: يا أمير المؤمنين! هل رأيتَ ربكَ حين عبدته؟ فقالعليهالسلام : ويلكَ! ما كنت اعبد رباً لم أره، قال: وكيف رأيته، قالعليهالسلام : ويلكَ! لا تدركه العيون في مشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان».
٩ - روي انَّ رجلاً قال للحسين بن عليعليهالسلام : اجلس حتى نتناظر في الدين، فقالعليهالسلام :
«يا هذا أنا بصير بديني، مكشوف عليَّ هداي، فان كنتَ جاهلاً بدينكَ، فاذهب واطلبه، ما لي وللمماراة؟ وانَّ الشيطان ليوسوس للرجل، ويناجيه ويقول: ناظر الناس في الدين كيلا يظنوا بكَ العجز والجهل.».
١٠ - جاءَ في (التوحيد) عن جعفر بن محمدعليهالسلام عن أبيهعليهالسلام قال:
«قيل لعليعليهالسلام : إنَّ رجلاً يتكلَّم في المشيئة، فقالعليهالسلام : ادعُه لي، قال: فدُعي له،
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٣، باب: ٩، ح: ١، ص: ٢٥٧.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: في ابطال الرؤية، ح: ٦، ص: ٩٨.
(٣) محسن الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء، ج: ١، كتاب العلم، ص: ١٠٧.
فقال علي السلام: يا عبد اللّه خلقَكَ اللّه لما شاءَ، أو لما شئتَ؟ قال: لما شاء، قالعليهالسلام : فيمرضُكَ إذا شاء، أو إذا شئت؟! قال: إذا شاء، قالعليهالسلام : فيشفيكَ إذا شاء، أو إذا شئت؟! قال: إذا شاء، قالعليهالسلام : فيدخلكَ حيث شاء، أو حيث شئت؟! قال: حيث شاء، قال: فقال عليعليهالسلام : لو قلتَ غير هذا لضربتُ الذي فيه عيناك»(١) .
والذي يبدو أنَّ هذا الرجل كان يقول بتفويض الامور إلى العباد، وانَّ اللّه تعالى ليست له علاقة بمخلوقاته بعد خلقهم وانشائهم، فحذَّره أمير المؤمنينعليهالسلام من الانسياق مَعَ هذا التفكير الخطير، وبيَّن له انَّ إرادة اللّه تعالى ومشيئته تبقى مرافقةً للانسان، ولا يمكن أن تنفك عنه مطلقاً، وسيأتي في آخر هذهِ الدراسة تسليط الضوء من خلال حديث أهل البيتعليهمالسلام على هذهِ النقطة بشكل أوضح وأوسع، إن شاء اللّه تعالى.
٤ - اتّباع الأهواء
ومن الاسباب الاخرى التي أدَّت إلى نشوء البدع في حياة المسلمين، ظاهرة اتباع الأهواء، والانحراف عن جادة الصواب، وصراط اللّه المستقيم.
فالنفس الانسانية تتجاذبها تيارات وشهوات متعددة، وهي تنساق مع مغريات الحياة وملاذِّها بروية، وتستعصي على الحق، وتأبى قبوله، والسير على هداه، لما فيه من منعٍ للنفس عن اهوائها، ومشتهياتها الفانية.
فقد يدين الانسان بالاسلام، ويُعدّ فيمن يُعدُّ من المسلمين، إلا أنه ما يلبث أن ينتحل الاعذار، ويسوِّف في امتثال الأوامر الالهية، نتيجة لاستسلامه لضغوط قوة الهوى عليه، وقد يندفع الانسان إلى ما هو أبشع من ذلك، تلبيةً للنزعات الأنانية الكامنة في نفسه، فيحرف التعاليم السماوية، وفق أهوائه وميوله الخاصة، من أجل أن
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٥، ح: ٢، ص: ٢٣٧.
يبرر لنفسه المعتَقد والعمل، أو من أجل أن يُضلّ الآخرين بغير علم، فيردى ويُردي الآخرين معه في الأهواء والمبتدعات.
هذا العامل لم يكن ليتحرر منه الانسان الذي عاش في العصر الاول للتشريع، كما أنه لا يمكن أن يتحرر منه انسان اليوم وانسان غد، ما زال يحمل أعدى أعدائه بين جوانحه، وهي نفسه الأمّارة بالسوء.
قال تعالى:( ومَن أضلُّ مَمَّن اتَّبعَ هَواهُ بِغيرِ هُدىً مِنَ اللّهِ ) (١) .
وقال تعالى:( ولا تتَّبعِ الهَوى فيُضلَّكَ عَن سَبيلِ اللّهِ إنَّ الذينَ يَضلّونَ عَن سَبيلِ اللّهِ لَهُم عذاب شَديد بما نَسوا يَومَ الحِسابِ ) (٢) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«ما تحت ظِلّ السماء من إله يُعبد من دون اللّه أعظم عند اللّه، من هوىً متّبع»(٣) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام :
«إنَّما أخاف عليكم اثنين: اتّباع الهوى، وطول الأمل، أما اتّباع الهوى، فانَّه يصدّ عن الحق، وأما طول الأمل، فينسي الآخرة»(٤) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام :
«قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يقول اللّه عزَّ وجلَّ: وعزتي، وجلالي، وعظمتي، وكبريائي، ونوري، وعلوّي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواه على هواي، إلا شتّتُّ عليه أمره، ولبّستُ عليه دنياه، وشغلتُ قلبه بها، ولم اُوته منها إلا ما قدَّرتُ له.
وعزتي، وجلالي، وعظمتي، ونوري، وعلوّي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد
____________________
(١) القصص: ٥٠.
(٢) ص: ٢٦.
(٣) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: ١، باب: في البدع والاهواء، ص: ١٨٨.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ٢، باب: اتّباع الهوى، ح: ٣، ص: ٣٢٥.
هواي على هواه، إلا استحفظته ملائكتي، وكفّلت السموات والارضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة».
وعن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال:
«احذروا أهواءكم، كما تحذرون أعداءكم، فليس شيء أعدى للرجال من اتّباع أهوائهم، وحصائد السنتهم».
وفي الحقيقة انَّ اتّباع الاهواء يعدّ من أبرز العوامل التي ساهمت في ظهور البدع والمحدثات، يقول أمير المؤمنينعليهالسلام :
«أيها الناس إنَّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبع، وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها كتاب اللّه، يتولى فيها رجال رجالاً، فلو انَّ الباطل خلص، لم يخفَ على ذي حجى، ولو انَّ الحق خلص، لم يكن اختلاف، ولكن يؤخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضعث، فيُمزجان فيجيئان معاً، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، ونجا الذينَ سبقت لهم من اللّه الحسنى».
ويمكن لنا أن نلتمس بعض المصاديق التي تولّدت عن هذا العامل في بدايات التشريع، على أنّا نذكّر قبل ذلك انَّ أغلب الفتن التي مرَّت بها الامة الاسلامية، وأكثر الانقسامات التي حصلت فيها، إنَّما هي ناشئة في واقعها من جراء اتّباع الاهواء، والابتعاد عن كتاب اللّه وعترة أهل البيتعليهمالسلام الذين أوصى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم امته بأن تتمسك بهما، وتلوذ في حماهما، لانهما لن يفترقا حتى يردا عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحوض.
١ - جاءَ في الاعتصام ما نصه:
«شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا
____________________
(١) محمد يعقوب الكليني، الاصول من الكافي: ج: ٢، باب: اتّباع الهوى، ح: ٢، ص: ٣٣٥.
(٢) محمد يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ٢، باب: اتّباع الهوى، ح: ١، ص: ٣٣٥.
(٣) نهج البلاغة: الكلام / ٥٠.
حلال، وتأولوا هذهِ الآية:( لَيسَ عَلى الّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصّالحاتِ جُناح فيما طَعمُوا إذا ما اتّقوا وآمنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتقّوا وآمنُوا ثُمَّ اتقّوا وأحسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ المُحسِنينَ ) (١) ، قال: فكتب فيهم إلى عمر، فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم اليَّ قبل أن يفسدوا مَن قِبَلَكَ، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! نرى انَّهم قد كذبوا على اللّه، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم! وعليرضياللهعنه ساكت، قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أرى أن تستتيبهم، فان تابوا جلدتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربتَ أعناقهم، فانهم قد كذبوا على اللّه، وشرعوا في دين اللّه ما لم يأذن به»(٢) .
٢ - مرَّ الامام عليعليهالسلام بقتلى الخوارج فقال:
«بؤساً لكم! لقد ضرَّكم مَن غزِّكم، فقيل: ومَن غرَّهم؟ فقال: الشيطان المضل، والنفس الامارة بالسوء، غرَّهم بالأماني، وفَسَحت لهم في المعاصي، ووعدتهم الاظهار، فاقتحمت بهم النار»(٣) .
____________________
(١) المائدة: ٩٣.
(٢) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ٤٦.
(٣) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ١٩، ص: ٢٣٥.
الباب الثاني : هوية الابتداع
الفصل الاول : البدعة في اللغة والاصطلاح الشرعي
البدعة لغةً
للبدعة في اللغة أصلان، أحدهما: (البَدع)، وهو مأخوذ من (بَدَعَ)، وثانيهما: (الابداع)، وهو ما مأخوذ من (أبدعَ).
وكلا هذين الاصلين يعطي معنىً واحداً، وهو عبارة عن انشاء الشيء لا على مثالٍ سابق، واختراعه وابتكاره بعد أن لم يكن.
يقول الفراهيدي عن (البَدع): «هو إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة»(١) .
ويقول الراغب عن (الابداع): «هو انشاء صفةٍ بلا احتذاء واقتداء»(٢) .
وينص الأزهري على أنَّ (الابداع) أكثر استعمالاً من (البَدع)، وهذا لا يعني أنَّ استعمال (البَدع) خطأ، وانما هو صحيح ولكنه قليل، فيقول في ذلك: و«(أبدعَ) أكثر في الكلام من (بَدَعَ)، ولو استعمل (بَدَعَ) لم يكن خطأ»(٣) !
وعلى هذا الاساس تقول من (البَدع): «بدعتُ الشيء إذا أنشأته»(٤) .
وتقول من (الابداع): ابتدعَ الشيء: أي (أنشأه وبدأه)(٥) ، وتقول أيضاً: «أبدعتُ الشيء أي اخترعته لا على مثال»(٦) .
____________________
(١) الفراهيدي، العين، ج: ٢، ص: ٥٤.
(٢) الراغب الاصفهاني، معجم مفردات الفاظ االقرآن الكريم، ص: ٣٦.
(٣) الأزهري، تهذيب اللغة، ج: ٢، ص: ٢٤١.
(٤) ابن دريد، جمهرة اللغة، ج: ١، ص: ٢٩٨.
(٥) ابن منظور، لسان العرب، ج: ٨، ص: ٦.
(٦) الجوهري، الصحاح، ج: ٣، ص: ١١٨٣.
و(أبدَعَ) اللّه تعالى الخلق (إبداعاً): أي خلقهم لا على مثال سابق، و(أبدعتُ) الشيءَ و(ابتدعته): استخرجته وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة (بدعة)، وهي اسم من (الابتداع)، كالرفعة من الارتفاع(١) ، ومعنى (البدعة): الشيء الذي يكون أولاً(٢) ، وجمع (البدعة) (البدع)(٣) ، وانّما سميت (بدعة) لانَّ قائلها ابتدعها هو نفسه(٤) .
وفي أسماء الله تعالى (البديع): وهو الخالق المخترع لا على مثال سابق(٥) .
يقول اللّه تعالى:( بَديعُ السَّمواتِ والأَرضِ ) (٦) : أي مبتدعها ومبتدئها لا على مثال سبق(٧) ، وبديع الحكمة غريبها، ومنه الحديث: (روّحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فانها تكلّ كما تكل الابدان»(٨) .
ويقول اللّه تعالى:( وَرَهبَانيَّةً اَبَتَدعُوها ) (٩) : أي أحدثوها من عند أنفسهم(١٠) .
فيتحصل لدينا من خلال كل ما تقدَّم انَّ المعنى اللغوي ل(البدعة): هو الشيء الذي يُبتكر ويُخترع من دون مثال سابق، ويُبتدأ به بعد أن لم يكن موجوداً من قبل.
____________________
(١) الفيومي، المصباح المنير، ج: ١، ص: ٣٨.
(٢) ابن منظور، لسان العرب، ج: ٨، ص: ٦.
(٣) ابن دريد، جمهرة اللغة، ج: ١، ص: ٢٩٨.
(٤) الطريحي، مجمع البحرين، ج: ٤، ص: ٢٩٩.
(٥) ابن الأثير، النهاية، ج: ١، ص: ١٠٦.
(٦) البقرة: ١١٧.
(٧) الزبيدي، تاج العروس، ج: ٥، ص: ٢٧٠.
(٨) الطريحي، مجمع البحرين، ج: ٤، ص: ٢٩٨.
(٩) الحديد: ٢٧.
(١٠) الطريحي، مجمع البحرين، ج: ٤، ص: ٢٩٨.
البدعة في الاصطلاح الشرعي
اكتنف مفهوم (البدعة) بالكثير من التشويش والغموض في كلمات العلماء والباحثين، فوردت في مقام تحديد هويته، وتوضيح قيوده، عدة تعريفات متفاوتة ومختلفة.
وكان أن اختلفت تبعاً لذلك رؤى هؤلاء الأعلام في المفردات التطبيقية لهذا المفهوم على الواقع العملي، حتى وصل الأمر الى أن تقاطعت بعض هذهِ الحدود والتعريفات فيما بينها. مما أدّى الى تكفير بعض الطوائف الاسلامية للبعض الآخر، بذريعة (الابتداع)، والخروج عن حياط السنة النبوية الشريفة.
وقد استُغل هذا المفوم الاسلامي أبشع استغلال من قبل بعض المتطرفين، الذين عمدوا الى تحريفه عن واقعه، والتدليس في حقيقته، من أجل النيل من معتقدات أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، واتهامهم بمختلف الأباطيل.
وقد عُدَّ هذا الامر من أبرز الوسائل التي أعلنتها (الوهابية)، واتخذتها شعاراً في أمر التشنيع على أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، والصاق التهم المفتعلة بهم، كذباً وبهتاناً وزوراً.
وفي حقيقة الأمر انَّه على الرغم من الملابسات التي اكتنفت هذا المفهوم الاسلامي الواضح، والهالة المفتعلة من التشويش والغموض التي اُحيطت به. إلا انّا نرى بأنَّ جلاءه ووضوحه في التشريع أكبر من أن تنال منه تلك الأقاويل، أو أن تحجب حقيقته يدُ التزوير، كما انَّ حضوره في صفوف المفردات البارزة للتشريع، قد تركَ الارتكاز الواضح عنه في أذهان المسلمين، والانطباع الذي لا يتعرض الى الاهتزاز والتحريف بمجرد ما يُطلق حوله من ادّعاءات، ولهذا نرى انَّ المعنى النظري لمفهوم (البدعة) قد أخذ موقعه المتقدم من الوضوح في النصوص الشرعية التي تعرضت له، وفي أقوال الكثير من العلماء الذين تعرَّضوا لبيان حدِّه ومفهومه، ولكن نقطة الاضطراب التي انطلق منها التشويش
على هذا المفهوم، انما بدأت عندما حاول البعض أن يعكس آثار الموارد التطبيقية على أصل المفهوم، ويكيّف الحدَّ والتعريف تبعاً لتلك الموارد المدّعاة.
فوقع الخلاف والتقاطع في الآراء التي تعرضت لتحديد هوية الابتداع، في الجانب العملي للمفهوم، إن صحَّ هذا التعبير.
على انَّ من الواضح انَّ محاولة التوفيق بين المفهوم والمصداق الذي يعبِّر عنه، لا ينبغي أن تلجئ الباحث الى حرف المفهوم عن واقعه وحقيقته، لجعله متلائماً ومنسجماً مع مصداق خارجي محدّد، ومورد تطبيقي معيَّن، فتقع حينئذٍ هوية الحد والمفهوم ضحية لمثل هذا التلاعب غير المشروع، وهذا ما حدث مع مفهوم (البدعة) الذي يُعد من أكثر المفاهيم الاسلامية دقةً وحساسيةً وعمقاً.
كما انَّ المفترض أن تحدد اُولاً هوية المفهوم الواقعية بدقة متناهية، ارتكازاً على الاسس والمباني السليمة والثابتة، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تطبيق ذلك المفهوم على موارده، من دون تحيّز أو استثناء.
ومما يؤسف له انَّ مفهوم (البدعة) قد خضع مع جملة اُخرى من مفردات الثقافة الاسلامية الى هذا النوع من المهاترات.
ومن خلال إلقاء نظرة فاحصة في النصوص الاسلامية المستفيضة التي تعرَّضت لتحديد مفهوم (البدعة)، ومن ثم محاولة اعداد قاسم مشترك لأقوال العلماء في تحديد هذا المفهوم بشكل مجمل، يمكن لنا أن ننتزع قدراً متيقناً يمثل نحواً من الاتفاق على انَّ معنى (البدعة) هو: (إدخال ما ليس من الدين فيه).
ولعلَّ هذا المعنى المذكور قد حظي بهذا التواطؤ المطرد، بسبب وضوح أمره في التشريع، وارتكاز معناه في أذهان المتعاملين مع النصوص الاسلامية، ولو على مستوى الاطلاع.
ولذا نلاحظ انَّ هذا المفهوم بمعناه المتقدم، ما برح يُلقي بظلاله الطويلة على كل
الدراسات، والاقوال التي تعرضت لتحديد هويته، وبيان معناه، من خلال قوة التصريحات الواردة على لسان صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم بشأنه.
الأمر الذي لم يكن بوسع أحد أن يحرفه نظرياً عمّا هو عليه، إلا ثلّة قليلة ممن حاول عبثاً أن يغيِّر مسار المفهوم عمّا هو عليه، ويعطيه بعداً ضيِّقاً وأُفقاً محدوداً، إلا انه ما يلبث أن ينجرف الى حقيقته، بفعل تيار الوضوح المشار اليه آنفاً.
وهذا يدعونا الى الحديث عن قيود احترازية وتوضيحية ينطوي عليها تعريف (البدعة) المذكور آنفاً، ولكنَّ الحديث الأهم يبقى حول وضع الضابطة التي يتم بموجبها انطباق مفهوم (البدعة) على هذا المورد دون ذلك، باعتبار أن أصل الخلاف ينطلق من هذهِ النقطة ويتفرع عليها، وهذا ما سنتعرض له مفصلاً تحت عنوان (مفهوم البدعة بين الاطراد والانعكاس) إن شاء اللّه تعالى.
وقبل الخوض في بيان هذين المطلبين نرى أن ضرورة البحث العلمي تدعونا الى التعرض لموضوع (تقسيم البدعة)، باعتبار انه يرتبط ارتباطاً وثيقاً، بتحديد مفهومها وتوضيح معالمها، كما سنلاحظه بين طيات البحث.
وقصدُنا من (تقسيم البدعة) هنا هو تقسيمها الى ممدوحة ومذمومة على ما يُدّعى، دون بقية التقسيمات، لأنَّ هذا التقسيم هو الذي يغنينا بحثه في معرض الحديث عن هوية الابتداع، وهو الذي يتصل اتصالاً مباشراً برسم الصورة النهائية لمفهوم (البدعة)، ويدخل في صميم التعريف.
الفصل الثاني : تقسيم البدعة
تقسيم البدعة
هناك ملاحظة بارزة تطرح نفسها أمام المتتبع للتعريفات الواردة في مقام تحديد هوية (البدعة) ورسم معالمها، وخصوصاً التعريفات التي أوردها أبناء العامة لهذا المفهوم. تلك الملاحظة تتلخص في انَّ الكثير من هذهِ التعريفات قد طُبعت بخاصيتين متميزتين:
الخاصية الأولى: انَّ هذهِ الحدود جعلت تقسيم (البدعة) الى ممدوحة ومذمومة أساساً لتوضيح مفهومها، وتحديد هويتها، وانطلقت في بناء أصل التعريف على هذا الأساس.
الخاصية الثانية: انَّ هذهِ الحدود قد سيقت بطريقة لا تصطدم فيها مع قول عمر بشأن صلاة التروايح: «نعمت البدعة هذه».
والملاحظ انَّ هاتين الخاصيتين متداخلتان، اذ انَّ المؤشرات العلمية تدلل على أنَّ السبب الذي ألجأ القائلين بالتقسيم الى انتهاج هذا السبيل انَّما يكمن في محاولة تخريج المقولة المتقدمة آنفاً ومحاولة تبرير اطلاق لفظ (البدعة) على ما يُعتقد انَّه من الامور الممدوحة وهو (التروايح).
فقد ورد في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة، بما في ذلك صحيح البخاري أنَّ عمر قد اطّلع في زمان خلافته على الناس، وهم يتنفلون ليلاً في المسجد النبوي، في شهر رمضان، فرأى أن يحمعهم على قارئ واحد، ليصلوا النوافل جماعة، بدلاً من أن يصلوها فرادى، فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثم اطّلع عليهم ليلةً آُخرى، وهم يصلّون هذهِ النافلة في جماعة، فأعجبه ذلك وقال: «نعمت البدعة هذه».
وقد كان مفهوم (البدعة) قد أخد بعده الارتكازي المستفاد من الشريعة في
أذهان الاصحاب آنذاك، نتيجة لتناول النصوص النبوية له بكثرة وتكرار، وتأكيدها على ذم الابتداع، وانتقادها له بشدة، ودعوتها الى ضرورة مواجهته، ومكافحته، واستئصاله، وتنكيلها بالمبتدعين، ووعدهم بأشد وأقسى أنواع العقوبات الدنيوية والاخروية.
وشأن (البدعة) في ذلك شأن المصطلحات الاسلامية المنقولة الاخرى، التي كانت لها مداليل لغويّة معينة قبل النقل، وفي الاصطلاح اللغوي العام، إلا انها استُعملت من قبل الشارع المقدس في معان اصطلاحية جديدة، واتخذت طابعاً شرعياً محدداً لا تربطه مع المعنى السابق في مجالات الاستعمال، الا تلك العلاقة التي جوَّزت عملية النقل، ونتيجة لكثرة استعمال هذهِ المصطلحات المنقولة الجديدة في حياة المسلمين في معانيها الشرعية، فقد بدأت الذهنية المتشرعة تهجر تلك المعاني اللغوية القديمة، وتنصرف تلقائياً الى المعنى الاصطلاحي الشرعي من دون حاجة الى ذكر القرائن والقيود.
فالصلاة، والزكاة، والحج، والخمس. وغير ذلك من المصطلحات الشرعية الاخرى، قد خضعت لعملية النقل هذه، وأخذت بعدها الواضح في أذهان المسلمين، من خلال معانيها الشرعية الجديدة.
ومفهوم (البدعة) واحد من تلك المفاهيم التي سلكت عين الطريق، وسارت في ذات المسار الذي ضمَّ الأعداد الغفيرة من المنقولات.
ولم يكن ليشك أحد بعد عملية النقل هذهِ في دلالة لفظ (البدعة) على الحادث المذموم، والممارسة المقيتة والمرفوضة في نظر الشريعة الاسلامية، ولم يكن ليتردد شخص في طبيعة المورد الذي يستعمل فيه هذا المفهوم، بعد هذا التداول المتكرر والتأكيد الحثيث.
ولكن بعد أن ورد لفظ (البدعة) في حديث التراويح بالذات، انقلبت تلكَ الموازين والمرتكزات، وتوقف إعمال الاسس العلمية التي يتم بموجبها التعامل مع
المواقف والاحداث، وقامت الدنيا ولم تقعد، من أجل تبرير اطلاق لفظ (البدعة) على هذهِ الصلاة، وتوجيه معناها الجديد!
وتحيَّر القوم في الأمر. فهم بين حشدٍ كبير من النصوص الصريحة التي تناولت هذا المفموم بالذم الواضح، والتقريع الصريح، والتي ما فتئت حيةً وساخنةً في وجدان المسلمين وقت اطلاق ذلك القول. وبين مقولة «نعمت البدعة هذه» التي عاكست ذلك الاتجاه، وسارت في طريق مضادٍّ له تماماً.
وكان أن تمخَّض الحل في رأي هؤلاء المبررين والمدافعين بتشطير مفهوم (البدعة)، وتقسيمه إلى قسمين: بدعة مذمومة، وهي التي تناولتها أحاديث الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم بالذم والانتقاد، وبدعة ممدوحة، وهي التي يمكن أن تندرج تحتها صلاة التراويج، فيتوجه بذلك القول السابق المذكور في الحديث.
ولنحاول في البداية أن نتناول الأقوال التي نصت على تقسيم البدعة، ثم ننظر بعد ذلك في حقيقة هذا التقسيم.
مع القائلين بالتقسيم
نرجو من القارئ الكريم أن يركِّز عند مطالعة الأقوال التالية على نقطة مهمة جداً في التقسيم، وهي بناء التقسيمات المزعومة على أساس واحد، وهو عبارة عن مقولة «نعمت البدعة هذه»، وانطلاقها من هذا الاتجاه.
وأهم هذهِ الاقوال هي:
١ - الشافعي : روى البيهقي باسناده عن الشافعي أنه قال: «المحدثات من الامور ضربان: أحدهما ما اُحدث مما يخالف كتاباً، أو سنة، أو أثراً، أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما اُحدث من الخير، لا خلاف فيه لواحدٍ من العلماء، وهذه محدثة غير
مذمومة، وقال عمررضياللهعنه في قيام شهر رمضان: (نعمت البدعة هذه)(١) .
قال الربيع معقباً على ذلك:
«وقد استند في كلا التعبيرين إلى قول عمررضياللهعنه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه»(٢) .
٢ - ابن حزم : يقول بصدد التقسيم: «البدعة في الدين: كل ما لم يأتِ في القرآن، ولا عن رسول اللّه، إلا انَّ منها ما يؤجر عليه صاحبُه، ويُعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه، ويكون حسناً، وهو ما كان أصله الاباحة، كما روي عن عمررضياللهعنه : نعمت البدعة هذه»(٣) .
٣ - ابن الاثير : يقول في (جامع الاصول) عن هذا التقسيم: «فأما الابتداع من المخلوقين، فان كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله، فهو في حيِّز الذم والانكار، وان كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه، وحضِّ عليه، أو رسولُه، فهو في حيِّز المدح، وان لم يكن مثالُه موجوداً، كنوعٍ من الجود، والسخاء، وفعل المعروف. ويعضد ذلكَ قول عمر بن الخطابرضياللهعنه في صلاة التراويح: نعمت البدعةُ هذه»(٤) .
٤ - الجاكمودي : يقول في قصيدة له:
فبدعة فعلكَ ما لم يُعهد |
في عهد سيِّد الورى محمّد |
|
قد قُسمت كالخمسة الأحكام |
من الوجوب الندب والحرام |
|
كذاك مكروه وجائز تمام |
قد قاله عزّ بن عابد السلام |
|
فكل بدعة ضلالة حُمِل |
على التي قد حُرِّمت فقط نُقل |
____________________
(١) النووي، تهذيب الأسماء واللغات، قسم اللغات، ج: ١، ص: ٢٣، وانظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: ١٣، ص: ٢٥٣.
(٢) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها (العقائد الاسلامية)، ص: ٣٥٩.
(٣) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها (العقائد الاسلامية)، ص: ٣٥٩.
(٤) ابن الاثير، جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ١، ص: ٢٨٠ - ٢٨١.
من بدعٍ واجبةٍ تعلّم |
النحو إذ به الكتاب يُفهمُ |
|
ومثّلوا الحرامَ في المكاتب |
كالقدرية من المذاهب |
|
وانَّما زخرفة المساجد |
من بدعٍ مكروهةٍ للعابد |
|
ومثّلوا المندوب كاجتماع |
عند التراويح بلا نزاعِ(١) |
٥ - عز الدين بن عبد السلام : وقد بالغ في تقسيم (البدعة)، وسحب عليها الأحكام الشرعية الخمسة، وهو الذي قصده (الجاكمودي) في أبياته المتقدمة، فيقول في أواخر (القواعد):
«البدعة: خمسة أقسام، فالواجبة: كالاشتغال بالنحو الذي يُفهم به كلام اللّه ورسوله، لأنَّ حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى إلا بذلك، فيكون من مقدمة الواجب، وكذا شرح الغريب، وتدوين اُصول الفقه، والتوصل إلى تمييز الصحيح والسقيم، والمحرَّمة: ما رتبه مَن خالف السنة من القدرية، والمرجئة، والمشبهة، والمندوبة: كل إحسان لم يُعهد عينُه في العهد النبوي، كالاجتماع على التراويح، وبناء المدارس والربط، والكلام في التصوف المحمود، وعقد مجالس المناظرة، إن اُريد بذلكَ وجهُ اللّه، والمباحة: كالمصافحة عقب صلاة الصبح والعصر، والتوسع في المستلذات من أكل، وشرب، وملبس، ومسكن، وقد يكون ذلكَ مكروهاً، أو خلاف الأولى، واللّه أعلم»(٢) .
٦ - الغزالي : يقول في الاحياء بصدد الأكل على السفرة ما يستفاد منه تبنّيه للتقسيم المذكور: «وقيل: أربع اُحدثت بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الموائد، والمناحل، والأشنان، والشبع، واعلم انّا وان قلنا الاكل على السفرة أولى، فلسنا نقول الأكل على المائدة منهي عنه نهي كراهة أو تحريم، إذ لم يثبت فيه نهي.
ما يُقال أنه اُبدع بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فليس كل ما اُبدع منهياً عنه، بل المنهي
____________________
(١) محمد بن أبي بكر بارو، تنبيه المنتقد للاحتفالات بليلة المولد، ص: ٣١.
(٢) النووي، تهذيب الاسماء واللغات، ص: ٢٢ - ٢٣، وانظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ج: ١٣، ص: ٢٥٤.
عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته، بل الابداع، قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب»(١) .
٧ - الشيخ عبد الحق الدهولي : يقول في شرح المشكاة مصرحاً بالتقسيم: «اعلم انَّ كل ما ظهر بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بدعة، وكل ما وافق اصول سنته وقواعدها، أو قيس عليها فهو بدعة حسنة، وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة»(٢) .
من كتاب كشاف اصطلاحات الفنون.
انعكاسات القول بالتقسيم
إنَّ القول بتقسيم (البدعة) لو كان قد توقف عند هذا الحد الذي استعرضناه قبل قليل، لكان الأمر هيّناً ويسيراً، ولكنَّ بعض كتب اللغة التي يُفترض انَّها تتناول المعاني بشكل توقيفي لا اجتهاد فيه، وتستعرض اللغات بأمانة ودقّة متناهية. قد تأثرت بهذا التقسيم أيضاً، وحمَّلت مفهوم (البدعة) هذا المعنى الخاطئ في تسامحٍ خطير، وتبع هذهِ الكتب اللغوية بعض دوائر المعارف المشهورة أيضاً.
ومما ينبغي الالتفات إليه انَّ هذه الكتب لم تجعل تقسيم (البدعة) مختصاً بمعناها اللغوي، لكي يُلتمس لها العذر فيما قالت وادَّعت، وانما نصت على انَّ التقسيم من خواص (البدعة) في الاصطلاح الشرعي.
واليكَ أيها القارئ الكريم نماذج من ذلك:
١ - المصباح المنير : «وأبدعتُ الشيء وابتدعته: استخرجته وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة: (بدعة)، وهي اسم ممن (الابتداع)، وهم اسم من (الابتداع)، كالرفعة من الارتفاع، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة، لكن قد يكون بعضها غير مكروه
____________________
(١) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب آداب الاكل، الباب: الاول، ص: ٤ - ٥.
(٢) سعيد حوّى، الأساس في السنة وفقهها (العقائد الاسلامية)، ص ٣٦٠، عن الجزء الاول
فيسمى: بدعة مباحة، وهو مصلحة يندفع بها مفسدة، كاحتجاب الخليفة عن أخلاط الناس»(١) .
فمن الملاحظ هنا انَّ (المصباح المنير) بعد أن يستعرض المعنى اللغوي للبدعة، ينتقل الى بيان معناها الشرعي، فينص على انَّها يمكن أن تكون مباحة كذلك، ويمثل لها باحتجاب الخليفة عن أخلاط الناس، الذي لم يكن موجوداً في عصر التشريع الاول، وانما اُحدث بعد ذلك في الازمنة المتأخرة، ويُعدُّ ذلكَ بدعة مباحة.
٢ - تهذيب الاسماء واللغات : «(بدع): البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي منقسمة الى حسنة وقبيحة»(٢) .
٣ - النهاية (٣) : «وفي حديث عمررضياللهعنه في قيام رمضان: نعمت البدعة هذه، البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسولُهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو في حيِّز الذم والانكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه، وحضَّ عليه اللّه، أو رسولُه، فهو في حيِّز المدح، وما لم يكن له مثال موجود، كنوعٍ من الجود، والسخاء، وفعل المعروف، فهو من الأفعال المحمودة. ومن هذا النوع قول عمررضياللهعنه : نعمت البدعة هذه، لما كانت من أفعال الخير، وداخلة في حيِّز المدح سمّاها بدعةً، ومدحها، لأنَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يسنَّها لهم، وانما صلاها ليالي ثم تركها(٤) ، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وانما عمررضياللهعنه جمع الناس عليها، وندبهم اليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي على الحقيقة سنة، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، وقوله: (اقتدوا بالذين من بعدي ابي بكر و
____________________
(١) المصباح المنير الفيومي، المصباح المنير، ص: ٣٨.
(٢) النووي: تهذيب الاسماء واللغات، ج ١، ص ٢٢.
(٣) كتاب (النهاية) من الكتب التي تناولت غريب الحديث، وقد تناول المعاني اللغوية ضمناً.
(٤) قوله: وانما صلاها ليالي ثم تركها. لا يصح، لأنه لو فعلها مرة لكانت سنّة، وخرجت عن كونها بدعة، ولكان استدل بذلك من أمر بها. وسيأتي توضيح هذا المطلب فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
عمر)(١) .
وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر: (كل محدثة بدعة)، انَّما يريد ما خالف اُصول الشريعة، ولم يوافق السنة. واكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم»(٢) .
وقد أصبح تقسيم ابن الأثير ل(البدعة) في هذا الكلام الى: مذمومة وممدوحة، أساساً تناقلته كتب لغوية اُخرى، وجعلته أحد الآراء المعتبرة للمعنى الشرعي لها، من دون أن تتبناه.
ومن تلك الكتب (لسان العرب) لابن منظور، حيث نقل كلام ابن الاثير هذا بتمامه، ونسبه إليه من دون تعليق(٣) ، كما نقله بتمامه أيضاً صاحب (تاج العروس)، ونسبه إلى قائله(٤) ، ونقل بعضه أيضاً الطريحي في (مجمع البحرين)، ولم يصرّح باسم قائله(٥) .
ونحن لا نريد أن نسجل ملاحظة على هذه النقولات، وعلى هذا التسامح في طريقة عرض الآراء، بغثّها وسمينها، أكثر من أن نقول بأنَّ للانسان أن يركن الى هذهِ الكتب في مجال تخصصاتها اللغوية، باعتبار انَّها أسفار علمية معتبرة، وخصوصاً الكتب اللغوية المشهورة منها، ولا كلام لنا في ذلك، إلا انه من غير الصحيح أن ينساق المرء مع كل ما يُطرح في هذهِ الكتب، على مستوى تقرير المعاني الاصطلاحية للألفاظ، ويتلقاها من دون تثبُّت، وإمعان نظر، وذلك لما ثبت عن طريق التتبع والاستقراء، من عدم توفر الدقة الكافية في تحقيق هذهِ المعاني الاصطلاحية، والتي قد لا تضبط بشكل كامل ودقيق حتى من قبل أصحاب الفن أنفسهم، ومن جهة خروج هذا المطلب عن أصل التخصص
____________________
(١) سيأتي بطلان هذا النحو في الاستدلال، والمناقشة في حديث سنة الخلفاء الراشدين فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
(٢) ابن الاثير، النهاية، ج ١، ص: ١٠٦ - ١٠٧.
(٣) ابن منظور، لسان العرب، ج: ٨، ص: ٧٠٦.
(٤) محب الدين الحنفي، تاج العروس في جواهر القاموس: ج: ٥، ص: ٢٨٠.
(٥) الطريحي، مجمع البحرين، ج: ٤، ص: ٢٩٨ - ٢٩٩.
الذي يدور حوله البحث في مثل هذهِ المصنفات.
٤ - دائرة المعارف الإسلامية : «وهناك تصنيف دقيق يفرّق البدع على أحكام الفقه الخمسة، والبدع التي هي فرض كفاية على الجماعة الاسلامية: دراسة فقه اللغة العربية، توصلاً الى فهم القرآن. الخ، والأخذ بشهادة العدول أو رفضها، وتمييز الحديث الصحيح من غيره، وترتيب أحكام الفقه والرد على الزنادقة، ومذاهب الزنادقة المخالفة للسنة حرام. وإنشاء الرباطات والمدارس وأشباهها من البدع المندوبة. وتزيين المساجد، وتوشية المصاحف، من البدع المكروهة. ومن أمثلة البدع المباحة: الانفاق على المآكل والمشارب وغيرها»(١) .
٥ - دائرة معارف القرن العشرين : «البدعة: ما اختُرع على غير مثال سابق، وهي مؤنث بدع، وقد اُطلقت على الخصلة المحدثة في الدين، سواء أكانت حسنة أم سيئة، وقد كثر اطلاقها على المستحدثات السيئة في العقائد، والعوائد، والمعاملات»(٢) .
ومن الانعكاسات السلبية الاخرى للقول بتقسيم البدعة الى مذمومة وممدوحة، هو انَّ بعض علماء العامة أطلق لفظ (البدعة) على جملة من الأعمال الجائزة شرعاً، والمندرجة تحت الادلة العامة المقطوعة الصدور، وان لم تكن موجودة في العصر الأول للتشريع، كالاحتفال بيوم المولد النبوي مثلاً، فهو عمل مشروع ومندوب من وجهة نظر الكثير من علماء العامة، إلا انّا نجد انّ هؤلاء القائلين بمشروعية هذا العمل وجوازه، أبوا إلا ان يطلقوا عليه لفظ الابتداع وينعتوه بذلك، فقالوا بانَّ عمل المولد بدعة، إلا انها بدعة ممدوحة، وكأنَّ اللغة العربية، والتراكيب اللغوية المترامية فيها، قد ضاقت بسعتها عن انجاب لفظ آخر ينطبق على الامور الحادثة المشروعة.
وكان أن سبَّب اطلاقهم للفظ البدعة في مثل هذهِ الموارد التباساً عند الآخرين،
____________________
(١) دائرة المعارف الاسلامية: ج: ٣، ص: ٤٥٦.
(٢) محمد فريد وجدي: دائرة معارف القرن العشرين، ج: ٢، ص: ٧٧.
فظنوا انَّ هذا العمل غير مشروع باعتبار الارتكاز الحاصل في ذهنية المتشرعة عموماً على رفض هذا المفهوم، وانسباق صورة مقيتة عنه بسبب الاحاديث الكثيرة الواردة في شجبه وذمه، ويزداد الأمر تعقيداً والتباساً عندما تُقتطع الالفاظ عن تتماتها ومكملاتها، وتُعرض بصورة ناقصة بتراء، من باب الاختصار، أو التسامح، أو التمويه.
ولعلَّ هذا الاطلاق يهيئ مخرجاً سهلاً، لاولئكَ الذين اصرّوا على تحاشي الاصطدام مع مَن يرمي مثل هذا العمل بالابتداع، ويخرجه عن دائرة التشريع، باعتبار الاشتراك الموجود بين اللفظين.
فبدلاً من التصريح بجواز هذا العمل ومشروعيته، يُقال بأنَّ هذا العمل بدعة ممدوحة، في الوقت الذي يطلق الآخرون القول عنه بانَّه بدعة أيضاً وبصورة قاطعة، من دون شك أو ترديد.
وهناك نماذج كثيرة لاستخدام لفظ (البدعة) في مثل هذهِ الموارد، على الرغم من القول بجوازها، ومشروعيتها، فمن تلك الموارد:
ما قاله ابن حجر حول المولد النبوي: «عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحدٍ من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدَّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنَّب ضدها، كان بدعةً حسنة، والا فلا»(١) .
وقال الحلبي الشافعي حول نفس الموضوع أيضاً: «جرت عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وصفهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يقوموا تعظيماً له، وهذا القيام بدعة لا أصل لها، أي ولكن هي بدعة حسنة»(٢) .
____________________
(١) جعفر مرتضي العاملي، المواسم والمراسم، ص ٦٢، عن رسالة حسن المقصد المطبوعة مَعَ النعمة الكبرى على العالم/ ص: ٨٨، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / ص: ١١٤.
(٢) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص ٦٢. والمراد من وصفهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولادته.
بطلان القول بالتقسيم
وبعد هذه الجولة السريعة في مجمل الآراء التي تعرضت لتقسيم (البدعة) الى مذمومة وممدوحة، وملاحظة الخلفيات التي دعت الى القول بهذا التقسيم، من خلال صراحة النصوص المتقدمة، واعتمادها بشكل واضح على مقولة: «نعمت البدعة هذه»، ومَع هذا، فسواء أكان التقسيم مبنياً على هذا الاساس وصحَّ هذا الأمر، أم لم يكن مبنياً على ذلك. فسوف نذكر أدلتنا على بطلان القول بتقسيم البدعة الى مذمومة وممدوحة، أو الى الأحكام الخمسة التي ادُّعيت في بعض الكلمات.
ثم نتعرض بعد اتمام ذلك الى أقوال النافين للتقسيم من أعلام الفريقين.
وقبل أن نستعرض أدلة نفي التقسيم، يجدر بنا أن نشير الى انَّ القول بتقسيم (البدعة) يستند أساساً على الخلط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لهذا المفهوم.
فانّا لو كنّا مع مفهوم (البدعة) بمعناها المجرّد عن مراد الشريعة وقصدها، فانَّها تعني: الأمر المحدث الذي ليس له سابق مثال، وهذا المعنى يتحمل أن يكون مذموماً، وأن يكون ممدوحاً، لأنَّ هناك اُموراً كثيرة تحدث وتُبتدع بعد عصر التشريع، مما لم تنلها الاحكام، والادلة الخاصة، فتتصف بالمدح تارةً، وبالذم اُخرى، بل يمكن أن تتصف بالعناوين الشرعية الخمسة أيضاً.
ولكن بعدَ أن تضيَّقت دائرة دلالة هذا المفهوم، وأصبح شاملاً لخصوص الأمر المحدث الذي يُدخل في الدين من دون أن يكون له أصل شرعي فيه، فلا يمكن حينئذٍ ان نتصور له قسماً ممدوحاً بشكل مطلق.
وأما أدلة نفي التقسيم فهي:
الدليل الأول : هو انَّ الضرورة العقلية تقضي وتحكم بعدم امكانية طروّ وعروض التقسيم على مفهوم (البدعة)، فمن خلال خلال التدقيق في المعنى الاصطلاحي الوارد لتحديد مفهوم (البدعة) في النصوص الشرعية، نلاحظ انَّ هذا المفهوم غير قابل للتقسيم
بحد ذاته أصلاً، ولا يمكن أن يعتريه أيّ استثناء أو استدراك أساساً، إذ انَّ معنى (البدعة) في الاصطلاح الشرعي هو: «ادخال ما ليس من الدين فيه» كما تقدمت الاشارة اليه، وهذا يعني انَّ (البدعة) تشريع وضعي ينصب نفسه في مقابل التشريع الالهي المقدس، ويضاهي السنة الشريفة، ويتحدى تعاليم السماء، فهل يُعقل أن نتصور قسماً ممدوحاً لمثل هذا اللون من الادخال؟ وهل يمكن أن يتصف مثل هذا التشريع بالمدح والإطراء؟! أو أن يتصف بواحدٍ من الاحكام الشرعية الخمسة غير التحريم المطلق؟
إنَّ شأن الابتداع في المصطلح الشرعي شأن الكذب على اللّه ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أفهل يُعقل أن يكون هناك قسم ممدوح لهذا اللون من الكذب؟ وهل يقول أحد بانَّ هناك كذباً وافتراءاً على اللّه ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم يتصف بالمدح، أو الاباحة، أو حتى بالكراهة والعياذ باللّه؟!.
الدليل الثاني : إنَّ اللغة التي تحدثت بها النصوص الشرعية حول مفهوم (البدعة) تأبى التقسيم المذكور أيضاً، فقد مرَّ انَّ هذهِ النصوص المستفيضة جعلت (البدعة) ندّاً مقابلاً للسنة، وضدّاً لا يلتقي معها أبداً، وذمت المبتدع وأكالت له أنواع الذم، والتوبيخ والتقريع، وأوعدت بعذاب المبتدع بأقسى أنواع العقوبات الدنيوية، والاخروية، ودعت الى مقاطعته، وهجرانه، وأطلقت القول بعدم قبول توبته. فكيف يمكن مع كل هذا أن يكون هناك قسم ممدوح للابتداع؟ وكيف يمكن لهذا القسم أن يتخطى هذا الحجم الغفير من النصوص الصريحة، ويحيد عنها نحو اتجاه آخر، لا أثر له ولا دليل عليه؟.
الدليل الثالث : ورد في الحديث المتفق عليه بين الفريقين انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «. ألا وكل بدعة ضلالة، ألا وكل ضلالة في النار»(١) ، وورد بلفظ:
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، كتاب العلم، باب: ٣٢، ح: ١٢، ص: ٢٦٣.
«فانَّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة تسير الى النار»(١) .
فدلالة هذا الحديث على استيعاب جميع أنواع البدع بالذم والضلال، لا تحتاج منّا إلى مزيد بيان، ولا تقبل الجدل والانكار.
الدليل الرابع : إنَّ المورد الوحيد الذي تناولته النصوص الشرعية المتقدمة على اختلاف مضامينها، وتنوع مداليلها، هو المورد المذموم، الذي يُعد (البدعة) خصوص الأمر الحادث الذي يقابل الكتاب، والسنة، والتشريع الالهي المقطوع، وبهذا فقد تعرض هذا المورد إلى الذم والانتقاد الشديد، ولو كان هناك نحو من أنحاء الاستثناء في موارد معينة مفترضة، وحتى لو كانت تلك الموارد المستثناة موارد جزئية ومحدودة، لما كان بوسع الشريعة المقدسة أن تتجاهلها، وتغض النظر عنها بشكل من الاشكال، في الوقت الذي نترقب حصول مثل هذا الاستثناء من قبل الشريعة، فيما لو وُجد أمر من هذا القبيل، باعتبار انَّ لسان بيان التشريع يتحدث من موقع استيفاء جميع شؤون الاحكام والتعاليم.
فمفهوم (الكذب) مثلاً، وردت في شأنه نصوص صريحة وقاطعة، تناولته بالذم الشديد، حتى أصبح الايمان بقبحه من مسلمات الاعتقاد، وضروريات الدين، إلا انَّ الشريعة لم تتجاهل في نفس الوقت بعض الموارد التي يرتفع فيها موضوع الذم، ولا تسير في نفس الاتجاه الأصلي المذكور، وانما نرى انَّ هناك نصوصاً شرعية مماثلة في الصراحة، وقوة الدلالة على استثناء بعض أنواع الكذب من أصل التحريم، إذ قد يخرج من دائرة التحريم إلى دائرة الوجوب، فيما لو توقف عليه حفظ نفس مؤمنة من القتل والهلاك مثلاً.
ومفهوم (الغيبة) كذلك، يخضع لنفس التعامل الذي صدر من الشريعة بشأن الكذب، فهو مذموم ممقوت في نظر الشريعة، ويُعدّ من كبائر الذنوب، إلا انَّ هناك موارد ذكرتها النصوص الاسلامية تحت عنوان (جواز الاغتياب)، يتم الانتقال بموجبها من
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١١٣، ص: ٢٢١.
الحكم الاولي بالتحريم، إلى أحكام اُخرى كالجواز مثلاً، فيما لو كان المغتاب متجاهراً بالفسق، ومعلناً له.
وهكذا الأمر في الكثير من المفاهيم الاسلامية المذمومة الاخرى، حيث يرد الاستثناء صريحاً فيها، فتتحول بواسطة هذا الاستثناء من الحكم الاوّلي المحرَّم، إلى أحكامٍ ثانوية أخرى، كالاباحة، أو الندب، أو الوجوب، أو الكراهة، بحسب مقدار دائرة وحدود ذلك الاستثناء، ونوع القيود التي وضعتها الشريعة له.
وما دمنا نتفق على أنه لا يوجد أيّ لون من ألوان الاستثناء الشرعي الصريح في خصوص الادلة التي تناولت بأجمعها ذم الابتداع وانتقاده الشديد، وما دام لا يمكن لأي أحد أن يّدعي ذلك، وحتى اُولئك الذين يقولون بالتقسيم، إذ انَّهم لا يبنونه على النص الشرعي الصريح وانما على التنظير العقلي المحض، أو على استفادات بعيدة المنال من بعض النصوص الشرعية. فما دمنا نتفق على ذلك، فلا بد أن نتفق أيضاً على انّ مفهوم (البدعة) لا يمتلك إلا قسماً واحداً مذموماً، وإلا لو وجد له قسم آخر، لأعربت عنه الشريعة، ولما تجاهلته وأهملته، كما هو الشأن في جميع المفردات التشريعية الاخرى.
وربما يُعترض على ما قررناه من بيان بانَّ (البدعة) قد وردت مقيَّدة ب(الضلالة)، وهذا يعني وجود قسم آخر لها لا يتصف بالضلالة، فقد ورد في الحديث:
«انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لبلال بن الحارث: اعلم! قال: ما أعلم يا رسول اللّه؟، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اعلم يا بلال! قال: وما أعلم يا رسول اللّه؟، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنه مَن أحيى سنة من سنتي قد اُميتت بعدي، فانَّ له من الأجر مثل مَن عمل بها، من غير ان ينقص من أجورهم شيئاً، ومَن ابتدعَ بدعة ضلالة، لا تُرضي اللّه ورسوله، كان عليه مثل آثام مَن عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً»(١) .
فقيد (الضلالة) كما يدّعي هؤلاء المقسمون في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ومَن ابتدعَ بدعة
____________________
(١) الدارمي، سنن الدارمي، ج: ٥، كتاب العلم، باب: ١٦، ح: ٢٦٧٧، ص: ٤٤.
ضلالة»، يفيد في مفهومه انَّ هناكَ لوناً من البدع لا يتصف بالضلالة، وإلا فما هي فائدة ذكر القيد في الحديث؟
والجواب على ذلك انّا لو سلّمنا صحة هذا الحديث، فانَّ منطوق قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كل بدعة ضلالة» الدال على الاستيعاب والعموم بالأداة (كل) يعارض المفهوم المستفاد من «بدعة ضلالة» ويتقدم عليه، هذا أولاً.
وثانياً: انَّ مثل هذا المفهوم غير ثابت عند أهل التحقيق والنظر من علماء الفريقين، ولو سلمنا ثبوته فانه لا ينفعنا في المقام شيئاً، لانَّ الادلة الصريحة والمستفيضة قد دلَّت بصراحة وبالاطلاق على لزوم الضلالة ل(البدعة) من دون انفكاك، فيكون القيد في هذا الحديث، من قبيل القيد في قوله تعالى:
( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا الرّبا أَضعافاً مُّضاعَفَةً ) (١) .
كما قد يُعترض على ما تقرر من انَّ (البدعة) في الاصطلاح الشرعي لم تستعمل إلا مذمومة، ولم تطلق إلا على خصوص الحادث المذموم، بورود الاستثناء المستفاد من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث الشريف:
«عمل قليل في سُنّة، خير من عمل كثير في بدعة»(٢) .
فيدل الحديث كما يُدَّعى على المفاضلة بين قليل السنة وكثير (البدعة)، وهذا يعني انَّ لكثير البدعة نحواً من القبول والصحة، وإلا لما وقعت هذه المفاضلة المذكورة.
وفي الحقيقة انَّ مَن أدنى اطلاع على طبيعة الخطابات الشرعية، ومَن يمتلك ولو مقداراً يسيراً من التعامل والتماس مع النصوص الاسلامية، يدرك بأنَّ المقصود من الحديث هنا مجاراة الخصم ومسايرته، أي لو كان في البدعة خير، فقليل السنة خير من كثير البدعة، لا سيما إذا ضممنا إلى ذلك تلك النصوص الشرعية المصرِّحة بذم البدعة،
____________________
(١) آل عمران: ١٣٠.
(٢) كنز العمال، ج: ١، ح: ١٠٩٦، ص: ٢١٩.
وانتقادها بشكل مطلق، وإذا ما التفتنا إلى انَّ هذهِ الصيغة من الخطاب، أي الصيغة المذكورة في حديث: «قليل في سنة، خير من كثير في بدعة» جارية في جملة من النصوص الشرعية الاخرى، وفي المحاورات العرفية العامة.
الدليل الخامس: ثبت معنا انَّ كلمة (البدعة) في الاصطلاح الشرعي لم تُستعمل إلا مذمومةً، والروايات الواردة عن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام تصل في كثرتها إلى حد الاستفاضة في هذا النحو من الاستعمال، وهذهِ الاحاديث إما أن نكون قد استعرضناها سابقاً ضمن بحث (مواجهة الابتداع)، وإما سوف نتعرض لها تحت عنوان (البدعة في النصوص الاسلامية)، أو بين طيات البحث، والمهم في الأمر انَّ الاستقراء والتتبع لهذه الاحاديث، يوقفنا على النتيجة على التي انتهينا اليها، وهي انَّ (البدعة) لم تستعمل في اصطلاح الشارع إلا مذمومة.
ويمكن أن يضاف إلى هذا المقدار من الاستعمال، قرائن ظنية قوية، مستفادة من تتبع واستقراء استعمالات المتشرعة الذين رافقوا الزمن الأول للتشريع، ومَن بعدهم بقليل، والوصول من خلال ذلك إلى عين النتيجة السابقة، وهي انَّ المتشرعة لم يستعملوا البدعة إلا مذمومة أيضاً، فنحن نرى من خلال استعراض استعمالات هذهِ الطبقة التي كانت تتلقى المفاهيم الاسلامية من قرب، انَّ تطبيق هذا المفهوم لم يكن يتجاوز الحادث المذموم بشكل عام، وأما قصة التقسيم فهي قضية حدثت في فترة متأخرة عن بدايات عصر التشريع، وكانت لها خلفياتها ودواعيها الخاصة، ومنطلقاتها التي قد نكون ألمحنا للبعض منها فيما مضى من دراستنا هذه.
والآن نحاول أن نستعرض بعض التطبيقات التي قد استُعملت (البدعة) فيها مذمومةً، مع اعتقادنا بانَّ الاستعمال بحدِّ ذاته لا يكشف ذاتياً عن حقيقة الوضع الشرعي لهذا المفهوم في معناه الحقيقي، الا اننا حين نضم إلى ذلك الاستعمال الواردة على لسان صاحب الشريعةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، والتي لم تخرج عن هذا الاطار،
وباعتبار انهم عليهم في مقام بيان كل تفاصيل التشريع، ومن جهة النظر إلى الادلة المتقدمة التي قضت ببطلان التقسيم المزعوم. فبالنظر لكل هذا وذاك، تشكّل هذهِ الاستعمالات بمجموعها قرينة مؤثرة في الحسابات العلمية، وتؤيد بطلان القول بالتقسيم.
ونود أن نذكّر أنّا لسنا بصدد تقويم هذهِ النصوص المعروضة، أو بيان صحة أو عدم صحة مواردها واستعمالاتها، أو مناقشة مؤدياتها، وانما نحن بصدد الاستشهاد بنحو استعمال لفظ (البدعة) الوارد فيها، ومن خلال النظر إلى هذه الزاوية ليس غير.
وأمّا الكلام في معنى الحادث المذموم، وفي حقيقة التطبيق وحدوده، فهذا ما سوف نعالجه في موضعه الخاص من هذه الدراسة باذن اللّه تعالى.
وسوف نذكر ما يتيسر مما ورد في استعمال لفظ (البدعة) مذمومةً ضمن مرحليتن:
المرحلة الاولى: ما ورد من ذلك على ألسنة الصحابة وبالأخص بعد وفاة الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والمرحلة الثانية: ما ورد من ذلك على ألسنة مَن يلي اولئك بقليل.
استعمالات (البدعة) في الحادث المذموم
*«ورد انَّ رجلاً قد أخبر عبد اللّه بن مسعود بأنَّ قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبّروا اللّه كذا وكذا، وسبّحوا اللّه كذا وكذا، واحمدوا اللّه كذا وكذا، فقال عبد اللّه بن مسعود للرجل: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم الرجل فجلس، فلما سمع ما يقولون، قام فأتى ابن مسعود، فأخبره، فجاءَ ابن مسعود، وكان رجلاً حديداً، فقال: انا عبد اللّه بن مسعود، واللّه الذي لا اله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً، ولقد فضلتم أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم علماً، فقال عمرو بن عتبة: استغفر اللّه، فقال عبد اللّه: عليكم الطريق فالزموه، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلنَّ ضلالاً
بعيداً»(١) .
فبغض النظر عن طبيعة الاسلوب الذي عالج به عبد اللّه بن مسعود هذهِ الحادثة التي لم يكن لها سابق مثال في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه، نجد أنه قد استعمل لفظ (البدعة) في مورد الذم، وعدَّ انحراف الانسان عن طريق الحق نحو اليمين أو الشمال بدعةً وضلالاً بعيداً، والظاهر من الحديث انَّ هذا المعنى ل(البدعة) هو المرتكز في أذهان القوم آنذاك.
*روي عن ابن مسعود أيضاً أنه قال: «اتبعوا آثارنا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم»(٢) .
*وروي ايضاً عن ابن مسعود أنه قال: «انَّ للّه عند كل بدعة كيد بها الاسلام ولياً من أوليائه، يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلكَ المواطن، وتوكلوا على اللّه.»(٣) .
فاستعمال لفظ (البدعة) مذمومةً واضح في الحديث، حيث عدَّ (البدعة) مما يُكاد به الاسلام، وانَّ لِلّه تعالى في كل زمن ولياً، يدافع عن الاسلام، ويذب هذهِ المحدثات عنه، ولعلَّ كلام ابن مسعود هذا مستفاد من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إنَّ للّه عند كل بدعة تكون بعدي يُكاد بها الايمان ولياً من أهل بيتي موكلاً به، يذب عنه، ينطق بالهامٍ من اللّه، ويعلن الحق، وينوره، ويرد كيد الكائدين، ويعبّر عن الضعفاء، فاعتبروا يا اولي الابصار، وتوكلوا على اللّه»(٤) .
وسوف نعود إلى هذا الحديث مرة أخرى، عندما نصل إلى البحث عن دور أهل البيتعليهمالسلام في مواجهة ظاهرة الابتداع، إن شاء اللّه تعالى.
____________________
(١) ابن الجوزي، تلبيس ابليس، تحقيق د. الجميلي ص: ٢٥.
(٢) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، تصحيح وتعليق محمد أحمد دهمان، ص: ١٠.
(٣) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، كتاب العلم، باب: ٣٤، ح: ٧٩، ص: ٣١٥.
*عن عبد اللّه بن الحلبي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام انهما قالا:
«حجَّ عمر أول سنة حجَّ وهو خليفة، فحج تلك السنة المهاجرون والانصار، وكان عليعليهالسلام قد حجَّ تلكَ السنة بالحسن والحسينعليهماالسلام وبعبد اللّه بن جعفر، قال: فلما أحرم عبد اللّه، لبس إزاراً ورداءً ممشقين مصبوغين بطين المشق، ثم أتى، فنظر إليه عمر وهو يلبي، وعليه الازار والرداء، وهو يسير إلى جنب عليعليهالسلام ، فقال عمر من خلفهم: ما هذه البدعةُ التي في الحرم؟
فالتفت إليه عليعليهالسلام فقال له: يا عمر، لا ينبغي لأحدٍ أن يعلّمنا السنة، فقال عمر: صدقتَ يا أبا الحسن، لا واللّه ما علمتُ أنكم هم»(١) .
فنرى في هذا الحديث انَّ عمر يستعمل لفظ (البدعة) في مورد الذم بنظره إلا انَّ أمير المؤمنينعليهالسلام يبيِّن له انَّ هذا العمل ليس ببدعة كما يتصور، وانما هو من صميم السنة، فيعتذر لأجل ذلك، وينسحب عمّا تفوه به من كلام.
*روى (البخاري) عن مجاهد أنه قال: «دخلتُ أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد اللّه بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا اُناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة»(٢) .
وقال في (فتح الباري) بصدد عدد الأقوال الواردة في (صلاة الضحى)، وهي ستة: «السادس: انَّها بدعة، صحَّ ذلك من رواية عروة عن ابن عمر، وسئُل أنس عن صلاة الضحى، فقال: (الصلوات خمس)، وعن أبي بكرة انَّه رأى ناساً يصلّون الضحى فقال: ما صلاها رسول اللّه، ولا عامة أصحابه»(٣) .
وهذا يدل انَّ الاستعمال كان في مورد الذم، وانه في خصوص الامر الذي يُدخل
____________________
(١) تفسير العياشي، ج: ٢، ص: ٣٨.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، كتاب الحج، باب: العمرة، ح: ٤، ص: ١٩٨ - ١٩٩.
(٣) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: ٣، ص: ٥٥.
إلى الدين من دون ان يستند إلى أصل شرعي، من خلال اطلاق لفظ (البدعة) في كلام عبد اللّه بن عمر.
*قال (الشاطبي) في (الاعتصام): «وخرَّج ابو داود وغيره عن معاذ بن جبلرضياللهعنه انه قال يوماً: إنَّ من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأتَ القرآن؟ ما هم يمتبعيَّ حتى ابتدع لهم غيره، وإيّاكم وما ابتُدع فانَّ ما ابتُدع ضلالة»(١) .
فاستعملت (البدعة) هنا أيضاً مذمومة، واُطلق القول بأنَّ كلَّ ما ابتُدع واُحدث فهو ضلالة.
*نقل ابن وضاح عن حذيفة: «انه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد اللّه ما نرى بينهما من النور إلا قليلاً، قال: والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق إلا بقدر ما بين هذين الحجرين من النور، واللّه لتفشونَّ البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تُركت السنّة»(٢) .
*وخرَّج ابن وضّاح عن ابن عباس أنه قال: «ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا سنّة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن»(٣) .
وعنه أيضاً أنه قال: «عليكم بالاستفاضة والأثر، وإيّاكم والبدع»(٤) .
ولسان المقولتين واضح في ذم البدع، وعدّها في مقابل السنة، والتحذير منها، وهذا يعني انها استعملت في كلام ابن عباس في مورد الذم أيضاً.
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٨٢.
(٢) ابن وضّاج القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٥٨.
(٣) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٣٩.
(٤) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٨١.
*قال الكاندهلوي في (حياة الصحابة): «أخرج الطبراني عن عمرو بن زرارة قال: وقف عليَّ عبد اللّه - يعني ابن مسعودرضياللهعنه - وأنا أقص، فقال: يا عمرو! لقد ابتدعتَ بدعة ضلالة، أو انكَ لأهدى من محمدٍصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه؟
ولقد رأيتهم تفرقوا عني، حتى رأيت مكاني ما فيه أحد»(١) .
والكلام في قول ابن مسعود: «لقد ابتدعتَ بدعة ضلالة» كالكلام في قول النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ومَن ابتدع بدعة ضلالة»(٢) ، وقد تقدم انَّ هذا القيد لا يدل على المفهوم، ولا يُخرج (البدعة) عن أصل وضعها لخصوص الموارد الحادثة المذمومة.
*روي أنَّه لمّا عاقبَ عليعليهالسلام المغالينَ الذين ادّعوا الوهيّتهُ، وأنكروا نبوة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بأن قتلهم بالدخان، قدم عليه يهودي من أهل يثرب، قد اُقرَّ له في يثرب من اليهود انَّه أعلمهم، وكان معه عدة من قومه وأهل بيته، فبادر علياًعليهالسلام بالقول:
«يابنَ أبي طالب ما هذهِ البدعةُ التي أحدثتَ في دين محمّد؟ فقالعليهالسلام : وأيةُ بدعةٍ؟ فقال اليهودي: زعم قوم من أهل الحجاز أنكَ عهدتَ إلى قومٍ شهدوا أن لا اله إلا اللّه، ولم يقرّوا أنَّ محمداً رسوله، فقتلتهم بالدخان، فقالَ أمير المؤمنينعليهالسلام : فنشدتُك بالتسع الآيات التي اُنزلت على موسى بطور سيناء، وبحق الكنائس الخمس القدس، وبحق السمت الديان، هل تعلم أنَّ يوشع بن نون اُتي بقومٍ بعد وفاة موسىعليهالسلام شهدوا أن لا الهَ إلا اللّه، ولم يقرّوا أنَّ موسىعليهالسلام رسول اللّه، فقتلهم بمثل هذهِ القتلة؟ فقال اليهودي: نعم. إلى آخر الحديث»(٣) .
فمن الواضح أيضاً من خلال هذهِ الواقعة انَّ المرتكز في أذهان هؤلاء المحاججين
____________________
(١) الكاندهلوي، حياة الصحابة، ج: ٤، ص: ٧٧.
(٢) الدارمي، سنن الدارمي، ج: ٥، كتاب العلم، باب: ١٦، ح: ٢٦٧٧، ص: ٤٤.
(٣) محمّد بن يعقوب الكليني، الفروع من الكافي، ج: ٤، كتاب الصيام، باب: النوادر، ح: ٧، ص: ١٨١.
عن (البدعة) هو أنَّها لا ترد إلا مذمومة، ولا تستعمل إلا في هذا المجال، ولذا نراهم يوجهون النقد إلى أمير المؤمنينعليهالسلام من خلال وصف عمله بالابتداع بادئ بذي بدء، إلا انَّهم يتراجعون عن ذلك، بعد أن يبيِّن لهم عليعليهالسلام دوافع هذا الاجراء، وبعد أن يعلموا أنَّ عملهعليهالسلام انما كان نابعاً من صميم التشريع، ومتخذاً من أجل صيانته والذب عنه.
*ذكر ابن وضاح عن أبي حفص المدني انَّه قال: «اجتمع الناس في يوم عرفة في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يدعونَ بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر، فقال: أيُّها الناس، انَّ الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة، إنّا أدركنا الناس ولا يصنعونَ مثلَ هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية، ففعل مثلها، ثم رجع»(١) .
فعلى الرغم من انَّ فهم (نافع) لمفهوم (البدعة) كان فهماً مغلوطاً إلا انَّ الذي يخصّنا ذكره في المقام هو انَّ لفظ (البدعة) قد استعمل في مورد الذم المقابل للسنة، وطُبق على هذا المورد بالخصوص في نظر القائل.
*جاءَ في مدخل (ابن الحاج): «انَّ مروان لمّا أحدثَ المنبر في صلاة العيد عند المصلّى، قام إليه أبو سعيد الخدري، فقال: يا مروان ما هذهِ البدعةُ؟ فقال: انَّها ليست ببدعة، هي خير مما تعلم، انَّ الناس قد كثروا فأردتُ أن يبلغهم الصوت، فقالَ أبو سعيد: واللّهِ لا تأتون بخير مما أعلم أبداً، واللّه لا صليت وراءَك اليوم.
فانصرف ولم يصلِّ معه صلاة العيد»(٢) .
وعلى الرغم أيضاً من انَّ معالجة أبي سعيد الخدري لهذا الموقف المحدث لم تكن مبنيةً على أساس فهم صحيح لمفهوم (البدعة)، وبقطع النظر عن طبيعة المواقف الصادرة من طرفي هذهِ الواقعة، نجد أنَّ (البدعة) قد استُعملت مذمومةً أيضاً، وقد فهم الطرف المقابل خصوص هذا المعنى من استعمالها تبادراً.
____________________
(١) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤٦.
(٢) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٨٦.
*وجاءَ في (المدخل) أيضاً: «قال أبو معمَّر رأيتُ يساراً أبا الحكم يستاكُ على باب المسجد، وقاصاً يقص في المسجد، فقلتُ له: يا أبا الحكم! الناس ينظرونَ اليكَ، فقال: الذي أنا فيه خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة»(١) .
فُاطلقت (البدعة) فيما يُقابل السنة في نظر القائل.
*وجاءَ في (فتح الباري): «وقد أخرج أحمد بسند جيِّد عن غضيف بن الحارث قال: بعثَ إلىَّ عبد الملك بن مروان فقال: إنَّا جمعنا الناسَ على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى القصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما انهما أمثل بدعكم عندي، ولستُ بمجيبكم إلى شيءٍ منهما، لانَّ النبي قال: (ما أحدث قوم بدعة إلا رُفع من السنة مثلها، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة)«(٢) .
فالاستشهاد بالحديث النبوي، وسياق المحاورة واضح في اطلاق لفظ (البدعة) في مورد الذم من وجهة نظر المتكلِّم.
*روي عن الحسن البصري انَّه قال: «انَّ أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مَعَ أهل الترف في اترافهم، ولا مَعَ أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم، حتى لقوا ربَّهم، فكذلكَ فكونوا»(٣) .
ونُقل عنه أنه قال: «صاحبُ البدعة لا يزداد اجتهاداً، وصياماً، وصلاةً، إلا ازدادَ من اللّه بُعداً»(٤) .
وقال أيضاً: «لا تجالس صاحب بدعة، فانَّه يمرض قلبَكَ»(٥) .
*وخرَّج ابن وهب عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: «لئن أرى في المسجد ناراً
____________________
(١) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص ٢٨٦.
(٢) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: ١٣، ص: ٢٥٤.
(٣) محمد جميل زينو، منهاج الفرقة الناجية، ص: ١١٠.
(٤) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٢٧.
(٥) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤٧.
لا أستطيع إطفاءَها، أحبُّ اليَّ من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها»(١) .
*وروي عن أيوب السختياني انه قال: «ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً، إلا ازدادَ من اللّهِ بُعداً»(٢) .
*وروي عن أبي قلابة انَّه قال: «ما ابتدع رجل بدعة، إلا استحلَّ السيف»(٣) .
*وروي عن يحيى بن أبي كثير انه قال: «إذا لقيتَ صاحبَ بدعةٍ في طريقٍ، فخُذ في طريق آخر»(٤) .
*وروي عن يحيى بن أبي عمر الشيباني انَّه قال: «كانَ يقال: يأبى اللّه لصاحب بدعةٍ بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى شرٍّ منها»(٥) .
*وروي عن مالك أنَّه كثيراً ما كان ينشد:
وخيرُ اُمور الدين ما كان سنةً |
وشرُّ الامورِ المحدثات البدائعُ(٦) |
*وروي عن عبد اللّه بن المبارك قوله: «فالى اللّهِ نشكو وحشتَنا، وذهابَ الاخوان، وقلهَ الاعوان، وظهور البدع.»(٧) .
*ورويَ عن عمر بن عبد العزيز أنه لما بايعه الناس، صَعَد المنبر فقال: «.ألا واني لستُ بمبتدع، ولكنّي متّبع.»(٨) .
وكتب إلى عاملٍ له: «.واعلم أنَّ الناس لم يحدثوا بدعة، إلا وقد مضى قبلها ما
____________________
(١) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٣٦.
(٢) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٢٧.
(٣) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٨٣.
(٣) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤٨.
(٥) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٨٥.
(٦) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٨٥.
(٧) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٣٩.
(٨) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٨٦.
هو دليل عليها، وعبرة فيها»(١) .
*وقال عروة بن اُذينة عن اُذينة يرثيه:
ففي كل يوم كنتَ تهدمُ بدعةً |
وتبني لنا من سنةٍ ما تهدما(٢) |
*وروي عن الفضل بن عياض انَّه قال: «مَن جلسَ مَعَ صاحب بدعة، لم يُعطَ الحكمة»(٣) .
*وقال يحيى بن معاذ الرازي: «اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة اصول، فلكل واحدٍ منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده،: التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدُّها البدعة، والطاعة وضدها المعصية»(٤) .
*وروي أنه قيل لأبي علي الحسن بن علي الجوجزاني: «كيف الطريق إلى السنة؟ فقال: مجانبة البدع.»(٥) .
*وقال أبو بكر الترمذي: «لم يجد أحد تمام الهمة بأوصافها، إلا أهل المحبة، وانما أخذوا ذلك باتباع السنة، ومجانبة البدعة.»(٦) .
*وقال أبو بكر بن سعدان: «الاعتصام باللّه هو الامتناع من الغفلة، والمعاصي، والبدع، والضلالات»(٧) .
*وروي أنه سُئل حمدون القصّار: «متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: إذا تعيَّن عليه أداء فرض من فرائض اللّه في علمه، أو خاف هلاكَ انسانٍ في بدعةٍ
____________________
(١) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٣٠.
(٢) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٨٧.
(٣) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٠.
(٤) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٢.
(٥) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٢.
(٦) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٢.
(٧) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتطام، ج: ١، ص: ٩٣.
يرجو أن ينجيه اللّه منها»(١) .
*وروي عن أبي عثمان الجبري انَّه قال: «مَن أمَّرَ السنةَ على نفسه قولاً وفعلاً نطقَ بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة»(٢) .
*وروي انَّه سُئل ابراهيم الخواص عن العافية، فقال: «العافية: أربعة أشياء: دين بلا بدعة. الخ»(٣) .
*وروي عن أبي محمد عبد اللّه بن منازل أنه قال: «لم يضيع أحد فريضة من الفرائض، إلا ابتلاه اللّهُ بتضييع السنن، ولم يُبتلَ بتضييع السنن أحد، إلا يوشك أن يُبتلى بالبدع»(٤) .
*وقال بندار بن الحسين: «صحبةَ أهل البدع تورث الاعراضَ عن الحق»(٥) .
ففي كل هذهِ المقولات المتقدمة، نلاحظ انَّ لفظ (البدعة) قد استُعمل في موارد الذم بشكل واضح وصريح، وتشير السياقات اللفظية في كل الموارد المتقدمة الى انَّ الارتكاز الحاصل في ذهنية المسلمين حول هذا المفهوم ينحصر بالطابع المقيت والمذموم له، وانها لم تُستعمل في محاورات المتشرعة الا مذمومةً، وانَّهم انَّما تلقّوا هذا المعنى من الشريعة، وتعاملوا معه على هذا الأساس، ولم يحتملوا أنَّ (البدعة) في الاصطلاح الشرعي يمكن أن تطبَّق على الحادث الممدوح.
*وروي عن يونس بن عبد الرحمن أنه قال:
«مات أبو إبراهيم الكاظمعليهالسلام ، وليسَ من قوّامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكانَ ذلك سبب وقفهم، وجحدهم لموته، طمعاً في الأموال. كان عند زياد بن مروان
___________________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٥.
(٢) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٦.
(٣) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٧.
(٤) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٧.
(٥) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٩٨.
القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلما رأيتُ ذلكَ وتبينتُ الحقَّ، وعرفتُ من أمر أبي الحسن الرضاعليهالسلام ما علمتُ، تكلمتُ، ودعوتُ الناسَ إليه، فبعثا إليَّ وقالا لي: كُفَّ، فأبيتُ، وقلتُ لهما: إنّا روينا عن الصادقينعليهماالسلام انَّهما قالا: إذا ظهرت البدع، فعلى العالمِ أن يُظهر علمه، فان لم يفعل سُلب نورَ الايمان، وما كنتُ لأدعَ الجهاد في أمرِ اللّه على كلِّ حال فناصباني، وأضمرا لي العداوة»(١) .
فالملاحظ هنا أيضاً أن يونس بن عبد الرحمن قد طبَّق لفظ (البدعة) على الأمر المذموم في نظر الشريعة المقدسة.
مَعَ النافينَ للتقسيم
وبما انَّ التقسيم المزعوم ل(البدعة) لا يمتلك أياً من المرتكزات الشرعية أو العقلية التي تبرره بشكل مطلق، بل ولكونه يصطدم بشكل مباشر مع حكم العقل، ونصوص الشرع كما أسلفنا ذلك في البحث السابق. فقد التفت مجموعة من علماء العامة إلى هذا الأمر، وأبطلوا القول بالتقسيم بشكل صريح.
ولكنَّ هؤلاء ظلّوا يعيشون في نفس الوقت هاجس (التراويح)، وتحيّروا في تبرير اطلاق لفظ (البدعة) عليها في مقولة: «نعمت البدعةُ هذه»، إذ لا بدَّ أن يكون المراد منها أحد أمرين: إمّا المعنى الاصطلاحي، وإمّا المعنى اللغوي، فان كانَ المراد منها هو المعنى الاصطلاحي، فهو غير قابل للانطباق إلا في خصوص الموارد المذمومة، بنص كلام النافين للتقسيم، وهذا يعني كون (التراويح) بدعة لا أصل لها في الدين، وإما أن يكون المقصود منها هو المعنى اللغوي الذي يعني الأمر الحادث لا على مثال سابق، على ما أجمع عليه اللغويون، وهذا ينتهي بهم أيضاً إلى كون (التراويح) بدعةً لا أصل لها في
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٤٨، باب: ١٠، ح: ١، ص: ٢٥٢.
الدين أيضاً، إذ إنَّ من أجلى قيود (البدعة) وشروطها بالاتفاق، هو عدم وجود أصل شرعي للعمل في الدين.
هذا الأمر يطرح نفسه بالحاح أمام النافين للتقسيم، فماذا يا تُرى أنهم يجيبون عليه؟ وما هو التبرير الذي بوسعهم أن يقدموه في هذا المجال؟
هذا ما ستقف عليه أيها القارئ الكريم، بعد أن تطالع معنا هذهِ الطائفة التي انتخبناها لكَ من بين أقوال النافين للتقسيم.
١ - الحافظ ابن رجب الحنبلي : يقول في ابطال القول بتقسيم البدعة إلى ممدوحة ومذمومة: «والمراد بالبدعة: ما اُحدثَ مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كانَ له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعةٍ شرعاً، وان كانَ بدعةً لغةً»(١) .
ويضيف الى ذلك القول: «فقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم (كل بدعة ضلالة)، من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من اُصول الدين، وهو شبيه بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردّ)، فكل مَن أحدثَ شيئاً، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء من ذلكَ مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة»(٢) .
٢ - ابن حجر العسقلاني : يقول في (فتح الباري) موضحاً معنى (المحدَثة في الدين)، «المحدَثات بفتح الدال، جمع محدَثة، والمراد بها ما اُحدث وليسَ له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع (بدعة)، وما كانَ له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فانَّ كلَّ شيء اُحدث على غير مثال يُسمّى بدعة، سواء كانَ محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المحدثة، وفي الأمر
____________________
(١) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها، ص: ٣٦١، عن جوامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ص: ٢٣٣.
(٢) صالح الفوزان، البدعة: تعريفها - أنوعها - أحكامها، ص: ٨.
المحدَث الذي وردَ في حديث عائشة: «ما أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو رد»(١) .
٣ - أبو اسحاق الشاطبي : وهو يفصّل القول بابطال تقسيم البدعة إلى ممدوحة ومذمومة في الاصطلاح الشرعي، ويقصرها على خصوص مورد الذم من خلال أدلة وحجج كثيرة، فيقول بشأن النصوص الشرعية التي تناولت مفهوم (البدعة) بالذم والتقريع: «انَّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها، لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأتِ فيها مما يقتضي أنَّ منها ما هو هدى، ولا جاءَ فيها: كل بدعةٍ ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيءَ من هذهِ المعاني، فلو كانَ هناكَ محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أَنّها لاحقة بالمشروعات، لذُكر ذلكَ في آيةٍ أو حديث، لكنَّه لا يوجد، فدلَّ على أنَّ تلكَ الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية، التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد. إنَّ معتقَّل البدعة يقتضي ذلكَ بنفسه، لأنَّه من باب مضادة الشارع، واطّراح الشرع، وكل ما كانَ بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسنٍ وقبيح، وأن يكون منه ما يمدحُ ما يُذم»(٢) .
ويقول منتقداً الرأي القائل بتقسيم (البدعة) إلى أحكام الشريعة الخمسة:
«إنَّ هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع، لأنَّ من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كانَ هناك ما يدل من الشرع على وجوب، أو ندبٍ، أو إباحة، لما كانَ ثَمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخيَّر فيها، فالجمع بينَ تلكَ الأشياء بدعاً، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها، جمع بينَ متنافيين»(٣) .
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: ٤، ص: ٢٥٢.
(٢) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ١٤١.
(٣) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ١٩١ - ١٩٢.
٤ - الشيخ محمد بخيت : يقول في رسالته عن (البدعة): «انَّ البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، وأمّا البدعة التي قسَّمها العلماء إلى واجبٍ وحرام. الخ، فهي البدعة اللغوية، وهي أعم من الشرعية، لأنَّ الشرعية قسم منها»(١) .
٥ - الدكتور دراز : يقول ما مضمونه: «صارت كلمة البدعة في الاستعمال الشرعي إلى معنىً أخص من معناها في الاستعمال اللغوي، فلا تتناول على حقيقتها الشرعية في الصدر الأول إلا ما هو باطل، وهو تلكَ الطرائق المخترعة التي ليس لها مستند من كتابٍ أو سنة أو ما استنبط منها»(٢) .
٦ - محمد جميل زينو : يقول في (العقيدة الاسلامية): «ليس في الدين بدعة حسنة والدليل قوله تعالى:( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً ) (٣) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ايّاكم ومحدثات الامور، فانَّ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) (صحيح رواه النسائي وغيره)»(٤) .
وقد نصَّ أكثر علماء الامامية على بطلان تقسيم (البدعة)، وأثبتوا عدم صحة هذا التقسيم المبني أساساً على مقولة (نعمت البدعة هذه)، وانَّ الصحيح هو انَّ (البدعة) لا تُطلق في مصطلح الشريعة إلا مذمومةً.
يقول (الشهيد الأولقدسسره ) في قواعده:
«محدثات الامور بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تنقسم أقساماً، لا تطلق اسم البدعة عندنا إلا على ما هو محرَّم منها»(٥) .
____________________
(١) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها، ص: ٣٦١.
(٢) سعيد حوّى، الاساس في السنة وفقهها، ص: ٣٦٢.
(٣) المائدة: ٣.
(٤) محمد بن جميل زينو، العقيدة الاسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة، ص: ٩٤.
(٥) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٧١، ص: ٢٠٣.
ويقول العلامة (محمد باقر المجلسيرحمهالله ) في توضيح قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كل بدعة ضلالة»:
«يدل على أنَّ قسمة بعض أصحابنا البدعة إلى أقسام خمسة تبعاً للعامة باطل، فانّها انَّما تُطلق في الشرع على قولٍ أو فعل أو رأي قُرر في الدين، ولم يرد فيه من الشارع شيء، لا خصوصاً ولا عموماً، ومثل هذا لا يكون إلا حراماً، أو افتراءاً على اللّه ورسوله»(١) .
ويقول الشيخ (عباس القميرحمهالله ) في (سفينة البحار):
«إذ لا تُطلق البدعة إلا على ما كان محرَّماً كما قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار»(٢) .
ويقول العلامة المحقق السيّد (جعفر مرتضى العاملي):
«انَّ ما ذُكر من تقسيم البدعة إلى حسنة ومذمومة، ومن كونها تنقسم إلى الأحكام الخمسة، ثمَّ الاستشهاد بقول عمر بن الخطّاب عن صلاة التراويح: نعمت البدعة هي. إنَّ ذلكَ كلَّه ليسَ في محلِّه، ولا يستند إلى أساسٍ صحيح، وذلكَ لأنَّ البدعة الشرعية هي: إدخال ما ليسَ من الدين في الدين، استناداً إلى ما روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (من أحدثَ في أمرنا ما ليسَ منه فهو ردُ)، لأنَّ قوله: (في أمرنا) معناه: اُدخل في تشريعاتنا الدينية ما ليس منها.
بل لقد قال السيد الأمين عن البدعة: (ولا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص، لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام اللّه تعالى، ولا التنقيص منها، ولاختصاص ذلكَ به تعالى، وبأنبيائه الذينَ لا يصدرون إلا عن أمره).
فالبدعة في الشرع، وبعنوان التشريع لا تقبل القسمة المذكورة، بل هي من غير
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج: ١، ص: ١٩٣.
(٢) عباس القمي، سفينة البحار، ج: ١، ص: ٦٣.
صاحب الشرع قبيحة مطلقاً، وأما الابتكار والابتداع في العادات والتقاليد، واُمور المعاش والحياد، فهو الذي يقبل القسمة إلى الحسن والقبيح، ويكون موضوعاً للأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهة، والاباحة»(١) .
ويقول العلامة المحقق الشيخ (جعفر السبحاني):
«وأمّا البدعة بمعنى إدخال ما ليسَ من الدين في الدين، فهو قبيح مطلقاً لا ينقسم، وليس له إلا قسم واحد، وهو أنَّه قبيح محرّم على الاطلاق»(٢) .
استدراك خائب!
بعدَ أن انكشف للكثيرين من علماء العامة بطلان القول بتقسيم (البدعة) على نحو القطع واليقين، وانحصار حقيقتها الشرعية في خصوص مورد الذم والحرمة، حاولوا أن يبرروا اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح) في مقولة: «نعمت البدعة هذه» من غير المنطلق الذي استند إليه القائلون بالتقسيم، ويعالجوها من زاوية جديدة تنسجم مَعَ القول بنفي التقسيم.
فالقائلون بتقسيم (البدعة) إلى مذمومة وممدوحة، لم يكونوا ليعانوا أمراً من مسألة الاستعمال هنا، لانهم يقولون ببساطة استناداً إلى التقسيم المتقدم، بأنَّ المراد من (البدعة) في هذا الحديث هو البدعة الممدوحة، وقد تقدم معنا أنَّ مصدر القول بالتقسيم إنما بُني أساساً على هذا الحديث نفسه، فالحديث إذن يحمل بين طياته حجية القول بالتقسيم، ويتضمن مشروعية اطلاق لفظ (البدعة) على ما لم يكن مذموماً، ثم يُتَّخذ القول بالتقسيم الذي يُدَّعى استفادته من هذا الحديث ذريعةً لصحة استعمال (البدعة) في غير مورد الذم، وبعبارة اُخرى أنَّ تقسيم (البدعة) قد بُني على طبيعة الاستعمال
____________________
(١) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٦٣ - ٦٤.
(٢) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٤، ص: ٩٢.
المذكور في الحديث، ومن ثمَّ خُرِّج القول بصحة اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح)، واستعمالها في غير مورد الذم - على ما يُدَّعى في نفس الحديث - بناءاً على التقسيم المذكور.
فانظر ماذا ترى؟!
وأمّا بقية الاعلام الذين أصابوا الواقع في القول بنفي التقسيم المذكور، فقد تحيَّروا حقاً في توجيه هذهِ المقولة، وتبرير اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح)، ومن ثمَّ استحسانها، والاطراء عليها، فهل انَّها استُعملت في المعنى الاصطلاحي الشرعي الذي يعني (ادخال ما ليس من الدين فيه)، فيتم بذلك القضاء المبرم على شرعية التراويح؟ أو انَّها استُعملت في المعنى اللغوي الذي يعني الحادث الذي ليس له أصل سابق، فلا تكون النتيجة في هذا الفرض بأحسن مما سبق؟ أو أنَّ هناك استعمالاً ثالثاً لم نتمكن من الاهتداء إليه؟!
هذهِ الاسئلة أخذت تطرح نفسها بالحاح أمام النافين للتقسيم المذكور، وباتت تنتظر الاجابة الصريحة منهم، وفقاً لما توصلوا إليه من نتائج تلك الابحاث.
ونود أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّا لسنا بصدد إثبات صحه اطلاق لفظ البدعة الواردة في مقولة «نعمت البدعة هذه» على معنىً دونَ معنىً آخر، لانه سواء أصحَّ هذا الاطلاق أو ذاك، فانَّ صلاة (التراويح) غير ثابتة لدينا، ولم يقم على مشروعيتها أي دليل شرعي، كما سنثبت ذلك مفصلاً في فصل لاحق إن شاء اللّه تعالى.
ولكنَّ كلامنا يتجه نحو الطريقة التي يتعامل فيها الكثير من أعلام العامة مَعَ مفردات الثقافة الاسلامية، وكيف تكون هذهِ المفردات الحساسة ضحيةً للتقولات والتبريرات، إذ يكون الاساس في البحث والطرح العلمي هو تبرير ما يُراد تبريره - لأيِّ دافعٍ كان - حتى لو اقتضى الأمر حرف المفهوم عن حقيقته، وإقصائه عن واقعيته التشريعية، وهذا ما لمسناه بشكل مباشر في الكلمات المتقدمة التي بَنَت تقسيم (البدعة)
على أساس مقولة «نعمت البدعة هذه»، على حساب المعنى الشرعي والواقعي لها، والذي تداركه البعض الآخر من هؤلاء الأعلام الذين أبطلوا القول بالتقسيم.
ولكنَّ هؤلاء وإن أصابوا في إبطال القول بالتقسيم، إلا انَّهم وقعوا في نفس ما وقع فيه الأسبقون حينَ حاولوا تبرير مقولة «نعمت البدعة هذه»، وتوجيه استعمال هذا اللفظ فيها، مَعَ الحرص على القول ببطلان التقسيم وانَّ (البدعة) لا تُطلق في مصطلح الشرع إلا في مورد الذم والحرمة.
وان كنّا نحتفظ لانفسنا بالاعتقاد بأنَّ لفظ (البدعة) هنا قد استُعمل في معناه الشرعي المصطلح، والمرتكز في اذهان المسلمين، والذي يعني (إدخال ما ليس من الدين فيه)، فنكون قد سجَّلنا دليلاً من نفس الحديث المذكور على عدم شرعية صلاة (التراويح) ليُضم إلى الادلة والقرائن الاُخرى التي سوف نذكرها لاحقاً لاثبات صحة ما نذهب إليه باذن اللّه تعالى.
ويبقى علينا أن ننتحل العذر لأمر الاعجاب بهذهِ (البدعة)، والاطراء عليها، لما رآه القائل من استجابة مثالية من قبل المسلمين لقراراته، التي ينطلق فيها من اعتبار نفسه ناطقاً باسم الرسالة والدين، وممسكاً بزمام الاحكام الشرعية، ومؤهلاً لرفعها، أو وضعها من الأساس!
وقبل أن نستعرض بعض الاقوال التي بررت اطلاق لفظ (البدعة) على صلاة (التراويح) من قبل النافين للتقسيم، نشير إلى انَّ هؤلاء قد اتفقوا على أمرين هما:
الأمر الأول : انَّ صلاة (التراويح) ليست بدعةً بالمعنى الشرعي، وانّما هي سنّة تمتلك الأصل الشرعي، من خلال ممارسة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لها بضعة ليالٍ، ثم تركها مخافة الافتراض على الامة.
وهذا الأمر سوف نناقشه في بحثنا الخاص حول صلاة (التراويح)، ونثبت هناك انَّ (التراويح) لا تمتلك أية شرعية مطلقاً، وليس لها أيُّ أصل في الدين، وانما هي من أصدق
مصاديق الابتداع.
الأمر الثاني : انَّ لفظ (البدعة) الوارد في مقولة «نعمت البدعة هذه»، لا يمكن أن يُراد منه المعنى الشرعي في نظر النافين للتقسيم لما ثبت لديهم بأنَّ (البدعة) لا تطلق شرعاً إلا في الذم والحرمة، فلا بدّ إذن من التماس مخرجٍ آخر، يبرر الاستعمال المذكور، وينسجم مَع القول بنفي التقسيم، فجاءت التبريرات متعددة ومتنوعة، نذكر منها ثلاثة نماذج من كلمات المتقدمين والمتأخرين:
التبرير الأول : ما ذكره (ابن تيمية) الذي ينص صريحاً على بطلان القول بالتقسيم، وانه يستند دلالة على حديث التراويح، حيث يقول:
«إنَّ من الناس مَن يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة وقبيحة، بدليل قول عمررضياللهعنه في صلاة التراويح «نعمت البدعة هذه»، والجواب: أمّا انَّ القول (انَّ شرَّ الامور محدثاتها، وانَّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، والتحذير من الامور المحدثات، فهذا نص من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومَن نازع في دلالته فهو مراغم. ولا يحل لأحد أن يقابل هذهِ الكلمة الجامعة من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الكلية، وهي قوله (كل بدعة ضلالة) بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليس كل بدعة ضلالة، فانَّ هذا إلى مشاقة الرسول أْقرب منه إلى التأويل، بل الذي يُقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يُقال هي بدعة: انَّ هذا العمل المعيَّن مثلاً ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث».
ثم يبرر (ابن تيمية) خروج (التراويح) من عموم البدع المذمومة بالقول:
«أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مَعَ حسنها، وهذهِ تسميه لغوية، لا تسمية شرعية، وذلكَ انَّ البدعة في اللغة تعمّ كل ما فُعل ابتداءاً من غير مثالٍ سابق، وأمّا البدعة الشرعية، فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي. فلفظ (البدعة) في اللغة أعم من لفظ (البدعة) في الشريعة. فالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد كانوا يصلّون قيام رمضان على عهده
جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا (انَّه لم يمنعني أن أخرج اليكم إلا كراهة أن يُفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم، فانَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فعللصلىاللهعليهوآلهوسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وانَّه لولا خوف الافتراض لخرج اليهم»(١) .
إلى هنا يكون (ابن تيمية) قد اثبت - حسب زعمه - أنَّ لصلاة التراويح أصلاً في الشرع، فيكون قد تناقض مَعَ كلامه السابق الذي يدّعي فيه استعمال لفظ (البدعة) هنا في المعنى اللغوي، لأنَّ المعنى اللغوي حسب الاتفاق هو: ما لم يكن له مثال سابق، فكيف يمكن صحة الاستعمال اللغوي معَ هذا الأصل المفترض؟.
هذا ما يجيب عنه بالقول:
«فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد، واُسرج المسجد، فصارت هذهِ الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد على إمامٍ واحدٍ مَعَ الاسراج - عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعةً، لانه في اللغة يُسمى بذلك، وان لم يكن بدعة شرعية»(٢) .
فهل تعرف للتحميل والتعسف معنىً غير هذا؟ وهل أنَّ (ابن تيمية) يعتقد في قرارة نفسه بصحة ما يقول؟ وما دخلُ (الاسراج) فيما نحنُ فيه؟
فالملاحظ انَّ (ابن تيمية) يضم (الاسراج) إلى اجتماع المصلين على امامٍ واحد من أجل أن يجعل الامر غير مسبوقٍ بمثال، فيصح بذلك استعمال (البدعة) في معناها اللغوي الذي يعني الحادث الذي ليس له مثال سابق!
ففائدة ضم (الاسراج) إذن هي تبرير الاستعمال المذكور، والايحاء بأنَّ هذهِ الهيئة باجمعها لم تكن موجودة سابقاً، فيكون قد احتفظ لصلاة (التراويح) بأصلها الشرعي المزعوم، وبَرَّر استعمال (البدعة) لغوياً، لكي لا يقع الاصطدام بين الأمرين.
____________________
(١) اين تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٢) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢٧٦ - ٢٧٧.
وعلى هذا الاساس يمكننا أن نضم عشرات الأوصاف والأحوال الاُخرى إلى هذهِ الهيئة الحاصلة لتبرير عدم مشابهتها لما سبق!!
ونكتفي بالاشارة في المقام إلى انَّ العودة إلى الاستعمال اللغوي للفظ المنقول، وتصحيح اطلاقه كذلك، ليس كما يصوره (ابن تيمية) في كلامه هذا، وخصوصاً مثل كلمة (البدعة) التي ترسخ معناها الاصطلاحي الجديد في أذهان المسلمين، واقترن استعمالها الشرعي في موارد الذم والحرمة، من خلال أحاديث غفيرة على لسان صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكلمات بقية الصحابة، كما استعرضنا قسماً منها في سابق دراستنا هذه، ولا سيما إذا لاحظنا قول (ابن تيمية) المتقدم حول قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كل بدعة ضلالة»: «فهذا نص من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومَن نازع في دلالته فهو مراغم»(١) .
فإذا كانت دلالة الحديث على ذم البدع بهذا المستوى من الوضوح، وقد أصبح هذا المعنى نتيجة لعملية النقل الشرعي هو المتبادر إلى أذهان المسلمين، فكيف يصح استعمال لفظ ( البدعة) بعد ذلك في معناها اللغوي الاسبق، من دون الاتيان بقرينة تصرف اللفظ عن معناه المرتكز، لا سيما إذا لاحظنا انَّ كلمة (البدعة) قد وردت في هذا الحديث بشكل مطلق، بل وسياق الحديث يأبى هذا التحميل، ويشهد بخلافه، ابتداءاً من ذكره «هذه» أو «هي» وقوله: «والتي ينامون عنها أفضل»، المنصرف إلى خصوص هذهِ الصلاة من دون قيدٍ أو شرط، ومروراً بعدم الاشارة إلى أمر (الاسراج) من قريبٍ أو بعيد في عمدة الاحاديث التي يُستدل بها على ثبوت (التراويح)، بما في ذلك روايتي (البخاري) و(الموطأ)، وانتهاءاً بقوله: «إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحد لكان أمثل».
وهل يرتضي (ابن تيمية) لشخص أن يقول بشأن صلاة العشاء مثلاً التي تقام
جماعة في مسجد ذي سراج بأنّها (بدعة)، ويطلق القول بهذه العفوية، من دون أن يقيم قرينة على إثبات ما يقصدُ إليه؟!
وهل يُلام مَن يحمل كلمة (البدعة) في هذا الكلام على معناها الشرعي المنقول عند الاستماع اليها بهذه الطريقة المطلقة؟
فكيف إذا حُفَّ الأمر بقرائن توحي بالعكس، وكيف إذا صدرت هذه الكلمة بهذا التسامح من انسان جلس في الموقع الذي يحاسب فيه على الصغيرة والكبيرة من أطراف الكلام؟
وعلى أيّة حال فان ما تكلَّفه (ابن تيمية) أمر مرفوض من الناحية العلمية بالدرجة الاولى، من ناحية كونه التفافاً معلناً على الحقائق، وتزوير المفاهيم الاسلامية، بما يصب في صالح الأحقاد المذهبية، والتعصب الذميم.
التبرير الثاني: ما ذكره (أبو اسحاق الشاطبي)، في (الاعتصام) حيث يقول:
«فان قيل: فقد سمّاها عمررضياللهعنه بدعة، وحسَّنها بقوله: نعمت البدعة هذهِ، وإذا ثبت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنَّما سماّها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر، لا انَّها بدعة في المعنى، فمن سمّاها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي»(١) .
فالشاطبي هنا يجعل (التراويح) من حيث أصلها ذات وجهين، فهي عنده ذات أصل في الدين، باعتبار أنَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد صلاها ليالٍ ثم انقطع عنها كما يُدعّى، وبهذا تخرج عن كونها بدعةً في الاصطلاح الشرعي، لأنَّ المعنى المصطلح والمذموم هو ما لم يكن له أصل شرعي يستند إليه.
وهي في نفس الوقت لا تمتك أصلاً، وليس لها سابق مثال، باعتبار انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ١٩٥.
قد انقطع عنها ولم يصلِّها أبو بكر، وبهذا يصح اطلاق لفظ (البدعة) عليها بهذا الاعتبار، أي باعتبار انَّها لم تُصلَّ في برهة زمنية معينة.
ومن الواضح انَّ كلام (الشاطبي) هنا لا يسلم من المعارضة السابقة لكلام (ابن تيمية) المتقدم، وإن كان (الشاطبي) لم يصرّح هنا بأن (البدعة) قد استُعملت في معناها اللغوي كما فعل (ابن تيمية)، وانما ترك الكلام غائماً، ومشوباً بالغموض والابهام.
وعلى أية حال فان ذكر (الشاطبي) لهذهِ الفترة الوسطية التي لم تُصلَّ فيها (التراويح) على ما قال إن كان المراد انّها تسوِّغ الاستعمال اللفظي ل(البدعة) في الحادث الذي ليس له مثال سابق، فهو ما لا يصح هنا، لأنَّ ترك العمل لمدة معينة غير كافٍ في انطباق عنوان (ما ليس له مثال سابق) عليه، فلو انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان قد صلّى صلاة الاستسقاء مثلاً لقحطٍ أصاب المسلمين، وندرةٍ في الامطار، ثم ترك الصلاة إلى أن ارتحل إلى الرفيق الأعلى، ثم صُلّيت هذهِ الصلاة بعد عشرين عاماً لنفس السبب السابق، فهل يسوغ لنا أن نقول هنا بأنَّ صلاة الاستسقاء (بدعة)، ونطبق اللفظ لغوياً على هذا المعنى المتأخر زماناً؟ وهل لنا أن نبرر هذا الاستعمال اللغوي باعتبار الفترة الوسطية التي تخللت الفعلين؟!
هذا كله بالاضافة إلى ما ذكرناه سابقاً من حاجة مثل هذا الاستعمال إلى قرينة صارفة تعيِّن المقصود، وتصحح الاستعمال.
وإذا كان مراد (الشاطبي) من ذكر الفترة الوسطية بين الفعلين انَّ اطلاق لفظ (البدعة) هنا اطلاق تسامحي، وانَّه من باب ما يعبِّر عنه بالقول: «فلا مشاحة في الاصطلاح»، فهو مرفوض أيضاً لسببين:
السبب الاول : انَّ هذا المعنى إن تمَّ واستقام في شيء، فهو لا يتم في التعامل مع مصطلحات الشريعة الاسلامية، وخصوصاً مثل مفهوم (البدعة) الذي يعد من المفاهيم الاسلامية الدقيقة والحساسة، التي لا يمكن التسامح في أمر تناولها، وتطبيقها على الموارد
المختلفة، من دون تثبّت، ودقة، واستقصاء، وخصوصاً من قبل الاشخاص الذين يعتلون المواقع الحساسة التي تطمح اليها الأبصار، إذ انَّ أية مسامحة من هذا القبيل، سوف تعرِّض مفاهيم الشريعة الاصطلاحية إلى التذبذب والارتباك.
والسبب الثاني : انَّ هذا الامر الذي ذكره (الشاطبي) يمكن أن يجري في اطلاق لفظ (البدعة) على غير موارد الذم والحرمة أيضاً مما لم يكن له وجود في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمثل الاعتبار المذكور، أي يقال بانَّه (بدعة) باعتبار انَّه لم يكن موجوداً في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويُعتذر لذلك بالقول بأنَّه لا مشاحة في الاصطلاح، فيرجع الأمر في النتيجة إلى تقسيم (البدعة) إلى مذمومة وممدوحة، إذ يمكن أن نوجد لحاظاً واعتباراً لكل الامور الحادثة الممدوحة، ونبرر تطبيق لفظ (البدعة) عليها على هذا الاساس، وهذا ما رفضه (الشاطبي) أشدَّ الرفض، حين أكَّد بطلان القول بالتقسيم بشكل مطلق.
التبرير الثالث : ما ذكره الشيخ (صالح الفوزان) الذي كان يرفض القول بتقسيم (البدعة) رفضاً قاطعاً حيث يقول: «كل بدعة في الدين فهي محرّمة وضلالة لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (واياكم ومحدثات الامور فانَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليَس منه فهو ردّ)، وفي روايةٍ: (مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
فدلَّ الحديث على أنَّ كلَّ محدثٍ في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلكَ انَّ البدع في العبادات والاعتقادات محرّمة. مَن قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو غالط ومخطئ ومخالف لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (فانَّ كل بدعة ضلالة)، لأنَّ الرسول حكم على البدع كلِّها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة».
ثم أردف قائلاً:
«وليس لهؤلاء حجّة على انَّ هناك بدعة حسنة إلا قول عمررضياللهعنه في صلاة
التراويح: (نعمت البدعة هذه)»(١) .
ولكنَّ (الفوزان) بعد ان ينتهي إلى هذهِ النتيجة يواجه الاشكال الذي يقول: بأن الامر إذا كان كذلك، وانَّ كل بدعة ضلالة من دون أي استثناء، فهذا يعني أنَّ من حقنا أن نحمل كلمة (البدعة) الواردة في مقلولة: «نعمت البدعة هذه» على الضلالة المحرَّمة، لأنَّ كل بدعة ضلالة، وهذهِ (بدعة)، فهي إذن ضلالة، وهذا لون من ألوان القياس العقلي الذي لا يقبل التشكيك.
فيعود (الفوزان) إلى خلفيات هذهِ الصلاة المحدثة، ويحاول أن يعالج الأمر من الجذور، بعد اليأس من درجها ضمن دائرة المندوب أو المباح، كما كان يفعل القائلون بالتقسيم.
وقد عمد إلي تبرير اطلاق لفظ (البدعة) هنا بانتهاج سبيلين:
السبيل الأول: أنه ادّعى انَّ لفظ (البدعة) الوارد في الحديث المتقدم محمود على معناه اللغوي لا الاصطلاحي، فيقول: «وقول عمر: (نعمت البدعة)، يريد البدعه اللغوية لا الشرعية»(٢) .
وقد حاول أن يضيِّق من المدلول اللغوي لهذه الكلمة، ويتصرف في أصل وضعها بما ينسجم مع هذهِ المقولة، فأضاف: «فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه إذا قيل انَّه بدعة، فهو بدعة لغةً لا شرعاً»(٣) .
فالملاحظ أنَّه يجعل الفعل الذي يكون له أصل في الشرع من أفراد المعنى اللغوي للبدعة، وهذا ما لم يتفوه به أحد من السابقين أو اللاحقين، وهو خلاف فاضح لما ذكره قبل صفحتين من موضوع كلامه هذا، عندما تعرَّض لذكر المعنى اللغوي ل(البدعة) حيث
____________________
(١) صالح الفوزان، البدعة - تعريفها - انواعها - أحكامها، ص: ٨.
(٢) صالح الفوزان، البدعة، ص: ٩.
(٣) صالح الفوزان، البدعة، ص: ٩.
يقول: «البدعة في اللغة مأخوذة من البدع وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله،( بَدِيعُ السَمواتِ والأَرض ) (١) ، أي مخترعها على غير مثال سابق، وقوله - تعالى -( قُل ما كُنتُ بِدعاً مِنَ الرُّسلِ ) (٢) ، أي ما كنتَ أول مَن جاءَ بالرسالة من اللّه إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، ويُقال ابتدعَ فلان بدعةً، يعني ابتدأ طريقةً لم يُسبق اليها»(٣) .
فمن الواضح انَّ المعنى اللغوي ل(البدعة) يأبى التفسير الذي ذكره (الفوزان) لها على نحو التحميل، وذلك حسب إقراره هو، وتصريحه بذلك، إذ (البدعة) لغةً هي: (ما لم يكن له مثال سابق) حسب قول أئمة اللغة وعلمائها بالاتفاق، فكيف يمكن أن تطبَّق على ما كان له أصل سابق في الشريعة؟ وهل أنَّ بامكان أحد أن يوسِّع أو يضيِّق المداليل اللغوية للالفاظ متى شاء وأنّى أراد؟
إن هذا إلا عبث سافر بالألفاظ، وخلط واضح التهاتر والبطلان.
السبيل الثاني: انَّه ادعى انّ صلاة (التراويح) كانت قائمة في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد صلاها بأصحابه مدّة، ثم انقطع عنها، حيث يقول: «والتراويح قد صلاها النبي بأصحابه ليالي، وتخلّف عنهم في الأخير، خشيةَ أن تُفرض عليهم، واستمر الصحابة – رضي الله عنهم - يصلّونها أوزاعاً متفرّقين في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطابرضياللهعنه خلف امامٍ واحدٍ كما كانوا خلف النبي، وليس هذا بدعةً في الدين»(٤) .
فهل حقاً انَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قد صلّى التراويح جماعة، وتخلَّف عنها خشيةَ أن
____________________
(١) البقرة: ١١٧.
(٢) الأحقاف: ٩.
(٣) صالح الفوزان، البدعة، ص: ٥.
(٤) صالح الفوزان، البدعة، ص: ٩ - ١٠.
تُفرض على أصحابه، فيكون لهذه الصلاة جذور شرعية تربطها بالدين، أو انَّ الأمر على خلاف ذلك؟!
هذا ما سنتعرض له بتفضيل عندما نتناول خلفيات هذهِ الصلاة في موضعها الخاص بإذن اللّه تعالى.
الفصل الثالث : مفهوم البدعة في النصوص الاسلامية
مفهوم (البدعة) في النصوص الاسلامية
إنَّ النص الاسلامي الصريح هو الذي يمتلك الكلمة الفاصلة في تحديد هوية أية مفردة من مفردات الثقافة الاسلامية، وهو الذي يوضح ما يمكن أن تكتنف به بعض المفاهيم الاسلامية من غموض وابهام.
وبما انَّ هناك اضطراباً واضحاً عند بعض المصنفين في تحديد هوية الابتداع في الاصطلاح الشرعي، وتفاوتاً كبيراً في طريقة تطبيقه على مفرداته المختلفة فنرى أنَّ من المستحسن بنا، وقبل الاسترسال في بيان معالم وخصوصيات هذا المفهوم، وذكر قيوده وشروط تطبيقه، أن نستعين بالنصوص الاسلامية التي تعرضت لتحديد هذا المفهوم وإبراز هويته.
كما نتعرض أيضاً لبعض التطبيقات الواردة على ألسنة هذه الاحاديث، لنرى الضابط والمدار الذي تدور حوله هذه التطبيقات.
وسوف نقوم بتقسيم هذهِ الأحاديث إلى أربع طوائف، ونمنح كلَّ طائفة منها عنواناً خاصاض، يمثل القاسم المشترك لمجموع الاحاديث الواردة في الطائفة الواحدة.
ومن خلال النظرة في هذهِ العناوين يستطيع القارئ أن يكوّن نظرة إجمالية أولية عن طبيعة القيود التي ينبغي أن تؤخذ في حد مفهوم (البدعة)، وطبيعة الضابطة التي يتم على أساسها تطبيق هذا المفهوم على موردٍ دون آخر.
(البدعة): تقابل السُّنة
ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«لا يذهب من السنة شيء، حتى يظهر من البدعة مثله، حتى تذهب السنة، وتظهر البدعة، حتى يستوفي البدعة مَن لا يعرف السنة فمن أحيى ميتاً من سنتي قد
اُميتت، كان له أجرُها، وأجر مَن عمل بها، من غير أن ينقص من اُجورهم شيئاً، ومَن أبدَعَ بدعةً، كان عليه وزرها، ووزر مَن عمل، بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«لا ترجعنَّ بعدي كفّاراً، مرتدين، متأولين للكتاب على غير معرفة، وتبتدعون السنة بالهوى، لأنَّ كل سنة وحدث وكلام خالف القرآن فهو ردّ وباطل»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين. السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنّة»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن أدّى إلى اُمتي حديثاً يُقام به سنّة، أو يثلم به بدعة، فله الجنة»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إيّاكَ أن تسنَّ بدعة، فان العبد إذا سنَّ سنةً سيئة، لحقه وزرها، ووزر مَن عمل بها.»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن أحدثَ حدثاً: أو آوى محدثاً، فعليه لعنة اللّه والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف يوم القيامة.
فقيل: يا رسول اللّه: ما الحدث؟
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : منَ قَتَل نفساً بغير نفسٍ، أو مثَّل بغير قودٍ، أو ابتدعَ بدعةً بغير
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١١٩، ص: ٢٢٢.
(٢) الشريف الرضي، خصائص الأئمة، تحقيق: محمد هادي الاميني، ص: ٧٥.
(٣) تاج الدين الشعيري، جامع الأخبار، ص: ١٢٥.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ١٩، ح: ٤٣، ص: ١٥٢.
(٥) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٧٤، باب: ٥، ح: ١، ص: ١٠٤.
سنة»(١) .
وعن أبي بصير عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال:
«لما حضر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الوفاة، نَزَلَ حبرائيل، فقال له جبرئيل: يا رسول اللّه، هل لكَ في الرجوع؟ قال: لا، قد بلَّغتُ رسالات ربّي، ثم قال له: يا رسول اللّه أتريد الرجوع إلي الدنيا؟، قال: لا، بل الرفيق الأعلى، ثم قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم للمسلمين، وهم مجتمعون حوله:
أيها الناس أنّه لا نبيَّ بعدي، ولا سنَّة بعدَ سنتي، فمن ادّعى ذلك فدعواه وبدعته في النار.»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« ما من اُمةٍ ابتدعت بَعدَ نبيها في دينها بدعةً، إلا أضاعت مثلها من السنة»(٣) .
وعن أمير المؤمنين عليعليهالسلام أنه قال:
«وأما أهل السنة، فالمتمسكون بما سنَّه اللّهُ لهم ورسوله، وإن قلّوا، وأما أهل البدعة، فالمخالفون لأمر اللّه تعالى وكتابه ولرسوله، والعاملون برأيهم وأهوائهم، وإن كثروا، وقد مضى منهم الفوج الأول، وبقيت أفواج، وعلى اللّهِ فضُّها واستيصالها عن جدبة الأرض»(٤) .
وسأل رجل الامام علياًعليهالسلام عن السنة، والبدعة، والفرقة، والجماعة، فقالعليهالسلام :
«أمّا السنة: فسنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأما البدعة: فما خالفها، وأمّا الفرقة، فأهل الباطل وإن كثروا، وأمّا الجماعة، فأهل الحق وإن قلّوا»(٥) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، معاني الأخبار، تحقيق علي أكبر الغفّاري، ص: ٢٦٥.
(٢) محمد بن النعمان المفيد، أمالي الشيخ المفيد، ص: ٥٣.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠٠، ص: ٣١٩.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٦، ح: ٤٤٢١٦، ص: ١٨٤.
(٥) الحرّاني، تحف العقول، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، ص: ٢١١.
وعنهعليهالسلام :
«واعلموا أنَّ خير ما لزم القلب اليقين، وأحسن اليقين التقى، وأفضل اُمور الحق عزائمها، وشرّها محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبالبدع هدم السنن»(١) .
وعنهعليهالسلام :
«ما اُحدثت بدعة إلا تُرك بها سنة، فاتقوا البدع، والزموا المهيع، إنَّ عوازم الامور أفضلها، وانَّ محدثاتها شرارها»(٢) .
وعنهعليهالسلام :
«واعلم أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حقَّ تلاوته حتى تعرفوا الذي حرَّفه، ولن تعرفوا الضلالة، حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى، حتى تعرفوا الذي تعدّى، فإذا عرفتم ذلك، عرفتم البدع والتكلّف، ورأيتم الفريةَ على اللّه ورسوله، والتحريف لكتابه»(٣) .
وعنهعليهالسلام :
«فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته، ثم لا تمرقوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تخالفوا عنها، فانَّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة. واعلموا عبادَ اللّه أنَّ المؤمن يستحل العام ما استحلَّ عاماً أول، ويحرّم العام ما حرَّمَ عاماً أول، وانَّ ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئاً مما حُرِّم عليكم. وانّما الناس رجلان: متبع شرعة، ومبتدع بدعة، ليس له من اللّه سبحانه برهان وسنة، ولا
____________________
(١) الحرّاني، تحف العقول، ص: ١٥١.
(٢) نهج البلاغة: الخطبة / ١٤٥، والمهيَع: هو الطريق الواسع البيِّن.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الروضة من الكافي، ح: ٥٨٦، ص: ٣٩٠.
ضياء وحجّة»(١) .
وعنهعليهالسلام من كتابٍ له إلى عثمان:
« فاعلم انَّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام هُدِيَ وهَدى، فأقامَ سنة معلومة، وأماتَ بدعةً مجهولة، وانَّ السنن لنيِّرة لها أعلام، وانَّ البدع لظاهرة لها أعلام، وانَّ شرَّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلَّ وضُلَّ به، فأماتَ سنةً مأخوذةً، وأحيى بدعةً متروكة»(٢) .
وعنهعليهالسلام في حق بني اُمية:
«قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دونَ السنن»(٣) .
وعنهعليهالسلام :
«أيها الناس انّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبع، وأحكام تبتدع، يُخالف فيها كتاب اللّه، يقلِّد فيها رجال رجالاً.»(٤) .
وعنهعليهالسلام :
«ما أحد ابتدع بدعةً إلا ترك بها سنة»(٥) .
وعنهعليهالسلام :
«طوبى لمن ذلَّ في نفسه. وَعَزل عن الناس شرَّه، ووسعته السنة، ولم يُنسب إلى البدعة»(٦) .
وعنهعليهالسلام أنَّه ضربَ بيده على لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء ثم قال:
«أوِّه على إخواني الذينَ تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرضَ فأقاموه، وأحيوا
____________________
(١) نهج البلاغة: الخطبة / ١٧٦.
(٢) نهج البلاغة: الكلام / ١٦٤.
(٣) نهج البلاغة: الخطبة / ١٥٤.
(٤) أبو جعفر البرقي المحاسن ج: ١، ص: ٣٣٠.
(٥) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١٩، ص: ٥٨.
(٦) نهج البلاغة: الخطبة / ١٢٣.
السنّة، وأماتوا البدعة»(١) .
ومن دعاء الامام الرضاعليهالسلام لصاحب الأمر:
«واقصم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدع، ومميتة السنة، ومقوِّية الباطل»(٢) .
(البدعة): تعني الغش والضلال واتباع الأهواء
ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«مَن غشَّ من اُمتي، فعليه لعنةُ اللّهِ والملائكة والناس أجمعين، قالوا: يا رسول اللّه، وما الغش؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أن يبتدعَ لهم بدعة فيعملوا بها»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إنَّ أحسنَ الحديث كتاب اللّه، وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»(٤) .
وعن أي جعفر الباقرعليهالسلام في قوله تعالى:( قُل هَل نُنَبِّئُكُم بالأَخسَرينَ أَعمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم في الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبُون أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعاً ) (٥) قالعليهالسلام :
«هم النصارى، والقسيسون، والرهبان، وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة، والحرورية، وأهل البدع»(٦) .
____________________
(١) نهج البلاغة: الخطبة / ١٨٢.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٩٢، باب: ١٥، ح: ٤، ص: ٣٣١.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١١٨، ص: ٢٢٢.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ص: ٣٠١.
(٥) الكهف: ١٠٣ - ١٠٤.
(٦) علي بن ابراهيم القمي، تفسير القمي، ج: ٢، ص: ٤٦.
وعنهعليهالسلام في قوله تعالى:( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثلِها وَتَرهَقُهُم ذِلَّة ما لَهُم مِنَ اللّهِ مِن عاصِمٍ ) (١) ، قالعليهالسلام :
«هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات، يسوَّد اللّه وجوههم، ثم يلقونه»(٢) .
(البدعة): أدنى مراتب الكفر والشرك
عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«. وأدنى ما يكون به العبدُ كافراً، مَن زعَمَ أنَّ شيئاً نهى اللّهُ عنه أنَّ اللّهَ أمَرَ به، ونصبه ديناً يتولّى عليه، ويزعم انَّه يعبد الذي أمره به، وانما يعبد الشيان.»(٣) .
وعن الحلبي قال: قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
«ما أدنى ما يكون به العبد كافراً؟ فقالعليهالسلام : أن يبتدعَ شيئاً فيتولّى عليه، ويبرأ ممَّن خالفه»(٤) .
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام :
«أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً، فيحبُّ عليه ويبغض»(٥) .
البدعة: موارد وتطبيقات...
وردت في النصوص الاسلامية عدة تطبيقات على موارد معينة كانت تجسِّد
____________________
(١) يونس: ٢٧.
(٢) علي بن ابراهيم القمي، تفسير القمي، ج: ١، ص: ٣١١.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ٢، باب: ادنى ما يكون به العبد مؤمناً أو كافراً أو ضالاً، ح: ١، ص: ٤١٤.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٣٣، ص: ٣٠١.
(٥) أبو جعفر الصدوق، ثواب الأعمال وعقابها، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ص: ٥٨٧، ح: ٣.
بوضوح ظاهرة الابتداع، كما ورد أيضاً نفي الابتداع عن موارد اُخرى، وسوف نستعرض أمثلة تاريخية لكلا القسمين، لكي نتمكن من خلال ذلك أخذ صورة واقعية عن طبيعة هذهِ التطبيقات، والحدود التي تمت فيها.
فأمّا الموارد التي ورد فيها تطبيق معنى الابتداع فهي كثيرة، سوف ننتخب للقارئ الكريم بعض النماذج البارزة لها.
١ - طبَّق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (البدعة) على عملية اكراه الناس للدخول في الاسلام، حيث إنَّ اللّه تعالى لم يأمر بذلك، فيكون تطبيقاً لما ليس له أصل في الدين، فقد وردَ عن عليعليهالسلام أنه قال:
«إنَّ المسلمين قالوا لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أكرهتَ يا رسولَ اللّه مَن قدرتَ عليه من الناس على الاسلام، لكثر عددنا، وقوينا على عدوِّنا، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما كنتُ لألقى اللّه عزَّ وجلَّ ببدعةٍ لم يحدث إليَّ فيها شيئاً، وما أنا من المتكلفين.
فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ عليه: يا محمَّد:( وَلَو شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهمُ جَميعاً ) (٢) على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا، كما يؤمنونَ عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقّوا مني ثواباً ولا مدحاً، لكنّي اُريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد:( أَفَأَنتَ تُكرِه النّاسَ حَتى يَكُونُوا مُؤمِنيِنَ ) (٢) (٣) .
٢ - طبَّق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (البدعة) على قيام نافلة شهر رمضان جماعة في لياليه، وهي المسماة بصلاة (التراويح)، وطبقها كذلك على صلاة (الضحى)، باعتبار أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يشرع ذلك للمسلمين، بل وقد ورد عنه النهي عن ذلك، فقد ورد عن أبي عبد اللّه
____________________
(١) يونس: ٩٩.
(٢) يونس: ٩٩.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٥، ح: ١١، ص: ٣٤٢.
الصادقعليهالسلام أنه قال:
«صوم شهر رمضان فريضة، والقيام في جماعة في ليلته بدعة، وما صلاها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في لياليه بجماعة، ولو كانَ خيراً ما تركه، وقد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده، فقام قوم خلفه، فلما أحسَّ بهم دَخَلَ بيتَه، فَعَلَ ذلكَ ثلاثَ ليالٍ، فلما أصبح بعد ثلاث صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال:
(أيها الناس لا تصلّوا النافلة ليلاً في شهر رمضان، ولا في غيره، فانّها بدعة، ولا تصلّوا الضحى، فانَّها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار).
ثم نزل وهو يقول: (قليل في سنة خير من كثير في بدعة).»(١) .
٣ - طبقت (البدعة) في كلام أمير المؤمنين عليعليهالسلام على فعل أهل النهروان الذينَ حاربوه، وخرجوا عليه بغير حقٍّ، ففي حديث طويل يحاور فيه (ابنُ الكواء) أميرَ المؤمنينعليهالسلام أنه قال:
«. يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول اللّه عزَّ وجلَّ:( قُل هَل نُنَبّئُكُم بالأَخَسرينَ أعمالاً* الَّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم في الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبونَ أَنّهم يُحسِنونَ صُنعاً ) (٢) ، فقالعليهالسلام : كَفَرةُ أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق، فابتدعوا في أديانهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.
ثم نزلعليهالسلام عن المنبر، وضربَ بيده على منكب (ابن الكواء)، ثم قال: يا ابن الكواء وما أهل النهروان منهم ببعيد! فقال: يا أمير المؤمنين ما اُريد غيرك، ولا أسأل سواك.
قال الراوي: فرأينا (ابن الكواء) يومَ النهروان، فقيل له: ثكلتكَ امُّك بالأمس كنتَ تسأل أمير المؤمنينعليهالسلام عما سألته وأنت اليوم تقاتله؟! فرأينا رجلاً حمل عليه،
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٩٤، باب: ٣، ح: ٤، ص: ٣٨١، عن كتاب دعائم الاسلام، ج: ١، ص: ٢١٣.
(٢) الكهف: ١٠٣ - ١٠٤.
فطعنه فقتله»(١) .
٤ - طبَّق أمير المؤمنينعليهالسلام (البدعة) على الخوض في أمر القَدَر، والجدال في الامور الاعتقادية التي تكون منشأً للاختلاف، وسبباً لفرقة المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وذلك عندما مرَّ على قومٍ من أخلاط المسلمين، ليسَ فيهم مهاجري ولا أنصاري، وهم قعود في بعض المساجد في أول يومٍ من شعبان، وإذا هم يخوضونَ في أمرِ القَدَر مما اختلف الناسُ فيه، قد ارتفعت أصواتهم، واشتدَّ فيه جدالهم، فوقف عليهم وسلَّم، فردّوا عليه، ووسعوا له، وقاموا إليه يسألونه القعود اليهم، فلم يحفل بهم، ثم قال لهم - وناداهم -:
« يا معشر المتكلمين، ألم تعلموا أنَّ للّه عباداً قد أسكتتهم خشيته من غير عيٍّ ولا بكم. فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين، ألم تعلموا انَّ أعلمَ الناس بالضرر أسكتهم عنه، وانَّ أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه؟»(٢) .
٥ - طبقت (البدعة) على قول المؤذن (الصلاة خير من النوم)، وعدِّهِ جزءاً من الاذان الشرعي، وذلك باعتبار انَّ هذا القول ليس له أصل في الدين، فقد وَردَ عن أبي الحسنعليهالسلام أنه قال:
«الصلاة خير من النوم بدعة بني اُمية، وليسَ ذلكَ من أصل الأذان، ولا بأس إذا أراد الرجل أن ينبّه الناس للصلاة أن ينادي بذلك، ولا يجعله من أصل الأذان، فانّا لا نراه أذاناً»(٣) .
٦ - طبقت (البدعة) على الأذان الثالث يوم الجمعة الذي أحدثه عثمان بن عفان، ولم يكن له أية صلة بالتشريع، فقد وردَ عن أبي جعفرٍعليهالسلام أنه قال:
____________________
(١) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ١، ص: ٦١٧، وقال في هامش الاحتجاج: ونحوه في التبيان ٩ / ٣٧٨، والعياشي ٢ / ٢٨٣، والمجلسي ١٠ / ١٢١.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٣، باب: ٩، ح: ٣٠، ص: ٢٦٦.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار ج: ٨١، باب: ١٣، ح: ٧٦، ص: ١٧٢.
«الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة»(١) .
٧ - طبقت (البدعة) على الجدال في القرآن بغير علم، فعن اليقطيني قال:
«كتبَ أبو الحسن الثالثعليهالسلام إلى بعض شيعته ببغداد: بسم اللّه الرحمن الرحيم، عصمنا اللّه واياكَ من الفتنة، فان يفعل فاعظم بها نعمة، والاّ يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنَّ الجدال في القرآن بدعة، اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليسَ له، وتكلَّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا اللّه، وما سواه مخلوق.»(٢) .
هذا بالنسبة إلى تطبيق (البدعة) على بعض الموارد البارزة لها في لسان الروايات، كما جاءَ أيضاً نفي الابتداع عن موارد اُخرى لعدم انطباق حدود المفهوم عليها، ولما تمتلكه من اُصول دينية مشروعة، فمن تلكَ الموارد:
١ - انّه نُفي الابتداع عن سجدة الشكر بعد الفريضة باعتبار ارتباط هذا العمل بالدين، ووجود أصل له فيه، فقد سأل محمد بن عبد اللّه الحميري من صاحب الزمانعليهالسلام عن سجدة الشكر بعد الفريضة، هل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة، فان بعضَ أصحابنا ذكر أنّها (بدعة)، فأجابعليهالسلام :
«سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل انَّ هذهِ السجدة بدعة إلا مَن أراد أن يحدث في دين اللّه بدعة.»(٣) .
٢ - انّه نُفي الابتداع عن إظهار البسملة، باعتبار وجود أصل لها في التشريع فعن خالد بن المختار قال: سمعت جعفر بن محمدعليهالسلام يقول:
«ما لهم قاتلهم اللّه عمدوا إلى أعظمِ آيةٍ في كتاب اللّه فزعموا انّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم»(٤) .
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٨٠، باب: ١٠، ح: ٢٦، ص: ١١٤، عن الكافي ٣ / ٤٢١ والتهذيب ١/٢٥٠.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٨٩، باب: ١٤، ح: ٤، ص: ١١٨، عن أمالي الصدوق ص: ٣٢٦.
(٣) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ٢، ص: ٥٧٦.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٨٢، كتاب الصلاة، باب: ٢٣، ح: ١٠، ص: ٢١، عن تفسير العياشي ١/٢١.
الفصل الرابع : مفهوم (البدعة) بين الاطّراد والانعكاس
مفهوم (البدعة) بينَ الاطّرادِ والانعكاس
(البدعة) بكلمة واحة هي: (ادخال ما ليس من الدين فيه)، فيكون المفهوم متقوماً بأمرين:
أولاً: الاختصاص بالامور الشرعية.
ثانياً: عدم وجود دليل شرعي على الأمر الحادث من الدين.
١ - الاختصاص بالامور الشرعية
يختص مفهوم (البدعة) بالامور الشرعية التوقيفية، ولا يتعدى ذلك الى حيث العادات المتغيرة، والمباحات السائدة، والأعراف المختلفة لدى الناس، فمثلاً كان الانسان يستعمل الدواة في الكتابة، وهو الآن يستعمل آلات الطبع الالكترونية، وكان يركب الدواب في الأسفار، والآن يركب السيارة والطائرة، وكان يستعمل الزيت في الاضاءة والتدفئة، والآن يستعمل الغاز والكهرباء والطاقة الشمسيّة. وهكذا.
وقد اختلفت بناءاً على هذا التطور الحاصل في جميع مرافق الحياة طريقة الانسان في التعامل مَعَ كثير من الامور الشرعية. كتدوين الحديث، وتصنيفه، وتبويبه، والاستماع الى القرآن، وتشييد الاماكن المقدسة، وإقامة التجمعات الدينية، وإنشاء المدارس والمؤسسات الاسلامية، وإحداث المنتديات العامة، وترويج الاسلام عن طريق الاذاعة، والتلفزيون، والمطبوعات، بالاساليب المختلفة، ووضع أساليب جديدة للتربية والتعليم. وغير ذلك من الامور التي تختلف باختلاف عادات الناس، وطبائعهم، وأعرافهم الخاصة.
فكل هذهِ الامور لا علاقة لها بالابتداع، وإن كانت اُموراً حادثة، وغير موجودة سابقاً في عصر التشريع الأول، لأنها موكولة الى طبيعة انتخاب الانسان لأساليب حياته المتنوعة، وراجعة الى طريقته في التعامل مَعَ الأشياء التي تزخر بها حياته، ومرتبطة بقدرته على تسخير الطاقة الكامنة في هذا الوجود، واكتشاف الاسرار المودعة في هذا الكون لصالح تقدمه ورقيِّه وتطوره. بما لا يصطدم - طبعاً - مَعَ تعاليم الشرع المقدَّس، ويوجب الاخلال بالنظام الاجتماعي العام.
وقد حاول بعض المتحجرين مما يتسمّى باسم العلماء توسعة معنى (البدعة)، وجعله شاملاً لكل أمرٍ حادث لم يكن في زمن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو كانت تُشم منه رائحة الارتباط بالدين، تحت غطاء الحرص على الشريعة الاسلامية، وبذل غاية الوسع في الذبِّ عنها.
وقد تفشَّت هذهِ الظاهرة عند (الوهابيين) بشكل ملفت للنظر، وخارق للحدود المشروعة، وأخذوا يطلقون كلمة (البدعة) على الصغيرة والكبيرة في حياة الناس، بحجة عدم وجودها في زمن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو عدم فعل السلف لها!، أو عدم ورود النص الخاص بها من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقد تصوّر الكثير من هؤلاء ان كل أمرٍ شرعي لا بدَّ أن يردَ بشأنه النص الخاص المشير اليه بشكل صريح، وانَّ كل ما لم يرد بشأنه دليل شرعي خاص، فانَّه مندرج في قائمة الابتداع، ومتصف بهذا العنوان، وكأنَّ الشريعة الاسلامية شريعة عقيمة، لا تمتلك الضوابط العامة، والقوانين الكلية، لتعدد بتعدد الموارد، والموضوعات المستجدة والمتنوعة.
وكان على رأس هذه المدرسة (ابن تيمية) الذي غرس بذور الفرقة والشقاق في عقائد المسلمين باتهاماته هذه، وأخذ يرمي المسلمين الموحّدين بألوان شتى من التهم والافتراءات التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، متذرعاً بمفهوم الابتداع، ومتوسلاً
بالمغالطات والأباطيل، ومموهاً بادخال الامور الاعتيادية العامة بالامور العبادية.
بينما نرى انَّ (ابن تيمية) بنفسه يقرّ بأنّ العادات موكولة الى أعراف الناس وطبائعهم، وان الاصل فيها هو الحلية وعدم الحظر حيث يقول:
«فالأصل في العبادات لا يشرع منها الا ما شرعه الله، والأصل في العادات لا يحظر منها الا ما حظره اللّه»(١) .
وقد ورث (الوهابيون) طريقتهم في رمي الطوائف الاسلامية بالشرك والابتداع، من اُستاذهم في الضلال (ابن تيمية)، وجعلوا أقواله وآراءه أساساً لكل مفردات بنائهم الفكري المضلل، ومحوراً لتقولاتهم ونظرياتهم الموجّهة ضد الاسلام من الاساس.
جاءَ في دائرة المعارف الاسلامية:
«وتطوَّر مدلول كلمة (البدعة)، وانقسم الناس حياله الى فريقين: الأول: محافظ، والآخر: مجدد، وكانَ أتباع الفريق المحافظ أول الأمر الحنابلة بنوعٍ خاص، ويمثلهم الآن الوهابيون، وهذا الفريق آخذ في الزوال، ويذهب هذا الفريق الى أنَّه يجب على المؤمن أن يأخذ بالاتباع (اتباع السنة)، وأن يرفض الاتباع، والفريق الآخر يسلِّم بتغيُّر البيئة والأحوال»(٢) .
فهناك إذن توجّه اعتقادي متطرّف يعطي لمفهوم (البدعة) معنىً مغلوطاً وواسعاً، ويطبقها على كل أمرٍ حادثٍ في حياة المسلمين، ويوسِّع دلالتها الى مختلف شؤون الحياة بدعاوى الحرص والتقيّد والابتاع، بما في ذلكَ الامور التي ترتبط بعادات الناس وأعرافهم المتغيِّرة، أو التي ليست لها علاقة مَعَ اُصول التشريع ومبانيه.
ولا شكَ في انَّ هذا النمط من التفكير لا يعني إلا الانغلاق الكامل عن الحياة، والانزواء المطبق الذي يعزل الشريعة عن التفاعل مَعَ المجتمع بشكل كامل، ويؤدي في
____________________
(١) انظر، اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، ص: ٢٦٩، والفتاوى له، ج: ٤، ص: ١٩٦.
(٢) دائرة المعارف الاسلامية، بيروت، دار المعرفة، المجلد الثالث، ص: ٤٥٦.
نتيجته بالشريعة الاسلامية الى التلاشي والانقراض، مَعَ أول وأبسط نقلة حياتية تطورية تحدث في حياة الانسان.
ولكي تقف - أيها القارئ الكريم - على حقيقة هذا الانحراف الفكري، ندعوكَ لأن تطالع هذهِ النماذج التي تجسّد هذا الخط المتطرف في شريعة السماء السمحاء:
١ - جاءَ في (الاعتصام) انَّ أبا نعيم الحافظ روى عن محمد بن أسلم: «انَّه وُلدَ له ولد، قال - محمد بن القاسم الطوسي - فقال: اشترِ لي كبشين عظيمين، ودَفَع اليَّ دراهم، فاشتريتُ له، وأعطاني عشرة اُخرى، وقال لي: اشترِ بها دقيقاً ولا تنخله واخبزه!
قال: فنخلتُ الدقيقَ وخبزتُه، ثم جئت به، فقال: نخلتَ هذا؟ وأعطاني عشرة اُخرى، وقال: اشترِ به دقيقاً ولا تنخله، واخبزه!، فخبزته وحملته اليه، فقال لي: يا أبا عبد اللّه! العقيقة سنة، ونخل الدقيق بدعة، ولا ينبغي أن يكون في السنة بدعة، ولم اُحب أن يكون ذلك الخبز في بيتي بعد ان كان بدعة»(١) !!
٢ - روي أن رجلاً قال لأبي بكر بن عياش: «كيفَ أصبحتَ؟ فما أجابه، وقال: دعونا من هذهِ البدعة»(٢) !!
٣ - وروي عن أبي مصعب صاحب مالك انه قال: «قدم عينا ابن مهدي - يعني المدينة - فصلى ووضَعَ رداءَه بينَ يدي الصف، فلّما سلَّم الامام رمقه الناس بأبصارهم، ورمقوا مالكاً، وكانَ قد صلّى خلفَ الامام، فلّما سلَّم قال: مَن ههنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحبَ هذا الثوب فاحبساه! فحُبس، فقيل له: انه ابن مهدي، فوجَّه اليه وقال له: أما خفتَ اللّه واتقيته أن وضعتَ ثوبكَ بينَ يديكَ في الصف، وشغلتَ المصلين بالنظر اليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنّا نعرفه، وقد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :
(مَن أحدثَ في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين)؟ فبكى ابن
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ٧٤.
(٢) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: ٢، كتاب العزلة، ص: ٢٥١.
مهدي، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا في غيره»(١) !!
٤ - وقد نقل (ابن الحاج) في كتاب (المدخل) ألواناً شتى من هذهِ الاباطيل، وحشد كتابه بما يجسد هذا التفكير المنحرف، وأطلقَ (البدعة) على شتى ما تفرضه قوانين الحياة من مظاهر وأحكام وضرورات، وسوف ننقل لَك - أيها القارئ الكريم - نماذج مقتطعة من كلمات (ابن الحاج) هذه، لترى بنفسك الى أين وَصَل هؤلاء المتحجرون بشريعتنا الاسلامية السمحاء، وكيف ضيّقوا على المسلمين، وافتروا على دين اللّه ما لم ينزل به سلطاناً:
* يقول (ابن الحاج) فيما يتخيله من البدع المحدثة في المساجد: «ومن هذا الباب الكرسي الكبير الذي يعملونه في الجامع، ويؤبدونه، وعليه المصحف الكبير، لكي يُقرأ على الناس. وأول مَن أحدثَ هذهِ البدعة في المسجد الحجاج، أعني القراءة في المصحف، ولم يكن ذلكَ من عمل مَن مضى»(٢) !!
* ويقول أيضاً حول نفس الموضوع: «ومن هذا الباب أيضاً ما أحدثوه في المسجد من الصناديق المؤبدة، التي يجعل فيها بعض الناس أقدامهم وغيرها من أثاثهم، وذلك غصب لموضع مصلّى المسلمين»(٣) !!
* ويقول أيضاً: «ومن هذا الباب الدكّة التي يصعد عليها المؤذنون للأذان يوم الجمعة، ولا ضرورة تدعو للأذان عليها، بل هي أشد من الصناديق، إذ يمكن نقل الصناديق، ولا يمكن نقلها»(٤) !!
* ويقول ايضاً: «وأما بلاد المغرب فقد سلموا من تقطيع الصفوف، لكن بقيت عندهم بدعتان: إحدهما كبر المنبر على ما هو هنا، والثانية: أنَّهم يدخلون المنبر في بيتٍ
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ١١٦.
(٢) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٠٦.
(٣) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢: ص: ٢٠٧.
(٤) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٠٧.
إذا فرغ الخطيب من الخطبة. ومنبر السُّنة غير هذا كلِّه، كان ثلاث درجات لا غير»(١) !!
* ويُعدُّ وجود (المراوح) في المساجد من البدع أيضاً حيث يقول: «وَقَدَ مَنَع علماؤُنا رحمة اللّه عليهم المرواح، إذ إنَّ اتخاذها في المساجد بدعة»(٢) !!
* كما ويعتبر المصافحة بعد الصلاة من البدع، ويخص المصافحة المشروعة في حالة لقاء المسلم بأخيه المسلم فقط! فيقول في ذلك: «وينبغي له - يقصد لامام صلاة الجماعة - أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح، وَبعدَ صلاة العصر، وبعد صلاة الجمعة، بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس، وذلك كلُّه من البدع.
وموضوع المصافحة في الشرع انّما هو عند لقاء المسلم لأخيه، لا في إدبار الصلوات الخمس. وذلكَ كلُّه من البدع، فحيث وضعها الشرع نضعُها، فينهى - أي الامام - عن ذلكَ، ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السُّنة»(٣) !!
* ويعد (ابن الحاج) سكب ماء الورد علي قبر الميت من البدع فيقول: «ثمَّ العجب من كونهم يأتون بماء الورد، فيسكبون ذلكَ عليه في القبر، وهذهِ أيضاً بدعة اُخرى، لأنَّ الطيب إنَّما شرّع في حق الميت بعد الغُسل لا في القبر، فكيف يجتمع طيب ونجاسة»؟!!
* ويعتبر (ابن الحاج) أيضاً فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة، فيقول: وينبغي له - أي لامام المسجد - أن ينهى الناس عمّا أحدثوه من إرسال البسط والسجّادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها. وقد تقدمَ ما في ذلكَ من
____________________
(١) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢١٢.
(٢) ابن الحاج: المدخل، ج: ٢، ص: ٢١٧.
(٣) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢١٩.
القبح، ومخالفة السلف الماضينرضي الله عنهم أجمعين »(١) !!
* وحول دخول السقائين الى المساجد يقول: «وينبغي له - أي لامام المسجد - أن يمنع السقّائين الذين يدخلونَ المسجد وينادونَ فيه على مَن يسبِّل لهم، فاذا سبَّل لهم ينادون: غفر اللّه لمن سبَّل، ورحم اللّه مَن جعل الماء للسبيل، وما أشبه ذلك من ألفاظهم، ويضربون مَعَ ذلك بشيء في أيديهم له صوت يشبه صوت الناقوس، وهذا كلُّه من البدع، وممّا ينزَّه المسجد عن مثله»(٢) !!
* ولا تسلم الثياب التي يرتديها الانسان في قيمتها ومقدارها من معزوفة (ابن الحاج) في البدع حيث يقول: «ولا يظن ظان أنَّ ما ذُكر من لبس الحسن من الثياب هو ما اعتاده بعض الناس في هذا الزمان، بل ذلكَ على ما دَرَجَ عليه السلف، وكانوا رضوان اللّه عليهم على ما نقله الامام أبو طالب المكّيرحمهالله في كتابه: أثمان أثوابهم القمص كانت من الخمسة الى العشرةِ فما بينهما من الاثمان، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين، قيمة ثيابهم ما بينَ العشرين والثلاثين، وكان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمته أربعينَ درهماً، وبعضهم الى المائة، ويعدُّه سرفاً فيما جاوزها، انتهى.
فعلى هذا فما زادَ على ذلكَ فهو من البدع الحادثة بعدهم»(٣) !!
* ولم يكتفِ (ابن الحاج) بالقول بأنَّ فرش البسط قبل مجيء أصحابها بدعة كما تقدم، وانما أعرب عن قناعته بما هو أكثر من ذلك بالقول: «وأمّا فرش البسط في المسجد فهو بدعة»(٤) !!
* ويحذّر (ابن الحاج) من فرش السجّادة على المنبر، لانَّه ليس موضعاً للصلاة!
____________________
(١) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٢٤.
(٢) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٢٥.
(٣) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٣٨ - ١٣٩.
(٤) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٦٤.
كما يحذِّر من فرش درج المنبر يوم الجمعة، لأنَّ ذلك لم يكن فيما مضى، فهو إذن من البدع المحدثة! فيقول في ذلك: «وليحذر أن يفرش السجّادة على المنبر لأنَّ ذلكَ بدعة، إذ انَّه لم يأتِ عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا عن أحدٍ من الخلفاء بعده، ولا عن أحدٍ من الصحابة، ولا السلفرضي الله عنهم أجمعين، فلم يبقَ إلا أن يكون ذلك بدعة، ولا ضرورة تدعو إليها، لانّه ليسَ بموضعِ صلاة.
وكذلكَ ينبغي أن يُمنع ما يُفرش على درج المنبر يوم الجمعة، فانه من باب الترفه، ولم يكن من فعل مَن مضى، فهو بدعة أيضاً»(١) !!
* ويعتبر أيضاً اتخاذ إمام الجمعة السجادةَ للصلاة عند محرابه بدعة، فيقول: «فاذا فرغ - أي امام الجمعة من خطبته ودعائه - منهم، فليُقم المؤذن الصلاة، فاذا دخل المحراب، فينبغي له أن يصلّي على ما هناك من الحصير، ويترك السجادة، إذ انَّ اتخاذها للصلاة بدعة»(٢) !!
* كما يجعل بعض العلماء على ما ينقله (ابن الحاج) عنهم قعودَ إمام الجمعة في مصلاه، بعد فراغه من الصلاة، على هيئته التي كان عليها في أثناء الصلاة، من البدع المحدثة، فيقول: «قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم: وبعض الأئمة - أي أئمة الجمعة - يقعد في مصلاه على هيئته التي كانَ عليها في صلاته، وذلكَ بدعة، لانَّه عليه الصلاة والسلام لم يفعله، ولا أحد من الخلفاء، ولا من الصحابة بعده، رضي الله عنهم أجمعين»(٣) .
الى غير ذلكَ من السفاسف والاباطيل التي يدرجها في هذا الباب(٤) .
ويكفي لكل مَن كان يمتلك أدنى اطلاع عن تعاليم الشريعة الاسلامية،
____________________
(١) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٦٨.
(٢) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢١٧.
(٣) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢١٧.
(٤) لمزيد من الاطلاع على هذا الفهم المغلوط ل(البدعة) راجع المدخل لابن الحاج، ج: ٢، باب فصل في ذكر البدع التي اُحدثت في المسجد والامر بتغييرها، وغيره من المواضع، ص (٢٠٣ - ٢٣٩).
ومصادرها الاساسية، وما تتمتع به من حيوية، ومرونة، وشمولية لجميع مرافق الحياة أن يتبين الاساس الخاطئ الذي بُني عليه هذا اللون من التفكير الذي يحمله (ابن الحاج)، وامثاله ممن ملأ الدنيا تشنيعاً على أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، ونيلاً من معتقداتهم الحقّة التي تتنزه عن مثل هذهِ الأقاويل الجوفاء، وتنزه شريعة الاسلام عن مثل هذا التحجر، والجمود، والانزواء، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً انَّ مثل هذا السلوك لم يكن من باب الحرص على الشريعة الاسلامية، ومبادئها، وتعاليمها، بقدر ما هو ذريعة لاتهام الآخرين، والصاق الافتراءات بهم، تحت هذا الغطاء والعنوان المفتعل، تلبيةً لنزوات الحقد الدفين، وإيغالاً في شق صفوف المسلمين، ووحدة كلمتهم.
فلِمَ التشبث بما فعله السلف، وترك السير على هدي عدلاء القرآن الكريم، وامناء وحي اللّه في أرضه؟ ولِمَ التخلف عن ركوب سفينة النجاة، والانحراف عن صراط ائمة الهدى، الذي أمر اللّه تعالى بالاقتداء بهم، والأخذ منهم، والرجوع اليهم، واستقاء مفردات التشريع نقيةً صافيةً من معينهم الثر الذي لا ينضب، ما دام قريناً للقرآن الخالد؟
فهل يُعقل أن يجمد الاسلام في وجه متغيرات الحياة ومستجداتها الى هذا المستوى من الركود؟ وهل من الممكن أن يبقى التشريع ساكناً في خضم حركة الحياة الصاعدة، ويعود بالانسان في كل خصوصيات الحياة الى حيث ما كان، فيحجبه بذلكَ عن ترشيد وعيه، وإطلاق العنان لفكره الخلاق، وإبداعاته المختزنة؟!
وهل يعني الاسلام إلا الانفتاح على كل ما من شأنه أن يرقى بحياة الانسان نحو التقدم المشروع، ويجرّ الخير والسعادة الى البشرية جمعاء؟
إنَّ هذا الفهم الساذج والمغلوط ل(البدعة) نجد جذوره ممتدة في عمق التاريخ الاسلامي الى حيث الصدر الأول للتشريع، فقد كانَ بسطاء الناس يقصرونَ النظر الى الامور من زاوية كونها اُموراً محدثة لم تكن موجودة على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بطريقة
ذات اُفق ضيق ومحدود، وفهم ساذج ومغلوط.
فيروى مثلاً: «انَّ سعد بن مالك سمع رجلاً يقول: (لبيكَ ذا المعارج)، فقال: ما كنّا نقول هذا على عهد رسول اللّه»(١) .
إنَّ هذهِ الحادثة وإن كانت مبنية على عدم التفريق بين ما ورد فيه دليل عام، وبين ما ورد فيه دليل خاص. إلا انّها تعكس مدى ما كان يحمله بعض المسلمين من فهم ساذج لمفهوم الابتداع.
ونظير ذلك ما ذكره (ابن الحاج) في (المدخل) حيث يقول: «وقد كانَ عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما مارّاً في طريق بالبصرة، فسمع المؤذن، فدخل الى المسجد يصلّي فيه الفرض فركع، فبينما هو في أثناء الركوع، وإذا بالمؤذن قد وقف على باب المسجد وقال: حضرت الصلاة رحمكم اللّه.
ففرغ من ركوعه، وأخذ نعليه، وخرج، وقال: واللّه لا اُصلّي في مسجدٍ فيه بدعة»(٢) .
لقد نشأ هذا الفهم الخاطئ لمعنى (البدعة) من الاعتقاد بأنَّ كلَّ أمرٍ حادثٍ لم يكن موجوداً في عصر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يرد بشأنه دليل معيّن يخصه بالذكر، فانَّه داخل في حيِّز الابتداع.
ومن هنا يأتي ما طالعناه آنفاً من العبارات المتقدمة التي يُعدُّ البعضُ فيها نخلَ الدقيق من البدع المحدثة في الدين، ويعدُّ البعض الآخر وضعَ المرء رداءه بين يدي الصف في الصلاة من البدع أيضاً، كما يرى آخر انَّ التحية بعبارة (كيف أصبحت) من مصاديق الابتداع، ويعدّون أيضاً إدخالَ المراوح الى المساجد، والمصافحة بعد الصلاة، وسكبَ ماء الورد على القبر، وفرشَ البسط في المساجد أو على المنابر، ولبسَ ما زادت
____________________
(١) ابن الجوزي، تلبيس ابليس، تحقيق د. الجميلي، ص: ٢٥.
(٢) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٦٢.
قيمته على المائة درهم من الثياب. يعدّون كل ذلك بدعاً محرّمة، يحب محاربتها، والقضاء عليها. وما كان حجتهم في ذلك إلا أنّ هذهِ الامور وأمثالها لم تكن موجودة في عصر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانّها تفتقد الى النص الخاص الوارد بشأن إباحتها، أو مطلوبيتها، أو انَّه لم يُعهد من السلف المتقدِّم مزاولتها، والاتيان بها.
ولنا مَعَ هذا اللون من التفكير الخاطئ وقفة اُخرى أكثر تفصيلاً في مواضع مناسبة من هذهِ الدراسة باذن اللّه تعالى، نتبيَّن من خلالها أنَّ الأمر الذي لم يرد بشأنه الدليل الخاص لا يكون بدعة، إلا إذا لم يجد له عنواناً شرعياً عاماً ينضوي تحته، وينتسب الى الدين من خلال كونه واحداً من موارده ومصاديقه، وأما إذا ما وُجد دليل عام يشمل الأمر الحادث، فان دخوله تحت عنوان هذا الدليل يخرجه عن حدّ الابتداع، وحقيقته، حتى لو لم يكن ذلك الأمر الحادث موجوداً في عصر الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يرد بشأنه دليل معين يذكره بالخصوص.
وأمّا قضية الاحتكام الى فعل السلف، فهو ما سنتعرض له بالمقدار الذي يتعلق بموضوعنا هذا بايجاز.
فعل السَّلَف
إنَّ الملاحظ على الكثير من الدراسات التي دونها علماء العامة حول موضوع (البدعة)، وحول الكثير من الموارد التي ألصقوا بها عنوان الابتداع، قد بُنيت على أساس حجية فعل السلف، ومساوقته لشرط الارتباط بالدين، فما فعله السلف والتزموا به كان تركه (بدعة)، وما تركوه كان فعله (بدعة) حسب رأيهم.
وقبل أن نقوم بمناقشة هذا الرأي في خصوص ما نحن فيه، نحاول أن نستعرض بعض النماذج من أقوال علماء العامة التي بنت القول بالابتداع في القضايا المتعددة على فعل السلف، وجعلت هذا الأمر في عداد المصادر الأساسية للتشريع، لكي يطلّع القارئ
الكريم بنفسه على هذا النمط من الاستدلال، ويقف معنا بعد ذلك على حقيقة الأمر فيه.
* يقول (ابن تيمية) حول المولد النبوي الشريف: «. فانَّ هذا لم يفعله السلف مَعَ قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كانَ هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منّا، فانَّهم كانوا أشد محبةً لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص»(١) .
فعمدة الدليل عند (ابن تيمية) لرمي الاحتفال في يوم المولد النبوي بالابتداع، هو عدم فعل السلف له، وفي حقيقة الحال انَّ هذهِ الذريعة هي آخر ما يمكن أن يتشبث به (ابن تيمية) لإدخال هذا الامر في دائرة الابتداع، إذ لا يسعه إنكار ما ورد بشأن الحث على توقير رسول اللّه، ونصرته، وتبجيله، من نصوص غفيرة، كما لا يتسنى له القول بانَّ مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لا تعبر عن تلك الادلة العامة، ولا تكون مصاديق وموارد تطبيقية لها. فاذن لا يوجد محيص عن اعتبار فعل السلف حجّة، والتمسك به، لادخال الاحتفال بالمولد في دائرة الابتداع!
ومما يدلل على اعتراف (ابن تيمية) باندراج عمل المولد تحت عموميات التشريع التي تحث المسلمين على محبته، وتوقيره، وتبجيلهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: «وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسىعليهالسلام ، وإمّا محبةً للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتعظيماً له، واللّه قد يثيبهم على هذهِ المحبة والاجتهاد، لا على البدع، من اتخاذ مولد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عيداً، مَعَ اختلاف الناس في مولده»(٢) .
فهذا النص يوضّح انَّ الاحتفال بالمولد من مظاهر محبة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن مصاديق الاجتهاد في تعظيمه، وتوقيرهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانَّ بالامكان أن يُحمل عمل المحتفلين بالمولد النبوي على هذا العنوان، ويكون عملهم داخلاً في صميم التشريع، ومن أبرز
____________________
(١) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم: ص: ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٢) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢٩٤ - ٢٩٥.
مصاديق السنة والاتباع، إلا انّ التعسف والتحميل يمكن أن يضفي عناوين وعناوين للايهام بعدم مشروعية هذا العمل، كاتخاذ المولد عيداً، أو اختلاف الناس في مولده، وغير ذلك من الانتحالات المدفوعة، مما يبرز لنا الوجه الحقيقي للاصرار القابع خلف هذهِ الاتهامات، ومحاولة الوصول بها الى مرحلة التحدي، مهما كان الثمن باهضاً.
ومما يدلل على وقوع (ابن تيمية) في الاضطراب بعد أن رمى الاحتفال بالمولد النبوي بالابتداع قوله: «فتعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم، لحسن قصده، وتعظيمه لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
وما دام الأمر كذلك، وليس هناك بدّ من حلِّ الروابط الوثيقة بين الاحتفال بالمولد النبوي، وبين اُصول التشريع وتعاليمه الصريحة، فلا بدَّ من البحث عن مبرر لالصاق لفظ (البدعة) به، وإخراجه عن الدين، فكان أن وقع الاختيار على فعل السلف!
* وجاءَ في (القول الفصل) عن بعضهم: «. وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال انَّها ليلة المولد، وبعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجّة، وأول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسمّيه الجهال عيد الأبرار، فانَّها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها»(٢) .
* وقال (الحفّار): «ليلة المولد لم يكن السلف الصالح، وهم أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتابعون لهم، يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة.»(٣) .
____________________
(١) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢٩٧.
(٢) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، عن القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، ص: ٤٩، عن الفتاوى المصرية، ج: ١، ص: ٣١٢.
(٣) - جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٥٣، عن منهاج الفرقة الناجية، ص: ٥٥، عن كتاب السنن والمبتدعات، ص: ١٣٨ - ١٣٩.
* وقال (ابن الحاج) في (المدخل): «فالسعيد السعيد مَن شدَّ يده على الكتاب والسنة، والطريق الموصلة الى ذلك، وهي اتباع السلف الماضين رضوان اللّه عليهم أجمعين، لأنَّهم أعلم بالسنة منّا، إذ هم أعرف بالمقال، وأفقه بالحال، وكذلك الاقتداء بمن تبعهم باحسان الى يوم الدين.».
ويضيف محذِّراً من الاحتفال بيوم المولد باعتباره ليس من عمل السلف الماضين: «وليحذر من عوائد أهل الوقت، وممن يفعل العوائد الرديئة، وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع، فان خلا منه، وعمل طعاماً فقط، ونوى به المولد، ودعا اليه الاخوان، وسلم من كل ما تقدم ذكره، فهو بدعة بنفس نيته فقط، إذ انَّ ذلك زيادة في الدين، وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى، بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه، لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتعظيماً له، ولسنتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولهم قدم السبق في المبادرة الى ذلك، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم انّه نوى المولد، ونحن لهم تبع، فيسعنا ما وسعهم»(١) .
* وقال (الشاطبي): «فكل مَن خالف السلف الأولين فهو على خطأ»(٢) .
* ويقول محمد جميل زينو حول الاحتفال بالمولد: «والاحتفال لم يفعله الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا الأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل القرون المفضلة»(٣) .
* وقال أبو الحسن القرافي: «انَّ الماضين في الصدر الأول حجة على مَن بعدهم، ولم يكونوا يلحنون الاشعار، ولا ينظمونها بأحسن ما يكون من النغم، إلا من وجه إرسال الشعر، واتصال القوافي، فان كان صوت أحدهم أشجن من صاحبه، كان ذلك
____________________
(١) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢: ص: ١٠.
(٢) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٧٣، عن الموافقات، ج: ٣، ص: ٧١.
(٣) محمد جميل زينو، منهاج الفرقة الناجية، ص: ١٠٧.
مردوداً الى أصل الخلقة، لا يتصنعون، ولا يتكلّفون»(١) .
*ويقول ابن الحاج فيما يعد من بدع المساجد: «ومن هذا الباب الكرسي الكبير الذي يعملونه في الجامع، ويؤبدونه، وعليه المصحف لكي يقرأ على الناس. ولم يكن ذلكَ في عمل مَن مضى»(٢) .
ويقول أيضاً: «وكذلك يغيِّر ما يعلقونه من خرق كسوة الكعبة في المحراب وغيره، فان ذلك كله من البدع، لأنَّه لم يكن من فعل مَن مضى»(٣) .
الى آخر ما ذكرناه عنه في بداية فصلنا هذا.
فالملاحظ على كل هذهِ النصوص المتقدمة والكثير غيرها مما لا يسعنا ذكره لضيق المقام، انَّها قد اعتمدت القاعدة السابقة التي تنص على ان ما لم يفعله السلف فهو بدعة، وضلالة محرَّمة، وانطلق البعض من هذا المبنى، ليشيد ركاماً من البدع التي لا أساس ولا واقع لها، ويقذف المسلمين بغير حق.
ونحن نعتقد انّ عمل السلف ليس مصدراً من مصادر التشريع كما صوّره الكثير من علماء العامة، وفرَّعوا على حجيته الكثير من الاحكام الشرعية التفصيلية، ولا يمتلك عمل السلف بحد ذاته أية مشروعية في الدين الاسلامي، ولا يوجد لدينا أي دليل يشير الى اعتباره وحجيته في مجال الاحكام الشرعية وما يتعلق بذلكَ من قريب أو بعيد.
إضافةً الى انّ قبول هذا المبنى يعني استسلام الشريعة المقدسة الى البدع والمحدثات، واختلاط الحلال بالحرام، والوقوع في تناقضات أفعال السلف، التي طفحت بها كتب الرواية والحديث.
____________________
(١) أبو اسحاق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٢٧٣.
(٢) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٠٧.
(٣) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢١٤.
والأمر الوحيد الذي نمتلكه بهذا الصدد هو انَّ فعل المتشرعة الذين يمثلون الطبقة الطليعية في المجتمع الاسلامي، والذين يحكي تصرفهم وسلوكهم عن واقع الاحكام الشرعية، باعتبار حرصهم على تطبيق تعاليمها، والجري على منهجها، انَّما هو حجة من ناحية كونه كاشفاً عن تلقّي الأمر عن مصدر التشريع.
ومن الواضح انّ هذهِ الدائرة لا يمكن أن تتسع لتشمل فعل جميع السلف بصورته المفترضة، وانما تقتصر حجيتها في حدود المتشرعة منهم خاصة، وقد تناولت الدراسات المتخصصة في علم (اُصول الفقه) هذا النمط في الاستدلال، وبيَّنت الخصوصيات التفصيلية لطبيعة الاستدلال بسيرة المتشرعة، وشرائط حجيتها.
وأما بخصوص فعل السلف الذي تفترض الحجية له، فنحن لا نمتك موقفاً موحداً يجمع آراء السلف في أغلب القضايا الشرعية، وأكثرها حساسية وعمقاً، في المقطع الزمني الواحد، فكيف إذا كان الامر متوزعاً على المقاطع الزمنية المتعاقبة؟ بل وقد نقل لنا التاريخ وقوع الاختلاف الذي لا يمكن بشأنه الجمع، وحصول الاجتهادات المتضاربة التي لا تقبل التوفيق بين آراء الصحابة والتابعين في الكثير من القضايا الشرعية، مما لا يسع المتتبع إنكاره بوجه من الوجوه.
مَعَ ان هناك الكثير من الاعمال المنسوبة الى السلف في جانبي الفعل والترك، كانت محكومة بالأجواء السياسية السائدة آنذاك، وقد نشأت من جراء ذلك التزامات عامة، وتروك عامة، نتيجة لمماشاة العوام مَعَ رأي السلطات الارهابية في تلك العصور، مما يفرض الحاجة الى دراسة خلفيات تلك الممارسات الصادرة من السلف، والاطلاع على دوافع نشوئها، وعدم التعامل معها كمصدر تشريعي ثابت، لا يقبل الجدل والنقاش.
فأفعال السلف قد تنشأ من حالة الخوف والسطوة المشار اليها آنفاً، وقد تنشأ من حالة التسامح وعدم الاكتراث باُمور الشريعة، وقد تنشأ من فهم خاطئ وتأويلات غير دقيقة للنصوص الشرعية. الى غير ذلك من الدواعي والمسبِّبات.
ونحن على يقين من انَّ أصحاب الرأي القائل بوجوب اتّباع السلف، لا يمتلكون أية ضابطة تحدد لهم هوية السلف المتَبِعَين الذين قد تم إعطاؤهم هذا الحجم الخطير من الثقة والتعويل في اُمور الشريعة المقدسة، فمن هم هؤلاء السلف؟ وما هي هويتهم مَعَ هذه الكثرة الغفيرة في فرق المسلمين وطبقاتهم؟ وكيف يمكن لشخصٍ أن ينتظم في سلك هؤلاء ويكون فَرداً منهم؟ وما هي الوسيلة التي تضمن الاطلاع على استقصاء السلف في مطلب معيّن، والحصول على جميع آرائهم فيه؟
إنَّ من الغريب حقاً أنَّ (ابن تيمية) الذي طالعنا له النصوص المتقدمة في اعتماده على فعل السلف بشكل معلن، وهو من اشتهر في تعصبه لهذا المبنى في مختلف استدلالاته وأحكامه، نراه ينظّر لعدم جواز التعويل على إجماع الامة وإقرارها بالقول:
«فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر مَن اعتادها عامة، أو مَن قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم، ولا يعدّون من اُولي الأمر، ولا يصلحون للشورى، ولعلهم لم يتم إيمانهم باللّه وبرسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل من غير رويّة، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الائمة والصديقين»(١) .
فاذا كان أهل الفضل يدخلون في العادات السائدة لدى عوام الناس، من غير روية، أو عن طريق الشبهات الطارئة، أو يكونون في أحسن أحوالهم من المجتهدين، فأين هذا من القول بحجية فعل السلف؟ وكيف يمكن التعويل على مثل هذهِ التناقضات والتهافتات المطّردة؟
وعلى أية حال فنحن على الاعتقاد الراسخ بأنَّ مصدر التشريع الأساسي الذي يمتلك الكلمة الفاصلة بشأن التشريع، والذي تُستقى من خلاله أحكام الدين الحقيقية، يجب أن يكون مصوناً عن الخطأ، ومحفوظاً من أدنى ما يمكن تصوره من حالات
____________________
(١) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢١٧ - ٢٧٢.
التفاوت، والاختلاف، والاشتباه، ويستحيل عقلياً أن يقع في التناقض، أو يُبنى على أساس الاجتهاد، وانَّ أي مصدر تشريعي مفترض آخر لا بدَّ أن ينتهي الى هذا المصدر المعصوم، ويستمد شرعيته من هذا الطريق، وانَّ الذي يحدد ذلك هو كلام اللّه المنزل على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، باعتباره المصدر الاساسي الأول للتشريع، والمتفق عليه من المسلمين جميعاً، وقد تقدمَ معنا في بداية هذا البحث انَّ النص القطعي في الكتاب الكريم قائم على وجوب اتّباع الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، وقد ثبتت طهارة وعصمة أهل البيتعليهمالسلام بنص قوله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الِرّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهّرَكُم تَطهيراً ) (١) .
وثبت أيضاً عن الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم في (حديث الثقلين) المتواتر والمروي من طرق الفريقين انَّ أهل بيتهعليهمالسلام سيواكبون الرسالة الاسلامية الى آخر لحظات الحياة، وانَّهمعليهمالسلام الثقل الذي لن يفترق عن الكتاب الكريم حتى يردا الحوض.
وما دام كلامنا يتجه نحو الامور المرتبطة بأعراف الناس وتقاليدهم المتغيرة على مرِّ الأزمان والعصور، وانَّ مثل هذهِ الامور لا ترتبط بالابتداع، وانَّما هي متروكة لانتخاب الانسان، واختياره الخاص، ما دام لا ينسبها الى الشرع، وما دامت لا تخضع لعنوانٍ تحريمي خاص. فانَّ من المناسب أن نلوي عنان الحديث لخصوص هذهِ النقطة، ونتحدث عن فعل السلف وما يدّعى له من حجية في مثل هذهِ الامور، لا سيما من زاوية شكلياتها العرفية المتفاوتة بين المجتمعات، وادّعي عدم وجودها في حياة السلف - على الرغم من اننا لا نقيم لهذا الدليل وزناً - من باب عدم وجودها الشكلي والتقليدي الذي صارت اليه في الازمنة المتأخرة كما سنرى.
فالذي تهمنا الاشارة اليه في المقام هو انَّ من غير الممكن لنا قبول التحجمّ في اطار
____________________
(١) الاحزاب: ٣٣.
الامور العرفية العامة التي لا ترتبط بالدين، ولا تمس اُصول التشريع ومبانيه في نطاق فعل السلف، ولا نتعقل بشكل مطلق إمكانية الجمود على ما كان سائداً في عصر التشريع الأول - أو في أي عصر مفترض آخر - من عادات وأعراف وتقاليد، والبقاء في نطاقها الموروث في مختلف الازمنة التي يمر بها الانسان المسلم، مهما كانت الذرائع والحج، ومهما تُكلِّف لذلك من ادعاءات وبراهين.
فالدين الاسلامي هو الدين السماوي الشامل لجميع الامم والقوميات البشرية، ولا يمكن لتعاليمه الخالدة أن تتحجم ضمن عادات وأعراف خاصة، أو تنحصر في نطاق جوٍّ تقليدي معيَّن، بل هو فوق كل هذهِ الاعراف المتفاوتة، والتقاليد المتغيرة، لأنَّه يعالج واقعاً ثابتاً في صميم الانسان، ويطرح أنظمة وقوانين عامة تتكفل هداية البشر كافة الى سبيل السعادة والنجاة، فلا يمكن أن تتبدل قيمه ومبادئه بتبدل المكان، أو بحركة الزمان، أو بتطور العلوم، وارتقاء المعارف والفنون بشكل مطلق.
ومن المتفق عليه انَّ العقل البشري يقضي باختلاف الاعراف، والعادات، والتقاليد، لنفس المجتمع الواحد، خلال فترات متعاقبة، فكيف بالمجتمعات المتضاربة في أعرافها، والمتفاوتة في عاداتها وتقاليدها الخاصة.
ولا يعني كلامنا هذا أنَّ الدين الاسلامي لا يقيم أية موضوعية للاعراف الاجتماعية في أحكامه الشرعية، ولا يعتدّ بشيء منها ما دامت محكومةً بالاختلاف والتغير المستمر، وانما نعني عبر هذهِ الاشارة العاجلة انَّ الحكم الاسلامي لا يتحجم ضمن زمنٍ خاصٍ، وينطبق في دائرة تقليدية معينة، ولا يقف حائلاً دونَ حركة الحياة، وتقدمها بالانسان، أو يأمر الاعراف بالمراوحة عند واقع زمني محدد، وهو عصر نزول الوحي، وانبثاق فجر التشريع.
وبعبارة اُخرى انَّ العرف الانساني العام بما يحمل من أبعاد التغير، والتطور، والاختلاف، يعدُّ أمراً ملحوظاً من قبل الشريعة، ومنظوراً اليه من خلال زوايا متعددة
في التشريع، وأمّا العرف الخاص بمجتمع معيَّن، أو قومية محددة، فلا يمتلك موضوعية خاصة به في التشريع الاسلامي، الا من خلال كونه داخلاً تحت عنوان العرف الانساني العام الذي أشرنا اليه.
فالعرف الانساني العام إذن موضوع لاهتمام الشريعة الاسلامية واحترامها، ولذا نرى انّ الشريعة باحكامها المتنوعة، لا تكاد تتجاهل موقف العرف في حياة الانسان، وتغض النظر عنه شكل مطلق، وتغمض عن المداخلات التي يتفاعل فيها مَعَ التشريع، بل نرى انَّها تدخله فيصلاً في كثير من المجالات الشرعية، وتأمر بالرجوع والاحتكام اليه، ضمن حدود وشرائط خاصة، لا يمكن الاستطراد بذكرها هنا.
وعلى نحو العموم فانَّ التشريع الاسلامي يشق مساره في الحياة، مهما تنوعت الأعراف، وتغيرت النواميس والتقاليد، ولا يأمر بالتوقف عند نقطة معينة، على طول هذا الخط الانساني المديد.
وإدا ما حاول البعض أن يتشبث بعدم فعل السلف لمثل هذهِ الامور المتغيرة، والعادات المتفاوتة بين الناس، ويجعل عدم فعل السلف لها ذريعةً الى رمي العمل بالابتداع، فان هذا البعض قد ارتكب جناية لا تغتفر بحق التشريع الاسلامي، لأنَّه حكم ضمناً على تعاليم السماء بالقصور، والتخلف، والانكفاء.
وفي الحقيقة انّ القول بحجية فعل السلف في اُمور العادات، والاعراف، والتقاليد، يصل الى حدٍّ من الشناعة التي لا تستحق منّا الاستفاضة في إطالة الاجابة والرد عليه.
وكيف يمكن أن يكون في ترك السلف لعملٍ عرفي معين دلالة على عدم جواز الاتيان بذلك العمل من قبل الآخرين؟ وما هو المسوِّغ لالصاق مفهوم الابتداع بمثل هذا النمط من الأفعال المحكومة بالتغيّر والتبدّل على مرِّ الازمنة والعصور؟
فصحيح انَّ الامور العبادية، والاحكام التشريعية الاخرى لا يمكن أن تُقتطع عن الممارسات الاجتماعية والعرفية التي يزاولها الانسان في حياته، ولا يصح أن تُلغى تلكَ
العادات والاجواء المتغيرة التي تحف بالامور الشرعية، والتي تختلف عادةً باختلاف طبائع الناس وأساليبهم الحياتية المتنوعة من جهة، وتتغير تبعاً لتصاعد الزمن من جهة اُخرى، ولكنَّ هذا لا يعني عدم إمكانية النظر الى الامور العبادية، والاحكام التشريعية التوقيفية الاخرى، بمعزل عن هذهِ التغيرات، وتحصينها من التعديل والتبديل، وايجاد الأغطية الشرعية الكافية لحمايتها من ظاهرة (الابتداع)، بل نجد انَّ هذهِ التعاليم المقدسة تحتفظ بجميع خصائصها ومميزاتها وأهدافها التربوية في كل الازمنة، ولمختلف القوميات والأقليات البشرية، ولا يمكن أن يطرأ عليها التغير، باعتبار أنَّها تنطلق من واقع فطرة الانسان، وتنسجم مَعَ توجهاته الفطرية الثابتة في كل مراحله وعصوره، على حدٍّ سواء.
فنحن نجد أنَّ هناكَ فرقاً كبيراً وشاسعاً بين مَن يسافر الى الحج على ظهر الدابة، ومَن يسافر لأداء هذهِ الفريضة على متن الطائرة، وبين مَن يصلّي على الأرض أو على بساطٍ من الخوص، ومَن يصلي وتحت قدميه سجادة فاخرة، وبينَ مَن يقرأ القرآن على الألواح والاكتاف والجلود، ومَن يقرأه على الاوراق الصقيلة وبالحرف الجميل الواضح، وبينَ مَن يتعبّد في المساجد في الحرّ القائض وهو يروِّح على وجهه وجسده بثيابه، ومَن يتعرض خلال ذلك لنسيم مكِّيفات التبريد، وبينَ مَن يطلق صوته على المنبر بأقصى ما يمتلكه من طاقة ووسع ليسمع البعيد من الحاضرين المواعظَ والخطبَ الاسلامية، وبين مَن يتسعين بمكبرات الصوت الحديثة من دون تكلّف أو عناء، وبينَ مَن يُجري صفقةَ بيعٍ كبيرة مَعَ تاجر يبعد عنه آلاف الاميال من خلال سفره أو سفر وكيله بمشقة اليه لايقاع صيغة العقد، ومَن يُجري نظير هذهِ الصفقة خلال مكالمة هاتفية قصيرة.
إنَّ روح الاحكام الشرعية وحقائقها لا يطرأ عليها التغير والتبديل، على الرغم من تنوع مظاهر الحياة، واختلاف العادات، والأعراف، والوسائل التي تكتنفها، وتحفُّ بها.
والشريعة الاسلامية قد خصت ظاهرة (الابتداع) بجوهر الأحكام الشرعية وحقائقها، دون الامور الخارجة عنها، وغير المرتبطة بها، والتي لا يُعقل أن تكون ثابتة على طول خط التشريع الذي يواكب الحياة الانسانية حتى اللحظات الاخيرة.
فاذا ما حدثت زيادة أو نقيصة في ذات الأمر الشرعي المعيَّن كالصلاة مثلاً، فانَّ هذا الأمر يكون داخلاً ضمن معنى الابتداع، لأنَّه إدخال لأمرٍ ليس من الدين فيه، وأمّا إذا ما تغيرت ظروف الانسان، وأعرافه الخاصة، بما لا يؤثر على حدود الصلاة، وواجباتها، وحقيقتها، ولم يكن مندرجاً تحت امرٍ محظورٍ، ولم يكن منهياً عنه من قبل الشريعة، فهو ما لا يقبل الوصف بالابتداع، ويخرج عن موارد (البدعة) من الأساس.
إنَّ هناك اموراً شرعيّة كثيرة كان يمارسها الناس في العصور المتقدمة باسلوبهم الحياتي المألوف، وكانت موجودة بشكلها الأولي الذي ينسجم مَعَ طبيعة المرحلة القائمة آنذاك، وظروفها وأجوائها الخاصة، إلا انَّ المسلم اليوم يمارس نفس ما كان يمارسه السابقون باُسلوب آخر، حسب أجوائه الحياتية الجديدة، وهو مَعَ ذلك يُتَّهم بالابتداع، ويُخرج من الدين، لمجرَّد تغيّر الاساليب والأعراف.
إنَّ أغلب الامور الشرعية الحادثة التي يمارسها الانسان المسلم في مراحله المختلفة تتصف بخاصيتين:
الخاصية الاولى: هو ما نستطيع أن نطلق عليه (الجانب الشرعي للأمر الحادث)، وهو عبارة عن أصل الممارسة المشروعة، والمبتنية على الأدلة الثابتة في التشريع.
الخاصية الثانية: هو ما نستطيع أن نطلق عليه (الجانب العرفي للأمر الحادث)، وهو عبارة عن شكلية الممارسة المشروعة، واُسلوب وقوعها، الذي يختلف حسب تطور الزمن، وطبيعة الاعراف، والتقاليد السائدة في المجتمع، من دون أن يؤثر على أصل مشروعيتها، وارتباطها بالدين.
ومسلمو اليوم يعملون الكثير من الامور المشروعة من جهة جانبها الشرعي الثابت والمتسالَم عليه، إلا انَّ تجسيدهم لها قد أخذ طابعاً حياتياً جديداً، فاذا حصل هناك تغيير عمّا كان عليه المسلمون في السابق، فهو انَّما ينحصر في الجانب العرفي للامر الحادث، لا في الجانب الشرعي منه، وتغيّر الجانب العرفي أمر تتطلبه ضرورة الحياة، وتقتضيه ضغوطات الواقع، ومستجداته الملحّة.
فقضية اقامة الاحتفال في المولد النبوي، والذكريات الاسلامية مثلاً، تجد قواسمها المشتركة في جميع الازمنة والعصور التي يمرّ بها المسلمون، كما وتجد دوافعها الشرعية الثابتة التي لا تقبل الترديد، فاحترام شخصية الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والاهتمام بالمقدسات الاسلامية، والذكريات الفاصلة في تاريخ الاسلام، اُمور مقطوعة الثبوت عند الجميع في جوانبها الشرعية الثابتة، وهي موارد إعتزاز واهتمام جميع المسلمين، إلا انَّ تجسيدها، والتعبير عنها واقعياً، يختلف حسب أساليب الناس المتنوعة، وأعرافهم المتفاوتة.
وبكلمةٍ اُخرى نستطيع القول بأنَّ عدم ثبوت الأمر الحادث في حياة السلف من جوانبه العرفية المتغيرة، باطّراد، لا يعني عدم ثبوته من جوانبه الشرعية، هذا كله بفرض التسليم للرأي القائل بحجية فعل السلف جدلاً.
وقد بيّنا فيما سبق بأنَّنا لا نقبل القول بحجية فعل السلف المدّعاة، لا على مستوى الامور الشرعية، ولا على مستوى الامور العرفية، ونعتقد بانَّه قد اُتخذ ذريعة لتبرير رمي المسلمين بالابتداع.
حرص مقلوب!
ونرى انَّ من المناسب في هذا المقام أن نوقف قارئنا الكريم على بعض النماذج
التأريخية من أفعال السلف، والتي بنيت على أساس فهم خاطئ لمعنى الاتباع، والتمسك بالسنة، والاقتداء بهدي الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتزام سيرته، فبدلاً من أن تعبّر هذهِ المظاهر عن حالة الحرص على الدين، أصبحت ذات مردودات عكسية وآثار سلبية، نتيجة للخطأ في فهم خصوصيات التشريع، وحدوده، فبينما يتصور أصحاب هذا النمط من السلوك أنَّهم متَّبعون ومقتفون لآثار الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتعاليم الاسلام، وإذا بهم يسيرون في واقع الأمر في عكس الاتجاه الذي يهدف اليه التشريع.
ومن أبرز هذه المظاهر ما يلي:
١ - عن عروة بن عبد اللّه بن قُشير قال: حدثني معاوية بن قرة عن أبيه قال:
«أتيتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في رهطٍ من مُزينة(١) فبايعناه، وانَّه لمطلق الأزرار، فادخلتُ يدي في جنب قميصه، فمسستُ الخاتم.
قال عروة: فما رأيت معاوية، ولا ابنه قط في شتاءٍ ولا صيفٍ، الا مطلقي الأزرار»(٢) .
فنحن نلاحظ هنا انَّ الاقتداء بمثل الأمر المذكور في الرواية لا يعدّ اتباعاً بالمعنى الشرعي، ولا يمثل الاقتداء المطلوب في نظر الشريعة بالرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ انَّ الأمر يتعلق بقضية حياتية خاصة، لا علاقة لها بالحكم الشرعي ولوازمه.
وهكذا الأمر فيما روي عن زيد بن أسلم انه قال:
«رأيت ابن عمر يصلّي محلولاً أزراره، فسألته عن ذلك، فقال: رأيتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يفعله»(٣) !
٢ - روي عن مجاهد انَّه قال:
____________________
(١) مزينة: احدى قبائل العرب.
(٢) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ١، باب: الترغيب في اتباع الكتاب والسنة، ح: ١٢، ص: ٨٢.
(٣) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ١، باب: الترغيب في اتباع الكتاب والسنة، ح: ١٣، ص: ٨٢.
«كنّا مَعَ ابن عمررحمهالله في سفرٍ، فمرَّ بمكانٍ فحادَ عنه، فسُئل لم فعلتَ ذلكَ؟ قال: رأيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فَعَل هذا ففعلت»(١) !
وهذا المظهر أيضاً لا يدخل تحت عنوان الاتباع، والتمسك بسيرة الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم والاقتداء بسنته، وإن حاول البعض أن يمتدحه، ويشيد به، ويحشره ضمن موارد الاتّباع، والحرص على الدين.
٣ - روي عن ابن سيرين انَّه قال:
«كنتُ مَعَ ابن عمررحمهالله بعرفات، فلما كان حين راح رحتُ معه، حتى أتى الامام فصلّى معه الاُولى والعصر، ثم وقف وأنا وأصحاب لي، حتى أفاض الامام، فأفضنا معه، حتى انتهى الى المضيق دون المأزمين، فأناخَ وأنخنا، ونحن نحسب انّه يريد أن يصلّي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: انَّه ليس يريد الصلاة، ولكنَّه ذكر أنَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا انتهى الى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته»(٢) !!
ولا نظن انَّ الأمر يحتاج منّا الى شيء من التعليق!
٤ - روي عن مروان بن سويد الأسدي انَّه قال:
«خرجتُ مَعَ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب من مكّة الى المدينة، فلمّا أصبحنا صلّى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهباً، فقال: أين يذهب هؤلاء؟، قيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلّى فيه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، هم يأتون يصلّون فيه، فقال: إنّما هلكَ مَن كان قبلكم بمثل هذا! يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعاً، مَن أدركته الصلاة في هذهِ المساجد فليصلّ، ومَن لا فليمضِ، ولا يعتمدها»(٣) .
وفي الحقيقة انَّ هذهِ المبالغة في نهي الناس عن الصلاة في مسجدٍ صلّى فيه رسول
____________________
(١) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ١، باب: الترغيب في اتباع الكتاب والسنة، ح: ١٤، ص: ٨٢.
(٢) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ١، باب: الترغيب في اتباع الكتاب والسنة، ح: ١٦، ص: ٨٢ - ٨٣.
(٣) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤١.
اللّه لا تقترب من الصواب، وانَّ هذا الحرص لم يكن في محلِّه، بل لعلَّه يسير باتجاه معاكس، وذلك لشرافة المسجد الذي يصلّي فيه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أولاً، ولأنَّ في مراعاة الصلاة فيه وقصده لأجل ذلك إحياءاً لسنن الشريعة، وأحكام الاسلام، وحفظاً لآثار الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتخليداً لمبادئه وذكراه.
٥ - قال (ابن وضّاح القرطبي) في كتابه (البدع والنهي عنها):
«أمَرَ عمر بن الخطّاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقطعها، لأنَّ الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة»(١) .
وهذا المضمون يتجه اتجاه الأمر السابق في ترتب الآثار السلبية، والمردودات العكسية لحالة الحرص الخاطئة.
٦ - ذكر (الشاطبي) في (الاعتصام):
«انَّ عمر قد ترك الاغتسال من الاحتلام، حتى طلع عليه الصباح، وانَّ قوماً من الصحابة راجعوه، وسألوه عن سبب تركه للاغتسال مَعَ انَّه كان بإمكانه أن يأخذ من أثوابهم ما يصلي به، ثم يغسل ثوبه عند سعة الوقت، فأجاب بأنَّه لو فعله لكان سنة، وقال: بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أرَ»(٢) .
وهذا التبرير غير مقبول، إذ انَّ الحرص على السنة يقتضي وفقاً للمبادئ الاسلامية الثابتة القيام بواجب اللّه تعالى، والذي هو هنا أعظم الواجبات الاسلامية على الاطلاق، ووجوب المبادرة الى الاغتسال من الاحتلام، وأداء الصلاة الواجبة قبل انقضاء الوقت، ما دام ذلكَ ممكناً.
ونجد ما يشابه هذا التبرير فيما رواه في (الاعتصام) أيضاً عن عثمان بن عفان، إذ يقول مبرراً له ترك السنة الثابتة، واتمام الصلاة في السفر:
____________________
(١) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤٢.
(٢) انظر: أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ٣٢.
«ومنه ما ثبت عن عثمانرضياللهعنه انَّه كان لا يقصر في السفر، فيُقال له: ألستَ قصرتَ مَعَ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيقول: بلى! ولكنّي امام الناس، فينظر اليَّ الأعراب، وأهل البادية اُصلّي ركعتين فيقولون: هكذا فُرضت»!
وأضاف الشاطبي الي ذلك القول:
«فالقصر في السفر سنّة أو واجب، ومَعَ ذلك تركه خوف أن يُتذرّع به لأمرٍ حادثٍ في الدين غير مشروع»(١) .
وهذا من الموارد التي جاءَ العذر فيها أقبح من الذنب!
٧ - جاءَ في (الاعتصام) عن ابن ابي العربي انَّه قال:
« كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وهو مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة، فحضر عندي يوماً في محرس أي الشعراء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدَّم الى الصف الأول، وأنا في مؤخرة قاعداً على طاقات البحر، أتنسَّم الريح من شدّة الحر، ومعي في صفٍ واحدٍ (أبو تمنة) رئيس البحر وقائده، في نفر من أصحابه، ينتظر الصلاة، ويتطلّع على المراكب، فلمّا رفع الشيخ الفهري يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه، قال (أبو تمنة) وأصحابه: ألا ترى الى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ قوموا اليه فاقتلوه وارموا به في البحر فلا يراكم أحد!! فطار قلبي من بين جوانحي وقلت: سبحانَ اللّه! هذا الطرطوشي فقيه الوقت، فقالوا لي: ولِمَ يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه.
وجعلت اُسكتهم، واُسكنهم، حتى فرغ من صلاته، وقمتُ له الى المسكن من المحرس، ورأى تغيّر وجهي فأنكره، وسألني، فأعلمته، فضحك، وقال: من أين لي أن اُقتل على سنة؟! فقلت له: ويحلّ لك هذا؟ فانَّكَ بين قومٍ إن أقمتَ بها قاموا عليكَ، وربّما
____________________
(١) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ٣٢.
ذهبَ دمكَ، فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره»(١) !
٢ - عدوم وجود دليل شرعي على الأمر الحادث من الدين
إنَّ هذا القيد يعدّ من أوضح قيود (البدعة)، ومن أهم مقوماتها الاساسية. إلا انَّ هذا القيد لم يُشخّص بشكل شامل ودقيق، الأمر الذي أدّى الى وقوع اختلاف كبير في الموارد التطبيقية لمفهوم الابتداع، وعدم وجود ضابطة موحّدة، يتم بوجبها دخول الأمر الحادث أو خروجه عن هذا المفهوم.
فمن الشروط الاساسية التي تزج بالأمر الحادث في دائرة الابتداع، هو أن لا يكون لهذا العمل أصل وأساس في الدين، لا على نحو الخصوص، ولا على نحو العموم، يقول اللّه تعالى:
( وَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرى عَلى اللّهِ كَذِباً أَو كذَّبَ بآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفلحُ الظّالِمونَ ) (٢) .
ويقول عزَّ شأنه:( قُل ءآللّهُ أَذِنَ لَكُم أَم عَلى اللّهِ تَفتروُنَ ) (٣) .
فاذا وجد لدينا دليل خاص ينطبق على الأمر الحادث، فان هذا الدليل يخرج هذا الامر عن حدّ (الابتداع) ويجعله داخلاً في صميم السنّة والتشريع، كما انّه لو وُجد لدينا دليل عام يمكن تطبيقه على الأمر الحادث، فانَّ هذا الدليل يخرج الأمر الحادث عن حدّ (الابتداع) أيضاً.
هذا كلُّه طبعاً بفرض صحة الأدلة الخاصة والعامة، والتأكد من صحة صدورها من الشارع المقدس وارتباطها به، لكي يتحقق ارتباط الأمر الحادث بالدين، على نحو
____________________
(١) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٣٥٨.
(٢) الانعام: ٢١.
(٣) يونس: ٥٩.
القطع واليقين.
وقد أصبح هذا القيد الدخيل في رسم الصورة النهائية لمفهوم (البدعة)، مثاراً لوجود الالتباس في أذهان البعض، بقصد أو من دون قصد.
وسوف نستعرض نماذج توضيحية لما ورد بشأنه الدليل الخاص، ثم لما ورد بشأنه الدليل العام.
استثناء ما ورد فيه دليل خاص
إذا ورد دليل شرعي خاص بشأن أمرٍ معيَّن، ولم يكن ذلك الأمر موجوداً في حياة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو في طيلة عصر التشريع، فانَّ هذا الأمر يأخذ العنوان الشرعي، الذي ذكره الدليل الخاص بشأنه، ولا يدخل أخذه لهذا العنوان الشرعي ضمن دائرة (الابتداع)، إذ ليس المدار في الأمر المبتدع هو وجوده أو عدم وجوده في عصر التشريع، وانَّما المدار هو انَّه هل ينطبق عليه دليل خاص أو عام، أم لا ينطبق عليه ذلك.
ولنوضح هذهِ الفكرة من خلال بعض النماذج.
أ - وردت أدلة شرعية توجب صلاة الآيات عند حدوث (الزلزلة)، فلو افترضنا انَّ زلزلةً لم تقع في عصر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو طيلة زمان عصر التشريع، ثم وقعت في زمانٍ متأخر عن ذلك، فانَّ القول بوجوب صلاة (الزلزلة) حينئذٍ ليس ( بدعة)، باعتبار انَّ هذا الأمر حادث، ولم يقع في زمان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل هو من صميم السنة الشريفة، لأنَه وجب عن طريق الدليل الشرعي الخاص، غاية الأمر أن مورده لم يكن متحققاً في صدر التشريع.
ورد عن عبد اللّه بن الحارث:
«انَّ الأرض زلزلت بالبصرة، فقام ابن عباس فصلّى بهم، فركع ثلاث ركعات،
ثم سجد سجدتين، ثم قامَ فركع ثلاث ركعات، ثم سجد سجدتين»(١) .
وفي رواية اُخرى عن عبد اللّه بن الحارث أيضاً قال:
«صلّى بنا ابن عباس بالبصرة في زلزلة كانت، صلّى ست ركعات في ركعتين، فلما انصرف قال: هكذا صلاة الآيات»(٢) .
فهل يمكن أن يدّعي أحد أن القول بوجوب صلاة الآيات (بدعة) باعتبار انَّها لم تُصلَّ في زمن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ وهل يمكن أن يُنظر اليها من زاوية كونها أمراً حادثاً مَعَ قصر النظر عن الدليل الخاص؟
إنَّ الذي نريد قوله هو انَّ مثل هذا الامر لا يقبل الاتصاف بالابتداع بشكل مطلق.
ب - وردت نصوص شرعيّة تحرِّم على الرجل أن يتزيّى بزي النساء، وتحرِّم على المرأة أن تتزيّى بزي الرجال.
فعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال:
«لعن اللّه الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ليس منّا مَن تشبَّه بالرجال من النساء، ولا مَن تشبَّه بالنساء من الرجال»(٤) .
فتشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال، أخذ عنوانه الشرعي من خلال النص الخاص، وإن كان أمراً حادثاً بعد عصر التشريع، فلا معنى لدرجه ضمن مفهوم (البدعة)، والادّعاء بأنَّ القول بتحريم هذا الأمر من البدع باعتبار انَّه لم يكن موجوداً فيما سبق، وانّما ينبغي درج القول بتحريمه في صميم الاُمور الشرعية.
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ٢٣٥٥٥، ص: ٤٤١.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٣٥٥٦، ص: ٤٤١.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٥، ح: ٤١٢٣٥، ص: ٣٢٣.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ح: ٤١٢٣٧، ص: ٣٢٤.
ج - هناك أحاديث كثيرة تنص على النهي عن زخرفة المساجد، فلو افترضنا انَّه لم يكن في عصر التشريع مسجد مزخرف، ثم سادت هذهِ الظاهرة في العصور اللاحقة، فان هذا لا يجعل القول بكراهة هذا الأمر من موارد الابتداع، باعتبار كونه أمراً حادثاً لم يكن له وجود في عصر التشريع، وانَّما ينبغي إدخاله في الدين، باعتبار ارتباطه فيه من خلال النص الخاص.
والخلاصة أنَّ النص الخاص يبعد الأمر الحادث عن مفهوم الابتداع، ويخرجه عن موضوعه من الأساس، ويبقى الأمر الحادث مَعَ عنوانه الشرعي الذي اكتسبه من خلال ذلك النص الخاص.
استثناء ما ورد فيه دليل عام
هناك اُمور عامة تناولتها تعاليم الشريعة الاسلامية، وتركت تشخيص مواردها وموضوعاتها موكولاً الى المكلف نفسه، شريطة أن يضمن اتصاف عمله التفصيلي بعنوان ذلك العام المقطوع الورود.
وهذهِ النقطة في التشريع هي سرّ عمومية الرسالة، وشموليتها، وانطباقها على مختلف موارد الحياة، ومستجدات الوجود، والا لو كانت موارد الاحكام الشرعية منحصرة في فترة زمنية محددة، أو ظرف حياتي خاص، لما بقي للشريعة الاسلامية أيّ أثر، ولما امتدَّ وجودها الى آخر لحظات وجود الانسان على وجه هذهِ الأرض.
وقد جاءت دلالات الكثير من الاحكام الشرعية الاسلامية عامة وكلية، يُترك الأمر لنفس المكلف في تطبيقها على مواردها، من خلال نصوص عديدة نستعرض ادناه قسماً منها.
قال اللّه تعالى:( فَمَنِ اضطُرَّ غَيرَ باغٍ وَلا عادٍ فلا إِثمَ عَليهِ ) (١) .
وقال تعالى:( وَلا تَأكُلُوا أَموالَكُم بَينَكُم بالباطل ) (٢) .
وقال تعالى:( وَلَن يَجعلَ اللّهُ لِلكافِرينَ عَلى المُؤمِنينَ سَبِيلاً ) (٣) .
وقال تعالى:( وَتعاوَنُوا عَلى البِرّ والتَّقوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثمِ وَالعُدوانِ ) (٤) .
وقال تعالى:( وَالمُؤمُنونَ والمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ ) (٥) .
وقال تعالى:( مَا عَلى المُحسِنينَ مِن سَبِيلٍ ) (٦) .
وقال تعالى:( وَما جَعَلَ عَلَيكُم في الدّينِ مِن حَرَجٍ ) (٧) .
وقال تعالى:( إِن جاءَكُم فاسِق بِنبإٍ فَتبيَّنوا ) (٨) .
وقال تعالى:( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فانتَهُوا ) (٩) .
فمن الواضح أنَّ هذهِ الآيات القرآنية تمتلك دلالات كلية عامة قابلة للانطباق على مختلف الازمنة والعصور، شريطة أن تتحقق موضوعات الأحكام المذكورة فيها على نحو الدقة، وتُحرز على نحو اليقين.
كما انَّ هناك مجاميع اُخرى من الآيات القرآنية الكريمة تمتلك شبيه هذهِ الدلالات، لم ندرجها هنا مراعاةً للاختصار.
وورد نظير ذلكَ في الأحاديث الشريفة أيضاً، فقد ذُكرت قواعد كلية لمختلف
____________________
(١) البقرة: ١٧٣.
(٢) البقرة: ١٨٨.
(٣) النساء: ١٤١.
(٤) المائدة: ٢.
(٥) التوبة: ٧١.
(٦) التوبة: ٩١.
(٧) الحج: ٧٨.
(٨) الحجرات: ٦.
(٩) الحشر: ٧.
القضايا التي تكتظّ بها حياة الانسان، ويحفل بها سلوكه الفردي والعام.
فمن هذهِ الاحاديث ما ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«رُفع عن اُمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اُكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطرّوا اليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«انَّ الناسَ مسلَّطون على أموالهم»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«لا ضررَ ولا ضرارَ على مؤمن»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«المسلمون عند شروطهم»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«المغرور يرجع الى مَن غرَّه»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«الاسلام يعلو ولا يُعلى عليه، والكفّار بمنزلة الموتى، لا يحجبون، ولا يورثون»(٦) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام :
«مَن كان على يقين، فأصابه شك، فليمضِ على يقينه، فانَّ اليقين لا يُدفَع
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، تحقيق: هاشم الطهراني، ص: ٣٥٣.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٢، باب: ٣٣، ح: ٧، ص: ٢٧٢.
(٣) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٧، باب: عدم جواز الاضرار بالمسلم، ح: ٤، ص ٣٤١.
(٤) أبو جعفر الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه ج٣، ح: ٣٧٦٥، ص: ٢٠٢.
(٥) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: ١ ص: ٤٧.
(٦) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: ١ ص: ١٥٩.
بالشك»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ليسَ على المؤتمن ضمان»(٢) .
وعن موسى بن بكر قال:
«قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام : الرجل يُغمى عليه اليوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟، فقالعليهالسلام : ألا اُخبركم بما ينتظم هذا وأشباهه، فقالعليهالسلام : كل ما غلب اللّهُ عليه من أمرٍ، فاللّه أعذر لعبده.
وزاد فيه غيره انهعليهالسلام قال: وهذا من الأبواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب»(٣) .
وعنهعليهالسلام :
«لا سهو على مَن أقرَّ على نفسه بالسهو»(٤) .
وعنهعليهالسلام :
«انّما علينا أن نلقي اليكم الاصول، وعليكم أن تفرِّعوا»(٥) .
وعن محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام : «عن القرعة في أيِّ شيء؟ فقال لي: كل مجهولٍ ففيه القرعة»(٦) .
وقد دلَّت الشواهد التاريخية على انَّ المسلمين كانوا يمارسون عملية تطبيق مثل هذهِ الاحكام الكلية العامة على الموارد المختلفة، فيأتي التأييد من قبل الشارع المقدس على نحو الاقرار، أو التشجيع، أو الاستحسان، أو الى غير ذلك من الحالات، التي توحي
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٢، باب: ٣٣، ح: ٢، ص: ٢٧٢.
(٢) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: ٢ ص: ٥.
(٣) أبو جعفر الصدوق، بصائر الدرجات، ص: ٣٠٧.
(٤) محمد بن النعمان المفيد، الارشاد، ج: ١، ص: ٣٠٢.
(٥) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٢٩، ح: ٥٤، ص: ٢٤٥، كتاب السرائر.
(٦) حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج: ١، ص: ٤٧.
بانَّ مثل هذهِ الممارسات نابعة من صميم الدين الاسلامي الذي يواكب الحياة على مرّ الازمنة والعصور.
فاذا حدث في حياة المسلمين أمر معيَّن لم يكن له وجود في عصر التشريع الاسلامي، فان وجدَ هذا الأمرُ الحادث له عنواناً كلياً عاماً يندرج تحته من أحكام الشريعة العامة، فانَّه يخرج بذلك عن دائرة (الابتداع)، ويكتسب شرعيته من خلال ذلك النص الكلي العام حتى لو لم يرد فيه نص خاص، يذكره على نحو الاستقلال والانفراد.
ومن النماذج التأريخية التي أقرَّت الشريعة الاسلامية فيها هذا النمط من السلوك التطبيقي ما ورد في (الطبراني) بسنده:
«انَّ النبي عليه الصلاة والسلام مرَّ على أعرابي وهو يدعو في صلاته ويقول: (يا مَن لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيِّره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل، وأشرقَ عليه النهار. لا تواري سماء منه سماء، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خيرَ عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوماً ألقاكَ فيه).
فوكل رسول اللّه بالأعرابي رجلاً، وقال: إذا صلّى فأتني به، وكان قد اُهدي بعض الذهب الى رسول اللّه، فلما جاءَ الأعرابي، وهبَ له الذهب، وقال له: تدري لم وهبتُ لك؟!
قال الأعرابي: للرحم التي بيني وبينَك!
قال الرسول الكريم: إنَّ للرحم حقاً، ولكنّي وهبتُ لكَ الذهب لحُسن ثنائكَ على اللّه»(١) .
____________________
(١) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، ص: ١٠٢.
فنرى هنا انَّ هذا الاعرابي قد دعا بدعاءٍ رفيع، أخذ مضامينه السليمة والعالية من تعاليم الرسالة الاسلامية وأحكامها العامة، وان لم تكن الفاظه وتراكيبه اللغوية مما وردت على نحو الخصوص في لسان الشرع.
ونظير هذا الحادث ما روي عن أنس انَّه قال:
«اُقيمت الصلاة فجاء رجل يسعى، فانتهى وقد خفره النفس أو انبهر، فلما انتهى الى الصف قال: الحمدُ للّهِ كثيراً طيِّباً مباركاً فيه.
فلما قضى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلاته قال: أيكم المتكلم؟، فسكت القوم، فقال: أيكم المتكلِّم، فانَّه قال خيراً، أو لم يقل بأساً.
قال: يا رسول اللّه أنا، أسرعت المشي، فانتهيتُ الى الصف، فقلت الذي قلت، قال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها، ثم قال: إذا جاءَ أحدكم الى الصلاة، فليمشِ على هينته، فليصلِّ ما أدرك، وليقضِ ما سبقه»(١) .
فهذا الحديث أيضاً على فرض صحته يدل على ما تمت الاشارة اليه من جواز ابتكار أذكار معيَّنة ودعوات خاصة، لم تكن موجودة بتراكيبها اللفظية الخاصة في عصر التشريع، ما دامت منسجمة مَعَ مضامين التعاليم الشرعية العامة، وغير مخالفة لها.
فكلّ أمر حادث ورد بشأنه الدليل العام - إذن - لا يعدّ من مصايق (الابتداع)، وانما هو منبثق من صميم السنة والتشريع. ومن هنا ندرك سذاجة التفكير الذي كان يحصر الامور الشرعية في خصوص ما ورد بشأنه الدليل الخاص فقط، ويُعدّ الزائد على ذلك من (البدع) الدخيلة على الدين، فقد مرَّ معنا انَّ سعداً حينما سمع رجلاً يقول: (لبيكَ ذا المعارج)، علَّق على عبارته هذهِ بالقول: «ما كنّا نقول هذا على عهدِ رسول اللّه»(٢) !
وكذلك ما روي عن (الشاذلي) انَّه كان يقول: «مَن دعا بغير ما دعا به رسول اللّه
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند الامام أحمد بن حنبل، ج: ٣، ح: ١١٦٢٣، ص: ١٠٦.
(٢) ابن الجوزي، تلبيس ابليس، ص: ٢٥.
فهو مبتدع»(١) .
وقد اشترك مَعَ هذا النمط الخاطئ من التفكير مجموعة اُخرى من علماء العامة، واتهموا من خلال ذلك أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام بشتّى ألوان التهم والافتراءات، وأطلقوا على أغلب العبادات الشرعية التي يمارسها الموحدون بقصد التقرب الى اللّه تعالى، ومن باب انسجامها مَعَ مضامين الشريعة العامة، والأمر بها من خلال الادلة الكلية. أطلقوا على هذهِ العبادات لفظ (البدعة) بعفوية واسترسال، ومن دون أن يكلِّفوا أنفسهم النظر في خلفيات هذه الممارسات ودوافعها الشرعية، والتثبّت عند اطلاق لفظ (البدعة) على مثل هذهِ الامور المنتسبة الى الدين عن طريق الادلة القطعية العامة إذا لم يكن وارداً بشأنها الدليل الخاص، كما هو الغالب في هذهِ الممارسات.
ولكي نستوعب هذا القيد بصورة أفضل نحاول أن نذكر بعض النماذج والأمثلة التوضيحية لبعض الامور الحادثة، التي لم يرد فيها دليل خاص، إلا انَّها ترتبط بالدين عن طريق الدليل الشرعي العام:
أ - الاهتمام بالقرآن الكريم
إنَّ الشريعة الاسلامية قد ندبت المسلمين الى الاهتمام بالقرآن الكريم، وحفظه، وتعاهد أمره، وصيانته، والاعتزاز به، وكانَ من موارد حفظه آنذاك أن يتدارسه المسلمون، ويتعاطوه باستمرار، ثم حَدَثَ أن شرعَ المسلمون بأمر تدوينه، وكتابته. ثم تطوَّر الأمر في الأزمنة اللاحقة الى طباعته وتكثيره، بالأساليب الحديثة والاجهزة المتطورة، وإخراجه بالحروف الفنية الرائقة، وقد خُصصت لأجل حفظ القرآن وتلاوته في الآونة الأخيرة مؤتمرات دورية عامة، ومحافل متنوعة، ومسابقات إقليمية وعالمية
____________________
(١) البروسوي، تفسير روح البيان، ج: ٩، ص: ٣٨٥.
متتابعة، واتُّفق على قواعد عامة للتحكيم، وضوابط مشخصة للمفاضلة بين القرّاء، وخُصصت هدايا لتكريم الفائزين في الحفظ والتلاوة. وما الى ذلك من الاُمور التي تعكس الاهتمام الجدّي والمشروع بالقرآن الكريم.
فكل هذهِ الاهتمامات تعبِّر عن مصاديق بارزة وجلية لتلكَ الاحكام العامة التي دعت الى الاهتمام بالقرآن الكريم، والاعتزاز به، كمعجزة خالدة للاسلام العظيم، ولا تمت مثل هذه الاُمور الى (الابتداع) المصطلح بأَيّةٍ نسبةٍ تُذكر.
ب - صيام يوم الخامس عشر من شعبان وقيام ليلته
حثت الشريعة الاسلامية أتباعها على الاهتمام بالصيام، وندبت اليه طيلة أيام السنة، واستثنت من ذلك يومي العيدين (الفطر) و(الاضحى)، وعدَّت صيامها محرَّماً. وأمّا ما عدا ذلك فبابه مفتوح لمن يحب الاستزادة من فعل الخير والعمل الصالح.
وكذلك ندبت الشريعة الاسلامية الى الاهتمام بقيام الليل وإحيائه، بالذكر، والعبادة، والتهجد، والدعاء، يقول اللّه تعالى:
( وَمَا تَفَعَلُوا مِن خَيرٍ يَعلَمهُ اللّهُ وَتَزوَّدُوا فَإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى. ) (١) .
ويتأكد هذان الأمران في الأيام والليالي الفاصلة في تاريخ الاسلام، كليلة القدر، ويوم المبعث النبوي الشريف، وليلة الخامس عشر من شعبان، ويومه.
وعلى الرغم من وضوح هذا الأمر، وجلاء اتصاله بالشرع المبين، إلا انَّ بعض علماء العامة لم يرضَ لنفسه إلا أن يدرج بعض مفردات هذا الأمر العبادي، ضمن دائرة (الابتداع) وخصوصاً تلك المظاهر التي يمارسها أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، فيقول (الفوزان) فيما يعد من النماذج المعاصرة للبدع على حدِّ زعمه:
____________________
(١) البقرة: ١٩٧.
«ومن ذلكَ تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام، ويوم النصف من شعبان بصيام، فانَّه لم يثبت عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلكَ شيء خاص به»(١) .
ويقول في موضعٍ آخر تحت عنوان (أنواع البدع):
« ما يكون بتخصيص وقتٍ للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فانَّ أصل الصيام والقيام مشروع، ولكنَّ تخصيصه بوقتٍ من الأوقات يحتاج الى دليل»(٢) .
وقد سبق (الفوزان) الى ذلك بعض علماء العامة أيضاً، فقد نقل (ابن وضّاح) عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم انَّه قال:
«لم اُدرك أحداً من مشيختنا وفقهائنا يلتفتون الى ليلة النصف من شعبان.»(٣) .
وذكر أيضاً عن ابن أبي مليكة انه قيل له:
«انَّ زياداً النميري يقول انَّ ليلة النصف من شعبان أجرها كأجر ليلة القدر، فقال ابن أبي مليكة: لو سمعته منه، وبيدي عصا، لضربته بها، وكانَ زياد قاضياً»(٤) .
ولا يخفى على القارئ الكريم انَّ طبيعة النهج الاستدلالي الذي تم بموجبه اطلاق (البدعة) على صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته، قد بُني في الكلمات المتقدمة على اُسس خاطئة وغير مقبولة، فنرى انَّ (الفوزان) يدَّعي عدم وجود النص الخاص بشأن صيام هذا اليوم وقيام ليلته فهو يقول:
«ولم يثبت عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلكَ شيء خاص به»(١) .
ويقول: «ولكنَّ تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج الى دليل».
وفي نفس الوقت يُقر بانَّ هذا العمل مندرج تحت العموميات الشرعية الثابتة التي
____________________
(١) صالح الفوزان، البدعة، ص: ٣٢، وانظر التوحيد له، طبعة عام ١٩٩٢ م، ص: ١٠٧.
(٢) صالح الفوزان، التوحيد، ص: ٩٣.
(٣) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤٦.
(٤) ابن وضاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤٦.
حثت المسلمين على الصيام والقيام، فيقول: «فانَّ أصل الصيام والقيام مشروع».
ونحن على الرغم من أننا سننقل ورود النص الخاص بهذا الشأن والمروي من قبل الفريقين، ومن الكتب الحديثية المعتبرة عند أبناء العامة على نحو الخصوص إلا اننا نعود فنقول بأنَّه يكفي لتصحيح العمل ورود النصوص العامة بشأنه، وبامكان هذهِ النصوص أن تحرِّك المكلف نحو الاتيان بهذا العمل، وتحثه عليه، ويقع في النتيجة العمل مقبولاً ومرضياً، ويترتب الثواب الموعود عليه.
كما انَّ بامكان المكلف نسبة هذا العمل الى الدين من خلال هذهِ النصوص الكلية الثابتة كما أوضحناه سابقاً، وأما تخصيصه بالعبادة والاتيان به بهذا العنوان الخاص، وانَّه مطلوب من قبل الشريعة بعنوانه المشخَّص، فهو ما وردت بشأنه الأدلة الوافية من قبل الفريقين، والتي سوف نتعرض لها بعد قليل إن شاء اللّه تعالى.
فقصر النظر على ورود النص الخاص - إذن - ليس صحيحاً على اطلاقه، إذ يمكن أن يؤتى بالعمل من زاوية كونه أمراً عبادياً مندرجاً تحت العموميات المتفق على ثبوتها على حدّ قول الجميع، وتصحيح أعمال المسلمين وعقائدهم انطلاقاً من هذا الأساس، إن كان هناك دوافع خيّرة في النفوس نحو جمع شتات المسلمين، ووحدة كلمتهم، وان انطوت النوايا على تطلعات مخلصة لصالح رسالة الاسلام واعلاء كلمته في الأرض.
على اننا نمتلك علاوة على ذلك النص الشرعي الخاص الذي يقطع النزاع، ولا يدع للمنتحلينَ مسلكاً آخر يركبوه.
فسوف يأتي بعد قليل أن أصل هذا الأمر (وهو صيام اليوم الخامس عشر من شعبان، وقيام ليلته) مشمول بأدلة صريحة عامة مقطوعة الصدور، كما انَّ تخصيصه كذلك مما وردت فيه الأدلة الصريحة من قبل الفريقين. وأمّا ما نقله (ابن وضّاح) عن محمد بن زيد بن أسلم من انَّه لم يدرك أحداً من مشايخه يلتفت الى ليلة النصف من شعبان، فهو مما لا نلتفت نحن اليه، ولا نعدّ له أية قيمة في الاستدلال، ولا نرى له اعتباراً
في مقام الطرح العلمي مطلقاً.
وقال (أبو اسحق الشاطبي)، فيما يذكر من البدع.
«ومنها التزام العبادات المعيَّنة في أوقات معيَّنة، لم يوجد لها ذلكَ التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته»(١) .
وقد حاول أن يؤطّر القول بتحريم قيام ليلة النصف من شعبان، وصوم يومه، وعدِّه من (البدع)، عن طريق عناوين جانبية اُخرى، إلتفافاً على أصل المطلب، وتمويهاً لحقيقة الأمر فيه بعد أن اتضحت حقيقة ارتباطه بالدين بشكل واضح وصريح، فيقول (الشاطبي) بهذا الشأن:
«فنحن نعلم انَّ ساهر ليلة النصف من شعبان لتلكَ الصلاة المحدثة لا يأتيه الصبح إلا وهو نائم، أو في غاية الكسل، فيُخل بصلاة الصبح، وكذلك سائر المحدثات»(٢) .
ومن الواضح أنَّ الاخلال بصلاة الصبح أمر مستقل، لا علاقة له بأصل إحياء ليلة النصف من شعبان، واستحباب هذا الأمر.
وإذا ما حصل في مورد من موارد الاحياء حصول بعض حالات الاخلال بالواجبات بشكل نادر وغير مطّرد، باعتبار انَّ الذي يندفع لممارسة هذهِ الاعمال العبادية المستحبة، ويحيي الليل بالتهجد، والذكر، والعبادة، والدعاء غالباً ما يندفع الى التمسك بالامور الواجبة، فانَّ حصول مثل هذهِ الموارد لا يستلزم القول بعدم استحباب الاحياء، ولا نظن انَّ هذا الأمر يحتاج منا الى فريد من البيان، ألا ترى انَّ الانسان قد يتهجد بالليل، ويسهر بالعبادة والدعاء، فتفوته في بعض الاحيان صلاة الصبح، أفهل يقول أحد هنا بأنَّ صلاة الليل (بدعة) لأنَّها اضرَّت بالصلاة الواجبة، وأدت الى
____________________
(١) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٣٩.
(٢) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ٤ - ٥.
فواتها، أو انَّ النهي يتوجه الى خصوص هذهِ المفردة من العبادة التي فوَّتت على الانسان ذلك الفرض الواجب. كما هو معلوم في الشرع من النهي عن النوافل إذا أدت ممارستها الى ترك شيء من الواجبات؟؟
وماذا يقول (الشاطبي) بشأن التهجد في لية القدر، وإحيائها بالعبادة والدعاء إذا حصلت في بعض مواردها مثل هذهِ الحالات النادرة الوقوع، بل حتى لو حصلت فيها حالات كثيرة من هذا القبيل، فهل يصفها بالابتداع، ويطلق القول بذلك كما صنع هنا؟؟
وما هو دخل أصل تشريع صلاة الليل أو إحيائه بما لو أدّى ذلك الى فوات الفريضة، بعد أن قامت الادلة على النهي عن النوافل التي تخل بالواجبات، وما دام بالامكان التفكيك بين أصل مشروعية العبادة، وبين اتصافها بوصفٍ يخرجها عن طابع الندب أو الجواز، ولا يؤثر على أصل مشروعيتها ويمتد الى قلع جذورها من الدين، ويدرجها ضمن قائمة (الابتداع)؟؟
انَّ مما يؤسف له انَّ هذا النمط من التمويه قد مارسه الكثير من الباحثين الذين تعرَّضوا لتطبيقات (البدعة) على موارد إدّعائية تحكماً، وأضفوا عليها عناوين جانبية، لا تمس أصل تشريع العمل. ولولا أن يطول بنا المقام لاستعرضنا ما يشير الى هذهِ الحقيقة من أقوال الكثيرين، على انَّه تكفينا هذهِ الاشارة التي سجّلناها على كلام (الشاطبي) المتقدم، ونستغني عن الخوض في هذا المطلب بما ستتم الاشارة اليه أيضاً بين طيّات الحديث.
وعلى أية حال فانَّ من الطريف أن نجد انَّ قيام ليلة النصف من شعبان، وصيام نهارها الذي رماها هؤلاء بالابتداع، من الموارد التي تندرج تحت كلٍّ من الدليل العام والدليل الخاص معاً، وتتصل بالشريعة المقدسة عن هذين الطريقين معاً، ومن خلال ذلك نرى أنَّ المسلمين الموحدين من اتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام قد واظبوا على الاتيان بهذا الأمر، واهتموا به اهتماماً بالغاً، لأنّه نابع من صميم الدين.
وسوف نتناول كلاً من الدليل الخاص والدليل العام على قيام ليلة النصف من شعبان، وصيام نهارها.
فأمّا بالنسبة الى قيام ليلة النصف من شعبان، فهو مشمول بالأدلة العامة التي حرَّضت المسلمين على إحياء الليل بالعبادة، واكتساب أكثر ما يمكن اكتسابه واستثماره من ساعات الليل في هذا المجال، كرصيد روحي وأخلاقي لتربية النفس وتهذيبها، والفوز بالنعيم الاخروي المقيم.
فمن ذلك قوله تعالى:( وَمِنَ اللّيلِ فَتَهجَّد بِهِ نافِلةً لَّكَ عَسَى أَن يَبعثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَّحموداً ) (١) .
وقوله تعالى:( إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ ما ءَاتاهُم رَبُّهُم إِنَّهُم كَانُوا قَبلَ ذلِكَ مُحسِنينَ* كَانُوا قَليلاً مِنَ اللَّيلِ ما يَهجَعُونَ* وَبِالأَسْحارِ هُم يَستَغَفِرُونَ ) (٢) .
وقوله تعالى:( تَتَجافى جُنُوبُهُم عَنِ المَضاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقناهُم يُنفِقونَ* فَلا تَعلَمُ نَفس ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعمَلون ) (٣) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال:
«يُحشر الناس على صعيد واحدٍ يوم القيامة، فينادي منادٍ فيقول: أينَ الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل، فيدخلونَ الجنةَ بغير حساب، ثمَّ يؤمر بسائر الناس الى الحساب»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
(١) الاسراء: ٧٩.
(٢) الذاريات: (١٥ - ١٨).
(٣) السجدة: (١٦ - ١٧ ).
(٤) المنذري، الترغيب والترهيب، تعليق: مصطفى محمد عمارة، ج: ١، ص: ٤٢٥، ح: ٩.
«عليكم بقيام الليل، فانَّه دأبُ الصالحين قبلكم، ومقربة لكم الى ربِّكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الاثم، ومطردة للداء عن الجسد»(١) .
وعن عليعليهالسلام أنَّه قال:
«قيام الليل مصحة للبدن، ورضاء الرب، وتمسك باخلاق النبيين، وتعرّض للرحمة»(٢) .
وقد ورد علاوة على هذهِ الأدلة العامة الدليل الخاص على الندب لاحياء هذهِ الليلة المباركة على نحو الخصوص بالدعاء، والعبادة، والاستغفار أيضاً، وذلكَ من خلال طائفة معتد بها من الأحاديث الواردة في المصادر المعتبرة لدى أبناء العامة، وهذا فضلاً - بطبيعة الحال - عن مصادرنا وطرقنا الخاصة.
فمن ذلك ما ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال:
«إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فانَّ اللّهَ ينزل(٣) فيها لغروب الشمس الى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فاُعافيه، ألا كذا، ألا كذا. حتى يطلع الفجر»(٤) .
وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
____________________
(١) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ١، ص: ٤٢٦، ح: ١٠.
(٢) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ص: ١٢٥، ح: ٨٩.
(٣) ليلتفت القارئ الكريم الى انّا نستشكل على ظاهر هذهِ الرواية بفرض صحة ثبوتها، وذلك لتضمنها ما لا يمكن قبوله، وهو نزول اللّه تعالى شأنه الى السماء الدنيا، الأمر الذي يقتضي نسبة المكان والتحيّز اليه، ووصفه بما لا يليق بشأنه من عوارض الأجسام، فتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، وانما أوردناها من باب إلزام الغير بما ألزم به نفسه، لكونها مروية في المصادر الموثوقة والمعتبرة لدى أبناء العامة، فمضمون هذهِ الرواية إذن غير مقبول على ظاهره، إلا إذا تأول عن هذا الظاهر، وحملت الراوية على ما يصح نسبته اليه تعالى، كما فعل (مصطفى محمد عمارة) عندما علّق عليها بالقول: «بمعنى أن تصب رحماته، وتغذق بركاته، وينزل نعيمه، ويعم خيره، وتفتح أبواب السماء، فيستجاب الدعاء، وينظر اللّه نظر رأفة واحسان طيلة النصف منه ويومه من غروب الشمس». (الترغيب والترهيب للمنذري، تعليق مصطفى محمد عمارة، ج: ٢، ص: ١١٩)
(٤) - ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج: ١، ح: ١٣٨٨، ص: ٤٤٤، والترغيب والترهيب للمنذري، ج: ٢، ص: ١١٩، ح: ١٤. والتاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول لمنصور علي ناصيف، ج: ٢، ص: ٩٣.
«إنَّ اللّهَ ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ، أو مشاحن»(١) .
وروي عن عائشة انّها قالت:
«فقدتُ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ذات ليلة، فخرجتُ أطلبه فاذا هو بالبقيع، رافع رأسه الى السماء، فقال: يا عائشة أكنتِ تخافينَ أن يحيف اللّه عليكِ ورسوله، قلتُ: ظننتُ أنكَ أتيت بعض نسائك، فقال: إنَّ اللّه تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان الى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب»(٢) .
وفي كنز العمّال عن عليعليهالسلام انّه قال:
«رأيتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ليلة النصف من شعبان قامَ فصلّى أربع عشرة ركعة، ثم جلس بعد الفراغ فقرأ بأُم القرآن أربع عشرة مرّة، و( قُل هُوَ اللّهُ أحَد ) (٣) أربع عشرة مرّة: و( قُل أعُوذ بِرَبِّ الفَلَقِ ) (٤) أربع عشرة مرّة، و( قُل أَعوُذُ بِربُّ النّاسِ ) (٥) أربعَ عشرة مرّة، وآية الكرسي مرّة، و( لَقَد جاءَكُم رَسُول مّن أَنفُسِكُم. الآية ) (٦) فلمّا فرغ من صلاته، سألته عمّا رأيت من صنيعه، قال: مَن صنَع مثل الذي رأيت كان له كعشرين حجةً مبرورة، وصيام عشرين سنة مقبولة، فان أصبح في ذلكَ اليوم صائماً، كان له كصيام سنتين: سنةٍ ماضيةٍ، وسنة مستقبلة»(٧) .
وقال الدكتور الزحيلي في كتابه (الفقه الاسلامي وأدلته):
«ويُندب إحياء ليالي العيدين (الفطر) و(الأضحى)، وليالي العشر الأخير من
____________________
(١) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، ح: ١٣٩٠، ص: ٤٤٥، والترغيب والترهيب، ج: ٢، ص: ١١٨، ح: ١٠. وانظر كذلك مسند أحمد بن حنبل، ج: ٢، ح: ٦٦٠٤، ص: ٣٦٨.
(٢) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، ح: ١٣٨٩، ص: ٤٤٤.
(٣) الاخلاص: ١.
(٤) الفلق، ١.
(٥) الناس: ١.
(٦) التوبة: ١٢٨.
(٧) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٤، ح: ٣٨٢٩٣، ص: ١٧٧ - ١٧٨.
رمضان لاحياء ليلة القدر، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، ويكون بكلِّ عبادة تعمُّ الليل أو أكثره، للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك»(١) .
هذا بالنسبة الى قيام ليلة النصف من شعبان، وأمّا صيام يوم النصف من هذا الشهر، فهو مشمول بالنحوين من الأدلة أيضاً، إذ هو مندرج تحت أدلة الندب العامة، كقوله تعالى:
( فَمَن تَطوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَير لَّهُ ) (٢) .
وقوله تعالى:( وما تُقدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِن خَيرٍ تَجدُوهُ عِندَ اللّه هُوَ خَيراً وأَعظَمَ أَجراً ) (٣) .
وورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال:
«لو أنَّ رجلاً صامَ يوماً تطوعاً، ثم اُعطي ملء الأرض ذهباً، لم يستوفِ ثوابه دونَ يوم الحساب»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن صامَ يوماً في سبيل اللّه، جعل اللّه بينه وبين النار خندقاً، كما بين السماء والأرض»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن صامَ يوماً تطوّعاً ابتغاء ثواب اللّه، وجبت له المغفرة»(٦) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن صامَ يوماً في سبيل اللّه في غير رمضان بَعُد من النار مائة عام، تسير المضمر
____________________
(١) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلته، ج: ٢، ص: ٤٧.
(٢) البقرة: ١٨٤.
(٣) المزمل: ٢٠.
(٤) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ٢، ح: ١٧، ص: ٨٤.
(٥) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ٢، ح: ٢٤، ص: ٨٦.
(٦) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٤، ح: ٢١، ص: ٢٩٣.
الجواد»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن صامَ يوماً في سبيل اللّه، باعَدَ اللّه وجهه عن النار سبعين خريفاً»(٢) .
وأما الدليل الخاص الوارد في الندب لصيام اليوم الخامس عشر من شهر شعبان فقد اتخذ ثلاثة أنحاء:
النحو الاول : الحث على صيام أيام شهر شعبان على الخصوص، فمن ذلكَ ما روي عن عائشة انها قالت:
«ما رأيت رسول اللّه استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته اكثر صياماً منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كلَّه»(٣) .
وروي عن اُم سلمة انّها قالت:
«ما رأيتُ النبي يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»(٤) .
وعن الامام الباقرعليهالسلام انَّه قال:
«إنَّ صوم شعبان صوم النبيين، وصوم أتباع النبيين، فمن صامَ شعبان فقد أدركته دعوة رسول اللّه، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رحم اللّه مَن أعانني على شهري»(٥) .
وعن الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّهعليهالسلام : هل صامَ أحد من آبائكَ شعبان قط؟ قالعليهالسلام : صامه خير آبائي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٦)
النحو الثاني : الحث على صيام الأيام البيض من كلِّ شهر، وهي عبارة عن اليوم
____________________
(١) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ٢، ح: ٢٥، ص: ٨٦.
(٢) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، ح: ١٧١٧، ص: ٥٤٨.
(٣) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول، ج: ٢، ص: ٩٣.
(٤) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول، ص: ٩٣. وانظر كنز العمال، ج: ٨، ص (٦٥٤ - ٦٥٥) باب: صوم شعبان، الأحاديث ( ٢٤٥٨٣ - ٢٤٥٨٧).
(٥) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٤، ح: ٢٢، ص: ٣٦٦.
(٦) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٤، ح: ١، ص: ٣٦٠.
الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، ومن الواضح انَّها تنطبق على اليوم الخامس عشر من شهر شعبان، باعتباره واحداً منها:
فقد ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، صيام الدهر أيام البيض، صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إن كنتَ صائماً فعليكَ بالغُرِّ البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«صوموا أيام البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، هنَّ كنز الدهر»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن كان منكم صائماً من الشهر، فليصم الثلاثَ البيض»(٤) .
وعن ابن عمر قال:
«انَّ رجلاً سأل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الصيام، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليكَ بالبيض: ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ»(٥) .
وروي عن أمير المؤمنين عليعليهالسلام انَّه كان ينعت صيام رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقول:
«صامَ رسول اللّه الدهر كلَّه ما شاءَ اللّه، ثم تركَ ذلك وصامَ صيام داود يوماً للّه
____________________
(١) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ٢، ح: ١٨، ص: ١٢٤.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٤١٨٠، ص: ٥٦٢.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٤١٨٦، ص: ٥٦٣.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٤١٩٨، ص: ٥٦٦.
(٥) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ٢، ح: ١٩، ص: ١٢٤.
ويوماً له ما شاء اللّه، ثم تركَ ذلك فصام الاثنين والخميس ما شاء اللّه، ثم ترك ذلك وصامَ البيض ثلاثة أيام من كلِّ شهر، فلم يزل ذلك صيامه، حتى قبضه اللّهُ اليه»(١) .
وعنهعليهالسلام قال:
«سُئل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن صوم أيام البيض، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : صيام مقبول غير مردود»(٢) .
النحو الثالث : الحث على صيام يوم الخامس عشر من شعبان بخصوصه، وتعيينه باسمه، كما ورد في الحديث المروي في (سنن ابن ماجة) من انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
«إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها.»(٣) .
وقال أيضاً:
«فان أصبحَ في ذلكَ اليوم صائماً، كان له كصيام سنتين: سنه ماضية، وسنة مستقبلة»(٤) .
وقد مرَّ ذكر الحديثين.
فكيف يمكن لمتشرع بعد أن يطّلع على هذه النصوص الصريحة والواضحة من أن يحكم بالابتداع على قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها؟
وهل يمكن لنا أن نفسِّر هذهَ المخالفة للنصوص الشرعية المتظافرة إلا على أساس التعصب، وحبِّ اثارة الفتن، والتفرقة بين المسلمين؟
وأي ضير في أن تلتقي ذكرى ولادة مهدي أهل البيتعليهمالسلام مَعَ هذا اليوم، فتتعانق
____________________
(١) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٤، ح: ٢، ص: ٣٢١.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٤، ح: ٤، ص: ٣٢١. وانظر لمزيد من الاطلاع كنز العمال، ج: ٨، ص: ٥٦٢ - ٥٦٩، الأحاديث: (٢٤١٧٩ - ٢٤٢١١)، وص: (٦٥٩ - ٦٦٩)، الأحاديث: (٢٤٦١١ - ٢٤٦٣٧).
(٣) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، ح: ١٣٨٨، ص: ٤٤٤.
(٤) علاء الهندي، كنز العمال، ج: ١٤، ح: ٣٨٢٩٣، ص: ١٧٨.
الذكريات الاسلامية، وتتوافق في الأهداف والمعطيات؟!
إننا على يقين من انَّ هذا اليوم لو لم يقترن بهذهِ الذكرى المقدسة في حياة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم، لما قال (الفوزان) ومَن سبقه ما قالوا، ولما نعتوا هذا العمل بالابتداع، ولكنَّهم عمدوا الى تشويه معالم الشريعة الاسلامية المقدسة، وقلب حقائقها من أجل النيل من مبادئ مدرسة أهل البيتعليهمالسلام المعطاء:
( وَيأبى اللّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكافِرونَ ) (١) .
ج - الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات الاسلامية
تظافرت الأدلة الشرعية على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتبجيله، وتوقيره، حيّاً وميّتاً، من خلال مجاميع كبيرة من الآيات والروايات، وكذلك ورد نفس هذا المعنى في حق أهل البيتعليهمالسلام ، وقد دأب المسلمون من أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام على إقامة الاحتفالات البهيجة في يوم مولدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومواليد أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، إعتزازاً منهم بهؤلاء الأبرار، وتخليداً لذكراهم، وتجسيداً لتوصيات القرآن الكريم بحقِّهم.
ولكن على الرغم من وضوح انتساب هذا الأمر الى الشريعة، وارتباطه بالدين، إلا انَّ البعض أصرَّ على إقحام هذا العمل المشروع ضمن دائرة (الابتداع)، والصاق هذا الأمر به.
فيقول (ابن تيمية): «وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسىعليهالسلام ، وإمّا محبة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واللّه قد يثيبهم على هذهِ المحبة والاجتهاد، لا على البدع، من اتخاذ مولد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عيداً، مَعَ اختلاف الناس في مولده، فانَّ هذا لم
____________________
(١) التوبة: ٣٢.
يفعله السلف، مَعَ عدم قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كانَ هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف (رض) أحقُّ به منّا، فانَّهم كانوا أشد محبةً لرسول اللّه وتعظيماً له منّا.»(١) .
ويضيف القول:
«كما انَّ ابن الحاج رغم اعترافه بما ليوم مولد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الفضل، لا يوافق على الاحتفال بالمولد لما فيه من المنكرات، ولأنَّ النبي أراد التخفيف عن امته، ولم يرد في ذلكَ شيء بخصوصه، فيكون بدعة»(٢) .
ويقول (الفاكهاني):
«لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتابٍ ولا سنة، ولا يُنقل عمله عن أحدٍ من علماء الامة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون»(٣) .
ويقول محمد بن عبد السلام خضر الشقيري عن الاحتفال بالمولد النبوي:
«بدعة منكرة ضلالة، لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كانَ في هذا اليوم خير كيف يغفل عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وسائر الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، والأئمة، وأتباعهم»(٤) .
وقال (الحفّار):
«ليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتابعون لهم
____________________
(١) ابن تيمية، إقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٢٩٤.
(٢) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، عن المدخل لابن الحاج / ج: ٢ / ص ٣ فما بعدها الى عدة صفحات.
(٣) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٥١ - ٥٢، عن القول الفصل، ص: ٥٠ و ٥٣، والحاوي للفتاوي للسيوطي، ص: ١٩٠ - ١٩٢.
(٤) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٥٣، عن منهاج الفرقة الناجية، عن كتاب السنن والمبتدعات، ص: ١٣٨ / ١٣٩.
يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة»(١) .
وقد اعتبر الشيخ (عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب) الموالد من البدع المنهي عنها، حيث لم يأمر بها الرسول، ولا فعلها الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة، ولا التابعون(٢) .
ويقول (ابن الحاج):
«ومن جملة ما أحدثوه من البدع مَعَ اعتقادهم أنَّ ذلكَ من أكبر العبادات، وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع، ومحرَّمات جملة»(٣) .
ويقول (محمد جميل زينو):
«إنَّ الذي يجري في أكثر الموالد لا يخلو من منكرٍ وبدع ومخالفات، والاحتفال لم يفعله الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا الصحابة والتابعون، ولا الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل القرون المفضلة»(٤) .
ويقول (الفوزان):
«ولكن لا يخصص لمدحهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقت ولا كيفية معينة، إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة، فما يفعله أصحاب الموالد من تخصيص اليوم الذي يزعمون انَّه يوم مولده لمدحه بدعة منكرة».
ويقول في موضع آخر:
«فانَّ غالب الناس من المسلمين قلّدوا الكفّار في عمل البدع والشركيات،
____________________
(١) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٥٢، عن القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد سيد الرسل ص٥٣. عن كتابل الاعيار المعرب ص ٩٩ - ١٠١.
(٢) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٥٣، عن منهاج الفرقة الناجية، ص: ٥٥٥ عن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، قسم: ٢، ص: ٣٥٧ - ٣٥٨، والدرر السنية، ج: ٤، ص: ٣٨٩.
(٣) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢.
(٤) محمد جميل زينو، منهاج الفرقة الناجية، ص: ١٠٧.
كأعياد الموالد، وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات.»(١) .
ويقول الوهابي (محمد حامد الفقي) رئيس جماعة (أنصار السنّة المحمديّة) في حواشيه على كتاب الفتح المجيد:
«الذكريات التي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم»(٢) .
فالذي نلاحظه من خلال كل هذهِ المقولات المتقدمة انَّ الذين حظروا على الناس الاحتفال بيوم المولد، والمناسبات الاسلامية الاُخرى، وعدّوا هذا الأمر عملاً محرَّماً، قد بنوا استدلالهم هذا على فهم مغلوط لمعنى (الابتداع)، فقد تصوّروا أن معنى عدم الارتباط بالدين هو عدم وجود الأمر في الصدر الأول للتشريع، أو عدم ورود الدليل الخاص الذي يذكره بشخصه وعنوانه، ومعنى الارتباط بالدين هو وجود ذلك الأمر في عصر التشريع الأول، أو ورود أمرٍ فيه بخصوصه.
وقد بيَّنا سابقاً انَّ المدار في الابتداع ليس هو ورود الدليل الخاص أو عدم وروده فحسب، وانَّما يجب النظر في عموميات التشريع والأدلة الكلية التي تخرج العمل عن حيِّز (الابتداع)، كما انَّ عدم وجود العمل في العصر الاول للتشريع لا يساوق عدم مطلوبية الشريعة له، ووجودُه لا يساوق مطلوبيته، لأنَّ المدار في (الابتداع) ليس هو وجود العمل أو عدم وجوده في عصر التشريع، كما مرّ معنا سابقاً.
وأما التذرع بعدم فعل السلف للمولد والذي لمسناه في أغلب الأقوال المتقدمة، فقد مرَّ الحديث عنه آنفاً، فليراجع.
وقد حاول البعض أن يضيف دليلاً آخر لتحريم الاحتفال بالمولد النبوي، وهو
____________________
(١) صالح الفوزان، البدعة: تعريفها - أنواعها - أحكامها، ص: ١٧.
(٢) جعفر السبحاني، الوهابية في الميزان، ص: ١٩٥، عن الفتح المجيد، ص: ١٥٤.
اشتمال هذهِ الاحتفالات على الامور المحرَّمة غالباً كالموسيقى، والغناء، واختلاط النساء بالرجال. وغير ذلك.
ونحن في الوقت الذي نرفض فيه وجود هذا النمط المدّعى من السلوك المحرَّم في احتفالات المولد التي يقيمها أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام رفضاً قاطعاً، ونعتبر ذلكَ تهمة لا أساس لها. نؤكد على أنَّ الاقتران بحدِّ ذاته لا يشكل الغاءاً لأصل العمل، ولا يؤدي الى القول بتحريمه، إذا انَّ القول بذلك يستلزم القول ببطلان اُصول العبادات المسلَّمة فيما لو اقترنت بأي عنوان تحريمي، وهذا ما لايتفوه به أحد، فلو اقترنت الصلاة الواجبة بالنظر الى المرأة الأجنبية مثلاً الذي عمل هو محرَّم قطعاً، فهل يُقال هنا بأنَّ الصلاة الواجبة أصبحت (بدعة) يحرم الاتيان بها (والعياذ باللّه)، وهل يسري التحريم بطريقة تصاعدية الى أصل تشريعها وإيجابها بمجرد هذا الاقتران؟!
وعلى أية حال فانَّ مناقشة هذهِ الآراء، والخوض في تفاصيلها، خارج عن طبيعة الطرح الذي تخضع له هذهِ الدراسة، على أنَّها قد أخذت موقعها الخاص، واُشبعت بحثاً وتحليلاً في دراسات الكثير من علمائنا السابقين واللاحقين جزاهم اللّه عن ذبّهم ودفاعهم عن رسالة الاسلام أوفر الجزاء(١) ، كما وتوجد مصنفات معتبرة لدى بعض أبناء العامة في الرد على القول بتحريم الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، قد نتعرض الى ذكر أقوال البعض منها في ذيل هذا الحديث.
والذي يهمنا ذكره هنا هو أنَّ النصوص الشرعية العامة الواردة في مقام التأكيد على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتبجيله، وتوقيره، حياً وميتاً، وكذلك الواردة في شأن أهل البيتعليهمالسلام ، مما لا يسع أحداً إنكارها، أو التشكيك فيها لكثرتها وتواترها، وهي كافية لأن تصحح عمل المولد، وتضفي عليه طابع الشرعية،
____________________
(١) انظر لمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع البحثَ القيِّم الموسوم ب(المواسم والمراسم) للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي (حفظه اللّه تعالي).
وتجعله من مظاهرها البارزة، ومصاديقها الواضحة والجلية.
فمما ورد بشأن الحث على احترام شخصية الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم في الكتاب العزيز قوله تعالى:
( فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعزَّرُوه وَنَصَرُوهُ واتَّبَعوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَه أُولئِكَ هُم المُفلُحون ) (١) .
وقد ذكر المفسرون انَّ المراد من (التعزير) في الآية ليس مطلق النصرة، إذ إِنَّه اُفرد عن قوله: (نصروه)، ولو كان بمعنى مطلق النصرة لما كان هناكَ داعٍ للتكرار، فالمراد من (التعزير) هو التبجيل والتوقير والتعظيم، أو النصرة مَعَ التعظيم(٢) .
كما ذكر القرآن الكريم الأدب الخاص الذي ينبغي أن يتعامل به المسلمون مَعَ رسول الانسانيةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمكانة التي يتحتم عليهم حفظها له، ورعايتها بشأنه، فقد ورد النهي عن أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته، أو يجهروا له بالقول، لان ذلك سيكون مدعاة الى أن تحبط أعمالهم، بخلاف اُولئك الذين يظهرون أمامه الأدب الرفيع، ويغضّونَ أصواتهم عنده، كما يقول اللّه تعالى:
( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبي وَلا تَجهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهرِ بَعضِكُم لِبَعضٍ أَن تَحبَط أَعمالُكُم وَأَنتُم لا تَشعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصواتَهُم عِندَ رَسُولِ اللّهِ أُولئكَ الَّذِينَ امتَحَنَ اللّهُ قُلوبَهُم لِلتَّقوى لَهُم مَّغفِرةٌ وأَجرٌ عَظيمٌ ) (٣) .
كما ورد النهي في القرآن الكريم عن أن يُدعى النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم باسمه كما يُدعى
____________________
(١) الاعراف: ١٥٧.
(٢) قال (الطباطبائي) في تفسير الميزان، ج: ٨، ص: ٢٩٦: «التعزير: النصرة مَعَ التعظيم»، وقال (الطبرسي) في مجمع البيان، ج: ٤، ص: ٦٠٤: «وعزروه: أي عظموه ووقروه ومنعوا عنه أعداءه»، وقال (ابو حيان الاندلسي) في البحر المحيط، ج: ٥، ص: ١٩٦: «وعزروه أثنوا عليه ومدحوه»، وقال (ابن كثير) في تفسير القرآن العظيم، ج: ٩، ص: ٢٦٥: «ونصروه: أي عظموه ووقروه».
(٣) الحجرات: ٢ - ٣.
سائر الناس، وذلكَ في قوله تعالى:
( لا تَجعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينكُم كَدُعاءِ بَعضِكُم بَعضاً ) (١) .
وكذلكَ ورد النهي عن التسرع في إبداء الرأي والنظر بين يديه، كما قال تعالى:
( يا أَيُّها الَّذِينَ آمنُوا لا تُقدِّموا بَينَ يَديِ اللّهِ ورسُولهِ واتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سميعٌ عليمٌ ) (٢) .
وجاءَ صريح القرآن يأمر المسلمين أن يذكروا رسولهم بالدعاء، والصلاة والتسليم، لما له من منزلة عظيمة عند اللّه جلَّ شأنه، ومن مقام محمودٍ لديه، كما قال تعالى:
( إِنَّ اللّهَ وَملائِكتَهُ يُصَلُّون عَلى النَّبيِّ يا أَيُّها الَّذينَ آمنُوا صلُّوا عَلَيهِ وَسلِّمُوا تسليِماً ) (٣) .
وقد ورد في الأثر عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ اليه من ماله وأهله والناس أجمعين»(٤) .
وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال:
«ثلاث مَن كنَّ فيه وجَدَ حلاوة الايمان: أن يكون اللّه ورسوله أحبَّ اليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لِلّه، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النار»(٥) .
____________________
(١) النور: ٦٣.
(٢) الحجرات: ١.
(٣) الاحزاب: ٥٦.
(٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ٣، ص: ٢٧٥، وج: ٤، ص: ١٨٣، وفي مسند أحمد: ج: ٤، ح: ١٣٩٩، ص: ١٨٣، وفي النسائي بشرح السيوطي: ج: ٨، ح: ٥٠٢٩، ص: ٤٨٨، وفيه أيضاً عن أبي هريرة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ اليه من ولدِهِ ووالده»، النسائي، ج: ٨، ح: ٥٠٣٠، ص: ٤٨٩، وفي البخاري، ج: ١، ص: ٩، باب: حب الرسول من الايمان، ح: ١ و ٢.
(٥) البخاري، صحيح البخاري، ج: ١، باب: حلاوة الايمان، ح: ١، ص: ٩، وفي مسند أحمد، ج: ٣، ح: ١١٥٩١، ص: ٥٣٩، وج: ٤، ح: ١٢٣٥٤، ص: ٩، وج: ٤، ح: ١٣٥٠٠، ص: ١٨٤، بتفاوت يسير.
وروي أيضاً انَّ عمر بن الخطّاب قال:
«يا رسول اللّه لأنتَ أحب إليَّ من كلِّ شيءٍ إلا من نفسي!؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ اليك من نفسك. فقال له عمر: فانتَ الآنَ أحبُّ اليَّ من نفسي، فقال: الآنَ ياعمر»(١) .
وأما ما ورد بشأن أهل البيتعليهمالسلام ، فيكفينا ما ألمحنا اليه في صدر البحث من الآيات والروايات الدالة على وجوب طاعتهم، والتمسك بهم، وحفظ مودتهم، وقد قال تعالى:
( قُل لا أَسئَلُكُم علَيهِ أَجراً إِلا المَودَّةَ في القربى ) (٢) فنرى أن هذهِ الآية تفرض مودة أهل البيتعليهمالسلام على كلِّ مسلم ومسلمة، وتجعل هذهِ المودة أجراً للرسالة الاسلامية.
وقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«اُذكركم اللّهَ في أهل بيتي» وكرَّرها ثلاثَ مرات(٣) .
وعن (ابن عباس) عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«.وأحبّوني بحبِّ اللّه، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي»(٤) .
____________________
(١) سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، السيرة بلغة الحب والشعر، ص: ١٥.
(٢) الشورى: ٢٣، انظر للاطلاع على مورد نزول الآية الكريمة: حسين الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ١، ص: ٤٣٥ - ٤٤١، فمن المصادر التي ذكرت نزول الآية في حق أهل البيتعليهمالسلام : (النور المشتعل) لابي نعيم الاصبهاني، ص: ٢٠٧، ح: ٥٧، و(حلية الأولياء)، ط بيروت، ج: ٣، ص: ٢٠١، و(شرف المصطفى) للخركوشي، ط طهران، ص ٢٥٢ و ٢٦١، و(إحياء الميت) للسيوطي، ط مصر، ص: ١١٠، و(الدر المنثور)، ط مصر، ج: ٦، ص: ٧، و(الاكليل)، ط مصر، ص: ١٩٠، و(مقتل الحسين) للخوارزمي ط النجف، ج: ١، ص: ٥٧، و(الفضائل) لأحمد بن حنبل، ص: ١٨٧، ح: ٢٦٣، و(الكشاف) للزمخشري، ط القاهرة، ج: ٣، ص: ٤٠٢، و(بحار الانوار)، ج: ٢٣، ص: ٢٢٨ - ٢٥٣. و(تفسير البرهان)، ج: ٤، ص: ١٢١ - ١٢٦، و(إحقاق الحق)، ج: ٣، ص: ٢ - ٢٣ و ٥٣٣، وج: ٩، ص: ٩٢ - ١٠١، وج: ١٤، ص: ١٠٦ - ١١٥، وج: ١٨، ص: ٣٣٦ - ٣٣٨ و ٥٣٨.
(٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٥، ص: ١٨٠، من كتاب (فضائل الصحابة) باب: (فضائل علي بن أبي طالب)، ٤ / ١٨٧٣، وفي مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ح: ١٨٧٨٠، ص: ٤٩٢. وفي الفضائل: ١١٦٧.
(٤) الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ج: ٣٧٨٩، ص: ٦٢٢.
وقد تركت الشريعة الاسلامية تقدير هذا التبجيل والاعتزاز الى نفس المسلمين، ليعبّروا عنه على وفق عاداتهم وتقاليدهم الحياتية المتنوعة، وبما تفيض به مشاعرهم الجيّاشة تجاه هذهِ الشخصيات العملاقة، على شريطة أن لا يُرتكب عمل محرَّم، أو منافٍ للآداب الاسلامية خلال تلك الممارسات، إرتكازاً على الحقيقة القائلة بانَّ اللّه تعالى لا يُطاع من حيث يُعصى.
وقد ربطت الشريعة الاسلامية بين ماضي الانسان وحاضره، من خلال مفردات متعددة، أبرزها وأهمها هو إحياء المناسبات والذكريات الدينية، وأكّدت على انَّ الماضي يشكّل الوجه الأهم في صنع قرارات الحاضر، وديمومة حركته، ووفرت الأجواء الملائمة التي تجعل الانسان لمسلم مرتبطاً بتراثه بصورةٍ دائمة، من خلال الشعائر والمناسك، وإحياء المناسبات الدينية المختلفة، والمحافظة عليها، والاعتزاز بها، والاستلهام منها، فتربط هذهِ الذكريات الاسلامّية الخالدة حاضر الانسان المسلم بعجلة الماضي، وتسير به في طريق الانفتاح على كل ما من شأنه أن يرقى بسلوكه الى مستوى تحقيق الغايات، فيشكل الماضي حينئذٍ وقود حركة الحاضر، ويحدد المعالم الفاعلة لرؤية المستقبل.
يقول العلامة (الاميني) بشأن إحياء الذكريات الاسلامية:
«لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيّات، والجري على مواسم النهضات الدينية، أو الشعبية العامّة، والحوادث العالمية الاجتماعية، وما يقع من الطوارق المهمة في الطوائف والأحياء، بعد سنيِّها، واتخاذ رأس كل سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً، أو مآتم وأحزاناً، وإقامة الحفل السار، أو التأبين، من الشعائر المطّردة، والعادات الجارية منذ القدم، ودعمتها الطبيعة البشرية، وأسستها الفكرة الصالحة لدى الاُمم الغابرة، عند كلِّ اُمة ونحلة، قبل الجاهلية وبعدها، وهلمَّ جرا حتى اليوم.
هذهِ مواسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الاسلام وقبله، سجَّلها التاريخ في صفحاته.
وكأن هذهِ السنة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحب والعاطفة، وتُسقى من منابع الحياة، وتتفرع على اُصول التبجيل والتجليل، والتقدير والاعجاب، لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملأ، وعظماء الاُمة، إحياءاً لذكرهم، وتخليداً لاسمهم، وفيها فوائد تأريخية اجتماعية، ودروس أخلاقية ضافية راقية، لمستقبل الأجيال، وعظات وعبر، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة، وتجارب واختبارات، تولِّد حنكة الشعب، ولا تختص بجيل دون جيل، ولا بفئة دون اُخرى.
وانَّما الأيام تقتبس نوراً وازدهاراً، وتتوسم بالكرامة والعظمة، وتكتسب سعداً ونحساً، وتتخذ صيغة مما وقع فيها من الحوادث المهمة، وقوارع الدهر ونوازله.»(١) .
من هنا فقد أدرك بعض علماء العامة عمق انتساب هذ ا الأمر الى الشريعة عن طريق الادلة الكلية المتسالمة، فعبَّر البعض عنه ب(البدعة الحسنة)، فيقول (ابن حجر) بهذا الشأن: «عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنّها مَعَ ذلكَ قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنَّبَ ضدها كانَ بدعةً حسنةً، والا فلا»(٢) .
ويقول الامام (أبو شامة):
«ومن أحسن ما ابتُدع في زماننا ما يُفعل كلّ عامٍ في اليوم الموافق ليوم مولدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة، والسرور، فانَّ ذلكَ مَعَ ما فيه من الاحسان للفقراء مشعر بمحبتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر اللّه على ما منَّ به من إيجاد رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي أرسله رحمةً للعالمين»(٣) .
ويقول السيوطي في رسالته (حسن المقصد في عمل المولد):
____________________
(١) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٩٣ - ٩٤، عن سيرتنا وسنتنا للعلامة الاميني، ص: ٤٥ - ٤٦.
(٢) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٦٢، عن رسالة المقصد المطبوعة مَعَ النعمة الكبرى على العالم، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين، ص: ١١٤.
(٣) جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٦٣، عن السيرة الحلبية، ج: ١، ص: ٨٣ - ٨٤.
«عندي انَّ أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسَّر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما وقَعَ في مولده من الآيات، ثم يمدّ لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف»(١) .
وينقل (ابن تيمية) أقوالاً عديدة تدل على مشروعية الاجتماع والاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف على الرغم من أنَّه من المتشددين على مَن يتخذه عيداً كما يزعم(٢) ، بل كان متناقضاً في نفس كلامه الذي نقلناه عنه آنفاً.
وعلى أية حال فهو يقول في (إقتضاء الصراط المستقيم):
«قال المروزي: سألتُ أبا عبد اللّه عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ، ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو السري الحربي: قال أبو عبد اللّه: وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلّون ويذكرون ما أنعم اللّه عليهم كما قالت الأنصار».
وأضاف:
«وهذا إشارة الى ما رواه أحمد، حدَّثنا اسماعيل، أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنَّ الأنصار قبل قدوم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم اللّه به علينا، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا: فيوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي اُمامة أسعد بن
____________________
(١) سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، (٦) السيرة بلغة الحب والشعر، ص: ٤٢.
(٢) انظر للاطلاع على مشروعية اتخاذ هذا اليوم عيداً والمباني الشرعية والتاريخية لذلك (المواسم والمراسم)، ص: (٩٥ - ١٠٧).
زرارة، فذُبحت لهم شاة فكفتهم»(١) .
إذن فمشروعية الاجتماع للاحتفال والابتهاج بالذكريات الدينية المهمة نزعة إنسانية، تسير جنباً الى جنب مَعَ الفطرة البشرية، وتنبعث طبيعياً ما دام الانسان يحيا في جوِّ الجماعة الانسانية، ولذا نرى انَّ المسلمين لم يتخلفوا عن مجاراة هذا السلوك الانساني في مناسباتهم الدينية المختلفة، وهذا الذي ينقله لنا (ابن تيمية) واحد من عشرات المظاهر التي كانت تعبِّر عن هذا الواقع، وتعكسه في حياة المسلمين، بما يتناسب وينسجم مَعَ طبيعة الأعراف والتقاليد والاهتمامات التي كانت تحكم المجتمع آنذاك، الأمر الذي يدلل على أنَّ جذور إقامة الاحتفال، والاجتماع لاحياء الذكريات الاسلامية كانت ممتدة الى بدايات عصر ظهور الدعوة الاسلامية المباركة.
ولقد كان رأي الاستاذ (سعيد حوّى) أكثر تحرراً واعتدالاً من آراء الآخرين في هذهِ المسألة، حين دعم القول بجواز إحياء الذكريات الاسلامية عموماً وذكرى مولد النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم على نحو الخصوص، بالأدلة المقنعة، وحَمَل على المتشددين الذين لم يحسنوا فهم معنى (الابتداع)، على الرغم من انّه لم يبرح عاكفاً على الايمان بأنَّ (البدعة) تنقسم الى مذمومة وممدوحة، فيقول:
«والذي نقوله: أن يعتمد شهر المولد كمناسبة يُذكّر بها المسلمون بسيرة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشمائله، فذلكَ لا حرج، وأن يعتمد شهر المولد كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فذلكَ لا حرجَ فيه، وأن يُعتمد شهر المولد كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فذلكَ لا حرج فيه، وانّ مما اُلف في بعض الجهات أن يكون الاجتماع على محاضرة وشعر، أو انشادٍ في مسجد، أو في بيتٍ بمناسبة شهر المولد، فذلكَ مما أرى حرجاً فيه، على شرط أن يكون المعنى الذي يُقال صحيحاً.
إنَّ أصل الاجتماع على صفحةٍ من السيرة، أو على قصيدة في مدح رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
(١) ابن تيمية، إقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٣٠٤.
جائز، ونرجو أن يكون أهله مأجورين، فأن يُخصص للسيرة شهر يُتحدث عنها فيه بلغة الشعر والحب فلا حَرَج.
ألا ترى لو أنَّ مدرسة فيها طلاب خَصصت لكل نوعٍ من أنواع الثقافة شهراً بعينه، فهل هي آثمة؟، ما نظن أن الأمر يخرج عن ذلك».
ويضيف الى ذلك القول:
«لقد كانَ الاستاذ حسن البنا رجل صدق، وثاقب نظر، وإماماً في العلم، وكانَ يرى إحياء المناسبات الاسلامية في عصر مضطرب مظلم قد غفل فيه المسلمون، وجهلوا فيه كثيراً من اُمور دينهم، ومن كلامه -رحمهالله - في مذكراته: إحياء جميع الليالي الواجب الاحتفال بها بينَ المسلمين، سواء بتلاوة الذكر الحكيم، وبالخطب، والمحاضرات المناسبة.».
ثم يحمل على المتشددين قائلاً:
«والمتشددون في مثل هذهِ الشؤون تشددهم في غير محلِّه، فليس الأصل في الاشياء الحرمة، بل الأصل فيها الاباحة، حتى يرد النص بالتحريم، وفهمهم لحديث: (كل ما ليس عليه أمرُنا فهو ردٌ) فهم خاطئ.»(١) .
ففي الحقيقة انَّ التعبير الاجتماعي عن المشاعر والعواطف الدينية التي تختزن في نفوس المسلمين أمر متروك لأعراف الناس، وطرقهم المختلفة، وعاداتهم الاجتماعية الخاصة، ونظير هذا الأمر ما تفعله بعض الاُسر في الحياة الاعتيادية من احتفالات بهيجة لمواليدها الجدد، أو ما يتكرر في الذكرى السنوية ليوم الولادة مما يُسمى ب(عيد الميلاد)، أو ما تفعله أغلب الدول، أو كلها بالاحتفال في يوم استقلالها، إلا انَّ الفرق بين هذهِ الاحتفالات العامة، وبين الاحتفال بذكرى يوم المولد النبوي الشريف، أو بقية المناسبات الاسلامية المهمة، هو انَّ تلك الاحتفالات العامة خاضعة الى الرسوم
____________________
(١) سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر، (٦) السيرة بلغة الحب والشعر، ص: ٣٦ - ٣٩.
والآداب، والاعراف التي تحكم حياة الناس، من دون أن تكون مشمولة بعموميات التشريع التي تُدخلها في دائرة الندب والمطلوبية، وأمّا الاحتفال بالذكريات الاسلامية، ولا سيما بمولد النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو مشمول بأوامر الشريعة الاسلامية، ومأثور عنها كما تقدم الكلام فيه.
وختاماً لا بدَّ من القول بانّا إذا نظرنا الى دوافع ومنطلقات هذا اللون من السلوك الذي يتمسك به أتباع مدرسة أهل البيتصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويصرون على ممارسته، والمواظبة عليه في مختلف الذكريات الاسلامية المفرحة، والمحزنة، ولا سيما إصرارهم على الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، فانّا نجد الحرص الأكيد من قبل هؤلاء على إبقاء معالم شخصية الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم متألقةً وحيةً في ضمائر المسلمين حيناً بعد حين، والاعتزاز بتعاليم الرسالة الاسلامية، وتجديد الانبعاث نحوها، والتمسك بها، إذ انَّ المطّلع على برامج هذهِ الاحتفالات، يلاحظ انَّها تستهدف أول ما تستهدف إجلاء مكانةِ الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإبراز آثاره ومعطياته الخالدة، من خلال الكلمات، والقصائد، والخطب والخواطر، والمقالات الاسلامية الهادفة، بل وقد يتضمن البعض منها تقديم الدراسات المتنوعة حول الجوانب المختلفة من حياته الكريمة، وجهاده الكبير في إعلاء كلمة اللّه على وجه الأرض، وغير ذلك من الاُمور التي ترتبط بهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتشد المسلمين نحو سيرته، وتحثهم على الاقتداء به، والسير على هداه.
ومما لا شكّ فيه انَّ هذا النمط من السلوك الهادف، سوف يساهم مساهمة ملموسة في إبقاء معالم التراث الاسلامي الزاخر حيةً وفاعلةً في حاضر حياة المسلمين، ويشكّل أحد المفردات البارزة لتلك العموميات التي يتأمر المسلمين بتوقير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونصرته، وتبجيله، لانَّه يمثل الالتزام العملي بسلوكه، والتمسك بسنته وسيرتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
د: زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومراقد الأئمةعليهمالسلام
ومن الاساليب المندوبة الاُخرى لتجسيد هذا السلوك الهادف، والاشتراك مَعَ ما تقدم في الدوافع والمعطيات زيارة قبر النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم تبركاً، والدعاء عنده تقرباً الى اللّه تعالى، وكذلك زيارة مراقد أئمة أهل بيت العصمة والطهارةعليهمالسلام ، لما لهم من وجاهةٍ، ومقام محمود عند اللّه سبحانه وتعالى.
فاضافة الى ما ورد من عموميات متقدمة بشأن إحترام وتوقير النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، وردت الأدلة الخاصة. أيضاً للحث على ذلك، فيكون هذا العمل منتسباً الى التشريع من هذين الطريقين معاً.
فمن ذلكَ الحديث الذي أخرجته اُمّة من الحفّاظ وأئمة الحديث عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«مَن زار قبري وجبت له شفاعتي»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن حجَّ فزار قبري بعدَ وفاتي، كان كمن زارني في حياتي»(٢) .
وغير ذلك من عشرات الاحاديث الاخرى المروية من طرق الفريقين، والتي ندبت الى زيارتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والدعاء عنده، والتبرك بقبره(٣) ، وكذلك أهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، باعتار الاشتراك في الدوافع والآثار والمعطيات المترتبة على هذا الاهتمام، بينهمعليهمالسلام وبين رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنَّهم يمثلون الامتداد الشرعي لموقعه الديني
____________________
(١) ذكره الاميني في (الغدير)، ج: ٥، ص: ٩٣، عن أكثر من أربعين راوياً ومحدثاً من أئمة المذاهب الاربعة.
(٢) ذكره الاميني في الغدير، ج: ٥، ص (٩٨ - ١٠٠) عن خمسة وعشرين حافظاً ومحدّثاً، وانظر على سبيل المثال بعض مدارك الحديث في كنز العمال لعلاء الدين الهندي، ج: ١٥ ص: (٦٤٦ - ٦٥٧)، الاحاديث: (٤٢٥٥١ - ٤٢٦٠٧).
(٣) راجع (الغدير) للاميني، ج: ٥، ص (٨٦ - ٢٠٨)، باب زيارة مشاهد العترة الطاهرة، فقد روى عن مصادر العامة اثنين وعشرين حديثاً حول زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونقل كلمات أربعين علماً من أعلام المذاهب الأربعة حول زيارتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وَبَسط الكلام في ذلك بالحجة البالغة، والقول السديد.
في الرسالة الاسلامية.
وكتُبُنا الحديثية المعتبرة مليئة بالروايات الصحيحة التي تحث على هذا السلوك، وتوضِّح تعاليمه وآدابه وخصائصه التفصيلية الاُخرى.
وفي الحقيقة انَّ قضية التبرك بآثار الانبياء والأوصياء قد وردت فيها الدلالة واضحة من قبل الشريعة، وعلى رأس ذلك ما ورد في قوله تعالى:
( اذهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلقُوهُ على وَجهِ أَبي يَأتِ بَصيراً ) (١) .
فنلاحظ ان النبي يوسفعليهالسلام يرسل قميصه الى أبيه لكي يكون وسيلة وواسطة لارتداد البصر اليه باذن اللّه تعالى، وهذا من أظهر مصاديق التبرك، وقد قال تعالى بعد ذلك:
( فَلَمّا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلقاهُ عَلى وَجهِهِ فارتَدَّ بَصيراً ) (٢) .
وأما الأحاديث فهي كثيرة منها ما رواه (البخاري) عن أبي جحيفة انّه قال:
«خرج علينا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالهاجرة، فاُتي بوضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه، فيتمسحون به»(٣) .
وروى (البخاري) عن الجعد انَّة قال:
«سمعتُ السائب بن يزيد يقول ذهبت بي خالتي الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقالت: يا رسول اللّه انَّ ابن اختي وقع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثمَّ توضأ فشربت من وضوئه.»(٤) .
وفيه عن (ابن يرين) انَّه قال:
«قلت لعبيدة عندنا من شعر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أصبناه من قبل أنس، أو من قبل أهل
____________________
(١) يوسف: ٩٣.
(٢) يوسف: ٩٦.
(٣) البخاري، صحيح البخاري، ج: ١، كتاب الوضوء، ص: ٥٥.
(٤) البخاري، صحيح البخاري، ج: ١، كتاب الوضوء، ص: ٥٦.
أنس، فقال: لأن يكون عندي شعرة منه أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها»(١) .
وفيه أيضاً عن (أنس) انَّه قال:
«انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا حلقَ رأسه كان أبو طلحة أوّل مَن أخذ من شعره»(٢) .
وقال (ابن حجر) في (الاصابة):
«كل مولود ولد في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يُحكم بأنَّه رآه، وذلك لتوفّر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للتحنيك والتبرّك، حتى قيل: لما افتُتحت مكة جعل أهل المدينة يأتون الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بصبياتهم، ليمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم بالبركة»(٣) .
وجاء في (مسند أحمد) عن (عائشة) انَّها قالت:
«كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يؤتى بالصبيان فيحنكهم ويبرّك عليهم.»(٤) .
وجاءَ في (اُسد الغابة):
«انَّ بلالاً رأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في منامه وهو يقول: ما هذهِ الجفوة يا بلال؟ ما آن لكَ أن تزورنا؟ فانتبه حزيناً، فركب الى المدينة، فأتى قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجعل يبكي عنده، ويتمرّغ عليه، فاقبل الحسن والحسين، فجعل يقبّلهما ويضمهما.»(٥) .
وفي (البخاري) عن أبي جحفة قال:
«خرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالهاجرة الى البطحاء، فتوضأ، ثم صلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين. الى أن قام وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فاذا هي أبرد من الثلج، وأطيب
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ١، كتاب الوضوء، ص: ٥٠ - ٥١.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ١، كتاب الوضوء، ص: ٥١.
(٣) جعفر السبحاني، الوهابية في الميزان، ص: ٢١٤، عن الاصابة، ج: ٣، ص: ٦٣١.
(٤) أحمد بن حنبل، ج: ٦، ح: ٢٥٢٤٣، ص: ٢١٢.
(٥) ابن الاثير، اُسد الغابة، ج: ١، ص: ٢٠٨.
رائحةً من المسك»(١) .
وورد في (الطبقات الكبرى):
«عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنَّه نظر الى ابن عمر وقد وضع يده على مقعد المنبر حيث كان النبي يجلس عليه، ثم وضعها على وجهه»(٢) .
وروي عن علي أمير المؤمنين أنَّه قال:
«قدِم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بثلاثة أيام، وحثى من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول اللّه! قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن اللّه سبحانه فوعينا عنك، وكان فيما أنزل اللّه عليك:( وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم جاءُوكَ. ) (٣) . وقد ظلمتُ وجئتكَ تستغفر لي، فنودي من القبر، قد غُفر لك»(٤)
ولكنّن نرى أيضاً على الرغم من عمق انتساب هذا العمل للدين، وقوة ارتباطه بالتشريع قد نُعتَ من قبل الكثيرين بالابتداع، وحاول البعض أن يصوّر زيارة مراقد أهل البيتعليهمالسلام ، والدعاء عندها، والتبرك بها، عبادة لأصحاب هذهِ القبور، بهتاناً وزوراً وافتراءاً، وقلباً للحقائق، والتفافاً حولها، مَعَ أنَّ الذي يطالع ويطّلع على لغة الزيارة التي يلهج بها أتباع منهج أهل البيتعليهمالسلام لهؤلاء الابرارعليهمالسلام ، يلمس الأدبَ الرسالي الرفيع، والروحَ التوحيدية الخالصة التي تطفح بوضوح من بين جنبات هذهِ المقاطع الاسلامية الموروثة عن أهل البيتعليهمالسلام أنفسهم بنحوٍ غالب.
فلننظر الى ما يقوله (الفوزان) حول هذا الموضوع:
«ولكنَّ التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح، كالطواف
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٤، كتاب المناقب، ص: ١٦٥.
(٢) جعفر السبحاني، الوهابية في الميزان، ص: ٢١٦، عن الطبقات الكبرى، ج: ١، القسم الثاني، ص: ١٣.
(٣) النساء: ٦٤.
(٤) عبد الحسين الاميني، الغدير، ج: ٥، ص: ١٤٨، عن الحافظ ابي عبد اللّه بن نعمان المالكي في مصباح الظلام، والشيخ شعيب الحريفيش في (الروض الفائق) ج: ٢، ص: ١٣٧، والسيد نور الدين السمهودي في (وفاء الوفا) ج: ٢، ص: ٤١٢، والقسطلاني في (المواهب اللدنية). وآخرين.
بالقبور تقرّباً الى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم. ومنها ما هو من وسائل الشرك كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها»(١) .
ونحن لا نريد هنا أن نتبنّى الاجابة على ما ذكره (الفوزان) وما يذكره غيره من المغرضين من طعنٍ وتجريح لأتباع مذهب أهل البيتعليهمالسلام في خصوص الموارد التي ذكرها، لانّا قلنا بانَّ لمثل هذهِ الاجابات التفصيلية موضعها الخاص من كتب ومصنفات علمائنا المتقدمين والمتأخرين.
ولكننا نعجب حقاً لهذهِ اللغة الرخيصة التي لا تنسجم مَعَ الأعراف، والأخلاق، والمنطق العلمي السليم، ونعجب من هذا التسامح المفرط في تكفير الطوائف الاسلامية، وإلغاء عقائد الملايين من الموحدين من أبناء الاسلام بكلمة واحدةٍ لا يعرف هؤلاء المتحجرون من مفردات الثقافة الاسلامية المترامية سواها، وهي كلمة (بدعة)، فكل أمرٍ لا ينسجم مَعَ أهوائهم وميولهم الخاصة أطلقوا عليه هذا اللفظ، ونعتوه بهذا الوصف.
وفي الواقع انَّ ما يقوله (الفوزان) اليوم وما يقوله غيره من الوهابيين، هو ترديد وتكرار لما قاله اُستاذهم (ابن تيمية) الذي نظَّر لهذا الأمر في مصنفاته المختلفة، وشكّل بذلكَ باعثاً على زرع التفرقة بين المسلمين، وشق عصا وحدتهم وتماسكهم.
على أنّا نجد ان نفس (ابن تيمية) يتناقض مَعَ نفسه، حين تفرض الحقائق نفسها على كتاباته، ولا يجد من ذلكَ بدّاً ومخرجاً، فعلى الرغم من أنَّ مصنفاته تطفح بالتشنيع والنيل من أتباع مذهب أهلعليهمالسلام ، ومؤاخذتهم بعنف على ما يمارسونه من زيارةٍ لمراقد أهل البيتعليهمالسلام ، وتبركٍ بآثارهم المقدسة، وتوسلٍ الى اللّه تعالى بجاههم العظيم، نجد انه يصرِّح بأصل مشروعية الاتيان للمشاهد في (اقتضاء الصراط المستقيم) حيث يقول:
«قال سندي الخواتيمي: سألنا أبا عبد اللّه عن الرجل يأتي هذهِ المشاهد ويذهب اليها: ترى ذلك؟ قال: أمّا على حديث ابن اُم مكتوم انَّه سأل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يصلي في بيته
____________________
(١) صالح الفوزان، البدعة، ص: ١٧.
حتى يتخذ ذلك مصلى، وعلى ما كان يفعل ابنعمر رضي الله عنهما، يتبع مواضع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا انَّ الناس قد أفرطوا في هذا جداً وأكثروا فيه.
وكذلكَ نقل عنه أحمد بن القاسم ولفظه: سُئل عن الرجل يأتي هذهِ المشاهد التي بالمدينة وغيرها، يذهب اليها؟ قال: أمّا على حديث ابن اُم مكتوم انَّه سأل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً، وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتبع مواضع سير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفعله حتى رؤيَ يصب في موضع ماء، فسُئل عن ذلك؟ فقال: رأيتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصب ههنا ماء، قال أمّا على هذا فلا بأس»(١) .
فهذا الكلام الذي ينقله عن الامام (أحمد بن حنبل)، يدل بشكل واضح وصريح على أصل مشروعية إتيان المشاهد، والتبرك بآثار النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويقول في موضعٍ آخر في نفس الموضوع:
«فكما انَّ تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة تشبه المشروع: من الجمعة، والعيدين، والصلوات الخمس، فكذلك تطوّع القراءة والذكر والدعاء جماعة وفرادى، وتطوع قصد بعض المشاهد، ونحو ذلك كلُّه من نوعٍ واحد.»(٢) .
فاذا كان اتيان المشاهد مشروعاً، والتبرك أيضاً مشروعاً، فلماذا هذا التهجم على الموحدين من أبناء الاسلام، ونعت عملهم بالابتداع؟ ولماذا تحميل هذا العمل المشروع عناوين اُخرى لا واقع لها من الأساس؟ ولماذا لا يُحمل عمل المسلمين على الصحة وفقاً لتلك العموميات التي ندبت الى تبجيل النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيتهعليهمالسلام ، وتوقيرهم، ونصرتهم أحياءً وأمواتاً؟
____________________
(١) ابن تيمية، إقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٢) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٣٠٥.
ولكنَّ العجب العجاب أنَّ نفس ما لم يكن يسمح به (ابن تيمية) من تبرك بالاموات، ونفس ما كان يعتبر فاعله مشركاً وخارجاً عن الدين. قد حصل بشأنه بعد الموت، ولكنَّ أحداً من خواصه ومريديه والمدافعين عن عقائده المضللة ومبانيه لم ينبس ببنت شفة، ولم يقل بأنَّ هذا الأمر مشمول بالابتداع، عدا ما أظهره محقق كتاب (العقود الدرّية) عند هذا الموضع من إمتعاض باهتٍ وسريع.
فقد ورد في الكتاب المذكور بلهجة الاطراء والثناء على (ابن تيمية) بعد موته:
«وحضر جمع الى القلعة، فاُذن لهم في الدخول، وجلسَ جماعة قبل الغسل، وقرأوا القرآن، وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا.
وحضر جماعة من النساء، ففعلنَ مثل ذلك ثمَّ انصرفنَ. وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك.
وشرب جماعة الماءَ الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غُسِّل به.
وقيل: إنَّ الطاقية التي كانت على رأسه دُفع فيها خمسمائة درهم، وقيل: الخيط الذي فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل، دفع فيه مائة وخمسونَ درهماً».
ثم يضيف قائلاً:
«وتردد الناس الى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً، ورؤيت له منامات كثيرة صالحة»(١) .
____________________
(١) الحافظ أحمد بن عبد الهادي، العقود الدرية في مناقب شيخ الاسلام أحمد بن تيمية، بتحقيق محمد حامد الفقي، ص: ٣٦٩ - ٣٧١.
ه: اِقامة المآتم ومجالس العزاء
وردت الأحاديث المتظافرة الدالة على استحباب الترحم على الموتى، وضرورة مواساة المسلمين بعضهم للبعض الآخر عند نزول الموت، والمشاركة في مراسيم التشييع والدفن، وبقية مراسيم العزاء.
وقد اعتاد المسلمون في الفترات الأخيرة على تجسيد هذا الندب الشرعي المؤكّد، من خلال إقامة مجالس الفاتحة على أرواح اُولئكَ الموتى، وذكرهم بالخيرات، وقراءة القرآن والدعاء، واطعام المعزّين من باب أدب الضيافة.
ولم يكن ليدّعي أحد من هؤلاء المسلمين بأنّ هذا العمل ضروري أو واجب، وانّما يقوم به أولياء المتوفى كل بحسب شأنه وطاقته، بل وقد لا يقوم به البعض الآخر لقلّة ذات يساره، على أنَّ دعم بقية المسلمين لهؤلاء المصابين، وقيامهم بأغلب نفقات هذهِ المآتم، يحول غالباً دون عدم تحقيق هذا الأمر المندوب.
فهذا أيضاً من نوع تطبيق وتجسيد عموميات الشريعة المقدسة.
ولكنَّ المؤسف انّ البعض قد عدَّ هذا العمل من قبيل البدعة المحرّمة، وتسرَّعَ الى اطلاق هذا العنوان عليه من دون محاولة التأمل في خلفياته ومبرراته الشرعية، جاءَ في (الفقه الاسلامي وأدلته):
«أما صنع أهل البيت طعاماً للناس فمكروه وبدعة لا أصلَ لها، لأنّ فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلاً لهم الى شغلهم، وتشبهاً بصنع أهل الجاهلية، وإن كان في الورثة قاصر دونَ البلوغ، فيحرم إعداد الطعام وتقديمه، قال جرير بن عبد اللّه: كنا نعدّ الاجتماع الى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة»(١) .
ويفصّل (الفوزان) هذا التحريم بالقول:
____________________
(١) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلتُه، ج: ٢، ص: ٥٤٩.
«ومنها: إقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين، يزعمون أنَّ ذلكَ من باب العزاء، أو انَّ ذلك ينفع الميت، وكل ذلكَ بدعة لا أصل لها، وآصار وأغلال ما أنزل اللّه بها من سلطان»(١) .
فمتى كانت قراءة القرآن، والدعاء، واطعام الطعام (بدع) لا اصل لها؟! وما معنى النصوص الشرعية الخاصة والعامة التي حثت المسلمين على هذهِ الاُمور جميعاً، وأكدت على ضرورة مواساة أولياء الميت، ومشاركتهم في العزاء، وتقديم العون لهم، وندبت المسلمين الى كل ذلك في مختلف الاُزمان والعصور؟
فقد ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال:
«مَن عزّى مصاباً فله مثل أجره»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبةٍ إلا كساه اللّه من حلل الكرامة يوم القيامة»(٣) .
فهذه أدلة عامة تنص على مشروعية الاجتماع واللقاء عند المصاب، وزيارة أولياء الميت، ومواساتهم، وتقديم العزاء لهم. إضافة الى الأدلة العامة الواردة بشأن التعاون على البر والتقوى، ومواساة الاخوان، وزيارة المؤمنين، وإدخال السرور على قلوبهم، وصلة الأرحام. وغيرها من العموميات التي تشمل هذا النوع من الاجتماع والائتلاف والتعاون، وتدفع الانسان المؤمن للوقوف إلى جنب أخيه المؤمن في الشدائد ومواطن الابتلاء.
وأمّا قضية إطعام المعزّين فهي قضية جرى عليها عرف الانسان، واندفع نحوها بايحاء فطرته البشرية، كما انَّها وجدت حوافزها ودوافعها الشرعية من خلال النصوص الكثيرة الواردة في الحث على إكرام الضيف، وإيصال البر والمعروف الى الناس، وإنفاق
____________________
(١) صالح الفوزان، البدعة، ص: ٣١.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٥، ح: ٤٢٦٠٨، ص: ٦٥٨.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٥، ح: ٤٢٦١٥، ص: ٦٥٩.
ما زاد عن الحاجة، وبذل المستطاع من المال والمتاع. وأوضح مصاديق ذلك هو إطعام الطعام، وإشباع المؤمنين تقرباً الى اللّه تعالى.
فما دخل هذا العمل الذي يقوم به أولياء الميت بالابتداع، وكيف يمكن لمتشرع يخاف يوم الحساب من أن يطبق عليه حدّ (البدعة) ويقول بانَّ هؤلاء قد أدخلوا في الدين ما ليس منه؟.
وهل يُعقل أن تحرِّم الشريعة الاسلامية اكرام الضيف المعزّي وتقديم الطعام له، لا سيما وانَّ أغلب هؤلاء المعزّين يأتون من مناطق بعيدة ونائية، ويتركون أعمالهم وشؤونهم الخاصة، قاصدين مواساة أولياء الميت والشد على أيديهم، علاوةً على انَّهم يتحملون في الغالب عملية إعداد الطعام ونفقاته والاُمور الاُخرى المتعلقة به؟
من هنا نرى انَّ البعض حين يصطدم بالواقع الذي يرفض هذا الاتهام المجحف أشدَّ الرفض، يستدرك ما أطلقه من تحريم بالقول:
«وإن دعت الحاجة الى ذلكَ جاز، فانهم ربَّما جاءَهم مَن يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة، ويبيت عندهم، ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه»(١) .
إنَّ الاسلام أسمى وأقدس من أن يُفهم بهذهِ الطريقة الشلاء التي يلصقها به الجهلاء والمضلّلون، أو يُنظر اليه بهذهِ النظرة السوداوية القاتمة التي تحجبه عن المجتمع، وتمنعه من التفاعل معه وفيه.
إنّ الاسلام دين الحياة الذي ينفتح معها في مختلف الخصوصيات والأبعاد، ويستجيب لمتطلباتها مهما اتسعت وتقدمت بالانسان، والا فيكف يمكن أن نأمن على الدين الاسلامي من أن يواكب المجتمع المتمدن ويحاكي تطور الحياة؟!
ولكنا لا نستغرب كثيراً إذا ما أدركنا بانَّ الدين الذي يريده هؤلاء هو دين السلاطين والملوك، ودين التحجر والانزواء.
____________________
(١) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلتُه، ج: ٢، ص: ٥٥٠.
وأمّا استحباب تلاوة القرآن الكريم، والتجمع للاستماع له، فهو لا يتطلب منّا مزيداً من البيان، ولا يحتاج الى أن نذكر له دليلاً أو برهاناً، لكونه أمراً جلياً لا يشكك فيه إلا الجاهل المتعنت، ولا ينكره إلا من لا حظَّ له من العلم بشريعة سيد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأما ايصال ثواب هذهِ القراءة الى الميت فهو أمر مندوب بالأدلة العامة والخاصة، فروي مثلاً عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«اقرؤها على موتاكم، يعني يس»(١) .
وفي رواية اُخرى عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
« ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد اللّه تبارك وتعالى والدارَ الآخرة إلا غُفر له، واقرءوها على موتاكم»(٢) .
وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«من مرَّ على المقابر فقرأ فيها إحدى عشرة مرةً (قُل هُوَ اللّه أحد)، ثم وهبَ أجرهُ الامواتَ، اُعطي من الأجر بعدد الاموات»(٣) .
وعن أبي هريرة عن رسول اللّه:
«مَن دَخَل المقابر، ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو اللّه أحد، وألهاكم التكاثر، ثم قال: إنّي جعلتُ ثواب ما قرأتُ من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات، كانوا شفعاء له الى اللّه تعالى»(٤) .
وعن عائشة:
____________________
(١) أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج: ٥، ح: ١٩٧٩٠، ص: ٢٦.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج: ٥، ح: ١٩٧٨٩، ص: ٢٦.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال: ج: ١٥، ح: ٤٢٥٩٦، ص: ٦٥٥.
(٤) عبد اللّه بن عبد الاله الحسيني، صاروخ القرآن والسنة، ص: ٨٢، عن ابي محمد السمرقندي في فضائل (قُل هُوَ اللّه أحد)، والرافعي في تأريخه، والدارقطني.
انَّ رجلاً قال لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ امي افتُلتت نفسها، وانَّها لو تكلمت تصدَّقت، أفأتصدق عنها؟ فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : نعم، فتصدَّق عنها»(١) .
وعن كعب بن عجرة قال:
« قلتُ: يا رسول اللّه! انّي اُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لكَ من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال، قلت: الربع، قال: ما شئت، فان زدت فهو خير لكَ، قلت: النصف، قال: ما شئت، فان زدتَ فهو خير لكَ، قال: قلت: فالثلثين، قال: ما شئت، فان زدت فهو خير لكَ، قلت: أجعل لكَ صلاتي كلَّها، قال: إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك»(٢) .
فهذه الأحاديث والكثير غيرها تدل بوضوح على مطلوبية ذكر الأموات بالدعاء، والقرآن، وأعمال البر الاُخرى، وانَّ ثواب هذه الاعمال يصل الى الميت في قبره وينتفع به. قال صاحب كتاب (صاروخ القرآن والسنة) حول هذا الموضوع:
«قال مفتي الديار الحضرمّية في رسالته المذكورة: أما قراءة القرآن العظيم للاموات، ثم الدعاء بعدها بأن يوصل ثواب القراءة الى روح فلان. الخ، فقد كفانا المؤونة في ذلك الامام العلامة الشيخ محمد العربي التباني، المدرس بالمسجد الحرام، وأحد أساتذة مدرسة الفلاح بمكة سابقاً، فانّه صنف في هذا الموضوع رسالة سماها (إسعاف المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصول ثوابها للأموات)، ذكر في صدرها انَّ قراءة القرآن على الأموات جائزة، يصل ثوابها لهم عند جمهور فقهاء الاسلام أهل السنة، وإن كانت بأُجرة على التحقيق.
ثم نقل عن الامام شيخ الاسلام زكريا في (شرح الروض) ما مثاله: (فرع) الاجارة للقراءة على القبر مدة معلومة، أو قدراً معلوماً، جائزة للانتفاع بنزول الرحمة
____________________
(١) النسائي، سنن النسائي، ج: ٣، ح: ٣٦٥١، ص: ٥٦٠، كتاب الوصايا (٧)، إذا مات الفجأة.
(٢) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٤، ح: ٢٤٥٧، ص: ٥٤٩، كتاب: صفة القيامة / ٢٣.
حين يُقرأ القرآن. كالاستئجار للأذان، وتعليم القرآن، ويكون الميِّت كالحي الحاضر، سواء عقَّب القرآن بالدعاء، أو جعل أجر قراءته له، أم لا، فتعود منفعة القرآن الى الميِّت في ذلك.
ثم قال: بل قال السبكي تبعاً لابن الرفعة على انّز الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط انَّ القرآن إذا قُصد به نفع الميت نفعه.
ثم نقل عن الامام الرملي في (النهاية) والشبراملسي في حاشيته عليها، وعن شيخ الاسلام في فتاويه، وعن الحافظ السيوطي، وابن الصلاح ما يؤيد ذلك، الى أن قال: وقال النوويرحمهالله في (شرح المهذب): يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن، ويدعو لهم عقبها، نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه الاصحاب، وزاد في موضع آخر: إن ختموا القرآن على القبر كان أفضل ا ه».
ثم نقل عن علماء بقية المذاهب الأربعة ما لا يخرج عمّا ذكر، الى أن قالَ في الخاتمة: «والخلاصة قد تحقق وتلخص من كلام العلماء كابن قدامة، وابن القيمِّ، وغيرهما المنقول عن الائمة الاقدمين من أهل الأثر، إنَّ القراءة على الاموات فعلها السلف الصالح، وانَّ عمل المسلمين شرقاً وغرباً لم يزل مستمراً عليها، وانَّهم وقفوا على ذلك أوقافاً، وأطال في ذلك.
ثم نقل عن الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية انَّه قال: مَن اعتقد انَّ الانسان لا ينتفع إلا بعمله، فقد خرق الاجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة، أحدها انَّ الانسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير، وأطال الى أن عدَّ واحداً وعشرين وجهاً.
ثم قال: ومَن تأمل العلم وجد من إنتفاع الانسان بما لم يعمله ما لا يكاد يُحصى ا ه كلام ابن تيمية»(١) .
____________________
(١) عبد اللّه بن عبد الاله الحسيني، صاروخ القرآن والسنة، ص: ٨١ - ٨٤.
فهذهِ هي نصوص الشريعة الاسلامية الناصعة، وآراء أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام المستقاة منها، وهذهِ أقوال أهل السنة وفتاواهم التي يحكى عنها الاجماع، فأين نضع قول مَن يقول: «ومنها إقامة المآتم على الاموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين يزعمون انَّ ذلكَ من العزاء، أو انَّ ذلك ينفع الميّت، وكل ذلك بدعة لا أصل لها، وآصار وأغلال ما أنزل اللّه بها من سلطان»(١) .
فلماذا التسرع في إطلاق لفظ (البدعة) على الاُمور المقطوعة الثبوت في التشريع؟ ولماذا الاستعجال بتكفير آلاف الموحدين من الطوائف الاسلامية المختلفة لانَّهم يعتقدون بأمرٍ منتزع من صميم التشريع، ويمارسونه على هذا الأساس المشروع؟
إِنَّ التهاون في مثل هذهِ الاُمور، والتسامح في إطلاق لفظ (البدعة) مَعَ ما له من خطورة وحساسية في التصور الاسلامي، لا يمكن أن يُغتفر ويُتجاوز عنه، خصوصاً إذا ما صدر من شخصيات لها وزنها وموقعها، في مختلف المقاييس والاعتبارات.
جاءَ في كتاب (الروح) ل(ابن القيِّم الجوزية):
«قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق: حدثني علي بن موسى الحدّاد وكان صدوقاً، قال: كنت مَعَ أحمد بن حنبل، ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دُفن الميت، جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فققال له أحمد: يا هذا إنَّ القراءة عند القبر بدعة!
فلما خرجنا من المقابر، قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبتَ عنه شيئاً؟ قال: نعم، قال: فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنَّه أوصى إذا دُفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعتُ ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد، فارجع وقل للرجل
____________________
(١) - صالح الفوزان، البدعة، ص: ٣١.
يقرأ»(١) !!
ويحاول الشيخ (الغزالي) أن يبني نسبة (الابتداع) إلى إطعام الطعام، وتلاوة القرآن وتوزيع الأشربة والسجائر!! في المآتم. على قاعدةٍ عقلية عثر عليها في كلمات المتقدمين! وهامَ إعجاباً بها، وجعلها شاهداً لكثير من أحكامه بالابتداع على ما لا ينسجم معها من الامور الحادثة في حياة المسلمين، فيقول عند التعرض لموضوع الابتداع:
«ومن الفقهاء الذينَ في هذا الميدان أبو اسحق الشاطبي، وأظنه واضع هذهِ القاعدة: (ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام مَعَ وجود الداعي، وانتفاء المانع، فتركه سنة، وفعله بدعة)، وهي قاعدة جليلة تحمي الاسلام من تقاليد رديئة اختلقها المسلمون في مناسبات كثيرة، وحسبها العامة ديناً، وما هي بدين»(٢) .
يستعين (الغزالي) بهذه القاعدة على نسبة (الابتداع) إِلى مَن يقيم مآتم العزاء، ومجالس الترحم على الموتى، ويطعم الطعام، ويقرأ القرآن، ويوزِّع السجائر والاشربة! فيقول:
كانَ الناس يموتون، ولم يتجاوز الأمر عند موتهم الدفن بعد صلاة الجنائز، ثم قبول العزاء على نحوٍ عابر لا افتعال فيه.
وربما كلف جيران الميت باعداد الطعام لأهله، فانَّ مصابهم شغلهم عن إعداده لأنفسهم، لكنَّ مسلمي اليوم رأوا أن يجتمعوا عقب الوفاة في أندية أو سرادقات، يستمعون فيها الى القرآن، ويستقبلونَ فيها الوفود، وتوزع فيها السجائر والأشربة، ويتكلَّف فيها أهل الميت ما يبهظهم.
والجماهير ترى أنَّ قراءة القران في حشدٍ يضم المعزّين لا بدَّ منه، ولكنَّ العلماء
____________________
(١) ابن القيم الجوزية، الروح، ص: ١٠.
(٢) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، ص: ١٠٣.
مجمعون على أنَّ الرسول وصحابته لم يفعلوا هذا مَعَ وجود الداعي له وهو الموت، وطلب الثواب، وانتفاء المانع فالأمن مستقر والتجمع سهل.
وما دام الأمر كذلك فالترك سنة، والفعل بدعة»(١) .
ونحن نعجب لصاحب هذهِ الشخصية العلمية كيف ينحى هذهِ الطريقة الخطيرة من التفكير، وكيف يسمح لنفسه نعت مثل هذهِ الأعمال المشروعة بالابتداع، في الوقت الذي لم يُعهد من ممارسي هذهِ الاعراف القول بانَّها ضرورة لا بدَّ منها كما ذكر في كلامه.
وحتى القاعدة التي تم استشهاده بها، والتي كانت تمثل ظفراً علمياً نفيساً بالنسبة اليه، لا تصلح لأن تكون ضابطة لحد الابتداع، إذ ليس المدار في انطباق مفهوم (البدعة) على الاُمور الحادثة هو عدم فعلها في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مَعَ وجود الداعي لذلك وارتفاع المانع عنه، على ما صوَّره (الغزالي) في كلامه المتقدم، إذ انَّ هناك خصوصيات أساسية متمِّمة قد أغفلها صاحب القاعدة، ومَن هامَ إعجاباً بها في آن واحد، تلك هي مراعاة طبيعة المجتمع، وعاداته، وأعرافه. ومثل هذا الأمر موكول الى سليقة الناس، وطبائعهم، وتقاليدهم الخاصة، يعبّرون عنه كيف يشاؤون، ويأتون به بالطريقة التي تفرضها ضرورات الحياة، ومتطلبات العصر، وأعراف المجتمع، بشرط أن لا يصطدموا مَعَ خطوط الشريعة الحمراء، ولا ينسبوا العمل بكيفيته التفصيلية الى الشرع المقدس، عندما لا يرد بشأنه دليل خاص، وهذا ما يحصل في هذهِ المجالس والمآتم، فهي تشتمل على الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن الكريم، وإطعام الطعام، وإكرام الضيف، ومواساة المؤمنين، وتسلية المصاب. وكل هذهِ الامور قضايا مندوبة ومستحبة، ولا توجد أية مساحة للمخالفة الشرعية في عناوينها وتطبيقاتها في هذهِ المجالس.
أضف الى انَّ مقيمي هذهِ المجالس وحضّارها لا يدّعون وجوبها وحتميتها، ولذا نرى أنَّ بعضهم يكتفي بمراسيم التشييع والدفن ليس غير، وأما البعض الآخر فيبذل ما
____________________
(١) محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص: ١٤٣.
يقدر عليه من برٍّ وإحسان حسب وسعه وطاقته.
فطبيعة المجتمع إذن لها مدخلية في رسم الصورة النهائية لهذا النمط من التعبير العاطفي المسموح به في ثوابت الشريعة، وهو أمر مغروس في نفوس الناس، ومختزن في أعماقهم، غاية الأمر انَّ هناك اختلافاً في طريقة ترجمته على الواقع العملي المعاش، وهذا الاختلاف ينتج عن الاختلاف في أعراف الناس وطبائعهم.
بل ويمكن أن نلتمس من نفس كلام (الغزالي) شاهداً ومؤشراً على كون اُصول هذا العمل كانت موجودةً فيما سبق، إلا انَّها كانت بدرجة محدودة، وبمستوىً ضئيل، يتناسب مَعَ طبيعة المجتمع القائم آنذاك، ونوع الأعراف والتقاليد التي كانت تحكمه وتسوده، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ الناس كانوا جديدي عهدٍ بأحكام الشريعة وتعاليمها وأسرارها، فقد مرَّ معنا انّه يقول: «ثم قبول العزاء بنحوٍ عابرٍ لا افتعال فيه».
ويقول: «وربما كُلِّف جيران الميت باعداد الطعام لأهله».
وفي هذا إشارة الى ما ورد في الأثر:
«ولما جاءَ نعي جعفر بن أبي طالب الى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إصنعوا لآل جعفر طعاماً، فانَّه قد أتاهم ما شغلهم»(١) .
وفي رواية اخرى انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
«لا تغفلوا آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاماً فانَّهم قد شُغلوا بأمرِ مصابهم»(٢) .
وهذا يدلل على انَّ جذور هذهِ المراسيم كانت قد بدأت تضرب بجذورها في نفوس المسلمين وطبائعهم، باعتبار استجابتهم لارشادات الشريعة التي توصي بالاهتمام بآل المتوفى من جانب، وتوصي باكرام الضيف وإطعامه والتصدّق عن الموتى بمختلف أعمال البر والمعروف من جانبٍ آخر، ثم أخذت هذهِ الممارسة تقوى وتشتد وتستجيب
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٥، ح: ٤٢٦٣٠، ص: ٦٦٣.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٥، ح: ٤٢٦٢٩، ص: ٢٦٢.
لواقع العصر مَعَ مرور الزمن، الى أن اتصفت بالطابع الذي هي عليه الآن.
وربما ينتقل أحد هؤلاء المسلمين الذين نعتهم (الغزالي) بالابتداع الى أحد البلدان التي لا تسود فيها مثل هذهِ الاعراف، فيبدأ يتكيف مَعَ الجو الجديد، ويقتصر من مجمل هذهِ المراسيم المتعارفة على ما هو سائد ومألوف في ذلك المجتمع.
ولا يحس من نفسه بانّه ترك واجباً، أو يشعر بأنّه ارتكب حراماً!!
فالأمر إذن مرتبط بأعراف الناس ومشاعرهم من ناحية، وبمستجدات الزمن وتطوراته من ناحية اُخرى. هذا بالنسبة الى هيكليته العامة وطابعه الشكلي، وأمّا في واقع تشريعه وانتساب مفرداته الى الدين، فهو مشمول بالأدلة التي أشرنا الى بعضها آنفاً.
هذا ونجد أنَّ (الغزالي) يصرِّح بنفسه في موضع آخر بما يخالف دعواه هذهِ بشكل معلن، ويستدرك الاذعان المطلق الى القاعدة التي ذكرها سابقاً، فيقول:
«ونحن نحترم هذهِ القاعدة مَعَ إضافة وجيزةٍ تشرحها!
هناك أدلة عامة في الدين يجب النزول عندها، بيد أنَّ صورتها تتجدد على اختلاف الليل والنهار، كفعل الخير مثلاً - وهناك أمر به - وكالتواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، والجهاد بالمال والنفس واللسان. الخ.
إنَّ صور الطاعات هنا تكثر وتتغاير، فهل تدخل في باب الابتداع؟ كلا! لكن ما الضابط الذي نحترز به من البدع؟.
المخوف هو تحويل الصورة التي يقوم بها امرؤ ما الى قانون عام يُحمد فاعلُه، ويُذم تاركه، وكأنّما هو وحي من عند اللّه».
ويضيف:
«سُئلت عن التلاوة الجماعية للقرآن الكريم في بعض مساجد المغرب؟ فقلت: لا آمر بها ولا أنهى عنها، والأحبُّ اليِّ أن أقرأ وحدي، وليس لمن يفعلها أن يشد الناس
اليها، أو يلوم مَن تخلَّف عنها.
وسُئلت عن شيخٍ ينصح تلاميذه ومريديه بالمحافظة على الوضوء وتجديده كلَّما انتفض قائلاً: إنَّ الشعور بالطهارة الحسية يعين على الطهارة الروحية، ويبعث على التسامي!
فقلت: لم يرد أمر بذلك، وللصفاء الروحي طرق شتى، قد يكون من بينهاأن يجدد المسلم وضوءَه كلَّما أحدث.
على أنَّ عدَّ ذلك قانوناً عاماً ملزماً لا أصل له»(١) .
فهلا تعامل (الغزالي) مَعَ مجالس الفاتحة كما تعامل مَعَ مجالس تلاوة القرآن الكريم، ومَعَ قضية تجديد الوضوء. فهل انَّ مجالس التلاوة الجماعية كانت موجودةً في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ أليس المقتضي لذلك كان موجوداً وهو طلب الثواب، وتعاهد القرآن الكريم، والتقرب به الى اللّه تعالى، وأليس المانع كانَ مرتفعاً إذ الأمن مستقر، والتجمع سهل؟!!
ألم يقل (الغزالي) انَّ تجديد الوضوء لم يرد به أمر، أفلا يمكن لقاعدة (المقتضي والمانع) أن تشمله وتنطبق عليه أيضاً، فنقول انَّ مقتضيه كانَ موجوداً وهو طلب الصفاء الروحي، والمانع كانَ مرتفعاً إذ الماء متوفر، والعمل سهل؟!
ألم يقل (الغزالي) انَّ فعل الخير يتجدد على اختلاف الليل والنهار، أفليسَ هذا العمل خيراً ومشتملاً على الخير، أوَليس هو من باب التواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى كما قال؟!
وهل أضاف (الغزالي) جديداً حين قال: «على انَّ عدَّ ذلك قانوناً عاماً ملزماً لا أصل له»، فهل ينكر هذهِ الحقيقة مَن كان له أدنى مستوى من الثقافة الاسلامية والوعي الديني؟
____________________
(١) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، ص ١٠٣ - ١٠٤.
فلماذا هذهِ المفارقة؟ ولماذا هذا اللف والدوران؟
والأنكى من ذلك أنَّ (الغزالي) ينكر على الشهيد (حسن البنا) تجويزه لهذا الأمر، ويعتبر قوله بالجواز مناورةً لتوحيد الاُمة، ورصِّ صوفها.
يقول الشيخ (الغزالي):
«والاستاذ حسن البنا رأى فراراً من الاصطدام بحرّاس البدع الاضافية والتركية أن يدخل الموضوع في دائرة الخلاف الفقهي، والخلاف الفقهي يتحمل وجهات النظر المتباينة.
ومن ثم لم يرَ حرجاً من ترك مؤذن يضم الصلاة على رسول اللّه الى ألفاظ الأذان، ولم يرَ حرجاً من ترك الاُسر الكبيرة والصغيرة تتكلّف فوق طاقتها، لأداء مراسم التعزية المخترعة».
ويوجِّه (الغزالي) ما ذهب اليه الاستاذ (حسن البنا) بالقول:
«والواقع انَّ صنيعهرضياللهعنه كان سياسة مؤقتة لتجميع الاُمة على اُمهات الدين، وقواعده الممهدة، فقَبِل المكروه إتقاءاً للحرام، من باب أخف الضررين»(١) .
فقل لي أيها القارئ الكريم ماذا يكره الشيخ (الغزالي) من تجميع الامة على اُمهات الدين وقواعده الممهدة، ولماذا يعدّ ذلك العمل سياسةً مؤقتة، ويجعل السياسة الثابتة خلافَ ذلك، فيقبل الحرام، ويرتكب أبشع الضررين؟!
فانّا للّه وإنّا اليه راجعون.
____________________
(١) محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية، ص: ١٤٣.
قصد التشريع
لا شكَّ في انَّ نسبة العمل الى الدين تتوقف على ورود النص الاسلامي الصريح الذي يذكره بالتفصيل، ويعينه على نحو الخصوص، كما هو الأمر في نسبة العبادات والمعاملات والأحكام الشرعية المسلّمة الاُخرى إلى الشريعة، والقول بانَّها مأخوذة منها.
كما انَّ العمل الذي يشمله الدليل العام يمكن أن ينتسب الى التشريع عن طريق تلك العموميات أيضاً، ولكن لا يصح أن تتجاوز هذهِ النسبة أصل العمل الى حيث الخصوصيات والتفاصيل غير المذكورة في لسان الدليل.
وبعبارة اُخرى انَّ العمل الذي يشمله العنوان العام يتصف بعنوانين:
الأول: هو العنوان العام الذي يكون مشمولاً بالدليل الشرعي الذي يبرر صدوره من المكلف بصورة مشروعة.
الثاني: هو العنوان الخاص الذي أتى به المكلف، والذي قد يحمل عناوين تفصيلية غير مذكورة في الدليل.
فمن جهة العنوان الأول يمكن نسبة العمل الى الشريعة، وأمّا من جهة العنوان الثاني فلا يصح نسبة العمل الى الشريعة، وإذا ما نُسب العمل الى الشريعة كذلك، فهو يدخل في حيِّز (الابتداع) لانّه إدخال ما ليس من الدين فيه، وهو ما يُطلق عليه عادةً ب(قصد التشريع).
فمثلاً نجد في الأدلة الشرعية العامة انَّها تندب المسلمين الى الصيام طيلة أيام السنة، باستثناء يومي العيدين المحرّم صيامهما بالدليل الخاص، فلو أنَّ شخصاً صامَ يوماً معيناً غير مشمول بأي دليل معين يذكره على نحو الخصوص، فقد امتثل ذلك الدليل
العام، واستمد صيامُه لذلك اليوم الشرعيةَ من خلال هذا الدليل، فيستطيع أن ينسب صيامه الى الشريعة، ويقول بانَّ هذا الصيام مستفاد من الشريعة الاسلامية وهو جزء من تعاليمها الثابتة.
وأمّا إذا نُسب خصوص العمل الذي مارسه الى الدين، وقال بأنَّ صيام هذا اليوم بعينه وخصوصياته مطلوب من قبل الشريعة، في الوقت الذي لا يوجد بشأنه أي دليل خاص، فقد قصد التشريع، ولا يُشك في كونه قد أدخل في الدين ما ليس منه، إذ انَّ الشريعة لم تطلب صيام ذلك اليوم بعنوانه الخاص، وانَّما ندبت الى الصيام بشكل عام.
وهكذا لو اتخذ الانسان ذكراً، أو دعاءاً، أو نسكاً معيناً، لم يرد به دليل خاص، ولكنّه يندرج تحت عموميات التشريع، كأن ألزم نفسه بالاستغفار في كل يوم، أو بعد كل فريضة (أربعين مرةً) مثلاً، أو بالصلاة عدداً من الركعات تطوعاً للّه مثلاً، فان ادّعى انَّ هذا العمل مطلوب بخصوصه من قبل الشرع، وقصد نسبته الى الدين بالعنوان الخاص فهو مبتدع، وإن كان يأتي به بعنوان الامتثال والجري على مقتضى الأدلة العامة، فهو داخل في دائرة الندب.
ومن الطبيعي انَّ كل تلك الممارسات المشروعة والمنسوبة الى الدين عن طريق الدليل العام يجب أن لا تصطدم مَعَ أي عنوان تحريمي آخر، ولا تكتسب هذا الطابع بأي نحو كان، وإلا فانّ التحريم يشملها من هذا الوجه، كما لو شقَّ الانسان على نفسه بالعبادة والنوافل والاذكار المشروعة بالدليل العام الى درجة الرهبنة والقسوة بالنفس والاضرار بها، فان العمل يخرج بذلك عن نطاقه المشروع، ويكتسب عناوين ثانوية اُخرى.
ونفس الامر يقال بصدد الأعمال المباحة التي لم يرد فيها دليل خاص أو عام، فحين يأتي بها المكلف من دون قصد التشريع، ولا تكتسب عنواناً تحريمياً معيَّناً، فهي باقية على وضعها الأولي، وأمّا إذا قصد المكلف نسبتها الى الشريعة، فانها تتحول الى (بدعة)، لانَّه أدخل في الدين ما ليس منه.
ومثال ذلك ما لو نام الشخص في وقت معيَّن من النهار لم يرد بشأنه دليل خاص، وأدّعى انَّ هذا الأمر مطلوب بخصوصيته التفصيلية من قبل الشريعة، أو أكلَ طعاماً معيناً لم يرد بخصوصه دليل شرعي خاص، وادّعى استحبابه، أو كراهته، أو حرمته مثلاً، ونسبَ ذلك الى التشريع.
والخلاصة انَّ نسبة العمل الذي لم يرد بشأنه الدليل الخاص الى التشريع بخصوصياته التفصيلية، والقول بانَّه مطلوب مَعَ هذهِ الخصوصيات من قبل الشريعة، يعدّ من (الابتداع) لأنَّه إدخال لما ليس من الدين فيه.
من هنا ندرك انَّ بعض مَن حاول معالجة موضوع (الابتداع) قد خلط بين هذين العنوانين، وحاول أن يرمي المسلمين بذلك غفلة عن جواز نسبة هذهِ الامور إلى الدين من جهة الأدلة العامة الشاملة لها، وانّ الأمر غير مقتصر على القول بتشريعه من حيث الخصوصيات التفصيلية.
ونجد الجذور العميقة لهذا النحو من الخلط أيضاً تمتد الى صدر الاسلام الأول، حيث كان يظن البعض انَّ الاتيان بأي أمرٍ حادث لم يرد بشأنه الدليل الخاص، أو انَّه لم يكن موجوداً في عصر التشريع، يعدّ من الابتداع، ولم يلتفتوا إلى إمكانية نسبة مثل هذهِ الاُمور الحادثة الى الدين عن طريق الادلة العامة الواردة بشأنها.
وفي الحقيقة انَّ هذا الامر راجع الى نوايا المكلفين ودوافعهم النفسية نحو القيام بالممارسات التي تنضوي تحت العموميات والأدلة الكلية المشروعة، ولا يصح التسرّع باطلاق لفظ (البدعة) على تلك الممارسات بمجرد وقوعها، لانَّ هذا سيؤدي الى الخلط في المفاهيم، والاضطراب في تطبيقاتها على مواردها الحقيقية.
ولولا أن يطول بنا المقام لاستعرضنا نماذج كثيرة من أقوال البعض حول رمي مثل هذه الممارسات المشروعة بالابتداع، مَعَ إمكانية تصحيح صدورها عن طريق النية المذكورة.
على أنّا نكتفي بايراد مظاهر وقوع هذا الخلط في حياة المسلمين الأوائل، والتي نقلها البعض في كتبهم من دون أن يوردوا عليها تعليقاً، أو انَّ البعض كان يعدّ معالجتها بهذهِ الطريقة الخاطئة ناتجة من دوافع الحرص على التشريع، وانَّها كانت من حالات (الابتداع) المحرَّمة في حياة المسلمين.
فمن تلك المظاهر ما مرَّ معنا من: «أنَّ سعد بن مالك سمع رجلاً يقول: لبّيكَ ذا المعارج فقال: ما كنّا نقول هذا على عهد رسول اللّه»(١) .
فمن الواضح انَّ هذهِ المقولة يمكن أن تدرج تحت عموميات التشريع، ولا تكون من قبيل الابتداع.
وجاءَ في مدخل (ابن الحاج):
«ومن كتاب الامام أبي الحسين رزين قال: وعن نافع قال: عطسَ رجل الى جنب عبد اللّه بن عمر، فقال: الحمد للّه والسلام على رسول اللّه، فقال ابن عمر، وأنا أقول الحمد للّه والسلام على رسول اللّه، ما هكذا علَّمنا رسول اللّه أن نقول إذا عطسنا، وانما علَّمنا ان نقول: الحمد للّه ربِّ العالمين»(٢) .
فقد يكون هناك ذكر مخصوص لأمر معيَّن يصح التوجيه له، والمحافظة عليه، ولكنَّ هذا لا يعني إلغاء ما تشمله عموميات الشريعة من أدعية وأذكار تشتمل على الحمد والثناء على اللّه تعالى، والصلاة على رسوله الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وذكر (ابن الحاج) في المدخل أيضاً نظير ذلك قائلاً:
«وقد كان عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما ماراً في طريق بالبصرة، فسمع المؤذن، فدخل الى المسجد يصلّي فيه الفرض، فركع، فبينما هو في أثناء الركوع، وإذا بالمؤذن قد وقف على باب المسجد وقال: حضرت الصلاة رحمكم اللّه، ففرغ من ركوعه، وأخذ
____________________
(١) ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص: ٢٥.
(٢) ابن الحاج، المدخل، ج: ٢، ص: ٢٥١.
نعليه، وخرج وقال: واللّه لا اُصلي في مسجد فيه بدعة»(١) .
وهنا يتضح كل الوضوح انَّ مجرّد القول (حضرت الصلاة رحمكم اللّه)، لا يشكل ظاهرة مخالفة للدين، لو لم يقصد منها التشريع على النحو المتقدم، وانَّما تبقى محتفظة بالعنوان الأولي لها، والتسرع بوصفها بالابتداع في غير محلِّه.
وروي كذلك انه:
«سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة قل هو اللّه أحد، لا يقرأ غيرها كما يقرأها، فكرهها وقال: إنَّما أنتم متبعون، فاتبعوا الاولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وانّما نزل القرآن ليُقرأ، ولا يخص شيء دون شيء»(٢) .
فتخصيص شيء دون شيء من القرآن إن كان بقصد الجزئية والتشريع وادّعاء نسبة الأمر إلى الدين من دون دليل شرعي خاص، فهو من باب (الابتداع) وإلا فلا يكون كذلك، فاطلاق القول بكراهة الأمر، وعدِّه على خلاف الاتباع أمر غير مقبول.
ويأتي في نفس هذا الاتجاه ما جاءَ في (تلبيس إبليس) انَّه:
«أخبر رجل عبد اللّه بن مسعود انَّ قوماً يجلسونَ في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبّروا اللّه كذا وكذا، وسبحوا اللّه كذا وكذا، واحمدوا اللّه كذا وكذا، قال عبد اللّه: فاذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني وأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس، فلما سمع ما يقولونَ، قامَ فأتى ابنَ مسعود، فجاءَ وكان رجلاً حديداً، فقال: أنا عبد اللّه بن مسعود! واللّه الذي لا اله غيره، لقد جئتم ببدعة ظلماً، ولقد فضلتم أصحاب محمد علماً، فقال عمرو بن عتبة: استغفر اللّه، فقال عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلنَّ ضلالاً بعيداً»(٣) .
____________________
(١) ابن الحاج، المدخل: ج: ٢، ص: ٢٦٢.
(٢) ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، ص: ٤٣.
(٣) ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص: ٢٥.
فهذهِ المعالجة غير صحيحة على إطلاقها لما ذكرناه من تفصيل، على الرغم من انَّ أغلب مَن ذكر هذهِ الواقعة من علماء العامة عدَّها من مصاديق محاربة (الابتداع) ومواجهته.
وسوف نأتي في لاحق دراستنا هذهِ على نماذج اُخرى مشابهة لما ذكرناه قد عُدّت من باب الحرص على تعاليم الشريعة السمحاء، إلا انَّ تأثيرها كان عكسياً على الدين.
الباب الثالث : تطبيقات للابتداع
الفصل الأول : نموذجان بارزان للابتداع
١- صلاة التراويح
أ - إطلاق لفظ البدعة على التراويح.
ب - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى عن صلاة النوافل جماعة.
ح - التراويح امر مبتدع من وجهة نظر الكثير من علماء العامة.
د - أمير المؤمنينعليهالسلام ينهى عن صلاة التراويح.
ه - التضارب الفاضح في عدد ركعات التراويح.
مداخلات.
١ - صلاةُ التراويح
ورد في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة بما في ذلك (البخاري) و(الموطأ) (واللفظ للبخاري):
«وعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه قال: خرجتُ مَعَ عمر بن الخطّابرضياللهعنه ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحدٍ لكان أمثل.
ثمَّ عزم فجمعهم على اُبي بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلةً اُخرى، والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعةُ هذه، والتي ينامونَ عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوَّله»(١) .
وفي (الموطأ) انَّ عمر قال:«نعمت البدعة هذه».
ولنا قرائن عديدة تشير إلى انَّ (التراويح) من محدثات الامور في الشريعة الاسلامية، ولا يوجد بينها وبين الدين أيُّ ارتباط، ومن هذهِ القرائن ما يلي:
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ص: ٢٥٢، ومالك بن أنس، الموطأ، ص: ٧٣، وانظر: كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٣٤٦٦، ص: ٤٠٨.
أ - اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح)
يشكّل إطلاق لفظ (البدعة) في الحديث المتقدم على هذهِ الصلاة قرينةً واضحة على عدم وجود أيّ ارتباط بين هذهِ الصلاة وبين الدين.
فمن الواضح أنَّ مفهوم (البدعة) قد أخذ بعده الاصطلاحي في مرتكزات الأصحاب، نتيجةً لتناول النصوص النبوية له بكثرة وتكرار، وتأكيدها على ذمِّه وانتقاده، ودعوتها إلى ضرورة مواجهته ومكافحته واستئصاله.
فلفظ (البدعة) الوارد في هذا الحديث إما ان يُراد به المعنى الاصطلاحي، أو المعنى اللغوي، فان اُريد منه المعنى الاصطلاحي، فهذا يعني الحادث الذي لا أصل له في الدين، وهو ثابت بالاتفاق.
وان اُريد منه المعنى اللغوي فهو يعني الأمر الحادث من دون مثال سابق، كما نقلنا ذلك آنفاً عن الكتب اللغوية، وهذا يعني انَّ هذهِ الصلاة المخترعة ليست مسبوقة بمثال، وليس لها أصل، فيثبت انَّها (بدعة).
وممّا يؤيّد عدم وجود الارتباط بينَ هذه الصلاة وبين الدين، وكونها تشريعاً ابتدائياً قول عمر في نفس الحديث:
«إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحدٍ لكان أمثل».
فحسب المداليل اللغوية التي نمتلكها لا نفهم من القول «إنّي أرى» إلا التشريع الابتدائي، والاجتهاد الشخصي في مقابل الوحي المنزل.
ونحن لم نعهد على طيلة المسيرة الرسالية من النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه كان يقول «إنّي أرى» ويشرِّع أمراً من قبل نفسه، ولم يكن يتبع إلا ما يُوحى إليه، ولا ينطق عن الهوى، إن هو الا وحي يوحى، ولا يحيد عن الحكم الالهي قيد شعرة، وكيف يكون ذلك وقد قال اللّه تعالى عنه وهو صاحب الرسالة وربيب الوحي:
( وَلَو تقَّول عَلَينا بَعضَ الأقاويل* لأَخَذنا مِنهُ باليَمينِ* ثم لَقطَعنا منه
الوتينَ ) (١) .
ب - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى عن صلاة النوافل جماعة و...
يحث على إخفائها في البيوت
إنَّ من الامور التي تؤيِّد منافاة صلاة (التراويح) لمبادئ الشريعة وتعاليمها، وانَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يصلِّها، هو الطائفة الكبيرة من الأحاديث النبوية التي دلَّت على حث المسلمين على صلاة النوافل عموماً في البيوت، لأنَّ هذا الأمر أقرب للاخلاص، وأدعى للقبول، بل وورد النهي من قبل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن صلاة النوافل جماعةً لمّا رأى بعض الاصحاب يصلّون خلفه، ووجَّههم إلى إخفاء النوافل، وعدم تشريع الجماعة فيها.
وقد وردت روايات كثيرة في كتب العامة تدل على استحباب إخفاء النوافل والاتيان بها في البيوت، وأفتى بهذا الأمر علماء العامة في مصنفاتهم فقد ورد في (الترغيب والترهيب) عن عبد اللّه بن مسعود انَّه قال:
«سألتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيُّما أفضل: الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ قال، ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلان اُصلي في بيتي أحبُّ إليَّ من أن اُصلّي في المسجد، إلا أن تكون صلاةً مكتوبة. رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه»(٢) .
وجاءَ فيه أيضاً:
«وعن أبي موسىرضياللهعنه قال: خرج نفر من أهل العراق إلى عمر، فلَّما قدموا عليه يسألون عن صلاة الرجل في بيته، فقال عمر: سألتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: أما صلاة الرجل في بيته فنور، فنوِّروا بيوتكم. رواه ابن خزيمة في صحيحه»(٣) .
____________________
(١) الحاقة: ٤٤ - ٤٥ - ٤٦.
(٢) المنذري، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، تعليق: مصطفى محمد عمارة، ج: ١، ص: ٣٧٩، ح: ٤.
(٣) المنذري، الترغيب والترهيب، ج: ١، ص: ٣٧٩، ح: ٥، وانظر: كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٣٣٦٠، ص: ٣٨٤.
وفي (كنز العمال):
«سُئل عمر عن الصلاة في المسجد فقال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الفريضة في المسجد، والتطوع في البيت»(١) .
من هنا رأى بعض علماء العامة أفضلية قيام المرء في رمضان ببيته على صلاة (التراويح) المدّعاة، فقد «قال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية انَّ فعلها (الصلاة ليلاً في رمضان) فرادى في البيت أفضل لحديث: خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»(٢) .
وقال (ابن قدامة) في (المغني):
(والتطوع في البيت أفضل لقول رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليكم بالصلاة في بيوتكم فانَّ خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» رواه مسلم، وعن زيد بن ثابت انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» رواه أبو داود»(٣) .
ولا يمكن الادّعاء بانَّ هذهِ الروايات مطلقة فتُخصص بما دل على استحباب صلاة (التراويح) المدّعاة، لانَّه لا يوجد أيّ سند شرعي، ودليل صحيح على كون النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قد صلّى هذهِ النافلة في حياته الشريفة، غير ما يُدعى بهذا الشأن من النزر القليل المفتعل من الأحاديث التي يتشبث بها البعض، إذ الغريق يتشبث بكل حشيش!
بل وقد صرَّح إمامان كبيران من أئمة العامة بأنَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد نهى القوم عن هذهِ الصلاة وعنَّفهم على فعلها، وأمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم على طبق تلك القاعدة العامة.
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٣٣٦٣، ص: ٣٨٤.
(٢) راجع صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ٦، ص: ٣٩ - ٤٠، وفتح الباري للعسقلاني، ج: ٤، ص: ٢٥٢، والتاج الجامع للاصول لناصيف، ج: ٢، ص: ٦٧.
(٣) موفق الدين بن قدامة، المغني، ج: ١، ص: ٧٧٥.
جاء في (المغني):
«وقال مالك والشافعي: قيام رمضان لمن قوي في البيت أحب الينا لما روى زيد بن ثابت قال: احتجر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيها فتتبع إليه رجال، وجاؤوا يصلّون بصلاته، قال: ثم جاؤوا ليلةً فحضروا، وأبطأ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عنهم، فلم يخرج اليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج اليهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مغضباً فقال:
(ما زال بكم صنيعكم حتى ظننتُ انّه سيُكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانَّ خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة) رواه مسلم»(١) .
ومما يدل على أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يقم بالناس في نافلة شهر رمضان ما روي في (كنز العمّال):
«عن أبي بن كعب أنَّ عمر بن الخطّاب أمره أن يصلّي بالليل في رمضان، فقال: إنَّ الناس يصومونّ النهار، ولا يحسنون أن يقرأوا، فلو قرأت عليهم بالليل، فقال: يا أمير المؤمنين هذا شيء لم يكن، فقال: قد علمتُ، ولكنّه حسنٌ! فصلّى بهم عشرين ركعة»(٢) .
وروى (الزيغلي) في (نصب الراية) عن نافع:
«انَّ ابن عمر كان لا يصلي خلفَ الامام في شهر رمضان»(٣) .
وجاء في (الاعتصام):
«وخرَّج سعيد بن منصور واسماعيل القاضي عن أبي امامة الباهليرضياللهعنه أنه قال:
____________________
(١) موفق الدين بن قدامة، المغني، ج: ١، ص: ٨٠٠، انظر نص الحديث في صحيح البخاري، ج: ٧، ص: ٩٩، باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر اللّه، ح: ٤، وكنز العمال، ج: ٧، ح: ٢١٥٤١، ص: ٨١٦، وح: ٢١٥٤٣، و ٢١٥٤٥، ص: ٨١٧.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٨، ح: ٢٣٤٧١، ص: ٤٠٩.
(٣) الزيغلي، نصب الراية، ج: ٢، ص: ١٥٤.
أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يُكتب عليكم، انما كُتب عليكم الصيام.»(١) .
وجاءَ في (صحيح البخاري) في باب (فضل مَن قامَ رمضان):
«عن أبي هريرةرضياللهعنه انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: مَن قامَ رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه.
قال ابن شهاب: فتوفي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر رضي الله عنهما»(٢) .
فقال (العسقلاني) في (فتح الباري) ضمن شرح الحديث ما نصه:
«قال ابن شهاب فتوفي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والناس، في رواية الكشميهني: والأمر (على ذلك): أي على ترك الجماعة في التراويح».
وأضاف الى ذلك القول:
«ولأحمد من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري في هذا الحديث (ولم يكن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع الناس على القيام)، وقد أدرج بعضهم قول ابن أبي شهاب في نفس الخبر، أخرجه الترمذي عن طريق معمَّر بن أبي شهاب»(٣) .
فهذا تصريح واضح من (ابن حجر العسقلاني) بأنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يصلِّ هذهِ الصلاة، ولم يجمع الناس لها.
ثم يضعّف (ابن حجر) بعد ذلك الحديث المنتحل الذي يُروى فيه أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد استحسن هذهِ الصلاة حين رآها! فيذكر انَّ لضعفه سببين:
الاول: انَّ فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والثاني: انَّ الحديث يذكر انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد جَمعَ الناس على اُبي بن كعب، بينما المعروف انَّ عمر هو الذي صنع ذلك،
____________________
(١) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ٢٩١.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ص: ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٣) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج: ٤، ص: ٢٥٢.
حيث يقول:
«وأما ما رواه ابن وهب عن أبي هريرة (خرجَ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل: ناس يصلّي بهم اُبي بن كعب، فقال: أصابوا ونعم ما صنعوا)، ذكره ابن عبد البر، وفيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ انَّ عمر هو الذي جمع الناس على اُبي بن كعب»(١) .
ولكي نطلع على حال (مسلم بن خالد) الذي روى انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد استحسن صلاة التراويح وأقرَّها، يكفينا أن نطّلع على ما ذكره (المزي) في (تهذيب الكمال)، حيث يقول حوله:
«.وقال علي بن المديني: ليس بشيء.وقال البخاري: منكر الحديث.وقال النسائي: ليسَ بالقوي.وقال أبو حاتم: ليسَ بذلك القوي، منكر الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر»(٢) .
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: ٤، ص: ٢٥٢.
(٢) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، ج: ٢٧، ص: ٥١٢.
وأضاف محقق الكتاب في الهامش: (وذكره أبو زرعة الرازي في كتاب «أسامي الضعفاء»، (أبو زرعة الرازي: ٦٥٧)، وكذلك ذكره العقيلي وابن الجوزي في جملة الضعفاء، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت مشايخ مكة يقولون: كان له حلقة أيام ابن جريح، وكان يطلب ويسمع ولا يكتب، وجعل سماعه سُفتجة، فلما احتيج إليه وحدَّث، كان يأخذ سماعة الذي قد غاب عنه، وكان علي بن المديني يضعفه (المعرفة والتاريخ: ٣ / ٥١)، وقال علي: سمعت ابن نمير يقول: مسلم بن خالد الزنجي ليس يُعبأ بحديثه (تقدمة الجرح والتعديل: ٣٢٣).وقال البزاز: لم يكن بالحافظ (كشف الاستار - ١٧١٦).وقال الدارقطني: سيئ الحفظ (السنن ٣ / ٤٦).وقال: ثقة الا أنه سيئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث - يعني الحديث: «ابن عباس لما أراد رسول اللّه أن يخرج بني النضير.» (السنن ٣ / ٤٦).وساق له الذهبي في (الميزان) عدة أحاديث وقال: هذهِ الأحاديث وأمثالها ترد بها قوة الرجل ويُضعف (٤ / الترجمة ٨٤٨٥٤).وقال ابن حجر في «التهذيب»: قال الساجي: صدوق كان كثير الغلط، حدثنا أحمد بن محرز، سمعت يحيى بن معين يقول: كان مسلم بن خالد ثقة صالح الحديث فما أنكروا عليه حديث أبي هريرة «البيِّنة على مَن ادعى واليمين على مَن انكر إلا في القسامة» وحديث ابن عباس: «ملعون مَن أتى النساء في أدبارهنّ» وحديث أنس: «بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي.» وغير ذلك من المناكير.وذكره ابن البرقي في باب مَن نُسب إلى الضعف ممن يكتب حديثه.وقال الدارقطني: ثقة حكاه ابن القطان (١٠ / ١٣٠).وقال ابن حجر في «التقريب»: فقيه صدوق كثير الأوهام).(تهذيب الكمال في معرفة الرجال للمزي، ج: ٢٧، ص: (٥١٣ - ٥١٤)).
وذكر (النووي) في شرحه على (صحيح مسلم) ما نصه:
«قوله (فتوفي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأمر على ذلك، ثم كانَ الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر) معناه: استمر الأمر هذه المدّة على أنَّ كلَّ واحدٍ يقوم رمضان في بيته منفرداً، حتى انقضى صدر من خلافة عمر، ثم جمعهم عمر على اُبي بن كعب، فصلّى بهم جماعة، واستمر العمل على فعلها جماعة»(١) .
وقال (القسطلاني) في (ارشاد الساري):
«(قال ابن شهاب) الزهري (فتوفي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأمر على ذلك)أي: على ترك الجماعة في التراويح، ولغير الكشميهني كما في الفتح: والناس على ذلك (ثم كان الأمر على ذلك) أيضاً (في خلافة أبي بكر) الصدّيق (وصدراً من خلافة عمر) رضي الله عنهما»(٢) .
وقال في موضع آخر:
«(قال عمر): لما رآهم (نعم البدعة هذه)، سماها بدعة لانهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يسن لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصدّيق، ولا أول الليل، ولا كل ليلة، ولا هذا العدد»(٣) .
____________________
(١) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ٣، ص: ٤٠.
(٢) شهاب الدين القسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ج: ٤، ص: ٦٥٥.
(٣) شهاب الدين القسطلاني، إرشاد الساري، ج: ٤، ص: ٦٥٦.
وجاءَ في (الفقه الاسلامي وأدلته) للدكتور الزحيلي عن (ابن عباس) أنَّه قال متحدثاً عن صلاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شهر رمضان وفي غيره من الشهور:
«كان يصلي في شهر رمضان، في غير جماعة، عشرين ركعة والوتر»(١) .
فقيد (في غير جماعة) في هذا الحديث مؤشر على انَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يشرع صلاة (التراويح) ولم يأتِ بها.
وتتحدث (عائشة) عن صلاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شهر رمضان، فلا نرى في حديثها أية اشارة الى (التراويح) من قريب أو من بعيد، ولو كان النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قد صلّى هذهِ النافلة، في المسجد أو في أي مكانٍ آخر لما كان يخفى علينا خبر هذهِ الصلاة، ولجاء نقله في كتب الحديث في غاية الوضوح، ولكن لأنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يشرع هذهِ الصلاة جاءَ العكس على ذلك، فقد روى البخاري في صحيحه قائلاً:
«حدثنا اسماعيل قال حدّثني مالك عن سعيد المغبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن انَّه (سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثمَّ يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثم يصلي ثلاثاً.
فقلت: يا رسول اللّه أتنامُ قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة انَّ عيني تنامان، ولا ينام قلبي»(٢) .
فأين هو موضع صلاة (التراويح) من كلِّ ذلك، وأين الاصل المدّعى لها في الدين.
قال تعالى:( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلِسنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
____________________
(١) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلته، ج: ٢، ص: ٤٤، وانظر: نيل الأوطار، ج: ٣، ص: ٥٣.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ص: ٢٥٢ - ٢٥٣، وانظر: كنز العمال، ج: ٧، ح: ١٧٩٨٩، ص: ٦٧.
لِتَفتَروا عَلى اللّهِ الكَذِبَ إِن الَّذينَ يَفتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ ) (١) .
قال أبو عبد اللّه الصادقعليهالسلام :
«صوم شهر رمضان فريضة، والقيام في جماعة في ليلته بدعة، وما صلاها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في لياليه بجماعة، ولو كانَ خيراً ما تركه، وقد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده، فقام قوم خلفه، فلَّما أحسَّ بهم، دخل بيته، فعل ذلكَ ثلاثَ ليالٍ، فلما أصبحَ بعد ثلاث، صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال:
أيُّها الناس لا تصلّوا النافلة ليلاً في شهر رمضان، ولا في غيره في جماعة فانّها بدعة، ولا تصلوا ضحىً فانّها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها الى النار، ثم نزل وهو يقول: قليل في سنة خير من كثير في بدعة»(٢) .
وقال الامام موسى الكاظمعليهالسلام :
«قيام شهر رمضان بدعة، وصيامه مفروض، قال الراوي، فقلت: كيف اُصلّي في شهر رمضان؟ فقال: عشر ركعات والوتر والركعتان قبل الفجر، كذلك كان يصلي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو كان خيراً لم يتركه»(٣) .
ج - (التراويح): أمر مبتدع في وجهة نظر الكثير من علماء العامة
ورد في كثير من أقوال علماء العامة أنَّ عمر هو أول مَن شرع صلاة التراويح، وجمع الناس عليها، وهذا يعني انَّها لم تكن موجودة في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانَّما هي (بدعة) محدثة، وسوف ننقل للقارئ الكريم طائفة من هذهِ الأقوال:
____________________
(١) النحل: ١١٦.
(٢) أبو جعفر الطوسي، تهذيب الاحكام، ج: ٣، ص: ٦٩، ح: ٢٢٦. وانظر: وسائل الشيعة للحر العاملي، ج: ٥، ص: ١٩٢، ح: ١، وبحار الانوار للمجلسي، ج: ٩٤، ص: ٣٨١، ح: ٤.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٩٣، ص: ٣٨٤، ح: ٣.
«قال العلامة أبو الوليد محمد بن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة (٢٣) من تاريخه - روضة المناظر:
هو أول مَن نهى عن بيع اُمهات الأولاد، وجَمَع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، وأول مَن جَمَع الناس على إمامٍ يصلّي بهم التراويح. الخ.
ولما ذكر السيوطي في كتابه - تاريخ الخلفاء - أوليات عمر نقلاً عن العسكري قال:
هو أول مَن سمي أمير المؤمنين، وأول مَن سنَّ قيام شهر رمضان - بالتراويح - وأول مَن حَّرمَ المتعة، وأول مَن جَمَع الناسَ في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات. الخ.
وقال محمد بن سعد - حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات:
وهو أول مَن سنَّ قيام شهر رمضان - بالتراويح - وجمعَ الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلكَ في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للناس بالمدينة قارئَين، قارئاً يصلي التراويح بالرجال، وقارئاً يصلي بالنساء. الخ.
وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر من الاستيعاب:
وهو الذي نوَّرَ شَهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه»(١) .
( فَماذا بَعدَ الحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنّى تُصرَفُونَ ) (٢) .
د - أمير المؤمنينعليهالسلام ينهي عن صلاة (التراويح)
من المتفق عليه أنَّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام هو أعلم الصحابة وأفقههم وأقضاهم بنص من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على ذلك، وقد روى علماء العامة في كتبهم بهذا الصدد الكثير من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى.
فمن ذلك أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
____________________
(١) عبد الحسين شرف الدين، النص والاجتهاد، ص: ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) يونس: ٣٢.
«أعلم اُمتي بالسنة والقضاء بعدي عليُّ بن أبي طالب»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أعلم اُمتي من بعدي علي بن أبي طالب»(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليعليهالسلام :
«أنتَ بَيِّن لاُمتي ما اختلفوا فيه بعدي»(٣) .
وعن أنس قال:
«قيل يا رسول اللّه، عمَّن نأخذ العلمَ بعدَكَ؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم عن علي»(٤) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«علي وعاء علمي، ووصيي، وبابي الذي اُوتى منه»(٥) .
وكان جميع الصحابة يقرّون لعليعليهالسلام بالأعلمية، ويرجعون إليه عندما تشكل عليهم اُمور الدين، ويقبلون حكمه من دون توقف لمعرفتهم بانَّه باب مدينة علم
____________________
(١) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والنسة، ج: ٢، ص: ١٤١، عن الاستيعاب، ج: ٢، ص ٢٩، والرياض النضرة: ج: ٢، ص: ١٩٤، وتفسير النيسابوري في سورة الاحقاف، ومناقب الخوارزمي، ص: ٤٨، وتذكرة الخواص، ص: ٨٧، ومطالب السؤول، ص: ١٢، وفيض القدير، ج: ٤، ص: ٢٥٧، وأخرجه أحمد، والعقيلي، وابن السمّان.
(٢) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٠، عن الخوارزمي في المناقب، ص: ٤٩، ومقتل الحسين، ج: ١، ص: ٤٢، والمتقي في كنز العمال، ج: ٦، ص: ١٥٢.
(٣) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٢، عن الحاكم في المستدرك، ج: ٢، ص: ١٢٢، والذهبي في ميزان الاعتدال، ج: ١، ص: ٤٧٢، والقندوزي في ينابيع المودة، ص: ٢٠٣، وانظر لمزيد من الاطلاع على مصادر الحديث إحقاق الحق، ج: ٦، ص: ٥٢ - ٥٥، وج: ١٦، ص: ٤٣٥ و ٤٣٦، وج: ٢٠، ص: ٣١٨ و٣١٦.
(٤) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٣، عن العلامة قطب الدين شاه في قرة العينين، ص: ٢٣٤.
(٥) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٠، عن كفاية الطالب، ص: ٧٠ و ٩٢، وشمس الاخبار، ص: ٢٩.
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ووارث حكمته، وقد قال فيه أبو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
ما كنتُ أحسبُ انَّ الامر منصرف |
عن هاشم ثمَّ منها عن أبي حَسَنِ |
|
أليسَ أول مَن صلّى لقبلتكم |
وأعلم الناس بالقرآنِ والسننِ |
وقد ثبت تأريخياً انَّ أمير المؤمنينعليهالسلام قد نهى عن صلاة (التراويح)، وزجر الناس عندما ررآهم يؤدّونها، فقد روي أنَّه:
«لمّا اجتمع الناس على أمير المؤمنينعليهالسلام بالكوفة سألوه أن ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، فزجرهم، وعرَّفهم انَّ ذلك خلاف السنة، فتركوه، واجتمعوا، وقدَّموا بعضهم، فبعث اليهم الحسنعليهالسلام ، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: واعمراه«(١) .
ولنقرأ معاناة أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومشاعره التي تجيش بالألم واللوعة، من خلال ما ورد عنه بهذا الشأن:
«قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسولَ اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم متعمدين لخلافه، ولو حملتُ الناس على تركها لتفرَّقوا عنّي.
واللّه لقد أمرتُ الناسَ أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم انَّ اجتماعهم في النوافل (بدعة)، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الاسلام غُيِّرت سنة عمر! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً، ولقد خفتُ أن يثوروا ناحية جانب عسكري، ما لقيتُ من هذهِ الامة من الفرقة، وطاعة أئمة الضلال، والدعاة إلى النار؟.»(٢) .
فأمير المؤمنينعليهالسلام ينص هنا على كون الجماعة في نافلة شهر رمضان (بدعة)،
____________________
(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ١٢، ص: ٢٨٣، وانظر: التهذيب للشيخ الطوسي، ج: ٣، ص: ٧٠، ح: ٢٢٧، ووسائل الشيعة للحر العاملي، ج: ٥، ص: ١٩٢، ح: ٢.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٥، ص: ١٩٣، ح: ٤، وانظر: بحار الانوار للعلامة المجلسي، ج: ٩٣، ص: ٣٨٤، ح: ١.
وانَّ الجماعة لا تشرع إلا في الفريضة، ونصَّ في صدر هذا الحديث أيضاً على انَّ هذهِ الاُمور قد أصبحت بمثابة السنة الثابتة في نظر عوام الناس على الرغم من أنها لم تشرّع من قبل صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانهعليهالسلام كان يعاني من تمسك الناس بهذهِ البدع، وتركهم لسنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكنهعليهالسلام يؤثر السكوت، ويفضّل الغض عن ذلك، خوفاً من وقوع الفتنة بين المسلمين، وحفظاً لمصلحة الاسلام العليا.
ه - التضارب الفاضح في عدد ركعات (التراويح)
على الرغم من الاصرار الكبير لدى البعض للتمسك بمشروعية (التراويح)، والقول بانَّها كانت قائمة في زمن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا انه تركها مخافة أن تفترض على الامة، إلا ان هؤلاء لم يتفقوا على صيغة محددة وواضحة لكيفية هذهِ الصلاة، وعدد ركعاتها، فجاءت أقوالهم متضاربة ومتعارضة بشكل فاضح، الأمر الذي لم يعهده المسلمون في أية فريضة اسلامية اُخرى، فانَّ من الممكن أن تتعدد الأقوال والآراء في بعض المسائل الفرعية من الدين، أما أن يقع مثل هذا النحو من التضارب في أصل العبادات، التي يدّعى انّها منتسبة إلى التشريع وصادرة عنه، فهذا ما لا يصح بحالٍ من الأحوال، وخصوصاً في عبادةٍ مثل الصلاة التي هي أمر توقيفي لا يؤخذ في هيئته وطريقته إلا عن مصدر تشريعي موثوق الصدور، فلننظر إلى هذا التضارب العجيب.
يقول (ابن حجر) في (فتح الباري):
«لم يقع في هذهِ الرواية عدد الركعات التي كان يصلي بها اُبي بن كعب، وقد اختُلف في ذلك، ففي (الموطأ) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد انَّها إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجهٍ آخر، وزاد فيه (وكانوا يقرؤن بالمائتين، ويقومون على العصا من طول القيام).
ورواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن اسحق، عن محمد بن يوسف،
فقال: ثلاث عشرة.
ورواه عبد الرزاق من وجهٍ آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى وعشرين.
وروى مالك من طريق يزيد بن حضيفة، عن السائب بن يزيد: عشرين ركعة، وهذا محمول على غير الوتر.
وعن يزيد بن رومان قال: (كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين).
وروى محمد بن نصر من طريق عطاءٍ قال: (أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة، وثلاث ركعات الوتر).
والجمع بين هذهِ الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويُحتمل انَّ ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.
وبذلك جزم الداودي وغيره، والعدد الأول موافق لحديث عائشة المذكور بعد هذا الحديث في الباب، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنَّه كان تارةً يوتر بواحدةٍ، وتارةً بثلاث.
وروى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: (أدركتُ الناس في إمارة أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز - يعني بالمدينة - يقومون بست وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث، وقال مالك هو الأمر القديم عندنا).
وعن الزعفراني عن الشافعي (رأيت الناس يقومونَ بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق).
وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلّوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحبُّ اليَّ.
وقال الترمذي: أكثر ما قيل فيه انَّها تُصلى إحدى وأربعين ركعة يعني بالوتر - كذا قال -.
وقد نقل ابن عبد البر، عن الاسود بن يزيد: تُصلى أربعين، ويوتر بتسع، وقيل:
ثمان وثلاثين، وذكره محمد بن نصر عن ابن أيمن عن مالك، وهذا يمكن ردّه إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، ولكن صرَّح في روايته بأنَّه يوتر بواحدة فتكون أربعين إلا واحدة، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة.
وعن مالك: ست وأربعين وثلاث الوتر، وهذا هو المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب، عن العمري، عن نافع، قال: لم اُدرك الناس إلا وهم يصلّون تسعاً وثلاثين يوترون منها بثلاث.
وعن زرارة بن أوفى انَّه كان يصلي بهم بالبصرة أربعاً وثلاثين ويوتر.
وعن سعيد بن جبير: أربعاً وعشرين.
وقيل ست عشر غير الوتر.
وروي عن أبي مجلز عن محمد بن نصر، وأخرج من طريق محمد بن اسحق حدثني محمد بن يوسف، عن جدِّه السائب بن يزيد قال: كنّا نصلّي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة.
قال ابن اسحق: وهذا أثبت ما سمعتُ في ذلك، وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الليل، واللّه أعلم»(١) !!!
فانظر أيها القارئ أين يؤدي الابتعاد عن الشرع المبين، والى أيّ طريق يوصل.
فهل يمكن للشريعة الاسلامية أن تقع في مثل هذا التضارب والتهاتر؟.
وهل يمكن أن تضطرب تعاليمها إلى هذا المستوى الغريب من التشويش؟!
إنَّ الاسلام لأسمى من أن تَعلُقَ به هذهِ الترهات والأقاويل، وأقدس من أن تُنسب إليه مثل هذهِ السفاسف والأباطيل.
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: ٤، ص: ٢٥٣ - ٢٥٤.
مداخلات
ومن الغريب حقاً ما قامَ به صاحب كتاب (المغني) من محاولات متعسفة لتبرير هذهِ (البدعة) حيث يقول:
«وإذا كان فيه الدعاء إلى الصلاة، والتشدد في حفظ القرآن، فما الذي يمنع أن يعمل به على وجه أنه مسنون؟»(١) .
فهل انَّ الامر المختلف فيه أمر ذوقي يمكن بشأنه الارجاع إلى حكم العقل البشري القاصر عن إدراك المصالح والمفاسد بأبعادها وتفاصيلها الغائبة عنه؟! على انَّ الادلة الشرعية القاطعة تضافرت على نبذ هذا النمط من الاستدلال الذي يعتمد على العقل والذوق، والردع عن ذلك، باعتبار انَّ دين اللّه لا يُصابُ بالعقول.
وهل هذا إلا تحكيم للرأي الذي يتقاطع مَعَ تعاليم الشرع المبين، ويخالف فلسفة التشريع من الأساس؟
وهل يمكن لنا من خلال إدراك مصلحة معينة في فعلٍ معين من أن نشرّع ذلك العمل، ونعدّه مندوباً؟!
ثم ما أدرانا انَّ الدعاء إلى الصلاة، والتشدد في حفظ القرآن الكريم، يتوقف على الالتزام بمثل هذا العمل، وإضفاء صفة الشرعية عليه؟
ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم يكن أصل الائتمام بالنافلة مشروعاً ومندوباً؟ ولماذا هذا التخصيص بنافلة شهر رمضان دون بقية النوافل الاُخرى؟ أليس في بقية النوافل دعاء إلى الصلاة، وتشدد في حفظ القرآن الكريم؟
يقول اللّه عزَّ وجلَّ:( وَما كانَ لِمُؤمِنٍ ولا مُؤمِنَةٍ إذا قَضَى اللّهُ وَرسُولُه أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الِخيَرةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً ) (٢) .
____________________
(١) نقله الشريف المرتضى في الشافي في الامامة، ج: ٤، ص: ٢١٧.
(٢) الأحزاب: ٣٦.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث المتفق عليه:
«من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ»(١) .
إنَّ هذا الاستدلال لا يعدو أن يكون محاولة يائسة، وخارقة لجميع الاُسس التي اتفق عليها المسلمون بمختلف المذاهب والمشارب.
يقول الدكتور (يوسف القرضاوي) بشأن التوقيف في العبادات:
«قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (انَّ تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون اليها في دنياهم، فباستقراء اُصول الشريعة نعلم انَّ العبادات التي أوجبها اللّه، أو أحبَّها، لا يثبت الأمر بها الا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الخطر، فلا الحظر منه إلا ما حظره اللّه سبحانه وتعالى، وذلكَ لأنَّ الأمر والنهي هما شرع اللّه، والعبادة لا بدَّ أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت انَّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنَّه محظور).
ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: انَّ الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها الا ما شرعه اللّه، والا دخلنا في معنى قوله تعالى:( أَم لَهُم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُم مّنَ الدينِ ما لَم يَأذَن بِهِ اللّهُ ) (٣) .
فهل غابت كل هذهِ الأدلة عن بال صاحب (المغني) فادّعى ذلكَ غفلةً، أو علم بذلك إلا أنَّه كابر متعسفاً؟!
على أنَّ الأكثر غرابةً من ادّعاء صاحب (المغني) المذكور حول (التراويح)، هو المغالطة التي حاول من خلالها (ابن أبي الحديد المعتزلي) تبرير هذهِ (البدعة)، والانتصار إلى محدثها، حيث يقول:
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ح: ١١٠١، ص: ٢١٩.
(٢) الشورى: ٢١.
(٣) د. يوسف القرضاوي، الحلال والحرام في الاسلام، ص: ٣٦.
«أليس يجوز للانسان أن يخترع من النوافل صلوات مخصوصة بكيفيات مخصوصة وأعداد ركعات مخصوصة، ولا يكون ذلك مكروهاً ولا حراماً، نحو أن يصلّي ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، ويقرأ في كل ركعة منها سورةً من قصار المفصل! أفيقول أحد انَّ هذا بدعة، لانه لم يرد فيه نص ولا سبق إليه المسلمون من قبل!.».
ثم أضاف مبرراً ل(التراويح) دخولها في دائرة الجواز بزعمه:
«فان قال: هذا يسوغ، فانَّه داخل تحت عموم ما ورد في فضل صلاة النافلة، قيل له: والتراويح جائزة ومسنونة لأنَّها داخلة تحت عموم ما ورد في فضل صلاة الجماعة»(١) .
ولنا على كلام (المعتزلي) هذا ملاحظتان:
أولاً : إنَّ العمل العبادي الذي نعته (ابن أبي الحديد) بالجواز، وادّعى انَّه ليس بمكروه ولا حرام باتفاق الجميع، لا يخلو من نقاش، إذ انَّ هناك خلافاً مستفيضاً بين الفقهاء في انَّه هل يجوز الاتيان بالنوافل على أية هيئة كانت، أو انَّ صلاة النافلة لا بدَّ أن تُراعى فيها الشروط التوقيفية التي ذكرتها الشريعة الاسلامية لها، فالرأي الذي عليه أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام هو عدم جواز الاتيان بالنافلة التطوعية إلا بصورتها التوقيفية التي رويت عن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام ، وهي أن تكون ركعتين ركعتين.
قال السيّد (محمد كاظم اليزدي) في (العروة الوثقى):
«يجب الاتيان بالنوافل ركعتين ركعتين»(٢) .
فصلاة النافلة وان كان أصلها عملاً تطوعياً مندوباً، وداخلاً في صميم التشريع، إلا انَّ الاتيان بها بقصد التقرب إلى اللّه جل ثناؤُه لا بدَّ أن تُلحظ فيه المقومات الدخيلة في
____________________
(١) ابن ابي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج: ١٢، ص: ٢٨٣.
(٢) محمد كاظم اليزدي، العروة الوثقى، ج: ١، ص: ٥١٥، مسألة: ١.
أصل ماهيتها، فمثلاً من شروط إيقاع النافلة أن تكون مَعَ فاتحة الكتاب، وأن يكون المصلّي على طهور، فقد ورد انَّه (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، و(لا صلاة إلا بطهور)، ولا يمكن تعدّي هذهِ الشروط، والاتيان بصلاة النافلة من دون فاتحة الكتاب، أو من دون طهورٍ مثلاً، وهكذا الأمر بالنسبة إلى تحديد ركعات النافلة، إذ لا يمكن على رأي مدرسة أهل البيتعليهمالسلام أن يؤتى بها بأية هيئة أو كيفية كانت، وانّما يجب التقيد بالاتيان بها ركعتين ركعتين.
نعم هناك أفعال مرنة ضمن اطار صلاة النافلة نفسها، يمكن للمكلف أن يتحرك في ظلِّها باختياره، كالتحكّم في طبيعة (السورة) التي يقرأها بعد فاتحة الكتاب، أو نوع الدعاء الذي يدعو به، أو كميّة الذكر الذي يأتي به. أو غير ذلك من الاُمور التي أُوكل التصرف فيها إلى نفس المكلَّف، شريطة أن تبقى محتفظة بسمة الشرعية، ومندرجة تحت العموميات الثابت ورودها عن الشريعة المقدسة.
يبقى أمر يجدر التنبيه عليه، وهو أنَّ الخروج من كيفية الركعتين في النافلة لا يتم إلا عن طريق الدليل الشرعي، إذ الأصل هو الركعتان إلا ما خرجَ بالدليل، ومثال ما خرجَ بالدليل ركعة الوتر التي تُختم بها صلاة الليل.
وأما أبناء العامة، فقد اختلفوا في ذلك ايضاً، وان كان أكثرهم على الجواز، إلا انَّ بعضهم نصَّ على انَّ الزيادة على الركعتين أمر مكروه، وبعضهم قصر الزيادة على الأربع. وهكذا.
قال الامام (القدوري الحنفي):
«ونوافل النهار إن شاءَ صلّى ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاءَ أربعاً، وتُكره الزيادة على ذلك، فأمّا نافلة الليل فقال أبو حنيفة: إن صلّى ثمان ركعات بتسليمة واحدةٍ جاز، وتُكره الزيادة على ذلك»(١) .
____________________
(١) اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الحنفي، ج: ١، ص: ٩١ - ٩٢، وانظر: (الفقه الاسلام وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي، ج: ٢، ص: ٥٠.
وقال (أبو يوسف ومحمَّد):
«لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة»(١) .
وقال في (المهذَّب):
«والسنة أن يسلّم من كل ركعتين، لما روي عن ابن عمررضياللهعنه انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت انَّ الصبح تداركك فأوتر بواحدة)، وإن جمع ركعات بتلسيمة جاز، لما روت عاشة رضي الله عنها انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، يجلس في الآخرة ويسلِّم، وانَّه أوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهنَّ بسلام)، وإن تطوَّع بركعةٍ جاز لما روي انَّ عمررضياللهعنه (مرَّ بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال يا أمير المؤمنين انَّما صليت ركعة، فقال: انَّما هي تطوع فمن شاء زاد ومَن شاء نقص».
وعقَّب على ذلك (النووي) بالقول:
« في مذاهب العلماء في ذلك: قد ذكرنا انَّه يجوز عندنا أن يجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وانَّ الافضل في صلاة الليل والنهار أن يسلّم من كل ركعتين، وبهذا قال مالك وأحمد وداود وابن المنذر، وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقال أبو حنيفة: التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار، سواء في الفضيلة، ولا يزيد على ذلك، وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة، ولا يزيد على ثمان، وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعاً، واختاره اسحق»(٢) .
فكيف يمكن أن يُدَّعى بعد كل هذهِ الأقوال والآراء انَّ أحداً لم يقل بكراهة أو حرمة صلاة ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، كما قال ذلك المعتزلي بشكل قاطع، وأرسله
____________________
(١) اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الحنفي، ج: ١، ص: ٩١ - ٩٢ وانظر: (الفقه الاسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي، ج: ٢، ص: ٥٠.
(٢) أبو زكريا النووي، المجموع من شرح المهذب، ج: ٤، ص: ٤٩ - ٥١.
أرسال المسلَّمات.
وهذا كلّه طبعاً لو جاء المكلّف بالعمل على سبيل القربة المطلقة، ولم ينسبه إلى الشريعة الاسلامية المقدسة، وأما إذا تمت نسبة هذا العمل العبادي المخترع بكيفيته المذكورة والمخصوصة هذهِ إلى الشريعة، وادُّعي انَّه مستفاد منها، وانَّه جزء من تعاليمها، فلا شكَ ولا ريب في كونه عملاً محَّرماً، بل هو من أبرز مصاديق قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ».
وقد مرَّت الاشارة إلى موضوع (قصد التشريع) فيما تقدم، وذكرنا الضابطة التي يتم بموجبها دخول العمل من هذهِ الناحية في الدين أو خروجه عنه.
قال الشيخ (يوسف البحراني) في (الحدائق الناضرة):
«لا ريب في انَّ الصلاة خير موضوع، إلا انه متى اعتقد المكلف في ذلكَ أمراً زائداً على ما دلَّت عليه هذهِ الأدلة من عددٍ مخصوص، وزمانٍ مخصوص، أو كيفية خاصة، ونحو ذلك، مما لم يقم عليه دليل في الشريعة، فانَّه يكون محرَّماً، وتكون عبادته بدعة، والبدعيةليست من حيث الصلاة، وانَّما هي من حيث هذا التوظيف الذي اعتقده في هذا الوقت، والعدد، والكيفية، من غير أن يرد عليه دليل»(١) .
ومن الواضح لدينا انَّه حينما سُنَّت هذهِ الصلاة، واُمر المسلمون بها، وُعيِّن لهم امام خاص يقيمها، واستُحسنَ ذلك بعد ذلك، فانّه لم يُعمد إلى هذا العمل بما هو عمل عام، يأتي به الشخص بنية القربة المطلقة، وامتثال عموميات الادلة التي تحث المسلمين على صلاة النوافل، أو صلاة الجماعة - على الرغم من أننَّا لا نسلم حتى هذا المقدار لما ذكرناه آنفاً - وانَّما الملاحظ انَّه قد اُريد لهذا العمل أن يكون عملاً دورياً وثابتاً، وبهذا فهو مقصود بكيفيته الخاصة، ومنسوب إلى التشريع بما يحمل من مواصفات وخصوصيات معيّنة، وهذا يعني قصد التشريع المنافي والمبطل لاندراجه تحت العموميات المشار اليها في كلام
____________________
(١) يوسف البحراني، الحدائق الناضرة، ج: ٦، ص: ٨٠.
(ابن أبي الحديد)، لو توافقنا معه جدلاً بشأنها.
وقد حصل هذا الأمر فعلاً، وجيء بهذهِ النافلة تحت عنوان الندب الشرعي، وأخذ بعض المسلمين يتعاهدون هذا العمل دهراً بعد دهر على انَّه سنة ثابتة من صميم التشريع، ولذا رأينا فيما سبق انَّ المصلين الذين نهاهم أمير المؤمنينعليهالسلام عن أداء هذهِ الصلاة وأوضح لهم انَّها (بدعة)، ومخالفة لحكم اللّه تعالى، وسنة رسوله الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، اعترضوا عليه ونادوا: واعمراه، ومن بعد ذلك أصروا على مزاولتها، والاقامة عليها.
ثانياً : إنَّ ما يمكن أن تشمله عموميات ما ورد في فضل صلاة الجماعة، والدعوة إلى إقامتها على ما ذكره (المعتزلي) هو خصوص الأمر القابل للاتصاف بهذا العنوان، والذي يمكن بشأنه ذلك، لا الأمر المنهي عنه والخارج عن دائرة الصلوات بشكل عام (إمّا لورود الدليل على عدم صحة الاتيان به، أو لعدم الدليل عليه)، أو الخارج عن دائرة الصلوات التي تُسن فيها صلاة الجماعة، على أحسن التقديرين.
وقد ورد عن الشريعة الاسلامية ثبوت بعض الصلوات المستحبة التي يجوز أن تُصلّى جماعةً بالأصالة أو بالعارض، ولم نرَ فيما بين هذهِ الصلوات صلاةً يُقال لها (التراويح)، على انَّ هناك نهياً عاماً يشمل الصلاة جماعة في النافلة غير ما ذُكر بخصوصه من استثناء.
قال السيّد (محمد كاظم اليزدي) في (العروة الوثقى):
«لا تشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصلية وإن وجبت بالعارض بنذرٍ أو نحوه، حتى صلاة الغدير على الأقوى، إلا في صلاة الاستسقاء، نعم لا بأس بها فيما صارَ نفلاً بالعارض، كصلاة العيدين، مَعَ عدم اجتماع شرائط الوجوب، والصلاة المعادة جماعةً، والفريضة المتبرّع بها عن الغير، والمأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي»(١) .
____________________
(١) محمد كاظم اليزدي، العروة الوثقى، ج: ١، ص: ٧٦٤ - ٧٦٥، مسألة: ٢.
٢ - النداء الثاني يوم الجمعة
من أمثلة (الابتداع) الاخرى التي لا أصل لها في الدين، ولم تأمر بها الشريعة الاسلامية المقدسة هو النداء الثاني يوم الجمعة، فقد روى علماء العامة ومحدثوهم في مصادرهم المعتبرة انَّ هذا الأذان لم يكن موجوداً على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانَّ (عثمان بن عفان) هو الذي استحدثه من تلقاء نفسه من دون سابق مثال، ولا شكَّ في انَّ هذا المقدار كافٍ لانطباق تعريف (الابتداع) عليه.
جاء في صحيح البخاري:
«كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمانرضياللهعنه ، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء»(١) .
وورد في (سنن ابن ماجة):
«ما كان لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا مؤذن واحد، إذا خرج أذَّن، وإذا نزلَ أقام، وأبو بكر وعمر كذلك، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على دارٍ في السوق يُقال لها الزوراء»(٢) .
وورد في (سنن النسائي):
«انَّما أمَرَ بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة، ولم يكن لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم غير مؤذن واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام»(٣) .
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ١، ص: ٢١٩، باب: الاذان يوم الجمعة، وعنه: مصابيح السنة للبغوي، ج: ١، ص: ٤٧٥، ح: ٩٨٤.
(٢) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج: ١، ح: ١١٣٥، ص: ٣٥٩.
(٣) النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي، ج: ٣، ص: ١٠٠ - ١٠١.
وفيه أيضاً:
«كان بلال يؤذن إذا جلس رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما»(١) .
وفي (مجمع البيان) للعلامة (الطبرسي):
«عن السائب بن يزيد قال: كان لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مؤذن واحد بلال، فكان إذا جلس على المنبر أذَّن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، وكان أبو بكر وعمر كذلك، حتى إذا كانَ عثمان، وكثر الناس، وتباعدت المنازل، زاد أذاناً، فأمر بالتأذين الأول على سطحِ دارٍ له بالسوق يُقال لها: الزوراء، وكان يُؤذَّن له عليها، فإذا جلس عثمان على المنبر أَذَّنَ مؤذنه، فإذا نزل أقام للصلاة»(٢) .
ففي هذهِ النصوص دلالة صريحة على انَّ هذا النداء انَّما كان محض ابتداع، ولم يكن له أيُّ أثر في حياة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يرد به الأمر من قبل الشريعة، لا بالدليل العام، ولا بالدليل الخاص، فهو وارد إلى الدين - إذن - من خارج حياطه وحدوده، وبهذا فقد اُدخل في الدين ما ليس منه، وهذا حدّ (الابتداع) كما هو واضح.
ويؤيد هذا المعنى ما نقله العامة في كتبهم عن (ابن عمر) انه قال صريحاً:
«الأذان الأول يوم الجمعة بدعة»(٣) .
وممن نصَّ على عدم وجود هذا الأذان في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (ابن تيمية) حيث يقول في فتاواه:
«أما النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فانَّه لم يكن يصلّي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عنه أحد، فانَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان لا يؤذَّن على عهده إلا إذا قَعَد على المنبر، ويؤذِّن بلال، ثمَّ
____________________
(١) النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي، ج: ٣، ص: ١٠٠ - ١٠١.
(٢) الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان، ج: ١٠، ص: ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٣) الشوكاني، نيل الاوطار من أحاديث سيد الاخيار، ج: ٣، ص: ١٠٠ - ١٠١، وانظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ج: ٢، ص: ٣٩٤.
يخطب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال، فيصلّي بالناس»(١) .
ومن الملاحظ انَّ هذا النداء المبتدع تارة يسمى ب(الأذان الثالث)، واُخرى ب(الأذان الثاني)، وثالثة ب(الأذان الأول)، وكل هذهِ المصطحات تشير إليه، وتعبّر عنه من لحاظٍ معيَّن، فقد سُمي ثالثاً باعتبار إضافته إلى الأذان والاقامة المعهودين في الصلاة من باب إطلاق اسم الأذان على الاقامةِ تغليبياً، وسُمي ثانياً باعتبار الأذان الحقيقي لا الاقامة، فهو ثانٍ إلى الأذان الحقيقي، وسُمي أوّلاً باعتبار أنَّه يؤذَّن به قبل الأذان والاقامة.
ومن خلال النظر في النصوص المتقدمة يظهر انَّ المدافعين عن هذهِ (البدعة) حاولوا أن يوجهوها بالكثرة السكانية الحاصلة في المدينة في عهد عثمان على ما يُدَّعى، لأنَّهم لم يجدوا مبرراً مشروعاً لها غير ذلك على حدِّ زعمهم، وهذا وحده كافٍ للدلالة على عدم ارتباط هذا النداء بالدين كما هو واضح.
ولكنَّ الطريف انَّ هؤلاء المدافعين قد أخفقوا حتى في هذا التبرير والتوجيه المزعوم، ولم يحسنوا تمرير المغالطة التي موَّهوا بها هذا الأمر، وأضفوا عليه طابع الشرعية الزائف.
على أنَّ الذي ينبغي أن يلتفت إليه قارئنا الكريم هو انَّ هذا التبرير سواء أصحَّ أم لم يصح فهو لا يشفع في إخراج هذا الأمر الحادث عن دائرة (الابتداع)، لانه شُرِّع في مقابل السنة الالهية الثابتة بالنصوص الصريحة التي لا تقبل التلاعب والتغيير بأي حال كان.
فسواء برَّر هؤلاء تشريع النداء المحدث بالكثرة السكانية أو بغيرها من التبريرات، فانَّ النداء يبقى مطبوعاً بالابتداع من دون ترديد.
أما لماذا أحفق هؤلاء في توجيه هذه (البدعة)، والقول بأنَّها شرعت لتلافي
____________________
(١) ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، ج: ١، ص: ١٥٠.
الكثرة السكانية الحاصلة في المدينة آنذاك، فللاُمور التالية:
أولاً : انَّنا لو سلمنا انّ الكثرة كانت حاصلة في أهل المدينة آنذاك وانَّ الضرورة كانت تدعو لاستيفاء كثرة المسلمين هذه بالنداء، وتغطية عددهم المتزايد، فانَّ هذا الأمر يدعو لان يناقض الحديث نفسه، ويقع في التهافت والاضطراب، إذ انَّ النداء الجديد كان يؤتى به على موضعٍ يُقال له (الزوراء)، وقد فُسرت (الزوراء) بمعانٍ ومواضع متعددة، لا تبتعد في جميع معاينها المذكورة بمسافة كبيرة عن المسجد النبوي، وهذا مما لا يفي بالغرض المذكور من دون ريب، إذ ينبغي أن يكون هذا النداء بفرض صحة الفلسفة من تشريعه، (وإن كان هذا الأمر لا يصح إلا من قبل صاحب الشريعة) في موضع بعيد عن المسجد ليسُمعَ مَن لا يسمع الأذان الشرعي، لا أن يكون الأذانان في دائرة سمعية واحدة!
فقد ذكر (الحموي) في (معجم البلدان):
«انَّ الزوراء: موضع عند سوق المدينة قرب المسجد. وقيل بل الزوراء سوقُ المدينة نفسه، ومنه حديث ابن عباسرضياللهعنه ، انه سمع صياح أهل الزوراء»(١) .
وجاءَ في كلٍّ من (القاموس) و(تاج العروس) انَّ الزوراء بالمدينة قرب المسجد(٢) .
وجاءَ في (فتح الباري):
«وجزمَ ابنُ بطّال بأنَّه - أي الزوراء - حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر لما في رواية ابن اسحق عن الزهري عند ابن خزيمة وابن ماجة بلفظ (زادَ النداء الثالثَ على دارٍ في السوق يُقال لها الزوراء)، وفي روايته عند الطبراني: (فأمرَ بالنداءِ الأول على دارٍ له يُقال لها الزوراء، فكان يؤذَّن له عليها، فإذا جلسَ على المنبر أذَّنَ مؤذنُه الأوَّل، فإذا
____________________
(١) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج: ٣، ص: ١٥٦.
(٢) النظر القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج: ٢، ص: ٤٢، وتاج العروس للحنفي، المجلد الثالث، ص: ٣٤٦.
نزل أقامَ الصلاة)، وفي رواية له من هذا الوجه (فأذن بالزوراء قبلَ خروجه ليُعلم الناسَ انَّ الجمعة قد حضرت)، ونحوه في مرسل مكحول المتقدم.
وفي (صحيح مسلم) من حديث أنس: «انَّ نبيَّ اللّه وأصحابه كانوا بالزوراء، والزوراء بالمدينة عند السوق»(١) .
فانتَ ترى - أيُّها القارئ الكريم - من خلال هذهِ الأقوال انَّ (الزوراء) التي كانت موضعاً يؤتى النداء الجديد بالقرب منه، ليست ببعيدة في جميع معاينها المتقدمة عن باب المسجد النبوي الذي يؤذن من عنده لصلاة الجمعة بالأذان الشرعي المسنون.
فلماذا إذن ضمُّ النداءِ إلى النداء، والخروج عن تعاليم الشريعة السمحاء؟!
ثانياً : لو سلمنا أنَّ هناكَ كثرة سكانية قد حصلت لأهل المدينة آنذاك، ولو افترضنا أنَّ ( الزوراء) كانت موضعاً بعيداً عن المسجد النبوي، وانَّ هناكَ ضرورة قائمة لاعلام البقية المتبقية من المسلمين بشروع صلاة الجمعة، فانَّ الأمر لا يشفع أيضاً في قبول تبرير هذهِ (البدعة) بما ذُكر ولا بغيره من ألوان الانتحالات والأعذار، إذ إنَّ من الممكن أن يتعددَ المؤذنونَ، ويلبّوا هذهِ الحاجة من دونِ أن يتكرر النداء، ويُعمد إلى التشريع في مقابل السنة الثابتة.
وتعدد المؤذنين لصلاةٍ واحدةٍ أمر جائز ومسنون، وقد أفتى به علماء العامة في كتبهم، ورووا له ما صحَّ من الأخبار.
قال في (الشرح الكبير):
«ولا تستحب الزيادة على مؤذنّين كما روي انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان له بلال وابن اُم مكتوم، إلا أن تدعو الحاجة فيجوز، فانَّه قد روي عن عثمانرضياللهعنه انّه، اتخذَ أربعةَ مؤذنين، وإذا كانوا أكثر من واحد، وكان الواحد يُسمعُ الناسَ، فالمستحب أن يؤذِّنَ واحدٌ بعد واحد، كما روي عن مؤذني النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذا كان الإعلام لا يحصل بواحدٍ أذَّنوا على
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: ٢، ص: ٣٩٤ .
حسب الحاجة، إما أن يؤذِّن كلُّ واحدٍ في ناحيةٍ، أو دفعةٍ واحدةٍ في موضعٍ واحد»(١) .
وقال في (المغني):
«وان كانَ الاعلام لا يحصل بواحدٍ أذَّنوا على حسب ما يحتاج إليه، إمّا أن يؤذِّن كلُّ واحدٍ في منارة، أو ناحية، أو دفعة واحدة في موضعٍ واحد.
قال أحمد: إن أذَّن عدةٌ في منارة فلا بأسَ، وإن خافوا من تأذين واحدٍ بعد الآخر فواتَ أول الوقت، أذَّنوا جميعاً دفعةً واحدة»(٢) .
وقال العلامة (الاميني) في (الغدير):
«ولا أجدُ خلافاً في جواز تعدد المؤذنين، بل رتَّبوا عليه أحكاماً مثل قولهم: هل الحكاية المستحبة أو الواجبة كما قيل تتعدد بتعدد المؤذنين أم لا؟ وقولهم: إذا أذَّن المؤذن الأول، هل للامام أن يبطئ بالصلاة ليفرغ من بعده، أو له أن يخرج ويقطع من بعد أذانه؟ وقولهم: إذا تعدد المؤذنونَ لهم أن يؤذّن واحد بعد واحد، أو يؤذّن كلهم في أول الوقت»(٣) .
ثالثاً: إنَّ هناك تجمعات كبيرة وهائلة حصلت في مقاطع زمنية متعددة من تاريخ نبي الاسلامصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في الغزوات وغيرها، ومن أبرزها التجمع الذي حَصَلَ في غدير خم عند النص على خلافة أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وقبل ذلك في أثناء أداء مناسك الحج. ولكنَّنا نرى أنَّه على الرغم من كثرة الناس الذين رافقوا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لم يُعهد بأنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قد أمرَ بتشريع أذانين قط، الأمر الذي يدل على أن قضية الأذان للصلاة قضية لا ترتبط بكثرة الناس ولا بغيرها من الأسباب.
قال العلامة (الاميني) في (الغدير):
____________________
(١) ابن قدامة المقدسي، الشرح الكبير، ج: ١، ص: ٤١٩، وانظر: ابن مسلم، الجامع الصحيح، ج: ٢، ص: ٣.
(٢) موفق الدين بن قدامة، المغني، ج: ١، ص: ٤٤٥.
(٣) عبد الحسين الأميني، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، ج: ٨، ص: ١٢٧.
وعند خروجهصلىاللهعليهوآلهوسلم أصاب الناس بالمدينة جُدَري (بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما)، أو حصبة منعت كثيراً من الناس من الحج معهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومَعَ ذلكَ كانَ معه جموع لا يعلمها إلا اللّه تعالى، وقد يُقال: خرج معه تسعونَ ألف، ويُقال مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وقيل مائة ألف وعشرونَ ألفاً، وقيل مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، ويُقال أكثر من ذلك، وهذهِ عدّة من خرجَ معه، وأمّا الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك، كالمقيمين بمكة، والذينَ أتوا من اليمن مَعَ علي (أمير المؤمنين) وأبي موسى»(١) .
رابعاً: قد قيل بأنَّ العلة تخصص وتعمم على حدٍ سواء، فإذا كانت الكثرة السكّانية المدّعاة سبباً لاختلاق نداءٍ ثانٍ يجمع الناس إلى الصلاة، ويعلمهم بدخول وقتها، فلماذا لا يكون ذلك بشأن الفرائض اليومية، ولماذا هذا التخصيص بصلاة الجمعة دون الغير، علماً بأنَّ التجمع للفرائض اليومية لم يكن بأقل من التجمع لصلاة الجمعة، لعدم وجود كثرة في مساجد المدينة آنذاك ليتفرق الناس فيها؟!
خامساً: لو سلَّمنا جدلاً انَّ هناك كثرةً في المدينة قد دعت إلى نداءٍ ثانٍ لصلاة الجمعة، فما بال بقية المناطق والبلدان الاسلامية الاُخرى التي اتخذت هذا الأمرَ سنّةً، وتعاملت معه من باب الالزام؟!
وكيف نبرر مشروعية هذا النداء (الذي هو مختلق من الأصل) لمنطقةٍ صغيرة لا تضم الا مجموعة قليلة من الناس يمكن أن يتحقق بها النصاب الكامل لأداء هذهِ الصلاة؟!
انظر - أيها القارئ الكريم - إلى ما يقوله (ابن حجر) حرفياً في (فتح الباري): «والذي يظهرُ أنَّ الناس أخذوا بفعلِ عثمان في جميع البلادِ إذ ذاكَ لكونِهِ خليفةً مطاع
____________________
(١) عبد الحسين الاميني، الغدير، ج: ١، ص: ٩، عن السيرة الحلبية، ج: ٣، ص: ٢٨٣، وسيرة أحمد زيني دحلان، ج: ٣، ص: ٣، وتاريخ الخلفاء لابن الجوزي في الجزء الرابع، وتذكرة خواص الامة، ص: ١٨، ودائرة المعارف لفريد وجدي، ج: ٣، ص: ٥٤٢.
الأمر»(١) .
وعلى أية حال فانَّه سواء أصحَّ وجود كثرة في نفوس المسلمين آنذاك أم لم يصح، فانَّ القول بأنَّ النداء الثاني (بدعة) لا محيصَ عنه، لأنَّه اُدخل في الدين من خارج حدوده، وتعاليمه المشروعة، ولو أنَّ بطون الكتب والأسفار مُلئت بالتبريرات لهذا الأمر لما كان هناك أدنى شفاعة لقبول جواز تشريعه بشكل مطلق.
إنَّ الامور العبادية في الشريعة المقدسة - بما فيها الأذان - اُمور توقيفية لا يصح الأخذُ بها إلا من قبل الشارع المقدَّس، ولا تصح الزيادة أو النقيصة فيها بأي حال من الأحوال، وذلك لأنَّها شُرِّعت بنحوٍ يسدُّ حاجةَ الانسان مهما تقدَّمَ به الزمن، وتغيّرت ظروف الحياة من حوله، وهذا هو أحد أسرار إعجاز الشريعة الاسلامية ودوامها، كما تقدمت الاشارةُ إليه في صدر هذهِ الدراسة.
فمثلاً وردَ في الشريعة وجوب قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين، وعُيّنت المسافة التي يتم في حدودها قصر الصلاة، وكانَ ملحوظاً لدى الشريعة أنَّ هذهِ المسافة التي يقطعها الانسان في ذلك الوقت بوسائل النقل المتاحة قد تستغرق يوماً كاملاً أو ينقص أو يزيد عن ذلك بمقدار، وأنَّ نفس هذهِ المسافة سوفَ يقطعها الانسانُ المتمدِّن خلالَ دقائق معدودة، عند تقدم الزمن وانفتاح مجالات المعرفة وآفاق العلم أمامه، إلا اننا مَعَ ذلك نرى أنَّ الشريعة الاسلامية قد جعلت هذا الحكم أمراً عبادياً ثابتاً، لا يقبل التغيير والتبديل، ولم تسمح بأن تمدَّ إليه يدُ التعديل مهما كان موقعها ومركزها، باعتبار انّ هذا الأمر أمر عبادي توقيفي يلبّي حاجة ثابتةً في نفس الانسانِ، لا تربطها أية علاقة بالامور المستجدة والمتطورة من حوله.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأذان، فقد تمَّ تشريع أذانٍ واحدٍ باجماع المسلمين قاطبةً، وقد لاحظت الشريعة المقدسة من خلال هذا الأمر حاجة الانسان الثابتة التي لا
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: ٢، ص: ٣٩٤، وراجع: نيل الاوطار للشوكاني، ج: ٣، ص: ٢٦٣.
تتأثز بالظروف المحيطة به، وانَّ هذا التشريع يفي بتلبية هذهِ الحاجة، مهما تطورت حياة الانسان، وتقدم العلم به، واختلفت طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، ولذا فانَّ أي تغيير في هذا الامر سوف يدخل في حيِّز (الابتداع) من دون تردد، ويكون من أبرز مصاديقه وموارده، فسواء أكثر الناس أم لم يكثروا، فانَّ الأذان المشروع واحد، كما ثبت عن طريق الدليل الشرعي القاطع، وسيبقى واحداً إلى آخر لحظة في الحياة.
ثمَّ انَّ هذا النداء المبتدع، ونتيجة لاختراقه غطاء الحصانة الشرعية، وإصرار البعض على قبوله، ومحاولة تبرير تشريعه. قد صارَ مدعاةً للتخبط وتضارب الأقوال والافعال، ونشوء البدع الاضافية، والتجر على اللّهِ ورسوله، والتلاعب بتعاليم الاسلام المقدسة، وفقَ الميول والرغبات والأهواء.
قال في (شرح التاج الجامع للاصول) بخصوص هذا النداء:
«وعندي انّه يتأكّد عمله، فانَّ الناسَ في الأرياف ليس معهم ساعات، وربما يكونونَ في أعمالهم في ضواحي البلاد والحقول، ويعتمدونَ في الذهاب للجمعة على سماع التذكير من المؤذِّن قبل الزوال، واعتادوا ذلك».
ثم يضيف:
«ولو قيل بوجوبه لم يبعد، لتوقف الواجب، وهو الذهاب للجمعة عليه، ولقوله تعالى:( وَمَن أَحَسنُ قَولاً مِمَّن دَعَا إِلى اللّهَ وعَمِلَ صالِحاً ) (١) ، ولحديث: مَن دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله، واللّه أعلم»(٢) !!
فما هو رأيكَ بهذهِ الطريقة من الاستدلال - أيُّها القارئ المنصف - وهل تعتقد أنَّ مثل هذا الأمر لو تمَّ في بقية التعاليم السماوية، وجرى في أحكام اللّه المنزلة، أنَّه سوفَ يبُقي للتشريع قدسيته وحرمته؟!
____________________
(١) فصلت: ٣٣.
(٢) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول، ج: ١، ص: ٢١٨، وقت الجمعة والنداء.
وتعالَ معنا - أيها القارئ - لنطالع معاً ما قاله شارح (سنن الترمذي) لنرى ما فُتح على ديننا من جرّاء هذهِ التشريعات من باب، وما ابتُليَ به من مُصاب!
يقول (أحمد محمد شاكر):
«ولفظ (الثالث) أوجبَ شبهةً عجيبة، فقد نَقَل القاضي أبو بكر العربي (ج: ٢، ص: ٣٠٥) انّه كان بالمغرب يؤذّن ثلاثة من المؤذنين، بجهل المفتين، فانَّهم لما سمعوا انَّها ثلاثة لم يفهموا أنَّ الاقامة هي النداء الثالث، فجمعوها وجعلوها ثلاثة غفلةً وجهلاً بالسنة»!!
ويضيف إلى ذلك:
«في رواية عند أبي داود في هذا الحديث (كان يؤذَّن بينَ يدي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا جلسَ على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد)، فظنَّ العوام، بل كثير من أهل العلم أنَّ هذا الأذان يكونُ أمامَ الخطيب مواجهةً، فجعلوا مقامَ المؤذّن في مواجهة الخطيب، على كرسي أو غيره، وصارَ هذا الأذان تقليداً صرفاً، لا فائدةَ له في دعوة الناسِ إلى الصلاة، وإعلامهم حضورها، كما هو الأصل في الأذان والشأنُ فيه، وحرصوا على ذلكَ حتى لينكرونَ على مَن يفعل غيره.
واتّباع السنة أن يكونَ على المنارة أو عند باب المسجد، ليكونَ إعلاماً لمن لم يحضر، وحرصوا على إبقاء الأذان قبل خروج الامام، وقد زالت الحاجةُ إليه، لأنَّ المدينةَ لم يكن بها إلا المسجد النبوي، وكانَ الناس كلهم يجتمعونَ فيه، وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عندَ باب المسجد، فزاد عثمان الأذانَ الأول، ليُعلم مَن بالسوق ومَن حولَه حضورَ الصلاة».
ثمَّ يرى الشارحُ بأن لا ضرورةَ الانَ إلى هذا النداء باعتبار كثرة المؤذنين وكثرة المنائر!!؟ فيقول:
«أمّا الآن وقد كثرت المساجد، وبُنيت فيها المنارات، وصارَ الناس يعرفون وقتَ
الصلاة بأذان المؤذن على المنارة: فانّا نرى أن يُكتفى بهذا الأذان، وأن يكونَ عند خروج الامام، اتّباعاً للسنة، أو يؤمر المؤذنونَ عند خروج الامام أن يؤذنوا على أبواب المساجد»(١) .
وقال الشافعي:
«واُحب أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يدخل الامام المسجد، ويجلس على موضعه الذي يخطب عليه خشب أو جريد أو منبر أو شيء مرفوع له، أو الأرض، فإذا فَعَل أخَذَ المؤذن في الأذان، فإذا فرغَ قامَ فخطبَ لا يزيدُ عليه».
وأضاف:
«وأيهما كان فالأمر الذي على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحبّ اليَّ»(٢) .
فأحدهم يضع والآخر يرفع، وكأنَّ الدينَ الحنيف ليس فيه أصل يُقتفى أو سنة تُتّبع!
ومما وقَعَ فيه المدافعون عن هذا النداء من تهافت، ما ذكروه من نسبة ابتداع هذا النداء إلى هشام بن عبد الملك، وانَّه نَقَل الأذان إلى المنارة، واتفقوا على نعت عمل هشام هذا بالابتداع، ولم تطاوعهم ألسنتهم على القول بانَّ (عثمان) هو المبتدع لهذا النداء.
جاءَ في (الاعتصام) ما نصه:
«قال ابن رشد، الاذان بينَ يدي الامام في الجمعة مكروه لأنَّه محدث، قال: وأول مَن أحدثه هشام بن عبد الملك:
وانما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا زالت الشمس وخرج رقي المنبر، فإذا رآه المؤذنونَ - وكانوا ثلاثة - قاموا فأذَّنوا في المشرفة واحداً بعد واحدٍ، كما يؤذَّن في غير الجمعة، فإذا فرغوا أخذ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في خطبته، ثم تلاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فزاد عثمانُرضياللهعنه
____________________
(١) سنن الترمذي، بشرح: أحمد محمد شاكر، ج: ٢، ص: ٣٩٣.
(٢) الشافعي، الاُم، ج: ١، ص: ٢٢٤، وقت الاذان للجمعة.
لما كثر الناس أذاناً بالزوراء عند زوال الشمس، يؤذَّن للناس فيه بذلك انَّ الصلاة قد حضرت، وتَركَ الأذان بالمشرفة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلكَ إلى زمانِ هشام، فنقَل الأذان الذي كانَ بالزوراء إلى المشرفة، ونَقَل الأذانَ الذي كانَ بالمشرفة بينَ يديه، وأمرهم أن يؤذِّنوا صفاً، وتلاه على ذلكَ مَن بعدَهُ من الخلفاء إلى زماننا هذا، قال ابن رشد: وهو بدعة»(١) .
فإذا كان نقل (هشام بن عبد الملك) للأذان الذي كانَ بالزوراء إلى المشرفة، ونقل الأذان الذي كانَ بالمشرفة إلى ما بينَ يديه (بدعة) على ما صُرِّح به، فما ظنك بأصل إحداث هذا النداء على (الزوراء) الذي دلَّ الدليل القاطع وحسب اعتراف الجميع بعدم وجوده في زمن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!!
____________________
(١) أبو اسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ٢، ص: ١٦.
الفصل الثاني : حديث سنّة الخلفاء الراشدين
الحديث ذريعة لنفي الابتداع.
نظرة في الحديث.
١ - ضعف الحديث واحتمال الوضع فيه.
أ - ضعف سند الحديث.
ب - إنتهاء اسانيد الحديث جميعاً الى راوٍ واحد.
ح - اشتراك مضمون الحديث مع احاديث أخرى مقطوعة الوضع.
٢ - الخلفاء الراشدون هم أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
أدلة ومؤيدات:
أ - الامام عليعليهالسلام يرفض المبايعة على سيرة الشيخين.
ب - الخلاف بين الخلفاء الأربعة يناقض الأمر باتباعهم جميعاً.
- الخلاف بين عليعليهالسلام والخلفاء الثلاثة.
- الخلاف بين الخلفاء الثلاثة.
ج - إرادة الخلفاء الأربعة تتنافى مع إنكار النص.
د - حجم الحديث لا يتناسب مَعَ موقع الخلافة في الاسلام.
ه - أئمة أهل البيتعليهمالسلام خلفاء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بنص منه.
الحديث ذريعة لنفي الابتداع
إنَّ الكثير من الدعوات التي يطلقها البعض لنفي (الابتداع) عن مثل (التراويح) و (النداء الثالث يوم الجمعة)، وغيرها من البدع المحدثة، تستند أساساً إلى حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، وتصح نسبة هذهِ الأعمال إلى الشريعة الاسلامية من هذا المنطق، على الرغم من تلك المهاترات والتناقضات التي وقع فيها المدافعون عن هذهِ (البدع)، وعلى الرغم مما جرَّته تلك (المحدثات) على عقائدِ المسلمين من دخائل وتقولات وأباطيل.
بل رأينا أنَّ بعضهم كان يناقش في أمر تشريع تلك المحدثات، ويطرح الآراء الفقهية المخالفة، على الرغم من بقاء إصراره على هذا الحديث كما هو الأمر في (النداء الثاني) على ما تقدَّم، فلماذا لا يعض على هذهِ السنة المزعومة المدافعونَ عنها أولاً لكي يأمروا الناسَ باتّباعها بعدَ ذلك؟!
إنّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) يستحق منّها وقفةً متأنية، ننظر فيها إلى سندهِ أولاً، ومضمونه ثانياً، لأنَّه أصبح يمثل الخط الخلفي العام في مواجهة المتعصبين مَعَ أهل الحق والبصيرة، وصارَ الذريعة التي يتشبث بها كلّ مَن تُعييه الحججُ، وتُسدُّ في وجهه المنافذ، لتبرير دعوات الضلال، وبدع المبتدعين.
وقبل أن ندخل في صميم البحث عن هذا الحديث لا بأس بأن نطالع بعض الأقوال التي تستند في تبرير مثل هذهِ (البدع) إلى حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، وتعتبره السند الأخير في توجيه القول بمشروعية تلك (المحدثات)، من بعد أن تعجز من
الاجابة على الاشكالات التي تثار حول تلكَ الأعمال وتوكّد عدم ارتباطها المطلق بالدين.
يقول الشيخ (الفوزان) نافياً أن يكون (النداء الثاني) (بدعةً) في أحد فتاواه:
«والأذان الأول يوم الجمعة أمَرَ به أمير المؤمنين عثمان بن عفانرضياللهعنه ثالث الخلفاء الراشدين، وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»(١) .
ويقول الشيخ (عبد العزيز عيسى) بهذا الصدد:
«الحكم الشرعي بهذا الأمر يستشهد بقوله تعالى:( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلى ذَكرِ اللّهِ وَذَرُوا الَبيعَ ذلكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتمُ تَعَلمُون ) (٢) ، والمراد بالنداء في هذهِ الآية الكريمة هذا النداء الثاني الذي كان يؤدّى بين يدي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا خرج فجلس على المنبر، فانَّه كان يؤذن بين يديه قبل الشروع في الخطبة، وأما النداء الأول الذي زاده الخليفة الراشد عثمان بن عفانرضياللهعنه ، فانّما كانَ لكثرة الناس، وكانَ الغرض منه الاعلام بدخول الوقت، ليتأهب المسلمون بالتوجه إلى المسجد لسماع الخطبة، وذلكَ بعد اتساع المدينة وكثرة أهلها، فإذا سمعوا النداء أقبلوا حتى إذا جلسَ عثمان على المنبر أذَّنَ المؤذِّن، ثم يخطب عثمان، روى البخاري عن السائب بن يزيدرضياللهعنه قال: ما كانَ لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا مؤذن واحد، إذا خرج - أي من حجرته - أذَّن، وإذا نَزَلَ - أي من فوق المنبر - أقام، وأبو بكر وعمر كذلك، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على دارٍ في السوق يُقال لها الزوراء، فإذا خرجَ أذَّنَ، وإذا نَزَلَ أقام، وانّما سمي في الحديث ثالثاً لانَّه أضافه إلى الاقامة، ومن هذا يتضح لنا مشروعية كلٍّ من الحالتين.
فمن أخذَ بما كان متبعاً في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر فحسن، ومَن أخَذَ
____________________
(١) مجلة (المسلمون)، ٢٧ نوفمبر - ١٩٩٢ م - العدد: ٤٠٨.
(٢) الجمعة: ٩.
بما كان متبعاً في عهد عثمان فلا بأسَ ولا حَرَجَ عليه في ذلك»(١) .
ويقول (سعيد حوّى) في (الاساس في السنة وفقهها):
«ألا ترى انَّ اجماع الصحابة على جمع عمر الناس في صلاة التراويح على امامٍ واحدٍ وجعلها عشرين، وقول عمر (نعمت البدعة هذه)، وكل ذلكَ قد صحَّ عن عمر وعن الصحابة، ألا ترى انَّ الذين يضللون عمر بسبب ذلك قد دخلوا في دائرة الضلال، فعمر من الخلفاء الراشدين المهديين الذين اُمرنا بالاقتداء بهم، والاقتداء بهديهم»(٢) .
وجاءَ في كتاب (البدعة) للدكتور (عزت علي عطية) ما نصه:
«قرن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم سنة الخلفاء الراشدين بسنته. ففي حديث العرباض بن سارية قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضّوا عليها بالنواجذ).
وانما أمرصلىاللهعليهوآلهوسلم باتباعهم، لانّه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجونه بالاجتهاد، ولانّه علم أنَّ بعض سنته لا يثبت إلا في عصرهم.
وعلى ذلك فالقول: (بأنَّ كل اجتهاد وقياس من الخلفاء الراشدين يخالف السنة الصحيحة لا ينبغي أن يتمسك به) هو قول بغير علم. إذ كيف يأمرصلىاللهعليهوآلهوسلم باتّباع ما يخالف سنته؟ وكيف تحدث المخالفة بين ما أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم باتباعه وبين سنته؟.»(٣) .
«وفي الصحيح قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الامور) فأعطى الحديث - كما ترى - أنَّ ما سنَّه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنَّ ما سنّوه لا يعدو أحدَ أمرَين: إما أن يكون مقصوداً بدليل شرعي، فذلك سنّة لا بدعة، وإمّا بغير دليل -
____________________
(١) مجلة المسلمون، نفس العدد السابق.
(٢) سعيد حوّى، الأساس في السنّة وفقهها، ص: ٣٥٤.
(٣) د. عزت علي عطية، البدعة: تحديدها وموقف الاسلام منها، ص: ١٤٩.
ومعاذ اللّه من ذلك - ولكنَّ هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أٌبته ذلك صاحب الشريعةصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
فمن الملاحظ انَّ عمليات الاستدلال التي تمَّ بموجبها نفي (الابتداع) عن (النداء الثاني يوم الجمعة) وعن صلاة (التراويح) في النصوص المتقدمة قد استندت بشكل واضح على حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، واتخذته أساساً مفروغاً عنه، وأرسلت ذلكَ بشكل عابرٍ من دون النظر إلى خلفيات الأمر الذي تم بشأنه هذا الاستدلال.
ومن الطبيعي انَّ هذهِ الطريقة لا تكلِّف الباحث أو المفتي عناءً طويلاً لكي يظفر بنتائج الاحكام الشرعية، كما انّها لا تجعله يقف عند الزوايا الحرجة التي تُثار حول الكثير من الامور المنسوبة إلى أبي بكر وعمر وعثمان مما هو خارج عن حياط الشرع المبين.
ومن الغريب حقاً انَّ هؤلاء القوم يسمحونَ لأنفسهم بركوب هذا النمط من الاستدلال على نحو الاستئثار والاستقلال، في الوقت الذي لا يَدَعونَ فيه أية فرصة من هذا القبيل للطرف الآخر لكي يمارس منهجه الاستدلالي على ضوء مبانيه ومرتكزاته الخاصة.
فمن الجائز لديهم الأخذ بسنة (الخلفاء الراشدين)، بل وضرورة العض عليها بالنواجذ، في مختلف الرؤى والاحكام، اعتماداً على حديث مروي عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه ما فيه، بينما ليسَ من الجائز في وجهة نظرهم أن يأخذ أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام بخط أئمتهم ونهجهم، على الرغم من تواتر الروايات الدالة على وجوب الرجوع اليهم وأخذ معالم الدين عنهمعليهمالسلام .
كما أنَّ من المفترض لديهم أن يؤمن الآخرون بكل ما وَرَدَ من طرقهم الخاصة، ويعدّونَ الخارجَ عن ذلك خارجاً عن الدين وتعاليم شريعة سيد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بينما لا
____________________
(١) أبو إسحق الشاطبي، الاعتصام، ج: ١، ص: ١٨٧.
يرونَ أنَّ الواجب عليهم الايمان والاذعان لما رواه الآخرون بأي شكل كان، وليسَ في ذلكَ خروج لهم عن الدين فالدين هو ما يريدونه وما يكتبونه بطريقتهم الخاصة، لا ما يعتقده ويكتبه الآخرون!!
إنَّ هذا لوحده كافٍ لأن يدعونا إلى التوقف في منهجهم في التعامل مَعَ أحكام الشريعة الاسلامية المقدسة، والنظر في أصل الحديث الذي زعموا فيه الارجاع إلى (سنة الخلفاء الراشدين)، وشيدوا على أساسه اُصول عقائدهم، واُسس أحكامهم في مختلف الجوانب والمجالات.
فالى حيث حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ندعوك - أيها القارئ الكريم - أن تُلقي معنا فيه نظرة بانصاف!!
نظرةٌ في الحديث
جاءَ في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة بأسانيد مختلفة:
«عن عرباض بن سارية قال: صلّى بنا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلاة الفجر، ثمَّ وعظنا موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللّه كأنَّها موعظة مودِّعٍ فأوصنا، فقال: اُوصيكم بتقوى اللّه والسمعِ والطاعة وإن كانَ عبداً حبشياً، فانَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ»(١) .
____________________
(١) الدارمي، سنن الدارمي، ج: ١، ص: ٥٧، ح: ٥٩، باب اتباع السنة.
وسنن أبي داود، ج: ٤، ص: ٢٠٠، باب: لزوم السنة، ح: ٤٦٠٧، وفيه (وسنة الخلفاء المهديين الراشدين).
وسنن التزمذي، المجلد الخامس، كتاب العلم، ص: ٤٣، باب: ١٦، ح: ٢٦٧٦.
وسنن ابن ماجة، ج: ١، ص: ١٦، ح: ٤٣، باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.
ومسند أحمد، ج: ٥، ص: ١٠٩، ح: ١٦٦٩٢، وح: ١٦٦٩٤، وح: ١٦٦٩٥.
وكنز العمال، ج: ٦، ص: ٥٥، ح: ١٤٨١٨، وفيه: (ولا تنازعوا الأمَر أهله، وان كانَ عبداً أسودَ، عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاءِ الراشدين المهديين).
وتلبيس ابليس، تحقيق: الدكتور الجميلي، ص: ٢١.
فيُدّعى انَّ المراد من (الخلفاء الراشدين) الوارد ذكرهم في هذا الحديث هم (أبو بكر) و(عمر) و(عثمان) والامام عليعليهالسلام ، وانَّ هذا الحديث قد نصَّ على وجوب اتّباعهم، والأخذ بسنتهم، وجعلوا ذلكَ من المسلَّمات المفروغ عنها، والتي لا ينبغي أن تخضع للنقاش والتحقيق.
ونحن نعتقد بأنَّ هذا الحديث لا يمتلك أهلية الدلالة على المعنى المذكور، ولا ينهض للوفاء بذلك الأمل الكبير الذي عُقد عليه!
ولنا على إثبات صحة ما نذهُب إليه طريقان:
الطريق الأول : إننا نعتقد بأنَّ هذا الحديث من الأحاديث الضعيفة جداً، ولعلَّه أيضاً من الاحاديث الموضوعة في عصر متأخر عن زمن النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمنسوبة إليه بغير حق، على غرار المئات من الأحاديث الاُخرى التي وضعها الواضعون بدوافع مختلفة، وسوف نبيِّن القرائن التي توجِّه الحديث نحو هذا المسار.
الطريق الثاني : انَّنا على فرض التسليم لصحة الحديث، والتنازل عن القرائن التي أقمناها على ضعفه، فانَّنا سوفَ نثبت انّه ليس المقصود من (الخلفاء الراشدين) فيه ما قصدَهُ أبناء العامة، وانَّما المقصود منهم أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
الطريق الاول : ضعف الحديث واحتمال الوضع فيه
هناك ثلاث قرائن أساسية تدل على كون حديث (سنة الخلفاء الراشدين) حديثاً ضعيفاً وساقطاً عن الاعتبار هي:
أ - ضعف سند الحديث.
ب - إنتهاء أسانيد الحديث جميعاً إلى راوٍ واحد.
ج - إشتراك مضمون الحديث مع أحاديث اُخرى مقطوعة الوضع.
وسوفَ نقوم باستعراض هذهِ القرائن الثلاث على الترتيب بنحوٍ من الايجاز:
أ - ضعفُ سَندِ الحديث
وردَ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) في كتب أبناء العامة بأسانيد محدودة، يمكن حصرها بالسلاسل الستة التالية ليس غير:
السلسلة الاولى : عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن ساورية(١) .
____________________
(١) سنن ابن ماجة، ج: ١، ص: ١٦، وفيه (حدثنا يحيى بن حكيم، حدثنا عبد الملك بن الصباح السلمي، حدثنا ثور بن يزيد.). وفي سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب العلم، ص: ٤٣، باب: ١٦، وفيه: (حدثنا الحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا: حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد. وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر، عن عرباض بن سارية).
وفي سنن الدارمي، ج: ١، ص: ٥٧، وفيه: (أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ثور بن يزيد.).
وفي مسند أحمد: ج: ٥، ص: ١٠٩، وفيه: (حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ثور.
وحدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد.).
وفي سنن أبي داود، ج: ٤، ص: ٢٠٠، وفيه: (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد.).
وفي مستدرك الحاكم، ج: ١، ص: ٩٦ - ٩٧، وفيه: (حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا عاصم، حدثنا ثور بن يزيد.).
وهذهِ السلسلة تُعدُّ من أوثق وأشهر السلاسل التي يعتمد عليها المتمسكون بحديث (سنة الخلفاء الراشدين)، وتناقلتها أغلب كتبهم الحديثية المعتبرة، وقد وقع في هذهِ السلسلة (ثور بن يزيد) الذي نقل عنه (ابن حجر) في (تهذيب التهذيب) أنَّه كان يبغض أمير المؤمنين علياًعليهالسلام ، ويصرِّح عن ذلك بالقول: «لا اُحب رجلاً قتل جدي»، وذلكَ لأنَّ جدَّه قد قُتل في صفين إلى صف معاوية بن أبي سفيان في حربه مَعَ أمير المؤمنين عليعليهالسلام .
جاءَ في (تهذيب التهذيب) ما نصُّه:
«ويُقال انَّه كان قدرياً، وكان جدُّه قُتل يوم صفين مَعَ معاوية، فكان ثور إذا ذكر علياً قال: لا اُحبُّ رجلاً قتل جدّي»(١) .
ونحن نظن انَّ هذا وحدَه كافٍ في وجهة نظر جميع الفرق والطوائف الاسلامية لاسقاط عدالة المرء، وردِّ حديثه، وعدم قبول روايته، فممن لا تُقبل روايته بالاتفاق الناصب العداء لأهل بيت النبوة الطاهرينعليهمالسلام الذين ورد الامر بوجوب محبتهم ومودتهم في صريح قوله تعالى:
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٢، ص: ٣٣.
وانظر: جمال الدين المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج: ٤، ص: ٤٢٥.
( قُل لا أَسئَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلا المَوَّدةً في القُربى ) (١) .
وقد وردت الروايات الكثيرة المتظافرة في كتب الفريقين لتشير إلى هذا المعنى أيضاً، وتؤكد على انَّ حبَّ أهل البيتعليهمالسلام من الايمان، وبغضهم من الكفر والنفاق، ونكتفي هنا بايراد بعض النماذج الواردة في كتب أبناء العامة من هذهِ الأحاديث.
جاءَ في (مستدرك الحاكم) عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال:
«والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله اللّه النار»(٢) .
وروى عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال:
«أحبوا اللّهَ لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحبِّ اللّه، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي»(٣) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«خيركم خيركم لأهلي من بعدي»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انَّه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام :
«أنا حربٌ لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ينقطع يومَ القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي»(٦) .
فكيف يمكن مَعَ كل هذا أن تُقبل رواية شخصٍ يبغض علياً أمير المؤمنينعليهالسلام الذي قررَ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم أنهعليهالسلام يدور مَعَ الحق أينما دار؟ وأين يا ترى يكون موضع
____________________
(١) الشورى: ٢٣، وقد مرَّت الاشارة إلى المصادر العامية التي بيَّنت سبب نزول الآية الكريمة فيما سبق.
(٢) الحاكم في المستدرك، ج: ٣، ص: ١٥٠.
(٣) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب المناقب، باب: ٣٢ مناقب أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ح: ٣٧٨٩، ص: ٦٢٢.
وانظر: المستدرك للحاكم، ج: ٣، ص: ١٥٠.
(٤) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: ٦، ٩، ص: ١٧٤.
(٥) الحاكم في المستدرك، ج: ٣، ص: ١٤٩.
(٦) نور الدين الهيثمي، مجمع الزوائد، ج: ٩، ص: ١٧٣.
المبغض لأهل البيتعليهمالسلام من خلال هذهِ الاحاديث وأمثالها؟
هذا كله من جانب، ومن جانب آخر فقد اتفق المؤرخون والعلماء على انَّ (ثور بن يزيد) الراوي لحديث (سنة الخلفاء الراشدين) كان قدرياً، وقد نصّوا على ذلك بشكل صريح.
جاءَ في (تهذيب التهذيب):
«وقال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه: ثور بن يزيد الكلاعي كان يرى القدر، كان أهل حمص نفوه لأجل ذلك.»(١) .
وقال أبو مسهر عن عبد اللّه بن سالم:
«أدركتُ أهل حمص، وقد أخرجوا ثور بن يزيد، وأحرقوا داره لكلامه في القدر»(٢) .
«وقال علي بن عياش، عن اسماعيل بن عياش، قال لنا عطاء الخراساني: لا تجالسوا ثور بن يزيد»(٣) .
«وقال أبو توبة الحلبي: حدَّثنا أصحابنا أنَّ ثوراً لقي الأوزاعي، فمدَّ يدَهُ إليه، فأبى الاوزاعي أن يمدَّ يده إليه، وقال: يا ثور، لو كانت الدنيا لكانت المقاربة، ولكنَّه الدين»(٤) .
«وقال عبد اللّه بن موسى: اتقوا ثوراً لا ينطحنكم بقرنيه»(٥) !
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٢، ص: ٣٤، وانظر: شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٦، ص: ٣٤٤، وانظر: محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج: ١، ص: ٣٧٤.
(٢) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٢، ص: ٣٤، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٦، ص: ٣٤٥، وتهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ٤٢٧.
(٣) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ٤٢٥.
(٤) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٦، ص: ٣٤٤ - ٣٤٥، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ٤٢٥.
(٥) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٦، ص: ٣٤٥.
ورويت هذهِ المقولة عن سفيان الثوري وعن أبي روّاد أيضاً(١) .
«وقال أبو عمير بن النحاس: حدثنا ضمرة عن ابن أبي روّاد، قال: كان الرجل إذا أتاه، قال له: أين تريدُ إلى الشام؟ قال: إنَّ بها ثوراً فاحذر لا ينطحك بقرنيه»(٢) !
وقال عباد بن أحمد العرزمي: سمعتُ عمّي محمد بن عبد الرحمان، قال: ذهبتُ إلى ثور لأسمع منه، فأبطأتُ وكانَ يوماً حاراً، فلما رجعتُ قال لي أبي: أينَ كنتَ؟ قال: كنتُ عند ثور، قال: فقال لي: يا بنيّ اتقِ لا ينطحكَ بقرنيه»(٣) !
وفي نفس الوقت نرى أنَّ محدّثي العامة قد رووا في كتبهم المعتبرة انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أمر بمقاطعة القدريين وهجرانهم، وحذَّر من مجالستهم والتعامل معهم بأي شكل كان، وبيَّنصلىاللهعليهوآلهوسلم انّهم خارجون عن الاسلام، وليس لهم فيه أدنى نصيب، ووجَّه اليهم الذم العنيف، واعتبرهم مجوس هذه الامة، من خلال مجموعة كبيرة من الاحاديث(٤) ، فكيف يمكن لنا بعد ذلك الركون والاطمئنان لما يرويه لنا (ثور بن يزيد) من أحاديث؟!
أضف إلى ذلكَ انّ علماء الرجال من أبناء العامة قد ضعَّفوا هذا الرجل بأنفسهم، وجاءت النصوص المستفيضة للدلالة على عدم أهليته للرواية، وعدم الاحتجاج به، وهذا ما يعزز لنا رفضه أيضاً، ورفض حديث (سنة الخلفاء الراشدين) معه!
واليكَ أيها القارئ الكريم بعض الأقوال المشهورة فيه:
____________________
(١) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ٤٣٤.
(٢) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ٤٢٤.
(٣) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ٤٢٤.
(٤) راجع على سبيل المثال: ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، باب: ١٠ في القدر، ح: ٩٢، ص: ٣٥، وأبا داود، سنن أبي داود، ج: ٤، باب: في القدر، ص: ٢٢٢، ح: ٤٦٩١، وح: ٤٦٩٢، وفي مسند أحمد، ج: ٢، ص: ٨٢، وج: ٥، ص، ٤٠٦ و ٤٠٧، والترمذي، سنن الترمذي، ج: ٤، كتاب القدر، باب ٦: ١٣، ص: ٣٩٥، ح: ٢١٤٩، وعلاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١، ص: ٣٦٢، ح: ١٥٩٧، وانظر لمزيد من التفصيل: كنز العمال، ح: ١، ص: ٣٦٣ - ٣٦٤، الاحاديث: ١٥٩٧ - ١٦٠٣، وابن الأثير في جامع الاصول في أحاديث الرسول، ج: ١٠، ص: ١٢٨ - ١٣٢.
«وقال أبو مسهر وغيره: كان الاوزاعي يتكلَّم فيه ويهجوه»(١) .
وقال أبو مسهر أيضاً: حدثني سلمة بن العيّار قال: كانَ الاوزاعي يسيء القول في ثلاثة: في ثور بن يزيد، ومحمد بن اسحق، وزرعة بن ابراهيم»(٢) .
وجاءَ عنه أيضاً في (تهذيب الكمال) انَّه:
«.قدم المدينة فنهى مالك عن مجالسته، وليس لمالك عنه رواية لا في الموطأ، ولا في الكتب الستة، ولا في غرائب مالك للدارقطني، فما أدري أين وقعت روايته عنه مَعَ ذمِّه له»(٣) .
«وقال أبو مسهر: حدثنا أبو مسلم الفزاريُّ، قال: ما سمعتُ الأوزاعي يقول في أحدٍ من الناس إلا في ثور بن يزيد، ومحمد بن اسحق، قال: وقلتُ له: يا أبا عمرو حدثنا ثور بن يزيد، قال: فغضبَ عليَّ غضبةً ما رأيتُ مثلها، ثم قال: قال رسولُ اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ستة لعنتُهم، فلعنهم اللّه وكلُّ نبي مجاب: الزائد في كتاب اللّه، والمكذِّب بقدر اللّه.)، ثور بن يزيد أحدهم تأخذ دينَكَ عنه؟ وأمّا محمَّد بن اسحق فكانَ يرى الاعتزال، قال: فجئتُ إلى كتابي الذي سمعتُه من ثور ومحمد بن اسحق، فألقيته في التنّور»(٤) .
«وقال نعيم بن حمّاد، قال عبد اللّه بن المبارك:
أيها الطالبُ علماً |
ائتِ حمّادَ بنَ زيد |
|
فاطلبنَّ العلمَ منهُ |
ثمَّ قيِّده بقيد |
|
لا كثورٍ وكجهم |
وكعمرو بنِ عُبيد»(٥) |
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب: ج: ٢، ص: ٣٤.
(٢) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ٤٢٥.
(٣) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٢، ص: ٣٥.
(٤) جمال الدين المزي: تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ٤٢٥.
(٥) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٢، ص: ٣٥، وانظر: تهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ٤٢٦.
السلسلة الثانية : «الوليد بن مسلم، عن العلاء بن زبر، عن يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض بن سارية.»(١) .
ففي هذهَ السلسلة (الوليد بن مسلم)، ولكي تطّلع - أيها القارئ الكريم - على حال (الوليد) ننقل لكَ بعض أقوال علماء العامة ورواتهم فيه:
«.وقال أبو بكر المزوري: قلتُ لأحمد بن حنبل في الوليد، قال: هو كثير الخطأ»(٢) .
«وقال أبو بكر الاسماعيلي: سمعتُ مَن يحكي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن أحمد، وسُئلَ عن الوليد بن مسلم فقال: كانَ رفّاعاً»(٣) .
«وقال حنبل بن اسحق: سمعتُ يحيى بن معين يقول: قال أبو مسهر: كانَ الوليد يأخذ من ابن أبي السَّفر حديث الأوزاعي، وكان ابن أبي السَّفر كذّاباً، وهو يقول فيها: قال الأوزاعي»(٤) .
«وقال أبو الحسن الدارقطني - في كتاب (الضعفاء والمتروكون) -: الوليد بن مسلم يرسل، يروي عن الاوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء»(٥) .
«وقال أبو مسهر: الوليد مدلِّس عن كذّابين»(٦) .
«وقال مؤمَّل بن إهاب عن أبي مسهر: كانَ الوليد بن مسلِّم يحدِّث بأحاديث
____________________
(١) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١، ص: ١٦، فيه: (حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم.).
(٢) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١١، ص: ١٥٤، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٩٦.
(٣) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٣١، ص: ٩٦.
(٤) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١١، ص: ١٥٤ وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٩٦ - ٩٧، وميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي، ج: ٤، ص: ٣٤٨، وسير اعلام النبلاء للذهبي، ج: ٩، ص: ٢١٥.
(٥) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٩، ص: ٢١٦ - ٢١٧، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٩٧.
(٦) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٩، ص: ٢١٦، وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٤، ص: ٣٤٧.
الاوزاعي عن الكذّابين، ثم يدلسها عنهم«(١) .
«وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ، سمعتُ الهيثم بن خارجة يقول: قلتُ للوليد بن مسلم: قد أفسدتَ حديث الاوزاعي، قال: كيف؟ قلتُ تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرُكَ يُدخل بينَ الأوزاعي وبينَ نافع عبد اللّه بن عامر الأسلمي، وبينه وبينَ الزهري ابراهيم بن مرّة وقرة وغيرهما، فما يحملكَ على هذا؟
قال: اُنبِّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قلتُ: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنتَ، وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضَعُفَ الأوزاعي.
فلم يلتفت إلى قولي»(٢) .
وفي هامش كتاب (سير أعلام النبلاء) قال المحقق معلقاً على هذا الحديث:
«وهذا النوع من التدليس يسمى عند المتقدمين تجويداً، فيقولونَ: جوَّدة فلان، يريدونُ ذكر فيه من الأجواد، وحذفَ الأدنياء، وسمّاه المتأخرون: تدليس التسوية، وذلكَ انَّ المدلِّس الذي سمع الحديث من شيخه الثقة عن ضعيف عن ثقة، يسقط الضعيف من السند، ويجعل الحديث عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيستوي الاسناد كلّه ثقات، وهو شرُّ أنواع التدليس وأفحشها، لانَّ الثقة الاول ربَّما لا يكون معروفاً بالتدليس، فلا يحترز الواقف على السنة عن عنعنةٍ وأمثالها من الألفاظ المحتملة التي لا يُقبل مثلها من المدلّسين، ويكون هذا المدلِّس الذي يحترز من تدليسه قد أتى بلفظ السماع الصريح عن شيخه، فأمنَ بذلكَ من تدليسه، وفي ذلكَ غرر شديد»(٣) .
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١١، ص: ١٥٤، وفي تهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٩٧.
(٢) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١١، ص: ١٥٤، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٩٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٩، ص: ٢١٥ - ٢١٦، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٤، ص: ٣٤٨.
(٣) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، بتحقيق: كامل الخرّاط، ج: ٩، ص: ٢١٦ (الهامش).
«وقال الآجري سمعتُ أبا داود يقول: روى الوليد عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة»(١) .
«وقال أبو داود: كل منكر يجيء عن الوليد بن مسلم، إذا حدَّث عن الغرباء يخطئ»(٢) .
«وقال: بقية أحسن حالاً من الوليد بن مسلم»(٣) .
وسيأتي الكلام عن (بقية) الذي هو أحسن حالاً من (الوليد) لاحقاً إن شاءَ اللّه تعالى، ويثبت انَّه ضعيف أيضاً، فكيف بالذي أضعف منه.
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): «قلتُ: البخاري ومسلم قد احتجّا به، لكنهما ينتقيان حديثَه، ويتجنبان ما يُنكر له»(٤) .
ومما تجدر الاشارة إليه أنَّ كلاً من (مسلم) و(البخاري) لم يرويا حديث (سنة الخلفاء الراشدين) على نحو الخصوص.
السلسلة الثالثة : «يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن خالد بن معدان، عن العرباض بن سارية.»(٥) .
وقد وقع في هذهِ السلسلة راويان ضعيفان: أحدهما (يحيى بن أبي كثير)،
____________________
(١) جمال الدين المزي تهذيب الكمال بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف، ج: ٣١، ص: ٩٩، (الهامش) عن سؤالاته: ٥ الورقة ١٥، وعن ميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٤، ص: ٣٤٧.
(٢) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٣١، ص: ٩٩ (الهامش).
(٣) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٣١، ص: ٩٩ (الهامش).
(٤) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٩، ص: ٢١٦، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٩٩ (الهامش).
(٥) مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ص: ١٠٩ فيه: (حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا اسماعيل بن هشام الدستوائي، عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم).
وفي مستدرك الحاكم، ج: ١، ص: ٩٦ - ٩٧، وفيه: (حدثنا أبو عبد اللّه عبد اللّه الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، حدثنا عبد اللّه بن يوسف التينسي، حدثنا الليث بن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمر السلمي، عن العرباض بن سارية.).
والآخر (محمد بن إبراهيم بن الحارث).
فأمّا (يحيى بن أبي كثير) فقد جاءَ عنه:
قال (الذهبي) في (سير أعلام النبلاء): «وقال العقيلي: كان يُذكر بالتدليس»(١) .
وفيه أيضاً: «وقال يحيى بن قطّان: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح»(٢) .
وفيه أيضاً: «وقال يزيد بن هارون عن همام قال: ما رأيتُ أصلبَ وجهاً من يحيى بن أبي كثير، كنّا نحدّثه بالغداة، فنروح بالعشي فيحدثناه»(٣) .
وقال في (تهذيب التهذيب): «قلتُ: تتمة: كلام ابن حبان: كان يدلِّس، فكلما روى عن أنس فقد دلَّس عنه، لم يسمع من أنس، ولا من صحابي»(٤) .
وقال (الذهبي) في (ميزان الاعتدال): «يروي عن أنس ولم يسمع منه»(٥) .
وفيه أيضاً: «وقال نعيم بن حماد: حدثنا المبارك عن همام، قال: كنّا نحدِّث يحيى بن أبي كثير بالغداة، قإذا كانَ بالعشي قلبه عنّا»(٦) .
هذا حال (يحيى بن أبي كثير)، وأما (محمد بن إبراهيم بن الحارث) فقد ضعَّفه (أحمد بن حنبل)، حيث جاءَ في (سير أعلام النبلاء) و(تهذيب التهذيب) و(ميزان الاعتدال):
«وقال العقيلي: حدثنا عبد اللّه بن أحمد: قال: سمعتُ أبي ذكر محمد بن إبراهيم
____________________
(١) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٦، ص: ٢٨، وميزان الاعتدال لمحمد بن أحمد الذهبي، ج: ٤، ص: ٤٠٢، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ١١، ص: ٢٦٩، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٥٠٩.
(٢) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٦، ص: ٣٠، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ١١، ص: ٢٦٩. وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٤، ص: ٤٠٣، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٥٠٩.
(٣) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٦، ص: ٣٠ - ٣١، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٥٠٩.
(٤) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١١، ص: ٢٦٩.
(٥) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: ٤، ص: ٤٠٢.
(٦) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: ٤، ص: ٤٠٢، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٣١، ص: ٥٠٩.
التيمي، فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة»(١) .
السلسلة الرابعة : «معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي: أنَّه سمع العرباض بن سارية.»(٢) .
أما هذهِ السلسلة ففيها (معاوية بن صالح)، وقد جاءَ فيه:
في (تهذيب التهذيب): «وقال صالح بن أحمد بن حنبل، عن علي بن المديني: سألتُ يحيى بن سعيد عنه، فقال: ما كنّا نأخذ عنه ذلك الزمان ولا حرفاً»(٣) .
«وقال أبو صالح الفراء: حدثنا أبو اسحق يعني الفزاريّ يوماً بحديث عن معاوية بن صالح، ثم قال أبو اسحق: ما كانَ بأهلٍ أن يُروى عنه»(٤) .
«وقال ابن أبي خثيمة والدوري في تأريخيهما عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه»(٥) .
____________________
(١) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٥، ص: ٢٩٥، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ٩، ص: ٦٠٠، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٣، ص: ٤٤٥، المحمدون ٧٠٩٧، وتذيب الكمال للمزي، ج: ٣٤، ص: ٣٠٤، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني، ج: ٥، ص: ٢٠.
(٢) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ١٦، ح: ٤٣، فيه: (حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور، وإبراهيم السواق قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح.).
وفي مسند أحمد، ج: ٥، ص: ١٠٩، وفيه: (حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية.).
وفي مستدرك الحاكم، ج: ١، ص، ٩٦ - ٩٧، وفيه: (أبو الحسن أحمد بن محمد العنبري، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، (وأخبرنا) أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي، عن معاوية بن صالح.).
(٣) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١٠، ص: ٢١٠، والامام الرازي في الجرح والتعديل، ج: ٤، ص: ٣٨٢، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٩٠.
(٤) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١٠، ص: ٢١٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٧، ص: ١٦٠، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٩٠.
(٥) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١٠، ص: ٢١٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٧، ص: ١٦٠، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٨٩.
«وعن عباس عن يحيى في موضع آخر: ليس برضي»(١) .
«وقال الليث بن عبده: قال يحيى بن معين: كان ابن مهديإذا تحدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: ايش هذهِ الاحاديث، وكان ابن مهدي لا يبالي عن مَن روى»(٢)
«وقال يعقوب بن شيبة السدوسي: قد حمل الناس عنه، ومنهم مَن يرى أنَّه وسط ليس بالثبت ولا بالضعيف، ومنهم مَن يضعّفه»(٣) .
«وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن عمِّه سعيد بن أبي مريم: سمعتُ خالي موسى بن سلمة، قال: أتيتُ معاوية بن صالح لأكتب عنه، فرأيتُ أُراه قال: الملاهي - فقلتُ: ما هذا؟ قال: شيء نهديه إلى صاحب الأندلس!! قال: فتركته ولم أكتب عنه»(٤) .
«وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يحتج به»(٥) .
«وقال محمد بن عبد اللّه بن عمّار الموصلي: الناس يروون عنه، وزعموا انَّه لم يكن يدري أيَّ شيء الحديث»(٦) .
وفي (ميزان الاعتدال): «وقال أبو حاتم لا يحتج به، وكذا لم يخرِّج له البخاري.»(٧) .
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١٠، ص: ٢١٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٧، ص: ١٦٠، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٨٩.
(٢) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٢٨، ص: ١٩٣، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ١٠، ص: ٢١٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٧، ص: ١٦٢، وميزان الاعتدال للذهبي ج: ٤، ص: ١٣٥.
(٣) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١٠، ص: ٢١١، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٩٢.
(٤) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٧، ص: ١٦٠ - ١٦١، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ١٠، ص: ١٩٠، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٩٠.
(٥) الرازي، الجرح والتعديل، ج: ٤، ص: ٣٨٢ وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٩١.
(٦) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٢١١، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٢٨، ص: ١٩٢.
(٧) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: ٤، ص: ١٣٥.
السلسلة الخامسة : «عمرو بن أبي سلمة التينسي، أنبأنا عبد اللّه بن العلاء بن زيد، عن يحيى بن أبي المطاع، قال سمعت العرباض.»(١) .
ولنطالع شيئاً مما يقوله علماء أبناء العامة حول (عمرو بن أبي سلمة التينسي) الذي وقع في هذه السلسلة:
قال عنه (الذهبي) في (ميزان الاعتدال): «وقال أبو حاتم لا يحتج به»(٢) .
وقال (ابن حجر العسقلاني) في (تهذيب التهذيب):
«وقال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل»(٣) .
وفيه أيضاً: «وقال الساجي: ضعيف»(٤) .
وفيه أيضاً: «وقال العقيلي في حديثه وهم»(٥) .
وفي (الجرح والتعديل): «حدثنا عبد الرحمن، قال ذكره أبي، عن اسحق بن منصور، عن يحيى بن معين، انَّه قال: عمرو بن أبي سلمة ضعيف»(٦) .
وفيه أيضاً: «حدثنا عبد الرحمن قال: سألتُ أبي عن عمرو بن أبي سلمة، فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به»(٧) .
السلسلة السادسة : «بقية بن الوليد بن بُجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن
____________________
(١) الحاكم في المستدرك، ج: ١، ص: ٩٦ - ٩٧، وفيه: (يحيى بن أبي المطاع القرشي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد التينسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة التينسي).
(٢) ميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٣، ص: ٢٦٢.
(٣) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٨، ص: ٤٤، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٣، ص: ٢٦٢.
(٤) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٨، ص: ٤٤، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٣، ص: ٢٦٢.
(٥) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ٨، ص: ٤٤، وميزان الاعتدال للذهبي ج: ٣، ص: ٢٦٢.
(٦) الجرح والتعديل، ج: ٦، ص: ٢٣٠، وانظر، سير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ١٠، ص: ٢١، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ٣، ص: ٢٦٢، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ٨، ص: ٤٣.
(٧) الرازي، الجرح والتعديل، ج: ٦، ص: ٢٣٥ - ٢٣٦، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ٨، ص: ٤٣.
عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية.»(١) .
روي الحديث في هذه السلسلة عن (بقية بن الوليد)، وهو ليس بأحسن حالاً من الرواة الذين سبقوه، واليك - أيها القارئ الكريم - بعض أقوال علماء العامة فيه:
«قال ابن عيينة: لا تسمعوا من بقية ما كانَ في سُنّة، واسمعوا منه ما كانَ في ثوابٍ وغيره»(٢) .
«وقال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، سُئل أبي عن بقية واسماعيل بن عياش، فقال: بقية أحب إليَّ، وإذا حدَّثَ عن قومٍ ليسوا بمعروفينَ، فلا تقبلوه»(٣) .
«وقال ابن أبي خَثيمة سُئل يحيى عن بقية، فقال: إذا حدَّث عن الثقات مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، وإذا ما حدَّث عن اُولئك المجهولين فلا، وإذا كنّى الرجل ولم يسمّه فليس يساوي شيئاً»(٤) .
«وقال يحيى، ولقد قال لي نُعيم يعني ابن حمّاد: كان بقية يضنُّ بحديثه عن الثقات، قال: طلبتُ منه كتابَ صفوان، فقال: كتاب صفوان؟ أي كأنه قال: - يحيى بن معين - كان يحِّدث عن الضعفاء بمائة حديث قبل أن يحدِّث عن الثقات»(٥) .
«وقال يعقوب. ويحدِّث عن قومٍ متروكي الحديث، وعن الضعفاء، ويحيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدِّث عمَّن هو أصغر منه»(٦) .
____________________
(١) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، ص: ٤٣، باب: ١٦: (حدثنا علي بن حجر حدثنا بقية بن الوليد.).
(٢) الرازي، الجرح والتعديل، ج: ٢، ص: ٣٤٥، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ١، ص: ٤٧٤، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٦، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢٠.
(٣) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٤، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢١، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٦ - ١٩٧.
(٤) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٤ - ٤٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢١، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٧.
(٥) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢١، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٧.
(٦) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢٢، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٧.
وقال أبو زرعة:.فأمّا في المجهولين فيحدِّث عن قومٍ لا يُعرفونَ ولا يضبطون»(١) .
«وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به»(٢) .
«وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته عن الثقات»(٣) .
«وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: روى بقية عن عبد اللّه بن عمر مناكير»(٤) .
«وقال الجوزقاني في كتاب (الموضوعات) تأليفه: ضعيف الحديث لا يُحتج به«(٥) .
«وقال الجوجزاني: رحم اللّه بقية ما كانَ يبالي إذا وَجَدَ خرافة عمَّن يأخذ»(٦) .
«وقال ابن خزيمة: لا احتج ببقية، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: توهمت انَّ بقية لا يحدِّث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدِّث المناكير عن المشاهير، فعلمتَ من أين أتى؟ قلتُ: من التدليس»(٧) .
«وقال البيهقي في الخلافيات: أجمعوا أنَّ بقية ليس بحجة»(٨) .
(وقال عبد الحق في الاحكام في غير ما حديث: بقية لا يُحتج به»(٩) .
____________________
(١) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٥.
(٢) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢٢ وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ١، ص: ٣٣٢، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٨.
(٣) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٤) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٦، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٣٠.
(٥) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ١٩٩ (الهامش).
(٦) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: ١، ص: ٣٣٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢٣، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٩ (الهامش).
(٧) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٦، وميزان الاعتدال للذهبي، ج: ١، ص: ٣٣٢. وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٧ (الهامش).
(٨) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٧.
(٩) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢٨.
وجاءَ في (ميزان الاعتدال) وغيره:
«وقال ابن القطان: بقية يدلِّس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا إن صحَّ مفسد لعدالته»(١) .
فقال (الذهبي) معلِّقاً على هذا القول:
«قلتُ: نعم، واللّه صحَّ هذا عنه، انَّه يفعله، وصحَّ عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعة كبار فعله، وهذه بلية منهم. »(٢) .
وقال (الخطيب) في (تاريخ بغداد):
«وقدم بقية بغداد، وفي حديثه مناكير إلا انَّ أكثرها عن المجاهيل»(٣) .
«وقال غير واحدٍ انَّه كان مدلِّساً، فإذا قال عن، فليس بحجة»(٤) .
«وقال أبو أيوب القيرواني: يروي عن كثير من الضعفاء والمجهولين»(٥) .
وفي (سير أعلام النبلاء): «وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: لا أحتج ببقية»(٦) .
وفيه أيضاً: «وحاصل الأمر انَّ لبقية عن الثقات أيضاً ما يُنكر وما لا يُتابع عليه»(٧) .
«وقال أبو مسهر: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية»(٨) .
____________________
(١) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: ١، ص: ٣٣٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢٨، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ٢٠٠ (الهامش)، وتهذيب التهذيب للعسقلاني، ج: ١، ص ٤٧٧.
(٢) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: ١، ص: ٣٣٩.
(٣) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج: ٧، ص: ١٢٣.
(٤) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: ١، ص: ٢٣١.
(٥) جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج: ٤، ص: ١٩٩، (الهامش).
(٦) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٨، ص: ٥٢٣.
(٧) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج: ٨، ص: ٥٢٧.
(٨) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ٤٧٦، الجرح والتعديل للرازي، ج: ٢، ص: ٤٣٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ج: ٨، ص: ٥٢٣، وتاريخ بغداد للبغدادي، ج: ٧، ص: ١٢٤، وتهذيب الكمال للمزي، ج: ٤، ص: ١٩٨.
وبهذا فانَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) حديث ساقط عن الاعتبار سندياً، وأقرب الظن أنَّه حديث مختلق، وليس له أصل مطلقاً، وقد نُسب إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كذباً وزوراً، وقد رأينا ضعف جميع أسانيده المذكورة في أكثر الكتب إعتباراً لدى أبناء العامة، وبهذا فهو لا يمتلك أية قيمة علمية للتعويل عليه.
ب - انتهاء اسانيد الحديث جميعاً إلى راوٍ واحد
إنَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ينتهي بجميع أسانيده المتقدمة إلى رجلٍ واحد وهو (العرباض بن سارية)، فيكون من أخبار الآحاد التي يمكن أن تكون معتمدة بشكل أساسي في مجمل القضايا الشرعية، وخصوصاً القضايا العقائدية الحساسة.
ج - اشتراك مضمون الحديث مَعَ أحاديث اُخرى مقطوعة الوضع
اضافةً إلى ما تقدم من ضعف سند حديث (سنة الخفاء الراشدين)، وكونه من أخبار الآحاد، فانَّ هناك ملاحظات وإشكالات في داخل الحديث توجب الريبة في الحديث وعدم الاطمئنان والركون إليه، وانَّه قد تعرض إلى شرائط مطلقة لا يمكن قبولها على ما هي عليه، إلا إذا ضممنا إليها الأدلة المخصصة الاُخرى، ونحن نحتمل نتيجةً لهذه الملاحظات انَّ بعض فصول الحديث على أقل تقدير قد وضعت من قبل الساسة الحاكمين في العصور المتأخرة عن صدر الاسلام، وفي بداية أمر تدوين الحديث، من أجل تبرير تلاعب اُمراء الجور، وولاة السوء بشؤون المجتمع، ومقدَّرات الشعوب، وبقائهم على كرسي الحكم وسدة السلطان. هذا من جانب.
ومن جانب آخر نرى انَّ الغاية من وضع هذهِ الأحاديث كان تهدف إلى ضرب
مدرسة أهل البيتعليهمالسلام التي كانت تعلن رفضها بكل قوة وصراحة لألوان الجور والاضطهاد، وتشجب حكومات الجهل والضلال، وتدعو إلى العودة إلى رسالة الدين الحنيف، وقيم الاسلام وتعاليمه، واعتماد كتاب اللّه تعالى، وسنة رسوله الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم منهجاً للحكم وإدارة شؤون الحياة.
فالملاحظ أنَّ صدر الحديث يأمر المسلمين بالسمع والطاعة على نحو الاطلاق، ولأي متصدٍّ كان، ومن دون أن يفترض فيه أية صفة أو خصوصية أو كفاءة تُذكر، ومن دون أن تُبيَّن الضابطة التي تمَّ بموجبها تقدُّم هذا المتصدي إلى مركز الحكم والقرار، وتفويض اُمور العباد إليه.
بل والذي يظهر من التأمل في سياق حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، ومن خلال النظر في أحاديث اُخرى تشترك معه في لحن الخطاب، وطريقة التعبير، انَّ المقصود من الاطاعة المذكورة في هذا الحديث تعني الاطاعة والانقياد، إلى أي حاكمٍ أو والٍ، تمكن أن يصل إلى مركز الحكم، واستطاع أن يتلبَّس بهذا العنوان، حتى وإن كان ذلك الحاكم فاسقاً فاجراً جائراً، فقد جاءَ في صدر الحديث: «اوُصيكم بتقوى اللّه والسمع والطاعة وإن كانَ عبداً حبشيّاً».
وقد تكررت نفس هذهِ اللهجة في أحاديث اُخرى مقطوعة الوضع، مما يدل على انَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) يشترك معها في ذات الأهداف، وعين الغايات المقصودة.
وليسَ غريباً أن نجد مثل هذا الحديث في كتب أبناء العامة ومصادرهم الحديثية، لانّا نرى بأنَّ أوثق المصادر المعتمدة لديهم طافحة بمثل تلك الاحاديث، وقد ضمت بين دفتيها عشرات الأحاديث الموضوعة التي تشير إلى نفس المعنى الذي نتحدث عنه.
واليكَ - أيها القارئ الكريم - بعض الاحاديث التي وردت في المصادر الموثوقة والمعتبرة لدى أبناء العامة، والتي تأمر المسلمين بطاعة الولاة والحكام بشكل مطلق، أو
إطاعتهم وإن كانوا فاسقين فاجرين جائرين، والسكوت عن مساوئهم وجرائمهم بحق الناس والدين:
١ - روي عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في (صحيح مسلم): «إنَّ خليلي أوصاني أن أسمعَ وأطيعَ وإن كان عبداً حبشياً مجدَّعَ الأطراف»(١) .
٢ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في (مسند أحمد): «اسمع وأطع ولو لحبشي كأنَّ رأسَه زبيبة»(٢) .
٣ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في (صحيح البخاري): «مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فانَّه ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبراً فيموت، إلا ماتَ ميتة جاهلية»(٣) .
٤ - وروي عن ابن سلام عن حذيفة بن الميان في (صحيح مسلم) قال: «قلتُ: يا رسول اللّه إنّا كنّا بشرّ، فجاءَ اللّهُ بخيرٍ فنحنُ فيه، فهل من وراء هذا الخيرِ شرّ؟ قال: نعم، قلت: هل وراءَ ذلك الشرِّ خيرٌ؟، قال: نعم، قلت: فهل وراءَ ذلك الخيرِ شرٌّ؟، قال نعم، قلت: كيف؟، قال: يكونُ بعدي أئمةٌ لا يهتدونَ بهداي، ولا يستنونَ بسنتَّي، وسيقومُ فيهم رجالٌ، فلوبهُم قلوبُ الشياطين في جثمانِ إنس، قلتُ: كيف أصنعُ يا رسولَ اللّه إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: تَسمعُ وتطيعُ للأمير، وانٌ ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع»(٤) .
٥ - وروى عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في (صحيح مسلم) أيضاً أنه قال: «مَن كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فانَّه ليس أحدٌ من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا ماتَ ميتةً جاهليةً»(٥) .
____________________
(١) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٢٥.
(٢) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٣، ص: ١٧١.
(٣) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٨، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للامام، ح: ٢، ص: ١٠٥.
(٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٣٨.
(٥) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٤٠، وانظر: سنن الدارمي، ج: ٢، ص: ٣١٤، ح: ٢٥١٩.
٦ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «.فانَّ من طاعة اللّهِ أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا امراءَكم، وإن صلّوا قعوداً صلّوا قعوداً»(١) !
٧ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «اعبدوا اللّهَ ولا تشركوا به شيئاً، وأطيعوا مَن ولاه اللّهُ أمرِكم، ولا تُنازِعوا الأمرَ أهلَه، وإنْ كانَ عبداً أسودَ»(٢) .
٨ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا أبا هريرة! لا تلعنِ الولاةَ، فانَّ اللّهَ تعالى أدخلَ جهنَّمَ اُمةً بلعنهِم ولاتَهم»(٣) .
٩ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «اسمعوا وأطيعوا فانّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم»(٤) .
١٠ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أطع كلَّ أمير، وصلِّ خلقَ كلِّ إمام، ولا تسبنَّ أحداً من أصحابي»(٥) .
١١ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «صلّوا خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجر، وصلّوا على كلِّ بَرٍّ وفاجر، وجاهدوا مَعَ كلِّ بَرٍّ وفاجر»(٦) .
١٢ - وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تسبُّوا السلطانَ فانَّه ظلُّ اللّهِ في أرضه»(٧) !
وقد جاءَ في بعض ألفاظ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ما نصه: «.فانّما المؤمن كالجمل الانف، حيثما انقيد انقاد»(٨) .
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤٣٧٤، ص: ٧٨٢.
(٢) الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق، حمدي عبد المجيد السلفي، ج: ١٨، رقم: ٦٢١، ص: ٢٤٨، وكنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤٣٩٦، ص: ٧٩٠.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح ١٤٣٨٢، ص: ٧٨٥.
(٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٢٦، وكنز العمال للهندي، ج: ٦، ح: ٤٧٩٦، ص: ٤٩.
(٥) الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، ج: ٢٠، رقم: ٣٧٠، ص: ١٧٣.
(٦) علاء الدين الهندي، كنز العمال، كنز العمال، ج: ٦، ص: ٥٤، ح: ١٤٨١٥.
(٧) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٦، ح: ١٤٨٦٨، ص: ٦٦.
(٨) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: ٤، ح: ١٦٦٩٢، ص: ١٢٦.
فالرواية تجعل المؤمن الذي يُراد له أن يكون مستخلفاً على هذهِ الأرض ووارثاً لها كالجمل الذلول، الذي لا يملكُ من أمرِه شيئاً، ولا يجد من الانصياع والانقياد بُدّاً!!
وفي اعتقادنا أنَّ هذا مؤشر آخر يؤيد ما ذكرناه من احتمال الوضع في بعض فصول الحديث على أقل تقدير، إذ إنَّ من الاستحالة بمكان أن يتفوه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا اللون من الأحاديث، التي تأمر بالسمع والطاعة لكل حاكمٍ وأمير، لأنَّ في ذلك هدماً واضحاً لدعائم الدين، وخلافاً صريحاً لجميع اُسسه ومبادئه، وتقويضاً من رأس لمرتكزاته وأركانه، فكيف يمكن أن توضع مقاليد الحكم طوعاً بيد المتجبرين الذين كافحت الأديان والرسالات السماوية في سبيل استئصالهم، وقلع وجودهم من الجذور؟ وما معنى إقامة العدل والحكم به، الذي أمرت الشريعة به بشكل صريح، وحذَّرت من مخالفته؟ وما هي فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما معنى كلمة الحق عند سلطانٍ جائر؟ وما المغزى من حرمة معونة الظالمين ولو بشقِّ كلمة؟
جاءَ في (الجامع الصحيح) عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعفُ الايمان»(١) .
وجاءَ في (التاج الجامع للاصول):
«عن طارق بن شهابرضياللهعنه ، انَّ رجلاً سأل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد وَضَع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائر»(٢) .
وجاءَ في (كنز العمال):
«أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطانٍ جائر»(٣) .
____________________
(١) ابن مسلم، الجامع الصحيح، ج: ١، ص: ٥٠، وكنز العمال للهندي، ج: ٣، ح: ٥٥٢٤، ص: ٦٦.
(٢) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول، ج: ٣، ص: ٥٣، باب: الاخلاص للأمير.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ٥٥١١، ص: ٦٤.
ومما يثير فيكَ العجب انَّ نفس هؤلاء الذين يروون أحاديث السمع والطاعة للبرِّ والفاجر، يروون أيضاً عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما يناقض هذا الأمر تماماً، ويعقِّب شراح الحديث بعد ذلك بقولهم (واللّه تعالى أعلم)، ولا يكلِّفون أنفسهم برفع هذا التهافت، الذي أصبح مثاراً للجدال، وبلاءً على الأجيال!
فلننظر إلى مجموعة من هذهِ الاحاديث، لنرى انّها رويت في نفس المصادر والكتب السابقة، ونقف على التناقض الفاضح الذي وقعت فيه هذهِ الروايات:
١ - جاءَ في (التاج الجامع للاصول) عن صحيحي (النسائي) و(الترمذي):
«.وعن كعب بن عجزةرضياللهعنه قال: خرج علينا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونحن تسعة، فقال: انَّه سيكون بعدي أُمراء مَن صدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّي ولستُ منه، وليسَ بواردٍ عليَّ الحوض، ومَن لم يصدِّقهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد عليَّ الحوض، رواهما النسائي والترمذي. واللّه تعالى أعلى وأعلم»(١) .
٢ - وجاءَ في كلٍّ من (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) و(سنن ابن ماجة) و(سنن الترمذي) عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ وكره، إلا أن يؤمرَ بمعصية فلا سَمع ولا طاعة»(٢) .
٣ - وفي (سنن ابن ماجة): «وعن عبد اللّه بن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: سَيلي اُموركم بعدي رجال يطفئونَ السنّة، ويعملونَ بالبدعة، ويؤخرونَ الصلاةَ عن مواقيتها، فقلتُ: يا رسولَ اللّهٌ إنادركتهم كيفَ أفعل؟ قال: تسألني يابن اُم عبدٍ كيفَ
____________________
(١) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول، ج: ٣، ص: ٥٣، باب: الاخلاص للأمير.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٨، كتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للامام، ص: ١٠٥ - ١٠٦، ح: ٣، وصحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٣٢٦، وسنن ابن ماجة، ج: ٢، باب: الجهاد، ص: ٩٥٦، ح: ٢٨٦٤، وسنن الترمذي، ج: ٤، ح: ١٧٠٧، ص: ١٨٢.
تفعل؟ لا طاعةَ لمن عصى اللّه»(١) .
٤ - وفي (كنز العمال) عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال: «لا ينبغي لنفس مؤمنةٍ ترى مَن يعصي اللّهَ، فلا تنكر عليه»(٢) .
٥ - وفيه عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق»(٣) .
٦ - وفيه أيضاً عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «سيصيب اُمتي في اخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم، لا ينجو فيهم إلا رجل عرف دين اللّه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق»(٤) .
٧ - وفيه أيضاً عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا أبا هريرة: لا تدخلنَّ على أميرٍ وإن غُلبتَ على ذلك، فلا تجاوز سنتي، ولا تخافنَّ سيفه وسوطه، أنْ تأمره بتقوى اللّه وطاعته، يا أبا هريرة! إن كنتَ وزيرَ أمير، أو مشيرَ أمير، أو داخلاً على أمير، فلا تخالفنَّ سنَّتي ولا سيرتي، فانَّ مَن خالفَ سنتي وسيرتي، جيء به يوم القيامة، تأخذه النار من كل مكان، ثم يصيرُ إلى النار»(٥) .
٨ - وفيه أيضاً عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إحذروا على دينكم ثلاثة: رجل آتاه اللّه القرآن، ورجل آتاه اللّه سلطاناً، فقال مَن أطاعني فقد أطاعَ اللّه، ومَن عصاني فقد عصى اللّه، وقد كذبَ، ولا يكون لمخلوق خشية دونَ الخالق.»(٦) .
٩ - وفي (الدر المنثور) عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال: «إنَّ رحى الاسلام ستدور، فحيثما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرَّقا، انَّه سيكون
____________________
(١) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ٢، ح: ٢٨٦٥، ص: ٩٥٦، وانظر: كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤٤١٣، ص: ٧٩٧، ج: ٦، ح: ١٤٨٨٩، ص: ٧٠، وح: ١٤٩٠٧، ص: ٧٦.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ٥٦١٤، ص: ٨٥.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٦، ح: ١٤٨٧٢، ص: ٦٧، وانظر: مسند أحمد، ج: ١، ح: ١٠٩٨، ص: ١٣١.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ٨٤٥٠، ص: ٦٨٢.
(٥) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٣، ح: ٨٤٧٣، ص: ٦٨٩.
(٦) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤٣٩٩، ص: ٧٩٢.
عليكم ملوك، يحكمون لكم بحكم، ولهم بغيره، فان أطعتموهم أضلّوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: يا رسولَ اللّه فكيف بنا إن أدركنا ذلك؟ قال: تكونوا كأصحاب عيسىعليهالسلام نُشروا بالمناشير، ورُفعوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية»(١) .
____________________
(١) جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج: ٢، ص: ٣٠١.
الطريق الثاني : الخلفاء الراشدون هم أئمة أهل البيت
لو سلَّمنا جدلاً صدق حديث (سنة الخلفاء الراشدين) وصحته، ولم نتمسك بما أقمناه من قرائن سابقة على ضعفه، وكونه حديثاً موضوعاً، فانّا نرفض أن يكون المقصود من (الخلفاء الراشدين) الوارد ذكرهم في الحديث هم الخلفاء الأربعة الذين تولّوا الحكم الاسلامي بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالترتيب ومنهم أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وانَّما المقصود من (الخلفاء الراشدين) في الحديث - على فرض صدقه وصحته - هم أئمة أهل البيتعليهمالسلام الذين ورد النص الشرعي الصريح بشأنهم، من خلال مجموعة من الآيات الكريمة، والاحاديث المتواترة الصحيحة، والذين عيَّنهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خلفاء على الاُمة من بعده، واُمناء على وحي اللّه ورسالته.
وسوف نقتصر علي ذكر خمسة أدلة تثبت هذا المطلب، وتدل عليه:
أدلّة ومؤيدات
الدليل الاول : الامام عليعليهالسلام يرفض المبايعة على سيرة الشيخين.
الدليل الثاني : الخلاف بين الخلفاء الأربعة يناقض الأمر باتباعهم جميعاً.
الدليل الثالث : إرادة الخلفاء الأربعة في الحديث تتنافى مَعَ إنكار العامة لوجود النص.
الدليل الرابع : حجم الحديث لا يتناسب مَعَ موقع الخلافة وأهميتها في الاسلام.
الدليل الخامس : أئمة أهل البيتعليهمالسلام خلفاء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بنصٍ منه.
ونحن نعتقد بأنَّ عناوين هذهِ الأدلة لوحدها كافية في صرف الحديث من الدلالة على الخلفاء الاربعة إلى حيث الانطباق على أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، ولكن لمزيد من التوضيح سوف نبسط الكلام فيها بشيء من التفصيل.
١ - الامام عليعليهالسلام يرفض المبايعة على سيرة الشيخين
اتفق مؤرخو الاسلام قاطبةً على انَّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام رفض قبول البيعة بعد مقتل (عمر)، حينما طلبَ منه عبد الرحمن بن عوف أن يبايع على كتاب اللّه وسنة نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة الشيخين، فأصرَّ أمير المؤمنين عليعليهالسلام على خذف الشق الثالث، وأبى إلا أن يبايع على كتاب اللّه وسنة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لانَّه يرى انَّ سيرة الشيخين لا تمثل مصدراً من مصادر التشريع الاسلامي المقدَّس.
جاءَ في تاريخ (الطبري) وبقية تواريخ الاسلام:
«فقال عبد الرحمن: إنّي قد نظرتُ وشاورتُ، فلا تجعلُنَّ أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً، ودعا علياً فقال: عليكَ عهد اللّه وميثاقه لتعملنَّ بكتاب اللّه وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال: نعم، فبايعه فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتُم فيه علينا، فصبر جميل، واللّه المستعان على ما تصفون، واللّه ما ولَّيت عثمان إلا ليردَّ الامرَ اليكَ.»(١) .
ونتيجة لهذا الاصرار المتناهي من قبل أمير المؤمنينعليهالسلام على رفض البيعة
____________________
(١) ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج: ٣، ص: ٢٩٧، وابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج: ٣،، ص: ٧١، وابن كثير، البداية والنهاية، ج: ٧، ص: ١٦٥، والذهبي، تاريخ الاسلام، ج: ٣، ص: ٣٠٥، وفيهما: «هل أنتَ مبايعي على كتاب اللّه وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلكَ وطاقتي».
بشرط قبوله بالعمل على سيرة الشيخين، والموقف الحازم الذي لم يتزعزع أمام الملك والخلافة، حدثَ انعطاف كبير في تاريخ الاُمة الاسلامية بتولية (عثمان بن عفان)، وانتهاء أمر خلافته إلى ما سجَّله التأريخ من مآسٍ وكوارث ومحن وأشجان.
فرفضُ أمير المؤمنين عليعليهالسلام للعمل على ضوء سيرة الشيخين أدل دليل على عدم إرادة الخلفاء الاربعة من لفظة (الخلفاء الراشدين) الواردة في الحديث، لأنَّ معنى ذلك أن الشريعة الاسلامية تأمر المسلمين بالجمع بين المتناقضات، وهو أمر مستحيل.
٢ - الخلاف بين الخلفاء الأربعة يناقض الأمر باتباعهم جميعاً
حصلت خلافات حادة بين الخلفاء الأربعة المدّعى حديث (سنة الخلفاء الراشدين) لهم جميعاً، وعلى حدٍّ سواء، وكانت الدرجة التي تبلغها بعض هذهِ الخلافات درجة لا تقبل إمكانية الجمع بين الآراء، والتماس المبررات والأعذار، لانَّها تناولت قضايا دينية مصيرية تتعلق بأصل التشريع والسنة النبوية الشريفة، فلو كان الخلفاء الأربعة بمجموعهم يمثلون مصدراً من مصادر التشريع على ما يدَّعى استفادته من حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، لما أمكننا أن نتصور وقوع الاختلاف في أمر التشريع ومتعلقاته بأبسط صوَرِهِ وأنحائه، فضلاً عن وقوعه بالدرجة التي لا تقبل الجمع والتلفيق.
وسوف نستعرض بعض النماذج لصور الخلافات في اُصول التشريع والاُمور الدينية الحساسة التي وقعت بين الخلفاء الأربعة على مستويين:
المستوى الاول : الخلافات التي وقعت بين أبي بكر، وعمر، وعثمان من جهة، وبين أمير المؤمنين عليعليهالسلام من جهة اخرى.
المستوى الثاني : الخلافات التي وقعت بين كلٍّ من أبي بكر، وعمر، وعثمان.
وهناك مستوىً ثالث للخلاف يسير بنفس الاتجاه، ويبطل دعوى انطباق
حديث(سنة الخلفاء الراشدين) على (الخلفاء الأربعة) جميعاً، وهو الخلاف الواقع بين أبي بكر، وعمر، وعثمان من جهة، وبين علماء العامة ومحققيهم من جهة اُخرى في الكثير من اُمور التشريع، وهذا ما لا يسعنا الخوض فيه ضمن دراستنا هذهِ ولذا فسوف نقتصر على ذكر بعض النماذج البارزة لصورتي الخلاف الاُوليتين، ونعتقد انَّ فيهما الكفاية للدلالة على المقصود.
أ - الخلاف بين عليعليهالسلام والخلفاء الثلاثة
وقعت بين أمير المؤمنينعليهالسلام وبين الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه خلافات تتعلق باُصول التشريع ومبانيه، مما لا يمكن بشأنه القول بأنَّ الجميع يمثل السنة، ويحكي التشريع، وأبرز هذهِ الخلافات هي:
*ما مَّر معنا سابقاً من أنَّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام قد نهى المسلمين عن إقامة صلاة (التراويح)، عندما سألوه أن ينصب لهم إماماً لأدائها، وعرَّفهم بانَّ ذلكَ خلافٌ لسنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسيرته الثابتة، وقد قالعليهالسلام في ذلك:
«واللّهِ لقد أمرتُ الناسَ أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم انَّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهلَ الاسلام غُيِّرت سنة عمر! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً.»(١) .
فمن الواضح أنَّ رسول اللّه لو كانَ قد أمَرَ المسلمين باتّباع سنة الخلفاء الأربعة، وانّ سنة كلِّ واحدٍ منهم مرضية بالنسبة إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومجزئةَ للمسلمين، لما كان هناك داعٍ لأن يردعَ أميرُ المؤمنين عليعليهالسلام عن سنة عمر السابقة، ويعتبرها من البدع المخالفة لسنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(١) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: ٥، ح: ٤، ص: ١٩٣.
*ما ورد من أنَّ امير المؤمنين علياًعليهالسلام قد خالف رأي عمر وعثمان في شأن متعة الحج، حيثُ قال عمر وعثمان بعدم جوازها، وشرَّعا تحريمها، وعدم جواز وصلها بالحج، وأمّا أمير المؤمنين عليعليهالسلام فقد قال بجوازها، وجواز الجمع بينها وبين الحج، ومن ثمَّ فقد جسَّد عليعليهالسلام هذهِ المخالفة عملياً، ليثبت أنَّ سنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحق أن تُتَّبع.
والملاحظ أنَّ عمر هو الذي نهى عن متعة الحج باجتهاده الشخصي، وتبعه على ذلك عثمان أيضاً، ولم يكن عليعليهالسلام يرضى ذلك، وكانَ يبيِّن للناس انّ هذا العمل خلاف السنة النبوية الثابتة، وانَّ النهي عن متعة الحج (بدعة) حدثت في الدين من بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وبناءً على الضوابط التي طالعناها سابقاً في بحث (البدعة) من دراستنا هذهِ، نستطيع أن نكتشف بسهولة أنَّ نهي عمر وعثمان عن متعة الحج داخل في عداد (الابتداع)، وخصوصاً إذا رأينا انَّ عمر بنفسه يصرّح بأنَّ هذا العمل كانَ موجوداً على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وانَّه هو الذي رأى أن ينهى عنه، مبرراً ذلك برأيه واجتهاده الشخصي، وكأنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حينما شرَّع (متعة الحج) لم يكن ملتفتاً إلي هذهِ النكتة، وهذا التبرير، فاستدرك عليه عمر، وتلافى الأمر من بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
جاءَ في (كنز العمال) ما نصُّه:
«عن عمر قال: متعتان كانا على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنهى عنهما واُعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج»(١) .
وفيه أيضاً: «عن أبي قلافة انَّ عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنا أنهى عنهما، وأضربُ فيهما»(٢) !!
وعن جابر قال: «تمتعنا متعة الحج، ومتعة النساء على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٦، ح: ٤٥٧١٥، ص: ٥١٩.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٦، ح: ٤٥٧٢٢، ص: ٥٢١.
كان عمر نهانا، فانتهينا»(١) .
وعن أبي نضرة قال: «سمعتُ عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن الزبير ذكروا المتعة في النساء والحج، فدخلتُ على جابر بن عبد اللّه، فذكرتُ له ذلك، فقال: أما انّي قد فعلتهما جميعاً على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم نهانا عنهما عمر بن الخطاب، فلم أعد»(٢) .
وعن سعيد بن المسَّيب: «انَّ عمر بن الخطاب نهى انَّ المتعة في أشهر الحج فقال: فعلتُهما مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنا أنهى عنهما، وذلكَ أنَّ أحدكم يأتي من اُفقٍ من الآفاق شعثاً نصباً معتمراً في أشهر الحج، وانَّما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته، ثم يقدم فيطوف بالبيت، ويحلّ ويلبس ويتطيَّب، ويقع على أهله إن كانوا معه، حتى إذا كان يومَ التروية أهلَّ بالحج، وخرج إلى مني يلبّي بحجة لا شعثَ فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوماً.
والحج أفضل من العمرة، لو خلَّينا بينهم وبينَ هذا، لعانقوهنَّ تحتَ الأرائك، من أن أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع، وانّما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم»(٣) .
وجاءَ في (صحيح مسلم):
«وعن أبي موسى الاشعري انَّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدكَ ببعض فتياكَ، فانك لا تدري ما أحدثَ أمير المؤمنين في النسك بعدَكَ، حتى لقيته بعد فسألته، فقال عمر: قد علمتُ أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فَعَلَه وأصحابه، ولكنّي كرهتُ أن يظلّوا بهنَّ معرِّسين تحت الارائك، ثم يروحونَ بالحج تقطر رؤوسُهم»(٤) .
وقد كان أمير المؤمنين عليعليهالسلام يستفرغ وسعه في الردع على هذهِ (البدعة)،
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٦، ج: ٤٥٧٢٠، ص: ٥٢٠.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٦، ح: ٤٥٧٢٤، ص: ٥٢١.
(٣) أبو نعيم الاصفهاني، حلية الاولياء وطبقات الأصفياء، ج: ٥، ص: ٢٠٥ - ٢٠٦، وانظر: علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٢٤٧٧، ص: ١٦٤.
(٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ٨، كتاب الحج، باب: جواز تعليق الاحرام، ص: ٢٠١، وانظر: كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٢٤٧٨، ص: ١٦٥.
ويعلن خلافه الصريح لما أحدثه عمر وعثمان، وهذا الردع يكشف لنا أيضاً عن استحالة صدور الأمر من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم باتّباع سنة الخلفاء الأربعة على النحو المزعوم.
جاءَ في (صحيح البخاري):
«عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمانَ وعلياً رضي الله عنهما، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يُجمع بينهما، فلما رأى عليعليهالسلام أهلَّ بهما: لبيكَ بعمرةٍ وحجة، قال: ما كنتُ لأدعَ سنة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لقول أحد»(١) .
وفيه أيضاً:
«عن سعيد بن المسيَّب قال: اختلفَ علي وعثمان رضي الله عنهما وهما بعُسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلى أن تنهى عن أمرٍ فعله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: فلما رأى ذلكَ عليٌّ أهلَّ بهما جميعاً»(٢) .
ووردَ في (صحيح مسلم):
«كانَ عثمان ينهى عن المتعة، وكانَ عليٌّ يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمةً، ثم قال علي: لقد علمتَ أنّا تمتعنا مَعَ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: أجل ولكنّا كنّا خائفين»(٣) !
وفيه أيضاً:
«اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعُسفان، فكانَ عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم تنهى عنه، فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَكَ، فلّما أن رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعاً»(٤) .
وفي (سنن النسائي):
«حجَّ عليٌّ وعثمان، فلمّا كنا ببعض الطريق، نهى عثمان عن التمتع، فقال علي: إذا
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ص: ١٥١، باب: التمتع والاقران.، ح: ٣.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ح: ٩، ص: ١٥٣.
(٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ٨، ص: ٢٠٢، وانظر: كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٢٣٨٨، ص: ١٦٨.
(٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ٨، ص: ٢٠٢، وانظر: كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٢٤٨٦، ص: ١٦٧.
رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا، فلبّى عليٌّ وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال عليعليهالسلام : ألم اُخبر انكَ تنهى عن التمتع؟ قال: بلى، قال له عليعليهالسلام : ألم تسمع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم تمتع، قال: بلى»(١) .
فنرى أنَّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام في هذا الحديث هو الذي يبادر بسؤال عثمان عن تحريمه لعمرة الحج، ثم ينتزع منه اعترافاً وإقراراً بوقوعهما في زمن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي ذلك أبلغ الحجج وأتم البراهين.
*ما وردَ من انَّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام قد خالف رأي عمر في تحريم متعة النساء، واعتبر ذلك التحريم من (البدع) المخالفة للسنة النبوية الثابتة، وقد اعترف عمر بنفسه في كلامه السابق الذي رواه أبناء العامة عنه في كتب الحديث بأنه هو الذي بادر إلى التحريم، وانَّ متعة النساء كمتعة الحج كانت على زمن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد تقدَّمت الاشارة إلى بعض الاحاديث في النموذج السابق، وروى (القوشجي) - وهو من أئمة المتكلمين على مذهب الاشاعرة - عن عمر أيضاً انه قال:
«ثلاث كنَّ على عهدِ رسول اللّه، وأنا انهى عنهنَّ واُحرمهنَّ، واُعاقب عليهنَّ، متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل»(٢) .
فقول عمر (كنَّ على عهد رسول اللّه)، ثم قوله بعد ذلك (وأنا أنهى عنهنَّ واُحرمهنَّ، واُعاقب عليهنَّ)، تشريع إبتدائي، وإحداث أمرٍ في الدين من دون أن يكون له أصل فيه، وهو من أصدق مصاديق (الابتداع).
بل نرى أنه قد وضَع نفسه في موضع لم يكن رسول اللّه على عظمته وجلالة قدره ليضع نفسه فيه، حيث يقول اللّه عزَّ وجلَّ في شأنه:
____________________
(١) النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي، ج: ٥، باب: التمتع، ص: ١٥٢، وانظر: كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٢٤٨٣، ص: ١٦٦.
(٢) عبد الحسين شرف الدين، النص والاجتهاد، ص: ٢٠٦، عن شرح التجريد للقوشجي، في أواخر بحث الامامة.
( وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوَى* إِن هُوَ إِلا وَحيٌ يُوحى ) (١) .
ويقول:( إِن أَتَّبِعُ إِلا ما يُوحى إِلَيَّ ) (٢) .
ولم يعهد منهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال (أنا أرى) في مقابل الوحي الالهي المنزل، والشريعة السماوية الحكيمة، لأنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إن سنَّ أمراً، أو تفوَّه بقولٍ، فانَّما هو مرتبط باللّه عزَّ وجلَّ، ومنتهٍ إليه، ومأخوذٍ عنه سبحانه وتعالى، ولا يمكنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يحيد عن ذلك قيدَ شعرة مطلقاً، قال تعالى:
( وَلَو تَقوَّل عَلَينا بعضَ الأَقاوِيلِ* لأَخَذنا مِنهُ باليَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعنا مِنهُ الوَتينَ ) (٣) .
فنحن نرى انَّ عمر قد أثبت وجود (متعة النساء) في الشريعة الاسلامية، وانَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد سنّها لاُمته، ثم نرى بعد ذلكَ انَّه يرى خلافَ ذلك فيحرّمها ويحذفها من قائمة التشريع، ويعاقب من يزاولها، ويقيم عليها، فهل يمكن أن يحصل تناقض أكثر من هذا؟ حيث يتم إثبات جميع هذهِ الاُمور في الدين ثم يتم رفعها بعد ذلك بكلمةٍ واحدةٍ؟!
وهل يمكن أن يجتمع طرفا الاثبات والنفي هذان في أكثر الشرائع السماوية شمولية وهدفيةً واتساعاً؟!
ولذا نلاحظ أنَّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام كان يصرُّ على إلغاء هذا التحريم، ويبيِّن انَّ للمسلمين في تشريع (متعة النساء) مصلحةً إسلامية كبرى، تصون المجتمعات من الفساد، والانحراف، والتحلل الخُلُقي، وأنَّ هذا الحكم حكم مستمر إلى يوم القيامة كما اُريد له أن يكون كذلك من قبل صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد روى الحكم، وابن جريح،
____________________
(١) النجم: ٣، ٤.
(٢) الاحقاف، ٩.
(٣) الحاقة: ٤٤، ٤٥، ٤٦.
وغيرهما، قالوا: قال عليرضياللهعنه :
«لولا أنَّ عمررضياللهعنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي، وفي لفظٍ آخر: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطّاب: لأمرتُ بالمتعة، ثمَّ ما زنى إلا شقي»(١) .
*ما وردَ من الأخبار المقطوعة التي دلَّت على تأخّر أمير المؤمنين عليعليهالسلام عن بيعة أبي بكر، وأنَّه لم يبايعه الا مكرهاً مجبراً، فلو أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد نصَّ على وجوب اتّباع سنة الخلفاء الأربعة على ما يُدّعى استفادته من حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، لم يكن من الحري بأمير المؤمنين عليعليهالسلام أن يتأخر عن الاقدام لبيعة أبي بكر، وهو الذي يُفترض أن يكون أول المجسدين لاتّباع هذا الحديث، باعتبار انَّ أبناء العامة يجعلونه من ضمن مفرداته، وأحد الخلفاء المعنيين به!!
فتأخر أمير المؤمنين عليعليهالسلام عن بيعة أي بكر، ومبايعته أخيراً على نحو الاكراه من أجل حفظ مصلحة الاسلام العليا، دليل آخر على عدم قبوله لسنته، وبالتالي وقوع التضارب والاختلاف الذي يتنافى مَعَ إرادة سنتيهما معاً.
جاءَ في (شرح نهج البلاغة):
«ثم ينبغي للعاقل أن يفكّر في تأخّر عليعليهالسلام عن بيعة أبي بكر ستة أشهر إلى أن ماتت فاطمة، فان كان مصيباً فأبو بكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة، وإن كان أبو بكر
____________________
(١) انظر: جعفر مرتضى العاملي، الزواج المؤقت في الاسلام، ص: ٩٥، وقد خرَّجه عن: تفسير الطبري، ج: ٥، ص: ٩، وكذا مصنف عبد الرزاق، ج: ٧، ص: ٥٠٠، ومنتخب كنز العمال هامش المسند، ج: ٦، ص: ٤٠٥، وتفسير الرازي ط سنة ١٣٥٧، ج: ١٠، ص: ٥٠، والدر المنثور، ج: ٢، ص: ١٤٠، وشرح النهج للمعتزلي، ج:٢، ص: ٢٥٣، وتفسير النيسابوري هامش الطبري، ج: ٥، ص: ١٧، والجواهر، ج: ٣٠، ص: ١٤٤، عن نهاية ابن الاثير، والطبري، والثعلبي، والغدير، ج: ٦، ص: ٢٦٠ عن كنز العمال، ج: ٨، ص: ٢٩٤، وعن تفسير أبي حيان ج: ٣، ص: ٢١٨، وأبي داود في ناسخه، وبعض من تقدم، والبيان للامام الخوئي، ص: ٣٤٣ عن مسند أبي يعلى، ودلائل الصدق ج: ٣، ص: ١٠١، وتلخيص الشافي، ج: ٤، ص: ٣٢، والبحار ط قديم، ج: ٨، ص: ٢٨٦، والوسائل، أبواب المتعة، وكنز العرفان، ج: ٢، ص: ١٤٨، والكافي، ج: ٥، ص: ٤٤٨.
مصيباً فعليٌّ على الخطأ في تأخره عن البيعة وحضور المسجد»(١) .
ولا نظن انَّه يخفى على القارئ الكريم حلُّ هذهِ المعادلة، أو أنَّه يرتاب في وضوح نتيجتها!
ووردت أيضاً الوثائق التاريخية لتؤكّد عدم رغبة أمير المؤمنين عليعليهالسلام في بيعة عمر وعثمان، وانَّهعليهالسلام قد هُدِّد بالقتل إن لم يبايع عثمان، فقد جاءَ في شرح نهج البلاغة:
«روى البلاذري في كتابه عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي مخنف في إسنادٍ له: أنَّ عليّاًعليهالسلام لما بايع عبدُ الرحمن عثمانَ كانَ قائماً، فقال له عبد الرحمن، بايع والا ضربتُ عنقَكَ، ولم يكن مَعَ أحدٍ سيف غيره، فخرج علي مغضباً، فلحقه أصحاب الشورى، فقال له: بايع والا جاهدناكَ، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان»(٢) .
وفيه أيضاً عن تاريخ الطبري:
«انَّ الناس لما بايعوا عثمان تلكّأ عليعليهالسلام ، فقال عثمان:( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّما يَنكُثُ عَلى نَفسِهِ وَمَن أَوفى بِما عاهَدَ عَلَيهُ اللّهَ فَسَيُؤتيهِ أَجراً عظِيماً ) (٣) ، فرجع عليٌّعليهالسلام حتى بايعه وهو يقول: خدعة وأيُّ خُدعةٍ»(٤) .
وهذا يدل أيضاً على عدم إرتضاء أمير المؤمنين عليعليهالسلام لسيرة وسنة عثمان، فلا يمكن جعل السنتين في عرضٍ واحد.
*ما ورد على لسان أمير المؤمنينعليهالسلام من الاحتجاج في مسألة الخلافة على كلٍّ من أبي بكر وعمر وعثمان، وكونه أحق بالخلافة وولاية أمر المسلمين منهم جميعاً، وانَّه انَّما سكتَ عن حقِّه لوحدة كلمة الأمة، وحقناً لدماء المسلمين، وخوفاً من وقوع الفتنة بينهم.
____________________
(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ٢، ص: ٢٤.
(٢) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ١٢، ص: ٢٦٥.
(٣) الفتح: ١٠.
(٤) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ١٢، ص: ٢٦٥، وانظر: تاريخ الطبري، ج: ٥، ص: ٤١.
وكان أمير المؤمنين عليعليهالسلام يُعرب عن عدم ارتياحه ورضاه، وعن ألمه العميق لما صارت إليه هذه الاُمة من تياهٍ وضياع، ولما حصل فيها من تصدّع وانشقاق. ومن ذلك قولهعليهالسلام عند سماعه بنبأ الشورى التي نصَّ عليها عمر قبل وفاته:
«بايع الناس لأبي بكر وأنا واللّهِ أولى بالأمرِ منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجع الناسُ كفّاراً يضربُ بعضهم رقابَ بعضٍ بالسيف، ثمَّ بايعَ الناسُ عمر وأنا واللّهِ أولى بالامرِ منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعت مخافةَ أن يرجع الناس كفّاراً يضربُ بعضهم رقابَ بعضٍ بالسيف، ثمَّ أنتم تريدون أن تبايعوا عثمانَ، إذاً أسمعُ واطيع، إنَّ عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم، لا يعرف لي فضلاً عليهم في الصلاح، ولا يعرفونه لي، كلّنا فيه شرع سواء، وأيم اللّه، لو أشاء أن أتكلَّم ثمَّ لا يستطيع عربيُّهم ولا عجميهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك ردَّ خصلةٍ منه لفعلت.»(١) .
ومنها قولهعليهالسلام في بيان خلفيات موقفه، وأهداف سكوتهعليهالسلام :
«فأمسكتُ يدي حتى رأيتُ راجعةَ الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعونَ إلى محق دين محمدٍ، فخشيتُ إن لم أنصر الاسلامَ وأهلَه أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوتِ ولايتكم التي انَّما هي متاع أيامٍ قلائل»(٢) .
وقوله عندما انتهت إليه أنباء السقيفة:
«ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير، قالعليهالسلام : فهلاّ احتججتُم عليهم بأنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم، ويُتجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ قالعليهالسلام : لو كانت الامامة فيهم لم تكن الوصيةُ بهم، ثم قالعليهالسلام : فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجَّت بأنَّها شجرة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقالعليهالسلام :
____________________
(١) انظر الحديث بتمامه في كنز العمال، ج: ٥، ص: ٧٢٤ - ٧٢٦، ح: ١٤٢٤٣.
(٢) نهج البلاغة: الكتاب / ٦٢.
احتجّوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة»(١) .
وحسبُكَ ما في الخطبة الشقشقية من لوم وتقريع، حيث يقول أمير المؤمنينعليهالسلام في جوانب منها:
«أما واللّه، لقد تقمَّصها فلان، وانَّه ليعلم أنَّ محلي منها محلَّ القطب من الرَّحا، ينحدرُ عنّي السيلُ، ولا يرقى اليَّ الطير، فسدلتُ دونَها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقتُ أرتئي بينَ أن أصولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبرَ على طخيةٍ عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيبُ فيها الصغير، ويكدحُ فيها مؤمن حتى يلقى ربَّه!
فرأيتُ أنَّ الصبرَ على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العين قذىً، وفي الحلق شجاً، أرى تراثي نهباً، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلانٍ بعدَه، ثمَّ تمثَّل بقول الأعشى:
شتان ما يومي على كورها |
ويوم حيّان أحي جابر |
فيا عجباً!! بينا هو يستقيلُها في حياته، إذ عَقَدها لآخر بعد وفاته.».
إلى أن يقولعليهالسلام :
«فصبرتُ على طول المدّة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعةٍ زعم أنَّي أحدهم، فيا للّه وللشورى، متى اعترضَ الريبُ فيَّ مَعَ الأول منهم، حتى صرتُ اُقرن إلى هذهِ النظائر! لكنّي أسففتُ إذ أسفُّوا، وطرتُ إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومالَ الآخر لصهره، مَعَ هنٍ وهَنٍ، إلى أن قامَ ثالث القوم نافجاً حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقامَ معه بنو اُمية، يخضمونَ مالَ اللّه خضمةَ الابل نبتةَ الربيع، إلى أن انتكث عليه فتلُه، وأجهزَ عليه عملُه، وكَبَت به بطنتُه!.»(٢) .
____________________
(١) نهج البلاغة: الكلام / ٦٧.
(٢) نهج البلاغة: الخطبة / ٣.
*ما روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام أنَّهما قالا:
«حجَّ عمر أولَ سنة حجَّ وهو خليفة، فحجَّ تلكَ السنة المهاجرون والأنصار، وكان عليعليهالسلام قد حجَّ تلكَ السنة بالحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر، قال: فلمّا أحرم عبد اللّه لبس إزاراً ورداءاً ممشقين مصبوغين بطين المشق، ثم أتى فنظر إليه عمر وهو يلبّي، وعليه الازار والرداء، وهو يسير إلى جنب عليّعليهالسلام فقال عمر مِن خلفهم: ما هذه البدعة التي في الحرم؟ فالتفتَ إليه عليعليهالسلام فقال: يا عمر لا ينبغي لأحدٍ أن يعلّمنا السنة، فقال عمر: صَدَقتَ يا أبا الحسن، لا واللّه ما علمتُ أنَّكم هم»(١) .
فوقع الخلاف هنا في أصل السنة التي هي واحدة في حكم اللّه تعالى، وواقع الأمر، ومن الواضح انَّ التقابل بين كون العمل (بدعة) على ما زعمه عمر، وكونه سنة على ما أكّده أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، مما لا يتحقق بشأنه الجمع، ولا يمكن ان يُنتحل له أيُّ تخريج.
*ما رواه (ابن أبي الحديد) عن كتاب (شورى عوانة) عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال:
«فلمّا ماتَ عمر، واُدرج في أكفانه، ثمَّ وُضِع ليُصلّى عليه، تقدَّم علي بن أبي طالب، فقامَ عند رأسه، وتقدَّم عثمان فقامَ عند رجليه، فقال عليعليهالسلام : هكذا ينبغي أن تكون الصلاة، فقال عثمان: بل هكذا، فقال عبد الرحمن: ما اسرع ما اختلفتم، يا صهيب! صلِّ على عمر كما رضي أن تصلّي بهم المكتوبة»(٢) .
وهذا خلاف في أصل السنة أيضاً، ولا يمكن أن يقع من شخصين واجبي الاتّباع معاً.
____________________
(١) العياشي، تفسير العياشي، تحقيق: هاشم المحلاتي، ج:٢، ص٣٨، وانظر: بحار الانوار،ج:٩٦،ح٣، ص: ١٤٢.
(٢) محمد تقي التستري، قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ص: ٢١٠، عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
*ما رواه (ابن أبي الحديد) من انَّ عثمان قال لعليعليهالسلام في كلام دار بينهما:
«أبو بكر وعمر خير منكَ! فقال عليعليهالسلام : كذبتَ، وأنا خير منكَ ومنهما، عبدتُ اللّه قبلهما، وعبدتهُ بعدهما»(١) .
فكيف يمكن أن تكون سنة الخلفاء الأربعة واجبة الاتباع على حدٍّ سواء مَعَ هذا الترتيب الذي ذكره أمير المؤمنينعليهالسلام في كلامه، ومَعَ لحن الخطاب الصادر منهعليهالسلام !
أضف إلى كلِّ أنحاء الخلاف هذه، ما ورد في باب القضاء من هفوات خطيرة وقَعَ فيها أبو بكر وعمر وعثمان طيلة المقطع الزمني الذي مارسوا فيه الحكم، وقد تمكن أمير المؤمنين عليعليهالسلام أن يتلافى ويستدرك عليهم ما أمكنه أن يتلافاه من ذلك، حتى قال عمر مقولته المشهورة: «لولا علي لهلك عمر»(٢) ، وقال: «ما عشتُ لمعضلةٍ ليسَ لها أبو الحسن»(٣) .
ب - الخلاف بينَ الخلفاء الثلاثة
يكفينا للاطلاع الاجمالي على بعض النماذج البارزة لصور الخلاف الواقعة بين كلٍّ من أبي بكر وعمر وعثمان أن نوردَ ما ذكره (طه العلواني) في كتاب (أدب الاختلاف في الاسلام) حيث يقول ما لفظه:
«فمما اختلفَ فيه الشيخان - أبو بكر وعمر رضي الله عنهما غير ما ذكرنا. سبي أهل الردّة، فقد كان أبو بكر يرى سبي نساء المرتدين على عكس ما يراه عمر الذي نقضَ - في
____________________
(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: ٢٠، ص: ٢٥.
(٢) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٤، عن كفاية الطالب للكنجي، والغدير، ج: ٦، ص: ٩٤، وبحار الانوار، ج: ٤٠، باب: ٩٣، ح: ٥٤، ص: ١٤٩.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٤٠، باب: ٩٣، ح: ٥٤، ص: ١٤٩، والغدير، ج: ٦، ص: ١٠٣.
ولمزيد من التفصيل راجع البحث العلمي القيم الذي جاد به يراع العلامة الاميني في موسوعة الغدير، ج: ٦، باب: نوادر الأثر في علم عمر، ص: ٨٣ - ٣٢٥، وج: ٧، ص: ٧٣ - ٢٠٠، وج: ٨، ص: ٩٧ - ٢٤١.
خلافته - حكم أبي بكر في هذهِ المسألة، وردَّهنَّ إلى أهليهنَّ حرائرَ، إلا مَن ولدت لسيدها منهنَّ، ومن جملتهنَّ كانت خولة بنت جعفر الحنفية اُم محمد بن عليرضي الله عنهما.
كما اختلفا في قسمة الأراضي المفتوحة: فكان أبو بكر يرى قسمتَها، وكانَ عمر يرى وقفها ولم يقسِّمها.
وكذلكَ اختلفا في المفاضلة في العطاء، فكان أبو بكر يرى التسوية في الاعطيات، حين كان عمر يرى المفاضلة، وقد فاضَل بين المسلمين في اعطياتهم.
وعمر لم يستخلف على حين استخلفه أبو بكر، كما كان بينهما اختلاف في كثير من مسائل الفقه.»(١) .
فمن حق المرء بعد أن يطّلع على هذهِ النماذج من صور الخلاف التي وقعت تارةً بين أمير المؤمنين عليعليهالسلام من جهة، وبين كلٍّ من أبي بكر وعمر وعثمان من جهة ثانية، ووقعت تارةً اُخرى بين أبي بكر وعمر وعثمان أنفسهم. أن يتساءَل من رواد حديث (سنة الخلفاء الراشدين) والمتمسكين به، انَّه هل يمكن أن يأمر النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم اُمته بأن تأخذ بالسنة وبخلافها في وقتٍ واحد؟ وهل يعني ذلك إلا الجمع بين المتناقضين؟ وهل يمكن لنا أن نصدِّق بحديث يؤدي إلى وقوع الشريعة الاسلامية في مثل هذا التناقض الفاحش، وبين يدينا كلام اللّه الذي ينفي فيه الاختلاف والتفاوت عن التشريع، حيث يقول:
( أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ وَلَو كانَ مِن عَندِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثيِراً ) (٢) .
وفي مقابل كلِّ هذا نرى التناسق والاحكام في أقوال أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، على الرغم من اختلاف الظروف التي عاشوا فيها، والفواصل الزمنية الطويلة التي وقعت بين
____________________
(١) طه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الاسلام، ص: ٥٩ - ٦٠.
(٢) النساء: ٨٢.
بعضهم والبعض الآخر، فلو أرجعنا البصر فيما ورثناه من أحكام وتعاليم غفيرة صدرت عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، لما وجدنا أيَّ لونٍ من ألوان التفاوت والاختلاف في أقوالهم وآرائهم وسلوكهم، وهذا أدل دليل على عصمتهم وأهليتهم لتبليغ الرسالة وحماية الشرع المبين، والاستمرار على خطى الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وبما جاءَ به من قوانين وأنظمة وأحكام.
ولا غرو في ذلك إذا ما قرنهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكتابِ اللّه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في (حديث الثقلين) المتقدم الذكر. فلاَّنهمعليهمالسلام عدلاء القرآن الكريم، وقد أخبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالدليل القطعي عن اقترانهم به، وملازمتهم له إلى حين ورود الحوض. فانّا لا نجد أيَّ اختلاف في أقوالهم وأحكامهم، ونجد انَّ كلامهم المقطوع الصدور ككلام القرآن الكريم، يصدِّق بعضه البعض الآخر، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فان كان هناك خلفاء راشدون يجب أن يُتَّبعوا، وتُقتفى آثارُهم، ويُعمل بسنتهم، فهم أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، لانَّ سنتهم سنة واحدة، تكشف عن سنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتنطق بها، ولا يصح بأي حال أن يرد الأمر باتباع سنة متفرقةٍ مبعثرة مختلفة، كما لاحظناه سابقاً.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«ألا إنَّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوحٍ من قومه، مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لامتي من
____________________
(١) مستدرك الحاكم، ج: ٣، كتاب معرفة الصحابة، ص: ١٥١.
الاختلاف.»(١) .
فالأمر لا يتوقف إذن في إطار عدم وجود التفاوت والاختلاف في سنة أهل البيتعليهمالسلام فحسب، وانَّما يتعدى ذلك إلى أنَّ سنتهم ترفع أيَّ اختلاف من المفترض أن تقع فيه الامة الاسلامية، وانّها تمثل المحور الذي يجب أن يلتف حوله المسلمون، ويلجأوا إليه، عند وقوع الفتن والاختلافات فيما بينهم، لأنهمعليهمالسلام أمان الاُمة من الاختلاف، كما انَّ نجوم السماء أمان لأهل الارض من الغرق.
ويشير أمير المؤمنين عليعليهالسلام إلى أنَّ أهل البيتعليهمالسلام لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه بشكل مطلق، وأنَّهم عقلوا الدين عقل وعاية، لا عقل رواية، حيث يقولعليهالسلام :
«هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتُهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحقَّ، ولا يختلفونَ فيه، وهم دعائم الاسلام، وولائج الاعتصام، بهم عادَ الحقُّ إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانهُ عن منبته، عقلوا الدين عقلَ وعايةٍ ورعايةٍ، لا عقلَ سماع ورواية، فانَّ رواة العلم كثير، ورعاتهَ قليل»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في موضع آخر انَّه قال:
«لو اختصم إليَّ رجلان فقضيت بينهما، ثمَّ مكثا أحوالاً كثيرة، ثم أتياني في ذلك الأمر، لقضيت بينهما قضاءً واحداً، لأنَّ القضاء لا يحول ولا يزول أبداً»(٣) .
ولا نكاد نجد أنفسنا بحاجة إلي أن نطيل التأمل في هذهِ النقطة بعد أن ندرك بأنَّ كل ما يقوله أئمة أهل البيتعليهمالسلام فانما هو مستقىً من معين علم النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومأخوذ
____________________
(١) مستدرك الحاكم، ج: ٣، كتاب معرفد الصحابة، ص: ١٤٩.
(٢) نهج البلاغة: الخطبة / ٢٣٩.
(٣) محمد بن النعمان المفيد، أمالي الشيخ المفيد، ج: ٣، ص: ٢٨٧، وبحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٢، ح: ١٣ ص: ١٧٢.
من بحور معرفته.
يقول سيد الأئمة عليعليهالسلام :
«علَّمني رسول اللّه ألف باب من العلم، فَفُتح لي من كلِّ بابٍ ألفُ باب»(١) .
ويقول رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بشأن عليعليهالسلام :
«أنا مدينة العلم، وعلي بابُها»(٢) .
ويقول الامام الصادقعليهالسلام :
«حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قول اللّه عزَّ وجلَّ»(٣) .
وقد مرَّ معنا انَّ سماعة سأل الامام موسى الكاظمعليهالسلام قائلاً: أكل شيءٍ في كتابِ اللّه وسنة نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو تقولونَ فيه؟ فقالعليهالسلام :
«بل كلّ شيءٍ في كتاب اللّه وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٤) .
٣ - إرادة الخلفاء الأربعة في الحديث تتنافى مع إنكار العامة لوجود النص
بنى جمهور العامة ثقافتهم الاسلامية بما تحمله من خصوصيات وأبعاد على أساس القول بعدم وجود النص الشرعي من قبل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على الخليفة من بعده، وأشادوا كلَّ معتقداتهم وأفكارهم ورؤاهم على هذا الأساس.
____________________
(١) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، عن فتح الملك العلي للسيد أحمد المغربي، ص: ١٩، والاربعين للهروي، ص: ٤٧ (مخطوط)، وينابيع المودة للقندوزي، ص: ٧٢.
(٢) حديث متواتر اتفق على روايته الفريقان، وللتفصيل راجع: إحقاق الحق، ج: ٥، ص: ٤٦٩ - ٥٠١، وج: ١٦، ص: ٢٧٧ - ٢٩٧، وج: ٢١، ص: ٤١٥ - ٤٢٨.
(٣) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: ١٩٤.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي٧ ج: ١، باب: الرد إلى الكتاب والسنة، ح: ١٠، ص: ٦٢.
وعند القول بأنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد عيَّن أربعة خلفاء من بعدهِ، وهم أبو بكر وعمر وعثمان، وعليعليهالسلام ، أو يزيدون على ذلك كما في بعض التفاسير، وانَّهم هم المقصودون بلفظة (الخلفاء الراشدين)، وانَّ سنتهم يجب أن تُتبع، ويُعض عليها بالنواجذ، فانَّ هذا يعني وجود النص على أمر الخلافة الاسلامية بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، خصوصاً معَ ملاحظة ما يرتبونه من آثار عملية شاملة لجميع الاحكام وخصوصيات التشريع على تسليمهم لهذا الحديث، وتوجيههم لمختلف التشريعات الصادرة عن عمر وأبي بكر وعثمان عن طريق التشبث به، والتمسك بمؤداه، وهذا يعني وجود النص على الخلافة، الأمر الذي يرفضه جمهور العامة رفضاً قاطعاً.
وبعبارة اُخرى اننا مع قول العامة بعدم وجود النص على الخلافة الاسلامّية بعد الرسول، وتسليمهم لصحة هذا الحديث بين أمرين:
الأول: أن يقال بانَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد جعل الأمر مبهماً وغامضاً، ولم يوضّح مقصوده من (الخلفاء الراشدين) من بعده في هذا الحديث، فهذا ما لا فائدة فيه، وانَّ ذكره وعدم ذكره على حدٍّ سواء، ولا معنى لأن يوصي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالتمسك بسنة أشخاص مجهولين للاُمة، وغير معروفين من قبلها، وانَّ هذا مما يُنَّزه عنه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويُجلّ عن الوقوع في مثله.
ولو أنّ الأمر كان غامضاً ومبهماً لكان من الحري بمن يستمع إلى هذا الحديث أن يسأل عن المراد ب(الخلفاء الراشدين)، ويطلب من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يشخصهم ويحددهم بوضوح، والا فما فائدة ما استمع إليه من حديث، وما هو الأثر المترتب عليه.
وفي أحسن التقادير يُقال بانَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أوكل أمر تعيين هؤلاء إلى الامة من بعده، وترك عليها أمر تشخيصهم وانتخابهم، وهذا بفرض التسليم له - على أنّا لا نراه صحيحاً - معارَض أيضاً بنص أبي بكر على عمر من بعده، ووصيته عليه، والتي كانت بمحض إرادته الخاصة، ومنقوض أيضاً بجعل عمر أمر الخلافة من بعده موكولاً إلى
شورى تتردد بين ستة أشخاص من خصوص المهاجرين.
الثاني: أن يقال بأنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد عيَّن (الخلفاء الراشدين) من بعده، ونصَّ عليهم، فهو إما أن يكون في نفس الحديث، وإمّا في غيره من الاحاديث، فعلى القول بورود التعيين في نفس الحديث، فهو ما لم نجد له أثراً فيما نقلناه من نص الحديث، على أنَّ افتراض مثل هذا المعنى يصطدم بقول جمهور العامة بعدم وجود النص أيضاً، وإمّا أن يكون تعيين الخليفة وذكره بالتفصيل والتخصيص قد ورد في غير هذا الحديث، فهو مضافاً إلى كونه ينتهي إلى القول بوجود النص، ويعارض أيضاً ما ذكره جمهور العامة من عدم وجوده، يؤيد ما نقوله نحن من أنَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ينصرف إلى أئمة أهل البيتعليهمالسلام على فرض التسليم بصحة صدوره عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك لوجود الأدلة الغفيرة الاُخرى التي تفسِّر هذا اللفظ في الحديث، على ما سنأتي عليه لاحقاً إن شاءَ اللّه تعالى.
٤ - حجم الحديث لا يتناسب مَعَ موقع الخلافة وأهميتها في الاسلام
انّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، والنزر القليل المدَّعى معه في الدلالة على وجوب اتّباع سنة (الخلفاء الراشدين) على النحو المتقدم لدى أبناء العامة، لا يتناسب في حجم مؤداه مَعَ أمر الولاية الاسلامية وخطورته، إذ لا يمكن لحديث هزيل من الناحية السندية، ومبهم من الناحية الدلالية، أن يرتفع إلى مستوى تغطية هذا الأمر الحساس والوفاء به، ويكون ذريعة يتشبث بها المدافعون عن البدع والمحدثات، ويحسمون عن طريقها النزاعات التي تدور حول أكثر المفاهيم الاسلامية حساسية وخطورة.
على أنَّ قضية الخلافة الاسلامية والولاية على أمر التشريع هي أهم ما يفكّر فيه رائد إنساني مثل النبي الاكرم صلى الّه عليه وآله وسلم، الذي بُعث ليقدم للبشرية جمعاء منهجاً متكاملاً
يغطي جوانب الحياة، ويستجيب لمختلف احتياجاتها ومتطلباتها، ليودِّع اُمته بعد ذلك وهو مطمئن على سلامة ما أتى به من مبادئ وأحكام.
ولا يمكن أن يُدّعى هنا التفكيك بين مضمون الحديث الذي يُرجع الناس الى سنة الخلفاء الراشدين هنا، ويأمرهم باتباعها، ويقرنها مع سنته بالقول (سنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وتقع هذه الوصية في أواخر حياته على ما هو ظاهر الحديث. لا يمكن التفكيك بين كل ذلك وبين أمر الخلافة الاسلامية العامة، إذ انّ الخلافة بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لا تعني إلا اقامة السنة، والتصدي لبيانها ونشرها بين الناس، وهو يتضمن أمر القيادة والرئاسة العامة للمجتمع في جميع شؤونه وخصوصياته، إذ ما من واقعة إلا وللاسلام حكم شرعي وسنة واقعية ثابتة فيها، وهو الأمر الذي جسّده رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته بكل وضوح، وجَمعَ فيه بين القيادتين الروحية والسياسية للمجتمع، وحتى الواقع العملي لتطبيق العامة هذا الحديث على أبي بكر وعمر وعثمان لم يتجاوز هذه الحقيقة أو يتعداها، إذ لم يقولوا بانَّ هؤلاء كانوا خلفاء للناس في أمر الفتيا والأحكام الدينية فحسب، لانهم في الواقع قد تصدّوا إلى إدارة شؤون المجتمع سياسياً أيضاً.
على أنّ علماء العامة ومحدثيهم يروون الحشد الكبير من الروايات الدالة على استخلاف أبي بكر لعمر من بعده، وجعل عمر الخلافة من بعده في واحدٍ من ستة نفر شخَّصهم بأسمائهم، وقد طفحت كتب الحديث العامية بالأخبار التي تؤكد على أن أبا بكر وعمر لم يتركا الأمر من دون استخلاف، فكيف يمكن للنبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي اُؤتمن على أوسع الشرايع السماوية وأكثرها شمولية، أن يخرج عن السير على ضوء هذهِ القاعدة العقلائية المسلَّمة، ويتعامل مَعَ أمر الاستخلاف بهذه الطريقة المزعومة، ومن خلال حديثٍ متناقضٍ في مضمونه، ومجمل في دلالته، ويتيم في مؤداه؟!
روي انَّ أبا بكر: «دعا عثمان بن عفان فقال: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده من الدنيا خارجاً عنها، وعند أول عهده
بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدِّق الكاذب، انّي استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا.»(١) .
وروي أيضاً أن أبا بكر قال لعمر: «أدعوكَ لأمرٍ متعب لمن وُلّيه، فاتقِ اللّهَ يا عمر بطاعته، وأطعه بتقواه»(٢) .
وروي انَّ الناس قالوا لعمر عند ما دنت إليه الوفاة: استخلف، فقال «لا أجد أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عنهم راضٍ، فأيُّهم استُخلف فهو الخليفة بعدي، فسمّى علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعداً»(٣) .
وعنه انَّه قال: «وان اجتمع رأي ثلاثة ثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا»(٤) .
ولننظر إلى ما يرويه ابن عباس عن عمر حيث يقول:
«انّي لجالس مَعَ عمر بن الخطاب ذات يوم إذ تنفَّس تنفساً ظننت أنَّ أضلاعه قد تفرّجت، فقلت: يا أمير المؤمنين ما أخرجَ هذا منكَ لا شرٌّ، قال: شرٌّ واللّه، انّي لا أدري إلى مَن أجعل هذا الأمر بعدي، ثم التفتَ إليَّ فقال: لعلَّك ترى صاحبكَ لها أهلاً، فقلتُ: انَّه لأهلُ ذلكَ في سابقته وفضله، قال: انَّه لكما قلت، ولكنَّه امرؤ فيه دعابة.»(٥) .
فهل يعقل أن يفكر غير الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم في أمر الخلافة الاسلامية بهذا المستوى من التفكير المؤلم، ويترك صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم اُمته مَعَ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) الذي وقفنا على سنده ودلالته قبل قليل؟!
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤١٧٥، ص: ٦٧٤.
(٢) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤١٧٦، ص: ٦٧٧.
(٣) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤٢٤٥، ص: ٧٣٠.
(٤) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤٢٥١، ص: ٧٣٣.
(٥) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ٥، ح: ١٤٢٦٢، ص: ٧٣٧.
انَّ مَن يستعرض مفردات الشريعة الاسلامية وتعاليمها، يجد أنَّها تعطي القضايا التي تلي أمر الخلافة في الأهمية الشيء الكثير من التركيز، وتغطّيه بالعدد الغفير من الأحاديث، كيف وأمر الولاية هو الدعامة الاُولى للدين، والأساس الرئيسي الذي تُشاد عليه بقية التعاليم؟
يقول الامام الباقرعليهالسلام على ما رواه زرارة عنه:
«بُني الاسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: وأيُّ شيء من ذلكَ أفضل؟ فقالعليهالسلام : الولاية أفضل، لانَّها مفتاحهنَّ، والوالي هو الدليل عليهنَّ.»(١) .
ويقولعليهالسلام :
«بُني الاسلام على خمس، على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم ينادَ بشيءٍ كما نودي بالولاية»(٢) .
فكيف يمكن لهذا البناء الفكري الذي آمن به أبناء العامة لمئات السنين، واختطّوا نهجه، وتسالموا على تعاطيه، خلال الحقب الزمنية المتمادية. كيف يمكن لهذا البناء أن يستند إلى مثل هذه الرواية الهزيلة التي عليها من الاشكالات والنقوض ما عليها، وكيف يمكن أن يُستظهر منها الأمر بوجوب اتّباع سنه (الخلفاء الاربعة) على ما زعموا، في مقابل الحشد الكبير، والسيل المتدفق من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية المتواترة والمستفيضة التي دلَّت على إيكال أمر الولاية إلى أهل بيت العصمة والطهارةعليهمالسلام ، كآية الولاية، وآية المباهلة، وآية التطهير، وآية المودة، وآية التبليغ. وكحديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث السفينة، وحديث المنزلة. إلى غير ذلك من الأحاديث التي طفحت بها كتب الفريقين، ومما ملأ ذكرهُ الخافقَين.
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ٢، باب: دعائم الاسلام، ح: ٥، ص: ١٨.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ٢، باب: دعائم الاسلام، ح: ١، ص: ١٨.
٥ - أئمة أهل البيتعليهمالسلام خلفاء الرسول بنصٍّ منه
نَقَل أبناء العامة في مصادرهم المعتبرة أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد نصَّ على انَّ خلفاء الامة الاسلامية من بعده هم (اثنا عشر) خليفة، وانَّهم من قريش، فتكون هذهِ الأحاديث مفسِّرة للمراد من لفظة (الخلفاء الراشدين) الوارد ذكرها في حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، باعتبار انطباقها على أئمة أهل البيت صلوات اللّه عليهم أجمعين.
جاءَ في (صحيح البخاري) عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»(١) .
وفيه، وفي (سنن الترمذي) عن جابر بن سَمُرة قال:
«سمعتُ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمةً لم اسمعها، فقال أبي: انَّه قال: كلهم من قريش»(٢) .
وفي (صحيح مسلم) عن جابر بن سَمُرة قال:
«دخلتُ مع أبي على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فسمعته يقول: إنَّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة، ثم تكلّمَ بكلامٍ خفي عليَّ، قال: فقلتُ لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش»(٣) .
وفيه أيضاً عن جابر بن سَمُرة قال:
«سمعتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لا يزال الاسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمةً لم أفهمها، فقلتُ لأبي: ما قال؟ فقال كلهم من قريش»(٤) .
وفيه أيضاً عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٨، كتاب الأحكام، ح: ٤، ص: ١٠٥.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٨، كتاب الاحكام، ص: ١٢٧، وانظر: سنن الترمذي، ج: ٤، باب: ٤٦ ما جاء في الخلفاء، ح: ٢٣٢٣، ص: ٤٣٤.
(٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٠١.
(٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٠٢.
«لا يزال الاسلام عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»(١) .
وفيه أيضاً عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش»(٢) .
وقد ورد في مصادر العامة المعتبرة أيضاً علاوة على تحديد الأئمة بعددهم وانَّهم اثنا عشر خليفةً، وتحديد أصلهم وهو أنهم من قريش، من خلال أحاديث معتبرة. ورد أيضاً في مصادرهم النص على بعضهم كما جاءَ في كتاب مودة القربى انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قال للحسينعليهالسلام :
«انتَ إمام ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة، وأنت حجة ابن حجة، أخو حجة أبو حجج تسع، تاسعهم قائمهم«(٣) .
كما ورد النص على طرفي هذهِ السلسلة المباركة وتشخيص أول فردٍ فيها وهو الامام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وآخر فردٍ فيها وهو الامام محمد المهديعليهالسلام ، وامّا تشخيص الائمة باسمائهم فقد ورد في مجاميع غفيرة من مصادرنا المعتبرة، فأمّا ما ورد بشأن سيد الائمة وأمير المؤمنين عليعليهالسلام فقد تقدمت الاشارة إلى طرفٍ منه في صدر هذهِ الدراسة، وأمّا ما ورد بشأن الامام الثاني عشرعليهالسلام فهو أحاديث كثيرة أيضاً منها ما روي في ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي: ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
«انَّ خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر، أولهم علي، وآخرهم المهدي»(٤) .
ومنها ما ورد في (سنن الترمذي) من انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
____________________
(١) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٠٣.
(٢) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ١٢، ص: ٢٠٣.
(٣) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٢٣ عن ينابيع المودة للحنفي ص: ١٣٩.
(٤) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٢٣ عن ينابيع الموده للحنفي ص: ٣٧٤.
«لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي»(١) .
وفيه أيضاً عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لطوَّل اللّه ذلكَ اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»(٢) .
وفي (سنن ابن ماجة) عن علقمة بن عبد اللّه قال:
«بينما نحن عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اغرورقت عيناه، وتغيَّر لونُه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهكَ شيئاً نكرهه، فقال: إنّا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا، وانَّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق، معهم رايات سود، فيسألونَ الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فيُنصرون، فيُعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤُها قسطاً كما ملؤوها جوراً، فمن أدركَ ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج»(٣) .
وفيه أيضاً عن اُم سلمة انها قالت:
«سمعتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: المهدي من ولد فاطمة»(٤) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«المهدي منّا أهل البيت، يصلحه اللّه في ليلة»(٥) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
(١) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٤، باب: ٥٢، ح: ٢٢٣٠، ص: ٤٣٨.
(٢) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٤، باب: ٥٢، ح: ٢٢٣١، ص: ٤٣٨.
(٣) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ٢، باب: خروج المهدي، ح: ٤٠٨٢، ص: ١٣٦٦.
(٤) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: ٢، باب: خروج المهدي، ح: ٤٠٨٦، ص: ١٣٦٨، وانظر: الاحاديث من ٤٠٨٢ - ٤٠٨٨، ص: ١٣٦٦ - ١٣٦٨.
(٥) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: ٩٧.
«المهدي منّا، يختم الدين بنا، كما فتح بنا»(١) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«يحل بامتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلاطينهم لم يسمع بلاء أشد منه، حتى لا يجد الرجل ملجأ، فيبعث اللّه رجلاً من عترتي أهل بيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً.»(٢) .
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المهدي أيضاً:
«هو رجل من عترتي، يقاتل على سنتي، كما قاتلتُ أنا على الوحي»(٣) .
____________________
(١) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: ٩٧.
(٢) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: ٩٧.
(٣) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: ٩٨.
الباب الرابع : دور أهل البيتعليهمالسلام في مواجهة الابتداع
الفصل الأول : معنى التشيع ونشأته
إتهام التشيع بالابتداع.
التشيع في اللغة.
التشيع في الاصطلاح.
فرق الشيعة.
نشأة التشيع.
١ - العناية النبوية المتميزة بعليعليهالسلام واعداده إعداداً رسالياً خاصاً.
٢ - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يسند إلى عليعليهالسلام المهام الاسلامية الكبرى.
٣ - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوصي المسلمين بموالاة عليعليهالسلام واتباعه.
٤ - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يمهد للتشيع عن طريق الوصية بأهل البيتعليهمالسلام .
٥ - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي أطلق اسم الشيعة على اتباع أهل البيتعليهمالسلام .
اتهام التشيع بالابتداع
بعدَ أن اُصيبَ الكثير من المتعصبين ضد مذهب أهل البيتعليهمالسلام بالعجز الحقيقي من ايجاد أية ثغرة عقائديّة يمكن النفوذ من خلالها للتشكيك في شرعية المبادئ والاصول الشيعيّة، وإدراكهم كون هذهِ المبادئ تمثّل خط الرسالة الاسلامية بكلِّ ما يحمله هذا الخط من أصالة ونقاء، وبعد أن لمسوا عمق انتساب هذا المنهج الى الدين من خلال الوثائق التأريخّية التي لا يمكن اغفالُها أو تجاهلها بحالٍ من الأحوال، وبعدَ اليأس من الظفر بأيّة مهاترة في اُصول هذا المنهج ومبانيه المستقاة من القرآن الكريم وسنّة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم . بعدَ كلِّ هذا وذاك حاولوا أن ينتحلوا ذريعةً غير مشروعة للنيل من هذا المذهب، وتشكيك المسلمين بعقائده واُصوله ومبانيه، وذلك عن طريق قذف أصل كيان التشيّع بالابتداع.
ولم يكتفوا بالقول بأنَّ التشيّع بدعة محدثة ليس لها أي ارتباط بالاسلام، واّنما ذهبوا الى القول بأنَّ التشيع هو أول بدعة ظهرت في الاسلام، وهو أساس لنشوء بقية البدع، وأصل لافتراق الامّة الاسلامية وتمزّقها.
وبهذا يكون مفهوم (البدعة) قد استُغل بطريقة مزوَّرة في سبيل ضرب منهج أهل البيتعليهمالسلام ، وحُرِّف عن موارده الحقيقيّة، ومصاديقه الواقعية الصائبة الى حيث خدمة التعصب والافتراء، وشق وحدة المسلمين، وايجاد النعرات والخلافات فيما بينهم.
وكان من جرّاء اطلاق هذا اللفظ على كيان التشيع، وترسيخ هذا الادّعاء
الموهوم في أذهان طبقة كبيرة وواسعة من المسلمين، واعتبار هذا الأمر حقيقة تأريخية مسلَّمة لا تقبل الشك والتردد. كان من جراء ذلك أن بُني على هذا الأساس المزعوم ركام من الافتراءات والانتهاكات الباطلة بحق التشيّع، في مختلف الكتب والدراسات الاسلاميّة لدى أبناء العامة.
فلماذا يزجّ هؤلاء المتعصبون بأنفسهم بين وثائق التاريخ ومصادره الناصعة التي لا تعطيهم فرصة التشكيك في شرعية انتماء الشيعة الى الاسلام، وانبثاقها عن اُصوله ومبانيه، ولماذا يتركون أنفسهم يضيعونَ وسط الحقائق الدينية الساطعة التي دلَّت بصراحة على وجوب التمسك بمنهج أهل البيتعليهمالسلام ، والاقتداء بهم، والانضواء تحت رايتهم؟. إنَّ الأمر لا يحتاج الى أكثر من مناورة بسيطة تعالج القضية من الجذور، وتستأصل الحقيقة وتجتثها من الأساس، فتزلزل بذلك عقائد البسطاء من الناس، وتحول بينهم وبين الاطّلاع على تعاليم منهج أهل البيتعليهمالسلام ، وتقطع الطريق على مَن يريد الاقتراب من الحقيقة والبحث عنها عن هذا الطريق. إنَّ الأمر لا يتطلّب أكثر من أن يلصقوا بهذا الكيان اسماً مقيتاً لدى المسلمين، ومعروفاً عندهم بالرفض والازدراء، وذاك هو لفظ (الابتداع)، ومن الطبيعي أن يتفرَّع على أساس هذا القول رفض لمجمل الاعتقادات التي يؤمن بها الشيعة، وعدَّها داخلةً في إطار (الابتداع) المزعوم، ومقاطعة كتب الشيعة ومصادرهم ورواياتهم، ما دام أصل التشيع (بدعةً) على ما يزعمون.
يقول (صالح الفوزان) في كتاب (البدعة):
«وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الارجاء وبدعة التشيع والخوارج، هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابة موجودون، وقد أنكروا على أهلها»(١) .
فالفوزان في هذا النص يجعل التشيع أول (بدعة) ظهرت في الاسلام، ويعدّها مساوقة لبدع القدر والارجاء والخوارج، ويقول بأنَّها ظهرت متأخرة عن زمن رسول
____________________
(١) صالح الفوزان، البدعة: تعريفها، أنواعها، أحكامها، ص: ١١.
اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويحدد ذلك بالقرن الهجري الثاني، ويدّعي انَّ الصحابة قد انكروا على أهلها وأصحابها. فهذهِ ادّعاءات كبيرة وخطيرة تمس أصل كيان التشيع، وتطعن مبادئه في الصميم، ولكنّا نرى أن الفوزان يطلقها بعفوية وتسالم، من دون أن يجد نفسه مكَّلفاً وملزماً بأن يقدِّم أيَّ دليل عليها.
ويقول (القفاري) في (مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة):
«ثم حدث بعد بدعة الخوارج بدعة التشيع كالغلاة المدّعين الالوهيّة في علي والمدّعين النص على عليرضياللهعنه »(١) .
ونجد في كلام القفاري دعوين: الدعوى الاولى انَّه عدَّ التشيع بدعةً، والدعوى الاُخرى انَّه جعل الغلاة قسماً من أقسام الشيعة، وفرقةً من فرقها، خلطاً بين الحقائق، وتمويهاً على معالم الدين.
وجاءَ في (تارج العروس) للزبيدي عند تعرضه لذكر الشيعة:
«وقال الحافظ: وهم أئمة لا يحصون مبتدعة، وغلاتهم الامامية المنتظرية»(٢) .
ويقول الدكتور (عزت علي عطية):
«وما ان قتل عثمانرضياللهعنه حتى ابتدأ ظهور الفرق، وتعددت طوائف المسلمين، وأسفر كل من الالحاد والابتداع عن وجهه القبيح. وظهرت الشيعة تحمل الآراء الخاصة فيما يتصل بعصمة الائمة والقول بالوصية وغير ذلك»(٣) .
وكان الكثير من هؤلاء يتشفى بنبز الشيعة بلفظ (الروافض)، ويظهر غيظه وحقده وحنقه بالصاق التهم والاباطيل على شيعة أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، ومن غير شك انهم لا يقصدون من هذا اللفظ الا الشيعة الموالين لأهل البيتعليهمالسلام ومن ضمنهم الشيعة الامامية الاثنا عشرية، فيقول ابن تيمية في قضية العدل الالهي:
____________________
(١) د. ناصر بن عبد اللّه بن علي القفاري، مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، القسم الاول: ص: ٣٨ - ٣٩.
(٢) الزبيدي، تاج العروس، ج: ٥، ص: ٤٠٥.
(٣) د. عزّت علي عطية، البدعة، تحديدها وموقف الاسلام منها، ص: ١٤٩.
«إنَّ شيوخ الرافضة كالمفيد والموسوي والطوسي وغيرهم انَّما أخذوا ذلكَ من المعتزلة»(١) .
ويقول في موضع آخر:
«الرافضة تجعل الائمة الاثني عشر أفضل من السابقين الاولين»(٢) .
ويقول في نفس هذا المعنى:
«إنَّ الرافضة لا يعرفونَ إمام زمانهم، فانَّهم يدّعون انَّه الغائب المنتظر محمد بن الحسن»(٣) .
ويقول (ابن حجر الهيثمي):
«وزعمت الرافضة أنَّ المهدي هو الامام محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر الائمة»(٤) .
فمن الواضح من خلال هذهِ النصوص ومن الكثير غيرها مما طفحت به كتابات ابن تيمية وابن حجر وابن حزم. وغيرهم من المتعصبين، أنَّ المراد من الروافض في كلماتهم هم الشيعة الاثنا عشرية على نحو الخصوص.
ومن هنا جاءَ السب واللعن والتلفيق بدوافع الحقد والتعصب على أبناء الاسلام وحملته والسائرين على تعاليم الكتاب العزيز وهدي أهل بيت النبوة الطاهرينعليهمالسلام ، وسعى الحاقدون سعياً حثيثاً على إرجاع غالبية الفرق الضالة الى التشيع، والصاقها به، وحشرها ضمن أقسامه، وبيان أن اساس تمزق الامة الاسلامية يعود الى انبثاق هذا الكيان في تاريخ الاسلام، وتصاعدَ بعضهم بذكر فرق الشيعة الى أرقام خياليّة! فيقول المقريزي في خططه:
____________________
(١) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٣، عن منهاج السنة لابن تيمية، ص: ٣١.
(٢) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٣، عن منهاج السنة لابن تيمية.
(٣) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٣، عن منهاج السنة لابن تيمية، ص: ٢٧.
(٤) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٤، عن صواعق ابن حجر، ص: ١٠٢.
«انَّ الرافضة بلغت فرقهم ثلثمائة فرقة والمشهور منها عشرون»(١) .
وليت هؤلاء قد اكتفوا بذلك التلفيق والتشنيع، وانما لجأوا الى اختلاق الاحاديث في هذا الصدد، ونسبتها الى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كذباً وزوراً، فقد ذكر ابن حجر أنَّ الذهبي أخرج عن عليعليهالسلام أنَّه قال:
«قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يظهر في اُمتي في آخر الزمان، قوم يسمون الرافضة يرفضونَ الاسلام».
وأنَّ الدارقطني قد أخرجه بزيادة أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعلي:
«فان أدركتهم فاقتلهم فانّهم مشركون، قال: قلت: ما العلامة فيهم؟ قال: يقرضونَكَ بما ليس فيكَ، ويطعنونَ على السلف»(٢) .
وما أحسن ما ردَّ به العلامة محمد حسين الزين على هذين الحديثين، حيث يقول:
«وانَّ ظهور اسم الرافضة بعد علي بقليل، وثبوت الطعن على بعض السلف في حياة علي، وكون علي نفسه قد طعن على ذلك البعض، انَّ ذلك كله يدل بوضوح على تكرار كذب هذا الخبر المحدد لظهور الرافضة في آخر الزمان، والأمر بقتلهم لخصوص الطعن على الخاطئين من السلف.
ولكنَّ ابن حجر تغافل عمّا في ذلك الخبر من علائم الكذب والوضع، فلأجله كرره في صواعقه، وأخذ يصول به، كما كرر تلك الالفاظ البذيئة في حق الشيعة البريئين»(٣) .
وأين هؤلاء عمّا يقوله الامام (الشافعي):
يا راكباً قف بالمحصب من منى |
واهتف بساكن خيفها والناهضِ |
|
سَحراً إذا فاضَ الحجيج الى منى |
فيضاً كمرفضّ الفرات الفائضِ |
|
ان كان رفضاً حبّ آل محمدٍ |
فليشهد الثقلان أني رافضي! |
____________________
(١) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٢.
(٢) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٤، عن الصواعق المحرقة لابن حجر، ص: ٣.
(٣) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٤.
فهل يتفوه أحد من هؤلاء على (الشافعي) الذي هو أحد كبار ائمة أبناء العامة بما تقوَّه به على شيعة أهل البيتعليهمالسلام ، وهل يُجري عليه ما اُجري عليهم من تهم وافتراءات باعتبار انَّه يصرح بكونه رافضياً، أي محبّاً لأهل البيتعليهمالسلام الذين وجبت مودتهم بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُل لا أسئلُكُم عَلَيهِ أجراً الا المَودَّةَ في القُربى)(١) ؟
ويجسّد لنا الشافعي المعنى الذي يقيم عليه هؤلاء المتعصبون بالقول:
إذا في مجلس ذكروا عليّاً |
وسبطيه وفاطمة الزكيّة |
|
فأجرى بعضهم ذكراً سواهم |
فأيقنَ انَّه لسلفلقيّة |
|
إذا ذكروا عليّاً أو بنيه |
تشاغل بالروايات العليّة |
|
وقال تجاوزوا يا قوم هذا |
فهذا من حديث الرافضية |
|
برئت الى المهيمن من أُناسٍ |
يرونَ الرفضَ حبّ الفاطميّة |
|
على آل الرسول صلاة ربّي |
ولعنته لتلكَ الجاهليّة |
ونقلَ العلامة السيد محسن الامين في (الاعيان) عن قطعة مخطوطة عنده للمرزباني انه حكى عن شريك بن عبد اللّه القاضي قال:
«سعي بي الى المهدي بأنّي رافضي (الى أن قال) فقلت: إن كان الرافضيّ مَن أحبَّ رسولَ اللّه وعلياً وفاطمة والحسن والحسين، فأنا أشهد بأنَّ أميرالمؤمنين رافضي، أفتبغضهم أنت؟ قال: معاذ اللّه»(٢) .
وقد اشتهر بين أبناء العامة حديث الفرقة الناجية الذي طبقوه على أنفسهم، وانتحلوا لذلك روايات موضوعة بواسطة أيادي آثمة تجنّت على صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورووا انهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد شخَّص الفرقة الناجية بالقول: (ما أنا عليه وأصحابي) وفي رواية اخرى انها (الجماعة) كذباً وزوراً، وجعلوا الشيعة وفرقها ضمن الطوائف الاثنين
____________________
(١) الشورى: ٢٣.
(٢) محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢١.
والسبعين الضالة المتبقية التي ذكرها الحديث، بل وبالغوا في ذلك وقالوا بأنَّ اكثر هذهِ الفرق الضالة تعود الى التشيع وتنتهي إليه(١) .
وحديث الفرقة الناجية إمّا أن تكون حديثاً موضوعاً، لاضطراب المضمون الذي نقله أبناء العامة له، وعدم امكانية الوثوق به، إذ لا يمكن أن يكون (الاصحاب) أو (الجماعة) بهذا العموم مصداقاً للحديث لانَّه سيكون معكوساً، ويوقعنا في التفرق والتشتت والتمزيق، لانّا لا نستطيع أن نقف على مبادئ موحّدة واُسس عقائدية وثقافية مشتركة على اُساس هذهِ الضابطة المذكورة.
وإمّا أن يكون الحديث وارداً في حق علي وشيعته كما ثبتته مصادرنا الخاصة(٢) ، الا أنَّه حُرِّف، شأنه شأن الكثير من الاحاديث الاخرى الواردة في فضل أهل البيتعليهمالسلام .
وإمّا ان نقدِّر صحة الحديث الذي ورد في ذيله (ما أنا عليه وأصحابي) أو (الجماعة) على أن يكون النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قد عنى مَن التزم في زمنهصلىاللهعليهوآلهوسلم بفرائض اللّه وأقامها وتقبَّلها وجرى عليها مؤمناً مخلصاً، فيكون الامر مجملاً وبحاجة الى الدليل الخاص الذي يعيِّن هؤلاء الاصحاب وهذهِ الجماعات المؤمنة، وقد ثبت بالطرق المتواترة وجوب إتباع منهج أهل البيتعليهمالسلام وانَّ شيعة عليعليهالسلام ومتبعيه هم المجسدون للفرقة الناجية التي ذكرها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على فرض صحة الحديث.
يقول الشيخ (مفيد الفقيه) في كتابه: (العقل في اصول الدين):
«وقد اعترف الكثير من كتّاب الفرق بهذا الحديث، فأخذ كلّ واحدٍ يطبقه على فرقته وأنَّها هي الناجية، مَعَ انه بالصيغ المذكورة لا ينطبق على فرقة بعينها، لأنَّ قوله صلى الّه عليه وآله وسلم: (ما أنا عليه وأصحابي): إن اُريد به كلّ الاصحاب، فلا اشكال في انَّ ما
____________________
(١) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٢.
(٢) انظر على سبيل المثال بحار الانوار للعلامة المجلسي، ج: ٢٨، باب: ١، ح: ٢٠، ص: ١٣.
أجمعوا عليه بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضلاً عن إجماعهم في عصرهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يخالف فيه أحد من المسلمين، ليكون بعضهم ناجياً وبعضهم هالكاً، ولكنَّ هذا العنوان لا يحق لأحدٍ أن يستدل به، لانَّهم لم يجمعوا على كلِّ شيء مَعَ وجود الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل كانوا يناقشون ويعترضون حتى في الاحكام الشرعية كما لا يخفى على أحدٍ ممن راجع السيرة النبوية الشريفة، وان اُريد بعض الاصحاب فكل مجموعة من هذا البعض قد اتبعه جماعة حتى طلحة والزبير ومعاوية وقاتلي عثمان في مواقفهم السياسية وآرائهم الدينية، فأيّ بعضٍ من هؤلاء الاصحاب هو المقصود؟» الى أن يقول:
«ولا نطيل بنقض الحديث لأنَّه متناقض في مضمونه ونتائجه، ولكننا لا نسلِّم بصحته، ولا بصحة مضمونه من الأساس لفساد رواته، ولو سلَّمنا بصدوره عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأي نصٍّ فلا بدَّ وأن نفهمه بنحوٍ ينسجم مَعَ كتاب اللّه والقواعد العامة في الشريعة الاسلامية.»(١) .
وكان بسبب من هذهِ الافتراءات والأباطيل أن اُدخلت في معنى التشيع فرق وهمية وخيالية لا واقع لها من الاساس، وقد اُعطيت مسميات مختلفة، ومنحت عناوين لا وجود لها، ونسبت الافتراءات الشنيعة الى كبار صحابة الائمةعليهمالسلام ، وأقطاب المذهب الشيعي وأعلامه، من أجل الايحاء للمسلمين بأن الشيعة فرقة مشتتة وممزقة، وكثيرة المسالك والتشعبات.
فقد ذكر المقريزي مجموعة كبيرة من الفرق الموهومة والتي لا أساس لها بالاصل من ضمن فرق الشيعة، واختلق لها أسماء من عنده، فجعل (الزرارية) التي يدّعي انها فرقة شيعية تضم اتباع زرارة بن أعين من فرق الشيعة حيث يقول:
«والفرقه العاشرة الزراية أتباع زرارة بن أعين أحد الغلاة في الرفض، وزعم مَعَ ذلكَ أنَّ اللّه تعالى لم يكن في الأول عالماً ولا قادراً حتى اكتسبَ لنفسه جميع ذلك».
____________________
(١) مفيد الفقيه، العقل في اُصول الدين، ص: ٢١ - ٢٢.
ويعدّ من فرق الشيعة أيضاً (الهشامية) فيقول عنهم بأنهم:
«أتباع هشام بن الحكم، ويقال لهم أيضاً الحكمية، ومن قولهم الاله تعالى كنور السبيكة الصافية يتلألأ من جوانبه».
وكذلك جعل من فرق الشيعة فرقةً اُخرى اسماها ب(الجولقية) وافترى حولها الأباطيل، فقال حول أصحابها بأنَّهم:
«أتباع هشام بن سالم الجولقي، وهو من الرافضة أيضاً، ومن شنيع قوله انَّ اللّه تعالى على صورة انسان نصفه الأعلى مجوّف ونصفه الاسفل مصمت، وليس بلحم ودم، بل هو نور ساطع، وله خمس حواس كحواس الانسان ويد ورجل وفم وعين واُذن وشعر أسود.».
وعدَّ منهم كذلك (اليونسية) وقال عنهم بأنَّهم:
«أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي، وكلهم من الروافض».
وابتكر فرقة اسماها (الشيطانية) قائلاً عن أتباعها بأنَّهم:
«أتباع محمد بن النعمان شيطان الطاق، وقد شاركَ المعتزلة والرافضة في جميع مذهبهم وانفرد بأعظم الكفر قاتله اللّه، وهو انَّه زعم انَّ اللّه لا يعلم الشيء حتى يقدّره، وقبل ذلك يستحيل علمه».
وتعليقاً على افتراءات المقريزي هذهِ نكتفي بالاشارة الى بعض ما ذكره العلامة السيد محسن الامين بعد إيراده لهذه الأقوال وغيرها من الانتحالات:
«إنَّ زرارة بن أعين والهشامين ويونس بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان الملقَّب بمؤمن الطاق كلهم ثقات صحيحو العقيدة، متكلمون حذاق، من أجلاء تلاميذ وأصحاب الامامين جعفر بن محمد الصادق وابنه موسى بن جعفر الكاظمعليهماالسلام ، وعنهما أخذوا، ومنهما تعلَّموا، وبهما اقتدوا في كل علمٍ، لا سيما وصف الباري تعالى بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص، وعصمة سيد الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا يمكن أن يعتقدوا
أمثال هذهِ الخرافات في حقِّه تعالى، ولا في حقِّ نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد أخذوا عقائدهم عن أئمة أهل البيت الطاهر، معادن العلم والحكمة، ولم ينقل عنهم هذهِ الخرافات ناقل يوثق به، فما نُسب إليهم محض افتراء واختلاق، وتأتي تراجمهم في أبوابها(١) ، وهم مترجمون في كتب رجال الشيعة بكلِ وصفٍ جميل، وهم إماميّة اثنا عشرية، ليس لهم مذهب ولا نحلة خاصة سوى ذلك، ولا أتباع ينسبون اليهم»(٢) .
ويتمادى (المقريزي) في تقسيماته الباطلة، ويختلق فرقاً اُخرى لا واقع لها، وأسماء من دون مسميات بدافع التهجين والتشنيع حيث يقول:
«ومن فرق الروافض الحلوية، والشاعية، والشريكيّة يزعمونَ أنَّ علياً شريك محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتناسخية القائلونَ أنَّ الارواح تتناسخ، واللاعنة، والمخطئة الذين يزعمون أنَّ جبرائيل أخطأ، والاسحاقية والخلفية الذين يقولونَ ل اتجوز الصلاة خلف غير الامام، والرجعية القائلونَ سيرجع علي وينتقم من أعدائه، والمتربصة الذين يتربصونَ خروج المهدي، والآمرية، والجبية، والجلالية، والكربية أتباع أبي كريب الضرير، والحزينة أتباع عبد اللّه بن عمر الحزين»(٣) .
ويعلِّق السيد محسن الامين على ذلك بالقول:
«يعلم اللّه انّ هذهِ الاسماء كلَّها لم نسمع بها، ولم نرها في كتب الشيعة، وما هي الا مختلقة لا يُقصد من ذكرها غير التشنيع والتهجين، وهي أسماء بلا مسميات، ولم يذكرها أحد من المؤرخين، ولا نقلها مَن كتب في الملل والنحل من الشيعة إلا الشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل القرن الرابع في كتاب المقالات والفرق المتكفّل لذكر
____________________
(١) المزيد من الاطلاع انظر ترجمة زرارة بن أعين في أعيان الشيعة، المجلد السابع، ص: ٤٦، وهشام بن الحكم، المجلد العاشر، ص: ٢٦٤، وهشام بن سالم، المجلد العاشر، ص: ٢٦٦، ويونس بن عبد الرحمن، المجلد العاشر، ص: ٣٢٦، ومحمد بن النعمان، المجلد العاشر، ص: ٨١.
(٢) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١١، ص: ٢٢.
(٣) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٣.
فرق الشيعة وغيره»(١) .
ومن الانعكاسات السلبية الخطيرة لرمي كيان التشيع بالابتداع هو محاولة بعض المتعصبين من علماء العامة التشكيك في كل ما يُروى عن طرق الشيعة وخصوصاً الامامية الاثنا عشرية، وعدم الاعتراف المطلق بكتبهم الحديثية، ودرج الاحاديث الجمّة المروية في مصادر الشيعة ضمن عنوان ما يرويه المبتدعون.
يقول (نظام الدين الانصاري) في كتاب (فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت):
«أما المبيحون للكذب فلا تُقبل روايتهم البتة، لأنَّهم لمّا جازَ في دينهم على زعمهم الكذب لا يبالونَ بالارتكاب عليه، ومنهم الروافض الغلاة والاماميّة، فانَّ الكذب فيهم أظهر وأشهر، حتى صاروا مضرب المثِّل في الكذب، وجوَّزوا ارتكاب جميع المعاصي، فلا أمانَ لهم أن يكذبوا على رسول اللّه، ولا هم يبالونَ بالكذب على رسول اللّه وأصحابه، ومَن نظر في كتبهم لم يجد أكثر المرويات إلا موضوعةً مفتراة»(٢) .
ومن الطريف أن نذكر ما علَّق به الشيخ (محمد جواد مغنية) على هذا الكلام فكفانا مؤونة الرد عليه، حيث يقول في كتابه (الشيعة في الميزان):
«واذا كان أكثر روايات الامامية كذباً وافتراءً، فمعنى ذلكَ أنّ التوحيد ونبوة محمّد والبعث والنشر سخف وهراء، ووجوب الصوم والصلاة والحج والزكاة سراب وهباء، وتحريم الزنا والكذب والسرقة جهل وعماء، لأنَّ روايات الامامية جلّها في ذلك، تعالى اللّه ورسوله علواً كبيراً.
ولا نعرف فرقة من المسلمين تشددت في تحريم الكذب بعامة، وعلى اللّه والرسول بخاصة كالاماميّة، فانَّهم حكموا بخروج مستحلِّه من الاسلام، وأخذوا الصدق في تحديد الايمان، فلقد رووا عن أئمتهم أخباراً تجاوزت حدَّ التواتر: (انَّ الايمان أن تؤثر الصدق
____________________
(١) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٣.
(٢) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: ٨٥، عن كتاب (فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت) المبطوع مَعَ المستصفى سنة ١٣٢٤ هجري، ص: ١٤٠،ج: ٢.
وان ضرَّك على الكذب وان نفعَكَ)، واختصوا دون سائر الفرق بالقول انَّ تعمّد الكذب على اللّه أو رسوله من المفطرات، وان على هذا الكاذب القضاء والكفّارة، وبالغ جماعة منهم حيث أوجبوا عليه أن يكفّر بالجمع بين عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، واطعام ستين مسكيناً.
هذا ما جاءَ في كتب الامامية، فمن يكون الكذاب الكفّار، الامامية، أو الذي يفتري على الأبرياء الأصفياء»(١) ؟!
ونحن أمام مجموع هذه الافتراءات المتقدمة التي تنطلق جميعها من أساس رمى التشيع بالابتداع، والتي نعتقد يقيناً انها لم تنطلق الا من دوافع الحقد والتعصب، نجد أنفسنا ملزمين بأن نميط اللثام عن حقيقة هذا الأمر بما يتناسب حجماً مَعَ دراستنا الماثلة، وللارتباط الوثيق بين هذا الامر وبين موضوع (الابتداع) الذي تناولناه وسلّطنا الضوء بشيء من التفصيل على حدِّه وقيوده، على أن يكون تناولنا لهذا الموضوع تناولاً مختصراً ننتقل بعده لبيان مجمل الدور الذي قام به أهل البيتعليهمالسلام في مواجهة (الابتداع) والمحدثات على مرّ التاريخ الذي عاشوا فيهعليهمالسلام ، ويستطيع القارئ الكريم العود الى الكتب المعدّة لبيان هذا الغرض بالذات للاطلاع على تفاصيل هذا الموضوع وخصوصياته المختلفة(٢) .
____________________
(١) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: ٨٥ - ٨٦.
(٢) لمزيد من الاطلاع يمكن للقارئ الكريم أن يراجع على سبيل المثال: أعيان الشيعة للسيد الامين، ج: ١، ص: ١٨ - ٢٠٩، وأصل الشيعة وأصولها للامام محمد حسين كاشف الغطاء، والشيعة في التاريخ للعلامة الشيخ محمد حسين الزين، وتاريخ الاماميّة وأسلافهم من الشيعة للدكتور عبد الله فيّاض، وتاريخ الفرق الاسلامية للعلامة الشيخ محمد خليل الزين، وهوية التشيع للدكتور الشيخ أحمد الوائلي، والشيعة في الميزان للعلامة الشيخ محمد جواد مغنية، وبحوث في الملل والنحل للعلامة الشيخ جعفر السبحاني، ج: ٦، وتاريخ الشيعة للعلامة الشيخ محمد حسين المظفَّر، وفرق الشيعة للنوبختي، ولماذا نحن شيعة للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين، والانتفاضات الشيعية عبر التاريخ للسيد هاشم معروف الحسني، ص: ١٠ - ٣٥، والتشيع نشأته. معالمه للاستاذ السيد هاشم الموسوي.
وغير ذلك من المصادر الأساسية المدوّنة لبيان هذا المطلب المذكور.
التشيع في اللغة
يطلق لفظ (الشيعة) في اللغة على الأتباع والأنصار بشكل عام، ثم تضيَّق مدلول هذهِ الكلمة وأصبح يُطلق بعد مجيء الاسلام على أتباع أمير المؤمنين علي وأهل بيتهعليهمالسلام الى أن اختصَّ بهم، وأصبحوا يُميَّزون ويُعرفون عن غيرهم من الطوائف والفرق الاسلامية الاخرى بهذا اللفظ.
وسوف ننقل للقارئ الكريم عبارات مختلفة من اُمهات الكتب اللغوية، والتي تشير الى المعنى اللغوي اللعام المذكور للفظ الشيعة، وتطور مدلول هذهِ الكلمة وانصرافه الى أتباع علي وأهل بيتهعليهمالسلام على نحو الخصوص.
١ - لسان العرب : «والشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر، وكل قومٍ اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع. والشيعة: أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شيع، وأشياع جمع الجمع، ويقال شايعه كما يقال والاه من الوَلي.
وقد غلبَ هذا الاسم على مَن يتولى علياً وأهل بيته رضوان اللّه عليهم أجمعين وحتى صار لهم اسماً خاصاً، فاذا قيل فلان من الشيعة عُرف انَّه منهم«(١) .
٢ - الصحاح : «وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، يقال: شايعه، كما يقال والاه من الولي. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع»(٢) .
٣ - القاموس المحيط : «وشِيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل مَن يتولّى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً»(٣) .
____________________
(١) ابن منظور، لسان العرب، ج: ٨، ص: ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) الجوهري، الصحاح، ج: ٣، ص: ١٢٤٠.
(٣) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج: ٣، ص: ٤٧.
٤ - المصباح المنير : «والشيعة: الاتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة»(١) .
٥ - تاج العروس : «وكل مَن عاونَ انساناً وتحزَّب له فهو له شيعة، قال الكميت:
وما لي إلا أحمد شيعة |
وما لي الا مشعب الحق مشعب |
وقال الازهري: الشيعة قوم يهوون هوى عترة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويوالونهم»(٢) .
٦ - مجمع البحرين : «قوله تعالى:( ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ) (٣) ، أي: من كلِّ فرقةٍ. قوله:( وَلَقَد أَرسَلنا مَن قَبلِكَ في شِيَعِ الأَوَّلِين ) (٤) ، أي: في فرقهم وطوائفهم.
والشيعة: الفرقة إذا اختلفوا في مذهب وطريقة.
قوله:( وَلَقَد أَهَلَكنا أَشياعَكُم ) (٥) ، أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر. قوله:( كَما فُعِلَ بَأشياعِهِم مِن قَبلُ ) (٦) : أي: بأمثالهم من الشيع الماضية. قوله:( وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبراهيمَ ) (٧) ، قيل: أي وان من شيعة نوح إبراهيم، يعني انه على منهاجه وسنته في التوحيد والعدل واتباع الحق.
والشيعة: الآتباع والأعوان والانصار مأخوذ من الشّياع، وهو الحطب الصغار التي تشتعل بالنار، وتعين الحطب الكبار على إيقاد النار، وكل قومٍ اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، ثم صارت الشيعة جماعة مخصوصة.»(٨) .
فظهر من خلال هذا أنَّ لفظ (الشيعة) و(الشيع) و(الاشياع) الوارد في القرآن
____________________
(١) الفيّومي، المصباح المنير، ص: ٣٢٩.
(٢) الزبيدي، تاج العروس، ج: ٥، ص: ٤٠٥.
(٣) مريم: ٦٩.
(٤) الحجر: ١٠.
(٥) القمر: ٥١.
(٦) سبأ: ٥٤.
(٧) الصافات: ٨٣.
(٨) فخر الدين الطريحي، محمع البحرين، ج: ٤، ص: ٣٥٥ - ٣٥٦.
الكريم قد استعمل في معناه اللغوي العام الذي أشارت اليه الكتب اللغوية.
التشيع في الاصطلاح
لكي نتعرف على المعنى المصطلح للفظ (الشيعة) و(التشيع) لا بدّ لنا أن نطالع أولاً ما يقوله العلماء والمحققون بهذا الشأن، لكي ننظر بعد ذلك في أبعاد هذا المفهوم، ونستخلص المعنى الواقعي الذي يمثّل صيغة موحَّدة لهذهِ التعاريف التي سوف نرى انها تختلف فيما بينها سعةً وضيقاً، وان كانت تشترك في المعنى الكلّي العام الذي تقدم ذكره في الكتب اللغوية آنفاً عند التعرض لبيان معنى التشيع الخاص، وهو عبارة عن موالاة علي وأهل بيتهعليهمالسلام .
١ - الشهرستاني: في (الملل والنحل):
«الشيعة هم الذين شايعوا علياًرضياللهعنه على الخصوص، وقالوا بامامته وخلافته نصّاً ووصيّة، إما جليّاً، وإمّا خفياً، واعتقدوا أنَّ الامامة لا تخرج من أولاده، وان خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا ليست الامامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الامام بنصبهم، بل هي قضية اُصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسلعليهمالسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه الى العامة وإرساله».
وأضاف:
«ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الانبياء والائمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولّي والتبري، قولاً، وفعلاً، وعقداً، إلا في حال التقية»(١) .
٢ - ابن حزم : في (الفصل في الملل والاهواء والنحل):
«ومَن وافق الشيعة في أنَّ علياً أفضل الناس بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحقّهم
____________________
(١) الشهرستاني، الملل والنحل، القسم الاول، ص: ١٣١.
بالامامة، وولده من بعده فهو شيعي، وان خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فان خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً»(١) .
٣ - أبو الحسن الاشعري : في (مقالات الاسلاميين واختلاف المصلّين):
«وانما قيل لهم الشيعة لأنَّهم شايعوا علياً، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٢) .
٤ - النوبختي : في (فرق الشيعة):
«فأول الفرق الشيعة، وهم فرقة علي بن أبي طالبعليهالسلام المسمَّون بشيعة عليعليهالسلام في زمان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده، معروفون بانقطاعهم اليه والقول بامامته.
منهم المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمّار بن ياسر، ومَن وافق مودته مودّة عليعليهالسلام ، وهم أول مَن سمي باسم التشيع من هذهِ الامة، لانَّ اسم التشيع قديم شيعة إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين«(٣) .
٥ - الشيخ المفيد:
«الشيعة هم مَن شايع علياً، وقدَّمه على أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، واعتقد انَّه الامام بوصية من رسول اللّه وبارادة من اللّه تعالى أيضاً كما يرى الامامية أو وصفاً كما يرى الجارودّية»(٤) .
٦ - الشهيد الثاني : في (شرح اللمعة الدمشقيّة):
____________________
(١) د. عبد اللّه الفياض، تاريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة، ص: ٣٤، عن الفصل في الملل والاهواء والنحل، ج: ٢ (طبعة الاوفست، مكتبة المثنى - بغداد)، ص: ١١٣.
(٢) د. عبد اللّه الفياض، تاريخ الامامية، عن مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، ج: ١، القاهرة، ١٩٥٠ م، ص: ٦٥.
(٣) الحسن بن موسى النوبختي، فرق الشيعة، ص: ١٧ - ١٨، وانظر: المقالات والفرق لسعد بن أبي خلف الاشعري القمي، تحقيق: د. محمد جواد مشكور، ص: ١٥.
(٤) د. أحمد الوئلي، هوية التشيع، ص: ١٢، عن موسوعة العتبات المقدسة، المدخل، ص: ٩١.
«والشيعة مَن شايع علياً، وقدَّمه على غيره في الامامة، وان لم يوافق على امامة باقي الائمة، فيدخل فيهم الامامية والجارودية من الزيدية والاسماعيلية غير الملاحدة منهم والواقفية والفطحيّة»(١) .
٧ -محمد جواد مغنية : في (الشيعة في الميزان):
«التشيع هو الايمان بوجود النص من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على علي بالخلافة مَعَ عدم المغالاة فيه ولا في أحد أبنائه»(٢) .
٨ -بطرس البستاني : في (دائرة المعارف):
«الشيعة: فرقة من كبار فرق الاسلام، بايعوا علياًرضياللهعنه ، وقالوا انَّه الامام بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالنص الجلي أو الخفي، واعتقدوا انَّ الامامة لا تخرج عنه وعن أولاده»(٣) .
٩ -محمد فريد وجدي : في (دائرة معارف القرن العشرين):
«الشيعة: هم الذين شايعوا علياً في إمامته، واعتقدوا أنَّ الامامة لا تخرج عن أولاده، قالوا ليست الامامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة بل هي قضية اُصولية، هي ركن الدين، ولا بدَّ أن يكون الرسول قد نصَّ على ذلكَ صريحاً، والشيعة يقولون بعصمة الائمة من الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبرّي قولاً وفعلاً، إلا في حال التقية إذا خافوا بطش الظالم»(٤) .
ومن خلال التمعن في مجموع هذهِ التعاريف التي تعد من أبرز التعاريف التي ذكرت للتشيع من قبل مختلف العلماء والمحققين، نستطيع أن نستخلص مجموعة من الامور الدخيلة في بيان معنى التشيع، وبلورة مفهومه لنا بشكل واضح، وهي:
____________________
(١) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ١٢، عن شرح اللمعة، ج: ٢، ص: ٢٢٨.
(٢) محمد جواب مغنية، الشيعة في الميزان، ص: ٣٣.
(٣) بطرس البستاني، دائرة المعارف، ج: ١٠، ص: ٦٦١.
(٤) محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج: ٥، ص: ٤٢٤ - ٤٢٥.
١ - انَّ التشيع يعني تولّي أمير المؤمنين عليعليهالسلام وتفضيله وتقديمه على الاصحاب كافة في أمر الامامة والخلافة الاسلامية بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٢ - إنَّ تقديم أمير المؤمنينعليهالسلام على بقية الأصحاب واستحقاقه لمنصب الامامة، انما ثبت عن طريق الوصية والنص.
٣ - إنَّ النص الذي يعتقده الشيعة في أمير المؤمنينعليهالسلام إما أن يكون نصاً جلياً أو نصّاً خفياً، ويعرِّف شيخ الطائفة الطوسي كلا النصين بالقول:
«ثم النص ينقسم قسمة اُخرى على ضربين: أحدهما - تفرَّد بنقله الامامية خاصة وان كان في أصحاب الحديث مَن رواه على وجه نقل أخبار الآحار - وهو النص الجلي. والآخر - نقله المؤالف والمخالف، وتلقّاه جميع الامة بالقبول - على اختلاف آرائهم ومذاهبهم - ولم يُقدم أحد منهم على جحده وانكاره من يعتدّ بقوله، وان اختلفوا في تأويله والمراد منه، وهو النص الخفي»(١) .
٤ - إنَّ المغالاة في أمير المؤمنينعليهالسلام أو في أحدٍ من أهل بيتهعليهمالسلام لا تنسجم مَعَ معنى التشيع والاتباع، بل هي خروج عنه من الأساس.
٥ - إنَّ الشيعة يقولون بانحصار الامامة في ولد عليعليهالسلام ، ويقولون بعدم خروجها عن أهل بيتهعليهمالسلام .
٦ - إنَّ التشيع لا يساوق الايمان بامامة جميع الائمة الاثني عشرعليهمالسلام من ولد عليعليهالسلام ، فيدخل في معنى التشيع فرق اُخرى غير الفرقة الامامية الاثني عشرية كالجارودية والواقفية والفطحية. الى آخر ما سوف نذكره من فرق الشيعة بعد قليل إن شاء اللّه تعالى.
٧ - إنَّ الخلاف الواقع بين الفرق والشيعية ينحصر في تشخيص عدد الائمة وأعيانهم بعد الاتفاق على وجود النص.
____________________
(١) أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تلخيص الشافي، ج، ٢، ص: ٤٦.
ويناءً على كل هذا نستطيع القول بأن التشيع يعني بكلمة واحدة:
«موالاة أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، ومشايعته، وتقديمه في أمر الامامة على غيره، وعدم المغالاة فيه أو في أحدٍ من أهل بيتهعليهمالسلام ، والاعتقاد بأنَّ خلافته مستمدة عن طريق النص الشرعي الجلي أو الخفي، أو المشير اليه باسمه أو يوصفهعليهالسلام ، وان الامامة منحصرة في أهل بيتهعليهمالسلام ».
وقد حاول البعض أن يحشر في تعريف التشيع عناصر اضافية اُخرى لتكون بمثابة الثغرات التي يمكن النفوذ من خلالها بسهولة لابعاد التشيع عن واقعه الاسلامي المتأصل، والصاق تهمة اليهودية أو النصرانية أو الزندقة أو المغالاة أو غير ذلك من الافتراءات فيه.
يكشف الشيخ الدكتور (أحمد الوائلي) النقاب عن هذا الأمر بالقول في كتابه القيّم (هوية التشيّع):
«. انَّ الغرض من هذهِ الاشارة هو إلقاء الضوء على نقطة يؤكد عليها الباحثون عند استعراضهم لذكر الشيعة وعقائدهم: ألا وهي التاكيد على إدخال آراء أريد لها أن تكون خيوطاً تصل بين التشيع واليهودية، أو النصرانية، أو الزندقة، ومحاولة إيصال التشيع لعرقيات معينة، وهي محاولة لا تخفى على أعين النقّاد بأنَّها غير موضوعية، إنَّ هذهِ المحاولة تريد تصوير التشيع بأنَّه تطوَّر لا كما تتطور العقائد والمذاهب الاخرى، وفي التوسع وقبول الاضافات السليمة نتيجة تبرعم بعض الآراء، وانَّما تطور غير سليم وغير نظيف أفسد مضمون التشيع»(١) .
ثمَّ يؤيّد الشيخ الوائلي ما ذكره بايراد خمسة نماذج من الأقوال التي تعرَّضت لذكر مفهوم التشيع، وبدايات نشوئه، لخمسة من كبار علماء العامة المتأخرين، ويسلِّط الضوء على تلك النقاط التي حاولت أن تبين انَّ التشيع بدأ كفكرة روحية ساذجة ثم تطور
____________________
(١) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ١٣.
بصورة غير مشروعة الى حركة سياسية استقطبت مختلف التيارات المنحرفة، وتأثرت بها، ويقوم بنقاش هذهِ الآراء بموضوعية كاملة، ويكشف تلك المغالطات المزعومة(١) .
فرق الشيعة
وعلى أساس ما استخلصناه من تعريف التشيع فيما سبق نستطيع أن نمتلك ضابطة موضوعية ثابتة يمكن على أساسها دخول هذهِ الفرقة في مفهوم التشيع دون تلك، وسوف نقوم باستعراض سريع للفرق الشيعة التي تنتسب حقّاً الى هذا الكيان وتندرج ضمن مفهومه، وللفرق التي لا يحق لها الدخول فيه والتي حاول البعض حشرها قسراً في مفهوم التشيع واضفاء هذا الاسم عليها لتشويه معالم هذا الكيان، وتجريده عن حقيقة محتواه.
فأمّا أهم الفرق الداخلة في نطاق التشيع فهي:
١ -الكيسانية : وهي الفرقة القائلة بامامة محمد بن الحنفية بعد الامام الحسينعليهالسلام وزعمت هذه الفرقة أنَّ محمد بن الحنفية هو المهدي المنتظر الذي يملأ الارض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، وهو حي لا يموت حتى يظهر الحق، وفي ذلك يقول الشاعر الكيساني كثير عزّه:
ألا انّ الأئمة من قريش |
ولاةُ الحق أربعة سواءُ |
|
علي والثلاثة من بنيه |
هم الأسباط ليس بهم خفاءُ |
|
فسبط سبط أيمان وبرٍّ |
وسبط غيَّبته كربلاءُ |
|
وسبط لا يذوق الموتَ حتى |
يقود الخيلَ يقدمها اللواءُ |
|
يغيبُ فلا يرى منهم زماناً |
برضوى عنده عَسَل وماءُ |
____________________
(١) انظر: هوية التشيع للوائلي، ص: ١٣ - ١٩.
٢ -الناووسية : وهي الفرقة التي اعتقدت بالامام علي بن الحسينعليهالسلام بعد أبيه، ثم بالامام محمد بن علي الباقرعليهالسلام بعد أبيه، ثم بالامام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام بعد أبيه، وتوقفت عند الامام جعفر الصادقعليهالسلام ، وادّعت انَّه هو الامام المنتظر، وانَّه حي لا يموت.
٣ -الاسماعيلية : وهي الفرقة التي اعتقدت بالائمةعليهمالسلام الى الامام جعفر الصادقعليهالسلام ، ثم نقلت الامامة منهعليهالسلام الى ابنه اسماعيل.
٤ -الفطحية : وهي الفرقة التي اعتقدت بالائمةعليهمالسلام أيضاً الى الامام جعفر الصادقعليهالسلام ، ثمَّ نقلت الامامة الى ولده عبد اللّه الأفطح.
٥ -الواقفية : وهي الفرقة التي اعتقدت بالائمةعليهمالسلام الى الامام الصادقعليهالسلام ، ونقلت الامامة - بحق - الى ولده الامام موسى الكاظمعليهالسلام ، إلا انَّها وقفت عليهعليهالسلام ، وزعمت انَّه المهدي المنتظر، وانَّه حيّ لا يموت حتى يملك شرق الارض وغربها.
٦ -الاثنا عشرية : وتسمى أيضاً (الامامية) وهم القائلون بامامة الائمة الاثني عشرعليهمالسلام وهم علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.
وقد استند الامامية في اعتقادهم بالائمة الاثني عشرعليهمالسلام ، واتّباعهم لهم على مجموعة كبيرة من النصوص النبوية، والتي روى أبناء العامة في مصادرهم المعتبرة قسماً منها، حيث ورد عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم النص بكون الائمة من قريش، وكونهم اثني عشر اماماً. وقد مرّ ذكر شطر من هذه الاحاديث فيما سبق.
هذه هي أهم الفرق التي تدخل في معنى التشيع وضمن إطاره العام.
وأمّا الفرق التي لا يصح إدخالها ضمن هذا الاطار، ولا يجوز عدّها فرقاً شيعية،
ولا تصح نسبتها الى هذا الكيان بأية صورة من الصور فهي:
١ - كل فرقة تدّعي المغالاة في حق عليعليهالسلام أو أحد أبنائه، كالمغالين الذين ألّهوا علياًعليهالسلام ، وقد عمدعليهالسلام الى قتلهم بالدخان لاستئصال هذه الحالة الشاذة من جسد الامة الاسلامية، واجتثاث جذورها من الاساس، فمعنى التشيع يأبى حشر المغالين ضمن فرق الشيعة، لأنَّ التشيع كما قدَّمنا ينصرف الى موالاة عليعليهالسلام وأهل بيتهعليهمالسلام واعتباره إماماً منصوباً عن طرق النص الشرعي لاكمال شوط رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحمل راية المسيرة الاسلامية التي صدع بتعاليمها الوحي من السماء.
يقول الدكتور (عبد اللّه الفياض) في كتابه (تاريخ الاماميّة):
«ففرق الزيدية التي تساهلت بقضية أفضلية الامام علي على سائر الصحابة، وجماعات الغلاة التي خرجت عن حدِّ الامامة الى الربوبية يصعب حشرها في إطار التشيع العام»(١) .
ويقول الشيخ (محمد جواد مغنية) في (الشيعة في الميزان):
«أما المغالاة في علي وصفاته، أو تكفير خصومه السياسيين وما الى ذلك فلا يمتّ الى التشيع بسبب.
والذي يدّلنا على انَّ لفظ الشيعة عَلَم على مَن يؤمن بأنَّ علياً هو الخليفة بنص النبي ما قاله فقهاء الامامية في كتب التشريع من انّه إذا أوصى رجل بمالٍ للشيعة، أو وقفَ عقاراً عليهم، يُعطى لمن قدَّم علياً في الامامة على غيره بعد النبي، ولا يُعطى للمغالين (كتاب المسالك للشهيد الثاني، ج: ١، باب الوقف)»(٢) .
ومما يؤسف له أنَّ بعض كتب الملل والنحل تساهلت كثيراً في هذا الامر الخطير، وأدرجت الغلاة من ضمن طوائف الشيعة بشكل مسلَّم، وراحت تذكر خصوصياتهم
____________________
(١) د. عبد اللّه الفياض، تاريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة، ص: ٣٤.
(٢) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: ١٥.
وصفاتهم وتوكّد على انتمائهم الى خط التشيع العام.
وقد استُغل هذا الأمر أبشع استغلال في رمي الشيعة بمختلف الاباطيل، والخلط بينها وبين الحق الذي لا غبار عليه.
فنرى انَّ الدكتور أحمد أمين يشهر هذه الورقة في وجه التشيع حيث يقول: «ولم يكتفِ غلاة الشيعة في علي بأنَّه أفضل الخلق بعد النبي وانه معصوم بل منهم مَن ألَّهه»(١) .
ويضرب محمد ثابت المصري على نفس هذه الوَتر في كتابه (جولة في ربوع الشرق الأدنى) حيث يقول: «ومن الشيعة قسم أوجب النبوة بعد النبي فقالوا بأنَّ الشبه بين محمد وعلي كانَ قريباً لدرجة أنَّ جبرائيل أخطأ، وتلكَ فئة الغالية أو الغلاة، ومنهم مَن قال بأنَّ جبرائيل تعمَّد ذلك»(٢) .
وينحى محمد فريد وجدي في دائرة معارفه منحى مَن زجَّ بالغلاة ضمن فرق الشيعة من مؤرخي العامة بقصد التشنيع والتهجين والتشويه، فيقول مضيفاً الى ذلك بعض المفتعلات: «وهم خمس فرق كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة وغلاة، وإسماعيلية وبعضهم يميل في الاصول الى الاعتزال، وبعضهم الي السنة، وبعضهم الى التشبيه(٣) »!
ومن العجيب حقاً انّه في الوقت الذي يتبرأ فيه الشيعة الامامية الاثنا عشرية من المغالين أشدَّ التبرؤ، ويعدّون المغالي في عليعليهالسلام أو أحد أبنائه خارجاً عن الدين بشكل واضح وصريح في جميع كتبهم ومصنفاتهم نجد انَّ السمعاني وغيره من المتعصبين يقذف نفس الامامية بالغلو، فيقول في كتابه (الانساب) ما نصه:
«الامامية جماعة من غلاة الشيعة، وانّما لُقّبوا بهذا اللقب لأنَّهم يرونَ الامامة لعلي
____________________
(١) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٥٢، عن فجر الاسلام لأحمد أمين ص: ٣٣٠.
(٢) محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٧٢، عن كتاب جولة في ربوع الشرق الأدني، لمحمد ثابت المصري، مصر، الطبعة الثانية، ١٣٥٤ ه. ق، ١٩٣٦ م.
(٣) محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج: ٥، ص: ٤٢٥.
وأولاده، ويعتقدون انّه لا بدَّ للناس من الامام، وينتظرون إماماً سيخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً»(١) .
فهل ترى فيما ذكره السمعاني من عقائد الامامية غلوّاً، وهو في مقام الذم والتشنيع واستقصاء النقائص والعثرات؟! فلماذا هذا الافتراء على المسلمين الموحدِين بغير حقٍّ، ولماذا هذا التلفيق والابتعاد عن روح التآخي والانصاف؟!
وللنظر الى ما ينقله (الزبيدي) في (تاج العروس) عن الحافظ الذي يقطر كلامه حقداً على الشيعة الامامية حيث يقول حول الشيعة:
«وقال الحافظ وهم أئمة لا يحصون مبتدعة وغلاتهم الامامية المنتظرية»(٢) .
٢ - يخرج من فرق التشيع أيضاً كل فرقة لا تقول بثبوت الامامة عن طريق النص، كما في بعض فرق الزيدية التي تدّهي انقعاد الامامة بالاختيار.
يقول السيد (محسن الامين) في (أعيان الشيعة) حول فرقة الزيدية:
«قالت الزيدية انَّ الامامة تكون بالاختيار فمن اختير صار إماماً واجب الطاعة، ولا يشترط أن يكون معصوماً، ولا أفضل أهل زمانه، وانّما يشترط أن يكون من ولد فاطمة، وأن يكون شجاعاً عالماً يخرج بالسيف»(٣) .
وأما بقية فرق الزيدية التي تقول بثبوت الامامة عن طريق النص، فهي داخلة في الاطار العام لمفهوم(التشيع) أيضاً.
وقد بدأ اسم الشيعة ينصرف في الفترات المتأخرة الى الامامية الاثني عشرية، التي تمثل المصداق البارز لهذا اللفظ، باعتبارها الفرقة المتقدمة التي تمثّل روح التشيع وجوهره، وهي الفرقة الارسخ بقاءً والاوسع انتشاراً في بقاع الأرض المختلفة.
____________________
(١) انظر: محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٠، نقلاً عن أنساب السمعاني.
(٢) الزبيدي، تاج العروس،: ج: ٥، ص: ٤٠٥.
(٣) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: ٣٦، عن أعيان الشيعة، القسم الثاني من الجزء الاول، ص: ١٣، طبعة ١٩٦٠ م.
ومن جانب آخر نرى انَّ أغلب الفرق الشيعية التي ذكرناها آنفاً إما أن تكون قد انقرضت، وإمّا أن تكون موجودة ضمن دوائر ضيقة ومحدودة.
فمثلاً نجد انَّ الفرقة الكيسانية قد انقرضت بشكل كامل، ولم يبقَ لها أي أثر، فيقول الشيخ (المفيد) حول الفرقة الكيسانية في كتاب (العيون والمحاسن):
«ولا بقية للكيسانية جملة، وقد انقرضوا، حتى لا يُعرف منهم في هذا الزمان أحد»(١) .
والفرقة الناووسية أيضاً بادت ولا يوجد منها الآن أيّ أحد.
وكذلك الامر في الفرقتين الفطحية والواقفية فهما فرقتان بائدتان أيضاً(٢) .
وأماّ الفرقة الاسماعيلية، وفرق الزيدية التي تعتقد وجود النص ولا تقول بالمغالاة فهي وإن كانت موجودة في هذا العصر، إلا انَّ الاسماعيلية والزيدية تُعرفان باسمهما الخاص غالباً، على الرغم من كونهما فرقتين من فرق الشيعة أيضاً، وقد نشأ هذا الانصراف والتخصيص نتيجة لكثرة الاستعمال.
ولذا فانَّ اسم الشيعة ينصرف الآن الى الامامية الاثني عشرية على نحو الغلبة أو الخصوص، يقول العلامة السيد (محسن الامين):
«والموجود اليوم من فرق الشيعة هم الامامية الاثنا عشرية، وهم الاكثر عدداً، والزيدية والاسماعيلية (البهرة)»(٣) .
ويقول العلامة (محمد حسين الزين):
«وانَّ المعاني الحقيقية التي قدمناها للتشيع الحق، لا تخوّل أحداً أن يطلق اسم الشيعة على غير الاثني عشرية، وأكثر الزيدية والاسماعيلية، وبعض الفطحية والواقفية، وبما أن الزيدية اليوم ومثلهم الاسماعيلية لا يُعرفون الا بهذين الانتسابين، وبما
____________________
(١) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: ٣٣.
(٢) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: ٣٣ - ٣٤.
(٣) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٠.
انَّ الفطحيّة والواقفية لا وجود لهم في هذا العصر، انحصر اسم الشيعة بالشيعة الامامية الاثني عشرية واختصَّ بهم«(١) .
نشأة التشيُّع
اختلفت الآراء في مسألة نشأة التشيع، وذهبَ أكثر علماء العامة الى كون التشيع قد نشأ بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتشعبت الاقوال في ذلك فمنهم مَن يدّعي نشأته يوم السقيفة، وآخر يقول بعد مقتل عثمان وثالث يذهب الى انه نشأ في يوم صفين. وذهب آخرون الى انَّه نشأ بتحركات سياسية من قبل شخصية يهودية يقال له (ابن سبأ)، أو انَّ التشيع فارسي الأصل. إلى غير ذلك من الآراء.
ونلاحظ أنَّ الغالبية من هذه الاراء تتجه في المسار الذي يحاول أن يهيّيء الارضية الملائمة لرمي التشيع بالابتداع، والقول بأنَّه أمر محدث ليس له أي ارتباط بالدين، وقد نشأ في العصور المتأخرة عن عصر الرسالة، وجاء ليحمل بين طيّاته عوامل التخريب وعناصر التفرقة والشقاق بين صفوف الامة الاسلامية.
وبما انَّ حقيقة التشيع من الحقائق التي ضربت جذورها في أعماق التاريخ الاسلامي، وتوغلت الى حيث بدايات الدعوة الى الاسلام، ورافقت مسيرته منذ اللحظات الاولى، طبقاً للمدارك والمستندات التأريخية التي لا تقبل الانكار، وبما أنَّ التشيع قد نما وترعرع في أحضان الرسالة، وبين جوانح الاسلام، وباستمداد من تعاليمه ومبادئه المثلى. فانّا نلاحظ انَّ اولئكَ الذين حاولوا أن يصوّروا نشوء التشيع بعيداً عن واقع الاسلام في مراحله الاولى، لم يكن بوسعهم الابتعاد عن ذلك العصر كثيراً، لئلا يصطدمو بحقائق التأريخ الدامغة، ويقعوا في مهاترة مفضوحة معه. ولذا حاول بعضهم
____________________
(١) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٣٠ - ٣١.
أن يصور نشوء التشيع في عصر الرسالة الاول بصورة ساذجة وسطحية، وانَّه كان يمثل وجوداً روحياً فحسب، ثم تطور بعد ذلك الى اتجاه آخر، وتحول الى تكتل سياسي، وذهب البعض الآخر إلى انّه نشأ منذ يوم السقيفة بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة، وكأنَّه انبثق في الواقع الاسلامي فجأة من دون أية سابقة أو إعداد.
ومَعَ كل هذا فإنَّ أغلب هذهُ الاقوال تحمل بين طياتها خيوط الاعتراف بوجود كيان شيعي كان يلتف حول أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويتعاضد معه في مختلف الرؤى والمواقف على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن نرى في نفس الوقت وجود خيوط اُخرى تفسح المجال واسعاً أمام دخول التأويلات الإضافية التي تحاولِّ أن تبين التشيع بأنَّه موجة فارسية أو تيار سياسي نشأ نتيجةً لظروف تاريخية خاصة، وملابسات مرَّت بالواقع الاسلامي آنذاك.
يقول الدكتور (أحمد أمين) في (فجر الاسلام):
«إنَّ التشيع بدأ بمعنى ساذج، وهو أنَّ علياً أولى من غيره من وجهتين: كفاءته الشخصية، وقرابته للنبي، ولكنَّ هذا التشيع أخذ صيغة جديدة بدخول العناصر الاخرى في الاسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية. وحيث انَّ أكبر عنصر دَخَل في الاسلام الفرس، فلهم أكبر الأثر بالتشيع»(١) .
ويقول الدكتور (كامل مصطفى) في كتابه (الصّلة):
«انَّ التشيع قد عاصر بدء الاسلام باعتباره جوهراً له، وانَّه ظهر كحركة سياسية بعد أن نازع معاوية علياً على الامارة وتدبير شؤون المسلمين، ويتبيَّن بعد ذلكَ أنَّ تبلور الحركة السياسية تحت اسم الشيعة كان قبل قتل الحسينعليهالسلام مباشرة، وان كانت الحركة سبقت الاصطلاح.
وبذلك يمكننا أن نلخص هذا الفصل في كلمة بيانها انَّ التشيع كان تكتلاً اسلامياً
____________________
(١) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع ص: ١٥، عن فجر الاسلام، ص: ٢٧٦.
ظهرت نزعته أيام النبي، وتبلور اتجاهه السياسي بعد قتل عثمان، واستقل الاصطلاح الدال عليه بعد قتل الحسين».
وذهبَ الدكتور (عبد العزيز) الى تقسيم التشيع الى روحي بدأ أيام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسياسي حدث بعد مقتل الامام علي(١) .
فواضح من خلال هذهِ الأقوال التي تحاول أن تبتعد بالتشيع وتنأى به عن عصر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّها تُقر بوجود التشيع في مرحلة أسبق وتعترف بذلك ضمناً، ويحاول أحمد أمين أن يقطع هذهِ الصلة من خلال النص في موضع آخر على أنَّ التشيع إنَّما بدأ بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي يوم السقيفة بالذات، فيقول:
«وكانت البذرة الاولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي أنَّ أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه»(٢) .
وممن يذهب الى هذا الرأي أيضاً الدكتور حسن ابراهيم حيث يقول:
«ولا غرو فقد اختلف المسلمون اثر وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيمن يولّونه الخلافة، وانتهى الأمر بتولية أبي بكر، وأدّى ذلك الى انقسام الامة العربية الى فريقين: جماعية و شيعية»(٣) .
وكذلك نص بهذا الرأي المستشرق جولد تسيهر حيث يقول:
«انَّ التشيع نشأ بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبالضبط بعد حادثة السقيفة»(٤) .
وكان قد ذهب الى القول بهذا الرأي أيضاً كل من (ابن خلدون) و(اليعقوبي) في تاريخيهما، فيقول (ابن خلدون):
«انَّ الشيعة ظهرت لما توفي الرسول، وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر،
____________________
(١) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ١٤، عن مقدمة في تاريخ صدر الاسلام ص: ٧٢.
(٢) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٥٠، عن فجر الاسلام، ص: ٣٢٦، الطبعة الرابعة.
(٣) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ٢٤، عن تأريخ الاسلام، ج: ١، ص: ٣٧١.
(٤) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ٢٤، عن العقيدة والشريعة، ص: ١٧٤.
وأنَّ الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش، ولمّا كان جماعة يتشيعون لعلي، ويرون استحقاقه على غيره، ولمّا عُدل به الى سواه تأففوا من ذلك«(١) .
ويقول (اليعقوبي):
«ويعد جماعة من المتخلفين عن بيعة أبي بكر هم النواة الاولى للتشيع، ومن أشهرهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب»(٢) .
ثمَّ نرى انَّ (أحمد أمين) نفسه يدعي في (ضحى الاسلام) أن التشيع نشأ بعد مقتل (عثمان بن عفان) فيقول في ذلك:
« اختلف المسلمون بعد مقتل عثمان، وانقسموا أحزاباً، وهي في الواقع أحزاب سياسية، فحزب يرى أنَّ علياً أولى بأن يكون خليفة، وحزب يرى انَّ معاوية هو الذي يحقق هذا الغرض، وحزب يرى أن لا حاجة الى الخلافة، وحزب محايد. ولكن رأينا في ذلك العصر أنَّ الحزب الاول تسمّى الشيعة، والثاني الامويين، والثالث الخوارج، والرابع المرجئة»(٣) .
وشاركه في هذا الرأي أيضاً (محمد أبو زهرة) في كتابه (تأريخ المذاهب الاسلامية)، وان كان صدر كلامه يوحي بوجود الشيعة في مرحلة أسبق من ذلك حيث يقول:
«الشيعة هم أقدم المذاهب السياسية الاسلامية، وقد ظهروا بمذهبهم في آخر عصر (عثمان)، ونما وترعرع في خلافة علي إذ كلَّما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه وقوة دينه وعلمه»(٤) .
____________________
(١) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ٢٤، عن تأريخ ابن خلدون، ج: ٣، ص: ٣٦٤.
(٤) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ٢٤، عن تأريخ اليعقوبي، ج: ٢، ص: ١٠٤.
(٣) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٦٠، عن ضحى الاسلام، ج: ٣، ص: ١٥ الطبعة الثانية.
(٤) محمد خليل الزين، تأريخ الفرق الاسلامية، ص: ١١١، عن تاريخ المذاهب الاسلامية، ص: ٣٧.
وهناك آراء اخرى في نشأة التشيع فمنهم مَن يدعي نشأته يوم الجمل عند قتال عليعليهالسلام لطلحة والزبير، وآخر زعم انَّ التشيع نشأ يوم صفين عند افتراق جيش أمير المؤمنينعليهالسلام في قضية التحكيم المعروفة إلى فرقتين. إلى غير ذلك من الآراء التي بنيت على اُسس خاطئة وغير واعية لمعنى التشيع وجوهره ومحتواه.
وعلى أية حال فانَّ الرأي الصحيح هو انَّ التشيع بدأ ووُلد منذ اللحظات الاولى التي ظهرت فيها رسالة الاسلام، وحمل لوائها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وآمن به عليعليهالسلام ، وآزره ونصرَه، فقد أخذ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعدُّ العدّة لضمان استمرار الرسالة، منذ اللحظات الاولى التي بدأت فيها الرسالة شوطها الاول، من خلال التركيز على مسألة الامامة من بعده فعملصلىاللهعليهوآلهوسلم على إعداد الشخصية التي تقوم بأعباء الامامة إعداداً روحياً وعلمياً، وعمل على ربط الامة بها من خلال بناء أواصر المودة وإظهار الفضل، وتوَّج ذلك بالنص والوصية، والتشيع هو الاقرار بهذا المبدأ الذي ظهرت معالمه يوم إنذار العشيرة.
وإضافة الى ما يعتقده الامامية بالاجماع من كون التشيع كان وليداً للحظة التي ولدت فيها رسالة الاسلام، ولم يكن أمراً حادثاً أو طارئاً على جسد الامة الاسلامية، فقد نصَّ على هذا الرأي علماء آخرون ممن يعتد بآرائهم، فيقول (الحسن النوبختي) الذي هو من أعلام القرن الثالث الهجري في كتابه (فرق الشيعة):
«فاول الفرق (الشيعة)، وهم فرقة علي بن أبي طالبعليهالسلام ، المسمون بشيعة عليعليهالسلام في زمان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بامامته منهم المقداد بن الاسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمّار بن ياسر، ومَن وافق مودته مودة عليعليهالسلام ، وهم أول مَن سمي باسم التشيع من هذه الامة، لانَّ اسم التشيع قديم شيعة إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين»(١) .
ويقول (أبو حاتم الرازي) في كتابه (الزينة):
____________________
(١) الحسن بن موسى النوبختي، فرق الشيعة، ص: ١٧ - ١٨.
«انَّ أول اسم ظهر في الاسلام على عهد رسول اللّه هو الشيعة، وكان هذا هو لقب أربعة من الصحابة، وهم: أبو ذر، وسلمان، والمقداد، وعمّار، ويُنقل عن سلمان انّه قال: بايعنا رسول اللّه على النصح للمسلمين والائتمام بعلي»(١) .
ويقول (محمد بن عبد اللّه عنان) في كتابه (تأريخ الجمعيات السرية) عند تعليقه علي الحادثة التي روتها كتب السيرة عند نزول قوله:( وَأَنذِر عَشيرتَكَ الأَقرَبينَ ) (٢) ، ودعوة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لعشرية، وعدم استجابتهم له إلا عليعليهالسلام :
«من الخطأ أن يقال: انَّ الشيعة انّما ظهروا لاول مرّة عند انشقاق الخوارج، بل كان بدء الشيعة وظهورهم في عصر الرسول حين اُمر بانذار عشيرته بهذه الآية»(٣) .
وجاء في كتاب (تاريخ الفرق الاسلامية):
«وكان أبو سعيد الخدري، وهو من كبار الصحابة يقول: أُمر الناس بخمسٍ فعملوا بأربعة وتركوا واحدة، وسئُل عن الأربع، قال: الصلاة والزكاة والصوم والحج، قيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وانَّها لمفروضة معهنَّ، قال: نعم هي مفروضة معهنّ»(٤) .
وكان (أبو سعيد الخدري) يقول:
«وما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه إلا ببغض علي بن ابي طالب»(٥) .
وجاء في (خطط الشام) ل(محمّد كرد علي) انَّه قال:
«عُرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول اللّه على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب
____________________
(١) محمد خليل الزين، تأريخ الفرق الاسلامية، ص: ١٠٨، وانظر: تأريخ الشيعة لمحمد حسين الزين، ص:٢٥-٢٦.
(٢) الشعراء: ٢١٤.
(٣) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ٢٨، عن تأريخ الجمعيات السريّة.
(٤) محمد خليل الزين، تأريخ الفرق الاسلامية، ص: ١٠٨.
(٥) محمد حسين الزين، تأريخ الشيعة، ص: ٢٦، عن الصواعق المحرقة، ص: ٧٥، وشرح النهج لابن أبي الحديد، ج: ٢، ص: ٤٣٨.
والموالاة له، ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: اُمر الناس بخمسٍ فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سُئل عن الأربع قال: الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج، قيل فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن ابي طالب، قيل له: وانَّها لمفروضة معنَّ؟ قال: نعم هي مفروضة معهنَّ.
ومثل أبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الانصاري، وخالد بن سعيد، وقيس بن سعد بن عبادة»(١) .
وجاء في أوائل شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:
«انَّ القول بتفضيل عليعليهالسلام قول قديم قد قال به كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمّار والمقداد وأبو ذر وسلمان وجابر بن عبد اللّه واُبي بن كعب وحذيفة وبريدة وأبو أيوب وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وأبو الهيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت وأبو الطفيل عامر بن واثلة والعباس بن عبد المطلب وبنوه وبنو هاشم كافة وبنو المطلب كافة»(٢) .
وقد نقل الدكتور الشيخ (أحمد الوائلي) أسماء مائة وثلاثة وثلاثين رائداً من روّاد التشيع الاوائل في كتابه (هوية التشيع)، وقال بانَّ هؤلاء يمثلون شريحة أو نماذج ذُكرت دون انتقاء أو اختيار، ثم ذكر المصادر الرجالية والكتب التي نصت على القول بتشيعهم لامير المؤمنين عليعليهالسلام (٣) .
وأمّا العلامة الشيخ (جعفر السبحاني) فقد ذكر خمسين صحابياً من الطبقة العليا للشيعة في الجزء السادس من كتابه القيِّم (بحوث في الملل والنحل)، وقال:
«فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيعهم فليرجع إلى الكتب المؤلفة في
____________________
(١) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١١٠ - ١١١ عن خطط الشام، ج: ٥، ص: ٢٥١.
(٢) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٣.
(٣) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: ٣٣ - ٣٦.
الرجال، ولكن بعين مفتوحة، وبصيرة نافذة»(١) .
وقال (المسعودي) في (مروج الذهب):
«كان ممن شهد صفين مَعَ علي بن أبي طالبعليهالسلام من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً، منهم سبعة عشر من المهاجرين وسبعون من الانصار، وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والانصار ومن سائر الصحابة تسعمائة، وكانَ جميع مَن من شهد معه من الصحابة ألفين وثمنمائة»(٢) .
وفي (مروج الذهب) أيضاً:
«إنَّ علياًعليهالسلام خرج الى حرب الجمل في سبعمائة راكب، منهم أربعمائة من المهاجرين والانصار، منهم سبعون بدرّياً، وباقيهم من الصحابة. إلى أن قال: فيما حدث به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن معن بن عيسى، عن المنذر بن الجارود قال: لما قدم علي البصرة خرجتُ انظرُ إليه، فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب(٣) ، عليه قلنسوة وثياب بيض، متقلّد سيفاً معه راية، واذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة، مدججين في الحديد والسلاح، فقلت: مَن هذا؟، فقيل: أبو أيوب الانصاري وهؤلاء الانصار وغيرهم.
ثم تلاهم فارس عليه عمامة صفراء وثياب بيض، متقلّد سيفاً، متنكّب قوساً، معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس، فقلت: مَن هذا؟ فقيل: خزيمة بن ثابت الانصاري ذو الشهادتين.
ثم مرَّ بنا فارس على فرس كميت معتم بعمامة صفراء تحتها قلنسوة بيضاء عليه قباء أبيض مصقول، متقلّد سيفاً، متنكّب قوساً في نحو ألف فارسٍ، معه راية، فقلت: مَن هذا؟ فقيل: أبو قتادة بن ربعي.
____________________
(١) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٩ - ١١٠.
(٢) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٤.
(٣) أشهب: الذي غلبَ بياضه على سواده.
ثم مرَّ بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه، شديد الأدمة(١) عليه سكينة ووقار، رافع صوته بقراءة القرآن، متقلّد سيفاً، متنكّب قوساً، معه راية بيضاء في ألف فارس من الناس مختلفي التيجان، حوله مشيخة وكهول وشباب، كأن قد أُوقفوا للحساب، في جباههم أثر السجود فقلت: مَن هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدّة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم.
ثم مرَّ بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء، متنكب قوساً، متقلِّداً سيفاً، تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض معه راية صفراء، قلت: مَن هذا ؟ قيل: قيس بن سعد بن عبادة في الانصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان.
ثم مرَّ بنا فارس على فرس أشعل(٢) ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء، قلت: مَن هذا؟ قيل: عبد اللّه بن العباس في عدّة من أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: مَن هذا؟ قيل: قثم بن العباس، أو سعيد بن العاص.
ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً، واشتبكت الرماح، ثم ورد خلق عليهم السلاح والحديد مختلفو الرايات كأنّما على رؤوسهم الطير في أوله راية كبيرة، يقدمهم الطير كانما كسر وجبر(٣) ، نظره الى الارض أكثر من نظره الى فوق، عن يمينه شاب حسن الوجه، وعن يساره شاب حسن الوجه، قلت: مَن هؤلاء؟ فقيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفيّة بين يديه،
____________________
(١) أيّ: شديد السمرة.
(٢) الفرس الاشعل: الذي في ذنبه أو ناصيته بياض.
(٣) قال في الاعيان: قال ابن عائشة: هذهِ صفة رجل شديد الساعدين، كذلك تخبر العرب في وصفها اذا أخبرت عن الرجل انه كسر وجبر.
معه الراية العظمى، وهذا الذي خلفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين والانصار»(١) .
وجاء في (السيرة الحلبية):
«قال بعضهم شهدنا صفين مَعَ علي بن أبي طالب ثمنمائة من أهل بيعة الرضوان، وقُتل منهم ثلاثة وستون، منهم عمّار بن ياسر»(٢) .
ومن الطبيعي انَّ من بين هؤلاء الصحابة إن لم نقل كلّهم مجاميع كبيرة كانت توالي علياًعليهالسلام وتؤازره، وتناصره، وتعرف حقَّه، وتتكتل معه منذ بداية الدعوة الى الاسلام، وفي أثناء تأكيدات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المتكررة على وصايته وخلافته، وأمر المسلمين باتباعه والرجوع اليه، لا سيما اذا أخذنا بنظر الاعتبار انَّ مَن لم يكن هواه مَعَ هوى عليعليهالسلام ولم يكن متبعاً ومشايعاً له كان بامكانه أن ينضم الى الفرق التي كانت تعلن الحرب ضدَّه، وتنصب العداء له، وتحاول أن تمسك بزمام الحكم الاسلامي، وتتنافس من أجل الهيمنة على الخلافة آنذاك، وخصوصاً إذا لاحظنا أنَّ الرايات التي ارتفعت هي رايات حملها اُناس عاشوا في كنف الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانخرطوا ضمن طبقة الاصحاب الاوائل له، وحاولوا كسب الرأي العام الى صفهم بمختلف الوسائل والاغراءات، فمن ثبت من الاصحاب مَعَ عليعليهالسلام في هذا المهب العاصف، وفي هذهِ المواقف الرسالية الصعبة، وعند ذلك الاختبار العسير الذي مرَّت الامة الاسلامية بمخاضاته المعقّدة فهو من شيعة أمير المومنينعليهالسلام قطعاً، ومن مواليه والعارفين بحقّه وأولويته وسابق منزلته في الاسلام منذ البدايات.
وما أروع ما يثبته السيد الشهيد (محمد باقر الصدر) في مقدمة كتاب (تاريخ الاماميّة وأسلافهم من الشيعة) بصدد هذهِ الحقيقة التي تؤكّد على وجود التشيع في عهد
____________________
(١) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٤، عن مروج الذهب للمسعودي.
(٢) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: ١، ص: ٢٤، عن السيرة الحلبية.
رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنذ بداية الدعوة الى الاسلام، حيث يذكر انَّ هناك ثلاثة طرق كان بامكان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة الاسلامية، وتعيين قيادتها أثناء حياته، فأول هذه الطرق هو أن يقف الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم موقفاً سلبياً تجاه مستقبل الدعوة الاسلامية، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها في فترة حياته، ويترك مستقبلها للظروف والصدف، فيبطل السيد الشهيد هذا الاحتمال، ويبيِّن انَّ طبيعة الاشياء كانت تدل على خلاف ذلك، لأنَّ الدعوة بحكم كونها عملاً تغييرياً انقلابياً في بدايته، يستهدف بناء امّة واستئصال كل جذور الجاهلية منها، تتعرض لاكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها وتركها دون أي تخطيط.
وثاني هذهِ الطرق هو أن يتخذ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم موقفاً أيجابياً تجاه مصير الدعوة، الا انَّه يجعل القيمومة عليها وقيادة التجربة بيد الامة على أساس نظام الشورى في جيلها العقائدي الاول الذي يضم مجموعها المهاجرين والأنصار.
وهنا يؤكد السيد الشهيد أيضاً انَّ طبيعة الاشياء والوضع العام الثابت عن الرسول والدعوة والدعاة يرفض هذهِ الفرضية، وينفي أن يكون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد انتهج هذا الطريق واتجه الي ربط قيادة الدعوة بعده مباشرة بالامة ممثلة في جيلها الطليعي من المهاجرين والانصار على أساس نظام الشورى، اذ لم ينقل عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قيامه بعملية توعية للامة والدعاة علي نظام الشورى وحدوده وتفاصيله، فلا يلمس ذلكَ في الاحاديث المأثورة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا يوجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محددة لتوعية من ذلك القبيل.
ثم ينتقل الامام الشهيد لبيان الطريق الثالث الذي يؤكد من خلاله انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قام بعملية تعبئة فكرية للمجتمع حول الخليفة القائد من بعده وهو عليعليهالسلام ، وركّز هذا المفهوم في أذهان المسلمين من خلال الحشد الكبير من النصوص الصريحة، فيقول في ذلك:
«الطريق الثالث: وهو الطريق الوحيد الذي بقي منسجماً مَعَ طبيعة الأشياء ومعقولاً على ضوء ظروف الدعوة وسلوك النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو أن يقف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً ايجابياً، فيختار بأمر اللّه سبحانه وتعالى شخصاً يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعده اعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً، تتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة، وليواصل بعده بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار قيادة الامة وبناءها عقائدياً وتقريبها باستمرار نحو المستوى الذي يؤهلها لتحمّل المسؤوليات القيادية.
وهكذا نجد انَّ هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالامكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة وصيانة التجربة من الانحراف في خط نموّها، وهكذا كان.
وليس ما تواتر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من النصوص التي تدل على انَّه كان يمارس إعداداً رسالياً وتثقيفياً عقائدياً خاصاً لبعض الدعاة على مستوى يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية، وانَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد عهد اليه بمستقبل الدعوة وزعامة الامة من بعده فكرياً وسياسياً، ليس هذا إلا تعبيراً عن سلوك القائد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم للطريق الثالث الذي كانت تفرضه وتدل عليه قبل ذلك طبيعة الاشياء كما عرفنا.
ولم يكن هذا الشخص الداعية المرشح للاعداد الرسالي القيادي، والمنصوب لتسلّم مستقبل الدعوة وتزعمها فكرياً وسياسياً إلا علي بن أبي طالب الذي رشَّحه عمق وجوده في كيان الدعوة، وانَّه المسلم الاول بها، والمجاهد الاول في سبيلها، عبر كفاحها المرير ضدَّ كل أعدائها، وعمق وجوده في حياة القائد الرسول، وانَّه ربيبه الذي فتح عينيه في حجره، ونشأ في كنفه، وتهيأت له من فرص التفاعل معه، والاندماج بخطّه ما لم يتوفر لأي انسانٍ آخر.
والشواهد في حياة النبي والامام علي على أنَّ النبي كان يعدّ الامام إعداداً رسالياً خاصاً كثيرة جداً، فقد كان النبي يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها ويبدأه
بالعطاء الفكري والتثقيف إذا استنفذ الامام أسئلته، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق ومناهج العمل الى آخر يوم في حياته الشريفة».
ويسرد السيِّد الشهيد الصدر جملة من الشواهد التأريخية الدالّة على إعداد النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنين عليعليهالسلام إعداداً رسالياً خاصاً وعلى اسنادهصلىاللهعليهوآلهوسلم لزعامة الدعوة الاسلامية فكرياً وسياسياً اليهعليهالسلام ، ثم يستطرد قائلاً:
«وهكذا وُجد التشيع في إطار الدعوة الاسلامية متمثلاً في هذهِ الاطروحة النبوية التي وضعها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمرٍ من اللّه للحفاظ على مستقبل الدعوة وهكذا وجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الاحداث، بل كنتيجة ضرورية لطبيعة تكون الدعوة وحاجاتها وظروفها الأصيلة التي كانت تفرض على الاسلام أن يلد التشيع، وبمعنى آخر كانت تفرض على القائد الأول للتجربة أن يعدَّ للتجربة قائدها الثاني الذي تواصل على يده ويد خلفائه نموَّها الثوري، وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاث كل رواسب الماضي الجاهلي وجذوره، وبناء امة جديدة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤوليتها»(١) .
وبهذا نخلص إلى النتيجة القائلة بأنَّ التشيع انَّما ولد بين جوانح الرسالة الاسلامية وفي أحضان النبوة وبرعاية خاصة من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتزامن التأريخ له بالتأريخ للدعوة الاسلامية منذ بدايات البزوغ.
يقول الامام (محمد حسين كاشف الغطاء):
«انَّ أول مَن وضعَ بذرة التشيع في حقل الاسلام - هو نفس صاحب الشريعة الاسلامية - يعني أنَّ بذرة التشيع وضعت مَعَ بذرة الاسلام، جنباً الى جنب، وسواء
____________________
(١) انظر: البحث القيم الذي كتبه السيد الشهيد الامام الصدررحمهالله في مقدمته لكتاب (تأريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة) للدكتور عبد اللّه الفياض، ص: ١٩.
بسواء ولم يزال غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وأزهرت في حياته، ثم اثمرت بعد وفاته.»(١) .
ويقول الشيخ العلامة (محمد حسين المظفرَّ):
«فكانت الدعوة إلى التشيع لأبي الحسنعليهالسلام من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مَعَ الدعوة للشهادتين.»(٢) .
ويقول الشيخ العلامة (جعفر السبحاني):
«قد تعرَّفت على تأريخ التشيع، وانَّه ليس وليداً لجدال الكلامي، ولا إنتاج السياسات الزمنية، وانّما هو وجه آخر للاسلام، وهما وجهان لعملة واحدة.»(٣) .
وأخيراً تصل النوبة بنا الى استعراض مجمل الشواهد التي تدل على أنَّ بذرة التشيع كانت قد غُرست في عصر الرسالة الأول، وانَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم هو واضع البذرة الاولى لهذا الأساس والمتعاهد لها طيلة حياته المقدّسة، وسوف نقوم باثبات ذلك، مقتصرين في الغالب على ما رواه العامة في مصادرهم المختلفة ضمن العناوين التالية:
١ - العناية النبوية المتميزة بعليعليهالسلام وإعداده إعداداً رسالياً خاصاً
في (مستدرك الحاكم) بسنده الى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدِّه قال:
«أشرف رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من بيتٍ ومعه عمّاه العباس وحمزة وعلي وجعفر وعقيل وهم في أرضٍ يعملونَ فيها، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعَّميه: اختارا من هؤلاء، فقال أحدهما اخترت جعفراً، وقال الآخر: اخترت عقيلاً، فقال: خيرتكما فاخترتما، فاختار اللّه لي عليّاً»(٤) .
_____________________________
(١) محمد حسين كاشف الغطاء، أصل الشيعة واُصولها، ص: ١٠٩.
(٢) محمد حسين المظفَّر، تأريخ الشيعة، ص: ٩.
(٣) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١١٧.
(٤) الحاكم النيسابوري، مستدرك الحاكم على الصحيحين، ج: ٣، ص: ٥٧٧.
وجاء في (صحيح الترمذي):
«عن الزبير بن جابر قال: دعا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم علياً يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مَعَ ابن عمِّه، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما انتجيته ولكنَّ اللّه انتجاه».
ثم قال (الترمذي): ومعنى قوله: «ولكنَّ اللّه انتجاه، يقول: اللّه أمرني أن انتجي معه»(١) .
وقال (الطبري) انَّه لمّا نزل قوله تعالى:( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقدّمُوا بَينَ يَديْ نَجواكُم صَدَقَةً ) (٢) .
نُهوا عن مناجاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى يتصدّقوا، فلم يُناجه أحد إلا عليّ بن أبي طالب»(٣) .
وجاءَ في (كنز العمال):
«عن جندب بن ناجية أو ناجية بن جندب: لما كان يوم غزوة الطائف قام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مَعَ عليعليهالسلام مليّاً ثمَّ مرَّ، فقال له أبو بكر: يا رسول اللّه! لقد طالت مناجاتُكَ علياً منذ اليوم! فقال: ما انتجيتُه ولكنَّ اللّه انتجاه»(٤) .
وورد في (صحيح الترمذي):
«عن عوف بن عبد اللّه بن عمرو بن هند الجملي عن عليعليهالسلام قال: قال علي: «كنتُ إذا سألتَ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطاني، وإذا سكت ابتدأني»(٥) .
____________________
(١) الترمذي، صحيح الترمذي، ج: ٥، كتاب المناقب، باب: ٢٠، ح: ٣٧٢٦، ص: ٥٩٧، ونقله السيد مرتضى الفيروزآبادي في كتابه فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج: ٢، ص: ١٧ عن المتقي الهندي في كنز العمال، ج: ٦، ص: ١٥٩، والخطيب البغدادي في تأريخه، ج: ٧، ص: ٤٠٢، وانظر الرواية في اُسد الغابة لابن الاثير الجزري، ج ٤، ص: ٢٧، دار إحياء التراث العربي.
(٢) المجادلة: ١٢.
(٣) مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج: ١، ص: ٥٢٠ - ٥٢١، تفسير الطبري ٢٨ / ١٤ - ١٥، والدر المنثور: ٦ / ١٨٥.
(٤) كنز العمال ج: ١٣، ح: ٣٦٤٣٨، ص: ١٣٩.
(٥) الترمذي، صحيح الترمذي، ج: ٥، كتاب المناقب، باب: ٢٠، ح: ٣٧٢٢، ص: ٥٩٥، وح: ٣٧٢٩، ص: ٥٩٨.
وروى (أبو نعيم) في حليته بسنده إلى ابن عباس قال:
«كنّا نتحدث انَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عهد الى علي سبعين عهداً لم يعهد الى غيره»(١) .
وفي (مستدرك الصحيحين) روى بسندين عن أبي اسحق قال:
«سألتُ قثم بن العبّاس كيف ورث علي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم دونكم؟ قال: لأنَّه كانَ أوَّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً»(٢) .
وجاءَ في (شرح نهج البلاغة):
«انَّ الفضل بن العباس بن عبد المطلب قد سأل أباه عن ولد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذكور أيّهم كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم له أشد حباً، فقال له: علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال له: سألتُكَ عن بنيه، فقال: انَّه كان أحبّ اليه من بنيه جميعاً وأرأف، ما رأيناه زايله يوماً من الدهر منذ كان طفلاً، إلا أن يكون في سفرٍ لخديجة، وما رأينا أباً أبرَّ منه ليعليٍّ، ولا ابناً أطوع لأبٍ من علي له»(٣) .
وجاء في (شرح النهج) أيضاً:
«روى جبير بن مطعم قال: قال أبي مطعم لنا ونحن صبيان بمكة: ألا ترونَ حبّ هذا الغلام (يعني علياً) لمحمدٍ، واتّباعه له، دون بني أبيه؟ فواللات والعزّى، لوددتُ انَّه ابني بفتيان بني نوفل جميعاً»(٤) .
وروى (ابن سعد) في كتاب الطبقات:
«عن علي انَّه قيل له: ما لكَ أكثر أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حديثاً؟ قال: إني كنت
____________________
(١) مرتضي الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: ٢، ص: ٣٤، عن أبي نعيم في الحلية، ج: ١، ص: ٦٨، وابن حجر في تهذيب التهذيب، ج: ١، ص: ١٩٧، وأخرجه الطبراني في معجمه، وذكره المناوي أيضاً في فيض القدير في الشرح، ج: ٤، ص: ٣٥٧، وذكره الهيثمي في مجمعه، ج: ٩، ص: ١١٣.
(٢) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: ٢، ص: ٣٨، عن مستدرك الصحيحين، ج: ٣، ص: ١٢٥، وكنز العمال، ج: ٦، ص: ٤٠٠، والنسائي في خصائصه ص: ٢٨.
(٣) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، بيروت، دار الفكر، ١٩٨٥ م، ص: ٤٣، عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج: ٣، ص: ٢٥١.
(٤) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، ص: ٤٣، عن شرح النهج، ج: ٣، ص: ٢٥١.
إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأني»(١) .
وجاء في (صحيح الترمذي) عن ابن عمر انه قال:
«آخى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول اللّه، آخيتَ بين أصحابكَ ولم تؤاخ بيني وبين أحدٍ، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنت أخي في الدنيا والآخرة»(٢) .
وجاءَ في (خصائص النسائي) عن عليعليهالسلام انَّه كان يقول:
«كان لي منزلة من رسول اللّه لم تكن لأحدٍ من الخلائق كنت أدخلُ على نبي اللّه كلّ ليلة، فاذا كان يصلّي سبَّح فدخلتُ، وإن لم يكن يصلّي أذِن لي فدخلتَ».
وورد فيه أيضاً عن عليعليهالسلام :
«كان لي من النبي مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار».
وروى (النسائي) أيضاً:
«عن ام سلمة: انَّها كانت تقول والذي تحلف به اُم سلمة انَّ أقرب الناس عهداً برسول اللّه علي، قالت: لما كان غداة قُبض رسول اللّه، فأرسل اليه رسول اللّه وأظنه كان بعثه في حاجةٍ، فجعل يقول جاءَ علي؟ ثلاث مرات، فجاء قبل طلوع الشمس، فلما أن جاءَ عرفنا أنّ له اليه حاجة، فخرجنا من البيت، وكنا عند رسول اللّه يومئذٍ في بيت عائشة، وكنت في آخر مَن خرج من البيت، ثم جلست وراء الباب، فكنت أدناهم الى الباب، فاكبَّ عليه عليٌّ فكان آخر الناس به عهداً فجعله يساره ويناجيه»(٣) .
____________________
(١) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، ص: ٤٤، عن تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص: ١٧٠.
(٢) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، ص: ٤٤، عن صحيح الترمذي، ج: ٢، ص: ٢٩٩، وتأريخ الخلفاء للسيوطي، ص:١٧٠.
(٣) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنين، تحقيق: محمد باقر المحمودي، قم، مجمع إحياء الثقافة الاسلامية، ١٤١٢ ه. ق، ج: ١، ص: ٤٥٦ - ٤٥٧ وقد ذكر المحقق في الهامش انَّ مصادر الحديث: النسائي، رقم: ١٥٣ من كتاب خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام ، ص: ٣٨٣ ط بيروت، وأحمد بن حنبل في مسنده، ج: ٦، ص: ٣٠٠ ط ١، ورواه أيضاً عبد اللّه بن محمد المعروف بأبي بكر بن أبي شيبة في فضائل عليعليهالسلام من كتاب المصنَّف، ج: ٦، الورق ١٥٣، ورواه الحاكم في كتاب المستدرك، ج: ٣، ص: ١٣٨ - ١٣٩، وأخرجه أبو نعيم الحافظ بسندين من تأريخ أصفهان، ج: ١، ص: ٢٥٠ ورواه باسانيد الحافظ بن عساكر تحت الرقم (١٠٣٨) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق، ج: ٣، ص: ١٨، ط ٢.
روي عن عائشة انَّها قالت:
«قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا حضرته الوفاة (ادعوا لي حبيبي)، فدعوا له أبا بكر، فنظر إليه، ثم وضع رأسه، ثم قال: (ادعوا لي حبيبي)، فدعوا له عمر، فلمّا نظر اليه، وضع رأسه، ثم قال: (ادعوا لي حبيبي)، فدعوا له علياًعليهالسلام ، فلمّا رآه أدخله في الثوب الذي كان عليه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه»(١) .
وعن ابن عبّاس انَّه قال:
«ان النبي ثقل وعنده عائشة وحفصة إذ دخل عليعليهالسلام ، فلما رآه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم رفعَ رأسَه ثمَّ قال: «ادنُ منّي، ادنُ منّي»، فسنده، فلم يزل عنده حتّى توفي»(٢) .
وفي (خصائص النسائي) أيضاً بسنده عن ابراهيم بن سعد بن ابي وقاص عن أبيه قال:
«كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعنده قوم جلوس، فدخل علي كرَّم اللّه وجهه، فلما دخل خرجوا، فلمّا خرجوا تلاوموا فقالوا: واللّه ما أخرجنا إذ أدخَله، فرجعوا فدخلوا، فقال: واللّه ما أنا أدخلتُه وأخرجتكم، بل اللّه أدخله وأخرجكم»(٣) .
وفي (مناقب الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ) للحافظ الكوفي باسناده عن أبي البختري قال: قال علي:
«بعثني النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الى اليمن، فقلت: يا رسول اللّه تبعثني وأنا شاب، ويكون هناك مما لا علم لي بها، قال: فضربَ بيده الى صدري، وقال: إنَّ اللّه سيهدي قلبكَ، ويثبّتُ
____________________
(١) معالم المدرستين، ج: ١، ص: ٥٢٢، عن الرياض النضرة، ٢ / ٢٣٧ ط. الثانية، مطبعة دار التأليف مصر، وذخائر العقبى، ص: ٧٢.
(٢) مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج: ١، ص: ٥٢٢، عن مجمع الزوائد، ٩ / ٣٦.
(٣) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، عن خصائص النسائي، ص: ٣، والهيثمي في مجمعه، ج: ٩، ص: ١١٥. وقال: رواه البزاز ورجاله ثقات. ومثله في تأريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج: ٥، ص: ٢٩٤.
لسانَكَ!
قال: فقال عليعليهالسلام : والذي فلقَ الحبّة وبرأ النسمة ما تعاييت أن أقضي بينَ خصمين الى الساعة»(١) .
وفي مناقب الامام أمير المؤمنينعليهالسلام للحافظ الكوفي باسناده عن خديجة بنت علي بن الحسين قال: «قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عند ما نزل قوله تعالى( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) (٢) قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : سألت اللّه أن يجعلها اُذنكَ يا علي فجعلها»(٣) .
وفيه أيضاً باسناده عن وهب قال:
«قال رسول اللّه صلى عليه وسلم: يا علي إنَّ اللّه أمرني أن اُدينكَ ولا اُقصيك وأُعلِّمكَ ولا أجفوك، فحقّ عليَّ أن أُعلمك، وحق عليكَ أن تعي»(٤) .
وفيه أيضاً باسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
«ذكرنا عنده علياً فقال: إنكم تذكرونَ رجلاً ربما سمع وطء جبريل فوقَ بيته»(٥) .
وفيه أيضاً باسناده عن أبي اسحق قال:
«بينما سلمان جالس في اُناس من أصحابه إذ مرَّ علي فقال: ما يمنعكم أفلا تقومون
____________________
(١) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ج: ٢، ح: ٥٠١، ص: ١٢، وذكر المحقق في الهامش أنها رويت في تاريخ دمشق: ج ٢، ص: ٤٩٠ - ٤٩٧، ط ٢، ورواه ايضاً الحافظ النسائي بأسانيد من كتاب خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام ، ص: ٩١، ط بيروت، ورواه أيضاً أحمد بن حنبل في مسنده، رقم: ٦٣٦، و ٦٦٦ و ٨٨٤ و ١٣٤١، ١١٤٥، ج: ١، ص: ٨٣ و ٨٨ و ١١١ و ١٥١، وروي في الحديث ١٨٠ من فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام من كتاب الفضائل، ص: ٧١، ط قم.
(٢) الحاقة: ١٢.
(٣) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ج: ١، ح: ٧٩، ص: ١٤٢، قال المحقق في الهامش: وقد رواه الحافظ الحسكاني في تفسير الآية ١٢ من سورة الحاقة تحت الرقم ١٠٠٧، وفي كتاب شواهد التنزيل، ج: ٢، ص: ٢٧١، ط ١.
(٤) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ج: ٢، ص: ٢١، وذكر المحقق من مصادره: الحافظ الحسكاني في تفسير الآية (١٢) من سورة الحاقة، وما بعده من كتاب شواهد التنزيل، ج: ٢، ص: ٢٧١، ط ١.
(٥) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ج: ٢، ح: ١٠٣١، ص: ٥٣٢، وذكر المحقق في الهامش، ورواه ابن عساكر بسند آخر عن عمرو بن ثابت في الحديث (٨٢٧) من ترجمة أمير المؤمنين من تأريخ دمشق: ٢ / ٣١٤ ط ٢.
اليه، فتأخذونَ بحجزته، فواللّه ما أعلمُ أحداً هو أعلم بسرِّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم منه«(١) .
وفيه أيضاً باسناده عن أبي صالح عن عليعليهالسلام قال:
«قلتُ يا رسول اللّه علّمني شيئاً ينفعني قال: قل ربي اللّه ثمَّ استقم، قال: قلتُ: حسبي اللّه وما توفيقي إلا باللّه، فقال: ليهنيك العلم أبا حسن لقد شربت العلم شرباً وثاقبته ثقباً»(٢) .
وجاءَ في علم عليعليهالسلام الذي ورثه عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي يدل على انَّهعليهالسلام كان يخضع لتثقيف رسالي خاص من قبل صاحب الرسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«علمّني رسول اللّه ألف بابٍ من العلم، ففتح لي من كلِّ باب ألف باب»(٣) .
وروي عن أنس انَّه قال:
«قيل: يا رسولَ اللّه، عمَّن نأخذ العلم بعدك؟
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : عن عليٍّ»(٤) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتِ الباب».
«أنا مدينة العلم وعليّ بابها»(٥) .
____________________
(١) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام ، ج: ٢، ح: ١٠٣٢، ص: ٥٣٢، وذكر المحقق في الهامش: وقريباً منه رواه البلاذري في الحديث (٢١٧) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف٢/١٨٣.
(٢) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ج: ٢، ح: ١٠٨٣، ص: ٥٧٢، وذكر المحقق في الهامش: رواه أبو نعيم في ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام من كتاب حلية الاولياء، ج: ١، ص: ٦٥، ورواه ابن عساكر تحت الرقم (١٠٢٨) من ترجمة أمير المؤمنين من تأريخ دمشق، ج: ٢، ص: ٤٩٨، ط ٢.
(٣) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٣، عن السيد أحمد المغربي في فتح الملك العلي، ص: ١٩، والمحدث الهروي في الأربعين، ص: ٤٧ (مخطوط)، والقندوزي في ينابيع المودّة، ص: ٧٢.
(٤) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٣، عن العلامة قطب الدين أحمد شاه في قرّة العينين، ص: ٢٣٤.
(٥) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٢، وقال بعد إيراد الحديثين: هذان الحديثان من الاحاديث المتواترة الصحيحة التي اتفق على روايتها كبار حفّاظ وعلماء الفريقين، واستقصى جلّ مصادرهما في إحقاق الحق، ج: ٥، ص: ٥٠٢ - ٥١٦، و ج: ١٦، ص: ٢٩٨ - ٣٠٩، وج: ٥، ص: ٤٦٩ - ٥٠١، وج: ١٦، ص: ٢٧٧ - ٢٩٧، وج: ٢١، ص: ٤١٥ - ٤٢٨.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «علي خازن علمي»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «علي عيبة علمي»(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «علي باب علمي ومبيِّن لامتي ما اُرسلت به من بعدي»(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «علي وعاء علمي ووصيي وبابي الذي أوتى منه»(٤) .
وجاء في (نهج البلاغة) عنهعليهالسلام مبيناً ارتباطه برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعناية النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم به عناية رسالية خاصة انَّهعليهالسلام قال:
«وقد علمتُم موضعي من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يَضمُّني إلى صدره، ويكنُفُني في فراشه، ويُمِسُّني جسده ويُشمُّني عَرفه، وكان يمَضغُ الشيء ثم يُلقمنيه، وما وجَدَ لي كَذبةً في قولٍ ولا خَطلةً في فِعل، ولقد قَرَن اللّه بهصلىاللهعليهوآلهوسلم من لَدُن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يَسلكُ به طريقَ المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنتُ أَتَّبعه إتّباع الفصيل أَثرَ اُمّه، يرفع لي في كلِّ يومٍ من أخلاقِهِ عَلَماً، ويأمرني بالاقتداءِ به، ولقد كان يجاور في كلِّ سنةٍ بحَراء فأراه، ولا يراه غيري، ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذٍ في الاسلام غير رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نورَ الوحي والرسالة، واُشمُّ ريحَ النبوّة.
ولقد سمعتُ رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقلت: يا رسول اللّه: ما هذهِ الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنَّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى،
إلا انَّك لستَ بنبي، ولكنَّك لوزير وانَّكَ لعلى خير.»(٥) .
____________________
(١) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤١، نقلاً عن ابن أبي الحديد في شرح النهج.
(٢) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤١، عن السيوطي في الجامع الصغير وجمع الجوامع كما في ترتيبه، ج: ٦، ص: ١٠٢، ومصباح الظلام، ج: ٢، ص: ٥٦، وشرح العزيزي، ج: ٢، ص: ٤١٧.
(٣) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٠، عن الديلمي عن أبي ذر كما في كنز العمّال، ج: ٦، ص: ١٥٦، وكشف الخفاء، ج: ١، ص: ٢٠٤.
(٤) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: ٢، ص: ١٤٠، عن كفاية الطالب، ص: ٧٠ و ٩٢، وشمس الاخبار، ص: ٢٩.
(٥) نهج البلاغة: الخطبة / ١٩٢.
وفي (كنز العمال) عن عليعليهالسلام انَّه قال:
«قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الخندق: اللهمَّ انكَ أخذتَ عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أُحد، وهذا عليّ، فلا تدعني فرداً وأنتَ خير الوارثين»(١) .
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام ، عن عليعليهالسلام قال:
«سلوني عن كتاب اللّه عزَّ وجلَّ، فواللّه ما نزلت آية من كتاب اللّه في ليل ولا نهار ولا مسير ومقام إلا وقد أقرأنيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلّمني تأويلها.
فقام اليه ابن الكّوا فقال: يا أمير المؤمنين فما كان ينزل عليه وأنتَ غائب عنه؟
قال: كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا غائب عنه حتى اُقدم عليه فيقرئنيه، ويقول لي: يا علي أنزل اللّه عليَّ بعدَكَ كذا وكذا، وتأويله كذا وكذا، فيعلمني تنزيله وتأويله»(٢) .
٢ - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يسند الى عليعليهالسلام المهام الاسلامية الكبرى
وهنا نحاول أن نستعرض أربعة مواقف رسالية كبيرة ترشّح لها أمير المؤمنينعليهالسلام من بين بقية المسلمين قاطبةً، ونقتصر على هذا المقدار من جملة المواقف الكثيرة التي رقي إليها بطل الاسلام عليعليهالسلام باعداد وتوجيه من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم . الأمر الذي كان يعني انَّ النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم يقوم بعملية إعداد مشهودة للملأ جميعاً للخليفة الذي سيأتي من بعده وينوء بحمل هذهِ الامانة الثقيلة، ويتأهل لاكمال شوط الرسالة بجدارة واقتدار.
ومن غير شك انَّ هذهِ العملية الواعية التي يقوم فيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بتأهيل أمير المؤمنين عليعليهالسلام وترشيحه إليها تصب في اتجاه الفات النظر العام الى موقعه في الاسلام، وتهيئة الارضية الملائمة لترسيخ قاعدة شيعية موالية تؤصّل هذا الموقع، وتستوعبه
____________________
(١) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: ١٠، ح: ٣٠١٠٥، ص: ٤٥٦ وج: ١١، ح: ٣٣٠٣٤، ص: ٦٢٣.
(٢) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ١، ص: ٦١٧، رقم: ١٤٠.
استيعاباً رسالياً معمقاً يتيح لها أن تكون الطليعة الرائدة لحركة التشيع فيما بعد.
والمواقف الاربعة التي تمَّ اختيارها بهذا الصدد هي:
الموقف الاول: مبيت عليعليهالسلام على فراش النبيصلىاللهعليهوآله ليلة الهجرة
فقد جاء (في تفسير الثعلبي):
«انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما أراد الهجرة خلَّف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه، وردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة الخروج الى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار، ونام على فراشه، فقال: يا علي اتّشح ببردي الحضرمي، ثم نم على فراشي، فانَّه لا يخلص اليكَ مكروه إن شاء اللّه.
وفعل ذلك عليعليهالسلام ، فأوحى اللّه عزَّ وجلَّ الى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلتُ عمر أحدكما أطول من الآخر، وأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه اليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنامَ على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا الى الارض، فاحفظاه من عدوِّه، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عن رجله، فقال جبرئيل، بخٍ بخٍ مَن مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللّه بك الملائكةَ، فأنزلَ اللّه تعالى على رسوله وهو متوجه الى المدينة في شأن علي:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفَسَهُ ابتِغاء مَرضاةِ اللّهِ واللّهُ رَؤوفٌ بالعِبادِ ) (١) (٢) .
____________________
(١) البقرة: ٢٠٧.
(٢) القاضي التستري، إحقاق الحق، ج: ٣، ص: ٢٣ - ٣٣، أشار الى قول مجموعة كبيرة من علماء العامة بنزول الآية في عليعليهالسلام منهم أحمد بن حنبل في مسنده، ج: ١، ص: ٣٣١ ط ١ بمصر، والعلامة الطبري في تفسيره، ج: ٩، ص: ١٤٠ ط الميمنية بمصر، والحاكم في المستدرك، ج: ٣، ص: ٤، ط حيدر آباد دكن، والذهبي في تلخيص المستدرك، ج: ٣، ص: ٤ ط حيدر آباد دكن، والعلامة الثعلبي في تفسيره على ما في تفسير اللوامع، ج: ٢، ص: ٣٧٦ ط لاهور، والاصفهاني في كتاب (ما نزل في شأن عليعليهالسلام ) على ما في تفسير اللوامع، ج: ٢ ص: ٣٧٥، والغزالي في الاحياء، وفخر الدين الرازي في تفسيره، ج: ٥، ص: ٢٢٣، ط البهية بمصر، وابن الاثير في اسد الغابة، ج: ٤، ص: ٢٥، ط جمعية المعارف بمصر. إلى غير ذلك من المصادر العامية الكثيرة.
وقد نسب الحاكم في المستدرك هذه الابيات الى أمير المؤمنينعليهالسلام عند مبيته على الفراش:
وقيتُ بنفسي خير مَن وطي الحصى |
ومَن طافَ بالبيت العتيق وبالحجرِ |
|
رسول اللّه خاف أن يمكروا به |
فنجّاه ذو الطول الاله من المكرِ |
|
وبات رسول اللّه في الغارِ آمناً |
موقّى وفي حفظ الاله وفي ستر(١) |
الموقف الثاني: النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يهدد الكفّار بعليعليهالسلام
جاءَ في كتاب (مناقب أمير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام ) للحافظ الكوفي أنَّه قال:
«جاء سهيل بن عمرو الى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا محمد انَّه قد خرج إليكَ اُناس من ارقّائنا ليس بهم للدين تعبّداً، فارددهم علينا، فقال أبو بكر وعمر: صدقَ يا رسول اللّه، فقال النبي: لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم رجلاً منّي، امتحن اللّه قلبه للايمان، يضرب رقابكم على الدين وأنتم مجفّلون عنه إجفال النعم، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال، لا، ولكنَّه خاصف النعل.
قال: وكان في كفِّ عليٍّ نعل يخصفها لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٢) .
الموقف الثالث: النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يدفع الراية لعلي يوم فتح خيبر
____________________
(١) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج: ٣، ص: ٤.
(٢) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ج: ٢، ح: ٥٠٦، ص: ١٦، وأشار المحقق الى رواة الحديث قائلاً: رواه الحافظ ابن عساكر بسنده عن الخطيب ثم باسانيد أخر تحت الرقم (٨٧٣) وما بعده ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام من تأريخ دمشق، ج: ٢، ص: ٣٦٦، ط، ورواه الحافظ النسائي في عنوان (قد امتحن اللّه قلب علي للايمان) تحت الرقم (٣١) من كتاب خصائص عليعليهالسلام ، ص: ٨٥، ط بيروت.
جاءَ في مجمع الزوائد للهيثمي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أنَّه قال:
«قلت لعلي - وكان يسمر معه - انَّ الناس قد أنكروا منكَ أن تخرج في الحرّ في الثوب المحشو، وفي الشتاء في الملاءتين الخفيفتين، فقال علي: أولم تكن معنا بخيبر، قلت: بلى، قال: فانَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا أبا بكر فعقد له لواءً ثم بعثه فسار بالناس، وانهزم حتى إذا بلغ ورجع، فدعا عمر فعقد له لواء فسار ثم رجع منهزماً بالناس، فقال رسول اللّه عليه وآله وسلم: لاُعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسولَه، ويحبُّه اللّه ورسولهُ يفتح اللّهُ له ليس بفرّار، فأرسل إليَّ فأتيته وأنا أرمد لا اُبصر شيئاً، فتفل في عيني وقال: أكفه ألَمَ الحرّ والبرد، فما آذاني حرٌّ ولا برد بعد»(١) .
الموقف الرابع: النبيصلىاللهعليهوآله يسند إلى عليعليهالسلام تبليغ سورة (براءة)
جاء في (روح التشيع) للشيخ (عبد اللّه نعمة) حول اسناد المهام الكبرى لأمير المؤمنينعليهالسلام :
«فاليه أسند مهمة تبليغ سورة (براءة) ليقرأها على أهل مكة في السنة الثامنة للهجرة حين فتح مكة، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم أرسل أولاً أبا بكر لأداء نفس المهمة، فأتبعه بعد ذلك بعلي، وأمره أن يكون المتولي لأداء ذلك، وأمره أن يقوم بها على الناس بمنى ويُرجع أبا بكر، وقال له: أذّن في الناس: أن لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومَن كان له عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عهد فهو له الى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم تنادي، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، ثم لا عهد لمشرك
____________________
(١) مجمع الزوائد للهيثمي، ج: ٩، ص: ١٢٤، وروى الحديث أحمد بن حنبل، الخبر: ١٣٩ في مسنده، ج: ٣، ص: ١٦، ورواه القطيعي في الحديث (١٧٦) في فضائل علي، ورواه ابن عساكر في الحديث ٢٥٦ و ٢٥٧ في ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ١ / ٢١٣ مَعَ اختلاف في التعبير (انظر هامش ص ٤٩٥ - ٤٩٧ من ج: ٢ من كتاب مناقب امير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام بتحقيق: محمد باقر المحمودي).
ولا ذمة، وحمل علياً على ناقته العضباء.
وقد انصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنَزَلَ فيَّ شيء؟ قال: لا إلا انّي أُمرت أن أُبلغه أنا، أو رجل من أهل بيتي»(١) .
٣ - النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوصي المسلمين بموالاة عليعليهالسلام واتّباعه
ومن أشهر النصوص الاسلامية في ذلك نص الغدير الذي قال فيه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أيها الناس ألستُ أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه كيفما دار».
وهذا من أبرز المظاهر التي مارسها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في إرسال قواعد التشيع، ووضع لبنات بنائه الاولى، وأمر المسلمين بالالتفات حول رائد هذهِ المسيرة وحامل لوائها، وموالاته ونصرته. فهل التشيع لعليعليهالسلام غير ذاك؟!
وجاءَ في سنن الترمذي بنفس المعنى عن رسول اللّه انَّه قال:
«إنَّ علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي»(٢) .
وفيه أيضاً عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«مَن كنت مولاه فعلي مولاه»(٣) .
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحق عليعليهالسلام :
____________________
(١) عبد اللّه نعمة، روح التشيع: ص: ٤٥ - ٤٦، استناداً الى التنبيه والاشراف للمسعودي، ص: ٢٣٧، وينابيع المودة، ص: ٨٩، والطبري، ج: ٣، ص: ٥٤، ومن قوله: وقد انصرف. الى قوله: من أهل بيتي، عن خصائص النسائي، ص: ٢٠.
(٢) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب المناقب، الباب: ٢٠، ح: ٣٧١٢، ص: ٥٩١، وجاء في فضائل الخمسة للفيروزآبادي في ج: ٢، ص: ٣، ورواه أحمد في مسنده، ج: ٤، ص: ٤٣٧ باختلاف يسير، وأبو داود في مسنده، ج: ٣، ص: ١١، كذلك وأبو نعيم في حليته، ج: ٦، ص: ٢٩٤ كذلك، والنسائي في خصائصه، ص ١٩ و ص٢٣ كذلك، وفي كنز العمال، ج: ٦، ص: ١٥٤ و ص: ٣٩٩.
(٣) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب المناقب، الباب: ٢٠، ح: ٣٧١٣، ص: ٥٩١.
«هذا وصيي وموضع سري وخير مَن أترك بعدي»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«يا معشر الانصار ألا دلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: هذا علي فاحبّوه بحبّي وأكرموه بكرامتي، فان جبرئيل أمرني بالذي قلتُ لكم من اللّه عزَّ وجلَّ»(٢) .
وجاءَ في حديث الدار المشهور الذي رواه جلُّ المؤرخين بما فيهم الطبري وابن الأثير عند نزول قوله تعالى:( وأَنذِر عَشيرتَكَ الأَقرَبينَ ) (٣) جمع بني عبد المطلب كما تقدَّم ذكر الرواية في صدر الكتاب ثم قال في حق عليعليهالسلام :
«يا بني عبد المطلب إنَّ هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا»(٤) .
وكان النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم يشخص معالم هذا الكيان من خلال الاشارة الى أبرز أعلامه، فقد روي عن أنس انَّه قال:
«جاءَ جبرئيل الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: إنَّ اللّه تبارك وتعالى يحب ثلاثةً من أصحابك يا محمد.
ثم أتاه فقال: يا محمد إنَّ الجنة تشتاق الى ثلاثة من أصحابك.
قال أنس: فأردت أن أسأل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهبتُه، فلقيت أبا بكررضياللهعنه ، فقلتُ يا أبا بكر انّي كنت ورسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وان جبرئيلعليهالسلام قال: يا محمد انَّ الجنة تشتاق إلى ثلاثة
____________________
(١) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: ٢، ص: ٢٨ عن تهذيب التهذيب لابن حجر، ج: ٣، ص: ١٠٦، وكنز العمال، ج: ٦، ص: ١٠٤.
(٢) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: ٢، ص: ١٩٨ - ١٩٩، عن حلية الاولياء لأبي نعيم، ج: ١، ص: ٦٣. وكنز العمال، ج: ٦، ص: ١٥٧، وأخرجه الطبراني، وذكره المحبّ الطبري أيضاً في الرياض النضرة، ج: ٢، ص: ١٧٧.
(٣) الشعراء: ٢١٤.
(٤) مرت الاشارة الى بعض مصادر الحديث في الباب الاول من هذا الكتاب.
(فهل لك أن تدخل فتسأله؟ فقال: انّي أخاف أن أسأله فلا أكون منهم، فيشمت بي قومي!).
ثم لقيت عمررضياللهعنه فقلت له مثل ذلك (فقال لي مثل قول أبي بكر)، ثم لقيت علي بن أبي طالبرضياللهعنه فقلت له كما قلت لأبي بكر وعمر، فقال علي: أنا أسأله (ف) ان كنت منهم حمدت اللّه تبارك وتعالى، وإن لم أكن منهم حمدتُ اللّه تبارك وتعالى.
فدخل على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: إنَّ أنساً حدَّثني انَّ جبرئيل أتاك فقال: انَّ الجنة تشتاق إلى ثلاثة من أصحابك (فمن هم يا نبيَّ اللّه؟) فان كنت منهم حمدتُ اللّه تبارك وتعالى، وان لم أكن منهم حمدت اللّه تبارك وتعالى، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنتَ منهم وعمّار بن ياسر، وسيشهد معكَ مشاهد بَيِّنٌ فضلُها، عظيم أجرها، وسلمان منّا أهل البيت، فاتخذه صاحباً»(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إنَّ اللّه أمرني بحبِّ أربعة، وأخبرني انَّه يحبُّهم، قيل، يا رسول اللّه سمِّهم لنا، قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثاً، وأبو ذر والمقداد وسلمان، أمرني بحبِّهم وأخبرني انَّه يحبّهم»(٢) .
____________________
(١) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ج: ١، ح: ٣٨٩، ص: ٤٨١، ونص الحديث أوردناه عن كشف الاستار، ج: ٤، ص: ١٨٤، رقم (٢٥٢٤) بتفاوت يسير مَعَ حديث المناقب، ورواه ايضاً الهيثمي في مجمع الزوائد، ج: ٩، ص: ١١٨، وقال المحقق المحمودي أنَّ ما بين المعقوفات في الحديث المذكور قد اُسقط من الرواية، وأخذناه من رواية أبي يعلى، ويدل عليه.أيضاً ذيل الحديث، ورواية أبي يعلى نقلها الهيثمي في فضائل علي من كتاب مجمع الزوائد، ج: ٩، ص: ١١٧، ورواه أيضاً المتقي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل، ج: ٥، ص: ١٣٠، ط ١، وليلاحظ الحديث (٦٦٦) وتعليقاته من ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام من تاريخ دمشق، ج: ٢، ص: ١٧٢، ط ٢.
(٢) - الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب المناقب، الباب: ٢٠، ح: ٣٧١٨، ص: ٥٩٤، ورواه في فضائل الخمسة، ج: ٢، ص: ١٨٠ عن ابن ماجة في صحيحه في باب فضائل أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم، ص: ١٤ ورواه الحاكم في مستدرك الصحيحين، في ج: ٣، ص: ١٣٠، ولم يصرّح باسم أبي ذر والمقداد وسلمان، ورواه أحمد بن حنبل أيضاً، ج: ٥، ص: ٣٥١، وأبو نعيم في الحلية، ج: ١، ص: ١٩٠ والهيثمي في مجمعه، ج: ٩، ص: ١٥٥، وذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب، ج: ١٠، ص: ٢٨٦، وابن عبد البر في استيعابه، ج: ١ ص: ٢٨٠، وفي ج: ٢، ص: ٥٥٧.
وروي عن أبي سعيد الخدري انَّه كان يقول:
«إنا كنّا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب»(١) .
ولقد جاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام في ذلك انَّه قال:
«لقد عهد اليَّ النبي الاميصلىاللهعليهوآلهوسلم : انه لا يحبكَ الا مؤمن ولا يبغضكَ الا منافق»(٢) .
٤ - النبيصلىاللهعليهوآله يمهّد للتشيّع عن طريق الوصيّة بأهل البيت (ع)
ولكي يعطي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم للتشيع اُفقه المتكامل ونهجه الصحيح أوصى بأهل البيتعليهمالسلام ، وأمر المسلمين بالرجوع اليهم، ومحبتهم، وموالاتهم من خلال مجاميع غفيرة من الاحاديث التي اتفق على روايتها الفريقان، وسوف ننتخب بعضاً من تلك الاحاديث.
١ - قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما»(٣) .
٢ - عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة:
«يا أيها الناس مَن عرفني فأنا مَن عرفتم، ومَن انكرني، فأنا أبو ذر، سمعت رسولَ اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق»(٤) .
٤ - قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «النجوم أمان لأهل الارض من الغرق، وأهل بيتي
____________________
(١) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب المناقب، باب: ٢٠، ح: ٣٧١٧، ص: ٥٩٣.
(٢) الترمذي، سنن الترمذي، ج: ٥، كتاب المنافق، باب: ٢٠، ح: ٣٧٣٦، ص: ٦٠١.
(٣) مرَّت الاشارة الى بعض مصادر حديث الثقلين في الباب الاول من هذا الكتاب.
(٤) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج: ٢، ص: ٣٤٣.
أمان لامتي من الاختلاف»(١) .
٤ - لما نزل قوله تعالى:( فَقُل تَعالَوا نَدع أَبناءَنا وأَبناءَكُم ) (٢) دعا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال:
«اللهمَّ هؤلاء أهلي»(٣) .
٥ - قالت عائشة: «خرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليه مرط(٤) مرحَّل(٥) من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاءَ الحسين، فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاءَ علي فأدخله، ثم قال:
( إِنمَّا يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنكُم الرّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطهّرَكُم تَطهيراً ) (٦) »(٧) .
٦ - وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «مَن سرَّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن التي غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوالِ وليَّه، وليقتدِ بأهل بيتي من بعدي، فانَّهم عترتي، حُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من اُمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم اللّه شفاعتي»(٨) .
٧ - وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «مَن أحبَّ أهل بيتي فقد استمسكَ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها»(٩) .
٨ - وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا وأبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغاراً،
____________________
(١) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج: ٢، ص: ١٤٩.
(٢) آل عمران: ٦١.
(٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: ٥، كتاب الفضائل، باب فضائل علي، ص: ٢٦٨.
(٤) المِرط: هو الثوب غير المخيط، جمعه مروط.
(٥) مرحَّل: إزار خزّ فيه عَلَم.
(٦) الاحزاب: ٣٣.
(٧) مسلم، صحيح مسلم بشرح النوري، ج: ٥، كتاب الفضائل، باب: فضائل الحسن والحسين، ص: ٢٨٧.
(٨) كنز العمال، ج: ١٢، ح: ٣٤١٩٨، ص: ١٠٣.
(٩) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ج: ٢، ح: ٥٨٩، ص: ١٠١.
وأعلمهم كباراً، فان لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، تُحمدوا وتؤجروا، ولا تستنفروهم فتصرعكم المنية، ويشمت بكم عدوّكم»(١) .
٩ - وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنَّ أهل بيتي منار الهدى والدالّونَ على اللّه عزَّ وجلَّ»(٢) .
١٠ - وورد عن عليعليهالسلام قال: «أمرني رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن اُبايع له الأنصار على أن يمنعوا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مما يمنعون به نفوسهم وذراريهم قال: فلما كثر الناس قال لي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألحق فيها على أن يمنعوا رسول اللّه وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم، قال علي: فالتزمتها رقاب القوم ووفى بها مَن وفى»(٣) .
١١ - وعن زيد بن أرقم أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعلي وفاطمة وحسن وحسين:
«أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم»(٤) .
١٢ - وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إن اللّه أمر الملائكة حتى رفعوا الأرض لي، فنظرت الى جبالها وسهلها وبرِّها وبحرها، ثم أخبرني ربّي من فتنة تصيب اُمتي، كل ذلك حرصاً لها، وجمعاً لها وليس أحد منهم بناجٍ إلا مَن أشغل نفسه بما أمره اللّه، وطلب ما عنده، ولا يخرج من هذه الدنيا إلا بمحبتي ومحبة أهل بيتي وعترتي، ومَن أحبَّنا فقد أحبَّ الله، ومَن أبغضنا أبغضه اللّه»(٥) .
٥ - النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي أطلق اسم (الشيعة) على أتباع أهل البيت (ع)
وردت عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم طائفة من الاحاديث المروية في كتب الفريقين والدالة على أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم علاوةً على رسمه لمسار التشيع، وبيانه لمعالمه العامة، وتشخيصه
____________________
(١) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ج: ٢، ص: ٥٩٥، ص: ١٠٧.
(٢) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ج:٢، ح:٥٩٧، ص: ١٠٨.
(٣) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ج: ٢ ص: ١٦٥، ح: ٦٤٤، قال المحقق في هامشه: ورواه الطبراني في الحديث (١٧٦٦) من المعجم الاوسط، ج: ٢، ص: ٤٤٣، ط ١.
(٤) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين، ج: ٢، ح: ٦٤٨، ص: ١٦٩.
(٥) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين، ج: ٢، ح: ٦٤٦، ص: ١٦٨.
لروّاده وأعلامه كما مرَّ معنا سابقاً، فقد وردت جملة اُخرى من الاحاديث التي رواها الفريقان عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتي يُطلق فيها اسم (الشيعة) على أتباع علي وأهل بيتهعليهمالسلام ومواليهم، وأنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو أول مَن وضع هذا الاسم لهذا الكيان، وجعله يتبلور على هذا الأساس.
وسوف نقوم باستعراض قسم من هذهِ الاحاديث فيما يلي:
١ - قال (السيوطي) في (الدر المنثور) في تفسير قوله تعالى:( أُولئكَ هُم خَيرُ البريَّةِ ) (١) :
«أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأقبل علي، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : والذي نفسي بيده إنَّ هذا وشيعته لهم الفائزونَ يوم القيامة، قال: وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال لي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألم تسمع قول اللّه( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُم خَيرُ البَريَّة ) (٢) .أنتَ وشيعتُكَ، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الامم للحساب تدعون غرّاً محجلين»(٣) .
٢ - ونقل (ابن الاثير) في (النهاية) ما نصه: «وفي حديث عليعليهالسلام : ستقدم على اللّه أنتَ وشيعتُكَ راضين مرضيين، ويقوم عليك عدوّك غضاباً مقمحين، ثم جمع يده الى عنقه، يريهم كيف الاقماح»(٤) .
ثم فسَّر (ابن الاثير) الاقماح في الحديث برفع الرأس وغض البصر، يُقال أقمحه الغل إذا تركَ رأسه مرفوعاً من ضيقه»(٥) .
٣ - وروى (المغازلي) بسنده عن أنس بن مالك قال:
____________________
(١) البينة: ٧.
(٢) البينة: ٧.
(٣) هاشم الموسوي، التشيع. نشأته، معالمه، ص: ٢٧، عن جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج: ٦، ص: ٣٧٩.
(٤) هاشم الموسوي، التشيع. نشأته، معالمه، ص: ٢٧، عن ابن الاثير في النهاية في غريب الحديث والأثر، ج: ٤، ص: ١٠٦، باب (القاف مَعَ الميم).
(٥) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٢٣.
«قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يدخل من اُمتي الجنّة سبعونَ ألف لا حساب عليهم، ثم التفتَ إلى علي فقال: هم شيعتُكَ وأنتَ إمامهم»(١) .
٤ - وعن سليمان الاعمش عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
«أتاني جبرئيلعليهالسلام فقال: تختّموا بالعقيق، فانَّه أول حجر شهد للّه بالوحدانية، ولي بالنبوة، ولعلي بالوصية، ولولدِه بالامامة، ولشيعته بالجنّة»(٢) .
٥ - ونقل (الشبلنجي) أنَّ ابن عباس قال: لما نزلت هذه، الآية:( إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وُعَمِلوا الصّالِحاتِ وأُولئكَ هُم خَيرُ البرِيَّة ) (٣) ، قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي:
«أنتَ وشيعتَك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي اعداؤكَ غضاباً مقمحين»(٤) .
٦ - وأخرج (الديلمي) عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال لعليعليهالسلام :
«أنتَ وشيعتُكَ تردونَ عليَّ الحوضَ رواء مرويين، مبيضة وجوهكم، وانَّ عدوّكَ يردونَ على الحوضَ ظماء مقمحين»(٥) .
٧ - وقال (ابن حجر): الآية الحادية عشر قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُم خَيرُ البَرِيَّة ) .
«أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس، انَّ هذه الآية لمّا نزلت قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: «هو أنتَ وشيعتُكَ تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين»(٦) .
____________________
(١) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٤ - ١٠٥، عن مناقب المغازلي، ص: ٢٩٣.
(٢) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٥، عن مناقب المغازلي، ص: ٢٨١، ورواه السيد البحراني في غاية المرام.
(٣) البينة: ٧.
(٤) هاشم الموسوي، التشيع. نشأته، معالمه، ص: ٢٧، عن الشبلنجي في (أنوار الابصار في مناقب آل بيت النبي المختار) ص: ٨٧.
(٥) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٤، عن الصواعق المحرقة، ص: ٩٦.
(٦) هاشم الموسوي، التشيع. نشأته، معالمه، ص: ٢٨، عن ابن حجر في الصواعق المحرقة، ص: ٩٦.
٨ - وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا علي أول أربعة يدخلون الجنة أنا وانت والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(١) .
٩ - وفي (الصواعق المحرقة) عن ام سلمة قالت:
«كانت ليلتي، وكان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عندي، فأتته فاطمة، فتبعها علي -رضياللهعنه ما - فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا علي أنتَ وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتُكَ في الجنّة»(٢) .
١٠ - وروى (الزمخشري) في (بيع الأبرار) انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
« يا علي إذا كان يوم القيامة أخذتُ بحجزة اللّه تعالى، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم، فترى أين يأمر بنا»(٣) ؟!
وجاء في (توحيد الصدوق) باسناده عن محمد بن الحنفية عن أمير المؤمنينعليهالسلام :
«انَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة آخذ بحجزة اللّه، ونحن آخذون بحجزة نبينا، وشيعتنا آخذون بحجزتنا، قلت: يا أمير المؤمنين وما الحجزة؟ قال: اللّه أعظم من أن يوصف بالحجزة أو غير ذلك، ولكن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم آخذ بأمرِ اللّه، ونحن آل محمد آخذون بأمر نبينا، وشيعتنا آخذون بأمرنا»(٤) .
١١ - وروى (أحمد) في (المناقب) انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليعليهالسلام :
«أما ترضى انكَ معي في الجنة والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(٥) .
١٢ - وأخرج (الديلمي) عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال:
«يا علي انَّ اللّه قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك،
____________________
(١) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: ٢٣.
(٢) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، عن الصواعق المحرقة، ص: ٩٦.
(٣) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٤، عن ربيع الابرار، ج: ١، ص: ٨٠٨.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٣، ح: ١ وح: ٢، ص: ١٦٥.
(٥) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٤، عن الصواعق المحرقة، ص: ٩٦.
فأبشر فانكَ الانزع البطين»(١) .
١٣ - جاءَ في (مروج الذهب) ل(المسعودي):
«إنَّ العباس بن عبد المطلب قال: كنت عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه النبي أسفر في وجهه، فقلت: يا رسول اللّه إنَّك لتسفر في وجه هذا الغلام، فقال: يا عمّ رسول اللّه، واللّه للّه أشد حبّاً له منّي، انَّه لم يكن نبي الا وذريته الباقية بعده من صلبه، وانَّ ذريتي بعدي من صلب هذا، إنَّه إذا كانَ يوم القيامة، دعي الناس بأسمائهم وأسماء اُمهاتهم ستراً من اللّه عليهم، إلا هذا وشيعته فانّهم يُدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم لصحة ولادتهم»(٢) .
١٤ - أخرج (ابن عساكر) عن جابر بن عبد اللّه قال:
«كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقبل علي، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : والذي نفسي بيده إنَّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُم خَيرُ الَبرَّيةِ ) (٣) ، فكان أصحاب النبي إذا أقبل علي قالوا: جاءَ خيرُ البرّية»(٤) .
وقد أخرج (ابن مردويه) عن عائشة انها قالت:
«يا رسول اللّه مَن أكرم الخلق على اللّه، قال: يا عائشة أما تقراين:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُم خَيرُ الَبريَّةِ ) (٥) .
كما وأخرج (ابن عدي) و(ابن عساكر) عن أبي سعيد مرفوعاً:
«علي خير البريّة»(٦) .
____________________
(١) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٤، عن الصواعق المحرقة، ص: ٩٦.
(٢) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، عن مروج الذهب للمسعودي، ج: ٢، ص ٤٢٨، عن كتاب «الأخبار» لأبي الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي.
(٣) البينة: ٧.
(٤) جعفر السبحاني في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٣، عن الدر المنثور، ٦ / ٣٧٩.
(٥) جعفر السبحاني في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٣، عن الدر المنثور، ٦ / ٣٧٩.
(٦) جعفر السبحاني في الملل والنحل، ج: ٦، ص: ١٠٣، عن الدر المنثور، ٦ / ٣٧٩.
الفصل الثاني : عرض روائي لدور أهل البيتعليهمالسلام في مواجهة الابتداع
دور أهل البيتعليهمالسلام في مواجهة الابتداع - عرض روائي -
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«إنَّ للّه عند كل بدعة تكون بعدي يُكاد بها الايمان ولياً من أهل بيتي موكّلاً به، يذبُّ عنه ينطق بالهامٍ من اللّه، ويعلن الحق وينوره، ويردّ كيد الكائدين، ويعبّر عن الضعفاء، فاعتبروا يا اُولي الابصار وتوكلوا على اللّه»(١) .
في هذا الفصل نحاول أن نتعرض إلى مجمل الدور الذي تحمل أعباءَه أهل البيتعليهمالسلام في مواجهة البدع ومحدثات الامور، من خلال عرض مجموعة من النصوص الواردة عنهمعليهمالسلام بهذا المجال، وسوف نقتصر في ذلك على النصوص التي عالجت أهم البدع ارتكازاً واكثرها شيوعاً والتي تتعلق في الغالب بجانب الاعتقادات، وأما المواقف الجبّارة التي قام بها أهل البيتعليهمالسلام في مواجهة كل ظاهرة دخيلة على التشريع وغير منسجمة مَعَ المبادئ الاسلامية الصحيحة، والدفاع عن كيان الاسلام بمختلف الوسائل ومن مختلف المواقع والادوار، وخصوصاً مواقف بطل الاسلام علي بن أبي طالبعليهالسلام ودوره في قمع بدع الخوارج وأهل الاهواء والضلال، ودور ثورة الامام الحسينعليهالسلام في تثبيت دعائم الدين وأركانه. والمواقف الرسالية الاخرى لأئمة أهل البيتعليهمالسلام . فهو ما لا يسعنا بيانه في هذا العرض العاجل.
____________________
(١) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، باب: البدع، ج: ٦٦٩، ص: ٣٢٩.
الجبر والتفويض والقضاء والقَدَر
١ - عن ابي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام قالا:
«انّ اللّه عزَّ وجلَّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمَّ يعذبهم عليها، واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون.
فُسئلاعليهماالسلام : هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا:
- نعم، أوسع مما بين السماءِ والأرض»(١) .
٢ - عن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام انَّه قال:
«إنَّ اللّه تبارك وتعالى أكرم من أن يكلِّف الناس ما لا يطيقونه، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»(٢) .
٣ - عن ابي عبد اللّه الصادقعليهالسلام انَّه قال:
«انَّ الناسَ في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنَّ اللّه عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أنَّ الأمر مفوَّض اليهم، فهذا قد أوهنَ اللّه في سلطانه فهو كافر، ورجل يزعم أنَّ اللّه كلَّف العباد ما يطيقون ولم يكلِّفهم ما لا يطيقون، وإذا أحسنَ حمدَ اللّه، وإذا أساءَ استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ»(٣) .
٤ - عن محمد بن عجلان قال: قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
«فوَّض اللّهُ الأمرَ إلى العباد؟ فقال: اللّه اكرم من أن يفوِّض اليهم، قلتُ: فأجبر اللّه العباد على أفعالهم؟ فقال: اللّهُ أعدل من أن يجبر عبداً على فعلٍ ثم يعذّبه عليه»(٤) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٩، ح: ٣، ص: ٣٦٠.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد: باب: ٥٩، ح: ٤، ص: ٣٦٠.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٩، ح: ٥، ص: ٣٦٠ - ٣٦١.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٩، ح: ٦، ص: ٣٦١.
٥ - عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال ذُكِر عنده الجبر والتفويض، فقالعليهالسلام : «ألا اُعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه، ولا تخاصمونَ عليه أحداً الا كسرتموه.
قلنا: إن رأيتَ ذلك، فقالعليهالسلام :
- انَّ اللّه عزّ وجلّ لم يُطَع باكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يُهمل العبادَ في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادرعلى ما أقدرهم عليه، فان ائتمر العبادُ بطاعته لم يكن اللّه عنها صادّاً، ولا منها مانعاً، وان ائتمروا بمعصيتة فشاء أن يحول بينهم وبينَ ذلك فَعَل، وان لم يحل وفعلوه، فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثم قالعليهالسلام :
- مَن يضبط حدود هذا الكلام فقد خَصَم مَن خالفه«(١) .
٦ - عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّهعليهالسلام انَّه قال:
«لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بينَ أمرين، قال: قلت:
وما أمر بينَ أمرين؟ قالعليهالسلام :
- مثلُ ذلك مثلُ رجلٍ رأيتَه على معصيةٍ فنهيته فلم ينتهِ فتركته، ففعل تلكَ المعصية، فليس حيث لم يقبل منكَ فتركته أنتَ الذي أمرته بالمعصية»(٢) .
٧ - عن الامام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام :
«إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا يكلِّف نفساً الا وسعها، ولا يحمّلها فوقَ طاقتها، ولا تكسب كلّ نفسٍ إلا عليها، ولا تزر وازرةٌ وزرَ اُخرى»(٣) .
٨ - عن الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال: «سألته فقلت له:
- اللّه فوَّضَ الأمرَ الى العباد؟ قالعليهالسلام :
- اللّه أعزّ من ذلك، قلتُ:
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٩، ح: ٧، ص: ٣٦١.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٩، ح: ٨، ص: ٣٦٢.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٩، ح: ٩، ص: ٣٦٢.
- فأجبرهم على المعاصي؟ قالعليهالسلام :
- اللّه أعدل وأحكم من ذلك. ثم قالعليهالسلام :
- قال اللّهُ عزّ وجلّ: يا ابنَ آدم أنا أولى بحسناتكَ منكَ، وأنتَ أولى بسيئاتكَ منّي، عملتَ المعاصي بقوتي التي جعلتُها فيك»(١) .
٩ - من محاورات: الزنديق مَعَ أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام أنه قال له:
- «فأخبرني عن اللّه عزّ وجلّ كيف لم يخلق الخلق كلهم مطَّيعين موحدين وكان على ذلك قادراً؟ فقالعليهالسلام :
- لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب، لأنَّ الطاعة إذاً ما كانت فعلهم، ولم تكن جنة ولا نار، ولكن خلقَ خلقه، فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، واحتجَّ عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه، ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إيّاه العقاب. قال:
- فالعمل الصالح من العبد هو فعَلَه؟ والعمل الشرّ من العبد هو فعله؟ قالعليهالسلام :
- العمل الصالح العبد يفعله واللّه به أمره، والعمل الشرّ العبد يفعله واللّه عنه نهاه، قال:
- أليس فعَلَه بالآلة التي ركَّبها فيه؟ قالعليهالسلام :
- نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشرّ الذي نهاه عنه.
فقال:
- فالى العبد من الأمرِ شيء؟ قالعليهالسلام :
- ما نهاه اللّه عن شيء إلا وقد علم انَّه يطيق تركه، ولا أمره بشيء الا وقد علم انَّه يستطيع فعله، لانّه ليسَ من صفته الجور، والعبث، والظلم، وتكليف العباد ما لا
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٥٩، ح: ١٠، ص: ٣٦٢ - ٣٦٣.
يطيقون«(١) .
١٠ - قال أبو حنيفة:
«حججتُ في أيام أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام ، فلما أتيت المدينة دخلتُ داره فجلستُ في الدهليز انتظر إذنه، إذ خرج صبي يدرج، فقلت:
- يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ قال:
- على رسلكَ، ثمَّ جلسَ مستنداً إلى الحائط ثم قال: توقَّ شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، وأفنية المساجد، وقارعة الطريق، وتوار خلف جدار، وشلَّ ثوبكَ ولا تستقبل القبلة، ولا تستدبرها، وضع حيث شئت.
فأعجبني ما سمعتُ من الصبي، فقلت له:
- ما اسمكَ، فقال:
- أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقلت له:
- يا غلام ممَّن المعصية؟ فقال:
- إنَّ السيئات ل اتخلو من إحدى ثلاث: إمّا أن تكون من اللّه - وليست منه - فلا ينبغي للربِّ أن يعذِّبَ العبدَ على ما لا يرتكب، وإما أن تكون منه ومن العبد - وليست كذلك - فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، وإما أن تكون من العبد - وهي منه - فان عفا فبكرمه وجوده، وان عاقبَ فبذنب العبد وجريرته.
قال أبو حنيفة: فانصرفتُ ولم ألقَ أبا عبد اللّهعليهالسلام ، واستغنيتُ بما سمعت»(٢) .
١١ - روى محمد بن سنان عن داود الرقي انَّه قال:
«انَّ أبا حنيفة قال لابن أبي ليلى: مر بنا إلى موسى بن جعفرعليهالسلام لنسأله عن
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ١٠، باب: ١٣، ح: ٢، ص: ١٧٠ - ١٧١.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ١٠، باب: ١٦، ح: ١٦، ص: ٢٤٧.
أفاعيل العباد، وذلكَ في حياة الصادقعليهالسلام ، وموسىعليهالسلام يومئذٍ غلام، فلَّما صارا إليه سلَّما عليه، ثم قالا له:
- أخبرنا عن أفاعيل العباد ممَّن هي؟ فقال لهما:
- إن كانت أفاعيل العباد من اللّه دون خلقه، فاللّه أعلى وأعزّ من أن يعذّب عبيده على فعلٍ قد شاركهم فيه، وإن كانت أفاعيل العباد من العباد، فان عذَّبَ فبعدله، وإن غفر فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، ثم أنشأ يقول:
لم تخل أفعالنا اللاتي نُذمُّ بها |
احدى ثلاث معانٍ حين نأتيها |
|
إما تفرَّد بارينا بصنعتها |
فيسقط الذم عنّا حينَ ننشيها |
|
أو كان يشركنا فيها فيلحقه |
ما سوفَ يلحقنا من لائمٍ فيها |
|
أو لم يكن لالهي في جنايتها |
ذنبٌ فما الذنب إلا ذنب جانيها |
١٢ - وجاءَ في شرح العقائد للمفيد:
«روي عن أبي الحسن الثالثعليهالسلام أنَّه سُئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة للّه تعالى؟ فقالعليهالسلام :
- لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها، وقد قال سبحانه:( أنَّ اللّهَ برَيءٌ مِنَ المُشرِكينَ ) (١) ، ولم يُرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم»(٢) .
١٣ - وفي الاحتجاج فيما سأله عباية بن ربعي الأسدي عن أمير المؤمنين عليعليهالسلام في معنى الاستطاعة:
«فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : تملكها من دون اللّهِ أو مَعَ اللّه؟
فسكت عباية بن ربعي، فقال لهعليهالسلام :
- قل يا عباية، فقال:
____________________
(١) التوبة: ٣.
(٢) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج: ١، ص: ١٠٠، عن شرح العقائد للمفيد، ص: ١٣.
- وما أقول يا أمير المؤمنين؟ قالعليهالسلام :
- تقول تملكها باللّه الذي يملكها من دونك، فان ملككها كان ذلكَ من عطائه، وإن سلبكها كان ذلكَ من بلائه، وهو المالك لما ملَّكك، والقادر على ما عليه أقدرك»(١) .
١٤ - وروي في الطرائف أنَّ رجلاً سمع جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام عن القضاء والقدر فقالعليهالسلام :
«ما استطعتَ أن تلومَ العبدَ عليه فهو منه، وما لم تستطيع أن تلوم العبد عليه فهو فعل اللّه، ويقول اللّه للعبد: لِمَ عصيتَ؟ لِم فسقتَ؟ لِمَ شربتَ الخمرَ؟ لم زنيتَ؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول له: لِمَ مرضتَ؟ لِمَ قصرتَ؟ لم ابيضضتَ؟ لِمَ اسوددتَ؟ لأنَّه من فعل اللّه تعالى؟(٢) .
١٥ - وسئل أميرُ المؤمنينعليهالسلام عن التوحيد والعدل، فقالعليهالسلام :
«التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمّه»(٣) .
١٦ - عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه عن جدِّه عليعليهالسلام قال:
«دخلَ رجل من أهل العراق على أمير المؤمنينعليهالسلام فقال:
- أخبرنا عن خروجنا الى أهل الشام أبقضاءٍ من اللّه وقَدرَ؟ فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام :
- أجل يا شيخ، فواللّه ما علوتم تلعةً ولا هبطتم بطن وادٍ إلا بقضاءٍ من اللّه وقَدرَ، فقال الشيخ:
- عند اللّهِ احتسبُ عنائي يا أمير المؤمنين! فقالعليهالسلام :
- مهلاً يا شيخ، لعلَّكَ تظن قضاءً حتماً وقدراً لازماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعيد والوعد، ولم يكن على مُسيءٍ
____________________
(١) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، ج: ١، ص: ١٠٠، عن الاحتجاج، ج: ٢، ص: ٥٥٥.
(٢) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، ج: ١، ص: ١٠٣، عن طرائف الحكم، ص: ٣٤٠.
(٣) نهج البلاغة: قصار الحكم / الحكمة: ٤٧٠.
لائمةٌ، ولا لمحسنٍ محمدةٌ، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالاحسانمن المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وقدرية هذهِ الامة ومجوسها.
يا شيخ إنَّ اللّه عزّ وجلّ كلَّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطع مكرها، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلكَ ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.
قال: فنهضَ الشيخ وهو يقول:
أنتَ الامام الذي نرجو بطاعته |
يومَ النجاة من الرحمن غفراناً |
|
أوضحتَ من ديننا ما كان ملتبساً |
جزاكَ ربُّكَ عنّا فيه إحساناً»(١) |
١٧ - عن علي بن موسى الرضاعليهالسلام عن آبائه عن عليعليهالسلام قال:
«الاعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي، وأمّا الفرائض فبأمرِ اللّه عزّ وجلّ، وبرضى اللّه، وقضاءِ اللّه، وتقديره، ومشيئته، وعلمه، وأمّا الفضائل فليست بأمرِ اللّه، ولكن برضى اللّه، وبقضاءِ اللّه، وبقدر اللّه، وبمشيئته، وبعلمه، وأمّا المعاصي فليست بأمرِ اللّه، ولكن بقضاءِ اللّه وبقدر اللّه، وبمشيئته، وبعلمه، ثم يعاقب عليها»(٢) .
١٨ - عن الأصبغ بن نباتة قال:
«انَّ أمير المؤمنينعليهالسلام عدَلَ من عندِ حائطٍ مائلٍ الى حائط آخر، فقيل له:
- يا أمير المؤمنين، أتفرُّ من قضاءِ اللّه؟ فقالعليهالسلام :
- أفرُّ من قضاءِ اللّه الى قدرِ اللّه عزّ وجلّ»(٣) .
١٩ - عن سفيان بن عيينة عن الزهري قال:
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٠، ح: ٢٨، ص: ٣٨٠.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٠، ح: ٩، ص: ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٠، ح: ٨، ص: ٣٦٩.
«قال رجل لعلي بن الحسينعليهالسلام :
- جعلني اللّه فداك أبقدرٍ يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟ فقالعليهالسلام :
- انَّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير جسدٍ لا تحس، والجسد بغير روحٍ صورة لا حراكَ بها، فإذا اجتمعا قويا وصلحا، كذلك العمل والقدر، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يُعرف الخالق من المخلوق، وكانَ القدر شيئاً لا يُحس، ولو لم يكن العمل بموافقةٍ من القدر لم يمضِ ولم يتمّ، ولكنهما باجتماعها قويا، وللّه فيه العون لعبادِه الصالحين، ثم قالعليهالسلام :
- الا انَّ من أجور الناس من رأى جوره عدلاً، وعدل المهتدي جوراً، ألا انَّ للعبد أربعة أعين: عينان يبصر بهما أمرَ آخرته، وعينان يبصر بهما أمرَ دنياه، فإذا أراد اللّه عزَّ وجل بعبدٍ خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب، وإذا أراد غير ذلك تركَ القلبَ بما فيه.
ثم التفتعليهالسلام الى السائل عن القدر، فقال:
- هذا منه، هذا منه»(١) .
٢٠ - وروي في طرائف الحكم:
«انَّ الحجاج بن يوسف كتب الى الحسن البصري، والى عمرو بن عبيد، والى واصل بن عطاء، والى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل اليهم في القضاء والقدر.
فكتب إليه الحسن البصري:
- انَّ أحسن ما انتهى إليَّ ما سمعتُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام انه قال: «أتظنُّ أنِّ الذي نهاكَ دهاكَ؟ وانما دهاك أسفلكَ وأعلاك، واللّه بريء من ذلك».
وكتب إليه عمرو بن عبيد:
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦٠، ح: ٤، ص: ٣٦٦ - ٣٦٧.
- أحسن ما سمعتُ في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام :
«لو كان الزور في الأصل محتوماً، لكان المزوِّر في القصاص مظلوماً».
وكتب إليه واصل بن عطاء:
- أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام :
«أيدلُّكَ على الطريق، ويأخذ عليكَ المضيق»؟.
وكتبَ اليه الشعبي:
- أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام :
«كلّما استغفرت اللّهَ منه فهو منكَ، وكلّما حمدتَ اللّه عليه فهو منه».
فلما وصلت كتبهم الى الحجاج، ووقف عليها قال:
- لقد أخذوها من عين صافية»(١) .
٢١ - وروي انه سئل أمير المؤمنينعليهالسلام عن القضاء والقدر فقال:
«لا تقولوا: وَكَلهم اللّه الى أنفسهم فتوهنوه، ولا تقولوا أجبرهم على المعاصي فتظلموه، ولكن قولوا: الخير بتوفيق اللّه، والشرّ بخذلان اللّه، وكلّ سابق في علم اللّه»(٢) .
٢٢ - وروي أنَّ رجلاً قال لأمير المؤمنينعليهالسلام :
- «فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟ فقالعليهالسلام :
- الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية، والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، كلّ ذلك قضاء اللّه في أفعالنا، وقدره لأعمالنا، وأما غير ذلك فلا تظنّه، فانَّ الظن له محبط للاعمال.
____________________
(١) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج: ١، ص: ١٠٣، عن طرائف الحكم، ص: ٣٢٩.
(٢) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ١، رقم: ١٢٢، ص: ٤٩٢ - ٤٩٣.
فقال الرجل: فرَّجتَ عني يا أمير المؤمنين فرَّج اللّه عنكَ»(١) .
٢٣ - روي انَّ المأمون سأل الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام عن قوله تعالى:
( وَلَو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَن في الأَرضِ كُلُّهُم جَميعاً أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتّى يَكونُوا مُؤمِنينَ*وَما كَانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلا بإِذنَ اللّهَ ) (٢) . فقال الرضاعليهالسلام :
-«حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالبعليهالسلام قال: إنَّ المسلمين قالوا لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أكرهتَ يا رسولَ اللّه مَن قدرتَ عليه من الناس على الاسلام، لكثر عددنا، وقوينا على عدوِّنا، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما كنتُ لألقى اللّه عزّ وجلّ ببدعةٍ لم يُحدث إليَّ فيها شيئاً، وما أنا من المتكلّفين، فأنزلَ اللّهُ عزّ وجلّ عليه: يا محمد( وَلَو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَن في الأَرضِ كُلُّهُم جَميع ) على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا كما يؤمنون عند المعاينة، ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلكَ بهم لم يستحقّوا منّي ثواباً ولا مدحاً، ولكنّي اُريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرّين، ليستحقوا منّي الزلفى، والكرامة، ودوام الخلود في جنّة الخلد( أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤمِنينَ ) .
وأمّا قوله عزّ وجلّ:( وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلا بإِذنِ اللّهِ ) ، فليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها، ولكن على معنى أنَّها ما كانت لتؤمن إلا باذن اللّه، وإذنُه: أمُره لها بالايمان ما كانت مكلّفة متعبدة، والجاؤُهُ إياها إلى الايمان عند زوال التكليف والتعبدّ عنها.
فقال المأمون:
- فرَّجتَ عنّي يا أبا الحسن، فرَّجَ اللّهُ عنكَ»(٣) .
____________________
(١) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ١، رقم: ١٢١، ص: ٤٩٢.
(٢) يونس: ٩٩ - ١٠٠.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ١٠، باب: ١٩، ح: ٤، ص: ٣٤٢ - ٣٤٣.
القياس والرأي
١ - عن ابي عبد اللّه الصادقعليهالسلام قال:
«انَّ أصحابَ المقاييس طلبوا العلم بالمقائيس، فلم تزدهم المقائيس من الحق الا بعداً، وانَّ دينَ اللّه لا يُصاب بالمقائيس»(١) .
٢ - وعن يونس بن عبد الرحمن قال:
«قلتُ لأبي الحسن الأولعليهالسلام : بما اُوحّد اللّه؟ فقال:
- يا يونس لا تكونن مبتدعاً، مَن نظر برأيه هلكَ، ومَن ترك أهل بيت نبيِّه ضلَّ، ومَن تركَ كتابَ اللّه وقول نبيه كفر»(٢) .
٣ - وعن أمير المؤمنينعليهالسلام انَّه قال:
«لا رأي في الدين»(٣) .
٤ - وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انَّه قال:
«إنَّ السنة لا تُقاس، وكيف تقاس السنة، والحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة»(٤) .
٥ - وعن سعيد الاعرج قال:
«قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
- انَّ مَن عندنا ممن يتفقّه يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب اللّه، ولا في السنة، نقول فيه برأينا؟ فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام :
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ٧، ص: ٥٦.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١٠، ص: ٥٦.
(٣) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ح: ٧٨، ص: ٣٣٣.
(٤) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ح: ٩٥، ص: ٣٣٨.
- كذبوا، ليس شيء إلا وقد جاءَ في الكتاب، وجاءت فيه السنة»(١) .
٦ - وعن أبي بصير قال:
«قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
- ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنّة، فننظر فيها؟ فقالعليهالسلام :
- لا، أما انكَ ان أصبتَ لم تؤجرَ، وان أخطأتَ كذبتَ على اللّه عزّ وجلّ»(٢) .
٧ - وعن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّهعليهالسلام انَّه قال:
«انَّ السنة لا تقاس، ألا ترى انَّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟ يا أبانٌ إِنَّ السنّة إذا قيست مُحق الدين»(٣) .
٨ - وعن عثمان بن عيسى قال:
«سألت أبا الحسن موسىعليهالسلام عن القياس، فقال:
- ما لكم والقياس، انَّ اللّه لا يسأل كيف أحلَّ وكيف حرَّم»(٤) .
٩ - وروي عن سماعة انّه قال:
«قلت لأبي الحسنعليهالسلام :
- إنَّ عندنا مَن قد أدركَ أباكَ وجدَّكَ، وانّ الرجل منّا يبتلى بالشيء لا يكون عندنا فيه شيء، فيقيس؟ فقالعليهالسلام :
- انما هلكَ مَن كانَ قبلكم حينَ قاسوا»(٥) .
١٠ - وروي عن عليعليهالسلام انَّه قال:
«مَن نصبَ نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، ومَن دانَ اللّهَ بالرأي لم يزل
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٤٧، ص: ٣٠٤.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١١، ص: ٥٦.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١٥، ص: ٥٧.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١٦، ص: ٥٧.
(٥) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، ح: ٨٦، ص: ٣٣٥.
دهره في ارتماس»(١) .
١١ - وعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انه قال:
«مَن أفتى الناسَ برأيه، فقد دانَ اللّه بما لا يعلم، ومَن دانَ اللّهَ بما لا يعلم، فقد ضادَّ اللّهَ حيث أحلَّ وحرَّم فيما لا يعلم»(٢) .
١٢ - وعن عيسى بن عبد اللّه القرشي قال:
«دَخَل أبو حنيفة على أبي عبد اللّهعليهالسلام ، فقال له:
- يا أبا حنيفة! بلغني انَّكَ تقيس؟ قال:
- نعم، فقالعليهالسلام :
- لا تقس، فانَّ أول مَن قاس ابليس حين قال: خلقتني من نارٍ وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نوريّة آدم بنوريّة النار، عرف فضل ما بينَ النورين، وصفاء أحدهما على الآخر»(٣) .
١٣ - عن عبد الرحمن بن سالم قال:
«دخل ابن شبرمة وأبو حنيفة على الصادقعليهالسلام ، فقال لأبي حنيفة:
- اتقِ اللّه ولا تقس الدين برأيكَ، فانَّ أول مَن قاسَ ابليس، إذ أمره اللّه تعالى بالسجود، فقال: أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين، ثم قالعليهالسلام :
- هل تُحسن أن تقيس رأسكَ من جسدك؟ قال:
- لا، فقالعليهالسلام :
- فأخبرني عن الملوحة في العينين، والمرارة في الاذنين، والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين، لأي شيء جعل ذلك؟ قال:
- لا أدري، فقالعليهالسلام :
____________________
(١) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١٧، ص: ٥٧ - ٥٨.
(٢) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ١٧، ص: ٥٨.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: ٢٠، ص: ٥٨.
- إنَّ اللّه تعالى خلقَ العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما منّاً على بني آدم، ولولا ذلكَ لذابتا، وجعل المرارةَ في الاذنين منّاً منه على بني آدم، ولولا ذلك لقحمت الدّواب فأكلت دماغه، وجعل الماء في المنخرين ليصعد النفس وينزل، ويجد منه الريح الطيّبة والرديئة، وجَعَل العذوبة في الشفتين ليجد ابنُ آدم لذّة مطعمه ومشربه.
ثم قالعليهالسلام له:
- أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها ايمان، قال:
- لا أدري، فقالعليهالسلام :
- لا اله الا اللّه، ثم قالعليهالسلام :
- أيّما أعظم عند اللّه تعالى: القتل أو الزنا؟ فقال: بل القتل، قالعليهالسلام :
- فانَّ اللّه تعالى قد رضي في القتل بشاهدين، ولم يرضَ في الزنا إلا بأربعة.
ثم قالعليهالسلام :
- إنَّ الشاهد على الزنا شهد على اثنين، وفي القتل على واحد، لأنَّ القتل فعل واحد، والزنا فعلان، ثم قالعليهالسلام :
- أيّما أعظم عند اللّه: الصوم أو الصلاة؟ قال:
- لا، بل الصلاة، فقالعليهالسلام :
- فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ ثم قالعليهالسلام :
- لأنَّها تخرج إلى صلاة فتداومها، ولا تخرج إلى صوم، ثم قالعليهالسلام :
- المرأة أضعف أم الرجل؟ قال:
- المرأة، فقالعليهالسلام :
- فما بال المرأة وهي ضعيفة لها سهم واحد، والرجل وهو قوي له سهمان، ثم قالعليهالسلام :
- لأنَّ الرجل يُجبر على الانفاق على المرأة، ولا تُجبر المرأة على الانفاق على
الرجل.
ثم قالعليهالسلام :
- البول أقذر أم المني؟ قال:
- البول، فقالعليهالسلام :
- يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب اللّه تعالى الغسل من المني دون البول، ثم قالعليهالسلام :
- لأنَّ المني اختيار، ويخرج من جميع الجسد، ويكون في الأيام، والبول ضرورة ويكون في اليوم مرّات.
قال أبو حنيفة:
- كيف يخرج من جميع الجسد، واللّه يقول:( يَخرُحُ مِن بَين الصُّلبِ والترائِبِ ) (١) .
فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام :
- فهل قال: لا يخرج من هذين الموضعين؟.»(٢) .
١٤ - وجاءَ في دعائم الاسلام:
«انَّ أبا عبد اللّه الصادقعليهالسلام قال لأبي حنيفة وقد دخل عليه:
- يا نعمان، ما الذي تعتمد عليه فيما لم تجد فيه نصّاً في كتاب اللّه، ولا خبراً عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال:
- أقيسه على ما وجدتُ من ذلك، فقالعليهالسلام له:
- أول مَن قاسَ ابليس فأخطأ، إذ أمره اللّه عزّ وجلّ بالسجود لآدمعليهالسلام فقال: أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلفته من طين، فرأى أنَّ النار أشرف عنصراً من الطين،
____________________
(١) الطارق: ٧.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ١٠، باب: ١٣، ص: ٢١٢ - ٢١٣.
فخلَّده ذلكَ في العذاب المهين.
- يا نعمان: أيهما أطهر المني أو البول؟ قال:
- المني، قالعليهالسلام :
- فقد جعل اللّه عزّ وجلّ في البول الوضوء، وفي المني الغسل، ولو كان يحمل على القياس لكان الغسل في البول.
وأيّهما أعظم عند اللّه الزنا أم قتل النفس؟ قال:
- قتل النفس، قالعليهالسلام :
- فقد جعل اللّه عزّ وجلّ في قتل النفس الشاهدين، وفي الزنا أربعة، ولو كان على القياس لكان الأربعة الشهداء في القتل لانه أعظم.
وأيهما أعظم عند اللّه الصلاة أم الصوم؟ قال:
- الصلاة، قالعليهالسلام :
- فقد أمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحائض بأن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولو كانَ على القياس، لكان الواجب أن تقضي الصلاة، فاتقِ اللّه يا نعمان ولا تقس، فانّا نقف غداً نحن وأنتَ ومَن خالفنا بين يدي اللّه عزّ وجلّ، فيسألنا عن قولنا ويسألهم عن قولهم، فنقول: قلنا: قال اللّه وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتقول أنتَ وأصحابك: رأينا وقسنا، فيفعل بنا وبكم ما يشاء»(١) .
١٥ - وعن ابن الحجاج قال:
«قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام :
- إياكَ وخصلتين فيهما هلكَ من هلك: إياك أن تفتي الناس برأيكَ، أو تدين بما لا تعلم»(٢) .
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ١٠، باب: ١٣، ح: ٢٢، ص: ٢٢١.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ١٦، ح: ٢٢، ص: ١١٨.
١٦ - وقد ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليهالسلام انَّه قال:
«ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلكَ القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم، فيصّوب آراءهم جميعاً، والههم واحد، وكتابهم واحد، أفأمرهم اللّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل اللّه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل اللّه ديناً تامّاً فقصّر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عن تبليغه وأدائه؟ واللّه سبحانه يقول:
( ما فَرَّطنا في الكِتابِ مِن شَيءٍ ) (١) وفيه( تِبياناً لِكُلّ شَيءٍ ) (٢) ، وذكر أنّ الكتابَ يصدّق بعضه بعضاً، وانه لا اختلافَ فيه، فقال سبحانه:
( وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثيراً ) (٣) ، وانَّ القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تُكشف الظلمات إلا به»(٤) .
١٧ - وروي عن البزنطي انّه قال:
«قلتُ للرضاعليهالسلام :
- جعلتُ فداك إنَّ بعض أصحابنا يقولون: نسمع الأمرَ يحكى عنكَ وعن آبائكعليهمالسلام فنقيس عليه ونعمل به، فقالعليهالسلام :
- سبحان اللّه! لا واللّه ما هذا من دين جعفر، هؤلاء قوم لا حاجة بهم الينا، قد خرجوا من طاعتنا، وصاروا في موضعنا، فأين التقليد الذي كان يقلّدونَ جعفراً وأبا جعفر؟ قال جعفر: لا تحملوا على القياس، فليس من شيء يعدله القياس إلا والقياس
____________________
(١) الانعام: ٣٨.
(٢) مقتبس من آية ٨٩ من سورة النحل.
(٣) النساء: ٨٢.
(٤) نهج البلاغة: الخطبة / ١٨.
يكسره»(١) :
١٨ - عن خالد بن طليق قال: سمعتُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام يقول:
«ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم، انَّه لا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل، ألا انَّ الخير كلّ الخير فيمن عرف قدره، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره، انَّ أبغضَ خلق اللّه إلى اللّه رجلٌ قمش علماً من أغمار غشوة، وأوباش فتنة، فهو في عمىً عن الهدى الذي اُتي به من عند ربِّه، وضالّ عن سنّة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يظن أنَّ الحق في صحفه، كلاّ والذي نفس ابن أبي طالب بيده قد ضلَّ وأضلَّ مَن افترى، سمّاه رعاع الناس عالماً، ولم يكن في العلمِ يوماً سالماً، فكّر فاستكثر، ما قلَّ منه خير مما كثُر، حتى إذا ارتوى من غير حاصل، واستكثر من غير طائل، جلس للناس مفتياً ضامناً، لتخليص ما اشتبه عليهم، فان نزلت به إحدى المهمّات هيّأ لها حشواً من رأيه، ثم قطع على الشبهات، خبّاط جهالات، ركّاب عشوات، والناس من علمه في مثل غزل العنكبوت لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ على العلم بضرس قاطع فينعم، تصرخ منه المواريث، وتبكي من قضائه الدماء، وتستحيل به الفروج الحرام، غير مليء واللّه باصدار ما ورد عليه، ولا نادم على ما فرط منه، اولئك الذين حلَّت عليهم النياحة وهم أحياء.
فقال الرجل:
- يا أمير المؤمنين فمن نسأل بعدَكَ وعلى ما نعتمد؟ فقالعليهالسلام :
- استفتحوا كتاب اللّه فانه إمام مشفق، وهادٍ مرشد، وواعظ ناصح، ودليل يؤدّي إلى جنّة اللّه عزّ وجلّ»(٢) .
١٩ - روى المعلّى بن خنيس:
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٢٨، ص: ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ح: ٢، باب: ٣٤، ح: ٢٩، ص: ٣٠٠.
«ان الامام أبا عبد اللّه الصادقعليهالسلام قال في قول اللّه عزّ وجلَّ:( وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدىً مِنَ اللّهِ ) (١) ، يعني: مَن اتخذ دينه رأيه بغير هدى إمام من أئمة الهدى»(٢) .
٢٠ - روي عن علي بن الحسينعليهالسلام انَّه قال:
«انّ دين اللّه لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقائيس الفاسدة، ولا يُصاب إلا بالتسليم، فمن سلَّم لنا سلم، ومَن اهتدى بنا هدي، ومَن دان بالقياس والرأي هلك»(٣) .
٢١ - وعن أمير المؤمنينعليهالسلام انَّه قال:
«لا تقيسوا الدين، فانَّ أمر اللّه لا يُقاس، وسيأتي قوم يقيسون وهم أعداء الدين»(٤) .
٢٢ - روي عن زرارة انَّه قال:
«قال لي أبو جعفرعليهالسلام : يا زرارة اياك وأصحاب القياس في الدين، فانَّهم تركوا علم ما وكلوا به، وتكلّفوا ما قد كفوه، يتأولونَ الأخبار، ويكذبونَ على اللّه عزّ وجلّ، وكأني بالرجل منهم ينادى من بين يديه: قد تاهوا وتحيّروا في الارض والدين»(٥) .
٢٣ - روي عن محمد بن حكيم انَّه قال:
«قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
«تفقهنا في الدين، وروينا، وربما ورد علينا رجل قد ابتُلي بشيء صغير ما عندنا فيه بعينه شيء، وعندنا ما هو يشبه مثله، أفنفتيه بما يشبهه؟ فقالعليهالسلام :
____________________
(١) القصص: ٥٠.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٣٦، ص: ٣٠٢.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٤١، ص: ٣٠٣.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٦٠، ص: ٣٠٨.
(٥) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٧٠، ص: ٣٠٩.
- لا، ومالكم والقياس في ذلك، هلكَ مَن هلكَ بالقياس، قال:
- جعلتُ فداك أتى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما يكتفونَ به؟ قالعليهالسلام :
- أتى رسول اللّه بما استغنوا به في عهده، وبما يكتفونَ من بعده إلى يوم القيامة، قال:
- ضاعَ منه شيء، فقالعليهالسلام :
- لا، هو عند أهله»(١) .
٢٤ - وروي عن محمد بن حكيم أيضاً أنه قال:
«قلت لابي عبد اللّهعليهالسلام :
- إنَّ قوماً من أصحابنا قد تفقهوا، وأصابوا علماً، ورووا أحاديث، فيرد عليهم الشيء فيقولونَ برأيهم؟ فقالعليهالسلام :
- لا، وهل هلكَ مَن مضى إلا بهذا وأشباهه»(٢) .
٢٥ - وورد عن أبي عبد اللّهعليهالسلام انَّه قال:
«لعن اللّه أصحابَ القياس، فانَّهم غيرّوا كلامَ اللّه وسنة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واتهموا الصادقينعليهمالسلام في دين اللّه عزّ وجلّ»(٣) .
٢٦ - روي عن داود بن سرحان قال: سمعت أبا عبد اللّهعليهالسلام يقول:
«انّي لاُحدّث الرجل الحديث، وأنهاه عن الجدال والمراء في دين اللّه، وأنهاه عن القياس، فيخرج من عندي فيأوّل حديثي على غير تأويله، إني أمرتُ قوماً أن يتكلّموا، ونهيتُ قوماً، فكلّ يأول لنفسه، يريد المعصية للّه ولرسوله، فلو سمعوا وأطاعوا لاودعتهم ما أودع أبي أصحابه، إنَّ أصحابَ أبي كانوا زيناً أحياءاً وأمواتاً»(٤) .
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٤٩، ص: ٣٠٥.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٥١، ص: ٣٠٥.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٧١، ص: ٣٠٩.
(٤) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٢، باب: ٣٤، ح: ٧٣، ص: ٣٠٩.
٢٧ - وجاءَ في المحاسن عن أبي عبد اللّهعليهالسلام في رسالته إلى أصحاب الرأي والقياس:
«أما بعد، فانّه من دعى غيره إلى دينه، بالارتياء والمقائيس لم ينصف ولم يصب حظّه، لانَّ المدعوّ إلى ذلك لا يخلو أيضاً من الارتياء والمقائيس، ومتى ما لم يكن بالدّاعي قوّة في دعائه على المدعوّ لم يؤمن على الداعي أن يحتاج إلى المدعوّ بعد قليل، لأنّا قد رأينا المتعلّم الطالب ربّما كان فائقاً لمعلّم ولو بعدَ حين، ورأينا المعلّم الداعي ربّما احتاج في رأيه إلى رأي مَن يدعو، وفي ذلكَ تحيَّر الجاهلون، وشك المرتابون، وظنَّ الظانون، ولو كان ذلكَ عند اللّه جائراً لم يبعث اللّه الرسل بما فيه الفصل، ولم ينه عن الهزل، ولم يعب الجهل، ولكنَّ الناس لما سفهوا الحقَّ، وغمطوا النعمة، واستغنوا بجهلهم وتدابيرهم عن علم اللّه، واكتفوا بذلكَ دونَ رسله والقوام بأمره، وقالوا: لا شيء إلا ما أدركته عقولُنا، وعرفته ألبابنا، فولاّهم اللّه ما تولّوا، وأهملهم وخذلهم، حتى صاروا عبدةَ أنفسهم من حيث لا يعلمون، ولو كانَ اللّه رضي منهم اجتهادهم وارتيأهم فيما ادّعوا من ذلك، لم يبعث اللّه اليهم فاصلاً لما بينهم، ولا زاجراً عن وصفهم، وانما استدللنا انَّ رضا اللّه غير ذلك، ببعثه الرسل بالامور القيّمة الصحيحة، والتحذير عن الامور المشكلة المفسدة، ثم جعلهم أبوابه، وصراطه، والادلاء عليه بامور محجوبة عن الرأي والقياس، فمن طلبَ ما عندَ اللّه بقياسٍ ورأي، لم يزدد من اللّه إلا بعداً، ولم يبعث رسولاً قط، وان طال عمره، قابلاً من الناس خلاف ما جاء به، حتى يكون متبوعاً مرّةً وتابعاً اُخرى، ولم ير أيضاً فيما جاءَ به استعمال رأياً ولا مقياساً، حتى يكون ذلكَ واضحاً عنده كالوحي من اللّه، وفي ذلك دليل لكلّ ذي لبّ وحجى أنَّ أصحاب الرأي والقياس مخطئون مدحضون، وانما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل، فايّاك أيها المستمع أن تجمع عليكَ خصلتين: احداهما القذف بما جاش به صدرك، واتّباعك لنفسك إلى غير قصد، ولا معرفة حدّ، والاخرى استغناؤكَ عمّا فيه حاجتك، وتكذيبكَ لمن إليه مردُّك، وايّاكَ وترك الحق سأمة
وملالة، وانتجاعك الباطل جهلاً وضلالة، لانّا لم نجد تابعاً لهواه، جائزاً عمّا ذكرنا قط رشيداً، فانظر في ذلك»(١) .
٢٨ - روي عن ميسرة بن شريح انَّه قال:
«شهدت أبا عبد اللّهعليهالسلام في مسجد الخيف، وهو في حلقة فيها نحو من مائتي رجل، وفيهم عبد اللّه بن شبرمة، فقال:
- يا أبا عبد اللّه انّا نقضي بالعراق، فنقضي ما نعلم من الكتاب والسنة، وترد علينا المسألة، فنجتهد فيها بالرأي.
قال: فانصت الناس جميع من حضر للجواب وأقبل أبو عبد اللّهعليهالسلام على مَن على يمينه يحدّثهم، فلما رأى الناس ذلك، أقبل بعضهم على بعض، وتركوا الانصات.
قال: ثم تحدّثوا ما شاءَ اللّه، ثم ان ابن شبرمة قال:
- يا أبا عبد اللّه إنّا قضاة العراق، وانّا نقضي بالكتاب والسنة، وانَّه ترد علينا أشياء، ونجتهد فيها بالرأي.
قال: فأنصت جميع الناس للجواب، وأقبل أبو عبد اللّهعليهالسلام على مَن على يساره يحدّثهم، فلما رأى الناس ذلك، أقبل بعضهم على بعضٍ، وتركوا الانصات، ثم ان ابن شبرمة مكث ما شاءَ اللّه، ثم عادَ لمثل قوله، فأقبل أبو عبد اللّهعليهالسلام فقال:
-أيّ رجلٍ كان عليّ بن أبي طالب فقد كان عندكم بالعراق، ولكم به خبر؟
فأطراه ابن شبرمة وقال فيه قولاً عظيماً، فقال له أبو عبد اللّهعليهالسلام :
- فانَّ علياً أبى أن يدخل في دين اللّه الرأي، وأن يقول في شيء من دين اللّه بالرأي والمقائيس.
فقال أبو ساسان: فلما كان الليل دخلت على أبي عبد اللّهعليهالسلام ، فقال لي:
- يا أبا ساسان لم يدعني صاحبكم ابن شبرمة حتى أجبته، ثم قالعليهالسلام :
____________________
(١) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، باب: المقائيس والرأي، ح: ٦٧٤، ص: ٣٣١ - ٣٣٢.
- لو علم ابن شبرمة من أين هلكَ الناس ما دان بالمقائيس، ولا عمل بها»(١) .
٢٩ - وروي عن أبان بن تغلب انّه قال:
«قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
- رجل قطع اصبع امرأة، فقالعليهالسلام :
- فيها عشرة من الابل، قلت:
- قطع اثنتين، فقالعليهالسلام :
- فيهما عشرون من الابل، قلت:
- قطع ثلاث أصابع، قالعليهالسلام :
- فيهنَّ ثلاثون من الابل، قلت:
- قطع أربعاً، فقالعليهالسلام :
- فيهنَّ عشرون من الابل، قلتُ:
- أيقطع ثلاثاً وفيهنَّ ثلاثونَ من الابل، ويقطع أربعاً وفيها عشرون من الابل؟ فقالعليهالسلام :
- نعم، إنَّ المرأة إذا بلغت الثلث من دية الرجل سفلت المرأة، وارتفع الرجل.
إنّ السنّة لا تُقاس، ألا ترى أنَّها تؤمر بقضاء صومها، ولا تؤمر بقضاء صلاتها؟ يا أبان! حدثتني بالقياس، وانّ السنة إذا قيست محق الدين»(٢) .
____________________
(١) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: ١، باب: المقائيس والرأي، ح: ٦٧٥، ص: ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٢) أبو جعفر البرقي، الامحاسن، ج: ١، باب: المقائيس والرأي، ح: ٦٩٤، ص: ٣٣٩.
التشبيه والتجسيم ١ - نفي الجسمية والشبيه
١ - روي أنّ أبا قرّة المحدّث حاورَ الامام الرضاعليهالسلام فجاءَ من ضمن كلامه:
- «فأينَ اللّه؟ فقال أبو الحسنعليهالسلام :
- الأين مكان، وهذهِ مسألة شاهد عن غائب، واللّه تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكلِّ مكانٍ موجود، مدبِّر، صانع، حافظ، ممسك السموات والأرض، فقال أبو قرّة:
- أليسَ هو فوقَ السماء دونَ ما سواها؟ فقال أبو الحسنعليهالسلام :
- هو اللّه في السموات وفي الأرض، وهو الذي في السماء إله وفي الأرضِ إله، وهو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء، وهو معكم أينما كنتم، وهو الذي استوى الى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى السماء فسوّاهنَّ سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كانَ ولا خلق، وهو كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مَعَ المنتقلين. فقال أبو قرّة:
- فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟ فقال أبو الحسنعليهالسلام :
- إنَّ اللّه استعبد خلقه بضروبٍ من العبادة، وللّه مفازع يفزعونَ إليه، ومستعبد، فاستعبد عباده بالقول والعلم والعمل والتوجيه، ونحو ذلك، استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجّه اليها الحجَّ والعمرة، واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرّع ببسط الأيدي، ورفعها إلى السماء لحال الاستكانة، وعلامة العبودية، والتذلل له. فقال أبو قرة:
- فمن أقربُ إلى اللّه، الملائكة أو أهل الأرض؟ قال أبو الحسنعليهالسلام :
- إن كنتَ تقول بالشبر والذراع، فان الاشياء كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبّر أسفله من حيث يدبّر أعلاه، ويدبّر أوله من حيث يدبِّر آخره، من غير عناءٍ ولا كلفة، ولا مؤونة، ولا مشاورة، ولا نَصَب، وان كنتَ تقول: مَن أقرب إليه في الوسيلة؟ فأطوعهم له، وأنتم تروون أنَّ أقرب ما يكون العبد إلى اللّه وهو ساجد، ورويتم أنَّ أربعة أملاك التقوا: أحدهم من أعلى الخلق، وأحدهم من أسفل الخلق، وأحدهم من شرق الخلق، وأحدهم من غرب الخلق، فسأل بعضهم بعضاً فكلّهم قال: من عند اللّه، أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أنَّ ذلكَ في المنزلة دونَ التشبيه والتمثيل، فقال أبو قرّة:
- أتقر انَّ اللّه تعالى محمول؟ فقال أبو الحسنعليهالسلام :
- كل محمول مفعول ومضاف إلى غيره، محتاج، فالمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل، وهو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله تعالى:( وَللّهِ الأَسماءُ الحُسنى فَادعُوهُ بِها ) (١) ولم يقل في شيء من كتبه أنَّه محمول، بل هو الحامل في البرِّ والبحر، والممسك للسمواتِ والأرض، والمحمول ما سوى اللّه، ولم نسمع أحداً آمنَ باللّهِ وعظَّمه قط قال في دعائه: يا محمول»(٢) !
٢ - عن أمير المؤمنينعليهالسلام انَّه قال في صفته تعالى: «الذي لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولم يتعاوره(٣) زيادة أو نقصان، ولم يوصف بأينٍ ولا بمكانٍ»(٤) .
٣ - وعن أمير المؤمنينعليهالسلام أيضاً في وصفه تعالى:
«لا تصحبه الأوقات، ولا تَضَمَّنُهُ الأماكن، ولا تأخذهُ السنات، ولا تحدُّهُ
____________________
(١) الأعراف: ١٨٠.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: ١٠، باب: ١٩، ح: ٥، ص: ٣٤٦ - ٣٤٧.
(٣) التعاور: هو الورود على التناوب.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الأصول من الكافي، ج: ١، باب: جوامع التوحيد، ح: ٧، ص: ١٤١.
الصفات، ولا تقيّده الادوات، سبقَ الأوقاتَ كونُه، والعدمَ وجودُه، والابتداءَ أزلُه»(١) .
٤ - وعنهعليهالسلام انَّه قال:
«لا تجري عليه الحركةُ والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاتهُ ولتجزّأ كنههُ، ولامتنعَ من الأزلِ معناه.»(٢) .
٥ - وعنهعليهالسلام أنَّه قال:
«وتعالى اللّه الذي ليس له وقت معدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت محدود، وسبحان اللّه الذي ليس له أولٌ مبتدأ، ولا غاية منتهى، ولا آخر يفنى»(٣) .
٦ - روي عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام انَّه كتب دعاءاً إلى رجلٍ بخطّه يقول فيه:
«يا ذا الذي كانَ قبل كلِّ شيء، ثمَّ خلقَ كلَّ شيء، ثم يبقى ويفنى كلُّ شيء، يا ذا الذي ليس في السموات العُلى، ولا في الارضين السفلى، ولا فوقهنَّ، ولا بينهنَّ، ولا تحتهنَّ إله يُعبد غيره»(٤) .
٧ - وعن أمير المؤمنينعليهالسلام في صفته تعالى انَّه قال:
«.ومَن قال: أين، فقد أخلى منه، ومَن قال: إلى مَن فقد وقَّته»(٥) .
٨ - وعن علي بن موسى الرضاعليهالسلام انَّه قال في وصفه تعالى:
«مَن شَبَّه اللّه بخلقه فهو مشرك، ومَن وصفه بالمكان فهو كافر.«(٦) .
٩ - وعن أمير المؤمنينعليهالسلام في وصفه تعالى أيضاً انَّه قال:
«لا تحويه الاماكن لعظمته، ولا تذرعه المقادير لجلاله، ولا تقطعه المقائيس
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ٢، ص: ٣٧.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ٢، ص: ٤٠.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ٢، ص: ٤٢.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ١١، ص: ٤٧ - ٤٨.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ١٤، ص: ٥٧.
(٦) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ٢٥، ص: ٦٩.
لكبريائه.»(١) .
١٠ - وعن الامام موسى الكاظمعليهالسلام انه قال لراهب نصراني في بعض ما ناظره:
«انَّ اللّهَ تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يُحدَّ بيدٍ أو رجلٍ أو حركةٍ أو سكون، أو يوصف بطولٍ أو قصر.»(٢) .
١١ - وروي انَّه جاءَ يهودي إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام فقال:
- يا أمير المؤمنين! متى كانَ ربُّنا؟ فقال لهعليهالسلام :
- «انما يُقال: متى كان؟ لشيء لم يكن فكان، وربُّنا تبارك وتعالى هو كائن بلا كينونِة كائنٍ، كانَ بلا كيفٍ يكون، كائن لم يزل، بلا لم يزل وبلا كيف يكون، كان لم يزل ليس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل، وبلا غايةٍ ولا منتهى، غايةٌ ولا غايةَ اليها، غايةٌ انقطعت الغايات عنه، فهو غاية كلِّ غاية»(٣) .
١٢ - وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام انَّه قال:
«انَّ اللّه عظيم رفيع، لا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغونَ كنه عظمته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف ولا أين ولا حيث، فكيف أصفه بكيف وهو الذي كيَّف الكيف حتى صار كيفاً، فعرفتُ الكيف بما كيَّف لنا من الكيف، أم كيف أصفه بأين وهو الذي أيَّن الأين حتى صار أيناً، فعرفت الأين بما أيَّن لنا من الأين، أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيَّثَ الحيثَ حتى صارَ حيثاً، فعرفت الحيث بما حيَّثَ لنا من الحيث، فاللّه تبارك وتعالى داخل في كل مكان، وخارج عن كل شيء، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، لا اله إلا هو العلي العظيم، وهو اللطيف الخبير»(٤) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ٢٦، ص: ٧٠.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ٣٠، ص: ٧٥.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢، ح: ٣٣، ص: ٧٧.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ١٤، ص: ١١٥.
١٣ - روى أحمد بن محمد بن أبي نصر أن قوماً جاؤوا من وراء النهر إلى أبي الحسنعليهالسلام فقالوا له: جئناكَ نسألك عن ثلاث مسائل، فان أجبتنا فيها علمنا انَّك عالم، فقالعليهالسلام :
- «سلوا، فقالوا:
- أخبرنا عن اللّه، كان، وكيف كان، وعلى أي شيءٍ كان اعتماده؟ فقالعليهالسلام :
- إنَّ اللّه عزّ وجلّ كيَّف الكيف فهو بلا كيف، وأيَّن الأين فهو بلا أين، وكان اعتماده على قدرته، فقالوا:
- نشهد انَّك عالم»(١) .
١٤ - وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام انَّه قال:
«انَّ اللّه عزّ وجلّ لا يشبهه شيء»(٢) .
١٥ - وعنهعليهالسلام أيضاً انَّه قال:
«سبحانَ مَن لا يعلم أحد كيفَ هو الا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يُحدّ، ولا يُحس، ولا يُجس، ولا تدركه الابصار ولا الحواس، ولا يحيط به شيء، ولا جسم، ولا صورة، ولا تخطيط، ولا تحديد»(٣) .
١٦ - وعنهعليهالسلام أيضاً في وصفه تعالى:
«لا جسم، ولا صورة، هو مجسِّم الأجسام، ومصوِّر الصور، لم يتجزأ، ولم يتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، لو كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق، ولا بين المنشئ والمنشَأ، لكن هو المنشىء، فرَّقَ بين مَن جسَّمه وصوَّرَه وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئاً»(٤) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٩، ح: ٣، ص: ١٢٥.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦، ح: ١، ص: ٩٧.
(٣) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن الجسم والصورة، ح: ١، ص: ١٠٤.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: النهي عن الجسم والصورة، ح: ٦، ص: ١٠٦.
١٧ - روي عن العباسي انَّه قال لأبي الحسنعليهالسلام :
- «جعلتُ فداك أمرَني بعض مواليك أن أسألكَ عن مسألةٍ، قالعليهالسلام :
- ومَن هو؟ قلتُ:
- الحسن بن سهل، قالعليهالسلام :
- في أي شيء المسألة؟ قلتُ:
- في التوحيد، قالعليهالسلام :
- وأيّ شيء من التوحيد؟ قلت:
- يسألكَ عن اللّه جسم أو لا جسم، فقال لي:
- انَّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب، مذهب إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الاثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث اثبات بلا تشبيه»(١) .
١٨ - وروي عن علي بن محمد وعن أبي جعفر الجوادعليهماالسلام انّهما قالا:
«مَن قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة، ولا تصلّوا وراءه»(٢) .
١٩ - وعن بشر بن بشار النيسابوري قال: كتبتُ الى أبي الحسنعليهالسلام بأنَّ مَن قبلنا قد اختلفوا في التوحيد، فكتبعليهالسلام :
- «سبحانَ مَن لا يُحد، ولا يوصف، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير»(٣) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ح: ٦، ح: ١٠، ص: ١٠٠ - ١٠١.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦، ح: ١١، ص: ١٠١.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٦، ح: ١٣، ص: ١٠١.
٢ - نفي الرؤية
١ - عن يعقوب بن اسحق قال:
«كتبت إلى أبي محمدعليهالسلام أسأله: كيف يعبد العبد ربَّه وهو لا يراه؟!
فوقَّععليهالسلام :
- يا أبا يوسف جلَّ سيدي ومولاي والمنعم عليَّ وعلى آبائي أن يُرى.
قال: وسألته: هل رأى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ربَّه؟ فوقَّععليهالسلام :
- انَّ اللّه تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبَّ»(١) .
٢ - وعن عاصم بن حميد قال:
«ذاكرتُ أبا عبد اللّهعليهالسلام فيما يروونَ من الرؤية، فقالعليهالسلام :
- الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءاً من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءاً من نور الستر، فان كانوا صادقين فليملؤوا أعينهم من الشمس ليس دونها حجاب»(٢) .
٣ - وعن عبد اللّه بن سنان عن أبيه قال:
«حضرتُ أبا جعفرعليهالسلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له:
- يا أبا جعفر أيَّ شيء تعبد؟ قالعليهالسلام :
- اللّه، قال:
- رأيته؟ قالعليهالسلام :
- لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، لا يُعرف
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٢، ص: ١٠٨.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٣، ص: ١٠٨.
بالقياس، ولا يُدرك بالحواس، ولا يشبه الناس، موصوف الآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلكَ اللّه لا إله إلا هو.
قال: فخرج الرجل وهو يقول: اللّهُ أعلمُ حيث يجعل رسالته»(١) .
٤ - ومن الأسئلة التي سألها الزنديق من الامام الصادقعليهالسلام انَّه قال له:
- «كيف يعبد اللّه الخلق ولم يروه؟ فقالعليهالسلام :
- رأته القلوب بنور الايمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأته من عظمته دون رؤيته، قال الزنديق:
- أليس هو قادراً أن يظهر لهم حتى يروه ويعرفوه فيُعبد على يقين؟ قالعليهالسلام :
- ليس للمحال جواب»(٢) .
٥ - وعن أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد اللّهعليهالسلام انَّه قال:
«جاء حبر إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال:
- يا أمير المؤمنين هل رأيتَ ربَّكَ حينَ عبدتَه؟ فقالعليهالسلام :
- ويلكَ ما كنتُ أعبدُ ربّاً لم أره، فقال:
- وكيفَ رأيته؟ قالعليهالسلام :
- ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان«(٣) .
٦ - وعن أحمد بن اسحق قال:
«كتبت الى أبي الحسن الثالثعليهالسلام اسأله عن الرؤية وما فيه الناس، فكتبعليهالسلام :
لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فاذا انقطع الهواء،
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٥، ص: ١٠٨.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ١٠، باب: ١٣، ح: ٢، ص: ١٦٤.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٦، ص: ١٠٩.
وعُدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصحّ الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه، لأنَّ الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه، لأنَّ الاسباب لا بد من اتصالها بالمسببات»(١) .
٧ - وعن محمد بن عبيدة قال:
«كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليهالسلام أسأله عن الرؤية، وما ترويه العامة والخاصة وسألته أن يشرح لي ذلك، فكتبعليهالسلام بخطّه:
اتفق الجميع لا تمانع بينهم أنَّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فاذا جاز أن يُرى اللّه عزّ وجلّ بالعين، وقعت المعرفة ضرورةً، ثم لم تخلُ تلكَ المعرفة من أن تكون ايماناً أو ليست بايمان، فان كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايماناً، فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بايمان لانّها ضدّه فلا يكون في الدنيا أحد مؤمناً لانَّهم لم يروا اللّه عزَّ ذكره، وان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيماناً لم تخل هذهِ المعرفة التي هي من جهة الاكتساب أن تزول أو لا تزول في المعاد، فهذا دليل على انَّ اللّه عزَّ ذكره لا يُرى بالعين، إذ العين تؤدّي إلى ما وصفنا»(٢) .
والواضح من سياق هذا الكتاب أن المقصود هو نفي الرؤية عنه تعالى في الآخرة، باعتبار قول البعض بجواز الرؤية في الآخرة، وان لم تكن جائزة في الدنيا.
٨ - وعن أبي هاشم الجعفري قال:
«سألتُ أبا الحسن الرضاعليهالسلام عن اللّه عزّ وجلّ هل يوصف؟ فقالعليهالسلام :
- أما تقرأ القرآن؟! قلتُ:
- بلى، قالعليهالسلام :
- أما تقرأ قوله عزّ وجلّ:( لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصارَ ) (٣) ؟ قلتُ:
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٧، ص: ١٠٩.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٨، ص: ١٠٩ - ١١٠.
(٣) الانعام: ١٠٣.
- بلى، قالعليهالسلام :
- فتعرفونَ الأبصار؟ قلتُ:
- بلى، قالعليهالسلام :
- وما هي ؟! قلت:
- أبصار العيون، فقالعليهالسلام :
- إنَّ أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الاوهام وهو يدرك الاوهام»(١) .
٩ - وعن أبي هاشم الجعفري قال: قلتُ لابي جعفر الرضاعليهالسلام :( لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُو يُدرِكُ الأَبصارَ ) (٢) ؟ فقالعليهالسلام :
- «يا أبا هاشم إنَّ أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنتَ قد تدرك بوهمكَ السند والهند والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف أبصارُ العيون»(٣) .
١٠ - وعن محمد بن الفضيل قال:
«سألتُ أبا الحسنعليهالسلام :
- هل رأى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ربَّه عزّ وجلّ؟ فقالعليهالسلام :
- نعم بقلبه رآه، أما سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول:( ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأَى ) (٤) ، أي لم يره بالبصر، ولكن رآه بالفؤاد«(٥) .
١١ - وروي عن علي بن موسى الرضاعليهالسلام في قول اللّه عزّ وجلّ:( وُجُوهٌ يَومئِذٍ
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ص: ١١٢ - ١١٣.
(٢) الانعام: ١٠٣.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ١٢، ص: ١١٣.
(٤) النجم: ١١.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ١٧، ص: ١١٦.
ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ ) (١) ، قالعليهالسلام :
«يعني مشرقة تنتظر ثواب ربِّها»(٢) .
١٢ - روي عن أبي بصير أنَّه قال:
«قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
- أخبرني عن اللّه عزّ وجلّ هل يراه المؤمنونَ يومَ القيامة؟ قالعليهالسلام :
- نعم، وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت:
متى؟ قالعليهالسلام :
- حين قال لهم:( أَلستُ بِرِّبكُم قالُوا بَلى ) (٣) ، ثم سكت ساعةً ثم قالعليهالسلام :
- وانَّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألستَ تراهُ في وقتكَ هذا؟ قال أبو بصير: فقلتُ له:
- جُعلتُ فداك، فاُحدِّث بهذا عنكَ؟ فقالعليهالسلام :
- لا، فانّكَ إذا حدَّثتَ به فأنكره منكر، جاهل بمعنى ما تقوله، ثمَّ قدَّرَ انّ ذلكَ تشبيه كَفَرَ، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهونَ والملحدون»(٤) .
١٣ - روي عن عبد السلام بن صالح الهروي قال:
«قلت لعلي بن موسى الرضاعليهالسلام :
- يا ابن رسول اللّه ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: أنَّ المؤمنين يزورونَ ربَّهم من منازلهم في الجنة؟ فقالعليهالسلام :
- يا أبا الصلت، انَّ اللّه تبارك وتعالى، فضَّل نبيَّه محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم على جميع خلقه من
____________________
(١) القيامة: ٢٢ - ٢٣.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ١٩، ص: ١١٦.
(٣) الاعراف: ١٧٢.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٢٠، ص: ١١٧.
النبيين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومتابعته متابعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال عزّ وجلّ:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللّهَ ) (١) ، وقال:( إنَّ الَّذِينَ يُبايِعونَكَ إِنَّما يُبايعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوقَ أَيدِيهمِ ) (٢) وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مَن زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار اللّه)، درجةُ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره إلى درجته في الجنة من منزله، فقد زار اللّهَ تبارك وتعالى.
قال: فقلتُ له:
- يا ابن رسول اللّه، فما معنى الخبر الذي رووه أنَّ ثواب لا اله إلا اللّه النظر إلى وجه اللّه؟ فقالعليهالسلام :
- يا أبا الصلت! مَن وصفَ اللّهَ بوجهٍ كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه اللّه أنبياؤه ورسله وحججه صلوات اللّهِ عليهم، هم الذي بهم يُتوجّه إلى اللّه والى دينه ومعرفته، وقد قال اللّه عزّ وجلّ:( كُلُّ مَن عَلَيها فَانٍ* وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ) (٣) ، وقال اللّه عزّ وجلّ:( كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلا وَجهَهُ ) (٤) فالنظر إلى أنبياء اللّه ورسله وحججهعليهمالسلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة، وقد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (مَن أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة، وقالعليهالسلام : (انَّ فيكم مَن لا يراني بعد أن يفارقني) يا أبا الصلت، انَّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بمكانٍ، ولا تدركه الابصار والأوهام.»(٥) .
١٥ - روي عن علي بن محمد بن الجهّم قال:
«حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسىعليهالسلام ، فقال له المأمون:
- يا ابن رسول اللّه، أليسَ من قولكَ أنَّ الأنبياء معصومون؟ قالعليهالسلام :
_________________________
(١) النساء: ٨٠.
(٢) الفتح: ١٠.
(٣) الرحمن: ٢٦ - ٢٧.
(٤) القصص: ٨٨.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٢١، ص: ١١٧ - ١١٨.
- بلى.
فسأله عن آيات من القرآن، فكانَ فيما سأله أن قال له:
- فما معنى قول اللّه عزّ وجلّ:( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِني أَنظر إِلَيكَ قَال لَن تَراني وَلكِنِ انظر إِلى الجَبَلِ فَإِن استَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَراني فَلَمَّا تَجلَّى رَبُّهُ للجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعقِاً فَلَمَّا أَفاقَ قَالَ سُبحانَكَ تُبتُ إِليكَ وَأَنا أَوَّلُ المُؤمِنينَ ) (١) كيف يجوز أن يكون كليم اللّه موسى بن عمرانعليهالسلام لا يعلم أنَّ اللّه تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرضاعليهالسلام :
- انَّ كليم اللّه موسى بن عمرانعليهالسلام علم انَّ اللّه تعالى عن أن يُرى بالابصار، ولكنَّه لما كلّمه اللّه عزّ وجلّ، وقَّربه نجيّاً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنَّ اللّه عزّ وجلّ كلَّمه، وقرَّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمنَ لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعينَ ألفاً، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربِّه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسىعليهالسلام إلى الطور، وسأل اللّه تبارك وتعالى أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه اللّه تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لأنَّ اللّه عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لكَ بأنَّ هذا الذي سمعناه كلام اللّه حتى نرى اللّه جهرةً، فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث اللّه عزّ وجلّ عليهم صاعقةً فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسىعليهالسلام : يا ربَّ ما أقول لبني اسرائيل إذا رجعت اليهم وقالوا: إنكَ ذهبت بهم فقتلتهم لانكَ لم تكن صادقاً فيما ادّعيت، من مناجاة اللّه إيّاك، فأحياهم اللّه وبعثهم معه، فقالوا: إنكَ لو سألت اللّه أن يرَيكَ أن تنظر إليه لأجابكَ، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقَّ معرفته، فقال موسىعليهالسلام : يا قوم انَّ اللّه لا يُرى بالابصار ولا كيفية له، وانما يُعرف بآياته،
____________________
(١) الاعراف: ١٤٣.
ويُعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمنَ لكَ حتى تسأله، فقال موسى: يا ربِّ إنكَ قد سمعتَ مقالة بني اسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى اللّه جلَّ جلالُه إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن اؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسىعليهالسلام : (رَبِّ أَرِني أَنظُر إِليكَ قَالَ لَن تَراني وَلكِنِ انُظر إِلى الجَبَلِ فَإِن استقَّر مَكانَهُ - وهو يهوي - فَسوفَ تَراني فَلَمَّا تَجلّى رَبُّهُ للجَبَلِ - بآيةٍ من آياته - جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قَالَ سُبحانَكَ تُبتُ إِلَيكَ - يقول: رجعت الى معرفتي بك عن جهل قومي - وأنا أول المؤمنين) - منهم بأنَكَ لا تُرى -.
فقال المأمون:
- للّه درّك يا أبا الحسن»(١) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٢٤، ص: ١٢١ - ١٢٢.
٣ - تأويل ظواهر الآيات الدالة على التشبيه والتجسيم
١ - قوله تعالى:( كُلُ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَهُ ) (١) .
عن أبي حمزة قال قلتُ لأبي جعفرٍعليهالسلام قول اللّه عزّ وجلّ:( كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَه ) ؟ فقالعليهالسلام :
«فيهلك كل شيء ويبقى الوجه؟ إنَّ اللّه عزّ وجلّ أعظم من أن يوصف بالوجه، ولكنَّ معناه: كل شيء هالك إلا دينه، والوجه الذي يؤتى منه»(٢) .
وعن الحارث بن المغيرة النصري قال سألتُ أبا عبد اللّه عن قول اللّه عزّ وجلّ:( كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَهُ ) فقال:
«كل شيء هالك إلا مَن أخَذ طريق الحق»(٣) .
وعن صفوان الجمال عن أبي عبد اللّهعليهالسلام في قول اللّه عزّ وجلّ:( كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَهُ ) انَّهعليهالسلام قال: «مَن أتى اللّهَ بما اُمر به من طاعة محمد والأئمة من بعده صلوات اللّه عليهم فهو الوجه الذي لا يهلك، ثم قرأعليهالسلام :( من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللّهَ ) (٤) »(٥) .
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام انه قال:
«نحن وجه اللّه الذي لا يهلك»(٦) .
وعن أبي جعفرعليهالسلام انه قال:
«نحن المثاني التي أعطاها اللّه نبَّيناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونحن وجه اللّه نتقلَّب في الأرض بين
____________________
(١) القصص: ٨٨.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٢، ح: ١، ص: ١٤٩.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٢، ح: ٢، ص: ١٤٩.
(٤) النساء: ٨٠.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٢، ح: ٣، ص: ١٤٩.
(٦) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٢، ح: ٤، ص: ١٥٠.
أظهركم، عرفنا من عرفنا، ومَن جهلنا فأمامه اليقين»(١)
قال الشيخ الصدوق بعد إيراد هذا الحديث:
«معنى قوله: نحن المثاني أي نحن الذين قرننا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى القرآن، وأوصى بالتمسك بالقرآن وبنا، فأخبر اُمته بأن لا نفترق حتى نرد عليه حوضه».
٢ - قوله تعالى:( يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أَن تَسجُدَ لمِا خَلَقتُ بِيدَيَّ ) (٢) .
عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام فقلت: قوله عزّ وجلّ:( يا إَبليسُ ما مَنَعَكَ أَن تَسجُدَ لمِا خَلَقتُ بِيَدَيَّ ) ، فقالعليهالسلام :
«اليد في كلام العرب القوة والنعمة، قال:( وَاذكُر عَبدَنا داوُدَ ذا الأَيدِ ) (٣) .
وقال:( وَالسَّماءَ بَنَيناها بِأَيدٍ ) (٤) ، أي: بقوةٍ، وقال:( وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنهُ ) (٥) ، أي: قوّة، ويقال: لفلان عندي ايادي كثيرة، أي فواضل وإحسان، وله عندي يد بيضاء، أي: نعمة»(٦) .
وعن محمد بن عبيدة قال: سألتُ الرضاعليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ لابليس:( ما مَنَعَكَ أَن تَسجُدَ لمِا خَلَقتُ بِيَدَيَّ أَستَكبَرتَ ) ، فقالعليهالسلام :
«يعني بقدرتي وقوّتي»(٧) .
٣ - قوله تعالى:( يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدعَونَ إِلى السُّجُودِ ) (٨) .
ورد عن أبي الحسنعليهالسلام في قوله عزّ وجلّ:( يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ ) أنَّه
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٢، ح: ٦، ص: ١٥٠.
(٢) ص: ٧٥.
(٣) ص: ١٧.
(٤) الذاريات: ٤٧.
(٥) المجادلة: ٢٢.
(٦) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٣، ح: ١، ص: ١٥٣.
(٧) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٣ ح: ٢، ص: ١٥٣ - ١٥٤.
(٨) القلم: ٤٢.
قالعليهالسلام : «حجاب من نور يُكشف، فيقع المؤمنون سجّداً، وتُدمج أصلاب المنافقين، فلا يستطيعونَ السجود»(١) .
وعن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّهعليهالسلام قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ ) ، قال: كشَفَ ازاره عن ساقه ويده الاخرى على رأسه، فقال:
«سبحانَ ربي الأعلى»(٢) .
قال الشيخ (الصدوق) بعد ايراد هذا الحديث:
«معنى قوله: (سبحان ربي الاعلى) تنزيه للّه عزّ وجلّ أن يكونَ له ساق».
٤ - قوله تعالى:( الرَّحمنُ عَلى العرشِ استَوى ) (٣) .
سُئلَ أبو عبد اللّهعليهالسلام عن قول اللّه عزَّ وجلَّ:( الرَّحمنُ عَلى العَرشِ استَوى ) فقالعليهالسلام :
«استوى على كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء»(٤) .
وعن عبد الرحمن الحجاج قال: سألتُ أبا عبد اللّهعليهالسلام عن قول اللّه تعالى:( الرَّحمنُ عَلى العَرشِ استَوى )، فقالعليهالسلام :
«استوى في كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء، لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب، استوى في كلّ شيء»(٥) .
٥ - قوله تعالى:( اللّهُ نُورُ السَّمواتِ والأَرضِ ) (٦) .
عن العباس بن هلال قال: سألتُ الرضاعليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ:( اللّهُ نُورُ السَّمواتِ والأَرضِ ) ، فقالعليهالسلام :
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٤، ح: ١، ص: ١٥٤.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٤، ح: ٣، ص: ١٥٥.
(٣) طه: ٥.
(٤) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الحركة والانتقال، ح: ٦، ص: ١٢٧.
(٥) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: ١، باب: الحركة والانتقال، ح: ٨، ص: ١٢٨.
«هادٍ لأهل السماء، وهادٍ لأهل الأرض»(١) .
٦ - قوله تعالى،( وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) (٢) .
روي عن الامام الرضاعليهالسلام انّه قال في هذهِ الآية:
«يعني مشرقة تنتظر ثواب ربِّها»(٣) .
٧ - قوله تعالى:( وَجَاءَ رُّبكَ والمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) (٤) .
سئل الامام الرضاعليهالسلام عن الآية الكريمة فقال:
«إنَّ اللّه لا يوصف بالمجيء والذهاب والانتقال، انَّما يعني بذلك: وجاءَ أمرُ رَبك»(٥) .
٨ - قوله تعالى:( وَتَركَهُم في ظُلُماتٍ لا يُبصرونَ ) (٦) .
عن إبراهيم بن أبي محمود قال: سألتُ أبا الحسن الرضاعليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ:( وَتَركَهمُ في ظُلُماتٍ لا يُبصِروُن ) فقالعليهالسلام :
«إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنَّه متى علم أنَّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، وخلّى بينهم وبين اختيارهم«(٧) .
٩ - قوله تعالى:( نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُم ) (٨) .
عن عبد العزيز بن مسلم انّه سئل الامام الرضاعليهالسلام عن قوله تعالى:( نَسُوا اللّهَ
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٥، ح: ١، ص: ١٥٥.
(٢) القيامة: ٢٢ - ٢٣.
(٣) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ٢، رقم: ٢٨٧، ص: ٣٨٢.
(٤) الفجر: ٢٢.
(٥) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ٢، رقم: ٢٩٧، ص: ٣٨٩.
(٦) البقرة: ١٧.
(٧) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ٢، رقم: ٣٠٣، ص: ٣٩٦.
(٨) التوبة: ٦٧.
فَنَسِيَهُم ) ، فقالعليهالسلام :
«إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو، وانّما ينسى ويسهو المخلوق المحدَث، ألا تسمعه عزّ وجلّ يقول:( ومَا كَانَ ربُّكَ نَسِيّاً ) (١) ، وانّما يجازي مَن نسيه، ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال عزّ وجلّ،( وَلا تكوُنوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنساهُم أَنفسَهُم أُولئُك هُم الفاسِقُونَ ) (٢) ، وقوله عزّ وجلّ:( فَاليَومَ نَنساهُم كَما نَسُوا لِقاءَ يَومِهِم هذا ) (٣) ، أي: نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا»(٤) .
١٠ - قوله تعالى:( والأَرضُ جَميعاً قَبضَتُهُ يَومَ الِقيامَةِ والسَّمواتُ مَطوِيّاتٌ بِيَمينِهِ ) (٥) .
عن سليمان بن مهران قال: سألتُ أبا عبد اللّهعليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ:( والأَرضُ جَميعاً قَبضَتُه يَومَ القِيامَةِ ) ، فقالعليهالسلام :
«يعني ملكه، لا يملكها معه أحد، والقبض من اللّه تبارك وتعالى في موضع آخر: المنع، والبسط منه: الاعطاء والتوسيع، كما قال عزّ وجلّ:( واللّهُ يَقبِضُ وَيَبسُطُ وَإِلَيهِ تُرجَعوُنَ ) (٦) ، يعني: يعطي ويوسّع، ويمنع ويضيِّق، والقبض منه عزَّ وجلَّ في وجهٍ آخر: الأخذ، والأخذ في وجهٍ: القبول منه كما قال:( وَيَأخُذُ الصَّدَقاتِ ) (٧) ، أي: يقبلها من أهلها ويثيب عليها، قال: قلتُ: فقوله عزّ وجلّ:( وَالسَمواتُ مَطوِيّاتٌ بِيَمينِهِ ) ؟ فقالعليهالسلام : اليمين اليد، واليد: القدرة والقوة، يقول اللّه عزَّ وجل: والسماوات مطويات
____________________
(١) مريم: ٦٤.
(٢) الحشر: ١٩.
(٣) الاعراف: ٥١.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٦، ح: ١، ص: ١٥٩ - ١٦٠.
(٥) الزمر: ٦٧.
(٦) البقرة: ٢٤٥.
(٧) التوبة: ١٠٤.
بقدرته وبقوته، سبحانه وتعالى عمّا يشركون»(١) .
١١ - قوله تعالى:( كَلاَّ إِنَّهُم عَن ربِّهِم يَومَئِذٍ لمحجوُبُون ) (٢) .
سئُل الامام الرضاعليهالسلام عن الآية الكريمة فقالعليهالسلام :
«إنَّ اللّهَ تبارك وتعالى لا يوصف بمكانٍ يحلّ فيه فيُحجب عنه فيه عباده، ولكنّه يعني: انَّهم عن ثواب ربِّهم لمحجوبون»(٣) .
١٢ - قوله تعالى:( بَل يَداهُ مَبسُوطَتانِ ) (٤) .
عن عبد اللّه بن قيس، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال: سمعتُه يقول( بَل يَداهُ مَبسُوطَتانِ ) فقلت له:
- يدان هكذا، وأشرتُ بيديَّ إلى يدهِ، فقالعليهالسلام :
«لا، ولو كانَ هكذا لكان مخلوقاً»(٥) .
١٣ - قوله تعالى:( ومَن يَحلِل عَلَيهِ غَضَبِي فَقَد هَوَى ) (٦) .
روي انَّه دخل عمرو بن عبيد في مجلس أبي جعفرعليهالسلام ، فقال له:
- جعلتَ فداكَ، قول اللّه تبارك وتعالى:( ومَن يَحلِل عَليهِ غَضَبِي فَقَد هَوَى ) ما ذلكَ الغضب؟ فقال أبو جعفرعليهالسلام :
«هو العقاب يا عمرو، انَّه من زعَمَ انَّ اللّه عزّ وجلّ زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق، انَّ اللّه عزّ وجلّ لا يستفزّه شيء ولا يغيّره»(٧) .
وروي بهذا الصدد أيضاً أنَّ رجلاً سأل الامامَ الصادقعليهالسلام عن اللّه تبارك وتعالى
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٧، ح: ٢، ص: ١٦١ - ١٦٢.
(٢) المطففين: ١٥.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٨، ح: ١، ص: ١٦٢.
(٤) المائدة: ٦٤.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٥، ح: ٢، ص: ١٦٨.
(٦) طه: ٨١.
(٧) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٦، ح: ١، ص: ١٦٨.
له رضاً وسخط؟ فقالعليهالسلام :
«نعم، وليس ذلكَ على ما يوجد من المخلوقين، وذلكَ انَّ الرضا والغضب دِخال يدخل عليه، فينقله من حالٍ الى حال، معتمَل، مركّب، للاشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخَلَ للاشياء فيه، واحد، أحديّ الذات، وأحدي المعنى، فرضاه ثوابه، وسخطه عقابه، من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حالٍ إلى حال، فانَّ ذلكَ صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى القويّ العزيز لا حاجة به الى شيء، وخلقه جميعاً، محتاجونَ إليه، انَّما خلقَ الاشياء من غير حاجةٍ ولا سبب إختراعاً وابتداعاً»(١) .
١٤ - قوله تعالى:( وَنَفَختُ فِيهِ مِن روحي ) (٢) .
روى زرارة عن أبي عبد اللّهعليهالسلام أنَّه قال في الآية الكريمة:
«انَّ اللّه تبارك وتعالى أحد، صمد، ليس له جوف، وانّما الروح خلق من خلقه نصرٌ وتاُييد وقوّة، يجعله اللّه في قلوب الرسل والمؤمنين»(٣) .
وعن محمد بن مسلم قال: سألتُ أبا جعفرعليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ:( وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحي ) فكيف هذا النفخ؟ فقالعليهالسلام :
«انَّ الروح متحرك كالريح، وانّما سمي روحاً لانَّه اشتق اسمه من الريح، وانّما أخرجه على لفظ الروح، لأنَّ الروح مجانس للريح، وانّما أضافه إلى نفسه لأنَّه اصطفاه على سائر الارواح، كما اصطفى بيتاً من البيوت، فقال: بيتي، وقال لرسولٍ من الرسل: خليلي، وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبَّر»(٤) .
وورد عن أبي جعفر في قوله تعالى:( وَنَفختُ فِيهِ مِن رُّوحي ) انه قالعليهالسلام :
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٦، ح: ٣، ص: ١٦٩ - ١٧٠.
(٢) الحجر: ٢٩، و ص: ٧٢.
(٣) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٧، ح: ٢، ص: ١٧١.
(٤) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٧، ح: ٣، ص: ١٧١.
«من قدرتي»(١) .
١٥ - قوله تعالى:( فَلمّا أَسَفُونا انتَقَمنا مِنهُم ) (٢) .
ورد عن أبي عبد اللّه عليه في الآية الكريمة انَّه قال:
«انَّ اللّه تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنّه خلقَ أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقونَ مدبَّرون، فجعل رضاهم لنفسه رضى، وسخطهم لنفسه سخطاً، وذلكَ لانّه جعلهم الدعاة إليه، والأولاد عليه، فلذلكَ صاروا كذلك، وليس انّ ذلك يصل إلى اللّه كما يصل إلى خلقه، ولكنَّ هذا المعنى ما قال من ذلك، وقد قال أيضاً: (مَن أهان لي وليّاً فقد بازرني بالمحاربة ودعاني اليها)، وقال أيضاً:( مَن يُطِعِ الرَّسولَ فَقَد أَطاعَ اللّه ) (٣) ، وقال أيضاً:( إِنَّ الَّذِينَ يُبايعونَكَ إِنَّما يُبايعُونَ اللّهَ ) (٤) ، وكل هذا وشبهه على ما ذكرتُ لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الاشياء مما يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى المكوِّن الاسفُ والضجرُ وهو الذي أحدثهما وأنشأهما، لجاز لقائل أن يقول: إنَّ المكِّون يبيدُ يوماً مّا، لأنَّه إذا داخلَه الضجر والغضب دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الابادة، ولو كان ذلك كذلك لم يُعرف المكوِّن من المكوَّن، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى اللّه عن هذا القول علوّاً كبيراً، هو الخالق للاشياء لا لحاجةٍ، فإذا كان لا لحاجةٍ استحال الحدّ والكيف فيه، فافهم ذلك إن شاء اللّه»(٥) .
١٦ - قوله تعالى:( وَهُوَ الّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَفي الأرضِ إِلهٌ ) (٦) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٧، ح: ٥، ص: ١٧٢.
(٢) الزخرف: ٥٥.
(٣) النساء: ٨٠.
(٤) الفتح: ١٠.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢٦، ح: ٢، ص: ١٦٨ - ١٦٩.
(٦) الزخرف: ٨٤.
روي عن هشام بن الحكم انَّه قال: قال أبو شاكر الديصاني:
- إنَّ في القرآن آيةً هي قوة لنا، قلت:
- وما هي؟ فقال:
-( وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَفي الأَرضِ إِلهٌ ) .
فلم أدرِ بما اُجيبه، فحججتُ، فخبّرت أبا عبد اللّهعليهالسلام فقال:
- «هذا كلام زنديق خبيث، إذا رجعتَ إليه فقل: ما اسمكَ بالكوفة، فانّه يقول فلان، فقل: ما اسمكَ بالبصرة، فانَّه يقول: فلان، فقل: كذلكَ اللّه ربُّنا في السماء إله، وفي الأرضِ إله، وفي البحارِ إله، وفي كلَّ مكانٍ إله.
قال: فقدمتُ، فأتيتُ أبا شاكر، فأخبرتُه فقال:
- هذهِ نُقلت من الحجاز»(١) !!
١٧ - قوله تعالى:( سَخِرَ اللّهُ مِنهُم ) (٢) وقوله:( اللّهُ يَستَهزئُ بِهِم ) (٣) . وقوله:( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيرُ الماكِرينَ ) (٤) وقوله:( يُخادِعونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُم ) (٥) .
جاءَ عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه قال: سألتُ الرضا علي بن موسىعليهالسلام عن قول اللّه عزّ وجلّ:( سَخِرَ اللّهُ مِنهُم ) وعن قول اللّه عزّ وجلّ:( اللّهُ يَستَهزئُ بِهِم ) وعن قوله:( وَمَكرُوا وَمَكرَ اللّهُ ) وعن قوله:( يُخادِعونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُم ) ، فقالعليهالسلام :
«انَّ اللّه تباركَ وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ، ولا يمكرُ ولا يخادعُ، ولكنَّه
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٩، ح: ١٦، ص: ١٣٣.
(٢) التوبة: ٧٩.
(٣) البقرة: ١٥.
(٤) آل عمران: ٥٤.
(٥) النساء: ١٤٢.
عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمونَ علوّاً كبيراً».
٤ - تأويل ظواهر الاحاديث الدالّة على التشبيه والتجسيم
١ - عن الحسين بن خالد قال: «قلتُ للرضاعليهالسلام :
- إنَّ الناس يروون أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنَّ اللّه خلق آدم على صورته فقالعليهالسلام :
«قاتلهم اللّه، لقد حذفوا أوَّل الحديث، إنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرَّ برجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبَّح اللّه وجهكَ ووجهَ من يشبهكَ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عبدَ اللّه لا تقل هذا لأخيكَ، فانَّ اللّه عزّ وجلّ خلقَ آدَم على صورته»(٢) .
٢ - وعن ابراهيم بن أبي محمود قال: قلتُ للرضاعليهالسلام :
- يا ابنَ رسول اللّه! ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم «إنَّ اللّه تبارك وتعالى ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا»، فقالعليهالسلام : «لعن اللّه المحرّفين الكلم عن مواضعه، واللّهِ ما قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كذلك انّما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنَّ اللّه تبارك وتعالى يُنزل ملكاً إلى السماء كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول الليل، فيأمره فينادي: هل من سائل فاعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل، يا طالب الشرّ أقصر! فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عادَ إلى محلِّه من ملكوت السماء، حدّثني بذلك أبي عن جدّي، عن آبائه، عن
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٢١، ح: ١، ص: ١٦٣.
(٢) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٢، ح: ١١، ص: ١٥٣.
رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
٣ - ومن الحوار الذي جرى بين أبي قرّة المحدّث صاحب شبرمة وبين الامام الرضاعليهالسلام ، انَّه قال له:
«أفتكذب بالرواية: (إنَّ اللّه إذا غضب انَّما يعرف غضبه الملائكة الذين يحملون العرش، يجدونَ ثقله على كواهلهم، فيخرّونَ سجّداً، فإذا ذهبَ الغضب، خفَّ فرجعوا إلى مواقفهم)؟ فقال أبو الحسنعليهالسلام :
- «أخبرني عن اللّه تبارك وتعالى منذ لعنَ إبليس إلى يومكَ هذا وإلى يوم القيامة غضبان هو على إبليس وأوليائه، أو راضٍ عنهم؟ فقال:
- نعم هو غضبان. قالعليهالسلام :
- فمتى رضي فخفَّ، وهو في صفتكَ لم يزل غضباناً عليه وعلى أتباعه؟
ثم قالعليهالسلام :
- ويحكَ! كيف تجترئ أن تصفَ ربَّكَ بالتغيّر من حالٍ إلى حال، وانَّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه لم يزل مَعَ الزائلين، ولم يتغيّر مَعَ المتغيّرين»(٢) .
٤ - روي عن عبد السلام بن صالح الهروي انّه قال: قلتُ لعلي بن موسى الرضاعليهالسلام :
- «يا ابن رسول اللّه، ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث انِّ المؤمنين يزورون ربَّهم من منازلهم في الجنّة؟ فقالعليهالسلام :
- يا أبا الصّلت انّ اللّه تبارك وتعالى فضَّل نبيَّه محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم على جميع خلقه من
____________________
(١) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ٢، رقم: ٢٩٣، ص: ٣٨٦.
(٢) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: ٢، رقم: ٢٨٥، ص: ٣٧٩.
النبيين والملائكة، وجَعَل طاعته طاعتَه، ومتابعته متابعتَه، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارتَه، فقال عزّ وجلّ:( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللّهَ ) (١) ، وقال:( إِنَّ الَّذِينَ يبُايعونَكَ إِنَّما يُبايعونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوق أَيديهِم ) (٢) .
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مَن زارني في حياتي أو بعدَ موتي فقد زارَ اللّه)، درجةُ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره إلى درجته في الجنة من منزلِه، فقد زارَ اللّه تبارك وتعالى.
قال أبو الصلت: فقلتُ له:
- يا ابن رسول اللّه، فما معنى الخبر الذي رووه انَّ ثواب لا اله إلا اللّه النظر إلى وجه اللّه؟ فقالعليهالسلام :
-يا أبا الصلت، مَن وصفَ اللّه بوجهٍ كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه اللّه أنبياؤُه ورسله وحججه صلوات اللهِ عليهم، هم الذين بهم يتوجّه إلي اللّه وإلى دينه ومعرفته، وقال اللّه عزّ وجلّ:( كُلُّ مَن عَلَيها فانٍ* وَيَبقى وَجهُ رَبِّكَ ) (٣) ، وقال عزّ وجلّ:( كُلُّ شَيء هالِكٌ إِلا وَجهَهُ ) (٤) ، فالنظر إلى أنبياء اللّهِ ورسله وحججهعليهمالسلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة، وقد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مَن أبغضَ أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة)، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (انَّ فيكم مَن لا يراني بعد أن يفارقني)، يا أبا الصلت، إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا تدركه الأبصار والأوهام»(٥) .
____________________
(١) النساء: ٨٠.
(٢) الفتح: ١٠.
(٣) الرحمن: ٢٦ - ٢٧.
(٤) القصص، ٨٨.
(٥) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ٨، ح: ٢١، ص: ١١٧ - ١١٨.
٥ - وروي عن صفوان بن يحيى انَّه قال:
«سألني أبو قرّة المحدّث أن اُدخله على أبي الحسن الرضاعليهالسلام ، فاستأذنته في ذلكَ فأذن لي، فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤالُه التوحيد، فقال ابو قرّة:
- إنّا روينا أنَّ اللّه عزّ وجلَّ قسَّم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم لموسىعليهالسلام الكلام، ولمحمدٍصلىاللهعليهوآلهوسلم الرؤية، فقال أبو الحسنعليهالسلام :
-فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين الجن والانس:( لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُو يُدرِكُ الأَبصارَ ) (١) ،( وَلا يُحيطونَ بِهِ عِلماً ) (٢) ،( لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ ) (٣) ، أليس محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال:
- بلى، قالعليهالسلام :
- فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم انَّه جاءَ من عند اللّه وانَّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول:( لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار ) ،( ولا يحيطون به علماً ) ،( وليس كمثله شيء ) ، ثم يقول: أنا رأيتُه بعيني، لو عرفوك لوصفوكَ بما وصفتَ به نفسَكَ، سبحانَكَ كيف طاوعتهم أنفسهم أن شبّهوك بغيرك، إلهي لا أصفُكَ إلا بما وصفتَ به نفسَكَ، ولا اشبّهكَ بخلقكَ، أنت أهل لكلّ خير فلا تجعلني من القوم الظالمين.
ثم التفتَ الينا فقالعليهالسلام :
- ما توهمتم من شيء فتوهموا اللّه غيره، ثم قالعليهالسلام :
- نحن آل محمد النمط الأوسط الذي لا يدركنا الغالي، ولا يسبقنا التالي، يا محمَّد!
____________________
(١) الانعام: ١٠٣.
(٢) طه: ١١٠.
(٣) الشورى: ١١.
إن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حينَ نظر إلى عظمة ربِّه كان في هيئة الشاب الموفق وسنّ أبناء ثلاثينَ سنة، يا محمد! عظُم ربّي وجلَّ أن يكونَ في صفة المخلوقين.»(١) .
٦ - وعن إبراهيم بن محمد الخزّاز، ومحمد بن الحسين قالا:
«دخلنا على أبي الحسن الرضاعليهالسلام ، فحكينا له ما روي أنَّ محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى ربَّه في هيئة الشاب الموفقِ في سنّ أبناء ثلاثينَ سنةً رجلاه في خضرةٍ، وقلت: إنَّ هشام بن سالم وصاحب الطاق والميثمي يقولون: انَّه أجوف إلى السّرة والباقي صمد.
فخرَّعليهالسلام ساجداً، ثم قال:
- سبحانَكَ ما عرفوكَ ولا وحّدوك فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانَكَ وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن اللّه بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجهٍ آخر!!
قال أبو قرّة:
- فانه يقول:( وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرى ) (٢) ؟ فقال أبو الحسنعليهالسلام :
- إنَّ بعدَ هذهِ الآية ما يدلّ على ما رأى، حيث قال:( ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى ) (٣) يقول: ما كذب فؤاد محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال:( لَقَد رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبرى ) (٤) ، فآيات اللّه عزّ وجلّ غير اللّه، وقد قال:( ولا يحيطونَ به علماً ) ، فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم، ووقعت المعرفة.
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٨، ح: ١٣، ١١٣.
(٢) النجم: ١٣.
(٣) النجم: ١١.
(٤) النجم: ١٨.
فقال أبو قرّة:
- فتكذِّب بالروايات؟! فقال أبو الحسنعليهالسلام :
إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كَذَّبت بها، وما أجمع المسلمون عليه انَّه لا يُحاط به علم، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء»(١) .
____________________
(١) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ١٨، ح: ٩، ص: ١١١ - ١١٢.
التصوف والرهبنة
١ - من كلامٍ لأمير المؤمنينعليهالسلام وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي - وهو من أصحابه - يعوده، فلمّا رأى سعة داره قال:
« - ما كنتَ تصنع بسعة هذهِ الدار في الدنيا، وأنتَ اليها في الآخرة كنتَ أحوج؟ وبلى إن شئتَ بلغتَ بها الآخرة، تَقري فيها الضيف، وتصل فيها الرّحم، وتُطلع منها الحقوق مطالعَها، فإذا أنتَ قد بلغتَ بها الآخرة.
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو اليكَ أخي عاصم بن زياد، قال: وما له؟
قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا، قال: عليَّ به.
فلما جاءَ قالعليهالسلام :
- يا عديَّ نفسه! لقد استهامَ بكَ الخبيث! أما رحمتَ أهلك وولدك! أترى اللّه أحلّ لكَ الطيّبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على اللّه من ذلك!
قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنتَ في خشونة ملبسكَ وجشوبة مأكلك!
قال: ويحكَ، إنّي لست كأنت، إنَّ اللّه تعالى فرضَ على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضَعفة الناس، كيلا يتبيَّغ(١) بالفقير فقرُه»(٢) .
٢ - «دخَل سفيان الثوري على أبي عبد اللّهعليهالسلام ، فرأى عليه ثيابَ بياض كأنَّها غرقئ(٣) البيض، فقال له:
- إنَّ هذا اللباس ليس من لباسك، فقال لهعليهالسلام :
- اسمع منّي وعِ ما أقول لكَ، فانَّه خير لكَ عاجلاً وآجلاً، إن أنتَ متَّ على السنّة
____________________
(١) يتبيَّغ: يهيج به الالم فيهلكه.
(٢) نهج البلاغة: الكلام / ٢٠٩.
(٣) الغرقئ: كزبرج - القشرة الملتزقة ببياض البيض.
والحق، ولم تمت على بدعة.
اُخبرُكَ أنَّ رسول اللّه كانَ في زمان مقفر جدب(١) ، فإذا أقبلت الدنيا فأحقُّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها، فما أنكرتَ يا ثوري؟ فواللّهِ إنّي لمعَ ما ترى ما أتى عليَّ مذ عقلتُ صباح ولا مساء وللّه في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعاً الا وضعته.
قال: فأتاهعليهالسلام قوم ممن يظهرون الزُّهد، ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشف، فقالوا له:
- إنَّ صاحبنا حصر(٢) عن كلامك، ولم تحضره حجّة، فقال لهمعليهالسلام :
- فهاتوا حججكم، فقالوا:
- إنَّ حججنا من كتابِ اللّه، فقال لهمعليهالسلام :
- فأدلوا بها، فانَّها أحق ما اتُّبع وعُمل به، فقالوا:
- يقول اللّه تبارك وتعالى مخبراً عن قومٍ من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَيُؤثِرونَ عَلى أنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأولئِكَ هُمُ المُفلِحونِ ) (٣) فمدحَ فعلهم، وقال في موضعٍ آخر:( وَيُطعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسكِيناً وَيَتيماً وَأَسيراً ) (٤) ، فنحن نكتفي بهذا.
فقال رجل من الجلساء:
- إنّا رأيناكم تزهدون في الاطعمة الطيبة، ومَعَ ذلكَ تأمرونَ الناس بالخروج من أموالهم حتى تتمتعوا أنتم منها؟ فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام :
- دعوا عنكم ما لا تنتفعونَ به، أخبروني أيّها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من
____________________
(١) القفر، خلو الارض من الماء، والجدب: انقطاع المطر ويبس الارض.
(٢) الحصر: العي في المنطق. والعجز عن الكلام.
(٣) الحشر: ٩.
(٤) الدهر: ٨.
منسوخه، ومحكمه من متشابهه، الذي في مثله ضلَّ مَن ضلَّ، وهلكَ مَن هلك من هذهِ الامّة؟ فقالوا له:
- أو بعضه، فأمّا كلَّه فلا، فقال لهمعليهالسلام :
- فمن هنا اُتيتُم(١) ، وكذلك أحاديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) ، فأمّا ما ذكرتم من إخبار اللّه عزّ وجلّ إيّانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كانَ مباحاً جائزاً، ولم يكونوا نهوا عنه، وثوابهم منه على اللّه عزّ وجلّ، وذلكَ أنَّ اللّه جلَّ وتقدَّس أمَرَ بخلاف ما عملوا به فصارَ أمرُه ناسخاً لفعلهم، وكان نهي اللّه تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين ونظراً لكي لا يضرّوا بأنفسهم وعيالاتهم، منهم الضعفة، والصغار، والولدان والشيخ الفاني، والعجوزة الكبيرة، الذين لا يصبرون على الجوع، فان تصدَّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره، ضاعوا وهلكوا جوعاً.
فمن ثم قال رسول اللّه صلى الّه عليه وآله وسلم: خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير، أو دراهم يملكها الانسان، وهو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه، ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة على قرابته الفقراء، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل اللّه وهو أخسّها أجراً.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم للانصاري حيث أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق، ولم يكن يملك غيرهم، وله أولاد صغار: لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنونه مَعَ المسلمين، يتركَ صبيةً صغاراً يتكففونَ الناس.
ثم قالعليهالسلام : حدثني أبي أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إبدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى. ثمَّ هذا ما نطق به الكتاب ردّاً لقولكم ونهياً عنه، مفروضاً من اللّه العزيز الحكيم، قال:( وَالَّذِينَ إذا أَنفَقُوا لَم يُسرِفوا وَلَم يَقتُرُوا وَكانَ بَينَ ذلكَ قَواماً ) (٣) أفلا ترون أنَّ اللّه
____________________
(١) اُتيتُم: أي دخل عليكم البلاء.
(٢) أي فيها أيضاً ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه.
(٣) الفرقان: ٦٧.
تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الاثرة على أنفسهم، وسمّى مَن فَعَل ما تدعونَ الناس إليه مسرفاً؟
وفي غير آية من كتاب اللّه يقول:( إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفِينَ ) فنهاهم عن الاسراف، ونهاهم عن التقتير، لكن أمر بين أمرين: لا يعطي جميع ما عنده، ثمَّ يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له، للحديث الذي جاءَ عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (انَّ أصنافاً من اُمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمالٍ فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل اللّه عزَّ وجلَّ تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في بيته يقول: ربِّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق، فيقول اللّه جلَّ وعزّ له: عبدي! ألم أجعل لكَ السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة؟ فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكيلا تكون كلاً على أهلك، فان شئت رزقتك، وإن شئت قتَّرت عليك، وأنت غير معذور عندي، ورجل رزقه اللّه مالاً كثيراً فأنفقه، ثم أقبل يدعو يا ربِّ ارزقني، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ ألم اُرزقك رزقاً واسعاً؟ فهّلا اقتصدت فيه كما أمرتُك، ولم تُسرف وقد نهيتك (عن الاسراف)، ورجل يدعو في قطيعة رحم.
ثمَّ علَّم اللّهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه كيف ينفق، وذلكَ، انَّه كان عنده اُوقية من الذهب، فكره أن يبيت عنده، فصدَّق فأصبح وليس عنده شيء، وجاءَه مَن يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامَه السائل، واغتمَّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيماً رفيقاً، فأدَّبَ اللّهُ نبيَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمره فقال:( وَلا تَجعَل يَدَكَ مَغلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبسُطها كُلَّ البسطِ فَتَقعُدَ مَلُوماً مَّحسُوراً ) (٢) ، يقول: إنَّ الناس قد يسألونَكَ ولا يعذرونَكَ، فاذا أعطيت جميع ما عندكَ كنتَ قد حسرت من المال.
____________________
(١) الانعام: ١٤١، الاعراف: ٣١.
(٢) الاسراء: ٢٩.
فهذهِ أحاديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصدّقها الكتاب، والكتاب يصدِّقه أهلُه من المؤمنين، وقال أبو بكر عند موته: اوصي بالخمس، والخمس كثير، فانَّ اللّه قد رضي بالخمس فأوصى بالخمس، وقد جعل اللّه عزّ وجلّ له الثلث عند موته، ولو علم انَّ الثلث خير له أوصى به.
ثمَّ مَن قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر رضي الله عنهما، فامّا سلمان فكان إذا أخذَ عطاءَه رفع منه قوته لسنته، حتى يحضر عطاؤُه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد اللّه، أنت في زهدكَ تصنعُ هذا؟ وأنت لا تدري لعلَّكَ تموت اليوم أو غداً، فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليَّ الفناء، أما علمتم يا جهلة انَّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنَّت.
وأمّا أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات، يحلبها، ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم(١) فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم، ومَن أزهد من هؤلاء؟ وقد قال فيهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما قال، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتة، كما تأمرون الناس بالقاء أمتعتهم وشيئهم، ويؤثرونَ به على أنفسهم وعيالاتهم.
واعلموا أيها النفر أنّي سمعتُ أبي يروي عن آبائهعليهمالسلام أنَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال يوماً: (ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن، انّه إن قرَّض جسده في دار الدنيا بالمقاريض، كان خيراً له، وان ملك ما بين مشارق الارض ومغاربها كان خيراً له، وكلّ ما يصنع اللّه عزّ وجلّ به فهو خير له)، فليتَ شعري هل يحيق فيكم اليوم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم؟
____________________
(١) قرم اللحم: شهوة اللحم.
أما علمتم أنَّ اللّه عزَّ وجلَّ قد فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومَن ولاهم يومئذٍ دبره فقد تبوّءَ مقعده من النار، ثمَّ حوَّلهم عن حالهم رحمةً منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من اللّه عزَّ وجلَّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة.
وأخبروني أيضاً عن القضاة أجورة هم حيث يفرضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: إنّي زاهد وإنّي لا شيء لي، فان قلتم: جورة ظلّمكم أهل الاسلام، وإن قلتم: بل عدول خصمتُم أنفسكم، وحيث تردُّون صدقة مَن تصدَّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.
أخبروني لو كان الناس كلهم كالذّين تريدون زهّاداً لا حاجة لهم في متاع غيرهم، فعلى مَن كان يُتصدَّق بكفّارات الايمان والنذور، والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما وجب فيه الزكاة من الابل والبقر والغنم، وغير ذلك إذا كان الأمر على ما تقولون لا ينبغي لأحدٍ أن يحبس شيئاً من عرض الدنيا إلا قدَّمه، وإن كانَ به خصاصة، فبئس ما ذهبتم إليه وحمَّلتم الناس عليه من الجهل بكتاب اللّه عزَّ وجلَّ وسنّة نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحاديثه التي يصدِّقها الكتاب المنزل، وردِّكم إياها بجهالتكم، وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، وأخبروني أنتم عن سليمان بن داودعليهالسلام حيث سأل اللّه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه اللّه جلَّ اسمه ذلك، وكان يقول الحق ويعمل به، ثم لم نجد اللّه عزَّ وجلَّ عاب عليه ذلك، ولا أحداً من المؤمنين، وداود النبيّعليهالسلام قبله في ملكه وشدّة سلطانه.
ثم يوسف النبيعليهالسلام حيث قال لملك مصر:( اجعَلنِي عَلى خَزائِنِ الأَرضِ إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) (١) فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن،
____________________
(١) يوسف: ٥٥.
فكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعةٍ أصابتهم، وكان يقول الحقّ ويعمل به، فلم نجد أحداً عابَ ذلك عليه.
ثم ذو القرنين عبد أحبَّ اللّه فأحبَّه اللّه وطوى له الاسباب، وملكه مشارق الأرض ومغاربها، وكان يقول الحق، ويعمل به، ثم لم نجد أحداً عاب ذلك عليه.
فتأدّبوا أيها النفر بآداب اللّه عزَّ وجلَّ للمؤمنين، واقتصروا على أمرِ اللّه ونهيه، ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به، وردّوا العلمَ إلى أهله تُؤجروا وتُعذروا عند اللّه تبارك وتعالى، وكونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابه، وما أحلَّ اللّه فيه مما حرَّم، فانَّه أقرب لكم من اللّه وأبعد لكم من الجهل، ودعوا الجهالة لأهلها، فانَّ أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل، وقد قال اللّه عزَّ وجلَّ( وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَليمٌ ) (١) (٢) .
٣ - «ورد قوم من المتصوفة إلى خراسان ودخلوا على علي بن موسى الرضاعليهالسلام ، فقالوا له:
-إنَّ أمير المؤمنين فكَّر فيما ولاّه اللّه من الامور، فرآكم أهل بيت أولى الناس أن تؤمّوا الناس، ونظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس، فرأى أن يردَّ هذا الأمر اليك، والامامة تحتاج إلى مَن يأكل الجشب، ويلبس الخشن، ويركب الحمار، ويعود المريض.
فقال لهمعليهالسلام :
- إنَّ يوسف كان نبيّاً يلبس أقبية الديباج المزرَّدة بالذهب، ويجلس على متكآت آل فرعون ويحكم، انّما يُراد من الامام قسطه وعدله، إذا قال صَدَق، وإذا حكم عَدَل،
____________________
(١) يوسف: ٧٦.
(٢) الكليني، الاصول من الكافي، ج: ٥، كتاب المعيشة، الباب: ١، ح: ١، ص: ٦٥ - ٧٠، والمجلسي، بحار الأنوار، ج: ٦٧، كتاب الايمان والكفر، باب: ٥١، ح: ١٣، ص: ١٢٣ - ١٢٨، وتحف العقول، ص: ٣٦٣ - ٣٦٩.
وإذا وَعَد أنجز، إنَّ اللّه لم يحرِّم لبوساً ولا مطعماً، ثم قرأ:( قُل مَن حرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُل هيَ للَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنيا خَالِصَةً يَومَ الِقيامةِ ) (١) (٢) .
٤ - ورد في كتاب المسائل عن علي بن جعفر أنَّه قال:
«سألتُ أخي موسىعليهالسلام عن الرجل المسلم هل يصلح له أن يسيح في الأرض أو يترهَّب في بيت لا يخرج منه؟ قالعليهالسلام : لا»(٣) .
٥ - وفي رواية ابن حمزة والسيد المرتضى عن الشيخ المفيد باسناده عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب انّه قال:
«كنت مع الهادي علي بن محمدعليهالسلام في مسجد المدينة، فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان رجلاً بليغاً، وكانت له منزلة عظيمة عنده، ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية، وجلسوا في جانبه حلقة مستديرة ثم أخذوا بالتهليل، فقالعليهالسلام :
- لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدّاعين، فانّهم خلفاء الشياطين، ومخّربو قواعد الدين، يتزهدون لراحة الأجسام، ويتهجدون لتقييد الأنام، ويتجوعون عمراً حتى يذبحوا للايكاف حمراً، لا يهللون إلا لغرور الناس، ولا يقلّلونَ الغذاءَ الا للالتباس والاختلاف، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنّم والتغنية، فلا يتبعهم إلا السفهاء، ولا يعتقد بهم إلا الحمقاء، فمن ذهب إلى زيارة واحدٍ منهم حيّاً أو ميتاً، فكأنماً ذهبَ إلى زيارة
____________________
(١) الاعراف: ٣٢.
(٢) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٦٧، كتاب الايمان والكفر، باب: ٥١، ح: ١١، ص: ١٢٠ - ١٢١، عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج: ٣، ص: ١٢.
(٣) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٦٧، كتاب الايمان والكفر، باب: ٥١، ح: ١٠، ص: ١١٩، عن الاحتجاج للطبرسي.
الشيطان، وعبادة الأوثان، ومَن أعانَ أحداً منهم فكأنّما أعانَ يزيد ومعاوية وأبا سفيان.
فقال رجل من أصحابهعليهالسلام :
- مَن كان معترفاً بحقوقهم؟
فنظر إليهعليهالسلام شبه المغضب وقال:
- دع ذا، مَن اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أما تدري انَّ أخس الطوائف الصوفية، والصوفية كلهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى ومجوس هذهِ الامّة، اُولئكَ الذين يجهدونَ في إطفاء نور اللّه، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون»(١) .
____________________
(١) ع. نجف، منهاج التحرك عند الامام الهاديعليهالسلام ، ص: ١٣٩ - ١٤٠، عن ذرائع اللسان لمحمد رضا الطبسي، ج: ٢، ص: ٣٧.
مواجهة حركة الغلاة
١ - روي عن أبي عبد اللّهعليهالسلام أنَّه قال:
«اُتي أمير المؤمنينعليهالسلام - وهو جالس في المسجد بالكوفة - بقومٍ وجدوهم يأكلون بالنهار في شهر رمضان، فقال لهم أمير المؤمنينعليهالسلام :
- أكلتُم وأنتم مفطرون؟ قالوا:
- نعم! قالعليهالسلام :
- أيهود أنتم؟! قالوا:
- لا! قالعليهالسلام :
- فنصارى؟! قالوا:
- لا!، قالعليهالسلام :
- فعلى أي شيء من هذهِ الأديان المخالفين للاسلام؟ قالوا:
- بل مسلمون! قالعليهالسلام :
- فسفر أنتُم؟ قالوا:
- لا! قالعليهالسلام :
- فيكم علّة استوجبتم الافطار ولا نشعر بها، فانكم أبصر بأنفسكم منّا، لانَّ اللّه عزّ وجلّ يقول:( بَلِ الإنسانُ عَلى نَفسِهِ بَصيرَةٌ ) (١) ؟ قالوا:
- بل أصبحنا ما بنا من علّة.
فضحك أمير المؤمنينعليهالسلام ثم قال:
- تشهدون أن لا اله الا اللّه وانَّ محمّداً رسول اللّه؟ قالوا:
____________________
(١) القيامة: ١٤.
- نشهد أن لا اله الا اللّه، ولا نعرف محمداً، قالعليهالسلام :
- فانَّه رسول اللّه! قالوا:
- لا نعرفه بذلك، إنّما هو أعرابي دعا إلى نفسه، فقالعليهالسلام :
- إن أقررتُم والا قتلتكم، قالوا:- وان فعلتَ!فوكّل بهم شرطة الخميس، وخرج بهم إلى الظهر ظهر الكوفة، وأمَرَ ان يُحفر حفرتين، وحفر إحداهما الى جنب الاخرى، ثم خرق فيما بينهما كوّة ضخمة شبه الخوخة، فقال لهم:
- إنّي واضعكم في أحد هذين القليبين، واُوقد في الآخر النار، فاقتلكم بالدخان، قالوا:
- وان فعلتَ، فانما تقضي هذهِ الحياة الدنيا!!فوضعهم في أحد الجبّين وضعاً رفيقاً، ثَّم أمَرَ بالنار فأوقدت في الجبّ الآخر، ثم جعل يناديهم مرّة بعد مرّة:
- ما تقولون؟ فيجيبون:
- فاقضِ ما أنت قاضٍ!!حتى ماتوا»(١) .
٢ - وعن عنبسة بن مصعب قال: قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام :
- أيّ شيء سمعت من أبي الخطّاب(٢) ؟ قلت:
____________________
(١) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: ٣٨، باب: ٥٨، ح، ١٣، ص: ٦٠ - ٦١.
(٢) أبو الخطّاب الاسدي: وهو محمد بن مقلاص الاسدي الكوفي، كانَ رجلاً من الموالي، اشتهر بكنيته دونَ اسمه، فالشهرستاني يذكره على انَّه محمد بن زينب الاسدي الاجدع، والمقريزي يثبته: محمد بن أبي ثور، ويذكر انَّه قيل في اسمه: محمد بن يزيد الأجدع، وأبو جعفر بن بابويه يذكر انَّ اسم أبي الخطّاب زيد. إلى آخر ما فيه من الاختلاف.
ظهر هذا الرجل في الكوفة، وكان المجتمع يموج بالتيارات السياسية، والدعوة العباسية تشق طريقها إلي النجاح بسرعة، فاستغل ذلك الظرف الذي يأمل فيه نجاح مهمته في نشر دعوته الالحادية، فدعى إلى عقيدة عُرف أتباعها بالخطابية، وساعدته الظروف المؤاتية أن يجمع حوله تلاميذ يلقنهم تعاليمه، ويرسم لهم خطط الدعوة والتجمع والظهور، وكانت حركتهم سرّية محكمة، وهي حركة سياسية من جهة وعقائدية من جهة اخرى، وتلتقيان في نقطة العداء للاسلام.
ولم تدون عقائد أبي الخطّاب في كتب سطرتها أقلام أتباعه، وانّما اُخذت من غيرهم، وهذا ما يجعلنا نتردد في بعض ما نُسب إليه، وقد أجمعت الشيعة على لعن أبي الخطّاب، وتكفيره، والبراءة منه، وانَّه غالٍ ملعون كما هو مذكور في كتب الرجال والحديث والتأريخ.قد اتسعت حركة أبي الخطاب في ذلك الجو المضطرب، واستغل فرصة الدعوة لأهل البيتعليهمالسلام والانتقام من أعدائهم، فاعلنَ مبدأه وأظهر عقيدته المخالفة لروح الاسلام، والتي لا تتصل بأهل البيتعليهمالسلام بأي صلة، ولما بلغ ذلك إلى الامام الصادقعليهالسلام اهتم غاية الاهتمام بفتنة أبي الخطاب، وخاف عاقبتها السيئة التي تعود على صفوف المسلمين بالفرقة، وعلى جمعهم بالشتات، وهوعليهالسلام في ذلك العصر يبذل جهده في التوجيه إلى الالتزام بتعاليم الدين لتجتمع كلمة المسلمين، فيكونوا صفّاً واحداً يردّون كلّ خطر يهدد المجتمع الاسلامي.
(أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٤ - ٣٧٥).
- سمعته يقول: انَك وضعت يدك على صدره وقلتَ له: عه ولا تنسَ، وأنتَ تعلم الغيب، وانكَ قلت: هو عيبة علمنا وموضع سرِّنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا، فقال الصادقعليهالسلام :
- لا واللّه! ما مسَّ شيء من جسدي جسده، وأمّا قوله: إنّي أعلم الغيب، فواللّه الذي لا اله إلا هو ما أعلم الغيب، ولا آجرني اللّه في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له، وأمّا قوله انّي قلت: هو عيبة علمنا، وموضع سِّرنا، وأمين أحيائنا وأمواتنا، فلا آجرني اللّه في أمواتي، ولا باركَ لي في أحيائي إن كنتُ قلتُ له من هذا شيئاً».
وقال عيسى بن أبي منصور: سمعت أبا عبد اللّه الصادق يقول - وذكر أبا الخطّاب -: «اللَّهم العن أبا الخطاب فانّه خوفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي، اللهمَّ أذقه حرَّ الحديد»(١) .
٣ - وعن المفضل انَّه قال: قال لي أبو عبد اللّه الصادقعليهالسلام وذكر أصحاب أبي الخطّاب والغلاة:
«يا مفضَّل لا تقاعدوهم، ولا تواكلوهم، ولا تشاوروهم، ولا تصافحوهم، ولا
____________________
(١) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٥.
توارثوهم»(١) .
٤ - وقال مرازم: قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام :
«قل للغالية توبوا إلى اللّه فانَّكم فسّاق مشركون»(٢) .
٥ - وقال أبو بصير: قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام :
«يا أبا محمد أبرء ممن يزعم أنّا أرباب، قلتُ: بريء منه».
وعن أبي بصير أيضاً عنهعليهالسلام انَّه قال:
«أبرء ممن يزعم أنّا أنبياء، قلتُ: بريء منه»(٣) .
٦ - وعن أبي بصير قال: قلتُ لابي عبد اللّهعليهالسلام حول الخطابية:
«انَّهم يقولون: انكَ تعلم قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد ما في التراب، فرفع الامام الصادقعليهالسلام يده وقال:
- سبحانَ اللّه! سبحانَ اللّه! واللّهِ ما يعلم هذا إلا اللّه»(٤) .
٧ - وعن سدير عن أبيه قال: قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام :
- «إنَّ قوماً يزعمون انّكم آلهة، يتلون علينا بذلك قرآناً:( يا أَيُّها الرُّسلُ كُلُوا مِن الطَّيِّباتِ واعمَلُوا صالِحاً إِنّي بِما تَعمَلُونَ عَلِيمٌ ) (٥) ، فقالعليهالسلام :
- يا سدير، سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاءِ براء، برأ اللّه منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي، واللّهِ لا يجمعني وإيّاهم يوم إلا وهو عليهم ساخط»(٦) .
٨ - وقال ميسرة: ذكرتُ أبا الخطّاب عند أبي عبد اللّهعليهالسلام وكان متكئاً، فرفع
____________________
(١) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٦.
(٢) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٦.
(٣) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٦.
(٤) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٦.
(٥) المؤمنون: ٥١.
(٦) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٦.
إصبعه إلى السماء ثم قال:
«على أبي الخطّاب لعنةُ اللّه والملائكة والناس أجمعين، فأشهد باللّهِ انَّه كافر، فاسق، مشرك، وانّه يحشر مَعَ فرعون في أشد العذاب غدواً وعشيّاً، ثم قالعليهالسلام :
- واللّه واللّه انّي لأنفس على أجسادٍ اُصيبت معه النار»(١) .
ويعنيعليهالسلام : في الفقرة الاخيرة من كلامه انَّه يأسف على اُولئك القوم الذين غرر بهم دعاة الالحاد، فأوردوهم موارد الهلكة.
٩ - وقال مرازم قال لي أبو عبد اللّهعليهالسلام :
- يا مرازم! مَن بشّار؟ قلتُ:
- الشعيري، فقالعليهالسلام :
- لعنَ اللّه بشاراً(٢) ، يا مرازم قل لهم: ويلكم توبوا إلى اللّه، فانَّكم كافرون مشركون.
وكان بشار جاراً لمرازم، فقال له الصادقعليهالسلام :
- يا مرازم! إنَّ اليهود قالوا ووحدوا اللّه، وانَّ النصارى قالوا ووحدوا اللّه، وانَّ بشاراً قال قولاً عظيماً، فإذا قدمت الكوفة فأتِه وقل له يقول لكَ جعفر: يا فاسق، يا كافر، يا مشرك، أنا بريء منكَ.
قال مرازم: فلما قدمتُ الكوفة، فوضعتُ متاعي وجئت إليه، ودعوت الجارية، وقلت قولي لابي إسماعيل هذا مرازم، فخرج اليَّ فقلتُ له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر، يا فاسق، يا مشرك، أنا بريء منك، فقال بشّار:
- وقد ذكرني سيدي، قلت:
____________________
(١) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٦.
(٢) كان بشار الشعيري من أهل الكوفة من دعاة الالحاد، وممن يقول بمقالة العلياوية، وهم الذين قالوا: انَّ علياً ربّ، وظهر بالعلوية الهاشمية، وقالوا بالتناسخ والتعطيل، وكان لبشّار جماعة يتبعونه على أضاليله وأباطيله.
(أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلّة الثاني، ص: ٣٧٨).
- نعم ذكركَ بهذا الذي قلتُ لكَ، فقال:
- جزاك اللّه خيراً.
وأخذَ يدعو لي.
وروي عن إسحق بن عمّار انَّ أبا عبد اللّهعليهالسلام قال لبشّار الشعيري:
- «اخرج عني لعنَكَ اللّه، لا واللّه لا يظلّني وإيّاك سقف أبداً، فلما خرجَ قال أبو عبد اللّهعليهالسلام :
- ويله ألا قالَ بما قالت اليهود؟ ألا قالَ بما قالت النصارى؟ ألا قالَ بما قالت المجوس؟ أو بما قالت الصابئة؟ واللّهَ ما صغَّر اللّه تصغير هذا الفاجر أحد، إنه شيطان ابن شيطان، خرج من البحر ليغوي أصحابي فاحذروه، وليبلغ الشاهد الغائب، انّي عبد اللّه ابن عبد اللّه، ضمَّتني الاصلاب والارحام،انّي لميّت ومبعوث، ثم مسؤول، واللّهِ لاُسألنَّ عمّا قال فيَّ هذا الكذّاب، وادّعاه، ما له غمّه اللّه، فلقد أمن على فراشه، وأفزعني وأقلقني عن رقادي»(١) .
١٠ - وروي عن هشام بن الحكم انَّه سمع أبا عبد اللّه الصادقعليهالسلام يقول:
«لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنّة، وتجدونَ معه شاهداً من أحاديثا المتقدمة، فانَّ المغيرة بن سعيد دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدِّث بها، فاتقوا اللّه، لا تقبلوا علينا ما خالفَ قول ربنا وسنة نبيِّنا»(٢) .
وفي رواية اُخرى عن يونس عن هشام انَّه سمع أبا عبد اللّهعليهالسلام يقول:
- «كان المغيرة بن سعيد(٣) يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكانَ
____________________
(١) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٢) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٨٢.
(٣) المغيرة بن سعيد: وهو مولى بجيلة، خرج في أيام أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، وقُتل في أيام الامام الصادقعليهالسلام سنة ١١٩ ه وقد استطاع أن يموّه على كثير من المتطرفين، وأن يخدع جملة من الناس، وكان ماهراً في دسّ الاحاديث ووضعها على أهل البيتعليهمالسلام .
ويقول الشهرستاني: انَّ المغيرة ادّعى لنفسه الامامة بعد محمد المعروف بالباقر بن علي بن الحسين، وبعد ذلك ادّعى النبوة لنفسه، وغلا في حقّ علي.
ويقول الاشعري: انَّه زعم انَّه يحيي الموتى بالاسم الأعظم، وأراهم أشياء من اليزنجات والمخاريق.
وقال جرير بن عبد الحميد: كان المغيرة بن سعيد كذاباً ساحراً.
وقال الجوجزاني: قتل المغيرة على ادّعاء النبوة، كأن أسعر النيران بالكوفة على التموية والشعبذة حتى أجابه خلق كثير.
(أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٨١).
أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب، فيدفعونها إلى المغيرة، وكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي، ثم يدفعها إلى أصحابه، ثم يأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أبي من الغلو فذاك مما دسَّه المغيرة بن سعيد في كتبهم».
وعن عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد اللّه يوماً لأصحابه:
«لعنَ اللّه المغيرة بن سعيد، ولعن اللّه يهوديةً كان يختلف اليها، يتعلّم منها السحر والشعبذة والمخاريق، انَّ المغيرة كذب على أبي فسلبه اللّه الايمان، وانَّ قوماً كذبوا عليَّ، ما لهم؟ أذاقهم اللّه حرَّ الحديد، فواللّهِ ما نحن إلا عبيد خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرٍ ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وان عذَّبنا فبذنوبنا، واللّهِ ما بنا على اللّه من حجّة، ولا معنا من اللّه براءة، وانّا لميتون، ومقبورون، ومنشورون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسؤولون، ما لهم لعنهم الله، فلقد آذوا اللّه، وآذوا رسولَ اللّه في قبره وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين، وها أنا ذا بين أظهركم، أبيتُ على فراشي خائفاً، يأمنون وأفزع، وينامون على فراشهم وأنا خائف، ساهر وَجلِ، أبرأ إلى اللّه مما قال فيَّ الأجدع، وعبد بني أسد أبو الخطّاب لعنه اللّه، واللّهِ لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك لكان الواجب أن لا يتقبلوه، فكيف وهم يروني خائفاً، وجلاً، أستعدي اللّه عليهم، وأبرأ الى اللّه منهم!! إنّي امرؤ ولدني رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما معي براءة من اللّه، إن أطعته رحمني وإن عصيته عذَّبني عذاباً شديداً»(١) .
____________________
(١) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الثاني، ص: ٣٨٢ - ٣٨٣.
ملحقات الباب الرابع
الملحق الأول : خطبة(١) الاشباح(٢) لأمير المؤمنينعليهالسلام
روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمدعليهماالسلام انَّه قال: خطب أمير المؤمنينعليهالسلام بهذه الخطبة على منبر الكوفة، وذلك انَّ رجلاً أتاه فقال له: يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا مثلما نراه عياناً لنزداد له حباً، وبه معرفة، فغضب ونادى: الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى غصّ المسجد بأهله، فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم قال:
الحمدُ للّه الذي لا يَفِره المنع والجمود(٣) ولا يكديه الإعطاء والجود، إذ كل معطٍ مُنتَقص سواه، وكل مانع مذموم ما خلاه، وهو المنّان بفوائد النِّعَم، وعوائد المزيد والقِسَم، عياله الخلق، ضمن أرزاقهم، وقدَّر أقواتهم، ونهج سبيل الراغبين اليه، والطالبين ما لديه، وليس بما سئُل بأجود منه بما لم يُسأل، الاول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعدٌ فيكون شيء بعده، والرادع أناسيَّ الابصارِ عن أن تناله أو تدركه(٤) ، ما اختلف عليه دهرٌ فيختلف منه الحال، ولا كان في مكانٍ فيجوز عليه الانتقالُ، ولو وهبَ ما تنفَّسَت عنه معادن الجبال(٥) ، وضحكت عنه
____________________
(١) وردت الخطبة في نهج البلاغة، الخطبة: ٩١، والشروح المذكورة في هامش الخطبة تعود للاستاذ الشيخ محمد عبده في شرحه على النهج.
(٢) الاشباح: الاشخاص، والمراد بهم ها هنا الملائكة.
(٣) لا يفره لا يزيد ما عنده من البخل والجمود وهو أشد البخل، ولا يكديه: أي لا يفقره.
(٤) أناسي: جمع إنسان، وإنسان البصر: هو ما يرى وسط الحدقة ممتازاً عنها في لونها.
(٥) أبدع الامام في تسمية انفلاق المعادن عن الجواهر تنفساً فانَّ أغلب ما يكون من ذلك بل كله عن تحرك المواد الملتهبة في جوف الأرض إلى الخارج وهي في تبخرها أشبه بالنفس، كما أبدع في تسمية انفتاح الصدف عن الدر ضحكاً.
أصداف البحار من فلز اللُّجين والعِقيان(١) ونُثارة الدر وحصيد المرجان ما أَثَّر ذلك في جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الانعام ما لا تنفدُهُ مطالب الانام(٢) ، لأنّه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين، ولا يبخله إلحاح الملحين(٣) ، فانظر أيها السائل فما دلَّك القرآن عليه من صفته فأتمّ به(٤) ، واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطانُ عِلمَه مما ليس في الكتاب عليك فرضهُ ولا في سنة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأئمة الهدى أثره فَكِل علمه إلى اللّه سبحانه، فانَّ ذلك منتهى حقِّ اللّهِ عليك، واعلم أنَّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب(٥) ، فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمقَ فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلِكَ فَتكون من الهالكين، هو القادر الذي إذا ارتمت الاوهام لتدرك منقطع قدرته(٦) وحاول الفكر المبرَّأ من خطراتِ الوساوِس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوتِه(٧) وتولّهت القلوب إليه(٨) لتجرى في كيفية صفاته(٩) ، وغمضت مداخلُ العقول في حيث لا تبلغه الصفاتُ لتناول علم
____________________
(١) الفلز: بكسر الفاء واللام الجوهر النفيس، واللجين: الفضة الخالصة، والعقيان: ذهب ينمو في معدنه، ونثارة الدر: بالضم منثوره، وفعالة: بالضم فاش للجيد المختار كالخلاصة، وللساقط المتروك كالقلامة، وحصيد المرجان: محصوده، يشير إلى انَّ المرجان نبات، وقد حققته كاشفات الفنون جديدها وقديمها.
(٢) أنفده: بمعنى أفناه، ونفد: كفرح أي فني.
(٣) يغيض: بفتح حرف المضارعة من غاض المتعدي: يقال غاض الماء لازماً وغاضه اللّه متعدياً، ويقال أغاضه أيضاً وكلاهما بمعنى أنقصه واذهب ما عنده. ويبخله: بالتخفيف من أبخلت فلاناً وجدته بخيلاً، أمّا بخَّله: بالتشديد فمعناه رماه بالبخل.
(٤) ائتم به: أي اتبعه فصفه كما وصفه اقتداء به.
(٥) السدد: جمع سدة باب الدار، والاقرار فاعل أغناهم.
(٦) ارتمت الاوهام: ذهبت أمام الافكار كالطليعة لها. ومنقطع الشيء: ما إليه ينتهي.
(٧) المبرَّأ الخ أما الملابس لهذه الخطرات فمعلوم أنه لا يصل إلى شيء لوقوفه عند وساوسه.
(٨) تولّهت القلوب إليه: اشتد عشقها وميلها لمعرفة كنهه.
(٩) لتجرى الخ لتجول ببصائرها في تحقيق كيف قامت صفاته بذاته أو كيف اتصف سبحانه بها.
ذاته(١) ، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب، متخلصة إليه سبحانهُ، فرجعت إذ جبهت(٢) معترفةً بأنه لا ينال بجورِ الاعتساف كنه معرفته(٣) ، ولا تخطُر ببالِ أوُلي الرَّوياتِ خاطِرةٌ من تقديرِ جلال عزتهِ(٤) ، الذي ابتدع الخلقَ على غيرِ مثالٍ امتثلهُ(٥) ، ولا مقدارٍ احتذى عليه من خالقٍ معهودٍ كانَ قبلهُ، وأرانا من ملكوتِ قدرتهِ، وعجائِب ما نطَقت به آثارُ حكمته، واعتراف الحاجَة من الخلق إلى أن يُقيمها بمساك قدرته ما دلَّنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته(٦) ، وظهرت في البدائع التي أحدثها آثارُ صنعته وأعلام حكمته، فصار كل خلق حجةً لهُ ودليلاً عليه، وإن كان خلقاً صامتاً فحجته بالتدبير ناطقة، ودلالته على المبدع قائمة، وأشهد أن من شبَّهك بتباين أعضاءِ خلقكَ، وتلاحم حِقاق مفاصلهم(٧) المحتجبة لتدبير حكمتك، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك(٨) ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ندَّ لكَ، وكأنَّهُ لم يسمع تبرُّؤَ التابعين من
____________________
(١) وغمضت الخ أي خفيت طرق الفكر ودقت وبلغت في الخفاء والدقة إلى حد لا يبلغه الوصف.
(٢) ردعها الخ جواب للشرط في قوله إذا ارتمت الخ. وردعها كفها وردها، والمهاوي المهالك، والسدف بضم ففتح جمع سدفة وهي القطعة من الليل المظلم، وجبهت من جبهه إذا ضرب جبهته والمراد ردت بالخيبة.
(٣) الجور العدول عن الطريق، والاعتساف سلوك على غير جادة وسلوك العقول في أي طريق طلباً لاكتناه ذاته وللوقوف على ما لم تكلف الوقوف عليه من كيفية صفاته يعد جوراً وعدولاً عن الجادة فان العقول الحادثة ليس في طبيعتها ما يؤهلها للإحاطة بالحقائق الأزلية، اللهم الا ما دلت عليه الآثار وذلك هو الوصف الذي جاء في الكتاب والسنة، وكنه معرفته نائب فاعل ينال.
(٤) الرويات جمع روية الفكر.
(٥) ابتدع الخلق أوجده من العدم المحض على غير مثال سابق امتثله أي حاذاه ولا مقدار سابق احتذى عليه أي قاس وطبق عليه، وكان ذلك المثال أو المقدار من خالق معروف سبقه بالخلقة أي لم يقتد بخالق آخر في شيء من الخلقة إذ لا خالق سواه.
(٦) المساك كسحاب - ويكسر - ما به يمسك الشيء كالملاك ما به يملك «ان اللّه يمسك السموات والأرض أن تزولا» وقد جعل الحاجة الظاهرة من المخلوقات الى اقامة وجودها بما يمسكها من قوته بمنزلة الناطق بذلك المعترف به، وقوله باضطرار متعلق بدلنا، وعلى معرفته متعلق به أيضاً، أي دلنا على معرفته بسبب أن قيام الحجة اضطرنا لذلك، وما دلنا مفعول لأرانا وظهرت في البدائع الخ معطوف على أرانا.
(٧) الحقاق جمع حق بضم الحاء رأس العظم عند المفصل، واحتجاب المفاصل استتارها باللحم والجلد وذلك الاستتنار مما له دخل في تقوية المفاصل على تأدية وظائفها التي هي الغاية من وضعها في تدبير حكمة اللّه في خلقة الابدان، والمراد من شبهه بالانسان ونحوه.
(٨) غيب الضمير باطنه، والمراد منه هنا العلم واليقين، أي لم يحكم بيقينه في معرفتك بما أنت أهل له.
المتبوعِينَ إذ يقولون:( تاللّهِ إن كنَّا لفي ضلالٍ مبينٍ إذ نسويكم برب العالمين ) ! كذب العادلون بك(١) ، إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأَوهامهم(٢) ، وجزءوكَ تجزئةَ المجسماتِ بخواطرهم، وقدروك على الخلقةِ المختلفة القوى(٣) بقرائح عقولهم، وأشهد أنَّ من ساواك بشيءٍ من خلقكَ فقد عدل بك، والعادل بك كافرٌ بما تَنزَّلت به محكمات آياتك، ونطقت عنه شواهد حجُجِ بيناتك، وأنك أنت اللّه الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفاً(٤) ولا في رويات خواطرها فتكون محدوداً مصرفاً(٥) .
قدَّر ما خلق فأَحكم تقديرهُ، ودبَّره فأَلطفَ تدبيرهُ، ووجهَّه لوجَّهه فلم يتعدَّ حدود منزلته، ولم يقصِّر دون الانتهاء إلى غايته، ولم يستصعب إذ أُمِر بالمُضيِّ على أرادته(٦) . وكيف وانَّما صدرت الامورُ عن مشيئتهِ؟ المُنِشئُ أصنافَ أصناف الأَشياء بلا رويَّة فكرٍ آل إليها، ولا قريحة غريزةٍ أضمر عليها(٧) ، ولا تجربةٍ أفادَها من حوادث الدهور(٨) ، ولا شريكٍ أعانهُ على ابتداعِ عجائبِ الاُمور، فتم خلقه، وأذعنَ لطاعته، وأَجاب إلى دعوته، وَلَم يعترض دونه ريث المبطئ(٩) ، ولا أناةُ المتلكئ(١٠) فأقام من الاشياءِ
____________________
(١) العادلون بك: الذين عدلوا بك غيرك أي سووه بك وشبهوك به.
(٢) نحلوك: أعطوك، وحلية المخلوقين: صفاتهم الخاصة بهم من الجسمانية وما يتبعها، أي وصفوك بصفات المخلوقين، وذلك انما يكون من الوهم الذي لا يصل إلى غير الأجسام ولواحقها دون العقل الذي يحكم فيما وراء ذلك.
(٣) قدروك: قاسوك.
(٤) أي: لم تكن متناهياً محدود الأطراف حتى تحيط بك العقول فتكيفك بكيفة مخصوصة.
(٥) مصرفاً: أي تصرفك العقول بأفهامها في حدودك.
(٦) إستصعب المركوب: لم ينقد في السير لراكبه، وكل مخلوق خلقه اللّه لأمر أراده بلغ الغاية مما أراد اللّه منه ولم يقصر دون ذلك منقاداً غير مستصعب.
(٧) غريزة: طبيعة ومزاج، أي ليس له مزاج كما للمخلوقات الحساسة فينبعث عنه إلى الفعل، بل هو انفعال بما له بمقتضى ذاته لا بأمر عارض.
(٨) أفادها: استفادها.
(٩) لم يعترض دونه أي دون الخلق وإجابة دعوة اللّه، والريث: التثاقل عن الأمر أي أجاب الخلق دعوة الخالق فيما وجهت إليه فطرته بدون جهل.
(١٠) الاناة: تؤدة تمازجها روية في اختيار العمل وتركه، والمتلكئ: المتعلل، يقول أجاب الخلق ربه طائعاً مقهوراً بلا تلكؤ.
أوَدَها(١) ، ونهج حدودها(٢) ، ولاءَمَ بقُدرتِه بين متضادِّها، ووصل أسباب قرائنها(٣) ، وفرقها أجناساً مختلفاتٍ في الحدود والاقدار والغرائز والهيئاتِ(٤) ، بدايا خلائق أحكم صنعها(٥) وفطرها على ما أراد وابتدعها، ونظم بلا تعليق رهوات فرجها(٦) ، ولاحم صدوع انفراجها(٧) ووشج بينها وبين أزواجها(٨) وذلل للهابطين بأمرهِ والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها(٩) ، ناداها بعد إذ هي دخانٌ، فالتحمت عرى أشراجها، وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها(١٠) ، وأقام رصداً من الشهب الثواقب على نقابها(١١) ،
____________________
(١) أودها: إعوجاجها.
(٢) نهج عين ورسم.
(٣) قرائنها: جمع قرينة وهي النفس، أي وصل حبال النفوس وهي من عالم النور بالابدان وهي من عالم الظلمة.
(٤) الغرائر: الطبائع.
(٥) بدايا: جمع بدئ أي مصنوع.
(٦) رهوات: جمع رهوة أي المكان المرتفع ويقال للمنخفض أيضاً، والفرج: جمع فرجة. يقول قد فرج اللّه ما بين جرم وآخر من الاجرام السماوية ونظمها على ذلك بدون تعليق أحدها بالآخر وربطه به بآلة حسية.
(٧) لاحم الخ ما كان في الجرم الواحد منها من صدع لحمه سبحانه وأصلحه فسواه، وذلك كما كان في بدء خلقة الأرض وانفصالها عن الاجرام السماوية وانفراج الاجرام عنها، فما تصدع بذلك أصلحه اللّه «أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما».
(٨) من وشج محمله إذا شبكه بالأربطة حتى لا يسقط منه شيء، أي انّه سبحانه شبك بين كل سماء وأجرامها وبين أزواجها أي أمثالها وقرنائها من الاجرام الأُخرى في الطبقات العليا والسفلى عنها بروابط الماسكة المعنوية العامة، وهي من أعظم المظاهر لقدرته.
(٩) الهابطين والصاعدين: الارواح العلوية والسفلية، والحزونة: الصعوبة، وقوله ناداها الخ رجوع إلى بيان بعض ما كانت عليه قبل النظم، يقول كانت السموات هباء مائراً أشبه بالدخان منظراً، وبالبخار مادة، فتجلى من اللّه فيها سر التكوين، فالتحمت عرى أشراجها، والأشراج: جمع شرج بالتحريك هو العروة وهي مقبض الكوز والدلو وغيرهما. وأشار باضافة العرى للاشراج الى أن كل جزء من مادتها عروة للآخر بجذبه إليه ليتماسك بك، فكل ماسك وممسوك، وكل عروة وله عروة.
(١٠) بعد أن كانت جسماً واحداً فتق اللّه رتقه، وفصلها الى أجرام بينها فرج وأبواب، وأفرغ ما بينها بعد ما كانت صوامت أي لا فراغ فيها.
(١١) النقاب: جمع نقب وهو الخرق، والشهب الثواقب: أي الشديدة الضياء، والرصد: اقوم يرصدون كالحرس، وكون الرصد من الشهب في أصل تكوين الخلقة كما قال الامام دليل على ما أثبته العلم من أن الشهب مقذيان لبعض أجرام الكواكب (*) ما نظمه لها من التفاتق فما نقب وخرق من جرم عوض بالشهاب، وذلك أمر آخر غير ما جاء في الكتاب العزيز فما جاء في الكتاب بمعنى آخر.(*) العبارة فيها تحريف في الأصل، والمعنى انَّ كلام الامام دليل على ما أثبته العلم الحديث من انَّ الشهب جعلت لتسد ما يحصل في بعض أجرام الكواكب من خروق، كما يدل عليه آخر العبارة.
وأَمسكها من أن تمور في خراق الهواء بأيده(١) وأَمرها أن تقف مستسلمةً لأمره وجعل شمسها آيةً مبصرةً لنهارها(٢) وقمرها أيةً ممحوةً من ليلها(٣) فأجراهما في مناقل مجراهما، وقدر سيرهما في مدارج دَرَجِهِما. ليميِّز بين الليل والنهار بهما. وليُعلم عددُ السنين والحسابُ بمقاديرهما، ثم علَّق في جوِّها فلكها(٤) ، وناط بها زينتها من خفيات دراريِّها ومصابيح كواكبها(٥) ، ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها وأجراها على إذلال تسخيرها من ثبات ثابتها، ومسير سائرها، وهبوطها وصعودها، ونحوسها وسعودها(٦) ثم خلق سبحانهُ لإسكان سمواته، وعمارة الصفيح الاعلى(٧) من ملكوته خلقاً بديعاً من ملائكته ملأ بهم فروج فجاجها. وحشى بهم فتوق أجوائها(٨) ، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبِّحين منهم في حظائِر القدس، وسُتُرات الحجبِ، وسرادقاتِ المجدِ(٩) . ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الاسماع، سبحاتُ نورٍ تردع الابصار عن بلوغها(١٠) ، فتقف.
____________________
(١) وأمسكها عن أن تمور: أي تضطرب في الهواء بأيده أي بقوته، وأمرها أن تقف أي تلزم مراكزها لا تفارق مداراتها، لا بمعنى أن تسكن.
(٢) مبصرة: أي جعل شمس هذه الاجرام السماوية مضيئة يبصر بضوئها مدة النهار كله دائماً.
(٣) ممحوة: يمحى ضؤها في بعض أطراف الليل في أوقات من الشهر، وفي جميع الليل أياماً منه. ومناقل مجراهما الاوضاع التي ينقلان فيها من مداريهما.
(٤) فلكها هو الجسم الذي ارتكزت فيه وأحاط بها وفيه مدارها، وناط بها: أي علق بها وأحاطها، ودراريها: كواكبها وأقمارها. والإذلال: جمع ذل بالكسر وهو محجة الطريق أي على الطرق التي سخرها فيها.
(٥) نجومها الصغار.
(٦) نحوسها وسعودها من إقفار بعضها في عالمه وريع بعضها على كونه (*).
(*) هذه العبارة طبق الأصل، وهي غير واضحة، وفي شرح ابن أبي الحديد ما يفيد أن النجوم تدل بنحسها وسعدها على اُمور عامة، مما لا تخص أحداً بعينه، كأن تدل على قحط عام أو مرض عام أو نحو ذلك.
(٧) الصفيح: السماء.
(٨) الأجواء: جمع جو.
(٩) الزجل: رفع الصوت، والحظائر: جمع حظيرة موضع يحاط عليه لتأوي اليه الغنم والابل توقياً من البرد والريح، وهو مجاز هنا عن المقامات المقدسة للأرواح الطاهرة، والسترات: جمع سترة ما يستر به، والسرادقات: جمع سرادق وهو ما يمد على صحن البيت فيغطيه.
(١٠) الرجيج: الزلزلة والاضطراب. وتستك منه، أي تصم منه الآذان لشدته. وسبحات نور: أي طبقات نور، وأصل السبحات الأنوار نفسها.
خاسئةً على حدودها(١) ، أنشأهم على صورٍ مختلفاتٍ، وأقدارٍ متفاوتاتٍ، أُولي أجنحةٍ تسبحُ جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعته، ولا يدَّعون أنهم يخلقون شيئاً ممَّا انفردَ به، بل عبادٌ مكرمون «لا يسبقونهُ بالقول وهم بأَمره يعملون»، جعلهم فيما هنالكَ أهل الأمانةِ على وحيه، وحمَّلهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغٌ عن سبيلِ مرضاته، وأمدَّهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخباتِ السكينة(٢) وفتح لهم أبواباً ذُلُلاً(٣) إلى تماجيده. ونصب لهم مناراً واضحة على أعلام توحيده(٤) ، لم تُثقلهم موصرات الآثام(٥) ، ولم ترتحلهم عُقَبُ الليالي والايام(٦) ، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم(٧) ، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم(٨) ، ولا قدحت قادحة الإِحَن فيما بينهم(٩) ، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائِرهم(١٠) ، وما سكن من عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم(١١) ، منهم من هو في خلق الغمامِ الدُلَّحِ(١٢) ، وفي
____________________
(١) خاسئة: مدفوعة مطرودة عن الترامي اليها.
(٢) الاخبات: الخضوع والخشوع.
(٣) جمع ذلول خلاف الصعب.
(٤) قال بعض أهل اللغة أن منارة تجمع على منار وإن لم يذكره صاحب القاموس، وأرى أن مناراً ههنا جمع منارة بمعنى المسرجة وهي ما يوضع فيه المصباح، والأعلام ما يقام للاهتداء على أفواه الطرق ومرتفعات الأرض، والكلام تمثيل لما أنار به مداركهم حتى انكشف لهم سر توحيده.
(٥) مثقلاتها.
(٦) ارتحله: وضع عليه الرحل ليركبه، والعقب: جمع عقبة هي النوبة. والليل والنهار (عقيبان) لتعاقبهما، أي لم يتسلط عليهم تعاقب الليل والنهار فيفنيهم أو يغيرهم.
(٧) النوازع: جمع نازعة وهي النجم أو القوس، وعلى الأول المراد منها الشهب وعلى الثاني تكون الباء في بنوازعها بمعنى من.
(٨) جمع معقد محل العقد بمعنى الاعتقاد.
(٩) الإحن: جمع إحنة هي الحقد والضغينة.
(١٠) لاق: لصق.
(١١) تقترع: من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة، والرين بفتح الراء الدنس وما يطبع على القلب من حجب الجهالة.
(١٢) جمع دالح وهو الثقيل بالماء من السحاب.
عظمِ الجبالِ الشمَّخِ، وفي قترة الظلامِ الأَبهمِ(١) ، ومنهم من خرقَت أقدامهم تُخوم الأرضِ السفلى، فهي كراياتٍ بيضٍ قد نفذت في مخارق الهواء(٢) ، وتحتها ريح هفافةٌ تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهيةِ، قد استفرغتهم أشغال عبادته(٣) ، ووصلت حقائقُ الايمان بينهم وبين معرفته. وقطعهم الايقانُ به إلى الوله إليهِ(٤) ، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره، قد ذاقوا حلاوةَ معرفته وشربوا بالكأس الروية من محبته(٥) ، وتمكنت من سويداء قلوبهم(٦) وشيجةُ خيفته(٧) ، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، ولم ينفد طول الرغبةِ إليه مادة تضرعهم(٨) ، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة رِبَقَ خشوعهم(٩) ، ولم يتولهم الإعجابُ فيستكثروا ما سلف منهم، ولا تركت لهم استكانة الإجلال(١٠) نصيباً في تعظيم حسناتهم، ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم، ولم تغض رغباتهم(١١) ، فيخالفوا عن رجاء ربهم، ولم تَجِفَّ لطول المناجاة أسلاتُ ألسنتهم(١٢) ، ولا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الجؤارِ إليه أصواتهم(١٣) ، ولم تختلف في
____________________
(١) القترة هنا: الخفاء والبطون، ومنها قالوا أخذه على قترة أي من حيث لا يدري، والابهم: بباء موحدة بعد الهمزة أصله من لا يعقل ولا يفهم، وصف به الليل وصفاً للشيء بما ينشأ عنه، فانَّ الظلام الحالك يوقع في الحيرة ويأخذ بالفهم عن رشاده.
(٢) مواضع ما خرقت أقدامهم.
(٣) جعلتهم فارغين من الاشتغال بغيرها.
(٤) شدة الشوق إليه.
(٥) الروية التي تروي وتطفئ العطش.
(٦) محل الروح الحيواني من مضغة القلب.
(٧) الوشيجة أصلها عروق الشجرة أراد منها هنا بواعث الخوف من اللّه.
(٨) أي أن شدة رجائهم لم تفن مادة خوفهم وتذللهم.
(٩) جمع ربقة بالكسر والفتح وهي العروة من عرى الربق بكسر الراء وهو حبل فيه عدة عرى تربط فيه اليهم.
(١٠) الاستكانة ميل للسكون من شدة الخوف ثم استعملت في الخضوع.
(١١) دأب في العمل بالغ في مداومته حتى أجهده.
(١٢) لم تنقص. وأسلة اللسان طرفه أي لم تيبس أطراف ألسنتهم فتقف عن ذكره.
(١٣) الهمس الخفي من الصوت. والجؤار رفع الصوت بالتضرع أي لم يكن لهم عن اللّه شاغل يضطرهم للهمس والإخفاء وخفض جؤارهم بالدعاء إليه.
مقاوم الطاعة مناكبهم(١) ، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمرهِ رقابهم، ولا تعدو(٢) على عزيمة جدهم بلادة الغفلات، ولا تنتضل في هممهم خدائعُ الشهوات(٣) ، قد اتخذوا ذا العريش ذخيرةً ليوم فاقتهم(٤) ،وَيمَّمُوه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم(٥) ، لا يقطعون أمد غاية عبادته، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته(٦) ، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعةٍ من رجائه ومخافته(٧) ، لم تنقطع أسبابُ الشفقةِ منهم(٨) فينوا في جدهم(٩) ، ولم تأسرهم الاطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم(١٠) ، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاءَ منهم شفقاتُ وجلهم(١١) ، ولم يختلفوا في ربهم باستخواذ الشيطان عليهم، ولم يفرقهم سوءُ التقاطع، ولا تولاهُم غلُّ التحاسد، ولا شعبتهم مصارف الريب(١٢) ، ولا اقتسمتهم أحيافُ الهم(١٣) ، فهم أسراءُ إيمانٍ، لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدولٌ ولا ونىً ولا فتورٌ(١٤) ، وليس في أطباق السموات موضعُ إهابٍ(١٥) إلا وعليه ملكٌ ساجدٌ، أو ساعٍ
____________________
(١) المقاوم جمع مقام، والمراد الصفوف.
(٢) لا تسطو.
(٣) انتضلت الابل ورمت بأيديها في السير بسرعة. وخدائع الشهوات للنفس (بما تزينه لها). أي لم تسلك خدائع الشهوات طريقاً في هممهم.
(٤) حاجتهم.
(٥) يمموه: قصدوه بالرغبة والرجاء عندما انقطعت الخلق سواهم إلى المخلوقين.
(٦) الاستهتار: التولع.
(٧) مواد جمع مادة: أصلها من مد البحر إذا زاد، وكل ما أعنت به غيرك فهو مادة، ويريد بها البواعث المعينة على الأعمال، أي كلما تولعوا بطاعته زادت بهم البواعث عليها من الرغبة والرهبة.
(٨) الشفقة: الخوف.
(٩) ونى يني: تأنى.
(١٠) وشيك السعي: مقاربه وهينه، أي أنه لا طمع لهم في غيره فيختاروا هين السعي على الاجتهاد الكامل.
(١١) الشفقات: تارات الخوف وأطواره، وهو فاعل نسخ والرجاء مفعول. والوجل: الخوف أيضاً.
(١٢) شعبتهم: فرقتهم، صروف الريب جمع ريبة وهي ما لا تكون النفس على ثقة من موافقته للحق.
(١٣) جمع خيف بالفتح هو في الأصل ما انحدر عن سفح الجبل، والمراد هنا سواقط الهمم، فان التفرق والاختلاف كثيراً ما يكون من انحطاط الهمة بل أعظم ما يكون منه ينشأ عن ذلك. وقد يكون الخيف بمعنى الناحة أي متطرفات الهمم.
(١٤) ونى مصدر ونى كتعب أي تأنى.
(١٥) جلد حيوان.
حافدٌ(١) ، يزدادون على طول الطاعة بربهم علماً، وتزداد عزةُ ربهم في قلوبهم عظماً.
كبس الارض(٢) على مور أمواج مستفحلةٍ، ولجج بحارٍ زاخرةٍ(٣) ، تلتطم أو أذي أمواجها(٤) ، وتصطفقُ متقاذفاتُ أثباجها(٥) ، وترغو زبداً كالفحولِ عند هياجها، فخضع جماع الماءِ المتلاطم لثقل حملها، وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها(٦) ، وذل مستخذياً(٧) إذ تمعكت عليه بكواهلها(٨) ، فأصبحَ بعد اصطخاب أمواجه(٩) ساجياً مقهوراً(١٠) ، وفي حكمة الذل منقاداً أسيراً(١١) ، وسكنت الارضُ مدحوةً في لجةِ تيارهِ، وردَّت من نحوه بَأُوِه واعتلائه(١٢) وشموخ أنفه وسموِّ غُلوائهِ(١٣) وكَعَمته(١٤) على كِظَّة جِريته(١٥) فهمد بعد نزقانهِ(١٦) ، ولبد بعد زَيفانِ وثباته(١٧) ، فلما سكن هياج الماء من تحت أكنافها(١٨) ، وحمل شواهق الجبال الشمَّخُ البذَّج على أكتافها(١٩) ، فجر ينابيع العيون
____________________
(١) خفيف سريع.
(٢) كبس النهر والبئر: أي طمهما بالتراب وعلى هذا كان حق التعبير كبس بها مور أمواج لكنَّه أقام الآلة مقام المفعول لأنَّها المقصود بالعمل. والمور: التحرك الشديد. والمستفحلة: الهائجة يصعب التغلب عليها.
(٣) ممتلئة.
(٤) جمع أذى أعلى الموج.
(٥) اصطفقت الأشجار: اهتزت بالريح، والاثباج: جمع ثبج بالتحريك هو في الأصل ما بين الكاهل والظهر أو صدر القطاة استعاره لأعالي الموج، والمتقاذفات التي يقذف بعضها بعضاً.
(٦) هو في الأصل الصدر استعاره لما لاقى الماء من الأرض.
(٧) منكسراً: مسترخياً.
(٨) من تمعكت الدابة أي تمزّغت في التراب.
(٩) اصطخاب افتعال من الصخب بمعنى ارتفاع الصوت.
(١٠) ساجياً: ساكناً.
(١١) الحكمة محركة: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه وفيها العذاران.
(١٢) البأو: الكبر والزهو.
(١٣) بضم الغين وفتح اللام النشاط وتجاوز الحد.
(١٤) كعم البعير كمنع: شد فاه لئلا يعض أو يأكل، وما يشد به كعام ككتاب.
(١٥) الكظة بالكسر: ما يعرض من امتلاء البطن بالطعام، ويراد بها هنا ما يشاهد في جري الماء من ثقل الاندفاع.
(١٦) النزق والنزقان: الطيش.
(١٧) الزيفان: التبختر في المشية. ولبد كفرح ونصر: أي قام وثبت.
(١٨) نواحيها.
(١٩) البذخ: بمعنى جمع شامخ، وباذج: أي عال ورفيع. غير أني أجد من لفظ الباذج معنى أخص وهو الضخامة مع الارتفاع. وحمل عطف على أكناف.
من عرانين أنوفها(١) ، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها(٢) وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها(٣) ، وذواتِ الشناخيب الشم(٤) من صياخيدها(٥) ، فسكنت من الميدان(٦) لرسوب الجبال في قطع أديمها(٧) ، وتغلغلها متسربةً في جَوبات خياشيمها(٨) ، وركوبها أعناق سهول الارضين وجراثيمها(٩) ، وفسح بين الجو وبينها، وأعد الهواء متنسماً لساكنها، وأخرج اليها أهلها على تمام مرافقها(١٠) ، ثم لم يدع جرز الارض(١١) التي تقتصر مياه العيون عن روابيها(١٢) ، ولا تجد جداولُ الانهار ذريعةً إلى بلوغها(١٣) ، حتى أنشأ لها ناشئةَ سحابٍ تحيي مواتها(١٤) ، وتستخرج نباتها، ألَّف غمامها بعد افتراق لمعه(١٥) ،
____________________
(١) عرانين: جمع عرنين بالكسر ما صلب من عظم الأنف والمراد أعالي الجبال، غير أن الاستعارة من ألطف أنواعها في هذا المقام.
(٢) السهوب: جمع سهب بالفتح أي الفلاة. والبيد جمع بيداء، والأخاديد جمع أخدود الحفر المستطيلة في الأرض، والمراد منها مجاري الأنهار.
(٣) الضمير للأرض كما يظهر من بقية الكلام. والجلاميد: جمع جلمود الحجر القاسي.
(٤) الشناخيب: جمع شنخوب وهو رأس الجبل. والشم: الرفيعة.
(٥) جمع صيخود وهو الصخرة الشديدة.
(٦) بالتحريك الاضطراب.
(٧) سطحها.
(٨) التغلغل: المبالغة في الدخول، ومتسربة: أي داخلة. والجوبات: جمع جوبة بمعنى الحفرة، والخياشيم: جمع خيشوم هو منفذ الأنف إلى الرأس أو ما رقّ من الغضاريف الكائنة فوق قصبة الأنف متصلة بالرأس، وضمير تغلغلها للجبال. وخياشيمها للأرض والمجاز ظاهر.
(٩) ركوب الجبال أعناق السهول استعلاؤها عليها. وأعناقها سطوحها وجراثيمها ما سفل عن السطوح من الطبقات الترابية، واستعلاء الجبال عليها ظاهر.
(١٠) مرافق البيت: ما يستعان به فيه وما يحتاج إليه في التعيش خصوصاً ما يكون من الأماكن أو هو ما يتم به الانتفاع بالسكنى كمصاب المياه والطرق الموصلة إليه والأماكن التي لا بد منها للساكنين فيه لقضاء حاجاتهم وما يشبه ذلك.
(١١) الأرض الجرز: بضمتين التي تمر عليها مياه العيون فتنبت.
(١٢) مرتفعاتها.
(١٣) ذريعة: وسيلة.
(١٤) الموات من الأرض: ما لا يزرع.
(١٥) جمع لمعة بضم اللام: في الأصل القطعة من النبات مالت لليبس استعارها لقطع السحاب، والمشابهة في لونها وذهابها إلى الاضمحلال لولا تأليف اللّه إياها مع غيرها.
وتباين قزعه(١) ، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه(٢) ، والتمع برقه في كُففه(٣) ، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه(٤) ، ومتراكم سحابه، أَرسلهُ سحاً متداركاً(٥) ، قد أسف هيدبه، تمريه الجنوب درر أهاضيبه(٦) ودفع شآبيبه(٧) ، فلما ألقت السحاب برك بوانيها(٨) ، وبعاع ما استقلت به(٩) من العبء المحمولِ عليها(١٠) ، أخرج به من هوامد الارض النبات(١١) ومن زعر الجبال الاعشاب(١٢) ، فهي تبهج بزينة رياضها(١٣) ، وتزدهي(١٤) بما ألبسته من ريط(١٥) أزاهيرها(١٦) ، وحلية ما سمطت به(١٧) من ناضر أنوارها، وجعل
____________________
(١) جمع قرعة محركة وهي القطعة من الغيم.
(٢) تمخضت: تحركت تحركاً شديداً كما يتحرك اللبن في السقاء بالمخض. والضمير في فيه راجع إلى المزن أي تحركت اللجة التي يحملها المزن فيه، ويصح أن يرجع للغمام في أول العبارة.
(٣) جمع كفة بضم الكاف وهي الحاشية والطرف لكل شيء أي جوانبه.
(٤) نامت النار همدت. والوميض اللمعان، والكنهور كسفرجل: القطع العظيمة من السحاب أو المتراكم منه، والرباب كسحاب الأبيض المتلاحق منه، أي لم يمهد لمعان البرق في ركام هذا الغمام.
(٥) صباً متلاحقاً متواصلاً.
(٦) أسف الطائر: دنا من الأرض، والهيدب: كجعفر السحاب المتدلى أو ذيله، وقوله تمريه: من مرى الناقة أي مسح على ضرعها ليحلب لبنها، والدرر: كغلل جمع درة بالكسر اللبن. والأهاضيب: جمع هضاب وهو جمع هضبة كضربة وهي المطرة، أي دنا السحاب من الأرض لثقله بالماء وريح الجنوب تستدره الماء كما يستدر الحالب لبن الناقة، فان الريح تحركه فيصيب ما فيه.
(٧) جمع شؤبوب ما ينزل من المطر بشدة.
(٨) البرك: بالفتح في الأصل ما يلي الأرض من جلد صدر البعير كالبركة. والبواني: هي أضلاع الزور. وشبه السحاب بالناقة إذا بركت وضربت بعنقها على الأرض ولاطمتها بأضلاع زورها. واشتبه ابن أبي الحديد في معنى البرك والبواني فأخرج الكلام عن بلاغته.
(٩) بعاع عطف على برك. والبعاع: بالفتح ثقل السحاب من الماء، وألقى السحاب بعاعه أمطر كل ما فيه.
(١٠) العبء: الحمل.
(١١) الهوامد من الأرض: ما لم يكن بها نبات.
(١٢) زعر: جمع زاعر وهو من المواضع القليل النبات.
(١٣) بهج: كمنع سر وأفرح.
(١٤) تعجب. (١٥) جمع ريطة بالفتح وهي كل ثوب رقيق لين.
(١٦) جمع زهار الذي هو جمع زهرة بمعنى النبات.
(١٧) سمط: من سمط الشيء علق عليه السموط وهي الخيوط تنظم فيها القلادة، الأنوار: جمع نور بفتح النون وهو الزهر بالمعنى المعروف أي حلية القلائد التي علقت عليها من أزهار نباتها. وفي رواية شمطت بالشين وتخفيف الميم من شمطه إذا خلط لونه بلون آخر. والشميط من النبات: ما كان فيه لون الخضرة مختلطاً بلون الزهر.
ذلك بلاغاً للانام(١) ورزقاً للانعامِ، وخرق الفجاج في آفاقها، وأقام المنار للسالكين على جوادِّ طرقها، فلما مهد أرضهُ، وأنفذ أمرهُ، اختار آدم عليهعليهالسلام خيرةً من خلقه، وجعله أول جبلته(٢) ، وأسكنهُ جنتهُ، وأَرغد فيها أُكُله، وأوعز إليه فيما نهاه عنه، وأعلمهُ أن في الإقدام عليه التعرض لمعصيته، والمخاطرة بمنزلته، فأَقدم على ما نهاهُ عنه موافاةً لسابق علمه، فأَهبطه بعد التوبة ليعمُرَ أرضهُ بنسله، وليقيم الحجة به على عباده، ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته، ويصل بينهم وبين معرفته، بل تعاهدهم بالحُججِ على ألسن الخيرة من أنبيائه، ومتحمِّلي ودائع رسالاته، قرناً فقرناً حتى تمت بنبينا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم حجته، وبلغ المقطع عذره ونذره(٣) ، وقدر الارزاق فكثرها وقللها، وقسمها على الضيق والسعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها، ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها(٤) ، وبسلامتها طوارق آفاتها، وبفُرج أفراحها(٥) غُصص أتراحها(٦) ، وخلق الآجال فأطالها وقصرها، وقدّمها وأخرها، ووصل بالموت أسبابها(٧) ، وجعله خالجاً لأشطانها(٨) ، وقاطعاً لمرائر أقرانها(٩) ، عالم السرِّ من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين(١٠) ، وخواطر رجم الظنون(١١) ، وعقد عزيمات اليقين(١٢) ، وَمَسارق إيماض الجفون(١٣) ، وما
____________________
(١) البلاغ: ما يتبلغ به من القوت.
(٢) خلقته.
(٣) المقطع: النهاية التي ليس وراءها غاية.
(٤) العقابيل: الشدائد جمع عقبولة بضم العين. والفاقة الفقر.
(٥) الفرج: جمع فرجة وهي التفصي من الهم.
(٦) جمع ترح بالتحريك الغم والهلاك.
(٧) حبالها.
(٨) خالجاً جاذباً لاشطانها جمع شطن كسبب: الحبل الطويل، شبه به الأعمار الطويلة.
(٩) المرائر: جمع مريرة الحبل يفتل على أكثر من طاق أو الشديد الفتل، والاقران جمع قرن بالتحريك وهو الحبل يجمع به بعيران، وذكره لقوته أيضاً. وإضافة المرائر للاقران بعد استعمالها في الشديدة بلا قيد أن تكون حبالاً.
(١٠) التخافت: المكالمة سراً.
(١١) رجم الظنون: ما يخطر على القلب أنه وقع أو يصح أن يقع بلا برهان.
(١٢) العقد: جمع عقدة ما يرتبط القلب بتصديقه لا يصدق نقيضه ولا يتوهمه، والعزيمات جمع عزيمة ما يوجب البرهان الشرعي أو العقلي تصديقه والعمل به.
ضمنته أكنانُ القلوب وغيابات الغيوب(١٤) ، وما أصغت لاستراقه مصائِخُ الاسماع(١٥) ، ومصائف الذرِّ(١٦) ومشاتي الهوام(١٧) ، ورجع الحنين من المولهات(١٨) ، وهمس الأقدام(١٩) ، ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الاكمام(٢٠) ، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها(٢١) ، ومختبأ البعوض بين سوق الأشجارِ وألحيتها(٢٢) ، ومغرزِ الأوراقِ من الأفنانِ(٢٣) ، ومحط الامشاج من مسارب الأصلاب(٢٤) ، وناشئة الغيومِ ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب في متراكهما، وما تسفى الأعاصيرُ بذُيولها(٢٥) ، وتعفُو الأمطارُ بسيولها(٢٦) ، وعوم نبات الارض في كثبان الرمال(٢٧) ، ومستقرِّ ذواتِ الاجنحة بذرى شناخيب الجبالِ(٢٨) ، وتغريدِ ذوات المنطق في دياجيرِ الأوكارِ(٢٩) ، وما أوعبتهُ الأصدافُ(٣٠) ،
____________________
(١٣) جمع مسرق مكان مسارقة النظر أو زمانها أو البواعث عليها أو فلان يسارق فلاناً النظر أي ينتظر منه غفلة فينظر إليه. والايماض: اللمعان وهو أحق أن ينسب إلى العيون لا إلى الجفون، ونسبته إلى الجفون لانه ينبعث من بينها.
(١٤) ضمنته: حوته، والاكنان: جمع كن كل ما يستتر فيه. وغيابات الغيوب: أعماقها.
(١٥) استراق الكلام: استماعه خفية، والمصائخ: جمع مصاخ مكان الاصاخة وهو ثقبة الآذان.
(١٦) صغار النمل، ومصائفها: محل اقامتها في الصيف، وهو وما بعده عطف على ضمائر المضمرين.
(١٧) مشاتيها محل إقامتها في الشتاء.
(١٨) الحزينات، ورجع الحنين ترديده.
(١٩) الهمس: أخفى ما يكون من صوت القدم على الأرض.
(٢٠) منفسح الثمرة: مكان نموها، الولائج: جمع وليجة بمعنى البطانة: الداخلية. والغلف: جمع غلاف. والاكمام: جمع كم بالكسر وهو غطاء النوار ووعاء الطلع.
(٢١) منقمع الوحوش: موضع انقماعها أي اختفائها. والغيران: جمع غار.
(٢٢) سوق: جمع ساق أسفل الشجرة تقوم عليه فروعها. والالحية: جمع لحاء قشر الشجرة.
(٢٣) الغصون.
(٢٤) الامشاج: النطف. سميت أمشاجاً - جميع مشيج - من مشج إذا خلط، لانها مختلطة من جراثيم مختلفة كل منها يصلح لتكوين عضو من أعضاء البدن، ومسارب الاصلاب: ما يتسرب المني فيها عند نزوله أو عند تكونه.
(٢٥) سفت الريح التراب: ذرته أو حملته. والاعاصير: جمع إعصار ريح تثير السحاب أو تقوم على الأرض كالعمود.
(٢٦) تعفو: تمحو.
(٢٧) الكثبان: جمع كثيب: التل.
(٢٨) الذرى جمع ذروة: أعلى الشيء. والشناخيب: رؤوس الجبال.
(٢٩) تغريد الطائر: رفع صوته بالغناء وهو نطقه. والدياجير: جمع ديجور، وهو الظلمة.
(٣٠) أوعبته: جمعته.
وحضنت عليهِ أمواجُ البحارِ(١) ، وما غشيته سدفة ليلٍ(٢) أو ذرَّ عليه شارقُ نهارٍ(٣) ، وما اعتقبت عليهِ أطبقُ الدَّياجيرِ(٤) ، وسبحاتُ النورِ، وأثرِ كلِّ خطوةٍ، وحسِّ كل حرِّكةٍ ورجعِ كلّ كلمةٍ، وتحريكِ كلَّ شفةٍ، ومستقرِّ كُلِّ نسمَةٍ، ومثقالِ كلِّ ذرَّةٍ، وهماهم كل نفسِّ هامةٍ(٥) ، وما عليها من ثمرِ شجرةٍ(٦) ، أو ساقط ورقةٍ أو قرارةِ نطفةٍ(٧) أو نقاعةِ دَمٍ ومُضغةٍ(٨) ، أو ناشئةِ خلقٍ وسلالَةٍ، لم تلحقهُ في ذلك كلفةٌ، ولا اعترضتهُ في حفظ ما ابتدعهُ من خلقه عارضةٌ(٩) ، ولا اعتورتهُ في تنفيذ الامور وتدابير المخلوقين ملالةٌ ولا فترةٌ(١٠) ، بل نفذ فيهم علمهُ، وأحصاهُم عدهُ، ووسعهم عدلُهُ، وغمرهُم فضلهُ مع تقصيرِهم عن كنهِ ما هو أهلهُ.
اللَّهُمَّ أنتَ أهلُ الوصف الجميل، والتعداد الكثير(١١) ، إن تؤمَّل فخيرُ مؤمَّلٍ، وإن تُرج فأَكرَمُ مرجوٍّ، اللَّهم وقد بسطت لي فيما لا أمدحُ به غيركَ، ولا أثني به على أَحدٍ سوَاكَ، ولا أُوجِّهه إلى معادن الخيبة ومواضع الريبةِ(١٢) ، وعدلتُ بلساني عن مدائحِ الآدميين، والثناءِ على المربوبينَ المخلُوقينَ، اللَّهم ولكُلِّ مُثنٍ على من أثنى عليهِ مثوبةٌ(١٣) من جزاءٍ أو عارفةٌ من عطاءٍ، وقد رجوتك دليلاً على ذخائرِ الرحمةِ وكنوزِ المغفرةِ، اللَّهم وهذا مقامُ من أفردكَ بالتوحيد الَّذي هو لكَ ولم ير مُستحقّاً لهذه المحامدِ
____________________
(١) حضنت عليه: ربته فتولد في حضنها كالعنبر ونحوه.
(٢) سدفة ظلمة.
(٣) ذر طلع.
(٤) اعتقبت: تعاقبت وتوالت، والاطباق: الاغطية. والدياجير: الظلمات، وسبحات النور: درجاته وأطواره.
(٥) هماهم: هموم مجاز من الهمهمة ترديد الصوت في الصدر من الهم.
(٦) عليها أي على الأرض.
(٧) قرارتها: مقرها.
(٨) نقاعة عطف على نطفة. ونقاعة الدم ما ينقع منه في أجزاء البدن، والمضغة: عطف على نقاعة أي يعلم مقر جميع ذلك.
(٩) هي ما يعترض العامل فيمنعه عن عمله.
(١٠) اعتورته: تداولته وتناولته.
(١١) المبالغة في عدِّ كمالاتك إلى ما لا ينتهي.
(١٢) هم المخلوقون.
(١٣) ثواب وجزاء.
والممادحِ غيرك، وبي فاقةٌ إليكَ لا يجبر مسكنتها إلا فضلُكَ، ولا ينعشُ من خلَّتها إلا منُّك وجودك(١) ، فهب لنا في هذا المقامِ رضاكَ، وأغننا عن مدِّ الأيدي إلى سواك، إنَّك على كلَّ شيء قديرٌ.
____________________
(١) الخلة بالفتح الفقر. والمن: الاحسان.
الملحق الثاني : احتجاج(١) الامام الصادقعليهالسلام مَعَ الزنديق الذي سأله عن
معرفة اللّه وصفاته ومسائل دينية اخرى
جاءَ في الاحتجاج:
ومن سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد اللّهعليهالسلام عن مسائل كثيرة أن قال: كيف يعبد اللّه الخلق ولم يروه؟
قال: رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته.
قال: أليس هو قادراً أن يظهر لهم حتّى يروه فيعرفوه فيعبد على يقين؟ قال: ليس للمحال جواب.
قال: فمن أين أثبت أنبياء ورسلاً؟
قالعليهالسلام : إنّا لما أثبتنا أنَّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا أن يلامسوه، ولا أن يباشرهم ويباشروه
____________________
(١) نُقل نص الحديث عن الاحتجاج، ج: ١، ح: ٢٢٣، ص: ٢١٢ - ٢٥٠، بتحقيق الشيخ إبراهيم البهادري والشيخ محمد هادي به واشراف الشيخ جعفر السبحاني، وما ثبت في الهامش من شروح وتوضيحات يعود للنسخة المذكورة من الكتاب، وجاء في هامش الكتاب عن الرواية ما نصه:
إنّ هذه الرواية من أطول أحاديث الكتاب، ولم نجدها بتمامها في مصدر واحد، ولكنّها توجد متفرّقة في أبواب مختلفة من كتب الحديث. يقول العلامة المجلسيرحمهالله في بحار الأنوار ١٠ / ١٨٨ بعد نقل الحديث: «هذا الخبر وان كان مرسلاً لكن أكثر أجزائه أوردها الكليني والصدوق متفرّقة في المواضع المناسبة لها، وسياقه شاهد صدق على حقيته».
ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده، يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرِّين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين عنه، مشاركين للنّاس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم، بالحكمة والدلائل والبراهين والشّواهد: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والابرص، فلا تخلو الأرض من حجّة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته.
ثم قالعليهالسلام - بعد ذلك -: نحن نزعم انَّ الأرض لا تخلو من حجّة، ولا تكون الحجّة إلا من عقب الأنبياء، وما بعث اللّه نبيّاً قطّ من غير نسل الأنبياء، وذلك انّ اللّه شرع لبني آدم طريقاً منيراً، وأخرج من آدم نسلاً طاهراً طيباً، أخرج منه الأنبياء والرسل، هم صفوة اللّه، وخلص الجوهر، طهروا في الأصلاب، وحفظوا في الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهلية، ولا شاب أنسابهم، لأنَّ اللّه عزّ وجلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة وشرفاً منه، فمن كان خازن علم اللّه، وأمين غيبه، ومستودع سرّه، وحجّته على خلقه، وترجمانه ولسانه، لا يكون إلا بهذه الصّفة، فالحجّة لا تكون إلا من نسلهم، يقوم مقام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الخلق بالعلم الذي عنده وورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، وكان بقاء ما عليه الناس قليلاً مما في أيديهم من علم الرسول على اختلافٍ منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأي والقياس، وإنّهم إن أقرّوا به وأطاعوه وأخذوا عنه، ظهر العدل، وذهب الاختلاف والتشاجر، واستوى الأمر، وأبان الدين، وغلب على الشك اليقين، ولا يكاد أن يقر الناس به ولا يطيعوا له، أو يحفظوا له بعد فقد الرسول، وما مضى رسول ولا نبي قط إلا وقد تختلف أُمته من بعده، وإنَّما كان علّة اختلافهم خلافهم على الحجة وتركهم إيّاه.
قال: فما يصنع بالحجة إذا كان بهذه الصفة؟
قالعليهالسلام : قد يقتدى به ويخرج عنه الشيء بعد الشيء مكانه منفعة الخلق وصلاحهم، فان أحدثوا في دين اللّه شيئاً أعلمهم، وإن زادوا فيه أخبرهم، وإن نقصوا منه شيئاً أفادهم.
ثم قال الزنديق: من أي شيء خلق اللّه الأشياء؟ قالعليهالسلام : من لا شيء.
فقال: كيف يجيء من لا شيء شيء؟
قالعليهالسلام : إنَّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء، فان كانت خُلقت من شيء كان معه، فإنّ ذلك الشيء قديم، والقديم لا يكون حديثاً، ولا يفنى ولا يتغير، ولا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهراً واحداً ولوناً واحداً، فمن أين جاءَت هذه الألوان المختلفة، والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتّى؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشّىء الذي اُنشئت منه الأشياء حيّاً؟ ومن أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشيء ميتاً؟ ولا يجوز أن يكون من حيّ وميت قديمين لم يزالا، لأنَّ الحي لا يجيء منه ميت وهو لم يزل حيّاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون الميت قديماً لم يزل بما هو به من الموت، لأنَّ الميت لا قدرة له ولا بقاء.
قال: فمن أين قالوا إنَّ الأشياء أزلية؟
قالعليهالسلام : هذه مقالة قوم جحدوا مدبِّر الأشياء، فكذَّبوا الرسل ومقالتهم، والأنبياء وما أنبأوا عنه، وسموا كتبهم أساطير، ووضعوا لأنفسهم ديناً بآرائهم واستحسانهم، إنَّ الأشياء تدل على حدوثها، من دوران الفلك بما فيه، وهي تسعة أفلاك وتحرك الأرض ومن عليها، وانقلاب الأزمنة، واختلاف الوقت، والحوادث التي تحدث في العالم من زيادة ونقصان، وموت وبلاء، واضطرار النفس إلى الإقرار بأنَّ لها صانعاً ومدبّراً، أما ترى الحلو يصير حامضاً، والعذب مرّاً، والجديد بالياً، وكلٌّ إلى تغير وفناء؟!
قال: فلم يزل صانع العالم عالماً بالأحداث التي أحدثها قبل أن يحدثها؟
قالعليهالسلام : فلم يزل يعلم فخلق ما علم.
قال: أمختلف هم أم مؤتلف؟
قالعليهالسلام : لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، إنّما يختلف المتجزي، ويأتلف المتبعض، فلا يُقال له: مؤتلف ولا مختلف.
قال: فكيف هو اللّه الواحد؟
قالعليهالسلام : واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لأنَّ ما سواه من الواحد متجزي، وهو تبارك وتعالى واحد لا يتجزى، ولا يقع عليه العدّ.
قال: فلأي علّة خلق الخلق وهو غير محتاج إليهم، ولا مضطر إلى خلقهم، ولا يليق به التعبث بنا؟.
قالعليهالسلام : خلقهم لإظهار حكمته، وإنفاذ علمه، وإمضاء تدبيره.
قال: وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه ومحتبس عقابه؟
قالعليهالسلام : إنَّ هذه الدار دار ابتلاء، ومتجر الثواب، ومكتسب الرحمة، ملئت آفات، وطبقت شهوات، ليختبر فيها عبيده بالطاعة، فلا يكون دار عمل دار جزاء.
قال: أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدواً، وقد كان ولا عدو له، فخلق كما زعمت «إبليس»، فسلّطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته، ويأمرهم بمعصيته وجعل له من القوة كما زعمت، يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم، فيوسوس إليهم فيشككهم في ربهم، ويلبس عليهم دينهم، فيزيلهم عن معرفته، حتى أنكر قوم لمّا وسوس إليهم ربوبيته وعبدوا سواه، فَلم سلط عدوه على عبيده، وجعل له السّبيل إلى إغوائهم؟
قالعليهالسلام : إنَّ هذا العدو الذي ذكرت لا تضره عداوته، ولا تنفعه ولايته، وعداوته لا تنقص من ملكه شيئاً، وولايته لا تزيد فيه شيئاً، وإنّما يتّقى العدو إذا كان في قوة يضر وينفع، إن همّ بملك أخذه، أو بسلطان قهره، فأمّا إبليس فعبد، خلقه ليعبده ويوحّده، وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير إليه، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتّى
امتحنه بسجود آدم، فامتنع من ذلك حسداً، وشقاوة غلبت عليه فلعنه عند ذلك، وأخرجه عن صفوف الملائكة، وأنزله إلى الأرض ملعوناً مدحوراً فصار عدو آدم وولده بذلك السبب، وما له من السلطنة على ولده إلا الوسوسة، والدعاء إلى غير السبيل، وقد أقر مع معصيته لربّه بربوبيته.
قال: أفيصلح السّجود لغير اللّه؟
قالعليهالسلام : لا.
قال: فكيف أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم؟
فقال: إنَّ من سجد بأمر اللّه فقد سجد للّه، فكان سجوده للّه إذا كان عن أمر اللّه تعالى.
قال: فمن أين أصل الكهانة، ومن أين يخبر النّاس بما يحدث؟
قالعليهالسلام : إنَّ الكهانة كانت في الجاهلية، في كل حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم، فيخبرهم عن أشياء تحدث، وذلك من وجوه شتّى: فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس، وفتنة الرّوح، مع قذف في قلبه، لأنَّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة: فذلك يعلم الشيطان ويؤديه إلى الكاهن، ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف.
وأمّا أخبار السماء، فإنَّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك، وهي لا تحجب، ولا ترجم بالنجوم، وإنّما منعت من استراق السّمع، لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء، ويلبس على أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه، لإثبات الحجّة، ونفي الشبهة، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من اللّه في خلقه، فيختطفها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده، فيخلط الحقّ بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به، فهو ما أداه إليه شيطانه ممّا سمعه، وما أخطأ فيه، فهو من باطل ما زاد فيه، فمذ منعت
الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة، واليوم إنّما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخباراً للنّاس ممّا يتحدّثون به، وما يحدثونه، والشّياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سرق، ومن قاتل قتل، ومن غائب غاب، وهم بمنزلة (أمثال) الناس أيضاً، صدوق وكذوب.
قال: فكيف صعدت الشّياطين إلى السّماء، وهم أمثال النّاس في الخلقة والكثافة وقد كانوا يبنون لسليمان بن داودعليهماالسلام من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟
قالعليهالسلام : غلظوا لسليمان كما سخروا وهم خلق رقيق، غذاؤهم النسيم، والدليل على ذلك صعودهم إلى السّماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلا بسلّم أو بسبب.
قال: فأخبرني عن السحر ما أصله، وكيف يقدر السّاحر على ما يُوصف من عجائبه، وما يفعل؟
قالعليهالسلام : إنَّ السّحر على وجوه شتّى: وجه منها: بمنزلة الطبّ، كما أنّ الأطباء وضعوا لكل داء دواء، فكذلك علم السّحر، احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حيلة.
ونوع منه آخر: خطفة وسرعة ومخاريق وخفّة.
ونوع منه: ما يأخذ أولياء الشّياطين عنهم.
قال: فمن أين علم الشّياطين السّحر؟
قالعليهالسلام : من حيث عرف الأطباء الطبّ، بعضه تجربة وبعضه علاج.
قال: فما تقول في الملكين: هاروت وماروت؟ وما يقول النّاس بأنّهما يعلّمان النّاس السحر؟
قالعليهالسلام : إنّهما موضع ابتلاء وموقف فتنة، تسبيحهما: اليوم لو فعل الإنسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا، أصناف السّحر، فيتعلمون منهما ما
يخرج عنهما، فيقولان لهم: إنَّما نحن فتنة فلا تأخذوا عنّا ما يضرّكم ولا ينفكم.
قال: أفيقدر السّاحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك؟
قالعليهالسلام : هو أعجز من ذلك، وأضعف من أن يغيِّر خلق اللّه، إنَّ من أبطل ما ركّبه اللّه وصوره وغيَّره فهو شريك اللّه في خلقه، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، لو قدر السّاحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة والأمراض، ولنفي البياض عن رأسه والفقر عن ساحته، وإنَّ من أكبر السحر النميمة، يفرّق بها بين المتحابين، ويجلب العداوة على المتصافيين، ويسفك بها الدماء، ويهدم بها الدور ويكشف بها الستور، والنّمام أشرّ من وطئ الأرض بقدم، فأقرب أقاويل السحر من الصّواب أنّه بمنزلة الطب، إنَّ السّاحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النَّساء فجاء الطبيب فعالجه بغير ذلك العلاج، فأبرئ.
قال: فما بال ولد آدم فيهم شريف ووضيع؟ قال: الشريف المطيع، والوضيع العاصي.
قال: أليس فيهم فاضل ومفضول؟
قالعليهالسلام : إنّما يتفاضلون بالتقوى.
قال: فتقول إنَّ ولد آدم كلّهم سواء في الأصل لا يتفاضلون إلا بالتقوى؟
قال:عليهالسلام : نعم. إنِّي وجدت أصل الخلق التُّراب، والأب آدم والأم حواء، خلقهم إله واحد، وهم عبيده، إنَّ اللّه عزّ وجلّ اختار من ولد آدم أُناساً طهر ميلادهم، وطيَّب أبدانهم، وحفظهم في أصلاب الرجال وأرحام النِّساء، أخرج منهم الأنبياء والرسل، فهم أزكى فروع آدم، ما فعل ذلك لأمر استحقّوه من اللّه عزّ وجلّ ولكن علم اللّه منهم - حين ذرأهم - أنَّهم يطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئاً فهؤلاء بالطاعة نالوا من اللّه الكرامة والمنزلة الرفيعة عنده، وهؤلاء الذين لهم الشرف والفضل والحسب، وساير النّاس سواء، ألا من اتّقى اللّه أكرمه، ومن أطاعه أحبه، ومن أحبه لم يعذّبه بالنار!!
قال: فأخبرني عن اللّه عزّ وجلّ كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين موحّدين وكان على ذلك قادراً؟
قالعليهالسلام : لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب، لأنَّ الطّاعة إذا ما كانت فعلهم لم تكن جنّة ولا نار، ولكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، واحتج عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه، ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إيّاه العقاب.
قال: فالعمل الصّالح من العبد هو فعله، والعمل الشرّ من العبد هو فعله؟
قالعليهالسلام : العمل الصالح من العبد بفعله واللّه به أمره، والعمل الشرّ من العبد بفعله واللّه عنه نهاه.
قال: أليس فعله بالآلة التي ركَّبها فيه؟
قالعليهالسلام : نعم. ولكن بالآلة التي عمل بها الخير، قدر على الشرّ الذي نهاه عنه.
قال: فإلى العبد من الأمر شيء؟
قالعليهالسلام : ما نهاه اللّه عنه شيء إلا وقد علم أنه يطيق تركه، ولا أمره بشيء إلا وقد علم أنه يستطيع فعله، لأنّه ليس من صفته الجور والعبث والظلم وتكليف العباد ما لا يطيقون.
قال: فمن خلقه اللّه كافراً أيستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجّة؟
قالعليهالسلام : إنَّ اللّه خلق خلقه جميعاً مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفاعل حين يفعله العبد، ولم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتاً لزمته الحجّة من اللّه، فعرض عليه الحقّ فجحده، فبإنكاره الحقّ صار كافراً.
قال: أفيجور أن يقدر على العبد الشرّ، ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير أن يعمله، ويعذّبه عليه؟
قالعليهالسلام : إنَّه لا يليق بعدل اللّه ورأفته أن يقدر على العبد الشرّ ويريده منه، ثمّ
يأمره بما يعلم أنّه لا يستطيع أخذه، والانزاع عمّا لا يقدر على تركه، ثمّ يعذبه على تركه أمره الذي علم أنّه لا يستطيع أخذه.
قال: بماذا استحق الذين أغناهم وأوسع عليهم من رزقه الغناء والسعة، وبماذا استحق الفقير التقتير والضيق؟.
قالعليهالسلام : اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم، والفقراء بما منعهم لينظر كيف صبرهم.
ووجه آخر: انّه عجل لقوم في حياتهم، ولقوم آخر ليوم حاجتهم إليه.
ووجه آخر: فانّه علم احتمال كل قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم، ولو كان الخلق كلّهم أغنياء لخربت الدنيا وفسد التدبير، وصار أهلها إلى الفناء، ولكن جعل بعضهم لبعض عوناً، وجعل أسباب أرزاقهم في ضروب الأعمال وأنواع الصناعات، وذلك أدوم في البقاء، وأصح في التدبير، ثم اختبر الأغنياء بالاستعطاف على الفقراء، كل ذلك لطف ورحمة من الحكيم الذي لا يُعاب تدبيره.
قال: فبما استحق الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع والأمراض بلا ذنب عمله، ولا جرم سلف منه؟
قال: إنَّ المرض على وجوه شتّى: مرض بلوى، ومرض عقوبة، ومرض جعل علّة للفناء، وأنت تزعم أنَّ ذلك من أغذية رديّة، وأشربة وبية(١) ، أو علّة كانت بأُمه، وتزعم أنَّ مَن أحسن السياسة لبدنه، وأجمل النظر في أحوال نفسه، وعرف الضّار ممّا يأكل من النافع لم يمرض، وتميل في قولك إلى من يزعم أنَّه لا يكون المرض والموت إلا من المطعم والمشرب! قد مات ارسطاطاليس معلّم الأطباء، وافلاطون رئيس الحكماء، وجالينوس شاخ ودق بصره، وما دفع الموت حين نزل بساحته، ولم يألوا حفظ أنفسهم، والنظر لما يوافقها، كم من مريض قد زاده المعالج سقماً، وكم من طبيب عالم، وبصير بالأدواء
____________________
(١) من الوباء وهو المرض العامّ، ويعبّر عنه بالطاعون - مجمع البحرين.
والأدوية ماهر، مات، وعاش الجاهل بالطب بعده زماناً، فلا ذاك نفعه علمه بطبّه عند انقطاع مدّته وحضور أجله، ولا هذا ضرّه الجهل بالطبّ مع بقاء المدّة وتأخر الأجل.
ثم قالعليهالسلام : إنَّ أكثر الأطباء قالوا: إِنَّ علم الطب لم تعرفه الأنبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين كانوا حجج اللّه على خلقه، وأُمناءه في أرضه، وخزّان علمه، وورثة حكمته، والأدلاء عليه، والدّعاة إلى طاعته؟
ثم إنَّي وجدت أكثرهم يتنكب(١) في مذهبه سبل الأنبياء، ويكذّب الكتب المنزلة عليهم من اللّه تبارك وتعالى، فهذا الذي أزهدني في طلبه وحامليه.
قال: فكيف تزهد في قوم وأنت مؤدبهم وكبيرهم؟
قالعليهالسلام : إنَّي لما رأيت الرجل الماهر في طبّه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه، وتأليف بدنه، وتركيب أعضائه، ومجرى الأغذية في جوارحه، ومخرج نفسه، وحركة لسانه، ومستقر كلامه، ونور بصره، وانتشار ذكره، واختلاف شهواته، وانسكاب عبراته، ومجمع سمعه، وموضع عقله، ومسكن روحه، ومخرج عطسته، وهيج غمومه، وأسباب سروره، وعلّة ما حدث فيه من بكم وصمم وغير ذلك، لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها، وعلل فيما بينهم جوّزوها.
قال: فأخبرني عن اللّه عزّ وجلّ أله شريك في ملكه، أو مضادّ له في تدبيره؟
قالعليهالسلام : لا.
قال: فما هذا الفساد الموجود في هذا العالم: من سباع ضارية، وهوام مخوّفة، وخلق كثير مشوهة، ودود وبعوض وحيّات وعقارب، وزعمت أنّه لا يخلق شيئاً إلا لعلّة، لأنّه لا يعبث؟!
قالعليهالسلام : ألست تزعم أنَّ العقارب تنفع من وجع المثانة والحصاة، ولمن يبول في الفراش، وأنَّ أفضل التزياق ما عولج من لحوم الأفاعي، فانَّ لحومها إذا أكلها المجذوم
____________________
(١) تَنَكّبَ: عدل - لسان العرب ١ / ٧٧٠.
بِشبٍّ(١) نفعه، وتزعم أنَّ الدود الأحمر الذي يُصاب تحت الأرض نافع للآكلة؟ قال: نعم.
ثمَّ قالعليهالسلام : فأمّا البعوض والبق فبعض سببه أنّه جُعل ارزاق بعض الطير، وأهان بها جباراً تمرد على اللّه وتجبر، وأنكر ربوبيته، فسلّط اللّه عليه أضعف خلقه ليريه قدرته وعظمته، وهي البعوضة فدخلت في منخره حتّى وصلت إلى دماغه فقتلته. واعلم أنا لو وقفنا على كل شيء خلقه اللّه تعالى لِمَ خلقه؟ ولأي شيء أنشأه؟ لكنّا قد ساويناه في علمه، وعلمنا كلّما يعلم واستغنينا عنه، وكنّا وهو في العلم سواء.
قال: فأخبرني هل يُعاب شيء من خلق اللّه وتدبيره؟ قالعليهالسلام : لا.
قال: فإنَّ اللّه خلق خلقه غرلاً(٢) ، أذلك منه حكمة أو عبث؟
قالعليهالسلام : بل حكمة منه.
قال: غيرتم خلق اللّه، وجعلتم فعلكم في قطع الغلفة أصوب ممّا خلق اللّه لها، وعبتم الأغلف واللّه خلقه، ومدحتم الختان وهو فعلكم. أم تقولون انَّ ذلك من اللّه كان خطأً غير حكمة؟!
قالعليهالسلام : ذلك من اللّه حكمة وصواب، غير أنّه سنَّ ذلك وأوجبه على خلقه، كما أنّ المولود إذا خرج من بطن أُمّه وجدنا سرّته متصلة بسرة أُمة كذلك خلقها الحكيم فأمر العباد بقطعها، وفي تركها فساد بيِّن للمولود والأُمّ، وكذلك أظفار الإنسان أمَرَ إذا طالت أن تقلم، وكان قادراً يوم دبّر خلق الإِنسان أن يخلقها خلقة لا تطول، وكذلك الشَّعر من الشّارب والرّأس يطول فيجز، وكذلك الثيران خلقها اللّه فحولة واخصاؤها أوفق، وليس في ذلك عيب في تقدير اللّه عزّ وجلّ.
قال: ألست تقول: إنَّ اللّه تعالى قال:( أُدعُوني أَستَجِب لَكُم ) (٣) ، وقد نرى
____________________
(١) الشَّبُّ: دواء معروف، وقيل: الشب شيء يشبه الزاج - لسان العرب ١ / ٤٨٣.
(٢) الغرلة: مثل القفلة وزناً ومعنىً، وغرل غرلاً، من باب تعب: إذا لم يختن - المصباح ٢ / ١١٣.
(٣) غافر: ٦٠.
المضطر يدعوه فلا يُجاب له، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره؟
قالعليهالسلام : ويحك! ما يدعوه أحد إلا استجاب له، أمّا الظّالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إلى اللّه، وأمّا المحقّ فانّه إذا دعاه استجاب له، وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه، أو ادخر له ثواباً جزيلاً ليوم حاجته إليه، وإن لم يكن الأمر الذي سأل العبد خيراً له إن أعطاه أمسك عنه، والمؤمن العارف باللّه ربّما عزّ عليهأن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ، وقد يسأل العبد ربه إهلاك من لم تنقطع مدّته، ويسأل المطر وقتاً ولعّله أوان لا يصلح فيه المطر، لأنّه أعرف بتدبير ما خلق من خلقه، وأشباه ذلك كثيرة فافهم هذا.
قال: فأخبرني أيُّها الحكيم، ما بال السّماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد، ولا يصعد من الأرض إليها بشر، ولا طريق إليها، ولا مسلك، فلو نظر العباد في كل دهر مرّة من يصعد إليها وينزل، لكان ذلك أثبت في الربوبيّة، وأنفى للشّك وأقوى لليقين، وأجدر أن يعلم العباد أنَّ هناك مدبّراً إليه يصعد الصاعد ومن عنده يهبط الهابط؟!
قالعليهالسلام : إنَّ كل ما ترى في الأرض من التدبير إنَّما هو ينزل من السّماء، ومنها يظهر، أما ترى الشمس منها تطلع، وهي نور النّهار، ومنها قوام الدنيا ولو حبست حار من عليها وهلك، والقمر منها يطلع، وهو نور اللّيل، وبه يعلم عدد السنين والحساب، والشهور والأيام، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير، وفي السّماء النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ومن السّماء ينزل الغيث الذي فيه حياة كل شيء: من الزرع والنبات والأنعام وكل الخلق لو حبس عنهم لما عاشوا، والرِّيح لو حبست أيّاماً لفسدت الأشياء جميعاً وتغيّرت، ثمّ الغيم والرعد والبرق والصواعق، كل ذلك إنَّما هو دليل على أنَّ هناك مدبّراً يدبّر كل شيء ومن عنده ينزل، وقد كلّم اللّه موسى وناجاه، ورفع اللّه عيسى بن مريم والملائكة تنزل من عنده، غير أنّك لا تؤمن بما لم تره بعينك، وفيما تراه بعينك كفاية ان تفهم وتعقل.
قال: فلو أنَّ اللّه تعالى ردّ إِلينا من الأموات في كل مائة عام واحداً لنسأله عمّن مضى منّا، إِلى ما صاروا وكيف حالهم، وماذا لقوا بعد الموت، وأي شيء صنع بهم، ليعمل النّاس على اليقين، واضمحل الشكّ، وذهب الغل عن القلوب.
قالعليهالسلام : إنَّ هذه مقالة من أنكر الرسل وكذّبهم، ولم يصدق بما جاءوا به من عند اللّه، إِذا أخبروا وقالوا: إِنَّ اللّه أخبر في كتابه عزّ وجلّ على لسان أنبيائه، حال من مات منّا، أفيكون أحد أصدق من اللّه قولاً ومن رسله.
وقد رجع إِلى الدنيا ممّن مات خلق كثير، منهم «أصحاب الكهف» أماتهم اللّه ثلاثمائة عام وتسعة، ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث، ليقطع حجّتهم، وليريهم قدرته، وليعلموا أنَّ البعث حقّ.
وأمات اللّه «أرمياء» النّبيعليهالسلام الذي نظر إِلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصَّر(١) ، وقال:( أنّى يُحييِ هذِهِ اللّهُ بَعدَ مَوتِها فَأماتَهُ اللّهُ مِائَةَ عامٍ ) (٢) ثمّ أحياه ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم، وكيف تلبس اللّحم، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل، فلمّا استوى قاعداً قال:( أعلَمُ أَنَ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ) (٣) .
وأحيا اللّه قوماً خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون لا يحصى عددهم، فأماتهم اللّه دهراً طويلاً حتّى بليت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، وصاروا تراباً، فبعث اللّه في وقت أحبّ أن يرى خلقه قدرته نبياً يُقال له: «حزقيل»(٤) فدعاهم فاجتمعت أبدانهم، ورجعت فيها أرواحهم، وقاموا كهيئة يوم ماتوا، لا يفقدون من أعدادهم رجلاً،
____________________
(١) قال الفيروزآبادي: بخت نصَّر بالتشديد، أصله: بوخت ومعناه: إبن، ونصَّر كبقَّم: صنم، وكان وُجد عند الصنم ولم يعرف له أب فنسب إليه، خرّب القدس! القاموس ٢ / ١٤٣.
(٢) البقرة: ٢٥٩.
(٣) نفس المصدر.
(٤) حزقل أو حزقيل، كزبرج وزنبيل: إسم نبي من الأنبياءعليهماالسلام - القاموس ٣ / ٣٥٧.
فعاشوا بعد ذلك دهراً طويلاً(١) .
وإنَّ اللّه أمات قوماً خرجوا مع موسىعليهالسلام حين توجّه إلى اللّه عزّ وجلّ فقالوا:( أرِنَا اللّهَ جَهرَةً ) (٢) فأماتهم اللّه ثمّ أحياهم.
قال: فأخبرني عمّن قال بتناسخ الأرواح، من أيّ شيء قالوا ذلك، وبأيّ حجّة قاموا على مذاهبهم؟
قالعليهالسلام : إنَّ أصحاب التناسخ قد خلفوا وراءهم منهاج الدِّين، وزيّنوا لأنفسهم الضلالات، وأمرجوا(٣) أنفسهم في الشهوات وزعموا أنَّ السماء خاوية ما فيها شيء مما يوصف، وأنَّ مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين، بحجّة من روى أنَّ اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته، وأنّه لا جنّة ولا النار، ولا بعث ولا نشور، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، إن كان محسناً في القالب الأول أُعيد في قالب أفضل منه حسناً في أعلى درجة من الدنيا، وان كان مسيئاً أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا، أو هوام مشوهة الخلقة وليس عليهم صوم ولا صلاة، ولا شيء من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليهم معرفته وكل شيء من شهوات الدنيا مباح لهم: من فروج النِّساء وغير ذلك من الأخوات والبنات والخالات وذوات البعولة.
وكذلك الميتة، والخمر، والدم، فاستقبح مقالتهم كل الفرق، ولعنهم كل الأمم، فلمّا سئلوا الحجّة زاغوا وحادوا، فكذّب مقالتهم التوراة، ولعنهم الفرقان، وزعموا مع ذلك أنَّ إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، وأنَّ الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم، ثمّ هلمّ جرا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أنَّ أحدهما خالق صاحبه؟!
وقالوا: إِنَّ الملائكة من ولد آدم كل من صار في أعلى درجة من دينهم خرج من
____________________
(١) هذه القصّة مشهورة، انظر تفسير القمي ١ / ٨٠، وتفسير العيّاشي ١ / ١٣٠.
(٢) النساء: ١٥٣.
(٣) الُمَرْجُ: الموضع ترعى فيه الدواب وإرسالها للرعي، والخلط - القاموس ١ / ٢٠٧.
منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك، فطوراً تخالهم نصارى في اشياء، وطوراً دهرية يقولون: إِنَّ الأشياء على غير الحقيقة، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئاً من اللحمان، لأنَّ الدوابّ كلّها عندهم من ولد آدم حولوا من صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القرابات.
قال: ومن زعم أنّ اللّه لم يزل ومعه طينة مؤذية، فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء!!
قالعليهالسلام : سبحان اللّه وتعالى!! ما أعجز إِلهاً يوصف بالقدرة، لا يستطيع التفصي من الطينة! إن كانت الطينة حيّة أزلية، فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبّرا العالم من أنفسهما، فان كان ذلك كذلك، فمن أين جاء الموت والفناء؟ وإن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم، والميت لا يجيء منه حي، وهذه مقالة الديصانية(١) ، أشدّ الزنادقة قولاً وأمهنهم مثلاً، نظروا في كتب قد صنّفتها أوائلهم، وحبروها لهم بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت، ولا حجّة توجب إثبات ما ادّعوا، كلّ ذلك خلافاً على اللّه وعلى رسله وتكذيباً بما جاءوا به عن اللّه تعالى.
فأمّا من زعم أنَ الأبدان ظلمة، والأرواح نور، وأنَّ النُّور لا يعمل الشر والظلمة لا تعمل الخير، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحداً على معصية، ولا ركوب حرمة، ولا إتيان فاحشة، وإنَّ ذلك على الظلمة غير مستنكر، لأنَّ ذلك فعلها ولا له أن يدعو ربّاً، ولا يتضرع إليه، لأنَّ النور ربّ، والرّب لا يتضرع إلى نفسه ولا يستعيذ بغيره، ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول: «أحسنت» يا محسن أو «أسأت»، لأنَّ الإساءة من فعل الظلمة وذلك فعلها، والإحسان من النور، ولا يقول النور لنفسه أحسنت يا محسن،
____________________
(١) قال الشهرستاني: أصحاب ديصان، أثبتوا أصلين: نوراً وظلاماً، فالنور يفعل الخير قصداً واختياراً، والظلام يفعل الشرّ طبعاً واضطراراً، فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور، وما كان من شرٌ وضرر ونتن وقبح فمن الظلام. وزعموا أنّ النور حيّ، عالم، قادر، حسّاس، درّاك، ومنه تكون الحركة والحياة.
والظّلام ميّت، جاهل، عاجز، جماد، موات لا فعل له ولا تمييز.
وزعموا انَّ النور جنس واحد، وكذلك الظلام جنس واحد، وأنّ إدراك النور إدراك متفق فإنّ سمعه وبصره وسائر حواسه شيء واحد فسمعه هو بصره، وبصره هو حواسه. الملل والنحل: ١ / ٢٥٠. وانظر: بحار الأنوار: ٣/٢١١.
وليس هناك ثالث، فكانت الظلمة على قياس قولهم، أحكم فعلاً وأتقن تدبيراً وأعزّ أركاناً من النور، لأنَّ الأبدان محكمة، فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة؟
وكل شيء يرى ظاهراً من الزهر والأشجار والثمار والطيور والدواب يجب أن يكون إلهاً، ثمّ حبست النور في حبسها والدولة لها، وأمّا ما ادعوا بأنَّ العاقبة سوف تكون للنور، فدعوى، وينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل، لأنه اسير، وليس له سلطان، فلا فعل له ولا تدبير، وإن كان له مع الظلمة تدبير، فما هو بأسير، بل هو مطلق عزيز، فان لم يكن كذلك وكان أسير الظلمة، فانه يظهر في هذا العالم إحسان وخير من فساد وشر، فهذا يدل على أنَّ الظلمة تحسن الخير وتفعله، كما تحسن الشرّ وتفعله، فإن قالوا محال ذلك، فلا نور يثبت ولا ظلمة، وبطلت دعواهم، ورجع الأمر إلى أنَّ اللّه واحد وما سواه باطل، فهذه مقالة ماني الزنديق وأصحابه(١) .
وأمّا من قال: النّور والظلمة بينهما حكم، فلا بدّ من أن يكون أكبر الثلاثة الحكم، لأنّه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب، أو جاهل أو مظلوم، وهذه مقالة المانوية والحكاية عنهم تطول.
قال: فما قصة ماني؟
قالعليهالسلام : متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية، فأخطأ الملتين، ولم يصب مذهباً واحداً منهما، وزعم أنَّ العالم دبّر من إلهين، نور وظلمة، وأنّ النور في حصار من الظلمة على ما حكينا عنه، فكذَّبته النصارى، وقبلته المجوس.
قال: فأخبرني عن المجوس أبعث اللّه إليهم نبيّاً؟ فإنّي أجد لهم كتباً محكمة
____________________
(١) أصحاب ماني يسمون: المانويّة، وهم أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن اردشير وقتله بهرام بن هرمز بن سابور وذلك بعد عيسى بن مريمعليهالسلام ، أحدث ديناً بين المجوسيّة والنصرانيّة. وزعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين، أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنّهما أزليّان لم يزالا ولن يزالا. انظر: الملل والنحل: ١ / ٢٤٤.
ومواعظ بليغة، وأمثالاً شافية، يقرّون بالثواب والعقاب، ولهم شرائع يعملون بها.
قالعليهالسلام : ما من أُمّةإلا خلا فيها نذير، وقد بعث إليهم نبي بكتاب من عند اللّه، فأنكروه وجحدوا كتابه.
قال: ومن هو فان النّاس يزعمون أنّه خالد بن سنان؟
قالعليهالسلام : إنَّ خالداً كان عربياً بدوياً ما كان نبياً، وإنّما ذلك شيء يقوله النّاس.
قال: أفزردشت؟
قالعليهالسلام : إنَّ زردشت أتاهم بزمزمة، وادّعى النبوّة، فآمن منهم قوم وجحده قوم، فأخرجوه فأكلته السّباع في برية من الأرض.
قال: فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم، أم العرب؟
قالعليهالسلام : العرب في الجاهلية، كانت أقرب إلى الدين الحنفي من المجوس، وذلك أنَّ المجوس كفرت بكل الأنبياء وجحدت كتبهم، وأنكرت براهينهم ولم تأخذ بشيء من سننهم وآثارهم، وإنّ كيخسرو ملك المجوس في الدهر الأول قتل ثلاثمائة نبي، وكانت المجوس لا تغتسل من الجنابة، والعرب كانت تغتسل، والإغتسال من خالص شرايع الحنيفية، وكانت المجوس لا تختتن، والعرب تختتن، وهو من سنن الأنبياء، وأنّ أوّل من فعل ذلك إبراهيم خليل اللّه، وكانت المجوس لا تغسل موتاها في الصّحارى والنواويس، والعرب تواريها في قبورها وتلحدها، وكذلك السّنة على الرسل، إنَّ أول من حفر له قبر آدم أبو البشر، واُلحد له الحد، وكانت المجوس تأتي الأمهات وتنكح البنات والاخوات، وحرمت ذلك العرب، وأنكرت المجوس بيت اللّه وسمّته بيت الشّيطان، والعرب كانت تحجّه وتعظمه، وتقول: بيت ربنا، وتقرّ بالتوراة والإنجيل، وتسأل أهل الكتاب، وتأخذ عنهم، وكانت العرب في كل الأسباب أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس.
قال: فانّهم احتجوا باتيان الأخوات أنّها سنة من آدم.
قالعليهالسلام : فما حجّتهم في إِتيان البنات والأمّات، وقد حرّم ذلك آدم، وكذلك نوح
وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء، وكل ما جاء عن اللّه عزّ وجل.
قال: فلم حرّم اللّه الخمر ولا لذّة أفضل منها؟
قالعليهالسلام : حرّمها لأنّها أُمّ الخبائث ورأس كلِّ شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه، ولا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلا ركبها ولا حرمة إلا انتهكها ولا رحماً ماسة(١) إلا قطعها، ولا فاحشة إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشّيطان، إن أمره أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد ما قاده.
قال: فلم حرّم الدم المسفوح؟
قالعليهالسلام : لأنّه يورث القساوة، ويسلب الفؤاد رحمته، ويعفن البدن، ويغيِّر اللّون، وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم.
قال: فأكل الغدد؟ قال: يورث الجذام.
قال: فالميتة لِمَ حرّمها؟
قالعليهالسلام : فرقاً بينها وين ما يذكّى ويذكر عليه اسم اللّه، والميتة قد جمد فيها الدم وتراجع إلى بدنها، فلحمها ثقيل غير مريء، لأنّها يؤكل لحمها بدمها.
قال: فالسّمك ميتة؟
قالعليهالسلام : إنَّ السّمك ذكاته إخراجه حيّاً من الماء، ثم يترك حتّى يموت من ذات نفسه، وذلك أنّه ليس له دم، وكذلك الجراد.
قال: فَلِمَ حرّم الزنا؟
قالعليهالسلام : لما فيه من الفساد، وذهاب المواريث، وانقطاع الأنساب، لا تعلم المرأة في الزنا من أحبلها، ولا المولود يعلم من أبوه، ولا أرحام موصولة، ولا قرابة معروفة.
قال: فَلِمَ حرّم اللّواط؟
قالعليهالسلام : من أجل أنّه لو كان إتيان الغلام حلالاً لاستغنى الرجال عن النساء،
____________________
(١) يُقال: بينهم رحم ماسة، أي: قرابة قريبة - القاموس ٢ / ٢٥١.
وكان فيه قطع النسل، وتعطيل الفروج، وكان في إجازة ذلك فساد كثير.
قال: فَلِمَ حرّم إتيان البهيمة؟
قالعليهالسلام : كره أن يضيع الرجل ماءَه، ويأتي غير شكله، ولو أباح ذلك لربط كل رجل أتاناً(١) يركب ظهرها، ويغشى فرجها، فيكون في ذلك فساد كثير، فأباح ظهورها، وحرّم عليهم فروجها، وخلق للرجال النِّساء، ليأنسوا بهنَّ، ويسكنوا إليهنَّ، ويكنَّ موضع شهواتهم، وأُمهات أولادهم.
قال: فما علّة الغسل من الجنابة، وإنّما أتى حلالاً وليس في الحلال تدنيس؟
قالعليهالسلام : إنَّ الجنابة بمنزلة الحيض، وذلك أن النطفة دم لم يستحكم، ولا يكون الجماع إلا بحركة شديدة وشهوة غالبة، فإذا فرغ (الرجل) تنفس البدن، ووجد الرّجل من نفسه رائحة كريهة، فوجب الغسل لذلك، وغسل الجنابة مع ذلك أمانة ائتمن اللّه عليها عبيده ليختبرهم بها.
قال: أيُّها الحكيم! فما تقول فيمن زعم أنَّ هذا التدبير الذي يظهر في العالم تدبير النُّجوم السّبعة؟
قالعليهالسلام : يحتاجون إلى دليل، أنَّ هذا العالم الأكبر والعالم الأصغر من تدبير النّجوم التي تسبح في الفلك، وتدور حيث دارت متعبة لا تفتر، وسائرة لا تقف.
ثم قالعليهالسلام : وإنَّ لكل نجم منها موكل مدبّر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين، فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال.
قال: فمن قال بالطبايع؟
قالعليهالسلام : القدرية، فذلك قول من لم يملك البقاء، ولا صرف الحوادث وغيرته الأيام والليالي، لا يرد الهرم، ولا يدفع الأجل، ما يدري ما يصنع به(٢) .
____________________
(١) الأتان: الحمارة - القاموس ٤ / ١٩٤.
(٢) انظر المناقب لابن شهرآشوب ٤ / ٢٦٤.
قال: فأخبرني عمّن زعم انّ الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون ويذهب قرن ويجيء قرن، تفنيهم الأمراض والأعراض وصنوف الآفات، ويخبرك الآخر عن الأول، وينبئك الخلف عن السلف، والقرون عن القرون، أنّهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات، في كل دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة النّاس، بصير بتأليف الكلام، ويصنّف كتاباً قد حبره بفطنته، وحسنه بحكمته، قد جعله حاجزاً بين النّاس، يأمرهم بالخير ويحثّهم عليه، وينهاهم عن السوء والفساد ويزجرهم عنه، لئلا يتهارشوا(١) ، ولا يقتل بعضهم بعضاً؟
قالعليهالسلام : ويحك! إنَّ من خرج من بطن أُمه أمس، ويرحل عن الدنيا غداً، لا علم له بما كان قبله، ولا ما يكون بعده، ثمّ إِنّه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه أو خلقه غيره، أو لم يزل موجوداً، فما ليس بشيء لا يقدر أن يخلق شيئاً وهو ليس بشيء، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئاً، يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه، ولو كان الإنسان أزليّاً لم تحدث فيه الحوادث، لأنّ الأزلي لا تغيّره الأيّام، ولا يأتي عليه الفناء، مع أنّا لم نجد بناءاً من غير بانٍ، ولا أثراً من غير مؤثر، ولا تأليفاً من غير مؤلف، فمن زعم أنّ أباه خلقه، قيل: فمن خلق أباه؟ ولو أنّ الأب هو الذي خلق ابنه لخلقه على شهوته، وصوَّره على محبّته، ولملك حياته، ولجاز فيه حكمه، ولكنّه إن مرض فلم ينفعه، وإن مات فعجز عن ردّه، إنّ من استطاع أن يخلق خلقاً، وينفخ فيه روحاً حتّى يمشي على رجليه سوياً، يقدر أن يدفع عنه الفساد.
قال: فما تقول في علم النّجوم؟
قالعليهالسلام : هو علم قلَّت منافعه، وكثرت مضراته، لأنّه لا يدفع به المقدور، ولا يتّقى به المحذور، إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرّز من القضاء، وإن أخبر هو بخير لم
____________________
(١) هَرَشَ الدهر، إشتدَّ، والتهريش والتحريش بين الكلاب والإفساد بين النّاس - القاموس ٢ / ٢٩٣، وفي «أ» وبحار الأنوار: لئلا يتهاوشوا.
يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد اللّه في علمه، بزعمه أنّه يردّ قضاء اللّه عن خلقه.
قال: فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟
قالعليهالسلام : بل الرسول أفضل.
قال: فما علّة الملائكة الموكّلين بعباده، يكتبون ما عليهم ولهم، واللّه تعالى عالم السّر وما هو أخفى؟
قالعليهالسلام : استعبدهم بذلك، وجعلهم شهوداً على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة اللّه مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضاً، وكم من عبد يهمّ بمعصية فذكر مكانهما فارعوى(١) وكف، فيقول ربّي يراني، وحفظتي عليّ بذلك تشهد، وإنّ اللّه برأفته ولطفه أيضاً وكّلهم بعباده، يذبّون عنهم مردة الشيطان وهوامّ الارض، وآفات كثيرة من حيث لا يرون باذن اللّه إلى أن يجيء أمر اللّه عزّ وجلّ.
قال: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب؟
قالعليهالسلام : خلقهم للرحمة، وكان في علمه قبل خلقه إيّاهم، أنّ قوماً منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الردية وجحدهم به.
قال: يعذب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره (من خلقه)، فبم يعذب من وحّده وعرفه؟
قال: يعذب المنكر لإلهيّته عذاب الأبد، ويعذّب المقرّ به عذاب عقوبة لمعصيته إيّاه فيما فرض عليه، ثمّ يخرج، ولا يظلم ربك أحداً.
قال: فبين الكفر والإيمان منزلة؟
قالعليهالسلام : لا. قال: فما الايمان والكفر؟
قالعليهالسلام : الإيمان: أن يصدِّق اللّه فيما غاب عنه من عظمة اللّه، كتصديقه بما شاهد
____________________
(١) رعا، يرعو، أي: كفّ عن الأمر، وقد ارعوى عن القبيح: إرتدع - مجمع البحرين.
من ذلك وعاين، والكفر: الجحود.
قال: فما الشرك وما الشّك؟
قالعليهالسلام : الشّرك هو أن يضمّ إِلى الواحد الذي ليس كمثله شيء آخر، والشّك: ما لم يعتقد قلبه شيئاً.
قال: أفيكون العالم جاهلاً؟
قالعليهالسلام : عالم بما يعلم، وجاهل بما يجهل.
قال: فما السّعادة وما الشقاوة؟
قالعليهالسلام : السّعادة: سبب خير، تمسك به السّعيد فيجرّه إلى النّجاة، والشّقاوة: سبب خذلان، تمسك به الشّقي فيجرّه إلى الهلكة، وكل بعلم اللّه.
قال: أخبرني عن السراج إِذا انطفى أين يذهب نوره؟
قالعليهالسلام : يذهب فلا يعود.
قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبداً، كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبداً إذا انطفى؟
قالعليهالسلام : لم تصب القياس، إنَّ النّار في الأجسام كامنة، والأجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار، يقتبس منها سراج له ضوء، فالنّار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب، والرّوح: جسم رقيق قد أُلبس قالباً كثيفاً، وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت، إنَّ الذي خلق في الرحم جنيناً من ماء صافٍ، وركب فيه ضروباً مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك، وهو يحييه بعد موته، ويعيده بعد فنائه.
قال: فأين الرّوح؟
قالعليهالسلام : في بطن الأرض حيث مصرع البدن إِلى وقت البعث.
قال: فمن صُلِب فأين روحه؟
قالعليهالسلام : في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض.
قال: فاخبرني الروح غير الدم؟
قالعليهالسلام : نعم، الرّوح على ما وصفت لك: مادتها من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم، وصفاء اللّون، وحسن الصّوت، وكثرة الضحك، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن.
قال: فهل يوصف بخفّة وثقل ووزن؟
قالعليهالسلام : الروح بمنزلة الرِّيح في الزق، إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها، فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه، ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن.
قال: فأخبرني ما جوهر الرِّيح؟
قالعليهالسلام : الرِّيح هواء إذا تحرّك يسمّى ريحاً، فإذا سكن يسمّى هواء وبه قوام الدنيا، ولو كفّت الرِّيح ثلاثة أيّام لفسد كلّ شيء على وجه الأرض ونتن، وذلك أنَّ الرِّيح بمنزلة المروحة، تذبّ وتدفع الفساد عن كلّ شيء وتطيّبه، فهي بمنزلة الرّوح إذا خرج عن البدن نتن البدن وتغيّر، تبارك اللّه أحسن الخالقين.
قال: أَفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟
قالعليهالسلام : بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى، فلا حس ولا محسوس، ثمّ أُعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها، وذلك أربعمائة سنه يسبت(١) فيها الخلق وذلك بين النفختين.
قال: وأنّى له بالبعث والبدن قد بلي، والأعضاء قد تفرّقت، فعضو ببلدة يأكلها سباعها، وعضو بأُخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط!!
قالعليهالسلام : إنَّ الذي أنشأه من غير شيء، وصوّره على غير مثال كان سبق إليه، قادر أن يعيده كما بدأه.
____________________
(١) سُبِتَ، بالبناء للمفعول: غشي عليه وأيضاً مات - المصباح ١ / ٣١٨.
قال: أوضح لي ذلك!
قالعليهالسلام : إنَّ الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير تراباً كما منه خلق، وما تقذف به السّباع والهوام من أجوافها ممّا أكلته ومزّقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التّراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثمّ تمخضوا مخض(١) السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب إِلى قالبه، فينتقل بإذن اللّه القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها، وتلج الرّوح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً.
قال: فأخبرني عن النّاس يحشرون يوم القيامة عراة؟
قالعليهالسلام : بل يحشرون في أكفانهم.
قال: أنّى لهم بالأكفان وقد بليت؟!
قالعليهالسلام : إنَّ الذي أحيا أبدانهم جدّد أكفانهم.
قال: فمن مات بلا كفن؟
قالعليهالسلام : يستر اللّه عورته بما يشاء من عنده.
قال: أفيعرضون صفوفاً؟
قالعليهالسلام : نعم هم يؤمئذ عشرون ومائة ألف صف في عرض الأرض.
قال: أوَليس توزن الأعمال؟
قالعليهالسلام : لا، إنَّ الأعمال ليست بأجسام، وإنّما هي صفة ما عملوا، وإنّما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء، ولا يعرف ثقلها وخفّتها، وإنَّ الله لا يخفى عليه شيء.
____________________
(١) مخض اللبن، يمخضه: أخذ زبده - القاموس ٢ / ٣٤٣.
قال: فما معنى الميزان؟
قالعليهالسلام : العدل.
قال: فما معناه في كتابه:( فَمَن ثَقلَت مَوازِينُهُ ) (١) ؟
قالعليهالسلام : فمن رجح عمله.
قال: فأخبرني أوليس في النّار مقنع أن يعذب خلقه بها دون الحيّات والعقارب؟
قالعليهالسلام : إِنّما يعذب بها قوماً زعموا أنّها ليست من خلقه، إنّما شريكه الذي يخلقه، فيسلّط اللّه عليهم العقارب والحيات في النّار ليذيقهم بها وبال ما كذبوا عليه، فجحدوا أن يكون صنعه.
قال: فمن أين قالوا: إِنَّ أهل الجنّة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها فإذا أكلها عادت كهيئتها؟
قالعليهالسلام : نعم، ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس منه، فلا ينقص من ضوئه شيء، وقد امتلت الدنيا منه سراجاً.
قال: أليسوا يأكلون ويشربون، وتزعم أنّه لا يكون لهم الحاجة؟
قالعليهالسلام : بلى، لأنَّ غذاءهم رقيق لا ثقل له، بل يخرج من أجسادهم بالعرق.
قال: فكيف تكون الحوراء في جميع ما أتاها زوجها عذراء؟
قالعليهالسلام : لأنّها خلقت من الطِّيب لا تعتريها عاهة، ولا تخالط جسمها آفة، ولا يجري في ثقبها شيء، ولا يدنّسها حيض، فالرحم ملتزقة (ملدم)(٢) إذ ليس فيه لسوى الأحليل مجرى.
قال: فهي تلبس سبعين حلّة، ويرى زوجها مخ ساقيها من وراء حللها وبدنها؟
قالعليهالسلام : نعم، كما يرى أحدكم الدراهم إِذا ألقيت في ماء صاف قدره قدر رمح.
____________________
(١) المؤمنون: ١٠٢.
(٢) قال الفيروزآبادي: المِلدم كمِنبر: الاحمق الثقيل اللّحم - القاموس ٤ / ١٧٥.
قال: فكيف تنعم أهل الجنّة بما فيها من النعيم، وما منهم أحد إلا وقد افتقد ابنه أو أباه أو حميمه أو أُمّه، فإذا افتقدوهم في الجنّة لم يشكوا في مصيرهم إلى النّار، فما يصنع بالنعيم من يعلم أن حميمه في النّار يعذّب؟
قالعليهالسلام : إِنَّ أهل العلم قالوا: إنّهم ينسون ذكرهم. وقال بعضهم: انتظروا قدومهم، ورجوا أن يكونوا بين الجنّة والنّار في أصحاب الأعراف. الخبر.
الملحق الثالث(١) : مجلس الامام الرضاعليهالسلام مَعَ المروزي عند المأمون في التوحيد
جاء في توحيد الصدوق:
حدّثنا أبو محمدٍ جعفر بن علي بن أحمد الفقيهرضياللهعنه ، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقة القمي، قال: حدثني أبو عمروٍ محمد بن عمر بن عبد العزيز الانصاري الكجي قال: حدثني من سمع الحسن بن محمدٍ النوفلي يقول: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى قدم عليَّ من الحجاز وهو يحب الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته، فقال سليمان: يا أمير المؤمنين إني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعةٍ من بني هاشم فيتنقصُ عند القوم إذا كلمني، ولا يجوز الاستقصاء عليه، قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجةٍ واحدةٍ فقط، فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين اجمع بيني وبينه وخلني وإيّاه وألزم، فوجه المأمون إلى الرضاعليهالسلام فقال: إنَّه قدم علينا رجلٌ من أهل مروٍ وهو واحدُ خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت، فنهضعليهالسلام للوضوء وقال لنا: تقدموني وعمران الصابئ معنا، فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالدٌ بيدي فأدخلاني على المأمون، فلما سلّمتُ قال: أين أخي أبو الحسن أبقاه اللّه، قلتُ: خلفته
____________________
(١) نقل نص الحديث عن توحيد الصدوق، بتحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني باب: ٦٦، ص: ٤٤١ - ٤٥٤، وما ذكر في هامش الحديث من شروحات يعود لمحقق الكتاب.
يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدم، ثم قلت يا أمير المؤمنين إنَّ عمران مولاك معي وهو بالباب، فقال: من عمران؟ قلتُ: الصابئ الّذي أسلم على يديك، قال: فليدخل فدخل فرحب به المأمون، ثمَّ قال له: يا عمران لم تمت حتى صرت من بني هاشم، قال: الحمد للّه الذي شرّفني بكم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: يا عمران هذا سليمان المروزي متكلّم خراسان، قال عمران: يا أمير المؤمنين إنّه يزعم أنه واحد خراسان في النظرِ وينكرُ البداءَ، قال: فلم لا تناظرهُ؟ قال عمران: ذلكَ إليه، فدخل الرضاعليهالسلام فقال: في أي شيءٍ كنتم؟ قال عمران: يا ابن رسول اللّه هذا سليمان المروزي، فقال سليمان: أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه؟ قال عمرانُ: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجةٍ أَحتجُّ بها على نظرائي من أهل النظرِ.
قال المأمون: يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه؟
قالعليهالسلام : وما أنكرت من البداءِ يا سليمانُ، واللّه عزّ وجلّ يقول:( أَوَلا يَذكُرُ الإنسانُ أنَّا خَلَقناهُ مِن قَبلُ وَلَم يَكُ شَيئاً ) (١) ويقول عزّ وجلّ:( وَهُوَ الَّذي يَبدَؤا الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ ) (٢) ويقولُ:( بَدِيعُ السَّمواتِ وَالأَرضِ ) (٣) وَيقولُ عزّ وجلّ:( يَزِيدُ في الخَلقِ ما يَشاءُ ) (٤) ويقول:( وَبَدَأَ خَلقَ الإنسانِ مِن طينٍ ) (٥) ويقول عزّ وجلّ:( وَآخَرُونَ مُرجَونَ لأَمرِ اللّهِ إمّا يُعذبُهُم وإمّا يَتُوبُ عَلَيهِم ) (٦) ويقول عزّ وجلّ:( وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِن عُمُره إلا في كِتابٍ ) (٧) ؟
قال سُلَيمان: هل رويت فيه شيئاً عن آبائكَ؟ قالعليهالسلام : نعم رويت عن أبي
____________________
(١) مريم: ٦٧.
(٢) الروم: ٢٧.
(٣) البقرة: ١١٧، والانعام: ١٠١.
(٤) فاطر: ١.
(٥) السجدة: ٧.
(٦) التوبة: ١٠٦.
(٧) فاطر: ١١.
عبد اللّهعليهالسلام أنه قال: «إن للّه عزّ وجلّ علمين: علماً مخزُوناً مكنوناً لا يعلمه إلا هو من ذلك يكونُ البداءُ وعلماً علمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيه يعلمونه» قال سليمان: أحبُّ أن تنزعه لي من كتاب اللّه عزّ وجلّ.
قالعليهالسلام : قول اللّه عزّ وجلّ لنبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( فَتَوَل عَنهُم فَما أَنتَ بِمَلومٍ ) (١) أراد هلاكهم ثم بدا اللّه فقال:( وَذَكِّر فَإنَّ الذِّكرى تَنفَعُ المؤمِنينَ ) (٢) ، قال سليمان: زدني جعلت فداك.
قال الرضاعليهالسلام لقد أخبرني أبي عن آبائه أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إن اللّه عزّ وجلّ أَوحى إلى نبيٍّ من أنبيائه: أن أخبر فلاناً الملك أني متوفيه إلى كذا وكذا، فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعا اللّه الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، فقال: يا رب أجلني حتى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى اللّه عز وجل إلى ذلك النبي أن ائتِ فُلاناً الملكَ فأعلمه أني قد انسيتُ في أجله، وزدت في عمره خمس عشرة سنةً، فقال ذلك النبي: يا رب إنك لتعلم أنيِّ لم أكذب قط، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: إنما أنت عبدٌ مأمورٌ فأبلغه ذلك واللّهُ لا يسأل عما يفعل.
ثمَّ التفت إلى سليمان فقال: أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب، قال: أعوذُ باللّه من ذلك، وما قالتِ اليهود؟
قالعليهالسلام : قالت: «يَدُ اللّهِ مغلولةٌ» يعنون أَن اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً، فقال اللّه عزّ وجلّ:( غُلَّت أَيديهمُ وَلُعِنوا بِما قالوا ) (٣) ولقد سمعتُ قوماً سألوا أبي موسى بن جعفرعليهماالسلام عن البداءِ فقالَ: وما ينكر الناسُ من البداءِ وأَن يَقفَ اللّهُ قوماً يرجيهم لأمره؟
____________________
(١) الذاريات: ٥٤.
(٢) الذاريات: ٥٥.
(٣) المائدة: ٦٤.
قال سليمان: ألا تخبرني عن( إِنا أَنزَلناهُ في لَيلَةِ الَقدرِ ) (١) في أي شيء اُنزلت؟
قال الرِّضاعليهالسلام : يا سُليمان ليلةُ القدر يقدِّر اللّه عزّ وجلّ فيها ما يكون من السَّنة إلى السنة من حياةٍ، أو موتٍ، أو خيرٍ، أو شرٍّ، أو رزقٍ، فما قدَّرهُ من تلكَ الليلةٍ فهوَ من المحتوم.
قال سليمان: ألآن قد فهمتُ جعلت فداكَ، فزدني.
قالعليهالسلام : يا سليمان إنَّ من الامورِ اُموراً موقوفةً عند اللّه تباركَ وتعالى يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء، يا سليمانُ إنَّ علياًعليهالسلام كان يقول: العلم علمان: فعلمٌ علَّمه اللّه ملائكتهُ ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فانَّهُ يكون، ولا يكذِّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، يقدِّم منهُ ما يشاء ويؤَخِّر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاءُ ويثبتُ ما يشاء، قال سليمان للمأمون: يا أمير المؤمنين لا اُنكر بعد يومي هذا البداء ولا اُكذبُ به إن شاء اللّه.
فقال المأمون: يا سليمان سل أبا الحسن عما بدا لك، وعليك بحسنِ الاستماع والانصاف.
قال سليمان: يا سيدي أسألُك؟
قال الرضاعليهالسلام : سل عما بدا لك، قال: ما تقول فيمن جعل الارادة اسماً وصفة مثل حيٍّ وسميعٍ وبصيرٍ وقديرٍ؟ قال الرِّضاعليهالسلام : إنما قلتم حدثت الأشياءُ واختلفت لأنه شاءَ وأراد، ولم تقولوا حدثت واختلفت لأنه سميعٌ بصير، فهذا دليلٌ على أنها ليست بمثل سميع ولا بصيرٍ ولا قديرٍ.
قال سليمان: فانه لم يزل مريداً.
قالعليهالسلام : يا سليمان فارادته غيره؟ قال نعم، قالعليهالسلام : فقد أثبتَّ معه شيئاً غيره لم يزل، قال سليمان: ما أثبتُّ.
____________________
(١) القدر: ١.
قال الرضاعليهالسلام أهي محدثة؟ قال سليمان: لا ما هي محدثةٌ.
فصاح به المأمون وقال: يا سليمان مثله يعايا أو يكابر، عليك بالانصافِ، أما ترى من حولك من أهل النظر؟ ثم قال: كلِّمه يا أبا الحسن فإنه متكلّم خراسان، فأعاد عليه المسألة، فقالعليهالسلام : هي محدثة يا سليمانُ فان الشيء إذا لم يكن أزلياً كان محدثاً، وإذا لم يكن محدثاً كان أزلياً.
قال سليمان: إرادته منهُ كما أنَّ سمعه منه وبصره منه وعلمه منه.
قال الرضاعليهالسلام : فإرادته نفسه؟! قال: لا.
قالعليهالسلام فليس المريد مثل السميع والبصير، قال سليمان: إنما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه.
قال الرضاعليهالسلام : ما معنى أراد نفسه أراد أن يكون شيئاً أو أراد أن يكون حياً أو سميعاً أو بصيراً أو قديراً؟! قال نعم.
قال الرِّضاعليهالسلام : أفبارادته كان ذلك؟! قال سليمان: لا.
قال الرضاعليهالسلام : فليس لقولك: أراد أن يكون حياً سميعاً بصيراً معنىً إذا لم يكن ذلك بارادته، قال سليمان: بلى قد كان ذلك بارادته، فضحك المأمون ومن حوله وضحك الرضاعليهالسلام ، ثم قال: ارفقوا بمتكلّم خراسان، يا سليمان فقد حال عندكم عن حالةٍ وتغير عنها(١) ، وهذا مما لا يوصف اللّه عزّ وجلّ به، فانقطع.
ثم قال الرضاعليهالسلام : يا سليمان أسالك مسألةً، قال: سل جعلت فداك.
قالعليهالسلام : أخبرني عنك وعن أصحابك تكلّمون الناس بما يفقهون ويعرفون، أو بما لا يفقهون ولا يعرفون؟ قال: بل بما يفقهون ويعرفون.
قال الرضاعليهالسلام : فالَّذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة وأن المريد قبل الارادة
____________________
(١) أي لو كان ذلك أي كونه سميعاً بصيراً قديراً بارادته لتحوّل وتغير في هذه الصفات، لأَن إرادته يمكن أن لا تتعلق بها كسائر الامور، وفي البحار وفي نسخة (و) و(ن) و(د) «عن حاله وتغير عنها».
وأن الفاعل قبل المفعول وهذا يبطل قولكم: إنَّ الإرادة والمريد شيء واحد، قال: جعلت فداك ليس ذاك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون، قالعليهالسلام : فأراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفةٍ، وقلتم: الإرادةُ كالسمع والبصر إذاً كان ذلك عندكم على ما لا يعرفُ ولا يعقل.
فلم يحر جواباً.
ثم قال الرضاعليهالسلام : يا سليمان هل يعلم اللّه عزّ وجلّ جميع ما في الجنة والنار؟! قال سليمان: نعم.
قالعليهالسلام : أفيكون ما علم اللّه عزّ وجلّ أنَّه يكون من ذلك؟! قال: نعم.
قالعليهالسلام : فإذا كان حتى لا يبقى منه شيءٌ إِلا كان، أيزيدهم أو يطويه عنهم؟! قال سليمان: بل يزيدهم.
قالعليهالسلام : فأراه في قولك: قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون(١) قال: جعلت فداك والمزيد لا غاية له(٢) .
قالعليهالسلام : فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غايةُ ذلك، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، قال سليمان: إنما قلتُ: لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا لأن اللّه عزّ وجلّ وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعاً.
قال الرضاعليهالسلام : ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم وكذلك قال اللّه عزّ وجلّ في كتابه:( كلَّما نَضِجَت جُلُودُهُم
____________________
(١) قولهعليهالسلام : «أنه يكون» مبتدء مؤخر، والضمير يرجع إلى ما لم يكن، و«في علمه» خبر له مقدم، والجملة مفعول ثان لقوله: «فأراه» أي فأراه أن ما لم يكن يكون في علمه على قولك: انه يزيدهم ما لم يكن، فعلمه المتعلق الآن بما لم يكن غير الارادة لانها لم تتعلق به بعد.
(٢) في البحار وفي نسخة (د) و(ب) «فالمزيد لا غاية له» وهذا أنسب لافادة التفريع والتعليل، كانه على زعمه قال: كما أن ارادته لا تتعلق الآن بالمزيد في الدار الآخرة لا يتعلق علمه به لان المزيد لا غاية له وغير المتناهي لا يكون معلوماً، فرد عليه بتنزيهه تعالى عن عدم العلم به وان كان غير متناه.
بدَّلناهُم جُلوداً غَيرَها لِيَذوقوا العذابَ ) (١) وقال عزّ وجلّ لأهل الجنة:( عطاءً غَيرَ مَجذُوذٍ ) (٢) وقال عزّ وجلّ:( وفاكِهةٍ كَثيرةٍ* لا مَقطوعَةٍ ولا مَمنوعَةٍ ) (٣) فهو جلَّ وعزَّ يعلم ذلك ولا يقطعُ عنهم الزيادة، أَرأَيتَ ما أكَلَ أهل الجنةِ وما شربوا، أليس يُخلفُ مكانه؟! قال: بلى.
قالعليهالسلام : أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟! قال سليمان: لا.
قالعليهالسلام : فكذلك كل ما يكون فيها(٤) إذا أخلف مكانه فليس بمقطوعٍ عنهم، قال سليمان: بل يقطعه عنهم فلا يزيدهم.
قال الرضاعليهالسلام : إِذاً يبيد ما فيهما وهذا يا سليمان إبطالُ الخلودِ، وخلافُ الكتابِ، لأنَّ اللّه عزّ وجلّ يقولُ:( لهم ما يَشاءُونَ فيها وَلَدَينا مَزِيدٌ ) (٥) ، ويقول عزّ وجلّ:( عَطاءً غَيرَ مَجذُوذٍ ) (٦) ، ويقول عزّ وجلّ:( وَما هُم مِنها بِمُخرَجِينَ ) (٧) ، ويقول عزّ وجلّ:( خالِدينَ فيها أَبَداً ) (٨) ، ويقول عزّ وجلّ:( وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مقطُوعَةٍ وَلا مَمنوعَةٍ ) (٩) .
فَلم يحر جواباً.
ثم قال الرضاعليهالسلام : يا سليمان ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعلٍ؟ قال: بل هي فعل.
قالعليهالسلام : فهي محدثةٌ لأنَّ الفعل كله محدثٌ، قال: ليست بفعلٍ.
____________________
(١) النساء: ٥٦.
(٢) هود: ١٠٨.
(٣) الواقعة: ٣٣.
(٤) أي فكالجنة كل ما في النار.
(٥) ق: ٣٥.
(٦) هود: ١٠٨.
(٧) الحجر: ٤٨.
(٨) في أحد عشر موضعاً من القرآن.
(٩) الواقعة: ٣٣.
قالعليهالسلام : فمعه غيره لم يزل، قال سليمان: الإرادة هي الإنشاءُ.
قالعليهالسلام : يا سُليمان هذا الذي ادعيتموه على ضرارٍ وأَصحابه(١) من قولهم: إن كل ما خلق اللّه عزّ وجلّ في سماءٍ أو أرضٍ أو بحرٍ أو برٍّ من كلبٍ أو خنزيرٍ أو قردٍ أو إنسانٍ أو دابةٍ إرادة اللّهِ عزّ وجلّ، وَانَّ إرادة اللّهِ عزّ وجلّ تحيى وتموتُ وتذهبُ وتأكلُ وتشربُ وتنكحُ وتلد وتظلمُ وتفعلُ الفواحش وتكفُر وتُشركُ فتبرِّء منها وتعاديها وهذا حدُّها(٢) .
قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم.
قال الرضاعليهالسلام : قد رجعت إِلى هذا ثانيةً، فأخبرني عن السمع والبصر والعلم أَمصنوعٌ؟ قال سليمان: لا.
قال الرضاعليهالسلام : فكيف نفيتموه(٣) فمرَّةً قلتم لم يرد، ومرةً قلتم أَراد، وليست بمفعولٍ له؟! قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرةً عَلِمَ ومَرةً لم يعلم(٤) .
قال الرضاعليهالسلام : ليس ذلك سواء، لأن نفي المعلوم ليس بنفي العلم، ونفي المرادِ نفي الإرادةِ أن تكون، لأنَّ الشيء إذا لم يرد لم يكن إرادةٌ، وقد يكونُ العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الانسان بصيراً وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم(٥) ، قال سليمان: إنها مصنوعةٌ.
قالعليهالسلام : فهي محدثةٌ ليست كالسمع والبصر، لأنَّ السمع والبصرَ ليسا بمصنوعينِ، وهذهِ مصنوعةٌ، قال سليمان: إنها صفةٌ من صفاته لم تزل.
____________________
(١) هو ضرار بن عمرو، وهم من الجبريّة، لكن وافقوا المعتزلة في أشياء، واختصوا بأشياء منكرة.
(٢) أي فتبرء من الارادة بالمعنى الذي ذهب إليه ضرار وتعاديها، مع أن هذا الذي ذهبت إليه من أن الارادة هي الانشاء حد الارادة بالمعنى الذي ذهب إليه ضرار، وفي البحار بصيغة المتكلم مع الغير في الفعلين، وفي نسخة (و) و(ط) و(ج) «تفارقها» مكان «تعاديها».
(٣) في هامش نسخة (و) «فكيف نعتموه» والضمير المنصوب يرجع حينئذٍ إليه تعالى، وهذا أصح، وعلى سائر النسخ فالضمير يرجع الى الارادة وتذكيره باعتبار المعنى.
(٤) أي مرة وقع علمه على المعلوم الموجود، ومرة لم يقع علمه على المعلوم لكونه غير موجود، ومر نظير هذا في الحديث الاول من الباب الحادي عشر.
(٥) «لم يكن» في المواضع الاربعة تامة، «بمنزلة البصر» خبر لمبتدء محذوف، أي العلم بمنزلة البصر.
قالعليهالسلام : فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل لأنَّ صفته لم تزل، قال سليمان: لا لأنَّه لم يفعلها.
قال الرضاعليهالسلام : يا خُراساني ما أكثر غلطك، أفليس بارادته وقوله تَكَوُّنُ الأشياء؟! قال سليمان: لا.
قالعليهالسلام : فإذا لم يكن بارادته ولا مشيئته ولا أمره ولا بالمباشرة فكيف يُكَوَّن ذلك؟! تعالى اللّه عن ذلك.
فلم يحر جواباً(١) .
ثم قال الرضاعليهالسلام : ألا تخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ:( وإذا أَرَدنا أَن نُهلِكَ قَريةً أمَرنا مُترَفيها فَفَسَقوا فيها ) (٢) يعني بذلك أنه يحدثُ إرادةً؟! قال له: نعم.
قالعليهالسلام : فإذا أحدث إرادةً كان كقولكَ إنَّ الارادة هي هو أم شيءٌ منه باطلاً، لأنه لا يكون أن يحدث نفسه ولا يتغير عن حاله، تعالى اللّه عن ذلك، قال سليمان: إنه لم يكن عنى بذلك أنه يحدثه إرادةً.
قالعليهالسلام : فما عنى به، قال: عنى فعل الشيء.
قال الرضاعليهالسلام : ويلك كم ترددُ هذهِ المسألة، وقد أخبرتك أن الإرادة محدثةٌ لأن فعل الشيء محدثٌ، قال: فليس لها معنىً.
قال الرضاعليهالسلام : قد وصف نفسه عندكم حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له، فإذا لم يكن لها معنىً قديم ولا حديثٌ بطل قولكم: إن لم يزل مريداً. قال سليمان: إنما عنيتُ أنها فعل من اللّه لم يزل.
____________________
(١) أيضاح الكلام أنهعليهالسلام ألزمه على كون الارادة أزلية كون الانسان مثلاً أزلياً لان صفته أي ارادته التي بها خلق الانسان أزلية، فأجاب سليمان بأنه لا يلزم ذلك لانه فعل الانسان فهو حادث ولم يفعل الارادة فهي أزلية، فردهعليهالسلام بأن هذا غلط كسائر أغلاطك لان تكون الاشياء انما هو بارادته ولا تتخلف عن المراد بشهادة العقل والآية، فكابر سليمان فقال: لا يكون بارادته، فأفحمه بما قالعليهالسلام . فلم يحر جواباً.
(٢) الاسراء: ١٦.
قال: ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً، وحديثاً وقديماً في حالةٍ واحدةٍ؟
فلم يحر جواباً.
قال الرضاعليهالسلام : لا بأس، أَتمم مسألتكَ، قال سليمان: قلت: إنَّ الإرادة صفةٌ من صفاته.
قال الرضاعليهالسلام : كم ترددُ عليَّ أنها صفةٌ من صفاته، وصفته محدثةٌ أو لم تزل؟! قال سليمان: محدثة.
قال الرضاعليهالسلام : اللّه أكبر، فالإرادةُ محدثةٌ وإن كانت صفةً من صفاته لم تزل.
فلم يرد شيئاً(١) .
قال الرضاعليهالسلام : إنَّ ما لم يزل لا يكونُ مفعولاً، قال سليمان: ليس الأشياء إرادةً ولم يرد شيئاً(٢) .
قال الرضاعليهالسلام : وسوست يا سليمان، فقد فعل وخلق ما لم يرد خلقه ولا فعله، وهذه صفةُ من لا يدري ما فعل، تعالى اللّه عن ذلك.
قال سليمان: يا سيدي قد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم.
قال المأمون: ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والترددّ، اقطع هذا وخذ في غيره إذ لست تقوى على هذا الردِّ، قال الرضاعليهالسلام : دعه يا أمير المؤمنين، لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حجة، تكلم يا سليمان، قال: قد أخبرتك أنَّها كالسمع والبصر والعلم.
قال الرضاعليهالسلام : لا بأس، أخبرني عن معنى هذه أمعنى واحدٌ أم معانٍ مختلفةٌ؟! قال سليمان: بل معنى واحدٌ.
قال الرضاعليهالسلام : فما معنى الإرادات كلها معنى واحدٌ؟ قال سليمان: نعم.
قال الرضاعليهالسلام : فإن كان معناها معنىً واحداً كانت إرادةُ القيام وإرادة القعود
____________________
(١) لان العالم حادث والارادة أزلية والتخلف ممتنع، وقوله: «ان ما لم يزل - الخ» تعليل به باللازم.
(٢) أي لا أقول بقول ضرار ولا بقولكم، بل له ارادة غير متعلقة بشيء أو ليست له ارادة راساً.
وإرادة الحياةِ وإرادةُ الموتِ إذا كانت إرادته واحدةً(١) لم يتقدم بعضها بعضاً، ولم يخالف بعضها بعضاً، وكانَ شيئاً واحداً(٢) ، قال سليمانُ: إن معناها مختلف.
قالعليهالسلام فأخبرني عن المريد أهو الإرادةُ أو غيرها؟! قال سليمان: بل هو الإرادة.
قال الرضاعليهالسلام : فالمريد عندكم يختلف إن كان هو الإرادة؟ قال: يا سيدي ليس الإرادة المريد.
قالعليهالسلام : فالإرادةُ محدثةٌ، وإلا فمعه غيره، إفهم وزد في مسألتكَ.
قال سليمان: فانَّها اسم من أسمائه.
قال الرضاعليهالسلام : هل سمى نفسه بذلك؟ قال سليمان: لا لم يسمِّ نفسه بذلك.
قال الرِّضاعليهالسلام : فليس لك أن تسميه بما لم يسمِّ به نفسهُ، قال: قد وصف نفسه بأنَّه مريدٌ.
قال الرِّضاعليهالسلام : ليس صفته نفسه أنه مريد إخباراً عن أنَّه إرادةٌ ولا إخباراً عن أنَّ الإرادة اسمٌ من أسمائه، قال سليمان: لأنَّ إرادته علمه.
قال الرِّضاعليهالسلام : يا جاهل فإذا علم الشيء فقد أراده؟ قال سليمان: أجل.
قالعليهالسلام : فإذا لم يرده لم يعلمه، قال سليمان: أجل.
قالعليهالسلام : من أين قلت ذاك، وما الدليل على أن إرادته علمه؟ وقد يعلم ما لا يريدهُ أبداً، وذلك قوله عزّ وجلّ:( وَلَئِن شِئنا لَنَذهبنَّ بِالَّذي أَوحَينا إلَيكَ ) (٣) ، فهو يعلمُ كيف يذهبُ به وهو لا يذهب به أبداً، قال سليمان: لأنه قد فرغَ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً.
____________________
(١) هذه الجملة تأكيد للشرط بلفظ آخر وقعت بين اسم كانت وخبرها: وفي نسخة (ط) و(ن) «إذا كانت ارادة واحدة» وفي نسخة (و) «إذ كانت ارادته واحدة» وفي البحار: «فان كان معناها معنى واحداً كانت ارادة القيام ارادة القعود، وارادة الحياة ارادة الموت، إذ كانت ارادته واحدة لم يتقدم بعضها بعضاً - الخ» وهذا أحسن.
(٢) أي كان المراد شيئاً واحداً، وفي نسخة (و) و(ط) و(ن) «وكانت شيئاً واحداً».
(٣) الاسراء: ٨٦.
قال الرَّضاعليهالسلام : هذا قول اليهودِ فكيف قال عزّ وجلّ:( ادعُوني أَستَجِب لَكُم ) (١) قال سليمان: إنَّما عنى بذلك أنَّه قادر عليه.
قالعليهالسلام : أفيعد ما لا يفي به؟! فكيف قال عزّ وجلّ:( يَزِيدُ في الخَلقِ ما يَشاء ) (٢) ، وقال عزّ وجلّ:( يَمحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثبتُ وعِندهُ اُمُّ الكِتابِ ) (٣) ، وقد فرغ من الأمر.
فلم يحر جواباً.
قال الرضاعليهالسلام : يا سليمان هل يعلم أنَّ إنساناً يكون ولا يريد أن يخلق إنساناً أبداً، وأنَّ إنساناً يموت اليوم ولا يريد أن يموت اليوم؟ قال سليمان: نعم.
قال الرَّضاعليهالسلام فيعلم أنه يكون ما يريد أن يكون، أو يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون؟! قال: يعلم أنَّهما يكونان جميعاً.
قال الرضاعليهالسلام : إذن يعلم أن إنساناً حي، ميِّت، قائم، قاعد، أعمى، بصير في حالٍ واحدةٍ، وهذا هو المحال، قال: جعلت فداك فانَّه يعلم أنه يكون أحدهما دون الآخر.
قالعليهالسلام : لا بأس، فأيهما يكون، الذي أراد أن يكون أو الذي لم يرد أن يكون؟
فضحك الرضاعليهالسلام ، والمأمون، وأصحاب المقالات.
قال الرضاعليهالسلام : غلطت وتركت قولك: إنه يعلم أن إنساناً يموت اليوم، وهو لا يريد أن يموتَ اليوم، وَأنه يخلق خلقاً وهو لا يريدُ أن يخلقهم، فإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون، فإنما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون(٤) .
____________________
(١) المؤمن: ٦٠.
(٢) فاطر: ١.
(٣) الرعد: ٣٩.
(٤) حاصل الكلام من قولهعليهالسلام : يا سليمان هل يعلم أن انساناً يكون إلى هنا أنه هل يتعلق علمه تعالى بنسبة قضية ولا يتعلق ارادته بها، فأقر سليمان بذلك، فثبت مطلوبهعليهالسلام الذي هو عدم اتحادهما، لكنه أقر بالحق في غير موضعه من حيث لا يشعر (كأنه اختبط واختلط من كثرة الحجاج في المجلس) لان المثالين مجمعهما، إذ علمه تعالى بموت إنسان يستلزم ارادته، وبكون انسان يستلزم إرادة يستلزم إرادة خلقه، ومورد التخلف الامثلة التي ذكرهاعليهالسلام من قبل، ثم أرادعليهالسلام أن ينبهه على غلطه فقال: فيعلم أنه يكون ما يريد - الخ، والقسمة لعلمه بكون ما يريد وما لا يريد تقتضي صوراً أربعاً: يعلم أنه يكون ما يريد أن يكون فقط، يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون فقط، يعلمهما جميعاً، لا يعلمهما، والصورة الثانية هي ما ينطبق عليه المثالان، والاخيرة محال، والثالثة محال أيضاً لما قالعليهالسلام : اذن يعلم أن انساناً حي ميت - الخ، ومنطبقة المثالين أيضاً محال لما قلنا، وسليمان بصرافة فطرته تركها واختار الصورة الاولى حيث قال: «الذي أراد أن يكون» بعد أن قال: «لا باس فأيهما يكون - الخ».
قال سليمان: فانما قولي: إن الإرادة ليست هو ولا غيره.
قال الرضاعليهالسلام : يا جاهل إذا قلت: ليست هو، فقد جعلتها غيره، وإذا قلت: ليست هي غيره فقد جعلتها هو، قال سليمان: فهو يعلم كيف يصنع الشيء؟
قالعليهالسلام : نعم؟ قال سليمان: فإن ذلك إثبات للشيء(١) .
قال الرضاعليهالسلام : أحلت لأنَّ الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن، ويحسن الخياطة وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشيء وإن لم يصنعه أبداً، ثم قالعليهالسلام له: يا سليمان هل يعلم أنه واحد لا شيء معه؟! قال: نعم.
قالعليهالسلام : أفيكون ذلك إثباتاً للشيء؟! قال سليمان: ليس يعلم أنه واحدٌ لا شيء معه.
قال الرضاعليهالسلام أفتعلم أنت ذاك؟! قال: نعم.
قالعليهالسلام : فأنت يا سليمان أعلم منه إذاً، قال سليمانُ: المسألة محالٌ.
قالعليهالسلام : محال عندكَ أنه واحدٌ لا شيء معه، وأنَّه سميعٌ، بصيرٌ، حكيمٌ، عليمٌ، قادرٌ؟! قال: نعم.
قالعليهالسلام : فكيف أخبر اللّه عزّ وجلّ أنه واحدٌ حي، سميعٌ، بصيرٌ، عليمٌ، خبيرٌ، وهو لا يعلم ذلك؟! وهذا ردُّ ما قال وتكذيبهُ، تعالى اللّه عن ذلك.
ثمَّ قال الرضاعليهالسلام : فكيف يريد صنع ما لا يدري صنعه ولا ما هو ؟! وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فانَّما هو متحير، تعالى اللّه عن ذلك.
____________________
(١) المعنى، فان ذلك إثبات للشيء معه في الازل، وذلك ظناً منه أن العلم بالمصنوع يستلزم وجوده، فأجابعليهالسلام بالفرق بين العلم والارادة بالامثلة، فان العلم لا يستلزم المعلوم بخلاف الارادة فانها تستلزم المراد، وقوله: «يحسن» في المواضع الثلاثة من الاحسان بمعنى العلم.
قال سليمان: فإنَّ الإرادة القدرةُ.
قال الرِّضاعليهالسلام : وهو عزّ وجلّ يقدر على ما لا يريده أبداً، ولا بدَّ من ذلك لأنَّه قال تباركَ وتعالى:( وَلَئِن شِئنا لَنَذهَبنَّ بِالَّذِي أَوحينا إليكَ ) (١) ، فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته، فانقطع سليمان.
قال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشمي. ثم تفرق القومُ.
____________________
(١) الاسراء: ٨٦.
الملحق الرابع(١) : رسالة الامام علي بن محمد الهاديعليهالسلام في الجبر و.
التفويض وبيان معنى الامر بين الامرين
روي عن الامام أبي الحسن علي بن محمد الهاديعليهالسلام (في الرد على أهل الجبر والتفويض وإثباتِ العدل والمنزلةِ بين المنزلتين) انَّه أجاب:
من علي بن محمدِ، سلامٌ عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة اللّه وبركاته، فإنه ورد عليَّ كتابكم(٢) ، وفهمتُ ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم، وخوضكم في القدر ومقالةِ من يقول منكم بالجبر، ومن يقول بالتفويض، وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم، وفهمت ذلك كله.
اعلموا رحمكم اللّه أنّا نظرنا في الآثار، وكثرة ما جاءت به الأخبارُ، فوجدناها عند جميع من ينتحل الإسلام ممن يعقل عن اللّه جلّ وعزّ لا تخلو من معنيين: إمّا حق فيتبع، وإما باطلٌ فيجتنبُ، وقد اجتمعت الاُمّة قاطبةً لا اختلافَ بينهم أنَّ القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتابِ وتحقيقه، مصيبون مهتدون وذلك بقول رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تجتمع اُمتي على ضلالةٍ» فأخبر أنَّ جميع ما اجتمعت عليه الامّةُ كلها حقٌ، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضاً. والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه: فإذا شهد القرآن بتصديق خبرٍ وتحقيقه، وأنكر الخبر طائفةٌ
____________________
(١) نقل نص الحديث عن تحف العقول للحراني، ص: ٤٥٨ - ٤٧٥ بتحقيق: علي أكبر الغفاري، وما ذكر في الحاشية من شروح يعود لمحقق الكتاب.
(٢) رواها الطبرسي في الاحتجاج مجملاً تحت عنوان رسالتهعليهالسلام إلى أهل الاهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض.
من الاُمّةِ لزمهم الإِقرار به ضرورةً حين اجتمعت في الأصلِ على تصديقِ الكتاب، فإن (هي) جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملَّةِ.
فأوَّل خبرٍ يعرفُ تحقيقهُ من الكتاب وتصديقه والتماسُ شهادته عليه خبر ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفه أقاويلهم حيث قال: «إنِّي مخلفٌ فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي - أهل بيتي - لن تضلّوا ما تمسكتم بهما وإنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوضَ»، فلما وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب اللّه نصاً مثل قوله جلّ وعزّ:( إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ والّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمونَ الصلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُم راكِعُونَ* وَمَن يَتَوَلَّ اللّه وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حَزبَ هُمُ الغالِبُونَ ) (١) ، وروت العامة في ذلك أخباراً لأمير المؤمنينعليهالسلام أنَّه تَصَدقَ بخاتمه وهو راكعٌ، فشكر اللّه ذلك له، وأنزل الآية فيه. فوجدنا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أتى بقوله: «من كنتُ مولاه فعلي مولاه» وبقوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا إِنه لا نبي بعدي»، ووجدناه يقول: «علي يقضي ديني، وينجز موعدي، وهو خليفتي عليكم من بعدي».
فالخبر الأوَّل الذي استنبطت منه هذه الأخبار خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم، وهو أيضاً موافقٌ للكتاب، فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر وهذه الشواهد الاخر لزم على الامَّةِ الإقرارُ بها ضرورةً، إذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقةٌ، ووافقتِ القرآن والقرآن وافقها. ثم وردت حقائق الأخبار من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الصادقينعليهماالسلام ونقلها قوم ثقات معروفون، فصار الاقتداء بهذه الأخبار فرضاً واجباً على كل مؤمن ومؤمنة لا يتعداه إلا أهل العناد. وذلك أنَّ أقاويل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم متصلةٌ بقول اللّه، وذلك مثل قوله في محكم كتابه:( إنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ في
____________________________
(١) المائدة: ٥٥ - ٥٦.
الدُّنيا وَالآخِرَةَ وَأعَدَّ لَهُم عَذاباً مُهيناً ) (١) ، ووجدنا نظير هذه الآية قول رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من آذى علياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه، ومن آذى اللّه يوشك أن ينتقم منه»، وكذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أحب علياً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب اللّه»، ومثل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بني وليعةَ: «لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي، يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، قم يا علي فسر إليهم»(٢) . وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يوم خيبر: «لأبعثنَّ إليهم غداً رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، كراراً غير فرارٍ، لا يرجع حتّى يفتح اللّه عليه» فقضى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالفتح قبل التوجيه، فاستشرف لكلامه أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما كان من الغد دعا علياًعليهالسلام ، فبعثه إليهم فاصطفاه بهذه المنقبة(٣) ، وسماه كراراً غير فرارٍ، فسماه اللّه محباً للّه ولرسوله، فأخبر أنَّ اللّه ورسوله يحبانه.
وإنّما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلاً على ما أردنا وقوةً لما نحن مبينوه من أمر الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين وباللّه العون والقوة، وعليه نتوكل في جميع أمورنا، فإنّا نبدأ من ذلك بقول الصادقعليهالسلام : «لا جبر ولا تفويض ولكن منزلةٌ بين المنزلتين وهي صحةُ الخلقة، وتخلية السرب(٤) ، والمهلة في الوقت والزاد مثل الراحلة، والسبب المهيج للفاعل على فعله»، فهذه خمسة أشياء جمع به الصادقعليهالسلام جوامع الفضل، فإذا نقص العبد منها خلَّةً كان العمل عنه مطروحاً بحسبه، فأخبر الصادقعليهالسلام بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته، ونطق الكتابُ بتصديقه، فشهد بذلك محكمات آيات رسوله، لأنَّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وآلهعليهمالسلام لا يعدون شيئاً من قوله، وأقاويلهم حدود القرآن، فإذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التنزيل، فوجد لها موافقاً، وعليها دليلاً
____________________
(١) الاحزاب: ٥٧.
(٢) بنو وليعة - كسفينة -: حي من كندة. وقد مضى هذه القضية أيضاً في احتجاجات الامام الرضاعليهالسلام في الاصطفاء مع العلماء في مجلس المأمون.
(٣) في بعض النسخ (بهذه الصفة).
(٤) السرب - بالفتح -: الطريق والصدر. - وبالكسر - أيضاً: الطريق والقلب. - وبالتحريك -: الماء السائل. وسيأتي بيان هذه الخمسة عن الامامعليهالسلام بعد شرح الجبر والتفويض وانهما خلاف العدل والعقل.
كان الاقتداء بها فرضاً لا يتعداه إلا أهل العناد كما ذكرنا في أوَّل الكتابِ. ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادقعليهالسلام من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره الجبر والتفويض، وجدنا الكتاب قد شهد له، وصدق مقالته في هذا، وخبر عنه أيضاً موافقٌ لهذا، أن الصادقعليهالسلام سئل هل أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ فقال الصادقعليهالسلام : هو أعدلُ من ذلك. فقيل له: فهل فوض إليهم؟ فقالعليهالسلام : هو أعز وأقهر لهم من ذلك.
وروي عنه أنه قال: الناس في القدر على ثلاثةِ أوجهٍ: رجل يزعم أنَّ الأمر مفوضٌ إليه، فقد وهن اللّه في سلطانه، فهو هالكٌ. ورجل يزعم أن اللّه جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي، وكلَّفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم اللّه في حكمه، فهو هالكٌ، ورجل يزعم أنَّ اللّه كلَّف العباد ما يطيقونَ، ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد اللّه، وإذا أساء استغفر اللّه، فهذا مسلمٌ بالغٌ، فأخبرعليهالسلام أنَّ من تقلَّد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلافِ الحقِّ، فقد شرحتُ الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ، وأنَّ الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل، فصارتِ المنزلةُ بين المنزلتينِ بينهما.
ثم قالعليهالسلام : وأضربُ لِكلِّ بابٍ من هذه الأبواب مثلاً يقرِّب المعنى للطالب، ويسهل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آياتِ الكتابِ، وتحقق تصديقه عند ذوي الألبابِ، وباللّه التوفيق والعصمةُ.
فأمّا الجبر الذي يلزمُ من دان به الخطأُ فهو قول من زعم ان اللّه جل وعزَّ أجبر العباد على المعاصي، وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم اللّه في حكمه، وكذَّبه وردَّ عليه قوله:( وَلا يظلِمُ رَبُّكَ أحَداً ) (١) ، وقوله:( ذلِكَ بِما قَدَّمَت يَداكَ وَأَنَّ اللّه لَيسَ بِظَلامٍ للعبيدِ ) (٢) . وقوله:( إنَّ اللّه لا يَظلِمُ النّاسَ شَيئاً وَلكِنَّ النّاسَ أنفُسَهُم يَظلِمُون ) (٣) .
____________________
(١) الكهف: ٤٩.
(٢) الحج: ١٠.
(٣) يونس: ٤٤.
مع آي كثيرةٍ في ذكرِ هذا. فمن زعم أنَّه مجبرٌ على المعاصي فقد أحال بذنبه على اللّه، وقد ظلمهُ في عقوبته. ومن ظلم اللّه فقد كذَّبَ كتابه. ومن كذَّبَ كِتابهُ فقد لزمه الكفرُ باجتماع الاُمَّةِ. ومثل ذلك مثل رجلٍ ملك عبداً مملوكاً لا يملكُ نفسه، ولا يملك عرضاً من عرض الدُّنيا، ويَعلم مولاه ذلك منهُ فأَمَرَه على علم منه بالمصير الى السوقِ لحاجةٍ يأتيه بها، ولم يُملِّكه ثمن ما يأتيه به من حاجته وعلم المالك أنَّ على الحاجة رقيباً لا يطمع أحدٌ في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثَّمَن، وقد وصفَ مالكُ هذا العبد نفسهُ بالعدل والنصفةِ وإظهارِ الحكمةِ ونفي الجور، وأَوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه، وعلم أنَّ المملوك لا يملكُ ثمنها، ولم يملكه ذلك، فلما صار العبد إلى السوق، وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها، وجد عليها مانعاً منها إلا بشراءٍ، وليس يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاهُ خائباً بغير قضاءِ حاجته، فاغتاظ مولاه من ذلك، وعاقبه عليه، أليس يجب في عدله وحكمه أن لا يعاقبه، وهو يعلم أنَّ عبدهُ لا يملك عرضاً من عروضِ الدُّنيا، ولم يملّكه ثمن حاجته؟ فإن عاقبه عاقبه ظالماً متعدِّياً عليه، مبطلاً لما وصف من عدله وحكمته ونَصِفَتِه، وإن لم يعاقبه كذَّب نفسه في وعيده إيّاه حين أوعده بالكذبِ والظلمِ اللذين ينفيان العدل والحكمة، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظَلَّم اللّهَ، ونسبه العقوبة، ومن زعم أنَّ اللّه إلى الجور والعدوان، إذ أوجب على من أجبر فقد أوجب على قياس قوله (هُ) أجبر العباد إنَّ اللّه يدفع عنهم العقوبةَ، ومن زعم أنَّ اللّهَ يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذَّبَ اللّه في وعيده حيث يقولُ:( بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحاطَت بِه خَطيئتُهُ فأولئكَ أصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدُونَ ) (١) ، وقوله:( إنَّ الَّذينَ يأكُلونَ أموالَ الَيتامى ظُلماً إنَّما يأكُلونَ في بُطُونِهِم ناراً وَسَيَصلَونَ سَعيراً ) (٢) ، وقوله:
____________________
(١) البقرة، ٨١.
(٢) النساء: ١٠.
( إنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوفَ نُصليهِم ناراً كُلَّما نَضِجت جُلوُدُهُم بَدَّلناهُم جُلُوداً غَيرَها لِيذُوقوا العَذابَ إنَّ اللّه كانَ عَزِيزاً حَكيماً ) (١) ، مَعَ آي كثيرةٍ في هذا الفنِّ ممن كذَّب وَعيد اللّهِ ويلزَمُهُ في تكذيبه آيةً من كتابِ اللّه الكفرُ وهو ممن قال اللّهُ:( أفتؤمنونَ ببعضِ الكِتابِ وَتَكفُرُونَ بِبعضٍ فَما جَزاءُ من يَفعل ذلِكَ مِنكُم إلا خِزيٌ فِي الحَيوةِ الدُّنيا وَيَوم الَقيمَةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ العذابِ وَمَا اللّهُ بغافِلٍ عَمّا تَعمَلُون ) (٢) بَل نقول: إن اللّه جلّ وعزّ جازى العباد على أعمالهم، ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملَّكهم إيّاها، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه:( مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أمثالِها وَمَن جاءَ بالسَّيِّئةِ فَلا يُجزى إلا مِثلها وَهُم لا يُظلمونَ ) (٣) ، وقال جلّ ذكره:( يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت مِن خَيرٍ مُحضَراً ومَا عَمِلت مِن سُوءٍ تَودُّ لو أنَّ بَينَها وَبَينَهُ أمَداً بَعيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفسهُ ) (٤) وقال:( اليومَ تُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت لا ظُلمَ اليومَ ) (٥) .
فهذه آياتٌ محكماتٌ تنفي الجبر ومن دانَ بِه، ومثلها فِي القُرآنِ كثيرٌ، اختصرنا ذلك لئلا يطُول الكِتابُ، وَبِاللّهِ التَّوفيقُ.
وأمّا التفويضُ الَّذي أبطَلَهُ الصادقعليهالسلام ، وأَخطَأَ(٦) من دانَ به وتقلَّدهُ فهو قَولُ القائِلِ: إنَّ اللّه جلَّ ذكره فوَّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم، وفي هذا كلامٌ دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودِقَّته، وإلى هذا ذهبت الأئِمَّةُ المهتديةُ من عترةِ الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فانَّهم قالوا: لو فوَّض إليهم على جهةِ الاهمال لكان لازماً له رضا ما اختاروه واستوجبوا
____________________
(١) النساء: ٥٦.
(٢) البقرة: ٨٥.
(٣) الأنعام: ١٦٠.
(٤) آل عمران: ٣٠.
(٥) المؤمن: ١٧.
(٦) في بعض النسخ (وخطأ).
منهُ الثوابَ(١) ، ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمالُ واقعاً، وتنصرفُ هذه المقالةُ على معنيين: إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول إختيارهم بآرائهم ضرورة كَره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهنُ، أو يكون جلّ وعزّ عجز عن تَعبُّدهِم بالأمر والنهي على إرادته كرهوا أو أحبوا، ففوض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بإرادته فجعل الاختيار اليهم في الكفر والإيمان، ومثل ذلك مثل رجلٍ ملك عبداً ابتاعهُ ليخدمه، ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه، وادّعى مالك العبد أنَّه قاهرٌ، عزيز، حَكيمٌ، فَأمر عبده ونهاه، ووعده على اتباع أمره عظيم الثوابِ، وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبدُ إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمرٍ أمرهُ أو أيَّ نهي نهاه عنه لم يأته على إرادةِ المولى، بل كان العبد يتَّبعُ إرادة نفسه واتباع هواه، ولا يطيقُ المولى أن يردَّهُ إلى اتِّباع أمره ونهيه، والوقوف على إرادته، ففوض اختيار أمره ونهيه إليه، ورضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادةِ المالك، وبعثه في بعض حوائجه، وسمى له الحاجة، فخالف على مولاه، وقصد لارادةِ نفسه واتَّبع هواهُ، فلمّا رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به، فإذا هو خلافُ ما أمره به، فقال له: لم أتيتني بخلافِ ما أمرتكَ؟ فقال العبدُ: اتكلت على تفويضك الأمر إليَّ، فاتبعتُ هواي وإرادتي، لانَّ المفوَّضَ إليه غير محظورٍ عليه، فاستحال التفويضُ.
أو ليس يجب على هذا السبب إمّا أن يكون المالكُ للعبدِ قادراً يأمر عبده باتباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد، ويملّكه من الطّاقة بقدرِ ما يأمره به وينهاه عنه، فإذا أمره بأمرٍ ونهاه عن نهي عرَّفه الثواب والعقاب عليهما، وحذَّره ورغَّبه بصفة ثوابه وعقابه، ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملّكَهُ من الطاقة(٢) لامرِه ونهيه وترغيبه وترهيبه، فيكون عدله وإنصافه شاملاً له، وحجته واضحةً عليه للإعذار والإنذار، فإذا اتبَّع العبدُ
____________________
(١) في بعض النسخ (به الثواب).
(٢) في بعض النسخ (من الطاعة).
أمر مولاه جازاه، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبهُ، أو يكون عاجزاً غير قادرِ ففوّض أمره إليه أحسن أم أساء، أطاع أم عصى، عاجز عن عقوبته وردِّه إلى اتباع أمره. وفي إثباتِ العجز نفي القدرة والتَّأَلُّهِ، وإبطال الامر والنهي والثواب والعقاب، ومخالفةُ الكتاب إذا يقول:( وَلا يَرضى لِعبادهِ الكُفر وإن تَشكُروا يرضَهُ لَكُم ) (١) ، وقوله عزّ وجلّ:( اتقُوا اللّهَ حَقَّ تقُاتهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنتُم مُسلِمونَ ) (٢) ، وقوله:( وَما خَلَقتُ الجِنَّ والإِنس إِلا لِيَعبُدونِ* ما أُريدُ مِنهُم مِن رِزقٍ وَما أُريدُ أن يُطعمُونِ ) (٣) ، وقوله:( واُعبُدُوا اللّهَ وَلا تُشركوا بِه شَيئاً ) (٤) ، وقوله:( أَطيعُوا اللّه (وَرَسولَهُ) وَلا تَوَلَّوا عَنهُ وَأَنتُم تَسمَعُونَ ) (٥) .
فمن زعم انَّ اللّه تعالى فوَّض أمرهُ ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليهِ العجز وأوجب عليه قبول كلِّ ما عملوا من خير وشر، وأبطل أمر اللّه ونهيه ووعدَه ووعيده، لعلَّةِ ما زعم أن اللّه فوضها إليه، لأنَّ المفوَّض إليه يعمل بمشئيته، فإن شاء الكفر أو الايمان كان غير مردودٍ عليه ولا محظورٍ، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده، وأَمره ونهيه، وهو من أهل هذه الآية( أفَتُؤمِنُونَ بِبِعضِ الكِتابِ وَتَكفُرُونَ بِبعضٍ فَما جَزاءُ مَن يفعلُ ذلِكَ مِنكُم إلا خزيٌ فِي الحيوةِ الدُّنيا ويَومَ القيامَةِ يُردُّون إلى أشدِّ العَذابِ وَما اللّهُ بِغافِلٍ عَما تَعمَلونَ ) (٦) ، تعالى اللّه عما يَدِينُ به أهل التفويضِ علواً كبيراً.
لكن نقُولُ: إنَّ اللّه جلَّ وعزَّ خلق الخلق بقدرته، وملَّكهم استطاعةً تعبّدهُم بها،
____________________
(١) الزمر: ٧.
(٢) آل عمران: ١٠٢.
(٣) الذاريات: ٥٦ - ٥٧.
(٤) النساء: ٣٦.
(٥) الانفال: ٢٠ وفي المصدر بدل (ورسوله): وأطيعوا الرسول وهو اشتباه على الظاهر.
(٦) البقرة: ٨٦.
فأَمَرَهُم ونهاهم بما أراد(١) ، فَقَبِلَ منهم اتِّباع أمره، ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته، وذم من عصاه وعاقبه عليها، وللّهِ الخيرةُ في الامر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به، وينهى عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه، لأنه ظاهر العدل والنَّصَفة والحكمة البالغة، بالغ الحجةَ بالاعذار والانذار، وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته، واحتجاجه على عباده، اصطفى محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعثه برسالاته الى خلقه، فقال من قال من كفّار قومه حسداً واستكباراً:( لَو لا نُزِّلَ هذَا القُرءانُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَريَتَينِ عَظيم ) (٢) يعني اُمية بن أبي الصلت وأبا مسعودٍ الثقفيَّ(٣) ، فأبطلَ اللّه اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم، حيث يقول:
____________________
(١) في الاحتجاج (وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الامر والنهي).
(٢) الزخرف٣١. وقال الطبرسي في تفسيره: «يعنون بالقريتين مكة والطائف وتقدير الآية على رجل عظيم من القريتين أي من إحدى القريتين فحذف المضاف».
(٣) وكذا في الاحتجاج ولكن الظاهر أن المراد بالرجل العظيم هو الذي كان من إحدى القريتين كالوليد بن المغيرة من مكة، وأبي مسعود الثقفي من الطائف كما في التفسير، فليس أمية بن أبي الصلت وأبو مسعود الثقفي من القريتين لانهما كانا من أهل الطائف، فيكون كلاهما مثالاً للرجل العظيم الذي كان من إحدى القريتين أي الطائف، لا من القريتين يعني مكة والطائف. فعلى أي نحو كان فالرجلان كانا عظيمي القدر عند قومهما وذوي الاموال الجسيمة فيهما فزعموا أن من كان كذلك أولى بالنبوة من غيره. وكان الوليد بن المغيرة عمّ أبي جهل كان شيخاً كبيراً مجرباً من دهاة العرب، يتحاكمون إليه في الامور، وينشدونه الاشعار، فما اختاره من الشعر كان مختاراً، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار أي جلد ثور مملوّ ذهباً. كان الوليد أحد المستهزئين الخمسة الذين كفى اللّه شرهم، وهو الذي جاء قريش عنده فقالوا له: يا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد أسحر أم كهانة أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه فدنا من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو جالس في الحجر، فقال: يا محمد أنشدني شعرك؟ فقال: ما هو بشعر ولكنه كلام اللّه الذي به بعث أنبياءه ورسله، فقال: اتل، فقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم. فلما سمع الرحمن استهزأ منه وقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمّى الرّحمن، قال: لا ولكني ادعو إلى اللّه وهو الرّحمن الرّحيم، ثم افتتح حم السجدة فلمّا بلغ إلى قوله:( فَإن أعرَضوا فقل أنذرتكم صاعقةً مثلَ صاعِقةِ عادٍ وثمود ) وسمعه اقشعرّ جلده، وقامت كل شعرة في بدنه، وقام ومشى إلي بيته ولم يرجع إلى قريش، فقيل: صبا عبد شمس إلى دين محمد، فاغتمت قريش وغدا عليه أبو جهل فقال: فضحتنا يا عم، قال: يا ابن أخ ما ذاك واني على دين قومي ولكني سمعت كلاماً صعباً تقشعرّ منه الجلود، قال: أَفَشعر هو؟ قال: ما هو بشعر. قال: فخطب؟ قال: لا، ان الخُطبَ كلام متصل وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضاً له طلاوة، قال: فكهانة هو؟ قال: لا، قال: فما هو؟ قال: دعني أفكر فيه، فلما كان من العد، قالوا: يا عبد شمس ما تقول؟ قال قولوا: هو سحر فانه أخذ بقلوب الناس فأنزل اللّه تعالى: (ذَرني وَمن خلقتُ وحيداً - إلى قوله -: عليها تسعة عشر). وجاء يوماً إلىرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: اقرأ عليّ، فقال: (إن اللّه يأمر بالعدلِ والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، فقال: أعد؟ فأعاد، فقال: واللّه له الحلاوة والطلاوة وإن اعلاه لمثمر وإن أسفله لمعذق وماهذا بقول بشر. وأما امّية بن أبي الصلت الثقفي كان من أهل الطائف وكان من أكبر شعراء الجاهلية وأغلب شعره متعلّق بالآخرة، وكان ينظر في الكتب المتقدمة ويقرؤها، وحرم الخمر وشك في الاوثان ورغب عن عبادتها، والتمس الدين، وأخبر أن نبياً يخرج. قد أظل زمانه وكان يؤمّل أن يكون ذلك النبي فلما بعث النبي وبلغ خبره كفر به حسداً وقال: كنت أرجو أن اكونه. كان ابوه عبيد اللّه بن ربيعة المكنّى بأبي الصلت وأمه رقية بنت عبد الشمس. مات في الطائف، وممّا قال في مرض موته:
____________________
كل عيش وإن تطاول دهراً |
منتهى أمره إلى أن يزولا |
|
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي |
في رؤوس الجبال أرعى الوعولا |
وروي أنه استنشد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اخته شعره من بعد موته فأنشدته:
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا |
ولا شيء أعلى منك جداً وأمجداً |
وهي قصيدة طويلة حتى أتت على آخرها، ثم أنشدته قصيدته التي فيها:
وقف الناس للحساب جميعاً |
فشقيّ معذب وسعيد |
إلى غير ذلك فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : آمَن شعره وكفر قلبه. وأنزل فيه (واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناهُ آياتنا فانسَلخَ مِنها فأتبعه الشيطانُ فكانَ من الغاوينَ* ولَو شئنا لرفعناه بِها ولكِنه أخلدَ إلي الأرِضِ واتَّبع هواهُ فمثلُه كَمَثلِ الكلبِ إن تحمل عليه يلَهث أو تتركه يَلهَث ذلكَ مَثلَ القوم الذين كذبوا بآياتنا - إلى قوله -: وأنفسهم كانوا يظلمون).
وأبو مسعود هو عروة بن مسعود الثقفي كان من أهل الطائف وأحد السادة الاربعة في الاسلام: «بشر بن هلال العبدي، عدي بن حاتم الطائي، سراقة بن مالك المدلجي، عروة بن مسعود الثقفي».
كان أبو مسعود عاقلاً لبيباً، وهو الذي أرسلته قريش يوم الحديبية، فعقد معه الصلح وهو كافر، ثم أسلم سنة تسع من الهجرة بعد رجوع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الطائف، واستأذن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الرجوع الى قومه، فقال: انّي أخاف أن يقتلوك، فقال: ان وجدوني نائماً ما أيقظوني، فأذن له رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فرجع الى الطائف ودعا قومه الى الاسلام ونصح لهم فعصوه واسمعوه الأذى، حتى إذا طلع الفجر قام في غرفة من داره فأذن وتشهد فرماه رجل بسهم فقتله، ولما بلغ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قتله قال: مَثَلُ عروة مثل صاحب يس دعا قومه الى اللّه فقتلوه، وهو جدّ أعلى لعليّ بن الحسينعليهماالسلام المقتول بكربلا من قِبل امّه، كان امّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي. وهو الذي روى عنه تعظيم الصحابة للنبي حين رجع من عند النبي الى أصحابه يوم الحديبية، فقال: يا قوم لقد وفدتُ على الملوك وفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي واللّه ان رأيت ملكاً قط يعظّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كانوا يقتتلون على وضوئه، واذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له.
( أهُم يَقسِمُونَ رَحمَتَ رَبِّكَ نَحنُ قَسَمنا بَينُهم مَعيشَتَهُم في الحَيوةِ الدُّنيا وَرَفَعنَا بَعضهُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ لِيتَّخِذ بَعضُهُم بَعضاً سُخريّاً ورَحمتُ ربِّكَ خَيرٌ مِمّا يَجمعُون ) (١) .
ولذلك اختار مَن الامور ما أحب ونهى عما كره، فمن أطاعه أثابه، ومن عصاه
____________________
(١) الزخرف: ٣٢.
عاقبهُ، ولو فوض اختيار امره إلى عباده لأجاز لقريشٍ اختيار أميةَ بن أبي الصلت وأبي مسعودٍ الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمدٍصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فلما أدَّب اللّه المؤمنين بقوله:( وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمراً أن يَكُونَ لَهُمُ الخِيرةُ مِن أمرِهِم ) (١) ، فلم يُجز لهم الاختيار بأهوائهم، ولم يقبل منهم إلا اتِّباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاهُ، فمن أطاعهُ رشد، ومن عصاه ضلَّ وغوى، ولزمته الحجةُ بما ملَّكه من الاستطاعه لاتباع أمره، واجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمهُ ثوابه وأنزل به عقابهُ.
وهذا القول بين القولين ليس بجبرٍ ولا تفويضٍ، وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه عباية بن ربعيّ الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : سألت عن الاستطاعة تملكها من دون اللّه أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : قل يا عباية، قال وما أقول؟ قالعليهالسلام : إن قلت: انك تملكها مع اللّه قتلتك وإن قلت: تملكها دون اللّه قتلتك، قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قالعليهالسلام : تقول إنَّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فان يملِّكها إياك كان ذلك من عطائه، وان يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون: لا حول ولا قوَّة إلا باللّه، قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قالعليهالسلام : لا حول عن معاصي اللّه إلا بعصمة اللّه، ولا قوَّة لنا على طاعة اللّه إلا بعون اللّه، قال: فوثب عباية فقبل يديه ورجليه.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة اللّه، قال يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربك؟ قالعليهالسلام : بالتمييز الَّذي خولني والعقل الذي دلني، قال: أفمجبول أنت عليه؟ قال: لو كنت مجبولاً ما كنت محموداً على إحسانٍ ولا مذموماً على
____________________
(١) الاحزاب، ٣٦.
إساءةٍ، وكان المحسن أولى باللائمة من المسيء فعلمت أن اللّه قائم باقٍ، وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل، قال نجدةُ: أجدك أصبحت حكيماً يا أمير المؤمنين، قال: أصبحت مخيراً، فإن أتيت السِّيئة (ب) مكان الحسنةِ فأنا المعاقب عليها.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال لرجلٍ سأَلَه بعد انصرافه من الشام، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاءٍ وقدر؟ قالعليهالسلام : نعم يا شيخ، ما علوتم تلعةً(١) ولا هبطتم وادياً إلا بقضاءٍ وقدرٍ من اللّه، فقال الشيخ: عندَ اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟ فقالعليهالسلام مه يا شيخ، فانَّ اللّه قد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيءٍ من اُموركم مكرهين، ولا إليه مضطرِّين، لعلكَ ظننت أنَّه قضاءٌ حتمٌ، وقدرٌ لازمٌ، لو كانَ ذلك كذلك لبطل الثوابُ والعقابُ، ولسقط الوعدُ والوعيد، ولما الزمت الاشياءُ أهلها(٢) على الحقائق، ذلك مقالةُ عبدةِ الأَوثانِ وأَولياء الشيطان، إنَّ اللّه جل وعزَّ أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، ولم يطع مكرهاً، ولم يعصَ مغلوباً، ولم يخلقِ السمواتِ والأرضَ وما بينهما باطلاً، ذلك ظنُّ الذين كفروُا فويلٌ للذين كفرُوا من النار، فقام الشيخ فقبَّل رأس أمير المؤمنينعليهالسلام وأنشأ يقول:
أنت الإمامُ الَّذي نرجو بطاعته |
يوم النجاةِ منَ الرَّحمنِ غفراناً |
|
أوضحتَ من ديننا ما كانَ مُلتبساً |
جزاك ربكَ عنّا فيه رضواناً(٣) |
|
فليس معذرةٌ في فعل فاحشةٍ |
قد كنتُ راكبها ظلماً وعصياناً(٤) |
فقد دلَّ أمير المؤمنينعليهالسلام على موافقة الكتاب، ونفي الجبر والتفويضِ اللَّذين
____________________
(١) التلعة: ما علا من الارض.
(٢) في بعض النسخ (الاسماء أهلها).
(٣) رواه الكليني في الكافي ج ١ ص ١٥٦ وفيه (جزاك ربك بالاحسان احساناً).
(٤) في بعض النسخ (عندي لراكبها ظلماً وعصياناً).
يلزمان من دان بهما وتقلَّدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتابِ، ونعوذ باللّه من الضلالةِ والكفرِ، ولسنا ندين بجبرٍ ولا تفويضٍ، لكنّا نقولُ بمنزلةٍ بين المنزلتينِ وهو الامتحانُ والاختبارُ بالاستطاعةِ التي ملَّكنا اللّه، وتعبدنا بها على ما شهد به الكتابُ، ودان به الأئمةُ الأَبرارُ من آل الرسول صلوات اللّه عليهم.
ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجلٍ ملك عبداً وملكَ مالاً كثيراً أحبَّ أن يختبر عبده على علم منه بما يؤل إليه، فملَّكه من ماله بعض ما أحب ووقفه(١) على اُمورٍ عرفها العبد، فأمره أن يصرف ذلك المال فيها، ونهاهُ عن أسبابٍ لم يحبها، وتقدَّم إليه أن يجتنبها ولا ينفق من ماله فيها، والمال يتصرَّف في أي الوجهين، فصرف المال(٢) أحدهما في اتَّباع أمر المولى ورضاهُ، والآخر صرفه في اتِّباع نهيه وسخطه، وأسكنه دار اختبارٍ أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار، وأنَّ له داراً غيرها وهو مخرجه إليها، فيها ثواب وعقابٌ دائمانِ، فإن أنفذ العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود، وقد حد المولى في ذلك حدّاً معروفاً وهو والمسكن الذي أسكنه في الدار الاولى، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد على أنه لم يزل مالكاً للمال والعبد في الأوقات كلها إلا أنه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى إلى أن يستتم سكناه فيها، فوفى له، لأنَّ من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة، أو ليس يجب أن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب، وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانيةٍ، وأثابه على طاعته فيها نعيماً دائماً في دارٍ باقيةٍ دائمة، وان صرف العبد المال الذي ملكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الاولى في الوجه المنهي عنه، وخالف أمر مولاه كذلك
____________________
(١) في بعض النسخ (ووافقه).
(٢) في بعض النسخ (فصرف الآن).
تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذَّره إياها، غير ظالم له لما تقدم إليه وأعلمه وعرفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده، بذلك يوصف القادر القاهر، وأمّا المولى فهو اللّه جلَّ وعزَّ، وأما العبد فهو ابن آدم المخلوق، والمال قدرة اللّهِ الواسعةُ، ومحنتهُ(١) إظهار (هُ) الحكمة والقدرة، والدار الفانية هي الدنيا، وبعض المال الَّذي ملَّكه مولاه هو الاستطاعة التي ملَّك ابن آدم، والاُمور التي أمر اللّه بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتباع الانبياء والاقرارِ بما أوردوه عن اللّه جلَّ وعزَّ، واجتناب الاسباب التي نهى عنها هي طرقُ إبليس. وأمّا وعده فالنعيم الدائم وهي الجنةُ، وأما الدار الفانية فهي الدنيا. واما الدار الاُخرى فهي الدار الباقية وهي الآخرةُ. والقول بين الجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملَّك العبد.
وشرحها في الخمسة الامثال التي ذكرها الصادقعليهالسلام (٢) أنها جمعت جوامع الفضل وأنا مفسرها بشواهد من القرآن والبيان إن شاء اللّه
تفسير صحَّة الخلقةِ
أما قول الصادقعليهالسلام فإن معناه كمال الخلق للإنسان وكمال الحواس وثبات العقل والتمييز واطلاق اللسان بالنطق، وذلك قول اللّه:( وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ والبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّبات وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ ممَّن خَلَقنا تَفضيلاً ) (٣) .
فقد أخبر عزَّ وجلَّ عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم والسباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركةٍ تدركه حواس بني آدم بتمييز العقل والنطقِ وذلك قوله:( لَقَد خَلَقنَا الإنسانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ ) (٤) ، وقوله:( يا أيُّها الإِنسانَ ما غَرَّكَ
____________________
(١) أي اختباره وامتحانه.
(٢) أي صحة الخلقة. وتخلية السرب. والمهلة في الوقت. والزاد. والسبب المهيج.
(٣) الاسراء: ٧٠.
(٤) التين: ٤.
بِرَبِّكَ الكَرِيم* الَّذي خَلَقَكَ فَسَواكَ فَعَدَلَك* في أيَّ صورَةٍ ما شاءَ ركَّبَكَ ) (١) ، وفي آيات كثيرةٍ، فأوَّل نعمةِ اللّه على الإنسان صحةُ عقله، وتفضيله على كثيرٍ من خلقه بكمالِ العقلِ وتمييزِ البيانِ، وذلك أن كلَّ ذي حركةٍ على بسيط الأرض هو قائم بنفسه بحواسِّه، مستكملٌ في ذاته، ففضَّل بني آدم بالنطق الَّذي ليس في غيره من الخلق المدركِ بالحواسِّ، فمن أجل النطق ملَّك اللّه ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمراً ناهياً وغيره مُسخرٌ له كما قال اللّه:( كَذلكَ سَخَّرها لكُم لتُكبِّروا اللّه عَلى ما هَداكُم ) (٢) ، وقال:( وَهُوَ الَّذي سَخَّرَ البَحر لَتأكُلُوا مَنهُ لَحماً طرياً وَتستَخرجوا حليةً تلبسُونها ) (٣) . وقال:( وَالأَنعامَ خَلَقَها لَكُم فيها دِفءٌ ومنافعُ وَمِنها تَأكُلُونَ* وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحُونَ وَحينَ تَسرحُون* وَتَحملُ أَثقالكُم إِلى بَلَدٍ لم تكُونُوا بالِغيه إلا بِشِقِّ الأَنفُس ) (٤) ، فمن أجل ذلك دعا اللّه الانسان الى اتّباع أمره، والى طاعته بتفضيله إيّاه باستواءِ الخلقِ وكمال النطق والمعرفة، بعد أن ملَّكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله:( فاتَّقُوا اللّه مَا استَطعتُم وَاسمعُوا وَأطيعُوا ) (٥) ، وقوله:( لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفساً إلا وُسعَها ) (٦) ، وقوله:( لا يُكلفُ اللّهُ نفساً إلا ما آتيها ) (٧) ، وفي آياتٍ كثيرةٍ، فإذا سلب من العبد حاسةً من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله:( لَيسَ عَلَى الأعمى
____________________
(١) الانفطار: ٦ و ٧ و ٨.
(٢) الحج: ٣٧.
(٣) النحل: ١٤. وقوله «لتأكلوا. ا ه» أي لتصطادوا منه السمك وتأكلوا لحمه. وقوله: «حلية تلبسونها» أي اللؤلؤ والمرجان أنتم ونساؤكم تزينون بها.
(٤) النحل ٥، ٦، ٧ والدفء: السخانة وهي ما يُستدفَأ به من اللباس المعمول من الصوف والوبر فيقي البرد. وقوله: «ولكم فيها جمال» أي لكم فيها مع ما تقدم ذكره تجمّل وتزيُّن عند الناظرين اليها حين تريحون وحين تسرحون أي في هذين الوقتين وقت ردّها من مراعيها ووقت تسريحها اليها فالرواح: رجوعها بالعشي من المراعي، والسراح: مسيرها الى مراعيها بالغداة.
(٥) التغابن: ١٦.
(٦) البقرة: ٢٨٦.
(٧) الطلاق: ٧.
حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعرجِ حَرَجٌ ) (١) ، فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد، وجميع الأعمال التي لا يقوم بها، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحجَّ والزكاة لما ملَّكهُ من استطاعة ذلك، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحج، قولهُ:( وَللّه النَّاس حِج البيتِ مَنِ استَطاع إليه سَبيلاً ) (٢) ، وقوله في الظهار:( والَّذين يُظاهِرُون مِن نِسائِهِم ثُم يَعُودُون لِما قالُوا فتَحريُر رَقَبةٍ - الى قوله - فَمَن لَم يستطِع فإطعامُ سِتِّينَ مِسكيناً ) (٣) .
كل ذلك دليلٌ على أنَّ اللّه تبارك وتعالى لم يكلّف عبادَهُ إلا ما ملَّكهم استطاعتهُ بقُوَّةِ العمل به ونهاهم عن مثل ذلك، فهذه صحة الخلقة.
وأما قوله: تخلية السربِ(٤) . فهو الَّذي ليس عليه رقيب يحظر عليه ويمنعه العمل بما أمره اللّه به، وذلك قوله فيمن استضعف وحظر عليه العمل فلم يجد حيلةً ولا يهتدي سبيلاً، كما قال اللّه تعالى:( إلا المُستَضعفينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدانِ لا يَستطيعُون حيلَةً ولا يَهتدُون سَبيلاً ) (٥) ، فأخبر أنَّ المستضعف لم يخل سربه، وليس عليه من القول شيءٌ إذا كان مطمئنَّ القلبِ بالإيمانِ.
وأمَّا المهلةُ في الوقت فهو العمر الذي يُمتَّع الإنسان من حدِّ ما تجب عليه المعرفة إلى أجل الوقتِ، وذلك من وقت تمييزه وبلوغ الحلم إلى أن يأتيه أجله. فمن مات على طلب الحقِّ ولم يدرك كماله فهو على خيرٍ، وذلك قوله:( وَمَن يَخرُج مِن بَيتِه مُهاجِراً إِلى اللّهِ وَرَسُولِه ) (٦) ، وإن كانَ يعمل بكمال شرايعه لعلَّه ما لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره. وقد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطِّفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله:( وَقُل
____________________
(١) النور: ٦٠ - الفتح: ١٧.
(٢) آل عمران: ٩٧.
(٣) المجادلة ٣ - ٤.
(٤) السرب - بالفتح والكسون -: الطريق، يقال: «فلان مخلّى السّرب» أي غير مضيق عليه.
(٥) النساء: ٩٨.
(٦) النساء: ١٠٠.
لِلمؤمناتِ يَعضُضن مِن أَبصارِهِن ) (١) ، فلم يجعل عليهن حرجاً في إبداء الزينةِ للطفل وكذلك لا تجري عليه الأحكام.
وأمّا قوله: الزاد فمعناه الجدة(٢) والبلغةُ الَّتي يستعين بها العبد على ما أمره اللّه به. وذلك قوله:( ما عَلى المحسنينَ مِن سبيلٍ ) (٣) ، ألا ترى أنَّه قَبِلَ عذر من لم يجد ما ينفقُ وألزم الحجَّة كل من أمكنته البلغة والراحلة للحج والجهاد وأشباه ذلك، وكذلك قبل عذر الفقراء وأوجب لهم حقاً في مال الأغنياء بقوله:( لِلفُقراءِ الَّذينَ أُحصِرُوا فِي سَبيلِ اللّهِ ) (٤) ، فأمر بإعفائهم، ولم يكلفهم الإعداد لما لا يستطيعون ولا يملكون.
وَأمّا قوله في السَّبب المهيج، فهو النيةُ التي هي داعيةُ الإنسان إلى جميع الافعال وحاستها القلب(٥) ، فمن فعل فعلاً وكان بدينٍ لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل اللّه منه عملاً إلا بصدقِ النيَّة، ولذلك أخبر عن المنافقين بقوله:( يَقولُونَ بِأَفواهِهِم ما لَيسَ فِي قُلُوبِهِم واللّهُ أَعلَمُ بِما يَكتُمُونَ ) (٦) ، ثم أنزل على نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم توبيخاً للمؤمنين( يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفَعلُونَ ) (٧) ، فإذا قالَ الرَّجل قولاً، واعتقد في قوله دعته النية الى تصديق القول بإظهار الفعل، وإذا لم يعتقد القول لم تتبين حقيقته، وقد أجاز اللّه صدق النية وإن كان الفعل غير موافق لها لعلَّة مانعٍ يمنع إظهار الفعل في قوله:( إلا مَن اُكرهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمانُ ) (٨) ، وقوله:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغو فِي أَيمانِكُم ) (٩) ، فَدَلّ القُرآن وأخبار الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّ القلب مالكٌ لجميع الحواس،
____________________
(١) النور: ٣١.
(٢) الجدة - بالكسر -: الغنى والقدرة.
(٣) التوبة: ٩١.
(٤) البقرة: ٢٧٣.
(٥) في بعض النسخ (وحاسنه العقل). وحاسنه أي غالبه في الحسن. أو لاطفه وعامله بالحسنى.
(٦) آل عمران: ١٦٧.
(٧) الصف: ٢.
(٨) النحل: ١٠٦.
(٩) البقرة: ٢٢٥.
يصحح أفعالها، ولا يبطل ما يصحح القلب شيء.
فهذا شرح جميع الخمسةِ الأمثالِ التي ذكرها الصادقعليهالسلام أنَّها تجمع المنزلة بين المنزلتين وهما الجبر والتفويضُ، فإذا اجتمع في الإنسان كمال هذه الخمسة الأمثالِ وجب عليه العمل كَمُلاً لما أمر اللّه عزّ وجلّ بِه ورسوله، وإذا نقص العبد منها خلَّةً كان العملُ عنها(١) مطروحاً بحسبِ ذلكَ.
فأما شواهدُ القرآنِ على الاختبار والبلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرةٌ. ومن ذلك قولهُ:( وَلنبلُونَّكُم حتَّى نَعلَمَ المُجاهِدينَ مِنكُم وَالصَّابِرِينَ وَنَبلُوَا أخبارِكُم ) (٢) ، وقال:( سَنستَدرجُهُم مِن حيثُ لا يَعلمُونَ ) (٣) ، وقال:( آلم* أَحَسبَ النَّاسُ أَن يُتركُوا أن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لا يُفتنُونَ ) (٤) ، وقال في الفتن التي معناها الاختبار:( وَلَقَد فَتنّا سُلَيمانَ ) (٥) ، وقال في قصَّةِ مُوسىعليهالسلام :( فَانّا قَد فَتنّا قَومكَ مِن بَعدكَ وَأَضلَّهُمُ السّامِرِيُّ ) (٦) ، وقول مُوسى:( إِن هِي إلا فِتنتُكَ ) (٧) ، أي اختبارك.
فهذه الآياتُ يُقاسُ بعضها ببعضٍ ويشهدُ بعضها لِبعضٍ.
وأما آيات البلوى بمعنى الاختبارِ قوله:( لِيبلُوكُم فيما آتاكُم ) (٨) ، وقوله:( ثُمَّ صَرَفكُم عَنهُم لِيَبتليكُم ) (٩) ، وقوله:( إنَّا بَلَوناهُم كَما بَلَونا أَصحابَ
____________________
(١) كذا. والظاهر (عنه).
(٢) محمد: ٣١، أي لنعاملكم معاملة المختبر، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتّى نعلم من امتثل الامر بالجهاد والصبر على دينه ومشاق ما كلف به. وقوله: «ونبلو أخباركم» أي نظهرها ونكشفها امتحاناً لكم ليظهر للناس من أطاع ما أمره اللّه به ومن عصى ومن لم يمتثل.
(٣) الاعراف: ١٨٢. القلم: ٤.
(٤) العنكبوت: ١ و ٢.
(٥) ص: ٣٤.
(٦) طه: ٨٥.
(٧) الاعراف: ١٥٥.
(٨) المائدة: ٤٨، والانعام ١٦٥.
(٩) آل عمران: ١٥٢.
الجَنَّةِ ) (١) ، وقوله:( خَلَقَ المَوتَ والحَيوةَ ليَبلُوكُم أَيُّكم أحسَنُ عَمَلاً ) (٢) ، وقوله:( وإذ ابتلى إِبراهيمَ ربُّه بكلِماتٍ ) (٣) ، وقوله:( وَلَو يَشاءُ اللّهُ لانتَصَر مِنهُم وَلكن ليَبلُوا بَعضكُم ببَعضٍ ) (٤) . وكل ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أوَّلها فهي اختبارٌ وأمثالها في القرآن كثيرةٌ. فهي إثبات الاختبار والبلوى: إنَّ اللّه جلَّ وعزَّ لم يخلق الخلق عبثاً ولا أهملهم سدى ولا أظهر حكمته لعباً وبذلك أخبر في قوله:( أفَحَسبتُم أنَّما خَلَقناكُم عَبَثاً ) (٥) ، فإن قال قائلٌ: فلم يعلم اللّه ما يكون من العباد حتى اختبرهم؟ قلنا: بلى، قد علم ما يكون منهم قبل كونه وذلك قوله:( وَلَو رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنهُ ) (٦) ، وانما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذبهم إلا بحجةٍ بعد الفعل، وقد أخبر بقوله:( وَلَو أنّا أهلكناهُم بِعَذابٍ مِن قَبله لَقالُوا رَبَّنا لَولا أَرسلتَ إِلينا رَسُولاً ) (٧) ، وقوله:( وَما كُنّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبعث رسُولاً ) (٨) ، وقوله:( رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنذرِينَ ) (٩) . فالاختبارُ مَن اللّه بالاستطاعةِ التي ملَّكها عبده وهو القول بين الجبرِ والتفويض. وبهذا نطق القرآن وجرتِ الأخبارُ عن الأئمة من آل الرسولِصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فان قالوا ما الحجة في قول اللّه (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) وما أشبهها؟
____________________
(١) القلم: ١٧.
(٢) الملك: ٢.
(٣) البقرة: ١٢٤.
(٤) محمد: ٤. وقوله: «لانتصر» أي لانتقم منهم باستيصال ولكن يريد أن يبلوكم أي ليمتحن بعضكم ببعض فيظهر المطيع من العاصي.
(٥) المؤمنون: ١١٥.
(٦) الانعام: ٢٨.
(٧) طه: ١٣٤.
(٨) الاسراء: ١٥.
(٩) النساء: ١٦٥.
قيل: مجاز هذه الآيات كلها على معنيين: أما أحدهما فإخبارٌ عن قدرته أي إِنَّه قادرٌ على هداية من يشاءُ وضلالِ من يشاءُ وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثوابٌ ولا عليهم عقابٌ على نحو ما شرحنا في الكِتابِ، والمعنى الآخر أنَّ الهداية منه تعريفه كقوله:( وَأما ثَمُودُ فَهَديناهُم ) (١) أي عرفناهم( فَاستَحَبُّوا العَمى عَلى الهدى ) (٢) ، فَلو أجبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلوا، وليس كلما وردت آيةٌ مشتبهة كانت الآيةُ حُجَّةً على محكم الآيات اللواتي أمرنا بالاخذ بها من ذلك قوله:( مِنهُ آياتٌ مُحكماتٌ هُن أُمُّ الكِتابِ وَاُخَر مُتشابِهاتٌ فَأمَّا الَّذينَ في قُلُوبهِم زَيغٌ فَيتَّبعونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وَابتغاءَ تأويِله وَما يَعلَمُ. الآية ) (٣) وقال:( فَبَشرّ عبادِ* الَّذينَ يَستَمعُون القَولَ فَيتَّبعُونَ أَحسنَهُ ) أي أحكمه وأشرحه( اُولئِكَ الَّذينَ هَداهُمُ اللّهُ واُولئِك هُم أوُلُوا الأَلبابَ ) (٤) .
وفقنا اللّه وإياكم إلى القول والعمل لما يحب ويرضى وجنبنا وإياكم معاصيه بمنِّه وفضله والحمد للّه كثيراً كما هو أهله وصلّى اللّه على محمدٍ وآله الطيبين، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.
____________________
(١) فصلت: ١٧.
(٢) فصلت: ١٧.
(٣) آل عمران: ٧.
(٤) الزمر: ١٨.
الفهرس
البدعة الدكتور الشيخ جعفر السبحاني ١
المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم ٥
الباب الأول: حصانة التشريع وخطورة الابتداع الفصل الأول: عناصر ديمومة التشريع الفصل الثاني: مواجهة البدع الفصل الثالث: اسباب نشوء البدع (البدايات) ١٠
الفصل الاول : عناصر ديمومة التشريع الخط الاول: شمولية التشريع الخط الثاني: سعة دائرة الحلال الخط الثالث: ضرورة عرض المعضلات على الكتاب والسنة الخط الرابع: التوقف عن الشبهات الخط الخامس: الرجوع في تفاصيل التشريع إلى العلماء الخط السادس: عدم جواز الاجتهاد في مقابل التشريع ١١
تمهيد ١٣
الخطوط الأساسية لحصانة التشريع ٢٦
الخط الأول: شمولية التشريع ٢٧
الخط الثاني: سعة دائرة الحلال ٣٦
الخط الثالث: ضرورة عرض المعضلات على الكتاب والسنّة ٤١
الخط الرابع: التوقّف عند الشبهات ٤٢
الخط الخامس: الرجوع في تفاصيل التشريع إلى العلماء ٤٣
الخط السادس: عدم جواز الاجتهاد في مقابل التشريع ٤٧
الفصل الثاني : مواجهة الابتداع ١ - ذم البدع والتحذير منها ٢ - التنكيل باصحاب البدع وذمّهم ٣ - التأكيد على مقاطعة المبتدعين ٤ - عدم قبول توبة المبتدع ٥١
مواجهة الابتداع ٥٢
١ - ذم البدع والتحذير منها: ٥٣
٢ - التنكيل بأصحاب البدع وذمهم ٥٥
٣ - التأكيد على مقاطعة المبتدعين ٥٧
٤ - عدم قبول توبة المبتدع ٥٨
الفصل الثالث : أسباب نشوء البدع (البدايات) ١ - السذاجة والجهل والتسامح في امر الدين ٢ - النظرة البتراء للدين ٣ - السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات ٤ - اتباع الأهواء ٦٣
أسباب نشوء البِدَع (البدايات) ٦٤
١ - السذاجة والجهل والتسامح في أمر الدين ٧٤
٢ - النظرة البتراء للدين ٨٦
٣ - السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات ٩٨
٤ - اتّباع الأهواء ١٢٣
الباب الثاني : هوية الابتداع الفصل الاول: البدعة في اللغة والاصطلاح الشرعي الفصل الثاني: تقسيم البدعة الفصل الثالث: مفهوم البدعة في النصوص الاسلامية الفصل الرابع: مفهوم البدعة بين الاطّرد والانعكاس ١٢٨
الفصل الاول : البدعة في اللغة والاصطلاح الشرعي البدعة لغة البدعة في الاصطلاح الشرعي ١٢٩
البدعة لغةً ١٣٢
البدعة في الاصطلاح الشرعي ١٣٤
الفصل الثاني : تقسيم البدعة مع القائلين بالتقسيم انعكاسات القول بالتقسيم بطلان القول بالتقسيم مع النافين للتقسيم استدراك خائب! ١٣٨
تقسيم البدعة ١٤٠
مع القائلين بالتقسيم ١٤٢
انعكاسات القول بالتقسيم ١٤٥
بطلان القول بالتقسيم ١٥٠
استعمالات (البدعة) في الحادث المذموم ١٥٦
مَعَ النافينَ للتقسيم ١٦٦
استدراك خائب! ١٧١
الفصل الثالث : مفهوم البدعة في النصوص الاسلامية البدعة: تقابل السنة البدعة: تعني الغش والضلال واتباع الأهواء البدعة: ادنى مراتب الكفر والشرك البدعة: موارد وتطبيقات ١٨٤
مفهوم (البدعة) في النصوص الاسلامية (البدعة): تقابل السُّنة ١٨٦
(البدعة): تعني الغش والضلال واتباع الأهواء ١٩١
(البدعة): أدنى مراتب الكفر والشرك البدعة: موارد وتطبيقات ١٩٢
الفصل الرابع : مفهوم (البدعة) بين الاطّراد والانعكاس ١ - الاختصاص بالامور الشرعية فعل السلف حرص مقلوب ٢ - عدم وجود دليل شرعي على الأمر الحادث من الدين استثناء ما ورد فيه دليل خاص استثناء ما ورد فيه دليل عام أ - الاهتمام بالقرآن الكريم ب - صيام يوم الخامس عشر من شعبان وقيام ليلته ج - الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات الاسلامية د - زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ومراقد الأئمة عليهمالسلام ه - إقامة المآتم ومجالس العزاء قصد التشريع ١٩٨
مفهوم (البدعة) بينَ الاطّرادِ والانعكاس ١٩٩
١ - الاختصاص بالامور الشرعية ٢٠٠
فعل السَّلَف ٢١٠
حرص مقلوب! ٢٢٢
استثناء ما ورد فيه دليل خاص ٢٢٨
استثناء ما ورد فيه دليل عام ٢٣٠
أ - الاهتمام بالقرآن الكريم ٢٣٦
ج - الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات الاسلامية ٢٤٩
د: زيارة قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ومراقد الأئمة عليهمالسلام ٢٦٣
ه: اِقامة المآتم ومجالس العزاء ٢٧٠
قصد التشريع ٢٨٣
الباب الثالث : تطبيقات للابتداع الفصل الأول: نموذجان بارزان للابتداع الفصل الثاني: حديث سنة الخلفاء الراشدين ٢٩١
الفصل الأول : نموذجان بارزان للابتداع ٢٩٢
١ - صلاةُ التراويح ٢٩٤
أ - اطلاق لفظ (البدعة) على (التراويح) ٢٩٥
ب - النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى عن صلاة النوافل جماعة و يحث على إخفائها في البيوت ٢٩٦
ج - (التراويح): أمر مبتدع في وجهة نظر الكثير من علماء العامة ٣٠٣
د - أمير المؤمنين عليهالسلام ينهي عن صلاة (التراويح) ٣٠٤
ه - التضارب الفاضح في عدد ركعات (التراويح) ٣٠٧
مداخلات ٣١٠
٢ - النداء الثاني يوم الجمعة ٣١٧
الفصل الثاني : حديث سنّة الخلفاء الراشدين ٣٣٠
الحديث ذريعة لنفي الابتداع ٣٣١
نظرةٌ في الحديث ٣٣٥
الطريق الاول : ضعف الحديث واحتمال الوضع فيه أ - ضعفُ سَندِ الحديث ٣٣٧
ب - انتهاء اسانيد الحديث جميعاً إلى راوٍ واحد ج - اشتراك مضمون الحديث مَعَ أحاديث اُخرى مقطوعة الوضع ٣٥٣
الطريق الثاني : الخلفاء الراشدون هم أئمة أهل البيت أدلّة ومؤيدات ٣٦١
١ - الامام علي عليهالسلام يرفض المبايعة على سيرة الشيخين ٣٦٢
٢ - الخلاف بين الخلفاء الأربعة يناقض الأمر باتباعهم جميعاً ٣٦٣
أ - الخلاف بين علي عليهالسلام والخلفاء الثلاثة ٣٦٤
ب - الخلاف بينَ الخلفاء الثلاثة ٣٧٥
٣ - إرادة الخلفاء الأربعة في الحديث تتنافى مع إنكار العامة لوجود النص ٣٧٩
٤ - حجم الحديث لا يتناسب مَعَ موقع الخلافة وأهميتها في الاسلام ٣٨١
٥ - أئمة أهل البيت عليهمالسلام خلفاء الرسول بنصٍّ منه ٣٨٥
الباب الرابع : دور أهل البيت عليهمالسلام في مواجهة الابتداع الفصل الاول: معنى التشيع ونشأته الفصل الثاني: عرض روائي لدور أهل البيت عليهمالسلام في مواجهة الابتداع ملحقات الباب الرابع ٣٩٠
الفصل الأول : معنى التشيع ونشأته ٣٩٢
اتهام التشيع بالابتداع ٣٩٤
التشيع في اللغة ٤٠٦
التشيع في الاصطلاح ٤٠٨
فرق الشيعة ٤١٣
نشأة التشيُّع ٤١٩
١ - العناية النبوية المتميزة بعلي عليهالسلام وإعداده إعداداً رسالياً خاصاً ٤٣٢
٢ - النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يسند الى علي عليهالسلام المهام الاسلامية الكبرى ٤٤٠
الموقف الاول: مبيت علي عليهالسلام على فراش النبي صلىاللهعليهوآله ليلة الهجرة ٤٤١
الموقف الثاني: النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يهدد الكفّار بعلي عليهالسلام الموقف الثالث: النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يدفع الراية لعلي يوم فتح خيبر ٤٤٢
الموقف الرابع: النبي صلىاللهعليهوآله يسند إلى علي عليهالسلام تبليغ سورة (براءة) ٣ - النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يوصي المسلمين بموالاة علي عليهالسلام واتّباعه ٤٤٤
٤ - النبي صلىاللهعليهوآله يمهّد للتشيّع عن طريق الوصيّة بأهل البيت (ع) ٤٤٧
٥ - النبي صلىاللهعليهوآله هو الذي أطلق اسم (الشيعة) على أتباع أهل البيت (ع) ٤٤٩
الفصل الثاني : عرض روائي لدور أهل البيت عليهمالسلام في مواجهة الابتداع الجبر والتفويض والقضاء والقدر القياس والرأي التشبيه والتجسيم ١ - نفي الجسمية والشبيه ٢ - نفي الرؤية ٣ - تأويل ظواهر الآيات الدالة على التشبيه والتجسيم ٤ - تأويل ظواهر الأحاديث الدالة على التشبيه والتجسيم التصوف والرهبنة مواجهة حركة الغلاة دور أهل البيت عليهمالسلام في مواجهة الابتداع - عرض روائي - ٤٥٦
الجبر والتفويض والقضاء والقَدَر ٤٥٧
القياس والرأي ٤٦٧
التشبيه والتجسيم ١ - نفي الجسمية والشبيه ٤٨٠
٢ - نفي الرؤية ٤٨٦
٣ - تأويل ظواهر الآيات الدالة على التشبيه والتجسيم ٤٩٤
٤ - تأويل ظواهر الاحاديث الدالّة على التشبيه والتجسيم ٥٠٣
التصوف والرهبنة ٥٠٩
مواجهة حركة الغلاة ٥١٨
ملحقات الباب الرابع ٥٢٦
المحلق الاول: خطبة الاشباح لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهالسلام المحلق الثاني: احتجاج الامام جعفر الصادق عليهالسلام مع الزنديق الذي سأله عن معرفة اللّه وصفاته ومسائل دينية اخرى الملحق الثالث: مجلس الامام علي الرضا عليهالسلام مَعَ المروزيّ عند المأمون في التوحيد الملحق الرابع: رسالة الامام محمد الجواد عليهالسلام في الجبر والتفويض وبيان معنى الأمر بين الأمرين ٥٢٦
الملحق الأول : خطبة(١) الاشباح(٢) لأمير المؤمنين عليهالسلام ٥٢٨
الملحق الثاني : احتجاج(١) الامام الصادق عليهالسلام مَعَ الزنديق الذي سأله عن معرفة اللّه وصفاته ومسائل دينية اخرى ٥٤٤
الملحق الثالث(١) : مجلس الامام الرضا عليهالسلام مَعَ المروزي عند المأمون في التوحيد ٥٧٠
الملحق الرابع(١) : رسالة الامام علي بن محمد الهادي عليهالسلام في الجبر و ٥٨٤
تفسير صحَّة الخلقةِ ٥٩٨
الفهرس ٦٠٥