خلاصة علم الكلام

الدكتور عبد الهادي الفضيلي


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.




بِسمِ اللّهِ الرحمِن الرحِيم

الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعد:

فيعتد علم الكلام في طليعة المعارف التي أسهمت إسهاماً حياً في دراسة العقيدة الاسلامية أو ما يعرف قديماً بأصول الدين.

فهناك الدراسة القرآنية للعقيدة التي حفلت بها كتب التفسير وعلوم القرآن، والتي أفاد منها هي الأخرى.

ويضاف الى هذه المدونات الحديثية في التوحيد، وكذلك هي الأخرى أفاد منها.

وجديداً انضم الى هذه المعارف الدراسات العلمية التي اعتمدت نتائج العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية في الاستدلال على قضايا التوحيد بخاصة وسائر العقائد بعامة، ولأنها متأخرة زماناً عن الدراسات الكلامية لم يكن بينهما من التفاعل ما قد يؤدي الى شيء من التلاقح.

ولأن علم الكلام - مضافاً الى أهميته في مجال معرفة العقيدة التي أشرت اليها - لا يزال يمدنا بمعطياته وتجاربه العلمية في الدرس العقائدي الاسلامي.

وبغية أن تتكامل لدى الدارس الديني مقدمات العلوم الشرعية التي قدمت منها محاولات متواضعة في النحو والصرف والتربية الدينية والعروض والبلاغة والمنطق واصول الفقه، قمت بهذه المحاولة المتواضعة في وضع هذه المقدمة الكلامية.


وقد نهجت في تأليف الكتاب المنهج الذي سلكته في تأليف المقدمات التي سبقته، فبدأت بتعريف الموضوع ثم بيان أقسامه - إن وجدت- ، ثم الاحكام بعرض مختصر لادلتها، مع المقارنة، والمناقشة أحياناً، فالانتهاء الى النتيجة المطلوبة.

وتوخيت قدر المستطاع الاختصار والتوضيح، الا في مسائل رأيت الفائدة في أن أطيل وأتوسع في بحثها لما لها من أهمية علمية او خلافية، ولأضيف ما جدَّ من آراء ونظريات.

وقرنت العقل بالنقل لما بين العقل والشرع من إلتقاء تام، فلم أسلك المنهج العقلي خالصاً ولا المنهج النقلي محضاً.

وحاولت أن أقتصر وسع الطاقة على آراء المذاهب الكلامية التي لا تزال قائمة حتى عصرنا هذا، وهي:

من السنة: الاشاعرة والماتريدية والصوفية والسلفية.

ومن الشيعة: الامامية والزيدية والاسماعيلية.

ومن غيرهما: الاباضية.

وكان معها من المذاهب التاريخية او التي انتهى معتنقوها: مذهب المعتزلة، لأنه أشهر وأعرق وأشمل مذهب كلامي.

وختاماً: إذ أضع هذه المحاولة المتواضعة بين يدي القراء الكرام، آمل أن أجد من ملاحظات المعنيين والمختصين ما يرفع من مستواها ويصحح من أخطائها، واللّه تعالى ولي التوفيق وهو الغاية.

عبد الهادي الفضلي


علم الكلام

- مقدمته

- منهجه

- مصطلحاته



مقدمة علم الكلام

لا تخلتف مقدمة علم الكلام عن سائر مقدمات العلوم الاخرى في احتوائها: تعريفه، وبيان موضوعه الذي يبحث فيه، والغاية او الفائدة من دراسته وتعلمه، وذلك التزاماً بالمنهج المنطقي في تدوين العلوم الذي يفرض على المؤلف في علم ما أن يبدأ بتدوين مقدمته مضمناً إياها: تعريفه، وبيان موضع بحثه، والغاية من تعلمه.

ثم وبعد المقدمة، يعرض موضوعاته حسب تسلسلها الفني وترابطها العضوي.

ومن بعدها يأتي بالخاتمة منهياً بها علمه المؤلَّف فيه.

وفي هدي هذا، نقول:

تعريفه:

علم الكلام: هو العلم الذي يبحث فيه عن إثبات أصول الدين الاسلامي بالأدلة المفيدة لليقين بها.

شرح التعريف:

يتوفر علم الكلام على بحث ودراسة مسائل العقيدة الاسلامية الحقة بايراد الأدلة وعرض الحجج على اثباتها، ومناقشة الاقوال والآراء المخالفة لها، ومحاكمة أدلة تلكم الاقوال والآراء، وإثبات بطلانها، ونقد الشبهات التي تثار حولها، ودفعها بالحجة والبرهان.


فمثلاً: اذا أردنا أن نستدل على ثبوت وجود خالق لهذا الكون، وثبوت أنه واحد لا شريك له، نرجع الى هذا العلم، وعن طريقه نتعرف الأدلة، التي يوردها علماء هذا العلم في هذا المجال.

ذلك أن هذا العلم هو الذي يعرّفنا الأدلة والبراهين والحجج العلمية التي باستخدامها نستطيع أن نثبت أصول الدين الاسلامي ونؤمن بها عن يقين.

كما أنه هو الذي يعرّفنا كيفية الاستدلال بها وكيفية اقامة البراهين الموصلة الى نتائج يقينية.

وهكذا اذا أردنا أن نعرف وجوب النبوة وصحة نبوة النبي، فإننا نعمد الى أدلة هذا العلم التي يستدل بها في هذا المجال، وندرسها، ثم نقيمها برهاناً على ذلك.

وأيضاً اذا أردنا ان ننفي شبهة التجسيم عن الذات الالهية، أو شبهتي التفويض والجبر في أفعال العباد، نرجع الى هذا العلم، وعن طريقه نستطيع معرفة ما يقال من نقد لابطالها.

ومثلها سائر مسائل وقضايا علم الكلام التي سنأتي على عرضها واستعراضها.

ولا بد في الأدلة التي يستدل بها على اثبات أي أصل من أصول الدين، وأية مسألة او قضية من مسائل هذا العلم وقضاياه من أن تكون مفيدة لليقين بالأصل أو المسألة أو القضية.

فمثلاً: لو أقمنا الدليل على ثبوت (المعاد) لا بد في هذا الدليل من أن يؤدي الى اثبات المعاد بشكل يدعونا الى الاعتقاد الجازم والايمان القاطع بثبوت المعاد، أي اليقين بمعاد الناس الى اللّه تعالى ببعثهم من القبور وحشرهم في مشهد القيامة، وعرضهم للحساب، ومن بعد مجازاتهم بالثواب أو العقاب.

ومن هنا قيّدت التعريف بقولي (المفيدة لليقين بها)، والضمير في عبارة (بها) يعود الى اصول الدين.


موضوعه:

عرفنا من خلال تعريفنا لعلم الكلام موضوعه ضمناً وهو ( أصول الدين).

وأصول الدين هي:

١ - الالوهية.

٢ - النبوة.

٣ - الامامة.

٤ - المعاد.

وما ذكر في بعض الكتب الكلامية من عناوين اخرى غير هذه الاربعة معدوداً في الاصول، فهو مندرج ضمن هذه العناوين الاربعة، وانما افرد عند بعضهم للخلاف الذي وقع فيه بين المدارس الكلامية والفرق المذهبية.

وذلك أمثال (العدل) عند الامامية والمعتزلة، فانه من موضوعات الالوهية.

و (الوعد والوعيد) و (المنزلة بين المنزلتين) عند المعتزلة و (القدر خيره وشره من اللّه) عند السنة، فانها مندرجة في الالوهية من جانب، وفي المعاد من جانب آخر.

وسميت موضوعات هذا العلم المذكورة في أعلاه باصول الدين في مقابل الاحكام القائمة على أساس منها والمبتنية عليها التي تعرف بفروع الدين.

وهذا التقسيم للدين الى أصول وفروع مأخوذ من تقسيمهم الدين الى: معرفة وطاعة.

ويعنون بالمعرفة: العقيدة، وبالطاعة: العمل.

ولأن العمل بطبيعته يقوم على المعرفة سميت مفاهيم واحكام المعرفة باصول الدين، ومفاهيم واحكام الطاعة بفروع الدين.

ونستطيع ان نتبين فحوى هذا التقسيم من فهمنا للدين بأنه توجيه لسلوك الانسان


في هذه الحياة.

وسلوك الانسان - كما هو معلوم - ينقسم الى قسمين:

- السلوك النظري.

والسلوك العملي.

فاحكام الدين التي شرّعت لتوجيه السلوك النظري سميت بالمعرفة لانها عقيدة، والعقيدة: معرفة موطنها النظر (الفكر). والتي شرعت لتوجيه السلوك العملي سميت بالطاعة، لانها عمل، والعمل طاعة.

والى هذا تشير المأثورة: (الدين: اعتقاد بالجنان واقرار باللسان وعمل بالاركان).

فائدته:

تتلخص فائدة علم الكلام في التالي:

١ - معرفة اصول الدين معرفة علمية قائمة على أساس من الدليل والبرهان.

٢ - القدرة على اثبات قواعد العقائد بالدليل والحجة.

٣ - القدرة على ابطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد.

الحاجة اليه:

تأتي الحاجة الى دراسة هذا العلم وأمثاله مما يوصل الى معرفة اصول الدين من وجوب معرفة اصول الدين على كل انسان توافرت فيه شروط التكليف الشرعي والالزام الديني.

ووجوب النظر في قواعد العقائد ومعرفتها وجوب عقلي، أوجبته الفطرة العقلية الملزمة بالتمسك بالدين والالتزام باحكامه وتعليماته.

وخلاصة الدليل:


هي ان يقال: إن اللّه تعالى منعم على الانسان بنعمة الخلق والايجاد.

وشكر المنعم واجب عقلاً، وذلك لأن العقلاء يذمون تاركه.

وكل فعل يستحق صاحبه الذم من قبل العقلاء بسبب تركه له هو واجب عقلي.

وشكره تعالى لا يتحقق الا باطاعته بامتثال أوامره ونواهيه.

وتقدم أن الطاعة فرع المعرفة، فاذن لا بد من المعرفة.

وقد أيدت وأكدت النصوص الشرعية هذا الوجوب، ومنها:

١ - قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله الا اللّه) - محمد ١٩ - ويتم الاستدلال بهذه الآية الكريمة بأن يقال:

إن قوله تعالى (إعلمْ) فعل أمر +

والأمر المجرد من قرائن الاستحباب والجواز دال على الوجوب =

ف(اعلم) يدل على وجوب معرفة الالوهية، ومعرفة تفرد اللّه تعالى بها.

٢ - قوله تعالى: (إنّ في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب) - آل عمران ١٩٠ -.

قال الشيخ الطوسي: «في هذه الآية:

- دلالة على وجوب النظر والفكر والاعتبار بما يشاهد من الخلق، والاستدلال على اللّه تعالى.

- ومدح لمن كانت صفته هذه.

- وردّ على من أنكر وجوب ذلك، وزعم أن الايمان لا يكون إلا تقليداً، بالخبر.

لانه تعالى أخبر عما في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار من


الدلالات عليه، وعلى وحدانيته»(١)

وقال الشيخ الطبرسي: «وقد اشتهرت الرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنه لما نزلت هذه الايات قال: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل ما فيها»(٢) .

وفي رواية الشيخ الظواهري: «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها»(٣) .

وفي رواية الفاضل المقداد: «ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها»(٤)

وأوضح الفاضل المقداد الاستدلال على وجوب المعرفة بهذه الرواية، بقوله: «رتب الذم على تقدير عدم تدبرها، أي عدم الاستدلال بما تضمنته الآية من ذكر الاجرام السماوية والارضية، بما فيها من آثار الصنع والقدرة والعلم بذلك، الدالة على وجود صانعها وقدرته وعلمه، فيكون النظر والاستدلال واجباً، وهو المطلوب»(٥) .

٣ - قوله تعالى: (اللّه الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن اللّه على كل شيء قدير وأن اللّه قد أحاط بكل شيء علماً) - الطلاق ١٢ -.

تشير الآية الكريمة الى أن الغاية من خلق السموات والارض هي:

- معرفة قدرة اللّه تعالى.

- ومعرفة علمه سبحانه.

وبديهي ان هذه المعرفة لا تتأتى الا بالتدبر والتأمل والتفكر فيهما.

واذا كانت الغاية من خلق السموات والارض هي معرفة اللّه تعالى كما تشير الآية،

___________________________

(١) التبيان ٣/٧٨ - ٧٩.

(٢) مجمع البيان ٢/٢٩٨.

(٣) التحقيق التام ٣٥.

(٤) النافع يوم الحشر ٧.

(٥) من.


كانت معرفته أول الدين كما يقول الامام امير المؤمنين (ع) في اول خطبه النهجية.

ومن هنا كان التوحيد هو الأصل والأساس لسائر اصول الدين وجميع فروعه وشؤونه.



منهج علم الكلام

منهج البحث في علم الكلام أو الطريقة التي يعتمدها الباحث في دراسة مسائله وقضاياه، افكاره ونظرياته، يختلف باختلاف وجهات نظر علمائه ومدارسه التي تعرف بالفرق الكلامية في المنهج الذي ينبغي ان يتبع في دراسة وبحث الفكر الديني.

ويتلخص هذا في أن للمذاهب الاسلامية الكلامية خمسة مناهج معتمدة في البحث والدراسة، وهي:

١ - المنهج النقلي

٢ - المنهج العقلي

٣ - المنهج التكاملي

٤ - المنهج الوجداني

٥ - المنهج العرفاني

المنهج النقلي:

ويتمثل في الاعتماد على:

١ - اجماع الامة.

٢ - اجماع الصحابة.


٣ - سيرة الصحابة.

٤ - اجماع السلف - وهم مسلمو القرن الاول الهجري -.

٥ - الخبر المتواتر.

٦ - خبر الواحد المتلقى بالقبول، وعند بعضهم، خبر الواحد مطلقاً.

٧ - الأخذ بالنص الشرعي - قرآناً او حديثاً - بحمله على ظاهره الحقيقي من غير تأويل.

٨ - عدم جواز الحمل على المجاز.

٩ - التوقف في اعطاء الرأي:

أ - عند عدم وجود نص شرعي في المسألة.

ب - عند تعارض النصين الشرعيين وعدم وجود مرجح شرعي لاحدهما على الآخر.

ح - عند اجمال النص لانه متشابه أو لانغلاق فهم معناه أو لغيرهما.

وهو منهج أهل الحديث من الظاهرية والسلفية.

المنهج العقلي:

ويتمثل في الاعتماد على:

١ - الضرورة العقلية (بداهة العقول).

٢ - سيرة العقلاء.

٣ - البديهيات العقلية (المنطقية) وهي: استحالة الدور واستحالة التسلسل، واستحالة اجتماع وارتفاع النقيضين.

٤ - المبادئ الفلسفية المسلم بها، مثل: مبدأ العلية، مبدأ القسمة الى الواجب والممكن والممتنع.


٥ - اعتبار النصوص الشرعية مؤيدة ومؤكدة لمدركات العقل واحكامه.

٦ - تأويل النصوص الشرعية التي تخالف بظاهرها مرئيات العقول وفق مقتضيات القرينة العقلية.

٧ - الأخذ بالمتشابه بتأويله في ضوء ما ينهي اليه النظر العقلاني.

وهو منهج المعتزلة ومن تأثر بهم.

المنهج التكاملي:

ويتمثل في الاعتماد على:

١ - الجمع بين العقل والنقل لانه لا تعارض بينهما في الحقيقة والواقع.

٢ - الأخذ بظاهر النص ان كان مجرداً من القرائن الصارفة، ولم يتعارض والضرورة العقلية، والا ففي ضوء ما يقترن به من قرائن نقلية أو عقلية، لفظية او معنوية.

٣ - آيات القران يفسر بعضها بعضاً ويقرن بعضها البعض.

٤ - السنة القطعية تقرن القران وتفسره.

٥ - الأثر المنقول لا يعارض القرآن حتى ولو كان صحيحاً وفق قواعد علمي الرجال والحديث.

فإذا لم يمكن تأويله، تسقطه المعارضة من الاعتبار.

٦ - جواز التأويل عند وجود ما يقتضيه.

٧ - الحمل على المجاز مع وجود القرينة الداعية لذلك.

٨ - تفسير المتشابه بالمحكم او تأويله في ضوء المعقولات المرعية. وهو منهج الامامية والاشاعرة ومن سار في هديهما.

المنهج الوجداني:

ويتمثل في اعتماده على سلوك الطرق المؤدية الى تصفية الباطن واستكمال الظاهر،


بغية الفناء في الوصول الى مرحلة الحب الالهي.

وهو منهج الصوفية.

المنهج العرفاني:

وهو منهج تكاملي ايضاً يتمثل في الاعتماد على الجمع بين العقل والنقل والوجدان، فيأخذ من كلٍّ بطرف في حدود ما يتوصل به الى مستوى المعرفة المطلوبة.

وهو منهج الاسماعيلية.

ونهجه ايضاً غير واحد من علماء الفرق الأخرى.

وسأنتهج وسع الطاقة المنهج التكاملي في ما ابديه من ملاحظات، وفيما أقوم به من معالجات ومناقشات.. وباللّه التوفيق، ومنه العون.


مصطلحات علم الكلام

تحت هذا العنوان رأيت أن أعرّف - قيل البدء بدراسة موضوعات علم الكلام تعريفاً مختصراً أهم المصطلحات التي يتردد ذكرها في لغة علم الكلام ومحاورات اساتذته وطلابه، وأن أقدم بياناً مختصراً أيضاً لأهم المسائل التي لها ارتباط بقواعد العقائد وقضاياها، لينطلق القارئ والدارس فيه بيسر ومن غير عناء مراجعةٍ خارج الكتاب لفهم ذلك، ولئلا اثقل هوامش الكتاب «بذكرها تعريفاً أو بياناً عند ورودها فيه.. وهي:

- الآن

- الابعاد والامتداد

- الاخلاط الاربعة

- الارادة التكوينية والتشريعية

- الازلي والابدي والسرمدي

- الاقتضاء واللااقتضاء

- الاكوان الاربعة

- الجوهر والعرض

- الحكمة والحكماء


- الخارجي والذهني

- الخلاء والملاء

- الدور والتسلسل

- عالم المثال

- العدم المطلق والمقيد

- العقل النظري والعملي

- العلم الحضوري والحصولي

- العلة والمعلول

- العناصر الاربعة

- القديم والحادث

- اللاهوت والناسوت

- اللطف المقرب والمحصل

- الماهية والوجود

- المواد الثلاث

- النسبة الغيرية

- الوجود الظلي

الآن

هو اللحظة بالنسبة الى الزمان كالنقطة بالنسبة الى المكان، لا امتداد لها ولا مدة، وانما هي الحد المشترك بين مدتين متعاقبتين.

أ - الأبعاد الثلاثة: الطول. العرض. العمق (= الارتفاع).


ب - الامتداد: أحد الأبعاد الثلاثة.

الاخلاط الاربعة، هي أمزجة الانسان الاربعة: الصفراء. السوداء. البلغم. الدم.

قسم المتكلمون الارادة الالهية المتعلقة بأفعال الانسان قسمين:

١ - الارادة التكوينية:

وقد تسمى الكونية أيضاً، لانها ترتبط بالجانب الكوني أو التكويني من أفعال الانسان.

وفحواها: أن فعل العبد لا يقع منه الا بارادة اللّه تعالى، ذلك ان اللّه تعالى اذا أراد وقوع الفعل تعلقت ارادته الحتمية بجميع مقدمات الفعل والتي منها الاختيار، فيقع الفعل حتماً.

وعندما لا يريد تعالى وقوع الفعل من العبد يبطل بعض المقدمات فيعجز العبد عن إيقاعه.

فالعبد - هنا - دائماً مقهوراً في فعله تحت ارادة اللّه لان بيده الاختيار فقط الذي هو موهوب من اللّه تعالى، وباقي المقدمات خارجة من يده، فان تمت واختار العبد وقع الفعل والا فلا».

٢ - الارادة التشريعية:

وقد تسمى الشرعية أيضاً، لانها ترتبط بالجانب الشرعي أو التشريعي من أفعال الانسان.

وهي نفس الاوامر والنواهي الشرعية أو التشريعية «والتشريع هو تعليم اللّه تعالى عباده كيفية سلوكهم في طريق العبودية.


وهذه لا تأثير لها في شيء من أفعال العباد، الا ان لها شأنية بعثهم للافعال والتروك»(١) .

الأزلي والأبدي والسرمدي

أ - الازلي: ما لا أول له.

ب - الابدي - ما لا آخر له.

ح - السرمدي: ما لا أول له ولا آخر.

وهي جميعها خارجة عن مقولة الزمان.

والاقتضاء واللا إقتضاء

٢ - الاقتضاء: الدلالة. الصلاحية.

ب - اللااقتضاء: عدم الصلاحية.

الاكوان الأربعة

الاكوان الاربعة: هي الحركة. السكون. الاجتماع. الافتراق.

الحركة: هي كون الجسم في حيزٍ بعد كونه في حيزٍ آخر، أي انتقال الجسم من مكان الى آخر.

السكون: هو كون الجسم في حيزٍ بعد كونه في ذلك الحيز، أي استمرار بقاء الجسم في مكانه.

الاجتماع: هو كون الجسمين في حيزين على وجه لا يمكن ان يتخلل بينهما جوهر.

الافتراق: هو كون الجسمين في حيزين على وجه يمكن ان يتخلل بينهما جوهر.

_____________________

(١) انظر: تعليقة السيد هاشم الحسيني الطهراني على توحيد الصدوق ص ٦٤.


الجوهر والعرض

ينقم الموجود الممكن الى: جوهر وعرض.

الجوهر:

اختلفت عبارات المتكلمين في تعريفه:

فقال بعضهم: الجوهر: هو المتحيز(١) .

وزاد عليه بعضهم (بذاته) فقال: الجوهر: هو المتحيز بذاته(٢) وقال آخر: الجوهر: هو الذي يوجد قائماً بذاته(٣) .

وعرّفه الحكماء:

الموجود لا في موضوع(٤) .

وعرّفوه أيضاً:

ما استغنى في وجوده عن الموضوع(٥) .

وتعريفا الحكماء وكذلك التعريف الاخير للمتكلمين تعطينا معنى واحداً، وذلك لان الوجود لا في موضوع هو الاستغناء في الوجود عن الموضوع، وكذلك ان يوجد قائماً بذاته يعني لا في موضوع.

أما التعريف بالمتحيز فهو المختلف عنها.

____________________

(١) النكت الاعتقادية ٣٨٤.

(٢) التحقيق التام ٤٣.

(٣) قواعد العقائد للطوسي ٤٣٩.

(٤) كشف المراد ١٠٠.

(٥) بداية الحكمة ٩١.


والذي يظهر لي ان التعريف بالتحيز جاء مما يذهب اليه جمهور المتكلمة، من ان الجوهر هو الجسم - كما سيأتي - ، ومن خصائص الجسم التحيز.

ومن هنا ندرك ان استغراب السيد الشهرستاني في تعليقته على تعريف الشيخ المفيد في (النكت الاعتقادية) للجوهر بالمتحيز استغراب في غير موضعه.

اما التعريفات الاخرى التي أخذت في تحديد الجوهر وجوده لا في موضوع، فهي آتية مما ذهب اليه الحكماء من أن الجوهر ليس الجسم فقط، وانما هناك العقل والنفس والصورة والهيولى اقساماً اخرى للجوهر، وفيها ما هو غير متحيز.

وقد يلاحظ هنا ان التعريف الكلامي القائل: ان الجوهر هو الذي يوجد قائماً بذاته ربما كان متأثراً بتعريف الحكماء، وهو من الخلط او التداخل الذي نراه غير قليل في كتابات المتكلمين، وربما لأن من المتكلمة من يقسم الجوهر الى: جسم، وجوهر فرد (وهو الجزء الذي لا يتجزأ، الذي يتألف منه الجسم)، والجوهر الفرد لا يتحيز لخلوه من الابعاد الثلاثة (الطول والعرض والعمق) فأراد أن يعطي التعريف الشمولية له.

العرض:

الذين عرّفوا الجوهر بأنه المتحيز، عرّفوا العرض بأنه الحال بالمتحيز. ومن عرف الجوهر بانه المتحيز لذاته، عرّف العرض بالمتحيز تبعاً لغيره.

ومن قال: ان الجوهر هو الذي يوجد قائماً بذاته، قال: العرض: هو الذي لا يوجد قائماً بذاته.

والحكماء الذين عرفوا الجوهر: هو الموجود لا في موضوع، عرفوا العرض بالموجود في موضوع.

والآخرون الذين عرفوا الجوهر بما استغنى في وجوده عن الموضوع، عرفوا العرض بما افتقر في وجوده الى موضوع. ونخلص من هذا الى ان تعريف الجوهر كلامياً هو: الموجود القائم بذاته كالاجسام.

والعرض هو الموجود القائم بغيره كالألوان القائمة بالأجسام.


انواع الجواهر:

المعروف بين الكلاميين القائلين بنفي الجوهر الفرد أن الجوهر هو الجسم فقط.

أما القائلون بالجوهر الفرد فيقسمون الجوهر الى: الجسم والجوهر الفرد.

ويعرفون الجسم: الجوهر القابل القسمة الى الابعاد الثلاثة ( الطول والعرض والعمق).

والجوهر الفرد: الجوهر غير القابل القسمة الى الابعاد الثلاثة. والجسم عند المتكلمة القائلين بالجوهر الفرد مؤلف من اجزاء لا تتجزأ، كل جزء هو جوهر فرد.

فالجوهر الفرد - عندهم - هو الجزء الذي لا يتجزأ، والوحدة الاساسية في تأليف الجسم.

أما الشيخ المفيد فيقسم الجوهر الى أربعة اقسام هي:

النقطة والخط والسطح والجسم.

ويرى أن النقطة هي الجوهر الفرد، ولعل ذلك لانها الوحدة الاساسية في تأليف الجسم.

ويعرفها بالمتحيز الذي لا يقبل القسمة في جهة من الجهات (الابعاد الثلاثة).

ويعرّف الخط: المتحيز الذي يقبل القسمة في الطول خاصة.

والسطح: المتحيز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض خاصة.

والجسم: المتحيز الذي يقبل القسمة في الطول والعرض والعمق(١) .

والمعروف ان التحيز المستقل لا يتم إلا لذي الأبعاد الثلاثة، وهو الجسم.

أما النقطة والخط والسطح فتحيزها تابع التحيز الجسم.

_____________________

(١) النكت الاعتقادية ٣٨٤ - ٣٨٥.


ولعل رأيه في ان التحيز المأخوذ في حد الجوهر هو التحيز مطلقاً أي سواء كان أصلاً أو تبعاً للغير، كما هو ظاهر عبارته في تعريفه للجوهر حيث عرفه بالمتحيز ولم يقيده بعبارة (بذاته) كما فعل غيره.

ويقسم الحكماء الجوهر الى: الهيولى والصورة والجسم والنفس والعقل.

١ - الهيولى:

كلمة يونانية اصطلحها ارسطو على المادة الاولى.

وهي : الجوهر القابل للصورة.

و هي قوة محضة، ولا تنتقل الى الفعل الا بقيام الصورة بها.

٢ - الصورة:

ومن تعريف الهيولى ندرك ان الصورة: هي الجوهر الذي به تتحقق فعلية المادة.

٣ - الجسم:

هو ما تركب من المادة والصورة.

٤ - العقل:

هو الجوهر المجرد من المادة ذاتاً و فعلاً.

٥ - النفس: (وتسمى النفس الناطقة)

هي الجوهر المجرد عن المادة ذاتاً المتعلق بها فعلاً، لاحتياجها الى الآلة في التأثير.

انواع الاعراض:

قال النصير الطوسي: «الاعراض عند اكثر المتكلمين احد وعشرون نوعاً.

وعند بعضهم ثلاثة وعشرون نوعاً.

عشرة تختص بالاحياء وهي:


١ - الحياة.

٢ - الشهوة.

٣ - النفرة.

٤ - القدرة.

٥ - الارادة.

٦ - الكراهة.

٧ - الاعتقاد.

٨ - الظن.

٩ - النظر.

١٠ - الألم.

وأحد عشر منها تكون للاحياء وغير الاحياء وهي:

١ - الكون (وهو يشمل أربعة أشياء: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق).

٢ - التأليف.

٣ - الاعتماد (كالثقل والخفة).

٤ - الحرارة.

٥ - البرودة.

٦ - اليبوسة.

٧ - الرطوبة.

٨ - اللون.

٩ - الصوت.


١٠ - الرائحة.

١١ - الطعم.

والاثنان اللذان زاد بعضهم هما:

١ - الفناء.

٢ - الموت(١) .

أما الحكماء فذهبوا الى أن أنواع الأعراض منحصرة في المقولات التسع التي تعرف هي والجواهر بالمقولات العشر، ذكروا في تاريخها أن أول من قال بها هو أرسطو، وهي:

١ - مقولة الكم، مثل الاعداد والمقادير.

٢ - مقولة الكيف، كالحرارة والبرودة.

٣ - مقولة الاضافة، وهي النسبة العارضة لشيء بالقياس، الى شيء آخر ، كالابّوة والبنوة.

٤ - مقولة الوضع، كالقيام والقعود.

٥ - مقولة الأين، وهي نسبة الجسم الى المكان.

٦ - مقولة المتى، وهي نسبة الشيء الى الزمان.

٧ - مقولة الجدة (الملك)، وهي نسبة الشيء الى ما هو له.

٨ - مقولة الفعل (التأثير)، نحو (كسرت الزجاج) أي أثرت فعل الكسر في الزجاج.

_____________________

(١) قواعد العقائد ٤٣٩.


٩ - مقولة الانفعال (التأثر، او تقبل تأثير الفعل، مثل (كسرت الزجاج فانكسر) أي تأثر بفعل الكسر.

الحكمة والحكماء

أ - الحكمة: الفلسفة القديمة.

ب - الحكماء: الفلاسفة القدماء.

الخارجي والذهني

أ - الذهني: عالم الوعي الانساني.

ب - الخارجي: كل ما هو خارج الوعي الانساني، ومنه العالم الخارجي وهو عالم الحس او عالم الأعيان.

الخلاء والملاء

أ - الملاء، هو الفضاء المشغول بالمادة (الجسم).

ب - الخلاء: هو الفضاء الخالي من المادة (الجسم)، أو هو الفراغ الموهوم الذي يمكن ان يحل فيه الجسم.

الدور والتسلسل

الدور:

الدور: هو توقف وجود الشيء على نفسه.

شرح التعريف:

المراد من عبارة (وجود الشيء) في التعريف (المعلولية)، أي اعتبار الشيء معلولاً.

والمقصود من عبارة (نفسه): (نفس وجود الشيء) المذكور في اول التعريف،


فالضمير في العبارة يعود على (وجود الشيء)، واريد بالعبارة اعتبار الشيء علة.

فيكون مفاد التعريف: ان وجود الشيء باعتباره معلولاً يتوقف عليه نفسه باعتباره علة.

فيصير وجود الشيء علة لنفسه ومعلولاً لنفسه في آن واحد.

تقسيمه:

أ - اذا كان توقف الشيء على نفسه بلا واسطة، سمي الدور المصرح.

مثل أن نقول: (الانسان خلق نفسه).

فالانسان بافتراضه خالقاً لنفسه لا بد ان يكون موجوداً قبل أن يخلق نفسه للزوم تقدم العلة على المعلول.

ومعنى هذا أن وجوده معلولاً (مخلوقاً) توقف على وجوده علة (خالقاً).

والنتيجة ان وجوده توقف على وجوده، فهو لا يوجد مخلوقاً الا بعد أن يوجد خالقاً.

ب - واذا كان التوقف بواسطة سمي الدور المضمر. والواسطة قد تكون واحدة وقد تكون اكثر.

مثل: ان نقول: ان وجود (أ) يتوقف على وجود(ب)، ووجود (ب) يتوقف على وجود (أ).

فتكون النتيجة: ان وجود (أ) يتوقف على وجود (أ) نفسه، ولكن بواسطة (ب).

دليل استحالة الدور

واستدلوا على استحالة الدور بأنه يلزم منه اجتماع النقيضين، واجتماع النقيضين مستحيل.

ويتمثل اجتماع النقيضين في:


أ - افتراض ان الشيء الواحد يكون موجوداً ومعدوماً في آن واحد.

ب - افتراض ان الشيء الواحد في آن واحد يكون وجوده متقدماً ومتأخراً.

التسلسل:

التسلسل: هو ترتب العلل لا الى نهاية.

بمعنى ان يستند الشيء الممكن الى علة، وتلك العلة تستند الى علة، وهلم جرا الى لا نهاية.

تقسيمه:

ينقسم التسلسل على قسمين: المرتَّب وغير المرتَّب.

ثم ينقسم كل واحد منهما الى قسمين أيضاً كالتالي:

١ - التسلسل المرتب:

أ - ان يكون الترتيب فيه طبيعياً، نحو التسلسل في العلل والمعلولات، والصفات والموصوفات.

ب - ان يكون الترتيب فيه وضعياً، نحو التسلسل في الاجسام.

واستحالة هذين القسمين موضع اتفاق عند الحكماء والمتكلمين.

٢ - التسلسل غير المرتب:

أ - التسلسل في الحوادث.

ب - التسلسل في النفوس الناطقة المفارقة.

وهما غير مستحيلين عند الحكماء، ومستحيلان عند المتكلمة.

دليل استحالة التسلسل:

ذكروا لبطلان التسلسل واستحالته اكثر من دليل، وأخصرها عبارة وأيسرها تناولاً


وأقصرها في الوصول الى النتيجة ما قرره الشيخ المفيد، قال:

« الدليل على ذلك ان السلسلة الجامعة لجميع اجزاءٍ ممكنةٍ لا بد لها من مؤثر خارج عنها، والخارج عن جميع الممكنات هو واجب الوجود لذاته، فتنتهي السلسلة ويبطل التسلسل»(١)

الخلاصة:

_____________________

(١) النكت الاعتقادية ٣٨٨.


عالم المثال

هو العالم المتوسط بين العالم العقلي وعالم المادة والطبيعة ويسمى عالم البرزخ ايضاً.

العدم المطلق والمقيد

١ - العدم المطلق: هو المقابل للوجود المطلق.

٢ - العدم المقيد: هو الذي يكون بعد الوجود وينفيه.

العقل النظري والعملي

قسموا العقل باعتبار ما يدركه الى قسمين:

١ - العقل النظري: وقالوا: هو ادراك ما ينبغي ان يعلم.

٢ - العقل العملي: وقالوا: هو إدراك ما ينبغي ان يعمل.

العلم الحضوري والحصولي

قسموا العلم باعتبار كيفية حصول المعلوم لدى العالم على قسمين:

١ - العلم الحصولي: وهو حصول المعلوم بماهيته لدى العالم، كعلمنا بالاشياء الموجودة في العالم الخارجة عن اطار ذواتنا.

٢ - العلم الحضوري: وهو حصول المعلوم بوجوده لدى العالم، كعلم الانسان بذاته التي يشير اليها ب(أنا).

العلة والمعلول

العلة: هي ما يؤثر في غيره.


المعلول: هو الأثر الحادث عن العلة.

أقسام العلة:

قسمت العلة فلسفياً وكلامياً على أقسام متعددة باعتبارات مختلفة.

ومن ذلك:

١ - تقسيمها باعتبار الاستقلالية في التأثير واللا استقلالية الى: تامة وناقصة.

أ - العلة التامة: هي التي تستقل بالتأثير.

وضابطها: ان يلزم من وجودها وجود المعلول، ومن عدمها عدمه.

ب - العلة الناقصة: هي التي لا تستقل بالتأثير، بل تكون مشاركة لغيرها فيه.

وضابطها: ان لا يلزم من وجودها المعلول، ولكن يلزم من عدمها عدمه.

٢ - تقسيمها باعتبار مساهمتها في ايجاد المعلول الى: فاعلية ومادية وصورية وغائية.

وهو التقسيم الرباعي الارسطي المعروف منذ عهود الفلسفة الاغريقية حتى الآن.

أ - العلة الفاعلية: «هي التي تفيض وجود المعلول وتفعله».

ب - العلة المادية: هي الجزء المادي الذي يتركب المعلول منه ومن الصورة.

ح - العلة الصورية: هي الجزء الشكلي الذي يتركب المعلول منه ومن المادة، وبه تتحقق شيئية الشيء.

د - العلة الغائية: هي الغرض المتوخى من وجود المعلول.

ولنأخذ (الكرسي المصنوع من الخشب) مثالاً لتوضيح معنى كل قسم، ولبيان توزيع وظيفة كل قسم ودوره في المساهمة في ايجاد المعلول ووجوده، فنقول:

العلة الفاعلية هي (النجار) لانه الفاعل الذي صنع الكرسي. والعلة المادية هي (الخشب) لأنه المادة التي صنع منها الكرسي.


والعلة الصورية هي (الهيئة) لانها الصورة التي ظهر بها الكرسي وبان صنعه، وهي قيامه على أربع قوائم، فوقها مقعد متصل به من الوراء مسند.. والخ.

والعلة الغائية: هي الجلوس عليه، لانه الغاية المقصودة من صنعه.

تقسيم العلة الفاعلية:

ويقسم الفاعل المؤثر الى قسمين: المختار، والموجب - بفتح الجيم -.

١ - الفاعل المختار: هو الذي يمكنه الفعل والترك بالنسبة الى الشيء الواحد.

٢ - الفاعل الموجب: هو الذي يمكنه الفعل، ولكن لا يمكنه الترك.

بمعنى انه يستحيل تخلف اثره عنه، كالنار في احراقها، والشمس في اشراقها.

وربما سمي الاخير منهما: الفاعل بالاضطرار في مقابل تسمية الاول: الفاعل بالاختيار.

العناصر الأربعة

هي: الهواء والماء والتراب والنار.

يذهب الحكماء الى أن الموجودات في عالم الطبيعة، إما حيوانات أو نباتات أو جمادات.

وهذه الموجودات مركبة من العناصر الاولية الاربعة: النار والهواء والماء والتراب.

وكل عنصر من هذه العناصر الاربعة يتألف من اتحاد اثنتين من الكيفيات الاربع: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة.

فمن الحرارة واليبوسة معاً تتكون النار.

ومن البرودة والرطوبة معاً يتكون الهواء.

ومن البرودة واليبوسة معاً يتكون التراب.

ومن البرودة والرطوبة معاً يتكون الماء.


القديم والحادث

١ - القديم: هو الموجود الذي لم يسبق بالعدم.

٢ - الحادث: هو الموجود المسبوق بالعدم، أو هو الكائن بعد أن لم يكن.

اللاهوت والناسوت

١- اللاهوت: يطلق على عدة معان:

- الالوهية.

- علم التوحيد.

- العالم العلوي، ويعرف ب(عالم الجبروت) أيضاً.

٢ - الناسوت: يراد به:

- الانسان.

- العالم السفلي.

اللطف المقرِّب و المحصِّل

١ - اللطف المقرب: هو ما يكون المكلف معه أقرب الى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية، ولم يكن له حظ في التمكين، ولم يبلغ حد الالجاء.

٢ - اللطف المحصل: هو ما يحصل عنده الطاعة من المكلف على سبيل الاختيار، ولولاه لم يطع مع تمكنه في الحالين(١) .

_____________________

(١) كشف المراد ٢٥٤.


الماهية والوجود

الماهية:

كلمة (ماهية ) مصدر صناعي مأخوذ من عبارة (ما هو؟) او (ما هي؟) التي تقال في السؤال عن حقيقة الشيء.

ومن هنا عرّفها الحكماء بانها «ما يقال في جواب ما هو»(١) .

واستخلص الجرجاني من تعريف الحكماء المذكور تعريفاً آخر هو آن «ماهية الشيء: ما به الشيء هو هو»(٢) .

وتوضيح ذلك بالمثال نقول: إننا عندما نسأل عن حقيقة الانسان بقولنا: ما هو الانسان؟ نجاب: الانسان: جيوان ناطق.

فعبارة (حيوان ناطق) المقولة في جواب سؤالنا: ما هو الانسان، هي ماهية الانسان.

وبتعبيرآخر: ان المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة هو ماهية الانسان.

فماهية الشيء: حقيقته.

الوجود:

مفهوم الوجود هو أوضح وأجلى المفاهيم الموجودة في ذهن الانسان، ولهذا لا يمكن تعريفه تعريفاً علمياً، لان شرط التعريف ان يكون أجلى وأوضح من المعرَّف، ولا أقل من مساواته له في الوضوح، وكل ما ذكر ويذكر من تعريف للوجود هو أخفى منه. لان الوجود - كما أسلفت - لا شيء أعرف وأجلى منه، إذ لا يوجد معنى أعم منه.

____________________

(١) بدايد الحكمة ٧٥.

(٢) التعريفات: مادة ماهية.


وعلى هذا: فأي تعريف للوجود لا يضيف لمعلوماتنا عنه معلومة جديدة.

مضافاً اليه: أنه لا جنس ولا فصل أو خاصة للوجود، لانه بسيط.

وهذه - كما هو معلوم منطقياً - عناصر التعريف ومقوماته، وعند عدمها لا نستطيع التعريف تعريفاً منطقياً.

ومن هنا يكون ترك تعريفه هو الصواب.

فمفهوم الوجود هو ما نفهمه وندركه من معنى لهذه الكلمة. وبتعبير آخر: هو ما يتبادر الى اذهاننا من معنى عند سماع كلمة (وجود).

العلاقة بين الماهية والوجود:

١ - لا خلاف بينهم في أن الوجود والماهية في الخارج هما شيء واحد وذات واحدة.

وإنما الخلاف بينهم في نوعية العلاقة بينهما في عالم التصور والتعقل الذهني، وهو على قولين هما:

أ - ان العلاقة بين الماهية والوجود علاقة إتحاد.

ب - ان العلاقة بينهما علاقة تغاير.

والقول الاول هو مذهب ابي الحسن الأشعري ومشايعيه، قال: «وجود كل شيء عين ماهيته»(١) .

وفُسر قوله هذا بانه يذهب الى اتحاد الوجود والماهية، أي عدم زيادة الوجود على الماهية.

واستدل له بان الماهية - في واقعها - إما موجودة أو معدومة.

________________________

(١) التحقيق التام ٢٨.


فان كانت موجودة قبل عروض الوجود عليها يكون الوجود العارض عليها قائماً في ماهية موجودة.

وهذا يلزم منه اجتماع المثلين، وهما: المثل الاول: وجود الماهية المفروض قبل عروض الوجود عليها، والمثل الثاني: الوجود العارض عليها.

واجتماع المثلين باطل لانه محال.

وعليه يبطل القول بزيادة الوجود على الماهية، ويثبت اتحادهما، ويكون وجود الماهية هو نفس الماهية.

وان كانت الماهية معدومة قبل عروض الوجود عليها يكون الوجود العارض عليها قائماً في ماهية معدومة، فيجتمع النقيضان وهما عدم الماهية المفروض قبل عروض الوجود عليها، والوجود العارض عليها.

واجتماع النقيضين باطل لانه محال.

فيبطل القول بزيادة الوجود على الماهية، ويثبت اتحادهما فيكون وجود الماهية هو نفس الماهية.

ورُدَّ هذا الاستدلال من قبل اصحاب القول الثاني: بان الماهية من حيث هي وفي واقعها لا موجودة ولا معدومة.

فعروض الوجود عليها انما كان بما هي في واقعها، أي بما هي غير متصفة بالوجود أو العدم.

وعليه لا يلزم من عروضه عليها اجتماع المثلين أو اجتماع النقيضين.

والدليل على ان الماهية من حيث هي لا موجودة ولا معدومة: ان الماهية «لما كانت تقبل الاتصاف بانها موجودة او معدومة، او واحدة أو كثيرة، أو كلية أو مفردة، وكذا سائر الصفات المتقابلة، كانت في حد ذاتها مسلوبة عنها الصفات المتقابلة»(١)

____________________

(١) بدايد الحكمة ٧٥.


وذهب الآخرون الى القول الثاني.

وفُسر: بان الوجود زائد على الماهية عارض لها.

ومقصودهم من هذا: ان العقل يستطيع «ان يجرد الماهية عن الوجود فيعتبرها وحدها، فيعقلها، ثم يصفها بالوجود وهو معنى العروض، فليس الوجود عيناً للماهية»(١) .

والتغابر بين الماهية والوجود يتحقق في أن كلاً منهما له مفهوم غير مفهوم الآخر.

واستدل لهذا القول بأدلة منها:

أ - صحة الحمل:

وتقريره: إنا نحمل الوجود على الماهية، فنقول: (الماهية موجودة)، فنستفيد منه فائدة معقولة لم تكن حاصلة لنا قبل الحمل، وانما تتحقق هذه الفائدة على تقدير المغايرة {في المفهوم بين الماهية والوجود}، إذ لو كان الوجود نفس الماهية لكان قولنا: (الماهية موجودة) بمنزلة (الماهية ماهية) أو (الموجودة موجودة).

والتالي باطل فكذا المقدم»(٢) .

ب - صحة السلب:

وتقريره: انا قد نسلب الوجود عن الماهية فنقول: (الماهية معدومة) {أو الماهية ليست موجودة}، فلو كان الوجود نفس الماهية لزم التناقض، ولو كان جزء منها لزم التناقض ايضاً، لان تحقق الماهية يستدعي تحقق اجزائها التي من جملتها الوجود، فيستحيل سلبه عنها، وإلا لزم اجتماع النقيضين.

فتحقق انتفاء التناقض يدل على الزيادة»(٣) .

______________________

(١) بدايه الحكمة ١٣.

(٢) كشف المراد ٩.

(٣) م ن.


وصحة الحمل، وكذلك صحة السلب دليل التغاير في المفهوم كما هو مقرر في محله.

ويلخص صاحب المنظومة المسألة على القول الثاني ببيته التالي:

ان الوجود عارض الماهيه

تصوراً واتحدا هويه

يقول: ان عروض الوجود على الماهية هو في عالم التصور والتعقل فقط، وهو ما عبرنا عنه بالتغاير في المفهوم.

أما في عالم الواقع الموضوعي الذي عبر عنه بالهوية (وهي حقيقة الشيء من حيث تميزه من غيره) فهما متحدان، أي هما ذات واحدة.

الخلاصة:

ونخلص من كل هذا الى أن الوجود والماهية متغايران مفهوماً متحدان مصداقاً.

٢ - وينسق على مسألتنا المتقدمة مسألة أخرى من مسائل العلاقة بين الوجود والماهية هي مسألة الاصالة والإِعتبارية.

فبعد الفراغ من ثبوت تغاير الوجود والماهية مفهوماً، يتساءل أيهما الاصيل وأيهما الاعتباري؟؟

فهذه المسألة تقوم على ما تقدم من أن العقل يستطيع أن ينتزع من الاشياء الموجودة في الواقع الموضوعي مفهومين متغايرين هما: مفهوم الوجود ومفهوم الماهية.

فمثلاً: الانسان الموجود في الواقع الخارجي يقوى العقل على أن ينتزع منه: أنه انسان، وأنه موجود.

فالانسانية هي الماهية.

والموجودية هي الوجود.

فأي هذين المفهومين هو الأصيل؟ وايهما الاعتباري؟.. وكما اختلف في المسألة السابقة على قولين اختلف في هذه المسألة على قولين أيضاً هما:


أ - الوجود هو الأصيل والماهية اعتبارية.

ب - الماهية هي الأصيلة والوجود اعتباري.

قال بالرأي الاول المشاؤون، ونسب القول الثاني الى الاشراقيين.

واستدل للقول الاول بأدلة منها:

ان الماهية من حيث هي، مستوية النسبة الى الوجود والعدم، ولا تخرج من هذا الاستواء الى مستوى الوجود الا بالوجود، وبواسطته تترتب عليها آثارها التي هي قوام حقيقتها وكمال شيئيتها نحو الجنس والفصل والخاصة كالحيوانية والناطقية والضاحكية للانسان.

ولأن الوجود هو المخرج لها من حد الاستواء المشار اليه كان هو الأصيل.

واستدل للقول الثاني:

بأن دعوى أصالة الوجود تستلزم ان يكون الوجود الموجود في الخارج موجوداً بوجود آخر.

وعليه يلزم ان يكون لوجوده وجود، ولوجود وجوده وجود، وهكذا.

فتتسلسل الوجودات الى غير نهاية، وهو محال.

وعندما تبطل دعوى أصالة الوجود يتعين القول باعتباريته وأصالة الماهية.

ورُدَّ: بان الوجود في الخارج موجود بنفس ذاته لا بوجود آخر، فلا تسلسل.

اعتبارات الماهية:

للماهية عند الاستعمال وبلحاظ ما يقصده المستعمل منها من حيث الاطلاق والتقييد ثلاثة أقسام، تسمى في الحكمة، اعتبارات الماهية... وذلك كالتالي:

تنقسم الماهية باعتبار ما أشرت اليه على قسمين: مطلقة ومقيدة.


١ - الماهية المطلقة: وهي التي تلحظ اثناء الاستعمال بذاتها أي لا مع شيء زائد عليها.

وبتعبير آخر: تؤخذ مطلقة من التقييد بشيء سواء كان ذلك الشيء وجودياً أو عدمياً.

واصطلح عليها فلسفياً ( الماهية لا بشرط) أي غير المقيدة باشتراط شيء فيها، ولا باشتراط لا شيء فيها.

مثل: (اعتق رقبة)، فالرقبة - وهي الماهية هنا - غير مقيدة لا بوصف وجودي ولا بوصف عدمي.

٢ - الماهية المقيدة: وهي التي تقيد أثناء الاستعمال بشيء.

ولأن الشيء الذي تقيد به قد يكون وجودياً وقد يكون عدمياً قسمت على قسمين، هما:

أ - الماهية بشرط شيء: وهي المقيدة بشيء وجودي. مثل (اعتق رقبة مؤمنة)، فالرقبة هنا مقيدة بوصف وجودي وهو الايمان.

ب - الماهية بشرط لا شيء (وقد تختصر تسميتها فيقال: الماهية بشرط لا): وهي المقيدة بشيء عدمي.

مثل: (اعتق رقبة غير كافرة)، فالرقبة هنا مقيدة بوصف عدمي، وهو عدم الكفر(١) .

______________________

(١) عدلت عن المجردة ممثلاً بالمثال المذكور لأن المجردة لا موطن لها الا الذهن، والقسمة - كما رأينا - قائمة على استعمال له واقع يعايشه الناس.


الخلاصة:

الوجود الذهني:

اتفقوا في ان للماهيات وجوداً خارجياً.

وعرّفوه: بانه الوجود الذي تترتب على الماهية فيه آثارها المقومة لحقيقتها والمكملة لشيئيتها.

ولكن اختلفوا في انه هل هناك وجود آخر للماهية وراء الوجود الخارجي؟.

أو أنه ليس للماهية الا هذا الوجود الخارجي.

والمشهور بينهم أن للماهية وجوداً آخر وراء هذا الوجود الخارجي، وهو الوجود الذهني.

وعرّفوه: بأنه الوجود الذي لا تترتب فيه على الماهية آثارها.

بمعنى ان الموجود في الذهن ليس الماهية بلوازمها واحكامها التي هي مترتبة عليها في الوجود الخارجي.

وانما الموجود صورتها ومثالها المجردان عن مالها من آثار ولوازم.

«واحتج المشهور على ما ذهبوا اليه من الوجود الذهني بوجوه: أحدها: أنا نحكم على المعدومات باحكام ايجابية كقولنا: (بحر من زئبق كذا)، وقولنا: (اجتماع النقيضين غير اجتماع الضدين)، الى غير ذلك.


والايجاب اثبات، واثبات شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له.

(اذن) فلهذه الموضوعات المعدومة وجود، اذ ليس في الخارج، ففي موطن آخر، ونسميه الذهن.

والثاني: أنا نتصور أموراً تتصف بالكلية والعموم كالانسان الكلي، والحيوان الكلي.

والتصور اشارة عقلية لا تتحقق إلا بمشار اليه موجود، وإذ لا وجود للكلي التلاقي كلي في الخارج فهي موجودة في موطن آخر، ونسميه الذهن.

الثالث: أنا نتصور الصرف من كل حقيقة، وهو الحقيقة محذوفاً عنها ما يكثرها بالخلط والانضمام كالبياض المتصور بحذف جميع الشوائب الاجنبية.

وصرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرر، فهو واحد وحدة جامعة لكل ما هو من سنخه.

والحقيقة بهذا الوصف غير موجودة في الخارج، فهي موجودة في موطن آخر، نسميه الذهن»(١) .

المواد الثلاث

كل معقول (وهو الصورة الحاصلة في العقل) اذا قيس الى الوجود الخارجي، أو نسب اليه الوجود الخارجي لا يخلو واقعه من واحد من الاحكام الثلاثة التي عبّر عنها بعضهم بالمواد الثلاث وهي التالية:

١ - إما ان يكون واجب الوجود في الخارج لذاته.

٢ - واما ان يكون ممتنع الوجود في الخارج لذاته.

٣ - واما ان يكون ممكن الوجود في الخارج لذاته.

____________________

(١) بداية الحكمة ٣٦ - ٣٧.


ومعنى الوجوب - هنا - : ان يكون الوجود له ضرورياً.

ومعنى الامتناع: ان يكون العدم له ضرورياً.

ومعنى الامكان: ان لا يكون الوجود له ضرورياً، ولا العدم له ضرورياً.

ويمكننا ان نقول في ضوء هذا:

ينقسم المعقول الى قسمين:

١ - موجود.

٢ - معدوم.

وينقسم الموجود الى قسمين أيضاً:

١ - واجب الوجود لذاته.

٢ - ممكن الوجود لذاته.

وينقسم المعدوم الى قسمين أيضاً:

ممتنع الوجود لذاته.

٢ - ممكن الوجود لذاته.

الخلاصة:


خصائص الواجب لذاته:

انفرد الموجود الواجب لذاته باوصاف تلزمه، عبّروا عنها ب(خواص الواجب)، وهذه الخواص أو الخصائص هي:

١ - ان يكون وجوده واجباً لذاته.

وذلك لأنه اذا كان وجوده واجباً لغيره أو واجباً لذاته ولغيره معاً يلزم منه ارتفاع وجوده عند ارتفاع ذلك الغير، وعليه لا يكون واجباً لذاته.

٢ - ان يكون وجوده نفس حقيقته وغير زائد عليها.

وذلك لانه اذا كان وجوده زائداً على حقيقته بلزم من هذا افتقاره اليه، والمفتقر ممكن، فلا يكون واجباً لذاته.

٣ - ان لا يكون مركباً.

لان المركب مفتقر الى اجزائه، وجزء الشيء غيره، فيكون محتاجاً الى الغير، والمحتاج الى الغير ممكن فلا يكون واجباً لذاته.

٤ - ان لا يكون جزءاً من غيره.

لانه اذا كان جزءاً من غيره ينفعل بذلك الغير، فيكون ممكناً لاحتياجه اليه، وعليه لا يكون واجباً لذاته.

٥ - ان لا يكون منطبقاً على اثنين.

وذلك «لانهما حينئذٍ يشتركان في وجوب الوجود، فلا يخلو إما ان يتميزا أولا. فان لم يتميزا لم تحصل الاثنينية.

وان تميزوا لزم تركب كل واحد منهما مما به المشاركة ومما به الممايزة.


وكل مركب ممكن»(١) .

وعليه: لا يكون واجباً لذاته.

خصائص الممكن:

وكما انفرد الواجب لذاته بخصائص، كذلك انفرد الممكن لذاته بخصائص هي:

١ - ان يكون طرفا الممكن (الوجود والعدم) متساويين بالنسبة اليه، فلا يكون أحدهما أولى به من الآخر.

وذلك لانه ان امكن وقوع غير الاولى لم تكن الاولوية المفروضة كافية في الترجيح.

وان لم يكن وقوع غير الاولى، يكون الاولى - حسب الفرض - واجباً له، فيصبح الممكن - على هذا - اما واجباً او ممتنعاً، وهذا محال.

٢ - ان الممكن محتاج في حدوثه الى مؤثر.

وذلك لأن استواء الوجود والعدم بالنسبة الى ذاته يستدعي استحالة ترجيح احدهما على الآخر الا بمرجح، وهو معنى الاحتياج.

٣ - ان الممكن كما هو محتاج في حدوثه الى مؤثر كذلك هو محتاج في بقائه الى مؤثر.

وذلك لأن الامكان لازم للماهية، ومن المستحيل فصله عنها، لأن فصله عنها يستلزم انقلاب الممكن الى واجب أو الى ممتنع. ولأنه ثبت ان الاحتياج لازم للامكان، والامكان لازم لماهية الممكن.

ولان لازم اللازم لازم.

يكون الاحتياج لازماً لماهية الممكن حدوثاً وبقاء.

_________________________

(١) النافع يوم الحشر ٤١.


النسبة الغيرية

هناك من احكام الجواهر والاعراض ما يسمى بالنسبة الغيرية وهي التي تتمثل في المواد التالية:

١ - التماثل:

وهي النسبة بين المعقولين المتساويين في تمام الماهية، نحو البياضين والسوادين، ويعرفان بالمتماثلين.

٢ - التخالف:

وينقسم الى: التلاقي والتقابل.

٣ - التلاقي:

ويقع بين الشيئين الوجوديين اللذين يمكن اجتماعهما إلا أن الافتراق بينهما نشأ بسبب خارج عن ذات الشيء، كافتراق الحلاوة والسواد في السكر والفحم.

ويسميان المتخالفين، وبتعبير أصوب: المتلاقيين.

٤ - التقابل:

ويقع بين المغاير أحدهما للآخر لذاته.

ويقسم الى الاقسام الاربعة التالية:

أ - التضايف:

ويقع بين الشيئين الوجوديين اللذين يعقل كل منهما بالنسبة الى الآخر، نحو الابوة والبنوة.

ويصطلح عليهما بالمتضايفين.

ب - التضاد:


ويقع بين الشيئين الوجوديين اللذين لا يجتمعان في محل واحد، ولكن يرتفعان عنه، كالسواد والبياض.

ويعرفان بالضدين والمتضادين.

ح - العدم والملكة:

ويقعان في الشيئين اللذين أحدهما وجودي والآخر عدمي من شأنه أن يتصف محله بوجود مقابله.

وبتعبير آخر: فيه قابلية الاتصاف بالملكة، مثل العمى والبصر، فان العمى - هنا - عدم البصر الذي هو الملكة، وفي محله قابلية الاتصاف بالبصر.

وهما كما لا يجتمعان في ذات واحدة لا يرتفعان عنها.

خ - التناقض:

ويقع بين الشيئين اللذين احدهما وجودي والآخر عدمي، يمثل الوجودي طرف الايجاب أو الاثبات، ويمثل العدمي طرف السلب أو النفي، مثل الوجود والعدم.

وكذلك هما لا يجتمعان في ذات واحدة ولا يرتفعان عنها. ويعرفان بالمتناقضين والنقيضين والمتنافيين.


الخلاصة:

الوجود الظلي

هو الصادر الأول عن المبدأ الأول عند اصحاب نظرية العقول الطولية.

وهو عقل مجرد، وسمي ظلياً لافتقاره الى الوجود الواجبي وتقومه به، وعدم استقلاله دونه.

الالوهية

- الذات الالهية

- الصفات الالهية





الالوهية

الالوهية - لغة - مصدر (أَلَهَ) - بفتح عينه وكسرها، يقال: أَلَهَ وأَلِهَ إلاهة وأُلوهة وأُلوهية.

بمعنى: عَبَدَ.

ومنه قيل: الإِله بمعنى المعبود.

إلا أن الذي يفاد من استعمال كلمة (الاله) في القرآن الكريم أنه - الخالق المدبر، كما في الآية الكريمة: (لو كان فيهما آلهة الا اللّه لفسدتا)، فانها تفيد: أنه لو كان في السموات والارض اكثر من خالق مدبر لفسدتا وبطلتا، لأن كل إله - بما هو إله - له أن يعمل ارادته في الخلق والتدبير فيقع بينهم الاختلاف المؤدي الى فساد الكون.

الا أن يراد من المعبود في التعريف اللغوي: الذي يُعبد لأن منه الخلق وله التدبير.

ومن المظنون قوياً أن المعجم اللغوي أفاد المعنى المذكور للإِله، بأنه المعبود من اطلاق أبناء اللغة - وهم العرب - كلمة إله على ما كانوا يعبدون من الاوثان والاصنام، فعرّفها بالمعبود من دون ان يتنبه للاستعمال القرآني.

فالاصوب أن يقال: الاله: هو الخالق المدبر.

وتعني الالوهية - كلامياً - البحث في موضوع الذات الالهية وما يدور في فلكه من


مسائل وقضايا ترتبط بعقيدة التوحيد.

ويعرّف الاله - كلامياً - بانه مبدأ العالم وغايته، أو الذي منه المبدأ واليه المعاد.

ويطلق عليه في البحث الفلسفي مصطلح (الصانع)، وهو مصطلح أطلقه افلاطون في محاورته (طيماوس) على صانع الكون وخالقه(١) .

وتسرب من الفلسفة اليونانية الى البحوث والدراسات الكلامية الاسلامية.

كما يطلق عليه في البحث الكلامي أيضاً (الذات الالهية) أو (الذات) مجردة من القيد، و«المبدأ الاول).

ويبحث موضوع الالوهية في التالي:

١ - اثبات الذات الالهية.

٢ - اثبات الصفات الالهية.

________________________

(١) المعجم الفلسفي: مادة: صانع.

والصانع ليس من أسماء اللّه الحسنى الواردة في الحديث، و لكن وردت مادته في القرآن الكريم، قال تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع اللّه الذي اتقن كل شيء انه خبير بما تفعلون) - النمل ٨٨ -.



الذات الالهية

- منهج الاستدلال

- دليل المتكلمين

- الارشاد القرآني للاستدلال

- دليل الحكماء.


اثبات الذات الالهية

منهج الاستدلال:

نهج اكثر من مؤلف كلامي في استدلاله على اثبات الذات الالهية أو اثبات وجود اللّه تعالى منهجين كلامياً وفلسفياً.

وتتلخص خطة الأول منهما في سلوكه طريقين، اعتمد في الاول منهما (مبدأ العلية)، واعتمد في الثاني (مبدأ القسمة).

ويتلخص الاول منهما في قيامه على خطوتين، هما:

- اثبات حدوث العالم أولاً.

- ثم اثبات وجود المحدث للعالم ثانياً.

وبتعبير آخر أخصر: استدلوا بوجود الآثار على وجود المؤثر.

وبعبارة علمية: استدلوا من وجود المعلول على وجود العلة.

أما الثاني فيقوم ايضاً على خطوتين هما:

- تقسيم الموجود الى واجب لذاته وممكن لذاته، أولاً.

- ثم الاستدلال على حدوث الممكن، ثانياً.

ومن بعد تأتي النتيجة: ان للمكنات محدثاً، وهو المطلوب.


أما الحكماء أو الفلاسفة الالهيون فقد سلكوا طريق القسمة المشار إليه، إلا أن دليل الاثبات عندهم انصبّ على اثبات أن أحد القسمين واجب الوجود لذاته، وهو المطلوب.

دليل المتكلمين:

وخلاصة دليل المتكلمين الاول المعتمد على مبدأ العلية، هي:

- بدأوا دليلهم بتأليف قياس منطقي من الشكل الأول وهو:

كل جسم لا يخلو من الحوادث + وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث = كل جسم حادث.

- ثم قالوا: لا يتم الاستدلال بهذا القياس والاحتجاج بهذه الحجة الا بعد اثبات أربع دعاوى اعتمدها القياس خطواته في الوصول الى النتيجة، وهي:

أ - وجود الحوادث.

ب - حدوث الاجسام.

ح - كل جسم لا يخلو من الحوادث.

د - كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.

- واستدلوا لاثبات القضية الاولى:

بلان الاكوان الاربعة (الحركة والسكون والاجتماع والافتراق) - التي نشاهدها ونحسها تعرض للاجسام - هي امور ثبوتية لها واقع مشاهد ومحسوس.

وكما شاهدناها وأحسسنا بها تعرض للاجسام، كذلك نراها تتبدل وتتغير مع ثبوت الاجسام.

وهذا دليل على:

أ - انها امور موجودة، وهو المطلوب.

ب - انها غير الاجسام.


ح - انها لا يمكن أن توجد الا في الاجسام.

- واستدلوا للقضية الثانية:

ان الاجسام تزول وتتبدل بعضها ببعض.

وهذا التغير دليل انها محتاجة في وجودها الى غيرها، وإلا لزم الدور أو التسلسل.

واحتياجها الى غيرها دليل حدوثها.. وهو المطلوب.

- واستدلوا للقضية الثالثة:

ان كل جسم يستحيل أن يكون لا في حيز، أي لا بد من أن يشغل حيزاً.

وكون الجسم في حيز، معناه انه يستحيل أن يخلو من الحركة والسكون، لانه اما أن يستمر في حيزه فهو في سكون أو ينتقل من حيزه الى حيز آخر فهو في حركة.

كما يستحيل أن تخلو علاقته بالاجسام الاخرى من الاجتماع والافتراق، لانه اذا لم يتخلل بين الجسمين جوهر فهما في اجتماع، واذا تخلل بينهما جوهر فهما في افتراق.

وهذا يدل على أن الاجسام لا يمكن أن تخلو من الحوادث. وهو المطلوب.

واستدلوا للقضية الرابعة:

أن جميع الحوادث معدومة في الأزل.

ولأن الاجسام لا تخلو منها - كما تقدم - نقول: إن الشيء الذي لا يخلو منها لو كان موجوداً في الازل لكان خالياً عنها لانها غير موجودة في الازل.

وهذا محال لاستلزامه اجتماع النقيضين، وهما وجود الحوادث في الجسم حسب الدليل، وعدم وجودها فيه حسب الفرض.

وهذا يدل على أن ما لا يخلو من الحوادث حادث.. وهو المطلوب.

- وبعد ثبوت مفاد القضايا الاربع المذكورة تتم للقياس المذكور سلامة خطواته التي سلكها في الوصول الى النتيجة.


وعليه تكون النتيجة صحيحة.

وهذا يعني أن ما سوى اللّه تعالى - وهو ما يعرف بالعالم - حادث.

- ثم يؤلف قياس آخر تكون مقدمته الصغرى النتيجة التي توصلنا اليها في الخطوة الاولى، وهو أن نقول:

العالم حادث + وكل حادث مفتقر الى محدث = العالم مفتقر الى محدث.

- واستدلوا لاثبات المقدمة الكبرى في هذا القياس بما يلي:

أن كل حادث - بما هو حادث - لا بد له من محدث. ومحدثه إما أن يكون حادثاً، وإما أن يكون قديماً.

فإن كان حادثاً لزم منه ان يكون له محدث أيضاً، فيقال فيه ايضاً اما ان يكون محدثه حادثاٌ واما ان يكون قديماً. فان كان حادثاً، واستمر هذا في جميع حلقات سلسلة العلل، تسلسلت هذه العلل الحوادث الى لا نهاية وهو محال.

وان كان قديماً - كما هو المتعين لبطلان حدوثه كما رأينا - ثبت المطلوب لان القدم يستلزم الوجوب.

وهنا تأتي النتيجة الاخيرة، وهي:

ان للعالم موجداً.

الارشاد القرآني للاستدلال،

والى هذا النمط من الاستدلال - وهو الاستدلال بالآثار على المؤثر، أو بالموجودات على الموجد - أشارت الآية الكريمة: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) - فصلت ٥٣ - بمعنى ان النظر والتدبر والتفكر في ملكوت السموات والارض، وما فيه من آيات كونية لا بد من أنها ستنتهي الى معرفة الحق، والدلالة بوجودها على موجدها.

والى ما أرشد اليه القران الكريم في هذه الآية وأمثالها من النظر والتفكير في


مخلوقات اللّه تعالى وآياته في الآفاق وفي الانفس بغية الوصول الى معرفة أنه هو الاله الخالق المعبود وحده، يشير الامام الحسين (ع) في دعائه المعروف بدعاء يوم عرفة بما يوضح المقصود من ذلك سلوكاً وغاية، يقولعليه‌السلام : «الهي علمتُ باختلاف الآثار وتنقلات الاطوار ، أن مرادك مني أن تتعرّف إليّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء».

والآية الكريمة - كما يظهر من آخرها - أنها بعد أن ترشد الانسان وتنبهه الى النظر في المخلوق لمعرفة الخالق، تنعى على الانسان أن لم يلتفت الى طريق آخر هو الذي ينبغي ان يسلك في الوصول الى معرفة اللّه تعالى، وذلك بقوله تعالى: (أَوَ لم يكفِ بربك أنه على كل شيء شهيد).

وهو أن يرجع الانسان الى فطرته التي فطره اللّه عليها، والى وجدانه، فسيرى - وبلا شك - ان اللّه امام عينيه، وله من التجلي والظهور ما ليس هو بمتحقق في سواه من العالم الذي يعيش فيه هذا الانسان ويعايش ما فيه من حوادث وآثار، فلا ينبغي له ان يقتصر في استدلاله على اتخاذ الظاهر دليلاً على الأظهر، والجلي دليلاً على الأجلى، وانما العكس هو الأصوب.

والى هذا يشير الامام الحسين (ع) في الدعاء نفسه، يقول: «كيف يستدل بما هو في وجوده مفتقر اليك؟!.. أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ ب.. متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك؟!!.. ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك؟!.

عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً.

إلهي أمرت بالرجوع الى الآثار، فأرجعني اليك بكسوة الانوار، وهداية الاستبصار، حتى أرجع اليك منها، كما دخلت اليك منها، مصون السر عن النظر اليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، انك على كل شيء قدير».

وكذلك الآية التالية (ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار


والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل اللّه من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون) - البقرة ١٦٤ -.

فانها ترشد الى ما في هذه الآثار من دلالة عقلية على وجود مؤثرها.

وطريقة الاستدلال بالآثار على المؤثر او بحدوث العالم على صانعه، هي الطريق الذي سلكه ابو الانبياء ابراهيم الخليل (ع) لاثبات الالوهية للّه تعالى، كما حكاه القران الكريم في الآيات التاليات:

(وكذلك نُري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين* فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين* فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين* فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما أفلت قال يا قوم اني بريء مما تشركون* اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفاً وما انا من المشركين ) - الانعام ٧٥ - ٧٩.

قال الزمخشري في الكشاف: «والمعنى: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرّف ابراهيم ونبصّره ملكوت السموات والارض - يعني الربوبية والالهية - ونوقفه لمعرفتها ونرشده بما شرحنا صدره وسددنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال - وليكون من الموقنين - فعلنا ذلك، و (نُري) حكاية حال ماضية، وكان ابوه آزر وقومه يعبدون الاصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد ان ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم الى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم ان النظر الصحيح مؤدٍّ الى ان شيئاً منها لا يصح ان يكون إلهاً لقيام دليل الحدوث فيها، وإن وراءها محدثاً احدثها وصانعاً صنعها ومدبراً دبّر طلوعها وأفولها وانتقال مسيرها وسائر احوالها»(١) .

ودليل الحدوث فيها الذي أشار اليه الزمخشري هو «الافول الذي هو الغيبة المستلزمة للحركة، المستلزمة للحدوث، المستلزم للصانع تعالى»(٢) .

_________________________

(١) الكشساف ٢/٣١ - ٣٢.

(٢) النافع يوم الحشر ١٣.


وقديماً أشار الإِمام أمير المؤمنين (ع) الى هذه الطريقة - أعني الدلالة على قدم الخالق بحدوث المخلوقات، والدلالة بحدوث المخلوقات على وجود الخالق، قال: «الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده»(١) .

وقال : «الحمد للّه الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته»(٢) .

وخلاصة دليل المتكلمين الثاني:

- ايضاً بدأوا دليلهم هنا بتأليف قياس منطقي ومن الشكل الاول، وهو: كل ما سوى الواجب ممكن + وكل ممكن محدث = كل ما سوى الواجب محدث.

- ثم قالوا: لا يتم الاستدلال بهذا القياس الا بعد اثبات صحة مقدمتيه.

- واستدلوا على صحة المقدمة الاولى واثبات مؤداها بنفس دليل تقسيم الموجود الى واجب لذاته وممكن لذاته، وقد تقدم هذا في موضوع المواد الثلاث.

- واستدلوا لاثبات صحة المقدمة الثانية بأن قالوا:

إن الممكن - بما هو ممكن - محتاج في وجوده الى موجد.

وكذلك ان «الممكن لا يمكن ان يوجد حال وجوده» لان هذا من تحصيل الحاصل، وهو محال.

«فيلزم منه أن يوجد حال لا وجوده فيكون وجوده مسبوقاً بلا وجوده».

وهذا هو معنى حدوثه لان الحادث هو المسبوق بالعدم.

« واذا ثبت كون ما سوى الواجب محدثاً، وكان احتياج كل محدث الى محدث يوجده ضرورياً، ثبت ان لجميع العالم من الاجسام والاعراض وما سواهما من الممكنات محدثاً، وهو المطلوب»(٣) .

_____________________

(١) نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.

(٢) نهج البلاغة، الخطبة ١٥٢.

(٣) قواعد العقائد للطوسي ٤٤٣.


دليل الحكماء:

أما الحكماء فقالوا:

«ان الموجودات تنقسم الى واجب وممكن.

والممكن محتاج في وجوده الى مؤثر موجد.

فان كان موجده واجباً فقد ثبت ان في الوجود واجب الوجود لذاته.

وان كان ممكناً كان محتاجاً الى مؤثر آخر.

والكلام فيه كالكلام في مؤثره.. والدور محال وكذلك التسلسل»(١) فننتهي الى أن موجد الممكنات واجب الوجود لذاته.. وهو المطلوب.

والى هنا نكون قد التمسنا طريقين لاثبات الذات الالهية، هما:

١ - طريق الاستدلال العقلي.

وهو طريق المتكلمين والحكماء القائم على مبدأي العلية والقسمة.

٢ - طريق الوجدان الفطري.

وهو ادراك الانسان لوجود الذات الالهية من واقع وجدانه وبفطرته التي فطر عليها.

وهو ما أشارت اليه الآية الكريمة: (أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد)، وأوضحه الامام الحسين (ع) بقوله: (كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك... الخ).

وهنا طريق ثالث يمكننا ان نطلق عليه:

_____________________

(١) م ن.


٣ - طريق الاتصال النبوي.

وفحواه: اننا عندما نؤمن بنبوة النبي لظهور المعجز على يديه تكون نبوته دليلاً على وجود اللّه تعالى، لأن ادعاءه انه مرسل من قبل اللّه تعالى قد ثبتت صحته بالمعجز، وبثبوت صحته يثبت وجود المرسل وهو اللّه تعالى.

وهو أيسر وأخصر طريق يمكن ان يسلكه كل من ثبتت عنده نبوة النبي بالمعجر، او بالنقل المتواتر لثبوت النبوة او ثبوت الاعجاز.



الصفات الالهية

- الصفات الثبوتية

- الصفات السلبية



اثبات الصفات الالهية

إن دراسة الالوهية تعني منهجياً البحث في موضوعين هما:

١ - اثبات الوجود المطلق للذات الالهية.

٢ - اثبات الكمال المطلق للذات الالهية.

واثبات الكمال المطلق للذات الالهية يقتضي الباحث دراسة موضوعين ايضاً، هما:

١ - اثبات كل ما يقتضي وجود الكمال.

٢ - نفي كل ما يقتضي عدم الكمال.

ومُلْزِمُ هذا ان الكمال المطلق لا يتحقق الا بثبوت كل مقتضيات وجوده، وانتفاء جميع النقوص او كل مقتضيات عدمه.

من هنا قسم المتكلمون البحث في موضوع كماله تعالى على قسمين:

١ - البحث في الصفات الثبوتية.

التي تعني ثبوت كل مقتضيات وجود الكمال له تعالى كالحياة والعلم والقدرة.. والخ.

وسموها بالصفات الثبوتية في مقابل قسيمتها الصفات السلبية، ولانها أيضاً


وجودية، والثبوت يعني الوجود.

وتعرف أيضاً بالصفات الجمالية، وصفات الجمال، وذلك لثبوتها وعدم تغيرها، لان الجمال في أحد معانيه صفة قائمة في طبيعة الاشياء ثابتة لا تتغير.. وربما كان الاسم مأخوذاً من قول الامام أمير المؤمنين: (اللهم أنت أهل الوصف الجميل).

٢ - البحث في الصفات السلبية.

التي تعني انتفاء جميع النقوص أو كل مقتضيات عدم كماله تعالى. وسموها بالسلبية في مقابل قسيمتها الثبوتية.. ولانها ايضاً عدمية، والسلب يعني العدم.

وتعرف أيضاً بالصفات الجلالية، وصفات الجلال، لانها تجلّ اللّه تعالى وتنزهه عن النقص.

وتندرج كل من الصفتين الثبوتية والسلبية تحت مقسم، أو عنوان (الصفة الذاتية).

والصفة الذاتية هي قسيم الصفة الفعلية.. وكلتاهما تتقاسمان عنوان (الصفة الالهية).

وذلك أن المتكلمين درجوا على تقسيم الصفات الالهية على ما يلي:

قالوا:

نقسم الصفات الالهية على قسمين هما: الذاتية والفعلية، أو صفات الذات وصفات الفعل.

١ - ويريدون بالصفة الذاتية: تلك الصفة التي يكفي في ثبوت تحقق الاتصاف بها ثبوت الذات.

٢ - ويريدون بالصفة الفعلية: تلك الصفة التي لا يكفي في ثبوت تحقق الاتصاف بها ثبوت الذات، بل لا بد مع ذلك من فرض أمر خارج عن الذات، وهي مثل: الخالق والرازق.

- وتنقسم الصفة الذاتية على قسمين ايضاً هما: الثبوتية والسلبية.


١ - والصفة الثبوتية: تعني الاتصاف بالوصف الوجودي، نحو: القادر والعالم.

٢ - وتعني الصفة السلبية: سلب الاتصاف بما يستحيل على الذات الالهية، امثال: انه تعالى بجوهر وليس بعرض وليس بمركب، ولا شريك له.

الخلاصة:

الصفات الثبوتية

وهي:

- الوحدانية.

- الحياة.

- العلم.

- القدرة.

- التكلم.

- العدل.

وهناك صفات اخرى عدّت من الصفات الثبوتية، وهي كذلك، إلا أنه يمكننا ادراجها منهجياً وفي مجال دراستها والبحث فيها ضمن ما ينطبق عليها من عناوين الصفات الست المذكورة، وهي أمثال:

- القدم، فانه يندرج تحت الحياة.

- الادراك، فانه يندرج تحت عنوان العلم.

- السمع والبصر، فانهما يندرجان تحت عنوان العلم أيضاً لانهما من الادراك.

- الارادة: فانها تندرج تحت عنوان (العلم) أيضاً لانها العلم بما في الفعل من المصلحة الداعي لايجاده.




الوحدانية

الوحدانية: - لغة - هي: «مصدر صناعي من الوحدة بزيادة الألف والنون للمبالغة»(١) .

واصطلاحاً هي: «صفة من صفات اللّه تعالى، معناها: أن يمتنع ان يشاركه شيء في ماهيته، وصفات كماله، وأنه منفرد بالايجاد والتدبير العام بلا واسطة ولا معالجة ولا مؤثر سواه في أثرها عموماً»(٢) .

وباختصار الوحدانية ترادف التوحيد الذي يعني نفي الشريك وبطلان تعدد الآلهة.

وقد ورد استعمال هذا المصطلح وبمعناه العلمي في كلام للامام الحسين (ع) في التوحيد، قال: «استخلص الوحدانية والجبروت، وأمضى المشيئة والارادة والقدرة والعلم بما هو كائن»(٣) .

وتعني هنا البحث في اثبات وحدانية اللّه تعالى أو اثبات أنه تعالى واحد.

وفي معنى (الواحد) - لغة - يقول ابو اسحاق الزجاج: «وضع الكلمة في اللغة انما هو للشيء الذي ليس باثنين ولا اكثر منهما»(٤) .

أما معناه في الاصطلاح فيقول الزجاج: «وفائدة هذه اللفظة في اللّه - عز اسمه - انما هي تفرده بصفاته التي لا يشركه فيها احد، واللّه تعالى هو الواحد في الحقيقة، ومن سواه من الخلق آحاد تركبت»(٥) .

ويعرّفه المعجم الفلسفي ب(ما لا يقبل التعدد بحال)(٦) .

______________________

(١) المعجم الوسيط: مادة: وحد. (٤) تفسير اسماء اللّه الحسنى ٥٧.

(٢) م ن(٥) م ن.

(٣) تحف العقول ١٧٥(٦) مادة: واحد.


وفي مفردات الراغب يعرف: ب(الذي لا يصح عليه التجزي ولا التكثر)(١) .

يقول الامام امير المؤمنين (ع): «من ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله»(٢) .

ويقول أيضاً: «واحد لا بعدد».

ولعل منه أخذت مؤديات التعريفات المذكورة.

وقد ورد استعمال هذا الاسم صفة للّه تعالى في القرآن الكريم على لسان بني يعقوب: «أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت اذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد الهك وإله إبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون». البقرة ١٣٣ - -.

كما وصف اللّه تعالى نفسه في قوله: (وإلهكم إله واحد لا اله الا هو الرحمن الرحيم) - البقرة ١٦٣ -.

دليل المتكلمين:

واستدل المتكلمون على وحدانية اللّه تعالى بأن قالوا:

اننا اذا افترضنا وجود إلهين وكانا مستجمعين لشرائط الالهية التي منها القدرة والارادة.

فاننا نفترض ايضاً جواز تعلق ارادة أحدهما بايجاد المقدور وتعلق ارادة الآخر بعدم ايجاده، وذلك لأن الاختلاف في الداعي ممكن.

وعليه نقول: اذا اراد أحدهما ايجاده فاما أن يمكن من الآخر ارادة عدم ايجاده او تمتنع.

وكلا الامرين - الامكان والامتناع - محال.

_______________________

(١) مادة: وحد.

(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١.


وترجع استحالة امكان تعلق ارادة الآخر بعدم ايجاده مع تعلق ارادة الأول بايجاده إلى انه يستلزم منه وقوع ايجاده وعدم ايجاده معاً. وهو من اجتماع النقيضين. أو يستلزم لا وقوعهما معاً، وهو من ارتفاع النقيضين. وكلاهما محال. كما أنه يلزم منه أيضاً عجزهما، وهذا خلف. أما وقوع مراد أحدهما دون الآخر، فيستلزم ان يكون الذي لم يقع مراده عاجزاً، وهذا خلف. وقالوا في محالية امتناع تعلق ارادة الآخر بعدم ايجاده مع تعلق ارادة الأول، بإيجاده: إن ذلك المقدور بما انه ممكن يمكن تعلق قدرة كل من الالهين وارادته به. وعليه يكون المانع من تعلق ارادة الآخر به هو تعلق ارادة الأول فيكون الآخر عاجزاً، هذا خلف.

والنتيجة: هي بطلان تعدد الآلهة، وعنده يثبت أن الإله واحد، وهو المطلوب.

ويعرف هذا الدليل ب(برهان التمانع) لما رأيناه من أن تعلق قدرة كل منهما بالمقدور تمنع من تعلق قدرة الآخر به، والتمانع هو حصول المنع من كل طرف من الطرفين.

دليل الحكماء:

أما الحكماء فخلاصة دليلهم أن قالوا:

إن الواجب لذاته - بما انه كذلك - يمتنع أن يكون اكثر من واحد.

وذلك لانه لو كان هناك واجبان للزمهما التمايز لامتناع الاثنينية بدون الامتياز بالتعين.

ويجب ان يكون امتياز كل واحد عن غيره بغير هذا المعنى المشترك فيه، وهو الوجوب.

ولان المجتمع من هذا المعنى المشترك فيه والمعنى الذي به الامتياز لا يكون واجباً لذاته، فيلزم منه أن يكون كل واحد من المتصفين بوجوب الوجود غير متصف به، وهذا محال.


في القرآن الكريم:

ونلمس مفاد دليل التمانع الذي برهن به الكلاميون على وحدانية اللّه تعالى في الآية الكريمة: (لو كان فيهما آلهه إلا اللّه لفسدتا) - الانبياء ٢٢ -.

فهي تعني: انه لو كان في السموات والارض آلهة غير اللّه لبطلتا وفسدتا، لما يكون بين الآلهة من الاختلاف والتمانع.

وكذلك في الآية الاخرى: (ما اتخذ اللّه من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) - المؤمنون ٩١ -.

ونرى انعكاس هذا المفاد القرآني في قول الامام امير المؤمنين (ع): «واعلم يا بني انه لو كان لربك شريك لاتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبداً، ولم يزل».

وينسق على البحث في موضوع (الوحدانية) البحث في كيفية خلقه الخلق وصدور هذه الكثرة عنه تعالى، وهو ما يعرف ب:

نظرية الواحد لا يصدر عنه الا واحد

مؤدى هذه النظرية: أن الفاعل اذا كان واحداً لا يمكن ان يصدر عنه من جهة واحدة الا معلول واحد.

وقد ذهب جلّ متكلمة وفلاسفة المسلمين الى انطباق وتطبيق هذه النظرية على المبدأ الاول لانه واحد، ولا تكثر فيه، فقالوا: لا بد أن يكون الصادر الاول عنه واحداً وفي سلسلةٍ تتكثر فيها الجهات لتعطي الكثرة.

ولما للموضوع من أهمية رأيت أن أكون معه في سخاء البحث اكثر من لداته، فأبدأ معه


منذ نشوء النظرية متعرفاً سبب النشأة ثم ما طرأ على النظرية من تطور وما وجه لها من نقد.

وأجلى وأخصر عرض تاريخي أبان عن نشأة النظرية وسببها - فيما لدي من مراجع - هو ما ذكره ابن رشد في كتابه (تهافت التهافت). ولهذا فضّلت ان انقله هنا بنصه مكتفياً به مع التصرف اليسير بحذف زوائده اختصاراً.

يقول ابن رشد : «وهذه القضية القائلة : (ان الواحد لا يصدر عنه الا واحد)، هي قضية اتفق عليها القدماء من الفلاسفة حين كانوا يفحصون عن المبدأ الاول للعالم بالفحص الجدلي وهم يظنونه الفحص البرهاني.

فاستقر رأي الجميع منهم على :

- أن المبدأ واحد للجميع.

- وأن الواحد يجب أن لا يصدر عنه الا واحدفلما استقر عندهم هذان الاصلان طلبوا من اين جاءت الكثرة ؟ ! وذلك بعد أن بطل عندهم الرأي الأقدم من هذا، وهو أن المبادئ الأول اثنان : احدهما للخير والآخر للشر.

فلما تقرر بالآخرة عندهم ان المبدأ الاول يجب ان يكون واحداً، ووقع هذا الشك في الواحد أجابوا باجوبة ثلاثة :

- فبعضهم زعم أن الكثرة انما جاءت من قبل الهيولى.

- وبعضهم زعم ان الكثرة إنما جاءت من قبل كثرة الآلات.

- وبعضهم زعم ان الكثرة إنما جاءت من قبل المتوسطات.

وأما المشهور اليوم فهو ضد هذا، وهو أن الواحد الاول صدر عنه صدوراً اولاً جميع الموجودات المتغايرة.

وأما الفلاسفة من أهل الاسلام كأبي نصر (الفارابي) وابن سينا فلما سلموا لخصومهم : ان الفاعل في الغائب كالفاعل في الشاهد، وان الفاعل الواحد لا يكون منه الا مفعول واحد.

وكان الاول عند الجميع واحداً بسيطاً، عسر عليهم كيفية وجود الكثرة عنه، حتى اضطرهم الأمر ان لا يجعلوا الاول هو محرك الحركة اليومية.


بل قالوا : ان الاول هو موجود بسيط، صدر عنه محرك الفلك الاعظم.

وصدر عن محرك الفلك الاعظم الفلك الاعظم ومحرك الفلك الثاني الذي تحت الاعظم، إذ كان هذا المحرك مركباً من ما يعقل من الأول وما يعقل من ذاته.

وهذا خطأ على اصولهم، لأن الفاعل والمفعول هو شيء واحد في العقل الانساني فضلاً عن العقول المفارقة.

وهذا كله ليس يلزم قول ارسطو، فان الفاعل الواحد الذي وجد في الشاهد يصدر عنه فعل واحد، ليس يقال مع الفاعل الاول الا باشتراك الاسم.

وذلك ان الفاعل الاول الذي في الغائب فاعل مطلق، والذي في الشاهد فاعل مقيد.

والفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق، والفعل المطلق ليس يختص بمفعول دون مفعول».(١) .

ونستخلص من هذا النص النقاط التالية :

١ - قدم النظرية، ذلك انها ترجع في تاريخ نشوئها الى عهود الفلسفة الاغريقية.

٢ - ان سبب نشأتها يرجع الى أن الفلاسفة اليونانيين كانوا يذهبون الى ثنائية المبدأ الاول فيعتقدون باله للخير وإله للشر، ثم قالوا بوحدانية المبدأ الاول، وبالمقارنة بين وحدته وكثرة العالم المخلوق له جاء سؤال : (كيف تصدر هذه الكثرة عن تلك الوحدة) يفرض نفسه عليهم، فذهبوا يلتمسون له الاجابة.

٣ - ثم تسربت النظرية من عالم الفلسفة اليونانية الى عالم الفلسفة الاسلامية، فقال بها ابو نصر الفارابي (ت ٣٣٩ هجري) وابن سينا (ت ٤٢٨ هجري).

٤ - ثم تطورت النظرية في عصر ابن رشد (ت ٥٩٥ هجري) الى أن الواحد الاول

____________________

(١) تهافت التهافت ٢٩٦ - ٣٠٢.


صدر عنه مباشرة وبلا واسطة جميع الموجودات المتغايرة.

ويعلل ابن رشد ذلك بان الفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول.

- ثم اننا اذا مشينا مع النظرية نستقرئ تاريخها في عصر ابن رشد أيضاً، سوف نرى ان من الحكماء المسلمين غير ابن رشد، من نقد النظرية، وذهب الى القول ببطلانها، أمثال فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هجري).

- ومن بعده تعود النظرية فتتركز على يد نصير الدين الطوسي (ت ٦٧٢ هجري).

- ويأتي بعده العلامة الحلي (ت ٧٦٢ هجري) فينقد النظرية، ويذهب الى القول بالفرق بين الفاعل المختار فلا يشمله حكم هذه النظرية، والفاعل بالاضطرار فتصدق عليه.

- وفي عصرنا هذا يذهب الشيخ آل شبير الخاقاني (ت ١٤٠٦ هجري) (الى تفصيل آخر في المسألة، وهو : جواز صدور الكثرة عن الواحد في الواجب المطلق وعدم الجواز في الممكنات.

وسنرى بشيء من التفصيل مؤديات وحجج الآراء في المسألة :

حجة القائلين بها :

يقول الرازي : « واحتجوا لذلك بأن مفهوم كون الفاعل الواحد علة ومصدراً لأحد المعلولين غير مفهوم كونه علة ومصدراً للآخر. والمفهومان المتغايران ان كانا داخلين في ماهية المصدر لم يكن المصدر مفرداً بل يكون مركباً.

وان كانا خارجين كانا معلولين فيكون الكلام في كيفية صدورهما عنه كالكلام في الأول فيفضي الى التسلسل.

وان كان أحدهما داخلاً والآخر خارجاً كانت الماهية مركبة لأن الداخل هو جزء الماهية، وما له جزء كان مركباً، وكان المعلول أيضاً واحداً لأن الداخل لا يكون


معلولاً»(١) .

وقرر السيد الطباطبائي (ت ١٤٠١ هجري) دليل (ان الواحد لا يصدر عنه الا واحد) ب «أن من الواجب ان يكون بين العلة ومعلولها سنخية ذاتية ليست بين الواحد منها وغير الآخر، والا جاز كون كل شيء علة لكل شيء، وكل شيء معلولاً لكل شيء، ففي العلة جهة مسانخة لمعلولها هي المخصصة لصدوره عنها، فلو صدرت عن العلة الواحدة وهي ليست لها في ذاتها الا جهة واحدة معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة الى جهة واحدة بوجه من الوجوه لزمه تقرر جهات كثيرة في ذاتها، وهي ذات جهة واحدة، وهذا محال»(٢) .

ولأن القائلين بهذه النظرية يؤمنون بان العالم وهو كثير صدر عن المبدأ الأول تعالى وهو واحد، بينوا مقصودهم من قولهم : (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) دفعاً لما قد يتوقعونه من اشكال يورد عليهم، وحاصله : اذا كان الواحد لا يصدر عنه الا واحد، كيف اذاً صدرت هذه الكثرة عنه ؟ !

فقالوا : « انما قلنا : إن الواحد لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد.

أما اذا تكثرت الجهات فقد يصدر عنه من تلك الجهات المتكثرة، ولا يكون ذلك مناقضاً لقولنا : لا يصدر عنه الا واحد»(٣)

والى المعنى المذكور في توجيه النظرية ودفع الاشكال أشار السيد الطباطبائي بعد تقريره مؤدى النظرية بما نقلناه عنه، بقوله : ويتبين من ذلك : ان ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير فان في ذاته جهة كثرة».

وقد اختلفوا في تقرير وتصوير تكثر الجهات، فانبثق عن هذا اكثر من نظرية منها :

١ - نظرية المُثُل الافلاطونية :

______________________

(١) تلخيص المحصل ٢٣٧.

(٢) بداية الحكمة ١١٧.

(٣) تلخيص المحصل ٥٠٩.


نسبت الى افلاطون (ت ٣٤٨ ق. م) لأنه هو الذي بلورها، بعد أن مهد لنضجها على يديه من تأثر بهم ممن سبقه أمثال استاذيه بهرقليطس وبرمنيدس، والفيتاغوريين، واستاذه سقراط (ت ٣٩٩ ق. م)، واعتبرها هي الصادر الأول عن المبدأ الأول. وتبناها اتباعه الاشراقيون فأثبتوا أن في عالم الجبروت عقولاً عرضية لا علية ولا معلولية بينها، يحاذي كلُّ عقل منها نوعاً من الأنواع المادية الموجودة في عالم الناسوت هو الذي يدبره بواسطة صورته النوعية فيخرجه من القوة الى الفعل.

ومن هنا سميت هذه المثل ب(أرباب الأنواع) أيضاً.

٢ - نظرية العقول الفلكية :

التي تبلورت على يد المعلم الثاني الفارابي متأثرة بنظرية العقل بالفعل التي قال بها المعلم الأول أرسطو (ت ٣٢٢ ق. م) والتي عرفت فيما بعد لدى المشائيين بنظرية العقل الفعال الذي هو الصادر الأول عن المبدأ الأول عند ارسطو.

وخلاصة هذه النظرية :

«ان الوجود الأول يفيض وجود الثاني».

وهذا الثاني جوهر غير جسمي ولا هو في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول.

وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثالث، وبما هو متجوهر بذاته التي تخصه يلزم عنه وجود السماء الأولى.

والثالث أيضاً وجوده لا في مادة، وهو بجوهره عقل، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الكواكب الثابتة، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود رابع.

وهذا أيضاً (يعني الرابع) لا في مادة، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه كرة زحل، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود خامس.

وهذا الخامس أيضاً وجوده لا في مادة، فهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما


يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة المشتري، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سادس.

وهذا أيضاً (يعني السادس) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته، يلزم عنه وجود كرة المريخ، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سابع.

وهذا أيضاً (يعني السابع) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة الشمس، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثامن.

وهو أيضاً (يعني الثامن) وجوده لا في مادة ويعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به في ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الزهرة، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود تاسع.

وهذا أيضاً (يعني التاسع) وجوده لا في مادة ويعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به في ذاته يلزم عنه وجود كرة عطارد، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود عاشر.

وهذا أيضاً (يعني العاشر) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة القمر، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود حادي عشر.

وهذا الحادي عشر هو - أيضاً - وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، ولكنه عنده ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجد ذلك الوجود الى مادة وموضوع أصلاً، وهي الأشياء المفارقة التي هي في جواهرها عقول ومعقولات.

وعند كرة القمر ينتهي وجود الاجسام السماوية، وهي التي بطبيعتها تتحرك دوراً»(١) .

____________________________

(١) موسوعة الفلسفة ٢ / ١٠٥ نقلاً عن آراء اهل المدينة الفاضلة للفارابي ط ٣ بيروت سنة ١٩٧٣ م ص ٦١ -٦٢.


والنظرية - كما ترى - مرتبطة ارتباطاً اساسياً بنظرية الكواكب السيارة السبعة القديمة.

وهذا يعني أن الفلكيين القدامى لو كانوا قد توصلوا الى وجود اكثر من هذه السبعة - كما هو الحال الآن حيث وصل العدد الى اكثر من عشرة - لقالوا بعقول ومعقولات بعددها أيضاً، فتصل العقول في النظرية الى أكثر من أحد عشر.

وهذا يدل على شيء ليس بالصغير من الوهن الذي تعاني منه النظرية.

ونجد صدى هذه النظرية - كما ألمحت - عند ابن سينا، فقد جاء في كتابه (الاشارات والتنبيهات)(١) : «فمن الضروري اذاً ان يكون جوهر عقلي يلزم عنه : جوهر عقلي وجرم سماوي، ومعلوم أن الاثنين انما يلزمان من واحد من حيثيتين.

وتكثر الاعتبارات والجهات ممتنع في المبدأ الأول، لانه واحد من كل جهة، متعال عن أن يشتمل على حيثيات مختلفة واعتبارات متكثرة، وغير ممتنع في معلولاته، فاذن لم يمكن أن يصدر عنه أكثر من واحد، وأمكن أن تصدر عن معلولاته».

ولعله لما اشرت اليه من الوهن الذي تعاني منه نظرية العقول الفلكية عدل المتأخرون من الحكماء عن ربط النظرية بالافلاك السماوية الى ما يعرف بنظرية العقول الطولية.

٣ - نظرية العقول الطولية :

وفحوى هذه النظرية كما يحرره السيد الطباطبائي هو : أن «أول صادر منه تعالى عقل واحد يحاكي بوجوده الواحد الظلي وجود الواجب تعالى في وحدته.

ثم ان (هذا) العقل الأول وان كان واحداً في وجوده بسيطاً في صدوره، لكنه لمكان امكانه تلزمه ماهية اعتبارية غير أصيلة، لأن موضوع الامكان هو الماهية، ومن وجه آخر هو يعقل ذاته ويعقل الواجب تعالى فتتعدد فيه الجهة، ويمكن ان يكون لذلك مصدراً لأكثر من معلول واحد.

__________________

(١) ص ٦٤٥.


لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأول، فلا بد من صدور عقل ثان ثم ثالث، وهكذا حتى تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال.

فتبين أن هناك عقولاً طولية كثيرة، وان لم يكن لنا طريق الى احصاء عددها»(١) .

إشكال ورد :

وأشكل عليهم : أن هذا يستلزم نسبة العجز الى اللّه تعالى لأنه تحديد لقدرته المطلقة.

فأجابوا : بان العجز ليس في الفاعل وانما هو في القابل، ويحرر ذلك السيد الطباطبائي بقوله : «وليس في ذلك تحديد للقدرة المطلقة الواجبية التي هي عين الذات المتعالية، وذلك لأن صدور الكثير، من حيث هو كثير، من الواحد، من حيث هو واحد، ممتنع.

والقدرة لا تتعلق الا بالممكن، وأما المحالات الذاتية الباطلة الذوات كسلب الشيء عن نفسه والجمع بين النقيضين ورفعهما مثلاً، فلا ذات لها حتى تتعلق بها القدرة، فحرمانها من الوجود ليس تحديداً للقدرة وتقييداً لاطلاقها»(٢)

نقد النظرية :

بعد ما ذكرته آنفاً مما حرره الفخر الرازي من حجة القائلين بالنظرية لاثبات أن الواحد لا يصدر عنه الا واحد.

رد عليهم ونقد النظرية نقداً استهدف منه ابطال النظرية، قال : «والجواب أن مؤثرية الشيء في الشيء ليست أمراً ثبوتياً على ما بيناه - من أنها من الأعراض النسبية فهي اعتبارية -واذا كان كذلك بطل أن يقال إنه جزء الماهية أو خارج عنها».

ومن نقد النظرية العلامة الحلي وبنفس المفاد الذي أفاده الفخر الرازي، قال :

____________________

(١) بداية الحكمة ٢٤٢ - ٢٤٣.

(٢) م.ن.


«وأقوى حججهم : أن نسبة المؤثر الى أحد الأثرين مغايرة لنسبته الى الآخر، فان كانت النسبتان جزئية كان مركباً، والا تسلسل.

وهي عندي ضعيفة لأن نسبة التأثير والصدور يستحيل أن تكون وجودية والا لزم التسلسل.

وان كانت من الأمور الاعتبارية استحالت هذه القسمة عليها»(١)

آراء أخرى في المسألة :

وفي العرض التاريخي لنشأة النظرية وتطورها المحت الى آراء جدت في مسألة صدور الكثرة عن الواحد، منها :

رأي ابن رشد :

ومن أقدمها رأي ابن رشد القائل بأن المبدأ الأول صدر عنه جميع الموجودات المتغايرة مباشرة وبلا توسط عقول اخرى في البين ويعلل ابن رشد ذلك بان الفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول.

رأي الرازي :

والرازي (ت ٦٠٦ هجري) وهو من معاصري ابن رشد (ت ٥٩٥ هجري) ذهب أيضاً الى إلغاء النظرية، قال : «العلة الواحدة يجوز أن يصدر عنها اكثر من معلول واحد عندنا خلافاً للفلاسفة والمعتزلة»(٢) . ونلمس فرقاً بين رأي الرازي ورأي ابن رشد نفيده من ظاهر كل نص من نصيهما المذكورين هنا، وهو :

١ - ان الذي يظهر من ابن رشد أن فحوى النظرية لا يتم في الفاعل المطلق، أما غير الفاعل المطلق فالنص لم يتعرض له.

٢ - والذي يظهر من الرازي إلغاء فحوى النظرية مطلقاً في الفاعل المطلق وغيره.

__________________

(١) كشف المراد ٨٤.

(٢) تلخيص المحصل ٢٣٧.


رأي العلامة الحلي :

وذهب العلامة الحلي الى التفصيل في المسألة بين الفاعل المختار فيجوز أن يتكثر أثره مع وحدته، وبين الفاعل المضطر (الموجب) فلا يجوز أن يتكثر أثره مع وحدته ووحدة الجهة.

قال شارحاً قول النصير الطوسي : «ومع وحدته - يعني الفاعل - يتحد المعلول»، قال : «أقول : المؤثر إن كان مختاراً جاز أن يتكثر أثره مع وحدته.

وإن كان موجباً فذهب الأكثر الى استحالة تكثر معلوله باعتبار واحد»(١) .

رأي الشيخ الخاقاني :

وممن فصل في المسألة الشيخ آل شبير الخاقاني (ت ١٤٠٦ هجري)، فقد ذهب الى جواز صدور الكثرة عن الواحد في الواجب المطلق، وعدم الجواز في الممكنات، كما حكاه عنه نجله الأكبر اخونا الشيخ محمد الخاقاني في كتابه (نقد المذهب التجريبي).

قال في ص ٢٣٢ : «تمسك الفلاسفة التقليديون بنظرية الواحد لا يصدر عنه الا واحد طبقاً لوجود السنخية بين العلة والمعلول، ووجود علاقة بينهما، فاذا فقدت العلاقة والارتباط بين العلة والمعلول لما استدعت العلة وجود معلول معين، ولاختل نظام مبدأ العلية والسببية.

وتقع مناقشة علمية اخرى، وهي : ان الواجب المطلق واحد وأن العالم متعدد، ولا يعقل أن يصدر التعدد من الواحد فيلزم اما وحدة العالم أو تعدد الآلهة.

وقد أجاب سماحة الوالد : ان من كمال الابداع التكويني صدور الكثرة من الواحد.

ولا يستلزم الاشكال أصلاً في خصوص ذات الواجب، وانما الاشكال يمكن

__________________

(١) كشف المراد ٨٤.


تصويره بالقياس الى الممكنات التي في واقعها الفقر الذاتي دون الغناء الذاتي.

وبهذا العرض يتنور لديك حقيقة الأمر بانه لسنا في حاجة الى التمسك بان المعلول الصادر من قبل مبدأ العلة الأولى ان يكون المعلول واحداً لكفاءة العلة وصلاحيتها أن توجد عدة معاليل في عرض واحد من غير حاجة الى الطولية بالقياس الى المطلق، وان كان الاشكال محققاً في جانب الممكنات».

الخلاصة :

ونخلص مما تقدم الى أن الأقوال في المسألة هي :

١ - الواحد لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد.

٢ - الواحد مطلقاً يصدر عنه الكثير.

٣ - الواحد المطلق يصدر عنه الكثير.

٤ - الواحد المختار يصدر عنه الكثير، والواحد الموجب لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد.

٥ - الواحد المطلق يصدر عنه الكثير، والواحد الممكن لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد.

الحياة

تعريف الحياة :

اختلفوا في تعريف الحياة على أقوال :

١ - فذهب الحكماء وأبو الحسين البصري من المعتزلة الى أن الحياة : هي صحة اتصاف الذات المقدسة بالعلم والقدرة(١) .

__________________

(١) النافع يوم الحشر ٢٤.


٢ - وذهب آخرون الى أن الحياة: صفة تقتضي اتصاف الذات بالقدرة والعلم.

وبعبارة اخرى: الحياة: ما من شأنه أن يوصف الموصوف به بالقدرة والعلم.

٣ - وقال العلامة الحلي: «معنى كونه حياً هو أنه لا يستحيل أن يقدر ويعلم»(١) .

٤ - ويقول السيد الطباطبائي: «الحي عندنا: هو الدرّاك الفعّال» ثم يقول مفرّعاً عليه: «فالحياة: مبدأ الادراك والفعل، أي مبدأ العلم والقدرة، أو أمر يلازمه العلم والقدرة»(٢) وكما ترى، فالكل علق الاتصاف بالحياة على الاتصاف بالعلم والقدرة لأن العلم والقدرة لا يتصف بهما الا من كان حياً، ولازم هذا أن من كان عالماً قادراً كان حياً.

وهذا النمط من التعريف - كما هو بيّن - تعريف باللازم، والتعريف باللازم لا يكشف عن حقيقة الشيء ولا يوضح مفهومه، وانما يشير اليه اشارة.

سبب الاختلاف في التعريف:

ومرد هذا الى أن مفهوم الحياة يماثل مفهوم الوجود في أنه أعرف من أن يعرف.

وهذا هو شأن اكثر المفاهيم التي تدرك بالوجدان ادراكاً فطرياً، فانها مما تستحضرها الأذهان ويعجز عن تعريفها البيان، ولذا لا يقوى الانسان على الاعراب عنها بتعريف منطقي يقولب بالالفاظ.

ولأن ما ذكر قديماً للحياة مثل:

«الحياة: اعتدل المزاج النوعي».

أو أنها: «قوة تتبع ذلك الاعتدال».

__________________

(١) نهج المسترشدين ٣٥.

(٢) بداية الحكمة ٢٣٥.


مما يتصور في حق الأحياء من الممكنات لا يتصور في حقه تعالى. كما يقول العضد الايجي(١) .

ويؤكد ما ذكر من أن مفهوم الحياة من المفاهيم التي ليست في متناول التعريف، لأنها أعرف من أن تعرف، ما جاء في (موسوعة المورد) - وهي أحدث دائرة معارف عربية التزمت ذكر أحدث ما توصلت اليه المعرفة الانسانية من نتائج علمية - ونصه:

«الحياة Life : خاصية تميز الحيوانات والنباتات عن الاشياء غير العضوية وعن المتعضيات الميتة.

واذا كان هذا التعريف ناقصاً أو ساذجاً فمرد ذلك الى أن ظاهرة الحياة العجيبة لا تزال تنتظر من يعرفها تعريفاً كاملاً بعيداً عن السذاجة.

وأيا ما كان، ففي استطاعتنا أن نفهم الحياة اذا عرفنا أهم صفات الكائن الحي:

يتميز الكائن الحي على وجه التعميم بانه غير ساكن Static وبأنه يتكيف مع البيئة، وبانه يخضع لتغير داخلي مستمر. ومن أبرز مظاهر هذا التغير:

النمو، والحركة، والتوالد أو التناسل، والأيض أو الاستقلاب Metabolism ، والتأثيرية أو قبول الاثارة irriiabilty ، وهي تتميز بها الحيوانات العليا في المقام الاول فتجعلها تستجيب لمختلف المنبهات أو المؤثرات»(٢) .

ويعرفها معجم (الصحاح في اللغة والعلوم):

« الحياة - Life : مجموع ما يشاهد في الحيوانات والنباتات من مميزات تفرق بينها وبين الجمادات مثل التغذية والنمو والتناسل وغير ذلك»(٣) .

وأيضاً نقول: هما تعريفان باللازم، وخاصان بالاحياء من الممكنات.

__________________

(١) المواقف ٢٩٠.

(٢) انظر: مادة Life

(٣) انظر: مادة حيي.


ووننتهي من كل هذا الى أن مفهوم الحياة هو ما يحضر في اذهاننا من معنى ومدلول عند سماعنا لكلمة حياة.

الا أنها في حقه تعالى تختلف عنها في حقنا، وذلك أن حياتنا يدركها الموت فيبطلها.

أما في حقه تعالى فحياته لا يدركها موت ولا يلحقها فناء، يقول السيد الطباطبائي: «ان الحياة الحقيقية يجب أن تكون بحيث يستحيل طرو الموت عليها لذاتها، ولا يتصور ذلك الا بكون الحياة عين ذات الحي غير عارضة لها، ولا طارئة عليها بتمليك الغير وافاضته، قال تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) - الفرقان ٥٨ -.

وعلى هذا فالحياة الحقيقية هي الحياة الواجبة، وهي كون وجوده بحيث يعلم ويقدر»(١) .

الدليل على أنه حي:

ووفقاً لمنهجهم في الاستدلال على اتصاف الذات بالحياة باتصافها بالعلم والقدرة للملازمة بينهما وبينها، وكما يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: «وهو حي لأن أحدنا متى خرج عن أن يكون حياً استحال أن يعلم ويقدر، ومتى صار حياً صح ذلك فيه، وأحواله كلها على السلامة.

فاذا كان اللّه تعالى عالماً قادراً فيجب ان يكون حياً لم يزل ولا يزال»(٢) .

أقول: إننا بعد أن أثبتنا وجود المبدأ الاول أو الذات الالهية، وعرفنا أن معنى الإِله هو الخالق المدبر.. والخالق هو الذي يفيض الوجود على مخلوقه.. والمدبر هو الذي يدبر المخلوق في متطلبات ومقتضيات وجوده.

__________________

(١) الميزان ٢/٣٣٠.

(٢) المختصر في اصول الدين ٣٢٨.


ومن مخلوقاته - ومن غير شك - الاحياء.

نؤمن بانه حي لان فاقد الحياة لا يفيض الحياة.

قدمه وبقاؤه:

وينسق على هذا:

إنه تعالى قديم، وقدمه أزلي.

وأنه تعالى باق، وبقاؤه أبدي.

أي أن وجوده تعالى سرمدي لا أول له ولا آخر، فلم يسبق بعدم، ولم يلحق بعدم.

الدليل على سرمديته:

والدليل على ذلك:

ثبت - فيما تقدم - أنه واجب الوجود لذاته، فيستحيل عليه العدم مطلقاً: سابقاً ولاحقاً، والا كان ممكناً.. وهذا خلف.

«واذا استحال العدم المطلق عليه، ثبت قدمه وأزليته وبقاؤه وأبديته، وهو المطلوب»(١) .

واليه أشار، وعليه دل، كلام امامنا امير المؤمنين (ع): قال: «وأشهد أن لا إله الا اللّه، وحده لا شريك له، الاول لا شيء قبله، والآخر لا غاية له».

وقال: «فتبارك الذي لا يبلغه بُعْدُ الهمم، ولا يناله حدس الفطن، الاول الذي لا غاية له فينتهي، ولا آخر له فينقضي».

وقال: «الحمد للّه خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد، ومخصب النجاد، ليس لاوليته ابتداء، ولا لأزليته انقضاء، هو الاول لم يزل، والباقي بلا أجل».

__________________

(١) النافع يوم الحشر ٢٧.


القدرة

تعريفها:

عُرّفت القدرة بانها الصفة التي يتمكن الحي معها من الفعل والترك بالارادة.

واضافة قيد (بالارادة) الى التعريف تعني ان القدرة من صفات الفاعل المريد أو الفاعل المختار كما يسمونه أيضاً.

وتسمية الفاعل بالمريد والمختار معاً لانه لا فرق بين الارادة والاختيار الا في الاعتبار، ذلك ان المختار يطلق على الفاعل باعتبار أنه ينظر الى الطرفين (الفعل والترك) ويختار احدهما، والمريد يطلق عليه باعتبار أنه ينظر الى الطرف الذي يريده أي يرجحه.

ويقال القدرة: الايجاب.

والايجاب: هو وجوب صدور الفعل عن الفاعل بحيث لا اختيار ولا حرية له في تركه.. كالشمس في اشراقها، والنار في احراقها.

إثباتها:

والدليل على أن الذات الالهية متصفة بالقدرة، أو أن اللّه تعالى قادر مختار، يتألف من قياس استثنائي هو:

كلما كان العالم محدثاً × كان المؤثر فيه قادراً مختاراً.

ويتم الاستدلال بهذا القياس باثبات كلتا قضيتيه، فنقول:

١ - تقدمت البرهنة على اثبات القضية الاولى في موضع (اثبات الذات الالهية) بما لا مزيد عليه هنا.


٢ - وبرهان اثبات القضية الثانية يتلخص في: أن المحدَث - وهو العالم - تتصف ماهيته بالعدم تارة وبالوجود أخرى، فيقال: (العالم معدوم) و (العالم موجود)، وهذا يدل على امكانه.

واذا ثبت امكانه لزم افتقاره الى المؤثر.

والمؤثر إمّا ان يكون مختاراً أو موجَباً.

فإن كان مختاراً فهو المطلوب.

وان كان موجَباً لزمه أن لا يتخلف أثره عنه في الوجود.

وهذا يلزم منه إمّا قدم الأثر وإما حدوث المؤثر، وذلك للتلازم بين الفاعل الموجب وأثره.

وكلا الأمرين (قدم الأثر الذي هو العالم) و(حدوث المؤثر الذي هو اللّه تعالى) محال.

وفي ضوئه ننتهي الي الخلاصة التالية:

« لو كان اللّه تعالى موجَباً لزم اما قدم العالم أو حدوث اللّه تعالى، وهما باطلان، فثبت أنه تعالى قادر مختار وهو المطلوب»(١) .

عموم قدرته تعالى:

يراد بذلك أن قدرته تعالى تتعلق بجميع المقدورات من غير استثناء.

والدليل على ذلك:

انه لا مانع يمنع من تعلق قدرته بجميع المقدورات بالنسبة الى ذاته، وبالنسبة الى المقدورات.

أما انتفاء المانع بالنسبة الى ذاته «فهو أن المقتضي لكونه تعالى قادراً هو ذاته،

__________________

(١) النافع يوم الحشر٢٠.


و نسبتها الى الجميع متساوية لتجردها، فيكون مقتضاها أيضاً متساوي النسبة وهو المطلوب».

وانتفاء المانع بالنسبة الى المقدور «فلأن المقتضي لكون الشيء مقدوراً هو امكانه، والامكان مشترك بين الكل فتكون صفة المقدورية مشتركة بين الممكنات وهو المطلوب».

والنتيجة:

« اذا انتفى المانع بالنسبة الى القادر وبالنسبة الى المقدور وجب التعلق العام، وهو المطلوب»(١) .

ولكن ذهب الحكماء - كما مر علينا في مبحث الوحدانية - الى أن المبدأ الاول بما أنه واحد لا يمكن أن يصدر عنه من جهة واحدة إلا واحد.

وذكرنا هناك أنه أشكل عليهم بأن في هذا تحديداً للقدرة الالهية ونسبة العجز الى الذات المقدسة.

وذكر انهم اجابوا - بما اختصرناه به هناك - بأن العجز في القابل وليس في الفاعل.

كما ذكرنا هناك الاقوال الاخرى في مسألة الصدور ومستمسكاتها. فراجع.

وذهب النظّام - من أئمة المعتزلة - الى أن اللّه تعالى لا يوصف بالقدرة على المعاصي والشرور لانها من القبيح، وفعل القبيح ليس بمقدور له تعالى.

واستدل بان القبح صفة ذاتية للقبيح، وهو المانع من إفاضة الوجود عليه، ومن فعله.

واذا كان هكذا ففي تجويز وقوع القبيح منه تعالى قبح أيضاً.

فيجب ان يكون هذا مانعاً من أن يوصف بالقدرة على القبيح.

والنظّام بهذا متأثر بقدماء الفلاسفة الذين قالوا بان الجواد الذي لا بخل في ساحته

__________________

(١) م ن.


لا يجوز عليه أن يدخر شيئاً.

وعليه: فما أبدعه وأوجده هو المقدور.

«ولو كان في علمه تعالى ومقدوره ما هو أحسن واكمل مما أبدعه نظاماً وتركيباً وصلاحاً لَفَعَلَهُ»(١) .

وهذا - كما ترى - مغالطة منه، ذلك أن القدرة على فعل القبيح ليست من القبيح.

والمسألة - فيما ارى - لا تحتاج الى مزيد مناقشة باكثر من هذا الرد المختصر.

العلم

المراد بالعلم هنا العلم الحضوري، فانه تعالى عالم بذاته علماً حضورياً لحضور ذاته عند ذاته.

وهو عالم كذلك بجميع المعلومات.

اثبات صفة العلم له:

استدل المتكلمون لاثبات صفة العلم للّه تعالى بما يرى ويشاهد في مخلوقاته من إحكام في الصنع، وحكمة في الخلق، ونظام في التكوين، حيث قالوا: إن الافعال المتقنة والمنتظمة لا تصدر إلا عن عالم.

وهذا من البداهة في مقام الوضوح.

واستدل الحكماء بما حاصله:

ان جميع الممكنات هي معلولة له تعالى إما ابتداء وإما بالواسطة. ولانه تعالى يعلم ذاته - وهي علة جميع الممكنات - فهو يعلم بها جميعاً، لأن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول.


الإدراك. البصر. السمع. الارادة:

ويدخل في صفة العلم كل من الصفات الاربع التالية:

- الادراك.

- البصر.

- السمع.

- الارادة.

وذلك لأن ادراكه للمدركات معناه علمه بها.

وكذلك البصر والسمع فانهما يعنيان علمه بالمسموعات والمبصرات.

ومثلها الارادة لانها - في أسلم ما عُرّفَتْ به - علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة، الداعي لايجاده.

عموم علمه تعالى:

ويعني أن علمه تعالى يتعلق بجميع المعلومات.

والدليل على ذلك:

هو «تساوي نسبة جميع المعلومات اليه لانه حي، وكل حي يصح أن يعلم كل معلوم، فيجب له ذلك لاستحالة افتقاره الى غيره»(١) .

ولكن الحكماء ذهبوا الى أن علمه تعالى لا يتعلق بالجزئيات. واستدلوا على هذا:

بان الجزئيات تتغير.

وتغيرها يستلزم تغير علمه تعالى، وهذا محال.

__________________

(١) الباب الحادي عشر ٢٣.


ومثلوا لذلك:

أنه لو علم تعالى جلوس انسان معين في مكان معين، ثم غادر هذا الانسان ذلك المكان.

فان بقي علمه تعالى كما هو لم يتغير مع تغير الحالة من الجلوس الى تركه فهو الجهل.

وان لم يبقَ فهو التغير.

وكلا الأمرين (الجهل والتغير) ممتنع في حقه تعالى.

ورُدوا:

بان المتغير هو التعلق الاعتباري لا العلم الذاتي.

وذلك لأن إضافة العلم الى المعلوم كاضافة القدرة الى المقدور، فكما لا تعدم القدرة بعدم المقدور المعين، وانما الذي يعدم هو الاضافة بينهما، والاضافة أمر اعتباري لا صفة حقيقية.

فكذلك هنا لا يتغير العلم بتغير المعلوم المعين، وانما الذي يتغير الاضافة التي بينهما، وهي أمر اعتباري لا صفة حقيقية.

أفاد هذا العلامة الحلي في نهج المسترشدين(١) ، وأفاده بتقرير آخر في كشف المراد(٢) ، أقام دليله فيه على أساس من برهان الحكماء في اثبات صفة العلم المقدم ذكره، قال:

«ان كل موجود سواه ممكن.

وكل ممكن مستند اليه.

فيكون عالماً به.

_____________________

(١) ص ٣٤.

(٢) ص ٢٢١.


سواء كان (ذلك الممكن) جزئياً أو كلياً، وسواء كان موجوداً قائماً بذاته، أو عرضاً قائماً بغيره، وسواء كان موجوداً في الاعيان أو متعقلاً في الاذهان - لان وجود الصورة في الذهن من الممكنات أيضاً فيستند اليه -، وسواء كانت الصورة الذهنية صورة أمر وجودي أو عدمي، ممكن أو ممتنع.

فلا يغرب عن علمه شيء من الممكنات ولا من الممتنعات. و هذا برهان شريف قاطع».

البداء :

مما يرتبط بمسألتنا هذه ارتباطاً وثيقاً مسألة البداء.

وهي مما اشتهرت وعُرفت بها الامامية من فرق الشيعة، فلهذا، ولأنها وقعت موقع سوء الفهم عند غير الامامية، فذهبوا الى أن الاعتقاد بها يستلزم نسبة الجهل الى اللّه تعالى، رأيت أن أعّرفها وبشيء - ولو قليل - من التفصيل توضيحاً للعقيدة ودفعاً للشبهة.

تعريف البداء :

البداء - لغة - مصدر من مصادر الفعل (بدا)، يقال : بدا الشيء يبدو بَدْواً وبُدُواً وبَدَاءً.

وهو بفتح الباء الموحدة.. ويستعمل في المعاني التالية :

١ - الظهور :

ويراد به ظهور الشيء عن خفاء وكتمان، أي عن وجودٍ له سابق، لا من عدم.

يقال : بدا لي من أمرك بداء، أي ظهر لي.

ومنه ما في الآيات التالية :

- (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبلُ) - الانعام ٢٨ -


- (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) - الاعراف ٢٢-

- (واللّه يعلم ما تبدون وما تكتمون) المائدة ٩٩ - واكثر معاني الكلمة استعمالاً في القرآن الكريم هو هذا المعنى.

ومنه أيضاً ما في الحديثين :

- (إنه أُمر أن يبادي الناس بأمره) أي يظهره لهم.

- (من يبد صفحته نقمْ عليه كتاب اللّه) أي من يظهر لنا فعله الذي كان يخفيه أقمنا عليه الحد.

ومنه أيضاً قول عمر بن أبي ربيعة :

بدا لي منها معصم حين جمّرت

وكف خضيب زيّنب ببنانِ

أي ظهر لي معصمها الذي كان مخفياً قبل رميها الجمرات.

٢ - التغير : ويأتي هذا المعنى في تبدل القصد، كما لو كنت عازماً على السفر يوم الاربعاء - مثلاً - ثم عدلت عن السفر يوم الاربعاء لسببٍ ما. وقيل لك : لِمَ لَم تسافرْ ؟، تقول : بدا لي أن ألغي السفر، أو بدا لي أن أؤخر السفر.

ومعناه : تغير رأيي على ما كان عليه.

٣ - الاستصواب :

وهو أن تستصوب شيئاً علمتَ به بعد أن لم تعلم به، فتقول : بدا لي أن هذا هو الصواب.

ومنه ما جاء في قصة النبي يوسف (ع) في استصواب العزيز وأهله سَجْنَ يوسف بعدما رأوا الشواهد الدالة على براءته، وذلك في قوله تعالى : (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) - يوسف ٣٥ -.

٤ - النشوء :


وهو بمعنى الظهور، لكن لا عن خفاء وكتمان، وإنما ارتداءً، أي الظهور بعد أن لم يكن الشيء موجوداً من قبلُ.

وبتعبير أخصر : الوجود بعد العدم.

ومنه ما جاء في قصة النبي ابراهيم (ع) والذين معه : (إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم ومما تعبدون من دون اللّه، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء) - الممتحنة ٤ -.

أي نشأت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء.

هذا في اللغة.

و أما في الاصطلاح:

فالبداء : هو الإِظهار أو الإِبداء في القضاء الموقوف.

شرح التعريف :

ولأن البداء يرتبط بنوع من انواع القضاء، وهو القضاء الموقوف، وهو ما يعرف بالقضاء غير المحتوم أيضاً، يتوقف ايضاحه وبيان المقصود منه على بيان أقسام القضاء، فنقول :

ينقسم القضاء الالهي الى قسمين : المحتوم والموقوف (المشروط).

١ - القضاء المحتوم، وقد يسمى (المبرم) أيضاً. ويتمثل في خطين أو نوعين هما :

أ - القضاء الذي اختص به اللّه تعالى، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه.

ب - القضاء الذي أخبر اللّه تعالى أنبياءه وملائكته بانه سيقع حتماً.

٢ - القضاء الموقوف (المشروط) :

وهو القضاء الذي أخبر اللّه تعالى انبياءه وملائكته بان وقوعه في الخارج موقوف على


أن لا تتعلق مشيئة اللّه تعالى بخلافه، أي أن وقوعه مشروط بعدم تعلق المشيئة الالهية بخلافه.

وبعد أن تعرفنا أقسام القضاء، نقول في علاقة البداء بالقضاء :

- فبالنسبة الى القضاء المحتوم من النمط الاول الذي اختص به تعالى واستأثر بعلمه، فانه من المحال وقوع البداء فيه، وذلك لان وقوع البداء فيه يلزم منه التغير في علمه تعالى، وهو محال.

- وكذلك بالنسبة الى النمط الثاني من القضاء المحتوم - وهو الذي أطلع اللّه عليه أنبياءه وملائكته، وأخبرهم بانه سيقع حتماً - فانه من المحال أيضاً وقوع البداء فيه، وذلك لان وقوع البداء فيه يلزم منه أن يكذّب اللّه نفسه، ويكذّب انبياءه وملائكته، تعالى اللّه عن ذلك.

وهذا التقسيم الثنائي - أعني تقسيم القضاء الى : محتوم وموقوف - مأخوذ من روايات أهل البيت (ع).

وكذلك التسمية بالمحتوم والموقوف.

ففي تفسير العياشي : عن الفضيل بن يسار، قال : «سمعت أبا جعفر (ع) يقول :

من الامور أمور محتومة كائنة لا محالة.

ومن الامور أمور موقوفة عند اللّه يقدّم منها ما يشاء ويمحو ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحداً، يعني الموقوفة.

فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذّب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته»(١) .

وكذلك تقسيم القضاء المحتوم الى قسمين : ما استأثر به اللّه تعالى. وما أطلع عليه ملائكته وانبياءه، مأخوذ من روايات أهل البيت (ع).

_____________________

(١) الميزان ١١ / ٣٨٠.


ففي (عيون أخبار الرضا) : (قال الرضا (ع) لسليمان المروزي : إن علياً (ع) كان يقول : العلم علمان.

فعلم علّمه اللّه ملائكته ورسله، فما علّمه اللّه ملائكته ورسله، فانه يكون، ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله.

وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، يقدّم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء(١) .

يعني أن هذا النوع من القضاء هو مصدر البداء ومنه يؤخذ، كما سيأتي.

- وبالنسبة الى القسم الثاني (القضاء الموقوف) فهو الذي يقع فيه البداء، كما هو صريح رواية الفضيل المتقدمة.

ورواية الفضيل وأمثالها أفادت هذا من الآية الكريمة : (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت، وعنده أُمُّ الكتاب) - الرعد ٣٩ -.

وهذا يعني ان مصدر فكرة البداء هو الآية المذكورة، وبخاصة أن الآية جاءت في سياق وعقيب آية هي قرينة على أن موضوع آية المحو والاثبات هو القضاء.

وهي - اعني الآية التي قبلها - : (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية الا باذن اللّه، لكل أجل كتاب) - الرعد ٣٨ -.

وقرينيتها بما في قوله : (لكل أجل كتاب).

فصرف موضوع الآية أو تأويله بغير القضاء، كما حاول اكثر من مفسر غير سليم.

لانه يتطلب إبطال قرينية الآية المذكورة وإثبات الموضوع التأويلي المدّعى، بما لا يقبل الرد، وهذا غير متأت(٢) .

__________________

(١) البيان ٤١٠ عن عيون أخبار الرضا باب ١٣.

(٢) لمعرفة شيء من الموضوعات التأويلية يرجع الى (الميزان) و(البحر المحيط) في تفسير آية المحو والاثبات، وعند ذلك سيرى المراجع الكريم انها اجتهادات شخصية لم تستند الى برهان.


وبقرينية هذه القرينة يكون «الملحض من مضمون الآية : أن للّهِ سبحانه في كل وقت وأجل كتاباً، أي حكماً وقضاء، وأنه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والاحكام والأقضية، ويثبت ما يشاء، أي يغيّر القضاء الثابت في وقت فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاء آخر.

لكن عنده بالنسبة الى كل وقت قضاء لا يتغير ولا يقبل المحو والاثبات، وهو الأصل الذي يرجع اليه الأقضية الأُخر، وتنشأ منه، فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو»(١) .

وكما حدّدت وعّينت روايات أهل البيت القضاء الذي يقع فيه البداء، وهو القضاء الموقوف، حدّدت وعّينت القضاء الذي يصدر منه البداء، فنصت على أنه القضاء الذي استأثر به اللّه تعالى، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه.

ففي (عيون أخبار الرضا ) : «أن الرضا (ع) قال لسليمان المروزي : رويت عن أبي عبد اللّه (ع) أنه قال : إن للّه عز وجل علمين :

علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه الا هو، من ذلك يكون البداء.

وعلماً علّمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه»(٢) .

وفي (بصائر الدرجات) : «عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) قال : إن للّه علمين :

علم مكنون مخزون لا يعلمه الا هو، من ذلك يكون البداء.

وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه، ونحن نعلمه»(٣) .

وهذا القضاء أو العلم هو ما سمّته الآية الكريمة ب(أم الكتاب).

__________________

(١) الميزان ١١ / ٣٧٦.

(٢) البيان ٤٠٩ عن عيون اخبار الرضا : باب ١٣ مجلس الرضا مع سليمان المروزي.

(٣) البيان ٤١٠ عن البحار : باب البداء والنسخ ٢ / ١٣٦ ط كمياني.


وكذلك حدّدت وعّينت الروايات الزمان الذي يقع فيه البداء وهو (ليلة القدر).

ففي (الكافي) عن حمران : «أنه سأل أبا جعفر (ع) عن قول اللّه تعالى : (إنّا أنزلناه في ليلة مباركة)؟

قال : نعم، ليلة القدر، وهي في كل سنة، في شهر رمضان، في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر، قال اللّه تعالى : (فيها يفرق كل أمر حكيم)، قال : يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة الى مثلها من قابل : خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل ورزق، فما قدر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم، وللّه فيه المشيئة».

واستدرك السيد الطباطبائي هنا معلقاً على قوله (المحتوم) لدفع ما قد يتوهم من أن المراد به المحتوم بالمعنى المصطلح الذي ذكرناه، قال : «قوله : (فهو المحتوم وللّه فيه المشيئة) أي أنه محتوم من جهة الاسباب والشرائط، فلا شيء يمنع عن تحققه الا أن يشاء اللّه ذلك»(١) .

وفي (تفسير علي بن ابراهيم) تفسيراً للآية (فيها يفرق كل أمر حكيم) قال : «عن أبي عبد اللّه (ع) : قال : اذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة الى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه تعالى في تلك السنة، فاذا أراد أن يقدم شيئاً أو يؤخره، أو ينقص شيئاً، أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثم أثبت الذي اراده.

قلت : وكل شيء هو عند اللّه مثبت في كتاب ؟.

قال : نعم.

قلت : فأي شيء يكون بعده ؟ !.

قال : سبحان اللّه، ثم يحدث اللّه أيضاً ما يشاء تبارك وتعالى».

____________________

(١) الميزان ١٨ / ١٣٤.


«وعن ابي جعفر وابي عبد اللّه وابي الحسن (ع) : أي يقدّر اللّه كل أمر من الحق ومن الباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشيئة، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، من الآجال والارزاق والبلايا والاعراض والامراض، ويزيد فيها ما يشاء، وينقص ما يشاء»(١) .

وكذلك جاء في الروايات نفي الشبهة التي أثيرت حول البداء في أنه يستلزم نسبة الجهل الى اللّه تعالى وتنزه عن ذلك.

فعن الامام الصادق : « من زعم ان اللّه عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه».

وعنه أيضاً : «ان اللّه يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وعنده أم الكتاب.

وقال : فكل أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له الا وقد كان في علمه، ان اللّه لا يبدو له عن جهل»(٢) .

ونخلص من هذا كله الى أن البداء عند الامامية هو بمعنى الإِظهار والإِبداء.

فهو يطابق المعنى الاول من المعاني اللغوية لكلمة البداء وهو الظهور بعد الخفاء.

وذلك أن اللّه تعالى يظهر من علمه الخاص به القضاء المحتوم للشيء عند تحقق شرط وقوعه اذا كان في علمه تعالى أن شرطه سيتحقق، أو عند عدم تحقق الشرط اذا كان في علمه تعالى أن الشرط لن يتحقق.

وكما جاء في روايات أهل البيت واتباعهم من الامامية ما يدل على البداء، جاء أيضاً في روايات الصحابة واتباعهم من أهل السنة ما يدل على البداء.

ومنه :

__________________

(١) البيان ٤١١ عن البحار : باب البداء والنسخ ٢ / ١٣٣ ط كمياني.

(٢) البيان ٤١٣ عن البحار : باب البداء والنسخ ٢ / ١٣٦ ط كمياني.


١ - ما رواه البخاري باسناده عن عبد الرحمن بن أبي عمرة : «أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إن ثلاثة في بني اسرائيل : أبرص وأقرع وأعمى، بدا للّه أن يبتليهم فبعث اليهم ملكاً فأتى الابرص فقال : أي شيء أحب اليك.. الخ»(١) .

وجاء في تعليقة الناشر على قوله (بدا) ما نصه : «أي سبق في علم اللّه فأراد اظهاره».

وهو البداء الذي يقول به الامامية تماماً.

٢ - ما رواه الترمذي عن سليمان : «قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يرد القضاء الا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البر»(٢) .

٣ - ما رواه ابن ماجه عن ثوبان : «قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يزيد في العمر الا البر، ولا يرد القدر الا الدعاء، وان الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها»(٣) .

٤ - ما روي عن عمر وابن مسعود وأبي وائل في دعائهم : «ان كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، أو في الاشقياء فامحني منهم»(٤) .

٥ - ما روي عن ابن عباس : أن للّه لوحاً محفوظاً، للّه تعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء»(٥) .

٦ - ما روي عنه أيضاً : «الكتاب : اثنان : كتاب يمحو اللّه ما يشاء فيه، وكتاب

__________________

(١) صحيح البخاري : باب ما ذكر عن بني اسرائيل ح ٤ ص ٣٢٩ ط المنيرية.

(٢) البيان ٥٥٠ عن سنن الترمذي : باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء ٨ / ٣٥٠.

(٣) م. ن. عن سنن ابن ماجه : باب القدر ١٠ / ٢٤ ورواه الحاكم في المستدرك وصححه - ولم يتعقبه الذهبي - ١ / ٤٩٣ ورواه احمد في مسنده ٥ / ٢٧٧ / ٢٨٠ / ٢٨٢.

(٤) البحر المحيط ٥ / ٣٩٨.

(٥) م. ن.


لا يغير، وهو علم اللّه والقضاء المبرم»(١) .

٧ - «وفي الحديث عن ابي الدرداء : أنه تعالى يفتح الذكر في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر ما في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء»(٢) .

٨ - « وقال الغزنوي : ما في اللوح المحفوظ خرج عن الغيب لاحاطة بعض الملائكة فيحتمل التبديل، واحاطة الخلق بجميع علم اللّه تعالى، وما في علمه تعالى من تقدير الاشياء لا يبدل»(٣) .

٩ - ما رواه البخاري من قصة المعراج، وهو طويل، وما يرتبط منه بموضوعنا هنا قوله: «فأوحى اليه فيما أوحى خمسين صلاة على امتك كل يوم وليلة».

وقوله الآخر الذي جاء بعد قص مراجعة النبي محمد لموسى وتردد النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على الجبار تعالى يسأله تخفيف عدد الصلوات المكتوبة :

«فقال الجبار : يا محمد.

قال : لبيك وسعديك.

قال : إنه لا يبدل القول لديّ كما فرضتُ عليك في أُم الكتاب، قال : فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك»(٤) .

وتفهم دلالة الحديث على البداء صراحة مما علقه عليه مؤلفو الكتيب الصادر عن ادارة مجلة (الأزهر) المصرية المعنون ب(الاسراء والمعراج) إعداد لفيف من العلماء والقسم الخاص منه بالمعراج أعده الشيخ توفيق إسلام يحيى، قال تحت عنوان (شرح الحديث) في ص ٧٠ ما نصه :

__________________

(١) حاشية الجمل ٢ / ٥٧٤.

(٢) م. ن.

(٣) م. ن.

(٤) البخاري ٩ / ٢٦٥ - ٢٦٨ باب قوله : وكلم اللّه موسى تكليماً. ط المنيرية.


« ٧ - ما الحكمة في وقوع المراجعة مع موسىعليه‌السلام دون غيره من الانبياء، وكيف جاز وقوع التردد والمراجعة بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام ؟

أجيب : بان موسىعليه‌السلام كان أول من سبق اليه حين فرضت الصلاة، فجعل اللّه ذلك في قلب موسىعليه‌السلام ، ليتم ما سبق من علم اللّه تعالى من أنها خمس في العمل وخمسون في الثواب.

وجاز وقوع التردد والمراجعة لعلمهما أن التحديد الاول غير واجب قطعاً، ولو كان واجباً قطعاً لما كان يقبل التخفيف ولا كان النبيان يفعلان ذلك».

ومنه أيضاً :

ما جاء في دعاء ليلة النصف من شعبان المعروف عند اهل السنة : «اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً، أو مقتراً عليّ في الرزق، فامحُ اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني وتقتير رزقي، فانك قلت وقولك الحق : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب»(١) .

وقد هاجم الشيخ محمد كنعان مؤلف (مواهب الجليل) هذا الدعاء هجوماً عنيفاً، وقال : «لا يجوز الدعاء به لان ما سبق تقديره لا تبديل له».

أقول : لو صح الاعتماد على هذا الدعاء فنقد الشيخ كنعان يتم بناء على تفسير (أم الكتاب) بالاصل الذي لا يتغير منه شيء، وهو ما كتبه اللّه تعالى في الأزل، كما جاء في تفسير الجلالين(٢) ، وكما هو المشهور، وأريد في الدعاء أن المحو والاثبات يقع فيه.

أما على مثل قول ابن عطية بأن أصوب ما يفسر به (ام الكتاب) أنه ديوان الامور المحدثة التي قد سبق في القضاء ان تبدل وتمحى أو تثبت»(٣) .

____________________

(١) مواهب الجليل من تفسير البيضاوي ٣٢٨.

(٢) انظر : هامش حاشية الجمل ٢ / ٥٧٤.

(٣) البحر المحيط ٥ / ٣٩٩.


أو أن المقصود في الدعاء الاستشهاد بالآية الكريمة في أن هناك محواً واثباتاً، وليس قوله (ام الكتاب) من موضع الشاهد أو الاستشهاد، وانما ذكر لانه تتمة الفقرة من الآية الكريمة.

فلا يتوجه نقد كنعان، ويبقى الدعاء دالاً على البداء.

وأولى من ذلك أن نقول : إنه ورد في القرآن الكريم ما يدل على البداء المروي عن أهل البيت (ع) كما في الآية الكريمة : (الآن خفف اللّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً)، فان الآية قد تفسر بان اللّه تعالى حينما قال : (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بانهم قوم لا يفقهون) : إنه لم يكن يعلم بأن في المسلمين ضعفاً يمنعهم من أن يقابل العشرون منهم المائتين من الكافرين، والمائةُ الألف، ثم علم بعد ذلك فخفف عنهم بما أنزله من قوله تعالى : (فان يكن مائة صابرة يغلبوا مائتين، وان يكن منكم ألف يغلبوا ألفين باذن اللّه واللّه مع الصابرين).

لكن هذا لا يصح بأي وجه من الوجوه لانه يستلزم نسبة الجهل اليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

وعليه :

لا يتأتى أن يفسر قوله تعالى (علم) بما ينفي شبهة الجهل المشار اليه الا في ضوء البداء.

بمعنى ان اللّه أبدى وأظهر ما كان يكنه من علمه الخاص الذي لم يطلع عليه رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستبدل بالأمر أمراً.

ومن البداء القرآني : ما جاء في قصة فداء النبي اسماعيل حيث قال تعالى : (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابتِ افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء اللّه من الصابرين. فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا ابراهيم قد صدّقت الرؤيا إنّا كنّا كذلك نجزي المحسنين. ان هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم) - الصافات ١٠٢ - ١٠٧.


فالوحي (بالرؤيا) كان بالذبح ثم تغير الذبح الى الفداء، وهذا لا يتأتى توجيهه الا على القول بالبداء، وهو واضح.

ومنه ما في قصة قتل الخضر الغلام في قوله تعالى : (وأما الغلام فكان ابواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً) - الكهف ٨٠ -.

يقول البيضاوي : «وانما خشي ذلك لأن اللّه تعالى أعلمه»(١) .

ويقول الهادي الزيدي : «انه لو لم يقتل (الخضرُ الغلام) لعاش (الغلام) قطعاً حتى يرهق ابويه طغياناً وكفراً كما أخبر عنه اللّه عز وجل»(٢) .

فلو لم يُقل بالبداء هنا لاستلزم الأمر تغيّر علمه تعالى عن ذلك.

وفيما يترتب على الايمان بالبداء من آثار اعتقادية وعلمية يقول استاذنا السيد الخوئي:

«والبداء انما يكون في القضاء الموقوف المعبَّر عنه بلوح المحو والاثبات.

والالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل الى اللّه سبحانه، وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله.

فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان اللّه وقدرته في حدوثه وبقائه، وأن ارادة اللّه نافذة في الاشياء أزلاً وأبداً.

بل وفي القول بالبداء يتضح الفارق بين العلم الالهي وبين علم المخلوقين.

فعلم المخلوقين - وان كانوا أنبياء أو أوصياء - لا يحيط بها أحاط به علمه تعالى، فان بعضاً منهم وان كان عالماً - بتعليم اللّه اياه - بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم اللّه المخزون الذي استأثر به لنفسه، فانه لا يعلم بمشيئة اللّه تعالى - لوجود شيء - أو عدم مشيئته الا حيث يخبره اللّه تعالى به على نحو الحتم.

_____________________

(١) تفسير البيضاوي ٣٩٢.

(٢) الزيدية ١٧٩.


والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد الى اللّه وطلبه اجابة دعائه منه وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة، وابعاده عن المعصية.

فان انكار البداء والالتزام بان ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فان ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى قلم التقدير بانفاذه فهو كائن لا محالة، ولا حاجة الى الدعاء والتوسل، وان كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع، واذا يئس العبد من اجابة دعائه ترك التضرع لخالقه، حيث لا فائدة في ذلك.

وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (ع) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك مما يطلبه العبد.

وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (ع) من الاهتمام بشأن البداء.

فقد روى الصدوق في كتاب (التوحيد) باسناده عن زرارة عن أحدهما (يعني الامامين الباقر والصادق) (ع) قال : «ما عُبد اللّه عز وجل بشيء مثل البداء).

وروي باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع) : قال : «ما بعث اللّه عز وجل نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال :

الاقرار بالعبودية.

وخلع الانداد.

وأن اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء».

والسر في هذا الاهتمام أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن اللّه غير قادر على أن يغّير ما جرى عليه قلم التقدير، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.

فان كلا القولين يؤيس العبد من اجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته الى ربه»(١) .

__________________

(١) البيان ٤١٤ - ٤١٥.


والآن - وبعد أن تبيّنا ما هو البداء، وأنه اعتقاد سليم لا نسبة فيه للجهل الى اللّه تعالى، وأن إنكاره يؤدي الى نسبة العجز الى اللّه تعالى عن ذلك - قد يكون من المفيد أن أشير الى أن اكثر من ذكر البداء كعقيدة امامية استخدام في تعبيره عنها لغة النبز والتهكم.

ومن المعلوم منهجياً أن مثل هذه اللغة تبعّد البحث عن النزاهة والباحث عن الموضوعية والصدق.

فكان الاولى أن تبحث المسألة بحثاً علمياً مقصوداً به وجه الحق في القبول والرفض.

التكلم

لا خلاف بين المسلمين في أن اللّه تعالى متكلم.

وقد دل على ذلك أيضاً من القرآن الكريم قوله تعالى : (وكلّم اللّه موسى تكليماً) - النساء ١٦٤ وقوله تعالى : (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه) - الاعراف ١٤٣ -، وأمثال هاتين الآيتين.

ولكن اختلفوا في ماهية وحقيقة كلامه تعالى :

فذهبت الأشاعرة الى أن كلامه تعالى : «وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف، بل لا يشبه كلامه كلام غيره، كما لا يشبه وجوده وجود غيره»(١) .

«والكلام بالحقيقة كلام النفس، وانما الاصوات قطعت حروفاً للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والاشارات»(٢) .

وقال الرازي في (المحصل) : «اما اصحابنا فقد اتفقوا على أن اللّه تعالى ليس

_____________________

(١) قواعد العقائد للغزالي ١٨٢.

(٢) م. س ١٨٣.


بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس»(١) .

وعبّروا عنه ب(الكلام النفسي) و(الكلام الازلي) وقالوا عنه : إنه معنى قائم في ذات المتكلم به.

والألفاظ - في الحقيقة - ليست كلاماً، وانما هي دوال على ذلك المعنى القائم في النفس (أو الكلام النفسي) الذي هو الكلام حقيقة.

واستشهدوا لذلك بقول الأخطل :

إن الكلام لفي الفؤاد وإنماجعل اللسان على الفؤاد دليلاً

فان الشاعر هنا اعتبر ما في النفس هو الكلام، والألفاظ اللسانية دوال عليه.

وذهبت الفرق الاسلامية الأخرى أمثال : الأمامية والمعتزلة والزيدية والاباضية والسلفية الى أن الكلام هو هذا الذي نعرفه، وهو الكلمات المؤلفة من الأصوات والحروف. ويمكننا أن نسميه (الكلام اللفظي) في مقابل (الكلام النفسي).

وخلاصة ما استدل به الاشاعرة :

١ - أننا ندرك وجداناً أن المتكلم عندما يتكلم بلغة الألفاظ انما يعبر بها عن فكرة عنده أو إحساس لديه.

أي انه يعبر بالكلام اللفظي عما يحمل ويعتمل في نفسه من أفكار وأحاسيس، وهذا من الأمور الواضحة.

٢ - ان الكلام اللفظي مركب من الأصوات والحروف، ومن البديهي ان كل مركب حادث، فيكون من المستحيل أن تتصف به الذات الالهية لاستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة، فلا مناص إذاً من الالتزام بالكلام النفسي لأنه قديم، ليصح اطلاق المتكلم على اللّه سبحانه باعتبار اتصافه به.

__________________

(١) تلخيص المحصل ٢٨٩.


واستدل للقول الآخر - وهو أن الكلام هو المركب اللفظي - بما يلي:

١- التبادر:

وذلك ان المتبادر الى الذهن عند اطلاق عبارة (كلام) هو هذا المركب اللفظي.

والتبادر دليل أن الكلمة حقيقة في المعنى المتبادر.

كما أننا نرى ابناء اللغة لا يقولون للساكت وكذلك للأخرس إنه متكلم، مع أن المعاني قائمة في نفسه.

وما هذا الا لأنه لا يستخدم الألفاظ وسيلة لابرازها، وإنما يتوسل الى ذلك بالاشارة وأمثالها مما لا يعد كلاماً.

٢- عدم التعقل:

وهو أن الكلام النفسي الذي يقول به الأشعريون مما لا يمكن تصوره وتعقله في الذهن.

وذلك لأن المتصور عقلاً من الصفات الالهية التي يمكن أن يرتبط بها الكلام ويكون أثراً من آثارها إما القدرة التي يمكن أن تصدر عنها الحروف والأصوات، أو العلم.

والأشعرية نصوا على أن ما لا يمكن تصوره لا يمكن إثباته، لأن الاثبات تصديق، والتصديق لا بد أن يُسبق بالتصور. وحيث لا تصور لا تصديق، أي لا اثبات، وحينئذ يبطل القول بالكلام النفسي لأنه لا يمكن تعقله ليمكن اثباته.

وعندما يبطل القول بالكلام النفسي يتعين القول الآخر، وهو المطلوب.

غير أن السلفيين تفردوا من بين الفرق الاسلامية المذكورة بالقول بان الكلام اللفظي قديم قائم بذاته تعالى.

والموازنة بين الرأيين تنهينا الى التالي :


١ - ان المتكلم عند الاشاعرة والسلفية هو : من قام به الكلام. وعند الآخرين هو : من فعل الكلام.

٢ - ان المعنى النفسي الذي يؤكد عليه الأشاعرة لا يخلو ان يكون واحداً من الأمور التالية:

أ - أن يكون هو الوجود الذهني.

ويفهم هذا من قولهم (ان الالفاظ دوال على المعاني النفسية)، ذلك أن الألفاظ - كما هو معلوم - تعبّر وتدل على المعنى الذهني أي الموجود في الذهن.

وكل ما في الأمر أنهم عبّروا عن الذهن ب(النفس).

وعليه يعود الخلاف بين الطرفين لفظياً.

ولكن قد يلاحظ : انه لو كان هو المراد لما وقع الخلاف - وبعنف - في المسألة.

ب - ان يكون شيئاً آخر غير الوجود الذهني، له سمته وطابعه الخاص به.

ويفهم هذا من قولهم : (لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره).

وهذا مما لا يتعقل ولا يتصور، كما تقدم في الدليل الثاني للقول الثاني.

وما لا يتصور لا يمكن الحكم عليه بالوصفية أو غيرها.

ومن هنا لا إخال أنه المقصود لهم.

ح - ان يكون مقصودهم من الكلام : التكلم.

ويفهم هذا من قولهم بانه (وصف).

واقول هذا، لأن الكلام بما هو أثر لا يمكن الاتصاف به، أي لا يمكن أن يكون صفة للذات الا اذا قلنا إن المراد به هو (التكلم).

ولذا يقال : (اللّه متكلم)، ولا يقال : (اللّه كلام). وهذا هو الأقرب في تحليل


وبيان مرادهم من الكلام النفسي.

ولكن على اساس هذا يشكل عليهم :

بان التكلم من الصفات الفعلية لا الذاتية.

والفرق بين الصفة الفعلية والصفة الذاتية هو : أن الصفة الذاتية (مثل القدرة والعلم والحياة) يستحيل اتصاف الذات الالهية بنقيضها، فلا يقال : (اللّه عالم بكذا) و (ليس عالماً بكذا).

أما الصفات الفعلية (مثل الخلق والرزق) فيمكن اتصاف الذات الالهية بها في حال وبنقيضها في حال آخر، فيقال : (ان اللّه خلق كذا ولم يخلق كذا) ويقال : (ان اللّه رزق فلاناً ولداً ذكراً ولم يرزقه بنتاً).

والتكلم مثل الخلق والرزق، فانه يصح أنه يقال : (كلم اللّه موسى ولم يكلم فرعون) ويقال : (كلم اللّه موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل).

وهذه التفرقة بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية لم تتضح في الدرس العقائدي الا بعد نضج الفكر الاعتزالي وانتشار الفكر الامامي.

وممن أشار الى أن المتقدمين من العقائديين لم يفرقوا بينهما التفرقة المذكورة ابو الفتح الشهرستاني، قال في كتابه (الملل والنحل)(١) : «إعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون للّه تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والارادة والسمع والبصر والكلام والجلال والاكرام والجود والانعام والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً».

وبثبوت ان التكلم صفة فعلية يترتب عليه أننا نستطيع أن نتصور هنا ثلاثة امور هي :

متكلم وتكلم وكلام

____________________

(١) ١ / ٩٢.


كما نتصور : خالقاً وخلقاً ومخلوقاً، ورازقاً ورِزْقاً ومرزوقاً. والأول يعبّر عن الموصوف، والثاني عن الصفة، والثالث عن الأثر.

وهذا يعني أن هناك فرقاً بين (التكلم) و(الكلام) هو الفرق بين الصفة وأثرها.

والذي يبدو لي أن الذي ألجأ الأشاعرة الى التعبير عن هذه الصفة ب(الكلام) ولم يعبروا عنها ب(التكلم) هو اصرارهم على ان القرآن الكريم غير مخلوق، وهو (كلام اللّه)، كما عبّر عنه تعالى في مثل قوله : (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) - البقرة ٧٥ -، وقوله : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه) - التوبة ٦ -، وكما هو الحق.

لأنهم اذا فسروا الكلام بالكلام اللفظي لا مناص لهم من القول بحدوث القرآن وأنه مخلوق، لأن القول بقدم الكلام اللفظي يستلزم ان يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث، لأن الحروف والأصوات من المركبات، والمركبات حوادث بالضرورة.

وهم لا يريدون ذلك، وبخاصة انهم يقولون بحدوث الكلام اللفظي، وانما الذي يريدونه - وباصرار - تأييد فكرة أو معتقد أن القرآن أزلي فقط.

تلك الفكرة التي قال بها قبلهم الحنابلة، وجرّت عليهم من الويل والعذاب من قبل السلطة الحاكمة آنذاك الشيء الكثير.

من هنا أصرّوا على أزلية كلام اللّه تعالى الا انهم أرادوا أن يبتعدوا بالفكرة عما قد تنقد به من لزوم : الوقوع في محذور أن يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث فجاؤوا بفكرة الكلام النفسي، وقالوا بأزليته وقدمه، ليحافظوا على فكرة أزلية القرآن الكريم التي أصبحت بعد معركة خلق القرآن معلمة مذهبية من معالم العقيدة عند السنة.

ونخلص من هذا الى :

أ - ان التكلم هو الصفة.

ب - أما الكلام فهو فعل من أفعاله تعالى يحدثه ويخلقه في الأجسام اذا أراد مخاطبة


المخلوقين بالأمر والنهي والوعد والوعيد والزجر والترغيب - كما يقول القاضي المعتزلي عبد الجبار الهمداني(١) .

ويقول الشيخ المفيد المتكلم الأمامي : «متكلم لا بجارحة، بمعنى أنه يوجد حروفاً وأصواتاً في جسم من الأجسام تدل على المعاني المطلوبة، كما فعل في الشجرة حين خاطبه موسى -ع-»(٢) .

ويقول القاسم الرسي الزيدي : «ومعنى كلامه جل ثناؤه لموسى - صلوات اللّه عليه - عند أهل الايمان والعلم : أنه أنشأ كلاماً خلقه كما شاء فسمعه موسى - صلى اللّه عليه - وفهمه.

وكل مسموع من اللّه فهو مخلوق لأنه غير الخالق له.

وإنما ناداه اللّه جل ثناؤه فقال : (إني أنا اللّه رب العالمين)، والنداء غير المنادي، والمنادي بذلك هو اللّه جل ثناؤه، والنداء غيره.

وما كان غير اللّه مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق لأنه لم يكن ثم كان باللّه وحده لا شريك له»(٣) .

ح - ان المعتزلة والامامية والزيدية والاباضية يذهبون الى أن الكلام قائم بغير الذات المقدسة.

ع - ان الأشعرية والسلفية يذهبون الى أن الكلام قائم بذاته تعالى، مع فارق :

أن القائم بالذات عند الاشاعرة هو المعني الأزلي (الكلام النفسي)، وعند السلفية الحروف والأصوات (الكلام اللفظي).

_____________________

(١) المختصر في اصول الدين ٣٧٩.

(٢) النكت الاعتقادية ٣٩٤.

(٣) اصول العدل والتوحيد ٢٦٤.


خلق القرآن :

ترتبط هذه المسألة بالمسألة التي قبلها ارتباطاً وثيقاً وعريقاً، فمن قال بأزلية كلام اللّه تعالى قال هنا بقدم القرآن وإنه غير مخلوق، ومن قال بحدوث كلام اللّه تعالى قال بحدوث القرآن وخلقه.

والأقوال في المسألة مع خلاصات أدلتها هي :

١ - الحنابلة (السلفية) :

قالوا : القرآن هو هذه الألفاظ المقروءة بالالسنة والمحفوظة في الصدور والمكتوبة في الصحف والمطبوعة على الورق والمسجلة على الأشرطة.

فالذي نقرأه هو كلام اللّه تعالى الأزلي القديم القائم بذاته تعالى، إلا أن قراءتنا تكون له بأصواتنا.

وقراءتنا له بأصواتنا لا تخرجه عن كونه كلام اللّه الذي تكلم به بحروفه ومعانيه، ليست الألفاظ دون المعاني، ولا المعاني دون الألفاظ(٢) .

ودليلهم على هذا :

اجماع السلف على أن القرآن الكريم أزلي غير مخلوق، وأنه هو هذا الذي بين أظهرنا نبصره ونسمعه ونقرأه ونكتبه.

وقالوا : «ونحن لا نزيد من أنفسنا شيئاً، ولا نتدارك بعقولنا أمراً لم يتعرض له السلف.

قال السلف : ما بين الدفتين كلام اللّه.

قلنا : هو كذلك.

__________________

(١) انظر : العقيدة الواسطية لابن تيمية، تقديم مصطفى العالم ٥١.


واستشهدوا بقوله تعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه).

إذ من المعلوم أنه لم يسمع الا هذا الذي نقرأه(١) .

وتعقبهم الفخر الرازي بالرد، فقال : «أطبق العقلاء على أن الذي قالوه جحد للضروريات، ثم الذي يدل على بطلانه وجهان :

الوجه الأول أنه إما ان يقال إنه تكلم بهذه الحروف دفعة واحدة أو على التعاقب.

فان كان الأول لم يحصل منها هذه الكلمات التي نسمعها ، لأن التي نسمعها حروف متعاقبة، فحينئذ لا يكون هذا القرآن المسموع قديماً.

وان كان الثاني فالاول لما انقضى كان محدثاً لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه، والثاني لما حصل بعد عدمه كان حادثاً.

والوجه الثاني : ان هذه الحروف والأصوات قائمة بألسنتنا وحلوقنا، فلو كانت هذه الحروف والأصوات نفس صفة اللّه تعالى لزم أن تكون صفة اللّه وكلمته حالّة في ذات كل أحد من الناس.

واحتجوا على قولهم بان كلام اللّه تعالى مسموع بدليل قوله تعالى (وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه)، وهذا يدل على أن كلام اللّه مسموع.

فلما دل الدليل على أن كلام اللّه قديم وجب أن تكون هذه الحروف المسموعة قديمة.

والجواب :

ان المسموع هو هذه الحروف المتعاقبة، وكونها متعاقبة يقتضي أنها حدثت بعد

__________________

(١) انظر : الملل والنحل ١ / ١٠٦ - ١٠٧.


انقضاء غيرها.

ومتى كان الأمر كذلك كان العلم الضروري حاصلاً بامتناع كونها قديمة»(١) .

وخلاصة ما قرره الرازي : ان قول السلفية بقدم القرآن (وهو الذي بين الدفتين) يلزمه امران ممتنعان على الذات الالهية هما :

أ - ان يكون القديم محلاً للحوادث.

ب - ان يحل القديم في الحادث.

٢ - الأشاعرة :

قالوا : «القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، مسموع بآذاننا، غير حالّ فيها»(٢) .

ومعنى غير حالّ فيها : ان الكلام الدال غير الكلام المدلول عليه، لأنهم - كما تقدم - يذهبون الى أن «العبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة الى الأنبياء (ع) دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي.

والفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر محدث والمذكور قديم»(٣) .

وخلاصة ما استدلوا به على ذلك ما يلي :

أ - من العقل :

١ - «ان الكلام من صفات الكمال، فلو كان محدثاً لكانت (الذات الالهية) خالية عن صفات الكمال قبل حدوثه.

____________________

(١) معالم أصول الدين ٦٧ - ٦٨.

(٢) العقائد النسفية ٢٩.

(٣) الملل والنحل ١ / ٩٦.


والخالي عن الكمال ناقص.

وذلك على اللّه محال».

٢ - «ان الكلام لو كان حادثاً لكان :

إما أن يقوم بذات اللّه

أو بغيره.

أو لا يقوم بمحل.

فلو قام بذات اللّه تعالى لزم كونه محلاً للحوادث، وهو محال. وان قام بغيره فهو أيضاً محال، لأنه لو جاز ان يكون متكلماً بكلام قائم بغيره لجاز ان يكون متحركاً بحركة قائمة بغيره، وساكناً بسكون قائم بغيره، وهو محال.

وان وجد ذلك الكلام لا في محل فهو باطل بالاتفاق»(١) .

ب - من القرآن :

١ - قوله تعالى : (وللّه الأمر من قبل ومن بعدُ) - الروم ٤ -. قال ابو الحسن الأشعري : «يعني من قبل أن يخلق الخلق، ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق»(٢) .

وقال الفخر الرازي : «فأثبت الأمر للّه من قبل جميع الأشياء، فلو كان أمر اللّه مخلوقاً لزم حصول الأمر قبل نفسه، وهو محال»(٣) .

٢ - قوله تعالى : (ألا له الخلق والأمر) - الاعراف ٥٤ - بتقرير أن اللّه تعالى «ميّز بين الخلق وبين الأمر، فوجب أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق»(٤)

__________________

(١) معالم أصول الدين ٦٦.

(٢) الابانة ٢٠.

(٣) معالم اصول الدين ٦٦.

(٤) م. ن.


أو كما أفاد الأشعري بانه تعالى «لما قال : (ألا له الخلق) كان هذا في جميع الخلق، ولما قال (والأمر) ذكر أمراً غير جميع الخلق فدل ما وصفنا على أن أمر اللّه غير مخلوق»(١)

٣ - قوله تعالى : (إنما قولنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) - النحل ٤٠ -.

قال الأشعري : «ومما يدل من كتاب اللّه على أن كلامه غير مخلوق قوله عز وجل : (انما قولنا لشيء اذا اردناه أن نقول له كن فيكون)، فلو كان القرآن مخلوقاً لوجب ان يكون مقولاً له : كن فيكون.

ولو كان اللّه عز وجل قائلاً للقول : كن، كان للقول قول.

وهذا يوجب أحد أمرين :

١ - إمّا أن يؤول الأمر الى أن قول اللّه غير مخلوق.

٢ - أو يكون كل قول واقعاً بقول لا الى غاية (نهاية). وذلك محال.

واذا استحال ذلك صح وثبت أن للّه عز وجل قولاً غير مخلوق»(٢) .

ويُرد استدلالهم بما حاصله :

١ - ان الصفة هي التكلم لا الكلام، والكل متفقون على أن التكلم أزلي.

أما القرآن الكريم أو كلام اللّه عامة فهو أثر تلك الصفة لا هو نفسه الصفة.

وعلى هذا فما يقال في الأثر من الحدوث وأمثاله من الأحكام، لا يقال في الصفة وذلك للفرق بينهما.

فانه مما لا شك فيه ان الانسان مخلوق للّه تعالى.

ومما لا شك فيه أيضاً أن هناك فرقاً بينه وبين صفة الخلْق لانه أثرها.

__________________

(١) الابانة ١٩.

(٢) الابانة ٢٠.


وفي ضوئه : تقول : فكما يصح أن نحكم على الانسان بانه حادث وعلى صفة الخلق بانها قديمة.. يصح هنا أن نحكم على الكلام بانه حادث، وعلى صفة التكلم بانها قديمة.

٢ - ان القائلين بحدوث القرآن عندما يقولون : إن اللّه تعالى أحدثه وخلقه قائماً بغيره، ينفون اتصافه تعالى بالحركة والسكون عندما يحدثه لأنه سبحانه لم يحدثه بجارحة، تعالى عن ذلك.

فالقياس بنا في إحداثنا للكلام قياس مع الفارق.

والى هذا أشار امير المؤمنين (ع) بقوله : «ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلّم موسى تكليماً، وأراه من آياته عظيماً، بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات».

٣ - ان كلمتي (قبل) و(بعد) من الأسماء الملازمة للاضافة، وهذا متفق عليه في علم العربية والاستعمال لهما قديماً وحديثاً.

ويُحدَّد ويُعيَّن ما تضافان اليه في ضوء ما تقترنان به من قرائن.

والآية الكريمة وردت في السياق التالي : (ألم. غُلبت الروم. في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين للّه الأمر من قبلُ ومن بعدُ).

فقرينة السياق هنا تنهي الى أن المضاف اليه هو (الغلب) أي (للّه الأمر من قبل غلب الروم ومن بعد غلبهم).

وبهذا فسرت الآية، وتفسر.

فتقدير المضاف اليه (من قبل ان يخلق الخلق ومن بعد ذلك) كما يقول الاشعري، أو (من قبل جميع الاشياء) كما يقول الرازي، يتطلب لأجل ان يتم الاستدلال به ويصح، أمرين :

أ - إبطال قرينة السياق.


ب - اقامة الدليل على أن المضاف اليه هو ما ذكراه. وهما لم يقوما بشيء من هذا، وانما أفتيا فتيا لم يذكرا دليلها.

ثم إن (الامر) في الآية الكريمة، اريد به (التصرف والقدرة)، وبه فسرت الكلمة وتفسر.

فلم يُرد به القول أو الكلام.

وقرينة السياق تدل على ذلك.

فالمعنى : «له الامر حين غُلبوا وحين يغلبون، ليس شيء منهما الا بقضائه» كما يقول البيضاوي(١) .

وهنا نقول ايضاً لا يتم الاستدلال ويصح الا اذا ثبت بالدليل القاطع أن المراد بالامر القول والكلام.

ولا أقل من احتمال أن المضاف اليه ما ذكرنا، وأن الأمر هنا بمعنى القدرة.

ومتى تطرق الاحتمال بطل الاستدلال.

٤ - قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) هو من الآية الكريمة (ان ربكم اللّه الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخراتٍ بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين).

وسياق الآية الكريمة يدل على أن قوله (والأمر) مراد به نفس المراد من قوله (بأمره).

ومعنى (بأمره) كما تدل عليه قرينته السياقية (التصريف والتدبير)، أي أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بتصريفه وتدبيره.

يقول الشيخ الجمل : «قوله : ألا له الخلق والأمر... الخلق بمعنى المخلوقات،

__________________

(١) تفسير البيضاوي ٥٣١ (مواهب الجليل من تفسير البيضاوي).


والأمر معناه التصرف في الكائنات.

وفي هذه الآية رد على من يقول ان للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم»(١) .

ويقول الزمخشري : «بأمره: بمشيئته وتصريفه... سمي ذلك أمراً على التشبيه، كأنهن مأمورات بذلك.

(ألا له الخلق والأمر) : أي وهو الذي خلق الاشياء كلها، وهو الذي صرّفها على حسب ارادته»(٢) .

أما مسألة الفصل بين كلمتي (الخلق) و(الأمر) التي هي موضع الشاهد، وبها الاستشهاد، فيقول فيها الشيخ الطوسي: «انما فصل الخلق من الأمر، لأن فائدتهما مختلفة، لان (له الخلق) يفيد أن له الاختراع، و(له الأمر) معناه : له أن يأمر فيه بما أحب، فأفاد الثاني ما لم يفده الاول.

فمن استدل بذلك على أن كلام اللّه قديم، فقد تجاهل ما بينّا»(٣) فالآية الكريمة ليس فيها دلالة على ما ذهبوا اليه لأن الأمر في الآية بمعنى التصريف والتدبير، كما يفيده السياق.

٥ - لأهمية ما قيل في قوله تعالى : (كن فيكون)، وما يترتب من آثار على ما يفسر به النص، لا بد هنا من عرض يوفي به الموضوع توفية كافية.

وقد رأيت فيما بين يدي من تفاسير أن أفضل من وفّى الموضوع هذا وأوفاه بما لا يحتاج بعده الى مزيد بيان أو تبسيط عرض. هو تفسير (الميزان) فكان من المناسب ان اقتصر على ان انقل منه ما يرتبط بالاحتجاج بالآية الكريمة والرد عليه :

قال مؤلفه السيد الطباطبائي : «قوله تعالى : (إنما أمره اذا أراد شيئاً أن يقول

_____________________

(١) الفتوحات الالهية ٢ / ١٦٨.

(٢) الكشاف ٢ / ٨٢ - ٨٣.

(٣) التبيان ٤ / ٤٥٣ - ٤٥٤.


له كن فيكون)، الآية من غرر الآيات القرآنية (التي) تصف كلمة الايجاد، وتبين أنه تعالى لا يحتاج في ايجاد شيء مما أراده الى ما وراء ذاته المتعالية من سبب يوجد له ما أراده أو يعينه في ايجاده أو يدفع عنه مانعاً يمنعه.

وقد اختلف تعبيره تعالى عن هذه الحقيقة في كلامه، فقال : (انما قولنا لشيء اذا اردناه أن نقول له كن فيكون) - النحل ٤٠ - وقال : (واذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون) - البقرة ١١٧ -.

فقوله (انما أمره). الظاهر ان المراد بالأمر الشأن، وقوله في آية النحل المنقولة آنفاً (انما قولنا لشيء اذا اردناه)، وان كان يؤيد كون الأمر بمعنى القول، وهو الامر اللفظي بلفظة (كن)، الا أن التدبّر في الآيات يعطي ان الغرض فيها وصف الشأن الالهي عند إرادة خلق شيء من الاشياء.

لا بيان أن قوله تعالى عند خلق شيء من الاشياء هذا القول دون غيره.

فالوجه حمل القول على الأمر بمعنى الشأن، بمعنى أنه جيء به لكونه مصداقاً للشأن، لا حمل الأمر على القول بمعنى ما يقابل النهي.

وقوله : (اذا أراد شيئاً) أي اذا أراد إيجاد شيء، كما يعطيه سياق الآية.

وقد ورد في عدة من الآيات (القضاء) مكان (الارادة) كقوله : (اذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون).

ولا ضير فالقضاء هو الحكم، والقضاء والحكم والارادة من اللّه شيء واحد، وهو كون الشيء الموجود بحيث ليس له من اللّه سبحانه الا أن يوجد.

فمعنى (اذا أردناه) اذا أوقفناه موقف تعلق الارادة. وقوله : (ان يقول له كن) خبره (انما امره) أي يخاطبه بكلمة (كن).

ومن المعلوم انه ليس هناك لفظ يتلفظ به، والا احتاج في وجوده الى لفظ آخر، وهلم جرا. فيتسلسل.

ولا ان هناك مخاطباً ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به، لادائه الى الخلف.


فالكلام تمثيل لافاضته تعالى وجود الشيء من غير حاجة الى شيء آخر وراء ذاته المتعالية، ومن غير تخلف ولا مهل.

وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال : الظاهر أن هناك قولاً لفظياً هو لفظ (كن)، واليه ذهب معظم السلف، وشؤون اللّه تعالى وراء ما تصل اليه الافهام، فدع عنك الكلام والخصام، انتهى.

وذلك ان ما ذكره من كون شؤونه تعالى وراء طور الافهام، لو أبطل الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها، فصحة الكتاب، مثلاً، بما يفيده من المعارف الحقيقية انما تثبت بالحجة العقلية، فلو بطلت الحجة العقلية بكتاب - او سنة أو شيء آخر، مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلاً لنفسه اولاً، فلا تزل قدم بعد ثبوتها.

ومن المعلوم أن ليس هناك الا اللّه عز اسمه، والشيء الذي يوجد لا ثالث بينهما.

واسناد العلّية والسببية الى ارادته دونه تعالى، والارادة صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل - يستلزم انقطاع حاجة الاشياء اليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء الاشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس.

ومن المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى ايجاداً أو وجوداً، ثم يتصل بالشيء فيصير به موجوداً، وهو ظاهر، فليس بعده تعالى الا وجود الشيء فحسب.

ومن هنا يظهر ان كلمة الايجاد وهي كلمة (كن) هي وجود الشيء الذي أوجده، لكن بما أنه منتسب اليه قائم به، وأما من حيث انتسابه الى نفسه فهو موجود لا ايجاد، ومخلوق لا خلق.

ويظهر أيضاً ان الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة ولا نظرة، ولا يتحمل تبدلاً ولا تغيراً، ولا يتلبس بتدريج.

وما يترآى في الخلق من هذه الأمور انما يتأتى في الاشياء من ناحية نفسها، لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه، وهذا باب ينفتح منه ألف باب.


وفي الآيات للتلويح الى هذه الحقائق اشارات لطيفة كقوله تعالى : (كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) - آل عمران ٥٩ -، وقوله تعالى : (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) - القمر ٥٠ -، وقوله تعالى : (وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً) - الاحزاب ٣٨، الى غير ذلك.

وقوله في آخر الآية : (فيكون) بيان لطاعة الشيء المراد له تعالى، وامتثاله لأمر (كن) ولبسه الوجود»(١) .

وفي كلام الامام امير المؤمنين (ع) ما يلخص الموضوع وافياً ويدل عليه كافياً، قال (ع) : «يقول لمن أراد كونه : (كن فيكون)، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وانما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».

وفي حديث صفوان بن يحيى عن الامام الرضا (ع)، قال يحيى : «قلت لأبي الحسن (ع) عن الارادة من اللّه ومن المخلوق.

قال : فقال : الارادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل.

وأما من اللّه عز وجل فارادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي من صفات الخلق.

فارادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك، يقول له : كن، فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان، ولا همة، ولا تفكر، ولا كيف لذلك، كما أنه بلا كيف»(٢) .

٣ - الامامية والزيدية والاباضية والمعتزلة :

ذهبوا الى القول بخلق القرآن وحدوثه.

واستدلوا على هذا بما خلاصته :

أ - من العقل :

__________________

(١) الميزان ١٧ / ١١٤ - ١١٦.

(٢) التوحيد للصدوق ١٤٧.


١ - ان القرآن الكريم مؤلف من كلمات مركبة من حروف واصوات متتابعة يتلو بعضها بعضاً، فيعدم السابق منها بوجود لاحقه. والقديم لا يجوز عليه العدم، واذا انتفى قدمه ثبت حدوثه. وهو المطلوب.

وقرره القاضي المعتزلي بطريق آخر، قال : «ان الكلام لا يعقل ولا يفيد الا بأن يتولى حدوث حروفه على نظم مخصوص.

وما هذا حاله محال ان يكون قديماً.

كما ان المشي لا يعقل الا بتوالي حدوث الحركات فمحال قدمها مع ذلك»(١) .

٢ - ان القرآن الكريم لو كان قديماً لزم من ذلك الكذب عليه تعالى. ولأن الكذب باطل في حقه تعالى يكون قدم القرآن مثله باطلاً.

وتقريرهذا :

أنه تعالى أخبر بارسال نوح (ع) بقوله : (إنّا ارسلنا نوحاً الى قومه)، فلو كان القرآن أزلياً يكون هذا الاخبار أزلياً أيضاً، ويكون المخبر به - وهو ارسال نوح - قبل الأزل.

وهو معنى قولنا يلزم منه الكذبتعالى اللّه عن ذلك.

ولئلا نقع في مثل هذا المحذور الباطل لا مناص من القول بحدوث القرآن.

٣ - أن القرآن الكريم لو كان قديماً لزم منه العبث الممتنع في حقه تعالى.

وتقريره :

أن في القرآن أوامر أمثال قوله تعالى : (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة).

فلو كان القرآن أزلياً كانت أوامره مثله أزلية.

ومعنى هذا حصول الأمر والنهي من دون وجود مكلف يخاطب بهما اذ لا مكلف في الأزل.

____________________

(١) المختصر في اصول الدين ٣٣٩.


فيكون هذا من العبث، والعبث قبيح، فيمتنع في حقه.. فيبطل كون القرآن قديماً، واذا بطل كونه قديماً ثبت حدوثه وخلقه.

٤ - ان النسخ في أوامر القرآن الكريم ونواهيه - وهو رفع حكم شرعي سابق بنص لاحق - جائز وواقع.

«وما ثبت زواله امتنع قدمه»، فيثبت ان القرآن حادث وهو المطلوب.

٥ - «انه تعالى اذا أمر زيداً - مثلاً - بالصلاة، فاذا أداها لم يبق ذلك الأمر، وما ثبت عدمه امتنع قدمه».

ب - من القرآن.

١ - قوله تعالى : (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه) - الانبياء ٢ -.

وقوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين) - الشعراء ٥-.

ووجه الاستدلال :

أن المراد ب(الذكر) هنا (القرآن) بدليل قوله تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون) - الحجر ٩ -، وقوله تعالى : (وإنه لذكر لك ولقومك) - الزخرف ٤٤ -.

وقد وصفه اللّه تعالى بالحدوث نصاً وصراحة، فلو كان قديماً لما جاز وصفه بالحدوث.

٦ - قوله تعالى : (واذ قال ربك للملائكة)

بتقريب أن (إذ) ظرف زمان، والمختص بزمانٍ معينٍ محدث. وما كان بعضه محدثاً كان كله محدثاً.

٧ - وأخيراً : أوجز استدلالهم ببقية آي الذكر الحكيم بما قرره ملخصاً القاضي المعتزلي، قال:


«والقرآن يدل على ذلك (يعني الحدوث) لانه تعالى قال (ومن قبله كتاب موسى) - الاحقاف ١٢.

وهذا يوجب أنه بعد غيره، وهذا من علامات الحدوث.

وقال تعالى : (نزَّل أحسن الحديث) - الزمر ٢٣ -.

ومن حق الحديث ان يكون محدثاً.

وقال تعالى : (وكان أمراً مفعولاً) - الاحزاب ٣٧ -.

والمفعول لا يكون الا محدثاً.

ووصفه تعالى القرآن بأنه :

ينتسخ وينسى.

ويبتدأ به ومنه.

وبأنه ذكر محدث.

وبانه مفصل محكم موصل.

وبانه عربي.

وبانه سور كثيرة.

يدل على أنه فعله، لأن كل ذلك من علامات الحوادث والافعال»(١) .

وردهم العضد الايجي بقوله :

«والجواب : انها تدل على حدوث اللفظ، وهو غير المتنازع فيه»(٣) .

أقول : ان الايجي بهذا يقر بان ما ذكروه من أدلة ناهض باثبات مدعاهم، وهو المطلوب.

____________________

(١) المختصر في اصول الدين ٣٤٠ - ٣٤١.

(٢) المواقف ٣٩٥.


وذلك لانهم لا يريدون اكثر من اثبات حدوث هذا القرآن المتداول حفظاً وكتابة، لانهم لا يؤمنون بقرآن آخر وراء هذا القرآن، اذ لم يقولوا بان للّه كلاماً آخر غير هذا القرآن، دل عليه هذا القرآن. وفكرة الكلام النفسي ناقشوها مسبقاً وانتهوا الى بطلانها، وهم الآن بصدد اثبات حدوث هذا القرآن المتداول.

ونخلص من هذا الى :

١ - ان اعتبار القرآن الكريم بألفاظه والمداد الذي كتب به والورق الذي دوّن عليه صفة التكلم الالهية الازلية القائمة بذاته تعالى، فكرة غير مقبولة، لانها انكار لضرورة العقل وبداهة الوجدان.

٢ - ان القول بأن القرآن حقيقة هو الكلام النفسي، وهذا المصحف الذي بين أيدينا دال عليه، هي الأخرى فكرة غير مقبولة، لان ما لا يتعقل لا يقبل، ولانه لم يبرهن عليها بما يفيد اليقين بها.

٣ - وعليه : ان القرآن حقيقة هو هذا الذي بين ايدينا، وانه محدث، خلقه اللّه تعالى، وأنزله عن طريق الوحي على رسوله الكريم محمد بن عبد اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقرأه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بلسانه الشريف، وبلّغه للناس كما أمره ربه تعالى، وتلقاه المسلمون المعاصرون له، ثم الذين من بعدهم جيلاً بعد جيل، كما نزل عليه، وكما قرأه عليهم.

وأضيف الى ما يقدم :

١ - اننا لم نجد في القرآن الكريم ما يشير به اللّه تعالى من قريب أو من بعيد، الى القرآن الازلي (الكلام النفسي).

٢ - والذي وجدناه في اكثر من آية هو ان اللّه تعالى يشير الى هذا القرآن الذي بين ايدينا، وهذا نص منه تعالى على أنه هو القرآن. لا ما يدّعى أو يتوهم من أن هناك آخر غيره قديماً.

وقد جاء هذا في اثنتي عشرة آية هي :


١ - واُوحى اليّ هذا القرآن - الانعام ١٩ -

٢ - وما كان هذا القرآن ان يفترى - يونس ٣٧ -

٣ - بما أوحينا اليك هذا القرآن - يوسف ٣ -

٤ - ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم - الاسراء ٩ -

٥ - صرفنا في هذا القرآن ليذكروا - الاسراء ٤١ -

٦ - هذا القرآن لا يأتون بمثله - الاسراء ٨٨ -

٧ - للناس هذا القرآن من كل مثل - الاسراء ٨٩ -

٨ - اتخذوا هذا القرآن مهجوراً - الفرقان ٣٠ -

٩ - ان هذا القرآن يقص - النمل ٧٦ -

١٠ - في هذا القرآن من كل مثل - الروم ٥٨ -

١١ - للناس في هذا القرآن من كل مثل - الزمر ٢٧ -

١٢ - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل - الحشر ٢١ -

العدل

تعتد مسألة العدل كلامياً من المسائل الفوارق بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والقائلين بالتحسين والتقبيح الشرعيين.

فقد ركّز وأكد الاولون من الفريقين عليها بكل ما أوتوا من حول علمي، وعلى رأس هؤلاء المعتزلة والامامية، وسار في خطهم الزيدية والاباضية، ومن أبرز آيات ذلك ان وجدناهم يفردونها بالبحث والعنوان من بين سائر الصفات الثبوتية الكمالية.

وفي مقابل هذا اهملها الآخرون فلا بحث خاصاً بها، ولا عنوان تعنون به، غير قليل من كلام في بعض اطرافها يتبعثر هنا وهناك عند ذكرهم أفعال العباد، وفي طليعة القائمة من هؤلاء : الاشاعرة ومن سلك سبيلهم.


ولأهميتها كمسألة فارقة سمي الفريق الاول ب(العدلية) نسبة الى القول بالعدل القائم على فكرة التحسين والتقبيح العقليين.

وذلك لان القول بالتحسين والتقبيح العقليين يعطي العدل مفهوماً محدداً مستقراً ومستقلاً.

وبخلافه القول بالتحسين والتقبيح الشرعيين، كما سنتبينه فيما يلي :

ولكلمة (العدل) في اللغة اكثر من مدلول، واستعملت في القرآن الكريم في اكثر من مدلول ايضاً.

ومن أهمها المدلولان التاليان المرتبطان بموضوعنا وهما :

١ - العدل بمعنى الاستقامة في الفعل بوضع الشيء في موضعه، فلا ظلم ولا جور.

وعرّف بانه خلاف الجور والظلم.

ويأتي هذا في الحكم والقضاء.

ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني أمثال :

(واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) - النساء ٥٨ -.

(وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً) - الانعام ١١٥ -

(ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون)- الاعراف ١٥٩ -

(وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) - الاعراف ١٨١ -

ومن الحديث الشريف :

(من المنجيات كلمة العدل في الرضا والسخط).

٢ - العدل بمعنى الانصاف الذي يأتي وسطاً بين الظلم والتفضل (الاحسان).

ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بإنقاص الحق، ولا تفضل بالزيادة عليه.


ومنه قوله تعالى : (ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حقه وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) - النحل ٩٢ -.

ومن كلام الشيخ الصدوق هنا ما نصه : «ان اللّه أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، وذلك أنه تعالى يقول : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون).

والعدل : هو أن يثيب على الحسنة الحسنة، ويعاقب على السيئة السيئة».

والعدل : اسم من اسمائه الحسنى، وهو مصدر اقيم مقام اسم الفاعل (عادل) بمعنى (ذي العدل).

وهو أنه تعالى لا يظلم ولا يجور ولا يجحف في حق ذي حق.

هذا في اللغة.. وهو المقصود هنا أيضاً، ولذا عرّف كلامياً :

- كما عن القاضي المعتزلي - بأنه : «العلم بتنزيهه تعالى من امور ثلاثة :

احدها : القبائح اجمع.

وثانيها : تنزيهه عن أن لا يفعل ما يجب من ثواب وغيره.

وثالثها : تنزيهه عن التعبد بالقبيح وخلاف المصلحة واثبات جميع أفعاله حكمة وعدلاً وصواباً(١) ».

وهو - كما ترى - تعريف لمعنى الاعتقاد بالعدل، وليس تعريفاً للعدل باعتباره صفة من صفات اللّه تعالى، وبخاصة أنه أدخل المعرَّف ضمن التعريف بقوله : (عدلاً).

إلا أننا نستطيع أن نستخلص تعريف العدل كصفة من مضمون التعريف المذكور، بانه : عدم فعل القبيح، وعدم الاخلال بالواجب، وعدم التكليف بما لا مصلحة فيه.

_____________________

(١) المختصر في أصول الدين ٣١٨.


وعرّفه الفاضل المقداد بانه «تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب(١) ».

فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفة من صفات اللّه تعالى، وهو المطلوب هنا.

والعدل من صفات الفعل كما هو واضح من التعريف، وأيضاً هو من الصفات الثبوتية لانه وصف وجودي، ومما يتطلبه الكمال المطلق للذات الالهية.

وقد يوهم تعريفه المذكور أعلاه بأنه من الصفات السلبية، لانه اشتمل على ألفاظ سلبية مثل: التنزيه والعدم.

لكن لعلمنا بأنهم غالباً ما يستخدمون الطريقة السلبية في التعريفات ندرك أنه ليس من مقصودهم ادراج العدل في قائمة الصفات السلبية لاننا نستطيع أن نستعمل الطريقة الايجابية في تعريفه، فنقول : العدل : هو فعل الحسن والاتيان بالواجب.

شرح التعريف :

ومن هنا لا بد لنا لمعرفة معنى العدل من معرفة المفاهيم التي اشتمل عليها التعريف، وهي: الفعل، الواجب. الحسن والقبح.

١ - الفعل :

عرّفه بعضهم كالقاضي المعتزلي بقوله : «الفعل : هو ما يحدث من القادر»(٢) .

وبه نفسه عرّفه ابو الحسين البصري.

وأورد عليه العلامة الحلي في (كشف المراد)(٣) بانه يلزم منه الدور لتعريفهم القادر

______________________

(١) النافع يوم الحشر ٤٣.

(٢) المختصر في اصول الدين ٣٤٧.

(٣) ص ٢٣٥.


بأنه الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل، ثم قال : «الفعل أعم من الصادر عن قادر أو غيره».

ولم يعرفه لانه من المتصورات الضرورية كما نص على ذلك.

وهو - في الواقع - من المفاهيم التي هي أعرف من أن تعّرف، ومن هنا لم يحده الكثير من المتكلمين، واكتفوا بأن قالوا : الفعل ضروري التصور، أو هو من المتصورات الضرورية.

فالفعل هو ما نفهمه من مدلول لهذه الكلمة.

وقسموا الفعل الحادث الى قسمين هما :

أ - ما لا يكون له صفة زائدة على حدوثه، مثل : حركة الساهي والنائم.

ب - ما يكون له صفة زائدة على حدوثه.

ثم قسموا القسم الثاني الى قسمين أيضاً هما : الحسن والقبيح.

وقسموا الحسن الى قسمين أيضاً هما :

أ - ما لا يكون له صفة زائدة على حسنه، وهو المباح.

وعرّفوه بانه : «ما لا مدح في فعله ولا تركه ولا ذم فيهما»(١) .

ب - ما يكون له صفة زائدة على حسنه.

وقسموه الى قسمين هما : الواجب والمندوب.

أ - الواجب : وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله والذم على تركه.

ب - المندوب : وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله، ولا يستحق الذم بتركه.

____________________

(١) نهج المسترشدين ٤٥.


الخلاصة :

الفعل

ما ليس له صفة ما له صفة زائدة

زائدة على حدوثه على حدوثه

حسن قبيح

ما ليس له صفة ما له صفة زائدة

زائدة على حسنه على حسنه

واجب مندوب

٢ - الواجب :

ومن التقسيم هذا عرفنا معنى الواجب بانه ما يستحق فاعله المدح بفعله، والذم على تركه.

٣ - الحسن والقبيح :

رأينا انهما يقتسمان الفعل الحادث الذي له صفة زائدة على حدوثه.

ومن هنا كان البحث في تحديد معنييهما أساسياً من ناحية منهجية، لتوقف فهم


معنى العدل الذي هو فعل على فهم معناهما.

ولأن لهما اكثر من معنى ذكروا المعاني التي يطلقان عليها، ثم حرروا محل النزاع منها، فقالوا :

تطلق كلمتا الحسن والقبح على معان ثلاثة متقابلة هي :

١ - يطلق الحسن ويراد به (الملاءمة للطبع)، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (عدم الملاءمة للطبع)، مثل : (هذا الصوت حسن) بمعنى أنه ملائم للطبع و(ذلك الصوت قبيح) بمعنى أنه غير ملائم للطبع.

٢ - يطلق الحسن ويراد به (الكمال)، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (النقص) أو (عدم الكمال)، مثل : (العلم حسن) بمعنى انه كمال للنفس، و(الجهل قبيح) على اعتبار أنه نقص للنفس.

٣ - يطلق الحسن ويراد به «ادراك أن هذا الشيء أو ذاك مما ينبغي أن يفعل بحيث لو أقدم عليه الفاعل لكان موضع مدح العقلاء بما هم عقلاء، والقبح بخلافه»، مثل : (العدل حسن ) و(الظلم قبيح).

والمراد بالحسن والقبيح في موضوعنا هو القسم الثالث، ويمكن تعريفهما بالتالي :

الفعل الحسن : هو الذي يمدح فاعله على فعله.

الفعل القبيح : هو الذي يذم فاعله على فعله.

وقد اتفق المتكلمة والفلاسفة من المسلمين على امكان ادراك العقل للمعنيين الأولين للحسن والقبح.

واختلفوا في المعنى الثالث، فوقع محلاً للنزاع بين الاشاعرة والعدلية ونقطة الخلاف فيه هي:

هل أن للافعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع ؟.

أي : هل أن الحسن والقبح وصفان ذاتيان للأفعال، أو أنهما ليسا بذاتيين، وإنما


يعرضان للأفعال بسبب حكم الشارع بحسن الفعل أو قبحه ؟ ؟.

«فقالت الاشاعرة : لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها، وليس الحسن والقبح عائدين الى أمر حقيقي حاصل فعلاً قبل ورود بيان الشارع، بل ان ما حسّنه الشارع فهو حسن، وما قّبحه الشارع فهو قبيح».

«وقالت العدلية : ان للافعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع، فمنها ما هو حسن في نفسه، ومنها ما هو قبيح في نفسه، ومنها ما ليس له هذان الوصفان، والشارع لا يأمر الا بما هو حسن ولا ينهى الا عما هو قبيح».

وعرف الاول - أعني قول الاشاعرة - ب(التحسين والتقبيح الشرعيين) وعرف الرأي الثاني - أعني قول العدلية ب(التحسين والتقبيح العقليين)(١) .

مذهب الاشاعرة ودليله :

قال العضد الايجي :

«القبيح : ما نهي عنه شرعاً.

والحسن بخلافه.

ولا حكم للعقل في حسن الاشياء وقبحها.

وليس ذلك عائداً الى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبيّن.

ولو عكس القضية فحسّن ما قبحّه، وقبحّ ما حسّنه، لم يكن ممتنعاً، وانقلب الأمر»(٢) .

ثم قال مستدلاً :

«لنا وجهان :

__________________

(١) انظر : مبادئ اصول الفقه ٨٥ - ٨٦.

(٢) المواقف ٣٢٣.


الاول : أن العبد مجبور في أفعاله.. واذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح، اتفاقاً.

بيانه :

أن العبد ان لم يتمكن من الترك فذاك هو الجبر، وإن تمكن ولم يتوقف على مرجح، بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه اخرى من غير سبب كان ذلك اتفاقياً.

وان توقف على مرجح لم يكن ذلك من العبد، والا تسلسل، ووجب الفعل عنده، والا جاز معه الفعل والترك فاحتاج الى مرجح آخر وتسلسل، فيكون اضطرارياً.

وعلى التقادير فلا اختيار للعبد فيكون مجبوراً»(١) .

«الثاني : لو كان قبح الكذب ذاتياً لما تخلف عنه، لأن ما بالذات لا يزول، واللازم باطل، فانه قد يحسن اذا كان فيه عصمة دم نبي، بل يجب، ويذم تاركه قطعاً، وكذا اذا كان فيه انجاء متوعد بالقتل»(٢) .

مذهب العدلية ودليلهم :

قال النصير الطوسي :

«وعند المعتزلة ان بديهة العقل تحكم بحسن بعض الأفعال. كالصدق النافع والعدل، وقبح بعضها كالظلم والكذب الضار.

والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الافعال.

والحسن العقلي : ما لا يستحق فاعل الفعل الموصوف به الذم.

والقبح العقلي : ما يستحق به الذم.

والحسن الشرعي : ما لا يستحق به العقاب.

____________________

(١) المواقف ٣٢٤.

(٢) المواقف ٣٢٥.


والقبح (الشرعي) : ما يستحق به (العقاب).

وبازاء القبح : الوجوب : وهو ما يستحق تارك الفعل الموصوف به الذم أو العقاب.

ويقولون بان اللّه لا يخلّ بالواجب العقلي، ولا يفعل القبح العقلي البتة.

وان من يخلُّ بالواجب، ويرتكب القبح بالاختيار جاهل أو محتاج»(١) .

ولا بد من الاشارة هنا الى أن الذي يدرك حسن الافعال وقبحها في رأي الحكماء هو العقل العملي لا العقل النظري.

والى هنا ننتهي الى أن العدل عند الاشاعرة هو ما يفعله اللّه تعالى لأن ما يفعله هو الحسن.

وأن العدل عند العدلية : هو أن اللّه لا يفعل الا ما هو حسن عقلاً.

دليل العدل :

والدليل على وجوب اتصافه بالعدل هو :

- انه لو لم يكن اللّه عادلاً لكان ناقصاً، والنقص منتف بالضرورة فيثبت كونه عادلاً.

- «وأيضاً لو جاز عليه فعل القبيح لجاز عليه الكذب، فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده، وترتفع الاحكام الشرعية، وينقض الغرض المقصود من بعث الانبياء والرسل»(٢) .

وقرره شيخنا المظفر بالتالي :

«فلو كان يفعل الظلم والقبح - تعالى عن ذلك - فان الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:

__________________

(١) قواعد العقائد ٤٥٢.

(٢) النكت الاعتقادية ٤٠١.


١ - ان يكون جاهلاً بالأمر فلا يدري أنه قبيح.

٢ - ان يكون عالماً به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه.

٣ - ان يكون عالماً به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج الى فعله.

٤ - ان يكون عالماً به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في أن يكون فعله له تشهياً وعبثاً ولهواً.

وكل هذه الصور محال على اللّه تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض كمال، فيجب أن نحكم أنه منّزه عن الظلم وفعل ما هو قبيح»(١) .

الموازنة :

من المكابرة أن ننكر أن يكون لمثل العدل والظلم قيم ذاتية يدركها العقلاء بما هم عقلاء، إذ لا ادل على ذلك من وضع القوانين والانظمة واتباع الاعراف في مختلف المجتمعات حاضرة وبادية.

فلولا إدراك أبنائها أن العدل بما هو عدل حسن، وأن الظلم بما هو ظلم قبيح لما تواضعوا فيما بينهم ووضعوا الأنظمة لحفظ الحقوق وإقرار العدل.

فالقضية من البداهة والوضوح بمكان.

وعليه :

١ - للعدل مفهوم محدد، وهو فعل الحسن العقلي.

٢ - ان معنى أن اللّه تعالى عدل : لا يفعل القبيح العقلي.

٣ - ان صفة العدل تساوق كونه حكيماً، والحكمة وضع الشيء في موضعه، والاتيان بالفعل في محله.

وقد جاء تقرير عقيدة العدل في اكثر من آية من القرآن الكريم، منها :

__________________

(١) عقائد الامامية ٦٤ - ٦٥.


١ - (وما اللّه يريد ظلماً للعالمين) - آل عمران ١٠٨ -

٢ - (وما اللّه يريد ظلماً للعباد) - غافر ٣١ -

٣ - (واللّه لا يحب الفساد) - البقرة ٢٠٥ -

٤ - (وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين) - الدخان ٣٨ -

٥ - (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) - الذاريات ٥٦ -

٦ - (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لا ترجعون) - المؤمنون ١١٥ -

٧ - (وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلاً) - ص ٢٧ -

٨ - (لا يكلف اللّه نفساً الا وسعها) - البقرة ٢٨٦ -

٩ - (ان اللّه لا يأمر بالفحشاء) - الاعراف ٢٧ -

١٠ - (ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حقه وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) - النحل ٩٢ -.

حرية إرادة الانسان :

وينسق على قضية العدل الالهي قضية حرية ارادة الانسان، أو ما تعرف كلامياً بمسألة الجبر والتفويض أو الجبر والاختيار.

ودراسة هذه المسألة تعني البحث في أفعال الانسان الصادرة عنه وعلاقتها بقدرة اللّه تعالى.

ويتلخص فحوى القضية في : هل أن الانسان مجبور ومقسور على أفعاله الارادية.

وبتعبير آخر :

هل الانسان مسلوب الارادة، وجميع أفعاله مخلوقة للّه تعالى ؟

أو أنه حر الارادة، وله الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل ؟ فتكون جميع أفعاله مخلوقة له وليس للارادة الالهية أي دخل بها ؟


أو أن أفعاله في وضع هو بين بين ؟

والأقوال في المسألة هي :

١ - الجبر.

٢ - التفويض (القدر).

٣ - الاختيار (الأمر بين الأمرين).

٤ - الاكتساب (الكسب).

٥ - الاستسلام.

الجبر :

الجبر : هو الاعتقاد بأن جميع أفعال الانسان واقعة بقدرة اللّه وحدها.

وتسند وتنسب الى اللّه حقيقة والى الانسان مجازاً، كما يقال (زالت الشمس) فان نسبة الزوال الى الشمس نسبة مجازية لأن الشمس ليست هي فاعل الزوال حقيقة، وانما الفاعل له حقيقة هو اللّه تعالى.

ففي رأي القائلين به : «الانسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وانما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا ارادة ولا اختيار، وانما يخلق اللّه تعالى الافعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب الافعال اليه مجازاً كما تنسب الى الجمادات ، كما يقال : (أثمرت الشجرة) و(جرى الماء) و(تحرك الحجر) و(طلعت الشمس وغربت) و(تغيمت السماء وأمطرت) و(اهتزت الارض وانبتت) الى غير ذلك»(١) .

ودليلهم على ذلك :

١ - ان اللّه تعالى هو المالك المطلق الذي لا شريك له في ملكه، فله حق التصرف

_____________________

(١) الملل والنحل ١ / ٨٧.


فيه وحده.

وعلى أساس منه اذا نسب التصرف فيه بخلق أو تدبير أو ما شاكل الى غير اللّه نسبة حقيقية، لزم منه وجود شركاء له في ملكه، وهذا خلف.

٢ - الآيات القرآنية الكريمة التي تنسب بظاهرها أفعال العباد الى اللّه تعالى، مثل :

- (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند اللّه) - النساء ٧٨ -.

- (واللّه خلقكم وما تعملون) - الصافات ٩٦ -

- (وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى) - الانفال ١٧ -

- (إن هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء) - الاعراف ١٥٥ -.

التفويض :

التفويض : هو الاعتقاد بأن جميع أفعال الانسان واقعة بقدرة الانسان نفسه، وحدها.

وسمي تفويضاً لأن القائلين به لم يعتقدوا أن لقدرة اللّه تعالى مدخلاً ولو غير مباشر في خلق فعل الانسان، فكأن الفعل فُوض أمر وجوده الى الانسان، وبقدرته وحدها.

ويسمى ايضاً ب(القدر) ويعرف القائلون به ب(القدرية) و(المفوضة).

وفي الدليل على ذلك :

قال القاضي المعتزلي : «فان قال : أتقولون في أفعال العباد : إن اللّه - جل وعز - لم يخلقها؟؟

قيل له : نعم، بل هي من جهتهم واقعة حادثة.

والدليل على ذلك : ما سلف من أنها تقع بحسب قصدهم وعلومهم وقُدَرهم، فلو أراد أحدنا البناء لم تقع الكتابة، ولو جهل الكتابة لم يصح أن تقع، ولو أراد حمل


الجبال لم يقع. ولو كان من فعل غيره فيه لكان جهله وعلمه وقلة قدرته وكثرتها بمنزلة واحدة.

وهذا يدل على أن أفعالهم حادثة من قبلهم.

وأيضاً فلأنهم يمدحون على الحسن من فعلهم، وعلى القبيح يذمون، فيلزمنا أن نمدح من يفعل الواجب ونذم من يفعل الظلم والسرقة، ولا يحسن منا مدح على كونه وهيئته، ولا ذمه على طوله وصورته..

وذلك من أول الدلالة على أن هذه الأفعال من جهته.

وأيضاً نحتاج في هذه الافعال الى آلات وقُدر وارتفاع الحواجز، لأنه إذا أراد الرمي والاصابة فلا بد له من قوس وآلة، وأن لا يكون بينه وبين المرمى حاجز، وأن يكون عالماً، وأن يكون قوياً ليبلغ الرمي بشدة اعتماده.

ولو كان من فعل اللّه تعالى لما احتاج الى ذلك لأنه تعالى فيما يفعله لا يحتاج الى هذه الأمور، تعالى اللّه عن ذلك.

وأيضاً فلأن فاعل ذلك مذموم ناقص سخيف في العقول ظالم، فان كان تعالى هو الفاعل لكل ظلم لوجب ذمه وأن يوصف بأنه ظالم، وهذا كفر من قائله، لأن الأمة بأسرها تقول ان من وصف اللّه بأنه ظالم فقد كفر، لا بالقول لكن بالمعنى، ومعناه أنه فعل الظلم، فمن قال ذلك فهو كافر اذاً.

وأيضاً فلو كانت هذه الافاعيل اللّه خلقها، لبطل الأمر والنهي وبعثة الانبياء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقبحت المساءلة والمحاسبة والمعاقبة، لانه تعالى لا يجوز أن يأمر بما لا يفعله وينهى عما خلقه.

والنبي كيف يدعو الكفار الى العدول عن الكفر الى الايمان واللّه تعالى هو الخالق للكفر فيهم والمانع لهم عن الايمان ؟ !

ومن يأمر بالمعروف كيف يأمر به والمعروف ليس من فعله ؟ !

وكيف ينكر المنكر وانما خلقه فيه ؟ !


ولماذا نجاهد الاعداء واللّه خلقهم لذلك ؟ ! وكيف يحسن من اللّه تعالى المساءلة والمحاسبة وجميع ما وقع من الأفعال هو الذي خلقه ؟ !

وهذا سخف من قائله.

وقال الفخر الرازي في معرض بيانه حجج القائلين بالتفويض :

« وأما المنقول فقد احتجوا بكتاب اللّه تعالى في هذه المسألة من عشرة أوجه :

الوجه الأول : ما في القرآن من اضافة الفعل الى العباد، كقوله تعالى : (فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم).

(إن يتبعون الا الظن).

(ذلك بان اللّه لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم).

(بل سولت لكم أنفسكم أمراً).

(فطوعت له نفسه قتل اخيه).

(من يعمل سوءاً يجز به).

(كل امرئ بما كسب رهين).

(ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم).

الوجه الثاني : ما في القرآن من مدح المؤمنين على الايمان وذم الكافرين على الكفر ووعد الثواب على الطاعة، ووعيد العقاب على المعصية كقوله تعالى :

(واليوم تجزى كل نفس ما كسبت).

(اليوم تجزون بما كنتم تعملون).

(وابراهيم الذي وفَّى).

(ولا تزر وازرة وزر أخرى).


(هل تجزون إلا ما كنتم تعملون).

(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها).

(ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً).

(اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة).

(ان الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون).

الوجه الثالث : الآيات الدالة على أن أفعال اللّه تعالى منزهة عن أن تكون مثل أفعال المخلوقين من التفاوت والاختلاف والظلم.

أما التفاوت فكقوله تعالى :

(ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت).

(الذي أحسن كل شيء خلقه). والكفر والظلم ليس بحسن. وقوله : (ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق)، والكفر ليس بحق.

وقوله : (ان اللّه لا يظلم مثقال ذرة).

(وما ربك بظلام للعبيد).

(وما ظلمناهم).

(لا ظلم اليوم).

(ولا يظلمون فتيلاً).

الوجه الرابع : الآيات الدالة على ذم العباد على الكفر والمعاصي، كقوله تعالى : (كيف تكفرون باللّه)، والانكار والتوبيخ مع العجز عنه محال، وعندكم أن اللّه تعالى خلق الكفر في الكافر وأراده منه، وهو لا يقدر على غيره، فكيف يوبخه عليه.

واحتجوا في هذا الباب بقوله تعالى : (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى)، وهو انكار بلفظ الاستفهام.


ومعلوم ان رجلاً لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج منه، ثم يقول له : (ما يمنعك من التصرف في حوائجي) كان ذلك منه مستقبحاً.

وكذا قوله : (وماذا عليهم لو آمنوا باللّه).

وقوله لإِبليس : (ما منعك أن تسجد).

وقول موسى لأخيه : (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا).

وقوله : (فما لهم لا يؤمنون).

(فما لهم عن التذكرة معرضين).

(عفا اللّه عنك لم أذنت لهم).

(لم تحرم ما أحل اللّه لك).

وكيف يجوز ان يقول : (لِمَ تفعل) مع أنه ما فعله.

وقوله : (لم تلبسون الحق بالباطل).

(لم تصدون عن سبيل اللّه)(١) .

وقال الصاحب(٢) في فصل له في هذا المعنى : «كيف يأمر بالايمان ولم يُرده، ونهى عن الكفر وأراده، ويعاقب على الباطل وقدّره ؟ ! وكيف يصرفه عن الايمان ثم يقول : أنّى تصرفون، ويخلق فيهم الافك ثم يقول : أنّى يؤفكون، وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول : لم تكفرون، وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول : لم تلبسون الحق بالباطل، وصدهم عن السبيل ثم يقول : لم تصدون عن سبيل اللّه، وحال بينهم وبين الايمان ثم قال : ماذا عليهم لو آمنوا باليوم الآخر، وذهب بهم عن الرشد، ثم قال : فأنّى

__________________

(١) المختصر في اصول الدين ٣٥٠ - ٣٥١

(٢) الصاحب : كافي الكفاة ابو القاسم اسماعيل بن عباد الطالقاني المتوفى سنة ٣٨٥ هجري، كان زيدي الاصول حنفي الفروع، انتصر للفكر المعتزلي في كتابه (احكام القرآن) وجوّد فيه.


تذهبون، وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا، ثم قال : فما لهم عن التذكرة معرضين».

الوجه الخامس : الآيات التي ذكرها اللّه تعالى في معرض التهديد والتوبيخ، فمنها تخيير العباد في أفعالهم وتعليقها بمشيئتهم، كقوله تعالى :

(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

(اعملوا ما شئتم).

(قل اعملوا فسيرى اللّه عملكم).

(لمن شاء منكم ان يتقدم أو يتأخر).

(فمن شاء ذكره).

(فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا).

وقد انكر اللّه تعالى على من نفى المشيئة عن نفسه، وأضافها الى اللّه تعالى، فقال : (سيقول الذين أشركوا لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا).

(وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم من شيء).

الوجه السادس : الآيات التي فيها أمر العباد بالطاعة والمسارعة اليها قبل فواتها، كقوله :

(سارعوا الى مغفرة من ربكم).

(سابقوا الى مغفرة من ربكم).

(أجيبوا داعي اللّه وآمنوا به).

(استجيبوا للّه وللرسول).

(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم).

(فآمنوا خيراً لكم).


(اتبعوا أحسن ما انزل اليكم من ربكم).

(أنيبوا الى ربكم).

قالوا : وكيف يصح الأمر بالطاعة والمسارعة اليها مع كون المأمور ممنوعاً عاجزاً عن الاتيان بها.

وكما يستحيل أن يقال للمقعد الزَّمِن : قم، ولمن يرمى من شاهق : احفظ نفسك، فكذا ها هنا.

الوجه السابع : الآيات التي حث اللّه تعالى فيها على الاستعانة به، كقوله تعالى :

(اياك نعبد واياك نستعين).

(فاستعذ باللّه من الشيطان الرجيم).

(استعينوا باللّه).

فاذا كان اللّه تعالى خالق الكفر والايمان والمعاصي فكيف يستعان به.

وأيضاً يلزم بطلان الألطاف والدواعي، لأنه تعالى اذا كان هو الخالق لأفعال العباد فأي شيء يحصل للعبد من اللطف الذي يفعله اللّه تعالى.

لكن الألطاف حاصلة كقوله تعالى :

(أوَ لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين).

(ولولا ان يكون الناس امة واحدة).

(ولو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض).

(فبما رحمة من الله لنت لهم).

(ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).

الوجه الثامن : الآيات الدالة على اعتراف الأنبياء بذنوبهم واضافتها الى أنفسهم، كقوله تعالى حكاية :


عن آدم : (ربنا ظلمنا أنفسنا).

وعن يونس : (سبحانك إني كنت من الظالمين).

وعن موسى : (ربّ إني ظلمت نفسي).

وقال يعقوب لأولاده : (بل سوّلت لكم انفسكم).

وقال يوسف : (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي).

وقال نوح : (رب إني اعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم).

قالوا : فهذه الآيات دالة على اعتراف الأنبياء بكونهم فاعلين لأفعالهم.

الوجه التاسع : الآيات الدالة على اعتراف الكفار والعصاة بأن كفرهم ومعاصيهم كانت منهم، كقوله تعالى :

(ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم - الى قوله - أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم مجرمين).

وقوله تعالى : (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين).

(كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها - الى قوله - فكذبنا وقلنا).

وقوله : (أولئك ينالهم نصيب من الكتاب - الى قوله - فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون).

الوجه العاشر : الآيات التي ذكر اللّه تعالى فيها ما يوجد منهم في الآخرة من التحسر على الكفر والمعصية، وطلب الرجعة، كقوله تعالى :

(وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل).

(ربنا اخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون).

وقوله تعالى : (قال رب ارجعون لعلّي أعمل صالحاً).

(ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم)..


(أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين).

فهذه جملة استدلالاتهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»(١) .

الاختيار :

وهو مذهب الامامية، وسمّوه (الأمر بين الأمرين) افادة من الكلمة المأثورة عن الامام الصادق (ع) : (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين)(٢) .

وسماه الامام الهادي (ع) في رسالته في (الرد على أهل الجبر والتفويض) المذكورة في كتاب (تحف العقول) ب(العدل) و(المنزلة بين المنزلتين).

ويريدون به :

أن أفعال الانسان الارادية تصدر عن الانسان باختياره من غير جبر ولا إكراه، فان شاء فعل، وان لم يرد لم يفعل.

وفي الوقت نفسه يباشرها الانسان بالقوة والقدرة التي خلقها اللّه فيه.

فاذا اسندت الى قوة الانسان وقدرته المباشرة للفعل كانت من اللّه تعالى، لأن اللّه قادر على أن يسلب الانسان القوة التي أقدره بها على الفعل فلا يستطيع الاتيان به، وقادر على أن يخلي له السبيل الى الفعل فيفعله.

وان اسندت الى ارادة الانسان واختياره كانت من الانسان لأنه ان أراد واختار وقع الفعل، وان لم يرد ولم يختر لم يقع الفعل.

فاللّه تعالى لم يسلب الانسان ارادته فيكون الانسان مجبوراً على الفعل أو الترك، بحيث تتحول أفعاله الارادية في واقعها الى أفعال غير إرادية، لا دخل للانسان في

__________________

(١) تلخيص المحصل ٣٢٨ - ٣٣٢.

(٢) التوحيد للصدوق ٣٦٢.


وجودها وحدوثها.

كما انه تعالى لم يترك الانسان بحيث لا تدخل له في فعله حتى بارادة التشريع، فتكون أفعاله بخيرها وشرها لا علاقة لها باللّه اطلاقاً.

وببيان آخر :

ان أفعال الانسان غير الارادية كنشأته ونموه وسيره في مختلف مراحل تكوينه، ووجوده من مني يمنى ثم تطوراته جنيناً فرضيعاً فناشئاً فيافعاً فشاباً فكهلاً فشيخاً، الى ان يموت، وما بعد الموت، خاضعة لارادة اللّه التكوينية وأمره التكويني (كن فيكون).

وأفعاله الارادية على اختلاف انماطها السلوكية خاضعة لارادة اللّه التشريعية وأوامره ونواهيه الشرعية.

والفرق بين الارادتين في التأثير وتحقق الفعل :

ان الارادة التكوينية علة تامة لوقوع الفعل، فعند تعلقها بالفعل مع توافر شروط التأثير والايجاد لا يتخلف الفعل عن الوقوع والحدوث بحال من الأحوال.

أما الارادة التشريعية فليست علة تامة لوقوع الفعل، وانما هي جزء من اجزاء العلة لوقوع الفعل، وليست هي الجزء الأخير الذي به تتم العلة فيصدر عنها الفعل، وانما الجزء الأخير الذي تتم به العلة فيصدر عنه الفعل هو ارادة الانسان، فان اراد الانسان الفعل تمت العلة ووقع الفعل، وان لم يرده لا يقع.

وبتعبير آخر :

ان اللّه أراد وقوع الفعل المأمور به شرعاً وأراد عدم وقوع الفعل المنهي عنه شرعاً، لكن ارادته تعالى هنا ارادة شرعية لا كونية، وترك تمامية العلة لاختيار الانسان.

وذلك ليصح التكليف ويحسن الحساب وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب.

ومن هنا سميته ب(الاختيار) للزوم وجود عنصر الاختيار في تحقق الفعل الارادي من الانسان.


واستدلوا على ذلك :

١ - بأن هناك فرقاً واضحاً وضوحاً بديهياً بين الفعل الارادي للانسان والفعل اللاارادي.

ذلك أن الفعل الارادي تابع للقصد والداعي فيستطاع فعله وتركه بخلاف الفعل غير الارادي.

٢ - بالآيات القرآنية الظاهرة في اسناد الفعل الى الانسان امثال :

( فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم) - البقرة ٧٩ -

(حتى يغيروا ما بانفسهم) - الانفال ٥٣ -

( من يعمل سوءاً يجز به) - النساء ١٢٣ -

٣ - بالاحاديث المروية عن أهل البيت (ع) الدالة على الاختيار أو الأمر بين الأمرين، أمثال:

ما عن الامام الصادق : (ان اللّه عز وجل خلق الخلق فعلم ما هم سائرون اليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل الى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل الى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذن اللّه)(١) .

ما عنه أيضاً : (قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من زعم أن اللّه تبارك وتعالى يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي بغير قوة اللّه فقد كذب على اللّه)(٢) .

ما عن محمد بن عجلان : قال : قلت لأبي عبد اللّه (ع) : فوّض اللّه الأمر الى العباد ؟

__________________

(١) التوحيد ٣٥٩.

(٢) م. ن.


فقال : اللّه اكرم من أن يفوّض اليهم.

قلت : فأجبر اللّه العباد على أفعالهم ؟

فقال : (اللّه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثم يعذبه عليه)(١) .

ما عن الحسن بن علي الوشاء عن ابي الحسن الرضا (ع) : قال : سألته، فقلت له : اللّه فوّض الأمر الى العباد ؟

قال : اللّه أعزّ من ذلك.

قلت : فأجبرهم على المعاصي ؟ !

قال : اللّه أعدل وأحكم من ذلك.

ثم قال : قال اللّه عز وجل : يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني.

(عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك)(٢) .

الاكتساب (الكسب) :

وهو عقيدة أهل السنة جميعاً أشعرية وماتريدية وسلفية، ففي كتاب (العقيدة الواسطية) لابن تيمية ما نصه : «للعبد قدرة وارادة وفعل وهبها اللّه له، لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازاً.

«فهي من العبد كسباً ومن اللّه خلقاً»(٣) .

وفي وصية الامام ابي حنيفة (رض) لأصحابه : «نقر بأن العبد مع أعماله واقراره ومعرفته مخلوق.

_____________________

(١) م. ن ٣٦١.

(٢) م. ن ٣٦٢ - ٣٦٣.

(٣) ص ٦٣.


فلما كان الفاعل مخلوقاً فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة»(١) .

وفي كتاب (الابانة) لابي الحسن الأشعري : «إن أعمال العبد مخلوقة للّه مقدورة كما قال : خلقكم وما تعملون»(٢) .

وقال الشهرستاني : «قال الأشعري : العبد قادر على أفعاله إذ الانسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات الرعدة والرعشة وبين حركات الاختيار والارادة.

والتفرقة راجعة الى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة متوقفة على اختيار القادر.

فعن هذا قال : المكتسب هو المقدور بالقدرة الحاصلة، والحاصل تحت القدرة الحادثة»(٣) .

وفي كتاب (مقالات الاسلاميين) للاشعري : «واختلف الناس في معنى القول إن اللّه خالق :

فقال قائلون : معنى ان اللّه خالق : ان الفعل وقع منه بقدرة قديمة، فانه لا يفعل بقدرة قديمة إلا خالق.

ومعنى الكسب : ان يكون الفعل بقدرة محدثة. فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق. ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب.

وهذا قول أهل الحق«(٤) .

فمعنى الاكتساب أو الكسب أو كسب العبد : هو «أن العبد اذا صمّم العزم فاللّه يخلق الفعل فيه»(٥) .

__________________

(١) انظر : الطبقات السنية في تراجم الحنفية ١ / ٦٣.

(٢) ص ٩.

(٣) الملل والنحل ١ / ٩٦ - ٩٧.

(٤) ص ٥٣٨ - ٥٣٩.

(٥) ايثار الحق على الخلق ٣١٧.


واريد بهذا : «الجمع بنسبة ما يسمى خلقاً الى اللّه تعالى، ونسبة ما يسمى كسباً وطاعة ومعصية الى العباد.

ولم يريدوا بكون الأفعال خلق اللّه تعالى نفي كونها أفعال العباد، كما لم يريدوا بكونها كسباً للعباد نفي أنها خلق اللّه.

وبالجملة : فلم يريدوا نسبتها الى اللّه تعالى وحده من كل جهة، إذ لم تكن كسباً ولا طاعة ولا معصية، فان الطاعة والمعصية من اللّه تعالى وحده محالان.

ولا أرادوا نسبتها الى العباد وحدهم، لاعتقادهم أنها تسمى مخلوقة، وان الخلق من العباد محال»(١) .

وفي كتاب (كشف المراد) : «وقال ضرار بن عمرو والنجار وحفص الفرد وابو الحسن الأشعري: إن اللّه تعالى هو المحدث لها، والعبد مكتسب، ولم يجعل لقدرة العبد أثراً في الفعل، بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة اللّه تعالى، وهذا الاقتران هو الكسب.

وفسر القاضي الكسب بان ذات الفعل واقعة بقدرة اللّه تعالى، وكونه طاعة أو معصية صفتان واقعتان بقدرة العبد»(٢) .

وخلاصته :

أن العبد عندما يختار الفعل (طاعة كان أو معصية) وتتعلق ارادته به يخلق اللّه الفعل في العبد بقدرته تعالى التي يحدثها فيه مقارنة للاختيار.

وبمقارنته بالأمر بين الأمرين ننتهي الى الفارق التالي :

ان الامامية يذهبون الى ان الانسان هو الذي يختار الفعل ويخلقه، ولكن بالقوة والقدرة الانسانية التي منحها اللّه اياه.

__________________

(١) م. ن ٣١٥ - ٣١٦.

(٢) ص ٢٣٩ - ٢٤٠.


ان أهل السنة يذهبون الى أن الانسان هو الذي يختار الفعل أيضاً.

إلا ان اللّه تعالى هو الذي يخلقه عن طريق خلق القدرة الحادثة فيه المقارنة للاختيار.

وبمقارنته مع الجبريين ننتهي الى الفارق التالي :

أن كلاً من الجبريين والكسبيين يذهب الى أن الفعل من خلق اللّه تعالى.

الا أن المجبرة يقولون هو بقدرة اللّه القديمة.

والكسبيين يرون أنه بالقدرة الحادثة التي يخلقها اللّه في العبد عند اختياره للفعل.

ومن هنا رأينا غير واحد من المؤلفين الكلاميين اعتد القائلين بالكسب من المجبرة.

ويشيع هذا بشكل بارز في مؤلفات الامامية الكلامية بنصهم على أن الاشاعرة جبريون.

واستدلوا على ذلك :

١ - بان فعل العبد ممكن، وكل ممكن مقدور للّه تعالى. ولا شيء مما هو مقدور للّه واقع بقدرة العبد، لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد(١) .

٢ - بالآيات الدالة على أن كل شيء هو مخلوق للّه أمثال :

(ان اللّه خالق كل شيء) - الانعام ١٠٢ -

(وخلق كل شيء ) - الفرقان ٢ -

(واللّه خلقكم وما تعملون) - الصافات ٩٦ -

(هل من خالق غير اللّه) فاطر ٣ -

(لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون) - الفرقان ٢٥ -

__________________

(١) المواقف ٣١٢.


الاستسلام :

الاستسلام أو الاستسلام للّه، تعبير أطلقه الشيخ عبد الحليم محمود في كتابه (التفكير الفلسفي في الاسلام) على موقف السلف (الصحابة) من مشكلة القدر.

قال : «ورأي الصحابة - رضوان اللّه عليهم - أن اللّه قد صرح بأنه أكمل دينه، وأتم نعمته على المسلمين، فأخذوا أنفسهم بالتزام ما أتى به على الوجه الذي أتى به.

وقد أثبت القرآن وجود اللّه، وأثبت دليله، فهم يؤمنون بوجود اللّه، وتطمئن نفوسهم الى دليل القرآن على وجوده، وكذلك الأمر في وحدانية اللّه وقدرته وبقية صفاته.

وقد استفاض القرآن في الاستدلال على رسالة الرسول، فهم يثبتونها ويستدلون بما استدل به القرآن.

وقد أثبت القرآن البعث وأقام عليه الدليل، فهم يثبتونه، ويقيمون عليه دليل القرآن.

يقتصر السلف اذن في الاستدلال على معرفة اللّه ووحدانيته وصدق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى اليوم الآخر على ما ورد في الكتاب الكريم»(١) .

ثم قال : «ذلك هو منهج السلف ومنهج من سار على طريقتهم، بيد أنه عرض لهم بعض المشاكل، منها مشكلة القدر، ومشكلة الصفات.

أما مشكلة القدر فانه قد ورد في القرآن آيات ربما تشعر بالجبر مثل :

(وما تشاؤون الا أن يشاء اللّه).

(ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم - ان كان اللّه يريد أن يغويكم - هو ربكم واليه ترجعون).

_________________

(١) ص ١١٥.


(من يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للاسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء).

وفيه آيات ربما تشعر بالاختيار :

(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

(وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون).

(لا يؤاخذكم اللّه باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم).

ولكن اذا تتبعنا الاحاديث، وتتبعنا منزع كبار الصحابة، رأينا أن الاتجاه كان ينحو نحو الاعتقاد بانه لا تطرف في العالم طرفة عين ولا تهب فيه نسمة هواء ولا يحدث فيه حادث صغر أو كبر الا بارادة وتقدير من اللّه سبحانه وتعالى.

ولقد ملأت فكرة الالوهية قلوبهم وسيطرت على نفوسهم، فاستسلموا للّه خاضعين مؤمنين بان ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن»(١) .

ثم قال : «هذا الموقف هو موقف الاستسلام للّه.

واذا اردنا الدقة قلنا : إنه ليس موقف الجبر، وليس موقف الاختيار، وليس موقف الكسب، إنه موقف الاستسلام للّه.

ويتمثل هذا الموقف فيما يروى عن علي -رضي‌الله‌عنه - قال : «كنا في جنازة ببقيع الغرقد، فأتى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقعد وقعدنا حوله، وبيده مخصرة، فجعل ينكث بها الأرض، ثم قال : ما منكم من أحد الا وقد كُتب مقعده من النار ومقعده من الجنة» فقالوا : يا رسول اللّه، أفلا نتكل على كتابنا ؟

فقال : اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيصير الى عمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير الى عمل الشقاء.

ثم قرأ : (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى). واذا انعمنا

_________________

(١) ص ١٢٢ - ١٢٣.


النظر في هذا الحديث وجدنا فيه نوعاً من الغرابة، أو نوعاً من الطرافة.

وطرافته أو غرابته آتية من أنه مُرْبِك للجبريين، ومربك للاختياريين، ومربك للكسبيين.

فصدره يتجه للجبر، وفيما يتلو يأمر بالعمل، وينتهي الحديث بآية قرآنية ترشد الى أن تيسير اللّه الصراط المستقيم للانسان انما هو مترتب على الاحسان والتقوى والتصديق بالحسنى.

ولكن الحديث في جملته لا يرشد الا الى الاستسلام للّه»(١) .

الموازنة :

يرجع الخلاف في المسألة الى مفارقات وقعت في منهج البحث، تمثلت في التالي :

١ - ما يبدو ظاهراً من تناف بين دلالات الآيات القرآنية الواردة في موضوع فعل الانسان.

فقد رأينا أن المجبرة استدلوا بالآية الكريمة : (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند اللّه) - النساء ٧٨ -.

وفي مقابلها يستدل نفاة الجبر بالآية التي تليها وهي : (ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك) - النساء ٧٩ -.

والمفارقة المنهجية هنا هي : أن يستدل بهاتين الآيتين على فعل الانسان وهما لا علاقة لهما به.

وذلك ان الحسنة والسيئة لم تستعملا بما لهما من مصطلح ترسخ مدلوله العلمي بعد عصر النزول وهو الطاعة والمعصية.

وانما استعملتا بما لهما من معنى لغوي آخر، ومن المعلوم أن اللفظ اذا كان له اكثر من معنى لغوي يرجع في تعيين المقصود منه الى القرائن المحتفة به سياقاً أو غيره.

والحسنة والسيئة كما تطلقان في اللغة على الطاعة والمعصية تستعملان أيضاً في

__________________

(١) ص ١٢٣ - ١٢٤.


النعمة والبلية، وهما هنا بمعنى النعمة والبلية بقرينة مناسبة النزول والسياق كما سيأتي.

جاء في (لسان العرب) : «وقوله تعالى (ربنا آتنا في الدنيا حسنة أي نعمة، ويقال : حظوظاً حسنة، وقوله تعالى (وان تصبهم حسنة) أي نعمة، وقوله (ان تمسسكم حسنة تسؤهم) أي غنيمة وخصب (وان تصبكم سيئة) أي مَحْل»(١) .

وفي معناهما اللغوي هذا «قال ابن عباس وقتادة : الحسنة والسيئة : السراء والضراء والبؤس والرخاء، والنعيم والمصيبة، والخصب والجدب.

وقال الحسن وأبو زيد : هو القتل والهزيمة، والظفر والغنيمة»(٢) وفي مناسبة نزولها يقول الطبرسي: «اختلف في من حكي عنهم هذه المقالة :

فقيل : هم اليهود، قالوا : ما زلنا نعرف النقص في أثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجلعن الزجاج والفراء.

فعلى هذا يكون معناه : وان اصابهم خصب ومطر قالوا : هذا من عند اللّه، وان اصابهم قحط وجدب، قالوا : هذا من شؤم محمد، كما حكى عن قوم موسى : وان تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه، ذكره البلخي والجبائي، وهو المروي عن الحسن وابي زيد.

وقيل : هم المنافقون : عبد اللّه بن أبيّ واصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد، وقالوا : الذين قتلوا في الجهاد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فعلى هذا يكون معناه : ان يصبهم ظفر وغنيمة قالوا : هذا من عند اللّه، وان يصبهم مكروه وهزيمة قالوا : هذه من عندك يا محمد بسوء تدبيرك، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة.

وقيل : هو عام في اليهود والمنافقين، وهو الأصح.

__________________

(١) انظر : مادة : حسن.

(٢) مجمع البيان ٥ / ١٦٦ - ١٦٧.


وقيل : هو حكاية عمن سبق ذكره قبل الآية وهم الذين يقولون ربنا لم كتبت علينا.

وتقديره : وان تصب هؤلاء حسنة يقولوا : هذه من عند اللّه»(١) أما قرينة السياق فهي اسناد فعل الاصابة الى الحسنة والسيئة، ومعناه : ان الحسنة والسيئة هما اللتان وقعتا على الانسان وأصابتاه، فلو كانتا بمعنى الطاعة والمعصية لأسند فعل الاصابة الى الانسان وأوقع على الحسنة والسيئة، فيقال : اصاب الانسان حسنة، واصاب الانسان سيئة لان الانسان هو الذي يفعل الطاعة والمعصية.

وهذا هو اسلوب القرآن الكريم في استعمال الفعل المذكور، قال تعالى : (ولئن اصابكم فضل من اللّه) - النساء ٧٣ -، وقال تعالى : (وان تصبك مصيبة) - التوبة ٥٠ -.

فالفضل بمعنى الحسنة مفهوماً واستعمالاً، والمصيبة بمعنى السيئة مفهوماً واستعمالاً أيضاً.

وعليه : لا تنافي بين الآيتين، كما أنهما ليستا من شواهد الجبر والاختيار، فالاستدلال غير ناهض بالاثبات.

ويرجع سبب الاستدلال بهما هنا الى توهم ان المراد بالحسنة والسيئة في الآيتين : الطاعة والمعصية، وهذا من الخطأ في المنهج، كما أشرت.

٢ - فصل الآية عن قرينة السياق التي تتدخل تدخلاً مباشراً وأساسياً في بيان وتحديد المعنى المقصود منها.

وهذا كما في الآية : (واللّه خلقكم وما تعلمون) - الصافات ٩٦ -. فان الآية وردت في قصة النبي ابراهيم (ع) مع أصنام قومه، وفي السياق التالي : (فراغ الى آلهتهم فقال ألا تأكلون. ما لكم لا تنطقون. فراغ عليهم ضرباً باليمين. فأقبلوا اليه يزفّون. قال : أتعبدون ما تنحتون واللّه خلقكم وما تعملون).

__________________

(١) م. ن ١٦٦.


فان اقتران الآية موضوع البحث بالآية التي قبلها دليل على أن المراد بقوله تعالى (وما تعملون) الأصنام التي ينحتونها ويعبدونها.

والمقصود بخلق اللّه تعالى للأصنام هو خلق المادة التي تُصنع منها كالحجر وأمثاله.

أما تجسيم المادة على شكل صنم فهو من صنع الانسان من غير شك، ويدل عليه قوله (ما تنحتون) حيث أسند النحت وهو خلق الصنم اليهم أي الى الانسان.

وهو من اسلوب القرآن الكريم في مثله، ومنه : (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات) - سبأ ١٣ - (واصنع الفلك) - هود ١٣ -

(أن اعمل سابغات) - سبأ ١١ -

فان مادة هذه الأشياء المذكورة في الآيات الكريمات هي من خلق اللّه تعالى، وتجسيمها على شكل محاريب وتماثيل وجفان وقدور وفلك ودروع هي من خلق الانسان وعمله وصنعه.

وعليه لا دلالة فيها على أن اللّه تعالى خالق لفعل الانسان.

وكما في قوله تعالى : (فلم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً ان اللّه سميع عليم) - الانفال ١٧ -.

ذلك أن الآية الكريمة نزلت في مناسبة وقعة بدر، تلك الوقعة التي لم تكن فيها القوى الحربية متكافئة بين المسلمين والمشركين :

فعدد المسلمين ٣١٣ وعدد المشركين ٩٥٠

وافراس المسلمين ٣ وافراس المشركين ١٠٠

وإبل المسلمين ٧٠ وإبل المشركين ٧٠٠

فالمسلمون قلة في العدد والعدة والمشركون كثرة في العَدد والعُدد وهكذا حالةُ


حربية لا يتوقع النصر فيها للقلة بحسب ظواهر مجريات الامور.

لولا دعاء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله واستغاثة المسلمين باللّه تعالى واستجابته لهم، كما أخبر القرآن الكريم بقوله : (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله اللّه الا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند ان اللّه عزيز حكيم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام. إذ يوحي ربك الى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان) - الانفال ٩ - ١٠ - ١١ - ١٢ -

فالاستجابة من اللّه تعالى تمثلت كما أخبر به القرآن الكريم في التالي :

١ - الإِمداد بألف مقاتل من الملائكة متتابعين.

٢ - البشرى بالنصر لتطمئن قلوب المسلمين.

٣ - إلقاء النعاس على المسلمين أمناً منه تعالى ليرفع به خوفهم الذي دخل نفوسهم بسبب قلتهم وكثرة عدوهم.

٤ - إنزال المطر لتطهير أبدان المسلمين من الحدث ولاذهاب رجز الشيطان من نفوسهم، والربط على قلوبهم بالوثوق بلطف اللّه بهم، وتثبيت أقدامهم لئلا تسوخ في الرمل.

٥ - الإِيحاء الى الملائكة بتثبيت قلوب المسلمين باعانتهم في القتال.

٦ - إلقاء الرعب في قلوب المشركين.

يضاف اليه ظهور المعجز على يدي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بتناوله حفنة من الحصى والتراب ورميها في وجوه المشركين فشاهت بها ذلاً.

والمعجز لا يكون الا بفعل اللّه تعالى.

فاذا قارنا هذه الأفعال من اللّه تعالى التي أدت الى انتصار المسلمين وكسبهم المعركة، وأفعال المسلمين رأيناها أبعد تأثيراً وأقوى مفعولاً.


والى هذا قصد قوله تعالى (ولقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلة) - آل عمران ١١٩ -.

فعندما تقول الآية : (لم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم)، تقول : إن فعلكم القتل اذا قورن بقتل اللّه لهم بواسطة الملائكة والتأييد بالنصر يكون فعلكم كأنه لا فعل بمقايسته بفعل اللّه تعالى.

فاذن هناك قتل من اللّه وقتل من المسلمين، وليس نفياً لقتل المسلمين ونسبته للّه تعالى، وإنما هي مقارنة بين الفعلين.

أما الرمي بالحصى من قبل الرسول فانه من المعجز الذي جرى على يد الرسول.

والمعجز لا يكون الا من اللّه تعالى.

فالمراد به أن الرمي الحاصل من الرسول لم يكن بتأثير فعل الرسول وان هو بتأثير فعل اللّه تعالى لانه على نحو الاعجاز.

فلم يكن هناك فعلان نفي احدهما وأثبت الآخر، وإنما هو فعل واحد، وهو فعل اللّه تعالى، ولانه معجزة للرسول اجراه اللّه تعالى على يديه.

فليس في الآية نفي لفعل الانسان ونسبته الى اللّه تعالى.

ومن هنا ينبغي أن يعلم «أن النصوص القرآنية لا تدرك حق ادراكها بالتعامل مع مدلولاتها البيانية واللغوية فحسب.

إنما تدرك اولاً وقبل كل شيء بالحياة في جوها التاريخي والحركي وفي واقعيتها الايجابية وتعاملها مع الواقع الحي.

وهي - وان كانت أبعد مدى وأبقى اثراً من الواقع التاريخي الذي جاءت تواجهه - لا تنكشف عن هذا المدى البعيد الا في ضوء ذلك الواقع التاريخي»(١) .

٣ - اعتماد العموم في آيات الخلق، مثل قوله تعالى :

__________________

(١) في ظلال القرآن.


- (وخلق كل شيء).

- (خالق كل شيء).

من دون الرجوع الى مخصصاته العقلية والشرعية، التي تتمثل في أن العقل لا يجوّز، بل ينفي نسبة الظلم الى اللّه تعالى لمنافاة ذلك لعدله وكماله المطلق.

وكذلك القرآن الكريم في أمثال الآيات التاليات :

- (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم) - هود ١٠١ -

- (وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون) - النحل ١١٨ -

- (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) - الزخرف ٧٦ -

- (وما ظلمهم اللّه ولكن انفسهم يظلمون) - آل عمران ١١٧ -

- (وما ظلمهم اللّه ولكن كانوا انفسهم يظلمون) - النحل ٣٣ -

- (ان اللّه لا يظلم مثقال ذرة) - النساء ٤٠ -

- (ان اللّه لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس انفسهم يظلمون) - يونس ٤٤ -

- (ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) - الكهف ٤٩ -

- (وما كان اللّه ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون) - التوبة ٧٠ -

- (وما اللّه يريد ظلماً للعالمين) - آل عمران ١٠٨ -

- (وما اللّه يريد ظلماً للعباد) - غافر ٣١ -

- (وأن اللّه ليس بظلام للعبيد) - آل عمران ١٨٢ -

- (وما ربك بظلام للعبيد) - فصلت ٤٦ -

- (وما انا بظلام للعبيد) - ق ٢٩ -

والى جانب هذه الآيات هناك آيات اخرى تنفي نسبة الشر الى اللّه تعالى، وثالثة


تنسب فعل الشر الى الانسان والى الشيطان. وهذه كسابقتها في نفي الظلم عنه تعالى، وهي أمثال :

- (واللّه لا يحب الفساد) - البقرة ٢٠٥ -

- (ان اللّه لا يأمر بالفحشاء) - الاعراف ٢٧ -

- (ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى حقه وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) - النحل ٩٠ -

- (انما تعبدون من دون اللّه أوثاناً وتخلقون إفكاً) - العنكبوت ١٧ -

- (قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين) - القصص ١٥ -

- (ومن يشرك باللّه فقد ضل ضلالاً بعيداً) - النساء ١١٦ -

- (ومن يكفر باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) - النساء١٣٦-

- (ومن يعصِ اللّه ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) - الاحزاب ٢٦ -

- (وأضل فرعون قومه وما هدى) - طه ٧٩ -

- (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس) - فصلت ٢٩ -

- (وما أضلّنا الا المجرمون) - الشعراء ٩٩ -

- (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني).. الفرقان ٢٩ -

- (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) - الاحزاب ٦٧ -

فاذن لا بد من التخصيص هنا باستثناء واخراج ما هو ظلم وشر وقبيح من أفعال الانسان عن عموم (كل شيء) بهذا المخصص العقلي الشرعي.

وعليه تكون أفعال الانسان المشمولة بعنوان الظلم مستثناة من هذا العموم.

ولاستثناء واخراج أفعال الانسان الأخرى، وهي الأفعال التي ليست بظلم يُرجع


الى المخصص العقلي القائل بان نسبة خلق أفعال الانسان الاختيارية الى اللّه تعالى يلزم منه بطلان الأمر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب وبعث الرسل وانزال الكتب.

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له

إياك إياك أن تبتل بالماء

فتعلق الاوامر والنواهي الشرعية بافعال الانسان دليل على أن أفعاله مخلوقة له.

ونخلص من هذ الى أن أفعال الانسان مستثناة من العموم بالتخصيص المذكور.

على أننا نستطيع أن نذهب الى أن سلوك الانسان الاختياري بما أنه خاضع تشريعياً الى الأوامر والنواهي الشرعية لا ينفك في وجوده عن تحققه في مجالين متلازمين هما :

١ - المجال الواقعي.

٢ - المجال الاعتباري.

والفعل في المجال الواقعي هو من اللّه تعالى لانه لا يتحقق في الواقع الخارجي الا عن طريق القوةالتي أودعه اللّه تعالى في الانسان وبتغريز دوافعه الفطرية لايجاده في النفس الانسانية، وهو ما تسميه الآية الكريمة بالالهام (ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها).

وفي المجال الاعتباري هو من الانسان وحده وهو ما تشير اليه الآية الكريمة : (إنّا هديناه السبيل إما شاكراً واما كفوراً)، وهو الذي يقال له طاعة ومعصية، وعليه يترتب الثواب والعقاب.

فالفعل - خيراً كان أو شراً - وقع باختيار الانسان وبقدرته الانسانية.

ومن المعلوم أن قدرة الانسان مخلوقة للّه تعالى، ومعلولة لقدرة اللّه سبحانه.

وبهذا التسلسل الطولي في العلل والمعلولات - الفعل معلول ومخلوق لقدرة الانسان مباشرة - وقدرة الانسان مخلوقة ومعلولة للقدرة الالهية يكون الفعل بهذا التسلسل العلّي مخلوقاً للّه تعالى.


ولا جبر في ذلك ولا قهر لتخلل عنصر الاختيار شرطاً في صدور الفعل عن القدرة الانسانية.

ولنضرب لهذا مثالاً ابتغاء توضيحه : (الاتصال الجنسي) : ان الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة بمعنى مباشرة الفعل أمر واقعي، وكونه نكاحاً أو سفاحاً أمر اعتباري.

واعتداده طاعة أو معصية، واعتداد تعلق الثواب أو العقاب به لا بلحاظ أنه إتصال جنسي، وانما بلحاظ كونه نكاحاً أو سفاحاً.

فباعتباره اتصالاً جنسياً صادراً عن قدرة الانسان وهي مخلوقة للّه تعالى يدخل في عموم خلق اللّه لكل شيء عن طريق هذا التسلسل العللي.

وباعتبار اختياره طاعة أو معصية يخرج من العموم بالمخصص المذكور.

ويبدو أن القائلين بأن فعل الانسان مخلوق للّه وبقدرته القديمة وحدها وهم الجبرية، والقائلين بأن فعل الانسان مخلوق للّه بقدرته القديمة ومكسوب للانسان بقدرته الحادثة وهم السنة، لم يقولوا بانه مخلوق للانسان في الوقت الذي هو مخلوق للّه، للزومه توارد علتين على معلول واحد.

ولكن عندما ندرك أن هناك فرقاً بين توارد العلتين على المعلول الواحد توارداً طولياً بمعنى أن يكون المعلول صادراً عن علة، وتلك العلة معلولة لعلة اخرى، بحيث يكون المعلول الاول معلولاً لعلته المباشرة، ومعلولاً لعلتها بواسطتها، فيكون على هذا معلولاً لعلتين تواردتا عليه ولكن في تسلسل طولي، وهذا غير محال.. وبين توارد العلتين على المعلول الواحد توارداً عَرْضياً بمعنى أن كلاً من العلتين علة مباشرة للمعلول، والمعلول صادر عن كل منهما مباشرة، وهذا هو المحال، وليس منه مسألتنا، بل هي من التوارد العللي الطولي.

كما أنه يجب أن يفرق في العلل الطولية بين الفاعل بمعنى ما منه الوجود، والفاعل بمعنى ما به الوجود.

فالعلة المباشرة هي ما به الوجود فيصح نسبة الفعل اليها على هذا الاساس.


والعلة الاولى في سلسلة العلل هي ما منه الوجود، وأيضاً يصح نسبة الفعل اليها على أساس أن الوجود منها.

وعليه ان اريد من قولهم : إن اللّه خالق كل شيء، يعم خلقه لأفعال الانسان، بمعنى أن قدرة اللّه تعالى في طول قدرة الانسان التي هي الخالق المباشر للفعل، لا خلاف في ذلك.

وان أرادوا أن اللّه الخالقُ المباشرُ لفعل الانسان، والانسان ليس له الا الاختيار فقط.

فبالاضافة الى أنه لا دليل عليه هو عين الجبر المتنازع فيه والمرفوض بداهةً، لاستلزامه الجبر على العقاب، وهو الظلم الذي أكد القرآن الحكيم والعقل السليم نفيه وتنزيه اللّه عنه.

٤ - تناول الآيات التي تنسب في ظاهرها الاضلال الى اللّه تعالى من دون مقارنتها بما مرَّ من آيات نفي الظلم عن ساحته تعالى وتنزيهه عن الاضلال ونحوه.

ومن هذه الآي :

- (أتريدون أن تهدوا من أضل اللّه) - النساء ٨٨ -

- (فمن يهدي من أضل اللّه) - الروم ٢٩ -

- (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله اللّه على علم) - الجاثية ٢٣ -

- (إن هي الا فتنك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء) - الاعراف ١٥٥ -

- (ومن يضلل اللّه فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون) - الاعراف ١٨٥ -

- (طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وابصارهم) - النحل ١٠٨ -

- (ونبلوكم بالخير والشر فتنة والينا ترجعون) - الانبياء ٣٦ -

- (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) - آل عمران ٨ -


- (من يهد اللّه فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) - الكهف ١٧ -.

ذلك أن هذه الآيات متى قورنت مع تلك لا بد من التماس وجه آخر في تفسيرها غير ما يترآى من ظاهرها من معنى للاضلال الذي هو ضد الهداية لأن حملها على هذا المعنى يتنافى وما ثبت بالبرهان القاطع من أن اللّه تعالى لا يظلم أبداً، ولا يأمر بغير الخير ولا يدل الا على هدى.

وقد وُجهت بان المراد بها : ان الاضلال هنا بمعنى سلب عنايته تعالى وتوفيقه ممن يراه غير مستحق لهما فيقطع افاضة الخير عليه والهداية اليه.

يقول الشيخ البلاغي : «المراد من الاضلال في هذه الموارد هو قطع العناية عن المتمرد في جذبه الى الايمان والصلاح، وذلك لأجل خروجه بتمرده عن كونه أهلاً للعناية والتوفيق»(١) .

وقد ورد في غير دعاء من الأدعية المأثورة طلب العبد أن يشمله اللّه تعالى بعنايته الدائمة، كما في هذا الدعاء : (يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، لا تكلني الى نفسي طرفة عين، وأصلح شأني كله).

واذا رجعنا الى معجمات اللغة نتعرف معنى الاضلال لنرى ما يناسب الموضوع، وجدناها تذكر من معانيه ما يلي :

١ - أضله : وجده ضالاً، تقول : (أضللت الشيء) اذا وجدته ضالاً، كما تقول : (أحمدتُه وأبخلتُه) اذا وجدته محموداً وبخيلاً. ومنه الحديث : (ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أتى قومه فأضلهم) أي وجدهم ضلالاً غير مهتدين الى الحق(٢) .

٢ - أضله : جعله ضالاً.

فالآي التي ورد فيها الاضلال بصيغة الفعل الماضي (أضل) يمكن حملها على معنى

_____________________

(١) الرحلة المدرسية ٣٧٧.

(٢) انظر : اللسان : مادة ضلل.


الوجدان ومن غير عناء تأويل أو تكلف، بتفسير أن من وجده اللّه تعالى ضالاً فلا يهديه الا هو سبحانه (انك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء) بشموله له بعنايته وتوفيقه، ذلك أن من لا تشمله العناية الالهية لا يستطيع أحد هدايته، وهو واضح.

ويمكن حملها على معنى الجعل كما هي في صيغة المضارع (تُضل) و(يضلل) وفي الالفاظ الاخرى (طبع) و(لا تزغ).

وهنا نقول : قد يراد بالجعل هنا الجعل التكويني، وقد يراد به الجعل التشريعي.

فالجعل التشريعي على نمط الدعاء القائل: (اللهم أغنني بحلالك عن حرامك) أي ما جعلته حراماً شرعاً.

فتكون (أضل) و (يضل) بمعنى جعل و يجعل تشريع الضلال.

والجعل التكويني هو جعل القوة التي يقتدر بها الانسان على فعل الضلال في تكوينه ( ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها).

فمتى فعل الانسان الضلال كان ضلاله معلولاً لقدرته المعلولة لقدرة اللّه تعالى الواردة في طولها، ويصح - كما تقدم - نسبة الفعل الى كل علة من علله التسلسلية.

وننتهي من هذا الى أن هذه الآي وأمثالها لا دلالة فيها على الجبر.

٥ - تفسير الآية وفق المعنى المشهور لمفرداتها من دون مقارنته بالمعاني الاخرى للمفردة وتعيين المناسب للمعنى الجملي للأية.

وجاء هذا في مثل الآية الكريمة (واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) - الاسراء ١٦ -.

ان تفسير (أمرنا) هنا بالأمر الانشائي (الطلب من العالي الى الداني) وتقدير أن المأمور به هو الفسق بقرينة (ففسقوا) لتتم دلالتها على الجبر يتنافى وما قدمنا من أن اللّه تعالى عادل حكيم يأمر بالعدل والاحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

وقد وُجّه تفسيرها بان الأمر فيها مطلق، وتقييده بالفسق غير جائز لما تقدم.


وعليه لا بد من تقييده بما يتناسب وعدل اللّه تعالى وحكمته، وهو أن يكون «المراد: أمرنا المترفين بأوامر الصلاح والعدل والاحسان فخالفوا أوامر الحق وفسقوا(١) .

وكما قلت، فاننا اذ رحنا نلملم معاني (أمَرَ) من مظانه في كتب اللغة والأدب سنجد أن من معاني (أَمَرَ): (كَثَّرَ) من التكثير والكثرة.

قال ابو علي القالي في أماليه : «وأنشدنا أبو زيد:

أُمُ جَوَارٍ ضَنْئُوها غيُر أَمِرْ

ضنئوها: نسلها.

وأَمِرَ المالُ وغيره يَأْمرُ أَمَرَةً وأمَراً اذا كثر، قال الشاعر:

والأثم من شر ما يصال به

والبركات لغيث نبتُهُ أَمِرُ

ويقال في مَثَلِ: (في وجه مالك تعرف أَمْرَتَه) وأَمَرَتَه، أي نماءه، وقال اللّه تعالى (واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها) أي كثّرنا، وقال ابو عبيدة: يقال: خير المال نخلة(٢) مأبورة أو مهرة مأمورة: فالمأمورة: الكثيرة الولد، من آمرها اللّه. أي كثّرها»(٣) .

وفي مجاز القرآن لابي عبيدة: «واذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها: أي اكثرنا مترفيها، وهي من قولهم: قد أَمرَ بنو فلان، أي كثروا، فخرج على تقدير قولهم: علم فلان وأعلمته أنا ذلك، قال لبيد:

كل بني حرةٍ قُصارهُم

قُلُّ وان اكثرتْ من العددِ

إن يغبطواً يهبطوا وأن أَمِروا

يوماً يصيروا للهُلْك والنفد»(٤)

______________________

(١) الرحلة المدرسية ٣٨١.

(٢) في الأمالي (سكة) وتصويبها من مجاز القرآن ١/ ٣٧٣.

(٣) الامالي ١ / ١٠٣.

(٤) مجاز القرآن ١/ ٣٧١ - ٣٧٣ ، وانظر: لسان العرب - مادة: أمر.


فالمناسب أن تفسير عبارة (أمرنا) ب(كثّرنا)، و ذلك أن الترف من لوازم الغنى، والغنى اذا فشا وانتشر نتج عنه الطغيان (كلا إن الانسان ليطغىأن رآه استغنى) - العلق ٦ ، ٧ - ، والطغيان من بطر المعيشة الموجبة للاهلاك (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) - القصص ٥٨ -.

وفي ضوئه: ليس في الآية موضوع البحث ما يدل على جبر أو قهر.

٦ - دراسة الموضوع من الموضوعات القرآنية بالاقتصار على جانب منه من غير الرجوع الى الجوانب الاخرى للموضوع، وذلك مثل دراسة موضوع تعليق القران مشيئة الانسان على مشيئة اللّه تعالى. كما في الآي التالية:

-(لا تقولن لشيء إنّي فاعل ذلك غداً الا أن يشاء اللّه) - الكهف ٢٣ -.

-(وما تشاؤون الا أن يشاء اللّه) - الانسان ٢٩ -.

-(وما يذكرون الا أن يشاء اللّه) - المدثر ٥٦ -.

-(وما كانوا ليؤمنوا الا أن يشاء اللّه) - الانعام ١١١ -.

فان التعليق الظاهر من هذه الآي الكريمة نجده أيضاً في آيات الاذن وآيات التوكل، مثل:

-(وما كان لنا ان نأنيكم بسلطان الا باذن اللّه وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) - ابراهيم ١١ -

-(وليس بضارهم شيئاً الا باذن اللّه وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) - المجادلة ١٠ -

-( واذا عزمت فتوكل على اللّه ان اللّه يحب المتوكلين) - آل عمران ١٥٩ -

-(وما كان لنفس أن تؤمن الا باذن اللّه) - يونس ١٠ -

-(وما أرسلنا من رسول الا ليطاع باذن اللّه) - النساء ٦٤ -

-(وما هم بضارين من أحد الا باذن اللّه ) - البقرة ١٠٢ -


فان آي المشيئة اذا نظرت في اطار أمثالها من آي الإذن وآي التوكل يبين المقصود منها بوضوح لأن القران يفسر بعضه بعضاً، وتعضد آية الأخرى.

وهى - كما تعرب عن ذلك ظواهرها - ترمي الى أن تلفت نظر الانسان الى فعله الذي يوقعه بقدرته غير مستقل عن قدرة اللّه تعالى.

فكما أن قدرته معلولة لقدرة اللّه تعالى في أصل وجودها هي أيضاً مفتقرة في استدامة وجودها واستمرار بقائها الى مدد فيضه تعالى. فلا حول ولا قوة للانسان الا من حول اللّه وبقوته.

ذلك أن الانسان لا يستطيع أن يفعل الفعل اذا تعلقت ارادة اللّه بخلافه، أو سلبته قدرة اللّه تعالى قدرته على الاتيان بالفعل.

فكل فعل يعزم الانسان على الاتيان به ينبغي له أن يضع نصب عينيه انه لا يقوى على الاتيان به الا اذا كان معه مدد الفيض الالهي واستمرارية القوة القادرة على الفعل التي خلقها اللّه تعالى فيه.

فهذا اللون من الاستثناء (الا أن يشاء اللّه)، (إلا باذن اللّه)، وكذلك الترغيب في التوكل والأمر به يشير الى أن العلل والاسباب الواردة في طول القدرة الالهية، كما هي مفتقرة اليها في أصل وجودها، هي أيضاً مفتقرة اليها في استدامة وجودها، واستمرارية بقائها.

ويقول الشيخ البلاغي توضيحاً لمعنى الآية (لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً الا أن يشاء الله): «لم يقيّد القرآن ارادة الانسان ولم يعلّق فعله بانواعه على مشيئة الله، بل لم يعلق الا الفعل الذي يجزم الانسان بغروره أنه سيفعله بقدرته في المستقبل مع غفلته عن كونه عرضة للموت والمرض والعوائق وتغيّر الامور.

فالقرآن يوبخ الانسان على اغتراره بما عنده في وقته من القدرة فيتوهم بغروره بقاءه في المستقبل ويجزم بانه يفعل غداً.

كأنه ليس له إله يغيّر الأمور و يقدّر عليه الموت والمرض والعوائق.


ويستلفته بتعليمه الراقي الى دوام الاعتراف بعجزه وأن بقاء قدرته ومتعلقات ارادته ومواضيع فعله انما هو بقدرة الإِله العظيم المتصرف في العالم وبمشيئته»(١) .

وننتهي من هذا كله - وقد ضم نماذج مختلفة من الآيات الكريمة المرتبطة بموضوع ارادة الانسان - الى أنه ليس في القرآن الكريم ما يدل على الجبر، كما أنه ليس فيه ما يدل على التفويض.

أما فكرة الكسب فهي الأخرى لا دليل عليها من القرآن الكريم لان نسبة خلق فعل الانسان الى قدرة اللّه القديمة هي عين الجبر ولا دليل عليه من القرآن الكريم كما رأينا.

ونسبة الفعل عند الاختيار الى قدرة الانسان الحادثة التي يخلقها اللّه فيه عند الاختيار لا دليل عليه من القرآن إذ لم يمر علينا شيء مما قد يشير اليه - ولو من بعيد - من النصوص القرآنية، كما أنه لا دليل عليه من العقل.

ومنه يتضح أن ما ذهب اليه الامامية تبعاً لأئمة أهل البيت من أن فعل الانسان أمر بين الجبر والتفويض، أو منزلة بينهما مأخوذ من القرآن بنظرة شمولية اعتمدت المقارنة والموازنة الى ما تضمنته مختلف الآيات في الموضوع.

أما مذهب الاستسلام فهو مذهب التوقف عن اعطاء الرأي في المسألة، وقد مر بنا بيان هذا عند الكلام على المنهج النقلي.

ولا أرى مبرراً لاتخاذ موقف الصحابة دليلاً.

وذلك لأن توقف الصحابة عن الخوض في المسائل المشكلة من قضايا العقيدة لا يرجع الى سبب ديني كما أفاده الشيخ محمود وأمثاله، وإنما الى سبب اجتماعي تاريخي وهو ان الحضارة الاسلامية كانت في ايام الرسول وعهود الخلفاء الثلاثة من الراشدين في دور التلقي.

__________________

(١) الرحلة المدرسية ٣٨١


ذلك ان الحضارة الاسلامية مرت منذ انبثاقها في عصر الرسالة حتى نضج الفكر الاسلامي العلمي التقنيني في العصر العباسي بثلاث مراحل أو ثلاثة أدوار:

١ - مرحلة التلقي:

وكانت في عصر الرسول والخلفاء الثلاثة من الراشدين، فقد كانت الظاهرة العامة لعلاقة المسلمين في هذه المرحلة بالحضارة الاسلامية وتفاعلهم معها صلة تلق وحفظ وتطبيق.

ومن طبيعة التلقي الذي يستلزم التطبيق أن لا يكون فيه التقنين العلمي في تأصيله وتفريعه وتحليلاته وتأويلاته لئلا تطول المسافة بين التعلم والتطبيق.

مضافاً الى انشغال الصحابة في هذه المرحلة بالغزوات والسرايا والفتوح لنشر الاسلام.

كما أن من العوامل الاخرى التي ساعدت على عدم الخوض في مثل هذه المسائل من قبل الصحابة في هذه المرحلة افتقادهم عنصر التحدي والاثارة، ففي هذه المرحلة لم يكن هناك تفاعل وصراع بين الحضارة الاسلامية والحضارات الاخرى بما يمثل ظاهرة واضحة وعامة.

٢ - مرحلة التأسيس العلمي:

وبدأت في عهد حكم الامام امير المؤمنين (ع) فكان - على سبيل المثال - ابن عباس يبذر بذور التفسير الاسلامي، وكان ابو الاسود الدؤلي بتوجيه من الامام يضع بدايات علم النحو العربي، وكان الامام في خطبه وأجوبته يرسخ قواعد العقيدة الاسلامية وينشر افكارها بلغة واسلوب عاملين بدورهما على تكوين علم التوحيد.

وكان هنا وهناك آخرون من الصحابة والتابعين يقومون بمثل هذه الاعمال التي تقوم بوظيفة وضع الاسس لاشادة بناء العلوم الاسلامية.

وفي هذه المرحلة كان الصحابة يثيرون. ويبحثون مشكلة القدر، وفي طليعتهم الامام امير المؤمنين (ع) ولانه من اهل البيت وصحابي أيضاً يأتي عطاؤه قولاً وفعلاً في


القدر المتيقن من الحجية.

٣ - مرحلة البناء العلمي:

وكانت هذه في العصر العباسي.

على ان الصحابة انفسهم لم يكونوا على مستوى واحد من حيث الوثاقة والمعرفة.

والوثيقة التي خلفها لنا الامام امير المؤمنين في الاعتماد على نقلة الحديث من الصحابة، ورسم فيها المنهج الذي ينبغي أن يتبع في الأخذ عنهم هي خير ما يعتمد عليه ويستند اليه ويلتزم به.

وهي:

« قال له سليم بن قيس: إني سمعت سلمان وأبا ذر والمقداد يتحدثون باشياء من تفسير القرآن والاحاديث والروايات عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم سمعتُ منك تصديق ذلك ورأيتُ في ايدي الناس اشياء كثيرة من تفسير القرآن والاحاديث والروايات عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخالفونها فيكذب الناس متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم.

فقال امير المؤمنين (ع): قد سألتَ فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعاماً وخاصاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته كذباً كثيراً حتى قام خطيباً فقال: (أيها الناس قد كثر عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوء مقعده من النار)، وكذلك كذب عليه بعده.

إنما أتاك بالحديث أربعة ليس لهم خامس:

١ - رجل منافق يظهر الايمان متصنع بالاسلام لايتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله متعمداً.

ولو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا: قد صحب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورآه وسمع منه، فأخذوا منه وهم لا يعرفون حاله.


وقد أخبر اللّه جل وعز عن المنافقين بما أخبر ووصفهم بأحسن الهيئة فقال: (اذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم).

ثم تفرقوا من بعده وبقوا واختلفوا وتقرّبوا الى أئمة الضلالة والدعاة الى النار بالزور والكذب فولوهم الأعمال والأحكام والقضاء، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا.

وقد علمت ان الناس مع الملوك اتباع الدنيا، وهي غايتهم التي يطلبون الا من عصم اللّه.

فهذا أحد الاربعة.

والثاني: رجل سمع من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله شيئاً ووهم فيه ولم يحفظه على وجهه ولم يتعمد كذباً، فهو في يده يعمل به ويقول: أنا سمعته من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولو علم الناس أنه وهم لم يقبلوه.

ولو علم هو انه وَهِم لرفضه ولم يعمل به.

فهذا الثاني.

والثالث: رجل سمع من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أشياء أمر بها ثم نهى عنها وهو لم يعلم النهي، أو نهى عن شيء ثم أمر به ولم يعلم الأمر، حفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ.

فلو علم الناس (وهو) أنه منسوخ لرفضه الناس ورفضه هو.

فهذا الرجل الثالث.

والرابع: رجل لم يكذب على اللّه وعلى رسوله، يبغض الكذب خوفاً من اللّه وتعظيماً لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يتوهم، ولم ينسَ، بل حفظ ما سمع فجاء به على وجهه لم يزد فيه ولم ينقص، حفظ الناسخ وعمل به والمنسوخ ورفضه.

فان أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه، يكون من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الأمر له وجهان، عام وكلام خاص مثل القرآن، وقد قال اللّه جل


وعز: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).

فكان يسمع قوله من لم يعرفه ومن لم يعلم ما عنى اللّه به ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويحفظ ولم يفهم.

وليس كل اصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يسأله عن الشيء ويستفهمه، كان منهم من يسأل ولا يستفهم حتى لقد كانوا يحبون أن يجيء الاعرابي أو الطاري أو الذمي فيسأل حتى يسمعوا ويفهموا.

ولقد كنتُ أنا أدخل كل يوم دخلة فيخليني معه أدور فيها معه حيثما دار، علم ذلك اصحابه أنه لم يصنع ذلك بأحد غيري، ولربما أتاني في بيتي، واذا دخلتُ عليه منازله أخلاني وأقام نساءه، فلا يبقى أحد عنده غيري.

كنتُ اذا سألتُ اجابني، واذا سكتُّ وفنيتْ مسائلي ابتدأني.

وما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ولا دنيا ولا آخرة ولا جنة ولا نار ولا سهل ولا جبل ولا ضياء ولا ظلمة، الا أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بيدي، وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها، وأين نزلت وفيم نزلت الى يوم القيامة»(١) .

على أننا يجب علينا أن لا ننسى هنا قيمة العقل وقدسية التفكير في الاسلام وتأكيد القرآن الكريم على ذلك بشكل عادت معه هذه الظاهرة من سماته البارزة وشاراته الواضحة.

وهكذا دعوة تتنافى وما استنتجه الشيخ محمود من وجوب الاستسلام والتوقف.

لاننا اذا التزمنا منهج الاستسلام أسلمنا الى مخالفة القرآن الكريم في دعوته الى استعمال العقل، والى التفكر والتدبر.

والعقلانية ليست وليدة الفلسفة ولا علم الكلام وانما هي طبيعة البشر التي أقرها

__________________

(١) تحف العقول ١٣٦ - ١٣٨.


القران الكريم، وطبقها في استدلاله على وجود اللّه ووحدانيته وكماله المطلق وعظمته المتفردة.

ومن الطريف ان ينقل الشيخ محمود بعض آي القرآن ذات المنهج العقلي في الاستدلال ولا يلتفت الى ذلك(١) .

وعلى هذا النهج القرآني سار أهل البيت (ع)، وما أعظم ما قاله الامام أمير المؤمنين (ع) يثني على أهل البيت في التزامهم هذا المنهج القرآني القويم، قال: «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية ، فان رواة العلم كثير ورعاته قليل».

وما جاء من أحاديث منسوبة الى الرسول أو الصحابة تنهى عن الخوض في مثل هذه المشكلات فهي إما موضوعة ومكذوبة عليهم، أو أنها جاءت وفق متطلبات المرحلة.

الاتصاف

الاتصاف أو علاقة الصفة بالذات من المسائل الكلامية التي تثار منهجياً في موضوع الصفات الثبوتية.

فيتساءل:

ما معنى اتصاف الذات بالصفة؟

هل هناك شيئان: ذات وصفة؟!.. أو شيء واحد؟!.

وعلى تقدير أنهما شيء واحد: ما معنى وحدتهما؟!.

ومثار هذا التساؤل: هو اذا كانت الذات بسيطة بكل معنى البساطة، وواحدة بكل معنى الوحدة، فما معنى أن يقال: إتصاف الذات بالصفة؟.. أو (اللّه عالم) و (اللّه قادر).. والخ.

__________________

(١) ينظر: كتابه (التفكير الفلسفي في الاسلام) تحت عنوان: (مذهب السلف).


وأهم الأقوال في المسألة قولان، هما:

أ- قول الحكماء والمتكلمين غير الاشاعرة:

وفحواه: ان الصفة والذات متحدتان في الحقيقة والخارج، ومتغايرتان في الاعتبار والذهن.

وبتعبير آخر:

متحدتان مصداقاً، متغيرتان مفهوماً.

ومن هنا قالوا: الصفة عين الذات، والذات عين الصفة، ويعنون بهذا وحدتهما في المصداق.

فهو تعالى: عالم لذاته، قادر لذاته.. والخ.

وما يتصور من التغاير بين الذات والصفة، أو زيادة الصفة على الذات في مثل قولنا: (اللّه عالم) فانه في الاعتبار والذهن، لا في الحقيقة والخارج.

واستدلوا لذلك:

١ - انه تعالى واجب الوجود - كما تقدم -.

ووجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كل شيء.

فلا يفتقر في كونه عالماً الى صفة العلم، وكونه قادراً الى صفة القدرة، لان هذه المعاني (العلم) و(القدرة) و(الخ) مغايرة لذاته قطعاً.

ومن البديهي: أن كل محتاج الى غيره ممكن... هذا خلف.

٢ - ان صفاته تعالى صفات كمال.

فلو قلنا: هو عالم بعلم، وقادر بقدرة - كما يقول الاشعري - لزم ان يكون ناقصاً لذاته لاحتياجه الى العلم والقدرة، مستكملاً بغيره، وهو باطل بالاتفاق.

٣ - ان اللّه تعالى قديم، وصفة القديم لا بد أن تكون قديمة، لانه متى لم تكن


قديمة يلزم منه صيرورة القديم محلاً للحوادث.

واذا ثبت قدمها، لزم منه تعدد القدماء، وهو محال، لانه يتنافى والوحدانية.

وفي توحيد الصدوق(١) : «عن الحسين بن خالد: قال: سمعت الرضا علي بن موسى (ع) يقول: لم يزل اللّه تبارك وتعالى عليماً قادراً حياً سميعاً بصيراً.

فقلت له: يا ابن رسول اللّه إن قوماً يقولون: إنه عز وجل لم يزل عالماً بعلم وقادراً بقدرة وحياً بحياة وقديماً بقدم وسميعاً بسمع وبصيراً ببصر.

فقال(ع): من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه آلهة اخرى، وليس من ولايتنا على شيء.

ثم قال(ع): لم يزل اللّه عز وجل عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً» لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً».

والامام الرضا(ع) يشير بقوله: (ليس من ولايتنا على شيء) الى ما أشير اليه في حديث أبان بن عثمان الأحمر: «قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (ع) أخبرني عن اللّه تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بصيراً عليماً قادراً؟

قال: نعم.

فقلت له: ان رجلاً ينتحل موالاتكم اهل البيت يقول: ان اللّه تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بسمع وبصيراً ببصر وعليماً بعلم وقادراً بقدرة.

فغضب (ع)، ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك، وليس من ولايتنا على شيء، ان اللّه تبارك وتعالى ذات علامة سميعة بصيرة قادرة»(٢) .

وعرف قولهم هذا بانه قول المعتزلة.

__________________

(١) ص ١٤٠.

(٢)م ن ١٤٤.


واليه ذهب أيضاً كل من الامامية والزيدية والاباضية.

ب - قول الاشاعرة:

وهو : ان صفاته تعالى معان أزلية قائمة بذات اللّه تعالى.

قال أبو الحسن الاشعري: «الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة.... وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى»(١) .

وقالوا:

لا يقال: هي هو.

ولا: هي غيره.

ولا: لا هو.

ولا: لا غيره.

بمعنى انه لا يصح أن يقال:

الصفة هي الذات، ولا لا هي الذات.

ولا هي غير الذات، ولا لا هي غير الذات.

واستدلوا لذلك:

١ - ان مفهوم كونه عالماً هو عين ذاته - كما يقول الآخرون - يلزم منه حمل الشيء على نفسه، وهو باطل.

واذا بطل كون الصفة عين الذات ثبت انها معنى زائد على الذات.

٢ - لو كان العلم عين الذات، والقدرة عين الذات - كما يقول الآخرون - يلزم

__________________

(١) الملل والنحل ١ / ٩٥.


منه ان يكون مفهوم العلم ومفهوم القدرة واحداً، وهو ضروري البطلان.

وبثبوت بطلانه تثبت صحة رأينا.

والموازنة بين القولين تسلمنا الى التالي:

١ - تقدير الاشاعرة بان الصفة ليست هي الذات ولا هي غير الذات أمر لا يعقل ولا يتصور ذهنياً.

وما لايتصور لا يمكن الحكم عليه، لأنه لا بد من أن يُسبق التصديق بالتصور.

٢ - ان دليل الاشاعرة الأول لا يفيد - كما يقول الايجي(١) - إلا زيادة هذا المفهوم على مفهوم الذات.

وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا. نعم. لو تُصورا بحقيقتهما وأمكن حمل أحدهما دون الآخر حصل المطلوب.

ولكن انّى ذلك؟.

٣ - ان الدليل الثاني للاشعرية ينسق على دليلهم الأول تقريراً وايراداً.

٤ - رد الايجي دليل الحكماء الأول بقوله : «ان العالمية عندنا ليست أمراً وراء قيام العلم به، فيحكم عليه بانها واجبة»(٢)

وهو - كما ترى - لم يزد فيه إلا ترديد المدّعي.

٥ - ورد الايجي دليل الحكماء الثاني بقوله : «ان اردتم باستكماله بالغير ثبوت صفة الكمال فهو جائز عندنا، وهو المتنازع فيه، وان اردتم غيره فصوروه وبينوا لزومه»(٣) .

__________________

(١) انظر : المواقف ٢٨٠.

(٢) المواقف ٢٨٠.

(٣) م. ن.


وهو كسابقه لا يعدو كونه ترديداً للمدّعي.

٦ - وأورد السيد الطباطبائي على قول الاشاعرة بما قرره من «أن هذه الصفات - وهي على ما عدّوها : الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والارادة والكلام - إما أن تكون معلولة أو غير معلولة لشيء.

فان لم تكن معلولة لشيء، وكانت موجودة في نفسها واجبة في ذاتها، كانت هناك واجبات ثمان، وهي الذات والصفات السبع.

وأدلة وحدانية الواجب تبطله.

وان كانت معلولة، فاما ان تكون معلولة لغير الذات المتصفة بها، أو معلولة لها.

وعلى الأول : كانت واجبة بالغير، وينتهي وجوبها بالغير الى واجب بالذات غير الواجب بالذات الموصوف بها.

وأدلة وحدانية الواجب تبطله كالشق السابق. على أن فيه حاجة الواجب الوجود لذاته في اتصافه بصفات كماله الى غيره، وهو محال.

وعلى الثاني : يلزم كون الذات المفيضة لها متقدمة عليها بالعلية، وهي فاقدة لما تعطيه من الكمال، وهو محال.

على أن فيه فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال، وقد تقدم أنه صرف الوجود الذي لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي.. هذا خلف»(١)

ويحاول الشهرستاني أن يربط بين قول الاشاعرة وما قاله نسطور الحكيم من «أن اللّه تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة : الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات ولا هي هو»(١) .

والخلاصة :

__________________

(١) بداية الحكمة ٢٢٦.

(٢) الملل والنحل ١ / ٢٢٤.


اننا لا بد لنا بعد هذا من القول بان الصفات عين الذات، لئلا نقع فيما يتنافى وأصل التوحيد.

ونعني بعينية الصفة نفي الاثنينية بمعنى أنه لا يوجد في عالم الماصدق موصوف وصفة، وانما الموجود ذاته فقط.

كما نعني بها نفي الغيرية بمعنى أن الصفة ليست غير الموصوف لأن الغيرية تستلزم الاثنينية، تعالى اللّه عن ذلك وتقدس.

والمعنى المذكور مستفاد من قول الامام امير المؤمنين (ع) : «أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله».

وعن محمد بن عرفة قال : قلت للرضا (ع) : خلق اللّه الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة ؟

فقال : لا يجوز ان يكون خلق الأشياء بالقدرة، لأنك اذا قلت : خلق الأشياء بالقدرة، فكأنك قد جعلت القدرة شيئاً غيره، وجعلتها آلة له بها خلق الأشياء، وهذا شرك.

واذا قلت : خلق الأشياء بقدرة، فإنما تصفه أنه جعلها باقتدار عليها وقدرة.

ولكن ليس هو بضعيف ولا عاجز ولا محتاج الى غيره، بل هو قادر بذاته لا بالقدرة»(١) .

وعلق عليه الشيخ الصدوق بقوله : «اذا قلنا : ان اللّه لم يزل قادراً، فانما نريد بذلك نفي العجز عنه، ولا نريد اثبات شيء معه، لأنه عز وجل لم يزل واحداً لا شيء معه»(٢) .

__________________

(١) توحيد الصدوق ١٣٠.

(٢) م. ن.


وقد لا نستطيع أن نعبر عن المعنى الذي ينبغي أن يقال هنا بوضوح تام، وذلك لضيق نطاق الألفاظ الموضوعة سواء في اللغة أو في الاصطلاح عن استيعاب وأداء المعنى المراد.

وما أروع ما جاء في هذا عن الامام أمير المؤمنين (ع)، قال : «الحمد للّه الواحد الأحد الصمد، المتفرد، الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان، قدرة بان بها عن الأشياء، وبانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، ولا حدّ يضرب له الأمثال، كلَّ دون صفاته تعبير اللغات، وضل هناك تصاريف الصفات، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير»(١) .

__________________

(١) توحيد الصدوق ٤١ - ٤٢.




الصفات السلبية

ويبحث فيها عن :

١ - نفي التجسيم.

٢ - نفي الاتحاد.

٣ - نفي الحلول.

٤ - نفي الرؤية.

وهناك سُلوب اخرى تندرج في العناوين المذكورة، ولذا أعرضت عن أن أعنونها بعنوان مستقل.


نفي التجسيم

يراد بالتجسيم هنا :

١ - التشبيه : وهو الاعتقاد بان اللّه تعالى صورة تشبه صورة الانسان.

٢ - التجسيم : وهو الاعتقاد بان اللّه جسم.

٣ - التحيز : وهو الاعتقاد بان اللّه متحيز، أي في مكان.

ومنشأ هذه الأقوال وأمثالها هو الموقف الفكري والعقائدي مما يعرف ب«المتشابه» الوارد في القرآن والحديث.

فقد جاء منه آيات وروايات يترآى من ظاهرها التجسيم، أمثال :

أ - من القرآن :

(قال يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) - ص ٧٥ -.

(والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) - الزمر ٦٧ -

(وجاء ربك والملك صفاً صفاً) - الفجر ٢٢ -.

(وكلم اللّه موسى تكليماً) - النساء ١٦٤ -.

(وأن اللّه سميع بصير) - الحج ٦١ -.

(كل شيء هالك الا وجهه) - القصص ٨٨ -.


(الرحمن على العرش استوى) - طه ٥ -.

(اليه يصعد الكلم الطيب) - فاطر ١٠ -.

ب - من الحديث :

(خلق اللّه آدم على صورته).

(لا تملأ النار حتى يضع اللّه رجله فيها).

(ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير، ويقول : من يدعوني فاستجيب له).

(خَمَّرَ طينة آدم بيده اربعين صباحاً).

(لقيني ربي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله).

وكان الموقف الفكري المشار اليه من هذه النصوص وأمثالها علمياً وعقائدياً يتلخص في التالي :

١ - الأخذ بظواهرها من غير تأويل.

وهو ما نهجه المجسمة.

٢ - تأويلها بحمل ألفاظها التي يظهر منها التجسيم على معنى مجازي يلتقي وطبيعة سياق النص وقرائنه، وبشكل يتمشى وأصل التوحيد وهو ما نهجه الامامية والمعتزلة ومن اليهما.

٣ - التوقف عن الأخذ بالظاهر وعن التأويل.

وهو ما التزمه اهل الحديث.

ويبرر الشهرستاني الموقف الأخير بقوله : «إعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين، ونَصَرَهم جماعة من امراء بني أمية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بني العباس على


قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن، تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات الكتاب الحكيم واخبار النبي الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأما احمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني، وجماعة من أئمة السلف، فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من اصحاب الحديث مثل مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان.

وسلكوا طريق السلامة، فقالوا : نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة، ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعاً أن اللّه عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات، وان كل ما تمثل في الوهم فانه خالقه ومقدره.

وقالوا : انما توقفنا في تفسير الآيات وتأويلها لأمرين :

أحدهما : المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى : (فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الالباب) - آل عمران ٧ - فنحن نتحرر من الزيغ.

والثاني : أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، والقول في صفات الباري بالظن غير جائز، فربما أوّلنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ، بل نقول كما قال الراسخون في العلم (كل من عند ربنا)، آمنا بظاهره وصدقنا بباطنه، ووكلنا علمه الى اللّه تعالى، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك، إذ ليس ذلك من شرائط الايمان وأركانه»(١) .

وناقشهم السيد الطباطبائي بقوله : «للناس في معنى العرش بل في معنى قوله : (ثم استوى على العرش) والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة.

فاكثر السلف على انها وما يشاكلها من الآيات هي من المتشابهات التي يجب أن يُرجع علمها الى اللّه سبحانه.

__________________

(١) الملل والنحل ١ / ١٠٣ - ١٠٤.


وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينية والتطلع الى ما وراء ظواهر الكتاب والسنة بدعة.

والعقل يخطئهم في ذلك، والكتاب والسنة لا يصدقانهم، فآيات الكتاب تحرض كل التحريض على التدبر في آيات اللّه، وبذل الجهد في تكميل معرفة اللّه ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر والنظر فيها، والاحتجاج بالحجج العقلية، ومتفرقات السنة المتواترة معنى توافقها، ولا معنى للأمر بالمقدمة والنهي عن النتيجة.

وهؤلاء هم الذين كانوا يحرمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة حتى البحث الكلامي الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ووضعها على ما تفيده بحسب الفهم العامي ثم الدفاع عنها بما تيسر من المقدمات المشهورة والمسلمة عند أهل الدين - ويعدونها بدعة»(١)

ويبرر القائلون بالحمل على الظاهر، لزوم الحمل على الظاهر بعدم وجود مجاز في كلام العرب أو في القرآن والسنة على الأقل.

« وشبهتهم - كما يقول السيوطي - :

١ - ان المجاز اخو الكذب، والقرآن منزه عنه.

٢ - وان المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على اللّه تعالى»(٢) .

ثم يردهم (اعني السيوطي) بقوله :

«وهذه شبهة باطلة، إذ لو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على ان المجاز أبلغ من الحقيقة. ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتشبيه القصص وغيرها»(٣) .

_____________________

(١) الميزان ٨ / ١٥٣.

(٢) الاتقان ٢ / ٣٦.

(٣) م. ن.


واستدل السيوطي في (المزهر)(١) على وقوع المجاز في لغة العرب بقوله : «وعمدتنا في ذلك النقل المتواتر عن العرب، لانهم يقولون : (استوى فلان على متن الطريق) ولا متن لها، و(فلان على جناح السفر) ولا جناح للسفر، و(شابت لمة الليل) و(قامت الحرب على ساق)، وهذه كلها مجازات.

ومنكر المجاز في اللغة جاحد للضرورة، ومبطل محاسن لغة العرب».

أما القائلون بالتأويل فذهبوا الى أن الآية الكريمة (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولو الالباب)، تفيد تقسيم آيات القرآن الكريم الى قسمين : المحكمات والمتشابهات.

وهي (اعني الآية المذكورة) من المحكمات.

وليس فيها ما ينص أو يظهر منه المنع من تأويل المتشابه على نحو الاطلاق الذي يشمل من كان في قلبه زيغ ومن ليس في قلبه زيغ.

نعم، هي تمنع من تأويل المتشابه لمن كان في قلبه زيغ لانه يقصد من تأويله على طريقته - أي من غير الرجوع به الى المحكم - اثارة الفتنة واثارة تأويله للتأويل وبغية الجدل.

أما تأويله للفهم والافهام لا منع فيها له.

وعليه فتأويل المتشابه جائز.

ولكن يجب أن يكون بارجاعه الى المحكم، ويدل على هذا ما ورد في (عيون أخبار الرضا) من قوله (ع) : (مَنْ رَدَّ متشابه القرآن الى محكمه هُدي الى صراط مستقيم).

____________________

(١) ١ / ٣٦٤.


يقول السيد الطباطبائي : «المراد بالمتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يُرجع الى محكمات الكتاب فتعيّن هي معناها وتبينها بياناً فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها.

كما في قوله (الرحمن على العرش استوى) - طه ٥ - يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه، فاذا رجع الى مثل قوله تعالى (ليس كمثله شيء) - الشورى ١١ - استقر الذهن على أن المراد به التسلط على الملك والاحاطة على الخلق، دون التمكن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسيم المستحيل على اللّه سبحانه»(١) .

هذا مضافاً الى ما استدلوا به من بطلان التشبيه، قال الصدوق : «الدليل على أن اللّه سبحانه لا يشبه شيئاً من خلقه من جهة من الجهات انه لا جهة لشيء من افعاله الا محدثة، ولا جهة محدثة الا وهي تدل على حدوث من هي له، فلو كان اللّه جل ثناؤه يشبه شيئاً منها لدلت على حدوثه من حيث دلت على حدوث من هي له إذ المتماثلان في العقول يقتضيان حكماً واحداً من حيث الجهة التي تماثلا منها، وقد قام الدليل على ان اللّه عز وجل قديم ومحال أن يكون قديماً من جهة وحادثاً من جهة اخرى»(٢) .

ومن هنا نجدهم يتأولون كل ما ورد من المتشابه مما ظاهره التجسيم. ومن امثلة هذا : تأويلات القاضي المعتزلي، قال :

« مسألة : فان قال : فقد قال اللّه تعالى ما يدل على انه جسم، فقال :

(الرحمن على العرش استوى) - طه ٥ -.

(وهو اللّه في السموات وفي الأرض) - الأنعام ٣ -.

و(إليه يصعد الكلم الطيب) - فاطر ١٠ -.

(وقال يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) - ص ٧٥ -.

__________________

(١) الميزان ٣ / ٢١.

(٢) التوحيد ٨٠ - ٨١.


الى غير ذلك من الآيات التي فيها ذكر الجنب والساق والعين والوجه.

قيل له : ان اول ما ينبغي أن تعلمه أنه لاحق بعد أن تتقدم للانسان معرفة اللّه تعالى، ويعلم انه لا يشبه الاجسام ولا يفعل القبائح، فالاحتجاج به في نصرة الجسمية لا يجوز.

يبين هذا أنه لو كان جسماً فالحاجة تجوز عليه، ومن هذا حاله لا يعلم أن قوله حق، فكيف يحتج بكلامه !.

على أنه قد ثبت بالقرآن والاجماع أنه (ليس كمثله شيء). ولا يقول أحد إنّا نقول هذا القول على جهة المجاز، فيجب أن نتأول ما ذكر من الآية :

فتأويل قوله تعالى : (استوى على العرش) - الرعد ٢ - انه استولى واقتدر وملك.

ولم يرد تعالى بذلك انه تمكن على العرش جالساً، وهذا كما يقال في اللغة (استوى البلد للأمير) و(استوت هذه المملكة لفلان)، وقال الشاعر :

قد استوى بِشْرُ على العراق

من غير سيف ودم مهراق

فلم يرد جلوسه، وان اراد استيلاءه واستعلاءه.

ولولا أن الأمر كما قلنا لم يكن ذلك تمدحاً عظيماً، لأن كلاً يصح أن يجلس على سريره وعلى مكانه.

وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم خلقه، فنبه به على أنه على غيره أشد اقتداراً، كما قال: (رب العرش العظيم) - التوبة ١٢٩ -، ونبه بذلك على أنه أن يكون رباً لغيره أولى.

وتأويل قوله تعالى : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) الملك ١٦ - ان في السماء نقماته وضروب عقابه، لأن عادته أن ينزلها من هناك، ولهذا قال : (أن يخسف بكم الأرض) فنبه به على ذلك.


وتأويل قوله : (وهو اللّه في السموات وفي الأرض) أنه عالم بهما، حافظ عليهما عن التغير والزوال، مدبر لهما، ولهذا قال : (يعلم سركم وجهركم).

وتأويل قوله : (اليه يصعد الكلم الطيب) أنه يرتفع الى حيث لا حاكم سواه، كما يقال في الحادثة (ارتفع امرها الى الأمير) اذا صار لا يحكم فيها سواه.

وتأويل قوله : (خلقته بيدي) خلقته أنا، فأكد ذلك بذكر اليدين، كما يقال للملوم : (هذا ما جنته يداك)، وكما قال : (ذلك بما قدمت ايديكم) - الأنفال ٥١ - و(بشراً بين يدي رحمته) - الأعراف ٥٧ -.

وقيل : ان فائدة ذلك أنه تعالى خلقه ابتداء، لا تدريجاً، على حسب ما خلق ذريته من نطفة ثم درجه حالاً بعد حال.

وتأويل قوله تعالى (يا حسرتا على ما فرطت في جنب اللّه) - في ذات اللّه وفي طاعة اللّه، كما يقال : (ملك فلان في جنب فلان مالاً فاكتسب جاهاً).

وتأويل قوله : (يوم يكشف عن ساق) - القلم ٤٢ - يعني شدة أهوال يوم القيامة، كما يقال: (كشفت الحرب لنا عن ساقها).

وتأويل قوله : (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) يعني نفسه، وهو كقوله : (كل شيء هالك الا وجهه) - القصص ٨٨ - وقد عبر عن نفسه بذكر الوجه، يقال : (هذا وجه الرأي) و(وجه الأمر) و(وجه الطريق)، وهذا ظاهر.

وتأويل قوله تعالى : (كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) - المطففين ١٥ - أي لممنوعون من رحمته، لأن الحجاب منع، ولهذا يقال لمن يمنع الوصول الى الأمير إنه حاجب، وقال اصحاب الفرائض : إن الولد يحجب الأم عن الثلث الى السدس.

وتأويل قوله تعالى : (وجاء ربك) - الفجر ٢٣ - يعني أمر ربك كما يقال عند الاختلاف في مسألة نحو : (هذا سيبويه قد جاءنا) يعني كتابه ودلائله.

وتأويل قوله تعالى : (بل يداه مبسوطتان) - المائدة ٦٤ - نعمتاه، كما يقال : (لفلان عندي يد) و(يدان) و(أياد)، وأراد اللّه تعالى بذلك نعم الدنيا والدين،


إبطالاً لقول اليهود : ان يده مغلولة، لأنهم أرادوا أنه بخيل يقتر الأرزاق على خلقه، ويبين ذلك قوله تعالى : (لا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً)، أراد أن انفق قصداً، لا إسرافاً ولا إقتاراً.

وتأويل قوله تعالى : (تجري بأعيننا) - القمر ١٤ - انها تجري ونحن بحالها عالمون، فكنّى بالأعين عن علمه بأحوالها، كما يقال : (هذا بمرأى من فلان ومسمع)، ويقال : (لفلان عين) اذا تجسس الخبر ليعرف، ويقال : (لا تفعل ذلك الا بعيني) أي بعلمي. إلى غير ذلك. وحمله على ظاهره يمتنع لأنه يوجب أن للّه عيوناً كثيرة، لا عينين - كما يزعمون.

ويقال لهم : إن جازت الأعضاء على اللّه تعالى، على ما تعلقتم به، فيجب ان يكون بمنزلة الواحد منا، وأن يكون ذكراً أو أنثى، وأن يكون محتاجاً، تعالى عن ذلك علواً كبيراً»(١) .

وبعد فان عمدة ما دار حوله الخلاف وجرى فيه النزاع هو الاستواء على العرش واننا في ضوء ما تقدم لنستطيع أن نفسر الفعل (استوى) بالاستقرار، وذلك لما يأتي :

١ - ان اقتران الفعل (استوى) من قوله (استوى على العرش) في آية سورة يونس ٣ وفي آية سورة الرعد ٢ بقوله (يدبر الأمر) دليل على أن الاستواء هنا بمعنى (الاستيلاء) و(السلطة) لأنه المناسب لتدبير الأمر، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وتقرن آيه الأخرى.

٢ - كما أن تفسير (استوى) في آية سورة البقرة ٢٩ (ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات) ب«عمد وقصَدَ الى السماء ليسويها سبع سماوات) - كما هو

__________________

(١) المختصر في اصول الدين ٣٣٢ - ٣٣٥.


ظاهرها - يؤيد تفسيره هنا بالاستيلاء فيكون معنى الآية : «قصد الى العرش ملكاً يدبر الأمر».

٣ - ان التعليل الوارد في قوله تعالى : (وهو الذي خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم أحسن عملاً) - هود - ٧ - دليل آخر وقرينة اخرى على أن الاستواء على العرش يدبر أمر خلقه كان لاجل اختبارهم ايهم أحسن عملاً.

وهذا يتم - من غير شبهة يثيرها - في تفسير الاستواء باظهار سلطانه وسلطته تعالى.

وهذا التفسير للاستواء بالاستيلاء في ضوء القرائن القرآنية ليس تفسيراً بالمجاز ولا بالتأويل.

بل هو تفسير بمعنى لغوى أفيد من استعمالات القرآن الكريم اللغوية.

يقول ابو حامد الغزالي : «العلم بانه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده اللّه تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق اليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أريد بالاستواء الى السماء حيث قال في القرآن (ثم استوى الى السماء وهي دخان) وليس ذلك الا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر :

قد استوى بشر على العراقِ

من غير سيف ودم مهراق

واضطر أهل الحق الى التأويل، كما اضطر أهل الباطل الى تأويل قوله تعالى (وهو معكم اينما كنتم)، إذ حمل ذلك بالاتفاق على الاحاطة والعلم، وحمل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن» على القدرة والقهر، وحمل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه) على التشريف والإِكرام.

لانه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال.

فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسماً


مماساً للعرض، إمّا مثله أو اكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي الى المحال فهو محال»(١) .

وجاء في وصية الامام أبي حنيفة (رض) لاصحابه ما نصه : «نقر بأن اللّه سبحانه وتعالى على العرش استوى أي استولى من غير أن يكون جارحة واستقرار، وهو حافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجاً لما قدر على ايجاد العالم وتدبيره، ولو كان محتاجاً الى الجلوس والقرار لكان قبل خلق العرش، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً»(٢) .

ويرجع ابو الفتح الشهرستاني جذور وعوامل فكرة التجسيم عند المسلمين الى الفكر اليهودي، قال : «التشبيه والنزول والاستواء والرؤية يهودية»(٣) .

وقال ايضاً : «وقد اجمعت اليهود عن آخرهم على أن اللّه تعالى لما فرغ من خلق السموات والارض استوى على عرشه مستلقياً على قفاه واضعاً احدى رجليه على الأخرى»(٤) .

ويؤكد ما ذكره الشهرستاني من أن التجسيم فكرة يهودية ما جاء في العهد القديم (التوراة) :

جاء في سفر التكوين، الاصحاح الاول: «وقال اللّه: نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا... فخلق اللّه الانسان على صورته، على صورة اللّه خلقه، ذكراً وانثى خلقهم».

ونحن اذا رجعنا الى حديث ابي هريرة (خلق اللّه آدم على صورته)، نراه -

__________________

(١) قواعد العقائد ١٦٧ - ١٦٨.

(٢) الطبقات السنية ١/١٥٧.

(٣) الملل والنحل ١/٢١٢.

(٤) الملل والنحل ١/٢١٩.


وبوضوح - صدى للنص المذكور.

وجاء في سفر التكوين، الاصحاح الثالث: «وسمعنا صوت الرب الاله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبأت».

والنص واضح في دلالته على أن اللّه تعالى جسم له لوازم الجسم الانساني من المشي والصوت.

وأيضاً في سفر التكوين، الاصحاح الحادي عشر: «وقالوا: هلم نبنِ لانفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء ونصنع لانفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر الى المدينة والبرج اللذين بنو آدم يبنونهما).

ومثله في سفر الخروج ، الاصحاح التاسع عشر: «لانه في اليوم الثالث ينزل الرب امام عيون جميع الشعب على جبل سيناء... وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار».

وهنا أيضاً رجعنا الى حديث ابي هريرة (ان اللّه ينزل كل ليلة) وتمثيل ابن تيمية نزول الباري تعالى بنزوله من أعلى درج المنبر الى ما دونها نجد قول الاول وفعل الثاني صدىً بيّناً لهذين النصين.

وفي سفر الخروج، الاصحاح الثالث عشر: «وقال لموسى: اصعد الى الرب أنت وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل. واسجدوا من بعيد، ويقترب موسى وحده الى الرب، وهم لا يقتربون، وأما الشعب فلا يصعد معه،... ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل ورأوا إله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الازرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده الى اشراف بني اسرائيل فرأوا اللّه وأكلوا وشربوا».

وفي السفر نفسه، الاصحاح الثالث والثلاثون: «فقال: أرني مجدك... وقال:


لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الانسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة ويكون متى اجاز مجدي ان اضعك في نقرة من الصخرة وأَسْتُرُكَ بيدي حتى أَجتازُ، ثم ارفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يُرى».

وهما - كما ترى - ناطقان بالرؤية وبوضوح.

ويرجع تاريخ الوقوف في وجه هؤلاء المشبهة والاشارة الى تأثرهم بالفكر اليهودي الى عهد مبكر من تاريخ الفكر الاسلامي.

فقد جاء في خطبة للامام الحسين (ع): «ايها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبّهون الله بانفسهم، يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو اللّه ليس كمثله شيء، وهو السميع الخبير، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير»(١) .

نفي الاتحاد

الاتحاد: هو أن يصير شيئان أو أكثر شيئاً واحداً من غير زيادة ولا نقصان. هذا علمياً.

واعتقاداً: هو الايمان باتحاد ولي من أولياء اللّه نبياً كان أو إماماً أو غيرهما باللّه تعالى.

و ممن قال به من المسلمين:

١ - النُّصيرية:

قالوا: إن اللّه اتحد بعلي(٢) .

واستدلوا على ذلك بأن «ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمر لا ينكره عاقل.

__________________

(١) تحف العقول ١٧٥.

(٢) النافع يوم الحشر ٣٦.


أما في جانب الخير فكظهور جبرئيل (ع) ببعض الاشخاص والتصور بصورة اعرابي، والتمثل بصورة البشر.

وأما في جانب الشر فكظهور الشيطان بصورة انسان حتى يعمل الشر بصورته، وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلم بلسانه.

فكذلك نقول: ان اللّه تعالى ظهر بصورة اشخاص.

ولما لم يكن بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله شخص أفضل من علي (ع) وبعده أولاده المخصوصون، وهم خير البرية، فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم وأخذ بايديهم.

فعن هذا أطلقنا اسم الالهية عليهم.

وإنما اثبتنا هذا الاختصاص لعلي (ع) دون غيره، لانه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند اللّه تعالى فيما يتعلق بباطن الاسرار، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا أحكم بالظاهر واللّه يتولى السرائر».

وعن هذا كان قتال المشركين الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقتال المنافقين الى علي (ع).

وعن هذا شبهه بعيسى بن مريم (ع) فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم (ع) لقلت فيك مقالاً»(١) .

٢ - الصوفية:

قالوا: إن اللّه اتحد بالعارفين(٢) .

والاتحاد عندهم يعني وصول العارف الى مرحلة الفناء التي يريدون بها فناء العارف في اللّه وفناءه عما سوى اللّه.

وهذه المرحلة أعلى مقامات النفس عندهم.

وعرّفه العارف السهروردي بقوله: «الفناء المطلق: هو ما يستولي من أمر الحق

____________________

(١) الملل والنحل ١/١٨٨.

(٢) النافع يوم الحشر ٣٦.


سبحانه وتعالى على العبد فيغلب كون الحق سبحانه وتعالى على كون العبد»(١) .

ويقصد السهرودي بتعريفه هذا ما عناه بعضهم بتعريفه (الاتصال) من أنه «أن لا يشهد العبد غير خالقه ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه»(٢) .

ونلمس انعكاس هذه الفكرة ليس على سلوكهم فقط، وانما حتى في ادبهم الشعري، ومنه:

- قول الحلاج:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا

فاذا أبصرتني أبصرته

واذا أبصرته أبصرتنا

- قول ابن الغارض:

من لي باتلاف روحي في هوى رشأ

حلو الشمائل بالارواح ممتزجِ

لم أدرِ ما غربة الاوطان وهو معي

وخاطري أين كنا غير منزعجِ

فالدار داري وحبي حاضر ومتى

بدا فمنعرج الجرعاء منعرجي

- قول الآخر:

قد تحققتُكَ في السر فناجاك لساني

فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعاني

ان يكن غيّبك التعظيم عن لحظ عياني

فلقد صيّرك الوجد من الاحشاء داني

والاتحاد غير معقول، أي أنه مستحيل في نفسه.

ولانه مستحيل في نفسه يستحيل اثباته لغيره.

والدليل على استحالته في نفسه: ان الشيئين المتحدين - بعد فرض اتحادهما - إن بقيا موجودين فلا اتحاد بينهما، لانهما - والحالة هذه - إثنان متمايزان لا واحد.

__________________

(١) عوارف المعارف ٣٦٣.

(٢) من ٣٥٩.


وان لم يبقيا موجودين بأن انعدما معاً، ووجد شيء ثالث غيرهما أيضاً لا اتحاد هنا لان المعدوم لا يتحد بالمعدوم.

وإن انعدم أحدهما وبقي الآخر، فلا اتحاد بينهما أيضاً لان المعدوم لا يتحد بالموجود.

أما الدليل على استحالة اثباته لغيره فكما يقرره الشيخ المفيد بقوله: «ان الواجب لو اتحد بغيره لكان ذلك الغير إما واجباً أو ممكناً:

فان كان واجباً لزم تعدد الواجب، وهو محال.

وان كان ممكناً فالحاصل بعد الاتحاد ان كان واجباً صار الممكن واجباً، وان كان ممكناً صار الواجب ممكناً، وكلاهما خلاف المفروض، وباطل.

فثبت بطلان اتحاد الباري بغيره»(١) .

ولاننا نعلم أن للتصوف لغته الخاصة التي تسمى ب(الاشارات) تدور في محاورات الصوفية شفهياً وتحريرياً.

وفحوى هذه اللغة: انهم لا يريدون بالالفاظ الخاصة التي يستعملونها مداليلها اللغوية أو ظواهرها الاستعمالية، وانما يرمزون بها الى معان خاصة ذات مدلولات خاصة قد تعارفوا وتواضعوا عليها.

لا نقوى على اتهامهم بالقول بالاتحاد الباطل الا اذا لمسناه واضحاً في لغتهم وببيانهم.

وممن احتاط في المسألة الفاضل المقداد، قال: «فان عنوا غير ما ذكرناه فلا بد من تصوره أولاً ثم يحكم عليهم، وان عنوا ما ذكرناه فهو باطل قطعاً»(٢) .

والذي يظهر من تصريحات بعضهم: انهم لا يعنون بالفناء الاتحاد المحال.

____________________

(١) النكت الاعتقادية ٣٩٦.

(٢) النافع ليوم الحشر ٣٦.


جاء في عوارف المعارف(١) : «وقال ابراهيم بن شيبان: علم الفناء والبقاء يدور على اخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة».

وعليه لا بد من تحليل عباراتهم في هدي اشاراتهم ثم الحكم لهم أو عليهم.

ومع هذا قد نجد في عبارات بعضهم - وهم الغلاة منهم - ما يشطح الى الاتحاد كما سيأتي.

وأما الاتحاد بمعنى التجلي أو ظهور الروحاني بالجسماني لها ما يشبهها عند بعض النصارى، فربما كان في البين تأثر.

فمن النصارى - كما يقول الشهرستاني - «من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الجواهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو.

وهذا كما يقال: (ظهر المَلَكُ بصورة انسان) أو (ظهر الشيطان بصورة حيوان)...»(٢) .

كما أنه من المؤسف أن نجد في الصوفية أمثال الحلاج الذي «قال بوجود روح ناطقة غير مخلوقة تتحد بروح الزاهد المخلوقة، فيصبح الولي الدليل الذاتي الحي على اللّه (هوهو).

ومن ثم يقول الحلاج: أنا الحق»(٣) .

ومثله ما نقل عن أبي يزيد البسطامي: أنه كان يقول: (لا إله الا أنا فاعبدوني) و (سبحاني ما اعظم شاني)(٤) .

___________________

(١) ص ٣٦٢.

(٢) الملل والنحل ١/٢٢٦.

(٣) الموسوعة العربية الميسرة: مادة حلاج.

(٤) من: مادة بسطامي.


والفكرة الحلاجية هذه - كما ترى - متأثرة ومن غير ريب بفكرة الاتحاد المسيحي التي قال بها اكثر اليعاقبة، فقد «زعم اكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد، الا أنه من جوهرين.

وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين.

فجوهر الإِله القديم، وجوهر الانسان المحدث، تركبا تركيباً كما تركبت النفس والبدن فصارا جوهراً واحداً، أقنوماً واحداً، وهو انسان كله وإله كله.

فيقال: الانسان صار إلهاً، ولا ينعكس، فلا يقال: الإِله صار إنساناً.

كالفحمة تطرح في النار فيقال: صارت الفحمة ناراً، ولا يقال: صارت النار فحمة.

وهي في الحقيقة لا نار مطلقة ولا فحمة مطلقة، بل هي جمرة»(١) .

وهذه هي الفكرة التي شجبها القرآن الكريم وكفّر من قالوا بها، قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا: ان اللّه هو المسيح ابن مريم) - المائدة ٧٢ -.

نفي الحلول

الحلول: «هو قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية ، وبشرط امتناع قيامه بذاته».

ومعنى قيد (على سبيل التبعية) أن تكون الصلة بين الحالّ والمحل صلة تبعية كالصلة بين الجسم ومكانه، أو بين العرض والجوهر.

وهو ما يعرف بالحلول الوضعي بمعنى أن يكون المحل موضعاً للحالّ.

والمراد بقيد (بشرط امتناع قيامه بذاته) عدم استقلالية الحالّ. أي أن وجود الحال مرتبط بوجود المحل ارتباطاً تبعياً كارتباط وجود العرض بوجود الجوهر.

__________________

(١) الملل والنحل ١/٢٢٦.


والحلول - في واقعه - امتداد آخر لفكرة (الفناء) الصوفية. فقد قال بعض الصوفية بجواز حلول اللّه تعالى في قلوب العارفين.

وكما ظهرت فكرة الاتحاد في سلوكهم وأدبهم انعكست فكرة الحلول - هي الاخرى - على سلوكهم وظهرت في شعرهم.

ومنه قول بعضهم:

قد كان يطربني وجدي فأقعدني

عن رؤية الوجد من في الوجد موجودُ

والوجد يطرب من في الوجد راحته

والوجد عند حضور الحق مفقودُ

ومنه قول رابعة العدوية:

ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي

وأبحت جسمي من أراد جلوسي

فالجسم مني للجليس مؤانس

وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

ومنه قول الحلاج:

سكنتَ قلبي وفيه منك أسرارُ

فليهنك الدار بل فليهنك الجارُ

ما فيه غيرك من سر علمت به

فانظر بعينك هل في الدار ديارُ

وقول الآخر:

انت بين الشغاف والقلب تجري

مثل جريِ الدموع من أجفاني

وتحلّ الضميرَ جوف قؤادي

كحلول الارواح في الابدانِ

ليس من ساكن تحرّك الا

انت حرّكته خفيَ المكانِ

وكما قلنا في سابقه لا بد من الحيطة في إصدار الحكم عليهم بالتأكد من اعتقادهم فكرة الاتحاد الباطل، نقول هنا: كذلك لا بد من التأكد من أنهم يعتقدون فكرة الحلول الباطل.

وممن احتاط لهذا ودرأ الحد بالشبهة النصير الطوسي، قال: «وذهب بعض الصوفية الى جواز حلوله في قلوب أوليائه.


ولعل مرادهم غير ما نعني به من حلول الاعراض في محالّها»(١) .

ومثلما رأينا في موضوع الاتحاد أن من الصوفية من فسّر الفناء بما لا يتنافى وأصل التوحيد الخالص.

وأن منهم من شط عن المزار وهام في فيافي القفار.

كذلك الشأن هنا حذو النعل بالنعل.

فالسهروردي وأمثاله كان فناؤهم هناك، وكذلك هو هنا فناء وحدانياً.

والحلاج وأضرابه كان فناؤهم في الموضوعين غير وحداني، فقد «غلا (هنا) الحلاج ونادى بالحلول الذي قال به بعض المسيحيين من قبلُ، وزعم أن الإِله قد يحل في جسم عدد من عباده.

أو بعبارة اخرى: إن اللاهوت يحلّ في الناسوت.

وقال قولته المشهورة التي كانت من اسباب تعذيبه حتى الموت، وهي: ما في الجبة الا اللّه»(٢) .

واستدل المتكلمون على بطلان الحلول بانه «مستحيل على الواجب تعالى، لأن الحالّ في الشيء يحتاج اليه فيلزم امكانه، والا امتنع حلوله«(٣) .

قال الامام امير المؤمنين (ع): «حَدَّ الاشياء كلَّها عند خلقه إيّاها، إبانةً لها من شبهه، وابانةً له من شبهها، فلم يحلِل فيها، فيقال: هو فيها كائن»(٤) .

ويلتقي حلول الحلاج بالحلول المسيحي فيما ذهب اليه بعض النصارى من «أن الكلمة كانت تداخل جسم المسيح (ع) أحياناً فتصدر عنه الآيات من إحياء الموتى وابراء الاكمه والابرص، وتفارقه في بعض الاوقات فترد عليه الآلام والاوجاع»(٥) .

__________________

(١) قواعد العقائد ٤٥٠. (٤) توحيد الصدوق ٤٢.

(٢) المعجم الفلسفي: مادة: حلول. (٥) الملل والنحل ١/٢٢٧.

(٣) التحقيق التام ٨٨.


نفي الرؤية

لا خلاف لغوياً واستعمالياً في أن الرؤية - وهي مصدر: رأى يرى ويرآى (على قلة في الاستعمال) - : النظر أو البصر بحاسة العين.

وكلامياً: تعني رؤية اللّه تعالى بالعين الباصرة.

الاقوال في المسألة:

وقد اختلف المتكلمون في وقوعها نفياً واثباتاً:

١ - فذهب أهل النسة الى إمكانها.

واختلفوا في وقوعها على أقوال هي:

أ - وقوعها في الدنيا للنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة.. وكان هذا في حادثة المعراج.

ب - وقوعها في الدنيا للانبياء والاولياء خاصة.

ج - وقوعها في الآخرة فقط، وللمؤمنين خاصة.

فذهبت الاشاعرة الى أنه يرى على تجرده وبساطته، ولا في جهه، ولا في مكان، ولا في ما يستلزم منه منافاة التوحيد الخالص.

٢ - وذهبت الطوائف المسلمة الاخرى الى نفي الرؤية واستحالة وقوعها مطلقاً في الدنيا والآخرة.

وهم: المعتزلة والامامية والزيدية والاباضية.

وعرف القول الاول بمذهب الاشاعرة، والثاني بمذهب المعتزلة، وهما أهم الاقوال في المسألة.

ومن هنا رأيت الاقتصار عليهما استعراضاً واستدلالاً».


مذهب الاشاعرة:

وكما ذكرت، هو: اثبات الرؤية.

أدلتهم على الاثبات:

وعمدة ما استدل به الاشاعرة على ثبوت الرؤية الآيات والروايات، أي الأدلة النقلية.

- من القرآن:

١ - (وجوه يومئد ناضرة الى ربها ناظرة) - القيامة ٢٢ ، ٢٣ -.

قال ابو الحسن الاشعري: «قال اللّه عز وجل: (وجوه يومئذ ناضرة) يعني مشرقة (الى ربها ناظرة) يعني رائية.

وليس يخلو (النظر) من وجوه نحن ذاكروها:

إما ان يكون اللّه عز وجل عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى : (أفلا ينظرون الى الابل كيف خلقت).

أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله : (ما ينظرون الا صيحة واحدة).

أو يكون عنى نظر الرؤية.

فلا يجوز ان يكون اللّه عز وجل عنى نظر التفكير والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.

ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأن النظر اذا ذكر مع ذكر (الوجه) فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما اذا ذكر أهل اللسان نظر القلب، فقالوا : (انظر في هذا الأمر بقلبك) لم يكن معناه نظر العينين.

ولذلك اذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار الذي بالقلب.


وأيضاً فان نظر الانتظار لا يكون في الجنة لان الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة لهم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.

واذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين لانهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم.

وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز ان يكون اللّه عزَّ وجلَّ أراد نظر التعطف لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.

واذا فسدت الاقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله : (الى ربها ناظرة) انها رائية ترى ربها عز وجل»(١) .

٢ - (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال رب أرني أنظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) - الاعراف ١٤٣ -.

بتقريب «ان اللّه عز وجل لما كان قادراً على أن يجعل الجبل مستقراً كان قادراً على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدل ذلك على أن اللّه تعالى قادر على أن يُري عباده نفسه وأنه جائز رؤيته»(٢) .

٣ - (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) - يونس ٢٦ -.

قال الاشعري : «قال أهل التأويل : النظر الى اللّه عز وجل، ولم ينعم اللّه عز وجل على أهل جنانه بأفضل من نظرهم اليه : رؤيتهم له»(٣) .

٤ - (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) - ق ٣٥ -.

قال الاشعري : «قيل : النظر الى اللّه عز وجل»(٤) .

__________________

(١) الابانة ١٢ - ١٣.

(٢) الابانة ١٤.


٥ - (تحيتهم يوم يلقونه سلام) - الاحزاب ٤٤ -.

قال الاشعري : «واذا لقيه المؤمنون رأوه»(١) .

وقال ابو شامة : «وكذلك سائر ما ورد من آيات اللقاء... قد حمل جماعة معنى اللقاء فيها على رؤية اللّه تعالى»(٢) .

٦ - (كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) - المطففين ١٥ - فسرها الأشعري بقوله : «فحجبهم عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين»(٣) .

وقال أبو شامة : «قال ابو بكر السمعاني : استدل مالك بن أنس وابن عيينة والشافعي واحمد بن حنبل وجماعة من أئمتنا بهذه الآية على أن المؤمنين يرون اللّه تعالى في الجنة.

قلت : ووجه الاستدلال أن يقال : تخصيص الكفار بهذا الحجب دليل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين»(٤) .

- من الحديث :

١ - (ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته).

ووجه الاستدلال، كما قرر الاشعري : «إن الرؤية اذا اطلقت إطلاقاً ومثلت برؤية العيان لم يكن معناها الا الرؤية بالعيان»(٥) .

وعلى الحديث المذكور اقتصر الاشعري في (الابانة)، ولكن ابا شامة ذكر عدة احاديث، منها:

____________________

(١) م. ن.

(٢) ضوء الساري ٧٣.

(٣) الابانة ١٤.

(٤) ضوء الساري ٦٨.

(٥) الابانة ١٥.


٢ - (قرأ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) قال : اذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى منادٍ : يا أهل الجنة ان لكم عند اللّه موعداً يريد أن ينجزكموه، قالوا : وما هذا الموعد ؟ أليس قد ثقّل موازيننا، ألم يبيّض وجوهنا، وأدخلنا الجنة، ونجّانا من النار؟!!.

قال : فيرفع الحجاب فينظرون الى وجه اللّه عز وجل، فما أُعطوا شيئاً أحب اليهم من النظر اليه.

وفي رواية : الى وجهه»(١) .

٣ - (انكم سترون ربكم جل ثناؤه عياناً)(٢) .

- دليل العقل :

واستدل ابو الحسن الاشعري بالعقل مضافاً الى النقل المذكور ومترتباً عليه.. ومنه :

١ - قال : «ومما يدل على رؤية اللّه عز وجل بالأبصار:

أنه ليس موجود الا وجائز أن يريناه اللّه عز وجل. فلما كان اللّه عز وجل موجوداً مثبتاً كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل»(٣) .

٢ - قال : «ومما يدل على رؤية اللّه سبحانه بالأبصار:

ان اللّه عز وجل يرى الاشياء.

واذا كان للاشياء رائياً، ولا يرى الاشياء الا من يرى نفسه، لأن من لا يرى نفسه لا يرى الاشياء.

واذا كان لنفسه رائياً فجائز أن يرينا نفسه»(٤) .

____________________

(١) ضوء الساري ٨٠ - ٨١.

(٢) م. ن ٨٣.

(٣) الابانة ١٦.

(٤) م. ن.


٣ - قال : «إن الرؤية لا تؤثر في المرئي لأن رؤية الرائي تقوم به.

فاذا كان هذا هكذا.

وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئي.

لم توجب شبيهاً ولا انقلاباً عن حقيقة.

ولم يستحل على اللّه عز وجل أن يُري عباده المؤمنين نفسه في جنانه»(١) .

حقيقة الرؤية وكيفيتها عندهم :

قالوا : «الرؤية معنى لا يتأثر به المرئي ولا يتأثر منه لا بإفعال ولا بانفعال»(٢) .

وذلك المعنى هو (الادراك).

وعرّفه الآمدي بأنه «عبارة عن كمال يحصل به مزيد كشف على ما يخيل في النفس من الشيء المعلوم من جهة التعقل بالبرهان أو الخبر»(٣) .

وقال الغزالي : «الرؤية : نوعُ كشفٍ وعلمٍ، إلا أنه أتم وأوضح من العلم»(٤) .

ويوضح الآمدي المقصود من زيادة الكشف التي تحصل من الادراك، ليصل منه الى بيان مقصودهم من الرؤية، فيقول : : «وبهذا نجد التفرقة بين كون الصورة معلومة للنفس مع قطع النظر عن تعلق الحاسة الظاهرة بها، وبين كونها معلومة مع تعلق الحاسة بها.

فاذاً هذا الكمال الزائد على ما حصل في النفس بكل واحدة من الحواس هو

__________________

(١) الابانة ١٧.

(٢) غاية المرام ١٦٦.

(٣) م. ن.

(٤) قواعد العقائد ١٧١.


المسمى ادراكاً - كما مضى.

وقد بينا أن هذه الادراكات - فيما مضى - ليست بخروج شيء من الآلة الدرّاكة الى الشيء المدرّك، ولا بانطباع صورة المدرّك فيها.

وانما هو معنى يخلقه اللّه تعالى في تلك الحاسة.

وقد بينا أن البنية المخصوصة ليست بشرط له - كما مضى -، بل لو خلق اللّه ذلك المعنى في القلب أو غيره من الاعضاء لكنا نسمّي ذلك مدركاً.

واذا جاز أن يخلق اللّه تعالى في الحاسة زيادة كشف وبيان بالنسبة الى ما حصل في النفس، فلا محالة أن العقل لا يحيل أن يخلق اللّه تعالى للحاسة زيادة كشف وايضاح بالنسبة الى ما حصل في النفس من العلم به، وأن تسمّى تلك الزيادة من الكشف إدراكاً.

والجاحد لذلك خارج عن العدل والانصاف، منتهج منهج الزيغ والانحراف.

ومن عرف سر هذا الكلام عرف غور كلام أبي الحسن في قوله : «ان الادراك نوع مخصوص من العلم لكنه لا يتعلق الا بالموجودات».

واذا عرف ذلك فالعقل يجوزّ أن يخلق اللّه تعالى في الحاسة المبصرة، بل وفي غيرها، زيادة كشفٍ بذاته وصفاته، على ما حصل منه بالعلم القائم في النفس، من غير أن يوجب حدوثاً ولا نقصاً، وذلك هو الذي سماه أهل الحق ادراكاً»(١) .

واستدلوا على هذه الرؤية العلمية أو الادراكية بما ورد من احاديث تقول إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يرى من ورائه كما يرى من أمامه.

ومنها : ما جاء في (صحيح البخاري) في كتاب الصلاة :

- باب عظة الامام الناس في اتمام الصلاة وذكر القبلة. عن أبي هريرة. أن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : هل ترون قبلتي ها هنا، فو اللّه ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم

____________________

(١) غاية المرام ١٦٦ - ١٦٧.


اني لأراكم من وراء ظهري».

- باب تسوية الصفوف عند الاقامة وبعدها : «عن أنس : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أقيموا الصفوف فاني أراكم خلف ظهري».

قال المحشي : أي كما أرى من بين يدي.

- إقبال الامام على الناس عند تسوية الصفوف : «عن أنس : قال : أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بوجهه، فقال : أقيموا صفوفكم وتراصوا فاني أراكم من وراء ظهري».

- باب الصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف : «عن أنس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أقيموا صفوفكم فاني أراكم من وراء ظهري»(١) .

مذهب المعتزلة :

وهو مذهب النفاة من الحكماء ومن سوى أهل السنة من المسلمين.

ومن البداية، وقبل عرض الادلة، يقولون : ان الرؤية بالمعرفة والعلم جائزة.

والرؤية بالبصر مستحيلة، لبداهة منافاتها لخلوص الوحدانية، وأصل التوحيد الخالص.

أدلتهم على نفي الرؤية

وعمدة دليلهم العقل.

ويتلخص ما استدلوا به عقلياً بأن قالوا :

إن اللّه تعالى واجب الوجود.

ووجوب الوجود يقتضي تجرده تعالى ونفي الجهة والحيّز عنه.

والمشروط فيمن تراد رؤيته أن يكون في جهة وحيز، وأن يكون غير مجرد لانها من

_____________________

(١) وانظر : هامش رقم ٤ من قواعد العقائد للغزالي ص ١٧١.


اساسيات وقوع الرؤية عليه.ولما كان اللّه تعالى متجرداً ومنزهاً عن الجهة والحيّز يستحيل وقوع الرؤية عليه. وباختصار شديد ومفيد : دليل الوجوب هو دليل نفي الرؤية. وقالوا أيضاً : ان الذي تقع عليه الرؤية البصرية هو اللون والشكل من الاجسام المنظورة، وهما من الأعراض. واللّه منزه عن ذلك. والى المعنى يشير ما رواه الصدوق عن اسماعيل بن الفضل قال : سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (ع) عن اللّه تبارك وتعالى : هل يُرى في المعاد ؟ فقال : سبحان اللّه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. يا ابن الفضل، إن الأبصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، واللّه خالق الألوان والكيفيات». واستدلوا أيضاً بالآيات الكريمة : ١ - (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) - الانعام ١٠٣ -. وهي عمدة ما استدلوا به من النقول. قال القاضي المعتزلي : «إدراك البصر ورؤية البصر في اللغة لا يختلفان. فاذا صح ذلك فيجب أن نقطع بأنه تعالى لا يرى بالابصار»(١) . وذلك لظهور الآية في ذلك، ولقرينة العقل التي تلزم بعدم صرفها عن هذا الظهور وحملها على معنى آخر غير هذا الذي هو ظاهرها.

_____________________

(١) المختصر في اصول الدين ٣٣٧.


وقرره الفاضل المقداد بشكل آخر، قال : «تمدح تعالى بنفي إدراك الأبصار له فيكون اثباته له نقصاً»(١) . وذهب الزمخشري الى أن قوله تعالى : (اللطيف) معناه : أنه تعالى يلطف عن أن تدركه الابصار لتجرده وبساطته كمال وتمام التجرد والبساطة، و(الخبير) أنه تعالى خبير بكل لطيف مهما لطف ودق. فهما قرينة على أنه تعالى يدرك الابصار، لا تلطف عن إدراكه، وهي لا تدركه للطفه. وهذا من باب اللف»(٢) . وهي التفاتة أدبية خبيرة، ونكتة علمية لطيفة. وجمع السيد شرف الدين أطراف الاستدلال بالآية الكريمة على نفي الرؤية بقوله : «ولنا من الكتاب الحكيم آيات محكمات تؤيد حكم العقل بامتناع الرؤية : الآية الأولى قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير). فان الادراك متى قرن بالبصر لا يفهم منه إلا الرؤية بالعين، وكما أنه اذا قرن بآلة السمع فقيل (ادركته باذني) لا يفهم منه إلا السماع. وكذلك اذا اضيف الى كل واحدة من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة فيه، فقولهم (ادركته بفمي) معناه : وجدت طعمه، و(ادركته بأنفي) معناه : وجدت رائحته. وقد دلت هذه الآية على أنه سبحانه وتعالى قد تعالى على جميع الموجودات بمجموع هذين الأمرين اللذين اشتملت عليهما الآية الكريمة لأن من الأشياء : ما يَرى ويُرى كالأحياء من الناس.

______________________

(١) النافع يوم الحشر ٣٩.

(٢) الكشاف : تفسير الآية المذكورة.


ومنها : ما يُرى ولا يَرى كالجمادات والأعراض المرئية. ومنها : ما لا يَرى ولا يُرى كالاعراض التي لا تُرى. فاللّه تعالى خالقها جميعها، وتعالى عليها، وتفرد بان يَرى ولا يُرى، وتمدّح بمجموع الأمرين، كما تمدّح بقوله : (وهو يُطعِمُ ولا يُطعَم) - الأنعام ١٤ - وقوله : (يجير ولا يجار عليه) - المؤمنون ٢٩ -. وحسبنا من التعليق على هذه الآية ما أخرجه العياشي بسنده المتصل : أن الفضل بن سهل ذا الرئاستين سأل الامام أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) فقال : أخبرني عما اختلف فيه من الرؤية ؟ !. فقال : من وصف اللّه بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على اللّه تعالى، لا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير. ثم قال : لا تقع عليه الأوهام، ولا يدرك كيف هو»(١) . ٢ - (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) - طه ١١١ - قال السيد شرف الدين : «فانها في معناها على حد الآية الأولى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار). وحسبنا من التعليق عليها ما أخرجه ثقة الاسلام في باب إبطال الرؤية من كتاب التوحيد من أصول الكافي بسنده الى صفوان بن يحيى، قال : سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على الامام أبي الحسن الرضا (ع) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فأدخلته عليه، فسأله عن الحلال والحرام حتى بلغ سؤاله الى التوحيد. فقال ابو قرة : إنّا روينا أن اللّه قسم الرؤية والكلام بين النبيين، فقسم الكلام لموسى، ولمحمد الرؤية. فقال الامام (ع) : فمن المبلغ عن اللّه الى الثقلين من الانس والجن في أنه لا

_____________________

(١) كلمة حول الرؤية ٢٩٨ - ٣٠٠.


تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء ؟

أليس هو محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال : بلى.

قال : كيف يجيء رجل الى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند اللّه وأنه يدعوهم الى اللّه بأمر اللّه ويقول لهم عن اللّه : إنه (لا تدركه الأبصار) و(لا يحيطون به علماً) ،(وليس كمثله شيء)، ثم يقول لهم : أنا رأيت اللّه بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر ؟ !! أما تستحون ؟ !.

ما قدرت الزنادقة أن ترميهصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا أن يكون يأتي من عند اللّه بشيء ثم يأتي بخلافه !!

قال له أبو قرة : فانه تعالى يقول : (ولقد رآه نزلة اخرى)..!

فقال الامام (ع) : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأىصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال تعالى : (ما كذب الفؤاد ما رأى)، يقول : ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال : (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فآيات اللّه غير اللّه تعالى.

قال : وقد قال عزّ من قائل : (ولا يحيطون به علماً) فاذا رأته الأبصار فقد احيط به علماً.

قال أبو قرة : أفنكذب الروايات ؟!

قال الامام : اذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها.

وقد اجمع المسلمون على أنه لا يحاط به علماً ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء.»

قلت : هذا هو فصل الخطاب ومفصل الصواب، وإنه للحدّ الفاصل بين الحق والباطل، لا يرد على سمع ذي لب فيصدر الا عن إذعان، ذلك فضل اللّه يؤتيه عترة نبيه وأعدال كتابه، واللّه ذو الفضل العظيم»(١) .

____________________

(١) كلمة حول الرؤية ٣٠٥ - ٣٠٧.


٣ - (وإذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم، واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة فأخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون) - البقرة: ٥٤،٥٥-.

قال السيد شرف الدين: «هاتان آيتان متصلتان - كما اوردناهما - والحجة على ما نحن فيه من امتناع الرؤية انما هي الآية الثانية، وإنما أوردنا الأولى لأن لها دخلاً في بيان الوجه في الاحتجاج بوضوح، وذلك أن أولاهما نصت على عقوبة متخذي العجل بقتل انفسهم، ونصت الثانية على عقوبة الطالبين رؤية اللّه جهرة بالصاعقة تأخذهم وهم ينظرون.

وهذا بمجرد يوجب القطع بتساوي الجرمين في الكفر لتساويهما في العقوبة من اللّه تعالى الملك الحق العدل المبين، وليس شيء أدل من هذا على امتناع الرؤية، ووجوب الانكار على القائلين بها، بل وجوب كفرهم اذا أصروا عليها عناداً بعد أن تتم عليهم الحجة بامتناعها كما تمت على اصحاب الصاعقة من قوم موسى فانه عليه الصلاة والسلام حين سألوه الرؤية أخبرهم بامتناعها فألحوا عليه ولجوا في طغيانهم، فعرّفهم أن رؤية اللّه تستلزم تحيزه وتكيفه، والاشارة اليه، واللّه تعالى منزه عن ذلك، وأوضح لهم أن من استجاز الرؤية على اللّه عز وجل فقد جهله وجعله من جملة الأجسام أو الاعراض، فعتوا وأصروا على طلبها عناداً فكانوا بذلك كعبدة العجل، فأخذتهم الصاعقة بأمر اللّه كما أخذ القتل أولئك بأمره تعالى لتساوي الجرمين.

هذا ما استفدته من الآيتين في توجيه الاستدلال على امتناع الرؤية»(١) .

٤ - (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال رب أرني أنظر اليك، قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت اليك وأنا اول المؤمنين) - الاعراف ١٤٣ -.

يقول السيد شرف الدين: «وحسبنا من التعليق على هذه الآية الكريمة ما أخرجه

_________________________

(١) م ن ٣٠٨.


الشيخ الصدوق ابو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي في باب ما جاء في الرؤية من كتاب التوحيد بسنده إلى علي بن محمد بن الجهم، قال:

حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى (ع) فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه أليس من قولك إن الانبياء معصومون؟

قال بلى.

فسأله عن آيات من القرآن.

فكان مما سأله أن قال له: فما معنى قول اللّه عز وجل (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال رب أرني أنظر اليك قال لن تراني) الآية.

قال: فكيف يجوز أن يكون كليم اللّه موسى بن عمران لا يعلم أن اللّه تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأل هذا السؤال؟

فقال الرضا (ع): إن كليم اللّه موسى بن عمران (ع) علم أن اللّه تعالى عزّ أن يُرى بالابصار، ولكنه لما كلّمه اللّه عز وجل وقرّبه نجياً رجع الى قومه فأخبرهم أن اللّه عز وجل كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه.

فخرج بهم الى طور سيناء وسأل اللّه تبارك وتعالى أن يكلّمه ليسمعهم كلامه، فكلّمه اللّه تعالى ذكره وسمعوا كلامه من الجهات الست لأن اللّه عز وجل أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثاً منها يسمعونه من جميع الوجوه.

فقالوا: لن نؤمن لك أن هذا الذي سمعناه هو كلام اللّه تعالى حتى نرى اللّه جهرة.

فلما قالوا هذا القول العظيم، واستكبروا، وعتوا، بعث اللّه عز وجل عليهم صاعقة تأخذهم بظلمهم فماتوا.

فدعا موسى ربه: يا رب ما أقول لبني اسرائيل اذا رجعتُ اليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة اللّه إيّاك؟!.


فأحياهم اللّه تعالى وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألتَ اللّه أن يُريك أن تنظر اليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو ؟ فتعرفه حق معرفته.

قال موسى: يا قوم إن اللّه لا يُرى بالابصار ولا كيفية له، وانما يُعرف بآياته ويعلم بأعلامه.

فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله.

فقال موسى: يا رب انك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وانت أعلم بصلاحهم.

فأوحى اللّه جل جلاله اليه: يا موسى إسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم.

فعند ذلك قال موسى: رب أرني نظر اليك.

قال لن تراني، ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه - وهو يهوي - فسوف تراني.

فلما تجلّى ربه للجبل بآية من آياته جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً، فلما أفاق، قال: سبحانك تبت اليك، يقول: رجعت الى معرفتي بك عن جهل قومي، وأنا أول المؤمنين منهم بأنك لا تُرى.

فقال المأمون، للّه درك يا أبا الحسن»(١) .

من احاديث أهل البيت:

احتج بها اصحابنا الامامية خاصة، لتمسكهم بأهل البيت (ع) أخذاً بقول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي:

كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

وقد عرف عن أهل البيت أنهم قاوموا فكرة التجسيم وشبهاتها، مقاومة شديدة لا

_____________________

(١) كلمة حول الرؤية ٣١١ - ٣١٣ والتوحيد ١٢١ - ١٢٢.


هوادة فيها ولا مهادنة.

ويكفينا أن أنقل منها هنا بعض ما روي عن امير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة:

١ - إلا أنّا نعلم أنك حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، لم ينته اليك نظر، ولم يدركك بصر، أدركت الأبصار، وأحصيت الأعمار، وأخذت بالنواصي والأقدام(١) .

٢ - لا تدركه العيون بمشاهدة العيان(٢) .

٣ - الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش أو سماء أو أرض أو جان أو إنس، لا يدرك بوهم، ولا يقدّر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل، ولا ينظر بعين(٣) .

٤ - الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر(٤) .

٥ - لا يشمل بجدٍّ، ولا يحسب بعدٍّ، وانما تحدُّ الادواتُ أنفسها، وتشير الى نظائرها، منعتْها (منذ) القدمية، وحملْتها (قد ) الأزلية، وجنّبتْها (لولا) التكملة، بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون(٥) .

٦ - لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه(٦) .

حقيقة الرؤية وكيفيتها عندهم:

الرؤية عندهم هي الرؤية الطبيعية المعروفة، وكيفيتها هي الكيفية الطبيعية المعروفة أيضاً.

__________________

(١) نهج البلاغة ط الشعب ١٨٢.

(٢) ٢٠٧.

(٣) ٢١١.

(٤) ٢١٦.

(٥) ٢٢٠.

(٦) ٢٢٠.


وتتحقق عن طريق (العين) التي هي عضو البصر وحاسته. «ويتم الابصار بها عندما يدخل الضوء العين من طريق البؤبؤ، فتركزه العدسة في بؤرة بحيث تتشكل صورة تقع على الشبكية، فينقلها العصب البصري مقلوبة رأساً على عقب الى الدماغ حيث تُعكس بطريقة لا يزال العلماء عاجزين عن فهمها»(١) .

ومدركات القوة الباصرة هي الأضواء والألوان والاشكال. وذكرت لتحقق الرؤية والابصار شروط هي:

١ - المقابلة بين الرائي والمرئي.

٢ - المسافة الكافية بينهما قرباً وبعداً.

٣ - ان يكون حجم المرئي بالقدر الذي يمكن أن يقع عليه الابصار، بمعنى أن لا يبلغ غاية الصغر واللطف أو أن يكون مجرداً.

٤ - أن يكون الجسم المرئي كثيفاً.

٥ - أن يكون الجسم المرئي مضيئاً أو مضاءاً.

المناقشات:

ناقش كل من الطرفين المثبت والنافي طرفه الآخر، ولأن في جزء منها شيئاً من الموضوعية والاصطباغ بالطابع العلمي، رأيت أن اذكر بعضها.

والمناقشات هذه وامثالها تأتي في الغالب تطبيقاً للمنهج المتبع لدى كل فريق من فريقي النقاش.

وربما جاءت هجوماً أو دفاعاً لا لإثبات المدّعي أو نفيه، وانما جدلاً لاجل الجدل، واثارة التشكيك في مسلمات ونتائج الطرف المقابل.

وأهم ما دار فيه وحوله النقاش في مسألتنا هذه، هو ماهية الرؤية وكيفيتها، ودلالة كل من الآيتين الكريمتين (لا تدركه الأبصار) التي كانت عمدة أدلة النفاة، و

__________________

(١) موسوعة المورد: مادة Vison


(الى ربها ناظرة) التي هي عمدة أدلة المثبتين.

واليك طرفاً منها:

١ - ناقش ابو الحسن الأشعري حمل النافين آية (لاتدركه الأبصار) على أن (لا تدركه) مطلقة بمعنى أن الأبصار لا تدركه في الدنيا وفي الآخرة، وعلى أن كلمة ((الأبصار) فيها عامة لأنها جمع محلى بأل، فتشمل أبصار جميع مخلوقاته من غير استثاء.

فقال: «فان قال قائل: فما معنى قوله (لا تدركه الأبصار)؟.

قيل له: يحتمل أن يكون: لاتدركه في الدنيا، وتدركه في الآخرة، لأن رؤية اللّه تعالى أفضل اللذات، وأفضل اللذات يكون في أفضل الدارين.

ويحتمل أن يكون اللّه عز وجل أراد بقوله (لا تدركه الابصار) يعني لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن كتاب اللّه يصدق بعضه بعضاً، فلما قال في آية (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة)، وقال في آية اخرى (لا تدركه الأبصار) علمنا أنه إنما أراد أبصار الكفار لا تدركه»(١) .

والذي يمكن أن يلاحظ عليه هو:

ان ظهور (لا تدركه) في الاطلاق واضح.

وكذلك ظهور كلمة (الأبصار) في العموم.

ولكن الأشعري طرح الاحتمالين اللذين ذكرهما ليثر غبار الشك أمام الاستدلال بالآية على نفي الرؤية من باب اذا تطرق الاحتمال بطل الاستدلال.

والذي حدا به الى ذلك هو قرينة النقل (الأحاديث الظاهرة في الدلالة على وقوع الرؤية يوم القيامة).

ولأنه فسر آية (الى ربها ناظرة) في هدي تلك الأحاديث بالرؤية. فأراد أن يرفع

__________________

(١) الابانة ١٥.


التعارض بين الآية الأولى النافية والآية الثانية المثبتة فكان منه أن طرح هذين الاحتمالين.

والشيء الطبيعي والذي ينبغي أن يتبع منهجياً في المناقشة: هو أن يناقش من يريد مناقشة دلالة الآية على نفي الرؤية في:

١ - ظهور (تدركه) في الاطلاق، وظهور (الأبصار) في العموم، بابطال الدليل العقلي المؤيد لهما والمؤكد عليهما.

٢ - لا يرفع اليد عن الاطلاق والعموم بالاحتمال، لأنه ما من ظهور الا وفي مقابله احتمال، والا كان نصاً لا ظاهراً، وانما تُرفع اليد عن الظهور بظهور أقوى منه، أي أظهر منه.

وكلا الأمرين لم يكونا منه (اعني الأشعري).

٣ - وناقش القاضي المعتزلي الاستدلال بآية (الى ربها ناظرة) على إثبات الرؤية بقوله: «فان قال: فقد قال اللّه تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) ففي هذا اثبات الرؤية.

قيل له: لم يقل ناظرة بالبصر.

وقد يكون الناظر ناظراً على وجوه:

بان يكون مفكراً.

ومنتظراً للرحمة.

وطالباً للرؤية.

فهو محتمل اذاً، ولا يترك به ما لا يحتمل.

وتأويله: منتظرة لرحمة ربها، وناظرة الى ثوابه ونعيمه في الجنة، على ما روي عن


امير المؤمنين (ع) وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين«(١) .

والملاحظ عليه:

١ - ان يناقش ما استدلو ا به على تقييد النظر بالبصر، لا أنه يقول هي مطلقة من غير أن يثبت اطلاقها بابطال تقييدها الذي ادعوه.

٢ - ان يناقش القرينة النقلية (الاحاديث الدالة على الرؤية) ويثبت عدم نهوضها بالقرينية، إما لانها أخبار آحاد لاتصلح لاثبات اصول الدين وما يرتبط بها من شؤون، وإما لضعفها، أو لغير ذلك.

٣ - كان عليه عندما حملها على معنى الانتظار أن يثبت استعمال الكلمة في الانتظار بعامة ثم يقيم القرينة على استعمالها فيه هنا بخاصة.

٤ - ثم ان تقدير مضاف وهو (ثواب) أو (رحمة) او (نعيم) خلاف الأصل، فلا يصار اليه الا بدليل، وهو لم يأت بالدليل.

والسبب أنه - هو الآخر - يناقش وفق منهجه الخاص.

ولأن العقل عنده ينفي الرؤية لاستلزامها الجسمية أو الجهتية، واللّه تعالى منزه عنهما، فهو الدليل على تقدير المضاف الا أنه أضمره في قلبه.

فلو أنه ذكر الدليل وسلّمه له الخصم أو ذكره على أنه مسلم به من قبل الجميع لبداهته لكان التأويل بتقدير مضاف مقبولاً.

٥ - استدل بأخبار الآحاد خلافاً لمنهجه، ولعله ليعارض بها أخبار الآحاد التي استدل بها خصمه ليقدمها عليها كمؤيدة.

أو ليرفع اليد عنها جميعاً لعدم وجود المرجح، أو لغير ذلك. ولكنه لم يصرح بالسبب.

الموازنة:

______________________

(١) المختصر في أصول الدين ٣٣٧.


وكما لحظ أن السبب الجوهري في الاختلاف هو الاختلاف في المنهج المتبع في البحث.

اذاً لا بد من تسليط الضوء على المنهج، وهو يقتضينا دراسة ثلاث نقاط هامة، اثنتان منها عامتان وهما:

١ - حجية العقل في اثبات اصول الدين.

٢ - حجية خبر الواحد في اثبات اصول الدين.

والثالثة خاصة، وهي:

٣ - تحديد مفهوم الرؤية في المسألة.

أما النقطتان الأوليان:

فالسلفية وأهل الحديث، هم اكثر اهل السنة تشدداً في رفض العقل امام خبر الواحد المتلقى بالقبول، فقد روي عن الامام ابن حنبل أنه قال: « لا نتعدى القرآن والحديث»(١) .

وقال ابن قاضي الجبل - شيخ الحنابلة في عصره - : «مذهب الحنابلة أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لاثبات الديانات»(٢) .

وادعى ابن عبد البر المالكي الاجماع على جواز العمل بأخبار الآحاد في اصول الدين.

وذلك لأن الخبر الواحد الذي تتلقاه الامة بالقبول تصديقاً له، وعملاً به يفيد العلم عندهم.

والمسألة ليست بما اجمعوا عليه، ففي إفادة خبر الواحد العلم أو الظن، وكيفية افادته ذلك، لعلماء السنة عموماً فيه خلاف، تعرضت له كتب أصول الفقه.

وفي جواز العمل به في اصول العقيدة خلاف آخر، حتى عند الحنابلة، فقد ذهب

__________________

(١) شرح الكوكب المنير ٢/ ٣٥٢.

(٢) م ن.


ابو الخطاب وابن عقيل الحنبليان وغيرهما الى عدم جواز العمل به في اصول الدين(١) .

ومن هذا العرض المقتضب لحجية خبر الواحد في اصول الاعتقاد ننتهي الى نتيجة، هي من ادلتنا في اثبات حجية العقل في اصول الدين، وهي:

لان حجية خبر الواحد في اصول الدين انما اعتبرت لافادته العلم - بسبب تلقي الامة له بالقبول، أو لسبب آخر - وليست لانه حديث أو سنة فقط.

فاذاً، المناط في الدليل الذي يعتمد عليه ويرجع اليه في اثبات العقيدة هو أن يفيد العلم (اليقين).

ولأن دليل العقل - هو الآخر - يفيد العلم يكون أيضاً مما يرجع اليه ويعتمد عليه في اثبات قضايا العقيدة.

ثم ان الامام احمد (رض) اعتمد العقل دليلاً في اثبات حجية خبر الواحد، فقد جاء في (مختصر المنتهى) لابن الحاجب في مسألة جواز التعبد بخبر الواحد ما نصه: «وقال احمد والقفال وابن سريج وابو الحسين البصري بدليل العقل».

يعني أن جواز التعبد بخبر الواحد دليله العقل.

وهذا دليل آخر على حجية العقل، وله أهميته لانه يثبت حجية أصل الخبر، فلو لم ينهض دليل العقل باثبات حجيته على رأي الامام احمد لم يفدنا تلقي الامة له بشيء لانه تلقٍّ لما ليس بحجة.

واذا لم يكن العقل الذي هو دليل حجية خبر الواحد حجة لا يكون خبر الواحد حجة من طريق أولى.

ان القرآن الكريم استخدم دليل العقل في اثبات أصول الدين في مثل : - قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة الا اللّه لفسدتا) - الانبياء ٢٢ -.


- قوله تعالى: (ما اتخذ اللّه من ولد وما كان معه من إله اذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) - المؤمنون ٩١ -.

- قوله تعالى: ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) - الطور ٣٥ -.

ومعنى هذا انه معترف به من اللّه تعالى، والأخذ به أخذ بالقرآن.

ولا أطيل هنا باستعراض وذكر الآيات القرآنية الكريمة التي تدعو الى التفكر في ملكوت اللّه وخلقه، واستخدام قوى العقل وقواعده للوصول الى معرفته تعالى التي هي أصل الدين الاصيل وأساسه الركين المتين.

وعليه لا مناقشة من الطرف الآخر في الاعتماد على العقل والرجوع اليه.

ولكن - وبعد هذا العرض غير الموجز الى حدٍّ ما - ليست هذه المسألة هي الجوهر في موضوع الخلاف.

وإنما القطب المركزي الذي تدور حوله رحى الخلاف على مدى هذه الاجيال المتعاقبة، هو:

لو تعارض ما يدركه العقل مع ما يظهر من خبر الواحد المفيد للعلم ماذا نعمل ؟

الذي أراه أن العمل : هو الجمع بينهما.

وذلك لأن خبر الواحد المفيد للعلم، مفيد للعلم بصدوره لا بدلالته، فهو قطعي الصدور ظني الدلالة.

ودليل العقل المثبت لوحدانية الذات الالهية - الوحدانية المستلزمة لنفي الرؤية للزومها التجسيم قطعي الدلالة.

وعليه يصبح التعارض في الحقيقة بين دلالة العقل اليقينية ودلالة الخبر الظنية.

ولأن الظن لا يعارض اليقين نرفع اليد عن ظهور الخبر بتأويله بما يتمشى وأصل التوحيد، فنجمع بين الأخذ به والأخذ بالعقل.

وكذلك في تفسير الآيتين المتعارضتين ظاهراً كآية البصر الدالة على نفي الرؤية


بظاهرها وآية النظر المثبتة للرؤية بظاهرها، نرفع اليد عن ظهور الآية التي ينافي ظاهرها أصل التوحيد لانها ظنية الدلالة، ونتمسك بظهور الآية التي تلتقي مع أصل التوحيد لانها بقرينة الدليل العقلي هي قطعية الدلالة.

هذه خلاصة ما أريد أن أقوله في وصول المنهج.

وفي ضوئه :

إن الذي قام به النافون للرؤية من حمل آية البصر على ظاهرها وباطلاقها وعمومها، وتأويل آية النظر، سليم منهجياً.

أما رفضهم أخبار الآحاد فلأنها لا تصلح لاثبات العقيدة، لأنها - في رأيهم - ظنية السند والدلالة فلا تفيد الا الظن، والمطلوب في العقيدة أن تصل الدلالة فيها الى مستوى اليقين.

كذلك هي لا تقوى على معارضة دليل التوحيد العقلي لانه يقيني الدلالة، وهي ظنية الدلالة.

أما الذي قام به المثبتون، وخاصة الأشاعرة من محاولة إثبات الرؤية مع المحافظة على نقاء فكرة التوحيد من أن تشاب بما يخالفها من الجسمية وأمثالها أمر ذو أهمية، وله تقديره

لكن يلاحظ عليه :

١ - انهم خرجوا عن الموضوع المتنازع فيه.

ذلك أن المتنازع فيه هو رؤية اللّه تعالى بالعين الباصرة وبالوضعية الطبيعية للرؤية، مع مراعاة الاعتقاد ببساطة وتجرد الذات الالهية.

وهم قالوا : بالرؤية الادراكية.

وعن طريق حاسة سادسة أو خاصة.

فالمؤمن يرى اللّه تعالى رؤية ادراك وعلم لا رؤية مشاهدة وعيان.


٢ - ان ما مثّلوا به من أن رؤيته تعالى كرؤية القمر ليلة البدر يناقض الرؤية الادراكية لأن رؤية القمر رؤية مشاهدة وعيان، كما استفاد الامام الاشعري هذا من حديث رؤية القمر، فقرر - كما تقدم - بأن التمثيل برؤية العيان لم يكن معناها الا الرؤية بالعيان.

ومعنى هذا أن المؤمن يرى اللّه بالعين الباصرة، وهي تختلف عن الرؤية العلمية أو الادراكية لأن الادراكية رؤية قلبية.

٣ - وكما قلتُ آنفاً انه لا بد من تحديد مفهوم للرؤية متفق عليه حتى يصح البحث فيها نفياً واثباتاً.

أما مع الاختلاف في مفهوم الرؤية فلا معنى للبحث بغية نفي الرؤية أو اثباتها، لأنه والحالة هذه، لا تعارض بين دلالتي الآيتين.

لأن واقع الأمر عند الطرفين لا يخلو :

إن كانت الرؤية بصرية فمستحيلة لما يلزمها من الجسمية.

وان كانت قلبية أو ادراكية أو علمية - ما شئتَ فسمِّ - فجائزة.

واذا كانت في الآيتين بصرية فهي محال عند الطرفين.

واذا كانت فيهما قلبية فهي جائزة عندهما.

اذاً ما الذي دعا الاشاعرة الى هذا التشدد في الموقف ؟ ؟

الذي يظهر لي - وبخاصة مع اصرارهم على المحافظة على الاعتقاد ببساطة الذات الالهية وتجردها - أن الذي دعاهم الى هذا هو : ان أحاديث الرؤية مروية في الصحاح.

وان رفضها وكذلك تأويلها يفتح باب الشك في صحة وسلامة الاحاديث السنية.

وهم لا يريدون هذا.

فتشددوا ليقوم تشددهم دريئة لئلا تقتحم حصون الصحاح.

قد يقال :


يمكن التأويل، وهو عند الاشاعرة جائز، فلماذا لم يتأولوا ؟ !

والجواب :

انهم لم يتأولوا لأن في الاحاديث المروية في الصحاح ما هو نص في أن الرؤية تكون عياناً، كما في حديث البخاري (كتاب التوحيد - باب قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) : عن جرير بن عبد اللّه : قال : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (انكم سترون ربكم جل ثناؤه عياناً).

فالموقف - هنا - يتطلب رفض الحديث واسقاطه من الاعتبار لمنافاته للقرآن الكريم الذي يقول : (لا تدركه الابصار).

وفي رفضه - كما قلت - فتح باب الشك في مرويات البخاري وهو أصح الصحاح عندهم.

والحسم في أمثال هذا الموقف - فيما أرى - يحتاج الى عالم جريء لا تأخذه في الحق لومة لائم، يقول بقولة الامام علي بن موسى الرضا في جوابه لأبي قرة - المتقدم - : «اذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها».

وهذا ما انتهجه الامامية (وبخاصة الاصولية منهم) في رفض غير قليل مما رواه المحمدون الثلاثة في جوامعهم الحديثية (الكافي ومن لا يحضره الفقه والتهذيب والاستبصار).

وبهذه الجرأة والاقدام الغيور للّه ولرسوله تطرح أمثال هذه الاسرائيليات المدوّنة في الصحاح التي سرّبت فكرة التجسيم اليهودي الى فكرنا العقائدي فلوثته بما يتنافى ونقاء العقيدة الاسلامية الحقة.

مضافاً اليه :

ان عدالة الراوي لا تثبت اكثر من صحة صدور الحديث ظنياً.

اما استقامة معنى الحديث، فالراوي غالباً لا يلتفت اليها، وبخاصة اذا كان ممن أغرق في الاخبارية، وأعطى الحديث مستوى يفوق القرآن، فبعد عن الالتفات بان


الحديث ليس سماعاً ورواية فقط، وإنما هو رواية ووعاية.

وما أروع ما جاء عن أمير المؤمنين (ع) يذكر أهل البيت (ع) : «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فان رواة العلم كثير ورعاته قليل».

وكما أسلفت : ان رد الفعل عند اهل السنة ضد المعتزلة كان قوياً فمال الى شيء من التطرف في الموقف.

٤ - ان ما استدل به لاثبات الرؤية الادراكية من احاديث البخاري القائلة بان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه - على تقدير صحتها - لا تفيد في اثبات الرؤية الادراكية يوم القيامة، لأنه قد تكون هذه الرؤية خاصة بهصلى‌الله‌عليه‌وآله لنبوته أو لسبب آخر، كما هو بيّن من تخصيصها به في الحديث، وتخصيص ورود الاحاديث به وحدهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٥ - ان الدليل الاول من أدلة الاشعري العقلية يقوم على اساس مقايسة وجود اللّه تعالى بموجوداته سبحانه.

وهو قياس مع الفارق لأن وجوده تعالى وجود صرف بسيط مجرد، ووجود مخلوقاته ليس كذلك.

مضافاً اليه :

انه ليس كل موجود جائز أن يريناه اللّه تعالى لأن من الموجودات ما لم تتوفر فيه شروط الرؤية كالمجرات والموجودات غير الكثيفة.

وليس هذا من باب العجز في الفاعل، وانما هو من باب النقص في القابل.

ففي الدليل شيء من المغالطة.

٦ - وينسق عليه دليله الثاني في قيامه على المغالطة، لأن رؤية الباري لنفسه ليست رؤية بصرية، والمتنازع فيه هو الرؤية البصرية.

ذلك ان رؤية اللّه تعالى لنفسه - ان صح التعبير - هي علمه بذاته، وهو علم حضوري.


والاشعري لا يقول بان رؤية المؤمن لربه من نوع العلم الحضوري، ومع هذا - لو سلمنا - هي رؤية غير بصرية، فهي غير المتنازع فيه.

الخلاصة :

إن ما انتهت اليه الادلة العقلية المفيدة لليقين في مداليلها، من إثبات الوحدانية المطلقة للّه تعالى، يأتي قرينة على أن المراد بالآية الكريمة (لا تدركه الابصار) ما تدل عليه بظاهرها وهو نفي الرؤية البصرية مطلقاً في الدنيا والآخرة وعاماً لجميع مخلوقاته المبصرة.

وفي ضوئه تفسر الآية الكريمة (الى ربها ناظرة) بما لا يتعارض والآية السابقة، كما تأولها النافون، فقالوا : إن المراد بها واحد مما يأتي :

١ - النظر البصري :

ولكن على تقدير حذف مضاف، مثل : (الى ثواب ربها).

ويبرره وان كان خلاف الأصل - إذ الأصل عدم التقدير - هو المفروغية من نفي الرؤية البصرية لمنافاتها لعقيدة الوحدانية.

٢ - النظر القلبي :

ذهب اليه السيد الطباطبائي، قال في تفسير الآية(١) : «والمراد بالنظر اليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلق بالعين الجسمانية المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقه تعالى.

بل المراد النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الايمان على ما يسوق اليه البرهان، ويدل عليه الاخبار المأثورة عن اهل العصمة (ع)، وقد اوردنا شطراً منها في ذيل تفسير قوله تعالى (رب ارني انظر اليك) - الاعراف ١٤٣ - وقوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) - النجم ١١.

__________________

(١) الميزان ١٩ / ١١٢.


فهؤلاء قلوبهم متوجهة الى ربهم لا يشغلهم عنه سبحانه شاغل من الاسباب لتقطّع الاسباب يومئذ، ولا يقفون موقفاً من مواقف اليوم، ولا يقطعون مرحلة من مراحله إلا والرحمة الالهية شاملة لهم (وهم من فزع يومئذ آمنون) - النمل ٨٩ - ولا يشهدون مشهداً من مشاهد الجنة ولا يتنعمون بشيء من نعيمها الا وهم يشاهدون ربهم به لانهم لا ينظرون الى شيء ولا يرون شيئاً الا من حيث إنه آية اللّه سبحانه، والنظر الى الآية من حيث إنها آية ورؤيتها، نظر الى ذي الآية ورؤية له».

وما ذكره الطباطبائي اسلوب عربي فصيح، ومنه قول الشاعر :

ويوم بذي قار كأن وجوههم

الى الموت من وقع السيوف نواظرُ

فان الموت لا يرى ولا ينظر اليه.

والذي عناه الشاعر بالنظر الى الموت النظر الى الضرب والطعن وفلق الهام وكر الابطال واقدامها، وكل ذلك من اسباب الموت(١) .

٣ - الانتظار :

وهو أحد المعاني الحقيقية لكلمة (نظر) التي استعملت فيها الكلمة قرآنياً.

قال في (لسان العرب) : «والنظر : الانتظار، يقال : نظرت فلاناً وانتظرته، بمعنى واحد...

ومنه قول عمرو بن كلثوم :

أبا هند فلا تعجل علينا

وأنظرنا نخبّرْكَ اليقينا(٢)

ومن موارد استعمال الكلمة بمعنى (الانتظار) في القرآن الكريم ما يأتي :

- (الا أن يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين إناه) - الاحزاب ٥٣ - أي غير منتظرين إناه.

- (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم)

_____________________

(١) انظر : ضوء الساري ٤٦ - ٤٧.

(٢) مادة : نظر.


- الحديد ١٣ - أي انتظرونا.

- (فهل ينظرون الا سنة الاولين) - فاطر ٤٣ - أي ينتظرون.

- (ما ينظرون الا صيحة واحدة) - يس ٤٩ - أي ما ينتظرون.

-(واني مرسلة اليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) - النمل ٣٥ - أي منتظرة.

وأشكل على تفسير كلمة (ناظرة) في الآية ب(منتظرة) بأن الفعل (نظر) اذا كان بمعنى البصر تعدّى بالحرف (الى)، واذا كان بمعنى الانتظار تعدّى بنفسه كما في الآيات المذكورة هنا ما عدا الآية الأخيرة فانه تعدّى فيها بالباء.

وأجيب :

١ - بان (ناظرة) اسم فاعل.

واسم الفاعل في عمله فرع على الفعل، والفرعية في العمل تسبب ضعف العامل، فيفتقر الى ما يقوّيه.

والمعمول هنا مقدم، والتقديم سبب آخر لضعف العامل.

ومن هنا عُدّي ب(الى).

٢ - بان تعديته ب(الى) مستعملة في كلام العرب، كما في قول جميل بن معمر :

واذا نظرتُ اليك من ملكٍ

والبحر دونك زدتني نعما

أي : واذا انتظرتك.

وقول حسان بن ثابت :

وجوه يوم بدر ناظراتُ

الى الرحمن يأتي بالفلاحِ

أي : منتظرات.

وقول الآخر :


وجوه بها ليل الحجاز على النوى

الى ملك ركن المغارب ناظرهْ

أي : منتظرة.

ومثله :

وشعث ينظرون الى بلالٍ

كما نظر الظماء حيا الغمامِ

أي : كما انتظر الظماء.

وكذلك :

كل الخلائق ينظرون سجاله

نظر الحجيج الى طلوع الهلال

أي : انتظار الحجيج طلوع الهلال.

ومنه :

قول عمر بن الخطاب لحذيفة بن اليمان (رضي ‌الله ‌عنهما) : «من ترى قومُكَ يؤمرون ؟

قال : قد نظر الناس الى عثمان بن عفان وشَهَرَوَه لها».

أي : انتظر الناس.

فيحمل عليه الاستعمال القرآني في الآية المذكورة.

٣ - بأن القرآن عدّى اسم الفاعل (ناظرة) بالباء في قوله تعالى (فناظرة بم يرجع المرسلون).

ومعنى هذا أن الكلمة تتعدّى بنفسها وبالحرف.

وهناك أجوبة اخرى لا فائدة في الاطالة بذكرها.

الا أن الذي ينبغي منهجياً أن نلتمس استعمالات الرؤية في القرآن الكريم، لان (ناظرة) - هنا - كما هو بيّن من سياقها تفيد معنى الرؤية لا الانتظار.

وذلك لقرينة (النضرة) التي تدل على البشر والاستبشار بما هي فيه مما سينعم به


اللّه تعالى عليها جزاء طاعتها له في الدنيا.

ولقرينة (ووجوه يومئذ باسرة) بمعنى مقطّبة ومعبّسة لانها تعتقد بانها ستلاقي جزاء عصيانها داهية تكسر الفقر وتفصم الظهر.

وقد أفاد في تتبع معنى الرؤية في القرآن الكريم السيد الطباطبائي عند تفسيره قوله تعالى (رب أرني انظر اليك).

وانتهى في بحثه الى نفي الرؤية البصرية في الدنيا والآخرة، وهو ما دلت عليه آية (لا تدركه الابصار)، واثبات الرؤية القلبية التي تتحقق للمؤمن وفي الآخرة فقط.

قال : «قوله تعالى : (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال رب أرني أنظر اليك قال : لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت اليك وأنا اول المؤمنين) - الاعراف ١٤٣ - والذي يعطيه التدبر فيها أن حديث الرؤية والنظر الذي وقع في الآية اذا عرضناه على الفهم العامي المتعارف حَمَلَهُ على رؤية العين ونظر الأبصار.

ولا نشك ولن نشك أن الرؤية والابصار يحتاج الى عمل طبيعي في جهاز الابصار يهيّئ للبصار صورة مماثلة لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه.

وبالجملة : هذا الذي نسميه الابصار الطبيعي يحتاج الى مادة جسمية في المبصر والباصر جميعاً، وهذا لا شك فيه.

والتعليم القرآني يعطي إعطاء ضرورياً أن اللّه تعالى لا يماثله شيء بوجه من الوجوه البتة، فليس بجسم ولا جسماني، ولا يحيط به مكان ولا زمان، ولا تحويه جهة، ولا توجد صورة مماثلة أو مشابهة له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتة.

وما هذا شأنه لا يتعلق به الابصار بالمعنى الذي نجده من أنفسنا البتة، ولا تنطبق عليه صورة ذهنية لا في الدنيا ولا في الآخرة ضرورة، ولا أن موسى ذاك النبي العظيم أحد الخمسة أولي العزم وسادة الانبياء (ع) ممن يليق بمقامه الرفيع وموقعه الخطير أن يجهل ذلك، ولا أن يمني نفسه بان اللّه سبحانه ان يقوي بصر الانسان على أن يراه


ويشاهده سبحانه منزهاً عن وصحة الحركة والزمان، والجهة والمكان، وألواث المادة الجسمية وأعراضها، فانه قول أشبه بغير الجد منه بالجد، فما محصل القول : ان من الجائز في قدرة اللّه أن يقوي سبباً مادياً أن يعلق عمله الطبيعي المادي - مع حفظ حقيقة السبب وهوية أثره - بأمر هو خارج عن المادة وآثارها متعال عن القدر والنهاية ؟ فهذا الابصار الذي عندنا - وهو خاصة مادية - من المستحيل أن يتعلق بما لا أثر عنده من المادة الجسمية وخواصها، فان كان موسى يسأل الرؤية فانما سأل غير هذه الرؤية البصرية، وبالملازمة ما ينفيه اللّه سبحانه في جوابه فانما ينفي غير هذه الرؤية البصرية، فأما هي فبديهية الانتفاء لم يتعلق بها سؤال وجواب.

وقد أطلق اللّه الرؤية وما يقرب منها معنى في موارد من كلامه وأثبتها : كقوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) - القيامة ٢٣ -.

وقوله : (ما كذب الفؤاد ما رأى) - النجم ١١ -.

وقوله : (من كان يرجو لقاء اللّه فان أجل اللّه لآتٍ) - العنكبوت ٥ -.

وقوله : (أوَ لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط) - حم السجدة ٥٤ -.

وقوله : (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) - الكهف ١١٠ -.

الى غير ذلك من الآيات الكثيرة المثبتة للرؤية وما في معناها قبال الآيات النافية لها كما في هذه الآية : (قال لن تراني) وقوله : (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الابصار) - الانعام ١٠٣ - وغير ذلك.

فهل المراد بالرؤية حصول العلم الضروري، سمي بها لمبالغة في الظهور ونحوها - كما قيل ؟.

لا ريب أن الآيات تثبت علماً ضرورياً لكن الشأن في تشخيص حقيقة هذا العلم الضروري، فانا لا نسمي كل علم ضروري رؤية وما في معناها من اللقاء ونحوه، كما نعلم بوجود ابراهيم الخليل والاسكندر وكسرى فيما مضى ولم نرهم.


ونعلم علماً ضرورياً بوجود لندن وشيكاغو وموسكو ولم نرها، ولا نسميه رؤية وإن بالغنا.

فأنت تقول : أَعلمُ بوجود ابراهيم (ع) والاسكندر وكسرى كأني رأيتهم.

ولا تقول : رأيتهم، أو أراهم.

وتقول : أعلم بوجود لندن وشيكاغو وموسكو، ولا تقول : رأيتها أو أراها.

وأوضح من ذلك علمنا الضروري بالبديهيات الأولية التي هي لكليتها غير مادية ولا محسوسة، مثل قولنا :

(الواحد نصف الاثنين).

و(الاربعة زوج).

و(الاضافة قائمة بطرفين).

فانها علوم ضرورية يصح اطلاق العلم عليها ولا يصح اطلاق الرؤية ألبتة.

ونظير ذلك جميع التصديقات العقلية الفكرية، وكذا المعاني الوهمية.

وبالجملة : ما نسميه بالعلوم الحصولية لا نسميها رؤية وان أطلقنا عليها العلم، فنقول : علمناها، ولا نقول : رأيناها، الا بمعنى القضاء والحكم لا بمعنى المشاهدة والوجدان.

لكن بين معلوماتنا ما لا نتوقف في اطلاق الرؤية عليه واستعمالها فيه، نقول :

(أرى أني أنا)

و(أراني اريد كذا)

و(أراني اكره كذا)

و(أراني أحب كذا)

و(أراني أبغض كذا)


و(أراني أرجو كذا)

و(أراني أتمنى كذا)

أي أجد ذاتي وأشاهدها بنفسها من غير أن احتجب عنها بحاجب، وأجد وأشاهد ارادتي الباطنة التي ليست بمحسوسة ولا فكرية، وأجد في باطن ذاتي كراهة وحباً وبغضاً ورجاء وتمنياً، وهكذا.

وهذا غير قول القائل : (رأيتك تحب كذا وتبغض كذا) وغير ذلك.

فان معنى كلامه : (أبصرتك في هيئة استدللت بها على أن فيك حباً وبغضاً)، ونحو ذلك.

وأما حكاية الانسان عن نفسه أنه يراه يريد ويكره ويحب ويبغض فانه يريد به أنه يجد هذه الامور بنفسها وواقعيتها، لا أنه يستدل عليها فيقضي بوجودها من طريق الاستدلال، بل يجدها من نفسه من غير حاجب يحجبها، ولا توسل بوسيلة تدل عليها البتة.

وتسمية هذا القسم من العلم الذي يجد فيه الانسان نفس المعلوم بواقعيته الخارجية رؤية مطردة، وهي علم الانسان بذاته وقواه الباطنة وأوصاف ذاته وأحواله الداخلية، وليس فيها مداخلة جهة أو مكان أو زمان أو حالة جسمانية أخرى غيرها.. فافهمْ ذلك وأجدِ التدبر فيه.

واللّه سبحانه فيما أثبت من الرؤية يذكر معها خصوصيات ويضم اليها ضمائم يدلنا ذلك على أن المراد بالرؤية هذا القسم من العلم الذي نسميه فيما عندنا أيضاً رؤية كما في قوله : (أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا انهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط) الآية.

حيث أثبت أولاً : أنه على كل شيء حاضراً أو مشهود لا يختص بجهة دون جهة، وبمكان دون مكان، وبشيء دون شيء، بل شهيد على كل شيء، محيط بكل شيء، فلو وجده شيء لوجده على ظاهر كل شيء وباطنه وعلى نفس وجدانه وعلى نفسه.


وعلى هذه السمة لقاؤه - لو كان هناك لقاء - لا على نحو اللقاء الحسي الذي لا يتأتى البتة الا بمواجهة جسمانية وتعيّن جهة ومكان وزمان، وبهذا يشعر ما في قوله (ما كذب الفؤاد ما رأى) من نسبة الرؤية الى الفؤاد الذي لا شبهة في كون المراد به هو النفس الانسانية الشاعرة دون اللحم الصنوبري المعلق على يسار الصدر داخلاً.

ونظير ذلك قوله تعالى : (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) - المطففين ١٥ -.

دل على أن الذي يحجبهم عنه تعالى رين المعاصي والذنوب التي اكتسبوها فحال بين قلوبهم أي انفسهم وبين ربهم فحجبهم عن تشريف المشاهدة.

ولو رأوه لرأوه بقلوبهم أي انفسهم لا بأبصارهم واحداقهم.

وقد أثبت اللّه سبحانه في موارد من كلامه قسماً آخر من الرؤية وراء رؤية الجارحة كقوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) - التكاثر ٧ -.

وقوله (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين) - الانعام ٧٥ -، وقد تقدم تفسير الآية في الجزء السابع من الكتاب (الميزان)، وبينا هناك ان الملكوت هو باطن الاشياء لا ظاهرها المحسوس.

فبهذه الوجوه يظهر أنه تعالى يثبت في كلامه قسماً من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسية.

وهي نوع شعور في الانسان، يشعر بالشيء نفسه من غير استعمال آلة حسية أو فكرية، وأن للانسان شعوراً بربه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب، ولا يجره الى الغفلة عنه الا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها، وهي مع ذلك غفلة عن أمر موجود. ومشهود لا زوال علم بالكلية ومن أصله. فليس في كلامه تعالى ما يشعر بذلك البتة، بل عبر عن هذا الجهل بالغفلة وهي زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم.


فهذا ما يبينه كلامه سبحانه، ويؤيده العقل بساطع براهينه، وكذا ما ورد من الاخبار عن أئمة اهل البيت (ع) على ما سننقلها ونبحث عنها...

والذي ينجلي من كلامه تعالى ان هذا العلم المسمى بالرؤية واللقاء يتم للصالحين من عباد اللّه يوم القيامة، كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة).

فهناك موطن التشرف بهذا التشريف، وأما في هذه الدنيا والانسان منشغل ببدنه، ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربه كادح الى ربه كدحاً ليلاقيه، فهو بعد في طريق هذا العلم لن يتم له حتى يلاقي ربه، قال تعالى (يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه) - الانشقاق ٦ -.

وفي معناه آيات كثيرة اخرى تدل على أنه تعالى اليه المرجع والمصير والمنتهى، واليه يرجعون واليه يقلبون.

فهذا هو العلم الضروري والخاص الذي أثبته اللّه تعالى لنفسه، وسماه رؤية ولقاء.

ولا يهمنا البحث عن أنها على نحو الحقيقة أو المجاز، فان القرائن - كما عرفت - قائمة على ارادة ذلك، فان كانت حقيقة كان قرائن معينة، وان كانت مجازاً كانت صارفة.

والقرآن الكريم أول كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع، فالكتب السماوية السابقة - على ما بايدينا - ساكتة عن اثبات هذا النوع من العلم باللّه.

وتخلو عنه الابحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل، فان العلم الحضوري عندهم كان منحصراً في علم الشيء بنفسه حتى كشف عنه في الاسلام.

فللقرآن المنة في تنقيح هذه المعارف الالهية»(١) .

____________________

(١) الميزان ٨ / ٢٣٦ - ٢٤١.


وما وعد به من الروايات في موضوع الرؤية نذكر منها ما يرتبط بمسألة الرؤية القلبية في الآخرة، وهما الروايتان التاليتان :

- «وفي المعاني باسناده عن هشام قال : كنت عند الصادق جعفر بن محمد (ع) إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين، فقال له معاوية بن وهب : يا ابن رسول اللّه ما تقول في الخبر المروي : أن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى ربه ؟

على أي صورة رآه ؟

وفي الخبر الذي رواه ان المؤمنين يرون ربهم في الجنة ؟

على أي صورة يرونه ؟.

فتبسم ثم قال : يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة وثمانون سنة يعيش في ملك اللّه ويأكل من نعمه ثم لا يعرف اللّه حق معرفته.

ثم قال : يا معاوية، إن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان.

وإن الرؤية على وجهين :

رؤية القلب.

ورؤية البصر.

فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب.

ومن عنى برؤية البصر فقد كذب وكفر باللّه وآياته لقول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من شبّه اللّه بخلقه فقد كفر.

ولقد حدثني أبي عن أبيه عن الحسين بن علي (ع) قال : سئل امير المؤمنين (ع) فقيل له : يا أخا رسول اللّه هل رأيت ربك ؟

فقال : لم أعبد رباً لم أره، لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن تراه القلوب بحقائق الايمان.


واذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر، فان كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق، ولا بد للمخلوق من خالق، فقد جعلته اذاً محدثاً مخلوقاً، ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع اللّه شريكاً.

ويلهم ، ألم يسمعوا لقول اللّه تعالى (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير)، وقوله لموسى : (لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً) وانما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الارض وصعقت الجبال وخر موس صعقاً أي ميتاً (فلما أفاق) ورد عليه روحه (قال سبحانك تبت اليك) من قول من زعم أنك تُرى ورجعت الى معرفتي بك : أن الابصار لا تدركك (وأنا أول المؤمنين) بأنك تَرى ولا تُرى، وانت بالمنظر الاعلى.

- وفي التوحيد باسناده عن علي (ع) في حديث : وسأل موسى وجرى على لسانه من حمد اللّه عز وجل : (رب أرني أنظر اليك) فكانت مسألته تلك أمراً عظيماً، وسأل أمراً جسيماً، فعوتب، فقال اللّه عز وجل : (لن تراني) في الدنيا حتى تموت وتراني في الآخرة، ولكن إن أردت أن تراني (فانظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) فأبدى اللّه بعض آياته وتجلى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميماً (وخر موسى صعقاً) ثم أحياه اللّه وبعثه، فقال : (سبحانك تبت اليك وأنا اول المؤمنين) يعني أول من آمن بك منهم بانه لا يراك».

وننتهي من هذا الى أن السيد الطباطبائي أفاد رأيه المذكور في الرؤية بأنها رؤية قلبية، وتتحقق للمؤمن يوم القيامة من هاتين الروايتين فقد نصت الرواية الاولى على أنها رؤية قلبية، ونصت على نفي أن تكون بصرية.

ونصت الرواية الثانية على أنها ستكون في الآخرة.

وفي هدي هذا التفسير المذكور لي اقتراح أعرضه بكل صدق وحسن نية وخلوص أمنية لتوحيد الرأي الاسلامي في المسألة، وهو :

١ - أن يطرح الاشاعرة اعتمادهم على احاديث الرؤية البصرية لانها - ومن غير


شك - من الاسرائيليات التي سَرَبَتْ على حين غفلة الى مدونات عزيزة علينا لانها من خير ما نملكه من جوامع حديثية.

٢ - أن يطرحوا افتراضهم وجود جارحة باصرة أو ما يماثلها يجوز أن يخلقها اللّه تعالى يوم القيامة للمؤمن.. لأن امكان الشيء لا يدل على وقوعه، ولانه لا دليل لديهم على الوقوع سوى بعض الاسرائيليات المرفوضة، ولان الرؤية البصرية تستلزم الجسمية والجهة والمكان والضوء، وان أصروا على رفض هذا الاستلزام، لأن الاصرار لا يغيّر من طبيعة الاشياء وذاتياتها.

٣ - أن يأخذوا بما جاء عن أئمة اهل البيت (ع) من نفي الرؤية البصرية واثبات الرؤية القلبية في الآخرة للمؤمنين من عباده خاصة، لأن أهل البيت أحد الثقلين اللذين ما ان تمسكنا بهما فلن نضل أبداً بشهادة جدهم الرسول الاعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولأن في الرؤية القلبية ما يحقق للاشاعرة المعنى الذي حاموا حول حماه ووصلوا الى ما هو قريب منه، وعبّروا عنه بالرؤية الادراكية.



النبوة

- النبي والنبوة

- عصمة الانبياء

- نبوة نبينا محمد

- اعجاز القرآن


النبوة والنبي

كلمة (نُبوّةُ) مصدر الفعل (نبأ) - المهموز من آخره -، فأصل الكلمة (نبوءة) - بالهمز - ثم خففت بقلب الهمزة واواً وادغامها بالواو الأصلية، كما يقال : مُروءة ومُروّة.

واستدل اللغويون على ذلك بتصغيرها حيث يقال فيها (نُبيئة).

ومعناها - لغة - : الإِنباء والإِخبار - بكسر همزتهما الاولى.

ومنه أخذت النبوة شرعاً إلا أنها قُيّدت بالإِخبار والإِنباء عن اللّه تعالى، وقُصرت على أن يكون المخبر أو المنبئ انساناً.

وسمي الانسان المخبر أو المبلغ عن اللّه تعالى (النبي).

وعرّفه (معجم ألفاظ القرآن الكريم) : «من يصطفيه اللّه من عباده البشر لأن يوحي اليه بالدين والشريعة فيها هداية للناس».

وعرّف النبوة : «منصب النبي وجماع مميزاته وخصائصه التي بها يصير نبياً».

وفي (مجمع البحرين) : «النبي : هو الانسان المخبر عن اللّه بغير واسطة بشر، أعم من أن يكون له شريعة كمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أو ليس له شريعة كيحيى (ع)..».

وتعريفه هذا هو تعريف المتكلمين.

و«بقيد (الانسان) يخرج الملك، وبقيد (المخبر عن اللّه) يخرج المخبر عن


غيره، وبقيد (بغير واسطة بشر) يخرج الامام والعالم فانهما مخبران عن اللّه تعالى بواسطة النبي»(١) .

والمميزات والخصائص التي يتم اصطفاء واختيار النبي على اساس منها، هي - باختصار - أن يمثل النبي في شخصيته الانسان في اسمى حالات كماله البدني والخُلقي والعقلي.

وقد اختلف المتكلمون المسلمون في حكم النبوة أو بعث الانبياء من قبل اللّه تعالى الى الناس، على قولين :

١ - الوجوب عقلاً، وهو مذهب المعتزلة.

٢ - الجواز عقلاً، وهو مذهب الاشاعرة.

وحجة المعتزلة :

ان التكاليف الشرعية ألطاف في التكاليف العقلية، بمعنى ان الانسان المكلف متى واظب على الامتثالات الشرعية كان أقرب الى التكاليف العقلية.

وبتعبير آخر :

ان التبليغ الذي يأتي به الانبياء تشريعاً من اللّه يأتي موافقاً لما يحكم به العقل، بمعنى انه لا يمتنع عند العقل.

واللطف واجب لانه هو الذي يحصّل غرض الشارع المكلف.

ومتى لم يجب لزم نقض غرض الشارع المكلف.

«بيان الملازمة :

إن المكلِّف اذا علم أن المكلَّف لا يطيع الا باللطف لا يكلفه بدونه، لأنه لو كلفه بدونه كان ناقضاً لغرضه، فيكون الشأن كمن دعا غيره الى طعام وهو يعلم أنه لا يجيبه

___________________

(١) النافع يوم الحشر ٥٨.


الا أن يستعمل معه نوعاً من التأدب، فاذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقضاً لغرضه.

فوجوب اللطف يستلزم تحصيل الغرض»(١) .

ولأن اللطف واجب يكون التكليف الشرعي واجباً أيضاً، وهو «لا يمكن معرفته الا من جهة النبي، فيكون وجود النبي واجباً لأن ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب»(٢)

ومذهب المعتزلة هذا، هو مذهب الحكماء أو الفلاسفة، واليه ذهب الاماميون أيضاً.

وخلاصته :

أن طبيعة تكوين الانسان الفرد بما تحمل من نوازع الى الخير ونوازع الى الشر.

وطبيعة التفاعل الاجتماعي بين أفراد الانسان التي تتطلب الوقوف أمام نوازع الانسان الشرية أن تتغلب فتضر بالعلاقة الاجتماعية، ان هذه وتلك تقتضيان وجود نظام مستقيم يحقق العدل في العلاقات الاجتماعية، وفي جميع السلوك الانساني.

ولأن وضع هذا النظام من قبل الانسان لا يأتي مستقيماً محققاً للعدل بسبب نقص الانسان، والنقص لا يوجد الكمال لأن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد اذن من أن يكون وضع النظام من قبل المتصف بالكمال المطلق، وهو اللّه تعالى، لطفاً منه بعباده.

ومن هنا يكون بعث الانبياء الى الناس من قبل اللّه تعالى بما يشرعه من شرائع لتنظيم سلوك الانسان فكرياً وعملياً، لطفاً.

واللطف واجب في الحكمة فتجب البعثة.

والمسألة هذه من المسائل التي تقوم على اساس من فكرة التحسين والتقبيح.

__________________

(١) كشف المراد ٢٥٤.

(٢) م. ن ٢٧٣.


ولأن المعتزلة والامامية ومن سار في خطهما يذهبون الى انهما عقليان قالوا بالوجوب العقلي.

ولأن الاشاعرة ومن تبعهم يذهبون الى أنهما شرعيان قالوا بالجواز، نفياً للوجوب العقلي الذي قال به المعتزلة، لا لأصل الوجوب.

سأل رجل الامام الصادق (ع) السؤال التالي :

من أين اثبت الانبياء والرسل ؟

فأجابه الامام (ع) الجواب التالي :

«إنّا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا، وعن جميع ما خلق.

ولما كان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشرونه، ويحاجهم ويحاجونه، ثبت أن له سفراء في خلقه، يعبّرون عنه الى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم.

فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، والمعبرون عنه عز وجل، وهم الانبياء»(١) .

«وتعرف النبوة بثلاثة أشياء :

أولها : أن لا يقرر ما يخالف العقل كالقول بان الباري تعالى اكثر من واحد.

والثاني : أن تكون دعوته للخلق الى طاعة اللّه والاحتراز عن معاصيه.

والثالث : أن يظهر منه عقيب دعواه النبوة معجزة مقرونة بالتحدي مطابقة لدعواه.

والمعجز ، فعل خارق للعادة يعجز عن أمثاله البشر.

والتحدي : هو أن يقول لأمته : ان لم تقبلوا قولي فافعلوا مثل هذا الفعل»(٢) .

_____________________

(١) التربية الدينية ٣١ ط ٥.

(٢) قواعد العقائد للطوسي ٤٥٥.


عصمة الانبياء

اتفق الجميع على لزوم عصمة الانبياء في أداء الرسالة وتبليغها.

واختلفوا فيما عدا ذلك، والاقوال هي :

١ - العصمة في التبليغ واداء الرسالة فقط.

٢ - العصمة عن صدور المعصية مطلقاً كبيرة كانت أو صغيرة، عمداً كان صدورها أو سهواً، وفي جميع السلوك تبليغاً وغيره. وهو قول الامامية.

٣ - العصمة عن صدور المعصية الكبيرة، عمداً كان صدورها أو سهواً.

ذلك أن صدور الصغيرة - في رأيهم - لا يخل بالعصمة. وهو قول المعتزلة.

٤ - العصمة عن صدور المعصية كبيرة وصغيرة عمداً. أي أن صدور المعصية سهواً لا ينافي العصمة. وهو قول الاشاعرة.

وكما اختلفوا في مدى شمول مفهوم العصمة سعة وضيقاً - كما رأينا - اختلفوا في أمدها على قولين، هما :

١ - العصمة مدة التبليغ وأداء الرسالة فقط، وهو قول أهل السنة.

جاء في (الفرق بين الفرق)(١) : «وقالوا (يعني أهل السنة) بعصمة الانبياء عن الذنوب، وتأولوا ما روي عنهم من زلاتهم على انها كانت قبل النبوة».

٢ - العصمة من الولادة حتى آخر العمر. وهو قول الامامية. قال العلامة الحلي(٢) : «انه (يعني النبي) معصوم من أول عمره الى آخره، لعدم انقياد القلوب الى طاعة من عهد منه في سالف عمره انواع المعاصي : الكبائر والصغائر وما تنفر النفس منه».

__________________

(١) ص ٣٤٣.

(٢) الباب الحادي عشر ٦٣.


وفي بيان حقيقة العصمة يقول الشيخ المفيد(١) : «العصمة : لطف يفعله اللّه تعالى بالمكلف بحيث يمنع من وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما».

ويقول النصير الطوسي : «العصمة : هي أن يكون العبد قادراً على المعاصي غير مريد لها مطلقاً.

وعدم ارادته أو وجود صارفه يكون من اللّه تعالى لطفاً في حقه، فهو لا يعصي اللّه، لا لعجزه، بل لعدم إرادته، أو لكون صارفه غالباً على ارادته.

فوقوع المعصية منه ممكن بالنظر الى قدرته، وممتنع بالنظر الى عدم ارادته، أو لكون صارفه غالباً على إرادته»(٢) .

ويقول العضد الايجي : «وهي (يعني العصمة) عندنا (يعني الاشاعرة) : أن لا يخلق اللّه فيهم (يعني الانبياء) ذنباً.

وعند الحكماء : ملكة تمنع عن الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي، ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي بالاوامر والنواهي»(٣) .

واستدل لثبوت عصمة بأدلة، منها :

١ - ان النبوة عهد اللّه تعالى، وهو يقول : (لا ينال عهدي الظالمين)، والمعصية ظلم.

٢ - «لو لم يكن الانبياء معصومين لانتفت فائدة البعثة.

واللازم (وهو انتفاء فائدة البعثة) باطل.

فالملزوم ( وهو عدم عصمة الانبياء) مثله، أي باطل أيضاً.

بيان الملازمة :

____________________

(١) النكت الاعتقادية ٤٠٧ - ٤٠٨.

(٢) تلخيص المحصل، رسالة العصمة ٥٢٥.

(٣) المواقف ٣٦٦.


انه اذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم لجواز الكذب حينئذٍ عليهم.

واذا لم يحصل الوثوق لم يحصل الانقياد لأمرهم، ونهيهم، فتنتفي فائدة بعثهم، وهو محال»، لان بعثهم فعل اللّه تعالى وهو الحكيم العادل.

٣ - إننا ملزمون باتباع الانبياء لدلالة الاجماع والنقل على وجوب اتباعهم.

فلو كانوا غير معصومين - حسب الفرض - لكان الأمر حينئذ باتباعهم من المحال لانه قبيح.

فيكون صدور الذنب عنهم محالاً، وهو المطلوب(١) .

وبتقرير آخر : «انه لو جاز أن يفعل النبي المعصية أو يخطأ وينسى، وصدر منه شيء من هذا القبيل.

فاما أن يجب اتباعه في فعله الصادر عنه عصياناً أو خطأ.

أو لا يجب.

فان وجب اتباعه فقد جوّزنا فعل المعاصي برخصة من اللّه تعالى، بل أوجبنا ذلك.

وهذا باطل بضرورة الدين والعقل.

وان لم يجب اتباعه فذلك ينافي النبوة التي لا بد أن تقترن بوجوب الطاعة أبداً.

على أن كل شيء يقع منه من فعل أو قول فنحن نحتمل فيه المعصية أو الخطأ فلا يجب اتباعه في شيء من الاشياء فتذهب فائدة البعثة، بل يصبح النبي كسائر الناس ليس لكلامهم ولا لعملهم تلك القيمة العالية التي يعتمد عليها دائماً.

كما لا تبقى طاعة حتمية لاوامره ولا ثقة مطلقة بأقواله وأفعاله»(٢) .

______________________

(١) النافع يوم الحشر ٦٣.

(٢) عقائد الامامية ٨١.


«وما ورد في الكتاب العزيز والاخبار مما يوهم صدور الذنب عنهم فمحمول على ترك الأولى جمعاً بين ما دلّ العقل عليه وبين صحة النقل.

مع أن جميع ذلك قد ذكر له وجوه ومحامل في مواضعه.

وعليك في ذلك بمطالعة كتاب (تنزيه الانبياء) الذي رتبه السيد المرتضى علم الهدى الموسوي (ره) وغيره من الكتب»(١) مثل كتاب (المواقف في علم الكلام) لعضد الدين القاضي الايجي - المقصد الخامس من المرصد الاول من الموقف السادس.

نبوة نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله

بعد الكلام عن النبوة والانبياء بعامة يتكلم علماء الكلام في نبوة نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بخاصة.

فيقولون :

إن النبي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ادّعى النبوة، وظهرت على يديه المعجزات المثبتة لنبوته.

وكل من ادّعى النبوة، وأثبتت المعجزة صحة نبوته فهو نبي حقاً.

وفي هذا الاستدلال ثلاثة امور تتطلب البرهنة عليها، لينهض الاستدلال بالحجية، وهي :

١ - ادعاؤه النبوة.

٢ - ظهور المعجزة على يديه.

٣ - ظهور المعجزة يثبت صحة النبوة.

أما الامر الاول فثابت بالبداهة لاجماع الناس على ذلك وعدم نكرانه من أحد.

والأمر الثاني ثابت بالنقل المتواتر المفيد لليقين.

وفي الامر الثالث قالوا : لو لم تكن المعجزة مثبتة للنبوة، وما كان محمد صادقاً

__________________

(١) النافع يوم الحشر ٦٣ - ٦٤.


بادعائه النبوة، للزم منه اغراء المكلفين من قبل اللّه تعالى باتباع الكاذب، وذلك قبيح لا يفعله ربنا الحكيم العادل.

وأهم معجزاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله : القرآن الكريم.

إعجاز القرآن

انزل اللّه تعالى اكثر من آية قرآنية للاعلان والاعلام بأن القرآن الكريم هو المعجزة الدالة على صحة ادعاء محمد للنبوة، وهو الحجة المثبتة لصحة نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبطلبه من الانس والجن عامة والعرب خاصة مجاراتهم له كان تحديه لهم المقارن لدعواه النبوة.

- قال تعالى : (قل لئن اجتمعت الجن والانس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) - الاسراء ٨٨ -.

- وقال تعالى : (أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللّه ان كنتم صادقين فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا أن ما انزل بعلم اللّه وألا إله إلا هو فهل انتم مسلمون) - هود ١٣ - ١٤ -.

- وقال تعالى : (وان كنتم في ريب مما أنزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللّه ان كنتم صادقين فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين) - البقرة ٢٣ - ٢٤ -.

وتتمثل مادة الاعجاز في بلاغة القرآن واسلوبه، في بيانه ونظمه.

ذلك أن لكل اسلوب أدبي خصائصه الفنية التي يفترق ويمتاز بها عما سواه من الاساليب الادبية الاخرى.

وتتمثل كيفية اعجازه بأن من يسمعه أو يقرأه من بلغاء العرب وادبائهم ومتذوقي الوان الفن الادبي العربي يدرك أن اسلوب القرآن الكريم يمتاز بخصائص ترتفع به عن مستوى ما يمكن أن يأتي به أبلغ البلغاء من البشر.


أي أن من يسمعه أو يقرأه «يحكم بانه ليس من كلام البشر، وبذلك يكون دليلاً على أن تاليه عليهم - وهو بشر مثلهم - نبي من عند اللّه مرسل».

«فمن هذا الوجه طولب العرب بالاقرار والتسليم، ومن هذا الوجه تحيرت العرب فيما تسمع من كلام يتلوه عليهم رجل منهم تجده من جنس كلامها لانه نزل بلسانهم - لسان عربي مبين - ثم تجده مبايناً لكلامها».

فهم يتبينون «في نظمه وبيانه انفكاكه من نظم البشر وبيانهم من وجهٍ يحسم القضاء بانه كلام رب العالمين».

ويُستخلص من هذا أمور :

«الاول : ان قليل القرآن وكثيره في شأن الاعجاز سواء.

الثاني : ان الاعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه ونظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم وبيان في لغة العرب، ثم في سائر لغات البشر، ثم في بيان الثقلين جميعاً : إنسهم وجنهم متظاهرين.

الثالث : ان الذين تحداهم بهذا القرآن قد أوتوا القدرة على الفصل بين الذي هو من كلام البشر والذي هو ليس من كلامهم.

الرابع : ان الذين تحداهم به كانوا يدركون أن ما طولبوا به من الاتيان بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، هو هذا الضرب من البيان الذي يجدون في انفسهم أنه - خارج من جنس بيان البشر.

الخامس : ان هذا التحدي لم يقصد به الاتيان بمثله مطابقاً لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه، من كل معنى أو غرض، مما يعتلج في نفوس البشر.

السادس : ان هذا التحدي للثقلين جميعاً انسهم وجنهم متظاهرين، تحدٍّ ومستمر قائم الى يوم الدين.

السابع : ان ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع، ومن عجائب آيات اللّه في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي الى الاعجاز، وان كل ما


فيه من ذلك كله يعد دليلاً على أنه من عند اللّه تعالى، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وانه بهذه المباينة كلام رب العالمين لا كلام البشر مثلهم»(١) .

ولأن القرآن الكريم المعجزة الخالدة بخلود رسالة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمستمرة مع استمرارها، كما هو واضح من الآية الاولى المذكورة في اعلاه، قد يطرح السؤال التالي :

بم يتمثل اعجاز القرآن الكريم الآن، وقد ذهب العرب الفصحاء الذين استقبلوه ايام تنزيله وادركوا بذوقهم الفطري انه كلام اللّه تعالى لسموه في مستوى بيانه ونظمه فوق مستوى كلامهم ؟

وممن أثار هذا التساؤل مالك بن نبي، قال في كتابه (الظاهرة القرآنية) : «ان لكل شعب هواية يصرف اليها مواهبه الخلاقة طبقاً لعبقريته ومزاجه.

فالفراعنة - مثلاً - كان لهم اهتمام بفنون العمارة والرياضيات، يدلنا عليه ما بقي بين أيدينا من آثارهم العظيمة، تلك الآثار التي أثارت اهتمام رجال العلم، مثل الأب (مورو) الذي خصص أحد كتبه لدراسة تصميم الهرم الاكبر، وما يتضمن من نظريات هندسية غريبة وخصائص رياضية وميكانيكية عجيبة.

كما كان اليونان مغرمين بصور الجمال على ما أبدعه فن (فيدياس)، وبآيات المنطق والحكمة على ما جادت به عبقرية (سقراط).

أما العرب في الجاهلية فقد كانت هوايتهم في لغتهم، فلم يقتصروا على استخدامها في ضرورات الحياة اليومية، شأن الشعوب الأخرى. وانما كان العربي يفتن في استخدام لغته، فينحت منها صوراً بيانية لا تقل جمالاً عما كان ينحته فيدياس في المرمر، وما كانت ترسمه ريشة (ليوناردو فانسي) في لوحاته المعلقة في متاحف العالم الكبرى.

فالشعر العربي - كما قال اخي الاستاذ محمود شاكر في مقدمة هذا الكتاب (يعني

__________________

(١) الظاهرة القرآنية : المقدمة للشيخ شاكر ٢٤ - ٢٥.


الظاهرة القرآنية) - : (كان حين انزل اللّه القرآن على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله نوراً يضيء ظلمات الجاهلية، ويعكف أهله على بيانه عكوف الوثني للصنم، ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لاوثانهم قط، فقد كانوا عبدة البيان قبل ان يكونوا عبدة الاوثان، وقد سمعنا من استخف منهم باوثانهم، ولم نسمع قط منهم من استخف ببيانهم).

هذه صورة الظروف النفسية التي نزل فيها القرآن فكان لاعجازه أن ينفذ الى الأرواح - بصفة عامة في زمن النزول - على هذه السبيل، أي بما ركب في الفطرة العربية من ذوق وبيان.

ثم تغيرت هذه الظروف مع تطورات التاريخ الاسلامي، وفاض طوفان العلوم في أواخر عهد بني أمية والعهد العباسي، فصار ادراك جانب الاعجاز في القرآن بالمعنى الذي حددناه - لغة وإصطلاحاً - من طريق التذوق العلمي، اكثر من أن يكون من طريق الذوق الفطري»(١) .

«وهنا تواجهنا مشكلة الاعجاز في صورتها الجديدة بالنسبة لهذا المسلم - أعني بالنسبة لأغلبية المثقفين ثقافة اجنبية، بل وربما بالنسبة لذوي الثقافة التقليدية في ظروفهم الثقافية والنفسية الخاصة، فلا بد إذن من اعادة النظر في القضية في نطاق الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم، مع الضرورات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح.

وعلى رغم ما يبدو في القضية من تعقد، بسبب موقفنا التقليدي إزاءها فاني أعتقد أن مفتاحها موجود في قوله تعالى : (قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى اليّ)، فاذا اعتبرنا هذه الآية على أنها حجة يقدمها القرآن للنبي كي يستخدمها في جداله المشركين فلا بد أن نتأمل محتواها المنطقي من ناحيتين :

فهي تحمل أولاً اشارة خفية الى أن تكرار الشيء في ظروف معينة يدل على صحته، أي أن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته ك(ظاهرة) بالمعنى الذي يسبغه

__________________

(١) الظاهرة القرآنية ٦٢ - ٦٤.


التحديد العلمي على هذه الكلمة. فالظاهرة : هي (الحدث الذي يتكرر في نفس الظروف مع نفس النتائج).

وهي تحمل في مدلولها ثانياً ربطاً واضحاً بين الرسل والرسالات خلال العصور، وان الدعوة المحمدية يجري عليها أمام العقل ما يجري على هذه الرسالات.

ومن هذا نستخلص أمرين :

١ - انه يصح أن ندرس الرسالة المحمدية في ضوء ما سبقها من الرسالات.

٢ - كما يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء رسالة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على قاعدة أن (حكم العام ينطبق على الخاص قياساً، وحكم الخاص ينطبق على العام استنباطاً).

ولا مانع اذن من أن نعيد النظر في معنى (الاعجاز) في ضوء منطق الآية الكريمة.

وحاصل هذا : اننا اذا اعتبرنا الاشياء في حدود الحدث المتكرر أي في حدود الظاهرة، فالاعجاز هو :

١ - بالنسبة الى شخص الرسول : الحجة التي يقدمها لخصومه ليعجزهم بها.

٢ - وهو بالنسبة الى الدين : وسيلة من وسائل تبليغه.

وهذان المعنيان للاعجاز يضيفان على مفهومه صفات معينة :

أولاً : ان الاعجاز - ك(حجة) - لا بد أن يكون في مستوى ادراك الجميع، والا فاتت فائدته، اذ لا قيمة منطقية لحجة تكون فوق ادراك الخصم، فهو ينكرها عن حسن نية أحياناً.

ثانياً : ومن حيث كونه وسيلة لتبليغ دين : أن يكون فوق طاقة الجميع.

ثالثاً : ومن حيث الزمن : أن يكون تأثيره بقدر ما في تبليغ الدين من حاجة اليه.

وهذه الصفة الثالثة تحدد نوع صلته بالدين الصلة التي تختلف من دين الى آخر باختلاف ضرورات التبليغ.


فهذا هو المقياس العام الذي نراه ينطبق على معنى الاعجاز في كل الظروف المحتملة بالنسبة الى الاديان المنزلة.

فاذا قسنا به في نطاق رسالة موسى (ع) - مثلاً - نرى أن اللّه اختار لهذا الرسول معجزتي اليد والعصا.

واذا تأملناهما وجدناهما ك(حجة) يدعم اللّه بها نبيه يتصفان بانهما :

١ - ليستا من مستوى العلم الفرعوني الذي كان من اختصاص اشخاص معدودين يكوّنون هيئة الكهنوت، بل كانت المعجزة في كلتا صورتيها من مستوى السحر الذي يقع أثره في ادراك الجميع عن طريق المعاينة الحسية دون اجهاد فكر.

٢ - هاتان المعجزتان تتصلان بتاريخ الدين الموسوي لا بجوهره، إذ ليس لليد أو العصا صلة بمعاني هذا الدين ولا بتشريعه، فهما على هذا مجرد توابع للدين، لا من صفاته الملازمة له.

٣ - ودلالة هاتين المعجزتين على صحة الدين محدودة بزمن معين إذ لا نتصور مفعول اليد والعصا كحجة الا في الجيل الذي شاهدهما أو الجيل الذي بلغته تلك الشهادة بالتواتر من التابعين وتابعي التابعين، أي أن مفعوله لا يكون الا في زمن محدد لحكمة ارادها اللّه.

ولو فكرنا في هذه الحكمة لوجدناها انها تتفق مع حقائق نفسية وحقائق تاريخية سجلها الواقع فعلاً، هي :

أولاً : ان القوم الذين يدينون اليوم بدين موسى - أي اليهود - يفقدون - لاسباب نفسية لا سبيل لشرحها هنا - نزعة التبليغ بحيث لا يشعرون بضرورة تبليغ دينهم الى غيرهم من الامم - أي الاميين كما يقولون - حتى اننا اذا استخدمنا لغة الاجتماع قلنا : ان الاعجاز قد ألغاه في هذا الدين عدم الحاجة اليه.

ثانياً : ان مشيئة اللّه قد قدرت أن يأتي عيسى رسولاً من بعد موسى، واتي الدين الجديد لينسخ الدين السابق، فينسخ طبعاً جانب الاعجاز فيه حيث تزول الحجة بزوال


ضرورتها التاريخية.

ثم اتى عيسى بالدين الجديد وبما يتطلب هذا الدين من وسائل لتبليغه، أي بما يتطلب من حجة فاتى باعجازه الخاص بالمعنى المحدد لغة واصطلاحاً كما سبق، فكان لعيسى إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى باذن اللّه.

ولسنا بحاجة ان نكرر بالنسبة الى الدين الجديد ما قدمنا من اعتبارات عامة بالنسبة الى خصائص الاعجاز في الدين السابق حيث ان القضية تتعلق هنا وهناك بالتركيب النفسي الذي عليه الانسان من حيث هو انسان يدرك الأشياء بعقله مع ما في عقله من عجز عن ادراك حقيقة الدين مباشرة ان لم يكن هناك حجة خاصة تسند تلك الحقيقة لدى عقله في صورة اعجاز.

فالاسباب تتكرر وانما يتغير شكلها نظراً لما حدث من تطور في الظروف النفسية والاجتماعية حول الدين الجديد في البيئة التي ينشر فيها عيسى دعوته، تلك البيئة التي تشع عليها الثقافة اليونانية والرومانية.

ولكن دلالة ما أوتي عيسى من إعجاز ستزول أيضاً مع زوال موضوعها ولنفس الأسباب التي ألغت جانب الاعجاز في دين موسى حيث يأتي بعد عيسى رسول جديد ودين جديد يلغيان الدين السابق دين عيسى (ع) فيلغي ضرورة التدليل على صحة الانجيل.

وهكذا تأتي رسالة الرسول الأمين، ولكنها تتسم بصفة خاصة عما سبقها من الرسالات اذ أنها الحلقة الأخيرة في سلسلة البعث.

ويأتي محمد (خاتم الأنبياء) كما ينوه بذلك القرآن، ويشهد به مرور الزمن منذ اربعة عشر قرناً.

وما كانت هذه الميزة التاريخية في الدين الجديد، دون أن يكون أثرها في كل خصائصه وفي نوع إعجازه على وجه الخصوص حيث إن حاجة التبليغ ستبقى مستمرة فيه، سواء من الناحية النفسية لأن كل مسلم - بعكس اليهودي - يحمل في نفسه (مركب التبليغ)، أم من الناحية التاريخية، لأن الدين الجديد - الاسلام - سيكون دين آخر


الزمن، أي الدين الذي لا يعقبه دين سماوي آخر، بل ولا يأتي دين بعده بصور مطلقة، كما تشهد بذلك القرون، حتى ان حاجة الاسلام الى وسائل تبليغه ستبقى ملازمة له من جيل الى جيل، ومن جنس الى جنس، لا يلغيها شيء في التاريخ، وهذا يعني ان هذه الوسائل يجب ألا تكون مثل الاديان الأخرى، مجرد توابع يتركها الدين في الطريق عبر التاريخ بعد مرحلة التبليغ مثل اليد عند موسى او عصاه التي لم يبق لها أثر حتى في متاحف العالم، كما بقيت عصا (توت عنخ آمنون) الذهبية.

وعليه يجب أن يكون إعجاز القرآن صفة ملازمة له عبر العصور والاجيال، وهي صفة يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري كعمر (رض) أو الوليد بن المغيرة، أو يدركها بالتذوق العلمي كما فعل الجاحظ في منهجه الذي رسمه لمن جاء بعده.

ولكن المسلم اليوم قد فقد فطرة العربي الجاهلي وامكانيات عالم اللغة في العصر العباسي.

وبرغم هذا فان القرآن لم يفقد بذلك جانب الاعجاز لأنه ليس من توابعه، بل هو من جوهره.

وانما اصبح المسلم مضطراً الى أن يتناوله في صورة اخرى بوسائل اخرى، فهو يتناول الآية من حيث تركيبها النفسي الموضوعي اكثر مما يتناولها من ناحية العبارة، فيطبق في دراسة مضمونها طرق التحليل الباطن.

واذا كانت هذه الضرورة ملحة بالنسبة للمسلم الذي حاول تعقيد عقيدته على اساس ادراك شخصي لقيمة القرآن ككتاب منزل فانها أكثر إلحاحاً بالنسبة لغير المسلم الذي يتناول القرآن كموضوع دراسة أو مطالعة.

فهذه في مجملها الاسباب التي دعتنا الى تطبيق التحليل النفسي بخاصة لدراسة القرآن كظاهرة»(١) .

ولكن الشيخ محمود شاكر يذهب الى ان الاعجاز القرآني لا يزال كما كان مرتبطاً

______________________

(١) الظاهرة القرآنية ٦٦ - ٧١.


بالاسلوب البياني والنظم البلاغي، وسيبقى هكذا، لأن المقارنة بين الاسلوب القرآني واساليب العرب في انتاجهم الأدبي ممكنة وجارية حتى الآن، وذلك لبقاء الشعر الجاهلي الذي يمثل قمة النضج للاسلوب الادبي العربي قائماً عندنا ومدوناً وفي متناول المراجعة.

قال : «فاذا صح أن الاعجاز كائن في رصف القرآن ونظمه وبيانه بلسان عربي مبين وأن خصائصه مباينة للمعهود من خصائص كل نظم وبيان تطيقه قوى البشر في بيانهم، لم يكن لتحديهم به معنى الا أن تجتمع لهم وللغتهم صفات بعينها :

أولها : ان اللغة التي نزل بها القرآن معجزاً، قادرة بطبيعتها هي، أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين :

كلام هو الغاية في البيان فيما تطيقه القوى.

وكلام يقطع هذه القوى ببيان ظاهر المباينة له من كل الوجوه.

ثانيها : أن أهلها قادرون على ادراك هذا الحجاز الفاصل بين الكلامين.

وهذا ادراك دال على أنهم قد أوتوا من لطف تذوق البيان، ومن العلم باسراره ووجوهه قدراً وافراً يصح معه أن يتحداهم بهذا القرآن، وأن يطالبهم بالشهادة عند سماعه أن تاليه عليهم نبي من عند اللّه مرسل.

ثالثها : ان البيان كان في أنفسهم أجلّ من أن يخونوا الأمانة فيه، أو يجوزوا عن الانصاف في الحكم عليه.

فقد قرّعهم وعيّرهم وسفّه احلامهم وأديانهم، حتى استخرج أقصى الضراوة في عداوتهم له.

وظل مع ذلك يتحداهم، فنهتهم أمانتهم على البيان عن معارضته ومناقضته.

وكان أبلغ ما قالوه : «وقد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا».. ولكنهم كفوا ألسنتهم فلم يقولوا شيئاً.

هذه واحدة.


واخرى : انه لم ينصب لهم حكماً، بل خلّى بينهم وبين الحكم على ما يأتون به معارضين له ثقة بانصافهم في الحكم على البيان، فهذه التخلية مرتبة من الانصاف لا تدانيها مرتبة.

رابعها : ان الذين اقتدروا على مثل هذه اللغة، وأتوا هذا القدر من تذوق البيان، ومن العلم باسراره، ومن الامانة عليه، ومن ترك الجور في الحكم عليه، يوجب العقل أن يكونوا كانوا قد بلغوا في الاعراب عن انفسهم بألسنتهم المبينة عنهم مبلغاً لا يدانى.

وهذه الصفات تفضي بنا الى التماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شيء، فالنظر المجرد أيضاً يوجب أمرين في نعت ما خلفوه :

الاول : أن يكون ما بقي من كلامهم شاهداً على بلوغ لغتهم غاية من التمام والكمال والاستواء حتى لا تعجزها الابانة عن شيء مما يعتلج في صدر كل مبين منهم.

الثاني : أن تجتمع فيه ضروب مختلفة من البيان، لا يجزئ أن تكون دالة على سعة لغتهم وتمامها، بل على سجاحتها أيضاً، حتى تلين لكل بيان تطيقه ألسنة البشر على اختلاف ألسنتهم.

فهل بقي من كلامهم شيء يستحق أن يكون شاهداً على هذا، ودليلاً.

نعم، بقي (الشعر الجاهلي).

واذن. ! اذن ينبغي أن نعيد تصور المشكلة وتصور المشكلة وتصويرها، فان النظر المجرد والمنطق المتساوق والتمحيص المتتابع، كل ذلك قد أفضى بنا الى تجريد معنى (اعجاز القرآن) مما شابه وعلق به، حتى خلص لنا أنه من قبل النظم والبيان.

ثم ساقنا الاستدلال الى تحديد صفة القوم الذين تحداهم، وصفة لغتهم، ثم خرج بنا الى طلب نعت كلامهم، ثم التمسنا الشاهد والدليل على الذي أدانا اليه النظر، فاذا هو (الشعر الجاهلي).

واذن، فالشعر الجاهلي هو اساس مشكلة (اعجاز القرآن) كما ينبغي أن يواجهها


العقل الحديث.

وليس اساس هذه المشكلة هو تفسير القرآن على المنهج القديم، كما ظن اخي مالك، وكما يذهب اليه اكثر من بحث أمر إعجاز القرآن على وجه من الوجوه.

ولكن الشعر الجاهلي قد صب عليه بلاء كثير، آخرها وأبلغها فساداً وإفساداً ذلك المنهج الذي ابتدعه (مركَليوث) لينسف الثقة به، فيزعم أنه شعر مشكوك في روايته وانه موضوع بعد الاسلام.

وهذا المكر الخفي الذي مكره مركليوث وشيعته وكهنته، والذي ارتكبوا له من السفسطة والغش والكذب ما ارتكبوا كما شهد بذلك رجل من جنسه هو (آربري)، كان يطوي تحت ادلته ومناهجه وحججه إدراكاً لمنزلة الشعر الجاهلي في شأن اعجاز القرآن لا إدراكاً صحيحاً مستبيناً، بل إدراكاً خفياً مبهماً، تخالطه ضغينة مستكينة للعرب والاسلام.

وهذا المستشرق وشيعته وكهنته كانوا أهون شأناً من أن يحوزوا كبيراً بمنهجهم الذي سلكوه، وادلتهم التي احتطبوها لما في تشكيكهم من الزيف والخداع، ولكنهم بلغوا ما بلغوا من استفاضة مكرهم وتغلغله في جامعاتنا، وفي العقل الحديث في العالم الاسلامي، بوسائل أعانت على نفاذهم، ليست من العلم ولا من النظر الصحيح في شيء.

وقد استطاع رجاله من أهل العلم أن يسلكوا الى إثبات صحة الشعر الجاهلي مناهج لا شك في صدقها وسلامتها بلا غش في الاستدلال وبلا خداع في التطبيق وبلا مراء في الذي يسلم به صريح العقل وصريح النقل، الا انهم لم يملكوا بعدُ من الوسائل ما يتيح لهم أن يبلغوا بحقهم ما بلغ اولئك بباطلهم.

وقد ابتليت أنا بمحنة الشعر الجاهلي عندما ذر قرن الفتنة أيام كنت طالباً في الجامعة، ودارت بي الايام حتى انتهيت الى ضرب آخر من الاستدلال على صحة الشعر الجاهلي لا عن طريق روايته وحسب، بل من طريق أخرى هي ألصق بامر اعجاز القرآن.

فاني محصت ما محصت من الشعر الجاهلي حتى وجدته يحمل هو نفسه في نفسه أدلة


صحته وثبوته، إذ تبينت فيه قدرة خارقة على البيان.

وتكشف لي عن روائع كثيرة لا تحد، واذا هو عَلَم فريد منصوب لا في آداب العربية وحدها، بل في آداب الأمم قبل الاسلام وبعد الاسلام.

وهذا الانفراد المطلق، ولا سيما انفراده بخصائصه عن كل شعر بعده من شعر العرب انفسهم، هو وحده دليل كاف على صحته وثبوته.

ولقد شغلني اعجاز القرآن كما شغل العقل الحديث، ولكن شغلني أيضاً هذا الشعر الجاهلي وشغلني اصحابه فأديّ بي طول الاختبار والامتحان والدراسة الى هذا المذهب الذي ذهبت اليه، حتى صار عندي دليلاً كافياً على صحته وثبوته.

فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم رأيتهم في هذا الشعر أحياء يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق، وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون.

كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس وبحة المستكين وزفرة الواجد وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني كأني لم أفقدهم طرفة عين ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم ولم تغب عني مذاهبهم في الارض ولا مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حياً في هذه الارض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم (جزيرة العرب).

وهذا الذي أفضيت اليه من صفة الشعر الجاهلي - كما عرفته - أمر ممكن لمن اتخذ لهذه المعرفة اسبابها بلا خلط ولا لبس ولا تهاو ولا ملل.

وهذه المعرفة هي أول الطريق الى دراسة شعر أهل الجاهلية من الوجه الذي يتيح


لنا أن نستخلص منه دلالته على أنه شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الاسلام.

فاذا صح ذلك - وهو عندي صحيح لا أشك فيه - وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة ملتمسين فيه هذه القدرة البيانة التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم، ومستنبطين من ضروب البيان المختلفة التي أطاقتها قوى لغتهم وألسنتهم.

فاذا تم لنا ذلك فمن الممكن القريب يومئذ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم بيانه خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر»(١) .

وذهب السيد الطباطبائي الى أن القرآن الكريم بصفته معجزة خالدة هو معجز في المعنى كما هو معجز في المبنى، قال في تفسير الآية : (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) :

وفي الآية تحد ظاهر، وهي ظاهرة في أن التحدي بجميع ما للقرآن من صفات الكمال الراجعة الى لفظه ومعناه لا بفصاحته وبلاغته وحدها، فان انضمام غير أهل اللسان اليهم لا ينفع في معارضة البلاغة شيئاً، وقد اعتنت الآية باجتماع الثقلين واعانة بعضهم لبعض.

على أن الآية ظاهرة في دوام التحدي، وقد انقرضت العرب العرباء أعلام الفصاحة والبلاغة اليوم فلا أثر منهم، والقرآن باق على اعجازه متحدٍّ بنفسه كما كان»(٢) .

وخلاصة ما انتهى اليه مالك بن نبي في دراسته هي :

١ - ان النبوة ظاهرة دينية مستمرة تتكرر بانتظام منذ أول نبي بعث الى البشر حتى خاتمهم نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

واستمرار ظاهرة تتكرر بنفس الكيفية يعتبر شاهداً علمياً يمكن استخدامه لتقرير

____________________

(١) الظاهرة القرآنية - المقدمة ٢٦ - ٣٢.

(٢) الميزان ١٣ / ٢٠١.


مبدأ وجودها بشرط التثبت من صحة هذا الوجود بالوقائع المتفقة مع العقل ومع طبيعة المبدأ.

٢ - وكما أن النبوة ظاهرة دينية إلهية تميزت بخصائصها التي بها تعرف وتنازعها سواها من النبوات عير الالهية.

كذلك الوحي الالهي المدون في الصحف والكتب - هو الآخر - يشكل ظاهرة دينية إلهية اخرى منذ صحف ابراهيم (ع) حتى قرآن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد عبّر عنها ب(الظاهرة القرآنية).

فالصحف والكتب المنزلة من اللّه تعالى على انبيائه ورسله لانها ظاهرة، لها خصائصها الخاصة بها، ومعالمها التي تعرف بها وتمتاز بها عما سواها من الكتب غير الالهية والأخرى المحرّفة.

٣ - ان المقارنة بين القرآن بغية معرفة أنه حلقة خاتمة في سلسلة ظاهرة الوحي الالهي المدوّن (الظاهرة القرآنية) أو (ظاهرة الكتاب السماوي)، ينبغي أن تعتمد دراسة كتاب النبي الاسرائيلي (أرمياء)، وذلك لأن البروفسور مونتيه montet قد توصل في دراسته للوثائق الدينية في كتابه الموسوم ب(تاريخ الكتاب المقدس) الى تجريد الكتاب المقدس من كل صفات الصحة التاريخية فيما عدا كتاب (ارمياء).

كما أن مجمع أساقفة نيقية قد ألغى كثيراً من أخبار الانجيل مما زرع الشك حول ما تبقى منه.

أما القرآن الكريم فقد امتاز بميزة فريدة هي أنه تنقل منذ نزوله حتى الآن دون أن يتعرض لادنى تحريف أو ريب.

وهذا ما يعطيه الصلاحية لئن يعتمد عليه في المقارنة كوثيقة تاريخية مطلقة الصحة.

وقد انهت المقارنة مالك بن نبي الى النتيجة التي هدف اليها من أن القرآن الكريم

٢٨٥

استمرار لظاهرة الوحي الالهي المدون، كما أن نبوة نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله استمرار لظاهرة النبوة والبعث الالهي للانبياء والرسل(١) .

______________________

(١) يقرأ : كتاب الظاهرة القرآنية.




الامامة

- الامامة

- العصمة



الامامة

الامامة : - لغة - مصدر على زنة (فِعالة) المضاعف، يقال : أَمَّ القوم وبالقوم يؤُمهم أَمَّاً وإماماً وإمامة، مثل : كتب يكتب كَتْباً وكِتاباً وكتابة.

واسم الفاعل من الفعل (أم يؤم) : (آم)، (أصله آمم) ثم ادغم مثلاه.

ولكن غلب استعمال المصدر فيه فقيل : إمام - بصيغة المذكر - للمذكر والمؤنث، ويجمع على (أيمة) بالياء، و(أئمة) بالهمزة.

ومعناه - معجمياً - : القدوة، أو من يقتدى به في قوله أو فعله، سواء كان محقاً أو مبطلاً.

واستعمل في القرآن الكريم في الامام المحق كما في قوله تعالى : (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) - الانبياء ٧٣ -، وفي الامام المبطل كما في قوله تعالى (فقاتلوا ائمة الكفر) - التوبة ١٢ -

وكلامياً :

عرّف النصير الطوسي الامامة بقوله : «الامامة : رياسة عامة دينية مشتملة على ترغيب عموم الناس في حفظ مصالحهم الدينية والدنياوية وزجرهم عما يضرهم بحسبها»(١) .

____________________

(١) قواعد العقائد ٤٥٧.


وعرفها العلامة الحلي بقوله : «الامامة : رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الاشخاص نيابة عن النبي - ص -»(١) .

وعرفها العضد الايجي بقوله : «هي خلافة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في إقامة الدين بحيث يجب اتباعه (يعني الامام) على كافة الامة»(٢) .

«وعرفها الماوردي بما نصه : الامامة : موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»(٣) .

وبالقاء شيء من الضوء على هذه التعاريف المذكورة وأمثالها يتبين لنا أن الشيعة يؤكدون على أن الامامة تشمل في وظيفتها السلطتين : الروحية والزمنية.

وبتعبير قانوني مدني : السلطتين : الدينية والمدنية (السياسة)، وذلك لأن السنة - كما سنرى - قصروا وظيفة الامامة في الشؤون السياسية.

وفي هذا الضوء يأتي تعريف الايجي - وهو من أعلام متكلمة السنة - غير موائم لما ذهبوا اليه.

واختلف في الامامة : هل هي من أصول الدين أو من فروعه ؟.

ذهب الى الاول اصحابنا الامامية، قال استاذنا الشيخ المظفر : «نعتقد أن الامامة أصل من أصول الدين»(٤) .

وذهب الى الثاني أهل السنة، قال العضد الايجي : «المرصد الرابع في الامامة ومباحثها : عندنا من الفروع، وإنما ذكرناها في علم الكلام تأسياً بمن قبلنا»(٥) .

__________________

(١) الباب الحادي عشر ٤٦.

(٢) المواقف ٣٩٥.

(٣) الاسلام والخلافة ١٩ نقلاً عن : الاحكام السلطانية ٣.

(٤) عقائد الامامية ٩٣.

(٥) المواقف ٣٩٥.


وقال الآمدي : «واعلم أن الكلام في الامامة ليس من أصول الديانات»(١) .

وكما اختلف في أن الامامة أصل أو فرع، اختلف أيضاً في وجوبها ونفيه.

بمعنى : هل يلزم نصب امام للمسلمين أو لا يلزم ؟ ؟.

فذهب بعض الخوارج الى انها غير واجبة..

وذهب الباقون من الفرق الاسلامية الى وجوبها.

واختلف القائلون بوجوبها في دليله (أعني دليل وجوب نصب الامام) على قولين

١ - ذهب اهل السنة :

الى أن نصب الامام واجب سمعاً لا عقلاً، أي أن دليل الوجوب هو النقل لا العقل.

٢ - ذهب المعتزلة والشيعة :

الى أن نصب الامام واجب عقلاً، أي أن دليل الوجوب دليل عقلي.

ثم اختلف القائلون بالوجوب العقلي في من يجب عليه نصب الامام على قولين :

١ - ذهب المعتزلة الى انه واجب على العقلاء (اي الناس)، ومثلهم في هذا أهل السنة.

٢ - ذهب الامامية والاسماعيلية الى انه واجب على اللّه.

واختلف القائلون بوجوبه على اللّه في الغاية والغرض من الوجوب على قولين هما :

١ - ذهب الامامية : انه لحفظ قوانين الشرع.

٢ - ذهب الاسماعيلية ليكون معرفاً للّه تعالى.

ويمكننا أن نلخص هذه الاقوال بالتالي :

__________________

(١) غاية المرام ٣٦٣.


الامامة او

نصب الامام

غير واجب واجب

على الناس على اللّه

ونخلص من هذه أيضاً الى أن في المسألة قولين رئيسين هما :

١ - ان نصب الامام يتم عن طريق اختيار الناس له. وهو قول المعتزلة والسنة والاباضية.

٢ - ان نصب الامام يتم عن طريق تعيينه بالنص عليه من قبل اللّه تعالى، وهو قول الشيعة.

بيان دليل أهل السنة :

قال العضد الايجي : «وأما وجوبه علينا سمعاً فلوجهين :

الاول : أنه تواتر اجماع المسلمين في الصدر الاول بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال ابو بكر (رضي) في خطبته : (ألا إن محمداً قد مات، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به) فبادر الكل الى قبوله، وتركوا له أهم الاشياء، وهو دفن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر الى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر.

فان قيل : لا بد للاجماع من مستند، ولو كان، لَنُقِلَ، لتوفر الدواعي.


قلنا : استغني عن نقله بالاجماع، أو كان من قبيل ما لا يمكن نقله من قرائن الاحوال التي لا يمكن معرفتها الا بالمشاهدة والعيان لمن كان في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الثاني : أن فيه دفع ضرر مظنون وأنه واجب إجماعاً.

بيانه : أنا نعلم علماً يقارب الضرورة أن مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات والجهاد والحدود والمقاصات واظهار شعار الشرع في الاعياد والجمعات، انما هو مصالح عائدة الى الخلق معاشاً ومعاداً، وذلك لا يتم الا بامام يكون من قبل الشارع يرجعون اليه فيما يعن لهم، فانهم - مع اختلاف الاهواء وتشتت الآراء، وما بينهم من الشحناء - قلما ينقاد بعضهم لبعض، فيفضي ذلك الى التنازع والتواثب، وربما أدّى الى هلاكهم جميعاً، ويشهد له التجربة، والفتنن القائمة عند موت الولاة الى نصب آخر، بحيث لو تمادى لعطلت المعايش، وصار كل أحد مشغولاً بحفظ ماله ونفسه تحت قائم سيفه، وذلك يؤدي الى رفع الدين وهلاك جميع المسلمين.

فان قيل : وفيه اضرار، وأنه منفي بقولهعليه‌السلام : (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).

وبيانه من ثلاثة أوجه :

الاول : تولية الانسان على من هو مثله ليحكم عليه فيما يهتدي اليه وفيما لا يهتدي إضرار به لا محالة.

الثاني : قد يستنكف عنه بعضهم كما جرت به العادة، فيفضي الى الفتنة.

الثالث : أنه لا يجب عصمته - كما سيأتي - فيتصور منه الكفر والفسوق، فان لم يعزل أضر بالامة بكفره وفسقه، وان عزل أدى الى الفتنة.

قلنا : الاضرار اللازم من تركه أكثر بكثير، ودفع الضرر الاعظم عند التعارض واجب»(١) .

__________________

(١) المواقف ٣٩٥ - ٣٩٦.


بيان دليل الشيعة :

قال الفاضل المقداد : ان الامامة لطف، وكل لطف واجب على اللّه، فالامامة واجبة على اللّه تعالى.

أما الكبرى فقد تقدم بيانها.

وأما الصغرى فهو أن اللطف - كما عرفت - ما يقرب العبد الى الطاعة ويبعده عن المعصية، وهذا المعنى حاصل في الامامة.

وبيان ذلك : أن من عرف عوايد الدهماء وجرب قواعد السياسة، علم ضرورةً أن الناس اذا كان لهم رئيس مطاع مرشد فيما بينهم يردع الظالم عن ظلمه والباغي عن بغيه وينتصف للمظلوم من ظالمه، ومع ذلك يحملهم على القواعد العقلية والوظائف الدينية ويردعهم عن المفاسد الموجبة لاختلال النظام في امور معاشهم وعن القبائح الموجبة للوبال في معادهم بحيث يخاف كل مؤاخذته على ذلك، كانوا مع ذلك الى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد، ولا نعني باللطف الا ذلك، فتكون الامامة لطفاً وهو المطلوب.

واعلم : أن كل ما دل على وجوب النبوة فهو دال على وجوب الامامة، اذ الامامة خلافة عن النبوة، قائمة مقامها الا في تلقي الوحي الالهي بلا واسطة، وكما أن تلك واجبة على اللّه تعالى في الحكمة، فكذا هذه»(١) .

ويرجع هذا الاختلاف بين المذهبين الشيعي والسني الى مدى سعة وضيق جهة الالتقاء بين النبوة والامامة.

ذلك أن الشيعة يرون أن الامامة في وظيفتها هي امتداد للنبوة، فكما كانت وظيفة النبي تتمثل في ممارسته للسلطتين الدينية والسياسية، وان السلطة السياسية هي من الدين وليست اجتهاداً من النبي لأن النبي - في رأيهم - غير ممكن أن يرجع الى اجتهاد، لأن الاجتهاد عرضة للخطأ، ولأن نتائجه ظنية، والنبي معصوم، والمعصوم لا يخطأ.

مضافاً اليه : أن احكامه التي يقوم بتطبيقها بصفته رئيساً للدولة، أي سياسياً،

__________________

(١) النافع يوم الحشر ٦٧ - ٦٨.


هي أحكام واقعية، بمعنى انها علم يقيني لا مجال للظن فيها، لانها نابعة من انكشاف واقع القضية لديه موضوعاً وحكماً لا من استخدامه وسيلة الاجتهاد التي قد تصيب وقد تخطئ، وذلك لاتصالهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالوحي، وعدم صدور أي سلوك منه لا يلتقي مع ما يوحي به اليه، فهو في الواقع لا يحتاج الى الاجتهاد، لان الاجتهاد طريق موصل الى الحكم لدى من ليس له طريق آخر مأمون العثار والخطأ ومضمون الاصابة والوصول الى الحكم بواقعه وهو طريق الوحي.

كذلك وظيفة الامامة تتمثل في ممارسة الامام للسلطتين الدينية والسياسية.

بينما ذهب أهل السنة الى أن الامامة وظيفة سياسية تعتمد على اجتهاد الامام، كما كان الرسول - كما يرون - يعتمد في سياسته بصفته رئيساً للدولة على اجتهاده، ذلك انهم «فرقوا بين احكام الدين واحكام السياسة، ومالوا الى اعتبار الرسول مجتهداً في الشؤون السياسة وكل ما يتصل بسلطته الزمنية، يقول ابن القيم : السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب الى الصلاح وأبعد عن الفساد، وان لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي، ومن قال لا سياسة الا بما نطق به الشرع فقد غَلَطَ وغَلّطَ الصحابة»(١) .

فالسنة - كما هو واضح مما تقدم - يفصلون بين احكام الدين واحكام السياسة كالذي هو معروف حالياً في الفكر القانوني المعاصر، والذي يوسم ب(نظرية الفصل بين الدين والدولة).

ونخلص من هذا الى أن الشيعة انما قالوا بان وجوب نصب الامام بالنص أو التعيين من اللّه، لأن الامام عندهم امتداد لوظيفة النبوة روحياً وسياسياً، فكما أن النبي يعين من قبل اللّه تعالى كذلك الامام.

أما السنة فلأنهم فصلوا بين السلطتين الروحية والزمنية واعتبروا الامام قائماً بوظيفة النبي الزمنية أو السياسية، وهي تعتمد الاجتهاد، قالوا يتم نصبه عن طريق اختيار الناس له.

____________________

(١) الزيدية ٣٠ ونص ابن القيم منقول عن الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص ٧.


وحاول الدكتور احمد محمد صبحي في كتابه (الزيدية) أن يدافع عن أهل السنة ويدفع عنهم القول بالفصل بين الدين والدولة بقوله : «على أنه من الخطأ تصور موقف أهل السنة فصلاً بين السياسة والدين، وانما هو مجرد تفرقة بين شرعٍ مصدره الكتاب والسنة وسياسةٍ قائمة على الاجتهاد الذي هو بدوره مصدر من مصادر التشريع في الاسلام، ولم يُعرف الفصل التام بين السياسة والدين الا بعد سقوط الخلافة العثمانية، وبتأثير من الفكر السياسي الاوربي»(١) .

والمستغرب من الدكتور صبحي أنه لم يفرق بين المصدر والوسيلة، فاعتد الاجتهاد - وهو وسيلة ينتهجها المجتهد لاستنباط واستخراج الحكم الشرعي من مصدره وهما الكتاب والسنة - مصدراً من مصادر التشريع.

وظني أنه التبس الأمر عليه بين القياس وامثاله من مصادر اخرى غير الكتاب والسنة، وبين الاجتهاد، ولم يدرك أن الاجتهاد طريقة يستخدمها المجتهد لأخذ الحكم من هذه المصادر.

فالقياس والاجماع والاستحسان وأمثالها أمور قائمة في واقها كالكتاب والسنة، والفارق ان من لم يكن مجتهداً لا يقوى على استفادة الحكم منها، وبعكسه من كان مجتهداً فانه يستطيع اذا استعمل اجتهاده أن يستفيد الحكم منها.

وبالاضافة الى ما تقدم استدل كل من الشيعة والسنة بالقرآن الكريم على رأيه في وجوب نصب الامام بالتعيين الالهي أو الاختيار من قبل الناس.

دليل السنة :

استدل أهل السنة بقوله تعالى : (وأمرهم شورى بينهم) - الشورى ٣٨ -.

والشورى - لغة - اسم من المشاورة، يقال : شورى ومشاورة وتشاور ومَشُوْرَةَ - بضم الشين وسكون الواو - ومَشْوَرَة - بسكون الشين وفتح الواو -.

وتعني المفاوضة في الكلام بمراجعة البعض الى البعض لاستخراج الرأي.

____________________

(١) ص ٣٠.


وهي من قولهم (شرت العسل) اذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه.

وتطلق أيضاً على الأمر الذي يتشاور فيه، يقال : (صار هذا الشيء شورى بين القوم) اذا تشاوروا فيه.

وذكر في سبب نزول الآية الكريمة أن الانصار كانوا قبل قدوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله المدينة المنورة اذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم اللّه تعالى به.

وتقرير الاستدلال بها :

أن الآية الكريمة مطلقة لأن مورد النزول هنا ليس بقرينة مقيدة.

والاطلاق يقتضي حملها على كل أمر يطلب فيه التشاور ما عدا الاحكام والحدود الشرعية لانها خارجة بالتخصص لدليل العقل القاضي بان عدم خروجها من هذا الاطلاق يستلزم إلغاء تشريعها.

ولأن الخلافة لم يرد فيها نص شرعي يبين كيفيتها وشروطها ومواصفاتها تندرج تحت ما يطلب فيه المشورة أو الشورى.

والذي يلاحظ على هذا الاستدلال :

١ - ان الآية ليست في مقام التشريع، وانما هي في مقام بيان أهمية وقيمة التشاور في الامور العامة التي تتطلب ذلك.

وهذا يقتضينا عدم الأخذ بها اذا كان في القرآن الكريم ما يفاد منه تشريع الخلافة كما في الآية الآتية التي استدل بها الشيعة على ذلك.

٢ - ان الآية لم تبين من الذين يقتضي أن يقوموا بمهمة التشاور، وعليه لا بد من الاحتياط المبرئ لذمة المكلف من مسؤولية التكليف والخروج من عهدتها بجمع كل الاطراف المعنية وادخالها في عملية التفاوض والتشاور.

وهذا ما لم يتحقق تاريخياً منذ اختيار اول خليفة حتى عهدنا الحاضر، والامر من الوضوح بمكان لا يفتقر معه الى إقامة دليل.


دليل الشيعة :

واستدل الشيعة بقوله تعالى : (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) - البقرة ١٢٤ -.

وتقرير الاستدلال بالآية الكريمة :

١ - أن الآية صريحة في ان الامامة لا تكون لأحد الا بجعل من اللّه تعالى، أي بتعيين منه.

٢ - ان الامامة عهد اللّه، أي مسؤولية إلهية مهمة فلا تناط الا بمن لديه أهلية القيام بها، وهي أن يكون غير ظالم لنفسه أو لغيره، وهذا لا يتحقق الا اذا كان الامام معصوماً، لأن العصمة ملكة ثابتة ودائمة، وبعكسها العدالة فانها قابلة للحدوث والتجدد، ففي حالة زوالها تزول معها الامامة، لأن المشروط عدم عند عدم شرطه.

وجاء في بعض تفسيرات الآية : أن المراد بالامامة هنا النبوة، ورده السيد الطباطبائي بقوله: قوله تعالى : (اني جاعلك للناس إماماً) أي مقتدى يقتدي بك الناس، ويتبعونك في أقوالك وأفعالك.

فالامام هو الذي يقتدي ويأتم به الناس، ولذلك ذكر عدة من المفسرين أن المراد به النبوة، لأن النبي تقتدي به أمته في دينهم، قال تعالى : (وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن اللّه) - النساء ٦٣ -، لكنه في غاية السقوط.

أما أولاً ، فلأن قوله : (إماماً) مفعول ثانٍ لعامله الذي هو قوله : (جاعلك) واسم الفاعل لا يعمل اذا كان بمعنى الماضي، وانما يعمل اذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، فقوله : (اني جاعلك للناس إماماً) وعدله -عليه‌السلام - بالامامة في ما سيأتي، مع أنه وحي لا يكون الا مع نبوة، فقد كان (ع) نبياً قبل تقلده الامامة، فليست الامامة في الآية بمعنى النبوة (ذكره بعض المفسرين).

وأما ثانياً : فلأنا بيّنا في صدر الكلام : أن قصة الامامة انما كانت في أواخر عهد ابراهيم (ع) بعد مجيء البشارة له باسحق واسماعيل، وانما جاءت الملائكة بالبشارة في


مسيرهم الى قوم لوط وإهلاكهم، وقد كان ابراهيم حينئذٍ نبياً مرسلاً، فقد كان نبياً قبل أن يكون إماماً، فامامته غير نبوته»(١) .

وفي حديث الامام الصادق (ع) : «وقد كان ابراهيم نبياً وليس بامام حتى قال اللّه : (اني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) من عَبَدَ صنماً أو وثناً لا يكون إماماً»(٢) . وذلك تطبيقاً منهعليه‌السلام للآية الكريمة : (ان الشرك لظلم عظيم) - لقمان ١٣ -.

ولان ابا بكر الصديق (رض) كان قبل اسلامه مشركاً لا يكون - كما يرون - مؤهلاً للامامة الالهية.

ومن هنا كان النص من اللّه تعالى على الامام علي (ع) لانه لم يسبق منه شرك أو ظلم لنفسه بالشرك أو بغيره.

وما دمنا وصلنا الى هذا لا بأس بصرف عنان البحث الى ذكر أدلة كل من الطرفين على الامام الخاص بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أدلة السنة على إمامة ابي بكر :

١ - النص الجلي :

استدل السنة الذين يرون أن النبي نص على أبي بكر نصاً جلياً بالحديث المشهور وهو :

(ان امرأة أتت الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لتسأله أمراً من الامور فأجابها وطلب منها أن ترجع اليه متى أرادت، فقالت : أرأيتَ أن جئتُ فلم أجدك ؟ قال : ان لم تجديني فاتي ابا بكر).

وبالحديث الآخر :

_____________________

(١) الميزان ١ / ٢٧٠ - ٢٧١.

(٢) مجمع البحرين ١ / ٤٠٦.


(اقتدوا باللذين من بعدي : ابي بكر وعمر).

وبحديث ابي هريرة :

(قال : سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء اللّه، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، واللّه يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً، فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن).

٢ - النص الخفي :

واستدل أهل السنة الذين يذهبون الى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص الخفي بالواقعة المشهورة، وهي :

«ان الرسول في اثناء مرضه أمر أن يؤم ابو بكر المسلمين في الصلاة، والصلاة هي الامامة الصغرى.

فأولى به ان يكون هو صاحب الامامة الكبرى إمامة المسلمين دنيا وديناً».

ويؤخذ عليهما :

أن الاستدلال بالنص يتنافى وما ذهب اليه جمهورهم من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يستخلف، ولم ينص على أحد بالخلافة.

وعليه :

لا ريب في أنها اختلقت ليعارض بها النصوص الواردة في استخلاف علي والنص عليه من قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالامامة.

٣ - الشورى :

وهو رأي جمهور أهل السنة الذين يذهبون الى أن رسول اللّه ترك أمر الامامة لاجتهاد المسلمين.

«ورأى المسلمون أن أبا بكر هو ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأول من آمن من


الرجال، ثم رجل الصحبة الطويلة: وأخيراً عهد اليه الرسول بالصلاة الامامة الصغرى، فقاسوا الأمر بأن تكون له الامامة الكبرى»(١) .

كانت هذه مبررات اختياره للامامة ومبايعته بها.

هذا ما يذكره متأخرو علماء السنة، وبتعبير أدق : المعاصرون منهم.

ولكن التاريخ الكلامي أو العقائدي لقضية الامامة أو الخلافة، يقول في الحادثة وتبريرها غير هذا.

فقد جاء في كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني - وهو من أعلام السنة - ما نصه : «اختلف المهاجرون والانصار فيها (يعني الامامة) فقالت الانصار : منا امير ومنكم أمير، واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الانصاري، فاستدركه ابو بكر وعمر – رضي ‌الله ‌عنهما - في الحال بان حضرا سقيفة بني ساعدة، وقال عمر : كنت أزوّر(٢) في نفسي كلاماً في الطريق، فلما وصلنا الى السقيفة أردت أن أتكلم فقال ابو بكر : مه(٣) يا عمر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الانصار بالكلام مددت يدي اليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة، ألا إن بيعة ابي بكر كانت فلتة(٤) ، وقى اللّه المسلمين شرها، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فانهما تَغِرَّة(٥) يجب أن يقتلا.

وانما سكنت الانصار عن دعواهم لرواية ابي بكر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الأئمة من قريش).

وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة.

__________________

(١) نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام ٢ / ٢٦.

(٢) أزور : أحسّن، انمقّ.

(٣) مه : اكفف.

(٤) فلتة : دون تدبر وتمهل.

(٥) تغرة : يقال : غرر بنفسه تغريراً وتغرة اذا عرّضها للهلاك.


ثم لما عاد الى المسجد انثال(١) الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم، وابي سفيان من بني أمية، وأمير المؤمنين علي بن ابي طالب -رضي‌الله‌عنه - كان مشغولاً بما أمره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة»(٢) .

وكما هو واضح من النص هذا : أن الشورى لم تتحقق تاريخياً فلم يكن في السقيفة اجتماع شامل أو على الأقل واف لمن له حق المشورة وابداء الرأي ممن يعرفون باهل الحل والعقد.

ولم يدر بين من حضروا مشاورة ومفاوضة ومداولة في ترشيح من يستحقها من المسلمين.

وانما كانت مبادرة وكسب موقف من الشيخين (رض) لئلا تكون الامامة في الانصار.

ومع كل هذا وغيره استطاع مبدأ الشورى - بصفته النظرية لا التطبيقية لانه لم ير النور تطبيقياً - ان يهيمن على الجو الفكري والعقائدي مدة خلافة الخلفاء الثلاثة.

وبدأت قوة سيطرته وتأثيرها من قولة عمر : «ان بيعة ابي بكر كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرها فمن عاد الى مثلها فاقتلوه، فايما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فانهما تغرة يجب أن يقتلا».. حتى لم يستطع بنو هاشم - وهم رهط رسول اللّه - اثارة الاحتجاج بالنص.

واستمرت تغذية هذا المبدأ سياسياً خلال هذه المدة لئلا يكون من علي وآل علي شيء يعترضه أو يعارضه، الى أن تسلم الامام علي زمام الحكم بعد مقتل عثمان، فبرز الاحتجاج منه بالنص.

ولعل أول ما كان منه هذا عندما جمع الناس في (الرحبة) فقال : (انشد اللّه كل

__________________

(١) انثال الناس : تدافعوا اليه وتكاثروا حوله.

(٢) ١ / ٢٤ وانظر أيضاً : مقالات الاسلاميين للاشعري ص ٢.


امرئ مسلم سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول يوم غدير خم ما قال إلا قام فشهد بما سمع، ولا يقم الا من رآه يعينيه وسمعه باذنيه) فقام ثلاثون صحابياً فيهم اثنا عشر بدرياً فشهدوا، أنه أخذه بيده فقال للناس : أتعلمون اني اولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قالوا : نعم، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»(١) .

والى جانبه أثار (ع) فكرة التوضيح لما ينبغي أن يكون عليه مبدأ الشورى، وذلك في كتابه الى معاوية - الآتي نصه -.

وأراد بهذا إلزام معاوية بما ألزم المسلمون به أنفسهم آنذاك، وبخاصة أن الامام (ع) ضمّن كتابه ما جاء في خطاب عمر (رض) من أن الخارج عما انتهى اليه أمر الخلافة يقتل.

قال (ع) : «أما بعد فان بيعتي بالمدينة لزمتك وانت بالشام، لانه بايعني القوم الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وانما الشورى للمهاجرين والانصار فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماماً كان ذلك رضا، فان خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه الى ما خرج منه، فأن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه اللّه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيراً».

ثم يختم الامام كتابه هذا بقوله : «واعلم بانك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى»(٢) .

وكأن الامام (ع) يشير بهذا الى شرط الامامة الاساسي الذي جاء في قوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين).

أدلة الشيعة على إمامة علي :

__________________

(١) انظر : المراجعات ١٩٤ - ١٩٥ -.

(٢) الادب السياسي ص ٧٥ نقلاً عن وقعة صفين ص ٢٩.


استدل الشيعة على امامة علي بعدة نصوص منها :

١ - حديث الغدير :

وقد دوّن هذا الحديث في غير كتاب من الكتب المعتبرة، وروي بغير طريق من الطرق المختلفة صحاحاً وحساناً وسواها.

ونص على تواتره غير واحد من الأعلام، من أحدثهم السيد الطباطبائي قال : «وأما حديث الغدير - أعني قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (من كنت مولاه فعلي مولاه) - فهو حديث متواتر منقول من طرق الشيعة وأهل السنة بما يزيد على مئة طريق»(١) .

ونصه كما أخرجه الامام احمد بن حنبل من حديث البراء بن عازب (في ص ٢٨١ من الجزء الرابع من مسنده) من طريقين : قال : كنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله تحت شجرتين، فصلى الظهر، وأخذ بيد علي، فقال : ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟

قالوا : بلى.

قال : من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من ولاه، وعادِ من عاداه.

قال : فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له : هنيئاً يابن ابي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة»(٢) .

وتقرير الاستدلال به :

يقول الشيخ ابو علي الطبرسي : «فأما وجه الاستدلال بخبر الغدير ففيه طريقان :

أحدهما : أن نقول : إن النبي قرّر أمته في ذلك المقام على فرض طاعته فقال : (ألستُ أولى بكم من انفسكم) فلما أجابوه بالاعتراف وقالوا : (بلى)، رفع بيد امير

__________________

(١) الميزان ٤ / ٥٩ ولزيادة المعرفة في مستوى السند ودلالة المتن يرجع الى الجزء الاول من كتاب (الغدير) للشيخ الاميني.

(٢) المراجعات ١٩٠.


المؤمنين علي (ع) وقال عاطفاً على ما تقدم : (من كنت مولاه فهذا مولاه) - وفي روايات أخر (فعلي مولاه) - (اللهم وال من والاه وعادِ من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله)، فأتى عليه الصلاة والسلام بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الاولى التي قدّمها، وهو أن لفظة (مولى) تحتمل معنى (أولى) وان كانت تحتمل غيره، فيجب ان يكون أراد بها المعنى المتقدم على مقتضى استعمال اهل اللغة.

واذا كانت هذه اللفظة تفيد معنى الامامة بدلالة أنهم يقولون : (السلطان أولى باقامة الحدود من الرعية) و(المولى أولى بعبده) و(ولد الميّت أولى بميراثه من غيره) وقوله سبحانه : ( النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم) لا خلاف بين المفسرين أن المراد : أنه أولى بتدبير المؤمنين والأمر والنهي فيهم من كل أحد منهم.

واذا كان النبي أولى بالخلق من أنفسهم من حيث كان مفترض الطاعة عليهم وأحق بتدبيرهم وأمرهم ونهيهم وتصرفهم بلا خلاف، وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين (ع) فيكون أولى بالمؤمنين من حيث ان طاعته مفترضة عليهم وأمره ونهيه مما يجب نفوذه فيهم، وفرض الطاعة يتحقق بالتدبير من هذا الوجه لا يكون الا للنبي أو الامام، فاذا لم يكن (ع) نبياً وجب أن يكون إماماً.

وأما الطريقة الاخرى في الاستدلال بهذا الخبر فهي : أن لا نبني الكلام على المقدمة، ونستدل بقوله : (من كنت مولاه) من غير اعتبار ما قبله، فنقول :

معلوم أن النبي أوجب لأمير المؤمنين أمراً كان واجباً له لا محالة، فيجب أن يعتبر ما تحتمله لفظة (مولى) من الأقسام وما يصح كون النبي مختصاً به منها وما لا يصح وما يجوز أن يوجبه لغيره في تلك الحالة، وما لا يجوز.

وجميع ما تحتمله لفظة (مولى) ينقسم الى أقسام :

منها لم لم يكنه عليه الصلاة والسلام، وهو (المعتق) و(الحليف) لأنه لم يكن حليفاً لأحد، والحليف : الذي يحالف قبيلة وينسب اليها، ليتعزز بها.

ومنها ما كانعليه‌السلام - ومعلوم لكل أحد - أنه لم يرده، وهو :


(الجار) و(الصهر) و(ابن العم).

ومنها ما كان، ومعلوم بالدليل أنه لم يرده، وهو : (ولاية الدين) والنصرة فيه والمحبة.

ومما يدل على أنه لم يرد ذلك أن كل عاقل يعلم من دينه وجوب موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً، وبذلك نطق القرآن، وكيف يجوز أن يجمع ذلك الجمع العظيم في مثل تلك الحال ويخطب على المنبر المعمول من الرحال ليعلّم الناس من دينه ما يعلمونه ضرورة.

ومنها ما كان حاملاً له، ويجب أن يريده وهو (الأولى بتدبير الأُمة وأمرهم ونهيهم)، لأنّا اذا أبطلنا جميع الاقسام، وعلمنا أنه يستحيل أن يخلو كلامه من معنى أو فائدة، ولم يبق الا هذا القسم فيجب أن يريده.

وقد بينا أن كل من كان بهذه الصفة فهو الامام المفترض الطاعة، وأما استيفاء الكلام فيه ففي الكتب الكبار»(١) .

ان عقد الولاية العامة التي تعني الامامة لعلي (ع) من قبل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان امتثالاً منهصلى‌الله‌عليه‌وآله لوحي نزل عليه في (غدير خم) وهو قوله تعالى : (يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس ان اللّه لا يهدي القوم الكافرين) - المائدة ٦٧ -.

ففي (اسباب النزول) روى ابو الحسن الواحدي بسنده عن ابي سعيد الخدري : «قال : نزلت هذه الآية (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) يوم غدير خم في علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه »(٢) .

والآية صريحة في أمر اللّه رسوله الكريم بتبليغ وحي انزل اليه من ربه.

كما انها ظاهرة بأن هذا كان بعد تمام تبليغه الرسالة الالهية التي أعلن عن اكمالها

__________________

(١) إعلام الورى ١٦٩ - ١٧٠.

(٢) ص ١٥٠.


وتمامها يوم عرفة قبل وصولهصلى‌الله‌عليه‌وآله الى غدير خم بقوله تعالى : (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً) - المائدة - ٣ -.

وظاهرة أيضاً في أن ذلك الأمر حكم جزئي، وذلك لأن الرسالة لانها تبليغ لعموم الناس حتى قيام الساعة تحتوي الاحكام الكلية، ومن تلكم الاحكام الكلية حكم الامامة الذي أفدناه من آية (اني جاعلك للناس إماماً)، فيكون الامر الجزئي هنا هو تطبيق حكم الامامة على الشخص المؤهل لها.

ويؤيد هذا ويؤكده قوله تعالى : (واللّه يعصمك من الناس)، لأن الناس - وهم العامة هنا - قد لا يتورعون من توجيه الاتهام الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمحاباة لابن عمه، وربما حاول من له طمع في الخلافة إفساد الأمر على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاعطاه تعالى هذا الضمان بحفظه مما قد يلاقيه من الناس حين قيامه بمهمة عقد الولاية لعلي ونصبه اماماً للمسلمين.

«ففي تفسير العياشي عن ابي صالح عن ابن عباس وجابر بن عبد اللّه : قالا : أمر اللّه تعالى نبيه محمداً أن ينصب علياً علماً في الناس ليخبرهم بولايته فتخوف رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه، قالا : فاوحى اللّه اليه هذه الآية (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس) فقام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بولايته يوم غدير خم)(١) .

يقول الدكتور النشار بعد حديثه عن حديث الدار : «ثم هناك الحديث الهام حديث الغدير والذي اتخذه الشيعة سنداً لأحقية علي الكاملة في خلافة المسلمين بعد رسول اللّه.

فقد خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من مكة بعد حجة الوداع، وفي الطريق نزل عليه الوحي (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته) - آية ٦٧ سورة ٥ -، وكان النبي عند غدير خم، فأمر بالدرجات وجمع الناس في يوم قائظ شديد

_____________________

(١) الميزان ٤ / ٥٣.


القيظ ودعا علياً الى يمينه، وخطب فقال : لقد دعيت الى ربي واني مغادركم من هذه الدنيا واني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي»، ثم أخذ بيد علي ورفعها وقال «يا ايها الناس ألستُ أولى منكم بانفسكم ؟ قالوا : بلى، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار»، فقال عمر : «بخ بخ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة»، ثم عاد الرسول الى خيمته ونصب لعلي اخرى بجانبها، وأمر المسلمين أن يبايعوه بالامامة، وسلموا له بإمرة المؤمنين جميعاً رجالاًونساء(١) .

هذا هو حديث غدير خم الذي اعتقده الشيعة سنداً صريحاً لهم في القول بامامة علي، وقد اعترف اهل السنة جزئياً بصحة هذا الحديث وأولوه بان المقصود من (الولاية) هنا الولاية الروحية، بل إننا نرى الحسن البصري - إمام التابعين - يعلن أن علياً رباني هذه الأمة.

أما السلف من الحنابلة المتقدمين فقد أوّلوا الموالاة بعدم الكراهية، وانكر السلف المتأخرون الحديث إنكاراً تاماً.

ومن العجب أن السلف الذين يكرهون التأويل وينكرونه، يؤلون هنا»(٢) .

ومن الواضح أن هذا التأويل كان بتأثير عوامل سياسية، لان الاعتراف بان ظاهر الحديث يدل على الامامة الالهية لازمه إلزام من لا يعتقد بمؤداه بالمخالفة الشرعية.

يقول ابو القاسم البجلي المعتزلي : «لو نازع علي عقيب وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنه مالك الأمر وصاحب الخلافة، اذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، واذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من اغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لانه قد ثبت عنه في الاخبار الصحيحة أنه

____________________

(١) نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام ٢ / ٢٧ - ٢٨ نقلاً عن منهاج السنة لابن تيمية ٤ / ٨١ وحياة القلوب للمجلسي ٣٣٩.

(٢) م. ن.


قال : (علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيثما دار)، وقال له غير مرة : (حربك حربي، وسلمك سلمي)(١) .

مع أن اقتران الولاية لعلي بولاية النبي في الحديث الشريف المذكور دليل على أنها أعم من الولاية الروحية، لأن ولاية النبي على الانفس تعني السلطة التنفيذية إذ لا معنى أن يكون النبي ولياً على الانفس روحياً.

٢ - حديث الكتاب :

ونصه : «لما احتضر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : هلم اكتبْ لكم كتاباً لن تضلوا بعده، فقال عمر : ان النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قوموا.

فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم»(٢) .

قال السيد شرف الدين تعليقاً عليه : «وهذا الحديث مما لا كلام في صحته ولا في صدوره، وقد رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، وأخرجه مسلم في آخر الوصايا من صحيحه أيضاً، ورواه احمد من حديث ابن عباس في مسنده، وسائر اصحاب السنن والاخبار»(٣) .

«وانت اذا تأملت في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (هلم اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده) وقوله في حديث الثقلين : (اني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب اللّه وعترتي

__________________

(١) الاصول العامة للفقه المقارن ١٧٧ نقلاً عن شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ١ / ٢١٢.

(٢) المراجعات ٢٧٢.

(٣) م. ن.


أهل بيتي) تعلم أن المرمى في الحديثين واحد، وانهصلى‌الله‌عليه‌وآله اراد في مرضه ان يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين.

وانما عدل عن ذلك لان كلمتهم تلك التي فاجأوه بها اضطرته الى العدول، إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب سوى الفتنة والاختلاف من بعده في أنه هل هجر فيما كتبه - العياذ باللّه - أو لم يهجر، كما اختلفوا في ذلك واكثروا اللغو نصب عينيه، فلم يتسن له يومئذ اكثر من قوله لهم : (قوموا) - كما سمعت -، ولو أصر فكتب الكتاب للجوا في قولهم هجر ولاوغل اشياعهم في اثبات هجره - والعياذ باللّه - فسطروا به اساطيرهم، وملأوا طواميرهم رداً على ذلك الكتاب وعلى من يحتج به.

لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضربصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك الكتاب صفحاً لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأولياؤهم باباً الى الطعن في النبوة - نعوذ باللّه وبه نستجير - وقد رأىصلى‌الله‌عليه‌وآله أن علياً واولياءه خاضعون لمضمون ذلك الكتاب، سواء عليهم أكتب أم لم يكتب، وغيرهم لا يعمل به ولا يعتبرونه لو كتب، فالحكمة - والحال هذه توجب تركه إذ لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى الفتنة كما لا يخفى»(١) .

أئمة الامامية :

وتتسلسل الامامة عند الشيعة الامامية في اثني عشر اماماً، وهم :

١ - علي بن ابي طالب ت ٤٠ هجري

٢ - الحسن بن علي ت ٥٠ هجري

٣ - الحسين بن علي ت ٦١ هجري

٤ - علي بن الحسين زين العابدين ت ٩٤ هجري

٥ - محمد بن علي الباقر ت ١١٤ هجري

٦ - جعفر بن محمد الصادق ت ١٤٨ هجري

__________________

(١) المراجعات ٢٧٥ - ٢٧٦.


٧ - موسى بن جعفر الكاظم ت ١٨٣ هجري

٨ - علي بن موسى الرضا ت ٢٠٣ هجري

٩ - محمد بن علي الجواد ت ٢٢٠ هجري

١٠ - علي بن محمد الهادي ت ٢٥٤ هجري

١١ - الحسن بن علي العسكري ت ٢٦٠ هجري

١٢ - محمد بن الحسن المهدي و ٢٥٥ هجري

واستدلوا على امامتهم بنصوص ذكرت في كتب الحديث وكتب الامامة، تضمن بعضها النص على الاثني عشر، وبعضها النص على كل فرد بخصوصه.

ومن هذه النصوص ما هو متواتر لفظاً، ومنها ما هو متواتر معنى.

والمبدأ المستخلص منها : أن معرفة الامام تتم بنص السابق على اللاحق.

وبالاضافة الى ما ذكروه من نص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على الجميع باسمائهم، والى ما ذكرته أعلاه من نصهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ابن عمه علي بن ابي طالب (ع) بالخصوص استدلوا بما رواه اهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله نص على أن الأئمة إثنا عشر وكلهم من قريش.

ففي رواية البخاري : اثنا عشر أميراً كلهم من قريش.

وفي رواية مسلم : اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.

ومثلها رواية الترمذي وابن حجر والحاكم(١) .

وفي رواية احمد بن حنبل عن مسروق، قال : كنا جلوساً عند عبد اللّه بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل : يا ابا عبد الرحمن هل سألتم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟

_____________________

(١) سيرة الأئمة الاثني عشر ١ / ٣٦ - ٣٧.


فقال عبد اللّه : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك.

ثم قال : نعم، ولقد سألنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، (فقال) : اثنا عشر كعدة نقباء بني اسرائيل»(٢) .

يقول استاذنا السيد محمد تقي الحكيم : «والذي يستفاد من هذه الروايات :

١ - ان عدد الأمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر، وكلهم من قريش.

٢ - وان هؤلاء الامراء معينون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني اسرائيل لقوله تعالى : (ولقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً).

٣ - ان هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الاسلامي، أو حتى تقوم الساعة، كما هو مقتضى رواية مسلم السابقة، وأصرح من ذلك روايته الاخرى في نفس الباب : «لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي من الناس اثنان».

واذا صحت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم الا مع مبنى الامامية في عدد الأئمة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي منسجمة جداً مع حديث الثقلين وبقائهما حتى يردا عليه الحوض.

وصحة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الامامة والخلافة - بالاستحقاق - لا السلطة الظاهرية.

لأن الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من اللّه، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية، لان هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته كمشرع، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطنة منهم في واقعها الخارجي لتسلط الآخرين عليهم.

على ان الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أن السلطة الظاهرية قد تولاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم - أمويين وعباسيين - باتفاق المسلمين.

______________________

(١) الاصول العامة ١٧٨.


ومن الجدير بالذكر أن هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل ان يكتمل عدد الأئمة، فلا يحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أن جميع رواتها من أهل السنة ومن الموثوقين لديهم.

ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الاحاديث وملاءمتها للواقع التاريخي، كان منشؤها عدم تمكنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الاقوال في توجيهها وبيان المراد منها.

والسيوطي «بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاحاديث المشكلة خرج برأي غريب نورده هنا تفكهة للقراء، وهو : (وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر : الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وهؤلاء ثمانية ويحتمل ان يضم اليهم المهدي من العباسيين، لانه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر لما أويته من العدل، وبقي الاثنان المنتظران احدهما : المهدي لأنه من أهل بيت محمد) ولم يبين المنتظر الثاني، ورحم اللّه من قال في السيوطي: انه حاطب ليل(١) ».

وما يقال عن السيوطي، يقال عن ابن روزبهان في دره على العلامة الحلي، وهو يحاول توجيه هذه الاحاديث(٢) .

والحقيقة أن هذه الاحاديث لا تقبل توجيهاً إلا على مذهب الامامية في أئمتهم.

واعتبارها من دلائل النبوة في صدقها عن الاخبار بالمغيبات، أولى من محاولة إثارة الشكوك حولها كما صنعه بعض الباحثين المحدثين متخطياً في ذلك جميع الاعتبارات العلمية، وبخاصة بعد أن ثبت صدقها بانطباقها على الأئمة الاثني عشر (ع)»(٣) .

أئمة السنة :

أما السنة فتتسلسل الامامة عند جمهورهم بالخلفاء الراشدين والحكام الامويين

__________________

(١) الاصول العامة ١٨٠ نقلاً عن أضواء على السنة المحمدية ٢١٢.

(٢) م. ن عن دلائل الصدق ٢ / ٣١٥.

(٣) م. ن.


والحكام العباسيين وبمن ولي أمر حكمهم تحت عنوان الخلافة وامرة المؤمنين.

أئمة الزيدية :

وذهب الزيدية الى أن الامامة في علي والحسنين من بعده، ثم في أهل البيت من بعدهما لقوله (ع) : «الأئمة في قريش في هذا البطن من هاشم»، ولاجماع أهل البيت على ذلك.

وتسلسلت الامامة عندهم كالتالي :

١ - علي بن ابي طالب ت ٤٠ هجري

٢ - الحسن بن علي ت ٥٠ هجري

٣ - الحسين بن علي ت ٦١ هجري

٤ - الحسن بن الحسن ت ٨٠ هجري

٥ - زيد بن علي ت ١٢٢ هجري

٦ - يحيى بن زيد ت ١٢٦ هجري

٧ - محمد النفس الزكية ت ١٤٥ هجري

٨ - ابراهيم بن عبد اللّه ت ١٤٥ هجري

٩ - ابراهيم بن الحسن المثنى ت ١٤٥ هجري

١٠ - يحيى بن عبد اللّه بن الحسن المثنى ت ١٧٥ هجري

١١ - ادريس بن عبد اللّه بن الحسن المثنى ت ١٧٥ هجري

١٢ - محمد بن طباطبا ت ١٩٩ هجري

١٣ - محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى ت ٢٠٠ هجري

١٤ - ادريس بن ادريس ت ٢١٤ هجري


واستمرت الامامة بعد هؤلاء - ولا تزال - وفق الشروط التالية :

١ - النسب الحسني أو الحسيني.

٢ - الدعوة.

٣ - الثورة.

ولمعرفة بقية ائمتهم حتى سقوط دولة آل حميد الدين في اليمن سنة ١٩٦٢ م يرجع الى كتاب (الزيدية) للدكتور احمد محمود صبحي ص ٥٨٧ تحت عنوان (سلسلة أئمة الزيدية).

ويقول السيد احمد حسين شرف الدين الزيدي المعاصر : «واجمعت الزيدية على أن معرفة الامام علي واجبة على كل مكلف.

أما في حكم من تقدمه من الخلفاء الثلاثة فزيدية اليمن لا تنكر عليهم شيئاً في ذلك لجواز قيام المفضول عند وجود الأفضل للمصلحة ولمبايعة علي لهم.

ومنهم من يوقف تخطئتهم على علمهم، أي انهم اذا كانوا غير عالمين باستحقاقه دونهم بعد التحري فلا إثم عليهم وان اخطأوا، لأن كل مجتهد مصيب، وإلا فخطيئتهم كبيرة، وهذا هو قول الامام القاسم بن محمد في كتابه (الأساس).

أما الجارودية والصالحية - وهما من فرق الزيدية، وقد ظهرتا بالعراق - فتقولان بأن الأمة ضلت وكفرت في تركها بيعته، ولم يخطئوا أبا بكر وعمر لسكوت الامام علي»(١) .

أئمة الاسماعيلية :

وأما أئمة الاسماعيلية فيتسلسلون كالتالي :

أ - الأئمة الظاهرون :

١ - علي بن ابي طالب

__________________

(١) تاريخ الفكر الاسلامي في اليمن ١٦٢.


٢ - الحسن بن علي

٣ - الحسين بن علي

٤ - علي بن الحسين زين العابدين

٥ - محمد بن علي الباقر

٦ - جعفر بن محمد الصادق

٧ - اسماعيل بن جعفر الصادق ت ١٤٥ هجري

ب - الأئمة المستورون :

١ - محمد بن اسماعيل ت ١٨٣ هجري

٢ - عبد اللّه الرضا بن محمد بن اسماعيل

٣ - احمد بن عبد اللّه بن محمد بن اسماعيل

٤ - الحسين بن احمد بن عبد اللّه بن محمد بن اسماعيل

٥ - علي بن الحسين بن احمد بن عبد اللّه بن محمد بن اسماعيل

٦ - عبيد اللّه المهدي الفاطمي ت ٣٢٢ هجري

الأئمة عند الاباضية :

وذهبت الاباضية الى وجوب الامامة في المجتمع الاسلامي - كما ألمحت -، واستدلوا على ذلك :

بأن إقامة الحدود واجبة في الشريعة الاسلامية، وهي لا تقام الا بالأئمة وولاتهم.

وذهبوا الى عدم قصر الامامة على قريش ، لأن الناس سواسية أمام اللّه، وقد خلقهم من نفس واحدة، فلا تمييز بين أبناء المسلمين لهذا المنصب، وذلك لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إن أمّر عليكم عبد حبشي مجدوع الانف فاسمعوا واطيعوا ما أقام فيكم كتاب اللّه).


والطريق لتنصيب الامام عندهم هو الاختيار والبيعة.

وتبدأ الامامة بعد الرسول عندهم بابي بكر الصديق (رض) لاستخلاف الرسول له في الصلاة ولاجماع الصحابة على خلافته.

وصححوا من بعدْ خلافة عمر بن الخطاب (رض) لاجماع الصحابة أيضاً(١) .

وتوقفوا كالخوارج في خلافة الصهرين عثمان وعلي ومن بعدهما من الامويين والعباسيين.

وكانت لهم امامتهم الخاصة في (عمان) منذ القرن الثالث الهجري، ولا تزال قائمة حتى الآن.

والاباضيون يؤكدون في الكثير من كتبهم على أنهم ليسوا من الخوارج وان التقوا معهم في بعض العقائد.

ويؤكدون أيضاً على أنهم يحترمون الصهرين ويقولون بعدالتهما، لأن التخطئة - كما يقولون - لا تستلزم التفسيق أو التكفير.

العصمة

اشترط الامامية والاسماعيلية عصمة الامام.

قال العلامة الحلي : «يجب أن يكون (الامام) معصوماً، والا لزم التسلسل.

والتالي باطل.

فالمقدم مثله.

بيان الشرطية :

ان العلة المقتضية لوجوب نصب الامام جواز الخطأ على المكلف.

__________________

(١) دراسات اسلامية في الأصول الاباضية ١١٨ - ١١٩.


فلو جاز عليه الخطأ لوجب افتقاره الى إمام آخر ليكون لطفاً له وللامة أيضاً، ويتسلسل»(١) .

وفي هدي آية (اني جاعلك للناس اماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) يكون نص تعيين الامام هو نفسه دليل أنه معصوم، لأن الامامة - كما هو صريح الآية - عهد اللّه الذي لا يعهد به لظالم.

والى هذا يشير الامام زين العابدين (ع) بقوله : (الامام منا لا يكون الا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف، ولذلك لا يكون الا منصوصاً).

واستدلوا أيضاً بآية التطهير (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) - الاحزاب ٣٣ -.

بتقريب أن المراد من الرجس الذنوب، ذلك أن الرجس : «القذر حساً أو معنى، ويطلق على ما يستقبح في الشرع والفطر السليمة»(٣) .

والمراد ب(أهل البيت) : علي وفاطمة والحسن والحسين، لحديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) : «قالت : نزلت هذه الآية في بيتي (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً) وفي البيت سبعة : جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين (رض) وأنا على باب البيت.

قلت : ألست من أهل البيت ؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنك الى خير، إنك من أزواج النبي»(٣) ، ولحديث المباهلة المروي في صحيح مسلم ٧ / ١٢١ : «لما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم...) دعا رسول اللّه علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال : «اللهم هؤلاء أهلي»(٤) .

_____________________

(١) نهج المسترشدين ٥٨.

(٢) معجم ألفاظ القرآن الكريم، مادة : رجس.

(٣) الاصول العامة ١٥٥ نقلاً عن الدر المنثور ٥ / ١٩٨.

(٤) الاصول العامة ١٧٥.


وبوحدة الملاك تعم الآية بمؤداها سائر الأئمة التسعة.

وجاء في كتاب (نظرية الامامة) للدكتور احمد محمود صبحي ص ١٦، نقلاً عن كتاب (الوشيعة) لموسى جار اللّه ما نصه : «نحن فقهاء اهل السنة والجماعة نعتبر سيرة الشيخين الصديق والفاروق أصلاً تعادل سنة النبي الشارع في اثبات الاحكام الشرعية في حياة الأمة وادارة الدولة. وان الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة».

وذهب محدثوهم الى القول بعصمة الصحابة وأن كبائرهم صغائر(١) .

والمعروف عند اهل السنة وكذلك الزيدية والاباضية اشتراط عدالة الامام.

واختلفوا في أمر الخروج عليه اذا ظهر منه ما يثبت انتفاء العدالة، فقال الزيدية والاباضية بالخروج عليه.

وقال الحنابلة من أهل السنة بحرمة الخروج عليه، قال ابو الحسن الاشعري (الحنبلي المذهب) : «ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والاقرار بامامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم اذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بترك الخروج عليهم بالسيف»(٢) .

__________________

(١) انظر : مقالة (التعريف بالعواصم والقواصم) لبسام عبد الوهاب الجابي، مجلة البصائر، العدد الخامس ص ١٢٣.

(٢) الابانة ١١.




المعاد

- تعريفه

- دليله


تعريفه :

المعاد - لغة - مصدر عاد يعود، يقال : عاد يعود عَوْداً ومَعاداً - بفتح ميمه -.

وأصله (مَعْوَد) على زنة (مَفْعَل) قلبت واوه ألفاً، وقد جاء على أصله في حديث علي (ع) : والحكمُ اللُّه، والمّعْوَدُ اليه يوم القيامة.

قال ابن الاثير : هكذا جاء (المعود) على الأصل، وهو (مفعل) من عاد يعود، ومن حق أمثاله أن تقلب واوه ألفاً كالمقام والمراح، ولكنه استعمله على الأصل.

وصيغة (مفعل) ومقلوبها تستعمل في اللغة مصدراً - وهو ما يعرف بالمصدر الميمي - واسم زمان واسم مكان.

ومعنى عاد يعود معاداً : رجع يرجع رجوعاً، إذا أريد به المصدر، ومرجعاً اذا أريد به المصدر الميمي أو الزمان أو المكان.

وقد ورد استعماله في القرآن الكريم في الآية (ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد) - القصص ٥٨ -.

كما ورد استعماله في الحديث، ومنه : (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي).

وعرّفه اللغويون بقولهم : المعاد : كل شيء اليه المصير.

وفي ضوئه : قالوا : الآخرة معاد الناس لان اليها مصيرهم.

وهو كمصطلح يراد به البعث يوم القيامة، مأخوذ من قوله تعالى : (وهو الذي


يبدأ الخلق ثم يعيده) - الروم ٢٧ -.

ففي (لسان العرب) - مادة : عود - : قال الازهري : بدأ اللّه الخلق إحياءً ثم يميتهم ثم يعيدهم أحياءً كما كانوا، قال اللّه عز وجل (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده)، وقال : (انه هو يبدئ ويعيد) - البروج ١٣ - فهو سبحانه وتعالى الذي يعيد الخلق بعد الحياة الى الممات في الدنيا، وبعد الممات الى الحياة يوم القيامة».

وعُرّف المعاد كلامياً بأنه «الوجود الثاني للأجسام واعادتها بعد موتها وتفرقها»(١) .

ونص في التعريف على اعادة الاجسام، أي على المعاد الجسماني أو البدني رداً على ما ذهب اليه الفلاسفة القائلون بان المعاد الجسماني محال لاستلزامه اعادة المعدوم.

واستدلوا على ذلك بان الُمعاد لا يكون مُعاداً بعينه الا اذا أعيد بجميع عوارضه التي منها الوقت.

ولازم هذا أن يعاد في وقته الاول.

وكل ما وقع في وقته الاول فهو مبتدأ.

فيكون حينئذ مبتدأ من حيث انه مُعاد.. هذا خلف(١) .

وأجاب عنه الايجي بقوله :

«الجواب : انما اللازم إعادة عوارضه المشخصة، والوقت ليس منها ضرورة أن زيداً الموجود في هذه الساعة هو الموجود قبلها بحسب الأمر الخارجي.

وما يقال : أنا نعلم بالضرورة أن الموجود مع قيد كونه في هذا الزمان غير الموجود مع قيد كونه قبل هذا الزمان، فأمر وهمي، والتغاير انما هو بحسب الذهن دون الخارج.

ويحكى أنه وقع هذا البحث لابن سينا مع أحد تلامذته وكان مصراً على التغاير،

____________________

(١) النافع يوم الحشر ٨٦.

(٢) انظر : المواقف ٣٧١.


فقال له : إن كان الأمر على ما تزعم فلا يلزمني الجواب لاني غير من كان يباحثك، فبهت وعاد الى الحق، واعترف بعدم التغاير في الواقع.

ولئن سلمنا أن الوقت داخل في العوارض وأنه معاد بوقته الاول، فلم قلتم : إن الواقع في وقته الاول يكون مبتدأ، وانما يكون كذلك أن لو لم يكن وقته معاداً معه(١) .

دليله:

واستدلوا لاثبات المعاد الجسماني بالعقل والنقل من وجوه :

١ - إمكان حشر الاجسام.

ويقوم على مقدمتين هما :

أ - ان اللّه تعالى قادر على كل مقدور.

ب - ان اللّه تعالى عالم بكل معلوم.

« ولهذا كان الكتاب العزيز قد اشتمل على اثبات المعاد البدني في عدة مواضع، وكل موضع حكم فيه باثباته قرره بين هاتين المقدمتين»(٢) .

«أما افتقاره الى القدرة فظاهر، إذ الفعل الاختياري انما يصح بها وأما افتقاره الى العلم، فلأن الأبدان اذا تفرقت واراد اللّه تعالى جمعها وجب أن يرد كل جزء الى صاحبه، وانما يتم ذلك بعلمه تعالى بالاجزاء وتناسبها بحيث لا يؤلف جزءاً من بدن زيد مع جزء من بدن عمرو»(٣) .

ويقرر الفاضل المقداد الاستدلال بالتالي : «أما امكانه فلان أجزاء الميت قابلة للجمع وافاضة الحياة عليها، والا لما اتصف بها من قبل.

___________________

(١) المواقف ٣٧١ - ٣٧٢.

(٢) نهج المسترشدين ٧٣.

(٣) م. ن.


واللّه تعالى عالم بأجزاء كل شخص لما تقدم من أنه عالم بكل المعلومات وقادر على جمعها، لان ذلك ممكن واللّه قادر على كل الممكنات، فثبت أن إحياء الاجسام ممكن»(١) .

وبعد ثبوت الامكان يُنتقل في الاستدلال على الوقوع الى النقل، وقد دل عليه القرآن الكريم والحديث الشريف دلالة ارتفعت به الى مستوى الضروري الديني، بما يشفع لنا في عدم عرض الوفرة الوافرة من نصوص الكتاب والسنة في هذا الموضوع.

٢ - وجود التكليف يستلزم البعث.

يقول الفاضل المقداد في بيانه : «لو لم يكن المعاد حقاً لقبح التكليف.

والتالي باطل.

فالمقدم مثله.

بيان الشرطية : ان التكليف مشقة مستلزمة للتعويض عنها، فان المشقة من غير عوض ظلم.

وذلك العوض ليس بحاصل في زمان التكليف، فلا بد حينئذٍ من دار اخرى يحصل فيها الجزاء على الاعمال، والا لكان التكليف ظلماً، وهو قبيح تعالى اللّه عنه»(٢) .

٣ - اجماع المسلمين على ذلك.

٤ - الآيات القرآنية، ومنها :

- (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم) - يس ٧٨ و٧٩ -.

____________________

(١) النافع يوم الحشر ٨٧.

(٢) م. ن ٨٦، ٨٧.


- (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى) - طه ٥٥ -.

- (كما بدأنا اول خلق نعيده) - الانبياء ١٠٤ -.

(فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة) الاسراء - ٥١ -.

- (انه يبدؤ الخلق ثم يعيده) - يونس ٤ -.

- (اللّه يبدؤ الخلق ثم يعيده ثم اليه ترجعون) - الروم ١١ -.

ومسك الختام أن نتلو معاً وصية الامام امير المؤمنين لابنه الحسن -عليهما‌السلام - :

«فتفهم يا بني وصيتي، واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفني هو المعيد، وأن المبتلي هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها اللّه عليه من النعماء والابتلاء، والجزاء في المعاد».

والحمد للّه رب العالمين



المراجع

١ - القرآن الكريم

٢ - الابانة عن اصول الديانة، ابو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري (ت ٣٢٤ هجري) (القاهرة : م المنيرية...).

٣ - الاتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هجري) (بيروت: المكتبة الثقافية ١٩٧٣ م).

٤ - اسباب النزول، ابو الحسن علي بن احمد الواحدي (ت ٤٦٨ هجري) مصورة عالم الكتب - بيروت عن نشرة مطبعة هندية بالقاهرة ١٣١٦ هجري).

٥ - الاسراء والمعراج، إعداد : لفيف من العلماء، هدية مجلة الازهر القاهرية مع عدد رجب ١٤٠٦ هجري.

٦ - الاسلام والخلافة، رشدي عليان (بغداد : دار الرشيد ١٤٠١ هجري ط ٢.

٧ - الاشارات والتنبيهات، ابن سينا (انظر : شرح الاشارات).

٨ - اصول الدين (معالم اصول الدين) فخر الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي (ت٦٠٦ هجري) تحقيق طه عبد الرؤوف سعد (بيروت : دار الكتاب العربي ١٤٠٤ هجري - ١٩٨٤ م).

٩ - الاصول العامة للفقه المقارن، محمد تقي الحكيم (بيروت : دار الاندلس ١٠٧٩ م) ط٢.


١٠ - اصول العدل والتوحيد، ابو محمد القاسم بن ابراهيم الحسني الرسي (ت ٢٤٦ هجري) اختيار : سيف الدين الكاتب (بيروت : دار مكتبة الحياة...) ضمن مجموعة (رسائل في العدل والتوحيد).

١١ - إعلام الورى بأعلام الهدى، ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨ هجري)، تحقيق : علي اكبر الغفاري (بيروت : دار المعرفة ١٣٩٩ هجري - ١٩٧٩).

١٢ - الأمالي، ابو علي اسماعيل بن القاسم القالي البغدادي (ت ٣٥٦ هجري) (بيروت : دار الآفاق الجديدة ١٤٠٠ هجري - ١٩٨٠ م).

١٣ - انقاذ البشر من الجبر والقدر، ابو القاسم علي بن الحسين الشريف المرتضى (ت ٤٣٦ هجري)، اختيار : سيف الدين الكاتب (بيروت : دار مكتبة الحياة...) ضمن مجموعة (رسائل في العدل والتوحيد).

١٤ - ايثار الحق على الخلق في رد الخلافات الى المذهب الحق من اصول التوحيد، ابو عبد اللّه محمد بن المرتضى اليماني (ت ٨٤٠ هجري)، (بيروت : دار ومكتبة الهلال...).

١٥ - الباب الحادي عشر، العلامة الحلي (قم : مكتبة المصطفوي ١٤٠١ هجري) ط ٤ ومعه النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر).

١٦ - البحر المحيط، اثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي الشهير بابي حيان (ت ٧٥٤ هجري). (الرياض : مكتبة ومطابع النصر الحديثة... مصور عن نشرة م السعادة بالقاهرة ١٣٢٩ هجري).

١٧ - بدء الامالي، سراج الدين علي بن عثمان الأوشي الفرغاني (ت ٥٦٩ هجري) ضمن (مجموع مهمات المتون)، (القاهرة : م. مصطفى البابي الحلبي واولاده ١٣٦٩ هجري - ١٩٤٩ م) ط ٤.

١٨ - بداية الحكمة، السيد محمد حسين الطباطبائي (ت ١٤٠١ هجري) - بيروت.

مؤسسة اهل البيت ١٤٠٦ هجري - ١٩٨٦ م).


١٩ - البيان في تفسير القرآن ، السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (الكويت : دار التوحيد ١٣٩٩ هجري - ١٩٧٩ م) ط ٤.

٢٠ - تاريخ الاسلام ، حسن ابراهيم حسن ( ت ١٣٨٨ هجري) (القاهره : مكتبة النهضة المصرية ١٩٧٤ م) ط ٨.

٢١ - التبيان ، ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠ هجري) تحقيق : احمد حبيب قصير العالمي (النجف الاشرف : م النعمان ١٣٨٣ هجري - ١٩٦٣ م).

٢٢ - تحف العقول عن آل الرسول ، ابو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحراني (ت ٣٨١ هجري) ، بيروت : مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ١٣٩٤ هجري - ١٩٧٤ م) ط ٥.

٢٣ - التحقيق التام في علم الكلام ، محمد الحسيني الظواهري (ت ١٣٦٥ هجري) (القاهرة: م حجازي ١٣٥٧ هجري - ١٩٣٩ م) ط ١.

٢٤ - التربية الدينية ، عبد الهادي الفضلي (بيروت: دار التعارف...) ط ٥.

٢٥ - التعريفات ، علي بن محمد الشريف الجرجاني (ت ٨١٦ هجري)، (بيروت مكتبة لبنان ١٩٧٨ م).

٢٦ - التعليقات، الشيخ الرئيس ابن سينا (ت ٤٢٨ هجري) تحقيق : عبد الرحمن بدوي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٣ م - ١٣٩٢ هجري).

٢٧ - تفسير اسماء اللّه الحسني، ابو اسحاق ابراهيم بن السري الزجاج (ت ٣١١ هجري). تحقيق احمد يوسف الدقاق (دمشق: دار المأمون للتراث ١٣٩٩ هجري - ١٩٧٩ م) ط ٢.

٢٨ - تفسير الجلالين، جلال الدين المحلي و جلال الدين السيوطي، بهامش الفتوحات الالهية (تراجع).

٢٩ - التفكير الفلسفي في الاسلام، الشيخ عبد الحليم محمود، (القاهرة: م الانجلو المصرية ١٩٦٤ م).


٣٠ - تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل ، الخواجة نصير الدين الطوسي (ت ٦٧٢ هجري)، (بيروت: دار الاضواء ١٤٠٥ هجري - ١٩٨٥ م) ط ٢.

٣١ - تهافت التهافت، ابو الوليد محمد بن رشد (ت ٥٩٥ هجري) تحقيق: سليمان دنيا (القاهرة:دار المعارف ١٩٨٠ م) ط ٣.

٣٢ - التوحيد ، ابو جعفر محمد بن علي الصدوق (ت ٣٨١ هجري) تحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني (بيروت: دار المعرفة...)

٣٣ - جابر بن حيان، زكي نجيب محمود (بيروت: المركز العربي للثقافة والعلوم ١٩٦١ م).

٣٤ - جوهرة التوحيد، برهان الدين ابراهيم بن هارون اللقاني (ت ١٠٤١ هجري) ،«ضمن مجموع مهمات المتون».

٣٥ - حد الاسلام وحقيقة الايمان، الشيخ عبد المجيد الشاذلي (مكة المكرمة: م الصفا ١٤٠٤ هجري - ١٩٨٣ م) ط ١.

٣٦ - حقائق الاصول، السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت ١٣٩٠ هجري)، (النجف: م العلمية ١٣٧٢ هجري).

٣٧ - الخريدة البهية، احمد بن محمد الدردير (ت ١٢٠٢ هجري) «ضمن مجموع مهمات المتون».

٣٨ - دراسات اسلامية في الاصول الاباضية، بكيرين سعيد أعوشت، ط ٢.

٣٩ - الرحلة المدرسية والمدرسة السيارة في نهج الهدى، الشيخ محمد جواد البلاغي (ت ١٣٥٢ هجري)، (بيروت: دار الكتاب الاسلامي ١٩٨٣ م) ط ٢.

٤٠ - رسالة في العلل والمعلولات، الخواجة نصير الدين الطوسي «تلخيص المحصل».

٤١ - رسالة في علم التوحيد، ابراهيم البيجوري ١٢٧٧ هجري) «ضمن مجموع مهمات المتون».


٤٢ - رؤية اللّه تعالى بين المثبتين والنافين، عزة محمد عبد المنعم زايد، (سلطنه عمان: مكتبة الاستقامة ١٩٨٠ م) ط ١.

٤٣ - الزيدية، احمد محمود صبحي (القاهرة: م الجبلاوي ١٤٠٤ هجري - ١٩٨٤ م) ط ٢.

٤٤ - سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، جمال الدين بن نباتة المصري (ت ٧٦٨ هجري) تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، (القاهرة: م المدني ١٣٨٣ هجري - ١٩٦٤ م).

٤٥ - شرح الاشارات، الخواجة نصير الدين الطوسي «مع الاشارات والتنبيهات لابن سينا» تحقيق سليمان دنيا (القاهرة: دار المعارف ١٩٦٠ م).

٤٦ - شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير او المختبر المبتكر شرح المختصر، الشيخ محمد بن احمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار (ت ٩٧٢ هجري) تحقيق محمد الزجلي ونزيه حماد (دمشق: دار الفكر ١٤٠٠ هجري - ١٩٨٠ م).

٤٧ - صحيح البخاري، ابو عبد اللّه محمد بن اسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هجري)، (بيروت: عالم الكتب ١٤٠٢ هجري - ١٩٨٢ م) ط ٢ مصورة عن نشرة المنيرية.

٤٨ - ضوء الساري الى معرفة رؤية الباري، شهاب الدين ابو محمد عبد الرحمن بن اسماعيل الشافعي المعروف بابي شامة (ت ٦٦٥ هجري) تحقيق: احمد عبد الرحمن الشريف (القاهرة: دار الصحوة ١٤٠٥ هجري - ١٩٨٥ م) ط ١.

٤٩ - الظاهرة القرآنية، مالك بن نبي (ت ١٣٩٣ هجري)، ترجمة عبد الصبور شاهين (الكويت: الاتحاد الاسلامي العالمي للمنظمات الطلابية ١٤٠٣ هجري - ١٩٨٣ م) ط ٣.

٥٠ - العصمة، نصير الطوسي «مع تلخيص المحصل، انظره».

٥١ - عصمة الانبياء، فخر الدين الرازي، (جدة: دار المطبوعات الحديثة ١٤٠٦ هجري - ١٩٨٦ م) ط ١.


٥٢ - العقائد النسفية، عمر بن محمد النسفي (ت ٥٣٧ هجري) «ضمن مجموع مهمات المتون».

٥٣ - عقائد الامامية، الشيخ محمد رضا المظفر (ت ١٣٨٤ هجري).

٥٤ - العقيدة الواسطية، ابن تيمية، اعداد: مصطفى العالم (جدة: دار المجتمع ٤٠٥ م) ط ٧.

٥٥ - علم اصول الفقه في ثوبه الجديد، محمد جواد مغنية (بيروت: دار العلم للملايين ١٩٨٠ م) ط ٢.

٥٦ - عوارف المعارف، شهاب الدين ابو حفص عمر بن محمد السهروردي (ت ٦٣٢ هجري)، (القاهرة: المكتبة العلامية ١٣٥٨ هجري - ١٩٣٩ م).

٥٧ - عيون الانباء في طبقات الاطباء ، موفق الدين احمد بن القاسم بن ابي أصيبعة ( ت ٦٦٨ هجري) تحقيق نزار رضا (بيروت: دار مكتبة الحياة ١٩٦٥ م).

٥٨ - غاية المرام في علم الكلام، سيف الدين الآمدي (ت ٦٣١ هجري) تحقيق حسن محمود عبد اللطيف (القاهرة: الاهرام التجارية (١٣٩١هجري ١٩٧١ م).

٥٩ - الفتوحات الالهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية المعروفة بحاشية الجَمَل، الشيخ سليمان بن عمر العجيلي الازهري المعروف بالجمل ( ت ١٢٠٤ هجري) ، (بولاق ١٢٨٢ هجري) ط ٢.

٦٠ - الفرق بين الفرق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرائيني (ت ٤٢٩ هجري) تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد (بيروت: دار المعرفة...).

٦١ - في ظلال القرآن، سيد قطب (ت ١٣٧٨ هجري)، (بيروت: دار الشروق ١٤٠٠ هجري - ١٩٨٠ م) ط ٩.

٦٢ - قواعد العقائد، نصير الدين الطوسي «مع تلخيص المحصل، انظره».

٦٣ - قواعد العقائد، ابو حامد محمد بن محمد بن محمدالغزالي (ت ٥٠٥ هجري).


تحقيق: موسى محمد علي (بيروت: عالم الكتب ١٤٠٥ هجري - ١٩٨٥ م) ط ٢.

٦٤ - الكتاب المقدس (اي كتب العهد القديم والعهد الجديد)، (القاهرة: دار الكتاب المقدس ١٩٧٠ م) ط٤٠.

٦٥ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل، ابو القاسم جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هجري)، مصورة عن نشرة مصطفى البابي الحلبي واولاده بمصر ١٣٩٧ هجري - ١٩٦٨ م.

٦٦ - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، جمال الدين الحسن بن يوسف الشهير بالعلامة الحلي (ت ٧٦٢ هجري) (قم: مكتبة المصطفوي...)

٦٧ - كلمة حول الرؤية، السيد عبد الحسين شرف الدين (ت ١٣٧٧ هجري) (بيروت: مؤسسة اهل البيت (ع) ١٤٠٦ هجري - ١٩٨٦ م) ضمن مجموعه تبدأ ببداية الهداية للريمي.

٦٨ - لسان العرب ، جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور (ت ٧١١ هجري) (بيروت: دار صادر...) مصورة عن نشرة الجوائب ١٣٠٠ هجري.

٦٩ - مبادئ اصول الفقه، عبد الهادي الفضلي (سيهات : مكتبة احمد عيسى الزواد ١٤٠٤ هجري - ١٩٨٤ م) ط ٣.

٧٠ - مجاز القرآن، ابو عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت ٢١٠ هجري) تحقيق: محمد فؤاد سزكين (بيروت: مؤسسة الرسالة ١٤٠١ هجري - ١٩٨١ م) ط ٢.

٧١ - مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي (ت ١٠٨٥ م) تحقيق: احمد الحسيني (بيروت:مؤسسة الوفاء ١٤٠٣ - ١٩٨٣ م) ط ٢.

٧٢ - مجمع البيان في تفسير القرآن، ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨ هجري) (بيروت: دار مكتبة الحياة....).

٧٣ - المحصل، فخر الدين الرازي «ضمن تلخيص المحصل».

٧٤ - المختصر في اصول الدين، القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني المعتزلي (ت


٤١٥ هجري) ضمن رسائل العدل والتوحيد».

٧٥ - مختصر المنتهى الأصولي، ابن الحاجب المالكي (ت ٦٤٦ هجري) تحقيق: شعبان محمد اسماعيل (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية ١٣٩٣ هجري - ١٩٧٣ م).

٧٦ - مذاهب فلسفية وقاموس مصطلحات الشيخ محمد جواد مغنية (بيروت: دار الجواد ١٤٠٤ هجري - ١٩٨٤ م) ط ٤

٧٧ - المراجعات، السيد عبد الحسين شرف الدين، (بيروت: مؤسسة الوفاء ١٤٣٠ هجري - ١٩٨٣ م).

٧٨ - المزهر في علوم اللغة وانواعها، جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أحمد جاد المولى، علي محمد البجاوي، محمد ابو الفضل ابراهيم (القاهرة: م. عيسى البابي الحلبي...).

٧٩ - معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية (القاهرة: دار الشروق).

٨٠ - (معجم) الصحاح في اللغة والعلوم، نديم واسامة مرعشليان (بيروت: دار الحضارة العربية ١٩٧٥ م) ط ١.

٨١ - المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية (القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ١٣٩٩ هجري - ١٩٧٩ م).

٨٢ - المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي (ت ١٣٨٨ هجري) (القاهرة: دار ومطابع الشعب....).

٨٣ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية (القاهرة: دار المعارف ١٣٩٢ هجري - ١٩٧٢ م) ط ٢.

٨٤ - المفردات في غريب القرآن، ابو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهاني (ت٥٠٢ هجري) تحقيق: محمد سيد كيلاني (بيروت: دار المعرفة...)

٨٥ - مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، ابو الحسن الأشعري، تحقيق هلموت ريتز (قيسبادان: فرانز ثتانير ١٤٠٠ هجري - ١٩٨٠ م) ط ٣.


٨٦ - المقصد العلمي في زوائد ابي يعلي الموصلي: تحقيق ودراسة، د. تأليف بن هاشم الدعيس (جدّة تهامة ١٤٠٢ هجري - ١٩٨٢ م) ط ١.

٨٧ - الملل والنحل، ابو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨ هجري) تحقيق: محمد سيد كيلاني (بيروت: دار المعرفة ١٤٠٤ هجري - ١٩٨٤ م).

٨٨ - منية المريد في آداب المفيد والمستفيد الشيخ زين الدين بن احمد العاملي المعروف بالشهيد الثاني (ت ٩٦٥ هجري)، اعداد: السيد احمد الحسيني (بيروت: دار المنتظر ١٤٠٥ هجري.

٨٩ - مواهب الجليل من تفسير البيضاوي، الشيخ محمد أحمد كنعان (بيروت: دار لبنان ودار العلم للملايين ١٤٠٤ هجري - ١٩٨٤ م) ط ١.

٨٩ - الموسوعة العربية الميسرة، ط ٢، ١٩٧٢م.

٩٠ - موسوعة الفلسفة، د.عبد الرحمن بدوي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ١٩٨٤ م) ١٢.

٩٢ - موسوعة المورد، منير البعلكبي (بيروت: دار العلم للملايين ١٩٨٠ م) ط ١.

٩٣ - الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي (ت ١٤٠٠ هجري) (قم المقدسة: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية...).

٩٤ - النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر، الفاضل المقداد السيوري (انظر: الباب الحادي عشر).

٩٥ - النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والالهية، الشيخ الرئيس ابن سينا، تحقيق: د. ماجد فخري (بيروت: دار الآفاق الحديثة ١٤٠٥ هجري - ١٩٨٥ م) ط ١.

٩٦ - نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام، د. علي سامي النشار (القاهرة: دار المعارف ١٩٧٨ م) ط ٧.

٩٧ - نقد المذهب التجريبي، الشيخ محمد محمد طاهر آل شبير الخاقاني


(الكويت:مكتبة المنهل ١٤٠٣ هجري - ١٩٨٣ م) ط ١.

٩٨ - النكت الاعتقادية، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المعروف بالشيخ المفيد (٤١٣ هجري)، (بيروت: مؤسسة أهل البيت ١٤٠٦ هجري - ١٩٨٦ م) «مع بداية الهداية للويمي.

٩٩ - نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي من كلام الامام (ع).

١٠٠ - نهج المسترشدين، العلامة الحلي، تحقيق: السيد احمد الحسيني وزميله.

١٠١ - هداية الرحمن لالفاظ وآيات القرآن، محمد صالح البنداق، (بيروت: دار الآفاق الحديثة ١٤٠١ هجري - ١٩٨١ م) ط ١.

١٠٢ - وصية الامام أبي حنيفة لاصحابه، الطبقات السنية في تراجم الحنفية للغزي، تحقيق: د. عبد الفتاح الحلو الجزء الاول (الرياض: دار الرفاعي ١٤٠٣ هجري - ١٩٨٣ م) ط ١.

الدوريات:

١٠٣ - البصائر (مجلة فصلية تبحث في التراث الشرقي، تصدر عن الاتحاد الثقافي في فرنسا) العدد الخامس، ١٩٨٦ م «ابن الوزير و كتابه العواصم والقواصم، بسام عبد الوهاب الجابي».


الفهرس

خلاصة علم الكلام الدكتور عبد الهادي الفضيلي ١

مقدمة علم الكلام ٩

منهج علم الكلام ١٧

مصطلحات علم الكلام ٢١

الالوهية ٥٣

الذات الالهية ٦٠

الصفات الثبوتية ٧٥

الصفات السلبية ٢٠٠

النبوة ٢٦٢

الامامة ٢٨٧

المعاد ٣٢٢

المراجع ٣٢٩

الفهرس ٣٣٩