هذي هي الوهّابيّة
محمد جواد مغنيّة
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطاهرين.
وبعد:
فاني ما فكرت آنا ان ابحث، وانقب في كتب الوهابية، لاضع فيها كتاباً خاصاً كهذا، وما كنت لاستطيع، لو فكرت واردت وحاولت.. ذلك ان الارادة، أو المعرفة، او هما معاً لا يثمران كتاباً، بل ولا مقالاً ما لم يتدخل عنصر ثالث بصورة فعالة ـ اقول هذا بالنسبة اليّ ـ وهذا العنصر هو التجاوب بيني، وبين الموضوع، وبالاصح بيني وبين الكتابة في الموضوع.
ومتى حصل هذا التجاوب كتبت بسهولة ويسر ـ وربما كان هذا سر الانتاج السريع، والا كنت كالذي يعصر الرمال والتراب.. وما دمت لا أملك من امر هذا التجاوب كثيراً
ولا قليلاً فأنا ـ اذن ـ في جميع ما كتبت، وما سأكتب مسير لا مخير، حتّى ولو توفرت فيّ الارادة والمعرفة، لأن النتيجة تتبع اضعف المقدمات.
وقد حصل هذا التجاوب تلقائياً بيني وبين الكتابة في هذه الموضوع بعد ان سافرت الى الحجاز، وأديت المكتوبة، واجتمعت بعلماء الوهابية، ودار بيننا ما سجلته في فصل «مع علماء الوهابية» من هذه الصفحات.
وأول كتاب قرأته في هذا الموضوع هو كتاب «كش الارتياب في اتباع محمد عبد الوهاب» للمرحوم السيد محسن الأمين(١) وكنت طالباً في النجف الاشرف، وقد مضى على ذلك ٣٥ عاماً، او تزيد.. وارتاع الوهابيون يومذاك من هذا الكتاب، وضاقوا به ذرعاً، لأن المؤلف رضوان الله عليه ناقشهم نقاشاً علمياً، ونازلهم بكتاب الله، وسنة نبيه، كما ارغمهم على تعديل موقفهم من شيعة الاحساء والقطيف بعد أن طلب اربعة عشر عالماً وهابياً من الملك عبد العزيز ان يرغم هؤلاء الشيعة على اعتناق الوهابية، ومن أبى اخرجه من دياره، ونفاه الى حيث يشاء السعودي الوهابي.
وبعد مضي أعوام طوال على قراءتي كتاب المرحوم
____________________
(١) اعاد نجله الفاضل الأستاذ السيد حسن طبع هذا الكتاب سنة ١٩٦٢، واضاف اليه فصولا جديدة، وتعليقات نافعة مفيدة، حتى بلغت صفحاته ٤٠٠ بالقطع الكبير.
الأمين قرأت رسالة التوحيد، ورسالة كشف الشبهات، ورسالة شروط الصلاة، ورسالة هذه اربع قواعد لمحمد عبد الوهاب مؤسّس مذهب الوهابية، وفي هذه السنة ١٣٨٣ هـ. صحبت معي من مكة المكرمة كتاب مسائل الجاهلية لمحمد عبد الوهاب، وكتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لحفيده عبد الرحمن، وكتاب تطهير الاعتقاد من ادران الالحاد لمحمد بن اسماعيل الصنعاني، وكتاب شرح الصدور بتحريم رفع القبور لمحمد بن علي الشوكاني، وكان الصنعاني والشوكاني معاصرين لمحمد عبد الوهاب، وقد ارشدني الى هذه الكتب الشيخ سليمان بن عبيد رئيس قضاة مكة حين قلت له: سأضع كتاباً في عقيدة الوهابية، وسألته عن اوثق مصادرهم:
وأهم ما يلفت النظر في هذه الكتب هو الحرص الشديد على تكفير أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ غيرهم ـ حرصاً بلغ حد الشهوة او الانتقام، فمبدأهم الديني والاجتماعي والسياسي هو: «اما ان تكون وهابياً، واما القتل لك، والنهب لأموالك والسبي لذراريك».
وما على من يريد التثبت من قولي هذا الا ان يقرأ في هذه الصفحات ما نقلته عنهم، وقد مهدت للقارئ، ويسرت له طريق مراجعة كتب العقائد عندهم، فذكرت اسم الكتاب، ورقم الصفحة، وسنة الطبع والاخراج.
ومن ألمّ بهذه الكتب الصحيحة المعتبرة الموثوقة عند كل وهابي لا يخامره الريب بأن الهدف النهائي للوهابية هو ابادة
المسلمين ابادة تامة ـ غيرهم ـ او ابادة من يستطيعون ابادتهم، كمسلمي المملكة العربية السعودية من غير فرق بين السنة والشيعة، وانه لا يروي عطشهم الا هذه السياسة الجهنمية.. وما اوقفهم عن محاولة تنفيذ هذه السياسة الا قوة المسلمين، ونقمة الرأي العام في الشرق والغرب، وقيام الثورات ضد الظلم والتحكم هنا وهناك، وايمان الناس، كل الناس الا الوهابية بالحرية في ممارسة الدين والتعبير عنه بكل اسلوب يريده المتدين.
ومن أجل هذه البواعث، وهذا الوعي الذي يقضي على كل من يتخطاه ويتجاهله مال الوهابيون الى معاملة الحجاج باللين ستة فسنة، بعد تلك القسوة والجفوة، وإلى إلغاء الرق شيئاً فشيئاً.. لقد تأكدوا ـ ولله الحمد ـ ان الرق قد ذهب اوانه، وان الظروف لا تساعد على التعصب والتحكم، ونحن بنارك هذه الخطوة، ونعتبرها هامة جداً في الأوساط الوهابية، سواء أتخطوها عن طواعية، ام عن كراهية، ونسأل الله سبحانه ان تتبعها خطوات الى الامام، حتى تعود الحرية الى سابق عهدها في الحرمين الشريفين، وفي كل شبر يحكمه الوهابيون.
ومهما يكن، فاني تكلمت عن عقيدة الوهابية بما هي، وكما جاءت في مصادرها، بصرف النظر عن سياسة الوهابيين، ومعاملتهم مع الحجاج والزائرين.. اما الاسلوب الذي اعتمدته للرد على هذه العقيدة وتنفيذها فهو نقض اقوالهم وإلزامهم بالمحاذير
والمفاسد التي تترتب عليها.. وكنت ابحث وأنقب عن اقوالهم، واقارن بعضهما ببعض، حتى اذا رأيتها متضاربة متناقضة اعلنت هذا التهافت، وألزمتهم به، لقد حرصت كل الحرص على ان تكون ملاحظاتي، وردودي اشبه بشباك حيكت من أقوالهم وآرائهم بالذات، لا خيط فيها الا منهم ولهم.. ولم اهتم كثيراً بذكر الآيات والروايات، لانها تكررت في اكثر من تصنيف من الردود على الوهابية.اشارة:
منعت الحكومة السعودية من اراضيها كل كتاب يحمل اسمي، لا لشيء الا لاني اقف لمن كاد ويكيد للاسلام والمسلمين، ويحقد على الرسول وأهل بيته صلى الله عليه وآله ويسعى جهده لبث السموم والأوباء في كل بلد توجد فيه ارائحة البترول، او مجاور لبئره ومصبه وممره، ليضمن لاسياده الأمن والأمان، وهم يمتصون دماء العرب والمسلمين.. كالجبهان والحفناوي ومحب الدين الخطيب، ومن اليهم، منعت الحكومة السعودية مؤلفاتي، ولا اشارة فيها لعقيدة الوهابية من قريب او بعيد، فبالاخرى ان تمنع كتابي هذا، وتحرقه لو استطاعت.. ولا اشك انها ستستأجر أعداء الفضيلة والعدل، وأنصار الرذيلة والظلم للسب والشتم.
ومهما فعلت، وحاولت أن تفعل فان اليوم الذي ستشرق فيه شمس الحرية على ارض الحرمين الشريفين آتٍ لا
محالة، تماماً كما أشرقت على غيرها، وان عهد مصادرة الكتب سيزول، كما زالت محاكم التفتيش التي كانت تحرق العلماء وكتبهم العلمية.
ولا أدري بأي شيء افسر منع مؤلفاتي من السعودية، وكثير غيرها من كتب الهداية والرشاد، وافساح المجال لكتب الخلافة والفساد التي تشجع الفحش والفجور، وتنشر الفسق والدعارة، وتسير بالنشيء الى الحضيض؟..
زرت مكتبات مكة التجارية، ولم تفوتني واحدة منها ـ فيما اعتقد ـ وقلبتها او قلبت اكثرها ظهراً لبطن، كعادتي مع مكتبات لبنان، فلم أر كتاباً للشيعة يباع علانية الا مجمع البيان، ومكارم الاخلاق للطبرسي «طبع مصر».. ورأيت روايات الجنس العاري، حتى من «المايو» تغطي الواجهات، وتحتل الصدور من المكتبات التي تحيد بالكعبة الطاهرة المطهرة، بخاصة المكتبات المقابلة للمسعى وجهاً لوجه.
ولا جابه الوهابيين بهذه الحقيقة في الساعة الراهنة كتبت اسماء الكثير منها.. وهذا بعضها: نساء الليل.. شهر العسل.. امرأة من باريس.. الشريرة.. الخ، مع العلم بأني لا أعرف المحتوى والمضمون.. ولكني رأيت على الغلاف صوراً لرجال يفترشون العاريات المثيرات، مع العناق والقبلات.. فما يخرج المحرم الطائف العاكف من الكعبة المشرفة المعظمة، حتى تواجهه هذه المنكرات،
وصور الفاحشات، والتي سمحت بها جماعة الأمر بالمعروف لانها لا تنافي الدين والآداب.. اما اللمس والتمسح بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشرك وإلحاد.. هذا هو منطق الوهابيين، وهذي هي سيرتهم.. يطلقون الحرية للأفاعي تنفث السموم، حتى عند ابواب الكعبة، ويسدون نوافذ النور والهداية عن المسترشدين والتائهين.. ومن يدري؟.. لعلهم افسخوا المجال لهذه الروايات والخلاعات ليثبتوا ان المملكة العربية السعودية قد سبقت الشرق والغرب في مضمار التقدم والحضارة؟.. وبالمناسبة ـ ولا بأس ان اطيل عليك ايها القارئ على خلاف عادتي لأن تناقضات الوهابيين كالتسلسل لا آخر له ـ أقول بهذه المناسبة: اني دخلت ذات مساء الى مكتبة بمكة المكرمة، فرأيت كتاب «معاوية بن أبي سفيان» لعمر ابو النصر يعرض فيها علناً، وما ان شرعت في الحفر والتنقيب عما ابتغيه من الكتب، تماماً كما يحفر وينقب الغرب عن الذهب الأسود في السعودية، حتى وقع بصري على كتاب «الامام علي» للأستاذ جورج جرداق، وكان صاحب المكتبة قد واره الأنظار..
وأردت ان اعرف مدى خوقه لو اكتشف الوهابيون جريمته هذه. فأخذت الكتاب بيدي ـ وهو لا يعرف من انا ـ وقلت له مستنكراً: كيف تعرض هذا للبيع؟.. ألا تعلم انه ممنوع؟.. وأشعرته باسلوب خفي اني سأشي به الى الشرطة.. فنظر إليّ بذهول، وقال: «إيه إيه مالو
علي مالو علي؟». قلت: مالو علي. ممنوع علي، ممنوع علي.. قال: «ايه بطال علي؟ بطال؟»..
سلام الله عليك يا علي.. وأقسم بمن عظمك وكرمك انك لو احببت الباطل لكان كل كتاب يحمل اسمك العظيم يباع في المملكة السعودية علانية وجهراً، لا خفية وسراً، وبدون ان يخاف البائع والمشتري، تماماً كما يباع كتاب معاوية ابن آكلة الاكباد.
والله سبحانه ان يعصمنا من النصب والمغالاة، وان يزيدنا ايماناً به وبجلاله، وولاءً بالنبي وآله، عليه وعليهم ازكى التحيات، وأفضل الصلوات.
من وحي الحج
كنت احس ان على ظهري حملاً ثقيلاً طوال السنوات الماضية التي استطعت فيها مادياً، لإداء فريضة الحج، لا أدري متى اتخفف منه، والحج ـ كما كنت اتصوره ـ عبء شاق يحتاج الى مبلغ من المال غير يسير، لا تطيب النفس عنه بسهولة.
كما انه يستتبع الاتعاب والاوصاب لزحمة الناس، في بلد واحد، ومكان واحد، وزمان واحد، ويستنفد جهداً كبيراً قد لا تجود النفس ببذله، وتحمله، وفوق ذلك كله الخوف من الأخطاء والرياء، وان يرد عليّ عملي، ولا يكون حجي مشكوراً، ولا مدخوراً ليوم الحساب.
هذا ما كنت احسه، واشعر به، وهو السبب الأول للتأخير والتقصير، اما اعتذاري وتعللي بأن حكام السعودية يمنعوني من الحج، أو يسيئون اليّ في ديارهم، لما كنيته عنهم في الصحف، وفي بعض مؤلفاتي بعد قضية الجبهان،
اما هذا التعليل فقد تبين انه وهم لا اساس له.. وربما كان منشأه الكسل والاهمال.
ومهما يكن، فقد شعرت بالرغبة الجدية في الحج هذا العام ـ ١٣٨٣ هـ ـ والعزم الأكيد على إدائه مهما كانت العواقب، حتى ولو نصبت لي الأعواد على الحدود، وخسرت ما أملك من صحة ومال، اما سر هذه الرغبة، وهذا العزم فعلمه عند ربي، ومهما يكن، فانه ليس من ارادتي واختياري في شيء، لأن الارادة لا تعلل بالإرادة.
اقلعت الطائرة من مطار بيروت الساعة السابعة من مساء ـ ٤ ـ ٦٤ الموافق ٢٦ ذي القعدة سنة ٨٣ هـ، ووصلت جدة حوالي التاسعة، وبت في اوتيل النهضة، وخرجت من جدة مساء اليوم التالي محرماً بالنذر، قاصداً مكة المكرمة، ثم جددت الاحرام في الحديبية(١) وبلغت مكة قبيل الغروب، وبينها وبين جدة ٧٤ كيلومتراً، وكان اليوم يوم الخميس، وما اقتربت منها، حتى ذهلت عن نفسي، وحاضري ومستقبلي، وغمرني الشعور بالغبطة، لما وفق الله من تأدية ما فرضه في كتابه، وتسديد ما عليّ من حسابه، وانطلق
____________________
(١) الحديبية المكان الذي صدت فيه قريش الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم عن دخول مكة المكرمة للعبادة، وتم الصلح بينه وبينهم، وسمي هذا الصلح باسم المكان.
لساني بالحمد والشكر على السكينة والتخفيف من ذاك الحمل والتكليف.. وقد تتهيأ الصحة لشخص، ويعوزه المال، وقد يوجد المال، وتعترضه مشكلة الصحة، وقد يوجدان معاً، ويعوقه الكسل والاهمال، اما من توافرت له هذه جميعاً فيحق له ان يفرح ويغتبط، وعليه ان يحمد ويشكر، وكل شيء كان لدي موفوراً وميسوراً: الصحة والمال والاقبال، فله الشكر والحمد.
وأول شيء سبق الى ذهني، وانا ألقي النظرة الاُولى على مكة المكرمة هو القول المشهور: «اهل مكة ادرى بشغابها». فأخذت أنظر يمنة ويسرة، اتبين هذه الشعاب، فرأيت بيوتاً متراكمة متراصة في أرض منخفضة تشرف عليه، وتحيط بها جبال وتلال احاطة السوار بالمعصم، وعلى هذه الجبال بيوت متواضعة، كما تبدو للناظر، وفي اليوم التالي طلبت من سائق التاكسي ان يذهب بي اليها، فقال: لا تصلها السيارات، وأصحاب البيوت فيها كلهم من الفقراء، لا يستطيعون ان يبنوا في الاحياء المنخفضة التي تحيط بالحرم الشريف.
دخلت البلد الأمين قبيل الغروب، وبعده قصدت
البيت العتيق، والمسجد الحرام، وكعبة المسلمين وقبلتهم، فرأيت الألوف بملابس الاحرام، مكشوفي الرؤوس، يطوفون ويصلون، ويرددون في تطوافهم: «يا كريم يا غفار» منصرفين الى الله وحده، حتى عن انفسهم وذويهم، متجهين إليه سبحانه بنفوس نقيه، وعاطفة تقية، وقلوب معبأة مهيأة الى فضل الله ورضوانه.
وفجأة، ودون أية سابقة، انتابتني رعشة هزتني من الاعماق تجلى تأثيرها ووقعها في بكائي وتضرعي، وانقطاعي اليه سبحانه، وشعرت كأني أمام الله وجهاً لوجه، واني في عالم كله نور وروح، وهذا هو معنى العبادة بروحها وجوهرها، انها اولاً وقبل شيء اليقين بالله، والاخلاص فيما ترجوه منه، والصدق في تضرعك له.
وقال قائل: ان العبادة ركوع وسجود، وسعي وطواف، وكفى.. وذهب آخر الى انها تفكير فلسفي. وزعم ثالث انها رياضة ومكاشفة؛ والحق انها قلب متطلع الى رحمة الله، واثق بمغفرة الله.. وكل حاج يحمل هذا القلب المتطلع الواثق فيما اعتقد ـ الا من اتخذ الحج وسيلة للعوائد والفوائد العاجلة. وان شككت في شيء فلن اشك بأن الله يقبل الجميع ما دام هو القصد والغاية، حتى الجاهل الذي لا يعرف مكان الدقة في الطواف، ولا يحسن انتقاء «الخرش البرش» من حصى الرمي.. سمعت إمرأة تقول، وهي تشير إلى الكعبة: رحمتك
يا رب للناس كلهم.. أي وحقه انه يرحم الناس، كل الناس الذين يقفون على بابه يرجون فضله وإحسانه.
مكثت بمكة ١٩ يوماً، وكنت اذهب مساء كل يوم الى الحرم، ما عدا اليوم التاسع مع ذي الحجة، فاذا رأيت جماعة مقبلين على البيت للطواف خلطت بهم نفسي، وفعلت ما يفعلون، ورددت ما يقولون، وكنت أتقصد الاختلاط بالافريقيين السود، لما لمسته فيهم من الصفاء والاخلاص وأحسسته معهم من التوجه والانقطاع. وقد طفت مرات، ولكن لم تهتز مشاعري للدرجة التي كانت تهتز، وانا اطوف مع هؤلاء السود.
وذات مساء رأيت حزمة من اليمنيين قد تلاصقوا، وأخذ بعضهم بعضد بعض، واندفعوا كالسيل لا يلوون على شيء، فوضعت يدي بعنق الأخير منهم، فلم يلتفت الي، وأخذت أطوف معهم، واركذ واقفز. كما يركذون ويقفزون، وأردد معهم: «حج حج يا حاج حج».
وقصدت المسعى في ذات يوم، فحسبت ان جبالاً من البشرية تسير ذاهبة آيبة بين الصفا والمروة، وان الأرض ترتفع بهم الى اسماء، الى جنة المأوى، وان ملائكه الرحمة تتلقاهم بالبشر والترحاب تناديهم ان تلكم الجنة تعلمون اورثتموها بما كنتم.
أما ما نسب الى الامام زين العابدين عليه السلام من انه قال: ما أكثر الضجيج، وأقل الحجيج، ما حج الا انا ونافتي، ورجل من البصرة، فانه محل النظر والتأمل.
اولاً: انه لا يتفق مع دعائه في يوم عرفة، الذي جاء فيه: « اللهم وهذا يوم شرفته وكرمته وعظمته، نشرت فيه رحمتك، ومننت فيه بعفوك، واجزلت فيه عطيتك، وتفضلت به على عبادكء».
وبديهة ان معنى انتشار الرحمة شمولها للجميع لا للرجل والناقة فقط لا غير.. وقال ايضاً: «يا من عفوه اكثر من نقمته، ويا من رضاه اوفر من سخطه، ويا من تحمد الى خلقه بحسن التجاوز».
ثانياً: أي فرق بين هذا القول ما حج الخ، وبين قول الاعرابي: اللهم ارحمني، وارحم محمداً، ولا ترحم احداً معنا»..
ومعلوم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم انكر عليه، وقال: يا هذا ضيقت واسعاً.
ثالثاً: فهمنا حج الانسان، اما حج الناقة فم ندرك له معنى، وان كان المراد ان ناقة الامام حملت حاجاً، فان ناقة البصري كذلك، اللهم الا ان يكون البصري حج ماشياً.
وعلى اية حال، فان معنى الحديث، ان صح، ان الامام والبصري ينالان ثواب الحج بالاستحقاق، اما غيرهما
فبالتفضل(١) . ومهما يكن، فان النتيجة واحدة، وهي شمول الرحمة للجميع، ولكن يبقى اشكال حج الناقة قائماً.
شاهدت في الحج صوراً تركت في نفسي اعمق الأثر، ولا اشك ان ما فاتني منها اكثر وابلغ في شكلها وموضوعها.. شاهدت رجلاً طاعناً في السن، يهتز من قرنه الى قدمه، واللعاب يسيل من فمه، والمخاط يتقاطر من انفه، يقوده شاب، لم يبلغ الثلاثين، أو لم يتجاوزها، يطوف به حول البيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويخدمه باخلاص، ويبذل الجهد لمرضاته وراحته. قلت للشاب: من اين؟ قال: من العراق. قلت: وهكذا من يكون؟. قال: ابي. قلت: وفقك الله. قال: الحمد لله الذي وفقني لإداء حقه، وأسعدني بخدمته.
وشاهدت آخر يحمل والدته على منكبيه، وقد تدلت رجلاها على صدوره، وهو ممسك بيديها، يطوف بها، ويسعى، وقد تبعته في الطواف والمسعى، وكنت اتصور، وانا انظر اليه، انه يرى نفسه اسعد من كان ويكون في هذه اللحظات لانه ضمن له مكاناً عظيماً في جنة الخلد
____________________
(١) اتفق علماء الكلام على ان العاصي يعاقب بالاستحقاق، واختلفوا: هل يثاب الطائع استحقاقاً اوتفضلا؟.
بعد ان أدى للأموته حقها، ووفى لها بعهدها، كما تصورت شعورها بالغبطة بهذا الولد البار الذي حقق لها أعز الأماني والاحلام.
شاهدت هاتين الصورتين، فئذكرت من يتخذ من عطف الأب والأم وسيلة للتنمر عليهما، ومجابهتهما بالاساءة والعقوق.
وفي مساء ١٢ ذي الحجة شاهدت في زاوية من زوايا البيت مجموعة من المصريين نساء ورجالاً يصفقون بهدوء ويرددون الأناشيد بمدح الرسول وآله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم فرحون مستبشرون كأنهم في عرس، وإلى جانبهم رجل يصلي، وآخر يتلو القرآن، وثالث يتضرع ويبكي. فقلت بكى هذا خوفاً من عقاب الله، وغنى هؤلاء وصفقوا املاً بثواب الله، والكل سواء في رحمته، ما دامت قلوب الجميع عامرة بالتدين والايمان بجلاله وعظمته، وصلى الله على محمد وآله الذي قال: ان الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق.
قال الفقهاء: ان التكليف مشتق من الكلفة، وهي المشقة.. اذن كل تكليف يستتبع نوعاً من الاتعاب، واشدها هي اتعاب الحج، اللهم الا الصوم، بخاصة على من اعتاد التدخين وشرب الشاي.
وقد شعرت بالاعياء والعناء في عرفة والمشعر ومنى، ولكن أتعاب الحج أشبه بالآلام الشديدة التي تعانيها الأم حين الوضع، فسرعان ما تستحيل الى لذة وسرور بعد ان ترى وليدها سالماً، بل هذه الآلام بداية حبها له، وتعلهقا به.. وهكذا الحاج ينسى جميع أتعابه وأوصابه، ويشعر بالغبطة والسعادة بعد ان يؤدي المناسك على وجهها ويشكر الله سبحانه لما هداه واعانه على تأدية ما فرضه من طاعته، اوجبه من عبادته(١) .
____________________
(١) كانت ليلتنا في المشعر الحرام ليلة البرد والزمهرير في صحراء جرداء، لا مأوى فيها: ولم يكن معي غطاء ولا وطاء، وانا مكشوف الرأس، وعلى جسمي ملابس الاحرام، ينفذ الريح خلالها بسهولة ويسر، فأصابني رشح قوي لازمني مدة عشرين يوماً.
فصل الخصومات
إذا آمنت بفكرة، وانها صواب مئة بالمئة، وعارضك معارض، وقال: بل هي خطأ مئة بالمئة، أو وقف منها موقف المشكك المتردّد، فماذا تصنع؟. هل تصر على رأيك بدون حجة ودليل، ويصر هو على قوله كذلك؟. إذن، يبقى النزاع قائماً، والمشكلة بدون حل، ما دام كل منكما يفقد قوة الاقناع، ولاينحسم النزاع الا بعد ان تتفقا على مبدأ ترجعان اليه يكون هو الحجة، والحكم الفصل.
ـ مثلاً ـ اذا قلت: ان علاج المصاب بذات الرئة هو الفصد، وقال آخر: ان الفصد يضر بصحته، ويعجل بوفاته، كان الحكم بينكما الطبيب المختص بهذاء الداء، ومحال ان يقتنع احدكما بقول الآخر، او تلزمه الحجة اذا لم تتفقا مسبقاً على وجود المعيار والمقياس الذي يميز الصواب من الخطأ. والحق من الباطل.
وهذا الذي قلناه عن الاختلاف بين الأفراد ينطبق على الاديان والاجزاب التي يختلف بعضها عن بعض، ويدعي ارباب كل منها انهم على حق دون غيره، ولكن الجميع، حتى من لا يدين بدين، ولا ينتمي الى حزب متفقون على ان كل ما فيه صلاح البشرية وتقدمها فهو خير، ومتفقون ايضاً على ان السلم والعدل والحرية والعلم والتعاون هي الوسائل الى هذا الصلاح والتقدم، وعليه، فكل دين او حزب يدعو للسلم والتعاون، ويناصر العلم والعدل، ويضمن الحرية والمساواة فهو خير وافضل من أي حزب، او دين يثير الحروب، وبث البغضاء، ويناهض العلم والتقدم، ويدعم الجهل والظلم.
وتقول: ان كل دين، وكل حزب يزعم اهله انه يدعو للصالحات والخيراث.الجواب:
إنّ الدعوى بمفردهما لا تقنع احداً، فاذا سقط شخص في الانتخابات، ثم قال: نجحت فيها، فهل يصدق: او يكون قوله هذا مدعاة للسخرية والاستهزاء؟.. ولا أعرف احداً اجهل ممن يردد مع القائل: «كل يعزز دينه يا ليت شعري ما الصحيح؟.» ان الناس كل الناس متفقون على ان الحب أفضل من البغضاء، والتعاون انفع من التنافس،
والسلم خير من الحرب، والعلم من الجهل.. وبديهة ان العالم يدرس الاديان والاحزاب، ويطلع على مبادئها وتعاليمها، ثم يقيسها بتلك المبادئ المتفق عليها، ويحكم بما تستدعيه من الحق او الباطل، الهداية والضلال.. ولو صدق في الأديان قول من قال: «يا ليت شعري ما الصحيح؟» لصدق في كل دعوى دينية كانت او زمنية.. ان العالم كما قلت: يبحث ويحقق، تماماً كما يفعل كل من يطلب معرفة الحق من معدنه، والا وجب ان لا تبحث عن شيء، وان نقفل المعاهد والمختبرات والجامعات، ونكتفي بترديد «يا ليت شعري ما الصحيح؟.» وبالتالي، فإن دل هذا القول على شيء فانما يدل على ان قائله اعدى اعداء الاديان، حتى ما كان منها حقاً وصدقاً.
اتفق المسلمون جميعاً على ان أي نزاع يقع بين الفئات او الافراد فعليهم ان يتحاكموا فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه، لأن المفروض ان النزاع حصل فيما قال الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد امر الله بالرد اليه والى رسوله في مثل هذه الحال: «فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ـ النساء ٥٩».
ولكن كثيراً ما يحصل النزاع في تفسير آية تحتمل معنيين، او اكثر، او في صحة حديث، او فيما يفهم منه.. ومن امثلة الأول قوله تعالى في سورة الطلاق: «واشهدوا ذوى
عدل منكم». حيث فهم الشيعة من الآية الكريمة وجوب الاشهاد على الطلاق، وفهم السنة وجوبه على الزواج لا على الطلاق(١) . وقوله تعالى: «ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث ـ الاعراف ١٥٦» حيث اتفق الجميع على ان الخبائث محرمة، واختلفوا في بعض الأفراد والمصاديق، كأكل الدود والذباب والفأر والضفدع والسرطان، فقال مالك: يحل أكلها، لانها ليست من الخبائث، وقالت بقية المذاهب: يحرم أكلها، لأنها من الخبائث.
ومن امثلة الثاني اختلافهم فيما نسب الى الرسول، وهو: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» فقد ضعفه السيوطي والعقيلي وابن حجر وغيرهم، (اللاليء المصنوعة للسيوطي ج ٢ ص ١١١»..
واتفق السنة والشيعة على ان النبي قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، االلهم وال من والاه، وعاد من عاداه» ولكنهم اختلفوا في المراد من الولاية، فذهب السنة الى ان المراد منها الحب والمودة، وقال الشيعة: بل الحكم والسلطان بقرينة السياق.
____________________
(١) قال الشيخ ابو زهرة في كتاب الاحوال الشخصية: لو كان لنا ان نختار المعمول به في مصر لاخترنا رأي الشيعة، وصوبه استاذه الشيخ الخفيف. ومال اليه الدكتور محمد موسى في كتابه الاحوال الشخصية.
وهذا النوع كثير، وهو من اهم الاسباب لاختلاف المذاهب الاسلامية بين بعضها البعض، وبين علماء المذهب الواحد، ورغم ان هذا الخلاف يرجع في حقيقته ومعناه الى الخلاف في ان الكتاب والسنة: هل تعرضا الى هذه القضية المتنازع فيها، اولا؟.. ومع هذا النزاع لا يمكن الرجوع الى احدهما كما يبدو، لعدم الاتفاق على وجود نص قطعي لا مجال فيه للاجتهاد يفصل بين الطرفين، رغم ذلك كله فان المرجع في هذا الخلاف هو الرسول الاعظم، حيث اتفق الجميع على انه قال: «اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران، واذا اجتهد فأخطأ فله اجر». (الصحاح الستة: البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة). فكم عالم بحث وتحرى، وادى به البحث الى العلم بشيء تحتم عليه العمل بعمله، مصيباً كان او مخطئاً، ما دام غافلاً عن خطأه، وليس لاحد ان ينهاه عن اتباع العلم، كيف؟ ومتى حصل له العلم بشيء لا يسعه الا اتباع عمله، ومن خالفه فهو مذموم في الشرع والعقل.
أجل، لك ان تحاول اقناعه بالدليل والمنطق، فان ظهر له الخطأ، وايقن به، ومع ذلك أصر عليه كان معانداً للحق، مخالفاً له عن عمد، واستحق الذم والعقاب، كما هو شأن الذين عاندوا نبوة محمد صلى اله عليه وسلم بعد ما ظهرت جلية كالشمس:
«وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ـ النمل ١٤».
وبكلمة ان كل من قامت عليه من الله الحجة القطعية المجمع عليها فليس له ان يخالفها، ويجتهد ضدها، لأن اجتهاده، والحال هذه يكون رداً على الله ورسوله، ولا تقوم هذه الحجة الا اذا كانت كوضح النهار، بحيث لا يسوغ الاعتذار معها بالجهل، مما دام طريق العلم بها ميسراً وواضحاً، لا غموض فيه، ولا التباس، واذا لم تبلغ هذه المرتبة من الوضوح وكان للاجتهاد فيها مجال يكون معذوراً لو خالف الواقع، على شريطة ان يعقد العزم على انه اذا استبان الخطأ رجع عنه.. والعقل هو الحاكم بنفي المسؤولية عن المخطئ غير المقصر، والشرع يقر العقل في حكمة هذا من باب الارشاد إلى الواقع، لا من باب الرفق والتسامح، لان سير الإنسان بموجب فهمه شيء طبيعي، لا يستطيع التخلص منه، بل هو مصدر الحركة والحياة.
ومن هنا رأينا سيرة العقلاء في كل عصر ومصر على نفي المسؤولية عن المخطئ اذا حقق ودقق، سواء أكان فقيهاً، أم طبيباً، أم مهندساً، أم بناءاً، وما اليه، لان الانسان، أي انسان يعمل بما يعتقد انه الحق، لا بما هو حق في علم الله.. وكذلك اتفقت جميع الشرائع السماوية والوضعية على ان مجرد المخالفة في الرأي لا تستتبع العقوبة والمسؤولية. والاختلاف في الرأي ملازم لطبائع البشر، وكثيراً
ما يكون سبباً للتصفية والتمحيص، وتمييز الأصيل من الدخيل، والعارف من الزائف، ولكن هذه المخالفة تتسم بجريمة البدعة والضلالة عند الوهابيين حتى ولو كان من خالفهم أعلم العلماء، وأبر الاتقياء، لا لشيء الا لانه لم يترك ما يعتقد، ويتبع ما هم عليه، وان اعتقد فساده وضلاله.
قال ابن تيمية في كتاب «نقض المنطق» ص ٧١ طبعة ١٩٥١، وهو امام الوهابيين، والمعتمد الأول لمذهبهم، قال ما نصه بالحرف: «فانهم ـ أي هو ومن قال بمقالته ـ اشد الناس نظراً وقياساً ورأياً، وأصدق الناس رؤياً وكشفاً، أفلا يعلم من له ادنى عقل ودين ان هؤلاء أحق بالصدق والعلم والايمان والتحقيق ممن يخالفهم، وان عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع، وان الذي عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع، وان الذي عندهم هو الحق المبين، وان الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذي معه من الحشو ما معه، ومن الضلال كذلك».
فالذي عندهم علم وايمان وصدق وحق مبين، اما الذي عند غيرهم فجهل وكفر وكذب وبدعة وضلالة، ذلك ان ابن تيمية وقبيله معصومون عن الخطأ دون غيرهم رغم انه هو لا يؤمن بعصمة انسان.. وسأستشهد من كتبهم المعتبرة بكلام أدل وأوضح.
مع علماء الوهابية
اغتنمت فرصة وجودي بمكة والمدينة، لإداء فريضة الحج، وزيارة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم، واجتمعت بمن تسنى لي الاجتماع به من علماء الوهابية، ودار بيني وبينهم حوار ونقاش حول مفهوم الاسلام، وحقيقة الشرك، وحول التقارب بين المذاهب الاسلامية، ووضح خطة لوحدة المسلمين، وجمع كلمتهم، على ان تطبق هذه الخطة بالتسامح، ونبذ التعصب، وعدم تكفير طائفة طائفة اخرى، وان يكون الجامع المشترك هو كلمة «لا اله الا الله محمد رسول الله».
فرأيت من بعضهم التشدد، والعزم على سد أية نافذة يهب منها نسيم التقريب والإخاء، ومن البعض الآخر التواضع والتسامح في كل الخلافات الا الخلاف في تعمير القبور ورفع القباب عليها، فان تبريره شرك عند الجميع بدون استثناء.. لمست هذا من احاديثهم، وفي كتبهم، وتملكني اليأس، حتى ولو بذلت الجهود، وتعبأت جميع القوى.. ان مسألة التعمير عندهم ليست حقاً لاحد من المسلمين او غير المسلمين، حتى يطالبهم به، لانه شرك
وكفر والحاد، وهذا هو الشيء الذي يجب ان يناقشوا فيه على اسسهم ومبادئهم.. وقد عقدنا فصلاً خاصاً بذلك.
كل محكمة في السعودية هي محكمة شرعية، وكل قاضٍ هو شرعي، لانهم لا يحكمون بالقوانين الوضعية، بل بالشريعة الاسلامية على مذهب الامام ابن حنبل، وفي مكة المكرمة بناية مؤلفة من ثلاثة أدوار خاصة بالقضاة، وعددهم سبعة، وعليهم رئيس، تقدم اليه جميع الدعاوى، مهما كان نوعها، وهو يحيلها بدوره الى واحد منهم، وينظر هو في دعاوى الزواج والطلاق القهري، كما يميز اليه الحكم البدائي، اذا لم يرض به المحكوم عليه، فيصدقه، او يفسخه، وتسمة البناية التي تضم جميع القضاة المحكمة الشرعية الكبرى.
ذهبت الى هذه المحكمة بدون دليل او رفيق، وتنقلت من قاض لآخر، واستمعت الى محاكمتين عند قاضيين، احداهما بين امرأتين متجاورتين، قد تنازعتا على حد بينهما، والثانية بين رجل وزوجته، وما سألني احد عن شيء، ولم يثر وجودي انتباه احد، ثم دخلت الى غرفة قاضٍ ثالث، فرأيته جالساً خلف طاولته، وفي يده جريدة يقرأها. فقلت له: هل تجيبني على ما لديّ من أسئلة؟.قال: سل الرئيس الشيخ سليمان بن عبيد. قلت: واين
هو؟. قال: في الدور العلوي.
صعدت إلى هذا الدور، فرأيت غرفة واسعة مفروشة بالسجاد الايراني، وعدد من المقاعد، وفيها كتبة، وجماعة من أصحاب العلاقة، وفي صدر الغرفة يجلس رجل على كرسي، وأمامه طاولة، وهو متقدم في السن، والى جانبه كرسي ثانية، ويلبس كوفية حمراء، وثوب ابيض، فسألت عنه؟ فقيل: هذا هو الرئيس. سلمت، وجلست الى جنبه خلف الطاولة، وكان يختم اوراقاً مكتوبة بختمه دون ان يوقعها بأمضائه.
وبعد ان انتهى التفت اليّ، وقبل ان يسألني قلت له: انا حاج من لبنان، وقد سمعت انكم بعد ان تستمعوا الى المتخاصمين تنهالون بالضرب على المبطل. قال: وماذا رأيت؟. قلت: لا شيء من هذا. ثم أطلعني على الاستدعاءات والسجلات والدفاتر، فرأيت فيها الدقة والتنظيم.
فقلت له: ولكن المعروف انكم تكفرون غيركم من أهل المذاهب الاسلامية، بخاصة الشيعة، وتزعمون انهم يغالون في حب الامام علي، وأخبرك بأني شيعي جعفري، أشهد ان لا اله الا الله، وان محمداً رسول الله الذي قال: يا علي لا يحبك الا مؤمن، ولا يبغضك الا منافق، واوالي علياً الذي قال: هلك في اثنان: مبغض قال، ومحب غال. أواليه لأنه من الذين عناهم الله جل شأنه بقوله:( قل لا أسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى ) . ولأنه بطل معركة
الاسلام في جميع المواقف الذي وقفها الرسول ضد الشرك، وأعداء الدين.
قال: ولكن لا بد من البعد عن الشرك.
قلت؛ هنا يكمن السر.. انكم ترون المسلمين مشركين، وكيف يجتمع الشرك مع قول لا اله الا الله محمد رسول الله؟. وهل من الشرك ان اعتقد ان الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من الصلاة في بيتي؟.. وقبل ان انهي كلامي قال: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصلاة في مسجدي بألف صلاة في غيره الا المسجد الحرام، فان الصلاة فيه بألف صلاة في مسجدي.
قلت له: سبقتني.. اذن، اين الشرك؟.
قال: الشرك ان يعتقد المصلي بأن الفضل جاء من أجل صاحب القبر.
قلت: اولاً: ان هذا الاعتقاد ليس بشرك، لأن معنى الشرك أن يدعو المشرك مع الله اله آخر، وهذا شيء، والاعتقاد بأن هذه البقعة اكتسبت شرفاً ممن دفن فيها شيء آخر.
ثانياً: أي فضل للأرض من حيث القداسة لولا صاحب القبر، ان أجزاء الأرض بكاملها سواء من هذه الجهة، ولا فضل لبقعة على أخرى الا بمن حل فيها.. لذا قيل: المكان بالمكين، وكل انسان يقدس بفطرته التربة التي تضم رفاة العظماء والصلحاء، والآباء والأجداد.
قال: بارك الله فيك، يا ليت كل الشيعة مثلك. قلت: ومن تعرف من الشيعة؟. وماذا قرأت لهم؟. اقرأوا كتبهم، وافهموهم جيداً، ثم احكموا عليهم بما تستوحون، وتفهمون، وليس من شأن العالم ان يلقي القول جزافاً، هذا، الى ان قوة الاسلام والمسلمين تقوم على اساس التسامح والتقارب، والمحبة والأخاء، لا على الشحناء والبغضاء، ونحن لا نناوئ أحداً، ولا نريد ان يناوئنا احد.. فهز رأسه علامة القبول والاستحسان.
وقلت له: ما الشرط لتعيين القاضي عندكم؟
قال: ان يحمل شهادة من كلية الشريعة بمكة، او الرياض، او من الازهر، وان تثبت كفاءته بعد ان يتمرن سنتين عند احد القضاة.
قلت: وما تحمل أنت من الشهادات.
فابتسم، وقال: لا شيء، اني درست على الشيوخ عندنا. قلت: سأضع كتاباً في عقيدة الوهابية. قال: يجب ان تعتمد المصادر المعتبرة عندنا. قلت: اجل، وهذا شرطي اذا اردتم الكلام عنّا. وما هي المصادر المعتبرة؟ فاسمي لي عدداً من الكتب، بعضها موجود في مكتبتي، والبعض الآخر اشتريته من مكتبات مكة.
وسألته عن المصادر التي يعتمدونها في احكامهم؟. قال كتب الفقه الحنبلي. قلت: ما هو الكتاب المفضل منها؟. قال المغني لابن قدامة. وأخذ يثني عليه، ويطنب.
وقد اقتنيت هذا الكتاب منذ ١٦ سنة، وهو ١٢ مجلداً.
قلت: ان صاحب المغني يقول: اذا وطأ الزوج زوجته، ثم وطأها أجنبي بشبهة، وأمكن الحاقه بهما يعرض الولد على القافة، فإن ألحقه بالأول لحق به، وإن ألحقه بالثاني لحق به، وان ألحقه بهما معاً لحق بهما معاً(١) .
وكل الناس يعلمون ان الشخص الواحد يكون له اكثر من ابن، اما ان يكون له اكثر من اب فغريب.
قال من الممكن ان يختلط الماءان، ويتولد الجنين منهما. قلت: الجنين لا يتولد الا من بويضة واحدة، وهي لن تكون الا من رجل واحد.. فسكت، فودعته، وانصرفت.
واذا اختلف تفكيرنا عن تفكير الوهابية، وبعدت الشقة ما بيننا فان هذا لا يمنعني من قول الحق، وتسجيل ما شاهدت من ان الناس وأرباب الحاجات تراجع الكبار منهم وغير الكبار بمليء حريتهم، وانه لا شيء أهون من الوصول اليهم، والحديث معهم، ومناقشتهم، وهم يصغون للصغير قبل الكبير بصدر رحب، وخلق عربي، تماماً كعلماء الدين الأول في قرى جبل عامل الذين يحرصون كل الحرص على حياة البساطة، والبعد عن الابهة.
____________________
(١) المغني: ٧ / ٤٨٣ و٤٨٤.
وفي صباح اليوم التالي ركبت التاكسي الى كلية الشريعة، وهي بناية جديدة ضخمة، وهندستها حديثة، وموقعها يتناسب في سعته وطبيعته مع الكليات والجامعات، ومما يزيدها عظمة انها في مكة المكرمة قبلة المسلمين..
صعدت الدور العلوي الأول، وتنقلت فيها من جناح الى جناح، فلم أر أحداً لا استاذاً، ولا طالباً، ولا فراشاً لمناسبة عيد الاضحى، وأخيراً رأيت غرفة مفتوحة، وعلى بابها قطعة من النحاس الأصفر، كتب عليها «العميد» فدخلت، واذا برجل يجلس وراء الطاولة، يرتدي السترة والبنطلون، سلمت، وقلت له: حضرتك العميد؟.
قال: نعم.
قلت: والاسم الكريم؟
قال: احمد علي اسد الله.
قلت: انا لبناني، قصدت الحرم الشريف، لأداء الفريضة، وسمعت بكليتكم هذه، فأحببت التعرف عليها وعلى عميدها، فهل تفيدوني عن عدد تلاميذها، وعن المواد التي تدرس فيها؟.
قال: اما التلاميذ فعددهم يقرب من الـ ٢٠٠، اما المواد فهي اللغة العربية، والتوحيد والفقه.
قلت: ولأي شيء يتأهل خريجيها؟.
قال: للتدريس في المدارس الثانوية، والقضاء.
قلت: كانت المدارس من قبل، بخاصة الدينية منها اشبه بالزوايا، وتكيات الدراويش، وهذا البناء الضخم يتفق تماماً في مظهره وفنه مع العصر الحديث وحضارته، فاسأل الله ان يكون التعليم بروحه وأهدافه كذلك، وان يبرز الشريعة الاسلامية باسلوب يحببها الى الجميع، وان تجنب التلاميذ روح التعصب والبغضاء بين المسلمين، ولا يكفر بعد اليوم بعضهم بعضاً، فانهم احوج الناس الى الالفة والتقارب، وأظن انكم تعلمون ـ الخطاط للعميد ـ ان النجديين معروفون عند الناس بالتشدد والتعصب، لانهم يسيئون معاملة الحجاج الذين لا يدينون بالوهابية.
ففهم ما أردت، وقال: الحق ان التعصب موجود، ولكن لا من طرف واحد، بل من الجميع، وقد خفت حدثه كثيراً عن ذي قبل ـ مثلاً ـ كان النجدي إذا رأى في الكعبة حليق الذقن ينتهره، ويصيح به، وربما اخرجه منها، أما اليوم فيدعه وشأنه، ومع ذلك فان بعض الحجاج يجسمون الأمور أكثر من حقيقتها، ويوقعونا في مشاكل تافهة، يمكن تحملها والإغضاء عنها، لو حسنت النية، من ذلك ان رجلاً من الجزائر جاء معتمراً في شهر رمضان من هذه السنة، وصادف، وهو واقف في حجر اسماعيل ان شخصاً أراد ان يسجد، فلم ير موضعاً لشدة الزحام، فنحى رجل الجزائري بيده، وهنا ثارت ثورة الجزائري،
وظن ان الشخص وهابي، وهو ليس وهابياً، وصاح بأعلى صوته لقد اهنتم الاسلام ونبي الاسلام، وهدمتم قبور أهل بيته، وفعلتم الافاعيل، واجتمعت عليه الجموع، وهو ينادي ويصيح بالشتم والسباب، وأخذت مسألته دوراً كبيراً، واضطررنا ان نقف مع الجزائر]، ومع ذلك بلغت الحال حدها الأقصى من التضخيم والتجسيم.
قلت: ان الله جل وعز اراد الدين من الناس اختياراً لا اكراهاً، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، كما اتخذ من ألسنتهم اقلاماً تعبر عن الحق، وبالأمس كان الحجاج يشكون من تعصب الوهابية وسوء معاملتهم، واليوم خفت الشكوى، ونرجو ان تزول كلية. واولى بكليتكم هذه ان تسير في طريق التعقل والتسامح، وتثور على التعصب البغيض وتتجه الى العمل التقريب بين المذاهب الاسلامية، وتتطلع على كتب الجميع وتنشر الحقائق، واذا كانت الكلية تعلم الفقه فان الفقه الاسلامي لا ينحصر بالمذاهب الأربعة، بل يعم فقه المذاهب بكاملها، وفضل الشريعة انما يظهر في أقوال المذاهب مجتمعة، لا في قول مذهب دون مذهب، كما أن حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لا ينحصر بأحاديث الصحاح الستة، بل يشمل كل حديث ثبت عنه، سواء أكان في الصحاح أم لم يكن.
فوعد بأن يعمل لما فيه خير الاسلام والمسلمين، وقد اكتشفت من اسلوبه وأفكاره انه عارف ومتزن.
وأثناء عودتي من كلية الشريعة مر السائق بحي يدعى محلة الزاهر، وهو من الأحياء الحديثة بشوارعه، وبناياته، وأشجاره، وحدائقه، ورأيت في هذا الحي بوابة كبيرة فوقها لوحة كتب عليها بالخط الكبير «ادارة التفتيش الديني»، فطلبت الى السائق ان يقف أمام البوابة، وينتظر، وكانت البوابة مفتوحة، ولما دخلت رأيت حديقة منسقة على الطراز الحديث، يحيط بها سور بعلو قامة الرجل، وبناية كبيرة من طابق أرضي، وبابها مفتوح، فدخلت دون ان اطرق الباب، واذا بدار واسعة، وفيها غرف مفتحة الأبواب، نظرت في غرفة على يمين الداخل، فلم أر أحداً، فتركتها الى الثانية، وفيها رجل واحد، وما أن رآني، حتى قال: هناك هناك وأشار الى غرفة على اليسار.
دخلت هذه الغرفة، واذا بأربعة رجال، او خمسة، وبعد ان سلمت، واستقر بي الجلوس قلت: أنا لبناني، وقد اتيت للحج، وأرغب في التعرف على الهيئات الدينية، وأعمالها، فماذا تعنون بالتفتيش الديني؟. وهل تبحثون عن دين الانسان، وماذا يعتقد، فتقومونه ان كان اعتقاده معوجاً؟.
قال أحدهم، وهو المدير العام، واسمه الشيخ محمد بن عبد الله آل الشيخ، وأخوه وزير المعارف، قال: كلا، بل نربي النشء في المدارس على عقيدة الاسلام وأخلاقه،
وننظر الكتب التي تدرس هذه المادة، ونشرف على سير اساتذها ونشاطهم.
قلت: هذا حسن، ولكن المهم هو الاسلوب، وصواب الفكرة، وابراز الدين بصورة تسير مع الحياة، حتى يرغب فيه الصغير والكبير، ولا شيء يقف في طريق الغاية المنشودة من الدين كالتعصب، فأرجو ان لا تذهلوا عن هذه الحقيقة، وقبل ان انهي حديثي التفت احد الحضور، وإسمه الشيخ علي معجل، وهو مفتش في هذه الادارة، التفت الى المدير، وطلب اليه ان يدع له الجواب، كأنه يريد النزال والقتال، ويسأل رئيسه الأذن بالمبارزة، وقال لي: ماذا تعني بالتعصب؟.
قلت: ان المسلمين اخوان على دين واحد والاختلافات التي بينهم ليست جوهرية، وقد عنيت بترك التعصب ان لا تكفر انت ولا غيرك من نطق وآمن بكلمة التوحيد، كما هو المعروف والمشهور عن الوهابيين انهم يكفرون غيرهم، لا لشيء الا لانه غير وهابي.
قال: ولكن يجب على المسلم ان يؤمن بكلمة التوحيد بحقها.
قلت: حقها معروف، وهو الايمان بالجنان، والاقرار باللسان، والعمل بالأركان، والأركان هي الصوم ولصلاة، والحج والزكاة، وكل المسلمين يصومون ويصلون، ويحجون ويزكون.
قال: هناك شيء آخر.
فأومأ اليه المدير بالسكوت، فسكت، وتمنيت لو تركه في حديثه، لا عرف ماذا يريد من الشيءالآخر؟. وأعرفه مكانه من العلم والمنطق.. واظن انه قصد بالشيء الآخر تعمير القبور وزيارتها والصلاة عندها.. ومهما يكن، فسيأتي الحديث عنها مفصلاً. ثم قام المدير من مكانه، وجلس إلى جانبي، وقال بالحرف، وبكل تواضع: ان ما تقوله هو الحق، اجل، نحن اخوان، ويشهد الله اننا نكره التعصب والمتعصبين، ولكن الدعايات هي التي تلفق وتختلق.. ثم قال لي المدير: نحن بخدمتك، وخدمة كل حاج معك، مرنا بما شئت. قلت: شكراً، لا شيء سوى التعرف بكم.. وما رأيت احداً في مكة المكرمة بخلقه وتواضعه، لذا نظرت اليه مستغرباً، وقلت: من اين أنت؟ قلت هذا، وأنا علم انه نجدي وهابي. فضحك بمليء فمه، وقال: انا نجدي وهابي متعصب. وحين أردت الخروج عرض عليّ أن يوصلني بسيارته إلى حيث اريد، فشكرته، وقلت: معي سيارة، فرافقني، حتى ركبت، وحين الوداع سألني عن اسمي وعنواني الكامل؟ قلت: وما يعنيك من امري؟ قال: انا اصطاف بلبنان، وعزمي على زيارتكم.
قلت: اذن، اخسر فنجان قهوة، ولست مستعداً لذلك.
قال: اجل، ومعه فنجان شاي ايضاً.
قلت: هذا ادعي الى الكتمان.. ثم سألني اين اقصد؟. قلت الى الشيخ عبد الله خياط، وهو مستشار في وزارة المعارف، وامام الجماعة والجمعة وخطيبها في الحرم المكي الشريف.
قال لي المدير: اياك ان تقول له: انا جعفري. قلت: أترك الأمر للمقتضيات والمناسبات، ثم ودعته شاكراً بعد أن رأيت فيه المرونة والتعقل، ولو كنت مكان المسؤولين في السعودية لاخترته سفيراً لدى الحكومات الكبرى.امام الجمعة والجماعة
ذهبت الى هذا الشيخ، وهو عبد الله خياط، امام الجماعة والجمعة وخطيبها في الحرم الشريف، ومستشار وزارة المعارف، وابتدأته بقولي المكرور: انا حاج من لبنان، واذا كان من فوائد الحج وبركاته التعارف بين المسلمين، فأولى ان نتعرف ونعرف أعيان هذا البلد الأمين، وقد زرت وتعرفت على رئيس القضاة الشيخ سليمان بن عبيد، وعميد كلية الشريعة الاستاذ احمد على، ومدير التفتيش الديني الشيخ محمد بن عبد الله، وسررت بمقابلة هذا المدير كثيراً.. قلت هذا، وانتظرت، ليعلق بالايجاب او السلب، ولكنه بقي صامتاً، فاستأنفت الكلام، وقلت: ان الشرطة كانوا يضايقون الحجاج من قبل، اما اليوم
فأخف، فهل هذا يعني انكم رأيتم سياسة التسامح أفضل؟.
قال: كل ما يقال هو مجرد دعاية ضدنا.
قلت: ان للاسلام امكانات وقوى عظمية، وعلى المخلصين ان يستغلوها لتحسين العلاقات الاجتماعية النافعة للمسلمين.
قال: ان الصلاة عامود الدين اذا قبلت قبل ما سواها، وان ردت رد ما سواها.
قلت: هذا حديث صحيح، ولكن له مقام آخر.
قال: كل حديث غير حديث الصلاة لا يجدي.
قلت: وهل هناك طائفة تنتمي الى الاسلام، وتترك الصلاة؟.
قال: الشباب الشباب لا يصلون، ثم افاض بالكلام عن تهاون الشباب بالصلاة.. هذا، مع العلم بأن هذا الرجل حين يقف للصلاة في الكعبة يغض الحرم والمسعى على سعتهما بالمصلين، ويمتليء الشارع والسوق المحيط بهما بالمؤتمين، وأكثرهم من الشباب، ومع ذلك لم يشبع، ويطلب المزيد من المؤتمين به…
قلت: واي مانع من اتحاد المسليمن، وعملهم يداً واحدة لحمل الشباب على الصلاة؟.
قال: ابداً الا الصلاة اولاً، والاتحاد ثانياً.
قلت: يا شيخ ان للاسلام اعداء يكيدون له عن طريق الدس، وحمل بعض المسلمين على تكفير بعض، لينالوا
منهم ما يبتغون، فعلينا ان نثبيه لاهدافهم ودسائسهم.
قال: الله يوفق، الله يوفق، قالها باسلوب يشعر بعدم الرضا والاقتناع. اما الصورة التي ارتسمت في ذهني لهذا الشيخ فهي نفس الصورة التي ارتسمت في ذهنك ايها القارئ، وأنت تقرأ ما دار بيني وبينه من الحوار.. ومن الحكايات الشائعة في قرى جبل عامل ان رجلاً اطرش كان يزرع الفول في أرضه، فمر به آخر، وسلم عليه، فظن الأطرش انه يسأل ماذا يزرع؟. فقال: ازرع الفول. قال له: كذا في ذقنك. فقال بطولها، وهو يريد ان الزرع امتد من أول القطعة الى آخرها..
هذا الشيخ المتعصب الذي اءتم بابليس امام المتعصبين يأتم به الهمج الرعاع، ويطلبون من الشيعة ان يأتموا به.. وقد عقد البخاري في الجزء الأول من صحيحه باباً خاصاً في أن «أهل العلم والفضل احق بامامة الصلاة».
ولا أدري اذا كان المستشارون في وزارة المعارف السعودية كلهم على شاكلة هذا الخياط، وفي وعيه ومعرفته؟.
بعد الانتهاء من الحج ومناسكه سافرت الى المدينة المنورة ووصلت اليها يوم الثلاثاء ١٦ ذي الحجة ٢٨ نيسان سنة ٦٤، وكان البيت الذي نزلت فيه تقريباً من البقيع، لذا ابتدأت بزيارة قبور أئمة البقيع عليهم السلام، والبقيع قطعة واسعة
من الأرض مسورة بحائط رفيع، وله باب يقف عليه شرطي، يمنع النساء من الدخول، ويأذن للرجال، وفي هذه البقعة المباركة المقدسة دفن الامام الحسن، والامام زين العابدين، والامام محمد الباقر، والامام جعفر الصادق، وكثير من الصحابة والصلحاء، وكان على قبور الأئمة الأربعة بناء تعلوه قبة، فهدمه الوهابيون سنة ١٣٤٣هـ. حين انتزعوا الحجاز من الشريف حسين، واستولوا عليه.
ولم يحجموا عن هدم الحرم النبوي الا بعد ان ثارت ثائرة المسلمين عليهم، وقامت الدنيا على رؤوسهم، ولم تقعد، والا بعد ان تأكد لهم ان المسلمين لا يدعون وهابياً على وجه الارض، لو مسوا القبر الشريف بسوء.. وقد سمعت خطيبهم يخطب في حضرة الرسول، ويقول بحرقة وحسرة: كان علينا ان نمنع الناس عن هذا المكان، ولكن ماذا نصنع، وقد غلب على امرنا.. ورغم ان مكانة أهل البيت هي مكانة جدهم بالذات، وحقهم هو حقه علىكل مسلم الا ان اهتمام الشيعة وتمسكهم بهذا الحق، وابرازهم لهذه المكانة وخصائصها وآثارها حمل غيرهم من المسلمين ان يتجاهلوا، ويغضوا الطرف عن جريمة الوهابيين، وما فعلوا بقبور الآل الكرام.
دخلت البقيع، فرأيت الألوف يحيطون بقبور الآئمة، يزورون ويدعون، ويتضرعون ويبكون، اما النساء فيقفن وراء الحائط، يزرن متجهان الى البقيع.
ولم استطع المكوث في البقيع، بعد ان رأيت ما رأيت من آثار الظلم والجور على أهل البيت الذين اشادوا صرح الدين، وأعلوا كلمة الحق.. لم استطع التأخير رغم تشوقي وتلهفي، وأي فرق بين ان ارى آثار الوهابيين في البقيع، وبين ان ارى ما فعل الامويون والعباسيون بأهل البيت؟.. كل منهم اراد ان يشتفي وينتقم لنفسه من الحق والعدل، وانتهج سياسة الضغط وكبت الحريات، وأعلن الحرب على العقائد والمبادئ، وعلى كل شعيرة لها تأثيرها في نشر الحق والعدالة، والمساواة، وكراهية البغي والمحاباة.
وقد يظن اني اقول هذا بوصفي شيعياً مولياً موتوراً، يريد أن ينتقم لعقيدته وأئمته.. وقد يكون هذا الظن حقاً، وقد يكون باطلاً، ولكن الحق الذي لا يتطرق اليه الشك والريت ان الوهابيين اليوم كالأمويين والعباسيين بالأمس، يعيشون في الترف والنعيم، والناس حولهم جياع عراة، وما هو المبرر لهذا التفاضل والاستئثار؟ هل هو الشرف والعظمة التي يدعيها الجهلاء والسفهاء؟ فهؤلاء آل الرسول اشرف وأعظم الناس اطلاقاً بعد جدهم، ومع ذلك قدّروا أنفسهم بأفقر الناس، يشبعون يوماً، يجوعون اياماً، فكيف بالادعياء؟.. اذن لا مبرر الا الظلم والجور.. ولولا أهل البيت ومن سار بسيرتهم لم تتضح هذه الحقيقة، ولم يفتضح بسببها الدعي المستأثر، ومن هنا كانت اساءة التقي للشقي، والمحق للمبطل، والشريف للوضيع، والعالم للجاهل. وهذا
ما قوى من عزيمة الوهابيين على الهدم، ومحاولة الاعفاء على الرسم، وان تصوروا، وخيل اليهم ان الدافع والمحرك الأول هو الاخلاص للوحدانية، والقضاء على الوثنية.
وتقول: ان الوهابية تدين بعدم البناء على القبور منذ وجودها، حيث لا ذهب اسود، ولا ابيض، ولا فولاذ ولا زنك ولا حديد.
قلت: هذا صحيح، وصحيح ايضاً ان من يستأثر على الناس بما تحتاج اليه هو وعد طبيعي لمن لا يرى لنفسه شيئاً تحتاجه الناس، اراد ذلك، أو لم يرد.
ومهما يكن، فان استطاع الوهابيون ان يزيلوا الأحجار عن قبور الأئمة الأطهار، فانهم أضعف من ان يزيلوا ذرة من الحب والولاء للرسول وآله، أو يمحوا كلمة واحدة من كلامهم، وحكماً من أحكامهم، فلقد دلتنا التجارب المتتالية عبر التاريخ ان عظمة الآل ترتبط بارادة الله، لأنه هو الذي اصطفاهم واختارهم للعظمة، ولا راد لما اختار واراد، فلقد فعل يزيد الاموي، والمتوكل العباسي وغيرهما ما فعل الوهابيون، وكانت النتيجة ان اقترن اسم الآل بالتقديس والصلوات، واسم اعدائهم بالتحقير واللعنات الى يوم يبعثون.
وقد سمعت بأذني هذه اللعنات، وأنا في البقيع، وسمعها شرطة الوهابية تنطلق من اعماق القلوب كأنها الصواريخ تنقض على رأس من ظلم وهدم.
انا الاحجار ليست بشيء في ذاتها عند الشيعة، ولا صلة لها بالعبادة، ولا بالولاء.. وما هي الاّ علامات ودلائل على المكان، تماماً كالمآذن، والسر هو التدين بولاء أهل البيت، لانهم قتلوا وشردوا وظلموا في سبيل الحق، أما قلق الشيعة لهدم قبور أئمتهم فلأنه امتداد لذاك الظلم، هذه هي الحقيقة، اما عبادة الاحجار، او عبادة صاحب القبر فكلام فارغ لا مدلول له ولا أثر عند الشيعة، بل هذه العبادة شرك في عقيدتهم، ولا يورثون فاعلها، ولا ولا يخالطونه في مأكل او مشرب.. وبالاختصار ان الشيعة يدينون بالعدل وأهله، وكلما قويت شوكة الظالمين، وتفاقم ظلمهم في أي زمان او مكان كلما ازدادوا تجاوباً وانسجاماً مع أهل الحق والعدل.
وبالتالي، فان الشيعة، وهم ما يقرب من مئة مليون، لا يسمحون للوهابية فعلتهم الا ان يدعوا لهم الحرية الكاملة في اعادة البناء، وهي حق مشروع لهم، ولكل مسلم آمن بالله وكتابه، وبالنبي وسنته، وهذه الحرية هي السبيل الوحيد لجمع الشمل، وتوحيد الكلمة، والقضاء على الأحقاد والاضغان التي يثيرها منظر الهدم والتخريب.
تركت البقيع، وانا تائه القلب والعقل، وقصدت الحرم النبوي الشريف، وبغير شعور رأيتني اقبل الباب عند
الدخول، ثم أهجم على القبر الزكي ألثمه باكياً شاكياً الى الله والى صاحب القبر ما حل بأهله احياء وامواتاً.. وأشكر تلك الصدفة، حيث لم تدع احداً ينتبه الي، أجل، سمعت قائلاَ يصيح: لا لا، فتنحيت عن القبر خشية ان يحدث مالا احب، وبعد ان زرت، ودعوت شققت طريقي بين الأمواج البشرية المتدافعة الى الروضة بين قبر النبي ومنبره، حيث يكثر الزحام فيها، والتسابق اليها، تماماً كما هي الحال عند الحجر الاسود، لحديث بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. واستطعت بحمد الله ان اصل الى هذه الروضة اكثر من مرة، بل، وصليت فيها تماماً، فكنت أنتظر واقفاً خلف بعض المصلين، والجالسين الى ان يترك مكانه، فأسبق اليه قبل ان يحتله غيري، وقد اشركت في دعائي، وانا في هذه الروضة، كل من تصافيت واياه على الحب في الله، واستخلصني، واستخلصته للعلم والايمان، لا للدنيا، ودعم الكيان.. اما من سقمت مودته، لا شيء إلا لانه لا يطيق ان يسمع كلمة خير عن صديق او مثيل ورفيق فقد طلبت من الله سبحانه ان يعينه على نفسه، ويطهر لسانه وقبله مما يشين، ويرفعه بالعلم والورع والاخلاص الى اعلى عليين.
ودخل الغدير، وانا في طيبة مهبط الوحي والتنزيل، وحيث بيت علي وفاطمة الذي ولد فيه، ودرج الحسن والحسين سيدا شباب أهل النجنة.. ورغب اليّ التقي النبيل
العلامة الشيخ محمد علي العمري عالم النخاولة ان ألقي محاضرة بهذه المناسبة في الحسينية مساء ١٨ من ذي الحجة، فلبيت مغتبطاً، وكيف ارفض، او أتردد في أمر عشت من أجله وأوقفت له عمري كله، وغص المكان بالناس في داخله وخارجه، يستمعون بكل مشاعرهم، يخيم عليهم جلال اليوم، وعظمة صاحبه، يجمعهم عقل واحد، وقلب واحد يتدفق بالحب والولاء للغدير وصاحب الغدير.
وكانت ساعة أحسست بأنها تعادل حياتي كلها، وأي ساعة اجل، وأفضل من ساعة اقف فيها خطيباً في بلد الصادق الأمين، ويوم اخيه ووزيره وخليفته مردداً ومعدداً نفس الفضائل والمناقب التي رددها وعددها رسول الرحمة قبل حجة الوداع، وفيها وبعدها، وبلغها، وهو على مفترق الطرق، أهل الدنيا جيلاً بعد جيل الحمد لله، وله الشكر على ما وفق من حج بيته الحرام، وزيارة قبر نبيه وأبنائه عليه وعليهم السلام، والقيام بما وجب علي في هذا اليوم العظيم الذي اختار الله فيه علياً عصمة للمؤمنين، وخليفة لرسول رب العالمين: نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء… ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور.
وذهبت في اليوم الثاني الى المحكمة الشرعية بالمدينة المنورة، وفيها جميع قضاتها وهم خمسة، وعليهم رئيس،
كما هي الحال بمكة المكرمة، دخلت غرفة احدهم، وجلست على بعض مقاعدها، فنظر اليّ القاضي، وقال: هل من حاجة؟. قلت له: هل أنت قاضٍ؟. قال: نعم، ونائب الرئيس. سألته عن اسمه؟. قال: عبد المجيد بن حسن.
قلت: هل تسمح بالاطلاع على سجل الاحكام، فاني احب ان اقارن بينها وبين الأحكام في لبنان؟.
قال: هل انت قاضٍ؟.
قلت: أجل،
قال: في المحاكم الحنفية، أو الجعفرية؟.
قلت: انا جعفري. وشرعت بالحديث عن الاسلام والمسلمين، وبأي شيء يؤكدون انفسهم، ويطورون قواهم اجتماعياً، وسياسياً.. وكان يردد قول طيب طيب، ولا يزيد، وحين هممت بوداعه قال: الى اين؟. قلت: الى الرئيس الشيخ بن عبد العزيز بن صالح، فأرسل معي شرطياً أرشدني الى غرفته، فتحت الباب، ودخلت، فأهل ورحب.
وابدأت الحديث بهذا السؤال: كيف تفسرون قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: اختلاف امتي رحمة؟.
قال: اختلافهم في الفروع، لا في الاصول.
قلت: اذن جميع الطوائف الاسلامية من امة محمد، لان الاصول هي الايمان بالله، والرسول، واليوم الآخر،
والكل يؤمنون بذلك دون استثناء.
قال: وهناك اصل آخر.
قلت: ما هو؟.
قال: خلافة ابي بكر، وانها حق له بعد الرسول بلا فاصل.
قلت: الخلافة من الاصول؟!.
قال: نعم.
قلت: لقد نفى السنة عنهم هذا القول، ونسبوه الى الشيعة الامامية، وانكروه عليهم(١) .
قال: أجمع أهل السنة على ان خلافة ابي بكر من الأصول، وأصر.
قلت: لا يثبت اصل من اصول الدين الا ببديهة العقل، او بنص الكتاب نصاً صرحاً، او بسنة تكون بقوة القرآن ثبوتاً، وبدلالة لا اله الا الله وضوحاً، اما اخبار الآحاد فليست بشيء في باب الاصول، وإن كانت حجة في الفروع.
قال: هذا صحيح، وقد تواتر عن الرسول انه قال: يأبى الله ورسوله الا ابابكر.
قلت: كيف يكون هذا متواتراً، ولم يروه الشيخان البخاري ومسلم ولا احتج ابوبكر، ولاعمر، ولا احد
____________________
(١) جاء في كتاب المواقف وشرحة: ٨ / ٣٤٤: «ليست الامامة من اصول الديانات والعقائد خلافا للشيعة، بل هي عندنا من الفروع.
يوم السقيفة حين رأى الأنصار انهم اولى من ابي بكر بالخلافة، فشرع يتكلم عن الحديث وأقسامه، ثم أكد مصراً على تواتره، وانه لم يخالف في ذلك الا الشيعة، ولما لم اجد وسيلة لاقناعه قلت له: هل من شرط صحة الحديث ان يثبت عند الجميع، أو عند من يعمل به فقط؟. قال: بلى عند من يعمل به.
قلت: هذا الحديث لم يثبت عند الشيعة لا بطريق التواتر، ولا بطريق الآحاد، ولذا لم تكن خلافة ابي بكر عندهم من الاصول، ولا من الفروع.
وقد لمست من كل من اتصلت به من شيوخ الوهابية الاعتقاد بأن البناء على القبور شرك وإلحاد، وان القصد وشد الرحال لزيارة قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من اكبر الكبائر.. وبذلك صرح الأمير فيصل بن عبد العزيز في الخطاب الذي ألقاه بمكة المكرمة، واكد أن بناء المسجد على قبر الرسول حرام، وهو طريقة اليهود والنصارى، وقال ما نصه بالحرف الواحد:
«قال رسول الله: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري هذا من بعدي مسجداً، فما معنى ذلك؟. ربنا يقول: ادعوني استجب لكم، ما قال: ادعوا الانبياء، ولا ادعوا الملائكة، ولا
ادعوا الأولياء والصالحين». (جريدة الندوة المكية عدد السبت ٦ ذي الحجة سنة ١٣٨٣ هـ.).
ومن قبل ذهب اخوه الملك سعود الى ايران، وطالبه العلماء ان يسمح باعادة البناء على قبور أئمة البقيع فجابههم بهذه الآية:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) أي ان هؤلاء الشيوخ كافرون، لانهم طالبوا بغير ما أنزل الله.. واذا عطفنا قول فيصل على قول أخيه سعود تكون النتيجة ان الحاكم في السعودية هو وهابي قبل كل شيء، وان الوهابية فوق كل شيء، حتى الشعب والناس اجمعين.. ومن قرأ كتبهم ظهرت له هذه الحقيقة بأجلى معانيها، فقد جاء في كتاب: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٤٨١: ان تعلية القبور من ذرائع الشرك ووسائله.. وفي ص ٣٢ و ٤٨٣ ان تجصيص القبور والصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والتقرب اليها».
وجاء في كتاب «تطهير الاعتقاد من ادران الالحان» ص ٣٨: هؤلاء القبوريون سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة. وفي ص ٣٢ ان تسمية القبر مشهداً، ومن فيه ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن.. وفي ص ٣٤ فان قلت: هل الذين يعتقدون بالقبور والأولياء مشركون كالذين يعتدون بالأصنام؟. قلت: نعم قد حصل منهم ما حصل من اولئك وساووهم في ذلك، بل ازدادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم».
واذا كان التعمير على القبور شركاً، والاعتقاد بالأولياء اكبر من الشرك وأعظم فهل يبقى مجال للسعي، أو أمل في إقناع الوهابيين؟.
وذهبت في اليوم الثالث الى الجامعة الاسلامية بالمدينة، فوجدتها مقفلة، لمناسبة عطلة العيد، وبعد رجوعي الى لبنان اخبرني الدكتور مجتهد زادة عميد كلية المعقول والمنقول بخراسان انه ذهب الى هذه الجامعة بعد العطلة، واجتمع بالاستاذ محمد العبودي الأمين العام لها، وأخبره ان عند الجامعة اربعة كتب من مؤلفاتي، ولكنهم يمنعون الطلاب من الاطلاع عليها، كما اجتمع بصالح بدر الحيدري مدير متوسطة ابي بكر الصديق بالمدينة، وقال له: انه قرأ كتبي، وانه يرغب في مقابلتي. وأرى لزاماً ان تهدى بعض كتب الشيعة لعلماء الوهابية، ومكتباتهم العامة بمكة والمدينة والرياض، ولاساتذة المعاهد والكليات، ارى هذا رغم علمي ويقيني ان للوهابية مبدأ لا تحيد عنه، وهو ان كل من عداهم مشرك، وان نطق بكلمة التوحيد، وصام وصلى، وحج وزكى، وقال بالثواب والعقاب، وان المشرك على نوعين: مشرك لا ينطق بكلمة التوحيد، ولا يصوم ويصلي، ولا يحج ويزكي، ولا يقول بالثواب والعقاب ومشرك ينطق بكلمة لا اله الا اله محمد رسول الله، ويصوم ويصلي، ويحج ويزكي، ويقول بالثواب والعقاب…
وتظهر لك هذه الحقيقة من الفصول التالية.
المسلم والكافر
معنى الاسلام في اللغة الانقياد والاستسلام، اما الشرع فقد استعمله في معان شتى، منها المسلم الاخلاقي السلبي الذي أشار اليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فان في غير المسلمين من يكف أذاه عن الناس أجمعين، لا عن المسلمين فقط، وقد سمعنا، وقرأنا عن افراد من الهندوس بلغوا الغاية في المسالمة، حتى لمن اعتدى عليهم.. ومهما يكن، فان المسلم الكامل في خلقه هو من ادى حقوق الناس الى جانب قيامه بحقوق الله جل وعز.
ومنها المسلم العامل الايجابي(١) قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في جواب من سأله أي الاسلام خير: «اطعام الطعام، وإفشاء السلام». وقال: ثلاث من كن فيه فقد جمع الايمان: والانصاف من نفسك، وبذل السلام، والانفاق من الاقتار».
____________________
(١) ان الاسلام كما يطلب من الانسان ان لا يجرم، يطلب منه ان يحارب المجرمين».
وإطعام الطعام كناية عن العمل النافع، بخاصة ما كان منه لسد العوز، ودفع الفقر عن المحتاجين، اما السلم والسلام فهو قوام الحياة، قال بعض شراح الحديث: وإنما خص النبي هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة اليهما.
ومنها المسلم الذي يجري عليه احكام الاسلام من المناكحة والتوارث، وعصمة الدم والمال، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه ميتاً، ودفنه في مقابر المسلمين، وبكلمة ان نلتزم ديناً بان له للمسلمين، وعليه ما عليهم، تاركين ما عدا ذلك لجزائه في الآخرة، فعذابه في نار جهنم، بل خلوده فيها لا يمنع ابداً من ان نجري عليه حكم الاسلام، فان أمير المؤمنين علياً قاتل أهل الجمل، ولم يجز تقسيم أموالهم، وسبي نسائهم، وأيضاً قاتل الخوارج، وقال: لا نمنعهم من المساجد، ولا من الفيء. أما قوله في أهل الشام الذين تجمعوا لقتله وقتاله في صفين: «انما أصبحنا نقاتل اخواننا في الاسلام، أما قوله هذا في اعدى اعدائه أولد خصومه فقد بلغ الغاية في انصاف الخصوم والأعداء، وهذا المسلم هو المقصود من هذا الفصل، ومن قول الفقهاء: «الاسلام الظاهر» وقد جاء تحديده في كتاب الله، وسنة الرسول واضحاً جلياً.
قال تعالى في سورة التوبة:( فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيله ) . وفي الآية ١١ من هذه
السورة:( فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين ) .
وعن ابن عباس ان هذه الآية حرمت دماء اهل القبلة. وفي الآية ٦٤ من سورة النساء:( ولا تقولوا لمن ألقى السلم لست مؤمناً ) . وقد دلت الآية على ان من اظهر ادنى علامة من علامات الاسلام، كالتحية جرت عليه جميع أحكامه، قال البخاري: «ان رجلاً كان في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنمه، فأنزل الله هذه الآية».
وفي البخاري ومسلم ان النبي قال: «امرت ان اقاتل الناس، حتى يشهدوا ان لا اله الا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام، وحسابهم على الله».
وفي الحديث دلالة صريحة على الاكتفاء بظاهر الاسلام، وترتب الاحكام بمقتضاه، بخاصة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وحسابهم على الله».
قال ابن حجر في فتح الباري: «ويؤخذ منه ـ الضمير عائد على هذا الحديث ـ ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره بدون تفضيل بين كفر ظاهر او باطن».
وايضاً في البخاري عن النبي: «أتدرون ما الايمان
بالله وحده؟. قالوا: الله ورسوله اعلم. قال شهادة ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وان تعطوا من المغنم الخمس».
وايضاً في البخاري ومسلم، وعن الترمذي وابن حنبل ان النبي قال: «من مات، وهو يعلم ان لا اله إلا الله دخل الجنة». وايضاً عن البخاري ومسلم والترمذي وابي داود وابن حنبل انه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ان الله حرم على النار من قال: لا اله إلا الله». وايضاً في البخاري ومسلم، وعن الترمذي وابن حنبل انه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، وان ارتكب الكبائر». وايضاً عن ابن حنبل عن النبي: «ماذا يجد من قال: لا اله إلا الله عند حضرة الموت». وايضاً في البخاري ومسلم، وعن ابي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حنبل عن الرسول الاعظم: «من قال: لا إله إلا الله فد عصم ماله ونفسه».
أما حديث بني الاسلام على خمس: شهادة ان لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت فقد تجاوز حد التواتر عند جميع الطوائف الاسلامية، ومن راجع كتب التاريخ والسير، وكتب الفقه والتفسير يرى ان علماء المسلمين مجمعون قولاً وعملاً منذ حدوث الاختلاف فيما بينهم الى يومنا هذا على ان يعاملوا من نطق بالشهادتين معاملة المسلمين
من الزواج والارث واحترام الدماء والأموال، فمن أقوالهم في باب الجنائز: «تجب الصلاة على أهل القبلة». وفي باب الأرث: «المسلمون يتوارثون على اختلاف مذاهبهم». وفي باب الحدود: «لا يقام الحد على احد الا اذا سلم من الشبهة. وقالوا: اذا قال الكافر: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الاسلام، وان المرتد اذا كانت ردته بالشرك فإن توبته بالشهادتين، وفي كتاب المغني لابن قدامة: ٧/١٢٧ و١٤١ وما بعدها ما نصه بالحرف: «ان رجلاً استأذن رسول الله بقتل رجل من المسلمين، فقال الرسول: اليس يشهد ان لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن لا شهادة له. قال الرسول: اليس يصلي؟. قال: بلى ولكن لا صلاة له. قال النبي: اولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». ثم قال صاحب المغني: واذا ثبتت ردته بالبينة او غيرها، فشهد ان لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لم يكشف عن صحة ما شهد عليه به، وخلي سبيله.
وهذا الكتاب في الفقه على مذهب الحنابلة، وهو المعتمد عند الوهابية، هذا، الى ان المعهود من طريقة الشارع التشدد والاحتياط في امر التكفير، وهو من الموارد التي يتغلب فيها الضعيف على القوي، فلو وجد ٩٩ وجهاً للتكفير، ووجد وجه واحد لعدمه تغلب الواحد على التسعة والتسعين. وعلى الرغم من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي جاءت في الصحاح الستة وغيرها، وعلى الرغم من قيام
الاجماع من يوم الاسلام الاول الى آخر يوم، وعلى الرغم من ان التسامح من فضل الرحمن، والتعصب من لعنة الشيطان، على الرغم من ذلك وغير ذلك فقد جزم ابن تيمية بأن النطق بالشهادتين لا يكفي، والعلم بهما لا يجدي، والصوم والصلاة، والحج والزكاة لا ينفع إلا من آمن بآراء ابن تيمية، وكفر بغيرها.
ولا شيء أدل على ذلك من أنه قسم المشركين الى نوعين: نوع لا ينطق بالشهادتين، ولا يصوم ويصلي، ولا يحج ويزكي، ولا يؤمن بحساب وعقاب، والنوع الآخر من المشركين ينطق بلا اله الا الله وبمحمد رسول الله، ويصوم ويصلي ويحج ويزكي، ويؤمن بالحساب والعقاب، وهذا النوع هم المارقون من الاسلام، لا لشيء إلا أنهم لا يعتقدون كل ما يعتقده ابن تيمية(١) وهكذا بلغ به التشدد ان لا يرضى إلا عمن وافقه فيما هو عليه، والذي افهمه من هذا التشدد أنه تماماً كالذين عناهم الله بقوله:( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) البقرة ١٢٠.
قال ابن تيمية واضع حجر الاساس لمذهب الوهابية في
____________________
(١) اذا صح هذا التقسيم فانما يصح ويصدق على من قسم المشركين اليهما، قال النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم: من كفر أخيه بغير تأويل فهو كما قال: أي كافر (صحيح البخاري).
كتاب «الرسالة التدمرية» ص٦٢ ما نصه بالحرف: «فان عامة الذين يقرون بالتوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم ان يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد بذاته، لا قسيم له، وواحد في صفاته، لا شبيه له، وواحد في افعاله، لا شريك له. وقال في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة اصحاب الجحيم» ص٤٥٩: «وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الارادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته في نفوسهم». وفي ص٤٦٥: «فسوى بين المؤمنين والمشركين».
ومعنى هذا ان جميع علماء الكلام مشركون" وكذلك العابدون المتعبدون لا ينفعهم ايمانهم بأن الله واحد بذاته، واحد بصفاته، واحد بافعاله.. يقول الله ورسوله: ان المسلمين هم الذين لا يستكبرون على كلمة التوحيد، ويقول ابن يتميه: كلا، انهم مشركون، وان لم يستكبروا عليها. وأراد الله والرسول ان يجمعا صفوف المسلمين بالقصد الى بيت الله الحرام، والصلاة الى قبلة واحدة، ويأبى ابن يتيمة إلا أن يشتت، ويفرق، ويفتت، وان نطقوا بالشهادة، وصلوا جميعا الى القبلة واحدة، وحجوا الى بيت واحد.
علماء الكلام الذين لا يدعون مع الله اله آخر، ولا بعد محمد نبياً آخر، علماء الكلام الذين ذبوا عن الاسلام، ودفعوا عنه الشبهات، وناضلوا أهل البدع، واحسنوا كل الاحسان في نصرة الكتاب والسنة، علماء الكلام هؤلاء مشركون عند
ابن تيمية أمام الوهابيين، لا لشيء إلا لانهم نزهوا الله عن المثيل والشبيه والشريك.
والآن تعال معي لنقرأ رد «ابن تيمية على المتكلمين، قال في ص٦٤ من «الرسالة التدمرية»: «يريدون من هذا اللفظ ـ أي نفي المثيل والشبهة والشريك ـ نفي علو الله على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله». وتوضيح كلامه هذا ان الله في واقعه لا يمتاز عن خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن المتكلمين يجعلونه مبابياً وممتازاً عن الخلق، وهذا الامتياز والتباين يستلزم تعطيل الله، وبالتالي، نفيه وتعطيله من الأساس، والنفي والتعطيل جحود وشرك، فالمتكلمون، إذن، مشركون..
أرأيت الى هذا التفكير وهذا المنطق؟. كيف يستخرج الشرك من التوحيد، والكفر من الاسلام، والالحاد من الايمان؟. لقد قال علماء البيان: ان الكلام يحتمل الصدق والكذب، ولكن حيث يكون كل من الصدق والكذب ممكناً، والكلام يتحملهما معاً، أما حديث لا يمكن الا الكذب، بحيث لا يتأتى الصدق بحال، مثل الموجود معدوم، والعلم جهل، والظلم عدل، والليل نهار، والحب بغض، والامانة خيانة، أما هذا الكلام، وما اليه فهو لغو وهذيان.
وايضاً قال ابن تيمية في كتاب «نقض المنطق» ص٤٦: «او يقال هم ـ أي المتكلمون ـ لما فيهم من العلم يشبهون
عبدالله بن أبي سرح الذي كان كاتب الوحي، فارتد، ولحق بالمشركين، فاهدر النبي دمه عام الفتح». وقال في ص٨٨: «وكذلك المتكلمون المخلطون الذين يكونون تارة مع المسلمين، وان كان مبتدعين ـ يريد بالبمتدعين من لم يقولوا بقوله ـ وتارة مع الفلاسفة الصائبين، وتارة مع الكفار المشركين».
فابوا الحسن وأتباعه من المسلمين الذين يعدون بالملايين والغزالي والنوبختي ومحمد بن كرام، والباقلاني، وواصل بن عطاء، والنظام الرازي والايجي والجرجاني، كل هؤلاء واشياعهم، ومن اليهم من اقطاب المسلمين مشركون مرتدون مبتدعون صائبون، لا شيء إلا لأنهم خالفوا ابن تيمية في رأي من آرائه، وقول من أقواله.
ان علم الكلام هو المعرفة العقلية التي يبتني عليها الدين والعقيدة الاسلامية، فاذا كانت هذه المعرفة كفر وشرك، وبدعة وضلالة فماذا يكون الدين والاسلام؟. واذا كان العلماء الكبار كالاشعري والغزالي، واضرابهما مشركون، فمن هو المسلم ـ يا ترى ـ
ولا يقتصر وينحصر تكفير ابن تيمية في العلماء، فان كلامه صريح بتكفير كل من يعظم قبر الرسول ويصلي عنده، ويقصده للزيارة، وبديهة ان المسلمين جميعاً يعظمون القبر الشريف، ويصلون عنده، ويقصدونه للزيارة، قال في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم ص٤٥٧:
«قد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم، واستزلهم
عن اخلاص الدين لربهم الى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة رضى غير رضى الله، والرغبة الى غيره، ويشدون الرحال الى قبر نبي، أو صاحب، أو صالح، او من يظنون انه كذلك». فزيارة قبر الرسول عند ابن تيمية غواية من الشيطان، وضرب من الشرك، حتى ولو قصد بها مرضاة الله وثوابه.
وقال في ص٣٣٣: «ان اللات، وهي صنم، كان هبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح» أي ان تعظيم قبر الرسول يستتبع جعله صنماً، تماماً كاللات والعزى.
وقال في ص٣٣٤: «اما اذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الانبياء، او بعض الصالحين متبركاً بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن الله به» فالصلاة لله عند قبر النبي بقصد التبرك بدعة ومحادة لله والرسول، وبديهة ان المسلمين اجمعين يتبركون بالصلاة في البقعة المقدسة التي فيها الجسد الشريف.
وقال في ص٤٠١: «الاحاديث المروية في قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كقوله: من زارني، وزار ابي ابراهيم الخليل في عام ضمنت له على الله الجنة. ومن زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي. ومن حج، ولم يزرني فقد جفاني، ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة».(١)
____________________
(١) روى ابو داود، وهو احد اصحاب الصحاح الستة عن النبي انه دعا الناس لزيارة قبره والسلام عليه.
فتعظيم قبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم يؤدي الى الشرك، والصلاة عنده للتبريك بدعة، وأحاديث زيارته مكذوبة وموضوعة.. فهل هذا من ابن تيمية تسامح ومحبة للمسلمين، او تحقيق وتدقيق، او احتياط وتورع؟. وهل في تكفيره الفرق الاسلامية دعوة انسانية، واخوة شاملة؟. ولماذا كل هذه اللهفة والتعطش للتكفير والتفسيق أحبا بغرس الاضغان والاحقاد، واثارة الفتن والإحن؟.. ان المصلح المفكر يهتم باسعاد الانسان وتخفيف آلامه وويلاته، ويهتم ابن تيمية بتكفير الناس، ورميهم بالشرك والزندقة، حتى كأنه التكفير والتفسيق مبدأه ومنهجه فيما يكتب ويحكم.. ولا ادري الى شيء يهدف من وراء هذا التعصب والتشدد؟. هل يريد ان يوجد فئة تعظمه وتقدسه عن هذا الطريق؟. الله أعلم.
المسلم والدولة الاسلامية
يتمنى كل مسلم يقول: لا اله الا الله، محمد رسول الله ان تقوم دولة اسلامية قوية في بقعة من الارض، أية بقعة، تحكم باسم الاسلام، وتأخذ بمبادئه وتعاليمه في جميع شؤونها، غير خاضعة في شيء من تصرفاتها السياسية والثقافية والاقتصادية لأية سلطة من الخارج او الداخل.
كل مسلم عربياً كان او اعجمياً يتمنى قيام هذه الدولة ويشعر من الأعماق بالحاجة اليها.. ولو استطاع ان يخلقها خلقاً، ويدفع ثمنها من دمه وأهله لفعل، وضحى بكل عزيز، لا لغاية اقتصادية، ولا للمضاهاة والمباهاة، لا لشيء إلا لاعزاز كلمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
ورب قائل: ان هذه الدولة موجودة بالفعل، وهي السعودية التي رسمت على علمها بالخط الطويل العريض كلمة لا اله إلاّ الله محمد رسول الله، واعلنت على الملأ أن دستورها
الوحيد هو الشريعة الاسلامية، مع ان المسلمين في شرق الأرض وغربها يتجاهلون وجودها، ولا يشعرون نحوها بشيء مما ذكرت، بل ان المسلمين كلهم او جلهم يتمنون زوالها، قال الشيخ ابو زهرة في كتاب «المذاهب الاسلامية». ان اكثر المسلمين ينفرون من الوهابية اشد النفور.
اعتقد أن هذا القائل ـ لو وجد ـ فهو غير جاد في قوله إلا أن يكون أعمى القلب والعينين، لان العبرة بالتنفيذ، والعمل بما تمليه الشعارات، لا بالشعارات ذاتها، فكثيراً ما تأتي الشعارات للتغطية والتضليل، وكلمة لا اله الا الله عظيمة وقوية، وحية نامية، فيجب ان تستعمل فيما وضعت له، أو فيما ينسجم معها انسجاماً حقيقياً، حيث التقدم والازدهار، والعدل والحرية والمساواة، واجتناب المحرمات، لا حيث البؤس المتراكم الى جانب الفسق والفجور، وضروب الإسراف والتبذير على اسرّة الذهب والسيارات الفخمة، والسهرات الحمر مع السمراوات والشقروات.
واذا نظرنا الى المملكة السعودية فلا نجد جهة الا وفيها الضعف والهزال، والتأخر والانحطاط، فاول ما يبدو للناظر في هذه المملكة التفاوت بين الناس، وتفوق بعضهم على بعض بالمال والثراء، وتحالف الاقوياء مع الرأسمالية الأجنبية، لاحتكار الخيرات والموارد، واستغلال المستضعفين، وكبت
الحرية، والقضاء على الديمقراطية، هذا، الى الامية المتفشية والأمراض المنتشرة، والفقر الذي بلغ الغاية، مع العلم انه قد مضى على قيام دولة الوهابية اربعون سنة، وانها تسيطر على منابع البترول، ومناجم الذهب وسائر المعادن، وعلى الارباح من الحجاج وغير الحجاج.. ولو اخذت السعودية بتعاليم الاسلام حقاً، وعملت باحكامه لما وجد في أرضها مريض ولا جاهل ولا بائس، ولعمت العدالة والحرية والرفاهية، وكانت المثل الأعلى للحضارة والتقدم، وكلنا يعلم ان الله سبحانه حين قيض للاسلام حكاماً مخلصين التزموا بتعاليمه، وساروا على هديه تغير مجرى التاريخ، وخرج العالم من ظلمة الجهل والظلم إلى نور العلم والعدل، وأعطى الإسلام بفضل القائمين عليه أصدق مثال، وأبلغ حجة على أن الدين هو المصدر الأول لخير الإنسانية وسعادتها، والعلاج الناجع لويلاتها وآلامها.
وبكلمة أن الإسلام ثورة على الجمود والانحطاط، والظلم والمحباة، والطمع والجشع، فإذا ما سادت الأوضاع الفاسدة في بقعة من الأرض، ورأى حكامها أنهم أولى الناس بالمال والجاه والسلطان تأكدنا أنه لا عين ولا أثر لمعنى الإسلام، حتى ولو تستر ساداتها ومترفوها بمظاهره وشعائره، تماماً كما هي الحال في المملكة العربية السعودية، حيث تتسرب الملايين إلى جيوب المسؤولين، والشعب غارق في جهله ومرضه وفقره، ولو كان الاسلام دين الدولة حقاً، ودستورها
الشريعة الإسلامية حقاً لكان هذا الدين وهذه الشريعة موضوع الرعاية والتطبيق على رجال الدولة قبل غيرهم. وإذا ربح السعوديون المال والسلطان فإنهم قد خسروا ثقة المسلمين بهم في شرق الأرض وغربها، ومكانتهم الأدبية بين الامم، والنتيجة الحتمية لهذه الخسارة هي نتيجة النازية والفاشية بالذات.
كان الخوارج اكثر المسلمين عبادة ومحافظة على الصلاة، حتى عرفوا بأهل الجباه السود من كثرة السجود، ومع ذلك كانوا يتورعون عن سفك الدماء، ونهب الأموال، والاخلال بالامن.. سمع الصحابي عبادة بن قرط الأذان، فقصده يريد الصلاة، واذا هو بالخوارج. فقالوا: ما جاء بك يا عدو الله؟ قال: أنتم اخوتي قالوا: انت اخو الشيطان، لنقتلنك. قال: ألا ترضون مني بما رضي به رسول الله؟ قالوا: وأي شيء رضي به منك؟. قال: اتيته، وأنا كافر، فشهدت ان لا اله الا الله، وأنه رسول الله، فخلى عني. فأخذوه فقتلوه.
وقطع الخوارج الطريق على العالم المعروف واصل بن عطاء، ورفقة معه، ولما أرادوا قتلهم لا لشيء الا لأنهم مسلمون قال لهم واصل: نحن مشركون ممن قال الله فيهم: وان أحد من المشركين استجارك فأجره. فنجوا، ولكن بعد ان اعترفوا على انفسهم بالشرك، ولو قالوا للخوارج:
نحن مسلمون، واخوتكم في الدين لقتلوهم كما قتلوا الصحابي عبادة.
ولا يختلف الوهابية عن الخوارج في هذاالصعيد، أجل، ان الوهابية لا يكفرون بعض الصحابة ويستحلون دماءهم كما هي الحال عند الخوارج، ومهما يكن، فان الاسلام في مفهوم الوهابية ضيق جداً، بخاصة فيما يتعلق بالتوحيد، فانهم يفسرونه تفسيراً ضيقاً لا ينطبق الا عليهم وحدهم، حيث يربطون به هدم القبور، وما بني عليها من المساجد، حتى قبر النبي، وتحريم الصلاة والدعاء عندها، ويحرمون زيارة قبر النبي، والتبغ والتصوير الفوتغرافي، وما الى ذاك، اما وضع الستائر على الروضة الشريفة، وقول المسلم سيدنا محمد، وحق محمد، ويا محمد فبدعة وضلالة.. هذا هو الاسلام في مفهومهم، أما العلم وانتشار المعرفة، والقضاء على الفقر والجهل، اما عمارة الأرض، وصلاح المستضعفين فيها، والنضال في مرافق الحياة للتخلص من الضعف وآثاره، والتضامن والتعاون لايجاد وسائل العيش والهناء للجميع، أماتجنب اسباب العداء والبغضاء، وشعور الانسان اتجاه أخيه الانسان، أما هذه، وما اليها فأمر ثانوي، وشيء عرضي.
وليس من شك ان الاسلام لو وقف عند فهم الوهابية وتفكيرهم، لما تقدم خطوة الى الامام، ولما كان للمسلمين هذا التاريخ الخطير الشهير الذي ارغم الأجانب والا باعد على الاعتراف بأن رسالة محمد بن عبدالله هي ام الحضارة
الحديثة، لقد استيقظ العالم كله على مثل أعلى جديد، وثار على القيود والتقاليد، وآمن بأن الانسان لا يجوز ان يكون اداة لنجاح وسعادة انسان آخر إلا في السعودية حيث يعيش حكامها في قصور اسست على الشقاء والجهل والانحطاط.
الحشوية هم فرق من المسلمين" لها منهج خاص، تخالف فيه المعتزلة والاشاعرة والامامية والمرجئة، وهذا المنهج هو حصر العلم والعرفة بظواهر الكتاب والسنة بنصهما الحرفي، حتى ولو خالفت العقل، ولم تتفق مع عظمة الله وجلاله، وتنزيهه وكماله، فالله سبحانه في عقيدة الحشوية له يدان ورجلان، وعينان واذنان، ويقف ويجلس ويمشي، ويضحك ويبكي، ويصافح ويعانق، وبكلمة ان الحشوية يرون العلم والمعرفة بالنقل والرواية، لا بالعقل والدراية، وهم اشد الناس تعصباً، فكل ما يرونه صواباً هو الصواب، ومن خالفهم رموه بالكفر والزندقة.. قال الشيخ سليمان ابن عبدالوهاب اخو محمد عبدالوهاب في كتاب الصواعق الإلهية ص٢٧ طبعة ١٣٠٦هـ: «والله ما لعباد الله من ذنب الا انهم لم يتبعوكم ـ الخطاب للوهابيين ـ على تكفير من شهدت النصوص الصحيحة باسلامه، واجمع المسلمون على اسلامه».
والوهابية هم الفرد الاكمل، والنموذج الامثل للفئة القائلة بأن الآيات والروايات تبقى على دلالتها الحرفية، وان خالفت العقل، وما تقتضيه أصول الدين.. قال الشيخ محمد عبده في كتاب «الاسلام والنصرانية» ص٩٧ الطبعة الثامنة: «ان هذه الفئة أضيق عطناً، واحرج صدراً من المقلدين.. وانها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من اللفظ الوارد والتقيد به بدون التفات الى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين». وعلق رشيد رضا على هذا الكلام بقوله: «يعني بهذه الفئة أهل الحديث، ومن يسمونهم بالوهابية».
وفي الفصل الآتي يجد القاريء عرضا مفصلاً لعقيدة الوهابية، كما هي في الكتب المعتبرة عندهم، ومنه يعلم جمودهم على الظاهر، وقد اعتبروا التأويل كفراً، لأنه يفضي الى تكذيب الله ورسوله،
عقيدة الوهابية
قلنا: ان الوهابية حشوية او اشبه بالحشوية الذين يتمسكون بحرفية الالفاظ، وان قام الف دليل من العقل على المجاز والتأويل، وانهم يضيقون معنى الاسلام، ويتوسعون في مفهوم الشرك، بحيث لا يصدق التوحيد الا عليهم، واليك الدليل.التوحيد والشرك
يرى الوهابيون ان جميع المسلمين ـ غيرهم ـ قد فسروا التوحيد تفسيرا خاطئاً، وفهموه فهماً لا ينطبق على الواقع، ولا يخرجه عن حقيقة الشرك، وعملوا بما فهموا.. اذن، جميع المسلمين مشركون، من حيث لا يريدون ولا يشعرون.
فالانسان عندهم لا يصير موحداً بمجرد ان يشهد ويعتقد بلا إله الا الله محمد رسول الله «وبان الله هو الخالق الرازق وحده، لا شريك له، وانه لا يرزق الا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وبان جميع السموات والارض، ومن فيهن، والارضين السبع، ومن فيها، كلهم عبيد، وتحت تصرفه.. كل ذلك لايفيد، ولا يجعل الانسان موحداً ولا مسلماً..
وكما لا تنفع كلمة الشهادة كذلك لا تنفع كثرة العبادة، ولا الايمان بأن محمداً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرراً، ولا قول الانسان: انا مذنب، والانبياء لهم جاه عند الله، واتوسل بهم اليه تعالى، كي يعفو ويصفح»(١)
كل ذلك، وغير ذلك لا يجعل الانسان موحداً ولا مسلماً إلا ان يترك أموراً معينة.
«ومنها»: ان لا يتوسل الى الله بأحد انبياءه واوليائه، فان فعل، وقال ـ مثلاً ـ: يا الله أتوسل اليك بنبيك محمد ان ترحمني فقد سلك مسلك المشركين، واعتقد ما اعتقدوا. (تظهير الاعتقاد ص٣٦ الطبعة الاولى، والرسائل العملية التسع ص٤٥ وما بعدها طبعة ١٩٥٧).
«ومنها»: ان لا يقصد قبر النبي للزيارة، ويشد اليه الرحال، وان لا يتمسح به، ولا يمسه، ولا يدعو الله ويصلى لله عنده، ولا يقيم عليه بناء ولا مسجداً، ولا ينذر له. (تطهير الاعتقاد ص٣٠ و٤١، ونقض المنطق لابن تيمية ص١٥ طبعة ١٩٥١، وفتح المجيد ص٢٣٩ طبعة ١٩٥٧، واقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم لابن تيمية ص٣٦٨ طبعة ١٩٥٠). وفي صفحة ٤٠٤ من هذا
____________________
(١) رسالة التوحيد، ورسالة هذه اربع قواعد، ورسالة كشف الشبهات لمحمد عبدالوهاب، وفتح المجيد لحفيده، وتطهير الاعتقاد من ادران الالحاد للصنعاني وهو من اصح الكتب واوثقها عند الوهابية، وغير هذه الرسائل والمؤلفات من كتبهم المعتبرة.
الكتاب «وان كان المصلي لا يصلي الا لله، ولا يدعو الا الله» فانه مشرك. «ومنها»: ان لا يطلب الشفاعة من النبي، لان الله، وان اعطاها لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الانبياء، ولكنه نهى عن طلبها منهم(١) ومن طلب الشفاعة من محمد كان كمن طلبها من الأصنام سواء بسواء. (الرسائل العملية التسع ص١١٠، و١١٤). أرأيت الى هذا المنطق من يعظم الرسول لقربه من الله سبحانه كافر مشرك، ومن يساويه بالاصنام التي حطمها الرسول مؤمن موحد؟.
«ومنها»: ان لا يحلف بالنبي، ولا يناديه، ولا ينعته بسيدنا، كأن يقول: بحق محمد، ويا محمد، وسيدنامحمد، بل الحلف بالنبي وغيره من المخلوقات هو الشرك الاكبر الموجب للخلود بالنار، قال حفيد محمد عبدالوهاب في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٤١٤ طبعة ١٩٥٧: «قال ابن مسعود: «لان احلف بالله كاذباً احب إليّ من ان احلف بغيره صادقاً» لان الحلف بالله كاذباً كبيرة من الكبائر، ولكن الشرك ـ أي الحلف بغير الله ـ اكبر من الكبائر(٢) .
____________________
(١) يجوز للمسلم ان يقول يا الله شفع في محمدا، ولا يجوز ان يقول: يا محمد اشفع لي عند الله. (من منشور نشره الملك عبدالعزيز سنة ١٩٤٣).
(٢) لم يجزوا الحلف بغير الله، ومع ذلك قالوا: لو حلف الرجل بطلاق زوجته صح، وتطلق الزوجة.. اللهم الا ان يقال: ان النهي في غير العبادة لا يدل على الفساد.
فاذا كان هذا حال الشرك الاصغر فكيف بالشرك الاكبر الموجب للخلود بالنار».
قال السيد الأمين في كتاب «كشف الارتياب» ص١٢٧ الطبعة الثانية: «جاء في خلاصة الكلام صفحة ٢٣٠: كان محمد عبدالوهاب يقول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انه طارش، وان بعض اتباع هذا الشيخ كان يقول: عصاي هذه خير من محمد، لانه ينتفع بها في قتل الحية، ومحمد قد مات، ولم يبق فيه نفع، وإنما هو طارش ومضى».
هذا هو الكلام الذي يهتز منه العرشن وتتفطر السموات، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً.. واذا كانت العصا خيراً من محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلماذا يجب حبه وطاعته، والايمان به؟. ولماذا نكرر الصلوات والتحيات عليه في الصلوات الخمس، ويقرن اسمه باسم الله على المأذن والمنابر، ويحتج بقوله في كل علم وفن؟. وبالتالي، فأي معنى لقوله جل وعز:( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة واصيلا ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه اجراً عظيماً ـ الفتح ١٠ ) (١) .
وايضاً أي معنى لقوله تعالى:( ان الله وملائكته يصلون
____________________
(١) تعزروا النبي أي تنصرونه، وتوقرونه أي تعظمونه، وتسبحوه بكرة واصيلا أي تذكرونه في تسبيحكم وصلواتكم بالتحيات.
على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ) .
«ومنها»: ان لا يتطير ولا يتشاءم. (فتح المجيد ص٣٠٥ وما بعدها.
«ومنها»: ان لا يعمل عملاً للدنيا كالمدح والثناء. (فتح المجيد ص٣٧٢ وما بعدها).
ان ترك هذه الأمور، وما اليها يتصل اتصالاً وثيقاً بمفهوم التوحيد، ومن فعلها فهل مشرك يحل دمه وماله وذراريه، سواء أفعلها عن علم بتحريمها، او جهلاً واشتباهاً، لأن فعلها يفضي الى تكذيب الرسول، وان لم يتعمد الفاعل منكراً. (الرسائل العملية التسع ص٧٩). وليس من شك انك قد لاحظت ايها القارىء انهم عدوا عدم زيارة النبي وطلب الشفاعة منه شرطاً في التوحيد، ولم يعدوا قتل النفس المحترمه ولا الزنا ولا أكتناز الذهب من منافيات التوحيد والايمان.
وبعد، فان ما ذكرناه من الشواهد والارقام يعطي الصورة الوافية للفهم الوهابي للتوحيد والاسلام، والنزعة المتعصبة ضد الانسانية، وضد رسالة محمد التي تنظر الى البشرية نظرة حب ورحمة تتسع للقريب والبعيد في كل عصر وجيل.
ان المبدأ الاول للوهابية، وشعارهم الوحيد: «اما
الوهابية، وأما السيف» فمن اعتنقها سلم، ومن ابى أبيح دمه، وذبحت أطفاله، ونهبت أمواله، ومحال ان ينظر الوهابي الى غيره الا بهذه العين المكفرة المستحله للارواح والأموال.. قال الشيخ سليمان عبدالوهاب اخو محمد عبدالوهاب في كتاب «الصواعق الإلهية» ص٢٧ و٢٩ طبعه ١٣٠٦هـ مخاطباً الوهابية: «فأنتم تكفرون بأقل القليل من الكفر، بل تكفرون بما تظنون انتم انه كفر، بكل تكفرّون بصريح الاسلام، بل تكفّرون من توقف عن تكفير من كفرتموه».
ولندع جيمع ما قيل عن الوهابية، وننظر الى كتبهم، وماخطوه بأيديهم، كما فعلنا فيما تقدم، قال محمد عبدالوهاب مؤسس مذهب الوهابية في رسالة «كشف الشبهات» المطبوعة مع غيرها في كتاب الرسائل العملية التسع ص١٢٣ طبعة ١٩٥٧: «ولا تنفعهم لا اله الا الله، ولا كثرة العبادات، ولا ادعاء الاسلام لما ظهر منهم من مخالفة الشرع».
هكذا ينبغي ان تكون الأخوة والمحبة والرحمة.. لله درك أيها الشيخ لقد مثلت التسامح الاسلامي حتى كدنا نتوهم ان هذه الآية:( وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين ) نزلت فيك.. استغفر الله.
وقال في صفحة ١١٠: «وان قالوا: نحن لانشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر الا الله وحده لا شريك له، وان محمداً رسول الله لا
يملك لنفسه نفعاً ولا ضرراً، ولكن الصالحين لهم جاه عند الله، وأنا اطلب من الله بهم، فجاوبه ان الذين قاتلهم رسول الله مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن اوثانهم لا تدبر شيئاً، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة». أي ان من يطلب الشفاعة من محمد تماماً كمن يطلبها من الاوثان سواء بسواء.. هذا هو التحقيق الدقيق، والايمان العميق..
وايضاً قال محمد عبدالوهاب مؤسس المذهب في ص١١٧ و١١٨: «واذا قالوا: نحن نشهد ان لا اله الا الله، وان محمد رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل اولئك؟. فالجواب ان الرجل اذا صدّق رسول الله في شيء، وكذبه في شيء فهو كافر لم يدخل في الاسلام».
وهكذا يدخل هذا الشيخ في كفره من يشاء، ويخرج من الاسلام من يشاء، حتى كأن الله سبحانه قد جعل في يده ايمان العباد وعقيدتهم، لا في قلوبهم وعقولهم.. ولا ادري ماذا أراد بقوله: اذا صدق الرجل محمداً في شيء، وكذبه في شيء فهو كافر.. لان من صدّق رسالة محمد يصدقه في كل شيء، لا في شيء دون شيء.. وقد ادرك هذه الحقيقة مشركو قريش حين كتب النبي في صلح الحديبية: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» فقال له المشركون: لئن كنت رسول الله، ثم قاتلناك، فقد ظلمناك، ادرك هذه الحقيقة المشركون، ولم يدركها محمد عبدالوهاب.. لماذا؟
لأنه هو قد آمن ببعض ما جاء به محمد، وكفر ببعض..
وجاء في كتاب تطهير الاعتقاد ص٣٥ و٣٦: «يجب ان يدعى هؤلاء الى التوبة، والرجوع الى التوحيد ـ أي الى الوهابية ـ فمن رجع منهم حقن دمه وماله وذراريه، ومن أصر اباح الله منه ما أباح لرسول الله من المشركين».
وفي كتا فتح المجيد ص٤٩١: القتل لمن عاند ولم يتب من الخوارج والقدرية.. عجيب امر هؤلاء الوهابية.. يبيحون الدماء، حتى كأنها شربة ماء.. «ومن أصر اباح الله دمه وماله وذراريه» ولا ادري: هل هذا تقى وزهد، او فهم ووعي، او حب وتسامح، او نتيجة طبيعية لحقدهم على البشرية بعامة، والمسلمين بخاصة، أو انهم طبيعة أخرى منفصلة عن الانسان وحقيقته؟..
وفي صفحة ٤٠ و٤١ من هذا الكتاب: «اذا قال الكافر: لا اله الا الله حقن دمه وماله، حتى يثبت العكس، اما غيرهم ـ أي المسمون ـ فلا تنفعهم كلمة لا اله الا الله كما انها لم تنفع الخوارج على عبادتهم.. فثبت ان مجرد كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها، لارتكابه ما يخالفها» ارأيت الى هذا المنطق. كلمة التوحيد تنفع الكافر، حتى يثبت العكس.
ولا تنفع المسلم بحال؟، وانما الذي ينفع الاساءة الى الله في عرشه، والى محمد في قبره، الذي ينفع هدم قبور آل الرسول، وتشبيهه بالعصا والأوثان.. والذي يجدي هو
إباحة الدماء، وسبي النساء، ونهب الأموال، واشاعة الخوف والفوضى، والفساد في الارض باسم الدين والسماء، قال الله جل وعز:
( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) . وقال: الوهابية: بل تباح دماؤهم وتسبى ذراريهم وتنهب أموالهم..
وبعد، فهل من شاهد اصدق من هذا على ان مبدأهم وشعارهم: «الوهابية، او السيف للرجال والنساء والاطفال، والنهب للأموال»؟..
يقول الشيوعيون: «ان الدين هو التميمة السماوية لمجتمع جاهل مضطهد، يحفظ مع ذلك بشيء من سوء النية، ثم يبرر الشر والفساد بالوحي من السماء».
وهذا القول لا ينطبق على اية عقيدة دينية الا عقيدة الوهابية.
ان عقيدة الوهابية تحتم الضغط على كل انسان، بخاصة المسلم وان يترك رأيه الى رأيهم، واجتهاده الى فهمهم، والا حل ماله، واستبيح دمه، ودم أهله وعياله ـ الوهابية أو السيف ـ. وقد نصت المادة الثامنة عشرة من قانون حقوق الانسان الذي اقترته الجمعية العامة في الامم المتحدة، نصت
هذه المادة على ان «كل انسان الحق في حرية الدين والعقيدة، والتعبير عنهما بالقول والفعل».
وسواء أقرت الامم المتحدة هذا الحق، أم انكرته، فان الحرية تتصل بانسانية الانسان، وبطبيعته مباشرة، فحرمانه منها معناه حرمانه من حياته واصل وجوده.. ولذا حرص الاسلام عليها، ولم يدع وسيلة لاحد من وسائل الضغط والاجبار على الايمان بشيء لم يصل اليه بقلبه، ولا بعقله.
لذا دعا الى النظر المستقل، والتفكير الحر، قال عز من قائل: «انظروا ماذا في السموات والارض.. وفي انفسكم افلا تنظرون.. قل سيروا في الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين.. لا إكراه في الدين.. لست عليهم بمسيطر..»
الى غير ذلك من عشرات الآيات، ولا شيء اصح واوضح في الدلالة على ان أساس الاسلام هو النظر لا التقليد، وان دعوته تقوم على العقل والفطرة لا السيف والرمح من قوله: «لا اكراه في الدين». هذا هو الحق والعدل، وهذا هو الوجدان والعقل، فما دمت لا ترضى بأن يكرهك أحد على دينه، فكيف تكرهه أنت على دينك؟.. حتى الله تبارك وتعالى لم يحمل الناس قسراً على طاعته وعبادته، «ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم وما يفترون ـ الانعام ١١٢» واذا
عطفنا هذه الآية على آية لا اكراه في الدين، وآية لست عليهم بمسيطر، وآية وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، اذا عطفنا هذه الآيات وما اليها بعضها على بعض علمنا ان قول الرسول: امرت ان اقاتل الناس، حتى يقولوا: لا اله إلا الله.. المراد منه الذين يقاتلونه، ويسعون في الأرض فساداً، ويؤكد هذا المعنى الآية ١٩٣ من سورة البقرة:( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) بل ان القرآن رخص للمسلمين ان يحسنوا ويكرموا من لم يقاتلهم في الدين، ولم يعتد على الأرواح والأموال:( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين ) .
من تحصيل الحاصل، وتضويح الواضح القول: ان الشرك هو ان يدعو الانسان مع الله إلهاً آخر، بحيث اذا قيل له: لا إله إلا الله نفر واستكبر، كما في الآية ٣٥ من الصافات:( انهم كانوا اذا قيل لهم لا إله إلاّ الله يستكبرون ) والآية ٥ من سورة ص:( اجعل الآلهة إلهاً واحداً ان هذا لشيء عجاب ) . وذكرنا في فصل المسلم والكافر طرفاً من الأحاديث فلا نعيد.
فأين الاحراز والتمائم، واستعمال الرقى والتعاويذ والتطير والتشاؤم، وزيادة القبور والصلاة عندها، والتمسح بها،
والتعمير عليها، والحلف بغير الله، وما الى ذاك مما كفر الوهابيون به جميع المسلمين؟..
وعلى افتراض ان هذه الأمور من المحرمات فإنها من الفروع التي لا تمت الى التوحيد والأصول بسبب قريب ولا بعيد، وفعلها لا يوجب الكفر ولا الارتداد، بل ولا الحد، ولو اوجب الكفر لما وجد على وجه الأرض مسلم.
والآن نوجه هذه الاسئلة الى الوهابيين: قلتم: أن تعمير القبور والتمسح بها، والطواف حولها، والصلاة لله عندها شرك، بل قلتم: ان من شك وتوقف عن تكفير من كفرتم فهو كافر، وان لم يتعمد المنكر، بل توقف تورعاً واحتياطاً.. ولم تستثنوا قبراً واحداً من وجوب الهدم، حتى قبر الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم.. اذن، لماذا هدمتم قبور الأئمة الاطهار في البقيع، وتركتم قبره الشريف؟. لماذا وقفتم «بالاصلاح» في منتصف الطريق؟.. يقول حفيد محمد عبدالوهاب في فتح المجيد ٢٤٢: «ان عكوف الناس على قبور الانبياء اعظم، واتخاذها مساجد اشد». وعليه فقبر الرسول اولى بالهدم، لأنه الأصل، وقبور الآل فرع. ثم لماذا تمنعون الناس من التمسح بقبره، وتحيطونه بسياج من الشرطة يمنعونه من الدنو منه، وتدعونهم يطوفون حوله، ما دام كل من التمسح والطواف محرماً، وربما كان الطواف أشد؟.
ثم ان مسجد الرسول الحالي قائم على قبره وقبر ابي بكر
وعمر، ان ان جزء منه قائم على هذه القبور، فان الوليد بن عبدالملك هدم المسجد الذي كان على عهد الرسول، وادخل فيه بيوت ازواجه، ومنها بيت عائشة الذي فيه القبور الثلاثة، فصارت هذه القبور ضمن المسجد الموجود الآن، اذن، القسم الذي ضم هذه القبور ليس جزء من مسجد الرسول، لأنه قد حدث بعده، وعلى مذهبكم يجب هدم هذا الجزء الحادث، مع انكم تقيمون الصلاة جماعة في تمام المسجد الحالي، أي ان كثيراً من المؤتمين بكم يصلون في الجزء الحادث الذي فيه القبور، وقد صرح أئمتكم بأنه لا تجوز الصلاة في مسجد بني على قبر، لان ذلك يفضي الى الشرك على حد تعبير ابن تيميه في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم ص٤٠٤، بل لا تجوز الصلاة فريضة في مسجد بني بين القبور، لا عليها كما قال حفيد محمد عبدالوهاب في فتح المجيد ص٢٤٣. واذا لم تجز الصلاة في مسجد بين القبور، فيكف فسحتم المجال لمن يأتي بكم في مسجد، او في جزء من مسجد توجد القبور في قلبه ووسطه، مع ان ذلك يفضي الى الشرك بزعمكم؟. وأي فرق بين ان تصلوا انتم في هذا الجزء، او ترضو بالصلاة فيه، بل تكونوا أئمة لمن صلى فيه؟.. أليس معنى هذا انكم من الذين يقولون مالا يفعلون، ويفعلون ما ينكرون، ويكفرون الناس بما يرتكبون؟..
وكل شيء جائز على منطق الوهابيين.. عباقرة تكفير الأمة.. ونوابغ تشتيت شملها، وتفتيت وحدتها.. وسؤال آخر لا أخير نوجهه اليكم ـ ايها الوهابيون ـ نوجهه للاستفهام لا للتعجيز، ولتقارنوا وتوازنوا بين آرائكم بعضها مع بعض، وهذا هو السؤال: هل عمارة القبور واقامة المساجد عليها أعظم إثماً عند الله، أو تكفير من قال: لا اله الا الله محمد رسول الله، واباحة دمه وماله وذراريه؟.
وبالتالي، فان المسلمين اذا يعظمون النبي، ويتوسلون به الى الله، ويطلبون منه الشفاعة فانما يفعلون ذلك من باب انه وسيلة لا غاية، وطريق لا هدف، وبهذا يحصل التوازن والتعادل بين الايمان بالله كمبدي الخلق ومعيده، وبين الايمان بمحمد كنبي مقرب، وشفيع مشفع.
لو اطلع الوهابيون على ما يدعو به الشيعة عند قبور أئمتهم لادركوا ان زيارتهم لها هي التوحيد في واقعه، والاخلاص في حقيقته، لو سمع الوهابيون تلك الأصوات، ووعوا تلك الكلمات التي تتردد حول قبر أمير المؤمنين علي، وولده الامام الحسين لتأكدوا انها عين التنزيه عن الشرك، ونفس الايمان بالله وحده. وإليك أمثلة من ذلك الكلم الطيب:
فمن ادعية الصحيفة السجادية التي يرددها الشيعة صباح
مساء عند قبور الأئمة الاطهار وفي كل مكان: «الهي من حاول سد حاجته من عندك فقد طلب حاجته في مظانها، واتى طلبته من جهتها، ومن توجه بحاجته الى احد من خلقك، او جعل سبب نجحها دونك فقد تعرض للحرمان، واستحق من عندك فوات الاحسان».
ومن دعاء آخر: «الهي لا تخيب من لا يجد مطمعاً غيرك، ولا تخذل من لا يستغنى عنك بأحد دونك».
ومن دعاء ثالث: «الّلهمّ ان صرفت عني وجهك الكريم، او منعتني فضلك الجسيم، او خطرت عليّ رزقك، او قطعت عني سببك لم اجد اللسبيل الى شيء من أملي غيرك، ولم اقدر على ما عندك بمعونة سواك».
ومن رابع: «إلهي خاب الوافدون على غيرك، وخسر المتعرضون الا لك، وضاع الملمون الا بك، وأجذب المنتجعون الا من انتجع فضلك». ومن خامس: «تباركت وتعاليت لا اله الا انت صدقت رسلك، وآمنت بكتابك، وكفرت بك معبود سواك، وبرئت ممن عبد غيرك» الى ما لا يحصى من هذا التنزيه عن كل شبية.
فاين عبادة الوهابين، وتوحيد المكفرين من هذا الاعتصام والانقطاع والزهد، والتنزيه النزيه، والعبادة التقية النقية؟. وهل ينطق بهذا الا من سمى عقله، وصفا قلبه، واختلط التوحيد بلحمه ودمه؟. هل يصدر هذا الكلم الطيب عن نفس فيها شائبة لغير الواحد الأحد؟. وهل من عبادة تستهدف
العلي الأعلى كما تستهدفه هذه المناجاة: «خاب الوافدون على غيرك، واجذب المنتجعون الا من انتجع فضلك»؟. وهل يصدق وينطبق على من اعتصم بالله بهذه العبادة والمناجاة، هل ينطبق عليه قول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص٣٩١ ان الرافضة ابعد الناس عن التوحيد وقول محمد عبدالوهاب في كتاب التوحيد وشرحه فتح المجيد ص٢٤٣: وبسبب الرافضة حدث الشرك، وقول الصنعاني في تطهير الاعتقاد ص٣١: «يطلبون من الميت مالا يطلب الا من الله»؟.
ان الشيعة لا يزورون أئمة البقيع الا ليرددوا هذه المناجاة التي ناجى بها الامام زين العابدين العليم القدير، ولا يزورون مقام علي أمير المؤمنين الا لتمتليء نفوسهم بقوله: «عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم». ولا يزورون مشهد ولده سيد الشهداء في كربلاء الا لينقطعوا الى الله، ويعرضوا عن كل ما سواه من مال وجاه وحطام مخاطبين الله بقول ابي عبدالله: الحسين «ماذا وجد من فقدك؟. وما الذي فقد من وجدك؟.»
فاين الشرك والالحاد الذي زعم الوهابيون ان زيارة القبور تفضي إليه؟..
كلا، لا شرك في زيارة قبر الرسول وآله، وانما الشرك فيما قاله الصنعاني في آخر كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الالحاد وهذا نصه بالحرف: «السحر أمر مقطوع به، وله تأثير
عظيم في الأفعال، كان في الهند رجل يقطّع الولد عضواً عضواً، ويرمي بكل عضو الى جهة، ثم يرد الاعضاء، ويعود الولد حياً، وكان في العراق رجل يفصل رأس الانسان عن جسده، ثم يرده كما كان، وكانت في القديم امرأة تلقي القمح في الأرض، وتقول له: اطلع فيطلع، ثم تقول له: ايبس فيبس، ثم تقول له: اطحن، فيصير طحيناً، ثم تقول له: اخبز، فيصير خبزاً، وكانت لا تريد شيئاً الا كان»(١) .
يعتقد الوهابية ان الساحر المنافق المشعوذ يقول للشيء كن فيكون، تماماً كرب العزة، ومع ذلك هم وحدهم المؤمنون الموحدون، اما من يتقرب الى الله بزيارة قبر الرسول، وآله الكرام فمشرك..
بقي ملحوظة، وهي ان التوحيد الحق، والاخلاص لله في العبادة انما يتحققان، ويوجدان، حيث توجد العدالة الاجتماعية، وحيث يعمل الانسان لعون أخيه الانسان، ويحب له ما يحبه لنفسه، اما حيث يعيش هو في الترف والبذخ، ويغرق أخوه بالشقاء والمحن، فلا توحيد، ولا ايمان، ولا اسلام، بل رياء ونفاق، وفساد وضلال.
ملحوظة ثانية: لقد هدم السعوديون قبور آل الرسول،
____________________
(١) حين اجتمعت برئيس قضاة الوهابية في مكة الشيخ سليمان بن عبيد قلت له: ساكتب عن عقيدتكم، فارشدني الى الكتب المعتبرة عندكم. فاسمى لي عدداً، منها تطهير الاعتقاد للصنعاني. فلزمتهم الحجة اذن.
ومع ذلك بقيت السعودية تسير في مؤخرة الركب في شتّى الميادين، ولم تتقدم خطوة الى الامام.. اذن، سر التأخر والتقهقر لا يكمن في تعمير القبور، ولا في اقامة المساجد عليها، بل السر كل السر يكمن في الجهل وفساد الأوضاع، وفي الدكتاتورية والاسراف، وفي الأفكار الضيقة المغلقة التي لا تتفتح لثمرات المعقول.
ملحوظة ثالثة: لقد غالى الخوارج بتكفير من كفروا، وغالى من أحرقهم الامام في تأليهه، وغالى الوهابيون في تكفير الأمة.. وبديهة ان الغلو لعنة وطغيان يفسد العقيدة ويضلل العقل، بل ويفسد الحياة، لا نها لا تقوم على الجذب وحده، ولا على الدفع وحده، بل على التعادل بينها والتوازن، وكذلك تكفير المسلم فساد، وتأليهه أفسد، والعدل هو الوسط.
ملحوظة رابعة: اوجبوا هدم القبور، وحرموا الخروج على الحاكم الجائر، والمستبد الفاسد، وأجبوا طاعته والاستماع له.
وملحوظة خامسة: أي فرق بين من يكتب وثيقة بحرمان الانسان من الدين، ورحمة الله، كما تفعل الكنيسة، وبين من يصدر حكمه عليه بالتكفير؟. وايهما أسوء وأفظع؟.تدرأ الحدود بالشبهات:
من المعلوم بنص الكتاب والسنة، وبالاجماع، وضرورة العقل، وباتفاق الشرائع قديمها وحديثها ان كلاً من الجهل
والخطأ والنيسان والاكراه عذر تحقن معه الدماء، وتحفظ الأرواح، وان من خالف بسبب من هذه الأسباب لا يكون كافراً ولا مرتداً، حتى ولو حصل منه ذلك عن تفريط وتقصير فيما يعود الى الفروع، وإن كان آثماً، لترك التحفظ، وما وجب عليه من البحث والاحتراز، بل حتى لو ثبت الحكم الفرعي بدليل قاطع وإجماع جامع، وعلم بضرورة الدين والمذهب، اذا كان الجهل والالتباس ممكناً في حقه، وجائزاً على مثله، ومن هنا كان علماء المسلمين، وما زالوا يختلفون، ويخطيء بعضهم بعضاً بدون تفكير، وإن منهم من خالف المذاهب الأربعة مجتمعة، ومع ذلك لم يكفره احد.
بل كل فرقة من فرق المسلمين التي بلغت ثلاثة وسبعين، كما جاء في الحديث، ان كل واحدة من هذه الفرق تدعي انها هي الناجية دون غيرها، وان الاثنتين والسبعين هالكة غداً قضها وقضيضها الا هي، ومع ذلك لم تحكم عليها بالكفر، ولم تبح قطرة واحدة من دمائها، او تستحل عقالاً من مالها، ما دامت تقول: لا اله الا الله محمد سول الله غير معاندة، ولا جاحدة لما ثبت عندها، ولم تقم لديها الحجة بصدوده عن الرسول الأعظم، وبهذا يتبين ان امة محمد مجمعة على ان الارتداد لا يتحقق، ولن يتحقق الا ممن ايقن وتيقن بصدور الحكم عن صاحب الشرع، ثم جحده عناداً او وتعصباً.
اما من رأي المحرم مباحاً لشبهة، ولو ضعيفة، دخلت
عليه، لعدم وصول النص اليه، او لإجماله، او معارضته بغيره، او لاشتباه الموضوع في الخارج، او لمرض في فهمه، أما هذا فمعذور بالجهل، كما أن المخطيء معذور بالخطأ، والمكره بالاكراه، بل ومأجور ايضاً اذا بحث واجتهد.
ومعلوم ان الذين اباحوا البناء على القبور، وزيارتها، والصلاة لله عندها لم يثبت التحريم عندهم، بل ثبت الجواز بل الرجحان، وعليه يكون الحكم عليهم بالكفر هو الكفر بعينه، فلقد جاء في البخاري ومسلم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر الا ارتدت عليه، ان لم يكن صاحبها، وان من قذف مؤمناً بالكفر فهو كمن قتله.
يحمد الوهابيون على ظاهر نصوص الكتاب والسنة في صفات الله سبحانه، ولم يجيزوا تفسير الظواهر وتأويلها بغير ما دلت عليه الصورة الحرفية، بل يعتبرون التأويل كفر، لأنه كذب على الله والرسول، ويرون تنزيه الله باثبات اليد له والرجل، والكف والاصابع، والنفس والوجه، والعين والسمع، والجلوس والوقوف، والضحك والتكلم، والوجود في السماء، وما إلى هذه من الصفات التي وصف الله بها نفسه، او جاءت على لسان نبيه من غير زيادة ولا نقصان، ولا تأويل بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين.
واستدلوا على اليدين بقوله تعالى:( بل يداه مبسوطتان ) وعلى العينين او العيون:( واصنع الفلك بأعيننا ) . وعلى الجلوس:( ثم استوى على العرش ) . وعلى الوجود في السماء:( أءمنتم من في السماء ) . وعلى الوجه:( فثم وجه الله ) . وعلى السمع والعين:( هو السميع البصير ) . وعلى النظر اليه:( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ) . وعلى السير والمجيء:( وجاء ربك والملك صفاً صفا ) . وعلى النفس( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) . وعلى الضحك بما رواه ابن تيمية في كتاب الايمان ص٢٣٠: «ان الله ضحك الى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة.. وايضاً قد ضحك حين دخل آخر رجل الى الجنة، فقال له الرجل: أتسخر بي، وأنت رب العالمين؟.»
واستدلوا على الرجل بما رواه ابن تيمية ايضاً في الرسالة الواسطية الموجودة في كتاب الرسائل التسع ص١٣٦: «لا تزال جهنم يلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟. حتى يضع رب العزة فيها رجله، فينزوي بعضها الى بعض، وتقول: قط قط».
واستدلوا على وجود الاصابع بما رواه محمد عبدالوهاب في آخر كتاب التوحيد: «ان الله جعل السموات على اصبع من اصابعه، والأرض على اصبع، والشجر على اصبع، والثرى على اصبع، وسائر الخلق على اصبع.. ثم اعتز الله وفتخر، وقال: انا الملك، انا لله. اين الجبارون؟ اين
المتكبرون؟. فالله يحمل السموات السبع والأرضين السبع في يده، وهي فيها كحبة خردل في يد احدنا، وهذا معنى قوله تعالى:( والأرض جميعاً في قبضته يوم القيامة ) .
ويلاحظ اولاً: ان المعروف من طريقة العرب انهم يستعملون الألفاظ في معانيها المجازية أكثر مما يستعملونها في المعاني الحقيقية، ومن المعلوم بالبديهية ان الكتاب والسنة منزلان على كلام العرب وطريقتهم في الخطابات والمحاورات: «انا انزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون». واذا أبقينا جميع ألفاظ الكتاب على ظاهرها فبماذا نفسر قوله تعالى:( واسأل القرية التي كنا فيها والعير ) وقوله:( واسأل من ارسلنا قبلك من رسلنا؟ ) هل نفسره بأن المطلوب توجيه السؤال الى الحيوان والاحجار والأموات؟. واذا ساغ لنا تفسير هذه الآية تبعاً للواقع بالمعاني المجازية التي لم تدل عليها الصورة اللفظية، والدلالة المطابقية.. جاز ذلك في غيرها نبعاً للواقع، والفرق تحكم، وما أوسع هذا الباب وأكثر هذا النوع في كلام الله ورسوله.
ثانياً: ان الوهابية ومن اليهم وقعوا في أشد مما فروا منه، لقد فروا من التأويل، فوقعوا في الاسراف والتعسف، وهربوا من القول بالرأي إلى القول بالجهل، والرجم بالغيب.. ذلك انهم زعموا ان يد الله وكفه، وعينه واذنه الخ لا تشبه
أعضاءنا هذه في شيء فراراً من مشكلة التشبيه، وبديهة ان اليد ظاهرة في هذا العضو المعروف، وهو لا ينفك عن المادة بحال، وكذلك العين والسمع، وما اليهما، فان ابقينا اللفظ على ظاهره يلزم ان يكون الله جسماً، كسائر الأجسام، وهم لا يلتزمنون به، وإن صرفناه الى غير هذه اليد والعين والسمع يلزم التأويل، وقد فروا منه، وإن حملناه على معنى مجهول عند السامع والمخاطب، وذلك بأن تكون له يد لا كالايدي، وعين لا كالأعين على حد تعبيرهم وقعوا في التعسف، وهو أشد سوء من التأويل، وبكلمة ان ابقوا اللفظ على ظاهره جاءت مشكلة التجسيم، وان حملوه على معنة مجهول جاء التعسف..
فتعين تأويل اللفظ تأويلاً معقولاً بحمله على معنى يتلاءم مع جلال الله وعظمته على ان تتحمله الصورة اللفظية، ولا يأباه الذوق السليم، كحمل اليد على القدرة، لانها مظهر لها، والسمع والبصر على العلم، لانهما سبيلان اليه، وحمل الوجه على الظهور، لانه المعنى البارز، والاستواء على الاستيلاء، ورؤية الله على رؤيته بالبصيرة لا بالبصر، لأن كلا منهما طريق إلى المعرفة، الى آخر ما ذكره المفسرون وعلماء المعاني والبيان.
تذكرت الآن ما نقل عن بعض المستشرقين من انه ترجم اللباس «بالبنطلون» في قوله تعالى:( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) .
ومهما يكن، فاذا خالفنا الوهابية في عدم جواز التأويل من حيث هو، وقلنا به حيث تدعو الحاجة اليه فإنا نتفق معهم كل الاتفاق في السكوت والاعراض عن النزاع القائم بين الاشاعرة والمعتزلة من ان صفات الباري: هل هي عين ذاته او غيرها، لأن هذا النزاع يرجع في حقيقته الى النزاع في ذات الباري جل وعلا، وهذا موضوع شائك جداً احجم عنه الانبياء والمرسلون، قال علي امير المؤمنين: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله» نقول هذا مع العلم بأن قول الوهابية ومن اليهم يلتقي مع قول الاشاعرة بأن الصفات غير الذات، الا انهم قد احسنوا بالسكوت عن ذلك.
الايمان بالقدر هو الاعتقاد بأن الخير والشر من الله، ويعد الوهابية هذا الأصل من اصول الاسلام، وهي عندهم ستة: شهادة ان لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، وأقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وحج البيت على المستطيع، والايمان بالقدر خيره وشره. وعليه يكون الانسان مسيراً غير مخير.
وقال ابن تيمية في رسالة العقيدة الواسطية ص١٤٤ من الرسائل التسع: «العباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم.. وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم ارادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وارادتهم، ومع ذلك فقد أمرهم بالطاعة،
ونهاهم عن المعصية».
وقد حالت كثيراً، وفكرت اكثر لافهم واهضم هذا الكلام فلم استطع له فهماً ولا هضماً لمكان التناقض والتضارب، فإن كلام ابن تيمية ظاهر في أن الله خالق أفعال الانسان، وغير خالقها، والانسان موجود لافعاله، وغير موجدها اللهم الا ان يقال: انهما اشتركا في الخلق والايجاد، وحينئذ يأتي اشكال ان احد الشركين اذا كان اقوى من الآخرين قبح ان يعاقب الضعيف فيما اشتركا فيه.
والحق في هذه المسألة التي شغلت الأولين والآخرين ما قاله الامام جعفر الصادق، وعبر عنه بقوله: «لا جبر ولا تفويض، وانما أمر بين الأمرين» ويتلخص معنى هذه الجملة الكبيرة في معناها، الصغيرة في مبناها ان الله سبحانه أقدر العبد على فعل الخير والشر، ثم أمره بالأول، ونهاه عن الثاني، فان اختار العبد فعل الخير، وآثره على الشر ينسب فعله هذا الى الله، لأنه رضي به، وايضاً ينسب الى العبد، لأنه آثره على الشر، وترك المعصية مع قدرتها عليها، اما إن اختار العبد فعل الشر، وفضله على الخير فينسب اليه وحده، لأنه قد ترك الخير مع قدرته على فعله، وفعل الشر مع قدرته على تركه، ولا ينسب الى الله، لانه نهى عنه، ولم يرض به بحال، وعليه يكون الخير من الله والعبد، أما الشر فمن العبد وحده.
وان قال قائل: لماذا اقدر الله عبده على الشر ما دام لا
يريده منه؟. قلنا في جوابه: لو ان الله سبحانه اقدر عبده على الخير فقط لكان مجبراً عليه، وكان الفعل بالنسبة اليه كالثمر على الشجر، والله سبحانه يريد الطاعة من عباده اختياراً، لا قهراً عنهم.
ولتتضح الفكرة أكثر نذكر هذا المثال: والد اعطى ولده ديناراً، وأمره ان يشتري به كتاباً، ولا يشرب به خمراً، فامتثل الولد، واشترى الكتاب، فشراء الكتاب ينسب الى الوالد، لانه اقدر الولد عليه، ورضي به، وأيضاً ينسب الى الولد، لانه ترك شرب الخمر مع قدرته على فعله واشترى الكتاب مع قدرته على تركه، اما شرب الخمر فينسب الى الولد فقط، لانه ترك ما أمر به مع قدرته على فعله، وفعل ما نهي عنه مع قدرته على تركه، ولا ينسب الى الوالد، لأنه لم يرض به بحال.
هذا هو رأي الشيعة الامامية. الذين ينعتهم ابن تيمية وأتباعه بالشرك، ويستحل هو وقبيله منهم الدم والمال والذرية.
قال الاشاعرة: ليس في الكون أسباب طبيعية، وجميع المسببات تستند الله مباشرة، فهو الذي يخلق الشبع عند الأكل، والشفاء عند شرب الدواء، ويزيل العطش عند شرب الماء. وقال المعتزلة والامامية: بل ان في الكون اسباباً طبيعية تستند اليها مسبباتها مباشرة والأسباب الطبيعية تنتهي بالواسطة الى
الله سبحانه، لأنه مسبب الأسباب.
ويظهر من كلام ابن تيمية انه يوافق الاشاعرة، حيث قال في كتاب نقص المنطق ص٣٦: «ان لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر، وملائكة موكلة بالهدي والعلم، هذا رزق القلوب وقوتها، وذاك رزق الاجساد وقوتها».
اما تلميذ ابن القيم فيتفق مع المعتزلة والامامية في هذا الباب، حيث نقل عنه صاحب فتح المجيد في ص٦٩ قوله: «لا تتم حقيقة التوحيد الا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضية لمسبباتها قدراً وشرعاً». ويشعر هذا النقل بأن الوهابية في ذلك على رأي ابن القيم.
ويعتقد الوهابية ان من ارتكب كبيرة من الموحدين لا يخلد في النار. (فتح المجيد ص٤٧٩) وهو الحق.
ويعتقد الوهابية ان جماعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يوحدون الله، ويجاهدون مع رسول الله، ويصلون معه، ويزكون، ويحجون ومع ذلك كانوا كفرة بعيدين عن الاسلام كل البعد.
(محمد عبدالوهاب في رسالة كشف الشبهات ص١٢٠ الرسائل العملية التسع طبعة ١٩٥٧).
ويعتقد ان الخلفاء الأربعة الراشدين هم صفوة السلف الصالح، وان التفاضل بينهم يأتي على حسب ترتيبهم في الخلافة.
وعلى هذا يجب ان يكون يزيد بن معاوية أفضل من عمر بن عبدالعزيز، لأنه اقدم وأسبق في الوظيفة.. مع ان الملك عبدالعزيز قال: انا اقتدي بعمر بن عبدالعزيز، ولم يقل: انا أقتدي يزيد، لأنه اسبق (من خطاب ألقاه في عيد الأضحى سنة ١٣٦٥هـ).
والغريب انهم يروون لعلي بن ابي طالب من الفضائل والمناقب مالم يرووا بعضه لاحد من الصحابة، حتى للخليفة الأول، ومع ذلك يجعلون الأفضلية على اساس الترتيب في الخلافة..
هذا كتاب التوحيد لمحمد عبدالوهاب، وهو انجيل الوهابية، لم يذكر فيه المؤلف منقبة واحدة لاحد من الخلفاء أو الصحابة الا ما قاله النبي في علي يوم خيبر: «لاعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدكون ليلتهم ايهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يرجو ان يعطاها، فقال: اين علي؟.»
جاءوا كلهم يتلهفون ويطمعون أيهم يعطاها، حتى الأول
والثاني والثالث، ولم يأت علي، ولكن النبي لم يلتفت اليهم، وسأل عن علي وحده.. وكان الواجب ـ بناء على ان الأفضلية على ترتيب الخلافة ـ ان يسأل اول ما يسأل عن ابي بكر، فإذا لم يكن فعن عمر، فاذا لم يكن فعن عثمان، فإذا لم يكن فعن علي، لانه الخليفة الرابع.. يقول النبي: اين علي؟ ويا علي افتح الحصن، وادفع العدو، ولا يقول: يا أبا بكر، واين أبو بكر؟ ومع ذلك ابو بكر أفضل لا لشيء الا لأن علياً خاتم الخلفاء الراشدين، وعلى منطقهم هذا ينبغي ان يكون محمد في الفضل دون من تقدمه من الأنبياء، لأنه خاتم النبيين، والمفروض انه أفضلهم وسيدهم، فكذلك علي خاتم الراشدين وأفضلهم وسيدهم.
ونقل حفيد محمد عبدالوهاب، وهو يشرح كلام جده في فتح المجيد ص٩٠ عن ابن تيمية انه قال «ان في حديث لاعطين الراية الخ شهادة من النبي لعلي بايمانه ظاهراً وباطناً، واثباتاً لموالاته لله تعالى ورسوله، ووجوب موالاة المؤمنين له».
وايضاً قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية الموجودة في كتاب الرسائل التسع ص١٤٧: «نحن ممن يحبون اهل بيت رسوله الله، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصيتة رسول الله، حيث قال يوم غدير خم: اذكركم الله أهل بيتي، اذكركم الله اهل بيتي. وقال ايضاً لعمه العباس ـ وقد اشتكى اليه ان بعض قريش يجفو بني هاشم ـ فقال: والذي
نفسي بيده لا يؤمنون، حتى يحبوكم لله ولقرابتي. وقال: ان الله اصطفى بني اسماعيل، واصطفى من بني اسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم».
واذا اصطفى نبيه من بني هاشم، لانهم الصفوة، فينبغي ان يصطفي خليفته من أهل بيت النبي، لانهم صفوة الصفوة.. هذا هو منطق العلم والدين، ولكن اين منه من كفّر جميع المسلمين؟..الاحاديث:
ويعتقد الوهابية ان كثيراً من الاحاديث الموجودة موضوعة على لسان الرسول افتراء.
وهذا حق لا ريب فيه.
اذا نطق المسلم بكلمة التوحيد مؤمناً، ثم زار القبور جاهلاً بالتحريم يكون مشركاً، وجهله ليس بعذر عندهم. (كتاب تطهير الاعتقاد ص٣٥ والرسائل العملية التسع ص٧٩). وقال صاحب فتح المجيد ص٤٠٦: «وسبب هذه البدع جهل اهلها وقصورهم في الفهم» أي ان من خالف عن جهل يكون مبتدعاً، حتى ولو كان جهله عن قصور، لا عن تقصير.
قال الوهابية: لا يجوز لاحد ان يقلد واحداً من أئمة المذاهب الأربعة، ولا غيرهم مع وجود النص، ويجوز تقليدهم اذا فقد، واستدلوا على ذلك بأن الأئمة الأربعة أنفسهم لا يجيزون التقليد، وبأن ابا حنيفة ومالكاً والشافعي وابن حنبل قد جهلوا الكثير من أحكام الشريعة، قال صاحب فتح المجيد ص٣٨٨: «والائمة نهو عن تقليدهم اذا استبانت السنة لعلمهم ان من العلم شيئاً لم يعلموه، وقد بلغه غيرهم، وذلك كثير».
ولهذا لا يقلد الوهابية ابن حنبل ولا غيره مع وجود النص، ويقلدونه فيما لا نص فيه، أي ان اقوال ابن حنبل عندهم أصل قائم بنفسه يرجعون اليه اذا اعوزهم الدليل من الكتاب والسنة، تماماً كالقياس عند السنة، والعقل عند الشيعة.. اذن، هم مجتهدون ومقلدون في آن واحد، يجتهدون في استخراج الحكم من النص، وفي تقوية الحديث وتضعيفه، ويلجأون الى ابن حبنل مع عدم النص، قال الملك عبدالعزيز في خطاب ألقاء بمكة المكرمة سنة ١٣٥٥هـ: «ومذهبنا هو اتباع الدليل، حيث يكون، فان فقد الدليل، ولم يكن هناك الا الاجتهاد اتبعنا اجتهاد احمد بن حنبل».
ويلاحظ بأن أي انسان لا يستطيع استخراج الحكم من النص الا اذا انتهى بعلمه الى رتبة الاجتهاد، ولا يبلغ هذه الرتبة الا من توافرت فيه المؤهلات لتمييز المعاني الحقيقية
من المجازية، والمنطوق من المفهوم، والمجمل من المبين، والناسخ من المنسوخ، والعام من الخاص، والمطلق من المقيد، والخبر الصحيح من الضعيف، والمعارض من السالم، وعرف عملية العلاج بين المتعارضين، وموارد اجماع العلماء، واختلافاتهم، فاذا تهيأ كل ذلك استطاع ان يجتهد ويخرج الحكم من النص، ووجب عليه ان يعمل بفهمه واجتهاده مصيباً كان في الواقع او مخطئاً، ما دام جاهلاً بمكان الخطأ، وهو في الوقت نفسه يستطيع ان يستخرج الحكم من الاصل العام الذي دل على اعتباره النص القطعي، او العقل الفطري، مع عدم النص، ومن عجز عن الاجتهاد، واستخراج الحكم من الأصل العام مع عدم النص، فهو عن فهم النص واستخراج الحكم منه مع وجوده اعجز او مثله في الضعف والعجز.
وبكلمة اما ان يكون هذا مجتهداً، واما غير مجتهد، فإن كان مجتهداً جامعاً لشروط الاجتهاد حرم عليه التقليد اطلاقاً، وجد النص او لم يوجد، لأن من عرف الحق من دليله لا يجوز له ان يقلد فيه، بل يكون من هذه الجهة كأحمد ومالك والشافعي وابي حنيفة، وإن لم تتوافر فيه شروط الاجتهاد وجب عليه تقليد المجتهد «واسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون».
وعلى هذا يكون قول الوهابية بوجوب الاجتهاد مع وجود النص، وتحريمه مع عدمه تخصيصاً بلا مخصص،
وتقييداً في مورد الاطلاق، بل تجزئة وتقسيماً للشيء الى نفسه والى غيره.
ويعتقد الوهابية بكرامات الأولياء «وان الله يجري على ايديهم خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات»(١) . (الرسائل العملية التسع ص١٤٩).
ومعنى هذا ان المؤمن الصالح يستطيع بالدعاء ان يعلم الغيب، وان يرى، وهو في المشرق من في المغرب، ويسمع، وهو في المغرب من يتكلم في المشرق، وانه يمشي على الماء، تماماً كما يمشي على اليابسة، ويطير في الهواء كالغراب، بل يستطيع ان يجفف البحار والانهار، ويغرق الأرض كلها بالطوفان.. يفعل ذلك، وأكثر من ذلك بمجرد الدعاء وبالتلفظ بكلمة او بضع كلمات لا بتوسط علم وآلات.
ولست بصدد صحة هذا القول او بطلانه، ولكن لدي سؤال واحد اود أن اوجهه الى الوهابيين على مقياسهم هذا،
____________________
(١) نسبت الايمان اليهم بالكرامات كما جاءت في كتاب الرسالة العملية التسع الذي ارشدني اليه علماء الوهابية فيما ارشدوا حين كنت بالحجاز، ولو لم يكن من مصادرهم الصحيحة لما طبعوه ووزعوه بالمجان، ولكن كلام صاحب فتح القدير يشعر بنفي الكرامات.
لا على مقاييسي انا(١) وهذا هو السؤال: اذا كان للولي هذه الكرامة والمقدرة، فهل يجوز لنا ان نطلب منه الدعاء بالخير والهداية الى الحق، تماماً كما نطلب العلم من العالم، والدواء من الطبيب؟. وعلى افتراض الجواز فلماذا قلتم من طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يشفع له عند الله فهو مشرك؟. وإن قلتم: لا يجوز طلب الدعاء بالخير والتوفيق من الولي، قلنا: اذن لا خير عند الولي ولا كرامة.السحر:
ويعتقد الوهابية بالسحر والساحر، وتعلم السحر عندهم سهل للغاية بشرط ان يكفر الانسان، ويأتي بأعظم المعاصي مثل ان يضع المصحف الشريف في كنيف ونحوه والعياذ بالله وقدمنا فيما سبق أمثلة من أقوالهم حين قابلنا بينها، وبين ما يدعو به الشيعة عند قبور الأئمة الاطهار ـ راجع فقرة الشيعة والمناجاة من هذا الفصل ـ والآن ننقل ما ذكره الصنعاني كحجة دامغة على اعتقادهم بالسحر، وطريق تعلمه، قال في صفحة ٥١ من كتابة تطهير الاعتقاد من من ادران الالحاد ما نصه بالحرف الواحد: «قد ثبت في الأحاديث: ان الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان، وهذا أمر مقطوع بوقوعه، فهم ـ أي الشياطين ـ
____________________
(١) الكرامة في اعتقادي هي الصدق والاخلاص.
الثعابين التي يشاهدها الانسان في ايدي المجاذيب، وقد يكون ذلك من باب السحر، وهو أنواع، وتعلمه ليس بالعسير، بل بابه الأعظم: هو الكفر بالله، واهانة ما عظم الله من جعل مصحف في كنيف ونحوه، فلا يغتر من يشاهد ما يعظم في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق، فإن للسحر تأثيراً عظيماً في الأفعال، وهكذا يقلبون الاعيان بالاسحار وغيرها». ومعنى قوله يقلبون الاعيان بالاسحار ان الساحر يستطيع ان يقلب الانسان حجراً، والحجر انساناً.
وبدون حقد، ولا ثورة أعصاب، وبكل لطف وهدوء ادعوك ايها القارىء أن تقرأ ما جاء في هذا الكتاب بالذات الذي ألفه الصنعاني، ليطهر الاعتقاد من ادران الالحاد، ان تقرأ ما جاء في صفحة ٤٨، وهذا هو: «ان المشاهد والقباب على القبور هي أعظم ذريعة الى الشرك والالحاد، واكبر وسيلة الى هدم الاسلام، وخراب بنيانه».
اقرأ هذا، وقارن بينه وبين قوله: «تعلُم السحر سهل يسير، وبابه الكفر، وجعل المصحف في «كذا».. اقرأ وقارن ين من يعتقد ان في رفع القباب على قبر الرسول وآله الابرار تعظيماً لشعائر الله، وبين من يعتقد بالسحر على الشكل الذي رسمه الصنعاني، وان سبيل السحر، هي اهانة القرآن على الصورة التي صورها في كتابه، وإن من فعل ذلك يقل للشيء فيكون.. اقرأ وقارن، ثم احكم بعقلك
وفطرتك، وخبرنا عن صورة المشرك التي ارتسمت في خاطرك للوهلة الأولى لاحد الاثنين، وأنت تقرأ وتقارن، وقل لنا: أي الاعتقادين ذريعة للشرك والالحاد، ووسيلة لهدم الاسلام، وخراب بنيانه؟. وأي الرجلين يجب ان يطهر اعتقاده من ادران الالحاد؟.. ولكن ما الجدوى من حكمك وشعورك ومن حكم العقل والفطرة، وحكم السماء والارض ما دام مبدأهم ومنهجهم الأول والأخير هو التكفير، ومن خلاله ينظرون اليّ واليك وإلى الناس أجمعين الا من تاب وآمن وعمل وهابياً.
ويعقتد الوهابية بوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لورود النص.. وليس من شك ان الأمر بالمعروف واجب، اما بحكم العقل، كما يقول المعتزلة والامامية، واما بحكم الشرع، بحيث لو لم ينص عليه الشرع لم يجب، كما يقول الاشاعرة والوهابية، والنتيجة واحدة.
ولكن يلاحظ بأن الوهابية يجيزون الصلاة خلف الفاسق الفاجر، كما جاء في الرسائل العملية التسع ص١٥٠. وهذا تشجيع للمنكر الذي لا يجتمع مع وجوب النهي عنه.الحاكم الجائر:
يعتقد الحنابلة بما فيهم الوهابية بأنه لا يجوز الخروج على
الحاكم الجائر، والمستبد الفاسد، ويوجبون طاعته والاستماع له، كما جاء في كتاب الأحكام السلطانية، وصاحبه حنبلي المذهب. واستدلوا بقوله تعالى:( اطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم ) .
وبالمناسبة نذكر ما قاله الملك عبدالعزيز في خطبة ألقاها في الطائف بحضور رؤساء البلاد ١٦ المحرم سنة ١٣٥١هـ، قال: «والناس معنا ثلاث: اما محب ومساعد، واما لا محب ولا مساعد، واما معاند فقط، والأول له مالنا، والثاني نسعى جهدنا في افهامه، اما الثالث فجزاؤه ما جاء في الآية الشريفة:( انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً ان يقتلوا ويصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) .
اذن، اين الحرية والديمقراطية، والعدل والانصاف؟. واين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟. ان الآية الكريمة نزلت في الذين يقطعون الطريق على الناس بالسلب والنهب والقتل، ويخلون بالأمن، ويحولون بين الزارع وحقله، والعامل وعمله، اما معارضة الحاكم، وعدم الاتفاق معه على آرائه كلها، او جلها فليست جرماً تعاقب عليه الشرائع السماوية، ولا الوضعية.. وقد رحب ابو بكر وعمر، وغيرهما كثير من الحكام في القديم والحديث رحبوا بالمعارضين، وأفسحوا لهم المجال حتى في ميدان العمل لانتزاع الحكم
منهم، ولم يوجبوا قتلهم وصلبهم ونفيهم، وقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف.
قال الخوارج: ان مرتكب الكبيرة كافر يخلد في النار، وقال الاشاعرة والامامية، بل هو مؤمن عاص، وقال المعتزلة هو في منزلة بين العاصي والكافر.
وأحدث الوهابية قولاً رابعاً، وهو ان من قال: لا اله الا الله لا يخلو ان يكون واحداً من اثنين، اما ان يقولها دون ان يشرك بالله شيئاً، أي لا يزور قبراً، ولا يبنيه، ولا يصلي عنده لله، ولا ينذر له، ولا يمسه، ولا يتمسح به، ولا يطوف حوله، واما ان يقولها، ويفعل شيئاً من ذلك، والأول لا يسأل عن شيء، ولا يحاسب على شيء، وان اتى بمليء الأرض ذنوباً.. جاء في فتح المجيد صفحة ٥٤ «ان التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب، لأنه يتضمن محبة الله واجلاله وتعظيمه، وخوفه ورجاءه وحده ما يوجب غسل الذنوب، ولوكالت قراب الأرض، النجاسة عارضة، والدافع لها قوي». وهذا شبيه بما نسب الى البكداشية من ان حب علي حسنة لا تضر معها سيئة.. والقرآن الكريم يكذبهما معاً:( من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) .
اما الثاني، وهو الذي يزور القبور فهو مشرك كافر،
لا يقبل منه عمل ولا صلاة ولا صوم، ولا عمل الحسنات والمبرات.. وليس من شك انهم يريدون بالموحد الأول الوهابية انفسهم، وبالثاني جميع المسلمين بدون استثناء، والدليل ما نقلناه عن كتبهم فيما سبق، ونذكر هنا للتأكيد ما قاله صاحب فتح المجيد في ص١٠١: «كما هو الواقع في هذه الأمة ـ أي امة محمد والواقع منهم هو العصيان ـ وهذا هو الشرك الأكبر المنافي للتوحيد ـ الى ان قال ـ فاثبتوا ما نفته كلمة التوحيد، وتركوا ما اثبتته من التوحيد».
وفي هذا القول، وهذه العقيدة يكمن سر الاهمال والتأخر في السعودية، وتسلط الحكام بدون شورى وانتخاب، وعدم شعورهم بالمسؤوليّة، واكتنازهم مقدرات الشعب في البنوك والمصارف، الى جانب البؤس والمرض والجهل، كل ذلك لا بأس به، لأن امراء الوهابية وشيوخهم يوحدون الله توحيداً «لا يبقى معه ذنب، ولو كان قراب الأرض».
وبالتالي، فاني احسب ان التاريخ لم يعرف، ولن يعرف فئة في القسوة والجفوة، والتعصب والجمود كالوهابية، ولا احداً مثلهم يهتم بالقشور، دون اللباب، وأقدم لك مثلاً واحداً وأخيراً يفسر ويوضح جميع ما نقلته عنهم، ويعطي صورة واضحة ودقيقة لجمودهم في الفهم والتفكير، وبعدهم عن روح الاسلام وحقيقته، وهذا هو المثال: يجوز للانسان ان يقتني المئات والألوف من العبيد والاماء، ولكن لا يجوز له ان يقول و يتلفظ بلسانه: هذا عبدي،
وهذه امتي، لأن ذلك يتنافى مع التوحيد الخالص الذي لا تضر معه الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر، اما الاستعباد فعلاً، والعمل بمدلول اللفظ فجائز، وليس شركاً كالتلفظ والتفوه. (رسالة التوحيد).
ان العارفين بالله يعلمون حق العلم ان افضل العبادات والطاعات هو العمل لخير الانسان تقرباً اليه تعالى، دون أن يبتغي العامل من غيره جل وعز جزاء ولا شكورا، وألف تحية على الامام موسى الكاظم بن الامام جعفر الصادق الذي قال: «ان لله عرشاً لا يسكن تحت ظله الا من اسدى لاخيه معروفاً، أو نفّس عنه كربة، او قضى له حاجة».
التوحيد والعبادة
لا يكون الانسان صاحب رسالة الا اذا كان له هدف واضح عام لا يبتغي من ورائه منفعة شخصية، بل يؤمن به ويدين، كمبدأ وعقيدة، ويعمل له، ويضحي في سبيله بكل عزيز، حتى بالروح والمال، ولا يتنازل عنه مهما كان الثمن، بحيث يكون هو الغاية، وكل ما عداه وسيلة له، وان تكون الخطة الى تنفيذه معلومة ومحددة بكل دقة.
فاذا لم يكن له هدف واضح، او كان، ولكن اراد به نفسه، او لم يرد الا الخير، ولكنه جهل الوسيلة اليه، او عرفها، ولكنه لم يعمل، بل اعتمد على الصدفة والقدر، اذا كان شيء من ذلك، ثم ادعاها مدعٍ فهو كاذب، اما عظمة الشخصية وقوتها وصلابتها التي يجب ان يتمتع بها صاحب الرسالة فأمر يعود الى تنفيذ الرسالة، لا اإلى مفهومها وحقيقتها.
وقد وجد بكل عصرٍ واحد او اكثر توافرت فيه الشروط
التي أشرنا اليها، ويعد بجدارة انه صاحب رسالة، ولكن الرسالات التي عرفناها كلها، او جلها تنحصر في نطاق خاص، وتتجه الى جهة واحدة لا تتعداها، وتستهدف فئة دون فئة، او امة دون امة، وأصحابها تماماً كالفلاسفة والعلماء المكتشفين الذين اختص كل واحد بالكشف عن نظرية تنسب اليه. واليك عدداً من أصحاب هذه الرسالات:
فمصدق صاحب رسالة ما في ذلك ريب، ولكن رسالته اتجهت الى تأميم النفظ الايراني، وشعارها نفظ إيران للايرانيين، والخطة التي رسمها للتأميم هي توليه الحكم، وبرناد شو صاحب رسالة، وتنحصر رسالته في العمل لتحسين المسرح الانكليزي، والخروج به من اللهو والتسلية الى مدرسة الحياة عن طريق التأليف، ووضع القصص التي تعبر عن شعور الناس وحياتهم ورغباتهم، وبرتراند راسل الانكليزي الفيلسوف المعاصر عمل للسلم عن طريق الكتابة والخطابة والتظاهرات، وغاندي ناضل لتحرير الهنود بعدم التعاون مع الانكليز، وداينلد دولشي الاديب الايطالي دعا الى بناء سد جاتو، وأضرب عن الطعام، الى أن قررت الحكومة الايطالية إنشاءه وبناءه، ولو مضينا في سرد الأسماء لملأنا صفحات وصفحات.
لم تستهدف رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عشيرة قريش دون غيرهم
ولا قومه العرب وحدهم، ولا الشرق فقط، بل استهدفت البشرية بكاملها عربها وعجمها في كل زمان ومكان، كما انها لم تقف عند الحياة الروحية وحدودها، او المادية وقيودها، او عند جهة، او جهات معينة، منهما، بل هي شاملة كاملة، تمتد الى جميع الجهات بشتى انواعها وألوانها في حياتنا هذه، وفي الحياة الثانية، بل تصدت الى تحديد الكون في بدايته ونهايته.. وان هذا الشمول برسالة محمد يستتبع بطبيعته امرين يترتبان عليه قهراً:
الأول: ان محمداً رسول من عند الله، اذ يستحيل على بشر ان يقوم بهذه المهمة، او يجرأ على ادعائها، والتعرض لها من تلقائه، وان بلغ من العلم ما بلغ، فضلاً عن كونه امياً لا يقرا ولا يكتب، وان جازف وخاطر وادعى مثل ذلك فمحال ان يكتب له النجاح، ويترك اثراً محمودا.. ان هذه المهمة او هذه الرسالة الشاملة الكاملة لا تكون ولن تكون الا ممن احاط بكل شيء علماء ومحال ان تحيا الا اذا كان وراءها مدبر قدير، وعناية إله خبير، لذا اسند محمد رسالته الى خالق كل شيء، عليم بكل شيء، لا الى شخصيته وعقله وعبقريته، وأعلن لمن كان ويكون انه بشر يخضع لما تخضع له الناس، ويفعل كما يفعلون، وانه لا يملك لنفسه نفاً ولا ضراً، سوى انه رسول يوحى اليه، وانه لا يستطيع الاتصال بالله الا ان يشاء الله.
الأمر الثاني الذي يدل عليه شمول هذه الرسالة هو ان
محمداً خاتم النبيين والمرسلين، حيث لم يبق لمن بعده شيء يحتاج الى بيان في جهة لحياتنا هذه، او للحياة الثانية، أي ان التجربة الدينية للانسان انتهت بكتاب الله الذي فيه تبيان كل شيء جملة او تفصيلاً وبالشريعة السمحة التي كشفت عن أوامر الله وأحكامه، وسننه في خلقه، وكانت الشريعة الأبدية الخالدة يبلغها السابق اللاحق بدون حاجة الى رسول جديد.
واذا كان كل حكم نطق به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكل بيان يتصل برسالته وراءه حقيقة عليا اوحت به اليه وجبت ـ والحال هذه ـ معرفة تلك الحقيقة، والايمان بها، والاذعان لها، وقد حدد الله سبحانه على لسان نبيه الطريق الى معرفته بالتفكير والنظر، وحدد الايمان به بكلمة التوحيد، وحدد الاذعان له بعبادته وطاعته فيما أمر ونهى.
لقد اراد الله سبحانه أن يعرف بالوسائل البشرية المألوفة، وهي التفكير والنظر في خلق السموات والأرض، وما فيهما من عجائب وأسرار: «ان في خلق السموات والأرض لآيات للمؤمنين). «هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق ليفصل الآيات لقوم يعلمون».
ان الله جل وعلا يضع آياته امام عبده، ويقول له:
انظر وتأمل، تماماً كما تعرض ما لديك من الأدلة على من جادلك فيما تعتقد وتدين.. ولا شيء ادل على ذلك من هذا التفضل والتلطف في اسلوب هذه الآية الكريمة التي خاطب بها منكري البعث والنشر، قال عز من قائل: «يا أيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فأنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة».
واذا لم يفرض الله دينه على الناس فرضا، فكيف ساغ للوهابية ان تقول: «يجب دعاؤهم الى التوحيد، فمن اقر سلم، والا فهو مباح الدم والمال والذرية». (تطهير الاعتقاد ص٣٥ و٣٦).
وبعد، فمن هو الضال المبدع في الدين الوهابية الذين أتوا بهذه المحدثات، او امة محمد؟.
وبين الله على لسان نبيه حقيقة توحيده وتنزيهه عن الاضداد والاشباه والانداد، بيّنها في ابسط معنى، واوضح مبنى يستوي في فهمه العالم والجاهل، والكبير والصغير، وهو كلمة لا إله إلا الله، مع الايمان بها، أي نطق باللسان، وتصديق بالجنان، وكفى... ولو كانت حقيقة التوحيد غير هذه البساطة التي لا فلسلفة فيها، ولا صناعة، ولا اقيسة لما قبل النبي الاسلام من العجائز ورعاة الابل في الصحراء، وكان عليه قبل كل شيء ان يهييء الناس بالعلم والدراسة لتفهم
الاسلام، ثم يعرضه عليهم، أو يأمرهم بالتعلم، حتى يبلغوا درجة الاجتهاد، ويستطيعوا استنباط التوحيد من كلمة لا إله إلا الله، تماماً كما هو الحال بالقياس الى استخراج الاحكام الفرعية الشرعية من ادلتها التفصيلية، مع العلم بأنه لا شيء من ذلك، وهذا دليل قاطع على فساد ما قاله الوهابية من ان كلمة الشهادة لا تنفع، والايمان بها لا يجدي بدون قيودها الكبار الثقال التي لا يفهمها الا الخلص.
وبديهة ان الأصول الاسلامية ترتكز على الفطرة النقية الصافية الضرورية التي تشترك في معرفتها البشرية على السواء.. وبهذا يتبين ان كل ما اضافه الوهابية الى معنى التوحيد، وملأوا به الكتب والطوامير إنما هو بدعة وضلالة، وان البدع التي نعتوا بها امة محمد هم بها اولى، وهي بهم الصق ولايق.
أما عبادة الله سبحانه فقد حددت على لسان نبيه الاكرم تحديداً يستحيل تفسيره تفسيراً صحيحاً بغير الوحي، حيث بلغ من الضبط والدقة مبلغاً لا يصل اليه عقل نافذ، ولا فكر ثاقب، ولا مثالي ولا واقعي. وتعال معي، وقف وتأمل وفكّر طويلاً في هذا الرسم العجيب، فهل تجد له تفسيراً بغير قدرة عظيمة وراء هذا الكون، لا تشبهه في شيء، ولا يشبهها في شيء، فلقد اختطت هذه القدرة لكل عاقل بالغ ان ينهض من فراشه بعد طلوع الفجر،وقبل بزوغ الشمس،
ويغسل وجهه، ويديه الى المرفقين، ويمسح برأسه ورجله، كل ذلك يأتي به على نحو خاص لا يتعداه أبداً.
ثم يقف بين يدي الله في هذا الوقت المحدد، لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه ثانية، ويتجه بوجهه، ومقاديم بدنه الى جهة خاصة لا يحيد عنها قيد أنملة، ويصلي لله ركعتين فقط، يسبحه ويقدسه فيهما بالفاظ معينة لا يتجاوزها الى غيرها، ويركع بنحو خاص، ويسجد على سبعة اعضاء بشكل خاص، ولا يلتفت يمنة او يسرة، ولا يزيد حرفاً، او ينقص حرفاً، ولا يأتي بأية حركة، او أي عمل اثناء ذلك، فاذا انتهى من هذه العملية مضى الى سبيله، حتى اذا زالت الشمس، وبلغت كبد السماء عاد فصلى اربع ركع بنفس الحدود والقيود، وبعدها اربعاً مثلها، ثم يمضي حيث يشاء الى أن يدركه الغروب، فيصلي ثلاث ركع لا غير، وبعدها أربعاً، وبها يتم ما وجب عليه في يومه وليلته، يفعل ذلك كل يوم وليلة بدون استثناء لا في يوم واحد من كل اسبوع، كالجمعة او السبت او الاحد.
وان دلت على شيء هذه الدقة في التصميم والرسم فانما تدل على ان من صميم ورسم هو فوق العقول مجتمعة، فوق كل شيء، هو الكمال النهائي في كل وصف.. ومن يدري ان لهذه الصورة الخاصة من العبادة تأثيراً في البقاء والاستمرار على التوحيد، وفي النهي عن الفحشاء والمنكر.
وايضاً يجب على البالغ العاقل ان يصوم لله من كل سنة شهراً قمرياً
معيناً كاملاً، لا ينقص منه يوماً، ولا يزيد فيه، فيمسك عن الطعام والشراب والنساء من مطلع الفجر الى الليل، لا يتقدم دقيقة او يتأخر بنية الامساك، ولا يبدل شهراً بشهر، مهما كانت الظروف، اما الحكمة في كون الشهر قمرياً فلاجل ان يمر الصيام على الانسان في جميع فصول السنة، لا في فصل دون فصل، فاذا انتهى شهر الصيام وجب ان ينفق في سبيل الله مبلغاً رمزياً من المال، ان ملك مؤونة سنته.
وايضاً على المستطيع ان يحج الى حرم الله في العمر مرة على ان يلبس لباساً خاصاً، ويطوف حول البيت بشكل خاص، ويسعى بصورة خاصة، وينام في اماكن معينة في وقت معين، ويترك الطيب والنساء والصيد، وما الى ذاك.
وايضاً على الزارع ان يزكي الناتج في كل سنة اذا بلغ نصاباً معيناً، وعلى العامل والتاجر ان يخرج خمس ما يزيد عن مؤونة سنته.
ومن هذا الايجاز يتبين ان العبادة على أنواع: منها افعال يجب ان تتكرر في اليوم خمس مرات، وهي الصلاة، ومنها تروك تجب في شهر معين من كل سنة، وهي الصوم، ومنها افعال وتروك تجب في العمر مرة، وهي الحج، ومنها أموال تنفق في وجوه البر والخير.. هذي هي العبادة التي جاءت على لسان محمد بحقيقتها واجزائها، وحدودها وقيودها، لا يجوز فيها التبديل والتعديل، ولا التقليم والتطعيم، فمن اداها كان مطيعاً لله، ممثلاً ما أمر به على لسان نبيه الاكرم صلى الله عليه
وآله وسلم.
ولا يرتبط فسادها بزيارة قبر او تعميره، ولا صحتها بترك ذلك، ولا بعدم الاستغاثة، وطلب الشفاعة من الانبياء، ولا بشيء مما ذكره الوهابيون، سواء أكانت زيارة القبور وما اليها محرمة او مباحة، ومن اناط صحة العبادة وقبولها بشيء من ذلك او غير ذلك سوى التوحيد فقد ابتدع، واتى بما لم ينزل الله به سلطاناً، ولا بياناً..
والغريب في أمر الوهابية انهم يربطون بين صحة العبادة، وبين هجر القبور، وكذلك يربطون بين هجرها وبين التوحيد، اما قتل النفس المحترمة فلا ينافي مع التوحيد، ولا مع صحة العبادة، قال بضع الشعراء:
قتل امريء في غابة * جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن * مسألة فيها نظر
ولكن الجريمة التي لا تغتفر في نظر الوهابيين ليست في قتل امريء أو شعب، بل في زيارة قبور الانبياء والاولياء، وقول المسلم يا محمد اشفع لي عند ربك.. فاتقوا الله أيها الوهابيون في دين الله، وفي شريعة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تشوهوا جمالها بتعصبكم، ولا تقفوا حائلاً بين نورها، وبين الأجيال بعقولكم، ولا تحرموا ما أحل الله من عناياتكم، وتربطوا بعض احكامه ببعض من تلقائكم، ولا تكفروا من وجد ويوجد من امة محمد غيركم، فان الايمان منه القوي،
ومنه الضعيف، ومنه ما بين ذلك، ولا يذهب كله بذهاب مرتبة منه:( ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) .
ومرة ثانية اكرر القول: ان مبادئ الاسلام صافية كلها، فطرية كلها، فلندعها تسير في طريقها لتنتشر في ارض الله الواسعة، ولا نقف حجرة عثرة في سبيلها، ولنكن لها فخاراً وزيناً، لا عيباً وشيناً.اقتراح
اقترح ان ينتدب الوهابيون اعلم علمائهم، وأقواهم على الدفاع عن عقيدتهم، والهجوم على غيرها، ثم يجتمعوا مع علماء من المسلمين، وتطرح كل فئة ما لديها من الحجج والبراهين، وتناقشها الأخرى نقاشاً علمياً هادئاً على أساس الكتاب والسنة الثابتة، ومنطق العقل، ويحكم بين الطرفين من يثق به الجميع، هذا مع العلم بان ادلة العقيدة، ومصادر الأصول معروفة بشكل عام، والاختلاف إنما هو الفهم، والاستخراج من الأصل، وعليه فلا مانع ابداً من ان يكون الحكم اجنبياً، ما دام يملك أدوات المعرفة باصول العقيدة، والفهم السليم لها، ويتجلى بالانصاف، وعدم الانحراف، ومن كانت له الحجة على غيره فهو المسلم المؤمن حقاً، ومن كانت عليه فهو الضال المبدع.
محمد عبدالوهاب
محمد عبدالوهاب هو صاحب الدعوة الوهابية، واليه ينتسب المذهب الوهابي.. ولد في العشرة الثانية من القرن الثاني عشر الهجري بمدينة تسمى «العينية» بنجد، وكان أبوه قاضياً فيها، واميرها يومذاك عبدالله بن معمر.
درس محمد على أبيه مبادئ العلوم الدينية، وطرفاً من الفقه، ثم رحل الى الحجاز، ومكث اشهراً، واثناء إقامته في المدينة المنورة حضر على بعض شيوخها، ثم عاد الى نجد، وما استقر فيها، حتى استأنف الرحلة الى البصرة، وحين أظهر آراءه لأهلها انكروا عليه، وطردوه، فخرج منها هارباً، وعاد الى أبيه بنجد، وكان أبوه قد ترك العينية الى بلدة «حريملة» وبقي الوالد فيها الى ان وافته المنون سنة ١١٤٣هـ.
وعن تاريخ الالوسي ان الأب لم يكن راضياً عن ابنه، وانه زجره ونهاه، وبعد ان مات أبوه تجرأ عليه أهل حريملة، وهموا بقتله، فلم يجد بدا من الهرب الى العينية، وهي مسقط راسه، ودار نشأته، وقد تعاهد هو واميرها عثمان بن معمر على ان يشد كل منهما ازر الآخر، فيترك الامير للشيخ الحرية
في اظهار الدعوى، والعمل على نشرها، لقاء ان يقوم الشيخ بدوره بشتى الوسائل لسيطرة الامير على نجد بكاملها، وكانت يومذاك موزعة الى ست او سبع إمارات، منها امارة العينية.
ولكي تقوى الروابط بين الاثنين زوج الامير اخته جوهرة من الشيخ، فقال له الشيخ: «اني لآمل ان يهبك الله نجداً وعربانها».(١)
وهكذا يؤمن محمد عبدالله بأن الله يهب الأحرار، وما يملكون لمن يناصره في دعوته، ويجعلهم عبيداً له من دون الله هذا، وهو يدعو الى التوحيد الخالص من شوائب الشرك.. اما نحن الشيعة، اما نحن المشركين في نظر محمد عبدالوهاب واتباعه فإنا ندين ونعتقد بأن الناس كلهم احرار، وان الله لم يجعل لانسان سبيلاً على مثله، وانه سبحانه يهب الهداية والعقل والصحة والخير، أما الشر والظلم والتحكم بالارواح والأموال فهو من الشيطان لا من الرحمن في عقيدتنا.. ان عندنا من العلم بعدل الله واحسانه ما ينزهه عما يقول ويفعل الظالمون.
وهكذا بدأ التحالف بين الشيخ والأمير، واحدة بواحدة.. مساومة، ثم أخذ وعطاء، والثمن هو الدين والشعب، أما زواج الشيخ من جوهرة فتثبيت للتحالف، وضمان للوفاء.. لقد سخّر محمد عبدالوهاب الدين لرجل الدنيا، وتطوع لتعزيز
حكمه، دون ان يكون على يقين من عدله، او يأخذ منه موثقاً لتحسين الاوضاع، وراحة الناس، والعمل للصالح العام.. بل على العكس فقد وعده بملك نجد وعربانها.. ولكن لا بالاقتراع وحرية تقرير المصير، بل بالحرب والغزو، وباشلاء الضحايا.. ومع ذلك فان محمد عبدالوهاب هو المجدد المصلح، وصاحب رسالة انسانية..
ومهما يكن، فان التحالف بين الاثنين لم يطل عمره، ولم يتم امره، وما تمخض الا عن زواج الشيخ بجوهرة، وهدم قبر زيد بن الخطاب، واثارة الفتن والقلائل من جراء دعوة ابن عبدالوهاب التي زجره عنها أبوه، وحاول ـ من أجلها ـ أهل البصرة وحريملة ان يقتلوه، لم يطل عمر التحالف بين الشيخ والامير ابن معمر، لان سليمان الحميدي صاحب الاحساء والقطيف امر عثمان بن معمر ـ وكان اقوى منه ـ ان يقتل الشيخ، قال فيليبي في تاريخ نجد ص٣٨:
«قرر عثمان ان يتخلص من ضيفه، فطلب من ان يختار المكان الذي يريد الذهاب اليه، فاختار الدرعية، فارسل عثمان معه رجلاً اسمه فريد، وكلفه ان يقتل الشيخ في الطريق. ولكن فريداً خذلته إرادته، وترك الشيخ، وقفل راجعاً دون أن يمسه بسوء».
وصل الشيخ الى الدرعية سنة ١١٦٠هـ، وكان اميرها آنذاك محمد بن سعود، جد السعوديين، وتم الاتفاق بين الشيخ والامير على غرار ما كان قد تم بينه وبين امير العينية،
فقد وهب الشيخ نجداً وعربانها لابن سعود. كما وهبهما من قبل لابن معمر، ووعده «ان تكثر الغنائم عليه والاسلاب الحربية التي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب»(١) على أن يدع الامير الشيخ، ما يشاء من وضع الخطط لتنفيذ دعوته، وتقول الرواة: ان الأمير السعودي بايع محمد عبدالوهاب على القتال في سبيل الله.. ومعلوم انهما لم يفتحا بلداً غير مسلم في الشرق، او في الغرب، وإنما كانا يغزوان ويحاربان المسلمين الذين لم يدخلوا في طاعة ابن سعود، وهذا الاتفاق، او هذه المساومة، وما سبقتها مع ابن معمر تلقي الضوء الكاشف على دعوة ابن عبدالوهاب، واقل شيء تتكشف عنه انها لا تهتم بمصائر الناس، ولا بحل أية مشكلة من مشاكلاتهم، كما هو شأن الدعوات والرسالات الصالحة.
وبعد ان شعر محمد عبدالوهاب بقوته عن طريق هذا التحالف، وان الامارة السعودية اصبحت تناصره وتؤازره، بعد هذا الشعور جمع الشيخ انصاره واتباعه، وحثهم على الجهاد، وكتب الى البلدان المجاورة المسلمة ان تقبل دعوته، وتدخل في طاعته، وكان يؤخذ ممن يطيعه عشر المواشي والنقود والعروض، ومن ابى غزاه بأنصاره، وقتل الانفس، ونهب الأموال، وسبى الذراري.. ادخل في الوهابية وإلا فالقتل لك، والترمل لنسائك، واليتم لأطفالك.. هذي هي
____________________
(١) فيلبي: ٣٩.
الشريعة السمحة، والتعاليم الغراء، والنية الخيرية، والخلق الكريم.. وهذا هو النظام العادل الصالح الحكيم.. هذا هو بالذات مبدأ عبدالوهاب. الذي لا يتنازل عنه لاية مصلحة، ومن أجله تحالف مع ابن معمر في العينية، ثم مع ابن سعود في الدرعية، وكان على اتم استعداد ان يتحالف مع اية قوة يستعين بها على ذلك.
ولكنه لم يجد مناصراً افضل من ابن سعود بعد أن تأكد هذا الأمير ان انتصار دعوة الشيخ هو انتصار له بالذات، «وان الغنائم والاسلاب الحربية التي وعده بها الشيخ ستفوق ما يتقضاه من الضرائب».. ولم تكن هذه الغنائم والاسلاب الا البعير، والا الشاة التي كانت كل ما يملكه المسلم الآمن في صحراء نجد، والمصدر الاول لحياته وحياة أطفاله وعياله.. كان الشيخ يغزو بانصاره وأتباعه عربان نجد يسلبونهم مصدر حياتهم، ثم يقفلون الى الدرعية بعد ان يتركوا وراءهم اشلاء الضحايا، والخرائب والأرامل والايتام.. ويوزع الشيخ عليهم اربعة اخماس الغنائم والاسلاب من المسلمين الآمنين، ويخص الخمس بالخزينة التي يتصرف بها هو والامير السعودي، قال عبدالله فيليبي في تاريخ نجد ص٤١: «وقد ادخل الامام في عقول طلابه مبادئ فريضة الجهاد المقدس، فوجد الكثيرون منهم في الجهاد اقدس تعاليمه، اذ أنه يتفق مع ما اعتاد عليه العرب ـ يريد ان العرب قاد اعتادوا على السلب والنهب ـ كما خصص الشيخ خمس الاسلاب بخزينة المركزية التي كان
الامير والامام يتقاضيان منها ما يقوم باودهما.. وهكذا كان سلطان الشيخ في تصرف شؤون البلاد بعد مرور سنة او سنتين، لقد اصبح شريكاً مؤسساً».
وقد دان بمبدأ «الوهابية او السيف» كل وهابي، حتى يومنا هذا، لانه يحقق له ما اعتاد عليه من السلب والنهب.. ففي سنة ١٣٤٥هـ طلب ١٤ عالماً وهابياً من الملك عبدالعزيز ان يجبر شيعة الاحساء والقطيف على ترك «الشرك» أي على اعتناق الوهابية، وان يرتب لهم اماماً وهابياً، ومؤذناً وهابياً، وان يهدم الحسينيات ومسجد حمزة، وابي رشيد، ومن ابى عن اعتناق الوهابية ينفى من البلاد(١) ومتى نفوا من بلادهم وديارهم تكون جميع املاكهم للوهابية، تماماً كما فعل الصهاينة بعرب فلسطين.
هكذا يهتف ابتاع محمد عبدالوهاب: لا عدل، لا سلم، لا رحمة، لا انسانية، لا حياة، لا شيء ابداً إلا «الوهابية او السيف».. وهذه السنة التي اسنتها يتحمل وزرها محمد عبدالوهاب من يومه الى يوم القيامة.. لانها، كما ترى، دعوة تقوم على الحرب والضحايا، وتنطبع بطابع الدم والفوضى.
ومن تلك السنة التي وقع فيها الاتفاق بين الشيخ والامير السعودي، وهي سنة ١١٥٨هـ، الى يومنا هذا، والتعاون قائم بين ابنائهما: توزيع مناصب، وتقسيم غنائم، ثم ايغال
____________________
(١) كشف الارتياب للسيد الامين نقلاً عن جريدة الرأي العام الدمشقية عدد ١٩ ذي القعدة سنة ١٣٤٥هـ.
ولنا ان نتساءل: هل كان محمد عبدالوهاب قائداً من قادة الدين، ورائداً من رواد الشريعة الاسلامية، او كان رجلاً يحب الظهور والسيطرة، وقد اتخذ الوهابية وسيلة الى ما أحب؟.
والجواب عن هذا السؤال يتوقف على امرين: الاول ان نعرف خصائص رجل الدين، والعلامات الفارقة بينه وبين غيره، الثاني ان نقرأ بتأمل وتجرد تاريخ محمد عبدالوهاب، ثم نرى: هل تنطبق عليه تلك الخصائص، اولاً؟
أما خصائص رجل الدين وعلاماته، او وظيفته ومهمته فهي ان يعلم اولاً وقبل كل شيء ان العقيدة تقوم على الاختيار وقوة الاقناع، لا على الاكراه والسيف(١) وان يكون مع الكتاب والقلم، ويستفتى فيفتى، وان يعلم ويعظ ويدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل من خالف بالتي هي احسن، وان يحيي الشعائر الدينية، ويصلح ذات البين، ويقف ضد الحروب والتطاحن والمشاغبات،ويعمل على تصفية القلوب وبث المحبة والاخاء، وان يكون رحب الصدر لا يلحق الاذى بمخلوق، كائناً من كان، ويجب
____________________
(١) قد يقال: ان الاسلام امر بقتل المرتد عنه. قلت: اجل، لانه نقض العهد الذي قطعه على نفسه بالاسلام: وكل من نقض عهداً بعد ان أبرمه فهو مجرم تماماً كالقاتل والسارق، ومن هنا قال الفقهاء: ان الرجل المسلم إذا ارتد عن فطرة يقتل ولا يسقط الحد بالتوبة، كما لا يسقط لو تاب عن الزنا والسرقة.
الخير للناس، كل الناس، حتى الذين يخالفونه في الرأي والعقيدة، ويعمل على اسعادهم، والتضحية في سبيلهم، ويهاجم الشر اينما كان، وان يكون وديعاً ورعاً زاهداً، يرضى بما يجد، لا تغلبه عاطفته، وجشعه على دينه، بعيداً كل البعد عن التحزبات، ولا يجمع حوله الهمج الرعاع، ويحرض على الفوضى والغزو باسم الجهاد، ولا يتعاون مع ابناء الدنيا الا فيما فيه الخير والهداية، وان يعتقد اعتقاداً جازماً ان أي سبب من أسباب التفرقة هو طعنة مسمومة في قلب الدين والأمة وبالتالي، لا يتنازل عن شيء من واجباته مهما كان الثمن.
هذا هو رجل العلم والدين.. فهل كان محمد عبدالوهاب كذلك؟. وندع الجواب للتاريخ وحده، قال صاحب خلاصة الكلام: «قوي امر محمد عبدالوهاب، فخافته البادية». وبديهة ان صاحب الدين لا يخاف احد منه، بل هو ملجأ الخائفين، وجاء في الحديث: «شر الناس من تخاف الناس من شره» وفي جغرافية «ملطبرون» ترجمة رفاعة بك: «وقوّى ابن عبدالوهاب دعوته عن طريق السيف». وفي تاريخ ابن بشر: «امر محمد عبدالوهاب بالجهاد، وحض عليه اتباعه، فامتثلوا، واول جيش له تألف من سبع ركائب». ومعلوم ان هذه الركائب غزت بلاد المؤمنين بلاد لا إله الا الله ومحمد رسول الله.. وفي تاريخ نجد للالوسي: «كتب ابن عبدالوهاب الى اهل نجد ـ وهم مسلمون ـ فبعضهم
أطاع، وبعضهم لم يحفل به فأمر أهل الدرعية بالقتال فأجابوه(١) .
وكان لمحمد عبدالوهاب أخ، اسمه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب، وكان يشغل منصب القاضي في حريملة، وكان كأبيه ينكر على أخيه محمد آراءه المتطرفة.. والف كتاباً خاصاً في الرد عليه، وعلى اتباعه أسماه «الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية» وجدت منه نسخة في مكتبة المقاصد ببيروت، ونقلت عنه بعض الكلام فيما تقدم، ويدل الكتاب على علم صاحبه، وسعة إطلاعه، وانه قد بذل جهداً كبيراً في الدرس، وامداً طويلاً في البحث، وقد نعت أخاه محمداً في اول كتاب الصواعق بالجهل والضلالة، قال في ص٤ طبعة ١٣٠٦هـ:
«فان اليوم ابتلى الناس بمن ينتسب الى الكتاب والسنة، ويتبسط في علومهما، ولا يبالي ـ أي أخوه محمد عبدالوهاب ـ من خالفه، واذا طلبت منه ان يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل، بل يوجب على الناس الاخذ بقوله، وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا، وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد، لا والله، ولا عشر واحدة، ومع هذا راج كلامه على كثير من الجهال، فانا لله وإنا اليه راجعون، الأمة كلها تصيح بلسان واحد،
____________________
(١) كشف الارتياب للسيد الامين، وتاريخ الدولة السعودية، لامين سعيد.
ومع هذا لا يصغى الى كلمة، بل كلهم كفار، أو جهال، اللهم اهد هذا الضال، ورده الى الحق».
ومن ألمّ بسيرة ابن عبدالوهاب، او بطرف منها لم يشك في ان أتباعه وانصاره كانوا يغزون ويشنون الغارات على المسلمين الآمنين بأمره وتحريضه، وانهم كانوا يفرشون الأرض بالصرعى والقتلى من ابناء نجد الذين لهم على الشيخ حق الجوار من النصرة والحماية والمواساة.. ولم يشك ايضاً ان التحالف الوثيق الذي حصل بين الشيخ، وبين ابن سعود كان يهدف أو ما يهدف الى انتشار النفوذ والسيطرة عن طريق الغزو والغارات، و«الاساليب الحربية».. واين هذا من الاسلام، وعلماء الاسلام؟. لقد جاء الاسلام فيما جاء لمحاربة الظلم الذي كان يتمثل بغزو أهل الجاهلية بعضهم بعضاً فأحياه ابن عبدالوهاب.
في سنة ١٩٢٠ افتى علماء النجف والأزهر بالجهاد، وتطوعوا بأنفسهم للحرب، وحملوا السلاح، ولكن ضد الانكليز التي استعمرت مصر والعراق، لا ضد من قال لا إله إلا الله، ولا ضد مسالم كائناً من كان.
والغريب ان من تتبع سيرة محمد عبدالوهاب، وقرأ كلماته لايجد فيها اثراً لعمارة الارض، ولا للسلم والرخاء، ولا لسد عوز المعوزين، ولا اية اشارة الى العدالة الاجتماعية وتحسين الاوضاع والحياة، بل ترك ذلك كله، ولم يلتفت اليه، مع انه كان يسمع ويرى الناس من حوله يعيشون
في ضنك من العيش، وضيق في الحياة تتقطع عنهم اسباب الرزق الا من شاة او بعير، فاذا اجذبت السماء ماتوا جوعاً وعرياً، لقد تجاهل كل ذلك على رغم ما كان له من النفوذ والسلطان، قال فيليبي في تاريخ نجد: «ان محمد بن سعود وخليفته عبدالعزيز لم يقوما بأي مشروع، او يصدرا أي قرار ذي شأن إلا بموافقة الشيخ وبركته».
واذا دل اعراض الشيخ عن التفكير بصلاح الناس في عيشهم وتحسين حياتهم، اذا دل هذا على شيء، فانما يدل على أحد امرين، لا ثالث لهما: اما إنه لا يبالي أشقى الناس، أو سعدوا، واما انه جاهل بروح الاسلام، وبمقاييس الخير، واساب التطور والتقدم.. ان الذين يعرفون مقاصد الاسلام يعلمون علم اليقين ان اقرب الناس الى الله، واخلصهم في توحيده وعبادته هو انفع الناس للناس، انفعهم في صلاح أحوالهم وتخفيف آلامهم، وان ابعد الناس عن الله جل وعز هو من يسفك الدماء، وينهب الأموال، ويسبي الذراري، ويقحم الدين في اهوائه وأغراضه(١) .
وقد ربى محمد عبدالوهاب اتباعه على مبدأ عدم التفكير بشيء يتصل بخير الناس ومنفعتهم، وعدم الاهتمام إلا بالتعصب، والحكم بالشرك على أهل لا اله إلا الله محمد رسول الله.
____________________
(١) لا اعرف احداً اضعف واوضع ممن يزج بالدين في جميع خلافاته، وفي كل هوى من اهوائه ولا أدل على نفاقه وضعته انه لو ملك القوة لداس على مقدسات الدين والضمير.
وبعد، فعلينا ان نفهم ونميز بين أهل الدين حقا، وبين الذين ينتحلونه لمآرب أخرى.. علينا ان لا نتهم احداً، ولا نثق بأحد إلا بعد ان نتعرف على سيرته من أوثق المصادر وأصحها.. علينا ان نقف موقف الشك والريبة من كل دين وعقيدة، ومن كل من ينعته الناس بالامام المصلح، او المفسد المضلل، حتى يظهر الحق جلياً، ولن يظهر الا بالبحث والتمحيص، ومن درس حياة محمد عبدالوهاب يرى اول ما يرى انه يفرض آراءه بالقوة، ولكن على المسلمين خاصة دون غيرهم.. وكل الناس يعلمون ان اية عقيدة، أو راي يحاول صاحبه ان يفرضه بالقوة فإنه يحكم على نفسه بنفسه بالفساد والبطلان.
مات محمد عبدالوهاب سنة ١٢٠٦هـ، وسار ابناؤه على سيرته يناصرون ابناء سعود، ويناصرهم ابناء سعود، ويسندون اليهم نفس المناصب التي كان ابن سعود يسندها لابيهم، وزيادة بحكم تطور الزمن.
واختم هذا الفصل بسؤال تذكرته الآن، وهذا هو: يقول الوهابيون: انهم ادركا ووعوا معنى لا اله إلا الله.. وبديهة ان اول ما تدل عليه هذه الكلمة انه ليس لأحد كائناً من كان ان يتحكم بغيره، او يفرض عليه مالا يتجاوب مع قلبه وعقله.. إذن، كيف جمع الوهابيون بين الايمان بلا اله إلا الله، وبين مبدأهم القائل: «الوهابية او السيف»؟.. وكيف جمعوا بين هذا المبدأ، وبين الادعاء بأنهم يجرون
وراء الخبر، ويريدونه للناس، تماماً كما يريدونه لانفسهم، مع العلم بأن هذا المبدأ أساس البغضاء والشحناء، والفوضى والفتن والحروب وكل أنواع الفساد..
بقيت اسئلة تركتها رغبة في الاختصار.. وما انتهيت من فصل، واردت الشروع بما يليه إلا تواردت على خاطري تساؤلا…، دون ان ابحث عنها، وافكر فيها، وقد أدونها كلها، بعضاً دون بعض، وقد اتركها كلية..
والآن ورد على خاطري سؤال آخر: لقد حصلت حروب بين المسلمين الذين كانوا يزورون القبور، ويقولون: يا محمد اشفع لنا عند ربك، وبين غيرهم كالصليبيين ومن قبلهم وبعدهم، فهل كانت تلك الحروب قتالاً بين الكفار بعضهم ببعض، او كانت بين المسلمين، وبين غيرهم.. وعلى الاول لا ينبغي ان تعد الحروب الصليبية وما اليها من تاريخ المسلمين، بل تعد الغزوات والغارات التي شنها الوهابية على من آمن بالله وبمحمد واليوم الآخر، وعلى الثاني لم يبق من موضوع لدعوة محمد عبدالوهاب، او للكثير من كلامه ومؤلفاته
آل سعود
كان في القرن الخامس عشر رجل من عنيزة يسكن في الاحساء، اسمه مانع، وله ابن عم يقيم بقرية بنجد، اسمها منفوحة، واسم هذا النجدي درع، وهو زعيم عشيرة الدروع هناك، وكان موسراً ذا ممتلكات واسعة، وفي احدى السنين زار مانع الاحسائي قريبه درعاً النجدي، فاعطى هذا قطعتين كبيرتين من أرضه لضيفه، فانتقل مانع بأهله الى نجد يستغل عطية قريبه درع. ومانع هذا هو الجد الاول لآل سعود.
وورث الارض من مانع ولده ربيعة، واضاف اليها ارضاً جديدة انتزعها من المجاورين، ومات ربيعة، وورثه ولده موسى، واضاف ملكاً الى مالك أبيه بالغزو والغارات، ودانت له المنطقة، وصارت له امارة صغيرة ومات موسى، فخلفه ولده ابراهيم، ومن بعده ولده فرحات، ورزق فرحات ولدين ربيعة ومقرنا، ورزق مقرن محمداً، ورزق محمد سعوداً، رأس الأسرة السعودية، وقد استولى سعود على الدرعية انتزعها من آل معمر، قال فيليبي: وهكذا لم
ينقض جيلان، حتى غدا النازحون الغرباء سادة المنطقة التي آوتهم.. وبقيت الدرعية عاصمة الامارة السعودية الى عهد تركي الذي يأتي الكلام عنه، فانتقلت من الدرعية الى الرياض، ولم تزل، حتى اليوم، ومات سعود سنة ١١٤٤هـ فخلفه ولده محمد الذي نشأت الوهابية في عهده، فاعتنقها وآزرها، وما زال السعوديون عليها، حتى اليوم، والى آخر يوم، وفيما يلي نتكلم بإيجاز عن كل امير من الأمراء السعوديين الوهابيين الذين جعلوا من الوهابية عقيدة متبعة، وكان لهم الفضل الاكبر عليها، ولولاهم لم تكن شيئاً مذكورا، نتكم بايجاز عن هؤلاء الامراء منذ الامير الاول، حتى الملك عبدالعزيز والد الملك الحالي سعود.
تولى محمد بن سعود امارة الدرعية سنة ١١٥٨هـ الى سنة ١١٧٨، وهو صاحب محمد بن عبدالوهاب وساعده الايمن الذي تكلمنا عنه في فصل سابق، واول حاكم وهابي وكانت نجد في عهد محمد بن سعود موزعة الى ست او سبع امارات رغم ان عددها لم يتجاوز في ذاك الحين نصف مليون.. من تلك الأمارات امارة الدرعية، وفيها محمد المذكور، ومنها امراة ابن دواس بالرياض، وامارة آل معمر بالعينية، وامارة آل هزال بنجران، وامارة آل علي بالشمال، وامارة آل جحيلان بالقصيم.
اما النظام الذي كانت تتبعه هذه الامارات فهو اشبه بالنظام القبلي، يتمشى مع أهواء الامراء والاقوياء.. ويظهر ان المواطنين لم يتأففوا منه، لانهم قد اعتادوا عليه وآباءهم من قبل، حتى حسبوه امراً طبيعياً.
ودارت بين محمد بن سعود امير الدرعية، وبين ابن دواس حروب وغزوات انتهت بالصلح بينهما.
اختار محمد بن سعود ولده عبدالعزيز ولياً للعهد من بعده باقتراح محمد عبدالوهاب، فكان اول امير يبايع بولاية العهد من السعوديين، ومنذ ذلك العهد اصبحت الامارة تنتقل بالمبايعة بولاية العهد تماماً كما فعل معاوية مع ولده يزيد، وهذه من حسنات الشيخ محمد عبدالوهاب، ومن غريب الصدف ان سيرة عبدالعزيز تشبه سيرة يزيد بن معاوية من وجوه:
اولاً: ان كلاً منهما عاش في كنف ابيه الامير بالعز والدلال.
ثانياً: نشأ كل منهما جاهلاً لا يزينه علم ولا خلق ولا ثقافة.
ثالثاً: ما عرفا به من القسوة والغلظة، والبعد عن الرحمة والرأفة.
رابعاً: الحكم عن طريق المبايعة بولاية العهد بمعاونة
الحواشي والهوامش، لا عن طريق الشورى والاختيار.
خامساً: ما وقع في عهدهما من القلاقل والفتن والحروب.
سادساً: غزا يزيد المدينة المنورة، وأباح منها ما ذكره المؤرخون لوقعة الحرة، وغزا مكة المكرمة، وضرب الكعبة بالمنجنيق.
وألف عبدالعزيز السعودي الوهابي جيشاً بقيادة ولده سعود، وغزا مكة، وهدم قبة مولد النبي، ومولد ابي بكر، وقبة السيدة خديجة، وقبة زمزم، والقباب التي حول الكعبة، وذلك سنة ١٢١٨هـ.
وفي سنة ١٢٢١ غزا المدينة، وهدم قبور أئمة البقيع وغيرها، وعن تاريخ الجبرتي: «لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة اخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية وجواهرها، حتى انهم ملأوا اربع سحاحير من الجواهر المحلاة بالماس والياقوت العظيمة القدر، ومن ذلك اربع شمعدانات من الزمرد، ونحو مئة سيف ملبسة قراباتها بالذهب الخالص، وعليها ياقوت، ونصابها من الزمرد». (كشف الاتياب للسيد الامين).
سابعاً: قتل يزيد سيد الشهداء، وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن أمير المؤمنين علي، وذبح اطفاله، وسبي نساءه في كربلاء.. وكذلك غزا عبدالعزيز كربلاء بجيشه الذي قاده ولده سعود، وهدم قبر الحسين، ونهب جميع ما فيه من الذخائر، وأعمل السيف بالكربلائيين رجالهم ونساءهم واطفالهم
وكان ذلك سنة ١٢١٦هـ.
ثامناً: ان فعلة يزيد وجيشه في كربلاء هزت العالم، ونقم جميع المسلمين على يزيد بخاصة، والامويين بعامة، وهذا ما حصل بالذات حين فعل جيش عبدالعزيز ما فعل في كربلاء، قال فيليبي في تاريخ نجد ص٩٩:
«اقتحم سعود بجيش ابيه كربلاء، وبعد حصار قصير اعمل السيف في رقاب اهلها، ونهبهم، لقد قتل السكان بلا رحمة في الشوارع والبيوت، ودمر ضريح الحسين، ونهب المجوهرات التي كانت تغطي الضريح، وجمع كل شيء ذا قيمة في المدينة.. والحق يقال: ان عمله هذا هز العالم كله فضلاً عن الشيعة، فقد كان نقطة انطلاق ركينة للانقلاب على الوهابيين، كما ادى فيما بعد الى عواقب وخيمة على هذه الدولة».(١)
أرأيت الى هذا الشبه القوي بين يزيد بن معاوية من جهة، وبين عبدالعزيز وولده سعود من جهة ثانية، والى هذا الكره العميق في قلب كل مسلم، لكل من يمس بسوء آثار الرسول وآله الكرام؟.. وبالتالي هل يتفق هذا النوع من القتل والنهب
____________________
(١) عبدالله فيليبي هذا، اسمه الحقيقي «سنت جون فيلبي» وهو انكليزي اسلم، واقام امداً طويلاً في الاراضي السعودية، وكان من الاصدقاء على حكامها، ثم غضبوا عليه، ومنعوا كتابه هذا تاريخ نجد… ومن أسباب المنع تسجيله هذه الحقيقة التي تدين السعودية والوهابية وتدمغهم بالعار…
والسلب مع الاسلام وروح الاسلام الذي يدعيه الوهابية او أنهم يعلنون شيئاً، ويعتقدون ويفعلون شيئاً آخر؟.
هذه هي أيام عبدالعزيز كلها حروب وفتن وتدمير وتخريب وضحايا ونهب وسلب وهتك للمقدسات الدينية، وغارات متصلة ليل نهار على الفقراء المستضعفين، والعراة والجائعين، وعن هذا الطريق انتزع الرياض من ابن دواس، وسائر امارات نجد من حكامها، حتى اخضعها جميعاً لسلطانه، وضم اليها عسيراً والحجاز والقطيب.
وقتل عبدالعزيز سنة ١٢١٨ اغتاله رجل من الشيعة انتقاماً منه لما فعله بضريح الحسين في كربلاء، قال فيليبي: لقد تنكر القاتل بزي درويش، وذهب الى الدرعية، وبقي فيها أياماً يصلي خلف عبدالعزيز، وفي ذات يوم القى بنفسه على عبدالعزيز، وهو يصلي، وطعنه بمدية في ظهره اخترقت الى بطنه، وعجلت به الى مقره الأخير.. وتكاثر الناس على القاتل، وقتلوه.
وبعد هذا الحادث جرت عادة آل السعود على ان يقف حارسان على رأس الامير، وهو يؤدي الصلاة خوفاً من الاغتيال.. ولكن الحاكم العادل العامل بكتاب الله، وسنة نبيه يصلي، ويتجول، ويرتاد أي مكان بدون حارس، لان العدالة تحرسه، والدين يحفظه، تماماً كما كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه الهداة الأخيار.
وحل سعود محل أبيه عبدالعزيز، وأول عمل قام به غزو بلدة الزبير والبصرة من أرض العراق، وأعمل فيهما القتل والسلب، وهدم قبر طلحة والزبير، وذلك سنة ١٢١٨، وغزا نجران سنة ١٢٢٠، والشام سنة ٢٥، ودوخ حوران قتلاً وسلباً، ووصل، او كاد الى أبواب دمشق.
وسنة ١٢٢٦ أرسل محمد علي باشا ولده طوسون لتحرير الحجاز من الوهابيين، فصدوه في الكرة الاولى، وتغلب عليهم في الثانية، واستولى على مكة والمدينة، وحاول ان يفتح نجداً، فلم يفلح، وسنة ١٢٢٨هـ حج محمد علي باشا، وعزل الشريف غالباً، وأرسله منفياً الى سلانيك، وعين مكانه الشريف محمد بن عون، فانتقلت الامارة من فرع الى فرع آخر من اسرة الاشراف، ومحمد بن عون هو جد الشريف حسين ابي فيصل ملك العراق، وعبدالله ملك الأردن.
وتجدر الاشارة الى ان سعود هذا هو اول امير اقام هيئة للامر بالمعروف، ومهمتها التجوال في الأسواق اوقات الصلاة. تحض الناس على ادائها، وما زالت هذه الطريقة متبعة الى اليوم عند السعوديين، وتطورت بمرور الأيام، حيث اتسع اختصاصها، واصبحت تحمل العصي، وتجول في الأسواق والشوارع تنهال ضرباً بها على حليق الذقن، او من يلمس قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم او قبر أمام من أئمة البقيع، وغير ذلك مما يخالف عقيدة الوهابية، بل كانوا الى الأمس
القريب يضربون المدخنين علناً، وان كانوا غرباء عن الديار ـ كما قيل ـ
ودامت امارة سعود من سنة ١٢١٨ الى سنة ١٢٢٩.
وتولى بعد سعود ولده عبدالله، فنازعه الامارة عمه عبدالعزيز، وانقسمت الاسرة على نفسها، وتفرقت كلمتها.
وسنة ١٢٣١هـ جهز محمد علي باشا جيشاً بقيادة ولده ابراهيم فتوجه ابراهيم الى الحجاز، وكانت لم تزل مع أبيه، ثم سار منها الى نجد، يتوغل فيها شيئاً فشيئاً الى ان وصل سنة ١٢٣٣ الى الدرعية عاصمة الوهابيين، وبعد حصار دام ٥ اشهر استسلم اميرها عبدالله بن سعود، فأرسله ابراهيم الى الاستانة، حيث قتل ومن معه في ميدان اياصوفيا.
وطغى ابراهيم باشا وبغى في البلاد، واكثر فيها الفساد، وصادر أموال آل سعود، وآل محمد عبدالوهاب، وأجلى الكثير من رجالهم ونسائهم واطفالهم عن الديار، ونفى الكثير منهم الى مصر، وكان هذا جزاء وفاقاً لما فعلوه من قبل بأمة محمد من المظالم والمآثم، وما ارتكبوه من الخيانة لله وكتابه، وللنبي وسنته.. وهكذا كل ظالم لابد ان يبتلى باظلم واغشم.
استمر حكم عبدالله بن سعود من سنة ١٢٢٩ الى سنة ١٢٣٤.
كان لعبدالله بن سعود المتقدم ذكره ابن عم، اسمه تركي
بن عبدالله بن محمد بن سعود، ومحمد هذا الذي هو الجد القريب لتركي هو صاحب محمد عبدالوهاب، واول امير سعودي وهابي.
وكان تركي قد فر من وجه ابراهيم باشا تاركاً الدرعية تحت جنح الظلام، وراح يتنقل في صحراء نجد داعياً العربان الى احياء مجد الاسلاف، وتزوج اثناء تجواله بامرأة من آل تامر، ولدت له ذكراً، اسماه «جلوي» لانه ولد في زمن الجلاء، فتجمع حول تركي اول ما تجمع ثلاثون رجلاً، ثم انضمت اليه بعض القبائل، فاسترد الرياض سنة ١٢٣٥ من باشا مصر، واتخذها عاصمة له، ومن يومه انتقلت عاصمة السعوديين من الدرعية الى الرياض، وما زالت، وكان لتركي ولد، اسمه فيصل، نفاه ابراهيم باشا مع من نفى الى مصر، ولما سمع بخبر ابيه هرب، وجاء اليه.
ومما قدمنا يتبين ان الامارة السعودية الوهابية ابتدأت بمحمد بن سعود صاحب محمد عبدالوهاب، ثم ولده عبدالعزيز ثم ولده سعود، ثم ولده عبدالله الذي انتزع منه الأمارة ابراهيم باشا، وقتل في الاستانة.
وكان انتصار ابراهيم على السعوديين سبباً لانتقال الامارة من فرع عبدالعزيز بن محمد بن سعود الى فرع عبدالله بن محمد بن سعود الامير الوهابي الاول عن طريق عبدالله بن محمد بن سعود، وعبدالله هذا الذي هو ابو تركي لم يتول إلامارة، وانما تولاها اخوه عبدالعزيز الامير السعودي الوهابي الثاني، فتركي ـ اذن ـ هو الامير السعودي الوهابي
الأول من الفرع الثاني لمحمد بن سعود، وبه انتقلت الامارة من سلالة عبدالعزيز بن محمد بن سعود الى سلالة اخيه عبدالله بن محمد بن سعود، وما زالت فيها حتى اليوم.
وكبر على نسل عبدالعزيز ان تخرج الامارة منهم، فدبر احد السعوديين، واسمه مشاري، امر اغتيال تركي، وتم له ذلك، ونادى مشاري بنفسه اميراً، ولم تطل ايامه، حتى قتله فيصل بن تركي المغدور، واسترجع امارة ابيه.
واستمر حكم تركي الذي أعاد النفوذ الى اسرته، استمر من سنة ١٢٣٥ الى سنة ١٢٤٩.
تولى فيصل بن تركي الحكم بعد ابيه، ولكن محمد علي باشا لم يمهله طويلاً، فأرسل حملة كبرى الى نجد، ومعها خالد بن سعود الذي كان مع السعوديين المنفيين بمصر، فدخل جيش محمد علي نجداً، واستولى على العاصمة بلا مقاوم بعد ان فر منها فيصل، فأقام المصريون فيها خالد بن سعود حاكماً مكان فيصل، وذلك سنة ١٢٥٣هـ. وكانت الحجاز لم تزل بيد محمد علي.
وسنة ١٢٥٤ ظهر فيصل مع رجاله من اتباعه، وحاول طرد المصريين، ولكنه لم يفلح، ولم يجد سبيلاً الا الاستسلام، فاستسلم، ونفي الى مصر، مع من نفي فيها من السعوديين.
وبعد ان قويت شوكة محمد علي بخضوع الجزيرة العربية
له بما فيها نجد والحجاز وعسير وتهامة استولى على فلسطين ولبنان وسورية، وبلغ ابواب الاستانة، ولكن الحلفاء اضطروه الى التراجع والانسحاب من البلاد التي احتلها، وتسليمها للأتراك، ما عدا مصرا، حيث منحت له ولسلالته يديرونها ادارة باشوية باسم سلطان الاستانة، وذلك سنة ١٢٥٦هـ.
وفي سنة ١٢٥٩. عاد فيصل من مصر الى نجد هو والأمراء السعوديون الذين نفوا اليها من قبل، وحلوا ضيوفاً في مدينة حائل شمالي نجد على اميرها ابن الرشيد، وكان من قبل تابعاً للسعوديين، بل ان فيصلاً هو الذي عينه حاكماً لحائل قبل الاحتلال المصري مكافأة له على مناصرته للقضاء على فتنة مشاري الذي قتل اباه تركياً(١) .
وقد رد له ابن الرشيد هذا الجميل، فاحتفى بفيصل، وقدم له الرجال والمال، ودعا للالتفاف حوله، واول من استجاب اهل عنزة، وزحف فيصل على الرياض بمعاونة ابن رشيد، وكان فيها امير يدعى عبدالله بن ثنيان، اقامه المصريون حين جلائهم عنها، فاسترجعها فيصل منه بعد مقاومة، وحصار دام ٢٠ يوماً، وأسر ابن ثنيان، ثم عفا عنه.
وما استتب الأمر لفيصل، حتى شرع باسترجاع ما
____________________
(١) فيليبي ص١٦٩.
اخذ من السعوديين، فأخضع نجداً وعسيراً والاحساء والقطيف، ودان له بالطاعة امراء البحرين، ومسقط، وسواحل عمان.
مات فيصل بن تركي سنة ١٢٨٢هـ.
كان لفيصل بن تركي أربعة أولاد: عبدالله، وهو الأكبر، وسعود، ومحمد، وعبدالرحمن، وكان فيصل قد بايع ولده الأكبر عبدالله بولاية العهد طبقاً للتقاليد المتبعة في البيت السعودي، ولكن سعوداً نازع أخاه عبدالله، وثار عليه، واستعرت الحروب الأهلية بين الطرفين، ونشبت الفتن والقلاقل، واستمرت الحرب بين الأخوين ٢٥ عاماً، مما أدى الى ضعف الدولة، وذهاب سلطانها، وانتقاض حكام المقاطعات عليها، واستقال كلٍ بدويريته، كما هو الشأن في توزيع اسلاب الضعيف، واحتل الاتراك الاحساء، والقطيف.
واستطاع سعود ان ينتزع الرياض من اخيه عبدالله بعد ان فر منها، ونزل في ديار عتبة، ومات سعود في الرياض سنة ١٢٩٠، وتولى بعده اخوه عبدالرحمن والد الملك عبدالعزيز الشهير، وجد الملك سعود الحالي، ولكن ابناء أخيه سعود انتفضوا عليه، وطردوه من الرياض، فالتجأ الى اخيه عبدالله في ديار عتبة، لاجيء الى لاجيء، واستغل
عبدالله هذا الخلاف، وأسرع الى الرياض بمعاونة بعض العربان، فجلى عنها أولاد سعود قبل وصوله.
وما استقر فيها، حتى هاجمه محمد بن سعود، ودارت بينهما معارك طاحنة، فاستنجد عبدالله بابن رشيد امير حائل، وقبل ان تصل النجدة منه تغلب محمد على عمه عبدالله، ودخل الرياض، وسجن عبدالله، ولم يطل الأمد، حتى وصل ابن رشيد، ففر محمد بن سعود، واخرج ابن رشيد عبدالله من السجن، ولكن لم يرجعه الى الحكم، بل عهد به الى اخيه عبدالرحمن الذي كان قد تولى الامارة بعد اخيه سعود، وقفل ابن رشيد راجعاً الى حائل بعد ان ترك في الرياض مندوباً من قبله يراقب عبدالرحمن، واسم هذا المندوب سالم السبهان، وبهذه الحادثة اصبح ابن رشيد سيد نجد والمسيطر عليها.
ومات عبدالله بن فيصل سنة ١٣٠٧هـ.
هو الذي تولى الامارة اياماً بعد اخيه سعود، وهو الذي طرده ابن اخيه محمد بن سعود، وهو الذي اقام ابن رشيد ثانية وهو ايضاً والد الملك عبدالعزيز الشهير.
اشرنا الى ان ابن رشيد اقام مندوباً ورقيباً على عبدالرحمن، وأراد عبدالرحمن ان يتخلص من هذا المندوب الرقيب وهو سالم السبهان، فسجنه، وقيل: انما سجنه، لانه
حاول اغتياله بأمر ابن رشيد، ومهما يكن، فقد توجه ابن رشيد الى الرياض، وأطلق سراح السجين.
ولما رأى عبدالرحمن قوة ابن رشيد بنجد اشعر انه بين امرين: اما ان يحارب ابن رشيد، واما ان يخضع له كموظف عنده.. ولا طاقة له على الاولى، ولا تطيعه نفسه على الثانية، فلم يبق امامه الا الرحيل.. وهكذا فعل.. رحل عن نجد بأهله سنة ١٣٠٩، وظل متنقلاً في الأمصار.. فذهب اولاً الى الاحساء، ثم الى الكويت، ثم الى قبائل بني مرة بقرب الربع الخالي، ثم الى قطر، ومنها عاد الى الكويت، واستقر فيها مع عائلته وأولاده، وكان عمر ولده عبدالعزيز آنذاك عشر سنوات.
وعين له أمير الكويت الشيخ محمد بن الصباح مرتباً الى ان خصصت له الدولة العثمانية ستين ليرا عثمانية في الشهر، فقطع ابن الصباح عنه المرتب، وعاش هو وأفراد عائلته في شدة وضيق.
عبدالعزيز بن عبدالرحمن اول من لقب بالملك من السعوديين..
كانت الشمس منذ القديم كما نراها اليوم تطلع من الشرق، وتتوارى في المغرب، ولم يصادف في يوم ان اشرقت حيث تغيب، او غابت حيث تشرق، اما الأحداث
التي تقع بين الشروق والغروب فهي كل يوم، بل كل ساعة في شان.. فور وغور، وصعود ونزول.. لا قاعدة، ولا ظابط، ولا مقياس ينتظم كل شيء، ولا يشذ عنه شيء.. ترى النجاح منك قاب قوسين او ادنى، واذا انت في الأرض، والنجاح في السموات العلى، وترى نفسك غريقاً تتقاذفك الأمواج، وانك ستلفظ النفس الأخير، واذا بك على اليابسة تتنفس الصعداء فرحاً وسرورا.
وترى هذا يزحف كالسلحفاة، وينطلق ذاك الى المريخ، وبين طرفه عين وانتباهتها ترى الزاحف في الطليعة، والسابق جماد لا يستطيع الحراك.
ومهما شككت فاني لا اشك ابداً ان الحكمة من ذلك ان لا ييأس الضعيف، فيذل ويخنع للقوي، وأن لا يطغى القوي فيتحكم بالضعفاء، وان لا يحزن الفاقد، ولا يفرح الواجد، وان يضع الجميع نصب اعينهم ان الغالب قد يصير مغلوباً، والمغلوب غالباً.. والتاريخ وحده يعطينا الدرس الصحيح، لا النظريات ولا الفلسفات(١) .
____________________
(١) ومن هنا أومن ايماناً لا يشوبه ريب بان اسرائيل ستمحى من الوجود، وان بلغت من القوة ما بلغت، وآزرها الغرب والشرق، وهل في قول الله ريب:( ضربت عليهم الذلة اين ما ثقفوا الا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ) - آل عمران ١٢٢؟. ثم كيف تعيش دولة مهدأها وشعارها: «ما دمت فليهلك العالم كه»؟.
وإليك هذا الدرس من التاريخ القريب: لقد استرجع الفتى البالغ من العمر ٢٠ عاماً ما كان لآبائه وأجداده، وهذا الفتى هو عبدالعزيز اللاجيء وأبوه عبدالرحمن في الكويت، استرجع ملك الآباء والأجداد، ولكن لا بالمال، ولا بالجيوش، ولا بالانتخاب، ولا بتأليف الاحزاب وإعلان الشعارات المغرية، ولا بالاضراب والمظاهرات، ولا بتغيير الزمن بسبب حرب عالمية، ولا بشيء من ذلك، بل باسطورة، هذا موجها:
كان عبدالعزيز وأبوه عبدالرحمن لاجئين عند الشيخ مبارك امير الكويت، وذات يوم جاء الفتى عبدالعزيز الى الشيخ مبارك، وقال له: اريد ان انقذ نجداً من ابن رشيد، فهل تساعدني بالمال والعتاد؟.
وسخر الشيخ من الفتى، ولكنه لم يشأ ان يصدمه، فأعطاه مئتي ريال، وثلاثين بندقية، وأربعين جملاً، فأخذها ومضى هو وبعض ارحامه وأصحابه، ولا يتجاوز عدد الجمع اربعين رجلاً.. وكانوا يسيرون ليلاً، ويتوارون نهاراً، واذا احتاجوا إلى الطعام اختطفوا شاة او بعيراً من هنا وهناك، وظلوا يواصلون السير الى ان بلغوا الرياض ليلاً، وهم أهلها، وأعرف الناس بما فيها، ومن فيها، فتسلقوا الحائط الى منزل الحاكم الرشيدي عجلان، وطافوا في انحائه، وبدأوا بالخدم، فألقوا القبض عليهم، وشدوا وثاقهم، واقتحم عبدالعزيز ببندقيته حجرة الحاكم، فوجد
زوجة عجلان واختها، ولم يجد عجلان.
ولما سألهما عنه قالتا: انه يبيت في الحصن المجاور للبيت، وكان الفجر قد طلع، فاسبغ القوم الوضوء، وصلى بهم عبدالعزيز صلاة الصبح جماعة في بيت عجلان، ثم جلسوا في البيت كأنهم أهله وأصحابه.. وما ان طلعت الشمس، حتى فتح باب الحصن، وحاول المهاجمون اقتحامه، واغتيال الحاكم، واذا به يخرج من الحصن متوجهاً الى بيته، فاستقبله عبدالعزيز برصاة اصابته في غير مقتله، ولكن ابن جلوي السعودي أجهز عليه، وأرداه قتيلاً، وذبح المهاجمون عدداً كبير من حامية الحاكم.
وما شاع خبر هذه المفاجأة في المدينة، حتى استولى عليهم الذهول، وخافوا سوء العاقبة، فسارعوا الى تقديم الولاء والطاعة.. وذلك في ٣ شوال سنة ١٣١٩هـ. الموافق ١٥ كانون الثاني سنة ١٩٠٢م. ونقل عبدالعزيز والده من الكويت الى الرياض، واحتفظ الوالد بلقب امام، والولد برئاسة الحكومة، وقيادة الجيش، وانتقل من نصر الى نصر، فقتل ابن رشيد واستتب له الامر بنجد، وأخذ الاحساء والقطيف، والحجاز وعسير، ومات ابوه عبدالرحمن سنة ١٩٢٨، وله من العمر ٧٨ عاماً، مات بعد ان رأى ولده ملكاً على جميع الأراضي الواقعة الآن تحت سيطرة حفيده سعود بن عبدالعزيز.
وكما كان ابن رشيد حليفاً مخلصاً للأتراك، فقد كان
عبدالعزيز حليفاً دائماً، وصديقاً وفياً للانكليز، فكان يذكرها ويشكرها في خطبه وغيرها، وهذا مثال من اقواله بحق الانكليز، جاء في خطبة ألقاها بمكة المكرمة عام ١٣٦٢، قال:
«ولا يفوتني في هذا الموقف ان أتمثل بأنه من لم يشكر الناس لم يشكر الله، فاثني على الجهود التي قدمتها الحكومة البريطانية بتقديم بواخر الحجاج، وتسهيل سفرهم، كما اثني على مساعدتها، ومساعدة الحلفاء القيمة، ومتابعتهم تتميم تموين البلاد، وما يحتاجه الأهالي من أسباب المعيشة وغيرها، وكذلك لابد من الاشارة الى ان سيرة البريطانيين معنا طيبة من أول الزمن الى آخره».
ويعلم الكبير والصغير ان الانكليز والحلفاء، واية دولة استعمارية يستحيل ان تفعل شيئاً بقصد الخير والانسانية، واذا فعلت مع بلد من البلدان ما يبدو كذلك فانما تتخذ منه وسيلة الى التسرب الى اسواقه، والسيطرة على مقدراته.. ان الاستعمار ينافق ويتصنع، ليمتص دماء الشعوب..
وغريب ان تخفى هذه الحقيقة على الملك عبدالعزيز، وأن يقول، وهو الوهابي الذي يصلي في أول الوقت، حتى في بيت عدوه عجلان.. غريب ان يقرن شكر الله بشكر الانكليز، ويقول: من لم يشكر الناس ـ أي الانكليز ـ لم يشكر الله.. هذا، مع العلم بأن الوهابية ـ كما قدمنا ـ يقولون بفساد الصلاة وجميع العبادات ان أديت عند قبر
نبي او ولي، لانها، والحال هذه، تكون مشوبة بعبادة صاحب القبر، او تؤدي اليها بزعمهم.. اذن، كيف ربط الملك عبدالعزيز شكر الله بشكر الانكليز، بحيث لا يقبل الأول بدون الثاني؟. وبعد ان ضعف الانكليز حل محلهم الاميركيين.
ودام حكم عبدالعزيز ٦٤ سنة من سنة ١٣٠٩ الى سنة ١٢٧٣هـ وتولى الحكم بعده اولاده سعود ثم فيصل فخالد ففهد الملك الحالي.
مصادر هذا الفصل: كشف الارتياب للسيد محسن الأمين، وتاريخ نجد لفيليبي، وتاريخ الدولة السعودية لأمين سعيد، والامام العادل ج١ و٢ لعبدالحميد الخطيب. وتاريخ الكويت السياسي ج١ و٢ و٣ لحسين خلف الشيخ خزعل.
تبرير لا اعتذار
كل كلمة من صفحات هذا الكتاب انما كتبتها بنية الدفاع لا الهجوم، وبقصد الوفاء للاسلام، لا بقصد الحرب على الوهابية، كما هو شأني مع كل من افترى وتهجم.. وما انا ولما اعتقده محمد عبدالوهاب، وغير محمد عبدالوهاب، فإن لكل انسان عقيدته، وثقافته، وسلوكه في هذه الحياة، وهو وحده المسؤول عما يدين ويفعل، ولا يحق لانسان ان يتفحص عن نوايا أي انسان وأقواله وافعاله، ما دامت لا تعني احداً سواه، ولا تتصل بغيره من قريب او بعيد.
وأقسم اني ما اردت من ردودي السابقة واللاحقة ان احمل معانداً على عقيدة التشيع، بل كتبت، وانا أعلم ان الذي ارد عليه لن يتخلى عن اخطائه المتزمتة الموروثة، وانما هدفي الأول والأخير ان اقطع الطريق عليه، وعلى كل من يحاول الدس والافتراء، وان يعلم اني له بالمرصاد، وانه لن يجد الى الهرب والنجاة من سبيل.
مالي ولمحمد عبدالوهاب، وعقيدته ودعوته، بخاصة بعد ان اقدم على ما قدم؟.
ما شأني وشأنه لولا قوله: «وبسبب الرافضة ـ يريد الشيعة ـ حدث الشرك وعبادة القبور.. وان بعض السلف اخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة(١) وقول حفيده عبدالرحمن «والقتل لمن عاند منهم، ولم يتب(٢) ».
بهذا الصورة ابرز الشيعة محمد عبدالوهاب، وانهم سبب الشرك، واسوأ من الفرق الهالكة.. وبالقتل حكم عليهم حفيده عبدالرحمن.. واني على يقين بأن كلاً من الجد والحفيد لم يقرأ كتاباً واحداً، ولا صفحة من كتاب للشيعة، ولا اجتمع مع عالم منهم او جاهل، شأنهم في ذلك شأن كل من افترى وتهجم.
ولو اسدل الستار على قول محمد عبدالوهاب، وانطوى مع الايام لكنا معذورين في تجاهله والتجاوز عن اخطائه..
اما وقد صار عقيدة راسخة، ومثلاً أعلى للدين والحقيقة عند الوهابية، وانعكس في نظراتهم وآرائهم في الشيعة، لا لشيء الا لانه جاء على لسان محمد عبدالوهاب، وحفيده عبدالرحمن، اما والحال هذه، فان السكوت والتجاهل ربما يعد اعترافاً ضمنياً بأن هذا القول علم لا جهل، وعدل لا تحامل.. وكيف نستسلم للكذب والافتراء، ولا نرد بقوة وعزم، ولدينا القوى التي تصد المهاجمين والمفترين؟..
____________________
(١) كتاب التوحيد باب ما جاء من التغليظ ص٥٧ من الرسائل التسع طبعة ١٩٥٧.
(٢ ) فتح المجيد: ٤٩١ طبعة ١٦٥٧.
وبعد، فان من يقرأ كتاب التوحيد، او انجيل الوهابية على الاصح يراه متخماً بالثرثرة بالشرك، واخراج المسلمين من الدين والاسلام، وهذا طرف من العناوين التي جاءت في هذا الكتاب «من الشرك لبس الخيط والحلقة.. من الشرك النذر لغير الله.. من الشرك الاستعاذة بغير الله.. من الشرك الاستغاثة بغير الله..» ومن أقواله: «الطيرة شرك.. لعنة زوارات القبور.. لعنة سراجها»(١) ..
وبعد، فاذا كان «بسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور» فمن هو السبب ـ يا ترى ـ لهذا الشرك المتراكم واللعنات المكدسة في كلام محمد عبدالوهاب؟.. حقاً ان صاحب كتاب التوحيد يستحق شهادة الدكتوراه في التفكير.
____________________
(١) لعنة الزوارات والسراج جاءت في كتاب التوحيد المطبوع مع الرسائل التسع ص٥٩ طبعة ١٩٥٧.
الفهرس
المقدمة ٥
من وحي الحج ١٣
الحمل الثقيل: ١٣
الى البيت العتيق ١٤
شعاب مكة: ١٥
معنى العبادة: ١٥
مع الطائفين العاكفين: ١٧
الحجيج والضجيج: ١٨
صور من الحج ١٩
الحج وأتعابه: ٢٠
فصل الخصومات ٢٢
الانفاق على المعيار: ٢٢
الاديان والأحزاب: ٢٣
الرد الى الله والرسول: ٢٤
ما هو الحل؟ ٢٦
مع علماء الوهابية ٢٩
المحاكم الشرعية: ٣٠
كلية الشريعة: ٣٥
الشؤون الدينية: ٣٨
في المدينة المنورة: ٤٣
الى الحرم النبوي: ٤٧
مع رئيس القضاة: ٤٩
البناء على القبور: ٥٢
المسلم والكافر ٥٥
المسلم: ٥٥
من اقوال ابن تيمية ٦٠
المسلم والدولة الاسلامية ٦٦
الدولة الاسلامية ٦٦
السعودية ٦٦
الجواب ٦٧
الوهابية والخوارج ٦٩
الوهابية والحشوية ٧١
عقيدة الوهابية ٧٣
الوهابية او السيف ٧٧
حرية العقيدة ٨١
الشرك ٨٣
الشيعة والمناجاة عند قبور الأئمة: ٨٦
صفات الله: ٩٢
ملاحظة: ٩٤
الايمان بالقدر: ٩٦
الاسباب والمسببات: ٩٨
مرتكب الكبيرة: ٩٩
اصحاب الرسول: ٩٩
الخلفاء الراشدون: ١٠٠
الجاهل غير معذور: ١٠٢
الاجتهاد والتقليد: ١٠٣
كرامات الأولياء: ١٠٥
الأمر بالمعروف: ١٠٨
اصحاب الذنوب: ١١٠
التوحيد والعبادة ١١٣
من هو صاحب الرسالة: ١١٣
رسالات خاصة: ١١٣
الرسالة الشاملة: ١١٤
طريق المعرفة: ١١٦
التوحيد ١١٧
العبادة ١١٨
محمد عبدالوهاب ١٢٣
في البذخ والترف ١٢٩
آل سعود ١٣٦
محمد بن سعود ١٣٧
عبدالعزيز بن محمد ١٣٨
سعود بن عبدالعزيز ١٤٢
عبدالله بن سعود ١٤٣
تركي بن عبدالله ١٤٣
فيصل بن تركي: ١٤٥
عبدالله بن فيصل: ١٤٧
عبدالرحمن بن فيصل: ١٤٨
الملك عبدالعزيز او الاسطورة: ١٤٩
تبرير لا اعتذار ١٥٥