المجازر والتعصبات الطائفية

في عهد الشيخ المفيد

الشيخ فارس الحسون



بسم الله الرحمن الرحيم



المقدمة

الحمد لله سابغ النعم، والصلاة والتحية على رستوله المرسل الى العرب والعجم، وعلى أهل بيته أصحاب الجود والكرم.

المؤرخ المنصف عليه أن يتجنب فيما يكتبه كل التعصبات لأي فرقة - وان كانت الفرقة التي ينتمي اليها - ويتحرى الواقع فحسب، وهذا الشرط أساسي للمؤرخين كافة، والالم يحصل اطمئنان بنقلهم.

والمؤرخ المنصف كما ينقل في تاريخه ما حدث وما شاهد من مسرّات ومشاهد مشرقة، عليه أن ينقل ما شاهد أو نقل اليه عن الثقات من أحزان ومشاهد مظلمة وينقل التاريخ كما هو الى من يأتي بعده... وينقل ما حصل على هذه الفرقة أو تلك من مصائب وظلم وتشريد.

ومن المؤسف عليه أن مؤرخينا لم يلتزموا بهذا الشرط في النقل، وخرجوا عن الانصاف، وغطّوا على كثير من المسائل لأسباب غير خفية.

وأكثر من وقع في حقه الاجحاف في النقل الفرقة الشيعية، فانعقد شبه اتفاق من المؤرخين على طمس أخبار هذه الفرقة وتشويه الأحداث المرتبطة بها، والقاء الاتهامات عليها!

ولا يشك الناظر في التاريخ أنّ لشيعة أهل البيت عليهم السلام اليد الطولى في ارتقاء الدرجات العليا في أكثر المجالات، وبهذا بيّضوا صفحات التأريخ ونوّروها.

ولا يشك ايضا فيما جرى على هذه الفرقة على مرور الزمان من مصائب وقتل


وحرق وابعاد، وهذا ضريبة ولائهم أهل بيت نبيهم صلوات الله عليهم أجمعين.

والتاريخ قبال الشيعة وقف وقفة تخاذل واجحاف، فالصفحات المشرقة بدّلها بصفحات مظلمة، ونقلها الى المجتمع مع تزوير وبهتانٍ!

والمنصف من المؤرخين من نقل شيئا يسيرا من الحقائق مع الغمز والتشكيك فيها.

ومنذ مدة غير قريبة عزمنا على تأليف كتابٍ يجمع بين دفّتيه ما جرى على الشيعة من مصائب وطردٍ واباحةٍ من الصدر الأول والى يومنا الحاضر، سواء في ذلك من قبل الحكام أم الناس، استخرجناه من الفلتات التي فلتت من اقلام المؤرخين، وإلاّ فهم لا يذكرون أمثال هذه الأحداث ويحاولون طمسها بكل ما لديهم من قوّة.

كل هذا ليعرف الخلق كافّة أيّ حرّيّة كانت في التفكير واختيار المذهب آنذاك، وأنّ الفرد اذا اختار مذهبا معينا يخالف مذهب اكثر الناس، وله أدلّة عقليّة ونقليّة تدّل على اختياره، بأيّ أسلوب كان يتعامل معه؟ هل بالدليل والمجادلة بالتي هي أحسن؟ أم يقابلون أدلّة بالسياط والقتل والتبعيد؟!!

ولقرب انعقاد المؤتمر العالمي بمناسبة مرور الذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد اقترح عليّ سماحة العلامة المحّقق الحجّة السيد عبدالعزيز الطباطبائي أن اكتب ما جرى على الشيعة من مجازر في عهد الشيخ المفيد، من ولادته (٣٣٦هـ) والى وفاته (٤١٣هـ).

فبدأت بترتيب هذه المقالة مع ضيق الوقت، وذكرت فيها ما جرى على شيعة أهل البيت من مصائبٍ، وترجمت للأعلام والبلدان وبعض الفرق غير المعروفة، وربما ذكرت بعض الحوادث لا ترتبط كلّ الارتباط بالموضوع تتميما للفائدة،


وقدّمت للبحث خمس مقدّمات لابدّ منها، هي:

(١) عرضّ سريع لذكر من ملك في عهد المفيد والحروب الواقعة فيه.

(٢) بنو بويه وعقيدتهم.

(٣) الصحابة وعدالتهم.

(٤) احياء ذكرى عاشوراء وكونه سنّة مؤكدّة.

(٥) احياء ذكرى الغدير وكونه سنّة مؤكدّة.

وهذه المقدّمات الثلاثة الأخيرة تمتاز بأهميّة كبيرة، لكون أكثر المجازر انّما تدور حولها، لاعتقاد السنّة عدالة كلّ الصحابة، والشيعة تجري قواعد الجرح والتعديل عليهم كسائر الرواة، وكون الشيعة تعتقد بأنّ احياء ذكرى عاشوراء والغدير سنّة مؤكدّة، واعتقاد بعض أهل السنة بكونها بدعة شنيعة!!.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على طاعته ويجنّبنا عن كلّ تعصّبٍ وزيغٍ، ويجعلنا نروم الحقّ لا غير، انّه سميع مجيب.

قم المقدسة

ليلة الخامس عشر من شهر

رمضان المبارك

ذكرى ميلاد الامام المجتبى عليه السلام

فارس الحسون


المقدمة الأولى: عرض سريع لذكر من ملك في عهد المفيد والحروب الواقعة فيه

سنة ٣٣٣هـ:

فيها: خلع توزون الخليفة المتّقي للّه وكحله، واحضر عبدالله بن المكتفي، فبايعوه ولقّبوه المستكفي بالله.

وفيها: استولى احمد بن بويه على البصرة وواسط والأهواز، فسار توزون لحربه، فدام القتال بينهما مدّة أشهر، وردّ ابن بويه الى الأهواز وقدم توزون بغداد.

وفيها: تملّك سيف الدولة حلب وأعمالها، فجيّش الاخشيد عسكرا فهزمهم سيف الدولة، وافتتح مدينة الرستن ثمّ سار فأخذ دمشق.

وفيها: كانت وقعة بين سيف الدولة والاخشيد بقنسرين انكسر فيها سيف الدولة ودخل الاخشيد حلب.

سنة ٣٣٤ هـ:

فيها: اصطلح سيف الدولة والاخشيد على أن تكون لسيف الدولة حلب وأنطاكية وحماة وحمص.

وفيها: قصد احمد بن بويه بغداد وغلب عليها، وبايع المستكفي بالله، فلقّبه


بمعزّ الدولة ولقب أخاه عليّاً عماد الدولة والحسن ركن الدولة.

وفيها خلع معزّ الدولة المستكفي بالله وكحله، لنفوذ القهرمانة عنده واهانته للشيعة، وأحضر معز الدولة الفضل بن المقتدر، فبايعوه ولقّب بالمطيع لله، فكان تحت يد معزّ الدولة لا حول له ولا قوّة.

وفيها: وقعت حرب بين ناصر الدولة ومعزّ الدولة في سامراء، فانكسر ناصر الدولة.

سنة ٣٣٥هـ:

فيها: تملّك سيف الدولة دمشق بعد الاخشيد، وحاربه المصريّون غير مرّة.

وفيها: اصطلح معزّ الدولة وناصر الدولة ابن حمدان.

سنة ٣٣٦هـ:

فيها: سار الخليفة ومعزّ الدولة لمحاربة ابن البريدي، فتفرق جمع ابن البريدي وهرب الى القراطمة.

سنة ٣٣٧هـ:

فيها: ضعف أمر ناصر الدولة مع معزّ الدولة، والتزم بان يحمل اليه في السنة ثمانية آلاف درهم.

وفيها: التقى سيف الدولة والروم على مرعش، فهزم الروم سيف الدولة وأخذوا مرعش.


سنة ٣٣٩هـ:

فيها: غزا سيف الدولة بلاد الروم، فانتصر في بادىء أمره، لكن أخذت الروم عليه الدروب فاستولوا على عسكره وانهزم.

وفيها: تولّى الوزارة أبو محمد المهلبي.

سنة ٣٤٠هـ:

فيها: هزم الوزير المهلبي القرامطة واستباح عسكرهم.

وفيها: غزا سيف الدولة أرض الروم فغنم وسلم وأوطأهم ذلاً.

سنة ٣٤١هـ:

فيها: استباح الروم بلد سروج.

سنة ٣٤٢هـ:

فيها: رجع سيف الدولة مؤيّداً منصوراً قدّامه قسطنطين ولد الدمشتق.

وفيها: سار ابن محتاج على خراسان فالتقاه ركن الدولة ابن بويه وتمّت بينهم حروب وعجائب.

سنة ٣٤٣هـ:

فيها: انتصر سيف الدولة على الدمستق ومن كان معه من الروم والبلغار والترك والروس والخرز.


سنة ٣٤٥هـ:

فيها: غلبت الروم على طرطوس، فقتلوا وسبوا وأحرقوا القرى.

وفيها: انتصر معزّ الدولة على الروزبهان الديلمي لمّا قصد بغداد وأسّره.

سنة ٣٤٧هـ:

فيها: فتكت الروم ببلاد المسلمين وعظمت المصيبة، وأخذوا عدّة حصون ممّا يلي آمل وميا فارقين ووصلوا الى حلب، فالتقاهم سيف الدولة فعجز عنهم وانهزم.

وفيها: سار معّز الدولة الى الموصل، فاستولى عليها، وهرب منه نصار الدولة، وذهب الى اخيه سيف الدولة، فتوسط بينهما وصالحهما.

سنة ٣٤٩هـ:

فيها: غزا مملوك سيف الدلولة نجا الروم فقتل وأسّر.

سنة ٣٥١هـ:

فيها: اقبل الدمستق في مائة وستين الفاً، فنزل عين زربة، فأخذها بالأمان، ثمّ نكث وقتل أمماً وأحرقها.

وفيها: حاصر الدمستق أهل حلب مدّة، ثمّ دخلوها وأخذوا حلب بالسيف، فقتلوا حتّى كلّوا.


سنة ٣٥٢ هـ:

فيها: قتل ملك قسطنطينيّة، وولي الملك الدمستق، اسمه تكفور.

سنة ٣٥٣هـ:

فيها: حاصر الدمستق المصيصة، ثم ترّحل عنها للغلاء المفرط.

وفيها: وقعت حرب بين معزّ الدولة وصاحب الموصل ناصر الدولة، انتهت بانتصار ناصر الدولة، وأخذ خزائن معزّ الدولة.

سنة ٣٥٤هـ:

فيها: نازل الدمستق المصيصة وافتتحها بالسيف وافتتح الطرطوس بالأمان.

سنة ٣٥٦هـ:

فيها: مات معزّ الدولة احمد بن بويه الديلمي، وتملّك بعده ابنه عز الدولة.

وفيها: مات صاحب الشام سيف الدولة علي بن عبدالله بن حمدان التغلبي بحلب.

وفيها: مات صاحب مصر كافور الاخشيدي.

سنة ٣٥٨هـ:

فيها: خرجت الروم، فقتلوا وسبوا واستولوا على مدائن ووصلوا الى حمص.

وفيها: أقبلت العبيدية من المغرب مع القائد جوهر المعزّي، فأخذوا الديار


المصرية وبنوا القاهرة.

وفيها: مات صاحب الموصل ناصر الدولة بن حمدان، وقام بالملك ابنه الغضنفر.

سنة ٣٥٩هـ:

فيها: أخذ تكفور أنكاكية بالأمان.

سنة ٣٦٠هـ:

فيها: استولى على دمشق جعفر بن فلاح نائب العبيدية بعد حصار ايام، فانتدب لحربه الحسن بن احمد القرمطي، فأسّره القرمكي وقتله.

سنة ٣٦٢هـ:

فيها: أخذت الروم نصيبين بالسيف، فبعث عزّ الدولة عسكراً فالتقوا الروم فنصرهم الله وأسّروا جماعة من البطارقة.

وفيها: كتب المعزّ بالله الى الخليفة المطيع لله ودعاه الى خلع نفسه، للفالج الذي به، ففعل، وخلع نفسه على الخلافة وولاّها ولده عبدالكريم، ولقّبوه الطائع لله.

سنة ٣٦٥هـ:

فيها: قسّم ركن الدولة على أولاده ما في يده: فأقرّ عضد الدولة على مملكة فارس وكرمان، وأعطى فخر الدولة حمدان والدينور، وأعطى مؤيّد الدولة الري


وأصبهان.

سنة ٣٦٦هـ:

فيها: كانت المصاف بين عزّ الدولة وابن محمد عضد الدولة، فأسّر مملوك لعزّ الدولة.

سنة ٣٦٧هـ:

فيها: انتصر عضد الدولة على عزّ الدولة بعد أن استعان بالقرامطة ونفرّق الجند عن عزّ الدولة صاحب بغداد، وخرج الخليفة الطائع لله لتلقّي عضد الدولة.

سنة ٣٦٩هـ:

فيها: قدمت رسل العزيز بغداد، فأجابهم عضد الدولة الى الصلح.

سنة ٣٧٠هـ:

فيها: سار ملك بغداد عضد الدولة الى حمدان، فلما رجع بعث يأمر الخليفة الطائع لله أن يتلقّاه، ففعل!.

سنة ٣٧٢هـ:

فيها: مات عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة حسن بن بويه الديلمي بعلة الصرع، فحضر ولده من شيراز صمصام الدولة، فولاّه الطائع لله السلطنة.


سنة ٣٧٦هـ:

فيها: مال العسكر عن صمصام الدولة الى أخيه شرف الدولة، فذل الصمصام، فقدم شرف الدولة بغداد وتملك.

سنة ٣٧٩هـ:

فيها: مات صاحب بغداد شرف الدولة بن عضد الدولة بالاستسقاء، وتملك بعده أخوه أبو نصر، ولقبه الطائع لله بهاء الدولة.

سنة ٣٨١هـ:

فيها: قبض بهاء الدولة على الطائع لله، وذلك لأمر الطائع بحبس أبي الحسين ابن المعلّم، وأكره الطائع على خلع نفسه، وأحضروا القادر بالله احمد بن الأمير اسحاق بن المقتدر بالله فبايعوه.

سنة ٣٨٢هـ:

فيها: ثارت الجند يطلبون من بهاء الدولة ان يسلّم اليهم ابن المعلّم ابو الحسن علي بن محمد، وصمّموا على هذا، وخيّروا الملك بين بقاء الملك أو بقاء ابن المعلم، فقبض عليه وحبس وقتل.

سنة ٣٨٦هـ:

فيها: مات صاحب مصر العزيز بالله بن معزّ بالله معد العبيدي، وحكم بعده ابنه الحاكم.


سنة ٣٩١هـ:

فيها: قتل صاحب الموصل حسام الدولة مقلّد بن المسيّب، ثمّ تملّك بعده ابنه معتمد الدولة قرواش.

سنة ٣٩٦هـ:

فيها: خطب بالحرمين لصاحب مصر الحاكم.

سنة ٣٩٨هـ:

فيها: ولي نيابة دمشق حامد بن ملهم من قبل الحاكم بعد ابن فلاح.

سنة ٤٠١هـ:

فيها: أقام صاحب الموصل الدعوة ببلاده للحاكم، وأقيمت الخطبة للحاكم بالكوفة والمدائن بأمر صاحب الموصل قراوش، فأرسل الخليفة القادر الى الملك بهاء الدولة وأنفق مع الجيش مائة الف دينار، ثمّ خاف قرواش، فأرسل يعتذر وأعاد الخطبة العبّاسة.

سنة ٤٠٢هـ:

فيها: مات الوزير عميد الجيوش، فقام بعده فخر الملك.

سنة ٤٠٣هـ:

فيها: مات صاحب بغداد بهاء الدولة ابن عضد الدولة بعلّة الصراع، وقام بعده


ابنه سلطان الدولة.

وفيها: قتل الوزير فخر الملك ببغداد.

سنة ٤١٠هـ:

فيها: افتتح السلطان محمود بن سبكتكين قسما كبيراً من الهند.

سنة ٤١١هـ:

فيها: تملك الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بن المعزّ العبيدي الحجاز ومصر والشام، وقتل في شوال، جهّزت اخته ست الملك عليه من قتله غيلةً، وأقامت ولده الظاهر بأمر الله.

سنة ٤١٣هـ:

فيها: مات صاحب العراق والعجم سلطان الدولة ابن بهاء الدولة بشيراز، وتملك بعده أخوه مشرف الدولة، ثمّ قدم بغداد فتلقّاه الخليفة.

وفيها: افتتح السلطان محمود مدينة بالهند.


المقدمة الثانية: بنو بويه وعقيدتهم

بويه هو أبوشجاع بن فنّا خسرو بن تمام بن كوهي من الفرس، وينسب الى الديلم لطول مقامهم ببلادهم، والديلم جيل سمّوا بأرضهم.

كان صيّاداً يعيش من صيد السمك، فرأى في منامه أنه بال فخرج من ذكره عمود من نار، ثمّ تشعّب يمنةً ويسرةً وأماماً وخلفاً حتّى ملأ الدنيا، فلمّا قصّ رؤياه على معبّر، قال له: ألك أولاد؟ قال: نعم، قال: أبشر فانّهم يملكون الأرض ويبلغ سلطانهم فيها على قدر ما احتوت عليه النار.

ولبويه خمسة أولاد، المشهور منهم ثلاثة، وهم: عماد الدولة ابو الحسين علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعزّ الدولة أبو الحسين احمد، وهؤلاء ملكوا، وله ابنان آخران هما: محمد وابراهيم، قتل احدهما مع الناصر للحق والآخر مع الحسن بن القاسم الداعي.

وارتقت الحال ببويه فصار جنديا، وخرج مع الناصر للحق الحسن بن علي العلوي، وكان يلحظه بعين التقّدم لشجاعته، وكذلك أولاده خدموا في العسكر،


وكانوا أصحاب شجاعة وهمّة عالية، وصاروا أمراء.

وفي سنة ٣١٩هـ خرج مردادنج الديلمي، فاستولى على حمدان، فراسله الخليفة المقتدر بالله سنة ٣٢٠هـ يلاطفه، وبعث اليه بالعهد واللواء والخلع، وأمكنه من آذربايجان وأرمينية وأران وقم ونهاوند وسجستان.

وفي سنة ٣٢٢هـ - في خلافة القاهر بالله - خرج عن طاعة مردادنج أمير من أمرائه، وهو علي بن بويه بعد أن اقتطع مالاً جزيلاً، فحاربه أمير فارس محمد بن ياقوت فهزم أمام ابن بويه، واستولى علي بن بويه على اقليم فارس، فكان هذا أول ظهور بني بويه.

واستمر حكمهم على البلدان كافّة، وكانوا قد بايعوا للخليفة العباسي، وانحطّت الخلافة الى رتبة أصبح الخليفة لا حول له ولا قوة ولا أمر، والأمر كلّه بيد بني بويه، ومرّ في الفصل الذي قبله ذكر من حكم منهم في عهد الشيخ المفيد.

وكان آخر ملوك بني بويه هو ملك الملك الرحيم ابي نصر خسرو، توفي سنة ٤٥٠هـ، وهي آخر سنة مملكتهم، وشرعت بعدهم الدولة السلجوقية.

راجع: دول الاسلام: ١٧٣ و١٧٦، النجوم الزاهرة: ٣/٢٤٤/٢٤٥، معجم البلدان: ٢/٥٤٤، المنتظم: ٦/٢٦٨ - ٢٧١، الكامل في التاريخ: ٨/٢٧٥ - ٢٧٨، شذرات الذهب: ٢/١٨٨، نهاية الأرب: ٢٦/١٦٣ - ٢٦٧.

وأمّا عقيدة بني بويه، فانهم كانوا شيعة امامية اثني عشرية، وما نسب اليهم من أنّهم زيدية لا دليل عليه، وكانوا يعتقدون بالتشيع وأنّه المذهب الحقّ، ويدافعون عن الشيعة، بيد أنّهم كانوا يؤثرون مصالحهم السياسية على الاعتبارات الدينية، وكان مقرّ حكومتهم بغداد العاصمة السنيّة التي يقطنها أقلّيّة شيعية، فكانوا مع الشيعة ما دامت مصالحهم لم تتعرّض الى خطرٍ، فاذا تعرّضت تركوا كلّ شيء،


حتّى أنهم حبسوا علماء الشيعة وبعّدوهم وحكّموا بعض الأمراء من أهل السنة من لم يرحم الشيعة ووقع فيهم قتلا ونهباً!!.

ويرشدنا الى عقيدة بني بويه ويوضحه لنا نصّ نقله ابن كثير، قال:

... لأن بني بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسّف شديد، يرون أنّ بني العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتّى عزم معزّ الدولة على تحويل الخلافة إلى العلويين، واستشار أصحابه، فكّلهم أشار عليه بذلك، الاّ رجلاً واحداً من أصحابه كان سديد الرأي فيهم، فقال: لا أرى لك ذلك! فقال: ولم ذاك؟ قال: لأنّ هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الأمارة، حتّى لو أمرت بقتله قتله اصحابك، ولو ولّيت رجلاً من العلويين اعتقدت انت وأصحابك ولايته صحيحة، فلو أمرت بقتله لم تطع بذلك، ولو أمر بقتلك لقتلك أصحابك، فلما فهم ذلك صرفه عن رأيه الأول، وترك ما كان عزم عليه للدنيا لا لله، انتهى نصّ ابن كثير.

ويظهر للمتأمّل بوضوح من عدّة قرائن أنّ بني بويه عزموا على المساوات بين الشيعة والسنّة، واعتبروا أنفسهم قادةً لكلّ المسلمين، وأعطوا الحرّيّة لبقيّة المذاهب.

فمثلا كانوا يحكّمون على بغداد حكّام سنّة، ويعطوهم الحرّية التامّة، وكان قاضاء القضاة في بغداد بيد السنة، حتّى أنّهم جعلوه في سنةٍ لعالم شيعي، فلم يمضه الخليفة، وسكتوا ولم يجبروه على القبول.

وكثيراً ما كان الحكّام على بغداد يمنعون الشيعة من اقامة مراسم محرم والغدير، فلم يعارضهم بنو بويه بشيء، بل كانت في بعض الأحيان تصدر أوامر من الحكام بتبعيد علماء الشيعة ومنعهم من الجلوس للدرس ولا اعتراض ولا أيّ شيء يحدث من قبل البويهيّين!!.


يقول كاهن: كانوا يتوقّون الى اقامة نوع من الحكومة العباسيّة الشيعية المشتركة، يأمن فيها لاشيعة ولا يحتاجون معها الى التقيذة، ويكون لهم وللسنّة كيان رسمي منظمّ، حقّاً كان هدفهم - من وجه نظر شيعيّة - احياء ما كان يحلم به معظم العباسييّن في عصر المأمون، معتقدين بأنّهم سيكسبون أتباعاً أقوياء بهذا العمل دون الابتعاد عن سائر الناس في نفس الوقت، انتهى.

وهذا لا يعني عدم اهتمامهم بالشيعة والتشيّع، بل نظّموا العلوّيين في تجمّع واحد له نقيب، وجعلوا الحجّ والمظالم، و... بيد الشيعة، وقرّبوهم للحكومة، واهتمّوا بالمشاهد المشّرفة لأهل البيت عليهم السلام، وجري الصدقات على الفقراء فيها، ودافعوا عن التشيّع في بعض الأحيان عندما ضايقت عليهم السنّة، وعزلوا بعضهم الأمراء لمضايقتهم على الشيعة.

حتّى أنّ الوزير أبا محمد المهلبي لمّا قبض على رجل من أصحاب أبي جعفر بن أبي العزّ الملحد وأراد قتله، أظهر هذا الرجل أنّه شيعي وأنه بريء من الاتهامات، فلم يقتله المهلبي خوفاً على نفسه من معزّ الدولة.

ولّما ادعى شاب أنّ روح علي بن أبي طالب حلّت فيه وادّعت امرأة أن روح فاطمة حلّت فيها وادّعى خادم لبني بسطام انه ميكائيل، فلمّا اراد الوزير المهلّبي ان يقتلهم ادعوا أنّهم شيعة، فخاف الوزير أن يقيم على تشدّده في أمرهم فينسب الى ترك التشيّع.

فكلّ هذه الشواهد تدلّ بوضوح على أنهم كانوا يهدفون المساواة بين المذاهب، وأنّهم زعماء للمسلمين كافّة.

راجع: البداية والنهاية: ١١/٢١٢ - ٣١٣ و٢٢٤، الكامل في التاريخ: ٨/٤٩٥، مرآة الجنان: ٢/٣٣٣، النجوم الزاهرة: ٣/١٩٣ - ١٩٤، مقالة البويهيين لكاهل طبعت في دائرة المعارف الاسلامية: ١/١٣٥٢، نظريّات علم الكلام عند الشيخ المفيد: ٤٣.


المقدمة الثالثة: الصحابة وعدالتهم

كثير من الحوادث الّتي تذكر هنا، ترتبط بهذا المطلب، وهو: ذهاب أهل السنّة الى أنّ كل من له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو عادل يجب الاقتداء به ولا يجوز أن ينال منه، ونحن نذكر شيئا يسيرا عن هذا المطلب، ونحيل في آخره الى المطوّلات والبحوث الّتي كتبت عنه.

فنقول: القرآن صريح في عدم عدالة كلّ الصحابة، وأنّ منهم منافقين و... وهنا نذكر عدّة آيات تدّل على الملطب:

(انّما الّذين يبايعونك انّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) الفتح: ١٠.

هذه الآية صريحة بأنّ بعضاً من الصحابة يفي بما عاهد عليه الله، وبعضهم ينكث، ونكثه على نفسه، وهي صريحة ايضاً أنّ الصحابة ليسوا سواء، فالذي يفي هو الّذي يستحقّ المدح الوارد في القرآن للصحابة، ومن نكث يستحقّ العذاب، وليس له من العدالة والاقتداء به نصيب.


ط

(وما محمّد الاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئا وسيجزي الله الشّاكرين) آل عمران: ١٤٤.

(ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذّبهم مرّتين ثمّ يردّون إلى عذابٍ عظيم) التوبة: ٧٤.

(اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انّك لرسول الله والله يعلم إنّك لرسول الله واللّه يشهد انّ المنافقين لكاذبون، اتّخذوا أيمانهم جنّةً فصدّوا عن سبيل الله انّهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنّهم آمنوا ثمّ كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) المنافقون: ٣.

الى غير ذلك من الآيات الكثيرة الّتي تبيّن من نفاق بعض الأصحاب الّذين صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وكلّموه، ونزلت في حقّهم اكثر من مائة وخمسين آية تدلّ على نفاقهم وانحرافهم.

والمقصودين بهذه الآيات غير معلومين، لأن الله سبحانه وتعالى يقول لنبيّه في شأنهم: (لا تعلمهم نحن نعلمهم)، فهم غير مشخّصين من بين الصحابة، فأي دليل يبقى لإثبات عدالة كلّ الصحابة والإقتداء بهم؟

نعم تجري عليهم قواعد الجرح والتعديل شأنهم شأن بقيذة الرواة، فمن كان منهم عادلاً وأوفى بما عاهد الله عليه وجب تعظيمه واحترامه والإقتداء به، ومن ثبت نفاقه وانحرافه ونكثه وجب رفضه والبراءة منه، حتّى سبّه ولعنه وتعريفه للمجتمع.

فباب النقاش في الصحابة غير مسدود، وهو حقّ كلّ فردٍ يروم معرفة الحقّ. وأما الأحاديث فهي أيضاً صريحة في هذا الباب، نذكر أربعةً منها:

أ - قوله عليه السلام في خطبة حجّة الواداع: فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب


بعضكم رقاب بعض.

رواه البخاري في صحيحه كتاب الفتن، ومسلم في صحيحه كتاب الايمان.

ب - قوله عليه السلام: أنا فرطكم على الحوض، ليرفعنّ إليّ رجال منكم، حتّى اذا أهويت لأناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّي أصحابي! يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.

رواه البخاري في صحيحه ٩/٨٣ كتاب الفتن، ومسلم في صحيحه ٤/١٧٩٦ حديث الحوض.

ج - قوله عليه السلام: انّي أيّها الناس فرطكم على الحوض، فإذا جئت قام رجال، فقال هذا: يا رسول الله أنا فلان، وقال هذا: يا رسول الله أنا فلان، وقال هذا: يا رسول الله أنا فلان، فأقول: قد عرفتكم، ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى.

المستدرك ٤/٧٤ - ٧٥، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

د - وقال عليه السلام لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال ابو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله اخوانهم؟ أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي!!!.

الموطّأ: ٢/٤٦٢ كتاب الجهاد.

فهذه أحاديث أربعة من كثير من الأحاديث الواردة في هذا الشأن صريحة بأنّ من الأصحاب من ينحرف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، حتّى أنّ الحديث الثالث يدّل بوضوح أنّ الّذين يأتون الى رسول الله وهو غير راضٍ عنهم هم من أعيان الصحابة والبارزين الّذين يتوقّعون أنهم في الدرجات العليا في الجنان، بقرينة قولهم لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنا فلان..، وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد عرفتكم، ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى.


والحديث الرابع أكثر صراحة من كلّ الأحاديث، لأنّ رسول الله يخاطب أبا بكر وهو صحابي معروف، ولايقول له: وأشهد عليكم، بعد اعتراضه عليه بشهادته على شهداء أحد، بل يشكّك فيهم ويقول: لا أدري ما تحدثون بعدي!!!.

فالقرآن والسنّة صريحان بأنّ من الأصحاب منافقين وأحدثوا أحداثاً أخرجتهم عن الإسلام.

وثمّ، من هم أصحاب الإفك؟ الم يكونوا من الصحابة؟! ألم يوجد ذمّهم وانحرافهم في القرآن؟!

ثم، أنّ كثيراً من الأصحاب كانوا رأس فتنٍ كثيرةٍ ذهبت ضحيّتها الآلاف!! ومنهم من بدت منه أمور صريحة في خلاف الإسلام.

وأما الأحاديث الواردة في تنزيه الصحابة، كقوله عليه السلام: احفظوني في أصحابي، ولا تسبّوا أصحابي، وأصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.

فهذه أحاديث لم يثبت صحتها من جهة السند وفي متناقضة مع الأحاديث السابقة ان أريد منها كما يفهمه أهل السنّة، وإلاّ فهي قابلة للحمل على معانٍ أخرى يرتفع بها التناقض بينها وبين من سبقها من الأحاديث.

قال الإمام علي بن موسى الرضا بعد أن سئل عن هذه الأحاديث: هذا صحيح: يريد من لم يغيّر بعده ولم يبدّل، لما يروونه من أنّه صلى الله عليه وآله قال: ليذادنّ برجال من اصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تذاد غرائب الإبل عن الماء، فأقول: يا ربّ اصحابي أصحابي، فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: بعداً لهم وسحقاً لهم.

عيون أخبار الرضا: ٢/٧٨.

وبعد هذا كلّه، تبيّنت لك عزيزي القاريى هذه المسألة بوضوح، وأنّ الشيعة تعرّضوا للقتل والسبّ والإباحة و..!! بسبب أنهم عملوا بالسنّة، وأجروا قواعد


الجرح والتديل على الصحابة، فمن كان منهم مؤمناً لم يحدث بعد رسوله أبقوا له مكانة الصحابة الّتي هي أرقى مقام ووقّروه وبجّلوه، ومن كان منهم بخلاف ذلك: بأن أحدث بعد رسوله وانحرف و...، نزعوا عنه هذا اللقب المبارك، وعرّفوه للناس، وبيّنوا حقيقته، لأجل هذا ازداد تعصّب العامّة ضدّ الشيعة، وواجهوا برهانهم ودليلهم بالحرق والإبادة العامة، كما ستمرّ عليك الأحداث.

وأوّل سبّة حدثت في الإسلام هي من قبل الخليفة عمر، فإنه قال يوم السقيفة: اقتلوا سعداً قتل الله سعداً.

وجاوز الخليفة مرّة اخرى السبّ، وهجم على بيت فاطمة، وهدّد من فيها - وهم علي عليه السلام وخيرة الصحابة - بأنّهم ان لم يخرجوا أحرقها، فلّما قيل له: في البيت فاطمة، قال: وإن!.

أليس سعداً من الصحابة؟! اليس عليا واصحابه من الصحابة؟! اليست فاطمة بضعة من رسول الله من آذاها آذاه ومن آذاه آذى الله ومن آذى الله غضب عليه وله عذاب اليم؟!.

فما هو معنى الصحابة في نظر الخليفة عمر؟.

ثم، عائشة قالت في حقّ عثمان: هذا قميص رسول الله لم يبل، وقد أبلى عثمان سنّته، اقتلوا نعثلاً فقد كفر.. اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلا.

ألم يكن طلحة والزبير أشدّ من ألّب على عثمان حتّى قتل؟!.

ألم ينكث طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين وحاربها حتّى قتلا؟!

ألم يكن أصحاب الشورى كلّهم من الصحابة، ومن العشرة المبشّرة - كما وضعوا هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وآله - ؟! فلم يأمر عمر بقتلهم أجمعين؟!.


كل هذا وهم يقولون: بأيّهم اقتديتم اهتديتم!!! فعليّ عليه السلام وكثير من الصحابة في جهة من المعركة، وطلحة والزبير - وهما صحابينا - في جهةٍ أخرى، فالمسلم مع أيّ الفريقين يلتحق؟ وكذا حرب عليّ ومعاوية!!! فهل يا ترى يبقى للحديث الذي يروونه: بأيّهم اقتديتم اهتديتم، معنى يقبله عاقل حرّ؟!.

وترى أهل السنّة يحترمون أهل الذمة - الذين لا يعتقدون بأيّ شيء - ويضعون لهم حرمة في الاسلام، وتحقن دماؤهم ويؤدّون مراسمهم، ولكن لمّا يصل الأمر إلى الشيعة يقذفوهم بالرفض، وأنهم لا يقبلون عدالة الصحابة كافة، وعليه فدماؤهم وأموالهم كلّها مباحة! أهذا هو الانصاف أيّتها الأمّة المرحومة؟!!.

ولمزيد من الإطلاع حول هذا الموضوع راجع: تقريب المعارف وما نقله عن تاريخ الثقفي والواقدي، الطرائف: ٣٧٣ - ٣٨١، نهج الحق وكشف الصدق: ٣١٤، نقض الوشيعة: ٤١، بحث حول حديث اصحابي كالنجوم للسيد الميلاني، ثمّ اهتديت: ٧٧ - ١٢٢، فسئلوا أهل الذكر: ١١٣ - ١٧٠، منهج في الانتماء المذهبي: ٢٣١ - ٢٩٣.


المقدمة الرابعة: إحياء ذكرى عاشوراء وكونه سنّة مؤكّدة

قضية الامام السبط الشهيد الحسين بن علي سلام الله عليهما، واقامة المأتم عليه والبكاء والنوح، لم تكن قضيّة مستجدّة، بل لها وجود حتّى قبل ولادة الحسين عليه السلام، وشيعة الحسين في كلّ عام تقيم مراسم العزاء على الحسين في يوم مقتله العاشر من المحرّم، وذلك تأسّياً منها بنبيّها وأئمّتها أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله والصحابة الكرام، حيث كانت تقام المآتم على الحسين الشهيد قبل شهادته وبعدها، حتّى الجمادات والحيوانات ناحت وبكت على الحسين الشهيد.

ومعلوم لدى الكلّ أنّ مراسم الفرح والسرور تختلف باختلاف الأمم، بل وباختلاف الزمن، فكلّ أمّة تقيم مراسم العزاء بشكل ما، ويختلف هذا الرسم بزمان عن آخر.

فالشيعة على مرّ القرون كانت ملتزمة بإقامة العزاء على سيّد شباب أهل الجنّة، وفي جميع أنحاء العالم، وبأشكالٍ مختلفة باختلاف المكان والزمان.


ونحن هنا نذكر نبذة يسيرة ورؤوس مطالب عن كون إقامة العزاء على الحسين عليه السلام سنّة مؤكّدة، على المسلمين بأجمعهم إقامة هذا الشعار والالتزام به:

١ - لمّا ولد الحسين، أتت به أسماء النبي صلّى الله عليه وآله فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ وضعه في حجره وبكى، فلمّا سألته أسماء عن سبب بكائه أجاب: على ابني هذا، فقالت: إنّه ولد الساعة! قال: تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي، ثمّ أمرها أن لا تخبر الزهراء، فإنّها قريبة عهد بولادته.

مقتل الحسين: ١/٨٨، ذخائر العقبى: ١١٩.

وهذا أول مأتم يقام على الحسين، وهو ساعة ولادته، فرسول الله يبكي عليه ويقيم مراسم العزاء.

٢ - روي عن أمّ الفضل مرضعة الحسين: أنّها دخلت يوما على رسول الله صلّى الله عليه وآله، فوضعت الحسين في حجره، فرأت عينا رسول الله تهريقان من الدموع، فلمّا سألته عن السبب؟ قال: أتاني جبرئيل فأخبرني: أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا، فقالت أم الفضل هذا! فقال: نعم.

المستدرك: ٣/١٧٦، تاريخ الشام ترجمة الحسين عليه السلام: ١٨٣ رقم ٢٣٢، مقتل الحسين: ١/١٥٨ - ١٥٩، الفصول المهمّة: ١٥٤، الصواعق: ١١٥، الخصائص الكبرى: ٢/١٢٥، كنز العمال: ٦/٢٢٣، الروض النضير: ١/١٤٨.

وهنا النبي صلّى الله عليه وآله مرّة أخرى يبكي على الحسين، والحسين في السنة الأولى من عمره لم يتمّ الرضاعة، فحريّ بنا أن نسّميه مأتم الرضوعة.

٣ - لّما أتى على الحسين عليه السلام سنة كاملة هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر ملكاً، محمّرة وجوههم قد نشروا أجنحتهم، وهم يخبرون النبي بما سينزل على الحسين عليه السلام.


مقتل الحسين: ١/١٦٣.

٤ - لمّا أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان خرج النبي في سفر، فلّما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك؟ فقال: هذا جبرئيل بيخبرني عن أرض بشاطىء الفرات يقال لها: كربلاء، يقتل فيها ولدي الحسين....

ثمّ رجع من سفره مغموماً، فصعد المنبر، فخطب ووعظ والحسين بين يديه مع الحسن، ثمّ أخبر أصحابه بأنّ جبرئيل أخبره بأنّ الحسين مقتول مخذول.

فضجّ الناس في المسجد بالبكاء.

وهذه المرة رسول الله يقيم المأتم في مسجده أمام الصحابة، ورسول الله يقرأ المأتم، والناس يبكون.

مقتل الحسين: ١/١٦٣.

٥ - وتكرّر إخبار جبرئيل والملائكة النبي بما يجري على الحسين وفي أزمنة مختلفة وفي أماكن متفرقة، والنبي صلّى الله عليه وآله يخبر من حوله بما يجري على الحسين ويبكي ويقيم ماتماً عليه، ففي بيت أم سلمة.. وعائشة.. وزينب بنت جحش.. وفي دار أمير المؤمنين.. وفي مجمع من الصحابة.. وفي داره.. وفي أماكن أخرى كثيرة، أقام النبي المأتم، وأخرج ما أعطاه جبرئيل من تربة كربلاء، وشاهدها كثيرون، وهم يبكون.

المستدرك: ٤/٣٩٨، المعجم الكبير للطبراني، ذخائر العقبى: ١٤٧، كنز العمال: ١٣/١١١، تاريخ الاسلام: ٣/١٠، الخصائص الكبرى: ٢/١٢٥، سيرتنا وسنتنا للاميني، احقاق الحق: ١١/٣٣٩.

قال الأميني: وربّما يظنّ - وظنّ الألمعي يقين - أنّ تكرّر المآتم الّتي أقامها


رسول الله صلّى الله عليه وآله في بيوت أمّهات المؤمنين... إنّما كان على حلول الأعوام والسنين، إمّا نظراً إلى ميلاد الحسين... أو إلى يوم استشهد فيه، أو إلى هذا وذاك معاً (سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تحويلا) الأحزاب: ٦٢.

٦ - وعند مسير علي عليه السلام إلى صفين: مرّ بكربلاء، فوقف وسأل عن اسم الأرض؟ فقيل: كربلاء، فبكى حتّى بلى الأرض من دموعه، ثمّ أخبرهم بما أخبره رسول الله بما يجري على الحسين عليه السلام.

الصواعق المحرقة: ١٩١.

٧ - ولمّا أخبر جبرئيل نبيّه بما سيجري على الحسين وأعطاه من تربة كربلاء شيئا، خرج والتربة بيده وهو يبكي، وأخبر عائشة بما يجري على الحسين، ثمّ خرج إلى الصحابة وأخبرهم أيضا وهو يبكي.

المعجم الكبير للطبراني، مجمع الزوائد: ٩/١٨٧.

٨ - وفي اللحظات الأخيرة للنبي قبل موته، ضمّ الحسين إلى صدره، وقال في حقّه كلمات طيّبة، ثمّ أغمي عليه، فلمّا أفاق قال: إنّ لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربّي وخصومة....

مقتل الحسين: ١/١٧٣.

وفي هذه اللحظات الأخيرة من حياته المباركة لم ينس رسول الله الحسين، بل يقيم عليه المأتم وبحضور الحسين عليه السلام، ويتوجّع ويتألم ويهدد قاتله بالنار.

٩ - وشهد النبي صلّى الله عليه وآله قتل الحسين كما رأته أم سلمة في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فلما سألته عن حالته؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفاً.

صحيح الترمذي: ١٣/١٩٣، المستدرك: ٤/١٩، مصابيح السنّة: ٢٠٧، أسد


الغابة: ٢/٢٢، كفاية الطالب: ٢٨٦.

ورأى ابن عباس النبي في المنام وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فلمّا سأله عن الدم؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل التقطه منذ اليوم، فاستقيظ ابن عباس من نومه واسترجع وقال: قتل الحسين، فلمّا أحصي ذلك اليوم وجدوه قتل فيه.

مسند أحمد: ١/٢٨٣، المعجم الكبير للطبراني، تاريخ بغداد: ١٤٢/١، المستدرك: ٤/٤٩٧، البداية والنهاية: ٨/٢٠٠.

١٠ - وبعد قتل الحسين عليه السلام نزلت الأنبياء عند مقتله، وهم يعزون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بولده، وكثر البكاء والنحيب عنده.

مقتل الحسين: ٢/٨٧، نور الأبصار: ١٢٥.

!! - ويحدّث رسول الله: أن ابنته فاطمة تحشر يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدم، فتتعلّق بقائمة من قوائم العرش، فتقول: يا عدل احكم بيني وبين قاتل ولدي.

مقتل الحسين: ٥٢، الفردوس لابن شيرويه، ينابيع الموّدة، المناقب لابن المغازلي.

فتلاحظ بوضوح عزيزي القارىء أنّ النبي صلى الله عليه وآله من ولادة الحسين وإلى شهادته يواظب على ذكر الحسين وإقامة المأتم عليه والبكاء، فهو مع مسيرة الحسين عليه السلام، فالشيعة يقتدون بنبيّهم في إقامة مراسم الحسين وتعظيم الشعائر، لا أنّهم يبتدعون!!.

١٢ - وبعد قتل الحسين مطرت السماء دماً، فأصبح الناس وكلّ شيء لهم مليء دماً، حتّى جبابهم وجرارهم، وكان المطر في كلّ مكان: من المدينة وخراسان والشام والكوفة و....


وقال ابن عباس: هذه الحمرة الّتي في السماء ظهرت يوم قتله، ولم تر قبله.

مقتل الحسين ٢/٨٩، ذخائر العقبى: ١٤٤، تاريخ دمشق، الصواعق المحرقة: ١١٦، الخصائص الكبرى: ١٢٦، ينابيع المودّة: ٢٢٠، ومصادر أخرى كثيرة. ١٣ - لمّا جيء برأس الحسين بين يدي عبيدالله بن زياد شوهدت حيطان دار الامارة تسايل دماً.

ذخائر العقبى: ١٤٤، تاريخ دمشق لابن عساكر، الصواعق: ١٩٢.

١٤ - لمّا قتل الحسين مكثت السماء أياماً مثل العلقة.

المعجم الكبير للطبراني، مجمع الزوائد: ٩/١٩٦، الخصائص الكبرى: ٢/١٢٧.

١٥ - لمّا قتل الحسين مكث الناس سبعة أيام إذا صلوا العصر نظروا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة، والكواكب كانها تضرب بعضها ببعض.

المعجم الكبير، مجمع الزوائد: ٩/١٩٧، تاريخ الاسلام: ٢/٣٤٨، سير أعلام النبلاء: ٣/٢١٠، تاريخ الخلفاء: ٨٠.

١٦ - لمّا قتل الحسين عليه السلام مكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنّما لطخّت الحيطان بالدم من صلاة الفجر إلى غروب الشمس.

تذكرة الخواص: ٢٨٤، الكامل في التاريخ: ٣/٣٠١، البداية والنهاية: ٨/١٧١.

١٧ - لمّا قتل الحسين صار الورس الّذي في العسكر رماداً، ونحروا ناقة فكانوا يرون في لحمها المرار.

مقتل الحسين ٢/٩٠، تاريخ الاسلام: ٢/٣٤٨، سير اعلام النبلاء: ٣/٣١١، تهذيب التهذيب: ٢/٣٥٣، المحاسن والمساوي: ٦٢، تاريخ الخلفاء: ٨٠.

١٨ - اظلمّت الدنيا ثلاثة أيام بعد قتل الحسين، ثمّ ظهرت هذه الحمرة في


السماء، ولم يمسّ أحد من زعفران قوم الحسين شيئا فجعله على وجهه إلا احترق.

تذكرة الخواص: ٢٨٣، الصواعق: ١٩٢، نظم درر السمطين: ٢٢٠.

١٩ - لم تبك السماء على أحدٍ بعد يحيى بن زكريا إلاّ على الحسين، وبكاء السماء أن تحمرّ.

تاريخ دمشق لابن عساكر، كفاية الطالب: ٢٨٩، سير أعلام النبلاء: ٣/٢١٠، تذكرة الخواص: ٢٨٣، الصواعق: ١٩٣.

٢٠ - انكسفت الشمس حيث قتل الحسين كسفةً بدت الكواكب نصف النهار، حتّى ظنّ الناس أنّها هي.

المعجم الكبير للطبراني، كفاية الطالب: ٢٩٦، مقتل الحسين: ٢/٨٩، نظم درر السمطين: ٢٢٠، مجمع الزوائد: ٩/١٩٧.

٢١ - ما رفع حجر من الدنيا يوم شهادة الحسين إلاّ وتحته دم عبيط.

الصواعق المحرقة: ١٩٢، تذكرة الخواص: ٢٨٤، نظم درر السمطين: ٢٢٠، ينابيع المودّة، ٣٥٦، تاريخ الاسلام: ٢/٣٤٩، كفاية الطالب: ٢٩٥.

٢٢ - ما رفع حجر بالشام يوم قتل الحسين الاّ عن دم.

المعجم الكبير للطبراني، ذخائر العقيبى: ١٤٥.

٢٣ - لم يرفع حجر ببيت المقدس يوم قتل الحسين إلاّ وجد تحته دم.

المعجم الكبير للطبراني، تهذيب التهذيب: ٢/٣٥٣، كفاية الطالب: ٢٩٦، تاريخ الاسلام: ٢/٣٤٨، سير أعلام النبلاء: ٣/٢١٢، العقد الفريد: ٢/٢٢٠، الخصائص الكبرى: ٢/١٢٦.

٢٤ - امتنعت العصافير من الأكل يوم قتل الحسين.

مقتل الحسين: ٢/٩١.


٢٥ - سطوع النور من الأجانة الّتي فيها رأس الحسين، وترفرف الطيور حولها.

مقتل الحسين: ٢/١٠١، الكامل في التاريخ: ٣/٢٩٦.

٢٦ - تلطّخ غراب بدم الحسين، ثمّ طار فأتى على جدار فاطمة بنت الحسين. مقتل الحسين: ٢/٩٢.

٢٧ - وبعد قتل الحسين عليه السلام ناحت الجن عليه في أماكن متفرقة: المعجم الكبير للطبراني، ذخائر العقبى: ١٥٠، تاريخ الاسلام: ٢/٣٤٩، سير أعلام النبلاء: ٣/٢١٤، نظم درر السمطين: ٢٢٣، الإصابة: ١/٣٣٤، مجمع الزوائد: ٩/١٩٩، البداية والنهاية: ٦/٢٣١، تاريخ الخلفاء: ٨٠، الصواعق المحرقة: ١٩٤، ومصادر أخرى كثيرة جدّاً ذكرت نوح الجن عن رواة كثيرين، وأنهم كانوا يسمعون نوح الجن ويبكون على الحسين عليه السلام، وكان نوح الجن بصور مختلفة، عرضنا عن ذكرها خوفا من الاطالة، راجعها في احقاق الحق: ١١/٥٧٠ - ٥٨٩.

فهذا حسيننا، وعلى مثل هذا نقيم المأتم ونبكي، وعلى المسلمين كافة أن يعظّموا هذا اليوم ويقيموا العزاء أحسن قيام بكلّ ما بوسعهم، تأسّياً منهم بنبيّهم، فإنّ الحسين لأجل الاسلام والحفاظ عليه ضحّى بمهجه وبأهله وأصحابه، حتّى بكى عليه الجن والسماء والحيوانات والجمادات... وكلّ شيء، أفلا يحقّ لنا أن نبكي عليه بدل الدموع دماً؟!.

ولا أعلم، لم يتّهمون الشيعة بالبدعة في اقامتهم العزاء والبكاء على الحسين، وهذه كتبهم تشهد عليهم بأن إقامة العزاء سنّة، أقامها رسول الله صّى الله عليه وآله؟!

وهل مجازات من يقيم العزاء على ابن بنت رسول الله مع كلّ هذا التأكيد يوجب القتل والنهب والحرق والإبادة العامّة؟ وهذا غير مختصّ بعهد الشيخ المفيد، بل من بعد شهادة الحسين، وإلى يومنا وزماننا هذا، زماننا الذي يعبّر عنه


بزمان النور والتقّدم والحرّية!! ففي بلاد الهند والباكستان وغيرهما تقع مجازر في كل سنة بسبب إقامة الشيعة العزاء على الحسين، ويتعصّبون ضدّ الشيعة، ويحرقون مساجدهم ويقتلون المقيمين للعزاء، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون.

ومن أراد التفصيل حول هذا المطلب وما يرتبط بالحسين الشهيد، فعليه بكتاب سيرتنا وسنتنا للعلامة الأميني، وكتاب إحقاق الحق الجزء الحادي عشر، ومقتل الحسين للخوارزمي، والبحار للمجلسي، والمقاتل الأخرى وكتب التاريخ والحديث.

المقدمة الخامسة: إحياء ذكرى الغدير وكونه سنّة مؤكّدة

روى النسائي في كتاب خصائص أمير المؤمنين: ٢١ - ٢٧ عن سعد ابن أبي وقّاص قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله بطريق مكّة وهو متّجه إليها، فلّما بلغ غدير خم وقف للناس، ثمّ ردّ من سبقه، ولحقه من تخلّف، فلّما اجتمع الناس إليه قال: أيّها الناس من وليّكم؟ قالوا: الله ورسوله، ثلاثا، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب، ثمّ قال: من كان الله ورسوله وليّه فهذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

هذا الحديث روي بطرقٍ مختلفة وبأشكالٍ مختلفة، فرواه عن النبي نحو المائة وعشرين من الصحابة، ذكرهم العلامة الأميني على ترتيب الحروف الهجائية، ومن التابعين ٣٦٠ تابعيا ذكرهم الأميني على ترتيب الحروف الهجائية، وألّف الكثير كتاباً مستقلاً عن الغدير ذكرهم العلامة السيد عبدالعزيز الطباطبائي في بحثه الغدير في التراث الإسلامي، ذكر فيه أكثر من (١٢٠) مؤلفاً.

ولا يوجد في السنّة النبويّة حديث آخر روته هذه الكثرة من الصحابة والتابعين ولا نصف هذا العدد، فهذا الحديث أصحّ الأحاديث سنداً وأكثره روايةً


فهو متواتر بالاجماع.

ومع هذا كلّه فبالقياس إلى من سمع الحديث، والمكان الذي أذاعه فيه الرسول، فإنّه لم يقله في بيته حتّى ولا في مسجده، بل أعلنه صرخة أمام عشرات الآلاف من الحجّاج، وأوصاهم بإبلاغ الحاضر الغائب، فيكون حديث الغدير رواته قليلون جدّاً.

وهذا اليوم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، هو يوم عيد اشترك فيه السنّة والشيعة، وإن كانت الشيعة تبدي له اهتماماً ملحوظاً، لكنّه يوم فرح وعيد عند الفريقين.

فأمّا عند العامّة، فأدلّ دليل على أنّه يوم عيد ما ذكروه عقيب ذكرهم ليوم الغدير، فروى الطبري في كتاب الولاية باسناده عن زيد بن ارقم، عن رسول الله، وذكر حديث الغدير، وفي آخره جاء: قال رسول الله: معاشر الناس قولوا أعطيناك على ذلك عهداً عن أنفسنا وميثاقاً بألسنتنا وصفقة بأيدينا نؤديه الى أولادنا وأهلينا، لا نبغي بذلك بدلاً وأنت شهيد علينا وكفى بالله شهيداً، قولوا ما قلت لكم وسلّموا على علي بإمرة المؤمنين، وقولوا الحمد لله الذي هدانا...

قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا، وكان أول من صافق النبي صلى الله عليه وآله وعليّاً: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والانصار وباقي الناس، إلى أن صلّى الظهرين في وقت واحدٍ، وامتدّ ذلك إلى أن صلّى العشائين في وقت واحد...

ورواه احمد بن محمد الطبري في كتابه مناقب علي، وذكر في كتاب النشر والطي.

وفي مرآة المؤمنين لوليّ الله اللكهنوي: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئا


يابن أبي طالب أصبحت مولاي....

وفي روضة الصفا لابن خاوند المتوفى سنة ٩٠٣هـ وأمر (النبي) أمير المؤمنين أن يجلس في خيمة أخرى، وأمر أطباق الناس بأن يهنّئوا علياً في خيمته، ولمّا فرغ الناس من التهنئة له أمر رسول الله أمّهات المؤمنين بأن يسرن إليه ويهنّئنه، ففعلن...

وحديث التهنئة، وهو قول الناس هنيئاً لك يا ابن طالب، بعد البيعة، ومن جملة من هنّأ عمر، فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، روى هذا الكثير من المحّدثين، مثل الحافظ ابن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥هـ في المصنّف، واحمد بن حنبل في مسنده ٤/٢٨١، والحافظ ابو العباس الشيباني، وابو يعلى الموصلي في مسنده، و... حتّى أوصلهم الأميني إلى ستين نفراً.

والتهنئة من خواصّ الأعياد والأفراح.

وذكر أبو هريرة: أن يوم قال رسول الله: من كنت مولاه... هو يوم غدير خم، من صام ثمان عشرة من ذي الحجّة كتب له صيام ستين شهرا.

تاريخ بغداد ٨/٢٩٠، شواهد التنزيل ١٥٧/٢١١.

وهذا هو دليل آخر على انّ لهذا اليوم شأناً لابدّ للمسلمين أو يعرفوه.

وكثير من مؤرخي العامة عبّروا عن هذا اليوم بالعيد، كما في الوفيات لابن خلكان ١/٦٠ و٢/٢٢٣ وغيره.

وعدّه البيروني في الآثار الباقية في القرون الخالية: ٣٣٤: ممّا استعمله أهل الاسلام في الأعياد.

وفي مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي صفحة ٥٣: يوم غدير خم، ذكره


أمير المؤمنين في شعره، وصار ذلك اليوم عيداً وموسما، لكونه كان وقتا خصّه رسول الله صلّى الله عليه وآله بهذه المنزلة العلية وشرّفه بها دون الناس كلّهم.

وفي كتاب شرف المصطفى للحافظ أبي سعيد الخركوشي المتوفى سنة ٤٠٧هـ: أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال بعد تبليغ الغدير: هنّوئني هنّوئني، ان اللّه تعالى خصّني النبّوة وخصّ أهل بيتي بالإمامة...

وهذا أيضا خير شاهد على كونه عيداً، حيث رسول الله يطلب من الناس أن يهنئّوه.

ولمّا نزلت آية (اليوم أكملت لكم دينكم...) قال طارق بن شهاب الكتابي الّذي حضر مجلس عمر: لو نزلت فينا هذه الآية لاتخذنا يوم نزولها عيداً، ولم ينكر عليه أحد من الحضور.

أخرجه الأئمة الخمسة مسلم ومالك والبخاري والترمذي والنسائي.

وحاول أعداء عليّ أن يمحوا ذكر يوم الغدير، لكن أبى الله إلاّ أن يتمّ نوره، فأمير المؤمنين بدأ بالمناشدة به في عدّة مجالس، وكذا أهل بيته عليهم السلام وكثير من العلماء.

وهذه المناشدات كان لها الدور الفعّال في بقاء الغدير على مرّ العصور.

حتّى أنّ أمير المؤمنين أعلن عن الغدير وأنه يوم عيد سنة اتفق فيها الجمعة والغدير، ومن خطبته أن قال: أنّ الله عزّ وجلّ جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين، لا يقوم أحدهما إلاّ بصاحبه ليكمل عندكم جميل صنعه... إلى أن قال: عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم وبالبرّ باخوانكم...

مصباح المتهجد: ٥٢٤.


وفي تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي بسنده عن فرات بن أحنف، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت: جعلت فداك للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحيى ويوم الجمعة ويوم عرفة؟ قال: فقال لي: نعم، أفضلها وأعظمها وأشرفها عند الله منزلة هو اليوم الّذي أكمل الله فيه الدين، وأنزل على نبيّه: (اليوم أكملت لكم دينكم...) قال: قلت: وأيّ يوم هو؟ قال: فقال لي: إنّ أنبياء بني اسرائيل كانوا إذا أراد أحدهم أن يعقد الوصية والإمامة من بعده فعل ذلك، جعلوا ذلك اليوم عيداً، وأنه اليوم الّذي نصب فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً للناس علماً... قال: قلت: فما ينبغي أن نعمل في ذلك اليوم؟ قال: هو يوم عبادة وصلاة وشكر لله وحمد وسرور لما منّ الله به عليكم من ولايتنا، فاني أحبّ لكم ان تصوموه.

وروا الكليني في شأن هذا اليوم عدّة أحاديث، وأنه يوم عيد وعبادة ويستحب فيه اكثار الصلاة على محمد وآله والبراءة إلى الله ممن ظلمهم.

الكافي ١/٢٠٤ و٣٠٣، وكذا روي الشيخ الصدوق في الخصال والطوسي في المصباح عدّة أحاديث في شأن الغدير.

فهذا هو الغدير عند الشيعة... وهذه عقيدتهم، وهم أخذوها من النبي والأئمة من أهل بيته سلام الله عليهم، فأين البدعة؟ وأيّ شيء أدخلوه في الشرع وهو ليس منه كي يتهموا بالبدعة؟

فلماذا اذن كل هذا الظلم والجور ضدّهم لأجل اقامة مراسم الغدير؟! كما ستمرّ عليك الأحداث، أليس هذا كلّه تعصّب ضدّ الشيعة؟!

وما نسبة النويري والمقريزي وغيرهما من أنّ هذا العيد ابتدعه معزّ الدولة بن بويه سنة ٣٥٢هـ، فهو تعصّب محض وقلّة معرفة بالتاريخ.

قال الاميني: وما عساني أن أقول في بحاثة يكتب عن تأريخ الشيعة قبل أن


يقف على حقيقته، أو أنه عرف نفس الأمر فنسيها عند الكتابة، أو أغضى عنها لأمرٍ دبّر بليل، أو أنّه ما يبالي بما يقول.

أوليس المسعودي المتوفى ٣٤٦هـ يقول في التنبيه والأشراف ص٢٢١: وولد علي رضي الله عنه وشيعته يعظّمون هذا اليوم؟!

أوليس الكليني الراوي لحديث عيد الغدير في الكافي توفي سنة ٣٢٩هـ؟ وقبله فرات بن ابراهيم الكوفي المفسّر الراوي لحديثه الآخر...

فالكتب هذه الفت قبل ما ذكراه - النويري والمقريزي - من التأريخ (٣٥٢).

أوليس الفيّاض بن محمد بن عمر الطوسي قد أخبر به سنة ٢٥٩هـ وذكر أنه شاهد الامام الرضا سلام الله عليه - المتوفى سنة ٢٠٣ - يتعيد في هذا اليوم ويذكر فضله وقدمه؟! ويروي ذلك عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام.

والامام الصادق المتوفى سنة ١٤٨هـ قد علّم أصحابه بذلك كلّه وأخبرهم بما جرت عليه سنن الأنبياء من اتخاذ يوم نصبوا فيه خلفاءهم عيداً...

هذه عقيدة عيد الغدير، لكن الرجلين أرادا طعنا بالشيعة، فأنكرا ذلك السلف الصالح وصوّراه بدعة مغزوّة إلى معزّ الدولة، وهما يحسبان أنه لا يقف على كلامهما من يعرف التاريخ فيناقشهما الحساب.

الغدير: ١/٢٨٧ - ٢٨٩، نهاية الأرب: ١/١٧٧، الخطط: ٢/٢٢٢.

ولزيادة الإطلاع عن هذه المسألة راجع: كشف المهم في خبر غدير خم للسيّد هاشم البحراني، عبقات الانوار للعلامة مير حامد حسين، الغدير للعلامة الأميني، منهج في الانتماء المذهبي: ٩٠ - ١٥٦، الغدير في التراث لاسلامي للعلامة السيد عبدالعزيز الطباطبائي، حديث الغدير رواته كثيرون للغاية قليلون للغاية للسيد عبدالعزيز الطباطبائي، الغدير في حديث العترة الطاهرة للسيّد محمد جواد الشبيري، ومصادر أخرى كثيرة.


ذكر الاحداث حسب تسلسل السنين: ٣٣٦هـ - ٤١٣هـ


سنة ٣٣٦هـ:

فيها: في الحادي عشر من ذي القعدة ولد محمّد بن محمّد بن النعمان بن عبدالسلام بن جابر بن النعمان بن سعيد بن جبير بن وهيب بن هلال بن أوس بن سعيد ابن سنان بن عبدالدار بن الريّان بن قطر بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب بن عكة بن خلد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وقيل: مولده سنة ٣٣٨هـ.

قال الخطيب البغدادي: شيخ الرافضة، والمتعلم على مذاهبهم، صنّف كتباً كثيرة في ضلالاتهم والذبّ عن اعتقاداتهم ومقالاتهم والطعن على السلف الماضين من الصحابة والتابعين وعامّ الفقهاء والمجتهدين، وكان أحد أئمة الضلال، هلك به خلق من الناس إلى أن أراح الله المسلمين منه.

وما ذكره الخطيب ليس هو إلاّ فرداً من افراد التعصّب الّذي جرى لكثير من المؤرّخين قبال علماء الشيعة، فعلماء الشيعة مهما ارتقت درجتهم العلميّة وازدادوا تقىً كثر تعصّب علماء السنّة تجاههم، وشرعوا بإلقاء التهم عليهم، واستعملوا أسوء الألفاظ في حقّهم، وهذا هو التعصّب بعينه وخروج عن انصافٍ وسوء أدبٍ.

ومعلوم أن سلاح العلماء الأتقياء الّذين هدفهم إصابة الحق لا غير هو البرهان والمجادلة بالّتي هي أحسن واستعمال اللين ومقابلة الآخرين بأحسن الأخلاق وألطف تعبير.

وأمّا الّذين يقابلون الدليل بالسياط والتبعيد والقتل والسب واستعمال الألفاظ الرديئة، فهذا سلاح العاجزين عن الدليل، وهو أقوى حجّة لمعرفة الحقّ في أيّ


طرف من كفّتي الميزان.

وهذا ما جرى على شيخنا المفيد، فإنه رضوان الله عليه بأسلوبه البديع واخلاقه العظيمة ودليله القاطع بيّن معتقده خدمةً للحق، فوقف أمامه العامّة، وأبدوا تعصّباً ملحوظاً تجاهه، وبدل ردّهم عليه بالمثل والدليل استعملوا أسوء الألفاظ في حقّه وأغلظوا معه في القول، حتّى بعّد عن وطنه عدّة مرّات.

قال معاصره الأكبر منه سنّاً ابن النديم: ابن المعلم أبو عبدالله، في عصرنا انتهت إليه رئاسة متكلّمي الشيعة، مقدّم في صناعة الكلام، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً.

قال ابن أبي طيّ: هو شيخ مشايخ الطائفة، ولسان الإمامية، ورئيس الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة العظيمة في الدولة البويهيّة، وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس.

قال الشيخ ابو العباس النجاشي: شيخنا، وأستاذنا رضي الله عنه، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم.

قال ابن الجوزي: شيخ الإمامية وعالمها، صنّف على مذهبهم، ومن أصحابه المرتضى، وكان لابن المعلّم مجلس نظر بداره - بدرب رياح - يحضره كافّة العلماء، وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف يميلهم إلى مذهبه.

فهرست ابن النديم: ١٧٨، رجال النجاشي: ٣٩٩ - ٤٠٣ ترجمة رقم ١٠٦٧، تاريخ بغداد: ٣/٢٣١، المنتظم: ٨/١١ - ١٢، العبر: ٣/١١٤ - ١٥٥، مرآة الجنان: ٣/٢٨.

سنة ٣٣٨هـ:

فيها: في آخر ربيع الأول وقعت فتنة بين الشيعة والسنّة، ونهبت الكرخ.


المنتظم: ٦/٣٦٣ - ٣٦٤، البداية والنهاية: ١١/٢٢١، شذرات الذهب: ٢/٣٤٥.

الكرخ يسكنها الشيعة الإمامية، بين شرقها والقبلة محلّة باب البصرة وأهلها سنة، وفي جنوبها المحلّة المعروفة بنهر القلاّئين وأهلها سنة، وعن يسار قبلتها محلّة تعرف بباب المحوّل وأهلها سنة، وتقع الكرخ غربي مدينة بغداد.

معجم البلدان: ٤/٤٤٨، المنجد: ٨٥٦.

وعند ملاحظة الكرخ من الناحية الجغرافيّة نشاهد بوضوح أنها محصارة بين عدّة مدن يقطنها العامة المتعصّبون ضدّ الشيعة، فالكرخ دائمة هي الضحيّة عند وقوع أيّ اختلاف، فكأنّ السّنة على أهبة الاستعداد يتوقّعون الفرص للهجوم على الشيعة في الكرخ وإيقاع المجازر فيها والنهب والحرق!!

سنة ٣٤٠هـ:

فيها: في شهر رمضان وقعت فتنه عظيمة بسبب المذهب.

البداية والنهاية: ١١/٢٢٤.

سنة ٣٤٥هـ:

فيها: وقعت فتنة عظيمة بأصبهان بين أهل اصبهان وأهل قم بسبب المذاهب، وكان سببها أنّه قيل: عن رجلٍ قمي أنه سبّ بعض الصحابة، وكان من أصحاب شحنه أصفهان، فثار أهلها واستغاثوا بأهل السواد، فاجتمعوا في خلق لا يحصون كثرة، وحضروا دار الشحنة، وقتلوا من الشيعة خلقاً كثيراً، ونهب أهل أصفهان أموال التجار من أهل قم، فبلغ الخبر ركن الدولة، فغضب لذلك، فصادر أهل


أصفهان بأموال كثيرة كما نقل ابن كثير، ونقل بن الاثير أنّ ركن الدولة غضب لذلك وأرسل اليها فطرح على أهلها مالاً كيراً.

الكامل في التاريخ: ٨/٥١٧، البداية والنهاية: ١١/٢٣٠.

وركن الدولة هو: الحسن بن بويه أخو معزّ الدولة، ملك اصفهان سنة ٣٢٨هـ، وملك طبرستان سنة ٣٣٦هـ، وسار منها إلى جرجان فملكها، كان حليماً كريماً، كان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة وينصب لردّ المظالم ويتعهد العلويّين بالأموال، توفي بالري ليلة السبت لاثني عشر ليلة بقيت من المحرم سنة ٣٣٦، وقد زاد على سبعين سنة، وكانت مدّة امارته أربعاً وأربعين سنة.

نهاية الأرب: ٢٦/١٧٥ - ١٧٩.

ولا أعلم على أيّ قانون كانوا يسيرون وعلى أيّ أسسٍ اعتمدوا، فهل سبّ واحدٍ من الشيعة لبعض الصحابة يوجب كلّ هذا؟!! قتل! ونهب! وما ذنب الآخرين؟!

وهذا مبنيّ على أنّ الصحابة كلّهم عدول، وأيّ دليل ينهض على هذا؟ وهل الصحبة لوحدها كافية ليكون المرء عادلاً؟ والقرآن صريح بخلاف هذا، راجع ما ذكرناه في المقدّمة مفصّلاً حول الصحابة.

سنة ٣٤٦هـ:

فيها: في آخر المحرّم كانت فتنة للعامة بالكرخ، كذا قال ابن الجوزي، وقال ابن كثير: في سنة ٣٤٦هـ وقعت فتنة بين أهل الكرخ وأهل السنة بسبب السب، فقتل من الفريقين خلق كثير، ولم يعيّن أيّ شهرٍ وقعت الفتنة، فيحتمل أن تكون فتنة واحدة حدثت في هذه السنة، ويحتمل تكرر الفتنة.

المنتظم ٦/٣٨٤، البداية والنهاية: ١١/٢٣٢.


سنة ٣٤٨ هـ:

فيها: في جمادى الأولى اتصلت الفتن بين الشيعة والسنة قتل بينهم خلق ووقع حريق كثير في باب الطاق، ولم يذكر لنا التاريخ السبب.

المنتظم: ٦/٣٩٠، الكامل في التاريخ: ٨/٥٢٧، البداية والنهاية: ١١/٢٣٤، شذرات الذهب: ٢/٣٧٦.

وباب الطاق: محلّه كبيرة ببغداد بالجانب الشرقي تعرف بطاق اسماء.

معجم البلدان: ٥/٣٠٨.

سنة ٣٤٩هـ:

فيها: في يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان على حدّ تعبير ابن الجوزي، وخامس شعبان على قول ابن الأثير، وقعت فتنة عظيمة بين السنّة والشيعة في القنطرة الجديدة، قتل فيها خلق كثير، وتعطّلت الجمعة من الغد في جميع المساجد من الجانبين سوى مسجد براثا فإنّ الصلاة تمّت فيه، ولم ينقل لنا المؤرّخون سبب الفتنة، بل ذكروا: وكان جماعة من بني هاشم قد أثاروا الفتنة فاعتقلهم معزّ الدولة ابن بويه فسكنت الفتنة، ونقل بعضهم: ثمّ قبض معزّ الدولة على جماعة من أهل السيف للمصلحة فسكتوا، ونقل آخر: ثمّ رأى معز الدولة المصلحة في القبض على جماعة من الهاشميّين فسكنت الفتنة.

المنتظم: ٦/٣٩٤ - ٣٩٥، الكامل في التاريخ: ٨/٥٣٣، دول الاسلام: ١٩٣، البداية والنهاية: ١١/٢٣٦، النجوم الزاهرة: ٣/٣٢٣، العبر: ٢/٢٨٠، مرآة الجنان: ٢/٣٤٢ - ٣٤٣، تاريخ الاسلام: ٢٣١ حوادث ووفيات ٣٤١هـ - ٣٥٠هـ، شذرات الذهب


٢/٣٧٩.

والقنطرة الجديدة أول من بناها المنصور، وكانت تلي دور الصحابة وطاق الحرّاني، جدّدت عدة مرات.

معجم البلدان: ٤/٤٠٦.

ومسجد براثا واقع في محلّة براثا طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محوّل، وكانت براثا قبل بناء بغداد قرية، مرّ بها علي بن ابي طالب عليه السلام لقتال الحروريّة الخوارج بالنهروان وصلّى في موضع من الجانب المذكور، وتعرّض هذا المسجد عدّة مرّات للهدم، لاجتماع قوم من الشيعة فيه، هدمه الراضي بالله حتّى سوّى به الارض، ثمّ أمر بجكم الماكاني أمير الأمراء ببغداد بإعادة بنائه.

معجم البلدان: ١/٣٦٢ - ٣٦٣.

ومعزّ الدولة هو: أحمد بن بويه، مرّشيء من أخباره في المقدّمة في أحوال بني بويه، استولى على بغداد سنة ٣٣٤هـ في خلافة المستكفي بالله، كان بواسط وقد جهّز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين الخارج عليه، فازداد عليه المرض، فرجع إلى بغداد، وعهد إلى ابنه بختيار، وتوفي لأربع ساعات مضين من ليلة الثلاثاء سابع عشر ربيع الآخر سنة ٣٥٦هـ، وكانت امارته إحدى وعشرين سنة واحد عشر شهراً، وعمره ثلاث وخمسون سنة، ودفن بداره، ثمّ نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش.

المنتظم: ٧/٣٨ - ٣٩، نهاية الأرب: ٢٦/١٨٢ - ١٩٢.

وأمّا سبب الفتنة فغير معلوم، والنقل مضطرب كما ذكرنا، وحبس معزّ الدولة بعض الهاشميّين كان لإقناع السنة الّذين يشكّلون الأكثرية في بغداد، وهذا لا يدّل على حقّانيّتهم، ومعزّ الدولة كان شيعيّاً ومع ذلك يريد الحفاظ على مملكته، فإذا


اقتضت المصلحة حبس بعض الشيعة للحفاظ على ملكه فعل، راجع ما كتبناه في المقدّمة في أحوال بني بويه وعقيدتهم.

سنة ٢٥٣هـ:

فيها: في جمادى الأولى كانت فتنة عظيمة في البصرة وبهمذان بين العامة بسبب المذاهب على حدّ تعبير ابن الاثير، وبسبب السب على حدّ تعبير ابن كثير، قتل فيها خلق كثير وجمّ غفير.

الكامل في التاريخ: ٨/٥٤٤، البداية والنهاية: ١١/٢٤١.

وسبب الفتنة أيضاً غير واضح، والسبّ لوحده غير مبرّر لهجوم السنّة على الشيعة وإيقاع القتل العام والنهب وإشعال الفتنة.

سنة ٣٥٢هـ:

فيها: في اليوم العاشر من المحرّم غلقت الأسواق ببغداد، وعطّل البيع، ولم يذبح القصّابون، ولا طبخ الهرّاسون، ولا ترك الناس أن يستقوا الماء، ونصبت القباب في الأسواق، وعلّقت عليها المسوح، وخرج النساء يلطمن وجوههنّ على الحسين، وأقيمت النائحة على الحسين سلام الله عليه.

وذكر بعض المؤرّخين أنّ هذا كان بأمر معزّ الدولة، وبعضهم نقله من دون أن يذكر أنه بأمر أحدٍ.

وذكر ابن الأثير وابن كثير: ولم يكن للسنة قدرة على المنع منه، لكثرة الشيعة، ولأنّ السلطان معهم.

ولا أعلم لماذا يحاول أهل السنة منع هذا الشعار ومحاربته، وقد عقد مأتم


الحسين قبل استشهاده من قبل خاتم الرسل، وإقامة هذا المأتم في السماء من قبل الملائكة، حتّى الجنّ أقامت المأتم وناحت على الحسين سلام الله عليه، راجع المقدّمة عن هذا الموضوع.

وقال الحافظ الذهبي بعد نقله لما حدث في يوم العاشر: وهذا اول ما نيح عليه، اللهمّ ثبّت علينا عقولنا.

وما هو مقصوده من: اللهمّ ثبّت علينا عقولنا؟ وهل ما علمته الشيعة من إقامة العزاء على سيّد الشهداء مخالف للعقول السليمة، وقد بكى عليه خير الخلق رسول الله وأقام المأتم عليه وأقامت الملائكة في السماء العزاء عليه وناحت عليه الجنّ؟!! راجع المقدمة حول هذا الموضوع.

وقال الأتابكي: قلت: وهذا أول يوم وقع فيه هذه العادة القبيحة الشيعية ببغداد، وكان ذلك في صحيفة معزّ الدولة بن بويه، ثمّ اقتدى به من جاء بعده من بني بويه وكلّ منهم رافضي!! خبيث!!

أقول: الم يخبر جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله بما يجري على الحسين عليه السلام بعد ولادة الحسين، وبكاء النبي ومن في البيت على هذا المصاب، وهو اول عزاء يعقد على الحسين الشهيد، كما ذكرناه في المقدّمة، فمتى صار احياء ذكرى الحسين عليه السلام عادة قبيحة؟!! وتشاهد بوضوح عزيزي القارىء محاولة بعض المؤرّخين بجعل اقامة المأتم على الحسين انما كان ابتداؤه زمن معزّ الدولة!! وهذا جهل وتعصّب منهم، راجع المقدّمة الرابعة حول قضيذة الحسين كي يتبّين لك الأمر.

المنتظم: ٧/١٥، الكامل في التاريخ: ٨/٥٤٩، مرآة الجنان: ٢/٣٤٧، تاريخ الاسلام: ١١ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، العبر: ٢/٢٩٤، دول الاسلام: ١٩٥،


البداية والنهاية: ١١/٢٤٣، تكملة تاريخ الطبري: ٣٩٧، شذرات الذهب: ٣/٩، النجوم الزاهرة: ٣/٣٣٤.

وفيها: في ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة - وهويوم عيد غدير خم - أشعلت النيران، وضربت الدبادب والبوقات، وبكر الناس الى مقابر قريش، وأظهرت الزينة في البلد، وفتحت الأسواق بالليل كما يفعل في ليالي الأعياد، وكان يوماً مشهوداً.

وقال الحافظ الذهبي بعد ذكر الحادث: فنعوذ بالله من الضلال!!

وقال ابن كثير: فكان وقتاً عجيباً وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة!!

ولا أعلم أين البدعة الشنيعة؟! والظاهرة المنكرة؟! كي يتعوّذ بالله منها، ألم ينصب رسول الله عليّاً في هذا اليوم خليفة، وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهمّ وال من ولاه وعادي من عاداه؟! ألم ينزل جبرئيل باكمال الدين بعد هذا؟! ألم يبايع المسلمون عليّاً يوم الغدير واحداً بعد الآخر... وقال له عمر: هنيئاً لك يا ابن ابي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة؟! ألا يحقّ للمسلمين أن يتخذوه عيدا ويفرحوا به... وقد وردت روايات كثيرة من طرق الخاصّة عن الأئمة عليهم السلام باتخاذ هذا اليوم عيداً، والتفصيل راجع المقدمة الخامسة حول هذا الموضوع.

المنتظم: ٧/١٦، الكامل في التاريخ: ٨/٥٤٩ - ٥٥٠، مرآة الجنان: ٢/٣٤٧، شذرات الذهب: ٣/٩، البداية والنهاية: ١١/٢٤٣، تكملة تاريخ الطبري: ٤٠٠، تاريخ الاسلام: ١٢ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، دول الاسلام: ١٩٥ - ١٩٦.


سنة ٣٥٣هـ:

فيها: في العاشر من المحرّم عملت الشيعة المأتم على سيّد الشهداء الحسين عليه السلام، وعطّلت الأسواق وأقامت النوح، فلمّا أضحى النهار يومئذٍ وقعت فتنة عظيمة في قطيعة أم جعفر وطريق مقابر قريش بين السنّة والشيعة، واقتتلا قتالا شديداً، ونهبت الأموال، ووقعت بينهم جراحات.

المنتظم: ٧/١٩، الكامل في التاريخ: ٨/٥٥٨، تاريخ الاسلام: ١٣ حوادث ووفيات ٣٥١ - ٣٨٠، البداية والنهاية: ١١/٢٥٣، النجوم الزاهرة: ٣/٣٣٦.

وقطيعة أم جعفر: محلّة ببغداد عند باب التين، وهو الموضع الّذي فيه مشهد موسى بن جعفر قرب الحريم بين دار الرقيق وباب خراسان، وقيل: قطيعة ام جعفر بنهر القلاّئين، ولعلّها اثنتان، وام جعفر هي: زبيدة بنت جعفر بن المنصور أم محمد الامين.

معجم البلدان: ٤/٣٧٦.

وهذه هي التعصّبات الجاهليّة ضدّ الشيعة لا غير، ففرقة لها مبانيها ورسومها تسير عليها، وتقيم مأتماً على امامها وتنصب له العزاء في كلّ سنة، فأيّ دخلٍ لفرقةٍ أخرى حتّى تمنعها، وأيّ قانونٍ يجيز لها قتل ونهب الفرقة الأخرى، وهل اقامة العزاء على ابن بنت رسول الله حكمة القتل والنهب والإباحة؟! أيّ انسانٍ حرّ الضمير يقبل هذا؟!

سنة ٣٥٤هـ:

فيها: في العاشر من المحرّم أقامت الشيعة العزاء على الحسين سيّد الشهداء والنوح واللطم وعطّلت الاسواق.


وقال الأتابكي: ولم يتحرّك لهم السنّية خوفاً من معزّ الدولة ابن بويه.

وكأنّ المؤرّخين يتعجبّون كيف تنقضي المراسم من دون تعرّض السنة لهم، فصار المنع جارياً والقتل والنهب عادة، حتّى أن المراسم لمّا تمّت بسلام، تذكره ابناء العامة بإعجاب، وكيف لم يحملوا على الشيعة ويقتلوهم؟! لتفرح قلوبهم بسماع سفك دماء الشيعة!!!

وقال ابن كثير: ثمّ تسلّطت أهل السنّة على الروافض، فكبسوا مسجدهم مسجد براثا الذي هو عشّ الروافض!! وقتلوا بعض من كان فيه من القومة!!

والظاهر من عبارة ابن كثير بل صريحها ان هذه السنة ايضاً لم تنقض المراسم بدون قتلٍ ونهبٍ.

المنتظم: ٧/٢٣، تاريخ الاسلام: ١٧ حوادث ووفيات ٣٥١ - ٣٨٠، النجوم الزاهرة: ٣/٣٣٩، البداية والنهاية: ١١/٢٥٥.

وقال ابن كثير بعد نقل ما تعمله الشيعة يوم العاشر: وهذا تكلّف لا حاجة إليه في الاسلام، ولو كان هذا أمراً محموداً لفعله خير القرون وصدر هذه الأمّة وخيرتها، وهم أولى به، لو كان خيراً ما سبقونا اليه، وأهل السنة يقتدون ولا يبتدعون.

البداية والنهاية: ١١/٢٥٥.

ونحن نقول لابن كثير: لو سلّمنا لك أنّ هذا تكلّف لا حاجة إليه في الإسلام، فهل فعله يوجب القتل والنهب والإباحة؟!.

وأمّا قوله: لو كان هذا أمراً محدوداً لفعله خير القرون، فهو مردود، بأن خير القرون فعلوه، لكن بشكل آخر، فرسول الله صلّى الله عليه وآله اقام المأتم على الحسين قبل استشهاده وكذلك علي بن ابي طالب عليه السلام، وذلك بعد إخبار جبرئيل، ولكن بنحو آخر، وكذا أقام العزاء على الحسين أئمّة اهل البيت في اليوم


العاشر، وجلسوا للعزاء والبكاء، راجع ما كتبناه حول هذا الموضوع في المقدّمة.

وأمّا قوله: وأهل السنّة يقتدون ولا يبتدعون!! فهل هذا مبّرر لقتلهم الشيعة ونهبهم أمولاهم وحرق بيوتهم؟!

وهل كانت صلاة التراويح في زمن النبيّ، أو صلاّها؟!

ومن اسقط القول بحيّ على خير العمل من الآذان، ألم يكن في زمن رسول اله وأسقط بعده؟!

ألم يعترفوا بانّ السنّة التختم باليمين، لكن بما أن الشيعة تتختّم باليمين جعلوا السنّة التختم باليسار.

ومن نهى عن متعة الحج وكانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

ومن منع من متعة النساء وكانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

ومن زاد في الآذان الصلاة خير من النوم ولم تكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

ومن منع المغالات في صداق النساء؟!

ومن أتمّ الصلاة بمنى أربعاً؟!.

واسأل من ابن كثير: من جعل في مقابل عيد الغدير يوماً باسم يوم الغار وفي مقابل يوم عاشوراء يوم مقتل مصعب وعملوا فيهما من الفرح والحزن كما تعمله الشيعة؟! ومن...؟! ومن...؟! وأهل السنة يقتدون ولا يبتدعون!

وفيها: في الثامن عشر من ذي الحجّة أقامت الشيعة مراسم عيدالغدير، ولم يتحدّث التاريخ لنا بشيء حدث فيه.

وقال ابن كثير: وفي ثاني عشر ذي الحجة منها علمت الروافض عيد غدير خم...

وهو غلط واضح لعلّه من النسّاخ، اذ أن يوم عيد الغدير هو اليوم الثامن عشر.


المنتظم: ٧/٢٤، البداية والنهاية: ١١/٢٥٥.

سنة ٣٥٥هـ:

فيها: في العاشر من محرّم أقامت الشيعة عزاءها على الحسين الشهيد عليه السلام والنوح والبكاء، ولم يحدث شيء والحمد لله.

وقال ابن كثير: في عاشر المحرّم عملت الروافض بدعتهم الشنعاء!! وضلالتهم الصلعاء!! على عادتهم ببغداد.

وهنا ابن كثير يتألّم كيف انتهت المراسم بسلامةٍ، ولم يقتل السنة الشيعة ولم يهجموا عليهم، فأبدى حقده هذا بهذه العبارات السقيمة وسوء الأدب، يريد جرح عواطف الشيعة الّذين يحترمون هذا اليوم ويعظموه، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون.

المنتظم: ٧/٣٣، البداية والنهاية: ١١/٢٦٠، النجوم الزاهرة: ٤/١١.

سنة ٣٥٦هـ:

فيها: عملت الشيعة المراسم في اليوم العاشر من المحرّم، ولم ينقل لنا التاريخ وقوع حرب أو فتنة، وله الحمد.

المنتظم: ٧/٤٨، مرآة الجنان: ٢/٣٥٨، العبر: ٢/٢٠٣، تاريخ الاسلام: ٣٧ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، شذرات الذهب: ٣/١٨، البداية والنهاية: ١١/٢٦٢، النجوم الزاهرة: ٤/١٤.

سنة ٣٥٧هـ:

فيها: في اليوم العاشر من المحرّم تمّت مراسم العزاء بسلامٍ، والحمد لله.


المنتظم: ٧/٤٣، البداية والنهاية: ١١/٢٦٥، النجوم الزاهرة: ٤/١٨، الكامل في التاريخ: ٨/٥٨٩، تاريخ الاسلام: ٣٩ حوادث ووفيات ٣٥١هـ ٣٨٠هـ.

وفيها: في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة عملت الشيعة مراسم الفرح والسرور لعيد الغدير، ولم ينقل حدوث فتنةٍ، والحمد للّه.

المنتظم: ٧/٤٣، الكامل في التاريخ: ٨/٥٨٩، تاريخ الاسلام: ٣٩ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، البداية والنهاية: ١١/٢٦٥.

سنة ٣٥٨هـ:

فيها: في اليوم العاشر من المحرّم أقامت الشيعة في بغداد العزاء على الحسين بن علي وإغلاق الأسواق وتعطيل المعاش وإظهار النوح، ولم يحدث في المراسم قتال ولافتنة، والحمد لله.

وقال الذهبي: وأقامت الرافضة الشعار الجاهلي يوم عاشوراء...

الشعار الجاهلي!! وهل بلغت الوقاحة إلىهذه الدرجة كي يعبّر عن إقامة المراسم على الحسين سيد الشهداء بالشعار الجاهلي؟ ألم يك على الحسين كلّ موجود من السماء والأرض والحيوانات والملائكة والجن واقاموا المأتم على الحسين، كلّ هذا ورسول الله وعلي هما أقاما مأتماً على الحسين، فيا عجباً من أمّة تقتل ابن بنت رسولها وتسمّي من يجلس له مأتماً ويبكي عليه: شعاراً جاهلياً!

المنتظم: ٧/٤٧، الكامل في التاريخ: ٨/٦٠٠، تاريخ الاسلام: ٤٣ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، البداية والنهاية: ١١/٢٦٦، النجوم الزاهرة: ٤/٢٥.

وفيها: في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، أقام الشيعة مراسمهم من إظهار الفرح بيوم عيدالغدير الأغرّ، ولم يتعرّض لهم أحد ولا منعهم، وله الحمد.


المنتظم: ٧/٤٧، البداية والنهاية: ١١/٢٦٦، النجوم الزاهرة: ٤/٢٥، تاريخ الاسلام: ٤٣ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ.

سنة ٣٥٩هـ:

فيها: في العاشر من المحرّم تمّت مراسم العزاء من دون منعٍ وتعرّضٍ، والحمد لله.

وقال ابن كثير: في عاشر المحرّم عملت الرافضة بدعتهم الشنعاء....

وقال الأتابكي: اقامت الرافضة المأتم... على عادتهم وفعلهم القبيح....

وهنا أيضاً لم يسلم المأتم من الهجوم والتعرّض، نعم سلم في وقت إقامته، ولم يسلم من المؤرّخين!

المنتظم: ٧/٥١، تاريخ الاسلام: ٤٥ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، البداية والنهاية: ١١/٢٦٧، النجوم الزاهرة: ٤/٥٦.

سنة ٣٦٠هـ:

فيها: في يوم العاشر من المحرّم أقام الشيعة المأتم على الحسين الشهيد، ولم ينقل التاريخ حدوث فتنة أو تعرّضٍ، والحمد لله.

قال ابن كثير: في عاشر محرّمها عملت الرافضة بدعتهم المحرّمة....

ولا جواب على قوله: بعدتهم المحرّمة غير قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً).

المنتظم: ٧/٥٣، النجوم الزاهرة: ٤/٥٧، تاريخ الاسلام: ٤٧ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ.


وفيها: في ثامن عشر ذي الحجّة، أقامت الشيعة مراسم العيد والسرور بمناسبة عيدالغدير الأغرّ، ولم يحدث شيء من القتل والنهب، والحمد لله.

تاريخ الاسلام: ٤٧ حوادث ووفيات ٣٥١هـ ٣٨٠هـ، النجوم الزاهرة: ٤/٥٧.

سنة ٣٦١هـ:

فيها: في يوم العاشر من المحرّم أقامت الشيعة مراسم العزاء على الحسين سيد الشهداء، ولم يحدث شيء، وله الحمد والمنّة.

قال ابن كثير: في عاشر المحرم عملت الروافض بدعتهم....

وقال الحافظ الذهبي: أقامت الشيعة بدعة عاشوراء.

ومرّة أخرى سلمت المآتم من القتل والنهب، ولم تسلم من أقلام المؤرّخين الجارحة!.

المنتظم: ٧/٧٥، النجوم الزاهرة: ٤/٦٢، تاريخ الاسلام: ٢٤٥ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، البداية والنهاية: ١١/٢٧١.

وفيها: وقعت فتنة عظيمة ببغداد وظهرت العصبية الزائدة، وظهر العيّارون وأظهروا الفساد وأخذوا أموال الناس، وكان سبب ذلك أنّ العامة لمّا تجهّزت للغزاة وقعت بينهم فتنة شديدة بين الشيعة والسنة، وأحرق اهل السنّة دور الشيعة في الكرخ وكانت معدن التجار الشيعة ونهبت الأموال وقتل جميع غفيرٍ، وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسوي والوزير أبي الفضل الشيرازي وعداوة.

الكامل في التاريخ: ٨/٦١٩، البداية والنهاية: ١١/٢٧١.

والنقيب ابو أحمد الموسوي هو الحسين بن موسى بن محمد بن ابراهيم بن موسى بن جعفر، ولد سنة ٣٠٤هـ، وكان يلقب بالطاهر وبذي المناقب والأوحد،


ولاّه بهاء الدولة قضاء القضاة فلم يمكّنه القادر بالله، ولي النقابة عدّة مرّات، توفي سنة ٤٠٠هـ عن سبع وتسعين سنة، وصلّى عليه ابنه المرتضى، ودفن في داره ثمّ نقل إلى مشهد الحسين عليه السلام.

المنتظم ٧/٢٤٧، الكامل في التاريخ: ٩/١٨٢.

والوزير ابو الفضل الشيرازي هو عباس بن الحسين، وكان وزيراً لعزّ الدولة، وكان ظالما، فقبض عليه وقتل في ربيع الآخر من سنة ٣٦٣هـ وعمره تسع وخمسون سنة.

وهنا تلاحظ بوضوح أنّ السنّة تحرّكت ضدّ الشيعة لمّا تجهّزت للغزاة، فلمّا احسّت السنّة بالقوّة وكثرة الجمع والتجهّز بالسلاح، جملوا على الشيعة، وأحرقوا دورهم بالكرخ، فهم على استعدادٍ كاملٍ للهجوم على الشيعة وإبادتهم، فمتى حصلوا على فرصة مناسبة جعلوا كلّ ما لديهم من قوّة ضدّ الشيعة، وكأنهم يهود أو نصارى، كلاّ حتّى معاملتهم مع اليهود والنصارى والزنادقة كانت أفضل بكثير من معاملتهم مع الشيعة!.

سنة ٣٦٢هـ:

فيها: في العاشر من المحرّم، اختلف النقل عن وقوع مراسم المأتم أم لا:

فقال ابن كثير: في عاشر محرمها عملت الروافض من النياحة وتعليق المسوح وغلق الأسواق كما تقدّم قبلها.

وقال الأتابكي: فيها لم تعمل الرافضة المأتم ببغداد بسبب ما جرى على المسلمين من الروم، وكان عزّ الدولة بختيار بن بويه بواسط، والحاجب سبكتكين ببغداد، وكان سبكتكين المذكور يميل إلى السنّة، فمنهم من ذلك.


البداية والنهاية: ١١/٢٧٣، النجوم الزاهرة: ٤/٦٥.

وماذنب الشيعة فيما جرى على المسلمين من الروم؟! أوليست الحرب كرّ وفرّ؟! ولكن التعصّب ضدّ الشيعة والأحقاد الدفينة في القلوب، جعلت أهل السنّة يتربصون بالشيعة لقتلهم ونهبهم فالشيعة على ممرّ العصور مظلومون من قبل الحكام والناس، وإذا ما جاءت حكومة أعطت للشيعة فرصة قليلة، فالسنّة تتضاعف أحقادهم ويشرعون بقتل الشيعة وإباحتهم، وعزّ الدولة كان قد اعطى للشيعة نوعاً من الحريّة، ففي غيابه أبدت السنّة أحقادها ومنعت الشيعة من إقامة العزاء! وعلّلوه بما جرى على المسلمين من الروم!!!.

وعزّ الدولة هو ابو منصور بختيار بن معزّ الدولة بن بويه، عقد له الأمر والده من بعده يوم الجمعة لثمان خلون من المحرّم سنة ٣٤٤هـ، وبايع له الأجناد، جلس في السلطنة بعد وفاة أبيه يوم الثلاثاء عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ٣٥٦هـ، قتل في الثامن عشر من شوّال سنة ٣٦٧هـ بعد أن اسرّه عضد الدولة ابن محمد وأمر بقتله.

نهاية الأرب ٢٦/١٩٤ - ٢١٠.

وسبكتكين هو حاجب معزّ الدولة، كان الطائع لله قد خلع عليه خلعة الملوك وطوّقه ولقّبه نصر الدولة، فلم تطل أيامه، توفي في المحرم.

شذرات الذهب: ٣/٤٨.

وفيها: ضرب صاحب المعونة رجلاً من العامة فمات، فثارت عليه العامة وجماعة من الأتراك، فهرب منهم، فدخل داراً فأخرجوه مسجوناً وقتلوه وحرقوه، فركب الوزير ابو الفضل الشيرازي - وكان شديد التعصّب للسنّة - وبعث حاجبه إلى أهل الكرخ، فألقى في دورهم النار، فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال، من


ذلك ثلاثمائة دكان وثلاثة وثلاثون مسجداً وسبعة عشر ألف إنسان، فعند ذلك عزله بختيار عن الوزارة.

البداية والنهاية: ١١/٢٧٣.

فصاحب المعونة يضرب رجلاً من العامّة لا نعلم سببه، وهو لا يقصد قتله، لكنه قد مات، فهرب صاحب المعونة واختفى في بيت، فأخرج وقتل، فإذا كان جزاؤه القتل لأنه قتل فقد قتل، لكن العامّة لا تكتفي بهذا، بل أحرقوا دور الشيعة في الكرخ، وطرقت سمعك الاحصائيات المدهشة الناشئة عن هذا الحريق!! أليس هذا هو التعصّب بحقيقته؟!.

سنة ٣٦٣هـ:

فيها: في العاشر من المحرّم أقامت الشيعة المأتم على الحسين عليه السلام.

وقال ابن كثير: عملت البدعة الشنعاء!.

البداية والنهاية: ١١/٢٧٥.

وفيها: قويت السنة على الشيعة، وكانت السنة تنادي بشعار سبكتكين والأتراك، والشيعة تنادي بشعار عزّ الدولة والديلم، واتّصلت الحروب، وكبس أهل السنّة المنازل وأحرقوا الكرخ حريقاً ثانياً!!!.

البداية والنهاية: ١١/٢٧٥، ٧/٦٨.

ولا أعلم في أيّ وقتٍ تقو السنّة على الشيعة، وهل اعطوا للشيعة حتّى فرصة الدفاع عن النفس ومواجهة الاتهامات الواردة عليها والإفترائات؟.

وفيها: كما قال ابن كثير: وقعت فتنة عظيمة ببغداد بني أهل السنّة والرافضة، ذلك أنّ جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسمّوها عائشة، وتسّمى بعضهم بطلحة


وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب علي!!! فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير.

البداية والنهاية: ١١/٢٧٥.

لمّا يصل مؤرّخوا السنة إلى أمثال هذه الأفاعيل الشنيعة الّتي تمسّ شخصيّة علي ابن ابي طالب، وتجرح قلوب الشيعة، والمقصود من ورائها الفتنة لا غير، يذكرون الحدث ويمرّوا عليه مرّ الكرام، وأمّا مراسم عاشوراء والغدير، فالعّامة يستعملوا أشنع الألفاظ مقابل الشيعة لأجل إحيائها هذين المناسبتين، فالبدعة الشنيعة... والصلعاء... وشعار الجاهلية، والسنّة القبيحة، و... فأين ذهب الانصاف يا ترى... وأين العدالة الّتي ينادون بها بأعلا أصواتهم؟!.

سنة ٣٦٦هـ:

فيها: كما قال الأتابكي: عمل في الديار المصرية المأتم في يوم عاشوراء على الحسين بن علي - رضي الله عنهما - وهو أوّل ما صنع ذلك بديار مصر، فدامت هذه السنّة القبيحة! سنين الى أن انقرضت دولتهم.

النجوم الزاهرة: ٤/١٢٦.

سنة ٣٦٧هـ:

فيها: كما قال ابن الجوزي: دخل عضد الدولة إلى بغداد وقد هلك أهلها قتلاً وحرقاً وجوعاً، للفتن الّتي اتصلت فيها بين الشيعة والسنّة، فقال: آفة هؤلاء القصاص، يغرون بعضهم ببعض، ويحرضونهم على سفك دمائهم وأخذ أموالهم، فنادى في البلد: لا يقص أحد في جامع ولا طريق، ولا يتوسّل بأحد من


أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أحبّ التوسّل قرأ القرآن، فمن خالف فقد أباح دمه.

المنتظم: ٧/٨٨.

وقال ابن كثير: وقيل لعضد الدولة: إنّ أهل بغداد قد قلّوا كثيراً بسبب الطاعون، وما وقع بينهم من الفتن بسبب الرفض والسنّة، وأصابهم حريق وغرق، فقال: إنّما يهيّج الشرّ بين الناس هؤلاء القصاص والوعاظ...

البداية والنهاية: ١١/٢٨٩.

سنة ٣٦٩هـ:

فيها: في صفر قبض على الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي، نقيب الطالبيين، وقد كان أمير الحج مدّة سنين، اتّهم بأنه يفشي الأسرار، ووجدوا كتاباً بخطه في إفشاء الأسرار، فأنكر أنّه خطّه، وكان مزوّراً عليه، وعزل عن النقابة، وكان مظلوماً.

البداية والنهاية: ١١/٢٩٥.

والّذي يظهر للمتأمّل: أن أهل السنّة زوّروا عليه هذا الكتاب لمّا وجدوه مقرّباً عند بني بويه ونفوذ أمره ودفاعه عن التشيّع والشيعة.

سنة ٣٧١هـ:

فيها: في ربيع الأول وقع حريق بالكرخ من حدّ درب القراطيس إلى بعض البزازين من الجانبين، وأتى على الأساكفة والحذّائين، واحترق فيه جماعة من الناس، وبقي لهبه اسبوعاً.


المنتظم: ٧/١٠٧ - ١٠٨، تاريخ الاسلام: ٤٧١ - ٤٧٢ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، البداية والنهاية: ١١/٢٩٧.

والكرخ هي مقرّ الشيعة ومسكنهم كما ذكرناه سابقاً، ولم يذكر لنا المؤرخون سبب هذا الحريق المهيب.

سنة ٣٧٢هـ:

فيها: أطلق شرف الدولة عن الشريف أبي الحسين محمد بن عمر العلوي والنقيب أبي احمد الموسوي والد الشريف الرضي والمرتضى، وكان عضد الدولة حبسهم.

الكامل في التاريخ: ٩/٢٢ - ٢٣.

وشرف الدولة هو ابن عضد الدولة، نفذ أمره بين خراسان والموصل وديار بكر والعراق ومدن أخرى، وكانت إمارته ست سنين وسبعة أشهر، ملك فيها بغداد سنتين، وكان يحبّ الخير، توفي ببغداد في مستهل جمادى الآخرة سنة ٣٧٩هـ وقيل في ثانيه، وكانت علّته الاستسقاء.

نهاية الأرب: ٢٦/٢٣٣ - ٢٣٤.

سنة ٣٧٩ و٣٨٠هـ:

فيهما: اشتدّ البلاء وعظم الخطب في بغداد، وزاد أمر العيّارين في جانبي بغداد، ووقعت بينهم حروب وعظمت الفتنة، واتصل القتال بين الكرخ وباب البصرة، وصار في كلّ حزبٍ أمير وفي كلّ محلّةٍ متقدّم، وقتل طائفة ونهبت الأموال وتواترت الفتن وأحرق بعضهم دور بعض، ووقع حريق في نهر الدجاج احترق فيه


شيء كثير للناس، وتوّسط الشريف أبو أحمد الموسوي الأمر.

المنتظم: ٧/١٥٣، تاريخ الاسلام: ٤٨٧ حوادث ووفيات ٣٥١هـ - ٣٨٠هـ، العبر: ٣/١٠ - ١١، البداية والنهاية: ١١/٣٠٨.

وباب البصرة: تكون بين شرق الكرخ وقبلتها، وأهلها كلّهم سنّة.

ونهر الدجاج: محلّة ببغداد قرب الكرخ من الجانب الغربي وأهلها شيعة. معجم البلدان: ٤/٤٤٨، و٥/٣٢٠.

سنة ٣٨١هـ:

وفيها: في اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة وهو يوم الغدير على حدّ تعبير ابن الجوزي، واليوم الثالث عشر من ذي الحجة وهو يوم عيد الغدير على حد تعبير ابن كثير، جرت فتنة بين أهل الكرخ الشيعة وباب البصرة السنة، واقتتلوا، فقتل منهم خلق كثير، واستظهر أهل باب البصرة، وحرقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتّهموا بفعل ذلك وصلبوا على القناطر ليرتدع أمثالهم.

وقال ابن الأثير: وفيها كثرت الفتن بين العامة ببغداد وزالت هيبة السلطان وتكرّر الحريق في المحال واستمرّ الفساد.

المنتظم: ٧/١٦٣ - ١٦٤، الكامل في التاريخ: ٩/٩١، البداية والنهاية: ١١/٣٠٩.

وما ذكره ابن الجوزي من كون عيد الغدير في اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة، وابن كثير من كونه في اليوم الثالث عشر منه، معلوم فساده، لقيام الإجماع على كونه في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة.


سنة ٣٨٢هـ:

فيها: استولى الوزير ابو الحسن ابن المعلّم على أمور السلطان بهاء الدولة كلّها ببغداد، ومنع الشيعة من أهل الكرخ وباب الطاق من إقامة العزاء والنوح في يوم العاشر من المحرّم على الحسين الشهيد بعد أن كان يقام من ثلاثين سنة.

المنتظم: ٧/١٦٧ - ١٦٨، مرآة الجنان: ٢/٤١٥، البداية والنهاية: ١١/٣١١، شذرات الذهب: ٣/١٠٢، تاريخ الاسلام: ١٢ - ١٣ حوادث ووفيات ٣٨١ - ٤٠٠هـ، العبر: ٣/٢٠، دول الاسلام: ٢٠٧، النجوم الزاهرة: ٤/١٦٢.

وابو الحسن ابن المعلم هو عليّ بن محمد الكوكبي، استولى على أمور بهاء الدولة في بغداد سنة ٣٨٢هـ، وشغب الجند وبعثوا يطلبون من بهاء الدولة أن يسلّم اليهم ابن المعلّم، وصمّموا على ذلك، الى أن قال له رسولهم: أيّها الملك اختر بقاءه أبو بقاءك، فقبض عليه حينئذٍ وعلى أصحابه، فما زالوا به حتّى قتلوه.

مرآة الجنان: ٢/٤١٥، شذرات الذهب: ٣/١٠٢، العبر: ٣/٢٠.

وفي دول الاسلام عندما ذكر ابن المعلّم هذا، ذكر المحقق في الهامش: أي الشيخ المفيد، وهو غلط واضح ناشىء عن قلّة معرفةٍ والتباس.

وقال ابن كثير: في عاشر محرّم أمر الوزير... بأن لا يفعلوا شيئا من تلك البدع... ولله الحمد، وقد كان هذا الرجل من اهل السنّة.

والحمد لله على كلّ حال حسن، ولكن ربّ كلمة حقّ أريد بها باطل، فسنين قلائل تمكّن الشيعة آنذاك من إقامة مراسم العزاء وبهدوء، لكن لم يتمكّن أن يرى العامّة هذا، وسعوا بكلّ ما بوسعهم لأجل منع العزاء، وأنّهم وإن تمكّنوا في بعض السنين من منع اقامة المراسم، لكن هذا الشعار دام في انحاء العالم وسيدوم ان شاء الله تعالى.


وفيها: في شوّال تجددّت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم، واشتدّ الحال، فركب أبو الفتح محمد بن الحسن الحاجب، فقتل وصلب، فسكن البلد.

الكامل في التاريخ: ٩/٩٤.

سنة ٣٨٤هـ:

فيها: في صفر قوي أمر العيارين، واتصل القتال بين الكرخ وباب البصرة، واحترق كثير من المحال، وظهر العيّار المعروف بعزيز البابصري، واستفحل أمره، والتحق به كثير من الذعار والمؤذين، وطرح النهار في المحال، ثمّ صالح أهل الكرخ، فنهض السلطان وتفرّغ لهم، فهربوا في الظاهر.

المنتظم: ٧/١٧٤، تاريخ الاسلام: ١٧ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ، النجوم الزاهرة: ٤/١٦٧، العبر: ٣/٢٤، الكامل في التاريخ: ٩/١٠٦.

وظاهراً المراد من البابصري: الباب بصري، نسبة إلى باب بصرة، وفي كثير من المصادر: عزيز من باب البصرة.

سنة ٣٨٦هـ:

فيها: في شهر محرّم ادّعى أهل البصرة أنهم كشفوا عن قبرٍ عتيق، فإذا هم بميّت طريّ عليه ثياب وسيفه، فظنّوه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفّنوه ودفنوه بالمربد بين الدربين، وبنى عليه الأثير ابو المسك عنبر بناءً، وجعل الموضع مسجداً، ونقلت إليه قناديل وآلات وحصر وفرش وتنوير، وجعل عنده خدام وقوام، ووقف عليه أوقاف كثيرة.

المنتظم: ٧/١٨٧، تاريخ الاسلام: ١٩ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ،


البداية والنهاية: ١١/٣١٩، النجوم الزاهرة: ٤/١٧٤.

والزبير فهو ابن العوام بن خويلد الأسدي القرشي أبو عبدالله، صحابي، كان من المولبين على عثمان ومن الّذين أنكروا عليه وأغلظ له في القول، حتّى أن عثمان أرسل إليه سعيد بن العاص فقال له: إنّ عثمان ومن معه قد مات عطشاً، فقال الزبير: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون...) الآية، وبعد أن تمّت البيعة لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام وبيعة الزبير له استأذن هو وطلحة من عليّ عليه السلام في العمرة... عزماً منهما على نكث البيعة ورغبة في اللحوق بعائشة، تأميلاً لبلوغ الرئاسة وطمعاً في الدنيا... فخوّفهما أمير المؤمنين الغدر والنكث، فجدّدا عهداً ثانياً، وأذن لهما، فسارا، ولمّا وصلا مكّة ناشدا الناس دم عثمان، فاجتمع إليهما من أجاب عائشة، فمضوا جميعاً إلى البصرة ناكثين بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا انتهى اليهم عليّ عليه السلام دعاهم إلى الله وإلى كتابه وسنّة نبيّه والدخول في الجماعة وخوّفهم الفتنة، وأكثر من النصح والتذكار، ولا جواب من القوم إلاّ القتال أو خلع نفسه من الأمر ليولّوه من شاؤوا، فأذن عليه السلام لأصحابه في القتال، فلم يكن إلاّ قليلاً حتى انهزم اصحاب الجمل وقتل طلحة والزبير، قتل الزبير ابن جرموز بوادي السباع سنة ٣٦هـ.

ووادي السباع: بين البصرة ومكّة، بينه وبين البصرة خمسة أميال على حدّ تعبير الحموي، وسبع فراسخ على حدّ تعبير بعض المؤرخين.

وأمّا المربد: فهو من اشهر أحياء البصرة، كان قديماً سوقاً للأبل، ثمّ صار محلّة عظيمة سكنها الناس، وبها كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء، وهو بائن عن البصرة، بينهما نحو ثلاثة اميال.

تاريخ الواقدي كما عنه في تقريب المعارف، تهذيب ابن عساكر: ٥/٣٥٥،


صفة الصفوة: ١/١٣٢، حلية الأولياء: ١/٨٩، الأعلام: ٣/٤٣، معجم البلدان: ٥/٩٨ و٣٤٣، المنجد: ٦٤٩.

وأمّا كشفهم عن قبر عتيقٍ..!! فنحن نشك في أصل وجود هذه المسألة، فضلاً عن من هو الميّت، فإنّ في تلك الفترة من الزمن كان السنّة شديدوا التعصّب ضدّ الشيعة، حتّى أنّهم لمّا لم يتمكّنوا من منع الشيعة من إقامة العزاء في يوم العاشر من المحرم على سيّد الشهداء الحسين عليه السلام جعلوا في مقابله اليوم الثامن عشر من المحرّم وقالوا: فيه قتل مصعب بن الزبير، وعملوا من المصاب والنوح مثل ما تعمله الشيعة يوم عاشوراء، وسيأتي تفصيل أكثر عن هذه الموضوع في أحداث سنة ٣٨٩هـ.

وما ادّعوه من الكشف عن قبرٍ عتيق... وانه قبر الزبير! من هذا القبيل، ليكون في مقابل المشاهد المشرّفة لأئمة أهل البيت الّتي تزورها الشيعة، وهذا هو التعصّب الأعمى لا غير.

وبين مقتل الزبير وبين هذا القبر مسافة غير قليلة، فهل قتل في مكان ودفن في آخر، أم الّذين أخرجوه من مكانه دفنوه في غير المكان الذي وجدوه فيه؟!.

وقال الذهبي بعد سرد القصة: فالله أعلم من ذلك الميّت!.

تاريخ الاسلام: ١٩ حوادث ووفيات ٣٨١هـ ٤٠٠هـ.

سنة ٣٨٩هـ:

فيها: في العاشر من المحرّم عملت الشيعة المأتم على الحسين الشهيد عليه السلام، ولم يحدث شيء، والحمد لله.

وفيها: في الثامن عشر من ذي الحجّة عملت الشيعة مجالس الفرح بعيد


الغدير الأغرّ، ولم يحدث شيء، وله الحمد.

دول السلام: ٢٠٩، البداية والنهاية: ١١/٣٢٥ - ٣٢٦، الكامل في التاريخ: ٩/١٥٥، العبر: ٣/٤٢ - ٤٣، شذرات الذهب: ٣/١٣٠، تاريخ الاسلام: ٢٥ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ.

وقال الذهبي: وتمادت الرافضة في هذه الأعصر في غيّهم بعمل عاشوراء... وبنصب القباب والزينة وشعار الأعياد يوم الغدير...

العبر: ٣/٤٢.

وهذا تعبير جديد آخر عن مراسم عاشوراء والغدير، وهو: تمادت الرافضة في غيّهم... وكم أمثال هذه التعابير تتكرر في هذا البحث، أفلا يحق لنا أن نقول: انّ وراء هذا أحقاد دفينة، بدريّة وحنينيّة؟!.

وقال ابن كثير: أرادت الشيعة أن يصنعوا.. يوم عيد غدير خم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة فيما يزعمونه!.

البداية والنهاية: ١١/٣٢٥.

وهنا يشكك ابن كثير في كون يوم الغدير هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، وهذا التشكيك في غير ملحّة، لقيام الإجماع على كونه في هذا اليوم، حتّى من ابن كثير نفسه في غير هذا الموضوع من كتابه.

وفيها: عمل أهل باب البصرة في مقابل الشيعة يوم الثامن عشر من المحرّم - وقال ابن كثير: اليوم الثاني عشر - مثل ما تعمله الشيعة في عاشوراء، وقالوا هو يوم قتل مصعب بن الزبير، وزارت قبره بمسكن كما يزار قبر الحسين عليه السلام، ونظروه بالحسين، وقالوا إنه صبر وقاتل حتّى قتل، وأنّ اباه ابن عمّة النبي كما أنّ أبا الحسين ابن عمّ النبي.


المنتظم: ٧/٢٠٦، البداية والنهاية: ١١/٣٢٥ - ٣٢٦، الكامل في التاريخ: ٩/١٥٥، العبر: ٣/٤٢ - ٤٣، شذرات الذهب: ٣/١٣٠، تاريخ الاسلام: ٢٥ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ.

ومصعب هو ابن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القري، أبو عبد، نشأ بين يدي أخيه عبدالله بن الزبير، وولاّه البصرة سنة ٦٧هـ، فقصدها وضبط أمورها وقتل المختار الثقفي الّذي قام لأخذ ثأر الحسين الشهيد، ثمّ عزله عبدالله عنها، وأعاده في أواخر سنة ٦٨هـ وأضاف إليه الكوفة، وتجرّد عبدالملك بن مروان لقتاله، فسيّر إليه الجيوش، فكان مصعب يفلّها، حتّى خرج إليه عبدالملك بن مروان بنفسه، فلمّا دخل العراق راسل قوّاد جيش مصعب وأصحابه فخذلوه، وشدّ عليهم جيش عبدالملك فهزموا جيشه واثخن مصعب، فنظر إليه زائدة بن قدامة، فحمل عليه وطعنه وهو يقول: يا لثارات المختار، ونزل إليه رجل يقال له عبيدالله بن زياد بن ظبيان فقتله وحزّ رأسه، وأتى به عبدالملك، فأطلق له ألف دينار، فأبى أن يقبلها، وقال: لم أقتله على طاعتك، ولكن بثأرٍ كان لي عنده.

وبعض ذهب - وهم الاكثر - إلى أنّه قتل سنة ٧١هـ، والبعض إلى أنّه سنة ٧٢هـ.

ومسكن بفتح الميم وكسر الكاف: موضع قريب من أوانا على نهر دجيل عند الجاثليق.

تاريخ الطبري: ٦/١٥١ - ١٦٢، البداية والنهاية: ٨/٣١٤ - ٣١٦، معجم البلدان: ٥/١٢٧، تاريخ بغداد: ١٣/١٠٥، الطبقات الكبرى: ٥/١٣٥، الاعلام: ٧/٢٤٨.

أقول: أهل السنّة لهم طرق متعدّدة لفناء آثار الشيعة والتشيّع، فهم يحاولون محو واقعة الطف من أساسها، وقتل ونهب من يريد إحياء هذه الذكرى، فإذا لم تمكنهم الفرصة من ذلك شرعوا بإلقاء الإتهامات والتشكيكات في الواقعة والتشويه


ليبعدوا الشيعة عنها، فإذا لم يتمكّنوا أيضاً اخترعوا في مقابلها مماثلاً، لئلاّ يختص الشيعة بها، وهذا المماثل يأتون به وإن كان كذباً وبهتاناً، فقد صرّح الطبري في تاريخه: ٦/١٦٢: أن قتل مصعب كان في جمادى الآخرة، فهم يجعلوه في محرّم وبعده بثمانية أيام، لتكون الحادثة الثانية قريبة من الأولى، ولا يبعد وقتها فلا تكون في مقابل الأولى.

أوليس هذا هو التعصّب الجاهلي الطائفي بعينه؟!.

وهذه المقابلة ليست هي أول مقابلة ضدّ الشيعة، بل سبقتها مقابلات كثيرة، أولها: قلب أحاديث الفضائل لأمير المؤمنين عليه السلام الّتي لم يتمكّنوا من امحائها أو تحريفها لشهرتها. فكتب معاوي إلى عمّاله في جميع الآفاق: ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحبّ إليّ، وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته!!.

شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ١١/٤٥ نقلاً عن المدائني في كتاب الأحداث.

فمن الأحاديث المقلوبة الّتي قوبلت بها الأحاديث الصحيحة في فضائل أمير المؤمنين وأهل بيته:

حديث: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، قال ابن ابي الحديد: فإنّهم وضعوه في مقابل حديث الإخاء.

وحديث سدّ الأبواب، قال ابن ابي الحديد: قلبه البكرية إلى أبي بكر شرح نهج البلاغة: ١١/٤٩.

وقلبوا حديث المنزلة لعليّ عليه السلام بحديث: أو بكر وعمر منّي بمنزلة


هارون من موسى.

وقلبوا حديث المباهلة الذي هو صريح بعلي وأهل بيته، فجعلوه في أبي بكر وولده وعمر وولده وعثمان وولده وعلي وولده.

وقلبوا حديث: الحسن والحسين سيّدا أهل الجنة، بحديث: (هذان ابو بكر وعمر) سّيدا كهول أهل الجنة.

ومن أراد التفصيل حول هذا الموضوع وبيان أدلّته الكاملة، فعليه بكتاب شوارق النصوص في تكذيب فضائل اللصوص، لمير حامد حسين، توجد نسخته في الهند بخط المؤلّف، وعنها مصورة في المكتبة العامة لآية الله المرعشي في قم، وكتاب العبقات له أيضا، وكتاب الغدير للعلامة الأميني، ومقالة باسم: احاديث مقلوبة في مناقب الصحابة نشرت في مجلّة تراثنا للسيد علي الميلاني، وكتاب منهج في الانتماء المذهبي لصائب عبدالحميد.

وفيها: عمل أهل باب البصرة يوم السادس والعشرين من ذي الحجّة زينة عظيمة وفرحاً كثيراً وعيداً، كما تفعله الشيعة في يوم عيد الغدير الثامن عشر من ذي الحجّة، وذلك مقابلةً للشيعة، وادّعوا أنه يوم دخول النبي وأبي بكر الغار، وذلك بعد ثمانية أيام من يوم غدير خم، وكان ابتداء ما عمل يوم الغار يوم الجمعة، وأقامت السنّة هذا الشعار زمناً طويلاً.

الكامل في التاريخ: ٩/١٥٥، المنتظم: ٧/٢٠٦، البداية والنهاية: ١١/٣٢٥ - ٣٢٦، العبر: ٣/٤٢ - ٤٣، شذرات الذهب: ٣/١٣٠، تاريخ الاسلام: ٢٥ حوادث ووفيات ٣٨١هـ، ٤٠٠هـ.

أقول: لا اعلم ما هو سرّ الثمانية أيام؟ حتّى يلتزموا بها ويجعلوا بعد يوم عاشوراء بثمانية أيام يوم مقتل مصعب، وبعد يوم الغدير بثمانية أيام يوم الغار؟!.


ويوم الغار معلوم لدى الكلّ حتّى من ليس له معرفة بالتاريخ أنه لم يكن في ذي الحجة، بل إما أواخر صفر أو أوائل ربيع الاول، لانه في هجرة رسول الله من المدينة إلى مكة، والهجرة لم تقع في ذي الحجّة.

فلم هذا التعصّب ضدّ الشيعة؟!

وانظر إلى شدّة التعصّب حتّى جرّهم إلى إنكار المسلّمات وتحريف التأريخ.

قال ابن كثير: فان هذا (أي: يوم الغار) إنّما كان في أوائل ربيع الأول من أول سنيّ الهجرة، فإنّهما أقاما فيه ثلاثاً، وحين خرجا منه قصدا المدينة فدخلاها بعد ثمانية أيام أو نحوها، وكان دخولهما المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا أمر معلوم مقرّر محرّر.

البداية والنهاية: ١١/٣٢٥ - ٣٢٦.

وقال الذهبي: وهذا (أي: كون يوم الغار هو ٢٦ من ذي الحجة) جهل وغلط، فإنّ أيام الغار إنما كانت لأيام بقين من شهر صفر وفي اول ربيع الأول.

العبر: ٣/٤٢ - ٤٣.

وقال ابن كثير بعد نقله لما عملته السنّة في مقابل الشيعة: وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعة مثلها، ولا يرفع البدعة إلا السنة الصحيحة.

البداية والنهاية: ١١/٣٢٦.

ونحن نقول: بل هو من باب مقابلة السنة بالبدعة، لا البدعة ببدعة مثلها كما ذكره ابن كثير.

وأما يوم الغار، وهل هو فضيلة لأبي بكر أم لا؟ فننقل ما ذكره الشيخ المفيد رضوان الله عليه من الأدلّة على عدم الفضيلة، بل القضيذة هي العكس.

ذكر الطبرسي: أنّ الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الرقي حدّث بالرملة في


شوال سنة ٤٢٣هـ، عن الشيخ الميد أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله أنه قال:

رأيت في المنام سنة من السنين كأني قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها ناس كثير.

فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقصّ.

فقلت من هو؟

فقالوا: عمر بن الخطّاب.

ففرّقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجلٍ يتكلم على الناس بشيءٍ لم أحصله.

فقطعت عليه الكلام وقلت: أيّها الشيخ: أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق ابن ابي قحافة من قوله الله تعالى: (ثاني أثنين إذ هما في الغار)؟

فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية في ستة مواضع:

الأول: أنّ الله تعالى ذكر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وذكر أبا بكر، فجعله ثانيه، فقال: (ثاني اثنين إذ هما في الغار).

والثاني: أنّه وضعهما بالإجتماع في مكانٍ واحدٍ، لتأليفه بينهما، فقال: (إذ هما في الغار).

والثالث: أنّه أضاف إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة، فقال: (إذ يقول لصحابه).

والرابع: أنّه أخبر عن شفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه ورفقه به لموضعه عنده، فقال:


(لا تحزن).

والخمس: أنّه أخبر أنّ الله معهما على حدٍ سواء، ناصراً لهما ودافعاً عنهما، فقال: (إنّ الله معنا).

والسادس: أنّه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تفارقه السكينة قطّ، فقال: (فأنزل الله سكينته عليه).

فهذه ستّة مواضع تدلّ على فضائل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك الطعن فيها.

فقلت له حبّرت بكلامك في الإحتجاج لصاحبك عنه، وإني بعون الله سأجعل جميع ما أتيت به (كرمادٍ اشتدّت به الرّيح في يوم عاصفٍ).

أمّا قولك: إنّ الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل أبا بكر ثانيه.

فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كان اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! ونحن نعلم ضرورةً أنّ مؤمناً ومؤمناً أو مؤمناً وكافراً اثنان، فما أرى لك في ذكر العدد طائلاً تعتمده!!.

وأمّا قولك: إنّه وصفهما بالإجتماع في المكان.

فإنّه كالأول، لأنّه المكان يجمع المؤمن والكافر، كما يجمع العدد المؤمنين والكفار.

وأيضاً فإنّ مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أشرف من الغار، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفّار، وفي ذلك قوله عزّ وجلّ: (فما للّذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشّمال عزين).

وأيضاً فإنّ سفينة نوح قد جمعت النبيّ، والشيطان، والبهيمة، والكلب.

والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان.


وأمّا قولك: إنّه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنّه أضعف من الفضلين الأولين، لأنّ اسم الصحبة يجمع بين المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالّذي خلقك من ترابٍ ثمّ من نطفةٍ ثمّ سوّاك رجلاً).

وأيضاً فإنّ اسم الصحبة تطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب الّذي نزل القرآن بلسانهم - فقال الله عزّ وجلّ: (وما أرسلنا من رسولٍ إلاّ بلسان قومه) - أنّهم سمّوا الحمار صاحباً، فقالوا:

إنّ الحمار مع الحمار مطيّة * فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضا قد سمّوا الجماد مع الحيّ صاحباً، قالوا ذلك في السيف شعراً:

زرت هنداً وذاك غير اختيان * ومعي صاحب كتوم اللسان

يعني: السيف.

فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه؟!

وأمّا قولك: إنّه قال: (لا تحزن). فإنّه وبال عليه ومنقصة له ودليل على خطئه، لأنّ قوله: (لا تحزن) نهي - وصورة النهي قول القائل: لا تفعل - لا يخلو أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعةً أو معصيةً، فإن كان طاعةً، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية، فقد نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه، بدليل أنّه نهاه.

وأمّا قولك: إنّه قال: (إنّ الله معنا)، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أنّ الله معه، وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله: (إنّا نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون).

وقيل أيضاً في هذا: إنّ أبا بكر قال: يا رسول الله حزني على أخيك عليّ بن


أبي طالب ما كان منه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحزن إنّ الله معنا)، أي: معي ومع أخي علي بن أبي طالب عليه السلام.

وأمّا قولك: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر.

فإنّه ترك للظاهر، لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الّذي أيّده بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله: (فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنودٍ لم تروها)، فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من النبوة.

على أنّ هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيراً، لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موضعين كان معه قوم مؤمنين فشركهم فيها، فقال في أحد الموضعين: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التّقوى)، وقال في الموضع الآخر: (أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها).

ولمّا كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة قال: (فأنزل الله سكينته عليه)، فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين، فدّل إخراجه من السكينة على خروجه من الايمان.

فلم يحر جوباً، وتفرّق الناس، واستقيظت من نومي.

الاحتجاج: ٢/٣٢٥ - ٣٢٩، ومن أراد التفصيل فليراجع الطرائف: ٤٠٧.

وفيها: قلّد بهاء الدولة النقيب أبا أحمد الموسوي - والد الشريف الرضي والمرتضى - نقابة العلويّين بالعراق، وقضاء القضاة، والحجّ، والمظالم، وكتب عهده بذلك من شيراز، ولقّب الطاهر ذا المناقب، فأمتنع الخليفة القادر من تقليده قضاء القضاة، وأمضى ما سواه.


الكامل في التاريخ: ٩/١٨٢.

وفي البداية والنهاية: ١١/٣٣٣، والنجوم الزاهرة: ٤/٢١٠ أن هذا حدث في سنة ٣٩٤هـ.

وبهاء الدولة هو: ابو نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، ملك بعد وفاة أخيه شرف الدولة في جمادي الآخرة سنة ٣٧٩هـ، ملك بغداد وفارس وخوزستان وكرمان وغيرها، وتوفي بأرّجات في عاشر جمادى الآخرة سنة ٤٠٣هـ، وكان مرضه تتابع الصرع، حمل إلى مشهد عليّ عليه السلام.

نهاية الأرب: ٢٦/٢٣٤ - ٢٤٣.

كلّ ما كان يعمله الحكّام من آل بويه لم يكن للخليفة سوى الخضوع والإمضاء، فلمّا وصل الأمر إلى تولية عالم شيعي لمنصب مهمّ، ألا وهو قضاء القضاة، امتنع الخليفة ولم يمضه، ولم يتكلّم بهاء الدولة بشيءٍ!!!.

سنة ٣٩٢هـ:

فيها: زاد أمر العيّارين والفاسد ببغداد، فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا علي إلى العراق ليدبّر أمورها، فدخلها يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجّة، فزيّنت له بغداد خوفاً منه، ومنع السنة والشيعة من إظهار مذهب، فمنع أهل الكرخ يوم عاشوراء من إقامة العزاء على الحسين الشهيد، ومنع أهل باب البصرة من زيارة قبر مصعب.

ونفى بعد ذلك ابن المعلّم فقيه الشيعة عن البلد.

المنتظم: ٧/٢١٩ - ٢٢٠، و٢٥٢ - ٢٥٣، تاريخ الاسلام: ٢٢٥ - ٢٢٦ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ، النجوم الزاهرة: ٣/٥١ - ٥٢.


وعميد الجيوش هو الحسن بن أبي جعفر استاذ هرمز، ولد سنة ٣٥٠هـ، ولاّه بهاء الدولة تدبير العراق، فبقي والياً على العراق ثمان سنين وسبعة أشهر واحد عشر يوماً، توفي سنة ٤٠١هـ.

المنتظم: ٧/٢٥٢ - ٢٥٣.

وابن المعلّم هو الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، ولم تذكر لنا المصادر سبب تبعيد الشيخ المفيد، ويظهر لمن تأمّل في حياة الشيخ المفيد أنّه كان بعيداً عن الأحداث والفتن، فلم شملته هذه المرّة؟ السبب غير واضح.

يقول مارتن: فإقامة مثل هذه المراسيم في تلك الايام الأربعة - يوم عاشوراء والغدير والغار ومقتل مصعب - هي الّتي أسفرت عن بروز الاختلافات بين الشيعة والسنة ووقوع الاشتباكات في أوساطهم، وبلغت الاشتباكات حدّها بين الشطّار سنة ٣٩٢هـ / ١٠٠٣م، فكلّف الحاكم البويهي في العراق بإخماد نارها،

وقال أيضاً: لا يبدو لابن المعلّم ضلعاً في تلك الأحداث، بل بما أن تدابير صارمة قد اتخذت ضدّ السنّة من خلال منعهم من إقامة مراسيمهم وتمّت معاقبة بعض الأتراك الّذين كانوا يؤيّدون تلك التوجّهات، لذلك قام الحاكم المذكور بإبعاد زعيم الشيعة مؤقّتاً كي يثبت حيادة للجميع.

نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد: ٤٥ - ٤٦.

فبناءً على تحليله يكون الشيخ المفيد قد راح ضحيّة تثبيت حياد الحاكم للجميع!!!.

سنة ٣٩٣هـ:

فيها: منع عميد الجيوش أهل الكرخ وباب الطاق من إقامة مراسم عاشوراء


من البكاء والنوح فامتنعوا، ومنع أهل باب البصرة وباب الشعير من مثل ذلك فيما نسبوه إلى مقتل مصعب بن الزبير.

وباب الشعير: محلّة ببغداد فوق مدينة المنصور، وأهلها سنة.

المنتظم: ٧/٢٢٢، تاريخ الاسلام: ٢٢٧ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ، النجوم الزاهرة: ٤/٢٠٦، البداية والنهاية: ١١/٣٣٢، معجم البلدان: ١/٣٠٨.

وقال ابن الأثير: وفيها اشتدّت الفتنة ببغداد، وانتشر العيّارون والمفسدون، فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش ابا علي بن استاذ هرمز إلى العراق ليدبّر أمره، فوصل إلى بغداد فزيّنت له وقمع المفسدين ومنع السنّة والشيعة من إظهار مذاهبهم ونفى بعد ذلك ابن المعلّم فقيه الإمامية، فاستقام البلد.

الكامل في التاريخ: ٩/١٧٨.

ويظهر لمن تأمّل في نصّ ابن الأثير هذا، وفي أحداث السنة الماضية (٣٩٢هـ) أنّ الحادثة واحدة، والاختلاف في سنة وقوعها.

سنة ٣٩٨هـ:

فيها: كما قال الأتابكي: في يوم عاشوراء عمل أهل الكرخ ما جرت به العادة من النوح وغيره، واتفق يوم عاشوراء يوم المهرجان، فأخرّه عميد الجيوش إلى اليوم الثاني مراعاةً لأجل الرافضة.

هذا ما كان ببغداد، فأمّا مصر، فإنّه كان يفعل بها في يوم عاشوراء من النوح والبكاء والصراخ وتعليق المسوح أضعاف ذلك، لا سيّما أيّام خلفاء مصر بني عبيد، فإنّهم كانوا أعلنوا الرفض....

النجوم الزاهرة: ٤/٢١٨.


وسيأتي عن قريب شرح حال الدولة الفاطميّة والتي أسّسها أبو محمد عبيدالله وبنوه.

وفيها: في يوم الأحد عاشر رجب ثارت فتنة هائلة في بغداد بين السنّة والشيعة في الكرخ، وقطيعة الربيع.

وكان بداية الفتنة: أن قصد بعض الهاشميين من بني العباس من أهل باب البصرة، قصد أبا عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المفيد المعروف بابن المعلّم فقيه الشيعة في مسجده بدرب رياح، فآذاه ونال منه وتعرّض به تعرّضاً امتعض منه أصابه.

فسار اصحابه واستنفروا أهل الكرخ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد بن الأكفاني وأبي حامد الإسرافيني فسبّوهما وطلبوا الفقهاء ليوقعوا بهم، فهربوا.

فحميت الفتنة، واشتدّ القتال.

وفي ٢٩ رجب يوم الجمعة جمع القضاة والفقهاء وأحضروا مصحفاً ذكروا أنهم أخذوه من شيعي ادّعى أنّه مصحف ابن مسعود، وهو مخالف للمصاحف، فأشار أبو حامد والفقهاء بتحريقه، فحرق بمحضرٍ منهم.

وفي ليلة النصف من شعبان كتب إلى الخليفة: بأنّ رجلاً من أهل جسر النهروان حضر المسجد ودعا على من أحرق المصحف، فتقدّم بطلبه فأخذ، فرسم بقتله، فقتل.

فتكلّم أهل الكرخ في هذا المقتول - لأنّه من الشيعة - ووقع القتال بينهم وبين أهل باب البصرة وباب الشعير والقلاّئين، وقصد أحداث الكرخ باب دار أبي حامد، فانقتل عنها، ونزل دار القطن، وعظمت الفتنة.

فلما بلغ ذلك الخليفة القادر بالله أنفذ الفرسان الّذين على باب لمعاونة أهل


السنّة، وساعدهم الغلمان، وضعف أهل الكرخ، وأحرق ما يلي بنهر الدجاج، وحرقت دور كثيرة من دور الشيعة.

ثم اجتمع الأشراف والتجار إلى دار الخليفة، فتكلّموا فعفا عن الشيعة.

وفي شهر رمضان بلغ الخبر إلى عميد الجيوش، فسار ودخل بغداد، فراسل أبا عبدالله بن المعلّم فقيه الشيعة بأن يخرج عن البلد ولا يساكنه، ووكّل به، فخرج في ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان، وتقدّم بالقبض على من كانت له يد في الفتنة، فضرب قوم وحبس آخرين، ومنع القصّاصين من الجلوس والتعرّض للذكر والسؤال باسم الشيخين وعليّ.

ورجع أبو حامد إلى داره، وسأل عليّ بن مزيد في ابن المعلّم، فردّ، ورسم للقصّاص عودهم إلى عادتهم من الكلام بعد أن شرط عليهم ترك التعرّض للفتن.

المنتظم: ٧/٢٣٧ - ٢٣٨، الكامل في التاريخ: ٩/٢٠٨، مرآة الجنان: ٢/٤٤٨ - ٤٤٩، العبر: ٣/٦٥ - ٦٦، تاريخ الاسلام: ٢٣٧ - ٢٣٨ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ، البداية والنهاية: ١١/٣٣٨ - ٣٣٩، النجوم الزاهرة: ٤/٢١٨، شذرات الذهب: ٣/١٤٩ - ١٥٠.

وقطيعة الربيع منسوبة إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور.

معجم البلدان: ٤/٣٧٧.

وأبو محمد بن الأكفاني، فانه كان قاضي بغداد بأكلمها، ولي القضاء سنة ٣٩٦هـ.

وأبو حامد الإسرافيني هو: احمد بن محمد، أقام ببغداد مشتغلاً بالعلم حتى انتهت إليه الرئاسة وعظم جاهه عند الملوك والعوام، توفي سنة ٤٠٦هـ.

المنتظم: ٧/٢٣٠ و٢٧٧ - ٢٧٩.


وعليّ بن مزيد، كان والياً على عدّة ولايات، وكان ملجأ الشيعة، تلجأ إليه في الشدائد، قصد في آخر عمره السلطان، فاعتل في طريقه، فبعث ابنه دبيساً للنيابة عنه، وكتب يسأل تقليده ولاية عهده فأجيب، توفي علي بن مزيد سنة ٤٠٨هـ.

المنتظم: ٧/٢٨٩.

وهنا نذكر عدّة تساؤلات عن الحادث:.

(١) هل كان قصد هذا البعض الشيخ المفيد وآذاه ونال منه بأمر وتحريك ابن الأكفاني والإسرافيني وبقيّة علماء السنّة، ولأجله هجم أصحاب المفيد والشيعة على الاسفرايني وابن الأكفاني ونالوا منهما؟!.

وإذا لم يكن هذا التعرّض للشيخ المفيد بأمر علماء السنّة، فلم لم ينكروه حتّى تختم القضيّة ولا تتطوّر؟!.

(٢) لم لم يذكر لنا التأريخ اسم من أحضر المصحف؟ فان كان من العلماء وأعيان الشيعة عليهم ذكر اسمه، ولمّا لم يذكروا فهو فرد عادي ليس من برّزي الشيعة.

(٣) لم قتلوا الّذي سبّ من أحرق المصحف؟! وهل حكم من سبّ عالم من علماء السنّة القتل؟!.

(٤) ولم بعّد الشيخ المفيد؟ ولم ينقل لنا المؤرّخون أيّ تدخّل له في الأحداث، حتّى أنه تعرّض للسبّ والأذى وسكت؟.

وهل تبعيده إلاّ لإقناع العامّة - الّتي تشكلّ الأكثرية في بغداد - وإسكاتها؟.

يقول مارتن: مرّة أخرى لم يذكر مؤرّخوا السنّة بأنّ للمفيد ضلعاً في أعمال الشغب، والّذي يبدو هنا هو أنّه مع إناطة مسؤوليّة المجتمع الإمامي بالنقيب الّذي لا مناص من حضوره لإقرار السلام والامن والنظام، فلابدّ للحاكم من إبعاد شخصيّة


مهمذة تتطييباً للخواطر السنّية الملتاعة الهائجة، ولم يكن كبش الفداء غير الفقيه الشيعي البارز، ألا وهو الشيخ المفيد!.

نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد: ٤٨.

ولم لم يبعد ابن الأكفاني أو الإسرافيني أو أحد علماء السنة.

فعلى أيّ حال الشيعة هي الأقلّيّة في بغداد، وهي الّتي دائماً تتعرّض إلى القتل والنهب والحرق، وإن كان الحقّ كوضوح الشمس معها، فهم بالنتيجة كبش الفداء!.

سنة ٤٠٠هـ:

فيها: كما قال ابن الجوزي: ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة من فتحها وأخذ مصحفاً وآلات كانت فيه - ولم يتعرض لهذه الدار أحد منذ وفاة جعفر - وكان الحاكم قد أنفذ في هذه السنة رجلاً ومعه رسوم الحسنّيين والحسينّيين وزادهم فيها، ورسم له أن يحضرهم ويعلمهم إشارة لفتح الدار والنظر إلى ما فيها من آثار جعفر، وحمل ذلك إلى حضرته ليراه ويردّه مكانه، ووعدهم على ذلك الزيادة في البرّ، فأجابوه، ففتحت، فوجد فيها مصحف وقعب من خشب مطوّق بحديد ودرقة خيزران وحربة وسرير، فجمع وحمل، ومضى معه جماعة من العلويّين، فلمّا وصلوا أطلق لهم النفقات القريبة، ورد عليهم السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحقّ به، فانصرفوا ذامّين له.

المنتظم: ٧/٢٤٦ - ٢٤٧، ومثله في البداية والنهاية: ١١/٣٤٢، وتاريخ الاسلام: ٢٤٣ - ٢٤٤ حوادث ووفيات ٣٨١هـ - ٤٠٠هـ، النجوم الزاهرة: ٤/٢٢٢ وفيه: كان الّذي فتحها ختكين العضدي الداعي.


والمراد من الحاكم: هو الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بن المعزّ العبيدي، تملّك الحجاز ومصر والشام، قتل في شوّال سنة ٤١١ بالجبل، جهّزت أخته ست الملك عليه من قتله، وكانت دولته عشرين سنة، ويعرف بالحاكم.

سنة ٤٠٢هـ:

فيها: مات عميد الجيوش فقام بعده فخر الملك وأذن لأهل الكرخ وباب الطاق في عمل عاشوراء، فأقموا المراسم والنياحة في المشاهد.

المنتظم: ٧/٢٥٤، العبر: ٣/٧٦، دول الاسلام: ٢١٣.

وفخر الملك هو: أبو غالب بن الصيرفي محمد بن علي بن خلف، كان نائب سلطان الدولة بالعراق، قتل سنة ٤٠٦هـ، قتله سلطان الدولة، فكانت نيابته بالعراق خمس سنين وأربعة اشهر واثني عشر يوماً، وقيل: قتله سنة ٤٠٧هـ.

نهاية الأرب: ٢٦/٢٤٤.

وفيها: أقامت الشيعة مراسم الفرح في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يوم عيد غدير خم، وزيّنت الحوانيت، وتمكنوا من إقامة هذه المراسم بسبب الوزير.

وذكر الحافظ الذهبي: وفيها عمل يوم الغدير ويوم الغار، لكن بسكينة.

البداية والنهاية: ١١/٣٤٧، العبر: ٣/٧٨، شذرات الذهب: ٣/١٦٣.

وفيها: كتب ببغداد محضراً يتضمّن القدح في نسب العلويّين خلفاء مصر، وكتب فيه كثير من العلماء، منهم: الشريف الرضي والمرتضى وكثير من علماء السنّة، وتفرّد ابن الأثير من بين المؤرّخين بذكر اسم الشيخ المفيد ممّن كتب في المحضر.

الكامل في التاريخ: ٩/٢٣٦، البداية والنهاية: ١١/٣٤٥، العبر: ٣/٧٦، النجوم الزاهرة: ٤/٢٢٩ - ٢٣٠، دول الاسلام: ٢١٣، شذرات الذهب: ٣/١٦٢، مرآة الجنان


والعلويّون خلفاء مصر ويسمّون بالفاطميّين، استعت اكناف مملكتهم وطالت مدّتها، ملكوا إفريقية سنة ٢٩٦هـ، وأول من ولي منهم ابو محمد عبيدالله، وفي عهد العاضد بالله قلّد صلاح الدين وخلع عليه، ولمّا تجمّع على صلاح الدين سودان الصعيد في مائة ألف وقوي أمره بدأ في تضعيف العاضد بالله، وبقي يطلب من العاضد بالله أشياء كثيرة من الأموال والنخيل وفي سنة ٥٦٧هـ خلع صلاح الدين العاضد باللّه من الخلافة وخطب بمصر للمستضيء بالله العباسي، وانقطعت الدعوة العبيدية الفاطميّة.

دول الاسلام: ٢٩٦، الكامل في التاريخ ٨/٢٤ - ٣١.

وأمّا نسبهم ففيه اختلاف كثير: فذهب بعض إلى أنهم من أولاد علي بن أبي طالب عليه السلام، وآخر إلى أنّ نسبهم مدخول وليس بصحيح، وتعدّى آخر إلى نسبتهم إلى اليهود.

وأمّا العريضة الّتي كتبت في القدح في نسبهم وأمضاها كثير من العلماء، فبعض صدّقها، وآخر ذهب إلى أنّ الإمضاء كان تقيّةً، بالأخص من الشريف الرضي، فقد كثر الكلام حول صحّة إمضاءه، بالأخص عند شيوع قصيدة نسبت إليه في مدح الفاطميّين، وعتاب الخليفة على والده، وانكار الرضي انها له، ولمّا طلب منه نظم قصيدة في القدح في نسبهم امتنع.

راجع الكامل في التاريخ: ٨/٢٤ - ٣١.

وأمّا إمضاء الوثيقة من قبل الشيخ المفيد، فلم يثبت، وذلك لتفرّد ابن الأثير بنقله عن الشيخ المفيد، ولم يذكر اسمه سواه ممّن تعرّض لذكر هذا المحضر، ولو كان المفيد أمضاه لذكر اسمه اكثر المؤرّخين، بل كلّهم، لأنّه شيخ الشيعة وإمامهم،


والشيخ المفيد رضوان الله عليه كان بعيداً عن مثل هذه الأمور اشدّ الإبتعاد، وذلك واضح لمن أحاط بحياته قدّس الله روحه.

سنة ٤٠٢هـ:

فيها: كما قال ابن كثير: في المحرم أذن فخر الملك الوزير للروافض أن يعملوا بدعتهم الشنعاء والفضيحة الصلعاء من الانتحاب والنوح والبكاء... فلا جزاه الله خيراً وسوّد الله وجهه يوم الجزاء إنه سميع الدعاء.

البداية والنهاية: ١١/٣٤٥.

والظاهر أنّ هذا الحادث هو نقسه حادث السنة الماضية، والاختلاف في وقت وقوعه.

وما ذنب فخر الملك حتّى يتهجم عليه بهذه العبارات الشنيعة وسوء الأدب، لا ذنب له إلاّ أنه أعاد سنّة حسنة، وهي إقامة المأتم على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الّذي ضحّى بنفسه لأجل إبقاء الاسلام.

سنة ٤٠٦هـ:

فيها: في غرة محرم في يوم الثلاثاء وقعت فتنة بين اهل الكرخ وأهل باب الشعير، كان سببها أنّ أهل الكرخ جازوا بباب الشعير، فتولّع بهم أهله، فاقتتلوا، وتعدّى القتال إلى القلاّئين، ثمّ سكّن الفتنة الوزير فخر الملك، ومنع أهل الكرخ من النوح يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح، وذكر ابن كثير أنّ فخر الملك سكّن الفتنة على أن تعمل الروافض بدعتهم، وكان الشريف الرضي قد توفي في خامس المحرّم، فاشتغلوا به.

المنتظمم: ٧/٢٧٦، البداية والنهاية: ١٢/٢، النجوم الزاهرة: ٤/٢٣٩.


سنة ٤٠٧ هـ:

فيها: في ربيع الاول هاجت فتنة مهولة بواسط بين الشيعة والسنّة، فنهبت محال الشيعة والزيدية واحترقت، فهربوا وقصدوا عليّ بن مزيد واستنصروا به.

المنتظم ٧/٢٨٣، النجوم الزاهرة: ٤/٢٤١، الكامل في التاريخ: ٩/٢٩٥، مرآة الجنان: ٣/٢٠، العبر: ٣/٩٦.

وفيها: في ربيع الأول احترق مشهد الحسين عليه السلام والأروقة، وكان السبب كما قال ابن الجوزي: أنّ القوام أشعلوا شمعتين كبيرتين سقطتا في جوف الليل على التأزير فأحرقتاه، وتعدّت النار.

المنتظم: ٧/٢٨٣، البداية والنهاية: ١٢/٤ - ٥، النجوم الزاهرة: ٤/٢٤١.

وهل ما ذكره ابن الجوزي من سبب الحرق كافٍ في مقام التعليل؟ بالأخصّ أنّ الفتنة بين الشيعة والسنّة كانت قائمة وقت الحرق، وهو ربيع الأول.

وفيها: كما قال ابن الأثير: في المحرّم قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقية، وكان سبب ذلك أنّ المعزّ بن باديس ركب ومشى في القيروان والناس يسلّمون عليه ويدعون له، فاجتاز بجماعة، فسأل عنهم؟ فقيلك هؤلاء رافضة يسبّون أبا بكر وعمر، فقال: رضي الله عنه أبي بكر وعمر، فانصرفت العامّة من فورها إلى درب المقلى من القيروان - وهو مكان تجتمع به الشيعة - فقتلوا منهم، وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم طمعاً في النهب، وانبسطت أيدي العامة في الشيعة، وأغراهم عامل القيران وحرّضهم، وسبب ذلك انه كان قد اصلح أمور البلد، فبلغه أن المعزّ بن باديس يريد عزله، فاراد فساده، فقتل من الشيعة خلق كثير، وأحرقوا بالنار، ونهبت ديارهم، وقتلوا في جميع إفريقية، واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قريب القيروان، فتحصّنوا به، فحصرهم العامة وضيّقوا عليهم، فاشتدّ عليهم


الجوع، فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم! حتّى قتلوا عن آخرهم!!! ولجأ من كان منهم بالمهدية إلى الجامع، فقتلوا كلّهم.

وأكثر الشعراء ذكروا هذه الحادثة، فمن فرحٍ مسروٍ، ومن باكٍ حزينٍ.

الكامل في التاريخ: ٩/٢٩٤ - ٢٩٥، وأشار إلى هذه الحادثة المؤلمة ابن كثير في البداية والنهاية: ١٢/٥.

والمعزّ بن باديس بن مصنور بن بلكين الحميري، صاحب المغرب، لقّبه الحاكم العبيدي شرف الدولة وأرسل له الخلعة والتقلييد سنة ٤٠٧ هـ، وخطب لخليفة العراق، فجهّز المستنصر لحربه جيشاً وطال حربهم له، توفي في شعبان بالبرص سنة ٤٥٤هـ وله ست وخمسون سنة.

شذرات الذهب: ٣/٢٩٤.

والقيوران في الإقليم الثالث، مدينة عظيمة بإفريقية، وليس بالغرب مدينة أجلّ منها، إلى أن قدمت العرب إفريقية وأخربت البلاد، فانتقل أهلها عنها.

معجم البلدان: ٤/٤٢٠.

وهنا نضع عدة أسئلة ترتبط بالحادث:

أ - لماذا قتلت الشيعة في المحرّم؟

ب - وهل السبّ يوجب الإرتداد، حتى يباح دم السابّ؟

ج - وهل تكلّم جماعة في شيءٍ ما يوجب الحكم بهذه السرعة من دون رؤيّة ونظر في المسألة؟

د - وهل الانسانيّة تقبل أمثال هذه الأعمال الشنيعة والإبادة العامة؟ أين كانت الإنسانية آنذاك؟ وهل كانت ضمائر حرّة تشعر بالمسؤولية كي تقف أمام الظلم والتعدي؟

وبعد هذا فقد صرّح المؤرخون: وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم! طمعاً في


النهب!... وأغراهم عامل القيروان وحرّضهم، وسبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد، فبلغه أنّ المعزّ بن باديس يريد عزله، فأراد فساده فـ...

فحقيق على الإنساننية جمعاء أن تبكي على من ذهب ضحيّة هذا الحادث بدل الدموع دماً، وتشمئز قلوبهم من الأوغاد والوحوش الّذين عملوا مثل هذا الحادث، حتى لو فتّشت قلوبهم لما وجدت فيها ذرّة من الرحمة!!! فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

سنة ٤٠٨هـ:

فيها: أنّ الفتنة بين الشيعة والسنّة تفاقمت، وعمل أهل القلاّئين باباً على موضعهم، وعمل أهل الكرخ باباً على الدقّاقين ممّا يليهم، وقتل الناس على هذين البابين، وقدم المقدام ابو مقاتل - وكان على الشرطة - ليدخل الكرخ، فمنعه أهلها والعيّارون الّذين كانوا فيها، وقاتلوه، فأحرقت الدكاكين وأطراف نهر الدجاج ولم يتهيّأ له الدخلو.

وقال الذهبي: وأطفئت النيران في سوق الدجاج، ثمّ استتاب القادر بالله جماعة من الرفض والإعتزال، وأخذ خطوطهم بالتوبة، وبعث إلى السلطان محمود بن سبكتكين - صاحب خراسان - يأمره بنشر السنّة، فبادر وفعل، وقتل جماعة، وبقي خلق من الاسماعيلية والرافضة والمعتزلة والمجسّمة، وأمر بلعنهم على المنابر....

المنتظم: ٧/٢٨٧، شذرات الذهب: ٣/١٨٦، مرآة الجنان: ٣/٢١، العبر: ٣/٩٨، البداية والنهاية: ١٢/٦، دول الاسلام: ٢١٤ - ٢١٥.

ومحمود بن سبكتكين ابو القاسم سيف الدولة ابن الأمير ناصر الدولة أبي منصور، ولد سنة ٣٦١هـ، افتتح غزنة ثمّ بلاد ما وراء النهر ثمّ استولى على خراسان،


وعظم ملكه ودانت له الأمم، وفرض على نفسه غزو الهند، فافتتح منه بلاداً واسعة، توفي سنة ٤٢١هـ.

شذرات الذهب: ٣/٢٢٠ - ٢٢١.

سنة ٤٠٩هـ:

فيها: ورد الخبر على ابن سهلان باشتداد الفتن ببغداد، فسار إليها، فدخلها أواخر شهر ربيع الآخر، فهرب منه العيّارون، ونفى جماعة من العباسيّين وغيرهم، ونفى أبا عبدالله بن النعمان فقيه الشيعة، وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب البصرة.

الكامل في التاريخ: ٩/٣٠٧.

وابن سهلان هو: ابو محمد الحسن بن سهلان، استعمله سلطان الدولة سنة ٤٠٩هـ على العراق، وشكاه إلى سلطان الدولة الأتراك والعامة، فكتب له يستقدمه، فخافه وهرب منه.

نهاية الأرب: ٢٦/٢٤٥ - ٢٤٦.

وهذه المرّة الثالثة لتعبيد الشيخ المفيد، وكما ترى ليس له أيّ دخل في أيّ حدثٍ، وتبعيده كان لمجرّد إقناع السنّة وإسكاتها، فالمفيد شيخ الشيعة وإمامها يبعد عدّة مرات، لا لأجل شيء فعله، بل لمجرّد إطفاء نار الفتنة واظهار السلطة أنّها محايدة، كلّ هذا جرى على شيخنا المفيد وهو صابر محتسب، رضوان الله عليه وحشره الله في اعلا علّيّين.

سنة ٤١٣هـ:

فيها: توفي الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر رمضان، وقيل لليلتين خلتا منه، وصلّى عليه الشريف المرتضى ابو


القاسم علي بن الحسين بميدان الأشنان، وضاق على الناس مع كبره، وكانت جنازته مشهودة، وشيّعه ثمانون ألفاً، وكان يوم وفاته لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموافق، ودفن في داره سنين، ونقل إلى مقابر قريش بالقرب من السيّد أبي جعفر عليه السلام، وكان عمره ستاً وسبعين سنة وتسعة أشهر وأيّام.

رجال النجاشي: ٤٠٢ - ٤٠٣، ترجمة رقم ١٠٦٧، المنتظم: ٨/١١ - ١٢، الكامل في التاريخ: ٩/٣٢٩، مرآة الجنان: ٣/٢٨، العبر: ٣/١١٤ - ١١٥، شذرات الذهب: ٣/٢٠٠، البداية والنهاية: ١٢/١٥، النجوم الزاهرة: ٤/٢٥٨، دول الاسلام: ٢١٦، تاريخ بغداد: ٣/٢٣١، معالم العلماء: ١١٢ ترجمة رقم ٧٦٥، الفهرست: ١٥٧ ترجمته رقم ٦٩٦.

ومقابر قريش ببغداد، وهي في ملحّة معروفة فيها خلق كثير، وبينها وبين دجلة شوط فرس جيّد، وهي الّتي فيها قبر الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، وكان أول من دّفن فيها جعفر الأكبر بن المنصور سنة ١٥٠هـ، وكان المنصور أول من جعلها مقبرة لمّا ابتنة مدينته سنة ١٤٩هـ.

معجم البلدان: ٥/١٦٣.

قال الأتابكي: كان ضالاً مضلاً هو ومن قرأ عليه ومن رفع منزلته!! فإن الجميع كانوا يقعون في حقّ الصحابة.

وقال الحافظ الذهبي واليافعي والحنبلي بعد ذكر وفاته في هذه السنّة: وأراح الله منه!.

أهل السنّة من بداية حياة الشيخ المفيد المباركة جلسوا أمامه مجلس العدّو، وتعصّبوا أمامه، واستعملوا في حقه أسوء الأدب، حتى عند وفاته، فمن قائل: كان ضالاً مضلاً..! وآخرٍ: واراح الله منه! ومن قائل...!!.


كلّ هذا يكشف عن أحقادٍ دفينة في صدورهم ضدّ الشيعة والتشيّع، بالأخصّ ضدّ علمائهم الأبرار، بالأخص الشيخ المفيد رضوان الله عليه، لدفاعه عن التشيع بكتبه ودرسه ومجالس مناظرته، فأوقف نفسه الزكية للدفاع عن الحق، فقوبل بكل هذا الظلم، وواجهه بقلبٍ صبورٍ وثباتٍ على العقيدة، وقابل إهانتهم وسوء أدبهم بالأخلاق الحسنة والمجادلة بالّتي هي أحسن والدليل القاطع، وهذه علامات المقربين من الله والمخلصين له.

فسلام عليه يوم ولد، ويوم نشأ ودافع عن العقيدة، ويوم لبت نفسه نداء ربّها: (يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّةً فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي).


المصادر: المصادر الّتي نقلنا عنها بلا واسطة

(١) القرآن الكريم.

(٢) الإحتجاج، لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، مطبعة النعمان النجف ١٣٨٦هـ.

(٣) إحقاق الحق وإزهاق الباطل، للشهيد القاضي نور الله الحسيني التستري، مع تعليقات لآية الله السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي، انتشارات المكتبة العامة لآية الله المرعشي قم.

(٤) أصحابي كالنجوم، للسيّد علي الميلاني، مجمع الذخائر الاسلاميّة قم ١٣٩٦هـ.

(٥) الأعلام، لخير الدين الزركلي الطبعة الثامنة، دار العلم للملايين ١٩٨٩م.

(٦) البداية والنهاية في التاريخ، لعماد الدين أبي الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٧٤هـ، مطبعة السعادة مصر.

(٧) البويهيّون، لكاهن، مقالة طبعت في دائرة المعارف الاسلامية، الطبعة الثانية.

(٨) تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للمؤرّخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨هـ، تحقيق الدكتور عمر عبدالسلام تدمري، دار الكتاب العربي


بيروت ١٤١٣هـ.

(٩) تاريخ بغداد، للحافظ ابي بكر البغدادي، مطبعة السعادة مصر.

(١٠) تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠هـ، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، الطبعة الثانية، دار المعارف مصر.

(١١) تاريخ الواقدي، مفقود، ننقل عنه بواسطة كتاب تقريب المعارف.

تاريخ اليعقوبي، وهو أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح الكتاب العباسي، دار صادر بيروت.

(١٢) تراثنا، نشرة فصلية تصدرها مؤسسة آل البيت عليهم السلام قم.

(١٤) تقريب المعارف، لأبي الصلاح الحلبي، نسخة خطيّة في المكتبة العامة لآية الله المرعشي قم.

(١٥) تكملة تاريخ الطبري، لمحمد بن عبدالملك الهمذاني، طبع في آخر تاريخ الطبري، دار المعارف القاهرة.

(١٦) ثمّ اهتديت، للدكتور محمد التيجاني السماوي، مؤسسة الفجر لندن.

(١٧) حديث الغدير رواته كثيرون للغاية قليلون للغاية، للسيد عبدالعزيز الطباطبائي، مقال طبع في مجلّة الموسم.

(١٨) حلية الأولياء، لأبي نعيم الاصفهاني، دار الكتب العلمية بيروت.

(١٩) دول الاسلام، للحافظ شمس الدين أبي عبدالله ذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي بيورت ١٤٠٥هـ.

(٢٠) سيرتنا وسنّتنا، للعلامة الشيخ عبدالحسين الأميني، مطبعة الآداب النجف ١٣٨٤هـ، مع تعليقات للعلامة السيد عبدالعزيز الطباطبائي حفظه الله بخطه.

(٢١) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبي الفلاح عبدالحيّ بن العماد الحنبلي، المتوفى سنة ١٠٨٩هـ، مكتبة القدسي القاهرة ١٣٥٠هـ.

(٢٢) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديث المعتزلي، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار إحياء


الكتب العربية.

(٢٣) شوارق النصوص في تكذيب فضائل اللصوص، لمير حامد حسين اللكهنوي، نسخة خطيّة بخط المؤلّف، وعنها مصورة في المكتبة العامة لآية الله المرعشي قم.

(٢٤) صفوة الصفوة، لأبي الفرج ابن الجوزي، دار المعرفة بيروت.

(٢٥) الطبقات الكبرى، لابن سعد، دار صادر بيروت.

(٢٦) الطرائف في معرفة المذاهب، لرضي الدين علي بن موسى طاووس، المتوفى سنة ٦٦٤هـ، مطبعة الخيام قم ١٤٠٠هـ.

(٢٧)العبر في خبر من غبر، للحافظ الذهبي شمس الدين، المتوفى سنة ٧٤٨هـ، تحقيق فؤاد سيّد، دائرة المطبوعات والنشر في الكويت ١٩٦١م.

(٢٨) عبقات الأنوار، لمير حامد حسين اللكهنوي.

(٢٩) الغدير في التراث الاسلامي، للسيد عبدالعزيز الطباطبائي، مقال طبع في مجلّة تراثنا، العدد - ٢١ - خاصّ بمناسبة مرور (١٤٠٠) سنة على واقعة غدير خم.

(٣٠) الغدير في حديث العترة الطاهرة، للسيد محمد جواد الشبيري، مقال طبع في مجلة تراثنا، العدد - ٢١ - خاص بمناسبة مرور (١٤٠٠) سنة على واقعة الغدير.

(٣١) الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للعلامة الشيخ عبدالحسين الأميني، دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة الثالثة ١٣٨٧هـ.

(٣٢)فسئلوا أهل الذكر، للدكتور محمد التيجاني السماوي، مؤسسة الفجر لندن.

(٣٣) فهرس أسماء مصنّفي الشيعة، لأبي العباس احمد بن علي بن احمد بن العباس النجاشي الأسدي الكوفي، المتوفي سنة ٤٥٠هـ، تحقيق السيد موسى الشبيري، انتشارات جماعة المدرّسين قم.

(٣٤) الفهرست، لابن النديم، طبعة الاوفسيت للخياط بيروت سنة ١٩٦٤م.

(٣٥) الفهرست، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، منشورات الشريف الرضي قم،


اوفسيت عن طبعة النجف المكتبة الرضوية.

(٣٦) الكامل في التاريخ، للشيخ عزّ الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبدالكريم بن عبدالواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير، دار صادر بيروت ١٣٩٩هـ.

(٣٧) كشف المهم في طريق خبر غدير خم، للسيد هاشم البحراني، نسخة خطيّة في المكتبة الرضوية في مشهد.

(٣٨) مرآة الجنان وعبر اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، لأبي محمد عبدالله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي، المتوفى سنة ٧٦٨هـ، الطبعة الثانية ١٣٩٠هـ، مؤسسة الأعلمي بيروت، أوفسيت عن طبعة حيدر آباد مطبعة دائرة المعارف النظامية ١٣٣٨هـ.

(٣٩) معالم العلماء، للحافظ محمد بن علي بن شهراشوب، المتوفى سنة ٥٨٨هـ، المطبعة الحيدرية النجف ١٣٨٠هـ.

(٤٠) معجم البلدان، لابي عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي، دار إحياء التراث العربي بيورت ١٣٩٩هـ.

(٤١) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لأبي الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي، المتوفي سنة ٥٩٧هـ، الطبعة الأولى سنة ١٣٥٧هـ، مطبعة دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن ١٣٥٧هـ.

(٤٣) منهج في الانتماء المذهبي، تأليف صائب عبدالحميد، مؤسسة قائم آل محمد قم ١٤١٣هـ.

(٤٤) الموسم، مجلّة فصليّة مصوّرة تعني بالآثار والتراث، بيروت.

(٤٥) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لجمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي، المتوفى سنة ٨٧٤هـ، وزارة الثقافة والارشاد القومي مصر.

(٤٦) نظريّات علم الكلام عند الشيخ المفيد، بقلم مارتن مكدرموت، تعريب علي هاشم، نشر مجمع البحوث الاسلامية مشهد ١٤١٣هـ.

(٤٧) نقض الوشيعة، للسيّد محسن الأمين العاملي، مؤسسة الأعلمي بيروت ١٤٠٣هـ.


(٤٨) نهاية الأرب في فنون العرب، لشهاب الدين احمد بن عبدالوهّاب النويري، المتوفى سنة ٧٣٣هـ، تحقيق الدكتور محمد جابر عبدالعال، المجلس الأعلى للثقافة مصر ١٤٠٤هـ.

(٤٩) نهج الحقّ وكشف الصدق، للعلامة الحلّي الحسن بن يوسف الاسدي، مؤسسة دار الهجرة قم.

(٥٠) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد بن ابي بكر بن خلّكان، المتوفى سنة ٦٨١هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد، مكتبة النهضة المصرية القاهرة ١٣٦٧هـ.


المصادر الّتي نقلنا عنها بالواسطة

(١) أسد الغابة، لابن الأثير الجزري، طبعة مصر.

(٢) الإصابة، لابن حجر العسقلاني، طبعة مصطفى محمد مصر.

(٣) تاريخ الخلفاء، للعلامة السيوطي، طبعة الميمنيّة مصر.

(٤) تاريخ دمشق، للحافظ ابن عساكر الدمشقي، والنقل عن منتخبه.

(٥) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، المطبعة العلمية النجف.

(٦) تفسير فرات.

(٧) تهذيب التهذيب، للعلامة العسقلاني، طبعة حيدر آباد.

(٨) خصائص أمير المؤمنين، للحافظ النسائي، طبعة التقدّم القاهرة.

(٩) الخصائص الكبرى، للعلامة السيوطي، طبعة حيدر آباد.

(١٠) الخصال، للشيخ الصدوق، طبعة قم.

(١١) الخطط، للمقريزي.

(١٢) ذخائر العقبى، لمحب الدين الطبري، طبعة مكتبة القدسي مصر.


(١٣) الروض النضير.

(١٤) روضة الصفا، لابن خاوند.

(١٥) سنن الترمذي، طبعة بيروت.

(١٦) سير أعلام النبلاء، للحافظ محمد بن أحمد الذهبي، طبعة مصر.

(١٧) شواهد التنزيل، للحافظ الحسكاني، طبعة بيروت.

(١٨) صحيح البخاري، للبخاري، طبعة بيروت.

(١٩) صحيح مسلم، لمسلم بن الحجّاج، طبعة بيروت.

(٢٠) الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي، طبعة عبداللطيف مصر.

(٢١) العقد الفريد، لابن عبدربّه الأندلسي، طبعة الشرقية مصر.

(٢٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام، للشيخ الصدوق، طبعة قم.

(٢٣) الفردوس، للديلمي، طبعة بيروت.

(٢٤) الفصول المهمّة، للشيخ نور الدين علي بن الصبّاغ المالكي، طبعة الغري.

(٢٥) الكافي، للكليني، طبعة طهران.

(٢٦) كفاية الطالب، للحافظ الكنجي الشافعي، طبعة الغري.

(٢٧) كنز العمال، للمولى علي المتقي الهندي، طبعة حيدر آباد.

(٢٨) مجمع الزوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مكتبة القدسي القاهرة.

(٢٩) المحاسن والمساوىء، للشيخ إبراهيم البيهقي، طبعة بيروت.

(٣٠) مرآت المؤمنين، لولي الله اللكهنوي.

(٣١) المستدرك، للحاكم محمد بن عبدالله النيسابوري، طبعة حيدر آباد.

(٣٢) المسند، لأبي يعلى الموصلي.

(٣٣) مسند أحمد، لاحمد بن حنبل، طبعة الميمنيّة مصر.

(٣٤) مصابيح السنة، للبغوي، طبعة بيروت.

(٣٥) مصباح المتهجد، للشيخ الطوسي، نسخة حجرية.


(٣٦) المصنف، لابن أبي شيبة.

(٣٧)المعجم الكبير، للطبراني، نسخة خطيّة.

(٣٨) مقتل الحسين، لأبي الفداء الخطيب الخوارزمي، طبعة الغري.

(٣٩) المناقب، لابن المغازلي، على ما في مناقب عبدالله الشافعي، مخطوط.

(٤٠) الموطّأ، لمالك بن أنس، طبعة بيروت.

(٤١) نظم درر السمطين، للعلامة الزرندي الحنفي، مطبعة القضاء مصر.

(٤٢) نور الأبصار، للعلامة الشبلنجي، طبعة مصر.

(٤٣) ينابيع المودّة، للعلامة القندوزي، طبعة اسلامبول.


الفهرس

المقدمة ٥

المقدمة الأولى: عرض سريع لذكر من ملك في عهد المفيد والحروب الواقعة فيه ٨

المقدمة الثانية: بنو بويه وعقيدتهم ١٨

المقدمة الثالثة: الصحابة وعدالتهم ٢٢

المقدمة الرابعة: إحياء ذكرى عاشوراء وكونه سنّة مؤكّدة ٢٨

المقدمة الخامسة: إحياء ذكرى الغدير وكونه سنّة مؤكّدة ٣٦

ذكر الاحداث حسب تسلسل السنين: ٣٣٦هـ - ٤١٣هـ ٤٢

المصادر: المصادر الّتي نقلنا عنها بلا واسطة ٩٥

المصادر الّتي نقلنا عنها بالواسطة ١٠٠