ظرافة الأحلام
في النظام المتلو في المنام لأهل البيت الحرام
تأليف محمد بن الشيخ طاهر السماوى
عفا الله له عن المساوي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
سبحان الله، المنزَّه عن رؤية الخلق، والحمد لله الّذي جعل رؤيا أوليائه جارية على منهج الصدق، ولا إله إلاّ الله، الّذي قال لنبيه (صلّى الله عليه وآله):( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) ، والله أكبر؛ إعظاماً له وإكباراً على جميل الصنع، وجزيل اللطف وجليل الرفق، وصلّى الله على محمد وآله، هداة الأمم في الغرب والشرق القائل:((جعلت الرؤيا الصادقة جزءاً من النبوة)) ، والقائلين:((من رآنا فقد رآنا حقاً، فإنَّ الشيطان لا يتمثّل بنا)) ، وأين له تلك القوَّة، وأنّى له ذلك الوفق.
أما بعد فهذا (ظرافة الأحلام) في النظام المتلوّ في المنام، لأهل
البيت الحرام، (عليهم السلام)، جمعّته من كتب شتّى، ومشافهة علماء صالحين، لا يسهل على كل أحد ولا يتأتّى، وصرفت نحو عشرين سنة في التقاطه، وضم بعضه إلى بعض وقتاً فوقتاً، ورتّبته على مقدمة وثمانية أبواب، وخدمت به سيدي ومعاذي وكهفي وملاذي، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، (عليه السلام) رجاء الثواب، وأداءاً للواجب؛ إذ كنت لائذاً بحماه، نازلاً في مغناه ضيفاً على تلك السدة والأعتاب، ورجوت أن يكون مقبولاً، فيكون كاسمه عند ذوي الآداب. إنَّه الكريم على الله، ولا توفيق إلاّ بالله.
المقدمة
وفيها ثلاثة فصول:
تقول العرب لما تراه في المنام: الرؤيا بالضم والهمز، والريا بلا همز وبتشديد الياء، والريا بكسر الراء، والحلم بضمتين، والحلم بضم وسكون، والاحتلام والخيال والطيف، فإنْ كان لا تأويل له فهو الأضغاث والهلج
ويستعملان فيما لا خير فيه، وتقول: رأى في منامه، وأُرْي رؤيا لا رؤية، فإنَّ الرؤيا في المنام والرؤية اليقظة، وتكلَّف المتنبي بقوله: (ورؤياك أحلى في العيون من الغمض)، وتقول: حلم يحلم كقعد، واحتلم وتحلم حلماً واحتلاماً وتحلماً، وتقول: طرق الخيال وطاف وأطاف وزار وسرى وعاه وتأوب، إذا تكرّر فهو طارق طائف مطيف زور زائر سارٍ عائد متأوب. قال البحتري: (خيال ماوبة المطيف)، وقال المرتضى: (وزور تخطى جنوب الفلا).
الرؤيا هي ما تعرض للنائم، من أفعال وأقوال له أو لغيره، مألوفة أو غير مألوفة، فقد تكون من الله تعالى، وهي الحق والصادقة، قال الله تعالى:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) ، وقد تكون من الوسواس والتأثيرات والأخلاط، وهي الباطلة والأضغاث، قال تعالى:( أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ) ، (فإن قيل): إنّا نجد الصالحين وغير الصالحين يرون الرؤيا الصادقة، فكيف ذلك؟
(قلنا):
أولاً: إنَّ ألطاف الله سبحانه في الدنيا على جميع عباده دائمة دائبة، فلا فرق بين الصالح وغيره في لطفه، وأنعامه الجليّ والخفيّ.
(وثانياً): إنَّ بعضاً يريه بقدرته وبعضاً بملائكته، وهذا الثاني داخل في الأول؛ إذ هو لطف.
(فمنها): ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعن الأئمة (عليهم السلام)، من قولهم:((من رآنا فقد رآنا حقاً، فإنَّ الشيطان لا يتمثّل بنا)) ، فقد اعتُرض بأنَّ الصالحين والطالحين يرونهم (عليهم السلام)، بصور مختلفة وأوامر غير مؤتلفة، فكيف التوفيق؟
(والجواب): أمّا عن الصور، فكل حالم يرى حَسْبَما يألف، وأمّا عن الأوامر، فيقال: إنَّ مصالح العبد لم يُحط بها إلاّ الله سبحانه، فلعلَّ ذلك الأمر كان من مصلحة ذلك العبد بعينه، أو يقال: إنَّها كالصور، فيرى كل ما يألفه من الأمر، على أنَّ بعضاً أنكر أن يكون ذلك.
(ومنها): ما روي(( إنَّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة )) ، (فسُئل) عن تخصيص العدد بالسبعين.
(وأجيب) عنه: إنَّ ذلك العدد عند العرب كالمثل في الكثرة، فقد قال الله تعالى:( إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) .
(ومنها): ما روي ((إنَّ الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة))، (وسُئل) عن تخصيص العدد.(فأجيب): بأنَّ الرؤيا عُني بها رؤيا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل البعثة في جبل حَرّاء، وهي ستة
أشهر نصف سنة، والبعثة ثلاث وعشرون سنة، فتكون رؤياه في تلك النصف سنة جزءاً من ستة وأربعين نصف سنة التي تكون ثلاثاً وعشرين سنة.
هذا وللعلماء والحكماء في الرؤيا وحقيقتها وأحكامها كلام، إنْ ذكرناه طال، وخرجنا عما نحن بصدده من المقال، فمن شاء فليراجع كتبهم الموضوعة في ذلك.
الباب الأوّل:
فيما يتعلَّق بالنبي المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من النظام المتلو في المنام
وفيه عشر فصول:
ذكر عبد الرحيم العباسي في كتابه (معاهد التنصيص)، في ترجمة الكميت بن زيد الأسدي المُتوفَّى سنة ١٢٦ قتلاً بالكوفة، قال: إنَّ إبراهيم بن سعيد الأسدي، قال: سمعت أبي يقول: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في يوم، فقال لي:((من أي الناس أنت؟)) ، قلت: من العرب، فقال:((أعلم، من أي العرب؟)) ، قلت: من أسد بن خزيمة، فقال:((أتعرف الكميت بن زيد؟)) ، قلت: يارسول الله، عمَّي ومن قبيلتي، فقال:((أتحفظ من
شعره شيئاً؟))، قلت: نعم، قال: ((فأنشدني قوله:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب = ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب
فأنشدته حتى بلغت إلى قوله:
فمالي إلاّ آل أحمد شيعة = ومالي إلاّ مذهب الحق مذهب
فقال: (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((إذا أصبحت فاقرأ عليه السلام، وقل له: غفر الله تعالى لك بهذه القصيدة)) .(أقول): وهذه القصيدة إحدى السبع التي تُسمَّى بالهاشميات، قد طبعت مراراً، وقد شرحهنَّ جماعة وخمَّسهنَّ آخرون، وآخر مَن خمَّس الشيخ عباس بن القاسم البغدادي الزيوري المُتوفَّى في طهران١٣١٥، بعدما زار الرضا (عليه السلام)، وبعدما حجّ البيت الحرام عن عُمْر يناهز الثمانين.
وذكر أيضاً عبد الرحيم في كتابه المذكور، عن نصر بن مزاحم أنَّه رأى النبي (صلّى الله عليه وآله) في النوم ورجل ينُشده:
من لقلب مُتيَّم مستهام = غير ما صبوة ولا أحلام
القصيدة، فجعل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول له:((جزاك الله خيراً)) ، ويُثني عليه فسألت في المنام عنه، فقيل لي: هذا الكميت.
(أقول): وهذه القصيدة أيضاً من السَبْع الهاشميات، ولا حاجة إلى ذكرها؛ لأنّها مطبوعة
ذكر السيّد نظام الدين علي بن السيّد صدر الدين محمد الحسني، المكّي الشيرازي صاحب السلافة وغيرها، المُتوفَّى بشيراز سنة ١٢١٩، في كتابه (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة)، في ترجمة الكميت، أنَّه قال: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النوم، وأنا مُختفٍ عن بني أمية بعدما ظهرت الهاشميات، فقال لي:((ممّ خوفك)) ، فقلت: يارسول الله من بني أمية وأنشدته:
ألم ترنَي مِن حب آل محمد = أروح وأغدو خائفاً أترقب
فقال لي:((اظهر، فقد آمنك الله في الدنيا والآخرة)) .
(أقول): وهذا البيت من البائيّة المتقدمة التي أولها (طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب).
ذكر أيضاً السيّد نظام الدين المذكور في كتابه المزبور، عن محمد بن عقبة، قال: كانت بنو أسد تقول: فينا فضيلة ليست في العالم، ليس منا أحد إلاّ وفيه بركة؛ وذلك أنَّ الكميت بن زيد رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام، فقال له:((أنشدني قولك:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب=ولا لعباً مِني وذو الشيب يلعب))
فأنشده إياها، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((بوركت وبورك قومك)) .
ذكر أبو الفرج في كتابه ( الأغاني )، في ترجمة السيّد إسماعيل بن محمد الحميري، المُتوفَّى سنة ١٧٣ - ١٧٩، قال: أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا علي بن محمد النَوفلي، قال: حدثني إبراهيم بن هاشم العبدي البصري، قال: رأيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النوم، وبين يديه السيّد الحميري، وهو ينشده:
أجِد بآل فاطمة البكور = فدمع العين منهمر غزير
حتى أتى على آخرها وهو يسمع، قال: فحدَّثت بهذا الحديث رجلاً، جَمَعَتْني وإياه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فقال لي: لقد كنت على خلاف هذا المعتقد، فرأيت النبي (صلّى الله عليه وآله) في المنام، ورجل يُنشده هذه القصيدة (أجِد بآل فاطمة البكور)، حتى أتى على آخرها، فاستيقظت من نومي، وقد رشح في قلبي من حب علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما لم أكن أعتقده.
(أقول): وهذه القصيدة من شِعر الحميري، عزيزة الوجود ولم أظفر منها إلاّ على ما سأذكره لك وهو:
وصي محمد وأمين غيب = ونِعمَ أخو الأمانة والسفير
إذا ما آية نزلت عليه = تضيق بها مِن القوم الصدور
وعاها صدرُه وحَنَتْ عليه = أضالعُه وأحَكمَها الضمير
هما إخوان ذا هادٍ إلى ذِ = وذا فينا لأُمته نذير
فأحمدُ مُنذر وأخوه هادٍ = دليل لا يضل ولا يجور
كسابق حلْبة وله مصل = إمام الخيل حيثُ يَرى البصير
وهو فينا كذي القُرنين قبل = برجعته لنا فيه نظير
لقد سمعوا مقالته بخُمٍّ = غداة يضم جمعهم الغدير
فمَن أولى بكم مِنكم فقالو = مقالة واحدٍ وهمُ كثير
جميعاً أنت مولانا وأولى = بنا مِنا وأنت لنا البشير
فقال لهم علانيةً جهار = مقالةَ ناصح وهمُ حضور
فإنَّ وليكمُ بعدي علي = ومولاكم هو الهادي الوزير
وزيري في الحياة وبعد موتي = ومِن بعدي الخليفة والأمير
فوالى الله مَن والاه منكم = وقابله لَدى الموت السرور
وعادى الله مَن عاداه منكم = وحلَّ به لدى الموت الثُبور
وقد علموا شجاعته يقين = وأخبرهم بها الجمّ الغَفير
ففي سلع سقى عمراً بكأس = وكان كأنَّه أسد مُغير
ينادي هل يرى حسب بِرازي = وهل عند امرئ حُر نَكير
وفي ذات السلاسل من سَليم = غداة أتاهم الموت المُبير
قد قتلوا من الأنصار رَهْط = فحل النَذر أو وجبت نُذور
إزار الموت مشيخة ضخام = جحاجحة تسدُّ بها الثُغور
وتركت بعضاً يوجد في المناقب لابن شهرآشوب، المطبوع في إيران وفي الهند.
وذكر أبو الفرج في الأغاني، في ترجمة السيّد المذكور، قال: روى محمد بن عاصم عن أبي داود المسترق، قال: رأى السيّد الحميري رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام، فاستنشده قوله:
لأُم عمرو باللوى مَرْبعُ = طامسة أعلامه بَلْقع
ومرَّ فيها حتى انتهى إلى قوله:
قالوا له لو شِئت أعلمتن = إلى مَن الغايةُ والمفزعُ
فقال (صلّى الله عليه وآله):((حَسبُك)) ، ثم نفض يده وقال:((قد والله أعلمتهم)) .
ذكر أبو الفرج أيضاً في الأغاني في ترجمة السيّد، قال: وأخبرني أحمد بن علي الخفّاف، قال: حدَّثني أبو إسماعيل، إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن طباطبا الحسني، قال: سمعت زيد بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام وأمامه رجل جالس، عليه ثياب بيض، فنظرت إليه فلم أعرِفه، فالتفت إليه رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: ياسيد أنشدني قولك (لأُم عمرو باللوى مَرْبعُ)، فأنشده إياها كلها ما غادر منها بيتاً واحداً، فحفظتها كلَّها في النوم، وسألت عنه، فقيل: هو السيّد إسماعيل الحميري، قال أبو إسماعيل: وكان زيد لحّانة رديء الإنشاد، فكان إذا أنشد هذه القصيدة مرَّ فيها لم يتتعتع ولم يُلحن.
(أقول): وهذه القصيدة العينية من مشهور شعر السيّد، مطبوعة مشروحة مراراً، ولكن فيها زيادات مِن النساخ الأعجمين يظهر ذلك من اللَحن، وما زِلت أنكر أنْ يكون بعض الأبيات منها، حتى عثرت بتوفيق الله تعالى على مجموع، مكتوب حوالي الستمائة من الهجرة، وفيه شعر للسيد يمدح أمير المؤمنين، ورثائه ورثاء ولده الحسين (عليهما السلام)، وفيه هذه القصيدة لم تكن فيها الأبيات التي أنُكرها، فأحببت ذكرها لتُعتبر وتركت الزيادات وهي هذه:
لأُمِّ عمرو باللِوى مَرْبعُ = طامسة أعلامه بَلْقع
لما وَقْفتُ العِيس في رسمه = والعين من عرفانه تَدْمَع
ذكرت مَن قد كنت أهوى به = فرِحتُ والقَلب شَجٍ مولَع
كأنَّ بالنار لِما شَفَّني = مِن حب أروى كَبدي تُلذع
عجبت مِن قوم أتوا أحمد = بخطة ليس لها موضع
قالوا له لو شِئت أعلمتن = إلى مَن الغايةُ والمفزعُ
إذا تُوفّيت وفارقتن = وفيهم في المُلك من يَطمع
فقال لو أعلمتكم مفزع = ماذا عسيتم فيه أن تصنعوا
صنيع أهل العِجل إذ فارقو = هارون فالتَرك له أوسع
وفي الّذي قال بيان لمَن = كانت له أذن بها يسمع
ثم أتته بعد ذا عَزمة = مِن ربه ليس لها مدفع
بلِّغ وإلاّ لم تكن مُبلِغ = والله منهم عاصم يمنع
فقام في الناس النبي الّذي = كان بما قيل له يَصدع
وقال مأموراً وفي كفِّه = كفُّ علي لهم تَلمع
يرفعها أكْرمِ بِكَف الّذي = يرفع والكفِ التي تُرفع
مَن كنت مولاه فهذا له = مولىً فلم يَرضوا ولم يَقنعوا
واتهموه وحَنْت منهم = على خلاف الصادق الأضلُع
وضل قوم غاظهم قوله = كأنَّما آنافهم تُجدع
وأزمعوا غدراً لمولاهم = تبّاً لما كانوا به أزمعوا
حتى إذا واروه في لحده = وانصرفوا عن قبره ضيَّعوا
ما قال بالأمس وأوصى به = واشتروا الضُر بما ينفع
وقطعَّوا أرحامه بعده = فسوف يجزون بما قطعَّوا
لا هم غداً مِن واردي حوضه = ولا هم فيمَن له يشفع
حوض له ما بين بصرى إلى = صنعاء يوم الجَمْع بل أوسع
يُنصب فيه علم للهدى = والحوضُ من ماء له مُترع
يفيض من رحمته كوثر = أبيض كالفضة أو أنصع
حصاه ياقوت كجمر الغضا = ولؤلؤ لم يَجنِه إصبع
بطحاؤه مسك وحافاته = يهتزُّ فيها مونق مونع
أخضر ما دون الجني ناضر = وفاقع أصفر ما يطلع
والعطر والريحان أنواعه = تسطع إن هبّت له زعزع
ريح من الجنة مأمورة = دائمة ليس لها منزع
إذا مرته فاح مِن ريحه = أذكى مِن المسك إذا يسطع
فيه أبريق وقد حانه = يذبُّ عنها الأنزع الأصلع
يذبُّ عنها ابن أبي طالب = ذبَّك جربى إبل تشرع
إذا دنوا منه لكي يشربوا = قيل لهم تبَّاً لكم فارجعوا
ورائكم فالتمسوا مشرباً = يرويكم أو مطعماً يشبع
فالفوز للشارب مِن حوضه = والويل والخزي لمَن يمنع
هذا لمَن والى بني أحمد = ولم يكن غيرهم يتبع
والناس يوم البعث راياتهم = خمس فمنها هالك أربع
قائدها العِجل وفرعونه = وسامري الأمة الأشنع
ومارق مِن دينه مخدج = أسود عبد لُكْع أوكع
وراية قائدها حيدر = ووجهه كالشمس إذ تطلع
إمام حق وله شيعة = تشرب ماء الحوض لا تمنع
انتهى ما وجدته في ذلك المجموع من القصيدة وهي ثلاثة وأربعون بيتاً لا غير.
* * *
وذكر أبو الفرج في الأغاني، في ترجمة السيّد أيضاً، راوياً عن العَبدي، أنَّه قال: رأيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام، وبين يديه السيّد وهو ينشده قوله:
أجِد بآل فاطمة البكور = فدمع العين منهلٌّ غزير
حتى أتى على آخرها، وهو صلوات الله عليه وآله يسمع.
روى الشيخ الصدوق، ابن بابويه رضوان الله عليه، المُتوفَّى سنة ٣٨٣، في كتابه عيون أخبار الرضا (المطبوع مراراً) قال: حدَّثنا أبو علي أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الهرمزي البيهقي، قال: سمعت داود البكري، يقول: سمعت علي بن دعبل بن علي الخزاعي، يقول: لما حضرت أبي الوفاة تغيَّر لونه، وانعقد لسانه، واسودَّ وجهه، فكدت أعزم على الرجوع عن مذهبه، فرأيته بعد ثلاث فيما يرى النائم، وعليه ثياب بيض، وقلنسوة بيضاء، فقلت له: ياأبتَ، ما فعل الله بك، فقال: يا بني، إنَّ الّذي رأيته من سواد وجهي، وانعقاد لساني؛ كان من شرب الخمر في دار الدنيا، ولم أزل كذلك حتى لقيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليه ثياب بيض، وقلنسوة بيضاء، فقال لي:((أنت دعبل؟)) فقلت: نعم، قال:(( فأنشدني
قولك في أولادي))، فأنشدته قولي:
لا أضحك الله سن الدهر إنْ ضحكت = وآل أحمدٍ مظلومون قد قُهروا
مشرَّدون نُفوا عن عَقر دارهم = كأنَّهم قد جنوا ما ليس يُغتفر
فقال لي:(( أحسنت )) ، وشفع بي، وأعطاني ثيابه، وها هي التي عليّ، وأشار إلى ثياب بدنه.
(أقول): ودِعبل - بكسر الدال - هو ابن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الرحمان بن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، من العلماء بأيام العرب المصنفين، لم يَكد يمدح غير آل محمد (عليهم السلام) وهو ابن عم أبي الشيص الشاعر، ولد سنة ١٤٨ وتُوفّي مسموماً بالأهواز سنة ٢٤٠، وشعره منتشر في المناقب؛ ولولاها لذهب منه الكثير. ولم أجد لهذين البيتين بقايا فيما تفحَّصت.
ذكر الشيخ محمد الحسين النوري، المُتوفَّى سنة ١٣٢٠ في النجف، في كتابه دار السلام (المطبوع) عن صاحب وسيلة المآل، قال: إنَّ الشيخ عبدالرؤوف شيخ الشرف المناوي، قال: إنَّ شيخي الشريف الطباطبائي، كان يُقيم في مصر، في خلوته التي بجامع عمرو بن العاص، فتسلَّط عليه رجل من أمراء الأتراك، يُقال له: قرقماس الشعباني، وأخرجه منها فأصبح الشريف يوماً، وأتاه رجل، فقال له: رأيتك الليلة في المنام، جالساً بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو ينشدك:
يا بَني الزهراء والنور الّذي = ظنَّ موسى أنَّه نار قبس
صح عندي أنَّ مَن عاداكم = إنَّه آخر سطر في عبس
قال: ثم أخذ النبي (صلوات الله وسلامه عليه) عذبة سوط، كان في يده الشريفة، فعقدها ثلاث عَقَدات، قال شيخ الشريف: فكان من تقدير الله تعالى أنْ ضرب رأس قرقماس، فلم يُضرب إلاّ بثلاث ضربات، وكان ذلك من قبيل قوله تعالى:( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) ، قال: والإشارة بقوله: (آخر سطر في عبس) إلى قوله تعالى:( أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) .
أقول: - وهذان البيتان شطَّرهما، وخمَّسهما جماعة من الأُدباء، فمِمَن خمَّسهما الكاظم بن محمد بن عبد الصمد بن مراد البغدادي، الشهير بالأزري المُتوفَّى سنة ١٢٠١، المدفون في بلد الكاظمين خارج باب الصحن الشريف بقوله:
يا كِراماً هم غذاء المغتذي = بثراهم ينجلي الطرف القَذي
كيف أخشى وولاكم مُنقذي = يابَني الزهراء والنور الّذي
ظنَّ موسى أنَّه نار قبس
قد أخذتم مِن يدي مولاكم = حجزة الأمَن لمَن والاكم
وبهذا الشأن مذ أولاكم = صح عندي أنَّ من عاداكم
إنَّه آخر سطر في عبس
ومِمَن شطَّرهما مؤلف هذا الكتاب، فقال:
يا بَني الزهراء والنور الّذي = قد تجلَّى فانجلى كل غلس
وازدهى الطور به حتّى لقد = (ظنَّ موسى أنَّه نار قبس)
(صح عندي أنَّ مَن عاداكم) = هاد أو ناصرُ ديناً أو مَجَس
لا يُرجى لفلاح بعده = (إنَّه آخر سطر في عبس)
الباب الثاني:
فيما يتعلَّق بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من النظام المتلو
وفيه عشر فصول:
ذكر الثعالبي المُتوفَّى في حدود سنة ٤٢٩، في كتابه يَتيمة الدهر (المطبوع مراراً) في ترجمة أبي القاسم بن علي ابن بشر، قال: أخبرني الزاهد - يعني محمد بن عمر - قال: أخبرني أبو القاسم بن علي بن بشر، أنَّه كان له جد لأم يُعرف بكولان، وكان من أهل الأدب، والكتابة، وحَسَنَ الشعر والخطابة، قال: حججت سنةً من السنين، وجاورت بمكة حرسها الله، فاعتللت علَّة تطاولت بي، وضاق معها خُلُقي، ثم صلحت منها بعض الصلاح، ففكَّرت في أنّي عملت في أهل البيت تسعاً وأربعين قصيدة، مدحاً، فقلت: أُكملها خمسين، ثم ابتدأت بها، فقلت: (بَني أحمد يا بَني أحمد) وأرتجَّ عليَّ فلم أقدر على زيادة، فعظُم ذلك عليَّ، واجتهدت في أنْ أُكمل البيت فلم أقدر، فحدَث لي من الهم بهذه الحالة ما زاد على
غمّي باضاقتي وعلتي، فنمت اهتماماً بالحال، فرأيت النبي (صلّى الله عليه وآله) في النوم، فجئت إليه وسلَّمت عليه وشكوت إليه ما أنا فيه؛ من الإضاقة، وما أجده من العلَّة، وأخرى من القلَّة، فقال لي:(( تصدَّق يوسِّع الله عليك، وصم يصحّ جسمك! )) ، فقلت يا رسول الله، وأعظم ما أشكوه إليك؛ أنَّي شاعر أتشيَّع، وأَخص بالمحبة ولدك الحسين (عليه السلام) وتداخلني له رحمة؛ لِما جرى عليه من القتل، وكنت قد عملت في أهل بيتك تسعاً وأربعين قصيدة، فلمّا خلوت بنفسي في هذا الموضع، حاولت أنْ أُكملها خمسين، فبدأت بقصيدة، وقلت: مُصراعاً منها وارتجَّ عليَّ اجازته، ونفر عني كل ما كنت أعرفه، فما أقدر على قول حرف، فلو أكملتَه يا رسول الله! فتبسّم (صلّى الله عليه وآله) وقال لي:(( إذهب إلى صاحبك )) ، وأومأ بيده الشريفة إلى ناحية من نواحي المسجد، وأمر رسولاً يمضي بيَّ إلى حيث أومأ فمضى بي الرسول إلى أُناس فيهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له الرسول: أخوك وجَّه إليك بهذا الرجل، فاسمع ما يقوله! فسلَّمت عليه، وقصصت عليه قصَّتي، كما قصصتها على النبي (عليه السلام) فقال لي؛ اعتذاراً عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):(( أما قرأت قول الله تبارك وتعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ))) ، ثم قال:(( فما المصراع الّذي قلت؟ )) فقلت:
بني أحمد يا بني أحمد: فقال: (( بكت لكم عَمَد المَسجد
بيثرب واهتزَّ قبر النبي = أبي القاسم السيّد الأصيد
ومكة مارت ببطحائها = لإعظام فعل بَني الأعبد
ومال الحطيم بأركانه = وما بالبنية مِن جَلمد
وأظلمت الأُفق أُفق البلاد = وذرَّ على الأرض كالإثمد
وكان وليكم خاذلاً = ولو شاء كان طويل اليد))
وردَّدها عليّ ثلاث مرات، فانتبهت، وقد حفظتها وفتح الله تعالى عليَّ فاتممتها.
ذكر ابن خلكان المُتوفَّى سنة ٦٨١، في وفيات الأعيان، في ترجمة أبي الفوارس سعد بن محمد الصيفي، المُتوفَّى سنة ٥٧٤ المعروف بحيص بيص، قال: قال الشيخ نصر الله بن مجلي، مشارف الصناعة بالمخزن، وكان من ثقات أهل السُنَّة: رأيت علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة، وتقولون:(( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) ، ثم يَتمُّ على ولدك الحسين (عليه السلام) يوم الطف ما تمَّ، فقال:(( أمَا سمعت أبيات ابن الصيفي )) قلت: لا، قال:(( فاسمعها منه! )) ، قال: فاستيقظت، وبادرت إلى دار الحيص بيص، فخرج إليَّ، فذكرت له الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله تعالى إنْ كانت خرجت مِن فَمِه، أو خطِّه إلى أحد، وإنْ كان نظمها إلاّ في ليلته هذه وأنشدنيها، وهي قوله:
ملكنا وكان العفو منّا سجية = فلمَّا ملكتم سال بالدَم أبطح
وحلَّلتم قتل أُسارى وطالما = غدونا عن الأسرى نعفُّ ونَصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا = وكل إناءٍ بالّذي فيه يرشح
(أقول): وقد خمّس هذه الأبيات جماعة، وشطَّروها، فمِمَن خمَّسها السيّد الراضي بن السيّد صالح، القزويني البغدادي المُتوفَّى في تبريز، سنة ١٢٨٧، قبل وفاة أبيه بنحو عشرين سنة، فقال:
سَلوا الحرب عنّا هل الفنا دنية = سوى ما روت عنّا سجايا سنية
كفى عفونا عمّا جنيتم مزية = ملكنا فكان العفو منّا سجية
فلما ملكتم سال بالدم أبطح
ويا طالما بالطف منّا على الظما = تركتم سيوف الهند تَقطر بالدما
وحرّمتم الماء المباح وقد طما = وحلَّلتم قتل الأسارى وطالما
غدونا عن الأسرى نعفُّ ونَصفح
قضيتم لكم ديناً ولم نفض ديننا = غداة أطال الدهر بالغدر بيننا
كفى بيننا فرقاً بما قد تبيَّنا = فحسبكم هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالّذي فيه يرشح
ومِمَن خمَّسها السيّد الشريف، العالم الجليل، السيّد ناصر بن السيّد أحمد بن السيّد عبد الصمد، الحسيني الغريفي البحراني البصري، المُتوفَّى سنة ١٣٣١، فقال:
نعم جدُّنا المختار ليس أُمية = وجدّتنا الزهراء ليست سمية
ونحن ولاة الأمر لسنا رعيّة = ملكنا فكان العفو منّا سجية
فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح
أما نحن يا أهل الضلالة والعمى = عفونا بيوم الفتح عنكم تكرّما
فمِمَ أبحتم بالطفوف لنا دماً = وحلَّلتم قتل الأُسارى وطالما
غدونا عن الأسرى نعفُّ ونَصفح
فنحن أناس لم يكُ الغدر شأننا = ولا الأخذ بالثأر الّذي كان دَيننا
ولكنّنا نعفُّو ونكظم غيظنا = فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالّذي فيه يرشح
ومِمَن خمّسها الشيخ العالم، الفاضل الأديب، الشيخ عبد الحسين بن القاسم بن صالح، الحلّي النجفي المولود بالحلّة سنة ١٣٠١، القاضي في البحرين اليوم سلّمه الله، فقال:
جعلنا بيوم السبق عبدا أمية = وحرب زوى عنه أنانا منيةً
وصخر أصفحنا عن حماه حمية = ملكنا فكان العفو مِنّا سجية
فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح
كرهتم لنا أمراً به شأنكم سما = وحرّم أنْ تسموا به خالق السما
فأوجبتمُ سبي العذاري من الحمى = وحلَّلتم قتل الأُسارى وطالما
غدونا عن الأسرى نعفُّ ونَصفح
حكمتم علينا بالدمار وبالفنا = وفينا ومنّا نلتم غاية المُنى
عفونا وبعد العفو مثّلتم بنا = فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالّذي فيه ينضح
ومِمَن شطَّرها الشيخ عبد الحسين الحلّي، المخمِّس لها، فقال في التشطير:
(ملكنا فكان العفو مِنّا سجية) = بيوم به بطحاء مكة تُفتح
فسالت بفيض العفو مِنّا بطاحكم = (ولمّا ملكتم سال بالدم أبطح)
(وحلَّلتم قتل أُسارى وطالما) = فككنا أسيراً منكم كاد يُذبح
وفي يوم بدر مذ أسرنا رجالكم = (غدونا عن الأسرى نعفُّ ونَصفح)
(فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا) = فأي قبيل فيه أربى وأربح
ولا غرو إذ كنا صفحنا وجُرتم = (فكل إناء بالّذي فيه ينضح)
ذكر الشيخ أبو الفتح، محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، المُتوفَّى سنة ٤٤٩، في كتابه كنز الفوائد (المطبوع) قال: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد اللغوي، المعروف بابن ركاز، سنة ٣٩٩ بميا فارقين، قال: دخلت على أبي الحسن علي بن السلماسي، في مرضه الّذي تُوفِّي فيه، فسألته عن حاله، فقال: لحقتني غشية أُغمي عليَّ فيها، فرأيت مولاي أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأخذ بيدي، وأنشأ يقول:((
طوفان آل محمد = في الأرض أغرق جهلها
وسفينهم حَمَلَ الّذي = طلب النجاة وأهلها
فاقبض بكفِّك عروة = لا تخشَ منها فصلها))
(أقول): كنت يوم رأيت هذه الأبيات طربت لها، فشطَّرتها، وخمَّستها، وأسبغتها بالتطريز لأبياتها الثلاثة، وطرَّفتها بأربعة تطاريف؛ لأشطرها الستة، وأنا أذكرها لك، فالتشطير قولي:
(طوفان آل محمد) = أعطى البرية فضلها
وهدى ولمّا أنْ جرى = (في الأرض أغرق جهلها)
(وسفينهم حَمَلَ الّذي) = خاف الجحيم وغلَّها
فنجا بهم في الفوز إذ = (طلب النجاة وأهلها)
(فاقبض بكفِّك عروةً) = وِثقى وحاذر حلَّها
موصولةً بمحمد = (لا تخشَ منها فصلها)
والتخميس قولي:
يا حائراً بتردُّد = أقصد لعترة أحمد
فلقد غدا بتودُّد = طوفان آل محمد
في الأرض أغرق جهلها
فهم الحياة لكل ذي = روح ومنهم يغتذي
وهم النجاة لِذا وذي = وسفينهم حَمَلَ الّذي
طلب النجاة وأهلها
إنْ شِئت ترفع سروة = أو شِئت تنصب ذروة
أو شِئت تلقى ثروة = فاقبض بكفِّك عروة
لا تخشَ منها فصلها
والاسباغ بالتطريز قولي:
(طوفان آل محمد في الأرض أغ = رق جهلها) لمَّا تطاول يختصم
(وسفينهم حَمَلَ الّذي طلب النجا = ة وأهلها) إذ مَن يكون بها عُصم
(فاقبض بكفِّك عروة لا تخشَ مِن = ها فصلها) فهي التي لا تنفصم
والتطريف من الطرفين وهو التجنيح قولي:
إمَّا يُفض (طوفان آل محمد = في الأرض أغرق جهلها) بهدى الرَشاد
تنجو الورى (وسفينهم حَمَلَ الّذي = طلب النجاة وأهلها) بين العِباد
يا خائفاً (فاقبض بكفِّك عروة = لا تخشَ مِنها فصلها) يوم المَعاد
والتطريف من الوسطين، وهو التقاصير قولي:
(طوفان آل محمد) خير الورى = لمّا جرى (في الأرض أغرق جهلها)
(وسفينهم حَمَلَ الّذي) والاهم = مِمَن بهم (طلب النجاة وأهلها)
(فاقبض بكفِّك عروة) وِثقى إذا = أمسكتها (لا تخشَ مِنها فصلها)
والتطريف من الصدرين، وهو التقليد قولي:
إنْ يَستفض (طوفان آل محمد) = بين الورى (في الأرض أغرق جهلها)
هم أبحُر (وسفينهم حَمَلَ الّذي) = مِن خوفه (طلب النجاة وأهلها)
مهما تَخف (فاقبض بكفِّك عروة) = وِثقى لهم (لا تخشَ مِنها فصلها)
والتطريف من الغايتين، وهو التحجيل قولي:
إمّا يفض (طوفان آل محمد = في الأرض أغرق جهلها) بهدى الرَشاد
تنجو الورى (وسفينهم حَمَلَ الّذي = طلب النجاة وأهلها) بين العِباد
يا خائفاً (فاقبض بكفِّك عروة = لا تخشَ مِنها فصلها) يوم المَعاد
والتطريف من الوسطين، وهو التقاصير قولي:
(طوفان آل محمد) خير الورى = لمّا جرى (في الأرض أغرق جهلها)
(وسفينهم حَمَلَ الّذي) والاهم = مِمَن بهم (طلب النجاة وأهلها)
(فاقبض بكفِّك عروة) وِثقى إذا = أمسكتها (لا تخشَ منها فصلها)
والتطريف من الصدرين، وهو التقليد قولي:
إن يستفض (طوفان آل محمد) = بين الورى (في الأرض أغرق جهلها)
هم أبحر (وسفينهم حَمَلَ الّذي) = مِن خوفه (طلب النجاة وأهلها)
مهما تَخف (فاقبض بكفِّك عروة) = وِثقى لهم (لا تخشَ مِنها فصلها)
والتطريف من الغايتين، وهو التحجيل قولي:
(طوفان آل محمد) أهل الهدى = (في الأرض أغرق جهلها) إذ أطبقا
(وسفينهم حَمَلَ الّذي) في حبهم = (طلب النجاة وأهلها) مِمّا اتقى
(فاقبض بكفِّك عروة) موصولة = (لا تخشَ مِنها فصلها) يوم اللِقى
وذكر الشيخ الكراجكي، في كنز الفوائد أيضاً، قال حدَّثني الشريف أبو عبد الله محمد بن عبيد الله بن طاهر الحسيني، قال: حدَّثني أبي عن أبي الحسن أحمد بن محبوب، قال: سمعت أبا جعفر الطَبري، يقول: حدَّثنا هناد بن السري، قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في النوم، فقال:(( يا هناد، )) قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال:((أنشدني قول الكميت:
ويوم الدوح يوم غدير خُمٍّ = أبان له الخلافة لو أُطيعا
ولكنَّ الرجال تداولوه = فلم أرَ مثلها أمراً شنيعا))
فأنشدته، فقال (عليه السلام):(( خُذ إليك يا هناد)) ، فقلت: هات يا سيدي، فقال (عليه السلام):
((ولم أرَ مِثل ذاك اليوم يوماً = ولم أرَ مثله خَطباً فظيعا))
(أقول): وهذان البيتان الأولان من قصيدة الكميت، من إحدى الهاشميات السبع (المطبوعة) وأولها:
نفى عن عينك الأرَق الهجوعا = وهمٌّ يمتري منها الدموعا
والنسخ المطبوعة والمخطوطة، كثيرة التحريف، ولكن النسخة المطبوعة في (برلين) أصحهنَّ، والبيت الثالث لم يوجد في النسخ كلها.
أخبرني السيّد الأديب المعمّر، السيّد محسن بن السيّد هاشم، الحسيني الصائغ الكاظمي، المُتوفَّى سنة ١٣٣٧، قال: أخبرني أبي السيّد هاشم - وكان معمّراً أيضاً - قال: أخبرني الشيخ محمد علي النجفي، المعروف بالقارئ، مصنِّف كتب التعازي الحسينية الثلاثة، قال: نظم الشيخ العالم الفاضل، الشيخ محمد علي بن الحسين الأعسم النجفي، المُتوفَّى سنة ١٢٣٣، قصيدة في رثاء سيدنا الحسين (عليه السلام) أولها:
قد أوهنت جَلَدي الديار الخالية = مِن أهلها ما للديار وماليه
ومنها:
قست القلوب فلم تَلن لهداية = تبَّاً لهاتيك القلوب القاسيه
فعرضه على ولده الفاضل الأديب، الشيخ عبد الحسين المُتوفَّى سنة ١٢٤٧، وقال له: كيف تراها؟ فقال له: قافية قاسية، تأخذ بحُلقوم قارئها، فاستحيى وأخذها من يده، ووضعها تحت مصلاّه فلمَّا كان الليل، رأى الشيخ محمد علي القارئ في النوم، أمير المؤمنين (عليه السلام) في الروضة، جالساً على كرسي، قال: فسلَّمت عليه، فأعطاني ورقة كانت في يده، وقال:(( إقرأ هذه القصيدة في رثاء وَلدي الحسين )) ، فقرأتها له، فجعل يبكي، وأنا أقرأ وأبكي، فانتبهت بتلك الحالة، وأنا أتلو منها بيتاً، وهو:
قَست القلوب فلم تَلن لهداية = تبَّاً لهاتيك القلوب القاسيه
قال: ولمّا انتبهت رأيت الوقت سحراً، فتوضأت؛ وخرجت لأزور أمير المؤمنين (عليه السلام) على عادتي، فمررت في طريقي على الشيخ محمد علي الأعسم، فرأيت في روشن داره ضياءً، فعلمت أنَّه جالس، فأحببت أنْ أكلِّفه بنظم قصيدة، في رثاء الحسين (عليه السلام) تتضمن البيت الّذي حفظته عند انتباهي من النوم، فطرقت الباب، فنزل من عليَّته فقصصت عليه قصَّتي، وذكرت له البيت (قست القلوب، إلخ) فبكى حتى غلبه البكاء، ثم أصعدني إلى مَحلِّه، ورفع طرف مصلاَّه، فأخرج لي ورقة، فلمَّا رأيتها علمت أنَّها هي الورقة التي أعطانيها أمير المؤمنين (عليه السلام) وفيها تلك القصيدة، التي قرأتها مِن أوّلها إلى ذلك البيت، فعجبت من ذلك وسألته عنها، فحلف أنَّه نظمها أمس، وعرضها على ولده ليلاً، وحكى لي قصته، وأنَّه وضعها تحت مصلاَّه، ولم يَطَّلع عليها أحدٌ غيرهما.
(أقول): وهذه القصيدة من مشهور شعر الشيخ محمد علي الأعسم، وهي قصيدة جَزلة الألفاظ، فَخمة المعاني محفوظة للقرّاء، وأنا أذكر أبياتاً منها، وأترك باقيها لشهرتها، فمنها قوله:
ورد الحسين إلى العراق وظنَّهم = تركوا النفاق إذا القلوب كَما هيه
ولقد دعوهُ للفَنا فأجابهم = ودعاهمُ لهدى فردّوا داعيه
قست القلوب فلم تَلن لهداية = تبَّاً لهاتيك القلوب القاسيه
يابن النبي المصطفى ووصيّه = وأخا الزكي يابن البتول الزاكيه
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة = لكنَّما عيني لأجلك باكيه
تبتلُّ منكم كربلا بدم ولا = تبتلُّ مِنّي بالدموع الجاريه
أنست رزاياكم رزايانا الأُوْلى = سلفت وهوّنت الرزايا الآتيه
وفجائع الأيام تبقى مدةً = وتزول وهي إلى القيامة باقيه
ذكر الشيخ الجليل، محمد بن علي بن شهرآشوب السروي، المُتوفَّى سنة ٥٨٨، في كتاب المناقب (المطبوع مراراً) أنَّ بعض الصلحاء رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المنام، فأنشده (عليه السلام):
إذا ذكر القلب رهط النبيّ = وسبي النساء وهتك الستر
وسلب السبيّ وذبح الصبيّ = وقتل الشبير وسم الشبر
ترقرق في العين ماء الفؤا = د وفاض على الخدِّ مِنه درَر
فيا قلبُ صبراً على حزنهم = فعند البلاء تكون العبَر
(أقول): وهذه الأبيات حرّة الألفاظ رقيقة المعاني، وكنت قد شطَّرتها؛ لرقتها وللتبرُّك بمنشدها، فأنا أذكر تشطيري هنا، عسى أن تنالني الرِّقة، وهو:
(إذا ذكر القلب رهط النبيّ) = وما نالهم بعده مِن غِير
وناظر مقتل فتيانه = (وسبي النساء وهتك السُتر )
(وسلب السبيِّ وذبح الصبيّ) = بحضن أبيه الأبيّ الأبر
وقتل الوصيّ وظلم الرضيّ = (وقتل الشبير وسم الشَبر )
(ترقرق في العين ماء الفؤاد) = وذاب الحشا مِن جوى واستَعَر
فكفكفت النار دفاعه = (وفاض على الخدِّ منه دُرر)
(فيا قلبُ صبراً على حزنهم) = وإنْ كنت لم تُطق المصطبر
ونهنه على ما ترى عَبرة = (فعند البلاء تكون العِبر)
ذكر الشيخ محمد الحسين النوري، في كتابه دار السلام، الّذي ذكرنا عنه قبلاً عن خط بعض العلماء، أنَّ بعض علماء خوارزم نذر أنْ يَحج، فجاء حتى وصل إلى قنطرة في شط النيل من الحلَّة - وكانت له زمن بني العباس قنطرة عليها طريق الحاج وبقيت بعدهم مدة - فرأى الشيخ الفقيه ابن نما الحلِّي أميرَ المؤمنين في المنام، فقال (عليه السلام) له:(( إنَّ عالِم خوارزم قد ورد إلى هذه البلدة، وقد أشرف أنْ يَعبر، فارسل إليه أحد أصحابك بهذين البيتين؛ ليسأله فيهما ويعزم عليه أنْ لا يعبر حتى يجيبه عنهما )) ، وتلا له البيتين وهما:
إذا اختلفت في الدين سبعون فرقة = ونيِّف كما قد صح عن سيد الرُسل
أ في الفرقة الهُلاَّك آل محمد = أم الفرقة الناجين ماذا ترى قُلْ لي
فانتبه الشيخ وهو يحفظهما، وأرسل أحد تلامذته بالبيتين إليه، وسأله أنْ لا يعبر إلاّ بعد الجواب، فلمّا سمع البيتين والسؤال أنْ لا يعبر إلاّ بعد الجواب، رجع إلى بغداد ولم يعبر.
(أقول): قد ذكر السروي المذكور
قبلاً في المناقب، أبياتاً لشرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي المسيَّبي ملك الموصل الّذي عمّر في الكاظميين، والّذي قُتل سنة ٤٧٨ وقد ذكرت عمارته في (صدا الفؤاد) وفي الأبيات هذان البيتان، وهي قوله:
إذا اختلفت في الدين سبعون فرقة = ونيِّف كما قد صح عن سيد الرسل
ولم يكُ منها ناجياً غير فرقة = فماذا ترى ياذا البصيرة والعَقل
أفي الفرقة الهُلاّك آل محمد = أم الفرقة الناجين ماذا ترى قُلْ لي
فإنْ قلت هُلاّك كفرت وأنْ تَقل = نُجّاة فحالفهم وخالف ذوي الجهل
لَئن كان مولى القوم منهم فإنَّني = رَضيت بهم في الدين بالقول والفعل
فخلِّ عليّاً لي إماماً وولده = وأنت مِن الباقين في أوسع الحلِّ
أقول: وابن نما المذكور لم يعيّنه الناقل، فإنَّ آل نما سلسلة علماء في الحلَّة، من الأربعمائة إلى نحو الثمانمائة، منهم جعفر بن محمد بن هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الربعي، فكلُّ هؤلاء علماء في الحلَّة، فإنْ كانت الواقعة لمتقدمي آل نما، فلعلَّ شرف الدولة قد ذيَّلها، وإنْ كانت لأحد متأخريهم، فلعلَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أنشد منها موضع الحاجة.
أخبرني السيّد الشريف العلاَّمة، السيّد حسين بن مُعزِّ الدين السيّد مهدي بن السيّد حسن بن السيّد أحمد بن السيّد محمد الحسيني القزويني النجفي، المُتوفَّى سنة ١٣٤٠، قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في
المنام، ذات ليلة مباركة من ليالي رجب ١٣١٢، جالساً في مقبرة والدي على كرسي، وبين يديه والدي متأدب، وكأنَّ المقبرة روضة متسعة، فجئت وسلَّمت عليه وأردت تقبيل يديه، فقال لي أبي: امدحه أولاً، ثم قبّل يديه، فأنشدته:
أبا حسن أنت عين الإله = فهل عنك تعزُب مِن خافيه
وأنت مُدير رَحى الكائنات = وإنْ شِئت تسفع بالناصيه
وأنت الّذي أُمم الأنبياء = لديك إذا حُشرتْ جاثيه
فمَن بك قد تمَّ إيمانه = يُساق إلى جنة عاليه
وأما الّذين تولَّوا سواك = يساقون دعّاً إلى الهاويه
قال: فتبسَّم (عليه السلام) وقال لي أبي: أحسنت، فدنوت منه (عليه السلام) وقبّلت يديه، وانتبهت وأنا أحفظ الأبيات، ولما أصبحت حضر المجلس على العادة جماعة من فضلاء الأدباء، فذكرت لهم الطيف، وقلت لهم:
مَن كان يَهوى قلبه = ثاني أصحاب الكسا
فلينتدب لمدحه = مشطِّراً مخمِّسا
فانتدب الجماعة للتشطير والتخميس، فمِمَن شطَّر وخمَّس التشطير، السيّد الفاضل الأديب السيّد جعفر بن السيّد حمد الحسيني الحلِّي، المُتوفَّى سنة ١٣١٥، فقال في التشطير:
(أبا حسن أنت عَين الإله) = على الخلق والأُذن الواعيه
تراهم وتسمع نجواهم = (فهل عنك تَعزُب مِن خافيه)
(وأنت مُدير رَحى الكائنات) = وقُطبٌ لأفلاكها الجاريه
فإنْ شِئت تَشفع يوم الحساب = (وإنْ شِئت تسفع بالناصيه)
(وأنت الّذي أُمم الأنبياء) = تولتك في الأعصر الخاليه
وكل الخلائق يوم النشور = (لديك إذا حُشرت جاثيه)
(فمَن بك قد تمَّ إيمانه) = فبُشراه في عيشة راضيه
بحوضك يُسقى ومِن بَعد ذا = (يُساق إلى جنة عاليه)
(وأمَّا الّذين تولَّوا سواك) = فما هم مِن الفِرقة الناجيه
يجيئون في الحشر سود الوجوه = (يُساقون دعّاً إلى الهاويه)
وقال في تخميس التشطير:
بَراك المهيمن إذ لا سِواه = وبيَّن باسمك معنى عُلاه
فكنت تَرى الغَيب لا باشتباه = أبا حسن أنت عَين الإله
على الخلق والأُذن الواعيه
تَرى الناس طُراً وترعاهم = وأقصى الورى منك أدناهم
ومهما أسرّوا خفاياهم = تراهم وتسمع نجواهم
فهل عنك تَعزُب من خافيه
أَقلُّ معاجزك الخارقات = حضورك للشخص حين المَمات
فأنت المحيط بست الجهات = وأنت مدبِّر رَحى الكائنات
وقُطب لأفلاكها الجاريه
لك الناس تُحشر يوم المآب = مطئطِأة الرؤوس خوف العذاب
فمنك الثواب ومنك العقاب = فإنْ شِئت تَشفع يوم الحساب
وإن شِئت تَسفع بالناصيه
بك العرش مُهِّد للاستواء = وباسمك قامت طباق السماء
فأنت المحكِّم يوم الجزاء = وأنت الّذي أُمم الأنبياء
تولتك في الأعصر الخاليه
إذا بعث الله مَن في القبور = ومِن سفر الموت أضحوا حضور
فأنت الأمير بكلِّ الأمور = وكلُّ الخلائق يوم النشور
لديك إذا حُشرت جاثيه
مُحِبك يثقُل ميزانه = ويعلو بيوم الجزا شأنه
وَهبْ فرضه بأنْ نقصانه = فمَن بك قد تمّ إيمانه
فبشراه في عيشة راضيه
ينال الكرامة غَبُ الأذى = وعن ناظريه يُماط القذى
فما بعدُ يشكو ظماه إذا = بحوضك يُسقى ومِن بعد ذا
يُساق إلى جنة عاليه
أبا حسن بك أنجو هناك = وأرجو رضا خالقي في رضاك
فلم ينجُ في الحشر إلاّ ولاك = وأمّا الّذين تولّوا سواك
فما هم مِن الفرقة الناجيه
سيأتي العدوّ ومَن تابعوه = بجَمع عن الحوض قد حلئوه
جُفاة لحقك قد ضيَّعوه = يجيئون للحشر سود الوجوه
يُساقون دعّاً إلى الهاويه
ومِمَن شطَّر وخمَّس الأصل، الشيخ العالم الفاضل الشيخ جواد بن الشيخ محمد الشبيبي النجفي، المولود سنة ١٢٨٠ فقال سلَّمه الله في التشطير:
(أبا حسن أنت عَين الإله) = ولُجّة قدرته الطاميه
وأنت المحيط بما في الوجود = (فهل عنك تَعزُب مِن خافيه)
(وأنت مُدير رَحى الكائنات) = ودارة أنوارها الساريه
بأمرك إنْ شِئت تُنجي العباد = (وإنْ شِئت تَسفع بالناصيه
(وأنت الّذي أُمم الأنبياء) = تفيئ لرأفتك الضافيه
ترى زُمراً شيع المرسلين = (لَديك إذا حُشرت حاشيه)
(فمَن بك قد تمَّ إيمانه) = وفيك غدت نفسه راضيه
وراح ولاِك له سلماً = (يساق إلى جَنَّة عاليه)
(وأمَّا الّذين تولَّوا سواك) = وساروا مِن الغيِّ في غاشيه
وضلّوا ضلالاً بعيد الهدى = (يُساقون دعَّاً إلى الهاويه)
وقال سلَّمه الله في تخميس الأصل:
بمدحك نصَّاً فَمُ الذِكر فاه = فكنت المصبَّ لمجرى ثناه
ترى ما يرى الله فيما براه = أبا حسن أنت عَين الإله
فهل عنك تَعزُب مِن خافيه
بك اجتمع الدين بعد الشَتات = ولاَنَ لك الشرك ليَن القناة
وِلاك المفاز فأنت النّجاة = وأنت مُدير رَحى الكائنات
وإنْ شِئت تَسفع بالناصيه
وأنت المصرِّف مجرى القضاء=فتَمحو وتُثبت أنّى تَشاء
وأنت المشفَّع يوم الجزاء=وأنت الّذي أُمم الأنبياء
لَديك إذا حُشرت جاثيه
بك الحق أَسس بنيانَه=وعَنك الهدى شعَّ برهانُه
معادُ الوَرى أنت عنوانه=فمَن بك قد تمَّ إيمانه
يُساق إلى جَنَّة عاليه
حَباك الإله بما قد حَباك=فأسرى بقوم تحلّوا وِلاك
إلى جَنَّة زُخرفت فى رضاك=وأمَّا الّذين تولّوا سِواك
يُساقون دعَّاً إلى الهاويه
ومِمَن شطَّر وخمَّس التشطير، السيّد السعيد العالم المتفنّن، السيّد عدنان بن السيّد شبَّر الحسيني الغريفي البحراني البصري، المُتوفَّى سنة ١٣٣٦، فقال في التشطير:
(أبا حسن أنت عَين الإله) = وأنت له أُذُن واعيه
وباب مدينة عِلم الغُيوب = (فهل عنك تَعزُب مِن خافيه)
(وأنت مُدير رَحى الكائنات = بيُمنى مَشيئتك القاضيه
فإنْ شِئت تُنقذ مَن في الجحيم = (وإنْ شِئت تَسفع بالناصيه)
(وأنت الّذي أُمم الأنبياء) = أُنيلت بك الرُتبة الساميه
وكلُّ الخَلائق يَوم الحساب = (لَديك إذا حُشرت جاثيه)
(فمَن بك قد تمَّ إيمانه) = فذلك في عِيشة راضيه
إذا بَعثر الله مَن في القبور = (يُساق إلى جَنَّةٍ عاليه)
(وأمَّا الّذين تولّوا سِواك) = وخاضوا غمار العَمى الداجيه
فإنَّهم والّذي حكَّموا = (يُساقون دعَّاً إلى الهاويه)
وقال في تخميس التشطير:
لِوادي الغريِّ مَقام حواه = وسرُّ طواه بوادي طواه
فقُل إنْ نَزلْتَ بمولىً ثَواه = أبا حسن أنت عَين الإله
وأنت له أُذُن واعيه
بأمرك مَرَّ الصَبا والجَنوب = ومِنك الطُلوع ومِنك الغُروب
وقلبك مِرآة كلِّ القلوب = وباب مدينة عِلم الغُيوب
فهل عنك تَعزُب مِن خافيه
أتَعزُب عن عِلمك الجَامدِات = أم النَاطِقات أم النَاميات
أم الجِن أم جُملة الحَادِثات = وأنت مُدير رَحى الكائِنات
بيُمني مشيئتك القاضيه
يَراك العَظيم لأمر عَظيم = وخَصَّك مِنه بفَضل عَميم
وأنفذ حُكمك وهو الحَكيم = فإنْ شِئت تُنقذ مَن في الجَحيم
وإن شِئت تَسفع بالناصيه
بنورك يا سيِّد الأصفياء = تَنور أفئدة الأولياء
لأنَّك مِشكاة لَمع الضياء = وأنت الّذي أمم الأنبياء
أُنيلت بك الرُتب الساميه
ستَجلس في يوم فَصل الخِطاب = لتُعطي الثواب وتُلقي العقاب
فأنت المحكِّم دون ارتياب = وكلُّ الخلائق يوم الحساب
لديك إذا حُشرت جاثيه
فمِنك النَعيم ورِضوانه = وعَنك الجَحيم وخُزّانه
وأنت الصِراط ومِيزانه = فمَن بك قد تمَّ إيمانه
فذلك في عِيشة راضيه
له القَبر جَنَّة نور ونور = وضَنك اللُحود فَسيح القُصور
ويَوم القِيمة عند النُشور = إذا بَعثر الله مَن في القُبور
يُساق إلى جَنَّة عاليه
أولئك قوم وِلاهم وِلاك = وإنْ أذنبوا وعِداهم عِداك
فسوف يُجازون هذا بذاك = وأمَّا الّذين تولَّوا سِواك
وخاضوا غِمار العَمى الداجيه
فمَوئلُهم لَهَب مُضرم = بمَا أخَّروا وبمَا قدَّموا
وإنْ لجأوا للّذي يمموا = فإنَّهم والّذي حكَّموا
يُساقون دعّاً إلى الهاويه
ومِمَن خمَّس الأصل، السيّد سعيد العالِم الفاضل، السيّد علي بن السيّد محمود الأمين العاملي الحسيني، المُتوفَّى سنة ١٣٢٨ في جبل عامل ، وقد نقل المدح إلى رثاء الحسين (عليه السلام)؛ إذ وافق تخميسه أيام المُحرَّم، فقال:
بنفسي الحسين سقته عِداه = كؤوس المَنون وساقات نِساه
فقُل للوصي وحامي حِماه = أبا حسن أنت عين الإله
فهل عنك تَعزُب مِن خافيه
أمَا هَتفتْ بك بين الطغاة = نِساك وأنت حِمى الضائعات
وأنت المرجّى لدى النائبات = وأنت مُدير رَحى الكائنات
وإنْ شِئت تَسفع بالناصيه
أتَقعد ياسيّد الأوصياء = ووِترك بين بَني الأدعياء
وتَجثو وذا الكَرب يَقفو البَلاء = وأنت الّذي أُمم الأنبياء
لَديك إذا حُشرت جاثيه
بَراك وإنَّك بُرهانه = آله الأنام عَلا شانه
وإنَّك في الحَشر مِيزانه = فمَن بك قد تمَّ إيمانه
يُساق إلى جَنَّة عاليه
فدِيني وِلاك وبُغض عِداك = ولي نَسب ضارِب في عُلاك
فمولاك في الحشر تحت لِواك = وأمَّا الّذين تولّوا سِواك
يُساقون دعاً إلى الهاويه
ومِمَن شطَّر فقط، العلاَّمة السيّد محسن بن السيّد عبد الكريم الأمين العاملي، المولود حدود سنة ١٢٨٣، فقال سلَّمه الله تعالى:
(أبا حسن أنت عَين الإله) = ومَعدِن حِكمته الساميه
يُريك بها ما وراء الغُيوب = (فهل عنك تَعزُب مِن خافيه )
(وأنت مُدير رَحى الكائنات) = وقُطب رَحى النشأة الثانيه
فإنْ شِئت تَشفع للمذنبين = (وإنْ شِئت تَسفع بالناصيه)
(وأنت الّذي أُمم الأنبياء) = بِحُبك في حَشرها ناجيه
قَسيم لظىً أنت والعالمون = (لَديك إذا حُشرت جاثيه)
(فمَن بك قد تمَّ إيمانه) = وبابنَيك والعِترة الزاكيه
فلا هَول يَخشى ويوم المَعاد = (يُساق إلى جَنَّة عاليه)
(وأمَّا الّذين تولَّوا سِواك) = وضلّوا عن الطرق الهاديه
فهم والّذين تولّوهم = (يُساقون دعَّاً إلى هاويه)
ومِمَن شطَّر وخمَّس التشطير، مصنف هذا الكتاب، فقال في التشطير:
(أبا حسن أنت عَين الإله) = وأُذُن إرادته الواعيه
ظهرت على ما تسرُّ القُلوب = (فهل عنك تَعزُب مِن خافيه)
(وأنت مُدير رَحى الكائنات) = ومُمسك أفلاكها الجاريه
فإنْ شِئت تَرفع نحو الجِنان = (وإنْ شِئت تَسفع بالناصيه)
(وأنت الّذي أُمم الأنبياء) = أعدَّت وِلاك لها واقيه
فَقد أنبأوها بأنْ تَغتدي = (لَديك إذا حُشرت جاثيه)
(فمَن بك قد تمَّ إيمانه) = أصاب كرامته الباقيه
وراح بفَوز قَرير العُيون = (يُساق إلى جَنَّة عاليه)
(وأمَّا الّذين تولّوا سِواك) = أصابتهم الذلَّة الباديه
وراحوا خواسئ نُكْسَ الرؤوس = (يُساقون دعّاً إلى الهاويه)
وقال في تخميس التشطير:
بَراك الإله تعالى عُلاه = لتَرفع في الحَمد أسمى لِواه
فصار وِلاك بمَنٍّ وِلاه = أبا حسن أنت عَين الإله
وأُذُن إرادته الواعيه
أباح لك العِلم رَبٌ وَهوب = وأولاك عِلم البِدا والوجوب
فأنت الزعيم بعِلم الغُيوب = ظهرت على ما تسرُّ القلوب
فهل عنك تَعزُب مِن خافيه
رأيتك تَصدع بالمعجزات = بحال الحَياة وحال المَمات
فياحَمقُ مَن بك قاس الرِفاة = وأنت مُدير رَحى الكائنات
ومُمسك أفلاكها الجاريه
جريت إلى الله طَلق العِنان = فأعطاك ما عزّ فَضلاً وَهان
ومَلَكَك الخَلقَ إنساً وجان = فإنْ شِئت تَرفع فوق الجِنان
وإنْ شِئت تَسفع بالناصيه
سَبقت مع المصطفى بالصَفاء = فسُدتَ النبيين والأوصياء
فأنت أخوه الأکيد الإِخاء = وأنت الّذي أُمم الأنبياء
أعدَّت وِلاك لها واقيه
تَعيش بذكرك كي تَهتدي = وأنت بصُلب ولم تولد
تعاليم رُسل بهم تقتدي = فقد أنبأوها بأنْ تَغتدي
لَديك إذا حُشرت جاثيه
وأنت الصِراط وبُرهانه = دقيق وِلاك وعِنوانه
وحُبك في الحَشر ميزانه = فمَن بك قد تمَّ إيمانه
أصاب كرامته الباقية
ومرَّ كَما تَنثني الغُصون = يُلاقي التَهاني فُنوناً فُنون
فهان الصِراط وكلٌّ يهون = وراح بفَوزٍ قَرير العُيون
يُساق إلى جَنَّة عاليه
أولئك مَن ظُلَّلوا في لِواك = ونالوا رِضا ربهم في رِضاك
تولّوك حُبَّاً وعادوا عِداك = وأمَّا الّذين تولّوا سِواك
أصابتهم الذلَّة الباديه
وأُلبس أبدانهم والنفوس = سَرابيل نار فبِئس اللُبوس
فَقْيدوا إلى النار قَود الشموس = وراحوا خواسئ نُكْسَ الرُؤوس
يُساقون دعَّاً إلى الهاويه
وجدت في مجموعة شعر، فيه مدائح للنبي (صلّى الله عليه وآله) وللأئمة (عليهم السلام) مدائح ومراثي، وفيها أنَّ مَجد الدين بن جميل صاحب المَخزن للناصر، غضب عليه فحبسه سنين فضاق صدره، فمدح أمير المؤمنين (عليه السلام) بقصيدة ذات يوم في محرّم وهي:
ألمَّت وهي حاسرةٌ لثاما = وقد ملأت ذَوائبها الظلاما
وأَجرت أَدمعاً كالطَلِّ هبَّت = له رِيح الصَبا فَجرى تواما
وقالت أَقصَدتك يد الليالي = وكنت لِخائفٍ منها عِصاما
وأَعوَزك اليسير وكنت فينا = ثُمالاً للأرامل واليتامى
فقلتُ لها كذاك الدَهر يَجني = فَقُري وارقبي الشهر الحراما
فإنّي سَوف أدعو الله فيه = وأجعل مَدح حيدرة إماما
وأَبعثها إليه منقَّحات = يَفوح الشْيح منها والخُزامى
تَزور فتىً كأنَّ أبا قُبيس = تَسنَّم مَنكبيه أو شماما
أغرٌّ له إذا ذُكرت أياد = عطاء وابل يَشفي الأواما
وأَبلَج لو ألمَّ به ابن هند = لأوسعه حياءً وابتساما
ولو رَمق السماء وليس فيه = حياً لاستمطرت غيثاً رُكاما
وتَلثمُ مِن تُراب أبي تُراب = تُراباً يبرئ الداء العِقاما
فتَحظى عِنده وتَؤب عنه = وقد فازتْ وأدركت المراما
بقَصد أخي النبي ومَن حباه = بأوصاف يَفوق بها الأناما
ومَن أعطاه يوم غدير خُمٍّ = صريح المَجد والشَرف القُدامى
ومَن ردَّت ذُكاء له فصلَّى = أداءً بعد ما كَست الظَلاما
وآثر بالطعام وقد توالت = ثلاثٌ لم يَذُق فيها طعاما
بقُرص مِن شعير ليس يَرضى = سوى المِلح الجَريش له أداما
فرُدَّ عليه ذاك القُرص قُرصاً = وزاد عليه فَوق القرص جاما
أبا حسن وأنت فَتى إذا ما = دعاه المُستجير حِمىً وحامى
أُزرتك يَقظة غرر القَوافي = فزُرني يابن فاطمة مناما
وبشّرني بأنَّك لي مجير = وأنَّك مانعي عن أنْ أُضاما
وكيف يَخاف حادثة الليالي = فَتىً يُعطيه حيدرة ذِماما
سَقتك سَحائب الرِضوان سحّاً = كفَيض يديك يَنسجم انسجاما
قال: ونام فرأى أمير المؤمنين (عليه السلام) فتلاها عليه، فقال له:(( الساعة تَخرج )) ، فانتبه فرحاً، وجعل يجمع رحله فسأله مَن كان معه، فقال: الآن أخرج فظنّوا به الاختلال وتغيُّر العقل، فطُرق باب السِجن ودُعي إلى الناصر فخرج، وأخبره الرسول أنَّه وجده متهيئاً للخروج، فلمَّا مَثُل بين يديه، قال: أُخبرتُ أنَّك عند مجيئ الرسول إليك كنت متهيئاً للخروج؟ قال: نعم، قال: مَن أعلمك باطلاقك؟ قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) وحكى له القصة، فقال الناصر: صدقت إنّي رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في منامي، فأمرني بإطلاقك في هذه الساعة، وتوعَّدني إنْ تركتك للصُبح، ثم أعطاه ألف دينار وأعاده في محلِّه من الديوان، وردَّ إليه ما صادره منه.
(أقول): ولم أقف على ترجمة مجد الدين هذا، ولعلَّني أقف عليها فيما بعد.
روى ابن حمويه المُتوفَّى سنة ٧٢٢، في كتابه فرائد السمطين بسنده عن بشر بن الحرث، أنَّه رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المنام، قال: فسلَّمت عليه، وقلت له: يا أمير المؤمنين، لو قلتَ لي شيئاً لعلَّ الله أنْ
ينفعني به، فقال:(( ما أحسنَ تيه الفقراء على الأغنياء، ثقة بالله )) ، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو زدتني، فذهب وهو يقول:
قد كنت مَيْتاً فصرتَ حيَّاً = وعن قليل تَصير مَيْتاً
غِرّ بدار الفناء بيت = فابنِ بِدار البَقاء بَيتا
فانتبهت من نومي، وأنا أحفظهما، وأعتبر فيهما انتهى.
الباب الثالث:
فيما يتعلَّق بفاطمة (عليها السلام)
وفيه سبعة فصول:
ذكر ياقوت الحَموي المُتوفَّى سنة ٦٥٥، في كتابه إرشاد الألباء، المعروف بمعجم الأدباء، في ترجمة علي بن عبد الله بن وصيف، الناشي الحلاء، المُتوفَّى سنة ٣٦٦، قال: قال ابن عبد الرحيم: حدَّثني الخالع، قال: كنت مع والدي سنة ٣٤٦، وأنا صبي في مجلس الكبودي، في المسجد الّذي بين الورّاقين والصَاغة، وهو غاصٌّ بالناس، وإذا رجل قد وافى وعليه مرقَّعة، وفي يديه سَطيحة ورَكوة، ومعه عكَّاز وهو شعث، فسلَّم على الجماعة بصوت يرفعه، ثم قال: أنا رسول فاطمة الزهراء ( صلوات الله عليها ) فقالوا: مرحباً بك وأهلاً، ورفعوه، فقال: أتعرفون لي أحمد المزوق النائح؟ فقالوا: ها هو جالس، فقال: رأيت مولاتنا فاطمة (عليها السلام) في
النوم، فقالت لي:(( إمضِ إلى بغداد واطلبه، وقل له: نُح على ولدي الحسين (عليه السلام) بشعر الناشي الّذي يقول فيه:
بَني أحمد قلبي بكم يَتَقطَّع = بمثل مُصابي فيكم ليس يُسمع ))
قال: وكان الناشي حاضراً، فبكى ولَطم لَطماً عظيماً على وجهه، وتبعه أحمد المزوق والناس كلهم، وكان أشدُّ الناس كلِّهم في ذلك الناشي والمزوق، فناحوا بهذه القصيدة إلى أنْ صلَّى الناس الظهر وتقوَّض المجلس، وجهدوا بالرجل أن يأخذ شيئاً منهم، فأبى، وقال: والله لو أُعطيت الدنيا ما أخذتها، فإنّي لا أرى أنْ أكون رسول مولاتي، ثم آخذ من ذلك عِوضاً، ثم انصرف ولم يقبل شيئاً، قال ياقوت: وهذه القصيدة بضعة عشر بيتاً، وذكر منها قوله:
عَجِبت لكم تَفنون قتلاً بسيفه = ويَسطو عليكم مَن لكم كان يَخضع
فما بِقعة في الأرض شَرقاً ومَغرب = وليس لكم فيها قَتيل ومصرع
ظُلمتم وقُتِّلتم وقُسّم فَيئكم = وضاقت بكم أرض فلم يَحمِ موضع
كأنَّ رسول الله أوصى بقتلكم = فأجسامكم في كلِّ أرض توزَّع
(أقول): ولم أظفر ببقيّتها سوى ما ذكره السروي في المناقب، وهو قوله:
جُسوم على البَوغاء تُرمى وأرؤوس = على أرؤوس اللُدن الذوابل تُرفع
تُوارون لم تأوِ فِراشاً جنوبكم = ويُسلمني طِيب الهُجوع فأهجع
وظفرت في بعض الكتب بزيادة في القصة، وهي أن الناشي لما سمع
كلام الرسول أجهش في البكاء، وحلف أنَّه نظمها لليلته، وأنَّه لم يَسمعها منه أحد، ثم أرسل عليها إلى داره، وناح بها المزوق والحاضرون.
ذكر القاضي التَنوخي، في الجزء الأول من كتابه نشوار المحاضرة، قال: حدَّثني أبي، قال: خرج إلينا يوماً أبو الحسن الكاتب، فقال: أتعرفون ببغداد رجلاً يُقال له: ابن أصدق؟ قال: فلم يَعرفه من أهل المجلس غَيري، فقلت: نعم! فكيف سألت عنه؟ فقال: أيُّ شيء يفعل؟ قلت: يَنوح على الحسين (عليه السلام) قال: فبكى أبو الحسن، وقال: إنَّ عندي عَجوزاً ربَّتني من أهل كَرخ جدّان عفطية اللسان، الأغلب على لِسانها النَبطية، لا يُمكنها أن تُقيم كلمة عربية صحيحة فضلاً عن أن تَروي شعراً، وهي من صالحات نساء المسلمين كَثيرة الصيام والتهجُّد، وإنَّها انتبهت البارحة في جَوف الليل، ومَرقدها قَريب من مَوضعي، فصاحت بي يا أبا الحسن، فقلت: مالك؟ فقالت: ألحقني! فجئتها فوجدتها تَرعُد، فقلت: ما أصابك؟ فقالت: إنّي كنت قد صلّيت ورِدي ونِمت، فرأيت السَّاع كأنّي في دَرب مِن دُروب الكَرخ، فإذا بِدار نظيفة بيضاء، مَليحة السياج، مفتوحة الباب، ونساء عليه، فقلت لهن: من مات أو ما الخبر؟ فأومأن إلى داخل الدار، فدخلت فإذا بِحُجرة نَظيفة في غاية الحُسن، وفي صَحنها امرأة شابةً لم أرَ قطُّ أحسنَ منها، ولا أبهى ولا أجمل، وعليها ثياب حَسَنة
بِياض مروي لين، وهي مُلتحفة فَوقها بإزار أبيض جِدَّاً، وفي حِجرها رأس رجُل يَشخُب دماً، فقلت: من أنتِ؟ قالت:(( لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهذا رأس ابني الحسين (عليه السلام) قولي لابن أصدق عني أن ينوح بهذا:
لم أُمرِّضه فأسلو = لا ولا كان مَريضا ))
فانتبهت فزعة، قال: وقالت العجوز، لم أمرّطا بالطاء ؛لأنَّها لم تتمكَّن من إقامة الضاد، فسكتتُ منها إلى أن نامت، ثم قال لي: يا أبا القاسم مع معرفتك الرجل قد حَمَّلَتك الأمانة، ولزمتك إلى أنْ تبلَّغها له، فقلت: سمعاً وطاعة لأمر سيدة نساء العالمين، قال: وكان هذا في شعبان، والناس إذ ذاك يَلقون جهداً جهيداً من الحنابلة إذا أرادوا الخروج إلى الحائر، فلم أزل أتلطَّف حتى خرجت ليلة النصف من شعبان، فسألت عن ابن أصدق حتى رأيته، فقلت له: إنَّ فاطمة (عليها السلام) تأمرك أنْ تنوح بالقصيدة:
لم أمرِّضه فأسلو = لا ولا كان مَريضا
وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك، قال: فانزعج من قولي، فقَصصت عليه وعلى من حضر الحديث، فأجهشوا بالبكاء، وما ناح تلك الليلة إلاّ بهذه القصيدة، وأولها:
أيُها العَينان فيضا = واستهلاَّ لا تَغيضا
قال: وهي لبعض شعراء الكوفيين، وعُدت إلى أبي الحسن فأخبرته بما
جرى، قال: وقال أبي وابن عياش: كانت ببغداد نائحة مجيدة حاذقة تُعرف (بخلب) تَنوح بهذه القصيدة، فسمِعناها في دور بعض الرؤساء؛ لأنَّ الناس إذ ذاك كانوا لا يتمكَّنون من النياحة إلاّ بعِزِّ سُلطان أو سراً، لأجل الحنابلة ولم يكن النَوح إلاّ مراثي الحسين (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) فقط، من غَير تَعريض بالسَلف، فبَلَغَنا أنَّ البربهاري قال: بَلَغَني أنَّ نائحة يُقال لها: خلبا اطلبوها فاقتلوها، انتهت عبارة النشوار.
(أقول): ذكر الشيخ ابن شهرآشوب السروي في كتاب المناقب، ناقلاً عن أمالي المفيد النيشابوري أنَّ ذرة النائحة رأت في المنام فاطمة الزهراء (عليها السلام) واقفة على قبر ولدها الحسين (عليه السلام)، فلمَّا سلَّمت عليها أمرتها أنْ تنوح لها بهذه الأبيات، وأنشدتها:
أيُها العَينان فيضا = واستهلاَّ لا تَغيضا
وابكيا بالطف مذبو = حاً على الترب رَِضيضا
لم أمرِّضه قتيلاً = لا ولا كان مريضا
(ثم أقول): لم أعثر على اسم العجوز المُربية لأبي الحسن الكاتب، ولم أعرِف ذرة النائحة، هل هي خلب الشهيدة على ما يظهر أولا؟ ولم أقف على شاعر القصيدة مَن هو مِن الكوفيين، ولم أسمع غير هذه الأبيات الثلاثة منها، وكنت قد خمَّست هذه الأبيات قبلاً ورفلّتها، وأنا أذكرها هيهنا مُخمَّسة مُرفلَّة وهي:
شِمِتُ بالطف وَميضا = فانثنى القلب رَميضا
وجَناح الصَبر هِيضا = (أيُها العينان فيضا
واستهلاَّ لا تَغيضا
فلعلّي أستريح
كم لاحشائى جَذْبُ = ولصدق الصَبر كَذْبُ
أنهِلا فالوَرد عَذب = (وابكيا بالطف مَذبو
حاً على التُرب رَضيضا)
أفَيَرتَضُّ الذَبيح
يا حشا زيدي عويلا = وابكي يا عَينُ طويلا
لِمَ لَمْ أَحضر قليلا = (لَمْ أمرّضه قَتيلا
لا ولا كان مَريضا)
فيُداريه الصحيح
ذكر السيّد الجليل ابن عنبة النسّابة، المُتوفَّى سنة ٨٢٨، في عُمدة الطالب في نسب بني داود بن موسى الحسني، قال: ولبَني داود حِكاية جَليلة مشهورة بين النسَّابين وغيرهم، وهي مذكورة في ديوان ابن عنين، وهي أنَّ أبا المحاسن نصر الله بن عنين، الشاعر الدمشقي توجَّه إلى مكة شرَّفها الله تعالى، ومعه مال وأقمشة، فخرج عليه بعض بَني داود فأخذوا
ما كان معه، وسَلبوه وجرحوه، فكتب إلى المَلك العَزيز ابن أيوب صاحب اليَمن، وقد كان أخوه المَلك الناصر، أرسل إليه يَطلبه؛ ليقيم بالساحل المفتتح من أيدي الافرنج، فزهَّده ابن عنين في الساحل، ورغَّبه في اليمن، وحرَّضه على الأشراف الّذين فعلوا به ما فعلوا، بقصيدة أولها:
أَعيت صِفات نِداك المُصْقع اللُسنا = وحُزت في الجود حدَّ الحُسن والحَسنا
وما تُريد بجسم لا حَياة له = مَن خَلَّص الزِبْد ما أبقى لك اللبنا
فلا تَقُل ساحل الافرنج أفتحه = فَما يُساوي إذا قايسته عدنا
وإنْ أردت جِهاداً فارو سَيفك مِن = قَوم أضاعوا فرْوضَ الله والسُننا
طهِّر بسيفك بيت الله من دَنس = ومِن خَساسة أقوام به وخَنا
ولا تَقُل أنَّهم أولاد فاطمة = لو أدركوا آل حَرْب حاربوا الحَسنا
(قال): فلمَّا قال هذه القصيدة، رأى في النوم فاطمة الزهراء ( سلام الله تعالى عليها ) وهي تَطوف بالبيت، فسلَّم عليها، فلم تُجبه، فتَضرَّع لها وتذلَّل، وسألها عن ذنبه الّذي أوجب عدم جوابه في سلامه، فأنشدته الزهراء (عليها السلام):
حاشا بَني فاطمة كلّهم = مِن خِسة تَعرُض أومِن خَنا
وإنَّما الأيام في غَدرها = وفِعلها السّوء أساءت بنا
أَ إنْ أسى من وِلدي واحد = وَجَّهت كلَّ السبِّ عَمداً لنا
فتُب إلى الله فمَن يَقترف = ذَنباً بنا يُغفر له ما جَنى
وأكرِم لعين المصطفى جدِّهم = ولا تُهن من آله أعيُنا
فكلُّ ما نالك منهم عنّا = تَلقى به في الحشر مِنّا هَنا
قال أبو المحاسن نصر بن عنين: فانتبهت مِن منامي فَزِعاً مرعوباً، وقد أكمل الله عافيتي من الجروح والمرض، فكتبت هذه الأبيات إذ حفظتها، وتُبت إلى الله تعالى مِمّا قلت، وقطعت تلك القصيدة، وقلت معتذراً:
عُذراً بَني بنت نبي الهدى = تَصفح عن ذَنب مُسيّئ جَنى
وتَوبة تَقبلها مِن أخي = مَقالة توقعه في العَنا
والله لو قطَّعني واحد = منهم بسيف البَغي أو بالقَنا
لم أرَ ما يفعله سيّئاً = بل أنَّه في الفعل قد أحسنا
قال السيّد: قد اختصرت ألفاظ هذه القصيدة وهي مشهورة، رواها لي الشيخ تاج الدين أبو عبد الله محمد بن معية الحسيني، وجدّي لأُمّي الشيخ فخر الدين، أبو جعفر محمد بن الشيخ الفاضل زين الدين الحسين بن حديد الأسدي، كلاهما عن السيّد السعيد بهاء الدين داود بن أبي الفُتوح، عن أبي المحاسن نصر الله بن عنين صاحب الواقعة، وقد ذكرها البادرائي في كتابه الدر النظيم وغيره من المصنِّفين.
ذكر السيّد العلاَّمة المصنِّف السعيد الشهيد، السيّد نصر الله بن الحسين الموسوي الفائزي الحائري مدرِّس كربلاء، المستشهد سنة (١١٦٠) في القسطنطينية، في ديوانه - ومن خط تلميذه الفاضل الأديب السيّد
حسين بن السيّد رشيد الرضوي النجفي الحائري، المُتوفَّى سنة (١١٥٦) نُقلت - قال: رأى بعض الصلحاء فاطمة الزهراء (عليها السلام) في المنام، فقالت له:(( من يُكمل هذا الشَطر في رثاء ولدي الحسين، وهو:
مِن غَير جُرم الحسين يُقتل= )).
فانتبه وأخبر السيّد نصر الله، فانتدب ورثى الحسين (عليه السلام) بقصيدة جعل أوّلها الشطر المذكور انتهى.
ثم ذكر القصيدة، وهي قوله:
(مِن غَير جُرم الحسين يُقتل) = وبالدِماء جِسمه يُغسل
وتَنسج الأكفان مِن عَفر الثَرى = له جُنوب وصَبا وشَمأل
وقَطنه شَيبته ونَعشه = رُمح له الرجس سِنان يَحْمِلَ
ويَطأون صدره بخَيلهم = والعِلم فيه والكِتاب المُنزل
ويَشتكي حَرَّ الظَما والسيف مِن = أوداجه يُروى دَماً ويَنهل
والمُرتضى الساقي على الحَوض غداً = أبوه والجدُّ النبيُّ المُرسل
وأُمّه الطُهر الفرات مَهرها = وكفُّه كَم فاض منها جدول
والمسلمون لا يُبالون بما = جَرى وقد خَرَّت ذلك الأجبُل
وهدّ رُكن العَرش مِمّا ناله = والأرَضون عمّها التَزلزل
وقد بَكت لها السماوات دَما = وأمْست الأملاك منها تَعول
والمُرتضى وفاطم والحسن ال = سبط بَكوا مِمَّا دهى وَوَلْوَلوا
أفديه فرداً ما له مِن ناصر = سِوى أسى وعَبرة تُسلسل
قد حرَّموا الماء عليه قَسوة = وللوحوش والكِلاب حلَّلوا
وصَرَّعوا أصحابه مِن حَوله = فيا لشُهب في التُراب تَأفّل
ويا لآساد عليها قد سَطت = كِلاب حَرب لا سقاها مَنهل
وأركبوا نساءه عارية = على صِعاب ليس فيها ذُلًَّل
ونسوة الطاغي يزيد في حمى = أمن عليهنَّ السُتور تُسدل
وأرضَعوا ثَدي المَنايا طِفله = فمَهده صُخورها والجَندل
وأطلقوا دُموعه على ابنه = وكَيف لا وهم له قد غَلَّلوا
فيا لَهيب القَلب لا تَطفِ ولو = هَمى مِن الدَمع سَحاب هُطَّل
ويا لِساني جُدْ بأنواع الرِثا = على إمام قد بكته الرُسل
وساعِد الزَهراء إنْ نوحها = يَكاد مِنه يَذبل يزلزل
كَيف بها إذا أتَت وشَعرُها = مِن فَوق كَتفيها عفاءً مُسبل
وفي يَديها ثَوبه مُضمَّخاً = بالدَم والأعداء طُراً ذُهَّل
وهو بلا رأس فتُبدي صَرخة = مِنها جميع العالمين تُذهَل
فيأمُر الجَبار ناراً اسمها = هَبْهَب قد أظلم مِنها المَدخل
فتَلقط الأرْجاس عن آخرهم = فيَصْهلون وسَطها وتَصهل
يا آل طاها أنتم ذَخيرتي = وليس لي سِوى وِلاكم مَوئل
فأتحفوني في غدٍ بشِربة = تُطفى بها نار بقلبي تُشعل
صلّى عليكم ربُنا ما أرقلت = شَوقاً إلى قَصد حُماكم مُرِقل
نجزت، وقد شطَّر هذه القَصيدة، السيّد العالِم التَقي الأديب، السيّد أحمد بن السيّد العالِم الفاضِل الجَليل، السيّد محمّد الحسني البغدادي الشهير
بالعطّار المُتوفَّى سنة (١٢١٥) بتشطير جدير بالاثبات، ولكنَّه مطبوع مع الأصل في كتاب (دار السلام) للنوري، فمَن رامه فلينظره هناك، وانتدب بعده جامع هذا الكتاب، فقدَّم على ذلك الشطر مقدمة شجَّر فيها كلمات الشطر، فقال:
(مِن) دَم أحشائي اهمِلي يا مقلُ = قد فُني الدمع الّذي يَنهمل
(غَير) ي يَسلو ذكر يوم كربلا = أسلو وما سَلا النبيُّ المُرسل
(جُرم) جَنته آل حَرب لم يَدع = للمَرء سَلوانا وصَبراً يَجمل
أ (الحسين) يَقتلون ظامئاً = وأُمُّه الزهراء فيه تُثكل
(يُقتل) وهي تَشتكي قائلة = (مِن غَير جُرم الحسين يُقتل)
وذكر السيّد السعيد الشهيد، السيّد نصر الله أيضاً، في ديوانه الّذي بخط تلميذه السيّد حسين الرضوي، قال: إنَّ بَعض أهل البحرين مِمَن يوثَق به، رأى في منامه فاطمة الزهراء ( صلوات الله عليها ) في لَمّة من النساء، وهُنَّ يَنُحنَ على الحسين (عليه السلام) ببيت من الشعر، وهو قولهن:
وا حسيناً وا ذبيحاً مِن قف = واحسيناً واغسيلاً بالدِما
قال: فانتبه وهو يبكي ويردد فيه، واخبرني بذلك، فألحقت بالبيت قصيدة في رثاء الحسين (عليه السلام)، وهي قولي بعد البيت:
وا غَريباً قُطنه شَيبته = إذ غَدا كافوره عَفر الثَّرى
وا سليباً نُسجتْ أكفانه = مِن ثَرى الطف دَبوراً وصَبا
وا طعيناً ماله نَعش سِوى الرُ = مح في كَف سِنان ذي الخَنا
وا وحيداً لم يُغمِّض طَرفه = كَف ذي رِفق به في كربلا
وا شَهيداً دَمه كالمِسك في = طيبه قد فَعَّم الجوَّ شَذى
وا صَريعاً أوطئوا خَيلهمُ = صَدر قُدس زُبُر العِلم حَوى
وا طريحاً في الثرى وهو ابن مَن = قاب قَوسين مِن الله دَنا
وا ذبيحاً يَتلظَّى عَطشاً = وأبوه صاحب الحَوض غَدا
وا قَتيلاً أحَرقوا خَيمته = وهو للدين الحَنيفي وِعا
وا حَزيناً ذَبحوا أنصاره = وبنيه وهو لا يَخشى العِدى
كيف يَخشى وهو نَجل المُرتضى = أسد الله الفَتى وابن الفَتى
أنا لا أنساه فَرداً ما له = مِن مُعين غَير دَمع وأسى
وهو ظامٍ والعِدى قد أوردوا = مِن دِماه السُمر مع بيض الظبا
قائلاً هل شُربة أُطفي بها = حَرّ قَلب ذاب مِن فَرط الظَما
فأجابوه سنَسقيك الرَدى = بكؤوس البيض أو سُمر القَنا
إنَّنا لم نَنسَ بَدراً والّذي = قد دهانا من أبيك المُرتضى
فغدا يَسطو عَليهم واحداً = وهم أكثرُ مِن قَطر الحَيا
فإذا كَرَّ عليهم أشبهوا = حُمُراً قد شاهدت لَيث الشَرى
ثم أردوه صَريعاً في العَرا = ليت كلُّ الخَلق قد كانوا فِدا
فدَنا الشِمر إليه وجَرى = ما جَرى شُلَّت يَداه وكَبا
ثُم علّوا فَوق رُمح رأسه = مِثل بَدر التَمّ أو شَمس الضُحى
فبَكته الإنس والجِن معاً = والسَما بالدَم مِن حَر الجَوى
وعليه الجِن ناحت وبما = في الحَشا باحت بأنواع الرِثا
ولقد زُلزِلَت الأرضون مِن = جَزع والدهر قد شَق الردا
وثياب الحُزن سودا لبست = كَعبة البَيت له طُول المَدى
ولَقد فَتَّت قَلب الحَجر الحُز = ن والحِجر بكى مِمَّا جَرى
وله زَمزم غاضت ومِنى = بَعده ما بَلغت طِيب المُنى
وشَجا المَشْعر ذا الرُزء الّذي = ما صَفا مِن بَعده عَيش الصَفا
وغَدت شَمس الضُحى كاسفة = أسفاً والبَدر مَعدوم الضَبا
وعَدا المُهر إلى نِسوانه = ناعياً يَندب مِمَّا قد دهى
فرأين السَرج منه خالياً = وهو مَخضوب النَواصي بالدِما
فلَطمنَ الفاطميات على = ما جَرى والدَمع في الخَد جرى
ثُم مِن بَعد سِباهن العِدى = فَوق أقتاب المَطايا كالاما
فَتهاوَينَ على جُثمانه = مُذ تَبدَّى عَارياً فَوق الثَرى
هذه تَندُب وجداً وا أخاً = حيثُ تَدعو تِلك حُزناً وا أخا
ما عليهنَّ لبِاس ساتر = غَير نور منه يَعشو مَن رَنا
لَستُ أنسى سيد العُبَّاد إذ = أركبوه أعجُفاً عاري المَطا
والدِما تَشخَب مِن أفخاذه = وهو في قَيد ثَقيل وعَنا
تارة يَبكي وطَوراً يَغتدي = رافعَ الطَرف إلى رَب السَما
إنْ رأى رأس أبيه شفَّهُ = نار وَجد دونها جَمر الغَضا
وبهذا الحَال قد ساروا بهم = لبلاد الشَّام مِن فَرط الشِقا
فانثنى الطّاغي يَزيد جَذلاً = ضاحكاً يَرشف كاسات الطَلا
ناكتاً ثَغراً لحامي الثَغر والآ = ية الكُبرى ومُصباح الهُدى
يا بَني المُختار يا مَن مَدحُهم = لم يَزل يَجلو عن القَلب الصَدا
إنَّ نصرَ الله يرجو منكمُ = شُربة يُطفي بها حَرَّ الجَوى
فاغيثوه بها يَوماً به = ليس للانسان إلاّ ما سعى
وعليكم صلوات الله ما = لَمع البَرق وما غَيثٌ هَمى
أخبرني السيّد الجليل السعيد، العلاَّمة السيّد حسن بن السيّد هادي بن السيّد محمد علي الموسوي العاملي الكاظمي المعروف بصدر الدين، المُتوفَّى سنة ١١٥٤ في الكاظمية، قال: أخبرني السيّد السعيد الأديب، السيّد حيدر بن السيّد سليمان الحسيني الحلّي الشاعر، المُتوفَّى سنة ١٣٠٦ بالحلّة ودُفن في النَجف، قال: رأيت في المنام ذات ليلة فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) فأتيت إليها لأسلم عليها، فلما دنوت منها قالت لي:
((أناعيَ قَتلى الطَف لا زِلت ناعيا = تُهيج على طول الليالي البَواكيا
أعدْ ذِكرهم في كربلا إنَّ ذِكرهم = طَوى جَزعاً طي السِّجل فؤاديا))
قال: فأخذني البكاء، فانتبهت وأنا أحفَظ البيتين، فجَعلت أتمشَّى في بهوٍ لي وأردِّدها وأبكي، ففتح الله عليَّ أنْ قلت:
ودّع مُقلتي تَحمرُّ بعد ابيضاضه = بعد رزايا تَتَرك الدَمع داميا
ستَنسى الكَرى عَيني كأنَّ جِفونها = حَلفنَ بمَن تَنعاه أنْ لا تَلاقيا
وتُعطي الدُموع المُستهلات حَقها = محاجِر تَبكي بالغَوادي غَواديا
قال: ثم أتممت القصيدة.
(أقول): وهذه القصيدة مِن رَقائق مراثيه الحسينية، ولولا أنَّ شِعره مَطبوع مَسموع، يُناح به كما قالت السيّدة له (لا زِلتَ ناعيا) وكما صدق الله قولها ( صلوات الله عليها ) في شأنه، لَذكرتها كلُّها، ولكنّي أذكر منها أبياتاً؛ لتَسمع الشعر الحُرَّ الرقيق، وهي:
وأعَضاء مَجد ما توزَّعت الظبا = بتوزيعها إلا النَدى والمَعاليا
لئِن فرَّقتها آل حَرب فلم تَكُن = لتَجمع حتّى الحَشر إلا المَخازيا
لقد ألزمت كَف البَتول فؤادها = خُطوب يَطيح القلب منهنَّ واهيا
أبا حسن حَربٌ تَقاضتك دَينها = إلى أنْ أساءت في بَنيك التقاضيا
مضوا عُطَّري الابراد يأرج ذِكرهم = عَبيراً تهاداه الليالي غَواليا
غَداة ابن أُمِّ المَوت أجرى فرَندَه = بعَزمهم ثم انتضاهم مَواضيا
تناذرت الأعداء منه ابن غابة = على نَشزات الغْيل أصحَر طاويا
أنا لا والله، لا أستطيع أنْ أختار منها ما ذكرته هنا، فإنّي كلَّما أتيت ببيت في هذا المختصر، انثالت عليَّ الأبيات الأخر، تتَجلّى بالمحاسن،
وتَتَرقرق بماء الحُسن الصافي غير الآسن، ولكنْ يمنعني ما ذكرت مِن العُذر في طَبع الديوان وشهرته.
أخبرني الشيخ الفاضل، التقي الأديب، الشيخ محمد الرضا بن القاسم بن محمد بن ناصر بن محمد بن القاسم بن محمد بن عيسى النجفي الغرّاوي، نسبة إلى الغرّة بالغين المعجمة، والراء المهملة والتشديد، قَبيلة مِن الخَزرج، المولود سنة ١٣٠٣ في قرية ميامين من إيران؛ لأنَّ أباه زار الرضا (عليه السلام) ومعه أهله، فولِد في الطريق، كما كَتَبَ ذلك لي بخطِّه سلَّمه الله، قال: اتفق لي سنة ١٣٥٣ أنّي نظمت موشَّحة في نصف شعبان، في تَهنئة بولادة الحسين (عليه السلام ) في أول شعبان من تلك السنة؛ لنذر كان عليَّ مطلعها:
رقَصَتْ أغصانُ طوبى طَربا = وشَدْت أطيارها أبهى الغِنا
وحُميا البِشر شعَّت حَببا = مُذ تَعاطى الحور أكواب الهَنا
فأكملت نسيبها وابتدأت بذِكر الولادة المباركة، فرأيت في المَنام السيّدة الزهراء ( صلوات الله عليها ) وأمامَها طِفل صَغير عليه ثياب سود، فقالت لي:(( لا تَمدح ابني في تَهنئة الميلاد، ولكن ارثه، وقل:
بأبي المقتول غَمَّاً بالظما = ما له ريٌّ سِوى فَيض الدِما
منعوا قُرَّة عيني وِردَه = عَجباً مهري عليه حُرِّما
(قال): فانتبهت وفي حِفظي البيتان، فإذا هما يَليقان بوزن الموشَّحة التي نَظمت بعضاً منها، فرثَيت بأمرها (عليها السلام) الحسين (عليه السلام) وضَمَّنت البيتين المذكورين، فكانت موشَّحةً، أوَّلها يعد النَسيب تهنئة وآخرها رثاءً وندبة.
(أقول): وأنا أذكر منها ما يتعلَّق بالغرض من التهنئة والرثاء، وهو قوله:
بَدر سَعد أشرق الكَون له = إذ له بُرجاً غَدا سَعد السُعود
هذه الأملاك تَتلو فَضله = حَيثُ ما كانت هُبوطاً وصُعود
لم تَلد أمٌّ وليداً مِثله = قَبل هذا وإلى يَوم الورود
مَرحباً بابن النبي مَرحباً = قَد بَلغنا فيه غايات المُنى
وجَميع البؤس عنَّا ذَهبا = وبه الإحسان طُراً عمَّنا
* * *
بالمولود له الفَضل العَميم = حَيث مِيكال أتى يَخدمه
وله جِبريل في الجَمع العَظيم = لم يَزل مِن شَرف يَلثمه
وبه فُطْرُس للرَّب الكَريم = قد دعا مُبتغياً يَرحمه
فأزال الله منه الوَصبا = وانثنى يَرفل في بَرد الهَنا
قائلاً أعتقني حِلف الإبا = وإليَّ السِبط حَقاً أحسنا
* * *
كلُّ مَولود إذا ما وِلدا = أمُّه تُملأ سُروراً وفرح
وأخو الودِّ يُهنّي مُنشدا = ما له قد كان مِن شِعر سَنح
وابنة المُختار لمَّا أنْ بدا = نور وَجه السِبط يزهو ووضح
قَلبها بالوَجد مِنها اضطرب = ودَم الدَمع عليه هَتنا
فتَمنَّت أنَّه ما وِهبا = وتَراه العَين حَيَّاً زَمنا
* * *
إذ وَعت أنَّ أباها أخبرا = بالّذي يَجري عليه مِن بَلا
فيَحزُّ الشِمر منه مَنحرا = يَوم عاشورا بشاطي كَربلا
وبجُرد الخَيل مَرضوض القرى = عاري الجِسم يُرى بين الملا
ودَم النَحر له قد خَضبا = وسَوافي الريح كانت كَفنا
لم يَكن غير السوافي جُلببا = وعن الشَمس سِوى ظِل القَنا
* * *
قد شَجاها مَحض وَصف ذُكِرا = عندها مِن دون أنْ تَنظره
كَيف فيها لو رأته في العَرى = سَلِبْاً قد قَطَعوا خُنصره
عارياً يَحرقه حَرَّ الثرى = وتَدوس الخَيل منه صَدره
وعلى عالي الرِماح انتُصِبا = رأسُه الأزهرُ لمّاع الثَرى
ونِساه هَتَكوها حُجُبا = وطَوت سَهلاً وحَزناً حُزُنا
* * *
لو رأت تِلك الصَفايا عِندما = أبُرِزت قائلة تَنعى الحُمى
(بأبي المَقتول غَمَّاً بالظما = ما له رَيٌّ سِوى فَيض الدِما)
بأبي مَن قد قَضى مُهتَضَما = بأبي مَن رِزؤهُ أبكى السَما
بأبي مَن رَحله قد نُهبا = بأبي مَن قد مَضى مُمتَحنا
بأبي مَن حَقه قد غُصبا = ثم قاسى مِن عِداه المِحنا
* * *
لو تراه الطُهر أمسى وَحده = مُفرداً قد كظ أحشاه الظَما
لانحَنت تَصرُخ ولهى عِنده = وحَشاها بشَجاها اضَطرما
(مَنعوا قُرة عَيني وِرْدَه = عَجباً مَهري عليه حُرِّما)
فمَضى ظامي الحَشا لن يَشربا = قَطرة يا لَيته قد أُجِّنا
ما الّذي ضَرهمُ إذ طَلبا = لو يَجودون بما كان لَنا
الباب الرابع
فيما يتعلَّق بالحسن ( عليه السلام ) مِن النَظام المَتلو
وفيه فَصلان:
أخبرني الشيخ العالم الجليل، الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الرسول بن الشيخ سعد الحكيمي العَبسيّ السماوي، المُتوفَّى سنة ١٣٣١ بمرض الفالِج، أصابه بالسماوة، ودُفن في النجف في زاوية الصحن، بين القبلة والمشرق في الحُجرة التي هي زاوية، قال: ضاق بي أمرٌ، وكنت في النجف ليلة ولادة الحسن الزَكي (عليه السلام) سنة ١٣٠٧، فنظمت بَيتين مُستغيثاً به (عليه السلام) وهما:
أيا بن البَشير ويابن النَذير = ويا ذَروة المَجد مِن هاشم
أغثني فأنَّك نِعم المُغيث = فَديتك مِن ظالم غاشم
ثم جَعلت أردِّدها حتى نِمت، فرأيت في منامي الحسن (عليه السلام) وأنا أقرأ عليه البَيتين وهو يَستمع، وانتبهت فعلِمت أنَّ الفَرج قد
دَنا، وكان الأمر كذلك.
(أقول): ولمّا أنشدنيها سنة ١٣١١ بالسماوة، سألَني تَخميسها فخمَّستها بقولي:
إذا ضِقت ذَرعاً بأمر عَسير = فلُذ بحِمى الحسن المُستنير
ونادِ به صارخاً مُستجير = أيا بن البَشير ويا بن النَذير
ويا ذَروة المَجد مِن هاشم
أتيتك مُستصرخاً مُستَغيث = أجِدُ إليك بسَير حَثيث
وخَلفي عَدو غَشوم خَبيث = أغثني فأنَّك نِعم المُغيث
فَديتك مِن ظالم غاشم
كنت سنة ١٣٣٦هـ في النجف، فنظمت في أيام وَفاة الحسن (عليه السلام) قصيدة رِثاء له، ذات أربعة أشطر آخرها العين، وهي قولي:
دَعا فتَضرم القَلب الصَديع = وفاض مِن العيون دَمٌ نَجيع
فأنشده الخَلي أو الخَليع = (أ مِنْ رَيحانة الدَاعي السَميع)
نِعم ريحانة الهادي النبيّ = ومُهجة فاطم وحَشا عليّ
تَذكر مِحنة الحسن الزَكي = فكان كما تَرى الخَطب الفَظيع
يقول المُصطفى ولدي إمام = أحاط به قُعود أو قِيام
ويَجحد قَوله منهم طُغام = ويَعصي أمره مَن لا يُطيع
هُم اغتالوه في جَنب المَدائن = بطَعنة مَغول مِن كَف خائن
وهم سَلبوا القَطائف والظَعائن = فرفع رأسه الوَغد الوَضيع
فيا لله ما فَعلوا بحِجر = وما فَتَكوا بميّثم أو بعَمْرو
وما هَتكوا النِساء بكُلِّ خِدر = وما صَنعوا فيا بِئس الصَنيع
إلى أنْ ضاق ذَرع أبي محمّد = مِن المِحن التي ليست تُعدَّد
تُصابِرهن أضلاعُ تَوقُّدِ = وحِلم مِن تحَمَلَه ضَليع
يَرى الأعداء تَفتِك بالأحبَّة = وتَقتل منهم في كلِّ جَنبه
ويَسمع سَبَّ والده وسَبَّه = ويَحلِم إنْ ذا حِلمٍ مُريع
وما بَرِح العدوّ يَكيد كَيده = إلى أنْ سَمّه بيَدي جُعيده
فقَطَّع قلبَه وأباد أيده = كذلك يفعل السَمُّ النَقيع
فوالَهفي لِما في الطشت قاءا = مِن الكَبد التي ذهبت هَباءا
يُقلبها بعُودته اجِتلاءا = ويَعلم أنَّها تِرة تَضيع
وواحزني له يوصي أخاه = بأنْ يَدع العَدوَّ وما جَناه
ويحَمِلَ نَعشه يَلقى أباه = فإنْ يُمنع فمَدفنه البَقيع
ووا أسَفي على فِتيان هاشم = أتوا بالنَعش رامين العَمائم
فصَودر بالسِهام وبالصَوارم = وعاد يَشُّكه النَبل الوَقيع
فؤاد محمّد والرَوح مِنه = تُمانِعُه بنو الطُلقاء عَنه
رأى تَجديد عَهد لم يَخنه = بغَيبته فلم يَكُ يَستطيع
كأنّي بالنبيّ رَنا إليه = ومَدّ لضَمِّه كِلتا يَديه
فلمَّا عاد مُمُتَنَعاً عليه = تطأطأ مَتنه وهو الرَفيع
إلى آخر القصيدة، وأسعدني التوفيق، فرأيت الحسن (عليه السلام) وكأنّي أقرؤها عليه، حتى بلغت إلى قولي: تطأطأ رأسه - وكنت نَظمتها قبلاً كذلك - فأطرق (عليه السلام) فأُلهمت أنَّه كَرِه تلك اللفظة؛ لِما فيها من عدم الآداب مع شَرف ذلك الجناب المُعظَّم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأبدلتها بقولي: تطأطأ مَتْنه، فرفع رأسه مُتبسِّماً فانتبهت.
والقصيدة موجودة في الديوان، فلا حاجة إلى نقلها برُمَّتها، ولقد أكثرت منها؛ لأنَّ المَقام اقتضى ذلك مع التماس بعض المُحبّين.
الباب الخامس:
فيما يتعلَّق بالحسين السبط (عليه السلام) مِن النَظام المَتلو
وفيه ثلاثة فصول:
أخبرني الشيخ العالِم العابد المُعَمِّر، الشيخ عبد الله بن مَعتوق القَطيفي ( سلَّمه الله ) أيام مُجاورته في النجف لطلب العلِم سنة ١٣١٠، قال: أخبرني مَن أثق به مِن العلماء، قال: أخبرني الشيخ الفاضل الأديب، الحاج محمد علي بن الحاج محمد، المعروف بابن كَمّونة الأسديّ الحائريّ، المُتوفَّى سنة ١٢٨٣، وكان يَنوب عن أخويه: الميرزا حسن، والميرزا مهدي الخازِنين في الرَوضة الحسينية، ويلازم الرَوضة، قال: رأيت ذات ليلة في المَنام سيّدي الحسين (عليه السلام) في الروضة الشريفة واقفاً
يَنظر إلى الزائرين، وهو يردِّد قوله: (فمِنّا المُنادي ومِنَّا السَميع)، قال: فانتبهت مِن مَنامي وأنا أحفظ هذا الشَطر، فأكملته بقولي:
سَبَقْنا فلا أحْد قَبلنا = سِوى مَن يَرانا ومِنّا الصَنيع
فذا الخَلق مِنّا إلينا لنا = (فمِنّا المُنادي ومِنّا السَميع)
قال الشيخ عبد الله: فخمَّستهما عند سَماعي لهما سنة ١٣٠٥؛ لأتعلَّق بسببٍ إلى الحسين (عليه السلام) فقلت:
أحَرنا عُقولاً سَعت نَحونا = فتاهت وما بَلغت كُنْهَنا
ونَحن عَبيد ولكنَّنا = سَبقنا فلا أحْد قَبلنا
سِوى مَن يَرانا ومِنّا الصَنيع
فمَن ساء فِعلاً ومَن أحسنا = يؤب لنا قَبل أنْ يوزَنا
نُنادي ونَسمع أنْ يَدعُنا = فذا الخَلق مِنّا إلينا لنا
(فمِنّا المُنادي ومِنّا السَميع)
أخبرني الشيخ الجَليل العالم الفاضل التقي، الشيخ الهادي بن الشيخ عباس بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( سلَّمه الله ) سنة ١٣٥٩، قال: زِرت الحسين (عليه السلام) بخدمة أبي، وصحِبنا الحاج عبد علي بن الحاج قنبر من آل شريف، أحد تُجّار النجف وذوي الوجاهة والبيت الرفيع منهم، سنة ١٣٠٧ على طريق نهر الهندي، حتّى إذا وصلنا إلى السُليمانية - قَرية تَبعُد عن كربلاء مِقدار فَرسخ -
رمُدَت عين الحاج عبد علي رَمَداً شَديداً، فجئنا كربلاء وهو في اضطراب، بحيث لم يَستطِع الوصول إلى الرَوضة، وبات ليلته وهو يتَضوَّر من الوَجع، لم يَنم ولم يَدعنا نَنام مِمّا يَستغيث، ولم نَزْل كذلك إلى آخر الليل، فهَجع قليلاً ثم انتبه، فلم يَجد بعينه شيئاً، لا مِن الرَمد، ولا مِن الوَجع، فأخبرنا أنَّه رأى في نومته تلك كأنَّه زار الروضة، ولمّا دخل رأى الحسين (عليه السلام) جالساً فوق الشُبَّاك، ورأى الزوار الّذين في الروضة يَرتقون على الشُبَّاك إليه، ويُقَبِّلون يديه قال: فحين رأيت ذلك ألقيت عباءتي في الروضة خلفي، وشَمَّرت عن ذِراعي - وكان جسيماً - ثم ارتقيت على الشُبَّاك إليه؛ لأُقبِّل يديه، فلمّا نظر الحسين (عليه السلام) إليَّ تَفل في عيني، قال: فاحتدمت، وقلت: بانزعاج، لأيِّ شيء تَتَفل في عيني؟ وأنا زائرك ووافد إليك؛ لأُقبِّل يَديك واستشفي لعيني، هؤلاء الزوّار كُلُّهم فعلوا مِثل فِعلي، فلم تَصنع بواحد منهم ما صَنعت بي، فأجابني (عليه السلام) بتبسَّم وتَوأدَةٍ مُنشداً:
(فسقاها مِن رِيقه فشفاها)
قال: فانتبهت، وأنا كما تَرون، ليس بي شَيء مِن ذلك الوجع، ولا مِن ذلك الرَمد، قال الشيخ الهادي: فرأيناها كما يقول لا أثر فيها ولا رمد.
(أقول): وهذا الشَطر مِن قصيدة الشيخ الفاضل، المُلا كاظم بن الحاج محمد بن الحاج عبد الصمد بن مراد الأزري البغدادي المذكور، التي هي في مَدح النبي وآله ( عليهم الصلاة والسلام ) وهي ألف بيت، وجِد منها نَحو الستمائة بيت وتلف
الباقي، وهي مَشهورة مُخمَّخسة مطبوعة، مطلعها:
لِمَن الشَمس في قُباب قباها = شفَّ جِسم الدُجى بروح ضياها
يقول فيها ذاكِراً أميرَ المؤمنين (عليه السلام) وما كان منه يوم خيبر:
وله يوم خَيبر فَتَكات = كَبُرت مَنظراً على مَن رآها
يوم قال النبي أنّي سأُعطي = رايتي ليثَها وحامي حِماها
فاستطالت أعناق كُلِّ فَريق = ليَروا أيَّ ماجِد يُعطاها
فدعا أين وارث العلِم والحلِم = مُجير الأيام مِن بأساها
أينَ ذو النَجدة التي لو دَعته = في الثُريا مَروعة لبَّاها
فأتاه الوَصي أرَمد عَينٍ = فسَقاها مِن رِيقه فشَفاها
ومَضى بطَلب الصُفوف فولَّت = عنه علِماً بأنَّه أمضاها
فيَرى مَرحباً بكَفِّ اقتدار = أقوياءَ الأقدار مِن ضُعْفاها
ودحا بَابَها بقوَّة بأس = لو حَمته الأفلاك منه دحاها
إلى آخر ما نظم من تلك الأبيات على غيره في تلك القصيدة الفريدة بين الألفيات:
إنَّ للشيخ كاظم الأزري قصيدة في رثاء الحسين (عليه السلام) أبدع فيها كل الإبداع؛ فأخذت بمجامع الأفئدة ومدارك الأبصار ومَسالك الأسماع، وكنت خمَّست منها أبياتاً سنة ١٣٣٧، ثم في سنة ١٣٤٧ عَزمت على تَتِمَّة التخميس، فأعملت فكري فيه؛ وكان نشب بي تلك
السنة وجع المفاصل، فخصَّ يدي اليُسرى، فكان يَعتريني في أغلب الأوقات، بحيث يُبطل حَركة يدي نهاراً وليلاً، حتى إنَّ الوَجع قد يُنبهني من نومي؛ لشدَّته فأجلس وأعرِّكها حتى يسكن، وبقي نحواً من ستة أشهر وهو لا يزيد إلاّ شدَّة، ولمّا أعملت فكري في التَتِمَّة جعلت أردّد تَخميسي السابق؛ ليفتح الله عليَّ، وكنت على فراشي ليلاً، فغلبني النوم وأنا أردّد بقولي:
أصحرتَ في الطَف ضُرغاماً بساحته = قد استَخف المَنايا مِن رَجاحته
مَلكتَ فأسجِح لمَكدود براحته = يا مَن تُدار المَنايا حَول راحته
مَوقوفة بين قوليه خُذي وذَري
قُتلت ظَمآن لم تُبلِّل ظَما شَفةٍ = إلاّ برَشف مَواضٍ أو مُثقَّفة
هُم يَعرفونك في ذات وفي صِفة = إنْ يَقتلوك فلا عن فَقْدِ مَعرفة
الشَمس مَعروفة بالعَين والأثر
إنْ يَقتلوك على شاطي الفُرات ظَما = فقد تَضَعْضَع كُرسي السَما عُظما
وقد بَكتك دَماً حتّى العِدى نَدْما = أيُّ المَحاجر لا تَبكي عليك دَما
أبكيت واللهِ حتّى محِجر الحَجر
وما نبَّهني من نومي إلاّ وَجع يدي نِصف الليل، ذلك الوَجع الّذي أجلسني مُرتاعاً بلا شِعور، سِوى شِعوري أنّي جلست قابضاً بيدي اليُمنى على عَضُد اليد اليُسرى، التي هي كُلُّها وَجع، وكُلُّها باطلةُ الحَركة، قائلاً: اللهم أُقسِم عليك بحق الحسين أنْ تُشفي يدي، فما هو إلا وأنا
أشعر أنَّها برئت بتَّاً، فجعلت أُفكِّر هل بها وَجع بعد أو لا، فما أحسُّ وَجعاً، فأخذتني بَهرة واعترتني دَهشة لذلك الحال، ثم بقيِت جالساً أنتظر هل يَعود عليَّ الوجع، فلم يعد، وما كُدت أنام تلك الليلة مِن الفرح الّذي تداخلني مِن تلك المُعجزة للحسين (عليه السلام) ثم لم يَعُد إلى الآن بحمد الله تعالى وببركة الحسين (عليه السلام) وبفضل الشيخ الأزري (رضي الله عنه) فإنَّ إحسانه بنظمه النفيس دعاني إلى التخميس:
وجدت في مجموعة قديمة عند الشيخ الخَطيب، الشيخ كاظم بن الحسن بن سبتي النجفي، المُتوفَّى سنة ١٣٤٣ بالنجف، مُشتملة على مدائح ومراثٍ النبي والعترة المعصومين ( صلوات الله عليهم أجمعين ) وفيها في باب الراء، هذه رائية للشيخ حسن قَفطان - يَعني به الحسن بن علي بن عبد الحسين بن نَجم السعدي الرياحي النجفي، المُتوفَّى سنة ١٢٧٩ عن عُمْر يُناهز الثمانين، ودُفن بالصَحن الحيدري في الإيوان الكَبير خَلف الضَريح المُقدَّس - قال: وقد عُرضت على الحسين (عليه السلام) في المنام، فقَبِلَها وأجازه ولها قصة معروفة، وهي أحْد وسُتّون بيتاً أولها:
لِمَن الخِبا المَضروب في ذاك العَرى = مِن كربلا جَرى عليه ما جَرى
ما خِلتُ إلاّ أنَّه غاب به = آساد غَيل دونها أسَد الشَرى
فِتيان صِدق مِن ذَوابةِ هاشم = نَسباً مِن الشَمس المُنيرة أنورا
شَبّوا وشَبَّ ببِيضهم وأكُفِهم = نارانِ نارُ وَغى ونار للقُرى
يَتذاكرون إذا خَلْوا بسميرهم = طَرباً سَوابق ضُمَّراً أو أسمرا
تَقْتادهم للعِزّ عَزمَةُ أصيد = يَجِد المَنيَّة فيه طَعماً مُسكِرا
يَلقى الكتائِب باسماً ويَشُّم مِن = نَقع العَوادي في الطِراد العَنبرا
مَلِكٌ ممالِكه العوالِم كلُّها = طَوع المَشيئة قَبل ما أنْ يُأمرا
أعظِم به سلطان عِزٍّ شامِخ = لا جُرهماً أو تُبَّعاً أو حِمْيرا
شَرف تَفرع عن نَبي أو وَص = يٍّ أو بَتول لا حَديث يُفترى
بَعَثَتْ إليه زَخارفاً بصَحائف = زُمراً تَرى المَعروف شَيئاً مُنكرا
فأقام فيهم مُنْذراً ومُبشِّرا = ومُحذِّراً في الله حتّى أعذرا
حتّى إذا ازدَلفوا إليه رأوا به = أسداً يُحامي عن شَراه غَضنفرا
بَدراً تَحف به كواكبُ كلَّما = عاينتها عاينت صُبحاً مُسفرا
وغَدت تُواسيه المَنون عِصابة = طابت مَآثر في الأنام وعُنصرا
تَكسوهم الحَرب العَوان مَلابساً = مُستشعِرين بها النَجيع الأحمرا
يَتَسلَّقون مُطهَّماً يَستَصحبو = ن مُثقَّفاً يتَقلَّدون مذكَّرا
يَتَظلَّلون أرائكاً مَضروبةً = بيد العَواسل أو غَماماً عَثْيرا
نَسجت عَوامُلهم مِثال دُروعهم = زَرْداً بأجساد العِدى مُتصورا
نَصروا ابن بنت نَبيهم فَتَسَنَّموا = عِزَّاً لهم في النَشأتين ومَفخرا
بَذلوا نُفوسهم ظُماءً لا تَرى = ماءً يُباح ولا سَحاباً مُمُطِرا
حتّى أُبيدوا والرِّماح تَكفَّلت = بِجهازهم كَفناً حُنوطاً أقبُرا
مُتلَفِّعين دَمَ الشهادة سُندساً = يوم التَغابن أو حَريراً أخضَرا
لله يَومُ ابن البتول فأنَّه = أشجى البَتولةَ والنَبي وحَيْدَرا
يومَ ابنُ حَيدر والخُيولُ مُحيطَة = بخِباه يَدعو بالنَصير فلن يَرى
إلاّ أعادي في عَوادٍ في عوا = رٍ في عَوالٍ في نِبال تُبْتَرى
فهناك دَمدم طامِناً في جأشه = بمُهنَّد يَسِم العَديد الأكثرا
مُتصَرِّفاً في جَمعهم بعَوامل = عادتْ بجَمعهمُ الصَحيح مُكَسَّرا
بأسٌ وسَيفٌ أخرسا ضَوضائَهم = لكنَّ أمرَ الله كان مُقدَّرا
فَهَوى على وَجه الثَرى روحي الفِدا = لك أيُّها الثاوي على وَجه الثَرى
أحسينُ هلْ وافاك جَدُّك زائراً = فرآك مَقطوع الوَتين مُعفَّرا
أمْ هلْ درى بكَ حَيدر في كَربلا = فَرداً غَريباً ظامياً أمْ ما درى
هلاّ بَعثت إلى شَقيقك بالّذي = قاسيتَه فيها بَريداً مُخبِرا
مَن مُبْلِغ الزهراء أنَّ سَليلها = عارٍ ثلاثاً بالعرا لن يُقبَرا
وفَرى سِنان نَحره بحُسامه = شُلت يَداه أكان يَعلم ما فَرى
وبَناتها يَوم الطُفوف سَليبة = تُسبى على عُجف المَطايا حُسَّرا
فكأنَّهن لقَيصر ولرُبَّما = صانوا عن السَير المُعنِّف قَيصرا
لم أنسَ زينب وهي تَندُب نَدبها = يا كافلَ الأيتام يا غَوث الوَرى
سَهَّدت عَيني لَيتها عَميت إذا = مَرَّت على أجْفانِها سِنَةُ الكَرى
أثكلْتَني أسلْمتني أذللتني = يا طَود عِزٍّ كان لي سامي الذُرى
وخِباء أمن كُنت في الدُنيا وقد = أمسى بأرض الطَف مَحلول العُرى
هلْ أستطيع تَصبُّراً وأراك في = رَمضائِها لا أستَطيع تَصبُّرا
ما كُنت أعْرِف قبل رأسك واعِظاً = بالذِكر قد تَخَذَ المُثْقَّفَ مِنبَرا
نَصبوه خَفضاً وهو رَفعٌ وانثنوا = بثنائه فمُهلِّلاً ومُكبِّرا
ويَزيد يَنكُته بمُخصَرة له = مُترَنِّماً مُتشَمِّتاً مُتجَبِّرا
لم أدْرِ مَن أنعاه يَومك يا حِمى = حَرمي ويا كَهفي إذا خَطْب عَرا
الأخْوة أنعى أمْ ابني عَمِّك ال = طيَّار أمْ أنعى علِيَّ الأكبرا
أم مُسلماً وبَني عَقيل أم بَني = الحَسن الزكي أمْ الرَضيع الأصغَرا
أمْ لابنك السَّجاد وهو مُعالِج = سُقماً وأقْتاداً وقَيداً والسِرى
أم للنِساء المُرْعَبات يَلُذن بي = ويَريْنَ في الخْيَم الحَريق المُسعِرا
مَنع الوَعيد نَعيَّها وبُكاءها = إلاّ تُردِّد زَفْرَة وتَحْسُّرا
ويَزيد يُرهْقهن في سُلطانه = مُتشمِّتاً مُتَجَبِّراً مُتَكَبِّرا
يَومٌ قَليل فيه أنْ بَكت السَما = بدَمٍ وكادت فيه أنْ تَتَفَطَرا
حتّى نَرى المَهدي يأخذ ثأره = ونَرى له في الغاضِرية عَسكرا
فعسى أخوض به الوَغى وأعود في = ظَفرٍ وفَتحٍ ضاحكاً مُستَبشِرا
يا كربلا طِلتِ السَما بمراتب = شَرقاً تمنَّت بَعضه أمُّ القُرى
أرج تضوَّع في ثَراك تَعطَّرت = منه جِنان الخُلد مِسكاً أذفرا
لا زال مَحلول النِطاق مُخيِّماً = في جانبيك وللغوادي مَصدرا
يابن النبي ذَخْرتُ فيك شَفاعةً = لي في المَعاد ولم يَخب مَن أذخَرا
انظُر إليَّ برَحمة فيه إذا = وافاك ظَهري بالخَطايا موقِرا
ولوالدي ومَن أصاخ بسَمعه = لرثائي فيك ومَن رواه ومَن قرا
صلّى عليك الله ما صلّى له = أحد وسبَّح أو دَعا أو كبَّرا
الباب السادس
فيما يتعلَّق بعلي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) مِن النظام المتلو
وفيه ثلاثة فصول:
ذكر الشيخ الصدوق (رضي الله عنه) في كتابه عُيون الأخبار، قال: حدَّثنا علي بن محمد بن عمران الدقَّاق، قال: حدَّثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سَهل بن زياد الآدمي، عن عَبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: حدَّثني معمر بن خلاد وجماعة، قالوا: دخلنا على علي الرضا (عليه السلام) فقال له: بَعضنا جَعَلَني الله فداك، ما لي أراك مُتغيِّر الوجه؟ فقال:(( إنّي بقيت ليلتي ساهراً متفكِّراً في قول مروان بن أبي حَفصة:
أنّى يَكون وليس ذاك بكائن = لبني البَنات وِراثة الأعمام
ثم نِمتُ، فإذا بشخص قد أخذ بعَضادتي الباب، وهو يقول:
أنّى يكون وليس ذاك بكائن = للمُشركين وِراثة الإسلام
لبَني البَنات نَصيبهم مِن جَدِّهم = والعَمُّ مَتروك بغير سِهام
ما للطَليق وللتُراث وإنّما = سَجد الطَليق مَخافة الصِمصام
قد كان أخبرك القُرآن بفَضله = فمضى القَضاء به مِن الحُكّام
إنَّ ابن فاطمة المنوَّه باسمه = حاز الوِراثة مِن بني الأعمام
وبَقي ابن نتلة واقفاً مُتلدِّداً = يَبكي ويُسعده ذَووا الأرحام
(أقول): إنَّ مروان بن أبي حَفصة كان مولى بَني أُمية، وكان يَمدح الرَشيد ويَهجو أمير المؤمنين (عليه السلام) وله لامية في هِجاء أمير المؤمنين، ذكر منها جُملة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وقد ردَّ عليه جماعة من المُتَقَدِّمين والمُتأخِّرين، آخرهم السيّد محمد المهدي بحر العُلوم الحسني الطباطبائي، المُتوفَّى سنة ١٢١٢ بلاميَّة تَقرب مِن مائتين وخمسين بيتاً شهيرة، والبيت الّذي ذكره الرضا (عليه السلام) له، مِن أبيات يُخاطِب بَني علي (عليه السلام) فيها ويقول:
خَلّوا الطَريق لمَعشرٍ عاداتُهم = حَطم المَناكب كلَّ يوم زُحام
وارضوا بما قَسم الإله لكم به = ودَعوا وِراثة كلِّ أصيد سامِ
أنّى يكون وليس ذاك بكائن = لبني البنات وِراثة الأعمام
وقد أجابته العلويون ومواليهم، بأجوبة كثيرة مِن ذلك الزمان إلى هذا الآن، فمنهم جعفر بن عفَّان الطائي الشاعر المشهور، روى أبو الفرج في الأغاني، عن محمد بن يحيى بن أبي مرة، قال: مررت على جعفر بن عفَّان الطائي، وهو على باب مَنزله، فقال لي: مرحباً بك ياأخا تَغلب، أجلِس فجلست، فقال لي: يا أبا يحيى، أما تعجب مِن مروان بن أبي حفصة لعنه الله حيث يقول:
أنّى يكون وليس ذاك بكائن = لبَني البَنات وِراثة الأعمام
فقلت: بلى والله، إنّي لإتعجَّب منه، وأُكثر اللّعن عليه، فهل قلت في ذلك شيئاً؟ قال نعم قلت:
أنّى يكون وإنَّ ذاك لكائن = لبني البنات وِراثة الأعمام
للبنت نُصف كامل مِن ماله = والعمُّ مَتروك بغير سِهام
ما للطَليق وللتُراث وإنّما = سَجد الطَليق مَخافة الصِمصام
ومنهم مؤلِّف هذا الكتاب، فقد شطَّر أبيات مروان الثلاثة، وقَلبها هجواً لأعداء العلويين، فقال مُخاطباً لبني علي (عليه السلام):
(خَلّوا الطَريق لمَعشرٍ عاداتُهم) = تَطريق أظهُرِهم لصَدر غُلام
أفنوا فعادتهم لرهز عبيدهم = (حَطمُ المَناكب كلَّ يوم زحام)
(وأرضوا بما قَسم الإله لكم به) = طُهر النُفوس وعِفة الأجسام
إنْ يَمنعوكم إرثَكم فتَصبَّرو = (ودعوا وِراثة كلِّ أصيد سام)
(أنّى يكون وليس ذاك بكائن) = للمُلحدين وِراثة الإسلام
ليس الوِراثة للعُمومة إنَّما = (لبني البنات وِراثة الأعمام)
ثم خمّس التشطير إيضاحاً، فقال:
ضَلَّ الوَرى وبَنو النبي هُداتُهم = لكنْ أبى إلاّ الضلال عِداتهم
يا سادتي لا تَهتدي ساداتُهم = خلّوا الطَريق لمَعشر عاداتُهم
تَطريق أظهرِهم لصَدر غُلام
لا تَعرضوا أبداً إلى تَسديدهم = وذروهم بشَحيحهم وفَديدهم
فهمُ وكَهلُهم كمِثل وَليدهم = أفنوا فعادتهم لرَهز عَبيدهم
حَطْمُ المَناكب كلَّ يَوم زِحام
صفاكم الرَحمان للمُتَنبِّه = وسَما بكم عن مِثل أو عن مُشبِه
فتَنزَّهوا عمَّن به لم يؤبه = وارضوا بما قَسم الإله لكم به
طُهر النفوس وعِفة الأجسام
آبائكم لهم العُلا والمَفخر = مِن كلِّ أصيد حَقُّه لا يُنكر
ولكم مواريث النُبوة تُذخر = إنْ يَمنعوكم إرتكم فتَصبَّروا
ودعوا وِراثة كلِّ أصيد سام
حتّى يَجيئكم الإله بضامن = ذِخر النَبي مِن المَخافة آمن
فيقول إنكاراً لرجس خائن = أنّى يكون وليس ذاك بكائن
للمُلحدين وِراثة الإسلام
أفلست تَعلم إنْ ظننتك مُسلماً = أنَّ البنات تَحوز إرثاً مُحكما
فإذا انفردْنَ جَمعن ما قد قُسِّما = ليس الوِراثة للعمومة إنَّما
لبَني البَنات وِراثة الأعمام
أخبرني الشيخ التَقي العالِم، الشيخ راضي بن الشيخ علي الطَريحي، المُتوفَّى سنة ١٣٤٠، قال: أخبرني أخي العالِم الفاضِل التَقي، الشيخ حسين بن الشيخ علي الطَريحي، عن الشيخ العالم الفاضل التَقي الأديب، الشيخ محمد
ابن الشيخ علي بن الشيخ إبراهيم من آل نَصّار الشَيباني النجفي، المُتوفَّى سنة ١٢٩٢ بالنجف (ح) وأخبرني الشيخ التَقي الصالِح العابِد، الشيخ جعفر بن الشيخ محمد نَصّار المذكور، المُتوفَّى سنة ١٣٥٦ المدفون بالنجف الأشرف مع أبيه في الصحن، خلف الضَريح الشريف، عن عمِّه الشيخ حسين بن الشيخ علي عن أخيه الشيخ محمد نَصّار، قال: زرت الرضا (عليه السلام) سنة ١٢٨٥، فامتدحته بقصيدة وأنا في الطريق على عادة الشعراء في قصدهم المُلوك وكَمُلت قَبل دخولي المشهد بيوم، فكان مطلعها:
يا خَليلي هَجرا لا تَريحا = أوشكت قُبة الرضا أنْ تَلوحا
واستمدَّا مِن ذلك الفَيض حتّى = تأتيا ذلك الجَناب الفَسيحا
يا بن طاها يا مَن به الله أنجى = آدم المُجتبى وأنجى نوحا
ونَجا إبراهيم مِن شُعل النار = فعادت به أزاهير فَيحا
وبإباه صار موسى كليماً = وبعَلياه صار عيسى روحا
إنْ تناءيت يا بن موسى فإنّا = قد شَققنا لك القُلوب ضَريحا
كنت للدين بَهجة ولعلم الل = ه شَمساً يُوحى لها ما يُوحى
واللُّباب اللُّباب مِن أحمد الطُهر = ومِن حَيدر الصَريح الصَريحا
إنَّ قَبراً لا طِفت فيه تراه = منع المِسْك طِيبه أنْ يَفوحا
قال: فلمّا دخلت المَشهد وزرته (عليه السلام) ونمت تلك الليلة، رأيت في مَنامي الرضا (عليه السلام) جالِساً على كُرسي في روضته الشريفة،
فسلَّمت عليه وقبَّلت يديه، فرحَّب بي وأدناني، وأعطاني صِرة، وقال:(( افتحها ففيها مسك أذفر )) ، ففتحتها فوجدت فيها فِتاتاً لا رائحة له، فقلت: لا رائحة له! فتبسَّم (عليه السلام) وقال:(( ألستَ القائل:
إنَّ قبراً لا طِفت فيه تراه=مَنع المِسك طِيبه أنْ يَفوحا
فهذا مِسك إذفر مَنع طِيبُ ثرى قبري رائحتَه ))، فانتبهت وأنا في فَرح بما شاهدت، وتَرح على ما فارقت.
(أقول): ولم أظفَر بتَمام القصيدة، مع طَلبي لها من وَلَده وغيره، والمَحفوظ له ذلك، فمَن ظفَر بها فليُلحقها.
ذكر الحافظ الحمويني، إبراهيم بن إسحاق الشافعي المقدم الذِكر، في كتابه فرائد السمطين، في الباب الأربعين في الجُزء الثاني منه، قال: أورد الإمام شهاب الدين أبو سعيد، عبد الملك بن سعيد بن عمرو بن محمد بن عمرو بن إبراهيم في كتابه نُزهة الأخبار، أنَّه سَمِع من الشيخ الزكي أبي الفُتوح محمد بن عبد الكريم بن منصور بن علان، قال: سمعت الشيخ أبا الحسن محمد بن القاسم الفارسي بنيشابور، قال: كنت أُنكر على مَن قصد المَشهد بطوس للزيارة، وأُصِر على الإنكار، فاتفق إنّي رأيت ليلة فيما يرى النائم، كإنّي كنت بطوس في المشهد، فرأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائماً وراء صندوق القبر، يُصلّى، وسمعت هاتِفاً مِن فَوق يُنشد هذين البيتين:
مَن سرَّه أنْ يَرى قَبراً برؤيته = يفرِّج الله عمَن زاره كُرُبَه
فليأتِ ذا القَبر إنَّ الله أسكنه = سُلالة مِن رسول الله مُنتَجبه
وكان يُشير في الخطاب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاستيقظت مِن نَومي، وأنا غريق في العرق، فناديت غلامي ليُسرج دابتي في الحال، فركبتها وقصدت الزيارة، وتَعوَّدت أنْ أزور كلَّ سنة مرتين.
الباب السابع
فيما يتعلَّق بالمهدي (عليه السلام) مِن النظام المتلو
وفيه فصلان:
أخبرني السيّد العالم الفاضل الأديب، السيّد باقر بن السيّد السعيد العلاَّمة السيّد محمد بن السيّد هاشم بن السيّد التقي الصالح، مير شجاعت علي الرضوي الهندي النجفي، المُتوفَّى سنة ١٣٢٩ ودُفن مع أبيه في داره، قال: رأيت في مَنامي المهدي (عجّل الله فرجه وسهّل مخرجه) ليلة الغَدير حزيناً باكياً، فجِئت إليه وسلَّمت عليه، وقبَّلت يديه، وكأنَّه يُفكِّر فقلت: ياسيدي، إنَّ هذه أيام فرح وسرور بِعيد الغَدير، وأراك حزيناً تَبكي! فقال: ذكرت أمّي الزهراء وحُزنها، ثم أنشد يقول:
لا تَراني اتَخذت لا وعَلاها = بَعد بَيت الأحزان بَيت سُرور
قال: فانتبهت مِن نَومي، ونَظمت قصيدة في أحوال الغَدير، وذَكرت الزهراء (عليها السلام) وذَكرت بيته (عليه السلام) في ضمنها، وهي:
ليس إنكارُك الوِلا بالجَدير = بعد ما قد سَمِعتَ نَص الغَدير
فتَبصَّرْ تَبصَّرْ هَداك إلى الحق = فليس الأعمى به كالبَصير
ليس تَعمى العُيون لكنَّما تَعمى = القُلوب التي انطَوت في الصُدور
يوم أوحى الجَليل يأمُرُ طاها = وهو سارٍ أنْ مُرْ بترك المَسير
حُطَّ رحل السِرى على غير ماء = وكَلا في الفَلا بَحر الهَجير
ثم بلِّغهم وإلا فما بَلَّغت = وَحياً عن اللطيف الخَبير
أقم المُرتضى إماماً على الخَلق = ونوراً يَجلو دُجى الدَيجور
فرقى آخذاً بكفِّ علي = مِنبراً كان مِن حِدوج وكُور
قائلاً ذا أميرُكم وولي الأ = مر بعدي ووراثي ووزيري
هو مولى لكلِّ مَن كنت مولاه = مِن الله في جميع الأمور
* * *
أفَصبراً يا صاحب الأمر والخَطبُ = جَليل مُستَغرب في الدُهور
كَم مُصاب يَطول فيه بَياني = قد عرا الطُهرَ في الزمان القَصير
فكأنّي به يَقول ويَبكي = بسَلو نَزر ودَمع غَزير
لا تَراني اتَّخذت لا وعلاها = بَعد بَيت الأحزان بَيت سُرور
(أقول): والقصيدة طويلة كَتبتُ منها ما أمكن، وهي مشهورة محفوظة للقراء الذاكرين وأبدلت منها المَطلع، إيثاراً للمناسبة.
أخبر الشيخ الجليل الفاضل التقي، الشيخ محمد طه بن الشيخ مهدي النجفي، المُتوفَّى سنة ١٣٢٣، عن الشيخ أحمد ابن الشيخ حسن آل قَفطان الأديب الأصمّ، المُتوفَّى سنة ١٣٠٦، أنَّه رأى ذات ليلة في منامه الإمام المهدي (عليه السلام) فشكا إليه الحال، فأنشده (عليه السلام) قوله:
لنا أوَبة مِن بَعد غَيبتنا العُظمى = فنَملؤها قِسطاً كَما مُلئت ظُلما
وَجَدّي وآبائي وعَقد ولائنا = لقد كان ذا حَقّاً على رَبنا حَتما
فانتبه، وهو يحفظهما.
(أقول): وقد شطَّرهما الفاضل التَقي، الشيخ عبد الغني بن الشيخ أحمد الحرّ العاملي، المُتوفَّى سنة ١٣٥٧ في النجف وقد أنشدني التشطير في الروضة العلوية سنة ١٣٣٧، وهو قوله:
لنا أوَبةٌ مِن بعد غَيبتنا العُظمى = فنَكشف فيها كلَّ دَاجية ظُلما
بها نَملك الآفاق شَرقاً ومَغرب = (فنَملؤها قِسطاً كما مُلئت ظُلما)
(وَجَدّي وآبائي وعَقد وِلائنا) = ومَن خصَّنا دون الوَرى الحُكم والعِلما
وأكرمُ أنصار أعُدَّت لنَصرنا = (لقد كان ذا حَقّاً على ربنا حتما)
وقد شطَّر التشطير وخمَّسه، وذلك مطبوع ضمن ديوانه، فلا حاجة إلى ذكره، فمَن أراده فليطلبه مِن ديوانه المَطبوع في النجف.
الباب الثامن
فيما يتعلَّق بأحد الأئمة (عليهم السلام) لا على التعيين من النظام المتلو
وفيه ثلاثة فصول:
أخبرني العالم الفاضل، الشيخ حسن بن العلاَّمة الأديب الشيخ عبد الحسين ( سلَّمهما الله تعالى ) بن الشيخ العلاَّمة الأديب الشيخ إبراهيم، بن الشيخ العلاَّمة الأديب الشيخ صادق ،بن الشيخ العلاَّمة الأديب الشيخ إبراهيم بن يحيى بن محمد بن نجم المخزومي العاملي النباطي، عن أبيه الشيخ عبد الحسين، قال: رأيت في منامي أحد الأئمة الصادقيِنَ (عليهم السلام) فأنشدني:
لا عُذر للعين إنْ لم تَنفجر عَلقا = ولا لقلبي إنْ لم يَنفطر حرقا
أ حربان تُفنيا في عَبرة ولَظىً = أ تَبقيان وليس الحين حينَ بَقا
أ ليس علة إيجاد الوجود قَضى = نَحباً وغُودر في ضاحي الطُفوف لُقى
مُعفَّر الجسم عاريه مضرَّجه = قد ضاعف الطَعن في جُثمانه العَلقا
وأمرني بإكمالها، فانتبهت مِن نومي وأنا أحفظها، وامتثلت أمره فأكملتها بقولي:
ساموه عِزاً وذِلاً مِن ردى وبقى = فَهبَّ للموت وهو العِز مُستّبقا
مالانَ وهو أبيُّ الضَيم مَلْمَسُه = للغامزين ولم يَضْرُع لغَير تَقي
ما بين جَنبيه مِن طاها وحَيدرة = فَصل القَضا والقَضا إنْ صال أو نَطقا
هَبَلتِ يافِئةَ الإلِحاد مِن فِئة = رامت مِن اللَّيث أنْ يَعنو لها فَرقا
متى عهِدت الأسود الضاريات عَنت = لسائميها بَخسف أو لوت عُنُقا
بي مِن أبي السيّد السّجاد قَلب هُدى = منه برغم الهُدى سَهم الردى مَرقا
ووجه رُشد نَقي الخَد مُلتئم = على الثَرى بلثام مِن نَسيج نَقى
وعُنق عِزٍّ خَلا مِن عَقد طاغية = حتّى غَدا لنُصول البيض مُعتَنِقا
وجِسم مَجد على ما فيه مِن ظَماء = تَمجُّ منه العوالي صيّبَاً غَدقا
لئِن قضى بين أطراف القَنا عَطِشا = فكم دَم لأنابيب الرِماح سَقى
وإنْ يَمت بين مُلتَّف الظبا سُغُبا = فبَعد ما أطعم الهِندي ضَرب شقا
وإنْ هوى وهو قُطب الكائنات فقد = هوى لمَهواه كَيوان العُلى صَعقا
يا مُستفِز فُؤاد المُصطفى قَلقَا = له ومالئ عَين المُرتضى أرقا
ومُثكل البِضعة الزهراء مُهجتها = بلى ومُسقِط مِن آماقها الحَدقا
ألبست ما خَلق الله العظيم مِن = المُصاب بُرداً ليوم الحَشر ما خَلِقا
هذا ما أنشدنيه الشيخ حسن منها، قال: وهي طويلة، ولا أحفظ منها إلاّ هذا المقدار.
أخبرني الشيخ الفاضل التقي الأديب الذاكِر، الشيخ قاسم بن الشيخ
الفاضل التَقي الشيخ محمد بن الشيخ حمزة بن الحسين بن نور علي الحلّي، المعروف بالملاَّ المولود سنة ١٢٩٠، قال: رأيت في منامي ذات ليلة، كأنّي في مَحفل فيه أحد الأئمة (عليهم السلام) وكأنّي أذكر فيه أحوال الحسين (عليه السلام) وأتلو قصيدة مطلعها:
ظَنَّ العُذول غَداة لُجٍّ بعَذله = أنّي سأغدو سالِكاً في سُبله
ومنها في أحوال زينب (عليها السلام) حين رأت طفل الحسين (عليه السلام) ذبيحاً:
هَمَّت تُغسِّله بماء عُيونها = فتَكفَّلت عنها الدماء بغسله
يا ويحَ دهر مِن فَجائع خَطبه = فَجَعَ ابن أحمد في الطُفوف بطِفله
قال: فانتبهت وأنا أحفظ مِن القصيدة المتلوة هذه الأبيات الثلاثة فقط، وما نبَّهني إلاّ البُكاء، وما كنت نظمت هذه القصيدة ولا سمعتها، ولكنّي قرأتها في النوم وكأنَّها محفوظة لي.
(أقول): وكان هذا الرجل الصالح مِن مُحبي الأئمة (عليهم السلام) جدَّاً، ولَعهدي به يزور الحسين (عليه السلام) في أغلب الجُمعات، ويَنظم كلَّ ما زار في مَدح الحسين (عليه السلام) أو رثائِه ما يَتيسَّر له ولو بيتين، ونقل لي عن أبيه الشيخ محمد أنَّه ما نام ليلة إلاّ ونظم في مَدح النبي، أو أحد الأئمة ( صلوات الله عليهم ) بيتين أو أكثر، وله ولأبيه ترجمتان في الطليعة.
(ثم أقول): إنّي أدخلت ثلاثة أبيات بعد البيت الأول من أبيات الرؤيا، وبيتاً رابعاً بعدها؛ ليرتبط المعنى؛ ويَتمَّ الغرض؛ فصار الجميع سبعة أبيات، وسأعيدها مع
الالحاق وهي:
(ظَنَّ العُذول غَداة لُجٍّ بعذله = أنّي سأغدو سالكاً في سُبله)
هيهات أسلو عن تذكُّر كربلا = وعن القَتيل وما جرى في قَتله
وافت عَقيلة أحمد في نَجله = صَديان كي يَجلو الصدا عن نَجله
فرماه حَرملة بنَبل فارْتمى = عن صدر والده النبيل بنبله
(هَمَّت تُغسِّله بماء عيونها = فتكفَّلت عنها الدِماء بغسله)
(يا ويحَ دَهرٍ مِن فَجائع خَطبه = فَجَعَ ابن أحمد في الطفوف بطفله)
وأصاب أحمد والبَتول وحَيدر = في ذبحه وسِبا بنيه وأهله
ثم إنّي خمَّست الجميع، فقلت:
لج العُذول بعَذله مِن جَهله = والقَلب عنه بشُغله مِن ذَهله
أترى وكلٌّ مُرتضٍ في فعله = ظَنَّ العُذول غَداة لُج بعَذله
أنّي سأغدو سالكاً في سُبله
لا والّذي بَعَثَ النَبي المُرسَلا = بكتابه فَهدى به كُلَّ المَلا
واعتاض عن أجر الرسالة بالوِلا = هيهات أسلو عن تذكُّر كربلا
وعن القَتيل وما جَرى في قَتله
تَركتْه أعداء الإله ورُسلِه = يَرنو الفُرات مُحلَّأ عن نَهله
حتّى إذا أودى العُطاش بأهله = وافت عَقيلة أحمد في نَجله
صَديان كي يَجلو الصَدا عن نَجله
جاءت إليه به تُطالبه بما = فَثَنى له صَدراً وألوى مِعصَما
ووريدُه بادٍ يُليح به الظَما = فرماه حَرملة بنَبل فارتمى
عن صَدر والده النَبيل بنَبله
ما حال عمَّتِه وحال شُجونها = مِن نار أحشاها وماء جفونها
لمّا رأتْ خطفته كفُّ مَنونها = هَمَّت تُغسِّله بماء عُيونها
فتكفَّلت عنها الدِماء بغسله
فحثا أبوه له بقائمِ عَضبه = وطواه مَحلول القِماط بتُربه
والعَين شاخصة لرحمة رَبه = يا ويحَ دَهرٍ مِن فَجائع خَطبه
فَجَع ابن أحمد في الطُفوف بطِفله
ورماه جِسماً في التُراب معفرا = سَلِبْاً ورأساً فَوق عالٍ أسمرا
وأطاف أهليه السباسب حُسّرا = وأصاب أحمد والبَتول وحَيدرا
في ذَبحه وسِبا بنيه وأهله
كنت نظمت قصيدة استنهض بها الإمام المهدي (عليه السلام) وأرثي بها الحسين (عليه السلام) على قافية الصاد مُشجَّرة الأوائل بحروف الهِجاء سنة ١٣١٥ في السماوة، فكتبتها في دفتر شعري ليلاً ونِمت، فرأيت في تلك الليلة أحد العلويين، وظننته أحد الأئمة (عليهم السلام) بل غَلب على ظنّي في المنام أنَّه المهدي (عليه السلام)، وكأنّه دخل عليَّ غُرفتي التي أنا نائم فيها، فقمت احتراماً له، فقال: أريد أنْ أكتب
القصيدة الصادية، وأخرج قرطاساً ودواة وقلماً، فأخرجت دفتر شِعري، وجعلت أتلو عليه وهو يكتب، حتّى انتهى إلى حرف الهاء منها، فقال: يكفي، فقلت: إنَّ هذه القصيدة تسعة وعشرون بيتاً، تبدأ بالألف وتَنتهي بالياء، وقد بقي منها ثلاثة أبيات: الهاء، ولام ألف، والياء، فقال: يَكفي ما كتبت، فحرصت على أنْ يُتمها، فقلت له: إنَّ الحروف لم تَتُم وتكون القصيدة ناقصة، فقال: أعلم، ولكن الأبيات الثلاثة الباقية ليست في مدحنا، فانتبهت من نومي، وأسرجت المصابيح ونظرت القصيدة في الدفتر؛ لأنَّها لم تكُن على بالي، فإذا الأبيات الثلاثة في مدح القصيدة على عادة الشعراء؛ فإنَّهم يمدحون شعرهم في آخر القصيدة، فمَحوت الأصل وأبدلته بمدحهم (عليهم السلام) ثم حَدتني تلك الرُؤيا المُباركة على أنْ نَظمت تسعاً وأربعين قصيدة على ذلك المنوال، في الأوائل والقوافي مرتّبة، وسمّيتها روضة الهُدى في رثاء سيّد الشُهداء، وهي ضمن ديواني المُشتمل على الروضات والمَدح والرِثاء المسمّى (رياض الأزهار في ذِكرى أهل البيت الأطهار) وها أنا أذكر القصيدة بأسرها، وأذكر الأبيات الثلاثة المُبدَلة، والثلاثة الأصلية، فإنّي أثبتّها ليلة الرؤيا في محلٍّ آخر؛ لأرويها فتكون مُرغِّبة لمدح الأئمة (عليهم السلام) فالقصيدة هي:
أرخ البرى لأيانق وقلاص = واطلب بها قُرب المَحلِّ القاصي
بمَشافر مِثل الجِنان تَفتَّحت = ومناسم دُوِرن كالأقراص
تُفلي الفَلاة سَباسباً فسباسبا = وتلفُّ أدعاصاً على أدعاص
نورانها إرسالها ومناخها = للقِضم في الساحات والأعراص
جالت بأضلُعها النُسوع لأنَّها = خَمصانة الأحشاء تَحت خِماص
حتَّى إذا تَدنو المَقام فناديا = غَوث الأنام لكل خطب شاص
خلفت سقياً هاشم ولواءها = وحِجابها في قَبضة الأعياص
دالت لهم دُنياهم وتَرفَّعت = مِن وَهدةٍ بهم لهام صياصي
ذهبوا بشُرعتكم فهل لكمُ وقد = سدّوا الفضا مِن مَفحَص ومَناص
راموا مذلَّتكم ويأبى عِزُّكم = أنْ تُذعنوا لأقارب وأقاص
زَم الجِياد بكل أغلب واضح = بهج المحيا طَيّب الأعقاص
سبر الخُطوب وعاد عنها كافلاً = للحلِّ مِن مَعقودها المعتاص
شادت مَكارمها به أشخاصه = وغدت به مِن أكرم الأشخاص
صاوِلْ بهم أعداك تَلفُ ضَراغم = لكنَّها بمَغافِر ودلاص
ضَمنوا القَصاص لكم مِن آل أمية = والعَدل لا يَرضى لكم بقَصاص
طحنوا جَناجنكم بعَرصة كربلا = والهفتا لجَناجنٍ بعراص
ظعنوا بنسوتكم حواسر ولَّهاً = كالعفر ريعت في يَد القَناص
عَطفاً عليها يا حُماة خُدورها = فلقد رَكبن على هزال قلاص
غاليتم فيها بصَون خُدورها = فاستامها الطُلقاء بالأرخاص
فمَن المُخلِّصها وأنتم غُيَّب = عنها إذا هَتفت بكم لخَلاص
قوموا فإن عِداكم شَمتت بكم = وأسموا فقدوا سمتكم بنواص
كم تَربطون خُيولكم فلربَّما = جَمَحَ المطبع بها فسارى العاصي
لقد اغتدت مَغلولةً بقيودها = بين الأواخي وهي جد حراص
ماذا القُعود فجرِّدوا أسيافَكم = واستنهِضوا العزمات للارهاص
ويلاي من إبطائكم وقُعودكم = حتّى كأنَّ قعودكم بتواص
هلاَّ نَهضتم غاضبين بمَعشرٍ = سامي الفُروع ورَاسخ الأعياص
لا يحذر الغوَّاص لفظة روحه = إنْ راح يَرجو دُرَّة الغوَّاص
يا آل أحمد هلْ لكم عن حَقِّكم = مِن منقذ ترضونه وخلاص
والأبيات الممحوَّة كانت هكذا:
هاكم مواليِّ قصيدة خادم = هي في القَصائد دُرَّة الغَواص
لا يَنبغي إلاّ مَقامكم لها = إنَّ الخَلاص ليُبتغى لخَلاص
يبدو بمطلعها المَرام براعة = في مَقصد راس ولفظ راص
فأبدلتها بقولي: هلاّ نَهضتم إلى آخر الأبيات المذكورة في القصيدة، هذا ما ساعد عليه الوقت، وحصل عليه التَتَبُّع ونقب عليه البحث في مدَّة غير قليلة، ولعلَّ قائلاً يقول: إنَّك قد أكثرت من شِعرك في خصوص هذا التأليف! ومثله يُستهجن مِن المؤلفين! فأقول: إنَّ العذر في ذلك؛ إنّي أردت أنْ أتراءى لسادتي في كل وقت، وأكون تجاههم في كل محلٍّ، وأقعد لهم بكل طريق، عسى أن تشملني رأفتهم، وتعطف علي رحمتهم، فيشفعوا لي عند الله ربنا جلّ وتعالى، في خلاص رقبتي من النار، فهم المُشفَّعون عند المَلك الغَفَّار، ولهم الجاه العظيم عند
المَلك الكريم، واستراح القلم في عاشر شهر رمضان سنة ١٣٥٦، في النجف حامِداً مُصلِّياً مسلِّماً، سائلاً غُفران المَساوي من العَبد محمد بن الشيخ طاهر السَماوي، عُفي عنهما.
الفهرس
المقدمة ٣
الفصل الأول: في أسماء الرؤيا ٣
الفصل الثاني: (في معنى الرؤيا) ٤
الفصل الثالث: (في ذكر أحاديث تتعلق بالرؤيا وما يقال عليها وفيها) ٥
الباب الأوّل: ٦
فيما يتعلَّق بالنبي المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من النظام المتلو في المنام ٦
الفصل الأول: ٦
الفصل الثاني: ٧
الفصل الثالث: ٨
الفصل الرابع: ٨
الفصل الخامس: ٩
الفصل السادس: ١١
الفصل السابع: ١١
الفصل الثامن: ١٥
الفصل التاسع: ١٥
الفصل العاشر: ١٦
الباب الثاني: ١٨
فيما يتعلَّق بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من النظام المتلو ١٨
الفصل الأول: ١٨
الفصل الثاني: ٢٠
الفصل الثالث: ٢٣
الفصل الرابع: ٢٦
الفصل الخامس: ٢٧
الفصل السادس: ٢٩
الفصل السابع: ٣٠
الفصل الثامن: ٣١
الفصل التاسع: ٤٢
الفصل العاشر: ٤٤
الباب الثالث: ٤٦
فيما يتعلَّق بفاطمة (عليها السلام) ٤٦
الفصل الأول: ٤٦
الفصل الثاني: ٤٨
الفصل الثالث: ٥١
الفصل الرابع: ٥٣
الفصل الخامس: ٥٦
الفصل السادس: ٥٩
الفصل السابع: ٦١
الباب الرابع ٦٥
فيما يتعلَّق بالحسن ( عليه السلام ) مِن النَظام المَتلو ٦٥
الفصل الأول: ٦٥
الفصل الثاني: ٦٦
الباب الخامس: ٦٩
فيما يتعلَّق بالحسين السبط (عليه السلام) مِن النَظام المَتلو ٦٩
الفصل الأول: ٦٩
الفصل الثاني: ٧٠
وَصلٌ يَحسُن أن يَدخُل في هذا الفصل: ٧٢
الفصل الثالث: ٧٤
الباب السادس ٧٨
فيما يتعلَّق بعلي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) مِن النظام المتلو ٧٨
الفصل الأول: ٧٨
الفصل الثاني: ٨١
الفصل الثالث: ٨٣
الباب السابع ٨٥
فيما يتعلَّق بالمهدي (عليه السلام) مِن النظام المتلو ٨٥
الفصل الأول: ٨٥
الفصل الثاني: ٨٧
الباب الثامن ٨٨
فيما يتعلَّق بأحد الأئمة (عليهم السلام) لا على التعيين من النظام المتلو ٨٨
الفصل الأول: ٨٨
الفصل الثاني: ٨٩
الفصل الثالث: ٩٢