منهاج الصالحين
الجزء الأول
العبادات
السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
وبعد..
فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى (محمد سعيد) عفي عنه، نجل سماحة حجة الإسلام والمسلمين آية الله (السيد محمد علي الطباطبائي الحكيم) دامت بركاته: هذه رسالة عملية تشتمل على الاحكام الشرعية للمسائل الّتي تعمّ بها البلوى من أبواب العبادات والمعاملات وغيره.
وقد سميتها (منهاج الصالحين) باسم رسالة سيدنا الاعظم مرجع الطائفة الاُستاذ الجد (السيد محسن الطباطبائي الحكيم) أعلى الله مقامه، لاني وإن خرجت عنها كثيراً في التعبير والتبويب ونظم المسائل، إلا أني قد جاريتها في منهجه، وسرت على ضوئه، واستعنت بكثير من عباراته.
وقد حافظت على هذا الاسم تيمناً به، واعتزازاً بصاحبه، وإبقاءً لذكره، اعترافاً بالفضل، وأداءً للحق.وأسأله تعالى أن يعصمني من الزلل في القول والعمل، ويجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، ولا يحرمني أجره، وأن ينفع به إخواني المؤمنين ويوفقني لخدمتهم، ويجعلني عند حسن ظنهم، ويرزقني مودتهم ودعاءهم.
وأسأله جل شأنه لي ولهم خير العاجلة، وثواب الاجلة، إنه أرحم الراحمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
قد تميَّزت الطائفة الإمامية الإثنا عشرية - أعز الله دعوتها وأعلى كلمتها - بفتح باب الاجتهاد على مرِّ العصور وتعاقب الدهور، وعلى ذلك جرى علماؤها الأبرار، وهم لا يريدون بالاجتهاد التوسع على حساب الحكم الشرعي بما يلائم مستجدات العصر وتطور الزمن، أو إرضاء لعامة الناس، أو للحكام والمتسلطين وغيرهم من أهل النفوذ أو لغير ذلك.
بل الاجتهاد عندهم هو بذل الجهد لمعرفة الحكم الشرعي من منابعه الاصيلة، والحفاظ عليه كأمانة يسأل الله تعالى المجتهد عنها عند ما يقف بين يديه يوم العرض الاكبر، (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئ)، (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير).
كما تميَّزت هذه الطائفة بالتقليد، الذي هو عبارة عن رجوع عامة الناس الذين لا معرفة لهم بالاحكام الشرعية في أعمالهم - من عبادات ومعاملات وغيرها - للمجتهد المأمون على الحكم الشرعي، الذي لا يفرط فيه تسامحاً في البحث والفحص، أو تبعاً لسلطان، أو إرضاءً لعامة الناس، أو حباً للظهور في ابتداع الجديد، أو في التخفيف والتسهيل، أو لغير ذلك من المكاسب والأغراض المادية والمعنوية. كل ذلك خوفاً من الله تعالى، وفرقاً من عظيم عقابه وشديد نكاله.
ولذا تراهم يُكِنُّون لعلمائهم عامَّة ولمن يقلِّدونه خاصة من الاحترام والتقديس والتعظيم والتبجيل الشيء الكثير.
وحق لهذه الطائفة أن ترفع رأسها فخراً واعتزازاً بمحافظتها على أحكام الله تعالى، واهتمامها بأخذها من منابع التشريع الاصيلة، وصمودها في ذلك متحدية أعاصير الزمن، وظلمات الفتن، على طول المدة وشدة المحنة.
كل ذلك بفضل علمائها المخلصين الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، وأتباعهم المؤمنين الذين لا يأخذون دينهم إلا ممن هو أهل للامانة في دينه وورعه وقدسيته، رافضين غيرهم ممن لا يتحلى بالامانة والورع، و لا يبالي في أي واد سلك، قد تورط في الشبهة، ووضع نفسه في مواضع التهمة.
وأمام أعينهم في ذلك تعاليم أئمة الهدى من أهل البيت (صلوات الله عليهم) المطابقة لحكم العقل السليم، وللكتاب المجيد وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ورد عنهم (علهيم السلام) في ذلك الشيء الكثير، وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه بعد أن ذم اليهود بتقليدهم لعلمائهم، وشدد عليهم، قال:
«وكذلك عوام اُمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامه، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لاصلاح أمره مستحق، وبالترفرف بالبر والاحسان على من تعصبوا له وإن كان للاذلال والاهانة مستحق، فمن قلَّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمَّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة...».
فعلى المؤمنين سددهم الله تعالى - العلماء منهم والاتباع - أن يعرفو
عظيم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وثقل الامانة التي حمّلها الله تعالى إياهم. وليكن الهمُّ الأول و الاخير للعالم هو معرفة الحقيقة والحفاظ عليها والوصول للحكم الشرعي من منابعه الاصيلة وبيانه، أداءً للوظيفة الشرعية، من دون اهتمام بكثرة الاتباع والانصار، ولا بالبهرجة وحب الظهور، ولا بغير ذلك من مغريات الدنيا الزائلة ودواعي الشيطان المهلكة، وأمام عينيه قوله تعالى: (ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين).
كما ليكن همّ الأتباع الخروج عن تبعة الأحكام الشرعية بأخذها من العلماء العاملين من أهل الورع والتقوى والنزاهة والإخلاص والإستقامة، وممن لا تنالهم الطعون ولا تلوكهم الألسن، لبعدهم عن الشبهات وعن مواقع التهم، مع كمال التثبت والتروي، ليكونوا بذلك على بصيرة من الخروج عن المسؤولية وقيام العذر لهم بين يدي الله تعالى يوم يعرضون عليه لا يخفى عليه منهم خافية.
ولا يكون اتّباعهم الشخص مبنياً على التسرع والانخداع ببهرجة الأقوال، أو لموافقتهِ لأهوائهم ورغباتهم، فإن الرقيب في جميع ذلك هو الله تعالى المطلع على السرائر والعالم بالخفايا والضمائر ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وقد يقف الناس حيارى - لملابسات خاصة وظروف طارئة - أمام كثرة الدعاوى وتعدد الاتجاهات إلا أن ذلك لا ينبغي أن يجرّ للتفريط في الوظيفة والتقصير في أداء الواجب، إذ مهما التبست الامور وشبَّهت الفتن فإن الله جلت آلاؤه لا يضيع حجته، ولا يخفي معالم دينه - بفضله ورحمته إن شاء الله - على من حاول البحث عنها وجهد في الوصول إليه(والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم
سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، (قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين).
و نرجو بذلك أن نكون قد قمنا ببعض الواجب في النصح لاخواننا المؤمنين، وتذكيرهم بواجبهم (فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه اُنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
التقليد
في بعض مسائل التقليد
يبلغ الإنسان الذكر مرتبة التكليف بأحد اُمور:
الأول: الإنبات، وهو ظهور الشعر الخشن على الوجه، أو في منطقة العانة، وهي فوق الذكر ومن جانبيه.
الثاني: خروج المني، سواءً كان بالاحتلام أم بدونه ولو في حال اليقظة.
الثالث: إكمال خمس عشرة سنة قمرية.
أما الاُنثى فتبلغ مرتبة التكليف بإكمال تسع سنين قمرية.
(مسألة ١): إذا بلغ الإنسان مرتبة التكليف ووجب عليه تطبيق أحكام الشريعة وتكاليفها على أعماله أمكنه تطبيقها بأحد وجوه:
الأول: الاجتهاد، بأن ينظر في أدلة الاحكام الشرعية ويعرف بنفسه الحكم منها ويعمل عليه. وهو لا يتيسر إلا لقليل من الناس.
الثاني: الاحتياط، بأن يتحفظ على التكليف في مورد احتماله، سواء قامت عليه حجة أم لم تقم.
فإن أفتى بعض المجتهدين بحرمة التدخين - مثلاً - وأفتى بعضهم بحليته يلتزم بترك التدخين لاحتمال حرمته. وإن أفتى بعضهم بوجوب تسبيحة واحدة في الصلاة، وأفتى بعضهم بوجوب ثلاث تسبيحات يلتزم بالإتيان بثلاث تسبيحات لاحتمال وجوبه. وإن أفتى بعضهم بوجوب القصر وأفتى بعضهم بوجوب التمام يلتزم بالجمع بين القصر والتمام لاحتمال وجوب كل منهم.
وهكذا كلما احتمل وجود التكليف يحتاط بموافقته. وهذا الطريق يتعذر أو يعسر في حق أكثر الناس.
(مسألة ٢): الاحتياط..
تارة: يكون له جهة واحدة كالاحتياط بترك التدخين لو اختلف المجتهدون في حليته وحرمته.
واُخرى: يكون له أكثر من جهة واحدة، كالاحتياط في مورد الجنابة والحيض: فإن الجنب يجب عليه الغسل ويجزئه عن الوضوء، ففي مورد الاحتياط في الجنابة لا يتم الاحتياط إلا بالجمع بين الغسل والوضوء إذا كان محدثاً بالحدث الاصغر، ولا يجزئ فيه الغسل، وكذا الحائض فإن الاحتياط لها لا يتم إلا بالجمع بين واجبات الطاهر كالصلاة والصيام وتروك الحائض كترك دخول المسجد وتمكين الزوج من الوطء بإذنه وغير ذلك.
كما أن الاحتياط..
تارة: يتعلق بشخص واحد كما هو الغالب في العبادات كالطهارة والصوم والصلاة والمحرمات كشرب العصير ونحوه.
واُخرى: يتعلق بأكثر من شخص، كما هو الغالب في المعاملات، فالاحتياط ببطلان البيع - مثلاً - قائم بالمشتري والبائع مع. فلابد في الخروج عنه من اتفاقهما على تكرار عقد البيع بالوجه المعلوم الصحة، أو على التقايل وفسخ البيع المحتمل
البطلان، ولا يكفي فيه العمل من أحدهما على احتمال بطلان البيع من دون رضا الاخر. وهذا أمر يلزم الالتفات إليه في جميع الاحتياطات الواردة في الرسالة.
الثالث: التقليد، بأن يرجع المكلف فيما لا يعرفه من الاحكام للمجتهد العالم بها الذي يأخذها من أدلتها الشرعية والعقلية المعتبرة، فيعمل بفتاواه فيه. وهذا الطريق هو المتيسر لعامة الناس.
(مسألة ٣): يشترط في المجتهد الذي يصح تقليده اُمور:
الأول والثاني: الذكورة، وطهارة المولد، على الأحوط وجوب.
الثالث: الايمان، وهو الاعتقاد بإمامة الائمة الاثني عشر من أهل البيت صلوات الله عليهم.
الرابع: العدالة بمرتبة عالية، بأن يكون على مرتبة من التقوى تمنعه عادةً من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو غلبته نوازع النفس ودواعي الشيطان - نادراً - فوقع في المعصية لاسرع للتوبة وأناب لله تعالى.
وأما العدالة المعتبرة في غير المقلَّد كإمام الجماعة والشاهد، فيكفي فيها التقوى المانعة من ارتكاب المعصية الكبيرة، ولا يقدح فيها ارتكاب المعصية الصغيرة من دون إصرار واستهوان.
(مسألة ٤): إذا قلد مجتهداً فمات، وجب البقاء على تقليده إلى أن يظهر من الاحياء من هو أعلم منه بفارق ظاهر ومرتبة معتدّ به. من دون فرق في ذلك بين المسائل التي عمل بها وغيره، ولا بين المسائل التي يعلمها ويذكرها والمسائل التي لم يعلمها أو نسيه.
(مسألة ٥): إذا اختلف المجتهدون في الفتوى، فإن كان أحدهم متفوق
على الاخرين بمرتبة معتدّ بها وجب اختياره، ومع عدمه فالأحوط وجوباً العمل بأحوط الاقوال، ومع تعذر ذلك أو تعسره - كما هو الغالب - فاللازم اختيار الاعلم ولو بمرتبة ضعيفة، ومع التساوي بينهم يترجح الاورع، ومع عدمه يتخير بين المجتهدين، فيقلد أحدهم، ويعمل بفتاواه.
(مسألة ٦): يثبت اجتهاد المجتهد وأعلميته وعدالته - بالنحو المتقدم - بالعلم الناشئ من المخالطة والإختبار أو من الشياع أو غيرهم. ومع عدمه يكفي فيه شهادة الثقة من أهل الخبرة، إذا استندت إلى الإختبار ونحوه مما يلحق بالحس، ولا يكفي استنادها للحدس والتخمين، ومع اختلاف أهل الخبرة تسقط شهادتهم.
(مسألة ٧): إذا احتمل أعلمية بعض المجتهدين وجب الفحص عنه، فمع ثبوته بالعلم أو غيره مما تقدم في المسألة الخامسة يلزم اختياره، ومع عدم تيسر معرفته بالوجه المتقدم، فإن أمكن العمل بأحوط الاقوال تعيّن، ومع تعذّره أو تعسّره - كما هو الغالب - إن احتمل أعلمية شخص بعينه من دون أن يحتمل أعلمية غيره منه يتعين تقليده.
وإن كان احتمال الاعلمية لاكثر من شخص واحد تعين اختيار من يظن بأعلميته، ومع اختلاط الامر وعدم تيسر الظن بأعلمية أحدهم يتعين اختيار الاورع، ومع عدمه يتخير بينهم، كما سبق في صورة التساوي.
(مسألة ٨): إذا قلد مجتهداً ثم ظهر له أن تقليده لم يكن على الوجه الشرعي لزم العدول عنه وتقليد غيره على الوجه المطلوب شرع.
(مسألة ٩): إذا بقي على تقليد الميت فاستجدت له بعض المسائل التي لا يستطيع معرفة فتوى الميت فيها وجب الرجوع فيها للحي، ومع اختلاف الاحياء يجري ما سبق من الترجيح والتخيير. وكذا لو كان مقلداً للحي وتعذر معرفة رأيه في بعض المسائل.
(مسألة ١٠): إذا قلد مجتهداً وعمل على رأيه مدة ثم عدل المجتهد عن رأيه اجتزأ المقلد بعمله السابق ولم يجب عليه قضاؤه في العبادات ونحوها مما يمكن فيه التدارك. وكذا لو عدل المقلد من مجتهد إلى آخر إذا كان تقليده الأول على الوجه الشرعي، أو على غير الوجه الشرعي غفلةً من دون تقصير، وأما إذا ابتنى على التسامح والتقصير فهو كما لو عمل من غير تقليد، وسيأتي حكمه.
(مسألة ١١): إذا عمل من غير تقليد مدة من الزمان فليس له الاجتزاء بعمله، بل لابد من الرجوع للمجتهد الجامع للشرائط فعلاً وعرض عمله السابق عليه، فإن أفتى له بصحته أو بعدم وجوب إعادته اجتزأ به، وإلا أعاد.
(مسألة ١٢): من لا يتيسر له الفحص عمن يجب تقليده وأخذ الحكم منه، لبعده عن مراكز الثقافة الدينية، أو لقلة إدراكه كبعض النساء والعوام إذا وثق ببعض المتدينين - من طلاب العلوم الدينية أو غيرهم - في اختيار من يقلده أو في تعيين حكمه الفعلي ليعمل عليه، فأرشده في أمره وعيّن له الحكم أو المجتهد الذي يقلده فعمل على ذلك كان كمن عمل عن تقليد صحيح، وتحمّل الشخص الذي أرشده مسؤولية عمله، فيجب عليه بذل الوسع واستكمال الفحص عن مقتضى الميزان الشرعي أداءً للامانة، وإلا كان خائناً مسؤولاً أمام الله تعالى.
(مسألة ١٣): الوكيل في العمل عن الغير يعمل على طبق تقليد موكِّله أو اجتهاده، إلا مع القرينة الخاصة على ابتناء الوكالة على خلاف ذلك، وكذا الحال في الوصي فإنه يعمل على طبق اجتهاد الموصي أو تقليده، إلا مع القرينة على خلاف ذلك. نعم مع الجهل بتقليد الموكِّل والموصي أو اجتهاده يجوز العمل على طبق اجتهاد الوكيل أو الوصي أو تقليدهم.
وأما الولي - المكلف بالقضاء عن الميت - فيعمل على طبق تقليده أو اجتهاده بنفسه وكذا المتبرع. وأما الاجير فلابد من اتفاقه مع المستأجر على كيفية
العمل إلا مع الانصراف إلى وجه معيّن تبتني عليه الاجارة ضمن.
(مسألة ١٤): الحاكم الشرعي هو المجتهد العادل، فإنه هو المنصوب من قبل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) للحكم والقضاء. فيجب الترافع إليه عند النزاع والتخاصم، وينفذ حكمه في فصل الخصومة، ولا يجوز ردّ حكمه، بل الراد عليه كالراد على الائمة (عليهم السلام) الذي هو كالراد على الله تعالى وهو على حدّ الشرك بالله، كما في الحديث الشريف.
(مسألة ١٥): لا يجوز الترافع لغير الحاكم الشرعي، بل يحرم المال المأخوذ بحكم ذلك الشخص وإن كان الاخذ محق. نعم إذا علم صاحب الحق بثبوت حقّه جاز له استنقاذه بالترافع لغير الحاكم الشرعي، بشرط تعذّر الترافع عند الحاكم الشرعي إما للعجز عن الوصول إليه أو الخوف من ذلك أو امتناع من عليه الحق من الترافع عنده.
(مسألة ١٦): لا يجوز للمقلد التصدي للقضاء وفصل الخصومة حتى على طبق فتوى مقلَّده، ولا يجوز الترافع له والتحاكم عنده، ولا ينفذ حكمه.
نعم، يجوز له بيان حكم الواقعة على طبق تقليد المتخاصمين، فمع وثوقهما بصدقه ومعرفته يجب عليهما العمل بقوله.
(مسألة ١٧): إذا مات المجتهد انعزل وكيله في الاُمور العامة التي يرجع إليه فيها كتولّي أموال القاصرين والاوقاف التي لا ولي لها وغير ذلك، بل لابد من تجديد وكالته من مجتهد عادل آخر.
(مسألة ١٨): الاحتياط في هذه الرسالة على قسمين:
الأول: الاحتياط الوجوبي، وهو الاحتياط الذي ليس معه فتوى بالسعة ويتخير المكلف بين العمل به والرجوع لمجتهد آخر، الاعلم فالاعلم مع الامكان، على التفصيل المتقدم.
الثاني: الاحتياط الاستحبابي، وهو الاحتياط الذي معه فتوى بالسعة، كما لو قيل: يجوز كذا والأحوط استحباباً تركه. أو قيل: الأحوط استحباباً ترك الشيء الفلاني وإن كان الظاهر جواز فعله. ويحسن من المكلف العمل بالاحتياط المذكور وإن كان له تركه والعمل على السعة.
(مسألة ١٩): قد يرد الاحتياط الوجوبي في بعض المستحبات، كما إذا قيل: الأحوط وجوباً في سجود الشكر السجود على المساجد السبعة. والمراد بذلك: أن سجود الشكر وإن كان مستحباً يجوز تركه من أصله إلا أن من أراد الإتيان به لا يحرز صحته إلا بالسجود على المساجد السبعة، فلو سجد على الجبهة فقط جاز إلا انه لا يحرز مشروعية سجوده وتحقق وظيفة سجود الشكر المستحب به.
(مسألة ٢٠): قد ترد في الرسالة العبارات التالية: الظاهر كذ، أو: الاظهر كذ، أو: لا يبعد كذ. والمراد بالجميع الفتوى بالامر المذكور. كما قد ترد العبارة التالية، وهي: الأولى كذ، والمراد بذلك رجحان الامر المذكور - ولو من غير جهة الشرع - من دون أن يكون لازم.
(مسألة ٢١): إن كثيراً من المستحبات المذكورة في هذه الرسالة يبتني استحبابها على ذكر العلماء لها أو ورود بعض الاخبار بها وإن لم تكن معتبرة السند، فيحسن الإتيان بها برجاء المطلوبية، وكذا الحال في المكروهات، فيحسن الترك لها برجاء الكراهة، ولا يجوز في المقامين الجزم بالاستحباب والكراهة.
هذ، وقد ورد في الاخبار الكثيرة المعتبرة عن الائمة (عليهم السلام) أن من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له أجر ذلك وإن لم يكن الامر على ما بلغه، ومن هنا لا ينبغي الزهد في العمل من أجل ضعف الدليل على استحبابه، لان المهم هو تحصيل الثواب. ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق.
كتاب الطهارة
وفيه مقاصد:
المقصد الأول
في الماء وأحكامه
ينقسم الماء إلى قسمين:
الأول: الماء المطلق، وهو ما يصح إطلاق لفظ الماء عليه من دون إضافة، كماء المطر وماء البحر وماء النهر وماء الابار والعيون والماء المقطر. فإنه يصح في جميع ذلك أن يقال: هذا ماء.
الثاني: الماء المضاف، وهو ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه إلا بالاضافة والتقييد، ومنه الماء المعتصر من بعض الاجسام كماء الليمون وماء الرمان وماء العنب، فإنه لا يصح أن يقال: هذا ماء، بل لابد أن يقال: هذا ماء الرمان أو ماء العنب أو نحو ذلك. ومنه الماء الذي يخلط به جسم آخر بقدر معتدّ به بحيث لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه إلا مقيَّداً به ومضافاً إليه، كماء السكر وماء الملح. ومحل الكلام هو الأول، وأما الثاني فلا يذكر إلا تبع.
إذا عرفت هذ، فيقع الكلام في ضمن فصول:
الفصل الأول
في طهارة الماء ونجاسته
الماء طاهر بالاصل، وهو بجميع أقسامه ينجس بملاقاة النجاسة إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته. وأما إذا لم يتغير بها فإنما ينجس بالملاقاة إذا كان قليلاً دون الكرّ ولم يكن له مادة، أما إذا بلغ الكرّ أو كان له مادة فإنه لا ينجس بملاقاة النجاسة من دون تغير. وهو المسمى بالماء المعتصم. هذا في غير المطر. أما المطر، فيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني.
(مسألة ١): إنما ينجس الماء القليل بملاقاة النجاسة مع استقراره، أما إذا كان متدافعاً بحيث يصدق عليه الجريان عرفاً باتجاه معيّن فلا ينجس منه إلا موضع الملاقاة، دون ما قبله. فإذا جرى من الاعلى للاسفل، ولاقى الاسفل النجاسة لم ينجس الاعلى، وإذا اندفع من الاسفل للاعلى - كما في النافورات - ولاقى الاعلى النجاسة لم ينجس الاسفل، وكذا إذا جرى من اليمين للشمال ولاقى جانب الشمال النجاسة لم ينجس من جانب اليمين، وهكذ.
(مسألة ٢): الماء القليل كما ينجس بملاقاة النجس ينجس بملاقاة المتنجس بجميع أقسامه.
(مسألة ٣): الكُرّ بحسب الحجم سبعة وعشرون شبراً مكعب. والأحوط وجوباً القياس بالشبر المقارب لربع المتر. وأما الكرّ بحسب الوزن فهو أربعمائة وأربعة وستون كيلو غراماً ومائة غرام، والأحوط استحباباً ما يزيد على ذلك قليلاً حتّى يبلغ أربعمائة وسبعين كيلو غرام.
(مسألة ٤): المراد بالماء الذي له مادة هو المتصل بغيره بحيث إذا نقص أمدّه، سواء جرى عليه، كالماء الذي تجري عليه الحنفية التي تأخذ من المخازن الكبيرة، أم نبع فيه، كماء الابار والعيون. ولابدّ فيها من اتصال المادة بالماء، ولا يكفي تقاطرها وترشحها عليه من دون اتصال.
(مسألة ٥): المادة إنما تمنع الماء من التنجس بملاقاة النجاسة إذا بلغت وحدها كر، ولا يكفي كرّية مجموع المائين، فإذا كانت المادة ثلاثة أرباع الكُر مثلاً وجرت على ماء يبلغ نصف كُر لم تمنع من تنجسه، بل ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير.
نعم، مع استقرار المائين وعدم تدافع أحدهما على الاخر يكفي كرّية المجموع في اعتصامه وعدم تنجسه بملاقاة النجاسة، كما في الغديرين المتصل أحدهما بالاخر بساقية ضيقة، وكما في المخازن الصغيرة المتصل بعضها ببعض باُنبوب صغير. كما أن المجموع حينئذٍٍ يصلح أن يكون مادة عاصمة، فإذا جرى منه على الماء القليل لم ينجس ذلك الماء بملاقاة النجاسة من دون تغير.
(مسألة ٦): لابد في التغير - الذي ينجس معه الماء وإن كان كر، أو كان له مادة - من أن يكون بأحد الصفات الثلاث - وهي اللون والطعم والرائحة - ولا يكفي التغير بغيرها كالثقل والثخانة وغيرهم. وكذا لابدّ من استناده للنجاسة، ولا يكفي استناده للمتنجس به، فإذا تنجس الدبس مثلاً بملاقاة الميتة، ثم وقع في الماء الكثير فغيَّر طعمه لم ينجس. إلا أن يكون من الكثرة بحدّ يخرج الماء عن كونه ماءً مطلقاً ويجعله ماءً مضاف.
نعم، لو كان التغير بوصف النجاسة الذي يحمله المتنجس تنجس الماء على الأحوط وجوب، كما لو أنتن المتنجس بملاقاة الميتة ثم وقع في الماء الكثير فأنتن الماء. أو لاقى الدمَ المتنجس فغيّر لونه، ثم وقع ذلك المتنجس في الماء
الكثير فتأثر الماء بلون الدم الذي يحمله المتنجس.
(مسألة ٧): لابدّ في تنجس الماء بالتغير من استناده لملاقاة النجاسة، ولا يكفي فيه التغير بسبب مجاورة النجاسة أو نحوها من دون ملاقاة.
(مسألة ٨): إذا تغير جانب من الماء الكثير بملاقاة النجاسة ولم يتغير الجانب الاخر لم ينجس الجانب غير المتغير إذا كان كراً أو متصلاً بالمادة.
(مسألة ٩): إذا شك في كُرية الماء فلا مجال للبناء على كُرّيته حتى لو كان معلوم الكُرّية سابقاً واُخذ منه حتى شك في بقاء كُرّيته، بل الأحوط وجوباً البناء على عدم كُرّيته، فينجس بملاقاة النجاسة ولو مع عدم التغير، ولا يكون مادة عاصمة للماء القليل.
(مسألة ١٠): إذا شك في أن للماء مادة بنى على عدم كونه ذا مادة. نعم إذا علم بسبق اتصاله بالمادة ثم احتمل انقطاعها عنه، بنى على أن له مادة.
(مسألة ١١): إذا تنجس الماء القليل لم يطهر بإضافة الماء إليه وإن بلغ الكُرّ، كما أن الكُرّ إذا تنجس بالتغير لم يطهر بزوال التغير عنه بنفسه أو بعلاج.
وينحصر تطهير الماء النجس غير المتغير - قليلاً كان أم كثيراً - باتصاله بالكُرّ الطاهر مع استقرار المائين، أو مع جريان الكُرّ الطاهر وتدافعه عليه، أما مع تدافع الماء النجس على الكُرّ الطاهر فلا يكفي الاتصال في تطهير النجس بتمامه، وإنما يطهر منه خصوص ما صار مع الطاهر واستقر معه بعد التدافع.
الفصل الثاني
في ماء المطر
ماء المطر طاهر ومعتصم في نفسه، ولا ينجس بملاقاة النجاسة حال سقوطه من الجو قبل استقراره، فإذا سقط على الموضع النجس فنضح منه على غيره لم ينجس المنتضح منه. نعم إذا لاقى المنتضح منه نجساً تنجس به. كما أنه إذا جرى من موضع سقوطه ولاقى نجساً تنجس به. إلا أن يستمر التقاطر ويستند الجريان لاستمراره، فلا ينجس الجاري حينئذٍٍ حتى ينقطع التقاطر. فإذا انقطع التقاطر حينئذٍٍ تنجس الجاري بملاقاة النجاسة إذا لم يكن كر.
(مسألة ١٢): إنما يجري حكم المطر على الماء إذا كان تقاطره من السماء مباشرة، أما إذا تقاطر على مكان ثم سقط منه على غيره لم يجرِ عليه حكم المطر، بل كان بحكم الماء القليل، كما لو تقاطر على ورق الشجر أو الخيمة ثم سقط منها على شيء آخر. نعم إذا جرى متصلاً بسبب التقاطر كان الجاري معتصماً ما دام التقاطر مستمر، كما تقدم.
(مسألة ١٣): ماء المطر بحكم المادة للماء المجتمع منه، فلا ينجس بملاقاة النجاسة ما دام التقاطر عليه مستمر.
(مسألة ١٤): إذا تقاطر ماء المطر على ماء نجس طهّره، وكان له بحكم المادة إذا كان التقاطر بمقدار معتدّ به، ولا تكفي القطرة والقطرتان ونحوه.
(مسألة ١٥): تقاطر المطر على غير الماء من المائعات - كالماء المضاف وغيره - لا يطهرها مهما كثر التقاطر، إلا أن تستهلك ويصدق على المتجمع أنه ماء عرف، فيطهر مع التقاطر عليه حين صدق الماء عليه.
(مسألة ١٦): إذا تقاطر المطر على الارض ونحوها من الاجسام الصلبة طهّرها إذا كانت نجسة بشرط أن يستولي على الموضع النجس، ولا يحتاج إلى التعدد وإن كانت النجاسة محتاجة للتعدد في غير المطر. وكذا يطهر باطنها بنفوذ الماء فيه حال استمرار التقاطر.
وكذا الحال في الفراش ونحوه، فإن ظاهره يطهر باستيلاء ماء المطر عليه، وباطنه يطهر بنفوذه فيه حال التقاطر، ولا يحتاج إلى العصر ولا إلى التعدد. نعم لو كان نفوذه بعد انقطاع التقاطر جرى عليه حكم التطهير بالماء القليل.
الفصل الثالث
في الماء المستعمل
في رفع الحدث أو الخبث
(مسألة ١٧): الماء المستعمل في الوضوء والغسل طاهر إذا لم تصبه نجاسة خارجية، سواء كان قليلاً أم كثير.
(مسألة ١٨): الماء المستعمل في الوضوء يطهِّر من الخبث وهو النجاسة. كما أنه يطهِّر من الحدث، فيصح الوضوء به والغسل.
(مسألة ١٩): الماء المستعمل في غسل الجنابة وغيره من الاغسال الواجبة لا يصح الوضوء ولا الغسل به، إلا أن يكون معتصماً كالكُرّ وذي المادة. وأما المستعمل في الغسل المستحب فلا بأس باستعماله في الوضوء والغسل، كماء غسل الجمعة إذا لم يصادف الجنابة ولم يكن رافعاً له.
(مسألة ٢٠): إذا كان عليه غسل واجب قد ضاق وقته وكان عنده ماء قليل لا يكفيه للغسل إلا بأخذ ما يتساقط منه وإكمال الغسل به، فالأحوط وجوبا
الغسل به بالنحو المذكور ثم التيمم ثم إعادة الغسل بعد وجدان الماء الكافي للغسل.
(مسألة ٢١): الماء المستعمل في التطهير من الخبث - وهو النجاسة - إذا كان قليلاً غير معتصم بمادة نجس، حتى ماء الغسلة التي يتعقبها طهارة المحل، كالغسلة الثانية في التطهير من البول. ولا يجوز استعماله في رفع الحدث ولا الخبث، بل هو منجّس لما يلاقيه.
(مسألة ٢٢): ماء الاستنجاء وإن كان نجساً إلا أنه لا ينجّس ما يلاقيه بشروط:
الأول: عدم تعدي النجاسة المغسولة به عن موضع الغائط المعتاد عند الاستنجاء. ولا بأس بالتعدي القليل الذي يلزم من الانتقال من موضع التخلي لموضع الاستنجاء.
الثاني: عدم تغيره بالنجاسة المغسولة به.
الثالث: عدم حمله لعين النجاسة بوجه غير متعارف من الكثرة. ولا بأس بحمله لاجزاء صغيرة متميزة بالنحو المتعارف في الاستنجاء.
الرابع: أن لا تصيبه نجاسة من الخارج. بل الأحوط وجوباً اشتراط أن لا تصيبه نجاسة من الداخل، كالدم الخارج مع الغائط المغسول حال الاستنجاء.
نعم، لا بأس بإصابة اليد الغاسلة له المتنجسة بملاقاة النجاسة حين الاستنجاء، كما لا بأس بما يتعارف من إصابته لبعض أجزاء الطعام غير المهضوم الخارج مع الغائط والمتنجس به.
(مسألة ٢٣): الأحوط وجوباً الاجتناب عن الموضع الذي يستقر فيه ماء الاستنجاء كالطشت والمنخفض من الارض، وترتيب أحكام النجاسة عليه.
الفصل الرابع
في الماء المشكوك
(مسألة ٢٤): إذا تردد المائع بين أن يكون ماءً مطلقاً وغيره فلا مجال لترتيب أحكام الماء المطلق عليه، بل يتعين استعمال ما يعلم بكونه ماءً مطلق، ومع الانحصار بالماء المشتبه يجمع المكلف بين الوضوء أو الغسل به والتيمم، وبعد تيسر الماء المعلوم كونه مطلقاً يعيد الوضوء أو الغسل.
(مسألة ٢٥): إذا علم بأن أحد المائعين ماء مطلق كفى تكرار الوضوء أو الغسل بهم، بل وجب ذلك مع انحصار الماء بهم.
(مسألة ٢٦): إذا شك في طهارة الماء بنى على طهارته. إلا أن يعلم بنجاسته سابقاً ويشك في تطهيره فإنه يبني على نجاسته حينئذٍٍ. وهكذا الحال في غير الماء.
(مسألة ٢٧): إذا كان عند المكلف ماءان يعلم بنجاسة أحدهما وطهارة الاخر لم يجز استعمالهما في التطهير من الحدث، بل ينتقل للتيمم، والأولى إهراقهما قبل التيمم.
الفصل الخامس
في الماء المضاف
الماء المضاف وغيره من المائعات لا تطهِّر من الحدث ولا من الخبث، وإذا لاقت نجساً تنجُس وإن كانت كثيرة أو ذات مادة، نعم مع التدافع لا تسري النجاسة للمتدافع منه، كما سبق في الماء المطلق.
(مسألة ٢٨): إذا تنجس المائع غير الماء المطلق لا يطهُر باتصاله بالكُرّ وغيره إلا أن يستهلك، نظير ما تقدم في المسألة (١٥) من فصل ماء المطر.
الفصل السادس
في الأسآر
الاسآر كلها طاهرة إلا سؤر نجس العين، كالكلب والخنزير. ويكره سؤر ما لا يحل أكل لحمه، خصوصاً الجلاّل وآكل الجيف والفأرة والحية والعقرب والوزغ وولد الزن، والمرأة الحائض والجنب غير المأمونتين على التطهير، بل مطلق الحائض خصوصاً في الوضوء بسؤرهم، ولا بأس بسؤر الهرة.
(مسألة ٢٩): يستحب سؤر المؤمن وهو شفاء، بل في النص الصحيح وغيره أنه شفاء من سبعين داءً.
(مسألة ٣٠): السؤر هو فضل شراب الحيوان وطعامه مما باشره برطوبة. لكن الحكم بالتنجيس فيما تقدم يعم كل ما باشره الحيوان برطوبة. سواء باشره بفمه أم بغيره من أجزائه.
المقصد الثاني
في أحكام الخلوة
وفيه فصول..
الفصل الأول
في أحكام التخلّي
يجب في حال التخلي - بل في جميع الاحوال - ستر العورة عن كل ناظر مميِّز عدا الزوج والزوجة، فإنه يجوز لكل منهما كشف كل منهما عورته للاخر، وكذا المالك ومملوكته إذا حلّ له نكاحه. وكذا الامة المحلَّلة بالنسبة إلى من حُلِّلت له، إذا كان التحليل يتناول كشف العورة أو النظر إليه.
(مسألة ٣١): المراد بالعورة في الرجل القضيب والبيضتان والدبر، وفي المرأة القبل والدبر.
(مسألة ٣٢): المراد بستر العورة ستر بشرته، ولا يضر ظهور الحجم، إلا أن يكون مثيراً للشهوة. ويكفي في الستر كل ما يمنع النظر حتى الظلمة.
(مسألة ٣٣): المعيار في التمييز كون الشخص ممن يقبح التكشف أمامه عرف، لكونه ممن يدرك قبح العورة. والأحوط وجوباً ستر العورة عن البالغ وان لم يكن مميزاً بالمعنى المذكور.
(مسألة ٣٤): يحرم النظر لعورة المؤمن، وكذا المخالف على الأحوط وجوب. دون الكافر إذا كان مماثل، فيجوز نظر الرجل لعورة الرجل الكافر،
ونظر المرأة لعورة المرأة الكافرة، دون العكس. نعم لابد أن لا يكون النظر إليها مثيراً للشهوة فإن كان مثيراً كان محرّم. أما النظر لعورة الكافر غير المماثل فلا يجوز حتى لو تعمد كشف العورة ولم يكن بريبة على الأحوط وجوب.
(مسألة ٣٥): يجوز النظر لعورة الطفل ما لم يبلغ مرتبة يقبح عرفاً في حقه أن ينظر إليه، بحيث يكون توهيناً عليه منافياً لكرامته فيجري عليه حكم الكبير.
(مسألة ٣٦): إذا احتمل وجود الناظر، فالأحوط وجوباً التحفظ والاحتراز من أن ينظر إلى العورة.
(مسألة ٣٧): لا يجوز النظر لعورة الغير من وراء الزجاجة ونحوها كالماء الصافي. بل الأحوط وجوباً ترك النظر إلى صورتها المنعكسة في المرآة ونحوه.
(مسألة ٣٨): إذا اضطر لكشف العورة أمام الغير للتداوي أو غيره فاللازم ترجيح المماثل على غيره مع الامكان. وكذا فيما لو اضطر للنظر إلى عورة الغير، فإنه يلزم ترجيح النظر لعورة المماثل مع الامكان.
(مسألة ٣٩): إذا دار الامر بين النظر للعورة والنظر لصورتها المنعكسة في المرآة ونحوها لزم اختيار الثاني.
(مسألة ٤٠): المشهور حرمة استقبال القبلة واستدبارها حال التخلي والتبول، لكن الظاهر الكراهة. ولا ينبغي للمؤمن ارتكاب ذلك. وفي الصحيح عن الإمام الرضا (عليه السلام): «من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالاً للقبلة وتعظيماً لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له».
(مسألة ٤١): لا يجوز قضاء الحاجة في الاماكن العامة الموقوفة لذلك مالم يحرز المكلف شمول الوقف له. ويكفي إخبار المتولي أو من يقوم مقامه في إدارة شؤون المكان بالشمول. وكذا ظهور حالهما في ذلك.
(مسألة ٤٢): الأحوط وجوباً عدم التخلي في المواضع التي توجب مزاحمة من له حق فيها - من دون ان يكون مالكاً - والاضرار به، كالتخلّي في الطرق إذا زاحم المارة أو أضرّ بهم، وعند أبواب الدور إذا زاحم صاحب الدار في دخوله إليها وخروجه منها أو أضرَّ به.
الفصل الثاني
في الاستنجاء
(مسألة ٤٣): لا يجزئ في التطهير من البول إلا الماء. ويجب صب الماء على الموضع الذي يصيبه البول مرّتين في القليل ومرة في غيره، ولا يجب الدلك أو نحوه إلا مع تلوّث الموضع بمادة غليظة متنجسة بالبول لا تزول بالصب، كالوذي والمذي. ولو شك في ذلك وجب الاحتياط بالدلك أو نحوه.
(مسألة ٤٤): يتخير في الاستنجاء من الغائط بين غسله بالماء والمسح بالاحجار أو الخِرق أو نحوهما مما يزيل عين النجاسة. والغسل بالماء أفضل. والأولى الجمع بتقديم المسح بالاحجار ونحوها ثم إتباعه بالغسل بالماء.
(مسألة ٤٥): إنما يجزئ المسح بالاحجار ونحوها بشرطين:
الأول: عدم تعدي الغائط عن المخرج بمقدار خارج عن المتعارف.
الثاني: عدم خروج نجاسة اُخرى مع الغائط - كالدم - بحيث يتنجس الموضع به.
(مسألة ٤٦): إذا زالت عين النجاسة بالمسح بأقل من ثلاثة أحجار أو نحوها فالأحوط وجوباً إكمالها حتَّى تبلغ ثلاثة أحجار أو نحوه.
(مسألة ٤٧): المسح بالحجر النجس إن أوجب تنجُّس الموضع به لوجود
الرطوبة المسرية - لم يجزِ في الاستنجاء، بل لابدّ بعد ذلك من الاستنجاء بالماء ولا يجزئ الحجر الطاهر، وإن لم يوجب تنجس الموضع، فالأحوط وجوباً عدم الاجتزاء به، لكن يكفي المسح بالحجر الطاهر بعده.
(مسألة ٤٨): الأحوط وجوباً عدم الاستنجاء بالعظم والروث. لكن لو استنجى المكلف بهما طهر المحل.
(مسألة ٤٩): يجب في الغسل بالماء إزالة عين الغائط وأثره، وهو الاجزاء الدقيقة والمادة الغروية المصاحبة له، ولا يجب إزالة اللون ولا الرائحة لو فرض تخلفهم. وأما مع المسح بالاحجار أو نحوها فيكفي إزالة العين دون الاثر ونحوه مما من شأنه أن لا يزول بالمسح.
الفصل الثالث
في آداب التخلي
يستحب للمتخلي - على ما تضمنته النصوص الشريفة وذكره علماء الطائفة (رضوان الله عليهم) - أن يكون بحيث لا يراه الناظر - ولو بالابتعاد عنه - وتغطية الرأس، وأفضل منه التقنع. كما يستحب له التسمية عند دخول بيت الخلاء وعند التكشف وعند الخروج من بيت الخلاء والدعاء بالمأثور، ففي النص الصحيح: «إذا دخلت المخرج فقل: بسم الله اللهم إني اُعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم، فإذا خرجت فقل: بسم الله الحمد لله الذي عافاني من الخبيث المخبث وأماط عني الاذى».
كما يستحب تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج. وأن يتكئ حال الجلوس على رجله اليسرى ويفرج اليمنى.
ويكره التخلي في الشوارع، ومشارع المياه، ونحوها من الاماكن التي
يستقى منها الماء، وتحت الاشجار المثمرة، وعند أبواب الدور إذا لم يزاحم أصحابها وإلا كان الأحوط وجوباً تركه، كما تقدم. وفي المواضع المعدّة لنزول القوافل، وقبلة المساجد وأفنيتها وهو ما اتسع أمامه.
كما يكره أن يستقبل الشمس والقمر بفرجه، خصوصاً حال البول. وأن يستقبل الريح ببوله. بل يكره استقبال الريح واستدبارها في حال التخلي والبول مع، والبول في الارض الصلبة ونحوها مما يوجب التعرض لنضح البول على البدن. والبول في ثقوب الحيوانات، وفي الماء، خصوصاً الراكد.
كما يكره حال الجلوس للتخلي الكلام بغير ذكر الله تعالى والاكل والشرب والسواك، والاستنجاء باليمين، وأن يكون في اليد التي يستنجي بها خاتم فيه اسم الله تعالى، بل يكره حال التخلي استصحاب الخاتم الذي فيه اسمه تعالى أو شيء من القرآن.. إلى غير ذلك مما ذكروه.
الفصل الرابع
في الاستبراء
يستحب للرجل إذا بال أن يستبرئ بتنقية المجرى مما تبقّى فيه من البول. والأحوط الأولى في كيفيته: أن يمسح بشيء من الضغط من المقعدة إلى أصل الذكر ثلاث، ثم يعصر أصل الذكر إلى طرفه - ويستحلب ما فيه من البول - ثلاث، ثم ينتر طرف الذكر ثلاث.
(مسألة ٥٠): إذا خرج من المكلف بعد البول بلل مشتبه مردد بين البول وغيره من المواد الطاهرة كالمذي، فإن كان قد استبرأ بنى على طهارته وعدم انتقاض وضوئه به لو كان قد توض، وإن لم يكن قد استبرأ بنى على نجاسته وانتقاض وضوئه به.
(مسألة ٥١): يلحق بالاستبراء في الفائدة المذكورة ما إذا علم بنقاء المجرى من البول لعصر أو حركة أو طول مدة أو غيره.
(مسألة ٥٢): إذا شك من لم يستبرئ في خروج البلل منه بنى على عدمه، وعلى طهارة المخرج إن كان قد طهّره، وعلى عدم انتقاض وضوئه إن كان قد توض.
(مسألة ٥٣): إذا علم من لم يستبرئ بخروج المذي ونحوه من المواد الطاهرة وشك في خروج البول معه بنى على عدم خروجه، وعلى طهارة البلل الخارج، وعدم انتقاض الوضوء به لو كان قد توض.
فما سبق من البناء على النجاسة وانتقاض الوضوء مختص بما إذا لم يعلم بنوع البلل الخارج، دون ما إذا علم بأنه من النوع الطاهر وشك في خروج البول معه.
(مسألة ٥٤): إذا شك المكلف في أنه هل استبرأ أو لم يستبرئ بنى على أنه لم يستبرئ حتَّى لو كان من عادته أن يستبرئ، إلا أن يكون منشأ الشك الوسواس. وكذا لو شك في أنه استنجى أو ل، فإنه يبني على أنه لم يستنج حتَّى لو كان من عادته أن يستنجي، إلا مع الوسواس أيض.
(مسألة ٥٥): إذا استبرأ أو استنجى ثم شك في وقوع الاستبراء أو الاستنجاء على الوجه الصحيح بنى على الصحة.
(مسألة ٥٦): لا استبراء على المرأة، والبلل الخارج منها محكوم بالطهارة، فلا يجب الوضوء منه إلا أن تعلم باشتماله على البول. نعم الأولى لها أن تصبر قليلاً وتتنحنح ثم تعصر موضع البول عرضاً وتستنجي بعد ذلك.
المقصد الثالث
في الوضوء
وفيه فصول..
الفصل الأول
في نواقض الوضوء
ينتقض الوضوء ويصير الإنسان محدِثاً باُمور:
الأول والثاني: خروج البول والغائط من القبل والدبر. والأحوط وجوباً عموم الحكم لخروجهما من غير الموضعين، سواء كان خروجهما منه معتاداً بسبب طارئ أم من غير اعتياد إذا كان يصدق على الخارج أنه بول أو غائط. والمعيار على خروجهما عن حدّ الجسم وإن كان محبوساً بانبوب أو كيس أو نحوهم.
الثالث: خروج الريح من الدبر. والأحوط وجوباً عموم الحكم لما يخرج من غيره إذا كان من شأنه أن يخرج من الدبر. ولا عبرة بما يخرج من القبُل ولو مع الاعتياد.
الرابع: النوم الغالب على العقل. سواء حصل حال القيام أم القعود أم الاضطجاع. ولو شك المكلف في أن ما حصل له نوم أو لا بنى على أنه نوم مع غلبته على السمع.
الخامس: كل ما غلب على العقل من جنون أو إغماء أو سكر أو غيره، على الأحوط وجوب.
السادس: الاستحاضة، على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٥٧): خروج ماء الاحتقان لا ينقض الوضوء وكذا خروج الدم أو القيح أو نحوهما إلا أن يعلم أن معه شيئاً من البول أو الغائط.
(مسألة ٥٨): لا ينتقض الوضوء بالمذي أو الودي أو الوذي. قيل: والأول ما يخرج بعد الملاعبة، والثاني ما يخرج بعد البول، والثالث ما يخرج بعد المني. ولا يهم تحديدها بعد انحصار الناقض بما سبق.
(مسألة ٥٩): إذا شك في حصول أحد النواقض المتقدمة بنى على عدمه. وكذا لو علم بخروج شيء من السبيلين وتردد بين الناقض وغيره فإنه يبني على عدم خروج الناقض إلا في خروج البلل المشتبه مع عدم الاستبراء، على ما تقدم في الفصل الرابع من أحكام الخلوة.
الفصل الثاني
في أجزاء الوضوء
الوضوء عبارة عن غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، فيقع الكلام في اُمور:
الأول: يجب غسل الوجه، وحدّه طولاً ما بين منبت شعر الرأس وأسفل الوجه، وهو طرف الذقن، وحده عرضاً ما دارت عليه الابهام والاصبع الوسطى. والأحوط وجوباً غسل شيء مما خرج عن الحد لاحراز استيعاب الغسل لما دخل في الحد.
(مسألة ٦٠): الأحوط وجوباً الابتداء من أعلى الوجه نازلاً إلى أسفله، وعدم الاجتزاء بالغسل منكوس. نعم لا يجب التدقيق في ذلك، بل يكتفى بصدق الغسل من الاعلى للاسفل عرف.
(مسألة ٦١): غير مستوي الخلقة - لكبر الوجه أو لصغره أو لطول الاصابع أو قصرها - يرجع إلى متعارف الخلقة، فيغسل من أطراف الوجه ما يغسله متعارف الخلقة. وكذا الاغم الذي ينبت الشعر على جبهته والاصلع، فإنهما يغسلان طولاً ما يغسله متعارف الخلقة.
(مسألة ٦٢): إذا أحاط الشعر بموضع من البشرة وسترها - كاللحية والشارب والحاجبين - لم يجب البحث عن البشرة وإيصال الماء إليه، بل يكفي جريان الماء على الشعر الظاهر. وإذا كان الشعر غير ساتر للبشرة - كالشعرات المتفرقة والشعر الرقيق - لم يجب غسله ووجب غسل البشرة لا غير، فلو كان على الشعر المذكور حاجب يمنع من وصول الماء إليه ولا يمنع من وصول الماء للبشرة لم يجب رفعه ولا إزالة الشعر المذكور.
(مسألة ٦٣): إنما يجب في الوضوء غسل الظاهر، الذي يصله الماء بإجرائه عليه - ولو بمعونة اليد ونحوها - من دون حاجة إلى بحث وعناية، ولا يجب غسل الباطن كباطن الانف والفم، وكذا مثل ثقبة الانف التي تجعل فيها الحلقة إلا أن تكون ظاهرة يصلها الماء بإجرائه وبإمرار اليد من دون عناية، وكذا لا يجب غسل باطن العين ومطبق الجفنين والشفتين.
(مسألة ٦٤): لو شك في شيء أنه من الظاهر أو من الباطن وجب غسله.
(مسألة ٦٥): الشعر النابت خارج الحد إذا تدلّى على ما دخل في الحد لا يجب غسله، بل يجب غسل ما تحته لا غير. كما أن الشعر النابت في الحد إذا استرسل وخرج عن الحد - كشعر اللحية - لم يجب غسل المقدار الخارج منه عن الحد، وأما الداخل في الحد فإن ستر البشرة وجب غسله، وإن لم يسترها وجب غسل البشرة على ما تقدم في المسألة (٦٢).
(مسألة ٦٦): يجب التأكد من استيعاب الوجه بالغسل بملاحظة الاماكن
التي قد تتعرض لوجود الحاجب المانع من وصول الماء للبشرة، كأطراف العينين التي قد يتجمع فيها من آثار الدمع ما يكون مانعاً فيجب إزالته، وكذا كلما شك في وجود المانع أوعلم بوجود شيء وشك في مانعيته فإنه يجب الفحص عنه والعلم بإيصال الماء للبشرة في موضعه.
(مسألة ٦٧): تجب إزالة الصبغ والدهن ونحوهما مما يوضع للزينة أو التداوي أو غيرهما إن كان له جرم يمنع من وصول الماء للبشرة، وإن لم يكن كذلك للطافته ورقّته أو لنفوذ الماء فيه لا يجب إزالته، بل يجتزأ بالغسل مع بقائه. وكذا الحال في الوسخ.
الثاني: يجب غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الاصابع. والمراد بالمرفق هو مجمع عظمي الذراع والعضد، ويجب إدخاله في المغسول.
(مسألة ٦٨): يجب في الغسل الابتداء من المرفقين نازلاً إلى أطراف الاصابع بحيث يحصل الترتيب بالنحو المذكور عرف، ولا يجوز النكس.
(مسألة ٦٩): إذا قطعت اليد فإن بقي منها شيء مما يجب غسله قبل القطع وجب غسله، وإن لم يبق منه شيء فالأحوط وجوباً غسل ما بقي من العضد، وإن قطعت من الكتف سقط غسله.
(مسألة ٧٠): يجب غسل الزوائد النابتة دون المرفق مما يُعدّ من توابع اليد كالاصبع واللحمة الزائدتين. وكذا الحال فيما يقطع من اليد أو الوجه إذا بقي معلّقاً بجلدة، فإنه يجب غسله، ولا يجب فصله إذا أمكن.
(مسألة ٧١): الشقوق التي في اليد إن كانت معدودة من الظاهر وجب غسلها وإلا لم يجب، وكذا ما تحت الاظفار. وقد تقدم المعيار في الظاهر والباطن في المسألة (٦٣). كما تقدم في المسألة (٦٦) و (٦٧) حكم المانع والطلاء ونحوه.
(مسألة ٧٢): لا يجب الدلك في غسل الوضوء، بل يكفي وصول الماء
واستيعابه للبشرة بنحو الترتيب المتقدم. فيكفي جعل العضو تحت الحنفية ونيّة الوضوء بجريان الماء من الاعلى للاسفل، كما يكفي جعله تحت المطر كذلك إذا استوعب العضو بتمامه وجرى الماء عليه بنحو الترتيب المتقدم.
(مسألة ٧٣): يكفي غسل العضو بنحو الارتماس إما برمس العضو من الاعلى إلى الاسفل، أو برمسه بتمامه من دون نية الوضوء، وتبدأ نيّة الوضوء بنحو الترتيب بأحد وجهين:
الأول: بجريان الماء باتجاهه، فإذا كان اتجاه جريان النهر من الشمال إلى الجنوب وضع مبدأ العضو المغسول باتجاه الشمال وآخره باتجاه الجنوب ونوى الوضوء بجريان الماء عليه من أوله لاخره وانتظر حتَّى يمر الماء من أول العضو لاخره تدريج.
الثاني: بتحريك العضو في الماء بنحو يمر الماء من أوله لاخره تدريج. وكذا باخراج العضو من الماء تدريجاً فيدخل اليد مثلاً ثم يخرجها من المرفق إلى أطراف الاصابع تدريجاً ناوياً الوضوء بالاخراج.
نعم، يشكل المسح باليد المغسولة بإجراء الماء أو برمسه، على ما يأتي في المسألة (٧٦) بيانه إن شاء الله تعالى.
الثالث: يجب مسح مقدم الرأس. وحدّه طولاً من أعلى الرأس إلى قصاص الشعر وعرضاً ما يوازي الجبهة.
(مسألة ٧٤): المقدار الذي يجب مسحه من المقدم هو المسمى، فيكفي المسح بإصبع واحدة قليل. نعم الأحوط استحباباً أن يكون بعرض ثلاث أصابع وطول إصبع.
(مسألة ٧٥): الأحوط وجوباً المسح بباطن الكف اليمنى، فلو تعذّر فالأحوط وجوباً المسح بظاهره، فإن تعذّر فالأحوط وجوباً المسح بباطن الذراع،
فإن تعذّر فبظاهره. ومع تعذّر المسح باليمنى يمسح باليسرى على الترتيب المتقدم.
(مسألة ٧٦): يجب المسح بما تبقّى في اليد من بلّة غسل الوضوء، ولا يجوز أخذ ماء جديد والمسح به. كما أن الأحوط وجوباً عدم اختلاط بلة اليد بغير ماء الوضوء بحيث يكون المسح بهما مع. بل الأحوط وجوباً أيضاً عدم اختلاط بلّة اليد بماء بقية الاعضاء بعد إكمال الغسل الوضوئي. نعم لا بأس بما هو المتعارف من الاستمرار في غسل اليسرى للاحتياط أو لتعوّد ذلك وإن استلزم اختلاط مائها بماء اليمنى.
ويترتب على ذلك أمران:
الأول: أن لا يكون على موضع المسح بلل كثير يختلط ببلة اليد بحيث يكون المسح عرفاً بالبلّتين مع. نعم لا بأس بالبلل القليل الذي يستهلك في بلة اليد، بحيث يكون المسح عرفاً ببلّة اليد وحده. وأولى بالجواز من ذلك ما إذا كان على موضع المسح رطوبة غير مسرية.
الثاني: أنه إذا كان غسل اليدين بإجراء الماء عليهما أو برمسهما في الماء فالغالب كثرة الماء الجاري بعد إكمال غسل اليد، أو نزول الماء من الذراعين للكفين حين إخراج اليد من الماء بعد رمسها فيه، وحينئذٍٍ يشكل المسح باليد لعدم كون بلّتها من ماء الوضوء وحدَه.
ومن هنا يتعيّن لمن يتوضأ بإجراء الماء على العضو أو برمس العضو في الماء أن يستثني قسماً من اليد اليسرى فلا ينوي وضوءها بذلك، بل يستعين باليد اليمنى لاكمال غسله. فإن تعذّر ذلك - لشلل أو عضب أو نحوهما - تحفّظ من كثرة الماء عند الوصول للكفين، فلا ينوي غسلهما بإجراء الماء عليهما أو بإخراجهما من الماء بعد الرمس، بل ينوي غسلهما بعد ذلك بماء قليل ولو بأن يبل قطعة من القماش وينوي غسل الكف بإمراره عليه. وبذلك يرتفع
الاشكال الذي أشرنا إليه في آخر المسألة (٧٣).
(مسألة ٧٧): لو جفّ ما على اليد من البلل لعذر - من نسيان أو حرارة الهواء أو غيرهما - أخذ من بلة الوضوء في اللحية أو أشفار العين أو الحاجبين أو غيرها من مواضع تجمّع البلل، ولا بأس بالاخذ من اللحية حتَّى ما خرج منها عن الحد، كجانبي العارضين وما نزل عن الذقن.
(مسألة ٧٨): لو كانت وظيفته المسح بباطن الكف مثلاً فجفّ ما عليه من البلل وبقي البلل على ظاهر الكف فالأحوط وجوباً الجمع بين المسح بظاهر الكف وأخذ البلل من بقية أعضاء الوضوء بباطنها والمسح به. وكذا الحال في بقية المراتب المتقدمة في المسألة (٧٦) فمع جفاف البلل فيما هو متقدم رتبةً دون المتأخر يجمع المكلف بين المسح بالمتأخر رتبةً وأخذ البلل من بقية أعضاء الوضوء بباطن الكف والمسح به.
(مسألة ٧٩): لو تعذّر حفظ بلّة الوضوء للمسح لحَر أو نحوه فالأحوط وجوباً الجمع بين المسح بماء جديد والتيمم.
(مسألة ٨٠): يجوز المسح بأي وجه اتفق ولو منكوساً أو منحرفاً أو عرض.
(مسألة ٨١): يجوز المسح على الشعر النابت في مقدَّم الرأس، لكن لابد من كون الموضع الممسوح منه هو مالم يخرج عن المقدَّم، إما لكونه قصيراً لا يخرج عن المقدّم، أو لكونه طويلاً مع كون المسح على اُصوله غير الخارجة عن المقدَّم، أو مع التفافه وتجعده بحيث يكون مقتضى طبعه عدم خروجه عن المقدَّم حتَّى لو أمكن خروج موضع المسح عن المقدَّم بجرّه ومدّه بعناية.
نعم لا يجوز المسح على أطراف الشعر الخارجة عن المقدَّم. بل الأحوط وجوباً عدم المسح عليها حتَّى لو اُرجعت إلى المقدم وقلبت عليه إذا لم يكن ذلك مقتضى وضعها الطبيعي.
(مسألة ٨٢): لا يجوز المسح على الحائل وإن كان رقيقاً لا يمنع من وصول البلل لما تحته، ومع تعذر رفعه فالأحوط وجوباً المسح عليه وضمّ التيمم.
الرابع: يجب مسح ظاهر القدمين من أطراف الاصابع إلى الكعبين، وهما قبتا القدمين، وإن كان الأحوط استحباباً المسح إلى مفصل الساق. ويجزئ المسمى عَرضاً ولو بقدر إصبع أو دونه. ويستحب المسح بتمام الكف.
(مسألة ٨٣): الأحوط وجوباً مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، مع تقديم اليمنى على اليسرى.
(مسألة ٨٤): المقطوع منه بعض القدم يمسح الباقي مما دخل في الحد، ولو قطع من الكعب فالأحوط وجوباً مسح ما بقي من ظهر القدم.
(مسألة ٨٥): يكفي المسح بإمرار اليد على القدم بالنحو المتعارف، من دون حاجة للتدقيق وإحراز وصول البلة للمواضع المتعرجة أو لما تحت الشعر.
(مسألة ٨٦): لا يجوز المسح على الحائل إلا لبرد أو تقية من المخالفين.
(مسألة ٨٧): يكفي في التقية الخوف على النفس أو المؤمنين من الضرر، بل يكفي فيها التحبب للمخالفين وحسن معاشرتهم ومخالطتهم تجنباً لشرهم ولو بلحاظ الامد البعيد. نعم لا تشرع لمحض التزلف، كما إذا علموا مذهب أهل الحق في المسألة وعلموا بأن المكلَّف منهم ولم يكن من حالهم طلبُ متابعته لهم وترك ما يقتضيه مذهبه، فإنه لا تجزئ متابعتهم حينئذٍٍ بل قد تحرم تكليف، لما فيها من توهين مذهب أهل الحق.
(مسألة ٨٨): إذا أمكن المكلف في مورد التقية أن يوهم من يتقي منه العملَ على طبق التقية، مع إتيانه بالعمل التام في الواقع وجب ذلك، ولم يُجزِئه العمل على مقتضى التقية إذا التفت لذلك.
(مسألة ٨٩): إذا دار الامر في التقية بين المسح على الحائل وغسل الرجلين اختار الثاني. لكن لو غفل المكلف عن ذلك وتخيلَ انحصار التقية بالمسح على الحائل فمسح عليه أجزأه.
(مسألة ٩٠): إذا غفل عن تحقق موضوع التقية فخالفها وأتى بالعمل التام صح وضوؤه، وكذا إذا التفت لذلك وكانت التقية غير واجبة باعتقاده. نعم إذا اعتقد وجوبها وتعمَّد مخالفتها عصياناً بطل وضوؤه.
(مسألة ٩١): يجوز مسح الرجلين تدريجاً بأن يضع كفه على الاصابع ويجرّها إلى الكعبين، كما يجوز دفعةً بأن يضع كفه ابتداءً على تمام موضع المسح من القدم ثم يجرّها قليل، لكن الأولى الأول.
(مسألة ٩٢): يجوز النكس في مسح الرجلين بأن يبتدئ من الكعب وينتهي بأطراف الاصابع. وأما المسح عرضاً - بأن يضع كفه على تمام موضع المسح ابتداء ويمسحها إلى اليمين أو اليسار - فلا يخلو عن إشكال فالأحوط وجوباً تركه.
(مسألة ٩٣): يكفي في غسل الوضوء ايصال اقل ما يصدق عليه الماء للعضو المغسول بحيث يستوعبه ولو بمعونة اليد وبمثل الدهن، ولا يجب تكثير الماء بحيث يجري على العضو المغسول لكثرته. نعم لا يكتفى بايصال الرطوبة إذا لم يصدق عليها الماء. ويجري ذلك في الغسل باقسامه عدا غسل الميت، كما يأتي في محله ان شاء الله تعالى.
الفصل الثالث
في شروط الوضوء
يشترط في الوضوء اُمور:
الأول: إطلاق الماء، وقد تقدم توضيحه في أول كتاب الطهارة.
الثاني: طهارة الماء.
(مسألة ٩٤): إذا كان العضو الوضوئي نجساً فإن كان الماء قليلاً غير معتصم لم يمكن غسل ذلك العضو به للوضوء إلا بعد تطهيره من النجاسة، لانه ينجس الماء القليل بصبه عليه، فلا يصلح لان يتوضأ به، وإن كان الماء معتصماً - لكونه كُراً أو له مادة - أمكن تطهير العضو من النجاسة والوضوءُ به دفعة واحدة، فلو وضع العضو النجس تحت ماء الاسالة مثلاً ونوى الوضوء بذلك طهُر العضو وتحقق الوضوء، نعم الأحوط استحباباً تطهيره أول، ثم غسله للوضوء بعد ذلك.
الثالث: عدم استعمال الماء في رفع الحدث الاكبر، على تفصيل تقدم في الفصل الثالث من مقصد الماء وأحكامه.
الرابع: النية، وهي تتقوم بأمرين:
أحدهما: قصد الوضوء بالغسل والمسح، فلو غسل الاعضاء أو مسحها من دون أن ينوي الوضوء لم يتحقق الوضوء.
(مسألة ٩٥): يكفي نية الوضوء إجمال، فلو أراد شخص أن يتعلم
الصلاة مثلاً فرأى رجلاً يتوضأ ويصلي ففعَل مثله ناوياً متابعته فيما فعل صح منه الوضوء وإن لم ينوِ الوضوء بعنوانه لجهله به، لان نية المتابعة ترجع إلى نية الوضوء إجمال.
ثانيهما: قصد التقرب لله تعالى بالوضوء، بحيث يكون الداعي للوضوء هو التقرب. ولازم ذلك عدم وقوعه بوجه محرَّم إذا التفت المكلف إلى ذلك، لتعذر التقرب بالمحرم. هذا ولوقوع الوضوء بالوجه المحرم صور:
الاُولى: أن يكون الوضوء استعمالاً لاناء الذهب أو الفضة، لما يأتي في مبحث الاواني من حرمة استعمال الاناء المتخذ منهم.
الثانية: أن يلزم من الوضوء التصرف في المغصوب، إما لكون الماء أو إنائه مغصوب، أو لكون المكان أوالفضاء الذي يقع فيه الوضوء مغصوب، أو لانه يلزم جريان الماء في مكان أو طشت مغصوب أو لكون ثوب المتوضئ مغصوباً بحيث يلزم من الوضوء تحركه والتصرف فيه أو غير ذلك من صور لزوم التصرف بالمغصوب من الوضوء.
الثالثة: أن يلزم من الوضوء الوقوع في ضرر يحرم إيقاع النفس فيه. وكذا لو وجب حفظ الماء لخوف عطش مضر بنفس محترمة يجب المحافظة عليه، إلى غير ذلك من صور وقوع الوضوء بوجه محرَّم، فإن الوضوء يبطل لامتناع قصد التقرب بما هو محرَّم.
نعم، لو غفل عن حرمة التصرف اللازم من الوضوء - ولو للتقصير في الفحص عن الحكم الشرعي - وتحقق منه قصد التقرب صح الوضوء. وهذا جار في جميع العبادات التي يعتبر فيها قصد التقرب، كما يأتي الاشارة إليه عند التعرض لكل منها إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٩٦): إذا كان قصد الوضوء مستلزماً للعزم على فعل الحرام
امتنع التقرب به وبطل، كما لو توضأ في مكان مباح يلزم من إكمال الوضوء فيه الخروج من طريق مغصوب يحرم العبور فيه فشرع في الوضوء ملتفتاً لذلك. وهذا يجري في جميع العبادات أيض.
(مسألة ٩٧): المراد من التصرف في المغصوب كل تصرف مناف لحق الغير ممن هو محترم شرع، وله صور:
الاُولى: أن يكون الغير مالكاً للعين التي يقع التصرف فيها ولو بأن يكون شريكاً فيه.
الثانية: أن يكون الغير مالكاً لمنفعته، كما لو كان مستأجراً للدار التي يقع التصرف فيه.
الثالثة: أن يتعلق له حق فيها يكون التصرف منافياً له، كالعين المرهونة للغير حيث لا يجوز التصرف فيها بدون رضاه، وكتركة الميت المدين التي يتعلق بها حق الدائنين، وكذا تركة الميت التي تعلقت بها وصيته، حيث لا يجوز التصرف فيها قبل إنفاذ الوصية إلا بإذن الوصي. وكالمال المتعلَّق للخمس والزكاة، حيث لا يجوز التصرف فيه إلا على تفصيل مذكور في كتابي الزكاة والخمس. ومنه التصرف في الاوقاف على خلاف مقتضى وقفيته، إلى غير ذلك مما يمنع من سلطنة المكلف على التصرف.
(مسألة ٩٨): إذا كان التصرف منافياً لحق الغير لم يحل التصرف إلا بإذنه - الصريح أو المعلوم من ظاهر حاله - أو العلم من حاله أنه لو عَلِم بالتصرف لرضي به. هذا إذا كان مستقلاً بالتصرف أما إذا كان قاصراً لصغر أو جنون أو غيرهما فاللازم مراجعة وليّه الشرعي.
(مسألة ٩٩): لو شك في إذن صاحب الحق أو رضاه لم يحلّ له التصرف، وكذا إذا شك المكلف في دخوله في الموقوف عليهم، على ما تقدم في المسألة(٤١)
من فصل أحكام التخلي.
(مسألة ١٠٠): يجوز الوضوء والصلاة وغيرهما تحت السقف المغصوب والخيمة المغصوبة إذا لم يكن الفضاء الذي تحتها مغصوب، فمن غصب خيمة ونصبها في الصحراء مثلاً فعَل محرّم، ولكن يصح وضوؤه وصلاته تحته. نعم إذا نصب شخص خيمة في الصحراء صار له أولوية التصرف في المكان الذي تشغله وإن لم يملكه، فلا يجوز لغيره الانتفاع بالمكان والتصرف فيه بالوضوء وغيره بغير إذنه ورضاه.
(مسألة ١٠١): إذا توضأ وضوءاً يستلزم التصرف في المغصوب ملتفتاً لحرمة عمله بطل وضوؤه، ولا ينفع في صحته إرضاء المالك بعد ذلك وتحليله من تبعة التصرف.
(مسألة ١٠٢): يجوز التصرف - بمثل الوضوء والصلاة - في الاراضي المكشوفة المعرَّضة لمرور عامة الناس. وكذا يجوز استعمال المياه المكشوفة المعرَّضة لاستعمال عامة الناس وإن لم يحرز رضا المالك في الجميع.
(مسألة ١٠٣): إذا كان ماء المسجد - مثلاً - وقفاً على المصلين فيه حرم الوضوء منه بدون نية الصلاة فيه، ولو توضأ منه بدون نية الصلاة في المسجد بطل وضوؤه مع التفاته لحرمة ذلك، ولا ينفع في تصحيحه أن يصلي في ذلك المسجد، ولو توضأ بنية الصلاة في ذلك المسجد صح وضوؤه، ولو بدا له بعد الفراغ من الوضوء أن لا يصلي فيه لم يجب عليه الصلاة فيه ولم يبطل وضوؤه. وكذا لو توضأ غفلة عن وقفيته بالنحو المذكور أو غفلة عن حرمة الوضوء في هذا الحال فإنه يصح وضوؤه ولا يجب عليه الصلاة في ذلك المسجد لو علم بالحال بعد الوضوء.
(مسألة ١٠٤): إذا اعتقد المكلف حرمة التصرف بالماء أو في المكان
فتوضأ به بطل وضوؤه، وليس له الاجتزاء به حتَّى لو ظهر له بعد ذلك عدم حرمة التصرف، لعدم كونه مغصوب، أو لرضا المالك بالتصرف، وكذا الحال لو شك في الحرمة ولم يكن له مسوِّغ شرعي للعمل، كما لو شك في رضا المالك بالتصرف، فإن وضوءه يبطل حتَّى لو انكشف بعد ذلك رضا المالك بتصرفه.
(مسألة ١٠٥): لابد من الخلوص في النية، فلو قصد الرياء وحده أو مع التقرب لله تعالى بطل العمل. والمراد بالرياء المحرم أو المبطل هو أن يعمل المكلف من أجل أن يراه الناس متديّن، وترتفع منزلته الدينية عندهم. نعم إذا كان الغرض من ذلك دفع شرهم وإضرارهم به واعتدائهم عليه ظلماً فلا بأس به.
(مسألة ١٠٦): إذا أتى بالعمل بنيّة القربة خالصةً من دون رياء، ثم خطر في باله أن ذلك يرفعه عند الناس لم يضر ذلك في صحة العمل بعد أن لم يكن عمله من أجل ذلك، بل قد يكون ذلك من وساوس الشيطان ليصدّه عن العمل، فليتعوّذ بالله تعالى منه وليستمر في عمله.
(مسألة ١٠٧): لا يضر في التقرب نية الضمائم الراجحة شرعاً كإرضاء الوالدين بالعمل واستجلاب دعائهما أو دعاء المؤمنين، وتعليم الجاهلين، بل ذلك يؤكد التقرب. كما لا يضر أيضاً نية الضمائم المباحة كالتبرد.
(مسألة ١٠٨): لا يعتبر نية الوجوب ولا الندب ولا نية رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو غيره.
(مسألة ١٠٩): لا يجب في النية التلفظ بمؤداه، بل موقعها النفس. كما أنها لا تحتاج إلى تكلف واستحضار، بل يكفي حصولها بمقتضى طبع المكلف وارتكازه، بحيث لو سئل لاجاب بأني اُريد الوضوء قربة لله تعالى. وكذا الحال في سائر العبادات.
الخامس من شروط الوضوء: مباشرة المتوضئ للغسل والمسح. فلو
وضأه غيره بطل.إلا مع تعذّر المباشرة عليه، فيجتزئ بذلك. والذي يتولي النية حينئذٍٍ هو المتوضئ لا الموضّئ. وإن كان الأحوط استحباباً ضم نية الموضئ إليه أيض. كما أنه لابد من تسبيب المتوضئ لفعل الغير بأن يطلبه منه، أو تمكينه من أن يوضئه، ليتسنّى له قصد الوضوء وتقربه به.
(مسألة ١١٠): كيفية توضئة الغير للعاجز عن المباشرة: أن يغسل وجهه ويديه كيف اتفق ثم يأخذ المباشر يد العاجز فيمسح بها وجهه ويديه، فإن تعذر ذلك جفف المباشر يده ثم أخذ بها الماء من يد العاجز بعد غسلها فمسح بها رأس العاجز ورجليه. فإن تعذر عليه أخذ الماء من يد العاجز مسح المباشر رأس العاجز ورجليه بماء يده المتبقّي فيها بعد غسله لوجه العاجز ويديه. والأحوط وجوباً في هذه الصورة الاخيرة ضم التيمم.
السادس: الموالاة، وهي التتابع بين أجزاء الوضوء، بمعنى عدم الفصل بنحو يلزم جفاف تمام السابق قبل البدء باللاحق، فلو جفّ لقلة الماء أو لحرارة الهواء أو نحوهما من دون فصل عرفي لم يضر. ولا يضر المشي والكلام ونحوهما في الاثناء مع عدم الجفاف.
(مسألة ١١١): الأحوط وجوباً عدم الاكتفاء ببقاء الرطوبة فيما خرج عن الحد من اللحية أو غيره. وكذا بقاء الرطوبة في الباطن الذي لا يجب غسله وإن دخل في الحد كباطن اللحية.
(مسألة ١١٢): لو استأنف الوضوء قبل فوات الموالاة صح الوضوء المستأنف. وكذا لو استأنفه احتياطاً لاحتمال فوت الموالاة. ولا يجب حينئذٍٍ تجفيف الاعضاء قبل استئناف الوضوء.
(مسألة ١١٣): لو شك في فوت الموالاة لاحتمال الجفاف بنى على عدمه، واجتزأ بإتمام وضوئه.
السابع: الترتيب بين الاعضاء، فيغسل الوجه أولاً ثم اليد اليمنى ثم اليد اليسرى ثم يمسح الرأس ثم الرجلين. والأحوط وجوباً تقديم مسح اليمنى على مسح اليسرى. وكذا يلزم الترتيب في كل عضو مغسول بالبدء بالاعلى فالاعلى، على ما تقدم في فصل أجزاء الوضوء.
(مسألة ١١٤): لو أخل بالترتيب فمع عدم فوت الموالاة يكتفي بإعادة ما قدّمه على ما يحصل معه الترتيب وإلا استأنف الوضوء، مثلاً لو غسَل وجهه وغسَل اليد اليسرى فإن بقي بلل على وجهه كفاه غسل اليد اليمنى ثم يعيد غسْل اليسرى ويتم وضوءه، وإن جفّ وجهه استأنف الوضوء.
(مسألة ١١٥): لو أخلّ بالترتيب في نفس العضو - كما لو غسل الكف قبل أن يغسل الذراع - جرى فيه ما سبق، فمع عدم فوت الموالاة يتم غسل العضو على الترتيب المتقدم من غسل الأعلى فالأعلى ثم يتم وضوءه، ولا يكتفي بتدارك خصوص الجزء الذي أخل به على الأحوط وجوب. ومع فوت الموالاة يستأنف الوضوء. وكذا الحال لو أخل ببعض العضو، كما لو غسل الكف ولم يغسل الذراع.
الفصل الرابع
في الجبائر
وهي في الاصل ما يجبر به العظم عند الكسر من الاخشاب أو العظام التي تشد على موضع الكسر، والمراد بها هنا كل ما يشد على البدن لكسر أو خلع أو جرح أو غيرها من موارد الحاجة للعلاج. إذا عرفت هذا فنقول:
من كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة فإن أمكنه ولم يضرّه الوضوء
الاختياري - بأجزائه وشرائطه السابقة - وجب، كما لو أمكن نزع الجبيرة أو إجراء الماء تحتها بنحو يحصل الغسل تدريج. ولو تعذّر ذلك لكن أمكن إيصال الماء لِما تحت الجبيرة - ولو بغمسها في الماء حتَّى ينفذ للجلد - وجب أيضاً وأجزأه وإن لم يحصل به الترتيب المعتبر في الغسل. بل يكفي ذلك في مواضع المسح - كالرجلين - وإن لم يتحقق به المسح الواجب حال الاختيار. أما مع تعذّر إيصال الماء للبشرة فيكفي المسح على الجبيرة.
(مسألة ١١٦): لا فرق في التعذّر المسوِّغ للمسح على الجبيرة بين أن يكون لتعذّر حلّ الجبيرة لكونه مضراً بالكسر أو الجرح من دون أن يضرّ به الماء، وأن يكون لاضرار الماء بالكسر أو الجرح. وأما إذا كان لتعذّر إزالة النجاسة، فإن كان منشؤه الاضرار بالجرح فالظاهر جريان الحكم المذكور فيه، فيجزئ المسح على الجبائر، وإن كان منشؤه ضيق الوقت أو عدم الماء أو نحو ذلك مما لا يرجع للجرح فالظاهر الانتقال للتيمم وعدم الاجتزاء بالوضوء الجبيري الذي تقدم.
(مسألة ١١٧): لو أمكن مسح البشَرة بالماء من دون أن يحقق الغَسل المعتبر فالأحوط وجوباً الجمع بينه وبين المسح على الجبيرة إما بالجمع بينهما في وضوء واحد، أو بتكرار الوضوء. بل لو أمكن نزع الجبيرة حال الوضوء وبقي الجرح مكشوفاً اجتزأ بمسح البشَرة ولم يجب وضع الجبيرة والمسح عليه.
(مسألة ١١٨): لو تعذر المسح على الجبيرة في موارد وجوبه فالأحوط وجوباً الجمع بين الوضوء الناقص بغسل الجبيرة أو إجراء الماء عليها والتيمم. ولا يجزئ غسل الجبيرة عن مسحه.
(مسألة ١١٩): لابد من استيعاب الجبيرة بالمسح عرف، ولا تجب المداقة في ذلك، فلا يجب استيعاب مواضع الخِلال - أي الفواصل - التي تكون بين الخيوط ونحوه.
(مسألة ١٢٠): الجرح المكشوف يكفي غسل ما حوله، ولا يجب وضع شيء عليه ومسحه. نعم إذا كان في موضع المسح فإن أمكن مسحه وجب، وإلا فالأحوط وجوباً وضع شيء عليه ومسحه.
(مسألة ١٢١): إذا كان بعض الاطراف الصحيح تحت الجبيرة، فإن كان وضع الجبيرة لستر الجرح أو نحوه من دون أن يحتاج الجرح ذلك بطبعه لَزم نزع الجبيرة وغسل الموضع الصحيح، وجرى على موضع الجرح حكم الجرح المكشوف.
وإن كان وضع الجبيرة مما يقتضيه طبيعة الجرح، فإن كانت الجبيرة ساترة للصحيح بالمقدار المتعارف لم يجب نزع الجبيرة واجزأ مسحها بدلاً عن غسل ما تحته.
وإن كانت ساترة لاكثر من المتعارف لزم نزعها وغسل ما تحتها من المقدار الصحيح، ومع تعذر النزع أجزأه المسح عليها إن كان كِبرُ الجبيرة مما تقتضيه طبيعة الجرح، أما لو كان لفقد الجبيرة الصغيرة أو نحوه من دون أن يحتاجه الجرح بطبعه فالأحوط وجوباً ضم التيمم.
(مسألة ١٢٢): إذا كانت الجبيرة نجسة لم يجزئ المسح عليه، فإن أمكن تطهيرها أو تبديلها بجبيرة طاهرة أو نزعها وإجراء حكم الجرح المكشوف المتقدم وجب، وإلا فالأحوط وجوباً الجمع بين الوضوء الناقص - بعدم المسح على الجبيرة - والتيمم. وإن أمكن وضع شيء طاهر عليها والمسح عليه فإن عُدّ ذلك بعد وضعه من أجزاء الجبيرة عرفاً أجزأ المسح عليه ولحقه حكم تبديل الجبيرة، وإن عُدّ أمراً خارجاً عنها زائداً عليها لم يجزئ المسح عليه ولحقه حكم تعذّر المسح على الجبيرة من الجمع بين الوضوء الناقص والتيمم.
(مسألة ١٢٣): لا فرق في جريان حكم الجبيرة المتقدم بين الجبيرة
الصغيرة وغيرها حتَّى المستوعبة للعضو الوضوئي، بل المستوعبة لتمام الاعضاء. وأما الجرح المكشوف الكبير جداً فيشكل الاكتفاء بغسل ماعدا موضعه، بل الأحوط وجوباً ضم التيمم إليه.
(مسألة ١٢٤): لا فرق في جريان حكم الجبيرة بين أن تكون على العضو المغسول وأن تكون على العضو الممسوح. نعم إذا لم تكن مستوعبة للعضو الممسوح تعين المسح على البشرة في غير موضع الجبيرة، كما لو كانت على أحد أصابع الرجل، فإنه يتعين المسح على غيره من الاصابع لما تقدم من أنه يكفي المسح عرض.
(مسألة ١٢٥): إذا استوعبت الجبيرة العضو الماسح مسَح ببلّته، وإلا مسَح بالبشرة، إلا أن يكون الظاهر من البشرة قليلاً لا يكفي في المسح، فيتمّم المسح بالجبيرة.
(مسألة ١٢٦): لا فرق في جريان حكم الجبيرة وحكم الجرح المكشوف بين أن يكون المانع من استعمال الماء كسراً وجرحاً وورماً وغيرها مما يعود لنقص في البدن، فمع وضع شيء عليه من جبيرة أو عصابة يمسح عليه، ومع عدمه يغسل ما حوله، على ما سبق تفصيله.
نعم لو كان استعمال الماء للطهارة مضراً بما لا يجب غسله كباطن الانف والعين يتعين التيمم، ولا يجزئ الوضوء الناقص. وكذا يتعين التيمم لو كان استعمال الماء موجباً لحدوث خلل في البدن من دون أن يكون موجوداً بالفعل، كبعض الامراض الجلدية التي يخشى من ظهورها باستعمال الماء.
(مسألة ١٢٧): اللطوخ والدهون المطلي بها العضو للتداوي إن أمكن المسح عليها وجب، وإلا فالأحوط وجوباً الجمع بين غسل ما حولها والتيمم.
هذا إذا كانت مكشوفة، أما إذا كانت عليها جبيرة فيلحقها ما تقدم من وجوب المسح عليه.
(مسألة ١٢٨): الحاجب اللاصق اتفاقاً من دون أن يحتاج إليه للعلاج الأحوط وجوباً الجمع بين المسح عليه والتيمم.
(مسألة ١٢٩): لا يجب تخفيف الجبيرة، إلا أن يكون الزائد خارجاً عن الجبيرة عرف، كما يجوز إضافة شيء اليها إذا عدّ بعد إضافته إليها جزءً منها عرف.
(مسألة ١٣٠): ما دام خوف الضرر باقياً يجري حكم الجبيرة، ومع زواله يجب رفعه. فلو تعذّر رفعها لامر خارج من ضيقِ وقت أو فقدِ من يُحسِن إزالتها أو نحو ذلك فالأحوط وجوباً الجمع بين المسح عليها والتيمم، نظير ما تقدم في المسألة (١٢٨).
(مسألة ١٣١): إذا خاف الضرر فعمل بحكم الجبيرة ثم تبين عدمه، فإن انكشف عدم الجرح أو الكسر أو نحوهما مما هو موضوع الجبيرة انكشف بطلان الوضوء الجبيري ولزم إعادته وإعادة الصلاة الواقعة به، سواء كان الانكشاف في الوقت أم بعد خروجه. وإن كان موضوع الجبيرة موجوداً - بأن كان هناك كسر أو جرح - وانكشف عدم الضرر من استعمال الماء فالظاهر عدم وجوب التدارك، نعم يجب إعادة الوضوء للصلوات الاتية.
(مسألة ١٣٢): إذا كان موضع من أعضاء الوضوء نجساً وتعذّر تطهيره من دون أن يضرّ به الماء سقط الوضوء ووجب التيمم. وكذا جميع موارد تعذّر الوضوء من غير جهة وجود الحاجب أو خوف الضرر على الموضع الذي يصيبه الماء.
(مسألة ١٣٣): لا فرق بين جريان حكم الجبيرة بين الوضوء والغسل والتيمم.
(مسألة ١٣٤): لا يجوز إيقاع الطهارة الجبيرية - ونحوها من الطهارة
الناقصة، كالطهارة في الجرح المكشوف - في سعة الوقت إلا مراعاةً باستمرار العذر في تمام الوقت، فإن ارتفع العذر في سعة الوقت انكشف بطلان الطهارة، وبطلان العمل المترتب عليها من صلاة أو نحوه، وإن استمر العذر إلى آخر الوقت انكشف صحة الطهارة وصحة العمل. وحينئذٍ لو ارتفع العذر بعد الوقت لم تبطل الطهارة من وضوء أو غسل، فلا يجب الاستئناف. وإن كان هو الأحوط استحباب، خصوصاً في الوضوء والتيمم.
(مسألة ١٣٥): فإذا كان استعمال الماء مضراً في الواقع إلا أن المكلَّف غفل عن ذلك ولم يخف الضرر فاستعمل الماء من دون جبيرة وأتى بالطهارة التامة صحت طهارته.
وإن خاف الضرر وتعمد الإتيان بالطهارة التامة، فإن لم يكن الضرر بحدّ يحرم إيقاع النفس فيه صحت طهارته أيض، وكذا إذا كان بحدّ يحرم إيقاع النفس فيه إلا أنّه غفل عن احتمال الحرمة. وأما إذا التفت لاحتمال الحرمة حينئذٍ فإن كان إيصال الماء لما لا يضره الماء وغسله بنحو يستلزم وصوله لما يضره الماء بطلت طهارته، لعدم تأتّي قصدِ القربة منه مع التفاته لترتب الحرام على فعله، وإن لم يكن كذلك بل كان وصول الماء لما يحرم وصوله إليه بحركة مستقلة صحت طهارته.
ويجري هذا التفصيل فيما لو خاف الضرر وتبين عدمه في الواقع بعد الإتيان بالطهارة التامة.
(مسألة ١٣٦): في كل مورد يشك المكلف في أن وظيفته الطهارة الجبيرية ونحوها أو التيمم يتعيّن عليه الجمع بينهما حتَّى يتضح له الحال بالسؤال ونحوه.
الفصل الخامس
في سَلَسِ البول والبَطَن
والمراد بالأول عدم استمساك البول، وبالثاني عدم استمساك الغائط، وبحكمه عدم استمساك الريح.
(مسألة ١٣٧): ذوا السلس والبَطن إن كان لهما فترة مضبوطة تسهل معرفتها تسَعُ الوضوءَ والصلاةَ التامة وجب عليهما انتظارها وإيقاع الصلاة بطهارة تامة فيه. وكذا الحال في كل مستمر الحدث.
(مسألة ١٣٨): يكفي في الحكم السابق سعة الفترة لادنى الصلاة الاختيارية الواجبة، بل يكفي سعتها لصلاة المستعجل كالفاقدة للسورة.وأما لو كانت تسع الصلاة الاضطرارية دون الاختيارية كالصلاة بالايماء، أو الصلاة بالتيمم فالأحوط وجوباً الجمع بينها وبين الوظيفة الاتية.
(مسألة ١٣٩): ذو السلس إذا لم تكن له فترة مضبوطة تسع الطهارة والصلاة التامة يجمع بين الظهرين بأذان وإقامتين بوضوء واحد، وكذا بين العشائين، ويتوضأ لكل صلاة غيرها إذا كانت مضيقة، حتَّى لو كانت مستحبة.
(مسألة ١٤٠): إذا فرّق ذو السلس في الفرض السابق بين الظهرين أو العشائين أعاد الوضوء للصلاة الثانية.
(مسألة ١٤١): ذو البَطن إن لم تكن له فترة مضبوطة تسع الطهارة والصلاة التامة إذا فاجأه الحدث في أثناء الصلاة توضأ وبنى على ما مضى من صلاته. والأحوط وجوباً تجنُّب منافيات الصلاة من الكلام والقهقهة والبكاء.
نعم لا بأس بترك الاستقبال وترك الستر - للمرأة - بالمقدار الذي يقتضيه الوضوء، وكذا الفعل الكثير الذي تقتضيه تهيئة مقدمات الوضوء القريبة أما البعيدة كاستقاء الماء - فالأحوط وجوباً قدحه، فلابد من تجنب ذلك بتهيئة المقدمات المذكورة قبل الصلاة.
(مسألة ١٤٢): إذا لم تكن لذي البَطن فترة تسع الطهارة وبعض الصلاة كان عليه الوضوء لكل صلاة.
(مسألة ١٤٣): صلاة الاحتياط وقضاء الاجزاء المنسيّة تابعة لصلاتها في الاحكام السابقة، فمع الاكتفاء بوضوء واحد لصلاة أو صلاتين يكتفى بذلك الوضوء لصلاة الاحتياط وقضاء الاجزاء المنسية، ولا يحتاج لتجديد الوضوء له، ومع تكرار الوضوء للصلاة الواحدة لابد من الوضوء إذا وقع الحدث لها أو في أثنائه.
(مسألة ١٤٤): يجب على من به السلس والبَطن التحفظ من تعدي النجاسة للبدن والثوب مهما أمكن فيعلق الرجل كيساً فيه قطن للبول، وتستثفر المرأة، كما يستثفران للغائط، على نحو ما يأتي في الاستحاضة. والأحوط وجوباً التطهير لكل صلاة. نعم في مورد الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد يكفي التطهير لكل صلاتين.
(مسألة ١٤٥): بقية أفراد مستمر الحدث - مثل من يفجؤه النوم - إذا لم تكن له فترة تسع الصلاة التامة اكتفى بالصلاة الاضطرارية مع الطهارة ولو بتيمم، فإن تعذّر ذلك فالأحوط وجوباً الوضوء لكل صلاة. نعم لو كانت له فترة تسَع الصلاة - وإن كانت اضطرارية بطهارة ولو بتيمم - لكنه لم يصلّ فيها للجهل بها أو تفريطاً فالأحوط وجوباً الجمع بين الوضوء لكل صلاة أداءً والقضاء بعد ذلك.
الفصل السادس
في غايات الوضوء
الوضوء لا يطلب لنفسه، بل لترتب الطهارة ورفع الحدث عليه، فكل ما يشترط فيه الطهارة المذكورة يشترط فيه الوضوء، ويترتب على ذلك مسائل:
(مسألة ١٤٦): لابدّ من الوضوء في صحة الصلاة الواجبة والمندوبة، وكذا صلاة الاحتياط وقضاء الاجزاء المنسية. بل هو الأحوط وجوباً في سجود السهو.
(مسألة ١٤٧): لا يشترط الوضوء في صحة الصلاة على الميت، وإن كان الافضل إيقاعها عن وضوء.
(مسألة ١٤٨): يشترط الوضوء في الطواف الواجب، وهو ما كان جزءً من حج أو عمرة. ولا يشترط في غيره حتَّى لو وجب بنذر أو نحوه. نعم الافضل إيقاعه عن وضوء. وإنما يشترط في صلاته لا غير.
(مسألة ١٤٩): يحرم على المُحدِث غير المتوضئ مسُّ كتابة المصحف الشريف وأبعاضه. بل الأحوط وجوباً عدم مسّه لما يكتب من القرآن في غير المصحف، ككتب التفسير والحديث وغيره. نعم لا بأس بمسّ ما يكتب في الدراهم والدنانير، حتَّى الورقية المتعارفة في عصورن.
(مسألة ١٥٠): إنما يحرم على المحدِث مسّ رسم الحرف القرآني في المصحف ونحوه، دون رسم الحركات الاعرابيّة والمدّ والتشديد ونحوها مما لا يكون رسماً للحرف، بل لكيفيّة النطق به.
(مسألة ١٥١): الأحوط وجوباً أن لا يمسّ المحدِث غير المتوضئ لفظ الجلالة وسائر أسماء الله تعالى وصفاته. ولا يلحق به أسماء الانبياء والائمة وسيدة النساء صلوات الله عليهم أجمعين.
(مسألة ١٥٢): لا فرق في الكتابة بين أنواع الخط العربي. بل الأحوط وجوباً العموم للخطوط غير العربية إذا رُسم بها القرآن على عربيته، وكذا إذا رُسم بها لفظ الجلالة أو أسماؤه تعالى.
(مسألة ١٥٣): لا يحرم على المحدث مسّ ترجمة القرآن، وأما أسماؤه تعالى بغير اللغة العربية فالأحوط وجوباً عدم مسّه.
(مسألة ١٥٤): لا فرق بين الكتابة بالحبر والتطريز والحَفْر وغيره. ويتحقق المسّ في الحفر بمسّ القعر، بل الأحوط وجوباً فيه العموم لمسّ الحواشي، وكذا الحال في مسّ الكتابة بنحو التخريم، فيتجنب مسّ حواشيه.
(مسألة ١٥٥): الأحوط وجوباً عدم المسّ حتَّى بما لا تحله الحياة، كالظفر. نعم لا بأس في المسّ بالشعر.
(مسألة ١٥٦): لابد في صدق القرآن من قصد الكاتب - ولو إجمالا - الحكايةَ عنه ورسْمَه، فلو كتب ما يطابقه لفظاً لا بنيّة رسمهِ والحكايةِ عنه لم يحرم مسّه، من دون فرق بين الالفاظ المشتركة والمختصة.
(مسألة ١٥٧): الظاهر أن الصور الفوتوغرافية لكتابة القرآن وأسمائه تعالى بحكم القرآن وبحكم أسمائه تعالى في المسّ.
(مسألة ١٥٨): الظاهر جواز كتابة القرآن الكريم ونحوه على بدن المحدِث، ولا يجب على المحدث حينئذٍٍ المبادرة للوضوء أو الغسل.
(مسألة ١٥٩): لا يجب منع المحدث غير المكلف من مسّ القرآن ونحوه، بل يجوز التسبيب لمسّه، وكذا الحال في الجاهل بالحرمة جهلاً معذِّر.
(مسألة ١٦٠): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) أنه يستحب الوضوء لغير الطواف من أفعال الحج، ولطلب الحاجة، ولحمل المصحف الشريف، ولتلاوة القرآن، ولدخول المساجد، ولتغسيل الجنُب للميت، ولجماع مغسِّل الميت قبل أن يغتسل، وللنوم، ولسجود الشكر، وللكون على الطهارة، ولتجديد الطهارة من دون حدث، ولغير ذلك.
(مسألة ١٦١): يكفي في التقرب المعتبر في الوضوء الإتيان به من أجل بعض ما سبق، سواء توقفت صحته عليه - كالصلاة - أم توقف كماله عليه - كصلاة الميت وقراءة القرآن - أم توقف جوازه عليه - كمسّ المصحف - أم توقف رفع كراهته عليه، كجماع مغسِّل الميت قبل أن يغتسل. بل يكفي فيه الإتيان به برجاء المطلوبية لغاية يحتمل مشروعيته له، كما هو الحال في بعض المستحبات المذكورة في كلماتهم، على ما ذكرناه في أواخر مباحث الاجتهاد والتقليد.
(مسألة ١٦٢): إذا توضأ لغاية - كالصلاة - ثم تبيّن أنه قد أتى بها صح وضوؤه.
(مسألة ١٦٣): إذا توضأ لغاية - كقراءة القرآن - ثم لم يأتِ بها صح وضوؤه.
(مسألة ١٦٤): إذا توضأ للتجديد ثم تبيّن أنه كان محدثاً صح وضوؤه وكان رافعاً للحدث.
(مسألة ١٦٥): يصح الوضوء لغاية - كالصلاة - قبل دخول وقته.
الفصل السابع
في آداب الوضوء وسننه
(مسألة ١٦٦): لا إشكال في كفاية الغسلة الواحدة لكل عضو من أعضاء الوضوء، كما لا إشكال في مشروعية الثانية. بل قيل باستحبابه، لكنه لم يثبت. وأما الثالثة فالظاهر أنها بدعة. بل يبطل الوضوء بها إذا تحقق المسح بمائه. كما لو غسل اليسرى ثلاث. وأما تعدُد الغرفات للغسلة الواحدة فلا بأس به، وليس لها عدد خاص.
(مسألة ١٦٧): سنن الوضوء على ما تضمنته النصوص الشريفة أو ذكره العلماء (رضوان الله عليهم) اُمور:
منها: السواك، وهو دلك الاسنان. بل هو مستحب حتَّى لغير الوضوء. والافضل أن يكون بعود الاراك وليفه وعود الزيتون، ثم مطلق قضبان الشجر، وأدناه أن يدلكها بأصبعه.
ومنها: وضع الاناء الذي يتوضأ منه على اليمين، وكذا الاغتراف باليمين حتَّى لغسله. فيصبه في اليسرى ثم يغسل اليمنى به.
ومنها: التسمية حين وضع اليد في الماء حين الاستنجاء مقدمةً للوضوء، وقبل وضع اليد في الماء للوضوء، وبعد الشروع في غسل الوجه. ويحسن تداركها في الاثناء لوتركها في أوّل الوضوء.
ومنها: الدعاء بالمأثور، وقد وردت أدعية كثيرة، ففي النص الصحيح: «إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين».
وفي حديث وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام):«فأتاه محمّد بالماء فأكفأه فصبه
بيده اليسرى على يده اليمنى ثم قال: بسم الله وبالله والحمد لله الذي جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجس.
قال: ثم استنجى فقال: اللهم حصّن فرجي واعفّه واستر عورتي وحرّمني على النار.
قال: ثم تمضمض فقال: اللهم لقّني حجتي يوم ألقاك، وأطلِق لساني بذكراك. ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرّم عليَّ ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وطيبه.
قال: ثم غسل وجهه فقال: اللهم بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه ولا تسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه.
ثم غسل يده اليمنى فقال: اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حساباً يسير.
ثم غسل يده اليسرى فقال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطّعات النيران.
ثم مسح رأسه فقال: اللهم غشِّني برحمتك وبركاتك وعفوك.
ثم مسح رجليه فقال: اللهم ثبّتني على الصراط يوم تزلّ فيه الاقدام واجعل سعيي فيما يرضيك عني».
وفي الخبر الصحيح: «فإذا فرغت فقل: الحمد لله رب العالمين».
وهناك صور اُخر وأدعية اُخر يضيق المقام عن ذكره.
ومنها: المضمضة والاستنشاق، وتثليثهم، وتقديم المضمضة.
ومنها: بدء الرجل في غسل اليدين بظاهر الذراعين، وبدء المرأة بباطنهم.
ومنها: إسباغ الوضوء بتكثير الماء لكل عضو غرفتان، أو غرفة وافية، بحيث يستولي الماء على العضو المغسول ويفيض عليه، وعدم الاكتفاء بأقل
المجزئ الحاصل بوصول الماء للبشرة وإن قل.
ومنها: الوضوء بمُد وهو ثمانمائة وسبعون غراماً تقريب. والظاهر أن المقدار المذكور إنما يستحب مع الإتيان بآداب الوضوء.
ومنها: فتح العينين عند غسل الوجه وإشرابهما الماء. إلى غير ذلك.
(مسألة ١٦٨): يكره في الوضوء اُمور:
منها: الاستعانة بالغير في صب الماء لوضوء الصلاة. بل يستحب عدم الاستعانة بالغير حتى في مقدمات الوضوء البعيدة، كاستقاء الماء وتسخينه.
ومنها: الوضوء في المسجد من حدث البول والغائط، وكذا غيرهما من الاحداث إذا وقع في غير المسجد. ويأتي الكلام في حكم المعتكف في محله إن شاء الله تعالى.
ومنها: الوضوء من الاناء المفضَّض أو المذهَّب أو المنقوش بالصور. وكذا الوضوء فيه. وأما الوضوء من إناء الذهب والفضة فيحرم، كما سبق في مبحث النية، ويأتي في آخر كتاب الطهارة.
ومنها: الوضوء بالماء المسخن بالشمس، بل مطلق الغسل به، بل مطلق الاستعمال له.
ومنها: الوضوء من الماء القليل الذي يدخل المحدث بالنوم أو البول أو الغائط أو الجنابة يدَه فيه.وترتفع الكراهة، في الأول بغَسلها مرة، وكذا في الثاني وإن كان الافضل فيه مرتين، وفي الثالث بالغَسل مرتين، وفي الرابع بالغَسل ثلاث.
ومنها: الوضوء بالماء الاجن، وبجميع المياه التي يكره استعماله، كماء البئر قبل النزح والاسآر المكروهة.. إلى غير ذلك.
(مسألة ١٦٩): يكره صب الماء المستعمل في الوضوء في الكنيف، وهو مجرى المرافق الصحية.
الفصل الثامن
في أحكام الشك
(مسألة ١٧٠): من تيقن بسبق الحدث وشك في التطهر منه بنى على الحدث ما لم يتيقن الطهارة. ومن تيقن بسبق الطهارة وشك في انتقاضها بنى على الطهارة ما لم يتيقن الحدث. ولا أثر للظن في الموردين إلا أن يكون ظناً معتبراً شرعاً كالبيّنة.
(مسألة ١٧١): من تيقن سبْق الحدث منه والطهارة معاً وجهل المتأخر منهم، فإن علم تاريخ الطهارة بنى على الطهارة وإن علم تاريخ الحدث بنى على الحدث. وإن جهل التاريخين لم يبن على الطهارة ولا على الحدث، فلا يصح منه الإتيان بما يشترط فيه الطهارة - كالصلاة - حتى يتطهر، ولا يحرم عليه ما يحرم على المحدث - كمسّ المصحف - حتى يحدث.
(مسألة ١٧٢): إذا شك في أثناء الصلاة في أنه على وضوء أو ل، قطَعها وتطهّر واستأنف الصلاة. ولو كان شكه بعد الفراغ من الصلاة بنى على صحة الصلاة وتوضأ للصلوات الاتية ولغيرها من الغايات.
(مسألة ١٧٣): إذا شك قبل الفراغ من الوضوء في فوت جزء منه تداركه مع عدم فوات الموالاة، ومع فواتها يستأنف الوضوء، فإذا شك مثلاً في غسل بعض اليد اليمنى وهو في غسل اليسرى فإذا لم يجف ماء الوضوء السابق على الجزء المشكوك غسل الجزء المشكوك وأتم وضوءه، وإن جف الماء المذكور استأنف الوضوء.
(مسألة ١٧٤): إذا شك بعد الفراغ من الوضوء في صحته بنى على
الصحة حتى لو علم من نفسه عدم التفاته لمنشأ الشك، كما لو توضأ بخاتمه غفلة واحتمل وصول الماء تحته من دون أن يتعمد ذلك. نعم لو علم بعدم وصول الماء تحته وجبت عليه الاعادة.
(مسألة ١٧٥): إذا كانت أعضاء وضوئه نجسة فتوضأ ثم شك في أنه طهرها قبل الوضوء أو بقيت على نجاستها بنى على صحة وضوئه، وعلى نجاسة أعضائه فيطهّره.
وكذا إذا توضأ بماء كان نجساً ثم شك بعد الوضوء في أنه طهره قبل الوضوء به أو ل، فإنه يبني على صحة وضوئه وعلى نجاسة الماء الذي توضأ به فيطهّر كل ما وصل إليه ذلك الماء حتى أعضاء وضوئه.
المقصد الرابع
في الغسل
يجب الغسل من الجنابة، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، ومسّ الميت، ويجب أيضاً غسل الميت. كما يستحب الغسل في موارد كثيرة. فهنا مباحث..
المبحث الأول
في غسل الجنابة
وفيه فصول..
الفصل الأول
في سبب الجنابة
تتحقق الجنابة بأمرين:
الأول: خروج المني من الرجل. والأحوط وجوباً ثبوت الجنابة للمرأة بالانزال أيض.
ويترتب على ذلك لزوم الجمع عليها بين الغسل والوضوء احتياطاً وتطهير ما يلاقيه الماء الذي ينزل عليها من ملابسها وبدنه. وهذا هو الحكم في جميع موارد الاحتياط الوجوبي في ثبوت الجنابة.
(مسألة ١٧٦): إن عُرف المني فلا إشكال وإن لم يعُرف كفى في الحكم به مع المرض خروجه عن شهوة. وأما حال الصحة فلابد في الحكم به من اجتماع
الدفق والفتور والشهوة. نعم يكفيه مع النوم إحراز الشهوة والدفق، ولو شك في الدفق كان قلة البلل أمارة على عدمه، فلا يجب معه الغسل. هذا في الرجل.
وأما في المرأة فليس المني منها إلا ما يخرج من القُبُل عند بلوغ الشهوةِ الذروة. ولا أثر لما يخرج لنضح البلل بملاعبة أو نحوها بدون بلوغ الشهوةِ الذروة.
الثاني: الجماع، ولو بدون إنزال المني ويتحقق بدخول الحشفة في القبل. بل الأحوط وجوباً تحقق الجنابة أيضاً بدخول الحشفة في الدبر من الرجل والمرأة. وبه تتحقق الجنابة في حق الفاعل والمفعول به وإن لم يكونا مكلفين. نعم في ثبوت الجنابة بالادخال في الميت أو إدخال عضو الميت في الحي إشكال وإن كان هو الأحوط وجوب. وأما الادخال في فرج البهيمة فالظاهر عدم تحقق الجنابة به مع عدم إنزال المني.
الفصل الثاني
في أحكام الجنابة
(مسألة ١٧٧): لا يصح من الجنب جميع ما لا يصح من غير المتوضئ مما تقدم في غايات الوضوء، كما لا يصح الصوم منه أيض، على تفصيل يأتي في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى.
(مسألة ١٧٨): يحرم على الجنب جميع ما يحرم على غير المتوضئ مما تقدم. كما يحرم عليه أيضا الكون في المسجد الحرام ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مطلقاً وإن كان بنحو المرور والاجتياز. بل لو أصابته جنابة في المسجدين المذكورين وجب عليه المبادرة للخروج بعد التيمم. وأما في سائر المساجد فيحل الاجتياز بالدخول من باب والخروج من آخر، والدخول لاخذ شيء منه، ويحرم ما عدا ذلك.
(مسألة ١٧٩): لا يجوز للجنب دخول المسجد لوضع شيء فيه، نعم يجوز
له وضع شيء في المسجد حال الاجتياز به، كما يجوز له وضع شيء في المسجد إذا لم يستلزم الدخول فيه.
(مسألة ١٨٠): الأحوط وجوباً عدم مكث الجنب في مَشاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام) فيقتصر من أعوزته حاجة لذلك أو أعجله أمر عن الغُسل على العبور فيه، أو الطواف بها من دون مكث. نعم لا بأس في المكث في الاروقة المطهرة التي هي خارج البنية التي فيها القبر الشريف.
(مسألة ١٨١): إذا احتمل عدم مسجدية بعض أجزاء بناية المسجد - كالساحة المكشوفة والمدخل - جاز الدخول فيه والمكث، ولم تجرِ عليه أحكام المسجدية. نعم إذا اخبر بمسجديته المتولي أو من يكون المسجد تحت يده صدق وجرت عليه أحكام المسجد.
(مسألة ١٨٢): لا فرق في جريان أحكام المسجد المذكورة بين العامر من المساجد والخراب، بل حتى ما غصب من المساجد وجعل طريقاً أو داراً أو محلاً تجارياً أو غير ذلك.
(مسألة ١٨٣): يحرم على الجنب قراءة آية السجدة من سور العزائم الاربع، وهي (الم السجدة) و(حم السجدة) و(النجم) و(العلق). ويجوز أن يقرأ بقية السور المذكورة، نعم هو مكروه بل الأحوط استحباباً تركه، كما يكره قراءة القرآن مطلق، خصوصاً ما زاد على سبع آيات، وأولى بذلك ما زاد على السبعين.
(مسألة ١٨٤): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) أنه يكره للجنب الاكل والشرب إلا بعد الوضوء أو غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق، والنوم إلا بعد الوضوء أو التيمم بدلاً عنه. ومسّ ما عدا الكتابة من المصحف، وأما الكتابة فيحرم على الجنب مسّه، كما تقدم.
الفصل الثالث
في كيفية غسل الجنابة
ويجب فيه اُمور..
منها: النية، وإيصال الماء للبشرة، ومباشرة المغتسل لغُسله، وإطلاق الماء وطهارته، وقد تقدم تفصيل هذه الاُمور في الوضوء، لان المقامين من باب واحد.
(مسألة ١٨٥): لا يجب غسل الشعر، بل يجب إيصال الماء لما تحته من البشرة حتى لو كان الشعر كثيف.
ومنها: غسل تمام البدن. والمشهور أن له صورتين لا يجوز الخروج عنهما:
إحداهما: الترتيب، بأن يغسل أولاً تمام الرأس والرقبة، ثم الجانب الايمن من الجسد، ثم الجانب الايسر منه.
ثانيتهما: الارتماس، بتغطية البدن في الماء دفعةً واحدةً بحيث يحصل غسل تمام البدن حينه.
وهذا وإن كان أحوط استحباباً إلا أن الظاهر عدم تعيّن إحدى الصورتين، غاية الامر أنه لا يجوز تقديم الجسد على الرأس، ويجوز ما عدا ذلك، فمن الصور الجائزة: غَسل تمام البدن بالوقوف تحت المطر أو الحنفية أو نحوهم.
ومنها: صبّ الماء على الرأس والجسد، ثم إمرار اليد حتى يستوعب الماء تمام الرأس والجسد، ولابد من التأكد من وصول الماء لتمام الجسد.
ومنها: تقديم الشق الايمن من الرأس والجسد على الشق الايسر منهم. وغير ذلك من الصور.
(مسألة ١٨٦): لا يشترط الموالاة في الغسل، بل يجوز التفريق بين أجزائه وإن جفّ المغسول قبل الإتيان بالباقي.
(مسألة ١٨٧): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) أنه يستحب للجنب عند إرادة الغسل غسلُ اليدين من المرفقين ثلاثاً ثم المضمضة ثلاثاً ثم الاستنشاق ثلاث.
(مسألة ١٨٨): يستحب في غسل الجنابة الغسل بصاع، وهو ثلاث كيلوات وأربعمائة وثمانون غراماً تقريب، وإن كان يجزئ استيعاب الجسد بما يصدق عليه الماء مهما قل، كما تقدم في الوضوء. ويجري هذا في جميع الاغسال عدا تغسيل الميت، كما يأتي.
الفصل الرابع
في أحكام غسل الجنابة
(مسألة ١٨٩): إذا أحدث بالاصغر في أثناء غسل الجنابة أجزأه إتمام الغسل ولا يحتاج لاستئنافه. وإن كان أحوط استحباب. وعلى كل حال لابد من الوضوء لاجل الحدث المذكور. وهكذا الحال في كل غسل غير غسل الجنابة.
(مسألة ١٩٠): غسل الجنابة يجزئ عن الوضوء وكذا كل غسل مشروع غير غسل الجنابة واجباً كان أو مستحب، نعم من آداب غسل غير الجنابة تقديم الوضوء عليه. وأما الاغسال الاحتياطية أو المعدودة في المستحبات من دون أن يثبت استحبابها شرعاً فلا يجتزأ بها عن الوضوء.
(مسألة ١٩١): إذا اجتمعت أغسال متعددة أجزأ عنها غسل واحد، سواء كانت واجبة أم مستحبة ثابتة الاستحباب - على ما يأتي في بحث الاغسال المستحبة التعرض لذلك - أم مختلفة بعضها واجب وبعضها مستحب، وسواء أتى المكلف بالغسل المذكور بنيّة بعضها أم بنية الجميع، ويجزئ هذا الغسل عن
الوضوء، ولا سيما إذا كان المغتسل جنب.
(مسألة ١٩٢): إذا علم بالجنابة وشك في أنه اغتسل منها بنى على العدم حتى لو كان من عادته الاغتسال، إلا أن يرجع الشك للوسواس، فإنه لا يعتني به ويبني على الطهارة.
(مسألة ١٩٣): إذا شك في أثناء الغسل في صحته أو في أنه هل غسل موضعاًمن البدن وجب عليه التدارك، أما إذا شك في ذلك بعد الفراغ من الغسل فلا يعتني بشكه ويبني على صحة غسله وتماميته.
(مسألة ١٩٤): يستحب البول قبل الغسل لمن كانت جنابته بخروج المني مع الجماع أو بدونه. وليس هو شرطاً في صحة الغسل. ولكن فائدته أنه لو خرج منه بعد البول بلل مشتبه بالمني لم يبنِ على أنه مني، أما لو خرج منه البلل قبل البول فاللازم البناء على أنه مني فيتطهر منه وينتقض الغسل به ويجب إعادته. ولو شك في أنه هل بال أو لا بنى على العدم.
المبحث الثاني
في غسل الحيض
وفيه فصول..
الفصل الأول
في سببه
وهو خروج دم الحيض، الذي هو دم خاص يقذفه الرحم بمقتضى طبيعة مزاج المرأة. ولابد فيه من النزول لظاهر الفرج، ولا يكفي النزول من الرحم لباطنه. وإن كان ذلك يكفي في استمرار الحيض وبقائه، كما يظهر فيما يأتي.
(مسألة ١٩٥): إذا افتضت البكر فسال منها دم كثير وتردد بين أن يكون من دم البكارة أو من دم الحيض أو منهما معاً أدخلت قطنة وتركتها مدة قليلة ثم أخرجتها إخراجاً رفيق، فإن كانت مطوقة بالدم من دون أن يغمسها فهو من البكارة، وإن كانت مستنقعة فهو من الحيض.
(مسألة ١٩٦): كل دم تراه الصبية قبل بلوغها تسع سنين قمرية محكوم بأنه ليس بحيض، وكذا ما تراه المرأة بعد بلوغ سن اليأس. نعم لو علم يقيناً بأنه من الحيض ترتبت عليه أحكامه.
(مسألة ١٩٧): حد اليأس في القرشية بلوغ ستين سنة قمرية، وفي غيرها بلوغ خمسين سنة ويكفي الانتساب لقريش من الزن. ومع الشك في كون المرأة قرشية يحكم بعدم كونها قرشية.
(مسألة ١٩٨): أقل الحيض ثلاثة أيام، والمراد باليوم هنا ما يعم الليل الحاصل بدورة تامة للارض، لا خصوص بياض النهار.
(مسألة ١٩٩): الظاهر أنه لا يعتبر التوالي في الايام الثلاثة، بل تكفي الثلاثة المتفرقة. لكن لابد من اجتماعها في ضمن عشرة أيام. نعم يجب على المرأة ترتيب أحكام الحيض بمجرد رؤية الدم وإن لم يكن بصفات الحيض الاتية، فإن استمر ثلاثة أيام، أو انقطع ثم رجع حتى تم لها ثلاثة أيام في ضمن العشرة تحققت كونه حيض، وإلا انكشف أنه استحاضة ووجب عليها قضاء الصلاة التي تركتها حين رؤية الدم.
(مسألة ٢٠٠): أكثر الحيض عشرة أيام. وهي أطول مدة بين أول الحيض وآخره، غايته أن الحيض قد يستوعبه، وقد يتفرق فيه، وإن كان اللازم بلوغ مجموعه ثلاثة أيام فأكثر، كما تقدم.
(مسألة ٢٠١): إذا تفرقت الثلاثة أيام أو أكثر في ضمن عشرة كان النقاء المتخلل بحكم الطهر، فتغتسل له وتصلي، وإن لم تفعل وجب عليها القضاء. نعم لا عبرة بفترات التقطع القصيرة التي تقتضيها طبيعة دم الحيض وتتعارف في النساء، سواء نزل الدم من الرحم لباطن الفرج أم لم ينزل، فإن الفترات المذكورة ما لم تكن منافية لاستمرار الحيض عرفاً تكون بحكم الحيض.
(مسألة ٢٠٢): أقل الطهر بين حيضتين عشرة أيام، فكل دم تراه المرأة قبل إكمال عشرة أيام من الحيض الأول فهو ليس من الحيض.
(مسألة ٢٠٣): كل دم تراه المرأة تحكم عليه بأنه حيض إذا لم ينقص عن الثلاثة أيام ولم يزد على العشرة، وكان بينه وبين الحيض السابق عشرة أيام، سواء كان بصفات الحيض الاتية أم ل.
نعم، يأتي الكلام في حكم الحامل وحكم الصفرة.
(مسألة ٢٠٤): تصير المرأة ذات عادة باتفاق الحيض مرتين متواليتين في العدد والوقت أو في أحدهم. فإن اتفقا في الوقت والعدد فهي ذات عادة وقتية وعددية، كما لو رأت الدم في أول كل من الشهرين المتواليين سبعة أيام مثل. وإن اتفقا في الوقت دون العدد فهي ذات عادة وقتية لا عددية، كما لو رأت الدم في أول الشهر الأول خمسة أيام، وفي أول الشهر الثاني سبعة أيام مثل. وإن اتفقا في العدد دون الوقت فهي ذات عادة عددية فقط، كما لو رأت الدم في أول الشهر الأول خمسة أيام، وفي وسط الشهر الثاني خمسة أيام مثل. والمراد بالشهر هو الهلالي.
(مسألة ٢٠٥): لا يزول حكم العادة باختلاف الحيض عنها في الشهور اللاحقة مهما طالت المدة مادامت الشهور مختلفة فيما بينه. نعم تنقلب العادة باتفاق شهرين متعاقبين من دون فصل على وقت أو عدد مخالف لعادتها السابقة، فتنعقد عادتها على الوجه اللاحق ويكون العمل عليه.
(مسألة ٢٠٦): الحيض يجتمع مع الحمل حتى مع استبانته وظهوره، فإن كانت المرأة ذات عادة وقتية تتحيض برؤية الدم في عادتها أو قبل عادتها بقليل يوم أو يومين - أو بعد عادتها قبل مضي عشرين يوماً من أوّله، هذا إذا كان أحمر، وأما إذا كان أصفر فالأحوط وجوباً أن تجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة. وإن رأته بعد مضي عشرين يوماً من أول عادتها فلا تتحيض به وإن كان أحمر. وأما إذا لم تكن ذات عادة فإنها تتحيض بالدم إذا كان أحمر، ولا تتحيض به إذا كان أصفر.
(مسألة ٢٠٧): لا يشترط في حيض الحامل بلوغ الدم ثلاثة أيام، بل يكفي بلوغه يوماً واحداً أو يومين. نعم لا يكفي ما دون ذلك.
(مسألة ٢٠٨): الصفرة إن كانت سابقة على دم محكوم عليه بالحيضية
بيومين فما دون يحكم عليها بأنها حيض، سواء كانت في العادة أم ل. وكذا إذا كانت متأخرة عنه بيومين فما دون متصلة به، بل وإن كانت منفصلة عنه في ضمن العشرة على الأحوط وجوب. وإن تقدّمت أو تأخرت عنه بأكثر من ذلك فهي ليست بحيض.
كما أنها في أيام العادة الوقتية أو قبلها بيومين يحكم عليها بأنها حيض، اتصلت بدم أو لم تتصل، بشرط بلوغها وحدها أو مع الدم ثلاثة أيام. وفيما عدا ذلك لا يحكم عليها بأنها حيض، سواءً لم تكن المرأة ذات عادة أم كانت ذات عادة وتأخرت الصفرة عن العادة ولو قليلاً أو تقدمت أكثر من يومين.
(مسألة ٢٠٩): المراد بالصفرة هنا وفي جميع المسائل الاتية هي السائل المختلط بالدم الذي يكون بسبب قلة الدم أحمر حمرة خفيفة كالصفرة. أما السائل الاصفر الذي لا تكون صفرته من الدم فهو طاهر لا يترتب عليه شيء.
(مسألة ٢١٠): هذه الصفرة إذا لم يحكم عليها بأنها حيض يجري عليها حكم الاستحاضة الاتي في محله.
(مسألة ٢١١): إذا انقطع دم الحيض عن الخروج للظاهر واحتمل بقاؤه في باطن الفرج (المهبل) وجب الفحص والاستبراء، وذلك بأن تستدخل قطنة في باطن الفرج فإن خرجت ملوثة بالدم بقيت على التحيض، وإن خرجت نقيّة بنَت على الطهر، وإن احتملت مع ذلك احتباس شيء في الرحم فلتقم وتلصق بطنها بحائط وترفع رجلها على حائط وتستدخل القطنة فإن خرج فيها شيء من الدم بقيت على التحيض، وإن خرجت نقية بنت على الطهر، ولا يجب المبادرة للاستبراء ليل، بل لها أن تنتظر به النهار وتبني على بقاء الحيض بدونه. ولو تعذّر عليها الفحص ولو نهاراً فإنها تبقى على التحيض حتى تعلم بالنقاء.
(مسألة ٢١٢): إذا رأت المرأة الدم فتحيضت واستمر بها الدم فإن لم تكن
ذات عادة عددية بقيت على التحيض به ما دام مستمر، فإن انقطع قبل العشرة او عند إكمالها بَنَتْ على الطهر - بعد الاستبراء الذي تقدم في المسألة السابقة - وجرى عليه حكمه، وإن استمر عملت بعد العشرة أعمال المستحاضة الاتية في المقصد الثالث.
وإن كانت ذات عادة عددية فإن انقطع الدم عند مضي عادتها بنت على الطهر بعد الاستبراء، وإن استمر بعد العادة جاز لها الاقتصار في التحيض على عادتها وتعمل بعدها أعمال المستحاضة. لكن يستحب لها الاستظهار، بل هو الأحوط استحباب. وذلك بأن تبقى على التحيض يوماً أو يومين أو ثلاثة مخيرة بينها بل لها أن تستظهر حتى تتم لها عشرة أيام من حين رؤية الدم، فإن استمر بعد مضي مدة الاستظهار التي اختارتها تعمل أعمال المستحاضة.
(مسألة ٢١٣): إذا اقتصرت ذات العادة في المسألة السابقة على عادتها وعملت أعمال المستحاضة ثم انقطع الدم على العشرة أو قبلها لم ينكشف أن حيضها تمام العشرة، فلو كانت عادتها سبعة أيام مثلاً فاقتصرت عليها وقامت بعدها بأعمال المستحاضة وصلّت وصامت، فإذا انقطع الدم على العشرة أو قبلها لم يجب عليها قضاء الصوم الذي جاءت به بين أيام عادتها والعشرة.
وكذا إذا استظهرت بما لا يبلغ بها العشرة - كيوم أو يومين - ثم قامت بأعمال المستحاضة وصامت وصلّت ثم انقطع الدم على العشرة، فإنها لا تقضي الصوم الذي جاءت به بين أيام استظهارها والعشرة. كما أنها لو استظهرت بأي مقدار شاءت ثم تجاوز الدم العشرة لم ينكشف أن حيضها خصوص أيام العادة فلا يجب عليها قضاء الصلاة التي تركتها أيام الاستظهار.
(مسألة ٢١٤): إذا استمر الحيض بعد مدة الاستظهار في ذات العادة العددية وبعد العشرة في غير ذات العادة وعملت أعمال المستحاضة فإن انقطع
بعد مدة قصيرة فلا إشكال، وإن استمر شهراً فما زاد فإن كانت ذات عادة وقتية وعددية اقتصرت عليها ولم تستظهر، وعملت بأحكام المستحاضة بعده. لكن بشرط أن يمضي أقل الطهر بين آخر تحيضها وأيام عادته، وإلا لم تتحيض في ذلك الدَّور وانتظرت الدَّور الثاني.
مثلاً: لو كانت عادتها من الخامس عشر من الشهر إلى العشرين منه ورأت الدم في الثالث من الشهر، فتحيضت إلى الثامن منه واستظهرت يومين، وبنت على الطهر وعملت أعمال المستحاضة من اليوم الحادي عشر، فليس لها أن تتحيض أيام عادتها من اليوم الخامس عشر، لعدم مضي أقل الطهر بين الحيضتين، بل تنتظر إلى الشهر اللاحق وتتحيض أيام عادته، وتبقى على ذلك في كل شهر استمر به الدم.
(مسألة ٢١٥): من استمر بها الدم شهراً أو أكثر إن لم تكن لها عادة وقتية وعددية أو كانت ذات عادة وقتية وعددية ونسيتها ترجع للتمييز بأن تتحيض بالدم الواجد لصفات الحيض دون الفاقد له، بل تعمل في الفاقد أعمال المستحاضة. هذا إذا كان الواجد للصفات واجداً لشروط الحيض الثلاثة المذكورة في المسائل المتقدمة من (١٩٨) إلى (٢٠٢)، وهي أن لا يقل عن ثلاثة أيام ولو متفرقة في ضمن العشرة، وأن لا يزيد على عشرة من أوله لاخره، وأن لا يقل الفاقد للصفة - المحكوم بعدم كونه حيضاً - عن عشرة، لان أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام كما تقدم.
نعم، لا يضر تخلل الفاقد في ضمن حيضة واحدة وإن كان محكوماً بكونه استحاضة، كما لو كان الواجد لصفات الحيض متفرقاً في ضمن عشرة أيام يبلغ بمجموعه ثلاثة أيام أو يزيد عليه. كما لو رأت يومين بصفة الحيض ثم يومين فاقداً لها ثم يومين بصفة الحيض ثم يومين فاقداً لها ثم يومين بصفة الحيض،
ثم استمر الفاقد له. فإنها تجعل ما بصفة الحيض حيضة واحدة، والمتخلل بينه استحاضة، نظير النقاء المتخلل لحيضة واحدة، على ما تقدم في المسألة (٢٠١).
(مسألة ٢١٦): المعيار في صفات دم الحيض - التي عليها العمل في المسألة السابقة وبها يكون التمييز - يرجع إليه، على كون الدم شديد الحمرة بحيث يميل للسواد، وكونه حارّاً يخرج بلذعة ودفع، فمع اجتماع هذه الصفات يُحكم بحيضيته ومع عدمها أو عدم بعضها يحكم بكونه استحاضة.
(مسألة ٢١٧): من استمر بها الدم - الذي تتحيض في أوله - شهراً أو أكثر ولم تكن ذات عادة وقتية وعددية أو كانت لها ونسيتها إذا لم يمكنها الرجوع للتمييز وصفات الحيض - إما لعدمها أو لفقدها للشروط المتقدمة - رجعت إلى عادة أقاربها فتوافقها في العدد، وتستظهر بيوم فإن لم تعرف إلاّ عادة بعضهن عملت عليه، فإن اختلفن أو جهلت عادتهن تحيضت بالعدد فتختار أي عدد شاءت من الثلاثة إلى العشرة. وإن كان الأولى اختيار السبعة.
(مسألة ٢١٨): المراد من الاقارب الاُم والجدتان والاخوات والعمّات والخالات القريبات وبناتهن. ولا يضر موتهن.
(مسالة ٢١٩): الدم المتقطع على صور:
الاُولى: أن يتم له بمجموعه ثلاثة أيام فما فوق ويقع كله في ضمن عشرة أيام. كما لو رأت يومين أو ثلاثة دماً ثم انقطع يومين ثم رأت يومين دماً وانقطع يوماً ثم رأت يوماً دماً وانقطع. وحكمه البناء على كون الدماء حيضاً واحد. ويكون النقاء بحكم الطهر، على ما تقدم في المسألة (٢٠١).
الثانية: أن يتم لكل دم - متصلاً أو متفرقاً في ضمن عشرة - ثلاثة أيام فما فوق ويفصل بين مجموعتين من الدم عشرة أيام، كما لو رأت خمسة أيام دماً ثم انقطع عشرة أيام ثم رأت خمسة أيام اُخرى دم، أو رأت ثلاثة أيام أو يومين دم
وانقطع يوماً ثم رأت يومين دماً وانقطع عشرة أيام ثم رأت ستة أيام دماً متصلة أو منفصلة بيوم. وحكمه البناء على أن مجموع الدم الذي قبل عشرة النقاء حيض واحد، ومجموع الدم الذي بعد عشرة النقاء حيض آخر، من دون فرق بين ما يقع في أيام العادة الوقتية وما يقع في غيره، ولا بين ما يكون بصفات الحيض المتقدمة في المسألة (٢١٦) وما يكون فاقداً له. نعم تقدم الكلام في حكم الصفرة في المسألة (٢٠٨).
الثالثة: أن لا يتم لشيء من الدم - مجتمعاً أو متفرقاً في ضمن عشرة أيام - أقل الحيض، وهو ثلاثة أيام، كما لو رأت يومين دماً ثم انقطع عشرة أيام وهكذ، أو رأت يوما دماً وانقطع يوماً ثم رجع يوماً ثم انقطع عشرة أيام، ثم رأت الدم يوماً وانقطع يوماً ثم رجع يوماً وانقطع عشرة أيام، وهكذ. وحكمها البناء على عدم الحيضية في جميع الدماء مهما تكررت على النحو المذكور.
الرابعة: أن يتم لشيء من الدم - مجتمعاً أو متفرقاً في ضمن عشرة أيام - أقل الحيض إلا أنه لا يفصل بين المجموعتين أقل الطهر الذي هو عشرة أيام، كما لو رأت الدم سبعة أيام وانقطع سبعة أيام وعاد سبعة أيام وانقطع سبعة أيام وهكذ. أو رأت الدم ثلاثة أيام وانقطع يومين وعاد ثلاثة أيام وانقطع ثمانية أيام ثم عاد ثلاثة أيام وانقطع يومين وعاد ثلاثة أيام وانقطع سبعة أيام ثم عاد ثلاثة أيام وهكذا من دون أن يتم انقطاعه عشرة أيام، وحكمها التحيض بالدم الحاصل في العشرة الاُولى دون الدم الثاني، بل لا تتحيض بعد ذلك إلا بعد مضي أقل الطهر - وهو عشرة أيام - فإذا استمرت على ذلك شهراً رجعت إلى وظائف مستمرة الدم المتقدمة في المسائل السابقة من المسألة (٢١٤) حتى المسألة (٢١٧).
(مسألة ٢٢٠): إذا انقطع الدم لدون العشرة ثم عاد قبل مضي عشرة أيام
من حين رؤية الدم الأول، فإن لم تكن ذات عادة عددية تحيضت بالأول والثاني حتى تمضي العشرة، فإن انقطع وإلا عملت بعد العشرة أعمال المستحاضة. وكذا إذا كانت ذات عادة عددية على الأحوط وجوب.
(مسألة ٢٢١): ما تراه المرأة قبل مضي أقل الطهر من حيضها - وهو عشرة أيام - يحكم عليه بأنه استحاضة، فإن استمر مدة طويلة فإن كانت ذات عادة وقتية وعددية تحيضت أيام عادته، وإلا رجعت للتمييز بالصفات المتقدمة في المسألة (٢١٦)، فإن تعذر رجوعها للتمييز - لعدم مطابقته لشروط الحيض - رجعت بعد مضي شهر من رؤية الدم لعادة أقاربه، فإن اختلفن أو فُقِدن تحيضت بالعدد بين الثلاثة إلى العشرة، على ما تقدم توضيحه في المسائل السابقة.
الفصل الثاني
في أحكام الحيض
تشارك الحائض الجنب في أكثر الاحكام المتقدمة، بل في جميعها على الأحوط وجوب. بل الأحوط وجوباً عدم صحة طواف النافلة منها أيض.
(مسألة ٢٢٢): يحرم وطء الحائض في القبل، كما يحرم عليها التمكين من ذلك. وكذا الوطء في الدبر على الأحوط وجوب.
(مسألة ٢٢٣): لا يجب على الزوج الكفارة بوطء زوجته الحائض، نعم تستحب الكفارة مع تعمده. والاشهر أنها في أول الحيض دينار وفي وسطه نصف دينار وفي آخره ربع دينار. والدينار يساوي أربع غرامات وربع غرام ذهباً تقريب. ويكفي دفع قيمته.
(مسألة ٢٢٤): يجوز الاستمتاع بالحائض بغير الوطء. ويكره الاستمتاع بموضع المئزر، وهو ما بين السرة والركبة.
(مسألة ٢٢٥): لا يجوز طلاق الحائض ولا ظهارها على تفصيل يذكر في بحث الطلاق والظهار.
(مسألة ٢٢٦): يجب على الحائض قضاء صوم رمضان، ولا يجب عليها قضاء الصلاة المؤقتة التي استغرق الحيض وقته. فإذا كانت حائضاً في تمام المدة من الزوال إلى الغروب مثلاً لم يجب عليها قضاء الظهرين. نعم يجب قضاء الصلاة التي حاضت بعد خروج وقتها الفضيلي، كالظهر لو حاضت بعد دخول وقت العصر الفضيلي، بل الأحوط وجوباً قضاء الصلاة التي حاضت بعد ما مضى من وقتها بمقدار أدائه. فلو حاضت بعد الزوال مثلاً بمقدار أداء صلاة الظهر قضته.
كما يجب عليها إذا طهرت أداءُ الصلاة التي طهرت في وقتها دون التي خرج وقته. بل لا يبعد عدم وجوب أداء صلاة الظهر إذا طهرت بعد خروج وقتها الفضيلي وإن بقي وقتها الادائي. لكن يستحب أداؤه، بل هو الأحوط استحباب، كما أنه الأحوط وجوباً في صلاة المغرب إذا طهرت بعد خروج وقتها الفضيلي قبل الفجر فضلاً عن العشاء، كما يأتي في الاوقات.
(مسألة ٢٢٧): إذا طهرت المرأة من الحيض جاز وطؤها وإن لم تغتسل. لكنه مكروه، ولو تعذر الغسل تخف الكراهة بالتيمم. والأحوط وجوباً تطهير فرجها قبل الوطء.
(مسألة ٢٢٨): جميع ما تقدم عدم صحته من الحائض أو عدم جوازه لها لا يصح منها ولا يحل لها بمجرد الطهر من الحيض بل لابد معه من الغسل الرافع لحدث الحيض.
(مسألة ٢٢٩): غسل الحيض كغسل الجنابة في الكيفية، ويشترك معه في الاحكام المتقدمة. نعم تقدم أنه يستحب عند إرادة غسل الحيض الوضوء قبله.
المبحث الثالث
في غسل الاستحاضة
كل دم يخرج من الرحم لا يحكم عليه بأنه حيض أو نفاس فهو محكوم بأنه دم استحاضة وهو موجب للحدث، فيمتنع على المستحاضة جميع ما يمتنع على المحدث الذي تقدم ذكره عند الكلام فيما يتوقف على الوضوء. ولا يصح منها إلا مع القيام بالوظائف الاتية.
(مسألة ٢٣٠): للاستحاضة ثلاث مراتب:
الاُولى: القليلة، وهي التي يلطخ فيها الدم القطنة - التي تستدخلها داخل الفرج - من دون أن ينفذ فيها ويخرج من الجانب الاخر.
الثانية: المتوسطة، وهي التي ينفذ دمها في القطنة التي تستدخلها في داخل الفرج ويخرج للجانب الاخر من غير أن يسيل عنه. ولا أثر لتلطخ الخرقة بالدم لمجرد مماسته للقطنة من دون أن يستند لقوة دفع الدم.
الثالثة: الكثيرة، وهي التي ينفذ دمها في القطنة ويسيل منها لقوة دفع الدم. بل الأحوط وجوباً الاكتفاء فيها بسيلان الدم لعدم وضع القطنة.
(مسألة ٢٣١): حكم القليلة وجوب الوضوء لكل صلاة فريضة كانت أو نافلة، دون الاجزاء المنسية وصلاة الاحتياط وسجود السهو المتصل بالصلاة بحيث يُعدّ من توابعها عرف. فإنه يجتزأ له بوضوئها وأما مع الفصل المعتدّ به فالأحوط وجوباً الوضوء له. ولا يجب تبديل القطنة أو تطهيرها لكل صلاة، وإن كان أحوط استحباب.
(مسألة ٢٣٢): حكم المتوسطة غسل واحد لليوم، فإن كانت في أوله لزم إيقاعه قبل صلاة الصبح، وإن حدثت في أثنائه لزم إيقاعه لما بعد ذلك من الصلوات. ويجب الوضوء لكل صلاة منفصلة عن الغسل، كصلاة الظهر لو اغتسلت لصلاة الصبح، وكذا صلاة الصبح لو اغتسلت لها ولم تبادر إليها بعد الغسل.
وأما الصلاة المتصلة بالغسل فالظاهر عدم وجوب الوضوء له، بل الظاهر الاجتزاء بالغسل لصلاتين لو جمعت بينهم، كما لو حصلت الاستحاضة المتوسطة قبل الظهر فإنها لو اغتسلت اجتزأت بغسلها عن الوضوء للظهرين إذا جمعت بينهما وجاءت بهما بعد الغسل بلا فصل، وإن كان الأحوط استحباباً الوضوء لكل صلاة حتى الصلاة المتصلة بالغسل.
وحينئذٍ تتخير بين تقديم الوضوء على الغسل وتأخيره عنه، ويجزئ الوضوء أو الغسل المأتي به للصلاة لتوابعها كقضاء الاجزاء المنسية وصلاة الاحتياط وسجود السهو نظير ما تقدم في المسألة السابقة، ولا يجب تبديل القطنة لكل صلاة وإن كان الاحتياط الاستحبابي هنا آكد منه في المسألة السابقة.
هذ، والظاهر الاكتفاء في غير اليومية بالوضوء لكل صلاة، وإن كان الأحوط وجوباً الاقتصار على الصلوات المضيّقة من الفرائض والنوافل، كصلاة الكسوف والنوافل الرواتب، دون الموسَّعة كصلاة القضاء، بل تنتظر بها الشفاء من الاستحاضة.
(مسألة ٢٣٣): حكم الكثيرة الغسلُ لصلاة الصبح تبادر إليها بعده، والغسل للظهرين تجمع بينهما وتبادر إليهما بعده، والغسلُ للعشائين كذلك. فإن فرّقت بين الغسل والصلاة أعادته، وإن فرّقت بين الصلاتين أعادته للثانية. ولا يجب الوضوء لكل صلاة، بل لا يجوز إذا أخل بالموالاة العرفية بين الغسل والصلاة أو بين الصلاتين. نعم لا بأس بالوضوء قبل الغسل لانه من آدابه، كما تقدم.
ويجب عليها التحفظ من خروج الدم بعد الغسل حتى تفرغ من الصلاة بحشو الفرج بقطنة والتعصب والاستثفار بأن تشدّ وسطها بحزام وتجعل فيه خرقة من مقدمها ثم تنزلها بين فخذيها وتخرجها من مؤخرها وتجعلها في الحزام من خلفها مع شدّها بقوة وإحكام، ونحو ذلك مما يمنع من زيادة خروج الدم، ولا يجب عليها تبديل القطنة أو الخرقة بين الصلاتين بل يلزم تجنب ذلك إذا أخل بالموالاة المعتبرة أو كان سبباً في زيادة خروج الدم.
هذ، والظاهر أن لها الجمع بين صلاتين بغسل واحد حتى في غير اليومية وإن كان الأحوط وجوباً الاقتصار على الصلوات المضيَّقة من الفرائض أو النوافل، نظير ما تقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٢٣٤): ما تقدم من أقسام الاستحاضة إنما هو في الدم، وأما الصفرة التي لا يصدق عليها الدم عرفاً فحكمها الوضوء لكل صلاة مهما كثرت.
(مسألة ٢٣٥): إذا علمت المستحاضة أن لها فترة مضبوطة ينقطع فيها الدم تكفي الطهارة والصلاة وجب انتظارها وإيقاع الصلاة فيه، وكذا مع الاطمئنان بذلك بل مع الظن أيضاً على الأحوط وجوب، وأما مع عدم الفترة أو عدم تيسر ضبطها فلو عملت أعمال المستحاضة وصلّت ثم حصلت الفترة بعد الصلاة لم تجب إعادة الصلاة وإنما تجب إعادة الاعمال للصلوات الاتية.
(مسألة ٢٣٦): يحل الطواف للمستحاضة إذا عملت بالوظائف المقررة للصلاة من الوضوء في القليلة والمتوسطة أو الغسل في الكثيرة، بل في المتوسطة إذا أرادت الإتيان به أول اليوم، فإذا كانت وظيفتها الغسل اغتسلت كما في الكثيرة والمتوسطة أول اليوم - وطافت من غير وضوء، وإذا كانت وظيفتها الوضوء أتت به قبل الطواف وأجتزأت به لصلاته.
(مسألة ٢٣٧): لا تتوقف صحة الصوم من المستحاضة على القيام
بوظائفها المتقدمة للصلاة، بل يصح منها مع التفريط بالوظائف المذكورة. وكذا قراءة العزائم، ودخول المساجد، وإن كان الأحوط وجوباً عدم دخول الكعبة الشريفة لها حتى مع القيام بالوظائف. بل الظاهر عدم جواز مسّ المصحف له، وأما لو اضطرت له - ولو لتوقف رفع هتك المصحف عليه - كان عليها تجديد الوظائف المتقدمة له مع تيسره، ومع تعذرها فالأحوط وجوباً الانتقال للتيمم.
(مسألة ٢٣٨): غسل الاستحاضة كغسل الجنابة والحيض في الكيفية، ويجزئ هو عنهما وعن غيرهما من الاغسال كما تجزئ عنه بقية الاغسال. وكذا يجزئ الإتيان بغسل واحد بنية الجميع، نظير ما سبق في المسألة (١٩١) من الفصل الرابع في أحكام غسل الجنابة.
المبحث الرابع
في غسل النفاس
دم النفاس دم يقذفه الرحم بوضع الحمل، سواء خرج أثناء الولادة بخروج جزء من الولد أم بعده، دون ما خرج قبلها وإن استند إليه، بل يحكم عليه بأحكام الاستحاضة.
(مسألة ٢٣٩): يشكل صدق النفاس على ما يخرج بالسقط إذا لم يصدق عليه الولد، مثل ما يخرج عند إلقاء المضغة أو العلقة أو النطفة، والأحوط وجوباً القيام معه بأعمال المستحاضة.
(مسألة ٢٤٠): لا حدّ لقليل النفاس، بل قد لا يكون للمرأة نفاس كما إذا لم ترَ دماً عند الولادة.
(مسألة ٢٤١): النفساء إن استمر بها الدم فإن كانت ذات عادة عددية تنفست بقدر عادته، واستظهرت بيوم أو يومين إلى تمام العشرة، ثم تعمل أعمال المستحاضة، نظير ما تقدم في المسألة (٢١٢) في الفصل الأول من مباحث الحيض، وإن كان الأحوط وجوباً لها عدم ترك الاستظهار ولو بيوم. وإن لم تكن ذات عادة عددية تنفست إلى العشرة ثم عملت أعمال المستحاضة، وإن كان الأحوط وجوباً لها القيام بتروك النفساء إلى ثمانية عشر يوم.
(مسألة ٢٤٢): إذا لم ترَ المرأة بعد الولادة إلى عشرة أيام دماً لم يكن لها نفاس أصل، وإذا رأته بعدها كان حيضاً إن كان واجداً لشروطه، وإلا كان استحاضة، وكذا لو انفصل الدم عن الولادة بمقدار معتدٍّ به بحيث لا يكون
مسبَّباً عرفا عنها ولا يُعدّ نفاساً عندهم. نعم إذا كان الفاصل قليلاً بحيث يُعدّ عرفاً نفاساً جرى عليه حكم النفاس.
(مسألة ٢٤٣): مبدأ الحساب من حين تمام الولادة، لا من حين البدء بها وإن كان الخارج بظهور أول جزء من الولد نفاساً أيضاً كما سبق.
(مسألة ٢٤٤): إذا تعدد الولد كان لكلّ نفاسه، ويتداخل النفاسان في الزمن المشترك بينهما وينفرد كل منهما بالزمن المختص به، فلو كان نفاس المرأة عشرة أيام وولدت الأول في أول الشهر، والثاني في خامسه كانت الخمسة الاُولى من الشهر من نفاس الأول والخمسة الثالثة منه من نفاس الثاني والخمسة الثانية من نفاسهما مع، ولو لم يكن بينهما زمان مشترك - كما لو كان بينهما عشرة أيام فما فوق - اختص نفاس كل منهما بزمانه، ولا يعتبر فصل أقل الطهر - وهو عشرة أيام - بينهم، بل قد لا يفصل بينهما طهر أصل.
(مسألة ٢٤٥): إذا تقطّع الولد كان مبدأ الحساب خروج آخر قطعة منه، وإن وجب ترتيب أثر النفاس على الدم الخارج من أول ظهور جزء منه، كما سبق.
(مسألة ٢٤٦): الدم الخارج قبل المخاض حيض إن بلغ يومين فما زاد ولم يتجاوز العشرة، ولا يعتبر الفصل بينه وبين النفاس بأقل الطهر، بل يجوز أن يكون متصلاً به من دون طهر أصل، وإن تجاوز العشرة أو لم يبلغ اليومين فهو استحاضة، وكذا ما يبدأ خروجه حال المخاض قبل ظهور جزء من الولد، أما بعد ظهوره فهو نفاس كما سبق.
(مسألة ٢٤٧): إذا رأت النفاس ثم انقطع ثم عاد قبل مضي عادتها أو قبل العشرة فالنقاء المتخلل بين الدمين بحكم الطهر، كما تقدم نظيره في النقاء المتخلل بين دمي الحيض الواحد في ضمن العشرة.
(مسألة ٢٤٨): إذا استمر الدم بعد الولادة مدة طويلة شهراً أو أكثر فقد تقدم في المسألة (٢٤١) بيان مقدار نفاسها وأنها تعمل بعده على الاستحاضة والظاهر أنها تبقى على ذلك حتى ينقطع الدم فتتحيض بمجرد رؤية الدم الجديد مع واجديته لشروط الحيض، ومنها الفصل بينه وبين أيام النفاس بعشرة أيام. ولا تتحيض باستمرار الدم الأول بمجرد مضي أقل الطهر بعد أيام النفاس، ولا بحضور عادتها الوقتية - لو كانت لها عادة وقتية - ولا بالتمييز لو صار الدم بصفات الحيض ولا بغير ذلك مما تقدم في حكم مستمرة الدم في الحيض.
نعم، إذا طال أمد الدم بحيث خرج عما يتعارف عند النساء من الدم المتصل بالولادة، رجعت إلى حكم مستمرة الدم المتقدم في مبحث الحيض. وكذا إذا ضعف الدم المتصل بالولادة وخفّ، ثم رجع الدم إلى الكثرة بحيث يُعدّ عرفاً دماً آخر غير الدم المسبَّب عن الولادة.
(مسألة ٢٤٩): يجب على النفساء الاستبراء عند انقطاع الدم عن الظهور بإدخال قطنة، نظير ما سبق في المسألة (٢١١) في الفصل الأول من مباحث الحيض.
(مسألة ٢٥٠): يحرم على النفساء العبادات المشروطة بالطهارة، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة إلا التي تنفست أو طهرت في أثناء وقتها الادائي، كما يحرم عليها الدخول للمساجد على نحو ما تقدم في الحائض. ويحرم وطؤها حال النفاس، من دون أن تجب الكفارة به. ويكره وطؤها بعد النفاس قبل الغسل.
كما لا يصح طلاقه، ولا ظهاره، على نحو ما تقدم في الحيض. بل الأحوط وجوباً مشاركتها للحائض في الاحكام حتى المكروهات، بل هو الاظهر في أكثر تلك الاحكام.
(مسألة ٢٥١): يجب عليها الغسل بعد الحكم بطهرها من النفاس، وهو يشارك غسل الحيض في الكيفية والاحكام.
المبحث الخامس
في غسل الأموات
وينبغي التعرّض لسائر أفعال التجهيز ولما يناسب ذلك مما يتعلق بالموت، فيقع الكلام في ضمن ستة فصول.
الفصل الأول
في مقدمات الموت ولواحقه
يجب على الإنسان عند تخوّف الموت أو ظهور أمارته المبادرة لاداء الواجبات المالية وغيرها التي في ذمته لله تعالى - كقضاء الصوم والصلاة وأداء الخمس والزكاة وغير ذلك - وأداء حقوق الناس الحالة والتوثّق من أداء ما لا يسعه أداءه في حياته بالوصية على أوثق الوجوه الموصلة لادائه بعد وفاته، كما يجب عليه الاقرار والاشهاد على ما في ذمته وما تحت يده من الامانات توثّقاً على حفظها ووصولها لاهله. ويتأكد عليه وجوب المبادرة للتوبة والمسارعة للاستغفار والتكفير عما عليه مما يخلصه من تبعات ذنوبه.
(مسألة ٢٥٢): يستحب توجيه المحتضر للقبلة، بل هو الأحوط استحباب، كما يجب توجيهه إليها بعد الموت. وذلك بأن يكون مستقبلاً بوجهه وباطن رجليه إليه، بحيث لو جلس كان مستقبلاً له.
(مسألة ٢٥٣): يستحب للانسان حال الاحتضار - بل في جميع
الاحوال - الاقرار بالشهادتين وبولاية الائمة (عليهم السلام) وبجميع العقائد الحقة وتذكّرها وتقريرها في النفس دفعاً لوساوس الشيطان. بل يستحب إشهاد من حضره من المؤمنين بذلك عند الوصية بالمأثور ويستحب تلقينه بذلك كله عند الاحتضار، كما يستحب أن يكون آخر كلامه «لا إله إلا الله» ففي بعض النصوص المعتبرة «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ويستحب تلقينه كلمات الفرج، وهي: «لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما [تحتهن ] ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين».
ونسأله سبحانه أن يعيذنا وجميع المؤمنين من الشيطان الرجيم ومن الفتنة عند الموت ولا يخرجنا من الدنيا حتى يرضى عن، وأن يعيننا بأفضل العون ويلطف بنا برحمته ويسهل علينا جميعاً سكرات الموت، إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(مسألة ٢٥٤): يكره أن يُمسّ حال النزع وأن يحضره جنب أو حائض.
(مسألة ٢٥٥): يستحب بعد الموت المبادرة لتغميض عينَي الميت وشدّ لحييه - وهما عظما الفك الاسفل - إلى رأسه. قيل: وأن يطبق فمه وتُمدّ يداه إلى جانبيه وساقاه، كما يستحب أن يغطى بثوب.
(مسألة ٢٥٦): يستحب إعلام إخوانه المؤمنين بموته ليحضروا جنازته، فإن تشييع المؤمن من أفضل القربات، وقد ورد فيه الثواب العظيم، وليصلّوا عليه ويستغفروا له. كما يستحب تعجيل تجهيزه إذا تحقق موته.
(مسألة ٢٥٧): يجب على المكلَّفين كفايةً تجهيز الميت المؤمن بحيث لو قام به أحدهم أجزأ عن الباقين، وإن تركوه كلهم كانوا عاصين، ومن عجز عن القيام بذلك وتمكن من التسبيب له بإخبار غيره وإعانته عليه وجب عليه القيام بذلك.
(مسألة ٢٥٨): لابدّ من وقوع التجهيز بإذن الولي، بمعنى حرمة الاستقلال عنه، فيكون الفعل محرّماً بدون إذنه. ومع الالتفات لذلك يمتنع التقرب به، فيبطل إن كان عبادة كالصلاة والتغسيل، أما مع الغفلة عن الحرمة فيصح العمل ويجزئ، كما يجزئ ما لا يعتبر فيه التقرّب كالتكفين والدفن حتى مع الالتفات للحرمة.
(مسألة ٢٥٩): الزوج أولى بزوجته من كل أحد، إلا أن يكون مملوكاً أو قاصراً عن مقام الولاية بصغر أو جنون أو نحوهم، كما أن المالك أولى من كل أحد بمملوكه، إلا مع قصوره فيقوم وليه مقامه وفي غير الزوجة والمملوك تكون الولاية لطبقات الميراث على الترتيب بينهم، وهم الابوان والأولاد، ثم الاخوة والاجداد، ثم الاخوال والاعمام، مع قيام أولادهم مقامهم عند فقدهم، على ما يذكر في مباحث الارث، ثم المولى المعتِق، ثم ضامن الجريرة، ثم الإمام.
ولا يرجع للطبقة المتأخرة إلا مع تعذّر الرجوع للطبقة المتقدمة لبعض الموانع الخارجية أو امتناعها عن إعمال ولايتها أو قصورها عن مقام الولاية بصغر أو نحوه.
(مسألة ٢٦٠): مع تعدد الأولياء في الطبقة الواحدة تسقط ولاية من يتعذّر الرجوع إليه لبعض الموانع الخارجية أو من يمتنع عن إعمال ولايته، أو يقصر عن مقام الولاية بصغر أو نحوه. وأما الترجيح بين أفراد الطبقة الواحدة فغير ثابت والأحوط وجوباً الاستئذان من الجميع.
(مسألة ٢٦١): إذا تعذّر الرجوع للولي في جميع الطبقات فالظاهر جواز استقلال كل أحد بالتجهيز ولا يحتاج لمراجعة الحاكم الشرعي.
(مسألة ٢٦٢): إذا كان الميت قد أوصى بأن يتولى أمره شخص غير الولي الشرعي فالأحوط وجوباً العمل بإذنه وإذن الولي مع، كما أنه لو أوصى
بخصوصيات التجهيز كالغسل بماء خاص أو التكفين من نوع خاص أو الدفن في قبر خاص أو غير ذلك فالأحوط وجوباً عدم خروج الولي عن ذلك، وإن كان بنظره أصلح للميت، إلا أن يستلزم صرف مال فيلحقه حكم الوصية، أو يكون محرماً فلا يعتد بالوصية.
(مسألة ٢٦٣): مؤن التجهيز - كالكفن والماء والسدر وأرض القبر - لو توقفت على بذل المال من التركة تقدم على الدين والوصية. نعم مؤن تجهيز الزوجة على زوجه، ولا تخرج من التركة إلا مع إعساره بحيث لا يقدر على الاقتراض. وكذا مع عصيانه، وإن جاز للورثة حينئذٍ الرجوع عليه إذا دفعوها بنيّة الرجوع عليه بعد مراجعة الحاكم الشرعي مع تيسر الرجوع إليه. كما انّ مؤن تجهيز المملوك على مالكه.
هذ، ولو لم يكن للميت تركة أو امتنع الورثة أو الزوج أو المالك عن القيام بذلك وتعذّر إجبارهم لم يجب على عامة الناس كفائياً بذل المؤن، بل يسقط من التجهيز ما احتاج إلى بذل مؤنة عدا الدفن، فإنه يجب القيام بمؤنته دفعاً لهتك المؤمن ومراعاة لحرمته.
(مسألة ٢٦٤): المقدار الذي يجب بذله من المؤنة من التركة أو على الزوج أو المالك هو المقدار الذي يتحقق به الواجب، دون ما زاد عليه من المستحبات أو ما تقتضيه الاعراف الاجتماعية أو العادات الخاصة بالقبيلة أو نحو ذلك، بل لا يتحمل الزيادة إلا من يريد القيام بها أو كان الميت قد أوصى بها فتخرج من ثلثه. نعم لو أعدّ الإنسان كفنه وجب تكفينه به وإن زادت قيمته عن أصل الواجب، بما يزيد عن الثلث أو استغرق التركة، على الأحوط وجوب.
الفصل الثاني
في تغسيل الميت
(مسألة ٢٦٥): الأحوط وجوباً تطهير كل موضع من بدن الميت من كل نجاسة خارجية غير الموت قبل الشروع في تغسيله.
(مسألة ٢٦٦): كيفية تغسيل الميت كغسل الجنابة، وإن كان الرأس منفصلاً وجب تقديم غسل رأسه. كما أن غسل الميت يختلف عن غسل الجنابة بأمرين آخرين:
الأول: كثرة الماء وإفاضته بحيث يتحقق به الغسل عرفاً على النحو المعهود في التطهير من الخبث، ولا يكفي القليل منه بخلاف بقية الاغسال، كما تقدم في آخر الفصل الثاني من الوضوء.
الثاني: تثليث الغسلات، فيغسل أولاً بماء السدر ثم بماء الكافور ثم بالماء القراح، وهو الماء المطلق.
(مسألة ٢٦٧): لابد فيه من النية على النحو المتقدم في الوضوء ويجري فيه ما سبق هناك من الفروع. ويترتب على ذلك عدم صحته بداعي أخذ الاُجرة أو الجعل عليه إذا لم يكن الداعي القربي صالحاً للداعوية استقلالاً بحيث لو لم يأخذ الاُجرة أو الجعل لم يغسله. بل الأحوط وجوباً عدم الاُجرة عليه ولا الجعالة مطلقاً حتى لو كان بحيث يغسل على كل حال حتى لو لم يأخذ الاُجرة أو الجعل، ولو اُريد دفع شيء عليه كان هدية محضة غير مسبوقة بشرط أو اتفاق.
(مسألة ٢٦٨): لو تعذّر أحد الخليطين أو كلاهما وجب الغسل بالماء القراح بدلاً عن غسلته، والأحوط وجوباً نيّة البدلية ولو إجمالاً بان ينوي الإتيان
بالغسل المشروع على نحو ما شَرعه الله تعالى.
(مسألة ٢٦٩): يشترط في السدر أن يكون بمقدار يحقق تنظيف جسد الميت الذي هو الغرض منه عرف، والظاهر أن ذلك ملازم لخروج الماء به عن الاطلاق.
نعم، لابدّ من عدم كثرته بنحو لا يصدق به الغسل بماء السدر. كما يعتبر في الكافور أن يكون بمقدار يتحقق به تطييب جسد الميت. وأما الغسل الثالث فيعتبر فيه إطلاق الماء ولا يقدح فيه اشتماله على شيء من السدر أو الكافور أو غيرهما مما لا يخرجه عن الاطلاق.
(مسألة ٢٧٠): لو تعذّر تثليث الاغسال لقلة الماء لزم ترجيح الغسل بالماء القراح. ومع القدرة على غسل آخر يتخير بين أحد الخليطين. والأحوط وجوباً ضمّ التيمم حينئذٍ.
(مسألة ٢٧١): إذا تعذر التغسيل لعدم الماء أو لخوف تناثر جلد الميت لحرق أو غيره - وجب أن يُيمَّم. نعم لو أمكن صب الماء من دون دلك ولم يخف معه من تناثر جلد الميت، وجب ولم يشرع التيمم.
(مسألة ٢٧٢): يكفي تيمم واحد. وإن كان الأحوط استحباباً التثليث - كما في الغسل - وينوى بها ما هو المشروع واقعاً من دون نيّة بدليّة كل واحد عن غسل خاص.
(مسألة ٢٧٣): يجب في التيمم أن يكون الضرب والمسح بيد الميت مع الامكان، ومع تعذره يكفي الضرب والمسح بيد الحي الذي ييمّمه.
(مسألة ٢٧٤): إذا تنجس بدن الميت بنجاسة منه أو من غيره بعد التغسيل قبل التكفين وجب تطهيره منه. ولا يجب إعادة الغسل له. بل الأحوط وجوباً التطهير حتى لو أصابته النجاسة بعد التكفين، بل بعد وضعه في القبر إذا لم يتم الدفن.
(مسألة ٢٧٥): لابد من المماثلة بين الميت والمغسِّل في الذكورة والاُنوثة. ويستثنى من ذلك موارد:
الأول: الصبي والصبية، فيجوز تغسيل غير المماثل لهما اختياراً إلى ثلاث سنين. وأما مع الاضطرار وفقدِ المماثل فيجوز مطلق.
الثاني: الزوجان، فيجوز تغسيل الزوج زوجته وتغسيل الزوجة زوجه. وإن كان الأحوط وجوباً الاقتصار في الثاني على فقد المماثل. كما أن الأحوط وجوباً فيهما معاً عدم النظر للعورة.
الثالث: المحارم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، بشرط فقد المماثل وأحد الزوجين. ويستحب كونه من وراء الثياب. ويحرم النظر للعورة.
الرابع: تغسيل المولى لامَته والامَة لمولاها على كلام وتفصيل لا يهم التعرض لهما بعد عدم الابتلاء بذلك في هذه العصور أو ندرته.
(مسألة ٢٧٦): إذا انحصر المماثل بالكتابي فمع وجود أحد الزوجين أو المحارم من غير المماثل يتعين تولّيهم التغسيل، ومع فقدهم يغتسل الكتابي ثم يغسِّل الميت. وإذا أمكن المخالف قدّم على الكتابي. والأحوط وجوباً اغتساله قبل التغسيل كالكتابي. وإذا وجد المماثل المسلم أو أحد الزوجين أو المحارم بعد ذلك أعاد التغسيل مالم يتضيق وقت الدفن لتعرض الميت للهتك.
(مسألة ٢٧٧): إذا لم يوجد المماثل حتى الكافر ولا أحد الزوجين والارحام سقط التغسيل، نعم يستحب تغسيل غير المماثل له من وراء الثياب، ودونه في المرأة غسل مواضع الوضوء، ثم غسل مواضع التيمم - بأن يغسل باطن كفيها ثم وجهها ثم ظاهر كفيها - ثم الاقتصار على غسل الكفين. ويتخير بينها وبين التيمم أيض.
(مسألة ٢٧٨): إذا دفن الميت بلا تغسيل عمداً أو خطأً وجب نبشه
لتغسيله. ولو تعذّر التغسيل لتغيّر جسد الميت وجب تيممه، وكذا يجب نبشه للتيمم إذا كان حكمه التيمم قبل الدفن فلم ييمم. نعم إذا لزم محذور هتكه أو الاضرار ببدنه حرم النبش.
(مسألة ٢٧٩): إذا مات في حال الاحرام قبل أن يحلّ له الطيب حرم تطييبه بجعل الكافور في ماء غسله الثاني وبتحنيطه وبغيرهما من أنحاء التطييب.
(مسألة ٢٨٠): المقتول في جهاد مشروع إذا لم يدركه المسلمون حياً بعد الحرب أو في أثنائها عند تفقد الجرحى لا يغسّل ولا يحنّط، بل يصلّى عليه ويدفن بثيابه، إلا أن يجرّد من ثيابه فيكفّن.
(مسألة ٢٨١): من وجب قتله برجم أو قصاص فإنه يغتسل غسل الميت المتقدم ويتحنّط ويكفّن كتكفين الميت، ثم يقتل ويصلّى عليه ويدفن بلا تغسيل.
(مسألة ٢٨٢): يحرم تقليم أظافر الميت وقصّ شعره وحلقه وختانه ونحو ذلك مما يوجب فصل شيء من بدنه، بل الأحوط وجوباً عدم تخليل أظافره إلا ما يتوقف عليه وصول الماء لظاهر البشرة الذي يجب غسله من الحي، وكذا ترجيل شعره وتمشيطه إذا احتمل سقوط شيء منه بسببه. ولو سقط منه شيء دُفن معه.
(مسألة ٢٨٣): ذكروا للتغسيل سنناً وآداباً:
منها: أن يوجه إلى القبلة كحال الاحتضار، وأن يكون على مرتفع، وأن يكون تحت ظل.
ومنها: تليين أصابعه وجميع مفاصله برفق.
ومنها: أن يغسل رأسه برغوة السدر وفرجه بالاشنان قبل الغسل.
ومنها: أن يبدأ بغسل يديه إلى نصف الذراع ثلاث مرات قبل كل غسل...
إلى غير ذلك مما يضيق المقام عن ذكره. فلتراجع في المطوّلات.
(مسألة ٢٨٤): يستحب أن يستقبل الميت بعد التغسيل معترضاً كما يستقبل به حال الصلاة عليه.
الفصل الثالث
في التكفين
يجب تكفين الميت بثلاثة أثواب..
الأول: القميص، والأحوط وجوباً عدم الاجتزاء عنه بثوب شامل لجميع البدن.
الثاني: الازار، والافضل أن يلف به تمام البدن لكن يجزئ ما يلف ما عدا الرأس منه.
الثالث: الرداء، ولابد أن يلف تمام البدن حتى الرأس. والأولى كونه برداً يماني.
(مسألة ٢٨٥): ذكروا أنه لابد في القميص أن يكون ساتراً من المنكبين إلى نصف الساق. لكن الظاهر كفاية ستره الفخذين.
(مسألة ٢٨٦): المشهور أن أول ثياب الكفن مئزر يستر ما بين السرة والركبة من دون حاجة للازار الذي تقدم أنه الثوب الثاني من ثياب الكفن. وعليه اشتهر العمل اليوم. لكن لم يثبت مشروعيته، فضلاً عن الاجتزاء به عما ذكرن. فاللازم التنبه لذلك.
نعم قد يهون الامر بلحاظ ما عليه كثير من المؤمنين من زيادة حبرة يلف بها الميت زائداً على الكفن للبناء على استحبابه، فإنه يتحصل بها العدد المطلوب.
(مسألة ٢٨٧): لابد من حصول الستر بمجموع الثياب. بل الأحوط وجوباً كون كل منها ساتراً بنفسه لما تحته.
(مسألة ٢٨٨): إذا تعذرت الثياب الثلاثة اقتصر على الميسور منه. ويقدم الاشمل مع الدوران بينه وبين غيره. وإذا لم يتيسر إلا ما يستر العورة وجب سترها به، ومع الدوران بين القبل والدبر يتعين ستر القبل.
(مسألة ٢٨٩): لا يجوز التكفين بالحرير، ولا بالمخلوط به إلا أن يكون الخليط أكثر. ومع الانحصار فالأحوط وجوباً التكفين به.
(مسألة ٢٩٠): الأحوط وجوباً عدم التكفين بالجلد ونحوه مما لا يكون من سنخ المنسوج إلا مع الضرورة.
(مسألة ٢٩١): لابد من طهارة الكفن، ولو تنجس بعد التكفين به بنجاسة من الميت أو غيره وجب تطهيره أو قرضُ موضع النجاسة وقطعُه من الكفن.
والأحوط وجوباً الاقتصار في القرض على ما إذا كان موضع النجاسة صغيراً بحيث لا يكون القرضُ مفسداً للكفن مانعاً من ستر بدن الميت به، وإلا لزم رد بعضه على بعض. حتى يستر البدن أو لا يقرض بل يطهّر.
(مسألة ٢٩٢): لو انحصر الكفن بالنجس ولم يمكن تطهيره وجب التكفين به.
(مسألة ٢٩٣): يحرم التكفين بالمغصوب ويسقط وجوب التكفين مع الانحصار به.
لكن لا يجب على من علم بغصبية الكفن السعي لنزعه أو تبديله إذا لم يكن هو الغاصب، وإن حرم عليه حينئذٍ التصرف فيه ولو بحمل الميت، نعم لو علم الوارث بغصبية الكفن وجب عليه بذل الكفن من التركة مع وفائها به أو بالميسور منه.
(مسألة ٢٩٤): يستحب أن يزاد للميت خرقة يُشدّ بها وركاه وفخذاه وعورته تحت القميص أو فوقه، ويزاد للرجل العمامة، وللمرأة الخمار كما يستحب أن يكثر من وضع القطن على القبل والدبر تحت اللفافة.
(مسألة ٢٩٥): يستحب أن يكون الكفن من قطن أبيض وأن يكون من خالص المال وطهوره، وأن يكون فيه ثوب قد أحرم أو صلى فيه، وأن يكتب على حاشية الازار منه: «فلان يشهد أن لا إله إلا الله». ويستحب أن يكتب ذلك بتربة الحسين (عليه السلام). ولا بأس بإضافة الشهادة بالرسالة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمامة للائمة(عليهم السلام)بل سائر الاعتقادات الحقة برجاء انتفاع الميت به. وغير ذلك مما هو مذكور في المطولات.
(مسألة ٢٩٦): يستحب للانسان أن يعدّ كفنه في حياته وأن يكرر النظر إليه. وحينئذٍ يعد الكفن المذكور من المؤن فلا يجب إخراج خمسه إذا كان من أرباح سنة إعداده.
(مسألة ٢٩٧): يستحب أن يجعل مع الميت جريدة رطبة، وأفضل منه جريدتان. وينبغي الاهتمام بذلك لعظيم فائدته به.
وقد أجمعت عليه روايات الفريقين، شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم، وهي كثيرة جداً إلا أن الله تعالى وفّق هذه الفرقة للاهتمام بذلك والعمل بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه دون غيره، حتى صار من متفرداته، وفي النص الصحيح «قلت لابي جعفر (عليه السلام): أرأيت الميت إذا مات لِمَ تجعل معه جريدة؟ فقال: يتجافى عنه العذاب ما دام العود رطب، إنّما العذاب والحساب كله في يوم واحد في ساعة واحدة قدر ما يدخل في القبر ويرجع القوم، وإنما جعلت السعفتان لذلك فلا يصيبه عذاب ولا حساب بعد جفوفهما إن شاء الله». ولعلّ الافضل بقاء خوصها عليه.
(مسألة ٢٩٨): المستحب بالاصل جريد النخل، فإن تعذّر فالأولى عود السدر، ثم عود الخلاف - وهو نوع من الصفصاف - ثم عود الرمان، ثم كل عود رطب.
(مسألة ٢٩٩): يستحب أن يكون طول كل من الجريدتين قدر شبر، وأفضل منه قدر ذراع.
(مسألة ٣٠٠): يستحب وضع الجريدتين بإحدى كيفيتين:
الاُولى: وضع إحداهما في الجانب الايمن من عند الترقوة إلى ما بلغت طولاً ملصقة بالجلد، والاُخرى في الجانب الايسر فوق القميص من عند الترقوة إلى ما بلغت طولاً كذلك.
الثانية: وضع إحداهما بين الركبتين طولاً بحيث تكون الركبتان عند نصفه، ووضع الاُخرى تحت الابط الايمن. والأولى اختيار الكيفية الاُولى. ومع عدم تيسر ذلك فالأولى وضعهما في القبر كيف اتفق، ومع عدم تيسره تغرزان بعد الدفن في القبر. ولو كانت جريدة واحدة فالافضل جعلها في يمين الميت.
الفصل الرابع
في التحنيط
يجب تحنيط الميت بعد تغسيله قبل إكمال تكفينه. والواجب من مواضع التحنيط هو المساجد السبعة، والأولى إضافة الانف إليه، ويستحب أن يزاد عليها مفاصله ولبّته - وهي الحفرة في أصل العنق تحت الحنجرة - وصدره وباطن قدميه وظهر كفيه ورأسه ولحيته وعنقه ومنكباه وفرجه وفمه وراحتاه وموضع الشِّراك من القدمين الذي هو قُبّة القدم.
والأولى إضافة المغابن، وهي الاباط من اليدين والمرافغ التي هي من
الرجلين كالاباط من اليدين.
(مسألة ٣٠١): الحنوط الذي يجعل في المواضع السبعة المتقدمة وغيرها هو الكافور. ويشترط فيه أن يكون مسحوقاً له رائحة. والأحوط وجوباً أن يكون طاهر.
(مسألة ٣٠٢): التحنيط بالكافور إنما يكون بمسحه على المواضع المتقدمة بنحو يبقى شيء منه عليه.
(مسألة ٣٠٣): يكره وضع الكافور في منخري الميت وعينيه واُذنيه وعلى وجهه غير ما تقدم ذكره.
(مسألة ٣٠٤): يكفي من الكافور المسمى بحيث يصدق عرفاً وضع الكافور في المواضع المذكورة، وإن كان قليلاً إلا أن الأولى أن يكون بقدر ثلاثة عشر درهماً وثلث - وتساوي أربعين غراماً إلا ثلث الغرام تقريباً - ثم أربعة مثاقيل شرعية - وتساوي سبعة عشر غراماً - ثم مثقال ونصف - وتساوي ستة غرامات وثلاثمائة وخمسة وسبعين ملغراماً - ثم مثقال - ويساوي أربعة غرامات وربعاً تقريباً.
(مسألة ٣٠٥): يستحب خلط الكافور بتربة الحسين (عليه السلام).
الفصل الخامس
في الصلاة على الميت
لا تشرع الصلاة على الطفل إذا لم يعقل الصلاة. والمشهور وجوبها بعد ذلك. لكن الظاهر الاستحباب وعدم وجوبها حتى يبلغ ويكلَّف بالصلاة.
هذا وقيل بأن الحدّ في عقله للصلاة أن يبلغ ست سنين، لكن الظاهر أن المرجع فيه العرف، وهو يختلف باختلاف الاطفال.
(مسألة ٣٠٦): تجب الصلاة على المؤمن كما تجب على المستضعف الواقف، وهو الذي لا يجحد الولاية ولا يقرّ به، ولو لعدم التفاته له، وكذا على مجهول الحال.
ولا تجب على جاحد ولاية أهل البيت(عليهم السلام)، نعم قد تجب أو تحسن تقيّةً من المخالفين أو مداراة لهم وتأليفاً لقلوبهم.
(مسألة ٣٠٧): الطفل ملحق بأبيه في الايمان وغيره، وكذا المجنون المتصل جنونه بصغره، وأما من عرض له الجنون بعد البلوغ فهو محكوم بحاله حين عروض الجنون.
(مسألة ٣٠٨): يجب في الصلاة على المؤمن والمستضعف ومجهول الحال خمس تكبيرات لابدّ من الذكر والدعاء بينه، وختامها التكبيرة الخامسة من دون حاجة للتسليم، بل هو غير مشروع فيه.
وأما الصلاة على الجاحد لولاية أهل البيت (عليهم السلام) لو اُتي بها تقية من المخالفين أو مداراة لهم - فهي أربع تكبيرات لابد من الذكر والدعاء بينها أيض، ويكون ختامها بالرابعة.
(مسألة ٣٠٩): لابد في الصلاة على الميت من الدعاء له إن كان مؤمناً بالغ، وأما إن كان طفلاً فيكفي الدعاء لابويه إن كانا أهلاً لذلك وللمؤمنين، وفي بعض النصوص أنه يقال: «اللهم اجعله لابويه ولنا فرطاً وسلف». وإن كان مستضعفاً واقفاً غير جاحد للولاية يُدعى للمؤمنين بدل الدعاء له، ويجوز الدعاء له على سبيل الشفاعة لا على سبيل الاُخوّة والولاية في الدين. وأما مجهول الحال فيُدعى بما ينفعه إن كان مؤمناً كالدعاء للمؤمنين عموم، والدعاء له بأن يحشر مع من يتولاه، أو يقال:«اللهم إن كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه»، ونحو ذلك.وأما الصلاة على النبي ٨ فوجوبها في الصلاة على الميت لا يخلو عن إشكال، وإن كان الأحوط وجوباً الإتيان به. ولا يجب في
الصلاة على الميّت ما عدا ذلك كالشهادتين والدعاء للمؤمنين وإن كان حسن.
نعم الأولى في كيفيتها: أن يكبر المصلي أولاً ويتشهّد الشهادتين، وله أن يضيف الاقرار بسائر العقائد الحقة.
ثم يكبّر ثانياً ويصلي على النبي وآله (صلوات الله عليهم)، ويحسن أن يخص إمام العصر بالدعاء، وأن يضيف الصلاة على جميع الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين وغيرهم ممن يستحق أن يصلى عليه.
ثم يكبّر ثالثاً ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويستغفر لهم.
ويكبّر رابعاً ويدعو للميت إن كان مؤمناً بالغ، وإلا فعلى النحو المتقدم.
ثم يكبّر خامساً وينصرف. ويجوز تكرار جميع الادعية المتقدمة بين التكبيرات كله، كما يجوز الاقتصار على الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) والدعاء للميت وتكرار ذلك بين التكبيرات. ولا يجب في جميع الادعية المتقدمة التقيد بألفاظ مخصوصة، بل يكفي ما تضمن ذلك بأي لفظ كان.
(مسألة ٣١٠): الأحوط وجوباً أن يكون المقدار الواجب من الدعاء بالعربية وأن لا يكون ملحون.
(مسألة ٣١١): لا تجب قراءة القرآن في صلاة الميت. نعم يجوز الإتيان بالادعية والاذكار القرآنية المناسبة لصلاة الميت فيه.
(مسألة ٣١٢): يشترط في الصلاة على الميت اُمور:منها: النية، على نحو ما تقدم في الوضوء.
ومنها: إذن الولي، على ما تقدم تفصيله في المسألة (٢٥٨) في فصل مقدمات الموت ولواحقه.
ومنها: حضور الميت، فلا يصلّى على الغائب. و لا يشرع في حق الغائب
عندنا إلا الدعاء له من دون ان يكون صلاة عليه.
ومنها: وقوف المصلي خلف الميت محاذياً لبعضه، إلا أن يكون المصلي مأموماً وقد استطال الصف حتى خرج عن محاذاة الميت، أو كانت الجنائز متعددة قد وضعت بنحو التدرّج، على ما يأتي في المسألة (٣٢٣).
ومنها: أن يكون الميت قريباً من المصلي، غير بعيد عنه ولا مرتفع عليه كثيراً ولا منخفض عنه كذلك، ولا محجوب عنه بجدار أو ستر أو نحوهم. نعم لا بأس بأن يكون محجوباً بالستر الموضوع على السرير ونحوه، كما لا يضرّ الفصل بالمقدار القليل، واللازم أن يصدق عرفاً كون المصلي واقفاً عند الميت.
ومنها: أن يكون المصلي قائم، ومع تعذّره يجتزأ بصلاة الجالس، بل تجب، أما مع تعذّر صلاة الجالس ففي وجوب صلاة المضطجع والمستلقي إشكال. وإن كان أحوط وجوب.
ومنها: أن يكون الميت مستلقياً على قفاه.
ومنها: استقبال المصلي للقبلة، والاستقبال بالميت بأن يكون معترضاً اتجاه القبلة رأسه إلى يمين المصلي ورجلاه إلى يساره.
ومنها: الموالاة بين التكبيرات والادعية على الأحوط وجوب. واللازم فيها عدم الفصل بالنحو الذي يصدق معه عرفاً عدم الانشغال بالصلاة. نعم لا بأس بإطالة الادعية، بل يكفي الانشغال بالذكر والدعاء وقراءة القرآن وإن لم يكن من سنخ الادعية المعتبرة في صلاة الميت.
ومنها: أن تكون الصلاة بعد التغسيل أو التيمم والتحنيط والتكفين، وقبل الدفن. لكن مع سقوط أحدها بالتعذر أو بغيره - كما في الشهيد - لا تسقط الصلاة.
نعم إذا كان الميت عرياناً وتعذّر تكفينه ولو بثوب واحد، فإن أمكن ستر تمام بدنه بثوب حين الصلاة فقط ونزعه بعده، وجب ستره والصلاة عليه
حينئذٍ ثم إنزاله في القبر، وإن تعذّر فالأحوط وجوباً إنزاله في لحده وستر بدنه به ثم ستر عورته باللبن والحجر ونحوهم، ثم الصلاة عليه ثم دفنه.
(مسألة ٣١٣): لا يشترط في الصلاة على الميت طهارة المصلي من الحدث ولا من الخبث ولا إباحة اللباس، نعم الأحوط وجوباً ستر العورة حال الصلاة وترك الكلام والضحك والانحراف عن القبلة، ونحوه مما يكون ماحياً لصورة الصلاة.
(مسألة ٣١٤): يشرع تكرار الصلاة على الميت الواحد ممن لم يصلِّ عليه، وكذا ممن صلّى عليه إذا كان هو الإمام. بل هو مستحب خصوصاً إذا كان الميت من أهل الشرف في الدين.
(مسألة ٣١٥): الظاهر عدم مشروعية الصلاة بعد الدفن حتى على من دفن بغير صلاة أو كانت الصلاة عليه باطلة. نعم لا بأس بالإتيان بها برجاء المطلوبية.
(مسألة ٣١٦): يستحب في صلاة الميت الجماعة. وكلما كان المصلون أكثر كان خيراً للميت. بل الظاهر عدم اعتبار إذن الولي في الائتمام، وإنما يعتبر إذنه في أصل الصلاة لمن يتقدّم له، لانها من شؤون التجهيز التي تقدم اعتبار إذن الولي فيه.
نعم لو أوصى الميت بأن لا يصلي عليه شخص أو أشخاص ولو بنحو الائتمام فالأحوط وجوباً تنفيذ وصيته.
(مسألة ٣١٧): الظاهر عدم اعتبار عدالة الإمام في الصلاة على الميت وعدم اعتبار طهارته بالماء إذا كان المأموم متطهراً به، وعدم قدح الافة في نطقه إذا كانوا فصحاء، لعدم تحمله عنهم شيئ.
(مسألة ٣١٨): الظاهر عدم انعقاد إمامة الجالس للقائمين، وكذا مع كون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين ومع عدم اتصالهم به بالنحو المعتبر في إمامة الجماعة في الصلاة.
(مسألة ٣١٩): الأحوط وجوباً في انعقاد الجماعة تقدم الإمام على المأمومين إذا كان رجل.
نعم إذا كانت امرأة كان لها أن تؤمّ النساء، لكن تقوم في وسطهن ولا تتقدم عليهن.
(مسألة ٣٢٠): إذا حضر شخص في أثناء صلاة الإمام كان له أن يكبر ويلتحق بالإمام في دعاء التكبيرة التي هو مشغول فيها ويجعلها أول صلاته، ثم يتابع الإمام في التكبيرات، فإذا فرغ الإمام قبل أن يفرغ هو من تكبيراته أتم ما بقي عليه من التكبير من دون دعاء أو مع تخفيف الدعاء، فإن رفعت الجنازة تبعها وهو مستقبل القبلة وأتمّ برجاء المطلوبية.
(مسألة ٣٢١): الافضل وقوف المصلي إذا كان إماماً أو منفرداً عند صدر الرجل ورأس المرأة. بل يكره وقوفه عند وسط المرأة. ولا بأس بوقوفه عند وسط الرجل وصدر المرأة. وأما إذا كان مأموماً فإنه يقف حيث ينتهي به الصف.
(مسألة ٣٢٢): إذا اجتمعت جنائز متعددة جاز تشريكها بصلاة واحدة، ويراعى في الدعاء لهم التثنية أو الجمع، وإذا كان فيهم رجال ونساء فالافضل جعل الرجال أقرب للمصلي، ويجوز التذكير في الدعاء لهم بنية الاموات، والتأنيث بنية الانفس.
(مسألة ٣٢٣): مع اجتماع الجنائز المتعددة يجوز أن يُجعلوا جميعاً في سمت واحد أمام المصلي. لكن الافضل جعل كل منهم عند ورك الاخر فيكونون صفاً واحداً شبه الدرج، ويقف الإمام وسط الصف وراءهم جميع. وإذا كان فيهم رجال ونساء وقف وسط الرجال. ويكون أقربهم للمصلي من هو على جانب يساره.
(مسألة ٣٢٤): يستحب للمصلي الطهارة من الحدث، وإذا خاف فوت الصلاة الاُولى جماعةً إن تطهر بالماء تيمم وصلّى. بل لا بأس بالتيمم برجاء
المطلوبية مع عدم خوف الفوت من استعمال الماء.
(مسألة ٣٢٥): يستحب رفع اليدين عند التكبير، والأولى أن يرفع الإمام صوته - في صلاة الجماعة - بالدعاء حتى يسمع المأمومين. وأن يتَحرّى كثرة المصلين على الميت. كما يستحب الاجتهاد في الدعاء للميت. وتكره الصلاة على الميت في المسجد.
الفصل السادس
في الدفن
يجب دفن المؤمن بمواراته في الارض بنحو يؤمن على جسده من السباع ونحوه، ويمنع من ظهور رائحته. ولا يكفي وضعه في تابوت محكم أو بناء إذا لم يكن في بطن الارض.
(مسألة ٣٢٦): يجب وضع الميت في قبره معترضاً كما تقدم في حال الصلاة عليه، إلا أنه يكون مضطجعاً على جانبه الايمن موجهاً وجهه إلى القبلة. وإذا تعذر العلم بالقبلة عمل بالظن، ومع عدمه يسقط وجوب الاستقبال.
(مسألة ٣٢٧): من مات في البحر إن أمكن تجهيزه والانتظار به حتى يدفن في البر وجب، وإن تعذر - للزوم هتكه بظهور رائحته وتفسخه أو لاضرار من معه من الاحياء أو لغير ذلك - وجب تغسيله وتحنيطه والصلاة عليه، ثم إن أمكن حفظ جسده بوضعه في خابية كبيرة تسعه من دون أن يلزم تكسيره والاعتداء على جسده وجب حفظه بجعله في الخابية، ثم يسدّ رأسها بإحكام وتلقى في البحر. وإن تعذّر ذلك وجب تثقيله ليرسب في الماء ثم يلقى فيه.
ويجري الحكم المذكور في من يموت في البر أو تعذّر دفنه فيه أو خيف من الاعتداء عليه بعد الدفن بنبشه وهتك حرمته، فيلقى في النهر أو البحر كذلك.
(مسألة ٣٢٨): يحرم دفن المؤمن في مكان يوجب هتك حرمته كالمزبلة والبالوعة، كما يحرم الدفن في المكان الموقوف لجهة خاصة لا تعم الدفن، وكذا في المكان المملوك بغير إذن مالكه، أو في المكان الذي تعلق به حق لشخص من دون إذنه.
(مسألة ٣٢٩): يحرم دفن ميت في قبر ميت آخر حتى لو اتفق نبش ذلك القبر وفتح موضع الميت الأول، إلا في صورتين:
الاُولى: أن يبتني دفن الميت الأول على عدم اختصاصه بالقبر، بل على مجرد جعله فيه مع كونه في معرض دفن غيره معه.
الثانية: أن يخرج الميت الأول من القبر وينقل عنه، أو يتلاشى فيه ويصير تراب، بحيث يخرج المكان عن كونه قبراً له.
نعم يحرم فتح القبر ودفن ميت آخر فيه لو كان للميت الأول كرامة دينية بحيث يكون قبره رمزاً من رموز الدين وشعائره حتى بعد الاندراس أو بعد نقله منه ويكون فتحه ودفن شخص آخر فيه هتكاً له وتوهيناً للدين.
(مسألة ٣٣٠): ورد في بعض النصوص النهي عن نقل الميت من بلد موته. ويحسن متابعتها وإن لم تكن حجة، لكنه غير واجب، بل يجوز النقل بلا إشكال كما جرت عليه سيرة المسلمين والمؤمنين من الصدر الأول.
بل يحسن النقل للبقاع الشريفة، كحرم مكة ومشاهد المعصومين (عليهم السلام) وخصوصاً الغري والحائر الحسيني، فقد تضمنت الاخبار أن من دفن في الحرم أمن من الفزع الاكبر، وأن الدفن في الغري بل في جميع مشاهد المعصومين (عليهم السلام) مسقط لسؤال منكر ونكير.
(مسألة ٣٣١): يحرم نبش قبر الميت على نحو يظهر جسده إذا كان فيه هتك له بظهور رائحته وتغير صورته، بل الأحوط وجوباً عدم نبشه بعد الدفن مطلق.
نعم يجوز النبش في موارد:
الأول: ما إذا دفن بلا غسل أو بلا تكفين أو مع وقوعهما على غير الوجه الشرعي، فيجوز نبشه لذلك إذا كان دفنه قريباً بحيث لا يلزم من النبش هتك الميت بظهور رائحته وتغير صورته، أما مع لزوم ذلك فيحرم النبش، ويسقط التغسيل والتكفين.
كما أنه لو طال العهد وجف الميت بحيث لا يلزم هتكه لم يجب النبش لتدارك التغسيل والتكفين.
الثاني: ما إذا كان النبش لمصلحة الميت، كالنقل للبقاع الشريفة أو لمقبرة عائلته إذا كان ذلك تعزيزاً له أو سبباً لذكره بما ينفعه من قراءة القرآن أو الاستغفار أو نحو ذلك. واللازم تجنب هتكه بانتظار جفافه والتكتم به مهما أمكن. بل قد يجب النقل، كما إذا دفن في مكان يستلزم هتكه كالمزابل ونحوه. وإذا لزم منه ظهور رائحته أو نحو ذلك مما يوجب هتكه لزم اختيار أقل المحذورين.
الثالث: ما إذا كان في النبش دفع عدوان محرم، كما إذا دفن في ملك الغير بغير إذنه أو دفن معه مال للغير أو نحو ذلك، ويراعى في ذلك عدم هتكه بظهور رائحته ونحوه مهما أمكن، وإذا أصر ذو الحق على التعجيل فالأحوط وجوباً الترجيح بالاهمية.
الرابع: ما إذا توقف على النبش مصلحة مهمة أو دفع مفسدة كذلك، ويراعى في ذلك عدم هتكه بظهور رائحته ونحوه مهما أمكن. واللازم في الموردين الأولين استئذان الولي على النحو المتقدم في المسألة (٢٥٨) في فصل مقدمات الموت ولواحقه وهو الأحوط وجوباً في الموردين الاخيرين، ومع فقد من هو الولي حين موت الميت فالأحوط الانتقال لمن هو الاقرب للميت بعده.
(مسألة ٣٣٢): يستحب أن يجعل الميت في موضع متسع من قبره بقدر ما يمكن فيه الجلوس، والافضل أن يكون بشق لحد له في جانب القبر، فإن تعذّر لرخاوة الارض أو خيف انهدامه شُقّ له في الارض شقّاً وسقف عليه ببناء ونحوه. كما يستحب أن يكشف عن وجهه ويجعل خده على الارض، وأن يجعل معه في القبر شيء من تربة الحسين (عليه السلام)، والأولى أن يجعل أمام وجهه لبنة منه.
وقد وردت أذكار كثيرة عند تناول الميت وإنزاله في القبر وبعد وضعه في القبر وعند سدّ القبر باللبن وبعد ذلك ولا يسع المقام ذكره، وإن كان المناسب الاهتمام بها والمحافظة عليه، فلتطلب من المطولات.
وينبغي الاهتمام بتلقينه وهو في القبر قبل إكمال الدفن بالشهادتين والعقائد الحقة وإمامة الائمة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد. وكذا تلقينه بذلك من قبل أولى الناس به بعد إكمال الدفن عند انصراف المشيعين رافعاً به صوته.
كما يستحب تربيع القبر، ورشه بالماء. والافضل أن يستقبل من يفعل ذلك القبلة ويبدأ من عند الرأس إلى الرجلين ثم يدور إلى الجانب الاخر، فإن فضل منه شيء فالأولى صبه في وسطه. وفي بعض النصوص أنه يتجافى عنه العذاب ما دام الندى في التراب، كما يظهر من بعضها استحباب تكرار الصب في كل يوم إلى أربعين يوماً أو أربعين شهر، كما يستحب أن يضع الحاضرون أيديهم على القبر عند رأسه مع تفريج الاصابع وغمزها فيه بعد رشه. وأن يستغفروا له ويدعو له بمثل: «اللهم جافِ الارض عن جنبيه وأصعد إليك روحه ولقّه منك رضواناً وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه عن رحمة من سواك».. إلى غير ذلك.
(مسألة ٣٣٣): يكره تعميق القبر أكثر من ثلاثة أذرع - وهي تقارب المتر والنصف - كما يكره نزول الاب في قبر ولده، ونزول غير المحرم في قبر المرأة، وإهالة الرحم عليه التراب.. إلى غير ذلك مما ذكر في المطولات.
تتميم
فيه مسائل:
الاُولى: إذا مات الحمل دون اُمه، فإن أمكن إخراجه صحيحاً وجب، وإلا جاز تقطيعه مقتصراً من ذلك على ما تقتضيه الضرورة، ولو خيف على الاُم من الاحتياط في ذلك كان الاحتياط لها مقدّماً على الاحتياط له. وإن ماتت هي دونه واحتمل حفظ حياته بإخراجه وجب ولو بشق بطنه. لكنه يخاط بعد ذلك.
الثانية: يجب إجراء تمام أفعال التجهيز على أجزاء الميت في موارد:
الأول: العظام المجردة عن اللحم، ولا يخلّ نقص عظم أو عظمين مما يتعارف في من أكله السبع ونحوه.
الثاني: البدن التام، وإن فقدت منه بعض أطرافه - من الرأس واليدين والرجلين - أو جميعه.
الثالث: النصف الذي فيه القلب - عرضياً كان أو طولياً - إذا كان واجداً للاطراف المناسبة له، فالعرضي أطرافه الرأس واليدان، والطولي أطرافه نصف الرأس ويد ورجل واحدة. والأحوط وجوباً إجراء الافعال المذكورة على النصف الذي فيه القلب وإن فقد الاطراف أو فقد بعضه.وأما في غير الموارد المذكورة فلا إشكال في وجوب دفنه، لكن الأحوط وجوباً فيما اشتمل منه على عظم أن يغسل ويلفّ في خرقة قبل الدفن. لكنه لا يطهر بالتغسيل. والأحوط استحباباً فيما لا يشتمل على عظم أن يلف في خرقة لا غير.
الثالثة: لا تشرع الصلاة على السقط. لكن إذا كملت خلقته ونمت أعضاؤه غُسّل وحُنّط وكُفّن ودُفِن. وهو الأحوط وجوباً فيما إذا تم له أربعة
أشهر ولم تتم خلقته لو أمكن ذلك. وأما إذا لم يكن مكتمل الخلقة ولم تتم له أربعة أشهر فالواجب دفنه، والأحوط وجوباً أن يكون بعد لفّه بخرقة ولا يجب تغسيله ولا تحنيطه.
الرابعة: اذا قطع من الحي قطعة لم يجب إجراء أحكام الميت عليها حتى لو كان فيها عظم. نعم قد يحسن دفنه.
المبحث السادس
في غسل مسّ الميت
يجب الغسل بمس ميت الإنسان بعد أن يبرد جميع جسده، من دون فرق بين المسلم والكافر. بل الأحوط وجوبه بمسّ السقط إذا ولجته الروح. وأما مس الميت بحرارته فلا يوجب الغسل، بل يوجب تنجس الماس إذا كان المسّ برطوبة.
(مسألة ٣٣٤): إذا تم تغسيل الميت لم يجب الغسل بمسه، حتى لو كان المغسل له الكافر عند فقد المماثل. نعم يشكل الاكتفاء بالغسل الاضطراري الناقص، كالغسل الواحد مع قلة الماء والغسل الفاقد للخليطين، كما يشكل الاكتفاء بالتيمم عند فقد الماء. فالأحوط وجوباً الغسل بالمسّ في المقامين.
(مسألة ٣٣٥): الأحوط وجوباً الغسل بمسّ ما لا تحله الحياة من الميت كالسن والظفر، وكذا مع المسّ بما لا تحله الحياة من الحي. نعم الظاهر عدم وجوبه بمسّ الشعر من الميت، وبالمسّ بالشعر من الحي.
(مسألة ٣٣٦): يجب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي أو الميت إذا كانت مشتملة على العظم ولا يجب بمسّ اللحم الخالي من العظم، ولا العظم الخالي من اللحم سواء كان مقطوعاً من حي أم من ميت. وكذا لا يجب بمسّ العظم إذا كان مشتملاً على قليل من اللحم غير معتدّ به، كالسن إذا قلع ومعه
قليل من اللحم.
(مسألة ٣٣٧): يحرم على من عليه غسل المسّ كل عمل مشروط بالطهارة كالصلاة ومس المصحف، ولا يحرم عليه ما يختص بالجنب والحائض كدخول المساجد وقراءة العزائم.
(مسألة ٣٣٨): غسل المس كغسل الجنابة والحيض، وتقدم أنه يجزئ عن الوضوء.
المبحث السابع
في الاغسال المستحبة
وهي أغسال كثيرة مذكورة في كتب الفقه والادعية والزيارات وغيرها لا يسع المقام استقصاءه، إلا أنه لما تقدم منا في المسألة (١٩٠) في الفصل الرابع في أحكام غسل الجنابة أنّ كل غسل مشروع يجزئ عن الوضوء فالمناسب في المقام التعرض لجملة مما ثبت عندنا مشروعيته واستحبابه، ثم نشير لغيره مما لم يثبت عندنا استحبابه وإنما يحسن الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
وحينئذٍ نقول: الأغسال المستحبة على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: الاغسال الزمانية:
وهي التي تستحب لخصوصية الزمان، وهي عدة أغسال:
منها: غسل الجمعة، وهو من المستحبات المؤكدة، ووقته من طلوع الفجر يوم الجمعة إلى الزوال. ويقضى بعده إلى آخر نهار يوم الجمعة، فإن لم يقضه حينئذٍ قضاه يوم السبت.
(مسألة ٣٣٩): مع إعواز الماء وقلّته على المكلف في تمام يوم الجمعة يجوز تقديم غسله يوم الخميس. ولو أخطأ المكلف في اعتقاده ذلك، ينكشف بطلان غسله. ومن ثمّ لو احتمل ذلك جاز له التقديم برجاء المطلوبية من دون
أن يجتزئ به عن الوضوء.
ومنها: غسل يومي العيدين - الفطر والاضحى - ووقتهما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ومنها: غسل يوم عرفة ويوم التروية - وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة - من دون فرق بين من يريد الحج وغيره. ووقتهما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ومنها: غسل الليلة الاُولى من شهر رمضان، والسابعة عشرة منه، وغسل ليالي القدر، وهي الليالي التاسعة عشرة والحادية والعشرون والثالثة والعشرون منه. وأفضل الثلاثِ الاخيرةُ ثم الثانية.
(مسألة ٣٤٠): يشرع غسل ليالي شهر رمضان في أي جزء من الليل، لكن الافضل إيقاعه في أول الليل، وأفضل منه إيقاعه قبيل غروب الشمس بقليل. والأحوط وجوباً حينئذٍ عدم تخلل الحدث الاكبر أو الاصغر بينه وبين دخول الليل.
(مسألة ٣٤١): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) من الاغسال الزمانية غسل يوم الغدير - وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة - ويوم المباهلة - وهو اليوم الرابع والعشرون منه - ويوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - وهو اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول - ويوم النيروز، وأول رجب ونصفه وآخره، ويوم المبعث - وهو اليوم السابع والعشرون منه - وليلة النصف من شعبان، وأول يوم من شهر رمضان، وجميع ليالي الافراد منه، وجميع ليالي العشر الاواخر منه، خصوصاً ليلة الرابع والعشرين، وغسل ثان في آخر الليلة الثالثة والعشرين منه لمن اغتسل أول الليلة المذكورة، وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله، وغير ذلك. وهي وإن وردت الاخبار في جملة منه، إلا أنها لم تثبت بنحو معتبر
فيحسن الإتيان بها برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ بها عن الوضوء.
(مسألة ٣٤٢): يجوز إيقاع الاغسال الزمانية في أي جزء من أجزاء الزمان الذي نسبت له، إلا ما تقدم التنبيه على التقييد فيه بوقت خاص منه - كغسل الجمعة - أو لجواز إيقاعه قبل الوقت كأغسال ليالي شهر رمضان.
(مسألة ٣٤٣): لا تنتقض الاغسال الزمانية بالحدث الاصغر أو الاكبر في أجزاء الزمان الذي نسبت له، إلا ما تقدم التنبيه عليه في المسألة(٣٤٠).
القسم الثاني من الاغسال المستحبة: الاغسال المكانية:
وهي التي تشرع مقدمة للكون في مكان خاص، وهي عدة أغسال:
منها: الغسل لدخول مكة المعظمة أو المدينة المنورة. والمتيقن منهما الدخول لاداء فرض أو نفل من حج أو عمرة أو زيارة. وأما في غير ذلك فالمتعين الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
ومنها: الغسل لدخول الكعبة الشريفة.
ومنها: الغسل لدخول مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومنها: الغسل لدخول أحد الحرمين الشريفين حرم مكة وحرم المدينة.
(مسألة ٣٤٤): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) من الاغسال المكانية الغسل لدخول المسجد الحرام، والغسل لدخول مشاهد الائمة (عليهم السلام)، بل لكل مشهد أو مكان شريف. لكنه لم يثبت على عمومه بوجه معتبر، فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة ٣٤٥): وقت الاغسال المكانية قبل الدخول في الامكنة المشروعة له. عدا غسل دخول حرم مكة، فإنّ تقديمه على دخوله وإن كان أفضل إلا أنه يستحب لمن لم يفعله أن يأتي به بعد دخوله ولو في مكة نفسه.
القسم الثالث: الاغسال الفعلية:
وهي على قسمين:
أحدهما: ما يستحب بداعي إيقاع فعل خاص، وهي عدة أغسال:
منها: الغسل للاحرام.
ومنها: الغسل لطواف الزيارة، وهو الطواف الواجب في الحج بعد الذبح عند الرجوع من منى. وقيل باستحبابه لكل طواف وإن لم يكن جزء من حج أو عمرة. لكنه لا يخلو عن إشكال. فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
ومنها: الغسل للوقوف بعرفة في الحج. ووقته بعد الزوال قريباً منه.
ومنها: الغسل للذبح أو النحر في الحج، والمتيقن منه استحبابه لمن يباشر ذلك بنفسه، دون من يستنيب فيه.
ومنها: الغسل للحلق في الحج.وهناك أغسال اُخرى وردت مقدمة لاعمال وعبادات لا يسع المقام استقصاءه.
(مسألة ٣٤٦): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) من هذا القسم من الاغسال الفعلية الغسل للوقوف بالمشعر ولزيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام)، لكن الأول لم يثبت بوجه معتبر. وأما الثاني فقد تضمنته النصوص في زيارات خاصة كثيرة يضيق المقام عن استقصائها وتحقيق حاله، ولا مجال لاستفادة استحباب الغسل لكل زيارة منه، فالأولى الإتيان بالغسل في جميع الموارد المذكورة برجاء المطلوبية، من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة ٣٤٧): يجزئ في الاغسال المكانية وفي القسم الأول من الاغسال الفعلية غسل اليوم لما يؤتى به في ذلك اليوم، وغسل الليل لما يؤتى به في ذلك
الليل، ولا يستمر أثره لما بعد ذلك، فمن اغتسل نهاراً لدخول الكعبة أو للاحرام بالحج مثلاً فلم يتهيأ له دخولها ولا الاحرام حتى دخل الليل لم يجزئه غسله، بل عليه الاعادة.
(مسألة ٣٤٨): تنتقض الاغسال المكانية والقسم الأول من الاغسال الفعلية بالحدث الاصغر - فضلاً عن الاكبر - بين الغسل والغاية التي أوقع له، فمن اغتسل لدخول الكعبة أو لاحرام الحج مثلاً ثم أحدث بالاصغر قبل فعلهما لم يجزئه غسله، بل عليه الاعادة.
ثانيهما: ما يستحب بسبب وقوع فعل خاص، وهو عدة أغسال:
منها: الغسل لمسّ الميت بعد إتمام تغسيله.
ومنها: الغسل لمن فرّط في صلاة الخسوف إذا احترق قرص القمر كله، فإنه يستحب له أن يغتسل ويقضي الصلاة.
ومنها: الغسل للتوبةِ من تعمُّدِ سماع الغناء وضرب العود. بل يحسن الغسل للتوبة مطلقاً برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة ٣٤٩): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) استحباب الغسل لقتل الوزغ والسعي لرؤية المصلوب وغير ذلك. لكنه لم يثبت بوجه معتبر فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة ٣٥٠): لم يثبت عموم مشروعية التيمم بدلاً عن الاغسال المستحبة عند تعذره، بل قد يظهر من بعض النصوص عدمه. إلا في موارد خاصة لا مجال لاستقصائه، فلا ينبغي الإتيان به إلا برجاء المطلوبية وحينئذٍ لا يجتزأ به عن الوضوء.
المقصد الخامس
في التيمم
وفيه فصول:
الفصل الأول
في مسوّغاته
وهي اُمور:
الأول: عدم الماء الكافي للوضوء أو الغسل بالمقدار الذي يتحقق به أقل الواجب من دون فرق بين أن يكون فقده للماء قهراً عليه وأن يكون لتفريطه به، كما لو كان عنده ثم أراقه.
(مسألة ٣٥١): لو احتمل وجود الماء وجب الفحص عنه حتى يحصل له العلم أو الاطمئنان بعدمه.
(مسألة ٣٥٢): يكتفي المسافر في الفلاة إذا لم يكن عنده ماء بأن يطلب الماء في الارض السهلة - وهي المنبسطة - غَلْوتين من كل جانب يحتمل وجوده فيه، وفي الارض الحزنة غَلْوة واحدة، وهي رمية سهم متعارفة.
(مسألة ٣٥٣): يسقط وجوب الطلب في ضيق الوقت، كما يسقط إذا خاف على نفسه أو ماله من لص أو سبع أو غيرهم. وكذا إذا عجز عن الطلب أو كان مجهداً له بنحو يبلغ الحرج.
(مسألة ٣٥٤): إذا فرّط في الطلب حتى ضاق الوقت عصى ووجب عليه
التيمم والصلاة ثم القضاء بعد ذلك، إلا أن ينكشف عدم وجود الماء في محل الطلب، فلا يجب القضاء.
(مسألة ٣٥٥): إذا طلب الماء فلم يجده فتيمّم وصلّى ثم انكشف وجود الماء، فإن كان موجوداً في مكان من شأنه أن يعثر عليه بالطلب إلا أن الطلب لم يكن كافياً وجب عليه الاعادة أو القضاء، وإن كان موجوداً في مكان ليس من شأنه أن يعثر عليه، فإن وجده في الوقت فالأحوط وجوباً الاعادة، وإن وجده بعد ذلك صحت صلاته ولم يجب عليه القضاء.
(مسألة ٣٥٦): إذا لم يكن عنده الماء إلا أنه كان واجداً لثمنه وجب شراؤه إلا أن يجحف به ويضر بحاله بمقتضى وضعه المالي فيتيمم حينئذٍ. كما أنه إذا أمكنه تحصيله بالاستيهاب ونحوه وجب، إلا أن يستوجب هوانه بنحو يحرم الوقوع فيه، أو يكون حرجي، فيتيمم أيض.
الثاني: خوف العطش من استعمال الماء الذي عنده - وإن لم يبلغ مرتبة التلف - على نفسه ومن يتعلق به ممن من شأنه الاهتمام به حتى دابته وحيواناته. وأما في غير ذلك فإنما يشرع له التيمم إذا خاف التلف على نفس موجودة يجب حفظه.
(مسألة ٣٥٧): إذا لم يعتن باحتمال العطش فلم يتيمم بل توضأ أو اغتسل، فإن كان العطش المخوف بالنحو الذي يحرم الوقوع فيه - كما لو خيف منه تلف نفس محترمة - فمع التفاته لذلك يبطل غسله أو وضوؤه، ويجب عليه الاعادة أو القضاء، ومع غفلته عن ذلك يصح منه الغسل أو الوضوء ولا يجب عليه الاعادة ولا القضاء، وكذا إذا لم يكن العطش المخوف بالنحو الذي يحرم الوقوع فيه.
الثالث: خوف الضرر البدني من استعمال الماء بحدوث مرض أو زيادته أو بطء شفائه أو نحو ذلك. إلا أن تشرع في حقه الجبيرة فيتعين استعمال الماء معها على ما سبق تفصيله في مباحث الوضوء، ولا يشرع التيمم حينئذٍ.
(مسألة ٣٥٨): إذا تيمم ثم تبين عدم الضرر صحّ تيمّمه ولم يجب عليه التدارك، إلا أن يتبين ذلك في الوقت فالأحوط وجوباً الاعادة.
(مسألة ٣٥٩): إذا كان يضره الماء فتوضأ أو اغتسل، فإن كان الضرر بمرتبة يحرم الوقوع فيه، وكان عالماً به أو خائفاً منه ملتفتاً لحرمته بطل وضوؤه أو غسله ووجب عليه إعادة الصلاة الواقعة به أو قضاؤه، وإلا صحّ وضوؤه أو غسله وصلاته ولم يجب التدارك، سواء كان غافلاً عن الضرر أم ملتفتاً له، ولم يكن الضرر محرّم، أم كان محرّماًوكان غافلاً عن حرمته.
الرابع: ما إذا وجب صرفُ الماء في واجب آخر، كتطهير المسجد أو تطهير البدن أو الثوب للصلاة أو نحو ذلك. نعم إذا غفل عن ذلك وتوضأ بالماء أو اغتسل صح وضوؤه وغسله.
الخامس: ما إذا لزم من استعمال الماء محذور شرعي كالتصرف في أرض الغير أو إنائه من دون إذنه، أو محذور عرفي يصعب تحمّله كاعتداء ظالم عليه ونحوه مما يكون تحمله حرجي. نعم إذا غفل عن ذلك فتوضأ بالماء أو اغتسل صح وضوؤه أو غسله. أما لو التفت لذلك ولم يعتن به فإن كان المحذور مما يحرم الوقوع فيه شرعاً بطل وضوؤه أو غسله، وإن لم يكن كذلك - كما في موارد الحرج - صح وضوؤه أو غسله.
(مسألة ٣٦٠): ذهب جماعة إلى أن ضيق الوقت عن استعمال الماء مسوغ للتيمم فيجتزأ به في صحة العمل. لكنه غير ثابت. نعم الأحوط استحباباً المبادرة لاداء الصلاة بالتيمم، ثم القضاء إذا تحققت شروطه. ويترتب على ذلك أنه إذا احتمل سعة الوقت لاستعمال الماء وجبت المبادرة لاستعماله برجاء إدراك الصلاة بالطهارة المائية، ولا يجوز له الاكتفاء بالتيمم في الوقت. بل حتى لو علم بضيق الوقت عن إدراك تمام الصلاة بالطهارة المائية لكن علم أو احتمل إدراك بعضه
بمقدار ركعة فما زاد فالأحوط وجوباً المبادرة لاستعمال الماء وعدم الاكتفاء بالتيمم في الوقت.هذا كله إذا كان واجداً للماء، أما إذا لم يكن واجداً له وأمكنه تحصيله بالسعي له أو بشرائه أو استيهابه إلا أن وقته يضيق عن ذلك فالظاهر مشروعية التيمم والاجتزاء به في صحة عمله، من دون أن يجب عليه القضاء.
(مسألة ٣٦١): يستحب النوم على طهارة، فإذا أوى المكلف إلى فراشه وذكر أنه على غير طهر فقد روي أنه يتيمم بدثاره وثيابه، فلا بأس بالإتيان بذلك برجاء المطلوبية وإن كان يستطيع القيام والتطهر بالماء.
الفصل الثاني
فيما يتيمم به
وهو كل ما يسمى أرضاً وإن كان صلباً لا يعلق منه شيء بالكف عند ضربها به، كالصخر والحجر الاملس. وإن كان الأحوط استحباباً التيمم بالتراب مع الامكان.
(مسألة ٣٦٢): لا يصح التيمم بما لا يصدق عليه الارض، وإن كان أصله منه، كالنبات والملح والزجاج، وبقية المعادن كالياقوت والزمرد والفيروزج ومسحوقه. نعم الظاهر صدق الارض على دُرّ النجف، لانه نوع من الحصى عرف، وأما العقيق فالامر فيه لا يخلو عن إشكال، فالأحوط وجوباً مع الانحصار به الجمع بين التيمم به والتيمم بالمرتبة المتأخرة عن الارض كالغبار، على ما يأتي بيانه.
(مسألة ٣٦٣): الظاهر جواز التيمم بالارض بعد طبخها كالجص والنورة والاسمنت، وإن كان الأحوط استحباباً عدم التيمم بها مع تيسر غير المطبوخ.
(مسألة ٣٦٤): يشترط فيما يتيمم به الطهارة، فلا يجوز التيمم بالنجس.
(مسألة ٣٦٥): لا يجوز التيمم بما يمتزج بغير الارض بحيث لا يصدق عليه الارض وحده، نعم إذا كان الخليط مستهلكاً في الارض فلا بأس بالتيمم به.
(مسألة ٣٦٦): لا يجوز التيمم بما يملكه الغير أو يكون له حق فيه من غير إذنه، ولو تيمم به ملتفتاً لحرمته بطل تيممه، لعدم تحقق نية التقرب به على ما يتضح مما تقدم في مبحث النية من الوضوء. نعم لو اُكره على المكث في أرض الغير بحبس ونحوه جاز التيمم بها وصح تيممه إذا لم يضر بها ضرراً زائداً على ما يقتضيه الحبس. كما يجوز التيمم بمثل حائط الغير من جانب الشارع وبالارض المكشوفة ونحو ذلك، مما يجوز العبور فيه من دون إذن مالكه.
(مسألة ٣٦٧): إذا تيمم بأرض الغير بغير إذنه غفلة عن حرمة ذلك صح تيممه.
(مسألة ٣٦٨): إذا عجز عن التيمم بالارض فإن أمكنه جمعُ الغبار من ثيابه وفراشه وغيرهما بحيث يصدق عليه الارض وجب وتيمم به. وإن لم يمكنه ذلك وجب التيمم بالغبار الموجود في ثوبه أو فراشه أو عُرف دابته أو غيرها وإن قل. نعم لابد من كونه غباراً أصله من الارض الطاهرة، أما إذا لم يكن أصله منها كغبار الدقيق وغبار الخشب المجتمع من نجارته فلا يصح التيمم به.
(مسألة ٣٦٩): إذا كان عنده طين، فإن أمكنه تجفيفه والتيمم به وجب وكان مقدّماً على التيمم بالغبار، وإن عجز عن تجفيفه فلا يجوز التيمم به إلا مع العجز عن التيمم بالغبار.
(مسألة ٣٧٠): إذا وجب عليه التيمم بالطين فالأحوط وجوباً في كيفيته أن يضرب بكفه على الطين ثم يفرك إحدى كفيه بالاُخرى ليزيل ما علق بهما من الطين ثم يمسح بهما وجهه ويديه على ما يأتي في كيفية التيمم، ولا يمسح بكفيه قبل إزالة ما علق بهما من الطين.
(مسألة ٣٧١): إذا عجز عن استعمال الماء وعن التيمم حتى بالطين صار فاقد الطهورين وسقط عنه أداء الصلاة في الوقت. وحينئذٍ إن كان قادراً في أثناء الوقت على استعمال الماء أو التيمم فلم يفعل غفلةً أو تقصيراً ثم عجز عنهما في آخر الوقت وجب عليه قضاء الصلاة مع الطهارة. وهو الأحوط وجوباً فيما إذا كان عاجزاً عنهما من أول الوقت إن كان العجز مستنداً إليه - قصوراً أو تقصيراً - كما إذا كان عنده ماء فأراقه، أو سافر إلى مكان يعجز فيه عن استعمال الماء وعن التيمم.وأما إذا كان عاجزاً عنهما من أول الوقت ولم يستند العجز إليه، بل كان مغلوباً على أمره - كالسجين ونحوه - فلا يجب القضاء عليه. نعم الأحوط استحباباً في جميع الصور الجمع بين أداء الصلاة في الوقت بلاطهارة والقضاء في خارج الوقت مع الطهارة.
(مسألة ٣٧٢): يكره التيمم بتراب الطريق ونحوه مما يطؤه الناس بأرجلهم. والأولى التيمم من الاماكن العالية التي هي أبعد عن القذر وملاقاة النجاسة.
الفصل الثالث
في كيفية التيمم
أجزاء التيمم اُمور:
الأول: ضرب باطن اليدين بالارض دفعة واحدة. ولا يكفي مجرد مسّ الارض من دون أن يصدق عليه الضرب.
الثاني: أن يمسح بباطن يديه جميعاً جبهته. وهي العظم المستوي في أعلى الوجه، وحدّه من الاعلى قصاص الشعر ومبدأ الوجه ومن الاسفل عظم الحاجبين، ومن الجانبين صفحتا الوجه. وينبغي مسح شيء مما خرج عن الحد ليعلم استيعاب الجبهة بالمسح. ولابد من كون المسح من الاعلى إلى الاسفل،
ولا يكفي المسح منكوساً ولا معترض.
الثالث: مسح ظهر الكف اليمنى بباطن الكف اليسرى، ويبدأ من الزند - وهو المفصل الذي بين الكف والذراع - وينتهي بأطراف الاصابع.
الرابع: مسح ظهر الكف اليسرى بباطن الكف اليمنى، على النحو المذكور في سابقه.
(مسألة ٣٧٣): لابد من كون الضرب والمسح ببشرة الكفين من دون حائل كما لابد من ذلك في الممسوح، فيجب إزالة الحاجب كالخاتم وغيره مما يمنع من مماسة البشرة. هذا مع الامكان، وسيأتي الحكم مع التعذّر.
(مسألة ٣٧٤): لا تجب إزالة الشعر النابت في الجبهة وظهر الكفين، بل يكفي المسح عليه.
(مسألة ٣٧٥): لا تجب المداقّة في استيعاب المسح للوجه والكفين بملاحظة المواضع المتعرجة بل يكفي الاستيعاب العرفي الحاصل بإمرار اليدين مرة واحدة على المكان الممسوح، من دون حاجة لتخليل الاصابع ونحوها للوصول لما بينها من المواضع العميقة في ظاهر الكفين.
(مسألة ٣٧٦): الظاهر أنه يكفي ضرب الكفين مرة واحدة للوجه والكفين في التيمم، كما سبق، سواء كان التيمم بدلاً عن الوضوء أم عن الغسل. لكن الأحوط استحباباً الضرب مرة اُخرى للكفين، فإذا أراد ذلك أتى بالتيمم على الوجه السابق فإذا أكمل مَسح الكفين ضرب بهما مرة اُخرى على الارض وأعاد مسحهم، فيمسح ظهر اليمنى بباطن اليسرى، ثم يمسح ظهر اليسرى بباطن اليمنى.
(مسألة ٣٧٧): إذا تعذّر الضرب والمسح بباطن الكفين انتقل إلى ظاهرهم.
(مسألة ٣٧٨): من كان بعض كفه مقطوعاً يضرب ويمسح بالباقي،
ومن كانت إحدى كفيه مقطوعة بتمامها إن أمكنه أن يضرب ببقية يده المقطوعة الارض ضرب بها مع كف اليد الاُخرى ومسح تمام جبهته بالكف ومسح ظهر كفّه ببقية يده المقطوعة. وإن لم يبق من يده المقطوعة ما يضرب به الارض ضرب بكفّ يده السالمة الارض ومسح بها وجهه ومسح ظهر كفه بالارض مباشرة. والأحوط وجوباً أن لا يقتصر على ذلك، بل يطلب أيضاً - مع الامكان - من شخص آخر أن يضرب بكفّه الارض ثم يمسح ذلك الشخص بكفه تلك كفَّ الاقطع.
(مسألة ٣٧٩): من كان تمام كفيه مقطوعاً إن أمكنه أن يضرب ببقية يديه الارض ضرب بهما ومسَح جبهته، وكذا إذا تمكن أن يضرب ببقية يد واحدة فقط. وإن تعذّر عليه أن يضرب بشيء من يديه الارض مسْح جبهته بالارض مباشرة. والأحوط وجوباً أن يضم إلى ذلك مسحها بكفِّ شخص آخر مع الامكان على النحو المتقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٣٨٠): من تعذر عليه المسح بكفّه أو بكفّيه - لشلل أو قيد أو نحوهما - جرى عليه حكم مقطوع الكف والكفين المتقدم في المسألتين (٣٧٨) و(٣٧٩).
(مسألة ٣٨١): من كان على بعض أعضاء تيممه جبيرة لجرح أو كسر أو نحوهما ولم يمكن إزالتها جرى عليها حكم البشرة، فيمسح بها إن كان في باطن الكف وعليها إن كانت في الوجه أو في ظاهر الكف. أما إذا لم يكن الحائل جبيرة وتعذّرت إزالته فإن كان في الجبهة أو ظهر الكف مسح عليه، وإن كان في باطن الكف ضرب الارض بكفه ومسح بها بنحو يكون المسح بما لا حاجب عليه. نعم إذا كان مستوعباً لباطن الكف - بحيث لا يمكن مسح الوجه وظهر الكفين ببشرتها - فالأحوط وجوباً أن يضيف إلى ذلك ضرْب الارض بذراعه والمسح به، فإن تعذر عليه ذلك طلب من غيره أن يضرب بكفه الارض ويمسح له، نظير ما تقدم في المسألتين (٣٧٨)و (٣٧٩).
الفصل الرابع
في شروط التيمم
يشترط في التيمم اُمور:
الأول: النية على نحو ما تقدم في الوضوء، ولابدّ من حصولها من حين الضرب.
(مسألة ٣٨٢): لا تجب نية البدلية عن الوضوء أو الغسل، بل يكفي الإتيان بالتيمم بنية القربة.
(مسألة ٣٨٣): لو اجتمع سبب الوضوء والغسل كفى تيمم واحد عنهما حينئذٍ.
الثاني: المباشرة مع الامكان، بحيث يستقل المتيمم بالإتيان بأجزاء التيمم السابقة. نعم مع تعذر ذلك يجوز الاستعانة بالغير لكن لابد من نية المتيمم، ولا تكفي نية الغير الذي ييمّمه. وإن كان الأحوط استحباباً ضم نية الذي ييممه إليه، كما أنه لابد من تسبيب المتيمم لفعل الميمم له بأن يطلبه منه أو يمكنه من فعله، ليتسنى له قصد التيمم والتقرب به.
(مسألة ٣٨٤): لابد مع الاستعانة بالغير من الضرب بيدي المتيمم والمسح بهما مع الامكان، نعم مع تعذّر ذلك يضرب الغيرُ الارضَ بكفّيه ويمسح بهما وجه المتيمم وظاهر كفيه.
الثالث: الترتيب بين أجزاء التيمم، على النحو المذكور فيما تقدم.
الرابع: الموالاة على الأحوط وجوباً وإن كان التيمم بدلاً عن الغسل. ولابدّ فيها من تعاقب الاجزاء وعدم الفصل بينه، بحيث يصدق أن المتيمم
منشغل بالتيمم عرفاً من حين الشروع فيه حتى يكمله ولا يصدق أنه تركه في الاثناء ثم عاد إليه.
(مسألة ٣٨٥): إذا خالف الترتيب عمداً أو سهواً وجب عليه التدارك على ما يطابقه بتكرار الجزء الذي قدمه إذا كان حقه التأخير، فلو ضرب بكفيه الارض ثم مسَح الكفين ثم الوجه أعاد مسح الكفين، ولو مسَح الكف اليسرى ثم اليمنى أعاد مسح اليسرى. بل إذا طالت المدة حتى فاتت الموالاة فالأحوط وجوباً استئناف التيمم من أوله.الخامس: طهارة أعضاء التيمم، فلا يصح التيمم مع نجاستها برطوبة إذا كانت موجبة لنجاسة الارض التي يتيمم به. بل الأحوط وجوباً اعتبار طهارتها حتى لو لم تستلزم ذلك لجفافه. نعم إذا تعذّر تطهيرها يصح التيمم مع الجفاف.
(مسألة ٣٨٦): إذا شك في صحة التيمم بعد الفراغ منه لم يلتفت وبنى على صحته. وإذا شك في الإتيان بجزء منه بعد الإتيان بالجزء الذي بعده بنى على الإتيان به، كما لو شك بعد مسح اليمنى في مسح الوجه. وإن كان الأحوط استحباباً التدارك.
(مسألة ٣٨٧): يستحب نفض اليدين بعد الضرب بهما قبل المسح إذا علق بهما شيء من الارض، ويكفي عنه كل ما يزيل عنهما ما علق بهم، كضرب إحداهما بالاُخرى أو مسْحها به.
الفصل الخامس
في أحكام التيمم
(مسألة ٣٨٨): الأحوط وجوباً عدم التيمم للصلاة قبل وقتها حتى لو علم بتعذر الطهارة المائية عليه للصلاة ذات الوقت في تمام وقته. نعم إذا علم أو خاف تعذُّر التيمم عليه بعد الوقت وجبت عليه المبادرة له، ليتمكن من الصلاة في وقته.
(مسألة ٣٨٩): لا تجوز الصلاة بالتيمم في سعة الوقت إلا مع احتمال استمرار العذر في تمام الوقت، فإن استمر أجزأت، وإن ارتفع لم يجتزأ بها ووجبت إعادتها بالطهارة المائية.
(مسألة ٣٩٠): يستثنى مما تقدم في المسألة السابقة من كان عذره عدم وجدان الماء الذي يسعه الطهارة به، فإنه إذا لم يعلم أو يظن بقدرته عليه في أثناء الوقت تجوز له المبادرة للصلاة بالتيمم ويجتزئ بها حتى لو وجد الماء بعد ذلك قبل خروج الوقت. نعم يستحب له الاعادة حينئذٍ بالطهارة المائية، كما يستحب له الانتظار من أول الامر بالصلاة حتى يقدر على الماء.
(مسألة ٣٩١): لا تشرع صلاة القضاء بالتيمم، بل ينتظر بها ارتفاع العذر والقدرة على الطهارة المائية، نعم اذا علم بتعذر الإتيان بها بطهارة مائية، لكون العذر لازماً لا يرتفع مدى الحياة جاز إيقاعها به، بل وجب ولو خاف المكلف ذلك جاز له إيقاعها بالتيمم وكان الاجتزاء بها مراعى باستمرار العذر، فإن لم يستمر لم يجتزأ به.
(مسألة ٣٩٢): لو تيمم لصلاة فريضة أو نافلة ثم دخل وقت صلاة اُخرى جاز له الصلاة بذلك التيمم، على التفصيل المتقدم في المسألتين السابقتين. ولا ينتقض التيمم مهما طالت المدة إلا بالحدث أو بارتفاع العذر المسوغ للتيمم كوجدان الماء والشفاء من المرض ونحوهم. ولو ارتفع العذر لكن لم يستعمل الماء ثم عاد العذر وجب إعادة التيمم ولا يكتفي بالتيمم السابق.
(مسألة ٣٩٣): من دخل في الصلاة بتيمم ثم وجد الماء قبل الركوع قطع الصلاة وتطهر بالماء واستأنف الصلاة، وإن وجده بعد الركوع أتمّ صلاته بتيممه، وتطهر بالماء للصلوات الاتية. هذا إذا كان دخوله في الصلاة بالتيمم مشروعاً كما تقدم في المسألة (٣٩٠).
(مسألة ٣٩٤): يشرع التيمم بدلاً عن الوضوء في جميع موارد مشروعية الوضوء حتى للكون على الطهارة، كما يشرع بدلاً عن الاغسال الواجبة. نعم لابدّ من كون الغاية مما يرجح تحققه فيجوز التيمم للكون في المسجد مثل، لانه أمر راجح شرع، ولا يجوز التيمم لمسّ المصحف، إلا أن يرجح المسّ أو يضطر إليه، بخلاف الوضوء، فإنه يجوز إيقاعه لمسّ المصحف وإن لم يرجح ولم يضطر إليه. وأما مشروعية التيمم بدلاً عن الاغسال المستحبة فهي لا تخلو عن إشكال، كما تقدم في آخر الكلام في الاغسال المستحبة.
(مسألة ٣٩٥): من تيمم لغاية جاز له الدخول بتيممه ذلك في جميع الغايات، فمن تيمم لصلاة جاز له الدخول بتيممه ذلك في صلاة اُخرى وفي الطواف، وجاز له به مسّ المصحف والدخول للمسجد وإن كان مسبوقاً بالجنابة وغير ذلك. نعم لابد من مشروعية إيقاع تلك الغاية بالتيمم، كالصلاة في الوقت على التفصيل المتقدم في المسألتين (٣٨٩)و (٣٩٠). أما عدم مشروعية إيقاعها به كالصلاة القضائية فهي خارجة عن ذلك.
(مسألة ٣٩٦): حيث تقدم في المسألة (٣٩٢) أن التيمم ينتقض بالحدث، فانتقاضه به على نحو انتقاض الوضوء أو الغسل الذي يقع بدلاً عنهم. وحينئذٍ فالمحدث بالاكبر إذا كانت وظيفته التيمم فتيمم ثم أحدث بالاصغر لم تنتقض طهارته من الحدث الاكبر، ولم تترتب عليه أحكامه، بل تنتقض طهارته من الحدث الاصغر وتترتب أحكامه لاغير، فيجب عليه الوضوء مع القدرة عليه، ومع تعذره يتيمم بدلاً عنه لا عن الغسل. نعم الأحوط استحباباً مع القدرة على الوضوء الجمع بينه وبين التيمم بدلاً عن الغسل، ومع تعذر الوضوء التيمم بدلاً عمّا في ذمته من دون تعيين.
(مسألة ٣٩٧): حيث سبق في المسألة (٣٩٢) أن التيمم ينتقض بالقدرة على استعمال الماء. وعليه فلو وجد شخصان متيممان أو أكثر ماءً يكفي لشخص واحد، فإن قدر كل منهم على استعماله لعدم تسابقهم إليه بطل تيممهم جميع. وإن لم يقدر بعضهم على استعماله، لسبق غيره إليه لم يبطل تيممه وبطل تيمم السابق فقط.
المقصد السادس
في الطهارة من الخبث
وفيه فصول..
الفصل الأول
في عدد النجاسات
وهي عشرة..
الأول والثاني: البول والغائط من كل حيوان يحرم أكل لحمه إذا كانت له نفس سائلة، أما ما يحل أكل لحمه فبوله وغائطه طاهران، وإن كان مكروه الاكل، كالحمار والبغل والفرس.
(مسألة ٣٩٨): لا فرق بين ما يحرم أكل لحمه بالاصل كالثعلب والارنب، وما يحرم أكل لحمه بالعرض، وهو اُمور ثلاثة:الأول: الجلاَّل، وهو الذي يتغذى بالعذرة فقط مدة معتداً به، بحيث يصدق عرفاً أن غذاءه العذرة. والأحوط وجوب، حرمة نسله المتكون فيه قبل الاستبراء.
الثاني: الجدي الذي يرضع لبن الخنزيرة حتى يشتدّ عليه ويكبر. والأحوط وجوباً العموم لكل حيوان يرتضع منه.
الثالث: البهيمة التي يطؤها الرجل، حتى الذكر على الأحوط وجوب، بل الأحوط وجوباً العموم لكل حيوان وإن لم يكن من البهائم كالطيور. والنسل تابع
للاصل على الأحوط وجوب. كما أن الأحوط وجوباً العموم لما إذا كان الواطئ صبي.
(مسألة ٣٩٩): بول الطير وذرقه طاهران وإن حرم أكل لحمه كالصقر.
(مسألة ٤٠٠): ما يحرم أكله مما ليس له نفس سائلة إن لم يكن له لحم - كالبق والذباب - فما يخرج منه طاهر، وإن كان له لحم - كالجِرّي والسلحفاة - فغائطه طاهر. وإن كان له بول فالأحوط وجوباً الاجتناب عنه وإجراء حكم النجس عليه.
(مسألة ٤٠١): المراد بالحيوان الذي له نفس سائلة هو الذي له عروق يشخب منها الدم، وغيره إما لا دم له كالخنفساء، أو له دم يجتمع في بطنه كالبق، أو ينضح دمه من لحمه عند قطعه كالسمك. وأما وجود الدورة الدموية للحيوان - الذي يدركه علماء التشريح - فهو لا يكفي في كون الحيوان ذا نفس سائلة، إلا أن يكون ذلك ملازماً لشخب الدم من العرق ولو في بعض أفراد ذلك الحيوان كالنشيط أو الكبير أو نحوهم.
(مسألة ٤٠٢): ما يشك في أن له نفساً سائلة يحكم بطهارة غائطه، والأحوط وجوباً الاجتناب عن بوله إن كان له لحم يحرم أكله.
(مسألة ٤٠٣): ما يشك في حلية أكل لحمه يحكم بطهارة بوله وغائطه. إذا كان الشك للشبهة الموضوعية، كما لو اشتبه الحيوان - لظلمة او نحوها - بين أن يكون كلباً أو شاة، وأما إذا كان للشبهة الحكمية فاللازم الاحتياط حتى يعرف حكمه من مقلده، كما لو شك المكلف في حلية لحم الارنب.
الثالث: المني من كل ما لا يؤكل لحمه وكان له نفس سائلة. وأما ما لا نفس له سائلة فمنيّه طاهر، وكذا ما يؤكل لحمه وإن كان الأحوط استحباباً اجتنابه.
الرابع: الدم من الحيوان ذي النفس السائلة. أما دم ما لا نفس له سائلة كدم
السمك والبرغوث وغيرهما فهو طاهر.
(مسألة ٤٠٤): دم العلَقة في الحيوان وفي البيضة طاهر، والأحوط وجوباً عدم أكله.
(مسألة ٤٠٥): الدم المتخلف في الذبيحة بعد خروج ما يتعارف خروجه بالذبح والنحر طاهر، إلا أن يتنجس بنجاسة خارجية كما لو لاقى السكين أو يد القصاب النجسة. نعم يحرم أكله، إلا ما يعدّ من أجزاء اللحم عرفاً لقلّته وتخلفه في العروق الدقيقة.
(مسألة ٤٠٦): دم الحيوان المشكوك في كونه ذا نفس سائلة محكوم بالطهارة. وكذا الدم الذي لا يعلم أنه من حيوان له نفس سائلة أو من حيوان ليس له نفس سائلة. فمن وجد على ثوبه دماً ولم يعلم أنه منه أو من البرغوث أو البعوض يبني على طهارته، وكذا الحال في كل دم مردد بين الطاهر والنجس كالدم المردد بين الخارج بالذبح والمتخلف في الذبيحة بعد الذبح.
(مسألة ٤٠٧): الظاهر أن الحكم بنجاسة البول والغائط والمني والدم مشروط بخروجها للظاهر وأما قبل ذلك فهي طاهرة، وملاقاتها لا توجب نجاسة الملاقي.
الخامس: ميتة الحيوان الذي له نفس سائلة. وأما ميتة ما لا نفس له سائلة فهي طاهرة.
(مسألة ٤٠٨): الجزء المقطوع من الحي نجس كالميتة، ويستثنى من ذلك الاجزاء غير اللحمية التي هي من سنخ زوائد البدن، كقشور البدن وأسفل القدم وكذا الثالول ونحوه مما من شأنه الانفصال.
(مسألة ٤٠٩): إذا اُوصل الجزء المقطوع من الحيوان بجسم الإنسان أو بحيوان آخر وجرت فيه الحياة طهر، كما في موارد زرع أعضاء الجسم
وأجهزته، وكذا موارد ترقيع الجلد. نعم إذا نقل من نجس العين لطاهر العين أشكل الحكم بالطهارة بمجرد وصله وجريان الحياة فيه. بل الأحوط وجوباً عدم الحكم بطهارته إلا بعد إلحاقه عرفاً بالحيوان الطاهر بحيث يعدّ كسائر أجزائه.
(مسألة ٤١٠): ما لا تحلّه الحياة الظاهرة من أجزاء الميتة طاهر كالصوف والشعر والعظم والقرن والظفر، وكذا ما ينفصل عنها كالبيضة إذا اكتست القشر الغليظ.
(مسألة ٤١١): اللبن في الميتة طاهر يحل شربه إن استخرج من ضرعها وإن كان ملاقياً للميتة.
(مسألة ٤١٢): تحل الانفحة من الميتة، وهي ما يؤخذ من السخال ونحوها لصناعة الجبن. والأحوط وجوباً الاقتصار في حلها على المادة المتجمدة الموجودة داخل الكرش دون نفس الكرش الذي فيه تلك المادة. وحينئذٍ يغسل ظاهرها الملاقي للكرش ليطهر قبل استعماله.
(مسألة ٤١٣): المراد بالميتة هنا كل ميت لم يذكَّ. ومع الشك في التذكية يحكم بعدمه، وبنجاسة وحرمة الحيوان وأجزائه من جلده ولحمه وشحمه ودهنه وغيره، إلا أن يقوم دليل شرعي على تذكيته.
(مسألة ٤١٤): ما يكون تحت يد المسلم من أجزاء الحيوان المشكوك التذكية يحكم بتذكيته وطهارته وحله، إذا كان يعامله معاملة المذكى بإعداده للبيع أو للاكل أو استعماله في المأكول والمشروب أو لبسه أو نحو ذلك، دون ما لا يعامله كذلك كظروف العذرات والنجاسات.وكذا يحكم بتذكية ما يباع في سوق المسلمين، أو يصنع في بلاد الإسلام - ولو لغلبة المسلمين عليها - إذا احتمل كون البائع أو الصانع لها مسلم، وكذا ما يوجد مطروحاً في بلاد الإسلام - وهي البلاد التي يغلب عليها المسلمون - إذا احتمل كونه مسبوقاً بيد
المسلم، وكان عليه أثر الاستعمال المناسب للتذكية.
(مسألة ٤١٥): أجزاء الحيوان المأخوذة من يد الكافر إذا كانت مسبوقة بيد المسلم يحكم بتذكيته.
(مسألة ٤١٦): أجزاء الحيوان التي لم تكن سابقاً تحت يد المسلم إذا صارت في يد المسلم إن احتمل أخذه لها بعد إحرازه لتذكيتها بوجه شرعي كانت محكومة بالتذكية، وإن علم بعدم إحراز المسلم لتذكيتها - غفلة أو تسامحاً - فهي محكومة بالنجاسة وعدم التذكية.
السادس والسابع: الكلب والخنزير البريان، وكذا أجزاؤهما وإن كانت مما لا تحلّه الحياة كالشعر ونحوه. وأما البحريان فهما طاهران.
الثامن: الكافر غير الكتابي على الأحوط وجوب. أما الكتابي - وهو اليهودي والنصراني والمجوسي - فالظاهر طهارته بنفسه، وإنما ينجس بملاقاة النجاسة كالميتة والخمر ونحوهما مما يستعمله مستحلاً له أو غير مستحل.
(مسألة ٤١٧): الإسلام هو الاقرار بوحدانية الله تعالى ونبوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبما جاء به من عند الله تعالى، فالكافر هو الذي لا يتدين بذلك، إما لعدم اعتقاده بدين أصلاً أو لتدينه بدين غير الإسلام بالمعنى المذكور.
(مسألة ٤١٨): إنكار الضروري من الدين إن رجع إلى عدم الاقرار به بعد العلم بانزاله من قبل الله تعالى، أو إلى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تبليغه به بعد العلم بتبليغه له كان موجباً للكفر، وإن رجع إلى عدم العلم بثبوته في الدين أو بتبليغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له، لم يوجب الكفر، كما إذا نشأ من الجهل بتحريمه أو من شبهة اعتقد معها عدم التحريم.
(مسألة ٤١٩): الأحوط وجوباً نجاسة الناصب لاهل البيت (عليهم السلام) إذا رجع نصبه إلى إنكار الضروري بالنحو الموجب للكفر الذي تقدم في المسألة السابقة.
وكذا الغالي إذا رجع غلوه إلى إنكار التوحيد لله تعالى أو إنكار النبوة أو إنكار الضروري بالنحو المتقدم.
(مسألة ٤٢٠): يكره مباشرة الكتابي ومساورته مطلق. وتتأكد الكراهة في مباشرته برطوبة، إذا احتمل نجاسته بالعرض، وترتفع الكراهة المذكورة بتطهيره بدنه من الخبث.
التاسع: الخمر وكل مسكر مائع بالاصل وإن لم يتعارف شربه. وأما المسكر الجامد - كالحشيشة - فإنه طاهر وإن صار مائعاً بالعَرض.
(مسألة ٤٢١): نجاسة الكحول بأقسامه تبتني على كونه مسكر، فمن علم أنه مسكر فهو نجس في حقه، ومن لم يعلم بأنه مسكر فهو طاهر في حقه. إلا أننا ننصح إخواننا المؤمنين جميعاً بالاجتناب عنه والاحتياط فيه، فان من لم يعلم بإسكاره ونجاسته وإن كان من حقه شرعاً البناء على طهارته إلا أنه يرجح منه اجتنابه لامرين:
الأول: أنه قد يتضح له يوماً ما أنه مسكر ونجس فيقع في مشاكل كثيرة بسبب عمله السابق.
الثاني: أنه حيث كان الكحول نجساً عند كثير من المؤمنين - بمقتضى اجتهادهم او تقليدهم - فالمناسب ملاحظة حالهم والرفق بهم، خصوصاً في الاستعمالات الظاهرة، حيث قد يسبب ذلك الحرج لهم أو النفرة بين المؤمنين، فإن مقتضى تكليف من يرى نجاسته تجنب الذي يستعمله والتطهير عند مساورته، فإن عملوا على ذلك فياله من مظهر للجفاء وسوء الخلق والخروج عن آداب المعاشرة، وإن لم يعملوا عليه خرجوا عن ميزانهم الشرعي وخالفوا دينهم.
والاشد من ذلك والانكى استعماله في الاماكن العامَّة خصوصاً الدينية منه. بل قد يحرم ذلك لانها ليست ملكاً لشخص خاص يتصرف فيها كيف
يشاء، بل يشترك فيها الجميع، ففعل ما يوجب الاحراج على البعض فيها خروج بها عن مقتضى وضعه. وكم رأينا من يتقرب إلى الله تعالى بنشر العطور التي فيها الكحول في المشاهد المشرفة والاماكن المقدسة، وهو يرى أنه قد أحسن بذلك لمقام تلك المشاهد وللمؤمنين الذين يردونه، مع أنه في الحقيقة قد اعتدى على المشاهد ومن فيه. حيث صار سبباً لايذاء جماعة من المؤمنين الذين يحضرون فيها ومنعهم عن أداء وظائفهم فيها من الزيارة عند الاضرحة المطهرة والصلاة في تلك المشاهد المعظمة، لتنجس أبدانهم أو ثيابهم أو خوف تنجيسه.
ومن المؤسف حقاً أن أمراً مصدره الغرب الكافر الذي لا يتقيد بخلق ولا شريعة يأخذه المسلمون منهم وينتشر بينهم هذا الانتشار الفظيع مع ما فيه من الهنات والشبهات من دون روية ولا بصيرة.
وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(مسألة ٤٢٢): العصير العنبي إذا غلى بالنار لا ينجس، بل يبقى طاهراً لكن يحرم شربه حتى يذهب ثلثاه.
(مسألة ٤٢٣): إذا وضع العنب في ماء واُغلي الماء، فإن لم يغل الماء الذي في داخل حبات العنب فلا إشكال في حليته، وإن غلى ماء العنب في داخله فالأحوط وجوباً الاجتناب عنه وإن كان طاهر، وكذا لو غلى ماء العنب في داخله بتعريضه لحرارة النار رأساً من دون أن يوضع العنب في ماء.
(مسألة ٤٢٤): الأحوط وجوباً الاجتناب عن عصير الزبيب إذا غلى بالنار حتى يذهب ثلثاه. وهو الأحوط استحباباً في عصير التمر. نعم لا إشكال في عدم نجاستهم.
(مسألة ٤٢٥): اذا غلا عصير العنب أو الزبيب أو التمر من دون نار - بل بحرارة الجو أو من قبل نفسه - فلا يبعد حرمته ونجاسته لصيرورته مسكر
بذلك وإن كان ذلك أمراً تكوينياً لا شرعياً والشبهة فيه موضوعية نظير ما تقدم في الكحول.
(مسألة ٤٢٦): يجوز وضع الزبيب والتمر في الامراق وغيرها من المطبوخات، ولا تحرم بذلك ولا تنجس.
(مسألة ٤٢٧): الفُقّاع نجس وإن لم يظهر إسكاره. وهو شراب يتخذ من الشعير على وجه خاص يعرفه أهله.العاشر: عرق الابل الجلاّلة، بل كل حيوان جلاّل على الأحوط وجوب.
(مسألة ٤٢٨): الظاهر عدم نجاسة عرق الجنب من الحرام. نعم الأحوط وجوباً أنه مانع من الصلاة، فإذا أصاب الثوب لا تصح الصلاة فيه حتّى يغسل.
(مسألة ٤٢٩): إذا تردد الشيء بين الطاهر والنجس يحكم بطهارته، كما إذا تردد الشعر بين أن يكون من الماعز وأن يكون من الخنزير. وهكذا كل ما يشك في طهارته لاشتباه حاله.
الفصل الثاني
في كيفية سراية النجاسة
لا ينجس الجسم الطاهر بملاقاة النجاسة إلا مع الرطوبة المسرية التي تنتقل من أحدهما إلى الاخر بمجرد الملاقاة، سواء كانت مائية أم دهنية. وأما الندى الذي لا ينتقل إلا بمدة طويلة - كرطوبة النجس التي تسري في البناء - فلا تسري به النجاسة.
(مسألة ٤٣٠): الذوبان من دون رطوبة مسرية لا يكفي في التنجيس فالفلزّات إذا اُذيبت في بوتقة نجسة لم تنجس.
(مسألة ٤٣١): الاجسام الجامدة إذا لاقت النجاسة برطوبة مسرية لم ينجس منها إلا موضع الملاقاة، ولا تسري النجاسة إلى غيره وإن كانت الرطوبة
المسرية مستوعبة له. فالثوب المبتلّ مثلاً لا ينجس منه إلا موضع الملاقاة.
(مسألة ٤٣٢): إذا لاقت النجاسة المائع تنجس كله. أما إذا كان جامداً - لبرد أو غيره - فإنه لا يتنجس منه إلا موضع الملاقاة. والمراد بالجمود تماسك الشيء بحيث لا يرسب فيه مثل الفأرة، كالسمن في الشتاء، ولا يكفي ما دون ذلك مهما كثف أو غلظ.
(مسألة ٤٣٣): الاقوى أن المتنجس كالنجس ينجس ما يلاقيه بالرطوبة مهما تعددت الوسائط، من دون فرق بين الماء وغيره.
(مسألة ٤٣٤): سبق في المسألة (٤٠٧) من فصل عدد النجاسات أن الاعيان النجسة لا تحكم بالنجاسة ما لم تخرج للظاهر، وأن ملاقاتها في الباطن غير منجسة للملاقي. سواء كان الملاقي من الباطن كالريق يلاقي دم الاسنان فيخرج للظاهر، أم كان الملاقي من الظاهر، كماء الاحتقان يلاقي الغائط ثم يخرج للظاهر.
أما إذا كانت النجاسة من الظاهر فلملاقاتها في الباطن صورتان:
الاُولى: أن يكون الملاقي من الباطن كالخمر يشربه الإنسان فيلاقي فضاء الفم أو الجوف، وبحكمه اللسان يخرجه الإنسان فيذوق به الطعام النجس، والظاهر هنا الحكم بالطهارة أيض.
الثانية: أن يكون النجس والطاهر معاً من الخارج ويتلاقيان في الداخل، فإن كان الطاهر من توابع الباطن لم ينجس، كالذي يشد أسنانه بالذهب أو يضع سناً صناعية ثم يتمضمض بالماء النجس، وإن لم يكن الطاهر من توابع الباطن فالأحوط وجوباً نجاسته، كما لو أدخل إصبعين في فمه وكان أحدهما نجساً
فتلاقيا في الفم برطوبة ثم انفصلا واُخرجا منه.
(مسألة ٤٣٥): مع الشك في الملاقاة يبنى على الطهارة، وكذا مع العلم بها والشك في أن الملاقي هو الطاهر أو النجس، وكذا مع العلم بملاقاة النجس والشك في وجود الرطوبة، أو في كونها مسرية، حتى لو علم بوجود الرطوبة سابقاً وكونها مسرية واحتمل جفافها بحيث لم تكن مسرية حين الملاقاة.
الفصل الثالث
في أحكام النجاسة
يشترط في صحة الصلاة طهارة بدن المصلي وثيابه، وإن لم تكن ساترة للعورة من دون فرق في الصلاة بين الواجبة والمستحبة، بل حتى صلاة الاحتياط، وكذا قضاء الاجزاء المنسية. بل هو الأحوط وجوباً في سجود السهو. نعم تصح الصلاة على الميت مع النجاسة.
(مسألة ٤٣٦): لابد من طهارة مسجد الجبهة بالمقدار الذي يجب إمساس الجبهة له. ولا يضر نجاسة ما زاد على ذلك مما يمسّ الجبهة أو يمس بقية المساجد السبعة أو غيرها من أجزاء بدن المصلي فضلاً عمّا لا يمسّه. نعم مع الرطوبة وسريان النجاسة لبدن المصلي أو لباسه لا تصح الصلاة، كما تقدم.
(مسألة ٤٣٧): لا تضر نجاسة الغطاء في صلاة المستلقي أو المضطجع إذا لم يصدق عليه اللباس، إلا إذا لف المصلي به جسده بحيث يصدق أنه صلى فيه.
(مسألة ٤٣٨): من صلى مع النجاسة جهلاً بوجودها ولم يعلم إلا بعد الفراغ صحت صلاته، ولا إعادة عليه، إلا في دم الحيض فالأحوط وجوباً الاعادة.
(مسألة ٤٣٩): من علم بوجود سبب النجاسة وصلى فيها للجهل بسببيته
للنجاسة صحت صلاته، كما لو علم بإصابة البول لثوبه فغسله مرة واحدة، وصلى فيه لاعتقاده - خطأً - بكفاية الغسلة الواحدة في التطهير من البول.
(مسألة ٤٤٠): من علم بالنجاسة وصلى فيها للجهل بمانعيّتها من الصلاة صحت صلاته.
(مسألة ٤٤١): من علم بالنجاسة ثم نسيها وصلى كان عليه إعادة الصلاة إذا ذكر في الوقت، والقضاء اذا ذكر بعد خروج الوقت.
(مسألة ٤٤٢): إذا دخل في الصلاة مع النجاسة جهلاً بوجودها ثم علم بها في أثناء الصلاة بطلت صلاته، وعليه استئنافها بعد التطهير.
(مسألة ٤٤٣): إذا دخل في الصلاة مع الطهارة واُصيب بالنجاسة في أثناء الصلاة فإن لم يعلم بها إلا بعد الفراغ صحت صلاته، وإن علم بها في الاثناء فلذلك صورتان:
الاُولى: أن يعلم بوقوع بعض الصلاة في النجاسة، وحينئذٍ الأحوط وجوباً عدم الاجتزاء بصلاته، كما لو علم في الركعة الثالثة إصابة النجاسة في الركعة الثانية.
الثانية: أن لا يعلم بذلك بل يحتمل او يعلم بعدم وقوع شيء من اجزاء الصلاة بالنجاسة. وحينئذٍ إن تيسر له التخلص من النجاسة - بالتطهير منها أو نزع الثوب النجس - من دون أن يقع فيما ينافي الصلاة - كالانحراف عن القبلة والكلام - فعل ذلك وصحت صلاته، وإلا تخلّص من النجاسة واستأنف الصلاة.
هذا مع سعة الوقت، وأما مع ضيق الوقت عن التخلص من النجاسة فاللازم إتمام الصلاة بالنجاسة والاجتزاء بها اذا كانت النجاسة في البدن، وكذا إذا كانت في الثوب ولم يكن نزعه لبرد او وجود ناظر أو غيرهم. أما إذا أمكن نزعه كان مخيراً بين الصلاة به والصلاة عارياً بالكيفية الاتية في صورة تعذر
الساتر من مبحث لباس المصلي، وعلى كل حال لا يجتزأ بصلاته تلك بل يقضيها بعد ذلك على الأحوط وجوب.
(مسألة ٤٤٤): إذا رأى النجاسة في أثناء الصلاة وشك في أنها قد أصابته قبل الدخول فيها أو بعده بنى على الثاني، وجرى عليه الحكم المتقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٤٤٥): إذا علم بنجاسة ثوبه أو بدنه فطهّره هو أو غيره وصلى وظهر له بعد الفراغ من الصلاة عدم صحة التطهير صحت صلاته ولم تجب عليه الاعادة. نعم لو اعتمد على تطهير غيره فيما يحتاج إزالته إلى كلفة كالمن ونحوه من دون فحص عن حاله وظهر بعد الصلاة عدم صحة تطهيره، فالأحوط وجوباً الاعادة.
(مسألة ٤٤٦): لو علم بالنجاسة واعتقد بأنها قد طهرت فصلى، ثم ظهر له خطأ اعتقاده وعدم وقوع التطهير أصلاً صحت صلاته، وليس الحال فيه كالمسألة السابقة.
(مسألة ٤٤٧): لو علم بنجاسة ثوبه فصلى فيه وهو يرى أنه صلى في غيره صحت صلاته.
(مسألة ٤٤٨): لو علم بنجاسة شيء فنسي ولاقاه برطوبة فتنجس بدنه أو ثوبه وهو لا يعلم فصلى، وبعد الفراغ ذكر أن الذي لاقاه كان نجساً صحت صلاته.
(مسألة ٤٤٩): من لم يجد إلا ثوباً نجساً فإن اضطر إلى لبسه لبرد أو نحوه صلى فيه، وأجزأته صلاته. وأما مع إمكان نزعه والصلاة عارياً فالأحوط وجوباً الجمع بين الصلاة فيه والصلاة عارياً بالكيفية الاتية في الكلام في تعذر الساتر الشرعي من مبحث لباس المصلي.
(مسألة ٤٥٠): إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما وجب عليه الصلاة في كل منهما بتكرار الصلاة، ومع تعذّر الجمع في الوقت يأتي بالاُخرى في خارجه.
(مسألة ٤٥١): إذا كان بدنه وثوبه نجساً وتعذّر تطهيرهما معاً رجح تطهير البدن، وجرى عليه في الصلاة بالثوب ما تقدم في المسألة (٤٤٩).
(مسألة ٤٥٢): لا يجب على المكلف إعلام غيره بنجاسة بدنه أو ثوبه ليطهّرهما في الصلاة، بل يجوز له إيهامه في ذلك من دون كذب، إلا مع استئمانه له على ذلك، كما لو أوكل إليه أمر التطهير، أو طلب منه أن يختار له ثوباً للصلاة، فإن الأحوط وجوباً له حينئذٍ إعلامه بالحال وعدم الخروج عن مقتضى الاستئمان.
(مسألة ٤٥٣): يحرم أكل النجس والمتنجس وشربهم، ويجوز الانتفاع بهما فيما لا يشترط فيه الطهارة، كاللبس والفرش والتسميد بالعذرة والدم ونحو ذلك.
(مسألة ٤٥٤): يحرم سقي الاطفال والمجانين المسكر. ويجوز إطعامهم وسقيهم غيره من النجاسات والمتنجسات إذا رآه الولي صلاحاً لهم.
(مسألة ٤٥٥): يحرم تنجيس المسجد وإن لم يوجب هتكه من دون فرق بين ظاهر أرضه وباطنها وسقفه وسطحه وحيطانه وغيره. نعم إذا كان تنجيسه لمصلحته - كما لو توقف عليه تعميره - جاز بنظر الولي الخاص أو العام.كما أن الظاهر جواز تنجيس حائط المسجد من الخارج بالنحو المتعارف في ظاهر الابنية التي جرت السيرة على التصرف فيها بالمسّ ونحوه من دون استئذان المالك أو نحوه. نعم إذا كان تنجيس حائط المسجد من الخارج هتكاً له حرم.
(مسألة ٤٥٦): تجب إزالة النجاسة عن المسجد إذا كان هتكاً له. بل مطلقاً على الأحوط وجوب. نعم لا تجب إزالتها عن باطن أرضه لو أمكن من دون تخريب. بل لا يجوز إزالتها عن باطن أرضه وغيره من أجزائه لو توقفت على تخريبه بالنحو المضرّ به، إلا مع وجود الباذل لعمارته بعد التخريب أو أهمية المفسدة المترتبة على النجاسة حسب تشخيص الولي الخاص أو العام.
(مسألة ٤٥٧): وجوب الازالة فوري يقتضي المسارعة، إلا مع لزوم الضرر أو الحرج أو المزاحمة بتكليف أهم.
(مسألة ٤٥٨): وجوب الازالة كفائي يعم جميع المكلفين ولا يختص بمن نجّسه أو بوليّه أو غيرهم.
(مسألة ٤٥٩): يحرم تنجيس فراش المسجد. ويجب تطهيره بعد التنجيس إذا استلزم بقاء النجاسة هتك المسجد.
(مسألة ٤٦٠): بقية آلات المسجد وما يوقف له إن ابتنى وقفه على التعرض للنجاسة - كالخشب المعدّ لوضع الاحذية - لم يحرم تنجيسه، وإلا حرم تنجيسه. وأما تطهيره بعد التنجيس فيجري فيه ما تقدم في الفراش.
(مسألة ٤٦١): المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس. كما أنه يجب تطهيرها إذا كان بقاء النجاسة هتكاً له. وكذا الحال في جميع الموقوفات للجهات المقدسة، إلا أن يبتني وقفها على الاذن في تنجيسه، فيجوز تنجيسها حينئذٍ.
(مسألة ٤٦٢): لا يجوز تنجيس المسجد الخراب وإن صار أرضاً خالية. ويجب تطهيره بعد التنجيس إذا لزم من بقاء النجاسة هتكه.
(مسألة ٤٦٣): يحرم تنجيس المصحف الشريف إذا كان هتكاً له، ويجب تطهيره حينئذٍ. وكذا الحال في كل ما يكتسب قدسية بنسبته لجهة مقدسة، كتربة الحسين (عليه السلام) المأخوذة للتبرك وكسوة الكعبة وغيرهم.
الفصل الرابع
فيما يعفى عنه في الصلاة من النجاسة
تجوز الصلاة في النجاسة في موارد:
الاول: دم الجروح والقروح في البدن واللباس، حتى ينقطع عنها الدم انقطاع برء.
(مسألة ٤٦٤): يختص العفو بما إذا كانت سراية النجاسة مستندة لطبيعة الجرح أو القرح بمقتضي المتعارف. أما لو استندت لامر خارج عن ذلك فلا عفو، كما لو مسّ الجرح بيده فتنجست، فإنه لا يعفى عن نجاسته.
(مسألة ٤٦٥): كما يعفى عن الدم في الجروح والقروح يعفى عن القيح الخارج من الجرح أو القرح والدواء الموضوع عليهما والعرق المتنجس بهم. نعم يشكل العفو عن الاشياء الخارجية الملاقية للجرح أو القرح، كما لو وقع عليه ماء جرى منه للموضع الطاهر.
(مسألة ٤٦٦): الظاهر عدم العفو عن دم الجروح والقروح الباطنية، كدم الرعاف وقروح المعاء الذي قد ينزل من الاسافل ودم البواسير. بل يشكل العفو عن دم البواسير الظاهرة، والاحوط وجوباً التطهير منه.
(مسألة ٤٦٧): إذا كانت الجروح أو القروح متقاربة بحيث لا يجدي عرفاً التطهير من بعضها في تخفيف النجاسة لتعرّض ما ينجس بسببه للنجاسة بسبب الاخر لم يجب التطهير منه عند برئه، وإن كان يوجب تخفيف النجاسة دقة، بل ينتظر بالتطهير برء الجميع.
وإن كانت متباعدة فإذا برئ بعضها فالاحوط وجوباً التطهير منه وإن لم يبرأ الباقى.
(مسألة ٤٦٨): إذا شك في دم أنه من دم الجروح أو القروح أو من غيره من أقسام الدم النجس وجب التطهير منه.
الثاني: الدم دون الدرهم في اللباس، وأما في البدن فالاحوط وجوباً عدم العفو عنه.
(مسألة ٤٦٩): لا عفو عن دم الحيض وإن كان قليل. وكذا دم النفاس على الاحوط وجوب. وأما دم الاستحاضة فالظاهر أنه كسائر الدماء يعفى عنه إذا كان دون الدرهم، وإن كان الاحوط استحباباً الاجتناب عنه.
(مسألة ٤٧٠): لا يعفى عن دم ما لا يؤكل لحمه غير الانسان وإن كان أقل من درهم. والاحوط وجوباً عدم العفو عن دم الميتة ودم نجس العين أيض.
(مسألة ٤٧١): العفو المتقدم إنما هو عن الدم الخالص دون المخلوط بغيره من طاهر أو نجس، ودون المتنجس به، فلا تصح الصلاة في جميع ذلك، وإن كان أقل من الدرهم.
(مسألة ٤٧٢): إذا تفشّى الدم من أحد الجانبين إلى الاخر فهو دم واحد. وكذا إذا وقع الدم في الجانبين من مكان واحد إذا اتصلا حتى صارا دماً واحد. وإن لم يتصلا فهما دمان فيلزم ملاحظة سعة مجموعهم. وعلى ذلك يجري الدم في الثوب ذي الطبقات - كالظهارة والبطانة - فإنه إن اتصل الدم في الطبقات لتلاصقها كان دماً واحد، وإن لم يتصل كان دمين.
(مسألة ٤٧٣): إذا شك في أن الدم الموجود في الثوب من المستثنيات او من غيره - كدم الحيض - بنى على العفو عنه. وكذا إذا شك في أنه بقدر الدرهم أو دون ذلك.
(مسألة ٤٧٤): الظاهر أن المدار في التقدير على الدرهم الشايع استعماله في عصر الصادقين (عليهم السلام)، والاحوط وجوباً الاقتصار فيه على ما يكون قطره سنتمترين وثلاثة ملمترات.
الثالث: مالا تتم به الصلاة وحده، لعدم إمكان ستر عورة الرجل به. كالخف والجورب والمنديل الصغير والتكة والقلنسوة والخاتم وغيره. فإنه لا بأس بالصلاة في جميع ذلك وإن أصابته النجاسة، إلا اذا كانت مما لا يؤكل لحمه فالاحوط وجوباً عدم العفو.
(مسألة ٤٧٥): الاحوط وجوباً عدم العفو عن نجاسة المحمول غير الملبوس إذا كان مما تتم به الصلاة كالثوب يحمل في الصلاة من دون لبس.
(مسألة ٤٧٦): لا يعفى عن الملبوس المتخذ من نجس العين أو الميتة وإن كان مما لا تتم به الصلاة، وكذا لا يعفى عن الميتة التابعة للملبوس كالسيف الذي يكون قرابه من جلد الميتة، بل الاحوط وجوباً عدم العفو عن النجس والميتة المحمولين من دون لبس كالمحفظة المتخذة من جلد الميتة. وأولى بذلك ما إذا كان غير مأكول اللحم، إذا كان طاهر، كالمحفظة المتخذة من شعر الارنب فضلاً عمّا إذا كان نجساً كالذي يتخذ من شعر الكلب مثل.
الرابع: ثوب الاُم المربية لطفله، فإنّه معفوٌ عنه بشروط:
الاول: أن تكون نجاسته ببوله، دون غيره مما يخرج منه، فضلاً عن النجاسة الاجنبية عنه.
الثاني: أن لا يكون لها إلا ثوب واحد. والاحوط وجوباً أن تكون بحيث يصعب عليها تحصيل غيره وإن لم يبلغ مرتبة الحرج.
الثالث: أن تغسله في اليوم مرة. والاحوط وجوباً أن يكون غسله بحيث تقدر على حفظ طهارته لاكثر من صلاة مع عدم لزوم الحرج من ذلك. كما أن الاحوط وجوباً أن يكون غسله في النهار.
(مسألة ٤٧٧): لا يلحق بالاُم غيرها ممن يربي الطفل من النساء فضلا عن الرجال.
(مسألة ٤٧٨): إذا كان عندها ثياب متعددة تحتاج إلى لبسها جميعا لبرد أو نحوه فهي بحكم الثوب الواحد.
(مسألة ٤٧٩): لا يعفى عن نجاسة بدنها من بول ولده، بل لابد من تطهيره للصلاة.
الخامس: جميع موارد الاضطرار للصلاة مع النجاسة أو لزوم الحرج من تجنبه. وقد تقدم حكم الانحصار بالثوب النجس في المسألة (٤٤٩) من الفصل السابق.
الفصل الخامس
في التطهير من النجاسات
وهو يختلف باختلاف المطهرات، وهي اُمور..
الأول: الماء المطلق الطاهر، وهو مطهر لكل متنجس يصل إليه ويستولي عليه. بل تقدم في المسألة (١١) في الفصل الأول من أحكام المياه أنه يطهر الماء المطلق النجس.وأما الماء المضاف وسائر المائعات فلا تطهر به إلا أن تستهلك فيه لغلبته عليها بكثرته بحيث تنعدم فيه عرف. ولابد في طهارتها حينئذٍ من طهارة الماء حين استهلاكها فيه لاعتصامه بالكرية أو بالمادة أو بالمطر.
إذا عرفت هذ، فالكلام في مقامين:
المقام الأول: في شروط مطهرية الماء للمتنجس باستيلائه عليه.
(مسألة ٤٨٠): لابد في تطهير الجسم بالماء من زوال عين النجاسة عرف، ولا يضر بقاء الاثر من اللون أو الرائحة. كما أنه لو كان متنجساً بالمتنجس
- كاللبن أو التراب المتنجس - فلابد من زوال عينه أيض، إلا أن يطهر المتنجس بغسله بالماء مع ما تنجس به، كالثوب الطاهر ينجس بملاقاة الحصى المتنجس فيطهران بغسلهما معاً بالماء.
(مسألة ٤٨١): بعض ما ينفذ فيه النجاسة كالثياب والفراش يحتاج زوال عين النجاسة فيها إلى عناية، ولا يكفي فيه مجرد وصول الماء بصب أو غمس، بل لابد من فركه أو نحوه مما يحقق الغسل عرف.
(مسألة ٤٨٢): الدسومة إذا لم تبلغ مرتبة الجرم المانع من وصول الماء للمحل النجس لا تمنع من التطهير.
(مسألة ٤٨٣): يشترط في التطهير بالقليل انفصال ماء الغسالة على النحو المتعارف، فإذا كان المتنجس صلباً لا ينفذ الماء فيه ولم تدخل النجاسة في أعماقه كفى صب الماء عليه وانفصاله عنه، وإذا كان مما ينفذ الماء فيه كالفراش والثياب والاسفنج فلابد من إخراج ماء الغسالة منه بعصر أو غمز أو نفض أو نحوه، ويكفي توالي الصبّ عليه حتى يخرج ماء الغسالة منه ويخلفه غيره.
وإذا لم ينفصل وتجمّع في موضع بقي ذلك الموضع نجس، بل الأحوط وجوباً المبادرة بانفصاله على النحو المتعارف في غسل القذارات العرفية وعدم بقائه مدة أطول من ذلك.نعم لا يضر تخلف قليل من ماء الغسالة في الجسم المغسول بالنحو المتعارف في الغسل بالماء. وأما مع الغسل بالمعتصم - كرّاً كان أو غيره - فلا يعتبر شيء من ذلك، بل يكفي وصول الماء للموضع المتنجس وإن لم ينفصل عنه.
(مسألة ٤٨٤): لا يضر تعدي ماء الغسالة من الموضع النجس بسبب تطهيره للموضع الطاهر المتصل به، فلو كان موضع من ذراعه نجساً فصبَّ عليه الماء فجرى منه على كفه ووقع على الارض لم تنجس كفُّه. وإذا لم ينفصل عن كفِّه في المثال لقلّة الماء لم تطهر الكف، بل تنجس بماء الغسالة. وكذا إذ
لم يتصل الموضع الطاهر بالموضع النجس الذي وصل منه الماء له، كما إذا طهر وجهه فتقاطر ماء الغسالة على بطنه فإنه ينجس بطنه.
(مسألة ٤٨٥): إذا كان المتنجس صلباً قد تنجست أعماقه ولا ينفذ فيه ماء التطهير، كالشمع الذائب إذا تنجس ثم جمد فلا يطهر إلا ظاهره الملاقي للماء ويبقى باطنه نجس. وحينئذٍ إذا اُزيل منه سطحه الظاهر وظهر ما تحته فهو نجس. ولو شك في إزالة ظاهره وتبدُّل سطوحه حكم بنجاسته أيض.
(مسألة ٤٨٦): إذا كان للمتنجس صلابة تمنع من نفوذ الماء في باطنه بمجرد وصوله وإن أمكن نفوذه فيه ببطء فله صورتان:
الاُولى: أن يكون باطنه متنجساً قبل تصلبه، كالصابون المصنوع من الدهن المتنجس والجبن المصنوع من الحليب المتنجس والوحل المتنجس إذا انجمد حتى صار طين، والظاهر أنه لا يطهر لا بالماء القليل ولا بالماء المعتصم مهما طال اتصاله به إذا بقي على تماسكه، إذ لا ينفذ في باطنه حينئذٍ إلا رطوبة لا يصدق عليها الماء أو بلل كثير يمتزج بأجزائه بنحو يكون ماءً مضافاً ولا يكون ماءً مطلق.
نعم يمكن تطهير مثل الطين المتجمد إذا ذاب في الماء المعتصم واستهلك فيه من دون أن يخرجه عن الاطلاق، فإنه يكون طاهراً إذا تجمّع بعد ذلك ورسب في الماء.
الثانية: أن يتنجس ظاهره بعد تصلبه، فإن لم تنفذ الرطوبة النجسة لباطنه أمكن تطهيره بالماء سواء كان معتصماً أم لم يكن. وكذا إذا نفذت فيه رطوبة من النجاسة غير مسرية. أما إذا نفذت فيه رطوبة مسرية من النجاسة فالحكم فيه كما في الصورة الاُولى.
(مسألة ٤٨٧): اللحم الطري إذا طبخ بماء متنجس أمكن تطهيره بغسله
بالماء. وأما اللحم المجفف فإن علم بنفوذ الرطوبة المسرية لباطنه امتنع تطهيره بالماء، وإن لم يعلم بذلك،بل علم أو احتمل كون الرطوبة النافذة باطنه غير مسرية أمكن تطهيره بغسله بالماء، وإن كان الأولى إطعامه للاطفال ونحوهم ممن لا تكليف عليه. ويجري هذا التفصيل في جميع ما يطبخ بالماء المتنجس.
(مسألة ٤٨٨): لابد في التطهير بالماء القليل من ورود الماء على المتنجس، ولا يكفي غمس المتنجس بالماء، بل ينجس الماء حينئذٍ ولا يطهر المتنجس. نعم ما يتعارف في تطهيره غسله داخل الماء المجموع لا فرق بين ورود الماء عليه ووروده على الماء، كالثوب يطهر بغسله في الطست الذي يجتمع فيه الماء.
(مسألة ٤٨٩): إذا طهر الثوب المتنجس ثم وجد فيه شيئاً من الطين أو دقيق الاشنان أو الصابون فإن كان ذلك الشيء مما يطهر ظاهره بالغسل لان له نحواً من الصلابة كالاشنان بنى على طهارة ظاهره كالثوب لغسله معه تبع، وإلا تعيّن البناء على نجاسته ونجاسة الموضع الذي هو فيه من الثوب وطهارة باقي الثوب.
المقام الثاني: في العدد اللازم في التطهير.
يكفي في تطهير المتنجس استيلاء الماء عليه - بالشروط المتقدمة - مرة واحدة، إلا في موارد:
الأول: المتنجس بالبول ثوباً كان أو جسداً أو غيرهم، فإنه لا يطهر بالماء القليل إلا مع الصب أو الغسل مرتين بأن يغسل بالماء أو يصب عليه، ثم يقطع الماء عنه وينفصل ماء الغسالة منه، ثم يغسل أو يصب عليه الماء ثم يفصل ماء الغسالة عنه. ولا يكفي استمرار الغسل أو الصب فيه مرة واحدة مدة طويلة تعادل المرتين في الزمن.
(مسألة ٤٩٠): لابد من زوال عين النجاسة بالمرة الاُولى، ولا يكفي
زوالها بهما مع.
(مسألة ٤٩١): سبق في المسألة (٤٨١) أن الثياب ونحوها لابد فيها من الغسل. ولكن يكفي في ثبوت المتنجس ببول الصبي والصبية اللذين لم يتغذيا بالطعام صب الماء. بل يكفي في بول الصبي الصب مرة واحدة. والأحوط وجوباً فيهما معاً العصر بعد الصب.
(مسألة ٤٩٢): يسقط التعدد في البول مع الغسل بالماء المعتصم كُراً كان أو ذا مادة أو مطر.
الثاني: الاناء، فإنه إذا تنجس لا يطهر بالماء القليل إلا إذا غسل ثلاث مرات بجعل الماء فيه كل مرة بنحو يصل إلى موضع النجاسة ثم يفرغ منه. أما إذا طهر بالماء المعتصم - كُراً كان أو غيره - فيكفي غسله مرة واحدة.
(مسألة ٤٩٣): يلحق بالاناء كل موضع لا يمرّ فيه الماء مرور، وينفصل عنه، بل يجتمع فيه ويقر في قعره كالحُب، بل حتى مثل الحوض والحفيرة.
(مسألة ٤٩٤): إذا أمكن تطهير الاناء ونحوه من دون أن يتجمع فيه الماء أجزأ غسله مرة واحدة، كما إذا كان قليل التقعير، أو كان مثقوباً في أسفله بنحو ينزل الماء منه كالمغسلة التي في أسفلها ثقب لجريان الماء، وكذا إذا تنجس ظاهر الاناء واُريد تطهيره.
(مسألة ٤٩٥): يجب في تطهير الاناء الذي يشرب فيه الكلب أن يغسل أولاً بالتراب، ثم بالماء مرّتين. من دون فرق بين شربه للماء وشربه لبقية المائعات.
(مسألة ٤٩٦): الأحوط وجوباً الحاق لطع الكلب للاناء ووقوع لعابه فيه بشربه منه في الغسل مرة بالتراب ثم ثلاث مرات بالماء. وأما ملاقاته للاناء بغير ذلك مما يوجب تنجيسه له فلا يجب معها إلا الغسل ثلاث مرات بالماء وحده من دون تراب.
(مسألة ٤٩٧): لابد من طهارة التراب الذي يغسل به الاناء كالماء.
(مسألة ٤٩٨): لابد في الغسل بالتراب من أن يكون التراب ممزوجاً بالماء بمقدار معتدّ به، بحيث يصدق أن الغسل بالتراب، ثم ينظف الاناء من التراب بالماء نظير الغسل بالصابون والاشنان والسدر ونحوه.
(مسألة ٤٩٩): يجب في تطهير الاناء الذي يشرب منه الخنزير الغسل سبع مرات.
(مسألة ٥٠٠): الأحوط وجوباً غسل الاناء الذي يتنجس بموت الجرذ - وهو الكبير من الفأر - فيه سبع مرات، بل يستحب فيه ذلك وإن لم يتنجس بموته فيه لعدم سريان الرطوبة للاناء مما تحله الحياة من جسده الميت.
(مسألة ٥٠١): يسقط التعدد في غسل الاناء بالماء المعتصم، كما سبق. لكن لا يسقط معه الغسل بالتراب إذا تنجس بشرب الكلب منه ونحوه.
(مسألة ٥٠٢): الاناء ونحوه إذا كان كبيراً أو مثبتاً في موضعه - كالحوض إذا طهر بالماء القليل وكان يصعب أو يتعذر تفريغه من ماء الغسالة رأساً يكفي تفريغه بالواسطة، ولا يضر تقاطر ماء الغسالة فيه حال الاخراج، كما لا يضر فيه نجاسة آلة التفريغ بسبب ماء الغسالة الذي يفرغ بها تدريج، نعم الأحوط وجوباً تطهيرها لكل غسلة.
(مسألة ٥٠٣): لا يعتبر التوالي بين الغسلات في كل ما يجب فيه التعدد، بل يكفي تحقق العدد المعتبر ولو مع الفصل بين الغسلات بزمان طويل. نعم تقدم في المسألة (٤٨٣) أن الأحوط وجوباً المبادرة لاخراج ماء الغسالة في كل غسلة بمجرد تماميته، وعدم تركه مدة طويلة مع المتنجس المغسول به.
الثاني من المطهرات: الارض. وهي تطهّر باطن القدم وما يتوقّى به
كالنعل والخف والحذاء وغيرها بالمشي عليه.
(مسألة ٥٠٤): لابد من جفاف الأرض بل يبوستها والأحوط وجوباً طهارته. ولوشك في طهارتها بني على الطهارة، إلا أن يعلم بنجاستها سابقاً ويشك في تطهيرها بعد ذلك. أما لو شك في جفاف الارض ويبوستها فاللازم البناء على عدم التطهير بالمشي عليه.
(مسألة ٥٠٥): لابد في تطهير باطن القدم من زوال عين النجاسة ولو قبل المشي. ولو شك في زوالها بُنيَ على عدم التطهير وكذا لوشك في أصل علوق عين النجاسة بالقدم واحتمل بقاؤه لو كان عالق.
(مسألة ٥٠٦): الظاهر عموم الارض لكل ما يطلق عليه اسمه، حتى المطبوخ منها كالطابوق.
(مسألة ٥٠٧): الظاهر اختصاص مطهرية الارض بما إذا كان التنجس بسبب المشي على الارض، لوجود عين النجاسة عليها أو لتنجسه، دون ما إذا لم يكن بسبب المشي على الارض فإن المشي على الارض حينئذٍ لا يكون مطهر، وكذا إذا كان بسبب المشي على الارض إلا أنه لم يكن لنجاسة الارض أو نجاسةِ ما عليه، بل كان لمثل جرح القدم حال المشي وتنجسها بالدم الخارج من الجرح.
(مسألة ٥٠٨): الظاهر تحقّق التطهير لمثل الجورب إذا كان هو الواقي للقدم. لكن لا يطهر بالمشي إلا وجهه المماس للارض، دون الباطن المماس للرجل إذا نفذت له النجاسة أو رطوبتها بالمشي.
(مسألة ٥٠٩): لا يكفي في تطهير القدم والنعل مسحُهما من النجاسة بالارض من دون المشي عليه.
(مسألة ٥١٠): الأحوط وجوباً عدم طهارة نعل الدابة بمجرد زوال النجاسة أو المتنجس عنه، بل لابد مع ذلك من مشيها على الارض. بخلاف
رجل الدابة فإنها تطهر بزوال عين النجاسة كسائر أجزاء جسمه، كما يأتي في المطهر التاسع.
الثالث: الشمس، فإنها تطهِّر الارض وكل مالا ينقل من الابنية وما ثبت فيه، وكذا الاشجار والزرع والنبات والثمر وإن حان قطافه.
(مسألة ٥١١): يشترط في التطهير بالشمس اُمور:الأول: رطوبة الموضع. الثاني: جفافه بالشمس، بحيث يستند عرفاً لاشراقها عليه، ولا يكفي استناده لحرارته. نعم لابأس بمشاركة الريح بالنحو المتعارف في التجفيف.الثالث: زوال عين النجاسة إذا كان لها جرم ظاهر كالغائط والدم. دون مثل البول مما لا جرم له بعد التجفيف وإن بقي أثره. نعم إذا تكثر وتكاثف ففي كفاية جفافه بالشمس من دون أن يخفف بالماء إشكال، والأحوط وجوباً عدم طهارته.
(مسألة ٥١٢): إذا جف الموضع النجس بغير الشمس واُريد تطهيره بالشمس فلابد من بلّه، ولو بالماء النجس، فيطهر بتجفيف الشمس له.
(مسألة ٥١٣): لا تطهر الشمس الحصر والبواري وكل ما ينقل. وفي تطهيرها لمثل السفينة والسيارة ونحوهما من المنقولات التي لها نحو من السعة إشكال والأحوط وجوباً العدم، نعم ما يكون من غير المنقول عرفاً لوضعه على الارض واستقراره فيها كالبيوت الجاهزة ملحق بالارض. وكذا ما يعدّ من أجزاء الارض عرفاً كأحجارها وصخورها ونحو ذلك، دون مثل الحجر الموضوع في غير موضعه.
الرابع: الاستحالة إلى جسم آخر، بحيث يعد المستحال إليه مبايناً عرفاً للمستحال منه وناشئاً منه، كاستحالة الطعام والشراب النجسين اللذين
يتناولهما الحيوان المأكول اللحم روثاً وبولاً له، واستحالة الخشب المتنجس رماداً واستحالة الماء بخاراً وغير ذلك.
نعم يشكل تحققها بصيرورة الخشب فحم، فالأحوط وجوباً البناء على نجاسته لو كان الخشب نجس، بل لا إشكال في عدم تحققها بمثل صيرورة الطين والصخر ونحوها آجراً أو خزفاً أو جصاً أو نورة.
(مسألة ٥١٤): إذا استحال المتنجس بخاراً ثم استحال البخار عرقاً كان العرق طاهر، وكذا إذا استحال عين النجس بخاراً ثم استحال البخار عرق، إلا أن يصدق على العرق عنوان نجس كالمسكر فينجس حينئذٍ.
الخامس: الانقلاب، فإنه مطهر للخمر إذا انقلبت خلاً أو شيئاً آخر لا يصدق عليه الخمر ولا يكون مسكر، سواء انقلبت بنفسها أم بعلاج ولو بوضع شيء فيها كالملح ونحوه، سواء استهلك ذلك الغير في الخمر أم لم يستهلك، ويجري ذلك في كل مسكر وإن لم يكن خمر.
(مسألة ٥١٥): لابد في الانقلاب المطهر من تبدل حالِ ما كان متصفاً بالخمرية بحيث ينسلخ عنه اسم الخمر مع بقاء عينه. ولا يكفي مزجه بغيره بحيث يستهلك الخمر فيه ولا يصدق على المجموع عنوان الخمر أو لا يكون مسكراً بسبب التخفيف والمزج.
(مسألة ٥١٦): لابد في طهارة الخمر بالانقلاب من عدم وصول نجاسة خارجية من غير جهة الخمر إليها قبل الانقلاب فلو وضعت الخمر في إناء متنجس بغير الخمر ثم انقلب خلاًّ لم تطهر، وكذا لو لاقت نجاسة اُخرى غير الخمر. وكذا لو تنجّس الخل بغير الخمر ثم انقلب خمر، ثم انقلبت الخمر خل، فإنه لا يطهر في جميع ذلك.
السادس: الانتقال، فإنه مطهّر للمنتقِل منه، كانتقال دم نجس العين إلى البق والبرغوث والقمل ونحوه، فإنه مطهّر له. وأما انتقال دم طاهر العين لها فهو غير مطهِّر له، لانّه لم يكن نجساً عندما كان في باطن الحيوان حتّى يطهر بالانتقال.
(مسألة ٥١٧): إذا امتص العلق الدم من الإنسان أو نحوه مما هو طاهر العين ثم انفجر يشكل الحكم بطهارة الدم المذكور، والأحوط وجوباً إجراء حكم النجس عليه. وأما إذا امتص دم نجس العين ثم انفجر فلا إشكال في نجاسته. وكذا ما يمتصه الحيوان الكاسر من الدم النجس أو يشربه، ما دام في جوفه قبل أن يتحلل ويستحيل ويصير جزءً منه، فلو قاءه وجب الاجتناب عنه.
السابع: الإسلام، فإنه مطهّر للكافر النجس، حتى المرتد عن فطرة. وتطهر فضلاته المتصلة به معه.
(مسألة ٥١٨): يكفي في الإسلام الاقرار ظاهراً بالتوحيد والرسالة من دون إعلان بعدم الاعتقاد بمضمونهما أو بلوازمه من الضروريات التي يلزم من الاقرار به الاقرار به. والظاهر قبول الاقرار من الشخص بالنحو المذكور وإن علم بعدم الاعتقاد بأحد الامرين إذا كتم ذلك.
(مسألة ٥١٩): الظاهر قبول إسلام الصبي المميز الذي يدرك معنى الإسلام ويحسن وصفه.
الثامن: التبعية، فإنها مطهرة في موارد:
منها: ما إذا أسلم الكافر، فإن إسلامه كما يطهّره يطهّر ولدَه الصغار الذين لم يعلنوا الإسلام ولا الكفر. وكذا الحال في غير الاب ممن يعيش الطفل معه وفي كنفه كأقاربه وآسره إذا انقطع عن أبيه انقطاعاً تاماً لموت الاب، أو لنهبه من أبيه أو نحو ذلك.
ومنها: تبعية أواني الخمر لها إذا انقلبت وخرجت عن الخمرية، فإنها تطهر معه، وكذا الالات المستعملة في عملية الانقلاب المذكور والمصاحبة له
كغطاء الاواني المذكورة. وكذا ما يتعارف جعله فيها من الاجسام الطاهرة بالاصل سواء وضعت قبل صيرورته خمراً - كالتمر الذي يجعل في الماء للتخليل حتى يصير الماء خمراً ثم يصير خلاً - أم بعد صيرورته خمر، كالملح الذي يجعل في الخمر من أجل أن ينقلب خل.
ومنها: تبعية الاناء الذي يغسل فيه الثوب ونحوه له، فإنه وإن كان ينجس بملاقاة النجس الذي يغسل فيه وبملاقاة ماء الغسالة إلا أنه لا يحتاج إلى تطهير مستقل بعد تطهير ما يغسل فيه، بل يكفي غسله تبعاً لما يغسل فيه ويطهر معه بعد تفريغه من ماء الغسالة من دون حاجة إلى تثليث.
ومنها: طهارة يد الغاسل للميت وثوب الميت إذا غسل فيه وآلات تغسيله، فإنها تطهر بتمامية تغسيل الميت تبعاً لطهارته وهي في الحقيقة تطهر بغسلها مع الميت. نعم لا ينجس الميت بعد إتمام غسله بملاقاة الثوب قبل عصره، وإن كان الثوب لا يطهر إلا بالعصر.
التاسع: زوال عين النجاسة أو المتنجس عن بواطن الإنسان وعن جسد غيره من جميع الحيوانات لو قيل بأنها تنجس بملاقاة النجس والمتنجس. وأما لوقلنا بأنها لا تنجس فلا يحتاج إلى زوال عين النجاسة أو المتنجس من أجل تطهيره، بل من أجل اجتناب ملاقاتهما وهما عليه.
(مسألة ٥٢٠): إذا علم بملاقاة باطن الإنسان أو جسد غيره من الحيوانات للنجاسة، ثم احتمل زوال عينها عنه، فإذا لاقاها جسم طاهر برطوبة لم يحكم بنجاسته، بل يبقى على طهارته.
(مسألة ٥٢١): الملاقاة في الباطن لا توجب النجاسة، على تفصيل تقدم في المسألة (٤٣٤) في فصل كيفية سراية النجاسة.
العاشر: استبراء الحيوان الجلال، فإنه مطهّر لبوله وخرئه، وكذا لِعَرَقه بناء على أنه نجس. وكذلك استبراء الحيوان الذي يرتضع من لبن خنزيرة.
والمراد بكونه مطهّراً لها أن ما يتجدد ويخرج منها بعد الاستبراء طاهر ابتداء، لا أنه يطهر بعد نجاسته.
(مسألة ٥٢٢): يتحقق الاستبراء في الجلال بمنع الحيوان مدة طويلة عن أكل العذرة، بحيث يصدق عليه أنه ليس غذاؤه العذرة. وقد حُدّد شرعاً في الابل بأربعين يوم. وفي البقر بعشرين يوم، والأحوط الافضل ثلاثون، وأحوط منه أربعون. وفي الشاة بعشرة أيام، والأحوط الافضل أربعة عشر يوم، والأحوط وجوباً إلحاق الماعز بالشاة في ذلك. وفي البطة بخمسة أيام، والأحوط الافضل سبعة أيام. وفي الدجاجة بثلاثة أيام. وأما فيما عداها فالأحوط وجوباً ملاحظة أكثر الامرين من صدق أنه ليس غذاؤه العذرة ومن مضي مدة مناسبة لحجمه بالاضافة إلى ماسبق عده من الحيوانات.
(مسألة ٥٢٣): يتحقق الاستبراء في الحيوان الذي يرتضع من لبن خنزيرة بأن يحبس عنها ويعلف سبعة أيام أو يلقى على ضرع شاة هذه المدة.
(مسألة ٥٢٤): نسل الجلال والحيوان الذي يرتضع من لبن خنزيرة - بناء على حرمته - لا يحل لحمه ولا يطهر بوله ولا خرؤه بالاستبراء.
الحادي عشر: تغسيل الميت، فإنه مطهر له من نجاسته بالموت. لكنه يختص بالغسل التام، دون الناقص، للضرورة، ودون التيمم عند تعذر الغسل.
الثاني عشر: حجر الاستنجاء ونحوه مما يزيل الغائط عن موضع التخلّي، على تفصيل تقدم في أحكام التخلّي.
(مسألة ٥٢٥): إذا علم المكلف بتنجس الجسم وشك في تطهيره بنى على عدمه. إلا مع قيام الامارة الشرعية على تحققه، كالبينة وإخبار ذي اليد.
(مسألة ٥٢٦): لو علم بوقوع الغسل أو نحوه بعنوان التطهير وشك في صحته بني على صحته. أما إذا لم يعلم بوقوعه بعنوان التطهير وشك في تحقق شروط التطهير فلا يحكم به، بل ببقاء النجاسة.
(مسألة ٥٢٧): إذا علم المكلف بتنجس بدن المسلم أو ثوبه أو إنائه أو نحو ذلك من متعلّقاته ثم غاب عنه بنى ظاهراً على طهارة ذلك المتنجس بشروط ثلاثة:
الأول: احتمال حصول التطهير لذلك المتنجس ولو من دون قصد.
الثاني: أن يعلم المسلم بأن الشيء الخاص الذي تحت يده قد تنجس.
الثالث: أن يتعامل مع ذلك الشيء الذي كان متنجّساً تعاملَه مع الطاهر، إما باستعماله فيما يشترط فيه الطهارة شرعاً - كشربه أو تقديمه ليشرب - أو باستعماله فيما لا يستعمل فيه النجس عادة، كما لو غمس يده التي كانت نجسة في ماء طاهر معرَّض لان يشرب أو يتوضأ منه.
(مسألة ٥٢٨): أواني الخمر قابلة للتطهير بغسلها ثلاثاً مع الشروط المتقدمة في التطهير بالماء، ويجوز استعمالها بعد ذلك من دون فرق بين ما تنفذ فيه الرطوبة كإناء الخزف، وغيره كإناء الصِّفر.
(مسألة ٥٢٩): يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في الاكل والشرب والوضوء وغيرها من أنواع الاستعمال. ولا يحرم التزيين به، ولا اقتناؤها للادخار فقط.
(مسألة ٥٣٠): إذا انحصر الغرض من الاناء عادة بالاستعمال حرم صنعه من الذهب والفضة، وأخذ الاُجرة عليه، وكذا يحرم بيعه وشراؤه، ويحرم ثمنه إن كان لهيئته دخل في بيعه وشرائه. وأما إذا كان البيع والشراء لمادته من دون دخل للهيئة فلا بأس به.وأما إذا لم ينحصر الغرض من الاناء بالاستعمال بل كان صالحاً له وللتزيين، أو متمحضاً في التزيين فلا بأس بصنعه وبيعه وشرائه ويحل ثمنه. أما بعد صنعه فلا بأس بالتزيين به واقتنائه للادخار حتى في القسم الأول.
(مسألة ٥٣١): يجوز استعمال الاناء المفضض، وهو الذي فيه قطعة أو قطع من الفضة. نعم هو مكروه. بل الأحوط وجوباً عدم الشرب من موضع الفضة، كما أن الأحوط وجوباً إلحاق المذهَّب بذلك.
(مسألة ٥٣٢): لا إشكال في صدق الاناء على ما يتعارف وضع المأكول والمشروب فيه ليؤكل منه أو يشرب، وكذا ما يجعل فيه الماء ليتوضأ به أو يغتسل منه أو نحوهم، والأحوط وجوباً ذلك في مثل الابريق، دون مثل الملاعق مما يعد من سنخ آلات الاكل والشرب ونحوهم.
(مسألة ٥٣٣): لا يصدق الاناء على ما يتعارف خزن الشيء فيه من دون أن يعد لان يؤكل أو يشرب منه كمخازن المياه وصفائح الدهن، وكذا ما يتعارف وضع بعض الاُمور فيه للاستعمال غير الاكل والشرب والغسل ونحوهم، كظروف العطر والتبغ وغيرهم، وما يصنع بيتاً للقرآن الشريف والعوذة ونحوهما لحفظها أو التزيُّن به. بل يشكل صدقه على مثل زجاجة المشروبات الغازية وإن اُعدَّت لان يشرب به. فلا بأس باستعمال ما يصنع بهيئتها من الذهب والفضة.
(مسألة ٥٣٤): ما شك في صدق الاناء عليه جاز استعماله وإن كان من الذهب أو الفضة.
(مسألة ٥٣٥): لا فرق في الحرمة بين أن يكون الذهب والفضة خالصين وأن يكونا مغشوشين، إذا لم يكن الغش مانعاً من صدق الذهب والفضة على المادة التي يصنع منها الاناء.
(مسألة ٥٣٦): إذا شك في كون الاناء من الذهب أو الفضة جاز استعماله.
والحمد لله رب العالمين
كتاب الصلاة
وهي إحدى الدعائم التي بني عليها الإسلام، بل هي أوّلها وأفضلها بعد الايمان، وهي أصل الإسلام وعمود الدين ووجهه، وهي آخر وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصايا الانبياء (عليهم السلام) وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، كما تضمن ذلك الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة الاطهار (عليهم السلام).
وفي بعضها: أن من ترك صلاته متعمداً فقد برئت منه ملة الإسلام، وأنّه ما بين الكفر والايمان إلا ترك الصلاة. وهي الصلة بين العبد وربه، والمذكِّرة له به.
فينبغي الاهتمام به، والتعاهد له، والتوجه والخشوع فيه، والتأنِّي في أدائه، وإتمام ركوعها وسجودها وسائر أجزائه، فإنها إن قُبلت قُبِل ما سواه، وإن رُدَّت ردَّ ما سواه.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة». ولا يسعنا استقصاء ما ورد في فضله، ويكفينا ما عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو كان على باب دار أحدكم نهر واغتسل في كل يوم منه خمس مرات أكان يبقى في جسده من الدرن شيء؟ قلت: ل. قال: فإن الصلاة كمثل النهر الجاري كلما صلّى صلاة كفّرت ما بينهما من الذنوب». وما عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «صلاة الفريضة خير من
عشرين حجة، وحجة خير من بيت مملوء ذهباً يتصدق منه حتّى يفنى».
ويحزّ في النفس ما نراه اليوم من التسامح والتهاون من كثير من أهل هذه الاُمّة بهذه الفريضة العظيمة والاستخفاف بها فـ (إنا لله وإنا إليه راجعون)، ونرجوا أن يكون ما قدّمناه رادعاً عن ذلك ومحفِّزاً للاهتمام بهذه الفريضة، (فإن الذكرى تنفع المؤمنين). ومنه سبحانه وتعالى نستمدّ العون والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مقدمة
الصلاة الواجبة في هذا الزمان بالاصل خمس: الصلاة اليومية، وصلاة الجمعة، وصلاة الايات، وصلاة الاموات، وصلاة الطواف.
والباقي صلوات مستحبة، وإن كانت قد تجب بالعرض لنذر أو إجارة أو نحوهم.
أما صلاة الطواف فالكلام فيها موكول لكتاب الحج، وصلاة الاموات تقدم الكلام فيها عند الكلام في أحكام الاموات تبعاً للكلام في تغسيل الميت من كتاب الطهارة، فلم يبق إلا الصلاة اليومية، وصلاة الجمعة، وصلاة الايات، والصلوات المستحبة.
فيقع الكلام فيها ضمن مقاصد:
المقصد الأول
في الصلاة اليومية
وفيه مباحث..
المبحث الأول
في أعداده
يجب في اليوم والليلة خمس صلوات: الصبح والظهر - وهي الصلاة الوسطى - والعصر والمغرب والعشاء.
أما الصبح فركعتان، وأما المغرب فثلاث ركعات، وأما الباقي فأربع ركعات.
(مسألة ١): تقصر الرباعية - وهي الظهر والعصر والعشاء - فتكون ركعتين في السفر والخوف. على ما يأتي تفصيله في محله إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٢): يتخيّر المكلف في الحضر في عصر الغيبة وعدم بسط يد الإمام (عليه السلام) بين إقامة الظهر في يوم الجمعة أربع ركعات وإقامة الجمعة بشروطها المقررة.
(مسألة ٣): الصلوات المستحبة وإن كانت كثيرة ويأتي الكلام في بعضها إن شاء الله تعالى، إلا أن المناسب هنا التعرّض للنوافل الرواتب التي هي ملحقة بالصلاة اليومية، وهي ثماني ركعات للظهر قبله، وثمان للعصر بينها وبين الظهر، وأربع للمغرب بعده، وركعتان من جلوس تعدّان بركعة للعشاء بعدها وتسمى الوتيرة. وثماني ركعات صلاة الليل، وركعتا الشفع بعده،
وركعة الوتر بعده. وركعتان نافلة الفجر قبل الفريضة، وفي يوم الجمعة يزاد في نافلة النهار قبل الزوال أربع ركعات أو ست ركعات وهو الافضل.
(مسألة ٤): النوافل المذكورة ركعتان ركعتان، لكل ركعتين تشهّد وتسليم، عدا الوتر، فإنها ركعة واحدة بتشهّد وتسليم، وتفصل عن الشفع بتشهّد وتسليم. وأما بقية الصلوات المستحبة فهي ركعتان ركعتان بتشهّد وتسليم، إلا ما استُثني فينبَّه عليه عند التعرّض له.
(مسألة ٥): الوتيرة وإن كانت مشروعة في الاصل ركعتين من جلوس إلا أنّه يشرع الإتيان بها من قيام، بل هو أفضل.
(مسألة ٦): يجوز الاقتصار على بعض النوافل المذكورة، كما يجوز الاقتصار في نافلة العصر على أربع ركعات، وفي نافلة المغرب على ركعتين، وفي صلاة الليل على الشفع والوتر، وعلى الوتر خاصة.
(مسألة ٧): تسقط نافلة الظهرين في السفر عند قصر الفريضة، والظاهر عدم سقوط الوتيرة، وهي الركعتان بعد العشاء.
(مسألة ٨): يجوز الإتيان بالنوافل الرواتب وغير الرواتب حال الجلوس اختيار. لكن يستحب عدّ كل ركعتين بركعة، وعليه فيكرّر الوتر مرّتين، كما يكرر غيرها من النوافل.
(مسألة ٩): يجوز الإتيان بالنوافل حال المشي والركوب اختيار. ويومئ في الحالين للركوع والسجود. والأحوط وجوباً أن يكون الايماء للسجود أخفض.
المبحث الثاني
في أوقات الفرائض اليومية ونوافله
وقت الظهرين من الزوال إلى المغرب. إلا أنه يجب تقديم الظهر على العصر. ووقت المغرب والعشاء للمختار من المغرب إلى نصف الليل، إلا أنه يجب تقديم المغرب على العشاء. وأما المضطر - لنوم أو نسيان أو غيرهما - فيجب عليه الإتيان بالمغرب والعشاء قبل الفجر، بل هو الأحوط وجوباً للمرأة إذا طهرت من الحيض والنفاس بعد نصف الليل. لكن ينوى بهما حينئذٍ الامر الفعلي المردد بين الاداء والقضاء. بل ذلك هو الأحوط وجوباً في حق العامد في تأخيرهما عن نصف الليل، فإنه وإن كان آثماً بالتأخير إلا أنه يبادر إليهما قبل الفجر بنيّة الامر الفعلي المردّد بين الاداء والقضاء. ووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس.
(مسألة ١٠): الفجر الصادق هو البياض المعترض في جانب المشرق الذي يتزايد وضوحاً وجلاءً حتّى تطلع الحمرة ثم الشمس. وقبله الفجر الكاذب، وهو البياض المستطيل في الاُفق صاعداً إلى السماء كالعمود، وهو يتناقص ويضعف حتّى ينمحي قبل ظهور الفجر الصادق.
(مسألة ١١): الزوال منتصف ما بين طلوع الشمس وغروبه، الذي تميل فيه الشمس إلى جانب المغرب بعد منتهى ارتفاعه. ويعرف بزيادته ظلِّ شاخص معتدل بعد نقصانه، أو بحدوث ظله بعد انعدامه.
(مسألة ١٢): نصف الليل منتصف ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الصادق. وهو يكون قبل الثانية عشرة على التوقيت الزوالي بما يتراوح بين
أربعين دقيقة وخمسين دقيقة تقريب، حسب اختلاف الفصول.
(مسألة ١٣): المغرب عبارة عن غروب الشمس وسقوط قرصها وغيابه في الاُفق. ومع الشك فيه لابدّ من اليقين به. ويكفي في معرفته ذهاب الحمرة المشرقية، وهي الحمرة التي تظهر في جانب المشرق عند مغيب الشمس. بل يكفي تغير الحمرة وذهاب الصفرة. وأما مع اليقين به فلا يجب الانتظار، بل يستحب الانتظار قليلاً بما يقارب ذهاب الحمرة.
(مسألة ١٤): يجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقتهما المتقدم وبين المغرب والعشاء في وقتهما المتقدم في السفر والحضر، من غير مطر ولا ضرر، تأسياً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما رواه الفريقان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم. نعم ربما يكون الافضل الإتيان بكل منهما في وقت فضيلته، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
(مسألة ١٥): من قدّم العصر على الظهر عامداً بطلت صلاته، ولو قدّمها ناسياً فإن ذكَر في الاثناء عدل بنيّته إلى الظهر وأتمّها ظهراً ثم جاء بالعصر، وإن ذكر بعد الفراغ فالأحوط وجوباً أن يجعل ما أتى به ظهر، ثم يأتي بأربع ركعات بنيّة ما في الذمة مردّدة بين الظهر والعصر. ولا فرق في ذلك بين الإتيان بالعصر عند الزوال والإتيان بها بعده بمقدار أداء الظهر. وإن كان الأحوط استحباباً في الصورة الاُولى عدم الاعتداد بها والإتيان بالفريضتين معاً برجاء المطلوبية.
(مسألة ١٦): من قدّم العشاء على المغرب عمداً بطلت صلاته، ومن قدمها سهواً فإن ذكَر في الاثناء قبل القيام للرابعة عدل بنيّته إلى المغرب وأتمّها ثم جاء بالعشاء، وإن ذكر بعد القيام للرابعة بطلت. وإن ذكر بعد الفراغ صحت، ووجب عليه الإتيان بالمغرب لا غير.
(مسألة ١٧): لا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة، فإذا صلّى الظهر مثل، وفي الاثناء التفت إلى أنه كان قد صلاّها ليس له العدول إلى العصر، بل
تبطل تلك الصلاة ويجب عليه استئناف العصر. وكذا المغرب والعشاء. نعم تقدم في المسألتين السابقتين جواز العدول من اللاحقة إلى السابقة.
(مسألة ١٨): من أخر صلاة الظهرين حتّى خاف مغيب الشمس قبل الإتيان بهما معاً قدم العصر، ثم إن علم أو احتمل بقاء شيء من الوقت ولو بمقدار ركعة وجبت المبادرة إلى الظهر بنيّة الامر بها من دون تعيين الاداء ولا القضاء، وإن علم بخروج الوقت لم تجب المبادرة للظهر. وكذا الحال لو أخر صلاة المغرب والعشاء حتّى خاف فوت الوقت - وهو النصف الأول من الليل - لو صلاّهما مع.
(مسألة ١٩): وقت فضيلة فريضة الظهر من الزوال إلى بلوغ ظل الإنسان قدمين (سُبعَي الشاخص تقريب). وكلما عجّل بها كان أفضل ما لم ينشغل بالنافلة، فإذا لم يكمل النافلة حتّى يبلغ الظل سُبعَي الشاخص تركها وبادر لفريضة الظهر. وإذا لم يصلّ الظهر حتّى بلغ مثل الشاخص بادر إليها وكره له تأخيره.
(مسألة ٢٠): وقت فضيلة فريضة العصر من بلوغ ظل الإنسان قدمين (سُبعَي الشاخص تقريب) إلى بلوغه أربعة أقدام (أربعة أسباع الشاخص تقريب). وكلّما عجّل بها في ضمن الوقت المذكور كان أفضل ما لم ينشغل بالنافلة، فإذا لم يكمل النافلة حتّى بلغ الظل أربعة أقدام (أربعة أسباع الشاخص تقريب) تركها وبادر لفريضة العصر. وإذا لم يصلّ العصر حتّى بلغ الظل مِثلَي الشاخص بادر لها وكره له تأخيره. والحكم في هذه المسألة وما قبلها غير خال عن الاشكال، وكذا الحال في كثير من أوقات الفضيلة للفرائض وأوقات النوافل، فالأولى العمل على ذلك برجاء المطلوبية مراعاة للاحتمالات البعيدة. ويهوّن الامر أنّه على الاستحباب.
(مسألة ٢١): وقت فضيلة فريضة المغرب من المغرب - بالمعنى المتقدم في المسألة (١٣) - إلى ذهاب الشفق وهو الحمرة المغربية، ويمتدّ في السفر إلى ثلث الليل. وكلّما عجّل بها في ضمن الوقت المذكور كان أفضل.
(مسألة ٢٢): وقت فضيلة فريضة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل، وكلّما عجل بها في ضمن الوقت المذكور كان أفضل.
(مسألة ٢٣): وقت فضيلة فريضة الصبح من الفجر إلى أن يجلّل الصبح السماء، بحيث يطبق ضياؤه على جوانبه. والغلَس بها في أول الفجر أفضل. وقد ورد أن من صلاها مع طلوع الفجر اُثبتت له مرتين فتثبتها ملائكة الليل وتثبتها ملائكة النهار.
(مسألة ٢٤): من المستحبات المؤكدة التعجيل بالصلاة في أول وقته. وقد ورد في بعض الاخبار أن من تعاهدها في أوقاتها الفضيلية المتقدمة لم يعد من الغافلين، وأن ملك الموت يلقنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وينحّي عنه إبليس.
وقد ورد في النصوص الكثيرة النهي عن تأخيرها عمداً عن أوقات الفضيلة، ويظهر من النصوص أنه هو المراد بتضييع الصلاة والاستخفاف بها الذي سبق الردع عنه. وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إن الصلاة إذا ارتفعت في أول وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول: حفظتني حفظك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول: ضيّعتني ضيّعك الله». فالامل بالمؤمنين الاهتمام بذلك والالتزام به حتّى يتعوّدوا عليه فيخفّ عليهم.
(مسألة ٢٥): وقت نافلة الظهر من الزوال إلى أن يبلغ الظل الحادث قدمين (سُبعَي الشاخص تقريب). ووقت نافلة العصر من أول وقتها إلى أن يبلغ
الظل أربعة أقدام (أربعة أسباع الشاخص تقريب).
(مسألة ٢٦): وقت نافلة المغرب بعد الفراغ منها إلى نصف الليل، غايته أنه بعد ذهاب الحمرة المغربية يستحب تقديم فريضة العشاء عليه. وأما نافلة العشاء فالأولى الإتيان بها قبل نصف الليل، وإن أخّرها بعده أتى بها بنيّة الامر المردد بين الاداء والقضاء.
(مسألة ٢٧): وقت نافلة الليل من منتصف الليل إلى الفجر الصادق، وأفضله قرب الفجر، وربما يكون الافضل من ذلك التفريق، بأن يصلي عند نصف الليل أربع ركعات، ثم يفصل مدة - بنوم أو غيره - ثم يصلي أربعة ركعات، ثم يصلي الشفع والوتر قرب الفجر.
(مسألة ٢٨): من قام آخر الليل وخاف أن يفجأه الفجر استحب له التعجيل بصلاة الليل وتخفيفها ولو بقراءة الفاتحة وحده، وإن ضاق الوقت عن ذلك اقتصر على ركعتي الشفع وركعة الوتر.
(مسألة ٢٩): من صلى من صلاة الليل أربع ركعات ثم طلع الفجر كان له إكمال صلاة الليل ولو بعد الفجر. والافضل الاقتصار على الشفع والوتر، وقضاء الركعات الاربع الباقية من نافلة الليل بعد صلاة الفجر.
(مسألة ٣٠): يبدأ وقت نافلة الفجر من السدس الاخير من الليل ويستمر حتى تطلع الحمرة المشرقية، فإذا طلعت الحمرة المشرقية بعد الفجر ولم يصلّها كان الأولى تأخيرها عن فريضة الفجر. ويجوز دسّها في صلاة الليل قبل ذلك، نعم إن نام بعدها واستحفيظ قبل الفجر استحب له إعادته.
(مسألة ٣١): يجوز تقديم نافلتي الظهرين على الزوال يوم الجمعة. كما يجوز في بقية الايام أيضاً إذا علم أنه يشغله عنهما شاغل. بل يجوز من غير شاغل، إلا أن أداءهما في وقتهما أفضل.
(مسألة ٣٢): يجوز تقديم صلاة الليل على نصف الليل للمسافر
والمريض، ولمن يخشى أن يغلبه النوم فلا يقوم بعد نصف الليل، ولمن يصعب عليه القيام نصف الليل، بل مطلق، وإن كان مرجوح. وقضاؤها في النهار أفضل من تقديمه.
(مسألة ٣٣): لا يجوز تقديم الفريضة على الوقت، بل تبطل حينئذٍ. نعم لو دخل الوقت قبل الفراغ من الصلاة صحت الصلاة بشرط أن يكون قد دخل في الصلاة اعتماداً على حجة شرعية أو باعتقاد دخول الوقت ولو كان اعتقاداً بدويّاً راجعاً للذهول والغفلة عمّا يوجب الشك فيه.
(مسألة ٣٤): لو دخل في الصلاة وهو شاك في دخول الوقت فلا تصح صلاته إلا إذا انكشف دخول الوقت قبل الصلاة، ولا يكفي دخوله في الاثناء.
(مسألة ٣٥): يثبت الوقت باُمور:
الأول: العلم، ولو حصل من إخبار ثقة عارف باعتقاد المكلف.
الثاني: قيام البينة، بأن يشهد عادلان بدخول الوقت إذا كان خبرهما مستنداً إلى الحس، فإنه يجوز الاعتماد على خبرهما حينئذٍ وإن احتمل بعيداً خطؤهم. نعم إذا استند خبرهما إلى الحدس والتخمين فلا يجوز الاعتماد عليه إلا إذا أوجب اليقين.
الثالث: أذان العارف الثقة، الذي ينحصر خطؤه بالغفلة، دون التسامح أو قلّة المعرفة.
(مسألة ٣٦): إذا بلغ الصبي في أثناء الوقت فإن كان قد صلّى اجتزأ بصلاته، وإن كان في أثناء الصلاة أتمّ صلاته واجتزأ به. وإن لم يكن صلّى وجبت عليه الصلاة إذا وسعها الوقت، بل الأحوط وجوباً المبادرة إليها إذا بقي من الوقت مقدار أداء ركعة.
(مسألة ٣٧): يجوز الإتيان بالنافلة في وقت الفريضة، نعم مع تضيّق وقت الفريضة تجب المبادرة له. وكذلك يجوز الإتيان بالنافلة لمن عليه قضاء فريضة.
المبحث الثالث
في القبلة
وهي الكعبة الشريفة، وما حاذاها من تُخوم الارض إلى عنان السماء.
ويجب استقبالها في الصلاة الواجبة مع الامكان، وكذا في توابعها كصلاة الاحتياط وقضاء الاجزاء المنسية، بل في سجود السهو على الأحوط وجوب. وكذا النوافل إذا صلّيت على الارض حال الاستقرار. أما إذا صلّيت حال المشي أو الركوب أو في السفينة، فلا يجب فيها الاستقبال.
(مسألة ٣٨): إذا علم المكلَّف حين إرادة الصلاة باتجاه القبلة الحقيقية وجب عليه التوجه له، ولا يجوز له الانحراف عنها حتى في العراق وما كان في سمته من البلاد على الأحوط وجوب. ومع الجهل باتجاه القبلة الحقيقية يجزئه التوجه لجهتها العرفية التي لا يخلّ بها الفارق القليل فيتخير بين جميع نقاطها التي يحتمل وقوع القبلة الحقيقية فيه، ولا يجب معه تكلُّف تحصيل العلم بالقبلة الحقيقية ولا المداقّة في ذلك. فمثلاً لو علم ببناء مسجد أو مكان على القبلة الحقيقيه لم يجب عليه الصلاة فيه، بل يجزئه الصلاة في مكان آخر متوجهاً لجهة القبلة العرفية.
(مسألة ٣٩): يجزئ الرجوع في معرفة القبلة إلى البيّنة إذا ابتنت شهادتها على الحس أو الحدس القريب من الحس وهي حينئذٍ مقدَّمة على كل طريق، ولا تسقط عن الحجية إلا مع العلم أو الاطمئنان بخطئه.
(مسألة ٤٠): يجزئ العمل على قبلة بلد المسلمين التي يصلون ويذبحون
إليها وعليها بنيت مساجدهم ومحاريبهم وقبورهم. ولا يضر فيها الاختلاف اليسير الذي لا يخل بالجهة العرفية، بل يتخير بين نقاط تلك الجهة المتحصلة من المجموع. نعم إذا ظن بخطئها وخروجها حتّى عن الجهة العرفية لم يجز العمل عليه.
(مسألة ٤١): مع تعذّر العلم بالقبلة وفقدِ الطرق المتقدمة يجب على المكلف بذل الجهد والوسع في معرفتها بسؤال من يتيسر سؤاله والنظر في الامارات الظنية وغير ذلك، ويعمل على ما تحصل له منها وإن كان ظن. ويجزئه في عمله حينئذٍ الظن بالجهة العرفية التي لا يضرّ فيها الاختلاف اليسير.
(مسألة ٤٢): إذا تعذّر على المكلف معرفة القبلة أو الظن بها أجزأته صلاة واحدة لايّ جهة يحتمل كونها القبلة، فإن انكشف بعد الفراغ أو في الاثناء انها ليست إلى القبلة فالأحوط وجوباً جريان التفصيل الاتي في المسألتين (٤٤)و (٤٥).
(مسألة ٤٣): يستحب لمن تعذر عليه معرفة القبلة أو الظن بها أن لا يجتزئ بصلاة واحدة - وإن تقدم في المسألة السابقة أنها تجزئه - بل يحتاط بالصلاة إلى الجهات الاربع - بأن يكون بين كل صلاتين ربع دائرة عرفاً - إذا احتمل وقوع القبلة في كل منه، وإن علم أو ظن بعدم وقوعها في بعضها سقط الاحتياط فيها وأجزأه الصلاة للباقي. كما أنه لو صلّى لبعض الجهات فإن كشف وقوع القبلة في ضمنها صحت صلاته ولم يحتج إلى الصلاة لبقية الجهات.
(مسألة ٤٤): من صلّى إلى جهة وهو يرى أنها القبلة أو قامت حجة له على ذلك وبعد الفراغ تبيّن أنها ليست إلى القبلة، فإن كانت القبلة أمامه فيما بين يمينه ويساره صحت صلاته ولا إعادة عليه، وإن كان انحرافه أكثر من ذلك بحيث تتجاوز ما بين اليمين واليسار إلى الخلف، فإن تبيّن ذلك في الوقت أعاد الصلاة، وإن كان بعد الوقت مضت صلاته ولا قضاء عليه حتّى لو كان مستدبراً للقبلة.
(مسألة ٤٥): من صلّى إلى جهة يرى أنها القبلة أو قامت حجة له على ذلك وتبين له في الاثناء أنها ليست إلى القبلة، فإن كانت القبلة أمامه فيما بين يمينه ويساره انحرف إليها وأتم صلاته، وإن كان انحرافه أكثر من ذلك بطلت صلاته ووجب استئنافها إلى القبلة.
المبحث الرابع
في لباس المصلي
وفيه فصول..
الفصل الأول
فيما يجب ستره في الصلاة
يجب على الرجل حال الصلاة ستر العورة، وهي القضيب والاُنثيان والدبر. وعلى المرأة ستر جميع جسده، ولا يجب عليها ستر الوجه والكفين والقدمين، من دون فرق بين وجود الناظر وعدمه حتى مع الظلمة المانعة من النظر. وقد تقدم في أحكام الخلوة تحديد الستر وبيان الضابط فيه.
(مسألة ٤٦): يلحق بالصلاة في وجوب الستر قضاء الاجزاء المنسية، بل سجود السهو على الأحوط وجوب.
(مسألة ٤٧): المراد بالوجه في المرأة طولاً من قصاص الشعر إلى تحت الحنك المسامت للرقبة، وعرضاً ما بين الاُذنين. ويجب عليها ستر الشعر حتّى المنسدل على الأحوط وجوب، وكذا العنق.
(مسألة ٤٨): يسقط وجوب ستر الرأس والرقبة عن الامَة التي لم يتحرّر شيء منه. وكذا عن الصبية، والمراد بها هنا على الاظهر من لم تحِضْ لصغره،
وإن كان الأحوط استحباباً الاقتصار على غير المكلَّفة.
(مسألة ٤٩): لا يجب ستر العورة والبدن من جهة الاسفل بسراويل ونحوه. نعم إذا كان المصلي واقفاً على شباك أو طرف سطح فالأحوط وجوباً التستر بحيث لو كان تحته أحد لم يره.
(مسألة ٥٠): إذا أخلّ بالستر جهلاً أو نسياناً ولم يلتفت إلا بعد الفراغ صحت صلاته. وأمّا لو التفت في الاثناء فإن كان حين الالتفات مستوراً صحت صلاته ولا يبطلها الاخلال به قبل الالتفات، وإن لم يكن حين الالتفات مستوراً فبادر إلى الستر ففي صحة صلاته إشكال، فالأحوط وجوباً الاعادة. وله قطعُ الصلاة بفعل المبطل حين الالتفات والاستئناف.
وتقدم حكم انحصار الساتر بالنجس.
الثاني: الاباحة، فلا تجوز الصلاة في المغصوب إذا كان يتحرك بحركات الصلاة الواجبة، كالهوي للركوع والسجود والقيام منهم، بحيث تكون الافعال اللازمة في الصلاة تصرفاً فيه. نعم منشأ شرطية الاباحة هو امتناع التقرب مع الحرمة، وذلك يختص بما إذا كان المكلف ملتفتاً حين الصلاة لحرمة التصرف في المغصوب الذي عليه. على ما تقدم نظيره عند الكلام في نية الوضوء، وتقدم كثير من الفروع المتعلّقة بذلك فاللازم مراجعته.
(مسألة ٥١): لا فرق في مانعية المغصوب، بين كونه ساتراً لما يجب ستره في الصلاة وغيره كالجورب للرجل. بل تعمّ المانعية المحمولَ الذي يتحرّك بحركات المصلي.
الثالث: أن لا يكون من الميتة النجسة، وأما الميتة الطاهرة فالأحوط وجوباً الاجتناب عما كان له جلد ينتفع به منه. ولا بأس بغيره كميتة البق والقمل ونحوهم. كما لا بأس بما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة. وقد تقدم في النجاسات بيان ذلك، وبيان حكم الشك في تذكية الحيوان.
(مسألة ٥٢): الأحوط وجوباً الاجتناب عن حمل الميتة في الصلاة وإن لم تكن ملبوسة.
(مسألة ٥٣): إذا صلّى في الميتة جاهلاً ولم يعلم حتّى فرغ من صلاته صحت صلاته، وإن صلّى فيها ناسياً فإن كانت طاهرة صحت صلاته، وإن كانت نجسة فالأحوط وجوباً الاعادة لو ذكر في الوقت والقضاء لو ذكر بعد الوقت.
(مسألة ٥٤): ما يشك في كونه من جلد الحيوان لا بأس به، مثل ما يشتبه في هذا الزمان فلا يعلم كونه من مادة النايلون وكونه من الجلد الذي تحرم الصلاة به.
الرابع: أن لا يكون من أجزاء ما لا يحل أكل لحمه من ذي النفس السائلة،
وأما من غير ذي النفس السائلة فالأحوط وجوباً المنع إذا كان له لحم، دون مثل البق والبرغوث والنحل والخنافس مما لا لحم له.
(مسألة ٥٥): لا فرق في المنع بين الملبوس والمحمول مما تتم به الصلاة وغيره. بل حتّى مثل الشعرات القليلة الواقعة على الثوب على الأحوط وجوب.
(مسألة ٥٦): يستثنى من غير مأكول اللحم الإنسان، فإنه يجوز الصلاة في أجزائه وفضلاته الطاهرة.
(مسألة ٥٧): يستثنى من أجزاء ما لا يؤكل لحمه وَبَر الخزّ وجلده، وهو دابة تعيش في الماء، وتخرج إلى البرّ له وَبَر ينسج منه الثياب. لكن في تعيينه إشكال، لان المعروف بالخزّ الان ربّما يكون حيواناً بري. وهناك مستثنيات اُخر قيل به، ولا يخلو استثناؤها عن إشكال، فالأحوط وجوباً الاجتناب عن الكل.
(مسألة ٥٨): اذا صلّى في غير المأكول جاهلاً به صحت صلاته، وكذا لو صلّى به ناسياً له أو جاهلاً بمانعيته.
(مسألة ٥٩): إذا شكّ في أن شيئاً ما من أجزاء الحيوان صحت الصلاة به، وكذا لو علم بكونه من أجزاء حيوان مردّد بين الحلال والحرام كالماعز والثعلب.
الخامس: أن لا يكون من الذهب الملبوس وإن لم يكن ساتر، كالخاتم، ولا بأس بالمحمول المستور. وأما الظاهر الذي يتزين به فالأحوط وجوباً مانعيته. وهذا كله للرجال، وأما للنساء فلا بأس بذلك كله.
(مسألة ٦٠): يحرم على الرجال التزين بالذهب حتّى في غير الصلاة، ولو بغير اللبس، كتعليق الاوسمة من الذهب. نعم إذا لم يكن بنفسه زينة للرجل عرف، بل زينة لما يحمله فلا بأس به، كتحلية السيف والقلم به وإن ظهَر. بل تصح الصلاة به حينئذٍ، وأظهر من ذلك المحمول المستور. نعم الاحوط وجوباً عدم لبسه من دون تزين به، كلبسه في موضع مستور.
(مسألة ٦١): لا بأس بالمطلي بالذهب إذا كان الطلاء من سنخ اللون
عرفاً ولم يكن له جرم معتدّ به.
(مسألة ٦٢): لا بأس بشدّ الاسنان بالذهب إذا لم يصدق عليه التزيّن عرف. أما لو صدق عليه التزيّن فالأحوط وجوباً الترك، إلا مع الحاجة لذلك وانحصار الامر به.
(مسألة ٦٣): لا بأس بإلباس الاسنان الداخلية الذهَبَ، وأما الظاهرة فالأحوط وجوباً ترك إلباسها الذهب، إلا لدفع الضرر مع الانحصار، نظير ما تقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٦٤): إذا صلّى بالذهب جاهلاً بوجوده أو ناسياً له صحت صلاته، وكذا لو صلّى جاهلاً بكونه مبطلاً للصلاة.
السادس: أن لا يكون من الحرير الخالص للرجال، وأما للنساء فلا بأس به.
(مسألة ٦٥): يحرم لبس الحرير الخالص للرجال حتّى في غير الصلاة.
(مسألة ٦٦): لا بأس بلبس الحرير للرجال في الحرب، وتصح الصلاة به حينئذٍ. وكذا مع الاضطرار على ما يأتي في المسألة (٧٧) من الفصل الثالث.
(مسألة ٦٧): الأحوط وجوباً عدم الصلاة فيما لا تتم به الصلاة من الحرير المحض، كالقلنسوة والجورب.
(مسألة ٦٨): لا بأس بكفّ الثوب بالحرير المحض وإن زاد على أربع أصابع، والمراد به ما يجعل في أطراف الثوب، وكذا السفائف والازرار ونحوها من توابع الثياب مما تُزيَّن به أو تُشَدّ فيه. وكذا إذا كان الثوب محشواً بالحرير.
(مسألة ٦٩): لا بأس بحمل الحرير وافتراشه والتغطي والتعصب به وشدّ الجروح وغير ذلك مما لا يعدّ لبساً له.
(مسألة ٧٠): الأحوط وجوباً عدم لبس الثوب الذي يكون بعضه حريراً محضاً بحيث يكون البعض المذكور بعضاً من الملبوس عرفاً - كأكمامه وبطانته
وصدره ونحوه - لا تابعاً له.
(مسألة ٧١): لا بأس بلبس ما يصنع من الحرير الممزوج بغيره، وإن كان الحرير أكثر ما لم يكن الخليط مستهلكاً عرف، بحيث يصدق على النسيج أنه حرير خالص.
(مسألة ٧٢): إذا شكّ في كون اللباس حريراً جاز لبسه والصلاة فيه، وكذا إذا تردد بين الحرير الخالص وغيره.
(مسألة ٧٣): إذا صلّى في الحرير جهلاً به أو بحرمته ومانعيّته أو نسياناً لهما صحت صلاته.
(مسألة ٧٤): يجوز إلباس الصبيان الحرير أو الذهب. لكن لا تصح صلاتهم فيهم.
الفصل الثالث
في تعذر الساتر الشرعي
تقدم في أول الفصل الثاني أن الأحوط وجوباً في الساتر الصلاتي أن يكون من سنخ الثياب واللباس. وحينئذٍ إن تعذر ذلك فإن وجد المصلي ما يتستر به كالحشيش وورق الشجر والقرطاس ونحوها تستّر به وأتمّ صلاته. وإن تعذر عليه ذلك أيضاً وأمكنه التستّر بالطين والوحل ونحوهما وجب أيضاً وأتمّ صلاته. وإن تعذر عليه ذلك وأمكنه النزول في حفيرة ضيّقة يتمُّ بها ركوعه وسجوده وجب عليه ذلك. وإن كان الأحوط وجوباً أن يستر عورته بيديه، رجلاً كان أو امرأة. ويلحق بالحفيرة نحوها كالبناء الضيّق والتنّور ونحوهم، وإن كان الأحوط وجوباً تقديم الحفيرة مع الامكان.
(مسألة ٧٥): من لم يجد ساتراً حتّى ما تقدم، فإن رآه أحد صلّى جالساً ويومئ للركوع والسجود، وإن لم يره أحد صلّى من قيام ويومئ للركوع
والسجود أيض. لكنه يجلس للتشهد والتسليم. ويستر قبُله بيديه ويتعمّد أن لا ينفرج ليستر الدبر بالاليتين.
(مسألة ٧٦): إذا اضطر إلى لبس الساتر الفاقد للشروط السابقة لبرد أو غيره صحت صلاته فيه.
(مسألة ٧٧): إذا انحصر الساتر بالفاقد للشروط السابقة ولم يكن مضطراً إلى لبسه - لبرد أو نحوه - ففي المغصوب والحرير والذهب يجب الصلاة عارياً بالكيفية المتقدمة في المسألة (٧٥)، وفي غير المأكول الأحوط وجوباً الجمع بين الصلاة به والصلاة عاري. وكذا الحال في النجس، على ما تقدم في أحكام النجاسات.
(مسألة ٧٨): لا يجوز البدار للصلاة عارياً في أول الوقت أو مع الساتر الفاقد للشرائط، إلا مع اليأس عن وجدان الساتر الواجد للشرائط في تمام الوقت، ولو صلَّى مع اليأس ثم اتفق وجدان الساتر الواجد للشرائط قبل خروج الوقت وجب إعادة الصلاة به.
(مسألة ٧٩): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) أنه يكره الصلاة في الثوب الاسود حتّى للنساء عدا الخفّ والعمامة والكساء ومنه العباءة. وفي السروال وحده للرجل وإن كان صفيقاً - كثيف النسج - لا يحكي ما تحته، بل يجعل على منكبيه شيئ، وفي ثوب واحد للمرأة وإن كان ساتر. وكذا يكره الصلاة في العمامة من دون تحنك. وفي خاتم أو ثوب عليهما صورة ذي روح، وفي لباس الكفار وأعداء الدين، وفي الثوب الوسخ وفي الثوب الضيق وغير ذلك.
(مسألة ٨٠): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) أنه يستحب الصلاة في أنظف الثياب، وأن تكون بيضاء، وأن تكون قطناً أو كتان، مع التطيب ولبس السراويل والخاتم من العقيق والعمامة للرجل، وستر القدمين للمرأة، والرداء لإمام الجماعة وغير ذلك.
المبحث الخامس
في مكان المصلي
لما كانت الصلاة من العبادات التي يشترط فيها نيّة التقرّب لله تعالى فلا تصح إذا وقعت في المكان والفضاء المغصوبين إذا كان المصلي ملتفتاً للحرمة وكانت نيّته للصلاة تبتني على نية المكث المحرَّم بقدره، من دون فرق بين أن تكون حركات المصلي تصرفاً محرماً فيهما كما في صلاة المختار، وأن لا تكون كذلك كما في صلاة الايماء من دون قيام وقعود وركوع وسجود، نعم إذا لم تبتنِ نيّته للصلاة على نيّة المكث المحرّم بقدرها ولم تشتمل الصلاة على حركات تستلزم التصرف المحرّم صحت الصلاة، كما في صلاة العابر في الارض المغصوبة إيماءً. وقد تقدم في الوضوء كثير من الفروع المتعلقة بذلك تنفع في المقام، فاللازم مراجعته.
(مسألة ٨١): إذا دخل المكان الغصبي جهلاً ثم التفت، فمع سعة وقت الصلاة لا يجوز التشاغل بالصلاة، بل يجب قطعها والمبادرة بالخروج إذا لم يحرز رضا المالك بالصلاة حينئذٍ. ومع ضيق الوقت تجب الصلاة حال الخروج مع الايماء للركوع والسجود.
وكذا الحال لو دخله عمداً عصياناً ثم تاب، فإنه يصلي بالايماء مع ضيق الوقت. بل وكذا الحال إذا لم يَتُب، لان الخروج حينئذٍ وإن كان عصياناً محرماً إلا أن الصلاة حال الخروج بالايماء لا تكون تصرفاً في المكان المغصوب عرف.
(مسألة ٨٢): المحبوس في المكان المغصوب له أن يصلي فيه صلاة المختار
إذا لم توجب تصرفاً مضراً بالمكان.
(مسألة ٨٣): من سبق إلى مكان في المسجد أو المشهد أو غيرهما من الاماكن العامة فهو أحق به، وتحرم مزاحمته فيه، ولو قهره شخص ونحّاه وأخذ مكانه كان آثماً ما دام الأول غير معرض عن المكان، ووجب عليه تمكين الأول منه. لكن لو صلّى الغاصب فيه لم تبطل صلاته إلا إذا كان استمراره في غصبه من أجل الصلاة مع الالتفات للحرمة. كما أنه إذا أعرض الأول عنه بعد غصبه منه - ولو لتجنب المشاكسة والاهتمام بقضاء وطرِه في مكان آخر - حلّ المكث فيه للغاصب وغيره.
(مسألة ٨٤): لابدّ في سبق الشخص للمكان الموجب لاحقّيته به من جلوسه فيه وإشغاله فيما هو معدٌّ له من عبادة أو نحوه، ولا يكفي وضعه شيئاً فيه كسجادة وسبحة، فَمن اكتفى بذلك جاز لغيره إشغال المكان. نعم يحرم عليه التصرف في ذلك الشيء الموضوع فيه. فاذا أمكنه الانتفاع بالمكان - بصلاة أو غيرها - من دون تصرف في ذلك الشيء، الموضوع فيه جاز له وصح عمله.
بل إذا كان حجز المكان بالشيء الموضوع فيه موجباً لتعطيله عرفاً لطول المدّة ووجود من يحتاج لاشغاله فيه سقطت حرمة ذلك الشيء الموضوع فيه وجاز إشغال المكان وإن أوجب التصرف في الشيء الموضوع فيه، غاية الامر أنه يلزم الاقتصار في التصرف فيه على مقدار الضرورة والحاجة التي يقتضيها الانتفاع بالمكان.
(مسألة ٨٥): إذا سبق شخص لمكان من الاماكن العامة وأشغله فيما هو مُعَدّ له وصار أحق به، ثم قام عنه، فإن قام معرِضاً عنه سقط حقه فيه، وإن قام ناوياً للعود إليه فإن ترك فيه شيئاً لتحجيره بقي حقّه فيه، فإن أشغله غيره في غيابه لم يحلّ له منع الأول منه إذا عاد إليه.
وأما إذا لم يترك فيه شيئاً لتحجيره ففي ارتفاع حقه إشكال، خصوصاً إذا قام لحاجة كالوضوء ونحوه. فالأحوط وجوباً التراضي بينه وبين من يريد إشغال المكان.
(مسألة ٨٦): يحرم اشغال الطريق بالصلاة وغيرها إذا أضر بالمارة. لكن الظاهر عدم بطلان الصلاة بذلك، إلا أن يكون المكث في الطريق من أجل الصلاة مع الالتفات للحرمة.
(مسألة ٨٧): لا بأس بصلاة الرجل والمرأة في مكان واحد، متقدمة عليه ومحاذية له ومتأخرة عنه. نعم يكره ذلك، بل الأحوط استحباباً تركه، إلا أن يتقدم الرجل ولو بصدره، بحيث إذا سجدا يحاذي رأسها ركبتيه، أو يكون بينهما حائل - كجدار ونحوه - وإن كان قصيراً لا يمنع من المشاهدة، أو يكون بينهما مسافة عشرة أذرع بذراع اليد - تقارب خمسة أمتار - ودون ذلك أن يكون بينهما ما لا يتخطى - ويقارب المتر والربع - ودون ذلك أن يكون بينهما قدر عظم الذراع، ودون ذلك أن يكون بينهما شبر.
(مسألة ٨٨): لا فرق بين المحارم وغيرهم والزوج والزوجة وغيرهم، والبالغ وغيره. نعم لابدّ من صحة صلاة كل منهم.
(مسألة ٨٩): لا يجوز لمن يصلي عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور الائمة (عليهم السلام)الصلاة أمام القبر الشريف، بحيث يكون القبر خلفه. بل تكون الصلاة خلف القبر وعن يمينه وشماله. ولا بأس بالتقدم من الجانبين عن سمت القبر الشريف، بحيث لا يصدق عرفاً أن القبر خلف المصلي.
(مسألة ٩٠): يختص المنع عن الصلاة أمام القبر بالصلاة في البنية التي فيه
القبر الشريف دون ما خرج عنها من الاروقة المتصلة به.
(مسألة ٩١): لو تقدم المصلي على قبر المعصومين (عليهم السلام) جهلاً بموضع القبر أو بالحرمة أو غفلةً فالظاهر صحة الصلاة.
(مسألة ٩٢): الأحوط وجوباً إلحاق قبر الصديقة الزهراء (عليه السلام) بقبور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام) في الحكم المذكور لو تيسر العلم بموضعه. بخلاف قبور غير الائمة (عليهم السلام) مهما ارتفع مقامهم، حتّى الانبياء الاخرين (عليهم السلام) فإنه يجوز التقدم عليها بالمعنى المذكور، إلا أن يستلزم التوهين وسوء الادب، فيحرم وتبطل الصلاة مع الالتفات لذلك.
(مسألة ٩٣): تجوز الصلاة في جوف الكعبة وسطحه. نعم يكره ذلك في صلاة الفريضة، بل الأحوط استحباباً تركه مع الاختيار.
(مسألة ٩٤): يجب في مسجد الجبهة - مضافاً إلى الطهارة، كما تقدم في فصل أحكام النجاسة - أن يكون من الارض أو ما أنبتت غير المأكول والملبوس. والسجود على الارض أفضل، وأفضلها طين قبر الحسين (عليه السلام) فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه كان قد أعدّ منه لصلاته وأنه قال: «إن السجود على تربة أبي عبد الله (عليه السلام) تخرق الحجب السبع». وقال: «السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) ينور إلى الارضين السبعة».
(مسألة ٩٥): لا تجب مماسة بقية المساجد للارض، أو ما انبتت. نعم الافضل مماسة الكفين الارض. بل ربما عم ذلك جميع المساجد.
(مسألة ٩٦): لا يجوز السجود على المعادن إذا لم يصدق عليها الارض كالقير، وقد تقدم في التيمم ما ينفع في المقام.
(مسألة ٩٧): يجوز السجود على الارض المطبوخة كالجص والاجر والخزف والاسمنت ونحوه.
(مسألة ٩٨): المراد بالمأكول والملبوس ما من شأنه أن يؤكل أو يلبس وإن احتاج إلى إعداد من طبخ أو غزل أو نحوهم، والمدار فيه على تعارف
أكل الإنسان ولبسه له بحسب طبعه، ولا عبرة بالحالات الاستثنائية من مرض ومجاعة ونحوهم. نعم إذا كان عدم أكله أو لبسه في الحال المتعارف لندرته وقلّة وجوده فيدخر للضرورات ونحوها كان من المأكول أو الملبوس الذي لا يجوز السجود عليه.
(مسألة ٩٩): الأحوط وجوباً عدم السجود على غير المأكول مما يستخلص منه مادة تؤكل أو تشرب كالبُنّ والشاي. نعم يجوز السجود على التبغ ونحو مما لا يؤكل وان استعمل للتدخين او نحوه.
(مسألة ١٠٠): المدار في الاكل واللبس على عامة الناس، ولا عبرة بالنادر. نعم إذا كان عدم أكل العامة له أو عدم لبسهم لعدم واجديّتهِم له مع أكلهم أو لبسهم له لو وجدوه كان من المأكول أو الملبوس الذي لا يجوز السجود عليه.
(مسألة ١٠١): الأحوط وجوباً عدم السجود على ما يؤكل أو يلبس إذا كان في قشرِه غيرِ الصالح للاكل واللبس كالجوز واللوز وجوزة القطن ونحوه. نعم يجوز السجود على القشر بعد إخراج لُبّه. هذا فيما ينفصل قشره عنه، وأما ما يتصل به كالبطيخ فالظاهر عدم جواز السجود عليه قبل فصل قشره، بل الأحوط وجوباً عدم السجود على قشره حتّى بعد انفصاله عنه.
(مسألة ١٠٢): لا يجوز السجود على المأكول والملبوس حتّى إذا لم يصلح للاكل واللبس بسبب تعفّن أو طبخ أو تمزق أو نحو ذلك، كالثياب المستعملة تعالج وتكبس فتكون محفظة أو نحوه.
(مسألة ١٠٣): لا بأس بالسجود على النوى الذي لا لبّ له أو الذي له لبّ لا يتعارف أكله وان كانت الثمرة ذات النوى مأكولة، وكذا ورق الشجر - الذي يؤكل ثمره - وكذا خشبه وأغصانه ونحو ذلك مما لا يؤكل منه.
(مسألة ١٠٤): يجوز السجود على الخشب وإن صنع منه الاحذية الملبوسة أو دخل في صنعه. وكذا لو اتخذ منه الحلي الملبوس أو كان قُراباً أو مقبضاً للسيف الملبوس.
(مسألة ١٠٥): لا يجوز السجود على رمادِ ما يصح السجود عليه، وكذا الفحم على الأحوط وجوب.
(مسألة ١٠٦): يجوز السجود على القرطاس المتخذ مما يصح السجود عليه كالبَردي، دون ما يتّخذ مما لا يصح السجود عليه كالقطن والكتان. ولو شكّ في حاله لا يجوز السجود عليه.
(مسألة ١٠٧): يجوز - على كراهة - السجود على ما هو مكتوب - من القرطاس وغيره مما يجوز السجود عليه - اذا كانت الكتابة من سنخ اللون. أما اذا كان لها جرم حائل بين بشرة الجبهة وما يصح السجود عليه فلا يجوز السجود إلا ان تكون الفراغات بين الكتابة بمقدار يتحقق به أدنى الواجب من السجود على ما يصح السجود عليه.
(مسألة ١٠٨): يجوز مع التقية السجود على ما لا يصح السجود عليه اختيار. وقد تقدم في الوضوء بعض الفروع المتعلقة بالتقيّة التي تنفع في المقام فراجع.
(مسألة ١٠٩): إذا تعذّر السجود على ما يصح السجود عليه لغير تقية سجَد على ثوبه، والأحوط وجوباً تقديم الثوب من القطن أو الكتان مع تيسُّرهم، فإن لم يتيسّر الثوب سجد على ظهرِ كفّه. والمراد بالتعذر مجرد عدم تيسر السجود على ما يصح السجود عليه في الوقت والمكان الذي يريد المكلف الصلاة فيه - كالمسجد ونحوه - لبرد أو حَرّ أو نحوهم، ولا يعتبر التعذُّر التام، فلا يجب تبديل المكان ولا تأخير الصلاة ولا غير ذلك مما يمكن معه القدرة على ما يصح السجود عليه. نعم الأحوط وجوباً عدم الاكتفاء بفقد ما يصح السجود عليه
إذا أمكن تحصيله بتأخير الصلاة أو تبديله المكان.
(مسألة ١١٠): لو تعذر السجود حتّى على ظهر الكف جاز السجود على كل شيء، والأحوط وجوباً تقديم النبات. والمراد بالتعذر هنا التعذر الحقيقي الذي لا يرتفع بتبديل المكان، ولا بتأخير الصلاة.
(مسألة ١١١): إذا فقَد في أثناء الصلاة ما يصح السجود عليه ففي سعة الوقت يقطع الصلاة، وفي ضيقها ينتقل إلى البدل المتقدم.
(مسألة ١١٢): إذا سجد على ما لا يصح السجود عليه كفى جرّه إلى ما يصح السجود عليه ولا يجب رفعه، بل الأحوط وجوباً عدم الرفع. ولو تعذّر تحصيله بالجرّ فالأحوط وجوباً استئناف الصلاة بعد فعل المبطل أو بعد إتمامه.
(مسألة ١١٣): إذا سجد على ما لا يصح السجود عليه جهلاً به أو بوجوبه أو سهواً ولم يلتفت إلا بعد الفراغ من السجود صحت صلاته.
(مسألة ١١٤): لابدّ من تمكن الجبهة مما يسجد عليه بحيث تثبت وتستقر عليه، ولا يكفي مجرد المماسة من دون استقرار، فلا يجوز السجود على التراب الرخو ولا على الطين غير المتماسك، وكذا إذا كان ما يصح السجود عليه موضوعاً على المكان غير المستقر، كالقطن المندوف. نعم إذا أمكن تحصيل الاستقرار بعد وضع الجبهة بزيادة الاعتماد صح السجود.
(مسألة ١١٥): إذا لصق بجبهته حين السجود شيء من الطين أو التراب وجب إزالته للسجدة الثانية إذا كان مستوعباً للجبهة.
(مسألة ١١٦): إذا لم يجد إلا الطين الذي لا تستمكن الجبهة عليه فالأحوط وجوباً السجود عليه والاكتفاء بمماسّته. نعم إذا كانت الارض مع ذلك موحِلة بحيث يتلطّخ بدنه وثيابه كان له أن يقوم فيصلي ويركع ركوعاً تام، ثم سجد بالايماء قائم، ثم تشهّد وسلّم قائماً أيض. والأحوط وجوب
الاقتصار في ذلك على ما إذا تعذرت الصلاة التامة في تمام الوقت.
(مسألة ١١٧): يشترط في مكان المصلي أن يكون بحيث يستقر فيه المصلي ويتحقق له الطمأنينه المعتبرة في الصلاة فلا تصح في المكان المضطرب والمُهتَزّ، كما في الكثير من صور الصلاة على الدابة وفي السفينة والسيارة والقطار والطائرة. ولا يضر مجرد سير هذه الاُمور إذا لم يكن لها اهتزاز معتدّ به وتحققت بها الصلاة التامة بالركوع والسجود والاستقبال وغيره.
نعم مع الضرورة - ولو لضيق الوقت - تصح الصلاة فيها بالميسور، وحينئذٍ ينحرف إلى القبلة كلّما انحرفت، وإن تعذر الاستقبال في بعضها أو في جميعها سقط. والأحوط استحباباً اختيار الاقرب للقبلة فالاقرب. وكذا الحال في الماشي وغيره من المعذورين. هذا كله في الفريضة وأما في النافلة فيجوز الإتيان بها ماشياً وراكباً اختيار، كما سبق عند الكلام في أعداد الفرائض والنوافل.
(مسألة ١١٨): يستحب إيقاع الصلاة في المسجد، بل في بعض النصوص أن الصلاة في المسجد فرادى أفضل من الصلاة في غيره جماعة. وأفضل المساجد المسجد الحرام. وفي بعض النصوص: أن الصلاة فيه تعدل ألف ألف صلاة في غيره من المساجد، ثم مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة في غيره من المساجد، ثم مسجد الكوفة والصلاة فيه تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد، ثم المسجد الاقصى والصلاة فيه تعدل ألف صلاة، وفي بعض النصوص مفاضلة بينهم، ثم مسجد الجامع وهو المسجد الاعظم في البلد - والصلاة فيه بمائة صلاة، ثم مسجد القبيلة والصلاة فيه بخمس وعشرين صلاة، ثم مسجد السوق والصلاة فيه باثنتي عشرة صلاة.
(مسألة ١١٩): صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. وأفضل البيوت المخدع، وهو البيت الصغير الذي يكون داخل بيته.
(مسألة ١٢٠): تستحب الصلاة في مشاهد الائمة(عليهم السلام)، وقد ورد أن الصلاة عند علي (عليه السلام) بمائتي ألف صلاة.
(مسألة ١٢١): يكره تعطيل المساجد، ففي الخبر ثلاثة يشكون إلى الله تعالى: مسجد خراب لا يصلي فيه أحد، وعالم بين جهّال، ومصحف معلّق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه. ويكره الخروج من المسجد بعد الاذان حتّى يصلى فيه - وفي الخبر أنه من علامات النفاق - إلا أن يريد الرجوع إليه. وكذا يكره لجار المسجد أن يصلي في غيره لغير علّة كالمطر، وفي الخبر: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».
(مسألة ١٢٢): يستحب التردد إلى المساجد، ففي الخبر: من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتّى يرجع إلى منزله عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات. ويستحب الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة. وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن ترهّب اُمتي القعود في المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة.
(مسألة ١٢٣): يستحب للمصلي أن يجعل بين يديه حائلاً من عود أو حبل أو قلنسوة أو كومة تراب أو نحوها حتّى مثل الخط في التراب.
(مسألة ١٢٤): قد ذكروا أنه يُكره الصلاة في الحمّام والمزبلة والمجزرة والمواضع المعدّة للتخلي وفي بيت فيه مسكر وفي مبارِك الابل ومرابِط الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم، بل في كل مكان قذر، وتكره الصلاة أيضاً في الطريق إذا لم يضر المارة، وإلا كان محرّماً - كما تقدم - وتكره أيضاً في مجاري المياه، وفي الارض السبخة وبيت النار كالمطبخ، وعلى القبر وفي المقبرة أو أمامه قبر، وبين قبرين إلا مع الحائل أو بعد عشرة أذرع بذراع اليد.
(مسألة ١٢٥): يكره ان يكون امام المصلي نار مضرمة - ولو سراجاً - او تمثال او صورة لذي روح أو مصحف أو كتاب مفتوحان، او إنسان مواجه له وغير ذلك.
المقصد الثاني
في كيفية الصلاة
وفيه مباحث:
المبحث الأول
في الأذان والاقامة
وفيه فصول..
الفصل الأول
يستحب الاذان والاقامة في الفرائض اليومية أداءً كانت أو قضاءً، في الحضر والسفر، والصحة والمرض، سواءً كانت الصلاة فرادى أم جماعة، وسواءً كان المصلي ذكراً أم أُنثى. ويتأكد استحبابهما للرجال ولا سيما في الادائية، خصوصاً المغرب والصبح، وأشدّهما تأكداً الاقامة. ولا يشرع الاذان والاقامة للنوافل ولا للفرائض غير اليومية كصلاة الايات.
(مسألة ١٢٦): للمرأة أن تجتزئ عن الاذان بالتكبير والشهادتين مرةً مرةً، بل بالشهادتين فقط، كما تجتزئ عن الاقامة بالتكبير وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. بل لو سمعت الاذان اجتزأت بالشهادتين.
(مسألة ١٢٧): لا يشرع الاذان للعصر إذا جُمعت مع الظهر في عرفة يومه، وللعشاء إذا جُمعت مع المغرب في المزدلفة ليلة العيد. كما لا يجوز الاذان للصلاة الثانية للمسلوس إذا جَمع بين صلاتين بوضوء واحد، وإذا أذّن أعاد
الوضوء للثانية. وكذا المستحاضة الكثيرة التي تجمع بين صلاتين بغسل واحد على الأحوط وجوب، فإذا أذّنت أعادت الغسل للثانية. بل كل من جمع بين صلاتين أدائيتين يجزئه لهما أذان واحد في أوّلهم، بل لعله لا يشرع الاذان لما بعدها حينئذٍ. وكذا من جمع بين صلاتين قضائيتين أو أكثر.
(مسألة ١٢٨): يتحقق الجمع بين الصلاة بعدم الفصل بينهما بزمان طويل، ولا ينافيه التعقيب القليل. نعم ينافيه التنفل بين الفريضيتين ولو بركعتين على الأحوط وجوب.
(مسألة ١٢٩): يسقط الاذان والاقامة معاً في موارد:
الأول: من دخل في جماعة قد اُذّن لها واُقيم، إماماً كان أو مأموم. والظاهر عدم مشروعيته.
الثاني: من دخل المسجد قبل تفرق الجماعة سواء صلّى منفرداً أم جماعة إماماً أو مأموماً بشروط:
أحدها: وحدة المكان عرفاً ولو كان واسعاً على الأحوط وجوب، فلا يسقطان مع تعدّده لفصل المسجد بعضه عن بعض ببناء أو ستر،أو لكون إحداهما في أرض المسجد والاُخرى على سطحه.
ثانيها: أن تكون الجماعة السابقة بأذان وإقامة. بل الظاهر الاجتزاء بما إذا سقط الاذان والاقامة عنهم لاجتزائهم بأذانِ غيرهم وإقامته. نعم إذا لم يؤذّنوا ويقيموا من دون أن يسقطا عنهم لم يسقط الاذان والاقامة عمّن بعدهم.
ثالثها: أن تكون الصلاتان أدائيّتين مشتركتين في الوقت على الأحوط وجوب، ففي غير ذلك يؤتى بهما برجاء المطلوبية.
رابعها: أن تكون الجماعة الاُولى صحيحة، هذا والظاهر أن سقوط الاذان والاقامة مع اجتماع الشروط عزيمة - بمعنى أنّهما غير مشروعين - لا رخصة. كما أن الظاهر عموم السقوط لغير المسجد مع وحدة المكان عرف. نعم لا بأس بالإتيان بهما فيه برجاء المطلوبية.
الثالث: من سمع أذان غيره وإقامته للصلاة، فإنه يجزئه ذلك عن أن يؤذّن أو يقيم، ولو سمع أحدَهما أو بعضاً منهما أتمّ ما بقي بشرط مراعاة الترتيب، ولا فرق في المؤذّن والمقيم بين الإمام والمأموم والمنفرد، وكذا لا فرق في السامع بين الإمام والمنفرد، وأما المأموم فيشكل اكتفاؤه بسماع أذان غيره وإقامته في دخوله في الجماعة التي لم يؤذن لها ولم يجزئها أذان آخر.
والخلاصة: سماع الإمام يكفي عن الاذان للجماعة، أما سماع المأمومين أو بعضهم فلا يكفي له. كما أنه يشكل مشروعية أذان بعضهم لنفسه بعد انعقاد الجماعة لدخوله فيها إذا لم يكن قد اُذّن لها ولا أجزأها أذان آخر.
(مسألة ١٣٠): يستحب حكاية الاذان لمن سمعه، كما يستحب الاذان في اُذن المولود اليمنى والاقامة في اليسرى.
الفصل الثاني
فصول الاذان ثمانية عشر: الله أكبر أربع مرات، ثم أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أشهد أن محمداً رسول الله، ثم حيّ على الصلاة، ثم حيّ على الفلاح، ثم حيّ على خير العمل، ثم الله أكبر، ثم لا إله إلا الله، كلّ منها مرّتان.
وفصول الاقامة سبعة عشر، وهي كالاذان إلا أن التكبير في أولها مرتان والتهليل في آخرها مرة، ويزاد فيها قبل التكبير في آخرها: قد قامت الصلاة مرتين.
(مسألة ١٣١): تستحب الصلاة على النبي وعلى آله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) عند ذكر اسمه الشريف في الاذان وغيره، وعند سماع اسمه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(مسألة ١٣٢): ورد في بعض الاخبار أن من أجزاء الاذان الشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية وبإمرة المؤمنين، بل عن بعض كتب الجمهور المخطوطة أن أبا ذر (رضي الله تعالى عنه) قد أذَّن بالولاية له (عليه السلام) فشكاه الناس لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقرَّه على ما فعل.
إلا انه حيث لم تتم عندنا حجية الاخبار المذكورة فلا مجال للإتيان بها بنية انها من أجزاء الاذان. نعم قد يحسن الإتيان بها لا بنية ذلك، بل برجاء كونها من أجزاء الاذان المستحبة، أو كونها مستحبة في نفسها لقوله (عليه السلام) في خبر الاحتجاج: «إذا قال احدكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله فليقل: علي أمير المؤمنين»، ولانها شهادة بحق جعله الله تعالى من الفرائض الخمس التي بني عليها الإسلام، بل هو أهمه.
وهي بعد شهادة اذن الله سبحانه بها في بدء الخلق مع الشهادتين الأوليين، رفعاً لشأنها وتثبيتاً لمضمونه، فقد روى ثقة الإسلام الكليني بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنا أول أهل بيت نوَّه الله بأسمائن. انه لما خلق السماوات والارض أمر منادياً فنادى: أشهد ان لا اله إلا الله - ثلاثاً - أشهد ان محمداً رسول الله - ثلاثاً - أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً - ثلاثاً - ».
ولا بدع مع كل ذلك أن يؤتى بها في الاذان والاقامة تأكيداً لها وتثبيتاً لمضمونها لا بنية الجزئية منهم، كما فعل المسلمون في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم قتلوا (عيهلة) الاسود العنسي الكذاب لعنه الله تعالى، فقد قال مؤذنهم - إمعاناً في الحط لدعوته وإعلاناً بخمود نارها -: «أشهد أن محمداً رسول الله وان عيهلة كذاب» ولم ينكر عليهم احد بأنهم قد أدخلوا في الاذان ما ليس منه.
وانما تركوا ذلك ولم يستمروا عليه لعدم الحاجة له بعد ان ماتت دعوة العنسي بقتله. أما شهادتنا هذه فلا زال المسلمون في حاجة للاعلان بها بعد ان تجاهلها البعض، بل لا زالوا مصرين على انكارها مجدين في اطفاء نوره، ويأبى الله تعالى إلا ان يتم نوره ويعلي كلمته. وعلى ذلك جرى اتباع أهل البيت (عليهم السلام) على مرِّ العصور وتعاقب الدهور حتى صار شعاراً لهم ورمزاً للايمان، من دون ان يدعي أحد منهم أنها من أجزاء الاذان أو الاقامة الواجبة، فالتزامهم بها كالتزامهم بالصلاة على النبي وعلى آله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) عند ذكر اسمه الشريف راجح من دون أن يكون جزءً من الاذان ولا الاقامة.
(مسألة ١٣٣): يجزئ في السفر والعجلة الإتيان بكل فصل من الاذان والاقامة مرة مرة.
(مسألة ١٣٤): يشترط في الاذان والاقامة اُمور:
الأول: النية، فيؤتى بالفصول المتقدمة بعنوان أنها أذان أو إقامة، ولا يكفي التلفّظ بها من دون قصد العنوان المذكور. ولابدّ فيهما من قصد القربة. والأحوط وجوباً تعيين الصلاة التي يراد الاذان والاقامة له.
الثاني والثالث: العقل والايمان، دون البلوغ، فيجزئ أذان وإقامة غير البالغ إذا كان مميز.
الرابع: الذكورة على الأحوط وجوب، فلا يجزئ أذان المرأة وإقامتها للرجال، نعم يجزئان للنساء.
الخامس: الترتيب، بتقديم الاذان على الاقامة، وكذا الترتيب بين فصولهما على النحو المتقدم. وإذا خالف الترتيب بين الفصول أعاد على ما يحصل به الترتيب، إلا أن تفوت الموالاة، فيعيد من الأول.
السادس: الموالاة بين فصول كل من الاذان والاقامة، فلا يصح كل منهما مع الفصل الطويل الماحي للصورة عرفاً على الأحوط وجوب. وكذا بين الاذان والاقامة بالنحو الذي لا ينافيه الفصل بما يأتي. وكذا بين الاقامة والصلاة.
السابع: العربية، فلا يجزئ ترجمتها بغير العربية، كما لا يجزئ الملحون.
الثامن: دخول الوقت، حتى للمنفرد في الفجر على الأحوط وجوب.
التاسع: القيام والاستقبال والطهارة في الاقامة دون الاذان، بل غاية الامر أنها مستحبة فيه.
(مسألة ١٣٥): يستحب فيهما التسكين في فصولهم. مع التأنّي في الاذان والاسراع في الاقامة. كما يستحب في الاذان الافصاحُ بالالف والهاء الواقعتين في آخر بعض فصوله، ورفعُ الصوت فيه، ووضع الاصبعين في الاُذُن، وغير ذلك.
(مسألة ١٣٦): يكره الكلام في أثناء الاذان والاقامة، وتشتدّ الكراهة في الاقامة، بل يستحب إعادتها حينئذٍ، وأشدّ ذلك بعد قول: قد قامت الصلاة.
(مسألة ١٣٧): يستحب الفصل بين الاذان والاقامة بصلاة ركعتين أو بسجدة، أو بجلوس أو بكلام، إلا في الفجر فيكره الكلام. ويستحب أن يقول في السجود: «لا إله إلا أنت ربي سجدت لك خاضعاً خاشع» أو: «سجدت لك خاضعاً خاشعاً ذليل».
الفصل الثالث
من نسي الاذان والاقامة حتّى دخل في الصلاة استُحب له قطعُها لتداركهم، ولا سيّما إذا ذكر ذلك قبل أن يركع، وخصوصاً إذا ذكره قبل أن يقر. وكذا إذا نسي الاقامة وحدها وذكر قبل القراءة. بل الظاهر جواز القطع في غير ذلك لتدارك الاذان أو الاقامة، سواء ترك الاذان وحده أم الاقامة وحده.
بل لو تعمّد تركَهما أو ترك أحدهما ثم بدا له التدارك جاز له القطع أيض.
(مسألة ١٣٨): يجري الحكم المذكور في من ترك بعض فصولهم، فله القطع لتدارك ما ترك وما بعده محافظةً على الترتيب، إلا مع الاخلال بالموالاة فيستأنف من الأول.
تتميم: فيه إيقاظ وتذكير
قال الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام) كما ورد في أخبار كثيرة - أنه لا يحسب للعبد من صلاته إلا ما يُقبل عليه منه، وأنه لا يقدمنَّ أحدكم على الصلاة متكاسل، ولا ناعس، ولا يفكرنَّ في نفسه، ويقبل بقلبه على ربه ولا يشغله بأمر الدني، وأن الصلاة وفادة على الله تعالى، وأن العبد قائم فيها بين يدي الله تعالى. فينبغي أن يكون قائماً مقام العبد الذليل الراغب الراهب الخائف الراجي المستكين المتضرع، وأن يصلي صلاة مودع يرى أن لا يعود إليها أبد.
وكان الإمام زين العابدين (عليه السلام) إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه إلا ما حرّكت الريح منه، وكان الإمامان الباقر والصادق (عليهم السلام) إذا قاما إلى الصلاة تغيرت ألوانهما مرّةً حمرةً ومرّةً صفرةً وكأنّهما يناجيان شيئاً يريانِه.
وينبغي أن يكون صادقاً في قوله: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) فلا يكون عابداً لهواه ولا مستعيناً بغير مولاه. وكذا ينبغي إذا أراد الصلاة أو غيرها من الطاعات أن يستغفر الله تعالى ويندم على ما فرّط في جنب الله، ليكون معدوداً في عداد المتقين الذين قال الله تعالى في حقهم: (إنَّما يتقبَّل الله من المتَّقين).
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه اُنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المبحث الثاني
في أفعال الصلاة
ويجب فيها: النية، وتكبيرة الاحرام، والقيام، والقراءة، والذكر، والركوع، والسجود، والتشهد، والتسليم، والترتيب، والموالاة.
فهنا فصول..
الفصل الأول
في النيّة
الصلاة من العبادات التي تجب فيها النية، ولابد فيها من الإتيان بالافعال بقصد كونها صلاة قربة إلى الله تعالى، على نحو ما تقدّم في الوضوء، وقد تقدم هناك أنّه لابدّ من عدم وقوع العبادة بوجه محرَّم، وتقدم كثير من الفروع المتعلقة بالنيّة الجارية في المقام.
(مسألة ١٣٩): لابدّ من تعيين الصلاة التي يريد الإتيان بها ويمتثل أمره، فإذا كان عليه صلوات متعددة ونوى الإتيان بصلاة منها مردّدة بين الفريضة والنافلة أو بين الادائيّة والقضائية أو بين القضائيّتين بطلت صلاته. نعم يكفي تعيينها إجمال، كما لو نوى الصلاة الواجبة عليه فعلاً وكان الواجب عليه صلاةً واحدةً لا يعرف نوعها صحت صلاته، وكذا لو نوى ما وجب عليه أوّلاً - مثلاً - فيماإذا كان الواجب عليه متعدد.
(مسألة ١٤٠): لا يشترط نيّة القضاء والاداء مع وحدة الصلاة الواجبة
عليه، فلو علم انشغال ذمته بصلاة ظهر مثلاً وترددت بين أن تكون أدائية وقضائية كفى نيّة الظهر الذي انشغلت بها ذمته. بل لو نوى الصلاة الخاصة بتخيل أنها أدائية فبانت قضائية مثلاً أو بالعكس صحت صلاته. فمن أفاق من نومه وتخيّل عدم طلوع الشمس فصلّى صُبح ذلك اليوم بتخيل أنها أدائية صحّت صلاته حتّى لو كانت الشمس طالعةً في الواقع، وكذا لو تخيّل طلوعها فصلى صُبح ذلك اليوم بتخيل أنها قضائية صحت صلاته حتّى لو لم تكن طالعة في الواقع.
(مسألة ١٤١): لا يشترط نية الوجوب ولا الاستحباب مع وحدة الصلاة ذات، فمن علم مشروعية صلاة ولم يعلم أنها واجبة أو مستحبة أجزأه الإتيان بها بنية القربة والمشروعية من دون حاجة إلى قصد الوجوب أو الاستحباب ولو إجمال، بل لو نواها على خلاف واقعها خطأ صحت، كما لو أعاد صلاته جماعة بنية الاستحباب لتخيل صحة صلاته الاُولى فإنها تصح حتى لو انكشف وجوبها لبطلان صلاته الأولى.
(مسألة ١٤٢): إذا أتى بالصلاة فنوى قطعها ثم رجع عن ذلك قبل أن يأتي بشيء من الاجزاء صحت صلاته. أما لو أتى بشيء من الاجزاء مع النيّة المذكورة فلا يجتزئ به، كما لو نوى قبل القراءة قطْعَ الصلاة بعد إكمال القراءة، فقرأ بهذه النية ثم عدل من نية القطع لم يجتزئ بقراءته حينئذٍ، بل يشكل صحة صلاته حتّى لو تدارك القراءة. فالأحوط وجوباً الاستئناف بعد فعل القاطع للصلاة التي بيده أو بعد إكماله.
(مسألة ١٤٣): لا يجب في الصلاه البناء على عدم قطعه، بل تصحّ مع التردد في قطعه، فلو صلّى في مكان يحتمل تعذر إكمال صلاته فيه واضطراره لقطعها فصادف عدم حصول القاطع حتّى أتمها صحت صلاته.
(مسألة ١٤٤): إذا شرع في الصلاة بنيَّةِ صلاة معينة ثم تردّد فيما نواه
أو تخيل أنه نوى صلاة اُخرى فمضى في صلاته بنيّة إتمام ما دخل فيه صحّت ووقعت على ما نواه عند الشروع فيه.
(مسألة ١٤٥): لا يجوز العدول من صلاة إلى اُخرى بحيث تقع للثانية إلا في موارد:
الأول: من دخل في العصر ثم ذكر أنّه لم يصل الظهر أو دخل في العشاء ثم ذكر أنّه لم يصل المغرب، فإن عليه العدول إلى السابقة محافظةً على الترتيب الواجب مع بقاء محل العدول، وإلا فلا مجال للعدول كما لو ذكر أنه لم يصلّ المغرب بعد القيام للرابعة من العشاء فإنها تبطل، كما تقدم في المواقيت.
الثاني: إذا كانت الصلاتان قضائيتين مترتبتين، كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، على نحو ما تقدم في الادائيتين.
الثالث: ما إذا دخل في الحاضرة فذكر أنّ عليه فائتة، فإن له العدول للفائتة مع سعة وقت الحاضرة وبقاء محل العدول، وإلا تعيّن إكمال الصلاة على ما نواه.
الرابع: ما إذا قرأ في صلاة الجمعة سورة التوحيد والتفت بعد الفراغ منه، فإنه يستحب أن يجعلها نافلة ويتمها ثم يصلي الجمعة بالجمعة والمنافقين.
الخامس: إذا دخل في الفريضة منفرداً ثم أقيمت الجماعة استحب له العدول بنيته للنافلة وإتمامها ركعتين ليدخل في الجماعة. ولو علم بعدم إدراك الجماعة إذا أتمها نافلة جاز له قطعه، بل يجوز له قطعها حتّى مع عدم خوف الفوت.
(مسألة ١٤٦): إذا عدل في غير مورد العدول، فإن لم يأت بشيء من الاجزاء جاز له الرجوع إلى ما نواه أولاً ويتمّ صلاته. وإن فعل شيئاً قبل الرجوع فكما لا يقع لما عدل إليه، كذلك الأحوط وجوباً عدم وقوعه لما عدل منه ونواه أول، بل يتخيّر بين إبطالها بفعل المبطل وإتمامها برجاء وقوعها عما نواه أولاً من دون أن يعتدّ به.
(مسألة ١٤٧): إذا شكّ في أثناء الصلاة أنه نواها ظهراً أو عصراً مثل، فإن كان لم يصلّ الظهر قبل ذلك نواها ظهراً واجتزأ به. وكذا لو شكّ في أنه صلّى الظهر. وإن كان قد صلّى الظهر بطلت، والأحوط استحباباً عدم الدخول في غيرها إلا بعد إبطالها بفعل أحد المبطلات.
(مسألة ١٤٨): إذا قام لصلاة ثم شكّ بعد الدخول في الصلاة أنه نوى ما قام له أو نوى غيرها لم يبنِ على أنه نوى ما قام له، بل يتعيّن عليه قطع ما بيده بفعل مبطل، أو إتمامه على ما نواه من دون أن يجتزئ به عن صلاة خاصة، إلا أن يتذكر بعد ذلك ما نواه فيجتزئ بها له.
(مسألة ١٤٩): إذا كان في أثناء الصلاة ناوياً لصلاة معينة ثم شكّ في أنه هل نوى تلك الصلاة من أول الامر أو نوى غيرها لم يجتزئ بها لصلاة خاصة، ويجري عليه حكم المسألة السابقة.
الفصل الثاني
في تكبيرة الإحرام
وبها يكون الدخول في الصلاة. وهي ركن تبطل الصلاة بنقصها عمداً أو سهو، كما تبطل بزيادتها عمد، فإذا جاء بها ثانية بطلت الصلاة فيحتاج إلى ثالثة، فإن جاء بالرابعة بطلت أيضاً واحتاج إلى خامسة، وهكذا تبطل بالشفع وتصح بالوتر إذا قصد بكل منها الافتتاح. والظاهر عدم البطلان بزيادتها سهو، كما لو نسي أنه افتتح الصلاة بالتكبير فكبّر للافتتاح. وإن كان الأحوط استحباباً الاستئناف بعد فعل المبطل.
وصورتها: «اللهُ أَكبر» ويجب أن تكون على النهج العربي، فلا يجزئ
الملحون، كما لا يجزئ مرادفها بالعربية ولا ترجمتها بغير العربية، ولا تغيير صورتها بإضافة شيء إليه، بل الأحوط وجوباً عدم وصلها بما قبلها بحذف همزة (الله) ولا بما بعدهابضم راء (أكبر) للدرج.
(مسألة ١٥٠): الجاهل بها يجب عليه التعلم ولو بتلقين غيره لها عند الصلاة، فإن عجز عنها - تامة على ما سبق - اجتزأ بالممكن منه، فإن عجز جاء بمرادفها بالعربية، فإن عجز فبترجمته.
(مسألة ١٥١): الاخرس يأتي بها على قدر الامكان، فإن لم يقدر على شيء منها اكتفى بتحريك لسانه وإشارته بإصبعه مع القصد للمعنى ولو إجمال، بأن يعلم المعنى ويقصده على إجماله حين تحريك اللسان والاشارة بالاصبع من دون استحضار له بخصوصياته، وكذا الحال في قراءته للقرآن وتشهده وذكره ودعائه.
(مسألة ١٥٢): لابدّ في تكبيرة الاحرام من ظهور الصوت ولو خفيفاً بحيث لا يُسمِع إلا نفسَه لو لم يكن مانع، ولا يكفي ما دون ذلك، فضلاً عما إذا لم يكن له صوت أصل، بل كان بمجرّد تحريك اللسان والشفتين. كما لابد من عدم علوّ الصوت المفرط المعدود عرفاً من الصياح.
وهكذا الحال في جميع ما يعتبر في الصلاة من قراءة أو ذكر أو غيرهم. نعم لا بأس بارتفاع الصوت المفرط في القراءة والاذكار المأتي بها لا بنيّة الجزئية من الصلاة، كما يقع من المنبّهين في صلاة الجماعة.
(مسألة ١٥٣): الأولى تفخيم اللام من لفظ الجلالة والباء والراء من «أكبر».
(مسألة ١٥٤): يجب القيام التام حال تكبيرة الاحرام فاذا تركه عمداً أو سهواً بطلت.
(مسألة ١٥٥): لا يكفي القيام حال المشي فلو جاء بتكبيرة الاحرام ماشياً عمداً بطلت، ولو كان ذلك سهواً فالأحوط وجوباً الاستئناف بعد إتمام الصلاة
أو بعد فعل المبطل.
(مسألة ١٥٦): الأحوط وجوباً الطمأنينة حال تكبيرة الاحرام بحيث يصدق عرفاً أنه مستقر حينها غير مضطرب، ولا يجب المداقّة في ذلك. ولو أخلّ بالطمأنينة عمداً لم يجتزئ بالتكبيرة، وإن كان الأحوط وجوباً فعل المبطل قبل إعادته. أما لو أخل بالطمأنينة سهواً فلا تبطل التكبيرة. كما أنه لو عجز عن الطمأنينة لمرض أو ارتجاجِ مكان لا يقدر على غيره سقطت.
(مسألة ١٥٧): لو شكّ في تكبيرة الاحرام قبل الإتيان بما بعدها وجب الإتيان به، وإن كان ذلك بعد الدخول فيما بعدها - كالقراءة بل الاستعاذة بل دعاء التوجه الاتي في المسألة (١٥٩) - بنى على أنه أتى به.
(مسألة ١٥٨): يجزئ في تكبيرة الافتتاح واحدة، والافضل ثلاث تكبيرات، وأفضل منها خمس، وأفضل منها سبع. ويتحقق الدخول في الصلاة بالاُولى، والزائد عليها مكمّل لفضيلته. ويستحب للإمام في صلاة الجماعة الجهر بواحدة والاسرار بالباقي.
(مسألة ١٥٩): يجوز الإتيان بالتكبيرات ولاءً من غير دعاء. والافضل أن يكبر ثلاثاً ثم يقول: «اللهم أنت الملك الحق لا إله إلا أنت سبحانك إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، ثم يكبر تكبيرتين ثم يقول: «لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك، والمَهدي من هديت، لا ملجأ منك إلا إليك سبحانك وحنانيك وتباركت وتعاليت سبحانك رب البيت»، ثم يكبر التكبيرتين الاخيرتين ويقول: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك اُمرت وأنا من المسلمين» وهو دعاء التوجه. وإذا اجتزأ بتكبيرة واحدة استُحب له في دعاء
التوجه أن يقول بعدها: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك اُمرت وأنا من المسلمين».
(مسألة ١٦٠): يستحب أن يكون التكبير في حال رفع اليدين مستقبلاً بباطنهما القبلة، والأولى أن تكونا مضمومتي الاصابع كلها أو ما عدا الابهامين. ويستحب أن يكون رفعهما مقارباً للوجه أو ما زاد على ذلك حتّى يحاذي الاُذنين ولا يزيد على ذلك، فإذا أتم التكبير أسبل يديه.
الفصل الثالث
في القيام
وهو إنما يجب في الصلاة الواجبة مع القدرة والاختيار ويسقط فيها بالتعذر، كما يأتي. ولا يجب في الصلاة المندوبة، كما تقدم في فصل أعداد الصلاة.
(مسألة ١٦١): يشترط في الصلاة الواجبة مع القدرة القيام حال تكبيرة الاحرام، وحال القراءة أو الذكر بدلاً عنها وقبل الركوع وبعده. والاخلال به عمداً مبطل للصلاة في الجميع. بل تقدم أنّ من كبّر جالساً سهواً تبطل صلاته، وكذا لو قام راكعاً من دون أن يهوي للركوع من القيام سهو، نعم لا إشكال في صحة صلاته لو هوى من الركوع للسجود سهواً من دون أن ينتصب قائماً من الركوع، على ما يأتي في مبحث الركوع.
(مسألة ١٦٢): يجب مع الامكان الاعتدال في القيام، فإذا انحنى بظهره أو مال إلى أحد الجانبين بطل، وكذا إذا فرج بين رجليه كثيراً أو قوسهما بثني الركبتين إلى الإمام. نعم يجوز إطراق الرأس، وإن كان الافضل انتصابه.
(مسألة ١٦٣): الأحوط وجوباً القيام على تمام القدمين جميع، لا على
أحدهما ولا على اُصولهما ولا على أطراف الاصابع. نعم لا يجب اشتراك الكل في الاعتماد، بل يجوز الاعتماد على إحدى القدمين دون الاُخرى، وعلى بعض القدم دون بعض مع وضع تمام القدمين على الارض.
(مسألة ١٦٤): يجوز الاتكاء حال القيام والاعتماد على شيء من إنسان أو عصا أو حائط، وإن كان مكروه، بل الأحوط استحباباً الاستقلال مع الامكان. أما مع الاضطرار فلا بأس به.
(مسألة ١٦٥): إذا تعذّر القيام منتصباً - ولو معتمداً على شيء - اجتزأ بمسمى القيام ولو منحنياً أو مائلاً إلى أحد الجانبين، أو مع عدم الطمأنينة، فإن تعذّر صلّى من جلوس. ويجب حينئذٍ - مع الامكان - الانتصاب بإقامة الظهر واعتداله. والأحوط استحباباً عدم الاتكاء والاعتماد حاله، كما تقدم في القيام.
(مسألة ١٦٦): من عجز عن الجلوس صلّى مضطجعاً على جانبه الايمن، موجّهاً إلى القبلة بصدره، فإن لم يستطع صلّى مضطجعاً على جانبه الايسر موجهاً إلى القبلة بصدره أيض، فإن لم يستطع صلّى مستلقياً بحيث لو جلس كان مستقبلاً للقبلة. ويومئ للركوع والسجود. وليكن إيماء السجود أخفض. ومع تعذّر الايماء يغمض عينيه على الأحوط وجوب. ومع تعذّره ينوي بقلبه. كما أن الأحوط وجوباً مع القدرة أن يضع حال السجود بالايماء جبهته على ما يصحّ السجود عليه، وكذا في حال السجود بتغميض العينين. ولا يجب ذلك في النافلة.
(مسألة ١٦٧): إذا تمكن من القيام وعجز عن الركوع قائماً صلّى من قيام وركع جالس، وإذا عجز عن الركوع أو السجود جالساً أومأ للركوع قائماً وأومأ للسجود - مع تعذره - قائماً أو جالس، وجلس للتشهد. ومع الإيماء يجري ما تقدم في المسألة السابقة من كون الإيماء للسجود أخفض ووضع الجبهة على
ما يصح السجود عليه.
(مسألة ١٦٨): حد العجز المسوِّغ للانتقال من القيام للجلوس ولما بعده من المراتب التعذّر الحقيقي أو لزوم الضرر، من مرض أو عدوّ أو نحوهم، ويكفي فيه الخوف أو لزوم الحرج والمشقة التي يصعب تحملها عادة.
(مسألة ١٦٩): من قدر على القيام في بعض الصلاة دون بعض وجب عليه القيام حتّى يعجز فيجلس ثم يقوم متى قدر حتّى يعجز، وهكذا حتّى يتم صلاته.
(مسألة ١٧٠): إذا دار الامر بين الصلاة من جلوس بركوع وسجود والصلاة قائماً بالايماء اختار الأول. وكذا إذا دار الامر بين الصلاة ماشياً بالايماء والصلاة جالس. نعم إذا دار الامر بين الصلاة ماشياً مع الركوع والسجود التامّين والصلاة من جلوس فالأحوط وجوباً الجمع بينهم. كما أن الأحوط استحباباً في الصورتين الاُوليين الجمع بين الوجهين.
(مسألة ١٧١): إذا دخل الوقت وهو قادر على الصلاة من قيام وتوقّعَ تجدُّدَ العجز عنها في الوقت وجبت المبادرة إليه، فإن فرّط حتّى تعذّر عليه جاز له الصلاة جالساً أو ما دونها من المراتب المتقدمة واجتزأ به، بل الأحوط وجوباً مع التفريط عدم الاكتفاء بالمشقة في الانتقال للمرتبة الدانية ولزوم تحمل الحرج بالإتيان بالصلاة التامة لو قدر عليه. وهكذا الحال في جميع موارد القدرة على الصلاة التامة وتوقُّع تجدُّد العجز في أثناء الوقت.
(مسألة ١٧٢): إنما تشرع الصلاة الناقصة بالجلوس وما دونه من المراتب مع استيعاب العذر للوقت، فلو بادر إليها في أول الوقت كانت صحتها مراعاة باستمرار العذر، وكذا الحال في جميع موارد تعذّر الصلاة التامة، إلا ما استثني فينبَّه عليه في موضعه.
(مسألة ١٧٣): يستحب في القيام إسدال المنكبين وإرسال اليدين
ووضع الكفين مبسوطتين مضمومتي الاصابع على الفخذين بحذاء الركبتين، وأن يكون نظره - في غير حال القنوت - إلى موضع السجود، وأن يصفَّ قدميه متحاذيتين بحيث لا تتقدم إحداهما على الاُخرى، وإن يستقبل بهما ويباعد بينهما بإصبع إلى شبر، والافضل أن يكون بينهما ثلاث أصابع مُفرَجات إلا المرأة فإن الافضل لها أن تجمع بين قدميه، وأن يساوي بينهما في الاعتماد، وأن يكون في حال خضوع وخشوع كقيام العبد الذليل بين يدي المولى الجليل.
الفصل الرابع
في القراءة
لابد في الركعة الاُولى والثانية من كل صلاة - فريضةً كانت أو نافلة - قراءة سورة فاتحة الكتاب. ومنها البسملة، فإنها جزء منها ومن كل سورة عدا سورة براءة.
(مسألة ١٧٤): يجب في الفريضة قراءة سورة كاملة بعده، والمراد بها الفريضة بالاصل وإن صارت مندوبة بالعارض، كالصلاة اليومية المُعادة جماعةً وصلاة العيدين في عصر الغيبة. أما النافلة فلا يجب فيها قراءة السورة حتّى لو وجبت بالعارض، كنذر أو إجارة. نعم بعض النوافل الخاصة وردت بكيفيّة مخصوصة مشتملة على سور أو آيات مخصوصة وغير ذلك، فلابد في إدراك فضيلتها من المحافظة على كيفيتها الواردة.
(مسألة ١٧٥): تسقط السورة في الفريضة عن المريض والمستعجل. والأحوط وجوباً فيهما الاقتصار على صورة المشقة في الجملة، بل لا إشكال في عدم كفاية كون الشخص ممن يستعجل في صلاته ولو من دون شغل لعدم اهتمامه به. كما يكفي في ترك السورة خوف ضيق الوقت، والخوف من شيء يضرّ به.
(مسألة ١٧٦): لا تجوز قراءة السور التي يفوت الوقت بقراءته. فإن قرأها متعمداً متلفتاً لفوت الوقت بقراءتها ولحرمة ذلك بطلت الصلاة.
(مسألة ١٧٧): من قرأ السورة التي يفوت الوقت بقراءتها غفلةً عن ذلك، فإن التفت في الاثناء مع إمكان التدارك بتبديل السورة وإدراك الوقت وجب وصحت صلاته، وكذا مع ضيق الوقت عن قراءة سورة اُخرى إذا أمكن إدراك الوقت ولو بإدراك ركعة، حيث يجب حينئذٍ ترك السورة لادراك الركعة.
وأما إذا التفت مع ضيق الوقت عن إدراك الركعة أو بعد خروج الوقت فيجب إكمال السورة وإتمام الصلاة وتقع الصلاة قضاء حينئذٍ. وكذا لو التفت بعد إكمال السورة أو بعد إتمام الصلاه، فإنها تصح وتقع قضاء.
(مسألة ١٧٨): لا تجوز قراءة إحدى سور العزائم الاربع في الفريضة، لوجوب السجود بها الموجب لبطلانه. فإن قرأ بها بنيّة الجزئية متعمداً وملتفتاً لذلك بطلت صلاته.
(مسألة ١٧٩): من قرأ إحدى سور العزائم لا بنيّة الجزئية حرم عليه قراءة آية السجدة منه، فإن قرأها سجد لها وبطلت صلاته.
(مسألة ١٨٠): من قرأ إحدى سور العزائم بنيّة الجزئية سهواً أو غفلةً عن وجوب السجود لها أو عن بطلان الصلاة بالسجود المذكور، فإن لم يلتفت ولم يسجد لها حتّى أتم صلاته صحت صلاته، ووجب عليه السجود للتلاوة. وكذا تصح صلاته إن سجد غفلة عن مبطلية السجود للصلاة أو جهلاً به.
وإن التفت بعد قراءة آية السجدة وجب عليه السجود وبطلت صلاته، وإن التفت قبل قراءة آية السجدة عدل عن السورة - ولو بعد تجاوز النصف - لسورة اُخرى وصحت صلاته، فإن لم يعدل واستمر في قراءة سورة العزيمة بطلت صلاته.
(مسألة ١٨١): إذا استمع إلى آية السجدة وهو في الصلاة أومأ برأسه
للسجود ولم تبطل صلاته. وكذا إذا سمعها من غير استماع على الأحوط وجوب، وإن لم يومئ عصى، ولم تبطل صلاته أيض.
(مسألة ١٨٢): من صلّى مع إمام من العامة تقيّةً فقرأ الإمام سورة من العزائم فإن سجد الإمام لها سجد معه، وإن لم يسجد اجتزأ بالايماء وصحت صلاته في الحالين.
(مسألة ١٨٣): تجوز قراءة سورة من العزائم في النافلة فإذا بلغ موضع السجود سجد ولا تبطل صلاته، بل يتمه، وكذا الحكم لو قرأ آية السجدة منه. ولو نسي السجود لها في محله جاء به متى ذكره في الصلاة أو بعده.
(مسألة ١٨٤): سور العزائم أربع: سورة (ألم السجدة)، وموضع السجود منها الاية الخامسة عشرة. وسورة (حم السجدة) وهي سورة فصّلت، وموضع السجود منها الاية السابعة والثلاثون. وسورتا النجم والعلق، وموضع السجود منهما الاية الاخيرة.
(مسألة ١٨٥): يجب السجود لقراءة الايات المذكورة من سور العزائم الاربع ولو في غير الصلاة على القارئ والمستمع، بل السامع من دون استماع على الأحوط وجوب، إلا أن يكون مصلّياً فلا يجب عليه السجود، بل الأحوط وجوباً له الايماء برأسه بدلاً عنه.
(مسألة ١٨٦): لا يجب السجود بقراءة بعض الاية أو سماعه، إلا إذا كان مشتملاً على الجملة المتضمنة للسجود، فإن الأحوط وجوباً السجود حينئذٍ.
(مسألة ١٨٧): يستحب السجود في كل موضع من القرآن يشتمل على سجدة، ومنها المواضع المعروفة المسجلة في المصاحف المطبوعة، حيث ذكر العلماء استحباب السجود فيها بالخصوص، ومنها سجدة سورة (ص) وإن لم تشتمل على السجود بل اشتملت على الركوع.
(مسألة ١٨٨): وجوب السجود في العزائم الاربع واستحبابه في غيرها فوري، ومع عدم المبادرة عمداً أو سهواً لا يسقط، بل يبقى على فوريته.
(مسألة ١٨٩): يتكرر السجود بتكرر السبب. ولو تعدد السبب ولم يسجد في الكل وجب عليه تكرار السجود، ويكفي تخلل رفع الرأس بين السجدتين ولا يجب الجلوس التام بينهما كما في الصلاة.
(مسألة ١٩٠): يجب في سجود التلاوة النيّةُ، على نحو ما تقدم في الوضوء. والأحوط وجوباً مماسة الجبهة للارض أو ما أنبتت، وعدم علوّ مسجد الجبهة بأكثر من أربعة أصابع. ووضع المساجد السبعة على الارض على نحو ما يأتي في سجود الصلاة. نعم لا يجب الاخيران مع قراءة السجدة حال الركوب، بل يكفي السجود بالايماء.
(مسألة ١٩١): لا يشترط في هذا السجود الاستقبال ولا الطهارة من الحدث ولا الخبث، ولا يسقط عن الحائض، كما لا يشترط فيه طهارة موضع الجبهة ولا ستر العورة ولا بقية شروط سجود الصلاة.
(مسألة ١٩٢): ليس لهذا السجود تكبير للافتتاح ولا تشهّد ولا تسليم. نعم يستحب التكبير بعد رفع الرأس منه. والأحوط وجوباً الذكر فيه ويجزئ فيه ما يجزئ في سجود الصلاة. والافضل أن يقول فيه: «سجدت لك تعبُّداً ورقّاً لا مستكبراً عن عبادتك ولا مستنكفاً ولا مستعظم، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير».
(مسألة ١٩٣): لا تجوز قراءة البسملة في الفريضة بنيّة الجزئية في الصلاة إلا بنية تعيينها لسورة خاصة. وإذا لم يعينها لسورة فإن قصد بها الذكر أو القرآن من دون نية الجزئية لم تبطل الصلاة، وإن قصد بها الجزئية عمداً بطلت الصلاة، وإن كان سهواً لم تبطله، لكن لا يُجتزأ به، بل لابد من إعادتها للسورة التي
يريد قراءته.
ولو عينها لسورة فليس له أن يقرأ بها غيره، بل لابدّ من إعادتها للثانية إذا جاز العدول إليه، على ما يأتي التعرض لموارده.
(مسألة ١٩٤): يكفي في تعيين البسملة للسورة الاجمالي الارتكازي الناشئ من العادة، فلو كان من عادته أن يقرأ سورة الاخلاص بعد الفاتحة فجاء بالبسملة لها جرياً على عادته من دون التفات تفصيلي لذلك وقعت لسورة الاخلاص ولم يحتج لاعادته. وهكذا الحال في كل ما هو مشترك بين السور مما يقع في أوائلها مثل (ألم) و(حم) و(الحمد لله) و(تبارك الذي) وغيره.
(مسألة ١٩٥): إذا قرأ البسملة ثم تردَّد في السورة التي قصدها لها لم يجتزئ به، بل لابد من إعادتها للسورة التي يريد قراءته.
(مسألة ١٩٦): إذا عزم في أول الصلاة على قراءة سورة خاصة ثم غفل عنها وقرأ غيرها جرياً على عادته أو لامر آخر اجتزأ بما قر.
(مسألة ١٩٧): الأحوط وجوباً عدم الزيادة على سورة واحدة في الفريضة، وذلك بأن يأتي بما زاد على السورة على أنّه جزء من الصلاة إلاّ في موارد العدول الاتية، أمّا إذا أتى به لا بقصد الجزئية بل بما أنّه قراءة للقرآن فلا بأس به. وكذا لا بأس بالإتيان بأكثر من سورة في النوافل مطلق، بل جملة من النوافل يستحب فيها ذلك أو يلزم.
(مسألة ١٩٨): لا يجوز الاقتصار في ركعة واحدة من الفريضة على سورة (الضحى) ولا على سورة (ألم نشرح) ولا على سورة (الفيل) ولا على سورة (الايلاف)، بل من أراد قراءة إحدى هذه السور لزم عليه الجمع في الركعة الواحدة بين السورتين الاُوليين أو السورتين الاخيرتين مع الترتيب بينهم
البسملة في كل منهم.
(مسألة ١٩٩): لا يجوز العدول من سورة التوحيد أو الجحد - وهي الكافرون - إلى غيرهم، ولا من إحداهما للاُخرى. ويكفي في عدم جواز العدول الشروع بالبسملة. وأما العدول من بقيّة السور فلا يجوز إذا قرأ ثلُثي السورة، بل الأحوط وجوباً عدم العدول مع تجاوز النصف.
(مسألة ٢٠٠): من أراد أن يقرأ سورة الجمعة أو المنافقين في يوم الجمعة فنسي وقرأ سورة التوحيد جاز له العدول منها والرجوع إلى ما أراد قراءته أول، سواءً كان ذلك في صلاة الصبح أم الظهر أم العصر، أما لو تعمّد قراءة التوحيد من أول الامر فالأحوط وجوباً عدم العدول منه، كما أن الأحوط وجوباً عدم العدول من سورة الجحد للسورتين المذكورتين مطلق.
(مسألة ٢٠١): يتخير المصلي في الثالثة من المغرب والاخيرتين من الرباعية بين قراءة الفاتحة والذكر، من دون فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد. والذكر أفضل للمأموم، بل هو الأحوط استحباب. وفي أفضليته للإمام والمنفرد إشكال.
(مسألة ٢٠٢): لا يجب مساواة الركعتين الاخيرتين في القراءة أو الذكر، بل يجوز القراءة في إحداهما والذكر في الاُخرى.
(مسألة ٢٠٣): يجوز العدول من الذكر قبل إكماله إلى القراءة، وكذا العكس.
(مسألة ٢٠٤): إذا قصد أحدهما فسبق لسانه إلى الاخر فلا يجتزئ به، بل لابدّ من الاستئناف له أو لبديله. أما إذا عزم من أول الامر على الإتيان بأحدهما أو كان من عادته ذلك فنسي وأتى بالاخر فإنه يجتزئ به، وكذا إذا قرأ باعتقاد أنه في الاُوليين فتبين أنه في الاخيرتين أو اعتقد أنه في الاخيرتين فاختار القراءة ثم تبين أنه في الاُوليين، أو اعتقد أنه في الاُوليين فغفل وأتى بالتسبيح ثم تبيّن أنّه في الاخيرتين، فإنه يجتزئ بما أتى به في جميع ذلك ولا يحتاج للاستئناف.
(مسألة ٢٠٥): يكفي في الذكر في الركعتين الاخيرتين أن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) مرة، والافضل ثلاث، أو يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) ثلاث، أو يقول: (الحمد لله وسبحان الله والله أكبر) مرة، أو يسبح ويحمد الله ويستغفر. بل يحتمل الاجتزاء بمطلق الذكر من دون تحديد بصورة خاصة، لكن الأحوط وجوباً الاقتصار على إحدى الصور المتقدمة. والأولى في غير الصورة الاخيرة إضافةُ الاستغفار.
(مسألة ٢٠٦): يجب الجهر على الرجال بالقراءة في الصبح والاُوليين من المغرب والعشاء، ولا يجب على النساء فيه، بل يتخيّرن بينه وبين الاخفات.
(مسألة ٢٠٧): يجب الاخفات على الرجال والنساء في القراءة في الظهرين، كما يجب عليهم جميعاً الاخفات في ثالثة المغرب والركعتين الاخيرتين من الرباعية، سواء اختار المصلي الذكر أم القراءة.
(مسألة ٢٠٨): يستحب الجهر بالبسملة في الاُوليين من الصلاة الاخفاتية، بل حتّى في الاخيرتين لو اختار القراءة، وإن كان الأحوط استحباباً الاخفات، بل يجب على المأموم في الجماعة.
(مسألة ٢٠٩): يجب الجهر في صلاة الجمعة، ويستحب في صلاة ظهر يوم الجمعة تماماً كانت أو قصر.
(مسألة ٢١٠): يتخير المصلي بين الجهر والاخفات فيما عدا القراءة وذكر الركعتين الاخيرتين، كتكبيرة الاحرام وذكر الركوع والسجود والتشهد والتسليم.
(مسألة ٢١١): تقدم عند الكلام في تكبيرة الاحرام حدّ الكلام المعتبر في جميع الالفاظ الواردة في الصلاة. أما الجهر والاخفات في المقام فالظاهر أن المرجع فيهما إلى العرف، فالاخفات ما يصدق به الاسرار عرف، والأحوط
وجوباً فيه عدم ظهور جوهر الصوت، والجهر ما يصدق به الاعلان والاظهار عرفاً لارتفاع الصوت، والأحوط وجوباً فيه ظهور جوهر الصوت. وعلى ذلك لا يجزئ في الجهر ولا الاخفات رفع الصوت من دون ظهور جوهره، كالكلام المرتفع الصادر من المبحوح.
(مسألة ٢١٢): لا بأس بارتفاع الصوت المفرط في القراءة والاذكار المأتي بها لا بنيّة الجزئية من الصلاة، كما يكون من بعض المنبّهين لصلاة الجماعة.
(مسألة ٢١٣): إذا جهر المصلي في موضع الاخفات أو أخفت في موضع الجهر عمداً بطلت صلاته، وإذا كان ناسياً أو جاهلاً بالحكم - ولو للجهل بضابط الجهر والاخفات - صحت صلاته. نعم إذا كان متردداً حين الصلاة فجهر أو أخفت برجاء المطلوبية وانكشف مخالفة ما أتى به للواقع فالأحوط وجوباً له الاعادة.
(مسألة ٢١٤): إذا تذكّر الناسي أو علم الجاهل في أثناء القراءة أو الذكر أو بعدهما لم تجب عليه إعادة ما قرأه.
(مسألة ٢١٥): يجب في القراءة والذكر وغيرهما مما هو مطلوب في الصلاة أن يكون على النهج العربي، فلا يجزئ الملحون ولا الترجمة، نظير ما تقدم في تكبيرة الاحرام. نعم لا يلزم ذلك في الذكر المأتي به لا بقصد الجزئية في الصلاة.
(مسألة ٢١٦): يجب حذف همزة الوصل في الدرج إن لم تفصل عما قبلها بسكتة مثل همزة (الله) و(الرحمن) و(الرحيم) و(اهدن) وغيره، كما يجب إثباتها مع الوقوف على ما قبله، ويجب إثباب همزة القطع مثل همزة (إياك) و(أنعمت) و(أشهد) ونحوه.
(مسألة ٢١٧): الظاهر جواز الوقوف بالحركة والوصل بالسكون، وإن
كان الأحوط استحباباً ترك الامرين مع. ولا يجوز تبديل الحركة بحركة اُخرى، وإلا كان الكلام ملحوناً باطل.
(مسألة ٢١٨): الظاهر عدم وجوب المدّ في الواو الساكنة المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبله، والالف المفتوح ماقبلها إذا كان بعدها همزة وإن كانتا في كلمة واحدة، مثل (جاء) و(ماء) و(سُوء) و(جيء). بل وكذا إذا كان بعدها سكون لازم كما في مثل (ضآلّين). لكن لابدّ من ظهور الحروف المذكورة عرفاً وعدم حذفها بسبب التقاء الساكنين. نعم يحسن المدّ في الموردين المذكورين، خصوصاً الثاني، بل هو الأحوط استحباب.
(مسألة ٢١٩): يجب إظهار لام التعريف ولا يجوز إدغامها فيما بعدها إذا كان بعدها أحد الحروف القمرية، وهي: الهمزة والباء والخاء والحاء والعين والغين والفاء والقاف والكاف والميم والواو والهاء والياء، كما في مثل (الحمد) و(العالمين) و(المستقيم)، وهو الأحوط وجوباً قبل الجيم، كما في (الجاني)، كما أن الأحوط وجوباً عدم إظهار لام التعريف بل تدغم فيما بعدها إذا كان بعدها أحد الحروف الشمسية، وهي باقي الحروف الهجائية.
(مسألة ٢٢٠): يجب إدغام أحد الحرفين المتماثلين في الاخر إذا كان الأول ساكناً وكانا في كلمة واحدة كما في (مدّ) و(عمّ)، وهو الأحوط وجوباً فيما إذا كانا في كلمتين، كما في (إذهب بكتابي) و(يدرككم)، وأما إذا كان الحرفان متقاربي المخرج - كالتاء والدال والطاء، وكالثاء والذال، والضاد والظاء - فلا يدغم الأول إدغاماً تام، بل قد يظهر قليل. ويجزئ فيه الجري على ما تقتضيه طبيعة النطق من دون تكلّف كما في (عبدتم) و(قالت طائفة) و(يلهث ذلك) ونحوه.
(مسألة ٢٢١): الأحوط وجوباً إدغام النون الساكنة - حتى نون التنوين - بما بعدها اذا كان بعدها أحد حروف (يرملون). فمثل (من م) تقرأ: (مم)، ومثل (أشهد أن لا إله إلا الله) تقرأ: (أشهد ألا إله إلا الله)، ومثل (محمد وآل محمد) تقرأ: (محمدِ وّآل محمد)، وهكذ
(مسألة ٢٢٢): يتخير المكلف في القراءة بين القراءات المشهورة المتداولة في زمان الائمة (عليهم السلام). وإن كان الأولى اليوم القراءة على ما هو المثبت في المصاحف المشهورة بين المسلمين.
(مسألة ٢٢٣): يجوز في سورة الفاتحة قراءة (مالك يوم الدين) و(ملك يوم الدين) وقراءة (صراط) و(سراط)، وإن كان الأولى الأول في المقامين.
(مسألة ٢٢٤): يجوز في سورة التوحيد قراءة: (كُفُو) بضم الفاء مع الواو، و(كُفْؤ) و(كُفُؤ) بضم الفاء وسكونها مع الهمزة. وإن كان الأولى الأول.
(مسألة ٢٢٥): الأحوط وجوباً في قوله تعالى: (قل هو الله أحد * الله الصمد) إظهار تنوين (أحدٌ) وكسره في الدرْج.
(مسألة ٢٢٦): تجب الموالاة بين حروف الكلمة الواحدة بالمقدار الذي يتوقف عليه صدق الكلمة عرف، فإذا فاتت الموالاة سهواً بطلت الكلمة فتجب إعادتها ولا تبطل الصلاة بذلك، وكذا الموالاة بين حرف التعريف ومدخوله وبين الضمير المتصل وما يتصل به، ونحو ذلك مما يُعدّ كلمة واحدة عرف. والأحوط وجوباً عدم الفصل المعتد به بين حرف الجر ومدخوله وحرف العطف ومدخوله وحرف النداء والمنادى، بل جميع الحروف ومدخوله، وكذا المضاف والمضاف إليه.
وأما في غير ذلك، فإن كان الكلام ذِكراً من تسبيح أو تشهد أو نحوهم، مما كان وظيفة المصلي فيه قصد أداء مضمونه ولو إجمالاً - ومنه التسليم - فاللازم المحافظة فيه على الموالاة بين المفردات في الجملة الواحدة، وبين الجمل المتعلِّق بعضها ببعض، كالجملة الحالية والتعليلية مع ما قبله، وكالجمل المتعاطفة وغيره، فلا يجوز الفصل بينها بالكلام الاجنبي ولا بالسكوت الطويل
الذي لا يتعارف عند أهل اللسان إلا عند الاعراض عن الكلام، فمن سكت بالمقدار المذكور بين أجزاء الشهادتين في التشهد أو ردَّ السلام أو نحو ذلك لزمه استئناف التشهد وعدم الاجتزاء بما وقع منه، بخلاف ما لو فعل ذلك بين التسبيحات الاربع عند تكرارها أو بين التشهد والصلاة على النبي وآله وبين الصلاة والتسليم، حيث لاحاجة لاستئناف ما وقع، إلا أن يكون السكوت طويلاً ماحياً لصورة الصلاة فيستأنف الصلاة، على ما يأتي عند الكلام في منافيات الصلاة.
وأما في القراءة التي لا يعتبر فيها إلا قصد المصلي حكاية القرآن الكريم بلا حاجة لقصد المضمون، فلا يقدح الفصل بالسكوت الطويل ولا بالاجنبي، إلا أن يكون ماحياً لصورة الصلاة.
(مسألة ٢٢٧): إذا شك في حركة كلمة أو في صورة نطقها أو غير ذلك مما يشترط في صحتها فإن كان في القراءة لم تجُز له القراءة بالوجهين، أو بجميع الوجوه المحتملة، بل يجب عليه التعلّم. ولو حصل له الشك وهو في الصلاة وتعذّر عليه التعلّم حالها قرأ بأحد الوجهين برجاء صحته، فإن انكشف صحته اجتزأ به وإلا أعاد الصلاة. وكذا الحال في السلام.
وإن كان في ذكر الله تعالى أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الدعاء جاز النطق بجميع الوجوه المحتملة مع نية الصلاة إجمالاً بالصحيح منها والذكر المطلق بغيره.
(مسألة ٢٢٨): يجوز تكرار الاية أو الذكر أو الدعاء وإن لم يكن مطلوباً في الصلاة. لكن لابدّ من عدم قصد الجزئية في الزائد، بل بقصد القرآنية أو الذكر المطلق.
(مسألة ٢٢٩): يجوز في القراءة قصد مضمون الكلام من الدعاء والخطاب ونحوها في طول قصد القرآنية، بأن يقصد بقراءة القرآن الكناية عن بيان مضمونه.
(مسألة ٢٣٠): لا تصح القراءة والذكر في الركعتين الاخيرتين حال المشي، بل الأحوط وجوباً فيها الطمأنينة على نحو ماتقدم في تكبيرة الاحرام، وتقدم هناك سقوطها مع التعذر وعدم البطلان بالاخلال بها سهو.
(مسألة ٢٣١): إذا تحرك في حال القراءة قهراً وجب عليه السكوت، فإن لم يسكت غفلةً صحت صلاته وقراءته ولم يجب عليه إعادة ما قرأ حال التحرك، وإن كانت إعادته أحوط استحباب، بل الاقوى عدم إعادته أيضاً إذا قرأ قهراً لقوة الاستمرار بنحو فقَد السيطرة على نطقه، وإن كان الأحوط استحباباً فيه إعادة الصلاة بعد إكمالها أو استئنافها بعد قطعه.
(مسألة ٢٣٢): ما تقدم في تكبيرة الاحرام من حكم الاخرس يجري هن. ولا يجب عليه الائتمام.
(مسألة ٢٣٣): من لا يقدر إلا على الملحون ولو بتبديل بعض الحروف أجزأه ذلك، ولا يجب عليه الائتمام. وكذا إذا ضاق الوقت عن التعلّم من دون تفريط منه.
(مسألة ٢٣٤): من كان يعلم بعض الفاتحة قرأه، والأحوط وجوباً أن يقرأ من سائر القرآن بقدر بقيّتها ويأتي بالسورة بعد ذلك. وإذا لم يعلم شيئاً من الفاتحة قرأ من سائر القرآن، والأحوط وجوباً أن يكون بقدرها وإذا قدر على السورة التامة أتى به، وإذا لم يقدر على ذلك فالأحوط وجوباً أن يقرأ من القرآن بقدره. وإن لم يعلم شيئاً من القرآن أجزأه أن يكبّر ويسبّح بقدر ما يُحسن، والأحوط وجوباً أن يكون بقدر الفاتحة والسورة.
(مسألة ٢٣٥): يجب تعلّم القراءة والذكر ونحوهما مما يجب في الصلاة مع القدرة عرفاً على ذلك، كما يجب تعلّم النهج العربي المعتبر فيه، ولا يجزئ الناقص أو البدل حينئذٍ. ولو فرّط حتى ضاق الوقت عن التعلّم فالأحوط وجوباً الاتمام مع القدرة عليه، ومع تعذّره أو كون النقص في غير القراءة
فالأحوط وجوباً الجمع بين الاداء بالناقص والقضاء.
(مسألة ٢٣٦): إذا قرأ أو ذكر بالوجه غير الصحيح معتقداً صحته جهلاً أو نسياناً ولم يلتفت إلا بعد مضي محل التدارك أجزأه ما وقع وصحت صلاته.
(مسألة ٢٣٧): إذا نسي القراءة أو الذكر أو بعضهما حتى وصل إلى حدّ الركوع مضى وصحت صلاته، ولو ذكر بعد الهوي للركوع قبل الوصول لحدّه رجع وتدارك ما نسيه. وكذا إذا ترك شيئاً لاعتقاد عدم وجوبه، كما إذا دخل في الجماعة باعتقاد أن الإمام في الأوليين فتبين أنه في الاخيرتين.
(مسألة ٢٣٨): إذا شك في القراءة أو الذكر قبل التكبير للركوع أو القنوت أتى بما شك فيه، بل هو الأحوط وجوباً إذا كان الشك بعد التكبير قبل الركوع، أما لوشك بعد الدخول في الركوع مضى في صلاته وبنى على أنه قد أتى بما شك فيه. بل الظاهر ذلك أيضاً لو حصل الشك بعد الدخول في القنوت، وإن كان الأحوط استحباباً فيه الرجوع والإتيان بما شك فيه ثم إعادة القنوت برجاء المطلوبية.
(مسألة ٢٣٩): تستحب الاستعاذة قبل الشروع في القراءة في الركعة الاُولى بأن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». والأولى الاخفات به، الترتيل في القراءة، وتحسين الصوت بلا غناء، والوقف على فواصل الايات والسكتة بين الحمد والسورة، وبين السورة وتكبير الركوع، أو القنوت، وأن يقول بعد قراءة التوحيد: (كذلك الله ربي) أو (ربن) وأن يقول بعد الفراغ من الفاتحة (الحمد لله رب العالمين)، والمأموم يقولها بعد فراغ الإمام، وقراءة بعض السور في بعض الصلوات كقراءة (عمّ) و(هل أتى) و(الغاشية) و(البلد) في صلاة الصبح، وسورة (الاعلى) و(الشمس) ونحوهما في الظهر والعشاء، وسورة (النصر) و(التكاثر) في العصر والمغرب.
ويستحب قراءة سورة الجمعة في الركعة الاُولى وسورة الاعلى في الركعة
الثانية من العشائين ليلة الجمعة، وقراءة سورة الجمعة في الاُولى والتوحيد في الثانية من صبحه، وقراءة سورة الجمعة في الاُولى والمنافقين في الثانية من ظهريه، وقراءة سورة (هل أتى) في الاُولى و(هل أتاك) في الثانية في صبح الخميس والاثنين، ويستحب في كل صلاة قراءة (التوحيد) في الاُولى و(القدر) في الثانية، وروي أيضاً عكس ذلك، وإذا عدل عن غيرهما إليهما لما فيهما من فضل اُعطي أجر السورة التي عدل عنها مضافاً إلى أجرهم.
(مسألة ٢٤٠): يكره ترك سورة التوحيد في الفرائض الخمس ليوم واحد، ويكره قراءتها بنَفَس واحد، وقراءة سورة واحدة في كلتا الركعتين الاُوليين إلا سورة التوحيد فإنه لا يكره الاقتصار عليها في صلاة واحدة، بل في جميع الصلوات.
الفصل الخامس
في الركوع
وهو واجب في كل ركعة مرة،فريضةً كانت أو نافلةً، عدا صلاة الايات، على ما يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى. كما أنه ركن تبطل الصلاة بزيادته ونقيصته عمداً وسهو، عدا صلاة الجماعة، فلا تبطل بزيادته للمتابعة، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى، وعدا النافلة فلا تبطل بزيادته فيها سهواً على كلام يأتي في مباحث الخلل.
ويجب فيه اُمور:
الأول: الانحناء بقصد الركوع إلى الإمام بمقدار تصل معه أطراف الاصابع إلى الركبتين لو كان الساقان مستقيمين ولم ينثنيا إلى الإمام. وغير مستوي الخلقة - لطول اليدين أو قِصَرهما أو طول الجثة أو قِصَرها - يرجع في
مقدار الانحناء إلى مستوي الخلقة.
الثاني: الذكر، ويجزئ فيه: «سبحان ربي العظيم وبحمده» أو «سبحان الله» ثلاث. بل يجزئ مطلق الذكر من تحميد وتكبير وتهليل إذا كان بقدر الثلاث الصغريات، ويجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى والثلاث الصغريات، وكذا بينها وبين غيرهما من الاذكار، ويشترط في الذكر العربية على نحو ما تقدم في القراءة.
(مسألة ٢٤١): يجزئ «سبحان الله» مرة واحدة للمريض الذي يشق عليه الثلاث، وكذا مع ضيق الوقت عنها أو وجود ضرورة عرفية من خوف أو نحوه. والأحوط وجوباً الاقتصار في الضرورة العرفية على ما إذا كانت مستوعبة للوقت.
(مسألة ٢٤٢): يجري في الاخرس والعاجز عن تعلّم الصحيح ما تقدم في القراءة.
(مسألة ٢٤٣): من نسي الذكر حتى رفع رأسه من الركوع وخرج عن حدّه الواجب صحت صلاته.
(مسألة ٢٤٤): من قال في الركوع «سبحان ربي الاعلى وبحمده» لم يجتزئ به إلا أن يضيف من الذكر ما يكون معه المجموع بقدر ثلاث تسبيحات.
الثالث: الطمأنينة فيه بقدر الذكر الواجب على الأحوط وجوب، بالمقدار المتقدم في تكبيرة الاحرام والقراءة.
الرابع: رفع الرأس منه حتى يعتدل قائم. والأحوط وجوباً الطمأنينة حاله، ولو أخلّ بها سهواً لم تبطل صلاته. وكذا لو أخل بالاعتدال إذا خرج عن حدّ الركوع. وقد تقدم في القراءة بعض الفروع المتعلقة بالطمأنينة، وهي تجري هن.
(مسألة ٢٤٥): إذا عجز عن الانحناء بالمقدار المتقدم - ولو بالاعتماد على
شيء من عصا أو غيرها - ركع جالساً إذا تمكّن من الانحناء حال الجلوس بقدر الانحناء للركوع حال القيام. وإن تعذر الانحناء بالمقدار المذكور حتى جالساً فالأحوط وجوباً الانحناء بظهره بالمقدار الميسور وهو قائم، فإن تعذّر الانحناء بظهره ولو قليلاً صلّى قائماً بالايماء ويومئ للركوع برأسه، فإن تعذّر كان ركوعه بتغميض عينيه.
(مسألة ٢٤٦): إذا كان كالراكع خِلقة أو لعارض فإن أمكنه الانتصاب التام للقراءة وللهوي للركوع - ولو بالاستعانة بشيء - وجب، وإلا اكتفى بالميسور ولو بالخروج عن حدّ الركوع لخصوص الهوي للركوع، وإن تعذّر عليه الخروج عن حدّ الركوع رأساً أومأ برأسه للركوع أو بعينيه على النحو المتقدم في من يتعذّر عليه القيام في الصلاة، وإن كان الأحوط استحباباً له مع القدرة الانحناء قليلاً بنحو لا ينزل عن حدّ الركوع، ومع تعذّر ذلك لكونه في آخر مرتبة من الركوع يرفع رأسه قليلاً ثم يهوي إلى حاله بنيّة الركوع.
(مسألة ٢٤٧): يجب أن يكون الانحناء بقصد الركوع، فلو انحنى بقصد أمر آخر - كتناول شيء - فليس له أن ينوي بعد تحقق الانحناء منه الركوع، بل لابد من الرجوع للقيام ثم الركوع منه.
(مسألة ٢٤٨): إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود، فإن ذكر قبل وضع جبهته على الارض رجع إلى القيام ثم ركع، والأحوط وجوباً الاعتدال في القيام. وإن ذكر بعد وضع جبهته على الارض بطلت صلاته. والأحوط استحباباً فيما لو ذكر قبل الإتيان بالسجدة الثانية أن يأتي بالمبطل قبل استئناف الصلاة. هذا في الفريضة، وأما في النافلة فلا تبطل الصلاة، بل يرجع ويتدارك الركوع، ويأتي بما بعده.
(مسألة ٢٤٩): إذا هوى للركوع ثم نسي وهوى للسجود، فإن كان نسيانه قبل الوصول إلى حدّ الركوع كان كمن نسي الركوع الذي تقدم حكمه في المسألة
السابقة. وإن كان نسيانه بعد الوصول إلى حدّ الركوع حسب له الركوع.
وحينئذٍ إن التفت قبل أن يخرُج عن الانحناء في نزوله رجع راكعاً وأتى بالذكر إن كان لم يأت به ثم قام منتصباً وهوى للسجود، وإن لم يلتفت حتى خرج عن الانحناء أو حتى سجد مضى في صلاته وصحّت منه.
(مسألة ٢٥٠): حدّ ركوع الجالس أن ينحني قدر انحناء الراكع قائم. ومع العجز عن ذلك فالأحوط وجوباً الانحناء بالمقدار الميسور، ومع تعذّره يركع بالايماء برأسه، ومع تعذّره فبتغميض عينيه.
(مسألة ٢٥١): إذا شك في الركوع قبل الهوي للسجود أتى به، أما لو شك فيه بعد الهوي للسجود قبل وضع جبهته على الارض أو بعده فإنه يبني على أنه ركع ويمضي في صلاته.
(مسألة ٢٥٢): يستحب التكبير قبل الركوع، ورفع اليدين حال التكبير ووضع الكفين على الركبتين اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، ممكّناً كفّيه من عينيهم، وردّ الركبتين إلى الخلف، وتسوية الظهر، ومدّ العنق موازياً للظهر، وأن يكون نظره بين قدميه، وأن يُجنِّح بمرفقَيه، وأن يضع اليمنى على الركبة قبل اليسرى، وأن تضع المرأة كفّيها على فخذيه، وتكرار التسبيح ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر وكلما زاد كان أفضل، وأن يكون الذكر وتر، وأن يقول قبل التسبيح: (اللهم لك ركعت ولك أسلمت وعليك توكلت وأنت ربي خشع لك قلبي وسمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي ومخي وعصبي وعظامي وما أقلّته قدماي، غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر)، وأن يصلي على النبي وآله في الركوع، وأن يقول بعد الركوع حين الانتصاب منه: «سمع الله لمن حمده»، وأن يضم اليه: «الحمد لله رب العالمين» أو أن يضم إليه: «أهل الجبروت والكبرياء والعظمة والحمد لله رب العالمين»، وأن يرفع يديه للانتصاب المذكور ثم يكبر.
(مسألة ٢٥٣): يكره في الركوع أن يطأطئ رأسه أو يرفعه إلى فوق، وأن يضم يديه إلى جنبيه، وأن يضع إحدى الكفين على الاُخرى ويدخلهما بين ركبتيه، وأن يقرأ القرآن في الركوع، وأن يجعل يديه تحت ثيابه ملاصقاً لجسده.
الفصل السادس
في السجود
وهو وضع الجبهة على الارض بقصد الخضوع. والواجب منه في كل ركعة سجدتان. وهما معاً ركن تبطل الصلاة بنقصانهما معاً في الركعة الواحدة عمداً وسهو، كما تبطل بزيادتهما فيها عمد، بل سهواً أيضاً على الأحوط وجوب. ولا تبطل بزيادة واحدة ولانقصها سهو، ويجب فيه - مضافاً إلى ما سبق في مبحث مكان المصلي من لزوم مماسة الجبهة لما يصح السجود عليه - اُمور:
الأول: السجود على سبعة أعضاء: الجبهة والكفين والركبتين وإبهامَي الرجلين. ويستحب إضافة الانف إليه.
(مسألة ٢٥٤): المدار في الزيادة والنقيصة والركنية على وضع الجبهة دون بقية الاعضاء.
(مسألة ٢٥٥): يشترط مماسة الجبهة لما يصح السجود عليه، على ماتقدم في مبحث مكان المصلي، ولا يشترط ذلك في بقية الاعضاء.
(مسألة ٢٥٦): الأحوط وجوباً السجود على باطن الكفين، ومع تعذّره ينتقل للظاهر، ومع تعذّره يسقط وضع اليدين في السجود، وإن كان الأحوط استحباباً السجود على الاقرب فالاقرب من الذراع والعضد.
(مسألة ٢٥٧): يكفي في الجبهة المسمى ولو قليل، كما يكفي أن يكون
متفرقاً غير مجتمع كالسجود على الحصى الناعم أو السبحة من الطين، ويجزئ المسمى أيضاً في بقية الاعضاء، وإن كان الأحوط استحباباً في الكفّين استيعابهما عرف. ويكفي في الابهامين أيُّ جزء منهم. وإن كان الأحوط استحباباً طرفهم.
(مسألة ٢٥٨): لابد في السجود على كل عضو من الاعتماد عليه ولو قليل، ولا يكفي مجرد مماسّته لما يوضع عليه مع الاعتماد على غيره.
الثاني: الذِكر، على نحو ما تقدم في الركوع، إلا أن التسبيحة الكبرى فيه: «سبحان ربي الاعلى وبحمده»، ولو جاء بتسبيحة الركوع وجب إكماله، على نحو ما تقدم في الركوع لو أتى فيه بتسبيحة السجود.
واللازم أن يكون الذكر حال وضع المساجد بتمامه، واستقرارها في مكانه، ولا يكفي فيه وضع الجبهة. ولو أتى به مع رفع بعضها أو تحرّكه عمداً بطلت الصلاة. ولو كان ذلك سهواً أو جهلاً لم تبطل، والأحوط وجوباً حينئذٍ إعادة الذكر بعد وضع المساجد واستقراره.
الثالث: الطمأنينة حال الذكر، على نحو ما تقدم في الركوع.
الرابع: رفع الرأس بين السجدتين حتى ينتصب جالساً مطمئن، بل الأحوط وجوباً ذلك بعد السجدة الثانية من الركعة الاُولى والثالثة، وهو المعروف بجلسة الاستراحة.
الخامس: عدم ارتفاع مسجد الجبهة عن بقية المساجد بأكثر من أربع أصابع وعدم انخفاضه بأكثر من ذلك، بل الأحوط وجوباً عدم انخفاضه بأكثر من ذلك عن الرجلين وإن كان مساوياً لبقية المساجد.
(مسألة ٢٥٩): إذا وضع جبهته على الموضع المرتفع أكثر من أربعة أصابع سهو، فإن كان بحدٍّ لا يصدق معه السجود جاز له رفع رأسه والسجود على
الموضع المنخفض، كما يجوز إزالة المرتفع وإكمال الهوي للسجود، وإن كان بحدٍّ يصدق معه السجود فالأحوط وجوباً إزالة المرتفع وإكمال الهوي أو جرّ الجبهة للموضع المنخفض، من دون رفع للرأس.
(مسألة ٢٦٠): إذا ارتفعت جبهته عن المسجد قهراً فلذلك صورتان:
الاُولى: أن يكون بعد استقرارها على المسجد وركوده، فتحسب له سجدة من دون فرق بين إدراك الذكر فيها وعدمه. وحينئذٍ إن أمكن حفظها عن الرجوع للمسجد ثانياً وجب ولزم الجلوس منه. وإن رجعت قهراً للمسجد لم تحسب الثانية سجدة، بل إن كان ذلك في الاُولى وجب الإتيان بالسجدة الثانية بعد الجلوس منه.
الثانية: أن يكون ذلك قبل استقرارها على المسجد - كما يتفق كثيراً مع العجلة - فإن عادت ثانياً قهراً فالأحوط وجوباً الإتيان بالذكر فيها برجاء الجزئية من دون أن تحسب سجدة ثانية، بل إن كان ذلك في الاُولى وجب الإتيان بالسجدة الثانية بعد الجلوس منه. وإن أمكن حفظها عن الرجوع للمسجد ثانياً فالأحوط وجوباً استئناف الصلاة بعد فعل المبطل.
(مسألة ٢٦١): إذا عجز عن السجود التام فالأحوط وجوباً الانحناء بالمقدار الممكن ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه ووضع بقية المساجد في مواضعه، ومع تعذّر الانحناء يتعين الايماء برأسه، وإلا فبعينيه وإلا فبقلبه على ما تقدم في فصل القيام، وتقدّم ما يتعلق بذلك من الفروع فراجع.
(مسألة ٢٦٢): من كان بجبهته قرحة أو نحوها إن أمكنه السجود على أطراف الجبهة ولو بحفر حفيرة ليقع السليم منها على الارض وجب، فإن تعذّر ذلك سجد على ذقنه وهو أسفل الوجه. فإن تعذر ذلك فالأحوط وجوباً أن يسجد على شيء من وجهه مقدِّماً الانف على غيره.
(مسألة ٢٦٣): من نسي سجدة أو سجدتين، فإن ذكر قبل الركوع رجع وأتى بما نسيه وبما بعده، وإن ذكر بعد الدخول في الركوع فإن كان المنسي سجدة واحدة مضى في صلاته وقضاها بعد الفراغ من الصلاة، وإن كان المنسي سجدتين بطلت صلاته. هذا في الفريضة، وأما في النافلة فلا تبطل الصلاة، بل يرجع ويتدارك السجود حتى لو كان سجدة واحدة، ثم يأتي بما بعده حتى الركوع.
(مسألة ٢٦٤): من نسي السجود حتى سلم، فإن كان المنسي سجدتين من ركعة بطلت صلاته، من دون فرق بين الفريضة والنافلة، وإلا صحت صلاته وقضى ما نسيه.
(مسألة ٢٦٥): إذا شك في السجود قبل أن يستوي قائماً - ولو في حال النهوض - أو قبل الدخول في التشهد رجع وأتى به، وإن شك فيه بعد أن يستوي قائماً أو بعد الدخول في التشهد - ولو بقول: بسم الله وبالله - بنى على أنه أتى به ومضى في صلاته.
(مسألة ٢٦٦): يستحب التكبير حال الانتصاب بعد الركوع وقبل السجود، ورفع اليدين حال التكبير، والسبق باليدين إلى الارض قبل الركعتين عند الهوي للسجود، واستيعاب الجبهة في السجود عليه، والارغام بالانف، وبسط اليدين مضمومتي الاصابع حتى الابهام أزاء الاُذنين متوجهاً بهما إلى القبلة، وشغل العين بالنظر إلى طرف الانف حال السجود، والدعاء قبل الشروع في الذكر فيقول: «اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره، الحمد لله رب العالمين تبارك الله أحسن الخالقين»، ويستحب تكرار الذكر وأن يكون وتر، واختيار التسبيح فيه والافضل التسبيحة الكبرى منه، وتكرارها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر، وكلما زاد كان أفضل.
وأن يسجد على الارض بل التراب، ومساواة موضع الجبهة للموقف، بل المساواة في جميع المساجد، والتجافي حالَ السجود يعني رفع البدن عن الارض، والتجنُّح بمعنى أن يباعد بين عضديه عن جنبيه ويديه عن بدنه، والدعاء في السجود بما يريد من حوائج الدنيا والاخرة، خصوصاً الرزق، فيقول: «ياخير المسؤولين وياخير المعطين ارزقني وارزق عيالي من فضلك، فإنك ذو الفضل العظيم».
وأن يصلّي على النبي وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) في السجدتين والتورك في الجلوس بين السجدتين وبعدهم، بأن يجلس على فخذه وأليته اليسرى جاعلاً ظهر قدمه اليمنى على بطن اليسرى، وأن يقول في الجلوس بين السجدتين: «أستغفر الله ربي وأتوب إليه»، وأن يكبّر بعد الرفع من السجدة الاُولى بعد الجلوس مطمئن، ويكبّر قبل السجدة الثانية وهو جالس، ويكبّر بعد الرفع من الثانية كذلك، ويرفع اليدين حال التكبيرات، ووضع اليدين على الفخذين حال الجلوس اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، وأن يبسط كفيه على الارض عند القيام ثم يقوم رافعاً ركبتيه قبل يديه، وأن يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني وأجُرني وادفع عني إني لما أنزلت إلَيَّ من خير فقير، تبارك الله رب العالمين» وأن يقول عند النهوض: «بحول الله وقوته أقوم وأقعد وأركع وأسجد» أو «بحولك وقوتك أقوم وأقعد»، والافضل أن يضم إليه: «وأركع وأسجد»، وأن يطيل السجود ويكثر فيه من الذكر والتسبيح، ويباشر الارض بكفيه، وزيادة تمكين الجبهة.
(مسألة ٢٦٧): يستحب للمرأة وضع اليدين بعد الركبتين عند الهوي للسجود وعدم تجافيه، بل تفرش ذراعيها وتلصق بطنها بالارض، وتضم أعضاءها ولا ترفع عجيزتها حال النهوض للقيام، بل تنهض معتدلة.
(مسألة ٢٦٨): يكره الاقعاء في الجلوس بين السجدتين وبعدهما أيض، وهو: أن يعتمد بصدر قدميه على الارض ويجلس على عقبيه. ويكره أيضاً نفخ موضع السجود، وأن لا يبقي يديه على الارض بين السجدتين، وأن يقرأ القرآن في السجود.
الفصل السابع
في التشهد
وهو واجب في الثنائية مرة بعد رفع الرأس من السجدة الاخيرة من الركعة الثانية، ويجب أن يضيف إليها في الثلاثية والرباعية مرة اُخرى بعد رفع الرأس من السجدة الاخيرة من الركعة الاخيرة. وهو واجب غير ركن، فتبطل الصلاة بنقصه وزيادته عمد، ولا تبطل بنقصه وزيادته سهو، وإنما يجب مع نقصه سهواً قضاؤه بعد الصلاة، على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٢٦٩): يجزئ في التشهد أن يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ على محمد وآل محمد». والأولى عدم الخروج عن هذه الكيفية. وإن كان الظاهر الاجتزاء بالشهادتين، وبالصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأي صورة حصلت. بل الظاهر عدم جزئية الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) من التشهد. نعم الأحوط وجوباً عدم تركها في الصلاة.
(مسألة ٢٧٠): يجب في التشهد العربية، وعدم اللحن، ومع الجهل يجب التعلم، ومع العجز يجزئ الميسور ولو مع الترجمة على نحو ما تقدم في تكبيرة الاحرام، كما تقدم فيها حكم الاخرس. وتقدم في القراءة حكم من فرّط في التعلّم ملتفت. وحكم من قرأ خطأً وهو يعتقد صحة ما أتى به.
(مسألة ٢٧١): يجب في التشهد الجلوس، ومع تعذّره يجتزئ بالميسور مقدماً القيام على الاضطجاع والاستلقاء.
(مسألة ٢٧٢): الأحوط وجوباً الطمأنينة حال التشهد، على نحو ما تقدّم في تكبيرة الاحرام والقراءة وغيرهم.
(مسألة ٢٧٣): إذا نسي التشهد الأول في الرباعية والثلاثية فذكر حال القيام قبل الركوع وجب عليه الجلوس والإتيان به، وإن ذكره بعد الركوع مضى في صلاته، ووجب عليه قضاؤه في ضمن سجود السهو، فيجتزئ بتشهد سجود السهو عن التشهد المنسي. وإذا نسي التشهد الاخير في جميع الصلوات فإن ذكر قبل التسليم المخرج عن الصلاة رجع وأتى به ثم سلم. وان ذكره بعد التسليم المخرج قضاه منفرد. والأحوط استحباباً الإتيان بسجود السهو أيض. هذا في الفريضة، وأما النافلة فيأتي الكلام فيها في مباحث الخلل إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٢٧٤): إذا شك في التشهد بعد القيام أو بعد الشروع في السلام بنى على الإتيان به، ومضى في صلاته. وإن شك فيه قبل ذلك - ولو حال النهوض قبل أن يستوي قائماً - وجب عليه الإتيان به.
(مسألة ٢٧٥): يكره الاقعاء فيه، بل هو أشدّ كراهة من الاقعاء بين السجدتين. بل يستحب فيه الجلوس متورّكاً كما تقدم فيما بين السجدتين، وأن يقول قبل الشروع في الذكر: «الحمد لله» أو يقول: «بسم الله وبالله، والحمد لله وخير الاسماء لله» أو «والاسماء الحسنى كلها لله». وأن يجعل يديه على فخذيه منضمة الاصابع، وأن يكون نظره إلى حِجره، وأن يقول بعد الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «وتقبّل شفاعته وارفع درجته» في التشهد الأول، قيل: وفي الثاني أيض. وأن يقول: (سبحان الله) سبعاً بعد التشهد الأول ثم يقوم، ويستحب للمرأة في جلوسها للتشهد أن ترفع ركبتيها عن الارض وتضم فخذيها إلى نفسه.
الفصل الثامن
في التسليم
وهو واجب في كل صلاة، وهو آخر أجزائه، والمحلّل له، فبه يخرج عنها بحيث لا يبطلها بعده وقوع منافياته. وله صيغتان:
الاُولى: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
والثانية: «السلام عليكم».
ويستحب أن يضيف في الثانية فيقول «السلام عليكم ورحمة الله».
وأفضل من ذلك أن يضيف فيها فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، وإذا بدأ بالصيغة الاُولى استُحب له إضافة الثانية له، وإذا بدأ بالثانية لم تستحب الاُولى بعده.
(مسألة ٢٧٦): يجب الإتيان بالتسليم على النهج العربي، ومع العجز عن ذلك أو عن أصل التسليم بِخَرَس أو غيره يجري ما تقدم في التشهد.
(مسألة ٢٧٧): يجب فيه الجلوس، وكذا الطمأنينة على الأحوط وجوب، على نحو ما تقدم في التشهد وغيره.
(مسألة ٢٧٨): يجزئ التسليم بالصيغة الثانية مرة واحدة للإمام والمأموم والمنفرد، ويستحب أن يومئ بعينه أو بصفحة وجهه إلى جانب يمينه، كما يستحب للمأموم أن يسلم مرة اُخرى إلى شماله إن كان على شماله أحد.
(مسألة ٢٧٩): إذا نسي التسليم حتى دخل في التعقيب وغيره مما لا يبطل الصلاة رجع وأتى به. وإن ذكره بعد الدخول في المنافي فإن كان المنافي مما
لا يبطل الصلاة إلا مع العمد كالكلام أتى بالسلام وصحت صلاته، وإن كان مما يبطلها مطلقاً - كالحدث - بطلت صلاته.
(مسألة ٢٨٠): إذا شك في التسليم بعد الفراغ من الصلاة بنى على صحته. والمعيار في الفراغ على إنهاء العمل المأتي به بعنوان الصلاة، وإذا لم يحرز ذلك فإن دخل فيما يترتب على الصلاة كالتعقيب أو صلاة اُخرى صحت صلاته.
(مسألة ٢٨١): إذا سلم على نقص في الركعات فإن لم يأت بالمنافي أو جاء بما لا يبطل مع السهو - كالكلام - قام فأتم صلاته. وإن جاء بما يبطل مع السهو - كالحدث والانحراف عن القبلة - استأنف الصلاة.
(مسألة ٢٨٢): يستحب التورّك في الجلوس حال التسليم، ووضع اليدين على الفخذين، وأن يكون نظره إلى حجره، ويكره فيه الاقعاء، نظير ما تقدم في التشهد.
تتميم: في التعقيب وسجود الشكر
وهو الاشتغال بعد الفراغ من الصلاة بالذكر والدعاء وقراءة القرآن الكريم وهو من المستحبات المؤكدة ذات الفوائد المتعددة، كسعة الرزق، وكفاية الهم، وبه يكون العبد ضيفاً على الله تعالى، وحقيقاً بكرامته، وقد ورد ان من صلى فريضة فله دعوة مستجابة.. إلى غير ذلك.
(مسألة ٢٨٣): من التعقيب أن يكبر ثلاثاً بعد التسليم رافعاً يديه، على نحو ما سبق في تكبيرات الصلاة، وأن يقول بعدها: «لا إله إلا الله وحده وحده، أنجز وعده، ونَصَر عبده، وأعزَّ جنده، وغلب الاحزاب وحده، فله الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير».
(مسألة ٢٨٤): من التعقيب تسبيح الزهراء (عليه السلام)، وهو «الله
أكبر» أربعاً وثلاثين، ثم «الحمد لله» ثلاثاً وثلاثين، ثم «سبحان الله» ثلاثاً وثلاثين، ويستحب أن يقول في ختامه: «لاإله إلا الله» وأن يأتي به قبل أن يثني رجليه من صلاة الفريضة.
(مسألة ٢٨٥): يستحب ملازمة تسبيح الزهراء J حتى في غير الصلاة وأمر الصبيان به. كما يستحب عند النوم.
(مسألة ٢٨٦): يستحب أن يكون التسبيح بسبحة من طين قبر الحسين (عليه السلام)، وفي بعض الاخبار أنها تسبّح في يد من يديرها ويكتب ثواب تسبيحها له وإن غفل عن التسبيح.
(مسألة ٢٨٧): من التعقيب قراءة سورة الفاتحة، وقراءة سورة الاخلاص، وقراءة آية (شهد الله....) وهي الاية الثامنة عشرة من سورة آل عمران، والأولى أن يضيف إليها الاية التاسعة عشرة منه، وآية الكرسي، وآية (قل اللهم مالك الملك...) وهي الاية السادسة والعشرون والسابعة والعشرون من سورة آل عمران.
ومن التعقيب أن يستعيذ بالله تعالى من النار ويسأله الجنة، وأن يزوّجه من الحور العين. وغير ذلك مما هو كثير ومذكور في الكتب المعدّة لذلك.
(مسألة ٢٨٨): يستحب سجدة الشكر بعد كل صلاة فريضة أو نافلة، وفي الخبر الصحيح عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «سجدة الشكر واجبة على كل مسلم، تُتمّ بها صلاتَك، وتُرضي بها ربَّك، وتعجب الملائكة منك...»، والافضل سجدتان يفصل بينهما بتعفير الخدين أو الجبينين أو الجميع مقدماً الايمن على الايسر.
(مسألة ٢٨٩): يستحب في سجدة الشكر افتراش الذراعين وإلصاق
الصدر والبطن بالارض. وأن يقول فيها ثلاث مرات: «شكراً لله»، أو مائة مرة «شكر» أو «عفو» أو يقول مائة مرة «الحمد لله شكر» وكلما قال عشر مرات قال «شكراً للمجيب» ثم يقول: «ياذا المن الذي لا ينقطع أبد، ولا يحصيه غيره عدد، وياذا المعروف الذي لا ينفذ أبد، ياكريم ياكريم ياكريم» ثم يدعو ويتضرع ويذكر حاجته دنيوية كانت أو اُخروية. وقد ورد في بعض الاخبار أدعية اُخرى، ومنها أدعية طويلة لا مجال لاستقصائه.
(مسألة ٢٩٠): الأحوط وجوباً في سجود الشكر السجود على ما يصح السجود عليه والسجود على المساجد السبعة.
(مسألة ٢٩١): يستحب بعد رفع الرأس من سجود الشكر أن يمسح موضع سجوده بيده ثم يمرّها على وجهه ومقاديم بدنه وما نالته يده منه.
(مسألة ٢٩٢): يستحب سجود الشكر أيضاً عند تجدد كل نعمة ودفع كل نقمة وعند التوفيق للخير والبر. بل يستحب السجود بقصد التذلل لله تعالى تعبّداً له ولو لم يكن لاجل الشكر، بل هو من أعظم العبادات وأفضل القربات، وقد ورد أنه أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى وهو ساجد. ويستحب إطالته، ويجزئ فيه ما تقدم وغيرُه مما هو مذكور في المطولات.
(مسألة ٢٩٣): يحرم السجود لغير الله تعالى، من دون فرق بين المعصومين (عليهم السلام) والأولياء المقرّبين لله تعالى. وسجود الملائكة ليس لادم (عليه السلام) بل لله عز وجل تكريماً لادم، وكذا سجود إخوة يوسف (عليه السلام) ليس له بل لله عزوجل.
(مسألة ٢٩٤): لا بأس بالسجود لله تعالى في المشاهد المشرفة شكراً على التوفيق لزيارتها والتشرف بالحضور فيه. والدعاء فيه بقضاء الحوائج ببركتها وبركة من حلّ فيه، والاستشفاع به إلى الله تعالى في ذلك، نسأله سبحانه وتعالى مزيد التوفيق لمراضيه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الفصل التاسع
في الترتيب
يجب الإتيان بأفعال الصلاة على النحو المتقدم بأن يفتتح الصلاة بالتكبير، ويقدم القراءة أو الذكر في كل ركعة على الركوع، والركوع على السجود، والسجود على التشهد، والتشهد على التسليم.
(مسألة ٢٩٥): إذا خالف الترتيب فقدّم مؤخَّر، فإن كان عمداً بطلت الصلاة، وإن كان سهواً أو جهل، فإن قدّم ركناً على ركن بطلت الصلاة أيض، كما لو ترك الركوع ولم يلتفت حتى أكمل السجدتين أو ترك السجدتين حتى دخل في ركوع الركعة اللاحقة، وإن قدم غير الركن عليه رجع وأتى بالركن وأعاد ما قدّم، كما لو ترك الركوع والتفت بعد إكمال سجدة واحدة، فإنه يرجع ويأتي بالركوع ثم يعيد السجدة، وكذا إن قدّم غير الركن على غير الركن، كما لو تشهد بين السجدتين فإنه يرجع ويأتي بالسجدة الثانية ثم يعيد التشهد. وإن قدم الركن على غيره فإنه يمضي في صلاته، كما لو قدم الركوع على القراءة أو على التشهد. نعم إذا كان الجزء الفائت مما يقضى - كالتشهد - قضاه بعد الفراغ من الصلاة. هذا كله في الفريضة، وأما النافلة فيأتي الكلام فيها في مباحث الخلل في الصلاة.
الفصل العاشر
في الموالاة
تقدم في القراءة بيان الموالاة المعتبرة فيه. والأحوط وجوباً اعتبار الموالاة بين أجزاء الصلاة وعدم الفصل على نحو يوجب محو صورة الصلاة في نظر أهل الشرع. ولا بأس به لو وقع سهو.
(مسألة ٢٩٦): لا يضر بالموالاة المعتبرة تطويل الركوع والسجود وقراءة السور الطوال والذكر والقراءة والدعاء وإن لم يكن بنيّة الجزئية.
خاتمة: في القنوت
وهو مستحب في جميع الصلوات، فريضة كانت أو نافلة، على إشكال في الشفع، وينبغي الإتيان به فيها برجاء المطلوبية. ويتأكد استحبابه في الفرائض الجهرية، خصوصاً في الصبح والجمعة والمغرب، وفي الوتر من النوافل، والمستحب منه مرة بعد القراءة قبل الركوع في الركعة الثانية إلا في الجمعة والعيدين والايات، على ما يأتي عند التعرّض لها إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٢٩٧): يستحب القنوت في صلاة الوتر وإن كانت ركعة واحدة، ومحله بعد القراءة قبل الركوع بل قيل استحباب قنوت آخر فيها بعد الركوع. لكنه غير ثابت.
نعم ينبغي أن يدعو بما روي عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم(عليهم السلام) وهو: «هذا مقام من حسناته نعمة منك وشكره ضعيف
وذنبه عظيم، وليس لذلك إلا رفقك ورحمتك، فإنك قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل (صلى الله عليه وآله وسلم): (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون) طال والله هجوعي وقل قيامي وهذا السحر وأنا أستغفرك لذنوبي استغفارَ من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً ».
(مسألة ٢٩٨): لا يشترط في القنوت قول مخصوص، بل يكفي فيه ما تيسر من ذكر أو دعاء أو حمد أو ثناء، ويجزئ الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله، كما سبحان الله خمساً أو ثلاث. والأولى قراءة المأثور عن المعصومين (عليهم السلام). ولعلّ من أفضله كلمات الفرج، وهي: «لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين».
(مسألة ٢٩٩): يستحب في قنوت الوتر أن يدعو بكلمات الفرج السابقة، وأن يستغفر لاربعين مؤمناً أمواتاً وأحياءً، وأن يقول سبعين مرة: «أستغفر الله ربي وأتوب إليه». ثم يقول: «أستغفر الله الذي لاإله إلا هو الحي القيوم، ذو الجلال والاكرام لجميع ظلمي وجرمي وإسرافي على نفسى، وأتوب إليه» سبع مرات، ثم يقول سبع مرات، «هذا مقام العائذ بك من النار»، ثم يقول: «رب أسأتُ، وظلمتُ نفسي وبئس ما صنعتُ، وهذي يدي جزاء بما كسبت، وهذه رقبتي خاضعة لما آتيت، وها أنا ذا بين يديك، فخذ لنفسك من نفسي الرضا حتى ترضى، لك العتبى لا أعود»، ثم يقول: «العفو» ثلاثمأه مرة ويقول: «رب اغفر لي وارحمني وتب علي إنك أنت التواب الرحيم». وللمصلي الاقتصار على بعض ذلك. بل له الاقتصار على أدنى ما تقدم في القنوت.
(مسألة ٣٠٠): يستحب التكبير قبل القنوت، ورفع اليدين حال التكبير ووضعهما ثم يقنت رافعاً يديه حيال الوجه جاعلاً باطنهما إلى السماء وظاهرهم
إلى الارض. قيل: وأن تكونا منضمتين مضمومتي الاصابع إلا الابهامين، وأن يكون نظره إلى كفيه.
(مسألة ٣٠١): يستحب الجهر بالقنوت للإمام والمنفرد، بل حتى للمأموم وإن كان يكره له إسماع الإمام.
(مسألة ٣٠٢): إذا نسي القنوت وهوى إلى الركوع فإن ذكر قبل الوصول إلى حدّ الركوع استحب له الرجوع والإتيان به. وإن كان بعد الوصول إليه قضاه حين رفع الرأس من الركوع، إلا في الوتر فإنه لا يقضيه حينئذٍ، بل يمضي في صلاته. وإن ذكره بعد الهوي منه أتى به بعد الصلاة وهو جالس مستقبل القبلة، وإن ذكره بعد ما قام استقبل القبلة وجاء به ولو قائم.
(مسألة ٣٠٣): يجوز القنوت بغير العربي وبالعربي الملحون إذا لم يكن مغيّراً للمعنى، وتؤدّى به وظيفة القنوت.
المبحث الثالث
في منافيات الصلاة
وهي اُمور:
الأول: فقدُ بعض الشروط، كالطهارة من الخبث والساتر ونحوه، على تفصيل تقدم عند التعرض له.
الثاني: الحدث، سواء كان أصغر أم أكبر، فإنه مبطل أينما وقع، ولو في آخر جزء من السلام الواجب على الأحوط وجوب، عمداً وسهو. ويستثنى المستحاضة والمسلوس والمبطون ونحوهم، كما تقدم.
الثالث: الالتفات بتمام البدن عن القبلة، وإن لم يكن فاحش، إلا أن يكون بالمقدار المغتفر في الاستقبال، الذي تقدم تحديده. من دون فرق بين السهو والاختيار والاضطرار لريح أو نحوه. إلا أن يضطر للصلاة بالنحو المستلزم للالتفات المذكور، كالصلاة في السفينة. وأما الالتفات بالوجه مع الاستقبال بمقاديم البدن فهو مكروه إذا لم يكن فاحش، وإن كان فاحشاً كان مبطل. والظاهر أن المعيار في كونه فاحشاً على أن يرى ما خلفه، وهو ربع الدائرة الذي يكون في جانب الخلف. ويختص الابطال به بالفريضة، دون النافلة، وبالعمد دون السهو.
الرابع: ما كان منافياً للصلاة بنظر أهل الشرع بحيث يخرج به المصلي عنها بنظرهم تبعاً لارتكازيّاتهم على الأحوط وجوب، كالاصوات الخارجة من الفم الحاكية عن معان خاصة من دون أن يصدق عليها الكلام، وكالرقص والتصفيق ونحوه مما يستعمل في مقام اللهو والفرح، وكبعض الاشارات
الواردة في مقام الفحش والبذاء، وكبعض الاعمال اليدوية المعتدّ بها كالخياطة والنساجة بنحو يُعتدّ به لكثرته، وغير ذلك. ومنه الاكل والشرب إذا كان بنحو معتدٍّ به، دون غيره كابتلاع بقايا الطعام في الفم وما يذوب فيه من السكَّر.
(مسألة ٣٠٤): من كان مشغولاً بالدعاء في الوتر، وقد نوى الصوم وضاق عليه الوقت وهو عطشان جاز له أن يمشي للماء فيشرب منه قبل أن يفجأه الفجر ويعود للدعاء ولا تبطل صلاته بذلك.
(مسألة ٣٠٥): إذا أتى بفعل يشك في كونه منافياً للصلاة بنظر أهل الشرع كان عليه السؤال ممن يقلّده عن ذلك.
(مسألة ٣٠٦): لابأس بالتصفيق للاعلام، وكذا مثل ضرب الفخذ وضرب الحائط باليد أو بالعص، ورمي الغير بالحصى لينبهه. كما لابأس بمثل حركة اليد والاشارة بها والانحناء لتناول شيء من الارض ومناولته للغير، ورمي الكلب بالحجر ليزجره، وقتل الحية والعقرب والقملة والذباب ونحوه، وجلوس المرأة في الصلاة لحمل طفلها وإرضاعه وتسكيته، وغير ذلك مما لا ينافي الصلاة بحسب نظر أهل الشرع.
(مسألة ٣٠٧): الأحوط وجوباً عدم تعمّد إدخال صلاة في صلاة، فتبطل الاُولى به احتياط. وكذا الثانية إذا كانت الاُولى فريضةً وكان ملتفتاً لحرمة قطعه، وإن كانت الاُولى نافلة أو فريضة وغفل عن حرمة قطعها صحّت الثانية وله إتمامه، ويجري حينئذٍ ما يأتي في صورة السهو.
وأما لو أدخل إحدى الصلاتين في الاُخرى سهواً فالظاهر عدمُ بطلان الاُولى وصحةُ الثانية ويتخير في إكمال أيهما شاء، فإن سجد لاحدى الصلاتين سجدة واحدة ملتفتاً للاُخرى بطلت الاُخرى، وكذا إذا سجد لها سجدتين مع غفلته عن الاُخرى، بل هو الأحوط وجوباً في الركوع لاحداهما وحينئذٍ
يُتمّ التي مضى فيها لاغير. وإن كان الأحوط استحباباً عدم الاعتداد بها أيض، فيستأنفهما معاً بعد إبطال التي بيده أو إتمامه.
الخامس: تعمّد الكلام، عربياً كان أو غيره مع مخاطب أو بدونه، منشئاً كان المصلي أو حاكياً لكلام غيره.
(مسألة ٣٠٨): الظاهر صدق الكلام على تعمد إخراج الحروف على الوجه المعهود عند العرف في مقام البيان وإن لم يقصد بها الحكاية عن معنى لاهمالها أو لعدم قصد معناها منه. والأحوط وجوباً عمومه للحرف الواحد غير المفهم للمعنى، وأما إذا كان مفهماً له فلا إشكال في مبطليته.
وأما إخراج صورة الحروف بالنحو غير المعهود في مقام البيان، بل لغرض آخر كالتنحنح الذي قد يستلزم خروج حرف الحاء والنفخ الذي قد يستلزم خروج حرف الفاء فالظاهر عدم صدق الكلام عليه.
(مسألة ٣٠٩): الأحوط وجوباً تجنب بعض الاصوات الصادرة من الفم التي يتعارف الحكاية بها عن معان خاصة كالانين الذي يتعارف بيان الالم به، والزعقة التي يتعارف بيان الردع أو التضجر به، فإنها وإن لم تكن من الكلام عرفاً لعدم اشتمالها على الحروف المعهودة إلا أنها منافيةٌ للصلاة بنظر أهل الشرع فتدخل في القاطع الرابع.
(مسألة ٣١٠): تبطل الصلاة بتعمد الكلام حتى لو كان التكلم مُضطراً له لخوف أو حاجة ملحّة. نعم لا تبطل به مع السهو لو غفل عن كونه في الصلاة أو تخيّل الخروج منه.
(مسألة ٣١١): لا بأس بذكر الله تعالى والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة. والمراد به ذكرهما بما فيه ثناء عليهم، والأحوط وجوباً الاقتصار على ما كان بداعي التعظيم والمدح، دون ما كان بقصد الاخبار من دون نظر للمدح، كما لو قال
رزق الله زيداً ولد. أو توفي محمد في شهر صفر.
(مسألة ٣١٢): لابأس بالدعاء إذا كان بنحو المناجاة مع الله تعالى والخطاب له، مثل: اللهم ارحم زيد، دون مثل: رحم الله زيد، أو الخطاب لشخص بمثل: رحمك الله. وعلى هذا فلا يجوز للمصلي تسميت العاطس، بأن يقول له: «يرحمك الله» مثل، ولا رد العاطس إذا كان في الصلاة على من سمّته، بأن يقول له: «غفر الله لك» مثل. نعم يستحب للمصلي إذا عطس أن يقول: «الحمد لله»، بل يستحب له ذلك إذا عطس غيره أيض.
(مسألة ٣١٣): لابأس بقراءة القرآن في الصلاة.
(مسألة ٣١٤): لا يجوز للمصلي السلام على الغير ولا غيرُه من أقسام التحية. نعم يجب عليه ردّ السلام، وإذا لم يردّ ومضى في صلاته أثم، وإن صحت صلاته. لكن يكره السلام عليه.
(مسألة ٣١٥): يجب على المصلي أن يكون ردّه السلام بمثل ما سُلِّم عليه، فإذا قال المسلِّم: «السلام عليك» قال المصلي في الجواب: «السلام عليك»، وإذا قال: «السلام عليكم» قال: «السلام عليكم»، وإذا قال: «السلام» قال: «السلام». نعم إذا أضاف المسلِّم أمراً غير السلام فالأحوط وجوباً عدم رده، فإذا قال المسلِّم: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» اقتصر المصلّي في الجواب على: «السلام عليكم».
(مسألة ٣١٦): إذا كان السلام بالملحون ففي وجوب الرد في الصلاة وغيرها إشكال، والأحوط وجوباً الردّ لكن بقصد القرآنية إن لم يشرع الرد. هذا إذا لم يخرج باللحن عن كونه سلام، وإلا لم يجب الرد.
(مسألة ٣١٧): إذا كان المسلّم صبياً يميّز السلام أو امرأة فالظاهر وجوب الرد.
(مسألة ٣١٨): الأحوط وجوباً الاسماع في رد السلام في الصلاة وغيره، ولا يكفي الاعلام بالردّ بمعونة الاشارة ونحوه. نعم يكره في الصلاة رفع الصوت كثير. ولو تعذّر الاسماع لم يجب رفع الصوت بالرد حتى بالمقدار المتعارف، بل يكفي الرد الخفي. نعم الأحوط وجوباً الاعلام بالرد بمثل الاشارة.
(مسألة ٣١٩): إذا كانت التحية بغير السلام لم يشرع الرد في الصلاة، بل يكون مبطلاً له. نعم يستحب الرد في غير الصلاة بها أو بأحسن منه.
(مسألة ٣٢٠): ردّ السلام واجب كفائي، فإذا خوطب بالسلام جماعة أجزأهم رد واحد منهم وإن كان صبياً مميز، وإن استحب للاخرين الردّ أيض. وحينئذٍ إذا كان المصلي أحدهم، فإن لم يردّ غيره وجب عليه الردّ، وإن ردّ غيره فالأحوط وجوباً عدم الردّ منه، بل لو علم أو احتمل عدم قصده بالسلام من بينهم فلا إشكال في أنه لا يجوز له الرد عليه حتى لو لم يرد واحد منهم.
(مسألة ٣٢١): إذا تعدد السلام من شخص واحد أو من جماعة أجزأ في الرد للكل الجواب مرة واحدة. نعم لو تجدّد السلام بعد الرد وجب ردّه.
(مسألة ٣٢٢): إذا سلّم كلّ من الشخصين على الاخر دفعة واحدة وجب على كلٍّ منهما الرد على صاحبه ولم يكتف بسلامه عليه. أما إذا تأخر سلام أحدهما عن الاخر كفى في الرد ولا يحتاج إلى قصد عنوان كونه رد. نعم إذا لم يعلم الثاني بسلام الأول حينما سلم عليه فالأحوط وجوباً الرد منه على الأول، ورد الأول عليه أيض.
(مسألة ٣٢٣): إذا سلّم سخرية أو مزاحاً أو إحراجاً لا بقصد التحية لم يجب الرد.
(مسألة ٣٢٤): إذا كان السلام بصيغة «عليكم السلام» وجب الرد به.
(مسألة ٣٢٥): يجب في رد السلام الفورية العرفية بالنحو المتعارف، فإذا أخر عصياناً أو نسياناً حتى خرج عن صدق الجواب لم يجب الرد، وفي الصلاة لا يجوز، ولو شك في عدم صدق الجواب فالحكم كما لو علم بعدم صدقه.
(مسألة ٣٢٦): الأحوط وجوباً عدم بدء المسلم للكافر بالسلام إلا مع لزومه بمقتضى وضع المعاشرة، بحيث يكون ترك السلام جفاء. ولو سلم الكافر فالأحوط وجوباً عدم رد السلام عليه بالصيغة التامة، بل يقتصر على «السلام» أو على «عليكم».
(مسألة ٣٢٧): يستحب لكل أحد البدء بالسلام، لكن الأولى أن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والقائم أو الماشي على القاعد، والراكب على الماشي.
السادس: تعمد القهقهة، وهي الضحك المشتمل على الصوت والترجيع، بل الأحوط وجوباً التعميم لمطلق الضحك المشتمل على الصوت، من دون فرق بين الاختيار والاضطرار. نعم لا تبطل الصلاة بالقهقهة سهواً أو جهلاً بالحكم، ولابأس بالتبسم من دون صوت ولو عمد.
(مسألة ٣٢٨): لو امتلا جوفه ضحكاً واحمرّ وجهه، لكن حبس نفسه عن إظهار الصوت فالظاهر عدم بطلان الصلاة بذلك.
السابع: تعمُّد البكاء المشتمل على الصوت إذا كان لاُمور الدني، كذكر ميت أو فقد مال أو خوف من سلطان أو نحو ذلك، فإن الأحوط وجوباً بطلان الصلاة به ولا بأس بالبكاء إذا كان خوفاً من الله تعالى أو تذلّلاً له أو تضرعاً إليه لقضاء حاجة دينية أو دنيوية. كما لابأس به إذا كان سهو، أما إذا كان اضطراراً بأن غلبه البكاء فلم يملك نفسه فالظاهر أنه مبطل حينئذٍ.
(مسألة ٣٢٩): البكاء على مصائب أهل البيت (عليهم السلام) وما نالهم ونال مبدأهم وشيعتهم إن رجع إلى أمر الاخرة فلا بأس به، كما إذا كان بكاءً على الحق وحزناً على معصية الله فيهم أو حباً لهم بلحاظ ارتباطهم به تعالى. وإن رجع لامر الدنيا بأن يكون لمحض العاطفة غير المرتبطة به تعالى فالأحوط وجوباً كونه مبطل.
الثامن: التكفير، وهو وضع إحدى اليدين على الاُخرى تذلّلاً وخضوعاً لله تعالى، فإن المشهور بطلان الصلاة به. لكنه لا يخلو عن إشكال والاظهر الكراهة. نعم إذا كان فيه ترويج للباطل كان محرم، وكذا إذا أتى به بقصد التشريع على أنه أمر موظف في الصلاة، وحينئذٍ مع الالتفات لذلك يكون مانعاً من التقرب بالصلاة فتبطل. نعم لابأس بالإتيان به تقية أو سهو.
التاسع: تعمد قول «آمين» بعد تمام الفاتحة، فإنه حرام ومبطل للصلاة على الأحوط وجوب. ولا يبطل إذا أتى به سهو، وكذا تقية، بل قد يجب.
(مسألة ٣٣٠): إذا شك في حصول أحد القواطع المتقدمة بنى على عدمه.
(مسألة ٣٣١): إذا شك في صحة الصلاة بعد الفراغ منها بنى على الصحة.
(مسألة ٣٣٢): يكره في الصلاة الالتفات بالوجه - كما سبق - وبالعين والعبث باليد واللحية والرأس والاصابع، ونفخ موضع السجود والبصاق والتمطي والتثاؤب ومدافعة البول والغائط والريح والتكاسل والتناعس والتثاقل والامتخاط ووصل إحدى القدمين بالاُخرى بلا فصل بينهم، إلا للمرأة فإنه مستحب، ويكره أيضاً تشبيك الاصابع، ولبس الخف أو الجورب الضيق، وحديث النفس، والنظر إلى نقش الخاتم والمصحف والكتاب، ووضع اليد على الورك متعمد، وغير ذلك مما ذكر في المفصلات.
الأحوط وجوباً عدم قطع الفريضة اختيار. ويجوز لكل غرض راجح ديني أو دنيوي كأداء الواجبات والمستحبات الفورية وكحفظ المال وحبس الغريم والدابة ونحوهم. ومنه القطع لايقاع الصلاة على الوجه الاكمل، كما لو صلّى في ثوب يكره الصلاة فيه فله قطعها للصلاة في ثوب آخر لا تكره فيه الصلاة. وكذا قطعها وإعادتها لتجنّب احتمال البطلان سواء صحت الصلاة ظاهر، كما لو صلّى في ثوب يحتمل طهارته من دون سبق العلم بنجاسته، أم لم تصحّ كما لو صلّى في أحد ثوبين يعلم بنجاسة أحدهم، ويترتب على ذلك جواز قطع الصلاة في جميع موارد الاحتياط الوجوبي والاستحبابي بإعادته، فإنه لاملزم مع ذلك بإتمامها ثم الاعادة - كما جرى عليه جماعة من الاكابر - بل يجوز قطعها واستئنافه، كما ذكرناه مراراً فيما تقدم.
(مسألة ٣٣٣): يجوز قطع النافلة اختياراً ولو لمجرد الاعراض عن امتثاله، حتى لو وجبت بالاصل كالمعادة جماعة أو وجبت بالعرض كالمنذورة.
(مسألة ٣٣٤): إذا وجب قطع الفريضة أو النافلة لاداء واجب فوري، فإن خالف المكلف ولم يُؤدِّ الواجب وانشغل بالصلاة، فإن كان الداعي لترك الواجب هو الانشغال بالصلاة أشكل صحتها لعدم وضوح تأتي قصد القربة به، بل الأحوط وجوباً عدم الاعتداد به. وإن كان الداعي لترك الواجب أمراً آخر فالظاهر صحة الصلاة.
تكملة في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تستحب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع الاحوال، وقد ورد أنها تعدل عند الله تعالى التسبيح والتهليل والتكبير، وأنها تهدم الذنوب هدم، وأنها أمحق للخطايا من الماء للنار، وأنها تذهب بالنفاق، وأنها أثقل شيء في الميزان، وبها تثقل ميزان من خفت أعماله. وأن الله تعالى إنما اتخذ إبراهيم خليلاً لكثرة صلاته على محمد وأهل بيته، وأن من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله تعالى عليه الف صلاة في ألف صف من الملائكة، ولم يبق شيء مما خلقه الله إلا صلى على العبد لصلاة الله وصلاة ملائكته. قال (عليه السلام): «فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برئ الله منه ورسوله وأهل بيته»، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «من كان آخر كلامه الصلاة عليّ وعلى علي دخل الجنة».
وقد ورد أن الدعاء مايزال محجوباً حتى يصلّى على محمد وآله. وأن من سأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي وآله ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة عليهم لتقضى حاجته.. إلى غير ذلك مما هو كثير جد.
(مسألة ٣٣٥): يستحب رفع الصوت بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ورد أن ذلك يذهب بالنفاق.
(مسألة ٣٣٦): تستحب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخصوص عند الذبح والعطاس، كما ورد أنها تمنع النسيان.
(مسألة ٣٣٧): يتأكد استحباب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن ذكره
أو ذُكر عنده، وإن كان في الصلاة، بل الظاهر كراهة تركها كراهة شديدة لمن لم يكن له عذر في ذلك. بل قد يحرم إذا ابتنى على الزهد فيه.
(مسألة ٣٣٨): لافرق في ذلك بين ذكره باسمه الشريف أو بلقبه أو كنيته أو بالضمير.
(مسألة ٣٣٩): إذا ذكر اسمه مكرراً في حديث واحد استحب تكرار الصلاة، وإن كان الظاهر زوال الكراهة بالإتيان بها مرة.
(مسألة ٣٤٠): الظاهر أن استحباب الصلاة عليه بعد ذكره بنحو الفور العرفي.
(مسألة ٣٤١): لا يشترط في الصلاة عليه كيفية خاصة. نعم لا تؤدى وظيفتها إلا بضم آله - صلوات الله عليهم - إليه، كما يشهد به النصوص الكثيرة التي رواها الفريقين شيعة أهل البيت وغيرهم، وقد ورد من طرقهم النهي عن الصلاة البتراء، وهي التي لا يذكر فيها آله (عليهم السلام)، بل لعلّ تركه رغبةً عنه محرّم. وقد ورد في غير واحد من الاخبار عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن من صلى عليه ولم يصل على آله لم يجد ريح الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام.. إلى غير ذلك.
(مسألة ٣٤٢): اذا ذكر احد الانبياء فالافضل الصلاة على النبي وآله ثم الصلاة على ذلك النبي.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
المقصد الثالث
في صلاة الجمعة
وقد تقدم في فصل أعداد الفرائض أنه مع عدم بسط يد الإمام - كما في عصرنا هذا عصر الغيبة - يتخير المكلف بينها وبين صلاة الظهر.
ويقع الكلام فيها في ضمن فصول..
الفصل الأول
في كيفيته
وهي ركعتان، يقرأ فيهما بالفاتحة وسورة كسائر الفرائض المقصورة. وتمتاز عنها بخطبتين قبلها بدل الركعتين، وبوجوب إيقاعها جماعة، بشروط الجماعة الاتية في محله، ولا تشرع فرادى.
(مسألة ٣٤٣): يجب على الإمام الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة.
(مسألة ٣٤٤): يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة الجمعة، وفي الثانية بعد الفاتحة سورة المنافقين.
(مسألة ٣٤٥): يستحب فيها قنوتان، (الأول): في الركعة الاُولى بعد القراءة قبل الركوع،(الثاني): في الركعة الثانية بعد الركوع حين الانتصاب منه.
(مسألة ٣٤٦): يجب أن يكون الخطيب هو الإمام للصلاة، ولا يكفي خطبة
غيره، كما يجب عليه القيام حال الخطبة والفصل بين الخطبتين بجلسة قصيرة.
(مسألة ٣٤٧): لابد في الخطبة الاُولى من حمد الله تعالى والثناء عليه، والوصية بتقوى الله تعالى، ويقرأ سورة من القرآن. أما في الخطبة الثانية فلا بد من حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأحوط وجوباً تسمية الائمة (عليهم السلام) واحداً واحداً عند الصلاة عليهم معه (صلى الله عليه وآله وسلم) والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات. وينبغي الاهتمام في الاُولى بالثناء على الله تعالى وتمجيده وتقديسه، وفي الثانية بالاعذار والانذار وبيان ما يصلح للناس في أمر دينهم ودنياهم، والتنبيه لما ورد على المسلمين في الافاق وما ينبغي لهم الاهتمام به والاعداد له.
(مسألة ٣٤٨): الأحوط وجوباً رفع الصوت بالخطبة بالمقدار المتعارف في مقام الاسماع، لتحقيق الغرض المطلوب منها ولو بالاضافة إلى بعض المصلين، ولو تعذّر الاسماع حتى بالاضافة إلى بعض المأمومين لِتعذُّر رفع الصوت على الإمام أو لصمم المأمومين أو لوجود مانع خارجي من سماعهم أشكَلَ مشروعية الجمعة، فالأحوط وجوباً عدم الاجتزاء به.
(مسألة ٣٤٩): الأحوط وجوباً في الخطبة طهارة الإمام من الحدث والخبث في الثوب والبدن بالمقدار اللازم في الصلاة.
(مسألة ٣٥٠): الأحوط وجوباً العربية في المقدار الواجب من الخطبتين، دون المقدار الزائد منهما على الواجب. ومع كون جميع الحاضرين لا يفهمون العربية فالأحوط وجوباً الجمع في الامر بتقوى الله تعالى بين العربية واللغة التي يفهمونه، مع المحافظة على العربية فيما بقي من المقدار الواجب من الخطبتين.
الفصل الثاني
في شروط مشروعيتها وصحته
وهي اُمور:
الأول: دخول الوقت، وهو شرط في الصلاة. أما الخطبتان فيجوز تقديمهما على الزوال بحيث يفرغ منهما عند الزوال، ويجوز تأخيرهما عن الزوال أيض، لكن يرجح مؤكداً المبادرة عرفاً لهما وللصلاة في أول الوقت، بل هو الأحوط وجوب. فمع تراخي المكلف عنها لا يجتزئ به، بل يأتي بصلاة الظهر.
الثاني: اجتماع خمسة مصلين أحدهم الإمام. والأحوط وجوباً عدم انعقادها بالمرأة والصبي، وإن صحت منهما إذا انعقدت بخمسة غيرهم.
الثالث: عدم انعقاد جمعتين بينهما دون فرسخ، وهو يقارب ستة كيلومترات، ولو سبقت إحداهما وكانت واجدة لبقية الشروط بطلت الثانية، ولو اقترنتا بطلتا مع.
الفصل الثالث
في أحكام صلاة الجمعة
(مسألة ٣٥١): لا يجوز الكلام حال الخطبة، بل يحسن الاصغاء له.
(مسألة ٣٥٢): من لم يدرك الخطبتين أجزأه إدراك الصلاة مع الإمام. ويكفي في إدراكها أن يدرك الإمام بعد الدخول فيها إلى أن يركع في الركعة الثانية، فإذا التحق به في الركعة الثانية صلاها معه وأكملها بركعة اُخرى يجهر
فيه، وتتم له الجمعة. وأما إذا أدركه بعد الركوع فقد فاتته الجمعة ولزمه أن يصلي الظهر أربع.
(مسألة ٣٥٣): لما لم تكن الجمعة في هذا الزمان واجبة تعييناً بل تخيير، فالظاهر عدم وجوب السعي إليها عند النداء إليها وعدم حرمة البيع.
(مسألة ٣٥٤): يستحب للإمام أن يعتمّ في الشتاء والصيف وأن يتردّى ببُرد يمني أو عدني وأن يتوكأ على قوس أو عص.
المقصد الرابع:
في صلاة الآيات
وهي واجبة على كل مكلف عدا الحائض والنفساء.
وفيها فصول..
الفصل الأول
في أسبابه
وهي اُمور:
الأول: كسوف الشمس وخسوف القمر، سواء حصل الخوف منهما أم ل.
الثاني: الزلزلة، على الأحوط وجوب، سواء حصل الخوف منها أم ل.
الثالث: كل مخيف سماوي، كالريح السوداء والحمراء والصفراء والظلمة الشديدة والصاعقة والصيحة والنار التي تظهر في السماء وغيره. بل هو الأحوط وجوباً في المخيف الارضي كالهدة والخسف وغيرهم. والظاهر أن المعيار في ذلك أن تكون مخيفة نوعاً بمقتضى طبع الإنسان وإن لم يحصل الخوف فعلاً في عصورنا بسبب التعوُّد أو قسوة القلوب أو تفسير الحوادث تفسيراً علمياً أو غير ذلك.
(مسألة ٣٥٥): إنما تجب هذه الصلاة على أهل المكان الذي يقع السبب فيه وما يلحق به عرف، دون غيره ممن بَعُد عنه.
الفصل الثاني
في وقته
وقت صلاة الكسوفين من ابتداء الانكساف إلى تمام الانجلاء. والأحوط استحباباً الإتيان بها قبل الشروع بالانجلاء. والأحوط وجوباً مع بقاء شيء من الوقت لا يسع تمام الصلاة الإتيانُ بها لابنية الاداء ولا القضاء. ولو كان وقت الكسوف كلُّه لا يسع تمام الصلاة فالأحوط وجوباً الإتيان بها برجاء المطلوبية. وأما في غيرهما من الايات فالظاهر وجوب المبادرة إلى الصلاة عند حصوله بحيث يصدق عرفاً أنه صلّى حينه، وإذا استمر السبب مدة طويلة لزمت المبادرة إليه قبل ارتفاعه.
(مسألة ٣٥٦): إذا لم يعلم المكلف بالكسوفين إلى تمام الانجلاء، فإن لم يحترق القرص كله لم يجب عليه القضاء، وإن احترق القرص كله وجب القضاء، وأما إذا علم بالكسوف أو الخسوف حينه ولم يصل، فإنه يقضي وإن لم يحترق القرص كله. وأما في غير الكسوفين من الايات فالأحوط وجوباً مع العلم به وعدم الصلاة له القضاء، أما مع الجهل به حتى ارتفع فلا يجب القضاء.
(مسألة ٣٥٧): لو جاء بالصلاة في الوقت ثم تبيّن بعد خروج الوقت فسادها فهو بحكم ما إذا لم يصلها في القضاء وجوباً أو احتياط.
(مسألة ٣٥٨): لا يجب على الحائض والنفساء عند حصول السبب قضاء الصلاة بعد الطهر من الحيض والنفاس.
(مسألة ٣٥٩): إذا حصل السبب في وقت الفريضة اليومية فمع سعة وقت كل منهما يتخير في تقديم أيهما شاء، وإن كان الافضل تقديم اليومية
خصوصاً إذا خاف فوت وقت فضيلته، ومع تضيُّق وقت إحداهما دون الاُخرى يبادر للتي ضاق وقته، وإن ضاق وقتهما معاً قدم اليومية.
(مسألة ٣٦٠): إذا شرع في صلاة الكسوف ثم خاف فوت وقت الفريضة اليومية الادائي وجب عليه قطعها وأداء الفريضة اليومية، وإذا خاف فوت وقتها الفضيلي استحب له قطعها وأداء الفريضة اليومية. وإذا لم يأت بالمنافي للصلاة في الموردين جاز له بعد الفراغ من الفريضة العود لصلاة الكسوف من الموضع الذي قطعها عنده، ولا يجب عليه استئنافه.
الفصل الثالث
في كيفيته
وهي ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات يقرأ قبل كل منها ويعتدل في قيامه بعد كل منه، وبعد القيام من الخامس يسجد سجدتين، ويتشهد بعد سجود الركعة الثانية ويسلم. وليس فيها أذان ولا إقامة. والأولى أن ينادى عند الإتيان بها جماعة: الصلاة الصلاة الصلاة.
(مسألة ٣٦١): يجب في كل ركعة من الركعتين قراءة الفاتحة وسورة، وله تفريق سورة واحدة على الركوعات الخمسة يقرأ في الركعة الواحدة بعضاً منها قبل كل ركوع حتى يتمه. وحينئذٍ إن ختم قبل الركوع سورة قرأ بعد القيام منه وقبل الركوع الذي بعده الفاتحة وبدأ بسورة، وإن لم يختم سورة، بل هوى للركوع من بعض سورة بدأ بعد القيام منه وقبل الركوع الذي بعده من حيث انتهى من تلك السورة ولم يقرأ الفاتحة حتى يتم خمسة ركوعات.
وعلى ذلك قد يكتفي بالفاتحة مرة واحدة في الركعة، كما إذا فرّق سورة واحدة على الركوعات الخمسة، وقد يجب عليه الإتيان بالفاتحة خمس مرات
في الركعة، كما إذا أتم السورة قبل كل ركوع من الركوعات الخمسة. وقد يجب عليه الإتيان بالفاتحة أكثر من مرة وأقل من خمس مرات، كما لو ختم سورة في بعض الركوعات وقطع السورة في بعض الركوعات وأتمّها في بعض.
(مسألة ٣٦٢): الأحوط وجوباً عدم الهوي للركوع الخامس في كل من الركعتين إلابعد إكمال السورة، وعدم الاكتفاء ببعض سورة وإن كان قد أتم سورة في ركوع سابق من تلك الركعة.
(مسألة ٣٦٣): حكم هذه الصلاة حكم الثنائية في البطلان بالشك في عدد الركعات، وفي حجية الظن فيه. وأما الشك في عدد الركوعات من ركعة واحدة فحكمه البناء على الاقل.
(مسألة ٣٦٤): ركوعات هذه الصلاة أركان تبطل الصلاة بزيادتها ونقصها عمداً وسهو، نظير ما تقدم في اليومية. ويجب فيها ما يجب في اليومية من الاجزاء والشرائط والاذكار الواجبة والمندوبة. كما يجري فيها أحكام الشك في المحل وبعد التجاوز.
(مسألة ٣٦٥): يستحب فيها القنوت بعد القراءة قبل الركوع الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر، ويجوز الاقتصار على بعضه. ويستحب التكبير عند الهوي للركوع وعند القيام منه، إلا في رفع الرأس من الركوع الخامس في كل من الركعتين، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده. نعم لابأس بضم التكبير إليه برجاء المطلوبية.
(مسألة ٣٦٦): يستحب الإتيان بها جماعة ويتحمل الإمام فيها القراءة لاغير، كاليومية. وتدرك بإدراك الإمام قبل الركوع الأول أو فيه في كل من الركعتين، أما إذا أدركه في غيره ففيه إشكال.
(مسألة ٣٦٧): يستحب التطويل في صلاة الكسوف إلى تمام الانجلاء،
فإن فرغ قبله جلس في مصلاه مشتغلاً بالدعاء أو يعيد الصلاة، نعم إذا كان المصلي إماماً يشق على من خلفه التطويل خف استحبابه في حقه.
(مسألة ٣٦٨): حيث كانت الاعادة قبل تمام الانجلاء مستحبة يجوز الائتمام بمن يعيدها لمن صلاها ولمن لم يصله، كما هو الحال في الصلاة اليومية.
(مسألة ٣٦٩): يستحب في صلاة الكسوف قراءة السور الطوال كـ: يس والنور والكهف والحجر، وإكمال السورة في كل قيام، وأن يكون كل من الركوع والسجود بقدر القراءة في التطويل.
(مسألة ٣٧٠): يستحب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف ليلاً ونهاراً حتى في كسوف الشمس على الاصح.
(مسألة ٣٧١): يستحب الإتيان بصلاة الكسوف تحت السماء، وفي المسجد.
(مسألة ٣٧٢): يثبت الكسوف ونحوه بالعلم والبينة، ولا يثبت بقول المنجمين ونحوهم ممن لا يشهد برؤيته، إلا أن يوجب العلم.
(مسألة ٣٧٣): تتعدد الصلاة الواجبة بتعدد السبب من أفراد نوع واحد أو أنواع متعددة. ولا يجب تعيين السبب عند الإتيان بالصلاة في الاداء ولا القضاء.
المقصد الخامس
في صلاة القضاء
وفيه فصول..
الفصل الأول
في حكم القضاء ومورده
يجب قضاء الصلاة اليومية التي فاتت في وقتها عمداً أو سهواً أو جهلاً أو لاجل النوم المستوعب للوقت أو لغير ذلك. وكذا إذا اُتي بها فاسدةً لفقدِ جزء أو شرط مستلزم لبطلانها ووجوب إعادتها في الوقت.
ولا يجب قضاء ما تركه الصبي حال صباه ولا المجنون حال جنونه، ولا المغمى عليه، وإن كان ذلك منهما بفعلهم، وكذا ما تركه الكافر الاصلي حال كفره، وما تركته الحائض والنفساء، على تفصيل تقدّم في مبحث الحيض. أما المرتد فالأحوط وجوباً أن يقضي ما فاته حال الارتداد بعد توبته، من دون فرق بين المرتد الفطري والملّي. والظاهر قبول توبة الفطري وإن وجب قتله، فتترتب أحكام الإسلام عليه إذا لم يقتل.
(مسألة ٣٧٤): إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه وجب عليهم الاداء إذا أدركوا من الوقت ما يسع الصلاة، بل هو الأحوط وجوباً إذا أدركوا منه ما يسع ركعة واحدة، فإذا تركوه وجب القضاء على الأحوط وجوب.
(مسألة ٣٧٥): إذا طرأ الجنون أو الاغماء بعد ما مضى من الوقت مقدار
ما يسع من الصلاة الاختيارية فالأحوط وجوباً القضاء. أما الحائض والنفساء إذا طهرتا في أثناء الوقت أو طرأ عليهما الحيض والنفاس في أثنائه فقد تقدم الكلام فيهما في مبحث الحيض.
(مسألة ٣٧٦): يجب القضاء على السكران إذا كان السكر مستنداً إليه، أما إذا كان قهراً عليه فالظاهر عدم وجوب القضاء، وإن كان الأحوط استحباباً القضاء.
(مسألة ٣٧٧): إذا استبصر المخالف وجب عليه قضاء ما فاته دون ما أتى به على طبق مذهبه أو غيره إذا تأتّى منه قصد القربة.
(مسألة ٣٧٨): الظاهر عدم وجوب قضاء النافلة المنذورة في وقت معين.
(مسألة ٣٧٩): إذا فاتته الصلاة في بعض مواضع التخيير بين القصر والتمام قضى قصراً حتى في نفس تلك المواضع على الأحوط وجوب.
(مسألة ٣٨٠): يستحب مؤكّداً قضاء النوافل الرواتب. نعم لا يتأكد قضاء ما فات منها حال المرض. وإذا عجز عن قضاء جميع ما فاته منها قدّم ما فاته لطلب الدنيا الزائدة عن المعاش على ما فاته لطلب المعاش أو لقضاء الحقوق الواجبة والمستحبة، فإن عجز عن القضاء تصدق عن كل ركعتين بصدقة أقلّها مُدّ - ثمانمائة وسبعون غراماً تقريباً - من طعام لكل مسكين عن كل ركعتين، فإن عجز عن ذلك تصدق به عن كل أربع ركعات، فإن عجز تصدق بمد عن نافلة الليل ومد عن نافلة النهار. وأما غير الرواتب من النوافل المؤقتة ففي مشروعية قضائها إشكال والأولى الإتيان بها برجاء المطلوبية.
(مسألة ٣٨١): لا يشترط الترتيب في القضاء بين الفوائت اليومية وغيره، فمن كان عليه صلاة يومية فائتة وصلاة الكسوف جاز له تقديم أيهما شاء.
وأما الصلوات اليومية فما كان منها مترتباً أداءً يجب الترتيب في قضائه، فمن فاتته الظهر والعصر أو المغرب والعشاء من يوم واحد وجب عليه تقديم
الظهر أو المغرب. وأما غيرها فلا يجب الترتيب في قضائه، فمن فاته أيام متعددة جاز له أن يقضي صبحاً بعددها ثم ظهراً بعددها وهكذ. وإن كان الأحوط استحباباً الترتيب بينها في القضاء حسب ترتبها في الفوت خصوصاً مع إمكان معرفة الترتيب بينه، فمن فاته أيام متعددة يقضي يوماً تامّاً ثم يوماً تامّاً حتى يفرغ منه.
(مسألة ٣٨٢): إذا علم أن عليه إحدى الصلوات الخمس يكفيه صبح ومغرب ورباعية ينوي بها ما في الذمة مردّداً بين الظهر والعصر والعشاء، ويتخير فيها بين الجهر والاخفات. ولو كان مسافراً أجزأته مغرب وثنائية مرددة بين الصلوات الاربع الباقية. وكذا الحال في جميع موارد تردد الفائت بين الصلوات المذكورة، فإنه مع اختلافه في عدد الركعات يكرر حتى يقطع بالفراغ، ومع اتفاقه فيه يأتي بواحدة مرددة بين الكل مخيراً فيه بين الجهر والاخفات مع اختلافها فيه.
(مسألة ٣٨٣): إذا شك في فوت الفريضة بنى على العدم، وإذا علم بالفوت وتردد الفائت بين الاقل والاكثر جاز له الاقتصار على الاقل.
(مسألة ٣٨٤): لا يجب الفور في القضاء، فيجوز التأخير مالم يحصل التهاون في تفريغ الذمة.
(مسألة ٣٨٥): لا يجب تقديم قضاء الفائتة على الحاضرة، فيجوز الإتيان بالحاضرة لمن عليه القضاء وإن كان ليومه، بل يستحب ذلك إذا خاف فوت فضيلة الحاضرة، نعم مع سعة وقت فضيلة الحاضرة يستحب تقديم الفائتة عليه، بل إن ذكَر حينئذٍ الفائتة وقد شرع في الحاضرة استحب له العدول للفائتة مع بقاء محله، كما سبق في المسألة (١٤٥) في فصل النية في الصلاة.
(مسألة ٣٨٦): لا تجوز المبادرة والتعجيل بالقضاء لذوي الاعذار
الموجبة لنقصان الطهارة أو الصلاة، مثل من يصلي بتيمم أو مع الجبيرة أو من جلوس، بل يجب عليهم انتظار ارتفاع العذر ليكون القضاء منهم بصلاة كاملة، نعم مع احتمال استمرار العذر إلى حين الموت يجوز التعجيل برجاء المطلوبية، وتكون صحّة العمل مراعاةً باستمرار العذر. كما يجوز التعجيل مع الجزم بالنية عند القطع باستمرار العذر. لكن لو انكشف عدم استمراره تجب الاعادة بعد ارتفاعه إذا كان الخلل بالاركان التي تبطل الصلاة بنقصها عمداً وسهو. وأما إذا كان الخلل بغيرها فلا تجب الاعادة.
الفصل الثاني
في النيابة
لا يشرع التبرع ولا النيابة عن الاحياء في الواجبات ولو مع عجزهم عنه، إلا في الحج إذا كان مستطيعاً وكان عاجزاً عن المباشرة على ما يذكر في محله، ويجوز التبرع والنيابة عن الاحياء في جملة من المستحبات، كالصلاة والصوم والحج والصدقة والزيارة وقراءة القرآن. بل قد يشرع ذلك في بقية العبادات، وإن كان الأحوط وجوباً الإتيان بها برجاء المشروعية، كما يجوز التبرع والنيابة عن الاموات في الواجبات والمستحبات.
نعم يشكل مشروعية التبرع والنيابة في الدعاء عن الاحياء والاموات، فالأولى إبداله بالدعاء لهم. وإما إهداء العمل أو ثوابه فقد ورد في بعض الاُمور كالحج وبعض الصلوات وقراءة القرآن، وحكي فعله عن بعض أصحاب الائمة (عليهم السلام). والأحوط وجوباً الإتيان به برجاء المشروعية وترتُّب الاثر، حيث يرجى ترتبه بفضل الله سبحانه وسعة رحمته. نعم هو لا يقتضي براءة الذمة وتحقق الامتثال، بل هما متوقّفإن على أن ينوي العامل بالعمل حين الإتيان به
امتثال الامر المتوجه للغير، وذلك لا يكون إلا بالنيابة تبرعاً أو بإجارة.
(مسألة ٣٨٧): يشترط في النائب اُمور:
الأول: العقل، فلا يجتزأ بفعل غير العاقل وإن تحقق منه القصد في الجملة، لعدم التعويل على قصده، بل هو كقصد النائم ملغي عند العقلاء. نعم إذا لم يبلغ الضعف العقلي عنده مرتبة الجنون فلا بأس بعمله.
الثاني: الإسلام.
الثالث: الايمان، فلا يجتزأ بعمل المخالف، وإن جاء بالعمل على الوجه الصحيح عندن. بل يشكل الاجتزاء بعمل المستضعَف - غير المُقرّ بالولاية ولا الجاحد لها - فالأحوط وجوباً عدم الاجتزاء بعمله.
(مسألة ٣٨٨): لا يشترط في النائب البلوغ، فيصح عمل الصبي المميِّز إذا أدّاه بالوجه المطلوب شرع. كما لا يشترط العدالة، فيصح عمل الفاسق، نعم يشكل التعويل على إخباره بالإتيان بالعمل إلا مع كونه ثقة في نفسه مأموناً وحصول الوثوق من خبره. نعم لو علم بإتيانه بالعمل بنيّة تفريغ ذمة الغير وشكّ في صحة عمله فالظاهر البناء على الصحة وإن لم يكن ثقة.
(مسألة ٣٨٩): لا يشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والانُوثة، فتصح نيابة الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، وفي الجهر والاخفات يراعى حال النائب.
(مسألة ٣٩٠): النائب يعمل على طبق اجتهاده أو تقليده لا على طبق اجتهاد المنوب عنه أو تقليده. نعم إذا كان وصياً عن الغير في تفريغ ذمته والوفاء عنه كان ظاهر حال الوصية أن الموصى به هو العمل على طبق اجتهاد الموصي أو تقليده، فلا يقوم بالوصية إلا إذا جاء بالعمل على الوجه المذكور، ولا يكفيه العمل على طبق اجتهاد نفسه أو تقليده. لكن إذا شك في مقتضى اجتهاد الموصي
أو تقليده ولم ينبهه الموصي على مخالفته له في الاجتهاد أو التقليد ولم تقم قرينة - عامة او خاصة على ذلك - كان له الإتيان بالعمل على طبق اجتهاد نفسه أو تقليده. وأما الاجير فيأتي الكلام فيه في المسألة (٤١١) في الفصل الاتي.
(مسألة ٣٩١): يستحب التبرع عن المؤمن الميت في أداء الواجبات التي عليه كقضاء الصلوات والصيام وغيره، وكذا المستحبات فإنه من أفضل البرِّ بالمؤمن والصلة له والاحسان إليه.
(مسألة ٣٩٢): ينوي النائب بالفعل امتثال أمر المنوب عنه وتفريغ ذمته، وذلك كاف في المقربية اللازمة في العبادة، ولا يشترط مع ذلك التقرب بأمر النيابة المتوجه للنائب نفسه، حيث إنه يستحب للمؤمن أن ينوب عن المؤمن في تفريغ ذمته ويؤدي الخيرات عنه، فإن تقرب النائب بالامر المذكور ليس شرطاً في صحة عبادته التي ينوب فيه. نعم لابد من عدم وقوعه منه بوجه مبعِّد، كما لو أوقعه بوجه محرَّم لغصب المكان أو اللباس أو غيرهم.
(مسألة ٣٩٣): لا تبرأ ذمة المنوب عنه بعمل النائب إذا كان اضطراري، كما لو كانت وظيفته التيمم أو الطهارة الجبيرية أو الصلاة من جلوس أو نحوه، إلا مع الاضطرار، بان لا يكون هناك من يؤدي عنه بعمل اختياري تام، ولو حصل ذلك وجيء بالعمل الاضطراري فالاجتزاء به مراعى بعدم تيسر من يؤدي عنه بالعمل التام، فمتى تيسر كان اللازم الإتيان به.
(مسألة ٣٩٤): لابدّ من تعيين المنوب عنه حين العمل ولو إجمال. ولا يكفي التعيين بعد العمل.
(مسألة ٣٩٥): يجب على وليّ الميت أن يقضي ما على الميت من الصلاة والصيام، سواءً فاته لعذر - من مرض أو جهل بالتكليف أو بكيفية الاداء - أم تسامح. نعم لا يجب الاداء إذا مات الشخص وهو غير مهتم بالقضاء تهاوناً وتمرّد.
(مسألة ٣٩٦): المراد بالولي هو الوارث الذكر. وفي عمومه للطفل حين موت الميّت إشكال. فالأحوط وجوباً عليه القضاء إذا بلغ.
(مسألة ٣٩٧): الظاهر اختصاص وجوب القضاء بما إذا كان الميت رجل، ولا يجب القضاء عن المرأة. وإن كان هو الأحوط استحباب، بل لا إشكال في استحبابه.
(مسألة ٣٩٨): إذا تعدّد الولي وجب القضاء على كل منهم بنحو الوجوب الكفائي، فيعاقب الكل على تركه ويسقط بفعل البعض عن الباقين. ولا يتوزّع القضاء عليهم بالنسبة.
(مسألة ٣٩٩): لا يجب على الولي أن يقضي بدل الميت ما وجب على الميت قضاؤه عن غيره، كما لو كان وليّاً عن ميت قبله عليه صوم أو صلاة، أو كان مستأجَراً على أن يصلي أو يصوم عن غيره، بل يسقط الأول ويجري على الثاني حكم الدين فيخرج من أصل التركة، إلا مع اشتراط مباشرته فتبطل الاجارة بموته ويجب إرجاع الاُجرة من تركته، وليس على الولي شيء.
(مسألة ٤٠٠): يسقط القضاء عن الولي إذا قضى عن الميت غيرُه تبرعاً أو بإجارة من قِبَل الولي أو غيره، ولو لوصية الميت بالقضاء من ثلثه.
(مسألة ٤٠١): لو عجز الولي عن القضاء بنفسه سقط عنه، ولا يجب عليه السعي لقضاءِ غيرهِ عن الميت باستئجار أو غيره.
(مسألة ٤٠٢): إذا شك الولي في فوات شيء عن الميت لم يجب القضاء عليه، وإذا شك في مقدار الفائت اقتصر على الاقل.
(مسألة ٤٠٣): إذا أخبر الرجل بانشغال ذمته بالفوائت فالأحوط وجوباً للولي قضاؤها عنه بعد موته إذا لم يكن متّهَماً في إخباره.
(مسألة ٤٠٤): إذا لم يكن للميت ولي أو كان ولم يجب عليه القضاء فالاقوى عدم وجوب إخراج ما انشغلت به الذمة من الفوائت من أصل التركة. نعم إذا أوصى بإخراجه نفذت وصيته في الثلث.
(مسألة ٤٠٥): لا يجب الفور في القضاء عن الميت، وإن كان الأولى المسارعة ولو لتخليص الميت من تبعة الفوت.
(مسألة ٤٠٦): كما يجب على الولي قضاء ما فات الميت يجب عليه أداء ما وجب على الميت أداؤه ولم يؤدّه، كما لو مات في وقت صلاة ولم يؤدّها وكان مكلّفاً بأدائها لمضيّ زمان يتيسر له الاداء فيه. والأحوط وجوباً للولي المبادرة لها في الوقت مع الامكان، وإن لم يبادر وجب عليه أداؤها بعده.
(مسألة ٤٠٧): لا تبرأ ذمة الميت بصلاة الولي الاضطرارية، كصلاته بالتيمم أو بطهارة جبيرية أو من جلوس. إلا مع تعذر إتيانه بها بوجه اختياري وعدم تفريغ ذمة الميت من قِبَل غيره، فإنه يجب عليه حينئذٍ الإتيان بالصلاة الاضطرارية تحقيقاً للميسور. لكن لو قدر بعد ذلك على الاداء بوجه اختياري لم يجتزئ بما أتى به بوجه اضطراري. وكذا لا يجتزئ به غيره من الأولياء لو قدر على الاداء بوجه اختياري، كما أنه لا يمنع من مشروعية أداء غير الولي عن الميت بوجه اختياري.
الفصل الثالث
في الاستئجار على تفريغ ذمة الغير
كل عمل تصح فيه النيابة يشرع الاستئجار له، فيستحق صاحب المال على الاجير العمل للغير لامتثال أمره وتفريغ ذمته، حيّاً كان ذلك الغير أو ميت، واجباً كان ذلك العمل أو مستحب. وأما الاجارة على العمل لاهداء ثوابه للغير فلا يخلو عن إشكال. نعم لابأس بدفع المال مقابل إهداء الثواب إذا تحقق من الفاعل قصد القربة بالعمل.
(مسألة ٤٠٨): يشترط في الاجير في المقام ما يشترط في الاجير في سائر موارد الاجارة. نعم إذا ابتنت الاجارة على أن يباشر العمل بنفسه لزم فيه أيضاً الشروط المتقدمة في النائب وجرى عليه حكمه.
(مسألة ٤٠٩): لا يشترط في الاجير العدالة ولا الوثاقة. لكن لا يعول على إخباره بالقيام بالعمل المستأجر عليه إذا لم يكن ثقةً مأمون، فلا يحكم ببراءة ذمة المنوب عنه. لكن يلزم تصديقه من حيثيّة استحقاقه الاُجرة، لابتناء الاجارة على ذلك في مثل هذه الاُمور التي لاتُعلم إلا بإخباره.
(مسألة ٤١٠): لا تفرغ ذمة الميت باستئجار من يصلي صلاة اضطرارية كالمتيمم وذي الجبيرة والعاجز عن القيام، بل لابد فيه من استئجار غيره، فإن تجدّد له العذر بعد الاجارة، فإن كان العذر موقّتاً لا يستوعب زمان الاجارة وجب على الاجير انتظار القدرة على الصلاة الاختيارية التامة، وإن كان مستوعباً انفسخت الاجارة. نعم إذا لم تكن الاجارة لتفريغ ذمة الميت من صلاة واجبة ثابتة في ذمته بل لمجرد الصلاة عنه وإن لم يكن مشغول الذمة جاز
الاستئجار للصلاة الاضطرارية إذا كانت مشروعة في حق المباشر.
(مسألة ٤١١): إذا اختلف الاجير والمؤجر في الاجتهاد أو التقليد في كيفية العمل المستأجر عليه، فإن كانت الاجارة مقيدة بأحد الوجهين صريحاً لزم العمل عليه، وكذا لو كان هناك قرينة عامة على تعيين الوجه الذي يجري عليه العمل، كما لو كان هناك مرجع عام للتقليد تنصرف الاجارة إلى مطابقة فتواه أو فتاوى مشهورة تنصرف الاجارة إلى عدم الخروج عنها ومع عدم ذلك يكون ظاهر الاجارة الاكتفاء باجتهاد الاجير أو تقليده، فيلزم المؤجر الاكتفاء بذلك في دفع الاجرة وإن لم يجزه ذلك في فراغ الذمة إذا كان العمل باطلاً عنده.
(مسألة ٤١٢): لا تفرغ ذمة الميت بمجرد الاجارة، بل يتوقف على تحقق العمل المستأجر عليه.
(مسألة ٤١٣): إذا استأجره على أن يصلي كان ظاهره لزوم مباشرته بنفسه وعدم الاكتفاء بفعل غيره بدلاً عنه إلا بقرينة خاصة أو إذن خاص بعد الاجارة. أما إذا آجره على أن يكون مشغول الذمة بالعمل فظاهره عدم اشتراط المباشرة إلا مع قرينة صارفة عن الظهور المذكور.
(مسألة ٤١٤): إذا كان مقتضى الاجارة عدم اشتراط المباشرة فللاجير أن يستنيب غيره في تفريغ ذمّة الميت بإجارة أو غيره، نعم لابدّ في الاجارة أن لا تكون بأقل من الاُجرة التي جعلت له على العمل إلا مع اختلاف جنس الاُجرة أو أدائه لبعض العمل.
(مسألة ٤١٥): إذا اُخذ في الاجارة زمان معين لاداء العمل فإن رجع ذلك لتعيين العمل المستأجر عليه بما يقع في الزمن المذكور، كما قد يكون في مثل
قراءة القرآن في شهر رمضان، فمع عدم الإتيان بالعمل في الزمان المذكور تبطل الاجارة فلا يستحق الاُجرة بالعمل بعده. بل يكون متبرع.
وإن رجع ذلك إلى اشتراط الزمان المعين زائداً على الاجارة، كما لعله الغالب في المُدَد المضروبة لاجل الحث على المسارعة في العمل، فمع عدم الإتيان بالعمل في الزمان المعين لا تبطل الاجارة، ولا يكون الإتيان بالعمل بعدها مجاني. غاية الامر أن يكون للمستأجر حق فسخ الاجارة، فمع الفسخ يستحق اُجرة المثل، ومع عدمه يستحق الاُجرة المسماة. نعم تفرغ ذمة المنوب عنه بالعمل في جميع فروض المسألة.
(مسألة ٤١٦): إذا انكشف بطلان الاجارة بعد العمل استحق الاجير اُجرة المثل على المستأجر، وكذا إذا فسخت لخيار أو إقالة.
(مسألة ٤١٧): إذا لم تُعيّن كيفية العمل من حيثية الاشتمال على المستحبات تنصرف الاجارة إلى النحو المتعارف في القضاء.
(مسألة ٤١٨): إذا نسي الاجير بعض المستحبات المأخوذة في الاجارة أو الواجبات التي لا تخلّ بصحة العمل، فإن كان بالنحو المتعارف لم ينقص من الاُجرة شيء، وإلا نقص من الاُجرة بالنسبة.
(مسألة ٤١٩): إذا كانت الاجارة على تفريغ ذمة الميت فتبرّع متبرع بالعمل قبل قيام المستأجر به بطلت الاجارة. أما إذا كانت على العمل عن الميت ولو مع فراغ ذمّته فلا تبطل.
(مسألة ٤٢٠): إذا مات الاجير قبل القيام بالعمل المستأجر عليه فإن كانت المباشرة شرطاً في العمل المستاجر عليه بطلت الاجارة، ووجب إرجاع الاُجرة من التركة إن كان قد أخذه، وإلا وجب على ورثته الاستئجار من تركته، ومنها الاُجرة التي استحقها بالاجارة، كسائر الديون المالية، وإذا لم تكن
له تركة لم يجب على الوارث شيء، ويبقى الميت مشغول الذمة بالعمل، كسائر الديون التي تفي تركته به.
(مسألة ٤٢١): كما يجوز استئجار الغير على الصلاة أو غيرها عن الميت يجوز جعل الجعل له، والفرق بينهما أن الاجارة عقد لازم مشروط بشروط وله أحكام مذكورة في محلها من كتاب الاجارة، أما الجعالة فهي إيقاع قوامه الوعد بدفع المال على العمل، ولا يكون لازم، بل لجاعلِ الجعل الرجوع عنه قبل عمل العامل. وجملة من الفروع المتقدمة تختص بالاجارة ولا تجري في الجعالة، كما يظهر بالتأمل فيه.
المقصد السادس
في صلاة الجماعة
وهي من المستحبات المؤكدة في جميع الفرائض خصوصاً الادائية وخصوصاً في الصبح والعشائين، وخصوصاً لجيران المسجد الذي تقام فيه الجماعة ولمن يسمع النداء. ولها ثواب عظيم، وقد ورد في الحث عليها والذم على تركها أخبار كثيرة ومضامين عالية. ففي كثير من الاخبار أنها تعدل خمساً وعشرين صلاة للفرد - وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من صلّى خلف إمام عالم فكأنما صلّى خلفي وخلف إبراهيم خليل الرحمن».
وعن الصادق (عليه السلام): «الصلاة خلف العالم بألف ركعة وخلف القرشي بمائة»، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ركعة يصليها المؤمن مع الإمام خير من مائة ألف دينار يتصدق بها على المساكين، وسجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة خير من عتق مائة رقبة».
ومع كل ذلك فليست الجماعة شرطاً في الصلاة، ولا تمنع من الصلاة فرادى، حتى في المكان الذي تقام فيه الجماعة، فمن دخل المسجد وفيه جماعة منعقدة جاز له أن يصلي منفرد، سواءً أحرز أهلية الإمام لأن يؤتم به، أم لم يحرز ذلك وجهل حال الإمام. بل إذا لم يحرز أهلية الإمام لم يجز له الائتمام به.
والكلام في صلاة الجماعة في ضمن فصول:
الفصل الأول
فيما تشرع فيه الجماعة
تشرع الجماعة في الصلاة اليومية وصلاة الايات وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء.
(مسألة ٤٢٢): يشكل مشروعية الجماعة في صلاة الاحتياط وفي الصلاة المنذورة ونحوها من النوافل الواجبة بالعَرض، وفي صلاة الطواف - وإن وجبت تبعاً للطواف - فالأحوط وجوباً عدم ترتيب أثر الجماعة عليها لو جُعل المصلي لها إمام، وعدم الإتيان بها جماعة مأموم. نعم لابأس بالإتيان بها جماعة برجاء المشروعية من دون أن يتحمل الإمام عن المأموم القراءة.
(مسألة ٤٢٣): الجماعة شرط في صلاة الجمعة. وكذا في صلاة العيدين مع وجوبه. وأما مع عدم وجوبها فليست شرطاً فيه، بل تشرع فرادى أيض.
(مسألة ٤٢٤): لا تشرع الجماعة لشيء من النوافل الاصلية وإن وجبت بالعارض لنذر ونحوه حتى صلاة الغدير، إلا في صلاة الاستسقاء، كما سبق. نعم ورد في بعض الاخبار فيما إذا ائتم المسافر بالحاضر أنه يصلي فريضة الظهر مع الإمام في الركعتين الاُوليين من الظهر، ثم يصلّي معه في الركعتين الاخيرتين منها النافلة، ويصلي معه في الركعتين الاُوليين من العصر النافلةَ ثم يصلي معه في الركعتين الاُخريين منها فريضةَ العصر. ولا بأس بالعمل بذلك برجاء المطلوبية.
(مسألة ٤٢٥): إذا صلّى فرادى استُحبَّ له في الوقت إعادة صلاته جماعةً إماماً أو مأموم. بل حتى لو كان قد صلّى جماعة، فإنه يشرع بل يستحب له أن يعيدها جماعة إماماً أو مأموم، ولو ظهر بعد ذلك بطلان الاُولى أجزأته الثانية
وكانت هي الواجبة وإن تخيّل أنها مستحبة.
(مسألة ٤٢٦): لا تشرع إعادة الصلاة جماعة بعد الوقت.
(مسألة ٤٢٧): الصلاة المُعادة في الوقت احتياطاً إن اُحرز اشتمالها على الاجزاء والشروط الواجبة تشرع الجماعة فيها وتترتب آثاره، لانه إن كانت الاُولى صحيحة كانت الثانية إعادةً لها جماعةً، وقد تقدم في المسألة السابقة مشروعيته. وإن كانت الاُولى باطلة كانت الثانية صلاةً مبتدأةً جماعةً، وإن لم يُحرز اشتمالها على الاجزاء والشروط المعتبرة يجوز الإتيان بها جماعةً برجاء مشروعيته، لكن لا مجال لترتيب آثار الجماعة عليها من قبل غير المصلّي، وكذا الحال في كل صلاة يؤتى بها احتياطاً ولا يحرز اشتمالها على الاجزاء والشروط المعتبرة وإن كانت ابتدائية لا معادة، فمن كرّر الصلاة في الثوبين المعلومة نجاسة أحدهما أو جَمع بين القصر والتمام في موارد عدم قيام الحجة على وجوب خصوص أحدهما لا مجال لاجتزاء غيره بالائتمام به في إحدى الصلاتين لعدم إحراز مشروعيته، كما لامجال لا تصال غيره به لو كان مأموم، بل لو كان الفصل به كثيراً لم تنعقد الجماعة.
وكذا الحال في المُعادة خارج الوقت احتياطاً سواءً اُحرز اشتمالها على الاجزاء والشروط المعتبرة أم لم يحرز. نعم إذا اتفقت الجهة الموجبة لاحتمال صحة الصلاة في حقّ جماعة جاز ائتمام بعضهم ببعض واتصال بعضهم ببعض في الجماعة، كما لو كانت وظيفة جماعة الجمعَ بين القصر والتمام فإنه يجوز لهم الائتمام ببعضهم في كلتا الصلاتين، بأن يصلّوا جماعة قصر، ثم تماماً أو بالعكس.
(مسألة ٤٢٨): يجوز اقتداء من يصلي إحدى الصلوات اليومية بمن يصلي الاُخرى، وإن اختلف في الجهر والاخفات، والاداء والقضاء، والقصر والتمام. ولا يجوز اقتداء مصلّي اليومية بمصلي العيدين أو الايات أو الاموات،
وكذا العكس، ولو مع عدم لزوم اختلاف النظْم، كما لو ائتم مصلي اليومية في الركوع الاخير من صلاة الايات. بل يشكل ائتمام مصلي الايات بمثله مع اختلاف السبب، فالأحوط وجوباً تركه.
الفصل الثاني
فيما تنعقد به الجماعة
أقل عدد تنعقد به الجماعة في غير الجمعة والعيدين إثنان، أحدهما الإمام سواء كان المأموم رجلاً أم امرأة أم صبياً مميِّز، وأما في الجمعة والعيدين فلا تنعقد إلا بخمسة أحدهم الإمام. ويشترط في انعقاد الجماعة اُمور.
الأول: نية الائتمام من المأموم، ولو مع عدم نية الإمام للإمامة لامتناعه منها أو لجهله بوجود المأموم. نعم لابدّ من نية الإمام للإمامة في صلاة الجمعة والعيدين، وكذا إذا كانت صلاته معادة، لتوقف مشروعية صلاته عليه.
(مسألة ٤٢٩): لا يشترط في انعقاد الجماعة قصد القربة لا من الإمام ولا من المأموم. فإذا كان الداعي لها غرضاً مباح، كالفرار من الشك والتخلص من القراءة انعقدت وإن لم يترتب عليها الثواب. نعم إذا وقعت بوجه محرَّم كالرياء أو ترويج باطل ملتفت إليه - لم تنعقد لبطلان الصلاة به. كما أنه إذا كانت الجماعة شرطاً في الصلاة المأتي بها تعيّن قصد القربة بها تبعاً للصلاة، كما في الصلاة المعادة وصلاة الجمعة.
(مسألة ٤٣٠): لابدّ من نية الائتمام من أول الصلاة، فلا يصح لمن شرع في الصلاة منفرداً الائتمام في الاثناء.
(مسألة ٤٣١): يجوز العدول من الائتمام إلى الانفراد اختياراً في جميع أحوال الصلاة، كما يجوز نية ذلك من أول الصلاة بأن ينوي أن ينفرد في الاثناء
بعد انعقاد الجماعة، لا أنه ينوي من أول الامر الائتمام في بعض الصلاة بحيث ينفرد بانتهاء البعض من دون نية، فإن ذلك لا يشرع، ولا تنعقد الجماعة حينئذٍ.
(مسألة ٤٣٢): إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام قبل الركوع أجزأته قراءة الإمام ولم تجب عليه القراءة، وأما إذا انفرد في أثناء القراءة فالأحوط وجوباً له استئناف القراءة لنفسه وعدم الاجتزاء بما قرأه الإمام قبل أن ينفرد.
(مسألة ٤٣٣): إذا توقف في أثناء صلاة الجماعة عن نية الائتمام - إما مع نية الانفراد أو بدونها - فإن أتى هو أو الإمام بشيء من الافعال لم يجُز له الرجوع للائتمام، بل وكذا إذا لم يأتِ أحدهما بشيء على الأحوط وجوب، وأما إذا كان ناوياً للائتمام لكنّه تردد في أنه هل يبقى عليه أو ينفرد فالظاهر أنه يبقى على الائتمام ما لم يتوقف عن نيّته.
(مسألة ٤٣٤): إذا شك في أثناء صلاة الجماعة في أنه هل نوى الانفراد أو ل، بنى على العدم وبقي على الائتمام.
(مسألة ٤٣٥): إذا شك في أنه نوى الائتمام أو لا بنى على العدم، حتى لو علم أنه قام بنيّة الدخول في الجماعة أو ظهر عليه أحوال الائتمام كعدم القراءة ونحوه، بل وإن رأى نفسه ناوياً فعلاً الائتمام وشكّ في أنه هل نواه من أول الامر أو ل. وعليه يتخير بين قطع الصلاة واستئنافها بنية الائتمام، وبين المضي فيها وترتيب آثار الانفراد، وإن كان الأحوط استحباباً في الثاني نية الانفراد. نعم لو رجع الشك للوسواس لم يعتن به.
الثاني: تعيين الإمام ولو إجمالاً من دون أن يعرفه بشخصه أو باسمه، مثل أن ينوي الائتمام بإمام الجماعة المنعقدة، أو الذي يسمع صوته أو غير ذلك. ولا يجوز الائتمام بأحد شخصين على نحو الترديد.
(مسألة ٤٣٦): إذا نوى الائتمام بشخص خاص معتقداً أنه زيد فبان
عمراً انعقدت جماعته. إلا أن يرجع إلى تقييد الائتمام بالشخص الخاص وتعليقه على أن يكون هو زيد.
الثالث: وحدة الإمام الذي يأتمّ به، فلا يجوز الائتمام بشخصين دفعةً واحدةً وإن اقتربا في الاقوال والافعال، كما لا يجوز الانتقال في الائتمام من شخص لاخر في أثناء الصلاة، إلا أن يطرأ على الإمام ما يمنعه من الاستمرار في الصلاة من موت أو جنون أو إغماء أو حدَث أو علة أو غير ذلك، ومنه ماإذا تذكّر أنه كان محدث. وحينئذٍ للمأمومين أن يكملوا صلاتهم فرادى، ويجوز بل يستحب لهم الائتمام بشخص آخر من المأمومين أو من غيرهم يقدّمه الإمام أو المأمومون أو يتقدم بنفسه يُكملون معه صلاتهم. والافضل أن لا يكون مسبوقاً بركعة أو أكثر. فإن كان مسبوقاً أتمّوا صلاتهم معه، ثم يُتمّ صلاته بعدهم.
الرابع: إدراك الإمام بعد تكبيرة الافتتاح وقبل التسليم في أي جزء من أجزاء الصلاة: القراءة أو الذكر أو تكبيرة الركوع أو الركوع نفسه أو السجود أو التشهد.
نعم يتوقف إدراك ركعة واحتسابها من الصلاة على إدراك الإمام في القيام قبل الركوع أو في تكبيرة الركوع أو في الركوع. أما إذا أدركه بعد رفع رأسه من الركوع فلا يدرك تلك الركعة ولا تحسب له ولا يعتدّ بما أدركه منه، ولا يحسب من صلاته.
هذا كله في الدخول في جماعة قائمة، أما إذا أراد الائتمام بشخص منفرد فلا يدخل معه إلا حال القيام أو حال الركوع وتحسب له ركعة.
(مسألة ٤٣٧): إذا أدرك الإمام بعد رفع رأسه من الركوع قبل السجود أو حاله كبّر للافتتاح وسجَد معه وتابعه ولم يعتدّ بسجوده ذلك للصلاة، فإن قام الإمام في الركعة الثانية أو الثالثة قام معه وجعلها الركعة الاُولى له، وإن أدركه حال التشهد الأول كبّر للافتتاح قائم، والأحوط وجوباً أن لا يجلس معه
في التشهد، بل يبقى قائماً حتى يقوم الإمام فيتابعه ويجعلها الركعة الاُولى له.
وإن أدركه حال التشهد الثاني كبّر للافتتاح قائماً وجلس حتى يسلِّم ثم يقوم للركعة الاُولى ولا يحتاج لاستئناف التكبير قائماً عند البدء بالركعة الاُولى في جميع الصور، وإن كان الأحوط استحباباً التكبير في جميع الصور برجاء الجزئية من دون جزم به، بل مردّداً بينها وبين الذكر المطلق.
(مسألة ٤٣٨): إذا أدرك الإمام راكعاً وعلم أنه إن كبّر لم يدركه في الركوع فالأحوط وجوباً عدم التكبير حتى يرفع الإمام رأسه، فيكبّر ويهوي معه للسجود، على ما تقدم في المسألة السابقة، أو يكبّر بعد قيام الإمام للركعة اللاحقة.
(مسألة ٤٣٩): إذا كبّر المصلي برجاء إدراك الإمام فرفع الإمام رأسه قبل أن يهوي المصلي للركوع فالأحوط وجوباً عدم إدراك الجماعة، بل إما أن ينوي الانفراد، أو يستأنف الصلاة بعد فعل المبطل ليدرك الجماعة بالتكبير مرة اُخرى. أما لو كبر وركع برجاء إدراك الإمام ولم يدركه فإنه لا يدرك بركوعه الجماعة، بل الظاهر وقوع صلاته فرادى واحتساب الركعة منه، وإن كان الأحوط استحباباً استئناف الصلاة بعد فعل المبطل.
(مسألة ٤٤٠): لو ركع برجاء إدراك الإمام راكعاً فرفع الإمام رأسه، وشك في إدراكه له قبل رفع رأسه فالأحوط وجوباً عدم البناء على انعقاد الجماعة، بل ينوي الانفراد ثم يجري حكم المسألة السابقة.
(مسألة ٤٤١): يكفي في إدراك الركوع اجتماع المأموم مع الإمام في حد الركوع وإن كان الإمام قد نهض منه والمأموم قد هوى إليه، وإن كان الأحوط استحباباً فيه نية الانفراد، على نحو ما تقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٤٤٢): إذا حضر المكان الذي فيه الجماعة فرأى الإمام راكعاً وخشي أن يرفع رأسه قبل وصوله للصف كان له أن يكبّر للاحرام في مكانه
ويركع ثم يمشي في ركوعه أو بَعده أو بين السجدتين أو بعدهم، فيلتحق بالصف وهم جلوس أو قيام. سواءً كان المشي إلى الإمام أم إلى الخلف أم إلى أحد الجانبين. والأحوط وجوباً كونه حين التكبير متأخراً عن الإمام.
كما لابدّ من عدم الانحراف عن القبلة ومراعاة سائر شروط الصلاة ومنها الطمأنينة حال الذكر. وكذا شروط الجماعة عدا البُعد، فلابدّ من عدم الحائل وعدم علوّ الإمام وغير ذلك. والأولى جرّ الرجلين حال المشي وعدم التخطي فيه برفع الرجلين.
الفصل الثالث
في شروط انعقاد الجماعة
الأول: أن لا يكون بين المصلين حائل من ستر أو جدار أو نحوهم، من دون فرق بين الإمام والمأمومين، وبين المأموم القريب من الإمام والمأموم البعيد عنه، بل لابدّ من اتصال المأمومين بعضهم ببعض من أمامه أو من أحد جانبيه حتى يتصلوا بالإمام. نعم لا يمنع من ائتمام النساء بالرجل وجود الحائل بينهن وبين المصلين.
(مسألة ٤٤٣): لا بأس بالحائل القليل الارتفاع، كالذي يكون بقدر شبر. وأما الحائل غير المستوعب لجسد المصلي في امتداده كالشجرة وأعمدة البناء فالظاهر عدم منعه. وعلى ذلك فلا يقدح في الائتمام انفراد بعض المصلين وإن انحصر الاتصال من جانبه، إلا إذا استلزم البعد المانع، كما يأتي. نعم إذا امتد الحائل من موقف المصلي إلى ركبتيه عند الجلوس أو السجود واختص الفراغ والاتصال بمقدّم البدن عند السجود فالأحوط وجوباً منعُه من الائتمام.
(مسألة ٤٤٤): لا يمنع من اتصال الجماعة فصلُ مثل الشبابيك والجدران المخرّمة. نعم إذا كانت الفُرَج ضيّقة فالأحوط وجوباً عدم الاتصال، وكذا الحال
في الحائل المستوعب غير المانع من الرؤية كالزجاج والثوب الرقيق الحاكي والحائل المثقوب الذي يمكن معه الرؤية في خصوص بعض الاحوال كالقيام أو الركوع أو السجود، فإن الأحوط وجوباً عدم الانعقاد في جميع ذلك.
(مسألة ٤٤٥): إذا اتصل أهل الصف بعضهم ببعض كفى في انعقاد الجماعة لهم عدم الحائل بين بعضهم وبين الإمام أو الصف المتقدم، ولا يضر فيه وجود الحائل بين بعضهم والإمام أو الصف المتقدّم، فإذا كانت الصفوف في مكانين مفصولين بحائل فيه فتحة كالباب ونحوها صحّت الجماعة للكل من جهة الاتصال في موضع الباب.
(مسألة ٤٤٦): ليس من الحائل المانع من انعقاد الجماعة مرور الإنسان بين المصلين، نعم إذا كثر المارّة وتكاثفوا واستمروا مدّة معتدّاً بها منع ذلك من انعقاد الجماعة.
الثاني: أن تتصل الجماعة، بأن لا يكون بين الإمام والمأمومين وبين المأمومين أنفسهم بُعدٌ كثير، والأحوط وجوباً في تحديده أن لا يكون بينهم من أحد الجانبين أو بين موقف المتقدم ومسجد المتأخر مالا يتخطى، وهو يقارب المتر والربع، وإن كان الافضل الاتصال العرفي. ولا يضر الفصل المذكور من جانب إذا كان بينهم اتصال من جانب آخر.
نعم تقدم في آخر الكلام في الشرط الثالث من الفصل السابق عدم منع البُعد في ابتداء الجماعة لمن يدخل إلى مكان الجماعة ويخشى عدم إدراكها وأنّه يأتمّ مع البُعد ثم يتصل بالجماعة.
الثالث: أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأموم بمقدار معتدّ به، والأحوط وجوباً أن لا يزيد على إصبعين. هذا إذا كان العلو دفعياً أو تدريجياً قريباً من الدفعي لوضوحه، كسفح الجبل، أما إذا كان تسريحياً خفيفاً
يغفل عنه عرفاً ولا ينافي صدق أن الارض منبسطة فلا بأس بالارتفاع أكثر من ذلك بسبب سعة المكان.
(مسألة ٤٤٧): لا بأس بعلوّ موقف المأموم على موقف الإمام وإن كان كثير. إلا أن يكون مفرطاً كعشرة أمتار فإن الأحوط وجوباً عدم الاتصال معه.
(مسألة ٤٤٨): لا بأس بكون بعض المأمومين أسفل من بعض إذا لم يكن أسفل من الإمام حتى لو انحصر اتصاله بالجماعة بالمأموم المرتفع. نعم الأحوط وجوباً مع الانحصار أن لا يكون انخفاضه عنه كثيراً بحيث ينافي الاجتماع ويتحقق به تعدد المكان.
الرابع: أن لا يتقدم المأموم على الإمام، بل الأحوط وجوباً أن لا يساويه، بل يتأخر عنه بموقفه ولو قليلاً جدّاً كقدر أربع أصابع.
(مسألة ٤٤٩): الشروط الاربعة الاخيرة شروط في الابتداء والاستدامة، فاذا فُقد أحدها في الاثناء بطلت الجماعة وإذا لم يلتفت المأموم لذلك وبقي على نية الائتمام، فإذا أتى بما يُبطل صلاة المنفرد حتى لو وقع سهواً - كزيادة الركوع - بطلت صلاته، وإلا صحّت فُرادى.
(مسألة ٤٥٠): لابد من إحراز الشروط المذكورة حين الدخول في الصلاة، فإذا غفل ودخل فيها ثم التفت بعد الفراغ بنى على صحة صلاته وجماعته. وإن التفت في الاثناء فإن تيسّر له إحرازها صحت صلاته وجماعته، وإلا بنى على عدم انعقاد الجماعة، فإن لم تشتمل صلاته على ما يبطل صلاة المنفرد صحت فرادى.
(مسألة ٤٥١): إذا أحرز المأموم الشروط المذكورة حين الدخول في الصلاة وأحرز انعقاد الجماعة ثم احتمل فَقْدَها أو فَقْدَ بعضها في الاثناء بنى على بقاء الجماعة.
الفصل الرابع
في شروط إمام الجماعة
يشترط في إمام الجماعة - مضافاً إلى العقل والايمان - اُمور:
الأول: طهارة المولد، فلا تصح إمامة ولد الزن.
الثاني: الرجولة إذا كان في المأمومين رجل، فلا تصح إمامة المرأة إلا للمرأة. وفي صحة إمامة الصبي ولو لمثله إشكال، فالأحوط وجوباً عدم الائتمام به.
الثالث: العدالة، وهي عبارة عن كون الإنسان متديّناً بحيث يمتنع من الكبائر، ولا يقع فيها إلا في حالة نادرة لغلبة الشهوة أو الغضب. ومن لوازم وجودها حصول الندم والتوبة عند الالتفات لصدور المعصية بمجرد سكون الشهوة والغضب. أما إذا كثر وقوع المعصية منه لضعف تديّنه وإن كان يندم كلّما حصل ذلك منه فليس هو بعادل.
(مسألة ٤٥٢): الكبائر هي الذنوب التي أوعد الله عليها النار.وهي كثيرة يأتي التعرّض لجملة منها في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٤٥٣): لا يجوز الصلاة خلف من يشك في عدالته، بل لابدّ من إحرازها بأحد اُمور:
أحدها: العلم الناشئ من المعاشرة أو غيره.
ثانيها: البيّنة إذا استندت شهادتها للمعاشرة ونحوها مما يوجب الاطلاع على العدالة بوجه مقارب للحس، ولا يكفي استنادها للحدس والتخمين
بدون ذلك وإن أوجب للشاهد العلم. وإذا شكّ في مستند الشهادة يحمل على الأول ما لم تقم أمارة على الثاني.
ثالثها: حسن الظاهر، ولو لظهور الخير منه وعدم ظهور الشر لمن يعاشره ويخالطه.
الرابع: أن يكون صحيح القراءة إذا كان المأموم يحسن القراءة الصحيحة وكان الائتمام في الاُوليين من الجهريّة، على الأحوط وجوب. أما إذا كان في الاخيرتين أو كان المأموم كالإمام في عدم صحة قراءته مع اتحاد محلّ اللحن فلا بأس بإمامته، وكذا إذا كانت الصلاة إخفاتية، فإنه يجوز الائتمام به ويقرأ المأموم لنفسه.
(مسألة ٤٥٤): تجوز إمامة الاخرس لمثله، ولا تجوز إمامته لغير الاخرس.
(مسألة ٤٥٥): لا بأس بأن يأتم الافصح بالفصيح والفصيح بغيره إذا كان يؤدي القدر الواجب من النطق.
(مسألة ٤٥٦): تجوز إمامة القائم للجالس، والجالس لمثله، ويشكل ما عدا ذلك، كإمامة الجالس لغيره ممن هو أكمل منه ودونه، وإمامة المضطجع أو المستلقي لمثله أو لغيره.
(مسألة ٤٥٧): تجوز إمامة المتيمم لمثله ولذي الطهارة المائية، وإمامة ذي الطهارة الجبيرية لذي الطهارة التامة. أما إمامة المسلوس والمبطون لمثلهما ولغيرهما فلا تخلو عن إشكال، والأحوط وجوباً عدم انعقاده.
الخامس: أن لا يكون محدوداً حدّاً شرعياً ولو بعد التوبة. والأحوط وجوباً عمومه لما إذا أقام الحدّ من ليس أهلاً له إذا كان يدّعي لنفسه الاهلية. نعم لابدّ من كون الحدّ بحقّ، فإذا اُقيم الحدّ على من لم يرتكب موجبه خطأً أو ظلماً لم يمنع من الاقتداء به. كما لا يمنع من الاقتداء أيضاً الذنب الذي يوجب الحد من دون أن يقام عليه الحد إذا تاب منه وحصلت له العدالة.
السادس: أن لا يكون أعرابياً فإنه لا يؤمّ المهاجِر. والمراد بالاعرابي من يسكن البوادي ممن تقل معرفتهم بالاحكام الشرعية، ويكثر منهم بسبب ذلك مخالفتها ويلحق بهم من هو مثلهم من سكنة المدن، والمراد بالمهاجر من يسكن المدن ويتفقه في الدين ويعرف الاحكام الشرعية، ويلحق به من يسكن البوادي ممن يتفقه في الدين.
(مسألة ٤٥٨): إذا تبيّن بعد الصلاة فقدُ الإمام لاحد الشروط المتقدمة أو بطلان صلاته لفقد شرط عمداً أو فقدِ ركن ولو سهواً لم يجب على المأمومين الاعادة، وتصح صلاتهم إذا لم يكن فيها ما يبطل صلاة المنفرد بل مطلقاً على الاقوى، وإن كان الأحوط استحباباً الاعادة في الصورة المذكورة، كما لو زاد ركناً للمتابعة أو رجع للإمام في الشك في عدد الركعات وكان الإمام حافظاً يرى الاكثر، وهكذا الحال لو تبيّن بطلان صلاة الإمام في الاثناء، فإن المأموم يتمّ صلاته، ولا شيء عليه. نعم إذا تبيّن ذلك مع إمكان تدارك القراءة وجب تداركها كما لو تبيّن بطلانها قبل الركوع.
(مسألة ٤٥٩): إذا علم المأموم بطلان صلاة الإمام أو قامت عنده الحجة على ذلك لم يجُز له الائتمام به، وإلاّ بنى على صحة صلاته وجاز له الائتمام به وإن اختلفا في الجهة الموجبة للبطلان، كما إذا كان الإمام يعتقد طهارة الماء الذي عنده والمأموم يعتقد نجاسته لكن احتمل المأموم أن الإمام لم يتوضأ بذلك الماء بل توضأ بغيره، وكذا إذا كان الإمام يرى عدم وجوب الترتيب في غسل الجنابة والمأموم يرى وجوبه، لكن احتمل المأموم أن الإمام قد اغتسل بنحو الترتيب فإنه يبني على صحة صلاته في ذلك وأمثاله ويجوز له الائتمام به.
الفصل الخامس
في أحكام الجماعة
(مسألة ٤٦٠): لا يتحمل الإمام عن المأموم شيئاً من أفعال الصلاة وأقوالها غير القراءة في الركعتين الاُوليين إذا ائتم به فيهم، فتجزئه قراءته.
(مسألة ٤٦١): الأحوط وجوباً عدم القراءة خلف الإمام في الركعتين الاُوليين من الاخفاتية بقصد الخصوصية، نعم يجوز له القراءة لا بقصد الخصوصية بل بما أن قراءة القرآن لا تبطل الصلاة، كما أنه يكره له السكوت ويستحب له الاشتغال بالذكر، كالتسبيح والتحميد والصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم). وأما في الجهرية فإن سمع صوت الإمام ولو همهمة وجب عليه ترك القراءة، والافضل له الاستماع والانصات له، بل هو الأحوط استحباب. وإن لم يسمع حتى الهمهمة جازت له القراءة، سواء كان عدم السماع لصمم أم بعد أم غيرِهم.
(مسألة ٤٦٢): لو شك في أن ما يسمعه صوت الإمام أو غيره جازت له القراءة.
(مسألة ٤٦٣): المسبوق بركعة أو أكثر لا يتحمل عنه الإمام في ثالثته أو رابعته القراءة، بل إن أدرك الإمام في الركوع سقطت عنه القراءة، كما لو أدركه في ركوع الاُوليين، وإن أدركه قائماً قبل الركوع قرأ لنفسه فإن ركع الإمام قبل أن يأتي بالسورة أو قبل أن يتمها اجتزأ بما قرأ وركع معه، ويجوز له إتمام السورة إذا لم يخلّ بالمتابعة العرفية.
وكذا إن ركع الإمام قبل أن يأتي المأموم بالفاتحة أو قبل أن يتمه. وإن كان الأحوط استحباباً له إتمامها إذا لم يخلّ بالمتابعة العرفية، والانفراد من أجل القراءة إذا أخل الاتمامُ بالمتابعة. وإذا علم قبل الدخول في الصلاة بعدم إدراكه للفاتحة تامة فالأحوط استحباباً له انتظار الإمام حتى يركع فيدخل معه.
(مسألة ٤٦٤): المسبوق إن طابقت وظيفته وظيفة الإمام في التشهد جلس معه فيه، سواء طابقتها في السلام أيضاً - كما لو كانت صلاته ثنائية ودخل في الثالثة من الصلاة الرباعية للإمام - أم لم تطابقها فيه - كما إذا التحق من صلاتُه رباعيّة بالجماعة في الركعة الثالثة.
وإن اختلفت الوظيفتان - كما لو دخل معه في الثانية أو الرابعة - وأراد البقاء على الائتمام ولم ينفرد تابعه في الجلوس للتشهد وحده أو مع السلام. واستحب له حال الجلوس الإتيان بالتشهد، ويجوز له الاشتغال بالذكر لابقصد الخصوصية بل بما أنه أمر مستحب في نفسه لا يبطل الصلاة. كما يجب عليه الجلوس للتشهد لنفسه في ثانيته إذا قام الإمام للرابعة ثم يلتحق بالإمام، ولا يسقط عنه التشهد للمتابعة.
(مسألة ٤٦٥): إذا جلس المسبوق لمتابعة الإمام في تشهّده أو سلامه من دون أن تكون وظيفته في نفسه الجلوس فالأحوط وجوباً له أن يتجافى، ولا يجلس متمكّن.
(مسألة ٤٦٦): إذا دخل المسبوق في ثانية الإمام قبل الركوع تابع الإمام في القنوت وإن كانت هي الركعة الاُولى له. وفي مشروعية القنوت له مرة اُخرى في ثانيته إشكال، فالأحوط وجوباً له عدم الإتيان به إلا برجاء المطلوبية.
(مسألة ٤٦٧): يجب الاخفات في القراءة والذكر خلف الإمام، سواءً كانا مستحبين كالمأتي بهما حال الائتمام في الركعتين الاُوليين للإمام أم واجبين
كالمأتي بهما حال الائتمام في الركعتين الاخيرتين للإمام.
(مسألة ٤٦٨): يجب على المأموم متابعة الإمام في الافعال، فلا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه تأخراً كثيراً ينافي المتابعة عرف. بل يتأخر عنه قليلاً أو يقارنه، وإن كان الأحوط استحباباً عدم مقارنته له أيض. وأما الاقوال - من القراءة والذكر - فالظاهر عدم وجوب المتابعة فيها عدا تكبيرة الاحرام فلا يجوز التقدم فيه، بل لابدّ من التأخر ولو كثير، بمعنى لزوم فراغ الإمام من التكبير الذي به يتحقق الدخول في الصلاة قبل شروع المأموم في التكبير.
(مسألة ٤٦٩): إذا ترك المتابعة عمداً لم تبطل صلاته ولا جماعته، بل يأثم بذلك، عدا تكبيرة الاحرام، فإن المتابعة فيها بالمعنى المتقدّم شرط في انعقاد الجماعة، فلو لم يتابع صحت الصلاة فرادى.
كما أنه لا يجوز له الركوع قبل فراغ الإمام من القراءة عمد، بل حكمه حكم ترك القراءة عمد، الموجب لبطلان الصلاة. وأما الركوع قبله سهواً فهو بحكم سبق الإمام سهواً الذي يأتي الكلام فيه. وأما عدم المتابعة في التسليم والإتيان به قبل الإمام فهو لا يوجب إلا عدم استكمال فضيلة الجماعة، من دون أن يقتضي بطلان الصلاة.
(مسألة ٤٧٠): إذا ركع قبل الإمام عمداً في الركعتين الاُوليين قبل فراغ الإمام من القراءة بطلت صلاته، كما تقدم، وكذا إذا ركع قبله عمداً في غير ذلك أو سجد قبله عمداً ملتفتاً لمنافاتِه لوجوب المتابعة وكونِه معصيةً له. وإن غفل عن وجوب المتابعة فركع - في الفرض - أو سجد قبل الإمام عمداً فالأحوط وجوباً البقاء في ركوعه أو سجوده بانتظار ركوع الإمام أو سجوده، وعدم الرجوع إلى الإمام ليركع أو يسجد معه.
(مسألة ٤٧١): إذا ركع أو سجد قبل الإمام سهواً فالأحوط وجوباً له
المتابعة بالعودة إلى الإمام متى التفت ثم الركوع أو السجود معه، ولا يجب عليه قبل العود الذكر في الركوع والسجود الاوّلين، بل يجب عليه الذكر في الركوع والسجود المعادين مع الإمام.
(مسألة ٤٧٢): إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام عمد، فإن كان قبل الذكر بطلت صلاته، وإن كان بعده فالأحوط وجوباً له البقاء على حاله إلى أن يلحقه الإمام، ولا تبطل جماعته ولا صلاته.
(مسألة ٤٧٣): إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام سهواً وجب عليه الرجوع للإمام إن احتمل إدراكه له قبل أن يرفع رأسه، وإن لم يرجع أثم ولم تبطل صلاته ولا جماعته. وإن رجع فركع أو سجد ورفع الإمام رأسه قبل أن يتحقق منه الركوع والسجود. فالأحوط وجوباً إجراء حكم زيادة الركوع أو السجود سهو.
(مسألة ٤٧٤): إذا رفع رأسه من السجود فرأى الإمام ساجداً فتخيّل أنه في الاُولى فعاد إليها بقصد المتابعة فتبيّن أنها الثانية اجتزأ به، وإذا تخيلها الثانية فسجد اُخرى بقصد الثانية فتبين أنها الاُولى حسبت للمتابعة، ووجب عليه السجود مرة اُخرى مع الإمام في السجدة الثانية له.
(مسألة ٤٧٥): إذا سها الإمام فزاد سجدةً أو تشهداً أو غيرهما مما لا تبطل الصلاة بزيادته سهواً لم تجب على المأموم متابعته فيه، ولا تبطل الجماعة بعدم المتابعة بذلك، أما لو زاد عمداً أو كان الزائد ركناً بطلت صلاة الإمام وجرى حكم بطلانها على المأموم حيث يتعين الانفراد أو تقديم إمام آخر، على ما تقدم في الفصل الثاني فيما تنعقد به الجماعة.
(مسألة ٤٧٦): إذا سها الإمام فنقص شيئاً لا يضر نقصه سهواً وجب على المأموم الإتيان به، وإذا التفت الإمام بعد ذلك فرجع لتدارك ما فاته لم يتابعه المأموم فيه.
(مسألة ٤٧٧): إذا نسي الإمام القنوت فركع جاز للمأموم الإتيان به إذا لم يوجب فوات المتابعة عرف، وإذا لم يأتِ به عمداً وركع مع الإمام فذكر الإمام وتدارك القنوت بعد الركوع لم يشرع للمأموم متابعته فيه. نعم يجوز له الدعاء لا بعنوان القنوت.
(مسألة ٤٧٨): إذا كان الإمام لا يرى وجوب شيء - كجلسة الاستراحة - ويرى المأموم وجوبه فإن جاء به الإمام فلا إشكال، وإن لم يأتِ به وجب على المأموم الإتيان به من دون أن يخلّ بالجماعة. نعم إذا كان من الاركان بنظر المأموم كانت صلاة الإمام باطلة بنظره فلا يشرع الائتمام به.
(مسألة ٤٧٩): إذا كان الإمام يرى وجوب فصل فأتى به والمأموم لا يرى وجوبه، فإن كان المأموم يرى مشروعيته وجواز الإتيان به تابعه فيه، وإلا لم يجُز له الإتيان به. لكن لا تبطل الجماعة، إلا أن يكون بنظر المأموم من الاركان التي تبطل الصلاة بزيادتها فتبطل الجماعة.
(مسألة ٤٨٠): إذا حضر الجماعة ولم يدر أن الإمام في الركعتين الاُوليين أو الاخيرتين جاز له أن يقرأ الفاتحة والسورة برجاء الجزئية فإن تبيّن كونه في الاخيرتين وقعت القراءة في محله، وإن تبين كونه في الاُوليين لم يضر.
(مسألة ٤٨١): إذا شرع المقيم في الاقامة يكره لمن يريد الدخول في تلك الصلاة الشروع في النافلة، وإن علم أنه يدرك الجماعة في الركعة الاُولى أو غيره. بل لو كان قد شرع في النافلة قبل ذلك جاز له قطعه، بل يستحب من أجل استحباب الدخول في الجماعة.
(مسألة ٤٨٢): إذا كان في الفريضة الثلاثية أو الرباعية واُقيمت الجماعة وخشي من إتمامها عدم إدراك الجماعة في الركعة الاُولى منها استحبّ له العدول بها إلى النافلة وإتمامها ركعتين. هذا ويجوز قطع الفريضة لادراك الجماعة بل
يستحب ذلك من أجل استحباب إدراك الجماعة.
(مسألة ٤٨٣): إذا شك المأموم في عدد الركعات كان له الرجوع للإمام إذا كان حافظ، ولو بأن يكون ظان، وكذا يرجع الإمام للمأموم إذا كان حافظ.وإن تعدد المأمومون فلا بد في رجوع الإمام لهم من اتفاقهم.
وأما إذا اختلف الإمام والمأموم بأن كان أحدهما متيقِّناً أو ظاناً على خلاف يقين الاخر أو ظنه فاللازم عملُ كلّ منهما على مقتضى يقينه أو ظنه.
(مسألة ٤٨٤): إذا شك الإمام أو المأموم في فعل من أفعال الصلاة كالركوع أو السجود قبل التجاوز عنه والدخول في غيره فالاظهر رجوع أحدهما للاخر.
(مسألة ٤٨٥): إذا شك المأموم بعد السجدة الثانية للإمام في أنه سجد معه السجدتين أو واحدة بنى على أنه لم يأت بالثانية، وكذا الحال في كل فعل يحتمل عدم إتيانه به مع الإمام فإنه يبني على عدم إتيانه به ومتابعته فيه. نعم مالا يجب المتابعة فيه - كالاقوال - لا يبني على أنه أتى به. إلا أن يكون كثير الشك أو يرجع شكه للوسواس.
(مسألة ٤٨٦): إذا وقع من الإمام ما يوجب سجود السهو عليه لم يجب على المأموم السجود معه إلا أن يقع منه أيضاً ما يوجبه.
(مسألة ٤٨٧): إذا شكّ المأموم في الوقت فلا يجوز له التعويل على الإمام والدخول معه في الصلاة. وكذا لو شكّ في القبلة، إلا أن يثق بمعرفة الإمام لها بحيث يتحقق بالرجوع إليه التحرّي الذي هو حجة في القبلة، كما تقدم.
(مسألة ٤٨٨): اختلاف الإمام والمأموم في القبلة إذا لم يكن فاحشاً لا يمنع من انعقاد الجماعة.
(مسألة ٤٨٩): يستحب أن يقوم المأموم إن كان رجلاً واحداً عن يمين الإمام متأخراً عنه قليلاً على الأحوط وجوب، كما تقدم، وإن كان امرأة وقفت خلف الإمام عن يمينه، وان كان رجلاً واحداً وامرأة واحدة أو أكثر وقف الرجل عن يمين الإمام والمرأة الواحدة أو الاكثر خلفهم. وإن كان المأمومون أكثر من رجل واحد وقفوا خلف الإمام وبرز الإمام عنهم. وإن كان معه نساء صرن خلفهم.
(مسألة ٤٩٠): يستحب للمأموم القيام عند قول المقيم: قد قامت الصلاة. ويقول: «اللهم اقمها وادمها واجعلني من صالحي اهله». وكلما سارع للدخول في الصلاة بعد تكبير الإمام كان افضل.
(مسألة ٤٩١): يكره للمأموم الوقوف في صف وحده إلا ان يضيق الصف فلا بأس بالوقوف في صف وحده، وان كان الافضل ان يقف عن يمين الإمام.
(مسألة ٤٩٢): يكره تعرج الصفوف بل ينبغي تسويتها واعتداله. كما يكره تباعد المصلين بعضهم عن بعض في الصف الواحد. بل ينبغي سدّ الفرج ومحاذاة المصلين بعضهم لبعض في المناكب.
(مسألة ٤٩٣): يكره التنفل عند الشروع في الاقامة، وتشتد عند قول المقيم: «قد قامت الصلاة». بل تقدم انه تقطع النافلة بل الفريضة حينئذٍ.
(مسألة ٤٩٤): يكره الكلام بعد قول المقيم: «قد قامت الصلاة».
(مسألة ٤٩٥): يكره للإمام أن يخص نفسه بالدعاء، بل يدعو للمأمومين معه.
(مسألة ٤٩٦): سبق أنه يجوز إمامة المرأة للنساء. وحينئذٍ تقوم وسطهن في الصف ولا تبرز عنهن.
المقصد السابع
في الخلل
وفيه فصول..
الفصل الأول
في حكم الزيادة والنقيصة
من ترك شيئاً من أجزاء الصلاة وشرائطها عمداً بطلت صلاته، حتى لو كان ذلك الشيء حرفاً أو حركة من القراءة أو الذكر، وكذا من زاد شيئاً من أجزائها عمد، سواءً كان ذلك الجزء من سنخ أجزاء الصلاة كالتكبير والركوع أم من غير سنخه، كما لو رفع يده بقصد الجزئية. وكذا إذا فعل أحد الامرين متردداً في صحة عمله شاكاً في ذلك من دون حجة.
(مسألة ٤٩٧): لا تتحقق الزيادة إلا بالإتيان بالشيء بقصد الجزئية، فإن فعل شيئاً لا بقصد ذلك، كما لو حرّك يده أو حكَّ جسده أو قرأ القرآن أو سبَّح أو صفّق للتنبيه أو غير ذلك لم تبطل صلاته. نعم لا يشترط ذلك في زيادة السجود، فمن سجد لابقصد الجزئية من الصلاة، بل بداع آخر - كما في سجود التلاوة أو الشكر - بطلت صلاته. وكذا الحال في الركوع على الأحوط وجوب.
(مسألة ٤٩٨): من زاد جزءً سهواً أو جهلاً لم تبطل صلاته إلا أن يكون الزائد ركوع، أو سجدتين في ركعة، وأما من أنقص جزءً سهواً أو جهلاً فيظهر حكمه مما تقدم عند التعرض لكل جزء من أجزاء الصلاة، كما أن الاخلال بالطهارة من الحدث موجب لبطلان الصلاة مطلق، سواء كان عن عمد
أم جهل أم نسيان، وسواء كان بتركها رأساً أم بالإتيان بها بوجه باطل، وأما غيرها من الشروط فيظهر حاله مما تقدم التعرض له عند كل شرط شرط.
الفصل الثاني
في الشك
والمراد به ما يخالف اليقين، سواء تساوى فيه طرفا الاحتمال أم ترجح أحدهما فكان مظنوناً والاخر موهوم.
نعم لابدّ من عدم بلوغه مرتبة الوسواس الذي يخرج به الإنسان عن الوضع العقلائي فيرى الواقع بعقله ولا يطمئن له بقلبه، بل يبقى قلقاً مضطرب، ومثل هذا لا يعتنى به في الصلاة ولا في جميع الاُمور، بل ينبغي للانسان مكافحة هذه الحالة بإهمالها وعدم الاهتمام بها ليستعيد شخصيته وثقته بنفسه.
إذا عرفت هذ، فيقع الكلام في مقامين..
المقام الأول
في الشك في الصلاة وأفعاله
(مسألة ٤٩٩): من شك في أنه صلّى أو ل، فإن كان بعد خروج الوقت بنى على أنه صلّى وإن كان قبل خروجه أتى به. نعم في المترتّبتين - كالظهر والعصر، والمغرب والعشاء - إن شك في الإتيان بالسابقة بعد الشروع في اللاحقة أو بعد الفراغ منها لم يعتنِ بالشك المذكور وبنى على الإتيان به.
(مسألة ٥٠٠): كثير الشك يعتني بشكه في المقام إذا لم يرجع شكه للوسواس.
(مسألة ٥٠١): إذا شكّ - حين الشك في الإتيان بالصلاة - في بقاء الوقت
بنى على بقائه، فيجب عليه الإتيان بالصلاة المشكوكة.
(مسألة ٥٠٢): إذا شكّ في صحة الصلاة بعد الفراغ منها بنى على الصحة.
(مسألة ٥٠٣): من شكّ في فعل من أفعال الصلاة وقد دخل فيما بعده بنى على الإتيان به ومضى في صلاته، كمن شكّ في الاذان وهو في الاقامة أو في الاقامة وهو في الصلاة، أو في تكبيرة الاحرام وهو في القراءة.. إلى غير ذلك مما تقدم تفصيله عند الكلام في كل جزء جزء.
(مسألة ٥٠٤): إذا أتى بالجزء وشكّ في صحته بعد الفراغ منه بنى على صحته وإن لم يدخل فيما بعده، كمن كبّر للاحرام ثم شكّ في صحة التكبير قبل الدخول في القراءة، أو قرأ ثم شكّ في صحة القراءة قبل القنوت أو قبل الركوع، أو أتى بذكر الركوع أو السجود ثم شكّ في صحته قبل رفع الرأس منهم.. إلى غير ذلك، فإنه يبني على صحة ما وقع. وأما إذا شكّ في صحة الجزء وهو مشتغل به قبل الفراغ منه، فاللازم عليه الاعادة. إلا أن يرجع الشك للوسواس.
(مسألة ٥٠٥): إذا أتى بالمشكوك في المحل ثم تبيّن أنه قد فعله أولاً لم تبطل صلاته، إلا إذا كان الجزء مما تبطل الصلاة بزيادته عمداً وسهو، وهو الركوع وكذا السجدتان معاً من ركعة واحدة.
(مسألة ٥٠٦): من كثر عليه الشكّ في فعل من أفعال الصلاة قبل الدخول فيما بعده، فإن أدرك أن أحد طرفي الشكّ من الشيطان لم يعتنِ به وجرى على الطرف الاخر، كما هو الغالب فيما إذا كثر عليه الظن بأحد الطرفين، حيث يكون المرتكز غالباً أنّ الاحتمال الاخر الموهوم من الشيطان وإن لم يدرك أن أحد الطرفين بخصوصه من الشيطان فالأحوط وجوباً له البناء على الاكثر مالم يكن مبطل، فيبني على الاقل حينئذٍ. فمن شكّ في أنه سجد أو تشهد أو ل، يبني على فعلهم.
نعم إذا أمكن الإتيان بالمشكوك برجاء الجزئية من دون أن يستلزم الزيادة
المبطلة كان له الإتيان به احتياط، كما في التشهّد دون مثل السجود، وأمّا مَن كثر عليه الشكّ في الفعل، وقد دخل فيما بعده فإنه لا يعتني بالشكّ مطلقاً حتى لو رأى أن أحد الطرفين من الشيطان، ويبني على تحقق الفعل المذكور ما لم يكن مبطل.
(مسألة ٥٠٧): من كثر عليه الشكّ في شروط الصلاة لم يعتنِ بشكّه وإن كان ذلك قبل الفراغ من الصلاة. نعم من كثر عليه الشكّ في الشرط - كالطهارة - قبل الصلاة يعتني بشكّه ويبني على عدم حصول الشرط ما لم يبلغ مرتبة الوسواس.
(مسألة ٥٠٨): المرجع في كثرة الشكّ إلى العرف. نعم إذا كان يشكّ في كل ثلاث صلوات متتالية فهو ممن كثر عليه الشكّ، وقد تصدُق كثرة الشكّ بأقل من ذلك.
(مسألة ٥٠٩): لابد في جريان حكم كثير الشكّ من أن يستند عرفاً للشيطان لا إلى أسباب خارجية من مرض أو خوف أو قلق أو نحو ذلك مما يوجب اضطراب الذهن.
(مسألة ٥١٠): إذا كثر عليه الشكّ في فعل خاص - كالشكّ في السجدة والسجدتين - أو في حال خاص - كالصلاة فرادى - وكان شكّه في غير ذلك على المتعارف لاكثرة فيه اختص حكم كثير الشكّ بذلك الحال، أما في غيره فيجري حكم الشكّ المتعارف.
(مسألة ٥١١): إذا لم يعتنِ بالشكّ ثم تبين أنّه قد نقص في صلاته جرى عليه حكم النقيصة سهو.
المقام الثاني
في الشكّ في الركعات
من شكّ أثناء الصلاة في عدد الركعات فإن تيسّر له الظن بأحد طرفي الشكّ - ولو بعد التروّي - أخذ به وعمل عليه. وإن لم يتيسر له الظن، فإن كانت الصلاة ثنائية أو ثلاثية فليس له المضي في الصلاة، بل يستأنف. وإن كانت رباعية فإن أحرز الركعة الثانية بإتمام الذكر الواجب من السجدة الثانية من الركعة المرددة بين الثانية والثالثة أمكن تصحيح الصلاة في صور خمس:
الاُولى: الشكّ بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال الذكر الواجب من السجدة الثانية. وحكمه البناء على الثلاث والإتيان بالرابعة، فإذا سلّم صلّى صلاة الاحتياط يتدارك بها النقص المحتمل، والأحوط وجوباً في كيفيتها أن يصلي ركعة من قيام بفاتحة الكتاب إخفات، ثم يسلّم.
الثانية: الشكّ بين الثلاث والاربع في أي موضع كان، وحكمه البناء على الاربع، فإذا سلّم صلّى صلاة الاحتياط، وهي ركعة من قيام - كما تقدم في الصورة الاُولى - أو ركعتين من جلوس بفاتحة الكتاب، والأحوط استحباباً اختيار الركعتين من جلوس.
الثالثة: الشكّ بين الاثنتين والاربع بعد إكمال الذكر الواجب من السجدة الاخيرة. وحكمه البناء على الاربع، فإذا سلّم صلّى صلاة الاحتياط، وهي ركعتان من قيام بفاتحة الكتاب إخفات.
الرابعة: الشكّ بين الاثنتين والثلاث والاربع بعد إكمال الذكر الواجب من السجدة الاخيرة. وحكمه البناء على الاربع، فإذا سلّم صلّى صلاة الاحتياط،
وهي ركعتان من قيام وركعتان من جلوس. ويتعين تقديم الركعتين من قيام.
الخامسة: الشكّ بين الاربع والخمس بعد ذكر السجدة الاخيرة. وحكمه البناء على الاربع فإذا سلّم سجد سجدتي السهو.
وأما بقية الصور المذكورة في كلمات الفقهاء وغيرها فالظاهر فيها عدم جواز المضي في الصلاة، بل يتعين الاستئناف.
(مسألة ٥١٢): من كانت وظيفته الصلاة من جلوس يتعيّن عليه صلاة الاحتياط على نحو يتمّ بها النقص الفائت. ففي الصورتين الاُوليين يتعين عليه ركعة من جلوس، وفي الثالثة يتعين عليه ركعتان من جلوس، وفي الرابعة يتعين عليه ركعتان من جلوس، ثم ركعة من جلوس.
(مسألة ٥١٣): تقدم أنه لابدّ في إمكان تصحيح الصلاة مع الشكّ في الرباعية من إحراز تمام الركعتين بالفراغ من الذكر الواجب في السجدة الثانية.
وعلى ذلك لو شكّ في أنه هل أتى بالسجدة الثانية أو ل، فإن كان مع مضي محل السجدة والدخول فيما بعدها - كالتشهد أو القيام - بنى على الإتيان به، وكان له تصحيح الصلاة والقيام بوظيفة الشكّ، وإلا بنى على عدمها وعدم إحراز الركعتين واستئناف الصلاة.
(مسألة ٥١٤): إذا تردّد في أن الحاصل له ظنّ أو شكّ - كما قد يتفق عند اضطراب النفس - جرى عليه حكم الشكّ.
(مسألة ٥١٥): إذا حصل له الشكّ وقام بوظيفته وقبل الفراغ من الصلاة تبدّل باليقين أو بالظن تركَ وظيفة الشكّ وعمل بيقينه أو ظنه. وإذا حصل له الظن وجرى عليه ثمّ قبْل الفراغ من الصلاة ارتفع الظن وصار شكاً عمل بوظيفة الشك الفعلية. مثلاً إذا تردد بين الواحدة والاثنتين وظن بالاثنتين وعمل بظنّه ومضى في صلاته حتى إذا جاء بركعة ذهب ظنّه وبقي شاكّاً جرى
عليه حكم الشكّ بين الاثنتين والثلاث، وحينئذٍ فإن كان ذلك قبل الفراغ من الذكر الواجب في السجدة الثانية فليس له المضي في الصلاة، بل يستأنف، وإن كان بعده كان له تصحيح الصلاة بالبناء على الثلاث، كما تقدم في الصورة الاُولى.
(مسألة ٥١٦): إذا ظن بالركعات وجرى على ظنّه حتى فرغ من الصلاة ثم ارتفع ظنه وصار شكاً لم يعتنِ بالشكّ وبنى على صحة عمله.
(مسألة ٥١٧): إذا شكّ وبنى على الاكثر، وبعد الفراغ من الصلاة قبل الإتيان بصلاة الاحتياط تبدل شكّه بالظن فله صور:
الاُولى: أن يظن بالاكثر الذي بنى عليه، كما لو كان شكّه بين الثلاث والاربع فظنّ بعد الفراغ بالاربع. والأحوط وجوباً الإتيان حينئذٍ بصلاة الاحتياط التي هي مقتضى وظيفة الشكّ السابق.
الثانية: أن يظنّ بنقص صلاته بالمقدار الذي تتداركه صلاة الاحتياط، كما لو ظنّ في الفرض السابق بالثلاث، والأحوط وجوباً حينئذٍ أن لا ينوي بصلاة الاحتياط الصلاةَ المستقلةَ، بل الاعم منها ومن الركعة المتممة لصلاته السابقة، ولا يكبّر لها بنيّة الافتتاح جزم، بل برجاء الافتتاح والجزئية.
الثالثة: أن يظنّ بنقص صلاته بالمقدار الذي لا تتداركه صلاة الاحتياط، كما لو كان شكّه بين الاثنتين والاربع، فبنى على الاربع، وبعد الفراغ ظنّ بالثلاث، فالأحوط وجوباً الاستئناف بعد فعل المبطل وعدم الاعتداد بصلاته.
(مسألة ٥١٨): إذا شكّ وبنى على الاكثر وبعد الفراغ من صلاته قبل الإتيان بصلاة الاحتياط تيقن بتمامية صلاته اجتزأ بها ولم يحتج لصلاة الاحتياط، وإن تيقن بنقص صلاته جرى عليه حكم من سلّم على النقص ولا يحتاج لصلاة الاحتياط.
(مسألة ٥١٩): لو تبيّن في أثناء صلاة الاحتياط تمامية صلاته انكشف أن
صلاة الاحتياط نافلة فله قطعه، أما لو تبيّن نقْص صلاته كان عليه إتمام صلاة الاحتياط وأجزأته.
(مسألة ٥٢٠): الظاهر عدم وجوب علاج الشكّ بالوجوه المتقدمة، بل يجوز قطع الصلاة بفعل المبطل واستئنافه، لكن لو مضى في صلاته على طبق الوظيفة حتى سلّم فالأحوط وجوباً عدم ترك صلاة الاحتياط وعدم إعادة الصلاة بدلاً عنه.
(مسألة ٥٢١): يجب في صلاة الاحتياط ما يجب في الصلاة من الاجزاء والشروط، ويجب فيها التشهد والتسليم، ويُقتصر في قراءتها على الفاتحة، ولا يشرع فيها سورة، إلا أن يؤتى بها من دون قصد الجزئية.
(مسألة ٥٢٢): الأحوط وجوباً عدم تخلل المنافي بينها وبين الصلاة. ولو تخلل فالأحوط وجوباً الإتيان بها ثم إعادة الصلاة. نعم لو كان المنافي مما لا تبطل الصلاة به سهواً فمع الإتيان به سهواً يجتزأ بصلاة الاحتياط.
(مسألة ٥٢٣): الأحوط وجوباً الموالاة بين الصلاة الاصلية وصلاة الاحتياط بالنحو المعتبر في الصلاة.
(مسألة ٥٢٤): يجري في صلاة الاحتياط ما يجري في سائر الفرائض من أحكام السهو في الزيادة والنقيصة والشكّ في الجزء قبل الدخول فيما بعده وبعد الدخول فيما بعده وغير ذلك. نعم إذا شكّ في عدد ركعاتها فالظاهر أنه يتخيّر بين البناء على الاقل والبناء على الاكثر، وإن كان الأحوط استحباباً الثاني.
(مسألة ٥٢٥): إذا شكّ في الإتيان بصلاة الاحتياط بنى على العدم، إلا أن يخرج الوقت، مع إمكان إيقاعها فيه لسعته، أو يتحقق منه الفراغ عن الصلاة لا بمجرّد السلام الذي يكون قبل صلاة الاحتياط، بل بترك الصلاة بعنوان إكمالها وإتمامها وتحقق امتثالها المفرغ لذمته.
(مسألة ٥٢٦): إذا بطلت صلاة الاحتياط فالأحوط وجوباً إعادتها ثم إعادة الصلاة، نظير ما تقدم في المسألة (٥٢٢) عند الكلام في تخلل المنافي.
الفصل الثالث
في قضاء الاجزاء المنسية
تقدم في مبحث السجود وجوب قضاء السجدة المنسية، كما تقدم في مبحث التشهد وجوب قضاء التشهد الاخير إذا ذكره المصلي بعد السلام. والأحوط وجوباً قضاء بعض التشهد إذا نسيه. ولا يقضي غير ذلك من الاجزاء. وأما التشهد الأول إذا نسيه أو نسي بعضه وذكر بعد الركوع فيجزئه عنه سجود السهو.
(مسألة ٥٢٧): يجب في القضاء جميع ما يعتبر في الجزء الصلاتي من الاجزاء والشروط. والأولى عدم الفصل بينه وبين الصلاة بالمنافي، بل هو الأحوط استحباب، لكن الظاهر عدم بطلان الصلاة لو فصل به.
(مسألة ٥٢٨): إذا شكّ في نسيان الجزء الذي يقضى بنى على عدم نسيانه، ولو علم به وشكّ في قضائه بنى على عدم قضائه، إلا أن يخرج الوقت أو يتحقق منه الفراغ عن الصلاة، بالنحو المتقدم في المسألة (٥٢٥) في الفصل السابق.
(مسألة ٥٢٩): إذا ذكر الجزء المنسي بعد خروج وقت الصلاة قضاه.
الفصل الرابع
في سجود السهو
يجب سجود السهو لاُمور:
الأول: الكلام، قليلاً كان أو كثير، من دون فرق بين أن يتكلم ساهياً وأن يتكلم عامداً بتخيّل أنه خارج عن الصلاة، كما لو سلّم في غير محل السلام. نعم لا يجب بالكلام عامداً لتخيّل أن ما أتى به قرآن مثل. كما لا يجب بسبق اللسان.
الثاني: نسيان التشهد الأول في الثلاثية والرباعية، بل الأحوط وجوباً ثبوته بنسيان التشهد مطلق.
الثالث: زيادة السلام المُخرِج على الأحوط وجوب. بل هو الاظهر لو زاد معه التشهد المتصل به.
الرابع: الشكّ بين الاربع والخمس بعد ذكر السجدة الاخيرة.
الخامس: إذا أتى جالساً بما يشرع حال القيام، أو أتى قائماً بما يشرع حال الجلوس، كما لو قرأ من وظيفته القيام حال الجلوس، أو تشهد حال القيام. إلا ان يكون ذلك مبطلاً للصلاة كما لو كبر للإحرام من وظيفته القيام حال الجلوس، فإنه لا سجود حينئذٍ.
السادس: من قرأ بدل التسبيح أو سبّح بدل القراءة، كما لو سبّح في الركعتين الاُوليين، أو قرأ حال الركوع والسجود بدل التسبيح.
السابع: ما إذا علم إجمالاً بالزيادة أو النقيصة من دون أن يلزم البطلان. والأحوط استحباباً أن يلحق به ما إذا تردد الامر بين الزيادة والنقيصة والعدم.
بل الأحوط استحباباً الإتيان به لكل زيادة أو نقيصة غير مبطلة.
(مسألة ٥٣٠): يستحب سجود السهو لمن شكّ بين الثلاث والاربع وظن بالاربع فبنى عليها وسلّم.
(مسألة ٥٣١): الأحوط وجوباً المبادرة لسجود السهو بعد الصلاة، بحيث لا ينشغل بشيء آخر من كلام أو عمل أو نحوهم. نعم الأحوط وجوباً تأخيره عن صلاة الاحتياط. والأولى تأخيره عن قضاء الاجزاء المنسية.
(مسألة ٥٣٢): يجب عدم فصل الكلام بينه وبين الصلاة. بل الأحوط وجوباً العموم لغير الكلام من منافيات الصلاة.
(مسألة ٥٣٣): إذا لم يبادر لسجود السهو أو فصل بينه وبين الصلاة بالمنافي أو تركه رأساً لم تبطل الصلاة التي وجب تبعاً له.
(مسألة ٥٣٤): إذا نسي سجود السهو ثم ذكره وهو في الصلاة لم يبعد وجوب قطعها والإتيان به إذا كان إتمامها موجباً لفوت المبادرة العرفية. لكن لو أتمّها ولم يبادر إليه لم تبطل.
(مسألة ٥٣٥): الظاهر تعدد سجود السهو بتعدد السبب الموجب له. لكن لا يجب الترتيب بين السجود حسب ترتيب أسبابه. بل لا يجب تعيين السبب المأتي به له.
(مسألة ٥٣٦): ليس في سجود السهو تكبيرة الافتتاح، وإن كان أحوط استحباب.
(مسألة ٥٣٧): سجود السهو سجدتان، وليكونا متواليتين على الأحوط وجوب. ويجب فيهما:
١ - النية المعتبرة في العبادة.
٢ - أن يكون السجود فيهما على المساجد السبعة.
٣ - وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه في الصلاة.
٤ - عدم علّو موضع الجبهة.
والأحوط وجوباً التشهد بعدهما ثم التسليم. كما أن الأحوط وجوباً اشتراطهما بشروط الصلاة من الطهارة والاستقبال وغيرهم.
(مسألة ٥٣٨): الأحوط وجوباً في سجدتي السهو الذكر، لكن لا يجب فيهما ذكرٌ معيّن، نعم يستحب أن يقول: «بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد» أو «بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وآل محمد» أو: «بسم الله وبالله والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» أو بحذف الواو في أول السلام.
(مسألة ٥٣٩): إذا شكّ في تحقق موجب سجود السهو بنى على العدم، وإذا شكّ في عدده بنى على الاقل. وإذا علم بوجوبه وشكّ في الإتيان به فالأحوط وجوباً الإتيان به وإن طالت المدة.
(مسألة ٥٤٠): إذا شكّ في أنه سجد سجدة أو سجدتين بنى على الاقل، إلا مع تحقق الفراغ من العمل.
(مسألة ٥٤١): إذا شكّ بعد رفع الرأس من السجدة في أنه هل أتى بالذكر فيها أو ل، مضى ولم يعتنِ، وإذا علم بعدمه فالأحوط وجوباً إعادة السجدة.
(مسألة ٥٤٢): لا يبطل سجود السهو بالزيادة فيه.
الفصل الخامس
في الخلل في النافلة
(مسألة ٥٤٣): تبطل النافلة بالنقيصة العمدية مطلق، وكذا بالزيادة العمدية على الأحوط وجوب، كما تبطل بنقيصة الركن والاخلال به سهو. والمراد بالركن هو تكبيرة الاحرام والركوع والسجود والطهارة الحدثية والقبلة، على التفصيل المتقدم في مبحث القبلة سهو. ولا تبطل بزيادة الركن سهو.
(مسألة ٥٤٤): لو نقص جزءً ركنياً - كالركوع - أو غيره - كسجدة واحدة - حتى فعل جزءً ركنياً - كالركوع أو السجدتين - لم يشرع له المضي، بل لابدّ له من الرجوع وتدارك الجزء المنسي وإن استلزم زيادة الجزء الركني الذي فعله. نعم إذا نسي القراءة حتى ركع مضى في صلاته ولم يرجع.
كما أنّ السجود والتشهد المنسيين لا يقضيان، بل يتعين تداركهما وإن دخل في ركن بعدهم. نعم إذا لم يذكر حتى سلّم فالأحوط وجوباً الرجوع والتدارك ثم إتمام الصلاة حتى السلام.
(مسألة ٥٤٥): إذا شكّ في ركعات النافلة كان مخيّراً بين البناء على الاقل والبناء على الاكثر. والأولى البناء على الاقل. بل قيل: إنه مستحب. كما أن الأحوط وجوباً العمل بالظن.
(مسألة ٥٤٦): الأحوط وجوباً الاستئناف إذا شكّ في عدد الركعات في صلاة الوتر.
(مسألة ٥٤٧): إذا شكّ في الجزء بعد الدخول فيما بعده مضى في صلاته، كما تقدم في الفريضة. كما أنه إذا شكّ فيه قبل الدخول فيما بعده فالأحوط وجوب
الإتيان به، كما تقدم في الفريضة.
(مسألة ٥٤٨): لا يجب سجود السهو في النافلة، وإن كان أحوط استحباب.
(مسألة ٥٤٩): من نقص ركعة من النافلة فإن أمكن تداركها قبل فعل المنافي تداركها وصحت صلاته، وإلا بطلت، نظير ما تقدّم في الفريضة. وأما بطلانها بزيادة ركعة فلا يخلو عن إشكال، وإن كان هو الأحوط وجوب.
(مسألة ٥٥٠): النوافل التي لها كيفيات مخصوصة من حيثية السور أو الأذكار أو غيرها يجوز للمكلف العدول في أثنائها عن الكيفية الخاصة إلى النافلة المطلقة. كما أنه لو نسي وخالف كيفيتها فإن ذكر قبل أن يأتي بما ينافيها كان له الرجوع وتدارك الكيفية الخاصة، كما لو نسي قراءة آية الغفيلة وقرأ سورة ثم ذكر قبل الركوع، فإن له قراءة الاية وإتمام الصلاة. وأما إذا ذكر بعد الإتيان بما ينافيها فلا يخلو التدارك عن إشكال، كما لو ذكر في الفرض السابق بعد الركوع، لان الركوع يصح منه للنافلة المطلقة، والتدارك يستلزم زيادة الركوع عمد، وقد سبق الاحتياط بمبطليته للنافلة. ومن هنا يكون الأولى المضي في الصلاة بقصد النافلة المطلقة، أو قطعها ثم استئناف الصلاة الخاصة.
المقصد الثامن
في صلاة المسافر
تقصر الصلاة الرباعية في الخوف والسفر، أما قصرها في الخوف ففيه تفصيل وكلام لامجال له في المقام بعد ندرة الابتلاء أو عدمه بذلك. والكلام هنا في السفر، وفيه فصول..
الفصل الأول
في شروط السفر الموجب للقصر
وهي اُمور:
الأول: المسافة، وهي ثمانية فراسخ.
(مسألة ٥٥١): تكفي الثمانية الملفقة من أربعة فراسخ ذهاباً وأربعة إياباً فما زاد، إذا لم يفصل بينها بأحد القواطع الاتية. ولا يكفي الملفقة مما دون أحد الامرين، كثلاثة ذهاباً وخمسة إياباً أو العكس.
(مسألة ٥٥٢): لا يشترط في وجوب القصر في المسافة الملفّقة قصدُ الرجوع ليومه، بل يجب القصر ولو مع نية المبيت في مقصده يوماً أو أكثر مالم يقصد البقاء عشرة أيام، حيث ينقطع حكم السفر كما يأتي.
(مسألة ٥٥٣): الثمانية فراسخ تقارب الستة والاربعين كيلومتر، ويحسن الاحتياط فيما نقص عن ذلك قليلاً أو زاد عليه قليل.
(مسألة ٥٥٤): تثبت المسافة بالعلم وبالبينة الشرعية، وهي شهادة العدلين، ومع الشك في بلوغ السفر المسافة مع تعيين المقصد يجب التمام، لكن لو ظهر بلوغه المسافة في الوقت لزمت الاعادة قصر، ولو ظهر بعد الوقت فالأحوط وجوباً القضاء قصر. أما مع الشك في بلوغ السفر المسافة لعدم تعيين المقصد فيجب التمام لعدم حصول قصد المسافة منه، كما لو خرج من النجف الاشرف وهو متردد بين السفر للكوفة والسفر للحلة.
(مسألة ٥٥٥): إذا اعتقد بلوغ السفر المسافة فقصر الصلاة فظهر الخطأ وجبت عليه الاعادة في الوقت والقضاء خارجه، وإذا اعتقد عدم بلوغ السفر المسافة فأتمّ ثم ظهر الخطأ فالأحوط وجوباً له الاعادة أو القضاء.
(مسألة ٥٥٦): إذا كان للمقصد طريقان قريب لا يبلغ المسافة وبعيد يبلغها أتمّ إذا قصد سلوك القريب وقصر إذا قصد سلوك البعيد وإن لم يحتج لسلوكه. وإذا كان الذهاب من أحدهما والرجوع من الاخر يبلغ ثمانية فراسخ فإن كان في الطريق البعيد موضع بينه وبين بلده أربعة فراسخ في ذهابه منه وفي رجوعه إليه قصّر، وإلا أتمّ.
(مسألة ٥٥٧): السير في المسافة المستديرة حول البلد إن لم يصدق عليه السفر لقرب الطريق من البلد بحيث يكون من توابعه وجب التمام وكذا إذا لم يخرج عن حدّ الترخص الذي يأتي التعرّضُ له، وإن صدق عليه السفر لبُعد الطريق من البلد وجب فيه القصر إذا بلغ مجموع الدائرة مع الخط الواصل بينها وبين البلد في الذهاب والاياب ثمانية فراسخ. كما لو كان طول الخط الفاصل نصف فرسخ ومحيط الدائرة سبعة فراسخ.
(مسألة ٥٥٨): مبدأ حساب المسافة من مبدأ صدق السفر، وهو من المنزل فيما إذا كان منفرداً في الصحراء، ومن منتهى القرية، ومن منتهى البلد.
(مسألة ٥٥٩): البلدان الكبيرة التي تعارفت في عصورنا كثيراً على قسمين:
الأول: ما يكون بعضه مرتبطاً ببعض في الوضع المعاشي والحياتي بحيث لا تستقل أحياؤه ومحالّه بنفسه، بل يرتبط أحدها بالاخر أو ترتبط كلها بالمركز. وفي هذا القسم يكون مبدأ حساب المسافة طرف البلد.
الثاني: ما يستقل بعضه عن بعض، بحيث يستغني كلّ حي أو محلة بنفسه في وضعه المعاشي، ولا يحتاج بعضها الاخر إلا كما يحتاج المدن الاُخرى أو تحتاجه فهي - وإن تجاورت وشملها اسم واحد - كالمدن المتعددة، وليس تقاربها إلا كتقارب القرى أو المدن التي تتسع شيئاً فشيئاً حتى تتقارب أو تتصل. ومبدأ حساب المسافة في هذا القسم المحلة أو الحي الذي يسكنه المسافر. نعم إذا كان المسافر مرتبطاً بأكثر من حي أو محلة، كان مبدأ الحساب له من منتهى أقرب الحيين أو الاحياء إلى جهة سفره. كالشخص الذي يبيت في حي ويعمل في آخر. كما أن الشخص الذي يرتبط بجميع أحياء المدينة - لتعدد مراكز عمله أو لسعة علائقه الاجتماعية أو لغير ذلك - يكون مبدأ الحساب له أطراف المدينة.
الثاني: القصد إلى السفر في المسافة المتقدمة، فلا يكفي السفر من دون قصد كما لو ساروا به وهو مغمىً عليه أو نائم، كما لا يكفي قصد السفر من دون قصد المسافة حتى لو تمادى به السير فبلغ المسافة من دون قصد له. نعم إذا قصد الاستمرار بعد ذلك في السير بما يبلغ ثمانية فراسخ أو أربعة مع قصد الرجوع قصر. كما أنه إذا قصد الرجوع وكان ثمانية فراسخ قصر فيه.
(مسألة ٥٦٠): يكفي في التقصير قصد الموضع الذي يبلغ المسافة وإن لم يعلم ببلوغه له، بل وإن اعتقد عدم بلوغه خط. كما لا يكفي في التقصير قصد السفر لما يعتقد بلوغه المسافة إذا لم يبلغها في الواقع.
(مسألة ٥٦١): يكفي قصد المسافة إجمال، كما إذا قصد أحد بلدين كل
منهما يبلغ المسافة، أو قصد السير أربعة فراسخ مع تردّده بين أن يرجع أو يستمر في السير ثمانية فراسخ ثم ينوي الاقامة في المقصد.
(مسألة ٥٦٢): إذا خرج إلى ما دون أربعة فراسخ وهو يريد التجاوز عنها معلّقاً على أمر غير معلوم الحصول - كتحصيل نفقة له أو رفيق في طريقه، أو توثق على من خلّف من أهله - لم يقصر إلا أن يحصل له ذلك ويتجدد منه العزم فعلاً على السفر المسافة المذكورة، وحينئذٍ يكون مبدأ المسافة من حين تجدّد العزم الفعلي.
(مسألة ٥٦٣): يكفي في قصد السفر للمسافة المذكورة العزم على ذلك لوجود المقتضي وعدم العلم بالمانع، ولا يضر احتمال عروض المانع.
(مسألة ٥٦٤): لا يشترط قصد المسافة استقلال، بل يكفي قصدها تبعاً للغير، كما في قصد الزوجة تبعاً لزوجها والعيال تبعاً لمعيلهم والاجير تبعاً للمستأجر والاسير تبعاً للاسر ونحوهم.
نعم لابدّ من أمرين:
أحدهما: العزم على عدم مفارقة المتبوع، فمع عدم العزم المذكور واحتمال مفارقته لا يتحقق القصد التبعي ويتعين الاتمام.
ثانيهما: العلم بقصد المتبوع للمسافة، أما مع الجهل بقصده المسافة فلا يتحقق القصد التبعي، ويتعين الاتمام. ولا يجب على التابع الفحص، ولا على المتبوع الاخبار لو سأله التابع. نعم إذا تجدد له العزم على عدم مفارقة المتبوع أو العلم بقصد المتبوع قصّر إذا تحقق منه قصد المسافة الامتدادية أو الملفّقة من حين تحقق القصد المذكور، على نحو ما تقدم عند الكلام في اعتبار قصد المسافة.
الثالث: استمرار القصد للسفر في المسافة المذكورة، فلو عدل قبل بلوغ أربعة فراسخ فبنى على الرجوع أو تردد في الاستمرار أتمّ.
(مسألة ٥٦٥): إذا صلّى قصراً أو تناول المفطر ثم تردد في الاستمرار في السفر أو عدل عن السفر قبل بلوغ المسافة فالأحوط وجوباً له إعادة الصلاة في الوقت تماماً وقضاؤها خارج الوقت كذلك. ووجب عليه الامساك بقيّة اليوم وقضاؤه.
(مسألة ٥٦٦): إذا كان عدوله أو تردده بعد بلوغ أربعة فراسخ بحيث لابد له في الرجوع من أربعة فراسخ اُخرى وكان عازماً على العود قبل إقامة عشرة أيام لم يجب عليه إعادة صلاته ولا الامساك عن المفطرات في بقيّة يومه، بل يبقى على القصر والافطار إلى أن يعود إلى منزله. وإذا كان عدوله أو تردده بعد بلوغ ثمانية فراسخ فاللازم عليه القصر والافطار وإن لم يعزم على العود، إلا أن ينوي إقامة عشرة أيام.
(مسألة ٥٦٧): يكفي في استمرار القصد للسفر البقاء على نيّة السفر ولو مع تبدل المقصد قبل بلوغ المسافة، كما إذا قصد السفر إلى مكان وقبل بلوغ المسافة عدل إلى مكان آخر. لكن لابدّ من كون ما بقي من السفر بضميمة ما حصل منه متمماً للمسافة.
(مسألة ٥٦٨): إذا تردد أو عدل عن السفر قبل بلوغ أربعة فراسخ ثم عاد لنية السفر قبل قطع شيء من المسافة رجع إلى القصر. وإن قطع شيئاً من المسافة حال التردد أو العدول ثم رجع إلى نيّة السفر، فالظاهر وجوب التمام عليه. إلا أن يشرع في سفر جديد قاصداً ثمانية فراسخ أو قاصداً أربعة وهو ينوي الرجوع فيقصر حينئذٍ.
الرابع: أن لا يكون ناوياً في أول السفر قطعه - بالمرور بالوطن أو ما يلحق به أو إقامة عشرة أيام قبل بلوغ المسافة - أو يكون متردداً في ذلك، فإنه لا يعتد بالسفر المذكور، فلا يكون مسوِّغاً للقصر، ولا يكون التلفيق منه. فلا يقصر لا في الطريق ولا في محل الاقامة ولا في الرجوع، إلا أن ينوي سفراً جديد
بالمسافة المتقدمة.
(مسألة ٥٦٩): إذا عزم في أثناء السفر على المرور بالوطن أو الاقامة، ثم عدل عن ذلك جرى فيه التفصيل المتقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٥٧٠): يكفي في وجوب القصر العزم على عدم المرور بالوطن وعدم نيّة الاقامة وإن احتمل عروض ما يلزمه بأحد الامرين، نظير ما تقدم في المسألة (٥٦٣).
الخامس: أن يكون السفر مباح، فلو كان محرَّماً بنفسه - كسفر العبد الابق وسفر الزوجة من بيت الزوجية بدون إذن الزوج - أو بغايته - كالسفر لقتل نفس محترمة أو للسرقة - لم يوجب القصر، بل يجب فيه التمام.
(مسألة ٥٧١): إذا كان السفر لغاية محرَّمة - كالسرقة - وجب التمام وإن لم تترتب الغاية، فعدم ترتبها لا يكشف عن وجوب القصر في ذلك السفر.
(مسألة ٥٧٢): لا يمنع من وجوب القصر ترتب الحرام على السفر - كإيذاء المؤمن - إذا لم يكن مقصوداً منه ولا غايةً له. نعم إذا علم بأنه يضطر للحرام بسبب السفر بحيث لولا السفر لم يفعله وجب التمام وإن لم يكن الحرام - بالوجه المذكور - هو الغاية من السفر.
(مسألة ٥٧٣): إذا كان السفر مباحاً في الواقع واعتقد المكلف حرمته خط، فالواجب القصر كما لو سافر للاضرار بمن يحل الاضرار به واقعاً وهو يعتقد حرمة الاضرار به، وحينئذٍ لوصلى قصراً وتيسّر له قصد القربة صحت صلاته، أما لو صلّى تماماً فالأحوط وجوباً له الاعادة في الوقت قصراً والقضاء في خارجه كذلك.
(مسألة ٥٧٤): إذا كان السفر حراماً في الواقع وكان المكلف جاهلاً
بحرمته معذوراً في جهله فالظاهر وجوب القصر عليه. أمّا لو لم يكن معذوراً في جهله فالامر لا يخلو عن إشكال، والأحوط وجوباً الجمع بين القصر والتمام، فلو فعل أحدهما كان عليه الاحتياط بضم الاخر ولو بعد الوقت.
(مسألة ٥٧٥): إذا كان السفر مستلزماً لترك أداء الواجب في بلده، فإن كان الغرض منه الفرار عن الواجب وجب التمام كما لو سافر المدين فراراً عن أداء الدين مع حلوله والقدرة على وفائه. وكذا إذا لم يكن الغرض منه ذلك لكن كان المكلف بنحو يؤدي الواجب لولا السفر، على الأحوط وجوب. أما إذا لم يكن في مقام أداء الواجب سافر أو لم يسافر فالظاهر وجوب القصر.
(مسألة ٥٧٦): إذا سافر المكلف سفراً مباحاً في نفسه إلا أنه ركب على الدابة المغصوبة أو في السيارة المغصوبة أو نحوهم، فإن كان بقصد الفرار بالمغصوب وسلبه وجب عليه الاتمام، وإلا وجب القصر.
(مسألة ٥٧٧): إذا كان السفر مضراً بالنفس أو الغير ضرراً يحرم إيقاعه وجب الاتمام فيه.
(مسألة ٥٧٨): التابع للجائر في منصبه يتمّ في سفره الذي يكون من شؤون تبعيّته له سواءً كان مرسلاً من قبله أم مشيّعاً له أم غير ذلك. نعم إذا كان مكرَهاً في تبعيته له أو كان غرضه منها دفع مظلمة عن نفسه أو عن المؤمنين أو نفعهم من دون أن يلزم منها ظلم لمؤمن قصّر.
(مسألة ٥٧٩): التابع للجائر بشخصه لا بمنصبه يقصر في سفره، كما لو ارسله ليبني داراً له لا تتعلق بمنصبه، إلا أن يستلزم ترويجاً لباطل أو ضرراً على مؤمن أو نحوهما من العناوين المحرمة، فيتم حينئذٍ.
(مسألة ٥٨٠): السفر لصيد البر والبحر إن كان للقوت أو التجارة كان حلالاً ووجب فيه التقصير والافطار، وإن كان للّهو كان حراماً ووجب فيه
الاتمام والصيام. وأما نفس الصيد فالظاهر أنه حلال مطلق.
(مسألة ٥٨١): إذا سافر لغايتين محلَّلة ومحرّمة - كما لو سافر للتجارةوللاضرار بمؤمن - وجب عليه الاتمام، نعم لو لم تكن الجهة المحرمة غاية للسفر، بل مما قد تتفق فيه من دون أن تكون مقصودة منه وجب القصر.
(مسألة ٥٨٢): إذا كان السفر محرماً بنفسه لابلحاظ غايته - كالسفر تبعاً للجائر، والسفر المضرّ بالبدن - فاللازم التمام فيه وإن كان إيقاعه بداعي غاية محلّلة كالنزهة.
(مسألة ٥٨٣): إذا اختلف السفر الواحد فكان بعضه حلالاً وبعضه حراماً وجب التقصير في القسم الحلال والاتمام في القسم الحرام، ولا يتوقف التقصير في القسم الحلال إلى نيّة قطع مسافة تامة جديدة. فمن سافر تبعاً للجائر ثم تركه وتوقف في بعض المواضع للعلاج قصر وإن لم يقطع مسافة. كما أن الاتمام في القسم الحرام إنما يتوقف على السير وقطع المسافة إذا كان العنوان المحرم يتوقف عليه كالسفر لتشييع الجائر.
أما إذا كان العنوان المحرم منطبقاً على السفر ببقائه ولو مع عدم قطع المسافة فلا يحتاج وجوب الاتمام للسير وقطع المسافة. فمن سافر لغاية محللة، ثم بدا له التوقف في مكان لقطع الطريق أو التحق بركب الجائر وجب عليه التمام وإن لم يقطع مسافة.
(مسألة ٥٨٤): الراجع من سفر المعصية إن عُدّ رجوعه من توابع سفر المعصية وانحصر غرضه بالرجوع وجب عليه الاتمام حاله، وإن لم ينحصر غرضه به فالأحوط وجوباً له الجمع بين القصر والتمام، كما لو اختار طريقاً خاصاً في الرجوع أو عجل بالرجوع لداع محلّل. وأما لو لم يعدّ الرجوع من توابع سفر المعصية فالواجب فيه القصر، كما لو رجع على طريق بعيد لغرض
محلّل، أو فصل بين الذهاب والرجوع بالمكث مدة معتداً بها بنحو لا يتعارف في سفر الذهاب.
السادس: أن لا يكون السفر كثيراً من المكلف بمقتضى طبيعة حياته أو عمله، فيجب التمام في السفر الذي يتكثر من المكلف ويتعارف بمقتضى وضعه الحياتي أو العملي، سواء كان عمله السفر - كالمكاري والملاح وسائق السيارة - أم كان عمله في السفر - كالجابي الذي يدور في جبايته والتاجر الذي يدور في تجارته والصانع الذي يدور في صنعته - أم توقف عمله على تكرر السفر - كالحطاب الذي تعوّد الخروج لاحتطاب الحطب وبيعه في البلد، ومن ابتنى عمله على جلب البضاعة في فترات متقاربة وبيعها في بلده - أم كان له غرض في تكرر السفر في فترات متقاربة للزيارة أو العلاج أو الدرس أو غيرها بنحو يكون مستمراً على ذلك، بحيث يكون مقتضى وضعه الطبيعي.
(مسألة ٥٨٥): إذا كان كثير السفر لما دون المسافة، وجب عليه القصر إذا اتفق له السفر إلى المسافة.
(مسألة ٥٨٦): إذا كان كثير السفر لجهة معينة فاتفق له السفر لغيره، فإن كان السفر الطارئ من سنخ السفر الذي تعوّده بحيث يكون مقتضى طبيعة حياته أوعمله مثله وجب عليه التمام في السفر المذكور، كالسائق على خط خاص يستأجر لخط آخر، وجالب البضاعة من مكان معين يحتاج لجلبه من مكان آخر ونحوهم.
وإن كان السفر الطارئ أجنبياً عن السفر الذي تعوّده - بحيث يخرج عن مقتضى طبيعة حياته وعمله - وجب عليه القصر، كالسائق والملاح ونحوهما إذا سافرا لزيارة إمام أو صديق أو لعلاج أو غيره، ومنه ما إذا ترك السائق سيارته في سفره، ورجع إلى أهله. إلا أن يتعوّد ذلك ويكثر منه، فيتم حينئذٍ.
(مسألة ٥٨٧): من كان كثرة السفر مقتضى عمله كالتاجر الذي يدور في تجارته والملاح يكفي في إتمامه إتخاذ العمل المذكور فيتمّ في السفرة الاُولى بلا حاجة لتكرار السفر. أما من كانت كثرة سفره لداع خاص يقتضي كثرة السفر فاللازم مضي مدّة معتدٍّ بها يصدق فيها أنّ السفر مقتضى طبيعة حياته. والأحوط وجوباً الجمع بين القصر والتمام من حين حدوث الداعي المذكور والابتداء بكثرة السفر إلى مضي المدة المذكورة.
(مسألة ٥٨٨): إذا كان كثير السفر بالوجه المتقدم في فترة معينة من السنة اختص التمام عليه بتلك المدة، كالذي يسوق بالاُجرة في بعض المواسم أو يجلب الخضر في فصل الصيف. نعم لابدّ من كون المدة معتدّاً بها عرفاً بحيث يصدق عرفاً أن ذلك مقتضى وضعه الطبيعي بلحاظ حياته أو عمله.
(مسألة ٥٨٩): لابدّ في صدق كثرة السفر بالوجه المتقدم من البناء على مزاولة السفر مرة بعد اُخرى، ولا يكفي المرة والمرتان وإن طالت مدة السفر. والظاهر صدقه في السفر الطويل المتكرر قليلاً مع تقارب مدة السفر مع مدة الحضر، فضلاً عما إذا زادت مدة السفر.
وأما في السفر القصير فالظاهر صدقه مع تقارب عدد أيام السفر مع عدد أيام الحضر، فضلاً عما إذا زادت أيام السفر. وأما إذا زادت أيام الحضر بقدر معتد به فالظاهر وجوب القصر، كما في من يقضي يومين من الأسبوع في السفر. وأما إذا كان السفر قصيراً لا يتجاوز نصف نهار فالظاهر عدم كفاية الاربع سفرات في الاُسبوع.
(مسألة ٥٩٠): من كان كثير السفر بالوجه المتقدم إذا أقام في بلده أو في البلد الذي يدخله عشرة أيام قصر وأفطر في السفرة الاُولى، سواءً كانت العشرة منويّة من أول الامر أم ل.
(مسألة ٥٩١): السائح في الارض الذي لم يتخذ له وطناً منها يتمّ في سياحته.
(مسألة ٥٩٢): من خرج معرضاً عن وطنه عازماً على التوطن في غيره يقصر في الطريق. وأما إن كان عازماً على عدم التوطن في غيره، وعدم اتخاذ مقر له بل يبقى متجولاً في الارض فإنه يتمّ. وكذا إذا كان متردداً في ذلك. وإن كان الأحوط استحباباً له الجمع بين القصر والتمام إلى أن تطول عليه المدة فيتمّ.
السابع: أن يصل إلى حدّ الترخص، ويعرف بأحد أمرين:
أولهما: أن يتوارى عن البيوت، بحيث يخفى شخصه على أهلها لبُعده عنهم، ويعلم ذلك بأن يبعد بحيث يخفى عليه من كان واقفاً أو ماشياً عنده.
ثانيهما: أن يبعد بحيث لا يسمع أذان أهل البلد. وان حصل أحدهما ولم يعلم بحصول الاخر قصر. أما إذا حصل أحدهما وعلم بعدم حصول الاخر فاللازم الاحتياط ولو بتأخير الصلاة.
(مسألة ٥٩٣): المدار في السماع على المتعارف من حيث السامع والصوت المسموع وموانع السمع. ومع اختلاف المتعارف يلزم الاحتياط ولا عبرة بالسماع بسبب مكبر الصوت أو بسبب سمّاعة لاقطة له. كما أن المدار في التواري على ما يستند للبعد دون ما يستند للحاجب الخارجي. وكذا على ما يكون في الوجه المتعارف في النظر بالعين المجردة، ولا عبرة بما يخرج عن المتعارف في قوة النظر أو ضعفه، كما لا عبرة بالنظر بالواسطة.
(مسألة ٥٩٤): الوصول إلى حدّ الترخص مبدأ التقصير عند خروج المسافر من بلده، ومنتهى التقصير عند رجوعه لبلده.
(مسألة ٥٩٥): الأحوط وجوباً عدم التقصير عند الخروج من محل الاقامة أو المكان الذي يبقى فيه ثلاثين يوماً إلا بعد الوصول إلى حدّ الترخص،
وإذا أراد الصلاة قبله جمَع بين القصر والتمام. وأما عند إرادة الدخول لمكان يريد المقام فيه عشرة أيام فلا يكفي في التمام الوصول إلى حدّ الترخص، بل لابدّ من الوصول إلى مكان الاقامة بنفسه.
(مسألة ٥٩٦): إذا شكّ في الوصول إلى حدّ الترخص بنى على عدمه، فيبقى على التمام في الذهاب وعلى القصر في الاياب. إلا أن يصلي صلاتين يعلم إجمالاً ببطلان إحداهم، فيجب الاحتياط بإعادتهم. نعم إذا رجع ذلك لاجمال الحد الشرعي - كما إذا شك في المراد بحدود البلد أو بالتواري عن البلد - فاللازم الاحتياط أو الرجوع للمقلد.
(مسألة ٥٩٧): إذا اعتقد الوصول إلى حد الترخص عند الخروج فصلى قصراً أو عند الرجوع فصلى تماماً ثم تبيّن الخطأ وجب التدارك بالاعادة أو القضاء في الأول، بل في الثاني على الأحوط وجوب.
الفصل الثاني
في قواطع السفر
وهي اُمور..
الأول: المرور بالوطن. وهو المكان الذي يتّخذه الإنسان مقرّاً له على الدوام لو خلّي ونفسه، بحيث يعزم على البقاء فيه وعدم الخروج منه إلا لسبب طارئ. سواء كان مسقط رأسه أم استجده. ويكفي فيه التبعية للغير كالزوج والاب ونحوهم، فوطن المتبوع وطن للتابع ما لم يُعرض عنه ويخرج منه.
(مسألة ٥٩٨): يكفي في الوطن المستجد السكني فيه بالنيّة المتقدمة، ولا يتوقف مع ذلك على قضاء مدّة معتدّ به، فلا يحتاج في المدة المذكورة لنيّة الاقامة أو الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام، وإن كان أحوط استحباب.
(مسألة ٥٩٩): يمكن تعدد الوطن، بأن يتخذ الإنسان بلدين مثلاً مقرّاً له يقضي في كل منهما قسماً من أوقاته ولا يخرج منهما لغيرهما إلا لسبب طارئ.
وحينئذٍ لابدّ في التقصير عند السفر بين الوطنين من أمرين:
الأول: بلوغ المسافة الامتدادية، وهي ثمانية فراسخ، ولا يكفي الملفقة لانقطاع السفر بدخول كل منهم.
الثاني: أن لا يكون كثير السفر بينهم، وإلا وجب عليه التمام في الطريق ولم يقصّر إلا في السفرة الاُولى إذا بقي في أحدهما عشرة أيام، على ما تقدم في كثير السفر.
(مسألة ٦٠٠): إذا اتخذ الإنسان مسكناً يبيت فيه في مدينته، ومحل عمل يعمل فيه في مدينة اُخرى وكان كل منهما مبنيّاً على الدوام والاستمرار، كان كل منهما وطناً له، فيجري عليه حكم ذي الوطنين.
(مسألة ٦٠١): الظاهر عدم ثبوت الوطن الشرعي، فلا تجري أحكام الوطن على المكان الذي يملك فيه الإنسان منزلاً قد أقام فيه ستة أشهر إذا أعرض عنه، بل يجب فيه القصر كما يجب في الوطن الذي أعرض عنه.
(مسألة ٦٠٢): الظاهر عدم خروج الوطن عن كونه وطناً إلا بالعدول عن جعله وطناً مع الخروج عنه، ولا يكفي العدول عنه مع البقاء فيه وعدم الخروج منه، كما لا يكفي التردد في البقاء على كونه وطناً ولو مع الخروج عنه.
(مسألة ٦٠٣): يلحق بالوطن المكان الذي يتّخذه الإنسان مقرّاً له مدة طويلة يسكن فيه سكناه في وطنه بمنزل وأثاث ونحوهم، بحيث يصدق عرفاً أنه مسكنه في المدة المذكورة، كالبلد الذي يسكنه طالب العلم في مدة دراسته، والموظف في مدة وظيفته وصاحب العمل في مدة عمله ونحوهم، فإنه وإن لم يكن وطناً له - كما يظهر مما سبق في معنى الوطن - إلا أنه يجري عليه حكم الوطن، فإذا كان فيه كان حاضراً يتمّ وإن لم ينوِ الاقامة فيه، وإذا خرج منه صار
مسافراً ولابدّ في وجوب القصر عليه من العزم على قطع المسافة الامتدادية أو الملفّقة، وإذا مرّ به في سفره انقطع سفره إلى غير ذلك. لكن لابدّ فيه من أن لايُكثر الخروج منه، وإلا لم يكن مقرّاً له. نعم يتمّ فيه لكونه كثير السفر حينئذٍ.
(مسألة ٦٠٤): لما كان السفر ينقطع بالمرور بالوطن وبالمقر، فلا بدّ في التقصير عند السفر بينهما من بلوغ المسافة الامتدادية وهي ثمانية فراسخ.
(مسألة ٦٠٥): إذا اتخذ المكان مقرّاً له في وقت معين من السنة لم يجر عليه حكم الوطن في غير ذلك الوقت. فطلاب العلم الذين يتخذون محل دراستهم مقرّاً في أيام الدراسة ويتركونه ويرجعون إلى أوطانهم في أيام العطلة إذا ذهبوا إليه في العطلة الدراسية كانوا مسافرين وجرى عليهم حكم السفر. إلا أن تكون العطلة قصيرة لا تنافي الارتباط بالمكان عرف.
الثاني: العزم من المسافر على الاقامة عشرة أيام متوالية في مكان واحد أو العلم ببقائه في المدة المذكورة وإن لم يكن باختياره. ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر، فإذا نوى الاقامة مثلاً من زوال يوم إلى زوال اليوم الحادي عشر من ذلك اليوم كان عليه التمام.
ومبدأ اليوم طلوع الفجر، فاذا نوى الاقامة من طلوع الشمس فلابدّ من نيّتها إلى طلوع الشمس من اليوم الحادي عشر، كما أن الليالي المتوسطة داخلة دون الليلة المتطرفة، وأبعاض الليلتين المتطرّفتين بنحو يتمّ به ليلة ملفقة، وإن كان الأحوط استحباباً ضمها للاقامة.
(مسألة ٦٠٦): يشترط وحدة محل الاقامة عرف، فلا تصح الاقامة في أكثر من قرية أو بلد واحد. نعم لا يضر التنقل في أبعاض القرية أو البلد الواحد، ونحو ذلك مما من شأن أهل المكان - الذي يقيم فيه - التنقل فيه بما أنهم أهل ذلك المكان، بحيث لا يكون تنقلهم فيه مبنيّاً على العناية والخروج عن مقتضى إقامتهم
فيه، كمسجده وحمّامه ومتنزهاته ومقبرته، دون غير ذلك مما يكون ذهاب أهل ذلك المكان له خروجاً عن مقتضى إقامتهم في مكانهم عرف، نظير ذهاب غيرهم له من المسافرين. وإن كان ذهابهم له أيسر من ذهاب غيرهم لقربهم منه.
(مسألة ٦٠٧): تصح نيّة الاقامة في الصحراء، على أن ينوى المقام في مكان منها وعدم الوصول إلى ما لا يتعارف وصول أهل ذلك المكان إليه من المواضع.
(مسألة ٦٠٨): يكفي في نيّة الاقامة النية التبعية، كنية الزوجة تبعاً للزوج والولد تبعاً لابيه. لكن لابدّ من العلم بتحقق نيّة الاقامة من المتبوع، ولا يكفي تحققها منه من دون أن يعلم التابع بها وإن كان بانياً على المتابعة.
(مسألة ٦٠٩): الظاهر عدم تحقق نيّة الاقامة في المكان مع نيّة الخروج منه إلى ما دون المسافة مما لا يعدّ من توابعه بحيث يعدّ ذهاب أهل المكان له سفراً منهم، وإن كان زمان الخروج قليل، بل يتعين القصر مع ذلك حتى في المحل الذي نوى فيه الاقامة. نعم إذا انعقدت الاقامة بحيث لا يضر فيها العدول - بأن نوى الاقامة من دون نية الخروج للمكان المذكور وصلى فريضة رباعية تماماً - لا يكون الخروج لما دون المسافة - فضلاً عن نيته - مبطلاً له.
(مسألة ٦١٠): إذا نوى المقام إلى حادث لا يعلم أمده - كورود مسافر أو قضاء حاجة - فصادف أمده عشرة أيام أو أكثر لم تنعقد له إقامة وكان الواجب عليه القصر.
(مسألة ٦١): إذا نوى الاقامة إلى يوم معين وكان في الواقع عشرة أيام من دون أن يعلم ذلك تمت إقامته وكان من الواجب عليه التمام، كما لو نوى ظهر الاربعاء الاقامة إلى ظهر يوم الجمعة الثانية، وإن اعتقد خطأ أن نيّته للاقامة كانت في ظهر يوم الخميس. ولو انعكس الامر لم تنعقد له إقامة وكان الواجب عليه القصر.
(مسألة ٦١٢): إذا نوى إقامة عشرة أيام في المكان ثم عدل عن إقامته قبل مضي عشرة أيام فعزم على الخروج قبل إكمالها أو تردد فإن كان قد صلّى فريضة
رباعية تماماً بقي على التمام إلى أن يسافر.
وإن لم يكن قد صلّى فريضة تماماً رجع إلى القصر، سواء لم يصلّ أصلاً ولو عصياناً - أم صلّى صلاة غير رباعية أم شرع في صلاة رباعية ولم يتمها وإن دخل في ركوع الركعة الثالثة، وسواء فعل غير الصلاة الرباعية مما لا يجوز للمسافر كالصوم، والنوافل النهارية أم ل. بل حتى لو صلّى رباعية، ثم تبيّن بطلانه، فإنه حينئذٍ يكون بحكم من لم يصل.
(مسألة ٦١٣): إذا عدل عن نيّة الاقامة وهو في الرباعية قبل أن يتمها وجب عليه قصره، وإن دخل في الركعة الثالثة قبل الركوع هدم وأتمّها قصر. وإن كان بعد الركوع بطلت، نعم لو كان في مواضع التخيير كان عليه إتمامها أربع، لكن لا تكفي في البقاء على التمام.
(مسألة ٦١٤): إذا نوى الاقامة فصام وعدل عن نيّة الاقامة قبل أن يصلي تماماً وقبل الزوال بطل صومه، وإن كان عدوله بعد الزوال صح صوم ذلك اليوم، دون مابعده، ووجب عليه القصر. وأما إن كان عدوله بعد الصلاة تماماً فيصح صوم ذلك اليوم مطلق، كما يصح الصوم بعده ما دام لم يخرج.
(مسألة ٦١٥): إذا عدل عن نيّة الاقامة وشكّ في أنه صلّى تماماً أم لم يصلّ بنى على أنه لم يصل ووجب عليه القصر. نعم إذا كان بعد الفراغ من الصلاة الرباعية وقد شكّ في صحته، أو بعد خروج وقتها وقد شكّ في الإتيان بها فالظاهر البناء على الإتيان بها والبقاء على التمام، وإن كان الأحوط استحباباً ضمّ القصر إليه.
(مسألة ٦١٦): إذا صلّى بعد نيّة الاقامة فريضةً تماماً نسياناً أو غفلة عن إقامته أو لشرف البقعة - كما في مواضع التخيير - كفى ذلك في انعقاد الاقامة وعدم الرجوع للقصر مع العدول عنه. أما إذا فاتته الصلاة أداء فقضاها تماماً ثم عدل عن
نية الاقامة فالامر لا يخلو من إشكال، والأحوط وجوباً الجمع بين القصر والتمام.
(مسألة ٦١٧): إذا عدل عن نيّة الاقامة قبل أن يصلي فريضة تماماً بطلت الاقامة من حين العدول لا من أول الامر، فلو كان قد صام قبل العدول صح صومه، ولو فاتته صلاة رباعية قبل العدول قضاها تماماً بعد العدول.
(مسألة ٦١٨): إذا تمت مدة الاقامة لم يحتج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة، بل يبقى على التمام إلى أن يسافر وإن لم يصلّ في مدة الاقامة فريضة تمام.
(مسألة ٦١٩): لا يشترط في انعقاد نيّة الاقامة كونه مكلَّفاً حين النية، فلو نوى وهو غير بالغ كان حكمه التمام، على التفصيل المتقدم. وكذا لو نوت المرأة وهي حائض أو نفساء.
(مسألة ٦٢٠): إذا استقرت الاقامة - ولو بالصلاة تماماً - ثم بدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ثم السفر منه بما تتم به، فإن لم يكن عازماً على الرجوع إلى محل الاقامة وجب عليه القصر بالخروج من محل إقامته. وإن كان عازماً على الرجوع إلى محل الاقامة - ولو مع المكث فيه من دون نيّة إقامة جديدة - لم يجب عليه القصر بالخروج من محل الاقامة، وإنما يجب عليه القصر بمفارقة محل الاقامة ثاني. فمثلاً من استقرت له الاقامة في النجف الاشرف إذا خرج إلى الكوفة وأراد الرجوع إلى النجف ثم الخروج منه إلى كربلاء لم يقصر بخروجه من النجف إلى الكوفة ولا بخروجه من الكوفة إلى النجف، بل بخروجه ثانياً من النجف في طريقه إلى كربلاء.
الثالث: أن يقيم في مكان واحد ثلاثين يوماً من دون عزم على إقامة عشرة أيام، سواء عزم على إقامة ما دون العشرة مرة بعد اُخرى حتى أتمّ الثلاثين، أم لم يعزم على إقامة أصل، فيجب بعدها الاتمام حتى يسافر وإن لم يصلّ بعدها إلا صلاة واحدة. ولا يكفي الشهر الهلالي إذا كان تسعة وعشرين يوم، والظاهر
هنا تبعية الليالي للايام، فلابدّ من إكمال ثلاثين ليلة مع الايام. ويكفي التلفيق من اليوم أو الليلة المنكسرين.
(مسألة ٦٢١): لابدّ في إتمام المتردد ثلاثين يوماً من وحدة المكان الذي هو فيه هذه المدة، على نحو ما تقدم في نيّة الاقامة. وإذا خرج إلى ما دون المسافة مما لا يعد من توابع البلد بقي على التقصير.
(مسألة ٦٢٢): إذا انتقل من المكان قبل إتمام المدة بقليل لم يجب التمام وإن تكرر ذلك منه في أمكنة متعددة.
(مسألة ٦٢٣): يظهر منهم أن الاقامة ثلاثين يوماً تمنع من تلفيق المسافة وتتميم ما بعدها لما قبله، فلا بدّ في القصر من سفر جديد وتام المسافة كما سبق. وينكشف بها عدم مشروعية القصر منه إذا كانت المسافة السابقة منه دون الثمانية. وفي هذا الاخير إشكال، فالأحوط وجوباً قضاء ما صلاه قصراً والإتيان به تماماً غير مقصور.
الفصل الثالث
في أحكام المسافر
والمراد به المسافر بالشروط المتقدمة، وله أحكام:
الأول: حرمة الصوم منه وعدم صحته، عدا ما استثني مما يأتي التعرض له في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٦٢٤): يصح الصوم من الجاهل بحرمته وعدم مشروعيته ولو للجهل بتحقق السفر المرخِّص، كما إذا اعتقد خطأ عدم بلوغ مقصده المسافة، أو للجهل بكون السفر مرخص، كما لو اعتقد عدم وجوب الافطار مع قصد
المسافة الملفقة. ولا يصحّ من الناسي على الأحوط وجوب.
الثاني: سقوط نافلة الصلاة المقصورة النهارية، دون غيرها حتى الوتيرة على الاقوى.
(مسألة ٦٢٥): إذا سافر بعد الوقت ولم يكن قد صلّى لم تشرع له نافلة تلك الصلاة. نعم لو صلاها قبل السفر صحت وإن لم يصلّ الفريضة إلا في السفر قصر.
(مسألة ٦٢٦): لا تشرع نافلة المقصورة في السفر حتى لمن يؤخر الفريضة ويأتي بها تماماً في الحضر. نعم إذا رجع من سفره قبل خروج وقتها شرعت له في الحضر.
الثالث: وجوب القصر في الفرائض الرباعية، وهي صلوات الظهرين والعشاء، ولا تشرع تماماً إلا في مواضع التخيير الاتية.
(مسألة ٦٢٧): إذا صلّى المسافر الرباعية تماماً عالماً عامداً بطلت صلاته وعليه الاعادة أو القضاء. وإن صلاها جاهلاً بأصل وجوب القصر في السفر لم تجب الاعادة، فضلاً عن القضاء. وإن كان للجهل بتحقق السفر المرخص - كما لو اعتقد خطأ عدم بلوغ مقصده المسافة - فالأحوط وجوباً الاعادة والقضاء وكذا إذا كان عالماً بأصل وجوب القصر في السفر لكن جهل خصوصياته، كما لو جهل أن كثير السفر لو أقام ببلده عشرة أيام وجب عليه القصر في السفرة الاُولى، أو أن العاصي بسفره يقصر إذا رجع إلى الطاعة أو نحو ذلك من الفروع.
نعم إذا قلد في الخصوصيات تقليداً صحيحاً فأفتى مقلَّده بالتمام ثم عدل مقلده إلى القصر أو عدل هو عن تقليده لشخص آخر يفتي بالقصر فالظاهر الاجزاء، كما تقدم في مبحث التقليد.
(مسألة ٦٢٨): إذا سها المسافر في صلاته بأن أراد أن يصلي ركعتين فصلى أربعاً فالأحوط وجوباً له الاعادة أو القضاء.
(مسألة ٦٢٩): إذا نسي المسافر فصلى تمام، فإن ذكر في الوقت فعليه الاعادة أو القضاء، وإن ذكر بعد خروج الوقت فلا قضاء عليه. من دون فرق بين نسيان السفر ونسيان وجوب القصر في السفر.
(مسألة ٦٣٠): لا تقصر المغرب في السفر، ومن قصَرها جاهلاً فالأحوط وجوباً له التدارك بالاعادة أو القضاء. بل هو الواجب في غيره من موارد القصر في موضع الاتمام. نعم من قصر مع نيّة الاقامة جهلاً بوجوب التمام أجزأته صلاته ولا إعادة عليه. كما أنه إذا ابتنى تقصيره للصلاة على تقليد صحيح ثم عدل مقلده أو عدل هو عن تقليده أجزأه، نظير ما تقدم في المسألة (٦٢٧).
(مسألة ٦٣١): العبرة في التمام والقصر بحال أداء الصلاة لابحال دخول وقتها والتكليف به، فمن دخل عليه الوقت وهو حاضر أو بحكمه - ولو لعدم تجاوزه حدّ الترخص - فلم يصلّ حتى سافر - بشروط السفر السابقة - كان عليه قصر الصلاة، ومن دخل عليه الوقت وهو مسافر فلم يصلّ حتى صار حاضراً كان عليه إتمام الصلاة.
(مسألة ٦٣٢): إذا فاتته الصلاة في الحضر قضى تماماً ولو كان مسافراً حين القضاء، وإذا فاتته الصلاة في السفر قضى قصراً ولو كان حاضراً حين القضاء. والمعيار في الفوت آخر الوقت، فمن خرج عليه الوقت وهو حاضر قضى تمام، ومن خرج عليه الوقت وهو مسافر قضى قصر.
(مسألة ٦٣٣): يتخير المسافر بين القصر والتمام في الاماكن الاربعة الشريفة، وهي: مكة المكرمة، والمدينة المشرفة، والكوفة - ولا يلحق بها النجف الاشرف - وحرم الحسين (عليه السلام)، والأحوط وجوباً الاقتصار فيه في زماننا على البناء الذي فيه القبة الشريفة دون المسجد الملحق به من جانب الشمال.
(مسألة ٦٣٤): لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المذكور، بل المواضع
المذكورة كغيرها فيه.
(مسألة ٦٣٥): التخيير المذكور استمراري، فإذا شرع في الصلاة بنيّة القصر كان له العدول للتمام وبالعكس. نعم الأحوط وجوباً الاستمرار في التمام مع القيام للركعة الثالثة فلا يشرع الهدم منه والرجوع للقصر.
(مسألة ٦٣٦): لا يجري التخيير في بقيّة المساجد ومشاهد المعصومين (عليهم السلام) ونحوها من المواضع الشريفة غير ما تقدم.
(مسألة ٦٣٧): لا يجري التخيير المذكور في قضاء الصلوات الفائتة قصر. بل الأحوط وجوباً عدم جريانه في الصلاة التي تفوت في المواضع المذكورة، بل يتعيّن الإتيان بها قصر.
(مسألة ٦٣٨): يستحب للمسافر أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة ثلاثين مرة: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». وفي الحديث: «إن ذلك تمام الصلاة».
منها: صلاة العيدين، الفطر والاضحى.
وهي واجبة في زمان حضور الإمام وبسط يده مع اجتماع الشرائط ومستحبة في عصر الغيبة جماعةً وفرادى، ولا يشترط فيها العدد ولا تباعد الجماعتين، ولا غير ذلك من شرائط صلاة الجمعة.
وكيفيتها ركعتان يقرأ في كل منهما الحمد وسورة، والافضل أن يقرأ في الأولى (الشمس) وفي الثانية (الغاشية) أو في الاُولى (الاعلى) وفي الثانية (الشمس) ثم يكبر في الاُولى خمس تكبيرات ويقنت عقيب كل تكبيرة. وفي الثانية أربع، ويقنت بعد كل تكبيرة على الأحوط وجوباً في كل التكبيرات والقنوتات، ويجزئ في القنوت ما يجزئ في قنوت سائر الصلوات، والافضل أن يدعو بالمأثور فيقول في كل قنوت منها:«اللهم أهل الكبرياء والعظمة، وأهل الجود والجبروت، وأهل العفو والرحمة، وأهل التقوى والمغفرة، أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيد، ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذخراً ومزيد، أن تصلي على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت على عبد من عبادك، وصلّ على ملائكتك ورسلك، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات، اللهم إني أسألك من خيرِ ما سألك عبادك المرسلون وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ بك منه عبادك المرسلون»، ووردت في بعض الاخبار صوراً اُخرى للدعاء.
ويأتي الإمام بخطبتين بعد الصلاة يفصل بينهما بجلسة خفيفة، والأحوط وجوباً الإتيان بهم، ولا يجب الحضور عندهما ولا الاصغاء.
(مسألة ٦٣٩): لا يتحمل الإمام في هذه الصلاة غير القراءة.
(مسألة ٦٤٠): إذا لم تجتمع شرائط وجوبها فالظاهر جريان أحكام النافلة عليه، فيجوز البناء على الاقل والاكثر عند الشك في الركعات، ولا تقدح فيها زيادة الركن سهو، والأحوط وجوباً قضاء الجزء المنسي، والأحوط استحباباً السجود للسهو.
(مسألة ٦٤١): إذا شكّ في جزء منها وهو في المحل أتى به، وإن كان بعد تجاوز المحل مضى.
(مسألة ٦٤٢): ليس في هذه الصلاة أذان ولا إقامة، بل يستحب أن يقول المؤذن: «الصلاة» ثلاث.
(مسألة ٦٤٣): وقت صلاة العيدين من طلوع الشمس إلى الزوال، وفي سقوط قضائها لو فاتت إشكال، ويستحب الغسل قبله، والجهر فيها بالقراءة، إماماً كان أو منفرد، ورفع اليدين حال التكبيرات، والسجود على الارض، والاصحار بها إلا في مكة المعظمة فإن الإتيان بها في المسجد الحرام أفضل، وأن يخرج إليها راجلاً حافياً لابساً عمامة بيضاء مشمِّراً ثوبه إلى ساقه، وأن يأكل قبل خروجه إلى الصلاة في عيد الفطر، أما في عيد الاضحى فيأكل مما يضحّي به إن كان قد ضحى.
ومنها: صلاة الغفيلة.
وهي: ركعتان بين المغرب والعشاء يقرأ في الاُولى سورة الفاتحة وآية (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك
ننجي المؤمنين).
وفي الثانية سورة الفاتحة وآية (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) ثم يقنت ويقول: «اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي.....» ويذكر حاجته ثم يقول:«اللهم أنت ولي نعمتي والقادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسلك بحق محمد وآله عليه وعليهم السلام لمّا قضيتها لي» ويسأل حاجته. ولا يحتاج للبسملة في الركعتين قبل الايتين، بل لا يجوز الإتيان بها إلا بقصد الذكر والتبرّك أو بقصد القرآنية من دون نيّة الورود والخصوصية.
(مسألة ٦٤٤): تجزئ صلاة الغفيلة عن ركعتين من نافلة المغرب إذا نوى النافلة به.
ومنها: صلاة جعفر بن أبي طالب.
علّمها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجعفر لما قدم من الحبشة، وهي أربع ركعات لكل ركعتين تشهد وتسليم يقول في كل ركعة بعد الفاتحة والسورة، (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) خمس عشرة مرة، وفي الركوع عشر مرات، وفي القيام بعد الركوع عشر مرات، وفي السجدة الاُولى عشر مرات، وفي الجلوس بين السجدتين عشر مرات، وفي السجدة الثانية عشر مرات، وفي الجلوس بعد السجدة الثانية عشر مرات، فيتمّ له في كل ركعة خمس وسبعون مرة، ويكون مجموع التسبيحات في الركعات الاربع ثلاثمائة تسبيحة.
(مسألة ٦٤٥): روي أنه يقرأ في كل ركعتين من صلاة جعفر بعد سورة الفاتحة سورتي (التوحيد) و(الكافرون). كما روي أيضاً أن يقرأ في الاُولى
(الزلزلة) وفي الثانية (والعاديات) وفي الثالثة (النصر) وفي الرابعة (التوحيد)، وروي أنه يقرأ فيها (الزلزلة) و(النصر) و(القدر) و(التوحيد). وله أن يأتي بأي وجه شاء، بل له أن يجتزئ بأي سورة شاء من القرآن.
(مسألة ٦٤٦): من كان مستعجلاً أجزأه أن يصلّيها أربع ركعات من دون تسبيح ثم يقضي التسبيح وهو ذاهب في حاجته. كما روي أن من نسي التسبيح في بعض حالات الصلاة قضاه في الحالة الاُخرى التي يذكره فيه، فإذا نسي التسبيح بعد القراءة حتى ركع - مثلاً - سبّح في الركوع خمساً وعشرين مرة.
(مسألة ٦٤٧): يستحب الإتيان بصلاة جعفر في كل وقت ليل أو نهار، وخصوصاً صدر النهار من يوم الجمعة، وليلة النصف من شعبان.
(مسألة ٦٤٨): يجوز الاجتزاء بها عن أربع ركعات من النوافل المرتبة.
ومنها: صلاة ليلة الدفن.
وهي صلاة ركعتين في الليلة الاُولى التي تمر على المؤمن الميت في قبره يقرأ في الاُولى سورة الفاتحة وآية الكرسي. وفي الثانية: سورة الفاتحة وعشر مرات سورة القدر، فإذا سلّم قال: (اللهم صل على محمد وآل محمد وابعث ثوابها إلى قبر...) ويذكر اسم الميت.
(مسألة ٦٤٩): ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الامر بالتصدق عن الميت ليلة الدفن لانها أشدّ ليلة تمرّ به، فإن لم يجد صلّى ركعتين يقرأ في الاُولى سورة التوحيد مرّتين، وفي الثانية سورة التكاثر عشر.
(مسألة ٦٥٠): لا يشرع الاستئجار لصلاة ليلة الدفن. نعم لابأس بأن يدفع لشخص مالاً ويأذن له في تملّكه هبةً بعد الإتيان بالصلاة المذكورة. وحينئذٍ لو لم يصلّ عمداً أو نسياناً جاز. لكن لم يحلّ له المال ووجب عليه إرجاعه لصاحبه، ومع الجهل به واليأس عن الوصول إليه يجري عليه حكم مجهول المالك وهو الصدقة.
ويمكن أن يدفع المال له هدية منجَّزة ويشترط عليه فيها أن يصلي الصلاة المذكورة، وحينئذٍ يحرم عليه ترك هذه الصلاة، فإن تركها عمداً - عصياناً - أو نسياناً كان لصاحب المال الرجوع في هديته، فإن لم يرجع ولو لجهله بالحال لم يحرم المال على الشخص المذكور.
ومنها: صلاة أول الشهر.
وهي ركعتان في أول يوم من كل شهر قمري يقرأ في الاُولى سورة (الفاتحة) وسورة (التوحيد) بعدد أيام الشهر، وفي الثانية: سورة (الفاتحة) وسورة (القدر) بعدد أيام الشهر ثم بعد الانتهاء من الصلاة يتصدق بما يتيسّر له فيشتري بذلك سلامة الشهر كله. وفي بعض الروايات أنه يقرأ بعدها هذه الايات الكريمة (بسم الله الرحمن الرحيم وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرّها ومستودّعها كل في كتاب مبين)
(بسم الله الرحمن الرحيم * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم)، (وإن يمسسك الله بضرّ فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير).
(بسم الله الرحمن الرحيم * سيجعل الله بعد عسر يسر)، (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، (حسبنا الله ونعم الوكيل)، (واُفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)، (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، (ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير)، (ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين).
ومنها: صلاة المهمات.
فعن الإمام الحسين (عليهم السلام) أنه قال: إذا كان لك مهمّ فصلّ أربع ركعات تحسن قنوتهن وأركانهن: تقرأ في الاُولى (الحمد) مرة، و (حسبنا الله ونعم
الوكيل) سبع مرات.
وفي الثانية (الحمد) مرة وقوله: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولد) سبع مرات.
وفي الثالثة (الحمد) مرة وقوله: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) سبع مرات.
وفي الرابعة (الحمد) مرة (واُفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) سبع مرات، ثم تسأل حاجتك.
ومنها: صلاة الاستخارة.
فقد ورد في النصوص الكثيرة الحث على الاستخارة عند الاقدام على أمر كالزواج والسفر وغيرهم. والمراد بها ابتهال العبد إلى الله تعالى في أن يختار للعبد في ذلك الامر ما هو الخير له، فإن كان خيراً له سهّله ويسّره، وإن لم يكن خيراً له صرَفه عنه ومنعه منه. مثل أن يقول: «أستخير الله برحمته خيرة في عافية». وقد رويت لها صور مختلفة يضيق المقام عن استقصائه، نذكر:
منها: ما روي عن الصادق (عليه السلام) من أنه قال:«ما استخار عبد قط في أمره مائة مرة عند رأس الحسين (عليه السلام) فيحمد الله ويثني عليه إلا رماه الله بخير الامرين».
كما ورد في كثير من النصوص الامر بالاستخارة بعد صلاة ركعتين على صور مختلفة..
منها: ما روي في الصحيح عن مرازم قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أراد أحدكم شيئاً فليصلّ ركعتين، ثم ليحمد الله وليُثنِ عليه، ويصلي على محمد وأهل بيته ويقول: اللّهم إن كان هذا الامر خيراً لي في ديني ودنياي فيسّره لي وقدره وإن كان غير ذلك فاصرفه عني.
قال مرازم: فسألته أي شيء أقرأ فيهما؟ فقال: اقرأ فيهما ما شئت، وإن شئت فاقرأ فيهما بقل هو الله أحد وقل ياأيها الكافرون، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن».
وقد ورد في كثير من النصوص أن اللازم على المكلف بعد الاستخارة الرضا بما يختاره الله تعالى، وإلا كان متّهِماً له في قضائه.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يختار لنا ولجميع المؤمنين ما فيه صلاح ديننا ودنيانا وآخرتنا إنه أرحم الراحمين.
والحمد لله ربّ العالمين
كتاب الصوم
فريضة الصوم إحدى الدعائم التي بني عليها الإسلام، وإحدى الفرائض العظام التي فرضها الله سبحانه على عباده، وإحدى العبادات التي تعبّد بها تعالى خلقه لتهذيب نفوسهم وتطهير قلوبهم وزكاة أبدانهم، وهو جُنّة من النار، وبه يدخل العبد إلى الجنة، وفي الحديث: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا اُجزئ به».
وقد ورد في الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام): أنّ نوم الصائم عبادة، ونفسه وصمته تسبيح، وعمله متقبل، ودعاءه مستجاب، ورائحة فمه عند الله أطيب من رائحة المسك، وأنّ الصائم يرفع في رياض الجنة، وتدعو له الملائكة حتى يفطر، وله فرحتان: فرحة عند الافطار وفرحة حين يلقى الله تعالى، كما ورد أن الصوم يباعد الشيطان ويسوّد وجهه.
وقد اختار الله سبحانه وتعالى لهذه الفريضة الشريفة أفضل الشهور وأكرمها عليه الذي اختصّه لنفسه ونسبه إليه فكرّمه وعظّمه، وشرّفه بإنزال كتابه فيه، واختصه بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيه تغلّ الشياطين، وتغفر السيئات، وتضاعف الحسنات، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، ودعي فيه المؤمنون إلى ضيافة الله تعالى، وجُعلوا من أهل كرامته. ونسأله سبحانه التوفيق فيه لما يحب ويرضى وهو أرحم الراحمين.
ويقع الكلام في كتاب الصوم في ضمن فصول..
الفصل الأول
في النية
(مسألة ١): يشترط في صحة الصوم النية، وتتقوم باُمور:
الأول: نية ترك المفطرات الاتية.
الثاني: أن ينوي بتركها الصوم.
الثالث: أن يكون الداعي للصوم هو التقرب لله تعالى. ولا يضرّ فيه أن يكون ترك المفطرات لدواعي اُخر - كتعذر حصولها أو عدم الرغبة فيها - ما دام الداعي لقصد الصوم بذلك هو التقرب، ويكفي فيها النية الارتكازية بحيث لو سئل لقال اُريد الصوم، ولا يجب استحضارها تفصيل.
(مسألة ٢): لا يضر عروض الغفلة المطلقة بنوم أو نحوه في صحة الصوم إذا سبقت النية المذكورة، فلو نوى الصيام غداً ونام حتى طلع عليه الفجر صح صومه، بل يصح صومه حتى لو استمر نومه من قبل الفجر إلى ما بعد الغروب. نعم الأحوط وجوباً عدم صحة الصوم بعروض السكر والاغماء في أثناء النهار.
(مسألة ٣): لا يجب قصد الوجوب ولا الاستحباب، ولا الاداء ولا القضاء ولا غير ذلك، بل يكفي قصد الصوم عن أمره. نعم مع تعدد الامر لابد من تعيين الصوم المنوي ولو إجمال، كما لو نوى الصوم الذي انشغلت ذمته به أوّلاً مثل.
(مسألة ٤): من يصوم عن غيره باستئجار أو تبرّع ينوي امتثال الامر المتوجه لمن يصوم عنه وتفريغ ذمته.
(مسألة ٥): لا يجب العلم بالمفطِّرات بخصوصياته، بل يكفي نيّة ترك المفطرات على إجماله.
(مسألة ٦): لا يقع في شهر رمضان صوم غيره وإن لم يكن مكلَّفاً بصيام شهر رمضان كالمسافر، ومن نوى في شهر رمضان صيام غيره متعمّداً بطل صومه. نعم مع الجهل بدخول شهر رمضان أو نسيانه فإذا نوى صوم شعبان إما مندوباً أو منذوراً او كفارة او قضاء صح ووقع عن شهر رمضان إن صادفه.
(مسألة ٧): وقت النية في صيام شهر رمضان عند طلوع الفجر الصادق بحيث يدخل عليه الفجر وهو ناو للصوم، وكذا الحال في جميع أنواع الصوم الواجب المعيّن على الأحوط وجوب، كما لو نذر صوم أول خميس في الشهر.
(مسألة ٨): يمتد وقت النية إلى الزوال في الصوم الواجب غير المعيّن - كقضاء شهر رمضان والكفارة - حتى لو تضيق وقته فإذا أصبح ناوياً للافطار ثم بدا له قبل الزوال أن يصوم قضاءً - مثلاً - فنوى صيامه أجزأه. أمّا لو أخّر النية إلى ما بعد الزوال فالأحوط وجوباً عدم الاجتزاء به. أما الصوم المندوب فيمتد وقت النية فيه إلى أن يبقى من النهار ما يمكن فيه تجديد النية.
(مسألة ٩): الجاهل بدخول شهر رمضان إذا لم يستعمل المفطر يجزيه تجديد النية قبل الزوال، ويشكل الاكتفاء بذلك في الناسي له والجاهل بوجوب صيامه والناسي له، وكذا يشكل الإجزاء في كل صوم واجب معيّن بالأصل.
(مسألة ١٠): يوم الشك - المردد بين آخر شعبان وأول شهر رمضان - إذا صامه المكلف بنيّة صوم شعبان ندباً او قضاء أو نذراً او غير ذلك صح صومه، وإذا تبيّن أنّه من شهر رمضان قبل الزوال أو بعده عدل بنيّته إليه، وإذا تبين أنه
من شهر رمضان بعد انتهاء اليوم وفوت محل النية أجزأه عن رمضان، وكذا إذا صامه بنيّة الامر الواقعي المتوجه إليه - إما الامر بصوم شعبان أو الامر بصوم شهر رمضان - فإنه يصح ويجزئ عن شهر رمضان لو صادفه.
(مسألة ١١): يجب البقاء على نية الصوم في تمام النهار في صوم شهر رمضان وغيره من الواجب المعيّن بالأصل، فإذا عدل عن الصوم أوتردد فيه في أثناء النهار لم يجتزئ به مطلقاً على الأحوط وجوب. وكذا إذا نوى انه سوف يفطر. وأما في الواجب غير المعيّن فيصح الصوم مع تجديد النية قبل الزوال، ولا يصحّ بعده على الأحوط وجوب. وأما في المندوب فيصح مع تجديد النية ولو في آخر النهار.
(مسالة ١٢): إذا تردد في البقاء على الصوم للشك في صحة الصوم منه، صح في جميع الصور المتقدمة إذا كان من عزمه البقاء على الصوم لو كان صحيح، أما إذا كان الشك في صحة صومه سبباً في عدوله عن الصوم جرى فيه ما تقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ١٣): لا يصح العدول من صوم إلى صوم إذا فات وقت نية الصوم المعدول إليه بل مطلقاً على الأحوط وجوب. فإذا نوى صوم الكفارة مثلاً لم يكن له العدول إلى صوم القضاء حتى قبل الزوال.
الفصل الثاني
في المفطرات
وهي اُمور:
الأول والثاني: الاكل والشرب، ولابدّ فيهما من صدق الاكل والشرب عرف، من دون فرق بين القليل والكثير، وبين ما يتعارف أكله وشربه وغيره. وأما مع عدم صدق الاكل والشرب على الشيء عرف، كابتلاع الحصى والخرز والدراهم ونحوه، مما يعد الجوف ظرفاً له لاغير، فلا إفطار به.
الثالث: الجماع، ويكفي فيه إدخال مقدار الحشفة في قُبل المرأة ولو من دون إنزال، وهو الأحوط وجوباً في إدخاله في الدبر من المرأة وغيره. ولا فرق في مفطرية الجماع بين الفاعل والمفعول به.
الرابع: الكذب على الله تعالى أو على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو على الائمة من آله (عليهم السلام)، سواء كان في أمر ديني أم دنيوي.
(مسألة ١٤): إذا أخبر معتقداً الصدق وتحقُّق ما أخبرَ به لم يبطل صومه وإن كان في الواقع مخطئ. أما إذا أخبر بشيء وهو يعتقد الكذب وعدم تحقُّق ما أخبر به فيبطل صومه وان كان في الواقع صادق. وكذا إذا أخبر بما يشُكّ في ثبوته ملتفتاً للشك على الأحوط وجوب.
الخامس: تعمّد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر في صوم شهر رمضان وفي قضائه، بل في كل صوم واجب. أما الصوم المندوب فلا يبطل بذلك.
(مسألة ١٥): إذا طلع عليه الفجر وهو جنب من دون أن يتعمّد البقاء على الجنابة لم يبطل صومه، ولا فرق في ذلك بين صوم شهر رمضان، وغيره من الصوم الواجب والمندوب. نعم لا يصح منه قضاء شهر رمضان وإن تضيّق وقته.
(مسألة ١٦): لا يبطل الصوم بالاحتلام في أثناء النهار، من دون فرق بين الصوم الواجب والمندوب. وحينئذٍ له البول وإن علم ببقاء شيء من المني في المجرى وخروجه مع البول.
(مسألة ١٧): لا يبطل الصوم بمسّ الميت عمداً في النهار أو قبل الفجر ولم يغتسل منه.
(مسألة ١٨): من علم من نفسه أنه لا يقدر على الغسل قبل الفجر إذا تعمّد الجنابة في الليل ملتفتاً لذلك كان من تعمّد البقاء على الجنابة، فيبطل صومه ويجب عليه القضاء والكفارة، ولو تمكّن من التيمم فالأحوط استحباباً - مع وجوب الصوم مضيّقاً - أن يبادر له قبل الفجر من دون أن يسقط عنه القضاء والكفارة. أما إذا كان حين الاقدام غافلاً عن عجزه عن الغسل فصومه صحيح ولا شيء عليه.
(مسألة ١٩): إذا نسي المجنب غسل الجنابة بطل صومه على الأحوط وجوب، من دون فرق بين صيام شهر رمضان وغيره من الصيام الواجب. نعم لا تجب بذلك الكفارة، وكذا الحال في الحائض والنفساء إذا نسيتا الغسل.
(مسألة ٢٠): إذا كان المجنب لا يتمكن من الغسل لمرض ونحوه فالأحوط وجوباً له المبادرة للتيمم قبل الفجر مع القدرة عليه.
(مسألة ٢١): إذا ظن سعة الوقت فأجنب فبان ضيقه بنحو لا يسعه الغسل قبل الفجر فلا شيء عليه، وصح صومه. أما إذا تبيّن أن الجنابة بعد الفجر جرى عليه حكم من استعمل المفطّر بعد الفجر للظن بعدم طلوعه، الذي يأتي حكمه في الفصل الرابع.
(مسألة ٢٢): إذا تساهلت وتوانت الحائض والنفساء في الغسل حتى طلع الفجر بطل صومهما وعليهما القضاء دون الكفارة. أما إذا تعمدتا عدم الغسل فالأحوط وجوباً لهما القضاء مع الكفارة. نعم إذا حصل لهما النقاء في وقت لا يسع الغسل او تعذر الغسل عليهما فالظاهر صحة صومهم، وكذا الحال إذا لم تعلما بالنقاء حتى طلع الفجر. وإن كان الأحوط استحباباً لهما في الصورة الاُولى المبادرة للتيمم إن أمكن.
(مسألة ٢٣): لا يشترط في صحة صوم ذات الاستحاضة الكثيرة الغسل، وإن كان الأحوط استحباباً لها المحافظة على غسل ليلة الصوم وغسلَي يومه.
(مسألة ٢٤): إذا علم بالجنابة ليلاً في شهر رمضان ونام حتى طلع الفجر، فإن نام ناوياً ترك الغسل كان من تعمُّد البقاء على الجنابة، فيبطل صومه وعليه كفارة الافطار. وإن نام عازماً على الاستيقاظ والغسل فغلبه النوم حتى طلع الفجر لم يبطل صومه. وإن استيقظ قبل الفجر وعاد إلى النوم ثانياً فغلبه النوم حتى طلع الفجر بطل صومه، وعليه القضاء دون الكفارة، وهكذا الحال مهما تكرر الاستيقاظ والنوم قبل الفجر ما دام لم يعدل عن العزم على الغسل.
(مسألة ٢٥): إذا علم بالجنابة ثم نام غافلاً عن كونه مجنباً فغلبه النوم حتى طلع الفجر صح صومه، ولا فرق في ذلك بين النوم الأول والثاني وغيرهم. وكذا الحال إذا غلبه النوم من دون أن يكون قاصداً له.
(مسألة ٢٦): إذا اعتقد أنه إن نام لم يستيقظ إلا بعد الفجر، فنام حتى طلع الفجر كان من تعمّد البقاء على الجنابة، فيجب عليه القضاء والكفارة. وانما لا تجب الكفارة أو القضاء إذا احتمل الاستيقاظ وكان عازماً على الغسل.
(مسألة ٢٧): لاتُعدّ النومة التي يحتلم فيها من النوم الأول، بل النوم الأول هو النومة الاُولى بعد الاستيقاظ من الاحتلام.
(مسألة ٢٨): الحائض والنفساء لا يلحقان بالجنب في الحكم السابق، بل إذا صدق بنومهما التواني والتفريط بالغسل بطل صومهم، وعليهما القضاء دون الكفارة حتى في النوم الأول. وإن لم يصدق التواني والتفريط بنومهما لم يبطل صومهم، وإن تكرر النوم منهم. هذا كله مع العزم منهما على الغسل قبل الفجر. أما مع عدمه فالأحوط وجوباً لهما الكفارة أيض.
السادس: خروج المني مع قصد الاستمتاع بفعل ما يثير الشهوة، إذا احتمل خروجه به فإنه يوجب القضاء والكفارة، وأما إذا كان واثقاً من نفسه وآمناً من خروج المني بالفعل المذكور فسبقه المني بطل صومه، وعليه القضاء دون الكفارة.
(مسألة ٢٩): لا يبطل الصوم بخروج المني بفعل مالم يقصد به الاستمتاع وإثارة الشهوة، كما لو كلّم الرجل امرأته فسبقه المني.
السابع: الاحتقان بالمائع، فإنه يبطل الصوم. بخلاف التحميل بالجامد، فإنه ليس مفطر. وأما المواد الدهنية الجامدة، بسبب البرودة - كالتحاميل الطبية - فالأحوط وجوباً اجتنابه.
(مسألة ٣٠): لا يضر بالصوم كل مالا يصل إلى الحلق مما لا يسمّى أكلاً ولا شرب، كما إذا صبّ دواءً في الجرح او الاحليل او قبل المرأة، بل حتى الاذن او العين او الانف إذا لم ينزل للجوف، ولا يضر الاحساس بطعمه.
(مسألة ٣١): ما يتعارف في زماننا من إيصال الغذاء إلى الجوف، عن طريق الانف والحلق لبعض المرضى، فإنه مبطل للصوم بل يعد من الاكل والشرب. وأما إيصاله إلى الجوف من طريق آخر غير الحلق فالأحوط وجوباً اجتنابه، إذا كان يصل إلى المعدة، وأما إذا لم يصل إليها فلا يضر بالصوم.
(مسألة ٣٢): لابأس بزرق الدواء والمغذّي في الوريد أو العضلة، ولا يضر بالصوم، وإن كان الأحوط استحباباً في المغذي الترك.
(مسألة ٣٣): يجوز للصائم ابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط، وإن وصل إلى فضاء الفم، كما يجوز ابتلاع ما ينزل من الرأس وإن وصل إلى فضاء الفم.ويجوز أيضاً ابتلاع الريق المجتمع في الفم وإن كثر وكان اجتماعه باختيار الصائم.
الثامن: تعمّد القيء وان كان مضطراً إليه لمرض ونحوه، فإذا تعمّد القيء ليستريح من اضطراب في معدته، أو ألم في رأسه، بطل صومه. وأما إذا غلبه القيء من دون أن يتعمد فلا يبطل صومه.
التاسع: الاخلال بالنية، على تفصيل تقدم في الفصل السابق.
(مسألة ٣٤): لا يبطل الصوم بما يخرج بالتجشّؤ، وإن وصل إلى فضاء الفم، كما لا يبطل بابتلاعه بعد خروجه، وان كان الأحوط استحباباً تركه.
(مسألة ٣٥): الأحوط استحباباً عدم الارتماس بالماء، وعدم ابتلاع الغبار الغليظ، وان كان الاظهر عدم مفطريّتهم، إلا أن يكون بحيث يصدق عليه الاكل للغبار عرفاً لكثرته وكثافته فيكون مفطّر.
(مسألة ٣٦): لا يبطل الصوم باستنشاق الهواء الممتزج بالدخان. نعم الأحوط وجوباً عدم التدخين بالنحو المتعارف في هذه العصور وإجراء حكم المفطر عليه.
(مسألة ٣٧): ليس من المفطرات مضغ الطعام للصبي وذوق المرق ونحوهما مما لا يتعدى عن الحلق ولا يصل إلى الجوف، أو وصل إلى الجوف من غير قصد، أو لنسيان الصوم. أما مع التعمّد فإنه مفطّر وإن كان قليلاً جد.
(مسألة ٣٨): لابأس بمضغ العلك، إلا أن تتفتت أجزاؤه ويبتلعه، أو يكون حاوياً على ما يتحلّل بالريق - كالسكر - وينزل للجوف معه، فإنه يفطّر حينئذٍ.
(مسألة ٣٩): لابأس بمصّ لسان الزوج والزوجة، وإن كان عليه رطوبة بالنحو المتعارف، نعم إذا تجمّع على اللسان ريق كثير بحيث يصدق عرفاً أن الاخر قد ابتلعه بطل صومه.
(مسألة ٤٠): يكره للصائم ملامسة النساء وتقبيلهن وملاعبتهن إذا لم يقصد الانزال ولا كان من عادته.وإن كان قاصداً الانزال بطل صومه وان لم يُنزل، لنيّة المفطر، وان أنزل فعليه الكفارة وان لم يكن من عادته، على تفصيل تقدم في المفطّر السادس.
ويكره للصائم الاكتحال بما يصلُ طعمه أو رائحته إلى الحلق - كالصبر والمسك - وإخراج الدم المضعف، والدخول للحمّام إذا خشي الضعف، وشم كل نبت طيب الريح، وبلّ الثوب على الجسد، وجلوس المرأة في الماء، والحقنة بالجامد، وقلع الضرس بل مطلق إدماء الفم، والسواك بالعود الرطب، والمضمضة عبث، وإنشاد الشعر، إلا في مراثي الائمة (عليهم السلام) ومدائحهم. وفي الخبر: «إذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا ولا تغتابوا ولا تماروا ولا تباشروا ولا تخالفوا ولا تغضبوا ولا تسابّوا ولا تشاتموا ولا تنابزوا ولا تجادلوا ولا تبادوا ولا تظلموا ولا تسافهوا ولا تزاجروا ولا تغفلوا عن ذكر الله تعالى... الحديث».
الفصل الثالث
في أحكام الافطار
(مسألة ٤١): المفطرات المتقدمة إنما تبطل الصوم إذا صدرت من الصائم عن عمد وعلم بأن ما يستعمله مفطّر، فإذا كان لا يعلم بأن ما يستعمله مفطّر، فاستعمله وهو يرى أنه حلال لم يبطل صومه، وكذا إذا دخل في جوفه قهراً بدون اختيار، أو غفل عن الصوم فاستعمل المفطّر، فإن الصوم لا يبطل في جميع ذلك. نعم يبطل مع الاكراه إذا لم يبلغ حدّاً يخرج به عن الاختيار، كما إذا هدّده شخص فخاف منه فأفطر، لكن يجب عليه حينئذٍ القضاء دون الكفارة.
(مسألة ٤٢): الافطار تقيةً من المخالفين إن ابتنى على موافقتهم في جواز الافطار وجب به القضاء دون الكفارة، كما لو أفطر بثبوت العيد عندهم تقية. وإن ابتنى على موافقتهم في كيفية الصوم مع وجوبه، فلا يبطل به الصوم ولا يجب به القضاء، كما لو استعمل بعض المفطرات عندنا لانّهم يرونها غير مفطرة، أو أفطر في النهار لانهم يرون دخول الليل.
(مسألة ٤٣): إذا غلب على الصائم العطش وخاف على نفسه من الصبر عليه جاز أن يشرب بمقدار ما يرفع به ضرورته ولا يرتوي، ولا يفسد بذلك صومه، فإن زاد عليه عامداً بطل صومه ووجبت عليه الكفارة، أما إذا لم يخشَ على نفسه من العطش بل كان حرجياً يصعب تحمله، ففي صحة صومه مع شرب الماء إشكال، والأحوط وجوباً إتمام الصوم ثم القضاء.
(مسألة ٤٤): من اضطر في أثناء النهار لتناول شيء غير الماء كالدواء ونحوه لم يصح منه الصوم، وكانت وظيفته الافطار.
(مسألة ٤٥): يجب على من بطل صومه في شهر رمضان الامساك عن المفطّرات في بقية النهار مراعاةً لحرمة شهر رمضان.
الفصل الرابع
في الكفارة
تجب الكفارة بتعمّد الافطار في شهر رمضان إذا كان الافطار بالاكل والشرب، والجماع، وفعل ما يوجب خروج المني، وتعمد البقاء على الجنابة، وايصال الغبار الغليظ إلى الجوف لو قلنا بكونه مفطر. كما ان الأحوط وجوباً ثبوت الكفارة، بتعمّد البقاء على حدث الحيض والنفاس، وتعمد التدخين، ولا تجب الكفارة بباقي المفطرات، وهي: الكذب على الله ورسوله والائمة (عليهم السلام)، والاحتقان بالمائع، وتعمد القيء، والارتماس بالماء - لو قلنا بكونه مفطّر. - والاخلال بالنية من دون استعماله المفطر. وأما تعمّد الافطار في قضاء شهر رمضان بعد الزوال فتجب فيه كفارته، إذا كان الافطار بالجماع، بل هو الأحوط وجوباً في جميع المفطرات التي تجب بها كفارة إفطار شهر رمضان. وأما تعمّد إفطار الصوم المنذور المضيَّق فتجب به كفارة اليمين مطلق، من دون فرق بين المفطرات، بل تجب حتى مع الاخلال بنيّة الصوم من دون استعمال المفطر.
(مسألة ٤٦): إنما تجب الكفارة إذا كان الافطار عن علم بحرمة الافطار أو تردّد فيه، وأما إذا كان معتقداً لجوازه - ولو تقصيراً - فأفطر ثم تبيّن له حرمة الافطار، فلا تجب عليه الكفارة، نعم لا يفرق في وجوب الكفارة بين العلم حين استعمال المفطر بوجوبها والجهل به.
(مسألة ٤٧): كفارة إفطار يوم من شهر رمضان مخيَّرة بين عتق رقبة مؤمنة، وصوم شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكين، بإعطاء كل مسكين مُدّاً
من طعام أو اشباعه.
(مسألة ٤٨): كفارة إفطار قضاء شهر رمضان بعد الزوال إطعام عشرة مساكين لكل منهم مُدّ، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام متتابعة.
(مسألة ٤٩): كفارة إفطار الصوم المنذور المعيّن كفارة الحنث بالنذر، وهي: عتق رقبة مؤمنة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام متتابعة.
(مسألة ٥٠): المُدّ يساوي ثمانمائة وسبعين غراماً تقريب، وإذا دفع تسعمائة غرام كان احتياطاً وافي.
(مسألة ٥١): يجب على من أفسد صومه في نهار شهر رمضان الامساك عن المفطرات في بقية النهار، وإذا استعمل المفطر متعمّداً عصى وأثم، لكنه لا تجب عليه الكفارة لذلك، إلا في الجماع فإنه إذا كرّره في نهار شهر رمضان فالأحوط وجوباً الكفارة لكل مرة. كما أنه اذا كان فساد الصوم بالاخلال بالنية فاستعمال المفطر بعده موجب للكفارة اذا كان المفطر مما فيه الكفارة.
(مسألة ٥٢): إذا عجز عن خصال الكفارة الثلاث كفاه الاستغفار، والافضل الأحوط استحباباً أن يضم إليه الصدقة بما يطيق، وإذا استغفر بدلاً عن الكفارة ثم قدر على الكفارة لم يجب دفعه، إلا إذا كانت فترة العجز قصيرة غير معتدّ بها عرف، وان كان الأحوط استحباباً التكفير بعد التمكن مطلق.
(مسألة ٥٣): يجب في الافطار على الحرام كفارة الجمع بين الخصال الثلاث المتقدمة، فمن أفطر على شرب الخمر في نهار شهر رمضان مثلاً وجب عليه عتق رقبة وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكين.
(مسألة ٥٤): إذا أكره الصائم زوجته الصائمة على الجماع في نهار شهر رمضان كان عليه كفارتان وتعزيران - خمسون سوطاً - فيتحمل كفارتها
والتعزير عنه، ولا فرق في ذلك بين الزوجة الدائمة والمنقطعة، بل الأحوط وجوباً عموم الحكم للامة.
(مسألة ٥٥): إذا كان الزوج مفطراً لعذر فأكره زوجته الصائمة على الجماع لم يتحمل عنها الكفارة وإن كان آثماً بذلك.
(مسألة ٥٦): إذا أفطر عمداً ثم سافر قبل الزوال لم تسقط عنه الكفارة.
(مسألة ٥٧): إذا علم من نفسه أنه قد أفسد صومه وتردد بين ما يجب فيه القضاء والكفارة وما يجب فيه القضاء فقط لم تجب عليه الكفارة.
(مسألة ٥٨): إذا علم أنه أفطر أياماً وجهل عددها اقتصر في الكفارة على القدر المعلوم، فإذا تردّد مثلاً بين عشرة أيام أو عشرين يوماً اقتصر على العشرة فقط. وإذا علم أنه أفطر عمداً وتردد بين أن يكون قد أفطر بالمحلَّل فتجب عليه إحدى الخصال، وبين أن يكون قد أفطر بالمحرَّم فيجب عليه الجمع بين الخصال، جاز له الاكتفاء بإحدى الخصال.
(مسألة ٥٩): إذا علم أنه أفطر في يوم صوم، وتردّد صومه بين أن يكون من شهر رمضان، أو من قضاء شهر رمضان، فإن كان قد أفطر قبل الزوال لم يجب عليه شيء، وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكيناً بنيّة ما في الذمة.
(مسألة ٦٠): يجوز التبرع بالكفارة عن الميت، ولا فرق بين أن يكون التكفير بالصوم وأن يكون بغيره. أما الحي فيجوز التبرع عنه بالكفارة إذا كان التكفير بغير الصوم، ولا يجوز التبرع عنه إذا كان التكفير بالصوم.
(مسألة ٦١): تجب المبادرة إلى أداء الكفارة، فإنها بمنزلة التوبة عن المعصية.
(مسألة ٦٢): إطعام الفقير في الكفارة يكون بأمرين:
الأول: إشباعه ولا يشترط فيه مقدار معيّن.
الثاني: إعطاؤه مُدّ، ويكفي فيه جميع أنواع الطعام، من دون فرق بين التمر، والحنطة، والدقيق، والرز، والماش، وغيره. نعم الأحوط وجوباً في كفارة اليمين وما اُلحق به الاقتصار على الحنطة ودقيقها وخبزه، إذا كان التكفير بالاعطاء، وأما إذا كان بالاشباع فيكفي جميع أنواع الطعام.
(مسألة ٦٣): يجب في كفارة الافطار توزيعها على ستين مسكين، وكذا في سائر الكفارات فإنه لابد من مراعاة العدد، ولا يجزئ إشباع مسكين واحد مرتين أو أكثر، ولا تسليمه مدّين أو أكثر عن كفارة واحدة. نعم إذا تعذر إكمال العدد أجزأ التكرار على فقير واحد، لكن مع التفريق على أيام متعددة.
(مسألة ٦٤): إذا تعددت الكفارة في ذمة المكلف جاز تكرارها على الفقير الواحد بعدده، فإذا كان عليه عشرة كفارات لافطار عشرة أيام مثلاً أجزأه إعطاء ستين مسكيناً لكل مسكين عشرة أمداد.
(مسألة ٦٥): إذا كان للفقير عيال جاز إعطاؤهم وعدّ كلّ واحد منهم واحداً من الستين وإذا كان وكيلاً عنهم أو وليّاً عليهم جاز تسليمه بعددهم، لكن الطعام يكون ملكاً لهم بعد قبضه فلا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنهم إذا كانوا كبار، وأما الصغار فيجب صرف حصصهم في مصالحهم.
(مسألة ٦٦): إذا كانت الزوجة فقيرة فإن بذل الزوج لها نفقتها لم يجز أخذها من الكفارة، سواء كان الزوج غنياً أم فقير، وكذا الحكم إذا لم يبذل لها نفقتها ولكنها كانت قادرة على أخذها منه من دون محذور شرعي أو عرفي أو حرج، إلا أن تحتاج إلى نفقة غير لازمة على الزوج فيجوز أخذها من الكفارة، كما يجوز لها ذلك إذا تعذر عليها أخذ نفقتها منه، أو لزم منه محذور أو حرج.
(مسألة ٦٧): إذا ملك الفقير الطعام برئت ذمة المكفِّر، ولا تتوقف براءة
ذمته على أكله للطعام، وعلى ذلك يجوز للفقير بعد أن تملك الطعام أن يبيعه على المكفِّر وغيره.
(مسألة ٦٨): إذا كان التكفير بالاعطاء والتمليك أجزأ إعطاء المُدّ من الطعام للصغير، أما إذا كان التكفير بالاشباع فلابد من أن يزيد الصغير بقدر فرق ما بين أكلِه وأكلِ الكبير، فإن لم يتيسر ضبط ذلك قام صغيران مقام كبير واحد. ولابدّ من مراجعة ولي الصغير في الحالين.
تتميم: يجب القضاء دون الكفارة في موارد:
الأول: ما مرّ من النوم الثاني وما بعده للجنب حتى يطلع الفجر.
الثاني: إذا أفسد صومه بالاخلال بالنية من دون استعمال المفطرّ أو بالكذب على الله تعالى والنبي والائمة (عليهم السلام)، أو بالاحتقان بالمائع، أو تعمّد القيء، على ما تقدم.
الثالث: إذا نسي غسل الجنابة يوماً أو أيام، على الأحوط وجوب.
الرابع: من استعمل المفطّر في شهر رمضان من دون مراعاة وفحص عن الفجر ثم تبيّن له أنه كان بعد طلوع الفجر، سواءً اعتقد عدم طلوعه أوشك في ذلك. أما إذا كان استعماله للمفطر بعد المراعاة بأن نظر بنفسه إلى الفجر فلم يره، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة. هذا في شهر رمضان، وأما في غيره من الصوم الواجب والمندوب، فيبطل الصوم مطلقاً إذا تبيّن وقوع المفطر بعد الفجر، من دون فرق بين صورة المراعاة وغيره.
ويستثنى من ذلك كلّه استعمال المفطر في أوائل طلوع الفجر بالمقدار اللازم عند الاستمرار بالاكل حتى يؤذّن المؤذن العارف بالفجر، فإنه لا يضر بالصوم مطلق.
(مسألة ٦٩): إذا علم بعدم رؤية الفجر مع المراعاة، لحجب الاُفق بالسحب، أو لغلبة نور القمر أو الكهرباء، أو نحو ذلك فالظاهر عدم وجوب القضاء لو صادف طلوع الفجر حين استعمال المفطر في شهر رمضان.
(مسألة ٧٠): إذا شك في طلوع الفجر جاز له استعمال المفطر من دون مراعاة، ويبني مع ذلك على صحة الصوم في شهر رمضان وغيره. لكن إذا تبين طلوع الفجر لم يعتد بالصوم ووجب عليه القضاء، كما سبق.
(مسألة ٧١): إذا شك في دخول الليل أو ظن به من دون حجة على دخوله - مع التفاته لاحتمال عدم دخوله - لم يجز له الافطار، وإذا أفطر كما آثماً وعليه القضاء والكفارة، إلا إذا تبيّن أنّه كان بعد دخول الليل فإنه يصح صومه ولا قضاء عليه. أما إذا اعتقد دخول الليل - ولو غفلة لغيم أو غيره - أو قامت الحجة على ذلك فأفطر، ثم تبيّن أنه لم يدخل بعدُ، فيصح صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة. من دون فرق في ذلك بين صوم شهر رمضان وغيره.
الخامس: إدخال الماء إلى الفم بمضمضة أو غيرها إذا سبق الماء ودخل إلى جوفه، فإنه يجب عليه القضاء دون الكفارة، إلا إذا كانت المضمضة لوضوء الفريضة فإنه لا قضاء. وأما إذا كان الوضوء لنافلة فيجب القضاء، وأما إذا كان إدخال الماء لغرض معتد به غير الوضوء - كقطع الدم - فالامر لا يخلو عن إشكال والأحوط وجوباً القضاء.
(مسألة ٧٢): إذا ادخل الصائم الماء لفمه بمضمضة او غيرها ثم نسي الصوم فابتلعه لم يبطل صومه.
(مسألة ٧٣): لا فرق في جميع ما تقدم في الامر الخامس بين صوم شهر رمضان وغيره.
السادس: سبق المني بملاعبة ونحوها مما يثير الشهوة إذا كان واثقاً بعدم خروج المني بذلك، فإنه يجب عليه القضاء دون الكفارة، كما تقدم.
الفصل الخامس
في شروط صحة الصوم
يشترط في صحة الصوم اُمور:
الأول: الإسلام، بل الايمان، فلا يصح الصوم من الكافر والجاحد لولاية أهل البيت(عليه السلام)، وإذا أسلم الكافر في أثناء النهار لم يصح صومه حتى في غير شهر رمضان، وكذا الحكم في الجاحد للولاية.
الثاني: العقل، فلا يصح الصوم من المجنون، وإذا ارتفع جنونه فجدد النية قبل الزوال فالأحوط وجوباً عدم صحة صومه، حتى في غير شهر رمضان.
الثالث: الخلوّ من الحيض والنفاس في تمام النهار، فلا يصح الصوم من المرأة إذا فاجأها الحيض أو النفاس في النهار، وهكذا إذا طهرت منهما في أثناء النهار.
(مسألة ٧٤): الأحوط وجوباً عدم الاعتداد بالصوم مع طروء السكر أو الاغماء حتى مع نيّة الصوم قبلهم.
الرابع: عدم السفر سفراً يجب فيه قصر الصلاة، ويستثنى من ذلك موردان:
أحدهما: صوم ثلاثة أيام في الحج من العشرة أيام التي تجب على المتمتع بالحج إذا لم يجد الهدي، على ما يذكر مفصلاً في كتاب الحج.
ثانيهما: صوم النذر المشروط إيقاعه في السفر أو المنوي تعميمه للسفر والحضر، فإنه يجب الوفاء به في السفر، ولو كان حين النذر حاضر.
(مسألة ٧٥): يجب على من أفاض من عرفات في الحج قبل الغروب أن يكفّر ببدنة - وهي البعير - فإن لم يجد صام ثمانية عشر يوم، وقيل: له إيقاعها في السفر، ولكنه لا يخلو عن إشكال، والأحوط وجوباً عدم إيقاعه في السفر.
(مسألة ٧٦): الاقوى عدم مشروعية الصوم المندوب في السفر، إلا صوم الاربعاء والخميس والجمعة في ضمن عمل خاص لقضاء الحاجة في المدينة المنورة.
(مسألة ٧٧): إذا لم يعلم بحرمة الصوم في السفر فصام صح صومه. وإن علم في الاثناء بطل صومه. ولا يلحق الناسي بالجاهل، فإنه لا يصح منه الصوم في السفر مطلقاً على الأحوط وجوب.
(مسألة ٧٨): يصح الصوم من المسافر إذا كان حكمه التمام في الصلاة كناوي الاقامة والمسافر سفر معصية ونحوهم.
الخامس: عدم المرض الذي يضرّ به الصوم، فلا يصح الصوم من المريض الذي يضرّ به الصوم، سواء أكان الضرر بشدة المرض أم طول فترة علاجه، كل ذلك بالمقدار المعتدّ به عرف، كما أنه لا يصح الصوم من الصحيح إذا كان موجباً لحدوثِ مرض له. أما المريض الذي لا يضرّ الصوم بمرضه فيصح منه الصوم ويجب عليه.
(مسألة ٧٩): الضعف المؤقت ليس مرضاً ولا مسوّغاً للافطار وإن كان شديد، إلا أن يكون تحمّله حرجياً فيجوز به الافطار. نعم إذا لزم استحكام الضعف المعتدّ به بحيث لا يزول بمضي أيام الصوم أو يحتاج إلى علاج طويل فهو نوع من المرض المسوّغ للافطار.
(مسألة ٨٠): إذا لم يطق المكلف الصوم إلا بترك العمل اللازم لمعاشه، فإن أمكن تهيئة المعاش بدونه باستيهاب أو دين أو غيرهما من دون حرج لزم ووجب الصوم، وإلا جاز الافطار. نعم إذا لم يستلزم من الصوم مع العمل إلا العطش الذي لايُتحمّل عادةً وجب الصوم، وكان له شرب الماء بحيث يرفع ضرورته ولا يرتوي، ويصح صومه فلا يجب عليه القضاء.
(مسألة ٨١): إذا اعتقد المكلف أن الصوم لا يضر به فصام فتبين كونه مضراً صحّ صومه، أما إذا صام مع اعتقاد الضرر أو خوفه فإن صادف تحقق الضرر
بطل صومه، وإن صادف عدم تحققه وأمكنه قصد القربة - لعدم كون الضرر المحتمل بمرتبة يحرم الوقوع فيها أو للجهل بحرمة الصيام حينئذٍ - صح صومه.
(مسألة ٨٢): قول الطبيب العارف غير المتهم حجةٌ يصح الاعتماد عليه في إثبات الضرر وإن لم يحصل من قوله الخوف، إلا مع العلم أو الاطمئنان بخطئه، وأما إذا أخبر بعدم الضرر فمع عدم حصول الخوف بالضرر لاإشكال في وجوب الصوم، وأما مع حصول الخوف بالضرر فالظاهر جواز الافطار، إلا أن يكون الخوف غير عقلائي فلا اعتبار به حينئذٍ.
(مسألة ٨٣): إذا برئ المريض من مرضه قبل الزوال، فإن لم يستعمل المفطر ولم يكن عاصياً بإمساكه فالأحوط وجوباً له تجديد النية ثم القضاء. نعم إذا انكشف بامساكه أنّه لم يكن يضره الصوم في بعض النهار صح صومه ولم يحتج إلى القضاء.
(مسألة ٨٤): يصح الصوم من الصبي، كغيره من العبادات. ويستحب تمرينه عليه ولو بتبعيض الصوم حسب طاقته.
(مسألة ٨٥): لا يصح الصوم المندوب ممن عليه قضاء شهر رمضان عن نفسه، بخلاف ما إذا كان مستأجراً عن غيره في القضاء أو كان عليه غير قضاء شهر رمضان من أقسام الصوم الواجب، كصوم الكفارة والنذر فإنه يصح منه الصوم المندوب.
(مسألة ٨٦): يجوز لمن عليه قضاء شهر رمضان أن يكون أجيراً عن غيره في الصوم المندوب والواجب، وله أداؤهما حينئذٍ، نعم يشكل أن يؤدي عن غيره الصوم المندوب أو الواجب من دون عقد اجارة حتى مع الجعالة.
(مسألة ٨٧): يشترط في وجوب صوم شهر رمضان البلوغ، والعقل، والحضر، وعدم المرض، والخلو من الحيض والنفاس. ويلحق بصوم شهر رمضان في ذلك قضاؤه والصوم المنذور. أما صوم الاستئجار فلا يشترط
في وجوبه غير البلوغ والعقل، وعلى هذا فإذا آجر المكلف نفسه لصوم شعبان مثلاً لم يجز له السفر، ولا إيقاع نفسه في المرض، ولا إيقاع المرأة نفسها في الحيض والنفاس بالوجه الخارج عن المتعارف. أما صوم شهر رمضان وما اُلحق به فلا يمنع من ذلك كله.
(مسألة ٨٨): إذا صام الصبي تطوّعاً ثم بلغ في أثناء النهار لم يجب عليه الاتمام وإن كان هو الأحوط استحباب.
(مسألة ٨٩): إذا سافر الصائم بعد الزوال بقي على صومه، وكذا إذا بدا له بعد الفجر أن يسافر. أما إذا نوى السفر من الليل وسافر قبل الزوال فلا يصح منه الصوم.
(مسألة ٩٠): إذا دخل المسافر بلده قبل الزوال ولم يكن قد استعمل المفطر وجب عليه تجديد نيّة الصوم ويصح منه، وكذا إذا نوى الاقامة قبل الزوال في سفره. وأما إذا دخل بلده أونوى الاقامة في سفره بعد الزوال، أو كان قد استعمل المفطّر قبل الدخول لبلده أو قبل نيّة الاقامة فلا يصح منه الصوم، وإن كان الأحوط استحباباً له الامساك إلى الغروب.
(مسألة ٩١): لا يجوز لمن عزم على السفر أن يفطر في بلده، بل لا يجوز له الافطار إلا بعد الوصول لحدّ الترخص، وإذا أفطر قبل ذلك عالماً بالحرمة وجبت عليه الكفارة.
(مسألة ٩٢): المدار في كون السفر قبل الزوال أو بعده على الخروج من البلد، لا الخروج من حدّ الترخص. فمن نوى السفر من الليل إذا خرج من بلده قبل الزوال أفطر، وإن كان خروجه من حدّ الترخص بعد الزوال.
(مسألة ٩٣): يجوز السفر في شهر رمضان، ولو للفرار من الصوم، ولكنه مكروه وترتفع الكراهة في السفر لحج، أو عمرة، أو غزو في سبيل الله، أو في سبيل
مال يخاف تلفه، أو أخ يخاف هلاكه، أو أخ يريد توديعه، أو كل حاجة لابدّ منه. كما تخفّ الكراهة في السفر بعد مضي ثلاث وعشرين ليلة من شهر رمضان.
(مسألة ٩٤): يجوز السفر لمن عليه قضاء شهر رمضان، أو صوم منذور وإن تضيق وقتهم، كما أن من كان مسافراً لا يجب عليه نيّة الاقامة أو العود إلى بلده من أجل تحقيق الصوم المذكور، نعم في بقية أقسام الصوم لا يجوز السفر إذا كان مفوّتاً للصوم، كما يجب على المسافر نيّة الاقامة إذا توقف عليها تحقيق الصوم.
(مسألة ٩٥): يجوز للمسافر في شهر رمضان الجماع، والتملّي من الطعام والشراب في النهار على كراهة في الجميع، بل الأحوط استحباباً ترك ذلك، ولاسيّما الجماع.
الفصل السادس
في من يرخَّص في الافطار
وردت الرخصة في الافطار لاشخاص:
الأول والثاني: الشيخ والشيخة إذا كان الصوم حرجاً أو متعذراً عليهم، وعليهما الفدية عن كل يوم بمدّ، ولا قضاء عليهم. نعم يشرع لهما الصوم مع القدرة وعدم الضرر، بل هو أفضل.
الثالث: ذو العطاش، ويجري عليه حكم الشيخ والشيخة، والمراد به من به داء العطش. أما من يعطش اتفاقاً من دون مرض فلا يشرع له الافطار، بل يشرب بقدر ضرورته ويبقى على الصوم، كما تقدم في المسألة (٤٣) في الفصل الثالث.
الرابع: الحامل المقرب إذا كان الصوم مجهداً لها - بسبب طبيعة الحمل - من دون أن يضرّ بها أو بحمله، فإنه يسوغ لها الافطار وعليها الفدية
عن كل يوم بمُدّ مع القضاء، فإن فرّطت في القضاء في أثناء السنة وجبت عليها فدية اُخرى. على ما يأتي تفصيله في الفصل الثامن في أحكام القضاء.
(مسألة ٩٦): إذا أضر الصوم بالحامل أو بحملها وجب عليها الافطار والقضاء في أثناء السنة من دون فدية، فإن لم تقضِ في السنة وجبت عليها الفدية، من غير فرق بين الحامل المقرب وغيره.
الخامس: المرضعة إذا أضر الصوم بلبنها بحيث يقلّ جد، أو ينقطع ولا يعود بعد - كما هو الغالب - فإنه يجوز لها الافطار، وتجب عليها الفدية والقضاء، فإن لم تقض حتى جاء رمضان الاخر وجبت عليها فدية اُخرى، على ما يأتي في الفصل الثامن في أحكام القضاء. هذا كله إذا حل لها الصوم، لعدم لزوم محذور من قلة اللبن، أما إذا حرم عليها الصوم فليس عليها إلا القضاء، ولا تجب عليها الفدية إلا إذا لم تقض، وذلك إذا لم يمكن أن يستغني عنها رضيعها وتعذّر عليها الجمع بين الرضاع والصوم، إما لانه يضرّ به، أو لانه يضرّ بلبنها مؤقتاً فيضرّ برضيعه.
(مسألة ٩٧): لا يجزئ الاشباع عن المدّ في الفدية في المقام وغيره، بل يختص الاشباع بالكفارة.
(مسألة ٩٨): الفدية هي التصدق عن كل يوم بمد على الفقير، والافضل مدّان، وأن يكونا من الحنطة.
الفصل السابع
في ثبوت الهلال
يثبت الهلال باُمور:
الأول: العلم الحاصل من الرؤية، أو التواتر، أو الشياع، أو مضي ثلاثين يوماً من الشهر الماضي، فيثبت هلال شهر رمضان بمضي ثلاثين يوماً من شهر شعبان، ويثبت هلال شوال بمضي ثلاثين يوماً من شهر رمضان.
الثاني: شهادة العدلين برؤيتهما له، إذا لم يكن هناك ما يوجب الريب في صدقهما ويكون أمارة عرفاً على خطئهم.
الثالث: رؤيته قبل الزوال، فإنه لو حصل - ولو نادراً - يبني على أن الهلال لليلة الماضية وأن يوم رؤيته أول الشهر.
(مسألة ٩٩): لا يشترط في ثبوت الهلال بشهادة العدلين أن يشهدا عند الحاكم الشرعي، بل كل من علم بشهادتهما يجوز له الاعتماد عليهم.
(مسألة ١٠٠): وجود الهلال في بلد يوجب دخول الشهر فيه وفي جميع البلدان الغربية بالاضافة إليه، بل وكذا في البلاد الشرقية بالاضافة إليه، إذا كان البلد الذي ظهر فيه الهلال من بلدان العالم القديم - وهو القارات الثلاث آسي، أفريقي، اُوربا - دون بلاد الامريكيتين، فإن ظهور الهلال فيها لا يوجب ثبوت الشهر في بلدان العالم القديم. نعم وجود الهلال في بعض بلدانها يكفي في دخول الشهر في بقية بلدانه.
(مسألة ١٠١): لا يثبت الهلال بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد
ولو انضمّ إليها اليمين، ولا بقول المنجمين، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية بل استندت شهادتهما إلى الحدس، كما لا يثبت بتطوّق الهلال، ولا بغيبوبته بعد الشفق أنّه لليلة ثانية، ولا بغير ذلك.
الفصل الثامن
في أحكام قضاء شهر رمضان
وبقية أحكام الصوم
(مسألة ١٠٢): لا يجب قضاء ما فات من الصيام في زمن الصب، أو في حال الجنون أو الاغماء، أو الكفر الاصلي، ويجب قضاء ما فات من الصيام لحيض، أو نفاس، أو نوم، أو سكر، أو مرض أو غير ذلك. والأحوط وجوباً قضاء ما فات الكافر المرتد حال ارتداده.
(مسألة ١٠٣): المخالف إذا استبصر فإن كان قد صام على طبق مذهبه أو مذهب غيره مع تأتّي قصد القربة منه ولو تقصير، فلا يجب عليه إعادته. نعم إذا لم يصم قبل استبصاره وجب عليه القضاء.
(مسألة ١٠٤): إذا شك في أنه هل صام يوماً من شهر رمضان أو أكثر، أو لم يصم بنى على انّه قد صام. نعم إذا رجع شكه إلى احتمال كونه مسافراً أو مريض، وكان مسبوقاً بالسفر أو المرض فالأحوط وجوباً قضاء ما يشك في أدائه. بخلاف ما إذا لم يكن مسبوقاً بالسفر أو المرض، فإنه يبني على أنه قد صام ولا يجب القضاء. وهكذا إذا علم أنّه قد فاته الصيام وشكّ في عدد الايام الفائتة فإنه يبني على الاقل، إلا إذا رجع شكه إلى الشك في السفر أو المرض فيأتي التفصيل المتقدم.
(مسألة ١٠٥): لا يجوز تأخير قضاء شهر رمضان عن شهر رمضان اللاحق، وإذا أخّره مع القدرة عليه أثم ووجبت عليه الفدية ويبقى في ذمته، لكن يكون موسّعاً إلى آخر العمر.
(مسألة ١٠٦): إذا كان عليه أيام من شهر رمضان معيّن لا يجب الترتيب بينها في القضاء، ولا التعيين، بل لو عيّن لم يتعين، وكذا إذا كان عليه أيام من أشهر متعددة.
(مسألة ١٠٧): إذا كان عليه قضاء شهر رمضان من سنته - التي تجب المبادرة إليها - وقضاء شهر رمضان من سنة سابقة - لا تجب المبادرة إليها - لم يقع عن خصوص أحدهما إلا بقصده وتعيين الصوم له. ومع عدم التعيين يصح الصوم، وتبرأ ذمته بالمقدار الذي أتى به، من دون أن يتعين لاحدهم، وحينئذٍ لا تفرغ ذمته من كل من الشهرين - السابق واللاحق - إلا بالإتيان بما يستوعبهما مع.
(مسألة ١٠٨): إذا وجبت المبادرة لاحد الصومين دون الاخر، فصام الذي لا تجب المبادرة إليه دون الذي تجب المبادرة اليه صح صومه وأثم بتأخيره لما تجب المبادرة له.
(مسألة ١٠٩): لا ترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب كالكفارة والنذر، فله تقديم أيهما شاء.
(مسألة ١١٠): إذا لم يصم المكلف لمرض، أو حيض، أو نفاس، ومات في أثناء السنة قبل أن يتمكن من القضاء لم يجب القضاء عنه.
(مسألة ١١١): من فاته شهر رمضان لعذر واستمر به العذر إلى شهر رمضان الثاني، فله صورتان:
الاُولى: أن يفطر للعذر الاضطراري كالمرض، والحيض، والنفاس، والسفر الذي يضطر إليه - ويستمر معذوراً بعذر اضطراري أيضاً - وحكمها سقوط القضاء ووجوب الفدية بدله، نعم يستحب القضاء بعد ذلك. ولا فرق
في الحكم المذكور بين استمرار عذر واحد كالمرض، وتعاقب أعذار متعددة. إذ المدار على تعذّر القضاء في أثناء السنة.
الثانية: أن يفطر للعذر الاختياري كالسفر الاختياري، وكالحامل المقرِب والمرضعة القليلة اللبن إذا لم يضرّ بهما الصوم ولا بولدهما - حيث يجوز لهما الافطار ولا يجب، كما تقدم - وحكمها بقاء وجوب الصوم في السنين اللاحقة على الأحوط وجوباً ووجوب الفدية. وكذا الحال إذا افطر لعذر اضطراري واستمر به العذر الاختياري او تخلل في أثناء السنة.
(مسألة ١١٢): من تمكن من القضاء في أثناء السنة ولم يقضِ تهاوناً ولو بتخيّل استمرار القدرة عليه فعجز حتى دخل شهر رمضان الثاني، ثبت القضاء في ذمته، ووجبت عليه الفدية - بمُدّ من طعام لكل يوم - لتركه المبادرة إلى القضاء في أثناء السنة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون وجوب القضاء بسبب الافطار عصيان، أو لعذر من سفر وغيره. وعلى هذا فمن تعمّد الافطار سنين متعددة وجب عليه القضاء وكفارة الافطار والفدية لتركه القضاء في أثناء السنة.
(مسألة ١١٣): إذا أخر قضاء شهر رمضان واحد سنين متعددة لم يجب عليه إلا فدية واحدة للسنة الاُولى.
(مسألة ١١٤): يجوز للمكلف في قضاء شهر رمضان الافطار قبل الزوال مع سعة وقت القضاء، ويحرم مع ضيق الوقت، لكن لا كفارة فيه. أما الافطار بعد الزوال فلا يجوز له مطلقاً حتى مع سعة وقت القضاء، وقد تقدم أن فيه الكفارة.
(مسألة ١١٥): يحرم الافطار بعد الزوال في كل صوم وجب بعنوان كونه صوم، كصوم عشرة أيام بدل الهدي، وصوم الكفارة المرتّبة، لكن لا تجب فيه الكفارة. كما أنه يجوز فيه الافطار قبل الزوال. أما الصوم المنذور الموسع والاجارة ونحوهما مما وجب بعنوان آخر غير الصوم فيجوز فيه الافطار متى
شاء. وكذا الحال في صوم الكفارة المخيّرة والصوم المندوب.
(مسألة ١١٦): يجوز إعطاء فدية أيام متعددة من شهر واحد، ومن شهور متعددة إلى فقير واحد.
(مسألة ١١٧): تجب فدية شهر رمضان على الشخص نفسه، ولا يتحمّلها عنه المعيل به، ولا من وجبت نفقته عليه، فلا يتحملها الزوج عن زوجته ولا الاب عن ولده.
(مسألة ١١٨): لا تجزئ القيمة في الفدية، بل لابدّ من إعطاء الطعام إلى الفقير، وكذا الحكم في الكفارات، نعم تفترق الكفارات في الاجتزاء فيها بالاشباع، ولا يجزئ ذلك في الفدية.
(مسألة ١١٩): إذا انشغلت ذمة الرجل بصوم فمات قبل الإتيان به وجب على وليه قضاؤه عنه، سواء فاته تسامحاً أم لعذر يجب معه القضاء، نعم لابدّ من كون الميت عازماً قبل موته على القضاء وإن لم يقضِ تسويف. أما إذا كان متمرّداً غير عازم عليه فالظاهر عدم وجوب القضاء عنه. كما لا يجب القضاء عن المرأة.
(مسألة ١٢٠): إذا فاته ما لا يجب قضاؤه لم يجب على وليّه القضاء.
(مسألة ١٢١): المراد بالولي هو الوارث الذكَر، من دون فرق بين طبقات الميراث. ولا يجب القضاء على الاناث، وقد تقدم في قضاء الصلاة بعض الفروع المتعلقة بذلك فإنهما من باب واحد.
(مسألة ١٢٢): القاضي عن غيره لا يلحقه حكم القضاء عن نفسه، فيجوز له الافطار متى شاء، إلا أن يكون القضاء واجباً عليه ويتضيق وقته، فيحرم عليه الافطار حينئذٍ قبل الزوال وبعده، لكن لا كفارة فيه.
(مسألة ١٢٣): يجب التتابع في صوم الشهرين من كفارة الجمع وكفارة التخيير، ويكفي في حصوله صوم الشهر الأول ويوم من الشهر الثاني من دون فصل، ثم له بعد ذلك إتمام الشهر الثاني مع تخلل الافطار. ويستثنى من ذلك كفارة القتل في الحرم أو في الشهر الحرام، فإنه يجب فيها صوم شهرين من الاشهر الحرم متتابعين تتابعاً تامّاً من دون فصل في الافطار. حتى في يوم عيد الاضحى، ويستثنى من ذلك حرمة صوم العيد.
(مسألة ١٢٤): إذا شرع في الصوم الذي يجب فيه التتابع ثم اضطر للافطار لعذر طارئ، لم يضرّ ذلك في التتابع، فإذا ارتفع العذر رجع إلى الصوم حتى يتمّ له العدد المعتبر من دون حاجة لاعادة ما أتى به قبل طروء العذر، ولا فرق في العذر بين مالا يكون بفعله كالحيض، وما يكون بفعله كالسفر المضطرّ إليه، نعم في غير الحيض لابدّ من كون العذر مانعاً من الصوم عرف، لا مانعاً من التتابع من دون أن يمنع من أصل الصوم، كما لو ابتلي بمرض لا يتمكن معه من الاستمرار في الصوم أكثر من عشرة أيام، أو كان قد نذر أن يصوم كل خميس أو نحوهم. فإن الظاهر تعذّر التكفير بالصوم حينئذٍ.
(مسألة ١٢٥): إذا نذر صوم شهرين متتابعين لزم التتابع التام، إلا أن يكون قصد الناذر التتابع الشرعي فيجزئ ما تقدم من التتابع في شهر ويوم ثم جواز التفريق اختيار. نعم مع إطلاق النذر لا يضرّ بالتتابع الافطار عن عذر فيمضي في صومه بعد ارتفاع العذر حتى يتم الشهرين، إلا أن ينص الناذر على عدم الاجتزاء بذلك بحيث يرجع نذره إلى نذر استئناف الصوم بعد ارتفاع العذر.
(مسألة ١٢٦): إذا نذر صوم شهر متتابعاً أجزأه أن يصوم خمسة عشر يوماً متتابع، ثم يفرّق الباقي إن شاء. ولا يضرّ بتتابع الخمسة عشر يوماً الفصلُ بعذر قاهر.
(مسألة ١٢٧): إذا وجب عليه صوم متتابع لا يجوز له أن يبدأ به في وقت
يعلم بفصل التتابع بالعيد أو أيام التشريق لمن كان في منى، وكذا الحكم مع الشك في ذلك، بل هو الأحوط وجوباً مع الغفلة عن ذلك، فإذا صام غفلةً واتفق تخلّل العيد لزمه الاستئناف على الأحوط وجوب. ويستثنى من ذلك صوم ثلاثة أيام بدل الهدي إذا شرع فيها يوم التروية وعرفة، فإن الأحوط وجوباً أن يأتي باليوم الثالث بعد العيد، أو بعد أيام التشريق لمن كان بمنى، أما إذا شرع يوم عرفة فيجب عليه الاستئناف بعد العيد وأيام التشريق.
(مسألة ١٢٨): إذا نذر أن يصوم شهراً أو أياماً معدودة، فلا يجب فيها التتابع إلا إذا اشترط ذلك صريح، أو كان النذر منصرفاً إليه.
(مسألة ١٢٩): إذا نذر صوماً متتابعاً ففاته، فالظاهر عدم وجوب التتابع في قضائه، وإن كان هو الأحوط استحباب. وأظهر من ذلك ما إذا لم يؤخذ التتابع قيداً في المنذور، بل كان لازماً له خارجاً كما لو نذر صوم شهر معين كصوم شهر رجب فلا يجب التتابع في قضائه.
(مسألة ١٣٠): الصوم من المستحبات المؤكدة، وقد تقدم في أول الكتاب بيان فضله، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «من صام يوماً تطوّعاً ابتغاء ثواب الله وجبت له المغفرة». ويستحب في كل وقت عدا الايام التي يأتي حرمة صومه. والمؤكد منه صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والافضل في كيفيتها صوم أول خميس من الشهر وآخر خميس منه وأول أربعاء من العشر وسط الشهر، وصوم يوم الغدير فإنه يعدل مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات، ويتأكد أيضاً صوم يوم المولد النبوي الشريف - وهو اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول - ويوم مبعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) - وهو اليوم السابع والعشرون من شهر رجب - ويوم دحو الارض - وهو الخامس والعشرون من ذي القعدة - ويوم عرفة لمن لا يضعفه الصوم عن الدعاء مع عدم الشك في الهلال، ويوم
المباهلة - وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة - وتمام شهر رجب، وتمام شعبان، وبعض كل منهما على اختلاف الايام في الفضل، ويوم النيروز، وأول يوم من محرّم، وثالثه، وسابعه، وكل خميس وكل جمعة إذا لم يصادفا عيد.
(مسألة ١٣١): يكره الصوم في موارد:
الأول: صوم يوم عرفة لمن يخاف أن يضعفه عن الدعاء، أو كان الهلال مشكوكاً بحيث يحتمل كونه عيد.
الثاني: صوم الضيف نافلة بدون إذن مضيّفه.
الثالث: صوم الولد نافلة بدون إذن والده.
(مسألة ١٣٢): يحرم صوم العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى، ولو بعض النهار على الأحوط وجوب. ويستثنى من ذلك من وجب عليه صوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، وهو من قَتل في الاشهر الحرُم، أو في الحرَم، فإنه يجب فيه التتابع التام وإن استلزم صوم الايام المذكورة. ويحرم أيضاً صوم يوم الشك على أنه من شهر رمضان. وصوم نذر المعصية بأن ينذر الصوم شكراً على فعل حرام، أو ترك واجب، أما إذا نذر الصوم ليكون تثبيطاً له عن الحرام وزاجراً له عن المعصية فلا بأس به، بل يجب الوفاء به حينئذٍ، ويحرم صوم الوصال، وهو صوم الليل والنهار، ولا بأس بتأخير الافطار في الليلة إلى اليوم الثاني إذا لم يكن عن نيّة الصوم، والأحوط استحباباً اجتنابه.
(مسألة ١٣٣): الأحوط استحباباً للزوجة أن لا تصوم إلا باذن الزوج إذا لم يناف حقه، وأما إذا نافى حقه فلا يجوز لها الصوم.
ونسأله تعالى التوفيق والسداد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والحمد لله رب العالمين
خاتمة
في الاعتكاف
وهو التعبد لله تعالى باللبث في المسجد والمكث فيه. والأحوط استحباباً أن يكون بقصد عبادة اُخرى من صلاة أو قراءة أو ذِكر أو دعاء.
والكلام فيه يكون في ضمن فصول:
الفصل الأول
في شروطه
يشترط في الاعتكاف - مضافاً إلى الايمان والعقل - اُمور:
الأول: النية، وهي قصد المكث في المسجد وعدم الخروج منه إلا لحاجة بما أنه عبادة خاصة، وأن يكون ذلك قربة لله تعالى، كسائر العبادات على النحو المعتبر فيه. وآخر وقتها عند طلوع الفجر. ويشكل تقديمها في الليل إذا نوى أنه سيكون معتكفاً عند طلوع الفجر، بل الأحوط وجوباً حينئذٍ تجديد النية. نعم إذا نوى في الليل الاعتكاف المشروع على إجماله من أثناء الليل أو عند الفجر أجزأه ذلك ولا يضرّه الغفلة أو النوم حين طلوع الفجر.
(مسألة ١٣٤): لا يجوز العدول من اعتكاف لاخر اتفقا في الوجوب أو الندب أو اختلف، سواء كانا معاً عن نفسه أم عن غيره أم مختلفين.
الثاني: الصوم، فلا يصح بدونه، ويترتب على ذلك أنه لا يصح في زمان
أو حال لا يصح فيه الصوم، كيوم العيد وكما لو كان المعتكف مسافر.
(مسألة ١٣٥): يكفي الصوم لغير الاعتكاف، كصوم شهر رمضان وقضائه وصوم النذر والاجارة وغيرهم.
الثالث: العدد، فلا يشرع اعتكاف أقل من ثلاثة أيام ويجوز زيادة ثلاثة أيام ثم ثلاثة وهكذ، فإن أتم خمسة ايام وجب اليوم السادس. قيل: وكلما اتم يومين وجب الثالث. وهو لا يخلو عن إشكال، وإن كان الأحوط وجوباً العمل عليه. وأما زيادة ايام وليالي مفردة فلا يخلو من اشكال. نعم اذا اعتكف تسعة أيام من شهر رمضان جاز ان يتمها بيوم عاشر.
(مسألة ١٣٦): لابدّ من دخول الليلتين المتوسطتين دون المتطرّفتين.
الرابع: أن يكون في المسجد الجامع في البلد، وهو الذي يجتمع فيه عموم أهل البلد، دون الذي يختص به أهل محلة خاصة أو منطقة خاصة كمسجد المحلة والسوق. والأحوط وجوباً مع ذلك أن يكون مما صلّي فيه صلاة جماعة صحيحة ولو سابق. والأحوط استحباباً الاقتصار مع الامكان على المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الكوفة ومسجد البصرة الذي صلى فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) الجمعة.
(مسألة ١٣٧): لابدّ من وحدة المسجد الذي يعتكف فيه، ولا يشرع الاعتكاف الواحد في أكثر من مسجد واحد.
(مسألة ١٣٨): لو تعذر إتمام الاعتكاف في المسجد الذي أوقعه فيه لم يجز إتمامه في غيره، بل يبطل وتجب إعادته - في المسجد المذكور بعد ارتفاع المانع أو في مسجد آخر - إن كان واجباً موسعاً بنذر ونحوه.
أما لو لم يكن واجباً أو كان واجباً مضيّقاً وقد خرج وقته فلا يجب تداركه.
(مسألة ١٣٩): إذا قصد الاعتكاف في مكان خاص من المسجد لغى قصده ولم يجب الالتزام به.
الخامس: إذن من يعتبر إذنه، كالزوج في اعتكاف الزوجة إذا نافى حقه أو كان مستلزماً للخروج من بيته، كما إذا لم تكن سكناهما في المسجد، والابوين في اعتكاف الولد إذا كان عقوقاً لهما وقطيعة عرف، ولو بأن يكونا في حاجة لقربه منهما وكان قادراً على ذلك من دون محذور شرعي أو عرفي، والمولى في اعتكاف عبده إذا نافى حقه.
(مسألة ١٤٠): المشهور أن من شروط الاعتكاف استدامة اللبث في المسجد وعدم الخروج إلا لحاجة لابدّ منه، فلو خرج لغير ذلك بطل اعتكافه، لكنه غير ظاهر. بل الظاهر أن حقيقة الاعتكاف هي فرض المكلف على نفسه اللبث بنحو الاستدامة، نظير فرض الاحرام عن المحرّمات المعهودة. فلو نوى الاعتكاف بنحو يحقّ له الخروج لم ينعقد الاعتكاف، وكان ما نواه لاغي. وحينئذٍ إذا فرض على نفسه الاعتكاف بنحو الاستدامة وانعقد اعتكافه حرم عليه الخروج ما دام معتكف. لكنه لو خرج بلا مسوِّغ من دون فسخ للاعتكاف كان خروجه محرّماً من دون أن يبطل اعتكافه، فحرمة الخروج من أحكام الاعتكاف من دون أن يكون الخروج مبطلاً له. نعم لو طالت المدة ففي صحة الاعتكاف إشكال. والأحوط وجوباً البقاء عليه برجاء الصحة، أو فسخه إذا بقي محل الفسخ. ثم القضاء إن كان واجب، كالمنذور.
(مسألة ١٤١): لا يبطل الاعتكاف بلبس المعتكف اللباس المغصوب أو الجلوس على الفراش المغصوب. بل الظاهر عدم بطلان الاعتكاف بمزاحمة من سبق إلى مكان في المسجد، فإذا أزال المعتكف من سبق إلى المكان وجلس بدله لم يبطل اعتكافه، وإن كان آثم.
الفصل الثاني
في حكم الاعتكاف
الاعتكاف مندوب في نفسه. وقد يجب بالعرض من نذر أو شبهه. فإذا شرع فيه المكلف وجب الاستمرار فيه واكماله إن كان واجباً معيّناً - كما لو نذر الاعتكاف في أيام خاصة - أو موسّعاً تضيّق وقته - كما لو نذر الاعتكاف في شهر فاعتكف في آخره - وإن كان واجباً موسعاً لم يتضيق وقته أو كان مندوباً جاز قطعه قبل إكمال يومين منه، فإذا أكمل يومين وجب الثالث، ولا يجوز فسخ الاعتكاف، إلا أن يشترط عند عقد نيّة الاعتكاف أنه له فسخه والرجوع عنه متى شاء، فله الفسخ حينئذٍ حتى بعد إكمال اليومين.
(مسألة ١٤٢): الظاهر أن له اشتراط الرجوع والفسخ متى شاء وإن لم يكن له عذر أو حاجة.
(مسألة ١٤٣): إذا شرط الرجوع لنفسه حين عقد نيّة الاعتكاف، ثم أسقط شرطه لم يسقط، وجاز الرجوع.
(مسألة ١٤٤): يتأكد استحباب الاعتكاف في شهر رمضان، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:«اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين»، وأفضله العشر الاواخر منه، ففي الصحيح:«كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد وضربت له قبة من شعر، وشمّر المئزر وطوى فراشه».
الفصل الثالث
في أحكام المعتكف
يحرم على المعتكف اُمور:
الأول: الخروج من المسجد إلا أن يكون لضرورة شرعية أو عرفية. وإذا خرج لضرورة اقتصر على أدائها ثم يرجع. ولا يصلي إلا في المسجد، إلا في مكة، فإنه يجوز له أن يصلي في بيوتها إذا خرج. بل قد يدعى جواز الخروج له من مسجدها اختيار، وإن كان الأحوط وجوباً تركه.
(مسألة ١٤٥): يجوز للمعتكف الخروج لعيادة المريض المؤمن، أو حضور جنازة المؤمن، ويجب عليه المبادرة بالرجوع.
(مسألة ١٤٦): الأحوط وجوباً مع طول مدة الخروج البقاء عليه برجاء صحته أو فسخه إذا بقي محل الفسخ، نظير ما سبق في المسألة (١٤٠) في الفصل الأول.
الثاني: الجماع قبلاً ودبراً ليلاً ونهاراً للرجل والمرأة، والأحوط وجوباً إلحاق اللمس والتقبيل بشهوة به، وكذا الاستمناء بغير الجماع.
(مسألة ١٤٧): إذا جامع المعتكف وجب عليه كفارة إفطار شهر رمضان لابطال الاعتكاف، وقد تجب عليه كفارة اُخرى لحنث النذر إذا كان الاعتكاف منذوراً مضيّق، وكفارة ثالثة لابطال الصوم إذا كان الصوم مما يجب في إبطاله الكفارة.
الثالث: شم الطيب مع التلذذ، بل مطلقاً على الأحوط وجوب. وكذا شم الريحان مع التلذذ. ولا ضرر فيهما إذا كان فاقداً لحاسة الشم.
الرابع: البيع والشراء، بل مطلق التكسب المبني على الاسترباح على الأحوط وجوباً كالاجارة والصلح، دون مثل الهبة للغير والاستيهاب منه والدين ووفائه وغيره.
(مسألة ١٤٨): لابأس بالتوكيل في البيع والشراء، إذا ابتنى على تولي الوكيل للمعاملة بتمام شؤونه، أما التوكيل في خصوص إجراء العقد مع تحديد خصوصيات المعاملة من قبل المعتكف فالأحوط وجوباً تركه. إلا أن يكون التوكيل سابقاً على الاعتكاف.
(مسألة ١٤٩): إذا اضطر للبيع والشراء أو لزم من تركهما الحرج وتعذر التوكيل جاز إيقاعهم.
الخامس: المماراة، وهي الجدال والمخاصمة في الكلام، سواء كانت بقصد الغلبة وإظهار الفضيلة أم كانت لاظهار الحق والانتصار له. نعم لابد فيها من كون الطرف الاخر مصراً على دعواه لاجّاً فيها بنحو لا يرضى بالتصدي له وإبطال حجته عليه، أما اذا كان طالباً للحقيقة راغباً في الخوض فيها من الغير من أجل استيضاحها فلا بأس بالجدل معه، ولا ينافي الاعتكاف.
(مسألة ١٥٠): يفسد الاعتكاف بما يفسد الصوم، وكذا بالجماع ليل، وبالخروج الطويل من المسجد على الأحوط وجوب، والظاهر عدم بطلانه بغير ذلك من المحرمات المتقدمة.
(مسألة ١٥١): إذا فسد الاعتكاف فإن كان واجباً موسّعاً وجب تداركه. وهو الأحوط وجوباً لو كان واجباً مضيّقاً فيقضى بعد وقته. وإن كان مندوباً لم يجب تداركه لو كان فساده في اليومين الاوّلين، والأحوط وجوباً تداركه إن كان فساده في اليوم الثالث. كما أن الأحوط وجوباً الفور في القضاء.
(مسألة ١٥٢): إذا اعتكف في زمان لا يسع الاعتكاف لم يجب القضاء، كما لو صادف العيد في ثالث أيام الاعتكاف. نعم يجب التدارك إذا كان الاعتكاف واجباً موسّعاً وقد بقي وقته، بل الأحوط وجوباً تداركه حتى لو خرج وقته.
والحمد لله رب العالمين
كتاب الزكاة
وهي إحدى الدعائم التي بني عليها الإسلام، وإحدى الفرائض العظام التي افترضها الله على عباده رحمة لهم، وفي وصية أمير المؤمنين (عليه السلام): «الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم»، وقد قرنها الله تعالى بالصلاة، ففي الحديث عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «إن الله قرن الزكاة بالصلاة فقال: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فكأنه لم يقم الصلاة».
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «من منع قيراطاً من الزكاة فليس هو بمؤمن ولا مسلم ولا كرامة»، وعنه قال: «من منع قيراطاً من الزكاة فليمت إن شاء يهوديّاً أو نصرانيّ»، وقد فرضها الله على عباده تطهيراً لهم، وتزكيةً لانفسهم، وتحصيناً لاموالهم، ونماءً لارزاقهم.
وهي حق جعله الله للفقراء في أموال الاغنياء فإن منعوها غصبوهم حقهم، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «إن الله فرض في أموال الاغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منَع غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك». فطوبى لمن أداها طيّبة نفسه رغبة فيما عند الله وطلباً للمزيد من فضله، ومنه تعالى الخلف، فعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «ما أدّى أحدٌ الزكاة فنقصت من ماله، ولا منعها أحد فزادت في ماله».
ومنه تعالى نستمد التوفيق لنا وللمؤمنين، وهو أرحم الراحمين.
ويقع البحث في الزكاة في ضمن مقصدين..
المقصد الأول
في زكاة المال
وفيها مباحث..
المبحث الأول
في شروط وجوبه
وهي اُمور:
الأول: البلوغ.
الثاني: العقل.
الثالث: الحرّية. فلا تجب على من هو صبي أو مجنون أو عبد حالَ تعلّق الوجوب أو في أثناء الحول. نعم لا يمنع منها السكر والاغماء ونحوهما مما يفقد معه العقل مؤقّتاً من دون أن يصدق اختلاط العقل أو الاصابة فيه.
الرابع: الملك الفعلي حال تعلق الوجوب، او في تمام الحول. ولا يكفي الملكية الشأنية، كالمال الموصى به قبل وفاة الموصي.
(مسألة ١): تجب الزكاة في نماء الوقف بالشروط المقررة إذا كان الوقف بنحو يقتضي ملك الموقوف عليهم النماء بحيث يملكونه من دون حاجة للتمليك. وإن كان مقتضاه وجوب تمليكهم النماء فلا تجب الزكاة في النماء بمجرد ظهوره، بل لابدّ من تمامية الشروط فيه بعد تمليكهم له. وأما اذا كان مقتضاه صرف النماء عليهم من دون تملكهم له ولا تمليكهم إياه فلا تجب الزكاة فيه أصل.
(مسألة ٢): لا تجب الزكاة في الاعيان المشتركة إلا في حقّ من تبلغ حصته النصاب، ولا يكفي بلوغ مجموع المال المشترك النصاب في وجوب الزكاة فيه.
الخامس: القدرة على التصرف، حال تعلق الوجوب أو في تمام الحول أيض، والمراد بها القدرة الخارجية والشرعية على التصرفات الخارجية بالاتلاف والتصرف ونحوه مما تقتضيه القدرة على المال، فلا تجب الزكاة في المال المسروق والمجحود والضائع والمرهون والذي ينذر التصدق به وغير ذلك.
(مسألة ٣): إذا عرض العجز عن التصرف بعد تعلق الزكاة لم ترتفع وتكون مضمونة مع التقصير في تأخير الاداء قبل طروء العجز، ومع عدم التقصير لاضمان، بل يجب أداؤها بعد تجدد القدرة.
(مسألة ٤): الإسلام وإن لم يكن شرطاً في وجوب الزكاة، فالكافر مخاطب بها ومعاقب عليها كسائر الفروع، إلا أنه لا يجب على المسلم ترتيب آثار وجوبها في حقه، فله التصرف في مال الكافر الزكوي وإن علم بثبوت الزكاة فيه.
المبحث الثاني
فيما تجب فيه الزكاة
تجب الزكاة في تسعة أشياء: النقدين - الذهب والفضة - والانعام الثلاث الابل والغنم والبقر - والغلات الاربع - الحنطة والشعير والتمر والزبيب - ولا تجب فيما عدا ذلك حتى الرطب الذي لا يصير تمراً والعنب الذي لا يصير زبيب. نعم المشهور استحبابها في مال التجارة، وفي الحبوب التي تنبت من الارض كالسمسم والارز والماش والدخن والحمص والعدس والذرة، والثمار، دون الخضروات كالبقل والقثاء والبطيخ ونحوه. وفي إناث الخيل، دون ذكوره، ودون الحمير والبغال. ولا إشكال في استحبابها بما أنها صدقة، أما استحبابها بعنوان كونها زكاة فلا يخلو عن إشكال. نعم يحسن الإتيان بها برجاء المطلوبية بالعنوان المذكور.
والمهمّ الكلام فيما تجب فيه الزكاة، وهو يقع في ضمن فصول..
الفصل الأول
في زكاة النقدين
يشترط في وجوب الزكاة فيهما - مضافاً إلى ما تقدّم في المقصد الأول - اُمور:
الأول: النصاب، وهو في الذهب عشرون ديناراً فلا زكاة فيما نقص عنه. وفيها نصف دينار، ثم لا يجب في الزائد عليها حتى يبلغ أربعة دنانير فيجب فيه عُشر دينار، وهكذا كلما زاد أربعة دنانير وجب عُشر دينار، وما بينهما معفوّ عنه.
أما نصاب الفضة فهو مائتا درهم، فلا زكاة فيما نقص عنه، وفيها خمسة دراهم، ثم لا يجب في الزائد عليه، حتى يبلغ أربعين درهماً فيجب فيها درهم واحد. وهكذا كلما زاد أربعون درهماً وجب درهم، وما بينهما معفوّ عنه، كما في الذهب.
(مسألة ٥): الدينار أربعة غرامات وربع تقريب. والدرهم ثلاثة غرامات إلا ربعَ عُشرِ الغرام تقريب.
(مسألة ٦): لا يكفي تلفيق النصاب من النقدين معاً بلحاظ القيمة، فإذا كان عنده مثلاً تسعة عشر ديناراً ومائة وتسعون درهماً لم يجب عليه شيء. نعم يتمّ النصاب من أصناف جنس واحد، فإذا كان عنده نصاب ملفّق من ليرات عثمانية وجنيهات سعودية وجبت الزكاة. وكذا الملفّق من ريالات عراقية وسعودية.
الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكة المعاملة، بحيث يصدق عليهما الدنانير والدراهم، دون غيرها كالسبائك والحلي والتراب من المعدنين وغيره.
(مسألة ٧): إذا سقطت الدنانير والدراهم عن أن يتعامل بها لم تجب الزكاة
فيه، سواء كان ذلك لسقوطها قبل فعليّة التعامل به، أم لهجرها بعد ذلك، أم لاحداث شيء فيها منع من التعامل بها كتغييرها من أجل اتخاذها للزينة.
الثالث: الحول، وهو مضي سنة قمرية. ويكفي في استقرار وجوب الزكاة الدخول في الشهر الثاني عشر، فلا يضرّ فقد الشرائط بعد الدخول فيه. نعم لابدّ من تحقق الشرائط في تمام الاحد عشر شهر، فلا تجب الزكاة بفقدها وإن كان بفعل المكلّف فراراً من الزكاة.
(مسألة ٨): وجوب الزكاة وإن كان بدخول الشهر الثاني عشر، إلا أن الشهر الثاني عشر محسوب من الحول الأول، ولا يبدأ الحول الثاني إلا بالدخول في الشهر الثالث عشر.
(مسألة ٩): من كان عنده نصاب تام أو ما زاد عليه بما هو معفو عنه فملك ما زاد عليه في أثناء الحول، فله صور:
الاُولى: أن يملك مقدار العفو من دون أن يبلغ النصاب اللاحق، كما لو كان عنده في أول محرّم عشرون ديناراً او واحد وعشرون ديناراً وملك في أول رجب دينارين، وحينئذٍ لا أثر للملك المذكور، بل لا يدفع في شهر محرّم إلا نصف دينار.
الثانية: أن يملك نصاباً تام، أو ما يتمم النصاب، كما لو ملك في الفرض السابق في أول رجب عشرين ديناراً اُخرى أو تسعة عشر دينار. حينئذٍ يبدأ لكل نصاب حولٌ بانفراده، فيدفع في أول محرّم الثاني نصف دينار، وفي أول رجب الثاني نصف دينار.
الثالثة: أن يملك ما يتمم النصاب اللاحق من دون أن يكون نصاباً مستقل، كما لو ملك في الفرض المذكور في أول رجب ستة دنانير، وحينئذٍ يُتِم حولَ النصاب الأول ويُخرِج زكاتَه، ويستأنف حولاً آخر بعد مضي الحول الأول للنصاب الثاني، فيدفع في محرّم الثاني نصف دينار، ويستأنف حولاً للاربعة والعشرين دينار، فيدفع في محرّم الثالث ستة أعشار الدينار.
الفصل الثاني
في زكاة الانعام
يشترط في وجوب الزكاة فيها - مضافاً إلى ما تقدم في المقصد الأول - اُمور:
الامر الأول: النصاب.
(مسألة ١٠): للابل إثنا عشر نصاباً:
الأول: خمس، وفيها شاة.
الثاني: عشر، وفيها شاتان.
الثالث: خمس عشرة، وفيها ثلاث شياه.
الرابع: عشرون، وفيها أربع شياه.
الخامس: خمس وعشرون، وفيها خمس شياه.
السادس: ست وعشرون، وفيها بنت مخاض - وهي الداخلة في السنة الثانية - فإن لم يكن عنده بنت مخاض أجزأ عنها ابن لبون - وهو الداخل في السنة الثالثة - ولا يجزئ إذا كانت عنده بنت مخاض، فإن لم يكونا عنده كان مخيّراً في شراء أو استيهاب أيّهما شاء.
السابع: ست وثلاثون، وفيها بنت لبون - وهي الداخلة في السنة الثالثة.
الثامن: ست وأربعون، وفيها حقّة - وهي الداخلة في السنة الرابعة.
التاسع: إحدى وستون، وفيها جذَعة - وهي الداخلة في السنة الخامسة.
العاشر: ست وسبعون، وفيها بنتا لبون.
الحادي عشر: إحدى وتسعون، وفيها حقّتان.
الثاني عشر: مائة وإحدى وعشرون فما زاد، وفيها في كلِّ خمسين حقّةٌ، وفي كل أربعين بنت لبون، وحينئذٍ يتعيّن الحساب بالنحو الذي لا يفضل معه عشر لا زكاة فيه، إما بالاقتصار على أحد الحسابين فيقتصر في مثل المائة والخمسين على الخمسينات، وفي مثل المائة والستين على الاربعينات، وإمّا بالتخيير بينهما كما في مثل المائتين، وإمّا بالتبعيض كما في مثل المائتين والثمانين، حيث توزّع على أربع خمسينات وأربعينَين، ونحو ذلك. وعلى ذلك لا عفو إلا عمّا دون العَشرْ.
(مسألة ١١): لافرق في الابل بين العراب والبخاتي، والاُولى ذات السنام الواحد والثانية ذات السنامين.
(مسألة ١٢): الأحوط وجوباً في الشاة التي تجب في النصُب الخمسة الاُولى أن تدخل في السنة الثانية إن كانت من الضأن، وفي السنة الثالثة إن كانت من الماعز.
(مسألة ١٣): للبقر نصابان:
الأول: ثلاثون، وفيها تبيعٌ حَولي - وهو مادخل في السنة الثانية - والأحوط وجوباً عدم إجزاء التبيعة، وهي الاُنثى. وليس فيما دون الثلاثين شيء.
الثاني: أربعون، وفيها مُسِنّة - وهي ما دخل في السنة الثالثة - والظاهر عدم إجزاء المُسِنّ - وهو الذكر - فإذا بلغ الستّين ففيها تبيعان، فإذا بلغ السبعين ففيها تبيع ومسنّة، فإذا بلغ الثمانين ففيه مسنّتان، فإذا بلغ تسعين ففيها ثلاثة أتبِعة، فإذا بلغ مائة فالأحوط وجوباً دفع تبيعين ومُسنّة، فإذا بلغ مائة وعشرة فالأحوط وجوباً دفع تبيع ومسنّتين، فإذا بلغ مائة وعشرين فالأحوط وجوباً دفع ثلاث مسنّات، ثم الاحتياط بدفع مسنّة لكل أربعين، وتبيع لكل ثلاثين وإذا انقسم الموجود على العددين مع، تعين الحساب على الاربعين كالمائتين والاربعين، فيدفع ست مسنّات، لا ثمانية أتبِعة، ويقتصر في مراعاة الثلاثين على
إكمال حساب الموجود، كما لو كان عنده مائة وخمسون فيدفع ثلاث مسنّات وتبِيع، لاخمسة أتبعة مثل. كل ذلك مقتضى الاحتياط الوجوبي.
نعم قد يتنافى الحسابان، كما لو كان عنده مائة وثلاثون، فإنه إذا اقتصر على حساب الاربعين كان عليه ثلاث مسنّات وبقي عشر بقرات معفواً عنه، وإذا جمع بين الحسابين كان عليه ثلاثة أتبعة لتسعين ومسنّة لاربعين. فاللازم الاحتياط ولو بالانتقال لاكثر القيمتين، أو بدفع الامرين معاً للفقير ليقبض ما ينطبق عليه الزكاة واقعاً ثم يتصالح معه على تعيين ملكه مما أخذ، أو بغير ذلك. وعلى ذلك يختص العفو بما دون العشرة.
(مسألة ١٤): الجاموس والبقر جنس واحد، فيجب في النصاب في كل منهما ما يجب في النصاب من الاخر، ويتم النصاب بالملفق منهم. ويتخير في الدفع من كل منهما ولو مع كون النصاب من الاخر.
(مسألة ١٥): للغنم خمسة نُصُب:
الأول: أربعون، وفيها شاة، وليس فيما دون الاربعين شيء.
الثاني: مائة وإحدى وعشرون، وفيها شاتان.
الثالث: مائتان وشاة، وفيها ثلاث شياه.
الرابع: ثلاثمائة وشاة، وفيها أربع شياه.
الخامس: أربعمائة فما فوق، ففي كل مائة شاةٌ بالغاً ما بلغ.
(مسألة ١٦): لافرق في الغنم بين الضأن والماعز، فيتم النصاب بالملفق منهم، كما يجزئ أحدهما عن الاخر.
(مسألة ١٧): الأحوط وجوباً في الشاة التي تجب في الغنم أن تدخل في السنة الثانية إن كانت من الضأن، وفي السنة الثالثة إن كانت من الماعز.
(مسألة ١٨): لا يجب دفع الزكاة من النصاب، بل يجوز الدفع من غيره ولو مع الاختلاف في الذكورة والاُنوثة أو كون المدفوع دون النصاب في القيمة.
(مسألة ١٩): لافرق بين الصحيح والمريض والسليم والمعيب والشاب والهرم في العدّ من النصاب. ولا يجوز دفع المريض إلا إذا كان النصاب كلُّه مريض، ولا دفع المعيب إلا إذا كان النصاب كلُّه معيب، ولا دفع الهرم إلا إذا كان النصاب كلُّه هرم. والأحوط وجوباً في صورة جواز دفع المريض أو المعيب أو الهرم الاقتصار على الدفع من النصاب.
الامر الثاني: السَّوم، بحيث يصدق عرفاً أنها سائمة في الحول. ولا يضرّ علَفها اتفاقاً بالنحو الذي لا تخلو منه السوائم عادة، لضرورة من مطر أو حَرّ أو برد. وأما تعمّد علفها مدة قليلة بالنحو الذي لا يتعارف في السوائم، ففي صدق السَّوم معه إشكال، والاظهر العدم.
(مسألة ٢٠): الظاهر توقف السوم على رعي الحيوان بنفسه في المراعي المكشوفة الواسعة كالصحاري ونحوها مما ينبت فيها بنفسه وإن كانت مملوكة وكان الرعي فيها بثمن، فلا يكفي الرعي في البساتين وإن اعتلف مما زرع فيها بنفسه، ولا في الصحاري إذا اعتلف زرعاً مملوكاً لزارعه، ولا في المزابل الملقاة في الطرق الضيّقة. وإن كان ذلك كلّه مجانيّ، بل لا يكفي علفها مما ينبت في الاراضي المكشوفة إذا تعمّد الراعي جزّه وجمعه لها وحمَلها على اعتلافه. نعم لا يضر في صدق السوم علفُ الحيوان ما قد يلقى صدفةً في المراعي لعجز حامله عن نقله أو لسقوطه عن الانتفاع المعدّ له، لعفن أو غيره.
الامر الثالث: أن لا تكون عوامل والمراد بالعوامل ما تُعدّ للعمل من نقل أو حرث أو غيرهم. ولا يكفي في صدقها وقوع العمل بها صدقةً من دون أن تُعَدّ لذلك، كما لو ركب الراعي أو غيره ظهر بعض الابل أو استقى الماء به لحاجة طارئة.
الامر الرابع: الحول، على النحو المتقدم في زكاة النقدين.
(مسألة ٢١): من كان عنده نصاب تام فملَك ما زاد عليه في أثناء الحول فله صور:
الاُولى: أن يملك مقدار العفو من دون أن يبلغ النصاب اللاحق، كما لو كان عنده في أول محرّم أربعون شاة فملك في أول رجب خمسين شاة اُخرى، أو كان عنده خمس من الابل فملك ثلاث، وحينئذٍ لاأثر للملك المذكور، بل لا يدفع في شهر محرّم إلا شاة واحدة.
الثانية: أن يملك نصاباً تامّ، كما لو كان عنده في أول محرّم خمس من الابل فملك في أول رجب خمساً اُخرى وحينئذٍ يبدأ لكل نصاب حولٌ بانفراده فيدفع في محرّم الثاني شاة وفي رجب شاة اُخرى.
الثالثة: أن يملك مايتمم النصاب اللاحق من دون أن يكون نصاباً مستقل، كما لو كان عنده في أول محرّم ثلاثون بقرة فملك في أول رجب اثنتي عشرة بقرة. وحينئذٍ يتمّ حول النصاب الأول ويخرج زكاته، ثم يستأنف بعده حولاً آخر للنصاب الثاني، فيدفع في محرّم الثاني تبيع، وفي محرّم الثالث مسنّة. ومثله ما إذا كان عنده في أول محرّم عشرون من الابل وملك في أول رجب سبع، فإنه يدفع في محرّم الثاني أربع شياه وفي محرّم الثالث بنت مخاض. نعم لو ملك في الفرض خمساً من الابل كان من الصورة الثانية، فيدفع للخَمس الاخيرة في رجب الثاني شاة، ويبقى على ذلك يدفع في محرّم أربع شياه وفي رجب شاة، إلى أن تزيد الابل فيبدأ بحول جديد للمجموع بعد انتهاء حولَي ملكه سابقاً وتنتقل فريضته من الشياه إلى فريضة المجموع.
(مسألة ٢٢): ابتداء حول الصغار من حين ولادتها سواء كانت أمهاتها سوائم أم معلوفات. نعم لو علفت قبل الحول لم تجب فيها الزكاة.
الفصل الثالث
في زكاة الغلات
وقد تقدم أنها الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ولا تجب في غيرها حتى الرطب الذي لا يصير تمراً والعنب الذي لا يصير زبيب. ويشترط في وجوب الزكاة فيها - مضافاً إلى ما تقدم في المقصد الأول - النصاب وهو ما يبلغ ألف كيلو وأربعة وأربعين كيلواً وربعاً تقريب.
(مسألة ٢٣): المدار في قدر النصاب على ما يصدق عليه الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فإذا بلغت الثمرة النصاب قبل أن يصدق عليها ذلك ثم نقصت عنه عند جفافها وصِدقِ العناوين المذكورة عليها لم تجب الزكاة.
(مسألة ٢٤): يضم النخيل والكرم والزرع بعضه إلى بعض في بلوغ النصاب وإن كان في أمكنة متباعدة، وكذا إذا اختلف زمان إدراكه إذاكان الاختلاف بالنحو المتعارف في بلوغ ثمرة العام الواحد. وأما إذا كان الاختلاف بفاصل كثير خارج عن المتعارف فالظاهر عدم ضم بعضه إلى بعض، وإن كان الضم أحوط استحباب.
(مسألة ٢٥): لابدّ في وجوب الزكاة في الغلات من تمامية الشروط المتقدمة - هنا وفي المقصد الأول - عندما يصدق على الثمرة عنوانُ الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فلو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو قدر على المال بعد صدق ذلك على الثمرة لم تجب الزكاة، وكذا لو اشتراه، بل تكون الزكاة على البائع، أما لو اشتراها قبل ذلك فصدقت العناوين المذكورة عند المشتري كانت الزكاة عليه دون البائع.
(مسألة ٢٦): زمان تعلّق الزكاة بالثمرة وإن كان هو زمان صدق العناوين المتقدمة عليها - كما سبق - إلا أنه يجوز تقديم أداء الزكاة في الزبيب عند صيرورة الثمرة عنب، بعد تخمين مقداره حين يصير زبيباً ودفع الزبيب من غير الثمرة.
(مسألة ٢٧): يجوز للمالك التصرف في الثمرة قبل صدق العناوين المذكورة وإن زاد على المتعارف من دون ضمان للزكاة، فلو تصرّف في البسر والرطب والحصرم والعنب مثلاً بالاكل والهبة والبيع ونحوها لم يضمن الزكاة بالمقدار الثابت فيها لو صارت تمراً أو زبيب.
(مسألة ٢٨): إذا مات المالك بعد صدق العناوين المذكورة ثبتت الزكاة في العين ووجب على الورثة إخراجه. أما إذا مات قبله وصدقت العناوين المذكورة في ملك الورثة فلا تجب إلا على من بلغت حصته منهم النصاب. وكذا الحكم فيما إذا كان الانتقال بغير الارث كالبيع والهبة.
(مسألة ٢٩): لا تجب المبادرة للاخراج قبل تصفية الغلة واجتذاذ التمر واقتطاف الزبيب على النحو المتعارف، إلا أن تتعرّض الثمرة للخطر على خلاف المتعارف، فيجب على من تحت يده الثمرة المبادرة لاخراج الزكاة وإيصالها لاهلها مع تيسر ذلك، ومع التفريط حينئذٍ يضمن. وأما المبادرة بعد التصفية والاجتذاذ والاقتطاف فسيأتي الكلام فيها في الفصل الرابع.
(مسألة ٣٠): لا تتكرر الزكاة في الغلات بتعاقب السنين، فإذا أعطى زكاة الحنطة مثلاً ثم بقيت عنده أكثر من سنة لم تجب فيها الزكاة مرة اُخرى وإن بقيت الشروط المعتبرة فيه. وهذا بخلاف الانعام والنقدين.
(مسألة ٣١): الظاهر عدم استثناء المؤن التي يحتاج إليها الزرع والثمر من اُجرة الفلاح والحارث والساقي والعوامل والارض وغيره، من دون فرق بين المؤن التي يحتاجها قبل طلوع الثمرة وبعده قبل صدق العناوين المتقدمة وبعده،
ومنها الضرائب التي يأخذها السلطان. نعم مايأخذه من عين الثمرة غصباً بعد تمامية النصاب يرد نقصه على الزكاة بالنسبة إذا لم يمكن التخلص منه. كما أن مايجعل على العين من المؤن - كما في المزارعة - يستثنى قبل النصاب، فلا تجب الزكاة على المالك إلا إذا كان الباقي له من الثمرة بقدر النصاب. كما أنه لا تجب الزكاة على العامل في المزارعة إلا إذا بلغت حصته من الثمر بقدر النصاب.
(مسألة ٣٢): إذا اختلفت أنواع الغلّة الواحدة في الجَودة والرداءة تخيّر المالك في الدفع من أيها شاء. وإن كان الأحوط استحباباً عدم دفع الرديء عن الجيّد.
(مسألة ٣٣): ورد العفو عن الزكاة في نوعين من التمر، وهما الجعرور والمعافارة، كما ورد النهي عن دفعهما في الزكاة، وقد وُصفا بأنهما من أردأ أنواع التمر عظيما النوى قليلا اللح. ولا يتيسّر لنا تحديدهم، فمع اشتباه نوع من التمر الرديء بهما يجب الاحتياط بدفعِ الزكاة عنهما ولو منهم، وعدمِ دفعهما عن غيرهم.
(مسألة ٣٤): المقدار الواجب إخراجه في زكاة الغلات العُشرُ إذا سقي بلا علاج - سيحاً أو بماء السماء أو بمصّ عروقه من ماء الارض - ونصفُ العشر إذا سقي بعلاج، كما لو سُقي بالدلاء والنواعير والمكائن الزراعية ونحوه. وإذا سقي بالوجهين فالتنصيف، فيجب في النصف العُشر وفي النصف الاخر نصفُ العشر، سواءً تساويا أم كان أحدهما أكثر. إلا أن تكون غلبة أحدهما بنحو لايُعتدّ معه بالاخر لقلّته فالعمل على الغالب حينئذٍ.
(مسألة ٣٥): ليس من العلاج حفر النهر واستنباط العين وإصلاحهما وفتح طريق الماء للزرع، فيجب العشر مع جميع ذلك إذا كان الماء يرتفع بنفسه إلى مستوى الزرع من دون علاج.
(مسألة ٣٦): الامطار المعتادة في السنة لا تخرج ما يسقى بعلاج عن حكمه، إلا إذا كثرت بحيث يستغنى عن الدوالي مدّة معتدّاً به، فيجب حينئذٍ
التنصيف على نحو ماتقدم في المسألة (٣٤)، ولو استغنى بها عن العلاج في تمام المدة أو أكثرها بحيث لا يعتدّ بالسقي بالعلاج لقلّته فالواجب العشر.
(مسألة ٣٧): المدار في وجوب العُشر ونصف العُشر على الثمر لا على الاُصول، فإذا كان النخل أو الكرم حين غرسه يسقى بعلاج فلمّا بلغ أوان الاثمار استغنى سقيه عن العلاج وجب في الثمر العشر، ولو كان بالعكس وجب نصف العشر.
المبحث الثالث
في المستحقين للزكاة
وفيه فصلان..
الفصل الأول
في أصناف المستحقين
وهم ثمانية، كما نطق بهم الكتاب المجيد:
الأول والثاني: الفقير والمسكين، والثاني أسوأ حالاً من الأول، ويكفي في كل منهما عدم قدرته المالية على القيام بمؤنة سنته اللائقة بحاله له ولعياله من غير إسراف. والغني بخلافهم، وهو من يقدر على القيام بمؤنة سنته بالنحو المذكور. نعم لو كان مديناً ديناً حالاً لا يقدر على وفائه كان فقيراً أيضاً وحلت له الزكاة.
(مسألة ٣٨): إذا كان الشخص غير مالك لمقدار المؤنة المذكورة إلاأنه كان قادراً على تحصيلها بصنعة أو حيازة أو تجارة لم تحلّ له الزكاة. ولو لم يفعل تكاسلاً لم تحلّ له، إلا أن يمضي وقت التحصيل، كما لو كان وقت التحصيل فصلاً خاصّاً من السنة فلم يفعل حتى مضى الفصل المذكور، فيحلّ له أخذ الزكاة حينئذٍ.
(مسألة ٣٩): إذا كان قادراً على تعلم صنعة تكفيه فلم يفعل لم يحل له أخذ الزكاة. نعم إذامضى وقت التعلم جاز له أخذه. وكذا يجوز له الاخذ لسدّ نفقته في مدة التعلّم أو قبله، وإن كان الأحوط وجوباً الاقتصار على م
إذا لم يقدر على سد حاجته بالاستدانة مع القدرة على الوفاء في نفس السنة بعد التعلم، مثلاً إذا كان زمان التعلم شهري ربيع جاز له ان يأخذ من الزكاة لنفقة شهري محرم وصفر وشهري ربيع، إلا إذا كان قادراً على الاستدانة لها ثم الوفاء بعد التعلم قبل شهر محرم الثاني.
(مسألة ٤٠): إذا كان له رأس مال يتكسب به أو ضيعة يستنميها أو عقار أو آلات أو حيوانات يؤجرها أو يعمل عليها لكن لا يكفيه مايحصله منها جاز تتميم حاجته من الزكاة، ولا يجب عليه بيع الاشياء المذكورة وإن كان ثمنها وافياً بمؤنة سنته. نعم إذا كانت الاُمور المذكورة معطلة غير مستغَلة لاكتساب النفقة ولا محتاجاً إليها في حياته وكان ثمنها وافياً بمؤنة سنته لم يحلّ له أخذ الزكاة.
(مسألة ٤١): إذا كان قادراً على التكسب لكنه كان منافياً لشأنه - بحيث يكون وهناً عليه أو على بعض الجهات التي يجب حفظها - جاز له الاخذ من الزكاة.
(مسألة ٤٢): دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله - ولو لكونه من أهل الشرف - لا يمنع من أخذ الزكاة، وكذا ما يحتاج إليه بحسب شأنه من الثياب والاثاث والكتب وغيره. نعم ما كان زائداً عن حاجته يمنع من أخذ الزكاة إذا كان يفي بمؤنة سنته.
(مسألة ٤٣): إذا أمكن إبدال ما عنده من دار وأثاث أو غيرهما مما يحتاج إليه بأقل منه قيمةً، فإن كان الموجود عنده زائداً عن مقتضى شأنه وغير مناسب له وجب الابدال، وإن كان مناسباً له لم يجب الابدال.
(مسألة ٤٤): طالب العلم يجوز له الاخذ من الزكاة إذا كان فقيراً عاجزاً عن التكسب ولو لكونه منافياً لشأنه، وكذا إذا كان طلب العلم واجباً عليه عيناً - ولو لعدم قيام غيره بما يؤدي الواجب - وكان الانشغال به مزاحماً للتكسب، بحيث لا يمكنه الجمع بينهم، وفي غير هاتين الصورتين لا تحلّ له الزكاة من
سهم الفقراء. نعم يجوز أن يدفع له من سهم سبيل الله تعالى بالمقدار الذي يحمله على طلب العلم إذا ترتب على طلبه له فائدة راجحةٌ شرع.
(مسألة ٤٥): يجوز للزوجة أخذ الزكاة إذا لم يكن الزوج باذلاً لنفقتها ولم تقدر على إجباره بوجه غير حرَجي، أما إذا كان باذلاً لها أو كانت قادرةً على إجباره بوجه غير حرَجي فلا يجوز لها أخذ الزكاة.
(مسألة ٤٦): سقوط نفقة الزوجة بالنشوز لايُحلّ لها الاخذ من الزكاة.
(مسألة ٤٧): غير الزوجة ممن تجب نفقته على غيره إن كان من تجب نفقته عليه واجداً للنفقة باذلاً لها من دون حرج معتدّ به في أخذ النفقة منه فالأحوط وجوباً عدم أخذه من الزكاة. أما في غير ذلك فيجوز له الاخذ منه.
(مسألة ٤٨): وجود المتبرع بالنفقة للفقير من دون أن تجب عليه لا يمنعه من أخذ الزكاة والاستغناء بها عنه.
(مسألة ٤٩): المدعي للفقر إن لم يُعلم حاله فإن كان فقيراً سابقاً - ولو حينما كان طفلاً - جاز البناء على فقره، وإن عُلم غناه سابقاً لم يصدَّق إلا إذا حصل الاطمئنان بفقره، ولو من شواهد وقرائن خارجية. وكذا الحال لو أخبر شخص بفقر غيره.
(مسألة ٥٠): إذا شهد بفقر الشخص غيره، فإن تمت بالشهادة البينة عمل به، وكذا إذا اوجبت الوثوق. وإلا جرى عليه ما تقدم في المسألة السابقة من التفصيل.
(مسألة ٥١): دفع الزكاة للفقير على أحد وجهين:
الأول: تمليكه إياه، ولابد من قصده أو قصد وليّه أو وكليه التملُّك لما يأخذه وإن لم يعلم بأنه زكاة ولم يقصده بل أخذه غافلاً عن ذلك أو بتخيل كونه هدية. أما لو لم يقصد التملُّك فلا يتم هذا الوجه، كما لو دفع إليه على أنه ملكه
سابقاً وقد اُرجع إليه، وكذا لو قصد تملُّكه بشرط أن لا يكون زكاة ملتفتاً لذلك.
الثاني: صرفها في مصالحه، كما لو دفع إليه الطعام الزكوي فأكله، ولا يحتاج هذا إلى القصد منه ولا من وليه أو وكليه، فلو دفع له الطعام الزكوي فأخذه على أنه ملكه سابقاً قد اُرجع اليه، أو على أنه ليس بزكاة بل هدية أو غير ذلك لم يمنع من حصول هذا الوجه. نعم لا بد من صرفه له في مصالح نفسه، كما لو أكل الطعام بنفسه، ولا يكفي صرفه في مصالح غيره مِمّن مِن شأنه الصرف عليه، كواجب النفقة والضيف على الأحوط وجوب. إلا أن يكون ذلك الغير فقيراً أيضاً ويقصد دافع الزكاة بذلها له أيض.
(مسألة ٥٢): إذا كان للمالك دين على الفقير جاز احتسابه من الزكاة بلا حاجة إلى دفعها له ثم أخذها منه، سواء كان المدين حياً أم ميت. نعم إذا كان للميت تركة تفي بدَينه لم يجز احتساب دَينه من الزكاة إلاأن يتعذر وفاء دَينه من التركة لامتناع الورثة من وفائه جهلاً أو عصياناً وعدم تيسر إجبارهم على الوفاء أو إقناعهم به.
(مسألة ٥٣): إذا دفع الزكاة لشخص باعتقاد فقره فبان كون المدفوع له غني، فلذلك صورتان:
الاُولى: أن تكون متعيّنة بالعزل، من دون أن تنشغل بها ذمته، إما لعزلها من نفس النصاب أو من غيره. وحكمها أنه مع تفريط الدافع وخروجه عن مقتضى ولايته في إحراز فقره يكون ضامناً له، ومع عدم تفريطه لا يكون ضامن.
الثانية: أن لا تكون متعيّنة بالعزل، كما لو أتلف النصاب قبل دفع الزكاة فإنتقلت الزكاة إلى ذمته، أو تكون متعيّنة بالعزل إلا أنها مضمونة عليه لتأخيره دفعها مع وجود المستحق أو لتفريطه في حفظه، والأحوط وجوباً هنا بقاء الضمان عليه مطلقاً وإن لم يُفرِّط في إحراز فقرِ من دفعها إليه.
هذا كلّه في حق دافع الزكاة، وأما في حق آخذها فيجري عليه حكم آخذ المال بلا حق، فيضمن ولا يرجع على الدافع، إلا أن يكون مغروراً من قبله لعدم إخباره له بأن المدفوع إليه زكاة.
وهذا التفصيل يجري في جميع موارد دفع الزكاة لغير المستحق، مثل من تجب نفقته. نعم من دفع زكاته لغير المؤمن باعتقاد أنه مؤمن تجزئ عنه إذا كان قد اجتهد في الفحص، ومع تقصيره لا تجزئ عنه، من غير فرق في الصورتين بين تعيّنها بالعزل وعدمه.
الثالث - من المستحقين للزكاة -: العاملون عليه، وهم المنصوبون لاخذ الزكاة وحفظها وضبطها وإيصالها لوليّها أو إلى المستحق. والذي ينصبهم لذلك هو الإمام أو نائبه الخاص. وفي ولاية الحاكم الشرعي على ذلك إشكال، بل منع.
الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم المسلمون الذين يضعف اعتقادهم بالمعارف الدينية فيعطون من الزكاة تأليفاً لقلوبهم ليأنسوا بالدين ويتحلّلوا من عُقَد الجاهلية وينظروا بعين بصائرهم بعيداً عنه.
الخامس: الرقاب، والمراد بذلك عتق العبيد. إما لكونهم مكاتَبين عاجزين عن أداء مال الكتابة فيُعطَون من الزكاة ليؤدّوا ما عليهم ويتحرّرو، أو لكونهم عبيداً تحت الشدّة، فيُشتَرون ويُعتَقون. وأما لو لم يكونوا تحت الشدّة فاللازم الاقتصار على ما إذا لم يجد مصرفاً للزكاة غيرهم، حتى لو كان المملوك مؤمناً على الأحوط وجوب.
السادس: الغارمون، وهم الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائه، وإن كانوا مالكين قوت سنتهم، بشرط أن لا تكون ديونهم في معصية ولا سرَفَ.
(مسألة ٥٤): وفاء دين الغارم من الزكاة يكون بوجهين:
الأول: أن يعطى من الزكاة لوفاء دينه بها بعد أن يملكه.
الثاني: أن يوفّى دينه من الزكاة ابتداءً من دون أن تُدفع الزكاة له، بل وإن لم يعلم به.
(مسألة ٥٥): لو كان صاحب الزكاة هو الدائن جاز له احتساب دينه عليه زكاة، نظير ماتقدم في المسألة (٥٢)، وأما أن يجعل شيئاً من زكاته للمَدين من دون أن يقبضه المَدين ثم يأخذه وفاءً عن دينه فهو لا يخلو عن إشكال، والأحوط وجوباً عدم الاجتزاء به.
(مسألة ٥٦): لو كان الغارم ممن تجب نفقته على صاحب الزكاة جاز لصاحب الزكاة إعطاؤه من الزكاة لوفاء دينه أو وفاء دينه منها ابتداءً من دون أن يدفعها إليه.
السابع: سبيل الله تعالى، وهو جميع سبل الخير الراجحة شرع. والأحوط وجوباً الاقتصار على الجهات العامة، كبناء المساجد والقناطر وإقامة الشعائر الدينية ونحوه. وأما الجهات الخاصة كالتزويج والحج ونحوها فالأحوط وجوباً تخصيصها بسهم الفقراء، فيعتبر في من ينتفع فيها الفقر.
الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر الذي نفذت نفقته بحيث لا يقدر على الذهاب إلى بلده ولو ببيع بعض ما يسعه الاستغناء عنه من متاعه، بل اللازم الاقتصار على ما إذا تعذّرت عليه الاستدانة والوفاء من ماله من غير حرج. ولا يشترط فيه أن يكون فقيراً في بلده. نعم يشترط أن لا يكون سفره في معصية.
الفصل الثاني
في شروط المستحقين
وهي اُمور:
الأول: الإسلام، فلا يعطى الكافر إلا من سهم سبيل الله إذا كان دفعه له من أجل صلاح الدين أو المؤمنين، كما إذا كان لدفع شره عنهم أو الاستعانة به لما ينفعهم.
الثاني: الايمان، فلا يعطى الكافر ولا غير المقرّ بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، حتى من سهم المؤلّفة قلوبهم، وإن كان في دفعها تأليف لهم، على الأحوط وجوباً في عصور عدم بسط يد الإمام (عليه السلام). نعم يجوز الدفع له من سهم سبيل الله إذا كان دفعها له من أجل صلاح الدين او المؤمنين، نظير ما تقدم.
(مسألة ٥٧): يجوز دفع الزكاة لاطفال المؤمنين ومجانينهم، فإن كان بنحو التمليك وجب قبول وليّهم، وإن كان بنحو الصرف مباشرة أو بتوسط أمين كفى إذن وليّهم في ذلك، بل لا يحتاج إلى إذنه مع العلم بصلاح الصرف المذكور لهم من دون مزاحم.
(مسألة ٥٨): إذا أعطى المخالفُ زكاته أهلَ نحلته ثم استبصر أعاده. وإن كان قد أعطاها المؤمنَ أجتزأ به.
(مسألة ٥٩): لا تشترط العدالة في مستحق الزكاة، بل يجوز دفعها لمرتكب المعاصي عدا شارب الخمر، والأحوط وجوباً عدم دفعها لمرتكب الكبائر التي هي أعظم من شرب الخمر، كترك الصلاة. بل يحرم دفعها للعاصي إذا كان في دفعها له تشجيع على المعصية، كما يجب منعه منها إذا كان منعه نهياً له عن المنكر.
الثالث: أن لا يكون ممن تجب نفقته على المُعطي، وهم الابوان وإن علوا والأولاد وإن نزلوا والزوجة الدائمة إذا لم تسقط نفقتها والمملوك، فلا يجوز إعطاؤهم من الزكاة للنفقة الواجبة.
(مسألة ٦٠): يجوز لمن عليه الزكاة دفعها لمن تجب عليه نفقته إذا كان عاجزاً عن الانفاق عليه بالمقدار اللازم عليه، فيدفع له ما يتمّم النفقة الواجبة عليه، كما يجوز أن يدفع له من الزكاة للتوسعة غير اللازمة عليه بالمقدار الذي يحتاج إليه عرف، ويجوز دفعها أيضاً لنفقة لا تجب عليه، كوفاء الدين والقيام ببعض الواجبات الشرعية والعرفية المتوقفة على المال.
(مسألة ٦١): إذا مات من عليه الزكاة جاز دفع زكاته لمن تجب عليه نفقته في حياته مع فقرهم.
(مسألة ٦٢): يجوز للزوجة دفع زكاتها لزوجها ولو كان للانفاق عليه.
الرابع: أن لا يكون هاشمياً إذا كانت الزكاة من غير الهاشمي. من دون فرق بين سهم الفقراء والمساكين وغيرهما من سائر السهام حتى سهم سبيل الله تعالى. نعم لابأس بتصرفهم في الاوقاف العامة إذا كانت من الزكاة، كالمساجد والمدارس ومنازل الزوار والكتب ونحوه.
(مسألة ٦٣): المراد من الهاشمي من انتسب لهاشم بالاب، دون من انتسب له بالاُم فقط.
(مسألة ٦٤): الظاهر شمول الهاشمي لمن انتسب لهاشم بالزنا فلا تحلّ له الزكاة من غير الهاشمي.
(مسألة ٦٥): يجوز للهاشمي أن يأخذ زكاة الهاشمي، من دون فرق بين السهام أيض.
(مسألة ٦٦): يجوز للهاشمي أخذ زكاة غير الهاشمي مع الاضطرار.
والأحوط وجوباً الاقتصار على الضرورة الحقيقية، نظير الاضطرار للميتة.
(مسألة ٦٧): لا يحرم على الهاشمي غير زكاة المال وزكاة الفطرة من الصدقات الواجبة، كالكفارات، والفدية، والصدقة المنذورة، فضلاً عن مثل اللقطة ومجهول المالك مما وجب التصدق به على الدافع دون المالك، وكذا الصدقات المندوبة. نعم ينبغي تنزيههم عمّا يبتني على الاستهوان من المحقَّرات.
(مسألة ٦٨): يثبت كونه هاشمياً بالعلم وبالبيّنة وبالفراش، كمن تولّد من أمرأة هي فراش للهاشمي وإن احتمل عدم تولده منه لزنا أو وطء شبهة محتمل. كما يثبت بالشياع الموجب للوثوق. ولا يكفي مجرد الدعوى من دون ذلك. نعم يشكل مع الدعوى المذكورة دفع زكاة غير الهاشمي له، إلا أن يعلم بعدم استناده في دعواه إلى حجة أو قامت البنيّة على كذبه فيه.
المبحث الرابع
في بقية أحكام الزكاة
(مسألة ٦٩): للمالك الولاية على صرف الزكاة في مصارفها السابقة، عدا سهم العاملين عليه، لما تقدم من عدم الولاية على نصبه لغير الإمام ونائبه الخاص. وحينئذٍ لا يجب على المالك دفع الزكاة للحاكم الشرعي ليتولّى صرفها في مصارفه، بل لو دفعها إليه لا يكون الحاكم إلا وكيلاً عن المالك، ولو انشغلت ذمة المالك بها لم تبرأ بالدفع للحاكم، بل تتوقف براءتها على صرف الحاكم لها في مصارفه.
(مسألة ٧٠): لا يجب البسط على الاصناف الثمانية، ولا على أفراد صنف واحد، فيجوز إعطاؤها لشخص واحد من صنف واحد.
(مسألة ٧١): الزكاة حقٌّ متعلّق بالعين يمنع على الأحوط وجوباً من التصرف الخارجي فيها بالاتلاف ونحوه. ولو تصرّف فيها المالك بالنحو المذكور ضَمنه، وكذا لو فرّط في أداء الزكاة حتى تلفت العين.
(مسألة ٧٢): إذا تصرف المالك في المال الزكوي بالنقل بالبيع ونحوه. فإن كان التصرف المذكور في تمام النصاب نفذ البيع وبقيت الزكاة متعلِّقة بالعين، فإن أداها البائع من غير العين سلمت العين للمشتري، وإن أداها من العين كان للمشتري خيار تبعّض الصفقة وإن لم يؤدّها البائع وسلّم العين للمشتري كان ضامناً لها ووجب على المشتري أداؤها أيض، فإن أداها رجع على البائع، وإن أداها البائع سقطت عنه. وان عصى المشتري ولم يؤدها وجب على البائع اداؤه.
أما لو كان التصرف ببعض النصاب بحيث يقصر عن مقدار الزكاة فالظاهر نفود التصرف ووجوب أداء الزكاة من الباقي او من عين اُخرى.
(مسألة ٧٣): إذا باع المالك تمام النصاب وشك في أدائه للزكاة وعدمه بنى على نفود البيع في تمام المال، ولا يجب على المشتري اخراجه.
(مسألة ٧٤): تجب المبادرة لاداء الزكاة ولا يجوز تأخير دفعها إلا لغرض عقلائي، كانتظار مستحق خاص أو توقّع طالب لها يأمل منه دفعها اليه وأن طال زمان ذلك. والأحوط وجوباً حينئذٍ عزلها وتعيينها أو كتابتها أو الاشهاد عليها خوفاً من الضياع.
(مسألة ٧٥): يجوز للمالك عزل الزكاة من دون أن يدفعه، سواء كان عزلها من نفس النصاب أم من غيره، وحينئذٍ يتعين المعزول زكاةً فلو تلف النصاب لم يدخل عليه النقص. واذا حصل للمعزول نماء كان تابعاً له في المصرف.
(مسألة ٧٦): إذا عزل المالك الزكاة كانت أمانة في يده يضمنها بالتفريط
وبتأخير دفعها للمستحق مع وجوده والعلم به، وإن جاز له التأخير كما سبق في المسألة (٧٤).
(مسألة ٧٧): لا يجوز للمالك إبدال الزكاة بعد عزله.
(مسألة ٧٨): إذا اعتقد وجوب الزكاة خطأً فأعطاها لم يملكها الاخذ، وكان عليه إرجاعها مع بقاء عينه، وضمانها مع تلفها إلا أن يكون مغروراً من قِبل الدافع، كما اذا اوهمه أنها هدية.
(مسألة ٧٩): يجوز دفع القيمة بدلاً عن الزكاة من النقود ونحوها مما يتمحّض في المالية كالاوراق النقدية المتعارفة في عصورن. والمدار فيها على القيمة وقت الدفع ومكانه، لاوقت وجوب الزكاة ولا مكان وجود النصاب. وأما دفع القيمة من غير النقود - كالثياب والطعام - فلا يخلو عن إشكال، والأحوط وجوباً تركه. نعم يجوز للمالك عزل الزكاة وشراء المتاع بها ولو من نفسه ثم دفعه إذا كان يرى أنها أنفع للفقير.
(مسألة ٨٠): يجوز نقل الزكاة من البلد الذي هي فيه إلى غيره ولو مع وجود المستحق فيه. لكن إذا تلفت بالنقل مع وجود المستحق في البلد والقدرة على الدفع له يضمن، ولا يُسقِط الضمانَ إذنُ الفقيه في النقل. أما مع عدم وجود المستحق من الفقراء والمساكين فإن لم يجد مصرفاً آخر من المصارف الثمانية المتقدمة فلا ضمان، وأما مع وجودها وتيسّر إحرازها لصاحب الزكاة فالأحوط وجوباً الضمان.
(مسألة ٨١): مؤنة نقل الزكاة على المالك الناقل إلا أن ينحصر صرفها بالنقل فيجوز إخراج مؤنة نقلها منه، لكن لابدّ من مراجعة الحاكم الشرعي قبل النقل واستئذانه في تحميل الزكاةِ المؤنة المذكورة، ومع تعذّر مراجعته لابدّ من بذل الجهد - ولو بالاستعانة بأهل المعرفة - لاحراز أن النقل مع تحميل
الزكاةِ المؤنةَ المذكورة أصلح له.
(مسألة ٨٢): لا يجوز تقديم الزكاة قبل تعلّق الوجوب في غير ماتقدم من زكاة الزبيب عند صيرورته عنب. نعم يجوز أن يعطى الفقير قرضاً قبل وقت الوجوب ويحتسبه من الزكاة عند حلول وقتها لكن لابد من بقاء المقترض حين الاحتساب على صفة الاستحقاق.
(مسألة ٨٣): إذا أتلف الزكاة المعزولة مُتلف كان ضامناً لها وكذا إذا أتلف النصاب بتمامه. ولا يضمن المالك معه إلا إذا تحقق منه سبب الضمان المتقدم في المسألة(٧١)، وحينئذٍ يجب على المتلف دفع الزكاة لصاحبها ليتولى صرفه، ولا يصرفها بنفسه، إلا أن يكون صاحبها ممتنعاً عن أدائها فيجب عليه مراجعة الحاكم الشرعي، لانتقال الولاية على الزكاة له حينئذٍ. ولو سبق تحقق سبب الضمان من صاحبها وجب عليه أيضاً أداؤها فإن أداها رجع على المتلف، وإن أداها المتلِف له لم يرجع عليه.
(مسألة ٨٤): الزكاة من العبادات المفتقرة للنيّة والأحوط وجوباً مقارنة النيّة للعزل وللدفع معاً وبدونها لا يترتب الاثر عليهم، فإن خلا العزل عن النيّة بقي المال - على الأحوط وجوباً - على ملك المالك، وإن كان العزل عن نيّة والدفع بلا نيّة بقي المال - على الأحوط وجوباً - زكاة غير مملوكة لمن دُفعت له، وتجوز النيّة ما دامت العين موجودة، فإن تلفت بلا ضمان القابض وجب الدفع ثاني، وإن تلفت مع الضمان - كما لو كان هو المتلف لها - فمع عدم تعيُّنها زكاةً بالعزل عن نيّة يكون الفقير مديناً للمالك، ومع تعيّنها زكاةً بالعزل يكون الفقير مديناً للزكاة. وفي الأول يجوز للمالك احتساب الدين عليه زكاة إن بقي مصرفاً له، وفي الثاني يشكل الحال، والأحوط وجوباً له تسليمها للمالك ويكون له حينئذٍ أن يُرجعها له إذا بقي مصرفاً له.
(مسألة ٨٥): لا بد عند عزل الزكاة او عند دفعها إن لم تكن معزولة من تعيين المال المزكّى عند اختلاف نوعه ولو إجمال، فلو كان عنده خمس من الابل وأربعون شاة فعزل شاة واحدة أو دفعها لابدّ من تعيين المال الذي يزكى به. نعم لو أخرج شاتين دفعة كفى قصد مجموع المالين بهما بلا حاجة لتعيين كل منهما لاحد المالين. أما مع عزل الزكاة فلا يجب عند دفع المعزول تعيين المال الذي يخصه.
(مسألة ٨٦): يجوز للمالك التوكيل في عزل الزكاة وفي أدائه، ولا بد من نية الوكيل حينئذٍ بأن يقصد العنوان الموكّل فيه وامتثال أمر الموكل وتقريبه به. كما يجوز التوكيل في الايصال إلى الفقير مع تعيينه من قبل المالك نظير الحمّال الذي تدفع له العين، ولا بد حينئذٍ من نيّة المالك عند دفع العين للوكيل، ولا يجب نية الوكيل أصل.
(مسألة ٨٧): تجب المبادرةُ لاداء الزكاة عند ظهور أمارات الموت أو التوثقُ عليها بالاشهاد ونحوه. أما في غيرها من الحقوق الشرعية، فلا يُجتزأ بالتوثق إلا عند تعذر الاداء، لوجوب المبادرة لادائها بخلاف الزكاة، كما تقدم في المسألة(٦٩).
(مسألة ٨٨): لا يعطى الفقير من الزكاة أكثر من مؤنة السنة، ولا حدّ له من طرف القلة. نعم يكره دفع ما دون الخمسة دراهم له، بل الأحوط استحباباً تركه.
(مسألة ٨٩): إذا لم يؤدّ الشخص زكاته حتى مات وجب إخراجها مع بقاء النصاب، وأما مع تلفه فتخرج من تركته إذا كان ضامناً لها بالتفريط أو تأخير الاداء مع وجود المستحق، كسائر الديون.
(مسألة ٩٠): لو مات المالك بعد تعلّق الزكاة بماله وشك في أدائه له، فإن لم يعلم بانشغال ذمته بها لاحتمال أدائها أو بقائها في النصاب، فإن تصرّف في النصاب تصرفَ المالك المطلق الظاهر في ملكيته لتمامه بني على أدائه. وإلا فالأحوط وجوباً أداؤه، وكذا لو علم انشغال ذمته بها لتفريطه فيه، فإن
الأحوط وجوباً أداؤه.
(مسألة ٩١): قيل: يستحب لمن يأخذ الزكاة الدعاء للمالك.
(مسألة ٩٢): ذكر العلماء أنه يستحب تخصيص أهل الفضل بزيادة النصيب. ويستحب ترجيح الاقارب وتفضيلهم على غيرهم، وترجيح من لا يسأل على من يسأل، وصرف صدقة المواشي على أهل التجمل. وهذه مرجحات يحسن العمل عليها إلا أن يزاحمها مرجحات اُخر أهم وأرجح.
(مسألة ٩٣): يكره لصاحب المال استرجاع الزكاة من الفقير بشراء ونحوه، وكذا الحال في الصدقة المندوبة. نعم لا كراهة في بقائها على ملكه إذا رجعا إليه بميراث ونحوه من الممَلّكات القهرية.
المقصد الثاني
في زكاة الفطرة
وهي من الزكاة الواجبة، وقد روي أن من لم تؤدّ عنه خيف عليه الموت في سنته كما أنه يظهر من بعض النصوص أن بها تمام الصوم.
والكلام فيها في ضمن فصول..
الفصل الأول
في شروط وجوبه
وهي اُمور:
الأول: البلوغ، فلا تجب على الصبي.
الثاني: العقل، فلا تجب على المجنون ولو كان جنونه إدواري.
(مسألة ٩٤): المشهور أنه يشترط في زكاة الفطرة عدم الاغماء. والأحوط وجوباً الاقتصار على ما إذا خرج المغمى عليه عن قابلية التكليف عرفاً لاستحكام الاغماء، دون الاغماء المؤقّت الملحق بالنوم عرف.
الثالث: الحرية، فلا تجب على المملوك إلا إذا كان مكاتَباً غير عيال للمولى.
الرابع: الغنى، فلا تجب على الفقير بالمعنى المتقدم في زكاة الاموال، سواء كان فقره لعدم ملكه قوت السنة وعدم نهوض كسبه لتحصيله أم لكونه مديناً عاجزاً عن وفاء دينه، وإن كان واجداً للقوت.
(مسألة ٩٥): من كان واجداً لمؤنة السنة أو قادراً على كسبها بعمل ونحوه وليس واجداً لما يزيد عليها بقدر الفطرة تجب عليه.
(مسألة ٩٦): لا بد من اجتماع هذه الشروط آناً ما قبل غروب ليلة العيد إلى أن يتحقق الغروب، فمن فقد بعضها قبل الغروب بلحظة أو مقارناً للغروب لم تجب عليه. قيل: ولو اجتمعت لشخص هذه الشروط بعد الغروب إلى ما قبل الزوال استحب إخراجه.
(مسألة ٩٧): إذا أسلم الكافر لم يكلّف بالفطرة سواء مضى وقتها أم ل، إلا أن يكون إسلامه قبل الغروب آناً م. أما إذا استبصر المخالف فالواجب عليه دفعها لو لم يدفعها وتداركها لو كان قد دفعها لغير المؤمن، نظير ما تقدم في المسألة (٥٨) في الفصل الثاني من مبحث المستحقين من زكاة المال.
(مسألة ٩٨): يستحب للفقير إخراج الفطرة. وإذا لم يكن عنده إلا صاع تصدّق به على بعض عياله، ثم يتصدق به الاخر على بعضهم وهكذا يتردد بينهم حتى يكون الصاع فطرةً عنهم جميع، والأولى إخراجه في آخر الدَور لاجنبي خارج عن العيال. وإذا كان فيهم صغير أو مجنون جاز دفعها له ثم دفعها عنه. وإن كان الأحوط استحباباً دفعها لخصوص البالغ العاقل من العائلة ثم أخذ الولي لها منه ودفعها عن المولّى عليه. نعم لا بد في جواز دفعها لبعض أفراد العائلة من كونه فقير، فلو كان غنياً لم يَجُز للمعيل ولا لغيره دفعها له فطرة.
الفصل الثاني
فيمن يجب دفعها عنه
يجب على من جمع شرائط التكليف المتقدمة أن يخرجها عن نفسه وعن كل من يعول به ممن يكون تابعاً له عرفاً في المعاش، سواء كان واجب النفقة أم ل، قريباً أم بعيد، مكلّفاً أم ل، مسلماً أم كافر، صغيراً أم كبير، حتى الضيف ونحوه ممن يكون من عياله وتابعاً له مؤقّت. نعم لا يكفي مجرد الحضور في الدار لدعوة ونحوها وإن أكل عنده إذا لم يبتن حضوره فيها على التبعية للمعيل.
(مسألة ٩٩): لابدّ في وجوب إخراج فطرة الغير من صدق كونه عيالا آناً ما قبل غروب ليلة العيد إلى أن يتحقق الغروب.
(مسألة ١٠٠): إذا تحمّل نفقة الغير لم يكفِ ذلك في صدق كونه من عياله، بل لابدّ من نحو من التبعية له، بحيث يكون في حوزته.
(مسألة ١٠١): إذا أدى المعيل عن العيال الفطرة سقطت عنهم، وإن لم يؤدها عصياناً أو جهلاً أو نسياناً أو لعدم تمامية شروط الوجوب في حقه فالأحوط وجوباً عليهم أداؤها إذا وجدوا الشروط المتقدمة.
(مسألة ١٠٢): يجوز التبرع بالفطرة عمّن كُلِّف بها من دون حاجة لتوكيله. ويترتب على ذلك أنه لو أدى العيال الفطرة عن أنفسهم سقطت عن المعيل وإن تمت في حقه شروط وجوبه.
(مسألة ١٠٣): إنما تجب فطرة الولد والزوجة إذا كانا عيالاً للاب والزوج، فلو لم يكونا عيالاً لهما لم تجب فطرتهما عليهم، بل على من يعول بهم.
(مسألة ١٠٤): إذا تعدد المعيل مع وحدة العيال وجبت فطرتهم على الكل بالنسبة، فإن لم يؤدّ بعضهم عصياناً أو لعدم واجديته لشروط الوجوب فالأحوط وجوباً على الباقي أداء ما عليه بالنسبة، بل الأحوط وجوباً تتميم العيال مع واجديتهم للشروط. واللازم اتحاد جنس ما يخرجه الكل عن كل فرد من العيال، فلا يجوز أن يدفع بعضهم الحصة التي عليه من فطرة العيال من جنس مخالف لما يدفعه الاخر.
الفصل الثالث
في جنسها وقدره
يجزئ في الفطرة الحنطة والشعير والتمر والزبيب وان لم يقوت المكلف بها عياله. وكذا كل قوت شائع يقوت به المكلّف عياله، من ذرة أو أرز أو لبن أو أقط - وهو اللبن المجفف - أو غيره، والافضل التمر، ثم الزبيب.
(مسألة ١٠٥): الأحوط وجوباً الاقتصار على الصحيح وعدم الاجتزاء بالمعيب، إلا أن يكون قوتاً شائعاً يقوت به المكلّف عياله.
(مسألة ١٠٦): لا يشترط اتحاد ما يخرجه المكلّف عن نفسه مع ما يخرجه عن عياله، ولا اتحاد ما يخرجه عن بعضهم مع ما يخرجه عن البعض الاخر. نعم لا يجزئ عن الواحد الصاع الملفّق من أكثر من جنس واحد.
(مسألة ١٠٧): المقدار الواجب إخراجه صاع. وهو ثلاثة كيلوات وأربعمائة وثمانون غراماً تقريب، وإن دفع ثلاثة كيلوات ونصفاً أو زاد عليها كان احتياطاً وافي.
(مسألة ١٠٨): لا يجزئ ما دون الصاع من جيّدِ أحد الاجناس وإن كان
مساوياً في القيمة للصاع من متوسطها أو رديئه.
(مسألة ١٠٩): يجوز دفع القيمة من النقود ونحوها من الاوراق المالية المتداولة في عصورن، دون غيرها من أنواع المتاع والعروض.
(مسألة ١١٠): اللازم دفع القيمة السوقية العامة، ولا عبرة بالسعر الرسمي ولا بسعر الحصة التموينية التي تتعارف في بعض المناطق.
(مسألة ١١١): إذا اختلفت القيمة السوقية باختلاف الاوقات والازمنة وجبت قيمة وقت الاخراج والعزل دون قيمة وقت الوجوب، وإذا اختلفت القيمة باختلاف البلدان والامكنة وجبت قيمة بلد الاخراج والعزل أيضاً دون بلد المكلّف.
الفصل الرابع
في وقت إخراجه
وقت إخراجها يوم الفطر من طلوع الفجر، والأحوط وجوباً عدم تأخيرها عن الزوال، والافضل - بل الأحوط استحباباً - تقديمها على صلاة العيد لمن يصلّيه. ويكفي في ذلك العزل ولو مع عدم الدفع لانتظار المستحق كما سيأتي. فإذا مضى الزوال ولم يخرجه، فالأحوط وجوباً المبادرة إلى إخراجها قبل الغروب، وإذا مضى الغروب ولم يؤدها بقيت في ذمته حتى يؤدّيها مهما طال الزمان، ولو مات قضيت عنه.
(مسألة ١١٢): يجوز تقديمها في شهر رمضان، وإن كان الافضل إخراجها في وقته.
(مسألة ١١٣): يجوز عزلها في مال مخصوص من الاجناس المتقدمة أو
من قيمته، والظاهر عدم تحققه بعزلها في ماله على نحو الاشاعة، بأن يجب عليه صاع مثلاً فيخرج صاعين ينوي أنّ نصفهما فطرة ونصفهما الاخر باق على ملكه. نعم لو نوى الزائد صدقةً مستحبة من دون أن يبقى في ملكه شيء فالظاهر كفايته في تحقق العزل. والأحوط وجوباً عدم الاكتفاء بالعزل على نحو الاشاعة مع مال الغير، كما لو وجب عليه صاع فعزل الفطرة في طعام قدره صاعان مشترك بينه وبين غيره.
(مسألة ١١٤): إذا عزلها لم يجزله تبديلها بغيره. ولو فرّط فيها كان ضامن. وكذا لو لم يؤدّها مع وجود المستحق على الأحوط وجوب، وإن جاز له ذلك بانتظار مستحق خاص أو نحوه، على نحو ما تقدم في زكاة المال.
(مسألة ١١٥): يجوز نقلها إلى غير بلد الاخراج مع عدم وجود المستحق فيه، أما مع وجوده فالأحوط وجوباً صرفها فيه وعدم النقل منه، وليس من النقل إخراجها في غير بلد التكليف لسفر المكلّف إليه أو لاخراج وكيله له.
(مسألة ١١٦): لو نقلها جاز دفعها في البلد الثاني ولم يجب إرجاعها لبلد الاخراج وصرفها فيه.
(مسألة ١١٧): لو نقلها من بلد الاخراج لبلد آخر - لعدم المستحق أو مخالفة للاحتياط المتقدم - لم يجب صرفها في البلد الثاني، بل يجوز نقلها لغيره حينئذٍ.
الفصل الخامس
في مصرفه
وهو مصرف زكاة المال من الاصناف الثمانية، على الشرائط المتقدمة، إلا أنه يجوز عند عدم وجود المؤمن دفعها للمستضعف. وهو مقدم على نقلها من بلد الاخراج.
(مسألة ١١٨): لا يجوز للهاشمي أن يأخذ فطرة غير الهاشمي وإن كانت مستحبة، كفطرة الفقير.
(مسألة ١١٩): المعيار في الهاشمي الذي يجوز للهاشمي أخذ فطرته على المعيل دون العيال، فإذا كان المعيل هاشميّاً والعيال غير هاشمي جاز للهاشمي أخذُ فطرته، وإن كان الأحوط استحباباً الترك.
(مسألة ١٢٠): يجوز للمالك دفعها بنفسه وبوكيله، ومنه الدفع للحاكم الشرعي ليصرفها في مصارفه، نظير ما تقدم في زكاة المال.
(مسألة ١٢١): الأحوط وجوباً أن لا يدفع للفقير أقل من صاع. ويجوز أن يدفع له صاعاً وكسر، بأن يقسّم ثلاثة أصوع على رجلين مثل.
(مسألة ١٢٢): يستحب تقديم الارحام والجيران. وينبغي الترجيح بالعلم والدين والفضل، نظير ما تقدم في زكاة المال التي تشاركها الفطرة في بقية الاحكام المتقدمة.
والحمد لله رب العالمين
كتاب الخمس
وهو حق فرضه الله تعالى له ولرسوله الامين (صلى الله عليه وآله وسلم) ولاله الطاهرين (عليهم السلام)، ولبني هاشم عشيرته الاقربين، عوضاً عما منعهم منه من صدقات الناس وأوساخهم، كرامةً لهم، ورفعاً لشأنهم، وتشريفاً لمقامهم، وحفظاً لحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم.
فعلى المؤمنين أعزهم الله تعالى الاهتمام بأداء هذا الحق، كي لا يعدّوا في عداد الظالمين لاهله المعتدين عليهم، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة إذا قام صاحب الخمس فقال:يارب خمسي». وبذلك طهارة المؤمنين، وحلّ أموالهم، ونماء أرزاقهم، فعنه (عليه السلام) أنه قال: «إني لاخذ من أحدكم الدرهم وإني لمن اكثر أهل المدينة مال، ما اُريد بذلك إلا أن تطهرو».
وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنه قال: «والله لقد يسّر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم جعلوا لربهم واحداً وأكلوا أربعة أحلاء، ثم قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به ولا يصبر عليه إلا ممتحن قلبه للايمان».
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) في كتاب كتبه في أمر الخمس «..فلا تزووه عن، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإن إخراجه مفتاح رزقكم وتمحيص ذنوبكم وما تمهدون لانفسكم ليوم فاقتكم، والمسلم من يفيء لله بما عهد إليه، وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب».
مقدمة
المعيار في ثبوت الخمس الملك والاستفادة الشخصية، فلا يثبت في الاموال العامّة ولا في الاموال غير المملوكة من المباحات الاصلية أو المتعينة للجهات العامة أو الخاصة من دون أن تملك. وإنما يثبت في الاموال المملوكة لاشخاص بأعيانهم، من دون فرق بين الملكية الاختيارية كحيازة المباحات والهبة، والقهرية كبعض صور الميراث والوقف والوصية. كما لا يعتبر التكليف في من يجب في ماله الخمس، فيثبت الخمس في مال الطفل والمجنون، ويتولى إخراجه الولي.
وحيث ظهر ذلك، فالبحث في المقام في فصلين..
الفصل الأول
فيما يجب فيه الخمس
وهو اُمور:
الأول: الغنائم المنقولة المأخوذة بالحرب من الكفار الذين يحلّ قتالهم إذا كان بإذن الإمام. أما إذا لم يكن بإذنه، فإن كان الإمام مبسوط اليد ولم يكن القتال واجباً فالغنيمة كلها للإمام، وإن لم يكن الإمام مبسوط اليد - ولو لغيبته - فيجب في الغنيمة الخمس لا غير. وكذا إذا وجب القتال على المسلمين من دون إذنه، كما في القتال دفاعاً عند تعذّر استئذانه، فإنه لا يجب في الغنيمة - حينئذٍ - إلا الخمس.
(مسألة ١): ما يؤخذ من الكافر الحربي من غير قتال لا يجب فيه الخمس،
إلا أن يزيد على مؤنة السنة، على النحو الاتي في الامر السابع مما يجب فيه الخمس.
الثاني: المعدن، كالذهب والفضة والرصاص والحديد والنحاس والالمنيوم وغيرها من الفلزات. ومنه أو يلحق به النفط والكبريت والملح ونحوها مما يخرج من الارض ويباينها عرف. وأما مثل العقيق والفيروزج والياقوت ونحوها من الاحجار الكريمة فإلحاقها به لا يخلو عن إشكال، وإن كان هو الأحوط وجوب. نعم لا يلحق به الجص والنورة وحجر الرحى وطين الغَسل ونحوها مما كان له خصوصية ينتفع بها ويرغب فيها من دون أن يخرج عن اسم الارض، بل يملكها آخذها من دون خمس إلا أن تزيد على مؤنة السنة.
(مسألة ٢): يشترط في ثبوت الخمس في المعدن بلوغ ما يخرج منه من موضع واحد بعد استثناء مؤنة الاخراج قيمة عشرين مثقالاً من الذهب، وهي تقارب: خمسة وثمانين غرام.
(مسألة ٣): إذا اُخرج المعدن من محل واحد على دفعات كفى في ثبوت الخمس بلوغ المجموع النصاب، إذا صدق على المجموع عرفاً أنه إخراج واحد لتقارب الدفعات. أما مع بُعد الفاصل بين الدفعات بحيث يصدق تعدد الاخراج فيلزم في وجوب الخمس في كل إخراج بلوغه النصاب، ولا يكفي بلوغ المجموع النصاب.
(مسألة ٤): المعدن تابع للارض التي هو فيه، فإن كانت مملوكة كان لمالكه، ولا يجوز لغيره إخراجه إلا بإذنه أو إذن وليه، وإذا أخرجه بغير إذنه لم يملكه، بل يكون لمالك الارض. وعليه خمسه إذا صار تحت يده.
(مسألة ٥): إذا اشترك جماعة في إخراج المعدن كفى بلوغ مجموع ما خرج منه النصابَ، وإن كانت حصة كل منهم لا تبلغه.
الثالث: الكنز، وهو المال المدفون في الارض، إذا بَعُد عهده بحيث ينقطع عن مالكه ووراثه عرفاً لتقادم العهد، فإنه يكون لواجده وعليه فيه الخمس.
(مسألة ٦): لابدّ في وجوب الخمس من أن يكون المال المدفون من النقدين المسكوكين للمعاملة - كالدراهم والدنانير القديمة - دون غيرهما من الذهب والفضة، فضلاً عن غير الذهب والفضة من المجوهرات والاثار القديمة وغيره، فإنه يجوز لواجدها تملكها بلا خمس إلا أن تزيد على مؤنة السنة.
نعم إذا علم بكونه لمسلم طال العهدبه فالأحوط وجوباً الجمع بين إجراء حكم مجهول المالك عليه وحكم ميراث من لا وارث له. وكذا إذا كان في أرض الإسلام وعلم بدفنه فيها بعد صيرورتها أرض الإسلام.
(مسألة ٧): المال القديم إذا كان مكشوفاً أو مخفيّاً في غير الارض - من جدار أو سقف أو غيرهما - يملكه واجده من دون خمس، سواءً كان من النقدين أم من غيرهم. إلا أن يعلم بكونه لمسلم أو يكون في أرض الإسلام ويعلم كون جعله فيها بعد صيرورتها أرض الإسلام فيجري عليه ماتقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٨): لابدّ في وجوب الخمس في الكنز من بلوغ نصاب الزكاة، بأن يكون عشرين ديناراً فما زاد أو مائتي درهم فما زاد، ولا يكفي الملفّق منهما إذا بلغ مجموعه قيمة أحد النصابين.
(مسألة ٩): لا يفرق في حكم الكنز المتقدم بين أن يكون في أرض الإسلام وغيره، عليه أثر الإسلام أو ل، يُعلم بملك المسلم أو الذمي له أو بملك غيرهما له أو يُجهل حال مالكه.
(مسألة ١٠): المال المدفون في الارض إن قرب عهده، بحيث يحتمل وجود صاحبه أو وارثه إن كان في دار أو نحوها من الامكنة المحجوبة عُرّف أهل المكان به إن احتمل ملكيّتهم له، فإن عرَفوه كان لهم، وإن لم يعرفوه فإن
احتمل العثور على صاحبه بالفحص والتعريف فالأحوط وجوباً ذلك، وكذا إذا علم بعدم ملكيتهم له أو كان في أرض مكشوفة. أما مع اليأس عن معرفة صاحبه - قبل الفحص أو بعده - فيجب التصدق به عنه.
(مسألة ١١): إذا اشترى دابة فوجد في جوفها مالاً وجب تعريف بائعها به إن احتمل كونه له، ومثله الواهب لو كانت موهوبة، ولو قرب عهد البائع أو الواهب وعرف من سبقهما واحتمل ملكه له فالأحوط وجوباً تعريفه أيض، ومع عدم معرفتهم به فهو لواجده. وكذا الحال فيما يوجد في جوف السمكة إن كانت مدجَّنة عند المالك السابق، بحيث يتعارف ابتلاعها ما يقع في حوضه من ماله، وإن كانت مصطادة من البحر أو النهر فلا يعرَّف المالك السابق بالمال الموجود فيه، بل يتملّكه واجده. ولا يجب الخمس في الجميع إلا أن يفضل عن المؤنة، على التفصيل الاتي في الامر السا بع مما يجب فيه الخمس.
الرابع: ما اُخرج بالغوص أو بآلة من البحر أو النهر من الجوهر ونحوه، بل الأحوط وجوباً العموم فيه لما يخرج من البحر بنفسه فيطفو على وجهه، أو يلقيه على الساحل. وأما مثل السمك وغيره من الحيوان فهو خارج عن هذا القسم وإن اُخذ بالغوص.
(مسألة ١٢): يختص هذا القسم بما يكون في البحر من المباحات الاصلية التي يتعارف اكتسابها بمهنة الغوص المعهودة، دون مثل ماغرق في البحر واستخرج بالغوص أو بالالة عند ترك صاحبه له فإنه لمستخرِجه من دون خمس، إلا أن يفضل عن مؤنة السنة، على مايأتي في الامر السابع مما يجب فيه الخمس.
(مسألة ١٣): ما يوجد من الجواهر ونحوها في جوف السمك ونحوه من الحيوانات البحرية المأخوذة بالغوص أو بالالة لا يدخل في هذا القسم، إلا أن
يتعارف اكتسابه من طريق أخذ الحيوان الذي هو في جوفه، بحيث يكون عرفاً داخلاً في مهنة الغوص.
(مسألة ١٤): يشترط في وجوب الخمس في هذا القسم بلوغه - بعد استثناء مؤنة الاخراج - النصاب، وهو قيمة دينار، ويجري هنا ما تقدم في المعدن من حكم الدفعة والدفعات والانفراد والاشتراك.
(مسألة ١٥): يجب الخمس في العنبر وإن اُخذ من وجه الماء. والأحوط وجوباً عدم اعتبار النصاب فيه وإن اُخذ بغوص أو بآلة.
الخامس: الارض التي اشتراها الذمي من المسلم، إذا لم تكن واجدة لعنوان زائد من دارأو خان أو بستان أو نحوه، بل مطلقاً على الأحوط وجوب. كما أن الأحوط وجوباً العموم لغير الشراء من أسباب انتقال الملك.
(مسألة ١٦): لا يسقط هذا الخمس بإسلام المشتري، فيجب عليه أداؤه لو لم يؤدّه حال كفره. وكذا لا يسقط ببيع الارض على المسلم، فيكون البيع فضولياً في مقدار الخمس.نعم إذا كان المشتري مؤمناً حلّ له الخمس من الارض وملكه بالشراء.
السادس: المال المختلط بالحرام إذا لم يتميز الحرام منه عن الحلال ولم يعرف صاحبه، فإن إخراج الخمس منه يحلله. ومصرف الخمس في هذا القسم هو مصرف سائر أقسام الخمس.
(مسألة ١٧): المراد بالمال المختلط بالحرام هو أعيان الاموال التي يكتسب الإنسان بعضها بوجه حلال وبعضها بوجه حرام - كالسرقة والمعاملات الباطلة - ثم يختلط ولا يتميز أحد القسمين عن الاخر. وليس منه الاعيان التي يشتريها الإنسان بمعاملة صحيحة ويدفع ثمنها من مال مشتبه قد كسب بعضه من حلال وبعضه من حرام، بل الاعيان المذكورة كلها حلال ويكون المكلف
مشغول الذمة بالاثمان التي دفع بدلها مالاً محرم.
(مسألة ١٨): إذا تميز الحرام لم يشرع الخمس، بل لابدّ من التصدق بالحرام بعد اليأس من الوصول لصاحبه، كما هو الحال في سائر الاموال المجهولة المالك.
(مسألة ١٩): الظاهر أن التصدق بمجهول المالك لا يتوقف على استئذان الحاكم الشرعي وإن كان هو الأحوط استحباب.
(مسألة ٢٠): لابدّ من كون المتصدَّق عليه في المقام فقير، كما هو الحال في جميع موارد الصدقة.
(مسألة ٢١): لا فرق في محلّلية الخمس للمال المختلط بالحرام بين العلم بكون الحرام أكثر من الخمس والعلم بكونه أقل من الخمس، والجهل بالامرين. نعم مع العلم بنسبة الحرام للحلال يمكن الرجوع للحاكم الشرعي والمصالحة معه من أجل القسمة وتمييز الحرام من الحلال ثم التصدق بالحرام عن صاحبه الذي هو حكم مجهول المالك، ولا يحتاج مع ذلك للخمس.
(مسألة ٢٢): إذا علم المالك تفصيلاً وجبت مراجعة والمصالحة معه لتعيين حقه وأدائه له، وإذا علم إجمالاً بين عدد محصور فالأحوط وجوباً مراجعة الجميع والصلح معهم، ومع التشاحّ ولزوم الضرر المعتد به من إرضاء الكل فالظاهر رجوع القرعة، والأحوط وجوباً الرجوع للحاكم الشرعي في إجرائه.
(مسألة ٢٣): إذا كان في ذمته مال للغير وقد يئس من معرفة صاحبه أو الوصول إليه وجب عليه نية الوفاء لو قدر عليه. قيل: ويجب عليه التصدق بمقدار المال المذكور، وهو المعروف في عصورنا بردّ المظالم. لكن الظاهر عدم وجوب ذلك عليه، بل لا يجزئ في فراغ الذمة من المال، نعم لابأس في التصدق المذكور
بإذن الحاكم الشرعي برجاء فراغ الذمة به، مع نية الوفاء لو قدر على المالك.
(مسألة ٢٤): إذا كان المال الحرام المختلط بالحلال غير مملوك لشخص خاص، بل متعيناً لجهة معينة معلومة - كالحقوق الشرعية ونماء الوقف المعلوم المصرف - لم يشرع الخمس، بل يجب مراجعة وليّ المال المذكور والتصالح معه لتخليص المال من الحرام المذكور. بل لو تردد المال بين جهتين أو أكثر وجب الاحتياط مع عدم لزوم الضرر منه، ومع لزوم الضرر فالأحوط وجوباً مراجعة أولياء الجهات المذكورة لحل المشكلة بينهم بالتصالح أو الاحتياط.
(مسألة ٢٥): يحرم التصرف بالمال المختلط بالحرام قبل إخراج الخمس، فإن فعل وصادف أن أتلف الحرام انتقل للذمة وجرى عليه ما تقدم في المسألة (٢٢).
السابع: ما يفضل عن مؤنة سنته له ولعياله من فوائد الصناعات والزراعات والتجارات والاجارات وحيازة المباحات، بل جميع الفوائد حتى مثل الهبة والمال الموصى به ونماء الوقف والمهر وعوض الخلع والميراث الذي لا يحتسَب لبُعد المورِّث عن الوارث سبباً أو نسب، بخلاف الميراث المحتسَب لقرب المورِّث، فإنه لا خمس فيه. نعم اذا حصل عند الوارث نماء او منفعة مقابلة بعوض ثبت الخمس في النماء والعوض المذكورين.
(مسألة ٢٦): لابدّ في صدق الفائدة على المال من كونه مملوكاً للانسان، فإذا كان مباحاً له من دون أن يكون مملوكاً له فلا خمس فيه، كبعض صور نماء الوقف، ومثل سهم الإمام الذي كثيراً ما يدفعه الولي للشخص ليصرفه في حوائجه من دون أن يملّكه إياه. نعم لو ملّكه إياه - بمعاوضة أو مجاناً - وجب فيه الخمس كما يجب في سائر الحقوق الشرعية، كسهم السادة والزكاة والكفارات ونحوها إذا ملكها الفقير.
(مسألة ٢٧): لا يكفي في صدق الفائدة التملك القانوني، بل لابدّ فيه من
التملك الشرعي بتحقق سببه، فالاراضي المباحة المملَّكة من قبل الدولة بعوض أو مجاناً لا تكون من الفوائد التي يجب فيها الخمس إلا أن تملك شرعاً بالاحياء، وكذا المباحات الاصلية كالحصى والحجر والجص ونحوها فإنها لا تكون من الفوائد التي يجب فيها الخمس إلا أن تملك شرعاً بالحيازة، وحينئذٍ تكون من ارباح سنة التملك بالحيازة او الاحياء، لا من ارباح سنة التملك القانوني.
(مسألة ٢٨): لا فرق في الفوائد التي يجب فيها الخمس بين الاعيان الخارجية والذمية - كالديون على الغير - والمنافع المملوكة بإجارة ونحوه، والحقوق المجعولة بمعاوضة مالية، كحق السرقفلية، إذا كان بذل المال في مقابل حق في العين المستأجرة للدافع على المالك يقتضي أولويته باستئجارها من غيره، وأما إذا كان هدية من الدافع مقدمة للاستئجار من دون أن يستحق في قباله شيئاً فلا يُعدّ مال. نعم يكون بذل المال من مقدمات تحصيل الربح التي تستثنى من الربح، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
(مسألة ٢٩): إذا باع ثمرة بستانه سنين متعددة كان الثمن من أرباح سنة البيع ووجب الخمس فيما يفضل منه عن المؤنة، وكذا إذا آجر داره سنين، فإن الاُجرة تكون من أرباح سنة الاجارة، أما إذا آجر نفسه على عمل مدة طويلة أو قصيرة، فإن الاُجرة وان كانت من أرباح سنة الاجارة، إلا أنه إذا مضت السنة ولم يؤدّ بعض العمل أو لم يؤدّه بتمامه كان العمل الذي بقي في ذمته مستثنى بقيمته المتعارفة من أرباحه كالدين. فإذا آجر نفسه لصلاة عشر سنين فصلى سنة واحدة ثم انتهت السنة، كان قيمة التسع سنين كسائر الديون مستثناة من مجموع ربحه، ولا يجب الخمس إلا في الباقي من ربحه بعد استثنائه. ولا تستثنى بالاجرة المسماة التي وقع العقد عليه، بل بقيمتها المتعارفة التي قد تزيد وقد تنقص.
(مسألة ٣٠): الاموال التي اُدي خمسها أو التي لم يتعلق بها الخمس - كالميراث الذي يحتسب - إذا زادت زيادة متصلة متحدة معها عرفاً لم تعدّ تلك الزيادة من الفوائد فلا يجب فيها الخمس، كما إذا نمت الشجرة أو سمنت الدابة أو كبرت. ولو بيعت العين مع الزيادة المذكورة لم يجب الخمس في الثمن أيض.
(مسألة ٣١): الاموال التي اُدّي خمسها أو التي لم يتعلق بها الخمس إذا زادت زيادةً مباينة لها عرفاً وجب الخمس في الزيادة، كالولد والصوف واللبن من الحيوان، وكالثمر من الشجر. بل الظاهر عموم ذلك لما إذا لم ينفصل إذا كان له وجود معتدّ به عرفاً مقدّراً بالمال، كالصوف إذا حان جزّه، والثمر إذا كان صالحاً للقطف.
(مسألة ٣٢): الاموال التي اُدّي خمسها أو التي لم يتعلق بها الخمس إذا ارتفعت قيمتها السوقية لم يجب الخمس في زيادة السعر، من دون فرق بين ما اتُّخذ للتجارة وما اتُّخذ للادخار وما اتخذ للانتفاع والمؤنة وإن بقي معطلاً ولم يصرف في المؤنة. نعم إذا بيعت وكانت قد مُلِكت بالشراء كان الربح الحاصل بارتفاع السعر من فوائد سنة البيع ويجب فيه الخمس. أما لو مُلِكت بغير الشراء كالهدية والميراث - فلا يجب شيء ببيعها وإن ارتفع سعره.
(مسألة ٣٣): الاموال التي تعلق بها الخمس ولم يؤدّ خمسها إذا زادت زيادة متصلة أو منفصلة يجب الخمس في الزيادة تبعاً له. وكذا إذا ارتفعت قيمتها السوقية فإذا اُريد دفع الخمس لزم إخراج خمس المجموع - من الاصل والزيادة - من العين، أو بقيمته حين إخراج الخمس.
(مسألة ٣٤): إذا نقص الخمس بسبب نزول القيمة السوقية لم يضمنه المالك وإن فرّط في عدم بيع العين حين ارتفاع سعرها أو في دفع الخمس عند رأس السنة، فإذا كان ربْحه متاعاً قيمته ألف دينار مثلاً فلم يبعه ولم يدفع خمسه
عامداً عاصياً حتى صار سعره خمسمائة دينار لم يجب عليه إلا خمسه فيدفعه من العين أو بقيمته وهي مائة دينار، ولا يجب عليه - مع ذلك - ضمان خمس فرق السعر، وهو ما يعادل مائة دينار اُخرى.
(مسألة ٣٥): إذا اشترى أو استبدل متاعاً بمال قد تعلق به الخمس ولم يؤدّه بعد حلول رأس السنة فلذلك صورتان:
الأولى: أن يكون الشراء بعين المال المذكور، وحنيئذ لا ينفذ الشراء في مقدار الخمس إلا بتنفيذ الحاكم الشرعي، فإذا نفّذه انتقل الخمس للمتاع، فيجب إخراج خمسه من العين، أو بقيمته حين دفع الخمس، ولم يجب دفع خمس الثمن الذي دفعه، فإذا أبدل سيارة قد تعلّق بها الخمس بسيارة اُخرى، فأجاز الحاكم الشرعي وجب أداء خمس السيارة الثانية - ولو بقيمته حين أداء الخمس - لا أداء خمس السيارة الاُولى. هذا إذا لم يكن المشتري مؤمن، أما إذا كان مؤمناً فينفذ البيع بلا حاجة إلى إمضاء الحاكم الشرعي وينتقل خمس الثمن للذمة ولا يجب خمس المثمن، ففي المثال المتقدم يجب خمس السيارة الاُولى دون الثانية.
الثانية: ان يكون الشراء بالذمة والوفاء بالمال الذي تعلق به الخمس، كما هو الغالب. وحينئذٍ ينتقل خمس الثمن المدفوع للذمة ولم يجب الخمس في المثمن مطلق، سواء كان المشتري مؤمناً أم غير مؤمن، ولم يتعلق الخمس بالمتاع الذي اشتراه. نعم إذا باع المتاع المذكور بربح كان الربح من فوائد سنة البيع، ووجب فيه الخمس إذا زاد عن مؤنة تلك السنة، فإذا اشترى سيارة - شخصية أو لعمله أو للتجارة - ودفع مائة ألف دينار قد تعلق بها الخمس وفاءً لثمنها وجب دفع عشرين ألف دينار خمساً عمّا دفعه من الثمن، ولا يجب دفع خمس السيارة، إلا أن يبيعها بربح، فيجب دفع خمس الربح إذا زاد عن مؤنة سنة البيع.
(مسألة ٣٦): المراد من مؤنة السنة التي يجب الخمس في الزائد عليها كل
ما يتكلّف صاحب الربح صرفه لغرض عقلائي من سدّ حاجة له ولعياله - من مطعم أو ملبس أو مسكن أو علاج أو نحوها - أو تحقيق رغبة أو قيام بحق شرعي أو عرفي أو مواساة الغير والاحسان إليه - إبتداءً أو رداً للجميل - إلى غير ذلك مما يعدّ من نفقاته عرف.
(مسألة ٣٧): من جملة المؤن المصارف المستحبة - من حج أو زيارة أو صدقة أو غير ذلك - مهما كثرت وعظمت، سواءً تعارف قيام صاحب الربح بها وكانت مناسبة لشأنه أم ل.
(مسألة ٣٨): لا يشترط في المؤنة الرجحان، بل تعمّ المباحات والمكروهات، بل المحرّمات، فإن مرجوحيتها أو حرمتها لا تنافي استثناء ماينفق فيها من الربح.
(مسألة ٣٩): المعيار في المؤنة على فعلية الصرف لا إلى الحاجة إليه، فمن احتاج للانفاق فلم ينفق - اقتصاد، أو تقتير، أو لتبرّع الغير عنه بالانفاق - لم يستثنِ مقدار الحاجة من الربح، ومن لم يحتج للانفاق في مورد فأنفق كانت نفقته مستثناةً من الربح. نعم لابدّ من كون الانفاق من الشخص لغرض عقلائي، بحيث يكون الانفاق في شؤونه، فلا يستثنى المال الذي يتلفه من دون أن يصرفه في شؤونه، إلا أن يكون الاتلاف تبعاً للانفاق في المؤنة عرف، كما لو صنع الطعام الكثير لعياله أو لضيوفه فتلف منه مقدار لكثرته من دون أن يصرف في حاجة، فإنه يستثنى أيض.
(مسألة ٤٠): لا فرق في المؤنة بين ما ينتفع به بإتلاف عينه - كالاكل والشرب والدواء - وما ينتفع به مع بقاء عينه - كدار السكن والثياب والاثاث - كالثلاجة والغسالة وأجهزة التبريد وغيرها - حتى السيارة الشخصية التي هي من شؤون حياة الإنسان الخاصة، دون مثل سيارة العمل، كما يأتي.
(مسألة ٤١): من جملة المؤن ما يتزين به الشخص أو يتزين به عياله من الحلي كالقلادة والسوار والخاتم ونحوه.
(مسألة ٤٢): ليس من المؤن المستثناة رأس مال التجارة، ولا آلات العمل الذي يتكسّب به، كالمعمل وسيارة النقل وديكور المحل وأجهزته، وكذا الحيوانات التي يعمل عليها أو ينقل عليها وغير ذلك، فإنها من جملة الارباح التي يجب الخمس فيه، سواء احتاج إليها لتحصيل مؤنة سنته أم زادت عن ذلك وكان الغرض منها زيادة الربح.
(مسألة ٤٣): من جملة المؤن المستثناة مصارف الحج والعمرة الواجبين في سنة الربح أو من سنين سابقة. لكن لو لم يحج - ولو عصياناً - لم تستثن مقدار المصارف المذكورة. وكذا الحال في جميع ما وجب بنذر ونحوه من زيارة أو غيرها مما يقتضي صرف المال من دون أن يكون مالاً بنفسه.
(مسألة ٤٤): إذا وجب عليه بنذر أو غيره إنفاق مال في وجه خاص، فإن قام بذلك كان من المؤنة واستثني من الربح، وإن لم يقم بذلك فالأحوط وجوباً عدم استثناء مقداره في النذر والشرط، بل هو الاظهر في اليمين والعهد.
(مسألة ٤٥): أداء الدين من المؤن المستثناة سواء كانت الاستدانة في سنة الربح أم قبله. وإذا لم يؤدّ الدين كان مستثنى أيضاً إذا كان ديناً لمؤنة السنة، كما لو استدان لشراء طعام لعياله فتقوتوا به في سنتهم. وكذا إذا كان الدين نفسه معدوداً من المؤنة، كما لو ضمن في تلك السنة دينَ مؤمن مُعسر مثلاً بلا إذنه وكذا إذا كان الدين من اجل التجارة، على ما يأتي في المسألة اللاحقة. وأما في غير ذلك فلا يستثنى مع عدم أدائه، كما لو كان مديناً من سنين سابقة لمؤنة تلك السنين أو لغيره، فإن الديون المذكورة لا تستثنى من الربح إذا لم يؤدّه.
(مسألة ٤٦): إذا استدان رأس مال وعمل به استثنى الدين مما عنده مهم
تعاقبت السنوات، إلا أن يصاب بخسارة في بعض السنين فلا يستثني مقدار الخسارة في السنين اللاحقة، مثلاً: إذا استدان عشرة آلاف وبقيت في ذمته سنين كثيرة يعمل بها فإن لم ينقص ما عنده عن عشرة آلاف استثنى عشرة آلاف وكان الربح هو الزائد عليها لا غير. وإن نقص ما عنده في بعض السنين فبلغ خمسة آلاف ثم ارتفع في السنين اللاحقة إلى عشرة آلاف مثلاً استثنى خمسة آلاف لا غير وكانت الخمسة الالاف الاخرى ديناً غير مستثنى مما يصير عنده، نعم لو وفاها كان وفاؤها من مؤنة سنة الوفاء، كما تقدم في المسألة السابقة.
(مسألة ٤٧): إذا كان حصول الربح، موقوفاً على صرف مال كان ذلك المال مستثنى من الربح كاُجرة المحل والحارس والحمّال وصيانة البضاعة من التلف ومصانعات السلطان المتعلقة بالمال وغير ذلك، فمن كان عنده مال مخمّس في أول السنة كعشرة آلاف دينار مثلاً فأنفقه كله في مقدمات التجارة وتحصيل الربح لم يجب الخمس في الربح الحاصل بعد ذلك إلا أن يزيد على المال المذكور، فإذا نقص الربح في السنة الاُولى عن المال المذكور، كما لو كان الحاصل خمسة آلاف دينار في المثال السابق فإن عُدّ النقص خسارةً بعد ملاحظة الوضع الطبيعي في اكتساب المال كان رأس المال المخمس هو الناقص - وهو خمسة آلاف - ويجب الخمس في الزائد عليه في السنة الثانية، فإذا حصل له في السنة الثانية خمسة عشر ألف دينار كان ربحه منها عشرة آلاف دينار ووجب خمسه، وهو ألفان.
وإن لم يعدّ النقص خسارة لان من شأن المقدمات المذكورة تأخّر ربحها - كما قد يكثر ذلك في الزراعة - فلا يجب الخمس في السنة الثانية إلا بعد استثناء تمام المال المصروف، فلو حصل له خمسة عشر ألف دينار كان ربحه منها خمسة آلاف لا غير وجب خمسها وهو ألف دينار فقط.
(مسألة ٤٨): إذا كان حصول الربح مستتبعاً لخسارة مال كان مستثنى
من الربح، كضرائب السلطان، فتستثنى من الربح وإن لم يبادر لدفعها إذا لم يمكن التخلص منه. ومن ذلك ما إذا وجب عليه شرعاً - بنذر أو يمين أو شرط أو غيرها - إنفاق مال على تقدير حصول الربح، كما لو نذر أن يتصدق ببعض ربحه أو أن يتصدق بمقدار من المال إن ربح في معاملة خاصة أو نحو ذلك. نعم إذا لم يجب شرعاً القيام بذلك - كما في الوعد المجرد أو النذر واليمين غير الشرعيين - فلا يستثنى إلا أن يبادر إلى القيام به في أثناء السنة، حيث يكون من المؤن المصروفة التي تقدم استثناؤها في المسألة السادسة والثلاثين.
(مسألة ٤٩): المراد من المؤنة المستثناة هي مؤنة السنة. ومبدأ السنة هو حصول أول ربح للانسان مهما كان سببه. ولا يختلف مبدأ السنة باختلاف المكاسب والارباح، بل للانسان سنة واحدة سواء ربح فيها أم ل، اتحد مكسبه أم تعدد، اتحد نوعه أم تعدد. وعلى المبدأ المذكور تتعاقب السنين.
(مسألة ٥٠): المعيار في السنة على السنة القمرية العربية. نعم إذا ضاق على شخص الجري عليها لعدم مناسبته لوضعه أمكن مراجعة الحاكم الشرعي والمصالحة معه لنقلها للسنة الشمسية.
(مسألة ٥١): إذا كان رأس السنة غير مناسب لوضع الشخص أمكن الرجوع للحاكم الشرعي والمصالحة معه لتبديله.
(مسألة ٥٢): إذا جهل الشخص مبدأ سنته بالمعنى المتقدم أمكن الرجوع للحاكم الشرعي والمصالحة معه لتعيين مبدأ السنة.
(مسألة ٥٣): يجب على المكلّف أن ينظر في مبدأ سنته إلى ما زاد عن مؤنته من الاعيان التي ينتفع بها بإتلاف عينها - كالمطعوم والمشروب والدواء وغيرها - فتكون من جملة أرباحه التي تخمّس. وكذا الاعيان التي ينتفع بها مع بقاء عينها إذا لم يستعملها وينتفع بها انتفاع المؤنة، كالثياب غير المخيطة
و المخيطة غير الملبوسة، والكتب التي لم ينتفع به، وجميع الاثاث والمتاع الذي لم يستعمله بالوجه المناسب له. وأما إذا استعمله مدة معتدّاً بها بحيث يعدّ مستغلاًّ له عرف، فإنه يكون من المؤنة المستثناة ولا يجب الخمس فيه.
(مسألة ٥٤): المؤنة التي ينتفع بها مع بقاء عينها - كالحلي والثياب - إذا استعملها الشخص مدة معتدّاً بها ثم استغنى عنها لم يجب فيها الخمس، كالحلي التي تتركها المرأة بعد ما يتقدم بها السن. نعم إذا كان قد اشتراه فإذا باعه بربح كان الربح من جملة أرباح سنة البيع التي يجب فيها الخمس بعد استثناء مؤنة السنة، وأما إذا لم يكن قد اشتراه - بل كان هدية أو ميراثاً مثلاً - فلا خمس فيه وإن باعه بأكثر من قيمته حين ملكه بعد ارتفاع سعره.
(مسألة ٥٥): إذا مات صاحب الربح في أثناء السنة فالمستثنى من الربح هو المؤنة إلى حين الموت، لامؤنة تمام السنة.
(مسألة ٥٦): لا يشترط في استثناء مؤنة السنة من ربحها الانفاق على المؤنة المذكورة من ذلك الربح، بل إذا أنفق عليها من الدين أو من مال آخر كان له استثناء مقدار ما أنفق فيها من الربح.
(مسألة ٥٧): إذا ادّخر من أرباح سنين متعددة مالاً للمؤنة ولم ينفقه عليها إلا في سنين لاحقة كان عليه خمس ذلك المال المدّخر، كما لو ادخر من ربح سنين متعددة مالاً لزواج أو شراء دار أو أثاث أو غيره، فإنه يجب عليه خمس المال الذي يدخره من ربح كل سنة لا ينفقه في مؤنته. وكذا إذا شرع في إعداد المؤنة تدريجاً ولم يستغلها إلا في سنة لاحقة. فإذا اشترى مثلاً في سنة أرضاً للدار بنى الطابق الأول منها في الثانية، والطابق الثاني في السنة الثالثة ولم يسكن الدار إلا في السنة الرابعة كان عليه في السنين الثلاث الاُول خمس الدار فيدفع في السنة الأولى خمس الارض، وفي الثانية خمس الطابق الأول، وفي الثالثة خمس
الطابق الثاني، لانه لم ينتفع بها ولم تكن من مؤنته في تلك السنين.
وهذا بخلاف ما لو استدان للمؤنة واستغلها ثم وفّى دينه من أرباح السنين اللاحقة، كما لو استدان في سنة واشترى داراً وسكنها أو تزوج، ثم وفى دينه في السنين اللاحقة فإنه لاخمس عليه لا في سنة الشراء أو الزواج، لعدم وفاء ربحه لمؤنته، ولا في السنين اللاحقة لصرف أرباحها في وفاء الدين الذي تقدم أنه من المؤن.
وكذا لو أنفق ربح سنته في بناء دار ناقصة وسكنها في نفس السنة، ثم استمرّ في بنائها تدريجاً في السنين اللاحقة وانتفع في كل سنة بما يُحدثه فيها من أرباحه، حتى أكمله، فإنه لا يجب عليه خمس شيء من هذه الارباح، لصرفها في مؤنة سنة تحصيله.
(مسألة ٥٨): لا فرق في استثناء مؤنة السنة من ربحها بين أن تكون سابقة على حصول الربح وأن تكون لاحقة له، فمن لا يظهر ربحه إلا في آخر السنة يستثني مؤنة تمام السنة منه.
(مسألة ٥٩): الظاهر جبر ربح السنة للخسران الحاصل فيه. سواء كانا في أبعاض معاملة واحدة، كما لو اشترى بضاعة فباع بعضها بربح وآخر بخسارة. أم في أفراد نوع واحد من المعاملات، كما لو اتجر تجارتين فربح في إحداهما وخسر في الاُخرى. أم في نوعين، كما لو ربح في الزراعة وخسر في التجارة.
(مسألة ٦٠): الظاهر جبر الربح للتلف الحاصل فيه أو في رأس المال، كما لو ربح في تجارته وسرق بعض بضاعته أو نقوده. بل الظاهر جبر الربح للخسارة الخارجة عن المكسب، كما لو ربح في تجارته واحترق بعض أثاث بيته أو هدمت داره، وإن كان الأحوط استحباباً في ذلك عدم الجبر.
(مسألة ٦١): يترتب على المسائل الثلاث السابقة أن الربح الذي يخمّس في
آخر السنة هو الزائد على الموجود عند صاحبه في آخر السنة السابقة بعد إخراج تمام مؤنة سنة الربح وخسارتها والتلف الحاصل فيه.
(مسألة ٦٢): إذا بقي المال المخمس او الذي لا خمس فيه بعينه او بقي بعضه للسنة الثانية فلا أثر لارتفاع قيمته أو هبوطها في الربح والخسارة. مثلاً: إذا كان عنده في أول السنة من المال المخمس او الذي لا خمس فيه ما يعادل مائة الف دينار نصفها عين او بضاعة ونصفها نقد، فبقي النصف الأول بحاله إلى السنة الثانية واتجر بالنصف الثاني فإن ربح النصف الثاني وجب الخمس في ربحه حتى لو هبطت قيمة النصف الأول ولا تجبر خسارته بالربح. وان لم يربح النصف الثاني فلا خمس حتى لو زادت قيمة النصف الأول.
(مسألة ٦٣): إذا كان الشخص لا يحاسب نفسه سنين عديدة ولا يخرج خمسه فإذا أراد أداء الحق لزم عليه أداء الخمس في اُمور:
الأول: المال الموجود عنده مما فَضل على مؤنته من نقود أو عقار أو آلات العمل والنقد التابع له، وغير ذلك مما يملكه.
الثاني: كل خسارة أو تلف حصل له بالمقدار الزائد على ربح سنة حصوله، كما لو كان ربحه في سنته عشرة آلاف وخسر في تلك السنة من ماله الموجود عنده عشرين الف، فإنه يجب عليه تخميس عشرة آلاف. إلا أن تكون خسارة أو تلفاً في مال لا يجب فيه الخمس - وهو الميراث الذي يحتسب والمؤنة - أو في مال مخمّس، أو كانت الخسارة في ذمته لا من مال موجود عنده.
الثالث: ما أنفقه على مؤنته من أرباح سنين سابقة لم تخمّس، كما لو مضت عليه مدة لا يربح فيها أو ينقص ربحه عن مؤنته فكان ينفق من المال الذي اكتسبه في السنين السابقة ولم يؤدّ خمسه، إلا أن يكون ذلك المال الذي أنفقه لاخمس فيه - وهو الميراث الذي يحتسب - أو كان قد أخرج خمسه.
(مسألة ٦٤): إذا كان الشخص لا يخمس مدة من الزمان، ثم أراد التخميس و كان عنده دار أو أثاث قد كسبه في ايامه السابقة واستغله، فلذلك صور:
الأولى: أن يكون قد حصل له بشراء او غيره وبقي عنده مدة طويلة لم يستغله ولم ينتفع به حتى مضى رأس السنة التي حصل له فيها ذلك الشيء، وحينئذٍ يجب عليه خمس ذلك الشيء بعينه، ولو اراد ان يدفع القيمة كان عليه قيمته حين دفع الخمس، وإن كان الشيء قد نقص بسبب الاستعمال كان عليه تدارك النقص وضمانه. بل الظاهر ان عليه خمس اُجرة الانتفاع به تلك المدة.
الثانية: أن يكون قد استعمله رأساً إلا أنه كان قد اشتراه في الذمة ودفع ثمنه من مال مخزون عنده قد تعلق به الخمس، وحينئذٍ يجب عليه دفع خمس ذلك المال الذي اشتراه به، ولا يجب الخمس في نفس الشيء الذي استغله واستعمله.
الثالثة: أن يكون قد استغله رأساً إلا انه كان قد اشتراه من ربح سنة الشراء، او اقترض ثمنه في ذمته ثم وفاه تدريجاً من ارباح لاحقة. وحينئذٍ لا خمس عليه في ذلك الشيء بنفسه ولا في ثمنه.
(مسألة ٦٥): إذا اشترى عقاراً مثلاً ليس من المؤنة بدين، استثنى الدين في آخر السنة من العقار، فلا يجب الخمس في العقار إلا في المقدار الزائد على الدين، فإذا بقي العقار للسنة الثانية وقد برئت ذمته من بعض الدين أو جميعه فيها وجب الخمس فيما يقابل المقدار الذي برئت ذمته منه من الدين، وهكذا حتى يتم تخميس العقار بتمامه. وهكذا كل دَين له مال مقابل عند المدين، فإن الدين يستثنى من ذلك المال ولا يجب الخمس في ذلك المال مهما تعاقبت السنوات إلا بالمقدار الذي يزيد على الدين ولا يقابل به.
(مسألة ٦٦): إذا انتهت سنة الربح فلم يدفع الخمس ودفعه من أرباح السنة الاتية، فإن كان ربح السنة الاُولى باقياً لم يكن وفاء الخمس من مؤن سنة الوفاء، بل يجب خمس المقدار الذي وفى به الخمس كبقية ربح تلك السنة، وإن كان تالفاً كان وفاء الخمس من مؤن سنة الوفاء فلا يجب الخمس في مقداره.
(مسألة ٦٧): إذا انتهت السنة وكان بعض أرباحها ديناً حالاًّ في ذمة الناس ثبت في ذمة المدين خمس ما في ذمته فيجب عليه أداؤه بأداء الدين لصاحبه، ولا يجوز لصاحب الدين الاذن في تأخير الوفاء، إلا أن يبادر إلى أداء خمس الدين بنفسه او يراجع الحاكم الشرعي. ولو اذن من دون مراجعته فإن كان المدين مؤمناً حلّ له التأخير وتحمّل الدائن تبعة تأخير الدين.
(مسألة ٦٨): يتعلق الخمس بالربح بمجرد ظهوره إذا كان أكثر من مؤنة السنة، ويجوز للمالك تأخير دفعه إلى آخر السنة حتى لو علم بزيادته عن المؤنة.
(مسألة ٦٩): يجوز للمالك تعجيل دفع الخمس بعد ثبوته قبل انتهاء السنة. نعم لا يكفي في ذلك العلم بحصول الربح بما يزيد على المؤنة في مجموع السنة ولو في أواخرها بعد دفع الخمس، بل لابدّ من حصوله قبل دفع الخمس، إذ مع عدم حصوله لا خمس حتى يدفع فمثلاً إذا كان الشخص لا يربح إلا في آخر السنة لم يكن له دفع الخمس في اوله. وإذا كان يربح في كل شهر عشرة آلاف دينار لم يكن له أن يدفع في أول السنة خمس مجموع ربحه، وهو مائة وعشرون الف دينار، بل لا يدفع إلا خمس ما حصل له من الربح. فإن احتاج إلى تعجيل الدفع قبل العلم بحصول الربح يتعين عليه الدفع بعنوان القرض ثم وفاء القرض من الخمس بعد ظهور الربح.
(مسألة ٧٠): يجب المبادرة لأداء الخمس بعد انتهاء سنة الربح إذا كانت العين تحت يده، ولا يجوز تأخيره إلا بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة ٧١): لا يجوز التصرف في العين التي تعلق بها الخمس بعد انتهاء سنة الربح، من دون فرق بين التصرف الخارجي بالاكل واللبس ونحوهما والتصرف الاعتباري بالبيع والشراء والاجارة ونحوه، والأحوط وجوباً العموم في ذلك للتصرف بالبيع والشراء ونحوهما من أجل تصفية المال ودفع الخمس، فلابدّ من استئذان الحاكم الشرعي في ذلك، وقد أذنت في ذلك إذناً عامّاً لكل من يريد به المبادرة للأداء.
(مسألة ٧٢): يتعلق الخمس بالعين ويتخيّر المالك بين دفع العين ودفع القيمة من النقود، ولا يجوز دفعه من الاعيان الاُخرى إلا باذن الحاكم الشرعي. نعم في غنائم الحرب تكون الولاية في التعيين للإمام، وفي الارض التي يشتريها الذمي لا يبعد إلزام الذمي بدفع القيمة إذا لم يكن خمس العين صالحاً للانتفاع. بل يحتمل ذلك مطلق. والامر سهل لعدم الابتلاء بذلك في عصورنا هذه.
(مسألة ٧٣): إذا تصرف المالك في المال الذي تعلق به الخمس قبل إخراج الخمس بالبيع أو الشراء أو الهبة أو الابراء أو الاجارة أو اُذن بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه ولا إذنه بدون إذن الحاكم الشرعي، فلا يجوز للغير ترتيب الاثر على ذلك، إلا إذا كان مؤمناً فإنه يجوز له ترتيب الاثر على ذلك لان الائمة عليهم أفضل الصلاة والسلام قد أباحوا لشيعتهم ذلك، فينتقل خمس العين لذمة صاحب الحق إن أخذ المؤمن العين، كما ينتقل خمس منفعتها لذمة صاحب الحق إن تصرف المؤمن في المنفعة بإذنه. بل يكفي أخذ المؤمن للعين بوجه شرعي ولو من دون تصرف من صاحب المال، كما في موارد المقاصّة واستيفاء الدين عند امتناع المدين من أدائه ونحوه، وكذا في ميراث المال إذا لم يكن المورَث بانياً على أداء الخمس، وأما إذا كان بانياً على أدائه وقد غلبه الموت فالأحوط وجوباً عدم سقوط الخمس عن العين خصوصاً إذا أوصى به، فيلزم إخراجه حينئذٍ.
(مسألة ٧٤): إذا حل رأس السنة وحاسب الشخص نفسه وعين مقدار الخمس ولم يدفعه، فلذلك صورتان:
الأولى: أن يعين مقدار الخمس من النقد بمصالحة مع الحاكم الشرعي على ان تنشغل به ذمته وتخلص الاعيان الخارجية التي عنده من الخمس. وحينئذٍ يثبت في ذمته المقدار الذي عين بالمصالحة. سواءً بقيت الاعيان الخارجية عنده ام لم تبق، بل تلفت أو أخرجها عن ملكه بعوض او مجاناً وسواءً بقي سعرها على حاله ام تغير.
الثانية: ان يعين مقدار الخمس من النقد بنظره مع بقائه في الاعيان الخارجية التي عنده من دون مصالحة مع الحاكم الشرعي. وحينئذٍ ان ارتفعت قيمة الاعيان التي فيها الخمس قبل دفعه ارتفع مقدار الخمس، وإن نقصت قيمتها نقص مقدار الخمس، ولا يضمن النقص حتى لو كان مفرطاً في تأخير الخمس. نعم إذا اخرج الاعيان الذي عنده والتي فيها الخمس عن ملكه بعوض او مجاناً قبل نزول قيمتها فإن الخمس بقيمته الأولى ينتقل لذمته ولا ينقص بنزول القيمة بعد ذلك. أما اذا طرأ التلف او نحوه - كسرقة او ضياع - على الاعيان المذكورة، فإن كان غير مفرط في تأخير الخمس ولا في التلف نقص من الخمس بنسبة التالف للباقي، فإن تلف النصف مثلاً نقص من الخمس النصف، وان تلف الربع نقص من الخمس الربع وهكذ، وإن كان مفرطاً في تأخير الخمس او في التلف ضمن الخمس بتمامه.
الفصل الثاني
في مستحق الخمس
يقسم الخمس بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصفين: نصف لإمام المسلمين، وهو في عصرنا المنتظر قائم آل محمد صاحب الزمان عجل الله فرجه وجعل أرواحنا فداه، وهو الذي يطلق عليه سهم الإمام. ونصف لبني هاشم زادهم الله شرف، وهو الذي يطلق عليه سهم السادة.
(مسألة ٧٥): المراد من بني هاشم من انتسب لهاشم بالاب، من دون فرق بين بطونهم. نعم الأولى تقديم العلوي، بل الفاطمي.
(مسألة ٧٦): يشترط في بني هاشم الايمان والفقر بالنحو المتقدم تفصيله في الزكاة. نعم في ابن السبيل يكفي الفقر في بلد التسليم إذا لم يتمكن من الاستدانة بالنحو الذي يقدر معه على الوفاء من ماله والذي لا يلزم منه الاهانة والحرج عليه. والأحوط وجوباً أن لا يكون عاصياً بسفره.
(مسألة ٧٧): لا يعطى الفقير أكثر مما يتمّ له به مؤنة سنته، وأما ابن السبيل فلا يدفع له أكثر مما يوصله لبلده، إلا أن يحتاج للاستمرار في سفره فيدفع له ما يسدّ حاجته فيه.
(مسألة ٧٨): لا يصدّق من ادعى النسب، إلا بالبيّنة أو الشياع الموجب للاطمئنان، وقد تقدم في الزكاة ما ينفع في المقام.
(مسألة ٧٩): لا يجوز للشخص إعطاء سهم السادة الذي في ماله لمن تجب نفقته عليه، إلا إذا كانت عليه نفقة غير لازمة عليه، على التفصيل المتقدم في الزكاة.
(مسألة ٨٠): لابدّ في دفع نصف الحق لبني هاشم من تمليكهم له بقبض
المستحق أو وليه، ولا يكفي بذله لهم أو صرفه عليهم من دون تمليك.
(مسألة ٨١): لا يشرع اشتراط مصرف خاص على من يملك الحق من بني هاشم، فلا يجوز مثلاً أن يدفع له على أن يتزوج به او ينفقه في شراء الطعام او الداوء أو نحو ذلك، وإن أمكن أن يكون شيء من ذلك هو الداعي لدفع الخمس له دون أن يلزم بالاقتصار في صرف المال عليه. نعم يمكن أن يدفع له المال أمانة على أن لا يتملكه إلا إذا كان ينفقه في وجه خاص. لكن لا تبرأ ذمة دافع الحق ولا يتعين المال من السهم المذكور بدفعه له، بل يتوقف على تملكه بعد ذلك من أجل صرفه في الوجه المذكور.
(مسألة ٨٢): لا يستقلّ من عليه الحق في توزيع نصف الخمس على مستحقيه من بني هاشم، بل لابدّ من استئذانه الحاكم الشرعي في ذلك، وقد أذنتُ لمن عليه الحق في دفع الحق المذكور لهم، وينبغي له ملاحظة المرجحات الشرعية.
(مسألة ٨٣): لا يجوز صرف النصف الراجع للإمام في عصر غيبته إلا في مورد يحرز رضاه بصرفه فيه، للعلم باهتمامه صلوات الله عليه به بمقتضى منصبه الرفيع وولايته العامة ورعايته للدين وأبوته على المؤمنين وكفالته لهم، ونحن نُحرز ذلك في موردين:
الأول: خدمة الدين الحنيف برفع دعائمه وإقامة شعائره والحفاظ على حرماته، ودفع عادية المعتدين عليه وردّ كيد الظالمين عنه وترويج الشرع الشريف ونشر أحكامه، ومن أهم مصاديق ذلك خدمةُ أهل العلم المخلصين الصحيحين المهتمين بأداء وظيفتهم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية وتحقيق حقائقه، والباذلين أنفسهم في تعليم الجاهلين وإرشاد الضالين ونصح المؤمنين ووعظهم وإصلاح ذات بينهم، ونحو ذلك مما يرجع إلى تقوية دينهم وتكميل نفوسهم وتقريبهم من ربهم، فإنهم من أحسن مصارف هذا الحق ولهم أن يأخذوا منه ما يكفيهم ويحفظ لهم عزتهم وكرامتهم ويستغنون
به عن غيرهم، ليتفرّغوا لاداء واجبهم، والقيام بوظيفتهم، بعيداً عن التوسع والجمع والسرف والترف.
وأما من تزيّى بزيّهم وانتسب لهم من دون أن يؤدي خدمة أو يقوم بواجب فلا يستحق من هذا الحق شيئ، ولو أخذ منه كان سارق، وأولى بذلك من اتخذ من زيّه ونسبته لهم سُلّماً للدنيا المحرّمة لا يهمه من أين أتته وأي طريق يركبه إليه، فصار أداةً للشيطان وسبباً لطمس الحقائق وتضليل الغافلين وتحريف أحكام الشرع المبين. أعاذنا الله تعالى من ذلك وكفانا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأعاننا على أنفسنا بما يعين به الصالحين على أنفسهم. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الثاني: دفع ضرورات المؤمنين المتديّنين ومدّ يد العون إليهم، وإغاثة لهفتهم وتنفيس كربتهم، فإنهم عيال صاحب هذا الحق صلوات الله عليه اللازمون له الذين يجب عليه نفقتهم وكشف ضرّهم والذين يحزنه حزنهم ويؤلمه ألمهم، لانه الاب الرؤوف والوالد العطوف، ففي تفريج كربتهم وإغاثة لهفتهم تفريج لكربته وأداء لوظيفته في غيبته وتحقيق لرغبته في محنته.
واللازم وراء هذين المصرفين شدة الاهتمام بإحراز رضاه (عليه السلام) وبذل الوسع في ذلك بملاحظة المرجِّحات والأولويات، بعيداً عن الاغراض الشخصية والمغانم الفردية، فإن الحق حقّه والمال ماله، وكل من قدّم مصلحته على مصلحة الحق خائن له صلوات الله عليه ولمنصبه الرفيع مهما كان مقام ذلك الشخص وإن خدعته نفسه بالاماني الكاذبة والاوهام الباطلة.
(مسألة ٨٤): لا يجوز للمالك الاستقلال في التصرف بنصف الخمس الراجع للإمام وصرفه في مصارفه المتقدمة، بل لابدّ من الرجوع للحاكم الشرعي المستوعب للجهات العامة والخاصة والعارف بجهات الصرف، الذي يتيسر له القيام بها ولو بالاستعانة بأهل المعرفة والامانة، فيكون صرف
الحق المذكور برأي كلّ من المالك والحاكم، إما بإيكال أحدهما الامر للاخر أو إعمال نظرهما معاً في كيفية الصرف، فاللازم على المالك الرجوع لمن هو الاوثق في نفسه في الامانة والمعرفة وحسن التصرف وبُعد النظر بَعد التثبت وبذل الجهد، والحذر ثم الحذر من المؤثرات الخارجة عن مقتضى الوظيفة الشرعية، فإن هذا الحق أمانة بيده وبيد الحاكم الشرعي المذكور وبيد كل من تقع يده عليه، فاللازم على الكل تحرّي الاقرب فالاقرب من رضاه صلوات الله عليه، لتؤدى الامانة فيه على أفضل الوجوه وأحوطه، مع صدق النية والاخلاص في أداء الواجب والبُعد عن الرغبات الشخصية والمغانم الفردية ومحاباة الاخرين.
فلعلّ الله سبحانه وتعالى إذا علم ذلك من القائمين به سدّدهم في عملهم ووفقهم في مسعاهم وأجرى الخير على أيديهم وبارك لهم في أمرهم، وإن أخطؤوا مع ذلك قَبِل منهم وعفى عنهم، لان نية المرء خير من عمله ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعه، وإلا خذَلهم في أمرهم وأوكلهم إلى أنفسهم، يتورّطون في الشبهات ويرتطمون بالمحرمات، فإن صادف أن ترتب النفع على عملهم لم يكونوا مشكورين ولا مأجورين، وإن ضاع الحق بتصرّفهم وصرف في غير مورده كانوا محاسَبين على تفريطهم، مؤاخذين بخيانتهم يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم يُنصرون، وهذا هو الواجب في جميع موارد أداء الوظائف الشرعية والقيام به، لان المُطالِب بها عالِم بالسرائر ومطّلع على الضمائر قد أوضح معالم الحق واستكمل الحجة على الخلق.
(مسألة ٨٥): إذا أذن الحاكم الشرعي في أخذ الحق لشخص يعلم من نفسه أنه ليس أهلاً له - إما دفعاً لشرّه أو ضرره، أو لخطئه في تشخيص حاله بعد استكمال الفحص حسب طاقته - لم يحلّ المال لذلك الشخص، لان الحاكم الشرعي وإن كان معذوراً قد أدى وظيفته حسب طاقته واجتهاده إلا أنه لا يحلّل حراماً ولا يحرّم حلال، ولا يغيّر حقّاً ولا باطل، فالمال المدفوع كالرشوة
التي يدفعها صاحبها عند الضرورة دفعاً للشر، يحلّ له دفعها ويحرم على آخذِها أخذها وأكله، أو كالمال المأخوذ بشهادة الزور الذي هو قطعة من النار وإن كان الحاكم به نبياً أو وصيّ.
(مسألة ٨٦): ليس من مصارف هذا الحق العاملون عليه الذين يتولّون أخذه من صاحب المال وإيصاله للحاكم الشرعي، فإن ذلك مختص بالزكاة، فقد جعل الله تعالى للعاملين عليها سهماً فيها من ثمانية أسهم - على تفصيل تقدم في كتاب الزكاة - ولم يجعله في بقية الواجبات المالية من الخمس وغيره.
نعم إذا كان الموصِل للحق من مصارفه - في نفعه الديني أو حاجته وتديّنه - جاز دفع شيء له مما أوصل أو من غيره، بل قد يستحقّ أكثر مما أوصل، على نحوِ ما تقدم في المسألة (٨٣)، كما أنه إذا كان عارفاً بجهات صرفه مطلعاً عليها مأموناً على الحق يطيق أداء الوظيفة فيه حسُن التعاون معه ومع أمثاله في إيصال الحق لاهله وصرفه في مصارفه وأداء الامانة فيه، بل قد يحسن أن يوكَل إليه صرف تمام ما حَمل أو أكثر منه حسبما يراه الحاكم الشرعي الذي هو مأمون عليه وناظر فيه.
وقد خرجنا في تحرير هذه المسائل عن الوضع التقليدي، رغبة في إيضاح بعض الحقائق المسلَّمة التي قد تتعرض في زماننا هذا للتشويه والتحريف.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يسدّد القائمين على هذا الحق المتولّين لصرفه ويوفقهم لاداء وظيفتهم على أكمل وجوهها وأرضاها لصاحب هذا الحق إمام العصر وولي الامر عجل الله تعالى فرجه، ليكونوا بذلك مرضيين لديه، مقبولين عنده، معدودين في خدامه وأعوانه في غيبته، مستحقين دعاءه وشفاعته، ليفوزوا بأعلى منازل المقربين وأرفع درجات العاملين.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه اُنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(مسألة ٨٧): يجوز نقل الخمس من بلد المال الذي وجب فيه إلى غيره
مع عدم وجود المستحق فيه أو عدم معرفته، بل مع وجوده ومعرفته إذا لم يكن النقل منافياً للفورية، وأما إذا كان منافياً لها فلا يجوز إلا بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة ٨٨): يجوز عزل الخمس في مال مخصوص بإذن الحاكم الشرعي، فيتعين الخمس في المال المعزول ويتخلص بيقية المال من الحق. وحينئذٍ لا يجوز تبديل المال المعزول بغيره. كما أن المال المعزول يكون أمانة في يد صاحبه لا يضمنه إلا مع التعدّي والتفريط ولو بتأخير الدفع للمستحق. وأما استقلال صاحب المال بعزل الخمس من دون إذن الحاكم الشرعي فالظاهر عدم ترتب الاثر عليه.
(مسألة ٨٩): إذا كان لصاحب المال دين في ذمة المستحق ففي كفاية احتسابه عليه من النصف الراجع للسادة إشكال. والأحوط وجوباً الاستئذان من الفقير ليقبض عنه مقدار الحق الذي يراد دفعه إليه ليملكه ثم يؤخذ وفاءً عن ذمته. وأما النصف الراجع للإمام فالظاهر جواز احتسابه بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة ٩٠): إذا دفع الحاكم الشرعي - او المالك بإذن الحاكم الشرعي - سهم الإمام (عليه السلام) لشخص، فإن كان عوضاً عن عمل او عين يملكها ملكه، وإن كان عطاءً مجانياً - لحاجته او لنفعه الديني أو نحو ذلك مما يسوغ الدفع له - لم يملكه، لعدم توقف الغرض من دفعه غالباً على تمليكه، وحينئذٍ يبقى المال في يده يباح له التصرف فيه من دون أن يصير له، فلا يجب فيه الخمس لو حل رأس سنته، ولا تجري احكام المواريث عليه لو مات، بل لا يستحقه من ورثته إلا من هو مصرف له بنظر الحاكم بعد مراجعته.
نعم لو رأى الحاكم الشرعي المصلحة في تمليك المال للشخص فملّكه اياه ملكه وجرت عليه أحكام الملك.
أما سهم السادة فقد سبق انه يملك، فتجري عليه أحكام الملك بلا إشكال.
والحمد لله رب العالمين.
كتاب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر
وهما من أعظم الواجبات الدينية، وبهما يصلح المجتمع ويقمع الفساد ويستدفع الشر. قال تعالى: (كنتم خير اُمة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وقال عزّ من قائل: (ولتكن منكم اُمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واُولئك هم المفلحون).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إذا اُمّتي تواكلت [تواكلوا] الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله». وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهُنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الانبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة تقام بها الفرائض وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الارض وينتصف من الاعداء ويستقيم الامر».
وفي حديث: «قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق
شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟! قال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يارسول الله ويكون ذلك؟! قال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟».
والكلام فيه يقع في ضمن فصول..
الفصل الأول
في حقيقتهم
يجب على المؤمن بالنسبة للمعروف والمنكر موقفان مترتبان طبعاً:
الأول: الموقف النفسي، وهو: الاُنس بالمعروف والارتياح له، والانزعاج من المنكر والتألم منه والرفض له نفسي. وهو المراد بإنكار المنكر بالقلب.
الثاني: الموقف العملي، وهو محاولة التغيير بالحث على المعروف عند تركه بالامر به والتشجيع عليه، والردع عن المنكر عند فعله بالنهي عنه والتبكيت عليه. وهو المراد بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وله مراتب:
الاُولى: التغيير الصامت، بظهور الغضب والتألم من العاصي والاعراض بالوجه عنه والهجر له في المعاشرة وقطع الاحسان عنه ونحو ذلك.
الثانية: التغيير بالقول، بالامر والنهي والوعظ والتذكير بثواب الله تعالى وعقابه ونحو ذلك.
الثالثة: التغيير العملي، بالعقاب على المعصية عند القيام بها بالضرب والحبس والجرح ونحوه.
الفصل الثاني
في شروط وجوبهم
والكلام في ذلك في مقامين:
المقام الأول: في الموقف النفسي، الذي تقدم أنه المراد بإنكار المنكر في القلب. وهو واجب على كل أحد، ولا يتوقف وجوبه على شيء إلا العلم بالمعروف والمنكر حيث لا يحتاج إلى مؤنة بعد ذلك، ومن ثَم كان من لوازم كمال الايمان التي لا تفارقه، بل هو روح الايمان بالدين وجوهره.
ويترتب عليه أن المؤمن إن صدرت منه الحسنة سرّته وأنس به، وإن صدرت منه السيئة ساءته وندم عليها وأنّب نفسه، وعلى هذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام) قولهم: «من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن». وكذا إذا صدرت الحسنة من غيره فهو يأنس بها ويبارك له، وإن صدرت السيئة من غيره أنكرها في نفسه وأنكر عمله، وعلى هذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «إنما يجمع الناس الرضا والسخط، فمن رضي أمراً فقد دخل فيه ومن سخطه فقد خرج منه».
واللازم على المؤمن شدة الاهتمام بهذه الجهة والحذر من التفريط فيه. فإن كثرة وقوع المعاصي في المجتمعات الفاسدة واُلفَتها والتعوّد عليها قد توجب خفّة الاستياء منها والغضب له، حتى يغفل المؤمن عن قبحه، ويأنس بها تدريجاً كما أن قلة المعروف وندرته قد توجب إنكاره والنفرة منه، فيصير المعروف منكراً والمنكر معروف، كما تقدم في الحديث الشريف. وبذلك تنسلخ روح الايمان وتنطفئ جذوته، نعوذ بالله تعالى من خذلانه.
المقام الثاني: في الموقف العملي، الذي تقدم أنه المراد بالامر المعروف والنهي عن المنكر. والظاهر أنه يجب بشرطين:
الأول: احتمال ترتب الفائدة عليه، إما في حق العاصي بارتداعه عن المعصية، أو في حقّ غيره ممن قد يتأسى به ويتشجع عليها بفعله، بحيث يُحتمل كون القيام بالموقف المذكور سبباً في تقليل المعصية ومانعاً من انتشاره.
الثاني: أن لايُخاف منه ضرر على النفس أو المال أو العرض على من يقوم بذلك أو على غيره من المؤمنين.
(مسألة ١): إذا تحقق الشرطان المذكوران وجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمرتبة الاُولى والثانية، ويختار المكلّف منهما ما هو الاجدى بنظره، مع الحذر من العنف إذا كان موجباً للتنفير من الدعوة للخير، وقد تكرّر الحث في الكتاب الكريم والسنة الشريفة على الدعوة لله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وعلى الرفق في الاُمور، كما أن القطيعة والمهاجرة قد لا تحسن إذا كان في المواصلة أمل في صلاح حال فاعل المنكر، لانها تكون سبباً للحديث معه ونصيحته. وأما المرتبة الثالثة فلا يجوز الاقدام عليها إلا بالرجوع للحاكم الشرعي، ومع عدم تيسر الرجوع له لابدّ من اليقين بأهمية مصلحة دفع المنكر من محذور الايقاع بفاعله والتعدي عليه، ولابدّ مع ذلك من الاقتصار على الاخف عند تأدّي الغرض به.
(مسألة ٢): إذا علم أو احتمل كون قيام الشخص بترك الواجب أو فعل الحرام غير مبني على التمرد، بل للجهل بكونه معصية وجب إنكار ذلك في موارد:
الأول: ما إذا احتمل كون وقوع ذلك منه سبباً لتشجيع غيره عليه ولشيوع المعصية.
الثاني: ما إذا كان جهله راجعاً إلى الجهل بالحكم الشرعي، حيث يجب حينئذٍ بيانه على من يَعلم به إذا كان من شأنه القيام بذلك، بحيث يكون تركه له إغراءً بالجهل عرف.
الثالث: ما إذا تكرر ذلك منه بسبب جهله وكان الامر الواقع من المحرّمات المهمة التي يعلم من حال الشارع الاقدس الالزام بالاحتياط والتحفظ في وقوعها حتى جهل، نعم لا يجوز في جميع الصور الانكار على الفاعل وتأنيبه وعذله والنيل منه، بل يقتصر على تنبيهه لخطئه أو إنكار فعله من دون نيل منه وتعدٍّ عليه.
(مسألة ٣): لابدّ في من يقوم بالامر بالمعروف وإنكار المنكر من أن يكون على بصيرة من أمره يعلم بأن المعروف معروف والمنكر منكر، لكن ذلك ليس شرطاً في وجوب الوظيفة المذكورة عليه، بل مقدّمة له. فيجب على الجاهل التعلم مقدمة للقيام بوظيفته عند العلم بتحقق الحاجة إليه.
(مسألة ٤): يجب تحمّل الضرر مقدمة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر في موارد العلم بأهمية محذور انتشار الفساد من الضرر الحاصل، ولا ضابط لذلك.
(مسألة ٥): لا يختص وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنف دون صنف، فالكل عبيد الله تعالى، وعليهم القيام بواجبهم أزاءه وأزاء دينه.
(مسألة ٦): يتأكد وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق المكلّف بالنسبة إلى أهله، قال الله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم نار) فإذا رأى منهم التهاون بالتكاليف الشرعية يجب عليه إنكار ذلك عليهم بالوجوه المتقدمة. ولا ينبغي له أن تمنعه العاطفة عن أداء واجبه نحوهم، بل هي أدعى لردعهم عن المنكر وتجنيبهم غضب الله تعالى وعقابه الذي هو أشدّ من بلاء الدنيا الذي يحذر عليهم منه. ولو فرّط في أداء واجبه إهمالاً له أو من أجل
عاطفته العمياء انقلبوا وبالاً عليه حيث يكونون سبب شقائه واستحقاقه عذاب الله تعالى، قال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم * إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم).
(مسألة ٧): إذا كان المعروف مستحباً حسُن الحثّ عليه من دون إلزام. لكنّه ليس من الامر بالمعروف لان المراد به الالزام بالمعروف، وهو يختص بما كان تركه معصية.
تتميم..
يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر اختيار الوجه الاكمل في التأثير، والطريق الاوصل للغرض، والسبب الاوثق في بلوغ المراد. وإن من أهم أسباب تأثير الامر والنهي في الناس شعورهم بصدق الامر والناهي في دعوته وإخلاصه في أداء رسالته، ولذا قيل:إن الموعظة إذا خرجت من القلب دخلت إلى القلب وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الاذان.
ومن هنا كان لائمتنا (عليهم السلام) من التأثير ماليس لغيرهم. فاللازم على شيعتهم التأسي بهم والاهتداء بهديهم والتأدب بآدابهم، فإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويتبع أثره. وإن من أهم دواعي تصديق الناس للامر والناهي وشعورهم بإخلاصه اتعاظه بما وعظ فلا يأمر بمعروف إلا فعله ولا ينهى عن منكر إلا وقد اجتنبه، فهو يعظهم بعمله قبل قوله وبسيرته قبل دعوته. على أن من دعى للحق بلسانه وخالفه بعمله إن كانت دعوته رياءً ونفاقاً كانت وبالاً عليه وسبباً لشقائه، وإن كانت صادقة وقد خالفها تسامحاً وتفريطاً فيالها حسرة يوم القيامة حين يرى أنه قد أسعد الناس وأنقذهم وأشقى نفسه وأهلكه. قال تعالى: (أتأمرون الناس بالبِرّ وتنسَون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)،
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لابي ذر: «يا أبا ذر يطّلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون: ما أدخلكم في النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم وتأديبكم، فيقولون:إنّا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله». وعن خيثمة: «قال أبو جعفر (عليه السلام): أبلغ شيعتنا أنه لن يُنال ما عند الله إلا بعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم يخالفه إلى غيره».
نسأله سبحانه أن يعيذنا وجميع المؤمنين من ذلك ويسددنا لما يحب ويرضى. وهو أرحم الراحمين.
الفصل الثالث
في جملة من المحرَّمات
ونقتصر هنا على الكبائر منها التي يكون تركها معياراً في العدالة المعتبرة في كثير من الموارد والتي ورد أن باجتنابها تكفَّر الصغائر، وقد نتعرض لغيرها تبع. والظاهر أن الكبائر هي الذنوب التي ثبت الوعيد عليها بالنار، أو التي ورد عدّها من الكبائر في الاخبار، أو ما ثبت أنه أهمّ من بعض تلك الذنوب، وهي - بعد الشرك بالله تعالى والكفرِ بما أنزل - اُمور:
الأول: اليأس من رَوْح الله تعالى والقنوط من رحمته، وإن كان الرَّوح والرحمة دنيويين، كشفاء مريض وكشف كربة، فإنه على كل شيء قدير ورحمته وسعت كل شيء.
الثاني: الأمن من مكر الله تعالى، والمتيقن منه الامن مع المعصية المناسب لعدم الارتداع عنه. أما الامن لاعتقاد عدم تحقق المعصية أو غفران الذنب بتوبة أو شفاعة أو عمل فلم يثبت كونه كبيرة. نعم لاإشكال في أن ذلك مرجوح شرع، بل قد يكون محرّم، فقد ورد الامر بأن يكون المؤمن بين الخوف
من الله تعالى والرجاء له. وفي الحديث عن الصادق (عليه السلام) أنه قال:«ارجُ الله رجاء لا يجرؤك على معصية (معاصيه) وخِفِ الله خوفاً لا يؤيِسك من رحمته».
الثالث: عقوق الوالدين، والمتيقن منه الاساءة إليهما بمرتبة عالية تناسب القطيعة لهما ولا تناسب الصلة معهم. وأما غير ذلك فلم يثبت كونه من الكبائر وإن كان مرجوحاً شرع. بل قد يكون محرّم.
(مسألة ٨): تجب إطاعة الوالدين والاحسان إليهما إذا كان تركها موجباً للعقوق والقطيعة عرف، ولا يجبان في غير ذلك.
(مسألة ٩): إذا نهى الوالدان أو احدهما الولد عن القيام ببعض الطاعات والقربات غير الواجبة، فلذلك صور:
الاُولى: ان يكون ذلك لحاجتهما للعون المشغل عن الطاعة والمزاحم له. كما لو كانت الطاعة تقتضي صرف المال وكانا محتاجين للمال، او كانت مشغلة للولد وكانا محتاجين لخدمته. والظاهر ان عونهما افضل من الطاعة المزاحمة له حتى لو لم ينهيا عن تلك الطاعة. بل قد يجب عونهم، كما إذا كان تركه يعد تقصيراً في حقهما وعقوقاً لهم.
الثانية: أن يكون ذلك منهما لامر يرجع للولد المنهي عن الطاعة، كالخوف عليه من الضرر او على وقته من الضياع او على ماله من التلف، فإن كانا محقين في ذلك او احتمل كونهما محقين فيه فالراجح متابعتهم. وإن كانا مخطئين فلا ترجح متابعتهم، إلا أن يكون في مخالفتهما ايذاء لهم، فيرجح تجنبه ولوبالتكتم في مخالفتهم. كما تحسن محاولة اقناعهما ليعدلا عن موقفهم، لان ذلك احرى بالتوفيق وقبول العمل.
الثالثة: أن يكون ذلك منهما لعدم اهتمامهما بالطاعات لضعف تدينهما وبعدهما من الخير. وحينئذٍ ترجح مخالفتهما وإن آذتهما وآلمتهم. لكن لابد مع
ذلك من عدم مقابلتهما بغلظة وجفاء ونحو ذلك مما يرجع لسوء معاشرتهم، بل ينبغي الرفق معهما الذي هو حسن على كل حال.
الرابع: قتل المسلم المحترم الدم ومن يلحق به كالطفل والمجنون حتى السقط. وكذا الاعانه على ذلك ولو بكلمة. بل من الكبائر التعدّي على المؤمن بالضرب بلا حق. كما يحرم التعدي عليه بكل وجه وايذاؤه وإذلاله وسبه ونحو ذلك.
(مسألة ١٠): يحرم على الإنسان ايذاء جاره. ويستحب له الصبر على أذاه. كما يستحب الاحسان بالجار.
(مسألة ١١): الأحوط وجوباً للمكلف أن لا يهجر المؤمن أكثر من ثلاثة أيام وإن كان ظالماً له. ويكفي في عدم الهجر الصلة ولو بالسلام، فإن اصر الطرف الاخر على المقاطعة كان هو الهاجر. ويستثنى من ذلك موارد:
الأول: ما إذا كان في الهجر نهي عن المنكر.
الثاني: ما إذا كان في الهجر فائدة يحسن مراعاتها شرع، كما إذا كان فيه تنبيه على حقيقة يحسن اظهاره، بحيث لو تمت المواصلة ضاعت الحقيقة ونسيت، او غير ذلك من المحاذير.
الثالث: ما إذا لزم من الصلة الذل على من يصله. نعم ينبغي الحذر من تلبيس النفس والشيطان، لئلا يلتبس الغضب للنفس والتعصب لها بالذل.
(مسألة ١٢): يحرم قتل الإنسان نفسه، وهو من الكبائر.
الخامس: قذف المحصن والمحصنة، والمراد بالاحصان العفة والستر ولو لعدم ثبوت الفاحشة عليه. وما اكثر التهاون في ذلك والتسرع فيه مع شدة الوعيد عليه.
(مسألة ١٣): المراد بالقذف هنا وإن كان هو الفاحشة كالزنا واللواط،
إلا أن الحكم يعمّ كل قبيح، فإن نسبته للبريء منه من البهتان الذي هو من الكبائر.
السادس: أكل مال اليتيم ظلم، بل مطلق المؤمن.
السابع: الفرار من الزحف في حرب واجبة شرع.
الثامن: أكل الرب، وهو الفائدة المشروطة في الدين، وفاضل ما بين الثمن والمثمن عند بيع المكيل أو الموزون من جنس واحد، على ما يذكر مفصلاً في كتاب البيع.
(مسألة ١٤): كما يحرم الربا على الاكل يحرم على المعطي والكاتب والشاهد، والظاهر أنه من الكبائر في حق الكل.
التاسع والعاشر والحادي عشر: الزنا واللواط والسحق.
الثاني عشر: القيادة، وهي السعي بين اثنين لجمعهما على الوطء المحرّم.
الثالث عشر والرابع عشر: السحر والكهانة.
(مسألة ١٥): الظاهر جواز حَلّ السحر بالسحر.
(مسألة ١٦): الظاهر عدم جواز تصديق الساحر والكاهن وغيرهما ممن يخبر بالغيب، بل هو من الكبائر. ولا بأس بالسماع منهم لمجرد الاطّلاع على ما عندهم في الواقعة واحتمال صدق خبرهم من دون تصديق وجزم بما أخبرو، وهكذا الحال في إخبارهم بالحوادث فإن كان إخباراً جازماً كان محرّم، وإلا كان حلال.
الخامس عشر: الكذب، وخصوصاً على الله ورسوله والائمة - ومنه الفتوى بغير علم - وشهادة الزور والبهتان على المؤمن بنسبة ما يشينه إليه كذب.
فإن اُضيف للكذب اليمين كانت كبيرة اُخرى، ولا سيما إذا كانت
على أخذِ مالِ مسلم ظلم، حيث تضمنت بعض الاخبار أنها اليمين الغموس الفاجرة التي ورد في كثير من الاخبار عدّها من الكبائر.
(مسألة ١٧): اليمين المذكورة وإن كانت محرّمة، بل كبيرة إلا أنه لاكفارة عليها بل الخلاص من تبعتها بالتوبة والاستغفار.
(مسألة ١٨): لا يفرق في حرمة الكذب واليمين عليه وكونها من الكبائر بين الاخبار عن أمر سابق وحاضر ومستقبل، نعم إذا رجعت اليمين إلى تعهّد صاحبها بفعل شيء أو تركه وجب الوفاء بها بالشروط المذكورة في كتاب الايمان، فإن خالفها مع تمامية الشروط وجبت الكفارة. وإن لم تتم الشروط جاز مخالفتها من دون كفارة.
(مسألة ١٩): يجوز الكذب لدفع الضرر عن النفس والمال والاخ المؤمن. والظاهر توقفه على تعذر التورية ولو للخوف من ظهور الحال لعدم سيطرة المتكلم عليه.
(مسألة ٢٠): يجوز الكذب للاصلاح ورفع الشحناء والتباغض بين المؤمنين، بل مطلق المصلحة المعتد به، كتأمين الخائف ووعظ المتمرد، ولا يتوقف على تعذر التورية.
(مسألة ٢١): ذكر بعضهم أنه يجوز الوعد الكاذب على الاهل، والأحوط وجوباً الاقتصار على ما إذا كان لدفع الشرّ والفساد ولاصلاح الحال معهم أو بينهم، نظير ما تقدم.
السادس عشر: منع الزكاة المفروضة، بل حبس كل حق لله تعالى - كالخمس والزكاة - أو للناس، كالمماطلة في أداء الدين مع القدرة على الاداء.
السابع عشر: شرب الخمر وكل مسكر.
الثامن عشر: ترك الصلاة وغيرها من فرائض الإسلام، وهي الزكاة والصوم والحج.
التاسع عشر: نقض العهد.
العشرون: قطيعة الرحم، وهي ترك الاحسان إليه من كل وجه في مقام يتعارف فيه ذلك، فلا تصدق مع عدم تعارف الوصل، وكذا مع تعارفه والقيام ببعض وجوه الصلة ولو بمثل السلام.
(مسألة ٢٢): تجوز قطيعة الرحم في موردين:
الأول: ما إذا كان فيها أمر بالمعروف او نهي عن المنكر.
الثاني: ما إذا لزم من صلته الذل على من يصله. نعم ينبغي الحذر من تلبيس النفس والشيطان لئلا يشتبه على المكلف التعصب للنفس والغضب لها بالذل.
الواحد والعشرون: التعرّب بعد الهجرة، وهو الانتقال للبلاد التي تنقص فيها معارف المكلّف الدينية ويزداد جهله بدينه.
الثاني والعشرون: السرقة.
الثالث والعشرون: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما اُهلَّ به لغير الله، وهو ما ذُكر عليه عند الذبح اسم غير الله تعالى من صنم أو نحوه.
الرابع والعشرون: القمار ولو من دون رهن، وهو كل لعبة ابتنت على المغالبة واختُرعت لكسب المال، كلعب الورق والطاولي والدومنة والشطرنج.
(مسألة ٢٣): كما يحرم اللعب بالشطرنج يحرم بيع آلاته وأكل ثمنه واتخاذ آلاته والاحتفاظ بها - ولو بغير الشراء - من أجل اللعب به، كما يحرم التفرج على اللاعب بها والسلام عليه حال لعبه بها ما لم يقلّد من يجوّز له ذلك، وكل
ذلك من الكبائر.
الخامس والعشرون: أكل السحت، وهو المال الحرام بوجه مؤكَّد، كثمن الميتة والخمر وكل مسكر، وأجر الزانية والكاهن، وثمن آلات الشطرنج والجارية المغنّية والكلب الذي لا يصطاد، ومال اليتيم، والربا بعد العلم، وما اُصيب من أعمال الولاة الظلمة، وما اُصيب بحكم قضاة الجور وإن كان الاخذ محق، والرشوة في الحكم ولو بالحق.
السادس والعشرون: البخس والتطفيف في المكيال والميزان. بأن يزن لنفسه او يكيل بزيادة، ويزن لغيره او يكيل بنقيصة.
السابع والعشرون: الولاية للظالمين، بل مطلق معونتهم سواء كانت بالعمل لهم والانتساب لاجهزتهم أم بالقيام بعمل خاص باُجرة أو جعالة أو نحوهم. نعم لابدّ في الحرمة من تبعية العمل لهم بما هم ظلمة بحيث يكون من شؤون ظلمهم وإن كان في نفسه محلّلاً لو لم ينتسب لهم. أما إذا لم يكن كذلك بل كان في شؤونهم الشخصية من دون أن يبتني على الانتساب لهم بما هم ظلمة ولا على الدخول في كيانهم فلا بأس به.
(مسألة ٢٤): يستثنى من حرمة الولاية والمعونة للظالم ما إذا استكره على العمل أو كان الغرض منه نفع المؤمنين، على تفصيل لا يسعه المقام.
الثامن والعشرون: كون الإنسان ممن يُتقى شرّه ويُخاف لسانه.
التاسع والعشرون: التكبر، بالتعالي عن الناس والترفّع عليهم للبناء على أنه أرفع منهم.
الثلاثون: الاسراف والتبذير، وهو تجاوز الحدّ في الانفاق بنحو يوجب إفساد المال من دون غرض عقلائي.
الواحد والثلاثون: المحاربة لاولياء الله والموادّة لاعدائه.
الثاني والثلاثون: الاشتغال بالملاهي، كضرب الاوتار والطبول والنفخ في المزامير وغير ذلك من الالات الموسيقية، بالنحو المبني على التلذذ والطرب، على ما هو المعهود عند أهل الفسوق.
وليس المراد استعماله عندهم فعل. بل كل ما يبتني على التلذذ اللهوي بالخروج عن مقام الجد والواقع الحاضر إلى نحو من العبث المبني على التوجه لباطن النفس وتنبيه غرائزها وهز مشاعرها بالايقاع الموسيقي اشباعاً لرغبتها في المزيد من الابتهاج أو التفجع أو الفخر أو الغرام أو غير ذلك حسب اختلاف الاغراض.
الثالث والثلاثون: الغناء، وهو الصوت المشتمل على المدّ بنسق خاص من شأنه أن يوجب الطرب مع قصد اللهو به، على النحو المعهود عند أهل الفسوق بالنحو المتقدم في الاشتغال بالملاهي. ويستثنى من ذلك غناء المرأة للنساء في الأعراس في خصوص مجلس الزفاف على ان يخلو من استعمال آلات اللهو حتى الطبل المجرد على الأحوط وجوب.
(مسألة ٢٥): كما يحرم الاشتغال بالملاهي والغناء يحرم الاستماع إليها بالنحو المناسب لمحاولة الانفعال به، دون السماع العابر من دون انفعال.
الرابع والثلاثون: الاصرار على الصغائر، وهو فعلها استهواناً بها بحيث لا يستنكر الفاعل من نفسه فعله.
الخامس والثلاثون: سبّ المؤمن وإذلاله وإهانته.
السادس والثلاثون: النميمة، وهي أن يحكي لشخص انتقاص غيره له.
السابع والثلاثون: الرياء، وقد تقدم بعض الكلام فيه في مسائل الوضوء.
الثامن والثلاثون: الغُشّ للمؤمن، وهو إيهامه بالشيء على خلاف واقعه
بنحو يقتضي وقوعه فيما لا يقدم عليه تجنّباً لضرره الديني أو الدنيوي، من دون فرق بين الغش في البيع والشراء وغيره، حتى مثل مدح الخائن أمام شخص من أجل إيهامه بأمانته ليتورّط معه ويستأمنه. أما مجرد إظهار الشيء على خلاف واقعه من دون أن يراد به ذلك فليس من الغشّ في شيء، أو هو غش غير محرم.
التاسع والثلاثون: كتمان الشهادة، إذا كان المكلَّف قد طلب منه تحمل الشهادة.بل مطلقاً على الأحوط وجوب.
الاربعون: الهُجر، وهو الفحش من القول والبذاء فيه. من دون فرق بين ما يرجع للجنس وغيره مما يناسب الجفاء والخشونة وعدم الحياء، والظاهر اختصاص ذلك بما يبتني على كونه خلقاً في الإنسان عادة له، بحيث يكون ممن تكره مجالسته ولا يبالي بما قال وما قيل فيه، دون ما يقع نادراً لطوارئ خاصة، فإنه لا يحرم إلا أن يشتمل على محرم، كالكذب والاعتداء على الغير ونحو ذلك.
الواحد والاربعون: غيبة المؤمن، وهي انتقاصه والوقوع فيه وإعابته في غيبته. وإن كان في حضوره لم يكن غيبة وإن كان محرّم.
(مسألة ٢٦): ليس من الغيبة ذكر العيب لابقصد الانتقاصِ والاعابةِ، ولا كشفه إذا كان مستوراً وإن كان ذلك محرّم.
(مسألة ٢٧): الظاهر اختصاص الغيبة بصورة سامع يقصد إفهامه، فمع ترديد ذلك وحده أو مع من لا يفهم كلامه لا تصدق الغيبة. نعم إذا كان المقصود من الذكر الافهام مع عدم وجود سامع - كما في تسجيل الكلام ليسمعه الاخرون - كان محرَّماً أيضاً وملحقاً بالغيبة.
(مسألة ٢٨): لابدّ في صدق الغيبة من تعيين المغتاب الذي يعاب، فلو كان مبهماً غير معين لم تكن غيبة له، كما لو قال: بعض أهل البلد جبان أو أحد أولاد زيد بخيل. نعم قد يحرم من جهة اُخرى، كما لو لزم من ذلك توهين مؤمن.
(مسألة ٢٩): تجوز الغيبة في موارد:
الأول: ما إذا كان العيب ظاهراً كالحِدة والعجلة. لكن لابدّ من الاقتصار في الاعابة على ما يقتضيه العيب المذكور من دون تبشيع وتهويل، فضلاً عن إبداء ما ليس عيباً بصورة العيب، كالانتقاص بالهزال والفقر والسمرة ونحوه.
الثاني: غيبة المتجاهر بالفسق الخالع جلباب الحياء، ولو فيما لم يتجاهر فيه، أو أمام من هو متستّر معه. والمراد بالتجاهر بالفسق التجاهر به أمام العامة، ولا يكفي التجاهر أمام خواصه الذين يفضي لهم بسرّه ويعرفون بواطن أمره.
الثالث: غيبة المظلوم للظالم، والظاهر اختصاصها بذكر ظلامته، دون بقية العيوب المستورة.
الرابع: غيبة المُبدع في الدين، لاسقاطه عند الناس دفعاً لضرره. بل كل من يخاف ضرره على الدين إذا كان الخوف بنحو معتدٍّ به. لكن يقتصر في الثاني على مقدار الحاجة لدفع ضرره.
الخامس: غيبة الشخص لدفع الضرر عنه أو عن المتكلم أو عن مؤمن ثالث. نعم لابدّ من كون الضرر الذي يراد دفعه أهم من الغيبة بمقدار معتدٍّ به.
السادس: كل مورد تزاحم حرمة الغيبة فيه بتكليف مساو لها في الاهمية أو أهم منه.
(مسألة ٣٠): ذكروا من مستثنيات الغيبة نصح المستشير، بل مطلق النصح، وأداء الشهادة. لكن الامرين لا يستلزمان الغيبة، وهي ذكر العيب بقصد الانتقاص، إذ لا يتوقف الامران على الانتقاص، بل يكفي فيهما بيان الواقع لا بقصد الانتقاص والاعابة. نعم هما قد يلازمان كشف ستر الشخص وهو محرَّم كالغيبة.
ومن هنا يشكل جوازه في النصيحة، لامكان تأدّي الغرض ببيان رأي الناصح من دون تعرض للعيب الذي هو سبب ذلك الرأي.
نعم، لو توقف على بيان العيب عند النصيحة دفع ضرر مهم يعلم برضا الشارع بكشف ستر الشخص من أجله جاز، ولا ضابط لذلك. وأما أداء الشهادة فالظاهر جوازه إذا ترتب عليه إثبات حق الله تعالى أو حقّ الناس، كما في باب الحدود والضمانات والمعاملات، دون ما عدا ذلك، كالشهادة بفسق شخص مستور لمنع الناس من الصلاة خلفه.
(مسألة ٣١): يحرم سماع الغيبة إذا ابتنى على التجاوب مع المغتاب وتحقيق غرضه، لان ذكر العيب لا يوجب انتقاص المقول فيه ما لم يكن هناك سامع يوجه الخطاب إليه، أما سماع الشخص لها من دون أن يوجه الخطاب إليه فلا بأس به. إلا أن يبتني على الرضا به، لان الراضي بعمل قوم يشركهم في تبعة عملهم.
(مسألة ٣٢): يجب ردّ الغيبة والدفاع عن المقول فيه، إما بمحاولة بيان عدم كون الامر المقول في الشخص الغائب نقصاً يعاب به، أو ببيان عذره فيما نسب إليه، ولا أقل من الردع عن الغيبة والنهي عنه، نعم من باب النهي عن المنكر لابدّ من عدم لزوم محذور شرعي أو عرفي في الرد المذكور. ومن أهم المحاذير خوف إغراق القائل في الغيبة والاستشهاد لصحة كلامه ولبيان أهلية الشخص لما قيل فيه دفاعاً عن موقفه وتعصّباً له.
(مسألة ٣٣): لابدّ في خروج المكلّف من تبعة الغيبة - مضافاً إلى التوبة - من أن يحلله الشخص الذي اغتابه، فإن تعذر ذلك - ولو لخوف ترتب فساد على ذلك - فلابدّ من الاستغفار له، وهذا يجري في جميع موارد التعدّي والظلم للعباد.
ولنكتف بهذا المقدار من الكلام في الكبائر التي تقدم بيان الضابط فيه، حيث يضيق الوقت عن استقصائها كما يضيق عن استقصاء المحرمات غير الكبائر.
تتميم
وفيه مطالب..
المطلب الأول
في بعض مكارم الأخلاق
منها: الاعتصام بالله تعالى، قال الله تعالى: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «أوحى الله عزوجل إلى داود ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته ثم تكيده السموات والارض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن».
ومنها: التوكل على الله سبحانه، الرؤوف الرحيم بخلقه العالم بمصالحهم والقادر على قضاء حوائجهم. وإذا لم يتوكل عليه تعالى فعلى من يتوكل؟! أعلى نفسه أم على غيره مع عجزه وجهله؟! قال الله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إن الغنى والعزّ يجولان فإذا ظفرا بموضع من التوكل أوطن».
ومنها: حسن الظن بالله تعالى، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما قال: «والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن، لان الله كريم بيده الخير يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه».
ومنها: الصبر عند البلاء، والصبر عن محارم الله تعالى، قال الله تعالى: (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في
حديث: «فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثير، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، فإن مع العسر يسر، إن مع العسر يسر»، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يعدم الصبر الظفر وإن طال به الزمان»، وقال: «الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن من ذلك الصبر عند ما حرّم الله تعالى عليك».
ومنها: العفة، قال أبو جعفر (عليه السلام): «ما عبادة أفضل عند الله من عفة بطن وفرج»، وقال أبو عبد الله (عليه السلام):«إنما شيعة جعفر من عفّ بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت اُولئك فاولئك شيعة جعفر».
ومنها: الحلم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«ما أعز الله بجهل قط، ولا أذل بحلم قط»، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل»، وقال الرضا (عليه السلام): «لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليم».
ومنها: التواضع، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبّر خفضه الله، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذّر حرمه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله تعالى».
ومنها: إنصاف الناس، ولو من النفس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «سيد الاعمال إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الاخ في الله تعالى على كل حال».
ومنها: اشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب الناس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طوبى لمن شغله خوف الله عزّوجل عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين»، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن أسرع الخير ثواباً البِر، وإن أسرع الشرّ عقاباً البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه،
وأن يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه».
ومنها: اصلاح النفس عند ميلها إلى الشر، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته، ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس».
ومنها: الزهد في الدنيا وترك الرغبة فيه، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا ; داءها ودواءها وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام».
وقال رجل: «قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني لا ألقاك إلا في السنين فأوصني بشيء حتى آخذ به، فقال: اُوصيك بتقوى الله، والورع والاجتهاد، وإياك أن تطمع إلى من فوقك، وكفى بما قال الله عز وجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدني)، وقال تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنما كان قوته من الشعير وحلواه من التمر ووقوده من السعف إذا وجده، وإذا اُصبت بمصيبة في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط».
المطلب الثاني
في بعض مساوئ الأخلاق
منها:الغضب، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الغضب يُفسد الايمان كما يُفسد الخلّ العسل»، وقال أبو عبد الله: «الغضب مفتاح كل شر»، وقال أبو جعفر: «إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قومه وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدنُ منه فليمسّه فإن الرحم إذا مُسّت سكنت».
ومنها: الحسد، قال أبو جعفر وأبو عبد الله(عليهم السلام): «إن الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب»، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم لاصحابه: «إنه قد دبّ إليكم داء الاُمم ممن قبلكم وهو الحسد ليس بحالق الشعر ولكنه حالق الدين، وينجي فيه أن يكفّ الإنسان يده ويخزن لسانه ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن».
ومنها: الظلم، وأشد أنواعه ظلم من لا يجد ناصراً إلا الله، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حضر علي بن الحسين (عليهم السلام) الوفاة ضمّني إلى صدره ثم قال: يابني اُوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه أوصاه به قال: يابني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله. وقد ورد النهي عن كل ظلم في كثير من الروايات، فقد قال أبو عبدالله (عليه السلام): «ما ظفر بخير من ظفر بالظلم، أما أن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال
المظلوم».
وقال: «من ظَلم مظلمة اُخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده».
المطلب الثالث
في التوبة
وهي التي منّ الله بها على عباده رأفةً منه بهم ورحمة لهم. وقد ورد الحث عليها في آيات كثيرة وأحاديث من النبي وأوصيائه عليهم أفضل الصلاة والسلام، وقد ورد أن العبد إذا اقترف سيئة أنظره الله تعالى سبع ساعات فإن تاب لم تكتب عليه، وإن لم يتب كتبت عليه سيئة، ثم هو في فسحة من أمره تقبل منه التوبة ما دام فيه الروح.
فالواجب على المؤمن عقلاً ونقلاً المبادرة إليها وانتهاز الفرصة قبل أن يفجأه الاجل أو يسودّ قلبه من الذنوب ويطبع عليه فلا يفيق من سكرته ولا يصحو من غشيته، اُولئك الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وما ربك بظلام للعبيد.
ولابدّ في التوبة من أمرين: الندم على الذنب، والعزم على ترك العود فيه أبد، وبذلك تتحقق التوبة النصوح التي ورد ذكرها في الكتاب الكريم والسنة الشريفة، فإن غلبته نفسه وسوّل له الشيطان فعاد في الذنب كان عليه المبادرة للتوبة أيض، وهكذا كلما عاد تاب حتى تقوى توبته وتستحكم حيث لا تغلق التوبة في وجهه أبداً مهما عاد رأفة من الله ورحمة به، فإنه عزّ اسمه يحب من عبده أن لا تقعد به المعصية عن التوبة مهما كثرت ذنوبه وعظمت عيوبه، وليحذر العبد من القنوط واليأس من رحمة الله تعالى، فقد تقدم أن ذلك من الكبائر،
وهو من أعظم وسائل الشيطان وأقوى حبائله ليسيطر على العبد ويجرّه إلى الهلكة، أعاذنا الله تعالى منه ومن مكره وكيده.
ونسأله أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل وأن يختم لنا بالتوبة والمغفرة والسعادة وحسن العاقبة، إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
انتهى الكلام في العبادات ليلة الاربعاء، التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، عام ألف وأربعمائة وأربعة عشر للهجرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلوات وأزكى التحيات.
والحمد لله رب العالمين
الفهرس
المقدمة ٥
تمهيد ٦
التقليد ١٠
مقدمة ١٠
كتاب الطهارة ١٧
المقصد الأول : في الماء وأحكامه ١٧
الفصل الأول: في طهارة الماء ونجاسته ١٨
الفصل الثاني : في ماء المطر ٢١
الفصل الثالث : في الماء المستعمل في رفع الحدث أو الخبث ٢٢
الفصل الرابع : في الماء المشكوك ٢٤
الفصل الخامس: في الماء المضاف ٢٤
الفصل السادس : في الأسآر ٢٥
المقصد الثاني : في أحكام الخلوة ٢٦
الفصل الأول: في أحكام التخلّي ٢٦
الفصل الثاني : في الاستنجاء ٢٨
الفصل الثالث : في آداب التخلي ٢٩
الفصل الرابع : في الاستبراء ٣٠
المقصد الثالث : في الوضوء ٣٢
الفصل الأول : في نواقض الوضوء ٣٢
الفصل الثاني : في أجزاء الوضوء ٣٣
الفصل الثالث : في شروط الوضوء ٤١
الفصل الرابع : في الجبائر ٤٨
الفصل الخامس: في سَلَسِ البول والبَطَن ٥٣
الفصل السادس : في غايات الوضوء ٥٥
الفصل السابع : في آداب الوضوء وسننه ٥٨
الفصل الثامن: في أحكام الشك ٦١
المقصد الرابع : في الغسل ٦٣
المبحث الأول : في غسل الجنابة ٦٣
الفصل الأول: في سبب الجنابة ٦٣
الفصل الثاني : في أحكام الجنابة ٦٤
الفصل الثالث : في كيفية غسل الجنابة ٦٦
الفصل الرابع : في أحكام غسل الجنابة ٦٧
المبحث الثاني : في غسل الحيض ٦٩
الفصل الأول: في سببه ٦٩
الفصل الثاني : في أحكام الحيض ٧٧
المبحث الثالث : في غسل الاستحاضة ٧٩
المبحث الرابع : في غسل النفاس ٨٣
المبحث الخامس: في غسل الأموات ٨٦
الفصل الأول : في مقدمات الموت ولواحقه ٨٦
الفصل الثاني : في تغسيل الميت ٩٠
الفصل الثالث : في التكفين ٩٤
الفصل الرابع : في التحنيط ٩٧
الفصل الخامس: في الصلاة على الميت ٩٨
الفصل السادس : في الدفن ١٠٤
المبحث السادس : في غسل مسّ الميت ١١٠
المبحث السابع : في الاغسال المستحبة ١١١
المقصد الخامس : في التيمم ١١٦
الفصل الأول : في مسوّغاته ١١٦
الفصل الثاني : فيما يتيمم به ١١٩
الفصل الثالث : في كيفية التيمم ١٢١
الفصل الرابع : في شروط التيمم ١٢٤
الفصل الخامس: في أحكام التيمم ١٢٦
المقصد السادس : في الطهارة من الخبث ١٢٩
الفصل الأول : في عدد النجاسات ١٢٩
الفصل الثاني : في كيفية سراية النجاسة ١٣٦
الفصل الثالث : في أحكام النجاسة ١٣٨
الفصل الرابع : فيما يعفى عنه في الصلاة من النجاسة ١٤٣
الفصل الخامس: في التطهير من النجاسات ١٤٦
خاتمة: في الأواني ١٥٨
كتاب الصلاة ١٦٠
المقصد الأول : في الصلاة اليومية ١٦٢
المبحث الأول : في أعداده ١٦٢
المبحث الثاني : في أوقات الفرائض اليومية ونوافله ١٦٤
المبحث الثالث : في القبلة ١٧٠
المبحث الرابع : في لباس المصلي ١٧٢
الفصل الأول: فيما يجب ستره في الصلاة ١٧٢
الفصل الثالث : في تعذر الساتر الشرعي ١٧٧
المبحث الخامس : في مكان المصلي ١٧٩
المقصد الثاني : في كيفية الصلاة ١٨٨
المبحث الأول : في الأذان والاقامة ١٨٨
الفصل الأول: ١٨٨
الفصل الثاني : ١٩٠
الفصل الثالث: ١٩٣
المبحث الثاني : في أفعال الصلاة ١٩٥
الفصل الأول: في النيّة ١٩٥
الفصل الثاني : في تكبيرة الإحرام ١٩٨
الفصل الثالث : في القيام ٢٠١
الفصل الرابع: في القراءة ٢٠٤
الفصل الخامس : في الركوع ٢١٧
الفصل السادس : في السجود ٢٢١
الفصل السابع : في التشهد ٢٢٦
الفصل الثامن : في التسليم ٢٢٨
الفصل التاسع : في الترتيب ٢٣٢
الفصل العاشر : في الموالاة ٢٣٣
خاتمة: في القنوت ٢٣٣
المبحث الثالث : في منافيات الصلاة ٢٣٦
خاتمة ٢٤٣
المقصد الثالث : في صلاة الجمعة ٢٤٦
الفصل الأول : في كيفيته ٢٤٦
الفصل الثاني : في شروط مشروعيتها وصحته ٢٤٨
الفصل الثالث : في أحكام صلاة الجمعة ٢٤٨
المقصد الرابع: في صلاة الآيات ٢٥٠
الفصل الأول: في أسبابه ٢٥٠
الفصل الثاني : في وقته ٢٥١
الفصل الثالث : في كيفيته ٢٥٢
المقصد الخامس : في صلاة القضاء ٢٥٥
الفصل الأول : في حكم القضاء ومورده ٢٥٥
الفصل الثاني : في النيابة ٢٥٨
الفصل الثالث : في الاستئجار على تفريغ ذمة الغير ٢٦٣
المقصد السادس : في صلاة الجماعة ٢٦٧
الفصل الأول : فيما تشرع فيه الجماعة ٢٦٨
الفصل الثاني : فيما تنعقد به الجماعة ٢٧٠
الفصل الثالث : في شروط انعقاد الجماعة ٢٧٤
الفصل الرابع : في شروط إمام الجماعة ٢٧٧
الفصل الخامس: في أحكام الجماعة ٢٨٠
المقصد السابع : في الخلل ٢٨٧
الفصل الأول : في حكم الزيادة والنقيصة ٢٨٧
الفصل الثاني : في الشك ٢٨٨
الفصل الثالث : في قضاء الاجزاء المنسية ٢٩٥
الفصل الرابع : في سجود السهو ٢٩٦
الفصل الخامس: في الخلل في النافلة ٢٩٩
المقصد الثامن : في صلاة المسافر ٣٠١
الفصل الأول: في شروط السفر الموجب للقصر ٣٠١
الفصل الثاني : في قواطع السفر ٣١٢
الفصل الثالث : في أحكام المسافر ٣١٨
خاتمة: في بعض الصلوات المستحبة ٣٢٢
كتاب الصوم ٣٢٩
الفصل الأول : في النية ٣٣٠
الفصل الثاني : في المفطرات ٣٣٣
الفصل الثالث : في أحكام الافطار ٣٣٩
الفصل الرابع : في الكفارة ٣٤٠
الفصل الخامس: في شروط صحة الصوم ٣٤٦
الفصل السادس : في من يرخَّص في الافطار ٣٥٠
الفصل السابع : في ثبوت الهلال ٣٥٢
الفصل الثامن : في أحكام قضاء شهر رمضان ٣٥٣
خاتمة : في الاعتكاف ٣٦٠
الفصل الأول : في شروطه ٣٦٠
الفصل الثاني : في حكم الاعتكاف ٣٦٣
الفصل الثالث : في أحكام المعتكف ٣٦٤
كتاب الزكاة ٣٦٧
المقصد الأول : في زكاة المال ٣٦٨
المبحث الأول : في شروط وجوبه ٣٦٨
المبحث الثاني : فيما تجب فيه الزكاة ٣٦٩
الفصل الأول: في زكاة النقدين ٣٧٠
الفصل الثاني : في زكاة الانعام ٣٧٢
الفصل الثالث : في زكاة الغلات ٣٧٧
المبحث الثالث : في المستحقين للزكاة ٣٨١
الفصل الأول : في أصناف المستحقين ٣٨١
الفصل الثاني : في شروط المستحقين ٣٨٧
المبحث الرابع : في بقية أحكام الزكاة ٣٨٩
المقصد الثاني : في زكاة الفطرة ٣٩٥
الفصل الأول: في شروط وجوبه ٣٩٥
الفصل الثاني : فيمن يجب دفعها عنه ٣٩٧
الفصل الثالث : في جنسها وقدره ٣٩٨
الفصل الرابع : في وقت إخراجه ٣٩٩
الفصل الخامس: في مصرفه ٤٠٠
كتاب الخمس ٤٠٢
الفصل الأول : فيما يجب فيه الخمس ٤٠٣
الفصل الثاني : في مستحق الخمس ٤٢٤
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٤٣٠
الفصل الأول : في حقيقتهم ٤٣١
الفصل الثاني : في شروط وجوبهم ٤٣٢
الفصل الثالث : في جملة من المحرَّمات ٤٣٦