البراهين الجليلة في رفع تشكيكات الوهابية
بقلم:
آية الله السيد محمد حسن القزويني الحائري
قدم له سماحة العلاّمة السيد محمد كاظم القزويني
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
مقدمة لابد منها
بِسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحِيم
من الأحاديث المتواترة الصحيحة الواردة عن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الحديث «... وستفترق أمتي بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة في الجنة والباقون في النار». هذا الحديث من الأحاديث التي أثبتها المحدثون بكافة طبقاتهم من العامة والخاصة والسنة والشيعة. ولا حاجة إلى ذكر المصادر والمدارك لهذه الرواية...
ومن المضحك أن كل فرقة من الفرق الإسلامية التي تولدت وتكونت خلال هذه القرون تعتبر نفسها هي الفرقة الناجية؛ وتعرف غيرها بأنها من أهل النار.
وكل يدعي وصلاً بليلى |
وليلى لا تقر لهم بذاكا |
ولسنا الآن في مقام الخوض في هذه المعركة المظلمة المدلهمة، بل نعرج على ما نقصده من هذا الكلام وما هو معنون في الكتاب من المواضيع التي ستقف عليها.
من جملة تلك المذاهب التي تولدت قبل قرن تقريباً هو مذهب محمد بن عبد الوهاب (الوهابية) وقبل الشروع في ميدان البحث فلا بأس أن نذكر شيئاً يسيراً من ترجمة حياة محمد بن عبد الوهاب رئيس هذا المذهب الذي ستعرفه: ونقتبس ذلك عن كتاب تاريخ نجد لابن الآلوسي:
(هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، نشأ في بلدة العينية من بلاد نجد، قرأ الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، وكان من صغره يتكلم بكلمات لا يعرفها المسلمون، سافر إلى مكة ثمّ سار إلى المدينة، واشتغل بالدراسة عند الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، وأظهر الإنكار على الاستغاثة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند قبره، ثمّ رحل إلى نجد، ثمّ أتى البصرة يريد الشام، فلما ورد البصرة أحس المسلمون بذلك فأخرجوه منها، فخرج هارباً، وبعد مدة جاء إلى بلدة حريملة من نجد، وكان أبوه في تلك البلدة، فجعل ينكر على مسلمي أهل نجد عقائدهم، فنهاه أبوه فلم يمتنع حتى مات أبوه فتجرأ على إظهار عقائده والإنكار على المسلمين، وتبعه حثالة من الناس، إلى أن ضج الناس، وهموا بقتله، فخرج قاصداً العينية، ورئيسها يومذاك عثمان بن أحمد بن معمر، فأطمعه ابن عبد الوهاب في ملوكية نجد فساعده عثمان فتظاهر الرجل بنواياه، وهدم قبر زيد بن الخطاب، فعظم أمره، وبلغ الخبر إلى صاحب الأحساء والقطيف سليمان بن محمد بن عزيز، فأرسل سليمان كتاباً إلى عثمان يأمره بقتل الرجل، فلما ورد الكتاب إلى عثمان أرسل إلى محمد بن عبد الوهاب وأخبره وأمره بالخروج من البلدة، فخرج الرجل إلى الدرعية وذلك سنة ١١٦٠.
الدرعية هو المكان الذي خرج منه مسيلمة الكذاب، وأظهر الفساد، وكان صاحبها محمد بن سعود من قبيلة عنيزة (أحد أجداد الأسرة السعودية) فتوسل الرجل بامرأة الحاكم إليه، وأطمعه في العز والغلبة على بلاد نجد، فبايعه محمد بن سعود على سفك دماء المسلمين - يسميه الجهاد في سبيل الله - وجعل ابن سعود يجهز لنصرته الجيوش، ويؤلب لترويج طريقته العساكر حتى استقام امره، فكتب إلى رؤساء بلاد نجد وقضاتها يطلب منهم الطاعة
والانقياد، فأجابه قوم وأهمله آخرون، فجهز الجيش من أهل الدرعية، وقاتلهم وقتل من خالفه من المسلمين، حتى دخل بعض إلى طاعته طائعين ومكرهين، وتمت إمارة بلاد نجد لآل السعود بالسيف والغلبة حتى مات ابن عبد الوهاب سنة ١٢٠٦...)
بقي دينه الجديد، وحامت الحكومة السعودية عن هذا المبدأ... وقاتلوا المسلمين، وقتلوا ودمروا، وأحرقوا، وأفسدوا في البلاد والعباد وجرت منهم الويلات على المسلمين، وما قتلوا في هذه المدة خارجاً عن الدين، بل كان جميع المقتولين مسلمين موحدين يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وذنبهم الوحيد أنهم لا يعتنقون المبدأ الجديد الذي اخترعه ابن عبد الوهاب واعتقد به.
عقائد ابن عبد الوهاب
إنه يزعم أنه هو الموحد الوحيد، وغيره من المسلمين كفار مشركون، وهذا بعض مظاهر توحيده:
إنه يعتقد أن الله جالس على العرش حقيقة، وأن له يداً ورجلاً، وساقاً وجنباً، وعيناً ووجهاً ولساناً ونفساً، وأنه يتكلم بحرف وصوت، وخلاصة القول أنه يعتقد التجسم الذي أطبق المسلمون على كفره.
وإن لابن عبد الوهاب عقائد وأحكاماً حول القبور اختص بها، وأفتى بها من غير دليل شرعي، بل الأدلة قائمة على خلاف ما حكم به، وأن مذهبه حول القبور أنه يحرم عمارتها والبناء حولها، وتعاهدها والدعاء والصلاة عندها، بل يجب هدمها وطمسها ومحو آثارها، حتى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويزعم
هو وأتباعه أن المشاهد المشرفة والقبور التي فيها بمنزلة الأصنام، ويقولون في قبر النبي أنه الصنم الأكبر.
وبالجملة فإن الوهابيين كتلة إرهابية شعارها التدمير والتحطيم، والقسوة والهمجية، وأنهم يبذلون كل ما لديهم من نشاط وقوة لمكافحة فئة واحدة من المسلمين يشهدون أن لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ويصلون ويحجون.
وإن في تاريخ حياتهم المظلمة فجائع ومآسي لا تنسى مدى الدهر، ومنها هجومهم على مدينة كربلاء المقدسة في سنة ١٢١٦ هجري المصادف ١٨٠١ م، وإليك الواقعة كما ذكرها المرحوم البحاثة القدير الأستاذ الدكتور السيد عبد الجواد الكليدار في كتابه: «تاريخ كربلاء» نذكره حرفياً:
الحائر والهدم والحرق والنهب والقتل على يد الوهابيين في ١٨ ذي الحجة سنة ١٢١٦.
إن أعظم فاجعة بعد واقعة الطف مرت على كربلاء في التاريخ؛ هي غزو الوهابيين لها في عام ١٢١٦، تلك الفاجعة التي لا تزال تردد صداها البلاد الإسلامية والأوربية معاً، فأسهب في فظاعتها المؤرخون من مسلمين وأوربيين... فعدوها وقعة طف ثانية في التاريخ... فندع المجال أولاً للأوربيين... فنعطي دور الكلام أولاً للمستر ستيفن هميسلي، لونكريك الإنكليزي أن يتكلم أمام الرأي العام العالمي والتاريخ بصراحته وحريته... يقول في كتابه «أربعة قرون من تاريخ العراق»:
«لم تكن أعراب نجد تختلف في العقيدة والمذهب عن بقية المسلمين إلى أواخر القرن الثاني عشر الهجري حين نشر بينهم محمد بن عبد الوهاب تعاليمه الجديدة التي جاءت موافقة لميول أمة بدوية تعيش على الفطرة معتمدة على الغزو في معيشتها، ولاقت قبولاً حسناً من محمد بن سعود أميرهم، وقد تلقى
محمد بن عبد الوهاب دروسه في كليات بغداد الدينية، فأتيح له أن يجلب الأخطار العظيمة على هذه البلاد التي أقام فيها، وانتقل من بغداد إلى المدينة ثمّ إلى عوينة في نجد..
إلى أن يقول: على أن الفاجعة الكبرى كانت على قاب قوسين أو أدنى، تلك الفاجعة التي دلت على منتهى القسوة والهمجية والطمع الأشعبي، واستعملت باسم الدين، وأن الجيوش الوهابية تحركت للغزو المختص بالربيع... انتشر خبراقتراب الوهابيين من كربلاء عشية اليوم الثاني من نيسان ١٨٠١ عندما كان معظم سكان البلدة (كربلاء) في النجف يقومون بالزيارة، فسارع من بقي في المدينة لاغلاق الأبواب، غير أن الوهابيين وقد قدروا بستمائة هجان وأربعمائة فارس، نزلوا فنصبوا خيامهم وقسموا قوتهم إلى ثلاثة أقسام، وفي ظل أحد الخانات (من ناحية محلة باب المخيم فتحوا ثغرة في السور فدخلوا أحد الخانات فجأة) هاجموا أقرب باب من أبواب البلد، فتمكنوا من فتحه عسفاً ودخلوا، فدهش السكان وأصبحوا يفرون على غير هدى، أما الوهابيون الخشن فقد شقوا طريقهم إلى الأضرحة المقدسة واخذوا يخربونها؛ فاقتلعت القصب المعدنية، والسياج ثمّ المرايا الجسيمة، ونهبت النفائس والحاجات الثمينة من هدايا الباشوات والأمراء وملوك الفرس وكذلك سلبت زخارف الجدران وقلع ذهب السقوف، وأخذت الشمعدانات والسجاد الفاخر، والمعلقات الثمينة، والأبواب المرصعة وجميع ما وجد من هذا الضرب، وقد سحبت جميعها ونقلت إلى الخارج.
وقتل زيادة على هذه الأفاعيل قرابة خمسين شخصاً بالقرب من الضريح، وخمسمائة أيضاً خارج الضريح في الصحن، أما البلدة نفسها فقد عاث الغزاة المتوحشون فيها فساداً وتخريباً، وقتلوا من دون رحمة جميع من صادفوه،
كما سرقوا كل دار، ولم يرحموا الشيخ ولا الطفل، ولم يحترموا النساء ولا الرجال، فلم يسلم الكل من وحشيتهم ولا من أسرهم، ولقد قدر البعض عدد القتلى بألف نسمة، وقدر الآخرون خمسة أضعاف ذلك، عدا الجرحى.
إلى آخر ما ذكره المؤرخون من فجائع هذه الطائفة الوحشية القاسية الظالمة.
وفي سنة ١٣٤٤ أفتى فقهاء المدينة بوجوب هدم القبور في البقيع وغير البقيع في المدينة وخارجها، وفي اليوم الثامن من شهر شوال من تلك السنة صدر الأمر ونفذ الحكم، فأهووا على قبرالصديقة الطاهرة سيدة نساة العالمين فاطمة الزهراء بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهدموا قبرها، فكأنها ما كفاها المصائب التي جرت عليها من الأولين أيام حياتها، حتى قام الآخرون بإتمامها بعد وفاتها، ثمّ هدموا مرقد الأئمة الأربعة من أهل البيت وهم:
سبط الرسول الإمام الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .
الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام .
الإمام الباقر محمد بن عليعليهالسلام .
الإمام الصادق، جعفر بن محمدعليهالسلام ، وقبة العباس عم النبي، وقبر سيدنا إبراهيم ابن رسول الله، وقبور زوجاته وعماته، وقبر فاطمة بنت أسد وحمزة سيد الشهداء عم رسول الله وغيرهما من قبور أهل البيت، ولعلهم إنما أقدموا على تلك الجرائم عملاً منهم بالآية الشريفة:( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ) .
وقد كتب المغفور له آية الله السيد محمد حسن القزويني كتاباً في الرد على فتاوى رئيس هذه الفئة الباغية الطاغية ونفدت نسخ الكتاب، وقد
انتشرت في هذه الأيام أباطيلهم وكلماتهم المسمومة في بلاد الإسلام أكثر فأكثر، فإنهم استغلوا كتاباً مأجورين، فجعلوا يدعون البسطاء من المسلمين المساكين إلى هذا الدين الجديد الخطر، فرأيت لزاماً علي أن أعيد طبع الكتاب لما فيه من فوائد ومنافع إرشاداً للجاهل وتنبيهاً للغافل، ولئلا يكون للناس على الله حجة والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كربلاء المقدسة
السيد محمد كاظم القزويني
غرة رجب / ١٣٨٢ هجري
كَلمَة المؤَلف
بِسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله الطاهرين.
وبعد: يقول العبد الجاني محمد حسن الموسوي الطباطبائي؛ هذه رسالة وجيزة أوردت فيها من الكتاب والسنة المعتبرة عند المسلمين ما يفصح عن بطلان ما لفقته الطائفة الوهابية من كتاب (منهاج السنة) لأحمد بن تيمية، وقبل الشروع فيها لا بد من تمهيد مقدمتين:
الأولى: أن من القواعد المضروبة شرعاً إصالة الإباحة في الأفعال والأقوال ما لم ينه عنها الشارع خصوصاً أو عموماً من غير معارض.
وعليها الأدلة من الإجماع وحكم العقل والنقل، وقد اعترف بها ابن تيمية قائلاً - في منهاج السنة في الرد على الأشاعرة القائلين بتعذيب من لا ذنب له -: «بأن هذا مخالف للكتاب والسنة والعقل أيضاً».
أقول: والإجماع أيضاً، وذلك لأن المسلمين طراً، بل وسائر أهل الملل والنحل - كما تفضح عنه الآيات التي ستتلى عليك - على إباحة فعل عند فقد بيان من الشارع على المنع وعدم الرخصة، والعقل ناطق بأن من القبيح عقاب العبد على فعل فعله قبل أن ينهاه عنه مولاه، أو قبل وصول نهيه إليه والنقل مصرح كتاباً وسنة:
فمن الكتاب : قوله تعالى:( وما كنا معذبين حتى نبعث رسول ) (١)
____________________
(١) الإسراء: ١٥.
دل على نفي التعذيب مطلقاً عمن لم يبعث إليه الرسول ولم تقم عليه الحجة ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة وإلاّ كانت لهم الحجة، كما قال عزّ من قائل:( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) وقوله تعالى:( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها: ألم يأتكم نذير؟ قالوا: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا...إلخ ) الآية دلت على أن جميع من يلقى في النار إنما هو بعد تمامية الإنذار، وقوله سبحانه:( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا: شهدنا على أنفسن ) إلى قوله تعالى:( أن لم يكن ربك مهلك القرى وأهلها غافلون ) صرح فيه تبارك وتعالى باعتراف المخاطبين من الجن والإنس بأنهم جاءتهم الرسل وقصوا عليهم الآيات، وبينوا لهم التكاليف، لكنهم حيث كفروا بآيات ربهم وعصوا رسلهم أهلكهم الله بهذا السبب، وإلاّ فلا يعذب من لم يكن عالماً بالآيات، أو لم يأتهم النذير لقوله عزّ شأنه :( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) أي من الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، فلو عذبهم لكان ظلماً. نزه سبحانه نفسه عن الظلم بقوله تعالى:( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلاّ وأهلها ظالمون ) وبين أن المعذبين في النار هم الظالمون لأنفسهم بالمعصية، وترك الطاعة، فمن لم يكن ظالماً لا تجوز عقوبته. ولو عوقب لكان ظلماً عليه.
وبالجملة دلت الآيات على أن كل من صنع مثل صنع الأمم الخالية، فأنكروا على الله آياته ورسله، وفعلوا المنكرات والقبائح بعدما تمت عليهم الحجة، وظهرت لهم التكاليف الإلهية والزواجر الشرعية عوقب على إنكاره
وإقدامه على القبائح المنهي عنها، حيث يقول سبحانه:( ولقد جاء آل فرعون النذر، فكذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) فالمؤاخذة لا تكون إلاّ بالبيان وظهور الزواجر الإلهية، فلو لم تظهر لم تكن لله على الناس حجة.
قال ابن تيمية: الأصل الذي عليه السلف والجمهور: أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلاّ وسعها، فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلاّ على ترك مأمور أو محظور بعد قيام الحجة، انتهى.
وهذا هو الذي نسبه في ص ٢٠ من الجزء الثالث من «منهاج السنة» إلى أبي حنيفة والشافعي وابن حزم، وهذا هو المطابق لسنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث المتفق عليه الكل، أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه.. إلخ».
وفي سنن ابن ماجة، باب اتباع سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وفيه عن أبي هريرة: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما أمرتكم بشيء فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا» وفيه أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» ومثل ذلك رواية البخاري، وفي سنن ابن ماجة: أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عزّ وجلّ فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله».
قوله: ألا وإن ما حرم رسول الله.. إلخ يدل على أن ما لم يحرمه الرسول لم يكن حراماً من جانب الله، ولم يكن مثل ما حرم الله، وهذا وسابقه تفسير لقوله تعالى:( ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهو ) .
ثمّ إن الغرض من وضع هذه المقدمة بيان أنه لا وجه لإنكار الطائفة الوهابية على فرق المسلمين - خصوصاً الإمامية - أموراً لم يرد من الشرع فيها نهي وزجر، وإن الحكم فيها بالانتهاء والارتداع جزماً وحتماً خلاف ما عليه كتاب الله وسنة رسوله، بل يكون بدعة لأنه إدخال ما ليس من الدين في الدين، وحكم بغير علم. واحتمال كونه من الدين لا يصيره من الدين، وإلاّ لما كان معنى لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «وما نهيتكم عنه فانتهوا» بنحو القضية الشرطية المستفاد منها عدم الانتهاء عند عدم النهي.
المقدمة الثانية: في بيان أن من القواعد الشرعية أصولاً وفروعاً قاعدة التأويل والاجتهاد، والغرض من تمهيد هذه المقدمة بيان أن أناساً من هذه الأمة أخذتهم العصبية والجهالة، فزعموا أنها الهداية والديانة، فجعلوا يخاطبون من عداهم - ممن ليس على مذهبهم وعلى طريقتهم - يا كافر ويا مشرك ويتعدون عليهم في أماكنهم، والبقاع التي تحت سلطتهم، بالضرب والسب والشتم خلافاً لله تعالى ولرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واعتداءاً منهم على المسلمين، إذ ليس فيما أقدموا عليه من التعدي في الكتاب والسنة عين ولا أثر!
والعجب: مع ذلك أنهم يجعلون أنفسهم من أهل السنة، والحال أن السنة النبوية، والشريعة العامة المحمدية - مضافاً إلى سيرة المسلمين والعلماء وأئمة المذهب - على خلاف صنعهم، والإنكار على أفعالهم!!
قال ابن تيمية في ص ١٩ من الجزء الثالث من «منهاج السنة»، في الجواب
عن المطاعن في الجماعة: إن أكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير يخرجها عن أن تكون ذنوباً، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت من الخلافاء الراشدين من هذا الباب، انتهى.
أقول: وذلك كما في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر». قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فقال: هكذا.
وقال في ص ٢٠: قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً، لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر ذلك ابن حزم عنهم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلاّ الخطابية، ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلى خلفه.
وقالوا: هذا القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: أنهم لا يكفرون ولا يفسقون، ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة علمية ولا عملية، انتهى.
وقال ابن حزم في ص ٢٤٧ من أواخر الجزء الثالث من كتاب «الفصل في الأهواء والملل والنحل» ما هذه ألفاظه: «وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا، وأن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال، إن أصاب فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد» انتهى.
أقول: إن كان ما ذكره أئمة الدين هو الأساس والأصل المعتمد عليه عند المسلمين فبأي وجه صحيح شرعي يقدمون أقوام على رفض من عداهم من المسلمين ورميهم بالكفر والشرك؟؟ حتى قاموا يسومونهم سوء العذاب ويجعلون بلادهم بلاد حرب. وقد قال عزّ من قائل:( إنما المؤمنون إخوة ) وقال تعالى:( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوان ) وقال عزّ شأنه:( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سجعل لهم الرحمن ود ) وقال سبحانه:( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وقوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين) وقال عزّ شأنه:( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون ) .
الإسلام موجب لحفظ النفس
وفي الصحاح ما هي ناطقة بأن من قال: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله كان محترم المال والعرض والدم. ويكفيك ما في البخاري عن ابن عباس أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم.
وفي البخاري في باب فضائل عليعليهالسلام : أنهعليهالسلام حين أعطاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الراية يوم خيبر صرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟
قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم.
وفي البخاري عن ابن عباس: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لما أمر بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رضمان، وأن تعطوا من المغنم الخمس.. الحديث.
قلت: وأنت أيها المطلع على الكتاب المبين، والواقف على شريعة سيد المرسلين هل ترى لأعمال العداوة والنصب لأهل الحق وأخيك المسلم من جهة غير التعدي لحدود الله؟
ومعلوم: أن مذهب الإسلام وما جاء به خير الأنامصلىاللهعليهوآلهوسلم بمجنب (بمعزل) عن أمثال هذه التعديات،( أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) . فمن حكم بما يراه فقد اتبع هواه الذي نهى الله عنه نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله عزّ شأنه:( ولا تتبع أهواءهم ) وأمر أن يحكم بما أنزل الله، فمن خرج عن ذلك فقد أنكر على الله بعدما جاءه الحق، وأتته البينات، فالميزان في متابعة الحق: المصير إلى ما حكم به القرآن، وإلاّ فما من طائفة إلاّ وهي على زعمها تأمر بالعدل والإحسان كما هو الغالب المتداول بين الجهلة، حيث أن المطاع منهم والشيخ فيهم يحكم بالعادات الجارية، لا بما يقوله الكتاب والسنة، فيشملهم قوله سبحانه:( فإن تولوا فاعلم انما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيراً من الناس لفاسقون ) وقوله تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) إن لم يستحلوا خلاف قول الله وقول رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإلاّ فإن استحلوا ذلك فأولئك هم الكافرون حيث يقول سبحانه( ومن لم يحكم
بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) نعم لو فرض أن المسلمين تنازعوا أو اختلفوا في شيء فالواجب عليهم أن يردوه إلى الله والرسول لقوله تعالى:( وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) وقوله سبحانه:( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) ومع ذلك لو طعن طاعن في طائفة من المسلمين وجعلوا يرمونهم بالسب والشتم ونسبة الكفر والإلحاد كان ذلك تفرقاً منهياً عنه بقوله عزّ شأنه:( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقو) وقوله سبحانه:( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) فالله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بالاعتصام بحبله، ونهاهم عن التفرق، وفسر الاعتصام بحبله بالتمسك بدينه، ولا ريب أن دينه الإسلام لقوله تعالى:( إن الدين عند الله الإسلام ) والإسلام هو الإيمان المفسر بالشهادتين.
تحريم التفرق والاختلاف
فإذن: المسلمون على ملة واحدة، نعم جعل لهم حدوداً وحرمات لا يجوز التعدي عنها لقوله تعالى:( وتلك حدود الله فلا تعتدوه ) فحرم عليهم الظلم، وحرم عليهم دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ففي الصحيحين: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في حجة الوداع: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بدلكم هذا، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب.
وفي البخاري - بطرق عديدة - عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال في حجة
الوداع: أنظروا ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
والمقصود من هذه المقدمة أن عمل الوهابية خلاف ما عليه الكتاب والسنة، لتطابقهما على لزوم التودد والتحابب بين المسلمين، لا على التنافر والتعاند ورمي بعضهم بعضاً بالكفر، والتعدي بالضرب والشتم. وما علينا إلاّ البلاغ المبين، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، إذا عرفت ما مهدناه لك فنقول: إن هذه الرسالة مشتملة على مسائل، وخاتمة.
المسألة الأولى في الشفاعة
قالت الوهابية: الشفاعة للأنبياء والأولياء منقطعة في الدنيا، وإنما هي ثابتة لهم في الآخرة، فلو جعل العبد بينه وبين الله تعالى وسائط من عباده يسألهم الشفاعة كان ذلك شركاً، وعبادة لغير الله تعالى، فاللازم أن يوجه العبد دعاءه إلى ربه ويقول: الله اجعلنا ممن تناله شفاعة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا يجوز له أن يقول: يا محمد اشفع لي عند الله.
محتجين عليه بقوله تعالى:( وأن المساجد لله، فلا تدعوا مع الله أحد ) وقوله سبحانه:( من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه ) وقوله جلّ شأنه:( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى ) وقوله عزّ من قائل:( لا يملكون الشفاعة إلاّ من اتخذ عند الرحمن عهد ) .
قال محمد بن عبد الوهاب في رسالته «كشف الشبهات»: فإن قال: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اُعطي الشفاعة، واطلبه مما أعطاه الله. فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا! وقال: فلا تدع مع اللهس أحداً، وأيضاً: فإن الشفاعة أعطاها غير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون،
والأفراط يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين.
وقالت الإمامية: إن الشفاعة ثابتة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وصالح المؤمنين والملائكة المقربين، فيجوز الاستشفاع بهم إلى الله تعالى، لنهوض الكتاب والسنة عليه.
الآيات الدالة على جواز الاستشفاع
فمن الكتاب قوله سبحانه:( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيم ) دلت الآية على أن العاصين متى جاؤوا إلى الرسول تائبين، وجعلوا يتوسلون به في طلب المغفرة من الله، واستغفر عند ذلك لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما، فلو كان الاستشفاع من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم شركاً لله لما وجدوا الله تواباً رحيما، لأن الله سبحانه لا يغفر أن يشرك به.
قال الفخر الرازي في التفسير: يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت، والفرار من التحاكم إلى الرسول، جاؤوا إلى الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه، وتابوا عنه، واستغفروا منه، واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفر لهم عنئد توبتهم لوجدوا الله تواباً رحيما، انتهى.
وقال أيضاً عند ذكر الفائدة للعدول عن الخطاب الى الغيبة: وإنما قال: استغفر لهم الرسول. ولم يقل: واستغفرت لهم. إجلالاً للرسول وأنهم إذا جاؤوه فقد جاؤوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه وجعله سفيراً بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فالله لا يرد شفاعته.. الخ.
أقول: وما ذكره من كون الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم سفيراً بين الله تعالى وبين
العباد هي الواسطة التي أثبتتها الإمامية، وساير الفرق من المسلمين الذين أثبتوا للنبي الشفاعة المطلقة، بل أقول: إن النكتة في العدول من الخطاب إلى الغيبة هي الإشارة والدلالة على أن هذا المقام الكريم، وغفران الله باستغفار الشفيع غير مختص بشخصية النبي. وإنما هو عام لكل سفير، ومن له جهة القرب من الله. المقتضية للأهلية للشفاعة.
ومنها: قوله تعالى - حكاية من أولاد يعقوب - :( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ) ، وقول يعقوب( سوف أستغفر لكم ربي ) ، فإنه صريح في سؤالهم وتوسلهم بأبيهم إلى الله في الاستغفار وطلب العفو، ونزول الرحمة في الدنيا قبل الآخرة.
ومنها: ما تضمن الأمر باستغفار النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للمؤمنين من قوله تعالى:( واستغفر لذنبك وللمؤمنين ) وقوله سبحانه:( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) ومن المعلوم أن الأمر به يلازم جواز الاستشفاع بالنبي لأنه لا يأمر بالشرك والكفر، أيأمركم بالكفر بعد إذا أنتم مسلمون؟
وقول ابن عبد الوهاب: (إن الله أعطى نبيه الشفاعة، ولكن نهاك عن الاستشفاع به!) كلام شعري، مبناه الخيال، فإنه مثل أن يقول: إن الله تعالى أعطى نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة سقاية الحوض، ولكن نهى الناس من الورود عليه والاستسقاء منه!
أو يقول: إن الله تعالى أكرم العباس (عم النبي) بسقاية الحاج، ولكن نهى الحاج عن الوفود عليه!! فهل يجد الإنسان لمثل هذا الكلام معنى وأنه إذا راجع وجدانه يرى أنه إذا قال السلطان لبعض غلمانه: (إني فوضت إليك
تولية أمور رعيتي، ولكن نهيت الرعية عن المراجعة إليك في أمورهم) عد كلامه هذا سفهاً ولغواً.
جواز الاستشفاع بالنبي والأئمة
ومنها: قوله تعالى:( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منه ) دلت على جواز وقوع الشفاعة الحسنة من المؤمنين: بعضهم في حق بعض، ومتى جاز التوسل بالشفيع ولو كان ذلك شركاً لما صح الإذن في الشفاعة لا عقلاً ولا سمعاً، مع أنها مأذون فيها، ومرغب إليها بقوله سبحانه: يكن له نصيب منها.
والوجه في ذلك: أن الشفاعة عبارة عن اجتماع الشفيع مع المشفوع له في الدعاء والمسألة، إذ الشفاعة مشتقة من الشفع وهو أن يصير الإنسان نفسه شفعاً لصاحب الحاجة، كي يجتمع معه على المسألة من الله تعالى، فهي دعاء وطلب من الله تعالى، وطلب لدعاء الشفيع إلى الله، لا دعاء مع الله، والآية دالة على حرمة الدعاء مع الله، لا الدعاء من الله تعالى، وأين هذا من ذاك؟
ومن السنة: ما في البخاري - في باب: إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم - وباب: إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط - فراجع.
فإن قلت: إن الله حكم بكفر عبدة الأوثان، وشركهم، لأجل قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قلت: نعم، إن الله حكم بكفر هؤلاء. لكن منشأ كفرهم أحد الأمرين: إما بغيهم وعتوهم على الله بجعلهم من لا أهلية له من جانب الله شفيعاً ووسيلة يتوسلون بها إلى الله.
وإما عبادتهم لذلك الشفيع، حيث قالوا:( وما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زلفى ) . وأين هذا من جعل الأنبياء شفعاء، لا شركاء معه في الدعاء، فإن الاستشفاع بهم لا يكون كفراً ولا شركاً لوجهين؛ بين مجمل ومفصل:
أما الوجه الأول فهو أن للإمامية - بل وقاطبة المسلمين الذين يجوزون الاستشفاع - سؤالاً من ابن عبد الوهاب، وهو أنه هل ثبتت الشفاعة في الشريعة أم لا؟. فإن قال: لا. أنكر ما أقر به أولاً: من أن الشفاعة أعطاها الله غير النبي أيضاً وأنكر على الله ما في القرآن، وإن قال: نعم. قلنا له هل الشفيع شريك مع الله في المغفرة؟ أو أنه شريك مع المشفوع له في طلب المغفرة، فإن قال بالأول فقد أثبت لله سبحانه الشريك، وصار إلى ما فر منه، وإن قال بالثاني أقر بالحق الذي عليه المسلمون، وإن قال بالفرق بين الدنيا والآخرة قلنا له: إن ما يكون شركاً في الدنيا لا يكون طاعة في الآخرة، وإن الشرك شرك وقبيح في الدنيا والآخرة.
وأما الوجه التفصيلي الثانوي فهم أنه لو كان التوسل بالشفيع عبادة له لما جاز الأمر بالتوسل في قوله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) فإن المراد بالوسيلة ما يتوسل به إلى الله تعالى، ولا يختص بالأفعال العبادية، أو مطلق الطاعة، أو الكتاب والسنة، بل اللفظ بظاهره عام، لا معدل عنه.
فيعمم مطلق الوسائل التي أمر الله تعالى باتباعها، والاعتصام بها، من الأنبياء الذين هم حبل الله الممدود من السماء في قوله تعالى:( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقو ) .
فإن المراد من الحبل في الآية هي الواسطة بين الله تعالى وبين عباده شبهت بالحبل الرابط بين الشيئين.
فقول الوهابية: إن الواسطة ملغاة في الشريعة: يرده الكتاب والسنة الواردة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في أهل بيته وأصحابه بطرق صحيحة، مثل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق» وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث المتواتر: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً».
ومعنى التمسك بهما التوسل بهما في الشدائد، وجعلهما سبباً للنجاة من الهلكة في الدنيا والآخرة.
ثمّ إن الجواب عما استدل به الوهابي من قوله تعالى:( فلا تدعوا مع الله أحد ) هو أن المنفي بالآية الدعوة مع الله، دون الدعوة من الله بواسطة الشفيع، وطلب دعائه أيضاً إلى الله، حسبما ذكرنا. على أن المراد من النهي الانتهاء من جعل الشريك لله تعالى في العبادة، بقرينة قوله سبحانه:( وأن المساجد لله ) ، فالمعنى كما عن المفسرين قاطبة: إن المساجد لله، فلا تعبدوا مع الله غيره، كما في قوله تعالى:( ولا تدعوا مع الله إلهاً آخر ) وهذا يقوله كل مخلص في عبادته، ولكنه لا دخل له بمسألة الاستشفاع فإن الاستشفاع نظير طلبك من المقرب عند الملك أن يشاركك في طلب مسألتك من الملك.
وأما الجواب عن الآيات الأخر: مثل قوله تعالى:( لا يملكون الشفاعة إلاّ من اتخذ عند الرحمن عهد ) . وقوله تعالى:( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى ) فنقول:
المناقشة مع الوهابيين
إن مقتضى الآية الأولى ثبوت الشفاعة لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، أي إيماناً، فالمؤمنون يملكون الشفاعة، كما أن مقتضى الآية الثانية ثبوت الشفاعة بعد الإذن والرضا من الله تعالى، ونحن نقول به للأنبياء والأولياء، ولو كان شركاً لما جاز الإذن والرضا بالشفاعة، نعم لا يجوز القول بأنه: يا محمد يا رسول الله اغفر لي ذنبي. وذلك لأنه لا يغفر الذنوب إلاّ الله، وجميع المسلمين على ذلك، وأما القول بأنه: يا محمد اشفع لي عند ربك. فليس من الشرك، إذ الشرك هو أن تدعوه مع الله في حاجتك، لا أن تسأله أن يدعو الله في غفران ذنوبك.
ثمّ إن ابن عبد الوهاب لما لم يعلم حقيقة العبادة توهم أن طلب الشفاعة من الشافعين يكون من عبادة الصالحين، وهذه غفلة منه عن أن العبادة عبارة عن وقوف العبد بين يدي معبوده، وإظهار غاية الخضوع والخشوع، لا مطلق التعظيم والخضوع، ولذا لم يذهب أحد من المسلمين بأن تعظيم المؤمنين أو الأنبياء والمرسلين حال حياتهم من عبادة الصالحين، ومثل هذا الاستشفاع بهم إلى الله حال حياتهم وبعد مماتهم، فمن يعبد الله ويوحده لا يجد من نفسه حين ما يطلب من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الشفاعة أن يعبده في ذلك، ولعل ابن عبد الوهاب رأى أن رواج مذهبه منوط برمي المسلمين بالشرك دون من ينسب إليه، فرماهم بما لا يتفوه به إلاّ جامد أو معاند، فقال في رسالته «كشف الشبهات» ما حاصله: إن الطلب من الشفيع ينافي الإخلاص في التوحيد الواجب على العباد بقوله تعالى:( مخلصين له الدين ) ، وقوله سبحانه:( ادعوا ربكم تضرع ) .
وإن الوقوف على قبر محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم والاستشفاع منه من جعل الآلهة، فهم يصيحون كما صاح إخوانهم، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب!!!
فياللعجب من هذا التقحم والتهاجم على المسلمين الموحدين، وقد عرفت دفعه والجواب عنه بما حاصله: إن دعوة الشفيع بعد ثبوت الإذن والرضا من الله تعالى لا تنافي دعوة الله تعالى. ولا تنفك عنها، كما أن إطاعة الرسول لا تنفك عن إطاعة الله تعالى في قوله تعالى:( ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ) فمن ادعى المنافاة فقد أبطل جعل الشفيع من الله، وهذا إنكار على الله، ولا نقول بأنه يصيح كما صاح إخوانه: إنا كفرنا بالذي اُرسلتم به، وإنا به لكافرون بل نقول: سيعلمون غداً من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى.
استدراك في الشفاعة(١)
وهو أن الشيخ سليمان بن سحمان ذكر كلاماً طويلاً في كتاب «الهدية السنية» صحيفة ٦٤ إلى أواخر ٦٨، وعنوانه: «لا الشفاعة الشرعية أو الشفاعة الشركية والشفاعة الحق»... ثمّ أورد جملة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدالة على وقوع الشفاعة التي من جملتها قوله تعالى:( من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه ) ،( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرحمن ورضي له قول ) ،( وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) .
____________________
(١) استدرك المؤلف هذا الموضوع في آخر الكتاب مما يظهر أنه كتبه بعد انتهائه في تأليفه وحيث أعدنا طباعة الكتاب للمرة الثالثة رأينا إلحاقه بموضوعه أليق.
«الناشر»
ومنها حديث الصحيحين، وفيه: إن الله يقول لرسوله أربع مرات: يا محمد ارفع رسك وقل يسمع واشفع تشفع.
ورواية البخاري عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: «لا إله إلاّ الله» خالصاً من قلبه.
ورواية الترمذي وابن ماجة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً.
أقول: وقد مر عليك حديث استسقاء عمر بالعباس، وحديث توسل الأعمى إلى الله بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحديث توسل آدمعليهالسلام حيث قال يارب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي. فقال الله: كيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد؟ قال: رأيت على قوائم العرش مكتوباً «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» فقال الله: وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك.
وقد صح في الحديث: إن في هذه الأمة المرحومة شفعاء إلى الله، وإن منهم من يشفع لأكثر من ربيعة ومضر، وللفئام والقبيلة.
واذا عرفت أدلة شفاعة النبي والأئمة البالغة حد التواتر، وأمعنت النظر فيها، علمت أن الاستشفاع الذي عليه المسلمون خلفاً عن سلف إنما هو على قسمين:
(أحدهما) أن يقدموا النبي أو الولي الوجيه عند الله أمام طلب الحاجة بأن يقسم على الله به وبحقه في الفضل والإيمان والطاعة لله، كما جاء في حديث ابن عمر في توسل آدم وما روى: من أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم علم الضرير التوجه إلى الله به
وأن يطلب من الله أن يشفعه فيه، كما أسنده أحمد عن عثمان بن حنيف، وكذا ابن ماجة والترمذي وصححه، وكذا الحاكم في مستدركه والسيوطي في جامعه، وكما رواه البخاري من استسقاء عمر بالعباس وتوسله إلى الله به.
(وثانيهما) أن من له حاجة الى الله يطلب من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يسأل الله قضاءها ويرجو منه أن يشاركه في الدعاء إلى الله ومسألة تلك الحاجة منه جل وعلا، يفعل ذلك السائل اعتماداً على وجاهة الشفيع عند الله وقربه من الله تعالى.
وإن المسلم الذي يؤدي الشهادتين مخلصاً هو الذي أذن الله نبيه بالشفاعة كما دلت عليه روايات البخاري والترمذي وابن ماجة، وكذا روايتا الحارث بن قيس وأبي سعيد عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
هذا هو ما عند المسلمين في التوسل والاستشفاع لا غيره، وقد جاء به الكتاب والسنة، ومن نسب غير ذلك إليهم فقد افترى عليهم؛ إما جهلاً بما عليه المسلمون في توسلهم واستشفاعهم اعتماداً على الكتاب والسنة، وإما عناداً لرسول الله وأوليائه في بقاء كرامتهم في الإسلام ولياقتهم للاستشفاع بأحد القسمين المذكورين، وإما تمويهاً وتلبيساً على بعض العوام للاستعانة بهم على ما حرمه الله من دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم.
والعجب أن الشيخ سليمان ذكر الآيات الواردة في الاستشفاع بالأوثان والأصنام، فحاول أن يتشبث بها لنفي الشفاعة، حتى نسب إلى المسلمين الشرك والكفر، والحال أنه ذكر من آيات الشفاعة بإذن الله وأحاديثها ما بلغ التواتر.
ومعلوم أن عمل المسلمين على مقتضى دلالتها، فاللازم على الشيخ شرعاً
الحكم بمقتضاها، فيجعل بتدبر القرآن والأحاديث ما للمسلمين(١) وما على المشركين على المشركين، ولا يحاول بقياسه أن يخلط الإيمان بالشرك والمشروع بالمحظور وما أذن الله فيه لمن يرتضيه بما يسخطه وينفيه (ما هكذا تورد يا سعد الإبل).
فإن المسلمين يقولون: إن الله هو إلهنا ومعبودنا، وهو الذي أذن لنبيه في الشفاعة لنا، ومع ذلك ليس لك من الكتاب والسنة حاجز عن قولك في صحيفة ٦٦: إن الكتاب والسنة دلا على أن من جعل الملائكة والأنبياء أو ابن عباس أو أبا طالب أو المحجوب وسائط بينهم وبين الله ليشفعوا لهم عند الله لأجل قربهم من الله - كما يفعل عند الملوك - أنه كافر مشرك حلال الدم والمال وإن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله وصلى وصام.
يا شيخ: إن عمر استشفع بالعباس إلى الله في الاستسقاء، فماذا تقول؟؟ وكل أحد يعلم أن استشفاع المسلمين بالأنبياء والأولياء إلى الله إنما هو على نهج استشفاع عمر بالعباس، وماذا تريد بقولك «كما يفعل عند الملوك» فهل تريد بذلك ما زعمته في صحيفة ٦٦٧: من أن الشفاعة عند الملوك إنما تكون لإخبارهم بما يجهلونه من حال الرعية، أو لعجزهم عن تدبير رعيتهم، أو لخوفهم من الشفيع أو حاجتهم إليه؟
فأنا وسائر المسلمين نخبرك أنه ليس في المستشفعين إلاّ من يعتقد أن الله هو العالم بكل شيء والقادر على كل شيء، وأنه أذن لأوليائه بالشفاعة للمسلمين
____________________
(١) للمسلمين.
رحمة منه بهم وكرامة للشفيع عنده كما أوضحناه، وحاشا أن يستشفع المسلمون بالنحو الذي تزعمه في شفاعة السلاطين.
على أن شفاعة الملوك لا تنحصر بما زعمته، فإن الملك قد يكون تشفيعه رحمة للرعية وإكراماً للشفيع من دون جهل ولا عجز ولا خوف ولا حاجة.
يا شيخ: أبيت إلاّ أن تقول: كافر مشرك حلال الدم والمال وإن شهد الشهادتين وصام وصلى، فإن لسانك في فمك وقلمك بيدك وما الله بغافل عما تعملون وهو المستعان على ما تصفون. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
(المسألة الثانية في التوسل) كلام الوهابيين في التوسل
قالت الوهابية: لا يجوز التوسل بالموتى ممن ثبتت مكانته عند الله ورفع الحوائج إليهم. محتجين - تارة - كما عن ابن عبد الوهاب بأنه خطاب لمعدوم، وذلك قبيح عقلاً، لعدم قدرة الميت على الإجابة، و -أخرى - كما عن ابن تيمية: بأنه شرك. قال في ص ١١ من الجزء الأول من منهاج السنة: والذين تدعون من دونه لا يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير.
وقالت الإمامية: يجوز سؤال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة قضاء الحوائج وتفريج الكرب بعد موتهم، كما يجوز ذلك حال حياتهم، لعدم كون ذلك من خطاب المعدوم أولا، ولا كونه شركاً ثانياً.
أما عدم كون نداء الأموات توجيهاً للخطاب نحو المعدوم: فلأن
للميت من الإدراك والشعور والالتفات مثل ما له حال الحياة، بل أزيد لإجماع المسلمين عليه، بعد الكتاب والسنة.
قال الغزالي - الذي هو من أئمة الشافعية - في إحياء العلوم: ظن بعضهم أن الموت هو العدم، وهذا رأي الملحدين، وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا معنى ما يقال: الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا، فإن أول ما ينكشف له ما يضره وما ينفعه من حسناته وسيئاته، فلا ينظر إلى سيئة إلاّ ويتحسر عليها.
الأدلة على التفات الميت ودركه الأشياء
أقول: فقول الوهابيين مردود بالإجماع السابق عليهم واللاحق لهم: بأن الموت ليس من العدم.
أما الكتاب: فطوائف، منها:
ما نزل في حق عامة الناس من قوله تعالى:( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ، وقوله سبحانه:( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيب ) ومنها ما نزل في حق المؤمنين من قوله تعالى:( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشي ) وقوله تعالى:( إن الأبرار لفي نعيم ) وقوله سبحانه:( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) .
ففي صحيح البخاري: إذا جلس المؤمن في قبره أتى ثمّ يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله فذلك قوله عزّ وجلّ:( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) .
ومنها: ما نزل في حق المجرمين من العصاة والكفار من قوله تعالى:
( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) وقوله سبحانه:( إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حق ) .
ففي البخاري: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أتى قليب بدر وخاطب المشركين بهذه الآية، فقيل له: إنك تدعو أمواتاً. فقال: ما أنت بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون.
اثبات الحياة البرزخية
ومنها: ما هو صريح في الحياة الدائمة بعد الارتحال عن الدنيا، كقوله تعالى:( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ) وقوله تعالى:( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) ، وقوله تعالى:( يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) ، أي يقول الكافر: يا ليتني قدمت في الدنيا التي حياتها منقطعة لحياتي التي هي دائمة، ولذا قال: لحياتي. ولم يقل: لهذه الحياة. تنزيلاً للحياة المنقطعة منزلة العدم، فكأنها ليست الحياة بعد مفارقة الروح البدن العنصري إلى الحياة في الآخرة.
ومنها: ما نزل في حق الشهداء:( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) .
ومنها: ما اشتمل على خطاب الله مع المؤمنين مثل قوله تعالى:( يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) فلو كانت النفوس البشرية بعد مفارقة الأرواح عن الأبدان معدومة
لا يجوز الخطاب معها، فكيف وقع الخطاب لهم من الله تعالى؟ أم كيف أنهم خاطبوا الله بقولهم: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت. أو قالوا في القبر: ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
وأما السنة: فحسبك أبواب الصحاح والسنن من باب: إن الميت يسمع خفق النعال، وباب: إن الميت يتكلم في القبر، وباب : إن الميت يرى مكانه من الجنة والنار، وباب: كيفية السلام على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلى سائر المؤمنين إذا أتى الرجل المقابر.
وفي صحيح البخاري في باب كيفية فرض الصلاة وملاقاة النبي - ليلة الإسراء - الأنبياء: من آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، وتكلمه معهم سلام الله عليهم، من حديث ابن حزم وأنس بن مالك: أنه قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : فرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسىعليهالسلام ، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك، فان أمتك لا تطيق فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فقلت: وضع شطرها. فقال راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق. فراجعته، فقال: هن خمس، هن خمسون، لايبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك فقلت استحيت من ربي.. الحديث.
وفي سنن النسائي وإحياء العلوم: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغون من أمتي السلام.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أكثروا علي من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة علي.
قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال: إن الله تعالى قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق.
قوله: فنبي الله حي يرزق. ظاهر في العموم، لأن الإضافة تفيده فإذا كان الأنبياء والشهداء أحياء يرزقون. ويشهدون الصلاة والسلام ممن يصلي عليهم من قريب أو بعيد، فكيف لا يشهدون نداء من يناديهم، واستغاثة من يستغيث بهم؟
وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : علمي بعد مماتي كعلمي في حياتي.
وفي إحياء العلوم: إن الله وكل ملكاً يسمعني أقوال الخلائق.
واما عدم كون التوسل - بالميت - إلى الله شركا: فلأنه نظير التوسل بالحي، وسؤاله قضاء الحوائج بواسطة دعائه من الله تعالى، فكما أنه ليس من الشرك كذلك التوسل بالميت، فيجعل أحد التوسلين كالآخر بجامع السؤال من المخلوق، إذ لا وجه لتوهم كونه شركاً، إلاّ كونه دعاء لغير الله تعالى، فإذا جاز بالنسبة إلى الأحياء جاز مطلقاً.
أما أولاً فلكونه من التعاون المأمور به شرعاً في قوله تعالى:( وتعاونوا على البر والتقوى ) ففي البخاري قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : فكوا العاني وأجيبوا الداعي. ولم يقلصلىاللهعليهوآلهوسلم : ارفضوه لأنه أشرك!!
وأما ثانياً فلوقوع نداء المخلوق والدعاء له، والالتماس منه في الكتاب.
لقوله سبحانه:( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ) وورود
سؤال الحواريين عيسىعليهالسلام نزول المائدة لهم من السماء وسؤال قوم موسى منه الاستسقاء وقال سبحانه - حكاية عن يوسف -:( اذكرني عند ربك ) وعن موسى والخضر:( فانطلقا حتى أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهم ) :
فلو جاز ليوسف أن يقول للكافر:( اذكرني عند ربك ) أعني الملك، ولموسى والخضر أن يستطعما أهل القرية، جاز لنا بطريق أولى أن نقف أمام قبر محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ونقول له:( اذكرني عند ربك ) ونطلب منه الحاجة، ولو بواسطة دعائه لله.
فابن تيمية وأتباعه هل يجدون من أنفسهم جواز استعانة سليمانعليهالسلام في إحضار عرش بلقيس بجلسائه، وفيهم عفريت، ويقول لهم:( أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) ولا يجدون من أنفسهم الاستعانة والتوسل بمحمد وآله الطاهرين الذين هم سفن النجاة وباب حطة، وأحد الثقلين اللذين يجب التمسك بهما؟
فلو جازت هذه الأسئلة ولم تكن شركاً جاز سؤال الأنبياء والأولياء عند الوقوف على قبورهم، أو من مكان بعيد إجابة المضطر ولا يكون طلباً من العاجز، لأنه تعالى وصف نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله تعالى: وما نقموا منه إلاّ أن أغناهم الله ورسوله، وقوله تعالى:( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) ، وقوله عزّ شأنه:( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي عليهم ) . والمراد بها المحنة والمشقة. سواء كانت دنيوية أو أخروية، ولقد قال تبارك اسمه؛( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم ) .
ومقتضى عموم رأفته ورحمته بالمؤمنين قضاء حوائجهم بشفاعته لهم إلى الله تعالى.
قال الرازي: المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة.
أقول؛ ومن كان هذا شأنه جاز الوفود عليه، والتوسل به وعدم الإعراض عنه إلى غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، بخلاف الأنبياء لقوله تعالى فيما اختص به عيسىعليهالسلام :( إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً باذن الله، وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ) .
وقال تعالى - في حق إبراهيمعليهالسلام -:( فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثمّ اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثمّ ادعهن يأتينك سعي ) . كل ذلك مضافاً إلى ما ورد في الكتاب والسنة من معجزات الأنبياء، وخوارق العادات الجارية على أيديهم،
توسل عمر بعم النبي العباس
وأعجب من ذلك: دعوى الشيخ سليمان النجدي اختصاص التوسل بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دون غيره، مع أن في صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قحطنا فسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.
وفي خلاصة الكلام عن العلامة القسطلاني - في المواهب: أن عمر لما استسقى بالعباس قال: أيها الناس إن رسول الله كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا به في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله.
ففيه التصريح بالتوسل بغير النبي، لأن فعل عمر حجة عند الجميع، بل وفعل الصحابة، لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أصحابي كالنجوم. بأيهم اقتديتم اهتديتم.
ومع ذلك فهل يتوهم أن هؤلاء الذين التجوا بالنبي عند القحط أشركوا في توسلهم؟ أو أنهم أعرضوا عن قوله تعالى:( ادعوا ربكم ) (١) وقوله تعالى:( فلا تدعوا مع الله أحد ) (٢) .
أو أن عمر أراد من ضمه العباس في الدعاء الشرك بالله؟ أو أنه لم يعرف من معالم الدين قدر ما فهمه الوهابيون؟ كلا، إن هذا بهتان عظيم على أمناء الدين.
____________________
(١) الاعراف: ٥٥.
(٢) الجن: ١٨.
فلو كان التوسل ونداء غير الله شركاً لما كان فرق بين المستغاث به حياً أو ميتاً، وكون الحي قادراً لا دخل له بمسألة الإيمان والكفر ولم يذهب أحد من العلماء في أصولهم: إلى أن اعتقاد القدرة من العقائد الدينية، مع أن لازمه أنه إذا اعتقد المضطر قدرة المتوسل به وإن كان ميتاً لما كان التوسل به شركاً، أو أنه اعتقد عجز الحي والتجأ به كان شركاً، ولم يقل به أحد.
نعم: السؤال من العاجز مع إحراز عجزه لغو، لا أنه شرك، وإلاّ لزم انقلاب الإيمان إلى الشرك، وبالعكس عند تبديل العجز بالقدرة والتمكن بعدم المقدرة!
فإن قلت: إن الله تعالى أعطى القادر من عباده القدرة والقوة وأنا اطلبه مما أعطاه الله تعالى.
قلت: الجواب من ذلك هو الجواب الذي قاله ابن عبد الوهاب حرفاً بحرف في الرد على من قال بصحة الاستشفاع بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والأئمةعليهمالسلام .
فنقول: إن الله أعطاه القدرة، ولكن نهاك عن دعاء المخلوق في قوله( لا تدع مع الله أحد ) وقوله:( ادعوا ربكم تضرع ) ، وقوله تعالى:( فصل لربك وانحر ) ، وقوله:( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ) .
فان قلت: إن الحول والقوة إذا كانا من جانب الله كان دعاء القادر دعاء لله لا دعاء مع الله.
قلنا: إذن لا فرق بين الوقوف بين يدي القادر المتمكن والسؤال منه
أو الوقوف على قبره وجعله شفيعاً إلى الله في قضاء الحوائج، ودعوى الفرق مكابرة صرفة في المهم.
فإن قلت: إن ذلك من جعل الآلهة نظير وقوف المشركين على أحجارهم وأخشابهم التي كانوا يعبدونها في الجاهلية.
قلنا: الوقوف بين يدي الحي والالتماس منه أيضاً من جعل الآلهة نظير وقوف عبده موسى وعيسى ومريم، والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فالوقوفان على نمط واحد؟
فما للوهابيين لا يكادون يفقهون حديثاً؟؟!!
ثمّ إن الجواب عما استدل به ابن تيمية لمنع رفع الحوائج إلى قبور الأنبياء والصالحين: أن قوله تعالى( إن الذين تدعون من دون الله... إلخ ) ..
هو إنها - باتفاق المفسرين - واردة في خصوص الكفار والمشركين العاكفين على أصنامهم، بزعمهم أن البدائع السماوية مفوضة إلى الكواكب التي على صورتها تلك الأصنام حسب تخيلهم، فأبطل الله دعواهم بأن تلك الأصنام جماد ليس من شأنها السماع، ولا تتمكن من إجابة الدعوة، فكيف تتمكن من الأفاعيل الخارقة للعادة؟؟
ثمّ إنه سبحانه حكم بشركهم لاتخاذهم تلك الأصنام شريكاً لله في الخلق وتدبير العالم وجوزوا عبادتها خلافاً لله تعالى فيما نهاهم عنه على لسان أنبيائه بقوله تعالى:( فلا تجعلوا لله أنداد ) وقوله سبحانه:( أتعبدون ما تنحتون ) .
وأين هذا ممن لا يعتقد في الأنبياء والصلحاء الخلق والتدبير ولا يعتقد
عبادتهم؟ بل ولم يقف أمامهم إلاّ بغرض الاستشفاع الذي نطق به الكتاب والسنة.
ان الأمور بإرادته ورضاه
ثمّ إن للوهابية حججاً غير وافية بمقصودهم من حرمة الاستشفاع والتوسل والاستعانة.
(أحدها) قوله تعالى:( إن الأمر كله لله ) .
وفيه نظر واضح، فإن الأمر - وإن كان كله لله تعالى - فلا يكون إلاّ بإرادته ورضاه، إلاّ أنه لا ينافي ثبوت الشفاعة الحسنة للأنبياء والأولياء في الدنيا والآخرة بعد الإذن من خالق البرية، كما أنه لا ينافي ثبوت الخلق وإحياء الموتى وشفاء المرضى لعيسىعليهالسلام بعد الإذن من خالق السماء فالموحدون طراً على أنه لا حول ولا قوة إلاّ بالله، وأنه ما من شيء إلاّ عنده خزائنه وما ينزله إلاّ بقدر معلوم.
لكنه تعالى مع ذلك جعل لكل شيء سبباً، وأبى أن يجري الأمور إلاّ بأسبابها المتعارفة، ولولاه لما قال موسىعليهالسلام ( هذه عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ) أو يقول لأهله:( امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ) .
فالأنبياء مع أنهم معصومون استعانوا بغير الله تعالى، حتى نزل في حق محمدصلىاللهعليهوآله وسل:( يا أيها النبي حسبك ومن اتبعك من المؤمنين ) .
قال ابن تيمية: إن قوله تعالى( ومن اتبعك ) معطوف على الكاف في حسبك، والمعنى حسبك الله وحسب من اتبعك.
أقول: هذا خلاف لظاهر الآية ومناقض للصناعة النحوية، للزوم العطف على الضمير المجرور بلا إعادة الجار - أعني المضاف وهو لفظ حسب - فمقتضى ظاهر الآية كون النبي مستمداً من الله ومن المؤمنين، كاستمداد عيسىعليهالسلام بالحواريين حيث قال: من أنصاري إلى الله، وكاستمداد موسى بأخيه هارون حتى نزل في حقه:( سنشد عضدك بأخيك ) ، وقال لوطعليهالسلام ( لو كان لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) . وقال سبحانه:( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ) - أي قويناهما بثالث.
استنصار الله والانبياء بالمخلوقين
ومع هذه الآيات البينات كيف تنكر الوهابية جواز الاستمداد بالمخلوق والحال إن الله تعالى - مع قوته القاهرة - استنصر عباده بقوله عزّ شأنه.( إن تنصروا الله ينصركم ) . وقوله تعالى:( والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون ) . وثانيهما ما عن بعض علماء الهند من أن الاستعانة بالمخلوق ينافي الحصر المستفاد من قوله تعالى:( إياك نعبد وإياك نستعين ) .
والجواب عنه أولاً: أن المقصود من الآية الاستعانة بالله في العبادة والهداية، بقرينة قوله:( إياك نعبد ) وقوله( اهدنا الصراط المستقيم ) فكأن المصلي يقول: يا رب أتيت بالعبادة وبك أستعين في إتمامها.
فإن قلت: الظاهر العموم، وأن المعنى أستعين بك يا رب في جميع أموري ولا أستعين بغيرك.
قلت: هذه المرتبة من التوكل على الله والتوسل به تعالى - وإن كانت راجحة لقوله سبحانه: ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وقوله: فإن تولوا فقل حسبي الله عليه توكلت - إلاّ أن الكلام في وجوبها عقلاً وسمعاً، والظاهر عدم وجوبها عقلاً بعد اعتقاد العبد أن المدبر الحقيقي هو الله، وأن الاعتماد على غيره من باب أنبت الربيع البقل، وأن الأسباب مقتضيات عادية عليها ولذا قال سبحانه: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، ولا وجوبها شرعاً وإلا لزام شرك الأنبياء حيث استعانوا بغير الله، ولزم الأمر بالشرك في قوله تعالى:( تعاونوا على البر والتقوى ) .
وثانياً: إن مقتضى الآية حرمة الاستعانة بالمخلوق حيهم وميتهم وهذا ينافي التفصيل الذي ذهب إليه ابن عبد الوهاب، فإنه في رسالته في الرد على شيخ الطائفة الإمامية الشيخ جعفر النجفي عند استدلاله «قده» لجواز التوسل بالمخلوق بأن الناس يوم القيامة يزحفون إلى آدمعليهالسلام ثمّ إلى نوحعليهالسلام ثمّ إلى إبراهيمعليهالسلام ثمّ إلى موسى ثم إلى عيسى، وكلهم يعتذرون حتى ينتهي إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فهذا يدل على أن التوسل بغير الله تعالى جائز وليس شركاً.
قال: الجواب أن الاستعانة بالمخلوق على ما يقدر عليه لا ننكرها، كما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحروب وغيره في أشياء يقدر عليه المخلوق، وإنما نحن أنكرنا الاستغاثة التي يفعلونها عند قبور الأولياء في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلاّ الله تعالى.
مناقضة ابن عبد الوهاب نفسه في الاستعانة
قلت: ما الوجه في الإقرار بالأول وإنكار الثاني، مع أن الدليل لا يساعد على هذا التفصيل، فإن كان منشأه عجز الميت وقدرة الحي لزمه عدم جواز التوسل بالحي في صورة عجزه، وإن كان لأجل منافاة سؤال المخلوق لدعاء الخالق فذلك يقتضي عدم جواز السؤال من الحي وإن كان قادراً.
فأين قوله «إنا لا ننكر الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه» فما ذكره ابن عبد الوهاب أشبه شيء بكلام من ضاق عليه الخناق، فلا يدري ماذا يقول فيتشبث تارة بأن دعاء المخلوق وندائه عبادة له فيكون شركاً، وأخرى يكون دعاء الميت لغواً، فإن كان لغواً فمن أين يكون شركاً؟ إذ لا تلازم بين اللغوية والشرك، وإن كان شركاً فمن أين جاء التفصيل بين كون المتوسل به حياً أو ميتاً.
وحيث أنه لم يعرف معنى كلام شيخ الطائفة أورد عليه بما لا محصل له والعجب من قول ابن عبد الوهاب في رسالته: الاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف.
فإنه يرد عليه أن الغرض من الاستغاثة بصالح المؤمنين دعائهم إلى الله لصاحب الحاجة حتى يستريح من العناء والشدة فإن لهم سلام الله عليهم دعوة مستجابة.
وأعجب من ذلك قوله في كشف الشبهات كان أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يسألونه في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا، إنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف دعاء نفسه؟
فإنه يرد عليه أما أولاً فلأن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينكروا التوسل بالنبيصلىاللهعليهوآله حال حياته ولا بعد وفاته، بل كانوا يتوسلون به من قبل وجوده، وعليه مذهب المسلمين كافة ما عدا الطائفة الوهابية الذين عبروا عنه بالشرك الأكبر، وأباحوا لأجله دماء المسلمين وأموالهم على خلاف الكتاب والسنة وما عليه الصحابة. وذلك لما رواه البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح - كما قاله أحمد بن زيني دحلان في خلاصة الكلام - من أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر، فجاء بلال بن الحرث إلى قبر النبيصلىاللهعليهوآله ، وقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم هلكوا، فأتاه رسول الله في المنام فأخبره أنهم يسقون.
وليس الاستدلال من حيث الرؤيا، إذ لا يثبت بها الحكم شرعاً. وإنما الاستدلال بفعل بلال الذي من الأصحاب، فإتيانه لقبر النبيصلىاللهعليهوآله وندائه وطلبه الاستسقاء لأقوى دليل على أن ذلك أمر جائز وليس من الشرك.
وفيها أيضاً رواية الطبراني والبيهقي: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان في زمن خلافته في حاجة، فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فشكى ذلك لعثمان بن حنيف فقال له: ائت الميضاة فتوضأ ثمّ ائت المسجد فصل، ثمّ قل: «اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربك لتقضي حاجتي» وتذكر حاجتك، فانطلق الرجل فصنع ذلك
ثمّ أتى باب عثمان فجاءه البواب فأخذه بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه وقال: أذكر حاجتك فذكر حاجته فقضاها.
وفيها أيضاً: روى البيهقي باسناد صحيح في كتاب دلائل النبوة - الذي قال فيه الحافظ الذهبي: عليك به كله هدى ونور - عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلاّ ما غفرت لي... الحديث.
فيمن توسل بقبر النبيصلىاللهعليهوآله
قال أحمد بن زيني دحلان: رواه الحاكم وصححه والطبراني.
وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك للدوانيقي، وذلك أنه لما حج المنصور وزار قبر النبيصلىاللهعليهوآله سأل الإمام مالكاً - وهو بالمسجد النبوي - وقال له: يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله؟ فقال مالك: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك. قال الله تعالى:( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاسغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيم ) ... انتهى.
ومما يدل على جواز التوسل بالنبي بعد وفاته ما في خلاصة الكلام عن العلامة السمهودي قال: روى الدارمي في صحيحه عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا إلى قبر رسول الله فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب.
فعلم من جميع ذلك أن التوسل والتشفع بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبجاهه وببركته من سنن المرسلين وسيرة السلف الصالحين، لا كما توهمته الوهابية من أن نداء الأموات والغائبين لم يجوزه الشرع، وأنى لهم بذلك والحال أن الشرع على خلافهم؟
ويكفيك الأحاديث الواردة في زيارة القبور المشتملة على النداء والخطاب للميت من قول: «السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين» وما ورد في تلقين الميت بعد دفنه من الخطاب والنداء المتفق عليه من قول الملقن: يا عبد الله هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لا آله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله.
وقد أسمعناك نداء النبيصلىاللهعليهوآله كما في البخاري وغيره من الصحاح والسنن كفار قريش بعد إلقائهم في القليب وقال: إنهم يسمعون ولكن لا يجيبون وأين ندائهم هذا، من نداء من يسمع نداء الخلائق ويجيبهم ويرد سلام من يسلم منهم عليهم لأنهم أحياء يرزقون، فيجوز نداؤهم والوقوف على قبورهم والاستشفاع بهم، وليس من الشرك كما عن الوهابية تدليساً على الجهلة وإغواء لهم عن أن ينالوا ببركة النبيصلىاللهعليهوآله أعظم المثوبة، وترتفع عنهم السيئة العظيمة ولا يقعوا في المخاطرات الدنيوية والأخروية.
وأما ثانياً فلنا سؤال: إن السلف لماذا أنكروا دعاء الله عند قبر النبي والحال أن القبر وجوانبه حرم الله وحرم رسوله ومحل الوحي ومهبط الملائكة، وكل مكان كان كذلك استحق زيادة الفضيلة لدعاء الله التي هي العبادة، ففي كتب المناسك لعلماء المذاهب جميعاً عند ذكرهم زيارة النبيصلىاللهعليهوآله
أنه يستحب للزائر أن يدعو الله عند القبر ويتوسل إلى الله في قضاء حوائجه وغفران ذنوبه، ويقول:( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيم ) .
الدعاء عند قبر النبيصلىاللهعليهوآله
وأما ثالثاً سؤال الوجه لإنكارهم دعاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه بقول «يا رسول الله أسألك الشفاعة» فإن كان الوجه خلو النص من الشارع عن مثل هذا الدعاء.
قلنا: يكفيك ما ذكرنا من نصوص الكتاب والسنة في التوسل بالنبي بل بمطلق أهل بيته حتى مثل العباس الذي يكون عليعليهالسلام أفضل منه.
وإن كان الوجه كون الطلب من النبي وندائه ودعائه شركاً لله - كما عن جملة من علماء نجد في رسائلهم وصرح بذلك ابن تيمية في الفرقان - قلنا: إن الشرك لله بواسطة دعاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يختص ببعد مماته، بل يعم حال حياته لأن الأمر كله لله، وإن له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء.
فإن قلت: الشرع جوز دعاء الحق ونداءه. قلنا: الشرع لا يجوز الشرك وعبادة غير الله، فإذا جاز التوسل بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حال حياته - كما هو المسلم عند ابن عبد الوهاب - فلا محالة يستلزم ذلك أحد الأمرين:
إما عدم كون دعاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم منفكاً عن دعاء الله تعالى، وإما عدم كون دعاء المخلوق عبادة له، لعدم اشتماله على أوصاف العبادة من الخضوع والخشوع والابتهال والوقوف بين يدي المعبود.
فإن الدعاء لا يمتحض في العبادة إلاّ لأجل الأمور المزبورة التي لا تجري في الاستشفاع والتوسل والاستغاثة بالنبي والأئمة، فليس لها في قلوب المؤمنين تأثير سوى أنه ببركة دعاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن له الأهلية تزول عنهم غائلة المحنة والشدة في الدنيا والآخرة.
المنع في أن دعاء غير الله عبادة
وثالثها قول الوهابية: إن الدعاء مخ العبادة، والعبادة لا تجوز لغير الله تعالى لأنها شرك.
والجواب عنه: المنع عن أن مطلق الدعاء عبادة، فضلاً عن أن يكون روح عبادة، وإنما الدعاء من الدعوة ومنها قوله تعالى:( ندع أبناءن ) وقوله تعالى( ثمّ ادعهن يأتينك سعي ) وقوله سبحانه:( ولا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعض ) وقوله تعالى:( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) .
فإن المراد من الدعاء فيها النداء، وليس كل نداء دعاء وكل دعاء عبادة، بل ولا دعاء الله عبادة لمحض ندائه ومجرد خطابه، وإنما يكون عبادة إذا اشتمل على ما اشتملت عليه العبادة من الخضوع والإقرار بالإلهية للمعبود، وأين هذا من دعاء النبي والأئمة والاستغاثة بهم نظراً إلى أنهم مأذونون في الشفاعة ولهم القرب والمنزلة والدعوة المستجابة عند السلطان كالمقربين؟.
وقد أسمعناك ما في حديث بلال ورواية ابن حنيف ودعاء الضرير من القول: يا محمد إني أتوجه إليك.
عدم كون النداء دعاء وعبادة
فإن قلت: دعاء المخلوق عبادة لاشتماله عن الخضوع والمذلة.
قلت: أولاً لازمه كون السؤال من الأحياء أيضاً شركاً. وثانياً المنع عن اشتمال مطلق سؤال الأنبياء والأولياء على ما اشتملت عليه العبادة إلاّ عند الغالين فيهم، كمن اتخذ عيسى وموسى إلهين من دون الله. وثالثاً المنع عن كون مطلق الخضوع والذل من لوازم العبادة لو لم يكن بين يدي المعبود، ولذا أمر الله تعالى الولد بخفض الجناح لوالديه على وجه الذل بقوله:( واخفض لهما جناح الذل ) .
قال الرازي في تفسير قوله تعالى:( وقضى ربك ألاّ تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحسان ) أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله وثلث بالبر بالوالدين، وهذه درجة عظيمة ومرتبة عالية في تعظيم هذه الطاعة. أي طاعة الوالدين.
المراد من العبادة الطاعة
ورابعاً: ما عن ابن عبد الوهاب وأتباعه حيث جعلوا إطاعة غير الله عبادة له وشركاً لله. قال في كشف الشبهات: متى دعوت الله ليلاً أو نهاراً خوفاً أو طمعاً ثمّ دعوت في تلك الحاجة نبياً أو ولياً أشركت في عبادة الله غيره حيث أطعت غيره.
فإنه يتوجه عليه أولاً أنه لو كان المراد من العبادة الامتثال والطاعة لزم شرك العبيد والزوجات حيث يجب عليهم امتثال أزواجهم ومواليهم وأي امتثال في الشرع أعظم من امتثال العبيد؟ حتى أن الله تعالى سلب عنهم القدرة
والاختيار في جنب سيدهم لقوله سبحانه:( عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ) فهل يتوهم أن الله تعالى حيث أمرهم بهذه الطاعة جعل لنفسه المقدسة شريكاً في العبادة. وثانياً أنه لو كان المراد من العبادة الامتثال والطاعة يتوجه على ابن عبد الوهاب سؤال أنه هل يجوز مثل تلك الطاعة لغير الله تعالى أم لا؟ فإن قلت: لا فقد أبطلت قول الله تعالى:( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وإن قلت: نعم ؛ عبدت المخلوق وخالفت ربك فيما نهاك عنه. وإن قلت: لا تنفعك إطاعة الرسول وإطاعة أولي الأمر عن إطاعة الله. قلنا: ما الوجه في ذلك؟ هل هو بجعل من المخلوق أو بجعل من الخالق؟ فإن قلت بالأول، رجعت إلى عبادة الصالحين، وإن قلت: أنه بجعل من الله تعالى وإذنه ورضاه. قلنا: إن شفاعة الأنبياء وكونهم وسيلة إلى الله تعالى أيضاً بجعل من الله تعالى، فيكون الاستشفاع والتوسل بهم - حقيقة - عبارة عن الاستعانة بالله في طلب الحاجة منه بشفاعة عبده المقرب عنده.
المسألة الثالثة
قالت الوهابية: لا يجوز بناء القبور وتشييدها وجعل الضرايح عليها وأن ذلك شرك وفاعله مشرك.
وقالت الإمامية: يجوز بناء القبور للأنبياء والأولياء وتشييدها وحفظها عن الاندراس والانطماس، وإن ذلك تعظيم للدين.
واستدل ابن تيمية ومن تابعه من الوهابية:
أولاً: رواية أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟ أن لا أدع قبراً مشرفاً إلاّ سويته ولا تمثالاً إلاّ طمسته؟... فقرن بين طمس التماثيل وتسوية القبور المشرفة، لأن كليهما ذريعة إلى الشرك.
البناء على قبور الانبياء والأئمة
وثانياً: بما في كتاب الله من الأمر بعمارة المساجد ولم يذكر المشاهد وقال سبحانه:( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) لا عند كل مشهد... إلى أن قال: فالرافضة بدلوا دين الله فعمروا المشاهد وعطلوا المساجد مضاهاة للمشركين ومخالفة للمؤمنين.
وثالثاً: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إنما شرع لأمته عمارة المساجد ولم يشرع لهم أن يبنوا على قبر النبي، ولا رجل صالح من أهل بيته، مسجداً ولا مشهداً - انتهى.
والجواب عنه (أما أولاً) فلقد باهت في قوله «إن الشيعة عطلوا المساجد» إلخ، لأن الإمامية يرون من الفرض على أنفسهم عمارة المساجد وإقامة ذكر الله تعالى فيها بأزيد مما يرونه بالنسبة إلى المشاهد. نعم لبعض المشاهد عندهم مزية وزيادة فضيلة من بين المعابد، لاشتمالها على جهتين: جهة المسجدية، وجهة المشعرية، كحرم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي هو حرم الله وحرم رسوله، ومشهد مولانا عليعليهالسلام وحرم الحسينعليهالسلام لأنها مساجد ومشاعر. ولا إشكال في اختلاف البقاع من حيث الفضيلة.
ولأجل اشتمال المشاهد المزبورة على زيادة الفضيلة ترى الإمامية - بل والمسلمين - يزدلفون إليها ويزدحمون فيها، وإلاّ فالمساجد عند الإمامية لا تخلو عن إقامة الصلاة فيها كما هو دأبهم في بلادهم، فيعمرونها ويواظبون عليها، بل يعمرون كل مقام ومشهد فيه من شعائر الإسلام شيء لأنه تشييد للدين، ولكن تلك المقامات من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
وأما ثانياً: فلأن رواية أبي الهياج لا دلالة فيها على أن المراد بالتسوية جعل المدفن مساوياً للأرض من غير تعلية بل اللفظ في هذا الخبر كاللفظ في قوله( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) وقوله تعالى( رفع سمكها فسواه ) .
والمراد من التسوية في الآيتين التعديل في رفع السماء وخلقة البشر، كما قال عزّ شأنه:( فسواك فعدلك ) .
وأقرب محتملات التسوية وأظهرها في الرواية هو تسطيح القبر، وذلك
لعدم ذكر المعادل أولاً، والتقييد بالشرف ثانياً... وإلاّ كان التقييد لغواً فتدل الرواية على رجحان التسطيح على التسنيم.
مناقشة أدلة تحريم البكاء على القبور
والعجب من ابن تيمية أنه كيف استدل برواية أبي الهياج على منع البناء على القبر وأنه من صنع أهل الشرك، والحال أنه عند قول العلامة من أن المشروع تسطيح القبور وإنما تركته أهل السنة وذهبوا إلى التسنيم لما صار شعاراً للشيعة قال: إن مذهب أبي حنيفة وأحمد أن تسنيم القبور أفضل - كما ثبت في الصحيح أن قبر النبي كان مسنماً، والشافعي يستحب التسطيح لما روى من الأمر بتسوية القبور. ورأى أن التسوية هي التسطيح. قال بعض الأصحاب: إن هذا شعاراً للرافضة فيكره ذلك، وخالفهم جميع الأصحاب وقالوا بل هو المستحب وإن فعلته الرافضة - انتهى.
فإنك ترى أنه كيف أقر ثانياً بما أنكره أولاً، فذهب إلى ما هو المجمع عليه بين الأصحاب، وعليه صحيح الخبر - كما في البخاري - من رجحان جعل الأثر للقبر وتعليته عن الأرض مسطحاً، وحمل هو أخيراً خبر أبي الهياج - تبعاً للشافعي - على التسطيح، مع أنه حمله أولاً على الطمس، إذ لا أقل من الاحتمالين في اللفظ بين الطمس والتسطيح مع علو القبر - كما ذهب إلى الاحتمالين شارح النسائي من غير ترجيح.
لكن يؤيد الاحتمال الثاني - بعد ما صح الخبر عن أنه كان قبر رسول الله مرتفعاً عن الأرض لا مساوياً - ما عن الشافعي وغيره: من أن رسول الله سطح قبر ابنه إبراهيم، وما في كتب الحديث: من أنه جعل قبر أبي بكر
مثل قبر النبيصلىاللهعليهوآله مسطحاً ورش عليه الماء، وأقامت عليه عائشة النوح.
المراد من التسوية للقبور
فعلى ذلك لا محيص لابن تيمية عن أحد الأمور: إما الحكم بشرك جميع الأصحاب الذين قالوا بمقالة الإمامية من رجحان تعلية النبي وتسطيحه، أو رفع اليدٍ عن خبر أبي الهياج رأساً، لأنه منفرد بهذا الحديث في كتب الأحاديث كما عن شارح النسائي ناسباً له إلى السيوطي، وإما حمله على أحد الأمرين:
(الأول) أن المراد من التسوية التعديل بهدم سنام القبر إن كان مسنماً أو هدم شرفه إن كان ذا شرف، كما وقع التصريح بالشرف في الرواية.
(الثاني) حمله على استحباب، أو وجوب تخريب قبور المشركين ونبشها كما عقد لذلك باباً في صحيح البخاري وسنن النسائي وابن ماجه «وذكروا فيها أن النبيصلىاللهعليهوآله لما قدم المدينة وأمر ببناء المسجد فأمر بقبور المشركين فنبشت ثمّ بالخراب فسويت - الحديث.
وفي اقتران لفظ التسوية بطمس التماثيل دلالة على أن الأمر المبعوث إليه تسوية قبور المشركين، فإن الصور والتماثيل وجعلها في مقابرهم أو معابدهم من سنن المشركين، كما يشهد له ما في البخاري عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة. أوردها البخاري أيضاً في باب نبش قبور مشركي الجاهلية.
هذا، فلم يبق في البين ما يصح الاعتماد عليه من السنة إلاّ ما رواه مسلم والترمذي وغيرهما: من نهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن تجصيص القبور والبناء عليها وأن يكتب على القبر.
والجواب عن الرواية: (أولاً) أن النهي أعم من الحرمة والكراهة سيما الواقع منه في الأحاديث، (وثانياً) أنها غير معمول بها في شيء من فقراتها الثلاث.
قال محمد بن عبد الهادي الحنفي المعروف بالسندي: أنه قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث في المستدرك: الإسناد صحيح وليس العمل عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب يكتبون على قبورهم، وهو شيء أخذه الخلف عن السلف - انتهى.
أقول: ومثل الكتابة على القبر البناء عليه، فإن إجماع الأمة فضلاً عن الأئمة على البناء على قبور أئمتهم وحفظ مراقدهم عن الإندراس والانطماس حيث يكون الحفظ عندهم شعاراً للدين، فلا يعارض الخبر الواحد الظني هذا الإجماع القطعي بين المسلمين.
اقرار النبي على البناء
كل ذلك مضافاً إلى فعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وفعل من سبقه من النبيين، فإنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أقر على بناء الحجر ولم يأمر بهدمه، مع أنه مدفن إسماعيل وأمه هاجر، وكذلن إقرارهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإقرار خلفائه الراشدين على بناء قبر إبراهيم الخليل وعلى بناء قبور الأنبياء التي هي حول بيت المقدس.
ومثل هذه الأبنية على قبور الأنبياء والمرسلين في صحة الاعتماد عليها لجواز البناء على قبور المؤمنين الحجرة الطاهرة النبوية، حيث أن دفنه في البناء ودفن الصحابة من بعده فيه.
ثمّ إقرار الصحابة على ذلك وعمارة الحجرة المباركة دليل قاطع على جواز البناء على القبر.
فأن قلت: المحرم بناء القبة على القبر دون الدفن في البناء تحت القبة.
قلت: أولاً حرمة البناء على القبر ونهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عنه نظير حرمة استظلال المحرم حال السير ونهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عنه، فكما أن التحريم في المحرم يعمم الاستظلال السابق على الإحرام فيجب عليه تركه لو كان متلبساً به، كذلك التحريم في البناء على قبر فيعم البناء السابق واللاحق.
وثانياً: أنه لو كان البناء على القبر بمنزلة الأحجار والأصنام في الجاهلية - كما قال به ابن عبد الوهاب وابن تيمية - كانت الجهة واحدة بين البناء السابق على الدفن واللاحق له، فدفن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر في الحجرة الطاهرة أقوى حجة على جواز البناء السابق واللاحق. بل ربما يكشف ذلك عن الرجحان للتأسي بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيجوز البناء على قبور أصحابهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته، فإن الجهة واحدة والملاك واحد والإجماع منعقد على عدم الفرق.
فإن لابن تيمية، المصرح بأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يشرع لأمته بناء القبور - المصير إلى الفرق بين قبرهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبور سائر المؤمنين بعدما أثبتنا جوازه عليه وأن النبي شرع البناء على قبره، حسبما أوصى بدفنه في حجرته، لأن المناط واحد والعلة مشتركة.
تعظيم شعائر الله
وأما ثالثاً: فبأن القرآن وإن لم يصح خصوصاً بالبناء على قبور الأنبياء لكنه مصرح به عموماً في قول سبحانه:( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) وقوله تعالى:( ومن يعظم حرمات الله فهو خير له ) وقوله تعالى:( ولا تحلوا شعائر الله ) لأن المشاهد المتضمنة لأجساد النبيين وأئمة المسلمين من معالم الدين الواجب حفظها وصونها عن الإندراس، فإن الحفظ عن الخراب بناءاً وتجديداً من أنحاء التعظيم، كما أن حفظ المسجد عن الخراب تعظيم له.
ثمّ أقول: إن الله تعالى جعل الصفا والمروة من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها، فكيف بالبقاع المتضمنة لأجساد الأنبياء والأولياء. فإنها أولى بأن تكون شعاراً للدين. كيف لا؟ وهي من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فإن المراد من البيت في الآية هو بيت الطاعة وكل محل أعد للعبادة، فيعم المساجد والمشاهد لكونها من المعابد.
ولو لم يكن في الشريعة ما يدل على تعمير المساجد وتعظيمها واحترامها لأغنتنا الآية الشريفة بعمومها عن الدلالة على وجوب تعمير المسجد وتعظيمه وإدامة ذكر الله فيه، لكونه من البيوت التي أذن الله أن ترفع.
ومثل المسجد في جهة التعمير والتعظيم والحفظ المشاهد التي هي من مشاعر الإسلام ومعالم الدين، ولذا تجد إصرار المسلمين على إبقاء مدفن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومدافن أهل بيته الطاهرين ومدافن أصحابه، فمصيرهم إلى حفظ تلك المراقد عن الإندراس في طول هذه المدة لكونه تشييداً للدين وتقوية لشوكة المؤمنين، لا أنه مضاهاة للمشركين - كما قال به زعماء الوهابيين.
وقال ابن عبد الوهاب: إن البناء على القبر بمنزلة الأخشاب والأحجار التي كانت تعبد في الجاهلية، وليته درى حاصل كلامه من أشكال بناء الحجر على قبر إسماعيل وأمه هاجر، وعدم أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بهدم البناء وبناء الحجرة النبوية، وهل يمكن لأحد أن يقول: أن الصحابة الذين دفنوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجرته الطاهرة وأمروا بسد أبواب الحجرة على قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبر الشيخين أرادوا بذلك جعل البناء والحيطان صنماً يعبد من دون الله تعالى.
رد فعل عمر واجتهاده
قال ابن تيمية في منهاج السنة: وكان عمر بن الخطاب إذا رأى المسلمين يتناوبون مكاناً يصلون فيه لكونه موضع نبي ينهاهم عن ذلك، ويقول: إنما هلك من كان قبلكم باتخاد آثار أنبيائهم مساجد.
أقول: إن النهي لعله اجتهاد منه، وإلاّ لم يقل أحد بأن الصلاة في موضع صلى فيه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يكون حراماً باطلاً، ولو سلم كونها منهياً عنها لكن النهي أعم من الحرمة، لما في البخاري من قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدرك رجل من أمتي الصلاة صلاها.
مضافاً إلى أن المسلمين - خصوصاً الإمامية - ينكرون هذه النسبة إلى عمر إذ لو كان عمر ينهى عن ذلك فكيف أبقى آثار الأنبياء، وأبقى أثر قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبر أبي بكر، أم كيف أوصى بدفنه في الحجرة الطاهرة وجعل
قبر أبي بكر قبلة لقبره، كما جعل قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قبلة لقبر أبي بكر فلو كان بناء المدفن بمنزلة الأصنام في الجاهلية لما اهتم عمر وقبله أبو بكر وبعدهما سائر الصحابة ببقاء الحجرة النبوية والدفن عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .. وجمع ذلك يكشف عن أن ما أفتى به ابن عبد الوهاب في هذه المسألة تهجس بالغيب وقول بلا علم، أعاذنا الله من ذلك.
المسألة الرابعة
في تزيين المشاهد بالذهب والفضة والحلي والحلل، وايقاد السراج فيها وتظيلها، فالوهابي حرم كل ذلك واحتج عليه: تارة باللغو والعبث وأنها مما لا ينتفع به الميت، وأخرى بما عن الشافعي من أن عمر رأى قبة على قبر ميت فنحاها وقال: دعوه يظله عمله، وثالثة بحديث ابن عباس: «لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج».
حجية الإمامية القائلين بالجواز:
(أولاً) أصالة الإباحة الدال عليها قوله تعالى:( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) ، وقد أسمعناكها مفصلاً في المقدمة الأولى.
(وثانياً) مقايسة زينة المشاهد ومعلقاتها وحليها وحللها بزينة الكعبة وحللها وكسوتها، فإن الجهة واحدة والإسراف واللغوية وعدم الاستفادة بها علة مشتركة. والحال أن سيرة الخلفاء الراشدين على تعظيم الكعبة بذلك، بل وسيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً - كما تشهد لها التواريخ بل وكتب الحديث.
قال ابن خلدون في مقدمته: وقد كانت الأمم منذ عهد الجاهلية تعظم البيت وتبعث إليه الملوك بالأموال والذخائر كسرى وغيره. وقصة الأسياف وغزالي الذهب اللذين وجدهما عبد المطلب حين احتفر زمزم معروفة، وقد وجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين افتتح مكة في الجب الذي كان فيها سبعون ألف أوقية من الذهب مما كان الملوك يهدون للبيت فيها ألف ألف دينار مكررة
مرتين بمائتي قنطار وزناً وقال له علي بن أبي طالب: يا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يفعل، ثمّ ذكر لأبي بكر فلم يحركه.. إلى أن قال أبو وائل: جلست إلى شيبة قال: جلس إلي عمر بن الخطاب فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلاّ قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم يفعله صاحبك فقال: هما اللذان يقتدي بهما.
قال ابن خلدون: وأقام ذلك المال إلى أن كانت فتنة الأفطس، فإنه أخرج الأموال وقسمها على عساكره».
وأقول: ومن بعد الأفطس كان الأمر على ما كان عليه زمن الخلفاء، فتهدى للبيت ولحرم رسول الله الأموال والذخائر إلى أن قامت فتنة الوهابية في المدينة ومكة المشرفة، فأباحوا ما في الحرمين الشريفين إعراضاً منهم عن سيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسير أصحابه التابعين له بإحسان.
وفي البخاري في باب الاقتداء بسنن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله تعالى:( واجعلنا للمتقين إمام ) قال: أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا.
كراهية التظليل
(وثالثاً) إن ما نقل عن عمر غايته كراهية التظليل دون الحرمة، كيف وقبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر تحت السقف بمرأى ومنظر من المسلمين والصحابة والتابعين إلى يومنا هذا.
مضافاً، إلى ما في البخاري والعقد الفريد من أنه لما مات الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثمّ رفعت... ومعلوم أن القبة تظل القبر
ولأجل ذلك يصح المصير إلى أن الكراهة ربما ترتفع ببعض المصالح العامة، مثل حفظ الزائر والقارئ للقرآن عند القبر عن الحر والبرد، وهي مصلحة راجحة إلى المسلمين وإن لم ينتفع بها الميت.
(ورابعاً) أن رواية ابن عباس - لو صحت - لخالفتها السنة وعمل المسلمين فإن الإسراج عند قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليه المسلمون من زمن الخلفاء إلى يومنا هذا.
(وخامساً) أن كون الإسراج لغواً وعبثاً يدفعه انتفاع المؤمنين بالضياء من الزائرين، سيما القادمين من مكان بعيد، البائتين في نواحي القبر، وكذلك ينتفع به القارئ للقرآن في تلك المشاهد، فلا يكون إسرافاً كما توهم.
المسألة الخامسَة في زيارة قبور الأئمةعليهمالسلام
قالت الوهابية: لا تجوز زيارة قبور الأئمة ولا شد الرحال من الأماكن البعيدة لأجل زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنها من الشرك وعبادة لغير الله تعالى.
قال ابن تيمية في ص ١٣١ من الجزء الأول من كتاب منهاج السنة: قد علم من ضرورة دين الإسلام أن النبي لم يأمر بما ذكروه - يعني الإمامية - من أمر المشاهد، ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين بل هذا من دين المشركين الذين قال الله تعالى فيهم:( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسر ) .
قال ابن عباس: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، لما ماتوا عكفوا على قبورهم، فطال عليهم الأمد، فصوروا تماثيلهم ثمّ عبدوهم.. إلى آخر كلامه.
وقال أيضاً في جملة كلام له على الإمامية: إنهم يعظمون المشاهد المبنية على القبور، فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجون إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج إلى الكعبة، بل يسبون من لا يستغني بالحج إليها عن الحج الذي فرضه الله تعالى على عباده، وهذا من جنس دين النصارى والمشركين الذين يفضلون عبادة الأوثان على عبادة الرحمن. وقد صنف شيخهم المفيد كتاباً سماه مناسك المشاهد، جعل
قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياماً للناس - انتهى.
واحتج من قال بتحريم شد الرحال إلى زيارة قبر النبي - كابن الآلوسي - بما في البخاري من حديث «لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» - انتهى.
واحتج ابن عبد الوهاب في جملة كلماته في كشف الشبهات على تحريم مطلق ما عليه الإمامية من تعظيم قبور الأنبياء والأولياء وإكرامها والالتزام بها وبآدابها - من الزيارة والدعاء والتوسل وطلب الشفاعة: بأن هذه من جعل الآلهة. قال: ومن الدليل على ذلك أيضاً ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمه بصلاحهم أنهم( قالوا لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) وقول أناس من الصحابة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط، فحلف أن هذا مثل قول بني إسرائيل أن اجعل لنا إلهاً - انتهى.
أقول: الكلام في هذه المسألة يتم في ضمن مباحث:
المبحث الأول تجويز الإمامية زيارة القبور
إن الإمامية على جواز زيارة قبور المؤمنين، وأنها مستحبة شرعاً، فضلاً عن زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لتواتر الأحاديث الصحيحة الصريحة في استحبابها مضافاً إلى عمل المسلمين قاطبة من زمان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى زماننا هذا، فضلاً عن عمل النبي في زيارته شهداء أُحد وحضورهصلىاللهعليهوآلهوسلم لزيارة البقيع:
وفي سنن النسائي وابن ماجة وإحياء العلوم للغزالي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة».
وفيها عن ابن أبي مليكة عن عائشة: أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رخص في زيارة القبور.
وفيها أيضاً عن أبي هريرة قال: زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة.
وفيها أيضاً عن ابن مسعود: أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، فإنها تذكركم الآخرة ولا تقولوا هجراً.
وفي الإحياء عن ابن أبي مليكة قال: أقبلت عائشة يوماً من المقابر فقلت: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلت: أليس كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد نهى عنها؟ قالت: نعم ثمّ أمر بها.
وفي الصحاح والسنن الأحاديث الواردة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكيفية زيارة الأموات، وأن الزائر متى خرج إلى البقيع يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين.
هذه في فضل زيارة الصلحاء، ويكفيك من الأحاديث المعتبرة في فضل زيارة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما رواه البيهقي والغزالي وغيرهم من أنه قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من زارني وجبت له شفاعتي» وهذه شفاعة اختصّ بها الزائر غير شفاعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم العامة للمؤمنين.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة.
وعن نافع عن ابن عمر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من حج ولم يزرني فقد جفاني».
وعن أبي هريرة مرفوعاً عن النبي قال: من زارني بعد موتي فكأنما زارني حياً.
وعن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «من حج وقصدني في مسجدي كانت له حجتان مبرورتان»... إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة البالغة حد التواتر.
قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في رسالته: والذي نعتقده أن رتبة نبينا أعلى مراتب المخلوقين، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته إلاّ أنه لا يشد الرحل إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه.
جواز زيارة النبي حياً وميتاً
أقول:
(أولاً) أنه إذا جازت زيارة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لكونه حياً في قبره جازت زيارة أهل بيته وأصحابه لهذه الجهة، فلا وجه لتخصيصه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالزيارة دون غيره من الأنبياء والصلحاء، كما أنه لا وجه لتخصيص النبي بالزيارة من بين التوسل والاستشفاع والاستغاثة، فإنه إذا اثبت حياته المستقرة وأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم يسمع نداء من يناديه تابعتها آثارها كما لا يخفى.
و(ثانياً) أنه لا وجه لمنع الشيخ شد الرحال إلى زيارة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم غير رواية البخاري، وهي مردودة من وجوه:
أولها: إعراض المسلمين عنها لو كانت لها دلالة، لاستمرار سيرتهم على شد الرحال من الأماكن البعيدة إلى زيارة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وفاته، كما كان يشد إليه الرحال على حياته، فلقياس إحدى الحالتين على الأخرى مدرك واضح، سيما بالنظر إلى قوله: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني حياً».
وثانيها: مخالفتها للنصوص المذكورة الصحيحة المعتضدة بعمل الأصحاب الصريحة في جواز شد الرحال إلى زيارة قبر النبي وقبور أصحابه وأهل بيته من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من حج ولم يزرني فقد جفاني» وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من حج وقصدني في مسجدي كانت له حجتان» ولم يقلصلىاللهعليهوآلهوسلم : وقصد مسجدي كما قاله الشيخ.
وثالثها: إن المستثنى منه الحديث؛ إما خصوص المساجد أو عموم الأسفار. فعلى الأول: المعنى لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
كما صرح بالمستثنى منه الشيخ سليمان النجدي في الهدية السنية قائلاً: وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «لا تشد الرحال إلى مسجد إلاّ لثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».
وعليه لا يعم الحديث المشهد، كما لا يعم سائر الأسفار، ولم يقل بعمومه لها أحد وهذا نظير ما لو قال الموالي لعبده «لا تمض إلاّ إلى ثلاثة أطباء فلان وفلان وفلان» وسماهم بأسمائهم، فإنه لا يفهم منه في أي محاورة وأي لسان حرمة المضي إلى غير الاطباء من العلماء والزهاد.
(وعلى الثاني) يلزم النهي عن مطلق شد الرحال إلى الأسفار المباحة، ولم يقل به أحد مع أنه يلزم تخصيص الأكثر الذي لا يصح حمل الكلام عليه.
المبحث الثاني : تعظيم قبر النبيصلىاللهعليهوآله والأئمة ليس بشرك
في نقل البحث مع ابن عبد الوهاب وأتباعه من الوهابية فنقول:
إن قولهم: «تعظيم قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبور الأئمة بزيارتها والارتحال إليها شوقاً وحباً شرك، وجعل للإله نظير الطلب من موسى مع إيمانهم بالله أن يجعل لهم إلهاً»، الجواب عنه:
أولاً: المنع عن أنهم طلبوا من موسى إلهاً شفيعاً يتقربون به إلى الله وإنما طلبوا منه إلهاً مدبراً، ولذا لما أضلهم السامري وأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار وقال هذا إلهكم وإله موسى فنسي، كفروا واعتقدوا أن العجل هو خالقهم ومدبرهم حيث أن له خواراً.
ويفصح عن ذلك قوله:( هذا إلهكم وإله موسى ) فانه ما كان لموسى إلهٌ وشفيعٌ غير إلهه الخالق المدبر.
وقال المفسرون: المعنى قال السامري إن هذا إلهكم وإله موسى، وأن
موسى نسي ربه هنا وذهب يطلبه في موضع آخر، والقوم إما كانوا في غاية البلادة والجلافة حيث اعتقدوا أن العجل المعمول هو إله السماء والأرض، أو كان اعتقادهم في العجل اعتقاد الحلولية، وعلى التقديرين لا وجه لإنكار ابن عبد الوهاب أن القوم أرادوا من موسى إلهاً خالقاً مدبراً.
ثانياً: إنا لو سلمنا كون القوم باقين على إيمانهم حين ما طلبوا من موسى ذات أنواط، لكن الكفر والشرك ليس في طلبها، ولذا لم يكفرهم موسى بل قال لهم( إنكم قوم تجهلون ) وإنما الكفر والشرك يكون في عبادتها.
ومعلوم أن عبادة غير الله توجب الكفر والشرك، ولكن أين هذا ممن لا يعبد الشفيع في توسله به والاستشفاع منه؟؟
وتوهم أن ذلك عبادة لغير الله، مدفوع بخروجه عن الفهم المستقيم، كما نبهناكم عليه...( بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) .
وثالثاً: إن جعل الشفيع والوسيلة إلى الله تعالى إذا كان من عند الله تعالى لا يضر بالإيمان الخالص بالله، ألا ترى أن الأنبياء سفراء ووسائط بين الخلق والخالق، يتوسل الناس بهم ويشد الرحال إليهمعليهمالسلام شوقاً وحباً وتبركاً بهم، وقضاء للحاجة من الله تعالى بواسطتهم، ولا يكون ذلك من جعل الآلهة؟؟
ومثل ذلك شد الرحال إليهمعليهمالسلام بعد وفاتهم لغرض الحاجة والدعاء والمسألة، أنهم يسمعون نداء من يناديهم واستغاثة من يستغيث بهم.
المبحث الثالث : أدلة الوهابية على حرمة الزيارة
في البحث مع ابن تيمية فنقول إنه استدل في منهاج السنة على حرمة الزيارة بحديث ابن عباس: «لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم زائرات القبور».
والجواب عنه:
أولاً: أنه خبر واحد ظني لا يقاوم الأخبار المتوترة المفيدة للقطع، فلا ترفع اليد عن القطع بالظن.
وثانياً: أن اللعن قبل النسخ. كما تدل عليه رواية ابن أبي مليكة عن عائشة حين أقبلت من المقابر وفيه: قلت أليس كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عنها؟ قالت: نعم ثمّ أمر بها. وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : نهيتكم من زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر.
قال محمد بن عبد الهادي في حاشية النسائي في شرح قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «نهيتكم الخ: جميع بين الناسخ والمنسوخ والنهي والإذن.
وثالثا: النهي متوجه إلى النساء، لحرمة خروجهن من بيوتهن بغير الإذن، أو لما في الخروج من لزوم الفساد.
قال ابن تيمية: الشيعة يعظمون المشاهد مشابهة للمشركين.
ويرده: إن الشيعة وسائر المسلمين يعظمون قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبور الأئمة تعظيماً للدين ولكونها شعائر الله، ومن الحرمات التي أوجب سبحانه احترامها وحرم على الأمة هتكها.
وحسبك لوجوب تعظيم قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما حكاه الغزالي - الذي هو من أئمة الشافعية - عن كعب الأحبار: أنه ما من فجر يطلع إلاّ ونزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى حفوا بقبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك وحتى إذا انشقت الأرض في سبعين ألفاً من الملائكة يوقرونه - الحديث.
ومثل قبر النبي في كونه مهبط الرحمة قبور أهل بيته وأصحابه المنتجبين، فلا يترك زيارتهم تبركاً بقبورهم وحباً وشوقاً إليهم، كما كان الناس يحبونهم ويشتاقون إلى زيارتهم حال حياتهم. وليست الزيارة عبادة للمزور، وإلاّ لما جازت شرعاً زيارة المؤمن حياً مع أنها جائزة وراجحة إجماعاً.
طعن ابن تيمية على الشيعة والرد عليه
وأما قول ابن تيمية: «النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد» فالجواب عنه: أنه قول بلا دليل مع أن لنا الدليل من أمر النبي بزيارة قبره وقبور سائر المؤمنين، ولولا أمره لما كان المسلمون يزدلفون إلى زيارة قبرهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويجعلونه شعاراً لهم ويحجون إليه في كل عام كما يحجون إلى بيت الله الحرام، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من حج وزار قبري كان كمن زارني».
وفي إحياء العلوم في باب زيارة النبي قال نافع: كان ابن عمر - رأيته مائة مرة أو أكثر - يجىء إلى القبر فيقول: «السلام على النبي السلام على أبي بكر السلام على أبي».
وهذا هو العكوف على القبر الذي أنكرته الوهابية على المسلمين وادعت أنه الشرك.
وتندفع بأن الشرك إنما هو مع عدم مشروعية الزيارة، وإلاّ فمع المشروعية والأمر من الشارع لا تكون الزيارة عبادة لغير الله، ألا ترى أن إطاعة أئمة الدين لا يكون خروجاً من الدين، حيث أنه بأمر من رب العالمين؟؟ ومن هنا نقول: إن سجدة الملائكة لآدمعليهالسلام ما كانت شركاً، ولا الأمر بها إشراكاً.
وأما قول ابن تيمية على كل من يجوز الزيارة من فرق المسلمين أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يشرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والأولياء.
فالجواب عنه: إن المسلمين لا يؤدون منسكاً خاصاً عند قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبور أهل بيته وأصحابه إلاّ ما هو الوارد شرعاً، وهي عدة من السنن:
في سنن الزيارة
أحدها: الصلاة والسلام المصرح بهما الشرع كتاباً وسنة: (فمن الكتاب) قوله تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليم ) وقوله تعالى:( وسلام على آل يس ) الشامل لحيهم وميتهم ومثله قوله سبحانه:( وسلام على المرسلين ) .
وأصرح من الجميع قوله سبحانه( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حي ) وقوله تعالى( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حي ) .
(ومن السنة) ما هو الواجب شرعاً فمن أول: «السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته » ومنه يعلم جواز السلام على غير النبي من المؤمنين وأئمة الدين من بعيد وقريب، كل ذلك مضافاً إلى ما ورد في زيارة النبيصلىاللهعليهوآله وزيارة قبور المؤمنين.
وثانيها: التمسح بالضرائح المقدسة وتقبيلها والتبرك بها، فالإمامية حكموا بجوازها، والوهابية صاروا إلى المنع عنها، معللاً بأنها عادات المشركين.
والجواب عنها:
أولاً: إن المتبع في أمثال ذلك - مما لم يرد عنه نهي من الشارع - أصالة الإباحة في الأفعال والأقوال، حسبما عرفت في المقدمة.
وثانياً: إن مجرد كون فعل من عادة جماعة من أهل الضلال لا توجب صيروته حراماً، كما عليه الإجماع الذي في كلام ابن تيمية في منهاج السنة قائلاً: إن الذي عليه أئمة المسلمين أن ما كان مشروعاً لم يترك لمجرد فعل أهل البدع، وأصل الأئمة كلهم يوافقون هذا - انتهى.
وثالثاً: إن المسح لا يكون من الأفعال العبادية المتمحضة في العبادة حتى يكون محرماً عند عدم الوظيفة الشرعية، وإنما هو من الأفعال العادية والحركات البدنية التي لا يتوقف الإتيان بها على صدور الأمر من الشارع، فلو أتى به الإنسان لا بقصد العبادة لم يفعل محرماً، كما لو نظر إلى القبر أو جلس عنده وغير ذلك مما لا يتوقف على اتباع الشارع.
نعم لو أتى به قاصداً به العبادة كان بدعة، وذلك لتوقف العبادة على
الأمر من الشارع المفقود هنا. وأما لو أتى به حباً وشرفاً لصاحب القبر فلا يكون عبادة حتى يكون حراماً مع عدم الاستنان شرعاً.
فدعوى الوهابية أن المسح على القبر عبادة يتوقف على الاتباع دون الابتداع يدفعها ما ذكرنا من المنع الشاهد عليه الوجدان، لنهوضه على أن من يمسح القبر ويمسه أو يستلمه لا يرى من نفسه إلاّ الحب والشوق والتبرك، لا عبادة القبر أو صاحبه.
ورابعاً: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بعادة أهل الكتاب، كما في صحيح البخاري في باب صفة النبي عن ابن عباس: أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يحب موافقة أهل الكتاب.
وفي البخاري أيضاً في باب صيام يوم عاشوراء عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه.
وفيه أيضاً عن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فصوموه.
وخامساً: أن التمسح بقبر النبي واستلامه نظير التمسح بالحجر الأسود وتقبيله واستلامه واستلام الركن اليماني المسنون شرعاً إجماعاً، وعليه الصحاح والسنن.
ففي البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال: لولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك...
فإذا صح أن النبي يقبل الحجر ولم يكن ذلك من نحو تعظيم الشجرة على انها ذات أنواط فليكن التمسح بالقبر هكذا، لوحدة الوجه المشروع.
والعجب مع ذلك مما في رسالة الشيخ أحمد الرومي نقلاً عن الأزرق عن قتادة في قوله تعالى:( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) أنه قال: الناس أمروا أن يصلوا عند المقام ولم يؤمروا أن يمسحوا- انتهى.
فإنه إن كان المسح به حراماً وكان شركاً خفياً فالصلاة أولى بعدم الجواز لعظم شأنها وتمحضها في العبادة. فتكون مفسدة الشرك فيها أعظم من مفسدة المسح، فإن قلت - كما قاله الغزالي -: اللازم عند استلام الحجر تصميم العبد على أنه يبايع الله، لما ورد أن الحجر يمين الله في الأرض.
قلنا: إن الغرض ذلك من مسح قبر النبي وقبر الوصي لما في التنزيل:( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) .
فإن قلت - كما قاله الغزالي في ص ٢٠٩ من إحياء العلوم -: وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالمستجار فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حباً وشوقاً للبيت ولرب البيت وتبركاً بالمماسة ورجاء للتحصن من النار، ولتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان، كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه وأنه لا يفارق ذيله إلاّ بالعفو وبذل الأمن في المستقبل.
قلنا: إن الغرض من المسح والالتصاق بقبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أو الولي المطلق أيضاً ذلك عند الإمامية حرفاً بحرف، فلا يقدمون عليه إلاّ ونيتهم التبرك وطلب القرب حباً وشوقاً إلى صاحب القبر وسؤال الشفاعة منه
والإلحاح في بذل الشفاعة لهم يوم القيامة، نظراً إلى قوله تعالى:( وما كان الله معذبهم وأنت فيهم ) وقوله تعالى( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) وقوله تعالى:( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيم ) .
وقد صح عن النبي: إن مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق... وإن مثل أهل بيتي فيكم كباب حطة في بني أسرائيل.
وسادساً: إن المعتمد في المسح عند المسلمين ما في صحيح البخاري في كتاب المناقب في باب صفة النبي وفيه عن الحكم قال: سمعت أبا جحيفة يقول: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ ثمّ صلى الظهر، إلى أن قال: وقام الناس فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب من المسك.
وفي أواخر هذا الباب: أنه خرج بلال فنادى بالصلاة، ثمّ دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله فوقع الناس عليه يأخذونه منه.
أقول: فاذا صح التمسح بيد النبي والتبرك بفضل وضوئه حال حياته ولم يكن من جعل الآلهة وعبادة ذات أنواط، ولا من الأخذ بعادة اليهود والنصارى صح أيضاً التمسح والتبرك بقبره بعد وفاته لاتحاد الوجه.
وسابعاً: إنه لو سلمنا كون المسح على القبر حراماً شرعاً واقعاً لكنه ليس لمن رأى أنه حرام منع غيره ممن يرى أنه مباح شرعاً، اعتماداً على ما ذكرنا من الوجوه، لأن النهي عن المنكر إنما هو لمن يرى أنه منكر وليست
مسألة حرمة المسح على القبر من المسائل الضرورية المسلمة عند كل طائفة من المسلمين ولا يجب على كل طائفة أن تتبع رغائب طائفة أخرى وإلاّ لبطلت المذاهب والإجماع على صحتها، مع أنها مختلفة في كثير من المسائل الفرعية. ولم يحكم أحد عليهم بوجوب الموافقة.
وثالثها: صلاة الزيارة يصليها الزائر عقيب الزيارة في أي مكان شاء ويهدي ثوابها إلى روح المزور، ولا بأس بها شرعاً لأن الصلاة خير موضوع ولكونها نظير قراءة القرآن وإهداء ثوابها إلى الميت.
وقد أورد في البخاري في باب علامات النبوة: أنه خرج النبي يوماً فصلى على أهل أُحد صلاته على الميت ثمّ انصرف.
فالغرض بيان جواز الصلاة عند القبر أولاً، وجواز الصلاة عند قبر المزور ترحماً على الميت وإهداء لثوابها إليه ثانياً، فتكون من النسك الجائزة، فينتدفع بذلك ما في كتاب مجموعة التوحيد: من أن الغلاة - عنى بها الإمامية - إذا وصلوا إلى القبور يصلون عندها ركعتين... إلى قوله: فلا تكون صلاتهم لله تعالى بل للشيطان.
أقول: فلو قال أن صلاتهم لله شكراً له تعالى لما وفقهم إلى زيارة قبور الأنبياء والأولياء ومنحهم من الفضل ما لم يمنح به غيرهم، لكان بمجنب عن متابعة الهوى وأبعد من الكذب والافتراء. والسلام على من اتبع الهدى.
ورابعها: سؤال الزائر من الله حاجته عقيب الصلاة، وهذا جائز وليس شركاً - لا جلياً ولا خفياً - كما في الرسائل النجدية، فإن الدعاء لم يقيد بوقت خاص ولا مكان مخصوص لقوله تعالى:( ادعوني أستجب لكم ) .
نعم أنكرت الوهابية جواز التوجه حال الدعاء نحو الحجرة النبوية، مصرحين بالمنع في رسائلهم، ويردهم قوله تعالى:( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) .
وفي البخاري: كان النبي يصلي على راحلته أينما توجهت به.
(ودعوى) الوهابية - تبعاً لابن القيم -: أن ذلك من التشبه بعبدة الأصنام الذين يقفون تجاه اللات والعزى حال الدعاء، ولذا ورد شرعاً النهي عن الصلاة في أوقات خاصة وأماكن مخصوصة، فإنه لقطع مفسدة التشبه بعبادات أهل الشرك.
مدفوعة بأنه لو كان التوجه حال الدعاء نحو المقبرة ذريعة إلى الشرك لزم الشارع أن يعينه بالنهي عنه، كما نهى عن الصلاة في الأماكن المكروهة أو المحرمة، ولما لم يبين مرجوحية التوجه حال الدعاء نحو الحجرة الطاهرة لا يمكننا الحكم بالمرجوحية بعد ثبوت الرخصة العامة في الآيات المذكورة، والحجة الشرعية تقتضي الأخذ بعموم العام إلى أن يأتي المخرج القطعي..
وليس لنا في قبال الآيات البينات حجة وافية لرفع اليد عنها، فالحكم بخلافها سلوك منهج لم يأذن به الله تعالى، كل ذلك مضافاً إلى ما حكم به الإمام مالك حين ما سأله المنصور فقال له: يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو الله أم أستقبل رسول الله؟ فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله، بل استقبله واستشفع به - الحديث.
ولا يخفى أن هذه الرواية ذكرها جملة من أعاظم علماء السنة بأسانيد صحيحة فراجع شفاء السقام للإمام السبكي وخلاصة الوفاء للسمودي والمواهب اللدنية للعلامة القسطلاني، إلى غير ذلك من أقوال للعلماء في كتبهم حتى يظهر لك أنه لا وجه للحكم بالشرك على من توجه حال الدعاء نحو الحجرة الطاهرة.
المسألة السّادسَة
قد نسب الوهابيون إلى الإمامية أموراً ليست في كتبهم، ولا توجد في أصول مذهبهم:
منها: تجويزهم الطواف حول مراقد أئمتهم والحج إلى تلك المشاهد، اكتفاءاً منهم به عن الحج إلى البيت العتيق.
ومنها: تقديمهم القرابين والنذور للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمةعليهمالسلام ، والحال أن النذر لا يكون إلاّ الله.
ومنها: اتخاذهم تلك المراقد مساجد يعبدونها ويصلون إليها كما يصلى إلى الكعبة.
فههنا دعاوى ثلاثة:
الأولى: تجويز الشيعة الطواف حول المراقد المشرفة... ولا يخفى أنها مدفوعة، لعدم جوازه عند الموحدين فضلاً عن المسلمين، فلو طاف أحد حول المراقد قاصداً به العبادة فهو كافر مشرك، وأما إذا طاف لا بذلك القصد بل بقصد التبرك والتشرف أو قاصداً به الإلحاح في طلب النجاح فلا يكون ذلك كفراً وشركاً «ولكل امرئ ما نوى».
ولا يكون الطواف في حد نفسه عبادة حتى يحرم إيقاعه مطلقاً، وإنما هو من الأفعال التي لا تكون عبادة إلاّ إذا أتى العبد به بقصد العبادة.
وقد نص الشارع على أن الأعمال بالنيات، ويزيدك وضوحاً أن الشكر
إذا وقع لله كان عبادة له، بخلاف ما إذا وقع لغيره تعالى، ولذا جاز الأمر به لغيره في قوله تعالى:( أن اشكر لي ولوالديك ) .
وأوضح من ذلك وقوع الأمر بالسجدة لآدمعليهالسلام ، ولقد أجمع المفسرون لقوله تعالى:( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجد ) على أن هذه السجدة ليست سجدة عبادة بل سجدة تعظيم، نظير سجدة الملائكة لآدمعليهالسلام .
فاندفعت شبهة الوهابية كما اندفعت أيضاً شبهة من يقول: إن أهل التوحيد كيف لا يجوزون عبادة غير الله تعالى؟
والحال أن القرآن ناطق بجوازها من قوله تعالى:( وإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ومن قوله تعالى( يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) وقوله تعالى( ورفع أبويه على عرش وخروا له سجد ) ؟؟
مضافاً إلى أن عليها عمل المسلمين، حيث يطوفون حول البيت ويعظمون الأحجار بالاستلام، فنقول - جواباً عن شبهتهم ودفعاً لتسويلاتهم -:
إن المقصود بالطواف ليس عبادة البناء، وإنما هو كالسجود نحو الكعبة يراد به تعظيم المنسوب إليه، لأن البيت بيت الله تعالى، وأن سجدة الملائكة لآدم لم تكن سجدة عبادة، وإلاّ كان لإبليس أن يجيب بأنها شرك ينافي التوحيد، لا إنه يستكبر ويقول: أنا خير منه.
الثانية: دعوى تقديم الإمامية الذبائح والنذورات إلى المشاهد، ويكذبها
الرجوع الى مصنفات الإمامية المصرحة بأن النذر والعهد والأضحية لا تكون إلاّ لله تعالى(١) .
نعم المشاهد مأوى الفقراء والمساكين، فكل من يقدم إليها النذر أو القربان غرضه التفريق على المستحق لا غير، فكل من قال بغير ما قلنا فقد كفر بالله، وكل من نسب ذلك إلى الإمامية فقد كذب وافترى.
الثالثة: دعوى أن الإمامية عباد القبور، فيسجدون إلى القبر.
وفيها: أما أولاً: فلأن الإمامية لا يصلون الى أي قبر كان، ولا جرت عادتهم عليها، فلو صلوا أحياناً فذلك لا لكون القبر عندهم قبلة، وكيف يكون ذلك عند من يدين بالإسلام ويقول: بأن القبلة هي الكعبة؟؟ فهل رأى أحد أن الإمامية يضحون أو يذبحون على خلاف القبلة أو نحو قبور الأئمة مع أن مذابحهم بمرأى ومنظر من عامة الخلق؟
جواز الصلاة إلى القبر عن كراهية
نعم الصلاة إلى القبر مسألة فقهية لا دخل لها بالعقائد الدينية، ولم يذكرها واحد من أهل الفضل في أصول العقائد. ألا ترى أن العلماء قاطبة اختلفوا في الصلاة في أماكن مخصوصة كراهية وتحريماً؟ مثل الصلاة في الحمام وبيوت الغائط وجواد الطرق وإلى نار مضرمة وإلى الصور والتماثيل أو إنسان مواجه مع أن القائل بالحرمة وفساد الصلاة فيها لم يقل بالكفر والشرك.
وفي البخاري: باب كراهة الصلاة في المقابر، وفيه أيضاً: باب من صلى
____________________
(١) وهي جائزة في أي مكان كان حتى في بيت المسلم نفسه.
وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به وجه الله عزّ وجل. ثمّ ذكر ما يدل على جواز الصلاة إليها.
قوله: «فأراد به وجه الله» شاهد على أن مورد البحث نفس الصلاة إلى القبر، كما يصلي الإنسان إلى أي جدار كان، من غير أن يجعل القبر مسجداً يصلي نحوه كما يصلي إلى الكعبة، وإلاّ فلا وجه لاختصاص الحرمة وفساد الصلاة بالصلاة إلى القبر، بل يعم سائر الصور التي قالوا فيها بالكراهة.
بل لو صلى الإنسان نحو الحائط وجعله قبلة لصلاته عوضاً عن الكعبة كانت صلاته باطلة، ولو صلى لا بهذه الجهة كانت صلاته صحيحة.
ومثل ذلك الصلاة نحو القبر حيث أراد المصلي بصلاته وجه الله لا وجه صاحب القبر، فإنها إذ لم يرد من الشرع ما يدل على الفساد والحرمة كانت صحيحة، ولذا ذهب في البخاري إلى الكراهة.
واستدل على الجواز بأن عمر رأى أنس بن مالك يصلي عند القبر، فقال: القبر القبر، ولم يأمره بالإعادة.
وبقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدرك رجل من أمتي الصلاة صلاها. وبأنه لما مات الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثمّ رفعت، أورده في باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور.
وأما ثانياً: فلأن ما استدل به ابن تيمية بما عن عائشة أنه: قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه الذي مات فيه: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
فالجواب عنه: إن الحديث لا دلالة له على حرمة الصلاة نحو القبر إذا أراد المصلي بها وجه الله تعالى، وإنما يدل على لعن اليهود على اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد يعبدونها كما يعبدون موسى وعيسى، أو يجعلونها قبلة نظير بيت المقدس عندهم والكعبة عند المسلمين.
كلام ابن عبد الوهاب وابن تيمية في الصلاة إلى القبر
ويشهد لذلك ما في منهاج السنة من رواية مالك في الموطأ أنه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
فإن اذل الحديث ناطق بحرمة اتخاذ القبر مسجداً يسجد إليه، ومعلوم أن ذلك شرك لو اعتقده المصلي.
ويدل على ذلك أيضاً قول عائشة: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً».
قال السندي شارح النسائي: مراد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يحذر أمته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، من اتخاذهم تلك القبور مساجد: إما بالسجود إليها تعظيماً، أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها.
وعن النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء: إنما نهىصلىاللهعليهوآلهوسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولذا قال في الحديث: «ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً» انتهى.
وقال جلال الدين السيوطي في شرحه على النسائي:
قال البيضاوي: لما كان اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنها، ويجعلوها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنع المسلمين من مثل ذلك، وأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه فلا يدخل في ذلك الوعيد.
المسألة السابعة في هدم المساجد المشيدة حول المراقد المشرفة
مذهب الوهابية على وجوب هدم المساجد المبنية حول المراقد المشرفة واحتجوا لذلك: بأنها أسست على غير تقوى من الله، وبحديث عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
وقال الإمامية - بل وسائر المسلمين - على جواز البناء وحرمة الهدم، لكونها من مساجد الله الواجب تعظيمها، نظير مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسجد الأموي وبيت المقدس الذي دفن فيه كثير من الأنبياء من ولد إسحق، وعليه السيرة القطيعة أيضاً، وفتوى العلماء بأن من اتخذ فسحة من المكان مسجداً ولو كان في ناحية القبر - نظير مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبره وقبر أبي بكر وعمر - جاز ذلك، كما عرفته من كلام البيضاوي وجلال الدين السيوطي.
والجواب عن الرواية:
أولاً: أنها معارضة بما في البخاري وغيره من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أينما أدرك رجل من أمتي الصلاة صلاها»، وبأنه لما مات الحسن بن عليعليهالسلام ضربت امرأته قبة على قبره إلى سنة فإنه يدل على جواز الصلاة في ناحية القبر بالملازمة الواضحة.
وثانياً: أن كون النصارى واليهود شرار الخلق ليس من جهة بناء المسجد على القبر، وإلاّ لما مدح الله تعالى المؤمنين بقوله:( وقال الذين غلبوا على
أمرهم لنتخذن عليهم مسجد ) ، بل لأن اليهود والنصارى زادوا على كفرهم كفراً آخراً، حيث أشركوا لأجل تعظيمهم صور الصالحين منهم بجعلها في معابدهم نظير الأصنام المعلقة في الجاهلية على الكعبة.
وأين هذا ممن جعل فسحة من الأرض مسجداً لا يريد به غير التوجه إلى الله ولا تعظيم أحد غير الله؟
والكتاب العزيز ناطق بجوازه، ففي تفسير الجلالين:( وقال الذين غلبوا على أمرهم ) وهم المؤمنون( لنتخذن عليهم ) أي حولهم «مسجداً» يصلى فيه، وفعل ذلك عن باب الكهف.
وفي تفسير الرازي( لنتخذن عليهم مسجد ) نعبد الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك - انتهى.
وإذا جاز اتخاذ المسجد على باب الكهف بنص القرآن استبقاء للأثر من دون أن يكون شركاً، فها نحن نعمل بما جوزه القرآن إلى أن يثبت بنص - يعتمد عليه - النسخ أو التخصيص المخرج عن حكمه.
خاتمة : مباينة الوهابية لسائر المسلمين
في بيان ما عليه الطائفة الوهابية، وهي عدة أمور اتخذوها شعاراً لهم، منها مباينتهم مباينة عظيمة لسائر طوائف المسلمين، حتى إنهم جعلوا ديارهم ديار توحيد وديار غيرهم ديار شرك، كما هو دأب الخوارج في أصول مذهبهم. وهذه مباينة مذمومة شرعاً، كيف لا وهي تفرق منهي عنه في قوله تعالى:( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقو ) وقوله سبحانه:( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) .
وفي البخاري في كتاب الفتنة عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: هم من أهل جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها.
وليت علماء الوهابية الذين ألفوا رسائل في أصول التوحيد وبينوا فيها أنواع الشرك والكفر يعدون من أقسام الكفر كفر التفرقة عن الجماعة، نظراً إلى قوله تعالى( لست منهم في شيء ) وقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام».
ومنها: أن الوهابية أصحاب الزلازل والفتن بنص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما
في البخاري في كتاب الفتن عن أبي عمر أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال مرتين: اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا. قالوا: وفي نجدنا؟ قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان.
وفيه أيضاً عن سالم عن أبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قام إلى جنب المنبر فقال: الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان.
وأيضاً عن نافع عن ابن عمر أنه سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو مستقبل المشرق يقول: ألاّ إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان.
وفي شرح السنة عن عقبة بن عمر قال: أشار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده نحو اليمن وقال: الإيمان ههنا، إلاّ أن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرن الشيطان.
في شرك المحبة والرد عليه
ومنها: أنهم جعلوا من أقسام الشرك «شرك المحبة» كما في كتاب مجموعة التوحيد، واستندوا في ذلك إلى قوله سبحانه:( ويجعلون لله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله ) .
وفيه: أنه لم يتحصل معنى لما جعلوه شركاً، فإن أرادوا أن مجرد محبة غير الله شرك لزم عليهم شرك المسلمين جميعاً لمحبتهم آبائهم وأولادهم وأموالهم وأحبائهم، ولم يقل به أحد ولم يأت به شرع، وإن أرادوا أن المحبة ينتهي بها الأمر إلى عبادة المحبوب من الأنبياء والصديقين، قلنا: إن الانتهاء إليها ممنوع ولا ملازمة إلاّ عند الغلاة، وما عداهم من المسلمين لا يعبدون من يحبونه
من نبي أو صديق بل يحبونهم لحب الله، لا إنهم يحبونهم كحب الله، فلا يجدون في أنفسهم إلاّ هذا المقدار من المحبة والمودة للأنبياء والأولياء. ولذا لم يقولوا في حقهم إلاّ ما قاله الله ولا يثبتون لهم إلاّ ما أثبته الله من القرب والمنزلة ورضي لهم من الشفاعة.
والعجب أنه لو سئل من الوهابية: إنكم تحبون رسول الله؟ فيقولون نعم، مع أن محبتهم للنبي لا ينتهي الأمر بهم إلى الشرك الخفي، فكيف تنتهي محبة غيرهم لولي أو صديق أو إمام معصوم إلى الشرك؟
ومنها: اجتراؤهم على الله ورسوله بهدم القباب الطاهرة لأئمة البقيع الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأن ذلك منهم إنكار لمودة ذي القربى التي هي من الضروريات الثابتة بالكتاب والسنة لقوله تعالى:( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ) فأقدمت جماعة من الأعراب على تخريب قبور أهل بيت رسول الله، كما أقدمت السابقة منهم على قتلهم، كم ترك الأول للآخر؟ وكم اقتفى المتأخر أثر المتقدم؟ فتركوا جميعاً وصية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في أهل بيته وراء ظهورهم.
هذا مع أن في الهدم بعد البناء من هتك احترام الميت ما لا يخفى...
كيف لا والحال اتفقت المذاهب على أن المشي على قبر المؤمن والاتكاء به والجلوس عليه هتك لحرمته؟ فبالأولوية القطعية يكون هدمه وتخريبه هتكاً لها.
هدم الوهابية للقبور
والذي ينبئك عن أن هدم قبور أئمة البقيع هتكاً لهم وتعرضاً بسوء إليهم ما نشره السلطان ابن سعود في المفاوضات الهندية قائلاً في ص ١٧:
«ذكرتم أسئلة ستة تتعلق بقبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبيته، فقد أعلنا غير مرة رأينا في أن قبر النبي وبيته ندافع عنه بأموالنا وأرواحنا وبكل ما نملك ولم نقف أمام المدينة المنورة ونكتفي بحصارها إلاّ حرمة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولمسجده».
وقال أيضاً في بعض مراسلاته إلى بعض العلماء:
«وبعد، فإننا نذكرهم أن القبة النبوية لم يمسها أحد بسوء ولم يخطر ببالنا قط أن نمسها بسوء، وإن للرسول حرمة لدينا لا تدانيها حرمة» انتهى.
فإنه كما ترى معترف بأن الباعث لحفظ مرقد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو احترامه بحيث لو مسته يد التخريب كان ذلك سوءاً منافياً للإحترام، وليته أيضاً يعترف بأن احترام النبيصلىاللهعليهوآله واحترام أهل بيته موجب لحفظ مراقدهم وعدم مسهم بسوء، وإلاّ فأي فرق بين الاحترامين؟ أم أي تفكيك بينهما.
والحال أن ذرية النبيصلىاللهعليهوآله أبعاضه بنص القرآن( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) .
وفي البخاري: «فاطمة بضعة مني» فهم أبعاضهصلىاللهعليهوآله ، واحترامهم احترامه، وهتكهم هتكه،صلىاللهعليهوآله ، فإذا كان هدم
قبة النبيصلىاللهعليهوآله مخالفاً لقول الله تعالى وتركاً للسنة ومساً بسوء كان هدم قبور آل الرسول كذلك أيضاً، والفرق تحكم بحت وقول بغير علم.
البناء على القبور في الأرض المسبلة
ومنها: ذهاب علماء الوهابية إلى أنه لو كان البناء على القبور في أرض مسبلة للدفن وجبت إزالتها لأنها تضيق على الناس، وجعلوا هذا وجهاً مصححاً لهدم القباب في البقيع. لكنه يتوجه عليهم:
أولاً: سؤال الوجه في هدم سائر البناءات التي ليست في البقيع، أو لم توجب الضيق على الناس، فإنه يحرم هدمها حيث أنه تصرف في أموال المسلمين وتضييع عليهم.
وثانياً: إن ذلك في الأراضي المسبلة للدفن دون المباحات الأصلية التي منها البقيع، حيث لم يعهد من أحد وقفها وتسبيلها للدفن، بل ولم يعهد أن أحداً ملكها ثمّ سبلها، فعلى من يدعي الوقف والتسبيل إثبات ذلك كله.. وعلى ما ذكرنا يستحق المسلمون منها مقدار حيازتها بدفن أو بناء على قبر.
وثالثاً: إن الهدم والتخريب فيما لو وجد بناء على قبر في أرض موقوفة للدفن وعلم أصله وأنه وضع بغير حق، وأما لو وجد بناء في أرض مسبلة ولم يعلم حاله ترك على حاله، لاحتمال أن يكون وضع بحق واللازم حمل فعل المسلم على الصحة فكيف بأفعال المسلمين في طول هذه المدة؟ فإن تلك البناءات والقباب تناولتها أيدي المسلمين في كثير من الأحقاب، وكانت بمرأى من الخلفاء والعلماء ولم ينكرها أحد ولا ادعى أنها بنيت على غير حق إلى أن
ظهرت الوهابية فأقدمت على هدم تلك القباب الطاهرة ورفع آثارها وهدم المساجد المبنية حولها، بلا حق أظهروه ولا عدل أفشوه، بل ذلك خلاف منهم لله ولرسوله ولسيرة الخلفاء من بعده.
تجاسر الوهابيين على المسلمين
ومنها: تجاسر الوهابيين على المسلمين بقتلهم وهتك أعراضهم ونهب أموالهم، حتى إن السلطان أقر على ذلك كما أعلن بذلك في المنشور، بعنوان المفاوضات لوفد جمعية خدام الحرمين، لكن جلالة السلطان ابن مسعود برأ نفسه من كل عمل عمله أي رجل من قواده وجنوده مما لا يجوزه الشرع قياساً لحاله بحال النبيصلىاللهعليهوآله ، وحال قواده بحال خالد بن الوليد حين بعثه النبي إلى رهط من العرب - لا على قتالهم - فخدعهم خالد وقتلهم، فلما انتهى الخبر إلى النبي رفع يديه نحو السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك من صنع خالد» ثلاث مرات.
أقول: مقايسة حال جلالة السلطان بحال خالد بن الوليد ليست من تمام الجهات، لأن النبيصلىاللهعليهوآله لم يبعث خالداً للمقاتلة، وإنما هي شيء أتى به خالد من عند نفسه، والجنود المبعوثة من جانب السلطان إلى الحجاز إنما بعثت للقتال والجدال مع الخصم.
ومعلوم أن في الأقطار الحجازية من تكون ذمته بريئة ولا عهد ولا ميثاق له في المقاتلة والمجادلة، مع ما فيها أيضاً من النساء والصبيان وغيرهم من الضعفاء، والواجب على السلطان العارف بحقوق الرعية عدم التجاوز عن الحدود الشرعية المقررة في باب الجهات والدفاع عن البلاد، فلا يبعث إليها من يسومهم سوء
العذاب ويعامل مع المسلمين المبرئين معاملة الألمان في بلاد بلجيكا والفرنسيين، ويسايرهم بسيرة الأوربيين.
أو يقال في مقام الاعتذار للوفد الهندي كما في المفاوضات المطبوعة اليوم:
«وليس ما وقع في الطائف بدعاً في تاريخ الحروب في العالم، فهذه أفعال الألمان في القرن العشرين مسطورة في بطون التاريخ من أعمال جنودهم في بلاد بلجيكا وبلاد الإفرنسيين، بل هذه أعمال جنود الحلفاء وسيرتهم في سائر البلاد التي دخلوها» انتهى.
فإذا كان هذا حال المسلمين في الجهاد وفتحهم البلاد، وهذا عذرهم إذا اعتدوا على واحد من أنفسهم وإخوانهم في الدين، فعلى الإسلام السلام، لأن سلوك مسلك الكفار خروج عن الدين. كيف لا؟ والحال أن الكفار لا يرون دون إنجاح مقاصدهم لواحد منهم أو من غيرهم عهداً ولا ذمة، وأين هذا من دين المسلمين المؤدبين بآداب سيد المرسلين؟؟
حتى إنهصلىاللهعليهوآله جعل لهم في جهادهم شرائط شرعية واجبة الرعاية. التي لا يراعي واحداً منها أحد من الكفار والمشركين.
ثمّ إن ما قيل أو يقال في مقام الاعتذار من ناحية جلاله سلطان نجد ينافي ما صدر منه في ص ١٦ من المنشور المطبوع باسم المفاوضات ما هذا نصه هو:
«إن ديننا دين الإسلام ومرجعنا في أعمالنا كتاب الله وسنة رسوله محمدصلىاللهعليهوآله وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وما عليه الأئمة الأربعة، الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد رحمهم
الله تعالى. فإذا كان لدى أحد من الناس حجة يوردها علينا في أمر من الأمور فيما يتعلق بهذه الأقسام الثلاثة من كتاب الله أو سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو من أعمال السلف الصالح أو من أقوال الأئمة الأربعة فليتفضلوا علينا بها لنكون أول المطيعين» انتهى.
أقول: إن كان الأمر كما ذكره جلالة السلطان وصدر من حضرته هذا الإعلان، فإني أقسم عليه برب الكعبة أن يراجع هذه المسائل المحررة في هذه الرسالة حتى يتبين لحضرته الحق وينكشف لديه الصواب، ويظهر له أن ما صنعته الأعراب من هدم المآثر الإسلامية لو كان بأمر منه فليتدارك، وإلاّ فالمشتكى إلى الله تعالى ونحتسب عنده ذلك.
ولنا التسلي بما صدر قبل الإسلام من تخريب مردة الدين الكعبة والبيت المقدس وسائر الأماكن المشرفة، وكذلك ما صدر بعد الإسلام مما صنعه يزيد بن معاوية من قتله ابن رسول الله وتركه تلك الجسوم الطاهرة على وجه الأرض بلا غسل ولا كفن ولا دفن، ثمّ عطفه على تخريب الكعبة وإباحته المدينة، بل وما صنعه الحجاج في واقعة ابن الزبير ورميه الكعبة بالمنجنيق..
ثمّ أقول: لو كانت ذمة جلالة السلطان في الواقع مشغولة، فالتبرئة لا تدفع عن حقوق الناس المتعلقة بالنفوس والأموال، بل الواجب أداء حضرته ما عليه من الحقوق التي صار هو سبباً لتضييقها على صاحبها، والنبيصلىاللهعليهوآله معلوم أنه كان بريء الذمة، وإنما تبرأ جهاراً ليعلم الناس بأن ما فعله خالد من القتل والنهب خلاف لله ولرسوله، ولكنه مع ذلك أرسل علياًعليهالسلام لتدارك ما أتلفه خالد على الرهط وجنى عليهم. وأين هذا من صنع السلطان؟
فالقياس الصحيح بحال النبيصلىاللهعليهوآله يقتضي أن يصنع السلطان مع المسلمين الذين جنت عليهم جنوده وقواده مثل ما صنع النبيصلىاللهعليهوآله من أدائه رسوم الجنايات والتعويض لهم بما أخذ منهم، فإن لكل مؤمن برسول الله أسوة حسنة.
ومنها: أن الوهابية منعوا عن الحرية المذهبية في الديار النجدية والحجازية، وضيقوا على المسلمين في الأخذ بمذهبهم وما أباحه الشارع لهم على طريقتهم، فجعلوا يرمون من قال: يا محمد، ويا رسول الله، بالكفر والشرك، ومنعوا الناس من الترحيم والتذكير والتسليم في أوقاتها، ومنعوا عن مسح قبر النبيصلىاللهعليهوآله والالتصاق به والتوجه إليه حال الدعاء، ومنعوا عن شرب التتن وغير ذلك مما لم يصرح الشارع بحرمته والانتهاء عنه - لا خصوصاً ولا عموماً.
منع الوهابيين عن الحرية الدينية
وقد أعلنوا - كما في ص ١٧ من المفاوضات الهندية:
«إن كل مسلم حر في كل قول أو عمل يجيزه الإسلام، ونمنع من كل قول أو عمل يحرمه الإسلام، إن الحجاز هو مصدر الإسلام وأساسه، فإذا لم تكن الكلمة العليا فيه لكتاب الله ولسنة رسوله ولما كان عليه السلف الصالح، ففي أي مكان تكون الكلمة العليا لهذه الأسس العظيمة» انتهى.
والجواب عن هذا الإعلان: إن المراد من الحرية المذهبية المعروضة لدى السلطان ليست ما أقدمت عليه الأمم الأوربية كي يستحق الوفد هذا الجواب
منه: وإنما يراد بها ما أعلنه الشارع في كتابه وسنة رسوله بقوله:( لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعه ) .
ومقتضى الآية - مضافاً إلى ما عرفت في المقدمة - إباحة ما منعت عنها الوهابية وزجرت الناس عليها، كما أن مقتضى قوله تعالى:( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتاً أو دماً مسفوح ) إباحة التدخين، فإن الآية وردت في تلقين النبيصلىاللهعليهوآله طريق إبطال شريعة اليهود حيث حرموا بعض ما رزقهم الله افتراء عليه.
والتعبير عن عدم وجود الحرام بعدم الوجدان للإشارة بعد إلقاء الخصوصية إلى كفاية عدم الوجدان في الرخصة الحلية، وإنه طريق إلى معرفة الأحكام الشرعية.
ومثل هذه الآية في الدلالة على حلية شرب التتن قوله تعالى:( وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) حيث دلت على كفاية خلو ما فصل من المحرمات عن ذكر حرمة شرب التتن في الحكم بعدم الحرمة.
ويكفي هذا المقدار من الآيات في نهوض الحجة على البراءة الشرعية وتكون هي الكلمة العليا في الأقطار الحجازية.
ولا يجب على المسلمين أن يجتمعوا على مذهب واحد، وإنما يجب عليهم اتباع الكتاب والسنة حسبما أدت إليه أنظارهم لقوله تعالى:( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ، ولقوله سبحانه:( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا
قومهم إذا رجعوا إليهم ) وقوله تعالى:( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) .
وفسر أهل الذكر بالعلماء من غير حصر في واحد أو أزيد، فهم المرجع للعوام، كما أن المرجع للعلماء الكتاب والسنة.
وليس في آية أو رواية من حرمة التدخين شيء، والإسراف والتبذير واللغوية جهات خارجية لا تتوجه إلى من يرى الانتفاع بها، وليس التتن مما تنفر الطباع منه كي يعد من الخبائث.
في حلية شرب التتن
ولو سلم فليس بأشد تنفراً من القهوة المرة والعقاقير المتداولة، ولو رأت طائفة أنه حرام ليس لها منع الشارب إذا رأى أن شرب التتن مباح، فإن النهي عن المنكر إنما هو لمن يراه منكراً، وليست مسألة جواز التدخين أو حرمته من المسائل البالغة حد الضرورة كالصلاة والصوم، والأحكام المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلاّ الكتاب والسنة، وليس لأحد أن يلزم الناس بقول قاله شيخ أو رئيس أو حاكم أو أمير إذا لم يوافقه قول الله وقول رسوله.
قال ابن تيمية في ص ٣٢ من الجزء الثالث من منهاج السنة: من اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيء من ذلك ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر - انتهى.
والقرآن حكم عدل وقول فصل ينادي بحيث يعرفه كل عربي: بأن
الحكم بما أنزل الله فلا محيص له عن أن يسند حكمه إلى ركن وثيق، وإلاّ كان حكماً بغير ما أنزل الله.
تمت الرسالة بعون الله وحسن توفيقه يوم الجمعة لخمس بقين في شهر ربيع الأول في شهور سنة ١٣٤٦ هجري.
وقد تم طبعه في النجف الأشرف - العراق في غرة رجب سنة ١٣٨٢ هجري. وأعيد طبعه في الأوفست في طهران في سنة ١٣٩٤ هجري.
وتم طبع هذا الكتاب بطبعته الثالثة بالقاهرة بمعاونة الأستاذ إبراهيم أحمد إبراهيم وكان ذلك يوم ٩ أبريل سنة ١٩٧٧ - ٢٠ ربيع الثاني سنة ١٣٩٧ هجري.
ملحق البراهين الجليّة في رَفع تشكيكات الوهَابية
بقلم
السّيد مرتضى الرضَوي
عضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة
وصاحب
مطبوعات النجاح بالقاهرة
الطبعة الأولى
١٤١٠ هجري - ١٩٩٠ م
كَلمَة المؤَلف
بِسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على سيّد الأنبياء وخاتم المرسلين محمّد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله الغرّ الميامين المظهرين لأمر الله ونهيه، وعباده المصطفين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
وبعد فإنّ كتاب (البراهين الجليَّة في رفع تشكيكات الوهابيّة) لسماحة سيدنا آية الله العظمى السيد محمد حسن القزويني الحائري طاب ثراه كنّا قد طبعناه قبل أعوام بالقاهرة وكانت الطبعة الأولى منه في العراق، وبعدها في إيران وطبعة القاهرة تفوق الطبعتين لما فيها من مزايا يلاحظها القارئ.
وقبل أعوام نشرت لي بعض دور النشر الإسلامية كتاباً بعنوان: (صفحة عن آل سعود الوهابيّين)(١) وكنت قد ذكرت فيه ما يزيد على ستين علماً من أعلام المذاهب الإسلامية الأربعة الّذين كتبوا في رد الوهابيّة وقد نفد الكتاب منذ مدُّة وفي هذه الفترة عثرت على ردود لعلماء المذاهب الأربعة وبلغت سبعة وسبعين رداً وجعلتها ملحقاً للبراهين الجليّة وألحقناها به باسم: (ملحق البراهين الجلية في الرد على الوهابية).
ومن الله تعالى نستمد العون والهداية والتوفيق.
____________________
(١) طبع هذا الكتاب في مطبعة أجمل بريس في مدينة بمبيء - الهند عام ١٤٠٩ هجري باسم (صفحة عن الوهابيّين وآراء علماء السنة في الوهابيّة) ونشرته دار مركز المعرفة ص ب ٥١٥٥ بمبيء - الهند.
العلماء الرادّون على ابن عبد الوهاب المعاصرون له والمتأخرون عنه إلى وقتنا هذا
قال أبو حامد بن مرزوق الدمشقي:
«وقد ردِّ على محمد بن عبد الوهاب علماء كثيرون معاصرون له ومتأخرون عنه، ولا زالت سهام الردَّ من علماء الإسلام مشارقه، ومغاربه مسدَّدة إليه إلى وقتنا هذا، وفي طليعة الرادّين عليه المعاصرين له حنابلة الأحساء».
فمن الرادِّين عليه، والناصحين له:
١ - شيخه محمد بن سليمان الكردي الشافعي(١) بتقريظ لرسالة أخيه سليمان بن عبد الوهاب، ورسالة مجموعها في نحو ثلاثة أوراق،
____________________
(١) قال مفتي مكة السيد أحمد بن زيني دحلان: وممَّن ردَّ على محمد بن عبد الوهاب أحد أشياخه وهو: الشيخ محمد بن سليمان الكردي صاحب حواشي شرح مختصر بافضل ومن جملة ما قاله في الرسالة التي ردَّ بها عليه: يا ابن عبد الوهاب سلام على من اتبع الهدى فاني أنصحك لله أن تكفَّ لسانك عن المسلمين فإن سمعت من شخص أنه يعتقد تأثير ذلك المستغاث به من دون الله تعالى فعرِّفهُ الصواب، وأبن له الأدلة على أنّه لا تأثير لغير الله. فان أبى فكفِّره حينئذٍ بخصوصه، ولا سبيل لك إلى تكفير السواد الأعظم من المسلمين وأنت شاذٌّ عن السواد الأعظم. فنسبة الكفر إلى من شذَّ عن السواد الأعظم أقرب لأنَّه اتَّبع غير سبيل المؤمنين قال (الله) تعالى:( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى ويتَّبع غير سبيل
وقد تفرَس فيه شيخه هذا أنه ضالّ ومضلّ كما تفرَّس فيه ذلك شيخه محمد حياة السندي، ووالده عبد الوهاب.
٢ - وردَّ عليه شيخه العلامة عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي بكتاب سماه: «تجريد سيف الجهاد لمدَّعي الاجتهاد».
٣ - وردَّ عليه عفيف الدين عبد الله بن داود الحنبلي بكتاب سمّاه: «الصواعق والرّعود» في عشرين كرّاساً، قال العلامة علوي بن أحمد الحدّاد:
«كتب عليه تقاريظ أئمة من علماء البصرة، وبغداد، وحلب، والأحساء، وغيرهم، تأييداً له، وثناء عليه».
قال: «ولو وقفت عليه قبل هذا ما ألفت كتابي هذا، ولخَّصه محمَّد بن بشير قاضي رأس الخيمة بعمان».
٤ - وردَّ عليه العلاّمة المحقّق محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الحنبلي بكتاب عظيم سماه:
«تهكم المقلّدين بمن ادّعى تجديد الدين».
ردَّ عليه في كل مسألة من المسائل التي ابتدعها بأبلغ ردٍّ، ثمّ سأله عن أشياء تتعلق بالعلوم الشرعية، والأدبية بسؤالات أجنبية عن كتاب الردِّ أرسلها له، منها أسئلة كثيرة من علم البيان تتعلَّق بسورة (والعاديات)، فعجز عن الجواب عن أقلِّها فضلاً عن أجلِّها.
٥ - وردَّ عليه العلاّمة أحمد بن علي القبّاني البصري الشافعي برسالة في نحو عشرة كراريس زيَّف بها رسالة له.
٦ - وردَّ عليه العلاّمة بركات الشافعي، الأحمدي، المكي.
____________________
المؤمنين نولِّه ما تولَّى ونُصلِهِ جهنَّم وسائت مصير ) وإنَّما يأكل الذئب من الغنم القاضية (١٠ أ هجري) (خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام (٢ / ٢٦٠) ط مصر).
٧ - وردَّ عليه الشيخ عطاء المكّي برسالة سمّاها: «الصارم الهندي في عنق النجدي».
٨ - وردَّ عليه الشيخ عبد الله بن عيسى المويسي.
٩ - وردَّ عليه الشيخ أحمد المصري الأحسائي.
١٠ - وردَّ عليه عالم من بيت المقدس بكتاب سمّاه: «السيوف الصّقال في أعناق من أنكر على الأولياء بعد الانتقال».
١١ - وردَّ عليه: السيد علوي بن أحمد الحدّاد بكتاب سمّاه: «السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر» في نحو مئة ورقة.
١٢ - وردَّ عليه الشيخ محمد بن عبد اللطيف الأحسائي.
١٣ - وردَّ عليه العلاّمة عبد الله بن إبراهيم ميرغني الساكن بالطائف سمّاه: «تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء، والأولياء».
١٤ - قال السيد علوي بن أحمد الحدّاد: وقد رأيت أمام مقام إبراهيم بمكة الشيخ محمداً صالحاً الزمرمي الشافعي، جمع كتاباً في هذا المعنى في نحو عشرين كراساً.
١٥ - وقال السيد المذكور أيضاً: ورأيت لمّا وصلنا الطائف العلاّمة طاهراً سنبلا الحنفي ألف كتاباً في ذلك سمّاه: «الانتصار للأولياء الابرار».
١٦ - وقال السيد المذكور أيضاً: ورأيت جوابات للعلماء الأكابر من المذاهب الأربعة لا يحصون من أهل الحرمين الشريفين، والأحساء، والبصرة، وبغداد، وحلب، واليمن وبلدان الإسلام، نثراً ونظماً، أتى إليّ بمجموع رجلٌ من آل ابن عبد الرزاق الحنابلة الذين في الزبارة،
والبحرين فيه علماء كثيرين(١) ، ونحن على ظهر سفر فلم يمكنِّي نقله فطالعته كله.
١٧ - وقال السيد المذكور أيضاً: وأتى إلينا الشيخ المحدِّث صالح الفلاني المغربي بكتاب ضخم فيه رسالات، وجوابات كلها من العلماء أهل المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة يردون على محمد بن عبد الوهاب بالعجب، وقد أمرنا بنسخ هذا المجلّد لنا.
١٨ - وردّ عليه العلامة السيّد المنعمي لما قتل ابن عبد الوهاب جماعة لم يحلقوا رؤوسهم بقصيدة طنّانة مطلعها:
أفي حلق رأسي بالسكاكين والحدِّ |
حديث صحيح بالأسانيد عن جدِّي |
١٩ - وردّ عليه السيد عبد الرحمن من أكابر علماء الأحساء بقصيدة طنّانة عدّة أبياتها سبع وستون، مطلعها:
بدت فتنة كالليل قد غطّت الافقا |
وشاعت فكادت تبلغ الغرب والشرقا |
٢٠ - وردَّ عليه العلاّمة السيد علوي ابن الحداد بكتاب سمّاه: «مصباح الأنام وجلاء الظلام، في ردِّ شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام»وهو مطبوع بالمطبعة العامرة سنة (١٣٢٥ هجري) وما تقدم من التآليف مذكور فيه.
٢١ - وردّ العلاّمة المحقق شيخ الإسلام بتونس اسماعيل التميمي المالكي المتوفى سنة (١٢٤٨ هجري) وهو في غاية التحقيق والإحكام، نقض به رسالة لابن عبد الوهاب، مطبوع في تونس.
٢٢ - ورد العلاّمة المحقق الشيخ صالح الكوّاش التونسي، وهو رسالة مسجعة محكمة، نقض بها رسالة لابن عبد الوهاب، مطبوع ضمن
____________________
(١) كذا في الأصل والصحيح كثيرون فتأمل: (المصحح).
«سعادة الدارين في الردِّ على الفرقتين».
٢٣ - وردُّ العلاّمة المحقق السيد داود البغدادي الحنفي جيّد مطبوع.
٢٤ - وردّ الشيخ ابن غلبون الليبي على قصيدة الصنعاني التي مدح بها ابن عبد الوهاب بقصيدة طنّانة من بحرها ورويها مذكورة في «سعادة الدارين»، عدة أبياتها اربعون بيتاً، مطلعها:
سلامي على أهل الإصابة والرشد |
وليس على نجد ومن حلَّ في نجد |
٢٥ - وردّ السيد مصطفى المصري البولاقي أيضاً على قصيدة الصنعاني التي مدح بها ابن عبد الوهاب بقصيدة طنّانة من بحرها ورويها مذكورة في (سعادة الدارين) عدّة أبياتها مائة وستة وعشرون، مطلعها:
بحمد وليِّ الحمد لا الذمِّ استبدي |
وبالحق لا بالخلق للحقّ استهدي |
٢٦ - وردّ السيد الطباطباني البصري أيضاً على قصيدة الصنعاني التي مدح بها ابن عبد الوهاب بقصيدة طنّانة من بحرها ورويها ذكر صاحب «سعادة الدارين» أبياتاً منها، وسهام هذه القصيدة الصائبة هي التي أرجعت الصنعاني الى كتيبة أهل الحق فقال:
«رجعت عن القول الذي قلت في النجدي»(١) .
٢٧ - «سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلّدة الظاهرية» للعلامة الشيخ ابراهيم السمنودي المنصوري المتوفى في العقد الثاني من هذا القرن، وهو مطبوع في مجلدين.
٢٨ - «إظهار العقوق ممّن منع التوسُّل بالنبي والوليِّ الصدوق»،
____________________
(١) تتمة البيت: (فقد صحَّ لي عنه خلاف الذي عندي). أنظر: «تجديد كشف الارتياب / ص ١٥» والسيد الطباطبائي هذا هو: السيد محمد بن اسماعيل الأمير كما سيأتي.
للشيخ المشرفي المالكي الجزائري.
٢٩ - ألف العلاّمة المرحوم مفتي فاس الشيخ المهدي الوازتاني رسالة في جواز التوسل ردَّ بها على محمد بن عبد الوهاب الذي منع ذلك.
٣٠ - ردُّ الشيخ مصطفى الحمّامي المصري المسمّى: «غوث العباد ببيان الرشاد». مطبوع.
٣١ - ردُّ الشيخ إبراهيم حلمي القادري الاسكندري المسمّى: «جلال الحق في كشف أحوال أشرار الخلق» جيّد، مطبوع في الاسكندرية سنة (١٣٥٥هجري).
٣٢ - ردُّ العلامة الشيخ سلامة العزامي المتوفى سنة (١٣٧٩ هجري) المسمّى: «البراهين الساطعة» جيِّد، مطبوع.
٣٣ - رسالة للشيخ حسن الشطِّي الحنبلي الدمشقي في تأييد مذهب الصوفية والردّ على المعترضين عليهم، مطبوعة.
٣٤ - رسالة في حكم التوسِّل بالأنبياء والأولياء للشيخ محمد حنين مخلوق، مطبوعة.
٣٥ - «المقالات الوفيَّة في الردِّ على الوهّابية» للشيخ حسن خزبك، مطبوعة.
٣٦ - «الأقوال المرضيّة في الردِّ على الوهابية» رسالة صغيرة للشيخ عطا الكسم الدمشفي، وردود أهل السنة عليهم نظيفة خالية من السبّ، والتكفير، عكس ردودهم فإنَّها مملوءة بذلك. وقد رأيت قصيدة لرجل منهم يقال له «ابن سحمان» مات قريباً، هجا بها الشيخ ابراهيم ابن الشيخ عبد اللطيف آل مبارك التميمي المالكي الأحسائي منتصراً لصدّيق حسن خان القنوجي.
ولا يستغرب منهم هذا فإنَّها البضاعة التي ورثوها من إمامهم الحرّاني لا بدَّ لهم منها لسدِّ الفراغ، ولا يلجأ إليها إلاّ من يعوزه العقل،
والعلم ووقاره.
٣٧ - وقد ردَّ عليه بقصيدة طنّانة من بحرها ورويها العلاّمة الشيخ عبد العزيز القرشي العلجي المالكي الأحسائي المتوفى بعد الستين من هذا القرن، عدة أبياتها (٩٥) ومطلعها:
ألاّ أيها الشيخ الذي بالهدى رمى |
سترجع بالتوفيق حظاً ومغنما |
|
ومن يك مسعاه النفيس لربِّه |
سعى النصر في مسعاه أيّان يمَّما(١) |
وعن كتاب «أبجد العلوم» للصديق حسن خان القنوجي:
كان المولى العلاّمة السيد محمد بن اسماعيل الأمير(٢) بلغه من أحوال النجدي ما سره فقال قصيدته المشهورة:
سلام على نجد ومن حلَّ في نجد |
وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي |
|
أعادوا بها معنى سُواعٍ ومثله |
يغوث وودَّاً ليس ذلك من ودِّي |
|
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها |
كما يهتف المضطُّر بالصَّمد الفرد |
|
وكم نحروا في سوحها من نحيرة |
أهِلَّت لغير اللهِ جَهلاً على عمد |
|
وكم طائف حول القبور مقبِّلاً |
ويلتمس الأركان منهنَّ بالأيدي |
٣٣٨ - الشيخ سليمان بن عبد الوهّاب النجدي.
«إن الفرقة الناحية وصفها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأوصاف، وكذلك وصفها أهل العلم، وليس فيكم خصلة واحدة
____________________
(١) نقلنا هذه الردود كلها من كتاب: «التوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين» من ص (٢٤٨) الى (٢٥٤) للعلاّمة أبي حامد مرزوق الدمشقي / ط استانبول عام (١٩٨٤ م).
(٢) محمد بن اسماعيل الأمير اليمني الصنعاني المولود سنة (١٠٥٩) والمتوفى سنة (١١٨٢).
(«البدر الطالع للشوكاني» كما في «تجديد كشف الارتياب» ص ١٥).
(٣) («تطهير الاعتقاد عن ادران الالحاد» كما في: «تجديد كشف الارتياب» ص ١٥).
«الصواعق الإلهية»ص (٤١) ط استانبول عام ١٣٩٩ هجري [ ونشرت مجلة المرشد البغدادي في العدد العاشر من المجلد الثاني ص (٣٨٨) الصادر عام (١٣٤٦ هجري - ١٩٢٧ م) ما يلي:
«وأول من قام بنشر الردِّ عليه أخوه: الشيخ سليمان بن عبد الوهّاب، وألّف كتابه الموسوم ب «الصواعق الإلهية»، ثمّ توالت عليه الردود والنقود من مطوعة نجد، وعلماء مصر والهند، وأفاضل سوريا، والعراق». (انتهى).
وقد ردّ الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي على أخيه بكتابين:
أحدهما: «الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية».
وثانيهما: «فصل الخطاب في الردّ على محمَّد بن عبد الوهّاب».
ذكر الكتاب الثاني اسماعيل باشا.(أنظر: «ايضاح المكنون» (٢ / ١٩٠ / ط بيروت).
٣٩ - العلاّمة الشيخ جميل صدقي الزهاوي:
«قاتل الله الوهابيَّة، إنّها تتحرّى في كلِّ أمرٍ تكفير المسلمين ممّا يثبت أن همَّها الأكبر هو تكفيرهم لا غير، فتراها تكفِّر من يتوسَّل إلى الله تعالى بنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويستعين باستشفاعه إلى الله تعالى على قضاء حوائجه، وهي لا تخجل إذ تستعين بدولة الكفر على قضاء حاجتها التي هي قهر المسلمين وحربهم وشق عصاهم الخ» انظر كتابه: «الفجر الصادق في الردّ على منكري التوسل والكرامات، والخوارق» ص (٧٣ / ط) مصر عام (١٣٢٣ هجري)، وأعيد طبعه بالأوفست باستانبول عام (١٩٨٦ م).
وذكرت مجلة المرشد البغدادية تحت عنوان: «كتب الرد على الوهّابيِّين»:
وللشيخ الفيلسوف جميل صدقي أفندي الزهاوي كتاب سماه: «الفجر الصادق في الردّ على منكري التوسل، والكرامات، والخوارق».
(مجلة المرشد العدد ١٠ / المجلد ٢ / ص ٣٨٨ / جمادى الاول عام ١٣٤٦ هجري - ١٩٢٧م)
٤٠ - السيد أحمد بن زيني دحلان مفتي مكة.
قال في كتابه: وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول:
«لا حاجة إلى التأليف في الردِّ على الوهابية بل يكفى في الردِّ عليهم قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم (سيماهم التحليق) فإنّه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم. وأتفق مرّة أنّ امرأة أقامت الحجة على ابن عبد الوهاب لما أكرهوها على اتباعهم ففعلت.
أمرها ابن عبد الوهاب أن تحلق رأسها فقالت له: حيث أنك تأمر المرأة بحلق رأسها ينبغي لك أن تأمر الرجل بحلق لحيته. لأن رأس المرأة زينتها، وشعر لحية الرجل زينته. فلم يحر لها جواباً».
(فتنة الوهابية / ص ٧٧ / ط استانبول عام ١٩٧٨ م)
وقال السيد أحمد مفتي مكة:
وفي هذه السنة (١٣٠٥) كان ابتداء الحرب والقتال بين مولانا الشريف غالب وطائفة الوهابية التابعين لمحمد بن عبد الوهاب في عقيدته التي كفَّر بها المسلمين. وينبغي قبل ذكر المحاربة والقتال ذكر ابتداء أمرهم، وحقيقة حالهم، فإنّ فتنتهم من أعظم الفتن التي ظهرت في الإسلام، طاشت من بلاياها العقول، وحار فيها أرباب المعقول، وكان ابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب سنة (١١٤٣) ألف ومئة وثلاث وأربعين، واشتهر أمره بعد الخمسين فأظهر العقيدة الزائفة بنجد، وقراها فقام بنصرته محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب،
فحمل أهلها على متابعة محمد بن عبد الوهاب فيما يقول، وتابعه أهلها.
(«خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام» ٢ /٢٢٧ / ط استانبول عام ١٩٨٦ م)
وقال السيد أحمد بن زيني دحلان مفتي مكة:
وزعم محمد بن عبد الوهاب أن مراده بهذا المذهب الذي ابتدعه اخلاص التوحيد والتبرّي من الشرك، وأن الناس كانوا على شرك منذ ستمائة سنة، وأنّه جدّد للنّاس دينهم وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على أهل التوحيد كقوله تعالى؛
( ومن أضل ممَّن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ) (الأحقاف: ٥)
وكقوله تعالى:
( ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرُّك... ) (يونس: ١٠٦)
وأمثال هذه الآيات في القرآن كثيرة.
فقال محمد بن عبد الوهّاب:
من استغاث بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أو بغيره من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، أو ناداه، أو سأله الشفاعة فإنّه مثل هؤلاء المشركين. ويدخل في عموم هذه الآيات.
وجعل زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وغيره من الأنبياء والأولياء والصّالحين مثل ذلك. وقال في قوله تعالى - حكاية عن المشركين في عبادة الأصنام -:
( ما نبعدهم إلاّ ليقرِّبونا إلى الله زلفى ) (الزمر: ٣)
قال: فان المشركين ما اعتقدوا في الأصنام أنّها تخلق شيئاً بل يعتقدون أنّ الخالق هو الله بدليل قوله تعالى:
( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله ) (الزخرف: ٨٧)
( ولئن سألتهم من خلق السَّموات والأرض ليقولنَّ الله ) (لقمان: ٢٥)
فما حكم الله عليهم بالكفر، والإشراك إلاّ لقولهم:
( ليقرِّبونا إلى الله زلفى ) (الزمر: ٣)
فهؤلاء مثلهم.
وممّا ردّوا عليه في الرسائل المؤلفة للردّ عليه.
إنّ هذا استدلال باطل فإنّ المؤمنين ما اتخذوا الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ولا الأولياء آلهة، ولا جعلوهم شركاء لله، بل إنّهم يعتقدون أنّهم عبيدُ الله مخلوقون، ولا يعتقدون أنّهم مستحقّو العبادة.
وأمّا المشركون الذين نزلت فيهم هذه الآيات فكانوا يعتقدون استحقاق أصنامهم الألوهية، ويعظّمونها تعظيم الربوبيّة. وإن كانوا يعتقدون أنّها لا تخلق شيئاً.
وأما المؤمنون فلا يعتقدون في الأنبياء، والأولياء، استحقاق العبادة والألوهية، ولا يعظّمونهم تعظيم الربوبيَّة..
بل يعتقدون أنّهم عباد الله، وأحبّاؤه الذين اصطفاهم، واجتباهم، وببركتهم يرحم عباده، فيقصدون بالتبرّك بهم رحمة الله تعالى. ولذلك شواهد كثيرة من الكتاب والسنّة. فاعتقاد المسلمين أن الخالق، الضارّ، النّافع، المستحق للعبادة هو الله وحده، ولا يعتقدون التأثير لأحد سواه، وأن الأنبياء، والأولياء لا يخلقون شيئاً ولا يملكون ضرّاً،
ولا نفعاً، وإنّما يرحم الله عباده ببركتهم.
فاعتقاد المشركين استحقاق أصنامهم العبادة، والألوهية هو الذي أوقعهم في الشرك، لا مجرّد قولهم:( ما نعبدهم إلاّ ليقرِّبونا إلى الله ) .
لأنّهم لمّا أقيمت عليهم الحجّة بأنّها لا تستحقّ العبادة، وهم يعتقدون استحقاقها العبادة قالوا معتذرين:( ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى ) (الزمر: ٣)
فكيف يجوز لابن عبد الوهّاب ومن تبعه أن يجعلوا المؤمنين الموحّدين مثل هؤلاء المشركين الذين يعتقدون ألوهية الأصنام. فجميع الآيات المتقدّمة، وما كان مثلها؛ خاصٌّ بالكفّار والمشركين، ولا يدخل فيه أحد من المؤمنين.
روى البخاري عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم في وصف الخوارج أنّهم انطلقوا الى آيات نزلت في الكفّار فحملوها على المؤمنين.
وفي رواية عن ابن عمر أيضاً أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
«أخوفُ ما أخافُ على اُمَّتي رجل يتأول القرآن يضعه في غير موضعه»
فهو وما قبله صادق على هذه الطائفة.
ولو كان شيء ممّا صَنَعَهُ المؤمنون من التوسُّل وغيره شركاً ما كان يصدر من النّبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه، وسلف الأمّة وخلفها.
(الفتوحات الإسلامية ٢ / ٢٥٨ - ٢٥٩ ط مصر عام ١٣٥٤ هجري)
أقول: وللسيد احمد بن زيني دحلان كتاب:«الدرر السنية في الردّ على الوهابية».
ذكره إسماعيل باشا البغدادي ضمن مؤلفاته العديدة:
(انظر: «هدية العارفين» ١ / ١٩١ / ط بيروت)
٤١ - عبد المحسن الاشيقري الحنبلي.
قال الأستاذ عمر رضا كحاله:
عبد المحسن بن علي الأشيقري الحنبلي، فقيه، ولي الإفتاء بالزبير بقرب البصرة، وتوفي بها. من آثاره: مؤلف في «الردّ على الوهابية».
(انظر: «معجم المؤلفين» ٦ / ١٧٢ / ط بيروت)
٤٢ - الشيخ خالد البغدادي قال في كتابه:
«لو قرأنا بدقة كتب الوهابيين، واللاّمذهبيين لوجدنا في الحال أنهم يحاولون إخداع وإضلال المسلمين بأفكارهم الباطلة، وآرائهم المفرِّقة الدنيئة بعد أن صبغوها بصبغة السلاسل المنطقية الركيكة، وزيَّنوها بكلمات مطليَّة بالذهب.
وأمّا الجهلة يصدّقونها ظناً منهم أن هذه الكلمات تعتمد على العقل والمنطق، ويتبعونهم.
وأمّا العلماء وذوو الرأي السديد لا يقعون في مصيدتهم أبداً.
ولقد ألف العلماء المسلمون منذ أربعة عشر قرناً، آلافاً من الكتب القيِّمة، وذات الفوائد لإيقاظ الشباب من خطر الوهابيّين، واللاّمذهبيين الذين يسوقون المسلمين الى الهلاك الأبدي.
(الإيمان والإسلام / ص ٤٢ / طبعة جديدة بالاوفست باستانبول عام ١٩٨٦ م)
٤٣ - الشيخ أحمد سعيد السرهندي النقشبندي:
قال اسماعيل باشا البغدادي: الشيخ أحمد سعيد بن أبي سعيد بن صفي القدر بن عزيز القدر السرهندي، والنقشبندي من أحفاد أحمد الفاروقي، ولد سنة (١٢١٣ هجري) وتوفي سنة (١٢٧٧ هجري)، صنَّف من الرسائل..: «الحق المبين في الردّ على الوهّابّيين».
(«هدية العارفين / ١ / ١٩٠»، و«معجم المؤلفين» ١ / ٢٣٢)
٤٤ - العلاّمة الفقيه محمد عطاء الله بن إبراهيم بن ياسين الكسم الحنفي.
قال الإستاذ عمر رضا كحالة:
محمد عطاء الله بن ابراهيم بن ياسين الكسم فقيه، حنفي، مشارك في عدة علوم، أصله من حمص، وولد بدمشق. من آثاره: (الأقوال المرضية في الرد على الوهابية).
(أنظر: «معجم المؤلفين» ١٠ / ٢٩٣)٤٥ - أحمد بن علي البصري الشهير بالقبّاني.
قال اسماعيل باشا البغدادي : كتاب: «فصل الخطاب في ردّ ضلالات ابن عبد الوهاب أعني رئيس الوهابية». تأليف: أحمد بن علي البصري الشهير بالقبّاني.
(«إيضاح المكنون» ٢ / ١٩٠ / ط بيروت)
٤٦ - الخواجة الحافظ محمد حسن الحنفي.
«إنّي رأيت في هذا الزمان اختلافاً كثيراً بين الحنفية والوهابية في العقائد حتى في الإلهيات، والرسالة، ومسائل الشريع المتعلقة بالعقائد، وانجرّ اختلافهم إلى تكفير البعض بعضاً، وافترقت الأمةافتراقاً فاحشاً. فأردت إظهار عقائد أهل السنة والجماعة في جزء مراعياً للاختصار، مجتنباً عن ذكر أقاويلهم إلاّ الضّرورة راجياً حفظ عقائد المسلمين من الزيغ والزلل.. الخ ».
(«العقائد الصحيحة في ترديد الوهابية النجدية» ص(٣) مطبعة الفقيه في مدينة أمرتسر - الهند عام (١٣٦٠ هجري)، وأعاد طبعه بالأوفست الاستاذ حسين حلمي بن سعيد الاستانبولي في استانبول عام ١٩٧٨ م).
٤٧ - محمد عطاء الله الرومي.
قال الاستاذ عمر رضا كحالة:
محمد عطاء الله بن محمد شرف بن أبي اسحاق الرومي المعروف بعطا. فقيه متكلم، توفي في بلدة كوزلحصار. من آثاره: «الرسالة الردّية على طائفة الوهابية».
(انظر: معجم المؤلّفين: ١٠ / ٢٩٤)
٤٨ - الشيخ ابراهيم الراوي(١) .
نشرت مجلة المرشد البغدادية في عددها العاشر ص (٣٨٨) الصادر عام (١٣٤٦ هجري) تحت عنوان: كتب الرد على الوهابيين (وكتب) فضيلة الشيخ ابراهيم الراوي رئيس الطريقة الرفاعية كتاباً أسماه: (الأوراق البغدادية).
طبع الكتاب بمطبعة النجاح - بغداد عام (١٣٤٥ هجري)، وطبع بالأوفست باستانبول عام (١٩٧٦ م).
٤٩ - الشيخ داود بن سليمان البغدادي.
ذكر اسماعيل باشا البغدادي كتاباً للشيخ داود بن سليمان المذكور، باسم: «صلح الإخوان في الردّ على من قال على المسلمين بالشرك والكفران».
(هدية العارفين: ٢ / ٧٠)
وصدر للشيخ داود المذكور كتاب: «المنحة الوهبيّة في ردّ الوهابية» طبع الطبعة الثانية في استانبول عام (١٩٧٨ م)، والطبعة الثالثة بالأوفست في استانبول أيضاً نشرها الاستاذ حسين حلمي بن سعيد الاستانبولي عام (١٩٨٦ م) صاحب مكتبة ايشيق بشارع دار الشفقة
____________________
(١) نسبة إلى «راوة» إحدى قرى العراق.
بفاتح (٧٢) تركية.
ونشرت عنه مجلة المرشد البغدادية في عددها العاشر من المجلد الثاني الصادر في جمادى الاول عام (١٣٤٦ هجري - ١٩٢٧ م) تحت عنوان: «كتب الردّ على الوهابيين مع عدة كتب لأعلام السنة التي ردّت عليهم».
وذكر اسماعيل باشا البغدادي تحت عنوان: «البغدادي» فقال:
داود بن سليمان البغدادي من خلفاء الخالدية النقشبندية، ولد سنة (١٢٢٢ هجري)، وتوفي سنة (١٢٩٩ هجري) تسع وتسعين ومئتين وألف. من تصانيفه:... «صلح الإخوان في الردّ على من قال على المسلمين بالشرك والكفران» في ردّ الوهابية، و«المنحة الوهبية في الرد على الوهابية».. الخ.
(هدية العارفين: ١ / ٣٦٣)٥٠ - ابراهيم بن الرياحي المالكي.
قال الاستاذ عمر رضا كحالة:
ابراهيم بن عبد القادر بن أحمد بن إبراهيم الطرابلسي الأصل، الرياحي، التونسي الدار، المالكي (أبو اسحاق). ولد بتستور، وقدم تونس، وتوفي في (٢٧) رمضان (١٢٦٦ هجري).
له: ردّ على الوهابية.
(معجم المؤلفين: ١ / ٤٩)
وذكر الرياحي هذا، اسماعيل باشا البغدادي.
(نظر: هدية العارفين: ١ / ٤٢ / ط بيروت)
٥١ - العلاّمة الشيخ مالك ابن الشيخ داود.
الأدلّة الواردة للرد على مزاعمهم - أي الوهابيّين - أكثر من أن تعدَّ وتحصى. فقد منع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم تكفير المسلم في عدّة
أحاديث، منها قولهعليهالسلام :
«إذا قال المرء لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما». رواه مالك، والبخاري، والترمذي.
«الحقائق الإسلامية في الرّدّ على المزاعم الوهابية بأدلّة الكتاب والسنة النبوية» ص(٢١) الطبعة الاولى عام (١٩٨٣ م)، وأعيد طبعه بالأوفست باستانبول - تركية. نشرته مكتبة الحقيقة عام ١٩٨٤ م
٥٢ - الشيخ حمد الله الداجوي الحنفي الهندي.
له كتاب: «البصائر لمنكري التوسل بأهل المقابر».
وهذا الكتاب هو ردٌّ على كتاب ملاّ طاهر بنجييري(١) المرداني الباكستاني رئيس الفرقة الوهابية في بلاد الهند الذي أسماه ب «البصائر للمتوسلين بالمقابر» أفرط فيه إفراطاً جاوز حدود الإنسانية، حيث شنَّع فيه على المتوسِّلين، وسمَّاهم مشركين، وشحنه بخرافاته، وأوهامه.
(نشره الأستاذ حسين حلمي الاستانبولي بالأوفست عام (١٩٧٨ م) بتركية، وأعاد نشره للمرة الثانية عام (١٩٨٤ م) باستانبول - تركية)
٥٣ - عيسى بن محمد الصنعاني اليمني.
له كتاب: «السيف الهندي في إبانة طريقة الشيخ النجدي». (ابن) عبد الوهاب شيخ الوهابية.
(ايضاح المكنون: ٢ / ٣٧)
____________________
(١) هكذا في الأصل، والصحيح هو: «بنجشيري» نسبة الى منطقة «بنجشير» في الباكستان (المصحح).
وفي هدية العارفين: (١ / ٤٨٨) قال:«الصنعاني: عبد الله بن عيسى بن محمد الصنعاني اليمني المتوفى سنة... له: «السيف الهندي في إبانة طريقة الشيخ النجدي» أعني عبد الوهاب الوهابي، فرغ منه سنة ١٢١٨ هجري).
٥٤ - العلاّمة شرف الدين أحمد بن يحيى المنيري.
لا يوجد في كتب علماء أهل السنة والجماعة عبارة: (السلفية) و(مذهب السلفية) ومثل هذه الأسماء ابتدعت من طرف الوهابيّين، واللاّمذهبيِّين.
ولما ترجمت كتب اللاّمذهبيِّين من اللغة العربية الى اللغة التركية بأقلام رجال الدين الجاهلين، انتشرت هذه الأفكار بين الأتراك، وفي نظرهم هناك مذهب اسمه: «مذهب السلفيَّة» وكان جميع السنِّيِّين يتَّبعون هذا المذهب قبل قيام مذهبي الأشعرية، والماتريديَّة وهم اتبعوا طريق الصحابة، والتابعين «رضي الله عنهم» ومذهب السلفيَّة مذهب الصحابة الكرام، والتابعين، وأتباع التابعين، وكانت الأئمة الكبار تابعين لهذا المذهب...
« الإيمان والإسلام»، ص (٧٨ / ط) بالأوفست في استانبول تركية عام (١٩٨٦ م) نشرته مكتبة الحقيقة
٥٥ - القاضي عبد الرحمن قوتي.
قال في مقدمة كتابه: «سبيل النجاة عن بدعة أهل الزيغ والضلالة»:
فأقول: قد لطَّخ هؤلاء العلماء الوهابيون وجوه دين الإسلام المشرق، بالرماد الأسود، وصيَّروا مخالفي اعتقادهم مشركين أعداء الدين بأطراف لسانهم في محافلهم ورسالاتهم الباطلة.. قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « سيظهر من نجد شيطان تتزلزل جزيرة العرب من فتنته».. فالمراد
من هذا الشيطان محمد بن عبد الوهاب. ولد في نجد سنة (١١١١)، ثمّ انتشرت فتنة الوهابية منه شيئاً فشيئاً بكل ناحية من النواحي، وقطر من الأقطار، ثمّ فشى(١) هذا الداء العضال في نواحي الهند لا سيما (كيرلة) سنة (١٩١٤) العيسوية.
(طبع بالأوفست في استانبول. نشرته مكتبة الحقيقة بشارع دار الشفقة بفاتح(٧٢) عام ١٩٨٥م)
٥٦ - محمد حبيب المحق قاضي برملي.
ذكر في كتابه: «مقياس القياس في إثبات القياس» الوهابية وقال:
«هي فرقة يدَّعون أنهم يعملون بالحديث، يُعرفون بالوهُّابية، وهكذا الفرقة التي يزعمون أنهم أهل القرآن، ولا يعرفون القرآن الفرقان».
(مقياس القياس / ص (٢) / ط استانبول عام ١٩٨٦ م)
٥٧ - اسماعيل التميمي التونسي أبو الفداء.
قال الاستاذ عمر رضا كحالة:
اسماعيل التميمي التونسي (أبو الفداء) فقيه، مؤرخ. من آثاره: «عقد نفيس» ردّ فيه شبهات الوهّابي.
(انظر: معجم المؤلفين ٢ / ٢٦٣ / ط بيروت)
٥٨ - الأستاذ حسين حلمي بن سعيد الاستانبولي.
له كتاب: «علماء المسلمين والوهابيون» يحتوي على خمسة كتب يقول:
«هذا الكتاب يتشكّل من المقالات المنتخبة من الكتب الخمسة المشهورة، وقد كانت مكتبة ايشيق قد طبعت هذا الكتاب للمرة الأولى
____________________
(١) الصحيح «فشا» بالألف الممدودة لأن مضارعه «يفشو». (المصحح).
سنة (١٩٧٦ م) والآن تكرر طبعه وأسماء الكتب الخمسة كالآتي:
١ - مقدمة كتاب الفقه المشهور «الميزان الكبرى» للعلاّمة عبد الوهاب الشعراني ويتكوّن من سبعة(١) وسبعين صفحة، ويذكر فيه المؤلف بوجوب اقتداء أحد المذاهب الأربعة.
٢ - المجموعة المنتخبة من كتاب«شواهد الحق» للشيخ يوسف النبهاني(٢) ، عبارة من ستة (ستٍّ) وخمسين صفحة ويذكر في هذه المنتخبات بأن أفكار وعقيدة ابن تيميّة ومثاله من الفسّاق كالوهابية باطلة، وغير سليمة، وأنهم يريدون هدم الدين من الداخل.
٣ - عقائد النسفيَّة(٣) ، وهذا الكتاب ذو قيمة عظيمة في نظر علماء أهل السنّة والجماعة، لأن الكتاب يشرح المبادئ الأساسية للإيمان وهو اربعة(٤) صحائف ونصف صفحة.
٤ - خمسة (خمس) صفحات مترجمة من اللغة العربية للمكتوب الخامس والخمسين من مجلد (المجلّد) الثاني لكتاب «المكتوبات» لرائد الأئمة أحمد الفاروقي ويقول فيه:
الأوامر والنواهي للأمم السابقة موجودة بالقرآن العظيم، والأئمة الأربعة شرحوا أدلة مذاهبهم مستندين للقرآن الكريم، ولو أخطأوا عند تفسيرهم. وللمقتدي أجر واحد.
لم يبق في القرآن أيُّ أمر، أو نهي إلاّ واحتوته المذاهب الأربعة،
____________________
(١) الصحيح: «سبع وسبعين». (المصحح).
(٢) العلامة الشيخ يوسف النبهاني ولد في حيفا سنة (١٢٦٥) هجرية - (١٨٤٩) ميلادية وتوفي في بيروت سنة (١٣٥٠) هجرية (١٩٢٦) ميلادية.
(٣) لنجم الدين ابو حفص عمر بن محمد النسفي الفقيه الحنفي ولد سنة (٤٦١) وتوفي بسمرقند سنة (٥٣٧) هجري.
(٤) الصحيح «أربعُ». (المصحح).
وثلاثة أرباعهم في المذهب الحنفي.
٥ - رسالة مولانا خالد البغدادي المتوفى بالشام سنة (١٢٤٢ هجري - ١٨٢٦ م) وهي ستة عشر (ست عشرة) صفحة، والرسالة كتبت بخط اليد، يد العلاّمة حسين حلمي ايشيق، وهي تشرح التصوّف.
٥٩ - الشيخ مصطفى بن احمد بن حسن الشطي الحنبلي.
له كتاب: «النقول الشرعية في الرّدّ على الوهّابية» طبع بمصر.
وهذا الكتاب هو الكتاب الثاني الملحق بكتاب «الفجر الصادق» للشيخ جميل أفندي صدقي الزهاوي، طبع طبعة جديدة بالأوفست باستانبول عام (١٩٨٦ م).
٦٠ - الاستاذ ناصر السعيد.
له كتاب: «تاريخ آل سعود» سجل حافل فيه من الوثائق ما يثبت أصلهم اليهودي (آل سعود، وآل عبد الوهاب النجدي)، ويحتوي على مؤامرات السعوديِّين حول اغتيالات جمال (عبد) الناصر، وابن بلاَ وغيرهما ويكشف مؤامراتهم على العراق، وعمان، والبحرين، وقطر، والامارات العربية المتحدة وغيرها، وطبع هذا الكتاب ثلاث طبعات في بلدان مختلفة.
٦١ - الشيخ علي زين العابدين السوداني.
له كتاب: «البراءة من الاختلاق في الرَّدِّ على أهل الشقاق والنفاق في الرد على الفرقة الوهابية الضالة».
مؤلف هذا الكتاب هو الذي أخمد فتنة الوهّابية في أواخر السبعينات حينما هزم قادتهم في المناظرات الشهيرة التي جرت في تلفزيون جمهورية السودان.
وقال في كتابه:
«وسبب جهل شيوخهم (أي شيوخ الفرقة الوهابيَّة) بحقيقة الأمر
في حياة الرسولصلىاللهعليهوآله ومماته واضح. وهو أمران:
أولهما: عدم إيمانهم بنبوّتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الثاني: أنه ليس عندهم شيءٌ صحيح من آثار النبوّة الأولى يبيِّن لهم حقائق الأنبياء والنبوة، ومن ثمَّ تخيَّلوا أن سيدنا عيسىعليهالسلام كان، ولا يزال إلهاً فهم وثنيُّون بكل المقاييس، وتلاميذهم على شاكلتهم في كلّ الامور، وليس عندهم من الدين إلاّ تلك الأوهام، والخرافات التي اُخذت عنهم.
ومن أجل ذلك لا يستطيعون فهم صحيح السنَّة، لأنها نقيض ما تلقّوه عن شيوخهم من كل وجه.
والخطر لا يكمن في جهلهم بكل شيءٍ من الإسلام، وإنّما يكمن في ادّعائهم العلم، وإمكانياتهم الواسعة التي تساعدهم على نشر أفكار المستشرقين بدعوى أنَّها التوحيد، وأنّها الإسلام، وانتشار الجهل في معظم العالم الإسلامي.
ولإثبات حقيقة هذه الحقائق التي ذكرناها فإليك الدليل على إثبات ما نفاه ابن منيع(١) وأنكره أشد الانكار من عرض أعمال أمتهصلىاللهعليهوآله عليه. روى الحارث عن أنس (رض) وابن سعد عن بكر بن عبد الله المزني مرسلاً: أرسل عن ابن عباس (رض) وهو ثقة، أنظر ترجمته في الميزان باسناد حسن، والبزّار عن ابن مسعود (رض)، بإسناد صحيح قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
(حياتي خير لكم تحدثون، ويحدث لكم، فإذا إنا مِتُّ كانت وفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم: فإن رأيت خيراً حمدت الله، وإن رأيت شرّاً استغفرت لكم)
____________________
(١) من الوهابيِّين المعاصرين، له: (حوار مع المالكي في ردّ منكراته وضلالاته» قدّم له عبد العزيز ابن باز. وابن منيع هو: عبد الله بن سليمان بن منيع.
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) رجاله رجال الصحيح.
(«البراءة من الاختلاق» هامش ص(٤٢) طبع السودان)
٦٢ - الاستاذ محمد أحمد حامد السوداني.
له كتاب: «براءة الشيعة من مفتريات الوهّابية» ويقول في خاتمة كتابه:
إنّ من المعروف لكل مسلم اليوم أن الصليبية العالمية بأساطيرها أصبحت لا تقنع أحداً، كما وإن المسيحية نفسها منهج أخلاقي لا ينظم كلَّ مجالات الحياة، ولذا فقد لجأت الصليبيّة العالمية بعد أن يئست من تنصير الشعوب، والهيمنة عليها إلى أساليب عديدة للسيطرة على هذه الشعوب كاتخاذ عملاء من الحكّام، والأفراد، وبعض وعّاظ السلاطين والذين يحاولون باسم التجديد والمسامحة والسلام، والادّعاء بنبذ الإرهاب إلى طمس معالم الدين الإسلامي.
ثمّ ابتدأ الصليبيون على يد عملائهم من الحكام الخونة ومساعدتهم لجأوا الى ضرب كل الحركات الإسلامية التحريرية، والحكومات التقدمّية. فضرب أمريكا لليبيا (١٩٨٦ م) ومحاولتهم ضرب الجيش السوري في عام (١٩٨٥ م) وتهديدهم المستمرُّ لإيران، ثمّ إشعالهم لحرب الخليج على يد العملاء السعوديين الذين أقنعوا صدام حسين بالدخول في الحرب. ثمّ دخول الفرنسيين والأمريكان الى تشاد بجيوشهم الصليبيَّة...
كل ذلك ليس بعيداً عن الأذهان، ويدل بجلاء على حقد هؤلاء الصليبيّين والذين لم تكفهم خيرات البلاد الإسلامية أيام الاستعمار، ولا نهبها. والآن باسم المساعدات فحاولوا فرض سيطرتهم على هذه الشعوب ولكن هيهات هيهات.
٦٣ - الشيخ محمد أنور شاه الكشميري الديوبندي قال في كتابه:
أمّا محمد بن عبد الوهاب النجدي فإنه كان رجلاً بليداً قليل العلم فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلاّ مَن يكون متيقّظاً متقناً عارفاً بوجوه الكفر وأسبابه.
فيض الباري على صحيح البخاري: ١ / ١٧٠ ط مصر.
٦٤ - العلامة الشامي ابن عابدين المتوفى عام ١٢٥٢ هجري.
يقول عن محمد بن عبد الوهاب:
هو بيان لمن خرجوا على سيدنا علي رضي الله تعالى عنه، وإلاّ فيكفي فيهم اعتقادهم كفر من خرجوا عليه كما في زماننا في اتباع محمد بن عبد الوهاب (١) الذين خرجوا من نجد، وتغلّبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة لكنّهم اعتقدوا أنّهم هم المسلمون، وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة، وعلمائهم.
ردّ المختار: ٣ / ٤١٨، ٤٢٧ كما في تاريخ نجد وحجاز ص ١٢٨ ط لاهور - باكستان للمفتي محمد عبد القيوم قادري.
٦٥ - العلاّمة السيد علوي بن أحمد بن حسن بن قطب السيد عبد الله الحداد مؤلف كتاب:
جلاء الظلام في الرد على النجدي الّذي أضلّ العوام.
قال العلاّمة السيد أحمد بن زيني دحلان عن الكتاب المتقدم ذكره:
وهو كتاب جليل ذكر فيه جملة من الأحاديث منها حديث مروي عن العباس بن عبد المطلبرضياللهعنه عم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أسنده إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال فيه:
«سيخرج في ثاني عشر قرناً في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور
لا يزال يلعق براطمه(١) يكثر في زمانه الهرج والمرج يستحلون أموال المسلمين(٢) ويتخذونها بينهم مفخراً وهي فتنة يعتزّ فيها الأرذلون، والسّفل تتجارى بينهم الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه» قال:
ولهذا الحديث شواهد تقوي معناه، وإن لم يعرف من خرّجه ثمّ قال السيد المذكور في الكتاب الّذي مرّ ذكره:
وأصرح من ذلك أنّ هذا المغرور (محمد بن عبد الوهاب) من تميم فيحتمل أنّه من عقب ذي الخويصرة التميمي الّذي جاء فيه حديث البخاري عن أبي سعيد الخدريرضياللهعنه : أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
إنّ من ضئضئ هذا، أو في عقب هذا قوماً يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد فكان هذا الخارجي يقتل أهل الإسلام ويدع أهل الأوثان» (إلى أن قال):
إن الذي ورد في بني حنيفة، وفي ذم بني تميم، ووائل شيء كثير ويكفيك أن أغلب الخوارج وأكثرهم منهم وأن الطاغية (ابن عبد الوهاب) منهم، وأن رئيس الفرقة الباغية (عبد العزيز بن محمد بن سعود بن وائل) منهم.
وجاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال:
«كنت في مبدأ الرسالة أعرض نفسي على القبائل في كلّ موسم،
____________________
(١) في الأصل: في اتباع عبد الوهاب، والصواب ما أوردناه في المتن.
- المؤلف -
(٢) قال محمد بن عبد الوهاب في كتابه (كشف الشبهات) كما جاء في كتاب (الإيمان والإسلام) ص ٤٤ ط استانبول عام ١٩٨٦ م: يباح قتل المسلمين الذين يعتقدون عقيدة أهل السنة، واغتنام أموالهم.
ولم يجبني أحد جواباً أقبح، ولا أخبث من ردّ بني حنيفة»*.
الدرر السنية في الرد على الوهابية ص ٥١ - ٥٢ ط استانبول عام ١٩٨٦ م تاريخ نجد وحجاز ص ١٥١ - ١٥٢ لاهور باكستان للمفتي محمد عبد القيوم قادري.
* ثمّ قال السيد العلوي:
إن المحقق عندنا من أقواله، وأفعاله ما يوجب خروجه عن القواعد الإسلامية لاستحلاله أموالاً مجمعاً على تحريمها معلومة من الدين بالضرورة بلا تأويل سائغ مع تنقيصه الأنبياء، والمرسلين، والأولياء، والصالحين، وتنقيصهم تعمداً كفر بإجماع الأئمة الأربعة.
الدرر السنية في الرد على الوهابية طبع المطبعة الميمنية بمصر عام ١٣١٩ هجري واعيد طبعه في استانبول تركية بالأوفست عام ١٩٨٦ م.
٦٦ - الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي له كتاب: فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب.
انظر: ايضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون ٢ / ١٩٠.
٦٧ - أحمد بن علي البصري الشهير بالقباني له كتاب: فصل الخطاب في رد ضلالات محمد بن عبد الوهاب.
٦٨ - الشيخ طاهر سنبل الحنفي ابن العلامة الشيخ محمد سنبل الشافعي له كتاب: الانتصار للأولياء الأبرار.
نقل السيد أحمد بن زيني دحلان عن السيد العلوي الحداد وقال:
لمّا وصلت الطائف لزيارة حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما اجتمعت بالعلامة الشيخ محمد طاهر سنبل الحنفي ابن العلامة الشيخ محمد سنبل الشافعي فأخبرني أنّه ألّف كتاباً في الرد على هذه الطائفة سماه: (الانتصار للأولياء الأبرار) وقال لي: لعلّ الله ينفع
به من لم تدخل بدعة النجدي قلبه، وأما من دخلت قلبه فلا يرجى فلاحه لحديث البخاري: «يمرقون من الدين ثمّ لا يعودون».
الدرر السنية في الرد على الوهابية ص ٥٢ ط استانبول.
٦٩ - الشيخ عيد بن الحاج وصيف ابن الحاج محمد عبد الرحمن من علماء الشافعية في الازهر الشريف. كتب مقدمة لكتاب:( نور اليقين في مبحث التلقين ) للعلامة الشيخ مصطفى بن ابراهيم الكريمي السيامي وذكر في المقدمة عن الوهابيين المنكرين للتلقين الوارد عن سيد المرسلينصلىاللهعليهوآله فقال:
الوهابيون قوم من أجلاف العرب وحمقاهم، أتباع (محمد بن عبد الوهاب) النجدي المشرقي المبتدع الضالّ المضلّ. اتّبعوه حينما نشر مبادءه السّخيفة فيهم تبعيّة عمياء، وليس عندهم يومئذ من قوّة التفكير الصحيح، ولا من المرونة السياسيّة، حتى الآن ما يدركون به مرماه السياسي، وغرضه الشيطاني بل كانوا عند بثّ دعواه كالحيوان يتبع كل ناعق فكانوا بهذه التبعيّة الصبيانيّة عند ظنّه بهم، ولمّا أحسّ منهم ضعف عقليتهم إتخذهم أعواناً على ما يريد، وتحقيق ما يقصده من نشر مذهبه الجديد، مع مخالفته في الحقيقة للشريعة الغرّاء، والملّة الحنيفيّة السمحاء، إلاّ أنّه من ازدياد لؤمه تسربل بلباس المصلحين، وناداهم والاغرار أمثالهم باسم الدين بعبارات خّلابة، وتمويهات مزيّفة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب. فأقبلوا عليه زرافات، ووحداناً مفتونين، مغرورين مؤيّدين له، ومعزّزين وناصرين.
مبدأ هذه الفتنة الشعواء بين المسلمين كان ذلك في القرن الثاني عشر من هجرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بجهة نجد المشؤمة شرقي المدينة المنوّرة على ساكنها وأصحابها أفضل الصلاة والسّلام.
اُنظر: مقدمة كتاب نور اليقين ص ٣ ط مصر.
٧٠ - السيد ابراهيم الراوي الرفاعي قال في كتابه:
الأوراق البغدادية في الحوادث النجدية.
قد بسطت في كتابي اللّمعات ما جرى في الحجاز عند احتلال عبد العزيز بن سعود هذا القطر المقدس الّذي هو المهد الأول للإسلام والمسلمين من الاُمور الّتي كسرت عواطف العالم الإسلامي، وأحببت أن اُلخّص وأفرد تلك المباحث بورقات ليسهل الاطلاع على ما فيها والنّظر في ظاهرها، وخافيها خدمة لأهل الإسلام ورفعاً لسوء التفاهم بين الأنام فأقول وبالله التوفيق، وبيده ازمّة التحقيق ليعلم أنّ سكان نجد من أهل السنة والجماعة، ومعظمهم من مقلّدي الإمام أحمد بن حنبلرحمهالله في الفروع والأصول، وفيهم علماء أفاضل في المنقول وممّا يمدحون به، بعدهم عن الحضارة والمدنيّة العصريّة الّتي تلوّثت بمساويها الأخلاق الإسلاميّة غير أنّ الأكثرية الساحقة فيهم من العوام لا سيّما طائفة الإخوان فقد بلغنا أنّ الّذي لا يقرأ القرآن يقول للقارئ إقرأ وأنا اُفسّر لك، وقد تلّقنوا من مشائخهم المتعصّبين المتطرّفين ما حملوا كلّما جاء من الآيات القرآنيّة في حق المشركين على المسلمين غافلين عن قوله تعالى: (افنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون).
وممّا يوجب الأسف أنّهم ومن خالفهم من أهل البلاد الإسلامية على طرفي نقيض وقد ارتكبوا في غزواتهم المسلمين منكرات عظيمة من قتل الأنفس، وسلب الأموال حتى قتلوا الأطفال ويقولون عند ذلك: هؤلاء كفار «ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفاراً».
وقد اشتهر عنهم أنّهم يكفّرون من عداهم من المسلمين الّذين يصدق عليهم قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« أمرت أن اُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا
منّي دماءهم، وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله). رواه البخاري، وكذا رواه مسلم إلاّ قوله: إلاّ بحق الإسلام.
وروى الطبراني عن أنس:
( أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله الخ).
ومن أعظم ما ارتكبوه عند احتلالهم الطائف الفعلة التي فعلوها بأهل تلك البلدة الّتي اهتزّ لها العالم الإسلامي من قتلهم المئات من المسلمين وفيهم عدد من علماء الدين كالسيد عبد الله الزواوي مفتي الشافعية بمكّة المكرّمة، والشيخ عبد الله أبو الخير قاضي مكة، والشيخ سليمان مراد قاضي الطائف، والسيد يوسف الزواوي الذي ناهز الثمانين من العمر والشيخ حسن الشيبي، والشيخ جعفر الشيبي وغيرهم ذبحوهم بعدما امنوهم عند أبواب بيوتهم.
وقد قيل إنّه لم يكن مع المهاجمين أحد من العرفاء والاُمراء.
وأما ما فعلوه من النهب، والسلب، وتعذيب كثير من الرجال لإظهار مخبئات الأموال فحدّث عنه ولا حرج. ولو أرخى ابن مسعود لهم العنان لعاثوا ببقيّة القرى والبلدان.
وقد اشتهر عن بعضهم أنّهم ينسبون للشرك كلّ من خالفهم في عاداتهم من استئصال الشارب، وإرخاء اللّحى وكل من يستعمل الدخان المعروف بالتتن وكلّ من يزور قبور الأنبياء، والصالحين، وكل من يبني على قبورهم وبذلك قد خالفوا معتمدهم في منهجهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية.
الأوراق البغدادية في الحوادث النجدية ص ٢ - ٤ طبع مطبعة النجاح بغداد عام ١٣٤٥ هجري.
٧١ - شاه فضل رسول قادري بدايوني يقول في مقدمة كتابه سيف الجبّار المسلول على الأعداء الابرار:
أما بعد فقد ورد ] في [ الصحيفة الرديّة أعني الرسالة النجدية ضحوة الجمعة سابع شهر المحرم سنة ١٢٢١ بحرم الله المحترم، وبيت الله المكرّم وجند شياطين النجد إليها قاصدة على نيّات خبيثة، وعزائم فاسدة، والأخبار موحشة غير راشدة وما فعلوا بالطائف من القتل، والنّهب، والسبي، وهدم مسجد عبد الله بن عباسرضياللهعنه ينذر بإساءة أدبهم في البلد الأمين فاجتمع علماء مكة المعظمة زادها الله شرفاً بعد صلاة الجمعة عند باب الكعبة، واكبّوا على مطالعة (الرسالة النجدية) ليحقق ما فيها من الغيّ، والضلال. وتم تأليف هذا الكتاب عام ١٢٦٥ هجرية.
سيف الجبار ص ٢ ط استانبول ١٩٧٩ م.
٧٢ - الشيخ محمد عبد الرحمن السلهتي الحنفي الهندي له:
رد على فتوى المولوي نذير حسين الهندي كتبه في الهند يقول:
ابن تيميّة فهو كبير الوهابيّين وما هو شيخ الإسلام بل هو شيخ البدعة والآثام. وهو أول من تكلم بجملة عقائدهم الفاسدة وفي الحقيقة هو المحدث لهذه الفرقة الضالّة ثمّ حملت تذكرته وعقائده بين الناس إلى سنة سبع مائة وست وأربعين من ميلاد خير البشر عليه التحية والثناء فبعد ذلك السنة في عهد السلطان محمود خان الثاني ببلاد العرب رجل يدعى بمحمد بن عبد الوهاب من اليمن وأظهر العقائد الفاسدة التي كانت قد ماتت، واندرست بموت ابن تيميّة مقيّداً مغلولاً في بلاد الإسلام، واستحدث شرعاً جديداً وابتدع شيعة مخالفاً عن مذهب السنة وكان يطوف في البلاد من الفرات إلى أمكنة والشام، وبغداد، والبصرة ومن هناك رجع إلى بلاد العرب وبإسعاف الأمير ابن السعود الذي كان قد دخل في هذه الشيعة جذب إليه جمهوراً من أهالي البلاد وسمّوا: (الوهابية) باسم كبيرهم محمد بن عبد الوهاب. وكان ابن السعود كبير
الوهابيّة ملحداً قد سوّلت له نفسه فكان يغلق الحجاج، ويزعج العباد. ويقطع الطرق. فتوجهت العساكر السلطانية في عهد السلطان محمود خان الثاني إلى محمد علي باشا وإلى مصر بقلع، وقمع فجمعهم بحيلة وقتلهم أشدّ قتلة فقبض ] على [ ابن السعود وأرسله إلى الآستانة السلطانية فأمر السلطان بقطع عنقه ليكون عبرة للناظرين.
ومن ذلك الزمان زقّت جمعهم وشتّت شملهم وتفرّقوا في البلاد وسمّوا بأهل الحديث. ولا يليق لهم ما لقبوا به. بل هم أهل البدعة والضلالة وقد أخبر بهذه الفرقة الضالة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:
( يخرج فيكم قوم تلحقون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم) إلى آخر الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ.
هذا نبذ يسير كتبت به في بيان هذه الفرقة الضالّة خذلهم الله تعالى إلى يوم الدين.
سيف الأبرار المسلول على الفجار ص ١١ - ١٢ طبع استانبول عام ١٩٨٦ م.
٧٣ - عيدان الحاج وصيف ابن الحاج محمد بن عبد الرحمن أحد علماء الشافعية بالأزهر الشريف:
يقول في مقدمة لكتاب: نور اليقين في مبحث التلقين:
أما وقد قام الوهابيون النجديون وأشياعهم الجاهلون في زماننا هذا بنشر الفتنة في دين الإسلام في كل مكان وإنكار ما عليه عمل الأئمة الاعلام، فقد وجب علينا بيان أصلهم، والسبب الداعي إلى ابتداعهم كما شرعنا بتوفيق الله في تأليف كتاب للمرد عليهم سميناه: «بضلالات الوهابيّين وجهالة المتوهبين» ولا بأس من إيراد نبذة وجيزة بمناسبة إنكارهم للتلقين وورود الرد عليهم من أفاضل العلماء السياميين
وإليك البيان:
الوهابيون قوم من أجلاف العرب وحمقاهم أتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي المشرقي المبتدع الضال المضلّ إتّبعوه حينما نشر مبادءه السخيفة فيهم تبعيّة عمياء، وليس عندهم يومئذ من قوّة التفكير الصحيح، ولا من المرونة السياسيّة حتى الآن ما يدركون به مرماه السياسي، وغرضه الشيطاني بل كانوا عند بث دعواه كطفام الحيوان، يتبع كل ناعق فكانوا بهذه التبعيّة الصبيانيّة عند ظنّه بهم، ولما أحسّ منهم ضعف عقليّتهم إتخذهم أعواناً له على ما يريد، وتحقيق ما يقصده من نشر مذهبه الجديد، مع مخالفته في الحقيقة للشريعة الغرّاء، والملّة الحنيفيّة السمحاء، إلاّ إنّه من ازدياد لؤمه تسربل بلباس المصلحين، وناداهم والأغرار أمثالهم باسم الدين، بعبارات خلابة، وتمويهات مزيّفة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، فأقبلوا عليه زرافات ووحدانا مفتونين مغرورين مؤيّدين له، ومعززين، وناصرين.
مبدأ ظهور هذه الفتنة الشعواء بين المسلمين: كان ذلك في القرن الثاني عشر من هجرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بجهة نجد المشؤمة شرقي المدينة على ساكنها وأصحابه أفضل الصّلاة والسّلام.
أصل وجود هذا الزعيم ونشأته:
هو تميمي الأصل مشرقي نجد.. نشأ بين أبوين صالحين، بل كان والده الشيخ عبد الوهاب مع صلاحه من خيرة العلماء الاجلاّء المحبّين للعلم ونشره.. ومن أجل هذا أنفد ولده محمّداً المذكور إلى مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ليأخذ العلم عن شيوخها فمكث فيها ذلك الولد النّحس مدة غضب الله عليه فيها ونفت المدينة خبثها، فتلقى إلى مكة المكرّمة يتلقى دروس العلم عن شيوخها، ولازم من أفاضلهم الشيخ محمد بن سليمان الكردي، والشيخ محمد حياة السندي الحنفي، إلاّ أنّ
شيوخه في كلّ زمان ومكان كانت تلهج بذمّه والسخط عليه والتحذير منه لما عرفوا فيه من إلحاد ومروق بيّنين واضحين من أسئلته لهم ونزغاته، ونزعاته، وكان يفعل ذلك مع شيوخه وغيرهم تمهيداً وتأسيساً لحاجة في نفس يعقوب ظهرت فيما بعد على يد نصرائه المغفّلين وهكذا كان حاله مع أبيه، وأخيه الصالحين فكم حذّر منه والده عندما ظهر ببدعته في أرض نجد، بل اشتد عليه إنكار أخيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب وناظره وتغلّب عليه قال له يوماً كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب فقال له خمسة قال له لكنّك تجعلها سنّة فتزيد إنّ من لم يتبعك فليس بمسلم فكأنّ الاُمم الإسلامية في جميع البقاع غير أتباعك كفار، ولا أدل على بطلان بدعتك من هذه الخرافة. ثمّ خاف أخوه الشيخ سليمان من أن يكيد له فيغري بعض الجهلة من أشياعه فيقضي عليه فهرب إلى المدينة المنوّرة وألّف كتاباً في الرد عليه.
ثمّ انتبهت علماء الحنابلة إلى ابتداع الرجل ونشر ضلاله بين الطوائف مع تسترّه بمذهبهم خداعاً فأطلقوا عليه سهاماً من نار أشد وقعاً من مقذوفات مدافع الهاون الألمانية وضيّقوا عليه الخناق، وأظهروا بين الخاص والعام براءة الإمام ممّا ينسبه إليه ذلك المبتدع، بعدما سفّهوا أحلامه، وزيّفوا آراءه وألزموه اتباع أي مذهب من الأربعة اتباعاً لا بدع ولا غش فيه، أو يجهر بين الأنام بتغييره لأنظمة الشريعة الغرّاء فتّتقي الناس قوله، وتلقى لغوه. فلما رأى تستّره بمذهب الإمام أحمد لم يصادف المحز، ولم يبلغ به الفرض، بل طاش سهمه وتكسر قوسه والتوى عليه ساعده، خرج عن تبعيّته لمذهب الإمام احمد يدعي الاجتهاد المطلق بجرأة مخربة، ووجه بارد، لا يعرف ولا يستحي.
ولد زعيم الباطل، ومؤسس الفتنة: في سنة ألف ومائة وإحدى عشرة وهلك سنة ألف ومائتين وستة فعاش في الأرض اثنتين وتسعين
سنة، يعيث فيها فساداً ويغرس في مجاهيل نجد إلحاداً حتى شبوا على غرسه وشابوا. وقد وضحت الشريعة السمحاء، وضح الصبح لذي عينين وما تابوا، بل ما زالوا يدعون الناس إلى ضلالهم القديم، والخيال المستديم، فيا الله للمسلمين من هؤلاء النّفر ومن على شاكلتهم..
مقدمة كتاب: نور اليقين في مبحث التلقين ص ٣ - ٥ ط مصر عام ١٣١٩ هجري.
٧٤ - المعهد التيجاني للمذاكرة بالقرآن والحديث وعلومهما بام درمان - السودان أصدر عدداً في الرد على الوهابيّة باسم:
تحذير أحباب الأولياء من مقاربة دعوة التفرّق والجفاء.
هذه مقالات يعتني بتحريرها ونشرها جماعة أتباع الصوفية للدفاع عن حرمات أولياء الاُمة المحمّدية وكرامة العترة الطاهرة النبويّة وجاء فيها العنوان الآتي نصيحة وتحذير.
قد علم العقلاء أنّ هذه الفرقة النجديّة قد أعلنت جراءتها على كرامة الإسلام بتسميتها نفسها بلقب أنصار السنة المحمّدية وقد تحقق لنا أنّها مكيدة أبرم أمرها مهرة هذا الشأن الّذي تمَّ لهم التفرّد بالدرجة فيه بين بَني الإنسان فطار به مقلّدوهم طرباً ولا علم عندهم بما يقضيه عليهم من الهلاك مفاسدها ونبيّن بعض مكرها ومكايدها فنقول:
قال الله تعالى:( لا تحسبنَّ الذين يفرحون بما أتوا ويُحبّون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبَّنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«المتشبِّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» وزعماء هذه الشر مذة يُعلنون الخروج على السّنة ومناقضتها بشهادة ما تقرّر بعضه هنا وهو قل من كثر مما يجاهرون به ويدعون إليه، ويكفِّرون من يخالفهم فيه
يزعمون بناءه على اجتهادهم الذي يحتكرونه لأفراد فرقتهم مهما كانت قيمة علمهم، ودرجة فهمهم فتظاهرهم بنصر «إسم السنة» المدلّس ما هو، إلاّ مكيدة وخداع. والأغرار الذين اغتبطوا بتقليدهم يقفزون بهذا العنوان الفخم ويفخرون بهذا اللّقب الضخم تمدحاً، وتشبّعاً فحقّ عليهم معنى الآية والحديث الذين قدّمناهما. ولتوضيح بعض فساد هذا اللّقب ومفاسده وتبيين تلبيساته ومكايده نقول:
ينبغي أن يتنبَّه كلّ ذي علم لهذه الحقيقة الثابتة مكشوفة لكلّ ناظر وهي أن كلمة: السنّة في اصطلاح الدين الإسلامي قد مرّت عليها قرون الإسلام، وقبل ظهور هذه الفرقة النجديّة وهي تستعمل في مدلولها غير موصوفة بنعت المحمّدية فإنّ كلمة محمّدية إنّما هي نعت والأصل في النّعت أن يُجاء به لتوضيح محتمل، أو تخصيص مشترك، ولفظ السنّة في اصطلاح الشرع واضح خاص في معناه لا احتمال فيه، ولا اشتراك فلا سنّة في الشرع غير محمّدية.
فلذلك اتفّق المسلمون على إطلاق لفظ السنة على معناه الشرعي غير مقيّد بوصف محمّدية فيقولون: الكتاب والسنّة. وهذا بدعة، وهذا سنّة وذلك فرض، وذلك سنّة ويقولون: كتب السنّة، وأهل السنّة، وعلوم السنّة في اصطلاح علوم الشريعة مستلزم لكونها محمّدية، وكونها محمّدية لازم لها لزوماً بيِّنا يجعل التصريح به تحصيل حاصل، أو قصداً لغرض باطل كما حصل من هذه الفرقة.
والظاهر أنّ لهم فيها أغراضاً متنوّعة منها: الحرص على تغطية أنواع إبتداعهم، وتقوية مغالطتهم في دعاويهم، وألوان نزاعهم، ولا يبعد من صنيع أئمتهم الذين عرفوا بالمهارة في أنواع المجون والمغالطات أن يريدوا بزيادة هذا النعت نسبة سنّتهم إلى مؤسسها (الإمام محمد بن
عبد الوهاب) فإنه قد استفرغ جهده، واستنفد وسعه في وضع أساسات مذهبه على مناقضات السنّة التي اجمع عليها جمهور علماء الأمة. فكان افتتاحه إيّاه بنقيض افتتاح الدين الإسلامي حيث ابتدأه بهجرته مغاضباً أساتذته ومرشديه من دار هجرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي شرع فيها الانتصار لدين الإسلام إلى ديار نجد حيث يطلع قرن الشيطان مصروفاً عن مطالع الهداية من الأراضي المقدّسة وما وجد منها نفس الرحمن.
وهناك في دار هجرته شرع في الانتصار لدينه، وسنّته فأعلن وضع أساسات دينه ردّ كلمة التوحيد، ورفض قبولها بنسخ ما حكم لها به رسول الله أول تأسيس دين الله بإثبات إحترام قائلها، ووجوب عصمة دمه وماله. وأسّس النجدي مع ذلك وجوب الحكم بالكفر والشرك على كل من لم يكن على مذهبه من أمّة الإسلام منذ سلفها. فماذا يرى العقلاء في مذهب أوّل أساساته قطع الصلة بين خلف الامة الإسلامية، وسلفها بل قطع الصلة بين الولد المعتنق هذا الدين، ووالديه اللذين ذهبا قبل وجود هذا المذهب، أو أدركاه فلم يحظيا باعتناقه، بل بين هذا الولد ومن ولده هو قبل اعتناقه هذا الدين النجديّ لبطلان زوجيّته الاولى بحكم ما كان عليه من الشرك، بل قطع الصلة بين أوقات عمر الشخص الواحد وأعماله بالحكم ببطلان كل ما أسلفه من عمل صالح قبل إسلامه الجديد، وبطلان ما كان يعده من سن في الإسلام فمن خطى بموافقة هذه الفرقة بالدخول في دينها الخاص بعد مضي نحو الأربعين سنة من عمره فإنّه ينبغي أن يضعف رجاؤه في كونه ذا سن في إسلامه الجديد فإن الغالب أنّ مستقبل عمره لا يكون أكثر ممّا مضى. والإخوان الذين اعتنقوا هذا الإسلام، والتوحيد جديداً يجعلونه هو الإسلام الصحيح يقضي عليهم حكمهم بذلك أن يكونوا حديثي عصر
بالإسلام إن تكرّمت عليهم نجديّة القاهرة بحكمها بصحة إسلامهم بدون تحقق شرطه الأساسي الّذي هو الهجرة من ديار الشرك إلى توطن دار الإسلام الصحيح التي هي مطلعه، ومبدأ الانتصار له وهي نجد دار هجرة ذلك الإمام الّذي أصبحت سنّته قذى في عيون أهل الإسلام، ومصدر الإهانة والإذلال لكرامة البلد الحرام، ومنشأ دعاية عسكرية لنفوذ سلطان نجديّته بين الأنام.
ومما يقضي به على هؤلاء الإخوان دينهم الجديد أنّ أحدهم إذا ذكر والديه اللذين ماتا قبل انتشار هذا الدين فأراد أن يمتثل في حقّهما قوله تعالى( وقل ربّ ارحمهم ) عرض له قوله تعالى( ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اُولي قربى من بعد ما تبيّن لهم أنهم أصحاب الجحيم ) ولعلّهم إن سلموا من قسوة أئمتهم أن يلتمسوا لهم العذر بعدم بلوغ الدعوة النجديّة يجعلوهم اُسوة أهل الفترة عند علماء الإسلام.
أمّا الذين بلغتهم هذه الدعوة ولم يتفق لهم قبولها فالظاهر أنهم يتبرّؤن منهم بحكم قوله تعالى( فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرّأ منه ) .
ولعلّ هؤلاء المجتهدين إذا رغب أحدهم أن يكون ممّن قال الله في حقّهم:( والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) يعني بدعائه من وُجدوا بعد الإسلام النجدي فاعتنقوه قبل دخوله هو فيه ولا يدخل في دعائه من مضى قبل ذلك من سلف الأمة. فبما قررناه إتّضح أنّ تسميته هذه الفرقة باسم أنصار السنّة المحمّدية ما هو إلاّ زور وتلبيس لا يراد منه معنى المتبادر لمن لا اطلاع له على مكايدهم فلذلك ننصح لكلّ من يهتم بصلاح نفسه وسلامتها من حيل عبّاد الهوى، وعبيد الشهوات أن يحذر إجراء هذا اللقب المشكل على لسانه فقد أوضحنا أنّ تسمية هذه الفرقة نفسها به ما هي إلاّ مكيدة
تجمع أنواع الغُشّ والتدليس فإن سنّة محمّد سيّد العالمين عليه الصلاة والسلام قد مضت على وجوب العصمة والحرمة بقول كلمة التوحيد فقد قال عليه الصلاة والسلام لصاحبه ومولاه لما قتل شخصاً بعد قوله إيّاه: أقتلته بعد أن قالها وجعل يكرّر عليه ذلك حتى قال ذلك الصحابيرضياللهعنه ما معناه أنّه تمنّى أن لم يكن أسلم قبل ذلك وقد أجاب بأنّه إنّما قالها متعوّذاً فقالعليهالسلام منكراً عليه قوله ذلك: هلاّ شققت عن قلبه.
وهؤلاء النجديون يعلنون مصرِّحين بأن حكم مذهبهم نقيض ذلك. فمذهبهم الذي يجهدون أنفسهم بالاجتهاد في نشره، ونصره، وهو نقيض السنّة الربانيّة القرآنية فهم أنصار نقيض السنة وعدوّها فكانوا بذلك أعداءها ومحاربيها. وأنّى يكون العدوّ نصيراً؟
فما وضعوا لقبهم ذلك إلاّ استهزاء بالإسلام والمسلمين.
تحذير أحباب الأولياء ص ٩ - ١٣ مطبعة التمدن - الخرطوم.
٧٥ - الشيخ محمد الطاهر يوسف التيجاني المالكي الأشعري له كتاب: صاروخ الغارة قال فيه:
ومن معتقداتهم الباطلة المهلكة لهم أنّهم ] يقصد بالوهابيّين [ يعتقدون بأن كل من زار قبر سيدنا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ليردعليهالسلام ويتوسل به فإنّهم يحكمون عليه بالكفر والشرك لاعتقادهم أن الزيارة للقبر الشريف وردّ السلام لساكنه، والتوسل به عبادة للقبر فويل لمن يعتقد ذلك ولا يوجد أحد على وجه الأرض من المسلمين بل ومن الكفار جميعاً بأن يعتقد مرتبة الألوهية، أو الربوبيّة في مخلوق قط ما عدا (محمد بن عبد الوهاب) الّذي اتّخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة بتغييره وتحريفه للقرآن والحديث مع تنقيصه الأنبياء والمرسلين، والأولياء، والصالحين
وتنقيصهم تعمدّاً كفر بإجماع الأئمة الأربعة، ولا سيّما تنقيص سيّدنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن محمد بن عبد الوهاب أصله من قبيلة بني تميم وهي أكبر قبيلة آذت الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ...
وإن محمد بن عبد الوهاب كان مغضوب الوالد والمشايخ والأهل وكان يطرد من بلد إلى بلدٍ إذا بدا وعظه وإرشاده، وإظهاره عقيدته الفاسدة ذليلاً حقيراً مهاناً إلى أن وصل إلى بلد أهلها بادية، ورعاة بهائم، ولا يفقهون شيئاً في الدين وأثر فيهم بهذه العقيدة وأضلّهم وتعاونوا معه وبهم قد تمكن من نشر دينه الجديد، وكفَّره علماء مكة ومنع من الحج.. الخ
صاروخ الغارة ص ٩ - ١١ طبع السودان
٧٦ - الاستاذ الكبير الشيخ عبد المتعال الصعيدي المصري
قال عند ذكره للمجدّدين:
ولا شك أنّ الدعوة الوهابيّة تخرج بهذا على سماحة الإسلام، لأن الدعوة الإسلاميّة سليمة محضة، ولا تلجأ إلى القتال إلاّ عند الضرورة... ولكنّ الوهابيّين كانوا كغيرهم من جمهور المسلمين في ذلك الوقت ويرون أنّ الإسلام لم يقم إلاّ بالسّيف فلتقم دعوتهم بالسيف أيضاً.
وإذا كان الإسلام قد عامل مخالفيه هذه المعاملة السمحة وهم يكفرون به كفراً صريحاً فإنّه كان على الدعوة الوهابيّة أن تعامل مخالفيها بمثل ما عامل الإسلام به مخالفيه، وهم ليسوا في الكفر مثلهم قطعاً، لأنّهم يؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مع هذا يدعون الموتى، ويستغيثون بهم، ويسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات لأنّ هذا لو سلم أنّه شرك فإنّه لا يبلغ شرك من لا يؤمن بالله ورسوله.
وكان في حماية آل سعود للدعوة الوهابيّة ما يكفيها عن إعلان الجهاد
على مخالفيها وكان في الوسائل السليمة ما يضمن لها أن تنتشر أكثر ممّا وصلت إليه بالقوّة لأن استوائها القوّة ألجأ مخالفيها إلى استعمال القوّة مثلها وإلى المغالاة في تشويهها وصرف الناس عنها.
المجدّدون في الإسلام ص ٤٤ ط مصر
٧٧ - الاستاذ العلامة الكبير الشيخ محمد زكي ابراهيم
قال: موقفنا من التسلّف والتمسلف
والتصوف الشرعي هو التسلف الإسلامي، والتسلف الإسلامي هو التصوف الشرعي، لا فرق في الأصل بينهما أبداً، فكلاهما دعوة أخلاق وربانية ومجاهدة أساسها القرآن، وما صح عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والذي يراجع أسناد رجال الحديث الشريف لا يوشك أن يجد فيهم واحداً إلاّ وهو موصول السند بالسادة الصوفية،والمحدثون هم أركان السلفية، والخلاف المصنوع الذي حدث بين الصوفية والسلفية، إنما كان أصله قديماً، العبث السياسي، وإقحام الدين في خدمة الملك والحكم، ثمّ أخذ هذا العبث لونه الديني المزيف، مع التطور الزمني باسم التجديد الديني، والتوحيد الجديد، وكان بعض الانحراف قد دب فعلاً في المجال الصوفي، فأمكن منه المتمسلفة، ونحن حين ننقّي التصوف من مستغلفة ومدسوسة، وننقّي التسلّف من اندفاعه ومجازفته وتهوّره وتوقّحه، إذا نقّيناهما هكذا، فلن تجد بينهما خلافاً أبداً، غير أننا نفرق بين التسلّف والتمسلف، وقد قررنا أنه لا فرق في الأصل بين التسلّف والتصوف، فكل صوفي سلفي أصلاً. وقد لا يكون العكس.
أما التمسلف فهو التهوّر والتوقّح الذي ينقل أحكام الحرام والحلال إلى أحكام الإيمان والشرك، والذي يحكم مجازفة على كافة أهل القبلة بالخروج على الإسلام، ولا يبقى أديماً سليماً لمسلم، سابق أو لاحق، ثمّ هو يعمى عن الخير، ولا يتتبع إلاّ المناقص والعيوب، سواء في ذلك تاريخ
العلماء أو الحكام أو الأولياء أو غيرهم ولا يأخذ الأمور إلاّ من وجهها المظلم، فيمزق الأمة شرق ممزق وهو يمهد بعلم أو بجهل للتبشير والاستعمار، بتجريده التاريخ الإسلامي من الأمجاد والفضائل، وإشغاله الأمة بتوافه الأمور المختلف عليها، عن كفاح المتفق عليه من أخطار الإلحاد والانحلال والمذاهب المادية الطاغية، ثمّ بتخريبه كل بناء في الله مهما عظم، ما دام لم ينشأ على يد سلفي أو متمسلف، ثمّ إن التمسلف في الواقع يخدم دعوة سياسية معينة، ويدعو إلى أهداف عميقة ماكرة، فلهذا ولغيره نحن نكافح التمسلف كما نكافح التمصوف، وكلاهما خدمة لدعوتنا وديننا وقوميتنا وأهدافنا العالية، ولعلنا إذا أردنا ترجمة لفظ (التمسلف) إلى حقيقة واقعة، فلا تكون هذه الترجمة إلاّ لفظ (الوهابيّة) بكل ما يحمل من أوضار سياسية وتاريخية وإنسانية ودينية، باسم الإسلام والتوحيد المظلوم، وإن غاب هذا عن الكثيرين.
مجلّة المسلم: مجلّة العشيرة المحمديّة السنة(١٧) العدد (٧) ص ١٥ عدد صفر عام ١٣٨٧ هجري بمصر.
وهذا ما تيسر لنا جمعه وترتيبه في الوقت الحاضر، ولعل الله تعالى يوفقنا في المستقبل القريب لإخراج كتاب جامع نافع حاوٍ لما جنته دعاة الوهّابية والاستعمار أصحاب الأيادي الجانية من آل سعود من المؤامرات ضد الدول العربية والإسلامية إن شاء الله.
السيد مرتضى الرّضوي
الفهرس
البراهين الجليلة في رفع تشكيكات الوهابية بقلم: آية الله السيد محمد حسن القزويني الحائري قدم له سماحة العلاّمة السيد محمد كاظم القزويني ١
مقدمة لابد منها ٣
عقائد ابن عبد الوهاب ٥
كَلمَة المؤَلف ١١
الإسلام موجب لحفظ النفس ١٦
تحريم التفرق والاختلاف ١٨
المسألة الأولى في الشفاعة ١٩
الآيات الدالة على جواز الاستشفاع ٢٠
جواز الاستشفاع بالنبي والأئمة ٢٢
المناقشة مع الوهابيين ٢٥
استدراك في الشفاعة(١) ٢٦
(المسألة الثانية في التوسل) كلام الوهابيين في التوسل ٣٠
الأدلة على التفات الميت ودركه الأشياء ٣١
اثبات الحياة البرزخية ٣٢
توسل عمر بعم النبي العباس ٣٨
استنصار الله والانبياء بالمخلوقين ٤٢
مناقضة ابن عبد الوهاب نفسه في الاستعانة ٤٤
فيمن توسل بقبر النبي صلىاللهعليهوآله ٤٦
الدعاء عند قبر النبي صلىاللهعليهوآله ٤٨
المنع في أن دعاء غير الله عبادة ٤٩
عدم كون النداء دعاء وعبادة المراد من العبادة الطاعة ٥٠
المسألة الثالثة البناء على قبور الانبياء والأئمة ٥٢
مناقشة أدلة تحريم البكاء على القبور ٥٤
المراد من التسوية للقبور ٥٥
اقرار النبي على البناء ٥٦
تعظيم شعائر الله ٥٨
رد فعل عمر واجتهاده ٥٩
المسألة الرابعة ٦١
كراهية التظليل ٦٢
المسألة الخامسَة في زيارة قبور الأئمة عليهمالسلام ٦٤
المبحث الأول تجويز الإمامية زيارة القبور ٦٥
جواز زيارة النبي حياً وميتاً ٦٧
المبحث الثاني : تعظيم قبر النبي صلىاللهعليهوآله والأئمة ليس بشرك ٦٩
المبحث الثالث : أدلة الوهابية على حرمة الزيارة ٧١
طعن ابن تيمية على الشيعة والرد عليه ٧٢
في سنن الزيارة ٧٣
المسألة السّادسَة ٨١
جواز الصلاة إلى القبر عن كراهية ٨٣
كلام ابن عبد الوهاب وابن تيمية في الصلاة إلى القبر ٨٥
المسألة السابعة في هدم المساجد المشيدة حول المراقد المشرفة ٨٧
خاتمة : مباينة الوهابية لسائر المسلمين ٨٩
في شرك المحبة والرد عليه ٩٠
هدم الوهابية للقبور ٩٢
البناء على القبور في الأرض المسبلة ٩٣
تجاسر الوهابيين على المسلمين ٩٤
منع الوهابيين عن الحرية الدينية ٩٧
في حلية شرب التتن ٩٩
ملحق البراهين الجليّة في رَفع تشكيكات الوهَابية بقلم السّيد مرتضى الرضَوي عضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة وصاحب مطبوعات النجاح بالقاهرة ١٠١
كَلمَة المؤَلف ١٠٢
العلماء الرادّون على ابن عبد الوهاب المعاصرون له والمتأخرون عنه إلى وقتنا هذا ١٠٣
الفهرس ١٤٤