نشأة التشيع والشيعة
التجميع تاريخ التشيع
الکاتب السيد محمد باقر الصدر
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

نشأة التشيّع والشيعة

الإمام السيد محمد باقر الصدررضي‌الله‌عنه


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة






نشأة التشيّع والشيعة

تأليف

الإمام السيد محمد باقر الصدررضي‌الله‌عنه

تحقيق وتعليق: الدكتور عبدالجبار شرارة

مقدمة المحقق

بين يدي المؤلف والكتاب:

إنَّ الإمام الشيهد الصدررضي‌الله‌عنه - الذي يُنشر له هذا البحث - عالمٌ رباني، وفقيه من أعاظم فقهاء العصر، ومجاهدٌ في سبيل الله، متفانٍ في سبيل الإسلام إلى درجة الاستشهاد. وهورضي‌الله‌عنه كان ينبوعاً متدفقاً من العطاء العلمي الأصيل؛ فهو إمام فذّ في الدراسات الأصولية والفقهية، وعبقريٌّ نادر في المنطق ومناهج البحث، ومجدد في الفكر الإسلامي لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، في الفلسفة والاقتصاد والاجتماع، وهو بعدَ ذلك كله قد أسهم باطروحاته، ونظراته، وآرائه الأصيلة في تأصيل المدرسة الإسلامية، وتجديد البحوث الكلامية، وإغناء المعرفة القرآنية، كما أرسى دعائمَ منهجٍ علمي رصين في كل ما تناوله قلمُه الشريف من موضوعات.

إنّ الدراسة الرائدة التي بين أيدينا حول (قضية التشيّع) قد


نهج فيها الشهيد الصدررضي‌الله‌عنه المنهج العلمي الرصين، وأحكم فيها المنطق النزيه، وسار في خطواتها بعمق الخبير البصير الذي يعرف منذ البداية كيف ينقل القارئ خطوة بعد خطوة بما يمليه منطق الحق.

لقد تناول الشهيد الصدر هذا الموضوع الخطير فجاء فيه على وجازته بما لم يسبقه إليه سابق، من قوة الحجة ومتانتها، ورصانة العبارة ودقتها، وحسن العرض ولطافته، مع كثرة نكته وإشاراته التي يفطن اليها كل أديب وأريب، ولكنها تغيب عمن لم يمارس هذا النوع من البحوث الكلامية العميقة، ولم يلج ميدان الحِجاج والمناظرة، ولم يعالج من قبل النصوص النبويّة الشريفة، والوقائع التأريخية. ومع أهمية هذا البحث العميق موضوعاً واسلوباً ومعالجةً، إلاّ أَنّ مما يؤسف له أَنه لم يُخرج إخراجا يليق به، ولم يحظ بالتحقيق والتعليق بما يُرشد إلى مظان الشواهد، ويوضح الدليل في موارد الإشارة، وينبه الى مواطن الحجة حتى يتجلى فيها للقارئ صدق المنطق فيطمئن الى منطق الصدق.

إنّ هذا البحث - الذي بين يديك - كان في الأصل تصديراً بقلم الشهيد الصدررضي‌الله‌عنه لكتاب الدكتور عبد الله فياض الموسوم ب «تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة» الذي صدرت طبعته الأولى في بغداد - مطبعة أسد - عام ١٣٩٠ هجري / ١٩٧٠ م. ثمّ نُشرَ في كتاب مستقلٍّ عام ١٣٩٧ هجري. فقد نُشر في القاهرة باشراف السيد طالب الحسيني الرفاعي - دار أهل البيت - مطابع الدجوي - عابدين - القاهرة،


الطبعة الأولى عام ١٣٩٧ هجري / ١٩٧٧ م، كما نُشر في العام نفسه من قبل دار التعارف للمطبوعات - بيروت. ولكن كلتا الطبعتين لم تكونا وافيتين بالغرض؛ إذ لم تعتنيا بالتحقيق والتدقيق، ولم تهتما بتخريج الأحاديث وتوثيق النصوص، فضلاً عن كثرة الأخطاء المطبعية، على أن طبعة القاهرة قد حظيت ببعض التعليقات النافعة بقلم السيد الرفاعي، وكانت أحسن ضبطاً، وأقل أخطاءً. هذا مع اختلاف الطبعيتن في العنوان، فبينما صدرت طبعة القاهرة بعنوان «التشيّع ظاهرة طبيعية في اطار الدعوة الإسلامية». نجد أن الطبعة البيروتية صدرت بعنوان: «بحث حول الولاية».

من هنا مسّت الحاجةُ إلى أن ينال هذا البحث ما يستحقه من عناية التحقيق والتدقيق والتعليق. وقد جهدت كلّ الجهد أن أضبط العبارة مستفيداً من الطبعات المذكورة، مراعياً التصحيحات اللازمة، أما العنوان فقد استأنست برأي سماحة آية الله السيد محمود الهاشمي الذي أشار عليَّ أن يكون العنوان: «نشأة التشيّع والشيعة». فكان هو العنوان الأنسب.

وأخيراً فقد رأيتُ أن اُلحق بهذا البحث الأصيل للشهيد الصدررضي‌الله‌عنه دراسةً علمية أترسم فيها المنهج الرصين نفسه، اُعالج فيها أمراً نبّه إليه الشهيد الصدررضي‌الله‌عنه ، ولكنه لم يبسط القول فيه - اعتماداً على ما يظهر - على أنه مما تضافر على نقله الرواة وتداولته كتب السيرة، وذلك هو: الإعداد الفكري والتربوي لإمامة عليٍّعليه‌السلام ، وخلافته.


عملي في التحقيق:

أولاً: لم يتوفر لدي سوى ما أشرتُ اليه من النسخ المطبوعة، وسوى التصدير الذي في مقدمة كتاب الدكتور عبد الله فياض الموسوم ب «تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة». ولما كانت نسخة طبعة القاهرة التي صدرت بإشراف السيد طالب الرفاعي هي أضبط النسخ وأكملها، لذلك اعتمدتها أصلاً، واستعنت بالطبعتين الاُخريين، طبعة دار التعارف البيروتية، والطبعة في مقدمة كتاب الدكتور فياض البغدادية، وذلك لضبط النص ومعالجة الأخطاء أو الاشتباهات التي وقعت في طبعة القاهرة.

ثانياً: أخرجتُ البحث إخراجاً جديداً، إذ تمَّ توزيعه على تمهيد وفصلين، عُنون الفصل الأول ب «كيف وُلد التشيّع؟» وكما أراد المؤلف الباحث الشهيد الصدر أن يبرّزه، وقد وزعته على ثلاثة مباحث: اختص المبحث الأول بما عُنون بالطريق الأول وهو السلبية أي إهمال أمر الخلافة، وقد برّزت هذا العنوان طبعة القاهرة، وتناول المبحث الثاني الطريق الثاني وهو الإيجابية ممثلةً بنظام الشورى، وعرض المبحث الثالث الطريق الثالث: الإيجابية ممثلة في إعداد ونصب من يقود الأُمة. أما الفصل الثاني فقد عُنْوِنَ ب «كيف وجدت الشيعة؟». ووزع أيضاً على ثلاثة مباحث، كان المبحث الأول حول الاتجاهين الرئيسيين اللذين رافقا نشوء الأُمة، واختصّ المبحث الثاني بالكلام على المرجعية الكفرية والقيادية، وعرض المبحث الثالث لمسألة التشيّع الروحي والتشيّع السياسي.


ثالثاً : رجعت إلى المصادر التي أحالَ إليها الشهيد الصدررضي‌الله‌عنه ، ووثقتُ النصَّ الذي اعتمده، مشيراً إلى الجزء والصفحة في الموارد التي لم يذكر فيها. وقد بلغت الإحالات في طول البحث ثلاثاً وعشرين إحالةً، وضعتُ إزاءها كلمة (الشهيد) بين قوسين كبيرين حفاظاً على الأصل المكتوب بهوامشهِ، وتمييزاً لها من الهوامش والتعليقات التي كتبتُها بقلمي.

رابعاً : بالنسبة إلى النصوص التي أوردها الشهيدرضي‌الله‌عنه ، أو أشارَ إليها، ولم يذكر المصدر قمتُ بتخريجها من مظانها المعتبرة، كما خرّجت الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة.

خامساً : الآراء والأفكار التي نبّه اليها الشهيدرضي‌الله‌عنه ، وثقّتُ منها ما يحتاج إلى توثيق.

سادساً : علقتُ بتعليقات مناسبة على كثير من المطالب، إما توضيحاً للمطلب أو تعزيزاً بالأدلة والشواهد.

أرجو الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم. والحمد لله ربّ العالمين.

المحقق

د. عبد الجبار شرارة


التمهيد

جرى بعض الباحثين على دراسة التشيّع بوصفه ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، والنظر الى القطاع الشيعي من جسم الأُمة الإسلامية بصفته قطاعاً تكوّن على مرِّ الزمن، نتيجةً لأحداثٍ وتطورات اجتماعية معينة، أدّت إلى تكوينٍ فكريّ ومذهبي خاص لجزء من ذلك الجسم الكبير، ثمّ اتّسعَ ذلك الجزء بالتدريج(١) .

إنَّ هؤلاء الباحثين، بعد أن يفترضوا ذلك، يختلفون في تلك الأحداث والتطورات التي أدّت إلى نشوء تلك الظاهرة وولادة ذلك

____________________

(١) راجع: الصلة بين التصوف والتشيّع /الدكتور كامل مصطفى الشيبي / ج ١ / ص ١١ - ١٤، فقد عَرَض آراء كثيرٍ من الباحثين قدماء ومعاصرين حول نشأة التشيّع، وتطوره، وذكر أيضاً أن بعضهم يفرقون بين التشيع السياسي والتشيّع الروحي (المذهبي).

وراجع أيضاً: إسلام بلا مذاهب / الدكتور مصطفى الشكعة / ص ١٥٣.

وأيضاً: النظريات السياسية الإسلامية / الدكتور ضياء الدين الريس / ص ٦٩.



الجزء. فمنهم من يفترض أنّ عبد الله بن سبأ(٢) ونشاطه السياسي المزعوم كان هو الأساس لقيام ذلك التكتل الشيعي. ومنهم من يردّ ظاهرة التشيع إلى عهد خلافة الإمام عليّعليه‌السلام ، وما هيأه ذلك العهد من مقامٍ سياسي واجتماعي على مسرح الأحداث. ومنهم من يزعم أن ظهور الشيعة يكمن في أحداث متأخرة عن ذلك في التسلسل التاريخي للمجتمع الإسلامي(٣) .

والذي دعا - فيما أظن - كثيراً من هؤلاء الباحثين إلى هذا

____________________

(٢) راجع: حركات الشيعة المتطرفين وأثرهم في الحياة الاجتماعية / الدكتور محمد جابر عبد العال / ص ١٩، فقد نُسب هذا القول إلى بعض المؤرخين المسلمين. ولكنه أورد أن برناردلويس وهو مستشرق معروف قد رفض ذلك.

ونقل عن فلهاوزن وفريدلندر وهما من كبار الباحثين قولهما: «إنّ ابن سبأ هذا هو من اختلاق المتأخرين...».

وقد ذكر الدكتور طه حسين في الفتنة الكبرى / ج ٢ / ص ٣٢٧: «أنّ خصوم الشيعة بالغوا في أمر ابن سبأ هذا ليشنعوا على عليٍّ وشيعته...» وقال: « نحن لا نجد لابن سبأ ذكراً في المصادر المهمة.. فلم يُذكر في أنساب الأشراف للبلاذري، وقد ذكره الطبري في تأريخه عن سيف بن عمر التميمي...».

(وسيف هذا قال عنه ابن حبان: يروي الموضوعات، وقالوا انه يضع الحديث، وقال الحاكم عنه أنه اتُّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط). راجع تهذيب التهذيب / ابن حجر ج ٤ / ص ٢٦٠، وراجع حول اُسطورة ابن سبأ / العلامة مرتضى العسكري في كتابه: عبد الله بن سبأ.

(٣) راجع الصلة بين التصوف والتشيع / السابق.

راجع أيضاً تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة / الدكتور عبد الله فياض.

وكذلك إسلام بلا مذاهب / الدكتور مصطفى الشكعة / ص ١٥٢، وما بعدها.

وراجع: النظريات السياسية الإسلامية / الدكتور ضياء الدين الريس / ص ٧٢ وما بعدها.


الافتراض والاعتقاد بأن «التشيّع» ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، هو أنّ الشيعة لم يكونوا يمثلون في صدر الإسلام إلاّ جزءاً ضئيلاً من مجموع الاُمة الإسلامية.

فقد أوحت هذه الحقيقة شعوراً بأنّ اللاتشيع كان هو القاعدة في المجتمع الإسلامي، وأنّ التشيع هو الاستثناء والظاهرة الطارئة التي يجب اكتشاف أسبابها من خلال تطورات المعارضة للوضع السائد.

ولكن اتخاذ الكثرة العددية والضآلة النسبية أساساً لتمييز القاعدة والاستثناء أو الأصل والانشقاق، ليس شيئاً منطقياً؛ فمن الخطأ إعطاء الإسلام اللاشيعي صفة الأصالة على أساس الكثرة العددية، واعطاء الإسلام الشيعي صفة الظاهرة الطارئة ومفهوم الانشقاق، على اساس القلة العددية؛ فإنّ هذا لا يتفق مع طبيعة الانقسامات العقائدية؛ إذ كثيراً ما نلاحظ انقساماً عقائدياً في إطار رسالة واحدة، يقوم على اساس الاختلاف في تحديد بعض معالم تلك الرسالة، وقد لا يكون القسمان العقائديان متكافئين من الناحية العددية ولكنهما في أصلهما معبران بدرجةٍ واحدةٍ عن الرسالة المختلف بشأنها، ولا يجوز بحالٍ من الأحوال أن نبني تصوراتنا عن الانقسام العقائدي داخل إطار الرسالة الإسلامية إلى شيعةٍ وغيرهم، على الناحية العددية(٤) ، كما لا يجوز أيضاً أن نقرن ولادة الاطروحة

____________________

(١) نعم ليس متسقاً مع المنطق، وليس متّسقاً مع منطق القرآن الكريم أيضاً؛ فالقرآن نجده غالباً - إن لم يكن دائماً - يذمّ الكثرة في موارد كثيرة جداً، كما نجده يمدح القلة في موارد مثلها، فقد جاء مثلاً قوله تعالى:( ... وَلكِنَّ أَكثَرهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ) النمل / ٧٣، وجاء قوله تعالى:( ... وَقَليلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) سبأ / ١٣، وجاء قوله تعالى:( ... وإنّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) المائدة / ٤٩، وجاء قوله تعالى:( أُوْلَئكَ المُقَرَّبُونَ * في جَنَّاتِ النَّعيِم* ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ * وَقَليلٌ مِنَ الآخرِينَ ) الواقعة / ١١ - ١٤.

هذا من وجهٍ، ومن وجه آخر نجدُ القرآن الكريم ينبه في موارد كثيرة إلى أن الذين يتبعون الحق ويتبعون الرسل، وينقادون للتعاليم الإلهية قليلون دائماً بالقياس الى الكثرة من المعاندين للحق، قال تعالى:( ... وَأَكثَرُهُم لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) المؤمنون / ٧٠، وقال تعالى:( وَمَا اَكْثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ ) يوسف / ١٠٣، وفي كل ذلك إشارة الى بطلان اعتماد معيار الكثرة لتقييم صحة الاتجاه، وصحة الرأي في مثل هذه الأُمور.

وراجع: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن / محمد فؤاد عبد الباقي / ص ٥٩٧ وما بعدها.


الشيعية، في إطار الرسالة الإسلامية، بولادة كلمة «الشيعة» أو «التشيّع» كمصطلح واسم خاص لفرقةٍ محددة من المسلمين، لأن ولادة الأسماء والمصطلحات شيءٌ، ونشوء المحتوى وواقع الاتجاه والإطروحة شيءٌ آخر، فإذا كنّا لا نجد كلمة «الشيعة»(٥) في اللغة السائدة في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، أو بعد وفاته، لا يعني هذا أنّ الاطروحة والاتجاه الشيعي لم يكن موجوداً.

____________________

(٥) الظاهر أن الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) يذكر هذا من باب التنزل والتسامح، وإلاّ فإن هناك نصوصاً نبوية تصرّح بلفظ الشيعة مقرونة بعلي، جاء في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور / ج ١٧ / ص ٣٨٤: عن عليّعليه‌السلام قال: «قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت وشيعتك في الجنة». وفي ج ١٨ / ص ١٤ منه رواية اخرى عن جابر. وراجع: النهاية / لابن الأثير / مادة قمح: ج ٤ / ص ١٠٦، « ستقدم أنت وشيعتك راضين مرضيين...» الخطاب لعليعليه‌السلام .


فبهذه الروح يحب أن نعالج قضية «والتشيعّ» و«الشيعة»، ونجيب عن السؤالين الآتيين:

كيف وُلِدَ التشيّع؟

وكيف وُجِدت الشيعة؟

الفصل الأول : نشأة التشيع

المبحث الأول

* الموقف السلبي: إهمال أمر الخلافة

المبحث الثاني

*الإيجابية ممثلة بنظام الشورى

المبحث الثالث

*الإيجابية ممثلة بالاختيار والتعيين


تمهيد

أما فيما يتعلق بالسؤال الأول: « كيف وُلد التشيّع؟» فنحن نستطيع أن نعتبرَ التشيّع نتيجة طبيعية للإسلام، وممثلاً لإطروحة كان من المفروض للدعوة الإسلامية أن تتوصّلَ اليها حفاظاً على نموها السليم.

ويمكننا أن نستنتج هذه الإطروحة استنتاجاً منطقياً من الدعوة التي كان الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله يتزعم قيادتها بحكم طبيعة تكوينها، ونوع الظروف التي عاشتها، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يباشر قيادة دعوة انقلابية، ويمارس عملية تغيير شامل للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه، ولم يكن الطريق قصيراً أمام عملية التغيير هذه، بل كان طريقاً طويلاً وممتداً بامتداد الفواصل المعنوية الضخمة بين الجاهلية والإسلام. فكان على الدعوة التي يمارسها النبي أن تبدأ بإنسان الجاهلية فتنشئه إنشاءً جديداً، وتجعل





منه الإنسان الإسلامي، الذي يحمل النور الجديد إلى العالم، وتجتث منه كل جذور الجاهلية ورواسبها(٦) .

وقد خطا القائد الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بعملية التغيير خطواتٍ مدهشة، في برهةٍ قصيرة، وكان على العملية التغييرية أن تواصل طريقها الطويل حتى بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . وكان النبي يدرك منذ فترةٍ قبل وفاته، أنّ أجله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في «حجة الوداع»(٧) ، ولم يفاجئه الموت مفاجأة. وهذا يعني أنه كان يملك فرصةً كافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده، حتى إذا لم نُدخل في الموقف عاملَ الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي(٨) . وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أمامه ثلاثة طرق بالامكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة. أولها: الطريق السلبي، وثانيها: الطريق الإيجابي ممثلاً بالشورى، وثالثها: التعبيين ] وهنا ثلاثة مباحث [.

____________________

(٦) جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبدِهِ آيَاتٍ بَيّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلماتِ إلَى النُّورِ ) الحديد / ٩.

(٧) جاء ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه في خطبة حجة الوداع: إذ قال:« ألا وإني اوشك أن أُدعى فأُجيب... وفي رواية كأني قد دُعيت فأجبتُ، واني تركت فيكم الثقلين...» / صحيح مسلم / ج ٤ / ص ١٨٧٤، وعن عبد الله بن مسعود قال: «كنّا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلةً فتنفّس، فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: نُعيت اليّ نفسي...» مختصر تاريخ ابن عساكر / ج ١٨ / ص ٣٢.

(٨) بمعنى أننا لو افترضنا أنَّ النبيّ حريصٌ على دعوته المباركة - كما هو شأنه - وعلى أن تصلَ هذه الدعوة إلى مداها المقدر لها، وقد كان متطلعاً إلى أن تصلَ الى العالم أجمع، فإنّ هذا بحد ذاته يقتضيه أن يحسب حساب المستقبل.


المبحث الأول : الموقف السلبي: إهمال أمر الخلافة (*)

وذلك بأن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته، ويترك مستقبلها للظروف والصدف.

وهذه السلبية في الموقف لا يمكن افتراضها في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنها إنما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه:

الأمر الأول:

الاعتقاد بأن هذه السلبية والإهمال لا تؤثر على مستقبل الدعوة، وإن الأُمة التي سوف يخلّف الدعوة فيها قادرة على التصرف

____________________

(*) عناوين المباحث الثلاثة للفصلين الأول والثاني مستوحاة من كلام السيد الشهيد الصدر وهي ليست في الأصل.


بالشكل الذي يحمي الدعوة، ويضمن عدم الانحراف.

وهذا الاعتقاد لا مبرر له من الواقع إطلاقاً، بل إنّ طبيعة الأشياء كانت تدل على خلافه، لأنَّ الدعوةَ - بحكم كونها عملاً تغييرياً انقلابياً في بدايته، يستهدف بناء أمة واستئصال كل جذور الجاهلية منها - تتعرض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها، وتركها دون أي تخطيط، فهناك،

أولاً: الأخطار التي تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط مسبقٍ، وعن الضرورة الآنية لاتخاذ موقف مرتجل في ظل الصدمة العظيمة بفقد النبي، فإنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة فسوف تواجه الأمة، ولأول مرة، مسؤولية التصرف بدون قائدها تجاه أخطر مشاكل الدعوة، وهي لا تمتلك أي مفهوم سابق بهذا الصدد، وسوف يتطلب منها الموقف تصرفاً سريعاً آنياً على رغم خطورة المشكلة، لأنّ الفراغ لا يمكن أن يستمر(٩) ، وسوف يكون هذا التصرف السريع في لحظة الصدمة التي تُمنى بها الأُمة، وهي تشعر بفقدها لقائدها الكبير، هذه الصدمة التي تزعزع بطبيعتها سير التفكير، وتبعث على الاضطراب حتى أنها جعلت

____________________

(٩) أصبح معلوماً أن شغور كرسي الرئاسة في الدولة يستتبع محاذير وأخطاراً لا حصرَ لها، بالأخص إذا لم تكن ثمةَ ضوابط دستورية محددة واضحة لملئه بشكل عاجل. راجع النظريات السياسية الإسلامية / الدكتور الريس / ص ١٣٤.


صحابياً معروفاً يعلن - بفعل الصدمة - أن النبي لم يمت ولن يموت(١٠) نعم سوف يكون مثل هذا التصرف محفوفاً بالخطر غير محمود العواقب.

ثانياً: وهناك الأخطار التي تنجم عن عدم النضج الرسالي بدرجةٍ تضمن للنبي، سلفاً، موضوعية التصرف الذي سوف يقع، وانسجامه مع الإطار الرسالي للدعوة، وتغلبه على التناقضات الكامنة التي كانت لا تزال تعيش في زوايا نفوس المسلمين على أساس الانقسام الى مهاجرين وأنصار، أو قريش وسائر العرب، أو مكة والمدينة(١١) .

ثالثاً: هناك الأخطار التي تنشأ لوجود القطاع المتستر بالإسلام، والذي كان يكيد له في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله باستمرار، وهو القطاع الذي كان يسميه القرآن «بالمنافقين»(١٢) . وإذا أضفنا اليهم عدداً

____________________

(١٠) راجع الملل والنحل / الشهرستاني / ج ١ / ص ١٥ فقد جاء فيه: قال عمر بن الخطاب: «من قال إنّ محمداً مات قتلته بسيفي هذا، وإنما رفع الى السماء...». وراجع تاريخ الطبري / محمد بن جرير الطبري / ج ٢ / ص ٢٣٣.. قال: «إن محمداً لم يمت وانه خارجٌ الى من أرجف بموته وقاطع أيديهم وضارب أعناقهم...».

(١١) هناك أكثر من شاهد على هذه الحالة، فقد روى الشيخان والترمذي في كتاب التفسير عن جابر بن عبد الله قال: «كنّا في غزاة فكسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: ما بالُ دعوى الجاهلية... وسمع ابن سلول فقال: فعلوها، والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعزُّ منّا الأذل». التاج الجامع للأصول / الشيخ ناصف / ج ٤ / ص ٢٦٣.

(١٢) حاول قطاع المنافقين في حياة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقوم بأدوار خطيرة جداً في الكيد للإسلام وللرسول وللمسلمين. لاحظ مثلاً ما نقلناه في الهامش السابق من قول ابن سلول - رأس المنافقين - ولاحظ ما أثاروه وروجوه مثلاً في حادثة الإفك، وفي إشاعة الأراجيف كما حصل في معركة اُحد، وفي معركة الأحزاب. وقد أنزل الله تعالى في القرآن سورة المنافقين سلط فيها الأضواء على هذا القطاع الخبيث، وعرّف الرسول بنواياهم وما يخبئون.

راجع مثلاً تفسير الفخر الرازي / ج ٨ / ص ١٥٧ ط ١ / الخيرية ١٣٠٨ هجري مصر، وراجع الكشاف / الزمخشري / ٤: ص ٨١١.


كبيراً ممن أسلم بعد الفتح، استسلاماً للأمر الواقع لا انفتاحاً على الحقيقة، نستطيع حينئذٍ أن نقدر الخطر الذي يمكن لهذه العناصر أن تولده وهي تجد فجأةً فرصة لنشاط واسع في فراغ كبير، مع خلو الساحة من رعاية القائد(١٣) .

فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شيئاً يمكن أن يخفى على أيّ قائد مارسَ العمل العقائدي فضلاً عن خاتم الأنبياء(١٤) . وإذا كان أبو بكر لم يشأ أن يترك الساحة دون أن يتدخل تدخلاً ايجابياً في ضمان مستقبل الحكم بحجة الاحتياط

____________________

(١٣) لاحظ توقع حدوث ظاهرة خروج أعداد كبيرة من الدين بالنسبة لمن أسلم بعد الفتح، حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «سمعت رسول الله يقول: دخل الناس أفواجاً وسيخرجون أفواجاً...» ولاحظ أيضاً حركة الارتداد التي حصلت بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع تحذيراته الكثيرة من تلك الحالة. الكشاف / ج ٤ / ص ٨١١، وراجع تاريخ الطبري / ج ٢ ص ٢٤٥. وراجع حديث الحوض المشهور في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا فرطكم الحوض فيؤتى برجال أعرفهم فيمنعون مني فأقول أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي». راجع صحيح البخاري / ج ٨ / ص ٨٦ كتاب الفتن.

(١٤) المصدر السابق.


للأمر(١٥) . وإذا كان الناس قد هرعوا الى عمر حين ضُرب قائلين: « يا أمير المؤمنين لو عهدت عهداً»(١٦) ، وكل ذلك كان خوفاً من الفراغ الذي سوف يخلفه الخليفة، بالرغم من التركز السياسي والاجتماعي الذي كانت الدعوة قد بلغته بعد عقدٍ من وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا كان عمر قد أوصى الى ستة(١٧) تجاوباً مع شعور الآخرين بالخطر، وإذا كان عمر يدرك بعمق خطورة الموقف في يوم السقيفة، وما كان بالامكان أن تؤدي اليه خلافة أبي بكر بشكلها المرتجل من مضاعفات، إذ يقول: «إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة غير أن الله وقى شرها...»(١٨) ، وإذا كان أبو بكر نفسه يعتذر عن تسرعه إلى قبول الحكم، وتحمل المسؤوليات الكبيرة، بأنه شعر بخطورة الموقف، وضرورة الاقدام السريع على حلٍّ ما، إذ يقول - وقد عوتب على قبول السلطة -: «إنّ رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قُبض، والناس حديثو عهد بالجاهلية، فخشيتُ أن يفتتنوا، وإنَّ أصحابي حملونيها»(١٩) إذا

____________________

(١٥) راجع قصة استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب، وقوله: «إنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر ألاّ تختلفوا بعدي...». مختصر تاريخ ابن عساكر / ج ١٨ / ص ٣٠٨ / ٣٠٩، وراجع تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٢٤٥، ص٢٨٠.

(١٦) راجع تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٥٨٠ (الشهيد)، مختصر تاريخ ابن عساكر / لابن منظور ج ١٨ / ص ٣١٢.

(١٧) تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٥٨١ (الشهيد).

(١٨) تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٢٠٥ تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، السابق ج ٢ / ص ٥٨١.

(١٩) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد / تحقيق أبو الفضل إبراهيم / ج ٢ ص ٤٢ (الشهيد)، وراجع تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٣٥٣. قال ابو بكر: «وودت لو لم أقبلها...».


كان كل ذلك صحيحاً(٢٠) ، فمن البديهي إذن أن يكون رائد الدعوة ونبيُّها اكثر شعوراً بخطر السلبية(٢١) ، وأكبر ادراكاً، وأعمق فهماً لطبيعة الموقف ومتطلبات العمل التغييري الذي يمارسه في أمةٍ حديثة عهدٍ بالجاهلية على حدّ تعبير أبي بكر(٢٢) .

الأمر الثاني - النظرة المصلحية:

إنّ الأمر الثاني الذي يمكن أن يفسر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة، ومصيرها بعد وفاته، أنه على رغم شعوره بخطر هذا الموقف، لا يحاول تحصين الدعوة ضد ذلك الخطر، لأنه ينظر الى الدعوة نظرة مصلحية، فلا يهمه إلاّ أن يحافظ عليها ما دام حيّاً

____________________

(٢٠) راجع: الفاروق عمر للدكتور محمد حسين هيكل / ج ٢ / ص ٣١٣ / ٣١٤: «كان عمر يودّ لو يتمّ التشاور، ويختاروا خليفة، قبل أن يُقبض ليموت مطمئناً الى مصير الإسلام من بعده...».

(٢١) إنّ حرص النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على دعوته المباركة وعلى وحدة الأُمة ومصير الإسلام، لابدّ أن يكون بالضرورة أكثر من حرص أصحابه وأشدّ، قال تعالى:( ... عَزيزٌ عليهِ ما عَنِتُّمْ حَريصُ عليكُم بالمؤمنينَ رَؤوفٌ رَحيمٌ ) التوبة / ١٢٨. والأهم فإنّ توعيته للأمة وتربيته لأصحابه في ضرورة تجنب الاختلاف، وممارساته العملية بهذا الشأن لا تحتاج إلى دليل، فضلاً عن كون القرآن قد طفح بعشرات الآيات التي تدعو الى نبذ الخلاف، والتنفير من أسبابه ودواعيه، فكيف يمكن تصور أن يترك النبي الرحيم أهم سبب يدعو الى التنازع وهو الرئاسة دون أن يضع ما من شأنه أن يعطله ويغلق الباب دون تفاعلاته، مع أن هذا الادراك كما يقولون دفع الخليفتين الأول والثاني الى الاستخلاف كما صرحوا به هم انفسهم. / تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٥٨٠.

(٢٢) المصدر السابق.


ليستفيد منها، ويستمتع بمكاسبها، ولا يُعنى بحماية مستقبلها بعد وفاته.

وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتى إذا لم نلاحظه بوصفه نبيّاً ومرتبطاً بالله سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة، وافترضناه قائداً رسالياً كقادة الرسالات الاُخرى، لأنَّ تاريخ القادة الرساليين لا يملك نظيراً للقائد الرسول محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في إخلاصه لدعوته، وتفانية فيها، وتضحيته من أجلها الى آخر لحظة من حياته. وكل تاريخه يبرهن على ذلك، فقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله على فراش الموت وقد ثقل مرضه، وهو يحمل همَّ معركة كان قد خطط لها، وجهزّ جيش اسامة لخوضها، فكان يقول: «جهزوا جيش اسامة، أنفذوا جيش اسامة، ارسلوا بعث اسامة»، يكرر ذلك، ويغمى عليه بين الحين والحين(٢٣) ، فإذا كان اهتمام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بقضية من قضايا الدعوة العسكرية يبلغ الى هذه الدرجة، وهو يجود بنفسه على فراش الموت، ولا يمنعه علمه بأنه سيموت قبل أن يقطف ثمار تلك المعركة، عن تبنيه لها، وأنَّ تكون همه الشاغل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فكيف يمكن أن نتصور أن النبي لا يعيش هموم مستقبل الدعوة، ولا يخطط لسلامتها، بعد وفاته (صلوات الله عليه) من الأخطار المرتقبة؟!

وأخيراً فإنّ في سلوك الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه

____________________

(٢٣) راجع: تاريخ الكامل / لابن الأثير / ج ٢ / ص ٣١٨ (الشهيد)، وراجع أيضاً الطبقات الكبرى لابن سعد / ج ٢ / ص ٢٤٩.


الأخير رقماً واحداً يكفي لنفي الطريق الأول، وللتدليل على أنَّ القائد الأعظم، نبينا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أبعد ما يكون من فرضية الموقف السلبي تجاه مستقبل الدعوة، لعدم الشعور بالخطر، أو لعدم الاهتمام بشأنه، وهذا الرقمُ أجمعت صحاح المسلمين جميعاً - سنةً وشيعة - على نقله، وهو أنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لما حضرته الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً»(٢٤) . فإنّ هذه المحاولة من القائد الكريم، المتفق على نقلها وصحتها تدلُّ بكل وضوح على أنه كان يفكر في أخطار المستقبل، ويدرك بعمقٍ ضرورة التخطيط لتحصين الأُمة من الانحراف، وحماية الدعوة من التميّع والانهيار، فليس إذن من الممكن افتراض الموقف السلبي(٢٥) من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بحال من الأحوال.

____________________

(٢٤) راجع: صحيح البخاري / ج ١ / ص ٣٧ كتاب العلم، ج ٨ / ص ١٦١ كتاب الاعتصام (الشهيد) وراجع: صحيح مسلم / ج ٥ / ص ٧٦ باب الوصية / مطبعة محمد علي صبيح القاهرة. (الشهيد) مسند الإمام أحمد / ج ١ / ص ٣٥٥، وراجع الطبقات الكبرى /لابن سعد / ج ٢ / ص ٢٤٢ / ٢٤٤ (الشهيد).

(٢٥) إنّ كلَّ مسلم يؤمن بعظمة شخصية الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فضلاً عن إيمانه بأنه نبيٌّ رسول، يقتضيه ذلك الإيمان استبعاد مثل هذه الفرضية مطلقاً، بل يلزم القول بامتناعها في حقه عليه الصلاة والسلام، وذلك لسببين على الأقل: أولهما: إنه خلاف المعهود من سيرته صلوات الله وسلامه عليه بإجماع الملة، تلك السيرة المشرقة الزاخرة بالعمل والجهاد المتواصل بلا انقطاع من أجل التغيير والبناء وانقاذ الأمة. وثانيهما: إنه مخالف لما تواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه، ولما ربّى الأُمة عليه، من الاهتمام بالأمور حتى قال: «من أصبح ولم يهتم باُمور المسلمين فليس منهم» اصول الكافي / ج ٢ / ص ١٣١. ولذا يكون اهماله الاهتمام بمستقبل الدعوة، ومستقبل الأُمة يعني الإخلال الصريح بمصداقيته وعهوده.


المبحث الثاني : الإيجابية ممثلةً بنظام الشورى

إنّ الطريق الثاني المفترض، هو أن يخطط الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله لمستقبل الدعوة بعد وفاته، ويتخذ موقفاً إيجابياً، فيجعل القيمومة على الدعوة، وقيادة التجربة للأمة ممثلةً - على أساس نظام الشورى - في جيلها العقائدي الأول الذي يضمُّ مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثل للأمة هو الذي سيكون قاعدة للحكم، ومحوراً لقيادة الدعوة في خط نموها.

بالنسبة لهذا الافتراض، يلاحظ هنا أن طبيعة الأشياء، والوضع العام الثابت عن الرسول الأكرم والدعوة والدعاة، يرفض هذه الفرضية، وينفي أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد انتهج هذا الطريق، واتجه الى ربط قيادة الدعوة بعده مباشرةً بالأمة ممثلة في جيلها الطليعي من المهاجرين والأنصار على أساس نظام الشورى.


وفيما يأتي بعض النقاط التي توضح ذلك:

النقطة الأولى:

لو كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً إيجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق، بعد وفاته مباشرةً، وإسناد زعامة الدعوة الى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبْدَهِ الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف الإيجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعيةٍ للأمة والدعاة على نظام الشورى، وحدوده وتفاصيله، وإعطائه طابعاً دينياً مقدساً، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً وروحياً لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر، لم تكن قد عاشت - قبل الإسلام - وضعاً سياسياً على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش، في الغالب، وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير(٢٦) .

ونستطيع بسهولة أن ندرك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى، وتفاصيله التشريعية، ومفاهيمه الفكرية، لأنّ هذه العملية لو كانت قد اُنجزت، لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي ذهنية الأُمة، أو على الأقل في ذهنية الجيل

____________________

(١) راجع: النظم الإسلامية / الدكتور عبد العزيز الدوري / ص ٧، مطبعة نجيب - بغداد ١٩٥٠ م أيضاً النظم الإسلامية / الدكتور صبحي الصالح / ص ٥٠ / دار العلم للملايين ١٩٦٥.


الطليعي منها، الذي يضمُّ المهاجرين والأنصار، بوصفه هو المكلف بتطبيق نظام الشورى، مع أننا لا نجدُ في الأحاديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيَّ صورةٍ تشريعية محددة لنظام الشورى(٢٧) .

وأما ذهنية الأُمة أو ذهنية الجيل الطليعي منها فلا نجد فيها أيَّ ملامح أو انعكاسات محددة لتوعيةٍ من ذلك القبيل. فإنَّ هذا الجيل كان يحتوي على اتجاهين، أحدهما الاتجاه الذي يتزعمه أهل البيت، والآخر الاتجاه الذي تمثله السقيفة والخلافة التي قامت فعلاً بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأما الاتجاه الأول ؛ فمن الواضح أنه كان يؤمن بالوصاية والإمامة، ويؤكد على القرابة، ولم ينعكس منه الإيمان بفكرة الشورى(٢٨) .

____________________

(٢٧) يعترف الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه «النظريات السياسية الإسلامية» بأن الخلافة بالصورة التي انتهى اليها نظام الشورى لم يكن أساسها الأحاديث، وإنما إجماع الصحابة على حدّ زعمه. ص ١٠٦ في الهامش ردّاً على آرنولد. ويظهر ذلك بصورة أوضح في معرض ردّه ومناقشته للدكتور عليّ عبد الرزاق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» إذ نفى هذا الأخير وجود أي نصوص تشريعية حديثية يستفاد منها نظام الحكم والسياسة وقد ردُّ عليه الدكتور الريس، محتجاً بما جرت عليه سيرة الخفاء الراشدين وإنَّ فعلهم ذاك هو الآخر له قيمة تشريعية في الإسلام. راجع ص ١٧٤ / ١٧٥.

وراجع مناقشة وافية شافية كافية للنصوص التي قيل انها في الشورى / اساس الحكومة الإسلامية للعلامة السيد كاظم الحائري / ص ٨١ وما بعدها - مطبعة النيل - بيروت / ١٣٩٩.

(٢٨) راجع انكار الإمام عليّ «ع» فكرة الشورى، واحتجاجه على المؤتمرين في السقيفة عندما احتج أبو بكر بالقرابة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله / الخطبة الشقشقية وقوله عليه السلام: «فيالله وللشورى...» نهج البلاغة / شرح الإمام محمد عبده / ج ١ / ص ٣٠ / ٣٤.


وأما الاتجاه الثاني ؛ فكل الأرقام والشواهد في حياته وتطبيقه العملي تدلُّ بصورة لا تقبل الشك على أنه لم يكن يؤمن بالشورى، ولمْ يبنِ ممارساته الفعلية على أساسها، والشيء نفسه نجده في سائر قطاعات ذلك الجيل الذي عاصرَ وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله من المسلمين(٢٩) .

ونلاحظ بهذا الصدد للتأكد من ذلك، أنَّ أبا بكر - حينما اشتدت به العلة - عهد الى عمر بن الخطاب، فأمر عثمانَ أن يكتب عهدَه، وكتبَ «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله، الى المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم فإني أحمد الله اليكم.

أما بعد: فإني قد استعملتُ عليكم عمرَ بن الخطاب، فاسمعوا وأطيعوا»(٣٠) ودخل عليه عبد الرحمن بن عوف فقال: كيف أصبحتَ يا خليفة رسول الله؟ فقال: أصبحت مولياً، وقد زدتموني على ما بي، إذ رأيتموني استعملتُ رجلاً منكم، فكلكم قد أصبح وَرِماً أنفُه، وكلٌّ يطلبها لنفسه...»(٣١) .

____________________

(٢٩) لاحظ ما جرى يوم السقيفة من نقاش وحجاج؛ إذ لم يرد للشورى ذكر ولا اسم بل الذي جرى على خلافها، ومنها إطروحة منا أمير ومنكم أمير، وكيف رفض أبو بكر ومن بعده عمر بن الخطاب هذه الفكرة، ثمّ كيف بادر عمر بن الخطاب الى حسم الموقف بأن أخذ يد أبي بكر، وقال: «ابسط يدك لأبايعك...».

راجع نصوص السقيفة في؛ تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٢٣٤ وما بعدها، وفي ص ٢٠٣ طبعة دار التراث، وراجع شرح النهج / لابن أبي الحديد / ج ٦ / ص ٦ - ٩ تحقيق أبو الفضل ابراهيم.

(٣٠) راجع: مختصر تاريخ دمشق / ابن منظور / ج ١٨ / ص ٣١٠، تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٣٥٢.

(٣١) تاريخ اليعقوبي / ج ٢ / ص ١٢٦، طبعة النجف الحيدرية، (الشهيد) وراجع مختصر تاريخ ابن عساكر /ج١٨/ ص ٣١٠، وتاريخ الطبري / ج ٤ / ص ٥٢ / ط ١ / الحسينية المصرية.


وواضح من هذا الاستخلاف، وهذا الاستنكار للمعارضة، أنّ الخليفة لم يكن يفكر بعقلية نظام الشورى، وأنه كان يرى من حقه تعيين الخليفة، وأن هذا التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا أمرهم بالسمع والطاعة(٣٢) ، فليس هو مجرد ترشيح أو تنبيه، بل هو إلزامٌ ونصبٌ.

ونلاحظ أيضاً أنّ عمر رأى هو الآخر، أيضا، أن من حقه فرض الخليفة على المسلمين، ففرضه في نطاق ستة أشخاص، وأوكل أمرَ التعيين إلى الستة أنفسهم دون أن يجعلَ لسائر المسلمين أيَّ دور حقيقي في الانتخاب(٣٣) ، وهذا يعني أيضاً، أن عقلية نظام الشورى لم تتمثل في طريقة الاستخلاف التي انتهجها عمر، كما لم تتمثل، من

____________________

(٣٢) راجع مختصر تاريخ ابن عساكر / ج ١٨ / ص ٣١٢: عن قيس بن أبي حازم، قال: خرج علينا عمر ومعه شديد مولى أبي بكر ومعه جريدة... فقال: أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول الله، إني قد رضيتُ لكم عمر، فبايعوه، وفي رواية: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة.

(٣٣) قال عمر لصهيب: «صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليّاً وعثمان والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف وطلحة، إنّ قَدِمَ، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسةٌ ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه، أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبي اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم، وثلاثة رجلاً منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فاي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس...». راجع: تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٥٨١، الكامل في التاريخ / ابن أثير / ج ٣ / ص ٦٧ / طبعة دار صادر، وهذا النصّ غنيّ عن التعليق.


قبلُ، في الطريقة التي سلكها الخليفة الأول.

وقد قال عمر - حين طلب منه الناسُ الاستخلاف-: «لو أدركني أحد رجلين فجعلتُ هذا الأمر اليه لوَثِقتُ به: سالم مولي أبي حذيفة، وأبي عبيدة بن الجراح، ولو كان سالمٌ حيّاً ما جعلتها شورى...»(٣٤) .

وقد قال أبو بكر لعبد الرحمن بن عوف، وهو يناجيه على فراش الموت: «وددتُ أني كنت سألت رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمن هذا الأمر، فلا ينازعه أحدٌ...»(٣٥) وحينما تجمع الأنصار في السقيفة لتأمير سعد بن عبادة، قال منهم قائل: «إنْ أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون، ونحن عشيرتُه وأولياؤه، فقالت طائفة منهم إذن نقول منّا أميرٌ ومنكم أمير، لن نرضى بدون هذا منهم أبداً...»(٣٦) . وحينما خطب أبو بكر فيهم قال:

«كنّا معاشر المسلمين المهاجرين أول الناس اسلاماً، والناس لنا في ذلك تبع، نحن عشيرة رسول الله وأوسط العرب أنساباً...»(٣٧) .

وحينما اقترح الأنصار أن تكون الخلافة دورية بين المهاجرين والأنصار ردّ أبو بكر قائلاً: «إنَّ رسول الله لما بُعث عظُم على

____________________

(٣٤) راجع طبقات ابن سعد / ج ٣ / ص ٣٤٣ - طبعة دار صادر - بيروت (الشهيد)، وراجع تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٥٨٠ا، الدار العلمية، الرواية تختلف عن رواية ابن سعد المذكورة.

(٣٥) تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٣٥٤ / ط ٣ - طبعة دار الكتب العلمية - بيروت / ١٤٠٨ هجري (الشهيد).

(٣٦) المصدر السابق / ج ٢ / ص ٢٤٢.

(٣٧) المصدر السابق / ج ٢ / ص ٢٣٥.


العرب أن يتركوا دين آبائهم فخالفوه وشاقوه، وخصَّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقهِ... فهم أول من عبدَ اللهَ في الأرض، وهم أولياؤه وعترته، وأحق الناس بالأمر بعده، لا ينازعهم فيها إلاّ ظالم...»(٣٨) .

وقال الحباب بن المنذر، وهو يشجع الأنصار على التماسك: «املكوا عليكم أيديكم إنما الناس في فيئكم وظلكم، فإن أبى هؤلاء فمنّا أميرٌ ومنهم أمير...»(٣٩) وردّ عليه عمر قائلاً: «هيهات لا يجتمع سيفان في غمد.. من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مدلٌّ بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة»(٤٠) .

إنَّ الطريقة التي مارسها الخليفة الأولى والخليفة الثاني

____________________

(٣٨) المصدر السابق / ج ٢ / ص ٢٤٢: وقد ردَّ الإمام عليّ عليه السلام مثل هذا الاحتجاج كما في مختصر تاريخ ابن عساكر / ج ١٨ / ص ٣٨ / ٣٩، وحاصله: إنه إذا كان السبق الى الإسلام والإيمان هو الذي يرشح الإنسان للخلافة مع ضرورة كونه أقرب الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن يكون من أوليائه وعترته، فإنَّ عليّاً هو الأسبق الى عبادة الله والإيمان برسالة نبيه صلوات الله عليه، بل إنَّ عبادته لله لم تكن مسبوقة بشرك - فهم لم يسجد لصنم قط - على خلاف الجميع وأما القرب من رسول الله فهو من عترته وخاصته وهو بالنص الصريح وليّه وأخوه ونفسه - وأنه هو وحده الذي يؤدي عنه. راجع مسند الإمام أحمد / ج ٤ / ص ٢٨١. إذن بمقتضى هذا المنطق يلزم أن يكون هو الأحق لا غيره.

(٣٩) راجع تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٢٤١ وما بعدها - حوادث سنة (١١) هجرية.

(٤٠) المصدر السابق / ج ٢ / ص ٢٤٣. وراجع شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد / ج ٦ / ص ٦ - ٩ (الشهيد).


للاستخلاف، وعدم استنكار عامة المسلمين لتلك الطريقة، والروح التي سادت على منطق الجناحين المتنافسين من الجيل الطليعي، المهاجرين والأنصار يوم السقيفة، والاتجاه الواضح الذي بدا لدى المهاجرين نحو تقرير مبدأ انحصار السلطة بهم، وعدم مشاركة الأنصار في الحكم، والتأكيد على المبررات الوراثية التي تجعل من عشيرة النبي أولى العرب بميراثه، واستعداد كثير من الأنصار لتقبل فكرة أميرين، أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين، واعلان أبي بكر الذي فاز بالخلافة - في ذلك اليوم - عن أسفه لعدم السؤال من النبي عن صاحب الأمر بعده...(٤١) ، كل ذلك يوضح، بدرجة لا تقبل الشك، أن هذا الجبل الطليعي من الأُمة الإسلامية - بما فيه القطاع الذي تسلّم الحكم، بعد وفاة النبي - لم يكن يفكر بذهنية الشورى، ولم يكن يملك فكرة محددة عن هذا النظام، فكيف يمكن أن نتصور أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد مارس عملية توعية على نظام الشورى تشريعياً وفكرياً، وأعدَّ جيلَ المهاجرين والأنصار لتسلم قيادة الدعوة بعده على أساس هذا النظام، ثمّ لا نجد لدى هذا الجيل تطبيقاً واعياً لهذا النظام أو مفهوماً محدداً عنه؟(٤٢) كما أننا لا يمكن أن نتصور - من ناحية اخرى - أنَّ الرسول القائد يضع هذا النظام، ويحدده تشريعياً ومفهومياً،

____________________

(٤١) تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٣٥٤.

(٤٢) إذ حسب الافتراض لو كان هذا النظام قد جرت التوعية عليه كما يقتضيه الشأن دائماً، فلا بدَّ أن نعثرَ في النصوص عند هذا الجيل مفهوماً معيناً، أو تطبيقات معينةٍ، ولكن شيئاً من هذا لم يتم العثور عليه - كما نبّه الشهيد الصدر - وكما هو الواقع.


ثمّ لا يقوم بتوعية المسلمين عليه وتثقيفهم به(٤٣) .

وهكذا يبرهن ما تقدم على أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن طرح الشورى كنظام بديلٍ على الأُمة، إذ ليس من الممكن عادةً أن تُطرح بالدرجة التي تتناسب مع أهميتها، ثمّ تختفي اختفاءً كاملاً عن الجميع وعن كل الاتجاهات(٤٤) .

ومما يوضح هذه الحقيقة بدرجةٍ اكبر أن نلاحظ:

أولاً : إنَّ نظام الشورى كان نظاماً جديداً بطبيعته على تلك البيئة التي لم تكن قد مارست، قبل النبوة، أي نظام مكتمل للحكم(٤٥) . فكان لابدَّ من توعيةٍ مكثفة ومركزّة عليه كما أوضحنا ذلك.

____________________

(٤٣) لأنّ التوعية في مثل هذه الموارد قد جرت عليه سيرتُه الشريفة وسنته المباركة، ونجد ذلك في الأمور التي هي أقل شأناً وأهمية من هذا الأمر في مناسبات وموارد لا تحصى كثرة.

(٤٤) اختفاء تفاصيل فكرة الشورى حتى على مستوى تحديد معالمها الاساسية كنظام للحكم حقيقة قائمة إذ لم ينقل أن أحداً من المتنازعين سواء في مؤتمر السقيفة أو بعده قد تقدم ولو بنص واحد يتعلق بها من قريب أو بعيد. راجع نصوص السقيفة مثلاً في تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٢٣٤ وما بعدها.

(٤٥) قضية عدم وجود نظام للحكم في الجزيزة العربية - قبل البعثة النبوية وتأسيس دولة الإسلام في المدينة - أمر متسالم عليه عند المؤرخين لضرورة عدم وجود دولة أصلاً من جهة، ولخضوع العرب الى أعرافهم وتقاليدهم القبلية، راجع محاضرات في تاريخ العرب / الدكتور صالح أحمد العلي / ط ٢ - بغداد؛ وراجع محاضرات في تاريخ العرب الإسلام / الدكتور عبد اللطيف الطيباوي / ج ١ / ص ١٢١ - دار الأندلس - بيروت / ١٩٦٣؛ وراجع تاريخ العرب قبل الإسلام / القسم السياسي / د جواد عليّ - طبعة دار المجمع العلمي العراقي، وراجع تاريخ الإسلام السياسي / الدكتور حسن إبراهيم حسن / ص ٥١.


ثانياً : إنَّ الشورى، كفكرةٍ، مفهوم غائمٌ، لا يكفي طرحه هكذا، لإمكان وضعه موضع التنفيذ، ما لم تشرح تفاصيله وموازينه ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشورى، وهل تقوم هذه المقاييس على أساس العدد والكم، أو على أساس الكيف والخبرة؟؟ الى غير ذلك مما يحدد للفكرة معالمها ويجعلها صالحة للتطبيق(٤٦) فورَ وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثالثاً : إنّ الشورى تعبّر في الحقيقة عن ممارسة للأمة - بشكل أو آخر - للسلطة عن طريق التشاور وتقرير مصير الحكم، فهي مسؤولية تتعلق بعدد كبير من الناس هم كل الذين تشملهم الشورى، وهذا يعني أنها لو كانت حكماً شرعياً يجب وضعه موضع التنفيذ عقيب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لكان لا بدَّ من طرحه على أكبر عدد من اولئك الناس لأنَّ موقفهم من الشورى ايجابي، وكلّ منهم يتحمل قسطاً من المسؤولية(٤٧) .

وكل هذه النقاط تبرهن على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حالة تبنّيه لنظام الشورى، كبديلٍ له بعد وفاته، يتحتم عليه أن يطرح

____________________

(٤٦) بلحاظ ضرورة الوضوح بدرجة كافية لحسم مسألة الرئاسة بعد شغور كرسيها تجنباً للمخاطر المتوقعة في حالة عدم وجود معايير محددة في هذا المجال.

(٤٧) أي كما هو الشأن في كل تكليف شرعي، إذ يقتضي البيان والتفصيل، وهذا ما كان عليه دأبه صلوات الله وسلامه عليه، في كل التكاليف الشرعية قال تعالى:( ... وأنزَلنَا إليْكَ الذّكرَ لتُبيّنَ لِلنَّاسَ مَا نُزلَ إليْهِم ) النحل /٤٤؛ فلو كان حكماً شرعياً إذن، وواجباً يجب ممارسته ممن عنده الأهلية، لكان يقتضي البيان.


فكرة الشورى على نطاق واسع، وبعمق، وباعداد نفسي عام، وملءٍ لكل الثغرات، وابراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية، وطرحٌ للفكرة على هذا المستوى كماً وكيفاً وعمقاً، لا يمكن أن يمارسه الرسولُ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ تنطمس معالمه لدى جميع المسلمين الذين عاصروه الى حين وفاته صلوات الله عليه.

وقد يفترض أنَّ النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قد طرح فكرة الشورى بالصورة اللازمة، وبالحجم الذي يتطلبه الموقف كماً وكيفاً، واستوعبها المسلمون، غير أن الدوافع السياسية استيقظت فجأةً وحجبت الحقيقة وفرضت على الناس كتمان ما سمعوه من النبي فيما يتصل بالشورى وأحكامها وتفاصيلها.

غير أنَّ هذا الافتراض ليس عملياً، لأنَّ تلك الدوافع مهما قيل عنها، فهي لا تشمل المسلمين الاعتياديين من الصحابة الذين لم يساهموا في الأحداث السياسية عقب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا في بناء هرم السقيفة، وكان موقفهم موقف المترسل، وهؤلاء يمثلون في كل مجتمع جزءاً كبيراً من الناحية العددية مهما طغى الجانب السياسي عليه(٤٨) .

____________________

(٤٨) أي كما تمت محاولة طمس مبدأ الولاية لعليعليه‌السلام ومع ذلك فإنَّ النصوص المتعلقة بها لم تختف تماماً ولا كلياً، بل وصلت نصوص كثيرة بلغ بعضها حدّ الشهرة والتواتر. راجع مختصر تاريخ ابن عساكر /ابن منظور / ج ١٧ / ص ٣٥٦ وما بعدها وج ١٨ ص ١ - ٥٠ فلو كان هناك بيانات ونصوص عن الشورى كنظام لاستعصت على الطمس.


فلو كانت الشورى مطروحةً من قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحجم المطلوب لما اختص الاستماع الى نصوصها بأصحاب تلك الدوافع، بل لسمعها مختلف الناس، ولانعكست بصورة طبيعية عن طريق الاعتياديين من الصحابة كما انعكست فعلاً النصوص النبوية على فضل الإمامعليه‌السلام ووصايته عن طريق الصحابة أنفسهم، فكيف لم تَحُل الدوافع السياسية دون أن تصل الينا مئات الأحاديث - عن طريق الصحابة - عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضل عليعليه‌السلام ووصايته ومرجعيته(٤٩) ، على الرغم من تعارض ذلك مع الاتجاه السائد وقتئذٍ، ولم يصلنا شيء ملحوظ من ذلك فيما يتصل بفكرة الشورى؟(٥٠) بل حتى اولئك الذين كانوا يمثلون الاتجاه السائد كانوا في كثير من الأحيان يختلفون في المواقف السياسية، وتكون من مصلحة هذا الفريق أو ذاك أن يرفع شعار الشورى ضد الفريق الآخر،

____________________

(٤٩) راجع ما نقلنا في الدراسة «الملحق»، وراجع مختصر تاريخ ابن عساكر / لابن منظور / ج ١٧ / ص ٣٥٤ وج ١٨/ ص ١ - ٥٠، وراجع حلية الأولياء / لأبي نعيم / ج ١ / ص ٦٦، وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد / ج ٢ / ص ٣٣٨، وراجع ينابيع المودة للقندوزي / ج ١ / ص ٦٢ وما بعدها وراجع السنن الكبرى - النسائي / الخصائص ج ٥ / ص ١٢٨ وما بعدها.

(٥٠) من الملاحظ أن الكتّاب المسلمين الذين بحثوا في مسألة نظام الحكم، أو في مسألة الخلافة، ممن استبعد فكرة النص والتعيين - التي توفرت فيها مئات النصوص النبوية - واعتمد بدلها فكرة نظام الشورى محتجين بالقرآن في بعض الموارد، لم يعثروا على نصوص نبوية تسعفهم في تأييد دعواهم، ولذلك اضطروا الى اعتماد سيرة الصحابة، ومع ذلك فإنهم لم يجدوا تفسيراً منطقياً للوضع المتباين والمضطرب الذي كان عليه استخلاف الصحابة. راجع النظريات السياسية الإسلامية / الدكتورالريس، وراجع السقيفة والخلافة لعبد الفتاح عبد المقصود.


ومع ذلك لم نعهد أنَّ فريقاً منهم استعمل هذا الشعار كحكم سمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلاحظوا - على سبيل المثال - موقف طلحة من تعيين أبي بكر لعمر، واستنكاره لذلك، وإعلانه السخط على هذا التعيين(٥١) ، فإنه لم يُفكر- على رغم ذلك - أن يلعب ضد هذا التعيين بورقة الشورى، ويشجب موقف أبي بكر، بأنه يخالف ما هو المسموع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الشورى والانتخاب.

النقطة الثانية:

إنَّ النبي لو كان قد قررَ أن يجعل من الجيل الإسلامي الرائد، الذي يضمّ المهاجرين والأنصارَ من صحابته قيّماً على الدعوة بعده، ومسؤولاً عن مواصلة عملية التغيير، فهذا يحتمّ على الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يعبئ هذا الجيل تعبئةً رساليةً وفكرية واسعة، يستطيع ان يمسك بالنطرية بعمق ويمارس التطبيق في ضوئها بوعي، ويضع للمشاكل التي تواجهها الدعوة باستمرار حلولها النابعة من الرسالة، خصوصاً إذا لاحظنا أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان - وهو الذي بشّرَ بسقوط كسرى وقيصر(٥٢) - يعلمُ بأنَّ الدعوةَ مقبلةٌ على فتوح عظيمة، وأنَّ الأُمة الإسلامية سوف تضمّ إليها في غدٍ قريبٍ شعوباً جديدة ومساحةً كبيرة، وتواجه مسؤولية توعيةِ تلك الشعوب على

____________________

(٥١) راجع مختصر تاريخ ابن عساكر / ابن منظور / ج ١٨ / ص ٢٣٠ الرواية عن الشعبي وكان مع طلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن.

(٥٢) راجع تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٩٢ / ط ١ - دار الكتب العلمية - بيروت / حديث النبي عند حفر الخندق.


الإسلام، وتحصين الأُمة من أخطار هذا الانفتاح، وتطبيق أحكام الشريعة على الأرض المفتوحة وعلى أهل الأرض، وبالرغم من أنّ الجيل الرائد من المسلمين كان أنظف الأجيال التي توارثت الدعوة وأكثرها استعداداً للتضحية، بالرغم من كل ذلك، لا نجد فيها ملامح ذلك الإعداد الخاص للقيمومة على الدعوة، والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها؛ والأرقام التي تبرر هذا النفي كثيرة لا يمكن استيعابها في هذا المجال. ويمكننا أن نلاحظ بهذا الصدد، أنّ مجموع ما نقله الصحابة من نصوص عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في مجال التشريع لا يتجاوز بضع مئات من الأحاديث(٥٣) ، بينما كان عدد الصحابة يناهز اثني عشر ألفاً على ما أحصته كتب التاريخ(٥٤) . وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يعيش مع آلاف من هؤلاء في بلدٍ واحدٍ ومسجدٍ واحدٍ، صباحاً ومساءً، فهل يمكن أن نجدَ في هذه الأرقام ملامح الإعداد الخاص؟!

والمعروف عن الصحابة أنهم كانوا يتحاشون من ابتداء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالسؤال حتى أنَّ أحدهم كان ينتظر فرصة مجيء

____________________

(٥٣) راجع سننن أبي داود/ لاختصاصه بأحاديث الأحكام، والموطأ / للإمام مالك / مجموع أحاديثه (١٥٧٠) بعضها مراسيل.

(٥٤) ما أحصاه ابن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة) في أربع مجلدات / بلغ عدد التراجم (١٢٢٦٧). راجع بحوث في تاريخ السنة المشرفة / الدكتور أكرم ضياء العمري / هامش ص ٧١ / ط ٣ مؤسسة الرسالة - بيروت / ١٩٧٥، وراجع علوم الحديث ومصطلحه الدكتور صبحي الصالح / ص ٣٥٤، فقد نقل عن أبي زرعة ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبض عن (١١٤٠٠٠) مائة الف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة.


أعرابي من خارج المدينة - يسأل ليسمع الجواب(٥٥) ، وكانوا يرون أنَّ من الترف الذي يجب الترفع عنه السؤال عن حكم قضايا لم تقع بعد. ومن أجل ذلك قال عمر على المنبر: «احرج بالله على رجلٍ سأل عمّا لم يكن، فإن‏َّ الله قد بيّن ما هو كائن...»(٥٦) وقال: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يسأل عمّا لم يكن. إنَّ الله قد قضى فيما هو كائن...»(٥٧) وجاء رجلٌ يوماً الى ابن عمر يسأله عن شيء، فقال له ابن عمر: «لا تسأل عمّا لم يكن، فإني سمعتُ عمر بن الخطاب يلعن من سأل عمّا لم يكن...»(٥٨) ، وسأل رجلٌ أبيّ بن كعب عن مسألة، قال: «يا بُنيّ أكان الذي سألتني عنه؟ قال: لا، قال: أما لا، فأجلني حتى يكون»(٥٩) .

«وقرأ عمر يوماً القرآن، فانتهى الى قوله تعالى:( فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً* وَعِنَباً وَقَضْبَاً* وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً* وَحَدائِقَ غُلْباً* وَفَاكِهَةً وَأَبّ ) (٦٠) ، فقال كل هذا عرفناه، فما الأبّ؟ ثمّ قال: هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم هداه من

____________________

(٥٥) راجع خطبة الإمام عليّعليه‌السلام رقم ٢١٠ / ص ٣٢٧ نهج البلاغة / الدكتور صبحي الصالح. قال: «وليس كل أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من كان يسأله ويستفهمه، حتى إن كانوا ليُحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأله صلوات الله عليه حتى يسمعوا، وكان لا يمرُّ بي من ذلك شيء إلاّ سألته وحفظته...».

(٥٦) سنن الدارمي / ج ١ / ص ٥٠ / نشر دار إحياء السنة النبوية.

(٥٧) المصدر السابق / ج ١ / ص ٥٠ (الشهيد).

(٥٨) المصدر السابق / ج ١ / ص ٥٠ (الشهيد).

(٥٩) المصدر السابق / ج ١ / ص ٥٦ (الشهيد).

(٦٠) سورة عَبس / آية ٢٧ - ٣١.


الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكِلوه الى ربّه...»(٦١) .

وهكذا نلاحظ اتجاهاً لدى الصحابة الى العزوف عن السؤال إلاّ في حدود المشاكل المحددة الواقعة. وهذا الاتجاه هو الذي أدّى الى ضآلة عدد النصوص التشريعية التي نقلوها عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الذي أدّى - بعد ذلك - الى الاحتياج إلى مصادر اُخرى غير الكتاب والسنة، كالاستحسان والقياس وغيرهما من ألوان الاجتهاد التي يتمثل فيها العنصر الذاتي للمجتهد(٦٢) ، الأمر الذي أدّى الى تسرّب شخصية الإنسان بذوقه وتصوراته الخاصة الى التشريع... وهذا الإتجاه أبعد ما يكون عن عملية الإعداد الرسالي الخاص التي كانت تتطلب تثقيفاً واسعاً لذلك الجيل وتوعية له على حلول الشريعة للمشاكل التي سوف يواجهها عِبرَ قيادته.

وكما أمسك الصحابة عن مبادرة النبي بالسؤال، كذلك أمسكوا عن تدوين آثار الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وسنته(٦٣) على

____________________

(٦١) الاتقان في علوم القرآن / السيوطي / ج ٢ / ص ٤ - تحقيق أبو الفضل ابراهيم.

(٦٢) انكر الاجتهادُ الشافعيُّ نظريتي الاستحسان والمصالح المرسلة، لأن الشريعة قد تكفلت ببيان كل ما يحتاج الإنسان الى معرفته من الأحكام، إما بالنص الصريح، أو بالاشارة، أو بطريق القياس المشروع، ولأن الاستحسان لا ضابط له ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل،.. ولذا أُثِرَ عن الشافعي قوله: «من استحسن فقد شرّع...».

راجع المدخل الفقهي العام / الدكتور مصطفى الزرقا / ج ١ / ص ١٢٤ / ١٢٥.

(٦٣) راجع في مسألة تدوين الحديث، والمنع منه أو إجازته فيما بعد ما أورده ونقله الدكتور صبحي الصالح / ص٢٠ وما بعدها في الهامش / علوم الحديث ومصطلحه - طبعة دار العلم للملايين.


رغم أنها المصدر الثاني من مصادر الإسلام، وأنّ التدوين كان هو الاسلوب الوحيد للحفاظ عليها وصيانتها من الضياع والتحريف، فقد أخرج الهروي في ذمّ الكلام عن طريق يحيى بن سعد عن عبد الله بن دينار قال: لم يكن الصحابة، ولا التابعون، يكتبون الأحاديث، وإنما كانوا يؤدونها لفظاً ويأخذونها حفظاً(٦٤) . بل إنَّ الخليفة الثاني - على ما في طبقّات ابن سعد - ظلَّ يفكر في الموقف الأفضل تجاه سة الرسول، واستمر به التفكير شهراً ثمّ أعلن منعه عن تسجيل شيء من ذلك(٦٥) . وبقيت سنة الرسول الأعظم التي هي أهم مصدر للإسلام بعد الكتاب الكريم، في ذمة القدر يتحكم فيها النسيان تارةً، والتحريف أُخرى، وموت الحفاظ ثالثةً، طيلةَ مائة وخمسين سنةً تقريباً(٦٦) .

ويستثنى من ذلك اتجاه أهل البيت، فإنهم دأبوا على التسجيل والتدوين منذ العصر الأول، وقد استفاضت رواياتنا عن أئمة أهل البيت بأنَّ عندهم كتاباً ضخماً مدوناً بإملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(٦٤) راجع المصدر السابق، وراجع: سنن الدارمي / ج ١ / ص ١١٩ / باب من لم يرَ كتابة الحديث.

(٦٥) الطبقات الكبرى / ابن سعد / ج ٣ / ص ٢٨٧ - طبعة دار بيروت / ١٤٠٥.

(٦٦) كان أول تدوين رسمي للسنة على يد محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هجري)، بأمر من عمر بن عبد العزيز ونقل عنه قوله: «لم يدون هذا العلم أحدٌ قبل تدويني...». وكان ذلك بداية المائة الثانية من الهجرة، راجع علوم الحديث ومصطلحه / الدكتور صبحي الصالح / ص ٤٦.


وخط عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (٦٧) فيه جميع سنن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فهل ترى بربّك أنَّ ذلك الاتجاه الساذج - إن كانت المسألة مسألة سذاجة - الذي ينفر من السؤال عن واقعة قبل حدوثها ويرفض تسجيل سنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد صدورها كفؤاً لزعامة الرسالة الجديدة وقيادتها في أهم وأصعب مراحل مسيرتها الطويلة؟؟! أو هل ترى بربّك أن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يترك سنته مبعثرة بدون ضبط وتسجيل مع أنه يأمر بالتمسك بها؟(٦٨) أوَلم يكن من الضروري إذا كان يمهّد لفكرة الشورى حقاً أن يحدد للشورى دستورها ويضبط سنته لكي تسير الشورى على منهاج ثابت محدد لا تتلاعب به الأهواء؟(٦٩)

أوليس التفسير الوحيد المعقول لهذا الموقف من النبي أنه كان قد أعدَّ الإمام عليّاً للمرجعية وزعامة التجربة بعده، وأودعه سنَّتَه

____________________

(٦٧) أصول الكافي / ج ١ / ص ٢٤١ / ٢٤٢، باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة... / نشر دار الكتب الإسلامية / طهران ١٣٨٨ هجري.

(٦٨) كما في حديث الثقلين: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي...».

وقد مرَّ تخريجه، راجع مثلاً صحيح مسلم / ج ٤ / ص ١٨٧٤، وراجع الأصول العامة / محمد تقي الحكيم / بحث السنة.

(٦٩) أشرنا إلى مسألة الاضطراب في قضية الشورى واختلاف معاييرها ومعالمها من خلافة الى اخرى في الهامش رقم (٥٠) وراجع: السقيفة والخلافة / عبد الفتاح عبد المقصود / ص ٢٦٤.


كاملةً، وعلمه ألف باب من العلم(٧٠) .

وقد أثبتت الأحداث - بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - أنَّ جيل المهاجرين والأنصار، لم يكن يملك أيَّ تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة، التي كان من المفروض أن تواجهها الدعوة بعد النبي، حتى أنَّ المساحة الهائلة من الأرض، التي امتدَّ اليها الفتح الإسلامي، لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده، أي تصور محدد عن حكمها الشرعي، وعمّا إذا كانت تقسّم بين المقاتلين أو تجعل وقفاً على المسلمين عموماً(٧١) ، فهل يمكننا أن نتصور أنَّ النبي يؤكد للمسلمين أنهم سوف يفتحون أرض كسرى وقيصر(٧٢) ، ويجعل من جيل المهاجرين والأنصار القيّم على الدعوة، والمسؤول عن هذا الفتح، ثمّ لا يخبره بالحكم الشرعي الذي يجب أن يطبقه على تلك المساحة الهائلة من الدنيا التي سوف يمتد اليها الإسلام؟

بل إننا نلاحظ أكثر من ذلك أن الجيل المعاصر للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن يملك تصورات واضحة محددة حتى في مجال القضايا الدينية التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يمارسها مئات المرات، وعلى مرأى ومسمع من الصحابة، ونذكر على سبيل المثال

____________________

(٧٠) راجع الإرشاد / الشيخ المفيد/ ص ٢٢، ينابيع المودة / القندوزي / ج ١ / ص ٦٢ وراجع الملحق الذي كتبناه: «الإعداد الفكري والتربوي لإمامة علي..».

(٧١) راجع احكام القرآن / ابن عربي / ج ٤ / ص ١٧٧٨ / سورة الحشر، وراجع: فتوح البلدان / البلاذري/ص٢٦٨.

(٧٢) تاريخ الطبري /ج ٢ / ص ٩٢ في البشارة بفتح أرض كسرى وقيصر - دار الكتب العلمية - بيروت.


لذلك؛ الصلاة على الميت، فإنها عبادة كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد مارسها علانيةً مئات المرات، وأداها في مشهد عام من المشيعين والمصلين، وبالرغم من ذلك يبدو أن الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة معرفة هذه العبادة ما دام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يؤديها، وما داموا يتابعون فيها النبي، فصلاً بعد فصل. ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في عدد التكبيرات في صلاة الميّت، «فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: قُبض رسول الله، والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمعَ رجلاً يقول سمعتُ رسول الله يكبر خمساً، وآخر يقول سمعت رسولَ الله يكبرِّ أربعاً، فاختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر، فلما ولي عمر، ورأى اختلاف الناس في ذلك، شق عليه جداً، فأرسل الى رجال من أصحاب رسول الله فقال: «إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا ما تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نِعْمَ ما رأيت يا أمير المؤمنين»(٧٣) . وهكذا نجد أنَّ الصحابة كانوا في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتّكلون غالباً على شخص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يشعرون بضرورة الاستيعاب المباشر للأحكام والمفاهيم ما داموا في كنف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٧٤) .

____________________

(٧٣) راجع: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري / ج ٨ / ص ١٣٧ باب التكبير على الجنازة طبعة دار إحياء التراث / بيروت (الشهيد).

(٧٤) راجع: تمهيد لتاريخ الفلسفة / د. مصطفى عبد الرزاق / ص ٢٧٢.


وقد تقول إنَّ هذه الصورة التي عُرضت عن الصحابة، وما فيها من أرقام على عدم كفايتهم للقيادة يتعارض مع ما نؤمن به جميعاً من أنَّ التربية النبوية أحرزت درجةً هائلة من النجاح، وحققت جيلاً رسالياً رائعاً!.

والجواب: إنّا بما قدمناه قد حددنا الصورة الواقعية لذلك الجيل الواسع الذي عاصر وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دون أن نجدَ في ذلك ما يتعارض مع التقييم الإيجابي بدرجة عالية للتربية النبوية التي مارسها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته الشريفة، لأننا في نفس الوقت الذي نؤمن فيه بأنَّ التربية النبوية كانت مثلاً ربانيّاً رائعاً وبعثاً رسالياً متميزاً في تاريخ العمل النبوي على مرِّ الزمن نجدُ أنَّ الإيمان بذلك والوصول الى تقييم حقيقي لمحصول هذه التربية ونتائجها، لا يقوم على أساس ملاحظة النتائج بصورة منفصلةٍ عن ظروف التربية وملابساتها، ولا على اساس ملاحظة الكم، بصورة منفصلة عن الكيف. ومن أجل توضيح ذلك خذ هذا المثال، نفترض مدرساً يدرّس عدداً من طلبة اللغة الانكليزية وآدابها، ونريد أن نقيّم قدرته التدريسية فإننا لا نكتفي بمجرد دراسة مدى وما وصل إليه هؤلاء الطلبة من ثقافة واطلاع على اللغة الانكليزية وآدابها، وإنما نربط ذلك بتحديد الزمن الذي مارس فيه المدرس تدريسه لهؤلاء الطلبة، وبتحديد الوضع القَبْلِي لهم، ودرجة قربهم أو بعدهم مسبقاً عن أجواء اللغة الانكليزية وآدابها، وحجم الصعاب والعقبات الاستثنائية التي واجهت عملية التدريس، وأعاقت سيره الطبيعي، والهدف الذي كان المدرس يتوخاه من تدريس


طلبته آداب تلك اللغة، ونسبة المحصول النهائي لعملية التدريس الى حالات تدريس اخرى مختلفة(٧٥) .

ففي مجال تقييم التربية النبوية يجب أن نأخذ بعين الاعتبار:

أولاً : قصر الفترة الزمنية التي مارس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها تربيته، لأنها لا تتجاوز تقريباً عقدين من الزمن بالنسبة إلى أقدم صحبة من القلائل الذين رافقوه في بدايات الطريق، ولا تتجاوز عقداً واحداً من الزمن بالنسبة الى الكثرة الكاثرة من الأنصار، ولا تتجاوز ثلاث سنوات أو أربع بالنسبة الى الأعداد الهائلة التي دخلت الإسلام، ابتداءً منذ صلح الحديبية، واستمراراً الى حين فتح مكة.

ثانياً : الوضع المسبق الذي كان هؤلاء يعيشونه من الناحية الفكرية والروحية والدينية والسلوكية قبل أن يبدأ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بممارسة دوره، وما كانوا عليه من سذاجة وفراغ وعفوية في مختلف مجالات حياتهم، ولا أجدني بحاجة الى توضيح إضافي لهذه النقطة، لأنها واضحة بذاتها حيث إنَّ الإسلام لم يكن عملية تغيير في سطح المجتمع، بل هو عملية تغيير في الجدور، وبناء انقلابي لأمةٍ جديدةٍ، وهذا يعني الفاصل المعنوي الهائل بين الوضع الجديد الذي بدأ النبي (صلى الله عليه وآل) تربيته للأمة في اتجاهه، وبين الوضع

____________________

(٧٥) التفاتة رائعة من الشهيد (رض) الى المعايير الدقيقة في عملية تقويم العمل التربوي ومحصوله النهائي. وهذه المعايير والملاحظات يمكن الإفادة منها في أية عملية إعداد فكري أو تربوي. وكذلك في أي عملية تقييم موضوعي لحالة مشابهة.


السابق(٧٦) .

ثالثاً : ما زخرت به تلك الفترة من أحداث وألوان الصراع السياسي والعسكري على جبهات متعددة، الأمر الذي ميّز طبيعة العلاقة بين الرسول الأعظم وصحابته من نوع العلاقة بين شخص كالسيد المسيح وتلامذته، فلم تكن علاقة مدرس ومربٍّ متفرغ لإعداد تلامذته، وإنما هي العلاقة التي تتناسب مع موقع الرسول كمربٍّ وقائد حربٍ ورئيس دولة(٧٧) .

رابعاً : ما واجهته الجماعة المسلمة نتيجة احتكاكها بأهل الكتاب، وبثقافات دينية متنوعة من خلال صراعها العقائدي الاجتماعي فقد كان هذا الاحتكاك وما يطرحه على الساحة خصوم الدعوة الجديدة المثقفون بثقافات دينية سابقة، مصدر قلقٍ وإثارة مستمرة. وكلنا نعرف أنه شكل بعد ذلك تياراً فكرياً إسرائيلياً تسربَ بصورة عفوية، أو بسوء نيّةٍ الى كثيرٍ من مجالات التفكير(٧٨) ، ونظرة فاحصة في القرآن الكريم تكفي لاكتشاف حجم المحتوى لفكر الثورة

____________________

(٧٦) راجع ما كان عليه المجتمع العربي والحجازي قبل الإسلام: تاريخ العرب قبل الإسلام / الدكتور جواد عليّ / القسم الديني، القسم الاجتماعي.

(٧٧)إن تنوع المسؤوليات وطبيعتها، والتحديات التي واجهت الرسول القائد كانت من الضخامة بحيث لم يتهيأ للرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله الوقت الكافي ليشمل بتربيته وتثقيفه القطاعات الواسعة من الأُمة. راجع علوم القرآن / محمد باقر الحكيم / ص ٩٦ - ١٠٠.

(٧٨) راجع: الإسرائيليات في التفسير والحديث / الدكتور محمد حسين الذهبي / دار الإيمان دمشق / ١٩٨٥.


المضادة، ومدى اهتمام الوحي برصدها ومناقشة أفكارها(٧٩) .

خامساً : إنّ الهدف الذي كان يسعى المربي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لتحقيقه على المستوى العام، وفي تلك المرحلة هو إيجاد القاعدة الشعبية الصالحة، التي يمكن لزعامة الرسالة الجديدة - في حياته أو بعد وفاته - أن تتفاعل معها، وتواصل عن طريقها التجربة، ولم يكن الهدف المرحلي وقتئذٍ، تصعيد الأُمة الى مستوى هذه الزعامة نفسها، بما تتطلبه من فهم كامل للرسالة، وتفقهٍ شامل على أحكامها، والتحام مطلق مع مفاهيمها. وتحديد الهدف في تلك المرحلة بالدرجة التي ذكرناها كان أمراً منطقياً تفرضه طبيعة العمل التغييري، إذ ليس من المعقول أن يرسم الهدف إلاّ وفقاً لممكنات عملية، ولا إمكان عملي في حالةٍ كالحالة التي واجهها الإسلام إلاّ ضمن الحدود التي ذكرناها، لأن الفاصل المعنوي والروحي والفكري والاجتماعي بين الرسالة الجديدة وبين الواقع الفاسد القائم، وقتئذٍ، كان لا يسمح بالارتفاع بالناس إلى مستوى زعامة هذه الرسالة مباشرة.

وهذا ما سنشرحه في النقطة التالية(٨٠) ، ونبرهن عن طريقه على أنَّ استمرار الوصاية على التجربة الانقلابية الجديدة، متمثلةً في إمامة

____________________

(٧٩) لاحظ سورة (المنافقون) في القرآن الكريم. ولاحظ حركة وتحركات اليهود والأدوار التي لعبوها في التاريخ الإسلامي، راجع: الإسرائيليات في القرآن / محمد جواد مغنية - طبعة بيروت.

(٨٠) أي في الفصل القادم «الطريق الثالث».


أهل البيت وخلافة عليّعليه‌السلام ، كانت أمراً ضرورياً يفرضه منطق العمل التغييري على مسار التاريخ.

سادساً : إنّ جزءاً كبيراً من الأُمة التي تركها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بوفاته كان يمثل مسلمة الفتح، أي المسلمين الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة(٨١) ، وبعد أن أصبحت الرسالة الجديدة سيدة الموقف في الجزيرة العربية سياسياً وعسكرياً. وهؤلاء لم يتح للرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتفاعل معهم في الفترة القصيرة التي أعقبت الفتح إلاّ بقدر ضئيل، وكان جلّ تفاعله معهم، بوصفه حاكماً، بحكم المرحلة التي كانت الدولة الإسلامية تمرُّ بها، وفي هذه المرحلة برزت فكرة المؤلفة قلوبهم، والتي أخذت موضعها في تشريع الزكاة(٨٢) ، وفي اجراءات اخرى، ولم يكن هذا الجزء من الأمة مفصولاً عن الأجزاء الأخرى، بل كان مندمجاً فيها، ومؤثراً، ومتأثراً في نفس الوقت.

ففي إطار هذه الأمور الستة نجد أن التربية النبوية أنتجت إنتاجاً عظيماً، وحققت تحولاً فريداً، وأنشأت جيلاً صالحاً مؤهلاً لما استهدفه النبي من تكوين قاعدة شعبية صالحة للالتفاف حول الزعامة القائدة للتجربة الجديدة وإسنادها، ولهذا نجد أنَّ ذلك الجيل كان يؤدي دوره كقاعدة شعبية صالحة ما دامت الزعامة القائدة الرشيدة كانت قائمة في شخص النبي، ولو قدر لهذا الزعامة أن تأخذ مسارها الرباني لظلت

____________________

(٨١) راجع تفسير الكشاف / الزمخشري / ج ٤ / ص ٨١٠ / تفسير سورة النصر.

(٨٢) كما جاء في قوله تعالى:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِين وَالعَاملينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالغَارِمينَ وَفي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ... ) التوبة / ٦٠.


القاعدة تؤدي دورها الصالح، غير أنَّ هذا لا يعني - بحال من الأحوال - أنها مهيأة فعلاً لكي تتسلم هذه الزعامة، وتقود بنفسها التجربة الجديدة، لأنّ هذه التهيئة تتطلب درجة أكبر من الانصهار الروحي والإيماني بالرسالة، وإحاطة أوسع كثيراً بأحكامها ومفاهيمها ووجهات نظرها المختلفة عن الحياة، وتطهيراً أشمل لصفوفها من المنافقين والمندسين والمؤلفة قلوبهم، الذين كانوا لا يزالون يشكلون جزءاً من ذلك الجيل له أهميته العددية(٨٣) ، ومواقعه التاريخية، كما أنَّ له آثاره السلبية، بدليل حجم ما تحدث به القرآن الكريم عن المنافقين ومكائدهم ومواقفهم(٨٤) ، مع تواجد أفراد في ذلك الجيل قد استطاعت التجربة أن تبنيهم بناءً رسالياً رفيعاً، وتصهرهم في بوتقتها، كسلمان وأبي ذرٍّ وعمار وغيرهم(٨٥) .

أقول: إنّ تواجد هؤلاء الأفراد ضمن ذلك الجيل الواسع لا يبرهن على أنَّ ذلك الجيل ككل بلغ الى الدرجة التي تبرر إسناد مهام التجربة اليه على أساس الشورى. وحتى اولئك الأفراد الذين مثلوا النمط الرفيع رسالياً من ذلك الجيل لا يوجد في أكثرهم ما يبرر افتراض كفايتهم الرسالية لزعامة التجربة من الناحية الفكرية والثقافية

____________________

(٨٣) يظهر أنهم من الكثرة بحيث شكلوا عبئاً على الموارد المالية للدولة، مما دفع الخليفة الثاني الى إلغائها بحجة أنَّ الإسلام صارَ عزيزاً قويّاً.

(٨٤) راجع تفسير سورة (المنافقون) في كتب التفاسير.

(٨٥) قال رسول الله: «إنّ الله أمرني بحبّ أربعةٍ وأخبرني أنه يحبهم: عليّ وأبو ذر والمقداد وسلمان» سنن ابن ماجة / ج ١ / ص ٦٦، وراجع التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٤٠٥.


على رغم شدة إخلاصهم، وعمق ولائهم، لأن الإسلام ليس نظرية بشرية لكي يتحدد فكرياً من خلال الممارسة والتطبيق(٨٦) ، وتتبلور مفاهيمه عبرَ التجربة المخلصة، وإنما هو رسالة الله التي حددت فيها الأحكام والمفاهيم وزودت ربانيّاً بكل التشريعات العامة التي تتطلبها التجربة(٨٧) ، فلا بدَّ لزعامة هذه التجربة من استيعاب الرسالة بحدودها وتفاصيلها، ومن وعي بكل أحكامها ومفاهيمها(٨٨) ، وإلاّ اضطرت الى استلهام مسبقاتها الذهنية ومرتكزاتها القَبلية، وأدّى ذلك الى نكسة في مسيرة التجربة، وبخاصة إذا لاحظنا أن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن، وتتعدى كل الحدود الوقتية والإقليمية والقومية(٨٩) ، الأمر الذي لا يسمح بأن تمارس زعامته التي تشكل الأساس لكل ذلك الامتداد، تجارب الخطأ والصواب، التي تتراكم فيها الأخطاء عِبرَ فترة من الزمن حتى تشكل ثغرةً تهدد التجربة بالسقوط والانهيار(٩٠) .

____________________

(٨٦) من المقولات الشائعة في أوساط أصحاب النظريات وعند المفكرين: أنّ النظرية تغتني بالتطبيق ولذلك ينبه الشهيد الصدر على أن الإسلام ليس من هذا القبيل.

(٨٧) لاحظ قوله تعالى:( ... مَّا فَرَّطنَا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ... ) الأنعام / ٣٨ وقال تعالى:( ... وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِكُلِّ شَيءٍ... ) النحل / ٨٩ وقال تعالى:( ... وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهَاكُم عَنْهُ فَانتَهُواْ... ) الحشر / ٧.

(٨٨) راجع الدراسة التي ألحقت بالبحث في الآخر.

(٨٩) قال تعالى:( وَمَا أَرسَلْنَاكَ إِلاَّ كافةً لِلنَّاسِ... ) سبأ / ٢٨ وقال تعالى:( وَمَا أَرسَلْنَاكَ إلاّ رحمة لِلعَالَمينَ ) الأنبياء / ١٠٧.

(٩٠) لقد أراد نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله تجنيب أمته مرارة ومعاناة تجربة الخطأ والصواب، وما يمكن أن تجرّه على الأُمة المسلمة من ويلات وآلام وتيه فقال: «هلموا اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً...» ولكن الرزية كلّ الرزيّة - على حد تعبير ابن عباس أن مُنعَ رسول الله من ذلك.

راجع القصة في صحيح البخاري / ج ٨ / ص ١٦١ باب الاعتصام.


وكل ما تقدم يدلّ على أن‏ّ التوعية التي مارسها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على المستوى العام للمهاجرين والأنصار، لم تكن بالدرجة التي يتطلبها إعداد القيادة الواعية الفكرية والسياسية لمستقبل الدعوة وعملية التغيير، وإنما كانت توعية بالدرجة التي تبني القاعدة الشعبية الواعية التي تلتف حول قيادة الدعوة في الحاضر والمستقبل.

وأي افتراض يتجه الى القول بأن النبي (صلي الله عليه وآله) كان يخطط لإسناد قيادة التجربة والقيمومة على الدعوة بعدهُ مباشرةً الى جيل المهاجرين والأنصار، يحتوي ضمناً اتهام أذكى وأبصر قائد رسالي في تاريخ العمليات التغييرية، بعدم القدرة على التمييز بين الوعي المطلوب على مستوى القاعدة الشعبية للدعوة والوعي المطلوب على مستوى قيادة الدعوة وإمامتها الفكرية والسياسية.

النقطة الثالثة:

إنّ الدعوة عملية تغيير، ومنهاج حياة جديد، وهي تستهدف بناء أمة من جديد واقتلاع كل جذور الجاهلية ورواسبها من وجودها.

والأُمة الإسلامية - ككل - لم تكن قد عاشت في ظل عملية التغيير هذه إلاّ عقداً واحداً من الزمن على أكثر تقدير، وهذا الزمن


القصير لا يكفي - عادةً - في منطق الرسالات العقائدية، والدعوات التغييرية، لارتفاع الجيل الذي عاش في كنف الدعوة عشر سنوات فقط الى درجة من الوعي والموضوعية والتحرر من رواسب الماضي(٩١) ، والاستيعاب لمعطيات الدعوة الجديدة، تؤهله للقيمومة على الرسالة وتحمل مسؤوليات الدعوة ومواصلة عملية التغيير بدون قائد، بل إنَّ منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمرَّ الأُمة بوصاية عقائدية فترةً أطول من الزمن، تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلك القيمومة(٩٢) .

وليس هذا شيئاً نستنتجه استنتاجاً فحسب، وإنما يعبّر أيضاً عن الحقيقة التي برهنت عليها الأحداث بعد وفاة القائد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتجلّت عِبرَ نصف قرنٍ أو أقل من خلال ممارسة جيل المهاجرين والأنصار لإمامة الدعوة والقيمومة عليها، إذ لم يمض على هذه القيمومة ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة والتجربة

____________________

(٩١) لاحظ حدوث حالات النكوص والارتداد بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولاحظ المفارقات والمخالفات الصريحة لمتبنيات الإسلام وأخلاقيته فيما أقدمَ عليه حتى بعض القادة العسكريين الكبار، كما حصل من مثل خالد بن الوليد، إذ اتهمه الخليفة الثاني عمر في قصة مالك بن نويرة فقال عن خالد: انه قتلَ امرأً مسلماً - يعني مالك بن نويرة - ونزا على امرأته.

راجع: تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٢٨٠، الطبعة المحققة / دار التراث بيروت.

(٩٢) كان هذا منطق الرسالات السابقة، كما في وراثة سليمان لداود، وكما في خلافة هارون عن موسى: «قال اخلفني في قومي وأصلح...».

ثمّ هو يقتضيه منطق الأشياء، ومنطق الشريعة الخاتمة - راجع الملحق.


الإسلامية، التي تولى جيل المهاجرين والأنصار قيادتها تنهار تحت وقع الضربات الشديدة التي وجهها أعداء الإسلام القدامى(٩٣) ، ولكن من داخل إطار التجربة الإسلامية لا من خارجها، إذ استطاعوا أن يتسللوا الى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج، ويستغلوا القيادة غير الواعية، ثمّ صادروا بكل وقاحةٍ وعنف، تلك القيادة، وأجبروا الأُمة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عن شخصيته وقيادته، وتحولت الزعامة الى ملك موروث(٩٤) ، يَستهتر بالكرامات ويِقتُل الأبرياء(٩٥) ، ويُبعثِر الأموال(٩٦) ، ويُعطِّل الحدود، ويُجمِّد الأحكام(٩٧) ، ويَتلاعَب

____________________

(٩٣) يقصد بهم من أسلم زمن الفتح - فتح مكة - وكان من المؤلفة قلوبهم أبو سفيان ومعاوية تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ١٧٥.

(٩٤) راجع: المقدمة / ابن خلدون / ص ٢٢٧ / انقلاب الخلافة الى ملك طبعة دار الجيل، وقد نقل ابن الأثير / ج ٣ / ص ١٩٩ (طبعة الحلبي) عن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو يقاطع مروان حين كان يخطب على منبر المدينة، مدافعاً عن وجهة نظر معاوية، إذ صاح به عبد الرحمن قائلاً: كذبتَ والله وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل... وراجع تاريخ الخلفاء السيوطي / ص ٢٠٣.

(٩٥) نقل ابن الأثير / ج ٣ / ص ٤٨٧: عن الحسن البصري - وهو من أجلاء التابعين المشهورين - أنه قال: أربع خصال كنَّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلاّ خصلة واحدة لكانت موبقة؛ انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة؛ واستخلافه بعده ابنه يزيد سكيراً؛ وادعاؤه زياداً؛ وقتله حجر بن عدي وأصحاب حجر، فيا ويلاً له من حجر، ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر...

(٩٦) راجع: التاج الجامع للأصول / ج ٥ / ص ٣١٠، وراجع للتفصيل: العدالة الاجتماعية في الإسلام / الشهيد سيد قطب / ص ٢٣١ وما بعدها.

(٩٧) راجع ما نقله السيوطي في تاريخه / ص ٢٠٩ وما بعدها: ما ارتكبه يزيد من المنكرات =


بمقدرات الناس، وأصبح الفيء والسواد بستاناً لقريش، والخلافة كرةً يتلاعب بها صبيان بني أميّة(٩٨) .

فواقع التجربة بعد النبي، وما تمخض عنه بعد ربع قرن من نتائج يدعم الاستنتاج المتقدم، الذي يؤكد أنّ إسناد القيادة والإمامة الفكرية والسياسية لجيل المهاجرين والأنصار عقيب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرة إجراء مبكر، وقبل وقته الطبيعي ولهذا ليس من المعقول أن يكون النبي قد اتخذ إجراءً من هذا القبيل.

____________________

= الشنيعة، من قتله ريحانة رسول الله الحسينعليه‌السلام ، وسبي حرم رسول الله، ومن ضرب الكعبة، واستباحة المدينة المنورة وقتل أهلها والاعتداء على النواميس.

(٩٨) يريد قول أبي سفيان لعثمان حين توليه الخلافة./ راجع تاريخ الخلفاء السيوطي / ص ٢٠٩. وراجع: النزاع والتخاصم بين بني هاشم وبني أمية / المقريزي / ص ٥٦ / تحقيق الدكتور مؤنس.


المبحث الثالث : التشيّع الروحي والتشيّع السياسي

أود أن أشير هنا الى نقطةٍ أعتبر توضيحها على درجةٍ كبيرة من الأهمية، وهي أن بعض الباحثين يحاولُ التمييز بين نحوين من التشيع، أحدهما (التشيع الروحي)، والآخر (التشيع السياسي)، ويعتقد أن التشيع الروحي أقدمُ عهداً من التشيع السياسي(١٤٦) ، وأنّ أئمة الشيعة الإمامية - من أبناء الحسينعليه‌السلام - قد اعتزلوا، بعد مذبحة كربلاء، السياسة، وانصرفوا الى الإرشاد والعبادة، والانقطاع عن الدنيا.

والحقيقة أنَّ «التشيّع» لم يكن في يوم من الأيام منذ ولادته مجرد اتجاه روحي بحت، وإنما ولد التشيع في أحضان الإسلام

____________________

(١٤٦) راجع: الصلة بين التصوف والتشيع / الدكتور الشيبي / ج ١ / ص ١٢.

وراجع أيضاً: مقدمة في تاريخ صدر الإسلام / الدكتور عبد العزيز الدوري / ص ٧٢.































بوصفه إطروحة مواصلة الإمام عليّعليه‌السلام للقيادة بعد النبي فكرياً واجتماعياً وسياسياً على السواء كما أوضحنا سابقاً عند استعراض الظروف التي أدّت الى ولادة التشيع، ولم يكن بالإمكان - بحكم هذه الظروف التي استعرضناها - أن يفصل الجانب الروحي عن الجانب السياسي في إطروحة التشيّع تبعاً لعدم انفصال أحدهما عن الآخر في الإسلام نفسه.

فالتشيع إذن، لا يمكن أن يتجزأ إلاّ إذا فقد معناه كاطروحة لحماية مستقبل الدعوة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو مستقبل بحاجةٍ الى المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة الإسلامية معاً. وقد كان هناك ولاء واسع النطاق للإمام عليّعليه‌السلام في صفوف المسلمين باعتباره الشخص الجدير بمواصلة دور الخلفاء الثلاثة في الحكم، وهذا الولاء هو الذي جاء به الى السلطة عقيب مقتل الخليفة عثمان(١٤٧) ، ولكن هذا الولاء ليس تشيّعاً روحياً ولا سياسياً، لأن التشيّع يؤمن بعليٍّ كبديل عن الخلفاء الثلاثة، وخليفة مباشر للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالولاء الواسع للإمام في صفوف المسلمين أوسع نطاقاً من التشيع الحقيقي الكامل، وإنْ نما التشيّع الروحي والسياسي داخل إطار هذا الولاء، فلا يمكن أن نعتبره مثالاً على التشيّع المجزّأ. كما أنَّ الإمام عليّاًعليه‌السلام يتمتع بولاء

____________________

(١٤٧) راجع: تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٦٩٦ وما بعدها، وراجع أيضاً وصف الحالة في خطبة الإمام علي من قوله : «فما راعني إلاّ والناس كعُرف الضبع اليَّ ينثالون عليَّ من كل جانبٍ... مجتمعين حولي كربيضة الغنم». نهج البلاغة / ضبط الدكتور صبحي الصالح / ص ٤٨ - الشقشقية.


روحي وفكري من عدد من كبار الصحابة في عهد أبي بكر وعمر من قبيل سلمان وأبي ذرّ وعمار وغيرهم، ولكن هذا لا يعني أيضاً تشيّعاً روحيّاً منفصلاً عن الجانب السياسي بل إنه تعبيرٌ عن إيمان اولئك الصحابة بقيادة الإمام عليّ للدعوة بعد وفاة النبي فكرياً وسياسياً وقد انعكس إيمانهم بالجانب الفكري من هذه القيادة بالولاء الروحي المتقدم وانعكس إيمانهم بالجانب السياسي منها بمعارضتهم لخلافة أبي بكر(١٤٨) وللاتجاه الذي أدّى الى صرف السلطة عن الإمام الى غيره.

ولم تنشأ في الواقع النظرة التجزيئية الى التشيّع الروحي بصورة منفصلةٍ عن التشيّع السياسي، ولم تولد في ذهن الإنسان الشيعي، إلاّ بعد أن استسلم الى الواقع، وانطفأت جذوة التشيّع في نفسه كصيغة محددة لمواصلة القيادة الإسلامية في بناء الأمة، وإنجاز عملية التغيير الكبيرة التي بدأها الرسول الكبير، وتحولت الى مجرد عقيدة يطوي الإنسان عليها قلبَه، ويستمد منها سلوته وأمله.

وهنا نصل إلى ما يقال من أَنَّ أئمة أهل البيتعليهم‌السلام من أبناء الحسينعليه‌السلام اعتزلوا السياسة وانقطعوا عن الدنيا، فنلاحظ أنَّ التشيّع بعد أن فهمناه كصيغة لمواصلة القيادة الإسلامية، والقيادة الإسلامية لا تعني إلاّ ممارسة عملية التغيير التي بدأها الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لتكميل بناء الأمة على أساس الإسلام، فليس من الممكن أن نتصور تنازل الأئمة عن الجانب

____________________

(١٤٨) راجع ما نقله الطبرسي في الاحتجاج / ج ١ / ص ٧٥.


السياسي إلاّ إذا تنازلوا عن التشيّع. غير أنَّ الذي ساعد على تصور اعتزال الأئمة وتخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم، ما بدا من عدم إقدامهم على عمل مسلح ضد الوضع الحاكم مع إعطاء الجانب السياسي من القيادة معنى ضيقاً لا ينطبق إلاّ على عملٍ مسلح من هذا القبيل.

ولدينا نصوص عديدة عن الأئمةعليهم‌السلام توضح أَنَّ إمام الوقت دائماً كان مستعداً لخوض عملٍ مسلح إذا وجدت لديه القناعة بوجود الأنصار والقدرة على تحقيق الأهداف الإسلامية من وراء ذلك العمل المسلح(١٤٩) .

ونحن إذا تتبعنا سير الحركة الشيعية، نلاحظ أن القيادة الشيعية المتمثلة في أئمة أهل البيت، كانت تؤمن بأن تسلّم السلطة وحده لا يكفي، ولا يمكن من تحقيق عملية التغيير إسلامياً، ما لم تكن هذه السلطة مدعمة بقواعد شعبية واعية تعي أهداف تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم، وتعمل في سبيل حمايتها، وتفسير مواقفها للجماهير، وتصمد في وجه الأعاصير.

وفي نصف القرن الأول بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت القيادة الشيعية بعد إقصائها عن الحكم، تحاول باستمرار استعادة الحكم بالطرق التي تؤمن بها، لأنها كانت تؤمن بوجود قواعد

____________________

(١٤٩) راجع: أصول الكافي / ج ٢ / ص ١٩٠ - باب في قلة عدد المؤمنين / المطبعة الإسلامية طهران / ١٣٨٨ هجري.


شعبية واعية، أو في طريق التوعية من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ولكن بعد نصف قرنٍ، وبعد أن لم يبق من هذه القواعد الشعبية شيء مذكور، ونشأت أجيال مائعة(١٥٠) في ظل الانحراف، لم يعد تسلّم الحركة الشيعية للسلطة محققاً للهدف الكبير، لعدم وجود القواعد الشعبية المساندة بوعي وتضحية، وأمام هذا الواقع كان لابدَّ من عملين:

أحدهما : العمل من أجل بناء هذه القواعد الشعبية الواعية التي تُهّئ أرضيةً صالحةً لتسلّم السلطة.

وثانيهما : تحريك ضمير الأمة الإسلامية وإرادتها، والاحتفاظ للضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية بدرجةٍ من الحياة والصلابة تحصن الأمة ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين.

والعمل الأول هو الذي مارسه الأئمةعليهم‌السلام بأنفسهم، والعمل الثاني، هو الذي مارسه ثائرون علويون كانوا يحاولون

____________________

(١٥٠) راجع ما أحدثته السياسة الأموية في أوساط الأمة، من نشر اللهو، وإشاعة المجون وشرب الخمر، ثمّ استخدام سياسية البطش والقمع ضد كل المناوئين.

راجع في هذه القضية مروج الذهب / المسعودي / ج ٣ / ص ٢١٤ وما بعدها.

وراجع: العقد الفريد / ابن عبد ربه / ج ٥ / ص ٢٠٠ / ٢٠٢.

وراجع: الأغاني / أبي الفرج الأصفهاني / ج ٧ / ص ٦ وما بعدها. طبعة دار الفكر بيروت / ط ١ / ١٤٠٧ هجري.

وراجع: حول عبث الأمويين في الأموال: العدالة الاجتماعية في الإسلام / سيد قطب.


بتضحياتهم الباسلة أن يحافظوا على الضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية؛ وكان الأئمةعليهم‌السلام يسندون المخلصين منهم.

قال الإمام عليّ بن موسى الرضا للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن عليّ الشهيد: «أنه كان من علماء آل محمد، غضب لله تعالى فجاهدَ أعداءه، حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: رحم الله عمي زيداً، إنه دعا الى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه... إن زيد بن عليّ لم يدعُ ما ليس له بحق، وإنه كان أتقى لله من ذلك، انه قال: ادعوكم الى الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١٥١) .

وفي رواية انه ذكر بين يدي الإمام الصادق من خرج من آل محمد، فقال: «لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد، ولوَدَدتُ أنَّ الخارجي من آل محمد خرج وعَلَيَّ نفقة عياله»(١٥٢) .

فترك الأئمة إذن العمل المسلح بصورة مباشرة ضد الحكام المنحرفين لم يكن يعني تخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم

____________________

(١٥١) وسائل الشيعة / الحر العاملي / تحقيق عبد الكريم الشيرازي / ج ١١ / ص ٣٩ / ط ٥ / المكتبة الإسلامية - طهران / ١٤٠١ هجري (الشهيد). وراجع الطبعة المحققة / مؤسسة آل البيت / قم ج ١٥ / ص ٥٤ كتاب الجهاد.

(١٥٢) السرائر / لابن إدريس / ج ٣ / ص ٥٦٩ الرواية عن أبي عبد الله السيّاري عن رجل من الأصحاب / مؤسسة النشر الإسلامي / قم (الشهيد).


وانصرافهم الى العبادة، وإنما كان يعبرُ عن اختلاف صيغة العمل الاجتماعي التي تحددها الظروف الموضوعية، وعن إدراك معمّق لطبيعة العمل التغييري وأسلوب تحقيقه.

تمّ بحمد الله تعالى وعونه وتوفيقه تحقيق الكتاب والتعليق عليه

محرم الحرام / ١٤١٤ هجري

د. شرارة



ملحق البحث : الإعداد التربوي والفكري لولاية عليّعليه‌السلام وخلافته

بقلم

الدكتور عبد الجبار شرارة

المبحث الأول

* الإعداد التربوي والفكري لعليعليه‌السلام

المبحث الثاني

*إعداد الأُمة وتهيئتها لتولي عليّعليه‌السلام الخلافة

المبحث الثالث

* مدخلية اختصاص عليّعليه‌السلام بالمعرفة القرآنية في إعداده للخلافة




تمهيد

إنَّ عملية الإعداد الفكري والتربوي (الرسالي) لولاية عليّ بن أبي طالب وخلافته، التي قام بها الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت تسير في خطين متوازيين ومتكاملين، وهما إعداد عليّعليه‌السلام وإعداد الأُمة في آن واحدٍ. فبينما نجدُ الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله يتعهد علياً برعايةٍ خاصة، تربيةً وتثقيفاً، فكرياً وعقائدياً، وفق برنامج دقيق ويومي متواصل، نجده صلوات الله عليه يتولّى تهيئة ذهنية الأمة المسلمة، وتربيتها فكرياً وعقائدياً أيضاً لترسيخ ولاية عليّ، وتأكيد أهليته لقيادة المسيرة الإسلامية، والتجربة الإسلامية بعده مباشرةً. وقد كان تدخل الوحي المباشر في كثير من الموارد والمناسبات - كما سيأتي - يصبّ هو الآخر في هذا الاتجاه.

لقد كان قرآن ينزلُ دائماً يحمل الإشادة بفضل عليّ تارةً، ويدلُّ على خصائصه تارةً، ويشخّصه دون غيره إلى أن يصل الأمر إلى تعليق إكمال تبليغ الرسالة على الإعلان عن ولايته، والتصريح بها



للأمة - كما سيأتي البيان -.

هذا ما سنحاول استيضاحه وتوثيقه في هذه الدراسة التي نلحقها بهذا البحث العميق والأصيل للشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه).

وسنوزع هذه الدراسة على ثلاثة مباحث:

نعرض في المبحث الأول؛ عملية الإعداد الفكري والتربوي لعليعليه‌السلام من أجل تولي مهمة القيادة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ونعرض في المبحث الثاني عملية الإعداد الفكري والتربوي للأمة المسلمة من أجل تلك المهمة نفسها.

ونعرض في المبحث الثالث، مدخلية إفراد عليّ بعلم القرآن خاصةً بتلك المهمة نفسها.

وسنحاول في هذه الدراسة الموجزة تسليط الأضواء على تلك الحقائق معتمدين أصل البحث العلمي وقواعده، بعيداً عن المبالغات والتمحلات، مستندين إلى المصادر الحديثية والتفسيرية من مصنفات العلماء والمحدّثين والباحثين الفضلاء وخاصة من أهل السنة.

نستمد العون من الله تعالى وهو حسبنا ونعم الوكيل.


المبحث الأول : الإعداد الفكري والتربوي لعليعليه‌السلام

نستطيع القول بكل تأكيد أنَّ الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قد قامَ بعملية الإعداد الرسالي «التربوي والفكري» لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام منذ صدع بالوحي، وكان صلوات الله عليه يضع الخطوات العملية من أجل بلوغ الغاية المتوخاة من ذلك، وهي تولّي عليّ للمهمة القيادية «الاجتماعية والسياسية» بعده مباشرةً. ويظهر لنا من سير الأحداث، وما تناقلته كتبُ السيرة والتواريخ، وما نقله الرواة الثقات، أنَّ ذلك تمَّ عن طريقين:

الأول : تعهد الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه بكفالة عليّعليه‌السلام منذ صغره، وتولّي تربيته ورعايته، والحرص البالغ على أن لا يفارقه إلاّ لضرورة.

والثاني : إفراد عليّعليه‌السلام من بين سائر الصحابة


بمقامات وعلوم ومواقف ترتبط بوجود الإسلام وبمستقبله.

فأما أولاً : فإنَّ كتب السيرة والرواية قد تكفلت ببيان تفصيلات وافية في هذا الصدد، حتى أن أمر تعهد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي بكفالته منذ صغره، وتربيته في بيته من أوضح ما تزخر به سيرته الشريفة(١) ، ويكفي أن نوردَ ما بيّنه الإمام عليّعليه‌السلام نفسه في خطبته الشهيرة بالقاصعة إذ يقول: «وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حِجره وأنا وَلدٌ، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمسُّني جسده، ويُشِمني عَرْفَه. وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه، وما وجَدَ لي كذبةً في قولٍ، ولا خطلةً في فعلٍ... ولقد كنتُ أتّبعهُ اتّباعَ الفصيل اثرَ اُمِه، يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاورُ في كل سنةٍ بحراء فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غيرَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجةَ وأنا، أرى نور الوحي والرسالة وأشمُّ ريح النبوة...»(٢) .

إنَّ هذه الصورة التي ينقلها لنا الإمام عليّعليه‌السلام نفسه عن كيفية وطريقة التعامل التي كان يتبعها النبي معه، تكشف لنا عن حقيقة وأبعاد الهدف الأعظم من ذلك.

____________________

(١) السيرة النبوية / ابن هشام / ج ١ / ص ٢٤٦، تحقيق مصطفى السقا وآخرون.

(٢) نهج البلاغة / ضبط الدكتور صبحي الصالح / خطبة ١٩٢ / ص ٣٠٠ /٣٠١.


إنَّ هذه التربية المخصوصة لعليّعليه‌السلام ، والرعاية الفائقة، والحرص على أن يكون عليٌّ قريباً جداً من أنوار الوحي، وأن يكون متعرضاً لنفحات النبوة، وأن يكون ثالث ثلاثة في بيت الرسول القائد حيث مهبط الوحي، فيتلقى في هذا المكان المشرف الدروس الأولى، والتوجيهات النبوية المباشرة، فينعكس ذلك على تكوينه الفكري والعقيدي «فلا يسجد لصنم قط»(٣) ولا يخالط عقله لحظة شرك، وينعكس على سلوكه «فلا كذبة في قول، ولا خطلة في فعل...» إنَّ هذا ليكشف عن إعدادٍ تربوي خاص بلا أدنى شك. ومما يلاحظ في هذا الصدد أن تعهد الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليٍّ بالرعاية والعناية الخاصتين لم يقتصر على فترة الطفولة والصبا، ولم يتوقف عند مرحلةٍ معينة لأننا نجدُ أن الرسول القائد كان حريصاً على أن يكون عليٌّ إلى جانبه دائماً لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، كما ورد عن عليّعليه‌السلام قال: «كان لي مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار...»(٤) بل نجد الرسول القائد لا يفارق عليّاً ولا يتركه إلاّ لضرورةٍ تتصل بحفظ حياة الرسول نفسه أو بحفظ الدعوة الإسلامية وحمايتها من أخطار محتملة.

____________________

(٣) مناقب أمير المؤمنين / ج ٢ / ص ٥٤٠ / حديث رقم ١٠٤٥ عن ابي سعيد الخدري، وراجع الروض الآنف / السهيلي / ج ٣ / ص ١٦ أول من صلى عليّ / الهامش (١) قال: وإليه ذهب سلمان وخباب وجابر وأبو سعيد كذا في الطبراني.

(٤) السنن الكبرى / الخصائص / النسائي / ج ٥ / ص ١٤١ ح ٨٥٠٢.


ونذكر على كلِّ حالةٍ مثالاً واحداً، لتأكيد المطلب.

أ - المورد الأول الذي يتصل بحفظ حياة الرسول القائد نفسه، وهو عندما تركَ رسولُ الله عليّاً ليبيت في فراشه ليلة هجرته(٥) المباركة إلى المدينة، إيهاماً لقريش المترصدين، وإنجاءً لنفسه صلوات الله عليه وآله وسلم من مؤامرتهم لقتله(٦) . وقد نزل في ذلك قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ... ) (٧) كما ذكره الفخر الرازي(٨) .

ب - المورد الآخر الذي يتصل بحفظ الرسالة وحمايتها؛ وهو عندما أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يخرج إلى بعض مغازيه - قيل تبوك - ترك علياً في المدينة خليفةً(٩) عنه، لأنَّ ابن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين كان قد تخلف في المدينة، فاقتضى الموقف أن يُترك عليٌّ لمواجهة أي تطور غير محسوب قد يهدد دولة الرسول القائد في المدينة، ذكر الطبري: «أنه لما سارَ رسول الله - إلى - تبوك - تخلّف عنه عبد الله بن أُبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب - وكان عبد الله بن أُبيّ أخا بني عوف بن الخزرج - وعبد الله بن نَبْتَل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع،

____________________

(٥) سيرة ابن هشام / ج ٢ / ص ٩٥. مطبعة الحجازي / القاهرة / ١٩٣٧.

(٦) المصدر السابق.

(٧) البقره / ٢٠٧.

(٨) التفسير الكبير / ج ٥ / ص ٢٠٤ - نشر دار الكتب العلمية - طهران - ط ٣.

(٩) صحيح الترمذي / ج ٥ / ص ٥٩٦ - مطبعة دار الفكر - تحقيق كمال الحوت.


وكانوا - أي المذكورون - من عظماء المنافقين، وكانوا ممن يكيد الإسلامَ وأهله.

قال الطبري: وفيهم - فيما حَدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن اسحاق، عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري - أنزل الله تعالى:( لَقَدِ ابتَغَوُاْ الفِتْنَةَ مِن قَبلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ... ) (١٠) ... وهنا أدرك المنافقون أنَّ بقاء عليٍّ في المدينة سيفوّت الفرصة عليهم، قال الطبري في تتمة الخبر: «فأرحف المنافقون بعلي بن أبي طالب، وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالاً له وتخففاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٌّ سلاحه ثمّ خرج حتى أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو بالجُرف - موضع على مسافة من المدينة - فقال: يا نبي الله؛ زعم المنافقون أنّك إنما خلفتني؛ أنّك استثقلتني وتخففت مني! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلفتك لما ورائي... أفلا ترضى أن تكون مني - يا عليّ - بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيَّ بعدي!، فرجع عليٌّ إلى المدينة ومضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على سفره»(١١) .

وقد نقل البخاري(١٢) ومسلم(١٣) حديث المنزلة هذا، وفي الرواية عن سعد بن أبي وقاص: قال: خلّف رسولُ الله عليّاً - في بعض

____________________

(١٠) التوبة / ٤٨.

(١١) تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ١٨٢ / ١٨٣؛ البداية والنهاية / ابن كثير / ج ٧ / ص ٣٤٠ وما بعدها.

(١٢) راجع التاج الجامع للأصول / الشيخ ناصف / ج ٣ / ص ٣٣٢ قال: رواه الشيخان والترمذي.

(١٣) صحيح مسلم / ج ٤ / ص ١٨٧٣.


مغازيه - في المدينة، فقال عليٌّ: يا رسول الله قد خلفتني مع النساء والصبيان؛ فسمعت رسول الله يقول: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوةَ بعدي...»(١٤) ومن الأمور الملفتة للنظر أن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعبّرُ عن تلهفه وهواجسه عندما يغيب عنه عليٌّعليه‌السلام ، ويتطلع الى رؤيته والاطمئنان عليه، فعن أمّ عطية على ما أخرجه ابن كثير(١٥) وحسّنه، قالت: بعثَ النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله جيشاً، وفيهم عليٌّ. قالت: فسمعتُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «اللهمَّ لا تمتني حتى تريني عليّاً»(١٦) .

ويصلُ الأمر أحياناً إلى أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عندما يُخصُّ بأكلةٍ لا يطيق أن يأكلها لوحده، ثمّ هو لا يكتفي بان يدعو الله إلى أن يشاركه عليٌّ بتلك الأكلة، بل يجعلها مناسبةً لبيان مقام عليعليه‌السلام ومنزلته، فعن أنس بن مالك قال: «كان عند النبي طيرٌ - وفي بعض الروايات طائر مشوي -(١٧) فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء عليٌّ فأكل معه...»(١٨) . ومن الملفت للنظر أن بعض الروايات تنقل أن

____________________

(١٤) صحيح الترمذي / ٥ / ص ٥٩٦.

(١٥) البداية والنهاية / ابن كثير / ج ٧ / ص ٣٥٧.

(١٦) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول / الشيخ منصور عليّ ناصف / ج ٣ / ص ٣٣٤ دار احياء الكتب العربية - طبعة باموق استانبول ط ٣ / ١٩٦١.

(١٧) البداية والنهاية / ج ٧ / ص ٣٥١.

(١٨) التاج الجامع للأصول / السابق / ج ٣ / ص ٣٣٦.


محاولة جرت لصرف عليّ عند مجيئه الى بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد دعوته تلك، ولكنها فشلت بتدخل الرسول نفسه على ما نقله ابن كثير(١٩) .

ويستفاد من هذه الرواية - كما هو ظاهر - أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أراد أن يُرسّخ ويؤكد أنَّ علياً هو أحب الخلق إلى الله تعالى أيضاً(٢٠) .

كل ذلك يدلُّ بما لا يدعُ مجالاً للشك على أنَّ التربية التي خصَّ بها نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله علياً، كانت تهدف الى إعداده وتهيئته لمسؤولية قيادة الدعوة، وليس لمجرد أن يكون أحد أركانها وكوادرها الأساسية. إذ وجدنا الرسول القائد يتعهد جمعاً من صحابته بالتربية والتثقيف والرعاية، ولكن ليس بمثل المستوى والطريقة والأسلوب والعناية التي اتبعت مع عليٍّ، مما يكشف أن المسؤولية المنوطة بعليّ هي أكبر بكثير من مسؤولية الآخرين.

أما الأسلوب الثاني : وهو افرادُ عليٍّ، واختصاصه بالعلوم، وخاصةً القرآنية، وبالمواقف الحاسمة في تاريخ الرسول والرسالة، وتثقيفه تثقيفاً مركّزاً بأحكام الشريعة؛ فإنّ هناك شواهد كثيرة، وادلةٌ وفيرةٌ عليه، ومن يراجع كتب الحديث والسيرة والتواريخ(٢١) يظفر بالكثير جداً.

____________________

(١٩) البداية والنهاية / ص ٣٥١ / ٣٥٢.

(٢٠) غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٦، الهامش (٦). قال عن الحديث «وفيه أنَّ علياً رضي الله عنه أحب الخلق إلى الله تعالى».

(٢١) راجع مختصر تاريخ ابن عساكر / لابن منظور / ج ١٧ / ص ٣٥٦ وما بعدها، ج ١٨ إلى ص ٥١.


ونذكر أمثلةً وشواهد عليه تنثبيتاً للمطلب:

لقد تولّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه، وبأمرٍ إلهي مهمة الإعداد الفكري والعلمي لعليٍّ، وتزويده دون سواه بالمعرفة القرآنية الشاملة، وباُصول العلوم وينابيعها، وبالحكمة وآدابها، وبتفهيم أحكام الشريعة حلالها وحرامها.

جاء عن عليٍّعليه‌السلام قوله: «علمني رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب ...»(٢٢) . وكان عليٌّعليه‌السلام تارةً يبادر هو بالحصول على المعارف والعلوم والأحكام من الرسول الأعظم، وتارةً يبادر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه بذلك؛ قال عليٌّعليه‌السلام : «كنت إذا سألتُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطاني، وإذا سكتُّ ابتدأني..»(٢٣) . ثمّ قال مرةً: «إنَّ الله وهبَ لي لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً...»(٢٤) وفي حديث طويل تحدث الإمام عليّعليه‌السلام في هذا الصدد قائلاً: «ما نَزلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آيةٌ إلاّ أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها فما نسيتُ آية من كتاب الله تعالى، وعلماً أملاه عليَّ وكتبته

____________________

(٢٢) الارشاد / الشيخ المفيد / رواية عن عبد الله بن مسعود / ص ٢٢.

(٢٣) التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٥، تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص ١٧٠، الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص ١٢٦ / ١٢٧.

(٢٤) الاتقان / السيوطي / ج ٤ / ص ٢٣٤.


منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك رسول الله علماً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمرٍ ولا نهي كان أو يكون.. إلاّ علمنيه وحفظته، ولم أنسَ حرفاً واحداً منه...»(٢٥) .

وقد أورد السيوطي أن مُعَمر روى عن وهب عن أبي الطفيل قال: شهدتُ عليّاً يخطب وهو يقول: «سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أحدثكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلمُ أبليلٍ نزلت أم في نهار أم في سهل أم في جبلٍ...»(٢٦) .

قال السيوطي: «إنَّ أحداً من الصحابة لم يجرؤ على أن يقول سلوني غير عليّ...»(٢٧) .

وكل ما تحدث به عليٌّ، ونقله لنا التاريخ نقلاً أميناً، شهد به أجلاء الصحابة وأقرَّ به علماؤهم وكبارهم؛ فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود أنه قال: «إنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرفٌ إلاّ وله ظهرٌ وبطن، وإنَّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن...»(٢٨) . وجاء عن ابن عباس أنه قال: «والله لقد

____________________

(٢٥) نهج البلاغة / خطبة ٢١٠ ص ٣٢٥. ضبط الدكتور صبحي الصالح ١١٠، راجع أيضاً بحار الأنوار / المجلسي/ ج ٩٢ / ص ٩٩ طبعة طهران.

(٢٦) الاتقان / ج ٤ / ص ٢٣٣ وراجع طبقات ابن سعد / ج ٢ / ص ٣٣٨، الصواعق المحرقة ابن حجر / ص ١٢٧.

(٢٧) تاريخ الخلفاء / ص ١٦٦.

(٢٨) نقله في الاتقان / السيوطي / ج ٤ / ص ٢٣٣.


أُعطي عليُّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم»(٢٩) ، وورد عنه أيضاً قوله: «كنا نتحدث أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عهد إلى عليٍّ سبعين عهداً، لم يعهد إلى غيره»(٣٠) . وعملياً كان عليٌّ مرجع الصحابة في كل ما يعترضهم من المسائل العلمية والمشاكل الإدارية، والمعضلات القضائية. فلقد ثبتَ عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أنه قال: «لولا عليٌّ لهلك عمر»(٣١) ، وأنه كان يقول: «أعوذ بالله من معضلةٍ، ولا أبو حسن لها...»(٣٢) ، وثبتَ عنه أنه قال: «أقضانا عليّ...»(٣٣) . والقضاء يعني العِلم بكل أحكام الشرع.

____________________

(٢٩) ينابيع المودة / القندوزي / ج ١ / ص ٦٨ / ٦٩.

(٣٠) حلية الأولياء / ج ١ / ص ٦٨ - دار الكتب العربية / بيروت / ط ٥.

(٣١) البداية والنهاية / ابن كثير / ج ٧ / ص ٣٥٩، وراجع تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص ١٧١.

(٣٢) المصدر السابق / ج ٧ / ص ٣٧٣، الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص ١٢٧.

(٣٣) الطبقات الكبرى / ابن سعد / ج ٣ / ص ٣٣٩ / ط ٢ دار الكتب العلمية / بيروت / ١٤٠٨ هجري.


المبحث الثاني : إعداء الأُمة وتهيئتها لتولّي عليّعليه‌السلام الخلافة

لقد بدأت عملية إعداد الأُمة وتربيتها لقبول واستقبال خلافة عليّعليه‌السلام ، وقيادته للمسيرة الإسلامية بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، منذ وقتٍ مبكر، فعندما أُمر النبي الأكرم بالإنذار والتبليغ كما في قوله تعالى:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ) (٣٤) قال الطبري: وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله، مستسراً مخفياً أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنزل عليه:( وَأَنِذرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (٣٥) ثمّ أخرج الطبري روايةً عن عبد الله بن عباس عن عليّ بن أبي طالب، قال: «لما نزلت هذه الآية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) دعاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال لي يا عليّ إنَّ الله أمرني

____________________

(٣٤) الحجر / ٩٤.

(٣٥) الشعراء / ٢١٤.


أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفتُ أني متى أُباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبريل، فقال يا محمد إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربُّك؛ فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجلَ شاة، واملأ لنا عسّاً من لبنٍ ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب حتى اُكلّمهم وأُبلغهم ما اُمرتُ به، ففعلتُ ما أمرني به ثمّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب...» وتكررت المحاولة فلما أكلوا وشربوا قال الطبري: «فتكلم رسول الله فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلمُ شاباً في العرب جاء قومَه بأفضل ما جئتكم به؛ إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن ادعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم. قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، فقلتُ وأني لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً... أنا يا نبي الله اكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، قال - أي عليّعليه‌السلام - فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمعَ لابنك وتطيع...»(٣٦) .

ومن هذه الرواية يتضح لنا أن أول عملية لإعداد الذهنية من

____________________

(٣٦) تاريخ الطبري / ج ٣ / ص ٢١٨ / ٢١٩ / المطبعة الحسينية بمصر / الطبعة الأولى، راجع تفصيل الرواية وأسانيدها في ما نزل من القرآن في عليّ / لأبي نعميم/ جمع الشيخ المحمودي / ص ١٥٥. وراجع تفسير الخازن / ج ٣ / ص ٣٧١ طبعة دار المعرفة / بيروت.


أجل قبول عليّ، وصيّاً وخليفةً، قد تمت في الوسط الخاص، (عشيرة النبي المقربين) وكان ذلك جنباً إلى جنب مع التبشير برسالته والإعلان عن نبوته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه.

ثمّ اتخذت عملية إعداد الأُمة منحىً آخر:

فقد بدأ القرآن يتنزل تباعاً، وبدأ عليٌّ يقاتل دونه مع رسول الله وبدأت الآيات القرآنية تنزل أيضاً في الإشادة بفضل عليّعليه‌السلام وبفضائله، لأجل نفس الهدف. وقد أخرج ابن عساكر على ما نقله السيوطي: «أنه ما نزل في أحدٍ من كتاب الله كما نزل في عليّ...»(٣٧) ، وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أيضاً «أنه نزلت في عليّ ثلاثمائة آية»(٣٨) .

ونورد هنا بعض الآيات التي ذكر غيرُ واحدٍ أنها نزلت في عليٍّ، وتدخل في هذا الإطار، أي تؤشر حقيقة إعداد الأُمة وتربيتها في هذا الاتجاه:

أ - جاء قوله تعالى:( إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحمَنُ وُدّ ) (٣٩) أخرج غير واحد من الحفاظ بأسانيد مختلفة أنها نزلت في عليّ، لأنَّ ما من مسلم إلاّ ولعلي في

____________________

(٣٧) تاريخ الخلفاء / ص ١٧١، الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص ١٢٧.

(٣٨) المصدران السابقان.

(٣٩) مريم / ٩٦.


قلبه محبة...»(٤٠) .

فعن البراء بن عازب قال:«قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي بن أبي طالب يا عليّ: قل اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة.

فأنزل الله:( إنَّ الَّذِينَ آمَنُو ) قال: نزلت في علي»(٤١) .

ب - قوله تعالى:( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ... ) (٤٢) عن عليّعليه‌السلام قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبَّهَمْ... ) قال: «هم الذين بارزوا يوم بدر عليّ وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة...»(٤٣) .

ج - قوله تعالى:( وَرَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهمْ لَمْ يَنَالُواْ خيْراً وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ... ) (١٤٤) . روى غير واحدٍ أن عبد الله ابن مسعود كان يقرأ هذه الآية هكذا:( وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنَينَ القِتَالَ ) بعليّ بن أبي طالب(٤٥) .

____________________

(٤٠) راجع ما نزل من القرآن في علي / لابي نعيم الأصبهاني / جمع الشيخ المحمودي / ص ١٣٠ وما بعدها.

(٤١) شواهد التنزيل / الحسكاني / ج ١ / ص ٣٦٠ / ٣٦١ ط ١.

(٤٢) سورة الحج / آية ١٩.

(٤٣) التاج الجامع للأصول / ج ٤ / ص ١٨١، وقال رواه الشيخان (البخاري ومسلم) كتاب التفسير.

(٤٤) الأحزاب / ٢٥.

(٤٥) «ما نزل من القرآن في علي» / لأبي نعيم / تحقيق المحمودي / ص ١٧٢. وراجع ما نقله عن ميزان الاعتدال / الذهبي / ج ٢ / ص ٣٨٠ ترجمة عياد بن يعقوب تحت الرقم ٤١٤٩.


د - قوله تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٤٦) .

ذكر غير واحدٍ من الحفاظ والمحدثين عن ابن عباس قال: هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام خاصةً(٤٧) .

ه - قوله تعالى:( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلواْ بُهتَاناً وَإِثْماً مُّبِين ) (٤٨) .

وورد بعدة طرق أنها نزلت في عليّ، وذلك أنَّ نفراً من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه(٤٩) .

إنّ مما يؤكد أن هذه الآيات قد جاءت ونزلت لبيان منزلة عليعليه‌السلام وعظمة شخصيته، ودوره الكبير في حياة الرسالة والرسول، وأنَّ المؤمنين يلزمهم وعي هذه الحقائق والانقياد اليها، مما يؤكد ذلك هو ما جاء من الأحاديث النبوية في تثبيت هذه المعاني.

فقد روى الصحابي سعد بن أبي وقاص قال: «أمرني معاوية أن

____________________

(٤٦) التوبة / ١١٩.

(٤٧) «ما نزل من القرآن في علي» لأبي نعيم / ص ١٠٤، وراجع الهامش فقد نقل روايات بأسانيد مختلفة، وراجع أيضاً: الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص ١٥٢.

(٤٨) الأحزاب / ٥٨.

(٤٩) راجع تفسير الكشاف / ج ٣ / ص ٥٥٩.


أسبَّ أبا التراب، فقلت: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليَّ من حُمر النّعم، قد خلّفه رسولُ الله في بعض مغازيه، فقال عليٌّ: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فسمعتُ رسول الله يقول: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوةَ بعدي(٥٠) ، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الرايةَ رجلاً يحبُّ الله ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه، قال: فتطاولنا لها(٥١) ، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية اليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبناءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبينَ ) (٥٢) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللهم هؤلاء أهلي» رواه مسلم(٥٣) والترمذي(٥٤) .

إنَّ هذه الرواية - على طولها - التي رواها سعد تؤكد أموراً منها:

أ - نزول آية المباهلة - وهي الآية المذكورة في نص الرواية - في

____________________

(٥٠) حديث المنزلة سبق تخريجه، راجع التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٢ رواه الشيخان والترمذي.

(٥١) راجع: الرواية عن أبي هريرة وفيها قال عمر: «ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذٍ فتساورت لها...». التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣١ / رواه الشيخان.

(٥٢) آل عمران / ٦١.

(٥٣) صحيح مسلم / ج ٤ / ص ١٨٧٣.

(٥٤) صحيح الترمذي / ج ٥ / ص ٥٩٦، وراجع الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص ١٤٣. وراجع الرواية في التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٣.


عليّ وزوجته البتول وولديهما الحسن والحسينعليهم‌السلام .

ب - تؤكد أن هؤلاء هم أهل البيت دون سواهم(٥٥) . وبالتالي نفهم أنهم هم المقصودون في آية التطهير التي هي قوله تعالى:( ... إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِير ) (٥٦) وفي آية التطهير هذه يتبين لنا نزاهة عليّ وأمانته، وسمو ذاته وطهارته، بل عصمته.

ومن هنا يبدأ الاستحقاق لأن يحتلَّ عليٌّ مقام الخلافة والولاية وقيادة المسيرة، قال الراغب الأصفهاني: «لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمرة أرضه إلاّ من كان طاهر النفس قد اُزيل رجسها ونجسها، فللنفس نجاسة كما إنّ للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن قد تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا ترك إلاّ بالبصيرة... وإنما لم يصلح لخلافة الله إلاّ من كان طاهر النفس، لأنَّ الخلافة هي الاقتداء به تعالى على الطاقة البشرية، ومن لم يكن طاهر القول والفعل فكل إناء بالذي فيه يرشح...»(٥٧) .

____________________

(٥٥) التاج الجامع للأصول / ج ٤ / ص ٢٠٧ قال روى الترمذي ومسلم عن عمر بن اُم سلمة ربيب رسول الله: لما نزلت هذه الآية - التطهير - في بيت اُم سلمة دعا رسول الله فاطمة وحسناً وحسيناً وعلياً، فجللهم بكساء ثمّ قال: الله هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قالت ام سلمة، وأنا معهم يا رسول الله. قال: أنت على مكانك، وأنت على خير.

(٥٦) الأحزاب / ٣٣.

(٥٧) الذريعة إلى مكارم الشريعة / ابن المفضل الراغب الأصفهاني / ص ٢٩ مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد / ط ١ / مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة / ١٣٩٣ هجري، وراجع استفادة العصمة من آية التطهير / الاُصول العامة للفقه المقارن / محمد تقي الحكيم / ص ١٧٤.


يتبين لنا من ذلك أنَّ القرآن الكريم بعد أن أشادَ بفضل علي وبفضائله، ارتقى به الى منزلة التزكية المطلقة «التطهير» ثمّ صعدَ به إلى منزلةٍ على غاية من الأهمية إذ جعل نفسَ عليّ كنفس النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله كما هو صريح آية المباهلة. وتأسيساً على ذلك، أكدّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مراراً وكراراً قائلاً: «عليّ مني وأنا من علي»(٥٨) وعندما حاول بعض الناس الشكوى من عليّ بغيةَ التشويش على مقامه هذا ومنزلته، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما تريدون من عليّ..؟» ردّدها ثلاثاً، ثمّ قال «إنَّ علياً مني وأنا منه»(٥٩) .

ومن أجل قطع الطريق أمام المتشككين بهذه المنزلة الرفيعة التي أنزل الله تعالى فيها عليّاً، ولترسيخ وتأكيد ولايته وخلافته بع النبي، في كل ما يهم المسلمين من أجل ذلك جاء قوله تعالى:( إِنَّمَا وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٦٠) فقد ذكر الزمخشري أن هذه الآية المباركة نزلت في عليّعليه‌السلام حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه(٦١) . ولإزالة الالتباس، وقطعاً لدابر أيّ تأويل في المراد بالولي

____________________

(٥٨) التاج الجامع للأصول / ناصف ج ٣ / ص ٣٣٤، وراجع تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص ١٦٩.

(٥٩) صحيح الترمذي / ج ٥ / ص ٥٩٤.

(٦٠) المائدة / ٥٥.

(٦١) الكشاف / الزمخشري / ج ١ / ص ٦٤٩ قال في الهامش في تخريج الحديث: رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن كهيل: قال: تصدق عليّ بخاتمه وهو راكع فنزلت / أي الآية.

ولابن مردويه عن سفيان الثوري عن ابن سنان عن الضحاك عن ابن عباس مثله.

وراجع أيضاً أسباب النزول / الواحدي / ص ١٣٤ قال: نزلت في علي.


وتشخيصه في مثل هذه الموارد، صرّح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في أكثر من مناسبة قائلاً: «إنَّ عليّاً مني، وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي...»(٦٢) ولتأكيد ولاية عليّ، ودوره الهام بالنسبة إلى الرسالة الإسلامية قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «عليٌّ مني وأنا من عليّ ولا يؤدي عني - أي بصفته نبيّاً رسولاً - إلاّ أنا وعليّ...»(٦٣) ثُم رُسّخ هذا المفهوم عمليّاً جهاراً نهاراً في قصة تبليغ سورة براءة، كما أخرج هذه الرواية الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي بكر الصديق أنه قال: «إنّ النبي بعثه ببراءة إلى أهل مكة، فسارَ ثلاثاً ثمّ قال لعلي: الحقه، فردَّ عليٌّ أبا بكر وبلّغها، فلما قدم أبو بكر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: يا رسول الله حدثَ فيَّ شيء، قال: ما وجدتُ فيك إلاّ خيراً، لكنني اُمرت أن لا يبلغ إلاّ أنا أو رجلٌ مني...»(٦٤) وفي الكشاف: روي أنَّ أبا بكر لما كان ببعض الطريق - أي لتبليغ سورة براءة - هبط جبرائيلعليه‌السلام ، فقال: «يا محمد: لا يبلغن رسالتك إلاّ رجلٌ منك، فأرسل عليّاً...»(٦٥) .

وأخيراً ختم القرآن الكريم هذا الموضوع الحيوي والمهم أي

____________________

(٦٢) صحيح الترمذي / السابق - باب فضائل الإمام عليّ، وراجع التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٥.

(٦٣) المصدر السابق.

(٦٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل / ج ١ / ص ٣ - طبعة دار صادر، وراجع: تفسير الكشاف الزمخشري / ج ٢ / ص ٢٤٣، وراجع الرواية أيضاً في صحيح الترمذي / ج ٥ / ص ٥٩٤.

(٦٥) الكشاف / المصدر السابق.


عملية الإعداد الفكري والتربوي في آخر ما نزل منه في آية التبليغ ثمّ في آية إكمال الدين بعد حديث الغدير المشهور، وعنده لم يعد هناك عذرٌ لمعتذر. وقصة الغدير - كما تناقلها الرواة مع بعض الاختلاف - هي كما يأتي:

لما رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حجة الوداع، نزل عليه الوحي مُشدِّداً( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (٦٦) فحطّ الركبُ عندَ غدير خمّ، وجمع الناس في منتصف النهار، والحرُّ شديد، وخطب فيهم قائلاً، كأني قد دُعيت فأجبتُ وإني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتابَ الله وعترتي - وفي رواية مسلم(٦٧) وأهل بيتي - فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض... ثمّ قال: إنَّ الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليٍّ فقال: من كنت مولاه فهذا وليُّه - فهذا مولاه(٦٨) - اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره(٦٩) .. وأدر

____________________

(٦٦) المائدة / ٦٧، قال الواحدي في أسباب النزول / ص ١٣٥، نزلت في غدير خم.

(٦٧) صحيح مسلم / ج ٤ / ص ١٨٧٤.

(٦٨) التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٣. رواية عن زيد بن أرقم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي في صحيح الترمذي أيضاً / ج ٥ / ص ٥٩١.

(٦٩) مسند الإمام أحمد بن حنبل / ج ٤ / ص ٢٨١، ٣٦٨ دار صادر، وراجع تفسير ابن كثير / ج ١ ص ٢٢. وراجع سنن ابن ماجة / المقدمة / ج ١ / باب ١١ وراجع تحقيقات وافية شافية في أسانيد الحديث الغدير / العلامة الأميني. وراجع البداية والنهاية / لابن كثير أيضاً بعدة طرق / ج ٧ / ص ٣٦٠ / ٣٦١.


الحقَّ معه حيثما دار..(٧٠) وقد أعقبَ هذا الحدث الكبير نزول الوحي مرةَ أخرى بقوله تعالى:( ... اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَمتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً... ) (٧١) .

وقد ورد في بعض الروايات أن الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله قال بعد نزول هذه الآية في ذلك اليوم المشهود وهو يوم الثامن عشر من ذي الحجة(٧٢) يوم الغدير قال: «الله أكبر، الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي»(٧٣) .

وفي رواية لأحمد، «فلقيه عمر بن الخطاب - أي لقي علياً - بعد ذلك، فقال له هنيئاً أصبحت وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة...»(٧٤) .

ومما يؤسف له حقاً أن بعض الناس كان لا يرضيهم أن يُعطى عليّ مثل هذه الامتيازات والمقامات، وكان بعض الناس يكثر لغطه واعتراضه عندما يَخصُّ الرسول القائد علياً بذلك، فيضطر الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله أن يذكّرهم بأنه رسول ربّ العالمين

____________________

(٧٠) التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٧. رواه مستقلاً: «رحم الله عليّاً اللهم أدر الحق معه حيث دار..».

(٧١) المائدة / ٣.

(٧٢) راجع الإتقان / السيوطي / ج ١ / ص ٧٥ في رواية نزول الآية يوم الغدير وأنه يوم الثامن عشر من ذي الحجة. وراجع أسباب النزول / الواحدي / ص ١٣٥.

(٧٣) مناقب أمير المؤمنين / الحافظ محمد بن سلمان الكوفي القاضي / من أعلام القرن الثالث / تحقيق الشيخ المحمودي / ج ١ / ص ١١٩ مجمع إحياء الثقافة الإسلامية / قم / ١٤١٢ هجري.

(٧٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل / ج ٤ / ص ٢٨١، وقد أشهد عليٌّ جمعاً من الناس، فشهد له ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله. ابن كثير / البداية والنهاية / ج ٧ / ص ٣٦٠.


الذي يصدع بما يؤمر وأنه:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى* إَنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌّ يُوحَى ) (٧٥) .

ومن الشواهد على ذلك؛ ما رواه الترمذي وحسنه، عن جابر بن عبد الله قال: «دعا رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً يوم الطائف فانتجاه - أي كلّمة سرّاً - فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمّه، فقال الرسول: ما انتجيته ولكن الله انتجاه...»(٧٦) .

وعن ميمون عن زيد بن أرقم قال: «كان لنَفرٍ من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبواب شارعة في المسجد قال: فقال رسول الله يوماً سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ، قال: فتكلم في ذلك الناس، قال: فقام رسول الله فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعدُ فإني أُمرتُ بسدِّ هذه الأبواب، إلاّ باب عليّ، وقال فيه قائلكم؛ وإني والله ما سددتُ شيئاً ولا فتحتُهُ، ولكني اُمرتُ بشيء فاتبعتُه...»(٧٧) .

وهكذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلما يخصُّ عليّاً دون سواه بأمر، يصرحُ لهم، ويبين للأمة أنَّ ذلك إنما هو بأمر من الله تعالى. وقد حدث ذلك في إرسال عليّعليه‌السلام لتبليغ سورة براءة بدلاً من أبي بكر، وحدث ذلك يوم المناجاة في الطائف،

____________________

(٧٥) النجم / ٣ - ٤.

(٧٦) راجع صحيح الترمذي / ج ٥ / ص ٥٩٧، وراجع البداية والنهاية / لابن كثير / ج ٧ / ص ٣٦٩، وراجع التاج الجامع للأصول / ج ٣ / ص ٣٣٦.

(٧٧) مسند الإمام احمد / ج ٤ / ص ٣٦٩، وراجع تاريخ ابن كثير / ج ٧ / ص ٣٥٥.


وحدث ذلك يوم الغدير، إلى غير ذلك. ومما يلاحظ أيضاً أن المواقف الحاسمة في تاريخ الإسلام، وفي حياة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بما فيها ما يتصل بحماية التجربة الإسلامية ومستقبلها، يلاحظ أن الرسول القائد كان يقدّم عليّاً ويدعوه شخصياً دون غيره لحسم تلك المواقف ودفع الخطر الداهم، حدث ذلك في معركة بدر الكبرى، إذ كان عليٌّ صاحب الراية، وقتل من صناديد المشركين من قتل، وحدث ذلك يوم اُحد إذ قتل عليٌّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين، روى الطبري قال: لما قتلَ عليُّ بن أبي طالب أصحاب الالوية، أبصرَ رسولُ الله جماعةً من المشركين فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل عمرو الجمحي، ثمّ أبصرَ رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جماعةً من المشركين، فقال لعلي احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل شيبة بن مالك، فقال

(جبريل) يا رسولَ الله إنَّ هذه للمواساة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنه مني وأنا منه، فقال (جبريل) وأنا منكما، قال الطبري ثمّ سمعوا صوتاً يهتف:

لا سيف إلاّ ذو الفقار

ولا فتى إلاّ علي(٧٨)

ويكفي ما نقله سعد بن أبي وقاص على ما روى الشيخان في يوم خيبر(٧٩) .

____________________

(٧٨) تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٢٥ وص ٦٥ - ٦٦ - طبعة المكتبة العلمية - بيروت.

(٧٩) رواية سعد أخرجها الشيخان / راجع هامش ٥٤ و٥٥.


وقد يكون من المناسب أن نذكر هنا ما أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ولقد عاتبَ اللهُ أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غير موضع وما ذكر علياً إلاّ بخير(٨٠) .

____________________

(٨٠) تأريخ الخلفاء / السيوطي / ص ١٧١.


المبحث الثالث : مدخلية اختصاص عليّ بالمعرفة القرآنية في الإعداد لخلافته

في ضوء ما تقدم، لاحظنا أن هناك علاقة وارتباطاً من نوع خاصٍّ بين عليّعليه‌السلام والقرآن الكريم، نشأت هذه العلاقة، ونمت، وتطورت حتى انتهت - على حد تعبير الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله - إلى أنَّ: «القرآن مع عليّ، وعليّ مع القرآن، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض...»(٨١) . وكذلك انتهت أيضاً الى أنّ علياً سيقاتل على تأويل القرآن كما كان قد قاتل على تنزيله(٨٢) ، فما هي مدخلية ذلك في عملية الإعداد الفكري والتربوي لخلافة علي؟

نستطيع أن نؤكد أولاً أن الرسول القائد صلوات الله وسلامه عليه نفسه قد قام بتنمية وترسيخ مثل هذه العلاقة، وبأمر من الله تعالى كما كان يحدث دائماً. ويظهر أنَّ هدفاً كبيراً يلزم الوصول إليه عِبرَ

_____________________________

(٨١) راجع: الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص ١٢٣ وراجع تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص ١٧٣.

(٨٢) ينابيع المودة / القندوزي البلخي الحنفي / ج ٢ / ص ٥٨ / ط ١ منشورات الأعلمي / بيروت. وراجع الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص ١٢٧.


تلك الإجراءات والخطوات العلمية والعملية.

ونستطيع أن نبين ذلك الهدف في ضوء الملاحظات الآتية:

أولاً : إنّ منطق الشريعة الخالدة الكاملة يقتضي تأمين الوصول إلى فهم القرآن ومعرفة تفسيره وفقه أحكامه، بصفته المصدر الأساس(٨٣) لهذه الشريعة الخالدة وإن تحكيم القرآن في البلاد والعباد هو ما أمرنا الله تعالى به، إذ جاء فيه:( أَفَحُكْمَ الجَاهِليَّةِ يَبغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٨٤) . ومقتضاه أن نحتكم إلى القرآن في كل صغيرة وكبيرة. وأن نكفر بحكم الجاهلية الذي هو حكم الأهواء. كما نهانا الله تعالى أيضاً أن نتحاكم إلى الطاغوت، فقال:( أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ اُنزِلَ إليكَ وَما اُنزِلَ مِن قَبلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيد ) (٨٥) .

وقد جعل القرآن الكريم هنا اختيار التحاكم إلى غير ما أنزل الله وإلى غير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تحاكماً إلى الشيطان(٨٦) الذي يسير بهم إلى الضلال حتماً، ثمّ أكّد القرآن الكريم أن الاحتكام إلى غير ما أنزل الله هو فسق وظلم وكفر؛ قال تعالى( ... وَمَن لَّمْ

____________________

(٨٣) كون القرآن المصدر الأول والأساس للشريعة الإسلامية محل اجماع الملة الإسلامية.

راجع: الاُصول العامة للفقه المقارن / العلامة محمد تقي الحكيم / ص ١٠١.

(٨٤) المائدة / ٥٠.

(٨٥) النساء / ٦٠.

(٨٦) الكشاف / الزمخشري / ج ١ / ص ٥٢٥.


يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) (٨٧) وقال تعالى:( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٨٨) وقال تعالى( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ) (٨٩) وقد بُعث نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لإمحاء صفحة الظلم والفسق والكفر.

إذن فبحسب منطق القرآن، يكونُ عدم الرجوع إلى أحكام القرآن التي أنزلها الله تعالى، يعني الاحتكام إلى الطاغوت(٩٠) ، وعليه فإذا كان ذلك أي الرجوع إلى أحكام القرآن. أمراً إلهياً، وارادة ربانية، وإذا كان ذلك يتطلب بالضرورة الوصول إلى حكم الله تعالى الذي أنزله في القرآن الكريم، فلا بدَّ من افتراض من هو مؤهل ومعدٌّ إعداداً أميناً لتحقيق ذلك الأمر الإلهي، وتلك الإرادة الربانية، وليس ذلك بالضرورة إلاّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو من هو منه يؤدي عنه(٩١) ، ويبلغ عنه، ومؤهل مثله، ومعدٌّ لذلك الغرض.

ثانياً : إنّ العلماء قد وقع بينهم الاختلاف الكثير، وقد حصل ذلك منذ وقت مبكر، بالأخص في الأقضية التي تهمُّ الناس، وتتصل بحياتهم،

____________________

(٨٧) المائدة / ٤٧.

(٨٨) المائدة / ٤٥.

(٨٩) المائدة / ٤٤.

(٩٠) الطاغوت: يطلق على كل رئيس في الضلالة، وعلى كل من عُبد من دون الله، ويطلق على الكافر والشيطان والأصنام / مجمع البحرين / الطريحي / ج ١ / ص ٢٧٦، باب الألف أوله ط.

(٩١) راجع قصة تبليغ سورة براءة / مسند الإمام أحمد بن حنبل / ج ١ / ص ٣ طبعة دار صادر، وراجع نصّ الحديث في الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص ١٢٢.


وليس إلاّ بسبب عدم فقههم بالقرآن.

وقد تحدث الإمام عليّ عن هذه المسألة في معرض ذمّهِ لمثل هذا الاختلاف مع وجود القرآن بين أظهرهم، فقالعليه‌السلام : «تردُ على أحدهم القضية، في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثمّ تردُ تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً، والههم واحد! ونبيّهم واحد! وكتابهم واحد! أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟! أم نهاهم عنه فعصوه؟! أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على اتمامه؟! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله ديناً تاماً فقصّر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه وتعالى يقول:( ... مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ) (٩٢) ،( ...وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً... ) (٩٣) ، وذكر أن الكتابَ يصدق بعضه بعضاً وأنه - أي القرآن - لا اختلاف فيه فقال سبحانه( ... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِير ) (٩٤) . وإنّ القرآن ظاهر أنيق...»(٩٥) إذن

____________________

(٩٢) الأنعام / ٣٨.

(٩٣) النحل / ٨٩.

(٩٤) النساء / ٨٢.

(٩٥) راجع النص في الخطبة ١٨ / نهج البلاغة ضبط الدكتور صبحي الصالح / ص ٦٠ / ٦١، وراجع: الصواعق المحرقة / ص ١٥٢، نقل عن الإمام زين العابدين في دعاء له قائلاً: «فالى من يفزع خلف هذه الأُمة وقد درست أعلام هذه الملة، ودانت الأُمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضاً، والله تعالى يقول:(وَلاَ تكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُواْ مِنَ بَعدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِنَاتُ ) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم إلاّ أبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدىً من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وبرأهم من الآفات وافترض مودتهم في الكتاب...».


بموجب هذا وبمقتضاه لابدّ من افتراض إعدادِ أحدٍ مؤهلٍ لفقه القرآن.

ثالثاً : إن اختصاص عليٍّ بالعلوم القرآنية، وبمعرفة القرآن ظاهره وباطنه محكمه ومتشابهه، خاصه وعامه، وإنَّ قدرته الفذّة على فهم آياته وفقه أحكامه، أمرٌ متسالم عليه عند علماء الصحابة - كما نوهنا -(٩٦) وقد ساعدت النصوص النبوية، على تأكيده وبيانه - كما ذكرنا - ويؤيده أيضاً، ما أورده أصحاب التفسير والأثر عن عليٍّعليه‌السلام ومن طرق اُخرى: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « يا عليٌّ إنَّ الله عزَّ وجل أمرني أن اُدنيك واُعلمك لتعِي، واُنزلت هذه الآية( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (٩٧) فأنت أُذن واعية لعلمي...»(٩٨) .

وقد جاء عن عليّعليه‌السلام أيضاً قوله:

«ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن اُخبركم عنه... ألاّ وإنَّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم

____________________

(٩٦) راجع الصفحة (١١٣) في الملحق.

(٩٧) الحاقة / ١٢.

(٩٨) راجع: ما نزل من القرآن في عليّ / لأبي نعيم / تحقيق المحمودي / ص ٢٦٦ وقد ذكر المحقق في الهامش أسانيده. وراجع الدر المنثور / السيوطي / ج ٦ / ص ٢٦٠ منشورات المرعشي.


أمركم...»(٩٩) . وهكذا يصرّحُ الإمامُ عليٌّ ويؤكد بأن هذا القرآن بما انطوى عليه من هذه المطالب الجليلة والمعاني العميقة من شفاء الأدواء الاجتماعية، وانتظام اُمور الحياة بكل جوانبها، كل ذلك لا يكون بمقدور أحدٍ أن يصل إليه، أو يفقههُ إلاّ هو، وإلاّ عن طريقه. وهكذا يتضح لدينا أنه ليس هناك أحدٌ مؤهل لفقه القرآن ومعدّ لتحقيق الأمر الإلهي وتنفيذ الإرادة الربانية بإزالة الظلم والفسق والكفر غير عليّ بن أبي طالب حصراً. كما هو مقتضى النصوص والوقائع. وهو الافتراض المنطقي والمعقول جداً لتفسير الاجراءات العلمية والعملية التي اتخذها الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله بإفراد عليٍّ وتخصيصه دون غيره بالعلوم القرآنية والمعارف القرآنية والأحكام القرآنية كما صرحت النصوص المتواترة.

وأخيراً يقتضي الموقف أن نعالج تساؤلاً يثور بالضرورة، أو هو طالما اُثير مراراً وهو:

إذا كانت كل تلك الإجراءات والخطوات العلمية والعملية قد اتُّخذت من أجل تولي عليّ بن أبي طالب الخلافة وقيادة المسيرة بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله فلماذا لم يكن هناك عهدٌ مكتوب بصورة جازمة قاطعة ليس فيه عذرٌ لمعتذر ولا تأويل لمتأول؟!(١٠٠) .

____________________

(٩٩) نهج البلاغة: ص ٢٢٣ / خطبة (١٥٨).

(١٠٠) هذا السؤال أُثير في (المراجعات) بين العلامة شرف الدين، والشيخ سليم البشيري شيخ الجامع الأزهر.


وجوابه:

إنَّ النصوص التي أوردناها، والروايات المتضافرة التي تصرّح ببيان الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ولاية عليّ ووزارته، وخلافته، وإمرته من بعده، في مواقف لا تحصى كثرة، ومناسبات لا تعدُّ مما لم يحظ به أمرٌ ديني أو دنيوي، ومما لم ينل من اهتمامه صلوات الله وسلامه عليه ما ناله مثل هذا الأمر، حتى انتهى إلى الإعلان الرسمي يوم الغدير المشهود، وإلى التصريح به مراراً، كما اشرنا إليه - وكما ستجده في البحث الذي بين يديك للشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه - فضلاً عما اقتضاه منطق الأشياء، ومنطق الشريعة الخالدة الكاملة، إنَّ ذلك كله فيه الكفاية لمن القى السمع وهو شهيد. ومع ذلك كله فقد أراد الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يختصر على الأُمة المعاناة، وأن يكرمها بألطاف العناية الربانية فيجنبها العثرات وأسباب الضلال فقال صلوات الله وسلامه عليه وهو على فراش مرضه وفي آخر ساعات حياته الشريفة: «هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً...»(١٠١) وقد كان عنده جمع من كبار الصحابة، نعم أراد أن يكون ذلك عهداً مكتوباً يشهده جمعهم، إلاّ أن الرزية كلَّ الرزية قد حدثت - على حد تعبير ابن عباس - عندما حيل بين النبي الأكرم وبين كتابة الكتاب على ما أخرجه البخاري قال:

____________________

(١٠١) راجع الطبقات الكبرى / لابن سعد / ج ٢ / ص ٢٤٤ / طبعة دار بيروت للطباعة / ١٩٨٥.


«لما اشتد بالنبي وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر: إنَّ النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط. قال - أي النبي - قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه...»(١٠٢) .

ولعل من المناسب أن نذكر هنا محاورةً رواها ابن عباس جرت بينه وبين عمر بن الخطاب في أوائل عهده بالخلافة؛ وملخّصها أنَّ عمر قال له: «يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتها.. هل بقي في نفس عليٍّ شيء من أمر الخلافة؟ قلتُ: نعم، قال: يزعم أنَّ رسول الله نصَّ عليه؟ قلت: نعم، فقال عمر، لقد كان في رسول الله من أمره ذروة من قول، لا يثبت حجة، ولا يقطع عذراً.. ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعتُ من ذلك اشفاقاً وحيطةً على الإسلام.. فعلم رسول الله ما في نفسي فأمسك...»(١٠٣) وسواء صحّت أم لا، فإنّ هناك ما يؤيد هذا المسعى من الخليفة عمر في أكثر من مناسبة لاحقاً، وقد صرّح مرةً كما نقل الطبري عنه: «إن قومكم يكرهون أن تجتمع فيكم - والخطاب لابن عباس أيضاً - النبوة والخلافة...»(١٠٤) .

والظاهر أن ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للكتابة والعهد

____________________

(١٠٢) صحيح البخاري / ج ١ / ص ٣٧، كتاب العلم - باب كتابة العلم، وراجع ج ٨ / ص ١٦١. كتاب الاعتصام. طبعة اوفسيت عن طبعة دار العامرة - استانبول - دار الفكر بيروت.

(١٠٣) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد / ج ٣ / ص ٩٧. دار الكتب العربية الكبرى / مصر.

(١٠٤) راجع: تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ٥٧٧ / طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.


المذكور قد يكون لاعتبارين والله العالم:

الأول : هو وقوع الاختلاف والتنازع واللغط في الدار عند إرادة كتابة الكتاب - العهد - إلى الحدّ الذي وصل إلى اتهامه صلوات الله وسلامه عليه بأنه يهجر - كما في رواية(١٠٥) أو غلبه الوجع كما في رواية اُخرى - وهذا اتهام خطير يمسُّ أصل النبوة وصدق الرسالة. ثمّ إنَّ الأمر قد كان بيّنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مراراً وكراراً كما وضحنا. فليبق إذن الاختيار، ولتبق القضية للامتحان والابتلاء.

الثاني : إنَّ النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه قد اتخذ احتياطاً لمثل هذه الحالة الطارئة، إذ قد جهَّز جيش أسامة بن زيد، وأمر بإنفاذه على كل حالٍ، وقد بلغ من حرصه صلوات الله وسلامه عليه على إنفاذه مبلغاً عظيماً، إذ تذكر الروايات أن الرسول الأعظم مع بدء مرضه واشتداده لم يكن يشغله شيء عن محاولة انفاذ جيش أسامة(١٠٦) ، وننقل من رواية ابن سعد في الطبقات ما يثبت ذلك، فقد قال - بعد أن ذكر تجهيز جيش أسامة - لما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله المرض فحُمّ.. فلما أصبح يوم الخميس عقَد لأسامة لواءً بيده ثمّ قال: اغزُ باسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله.. قال ابن سعد فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكرَ بالجرف - وهو موضع على ثلاثة أميال من المدينة - مع وجوه

____________________

(١٠٥) راجع: النهاية في غريب الحديث والأثر / لابن الأثير / ج ٥ / ص ٢٤٦ / مادة هجرَ / تحقيق الطناحي.

(١٠٦) الكامل في التاريخ / لابن الأثير / ج ٢ / ص ٢١٨ طبعة دار صادر.


المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة... فتكلم قومٌ وقالوا: أيستعمل علينا هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ فغضب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله غضباً شديداً، فخرج وقد عصبَ على رأسه عصابة، فصعد المنبر، وقال: «أما بعد أيها الناس فما مقالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله إنْ كان للإمارة لخليقاً، وإنَّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، إن كان لمن أحب الناس إليّ، وانهما لمحلان لكل خير، فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم...، ثمّ نزل صلوات الله عليه، فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول.. وثقل على الرسول المرض، وجعل يقول: انفذوا بعث اسامة...»(١٠٧) .

ويظهر من كل تلك المواقف والكلمات وتطورات الأحداث أن الرسول الأعظم إنما أراد من جملة ما أراد:

١ - تهيئة الأجواء الفكرية والنفسية من جهة تأمير أسامة على وجوه المهاجرين والأنصار، فيكون قبوله سابقةً لقبول تولي عليّ الإمرة والخلافة، فلا يعترض معترض بكونه أصغر سناً من بعضهم.

٢ - أراد ايضاً تهيئة الأجواء السياسية والأمنية وذلك بإبعاد عناصر المعارضة المحتملة(١٠٨) ، ليتولى عليّ بن أبي طالب مهام الخلافة التي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتولّى رعايتها والتخطيط

____________________

(١٠٧) الطبقات الكبرى / ج ٢ / ص ٢٤٨ / ٢٥٠.

(١٠٨) المراجعات / العلامة عبد الحسين شرف الدين / ص ٤٧٢.


والسهر من أجل بلوغها، كما توضَّح لنا ذلك.

ومع كل ذلك فقد جرت الأمور والأحداث على غير ما أراده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد أراد أن يختزل على الأُمة المعاناة، وأراد أن يجنبها ويلات تجربة الخطأ والصواب، أراد أن تتمسك الأُمة بالكتاب الكريم، وبالعترة الطاهرة لتسلم من التيه والضلال.

وهكذا ترك أمر (العهد القاطع الجازم المكتوب) لتظلُّ الأُمة عرضة للامتحان في مثل هذه القضية الخطيرة، وكما جرت السنن الإلهية، فقد قال تعالى:( الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوَاْ أَن يِقُولُوَاْ آمَنَّا وَهُم لاَ يُفتَنُون* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ ) (١٠٩) .

نعم أراد الله تعالى ذلك، كما أراد رسوله الكريم أن يكون إيمان من يؤمن منهم بمن ولاّه عليهم، وجعلهُ خليفةً من بعده إيماناً راسخاً، واعتقادهم بأحقيته اعتقاداً عن تدبر، وتشيّعهم له تشيّعاً مخلصاً، حتى تستمر المسيرة في تنفيذ الإرادة الإلهية تحت قيادته المباركة، ويتحقق إزالة الظلم والفسق والكفر من الوجود.

( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخلِفَنَّهُمْ فِي الأَرضِ كَمَا استَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي

____________________

(١٠٩) العنكبوت / ١ - ٣.


ارتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) (١١٠) .

والحمد لله ربّ العالمين أولاً وآخراً

محرم الحرام / ١٤١٤ هجري

د. شراره

____________________

(١١٠) النور / ٥٥.




مصادر ومراجع التحقيق والتعليق والملحق

- أ -

١ -الإتقان في علوم القرآن / جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هجري) تحقيق الدكتور محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب / ١٩٧٥ - منشورات الرضي - اوفسيت - مطبعة أمير / قم.

٢ -الإحتجاج / لأحمد بن أبي طالب الطبرسي / من أعيان القرن السادس الهجري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت / ١٩٨٣.

٣ -أحكام القرآن / ابن العربي محيي الدين / تحقيق عليّ محمد البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه / ١٣٩٤ هجري.

٤ -أساس الحكومة الإسلامية / العلامة السيد كاظم الحائري / طبع بيروت - مطبعة النيل ١٣٩٩ هجري.

٥ -الإسرائيليات في التفسير والحديث / الدكتور محمد حسين الذهبي / دار الإيمان - دمشق ط ٢ / ١٩٨٥.

٦ -اُصول الكافي / لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت ٣٢٨ / ٣٢٩ هجري) تصحيح الشيخ نجم الدين الآملي منشورات المكتبة الإسلامية - المطبعة الإسلامية / ١٣٨٨ هجري.

٧ -الأصول العامة للفقه المقارن - مدخل الى دراسة الفقه المقارن / العلامة محمد تقي الحكيم مؤسسة آل البيت للطباعة والنشر - ط ٢ / ١٩٧٩.


٨ -الإرشاد / محمد بن محمد بن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد (ت ٤١٣ هجري) منشورات مكتبة بصيرتي - قم - ايران.

- ب -

٩ -بحوث في تاريخ السنة المشرفة / الدكتور أكرم ضياء العمري / مؤسسة الرسالة - بيروت ط ٣ / ١٩٧٥.

١٠ -البداية والنهاية / لابن كثير اسماعيل بن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هجري) طبعة دار صادر ١٩٧٩.

- ت -

١١ -التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول / الشيخ منصور عليّ ناصف / من علماء الأزهر دار احياء التراث العربي / ط ٣ / ١٩٦٢ ومصورة مكتبة باموق - استانبول.

١٢ -تاريخ الإمامية واسلافهم من الشيعة / الدكتور عبد الله فياض / مطبعة أسعد / بغداد / ١٩٧٠.

١٣ -تاريخ الخلفاء / جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هجري) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد طبعة مصورة.

١٤ -تاريخ الطبري / لابن جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هجري)، الطبعة المحققة / دار التراث / بيروت، وأيضاً طبعة المطبعة الحسينية - بمصر - الطبعة الأولى، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان / ط ٢ / ١٩٨٨.

١٥- تاريخ العرب قبل الإسلام / الدكتور جواد عليّ نشر المجمع العلمي العراقي.

١٦ -تاريخ اليعقوبي / أحمد بن يعقوب اليعقوبي (ت بعد سنة ٢٩٢ هجري) طبعة دار صادر / بيروت، طبعة المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف.

١٧ -التفسير الكبير / للإمام فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هجري) نشر دار الكتب العلمية - طهران / ط ٣.

١٨ -تمهيد لتاريخ الفلسفة / الشيخ مصطفى عبد الرزاق، لجنة التأليف والترجمة والنشر / القاهرة ط ٣ / ١٩٦٦.


- ح -

١٩ -حركات الشيعة المتطرفين وأثرهم في الحياة الاجتماعية والأدبية / الدكتور محمد جابر عبد العال، مطبعة السنة المحمدية / القاهرة - ١٣٧٣ / ١٩٥٤.

٢٠ -حلية الأولياء / لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هجري) دار الكتاب العربي - بيروت / ط ٥ / ١٤٠٧ هجري.

- د -

٢١ -الدر المنثور في التفسير بالمأثور / جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هجري) منشورات مكتبة المرعشي / قم / ايران.

- س -

٢٢ -السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي / لابن إدريس الحلي (ت ٥٩٨ هجري) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين. بقم المشرفة / الطبعة الثانية / ١٤١١ هجري.

٢٣ -السقيفة والخلافة / عبد الفتاح عبد المقصود / دار غريب - القاهرة.

٢٤ -سنن ابن ماجة / ابن ماجة القزويني / تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي طبع دار الفكر - بيروت.

٢٥ -سنن الدارمي / لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي (٢٥٥ هجري)، دار الفكر - القاهرة / ١٣٩٨ هجري / ١٩٧٨.

٢٦ -السنن الكبرى / لأبي عبد الرحمن النسائي (٣٠٣ هجري) تحقيق الدكتور عبد الغفار البنداري، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - ط ١ / ١٤١١ هجري / ١٩٩١ م.

٢٧ -السيرة النبوية / سيرة ابن هشام (ت ٢١٨ هجري) تحقيق مصطفى السقا وآخرون دار الكنوز الأدبية.


- ش -

٢٨ -شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد المعتزلي، طبعة دار الكتب العربية الكبرى - مصر، الطبعة المحققة محمد أبو الفضل إبراهيم / نشر مكتبة المرعشي / قم.

٢٩ -شواهد التنزيل / الحافظ الحسكاني النيسابوري / من أعلام القرن الخامس / تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، بيروت / ١٣٩٣ هجري.

- ص -

٣٠ -صحيح البخاري / لمحمد بن اسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هجري)، دار الطباعة العامرة - استانبول ١٣١٥ هجري، طبعة دار القلم - بيروت / ط ١ / ١٩٨٧.

٣١ -صحيح الترمذي / أبو عيسى عليّ بن عيسى الترمذي (ت ٢٧٩ هجري) تحقيق كمال الحوت طبعة دار الفكر - بيروت.

٣٢ -صحيح مسلم / مسلم بن الحسين القشيري (ت ٢٦١ هجري) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياة التراث العربي / ط ٢ / ١٩٧٨.

٣٣ -الصلة بين التصوف والتشيع / الدكتور كامل مصطفى الشيبي / مطبعة الزهراء - بغداد ١٣٨٢ / ١٩٦٣.

٣٤ -الصواعق المحرقة / أحمد بن حجر الهيتمي المكي (ت ٩٧٤ هجري)، مكتبة القاهرة - شركة الطباعة الفنية المتحدة / ط ٢ / ١٣٨٥ هجري ١٩٦٥ م.

- ط -

٣٥ -الطبقات الكبرى / محمد بن سعد (ت ٢٣٠ هجري) دار بيروت للطباعة / ١٩٨٥.


- ع -

٣٦ -علوم الحديث ومصطلحه / الدكتور صبحي الصالح - طبعة بيروت - دار العلم للملايين.

٣٧ -العقد الفريد / لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٧ هجري) طبعة دار مكتبة الهلال ط ١ / ١٩٨٦.

٣٨ -عمدة القاري / بدر الدين العيني (ت ٨٥٥ هجري) دار إحياء التراث / بيروت.

- ف -

٣٩ -فتوح البلدان / البلاذري أحمد بن يحيى بن جابر (ت ٢٧٩ هجري) تعليق ومراجعة رضوان محمد رضوان - دار الكتب العلمية - بيروت / ١٣٩٨ هجري / ١٩٧٨.

- ك -

٤٠ -الكامل في التاريخ / لابن الأثير، طبعة دار صادر / بيروت / ١٣٩٩ هجري / ١٩٧٩.

٤١ -الكشاف / جار الله الزمخشري (ت ٥٢٨ هجري) ضبط مصطفى حسين أحمد نشر دار الكتاب العربي - بيروت / ط ٣ / ١٩٨٧.

- م -

٤٢ -ما نزل من القرآن في عليّ / لأبي نعميم الأصبهاني ت ٤٣٠ هجري / تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي منشورات مطبعة الإرشاد الإسلامي / ط ١ / ١٤٠٦ - طهران.

٤٣ -مجمع البحرين / الطريحي فخر الدين بن محمد عليّ بن أحمد (ت ١٠٨٥ هجري) تحقيق السيد أحمد الحسيني / منشورات المكتبة المرتضوية - طهران.

٤٤ -مختصر تاريخ ابن عساكر / لابن منظور الأفريقي - صاحب لسان العرب (ت ٧٧١ هجري) تحقيق إبراهيم صالح دار الفكر - دمشق / ١٩٨٩، تحقيق أحمد راتب حموس ج ١٧.

٤٥ -المراجعات / العلامة عبد الحسين شرف الدين / تحقيق حسين الراضي نشر دار الكتاب الإسلامي.


٤٦ -مسند الإمام أحمد بن حنبل / طبعة دار صادر - بيروت.

٤٧ -المستدرك على الصحيحين / الحاكم النيسابوري / تحقيق مصطفى عبد القادر عطا / دار الكتب العلمية - بيروت / ط ١ / ١٤١١ هجري.

٤٨ -مروج الذهب / المسعودي تحقيق عبد الأمير مهنّا / مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / ط ١ ١٤١١ هجري.

٤٩ -المعالم الجديدة للأصول / الإمام الشهيد الصدر مطبوعات مكتبة النجاح - طهران / ط ٢ ١٩٧٥ / ط ١ / مطبعة النعمان / النجف الأشرف.

٥٠ -معالم المدرستين / العلامة السيد مرتضى العسكري / نشر قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة / الطبعة الأولى / ١٤٠٥ هجري.

٥١ -المقدمة / العلامة ابن خلدون (ت ٨٠٨ هجري) دار إحياة التراث العربي - بيروت - لبنان.

٥٢ -الملل والنحل / ابن عبد الكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨ هجري) تصحيح وتعليق الشيخ أحمد فهمي محمد / مطبعة حجازي / القاهرة / ط ١ / ١٣٦٨ هجري / ١٩٤٨.

٥٣ -مناقب أمير المؤمنين / الكوفي من أعيان القرن الثالث / تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي.

٥٤ -مناهج الاجتهاد / الدكتور محمد سلام مدكور / مطبوعات جامعة الكويت ١٩٧٧م.

- ن -

٥٥ -النزاع والتخاصم فيما بين أمية وبني هاشم / تقي الدين المقريزي (ت ٨٤٥ هجري) تحقيق الدكتور حسين مؤنس / انتشارات الشريف الرضي / ط ١ ١٤١٢ هجري قم - ايران.

٥٦-النص والاجتهاد / العلامة عبد الحسين شرف الدين / تقديم السيد العلامة محمد صادق


الصدر - دار النهج - بيروت.

٥٧ -النظريات السياسية الإسلامية / الدكتور محمد ضياء الدين الريس / ط ٦ / دار التراث القاهرة ١٩٧٦ م.

٥٨ -النظم الإسلامية / الدكتور صبحي الصالح / دار العلم للملايين.

٥٩ -النظم الإسلامية / الدكتور عبد العزيز الدوري / مطبعة نجيب - بغداد - ١٩٥٠ م.

٦٠ -النهاية في غريب الحديث / لابن الأثير (ت ٦٠٦ هجري) تحقيق محمود محمد الطناحي مؤسسة اسماعيليان / قم.

٦١ -نهج البلاغة / للإمام عليّ عليه السلام / ضبط الدكتور صبحي الصالح منشورات دار الهجرة - إيران - قم ط ٥ / ١٤١٢ هجري.

- و -

٦٢ -وسائل الشيعة / الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هجري) / تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث / قم ايران / ١٤١٢ هجري.

- ي -

٦٣ -ينابيع المودة / القندوزي البلخي / منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت.


الفهرس

نشأة التشيّع والشيعة الإمام السيد محمد باقر الصدر رضي‌الله‌عنه ١

نشأة التشيّع والشيعة تأليف الإمام السيد محمد باقر الصدر رضي‌الله‌عنه تحقيق وتعليق: الدكتور عبدالجبار شرارة مقدمة المحقق ٧

التمهيد ١٢

الفصل الأول : نشأة التشيع ١٧

تمهيد ١٨

المبحث الأول : الموقف السلبي: إهمال أمر الخلافة (*) ٢٣

المبحث الثاني : الإيجابية ممثلةً بنظام الشورى ٣١

المبحث الثالث : التشيّع الروحي والتشيّع السياسي ٦٢

ملحق البحث : الإعداد التربوي والفكري لولاية عليّ عليه‌السلام وخلافته بقلم الدكتور عبد الجبار شرارة المبحث الأول المبحث الثاني المبحث الثالث ٩٩

تمهيد ١٠٢

المبحث الأول : الإعداد الفكري والتربوي لعلي عليه‌السلام ١٠٥

المبحث الثاني : إعداء الأُمة وتهيئتها لتولّي عليّ عليه‌السلام الخلافة ١١٥

المبحث الثالث : مدخلية اختصاص عليّ بالمعرفة القرآنية في الإعداد لخلافته ١٢٩

مصادر ومراجع التحقيق والتعليق والملحق ١٤٣

الفهرس ١٥٠