تحت راية الحق
في الرَّدِّ على فجر الإسلام
الشيخ عبد الله السُّبيتي العاملي
هذا الكتاب
طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
تحت راية الحق
في الرَّدِّ على فجر الإسلام
تأليف:
الشيخ عبد الله السُّبيتي العاملي
حقوق الطبع محفوظة
١٣٥١ه-، مطبعة العرفان - صيدا، ١٩٣٣م
إهداء الكتاب
إلى المؤلِّف الشهير، البحَّاثة، حجّة الإسلام
السيد عبد الحسين شرف الدين
علاَّمة جبل عامل
أُهدي مؤلَّفي هذا
تقديراً لجهوده وإشعاراً بفضله
نزيل النجف الأشرف
ولدك
عبد الله السُّبيتي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المقدِّمة
بقلم:
سماحة العلاَّمة الكبير، شيخنا الشيخ مرتضى آل ياسين الكاظمي
ظهر الإسلام في جزيرة العرب باسطاً كفَّيه جميعاً، يحمل على هذه كتاب الله، وعلى تلك سُنَّة رسوله، وهو يدعو إلى الإيمان بهما كل أبيض و
أسود، فآمن به قوم، وكفر به آخرون، وسار شوطاً من عمره يقطع طريقاً وسطاً بين صفَّين: صفٍّ من المؤمنين، وصفٍ من الكافرين، ثمّ لم يلبث أن انقسم المؤمنون به على أنفسهم ؛ فانحازت طائفة منهم إلى عليٍّعليهالسلام ، وطائفة أُخرى إلى غيره.ومن ذلك الحين اشتهر اسم الشيعة.وكان لمسألة الخلافة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكبر الأثر في تكوين ذلك الانقسام بين صفوف المؤمنين.وحين انتهى الأمر إلى بني أُميَّة، عملوا على توسيع ذلك الانشقاق وتوطيد أسبابه ،حتى أصبح فتقاً لا يرتق، كما تحدِّثنا بذلك سلسلة الحوادث التاريخية التي اتًصلت أُولى حلقاتها بمعاوية وأُخراها بالحمار، وبعين السياسة الأموية - أيضاً - سار العبَّاسيون بين الناس طيلة امتداد سلطتهم الزمنية، على الرغم من القرابة الماسَّة التي كانت تربطهم بعليٍّ وأولادهعليهمالسلام .
ولمَّا قضت الظروف في العصور الأُولى من تاريخ الإسلام أن تكون السلطة لأعداء الشيعة ومناوئيهم ،تزلَّف إليهم في مختلف أدوارهم شراذم من علماء السوء وروّاد الدرهم والدينار، فقالوا في الشيعة، ووضعوا عنهم، ونسبوا إليهم كلَّ ما من شأنه التشويه لسمعتهم، والحطُّ من كرامتهم، وصدُّ النفوس عن التمايل إلى جهتهم، فكان ذلك من أكبر العوامل على استحكام الغلِّ في صدور الفريقين، واتساع شُقَّة الخلاف بين الطائفتين، حتى أصبحت القوَّة - وهي كما عرفت بيد الفريق السُّنِّي - لا تتأخَّر عن اضطهاد الفريق الشيعي والنكاية به كلَّما وجدت إلى ذلك سبيلاً.
وبالطبع ،إنَّ الشيعة لمَّا لم يكن لديهم من القوَّة ما يجابهون به القوَّة، اضطروا - بحكم الضرورة - إلى التزام التقيَّة(١) في مذهبهم ؛ اتقاءً لسطوة الاستبداد المتمادية التي كادت أن لا تُبقي عليهم ولا تذر، وما أدراك ما التقيَّة؟ إنَّها لأمَرّ ذَوَاقاً من الموت! فنجم من ذلك أنْ فَقَدَ الشيعة حرِّيَّتهم وقبعوا في خبايا الانزواء، حيث لا تسمع لهم السلطة حسيساً ولا همساً، فخسروا عند ذاك أهمَّ معنوياتهم، وطُمسَ على شطر كبير من آثارهم العلمية و الأدبية، وقضي على كل شيء لهم،حتى على أقلامهم التي طالما أرجفت بها القوَّة فتساقطت من أيديهم خوفاً وفَرَقاً، حتى أصبح قلم التأريخ وليس من يد تمسكه بين أناملها ،إِلاّ يد السُّنِّي تقبض عليه فتسِّجل به الحوادث كيفما شاءت وشاء لها الهوى.
وما ظنُّك بقلم يأمن جانب المعارضة من جهة، وتمدُّه السلطة من جهة أُخرى، ثمّ يستقي الحقائق من تلك المنابع الفيَّاضة التي خلقها له أُولئك الغواة من رواة السوء وروَّاد المنافع، عدا ما تسوِّله له الأغراض الشتّى والأهواء المتنوِّعة ضدَّ عدوِّه البغيض؟ لا شكَّ أنَّ قلماً تستأثر له الظروف بهذا الموقف الشاذ لجديرٌ بالعذر - وكلّ العذر - إذا قلب الحوادث رأساً على عقب، وجاء بالحقائق كما شاء ،هوجاء شوهاء، وأمعن في إغواء الأفكار وتضليل العقول بكلّ ما يصل إليه جهده من براعة في القول وصناعة في التحوير، كما نجد ذلك كلَّه - اليوم - ماثلاً للعيان بين صفحات التأريخ وخلال فجواته.
ومن المقرَّر في سُنَّة الكون أنَّ المفتريات الملفَّقة عند جيل من الأجيال الماضية ،إذا تناقلتها ألسُن الرواة ثمّ تناولتها أقلام الضبط لابدَّ وأن تصبح يوماً ما كحقائق راهنة عند الأجيال الآتية ؛ ولذلك نجد جيل الأبناء على الأكثر مخدوعاً بما يتركه له جيل الآباء والأجداد من الأضاليل والمفتريات، دون أن يشعر بما يفرضه عليه العقل من التثبُّت تجاه النقل، خاصةً إذا كان الراوي متَّهماً لدى الوجدان في روايته.
وبسبب هذا الانخداع المتمادي مع الأجيال، تتابعت الويلات على الشيعة من إخوانهم أهل السُّنَّة، وتوالت عليهم ضرباتهم من آونة إلى أُخرى.فكلَّما أولد الزمان جيلاً من أهل السُّنَّة، تأثَّر بما افتراه جيله السابق في شأن الشيعة، فلا ينكفئ هذا عنهم حتى يعزِّز في شأنهم
____________________
(١) الالتزام بالتقيَّة عند الضرورة ممَّا شرَّعه الله عزَّ وجل في كتابه العزيز ؛ حيث قال عزَّ اسمه:( إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) ، وقال:( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، على أنَّ العمل بمجرَّده كافٍ في إيجابها عند الخوف من سطوة ذلك الاستبداد.
آثار سلفه الراحل، على حين أنَّ الشيعة - في أكثر تلك العصور - لم يكن في إمكانهم مجابهة تلك المفتريات بالردِّ والتزييف ؛ نظراً لِمَا كانوا يكابدونه يومئذ من اضطهاد القوة واستبداد السلطة.ولولا الفرص الثمينة التي سنحت للشيعة أثناء تلك العصور الرهيبة، حينما سمح لهم الزمان بقيام بعض الحكومات الشيعية في مصر، وبغداد، وخراسان، وحلب، وإيران، والهند، فاستغلوها للإشادة بمذهبهم، والردِّ على مفتريات أعدائهم، وترسيخ العقائد الحقَّة في نفوس عامَّتهم، بما ألَّفوا في شتَّى الفنون - وخاصة في فنون التفسير والحديث والأخلاق والمناظرة - من الكتب القيِّمة والآثار النفيسة، لذهب التشيُّع ذهاب أمس الدابر، ولأصبح اليوم خبراً من أخبار الزمن الغابر.
ولكن، على الرغم ممَّا توفَّق له الشيعة أثناء تلك الفُرص السانحة من دحض المفتريات الموجَّهة إليهم، وإصحارهم بالبراءة ضد الشنائع الشتّى التي أُلصقت بهم، نجد بين علماء أهل السُّنَّة من تمادى في غلوائه، واستمرَّ ممتطياً غارب خُيَلائه، غير محتفل بالبراءة التي طفحت بها كتب الشيعة ومؤلَّفاتهم، وفاضت بها أقلامهم وأفواههم، حتى بلغت القِحَة ببعضهم أن أفتى بكفرهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم(١) ، سواء تابوا أم لم يتوبوا، وبالنهاية حكم باسترقاق نسائهم وذراريهم.كلّ ذلك بعد أن نبزهم باسم الكفرة، والبغاة الفجرة، ونسب إليهم أصناف الكفر والبغي والعناد، وأنواع الفسق والزندقة والإلحاد، ثمّ بهتهم بالاستخفاف بالدين، والاستهزاء بالشرع المبين، والإهانة للعلم والعلماء، واستحلال المحرَّمات وهتك الحرمات.
وهكذا استمر أهل السُّنَّة يستخدمون حرِّيَّتهم الواسعة في الاستهانة بالشيعة وانتقاصهم، وإغراء العامة بهم وإيغار صدورهم، وحملهم على الولوغ بدمائهم.وهكذا استمروا يتسوَّرون على كرامتهم بالبهت والافتراء، وينبزونهم بأنواع الأباطيل التي تشهد ببراءتهم منها جِنَّة الأرض وملائكة السماء، على حين أنَّ الشيعة قد أثبتوا لدى الملأ - في مختلف أدوارهم بمختلف أعمالهم - أنْ لا مذهب لهم إلاّ مذهب أئمَّة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً كما فضَّلهم على كثير ممَّن خلق تفضيلاً، وأنَّهم إنَّما يستمدُّون الهدى باتِّباعهم لأُولئك
____________________
(١) مَن أراد الوقوف على تفصيل كلامه، فليراجع كتابي : الفتاوى الحامدية وتنقيحها.وقد ردَّ عليه صاحب الفصول المهمَّة في تأليف الأُمّة وناقشه الحساب بكل دقة.
الأئمّة الفطاحل بما تحمَّلوه من العلم عن جدِّهم النبي الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي أفضى إليهم بكل ما لديه من أسرار وحقائق، وتعاليم وأحكام، ممَّا جاء به القانون الإلهي وقرَّرته الشريعة الخاتمة، حتى أصبحوا من بعده وهم الباب الوحيد المؤدِّي إلى مدينة علمه كما يومي إلى ذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها).ومن ذلك نجد المستخلَفين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا كلَّما عرضت لهم معضلة من المسائل لم يجدوا بُدّاً من الاسترشاد بإمام أهل البيت في حلِّها والدلالة على وجه الخروج منها، وما أن كَتَمنا التأريخ السُّنِّي شيئاً من فضائلهم استرسالاً منه للعاطفة ،فلم يكتمنا قول عمر بن الخطاب في شأن الإمام علي حينما كان يفزع إليه في تحليل المشاكل وكشف المعضلات: (لا بقيتُ لمعضلة ليس لها أبو الحسن)(١) .
أوَ ليس من الغريب بعد هذا كله أن نجد هذا المذهب، بما له من حرمة النسب، هدفاً لنبال الزور، وغرضاً لمعاول البهتان؟! كأنَّ المذاهب كلَّها وليدة الكتاب و السُّنَّة إلاّ مذهباً تمسَّك به الشيعة؟! ولكن ما حيلة ذلك الرجل المفتي الذي استحل من الشيعة ما حرَّمه الله إذا كان يرى مؤرِّخه السُّنِّي(٢) - وهو موضع ثقته واعتماده - يقذف مذهب أهل البيت بالشذوذ والابتداع، وينعى عليهم انفرادهم بما جاؤوا به من الفقه؟!! أفلا يكون ذلك المفتي موفور العذر إذا هو نبز شيعتهم بالكفر والعناد، والزندقة والإلحاد، وعزا إليهم كل أنواع المخازي والمرديات؟ أجل، إنَّه ولا شك لخليق بالعذر كله مهما أفحش
بالقول، وأغمض في تكفير الشيعة وتحقيرهم.
وما أدري في أي ناحية من مذهب أهل البيت تمثَّل الشذوذ والابتداع لابن خلدون حتى استسهل في شأنهم ذلك القول الصعب! ورماهم بتلك الكلمة الجارحة التي ما كان له ولا لأحد من قبله أو من بعده أن يقولها في شأن أَمَة من إماء أهل البيت فضلاً عن أئمتهمعليهمالسلام ، لا سيما وأنَّه ليسمع سيِّده عمر بن الخطاب يقول في شأن جارية من جواري آل أبي طالب - وهي (فضّة) جارية الزهراءعليهاالسلام - حين حكم عليها بحكم فدلّته على موضع خطئه منه: شعرة من آل أبي طالب أفقه من عَدِيٍّ.
وليت شعري، إذا صح ّلابن خلدون أن يقول في أهل البيت - وهم أدرى الناس بما فيه - :
____________________
(١) هذه الكلمة وأمثالها ممَّا استفاض نقله عن عمر في التاريخ السُّنِّي، فلا يهمُّنا بعد ذلك أن ينكرها أحمد أمين وأضرابه.
(٢) هو ابن خلدون في فصل الفقه من مقدِّمته، ص ٤٩٨.
إنَّهم شذَّاذ في فقههم، ومبتدعة في مذاهبهم، إذن، فماذا يا ترى يجب أن يقوله الشيعي عند ذاك في مذاهب ابتدعها الغرباء، واخترعها الدخلاء ممَّن لم يمُتَّ إلى البيت النبوي بنسب، ولم يتصل إليه بسبب، وإنَّما اعتمد في فقهه رواية الضعفاء، ولفَّق مذهبه من سوانح القياس والاستحسان والآراء؟! أجل، ماذا يجب أن يقوله الشيعي في تلك المذاهب وهو يرى بأُمّ عينه أنَّها تضع أُسسها على أحاديث المخطِّئة والمرجِّ-ئة والخوارج، وتقيم أركانها على متابعة الظنون التي ما أنزل الله بها من سلطان؟! فهب أنَّ الشيعة أخطؤوا الحق في انقطاعهم إلى مذهب أهل البيت، ولكن، هل من الحق أن يجتنبوا أهل البيت وينقطعوا إلى مذاهب الدخلاء والأجانب كما صنع ابن خلدون وأضرابه ممَّن تجهَّم أهل البيت ونظر إليهم شزرا؟.
ذلك مثال واحد نضعه أمامك ليعطيك صورة واضحة عن موقف السلف السُّنِّي تجاه السلف الشيعي، تستطيع أن تتعرَّف منها مبلغ القسوة التي استعملها أهل السُّنَّة ضد إخوانهم الشيعة طيلة تلك العصور المتغلغلة في ظلمات الاستبداد، والمتشبِّعة بروح الأثرة والسيطرة.ولولا احتذاء المتأخرين منهم مثال المتقدِّمين، لكنَّا التمسنا العذر لأُولئك القائمين بتلك المآسي في تلك العصور المظلمة بتحليل الوقائع تحليلاً سياسياً، ولأقنعنا الملأ الشيعي بأنَّه لم يُقهر يوم ذاك من الملأ السُّنِّي نفسه، وإنَّما قهره الوضعُ السياسي الراهن في تلك العصور، ولكن ماذا نقول للشيعي اليوم؟ وماذا نلتمس للسُّ-نِّي من المعاذير وقد ولَّى ذلك الوضع السياسي مع أهله، وأُعلنت الحرية في عرض البلاد وطولها، ووُضعت الدساتير الكافلة لحقوق الأديان والمذاهب، وقام رجالات الإصلاح يطاردون العصبيات من كل جهة وناحية، وانتشرت الصحف تدعو الأمة إلى نبذ النعرات الطائفية، وجمع الكلمة، وتوحيد
الصفوف، ونهض الخطباء في المحافل والمجتمعات يهجِّنون في نظر العامة موقف السلف مع بعضهم ويستميلونهم إلى التخلِّي عن تقاليد الآباء و الأجداد، ويستحثُّونهم على الاتحاد والتعاضد في سبيل المصالح المشتركة، ومع كل هذه الوسائط الفعَّالة التي من شأنها على أقل تقدير أن تكمَّ الأفواه الفاغرة بالسوء، وتقبض على الأيدي الأثيمة العابثة بالسلم؟ فإنَّا ما زلنا ولا نزال نرى اللّيلة أُخت البارحة، والأحوال يشبه بعضهاً بعضا.
فهذا فريق من سُ-نِّيي مصر، وذاك فريق من سُ-نِّيي سوريا ما فتئوا يتابعون السير وراء شنشنة الأسلاف، ويتهافتون على التمثيل بأخلاقهم البالية، ويتسابقون إلى موافاة الغرض
الذي استهدفه لهم آباؤهم الأولون دون أن يكترثوا بما يفرضه عليهم الواجب الديني في عصرهم الحاضر، ودون أن يشعروا بالبون الشاسع بين العصرين، عصر الآباء وعصر الأبناء، فكأنَّهم وهم في عصر النور والدستور إنَّما يعيشون في عهد المتوكِّل العبَّاسي أو عبد الملك بن مروان.بيد أنَّهم جروا إلى الغاية في حلبة دقيقة ما كان يعرفها أسلافهم على الأكثر ؛ فقد كان المتقدِّمون صرحاء في المبدأ والغاية، فإذا أرادوا مهاجمة الشيعة هاجموهم على المكشوف، وزحفوا إلى منازلهم مُعلِمين لذلك، تجد روح العداء ماثلة للعيون بين نبرات أقلامهم.
أمَّا هؤلاء المتأخِّرون، فقد نكبوا عن هذه الطريقة وبنوا مهاجمتهم في أكثر الأحيان على سياسة المخاتلة، فنرى أحدهم إذا أراد أن ينزع إلى المهاجمة لم يبرز إليها صريحاً مُعلِماً، وإنَّما يزحف إليها من وراء حجاب كثيف.وليس من شكٍّ في أنَّ هذه الطريقة الحديثة التي اختطَّها الأبناء لأنفسهم هي أقوى مفعولاً من أُولى الطريقتين التي سار عليها الآباء فيما سلف من الزمان، وكذلك العدوّ المخاتل ؛ فإنَّه بالطبع يكون أكثر نجاحاً من العدو المُعلِم.
هذا مع أنَّ بين سُ-نِّيي العصر مَن لم يؤثِر الطريقة الحديثة، ولم يشأ أن يحيد عن طريقة سلفه، تلك الطريقة القاسية، فصارح الشيعة بكل ما يضمر لهم من سوء حتى أوسعهم في كتبه قذفاً وشتماً وسبَّاً.فتارة يقول فيهم: أنَّهم (تجرَّدوا عن دينهم)، وأُخرى يقول: (أنَّهم أسقطوا الإيمان من حسابهم)، وثالثة يرى: أنَّ (أكبر شأنهم جحد الرسالة لمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتكذيب بالقرآن، وردَّ ما أجمعت عليه الأُمة)، وأخيراً طلب لهم الخزي من الله سبحانه وتعالى إمَّا في هذه الدار فحسب، أو في الدارين معاً(١) .وهناك منهم(٢) مَن لم يطلب لهم من الله شيئاً، لكن طلب إلى حكومته أن تمحو مذاهبهم المستحدثة ؛ محتجَّاً بمصادمتها لآداب الدين واعتدائها على الأمن العام.ولا ندري، أيُّ الطلبين أكثر مرونة من الآخر؟. ومهما يكن، فليس عناية الشيعة بهذا الفريق - على ما فيه من شراسة في الطبع وبذاءة في اللّسان - إلاّ دون عنايتهم بالفريق الآخر الذي فتق له من البحث العلمي طريقاً ينفذ منهم إلى مكايدة الشيعة ومخاتلتهم دون أن يظهر لهم ظهور العدوِّ لعدوِّه.
____________________
(١) تجد هذه الكلمات وأمثالها منثورة في كلٍّ مَن كتاب: إعجاز القرآن، وكتاب: تحت راية القرآن، لمؤلِّفها: مصطفى صادق الرافعي، فراجع.
(٢) هو جلال نوري بك في كتابه: اتحاد المسلمين.
ومن المؤكَّد أنَّ هذه الطريقة الحديثة لم يتوفَّق إلى اختراعها إلاّ ذوو الأدمغة الكبيرة منهم، ممَّن درس الوضعية درساً دقيقاً حتى عرف من أين تُؤكل الكتف؟ وكيف تُؤكل؟
وأهم رجل برع في هذه الطريقة وأحسن اتباعها هو أحمد أمين صاحب الجزء الأول من كتاب: فجر الإسلام الذي أساء للشيعة بمقدار ما أحسن إلى الأدب العربي، فقد جاء هذا الرجل على ذكر الشيعة في كتابه كباحث يريد تحليل الحقائق تحليلاً فلسفياً، لا كمتحامل يريد الشرّ والوقيعة.بيد أنَّه - وهو مختبئ وراء ستار الفلسفة - لم يدع للشيعة ضلعاً قائماً إلاّ وطحنه طحناً ثمّ ذرَّاه في الهواء هباء منثوراً.فالمذهب الشيعي عند أحمد أمين ملفَّق من النصرانية، واليهودية، والمجوسية، ومن تعاليم الفلاسفة والبراهمة.والشيعة أنفسهم قوم كذَّابون وضَّاعون لا يتأخَّرون عن الانتصار لمذهبهم بكلّ وسيلة تصل إليها أيديهم مهما كانت منقطعة الصلة مع الحق، فهم يحفظون الأسانيد الصحيحة ثمّ يضعون الأحاديث الموافقة لمذهبهم معنعنة بتلك
الأسانيد، وهم يضعون كتب الحديث المحشوَّة بتعاليمهم ثمّ ينسبونها إلى المشاهير من أئمّة أهل السُّنَّة، وهم ينتحلون لأنفسهم أسماء المشاهير من محدِّثي أهل السُّنَّة ثمّ يروون الحديث عمَّن تسمَّى بتلك الأسماء ؛ ليوهموا أهل السُّنَّة أنَّه مروي عن مشاهير محدِّثيهم، وبهذا أضلُّوا كثيراً من العلماء لانخداعهم بالإسناد، وهم يضعون على لسان عليٍّ ما من شأنه أن يعلن بثروته العلمية، ويضعون على لسان عمر ما من شأنه أن يعلو بفقره العلمي، وهم يكذبون في نسبة كل فضيلة ومنقبة إلى عليٍّ، ويكذبون في كل حديث يبشِّر بالإمام المنتظر.وهو يشك في كل شاهد يستظهر به الشيعي لمذهبه وإن كان ممَّا يحدِّثه به التاريخ السُّ-نِّي.وبكلمة واحدة، يعتقد أحمد أمين حقَّاً: أنَّ التشيُّع كان مأوى يلجأ إليه كل مَن أراد هدم الإسلام.
كل ذلك ممَّا قاله أحمد أمين في الشيعة وفي مذهبهم، على أنَّنا لم نستقص سائر كلماته.وما أدري ماذا سيقول لو قال له شيعي: إنَّ الشيطان قد اتخذ إلى فؤادك سبيلاً، ولعلَّه سيقول أيضاً: إنَّ الشيعة هم الذين خلقوا الشياطين فأصبحت تتَّخذ السُّ-بُّل إلى هذه الأفئدة.
وغريب من باحث مثقَّف كأحمد أمين أن تستحوذ على مشاعره العاطفة إلى درجة تجعله يفكِّر بغير عقله، ويبصر بغير عينه، وينطق بغير
لسانه، ويكتب بغير قلمه، وإلاّ فما الذي تُرى حوَّل تلك الأوهام إلى حقائق في فكره؟! وما الذي أدَّى بنظرياته العلمية إلى هذه الاستنتاجات المنكرة التي يلفظها العلم ويربأ عنها البحث الصحيح؟! لا سيَّما وهو وليد هذا العصر
الذي انكشف فيه الغطاء وبرح الخفاء وباح فيه الشيعة بكل ما يُسرُّون وما يعلنون، فلا نخطئ إذا قلنا: إنَّ المسؤولية التي تحمَّلها هذا الفريق تجاه الحق هي فوق المسؤولية التي تحمَّلها سلفه الغابر الذي ورد هذا العالم في ظلام، وارتحل عنه وهو في ظلام.
حقَّاً إنَّ أحمد أمين قد أذنب إلى الشيعة ذنباً لا يغفر إلاّ بالتوبة منه.وما مكث الشيعي واجماً طيلة هذه المدة التي مرَّت على ظهور الجزء الأول من كتاب فجر الإسلام إلاّ تربُّصاً منه للتوبة التي كان ينتظرها من أحمد أمين، وحين استيأس من توبته واستقالته من عثرته لم يجد بُدَّاً من مناقشته
الحساب ؛ ليعلم أنَّ وجوم الشيعي في الماضي لم يكن إلاَّ رغبة منه في السلم، وإيثاراً للدعة، لا عجزاً عن المناجزة والدخول في معمعة النزال.فنهض لذلك صديقنا الفاضل السُّبيتي وأدلى بكتابه هذا إلى الملأ الشاعر، كمعبِّر عمَّا اختلج في ضميره من وجوه المناقشات لنظريات أحمد أمين، مع اعترافه بأنَّ في قومه علماء قد يكون لهم من وجوه الردِّ والتزييف لتلك النظريات ما هو أجدر بالتقدير والاعتبار.
وعلى الرغم ممَّا أخذ به نفسه من الجري ضمن دائرة الموادعة، نراه قد طغى عليه قلمه في بعض الأحيان فاجتاز به إلى خارج الحدود، وقد يكون اجتياز الحدود أحياناً طبيعياً للقلم المتحمِّس الذي يريد التجوال بين منطقتي النقض والإبرام ؛ لذلك لا نرى الملاحظة عليه من هذه الوجهة جديرة
بالاحتفاء.إنَّما نلاحظ عليه أنَّه أجمل القول في بعض المسائل ولا سيَّما في مسألة رجعة الإمام المنتظرعليهالسلام ، وكان حقَّاً عليه أن يوفِّي البحث فيهما حقَّه ويزيده سبعين حُقَّة.ولعلَّنا سننتهز فرصة من الوقت نصرفها لسدِّ هذا الفراغ في رسالة على حِدَة، ومن الله نستمد التوفيق.
وبالختام: نريد بدافع المصلحة العامة التي نتوخَّاها لعامة المسلمين، أن ننصح بكلمة صغيرة لإخواننا المعاصرين من أهل السُّنَّة، وخاصة الطبقة المتعلِّمة منهم، التي تزعم أنَّها قد تحلَّلت من قيود العصبية والعاطفة ؛ ولمَّا تُقِم على مزعمتها شاهداً واحداً لحد اليوم، بل على العكس، ما برحت تقيم الشواهد على احتفاظها بتلك القيود البالية التي كان يرسف فيها سلفها الغابر.نعم، نريد أن ننصح لهم بأن يكفُّوا عن الشيعة بعد اليوم ليكفَّ الشيعة عنهم، وإلاّ فالشيعة مضطرون إلى تنظيم خطوط الدفاع ما وجدوا أهل السُّنَّة دائبين في اتخاذ خطَّة الهجوم، وفي الوقت نفسه سيكون الشيعة أبعد الفريقين عن المسؤولية التي يستتبعها هذا الموقف بعد أن كانوا مضطرين للمنافحة عن شرفهم وعن قداسة مذهبهم.وإن كنَّا لا نرى الوسائل التي يتجهَّز بها المدافعون في حومة
الكفاح موازية لوسائل المهاجمين، فبينا نرى السُّ-نِّي يهجم وبيده مُديته الرهيفة يحزُّ بها وريد أخيه الشيعي، إذ نرى الشيعي يتقدَّم إليه بشوكة صغيرة يخزُّ بها خاصرته، ومع ذلك نجد صرخة السُّ-نِّي من الشوكة لا تقف عند صرخة الشيعي من المُدية، بل تجتازها إلى حد بعيد، ولا نرى سبباً لذلك إلاّ أنَّ السُّ-نِّي قد استطاع بمرور الزمان أن يستضعف أخاه الشيعي الذي ظلَّ مقهوراً له عصوراً طويلة، حتى اعتاد الشيعي الخوف والتقية من أخيه السُّ-نِّي كما اعتاد هذا الهيمنة والحاكمية على أخيه الشيعي.فجاء من ذلك أن أصبح السُّ-نِّي يعتقد حقَّاً بأنَّ من صلاحيَّته أن يقول في الشيعي أبداً ولا يسمع منه، فإذا ردَّ عليه الشيعي شيئاً ممَّا قال فيه، رأيته ساخطاً صاخباً يكاد يتميَّز من الغيظ كأنَّما انشقت به الأرض، أو أطبقت عليه السماء.وهذه الهيمنة التي يحسُّها السُّ-نِّي على الدوام إزاء الشيعي، هي أيضاً من جملة العوامل الباعثة على إغراء أهل السُّنَّة بالشيعة واستخافهم بهم، فلو أنَّ أهل السُّنَّة اليوم خفَّضوا قليلاً من غلوائهم، لوجدوا الشيعة أقرب الناس إليهم، وأشدَّهم رعاية لحرمتهم، ولعل في الحوادث الأخيرة التي شهدها العراق، فقضت على أهل السُّنَّة بالتقرُّب إلى الشيعة زمناً يسيراً، ما يشهد لنا بصحة هذه الدعوى، وما عهد تلك الحوادث ببعيد.على أنَّ الشيعة في العراق ما زالوا لحد اليوم يعيشون ومواطنيهم من أهل السُّنَّة في جو هادئ، ولا تزال مظاهر الإخاء والولاء سائدة بين الفريقين، وكلاهما يسيران في خطَّة معتدلة لا تكاد تدعو أحدهما إلى شيء من الهنات، غير أنَّ الأمر الذي يُترقَّب منه الخطر وأن يصبح يوماً مَّا مدعاة إلى تكدير هذا الصفو، وتفكُّك هذا الجسم الملتئم، هو تلك القنابل النارية التي ما برحت تتساقط على أرض العراق هابطة إليها من سماء مصر وسوريا.ولو لم يكن لتلك القنابل من مغبَّة وخيمة يتمخَّض بها المستقبل إلاّ هذا الأثر السيِّئ الذي ستبعثه - ولا محالة - على تمادي الأيَّام أو الأعوام إلى هذا المجتمع العراقي الوديع، لكفاها ذلك رادعاً ووازعاً يقف بها عند حدِّها الأخير، ولكفى حكومة العراق باعثاً على حياطة شعبها الآمن من التعرُّض لتلك القنابل المتساقطة أبداً على يافوخه، من غير ما رحمة ولا حنان.
ونزيد نصيحتنا لهم أن لا يكتبوا عن الشيعة بعد اليوم إلاّ ما يأخذونه عن الشيعة أنفسهم، وليس لهم أن يستقوا أخبارهم من منابع الأغيار الذين كذبوا على الشيعة جهدهم، وألصقوا بهم من الشنائع ما الله به عليم.فإنَّ من الظلم الفاحش أن يقرأ الإنسان حياة الشخص مدوَّنة بقلم
عدوِّه، فيعتبرها صورة صادقة عن حياته الحقيقية.ولئن كان لسلفهم بعض العذر فيما كتبوا عن الشيعة ؛ بالنظر إلى عدم انتشار كتبهم يومذاك، فلا عذر لهم اليوم وقد أصبحوا يشارفون كتب الشيعة عن كثب، ويستعرضونها في المخازن والمكتبات آناء الليل وأطراف النهار.ولو قُدِّر أنَّ كُتُب الشيعة لا تنهض بكشف الغموض لهم عن بعض المسائل ذات الصلة بمذهبهم أو تاريخ حياتهم، فما عليهم إلاّ أن يراجعوا بها علماء الشيعة المنتشرين في العراق، وسوريا، والهند، وإيران ؛ ليأخذوا الجواب عليها جليَّاً واضحاً، وعند ذاك يمكنهم أن يكتبوا عن الشيعة وهم على بيِّنة ممَّا يكتبون.
وليعلموا أخيراً بأنَّ مرادنا من الشيعة حيث نطلق اسمهم إنَّما هم: الإمامية الاثنا عشرية منهم، وهم الذين يمثِّلون الأكثرية الساحقة في العالم الشيعي، وهم الذين ندافع عنهم جهدنا حين تنتابهم عوادي السوء ودواعي الخطر، وهم الذين نحيل الآخرين على علومهم ومعارفهم، وندعوهم إلى مراجعة كتبهم ومؤلَّفاتهم، ونطلب إليهم تعرُّف المذهب الشيعي من ناحيتهم(١) .أمَّا سائر الفرق الأُخرى التي شاركت هذه الفرقة باسم الشيعة، فليست هذه منها في شيء، وليست هي من هذه في شيء، فالناووسية والكيسانية والواقفة والمفوِّضة والغلاه والباطنية وكثير من أمثالهم، كل هؤلاء ممَّن تبرأ منهم الإمامية الإثنا عشرية وترفض آراءهم وأقوالهم وترمي بمذاهبهم عرض الجدار.
وفي الحق إنَّ التشويه الذي دخل على سمعة الشيعة من ناحية هذه الفِرق الضالة القابعة تحت هذا الاسم، لا يقلُّ خطراً عن التشويه الذي دخل عليها من ناحية الأغيار ؛ لذلك يجب اليوم على الباحث الأمين إذا أراد أن يعزو رأياً وقولاً إلى الشيعة أنَّ يتعرَّف أوّلاً هوية الشخص الذي عرَّف له ذلك الرأي، والفرقة التي ينتمي إليها من التسمية بالشيعة، ثمّ يعزو الرأي إلى أهله، لا إلى الشيعة بقول مطلق ؛ وبذلك يكون قد خدم الحقيقة كما يجبن، وفاز بشكرها وشكر الأكثرية الشيعية.
هذا ما أتقدَّم به اليوم إلى إخواني أهل السُّنَّة عامة وحملة الأقلام منهم خاصة، راجياً أن تكون نصيحتي هذه خاتمة السوء بين الطائفتين وفاتحة الخير للفريقين، والله وليُّ المؤمنين.
مرتضى آل ياسين
____________________
(١) ونحترم شيعة اليمن المعروفين بالزيدية ونواليهم ؛ لكونهم حنفاء لله مخلصين له الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الإسلامية تأثَّرت بالامتزاج
لابدَّ لنا أن نَُصَوِّب رأي صاحب الكتاب في أنَّ تعاليم الإسلام في الفتح - بدخول كثير من أهل البلاد المفتوحة في الإسلام، وبالاختلاط الذي حصل بين العرب وغيرهم في سكنى البلاد-(ص ١٠٣)، كانت سبباً قويَّاً في عملية المزج بين الأُمم الفاتحة والأُمم المفتوحة، ومؤثِّرات قويَّة لامتزاج العادات العربية بالعادات الفارسية، والحِكَم العربية بالحِكَم الفارسية والفلسفة الرومانية، ونمط الحكْم العربي بنمط الحكم الفارسي والروماني، وبأوسع من هذا فإنَّ الأخلاق العربية امتزجت بالأخلاق الفارسية، والأدب العربي لم يخلُ من تأثُّرٍ بالأدب الفارسي ؛ فإنَّ العربي قبل هذا الامتزاج لم يكن له خيال الفارسي الواسع ولا مدنيته الراقية، فإنَّ جلَّ ما توصَّل إليه البدوي بخياله: الناقة والبعير والكور والصحراء، وأين من عقليَّته رمَّان النهود وتفاح الخدود؟!
(والحق أنَّ مرافق الحياة الاجتماعية والسياسية تأثَّرت بهذا الامتزاج) إجمالاً ولا نكران، ولئن أصاب في ذلك فلقد أخطأ كثيراً بقوله: (حتى العقيدة الإسلامية لم تخلُ من تأثُّر بهذا الامتزاج)(ص ١١٢)، فإنَّه قول له مكانته من الغرابة والشذوذ في الرأي! ومع ذلك نحب أن نسأل صاحب الكتاب: ما هي هذه المؤثِّرات التي تأثَّرت بها العقيدة الإسلامية؟ وما مقدار هذا التأثُّر؟ ويجيبنا الأُستاذ عن السؤال الأول - بدون مواربة - فيقول: (كان من أثر ذلك طبيعياً أن تدخل تعاليم في الإسلام جديدة)(ص ١١٧) ،ولكنَّ من الغريب أنَّه أغفل أمراً مهمَّاً وتركه مهملا، كان - بمقتضى أمانة البحث - جديراً بالذكر، وهو: أنْ يأتينا بمثال صالح لتلك التعاليم التي دخلت في الإسلام ؛ ولعل الصفحات التاريخية لم تسمح له بذلك، ولم يسعه آنئذ أن يتذرَّع إلى الاختلاق.
وأول ما يلفت النظر التعليل الذي جاء به، ولقد همَّ بأن يصبغ هذا الاستنتاج بصبغة علمية لها مقياسها العلمي وجمالها الفني، فقال: (أتظن أنَّ الفارسي أو السوري النصراني أو الروماني أو
القبطي إذا دخل في الإسلام، انمحت منه كل العقائد التي ورثها من آبائه وأجداده قروناً؟! وفهم الإسلام كما يريد الإسلام؟! كلّا، لا يمكن أن يكون ذلك، وعلم النفس يأباه كلَّ الإباء)(إلى آخر ص ١١٢) فمَن يا تُرى يقرأ هذا التعليل ولا يظن نفسه أمام بحث علمي له قوَّته ومتانته؟! وكأنَّه يرى أنَّ لازم ذلك ؛ أي عدم محو كل العقائد، أن يدخل في الإسلام عقائد جديدة وتعاليم لم تكن من قبل، ولم يحدِّد لنا بساطة الإسلام لتتبيَّن كل العقائد.
وما أشدَّ تعجُّب القارئ إذا قلنا: إنَّها حيلة جديدة صبغها صاحب الكتاب بصبغة علمية ؛ والغرض هدم الدين وطعن الصحابة أجمع وبدون استثناء.
لنفرض - والفرض ليس بمحال - أنَّا نجهل علم النفس كلَّ الجهل، لكن لا نسمح لعلم النفس أو لعلماء علم النفس أن يلعبوا بعقولنا فنقبل منهم الفرق بين الفارسي والنصراني والروماني و وبين العربي، فالعربي يفهم الإسلام كما يريد الإسلام خالصاً من شوائب الجاهلية من أول يوم يعتنق فيه
الإسلام، والفارسي والنصراني و... لا يفهمونه إلاّ مشوباً بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة) اللَّهُم إنَّا لا نستسلم لهذه المهزلة، ولا عقليَّتنا ولا عقلية علماء النفس تتحمَّل هذا المقدار من العبث والتحكُّم.
الحق إنَّ الإسلام دين جديد - بالنظر لسائر الأديان الشائعة في ذلك العصر - في مبادئه وتعاليمه وأخلاقه، وفي الحق أيضاً أنَّ الأُمم التي دخلت فيه - قبل الفتح أو بعده - سواءٌ في فهمه، فعلم النفس لا يسمح للعربي أن يتفهَّم الإسلام أكثر ممَّا يسمح للفارسي والنصراني السوري والقبطي، وعلم النفس لا يفرِّق بين العربي وبين الفارسي والرومي والنصراني السوري والقبطي ؛ فإنْ لم تمحَ من مخيَّلة الفارسي المانوي أو الزرادشتي أو النصراني الرومي (كل العقائد التي ورثها من آبائه وأجداده)، فكذلك يجب أن لا تُمحى تلك العقائد التي ورثها العربي من آبائه وأجداده.وإنْ كان للفارسي صورة إله غير صورة الإله عند النصراني إلى ما هنالك من صور آلهة، فللعربي صورة إله لا تبرح مخيَّلته، وكيف تبارح مخيَّلته سريعاً وعلم النفس يأباه كلَّ الإباء؟! بل صورة الإله عند العربي كانت أوسع من صورة الإله عند الفارسي ؛ ذلك أنَّه كان يعبد ما تميل إليه نفسه وتصوِّره له مخيِّلته، فيوماً شاة، ويوماً صخرة، ويوماً صنماً.قال عمران بن حمران: (ولم أرَ أُناساً أضلَّ من العرب ؛ كانوا يجيئون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيذهب بها، فيأخذون أُخرى مكانها فيعبدونها، وإذا رأوا صخرة جاؤوا بها، فإذا
رأوا أحسن من تلك، رموها وجاؤوا بتلك يعبدونها)(١) .
الآن وصلنا إلى نقطة خطرة في البحث قد يحسن فيها الإجمال، ولكن أُحبُّ أن أكون صريحاً مهما كلَّفتني الصراحة من المسؤولية، وأُحبُّ أن أسأل :إذا كان علم النفس يأبى محو تلك الصورة فهل نستطيع أن نعلم أحوال الصحابة من المهاجرين والأنصار؟ وإلى أيِّ درجة وصل الإسلام إلى قلوبهم؟ وإن نحن تغاضينا عن ذلك وأهملنا هذه المسألة ،أفتظن أنَّ المبشِّرين الذين جاسوا خلال الديار وانتشروا في سائر الأقطار يهملونها؟ ولا يجادلون في ذلك جدالاُ عنيفاً وعلم النفس يخوِّلهم أن يلقوا السؤال نفسه، والظروف تسمح لهم بأكثر من ذلك؟ وغير بعيد أن نفوسهم تمنِّيهم بالسؤال عن الخلفاء الراشدين الذين عفَّروا جباههم أمام الأصنام؟ ولا نشك أنَّه أول ما ينقدح في ذهن المبشِّر أنَّ الخليفة حينما كان يقف إماماً للصلاة كان يتصوَّر أنَّه يقف بين يدي إله شبيه بذلك الإله الذي كان منصوباً على ظهر الكعبة، وكذلك تلك الصفوف التي كانت تأتُّم به ؛ لأنَّه بهذا المقدار يسمح لهم دين قديم نشأ فيه ناشئهم وشبَّ عليه).
ولستُ أعلم غلطاً أفحش من هذا، ولا نتائج أقبح من هذه النتائج.ولطالما تعثَّر الكتَّاب في آرائهم ونتائجهم، ولكن لم يبلغ بهم التعثُّر إلى هذا الحد من الخطأ والخطل.
على أنَّ صاحب الكتاب لم يسلم من العثار في فلسفته الجديدة، وقد بلغ به العثار إلى حدِّ التناقض القبيح ؛ فلقد عرفنا أنَّه ليس للفارسي وغيره أن يفهم دين الإسلام كما يفهمه العربي، بيد أنَّه لو تأمَّلنا يسيراً في قوله: (وبعد، فإلى أيِّ حدٍّ تأثَّر العرب بالإسلام؟ وهل انمحت تعاليم الجاهلية ونزعات الجاهلية بمجرد دخولهم في الإسلام؟ الحق أنَّه ليس كذلك، وتاريخ الأديان والآراء يأبى ذلك كل الإباء)(ص ٩٤) لرأيناه يقرِّر التناقض ؛ ذلك أنَّه زعم أولاً أنَّ العربي صفت نفسه ففهم الإسلام كما يريد الإسلام، وهنا تراه يغيِّر ذلك المحور، فيرى أنَّ الجاهلية حالت دون فهم العرب الإسلام كما يريد الإسلام، بل استمرت الجاهلية تنازع الإسلام إلى أمد بعيد، وكانت النزعات الجاهلية من حين إلى آخر تحارب النزعات الإسلامية، ولم تكن الحرب سجالاً في سائر الأوقات، بل ربَّما كانت تستظهر الجاهلية على الإسلام حسبما يقصُّه علينا من الأمثلة، فراجع.
وإذا راعك منه هذا التناقض الغريب، فلا شك أنَّك تعجب أشدَّ العجب حينما تراه قد
____________________
(١) الاستيعاب، ج ٣، ص ٣٩٦، باب: عمران.
استثنى من هذه الكلية السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يقول: (بل خير مَن تأثَّر به هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، أولئك وصل الدين إلى أعماق نفوسهم وأخلصوا له)(ص ٩٨).
سهل على صاحب الكتاب إلقاء الكلام مرسلاً، وسهل عليه أن يتخبَّط في بحثه كمَن يمشي والقيد في رجليه، وسهل عليه أن يجعل عقله وراء لسانه ووراء قلمه.
وأول ما يجب عليَّ أن أقرَّ بالعجز، فلا أفهم أنَّ تاريخ الأديان والآراء كيف لم يأبَ ذلك في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ وكيف علم النفس سمح لهم بذلك؟ فهل صفت نفوسهم فكانت كزجاجة المصوِّر، فأول ما صدع النبي العربي بالحق ارتسمت تعاليمُ الإسلام على صفحات قلوبهم(المتشبِّعة بتعاليم الجاهلية) وفهموها كما يريد الإسلام؟ أو أنَّهم لم يكونوا قبل الإسلام بذوي دين ولم يسجدوا لأصنام، فجاءهم الإسلام وقلوبهم
خالية، ففهموا الإسلام كما يريد الإسلام؟ كل ذلك لم يوضحه صاحب الكتاب وتركه هملا.
ولو أردنا أن نَلُمَّ بهذا الموضوع تماماً، فلربَّما جرَّنا البحث إلى ما لا تحمد عقباه، إذن نتركه هملاً.ولا يمنعنا أن نقول إجمالاً: أنَّ تاريخ سقيفة بني ساعدة يملي علينا درساً كاملاً، يوضح لنا به نفسية المهاجرين والأنصار وأنَّه لم تصف نفوسهم إلى حد وصل الدين إلى أعماق قلوبهم( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) .وليقف الباحث وقفة بسيطة عند قوله تعالى:( وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ليعلم أنَّ الدين لم يصل إلى أعماق قلوبهم.وهيهات أن يكون كذلك والتاريخ يحدِّثنا عن نهضة الجنِّ ونصرتهم للمسلمين في تلك الحروب الضروس وقتلهم سعداً!!!
والصحاح تحدِّثنا عن قول عمررضياللهعنه : (إنَّ النبي يهجر) ؛ ذلك حينما قال النبيصلىاللهعليهوآله لمَّا اشتد به الوجع: (ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً)(١) فكل ذلك يشرّف الباحث
____________________
(١) لا أراني مضطرّاً إلى نقل طُرق الحديث ؛ فقد أخرجه المحدِّثون كافَّة بطرق مجمع على صحتها، وذكره صاحب الكتاب ص ٣٥٠.ولقد تصرَّف المحدِّثون فيه ؛ فنقلوه بالمعنى، واللفظ الثابت عن عمررضياللهعنه : إنَّ النبي يهجر.ودفعاً للاستهجان نقلوه بالمعنى، فقالوا: إنَّ النبي قد غلب عليه الوجع.وقد لمَّح لذلك ابن أبي الحديد في شرح النهج ( ج ٣، ص ٣٠) قال: لمَّا حضرت رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطَّاب، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( ائتوني بدواة وصحيفة أكتب كتابا لن تضلوا بعده أبدا )، قال: فقال عمر كلمة معناها أنَّ الوجع قد غلب
على القطع بأنَّ الدين لم يصل إلى أعماق قلوبهم، ولم يفهموا الإسلام كما يريد الإسلام.قال أبو جعفر نقيب البصرة: (إنَّ الإسلام ماحلا عندهم، ولا ثبت في قلوبهم إلاّ بعد موته (يعني النبيصلىاللهعليهوآله حين فُتحت عليهم الفتوح وجاءتهم الغنائم والأموال، وكثرت عليهم المكاسب، وذاقوا طعم الحياة، وعرفوا لذَّة الدنيا، ولبسوا الناعم، فاستدلُّوا بما فتح الله عليهم وأتاحه لهم على صحة الدعوى وصدق الرسالة.وكانصلىاللهعليهوآله وعدهم بأن سيفتح عليهم كنوز كسرى وقيصر، فلمَّا وجدوا الأمر قد وقع بموجب ما قاله، عظَّموه وبجَّلوه وانقلبت تلك الشكوك وذلك النفاق وذلك الاستهزاء إيماناً ويقيناً وإخلاصاً، وتمسَّكوا بالدين ؛ لأنَّه زادهم طريقاً إلى نيل الدنيا).
وما مقدار هذا التأثُّر ؟ سؤال لم يجب عنه صاحب الكتاب غير أنَّه يصح منَّا أن نقول: لم يتركه هملاً ؛ فإنَّ الجواب يستفاد من عدة مواضع من الباب الثالث وما بعده، ويصح أن نلخِّصه بالجمل التالية: (ونزعات دينية جديدة ظهر أثرها فيما بعد، وأظهرها في الإسلام التشيُّع والصوفية) هذا هو الجواب
فيما نرى.ولعل صاحب الكتاب يرى أنَّ التشيُّع ظهر في الإسلام متأخِّراً، ولعله يرى أنَّ الذي أظهره النزاع بين الهاشميين والأُمويين، أو لعلّه يذهب مذهب المخرِّفة الإفرنسية الباحثة عن الفردوس القائلة: (إنَّ التشيُّع ظهر في فارس منذ التجأت إلى الفرس فاطمة أرملة علي)!! والذي نعتمده أنَّه يرى أنَّ النزعات تكوَّنت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله وأنَّ سببها مسألة الخلافة التي اشتد فيها الخلاف بين المسلمين.
وعلى كل حال، يظهر لنا بوضوح من مجموع كلامه أنَّ نزعة التشيُّع كانت نقمة على الإسلام، وأنَّها ظهرت في فارس، وفيها نمت بذرتها وأورق غصنها.فكأنَّه يزعم أنَّه يستحيل على العربي الذي فهم دين الإسلام أن يفهم التشيُّع.فهو ينقم على الفرس لأنَّهم فرس ؛ أي ليسوا عرباً! وهذا غير قابل للتعليل، وغير قابل للزوال ؛ لأنَّ الفارسي يستحيل أن يكون عربياً.وينقم عليهم لأنَّهم شيعة ؛ أي لأنَّهم يحبُّون عليَّاًعليهالسلام وأولاده، إذ ليس التشيُّع أمراً وراء ذلك.
وأمَّا أنَّ التشيُّع لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الإسلام، ولكن بمعنى ساذج (كما ذكره ص٣٣١) فإنَّا نرجئ الكلام فيه وفي زمان تكوُّن الشيعة إلى الفصل الذي عقده للكلام على
____________________
على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ) الحديث.وهو صريح بما ذكرناه ،على أن المحدِّثين حيث يذكرون القصة ولا يذكرون عمر، فإنَّهم يذكرون لفظة: (إنَّ النبيَّ يهجر)، فراجع: البخاري، ج ٢، ص ١١٨، ومسند أحمد، ج ١، ص ٢٢٢، ومسلم في آخر كتاب الوصية من صحيحه، تجد تلك الوصية.
الشيعة ومذاهبهم، ولكن يصح أن نقول إجمالاً: إنَّ آراء الأُستاذ لا تخرج عن أنَّها تكهُّنات لا مبرِّر لها في التاريخ، ولا شاهد لها سوى العاطفة والجهل بتاريخ مبدأ التشيُّع ؛ فإنَّ التشيُّع لعليعليهالسلام بدأ من يوم غدير خم، ذلك اليوم الذي حضره تسعون ألفاً من المسلمين أو يزيدون، وابن الجوزي في تذكرته ذكر أنَّه ١٢٠ ألفا.
يبقى نقطة واحدة في كلام صاحب الكتاب حاول غير مرة أن يجعلها حقيقة ذات قيمة تاريخية، هي: أنَّ نزعة التشيُّع دخلت مقارنة للفتح في بلاد فارس، وهذه مهزلة من التاريخ يمليها الأُستاذ على العالم وفي الجامعة المصرية، يحسب أنَّها ذات قيمة في سوق الحقائق، وليس هي إلاّ هفوات تاريخية قيمتها تحت الصفر.
يعلم كل من ألمَّ بالتاريخ أنَّ التشيُّع ظهر في بلاد فارس في آخر الدولة الأُموية، ولم يكن له ذلك الانتشار الذي يتذمَّر منه الأُستاذ ومَن لفَّ لفَّه، بل كان المتديِّنون به قليلين جداً، وإنَّما الذي كان رائجاً في أسواق فارس، التسَنُّن لا غير، ويصح أن نقول :إنَّ التسَنُّن حلَّ محل المجوسية في بلاد فارس، وكانت الكثرة المطلقة في بلاد فارس مشبَّعة بالنصب والمغالاة في بغض عليعليهالسلام ، وهذا لا يخفى على مَن رجع الى تاريخ إيران بعد الفتح.قال في روضات الجنَّات نقلاً عن بعض أعلام عصره: إنَّ أهل أصفهان استمهلوا ولاة عمر بن عبد العزيز بجعلٍ كثير حتى يُتِمَّ أربعينهم في سبِّ أمير المؤمنينعليهالسلام بعدما أُخبروا برفع ذلك.
أُمثولة من صفحات التاريخ السوداء التي رسمتها يد العصبية الأثيمة يوقِّع على نغماتها اليوم، في عصر تمحيص الحقائق عصر النور، أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ؛ فيرتاح لقول الطبري بأنَّ ابن السوداء أفسد أبا ذر على معاوية، وينشرح صدره حيث وقف على وجه الشبه بين رأي أبي ذر ومزدك من الناحية المالية فقط (ص ١٣١).
كنَّا نظنُّ أنَّ العصبية تصرَّمت أيَّامها وتقلَّصت روحها الخبيثة، بيد أنَّا نرى أنفسنا في معترك جديد وثورة براكين من العصبية تتقاذف منها قنابل جديدة (من عيار خمسين)، ولقد كانت العصبية في القرون الخالية تقف عند حد ربَّما لا تتجاوزه إلاّ نادراً، ولكن سِفر حياتنا المضطرب يحمل لنا على صفحاته أشكالاً من الهياكل المجسَّمة يصح لنا أن نسمِّيها العصبية، بيدها اليمنى سيف التبشير مسلولاً وباليسرى المعول لهدم الدين من أساسه، وتتجلَّى هذه الروح
في كتاب الأدب الجاهلي ؛ حيث يرى مرة أن الإسلام تأثَّر باليهودية وثانياً بالنصرانية وثالثاً أنَّ القرآن تأثَّر بشعر أميَّة بن الصلت، ولو فتحنا كتاب فجر الإسلام لرأينا تلك الروح لها تلك النغمة من بعض الجهات ؛ فإنَّه يحدِّثنا أنَّ أبا ذر الغفاريرضياللهعنه - ذلك العالم الكبير الصحابي - تأثَّرت عقليَّته بالمذهب المزدكي من الناحية المالية فقط، ولم يقتنع أبو ذر بذلك التأثر الروحي واعتناق هذا المذهب الجديد فحسب، بل حملته نفسه (بزعم الأستاذ أحمد أمين) على جعله مذهبا لمسلمي الشام حين إذ ذاك، فرفع عقيرته قائلاً: (يا معشر الأغنياء، وأسوا الفقراء) ويتلو:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ ِلأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) .
هذه هي الشريعة الجديدة التي سيطرت على عقلية أبي ذر وقادته إلى حمل الناس عيها ولم يستطع العيش بدونها، هذه مزعمة هذا الفيلسوف الجديد الذي أخذ على عاتقه مسؤولية البحث في الحياة العقلية في صدر الإسلام، فخبط في مواضع من كتابه وخلط، وقد وقفت على شيء منها وستقف في غضون الفصول الآتية على الكثير.
وما أغرب الدهشة التي تستولي علينا عندما نقوم بتحليل هذه العبارات التي أضاع الأستاذ الوقت في رقمها، ولو استعملنا الصراحة في التعبير لقادنا ذلك إلى القول بأنَّ الأستاذ يرى أنَّ الإسلام تأثَّر بمذهب مزدك لا أنَّ أبا ذر المتأثِّر.. ولا نقول ذلك على سبيل التكهُّن أو الظن في الاستنتاج، فإنَّ تلاوة أبي ذر للآية الكريمة لأكبر دليل على ذلك ؛ وبتعبير أصح: إنَّ وجود آية في الكتاب العزيز تؤيِّد نظرية أبي ذر الجديدة كافٍ في الدلالة على أنَّ القرآن الشريف تأثَّر بمذهب مزدك، وأنَّ أبا ذر تأثَّرت نفسيته بالقرآن لا غير...
ومهما اطمأنت نفوسنا إلى الشك واتخذناه مذهباً في البحث، فلا أراني شاكاً في هذه النتيجة، وأفسح مجالاً للقارئ المتكهرب قلبه بأسلاك الشكوك فلينظر إلى هذه النتيجة فهل يمكن التخلُّص منها؟ وكيف يمكن الفرار عنها؟ عبثاً يحاول المحاولون غير هذا ؛ فإنَّهم إنْ أطلُّوا على الماضي ووضعوا نفسية أبي ذر الشريفة في بوتقة التحليل، فلا يخالجهم شك بأنَّها نفسية يستحيل عليها بأن تتأثَّر بغير القرآن الشريف وقول الرسولصلىاللهعليهوآله ، ولا تدين بغير الحقائق التي لا يدخلها أي شك. هذا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يملي علينا شيئاً من نفسية هذا الصحابي الكبير فيقول - كما في رواية أبي عثمان سعيد بن نصر بسنده عن أبي الدرداء: (ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة
من أبي ذر)(١) .
ويقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أبو ذر في أمتي شبيه عيسى بن مريم في زهده)، وفي رواية بعضهم: (مَن سرَّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر) وأمير المؤمنين عليعليهالسلام يكشف لنا الستار عن حياته العلمية فيقول حينما سئل عنه: (ذلك رجل وعى علماً عجز عنه الناس، ثم وكأ عليه ولم يُخرج منه شيئاً)(٢) .
هذه نفسية أبي ذررضياللهعنه تنكشف أمامنا طيبة طاهرة زكية لا تعدو الحق الصراح وتشبه أن تكون نفس ملك مقرَّب.إذاً كيف انقادت لرأي مزدك؟ أيُّ مالٍ هذا الذي كان به أبو ذر مزدكياً اشتراكياً؟ وهل في سائر الأحوال كان كذلك؟
نستعرض صفحات التاريخ لنسمع حديثها، وها هي تلك الصفحات التي يسميها الناس تاريخاً ويعتمدون عليها تحدِّثنا - والحديث ذو شجون - أنَّه كان في سائر الأحوال اشتراكياً، يقول ابن الأثير والطبري - واللفظ للأول - : (وكان أبو ذر يذهب إلى أنَّ المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته، أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعدَّه لكريم... يقول: فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء وشكا الأغنياء ما يلقون منه(٣) وهذا اليسير من الكلام يملي علينا درساً كاملاً من حياة الصحابي الاشتراكية المزدكية، فكانت حياة كاملة في الاشتراكية.
ويظهر أنَّ أداة السياسة الطائفية أعملت صناعة في هذا التاريخ لا تكاد تخفى(٤) ، ولو أنعمنا
____________________
(١) هذه رواية الاستيعاب في باب جندب، وفي ابن أبي الحديد، ج ١، ص ٢٤١ عن أمير المؤمنينعليهالسلام : (ما أظلَّت الخضراء وأقلَّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)، ورواه ورقاء وغيره مسنداً إلى أبي هريرة فراجع: الاستيعاب، ج ١، ص ٤٨ وفيه روى الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن ابن غنم قال: كنت عند أبي الدرداء إذ دخل عليه رجل من أهل المدينة، فسأله فقال: أين تركتَ أبا ذر؟ قال: بالربذة، فقال أبو الدرداء: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لو أنَّ أبا ذر قطع مني عضواً ما هجته ؛ لِمَا سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول فيه.مشيراً إلى الحديث، فتأمل.
(٢) قال في الاستيعاب في باب جندب: وكان من أوعية العلم المبرَّزين في الزهد والورع والقول بالحق، ثم ذكر الحديث.
(٣) ابن الأثير، ج ٣، ص ٤٢.
(٤) هذه الصناعة يعلمها كل مَن راجع التاريخ ؛ فابن الأثير يقول: (وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة ؛ من سبِّ معاوية إيَّاه وتهديده بالقتل، وحمله من المدينة إلى الشام بغير وطاء، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع لا يصح النقل به، ولو صحَّ لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان ؛ فإنَّ للإمام أن يؤدِّب رعيَّته) ج ٣، ص ٤٢، ومثله غيره.من هنا نستطيع أن نعرف تلك اليد الأثيمة التي كانت تعبث بالحقائق وتعلم قيمة هذا التاريخ الكاذب.
النظر مليَّاً، لعلمنا حق العلم بأنَّ هذه الأسطورة التاريخية ما هي إلاّ تشويه لحياة هذا الصحابي الجليل الزاهد الورع الذي لم يخالط قوله غير الحق، والذي أطبق أهل القبلة على علو منزلته وسامي مقامه وقبول روايته، فشوهةً وبوهةً لهذا التاريخ أو المخاتلة والمراوغة في إظهار الحقائق، وبُعداً لهذه العصبية التي تتجلَّى بين سطور التاريخ وفي منعرجات حروفه، وكم للمؤرِّخين من أمثال هذه المراوغة!؟
كل أحد يعلم أنَّ أبا ذررضياللهعنه لم يكن سريع الانفعال والتأثُّر، ولا خاضعاً للعوامل السيئة التي تحدث غالباً من اختلاف المجتمع والتشاغب الحاصل من سوء التصرف في مجريات الأحوال.كل ذلك لم تنطبع عليه نفسية أبي ذر، فإنَّها كانت مطمئنة هادئة... ونحن نعلم أنَّ لأبي ذر ثورتين جاهر فيهما بمبدئه السامي الذي جعله نموذج حياته الشريفة منذ اطمأنت نفسه بالإسلام: إحداها بالمدينة أعقبها نفيه للشام، والثانية في الشام أعقبها إرجاعه على أخشن مركب للمدينة ونفيه للربذة.ولم يحدِّثنا أحد عن ثورة له من ذي قبل ؛ أي على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، ومهما تخرَّصنا في نفسية أبي ذررضياللهعنه وجعلنا مجالاً للشك، فلا أخال أنَّ المنصفين يفسحون لنا المجال للقول بأنَّ هذا الصحابي الجليل كان ينقاد في أعماله وثوراته لهوى النفس، أو أنّ الشيطان استزله فثار تلك الثورة التي سلبته الراحة والاستقرار حتى النفس الأخير من حياته الذي لفظه بالربذة... ولابد أن نعلم السبب الذي بعث أبا ذر وحرَّك عاطفته للثورة في ذلك الزمن العصيب وما هو؟
يستحيل علينا إذا أردنا حلَّ هذه المعضلة التاريخية أن نتمكَّن من ذلك ما دمنا نستعمل المغالطة وكتم الحقائق.إذاً لابد لنا ونحن نريد حلها من المصارحة في القول ليتضح لنا أنَّ أبا ذر لم يكن مزدكياً، ولم يأخذ هذه التعاليم عن ابن السوداء عبد الله بن سبا، وإنَّما هي تعاليم منقذ العالم من الجهالة والضلالة النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويستحيل أيضاً علينا حلَّها وأخذ نتيجة ما، ما لم نحدِّد الحياة بشروط تلتئم مع روح الإسلام في بدئه ومع بيئة الحجاز القاحل، وبتعبير أصح من هذا: هناك عقبة كؤود تقف سدَّاً حائلاً دون أن تأخذ شكلاً من النتيجة الصالحة، إذا لم نضرب مثلاً يكون هو النموذج لحياة عاهل المسلمين في ذلك العصر، ولا أراني أتخطى حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنَّها المثل الأعلى، ولا أراك كيفما أدرت نظرك نحو تلك الحياة الشريفة إلاّ أنَّك تقف على حياة هادئة مطمئنة بسيطة خالية عن كل مظهر من
المظاهر ؛ فنراهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعدل بين الرعية ويقسِّم بالسوية، لا تذهب به العاطفة إلى حيث زلة القدم، فلا يرى لقرابةٍ حقاً ما لم يكن أمر من الله عزَّ وجل، وهناك مظهر آخر ما أدقه لو تأمله خصماء أبي ذررضياللهعنه ، ذلك أنَّه طالما يطوي اليوم واليومين جوعاً، بلوالثلاثة، وهذه سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تحدِّثنا أنَّه كان يشدُّ حجر المجاعة على بطنه الشريف، ونعيد الكرة فنقول: لا حرج إنْ قلنا إنَّه يلزم على راعي المسلمين أن يسلك هذه الطريق الواضحة، وكتب السِّير تحدِّثنا عن نحو من التشابه بين حياة أبي بكر وعمر وحياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن هلمَّ أيُّها القارئ لنسمع الحديث عن سيرة عثمان ونتفهَّمها جيداً لنرى هل تتَّفق مع سيرة مَن تقدَّمه؟ أو هل لها شبه ما بسيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ونحرص كل الحرص على أن نعتمد على المصادر التي يؤمن بها أحمد أمين ومَن يضرب على وتيرته.
يحدِّثنا ابن أبي الحديد(١) أنَّه عندما انقضى أمر الشورى واستقر الأمر لعثمان وبايعه الناس أوطأ بني أُميَّة رقاب الناس(٢) وأقطعهم الإقطاعات ؛ فوهب مروان بن الحكم خُمس غنائم أفريقيا، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الحنبل جنيد الجمحي:
أحلف بالله ربِّ الأنام |
ما ترك الله شيئاً سدى |
|
ولكن خلقت لنا فتنة |
لكي نبتلي بك أو نبتلى |
|
فإنَّ الأمينين قد بيَّنا |
منار الطريق عليه الهدى |
|
فما أخذا درهماً غيلة |
ولا جعلا درهماً في هوى |
|
وأعطيتَ مروان خمس البلاد |
فهيهات سعيك ممَّن سعى |
____________________
(١) شرح النهج، ج ١، ص ٦٦ و ٦٧.
(٢) وبذلك صدق عمر في تكهُّنه فيه ؛ قال ابن عباس - كما في شرح ابن أبي الحديد، مجلَّد ٣، ص ١٠٦ - : كنت عند عمر فتنفس نفساً ظننت أنَّ أضلاعه قد انفرجت، فقلت: ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلاّ هم شديد؟ قال: إي والله يابن عباس، إنِّي فكَّرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي.ثم قال: لعلك ترى صاحبك لها أهلا؟ قلت له: وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه ؟! قال: صدقت، ولكنَّه امرؤ فيه دعابة، قلت: فأين أنت من طلحة ؟ قال: هوذو البأو بإصبعه المقطوعة.قلت: فعبد الرحمن ؟ قال: رجل ضعيف، لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته.قلت: فالزبير؟ قال شكس لقس، ويلاطم في البقيع في صاع من بُر.قلت: فسعد بن أبي وقَّاص ؟ صاحب مقنب وسلاح، قلت: فعثمان؟ قال : أُوَّه أُوَّه، مراراً.ثم قال: والله لئن وليها ليحملنَّ بني أبى معيط على رقاب الناس، ثم لتنهضنَّ إليه العرب فتقتله) أقول: وكأنَّها حاجة في نفس عمررضياللهعنه أن جعلها شورى في ستة وحرص على أن تكون في الصفة التي فيها عبد الرحمن بن عوف فقضاها.
وأقطعه فدكاً، وما أدراك ما فدك؟! ذلك الذي مُنعت عنه وديعة محمد في أمته فاطمة الزهراء سيد نساء العالمين وبضعة سيد النبيين والمرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم لرواية رواها المانع، وأعطى عثمانُ عمَّه الحكم بن العاص، طريد رسول الله، مئة ألف درهم، وأعطى الحرث بن الحكم بن العاص ثلثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت مئة ألف درهم، وأعطى عبد الله بن أبي سرح ما أفاءه الله تعالى على المسلمين من فتح أفريقيا، وأعطى أبا سفيان بن حرب مئتي ألف درهم، وقسَّم الأموال التي جاء بها أبو موسى من العراق على بني أميَّة(١) ، وأعطى عبد الله بن خالد بن أُسيد صلة كانت أربعمئة ألف، انتهى ملخَّصاً.وقال أبو الفداء: (وأعطى مروان خُمس أفريقية وهو خمسمئة ألف دينار، ربع مليون ليرة، وفي ذلك يقول عبد الرحمن الكندي (وذكر الأبيات) وأقطع مروان بن الحكم فدكاً ؛ وهي صدقة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي طلبتها فاطمة ميراثاً، فروى أبو بكر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث)، ولم تزل فدك في يد مروان إلى أن تولَّى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من أهله وردَّها صدقة) انتهى(٢) وابن جرير الطبري يحدِّثنا فيقول: (كان الذي صالحهم عليه عبد الله بن سعد ثلاثمئة قنطار ذهب، فأمر بها عثمان لآل الحكم.قلت: أو لمروان؟ قال: لا أدري)(٣) أقول: هنا نقف هنيهة ؛ إذ يستوقف نظرنا حادث غريب لا نعرف كيف يتفق مع هذا السخاء المفرط، ذلك أنَّ عثمان لمَّا أرسل عبد الله بن سعد، وكان أخاه من الرضاع، لغزو أفريقية قال له: إن فتح الله عليك أفريقية فلك ممَّا أفاء الله على المسلمين خُمس الخُمس، ويقول ابن جرير الطبري: وقسَّم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند وأخذ خُمس الخُمس، وبعث بأربعة أخماس إلى عثمان مع ابن وثيمة النظري، وضرب فسطاطاً في موضع القيروان وأوفد وفداً فشكوا عبد الله فيما أخذ، فقال لهم: إنَّا نفلته، وكذلك كان يصنع، وقد أمرت له بذلك وذاك إليكم الآن، فإن رضيتم فقد جاز، وإن سخطتم فهو رد، قالوا: فإنَّا نسخط، قال: فهو رد، وكتب إلى عبد الله بذلك(٤)
____________________
(١) إنَّا لنجهل حقيقة هذا التقسيم ويجهله كل أحد، ولعل عثمان لا يرى أحداً من الأنصار والمهاجرين مسلماً صحيح الإسلام إلاّ بني أبي معيط، إنَّ هذا لشيء عجاب.
(٢) ج ١، ص ١٨٧.
(٣) ج ٥، ص ٥٠.
(٤) عبد الله بن سعد هو عبد الله بن أبي سرح المذكور في كلام أبي الحديد كما عرفت، أسلم قبل الفتح وكان يكتب الوحي، ثم ارتد مشركاً وصار إلى قريش في مكة فقال لهم: إنِّي كنت أصرف محمداً حيث أريد، كان يملي علي َّعزيز حكيم، فأقول: حكيم عليم، فيقول: (نعم، صواب) ولمَّا كان يوم الفتح هدر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دمه وأمر بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة، ففرَّ إلى عثمان، فغيَّبه مدة، ثم أتى به إلى النبي وطلب أمانه، فسكت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طويلاً ثم قال: (نعم)، وبعد أن خرج عثمان وعبد الله قال رسول الله لمَن حوله: (ما صمتُّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه) انتهى ملخَّصاً عن الاستيعاب، ج ١، حرف العين، باب عبد الله.
فإنَّا كلَّما حاولنا تعليلاً صحيحاً لهذا الحادث الغريب في بابه، وكلَّما قلبنا الأمر ظهراً لبطن، لم يصل الفكر إلى حلٍّ صحيح يصح لنا أن نسميه
تعليلاً.إذن ،ونحن نريد الوصول إلى الحقيقة نرجعه إلى المدرِّس بكلية الآداب بالجامعة المصرية الأستاذ أحمد أمين.وينحصر السؤال بأمرين: لماذا توقَّف من إعطاء خُمس الخُمس - وقد نفله إيَّاه - وأناط الأمر بسخط الوفد وعدمه؟ لماذا لم يستشر المسلمين بإعطاء الخمس كله لمروان؟ ولا حرج علينا إن قلنا للأستاذ أنَّ كلمة (اجتهد) مرادفة لكلمة أخطأ أو اشتبه، على أنَّ الحادثتين من واد واحد وموضوعهما واحد وملاكهما واحد، فكيف يعقل اختلاف نظر المجتهد فيهما؟
وابن الأثير يحدِّثنا بحديث إن صح، وإن شاء الله لا يكون صحيحاً، يدلُّنا على الفوضى التي كانت تعمل في بيت المال في ذلك الوقت ؛ فإنَّها كانت تجرف ما في بيت المال إلى خزائن بني أميَّة، يقول: وحمل خمس أفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمئة ألف دينار، فوضعها عثمان
عنه، وكان هذا ممَّا أخذ عليه، وهذا أحسن ممَّا قيل في خمس أفريقية ؛ فإنَّ بعض الناس يقول: أعطى عثمان خمس أفريقية عبد الله بن سعد، وبعضهم يقول: أعطاه مروان بن الحكم.وظهر بهذا أنَّه أعطى عبد الله خمس الغزوة الأولى وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتح فيها جميع أفريقية(١) .
وتتجلَّى بوضوح هذه الفوضى الجارفة التي نشبت مخالبها في بيت المال، والتي لا تتَّفق مع عقلية أي عصر من العصور، إذا سمعنا المسعودي يقول في حديثه: (وكان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد، فسلك عماله وكثير من أهل عصره طريقته، وبنى داره في المدينة وشيَّدها بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر(٢) واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة... وذكر عبد الله بن عيينة أنَّ عثمان يوم قتل كان عند خازنه من المال خمسون ومئة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مئة ألف دينار، وخلف خيلاً كثيرة وإبلاً، وقد ذكر سعيد بن المسيَّب أنَّ زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما يكسَّر بالفؤوس(٣) غير ما خلف من الضياع بقيمة مئة
____________________
(١) ج ٣، ص ٣٥.
(٢) العرعر كمرمر، قال في القاموس: شجر السرو فارسية، الواحدة سروة، وقيل: الساسم وهو شجر أسود، وقيل: إنَّه الأبنوس، وقيل:
الشيزي، وقيل: شجر يعمل منه القسي.
(٣) الفؤس والأفؤس جمع فأس ؛ وهي آلة ذات هراوة قصيرة يقطع بها الخشب وغيره، مؤنَّثة، وقد يترك همزها يقال: فاس الخشبة؛ أي شقَّها بالفاس.
ألف دينار... ومات يعلى بن أميَّة وخلّف خمس مئة ألف دينار وديوناً على الناس وعقارات وغير ذلك ما قيمته مئة ألف دينار... إلى أن قال: وهذا باب يتَّسع ذكره ويكثر وصفه فيمن تملَّك من الأموال في أيَّامه، ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادَّته واضحة وطريقته بيِّنة، انتهى.
وكأنَّ المسعودي أراد المقايسة بين عمر وعثمان فقال: حج عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً، وقال لولده عبد الله: لقد أسرفنا في نفقاتنا في سفرنا، انتهى(١) .
ونحن نترك المقايسة بين حياة هذين الخليفتين للقارئ الكريم، وله نترك الحكم والتحليل الفني ليستطيع أن يعلم أنَّ أبا ذررضياللهعنه لم يكن مزدكياً ولا اشتراكياً وإن كان ولا بد أن تصفه بشيء من ذلك، فلابد أن تحمل هذه الألقاب على الخليفتين، بل وعلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ونعوذ بالله من ذلك.
شاهد أبو ذر بأمِّ عينه ما سمعناه بعد ألف وثلاثمئة ونيف وعشرين سنة، إذن يحق له أن يستغرب تلك الفوضى في بيت المال التي لم يكن رآها من قبل، ويصح - وأيم الله - أن تكون سبباً لتهيُّجه وثورته بالمدينة وأن يتلو قوله تعالى:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) الآية.
لا يشك أحد في أنَّ أبا ذر لمَّا رأى هذا العطاء بسخاء مفرط وسرف في مال المسلمين من غير مبالاة، رفع عقيرته يقول مرة:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) ، وثانية يقول: (وبشِّر الكافرين بعذاب أليم) ولم يكن في رأيه هذا منقاداً لمزدك وإنما للتعاليم الإسلامية التي كان عليها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من بعده، وقد تفهَّمناها فهماً حقيقياً من سيرة علي أمير المؤمنينعليهالسلام (٢) .
____________________
(١) مروج الذهب، ص ١٥٠ من هامش الجزء الخامس من تاريخ ابن الأثير.
(٢) فإنَّه كان يأتدم بإدام واحد بخل أو ملح، وكان يلبس الكرباس، ويجمع كل هذا أنَّه كان أخشن الناس مأكلاً وملبساً. قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد فقدِّم إليه جراب مختوم، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً، فقُدِّم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه؟ قال: (خفتُ هذين الولدين أن يليِّناه بسمن أو زيت) وكان ثوبه مرقوعاً بجلد تارة وبليف أخرى) وهو القائل - بأبي هو وأمي - في كتابه لعثمان بن حنيف: (ألا وإنَّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه) وقال فيه: (فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا... ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفَّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيُّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو باليمامة مَن لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع )إلى آخر الكتاب.أقول: هكذا يجب أن تكون حياة خليفة المسلمين.
وبأيسر نظرة في التاريخ يعلم الباحث أن أبا ذر لم ينفرد بالإنكار على عثمان، بل شاركه غيره من الصحابة في الاحتجاج على أعماله.يقول ابن أبي الحديد: (ولمَّا تكاثرت أحداثه وتكاثر طمع الناس فيه، كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلى مَن بالآفاق: إنَّكم إن كنتم تريدون الجهاد فهلمُّوا إلينا ؛ فإنَّ دين محمد قد أفسده خليفتكم فاخلعوه، فاختلفت عليه القلوب)(١) وفي الحق أنَّ أبا ذر لم يكن أشد إنكاراً على عثمان ولا أشد احتجاجاً من غيره من الصحابة، فإنَّ هناك مصادر كثيرة تبعث في النفس اليقين أنَّ لهجة الاحتجاج عليه من الصحابة شديدة جداً ؛ فهذا ابن الأثير وغيره يحدِّثنا عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) أنَّها كانت تقول: (اقتلوا نعثلاً فقد كفر) وفي ذلك يقول ابن أم كلاب
وأنتِ أمرتِ بقتل الإمام |
وقلتِ لنا: إنَّه قد كفر(٢) |
ويقول العلّامة المعتزلي ابن أبي الحديد: (فجاء زيد بن أرقم - وكان صاحب بيت المال - بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى، فقال: أتبكي لأني وصلت رحمي، قال: لا، ولكن أبكي لأنِّي أظنَّك أنَّك أخذت هذا المال عوضاً عمَّا كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو أعطيت مروان مئة درهم لكان كثيراً، فقال: القِ المفاتيح يا ابن أرقم ؛ فإنَّا سنجد غيرك(٣) .
ولا أحب أن أكثر عليك سرد الاحتجاجات من سائر الصحابة وحسبنا شاهداً تلك القيامة التي قامت وهاتيك الضوضاء التي علت فأدت إلى قتل خليفة المسلمين بمرأىً ومسمع من الصحابة أجمع، ومهما ضعفت مداركنا وأردنا أن نخدع أنفسنا بتلك السطور التاريخية فلا يسعنا أن نقف أمام تلك الحوادث جامدين لا نعلم ماذا نقول ؛ فإنَّه من المستحيل أن نؤمن بأن تلك الحملة العنيفة على خليفة المسلمين كانت عن عبث أو ضلَّ المسلمون والصحابة وأضاعوا رشدهم ونبذوا الدين ظهريا فلا يرون لخليفتهم حرمة، فيهاجمونه لا عن سبب، وعلى أيِّ محمل من المحامل الصحيحة نحمل كلام عائشة أم المؤمنين وهي ممَّن يحتج بكلامها(٤) .
____________________
(١) شرح النهج، ج ١، ص ١٦٥.
(٢) ابن الأثير، ج ٣، ص ٨٠، والطبري، ج ٥، ص ١٧٤.
(٣) شرح النهج، ج ١، ص ٦٧.
(٤) لعلك تقول: إنَّ أم المؤمنين رجعت عن قولها (اقتلوا نعثلاً فقد كفر)، وقالت لابن أم كلاب: (ويلك، قولي الأخير خير من قولي الأول) ذكر ذلك الطبري وغيره، ولكن أقول: إنَّ هذا الكلام منها لا قيمة له ولا وزن بعد أن عرفنا مغزاه والمقصد الذي ترمي إليه، وتستوضح ذلك المقصد من قولها (رضي الله عنها) له: (والله، ليت أن هذه انطبقت على هذه إنْ تمَّ الأمر لصاحبك) فإنَّ هذا الكلام يوضح لنا نفسية أم المؤمنين ؛ ويبيِّن لنا أنَّها لم تأسف على قتل عثمان وإنَّما تألَّمت لأنَّ علياًعليهالسلام ولي الأمر، ونحن صعب علينا كشف هذا السر الغامض وإن أحب ذلك دعاة التفرقة وأنصار الحرية والتجدُّد.
وأمَّا لو عمدنا إلى شرح الأسباب التي حرَّكت عواطف أبي ذر فثار في الشام منتصراً للحق الذي اتخذه مبدأ منذ دخل في الإسلام لطال بنا الكلام، ولكن نقول إجمالاً أنَّ معاوية مثَّل دوراً كاملاً في الفظاعة والخلاعة والتهتُّك، وناهيك أنَّ الأموال كانت تصرف على إماتة السنن وإحياء الباطل ،كانت تصرف على الخمور والفجور وبناء القصور وهتك الحرمات وارتكاب المحرمات، وأنَّ أبا ذر نفسه يقول في حديثه: (والله، حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله وسنة نبيه، وإنَّي لأرى حقَّاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذَّباً، وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه)(١) ، ولا أريد أن أحدِّثك بكل تلك الفظائع التي يندى منها جبين الإنسانية، ولا بكل بوائقه التي تسيخ منها الأرض، ولا أحدِّثك ببعضها ؛ فدونك السير والتواريخ تجد صحائفه سوداء من بوائق معاوية وقبائحه ومخازيه.
إلى هنا يكفينا هذا المقدار فلا نطيل الحديث... ومن هنا تقدر أن تعلم قيمة تلك الفلسفة التي جاء بها أحمد أمين، وغير مغالين إن قلنا: إنَّها لا وزن لها ولا قيمة في سوق الحقائق.
نحن نرى أحمد أمين نفسه (في صفحة ٩٧) يقول: وقد عجزوا (يعني أهل الردة) عن أن ينظروا إلى أنَّ الزكاة كجزء من المال يؤخذ للصرف في الصالح العام، وهو ما يرمي إليه الإسلام، فما باله تعامى عن تلك الأموال التي كانت تجرفها السياسة إلى خزائن بني أميَّة فلم يدلنا في أي صالح من المصالح العامة أنفقت؟ والى أيِّ مسلم عابد أو مربية أيتام أعطيت؟؟ وكأنَّ العصبية أخذت بخناقه دون أن يجاهر بشيء من الحقائق، فلم يرَ ملجأ يأوي إليه إلاّ التحامل على أبي ذر فرماه بالمزدكية (ففي سبيل حرية البحث يحتسب أبو ذر هذه الوصمة).أجل، ونفسح المجال للمعترض بأن يقول: أيُّ دخل لهذه الأموال التي كان ينفقها عثمان بثورة أبي ذر ؛ ذلك أنَّ كلام أبي ذر (كما دلَّتنا عليه سيرته) كان موجَّهاً للأغنياء، حيث كان يمشي بالأسواق حتى شكا منه الأغنياء إلى غير ذلك؟ قلنا: هذا اعتراض يولده ضيق الخناق والمخاتلة في الحق الصراح ؛ ذلك أنَّك عرفت أنَّ أبا ذر كان ثالث المسلمين أو رابعهم، إذن عاش ردحاً من الزمن في زمان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومدة خلافة أبي بكر وعمر، والأغنياء وأصحاب الأموال
____________________
(١) ابن أبي الحديد، ج ١، ص ٢٤٠، ولا تضرُّنا دعوى صاحب الكتاب أنَّ ابن أبي الحديد شيعي معتدل ؛ فإنَّ الأستاذ اعتمد عليه في النقل واحتج به في مواضع من كتابه، ومن القبيح أن تكون باؤه تجر وباؤنا لا تجر، على أنَّه سيمرُّ عليك البرهان بأنَّه معتزل حنفي.
بمرأى منه، ولم يحدِّثنا أحد ولا تاريخ أنَّه انتقد غنياً أو تكلَّم بكلمة تشعر بشيء من ذلك ؛ إذن فما باله ثار تلك الثورة عليهم في مدة خلافة عثمان، كأنَّه حسب أنَّهم ضلُّوا الطريق أو أشركوا بالله، سبحانك اللهم لا شيء من ذلك، فلينصفنا المنصفون وما أقلَّهم.
يستعرض صاحب الكتاب طوراً آخر من أطوار البحث العلمي الدقيق الجميل (بزعمه) ؛ ذلك أنَّه يلقي على مسرح التأليف درساً جديداً في الأدب وفي عقلية الإسلام، فيقول: (ممَّا يتَّصل بعقائد الفرس الدينية وكان له أثر في نفوس بعض المسلمين أنَّهم كانوا ينظرون إلى ملوكهم كأنَّهم كائنات إلهية اصطفاهم الله للحكم بين الناس وخصهم بالسيادة وأيدهم بروح منه فهم ظل الله في أرضه(ص ١٣٢) ولقد فسَّر ذلك البعض من المسلمين بقوله: (فنظرة الشيعة في علي وأبنائه هي نظرة آبائهم الأولين في الملوك الساسانيين)(ص ١٣٤) وهو حديث طريف من أستاذ الجامعة المصرية التي تدرَّس فيها العصبية العمياء باسم الأدب مرة، واسم عقلية الإسلام ثانية، والأعجب أنَّ الجامعة تحسب أنَّ هذه الأبحاث ذات قيمة، وأنَّها أقيمت على أساس رصين من البرهان المنطقي.ولقد استقى صاحب الكتاب هذا الرأي من منبع أوربي، فإنَّه أخذه (تقليداً) عن دوزي ؛ حيث ذهب إلى أنَّ أساس الشيعة فارسي، وفي أثناء إثبات هذه المحاولة قال: (وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى المَلِك نظرة فيها معنى إلهي فنظر الشيعة هذا النظر نفسه في علي وأبنائه) وأنت ترى أنَّ أحمد أمين يستقي من هذا المنبع.
الشيعة يعتقدون في علي وأبنائهعليهمالسلام أنَّهم (ظل الله في أرضه)، ولكن هل انحدر إليهم هذا الاعتقاد من الفرس أو كانوا به شذَّاذاً؟ وفي الحق أنَّهم اقتفوا أثر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فإنَّا نراه يقول: (أهل بيتي فيكم كسفينة نوح مَن ركبها ومَن تخلَّف عنها غرق)، وقال: (إنِّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)الحديث(١) والشيعة لا يحاولون معنى من (ظل الله في أرضه) غير هذا المعنى الذي بيّنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث، من أنَّهم أمان أهل الأرض، وأنَّهم في هذه الأمة كباب حطة في بني إسرائيل، وأنَّهم كسفينة نوح، وأنَّهم أعدال كتاب الله، فإن كان هذا الاعتقاد من الشيعة في علي وأبنائه ذنباً فالمسؤول عن
____________________
(١) هذا حديث صحَّ عن ثلاثين صحابياً، وهو متواتر معنى بألفاظ متقاربة.
ذلك إنما هو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ إذ هو الذي أمرهم بهذا، وللشيعة به الأسوة الحسنة.
كل مسلم قرأ آية المباهلة يعلم أنَّ علياًعليهالسلام كنفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكل من قرأ آية التطهير والأحاديث الصحيحة الواردة في نزولها يعلم أنَّ علياً وأبناءه هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا، وقد افترض الله مودَّتهم في محكم الكتاب ؛ إذن لا ضير إن اعتقدت الشيعة فيه وفي أبنائهعليهمالسلام ذلك، ولكن الغريب المدهش، والداهية الدهياء، والنازلة التي تصم المسامع، اعتقاد إخواننا أهل السنة (الذين تسرَّب الإيمان الكامل إلى أعماق قلوبهم في أمرائهم وملوكهم الذين ارتكبوا البوائق والفضائح، وشربوا الخمور وارتكبوا الفجور، وسفكوا الدماء وهتكوا الأعراض وو... إلى ما هنالك من منكرات تسيخ منها الأرض ويندى منها جبين الإنسانية ؛ يعتقدون في معاوية ويزيد وأمثالهما من سائر الملوك والأمراء أنَّهم ظل الله في أرضه، وإليك نموذجاً: قال سعد الدين التفتازاني في مقدمة مطوَّله: (كل ذلك بميامن دولة سلطان الإسلام، ظل الله على الأنام، مالك رقاب الأمم، خليفة الله في العالم) وأعاد تلك النغمة في مختصره فقال: (رافع منار الشريعة النبوية، كهف الأنام، ملاذ الخلائق قاطبة، ظل الإله، جلال الحق والدين) .وقال عبد الرحيم السالكوني في حاشيته على شرح الشمسية: (جعلته عراضة لمَن خصَّه الله بالسلطة الأبدية، وأيَّده بالدولة السرمدية، مروِّج الملَّة الحنيفية البيضاء، مؤسِّس قواعد الشريعة الغراء، ظل الله في الأرض، غياث الإسلام والمسلمين) .وقال فيلسوف المؤرِّخين وإمام متجِّددي عصرنا الحاضر ابن خلدون في مقدمته: (مظهر الآيات الربانية، نور الله الواضح، ونعمته العذبة الموارد، ولطفه الكامن بالمراصد للشدائد، ورحمته الكريمة المقالد) .وجاء في نقش خطبة قابيتا على حجر بجبل عرفات ما نصُّه: (مولانا السلطان الأعظم، مالك رقاب الأمم، حاوي فضيلتي السيف والقلم، ظل الله الممدود على العالم، أبو النصر قابيتا... إلخ) وجاء في وقفية كسوة الكعبة بخط قاضي المعسكر محمد بن قطب الدين ما نصُّه: (... السلطان الأعظم، والخاقان الأكمل، ظل الله في أرضه، السلطان سليمان شاه بن السلطان سليم... إلخ)(١) .
____________________
(١) الحق أنَّ هذا الشيوع من الغلو أفسح مجالاً واسعاً للشعراء وسهَّل لهم طريق المبالغة والعلو إلى ما فوق المعقول ؛ فربَّما يضع الشاعرُ الخليفة أو الأمير موضع الربوبية فيخاطبه بنحو ما يخاطب الله تعالى، ونضرب لك مثلاً قول بعضهم:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار |
فاحكم فأنت الواحد القهَّار |
وهذا باب واسع يوقف الباحث موقف الإعياء، وقد شاءت هذه التطرُّفات في اللهجات عند الأقدمين، سواء في ذلك الشيعة والسنة، فالذي يريد أن يحلِّل النفسيات يقف موقفاً رهيباً خطراً حينما يقف عند هذا البيت وأمثاله
وجاء في مستهل المعاهدة بين تركيا وفرنسا سنة ١٧٤٠ في زمن السلطان محمود خان بن السلطان مصطفى، وهي أول معاهدة بين تركيا وفرنسا: (أنا سلطان السلاطين وملك الملوك، واهب تيجان المُلك، ظل الله على الأرضين باد شاه وسلطان البحر... إلخ)(١) ولقد شاعت هذه المبالغات على ألسنة العلماء.ولو رجعنا إلى مؤلَّفاتهم، خصوصاً بعد القرن الخامس من الهجرة، لرأيناهم إذا ذكروا أحد الملوك أو الأمراء وضعوه قريباً من مقام العزة الإلهية ورفعوه عن مصاف البشر، ومَن يرجع إلى مؤلَّفاتهم يجمع من هذه الألقاب الضخمة مجلَّداً كبيراً، ولا يعطونها جزافاً ؛ فلقد رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إذا مررت ببلد ليس فيه سلطان فلا تدخله؛ إنَّما السلطان ظل الله في أرضه).
ولم يقف إخواننا أهل السنة عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى إطلاق بعض الصفات على بعض أوليائهم كما حدَّثنا بذلك المنفلوطي في نظراته عن إطلاق بعضهم صفات وألقاباً على الشيخ عبد القاهر الجيلاني هي بمقام الإلوهية أشبه منها بمقام النبوة: (سيد السماوات والأرض، والنفَّاع والضرَّار، والمتصرِّف في الأكوان، والمطَّلع على أسرار الخليقة، ومحيي الموتى، ومبرئ الأعمى والأبرص والأكمه، وماحي الذنوب، ودافع البلاء، والرافع والواضع، وصاحب الوجود التام) هذه بعض الألقاب التي أطلقوها على رجل مهما صوَّرته الأيَّام والظروف فلا تصوِّره أكثر من أنَّه كان رجلاً شريفاً صالحاً، على أنَّ ذلك وقع محلَّ شك من بعض العلماء وألَّف في ذلك كتاباً وردَّ عليه بعضهم ردَّاً مفصَّلاً سمَّاه: السيف الرباني في عنق الطاعن في الشيخ الجيلاني، وهذا البريد المصري يحمل في كل يوم أكداساً من المكاتيب من جميع الجهات المصرية إلى الإمام الشافعي وفيها التوسُّلات والشكايات، وفيها يطلبون معونة الشافعي على قضاء حوائجهم، ويستصرخه المظلوم على ظالمه، والرجل على زوجته، والوالد على ولده، والدائن على مدينه، إلى ما هنالك من آلام وأحزان ومصائب، ولربَّما كان هذا أمراً عاديَّاً عند مصر
____________________
لا يرى مناصاً عندما يريد أن يكشف عن معتقده إلاّ أن يقول: أشرك بالله - مثلاً - أو أنَّه حُلولي... إلى غير ذلك من العقائد التي تخرجه عن ربقة الإسلام، وبنظرنا أنَّ هذا ليس بصحيح ؛ لأنَّ شعر الأقدمين والكثير من المتأخرين بني على الغلو، فلا يصح أن يتخذ مقياسا للعقائد ومرآة للأخلاق، كما وأنَّه لا يصح أن يكون مرآة صادقة للوطنية ؛ فكم رأينا من الشعراء مَن يتغنَّى باسم الوطن، ولكن إلى إيِّ حد يتفانى بحب الوطن؟ إلى أن يتسنَّم الكرسي ويمتلئ فوه بالدرهم والدينار، وإذاً فالحق أنَّ لا نأخذ شعر الأقدمين دليلاً على شيء، وكذلك شعر الذين يتغنُّون باسم الوطن ومهوى أفئدتهم الأصفر الرنَّان.
(١) العرفان، مجلَّد ٥، ص ٣٩٩.
(الراقية)، وبعض الجرائد تحدِّثنا أنَّه يصل إلى ضريح الشافعي مئات من العرائض والتوسُّلات من أنحاء القطر المصري تقدَّر بثلاثة آلاف عريضة في كل شهر!!(١) هذا ومصر أم المدنية والحضارة العربية والشافعي لا يزيد عن كونه فقيهاً من فقهاء المسلمين.
وهذا الاعتقاد لم يكن راسخاً في نفوس العلماء والعامة الساذجة فحسب، بل السلطان نفسه أو الخليفة (مهما كانت هويته ونفسيَّته) كان يُكذِبُ نفسه فيعتقد أنَّه ظل الله، ولقد رأيتَ ما كتبه السلطان محمود، ويقول المنصور العبَّاسي في خطبته التي خطبها في مكَّة: (أيُّها الناس، إنِّي سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه ؛ فقد جعلني الله عليه قفلاً إن شاء أن يفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم وإن شاء أن يقفلني عليها قفلني)(٢) .
لقد تعالى المنصور على أعواد المنابر ورفع عقيرته بهذه الكلمات، فهل يخالجك شك أو وهم بأنَّ أحداً ممَّن حضر - وهم حجَّاج بيت الله الحرام وفيهم العلماء والقضاة والعباد - أنكر عليه، وهل حدَّثك التاريخ بذلك؟! كلاّ وألف كلاّ.. وكأنَّه لا ينافي أن يكون المنصور سلطان الله في أرضه أو ظل الله ويقترف سائر المنكرات التي حرَّمها الله تعالى في كتابه، فيشرب الخمور ويرتكب الفحشاء والمنكر ويحضر مجالس اللهو والطرب، ولا ينافي أنَّ العلماء يعتقدون أنَّه الحاكم بأمر الله، وأنَّه سلطان الله في أرضه والأمين على خلقه، ولا يعدُّون هذا من عقائد الفرس في شيء، ولكن اعتقاد الشيعة في علي وأبنائهعليهمالسلام أنَّه ظل الله في أرضه بدعة في الدين وعقيدة سرت إليهم من الفرس بزعم أحمد أمين، ففي ذمَّة البحث ما يلاقيه الشيعة.
لم نستنتج اعتقاد إخواننا أهل السنة في أولئك الخلفاء والأمراء - الذين حدَّثنا عنهم التاريخ - عن تكهُّن وتنبؤ، فإنَّ نظرة بسيطة في معنى الخلافة عندهم توقف الباحث على أنَّ تلك الجمل الضخمة صادرة عن اعتقاد ومن أعماق القلوب، ولقد سمعت من قبل أنَّهم رووا: (إذا مررت ببلد وليس فيه سلطان، فلا تدخله ؛ إنما السلطان ظل الله في أرضه) وفسرَّ ذلك بعضهم برحمة الله ومعونته ؛ فالخلافة عندهم من الأصول التي قرَّرها الإسلام وجعلها فرضا دينياً، قال عبد السلام في حاشيته على الجوهري: (الخلافة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبيصلىاللهعليهوآله )، وابن خلدون يقول: (وأمَّا تسميته خليفة، فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال له:
____________________
(١) الدنيا المصوَّرة، عدد ١٣، سنة ١٩٢٩.
(٢) العقد الفريد، ج ٢، ص ٣٧٠.
خليفة بإطلاق)(١) وفي موضع آخر يقول: (فهي بالحقيقة خلافة عن صاحب الشرع)(٢) .والظاهر أنَّه لا ريب في أنَّ الخلافة عندهم من الله تعالى، ويرشدنا إلى ذلك قول ابن أبي الحديد المعتزلي في أوَّل خطبة كتابه شرح نهج البلاغة: (الحمد لله الذي قدَّم المفضول على الفاضل) وقول ابن خلدون: (وعندهم أنَّ الله جلّ شأنه كما اختار محمداًصلىاللهعليهوآله لدعوة الحق وإبلاغ شريعته المقدَّسة إلى الخلق فقد اختاره لحفظ الدين وسياسة الدنيا) وعندهم أنَّ الخليفة حمى الله في أرضه، اصطفاه الله للحكم بين الناس ؛ يحق له التصرُّف في أموالهم ورقابهم وهو مقدَّس الحكم والعمل، ونحن نعلم أنَّ الخليفة من زمن معاوية حتى آخر دولة بني عثمان - اللهم إلاّ القليل - كان مظهراً من مظاهر الفساد، وعنواناً من عناوين الرذيلة، يرتكب كل رذيلة، ولا يتناهى عن منكر، ويصرف الوقت بين حانات الخمور، وفي أحضان الغواني والغلمان، وفي ذلك يقول الشاعر:
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا |
خليفة الله بين الناي والعود(٣) |
وإذن نحن نسأل أحمد أمين وغيره عن النظريتين ؛ أي نظرية الشيعة في علي وأبنائهعليهمالسلام ونظرية إخواننا أهل السنة في الخلفاء والأمراء، ولا نعلم هل نجد المنصف ليحكم بالحق ويرى أي النظريتين مطابقة لِمَا هو المعقول أو لا نجد؟!
كنت أود أن لا أقف مع إخواننا أهل السنة هذا الموقف الحرج، وكنَّا في فسحة من ذلك، بيد أنَّ صاحب الكتاب ومَن لفَّ لفَّه من المعجبين بتقاليدهم وآرائهم وفيما يكتبون ويقولون، أوقفونا هذا الموقف ؛ لأنهم لم يبقوا في القوس منزعاً، وتفنَّنوا في اضطهاد الشيعة وأسفّوا بعيداً( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) .
الآن وقد تبين لك بوضوح أنَّ يد العصبية الأثيمة والتحامل الذميم هي التي سجَّلت تلك العبارة: (فنظرة الشيعة...إلخ) وعلمت أنَّ قيمتها قليلة، فلننظر إلى معنى عقدالجمل؛ أي الجملة التي جعلها أحمد أمين خبر عن المبتدأ، وهي قوله: (هي نظرة آبائهم الأولين في الملوك الساسانيين) فإنَّ الشيعة يختلفون قومية، ففيهم العربي والهندي والتركي والروسي والصيني وفيهم الفارسي، فهل يرى أنَّ كل هذه الأصناف فرس وملوكهم ساسانيون؟ أو أنَّه يرى أنَّ كل شيعي هو ينتمي إلى أصل فارسي فلا محالة يكون متأثراً بالعقيدة الفارسية، بالرغم عن البيئة التي يعيش
____________________
(١) مقدمة ابِّن خلدون، ص ٢١٢.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) لبَشَّار بن بُرد.
فيها والطقوس والآداب والأخلاق التي قد تناقض آداب وأخلاق أصله الفارسي؟ كل ذلك تركه هملاً، ولا شك أن هذا جناية تاريخية كبرى على الناشئة المصرية (النبيلة) يقترفها صاحب الكتاب ؛ ذلك أنَّها تنشأ وتشب على جهل أمة يزيد عددها على الثمانين مليوناً وفيها العربي الذي تربطه مع مصر الصلة القومية وفيها الهندي والتركي وغيرهما، وأيُّ نقص أكبر من هذا النقص الذي تراه في مدرِّس الآداب في الجامعة المصرية فإنَّه يجهل كل الجهل تاريخ طائفة من المسلمين نسبتها إليهم الثلث تقريباً، ويجهل أو يتجاهل أن التشيع ظهر في العرب قبل ظهوره بفارس وسترى ذلك مفَّصلاً، وفي سوريا - وهي عربية - ظهر التشيُّع في خلافة عثمان بسبب أبي ذر الغفاريرضياللهعنه الذي كان داعية لعليعليهالسلام واستجاب له الكثيرون في جبل عامل ؛ ولهذا السبب وحده استغاث معاوية منه بعثمان، وهذا هو معنى إفساد الشام عليه، وهو السبب في حمل أبي ذر على بعير ظالع بلا وطاء، ولهذا شتم معاوية أبا ذر الذي لم يفارق الحق، وسيمرُّ عليك طرف من ذلك. وأمَّا ظهور التشيع في فارس، فقد كان متأخِّراً جداً، وقد رأيت من قبل أنَّه كان في آخر الدولة الأموية.وأمَّا شيوعه فيها، فكان حول القرن الثامن عن يد العلاّمة الحسن بن المطهَّر الحلِّيرضياللهعنه ، كل ذلك يجهله مدرِّس الآداب، وكل ذلك له الصلة التامة في الأدب، وإذن الذي نظنُّه أنَّ الناشئة المصرية تتلقَّى من درس الأدب الجهل الفاضح.
ولئن قيل: إنَّ كلام صاحب الكتاب يختص بشيعة الفرس ؛ إذ الكلام في مذاهبهم، قلنا: إنَّ الألف واللام الجنسية الداخلة على لفظة (شيعة) ينافي ذلك، على أنَّ الشيعة (الاثني عشرية) لا يختلفون في المذهب ولا في النظريات ؛ فالفارسي والعربي والهندي سواءٌ من حيث الاعتقاد بعلي وأبنائهعليهمالسلام .
وهنا حديث غريب يوقِّعه صاحب الكتاب على وتر النعرة القومية ويقتفي أثر سلفه وينسج على ذلك المنوال ؛ فهو يستسلم للتقاليد قبل كل شيء وفي كل شيء، فكأنَّه لا يعلم بأنَّه سوف يكون مؤاخذاً في كل ما يكتب وفي كل ما يقول فهو يسترسل وراء النفس الطموحة ووراء تلك العاطفة الممقوتة لا يلوي على شيء، فلقد رأيته يرمي الشيعة بأنَّهم تأثَّروا بعقائد الفرس، وتلو هاتيك الجملة القاسية بلا فصل يقول: (وثنويَّة الفُرس كان منبعاً يستقي منه الرافضة (كذا) في الإسلام فحرَّك ذلك المعتزلة لدفع حجج الرافضة (كذا) وأمثالهم) ولنقف مع أحمد أمين يسيراً للحساب
ولنرى ما هي تلك الينابيع التي استقت منها (الرافضة)؟ وما هي تلك الشواذ التي عزَّزها (الرافضة) في الإسلام؟الرجعة ... ويزعم أنَّ الشيعة أخذتها من عبد الله بن سبأ وكان يهودياً،تحريم النار على الشيعة إلاّ قليلاً ... ويزعم أنَّ الشيعة أخذتها عن اليهود،تأليه علي عليهالسلام ... ويزعم أنَّهم أخذوه عن النصرانية،الصراط والحساب وغيرهما من الأمور التي يعتقد بها سائر المسلمين ... كل ذلك يقرِّره صاحب الكتاب في مواضع من كتابه، وكلَّها ليست من ثنوية الفرس.إذن ما هي تلك الينابيع التي يستقي منها الرافضة ؟ لا ندري ولا صاحب الكتاب يدري.نعم، يبقى هناك شيء آخر هوتناسخ الأرواح وتجسيم الإله ويقرِّر الأستاذ أنَّها عقائد برهمية ومجوسية ظهرت تحت اسم التشيُّع، وهنا محل المثل المشهور: رمتني بدائها وانسلّت ؛ أليس قد أجمع الأشاعرة وغيرهم من فرق أهل السنة خلا المعتزلة أنَّ الله يُرى يوم القيامة؟ ونحن نرجئ الكلام في هذه المسألة إلى محلِّه وسيمر عليك، ولكن يحسن منَّا أن نقول كلمة موجزة هنا هي: إنَّ تجسيم الإله أمر لازم لمقالة أهل السنة الذين أجمعوا أنَّ الله يُرى يوم القيامة، والتستر أنَّه يرى بلا كيفية لا ينفع ؛ لأنَّ ذلك غير معقول.والتجسيم مذهب الحنابلة ولعلماء أهل السنة أقوال مختلفة في التجسيم تنوف على عشرة أقوال حتى قال بعضهم: (اعفوني عن الفرج واللحية وسلوني عمَّا وراء ذلك).
وهناك عبارة ثالثة - والحق أنَّها ثالثة الأثافي - هي قوله: (ومنها استمد الرافضة (كذا) بعض أقوالهم)(ص ١٦٥).
خلاصة ما يرمي الأستاذ به الشيعة: ابن ديصان كان ذا مذهب ديني مزيجاً من الثنوية والنصرانية، وكان ينكر بعث الأجسام ويقول: إنَّ المسيح ليس جسماً حقيقياً، بل صورة شبِّهت للناس، وهناك تعاليم كثيرة لا تنطبق مع الإسلام بقيت بعد ظهور الإسلام ومنها استمد الرافضة.انتهى بتصرُّف منَّا.
أحكام تستوجب الدهشة والاستغراب لم نسمعها من ذي قبل، وهجمات شديدة عنيفة وادعاءات تستوقف الباحث مرتكباً فلا يعلم من أين يلتمس الشاهد والدليل والمثال لتلك الاستمدادات وليس من الممكن الاعتماد على الذوق أو التكهن ؛ إذ لا يؤمن معهما العثرة في البحث... إذن في مثل المقام لابد أن يقف الباحث والمستعلم ليستنزل الوحي أو ينظر (بالمكرسكوب) إلى نفسية أحمد أمين ليعلم ما الذي استمدَّته (الرافضة) من مذهب ابن ديصان؟ وما هي شواهد الاستمداد؟ وما هي الأدلة على هذا الحكم ليكون حقيقة راهنة عند باحث مثقَّف؟
والذي نراه على سبيل الظن أنَّ غرض صاحب الكتاب أنَّ (الرافضة) استمدَّت من الديصانية القول بإنكار البعث، وإنْ كان هذا مراده، فما كنَّا نظن أنَّ الهوس يبلغ به إلى هذا الحد ؛ فإنَّ (الرافضة) ترى أن بعث الأجسام من الضروريات الدينية التي نطق بها القرآن، ومنكره كافر بالإجماع والضرورة من مذهبهم، ولا شك بأنَّه ضروري عند سائر الملل التي تنتمي إلى دين من الأديان السماوية، ولم ينكره سوى فرقة الصدوقيين أو الصادوقيين، فإنَّهم أنكروا البعث تمسُّكاً بمبادئ إبيقورس اليوناني.قال العلامة الجليل البحَّاثة الشيخ جواد البلاغي: (فأنكروا خلود النفس وبقاءها بعد الموت كما أنكروا القيامة، بل وأنكروا وجود الأرواح من ملائكة وشياطين، ويقال :إنَّ مبدأ دعوتهم كان نحو المئتين والثمانين سنة قبل المسيح ؛ وقد ساعدهم على هذا الابتداع أنَّ التوراة الرائجة في عهد ابتداعهم... لم تبق فيها النقليات ذكر القيامة)(١) غفرانك اللَّهُم من هذا الافتراء على طائفة لا تبرح تتلو القرآن في آناء الليل وأطراف النهار وقد صدع بالحق بأفصح بيان بثبوت المعاد وبعث الأجسام وأنذر وبشَّر، وأنَّه كائن لا محالة، وكافح الأوهام ودفع الشكوك والخيالات:( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) الشيعة أبرُّ وأتقى من أن تنكر المعاد، وأشد محافظة على أصول الدين وفروعه، وأعلم بمحكم الكتاب ومتشابهه.
ولكي يكون صاحب الكتاب ومَن لفَّ لفَّه على يقين من رأي (الرافضة) في البعث نضرب له مثلاً خلاصة ما ذكره إمام المفسِّرين المحقِّق الطوسي في تفسيره مجمع البيان - وهو من أجل تفاسير الإمامية - في تفسير قوله تعالى:( وَقَالُواْ ) أي منكرو البعث( أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا ) أي بالية إلى حدٍّ صارت غباراً أو تراباً( أَإنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ) بعد تناثر لحومنا وصيرورة عظامنا بالية متحطمة نبعث جديداً!( قُلْ ) يا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم :لا تقتصروا في ضرب المثل على تحطيم العظام، بل( كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ) واجهدوا بأن لا تعودوا، وإن استطعتم أن تكونوا حجارة أو حديداً، فكونوا كذلك ترقِّياً بضرب المَثَل( أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ) أي أعظم من ذلك وأصعب ؛ فإنَّكم لا تفوِّتون الله وسيعيدكم أحياء وتردُّون إلى صوركم التي
____________________
(١) الرحلة المدرسية، ج ٣، ص ١٩٢.
كنتم عليها، فإذا قلت لهم ذلك( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ ) يعيدكم القادر( الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وخلقكم ابتداء بلا مثال وأنشأكم إنشاء بلا روية
أجالها ولا تجربة استفادها، فإنَّ مَن كانت له القدرة على ابتدائكم لا عن مثال فهو أقدر على إعادتكم وإرجاعكم إلى الهيئة التي كنتم عليها، والذي يبلغ بخلقكم إلى ما ترون هل يعزجه إرجاعكم إلى الصور التي كنتم عليها؟) انتهى ملخَّصاً.ولقد قام الإجماع عند الإمامية (الشيعة) على أنَّ البعث حق
ثابت.ومن هنا يعلم صاحب الكتاب أنَّ البعث الجسماني من الضروريات القطعية عندهم، ويا ليته استند في نسبة ذلك إليهم إلى رجل أو امرأة من (الرافضة) أو إلى مؤلَّف من مؤلَّفاتهم، ولكن لا (ويا للأسف) إنَّ أحكامه ودعاويه كلُّها جزافيَّة، لا يؤيِّدها دليل ولا برهان.
والدعاوى إلاّ يقام عليها |
بيِّنات أبناؤها أدعياء |
وإذن نحن لا نعرف مدَّعيات صاحب الكتاب، وليس علينا ولا على أحد أن يفهم عنديَّاته، فمرة مزدكية ومرة مانيوية وثالثة ثنوية ورابعة ديصانية وخامسة نصرانية ويهودية، كأنَّ الإسلام لم يعرفه سوى أهل السنة؟! فإلى متى هذه المهاجمات والحملات باسم الحقائق؟ ونحن نراعي الوفاق والوئام ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً فلذلك نقف مع أحمد أمين موقف المدافع، ولو أردنا المهاجمة لسردنا له من الحقائق المؤيِّدة بالبرهان القاطع ما يوقفه حائراً، ولا بأس علينا أن نقول: إنْ دام صاحب الكتاب ومَن لفَّ لفَّه من المهوسين المغرورين يتهجَّمون بالأقوال الكاذبة والآراء الفاسدة الزائفة، سوف يلجئوننا إلى المصارحة والمكاشفة بما لا تُحمد معه العاقبة (إنَّ بني عمِّك فيهم رماح).
حقَّاً يصعب على كل كاتب مهما كان بليغاً ويصعب على كل مصوِّر مهما كان فناناً ونقَّاشاً أن يصوِّر شخصية يعسوب الدين نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكاشف الكرب عن وجهه عليعليهالسلام ، إنَّ نفساً عبقرية كبيرة عظيمة، نفساً قدسية ما تقرَّبت إلى اللاّت والعزَّى ولا عبدت غير الله تعالى يستحيل تصويرها.
يقول صاحب الكتاب: (وشخصية رابعة هي أصعب ما يكون تصويراً)( ص ١٧٨) ولا نعرف السبب الذي أوقفه حائراً ومضطرباً أمام هذه الشخصية فلم يستطع أن يلتمس شيئاً من التاريخ ولا من كتب المناقب والسير والرجال ليتعرَّف قيمتها؟! فكلُّها - فيما يزعم - مضطربة مشوَّشة محرَّفة زاد فيها الوضَّاعون، ولعله من القرآن الشريف لم يتمكَّن أن يلتمس شيئاً، لأنَّ الرافضة أزادوا
فيه آيات محكمات وضعوها بحق عليعليهالسلام .
فإذن كلُّها مشوَّشة وكلُّها محرَّفة وكلُّها لم تخل من وضع الوضَّاعين، وعليه فلا نعرف من أين أخذ معالم دينه؟ وأيُّ إسلام يبحث في عقليته وعلماؤه وضَّاعون ؛ لا حريجة لهم في الدين؟!
نفس صاحب الكتاب لم تسمح له بأن يسير مسترسلاً في تبين مقدار فضيلة صاحب هذه الشخصية أمير المؤمنين عليعليهالسلام كما سار في غيرها جرياً على سنن بعض السلف ممَّن تقدَّمه، فإنَّهم إذا وقفوا عند هذه الشخصية الكريمة على الله وعلى رسوله وقفوا جامدين، ولقد جهل أحمد أمين ما لمجريات الأحوال من التأثُّرات فكم هنالك من الفضائل كان يتعامى عنها أولئك المؤلِّفون! وكانوا يسقطونها من ميزان الأعمال تمشِّياً مع تلك الأحقاد والأهواء، وجهل الأستاذ أنَّ أمس الدابر غير اليوم الحاضر ؛ فإنَّ سلفه كانوا يقفون عند تلك الشخصية، ولكنَّهم كانوا يكتبون لأمّة كان الجهل ضارباً أطنابه بين نوع أفرادها، فلا يسمحون لأقلامهم بأكثر ممَّا نراه في طبقات ابن سعد وغيره، ولو أنَّ الظروف ساعدتهم على الإغماض أكثر من ذلك لَمَا سمحوا لتلك الأقلام بهذا المقدار أيضاً، ومَن ينعم النظر قليلاً يقف على أمر وراء هذا ؛ إذ يجد هناك نعرة كانت على الأكثر ترمي إلى اتهام الأقلام التي تكتب في فضائل أهل البيت بالكذب، فإذا كتب أحدهم في مناقب أهل البيت الطاهر رموه بكل شائنة ؛ فمرة كذَّاب ومرة وضَّاع... ومرة ومرة، هذا إذا وجدوا مساغاً لهم، وإنْ لم يجدوا مساغاً للطعن يقولون: الكتاب مكذوب عليه، كما فعل صاحب الكتاب فإنَّه أنكر نسبة كتاب سر العالمين للغزالي ؛ وذلك لمقالة فيه تعرَّض فيها للخلافة.
قبل أن أتجاوز هذا المقام أحب أن أعطيك مثلاً صالحاً لتتجلَّى لك تلك النعرة بوضوح: اقرأ غزوة الأحزاب (الخندق) التي انخلعت لها قلوب المسلمين خوفاً، وارتعدت فرائصهم فَرَقاً، وهالهم أمر تلك الجموع( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا ) اقرأها في صحيح مسلم والبخاري تجدها خلواً من ذكر عليعليهالسلام وهو مبدِّد تلك الكتائب ومفرِّق تلك الجموع بقتل عميد ذلك الجيش عمرو بن ود الذي استبشر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقتله فقال: (قتل عليٍّ لعمرو يعدل عبادة الثقلين) وقال: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) وكذلك الصحابة شاركوا النبي بالاستبشار، قال حذيفة اليماني: (لو قُسِّمت فضيلة عليعليهالسلام بقتل عمرو يوم
الخندق بين المسلمين لوسعتهم).
على أنَّا نرى الشيخين عنيا بأمور لا وزن لها ولا قيمة وأهملا مثل هذه الفضيلة، فهل لم يسمعاها وقد تحدَّثت بها الركبان، وذكرها أهل السير والمؤرِّخون؟ أو لم تثبت عندهما وقد رواها الثقات، بل هي من الضروريات؟ وإنَّ الشيخ البخاري لا يعدَّها منقبة، ويحدِّثنا عن منقبة للزبير هي: (إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال يوم الأحزاب: (مَن يأتينا بخبر القوم؟) فقال الزبير: أنا، ثم قال: (مَن يأتينا بخبر القوم؟) فقال الزبير: أنا، ثم قال: (مَن يأتينا بخبر القوم؟) فقال الزبير: أنا، ثم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (إنَّ لكل نبي حواريا وحواريّي الزبير) هذا وقد بتر الحديث ولم يدلَّنا أنَّ الزبير ذهب أم لا؟ ولربَّما تقف مستغرباً إذا قلنا لك: المشهور عند أهل السير أنَّ المرسَل لاستعلام خبر القوم هو حذيفة اليماني ؛ فراجع صحيح مسلم والسيرة الحلبية وتاريخ الطبري.
ولسنا نعلم لو كان النجاح في هذه الحرب الضروس لغير عليعليهالسلام من الصحابة أكان يهمله الشيخان؟ سؤال بسيط وخطر معاً، والحق أنَّه لو كان الأمر كذلك لسطِّرت فيه الأساطير ومُلئت الطوامير وتعدَّدت طرق الرواية، ولكان فرضاً أن يُذكر في دبر كل صلاة وفي مختلف الأوقات.
إلى هنا أقف معك وأخالك استكشفت جليَّة الأمر واتضح لك أنَّ تلك الأقلام التي كانت تسوِّد تلك الصحائف كانت تمشي وراء الميول والأهواء، ووراء التبصيص حول التيجان لا وراء التمحيص، وإن أردت الزيادة فإنَّا نستلفتك إلى إنكار الجاحظ وابن تيميَّة أنَّ عمرو كان من فرسان العرب وشجعانها المعروفين بالبسالة والجرأة، فليس لقاتله فخر، ومن هنا يتجلَّى لك بوضوح مقدار الانحراف عن عليعليهالسلام ، ويتجلَّى لك قيمة تلك الأبحاث وقيمة تلك الأشخاص، ولكن من الغريب أن يقوم اليوم أستاذ من أساتذة جامعات مصر فيكتب بذلك القلم الرث الذي أكل عليه الدهر وشرب، ويكيل بتلك الصاع المثقوبة، والناس أصبحت في يقظة وتكشَّفت أمامها ضلالات تلك العصور وهاتيك الخرافات والآراء الزائفة التي كانت تكتب بقلم العصبية العريض.
ومن الغريب أيضاً أن تؤثِّر تلك السياسة الخرقاء التي قضت على أولئك أن لا يؤمنوا بتلك الآيات البيِّنات على نفسية شخصية يُعِدّ نفسَه في طليعة الأحرار الذين تحلَّلوا من تلك القيود وتحلَّلوا من تلك الأنقاض.
وإن كان صعب على صاحب الكتاب تصوير هذه الشخصية فنحن نصوِّرها له بقدر ما تستطيعه عقليتنا، ولا يكلِّفنا البحث عناء طويلاً، ونرجع إلى القرآن أول الثقلين اللّذين تركهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنرى تلك الشخصية بارزة من محكم آياته، قال سبحانه وتعالى:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) وقد أجمع أهل القبلة كافَّة حتى الخوارج أنَّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يدعُ للمباهلة من النساء سوى بضعته الزهراء، ومن الأبناء سوى سبطيه وريحانتيه من الدنيا الحسن والحسين سيِّديْ شباب أهل الجنة، ومن الأنفس سوى أخيه عليعليهالسلام .إذن، عليٌّ نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله بنص الكتاب وإجماعأهل القبلة.وهذا هو (الفضل الذي تعنو له الجباه بخوعاً، وتطَامَن لديه المفارق خشوعاً، ويملأ الصدور هيبة وإجلالاً) والعظمة التي ترمقها الأبصار ويركع أمامها العظماء، والشرف العظيم المشرق في ذروة الكاهل الأعبل.يقول الزمخشري في كشَّافه: (وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء) وعموم الأنفس - الذي يشهد به الجمع المضاف - يشهد لنا بأنَّه (سلام الله عليه) صفوة الصفوة، ولُباب اللُّباب، والخلاصة الصافية من سائر النفوس.
وإليك ما قاله فخر الدين الرازي، قال: (كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي وكان معلِّم الاثني عشرية، وكان يزعم أنَّ علياًعليهالسلام أفضل من جميع الأنبياء سوى محمدصلىاللهعليهوآله ؛ ويستدل على ذلك بقوله تعالى:( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ؛إذ ليس المراد بقوله تعالى:( وَأَنْفُسَنَا ) نفس محمدصلىاللهعليهوآله ؛ لأن الإنسان لا يدعو نفسه، بل المراد غيره، واجمعوا على أنَّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالبرضياللهعنه ، فدلَّت الآية على أنَّ نفس علي هي نفس محمد.ولا يمكن أن يكون المراد: أنَّ هذه النفس هي عين تلك، فالمراد أنَّ هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي المساواة في جميع الوجوه، تركنا العمل بهذا العموم في حق النبوة وفي حق الفضل ؛ لقيام الدلائل على أنَّ محمداًصلىاللهعليهوآله كان نبيَّاً وما كان علي كذلك، ولانعقاد الإجماع على أنَّ محمداً كان أفضل من عليرضياللهعنه ، فبقي فيما وراءه معمولا به.ثم الإجماع دلَّ على أنَّ محمداً كان أفضل من سائر الأنبياءعليهمالسلام ؛ فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر الآية.ثم قال: ويؤيِّد الاستدلال بهذه الآية الحديث المقبول عند الموافق والمخالف ؛ وهو قولهصلىاللهعليهوآله : (ومَن أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلَّته، وموسى في
هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب) فالحديث دلَّ على أنَّه اجتمع فيه ما كان متفرِّقاً فيهم ؛ وذلك يدل على أنَّ علياً أفضل من جميع الأنبياء سوى محمدصلىاللهعليهوآله .قال: وأمَّا سائر الشيعة، فقد كانوا - قديماً وحديثاً - يستدلُّون بهذه الآية على أنَّ علياًرضياللهعنه أفضل من سائر الصحابة ؛ لأن الآية دلت على أنَّ نفس عليرضياللهعنه مثل نفس محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ فيما خصَّه الدليل، وكانت نفس محمد أفضل من سائر الصحابةرضياللهعنه ، فوجب أن يكون نفس عليعليهالسلام أفضل من سائر الصحابة.هذا تقرير كلام الشيعة، والجواب: أنَّه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أنَّ محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل من علي، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان (المحمود بن الحسن الحمصي) على أنَّ النبي أفضل ممَّن ليس بنبي، وأجمعوا على أنَّ علياً ما كان نبياً، فلزم القطع بأنَّ ظاهر الآية كما أنَّه مخصوص في حق محمد فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء) انتهى(١) .(وأنت تراه مع غرامه بنقض المحكَمات، وهيامه بالتشكيكات) لم يناقش الشيعة من حيث تفضيله على سائر الصحابة، وكذلك لم يناقش في صحة الخبر عند الفريقين، وإنَّما مناقشته تدور حول الدعوى بتفضيله على سائر الأنبياء بدعوى قيام الإجماع على أنَّ النبي أفضل ممَّن ليس بنبي، ولكن فات الرازي أنَّ المحمود بن الحسن لا يعرف هذا الإجماع، ويشك فيه.
حسبنا شهادة مثل هذا المفسِّر الذي عُرف بالتشكيك وتشويه وجه الحقائق بالاحتمالات، على أفضيلة عليعليهالسلام على سائر الصحابة، ولكنّ صاحب الكتاب أشدُّ غراماً وأكثر هياماً بالشك، فإنَّه: (يجد في الشك لذَّة، وفي القلق والاضطراب راحة) ذلك أنَّه شكَّك في القرآن، فكما أنَّه لم يستطع أن يلتمس فضل علي من آية المباهلة كذلك لم يستطع أن يلتمس له فضلاً من قوله تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) والذي عليه أكثر المفسِّرين أنَّها نزلت في عليعليهالسلام ، وهي برهان ساطع ودليل واضح على إمامته بعد أخيه بلا فصل، ولا ينفع التستُّر بأنَّ لفظة الولي مشتركة بين معاني عديدة في اللُّغة ؛ ذلك أنَّ الولاية الثابتة لله ورسوله على المسلمين هي الثابتة لعليعليهالسلام ، لقبح استعمال اللفظ المشترك في معنيين باستعمال واحد، بل أحاله المحقِّقون من الأُصوليين، والسبط بن الجوزي في تذكرته في تفسير حديث: (مَن كنت مولاه فعلي مولاه) بعد أن ذكر عشر معان للولاية يقول: (فتعيَّن الوجه
____________________
(١) الجزء الثاني من تفسيره، ص ٤٨٨.
العاشر وهو الأولى، ومعناه: مَن كنت أولى به من نفسه.وقال: وقد صرَّح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفي الأصفهاني في كتابه المسمَّى: مرج البحرين، فإنَّه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه وقال فيه: فأخذ رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بيد عليعليهالسلام فقال: (مَن كنت وليه وأولى به من نفسه فعليٌّ وليُّه)، فعُلم أنَّ جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر، ودلَّ عليه قولهعليهالسلام : (ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته، وكذا قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أدر الحق معه حيثما دار وكيف ما دار) فيه دليل على أنَّه ما جرى خلاف بين عليعليهالسلام وبين أحد من الصحابة إلاّ والحق مع علي، وهذا بإجماع الأُمة) انتهى موضع الحاجة.
ولكن صاحب الكتاب يريد - في عصر النور - أن يلبس ذلك الثوب السمل البالي الذي كان يلبسه أسلافه، فيقف جامداً أمام تلك الشخصية الكريمة على الله وعلى رسوله، وليقف ما شاء وشاءت له الظروف ولغيره ،فإنَّهم لا يزيدونها إلاّ رفعة وتعظيماً وإجلالاً وتكريماً ؛ فإنَّ الشيء إذا تجاوز حدَّه انعكس إلى ضدِّه، ففي البيان والتبيين للجاحظ: (وتنقَّص ابنٌ لعبد الله بن عروة بن الزبير عليّاًرحمهالله ، فقال له أبوه: والله، ما بنى الناس شيئاً قطُّ إلاّ هدمه الدين، وما بنى الدين قطُّ شيئاً فاستطاعت الدنيا أن تهدمه ؛ ألَم تر إلى عليٍّ كيف يُظهر بنو مروان من عيبه وذمِّه؟ والله لكأنَّما يأخذون بناصيته رفعاً إلى السماء، وما ترى ما يندبون به موتاهم من التأبين والمدح؟ والله لكأنَّما يكشفون عن الجيف) ورواه في شرح النهج، ج ٢، ص ٤١٤ بزيادة.
أنا أرى في نفسي الباعث قويَّاً لإكبار هذه الشخصية وإعظامها، والإيمان بها إيماناً قويَّاً، وأراها المثل الأعلى لكل فضيلة، وأراني عاجزاً عن بلوغ ما دون الغاية من وصفه، بل والإحاطة باليسير من فضله، وحيث ما انتهى بي القول من ذكر فضائله أجدني قاصراً عن الإلمام بما تستحقُّه تلك الشخصية العظيمة، أقول هذا ولا أخشى لومة لائم ؛ حيث أسمع حديث أُمّ المؤمنين عائشة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه: (خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة) (النهج، ج ١، ص ٢٠٢) ولستُ أُكلِّف أُولئك الذين يضربون على وتر التشكيك ويضعون الحقائق الناصعة على مطرقة النقد الإيمانَ بذلك، نعم لستُ أُكلِّفهم أن يؤمنوا بما آمنتُ به( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ، ولكن أُكلِّفهم أن يتجرَّدوا من العاطفة ولا يميلوا مع الهوى فيأتون بالحقائق شوهاء بوهاء، وإنِّي أُحب أن أدع هذا كلَّه جانباً وأذهب مع هؤلاء الذين يستعظمون التصديق بكل تلك
الآيات البيِّنات ويقفون عند تلك الشخصية موقف الجامد الحائر، وأذهب إلى حيث كلمات الفلاسفة وكبار الكتَّاب، ولعلَّنا نسأل فيما بعد: من أين تمكَّن أُولئك الفلاسفة أن يعرفوا تلك الشخصية؟ قال الإمام الشافعي: (ماذا أقول برجل أنكر أعداؤه فضله حسداً وطمعاً، وكتم أحبَّاؤه فضله خوفاً وفَرَقاً، وفاض ما بين هذين ما طبّق الخافقين؟!)، وقال ابن رشد: (إنَّ في كلام علي من عجائب البلاغة وثواقب الحِكَم ما لا يوجد في كلام)، وقال ابن مسكويه: (كل حكيم في الإسلام عيال عليه)، وقال الشيخ الرئيس: (كان عليعليهالسلام من العلوم في المحل الذي لا تحلِّق إليه البشر)، وقال الغزالي: (أمَّا العلوم، فإنَّه فيها الإمام المتّبع، والرئيس المقتفى أثره)، وقال الطبري: (له في جميع المشاهد الآثار المحمودة المشهورة، وكان محلُّه من العلوم محلَّ القطب من الرحى)، وقال الكاتب المبدع السيد عبد الحميد الزهراوي: (فكان هذا الأسعد... عليّاً الذي صار الإمام - أبا الأئمة وبدر سماء السيادة في الأُمّة... فإنَّ علياً المرتضى هو مَن عرفه العالم كلُّه، وهو ذلك الإمام الأكبر الخليق أن يكون مثال القدس وزكاء النفس، وهو مجمع المعالي وملتقى الأسرار العظمى ومظهر الولاية الكبرى)، وقال محيي الدين الخيَّاط: (لئن فاخر اليونان بديمستينوس والرومان بشيشرون والإفرنسيون بفولتير والانكليز بملتون والإيطاليون بدانتي فنحن نشمخ بأنفنا بالإمام العظيم، والعربي الصميم، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ربِّ الفصاحة والبلاغة)، وقال: (وهو أعلم الصحابة بلا استثناء، وأفصحهم بلا ملاء، وأقضاهم بلا شبهة، وأشجعهم بلا ريب، وأشرفهم حسباً، وأقربهم من النبي نسباً، وأذودهم عنه بالسيف والسنان، وأدرأهم بالبنان والبيان)، وذكر جرجي زيدان في ترجمة جمال الدين الأفغاني: (كان إذا ذكر الإمام في مجلسه يقوم ثم يقعد إجلالاً وتعظيماً)، وقال أمير البيان شكيب أرسلان: (... وإلاّ فقل إن وجد في التاريخ البشري مثل علي بن أبي طالب في كمال صفاته، وكثرة فضائله وعلو مزاياه؟ ومَن كان يقدر أن يقول في عليٍّ شيئاً؟!(١) ، وقال الفيلسوف توماس كارليل: (أمَّا علي، فلا يسعنا إلاّ أن نحبَّه ونتعشَّقه ؛ فإنَّه فتى شريف القدر كبير النفس، يفيض وجدانه رحمة وبِرَّاً ويتلظَّى نجدة وحماسة، وكان أشجع من ليث، ولكنَّها شجاعة ممزوجة برقَّة ولطف ورأفة وحنان)، وقال جبران خليل جبران: (في عقيدتي أنَّ ابن أبي طالب كان أول عربي لازم الروح الكلّية وجاورها وسامرها، وهو أول عربي تناولت شفتاه صدى
____________________
(١) أحمد أمين اليوم يشك في الإمام ولا يعرف عنه شيئاً.
أغانيها فردَّدها على مسمع قوم لم يسمعوا مثلها من ذي قبل، فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم، فمَن أعجب بها كان إعجابه موثوقاً بالفطرة، ومَن خاصمه كان من أبناء الجاهلية.مات علي بن أبي طالب شهيد عظمته، مات والصلاة بين شفتيه، مات وفي قلبه الشوق إلى ربِّه، ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره حتى قام من جيرانهم الفُرس أُناس يدركون الفارق بين الجوهر والحصى) وقد تركنا كثيراً من غيرها.
بين أيدينا الآن هذه الكلمات الخالدة لمشاهير من أهل الفضل وهي شذرة من بذر ونقطة من بحر من كلام أعاظم قد استطاعوا أن يعرفوا طرفاً من شخصية أمير المؤمنين واستطاعوا أن يتكلَّموا بحرية، فعلينا قبل كل شيء أن نتمسَّك بالحرية ونتجرَّد من كل عاطفة تمسُّ الحقائق ونتحلَّل من تلك القيود والأغلال الضيقة، ثمّ نقف أمام تلك الكلمات الذهبية ونفحص تلك الضمائر الحسَّاسة التي صدرت عنها، فنرى أكانت مؤفة بمرض التبصُّص حول التيجان والعروش أو بمرض العصبية العمياء، فكانت تقودها إلى التصريح بجمل المديح والثناء؟ أو هل يصح أن نرمي أحداً منهم بالتشيُّع؟ لتكون هذه الكلمات في كلا الحالين خفيفة الوزن زهيدة القيمة، أو أنَّه هان على أُولئك الرجال المفكِّرين أن يرسلوا هذه الكلمات الذهبية ولم يكن لديهم من التاريخ ما يصح الاعتماد عليه ويصح أن يكون دليلاً بنظر صاحب الكتاب ومَن يضرب على وتره؟ وإنَّا نُسرف على أنفسنا إن خالجنا شيء من هذه الشكوك، ومن أكبر العار علينا وعلى أي فرد أن يهتك حرمة هؤلاء المفكِّرين فيرميهم بالضعف العلمي أو يلمزهم بالتبصيص حول التيجان أو يقذفهم بالعصبية والتزوير على التاريخ ؛ إذ لو فعلنا ذلك فلا أرى أنَّا بعد هذا نستطيع أن نلمس حقيقة من الحقائق أو نصدِّق بشيء ممَّا نراه على صفحات التاريخ.ولا أرى أنَّ صاحب الكتاب يستطيع بعدُ أن يرى كتابه الضخم على شيء، على أنَّه مهما سمحت لنا الظروف وأوسع الشك لنا مجالاً في ابن رشد أو الغزّالي أو جمال الدين الأفغاني أو الزهراوي، فلا أراها تسمح لنا بالشك في النصراني الغربي والنصراني الشرقي الذي يقدِّس مقام الإمام عليعليهالسلام ويقدِّر شخصيَّته ويجعلها المثل الأعلى، فيرفعها فوق كل شخصية بعد شخصية النبيصلىاللهعليهوآله ، ولا ينبغي أن نرهق أنفسنا بذلك الداء العضال والسم الزعاف وهو ما يسمُّونه (بالشك) ،فنجعله قاعدة لإماتة الحقائق باسم التمحيص، فإنَّه مهما يكن من شيء فلا يسعنا أن نرمي أمثال توماس كارليل وجبران خليل جبران وغيرهما بالعصبية أو التبصيص والتزوير على التاريخ ؛ إذ لا صلة بينهم وبين أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، على أنَّ
الطقوس الدينية لا تمسح لهم بتلك الجمل الذهبية.والحق أنَّهم يرهقون أنفسهم بها، ويتحمَّلون من قومهم ما لا قبل لهم به، حينما يصحرون بهذه الحقيقة، ولكنَّ وجدانهم الحي وشعورهم الحسَّاس يأبيان لهم الاستسلام لتلك المواساة التاريخية والضلالات التي كان يتخبَّط بها رهطهم في هاتيك القرون المظلمة، فهم يقفون وقفة المستهزئ الساخر برجال العصبية ومعتقدات عصر الجحود والإنكار، ويقفون موقف الواعظ والخطيب يقاومون الاعتقادات الشاذّة ؛ قال الفيلسوف توماس كارليل: (وبعد، فعلى مَن أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات أن لا يصدِّق شيئاً البتة من أقوال أُولئك السفهاء!؛فإنَّها نتائج جيل كفر وعصر إلحاد).
إلى هنا وأحسب أنَّك أحسست معي بزلَّة الأُستاذ أحمد أمين وجنايته على أكبر شخصية بارزة بين المسلمين، وأحسست أيضاً بالسؤال الذي نوجِّهه له هو: أنَّ هؤلاء الأفذاذ ألم يطَّلعوا على ما أُحيط بشخصية عليعليهالسلام من المبالغات والغلو؟ فكيف استطاعوا تصويرها؟ وكيف عرفوا مكانها من العلوم والفضائل النفسية، فجعلوها المثل الأعلى لكل فضيلة يتحلَّى بها الإنسان؟ وهل عثروا على شيء من التاريخ لم يطَّلع عليه الأُستاذ؟ وكيف يعتمد صاحب الكتاب على الطبري والغزّالي والشافعي وغيرهم في كل ما يريد، ولا يعتمد عليهم في هذه الشخصية؟ وهل المُتَّبَع في تمحيص الحقائق هوى النفس والأغراض الطائفية؟ وإذن ،لماذا يعدُّ صاحب الكتاب نفسه في طليعة الأحرار الذين تحلّلوا من تلك الشروط والقيود التي زجّت الحقائق في السجن قروناً عديدة، بل في سجن اللانهاية؟هوار يشكُّ في نسبة نهج البلاغة ما برح الغربي عدوّاً للشرقي وعدوّاً للإسلام، يكيد له المكائد ويتربَّص به الدوائر، والغربي لا يترك سنوح الفرصة لتتبُّع العثرات والمثالب، ولربَّما يختلق مثالب لم تكن، وتصوِّر له نفسيته عثرات بقدر ما يحمل على الإسلام من الحقد، ونتعرَّف ذلك بأيسر نظرة فيما يكتبه بعضهم عن الإسلام أو عن بعض الشؤون الشرقية الاجتماعية أو السياسية أو التاريخية.ونستميح عذراً من القارئ إن أهملنا سرد الأمثلة ؛ فإنَّ لنا من الأمثلة ما لو أردنا سردها لخرجنا عن الموضوع، والمستر هنري في كتابه (الإسلام) ذكر عدة أمثال صالحة لتَعْرِف قيمة أبحاث الغربيين عن الإسلام والمسلمين، ومرَّ عليك ما كتبته آنسة إفرنسية باحثة عن الفردوس.
والخلاصة: أنَّ الغربي يرخي عنان تصوُّراته فيما يكتبه من الحوادث، بسيطة كانت أو غير
بسيطة، فلربَّما يقف على شاذ من الحواث فيجعله مقياساً مطّرداً في سائر الحوادث ،فيخبط عندئذ ما شاء وشاءت له عقليته، سواء ذلك في التاريخ الإسلامي أم في الدين الإسلامي، وقد لا يرى شيئاً وإنَّما يختلق أكاذيب ويلفِّق آراء ويجعلها كحقيقة راهنة، ولا نشكّ في أنَّ الكثير منهم يخبط ذلك الخبط عن سوء نيّة وسوء قصد، ولا يستغرب ذلك من قوم يحقدون على الإسلام والمسلمين، ويجهلون تاريخهم وآدابهم وأخلاقهم، ولكنَّ العجب من صاحب الكتاب ومَّن لفَّ لفَّه من كتبة العصر الحاضر الذين ارتاحوا وانشرحوا لآراء الغربيين وتقبَّلوها على هناتها وعلاَّتها ولو كانت هذياناً، بل الأعظم من هذاَّ أنه ربَّما يرونها الحق الذي لا ريب فيه... ولسنا نرى تعليلاً صحيحاً لهذا الضعف القاتل إلاّ التقليد الأعمى، فإنَّ هؤلاء المهووسين حيث رأوا أنّ الغربي تقدَّم تقدُّماً باهراً في الماديات فحسبوا أنَّه تقُّدم في كل شيء، وفهم كل شيء حتى تاريخنا وأدبنا أكثر ممّا َّفهمه علماؤنا، ومن هنا خفَّت روح صاحب الكتاب محلِّقة في الجوّ تقطع مسافة بعيدة لتستشرف رأي الأوربي في نسبة كتاب نهج البلاغة إلى عليعليهالسلام ، وعادت إلينا برأي الأُستاذ هوار وأنَّه يشكُّ في صحة نسبته إلى عليعليهالسلام غير أنَّ أحمد أمين غفل عن أنَّ (هوار) يشكُّ في القرآن أيضاً ويقول: (إنَّ شعر أُميّة بن الصلت مصدر من مصادر القرآن)(١) بل يشك في الدين الإسلامي، ويشك في نبوة نبي الإسلام (عليه وآله الصلاة والسلام) ويشك في عليعليهالسلام ، ويشك في الصحاح الستَّة، وليس شكَّاً فقط، بل يقطع بعدم صحّة كل ذلك، فهل كلها عند حضرة الأُستاذ أحمد أمين محل شك كما هي عند (هوار)؟!
ولابد أن نبقي حق الاعتراض بوجود الفرق بين صحّة دين الإسلام ونبوة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ونزول القران وبين نسبة نهج البلاغة إلى عليعليهالسلام ؛ فإنَّ الدين الإسلامي والقران ونبوة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الضروريات الأوَّليَّة التي عرفناها بالبديهية والإجماع(٢) ونهج البلاغة ليس كذلك، فإنَّ هناك من بقايا الحزب الأُموي من تأثَّرت نفسه بإثارة الشك في نسبته.
قلنا: الإنصاف يبعثنا على الاعتراف بهذا، إلاّ أنَّ لنهج البلاغة أُسوة في الصحاح
____________________
(١) قال الدكتور طه حسين في كتابه الأدب الجاهلي: (ويرى الأُستاذ هوار أنَّ ورود هذه الأخبار في شعر أُميّة بن الصلت مخالفةً بعض المخالفة لِمَا جاء في القرآن دليلٌ على صحّة هذا الشعر من جهة، وعلى أنَّ النبي قد استقى منه أخباره من جهة أُخرى).
(٢) ولكنّ طه حسين يشك في ذلك ويقول: للقرآن أن يحدِّثنا... إلخ، ولعلّ أحمد أمين زميله حتى في مبادئه هذه
الستّة، فإذا صحّ أنَّ نسبته إلى عليعليهالسلام محل شك عند طائفة من الغربيين والمسلمين، فإنَّ نسبة ما في الصحاح الستِّ إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً محل شك عند طائفة أُخرى من المسلمين، فإذا انضم إلى هذه الطائفة المشكِّكة في الصحاح الستّة (هوار) النوعي من الغربيين ينتج من ذلك - لا محالة - أنَّ نسبة ما في الصحاح إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلى الصحابة مشكوك فيها، وإذن لا يمكن العمل بها ولا الأخذ عنها ؛لأنَّ هوار يشك في صحة نسبتها.
وفي الحق أنَّ تقليد هذه الفئة المتطرِّفة سوف يوقف المسلمين موقفاً حرجاً، والانقياد الأعمى سوف يوقع ناشئة المسلمين في هوّة لا منشل لها منها، ولا نقول ذلك عن تكهُّن ،فإنَّ في كتاب الأدب الجاهلي وغيره من الكتب التي قاءها هذا الدهر الهرم دليلاً واضحاً على ما ادَّعيناه.
بقي أنَّ البعض كالصفدي وغيره شك في نسبة نهج البلاغة إلى عليعليهالسلام ، ونرى أنَّ قيمة هذا الشك زهيدة جداً، هذا إنْ لم نقل إنَّه شطط من الكلام الفارغ الذي لا محصَّل له، وكم هناك من المدنفين بمثل هذه التشكيكات.ولو أردنا أن نتبيَّن الأسباب لهذا الشك فأول ما يلفت نظرنا أنَّ هؤلاء لم يسلكوا طريقاً فنيَّاً في التحليل، ولم يركنوا إلى مقياس علمي يصح الركون إليه، خلا العاطفة والأغراض فإنَّهما المقياس الوحيد بنظر هؤلاء المشكِّكة.ولم يكن الشك بسيطا؛ أي ساذجاً خالياً من الانزعاج والتشويش ليكون له قيمة في مقام العرض، فإنَّ أول ما يجب على الناقد أن يتخلَّى من كل عاطفة تعبث بالحقائق ليتسنَّى له التمحيص وإفراز الزائف من غيره، وبتعبير آخر غير هذا: أنَّ الناقد من هؤلاء المشكِّكين إنَّما جعل ميزان نقده ميله الديني وهواه الشخصي، فهو قبل كل شيء متأثِّر بعاطفة دينية وعاطفة سياسية هي وليدة المذهب القومي الذي يتلفَّع الناقد تحته بجناحيه، وهو في سائر أطواره وأحواله يستنزل الوحي من تلك العاطفة التي يجدر بنا أن نسمّيها العصبية، ولم يكونوا صيارفة أحراراً متجرِّدين عن كل شيء.إذن، ليس من الصحيح أن نسمِّي مثل هذا التأثُّر بالعاطفة مقياساً علمياً نتوصَّل به إلى معرفة الحقائق، ويستحيل علينا أن نطمئن إلى صيرفي اتّخذ هواه وسيلة إلى تزييف الذهب الإبريز وهدم الحقائق وإفنائها لأنَّها لا توافق رغائبه، كل ذلك ليس من الصواب في شيء، فلذلك ترانا نعجب من صاحب الكتاب أن يكون في أبحاثه قلَّد تقليداً أعمى وسار لا يلوي على شيء، وكان الأصلح له أن يتلبَّث قليلاً قبل أن يرسل الحكم مطلقاً وبدونما رويّة، ويستهدف خطراً كبيراً لا تجيزه له الجامعة المصرية التي ينتسب إليها ولا الأدب
العربي الذي يدرّسه، فإنَّ هذا السِفر الجليل مكانته من العربية مكان القلب من الجسد (فهو أشرف كلام بعد كلام الله تعالى وكلام نبيِّه، وأغزره مادة، وأرفعه أُسلوباً، وأجمعه لجلائل المعاني)(١) فجدير أن يقال فيه كلمة الفصل ولا يبقى مهملاً من حيث النسبة.
على أنَّا نرى الفريق الأعظم من المسلمين والكثرة المطلقة لا يشكُّون في نسبته إلى علي أمير المؤمنينعليهالسلام ، وإنَّما هناك نزعة أُموية كانت تتغلغل في صدور بعض القوم الذين لا يزال منهم بقية ممَّن جُبلت طينتهم على بغض أهل البيت الطاهر... ولا تزال تلك النزعة تثير في نفوسهم الشك في نسبة نهج البلاغة، بل في نسبة كل فضيلة لعليعليهالسلام .
والآن أُحبُّ أن أقف معك يسيراً على تلك الأحقاد (البدرية) التي اعتبرُوها أسباباً للشكِّ، وهي أُمور:الأول: ما جاء في (نهج البلاغة) من التعريض والتنديد ببعض الصحابة لاغتصابهم عرش الخلافة والشكوى من ذلك الاعتساف، وأهم ما ورد فيه من ذلك خطبته الشقشقية ؛ فهي التي ملأت قلوبهم قيحاً، وشحنت صدورهم غيظاً، فكانت في عيونهم قذى، وفي حلوقهم شجى، (يضطربون (ممَّا فيها) اضطراب الأرشية في الطَّوِي البعيدة) فلا يرى الرجل منهم ملجأ يأوي إليه ولا عاصما يعتصم به، من تلك (الريح العاصفة والزعزع القاصفة) التي تدمر كل شيء أتت عليه إلاّ أنْ يقول قائلهم: (لولا أن زُجََّ فيه ما ليس منه لكان استظهاره واستظهار الثقلين ككفَّتي ميزان) أو يقول: إنَّه (مشكوك النسبة) أو يقول: (الخطبة الفلانية لفلان والخطبة الفلانية لفلان)(٢) وهكذا دون أن نرى لهم من الأدلة ما يوقف الباحث مطمئناً مستريحاً.
هذا البحَّاثة المحقِّق الذي يحاسب على القليل حسابه على الكثير، العلاّمة ابن أبي الحديد شارح
____________________
(١) كما قاله محيي الدين الخيَّاط.
(٢) القائل هو إسعاف النشاشيبي ؛ فإنَّه ذكر في كتابه (كلمة في اللغة العربية) عدة خُطب ونسبها لبعض العرب ولعمر بن عبد العزيز
وغيرهم.والغريب أنَّه نسب إلى معاوية الخطبة التي أولها: (أيُّها الناس، إنَّا أصبحنا في دهر عنود وزمن كنود) وآخرها: (فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم من حثالة القرض، واتّعظوا بمَن كان قبلكم قبل أن يتَّعظ بكم مَن بعدكم، وارفضوها ذميمة فإنَّها رفضت مَن كان أشغف بها منكم... ) وكان الأنسب حيث آثر الظلم والكذب في نسبتها على كل حال أن يلصقها بعمر بن عبد العزيز أو غيره من أمثاله، ومتى كان معاوية - رأس النفاق - زاهداً يحثُّ على رفض الدنيا؟! وهذا التاريخ يحدِّثنا عن بوائقه، وهذا ولده يزيد بمرأى منه ومسمع يلعب بالكلاب ويراود الفتيات والفتيان ويشرب الخمور ويرتكب
الفجور ولا يتناهى عن منكر فَعَلَهُ، وأبوه لا ينكر عليه.أوَ ليس معاوية هو القائل لأهل الكوفة: (ما قاتلتكم لتصوموا وتصلُّوا وإنَّما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم) إلى غير ذلك من الفظائع التي لا يقبلها الشرف العربي فضلاً عن الدين الإسلامي، ولكنّ النشاشيبي يتجاهل بكل هذا ولا يبالي بأن يلصق هذه الخطبة بمعاويه المستهتر! وهل يستغل من هذا الإلصاق شيئاً؟ كلاّ، وألف كلاّ، فإنَّ الصفحات التاريخية السوداء بمخازي معاوية تقف سدَّاً حائلاً دون أن يظفر بشيء وإنما يكشف بمدحه وثنائه عن جيف كما قيل.
نهج البلاغة - الطويل الباع الواسع الاطّلاع كما تدلُّنا على ذلك مؤلَّفاته - يحدِّثنا عن شيخه مصدق بن شبيب الواسطي، فيقول: (قرأتُ على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشَّاب هذه الخطبة، فلمَّا انتهيتُ إلى هذا الموضع، قال: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمِّك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسَّف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد ؟! والله ما رجع عن الأولين ولا عن الآخرين ولا بقي في نفسه أحد لم يذكره.إلى أن قال: فقلت له: أتقول إنَّها منحولة ؟ فقال: لا والله، وإنِّي لأعلم أنَّها كلامه كما أعلم أنَّك مصدِّق.قال: فقلت له :إنَّ كثيراً من الناس يقول: إنَّها من كلام الرضيّرحمهالله ، فقال:أنّى للرضيّ وغيره هذا النَّفَس وهذا الأُسلوب... قال الشارح: وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين، وكان في دولة المقتدر قبل أن يُخلق الرضيّ)(١) ، وقد رواها السبط بن الجوزي في تذكرته بنصِّها وفصِّها عن شيخه ابن النفيسي الأنباري بإسناده عن ابن عبَّاس، وأطال في شرح ألفاظها ونسخ البدل في الكلمات وذكر كثيراً من الخطب، وابن الأثير في نهايته ذكرها في عدة مواضع(٢) ولو أنعم النظر الباحث المنصف في شرح النهج للعلاّمة المعتزلي لرأى إسناد كل خطبة من خطبه ممَّا وقع الكلام فيه من أُولئك النواصب، فرويداً رويداً ياحضرة الأُستاذ، لقد حنّ قِدحٌ ليس منها.إنَّ الشريف الرضيّ أصدق لهجة، وأوثق ديناً، وأبرُّ وأتقى، فحاشا لله أن يكذب، وعبقريته لا تجتمع مع الاختلاق والتزوير، وهو أقرب عهداً، وأصح نقداً، وأعرف بلحن آبائه من أُولئك الذين يهاجمون الحقائق وليس لهم دليل سوى العاطفة.
ولقد أسرف أحمد أمين ومَن يضرب على وتره، وأسرف الماضون قبله على أنفسهم وعلى العلم بهذا الشك ؛ ذلك أنَّه لو اتّخذنا الشك مبدءاً للبحث وفتحنا هذا الباب، ونسبنا إلى حملة العلم الخيانة وأضعفنا الثقة بهم، لضاع علينا كثير من الحقائق التاريخية والأدبية، بل والسنّة النبوية، وعميت علينا الأنباء، فلا يصح أن نؤمن بحديث، ولا وقعة تاريخية، ولذهبت آثار السلف أُضحية الشكوك.قال ابن أبي الحديد: (متى فتحنا هذا الباب وسلَّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ) أبداً، وساغ للطاعن أن يطعن ويقول :هذا الخبر منحول، وهذا الكلام مصنوع، وكذلك
____________________
(١) شرح النهج، ج ١، ص ٦٩.
(٢) راجع: مادة جذّاء ومادة شقشق وغيرها فإنَّك تجده في كل مورد يسند الخطبة لعليعليهالسلام .
ما نقل عن أبي بكر وعمررضياللهعنه من الكلام والخطب والمواعظ والأدب وغيره)(١) ونزيدك إنَّه لو استسلمنا لهذه المهزلة من الشك لَمَا بقي لنا من التأريخ شيء، ولماألّف صاحب الكتاب كتابه الضخم ؛ ذلك أنَّه ما من قضية تاريخية أو أدبية إلاّ ويمكن المناقشة والتشكيك فيها، على أنَّه إذا كانت المسألة مسألة شك، فمن السهل الشك في كل ما في كتاب فجر الإسلام.
الثاني : ما في بعضه من سجع منمَّق وصناعة لفظية لا تُعرف في ذلك العصر على زعمهم.مَن عَذِيرِي من شُذَّاذٍ اتخذوا الأغراض الشخصية والأهواء النفسية أداة لإفناء الحقائق ووسيلة لنقض المحكمات ؛ مشياً وراء الميول و الأهواء الفاسدة ؟
لا نفرض أنَّ علياًعليهالسلام ابن أُولئك البلغاء الذين خفقت فوق رؤوسهم ألوية الفصاحة وقبضوا على أزمَّة البلاغة فكان لهم الفضل على كل عربي فصيح، ولا نفرض أنَّ علياًعليهالسلام ارتضع من حِجر النبوة وترعرع في بيت الرسالة وتخرَّج من تلك الكلِّية الإلهية، كل ذلك نتجاوزه ولا نقف عنده قليلاً ولا كثيراً، ولكن، أوَليس عليعليهالسلام (كان يهتم بالقرآن ويعرف معانيه)? أوَليس كان من أجلِِّّ الصحابة فهماًً للقرآن وأعظمهم تأثُّراً به؟؟ حتى أنَّه (كتبه على تنزيله)(٢) فمَن كانت هذا حاله فلِمَ لا يكون قد تأثَّر بأُسلوب القرآن الشريف واقتفى أثره ونسج على منواله من دقة المعنى وتنميق السَّجَع، ولا من شك بأنَّ القرآن الشريف غيَّر بأساليبه الجديدة البديعة أساليب ذلك العصر وحوَّر البلاغة عن محورها الذي كانت عليه قبل الإسلام وكان هو المرجع للفصحاء والبلغاء وعليعليهالسلام إمامهم ومقتداهم.ومهما شكَّ الشاكُّون، ومهما وسعهم الشك في أنَّ أي خطبة هي لعليعليهالسلام وأي خطبة هي ليست له ،فلا يشكُّون في أنَّه (سلام الله عليه) كان خطيب المنبر وربَّ القلم وإمام الفصحاء وسيد البلغاء ومرجعهم.قال عبد الحميد بن يحيى: (حفظت عشرين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثمّ فاضت)، وقال ابن نباته: (حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة ،وهو مئة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب) ولْيَكن عليعليهالسلام اقتفى أثر القرآن بالسجع المنمق وتناسب الفواصل وتناسقها:( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) ...( الرَّحْمَانُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ
____________________
(١) ج ٣، ص ٥٤٩.
(٢) طبقات بن سعد، ج ٢، القسم الثاني، ص ١٠١.
وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ) فعلى منواله وعلى شاكلته نسج في الصناعة اللّفظية ودقة المعاني.
على أنَّا لا نعلم من أين علم صاحب الكتاب أنَّه لم تكن العرب تعرف السجع المنمَّق والصناعة اللفظية؟! وهذا حكم يحتاج قبل إرساله إلى تتبُّع تام واستقراء عام ويحتاج إلى بيان الحُجَّة وإقامة البرهان والشواهد، ونحن نرى عكس ذلك ؛ هذه خطابة قس بن ساعدة الأيادي في سوق عكاظ تنادي بكذب هذه الدعوى قال: (... مَن عاش مات، ومَن مات فات، وكل ما هو آت آت.مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأُمهات، وأحياء وأموات، جمع وأشتات وآيات بعد آيات.إنَّ في السماء لخبراً وإنَّ في الأرض لعِبَراً.ليل داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج، وبحار ذات أمواج...) هذا نموذج من كلام الجاهلية نسوقه لك لتعلم أنَّ العرب عرفت السجع المنمَّق، ولكنّ صاحب الكتاب على عادته يهون عليه أن يرتكب كل شيء ويلقي الكلام على هناته وعلاّّته بدونما رويّة.فكأنَّه لا يخشى تبعة إلقاء الكلام مهملاً، ولا يخاف سوء العاقبة وعاقبة الحساب، ونحن لا نريد من الأُستاذ أن يؤمن بما نقول ولكن نريد منه أن يفهم ما يكتب ويكتب ما يفهم ليكون لكلامه وزن، ولا يسترسل مع الشهوات، ولا يقلِّد تقليد الأعمى.
الثالث : (ما فيه من تعبيرات إنَّما حدثت بعد أن نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية) وصاحب الكتاب يضرب لذلك مثلاً: (الاستغفار على ستة معان، والإيمان على أربع دعائم) ويزعم أنَّ هذه - وما أكثرها في كلام عليعليهالسلام - لم تكن من ذي قبل ولم يعرفها العرب: وأظن أنَّه لا حرج علينا إن قلنا: إنَّا نستشف من هذا جهل الأُستاذ بلغة قومه وتقليده المزري، وكم للأُستاذ أمثال هذه الأغلاط حمله عليها إمَّا الجهل أو العصبية العمياء، ولو تأمَّل قليلاً ورجع إلى السنّة المطهَّرة أقلاً لكان نجا من هذه المهزلة الفاضحة، من أين علم صاحب الكتاب - إن لم يكن قد قلَّد تقليد الأعمى - أنَّ هذه التعبيرات لم تكن من قبل وإنَّما حدثت بعد نقل الفلسفة اليونانية؟ فهل تتبَّع كلمات العرب وتصفَّح أحاديث بلغائهم وكلام فصحائهم فلم يعثر على مثل ذلك التعبير أو ما يشابهه؟ وما أشدَّ ما تعجب إن قلنا لك :إنَّ صاحب الكتاب الذي أخذ على عاتقه البحث في عقليّة الإسلام في فجره لم يطَّلع على السنَّة النبوية، وهي المنبع الفياض لمَن أراد البحث في عقليّة الإسلام!!
نحن نسوق لك مثلاً تعلم منه مقدار تتبُّعه ولتعلم أنَّ مثل هذا التعبير كان في صدر الإسلام.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (بني الإسلام على أربع: ...) وقال: (المهلكات ثلاث: شحٌّ مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه)، وقال: (الإثم ثلاث: الإشراك بالله، ونكث الصفقة وترك السنّة، والخروج من الجماعة) أخرجه الديلمي عن أبي هريرة .وقال: (خمس بخمس) الحديث طويل، وهو وما قبله في كنز العمال، وفيه على هذا الرُّوِيِّ والقافية ما شاء الله فليرجع إليه مَن يشاء.
ولندع السنّة المطهَّرة جانباً ولنشكَّ فيها لأنَّ أحمد أمين يشكّ فيها (طبعاً)، ولكن أليس من المشهور - بل المُجمع عليه - أنَّ علياًعليهالسلام أملى النحو على أبي الأسود الدُّؤَلي، فقال: (الكلمة ثلاث: اسم وفعل وحرف)، وإنْ شكَّ في هذا أيضاً - وهو يشك في القطعيَّات - فلا نراه شاكَّاً في أنَّ واضع النحو أبا الأُسود، أو زياد بن أبيه، قال: الكلمة ثلاث، وكلاهما كانا قبل نقل الفلسفة اليونانية.ولعل الأُستاذ يقول: إنَّ أبا الأسود أو زياداً هما أفصح من عليعليهالسلام فيجوز أن يقولا ذلك قبل نقل الفلسفة ولا يجوز لعلي.
ولا بد أن نقف هنا يسيراً ونسأل سؤالاً بسيطاً وندع الحكم للمنصفين إنْ وجدناهم: أيُّ فرق بين القول: (الاستغفار على ستّة معان) و(الإيمان على أربع دعائم) وبين قولنا: الكلمة ثلاث أو على ثلاث،وقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (المهلكات ثلاث)؟ ولا نعلم ما يكون الجواب!
لا يخالطنا شيء من الشك بأنَّ صاحب الكتاب يرمي إلى مقاصد أُخرى - غير البحث عن الحالة العقلية في صدر الإسلام - لا ترتبط كثيراًً بموضوع البحث، وقد لا يكون بينه وبينها صلة، وتراه لا يبالي إن تعثَّر في استنتاج تلك المقاصد فيطلق الكلام مرسلاً وبدونما رويّة ولا تثبُّت، وإنَّا نأسف كل الأسف أن يستخدم الأُستاذ أحمد أمين العاطفة المذهبية، أو أنَّ العاطفة تستخدمه، فهي تماشيه جنباً لجنب فتتصرَّف بقلمه وعقله وفكره بقدر ما تستطيع.فنظرة بسيطة في كتابه توقف الباحث على مقدار تحامله الذميم والنعرة الطائفية الممقوتة.
وخذ لك مثلاً قوله: (وربطه (يعني سلمان الفارسي) الشيعة بعلي والحسن والحسين)(ص ١٨٢) وأنت ترى أنَّ كل حرف من هذه الجملة يمثِّل لنا شكلاً من أشكال النعرة الطائفية التي يرزح تحت جورها ويئن من ثقل قيودها، ولسنا نريد أن ننكر أنَّ سلمان مرتبط بالشيعة، فإنَّه فرَطُنا وصالح سلفنا، ومن أقطاب التشيُّع في الصدر الأول، ومن الذين بايعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالبعليهالسلام والموالاة له، ولكن نريد أن
يتبيَّن عتب الأُستاذ بإسناد الحقائق.والذي يتسع له المقام أن يقول: إنَّ الشيعة لم تربط سلمان بعلي والحسن والحسين وإنَّما ربطه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بهم، فهذا الطبري يحدِّثنا أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: (سلمان منَّا أهل البيت) (ج ٣، ص ٤٥)، وأبو الفداء عدَّه ممَّن تخلَّفوا عن البيعة ومالوا مع علي بن أبي طالب، والسيرة الحلبية تحدِّثنا أنَّ سلمان (تنافس فيه المهاجرون والأنصار فقال المهاجرون: سلمان منَّا، وقال الأنصار: سلمان منَّا، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (سلمان منَّا أهل البيت) وإلى ذلك يشير بعضهم:
لقد رقى سلمان بعد رقِّه |
منزلة شامخة البنيان |
|
وكيف لا والمصطفى قد عدَّه |
من أهل بيته العظيم الشان(١) |
والمعتزلي ابن أبي الحديد يقول: (روينا عن عائشة قالت: كان لسلمان مجلس من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ينفرد به بالليل حتى يكاد يغلبنا على رسول الله)(ج ٤، ص ٢٢٤)(ورواه في الاستيعاب، ج ٢، ص ٥٩) ويقول[المعتزلي]: (كان سلمان من شيعة عليعليهالسلام وخاصَّته، وتزعم الإمامية أنَّه أحد الأربعة الذين حلقوا رؤوسهم وأتوه متقلِّدين سيوفهم في خبر يطول وليس هذا مورد ذكره، وأصحابنا لا يخالفونهم في أنَّ سلمان كان من الشيعة وإنَّما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك).ولقد صح ذلك بطرق الشيعة الإمامية، فعن أبي جعفر (سلام الله عليه) وقد ذُكر عنده سلمان الفارسي، فقال أبو جعفرعليهالسلام : (مه، لا تقولوا: سلمان الفارسي، ولكن قولوا: سلمان المحمدي ؛ ذلك منَّا أهل البيت).وفي العيون عن الرضاعليهالسلام عن آبائهِ عن عليعليهالسلام قال: (قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : سلمان منَّا أهل البيت).
وأمَّا أنَّه كان قبل الإسلام مخلصاً للمجوسيَّة يسجد للنار المضرمة والشمس المشرقة، فحديث غريب يصعب علينا أن نؤمن به ؛ فإنَّ الحقائق مهما التبست واندرست معالمها وخفيت عن أبصار الكثيرين، فإنَّ العقول الكبيرة الراجحة لا تعدم طريق الوصول إلى الحقائق الراهنة، ومهما أظلمت الأجواء وتلبَّدت الغيوم الكثيفة وأُسدلت السدائل فإنَّ العقول الفطرية تخترق كل ذلك وتصل بفطرتها إلى وجود الخالق القدير.
وفي الحق أنَّا لا نحتاج في إثبات الخالق إلى الدليل المنطقي ؛ فإنَّ العقول بذاتها وقوَّتها الفطرية تشهد بوجود الصانع وتجلِّيه على الكائنات، سئل أعرابي عن الدليل على وجوده تعالى، فقال:
____________________
(١) السيرة الحلبية، ص ٢٤٢.
(البعرة تدل على على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، لا تدل على اللطيف الخبير؟!) وتتجلَّى بوضوح هذه الحقيقة بأيسر وقفة على أحوال ذي العقول الكبيرة والآراء الصحيحة كقس بن ساعده الأيادي وسيف بن ذي يزن الحميري وزهير بن أبي سلمى المازني ولبيد بن ربيعة العامري ومئات العشرات من أضراب هؤلاء، فإنَّا نراهم - كما يحدِّثنا عنهم التاريخ - قد اعترفوا بالإله ونفوا الشريك عنه، ولم يكن فيهم نبي أو رسول، اللهمَّ إلاّ العقل الفطري وهو الرسول الباطني، وإنَّما كانوا في الجاهلية عصر الظلام الحالك، إذاً ما ظنُّنا بسلمان صاحب الشعور الحي والنفس العبقرية والإيمان الكامل، فإنَّه في بدء إسلامه فاق الصحابة بحسن إسلامه وقوة إيمانه، فكان من أقواهم يقيناً وأشدهم عقيدة وأرسخهم إيماناً وأسبقهم إلى التخلُّق بأخلاق النبي والتحلِّي بآدابهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجماع القول: إنَّه بلغ الغاية وكان المثل الأعلى لكل فضيلة وصل إليها صحابي.
ومن الغريب أن تظن أنَّ سلمان كان مجوسيَّاً وكان مخلصاً للمجوسيَّة، ومن الغريب أيضاً أن نقول: إنَّه قضى معظم حياته وهو جاهل بحقيقة الواحد الأحد، وكان فرداً من أُفراد أسرته يعبد النار أو يسجد للأصنام ولم يدرك بعقله وفطرته ما أدركه غيره من عقلاء الأُمم، ولا من شك أنَّ هذا استهانة بأكبر صحابي كان المثل الأعلى لكل فضيلة، ولا من شك أيضاً أنَّ هذه جناية كبرى على التاريخ، ولكن صاحب الكتاب يهون عليه أن يرتكب مثل هذه الهفوات، وكنَّا نربأ به عن أن يكون سطحياً إلى حدٍّ يرى أنَّ سلمان كان مجوسيَّاً ؛ فإنَّ نفسية سلمان التي عرفنا إخلاصها للإسلام يستحيل عليها أن تكون متأثِّرة بالمجوسية، وعقليته الكبيرة لا تسمح له بأن يعبد النار المضرمة أو الصخرة المنحوتة، على أنَّه يبعُد على مَن كان مخلصاً للمجوسيَّة أن يتأثَّر بالإسلام ويفهم الإسلام كما يريد الإسلام من أول يوم يعتنق فيه الإسلام كما قرَّر ذلك صاحب الكتاب في غير موضع من كتابه.
تحدِّثنا طبقات ابن سعد وغيرها أنَّ سلمان تنقَّل في أديان مختلفة ؛ فكان مجوسيَّاً مخلصاً للمجوسيَّة حتى أنَّه (كان قاطن النار التي كان يوقدها أهله) ،وهو حديث غريب لابدَّ لنا أن نعرض عنه ؛ ذلك لأنَّ النظر في سيرة سلمان لا يبقي لنا مجالاً للشك بأنَّه لم يكن مجوسيَّاً وإنَّما كان يضرب في الأرض يطلب دين الله.قال في الاستيعاب: (كان سلمان يطلب دين الله ويتبع
مَن يرجو ذلك عنده) .إذن، نحن لا نشك بأنَّ سلمان كان يخالف عقيدة قومه، فلذلك كان من الصعب عليه أن يجتمع مع قوم يختلف معهم في الدين والعاطفة ولا تجمعه وإيَّاهم المشاعر والمدارك، ومن هنا كان يجد سلمان من نفسه السأم من هذا المجتمع الموبوء، وإذا لم يكن له سبيل لأنْ يظهر ما امتلأ به قلبه من الاعتراف بالواحد الأحد الصمد، ولا يستطيع أن يقلب عقيدة قومه، فلابد أنَّه كان دائماً ينزع إلى التخلُّص من هذه الحياة الذميمة، فخرج لوجهه يضرب في الأرض لطلب الحق الذي امتلأ قلبه إيمانا به.قال الصدوق في إكمال الدين: (إنَّ سلمان ما سجد قط لمطلع الشمس، وإنَّما كان يسجد لله عزَّ وجلَّ، وكانت القبلة التي أُمر بالصلاة إليها شرقيّة، وكان أبواه يظنَّان أنّه إنَّما يسجد للشمس كهيئتهم).وقال: (كان ممَّن ضرب في الأرض لطلب الحجة سلمان الفارسي، فلم يزل ينتقل من عالم إلى عالم ومن فقيه إلى فقيه ويبحث عن الأسرار ويستدل بالأخبار ؛ منتظراً لقيام سيّد الأولين والآخرين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعمئة سنة حتى بُشِّر بولادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ).
إذن قوة الإيمان كانت تبعث سلمان لأن يضرب في الأرض ويتجوَّل في البلاد ؛ باحثاً عن ذلك النور الذي سينبثق في قلب البلاد
العربية (مكَّة)، ولأجل الوصول إلى المنقذ العربي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم تحمَّل المشاق ووقع في أسر العبودية ورضي بالاسترقاق، تناقلتهُ الأيدي إلى أن وصل إلى يثرب، فثَمَّة غاية سلمان وثَمَّة سعادته ,وهناك حياته الطيبة الهادئة حيث عرف النبيصلىاللهعليهوآله بقوة الإيمان الذي كان قد امتلأ قلبه به ،وعرفه بتلك العلامات والأمارات التي قرأها في الكتب السماوية.قال في الاستيعاب: (إنَّ سلمان الفارسي قبل إسلامه أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بصدقة، فقال: هذه صدقة عليك وعلى أصحابك، فقال: ( يا سلمان، إنَّا أهل البيت لا تحلُّ لنا الصدقة) فرفعها ثم جاءه من الغد بمثلها، فقال :هذه هدية، فقالصلىاللهعليهوآله : (كلوا) ). فكان امتناع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أكل الصدقة من جملة الأمارات التي استدل بها سلمان على نبوة النبي ؛ إذ كان يعرف أنَّ ذلك من خصائصهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قرأنا قبل فجر الإسلام كتاب الأدب الجاهلي فرأينا دكتور الأدب الجاهلي يتعثَّر في بحثه ويناقض بعضه بعضاً، فحسبنا أنَّ هذه المناقضات القبيحة بيضة الديك لأُستاذ الأدب الجاهلي حتى طلع علينا فجر الإسلام، فرأينا صاحبه يضرب على ذلك الوتر، ويرجع تلك الألحان ،
ويقرِّر المناقضات القبيحة، ويعسر علينا أن نعرف النتائج الصالحة التي يستغلونها من هذه المناقضات.
إنَّا لنقرأ قول صاحب الكتاب: (وقد نما القصص بسرعة لأنَّه يتَّفق مع ميول العامة، وأكثرَ القُصَّاصُ من الكذب حتى رووا أنَّ علي بن أبي طالب طردهم من المساجد واستثنى الحسن البصري لتحرِّيه الصدق في قوله)(ص ١٩٢).نعم ،إنَّا لنقرأ ذلك فيتعسَّر علينا - بل يتعذَّر - أن نلائمه بالكلام الذي بعده بلا فصل: (ويظهر أنَّه (يعني القصص) اتُّخذ أداة سياسية من عهد الفتن بين علي ومعاوية يستعين بها كلٌّ على ترويج حزبه والدعوة له)، فإنَّك تراه يقرِّر المناقضة القبيحة التي ليست على شيء من المنطق، ولسنا نعلم سبب هذا الانقلاب سريعاً! فكأنَّه نسي أنَّه قرَّر في السطر الأول أنَّ علياً لم يحبَّ أن يستغل من القصص، فطردهم من المساجد، فجاء يقرِّر في السطر الثاني أنَّ علياً استعان بالقُصَّاص على ترويج حزبهِ وتأييد دعوتهِ، فهل هناك تناقض فاضح أقبح من هذا؟
على أنَّه من العسر جداً على صاحب الكتاب أو غيره أن يستطيع إثبات أنَّ علياً في وقت من الأوقات استغل القصص في ترويج حزبه، وأنَّى يجد الباحث من التاريخ برهاناً على ذلك وعلي (سلام الله عليهِ) يقول: (من حدَّثكم حديث داود على ما يرويه القُصَّاص جلدتهُ مئة وستين ؛ وهي حدُّ الفرية على الأنبياء)؟(١) .
ولقد همَّ صاحب الكتاب أن يجعل ذلك الاستغلال حقيقة ثابتة وأن يصبغه بصبغة علمية فساق الدليل كقياس منطقي يستحيل الشك فيه أو الاعتراض عليه، وكلَّما أجهدنا الفكر علَّنا نأخذ منه هذه النتيجة التي حسب أنَّها نتيجة الشكل الأول، فلم نستطع ولم نهتد إلى ذلك سبيلاً، وإليك نص الدليل فلعلك تساعدني على أخذ هذه النتيجة، قال: (ويدلُّك على ذلك ما نقلناه عن الليث بن سعد وما روى ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب: أنَّ علياًرضياللهعنه قنت فدعا على قوم من أهل حربه، فبلغ ذلك معاوية فأمر رجلاً أن يقُصَّ بعد الصبح وبعد المغرب يدعو له ولأهل الشام).
دعنا عن الشك في صحة هذا ولنفرض صحته، فأيُّ صلة بين الدعاء في القنوت وبين الاستغلال من قصص القُصَّاص؟ فإنَّ صاحب الكتاب قد فسَّر لنا القصص بأنَّه الذي يتَّفق مع ميول العامة وأنَّه الذي يدخله الكذب ؛ ولذلك طرد عليعليهالسلام القُصَّاصين من المسجد، فلذلك عسر علينا جداً أن نفهم الصلة بين الدعاء في القنوت وبين القصص؟ وعسر علينا أن
____________________
(١) الهدى إلى دين المصطفى، ص ١٠٢، ج ١.
نفهم الدعاء كيف يدخلهُ الكذب (والكذب عبارة عن اللامطابقة للواقع)؟ وكيف يوصف بأنَّه يتَّفق مع ميول العامّة؟
نعم، ربَّما يتَّفق هذا مع ما ذكره عن الليث بن سعيد من أنَّ قصَّص الخاصّة هو الذي جعله معاوية يولي رجلاً على القصص، فإذا سلَّم من صلاة الصبح، جلس وذكر الله عزَّ وجل وحمده ومجَّده وصلَّى على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه وجنوده، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافَّة(ص ١٩١) ،لكنّ الصلة بين الدعاء في القنوت وبين القصص، وبين الاستغلال من هذا النحو الذي يسمِّيه صاحب الكتاب قصصاً لا تزال مجهولة عندنا.
الأديان أصل التفسير
صاحب الكتاب يعطينا صورة اُخرى من الفلسفة الغريبة لا نعلم متى هبطت على مصر ومن أين دخلت عليها، ويسمعنا نغمة اُخرى غير تلك النغمات التي وقّع عليها من قبل، نلمح منها رأيا جديداً في المذاهب الإسلامية ورجال المذاهب، ولسنا مغالين إن أوجزنا ذلك الرأي بهذه الجمل: (فساد رجال الدين، وفساد المذاهب الإسلامية، وإفساد التعاليم الإسلامية).فهو ينقم على الدين ورجاله معاً، ولعلنا لا نستغرب ذلك إذا علمنا أنَّ صاحب الكتاب من المولعين في الاسترسال في الشهوات في سائر الأعمال مهما كلَّفه الأمر من الفوضى في الحياة العلمية، وممَّن جعل أغراضه الشخصية وأهواءه النفسية أصلاً يسير عليه في كتابه، ولا نستغرب أيضاً من رأيه في رجال التفسير إذا وقفنا عليه في قوله: (وبعد، فيظهر أنَّ تفسير القرآن كان في عصر من العصور متأثِّراً بالحركة العلمية فيه، وصورة منعكسة لِمَا في العصر من آراء ونظريات علمية ومذاهب دينية من ابن عبَّاس إلى الأُستاذ محمد عبده) (ص ٢٤٧).نعم، لا نستغرب من هذا الرأي في المذاهب ورجال المذاهب إذا عرفنا الأصل الذي يسير عليه، وصاحب الكتاب لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى المذاهب نفسها ؛ فهو ينقم عليها ويلصق بها ما يشينها (بزعمه)، وتلتمس بوضوح هذه النقمة على المذاهب إذا وقفت يسيراً عند قوله: (كذلك كرهوا (يعني الذين استباحوا التفسير بالرأي) أن يعتنق الرجل مذهباً من المذاهب الدينية كالاعتزال والإرجاء والتشيُّع، ويجعل ذلك أصلاً يفسَّر القرآن على مقتضاه)(ص ٢٤٠)، فإنَّك تراه من خلال هذه الكلمات يتذمَّر من سائر المذاهب ولا يفرِّق في النقمة عليها، فهو يرميها بسهم واحد، ويقرِّر أنَّ القرآن تابعٌ للمذاهب والمعتقدات يفسِّره رجال الدين بما تميل إليه
نفوسهم وتوحيه إليهم معتقداتهم، وحسبما تقتضيه الظروف الزمنية، لا أنَّ العقائد تابعة للقرآن كما هو الواجب المقرَّر في الإسلام الصحيح.ويصح أن نقول: إنَّ صاحب الكتاب يرى أنَّ رجال الدين (من ابن عبَّاس إلى محمد عبده) جعلوا القرآن كالكرة يلعبون به ؛ فكل منهم يرمي به إلى حيث وجهته المذهبية وميله الاعتقادي، ولا من شك (بزعمه) أنَّهم ربَّما يذهبون بعيداً عن ظواهر ألفاظ الكتاب العزيز وعن المناحي التي يتطلَّبها أُسلوبه العربي ؛ ذلك لأنَّ التفاسير بنظر صاحب الكتاب هي: (صورة منعكسة لِمَا في العصر من آراء ونظريات، حتى لتستطيع إذا جمعت التفاسير التي أُلفت في عصر من العصور أن تتبين فيها مقدار الحركة العلمية وأيَّ الآراء كان سائداً شائعاً وأيَّها غير ذلك وهكذا) فإنَّ هذه الجمل القليلة تعطينا صورة صادقة من نفسيّة أحمد أمين وتحكي لنا رأيه في المفسِّرين أجمع.
والذي أظن أنَّ القارئ الكريم يستطيع أن يوافقني على استفادة التعميم لسائر المذاهب الإسلامية، وأنَّ المذاهب الثلاثة التي ذكرها كانت مثالاً فحسب ؛ بقرينة كاف التشبيه، ولعلّه ليس الأمر كذلك ؛ فإنَّه يُخرج الأشاعرة، فإنَّهم وحدهم وصل الدين إلى أعماق قلوبهم، وهم الذين تابعوا القرآن!!!
وليس يعنيني أن يكون المعتزلة أو المرجئة أو غيرهما من الفرق المخالفة للشيعة قد جعلوا القرآن أُلعوبة يفسِّرونه بما يوافق ميولهم، والذي يعنيني أن أفهم أنَّ صاحب الكتاب علامَ استند بحكمه أنَّ التشيُّع كان أصلاً يفسَّر على مقتضاه القرآن؟ فهل اطَّلع على تفاسير الشيعة؟ أو اجتمع مع أحد علمائها فباحثه في التفسير ورآه اتّخذ التشيُّع أصلاً للتفسير ليسترسل في حكمه القاسي كأنَّه يلمس أمراً محسوساً؟ ومهما أردنا أن نحتاط في الكلام معه فلا نرى بُدّاً من أن نفاجئك في أنَّه لم يرَ أحداً من علماء الشيعة ولا اطّلع على تفسير من تفاسيرهم، وإلاّ لَمَا تخبَّط في بحثه ولا تعثَّر في كلامه، والحق أنَّه اقترف حوباً كبيراً على أُمة كبيرة منتشرة في طول البلاد وعرضها وتفاسيرها تعلن بكذبه عليها، وليرجع كل مَن أراد التثبُّت في النقل إلى مجمع البيان للإمام الكبير الطبرسي.
والذي نراه أنَّ صاحب الكتاب اعتمد في حكمه على سلفه (الصالح) ؛ فإنَّهم كثيراً ما كانوا يبهتون الشيعة بمثل هذه الأقوال المزيَّفة كالذي نسبه ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) إلى الشيعة ؛ فمن ذلك تفسير قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) أنَّها عائشة، وقوله
تعالى:( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) أنَّه طلحة والزبير، وعلى هذا الأساس وحده اعتمد الأُستاذ صادق الرافعي في كتابه إعجاز القرآن (ص ١٥٩) فاستباح السبَّ والشتم وتهتك بما لا يحسن من مثله.لست أفهم، بل يعسر عليَّ أن أفهم، كيف استطاع صاحب الكتاب ومَن يضرب على وتره (في عصر النور) عصر العلم، عصر تمحيص الحقائق، عصر توفُّر الكتب وانتشارها وسهولة اجتلابها ،أن يقلِّد هذا التقليد الأعمى، ويطلق العنان لنفسه ويجعل فكره وعقله وراء قلمه ويسترسل في الحكم؟ أوَلم يعلم أن تلك الآراء الفاسدة كانت تُدلي بها عقول رجال تقيَّدوا بالعاطفة المشوِّهة للحقائق؟ وسطَّرتها أقلام كانت تبصبص حول التيجان والعروش؟!
يا هذا، الشيعة أبرُّ وأتقى، وأشدُّ حريجة في الدين وأعلم بحلاله وحرامه، وأعلم بالقرآن خاصِّه وعامِّه ومحكمه ومتشابهه، ورخصه وعزائمه، وناسخه ومنسوخه من الأشاعرة وغيرهم، وهم يتبعون في تفسيره أهل بيت النبوة عدل القرآن الذين لا يفارقونه حتى يردون الحوض علىرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بآل محمد عُرف الصواب |
وفي أبياتهم نزل الكتاب |
الشيعة يضعون الأحاديث وينسبونها لعلي
ما أشدَّ ما يتمسَّك صاحب الكتاب بالباطل، وما أشدَّ ما يحرص على انتقاص الشيعة بكل ما له من قوة وإرادة، وما أشدَّ ما ينسب إليهم إفكاً وبهتاناً، وفي كل ذلك يخال أنَّه يتمشَّى على صراط مستقيم وجادة قويمة، ويحسب أنَّ عَلَم الظفر يخفق على رأسه، ويظن أنَّ العالم يرى هذا بحثاً قيِّماً وفلسفة ذات قيمة، وما أشدَّ تعجُّبك إذا وقفنا معه يسيراً للحساب فعلمت أنَّ مثله( كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) .
لقد عرفت وستعرف أنَّ صاحب الكتاب لا يعرف راوية من رواة الشيعة ولا محدِّثاً من محدِّثيهم، ولا يعرف شيئاً من دخيلة أمرهم، ولا يعرف أنَّهم عرب أم عجم، كل ذلك يجهله.إذن ،أفلا تعجب وأنت تراه يتكهَّن في نتائجه وأحكامه القاسية؟ أو ليس من البلية على العلم أن يقول الأُستاذ: (ومنها أنَّه كان لعلي من الشيعة ما لم يكن لغيره، فأخذوا يضعون وينسبون له ما يظنُّون أنَّه يُعلي من قدره العلمي)(ص ٢٤٣) يقول ذلك عن تعصُّب وبدونما رويَّة ولا مبالاة، ولا ينظر في العواقب، فكأنَّ قوله الفصل فلا يصح أن يحاسب عليه.
ليس من الصعب علينا أن نحدِّد عقلية صاحب الجامعة ومقدرته العلمية وبين يدينا كتابه
وآراؤه المزيَّفة، ولا شك أنَّا سوف ننتهي إلى نتيجة بسيطة في الغاية، ولا تؤاخذنا إن قلنا: إنَّ النتيجة هي (الجهل)، ولا غرابة في ذلك ؛ لأنَّ باحثاً يتهجَّم على طائفة فينسب لرجالها ورواتها الكذب والوضع وهو لا يعرف من رجالها ورواتها أحداً، أفلا يصح أن يقال :إنَّه جاهل؟
ما ذنب الشيعة إذا كان رواة السُّنة ومحدِّثوها ورجالها كذَّابين وضَّاعين لا حريجة لهم في الدين، يختلقون على الصحابة ما لا يقولون؟ ويتبيَّن لنا ذلك بمراجعة مؤلَّفات الشيعة في الحديث والتفسير ؛ فإنَّك تجدها خلواً - إلاّ قليلاً - من الرواية عن عليعليهالسلام سواء في التفسير وغيره، وما ينسب لعليعليهالسلام إنَّما نراه مبثوثاً في تفاسير أهل السُّنة ومن طرقهم، ونحن شيعته لا نروي عنه في التفسير وغيره إلاَّ نادراً.إذن رواة السُّنة ومحدِّثوهم هم الوضَّاعون.ولَعمرُ الله لقد روَّعوا الحديث من كثرة الوضع، فإنَّهم كانوا يتزلَّفون إلى أُمرائهم وخلفائهم فيضعون من الأحاديث ما تقتضيه السياسة الزمنية ؛ يدلُّك على ذلك ما رواه الأعمش، قال: (لمَّا قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ،جاء إلى
مسجد الكوفة، فلمَّا رأى كثرة مَن استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أنِّي أكذب على الله ورسوله وأُحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنَّ لكل نبي حرماً وإنًّ حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور، فمَن أحدث فيه حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قال: وأشهد بالله أنَّ عليَّاً أحدث فيها حدثاً) فكان جزاؤه من معاوية أن أكرمه وولاّه المدينة(١) ، وأبو هريرة من أكبر رواتهم وشيوخهم المعتمدين وأكثرهم رواية ؛ فقد بلغ حديثه ٥٣٤٧ وهو يزيد عدداً على المجموع من حديث عليعليهالسلام وأبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر وعائشة وسائر نساء النبي وبناته وسبطيه، وقد رماه الصحابة بالكذب وافتعال الحديث، وضربه عمر بالدرَّة، وقال له: قد أكثرت من الرواية وأحر بك أن تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) وروي أنَّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة ألف درهم حتى يروي أنَّ هذه الآية نزلت في عليعليهالسلام ، وهي قوله تعالى:( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ) وأنَّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى:( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ
____________________
(١) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج ١، ص ٣٥٩.وذكر أنَّ قوله: (ما بين عير إلى ثور) غلط ؛ لأنَّ ثور بمكَّة، وهو جبل بمكة يقال له: ثور أطحل.وقال: والصواب ما بين عير إلى أُحد.
(٢) المصدر نفسه، ص ٣٦٠.
يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) فلم يقبل، فبذل لهُ مئتي ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له أربعمئة ألف، فقبل وروى ذلك(١) ،إلى أمثال هذا ممَّا لو شرحناه لخرجنا عن الموضوع.وليس من موضعنا التعرُّض لنقد رجال الحديث(٢) وإنَّما ضربنا لك مثلاً لتكون على بصيرة من رواة أهل السُّنة ومحدِّثيهم.إذن، ما بال صاحب الكتاب ينبز الشيعة ويلمزهم (غيري جنى وأنا المعذَّب) تمشِّياً مع العاطفة؟!
وأراني مضطراً- بدافع بيان الحقيقة-لأن أُحاسب الأُستاذ محاسبة دقيقة غير هذا الحساب، إلاّ أنَّ الخطر الذي أُحسُّه يحول بيني وبين التبسُّط في البحث ؛ لئلاّ يقودنا ذلك إلى نتائج غير صالحة قد لا تلتئم مع العصر الحاضر الذي نطلب فيهِ الوفاق، على أنَّنا مدافعون لا مهاجمون، ولكنّ هذا لا يكون مبرِّراً، فلا يصح منَّا الإهمال إذاً، فالذي نرغب في الوقوف عليه هو أن نسأل صاحب الكتابأوّلا: هل اطّلع على تفاسير الشيعة فوجد الروايات المنسوبة إلى عليعليهالسلام بكثرة تستوجب التوقُّف والريب إلى حد يصح له الحكم على رواة الشيعة أنَّهم كذَّابون وضَّاعون؟ أو أنَّه رأى تلك الأحاديث مبثوثة في تفسير الطبري والدر المنثور وغيرهما من تفاسير أهل السُّنة فصحَّ له أن يتَّخذ ذلك حجة وشاهداً صحيحاً على أنَّ الشيعة كذَّابون وضَّاعون، وقل لي: متى كانت الشيعة تعتبر تفسير الطبري وتعتمد عليه وتصحِّح ما ورد فيه عن عليعليهالسلام ليكون ذلك كرواية منهم فيصح- والحال هذه- لصاحب الكتاب أن يلمز ويهمز؟
والذي تستريح إليه في الجواب هو أنَّ الأُستاذ لم يرَ تفسيراً من تفاسير الشيعة ولا سِفراً من أسفار حديثهم، ولم يسمع أنَّهم صحَّحوا كل رواية وردت عن عليعليهالسلام ، ولم يقف على أحوال طبقات الرواة منهم ليعلم الكاذب منهم والصادق، كل ذلك يجهله تماماً.إذن، فشاهده على أنَّ الشيعة وضعوا ونسبوا إلى عليعليهالسلام ما يظنُّون أنَّه يعلي قدره العلمي محض النعرة الطائفية التي يزعم أنَّه تحلَّل منها.
ثانياً: كيف بلغ الحال بعليعليهالسلام إلى حد يحتاج في إعلاء قدره العلمي إلى وضع الشيعة وهو (أعلم الصحابة بلا مراء)، أخرج ابن سعد وغيره عن عمر بن الخطاب، قال: عليٌّ أقضانا.وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: أقضى أهل المدينة علي.وأخرج ابن سعد عن ابن عبَّاس قال: إذا
____________________
(١) شرح النهج، ج ١، ص ٣٦١.
(٢) ولقد كتب في ذلك العلاّمة الشهير البحَّاثة السيد عبد الحسين شرف الدين كتاباً لم يسبق له نظير وسَمَه: تحفة المحدِّثين فيمَن أخرج منه البخاري ومسلم من المضعَّفين.
حدَّثنا ثقة عن عليّ بفتوى لا نعدوها.وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يتعوَّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن، يعني علياً.وأخرج عن ابن المسيَّب أيضاً: لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا عليّ.وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي.وذُكِر علي عند عائشة فقالت: إنَّه أعلم مَن بقي بالسُّنة.وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له القِدمُ في الإسلام والصهر برسول الله والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجودُ في المال اه-.
وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عبَّاس قال: ما أنزل الله( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاَّ وعلي أميرها وشريفها.قال: ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان من كتابه العزيز، وما ذكر عليَّاً إلاّ بخير.وأخرج ابن عساكر عن ابن عبَّاس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في علي.وأخرج عنه أيضا قال: نزل في علي ثلاثمئة آية.وأخرج الطبراني عن ابن عبَّاس أيضاً قال: كانت لعلي ثمانية عشر منقبة ما كانت لأحد في هذه الأُمة.وأخرج أبو يعلى عن عمر بن الخطَّاب: لقد أُعطي علي ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحبُّ إليَّ من حُمر النِّعم: تزويجه ابنته، وسكناه في المسجد لا يحلُّ لي ما يحل له، والراية يوم خيبر.وأخرج أحمد عن ابن عمر نحوه، وأخرج السلفي في الطيوريَّات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن علي ومعاوية، فقال: اعلم أنَّ عليَّاً كان كثير الأعداء، ففتَّش له أعداؤه شيئاً فلم يجدوه، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه ؛ كيداً منهم له اه-. ولمَّا دخل علي الكوفة دخل عليه حكيم من العرب، فقال: والله، لقد زيَّنتَ الخلافة وما زيََّنتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها اه-. إلى آخر ما ذكره ابن حجر في الفصل الثالث من الباب التاسع من صواعقه فراجع.
فمتى كان أئمة الشيعة - وهم أعدال كتاب الله وثقل رسول الله - يحتاجون في تكوُّنهم العلمي إلى الفضائل المكذوبة (وهم الراسخون في العلم، وينبوع الحكمة، وصفوة الأُمم، وخيرة العرب والعجم، ولباب البشر، ومصاص بني آدم، وزينة الدنيا، وحلية الدهر، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن المكارم، وينبوع الفضائل، وأعلام العلم، وإيمان الإيمان) وقل لي: هل احتاج الشيعة في وقت من الأوقات إلى تعمُّد الكذب كما احتاجه البكريُّون؟
مهما كان شكل الجواب، ومهما كانت هويَّته، ومهما حاولنا الاختصار، ومهما حاولنا أن لا نمسَّ العواطف ولا نثيرها، ومهما تكلَّفنا مراعاة الظروف، ومهما تكلَّفنا الاحتشام في القول، لو
حاولنا كل ذلك وفوق ذلك، نرى أنَّ الصدق يكلِّفنا ثمناً باهظاً قد ننهض به وقد لا ننهض، ويكلِّفنا البغضاء والشحناء، والزمن عصيب، نحن أحوج فيه إلى الاتفاق، بيد أنَّ ذلك لا يبرِّر لنا أن نترك الجواب هملاً.
لقد علم كل أحد أنَّ علياً لم يسجد لصنم، ولم يكن في زمن من الأزمان مجهول المكانة العلمية عند سائر المسلمين - اللَّهُمَّ إلاّ النواصب الذين مرقوا من الدين - إلى حد يحتاج الشيعة في إعلاء قدره العلمي إلى الوضع، وقل لي: أي صحابي بلغ شأوَه وارتقى في الفضائل مرتقاه؟! وهو الإمام المتَّبع والرئيس المقتفي أثره، البالغ في العلوم الغاية القصوى والمكان الأسمى والمحل الذي لا تحلِّقه عقول البشر، ومحلُّه منها محلَّ القطب من الرحى، غير مدافَع ولا ممانَع.
والشيعة أشد حريجة وأعرف بحلال محمدصلىاللهعليهوآله وحرامه، وأكثر المسلمين تورُّعاً وخوفاً من الله، وأشدُّهم محافظة على أحكام الدين، وأبر وأتقى من أن يستحلُّوا الكذب على أولياء الله ورسله ويجعلوا القرآن عرضة للتفسير حسب ميولهم وأهوائهم.
وأيضاً ما احتاجت الشيعة في تشييد معالم دينها وإقامة صرحه إلى الكذب كما احتاج غيرهم، فوضعوا ووضعوا ونسبوا، فإنَّ طريقتهم واضحة وصراطهم مستقيم.ولو أردنا أن نحدِّثك عما افتُعِل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله لفاتنا العد وأعيانا الإحصاء وخرجنا عن موضوعنا، ولكن ،لا ضير علينا إن سقنا لك مثلاً لتعلم ما وراء الأكمة، رووا (أنَّ شاعراً أنشد النبيصلىاللهعليهوآله شعراً، فدخل عمر، فأشار النبيصلىاللهعليهوآله إلى الشاعر أن اسكت، ولمَّا خرج عمر قال له: عُد فعاد، فدخل عمر، فأشار بالسكوت مرة ثانية، فلمَّا خرج عمر سأل الشاعر رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الرجل، فقال: هذا عمر بن الخطَّاب وهو رجل لا يحب الباطل(١) . فأيُّ وضع أقبح من هذا وأفظع؟ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يحب الباطل وعمر لا يحب الباطل؟!
ولسنا نعلم ماذا كان ذلك الشعر الذي أنشده الشاعر للنبيصلىاللهعليهوآله ؟ وهل كان من نوع الباطل ؛ أي من الغزل والتشبب بالغواني والغلمان، أو كان مدحاً للنبيصلىاللهعليهوآله ؟ ولعلنا نستفيد من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بناءً على ما زعمه الكاذبون: (وهو رجل لا يحب الباطل) أنَّ الشعر كان تصبُّباً بالغانيات!!
أجل، وأقصّ عليك حديثاً آخراً تعرف منه إلى أيِّ حدٍّ كان الاحتياج شديداً إلى الاستغلال من الكذب، رووا أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: (وزِنتُ بأُمَّتي فرجحتُ، ووزِن أبو بكر بها فرجح َ،
____________________
(١) النهج، ج ٣، ص ١٤٢.
ووزِن عمر بها فرجحَ ثم رجح ثمَّ رجح)(١) إذن، فعُمَر أرجح من النبي وأفضل عند الله، وإذن، لسنا نعلم لماذا لم يكن عُمر نبيَّاً؟ ولا نعلم إلى مَن نوجِّه السؤال؟ وبالطبع إلى الأُستاذ أحمد أمين وزميله.ورووا أنَّ النبي قال: (ما أبطأ عني جبريل إلاّ ظننت أنَّه بُعث إلى عمر)(٢) .
وهذا صاحب الكتاب يحدِّثنا أنَّ أبا ذر كان يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: (إنَّ الله وضع الحق على لسان عمر يقولبه)(ص ١٧٦).ونحن لا نريد أن نفاجئك بالتشكيك في الحديث أو في قوة عمر الفطرية وإصابته، والذي نريد أن نذكر لك بعض قضايا ذكرها الأُستاذ تدلُّنا على وهن الحديث وعلى مقدار العثار والتناقض الذي وقع فيه، قال: (ولمَّا اختلفوا في المسألة المشتركة، وهي التي توفِّيت فيها امرأة عن زوج وأُم وإخوة لأُم وإخوة أشقَّاء، كان عمر يعطي للزوج النصف وللأُم السدس وللإخوة للأُمِّ الثلث فلا يبقى شيء للإخوة الأشقَّاء، فقيل له: هب أنَّ أبانا كان حماراً ألسنا من أُم واحدة؟ فعدل عن رأيه وأشرك بينهم)(ص ٢٨٥) ومن هنا سُمِّيت الشبهة الحمارية، ولسنا نعلم أنَّ الحق الذي وضع على لسان عمر يقول به كان إعطاؤه الأول أو الثاني؟ ولكن الإمام مالكاً في موطَّئه يسجِّل أنَّ عمر لم يصل إلى مدلول الكتاب في قضائه الأول ولا الثاني.
وإليك مثلاً آخر تستدل به على قوة عمر الفطرية، قال الأُستاذ: (روي أنَّ عمر استعمل قدامه بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إنَّ قدامة شرب فسكر) فقال عمر: مَن يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، قال عمر: يا قدامة، إنِّي جالدك، قال: والله لو كنت شارباً كما يقولون ما كان لك أن تجلدني، قال عمر: وَلِمَ؟ قال: لأنَّ الله يقول:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ) فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ّاتَّقوا وآمنوا ثم ّاتقوا وأحسنوا، شهدتُ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد)(ص ٢٣٧) فكان من القوة الفطرية أن عجز عن الجواب وأدار بعينيه إلى مَن كان جالساً من الصحابة فقال: (ألا تردُّون عليه قوله؟).
وتتجلَّى بوضوح قوته الفطرية وإصابته إذا سمعنا قصة الرجل الذي قتلته امرأة أبيه وخليلها
____________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) المصدر نفسه.وهذا الحديث يدل على أنَّ النبيصلىاللهعليهوآله كان شاكَّاً في نبوَّته، وهذا كما ترى لا يتَّفق مع أُصول الدين الإسلامي ولا مع مذهب من المذاهب الإسلامية.
ورأينا عمر يتردد في قتلهما لأنه لا يعلم هل يقتل الكثير بالواحد أو لا؟ ولولا عليعليهالسلام يقول له: أرأيت لو أنَّ نفراً اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضواً وهذا عضواً أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، فقال كذلك) لذهب دم القتيل أُضحية القوى الفطرية، والحق الذي وضع على لسانه، ولكن ما أشدّ ما تعجب حينما ترى صاحب الكتاب يعد تلك القضايا من مفاخر عمر ويحسبها نموذجا من قواه الفطرية وإصابته في معرفة العدل والظلم وخبرته الواسعة وكفاءته فيقول: (فعقله عقل قضائي) وفوق ذلك فقد يراه أفضل الصحابة!!!
كلمة إجمالية عن الشيعة
في لسان العرب: (والشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والشيعة أتباع الرجل وأنصاره، قال: وقد غلب هذا الاسم على مَن يتولَّى عليَّاً وأهل بيته (رضوان الله عليهم أجمعين)، حتى صار لهم اسما خاصاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة، عُرف أنَّه منهم.وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة، وفي أقرب الموارد: الشيعة الفرقة على حدة، وتقع على الواحد والاثنين والمذكّر والمؤنّث، وغلب هذا الاسم على كل مَن يتولَّى عليَّاً وأهل بيته حتى صار اسما لهم خاصاً، والشيعي مَن تولَّى عليَّاً وكان من الشيعة.
وقال الأزهري: (الشيعة قوم يهوون عترة النبيصلىاللهعليهوآله ويوالونهم).
وفي الملل والنحل: الشيعة هم الذين تابعوا عليَّاً على الخصوص وقالوا بإمامته وخلافته، وقال ابن خلدون في مقدِّمته: (الشيعة لغة هم: الصحب والأتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلِّمين الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه (رضي الله عنهم)، وربَّما أُطلق عليهم اسم الرافضة.وبعضهم خصَّ هذا الاسم بفرقة من شيعة الكوفة - كما في المصباح المنير - لأنَّهم رفضوا زيد بن علي بن الحسينعليهمالسلام حين نهاهم عن الطعن في الصحابة، وهذا تعليل غير مستقيم كما هو واضح، والذي نراه أنَّ هذا النبز وليد التشاجر والخلاف بين الشيعة والسنّة في تلك العصور المظلمة ،أطلقه دعاة التفرقة وأصحاب الأهواء والافتراء ظنَّاً منهم أنَّ ذلك وأمثاله سوف يكون سبباً لتفرق جماعة الشيعة وإبادة هذه الطائفة.
اختلفت الآراء في زمان تكوُّن الشيعة وكثرت التكهُّنات، حتى أنَّه قد يصعب على
الباحث معرفة زمان نشأتها إلاّ بعد عناء طويل ؛ فذهب بعضهم إلى أنَّ الشيعة تكوَّنت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسببها مسألة الخلافة، وأنَّ البذرة الأُولى هي الجماعة التي قالت: إنَّ عليَّاً أولى بالخلافة من غيره من المهاجرين والأنصار، ومن هنا وقع بعض المتطفِّلين في الخبط وزعم أنَّ الشيعة فرقة سياسية لا دينية ؛ ذلك أنَّهم تحزَّبوا للعلويين ومالوا إلى جعل الخلافة في جانبهم دون غيرهم، وذهب قوم إلى حدوث نشأة
الشيعة، ويرى بعضهم (أنَّ أساسها فارسي ؛ لأنَّ العرب تدين بالحرية والفُرس يدينون بالمُلك)، وعن بعضهم: (أنَّ الشيعة أخذوا أكثر معتقداتهم عن المعتزلة)(١) إلى ما هنالك من أقوال نشأ بعضها من الخلط والخبط وعدم معرفة الصدر الأول من الإسلام، وبعضها وليد العصبية الممقوتة والتقليد الأعمى.
وإنَّا لنستغرب هذا الخلط والخبط، وتشعُّب هذه الآراء حتى كأنَّ الطائفة الشيعية من بقايا الأُمم البائدة في الأعصر القديمة، فلا يرى الباحث مناصاً عن التكهُّن.
ولو أردنا أن نبحث عن أسباب هذا الغموض فلا شك أنَّه سوف ينتهي بنا البحث إلى أنَّ السياسة الأُموية الخرقاء هي التي ضغطت على الشيعة فقتلتهم تحت كل حجر ومدر، وجعلت الأقلام والآراء مقيَّدة، فلا يستطيع الكاتب أن يكتب ولا الشيعي أن يدافع بحريّة.
لقد علمتَ أنَّ الشيعة هم الذين يوالون عليَّاًعليهالسلام ويتابعونه ويفضِّلونه على سائر الصحابة من المهاجرين والأنصار، ونرى أنَّه في بدء الإسلام دخل في الإسلام مَن يتابع عليَّاً ويفضِّله ؛ وهو العبد الصالح أبو ذررضياللهعنه ، فإنَّه كان رابع المسلمين، ونرى سلمان الفارسيرضياللهعنه يقول: (بايعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له).إذن، من الإسراف على العلم وعلى أنفسنا أن نشكَّ في أنَّ الشيعة هي أقدم فرق المسلمين، وقد كان يطلق هذا الاسم على نفر من أصحاب رسول الله على عهدهصلىاللهعليهوآله .قال في روضات الجنَّات نقلاً عن الجزء الثالث من كتاب الزينة في تفسير الألفاظ المتداولة بين أرباب العلوم لأبي حاتم الرازي ما نصُّه: (إنَّ أول اسم ظهر في الإسلام على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة، وهم: أبو ذر وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود وعمَّار بن ياسر، إلى أن آن أوان صِفِّين فاشتهر بين موالي عليعليهالسلام ، وعلى مَن كان أتباع معاوية بالسُّني) ففي الحق أنَّ التشيُّع ظهر منذ انبثق
____________________
(١) العرفان، م ٥، ج ٢.
نور الإسلام من جبل فاران، وأضاءت به أرجاء الحجاز، ودوَّت صرخة (لا إله إلاّ الله) في هاتيك الشعاب، فالتشيُّع ظهر في العرب وعرفه الحجاز قبل أيِّ قطر، ثمّ اليمن ؛ فإنَّه انبثق فيه نور التشيُّع على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .وأمَّا أنَّه تجاوزه في ذلك العهد، فممَّا لا نعلمه، والذي نرجِّحه أنَّه لم يتجاوز اليمن إلى خلافة عثمان، كما نرجح أنَّه ظهر في سورية قبل ظهوره في غيرها من الأقطار الإسلامية، ففي تلك القطعة الصغيرة من سواحل سورية الغربية ظهر التشيُّع لحلول أبي ذر الغفاري بين ظهرانيهم، وأبو ذر هذا ممَّن عرفه كل أحد بميله الشديد إلى علي، وكان من شيعته، وفوق هذا كان داعية له، فأقام في الشام يبث دعوته لا يرهب في ذلك صولة ولا قوة، ولم يكن يثني عزيمته أو يلين شكيمته التهديد و الوعيد، وكان يخرج من الشام إلى الساحل يدعو الناس إلى علي، وقد لبَّاه الكثيرون.وله هناك مقامان مقام في الصرفند قريب من صيدا ومقام في ميس الجبل وهي قرية مشرفة على غور الأردن، والمقامان إلى الآن معروفان مشهوران بالانتساب إليه وقد اتُّخذا مسجدين، هذا ممَّا قام عليه التواتر بين أهل هاتيك البلاد ويدلُّنا على ذلك استغاثة معاوية بعثمان ؛ حيث كتب له أنَّ أبا ذر أفسد علينا الشام، فأمره بردِّه إلى المدينة، فأرسله مهاناً على بعير ضالع بغير وطاء.يقول ابن أبي الحديد: (فكتب عثمان إلى معاوية: أمَّا بعد، فاحمل جندباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره، فوجَّه به مع مَن سار به الليل و النهار، وحمله على شارف ليس عليها إلاّ قتب، حتى قدم المدينة وقد سقط لحم فخديه من الجهد)(١) ونحن لا يسعنا - ولا يسع أحداً - أن يسلِّم للطبري وابن الأثير وأمثالهما مراوغتهم عن إظهار الحقيقة وأنَّ الأمر الذي أحرج معاوية وأخرج غضبه عن مكمنه وأخرجه عن حلمه حتى شتم أبا ذر ونال منه ما نال هو رأيه في الأموال وشكاية الأغنياء منه، وقل لي متى كان يخرج عن حلمه لمثل هذا الأمر؟! بل الذي أخرجه عن سياسته في تحلُّمه أمر أعظم من هذا، هو إفساد الشام عليه بالدعوة لخصمه وعدوِّه في الجاهلية والإسلام، التي كادت تقضي على آمال معاوية وتذهب أتعابه أدراج الرياح.
وأمَّا التشيُّع في فارس، فالذي نستطيع أن نجزم به ويساعدنا عليه التاريخ أن مبدأه كان في أواخر الدولة الأُموية، ولم يكن له ذلك الانتشار و الظهور ولا ثابت الأركان حتى ولا في زمان البويهيِّين، إلى أن انقرضت الدولة الخوارزمية، وقامت مقامها الدولة المغولية، وتعاقبت ملوكها إلى زمن السلطان أولجايتو محمد المغولي الملقّب بشاه خُدا بَنْدَه المتوفَّى سنة ٧١٦ فإنَّه
____________________
(١) شرح النهج، ج ١، ص
الذي أظهر التشيُّع في فارس ودعا إليه، وأمر بأن يخطب بأسماء الأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام على المنابر، وسبّب هذا الانقلاب وقوع حادث اقتضى إحضار الإمام أبي محمد الحسن بن المطهَّر الحلِّي الشهير بالعلاّمة من العراق وكان من أعلام الشيعة وأفذاذها، فجمع الشاه خُدا بَنْدَه العلماء وأمرهم بالمناظرة في المذاهب(١) .
وهكذا سلاطين إيران كانوا يهتمُّون ببث دعوة التشيُّع والتبشير به، ومع ذلك لم تصبح حكومة فارس شيعية محضة إلاّ في زمن الشاه عبّاس الصفوي
الكبير، فإنَّ مذهب التشيُّع حينذاك صار رسمياً، وأخذ العلماء يتوافدون على إيران ويردُّون على الشاه، وكانوا عنده موضع التَجِلَّة والاحترام والإكبار والإعظام.
يقف الباحث الذي يسبر غور التاريخ مستغرباً عند ما يرى أنّ الشيعة اليوم وقبل اليوم تشغل جزءاً كبيراً في الشرق الأدنى والأقصى، ويرى أنَّ بقاءها من أكبر المعجزات، بل من خوارق العادات ؛ لأنهَّ مهما فتَّش صفحات التاريخ ليجد أُمة من الأُمم أصابها من النوائب والظلم والاعتساف والقتل الذريع والنهب ما أصاب الطائفة الشيعية فلا نظن أنَّه يجد ،
____________________
(١) خلاصة تلك الحادثة أنَّ الشاه خُدا بَنْدَه(محمد المغولي) غضب على زوجته فقال: أنت طالق ثلاثاً، ثمّ ندم واستفتى العلماء في الرجوع
إليها، فقالوا: لا بدَّ من المحلِّل، فقال: عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أوليس لكم هنا اختلاف؟ فقالوا: لا، وقال له أحد وزرائه: إنَّ عالماً بالحلَّة يقول ببطلان هذا الطلاق، فكتب كتاباً إلى العلاّمة الحسن بن المطهَّر، فلمَّا فهم العلماء قالوا: إنَّ له مذهباً باطلاً ولا عقل للروافض، ولا يليق بالملك أن يطلب رجلاً خفيفاً.ولمَّا حضر العلاّمة جمع الشاه علماء المذاهب الأربعة ودخل العلاّمة عليهم وأخذ نعليه في يديه وجلس إلى جانب الشاه، فارتاح العلماء لهذا الفعل الغريب وكأنَّهم استظهروا على الملك فقالوا: ألم نقل لك أنَّهم ضعفاء العقول، فقال الملك: اسألوه عن كل ما فعل، فقالوا له: لِمَ جلست إلى جانب
الملك؟ فقال: ليس في المجلس مكان غيره، فقالوا له: لماذا أخذت نعلك معك وهذا ممَّا لا يليق بعاقل في مجالس الملوك؟ فقال: خفت أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنيفة نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فصاح الحنفية: حاشا وكلاّ، متى كان أبو حنيفة في زمان رسول الله؟! فقال: لعل السارق
الشافعي، فقال الشافعية: لم يكن الشافعي زمان رسول الله، فقال: لعل السارق مالك، والجواب عيناً، فقال: لعل السارق أحمد بن حنبل، فأجابه الحنابلة بما تقدَّم، وحينئذ التفت العلاّمة إلى الملك وقال: لقد علمت أنَّه لم يكن أحد من أئمة هذه المذاهب في زمن الرسولصلىاللهعليهوآله ولا في زمن أحد من صحابته، فهذه إحدى بدع أهل السنَّة أن اختاروا أربعة من مجتهديهم وقلَّدوهم ولم يجيزوا لأحد غير هؤلاء الأربعة أن يفتي الناس برأيه ولو كان أفضل من هؤلاء! وأمَّا نحن الشيعة، فتابعون لعلي أمير المؤمنينعليهالسلام نفس رسول الله ووصيه وأخيه ووزيره، ولكل عالم منَّا بلغ مرتبة الاجتهاد أن ينظر في أخبار محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وآل محمد ويعمل بنظره ويفتي الناس برأيه.وأمَّا طلاق الملك زوجته، فباطل ؛ لاختلال شروطه ومنها العدالة، فهل أوقع الملك الطلاق بمحضر عدلين؟ فقال: لا.وبعد هذا أخذ معهم بالمناظرة حتى أفحمهم وتشيَّع الملك وحاشيته. انتهى بتصرُّف منَّا.
وحسبك شاهداً أنَّ معاوية كتب نسخة واحدة إلى عماله: (أنْ برئت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته) وأنَّه لكتاب قتل الشيعة تحت كل حجر ومدر ونفاهم عن عقر دارهم، وكان أشدَّ الناس بلاء أهل الكوفة، وما لاقاه الشيعة من ظلم بني العبَّاس أشدُّ وطئاً وأشنع فعلاً، وبالرغم عن هذه المذابح فإنَّ الدليل الواضح على صحة ما تمسَّك به الشيعة كان لا يزال يبعث في النفوس الرغبة إلى اعتناق مذهب التشيُّع، حتى أنَّ الشيعة اليوم يعدّون ثلث المسلمين تقريباً، يسكنون في بلاد متعدِّدة في إيران والهند والعراق والأفغان واليمن وسوريا والحجاز والصين وروسيا وبخارى والأناضول والبحرين وجاوه.
كنت أودُّ أن أبسط القول في عقائد الشيعة إلاّ أنَّ مراعاة الاختصار أوقفتني عن ذلك، ولكن أقول إجمالاً: إنَّ الشيعة لا يفترقون عن سائر المسلمين في أُصول العقائد إلاّ في الإمامة وعصمة الإمام ووجوب العدل على الله تعالى، فإنَّهم يقولون بعدله، فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، وهناك بعض المسائل كقِدَم القرآن والتجسيم وعدم عصمة النبيصلىاللهعليهوآله ، فإنَّ الشيعة في كل ذلك يعارضون الفِرق التي تقول بذلك، فهم يعتقدون بحدوث الفرقان وعدم تجسيم الإله وعصمة النبي عن الكبائر والصغائر في الكبر والصغر قبل النبوة وبعدها، وتفصيل ذلك في الكتب الكلامية.وعلى الإجمال أنا ضامن لك أنَّه ما من قول للشيعة إلاّ وفيه رواية من طرق السُّنة في الغالب يمكن للباحث أن يحتج بها.وأمَّا الفروع، فالضروري منها كالصوم والصلاة والحج والزكاة والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يخالفون غيرهم من المسلمين في شيء منها.وأمَّا الفروع النظرية المتعلِّقة بالعبادات والمعاملات وإن اختلفوا عن غيرهم في بعضها إجمالاً إلاّ أنَّه ليس هذا إلاّ كاختلاف الحنفي مع المالكي أو مع الشافعي وهكذا.
هذه كلمة إجمالية عن الشيعة قدَّمناها لك لتعرف قيمة بحث صاحب الكتاب عنهم، وكان الإنصاف يقضي على صاحب الكتاب أن يعتدل في
سيره، ويتبع في بحثه الأُصول المتَّبعة قديماً وحديثاً ؛ فإنَّ كل مَن يريد أن يطرق باب البحث في موضوع من الموضوعات ويحلِّل ذلك الموضوع تحليلاً فنِّياً لا بد أن يدرسه درساً صحيحاً أولاً ثمّ يكتب ما يبدو له، فيكون حينذاك بحثه قيِّماً ونتائجه صالحة ذات قيمة في سوق العلم، فهل يصح أن يكون طبيباً مَن لم
يتعلَّم الطب؟ أو مصوِّراً مَن لا يعرف فنَّ التصوير؟
أهل البيت أولى الناس أن يخلفوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولكنَّ صاحب الكتاب لم يشأ أن يدرس حياة الشيعة بالدرس الصحيح النزيه، فيكتب عنهم وعن رأيهم في الخلافة عن علم وبصيرة، ويكون حراً غير مقيَّد بتلك القيود والأغلال الثقيلة التي ملكت عليه عقليَّته فجعلته مقيَّداً مرة بتلك الآراء الفاسدة التي كان سلفه يسوِّد بها الصحائف ظناً منهم أنَّ ذلك يشوِّه صفحة تاريخ الشيعة، ومرة ثانية باجتهاداته المزيَّفة، فهو يحدِّثنا أنَّه (كانت البذرة الأُولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله أنَّ أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه، وأولى أهل البيت العبَّاس عمِّ النبي، وعلي ابن عمِّه، وعلي أولى من العبَّاس لِمَا بيَّ-نَّا من قبل، والعبَّاس نفسه لم ينازع علياً في أولويَّته بالخلافة)(ص ٣١٧) ولا نعلم أنَّ حديثه هذا أكان عن اجتهاد منه أو استند فيه إلى تاريخ، ولقد عرفت أنَّ التاريخ يساعد على أنَّ البذرة الأُولى للشيعة كانت منذ أشرقت شمس الهداية على جبال فاران، مضافاً إلى ما عرفته عن كتاب الزينة أنَّ أول اسم ظهر في الإسلام على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو الشيعة.وليت صاحب الكتاب حدَّثنا من أين علم أن الشيعة تقول: إنَّ أهل بيت النبي بما فيهم العبَّاس هم أولى
بالخلافة؟ وهل رأى في كتاب من كتب الشيعة قولاً أو احتمالاً في أنَّ العبَّاس كان له الحق أن يلي الخلافة أو لائقاً لها؟
والذي أظن أنّ الذي أوقعه في هذا الخطأ - وما أكثر خطأه - أنَّه كتب وهو يجهل مذهب الشيعة ويجهل معتقدات الشيعة، وإنَّما سمع أنَّ الشيعة تقول: الخلافة في أهل البيت فظن أنَّ العبَّاس من أهل البيت الذين لهم الحق في أن يلوا الخلافة.
لا نريد أن نندب عليه شيئاً سوى كتابه الذي ملأه جهلاً ومناقضات قبيحة، ووضعه بين يدي الجامعة المصرية وبين يدي ناشئتها وبين يدي زملائه أساتذة الأدب وتاريخ الأدب، ليمثِّل بذلك الحياة العلمية الأدبية ويمثِّل الحرية في البحث والحرية في الرأي.وإنَّا نرتاح حينما نراه يتحدَّث أنَّ الشيعة في عصر كانت ترى أنَّ العبّاس عمِّ النبيصلىاللهعليهوآله أولى بالخلافة، وأنَّها في عصر آخر تطوَّرت فكانت ترى أنَّ عليَّاً هو الذي يجب أن يكون خليفة لأنَّ النبي استخلفه ونصَّ عليه، نرتاح لذلك لأنَّا نعلم أنَّ بهذه المناقضات القبيحة أفسد عليه رأيه وأسقط كتابه من ميزان الأعمال الصالحة والآراء الناضجة، ولأنَّا نعلم - ويعلم كل أحد - أنَّ الشيعة لم تتطوَّر
في شيء من ذلك ولا في عصر من العصور، فإنَّ النفر الذين كانوا البذرة الأُولى للشيعة إنَّما تابعوا عليَّاً بأمر من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يكن الباعث لهم على مبايعته أنَّه من أهل بيت نبيِّهم، كما لم يكن الباعث لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (فيما يعتقد الشيعة) على استخلاف علي أنَّه ابن عمِّه ومن أهل بيته، وإنَّما كان ذلك بأمر من الله تعالى، ولقد عرفت ما قاله سلمان الفارسيرضياللهعنه : (بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له) ولا من شك بأنَّ مبايعة الرسول على شيء لا تكون إلاَّ بأمر منه، كما أنَّ أمره لا يكون إلاّ عن أمر الله تعالى ؛ فإنَّه( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) .
وأمَّا أنَّ الدعوة لعليعليهالسلام ظهرت بسيطة، فلعلها محاولة تُستقى من القول بأنَّ الشيعة حزب سياسي قام ضد سقيفة بني ساعدة (النزيهة)، وهذه محاولة سنأتي عليها فيما بعد، ولكن نقول هنا: إنَّ الحق- الذي لا نبالي إنْ صرَّحنا به -أنَّ السُّنة حزب سياسي وليد الظروف الزمنية والطقوس، أعان عليه تهتُّك معاوية وعدل علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وليس من الشاق العسر علينا إثبات ذلك إن أراد أحمد أمين ولفيفه أن يفتقوا الرتق، ولهم علينا شرطهم أن لا نعتمد على شيء من تاريخ الشيعة.
لقد عرفنا التاريخ الذي يدمدم في أحداث عثمان وبوائق معاوية وفظائع يزيد ويتلوَّن عند سبر الحقائق الراهنة، وعرفناه كيف يشيد ذكر جماعة من الأصحاب ويخلِّد أسماءهم ولو بالافتعالات، وكيف يغمط حقوق آخرين ويتعامى عن مآثرهم وفضائلهم، وعرفناه أنَّه في ذلك كلِّه يمشي وراء الأهواء والأغراض، تقوده العصبية والتبصبص.إذن، فما بال صاحب الكتاب يستريح إلى هذه الخلاصة التاريخية: (أن لا نص على الخليفة، فتُرك الأمر لإعمال الرأي ؛ فالأنصار أدَّاهم رأيهم إلى أنَّهم أولى بها، والمهاجرون كذلك، وأصحاب علي إلى أنَّ الخلافة ميراث أدبي)(ص ٣١٧) ولماذا اعتمد الأُستاذ على هذا التاريخ المزيَّف ولم يوسِّع المجال للفكر والتمحيص؟ ولماذا يشك في كثير من الأشياء التاريخية ولم يشك في هذه الخلاصة؟ ولماذا لم ينس عواطفه المذهبية ليكون ضميره نزيهاً، وفكره مطلقاً، وقلمه حرَّاً غير مأسور للعاطفة، ورأيه محترماً؟ فإنَّ ثقافة العصر الحاضر لا أظنُّها تسمح له بالاستلام للتقاليد الممقوتة.
الغربي سيِّدُ صاحب الكتاب وإمامه المتَّبع، يقطع الفيافي والقفار ويخوض غمار البحار
ويركب المخاطر والأهوال، ويعرِّض نفسه للأُسود الكاسرة والوحوش الضارية، ويبذل الأموال الطائلة والنفائس ممَّا تملكه يداه، كل ذلك ليكتشف حقيقة تاريخية، إذن، ما بال صاحب الكتاب لا يفحص عن حديث القائلين: (إنَّ أصحاب علي أدَّى رأيهم إلى أنَّ الخلافة ميراث أدبي) أو أنَّه نصٌّ من
النبي؟ فإنَّ ذلك لا يكلِّفه شيئاً ممَّا يتكلَّفه الغربي! فإنْ لم يجد في مصر من الشيعة من يمكنه إثبات ذلك بالدليل والبرهان، فأنا ضامن له بأنَّه يجد في العراق أو سورية أو إيران أو اليمن أو غيرها من بلاد الشيعة مَن يجيبه ويبيِّن له أنَّ أصحاب علي لم يقولوا بأن الخلافة ميراث أدبي، بل قالوا: إنَّه نصٌّ من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قل لي بربِّك في أيِّ حالة تنتظر منه أن يحتج بالنص على خلافته؟ أحين جاؤوا فنادوه وهو ممتنع عن بيعتهم في داره ومعه أهل بيته وثلَّة من
شيعته، فلمَّا أبى أن يخرج إليهم دعا عظيمُهم بالحطب والنار وقال: (والذي نفس عمر بيده لتخرجنَّ أو لأحرقنَّها على مَن فيها، فقيل له: يا أبا
حفص، إنَّ فيها فاطمة؟ قال: وإنْ)؟(١) أم حين وقفت فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وراء الباب فقالت لهم: (لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر
منكم ؛ تركتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تُعطونا حقَّنا)؟(٢) أم حين نادت بأعلى صوتها: (يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطَّاب، وابن أبي قحافة؟) ؟ أم حين أخرجوا عليَّاً وبضعة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تعدو خلفه عدو المذعورات (فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، قال: (فإن لم أفعل؟) قالوا: إذن- والله- نضرب عنقك، قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله، فقال عمر: أمَّا عبد الله فنعم، وأمَّا أخو رسول الله فلا)؟(٣) أم حين لحق بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصيح ويبكي وينادي: (يابن أُم، إنَّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)؟(٤) أم حين طفق يرتئي بين أن يصول بيد جذَّاء أو يصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأى أنَّ الصبر على هاتا أحجى، فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجا؟
____________________
(١) راجع: أوائل كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) هذا من الأخبار المتواترة ولا سيَّما من طريق العترة الطاهرة، وقد ذكره الإمام ابن قتيبة في أوائل الإمامة والسياسة، وإذا كانت مكابرتهم إلى هذا الحد، أي إلى حد لم يشاؤوا أن يعترفوا بأنَّه أخو رسول الله، فكيف يصغون إلى النصِّ بخلافته؟!
(٤) المصدر نفسه.
ما بايع أبا بكر مبايعوه (وهم الجمهور) ولا بسط يده لبيعتهم حتى اتَّخذوا ذلك النصَّ ظهرياً وكان لديهم نسياً منسياً، وما أخذوا بهذا الحزم ليبقوا مجالاً يتسنَّى فيه لعلي أن يحتج به عليهم فيكبحهم ويفضحهم ويقطع خط الرجعة عليهم، وكيف يسمحون له - وهم أهل السلطة - بأن يحتج عليهم بما يرفع سلطتهم ويلغي دولتهم وينقض عقدهم وعهدهم، ويوجب الطعن المؤبَّد في جماعتهم وفي كل فرد من أشخاصهم؟
وعلي لم يكن قادراً على ذلك إلاّ إذا تحيَّز إلى فئة وأعلن عليهم حرباً عَوَاناً، لكنّ إعلان الحرب عليهم في تلك الظروف يوجب نحر الإسلام في لبّته، وحاشا أمير المؤمنين أن يؤثِر إلاّ الاحتفاظ بالدين والاحتياط على المسلمين، فأغضى على القذى وشرب على الشجى وصبر على أخذ الكَظم وعلى أمرِّ من طعم العلقم(١) ومن راجع الفصول المهمّة في تأليف الأُمة(ص ٨٤) يجد تفصيل هذه الجملة، على أنَّ عليَّاًعليهالسلام كان يغتنم الفرص فيحتج بنصوص خلافته بقدر ما تسمح له تلك الفرص ؛ كما فصَّله سيدنا في مراجعاته الأزهرية ومناظراته البشْرِيَّة، قال أيَّده الله في المراجعة(١٦):
الخامس : ما أخرجه غير واحد من ثقاة المحدِّثين وأئمَّتهم - واللفظ للإمام أحمد في صفحة ١٧٠ من الجزء الرابع من مسنده - من حديث زيد بن أرقم عن
أبي الطفيل قال: جمع عليٌ الناسَ في الرحبة ثم ّقال: (أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لَمَا قام) فقام ثلاثون من الناس فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: (أتعلمون أنِّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) قالوا: نعم يا رسول الله، (قال: مَن كنت مولاه فهذا مولاه، اللَّهُمّ وال مَن والاه وعاد مَن عاداه) فحدَّث أبو الطفيل بعدها زيد بن أرقم بهذه المناشدة وما سمعه في جوابها من الصحابة، فقال له زيد: (كما في صفحة ٣٧٠ من الجزء الرابع من مسند أحمد) فما تُنكِر؟ أنا قد سمعت رسول الله يقول ذلك).وكان في هؤلاء الثلاثين اثنا عشر بدريَّاً فيما أخرجه غير واحد من المحدِّثين كالإمام أحمد في صفحة ٨٨ من الجزء الأول من مسنده، وربَّ رجالٍ أقعدهم بغض أمير المؤمنين عن القيام بواجب الشهادة فأصابتهم دعوته كأنس بن مالك ؛ حيث قال له أمير المؤمنين: (ما لك لا تقوم مع أصحاب رسول الله فتشهد بما سمعته يومئذ منه؟) فقال: يا أمير المؤمنين، كبرت سنّي ونسيت! فقال علي: (إنْ كنت كاذباً، فضربك الله ببيضاء لا تواريها العمامة) فما قام حتى ابيضَّ وجهه برصاً، ذكر
____________________
(١) كما قال فيما هو ثابت عنه.
هذه الحكاية عن أنس قوم كثيرون كالإمام ابن قتيبة الدينوري ؛ حيث ذكر أنساً في أهل العاهات من كتابه (المعارف)، ونقلها ابن أبي الحديد عن جماعة من شيوخ البغداديين في أول صفحة ٣٦٢ من المجلَّد الأول من شرح النهج، وفي صفحة ١٩ من الجزء الأول من مسند أحمد ما يشهد بذلك، حيث أخرج من حديث عليعليهالسلام عن سماك بن عبيد بن الوليد العبسي قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدَّثني أنَّه شهد عليَّاً في الرحبة قال: (أنشد الله رجلاً سمع رسول الله وشهده يوم غدير خم إلاّّ قام، ولا يقم إلاّ مَن قد رآه) فقام اثنا عشر رجلاً (يعني من أهل بدر)، فقالوا: قد رأيناه وسمعناه ؛ حيث أخذ بيده يقول: الحديث.وآخره أنَّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم، فأصابتهم دعوته.وروى عثمان بن سعيد عن شريك بن عبد الله (كما في صفحة ٢٠٩ من الجزء الأول من شرح النهج للعلاّمة المعتزلي) قال: لمَّا بلغ عليَّاً أنَّ الناس يتَّهمونه فيما يذكره من تقديم النبي وتفضيله إيَّاه على الناس قال: (أنشد الله مَن بقي ؛ مَن لقي رسول الله وسمع مقاله يوم غدير خم إلاّ قام فشهد بما سمع) فقام ستة ممَّن عن يمينه من أصحاب رسول الله وستّة ممَّن عن شماله من الصحابة أيضاً، فشهدوا أنَّهم سمعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول ذلك اليوم وهو رافع بيد علي: (مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللَّهُم وال مَن والاه وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره واخذل مَن خذله، وأُحب مَن أحبه وأُبغض مَن أبغضه).
أليس هذا من احتجاجه بالنص على خلافته؟ بلى والله، ولو أراد أن يحتجَّ بمجرَّد فضائله لذكر بعض سوابقه أو مناقبه أو مواقفه أو خصائصه أو شيئاً ممَّا نزل الوحي والقرآن به من فضله أو لمعة ممَّا ثبت عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في جلالة قدره وعظم شأنه، فإنَّ ذلك أكثر من أن يحصى وأظهر من أن يخفى، لا يجحده جاحد فيحتاج في إثباته إلى شاهد وإنَّما يحتاج إلى الشهود منصبه المجحود، وما جمع الناس إلاّ لإثبات ذلك المنصب كما لا يخفى، وكم تظلَّم وتألَّم واستعدى الله على قريش حيث أكفأوا إناءه وصغَّروا قدره، ومَن راجع كلامه وجد الكثير منه يرمي إلى اغتصابهم حقَّه الذي جعله رسول اللهصلىاللهعليهوآله له، والتفصيل في كتاب: المراجعات الأزهرية والمناظرات البِشريَّة.وهذا القدر كافٍ لتزييف نظرية الأُستاذ أحمد أمين حيث يقول: لم يرد نص من طريق صحيح أنَّ عليَّاً ذكر نصَّاً من آية أو حديث يفيد أنَّ رسول الله عيَّنه للخلافة(ص ٢١٨). وقد علمت وعلم الناس كافَّة أنَّ حديث الغدير قطعي الصدور ؛ حتى اعترف بتواتره جماعة من خصوم الشيعة كصاحب الفتاوي الحامدية في رسالته الصلوات الفاخرة في الأحاديث
المتواترة.أمَّا احتجاج علي به في الرُّحبة، فقد رواه الإمام أحمد بن حنبل بسند كلُّه من رجال البخاري ومسلم، فاحتجاجهعليهالسلام به- إذن- قد ورد من طريق صحيح، على أنَّ الدواعي لكتمانه أكثر من أن تحصى، فلا عجب من عدم وروده وإنَّما العجب من وروده، وقد ورد والحمد لله رب العالمين.
ما أشدَّ ما تعجب حينما ترى صاحب الكتاب ينفق ما عنده من قوة ويبذل ما يستطيعه من جهد ليثبت أنَّ الشيعة ليسوا على شيء من الإيمان، وما أشدَّ ما يتمسَّك بالأقوال الباطلة والآراء الزائفة ؛ كل ذلك ليسقط الشيعة من ميزان الأعمال.وليس هذا بالأمر العجيب على مَن تأثَّر بالعاطفة، فإنَّ هذه روح سارية ينزع إليها كل مَن تعرَّض للشيعة، ولكنَّ العجيب أن يقوم اليوم رجال يزعمون أنَّهم تشبَّعوا بروح الحرية والإخلاص للأُّمة، ويموِّهون على الناس أنَّهم تحلَّلوا من كل قيد وكل نزعة، ولا يريدون إلاَّ الإصلاح ورتق الفتق ولمَّ الشعث، وإذا رأيت ما يكتبون تعلم أنَّهم من بقايا تلك القرون الماضية بنزعاتهم وعواطفهم كأنَّ الدهر غفل عنهم، ومنهم صاحب الكتاب أُستاذ الجامعة المصرية اليوم.
نحن لا نشك بأنَّه يخدع نفسه بتلك النتائج التي يصل إليها عندما يستعرض مذهب الشيعة ؛ ذلك أنَّه ليس من الصواب في شيء أن يستمد صاحب الكتاب بحثه عن الشيعة من آراء رجال ثارت في نفوسهم العاطفة المذهبية فتأثَّرت أقلامهم، وكانوا يرخون العنان لتلك الأقلام فتسطِّر ما توحيه إليها تلك العاطفة بكل ما يصل إليها من أوهام، ولا يرى أحدهم بُدَّاً إن أراد أن يبحث أو ينقد إلاّ أن يجعل تلك النعرة ميزان البحث ومقياس النقد، ولا يبالي بالعثار الذي يتخبَّط فيه والتزوير الذي يرتكبه.
نسوق لك مثلاً من أُولئك الرجال المؤلِّفين: ابن خلدون وتحامله على النبي وأهل بيت النبي (صلوات الله عليهم)، يقول :(ونعوذ بالله ممَّا يقول( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) ): (وشذَّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به، بنوه على مذاهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح وعلى قولهم بعصمة الأئمة، ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أُصول واهية)... إلخ، عجباً لِمَ لا تسيخ الأرض بأهلها، ولم لا يموت المسلم أسفا !! ابن خلدون ومَن يتولاَّهم على السُّنة والهدى، وأهل البيت شذَّاذ مبتدِعون؟!
فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ |
ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هازِل |
وهل يعلم ابن خلدون وأتباع ابن خلدون مَن هم أهل البيت؟ هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، والذين فرض القرآن مودَّتهم وباهل بهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهم سفينة النجاة وأمان الأُمة وأحد الثقلين.ذهب ابن خلدون بما كسبت يداه وسيلقى غداً جزاءه، فنحن نسأل أنصاره اليوم عن الشذوذ الذي شذَّه أهل البيت والبدع التي ابتدعوها؟! فهل أباحوا لحوم الكلاب ونكاح الأب بنته من الزنا؟ أم أباحوا للرجل أن ينكح المرأة فيطأها، ثمّ يخلعها فوراً على بذل شيء، ثم ّيعقد لنفسه عليها بمهر عقد نكاح آخر، ثم يطلِّقها قبل أن يمسًَّها بعد العقد الثاني، فتتزوَّج رجلاً ثانياً في تلك الساعة على تلك الكيفية، ثمّ تتزوَّج الثالث والرابع إلى ما لا نهاية له، بدون عدِّة ولا انفصال مع كونها شابة؟! وإذا وقع عقد النكاح بين الرجل وهو في أقصى المغرب والمرأة وهي في أقصى المشرق، فحملت تلك المرأة التي لم تر ذلك الرجل ولم يرها أصلاً، فولدت والحال هذه بنين عديدة وبنات كثيرة؟! فهل بلغكم أنَّ أهل البيت وشيعتهم حكموا في المسألة فوق العقل، فألحقوا تلك البنات والبنين بذلك الرجل المسكين الذي لم يستظل بسماء تلك العاهر ولا أقلَّته أرضها أبدا ؟ وهل أباح أهل البيت وشيعتهم الوضوء بالنبيذ، والتكبير بالفارسية، والوقوف في الصلاة على رجْل واحدة، وقراءة دوبلك سبز (اكتفاء بلفظة فارسية معناها: مدهامَّ-تان)، والسجود على العذرة اليابسة، والتعمُّم في الصلاة بعمامة منسوجة من شعر الخنزير وعليه ثوب أقل من ربعه ملطَّخ بالعذرة، وهو مع ذلك جلد ميتة مدبوغ، ثم يختم صلاته بضرطة عمداً؟ وهل جوَّزوا أن يبقى الولد في بطن أُمِّه أربع سنين؟ أو أو إلى ما هنالك من شواذّ ابتدعها غيرهم كالقول بأنَّ حكم الحاكم يقلب الحقيقة ويغيِّر الواقع ؛ فلو أنَّ رجلاً اعتدى على رجل آخر فادَّعى الزوجية على امرأته، وهو يعلم نفسه مبطلاً، فرفع دعواه هذه إلى القاضي ولفَّق شاهدي زور، فشهدا له بما ادَّعاه من أنَّ عقد نكاحه عليها سابق على عقد نكاحها على زوجها الحقيقي، شهدا هذه الشهادة الباطلة ،وهما يعلمان أنَّها باطلة، وتمكَّن المدَّعي المُبطل من تزكيتهما على وجه تمَّت له الموازين عند القاضي، فحكم القاضي بأنَّ تلك المرأة زوجته، فهل بلغكم أنَّ أهل البيت وشيعتهم أفتوا في هذه المسألة بما أفتى به غيرهم ؛ من أنَّها: (حلَّت ظاهراً وفي الواقع ونفس الأمر) للمبطل المزوِّر، وحرمت (ظاهراً وفي الواقع ونفس الأمر) على زوجها؟! حاشا لله أن يكون ذلك من أعدال القرآن وحزبهمعليهمالسلام .
هذه كتب فقهائهم في الأُصول والعقائد ملأت الخافقين، فليتصفَّحها صاحب الكتاب وغيره من هؤلاء المتهوِّسين وليدلنا على مواضع الشذوذ والابتداع منها.
يبقى لنا سؤال آخر، هو: إنَّه كيف يُبنى الفقه على تناول الصحابة بالقدح؟ وكيف يكون تناول الصحابة - كلاً أو بعضاً- دليلاً لحكم شرعي؟؟ أنا لا أعلم ذلك، ولا (الفيلسوف) ابن خلدون يعلم هذيانه، ولا أتباع ابن خلدون يعلمون ذلك.
اتِّهام الشيعة بتناول بعض الصحابة هو الذي حمل أقلام أهل السُّنة على أن تنفث السم الزعاف وتتهتَّك بالسباب والشتم، ولا يبالون بأنَّ الرجل منهم قد يزل قلمه زلَّة توجب مروقه من الدين كما مرق ابن خلدون ؛ فإنَّه لم يشتم الشيعة فحسب، بل شتم أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وسفينة النجاة، وباب حِطّة، وأعدال كتاب الله عزَّ وجل.
نعم، لقد اتَّهم الشيعة بتناول بعض الصحابة، وعبثاً نحاول لو أردنا تبرئتهم من هذه التهمة، ونرى الكلام بذلك لغواً بحتاً ؛ فإنَّ هؤلاء المهووسين لا يركنون إلى براءتهم ولو أقمنا على ذلك البراهين الساطعة، إذن، فلندع هذا الباب موصداً، ولكن نريد أن نتعرَّف المدرك لتطاول أهل السُّنة على إخوانهم الشيعة وهينمتهم عليهم، وقذفهم إيَّاهم بكل أنواع الشتم والسب، والحكم عليهم بالكفر وإباحة الأموال والأعراض - كما عرفت عن الشيخ نوح الحنفي - ومهما فتَّشنا عن المدرك لتلك الأحكام القاسية فلا نجد مدركاً سوى ما ينسب إليهم من تناول بعض الصحابة بالقدح، وإن صح أن يكون هذا مدركاً لهذه الأحكام فجدير بأهل السُّنة أن يحكموا بكفر كثير من الصحابة، فإنَّ التاريخ يحفظ لنا على صفحاته أحاديث عن شتم بعض الصحابة لبعض، بل قتل بعضهم لبعض، فهذا التاريخ يحدِّثنا أنَّ عمررضياللهعنه قال: (قتلني الله إن لم أقتل سعداً)، وقال عن حاطب: منافق، مع أنَّ حاطباً مهاجر بدري، وهمَّ بإحراق بيت فاطمة أو بيوت بني هاشم كما في رواية المسعودي وغيره ونص عليه الشهرستاني في مِلله(ص ٤١)، وحدَّثنا عن كلام سعد بن عبادة وحباب بن المنذر (رضي الله عنهما) وإهانتهما يوم السقيفة للصحابة، وحدَّثنا أنَّ عثمان شتم أبا ذر ونفاه، وأنَّه شتم عمَّاراً وجلده وجلد ابن مسعود، وأنَّ عائشة قالت: أشهد أنَّ عثمان جيفة على الصراط، وقالت: اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً ؛ اقتلوه فقدك كفر.وأنَّ معاوية شتم أبا ذر، وأنَّه أول مَن أعلن سبَّ أمير المؤمنين والحسن والحسين وابن عبَّاس حتى صار الشتم والسب سُنَّة تبعه عليه علوج بني أُمية وأشياعهم، وأنَّه دسَّ السمَّ لسبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وريحانته من الدنيا سيد شباب أهل الجنة الحسن بن عليعليهماالسلام ، ودسَّه أيضاً لسعد بن أبي وقَّاص ولعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ودسَّ السمَّ بالعسل لقتل مالك الأشتر وقتله، وقال: (إنَّ لله جنداً من عسل).وقتل حجر بن عدي، وقتل عمرو بن الحمق الخزاعي وحمل رأسه، وهو أول رأس حمل في الإسلام، وكان ممَّن أبلته العبادة ومن خيار صحابة رسول الله، وقتل غيرهما من الصحابة والأولياء الصالحين.وخالد بن الوليد قتل مالكَ بن نويره ونكح زوجته في ليلة مقتله بالاجتهاد، ولعل القائل يقول: إنَّ مالكاً هذا كان مرتداً، ولكن عجباً مَن كان مرتداً كيف يؤدِّي من بيت مال المسلمين؟ إلى آخر ما هنالك من سب وشتم وقتل وحروب دامية يوم الجمل وصِفِّين، يقف عليها الباحث بين دفتي كتب السير والتاريخ، فهل يقول أهل السُّنة أنَّه كان بين الله وبين صحابة النبي صلة رحم فأباح لهم الشتم والقتل وحرَّمهما على غيرهم؟ وأثابهم على ذلك وعاقب غيرهم عليه؟ كلاّ، لم يكن شيء من ذلك.أو يظن أهل السُّنة أنَّ الله تعالى نظر إلى أصحاب النبي وقال لهم: افعلوا ما شئتم، فيريدون أن يترحَّم الشيعة على معاوية بن أبي سفيان رأس القاسطين، وسمرة بن جندب المضار بنص رسول الله، الذي لم يقبل ضمان رسول الله بقصر في الجنة عوض نخلة، وبسر ابن أرطاة الذي ولغ في دماء المسلمين، ووحشي - قاتل حمزة - المدمن للخمر الذي مات في حمص شهيد الصهباء، والوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن، ومروان بن الحكم الوزغ بن الوزغ، الملعون ابن الملعون، على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ ولو أنَّ الظروف تسمح بالتفصيل لفصَّلنا.
وبعد هذا لنا ان نستميح العذر للشيعة إن صحَّ ما يُنسب إليهم، وليس لأهل السُّنة أن يستعظموا ذلك إلى حد يستحلُّون دماءهم ويبيحون أموالهم وأعراضهم، ولقد مضى عصر الهيمنة فما بال المثقَّفين في العصر الحاضر ينسجون على ذلك النول ويوقِّعون على تلك الألحان؟!
نعم، كان الواجب على صاحب الكتاب حينما يستقبل البحث عن مذهب الشيعة وعن النصوص التي تمسَّكوا بها على خلافة عليعليهالسلام أن يتثبَّت ويحتاط، ولا يعتمد على قول ابن خلدون: (وأنَّ عليَّاً هو الذي عيَّنه (أي النبي) بنصوص ينقلونها ويؤوِّلونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السُّنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة)(ص ٣١٩) فإنَّك ترى أحمد أمين اعتمد على قول ابن خلدون وجعله رأياً قيِّماً وحسَبه قولاً صواباً، فتبعه بدونما رَويَّة ولا تثبُّت، فإنَّ البحث في هذه النصوص تناولته الأقلام منذ حين، وعرضت النصوص على مطرقة النقد، وكتب فيها المؤلَّفات الكثيرة
الكبيرة من الفريقين، فلماذا صاحب الكتاب أعرض عنها ولم يطَّلع عليها قبل أن يقلِّد هذا التقليد الأعمى، ويلقي نفسه في هذه الهوَّة السحيقة المترامية الأطراف...؟ والحق أنَّ مثل اعتماد الأستاذ على ابن خلدون مثل مَن يريد أن يبحث عن الشريعة الإسلامية وصحة نبوة النبي فيعتمد على كتبة النصارى قبل سبعة قرون.
وقل لي: متى كان ابن خلدون وغيره من علماء السنة - اللَّهُمَّ إلاّ القليل - لا يحمل حقداً ولا يتحامل عندما يقف مؤرِّخا للشيعة؟ ولا ينقاد إلى العصبية فيرتعش قلمه كالصل وينفث سمَّاً زعافاً؟ وقل لي: متى كان المؤرِّخ منهم لا يرتكب زوراً وبهتاناً عند سنوح كل فرصة؟ فهذا ابن خلدون يعطينا صورة من ذلك الزور والبهتان ؛ قال: (ويزعمون (يعني الشيعة الاثني عشرية) أنَّ الثاني عشر من أئمتهم هو محمد بن الحسن العسكري، ويلقِّبونه بالمهدي، دخل السرداب بدارهم في الحلَّة! وتغيَّب حين اعتقل مع أُمِّه وغاب هنالك، وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً، يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي.وهم إلى الآن ينتظرون ويسمُّونه المنتظر لذلك، ويقفون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب، وقد قدَّموا مركباً، يهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم، ثمّ ينفضون، ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية، وهم على ذلك إلى هذا العهد).هذا مثل سقناه لك لتعرف الكذب والزور الذي لا يتحرَّج منه هؤلاء، وابن خلدون جدير بالسخرية، وجدير بإخواننا علماء السُّنة أن يندبوا حظَّهم ؛ ذلك أنَّه لا يزال في سائر القرون يقوم من بينهم الشخص والأشخاص يسوِّد صحائف حياتهم بالأكاذيب، ويشوِّه الحقائق التاريخية تمشِّياً وراء ميوله وأغراضه، وإلاّ فمَن يجهل أنَّ الحسن العسكري (سلام الله عليه) حينما استُدعي للعراق من قبل الخليفة العبَّاسي المعتمد بن المتوكِّل ورد إلى سُرَّ من رأى (سامراء)، حيث هناك كان عرش الخلافة، وهناك مات بالسم ّ، وهناك قبره وهناك وُلد ابنه المهدي؟ ومَن يجهل أنَّ الحلَّة لم يكن لها عين ولا أثر في زمن الحسن العسكري، وإنَّما بناها سيف الدولة صدقة الدببسي سنة ٤٩٥ ؟ ولقد وقع في مثل هذا الخطأ الكاتب الاجتماعي الأمير شكيب أرسلان، فقال: (والشيعة الإمامية يقولون: إنَّه محمد الحجَّة بن الحسن العسكري... وإنَّ الحجة هذا دخل مع أُمِّه صغيراً سرداباً بالحلَّة من أرض العراق واختفى، فهم ينتظرونه إلى الآن)(١) ونحن نربأ بكاتب اجتماعي كبير قد حنَّكته الأيَّام
____________________
(١) حاضر العالم الإسلامي، ص ٨٨.لا لوم على الأمير شكيب لأنَّه إنَّما نقل عمَّن اعتقد صدقه، ولم يدرِ أنَّه من المرجفين بالشيعة، ولو عرفه أنَّه مرجفاً مجحفاً لَمَا اعتمد عليه.
والتجارب أن يقع في مثل هذا الخطأ ويتابع ابن بطوطة وابن خلدون وأمثالهم بدون تثبُّت، فكأنَّه لا يعلم الزور الذي ارتكبه ابن خلدون أو جَهَل أغراضه التي جعلها أصلاً يسير عليه فيما كتبه عن الشيعة، ولا ندري على أيِّ أمر حسن نحمل أمير البيان ونحاشيه من العصبية، وحيث إنَّا نكبر جهوده ودفاعه عن الإسلام لا بُدَّ أن نحذِّره من الوقوع في مثل هذا الخطأ مرة أُخرى.
وإنَّا حينما نرى صاحب الكتاب يتلقَّى كلام ابن خلدون بإنكار النصوص مرة، ورميها بالوضع ثانية، ورميها بالتأويلات الفاسدة ثالثة، نظن أنَّه من بقايا تلك العصور الخالية والقرون المظلمة التي كان الناس فيها عبيد العصبية، وأُسراء الأهواء... أوليس من المؤسف أن يقوم صاحب الكتاب في عصر النور، وفي مهد الحضارة والثقافة، فيلقي نفسه بين أحضان ابن خلدون، وينقاد له انقياد الأعمى، وهو لا يعلم بأيِّ طامور سيلقيه؟ وكان الأجدر به أن يضع ذلك موضع البحث، بل الشك، ولا يقبل شيئاً من ذلك بدون تمحيص.ولا أقول أن يجعل الشك مرآة صادقة يستكشف منها الحقائق ؛ فإنَّ ذلك ممَّا نمقته كل المقت، وإنَّما أريد أن يجعل الشك أساساً ؛ بمعنى أنَّ كل شيء يراه يشك فيه - ما لم يكن ضرورياً - فيذهب وراء تحقيقه، وحينئذ يجب أن يتحلَّل الباحث من كل نزعة وعاطفة تملك عليه عقليته وتحول بينه وبين المصارحة، وبهذا يتسنَّى له أن يصل إلى الحقائق ويكون لرأيه قيمة، ولكنَّ صاحب الكتاب لم يحاول شيئاً من ذلك، وتبع ميله الشخصي، فمتى شاء أن يشك شك، ومتى شاء أن لا يشك لا يشك، فهو يعطينا صورة كاملة من الانقياد إلى سلفه (الصالح)، لم يلتفت إلى أنَّه ليس الأمر في الأحاديث التي تمسَّك بها الشيعة على خلافة عليعليهالسلام كما ذكره ابن خلدون وإنَّما هي كالشمس في رائعة النهار، فهي أظهر سنداًً ودلالة من الشمس.
ويطول بنا المقام إن أردنا أن نلمَّ بتمام الأحاديث التي وردت في حقهعليهالسلام وكانت نصاً على خلافته، ولقد كتب فيها مؤلَّفات عديدة، وأحسنها كتاب العبقات للعلاّمة المحقِّق السيد حامد حسين الهندي، ومَن أراد التحقيق فليرجع إليه فإنَّه مطبوع بالهند بالمطبعة المسمَّاة بمطلع الأنوار سنة ١٣١٤، ولكن يصح منَّا أن نذكر بعض ما ذكر في حديث غدير خم وحديث الثقلين وحديث المنزلة.
أمَّا حديث غدير خم، فقد دوَّنه العلماء ورواه الثقاة ونقلوه في الصحاح، ولنذكر نفس الحديث أولاً ثمّ نذكر طرق روايته، قالوا: (إنَّ النبيصلىاللهعليهوآله حينما وصل إلى غدير خم وهو
راجع من حجة الوداع أمر برد السابقين وإلحاق المتخلِّفين، وكانوا يومئذ مئة ألفٍ (وفي رواية ابن الجوزي مئة وعشرين ألفاً)، ونُودي بالصلاة جماعة، فلمَّا اجتمعوا أمر بوضع الحدائج بعضها على بعض كهيئة المنبر، فصعد عليها حتى أشرف على الناس، ثمّ وعظهم وذكَّرهم النار وشوَّقهم إلى الجنة، ثمّ قال: (أيُّها الناس، إنَّما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأُجيب، وإنِّي تارك فيكم (وفي رواية: مخلِّف فيكم، وفي بعضها:
مستخلف فيكم خليفتين، وفي بعضها: تارك فيكم أمرين) ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلوا أبدا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي.وقد نبَّأني اللطيف الخبير أنَّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فلا تَقَدَّموهم فتهلكوا، ولا تأخَّروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلِّموهم فإنَّهم أعلم منكم)، ثم ّرفع بيد علي حتى بان بياض إبطيه، وقال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، قالوا جميعاً: بلى يا رسول الله، قال: (مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللَّهُم وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأدر الحق معه حيثما دار وكيفما دار).
ويجب علينا أن نذكر ما قيل في معنى الولاية في الحديث لتعرف قيمة كلمة ابن خلدون: (أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة)، قال التفتازاني في شرح المقاصد بعد أن ذكر الحديث وأنَّه متَّفق على صحَّته: (ولفظة ولي قد يراد بها المُعتِق، والحليف، والجار، وابن العم، والناصر، والأولى بالتصرُّف( ثمّ ذكر بعض الشواهد إلى أن قال:) وبالجملة: استعمال المولى بمعنى الأولى بالتصرُّف والمولى والمتولِّي والمالك للأمر شائع في كلام العرب منقول عن كثير من أئمة اللغة ؛ والمراد أنَّه اسم لهذا المعنى، لا صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنَّه ليس من صيغة أفعل التفضيل، وأنَّه لا يستعمل استعماله، وينبغي أن يراد منه هذا المعنى ليطابق صدر الخبر ؛ إذ لا وجه للخمسة الأُوَل وهو ظاهر...).
ولا خفاء في أنَّ الولاية للناس والتولِّي والمالكية لتدبير أُمورهم والتصرُّف فيهم بمنزلة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (وهو معنى الإمامة) لقد قُرِّر هذا بلسان الشيعة، ولم يناقشهم بشيوع استعمال لفظة ولي بمعنى المالك للأمر وإنَّما خرج عن هذا بقرينة ذيل الحديث ؛ فإنَّه جعل قولهصلىاللهعليهوآله : (اللهم وال مَن والاه إلخ) قرينة على أنَّ المراد بالولي: الناصر، ولكنَّ هذه هفوة من هذا المحقِّق أوقعته فيها العصبية ؛ ذلك أنَّ قوله: (أولست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) نص في أنَّ الولاية التي أثبتها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليعليهالسلام هي عين الولاية التي كانت ثابتة له من قبل الله عزَّ وعلا، ولا شك انَّه لا يصح أن يراد منها الناصر.وبهذا
البيان تعرف سقوط استشهاده عن الدلالة على ما أراد على أنَّه لو أخذنا الولي بمعنى الناصر لكان قولهصلىاللهعليهوآله : (وانصر مَن نصره) لغواً.وعن ابن الأثير في النهاية، قال الشافعي: (المعنى في ذلك ولاء الإسلام لقوله تعالى:( بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) أي دليلهم وناصرهم( وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ) )، وعرفت سابقاً أنَّ ابن الجوزي بعد أن ذكر عشرة معان للولاية نفى تسعة منها، قال: ( فتعيَّن الوجه العاشر، وهو
الأولى ؛ ومعناه: مَن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به) ثمّ نسب التصريح بذلك إلى الحافظ أبي الفرج يحيى بن سعيد الثقفي الأصبهاني في كتابه (مرج البحرين) قال: (فإنَّه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه، وقال فيه: فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيد علي وقال: (مَن كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه)، فعلم أنَّ جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر.ودليل عليه أيضاً قولهعليهالسلام : (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وهذا نص صريح في إثبات إمامته ووجوب طاعته، وكذا قوله: (وأدر الحق معه حيثما دار، وكيفما دار)، وفيه دليل على أنَّه ما جرى خلاف بين علي وبين أحد من الصحابة إلاّ والحق مع عليعليهالسلام ، وهذا بإجماع الأُمة، ألا ترى أنَّ العلماء إنَّما استنبطوا أحكام البغاة من وقعة الجمل
وصِفِّين، وصريح ذلك قول حسان بن ثابت:
يناديهمُ يومَ الغدير نبيُّهم |
بِخُمٍّ فأسمعْ بالرَّسول مناديا |
|
وقالَ فمن مولاكم ووليُّكم |
فقالوا ولم يُبدوا هناك تعاميا |
|
إلهك مولانا وأنت وليُّنا |
وما لَك منَّا في الولاية عاصيا |
|
فقالَ له قم يا عليُّ فإنَّني |
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا |
|
فمَنْ كنتُ مولاه فهذا وليُّه |
فكونوا له أنصارَ صدقٍ مواليا |
|
هناك دعا اللَّهُم والِ وليَّه |
وكُنْ للّذي عادى عليّاً معاديا |
نص عليها المالكي في فصوله وغيره، ويدلُّك على أنَّ الصحابة وغيرهم إنَّما فهموا من الحديث نصب علي خليفة من بعدهصلىاللهعليهوآله ما ورد في تفسير قوله تعالى:( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) الآية ؛ حيث قالوا: إنَّه لمَّا أخذ النبيصلىاللهعليهوآله بيد علي وقال: (مَن كنت مولاه) الحديث شاع ذلك وتطاير في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري فجاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله على ناقة له، فأناخ راحلته ونزل عنها، وقال: (يا محمد، أمرتنا عن الله عزَّ وجلَّ أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصلِّي خمساً فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم رمضان فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثمّ لم ترضَ بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمِّك تفضِّله علينا فقلت: (مَن
كنت مولاه فعلي مولاه) فهذا شيء منك أم من الله عزَّ وجل؟ فقال النبيصلىاللهعليهوآله : (والذي لا إله إلاّ هو إنْ هذا لمن الله عزَّ وجل) فولَّى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللَّهُم إن كان ما يقول محمد حقَّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله عزَّ وجل بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله تعالى:
( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) فهذا العربي بفطرته فهم من الحديث استخلافه على المسلمين.وبالجملة حديث الغدير متواتر كما اعترف بهِ صاحب الفتاوى الحامدية والإمام السيوطي وغيرهما وهو نص جليٌّ في خلافة علي، وسيدنا في مراجعاته الأزهرية فصَّل ذلك تفصيلا.
ومَن تتبَّع السيرة النبوية متجرِّداً عن العصبية يعلم أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما زال يشير إلى علي بالإمامة من مبدأ أمره إلى آخر عمره، تلويحاً تارة وتصريحاً أُخرى، وحسبك من ذلك نصُّه يوم الدار بمحضر من أُسرته كافَّة وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة وأبو لهب والعبَّاس، وقوله يومئذ لهم وقد وضع يده الشريفة على رقبة علي (وهو أصغر القوم سنَّاً): (إنَّ هذا أخي ووزيري ووصيي ووارثي و خليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.وهذه القضية من المتواترات ؛ ذكرها الطبري وابن الأثير وأبو الفداء في تواريخهم، وأخرجها المحدِّثون في مسانيدهم، كما فصَّله سيدنا في مراجعاته الأزهرية، ولعلك تقدر قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنَّه لا نبي بعدي)، وقولهصلىاللهعليهوآله : (ما بال قوم يبغضون عليَّاً؟! ومَن أبغض عليَّاً فقد أبغضني، ومَن فارق عليَّاً فقد فارقني.إنَّ عليَّاً مني وأنا منه، خُلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، ذُرِّيَّة بعضها من بعض والله سميع عليم.يا بريدة، أمَا علمت أنَّ لعلي أفضل من الجارية التي أخذها وأنَّه وليكم بعدي) أخرجه الطبراني وغيره.ومثله قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم (فيما أخرجه الترمذي وغيره): (ما تريدون من علي؟! ما تريدون من علي؟! ما تريدون من علي؟! إنَّ عليَّاً مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي).وقوله فيما أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث ذكر فيه جملة من خصائص علي فقال: (وهو وليي في كل مؤمن ومؤمنة بعدي).
هذا ما نستطيع بيانه في هذه العجالة، وسنفرد له ولغيره من الأحاديث رسالة خاصة إن شاء الله، وأسأل الله توفيق سيِّدنا لنشر كتابه الوحيد في هذا الموضوع ؛ أعني كتاب المراجعات الأزهرية فإنَّه فيه الشفاء من كل داء.
أمَّا حديث الثقلين، فقد تواترت طرقه الصحيحة حتى كان قطعي الصدور، وحسبك أنَّ ابن حجر قد اعترف في باب وصية النبي بهم من صواعقه بأنّ له طرقاً كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً، وأقرَّ هناك بدلالة الحديث على أنَّ مَن تأهَّل منهم للمراتب العَلية والوظائف الدينية كان مقدَّماً على غيره، وقال في تفسير الآية الرابعة من الآيات التي أوردها في الباب ١١ من صواعقه: ثمّ اعلم أنَّ لحديث التمسُّك بذلك (أي بالكتاب والعترة) طُرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.(قال:) وفي بعض تلك الطرق أنَّه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنَّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرى أنَّه قاله بغدير خم، وفي أُخرى أنَّه قاله لمَّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.(قال:) ولا تنافي ؛ إذ لا مانع من أنَّه كرَّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة إلى آخر كلامه.وأورد في الباب ٩ من صواعقه أربعين حديثاً في فضائل علي جاء حديث الثقلين في شرح الأخير منها، وهذا لفظه: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال في مرض موته: (أيُّها الناس، يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدَّمت إليكم القول معذرة إليكم: ألا إنِّي مخلف فيكم كتاب ربي عزَّ وجلَّ وعترتي أهل بيتي) ثمّ أخذ بيد علي فرفعها، ثمّ قال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان ...) الحديث(١) ولا أخال أحداً من أهل العلم يجهل أنَّ حديث الثقلين ممَّا أخرجه صاحب الجمع بين الصحاح الستّة، وصاحب الجمع بين الصحيحين، وأخرجه مسلم في باب فضائل علي من صحيحه، ورواه الترمذي والنسائي والحاكم والطبراني والطبري والبيهقي والبزَّار والملاّ وأبو يعلى وأبو الشيخ وابن المغازلي وابن أبي شيبة وابن مردويه والإمام أحمد في مواضع من مسنده، ونقله ابن حجر الهيثمي في صفحة ٢٥ من صواعقه أثناء جوابه عن الشبهة ١١ من الشُّبَه التي أوردها، فقال ما هذا نصه: (ولفظه عند الطبراني وغيره بسند صحيح أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطب بغدير خم تحت شجرات، فقال: (أيُّها الناس، إنَّه قد نبَّأني اللطيف الخبير أنَّه لم يعمِّر نبي إلاّ نصف عمر الذي يليه من قبله، وإنِّي لأظنُّ أنِّي يوشك أن أُدعى فأجيب، وإنِّي مسؤول وإنَّكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغت وجهدت ونصحت فجزاك الله خيرا، فقال: (أليس تشهدون أنْ لا إله إلا الله
____________________
(١) وقد أورده سيِّدنا في تعليقته على مراجعاته الأزهرية.ثمّ قال (دام ظله) مخاطباً جدَّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لقد أسمعت - جعلت فداءك - يا رسول الله.
وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ جنَّته حق، وأنَّ ناره حق، وأنَّ الموت حق، وأنَّ البعث بعد الموت حق، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث مَن في القبور؟) قالوا: بلى، نشهد بذلك، قال: (اللَّهُم اشهد) ثمّ قال: (أيَّها الناس، إنَّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمَن كنت مولاه فهذا مولاه (يعني عليَّاً) اللَّهُم وال مَن والاه وعاد مَن عاداه) ثمّ قال: (أيُّها الناس، إنِّي فرَطكم وإنَّكم واردون على الحوض ؛ حوض أعرض ممَّا بين بُصرى إلى صنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإنِّي سائلكم حين تردون عليَّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما: الثقل الأكبر كتاب الله عزَّ وجل، سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدِّلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنَّه قد نبَّأني اللّطيف الخبير أنَّهما لن ينقضيا حتى يردا عليَّ الحوض).
أقول: هذه الخطبة هي في الواقع أطول ممَّا سمعت، لكن سياسة أُولي السلطة قد اقتضت اختصارها ؛ فلم تُبق منها غير هذا المقدار، على أنَّ مسلماً في صحيحه زاد في اختصارها جرياً على مقتضيات السياسة التي تُخرس الناطق وتصم السميع، فحذف شطرها المختص بعليعليهالسلام كما لا يخفى(١) .وممَّا يدلُّك على أنَّ السياسة لا دين لها، وأنَّها تعمي البصر والبصيرة وتسلب الحرية، مبالغة بعض الرواة في اختصار هذه الخطبة حتى قال عبد الله بن حنطب فيما أخرجه الطبراني: خطبنا رسول الله بالجحفة في طريقه قافلاً من حجّة الوداع فقال: (ألست أولى بكم من أنفسكم) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ( فإنِّي سائلكم عن اثنين: القرآن وعترتي ) اه-، فأخرسه الخوف من الظالمين عن ذكر الخطبة واكتفى بالإشارة إليها(٢) .
أمَّا لفظ الحديث عند الترمذي، فهو ما يلي: (إنِّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا بعدي، الثقلين أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله عزَّ وجل، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) اه-.وفي رواية اعترف بصحَّتها ابن حجر حيث أوردها في تفسير الآية الرابعة من آيات الباب ١١ من صواعقه أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (إنِّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن تبعتموهما، وهما: كتاب الله وأهل بيتي).قال ابن حجر: زاد الطبراني: (إنِّي سألت ذلك لهما، فلا تَقَدَّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلِّموهم فإنَّهم أعلم منكم) اه-.
____________________
(١) وقد ذكر ذلك كلَّه- على سبيل التفصيل- سيِّدنا في مراجعاته الأزهرية.
(٢) كما أفاده سيِّدنا في المراجعات الأزهرية.ومَن أراد العلم والهدى فعليه بمراجعة: المراجعات الأزهرية.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في أول صفحة ١٨٢ من الجزء الخامس من مسنده، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنِّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله عزَّ وجل وعترتي أهل بيتي، وإنَّهما لم يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) اه-.
وحيث عرفت الحديث وتعدُّد طرقه الصحيحة فقف معي الآن على سخافات المضلِّلين، ولسنا نشك بأنَّهم سيفاجئوننا بأُمور:٣
الأول: أنَّ ابن الجوزي ضعَّفه.والجواب: أنَّه إنَّما كان في تضعيفه إيَّاه كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادِعُ مارَنَّ أنفَه بكفِّه، وقد عثر بذلك عثرة لا تقال ؛ لأنَّ مسلماً أخرجه في صحيحه وجميع أعلام السُّنة وجهابذتهم صحَّحوه، وكل مَن تأخَّر عن ابن الجوزي تعجَّب من تضعيفه إيَّاه حتى سبطه، وللسبط في تذكرته كلام في التعجُّب من جدِّه يجدر بالباحثين أن يقفوا عليه.وممَّن تعجَّب منه ابن حجر حيث نسب في الصواعق إليه الوهم في ذلك والغفلة، وأنكر عليه ذكر الحديث في علله المتناهية.
على أنَّ مَن راجع أسانيد هذا الحديث وجد السلسلة في بعض طرقه كلها من رجال الصحاح، ويتَّضح ذلك لكل مَن راجع سلسلة تلك الطرق فيعرف أسماء رجالها، ثمّ راجَع تراجمهم في كتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر الأصبهاني أو كتاب الجمع بين هذين الكتابين لابن القيسراني في رجال البخاري ومسلم، كما أفاده على سبيل التفصيل سيِّدنا في تحفته.وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن يُصغى إلى أهل التضليل والتهويل بالأباطيل؟ أتراهم يجهلون ما قلناه( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ ) ؟
الثاني: أنَّ الشيخ البخاري لم يخرج هذا الحديث ؛ أعني حديث الثقلين.والجواب: أنَّه إن لم يخرجه البخاري فقد أخرجه مسلم، والأُمَّة بأسرها متَّفقة على أنَّ البخاري لم يستقص الأحاديث الصحيحة، فالحديث الصحيح لا يضره عدم إخراج البخاري إيَّاه بإجماع الناس.وقد أضرَّ البخاري نفسه بإعراضه عن أهل البيت وإهماله الصحاح الدالة على تفضيلهم، وليس حديث الثقلين بأول حديث أهمله من أحاديث فضلهمعليهمالسلام ؛ فقد أهمل حديث الولاية يوم الغدير مع تواتره، وحديث المؤاخاة مع كونه من الضروريات، وحديث سدِّ الأبواب غير باب علي مع ثبوته بحكم البداهة من سيرة النبي، وأهمل حديث إنذار عشيرته الأقربين المشتمل على النص بخلافة أمير المؤمنين مع صحته الثابتة عند المخالفين، كما صرَّح بذلك غير واحد منهم ،
ولم يخرج حديث السبب في نزول:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ، ولا حديث السبب في نزول: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ، ولا شيئاً من الأحاديث في أسباب نزول آيات فضل أهل البيتعليهمالسلام ، وأهمل أحاديث: سفينة نوح، وباب حِطَّة، وأمان الأُمّة، وسائر الأحاديث الصادعة بفضلهم إلاّ اليسير النزر الذي هو كالنقطة من البحر، ومع ذلك فقد اغتصب نفسه فيه اغتصاباً فما أخرجه إلاّ بكل تكلُّف كما يعلمه الخبير بكتاب البخاري.ومَن أراد أن يقف على انحرافه عن أهل البيت وانصرافه إلى خصومهم فليقف على أبواب فضائل الصحابة ومناقبهم من كتاب بدء الخلق في أواخر الجزء الثاني من صحيحه ؛ فإنَّ روح العداوة لآل محمد لتتمثَّل من خلال تلك الأحاديث بأجلى المظاهر، على أنَّ هذه الروح ماثلة في كل حديث فيه ذكر أهل البيت من سائر أحاديث البخاري، وما أشدَّ نشاطه وأعظم ابتهاجه إذا حدَّث بالخرافات يزعم أنَّها مناقب لبكر وعمرو من أعداء آل محمد، وربَّما كانت الفضيلة لعلي ثابتة كفلق الصبح فيخرجها لأبي بكر خاصة كسدِّ الأبواب ونحوه، وربَّما أورد الأحاديث الموضوعة المكذوبة وتراه منشرح الصدر في إخراجها لاشتمالها على منقبة مختلقة لسادته وكبرائه.وإليك مثلاً من الخرافات التي ظنَّها فضيلة فأوردها في كثير من أبواب كتابه:أخرج في باب مناقب عمر أنَّ النبي رأى قصراً في الجنة بفنائه جارية، فقال: لمَن هذا؟ فقيل: لعمر، فأراد النبي أن يدخل القصر لينظر إليه فذكر غيرة عمر، فولَّى مدبراً خشية منه.وأخرج عن أبي هريرة قال: بينما راع في غنمه عدا الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها، فالتفت إليه الذئب فقال له: مَن لها يوم السبع؟ ليس لها راع غيري! فقال الناس: سبحان الله، فقال النبي: فإنِّي أُؤمن به وأبو بكر وعمر... الحديث، وهو من غرائب أبي هريرة الباردة ؛ ولماذا يتكلَّم الذئب مع راعي الغنم في الفلاة؟ فهل هذا إلاّ من الخرافات؟! وأخرج البخاري فيما يظنُّه فضيلة لعائشة حديثاً طويلاً كرَّره في عدة مواضع من صحيحه، مضمونه: أنَّ رسول الله دخل عليها وعندها جاريتان تغنِّيان بغناء بُعاث(١) فاضطجع على الفراش ولم يقل شيئاً، لكنَّ أبا بكر انتهر عائشة وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله؟! إنكاراً عليها في ذلك، فقال رسول الله: دعهما يا أبا بكر (لطفاً منه بعائشة!). وكان السودان يلعبون بالدرق والحراب فقال رسول الله لعائشة: أتشتهين تنظرين؟ قالت: نعم، فحملها رسول الله على ظهره وأطلعت رأسها من فوق كتفه، فكان
____________________
(١) بُعاث - بضم الباء - يوم مشهور كان فيه حرب بين الأوس والخزرج، كانت النساء يومئذ توقد نار الحرب بغنائها.
خدُّها لاصقاً بخدِّه، وهي تنظر إليهم وهم يلعبون والنبي يغريهم باللّعب لتأنس عائشة، فيقول لهم: دونكم يا بني أَرفَدة! ولم يزل رسول الله وعائشة على ظهره حتى ملَّت، فقال: حسبك؟ قالت: نعم!.كرَّر البخاري هذه السخافة في مواضع عديدة من كتابه، وأظنُّك تجدها في كتاب العيدين من الجزء الأول من الصحيح فهي عنده أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.وأخرج في فضلها أيضاً أنَّها كانت تمدُّ رجلها في قِبلة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذا سجد لا ترفع رجلها حتى يغمزها النبي فترفعها حينئذ، ثمّ تمدها إذا قام وهكذا، هذه المنقبة يخرجها البخاري بكل انشراح في عدة مواضع من صحيحه، ولا سيما في كتاب الصلاة فهي عنده أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.وأخرج- فيما يظنه فضيلة لها- أنَّها كانت تلعب بالبنات عند النبي وكان لها صواحب يلعبن معها، أخرج البخاري هذه الفضيلة في كتاب الأدب وكرَّر نقلها في عدة مواضع تبجحاً بهذا الأدب ونشراً لهذا النشب، فهو عنده أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.وأخرج في خصائص عائشة وحفصة بالإسناد إلى الأُ ولى قالت: كان رسول الله يشرب عسلاً عند زوجته زينب ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أنَّه إذا دخل علينا أن نقول له: أكلت مغافير؟ إنَّا نجد منك ريح مغافير! فلمَّا قلنا له ذلك قال: لم آكل مغافير وإنَّما شربت عسلاً عند زينب ولن أعود له(١) . الحديث، راجعه في تفسير سورة التحريم من صحيح البخاري، وفي مواضع كثيرة أورده البخاري فيما ثلج الصدر بهذه الفضيلة الجليلة فهي أولى عنده بالذكر من حديث الثقلين.وقد أخرج من الغرائب والعجائب والمناكير ما يليق بعقول مخرِّفي البربر وعجائز السودان، وإليك منها مثلاً تعرف به مبلغ كتابه من الصحة وعدمها: أخرج بالإسناد إلى أبي هريرة أنَّ الله أرسل ملك الموت إلى موسى، فجاءه فقال له: أجب ربّك، فصكَّه موسى ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى ربِّه فقال: أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، فردَّ الله عزَّ وجلَّ عينه، وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور ؛ فله بكل شعرة غطّتها يده سنة إلى آخر هذه الخرافة المكرَّرة في صحيح البخاري التي لا تجوز على الله(٢) ولا على أنبيائه، ومع ذلك فهي أولى بالذكر عند البخاري من حديث الثقلين وأمثاله.وأخرج
____________________
(١) كأنّ البخَّاري ظنَّ قولهصلىاللهعليهوآله : ولن أعود له، أنَّه صادر عن نزول النبي على حكمهما واستسلامه لغرضهما وبذلك يكون الحديث من فضائلهما فتأمَّل واعجب.
(٢) كما فصَّله سيِّدنا في كتابه: تحفة المحدِّثين فيمَن أخرج عنهم الشيخان من المضعَّفين، فليراجعه مَن أراد العلم عن الدليل.
عن أبي هريرة أيضاً(١) أنَّ موسىعليهالسلام خلا يوماً بنفسه ليغتسل فوضع ثيابه على حجر، وكان بنو إسرائيل يظنُّونه آدراً (أي ذا فتق)، ففرَّ الحجر بثيابه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، والحجر يعدو أمامه وموسى يشتد عُرِيَّاً خلفه حتى انتهى إلى بني إسرائيل، ونظروا إلى عورته فلم يجدوا بها من بأس، ووقف الحجر فطفق موسى ضرباً بالحجر بعصاه.يقول أبو هريرة: فوالله إنَّ بالحجر لَنُدَباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً إلى آخر هذه الخرافة التي لا يمكن صدورها، وقد أثبت سيِّدنا في تحفته امتناعها عقلاً، وبيَّن سخافتها وسخافة الأحاديث الذي قبلها والأحاديث التي بعدها بما لا مزيد عليه، فجدير بالباحثين أن يقفوا على ما أفاد فإنَّه الغاية التي ليس وراءها مضرب لرائد، لكنّ البخاري يرى هذه السخافة أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.
وأخرج في تفسير سورة (ق) من صحيحه عن أبي هريرة أيضاً أنَّ الجنة والنار تتحاجّان ؛ فتقول النار: أُوثرت بالمتكبِّرين والمتجبِّرين، وتقول الجنة: ما لي لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسَقَطَتهم؟! فأمَّا النار فلا تمتلئ حتى يضع الربّ رجله فيها فتقول: قط، قط، وهنالك تمتلئ إلى آخر هذه الطامَّة، وطامات أبي هريرة لا تحصى تعالى الله عنها علوّاً كبيراً، والبخاري يراها أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.وأخرج في تفسير سورة (ن) من صحيحه أنَّ الله عزَّ وجلَّ يكشف يوم القيامة عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة.. الحديث، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا، وهذه من الطامَّات التي ينشرح بها صدر البخاري ويوسع لها محلاًّ في صدر كتابه ويزيّن فيها كثيراً من أبوابه فهي عنده أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.وأخرج في باب الصراط جسر جهنم وهو قبل كتاب القدر بورقة عن أبي هريرة :أنَّ الله يأتي هذه الأُمة يوم القيامة في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا أتانا ربُّنا عرفناه.فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربُّنا.ويعرفونه بساقه التي يكشفها لهم.تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وهذه السخافات دالة على حمق راويها، لكنَّها عند البخاري أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله، وأخرج في أول كتاب الاستئذان عن أبي هريرة قال: خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً.تعالى الله عن أن
____________________
(١) راجع من صحيح البخاري الباب الذي يلي حديث الخضر مع موسى تجد هذه الخرافة.أمَّا خرافة قلع عين عزرائيل، فتجدها في باب مَن أحبَّ الدفن في الأرض المقدسة، من أبواب الجنائز، من الجزء الأول، وفي غير موضع من الصحيح.
تكون له رجل أو ساق أو صورة، وسبحانه وتعالى عمَّا يصفون، وهذه الطامة أولى عند البخاري بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.ومَن ابتلى أبا هريرة وجده من سفهاء الأحلام وأخفَّاء الهام، يحدِّث بالتُّرَّهات ويختلق الخرافات ؛ كضرب موسى ملك الموت وقلعه عينه، وكفرار الحجر بثياب موسى وإبداء سوأته، وكوضع الربِّ جلَّ وعلا رجله في جهنم لتمتلئ بها، وكمجيئه تبارك وتعالى يوم القيامة بصورتين وأنَّ المؤمنين لا يعرفونه في الصورة الأُولى حتى يأتيهم بصورة أُخرى يعرفونه فيها بساقه حين يكشف لهم عنها، وكحديثه في أنَّ الله خلق آدم على صورته، وكحديثه الذي أخرجه البخاري عنه في أول كتاب الأذان مِن صحيحهِ المشتمل على ضراط الشيطان، وكحديثه الذي أخرجه البخاري عنه في تفسيره سورة (ص) من صحيحهِ المشتمل على أنَّ عفريتاً من الجن تفلَّت على رسول الله ليقطع عليه صلاته، وأنَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قبض عليه وأراد أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبح الناس وتنظر إليه، لكنَّهصلىاللهعليهوآله ذكر قول سليمانعليهالسلام : ربِّ هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، فتركه، وكحديثه الذي أخرجه البخاري عنه في الورقة الأخيرة من كتاب النكاح من صحيحه المشتمل على أنَّ سليمان بن داودعليهماالسلام قال: لاُطوفن الليلة بمئة امرأة كل امرأة تلد لي غلاما، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل سليمان إن شاء الله وطاف بهن، فلم تلد منهنَّ إلاّ امرأة واحدة ؛ فإنَّها ولدت نصف إنسان (نعوذ بالله من المرجفين بأنبياء الله، وبه نستجير ممَّن يصغي إليهم أو يعتمد في نقل شرائع الله عليهم، ولسيِّدنا في كتابه تحفة المحدِّثين كلام علَّقه على هذا الحديث الموضوع جدير بأن يعلَّق على كعبة الفخر نلفت إليه كل مغرم بالعلم أو بحَّاث عن الحقيقة)، وكحديثه الذي أخرجه البخاري عنه في الورقة الثانية من كتاب الدعوات، قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير يقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأستغفر له؟ اه-.قلت: وقد تمسَّك ابن تيميَّة بهذا الحديث فقال وهو على منبر الجامع بدمشق: إنَّ الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا نزولاً حقيقياً لا تجوُّزَ فيه كنزولي هذا عن منبركم إلى الأرض، ثمّ نزل عن المنبر ليمثِّل لهم نزول الله نعوذ بالله من هذه العقائد الباطلة وتعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا.وكحديثه الذي أخرجه البخاري عنه في كتاب الدعوات أيضاً ولفظه: أنَّه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: اللَّهُم فأيُّما مؤمن سببته، فاجعل له ذلك قربة إليك إلى يوم القيامة اه-.حاشا رسول الله أن يسبَّ مَن
لا يستحق السبَّ( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ) ، والويل لمَن سبَّه رسول الله كمروان بن الحكم وأبيه وذرِّيته، وكمعاوية وأبيه وأخيه الذين تزلَّف أبو هريرة إليهم وإلى أمثالهم بوضع هذا الحديث كما أوضحه سيِّدنا في تحفته التي لا يليق بذي فضل أن لا يطَّلع عليها.
وكالحديث الذي أخرجه البخاري عنه في آخر كتاب الفرائض من صحيحه، قال: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك! وقالت الأُخرى: إنَّما ذهب بابنك! قال أبو هريرة: فتحاكما إلى داودعليهالسلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داودعليهالسلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل إنَّما هو ابنها! فقضى به للصغرى.قال البخاري: قال أبو هريرة: والله، ما سمعت بالسكين قط إلاّ يومئذ وما كنَّا نقول إلاّ المُدْيَة اه-. أشهد أنَّ أبا هريرة ممَّن كذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأكثر، وأشهد أنَّ على حديثه مسحة الكذب واضحة، وما أوقحه حين يحلف بالله أنَّه ما سمع بالسكِّين قط إلاّ يومئذ وأنَّهم ما كانوا يقولون إلاّ المدية، مع أنَّ لفظ السكين موجود في سورة يوسف من القرآن وهو اللفظ الدائر على لسان العرب دون المدية، على أنَّ مضمون هذا الحديث باطل لا يجوز على الأنبياء كما فصَّله سيِّدنا في تحفته، وكيف حكم داود بالولد للكبرى من حيث كونها كبرى؟ وكيف جاز لسليمان أن ينقض حكم أبيه؟ وكيف حكم بالولد للصغرى بعد اعترافها بأنَّه إنَّما هو ابن الكبرى؟ كل ذلك يدلُّنا على قيمة أبي هريرة وعقليَّة البخاري، وكل هذه التُّرَّهات أولى بالذكر عنده من حديث الثقلين.وكان أبو هريرة يروي المتناقضات والبخاري يحتج بمتناقضاته ويتعبَّد بخرافاته ؛ وإليك مثلاً من متناقضاته التي احتجَّ بها البخاري في كتابه (الطب) من صحيحه (ج٤ / ص١٥) حيث أخرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي: لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنَّها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : فمَن أعدى الأُوَل؟) انتهى الحديث، ثمَّ أخرج البخاري بعده بلا فصل عن أبي سلمة أيضاً أنَّه سمع أبا هريرة بعدُ يقول: قال النبي: لا يُورَدنَّ ممرِض على مصحٍّ.قال أبو سلمة: وأنكر أبو هريرة حديثه الأول! فقلنا: ألم تحدِّث أنَّه لا عدوى؟ فرطن بالحبشية اه-.فانظر واعجب من أبي هريرة والبخاري كليهما.ومن غرائب أبي هريرة ومصائبه ما أخرجه البخاري في غير موضع من صحيحه بطرق كثيرة إلى أبي هريرة قال: صلَّى بنا النبيصلىاللهعليهوآله إحدى صلاتي العشاء - وأكثر ظنِّي العصر- ركعتين، ثمَّ سلَّم ،
ثمَّ قام إلى خشبة في مقدَّم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلِّماه، وخرج سَرَعانُ الناس فقالوا: أقُصِّرت الصلاة؟! ورجل يدعوه النبي ذا اليدين فقال: أنسيتَ أم قصّرتَ؟ فقالصلىاللهعليهوآله : لم أنس ولم تقصر! فقال: بلى قد نسيت... الحديث.فراجعه فيما جاء في السهو من كتاب البخاري وفي غير موضع منه، وهذا ما لا يجوز على الأنبياء كما أوضحه سيِّدنا في كتابه تحفة المحدِّثين، على أنَّه - نفع الله المسلمين بعلومه - أثبت بالبرهان القطعي موت ذي اليدين قبل إسلام أبي هريرة، فكيف اجتمعا في الصلاة خلف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يا مسلمون؟! وكان السلف من معاصري أبي هريرة يكذِّبونه كما يدل عليهِ حديثه، ودونك آخر المزارعة من صحيح البخاري حيث أخرج عن أبي هريرة أنَّه قال: يقولون: إنَّ أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد! ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدِّثون مثل حديثه؟ ثمّ ذكر سبب امتيازه وفضله على المهاجرين والأنصار فقال: وقال النبيصلىاللهعليهوآله يوماً: لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثمَّ يجمعه إلى صدره، فينسى من مقالتي شيئاً أبداً، فبسطت نمرة ليس عليَّ ثوب غيرها حتى قضى النبيصلىاللهعليهوآله مقالته، ثمّ جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالتي تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثتكم شيئاً أبداً:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ) إلى قوله:( الرَّحِيمُ ) .وأخرج في باب حفظ العلم، وهو في أوائل الجزء الأول من الصحيح، بالإسناد إلى أبي هريرة قال: قلت :يا رسول الله، إنِّي أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه؟ قال: ابسط
رداءك، فبسطته، قال: فغرف بيديه ثمّ قال: ضمَّه، فضممته فما نسيت شيئاً بعده.أنا لا أدري - والله - ما الذي غرف منه رسول الله بيديهصلىاللهعليهوآله فوضعه في رداء أبي هريرة؟! وأيُّ ربط ببسط الثوب ثمّ جمعه في الحفظ؟! ولو لم يكن لأبي هريرة إلاّ هذا الحديث الذي أراد به تزكية نفسه لكفى به زاجراً عن قبول حديثه، وحاشا لله أن تكون هذه الخرافة من معجزات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فإنَّ معجزاته بهرت أُولي النُّهى بأنوار حقيقتها، وقهرت أهل الأرض بحسن أُسلوبها واعتدال طريقتها كما فصَّله سيِّدنا في تحفته، وله كلام ثمة عظيم علَّقه على هذا الحديث نلفت إليه كل باحث محقِّق، وعجائب أبي هريرة لا تسعها هذه العجالة، والبخاري يتعبَّد بها على علاَّتها ثم يعشى بصره عن أنوار أهل البيت فيعمى عن فضائلهم.تراه يخرج من الأحاديث الموضوعة ما قد تقرِّب الواضع به إلى الظالمين الغاشمين تصحيحاً لِمَا كانوا يرتكبونه من القتل والمثلة وسائر الأعمال البربرية ؛ وإليك مثلاً من ذلك: أخرج البخاري في
كتاب المرضى من صحيحه (ج٤ / ص٧) عن مسلم بن إبراهيم قال: حدَّثنا سلام بن مسكين قال: بلغني أنَّ الحجَّاج قال لأنس: حدِّثني بأشدِّ عقوبة عاقبها النبيصلىاللهعليهوآله ؟ فحدَّثه أنَّ ناساً كان بهم سقم فقالوا: يا رسول الله، آوِنا وأطعمنا، فلمَّا صحوا قالوا: إنَّ المدينة وخمة، فأنزلهم الحَرَّة في ذود له فقال: اشربوا من ألبانها، فلمَّا صحوا قتلوا راعي النبيصلىاللهعليهوآله واستاقوا ذوده، فبعث في آثارهم فقطَّع أيديهم وأرجلهم وسمَّر أعينهم، قال أنس: فرأيت الرجل يكدم الأرض بأسنانه حتى يموت.نعوذ بالله السميع العليم من كل أفَّاك أثيم، ومن كل متزلِّف إلى الظالمين بالكذب على سيد النبيِّين وخاتم المرسلين المبعوث رحمة للعالمين، وقسماً بحكمته البالغة ورحمته السابغة وخُلقه العظيم وعفوه الجسيم وسيرته الطيبة مع أعدائه وكرم غلبته وظهوره عليهم لقد كذب الراوي واختلق هذا الحديث فتبوَّأ مقعده من النار، واشترى به سخط الخالق برضى الحجَّاج.وعجباً من أنس يسأله أمير المؤمنين يوم الرحبة عن حديث الغدير فيقول: كبرت سنِّي ونسيت! تملُّصاً من الشهادة بالحق الذي شهد به يومئذ ثلاثون صحابياً كما بيَّناه فيما سبق من هذا الكتاب(١) ، ثمَّ يسأله الحجَّاج وهو أكبر سنَّاً من يوم سؤال أمير المؤمنين له فيجيبه بكل نفس طيبة وصدر مشروح؟! يجيبه بما يغويه ويغريه نعوذ بالله من الخذلان.إنَّ رسول الله حرَّم المُثلة ولو بالكلب العقور، فكيف جاز للبخاري وغيره أن يخرج هذا الحديث الموضوع، لكنَّه عند البخاري أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.وهذا الحديث أورده سيِّدنا في تحفته وبسط القول في امتناع صدوره عقلاً ونقلاً بما لا مزيد عليه، فمَن أراد العلم فعليه بالتحفة.لا يستغرب من البخاري إعراضه عن حديث الثقلين وغيره ممَّا يثبت به مجد آل محمد بعد أن أعرض عن أئمَّتهم وسادتهم ؛ فلم يحتج بسيِّد شباب أهل الجنة سبط المصطفى وريحانته من الدنيا مولانا الإمام أبي محمد الحسن المجتبى، ولا احتج بالصادق، ولا بالكاظم، ولا بالرضا، ولا بالجواد، ولا بالهادي، ولا بالزكي العسكري، ولا بالشهيد زيد ولا بواحد من بنيه الميامين، ولا بذي النفس ولا بأبيهعليهمالسلام .نعم، روى البخاري بعض النزر التافه من الحديث الموضوع كذباً على الإمام السبط الشهيد وخلفه الإمام زين العابدين وبقيَّته الإمام باقر علوم الأولين والآخرين ؛ وأنا أُورده بعين لفظه لتقف على الغرض من روايته: أخرج في أواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة قبل انتهائه بورقتين(٢) بالإسناد إلى الزهري من طريقين قال: أخبرني علي بن حسين أنَّ حسين
____________________
(١) انظر: ص ٧٤.
(٢) راجع: ج ٤، ص ١٧٦ صحيحه.
بن علي أخبره أنَّ علي بن أبي طالب قال: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله طرقه وفاطمة، فقال لهم: ألا تصلُّون؟ فقال علي: يا رسول الله، إنَّما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئاً، ثمَّ سمعه وهو مدبِر يضرب فخذه وهو يقول:(وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) اه-.فانظر واعجب!
وأخرج في كتاب المغازي من صحيحه بالإسناد إلى الزهري أيضاً قال: أخبرنا علي بن حسين أنَّ حسين بن علي أخبره أنَّ عليَّاً قال: والحديث طويل وقد اشتمل على أنَّ سيِّد الشهداء حمزة بن عبد المطَّلب أسد الله وأسد رسوله قد شرب الخمر في الإسلام! فأجبَّ أسنمة شارِفَين لأمير المؤمنين وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، وحين لامه النبيصلىاللهعليهوآله على ذلك قال له حمزة: وهل أنتم إلاّ عبيد لأبي؟! فنكص رسول اللهصلىاللهعليهوآله حينئذ على عقبيه.هذا حديث البخاري عن أئمة أهل البيت! وكأنَّ عِلم حسين بن علي وعلي بن حسين محصور بهذا، وكأنَّ البخاري ما صح لديه عنهم سوى أنَّ أخا الرسول وبضعته البتول كانا ينامان عن الصلاة، وأنَّ عمَّه سيد الشهداء كان يشرب الخمر ويقول الهجر والكفر، نعوذ بالله من هذه الأحاديث المكذوبة التي هي عند البخاري أولى بالذكر من حديث الثقلين وأمثاله.ومَن عرف أنَّ البخاري لم يحتج بالأئمة من آل محمد مع احتجاجه بأعدائهم والخوارج عليهم لا يستغرب إعراضه عن حديث الثقلين، وإذا كان حديث عمران بن حطّان أولى بالصحة عند البخاري من حديث الصادقين من آل محمد، فلا عجب إذا كانت تلك الخرافات التي أشرنا إليها أولى بالذكر عنده من حديث الثقلين وأمثاله.
طال بنا الكلام لكنَّا لم نخرج به عن الموضوع، وحاصله: أنَّ للمشكِّكين في حديث الثقلين وجوهاً من التضليل:
الأول: أنَّ ابن الجوزي ضعَّفه وذكره في علله المتناهية.
الثاني: أنَّ البخاري لم يخرجه في صحيحه.الثالث: أنَّ اختلاف اللفظ في متن حديث الثقلين ربَّما يكون من الأمارات الدالة على وضعه.والجواب: أنَّ هذا الوجه لَممَّا يوقف هؤلاء المهووسين موقفاً حرجاً أمام صحاحهم الستة ؛ وذلك أنَّه ما من حديث تعدَّدت طرقه في صحاحهم وسائر مسانيدهم إلاّ اختلف متنه بزيادة أو نقيصة، يشهد بذلك كل من راجع الصحاح الستة وغيرها من كتب الحديث، فإن كان هذا أمارة على الوضع، فلقد سقط البخاري ومسلم، وذهب حديث أهل السُّنة بالمرَّة.ولعل العلَّة الصحيحة في هذا الاختلاف هي: أنَّ الرواة لم يلتزموا بنقل اللفظ الوارد عيناً وإنَّما كانوا ينقلون المعنى محافظين عليه غاية المحافظة، وهذا بالطبع يستلزم الاختلاف في اللفظ بالجملة ولا سيما
إذا اختلفت الأسانيد وتعدَّدت الطرق.
على أنَّ حديث الثقلين قد صدر من النبيصلىاللهعليهوآله في مواطن عديدة ؛ حيث صدع به يوم غدير خم، ويوم عرفة في حجّة الوداع، ويوم قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، وصدع به في المدينة على المنبر، وفي البقيع، وفي حجرته في مرضه الذي توفِّي فيه كما فصَّله سيِّدنا في مراجعاته الأزهرية، وقد نقلناه آنفاً عنه وعن ابن حجر، فيجوز أن يكون الاختلاف اللفظي في هذا الحديث بسبب اختلاف صدوره كما لا يخفى.
وبعد هذا فلا أراني مضطراً إلى التبسط في فقه الحديث ودلالته على إمامة أمير المؤمنين والأئمة من العترة الطاهرة ؛ فإنَّ وقفة يسيرة عند الحديث تشرف بالباحث المنصف على الغرض الذي يرمي إليه النبيصلىاللهعليهوآله بجعلهم أعدال الكتاب وجعل التمسُّك بهم كالتمسُّك به، على أنَّهصلىاللهعليهوآله قد صرَّح في صدر الحديث بأنَّ عليَّاً أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فراجع ما نقلناه عن الطبراني وغيره ممَّا صرَّح ابن حجر بصحَّته.ثمّ إنَّ الحديث الشريف يدلُّنا على عدم خلو البيت النبوي من رجل في كل قرن، هو في وجوب التمسُّك به، بحكم القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا في غاية الوضوح والحمد لله ربِّ العالمين.
وأمَّا حديث المنزلة الذي يقطع جهيزة كل أفَّاك ومعاند ؛ أعني قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنَّه لا نبيَّ بعدي)، فقد أخرجه أصحاب الصحاح والمسانيد حتى البخاري في مواضع من صحيحه، وقد رأيت من قبلُ أنَّ مداد قلمه يجفُّ عندما يصل إلى منقبة من مناقب عليعليهالسلام ، فلا يرويها حتى تكون في الثبوت بمثابة لا يسعه الإعراض عنها بوجه من الوجوه أصلاً.وقد أجمع الخلف والسلف على ثبوت هذا الحديث وصرَّحوا بصحة أسانيده على كثرتها واختلاف طرقها، حتى صرَّح السيوطي بتواتره في كتابه قطف الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة، ونصَّ على تواتره أيضاً جماعة من أئمة المحدِّثين كالإمام النيشابوري وصاحب الفتاوى الحامدية وغيرهما، فلا ريب فيه لأحد من المحدِّثين على اختلاف مشاربهم في ولاية علي وعداوته حتى أنَّ الخوارج ليصحِّحون هذا الحديث كما يصحِّحه غيرهم.
وحسبك أنَّ من جملة رواته داعية الخوارج ومؤسِّس مذهبهم في المغرب عكرمة(١)
____________________
(١) مَن أراد الوقوف على كنه عكرمة ومروقه من الدين وكونه من دعاة الخوارج فعليه بما أفاده سيِّدنا في الفصل الثالث من كلمته الغرَّاء في تفضيل الزهراء، المطبوع مع فصوله المهمَّة في تأليف الأُمَّة بمطبعة العرفان الغرَّاء.
البربري ؛ حيث رواه عن ابن عبَّاس وغيره.وقد أورده الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي المالكي في ترجمة علي من الاستيعاب، ثمَّ قال ما هذا لفظه: وروى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنَّه لا نبيَّ بعدي) جماعة من الصحابة، وهو من أثبت الآثار وأصحِّها ؛ رواه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سعد بن أبي وقَّاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جداً قد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره، ورواه ابن عبَّاس وأبو سعيد الخدري وأُم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبد الله وجماعة يطول ذكرهم) انتهى بلفظه.وقال السيوطي في أحوال علي من كتابه تاريخ الخلفاء ما هذا لفظه: وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقَّاص: أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: (يا رسول الله، تخلِّفني في النساء والصبيان؟)، فقال: (أمَا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنَّه لا نبيَّ بعدي).(قال:) وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري، و(أخرجه) الطبراني من حديث: أسماء بنت عميس، وأُم سلمة، وحبشي بن جنادة، وابن عمر، وابن عبَّاس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم) انتهى.
والذين صرَّحوا بهذا ونحوه لا يمكن استقصاؤهم، فمحدِّثو الأُمّة وجهابذتها مجمعون على أنَّ هذا الحديث من أثبت الآثار النبوية وأصحِّها، وهو من الأدلة على أنَّ عليَّاً كان أفضل هذه الأُمّة على عهد رسول الله كما كان هارون أفضل تلك الأُمّة على عهد موسى، وأنَّ طاعة علي كانت واجبة على أبي بكر وغيره من هذه الأُمّة كما كانت طاعة هارون واجبة على يوشع وغيره من تلك الأُمّة، وأنَّ عليَّاً كان ثاني النبي في هذه الأُمّة والقائم مقامه إذا غاب كما كان هارون ثاني موسى في تلك الأُمّة والقائم مقامه إذا غاب(١) .
وقد وقف الآمدي عند هذا الحديث وقفة الحائر ؛ لكونه من علماء العربية وأُصول الفقه - والراسخون في هذين العلمين لا يرون مندوحة عن الجزم بدلالة الحديث على عموم المنزلة، ولا يجدون بُدَّاً من النزول على حكم الاستثناء ؛ أعني قوله: (إلاّ أنَّه لا نبيَّ بعدي)، القاضي بعموم ما عدا النبوة من سائر المنازل - فالرجل بمقتضى كونه أُصوليَّاً يرى الحديث صريحاً في خلافة علي بعد الرسول غير قابل للتأويل ؛ ولذا قام كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان من المس فقال بعدم صحة الحديث واستراح إلى هذا الهذيان الذي يليق بعجائز السودان، وساعده
____________________
(١) ومَن أراد التفصيل على وجه يثلج الغليل فليراجع ما علَّقه سيِّدنا على هذا الدليل في مراجعاته الأزهرية.
على ذلك جهله بعلم الحديث وانصرافه عنه إلى أُصول الفقه، وقد رأى الأُصول تأبى صرف هذا الحديث عمَّا قلناه فلم يناقش في دلالته ؛ بل خالف الأُمّة فطعن في سنده (وأوهى قرنَه الوعلُ).
وقد يسيل على ألسنة هؤلاء المهووسين خرافة أُخرى تنفثها أقلامهم ذعافاً مُمْ-قِراً، ولا تندى جباههم حياء من العلم الذي باسمه يكتبون.والحق أنَّهم إنَّما يكتبون بيراع الهوى ويتكلَّمون بلسان العصبية، ولا من شك بأنَّها العامل القوي في تغييرهم الحقائق، وطالما رأينا العصبية تؤثِّر على عقلية الرجل منهم، فيستخدمها وتستخدمه، وطالما رأيناه يتسكَّع أمام إرادتها، فتقوده النعرة إلى حيث تشاء، وتحمله على التخبُّط في دياجير الجهل وخلط الحابل بالنابل.وإليك خرافتهم السائلة على ألسنتهم وأقلامهم، قالوا: إنَّ خلافة هارون لم تثبت له بعد موسى ؛ لأنَّه توفِّي قبل موسى، وكذلك خلافة علي، لا تثبت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .ولا يخفى أنَّ أمثال هذه الخرافات تمثِّل الفوضى في حياتهم العلمية، وهي صورة صادقة للعصبية التي تسيطر على عقلية الأُستاذ أحمد أمين وشيخه ابن حجر وأمثالهما ؛ إذ لا شك بأنَّ الخلافة كانت ثابتة لهارون مطلقاً، وكان له فرض الطاعة على بني إسرائيل على سبيل الإطلاق، ولم يكن هذا المنصب مؤقَّتاً ولا مشروطاً كما هو مسلَّم معلوم، وهذا المعنى بعينه قد أثبته رسول الله لعلي بنص هذا الحديث.ولا فرق في هذا المعنى بين هارون وعلي سوى أنَّ هارون مات في حياة موسى فانقطعت ولايته بموته وعلي لم يمت، فاستمرت ولايته إلى أن مات سنة أربعين للهجرة كما أوضحه سيِّدنا في مراجعاته الأزهرية ومناظراته المصرية.
ومن الغريب أنَّ ابن حجر تنازل عن دعوى عدم شمول الاستخلاف لِمَا بعد الموت وسلَّم شموله تنازلاً، وسلَّم عموم المنزلة كذلك، لكنَّه ناقش من جهة أُخرى ؛ وهي: أنَّه عامٌّ مخصوص بالأُخوَّة أوّلاً، وبالنبوة ثانياً ؛ فإنَّ هارون كان أخا موسى وكان نبيَّاً، وعلي ليس كذلك.والعام المخصَّص لا يكون حجة في الباقي، أو يكون حجة ضعيفة.وهذا رأي في الأُصول ساقط مرذول مخالف لِمَا عليه الفحول، ولسنا نعلم أنَّ الأُستاذ أحمد أمين ينقاد لابن حجر في هذا الرأي الآفن انقياد الأعمى، كما انقاد لغيره من آرائه الزائفة.
كأنَّ ابن حجر يريد لأجل هذا الخبر أن ينكر حُجِّيَّة كل عام ورد في الإسلام ؛ فإنَّه ما من عام إلاّ وقد خُص، وأيُّ عام في الكتاب أو السنَّة من المخصِّصات اللفظية والعقلية، وإنَّك بأيسر نظرة بسيطة في أبواب الفقه تعرف صدق قولهم ما من عام إلاّ وقد خُص، ولا سيما أبواب المعاملات ؛ فإنَّ النصوص الخاصة نادرة فيها جداً، وإنَّما هناك عمومات رجع إليها العلماء
في مقام الاستدلال مع كونها قد دخلها التخصيص، ولو كانت غير حجة ما قام للمسلمين سوق.والحق الذي لا نوارب فيه أنْ ليس مخصِّص لهذا العام عند الأُستاذ أحمد أمين وسلفه ابن حجر يخرجه عن الحُجِّيَّة، سوى العصبية التي تتمثَّل في منطقهم وفيما يخطُّون بأجلى مظاهرها، نعوذ بالله من الجهل وسبات العقل.
ابتدع ديكارت قانون التشكيك في كل شيء ينظر فيه ولو كان من الحقائق الراهنة عند أهل الأرض في الطول والعرض، وجعله منهاجاً يسير عليه مقلِّدوه.وأول مَن زعم سلوك سبيله في مصر (الدكتور طه حسين) ؛ إذ زعم أنَّه قد اتَّخذ تلك القاعدة منهاجاً للبحث في أدبه الجاهلي، وزعم أنَّه تجرَّد من كل شيء حتى دينه، فشكَّ فيما يمكن الشك فيه وفيما لا يمكن الشك فيه، وجعل التشكيك سبيله أبداً في كل شيء، لكنَّ زميله أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام لم يتخذ ذلك المنهاج إلاّ مقيَّداً بمشيئته ؛ فإن شاء أن يشكَّ شك، وإن لم يشأ لم يشك، فكان له منهاج غير منهاج ديكارت ومقلِّده الأعمى، وخلاصته: أنَّه يجب على الباحث أن يكون منقاداً في بحثه إلى الغرض الشخصي ؛ فمتى أباح له غرضه أن يشك في شيء يشك فيه، ومتى لم يبح له ذلك لا يشك.وعلى هذا الأساس استطاع أن يشك في نسبة الأبيات إلى أبي الهيثم البدري وإلى الغلام الذي خرج من جيش عائشة في وقعة الجمل (ص ٣١٩) ؛ لأنَّ تلك الأبيات تشتمل على إطلاق الوصي على علي، وهذا لا يوافق غرضه الشخصي.
ومن الغريب أن يقف صاحب الكتاب الأُستاذ أحمد أمين موقف الشاك في فضائل آل محمد وخصائصهم وفي أدلة الشيعة على إمامتهم، ثمَّ نراه يقف فيما يتعلق بغير علي من الصحابة موقف المطمئن ؛ فلا يرتاب في شيء ما من مناقبهم مع ما يرى في كثير منها من القلق والاضطراب.أستغفر الله، لا غرابة في ذلك بعد ما رأينا أنَّ ميزان الشك عنده إنَّما هو هوى النفس والعاطفة والغرض والمرض.وأنت تعلم أنَّ الفوضى في الحياة العلمية ممّا لا بد منه مع هذا الميزان.وأول شيء نفاجئ به الأُستاذ أحمد أمين أنَّا نشك في إسلامه! حيث يرى أنَّ الإسلام تأثَّر بعملية المزج، ويرى أنَّ أبا ذر - الصحابي الجليل - تأثَّر بتعاليم مزدك، ويرى أنَّ علماء الإسلام كذَّابون وضَّاعون، ونحن نستسلم لنظرية الشك فيه مماشاة له، وإلاّ فنظرة بسيطة في كتابه وكتاب زميله تحوِّل نظريَّ-تنا إلى ما فوق الشك.
أمَّا عصمة الأئمة وأفضلية علي، فثابتان بالأدلة القاطعة من طريق العقل والنقل وإنْ أنكرهما الأُستاذ أحمد أمين ومَن لفَّ لفَّه، ولا غرابة في إنكارهم عصمة الأئمة من أهل البيت بعد أن نسبوا إلى رسول الله السهو في الصلاة بترك ركعتين منها، الأمر الذي لا يصدر إلاّ من الغافلين عن صلاتهم، وحاشا أنبياء الله، ونسبوا إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم الهجر والهذيان، تعالى الله عن أن يرسل رسولاً يهجر، ونسبوا إليه (تلك الغرانيق العلى) نعوذ بالله السميع العليم من كل أفَّاك أثيم، ونسبوا إليه الخطأ يوم بدر بزعم أنَّه آثر عرض الدنيا على الآخرة ؛ فاتَّخذ الأسرى وأخذ منهم الفداء قبل أن يثخن في الأرض، وزعموا أنَّه لم يسلم يومئذ من الخطيئة إلاّ عمر، وأنَّه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلاّ ابن الخطَّاب، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم واقتضاه نفاق الواضعين كما فصَّله سيِّدنا في كتابهالفصول المهمَّة في تأليف الأُمَّة (ص ٩٨ وما بعدها، ط سنة ١٣٤٧ه-) فليراجعه من أراد التفصيل أو شاء أن يعرف كنه العلم والدليل.وجوَّز إمامهم الباقلاني كل فسق وكفر على الأنبياء إلاّ الكذب في البلاغ، نقل عنه ذلك إمامهم ابن حزم في كتابهالفصل (ج٤، ص ١)، ونَقَل (ج٤، ص ٢٠٥) عن بعض أعلام أهل السنَّة القول بجواز الكذب في البلاغ أيضاً على الأنبياء نعوذ بالله، نستجير بالله، نبرأ إلى الله، ونَقَل أيضاً (ج٤، ص ٢٢٤) عن السمناني - وهو من أئمتهم أيضاً - تجويز الكفر على نبيِّنا محمد ( صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولعنة الله على شانئيهم، وظالميهم، ومريدي إطفاء نورهم أجمعين).
وقد نسب ابن حزم إلى محمد بن الحسن بن فورك، وسليمان بن خلف الباجي إماميْ أهل السنة أُموراً عظيمة ترتعد منها الفرائض، ذكر ذلك كله سيِّدنا في الفصل العاشر من فصوله المهمَّة في تأليف الأُمّة فراجع.
ومَن كانت هذه نظريَّاته ونظريَّات سلفه في أنبياء الله ورسوله لا ننتظر منه الخضوع لعصمة أئمتنا أئمة العترة، وأحد الثقلين، وسفينة نجاة الأُمّة، وباب حِطَّة، وأمان أهل الأرض، وقد أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا.ومن العبث أن نطرق مع الأُستاذ باب الاستدلال على عصمتهم وعقليَّته تأبى عصمة الأنبياء.أمَّا مَن آمن بعصمة الأنبياء نزولاً على حكم الدليل العقلي بوجوب عصمتهم، فلابد أن يؤمن بعصمة خلفاء الله وأوصياء رسوله نزولاً على حكم ذلك الدليل العقلي ؛ لأنَّ وجهة الدليل العقلي على عصمة الأنبياء وخلفائهم واحدة، ومناطه
واحد كما فصَّله الأعلام من متكلِّمي الإمامية.وسيِّدنا شرح الصدور وأثلج الغلل بما كتبه في هذا الموضوع، حتى جعل عصمتهم من الأُمور المحسوسة الملموسة بدليلي العقل والنقل، على وجه لا يبقى معه لطالب العلم ورائد الحقيقة شبهة، فنحن نحيل عليه؛ إذ لا مجال هنا للتفصيل.
وأمَّا أفضليته على غيره بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله مطلقاً، فمن البديهيات الأولية لولا الأحقاد البدرية والضغائن الأُموية وحسد الحاسدين وكيد الكائدين وتمويه المتعصِّبين، وقد كان تفضيله على مَن سواه مسلَّماً على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونقله ابن عبد البر في أحوال علي من الاستيعاب عن: سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخبّاب، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم(١) .وروي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: إنَّ لعلي أربع خصال ليست لأحد غيره: هو أول عربي وعجمي صلَّى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم فرَّ عنه غيره، وهو الذي غسَّله وأدخله قبره اه-.
قلت: بلى، خصائصه أكثر من أن تُعد، والأدلة على تفضيله لا يسعنا استقصاؤها، وإنَّما نذكر منها عشرة:
الأول: أنَّه أقدمهم إيماناً كما روي عن النبي ؛ حيث قالصلىاللهعليهوآله : (بعثتُ يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء)، وقالصلىاللهعليهوآله : (أوَّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب)، وكان علي يقول: ( أنا أوَّل مَن صلَّى لله، وأوَّل مَن آمن بالله ورسوله، لم يسبقني إلى الصلاة إلاّ نبي اللهصلىاللهعليهوآله )، وقال على المنبر بمشهد من الصحابة: ( أنا الصدِّيق الأكبر آمنت قبل إيمان أبي بكر)، وكان قوله هذا مشهوراً بين الصحابة فلم ينكره منكر.وإذا ثبت أنَّه أقدمهم إيماناً، كان أفضلهم ؛ لقوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) .
الثاني: أنَّه أعلمهم ؛ لأنَّه كان أقواهم حدساً، وأشدَّهم ذكاء وفطنة، وأسبقهم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وآخرهم عهداً به، وأكثرهم ملازمة له كما وصف نفسه، إذ قال: (وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ؛ وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره ،
____________________
(١) ونقله ابن أبي الحديد في شرح النهج (مجلَّد ٤، ص ٥٢٠) عن كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: عمَّار، والمقداد، و
أبو ذر، وسلمان، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وأخوه عثمان، وأبو الهيثم بن
النبهان، وخزيمة بن ثابت، وأبو الطفيل عامر بن وائلة، والعبَّاس بن عبد المطَّلب، وبنو هاشم كافَّة، وبنو المطَّلب كافَّة.قال: وكان الزبير من القائلين به في بدء الأمر، ثمَّ رجع.وكان من بني أُمية قوم يقولون بذلك، منهم: خالد بن سعيد بن العاص اه-.
ويكنفني إلى فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه.وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل.وقد قرن الله بهصلىاللهعليهوآلهوسلم - من لدن أن كان فطيماً - أعظم ملك من ملائكته ؛ يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره.وكنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أُمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمُّ ريح النبوة.ولقد سمعت رنَّة الشيطان حين نزل الوحي على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنَّة؟ فقالصلىاللهعليهوآله : هذا الشيطان أيس من عبادته.إنَّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنَّك لست بنبي، ولكنَّك وزير) إلى آخر الخطبة وتسمَّى القاصعة(١) .ومن المعلوم أنَّ عليَّاً كان أيَّام صغره في حجر النبيصلىاللهعليهوآله ، وأيَّام كبره كان ختناً وأخاً له ووزيراً ووليَّاً يدخل عليه في كل وقت.وكان النبيصلىاللهعليهوآله في غاية الحرص على إرشاده وتعليمه، وقد علَّمه ألف باب من العلم فانفتح له من كل باب ألف باب، وحين نزل قوله تعالى:( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (اللَّهُم اجعلها أُذن علي)، فلم ينس علي بعدها شيئاً، ومسح على صدره فقال: (اللَّهُم اهد قلبه وسدِّد لسانه)، فما شك بعدها في قضاء بين اثنين.وقال عليهعليهالسلام : (لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم.والله ما نزلت من آيةٍ في برٍّ أو بحرٍ أو سهلٍ أو جبلٍ أو سماءٍ أو أرضٍ أو ليلٍ أو نهارٍ إلاّ أنا أعلم فيمَن نزلت، وفي أيِّ شيء نزلت)، وهو القائل: (سلوني قبل أن تفقدوني).وقد رجعت إليه الصحابة في كثير من الوقائع حتى قال عمر: لولا علي لهلك عمر، وقال: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن. واستندت الفضلاء إليه في جميع العلوم، كالأُصول الكلامية، والفروع الفقهية، وعلوم القرآن بأسرها، وعلم التصوُّف، وعلمي النحو والصرف وغيرها.ومن المعلوم أنَّ خرقة المشائخ تنتهي إليه، وأنَّ ابن عبَّاس حبر الأُمّة وإمام المفسِّرين كان تلميذه، وأنَّ أبا الأسود دوَّن النحو بتعليمه وإرشاده.ونوادره المدهشة في القضاء مشهورة تُضرب بها الأمثال، وله في الإخبار بالمغيَّبات آيات بيِّنات، كإخباره بأنَّه يُقتل في شهر رمضان، وأنَّ قاتله ابن ملجم بضربة على هامته تخضب شيبته الكريمة، وكإخباره بقتل ولده سيّد الشهداء في طفِّ
____________________
(١) وهي من محاسن خطبه الموجودة في نهج البلاغة.
كربلاء، وقوله لعمر بن سعد: (كيف أنت إذا قمت مقاماً تخيَّر فيه بين الجنة والنار، فتختار النار؟)، وإخباره بظهور معاوية وأنَّه سيدعو الناس إلى لعنه والبراءة منه، وإخباره بما جرى على ميثم التمَّار ورشيد الهجري وحبيب بن مظاهر، وإخباره يوم النهروان بقتل ذي الثدية، ولمَّا لم يجدوه بين القتلى قال: (والله، ما كذبت)، ثمّ بحث عنه حتى وجده، فشقَّ قميصه ووجد على كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعر، ينجذب كتفه مع جذبها ويرجع مع تركها.وأخبره أصحابه يوم النهروان: أنَّ العدوَّ قد عبروا النطفة، فقال: (لم يعبروا)، فأخبروه مرة ثانية: إنَّهم عبروها، فقال: (والله ما عبروه، ولن يعبروه، إنَّ مصارعهم لدون النطفة)، فأضمر جندب بن عبد الله الأزدي في نفسه: أنَّه إن وجد القوم قد عبروا أن يقاتله معهم، قال: فلمَّا وصلنا النهر لم نجدهم عبروا! فالتفت إليَّ أمير المومنين فقال: (يا أخا الأزد، أتبيَّن لك الأمر؟) هذا يدل على علمه بما أسرَّه في نفسه.وقيل له: مات خالد بن عرفطة بوادي القرى، فقالعليهالسلام : (... لم يمت، ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن عمَّار)، فقام رجل من تحت المنبر فقال: والله إنِّي لك لمحب! وأنا حبيب، قال: (إيَّاك أن تحملها، ولتحملنها فتدخل بها من هذا الباب) وأومأ إلى باب الفيل، فلمَّا بعث ابن زياد عمر بن سعد إلى الحسين جعل على مقدِّمته خالداً، وأعطى الراية حبيباً، فدخل المسجد بها من باب الفيل.وإخباره بالمغيَّبات والملاحم لا تحصى، وكونه أعلم الصحابة ممَّا لا يكاد يخفى ؛ وإذا كان أعلمهم يكون أفضلهم.
الثالث: أنَّه أكثرهم جهاداً في سبيل الله، وأعظمهم بلاء في الحروب أيَّام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أمَّا بدر، فلم يبلغ أحد شأوه فيها، وهي أول حرب امتُحن به المؤمنون ؛ لقلَّتهم وضعفهم وكثرة المشركين وقوَّتهم.جدع فيها أمير المؤمنين أنف الشرك، وعصب فيها رأس المشركين بالذل والشنار والخزي والعار ؛ حيث قتل طواغيتهم وقرى الذئاب أشلاء جبابرتهم ؛ كعُتبة بن ربيعة، و شيبة، والوليد، والعاص بن سعيد، وسعيد بن العاص، وحنظلة بن أبي سفيان، وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد ؛ حيث فرى بسيفه هامهم، وزمَّلهم بدمائهم، وصمد إلى صناديدهم، يقتل كل مَن برز إليه منهم، حتى قتل وحده نصف مَن قُتل يومئذ من المشركين.
وأمَّا أُحد، فقد جمع له رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيها بين الراية واللِّواء، وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، ويُدعى كبش الكتيبة، فشدَّ عليه علي فقتله، فأخذ الراية غيره، فشدَّ عليه فقتله ،
فأخذها الثالث، فقتله عليٌ، ولم يزل يقتل حاملي لواء المشركين حتى قتل تسعة كانوا من أشدِّ الناس قوة، فطارت قوة المشركين فرَقاً، ولم يجرأ أحد منهم بعد ذلك على حمل اللّواء ؛ حيث علموا أنَّ أبا الحسن لحامل لوائهم بالمرصاد، فانهزموا، وأكبَّ المسلمون على الغنائم.فحمل خالد بن الوليد بأصحابه على المسلمين، وجاؤوا من قبل الشِّعب الذي كان وراء المسلمين والمسلمون غافلون، فكانت المصيبة، وضُرب رسول الله بالسيوف والرماح والنبال والحجارة حتى غشي عليه، وانهزم الناس عنهصلىاللهعليهوآله سوى علي ؛ فإنَّه كان صاحب البلاء الذي عجبت منه يومئذ ملائكة السماء، ونادى مناديهم: (لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي)، وقال جبرائيل - حيث رأى موقف علي في وجه الأعداء يذودهم بسيفه عن سيد الأنبياء - : ((إنَّ هذه لهي المواساة)، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (وما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه)، فقال جبرائيلعليهالسلام : (وأنا منكما).
وأمَّا الأحزاب، فقد قتل أمير المؤمنين عَمْرَها، وكفى الله المؤمنين به شرها.وكان عمرو بطل المشركين غير مدافَع، وشجاعهم الذي لا ينازع، دعا إلى البراز مراراً بعد أن اقتحم الخندق وأصبح مع المسلمين في صعيد واحد منفصلاً عن جنوده وبنوده، والمسلمون كأنَّما على رؤوسهم الطير، قد زاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر من الخوف والاضطراب، على ما حكاه الله عزَّ وجلَّ عنهم في سورة الأحزاب.
وابتدى المصطفى يحدِّث عمَّا |
يُؤجر الصابرون في أُخراها |
|
قائلاً: إنَّ للجليل جِناناً |
ليس غير المجاهدين يراها |
|
مَن لعمرو ؟ وقد ضمنتُ على الله |
له من جنانه أعلاها |
|
فالتووا عن جوابه كسوام |
لا تراها مجيبة مَن دعاها |
|
وإذا هم بفارس قرشي |
ترجف الأرضُ خيفة إذ يطاها |
|
قائلاً: ما لها سوايَ كفيل |
هذه ذمَّة عليَّ وفاها |
|
وانتضى مشرفيَّه فتلقى |
ساق عمرو بضربة فبراها |
|
يا لها ضربة حوت مَكرُماتٍ |
لم يزن ثقلَ أجرها ثقلاها |
|
هذه من علاه إحدى المعالي |
وعلى هذه فقسْ ما سواها |
قال حذيفة: لمَّا دعا عمرو إلى المبارزة أحجم عنه المسلمون كافَّة ما خلا عليَّاً، فإنَّه برز إليه، فقتله الله على يديه.والذي نفس حذيفة بيده، لعمله في ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد
إلى يوم القيامة.وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لضربة علي خير من عبادة الثقلين).
وأمَّا خيبر، فإنَّما كان البلاء فيها والجهاد والفتح لعلي وحده بحكم الضرورة من أخبار السلف ؛ وذلك أنَّ النبيصلىاللهعليهوآله أعطى الراية أولاً أبا بكر، فرجع بجماعة المسلمين، فأخذها من الغد عمر، فرجع مذعوراً، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يُحب اللهَ ورسولَه ويُحِبه اللهُ ورسولُه ؛ كرَّار غير فرَّار)
ودعا أين وارث العلم والحلم |
مجير الأيَّام من بأساها |
|
أين ذو النجدة الذي لو دعته |
في الثريا مروعة لبّاها |
|
فأتاه الوصيُّ أرمد عين |
فسقاها من ريقه فشفاها |
|
ومضى يطلب الصفوف فولَّت |
منه علماً بأنَّه أمضاها |
|
وبرى مرحباً بكفِّ اقتدار |
أقوياء الأقدار من ضُعَفاها |
|
ودحا بابهم بقوة بأس |
لو حمته الأفلاك منهُ دحاها |
وأمَّا حُنَين، فقد سار إليها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في عشرة آلاف، فأعجبتهم كثرتهم، فلم تغن عنهم شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثمَّ ولّوا مدبرين كما أخبر الله عزَّ وجلَّ عنهم في محكم كتابه العزيز، ولم يبق مع النبيصلىاللهعليهوآله سوى تسعة: علي، و
العبَّاس، وابنه الفضل، وأبو سفيان ونوفل ابنا الحارث، وربيعة بن الحرث، وعتبة ومصعب ابنا أبي لهب، وأبو دجانة، فخرج أبو جرول، فقتله علي، وقتل منهم تمام الأربعين، وانهزم الباقون، وغنمهم المسلمون.وكان الفتح على يد علي، وهكذا كان في كل الوقائع ؛ فإذن هو أفضل من غيره بحكم قوله تعالى:( فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ) .
الرابع: أنَّه أتقى الصحابة وأشدَّهم خوفاً من الله وأعظمهم مجاهدة لنفسه، وفيه أنزل الله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا ِلأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) على ما فصَّله سيِّدنا في كتابه تنزيل الآيات ؛ حيث أورد القرائن القاطعة بنزولها في علي، وأتى بالحجج الساطعة في ذلك، وزيَّف ما لفَّقه فخر الدين الرازي وأولياؤه من القرائن التي زعموها، وأوضح بطلان ما تشبَّثوا به بما لا مزيد عليه ؛ وإذا كان علي أتقى الأُمّة يكون أكرمهم عند الله بدليل قوله تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .
الخامس :أنَّه أعبدهم، وقد كانت جبهته كرُكبة البعير لطول سجوده، وكان يصلِّي في
اليوم والليلة ألف ركعة، وكانوا إذا أرادوا أن يستخرجوا النصول من جسده إنَّما يستخرجونها وقت الصلاة ؛ لتفرُّغه وقتئذ بالكلِّية إلى الله تعالى، واستغراقه في مناجاته.وقد نصب له ليلة الهرير نطع، فصلى صلاة الليل والسهام تمر على صماخيه، والموت منتصب بالجهات الست، فما ارتاع ولا هالته تلك الأهوال حتى أكمل ورْدَه من عبادة الله عزَّ وجل.هذه حاله منذ صلَّى قبل الناس حتى ضربه ابن ملجم تلك الضربة صائماً لله في شهر رمضان، قائماً في عبادته عزَّ وجلَّ في مسجد من أفضل المساجد، فقضى نحبه مظلوماً شهيداً، وألزم أعداءه الحجة في قتلهم إيَّاه مع ما له من الحجج البالغة.
السادس : أنَّه أزهدهم في الدنيا، وقد تواتر إعراضه عن لذَّاتها مع اقتداره عليها ؛ لاتّساع أبواب الدنيا عليه، لكنَّه طلَّقها ثلاثاً، وحمل الناس على الزهد فيها، وكلامه في ذلك مأثور محفوظ.وقد خاطبها مرة فقال: (يا دنيا، إليكِ عني، أبيَّ تعرَّضتِ أم إليَّ تشوَّقتِ؟! لا حان حينك! هيهات هيهات غرِّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلَّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير وخطرك كبير وملكك حقير)، وقال: (والله، لدنياكم هذه أهون في عيني من عِراق خنزير في يد مجذوم).وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً، ولم يشبع من طعام قط.قال عبيد الله بن أبي رافع: دخلت عليه يوم عيد، فقدَّم جراباً مختوماً، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً، فأكلنا منه معه، فقلت: يا أمير المؤمنين لم ختمته؟ قال: (خفت هذين الولدين أن يليِّناه بزيت أو سمن).وكان نعلاه من ليف، وكان يرقع قميصه بجلد أو بليف، وقلَّ أن يأتدم، فإن فعل فبالملح أو الخل، وإن زاد فبنبات الأرض، فإن ترقَّى فبلبن.وكان لا يأكل اللحم إلاّ قليلاً، وكان يقول: (لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان).
السابع: أنَّه أوسعهم عفواً عمَّن أساء إليه ؛ عفا عن مروان حين أُسر يوم الجمل مع شدة عداوته له، وعفا عن سعيد بن العاص وكان من أخبث أعدائه، وسبقه معاوية يوم صِفِّين إلى الماء فمنعه منه حتى أخذه علي منه عنوة، فلمَّا ملك الماء أراد أهل العراق أن يمنعوا أهل الشام، فأبى عليهم وقال: (إنَّ فيهم المرأة والطفل والمكره والمستضعف والدابة، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ففي حد السيف ما يغني عن ذلك).
الثامن: أنَّه أشرفهم خلقاً وأطلقهم وجهاً حتى نسب بعض أعدائه إليه الدعابة مع شدة بأسه وهيبته.قال صعصعة بن صوحان: كان فينا كأحدنا ؛ في لين من جانبه، وشدة تواضعه، وسهولة قياده.وكنَّا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيَّاف الواقف على رأسه.
التاسع : أنَّه أسخاهم في سبيل الله بما ملكت يداه.كان يؤثر المحاويج على نفسه وأهل بيته حتى أنَّه جاد بقوته وقوت عياله وباتوا طاوين ثلاثاً، فأنزل الله في حقِّهم سورة الأبرار (وهي سورة الدهر)، وفيهم نزل:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .ولمَّا تصدَّق بخاتمه وهو راكع في الصلاة أنزل الله فيه آية الولاية ؛ ألا وهي قوله عزَّ من قائل:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) الآية.وكان عنده أربعة دراهم، فتصدَّق في الليل بدرهمين سرَّاً وعلانية، وفي النهار بدرهمين كذلك، فأنزل الله تعالى فيه:( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
العاشر : أنَّه أقواهم جناناً، وأفصحهم لساناً، وأسدَّهم رأياً، وأشدَّهم حرصاً على إقامة حدود الله، لا تأخذه في ذلك لومة لائم.وكان أرأفهم بالمؤمنين، وأحوطهم على الدين، وأشفقهم على اليتامى والأيامى والمساكين ؛ فالضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقِّه، والقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يخذ منه الحق.القريب والبعيد عنده في ذلك سواء، لم يكن لغير أهل الحق فيه مطمع، وكان مع الحق والحق معه يدور معه كيف دار.وكان أحفظهم لكتاب الله ؛ لأنَّ أكثر أئمّة القرَّاء يسندون قراءتهم إليه، فعاصم وأبو عمرو وغيرهما تلامذة أبي عبد الرحمن السلمي، وهو تلميذ علي.وقد امتازعليهالسلام بمحبَّته لله ولرسوله ومحبَّتهما له كما شهد بهِ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم خيبر، وامتاز بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة والأُخوَّة ؛ فإنَّه لمَّا آخىصلىاللهعليهوآله بين أصحابه اختارهصلىاللهعليهوآله منهم أخاً لنفسه، وامتاز بالوزارة المنصوص عليها في مبدأ الإسلام يوم أنزل الله تعالى:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ، ويوم المؤاخاة، ويوم الغدير، وفي مقامات أخر لا تحصى.وامتاز بالوصية المنصوص عليها من النبيصلىاللهعليهوآله في مبدأ أمره وفي آخر عمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وامتاز بوجوب المحبَّة المدلول عليها بآية المودَّة وبالصحاح المتضافرة، وامتاز بأنَّ مَن أحبَّه فقد أحبَّ الله ورسوله، ومَن أبغضه فقد أبغضهما، ومَن آذاه فقد آذاهما، ومَن سبَّه فقد سبَّهما ؛ يدل على ذلك كله صحاح السُّنة ومحكمات الكتاب.وامتاز بأنَّه صالح المؤمنين المشار إليه بقوله تعالى:( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، وقد جمع الله فيه جامعة الرسل ؛ إذ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مَن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في خلَّته، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى
في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب) فأوجب مواساته للأنبياء في هذه الصفات، والأنبياء أفضل من الصحابة، فعلي أفضل ؛ لأنَّ المساوي للأفضل أفضل.وحسبك في ذلك حديث المنزلة، أعني قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ؛ فإنَّ هارون أفضل أُمة موسى فيكون علي أفضل أُمَّة محمدصلىاللهعليهوآله ، لعموم المنزلة المدلول عليه باستثناء النبوة.ويدل على تفضيله أيضاً حديث الطائر المشوي، بل سائر ما جاء في فضله من آيات الكتاب وصحاح السُّنة.وهناك خصائص أُخر توجب تفضيله ك-: انتفاء سبق الكفر على إيمانه ؛ إذ لم يكفر بالله قط ولا سجد إلاّ لله، بخلاف باقي الصحابة ؛ فإنَّهم قبل الإسلام كانوا عبدة أصنام، ولكثرة انتفاع المسلمين به في حروبه أيَّام النبي، وشدة بلائه وقوة شوكة الإسلام به، وانتشار علومهِ وحكمه ونصائحه.وكتميُّزه بالكمالات النفسية ك-: قوَّة الإيمان، وعظيم التوكُّل على الله والثقة به والخشية منه، وكالعلم المحيط، وحسن الخلق، وطهارة النفس، ونقاء السريرة، وحرية الضمير، والسخاء الباهر، والشجاعة التي تضرب بها الأمثال، والصبر على الأذى، وكظم الغيظ، والعفو عن المسيئين، والنصح لله تعالى ولعباده.وتميَّز بالكمالات البدنية أيضاً ك-: مزيد القوة، وشدة البأس.وبالكمالات الخارجية ك-: كونه ابن عم الرسول، وزوج الزهراء البتول، وأبا السبطين، ووالد ذرِّيَّة النبي، وباب مدينة علمه، وأمينه على سرِّه إلى ما لا يحصى من الخصائص المستوجبة لتفضيله على العالمين.
وحسبك دليلاً قاطعاً وبرهاناً - على تفضيله - ساطعاً يغنيك عن كل ما ذكرناه من الأدلة، أنَّ الله سبحانه قد أنزله في محكم فرقانه العظيم منزلة نفس نبيّهِ الكريم ؛ وذلك حيث يقول عزَّ اسمه:( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ؛ إذ ليس المراد نفس النّبي حقيقة، لأنَّ الإنسان لا يدعو نفسه كما لا يأمر نفسه، وليس المراد بهِ فاطمة والحسن والحسين ؛ لاندراجهم في الأبناء والنساء، فلابد أن يكون شخصاً آخر هو كنفس النبي، وليس هو غير علي بالإجماع، وقد فصَّل ذلك سيِّدنا في كلمتهِ الغراء فجزاه الله عن العلم الصحيح وروَّاده خير الجزاء.
الرجعة عند الشيعة
مهما حاول المصوِّر الفنان أن يصوِّر الغول والعنقاء وهو لم يرهما فلا نراه يستطيع ذلك كلَّما قلَّب الأمر ظهراً لبطن، ولئن رسمها فإنَّا لا نشك أنَّ النسخة التي يرسمها لا تكون مطابقة للأصل إن صحَّ هذا التعبير.والبحث نحوٌ من التصوير، والباحث مصوِّر تتفاوت مقدرته العلمية بتفاوت علميتهِ كما تتفاوت مقدرة المصوِّر بالنسبة إلى الصورة الحقيقية والخيالية، مثلاً يقف
المصوِّر (من تلامذة الشيخ محمد عبده) فينظر إلى أشكال الشيخ ويرسمها بريشتهِ، فينتهي عن صورة لا يشك الناظر إليها ممَّن يعرف الشيخ أنَّها صورته، ولكن هذا المصوِّر لو رسم ابن سينا - مثلاً - بالأوصاف التي حدَّثته عنها الأخبار، فينتهي عن صورة يشك الناظر فيها أنها تمثِّل ابن سينا كما مثَّلت تلك صورة محمد عبده، وقد لا تكون منطبقة على شيء من ملامحه، ولا سيما إذا كان هذا المصوِّر قد اعتمد في تصوير ابن سينا على ما نقله أعداؤه من أوصافه وملامحه.ومن هذا المنبع يستقي الباحث ؛ فإنَّ مَن عرف مذهباً من المذاهب أو تاريخ أُمَّة من الأُمم يأتي بحثه سالماً من العثار، ومَن يجهل ذلك ويكتب عن جهل لابد أن يعثر في سيره، ولا سيما إذا اعتمد على المرجِفين المخاصِمين كما ترى ذلك في كلام صاحب الكتاب، ومن الغلط الفاحش كلامه في الرجعة ؛ فهو يميل إلى أنَّ الذي وضع الحجر الأساسي للقول بها إنَّما هو عبد الله بن سبأ، وعنه أخذت الشيعة، ثمَّ يقول: إنَّها تطوَّرت -هذه الفكرة- عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة، وأنَّ الإمام المختفي سيعود فيملأ الأرض عدلاً، ومنها نبعت فكرة المهدي (ص ٣٢٢) هذا مورد خلط الحابل بالنابل، واختلاط الليل بالتراب ؛ إذ لا قيمة لابن سبأ عند الشيعة، وهو ملعون على لسان خاصة الشيعة وعامتهم، محكوم بكفره عند جميع علمائهم، لا يذكره منهم ذاكر إلاّ بالبراءة منه ومن أقواله المخالفة للإسلام، فكيف تبني الشيعة على أساسه وتنسج على منواله؟! ونحن لا نعلم معنى لتطوُّر الفكر في الرجعة! فإنَّ معنى الرجعة بسيط، وليست هي مادة قانونية قد يشكل معناها على المجلس النيابي فيرجعها إلى الهيئة التشريعية، بل هي أبسط من ذلك ؛ ومعناها الرجوع بعد الموت لغاية شريفة يريدها الله عزَّ وجل، ثمَّ يموت الراجع بعدها، ثمَّ يبعث يوم القيامة، وهذا معنى غير قابل للتطوُّر، وإذن لا تبقى صلة بين الرجعة بهذا المعنى وبين القول باختفاء الأئمة ؛ فإنَّ معنى الاختفاء التستُّر عن العيون، وهو غير الرجعة بعد الموت، إلاّ أن يكون ذلك ممَّا استحدثته معاجم الحرية في مصر النيلية!! إنَّ حديث الطعن على الشيعة بالرجعة ليس وليد العصر الحاضر، فلقد أغلظ القول فيها علماء السُّنة منذ العصر الأول، وكانوا إذا ذكروا عظيماً من حفَّاظ الشيعة ولم يتَّسع لهم المجال لنقده من حيث الوثاقة والورع والحفظ والضبط، رموه بأنَّه يقول بالرجعة، ولكنَّ حديث التطوُّر الذي جاءنا به أحمد أمين نظن أنَّه جديد، وفيما أظنُّ أنَّه من مكتشفاته، غير أنَّ حديثه معقَّد لم يخل من تعثُّر ؛ وذلك أنَّه لم يبيِّن لنا أنَّ هذا التطوُّر - بزعمه - هل قلب شكل الاعتقاد بالرجعة إلى شكل آخر هو الاعتقاد باختفاء الأئمة، فالشيعة على هذا لا يعتقدون الآن بالرجعة
وإنَّما يعتقدون باختفاء الأئمة؟! أو أنَّهم لا يزالون يعتقدون بالرجعة على معناها الأول، ولكن من هذا الاعتقاد نشأ اعتقاد آخر هو اختفاء الأئمة ونشأ من ذلك فكرة المهدي؟ ونحن أوردنا عباراته بنصِّها، وهي تحتمل كل ذلك.
وليس بالغريب من صاحب الكتاب هذا التعقيد ؛ فإنَّا عرفناه أُستاذاً في الآداب لا في الأديان.وكذلك لا نستغرب قوله بأنَّ الشيعة أخذوا القول بالرجعة من عبد الله بن سبأ ؛ فإنَّ هذا الرأي استفاده في عصر النور وتمحيص الحقائق من أسلافه الذين كانوا يهتمُّون كثيراً بالتشنيع على الشيعة.والله يشهد أنَّه حديث مفترى يكذِّبه الرجوع إلى المصادر التي أخذ الشيعة منها، وهناك يعلم الباحث أنَّ القائلين بالرجعة من الشيعة إنَّما عوَّلوا في قولهم بها على الكتاب والسُّنة كما لا يخفى على مَن وقف على كلامهم، ولسيِّدنا في كتابه مختصر الكلام في مؤلِّفي الشيعة في صدر الإسلام كلمة في الرجعة مختصرة نوردها بعين لفظه ؛ ليعرف الأُستاذ أحمد أمين معنى الرجعة بكنهها.
قال (دام ظله) في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي:وكان يقول بالرجعة، رجعة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة من آله ومعهم ثلَّة من خواص المؤمنين إلى دار الدنيا، على معنى إحياء الله لهم بعد موتهم، وإخراجه إيَّاهم من أجداثهم بأعيانهم وسائر مشخَّصاتهم إلى دار التكليف ؛ ليملؤوها قسطاً وعدلاً ويطبقوها حناناً وفضلاً، ولا يبقى في العالم كافر بالله ورسوله، ثمَّ يميتهم الله عزَّ وجلَّ في هذه الدار مرة ثانية قبل يوم القيامة، ثمّ يكون البعث فيحشرهم الله مع جميع الخلائق( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) ، هذا رأي جابر وعليه جماعة آخرون من رجال الشيعة.قالوا: ولهذه الرجعة نظائر في الخارج أثبتها القرآن العظيم، كأهل الكهف،( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) .واستدلوا عليها بأدلة من الكتاب والسُّنة لا يسع المقام إيرادها، فمنها: قوله تعالى:( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) حيث روى علي بن إبراهيم في التفسير، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن حمَّاد بن عثمان، عن الإمام الصادقعليهالسلام قال: (ما يقول الناس في هذه الآية؟) قلت: يقولون إنَّها في القيامة، قالعليهالسلام : (ليس كما يقولون، إنَّها في الرجعة، أيحشر الله يوم القيامة من كل أُمّة فوجاً ويدع الباقين؟! إنَّما آية القيامة قوله تعالى:( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) اه-.قلت: لا ريب في أنَّ رجوع بعض مَن مات إلى دار الدنيا - كما رجع العزير - ممكن عقلاً وشرعاً، لكنَّ الاعتقاد بوقوعه موقوف على الدليل القطعي، فإن وجد وإلاّ فنَذَرُه في عالم الإمكان.وقد أخرج مسلم في أول
صحيحه عن ابن مليح قال: سمعت جابراً يقول: عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كلها.وأخرج مسلم أيضاً عن زهير قال: سمعت جابراً يقول: إنَّ عندي لخمسين ألف حديث ما حدَّثت بشيء منها، قال: ثمّ حدَّث يوماً بحديث، فقال: هذا من الخمسين ألفاً.وأخرج أيضاً عن أبي مطيع قال: سمعت جابر الجعفي يقول: عندي خمسون ألف حديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اه-.قلت: وإنَّما أعرضوا عن حديثه لقوله بالرجعة كما صرَّح به سفيان فيما رواه عنه مسلم في أول صحيحه، قال: كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر، فلمَّا أظهر اتَّهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس.قيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة اه-.وأنت تعلم أن قوله بالرجعة من حيث هو، لا يضر في دينه ولا يخدش في عدالته، وغاية ما يلزمه الاشتباه والخطأ.
وقد ذهب جماعة من أهل السنة - كالمعاصر الشيخ يوسف النبهاني - إلى أنَّ عبد الله بن عبد المطَّلب رجع بعد موته إلى الدنيا، فأسلم على يد ولده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ودان بدين الإسلام، ثمّ مات، فلم توجب مقالتهم هذه طعناً في دينهم أو قدحاً في عدالتهم.ومقالة جابر وغيره في رجعة النبي وأوصيائه أُخت هذه المقالة، لا تستوجب ضعفاً ولا غمزاً ؛ إذ ليس في العقل ولا في الشريعة المطهَّرة ما يحكم بامتناعها، ولعلَّ في السبعين ألف حديث التي هي عند جابر ما يدل على مدَّعاه، فكان من الاعتدال ومقتضيات البحث عن الحقائق أن يسمعوها منه، ولا يضيِّعوا على أنفسهم تلك العلوم الكثيرة بمجرد قوله بالرجعة التي لا تضرُّ في الدين.وقد قال ابن مهدي عن سفيان - كما في ميزان الاعتدال - : كان جابر الجعفي ورعاً في الحديث، ما رأيت أورع منه في الحديث.وقال شعبة: صدوق.وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كان جابر إذا قال: أنبأنا، وحدَّثنا، وسمعت، فهو من أوثق الناس.وقال وكيع: ما شككتم في شيء فلا تشكُّوا أنَّ جابراً الجعفي ثقة.ومع ذلك فقد قال جرير بن عبد الحميد وغيره: لا أستحل أن يُحدَّث عن جابر الجعفي ؛ إنَّه كان يؤمن بالرجعة اه-.وي! وي!، كأنَّ الإيمان بالرجعة كالقول بالحلول والتناسخ والتقمُّص يوجب إنكار البعث والخروج عن دين الإسلام!! سبحانك اللَّهُمّ هذا إرجاف وعدوان، وإلاّ فإنّ الإمام عمر بن الخطَّاب لمَّا بلغه موت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال - من جملة كلام له - : وليرجعنَّصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقطعنَّ أيدي رجال وأرجلهم.فهل أوجبت كلمته هذه طعناً في دينه أو مسَّت شيئاً من كرامته؟ كلاّ و حاشا لله، فما بال المرجفين بالشيعة لا يفتأون يقرعون صفاتهم، ويغمزون قناتهم، ويرمونهم بالهاجرات ،
وينتهكون منهم الحرمات، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.انتهى كلام سيِّدنا في كتابهمختصر الكلام وقد رأينا أن نكتفي به ونعم الختام.
العلَّة في تأليه عليِّ رواية المغيَّبات عنه
يقرأ القارئ كتابفجر الإسلام فيحس من أول صحيفة منه أنَّ المقياس العلمي الذي اتّبعه صاحب الكتاب ضعيف جداً ؛ والعلة في ذلك أنَّه لم يتجرَّد من العواطف القومية والمذهبية، فهو منقاد بأزمَّتها في بحثه.ومن وجهة أُخرى لم يتتبَّع تتبُّعاً كافياً يبيح له البحث عن الشيعة وغيرهم فلذلك تراه يتخبَّط في البحث والتعليلات ؛ مثلاً تراه عندما يريد أن يذكر السبب في دعوى الاعتقاد بإلهيَّة علي يقول: والعلة في نظرنا أنَّ شيعة علي رووا له من المعجزات والعلم بالمغيَّبات الشيء الكثير إلخ (ص ٣٢٢) وهذا خبط وخلط يرتكبه الخرَّاصون ويتحاشاه المتثبِّتون ؛ وذلك لأنَّ روايات المعجزات والعلم بالمغيَّبات يستحيل أن يكون علة للقول بإلهيَّة علي، فإنَّه مهما روى الشيعة وغيرهم لعلي من المعجزات والعلم بالمغيَّبات فإنَّهم لا يروون له إلاّ العُشر أو دون العشر ممَّا يروون لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومع ذلك لم يقل أحد بإلهيتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والشيعة قديماً وحديثاً ترى أنَّ عليَّاً أخذ العلم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .وما يروى له من المعجزات فإنَّما هو لأنَّه دان بدينه واتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمِّه، وأخلص في إيمانه به إخلاصاً حقيقياً تاماً.
إذن رواية المعجزات ليست علَّة للقول بإلهيَّ-ته، والذي ينبغي أن يكون سبباً لهذه المقالة الباطلة إنَّما هو الهرج والمرج والفوضى أيَّام عثمان ؛ حيث اغتنمها ابن سبأ اليهودي فرصة لنكاية المسلمين، ولم يكن يرى شخصية بارزة هي مجمع الفضائل والكمالات سوى شخصية علي، فاتّخذ القول بإلهيَّ-ته آلة لهدم الإسلام.وساعده على ذلك نزعات جاهلية وعقليَّات ناقصة كانت لا تزال في نفوس كثير من جهلة المسلمين وبُسطائهم السذَّج، فتبعه من رعاع الناس وحثالاتهم، وربَّما كان فيهم من غير الشيعة ؛ لأنَّ تلك الدعوة الباطلة ظهرت من ذلك اليهودي بمظهر بسيط لا يمتنع أن يدين بها بعض الحمقى من السُّنة، إذن لا يصح نسبتهم إلى الشيعة كما لا يخفى.
من الغريب أن يقول صاحب فجر الإسلام: أنَّ الشيعة وضعوا على لسان علي: (سلوني قبل أن تفقدوني... إلخ) (ص ٣٢٢) نعوذ بالله من الجهل المركَّب ومن فجور فجر الملام وحمق
مؤلِّفه!
إنَّ نسبة هذه الكلمة إلى علي لأشهر من نسبة قفا نبك إلى امرئ القيس، وقد أخرجها المحدِّثون بأسانيدهم إليه، ورواها ابن عبد البر في ترجمة علي من الاستيعاب، عن معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل قال: شهدت عليَّاً يخطب وهو يقول: (سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله...) الحديث.ورواه ابن حجر العسقلاني في ترجمة علي من إصابته عن أبي الطفيل أيضاً قال: كان علي يقول: (سلوني، سلوني، وسلوني عن كتاب الله...) الحديث.ونقله ابن حجر الهيثمي في الفصل الثالث من الباب التاسع من صواعقه عن ابن سعد وغيره.وابن أبي الحديد يحدِّثنا: أنَّه اجمع الناس كلهم على أنَّه لم يقل أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا أحد من العلماء: (سلوني قبل أن تفقدوني) غير علي.وأحمد بن حنبل يقول في مسنده: قد كثرت الرواية عنه يقول: (سلوني قبل أن تفقدوني).وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدَّثنا سفيان عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب قال: لم يكن أحد يقول: (سلوني) غير علي.وروى صاحب الاستيعاب عن جماعة من الرواة والمحدِّثين قالوا: لم يقل أحد من الصحابة: (سلوني) إلاّ علي.وعن علي بن الجعد بن شبرمة قال: ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر:
(سلوني) إلاّ علي، وليس لأحد أن يقول: إنَّ هذا إخبار بالمغيَّبات أو ادّعاء للنبوة أو الربوبية ؛ فإنَّ عليَّاً كان يقول: (أخبرني بذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ) اه-.فمن كل ذلك يستشرف الباحث على القطع بميزة علي العلمية، وما يمنعه من ذلك وهو هارون هذه الأُمّة وصدِّيقها الأكبر، وفاروقها الأعظم، وذو سوابقها ومناقبها، وصاحب الأُذن الواعية والصدر المنشرح واللسان الذي ثبَّ-ته الله، وابن عمِّ النبيِّ وخرِّيجه وصهره على سيدة نساء أهل الجنة، وسيد ثقله وعترته وأبو سبطيه، وأخوه، ووزيره، ووارثه، ووليه، ووصيه، ونفسه، وباب مدينة علمه، وهادي أُمته، وسفينة نجاتها، وباب حِطَّتها، وأمانها من الاختلاف، وعديل كتابها، وإمام محرابها، وعليُّها الحكيم، ونبؤها العظيم، ومَن عنده علم الكتاب.وأمَّا حديث إخبارهعليهالسلام بقتل الحسين، فلم تنفرد الشيعة بروايته، ولم تقل أنَّه أخبر بذلك لعلمه بالغيب، وإنَّما تقول: إنَّه نقل ذلك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .ولعل الأُستاذ أحمد أمين لا يسلِّم بأنَّ الأنبياء تخبر عن الله بالغيب! وإلاّ فقد أخرج الإمام أحمد من حديث عليعليهالسلام في مسنده (ج ١، ص٨٥): أنَّ رسول الله أخبر عليَّاً بقتل ولده الحسين بشط الفرات، وأنَّ جبرائيلعليهالسلام أعطاه قبضة من تربة كربلاء ليشمَّها، فشمَّهاصلىاللهعليهوآلهوسلم وبكى.وأخرج ذلك أيضاً
غير واحد من محدِّثي السُّنة ك-: ابن سعد في طبقاته، والملاّ في سيرته، والبغوي في معجمه، وأبي حاتم في صحيحه(١) ، والماوردي الشافعي في باب(٢) : إنذار النبيصلىاللهعليهوآله بما سيحدث بعده، من كتابه أعلام النبوة، ورواه ابن عبد ربِّه المالكي(٣) ؛ حيث ذكر مقتل الحسين في الجزء الثاني من عقده الفريد، وجماعة آخرون من أثبات السُّنة كما فصَّله سيِّدنا في مقدمة مجالسه الفاخرة.
وحسبنا ما أورده المتعصِّب ابن حجر في صواعقه ( باب ١١، فصل ٣) ؛ فإنَّه -على شدة غلوائه في النصب -لم يخالجه ريب في أنَّ عليَّاً أخبر بقتل ولده، وأنَّه بكى عليه بكاءً بلَّ الأرض بدموع عينيه.ونقل في ذلك أحاديث تلقَّتها أهل السُّنة بكل قبول، بل هي عندهم من أعلام النبوة وآيات الإسلام وأدلة الدين، فليراجعها أحمد أمين، لا ليؤمن بالنبوة عن الله، بل ليصدق بأنَّ الشيعة لم تنفرد بروايتها عن رسول الله بواسطة علي وغيره من الصحابة.قال سيِّدنا في آخر مقدمة مجالسه الفاخرة: ويظهر من بعض الأخبار أنَّ قتل الحسينعليهالسلام كان معروفاً عند جماعة من الصحابة والتابعين حتى أنَّهم ليعلمون أنَّ قاتله عمر بن سعد.وحسبك ما نقله ابن الأثير - حيث ذكر مقتل عمر بن سعد في كامله - عن عبد الله بن شريك قال: أدركت أصحاب الأردية المعلَّمة وأصحاب البرانس السود من أصحاب السواري إذا مرَّ بهم عمر بن سعد قالوا: هذا قاتل الحسين.(قال): وذلك قبل أن يقتله.(قال:) وقال ابن سيرين: قال علي لعمر بن سعد: (كيف أنت إذا قمت مقاماً تخيَّر فيه بين الجنة والنار فتختار النار؟!) اه-.
وقد ترقَّى الأُستاذ فذكر أنَّ الشيعة تنسب إلى علي الإخبار بخروج الخوارج، ونسي أنَّ صحيحي البخاري ومسلم أخرجا حديث الإخبار بأمر الخوارج عن علي وغيره مرفوعاً إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولعل الأُستاذ يرى أنَّ النبوة خرافة وجبرائيل خيال خبال، وليس هذا الرأي ببعيد عن أهل الضلال نعوذ بالله السميع العليم من كل زنديق لئيم.ومختصر القول: إنَّ عليَّاً لم يكن فيما أخبر به من المغيَّبات إلاّ ناقلاً عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والشيعة لم تنفرد بنقل ذلك عنهعليهالسلام .ومَن تتبَّع الأخبار في ذلك وجد أسانيدها من طرق أهل السنة أكثر من طرق الشيعة، وسلف الفريقين وخلفهم يعد ذلك من أعلام النبوة، ولا يرتابون
____________________
(١) راجع: الفصل ٣، الباب ١١، من الصواعق، تجده ينقل إخبار النبي بقتل الحسين عن ابن سعد وعن الملاّ والبغوي وأبي حاتم.
(٢) وهو: الباب ١٢، ص ٢٣ من ذلك الكتاب.
(٣) في سطر ١٥، ٢٤٣، الجزء ٢، ط سنة ١٣٠٥، وفي هامشه: زهر الآداب.
في أنَّ عليَّاً عيبة علم النبي وباب مدينته، فإخباره بالمغيَّبات إحدى الآيات الإلهية والمعجزات النبوية والأدلة الإسلامية، لكنّ مصر النبيلة سوف تأتينا بأعجب من فجر الإسلام حيث قام بالأمس أُستاذ من أساتذتها يشك بالقرآن، ثمّ قام علي عبد الرزاق يشك بالنبيصلىاللهعليهوآله ويدعو إلى مخالفته في القضاء وسائر الأحكام الزمنية، وقام اليوم أحمد أمين يشكِّك في آيات الإسلام، ويوشك أن يقوم أُستاذ رابع يشكِّك في وجود الخالق! وليس ذلك عن أهل السفسطة من أمثال الأُستاذ ببعيد، نعوذ بالله من العمى.وأنت تعلم أنَّ روايات الشيعة لفضائل علي وإخباره بالمغيَّبات كانت متأخرة عن كفر ابن سبأ وقيامه بتلك الدعاية الساقطة ؛ لأنَّه - عليه اللعنة - ظهر بذلك الشرك في عصر علي قبل ظهور الروايات، فلا يصح أن تكون سبباً في ضلاله وشركه بغلوه لتأخر ظهورها عن ذلك، ففلسفة الأُستاذ أحمد أمين هنا باطلة بحكم العقل أيضا.
الشيعة لا يؤمنون بالحديث إلاَّ عن الأئمَّة (ص ٣٢٤)
أحب أن أعترف للأُستاذ بالاقتدار على السفسطة! وأُحب أن أعترف له بأنَّه درس التمويه والتضليل درساً خوَّله أن يأخذ عليه شهادة الاجتهاد المطلق، ومع الاحترام لحضرته أُخبرك بأنَّه كذب على الشيعة وتمادى في بهتانه عليهم ؛ لأنَّهم - بحكم الضرورة من مذهبهم - يؤمنون بحديث كل صادق عدل من المسلمين، فحديث كل صحابي عدل عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله حجة بإجماع الشيعة.وإذن فالأولى أن يبدِّل الأُستاذ عبارته فيقول: (الشيعة لا يؤمنون بالحديث إلاّ إذا رواه العدل من المسلمين) فلا يؤمنون بحديث المارقين من الدين، ولا الدعاة إلى الضلال المبين، ولا بحديث المنافقين كابن هند وابن النابغة وابن الحكم وابن شعبة وأمثالهم، ولا بحديث الكذَّابين الدجَّالين المخرِّفين كأبي هريرة وكعب الأحبار وأمثالهما، ولا بحديث مجوس هذه القدرية كيعرب بن زيد الحمصي والحسن بن ذكوان وأمثالهما، ولا بحديث المرجئة كإبراهيم بن طهمان وأيُّوب بن عائذ الطائي ونظائرهما، ولا بحديث النواصب والخوارج كعمران بن حطان وعكرمة البربري ونجدة الحروري وجرير بن عثمان وسمرة بن جندب وأمثالهم.وحاشا لله أن تؤمن الشيعة بأهل الضلال أو تركن إلى المحال كما فعله غيرهم فاحتجوا بكل مَن تشرَّف برؤية النبيصلىاللهعليهوآله وإن كان عدوَّه وطريده كمروان، أو كان من المؤلَّفة قلوبهم كابن أبي سفيان، أو كان من الكذَّابين كأبي هريرة، أو كان من المنافقين كالمغيرة أو كان.. أو كان، وقد احتج البخاري بهم جميعاً.وصح عند العلماء أنَّه روى عن ألف ومئتين من الخوارج كما نص
عليه إمام أهل التحقيق في هذا العصر، وآية الله الخالدة ومدى الدهر، الشريف أبو محمد الحسن الصدر الموسوي العاملي الكاظمي في كتابه نهاية الدراية، وتصدَّى لضبط ذلك جماعة من أعلام أهل السنة كابن حجر صاحب المصالت، وعبد الحق الدهلوي شارح مشكاة المصابيح، وذكر ابن يسع في كتابه معرفة أُصول الحديث: أنَّ البخاري احتج بأكثر من مئة مجهول.وقال ابن الصلاح في مقدِّمته المعروفة ب- أُصول الحديث: احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الطعن بهم كعكرمة مولى ابن عبَّاس، وكإسماعيل ابن أبي أُويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق وغيرهم.(قال:) واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم.(قال) :وهكذا فعل أبو داود السجستاني اه-. ومَن راجع مقدِّمة شرح البخاري الموسوم ب- فتح الباري لابن حجر العسقلاني يجد التفصيل.أيبتغي صاحب فجر الإسلام من الشيعة أن تؤمن بكل مجهول مرذول من أعداء آل الرسول؟ وبكل مرجئ دجال أو قدري من أهل الضلال ؟ وبكل خارجي مارق أو ناصبي منافق؟ أجل! يرضيه من الشيعة أن يؤمنوا بعمران بن حطان وقوله في ابن ملجم وضربته خليل النبوة والمخصوص بالأُخوّة:
يا ضَربَةً مِن تَقِيٍّ ما أَرادَ بِها |
إِلاّ لِيَبلُغَ مِن ذي العَرشِ رضوانا |
|
إِنِّي لأَذكُرُهُ حيناً فَأَحسبُهُ |
أَوفى البَرِيَّةِ عِندَ اللَهِ ميزانا |
وما أظن الأُستاذ يرضى من الشيعة بمجرد الإيمان بعمران وحديثه حتى يكفروا بحديث أهل البيت! فيكونوا حينئذ كالبخاري ؛ إذ احتجَّ بعمران وغيره من الخوارج، ولم يحتج بسبط النبي وخليفة الوصي الحسن الزكي، ولا بالحسن بن الحسن، ولا بعبد الله بن الحسن، ولا بزيد الشهيد، ولا بجعفر الصادقعليهالسلام ، ولا بموسى، وعلي بن جعفر، ولا بعلي بن موسى الرضا، ولا بمحمد بن علي الجواد، ولا بعلي بن محمد الهادي، ولا بالحسن بن علي العسكري، ولا بغيرهم من ثقل رسول الله وبقيَّته في أُمّته.نعم، لو فعل الشيعة ذلك لقرَّت بهم عين أحمد أمين وأصحابه، لكن أبى الله ورسوله والمؤمنون أن يفعلوه:
إِذا رَضِيَتْ عَنِّي كِرامُ عَشيرَتي |
فَلا زالَ غَضْباناً عَلَيَّ لِئامُها |
مذهب الزيدية أعدل مذاهب الشيعة
لقد حنَّ قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها مَن عليه الحكم لها، ويحك! إنَّما تأخذ في شعاب الرجم وتضرب في مفاوز الحدس!، فحتى متى تقذف بالغيب وترجم بالظنون؟! وإنَّ فجرك هذا
ليمثِّل جهلك بمذاهب الشيعة، وإنَّك لم تقف على شيء من كتبهم في شيء من العلوم، فهل يكون الجهل عندك مناطاً للحكم؟ وهل يصلح الحدس السوفسطائي والفلسفة الخيالية أن تكون من الأدلة في هذا المقام؟ ولو سألك سائل عن الدليل على دعواك هذه، أكان عندك غير الوهم والخيالات والرجم بالمغيَّبات كعادتك المستمرة حين تنقل عن الشيعة ما تقتضيه فلسفتك المدهشة؟ فأربع أيُّها الإنسان على ضلعك، واعرف قصور ذرعك، وتأخَّر حيث أخَّرك القدر، فما عليك غلبة المغلوب ولا لك ظفر الظافر.والزيدية والإمامية من شيعة آل محمد، وقد تساهما الوفاء وتقاسما الصفا ؛ فللزيدية منَّا عهد لا يذم، ولنا منهم ودٌّ لا يتَّهم، سواء كانوا أعدل أو كنا نحن أفضل، والله المسؤول أن يجمع قلوب سائر المسلمين من شيعيّين وسنِّيين فإنَّما هم كافَّة إخوان في الدين لو سلموا من وساوس الشياطين.
الإمامية تقول بعودة إمام منتظر
اتفق الخلف والسلف من أُمّة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم على انتظار إمام يخرج في آخر الزمان.وقد قال أهل السُّنة(١) : تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم بخروجه، وأنَّه من أهل بيته، وأنَّه يملك سبع سنين، وأنَّه يملأ الأرض عدلا، وأنَّه يخرج معه عيسى (على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام) فيساعده على قتل الدجَّال بباب لد بأرض فلسطين، وأنَّه يؤمُّ هذه الأُمّة ويصلِّي عيسى خلفه اه-.
وقد أخرج مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي وآخرون، بأسانيدهم الصحيحة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) اه-.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة: (لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله فيه رجلاً من عترتي)، وفي رواية: (رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً)، وفي رواية لمَن عدا الأخير: (لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)، وفي أُخرى لأبي داود والترمذي: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً من أهل بيتي)، إلى أن قال: (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما).وأخرج أحمد وغيره: (المهدي منَّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة).وأخرج الطبراني:
____________________
(١) واللفظ لهم أورده ابن حجر في التنبيه الذي ذكره في آخر الآية ١٢ من الفصل الأول، من الباب ١١، من الصواعق، فراجع: ص ٩٩ من النسخة المطبوعة سنة ١٣٢٤ بالمطبعة الميمنية بمصر.
(المهدي منا يختم الدين به كما فتح بنا).وأخرج الحاكم في صحيحه: (يحلُّ بأُمَّتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلاطينهم لم يسمع بلاء أشدَّ منه حتى لا يجد الرجل ملجأ، فيبعث الله رجلاً من عترتي أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يحبه ساكن الأرض وساكن السماء.وترسل السماء قطرها وتخرج الأرض نباتها ؛ لا تَمسِكُ فيها شيئا.يعيش فيهم سبع سنين أو ثمانياً أو تسعاً يتمنَّى الأحياء الأموات ممَّا صنع الله بأهل الأرض من خيره).وروى الطبراني والبزار نحوه، وفيه: (يمكث فيهم سبعاً أو ثمانياً، فإن أكثر، فتسعاً).وفي رواية لأبي داود والحاكم: (يملك فيكم سبع سنين)، وفي أُخرى للترمذي: (إنَّ في أمتي المهدي يخرج (إلى أن قال:) فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي، أعطني، أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله).وأخرج أحمد ومسلم: (يكون في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثياً ولا يعدُّه عدَّا).وأخرج ابن ماجه: (يخرج ناس من المشرق، فيوطئون للمهدي سلطانه).
وأخرج ابن ماجه أيضا: بينا نحن عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا اقبل فئة من بني هاشم، لمَّا رآهمصلىاللهعليهوآله اغرورقت عيناه وتغيَّر لونه، قال: فقلت ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟ فقالصلىاللهعليهوآله : (إنَّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنَّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء شديداً وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً كما ملأوها جوراً.فمَن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حَبْواً على الثلج ؛ فإنَّ فيها خليفة الله المهدي) اه-.وأخرج أحمد عن ثوبان مرفوعاً: (إذا رأيتم الرايات السود قد خرجت من خراسان، فأتوها ولو حَبْواً على الثلج ؛ فإنَّ فيها خليفة الله المهدي) اه-.
وأخرج نصير بن حماد مرفوعاً: (هو رجل من عترتي يقاتل على سنَّتي كما قاتلت أنا على الوحي).وأخرج أبو نعيم: (ليبعثنَّ الله رجلاً من عترتي أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملأ الأرض عدلاً يفيض المال فيضا).وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما: (المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدرِّي، اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الجو) الحديث.وأخرج الطبراني مرفوعاً: يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريمعليهالسلام كأنَّما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدَّم فصلِّ بالناس، فيقول عيسى: إنَّما أُقيمت الصلاة لك، فيصلِّي خلف رجلٍ من ولدي) الحديث.وفي صحيح
ابن حبَّان في إمامة المهدي نحوه.قال ابن حجر(١) والإمام الصبَّان(٢) بعد إيراد هذه الأحاديث كلها في كتابيهما :
الصواعق المحرقة وإسعاف الراغبين ما هذا نصُّه : وصحَّ مرفوعاً : (ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي : تعال صلِّ بنا، فيقول : لا ؛ إنَّما بعضكم أئمة على بعض، تكرمة الله لهذه الأُمّة).وأخرج ابن عساكر عن علي : (إذا قام قائم آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، جُمع الله أهل المشرق وأهل المغرب ؛ فأمَّا الرفقاء، فمن أهل الكوفة.وأمَّا الأبدال، فمن أهل الشام).وأخرج الطبراني أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لفاطمة : (نبيُّنا خير الأنبياء، وهو أبوك، وشهيدنا خير
الشهداء، وهو عمُّ أبيك حمزة، ومنَّا مَن له جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء، وهو ابن عمِّ أبيك جعفر، ومنَّا سبطا هذه الأُمّة الحسن والحسين وهما ابناك، ومنَّا المهدي).وأخرج ابن ماجة أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي ؛ يملك جبل الديلم والقسطنطينية).قال الإمام الصبَّان - حيث أورد هذا الحديث في كتابه
إسعاف الراغبين -(٣) : زاد في بعض الروايات : (ورومية ومروية).وأخرج أحمد والماوردي أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : (ابشروا بالمهدي ؛ رجل من قريش من عترتي، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا، ويرضى عنه ساكن الأرض والسماء، ويقسِّم المال صحاحاً بالسوية، ويملأ قلوب أُمّة محمّد غنى، ويسعهم عدله) الحديث(٤) .وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما : (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟).
والأخبار في ذلك متواترة بقطع النظر عمَّا تواتر من طريق العترة الطاهرة، وقد أوردها ابن حجر(٥) ، والإمام الصبَّان(٦) ، والعلاّمة الحسن العدوي الحمزاوي(٧) ، والعلاّمة الشيخ الشبلنجي(٨)
____________________
(١) الصواعق المحرقة، الباب ١١، في تفسير الآية ١٢.
(٢) في كلامه المختص بالمهدي، إسعاف الراغبين، الباب ٢، ص ١٢٤ من النسخة المطبوعة في هامش مشارق الأنوار.وهناك أحاديث تبشر بالمهدي كثيرة غير الذي ذكرناه في الأصل.
(٣) المصدر السابق، ص ١٢٥.
(٤) راجعه في : ابن حجر، الصواعق المحرقة، وإسعاف الصبَّان.
(٥) الصواعق المحرقة، الباب ١١، في تفسير الآية ١٢.
(٦) إسعاف الراغبين، الباب٢.
(٧) مشارق الأنوار، الباب ٤، الفصل ٢ (مختص بالمهدي)، ص ١٠٣.
(٨) نور الأبصار، الباب ٢.
وغير واحد من أعلام السُّنة كالإمام المناوي في كنوزه، وفي جواهر العقدين، وعَ-قد ابن ماجه في الجزء الثاني من سننه باباً خاصاً بأحاديث خروج المهدي، وجميع المحدِّثين وسائر المسلمين، ويصحِّحون أحاديث ظهور المهدي ويصرِّحون بتواترها.وكل مَن ذكر اشراط الساعة من علماء السُّنة عدَّ منها ظهور المهدي من آل محمّدصلىاللهعليهوآله في آخر الزمان، وصرَّح بعضهم بدلالة القرآن على ذلك ؛ حيث يقول :( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ) ؛ ولذا نظموا هذه الآية في سلك الآيات النازلة في أهل البيتعليهمالسلام .قال ابن حجر(١) :
الآية الثانية عشرة قوله تعالى :( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ) (قال:) قال مقاتل بن سليمان ومَن تبعه من المفسِّرين : أنَّ هذه الآية نزلت في المهدي.(قال:) وستأتي الأحاديث المصرِّحة بأنَّه من أهل البيت النبوي.وحينئذ ففي الآية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي (رضي الله عنهما) وأنَّ الله ليخرج منهما كثيراً طيباً، وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة ؛ وسرُّ ذلك أنَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعاذها وذرِّيتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعليٍّ بمثل ذلك، وشرح ذلك كلِّه يعلم بسياق الأحاديث الدالّة عليه... إلخ.
قلت : لا كلام في تواتر البشائر النبوية بخروج المهدي من العترة الفاطمية، فظهوره بالجملةعليهالسلام ممَّا لا ريب فيه، وقد أجمع عليه الخلف والسلف من هذه الأُمّة على اختلافها في مذاهبها ومشاربها.نعم، قد اختلفوا في تشخيص المهدي، وفي أنَّه هل هو مولود أم أنَّه سيولد؟ والذي عليه الإمامية كافَّة أنَّه إنَّما هو الإمام محمّد بن الحسن العسكري وأنَّه ولد ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين، وأُمُّه أُم ولد يقال لها :
نرجس.وكان سنَّه عند وفاة أبيه خمس سنين آتاه الله فيها الحكمة كما آتاها يحيى صبيا، وقد اعترف بذلك ابن حجر حيث ذكرهعليهالسلام (٢) : وقد جعل الله هذا الغلام إماماً في حال الطفولة الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم في المهد نبيَّاً.وقد سبق النص عليه في ملَّة الإسلام من نبي الهدى جدِّه (عليه وآله الصلاة والسلام)، ثُمّ من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ونصَّ عليه الأئمة كلهم واحداً بعد واحد إلى أبيه الحسن، ونصَّ أبوه عليه عند ثقاته وخاصَّة شيعته، وكان الخبر بغيبته ثابتاً قبل وجوده الشريف، وكان سلف الشيعة على عهد الإمامين الباقرين الصادقين والكاظمين الرضيَّين والجوادين التقيَّين يعلمون بأنَّ المهدي إنَّما هو الوصي
____________________
(١) الصواعق، ص٩٦.
(٢) المصدر، الباب ١١، الفصل ٣، ص١٢٤، وقد ذكر آباءه ثمة بما يدل على إمامتهم، فراجع.
التاسع من ذرِّية الحسين، وأنَّه سيغيب غيبة طويلة يمتحن الله بها عباده المؤمنين.شافههم بهذا كله أئمتهم الميامين نقلاً عن جدِّهم سيد النبيِّين والمرسلين، وتلك نصوص أئمتهم في ذلك كله متواترة، أفردها علماؤنا في مؤلَّفات خاصة وأوردوها في كتب الحديث.
ومَن سبر أحوال السلف من الإمامية وتتبَّع شؤونهم يعلم بأنَّهم كانوا قبل ولادة الإمام المهدي محمّد بن الحسن ينتظرونه ويعلمون أنَّه هو المهدي الذي بشَّر بهِ النبي وأخبر عنهُ أئمة الهدى من أهل بيتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمَّا ولد المهدي وجدوا ضالتهم وقرَّت به أعينهم، وكانوا في الاعتقاد به على يقين تام، وكانوا يعلمون بأنَّ له غيبتين : صغرى وكبرى.دلَّهم على ذلك النّصوص المتواترة عن أئمة العترة الطاهرة، وزادهم الإمام المهدي يقيناً بذلك ؛ إذ توخَّى النصح لهم بحكمة بالغة أيَّام غيبته الصغرى التي لم ينقطع فيها عن سفرائه وأوليائه ؛ وكانت نحواً من ثمانين سنة، إذ كان في خلالها يشد قلوب شيعته ويثبِّتهم على الاعتقاد به، ويخبرهم بأنَّه سينقطع وتنقطع أخباره عنهم بالمرة، وأنَّ غيبته طويلة والمصيبة بذلك جليلة.وبثَّ في الشيعة أنَّ الأغيار سيهزؤون بهم ويستخفون فيهم بسبب اعتقادهم به، ولم يأل جهداً ولم يدَّخر وسعاً في تشجيع شيعته وتثبيتهم على القول بإمامته أيَّام غيبته، وأقام لهم العبر وضرب لهم الأمثال، ووعدهم بالثواب وحسن المآب، وأراهم الآيات البيِّنات بواسطة سفرائه الأربعة الهداة، أهل الورع والزهد والتقشُّف والعبادة والعلم والحكمة و النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامّتهم.
فلمَّا استحكمت هذه العقيدة وجرت في نفوس رجال الإمامية ونسائهم مجرى الروح في أجسادهم، شاء الله عزَّ وجل لوليه حينئذ الغيبة الكبرى، فانقطعت السفارة بينه وبين شيعته بوفاة سفرائه.وكانت الإمامية تنتظر هذه الغيبة انتظارهم اليوم لظهوره ؛ ولذا كان إيمانهم بعدها بالمهدي المنتظر أرسخ من ثهلان، لا يؤثِّر فيه كرُّ الجديدين، وسيقوم بعد الغيبة الطويلة بالسيف والبرهان.قال الله تعالى :( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ،( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ،( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) .ووافقنا في هذه المسألة جماعة كثيرون من أهل السُّنة لا يمكن استقصاؤهم في هذه العجالة، وحسبنا الأربعون من أعاظم أعلامهم الذين ذكرهم شيخنا المتتبِّع، البحَّاثة، ثقة الإسلام، وصدوق المسلمين، قدوتنا المولى النوري في كتابه كشف الأستار المطبوع في إيران والمنتشر في هذه الأقطار، ومَن راجعه
يقف على أسماء الأربعين(١) ، وعلى نصوص أهل السنة في تسنُّنهم وجلالتهم علماً وعملاً، ويعرف
____________________
(١) وهم :
١ - محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن القرشي النصيبي الشافعي في كتابه : مطالب السؤول.
٢ - محمّد بن يوسف بن محمّد ال كنجي الشافعي في كتابه : البيان.
٣ - الشيخ نور الدين علي بن محمّد ابن الصباغ المالكي في كتابه : الفصول المهمة.
٤ - شمس الدين أبو المظفَّر يوسف بن قرعلي الحنفي سبط ابن الجوزي في آخر كتابه الموسوم ب- : تذكرة خواصِّ الأُمة.
٥ - الشيخ الأكبر، قطب العارفين وإمامهم، محيي الدين بن عربي الطائي الأندلسي في كتابه : الفتوحات، الباب ٣٦٦.
٦ - الشيخ العارف الخبير أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني في كتابه : اليواقيت، المبحث ٦٥.
٧ - الشيخ حسن العراقي، العابد الزاهد، الذي اجتمع في المهدي محمّد بن الحسن العسكري في جامع دمشق، وأقام عنده سبعة أيَّام بلياليها فيما ذكره الشعراني في كتابه : لواقح الأنوار في طبقات الأخيار، ط مصر، سنة ١٣٠٥.
٨ - الشيخ علي الخواص البراسي، صاحب المقامات والكرامات الكثيرة، حيث صدَّق الشيخ العراقي فيما أخبره به من الاجتماع بالمهدي، وأنَّ عمرهعليهالسلام كان يومئذ ٦٢٠ سنة.
٩ - نور الدين عبد الرحمن بن أحمد الدشتي الحنفي المعروف بالملاّ جامي، شارح كفاية ابن الحاجب، في كتابه : شواهد النبوة.
١٠ - الحافظ محمّد بن محمّد بن محمود البخاري المعروف بخواجة بارسا، من أعيان علماء الحنفية، في كتابه : فصل الخطاب في المحاضرات.
١١ - الحافظ أبو الفتح محمّد بن أبي الفوارس في أربعينه.
١٢ - الشيخ عبد الحق الدهلوي، المحدِّث الفقيه، صاحب التصانيف الشائعة الكثيرة البالغة مئة مجلد، وهو حنفي المذهب، في رسالته التي أفردها لمناقب الأئمة من أهل البيت.
١٣ - السيد جمال الدين عطاء الله بن السيد غياث الدين فضل الله الشيرازي، المحدِّث المعروف، في كتابه : روضة الأحباب، وهو من الكتب المشهورة.
١٤ - الحافظ أحمد بن إبراهيم بن هاشم الطوسي البلاذري المعاصر للإمام أبي محمّد الحسن العسكري، وقد كتب عنه بمكَّة.وروى عن الإمام المهدي أيَّام غيبته الصغرى كما في كتاب المسلسلات المشهور بالفضل المبين، وهو كتاب يعرفه محدِّثو السُّنة.
١٥ - حجة الإسلام عبد الله بن أحمد بن محمّد بن الخشَّاب المعروف في كتابه : تاريخ مواليد الأئمة ووفيَّاتهم.
١٦ - ملك العلماء شهاب الدين بن عمر الهندي صاحب التفسير في كتابه المناقب الموسوم ب- : هداية السعداء.
١٧ - العلاّمة المحدِّث، الشيخ المتّقي بن حسام الدين بن القاضي عبد الملك بن قاضي خان القرشي في كتابيه : المرقاة في شرح المشكاة، والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان.
١٨ - العلاّمة فضل بن روزبهان شارح شمائل الترمذي في كتابه الذي سمَّاه : إبطال الباطل، ردَّاً على نهج الحق للعلاّمة الحلِّي.
١٩ - الشيخ سليمان بن خواجه كالان الحسين القندوزي في كتابه : ينابيع المودة.
٢٠ - شيخ الإسلام أحمد الجامي.
٢١ - صلاح الدين الصفدي في شرح الدائرة.
٢٢ - الشيخ عبد الرحمن البسطامي في كتابه : درَّة المعارف.
٢٣ - المولوي علي أكبر بن أسد الله المؤودي الهندي
كتبهم المشتملة على التصريح بموافقتهم إيَّانا في هذه المسألة، ويعلم مبلغ اعتبار تلك الكتب من الجلالة عند أهل السنة، ويقرأ عبائر الأربعين من أبطالهم الصريحة بأنَّ المهدي إنَّما هو أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري المولود سنة ٢٥٥ للهجرة، وقد كفانا الإمام النوري (أعلا الله مقامه) مؤنة هذه الأُمور كلها.ومَن عرف أُولئك الأربعين ووقف على كلامهم علم أنَّ الإمامية لم تنفرد في هذه المسألة، ونحن لا نستوحش من الحق وإن خالَفنا فيه الخلق.على أنَّا لا ننكر كون معتقدنا هذا مخالفاً للعادة المألوفة في مدة حياة الإنسان، كما أنَّ خصمنا لا ينكر أنَّ لله خرق العادات.ونحن لولا الأدلة القطعية التي أشرنا إليها ما اعتقدنا ذلك، كما أنَّ خصمنا لولا الأدلة القطعية ما اعتقد ببقاء الخضر حيَّاً من أيَّام موسى بن عمران إلى هذا الزمان، ولا اعتقد ببقاء عدو الله الدجَّال من أيَّام رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى أن يخرج المهدي وينزل عيسىعليهماالسلام ، وقد عاش نوح ألفي سنة وخمسمئة سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وعمَّر عوج وغيره أعماراً خارقة للعادة.وخوارق العادات كثيرة كقضية أهل الكهف( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِ-ي هَ-ذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ
____________________
في كتابه : المكاشفات.
٢٤ - عبد الرحمن، شيخ مشائخ الصوفية، في كتابه : الانتباه.
٢٥ - القطب المدار الذي كتب عبد الرحمن الصوفي المتقدِّم الذكر كتاب مرآة الأسرار لأجله.
٢٦ - قاضي جواد الساباطي في كتابه : البراهين الساباطية.
٢٧ - الشيخ سعد الدين محمّد بن المؤيَّد بن أبي الحسين المعروف بالشيخ سعد الدين الحموي في كتابه الذي أفرده لأحوال المهديعليهالسلام .
٢٨ - الشيخ عامر بن عامر البصري في قصيدته التائية الطويله المسمَّاة ب- : ذات الأنوار.
٢٩ - صدر الدين القونوي في قصيدته الرائية المذكورة في ينابيع المودَّة.
٣٠ - شيخ مشائخ الصوفية، المولى جلال الدين الرومي صاحب المثنوي، كما يدل عليه بعض أشعاره الفارسية الموجودة في ديوانه.
٣١ - الشيخ العارف محمّد الشهير بشيخ عطار في كتابه : مظهر الصفات.
٣٢ - شمس الدين التبريزي.
٣٣ - السيد نعمة الله الولي.
٣٤ - السيد النسيبي.
٣٥ - السيد علي بن شهاب الدين الهمداني في المودَّة العاشرة من كتابه الموسوم ب- : المودَّة في القربى.
٣٦ - علاّمة زمانه الشيخ محمّد الصبَّان في كتابه : الإسعاف.
٣٧ - عبد الله بن محمّد المطيري المدني في كتابه : الرياض الزاهرة.
٣٨ - شيخ الإسلام أبو المعالي محمّد سراج الدين الرفاعي في كتابه الموسوم ب- : صحاح الأخبار.
٣٩ - الناصر لدين الله أحد خلفاء بني العبَّاس.
٤٠ - بعض المصريِّين من مشائخ الشيخ إبراهيم القادري الحلبي.
لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ، لكنَّ الأُستاذ أحمد أمين ومَن على شاكلته قد لا يؤمنون بهذا كله، فإذن، علينا أنَّ نقول في جوابهم : لكم دينكم ولي دين.
جاء في بعض الأحاديث المبشِّرة بظهور المهدي أنَّ اسمه يواطئ اسم النبي، واسم أبيه يواطئ اسم أبي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والكلمة الأخيرة بخصوصها ؛ أعني الكلمة الدالة على أنَّ اسم أبيه يواطئ اسم أبي رسول الله بخصوصها، موضوعةٌ بلا ارتياب ؛ وإنَّما وضعت تقرُّباً إلى الثالث من ملوك بني العبَّاس الملقَّب بالمهدي، وهو محمّد بن عبد الله المنصور.ولا غرو، فإنَّ الدجَّالين يتقرَّبون إلى الملوك بأكثر من هذا ؛ وقد وضعوا - تقرُّباً إلى بني العبَّاس - الحديث الذي رواه الحاكم : (منَّا أهل البيت أربعة : منَّا السفَّاح، ومنَّا المنذر، ومنَّا المنصور، ومنَّا المهدي).ومَن هم السفَّاح والمنصور والمهدي العبَّاسيون الظالمون ليبشِّر وليفتخر بهم رسول الله؟! نعوذ بالله من كل أفَّاك أثيم.ووضعوا أيضاً خبر ابن عدي : (المهدي من ولد عمِّي العبَّاس).
قال الذهبي - كما في الصواعق المحرقة - : تفرَّد به محمّد بن الوليد مولى بني هاشم، وكان يضع الحديث.
قلت : وقد ذكر الذهبي محمّد بن الوليد في ميزانه فقال : محمّد بن الوليد بن أبان القلانسي البغدادي، مولى بني هاشم (العبَّاسيين) (قال:) ابن عدي كان يضع الحديث.وقال أبو عروبة : كذَّاب.فمن أباطيله ما رواه عن مصعب بن سعيد، عن عيسى بن يونس، عن وائل بن داود، عن البيعي، عن الزبير بن العوَّام قال : قال النبي : (اللّهمّ إنَّك جعلت أبا بكر رفيقي في الغار فاجعله رفيقي في الجنة).وقد نصَّ أبو حاتم على عدم صدقه، وضعَّ-فه الدارقطني وسائر أئمة الجرح والتعديل.
ذهب المناوي إلى أنَّ المهدي من ولد الحسن السبط تمسُّ-كاً برواية أخرجها أبو داود في سننه، وأنت تعلم أنَّها لا تكافئ الصحاح المتواترة الصريحة بأنَّه من ذرِّية الحسين، على أنَّه لا يبعد أن يكون المراد بالحسن في رواية أبي داود إنَّما هو الحسن العسكري، لا الحسن السبط، أو يقال : إنَّ محمّد المهدي بن الحسن العسكري هو من ذرِّية الحسن السبط ومن ذرِّية الحسين كليهما ؛ لأنَّ جدَّه الباقر كان ابن ابن الحسين وابن بنت الحسن، ولذلك ورد في زيارة الرضاعليهالسلام : (السلام عليك وعلى آبائك السبعة) ؛ وهم: الكاظم، والصادق، والباقر، وزين العابدين، والحسين السبط، والحسن
السبط، وأمير المؤمنين.فعدَّ الحسن السبط من آباء الرضا بالاعتبار الذي ذكرناه.
والحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لِمَا دعا إليه من سبيله، وصلَّى الله على سيد البشر وأوصيائه الاثني عشر، وسلَّم تسليماً كثيرا.
السيد الحميري كيساني
طالما رأينا صاحب فجر الإسلام يضع الحقائق في ميزان الشك، فإمَّا أن تبقى عنده مشكوكه وإمَّا أن يميل فيها إلى ميوله وأغراضه.أمَّا في الحميري الجعفري، فلم يخالجه شك في أنَّه كان كيسانياً! ولو اطّلع الأُستاذ على أحوال السيد الحميري وشؤونه مع الإمام الصادق، وما صح عنه من القول بإمامته والرجوع إليه، لعلم أنَّه مقصِّر في البحث، بعيد عن تمحيص الحقائق، ناسج على منوال الجاهلين.
والسيد الحميري من سلف الشيعة، فهو محلُّ ابتلائهم وهم به أعرف من غيرهم، فكان على الأُستاذ أن يراجع أحواله في كتبهم.ولو فعل لعلم أنَّهرحمهالله ما مات حتى استبصر بهدي الإمام جعفر الصادق ورجع إليه بكل معنى الكلمة، وهو القائل :
تجعفرتُ باسم اللهِ فيمن تَجعفروا
وقد ترحَّم عليه الصادق بعد موته ودعا له، لكنّ بعض المقصِّرين في البحث أو القاصرين، من أهل الجهل المركب، شاؤوا أن يقولوا عن السيد الحميري وعن كُثَيِّر عَزَّة ما قالوا، والحقيقة أنَّهما على رأي الإمامية، وقد مات كُثيِّر على عهد الإمام الباقر فشيَّع جنازته ودعا له وأثنى عليه.
التكتُّم في الأعمال يستلزم الخداع
إنَّ الأُستاذ صاحب فجر الإسلام إنَّما يكتب بقلم العاطفة ويسمع بأُذن العاطفة وينطق بلسان العاطفة، وبذلك القلم سجَّل على الشيعة في فجر الإسلام قوله : (وهذه السرِّية استلزمت الخداع والالتجاء إلى الرموز والتأويل ونحو ذلك)(ص ٢٢٨).نعم، بقلم النعرة سجَّل الأُستاذ هذه العبارة، وهذه مخاتلة في الحياة العلمية كان يستغلُّها سلفه ؛ تنفيذاً لأغراضهم، وسعياً وراء الدرهم والدينار، وطمعاً بالوظائف التي كانوا يطلبونها.والعجب من أهل العصر الحاضر يطلبون المصارحة والمكاشفة بالحقائق ثُمّ يضرب الأُستاذ أحمد أمين على ذلك الوتر ويرجّع تلك الألحان! فأيُّ خداع، وأيُّ رمز التجأ إليهما الشيعة منذ العصر الأول إلى يومنا هذا؟! وهذه كتب المتقدمين منهم والمتأخرين، ومؤلَّفاتهم مطوَّلة وموجزة في الحديث والفقه والتفسير وأُصول الفقه وعلم الكلام وتراجم الرجال والتاريخ والأخلاق والمواعظ والفلسفة، وسائر الفنون عقلية ونقلية، لا تعقيد فيها ولا التواء، ولا رمز ولا خداع، وإنَّ مؤلِّفيها ليتكلَّمون فيها بحرية آرائهم فيما يقتضيه مذهبهم ،
لا يمارون ولا يواربون.ومَن راجعها وجدها مملوءة بالحقائق الراهنة، وفيها من المكاشفة ما يدحض إفك الآفكين الذين يقولون : إنَّ الشيعة تخادع وترمز.
ولعل الذي ألقى الأُستاذ في هذه الهوة السحيقة ما يسمعه من أنَّ الشيعة تعمل بالتقية، فزعم ما زعم.ولم يدرِ هذا المسكين وأصحابه أنَّ العمل بالتقية عند الخوف من استعمال الحرية ليس مخصوصاً بالشيعة ؛ لأنَّ العمل بها - عند الاضطرار إليها - لممَّا جاء به التنزيل وهبط به جبرائيل.قال الله تعالى :( لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) ، وقال عزَّ من قائل :( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ ) ، والصحاح الدالة على لزوم العمل بالتقية - عند الاضطرار إليها - متواترة، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة، والعقل بمجرده يحكم بذلك.وخلفاء الجور وولاتهم ولاة الظلم كانوا يسومون الشيعة سوء العذاب ؛ يقطِّعون أيديهم وأرجلهم، ويصلِّ بونهم على جذوع النخل، ويسملون أعينهم، فمالُهم كان حِلاًّ، ودمهم طلاًّ، وحرماتهم مهتوكة.وكانوا يُقتلون على الظن والتهمة تحت كل حجر ومدر، وكان علماء السوء يتقرَّبون إلى أُولئك الخلفاء بما يبيح لهم أن يرتكبوا من الشيعة ما كانوا يرتكبون، فاضطرَّت الشيعة عندها إلى التقية مخافة الاستئصال ؛ جرياً على قاعدة العقلاء والحكماء في مثل تلك اللّأواء.ولعمري أنَّ عملهم كان دليلاً على عقلهم وفقههم وحكمتهم، وما كان الله ليمنعهم - والحال هذه - من التقية، وقد قال عزَّ وجل : (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وقال :( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ) ، وقال سبحانه :( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) وأهل السُّنة يعدُّون التقية من مساوي الشيعة بطراً منهم وأشراً، ولو ابتلوا بما ابتلي به شيعة آل محمّد لدانوا بالتقية وأخلدوا إليها.وما ننسى فلا ننسى عمل علماء أهل السَّنة بالتقية لمَّا دعاهم المأمون إلى القول بخلق القرآن، فأجابوه إلى ذلك بألسنتهم، وقلوبهم منعقدة على القول بقدمه، أظهروا له خلاف ما يدينون الله به خوفاً وفرقاً.وشتَّان بين خوفهم من المأمون وخوف الشيعة أيَّام السفيانيين والمروانيين والعبَّاسيين والسلجوقيين والأيوبيين والعثمانيين ؛ حيث كانت الملوك والعمَّال والعلماء والرؤساء وعامة الرعايا مجتمعة على محق الشيعة وسحقهم، ولولا خلودهم إلى التقية ما بقيت منهم هذه البقية، ولماذا لم ينكر الأُستاذ أحمد أمين على أهل السَّنة إذ اتّقوا شرَّ جنكيزخان وهلاكو، فجاروهما في كثير من الأُمور حقنا لدمائهم؟ وما يصنع الضعيف العاقل إذا ابتلي بالغاشمين الأشدّاء وكانوا
أعداءه الألدّاء؟ ولو فرضنا أنَّ الأُستاذ أحمد أمين وغيره من أهل مصر يرون أنَّ حكومتهم جائرة، وأن لا حق لها في الحكم، وإنَّما الحق في ذلك لغيرها، فهل يبيح الشرع لهم مكاشفتها بذلك في حال ضعفهم عنها وخوفهم منها؟ أو يجب عليهم - والحال هذه - مداراتها واتّقاء شرها؟ ما أظن أنَّ أحداً من العقلاء يبيح المصارحة، ولا سيما إذا استلزم منها الضرر العام على الطائفة، والنفوس بفطرتها مجبولة على التقية في مثل هذه المقامات.
والتقية التي ذاعت وشاعت عن الشيعة دون غيرهم إنَّما هي التقية في مسألة الإمامة والخلافة ؛ حيث إنَّهم يرونها مقصورة على أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، فالحكومات الإسلامية كانت تنتقم منهم بسبب ذلك ؛ احتياطاً على سياستها.فكان الشيعي يكتم تشيُّعه احتفاظاً بحياته، يكتم كونه شيعيَّاً ما دام الكتمان ممكناً.أمَّا إذا لم يكن ممكناً، ترك التظاهر بما يخالف أهل السنة من الأقوال والأفعال وجاراهم اتّقاء من الفتنة، كما يفعله اليوم أهل السنة في الحجاز حيث لا يتظاهرون بالأعمال والأقوال التي ينكرها عليهم الوهَّابيون كالأدعية المستحبة في تلك المواقف الكريمة، وكزيارة قبور الأولياء، وكتقبيل الضريح النبوي الأقدس وغيره من ضرائح الأولياء، وكالاستغاثة بسيد الأنبياء والتوسُّل به إلى الله عزَّ وجل وجعله شفيعاً في غفران الذنوب وكشف الكروب، فإنَّ جميع الحجَّاج من سنيين وشيعيين - على اختلاف مذاهبهم - لا يتظاهرون بشيء منها تقيةً من الفتنة وخوفاً من الشرّ والأذى، وكلُّهم يبيحون التدخين ويستعملونه إذا كانوا أحراراً، لكنَّهم في الحجاز لا يتجاهرون به تقيةً وخوفاً، فهل في ذلك بأس عند ذي عقل أو دين؟ وأين هذا من الخداع والرموز التي زعمها حضرة الفيلسوف أحمد أمين؟! فقاتل الله الأهواء الباطلة والأغراض الفاسدة، وقبَّح الله الإرجاف الذي يميت الحقائق ويغيِّر المحور العلمي إلى الزور والبهتان، وكذلك يفعلون، والله المستعان على ما يصفون.
الشيعة تحفظ الأسانيد الصحيحة وتضع فيها الأحاديث
نعوذ بالله من كلِّ أفَّاكٍ خوَّاضٍ بباطله، ومن كلِّ وقاح متتابع في ضلاله، ونستجير بالله من بهتان حضرة الأُستاذ إذا ركب متن أهوائه، ومضى في العدوان والخرص والفلسفة العوراء على غلوائه، فإنَّ الرجل لا يخشى خالقاً، ولا يتَّقي معاداً، ولا يراجع ضميراً، ولا يلوي على وجدان ؛ ألا تراه كيف خلع ودلع، وولع بالإفك والبدع، فقتل كيف ولع؟ ثُمّ قتل كيف ولع؟ ثُمّ جالع(١) فانجلع، فرمى الأبرياء بالشنع، فقال عن الشيعة : (فاشتغل بعض علمائهم بعلم الحديث وسمعوا الثقاة
____________________
(١) جالع : فعل ماض معناه جاوب بالفحش.وانجلع بمعنى : انكشف وافتضح.
وحفظوا الأسانيد الصحيحة، ثمَّ وضعوا بهذه الأسانيد أحاديث تتَّفق ومذهبهم، وأضلوا بهذه الأحاديث كثيراً من العلماء لانخداعهم بالأسانيد)(ص ٣٢٩).
فلينظر إلى هذا الخرَّاص ناظر بعقله، وليفرضه جاهلاً بورع الشيعة، وناسجاً في اتّهامهم على منوال المرجفين المجحفين، فهل يجهل أيضاً فضل جهابذة السُّنة، وجهودهم مدة حياتهم التي أفنوها في نقد الحديث وتمحيص حقائقه بكل دقة واستقصاء؟! ومَن هو أحمد أمين لينسب الجهل والضلال إلى أعلام السُّنة المتخصِّصين بالتنقيب عن شؤون الحديث من كل جهة، المستفرغين كل وسع، والباذلين في سبيل ذلك كل جهد وكل طاقة، حتى صرَّح الحق عن محضه، وأبدت الرغوة عن الصريح، وما من حديث إلاّ تمخَّروه(١) واستشفُّوه(٢) وعجموه عجماً، فأحاطوا بكل ما يتعلق به علماً، فهل يمكن مع تلك الجهود كلها ومع قرب عهدهم أن يخفى عليهم ما قد اكتشفه اليوم هذا المتفلسف الذي تجشَّأ به الدهر الهرم فقاءه أُعجوبة من عجائب السفسطة؟! وما عشت أراك الدهر عجباً! وأيُّ شيء أعجب من زنديق يقوم بالأمس بمرأىً ومسمع من أعلام الأزهر يشك في الكتاب، ويقفوه اليوم أحمد أمين فيشك في السُّنة، فترتجُّ النجف الأشرف وتقشعر أندية العلم فيها لهول هذه الزندقة، ولا نسمع للأزهريين - خَدَمَة الدين وسدنة الكتاب والسنة - صوتاً ينعش المؤمنين ويرد كيد المنافقين، ولَكِنَّما قد يربض الليث للوثب.
أرجو من علماء السُّنة وحَفَظة الشريعة في الأزهر وغيره أن يسمحوا لي بكلمة أرفعها في هذا المقام إليهم ؛ وحاصلها: أنَّ لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم، ودوَّنوها في كتب لهم مخصوصة، وهي كافية وافية لفروع الدين وأُصوله، وعليها مدار علمهم وعملهم، و هي - لا سواها - الحجة عندهم، فما أغناهم بها عن حديث غيرهم! صح حديث الغير أو لم يصح، شك فيه الفيلسوف أحمد أمين أو لم يشك.أمَّا أهل السُّنة، فليس عندهم أسانيد يعتبرونها صحيحة إلاّ تلك الأسانيد التي زعم الأُستاذ أنَّ بعض علماء الشيعة وضعوا فيها أحاديث تتَّفق مع مذهبهم، وإذا تمَّت فلسفة هذا الجاهل وسرى ميكروبه هذا في أحاديث أهل السُّنة، فلا جرم أنَّه يقتلها عن آخرها.ومَن يؤمنهم- إذا تمَّت هذه الفلسفة - من كون الشيعة أو غيرهم وضعوا في تلك الأسانيد مقيِّدات لمطلقاتها ومخصِّصات لعموماتها، ووضعوا أوامر لم يأمر الشارع بها ونواهي لم ينه عنها، ووضعوا شروطاً لم يشترطها وأُموراً لم يشترعها،
____________________
(١) يقال: تمخَّر الريح إذا نظر من أين مجراها.
(٢) يقال: استشفَّ الثوب إذا نشره في الضوء، وفتَّش هل فيه عيب أم لا؟
ومتى حصل هذا الشك مع العلم الإجمالي الذي زعمه أحمد أمين، سقطت صحاح السُّنة عن آخرها، وقرَّت عين أحمد أمين وغيره ممَّن يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره.
أمَّا قوله بأنَّ الشيعة وضعوا في تلك الأسانيد أحاديث تتَّفق مع مذهبهم، ففلسفة مزيفة ؛ لأنَّ الشيعة لا تعوِّل على تلك الأسانيد، بل لا تعتبرها، ولا تعرِّج في مقام الاستدلال عليها، فلا تبالي بها وافقت مذهبهم أو خالفته.على أنَّهم أبرُّ وأتقى من أن يجوز عليهم الكذب ولا سيما على الله ورسوله، ولكنّ المنافقين هم الكاذبون.لم يقف الأُستاذ في فلسفته على هذا الحد، بل زاد في طنبورها نغمة ؛ حيث حدَّثنا: أنَّه (كان من الشيعة مَن سُمِّي بالسُّدِّي، ومنهم مَن سُمِّي بابن قتيبة، فكانوا يروون عن السُّدِّي وابن قتيبة فيظن أهل السُّنة أنَّهما المحدِّثان الشهيران، مع أنَّ كلاًّ من السُّدِّي وابن قتيبة الذي يُنقل عنه إنَّما هو رافض غال.وقد ميَّزوا بينهما بالسُّدِّي الكبير والسُّدِّي الصغير، والأول ثقة والثاني شيعي وضَّاع، وكذلك ابن قتيبة غير عبد الله بن مسلم بن قتيبة)(ص ٣٢٩) نعوذ بالله من الغرور ونستجير بعزَّته تعالى من احتقار هذا الرجل لأئمة الدين القوَّامين بأمره، انظر إلى هذا المغرور المُعجب بنفسه! وأعجب منه كيف ينسب إلى علماء الشيعة ما لا يليق إلاّ بأهل الشعوذة والتدجِيل! وهم أبرُّ وأتقى وأحوط على الإسلام من أن تدنِّسهم الآثام.
وأعجب من ذلك أنَّه يصوِّر علماء السُّنة سذَّجاً مغفَّلين في منتهى الجهل بحيث لا يفقهون حديثاً! ومتى كانوا يغترُّون بالتمويهات ويُضَلَّلون بالترَّهات؟ وهم أبعد غوراً وأدقُّ نظراً وأسدُّ رأياً وأكثر انتباهاً من أن تَخفى عليهم هذه السخافات.لكن الأُستاذ إذا لم يصوِّر حفظة الدين وأئمة المسلمين في منتهى القصور لا يكون فيلسوفاً ولا يدعى مكتشفاً، ثمَّ إنَّ السُّدِّي وابن قتيبة لم يكونا من أبطال الحديث! وليس لهما ميزة في رجال السند! فما الذي حمل الشيعة على التمويه باسميهما دون غيرهما من المشاهير؟! وما السُّدِّي إلاّ مفسِّر، وما ابن قتيبة إلاّ مؤرِّخ، والشيعة لا تعتمد في تفسيرها وتاريخها عليهما بخلاف أهل السُّنة كما يعلمه علماء الفريقين.
وقد مثَّل الأُستاذ جهله بأحوال الرجال وبُعده عن علم الحديث وأسانيده ؛ إذ وصف السُّدِّي وابن قتيبة بأنَّهما محدِّثان شهيران! مع أنَّهما لم يشتهرا بالحديث! بل لم يُعرفا به! وجعل السُّدِّي الكبير ثقة من أهل السُّنة والسُّدِّي الصغير شيعيَّا وضَّاعاً.قال: وكذلك ابن قتيبة غير عبد الله بن مسلم ابن قتيبة.وهذا ممَّا يضحك الثكلى! إذ ليس في العلماء مَن يُعرف بابن قتيبة إلاّ أبو محمد عبد الله
بن مسلم بن قتيبة الدينوري، صاحب كتاب:مختلف الحديث ، وكتاب:الإمامة والسياسة ، وكتاب:المعارف ، وهو من المنحرفين عن أهل البيت كما نصَّ عليه الدارقطني.وقال البيهقي: كان من الكرَّامية.وتعلم هذا من ترجمته في ميزان الاعتدال.وليس في علماء الشيعة ولا في جهلائهم مَن يُعرف بابن قتيبة، وتلك كتبهم وكتب غيرهم في فهارس الرجال والتراجم تشهد بما نقول.فمَن هو ابن قتيبة الشيعي يا حضرة الأُستاذ؟!
أمَّا لفظ السُّدِّي، فقد أُطلق على إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الكوفي المفسِّر، وهو السُّدِّي الكبير.وهذا رجل شيعي تعتمد عليه أهل السُّنة مع تشيعه كما فصَّله سيِّدنا في مراجعاته الأزهرية، وتلك تفاسير أهل السُّنة مشحونة من أقواله.ويُطلق لفظ السُّدِّي أيضاً على محمد بن مروان، وهو السُّدِّي الصغير، وأصحابنا لا يعرفونه ولا يذكرونه أصلاً، وهو ليس منهم قطعاً، ولا نسبه أحد من الناس إليهم سوى حضرة الأُستاذ! وليته دلَّنا على واحد من العالمين يصرِّح بأنَّ محمد بن مروان السُّدِّي الصغير من أصحابنا! وليته يدلَّنا على واحد من الشيعة روى عنه ولو كلمة واحدة، أو ذكره في شيء ما!
ولو بذل الأُستاذ وسعه واستفرغ عمره في البحث عن ذلك، لرجع بالاعتراف على نفسه بأنَّه من الخرَّاصين الذين ليس على أقلامهم ولا على ألسنتهم من عقولهم ودينهم رقيب، نعوذ بالله من الفضيحة.ولو قطعنا النظر عن كون ابن قتيبة واحداً فقط لا اثنين، وعن كون السُّدِّي الثقة، أعني الكبير، شيعياً لا سنِّياً، وعن كونه مع ذلك حجة عند أهل السُّنة دوننا، وعن كون السُّدِّي الصغير الوضَّاع ليس من طائفتنا، وعن كون الشيعة لم تروِ عنه شيئاً ما، ولم تذكره ولم تتعرَّف به، وإنَّما يعرفه ويروي عنه أهل السُّنة لا نحن، وعن كون السُّدِّي الكبير وابن قتيبة غير مشهورين بالحديث ولا بمعدودين في المحدِّثين، وعن كون أحمد أمين كخابط عشواء في ليلة ظلماء، لو قطعنا النظر عن هذه الأُمور كلها وسلَّمنا لحضرة الأُستاذ أنَّ هناك قتيبتين وسُدِّيين كما ذكر في فلسفته واكتشافه! فما ذنب الشيعة لو نقلوا عن الشيعي فظنَّ الصمُّ البكمُ العميُ أنَّ ذلك عن السنِّي؟!~ولئك الضعفاء والمجهولين ليس إلاّ التضليل والتدجيل ؛ لأنَّ المتبادر من تلك الأسماء عند إطلاقها إنَّما هم أئمة الهدى من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والأُستاذ أحمد أمين يعلم بأنَّ أهل السُّنة كافَّة إذا نقلوا عن ابن يسار البصري مولى زيد بن ثابت يقولون: قال الحسن كذا، وحدَّث الحسن بكذا.وفي أمثالهم المعروفة جالس الحسن أو ابن سيرين، فهل هذا لأنَّ البصري أفضل وأكمل من ريحانة المصطفى وسيد شباب أهل الجنة وخامس أصحاب الكساء؟! أو أنَّه إيهام وتضليل؟
ولو أردنا سرد ما كان من هذا القبيل لطال المقام، وفي هذا القدر كفاية لمَن كانت لله عزَّ وجلَّ فيه عناية.
الشيعة تحشو الكتب بتعاليمها وتنسبها إلى أهل السُّنة
إنَّ هذا الفيلسوف يهتم بتنميق الألفاظ وليس عليه أن تكون المعاني صحيحة، فلا تمنعه من الثرثرة لوازمها الباطلة ولا سمومها القاتلة ؛ لم يكتف بالتشكيك في الصحاح من مسانيد أهل السُّنة حتى أراد تشكيكهم في كتب سلفهم ومؤلَّفات أعلامهم التي أفنوا أعمارهم الشريفة في تهذيبها! ليقطع خط الرجعة عليهم في تعاليمهم الدينية، وهذا أعظم ما يتوخَّاه زنادقة العصر الحاضر.ولهذا الغرض نفسه يهتم أكثرهم في إماتة الكتابة الشرقية واستبدالها باللاتينية ؛ إسقاطاً لجميع الكتب، وإماتة للعلوم والفنون والأديان، وإيثاراً للزندقة والفلسفة الباطلة والجهل المركب الذي يسمُّونه علوماً عصرية، نعوذ بالله.ومَن أنت يا حضرة الأُستاذ ليبالي أهل السُّنة أو الشيعة في تضليلك عن حديثهم وهم جهابذته وصيارفته؟! وكيف يعبأون في تشكيكك بكتب سلفهم وقد رووها عن أصحابها سماعاً وقراءة وإجازة بالأسانيد الصحيحة المرفوعة إلى مؤلِّفيها؟! وتفصيل ذلك موكول إلى الكتب المختصة بهذا الفن من مؤلَّفات الطائفتين، وهي في غاية الكثرة والانتشار.
أمَّا فلسفة الأُستاذ في قوله (ص ٣٢٩): (بأنَّ الشيعة وضعوا الكتب وحشوها بتعاليمهم ونسبوها لأئمة أهل السُّنة ككتاب سر العارفين الذي نسبوه إلى الغزالي، ففلسفة مغسولة مرذولة كسائر سفسطته ؛ إذ يتفلسف رجماً بالغيب وعملاً بالعصبية العوراء.وحاشا لله أن تفعل الشيعة شيئاً ممَّا رماهم به، وهم أبرُّ وأتقى، ولكنَّ المنافقين هم الكاذبون.وما أغنى الشيعة عن سر العارفين بما عندهم من أسرار محمد وآلهصلىاللهعليهوآله ، وما أغناهم بذلك عن غزل الغزالي.وإنَّ تعاليمهم لثابتة
____________________
السُّنة تجد الأمر كما قلنا.وجُل أصحاب هذه الأسماء ضعفاء لا يركن إليهم، ومع ذلك أطلقوا عليهم الأسماء التي تنصرف إلى أئمة العترة الطاهرةعليهمالسلام .
بمحكمات الكتاب ونصوص السُّنة، وليس عندهم من التعاليم شيء لا يدل عليه كتاب الله عزَّ وجلَّ أو سنَّة رسولهصلىاللهعليهوآله أو إجماع أهل الحل والعقد أو يستقل بحكمه العقل، ليحتاجوا إلى الغزالي.ومَن هو الغزالي لينتصروا به وقد انتصر ليزيد بن معاوية في إحياء علومه؟! بل استخف بقتل خامس أصحاب الكساء وسيد شباب أهل الجنة وريحانة المصطفى ؛ إذ لم يرض بلعن المباشر لقتلهعليهالسلام (١) مع إباحته لعن شيعة آل محمد(٢) !! على أنَّ الشيعة لا تعرفسر العارفين ولا مؤلِّفه، ونسبته إلى الغزالي بمجرَّدها كافية في سقوطه عندهم، وافق تعاليمهم أو خالفها.
ونحن نسأل هذا الخرَّاص فنقول له: أيُّ شيعي استند في تعاليم الشيعة إليه؟ وأيُّ عالم أو جاهل من الشيعة اعتبرسر العارفين أو سر العالمين دليلاً؟! فليدلَّنا حضرة الأُستاذ إنْ كان من الصادقين! وإلاّ فليعلم أنَّه من الخرَّاصين.ومَن أخبر أحمد أمين بأنَّ هذا الكتاب من تأليف الشيعة فلعل أحد علماء السُّنة ممَّن كان يحسد الغزالي ويحاول إسقاطه ويبتغي التشنيع عليه، وَضَع هذا الكتاب ونسبه إليه تنفيراً منه، فهل لحضرة الأُستاذ دليل على نفي هذا الاحتمال؟ ألَم يرجف المرجفون من أهل السُّنة بالغزالي؟ ألَم يجحف عليه معاصروه منهم؟ ألم ينسبوا إليه بعض أقوال المفرِّطين من الصوفية ليُعدَّ من الكافرين؟ أليست هذه الأُمور قرينة على ما قلناه؟ ومع ذلك فإنَّا لا نجزم بأزيد من نفي ما ادَّعاه أحمد أمين وافتراه على الشيعة.وهذا كتاب مروج الذهب للمسعودي محشو بالحوادث التاريخية على ما تقتضيه تعاليم أهل السُّنة مع أنَّ المسعودي من أعلام الشيعة، وهو صاحب كتاب الوصية، فلماذا لم تقل الشيعة أنَّ أهل السُّنة وضعوه وحشَّوه بتعاليمهم ونسبوه إلى علمائنا؟ معاذ الله أن تعوِّل الشيعة على الفلسفة العمياء، وحاشاهم من خرص الخرَّاصين.
الشيعة ملجأ يأوي إليه مَن أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد (ص ٣٣٠)
هذا كلام مَن لا يتَّقي الذم ولا يبالي بالفضيحة، قد أبرز صفحته للخزي، وطرح نفسه في الفضائح، فارتطم في مراغة الذم، وأصبح مضغة في أفواه القارضين.ويحه! كأنَّه يحدِّث عن طائفة
____________________
(١) راجع منه: الآفة الثامنة من آفات اللسان (ج ٣، ص ١١٣) تجد العجب العجاب ؛ حيث جعل لقاتل الحسين توبة مقبولة!! وجعل في لعن المباشر لقتلهعليهالسلام بيده والآمر بذلك خطراً على مَن يلعنهما!! وفي أواخر صرَّح بأنَّه لا خطر في السكوت عن لعن إبليس!! وصرَّح بأنَّه لا يجوز لعن يزيد!! ولا يجوز أن يقال: إنَّه قتل الحسين أو إنَّه أمر بقتله!!
(٢) راجع منه أيضاً: ج ٣، ص ١١٣.
من الطوائف البائدة التي لم يبق منها في صحيفة الوجود إلاّ ما يتحدَّث به المخرِّفون عنها وتتناوله القصَّاصون.ألا تراه كيف يتحدَّث بكل اطمئنان بما يكذِّبه العيان والوجدان، ولا يبالي بهذه الفضيحة؟! إنَّها لوقاحة ما اشتمل التاريخ على مثلها.كنا نرى في بعض الكتب حملات عنيفة على الشيعة كانت الظروف تسمح بها، وكان التبصيص حول العروش يقتضيها، والآن لا نرى الظروف تسمح بشيء منها ؛ إذن ما بال هذا المتفلسف ينفخ بذلك البوق ويضرب على ذلك الطبل؟! وما المقتضي لأن يزيد في ذلك الطنبور هذه النغمات المزعجة التي تُطرب كل مَن أراد هدم الإسلام، وتُسرُّ كل مَن يسعى بتمزيق وحدته وتفريق أمته؟
ونحن لولا موانع الظروف الحاضرة، لأقمنا البراهين القاطعة والأدلة الساطعة على أنَّ المأوى الذي التجأ إليه كل مَن أراد هدم الإسلام عداوة للنبي وحقداً عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنَّما هو العرش الذي تبوَّأه الغاشمون الظالمون لآل محمد، الدافعون لهم عن مراتبهم التي رتَّبهم الله فيها.ولولا أُولئك المستبدون المغتصبون وأعوانهم المنافقون، ما كان لأعداء محمد والحاقدين عليه مأوى يلتجئون إليه وسلطان يعتمدون
عليه، بل لولاهم ما عاث في الإسلام عائث، ولا ظهرت فيه بدعة، ولا تمزَّق ثقلا رسول الله كل مُمْزَّق... ولا ولا.. إلى آخر ما سيضطرنا هؤلاء المرجفون بنا إلى مكاشفتهم به، وحينئذ نأتيهم بما لا قبل لهم به! وكل آتٍ قريب (إنْ عادت العقرب).يا حضرة الأُستاذ، إنَّ الشيعة أعظم المسلمين عناء في تأييد الإسلام، وأشدُّهم عليه احتياطاً، وأجلُّهم به عناية، وأجملهم له رعاية، وأبذلهم للنفوس والنفائس في سبيله، وأفضلهم قياماً ببرهانه ودليله، وأصدقهم حفيظة إذا بانت الحقائق وظهرت المصادق، وأرساهم إيماناً بأحكامه، وأرسخهم قدماً في تحليل حلاله وتحريم حرامه، وأثبتهم على مبادئه ؛ تزول الجبال ولا يتزلزلون.ولهم في الذود عن حياضه، والدفاع عن رياضه، والنصرة لأوليائه، والقمع والقدع لأعدائه، والتعظيم لشعائره، والتقديس لمشاعره، والتعبُّد بأدلته، والتفاني في نشر دعوته، مقاماتٌ يصغر في جنبها جهاد الأبطال، وتخفُّ في ميزانها كفَّة الجبال.ودونك مؤلَّفاتهم في مكافحة الملاحدة والزنادقة والطبيعيين وسائر أعداء الإسلام تزيد على عشرات المئات، مطوَّلة ومختصرة، متوناً وشروحاً، للمتقدمين منهم وللمتوسِّطين وللمتأخرين، وكلُّها صواعق مواحق لكل مَن أراد بالإسلام سوءاً.وتلك مؤلَّفاتهم في التوحيد والعدل والمعاد والنبوة والإمامة وسائر العقائد، وفي الحديث، والفقه وأُصوله، والتفسير وسائر علوم القرآن، وفي الدراية وأحوال الرجال، والحكمة العقلية (الفلسفة)، والسير والتاريخ، والأخلاق
وأدواء النفس وعلاجها وغير ذلك ممَّا لو راجعته لوددَّت أنَّك شللت وبكمت! ولم تكن قلت ما قلت أو رقمت في فجورك ما رمت!
هذا كلام مَن لا خلاق له.
اليهودية إنَّما ظهرت في حديث أبي هريرة بأجلى المظاهر ؛ فراجع من كتاب البخاري حديث وضع الجبَّار قدمه في النار، وحديث مجيء الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة بصورة لا يعرفه بها أهل المحشر، ثمَّ مجيئه ثانياً بصورة أخرى يعرفه الناس فيها بساقه ؛ حيث يكشف لهم عنها، إلى كثير من خرافات اليهود التي أخذها أبو هريرة عن كعب الأحبار ونسبها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله كحديث خلق آدم على صورة الرحمن الموافق لِمَا في أيدي اليهود من التوراة المحرَّفة.وقد اعترف الشهرستاني بذلك عند ذكره المشبِّهة من أهل السُّنة في كتابه الملل والنحل حيث قال: (وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي، وأكثرها مقتبسة من اليهود...) إلى آخر كلامه.
ونحن نسأل حضرة الأُستاذ عن مقاتل بن سليمان هل هو من الشيعة؟ وهل الشيعة تذكره إلاّ بالقدح والجرح والوهن والطعن؟ على أنَّه إمام أهل السُّنة في تفسير القرآن وأحد مراجعهم العظام فيه، وقد قال أبو حاتم بن حيان البستي (كما في ترجمة مقاتل من وفيَّات ابن خلِّكان): كان مقاتل يأخذ من اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبِّهاً ؛ يشبه الربَّ بالمخلوقين.(قال:) وكان يكذب مع ذلك في الحديث... إلخ.وأنت إذا راجعت الكلمة الغرَّاء في تفضيل الزهراء (فصل ٢، ص ١٣) يتجلَّى لك ظهور اليهودية في تفسير مقاتل وأصحابه، وأنَّه من أشدِّ الناس عداوة لأمير المؤمنين وشيعته الميامين.
أمَّا القول بالرجعة، فقد بسطناه سابقاً، فراجعه تعلم أنْ ليس فيها من اليهودية شيء، وحاشا لله أن يكون ثمَّة شيء ممَّا يرجفه المرجفون.
وأمَّا ما نقله الأُستاذ عن الشيعة من القول بأنَّ النار محرَّمة على الشيعي، فإفك وبهتان وظلم وعدوان.والشيعة الإمامية مجمعة على أنَّ الناس خلقها الله عزَّ وجلَّ لمَن عصاه، وخلق الجنة لمَن أطاعه، وغاية ما عندهم أنَّ المؤمنين العصاة لا يخلدون في النار، لكنّ أحمد أمين أبى إلاّ أن يستقي من حثالات المرجفين الذين شاؤوا أن يلصقوا بالشيعة كل باطل، فقالوا: إنَّهم كاليهود لا يأكلون لحوم الإبل، ولا يوجبون العدَّة على النساء، وإنَّهم ينكرون الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر الواجبات، إلى كثير من هذه الخرافات.وقد نقلها سيِّدنا في الفصل ١٠ من كتابهالفصول المهمَّة وبسط القول فيها على وجه أثبت فيه عدوان المعتدين المفترين، فجعله
محسوساً ملموساً، فليراجعه حضرة الأُستاذ ومَن لفَّ لفَّه ليعلموا أنَّهم خرَّاصون وأنَّهم مقتولون.وقد أفتى الشيخ نوح الحنفي بكفر الشيعة وقتلهم تابوا أو لم يتوبوا، وحكم بسبي نسائهم وذراريهم ؛ مستدلاًّ على ذلك بأنَّهم يستخفُّون بالدين ويهزؤون بالشرع المبين، وأنَّهم يهينون العلم والعلماء، وأنَّهم يستحلُّون المحرَّمات ويهتكون الحرمات... إلى آخر ما جاء به من الكذب الصريح، وكان إدَّاً( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ) .وقد تصدَّى سيِّدنا لنقل كلامه بألفاظه، ثمَّ ناقشه الحساب فجعله هباء منثوراً ؛ فراجع: (الفصول المهمَّة، فصل ٩، ص ١٣٠، ط ٢) لتعلم الفرق بين الضلال والهدى، والجهل والعلم، والحق والباطل، إنَّ الباطل كان زهوقاً.
إنَّ الرجل مرجف مجحف، ناصب كاذب، ألا لعنة الله على الكاذبين.نسألك - يا حضرة الأُستاذ - عن أحمد بن حائط وعن فضل بن الحدثي وأصحابهما الذين ذكرهم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ؛ أكانوا من الشيعة أم كانوا من أعداء الشيعة وألدِّ خصومها؟ ما أظن الأُستاذ أحمد أمين أو غيره من أهل الوقاحة يقدرون أن يقولوا إنَّهم من الشيعة ؛ لثبوت انحرافهم عن أهل البيت وتظاهرهم في مخاصمة الشيعة.وقد ذكرهمالشهرستاني، فقال:
كان أحمد بن حائط وفضل بن الحدثي من أصحاب النظَّام، وطالعا كتب الفلاسفة أيضاً، وضمَّا إلى مذهب النظَّام ثلاث بدع: الأُولى إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح، موافقة للنصارى على اعتقادهم أنَّ المسيحعليهالسلام هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة وهو المراد بقوله تعالى:( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) ، وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام وهو المعني بقوله تعالى:( أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ) ، وهو المراد بقول النبي: إنَّ الله خلق آدم على صورة الرحمن، وبقوله: يضع الجبار قدمه في النار.
(قال:) وزعم أحمد بن حائط أنَّ المسيح تدرَّع بالجسد الجسماني، وهو الكلمة القديمة المتجسِّدة كما قالت النصارى...).
إلى آخر كلامه فراجعه ؛ لتعلم أنَّ النصرانية لم تظهر في التشيُّع، وإنَّما ظهرت بأجلى المظاهر في سلف أحمد أمين أعداء الشيعة المنحرفين عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى من آل محمدصلىاللهعليهوآله .
أمَّا القول بإلهية الإمام أو بنبوته، فقد علم البَر والفاجر، والمسلم والكافر، والعالم والجاهل أنَّها إنَّما هي أقوال الغلاة والخارجين عن دين الإسلام، المعطِّلين لأحكامه.فما ذنب الشيعة والله تعالى يقول:( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ؟!
فإن قال أحمد أمين: أنَّ أصلهم شيعة. قلنا له: هذا غير معلوم، ولعل
أصلهم سُنَّة.وماذا يقول الأُستاذ أحمد أمين بمَن أراد تشويه الإسلام والطعن به فذكر عقائد هؤلاء الغلاة ليلزم المسلمين بأقاويلهم الباطلة لأنَّ أصلهم من المسلمين، فهل يكون طعنه صحيحاً أم لا؟ فالجواب.. الجواب.
كذا زعم الفيلسوف المهول أحمد أمين في فجره أو فجوره.وقد علمت أنَّ التجسيم قد ظهر في حديث البخاري وصحيحه عن أبي هريرة وأمثاله، وأنَّ أوَّل مَن أسَّس التجسيم في الإسلام إنَّما هو كعب الأحبار ابن اليهودية، وأخذ عنه ذلك أبو هريرة وأمثاله من ثقات أهل السُّنة ورجال صحاحهم الستّة، فتقوَّلوه على رسول اللهصلىاللهعليهوآله .وسمعت رأي مقاتل بن سليمان في التشبيه، وقد ذكره أبو حنيفة - كما في ترجمة مقاتل منميزان الاعتدال - فقال: وأفرط مقاتل حتى جعل الله مثل خلقه وقد علم الناس أنَّ التشبيه مذهب جماعة من أصحاب الحديث من أهل السُّنة يعرفون بالحشوية، وقد ذكرهم الشهرستاني فيالملل والنحل في الأشاعرة وصرَّح بأنَّهم من محدِّثي أهل السُّنة، وأنَّهم ليسوا من الشيعة.وذكر منهم: نصر، وكهمش، وأحمد الهجيني وغيرهم.وذكر أنَّهم قالوا: إنَّ معبودهم صورة ذات أعضاء وأبعاض يجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكُّن.وأجازوا على ربِّهم الملامسة والمصافحة، وأنَّ المخلصين من المسلمين يعاينونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا من الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص والاتّحاد.وادّعى بعضهم أنَّهم كانوا يزورون الله ويزورهم.وحكى عن داود الخارمي أنَّه قال: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عمَّا وراء ذلك.وقالوا: إنَّ معبودهم جسم ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء ؛ من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأُذنين، وأنَّه أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك، وأنَّ له وفرة سوداء وشعر قطط! حتى قالوا: بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، فعادته الملائكة، وأنَّ العرش ليئطّ من تحته كأطيط الرَّحل الجديد، وأنَّه ليفضل من كل جانب أربعة أصابع.ورووا عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال : لقيني ربي فصافحني وكافحني، ووضع يده بين كتفيَّ حتى وجدت برد أنامله.وقالوا: يجوز أن يظهر الباري بصورة شخص كما كان جبرائيلعليهالسلام ينزل في صورة أعرابي.وقالوا: إنَّ النبي (ص) لقي ربَّه في أحسن صورة.
وأهل السُّنة كافَّة يروون في ذلك حديثاً يصحِّحونه، وأهل هذه المقالات كلهم سُنِّيون كما اعترف به الشهرستاني ؛ حيث أورد المشبِّهة في كتابالملل والنحل فليراجعه حضرة الفيلسوف أحمد أمين ليعلم أنَّ التجسيم
إنَّما ظهر في سلفه النواصب الحشوية الجامدين، وظهر في الكرّامية من أهل السُّنة أصحاب محمد بن السُّنة الذي ذكره الشهرستاني، وذكر انتسابه إلى أهل السُّنة، وأنَّ عدد طوائفه بلغ اثنتي عشرة فرقة، وأنَّ أُصول تلك الفرقة ستة: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، و الواحدية، والهصيمية، ولكلٍّ رأي.
وقد نصَّ محمد بن السُّنة على أنَّ معبوده استقر على العرش، وعلى أنَّه بجهة فوق، وعلى أنَّه جوهر.وقال في كتابه المسمَّىعذاب القبر : أنَّه أحديُّ الذات، أحديُّ الجوهر، أنَّه ممَّاس للعرش من الصفحة العليا.وجوِّز عليه الانتقال والتحوُّل والنزول.ومنهم مَن قال: أنَّه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم: امتلأ العرش به إلى... آخر ما نقله الشهرستاني من خرافاتهم وكفرهم.
والتجسيم معروف عن الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، ولهم قصص في ذلك ونوادر وحكايات عجيبة يعرفها المتتبِّعون.وعلى هذا الرأي ابن تيميَّة، وابن القيِّم، وابن عبد الوهَّاب وأتباعهم.وقد نقله الشهرستاني عن أحمد بن حنبل، وداود بن علي الأصفهاني، ومالك بن أنس، ومقاتل بن سليمان، وجماعة من أئمة أهل السُّنة.
وأمَّا الحلول والتناسخ، فقد ظهرا في سلف الأُستاذ أحمد أمين ؛ حيث زعم سميَّاه - أحمد حائط، وأحمد بن أيُّوب بن مانوس - أنَّ الله تعالى أبدع خلقه أصحَّاء سالمين، عقلاء بالغين، في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته والعلم به وأسبغ عليهم نعمه ،. (قالا:) ولا يجوز أن يكون أول مَن يخلقه الله إلاّ عاقلاًَ ناظراً معتبراً، فابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ذلك، وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمَن أطاعه في الكل أقرَّه في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومَن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب، وهي النار، ومَن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة، وابتلاه بالبأساء والضرَّاء، والشدَّة والرخاء، والآلام واللَّذات، على صور مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم، فمَن كانت معصيته أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن وآلامه أقل، ومَن كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح وآلامه أكثر، ثمَّ لا يزال يكون الحيوان في الدنيا، كرَّة بعد كرَّة، وصورة بعد صورة، ما دامت معه ذنوبه وطاعاته.
هذا رأي أحمد بن حائط وأحمد بن أيُّوب وفضل بن الحدثي وأصحابهم.وكان أحمد بن أيُّوب بن مأنوس يقول: متى صارت النوبة إلى البهيمية ارتفعت التكاليف، ومتى صارت النوبة إلى رتبة النبوة والملك ارتفعت التكاليف أيضاً، وصارت النوبتان عالم الجزاء... إلى آخر ما نقله عنهم الشهرستاني في الملل والنحل فراجعه لتعلم أنَّ التجسيم والحلول إنَّما ظهرا في خصوم التشيُّع
وأعدائه.
ولا ننكر أنَّ في بعض الفرق الضالَّة - التي يطلق عليها لفظ الشيعة - ضلالاً وغلوَّاً وبدعاً توجب الكفر كالكاملية والخطَّابية والأغاخانية و نحوهم، ونحن منهم براء.وإنَّما بحثنا في هذا الكتاب ودفاعنا عن الإمامية الاثني عشرية الذين ذكرهم سيِّدنا في آخر الفصل ١١ من فصوله المهمَّة، فقال: وهم ركن الدين، وشطر المسلمين، وفيهم الملوك والأُمراء، والعلماء والأُدباء، والكتبة والشعراء، والساسة المفكِّرون، والدهاة المدبِّرون، وأهل الحميةالإسلامية، والنفوس العبقرية، والشمم والكرم، والعزائم والهمم.وقد انبثوا في الأنحاء، وانتشروا في الأرض انتشار الكواكب في السماء، فليس من الحكمة ولا من العقل أن يستهان بهم، وهم أهل حول وقوة، وغنى وثروة، وأموال مبذولة في سبيل الدين، وأنفس تتمنَّى أن تكون فداء المسلمين.وليس من التثبُّت أن يعتمد - في مقام النقل عنهم - على إرجاف المرجفين وإجحاف المجحفين( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) ، انتهى كلامه دامت أيَّامه.
وليعلم حضرة الأُستاذ وغيره أنَّ الشيعة الذين ذكرناهم قد اعتصموا بحبل الله جميعاً، وتمسَّكوا بثقلي رسول الله معاً، ودخلوا مدينة علم النبي من بابها، واستنبطوا أحكام الشريعة من سُنَّتها وكتابها، وركبوا سفينة نجاة الأُمّة ولجأوا إلى أمانها، وأتوا من باب حِطَّتها، واستمسكوا بالعروة الوثقى من هدي آل محمدصلىاللهعليهوآله يحلِّلون حلالهم ويحرمون حرامهم.وآل محمد على الحق والهدى الذي كان عليه جدُّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فكيف يجوز على شيعتهم شيء ممَّا تقوَّله عليهم المبطلون ونسبه إليهم الدجَّالون الذين يخلطون الحابل بالنابل، ولا يميِّزون بين أهل الحق و الباطل؟ وهب أنَّ شرذمة من الأُمّة ضلَّت ضلالاً مبيناً، فما ذنب مَن كان منها على الهدى؟ وهل يجوز الطعن في المسلمين عامة لوجود بعض الفرق منهم المستوجبة للطعن؟! نعوذ بالله من هذا الخبط والخلط، وبه نستجير من كل خوَّان يحيف على مَن يبغض فيلصق به من الدواهي ما يقتضيه بغضه، ويوجبه حقده، ويوحي إليه ضميره الخبيث، ولا يراقب الله والدار الآخرة، ولا يبالي بما تقوله الناس فيه، والحمد لله الذي عافانا - معشر الشيعة - ممَّا ابتلي به غيرنا.
وهذا آخر ما أردنا الآن نشره من كتابنا هذا في تزييف الكتاب الذي سمَّاه مؤلِّفه: فجر الإسلام، ونحن نسمِّيه: فجور اللِِّئام.وقد كان الأُستاذ فيه كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفِّه، ولا عجب، فإنَّ الجاهل المغرور يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوِّه.نعوذ بالله من كلِّ غالٍ في جهله، وأعمى في طغيانه، ومن كل هائم في أودية الضلال، أو باسط عنانه في الجهل والمحال، وممَّن أطلق لنفسه هواها فاسترسلت به في بطرها وعماها.ونستميح عذراً
ممَّن قرأ كتابنا حيث لم نأت على بيان ما جاء في كتاب الأُستاذ من الهفوات التاريخية وغيرها ممَّا لا يختص بالشيعة ؛ فإنَّ المجال لا يسع البحث في كل ما طغى به قلمه.
ورجائي إلى إخواني أهل السنة (ثبَّتهم الله بالقول الثابت) أن يقفوا على هذا الحد لئلاّ يتَّسع الفتق.وإذا استمرت هذه المهاجمات، فلا بُدَّ أن ينظِّم الشيعة خطوط المدافعة ؛ فيزيِّفوا كلَّ ما يعتمد عليه هؤلاء المرجفون من تاريخ ورجال وحديث، وإذن، على نفسها تجني براقش.والله المسؤول أن يجمع كلمتنا على تأييد الدعوة الإسلامية، ويؤلِّف قلوبنا على ما فيه رضا الله تعالى ورسوله.
وصلَّى الله على محمد وآله، والصحب الكرام من رجاله، والحمد لله أولاً وأخراً، وظاهراً وباطناً، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليِّ العظيم.
وكان الفراغ من تسويد هذه الرسالة في النجف الأشراف، تاسع ربيع الأول، سنة ١٣٤٩ هجرية، بقلم أصغر خدمة العلم والمهاجرين إليه:
عبد الله، بن الشيخ محمد، بن الشيخ حسن، بن الشيخ محمد، السبيتي العاملي الكفراوي (غفر الله ذنوبه وستر عيوبه بمنِّه وكرمه إنَّه أرحم الراحمين).
الفهرس
تحت راية الحق في الرَّدِّ على فجر الإسلام الشيخ عبد الله السُّبيتي العاملي ١
تحت راية الحق في الرَّدِّ على فجر الإسلام تأليف: الشيخ عبد الله السُّبيتي العاملي حقوق الطبع محفوظة ١٣٥١ه-، مطبعة العرفان - صيدا، ١٩٣٣م ٣
إهداء الكتاب ٤
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المقدِّمة ٧
العقيدة الإسلامية تأثَّرت بالامتزاج ١٧
أبو ذر الغفاري ينقاد لرأي مزدك الفارسي ٢٢
عقائد الفرس وأثرها في نفوس بعض المسلمين ٣٢
ثنويَّة الفُرس منبع يستقي منه (الرافضة) ٣٧
الرافضة تستمدُّ من ابن ديصان ٣٨
شخصية عليٍّ يصعب تصويرها ٤٠
الشيعة تربط سلمان بعليٍّ ٥٥
علي يستغل القصص ٥٨
الأديان أصل التفسير ٦٠
الشيعة يضعون الأحاديث وينسبونها لعلي ٦٢
كلمة إجمالية عن الشيعة لفظة الشيعة: تكوُّن الشيعة ونشأتها: ٦٨
بلاد الشيعة: ٧١
عقائد الشيعة: ٧٢
أهل البيت أولى الناس أن يخلفوا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ٧٣
لا نصَّ على الخليفة ٧٤
لم يرد أنَّ عليَّاً احتجَّ بالنصِّ على خلافته ٧٥
الشيعة يتمسَّكون بالنصوص التي لا يعرفها جهابذة أهل السُّنة ٧٨
ميزان الشك عند صاحب الكتاب ١٠١
الرجعة عند الشيعة ١١٠
العلَّة في تأليه عليِّ رواية المغيَّبات عنه الشيعة وضعوا: سلوني قبل أنْ تفقدوني ١١٤
الشيعة لا يؤمنون بالحديث إلاَّ عن الأئمَّة (ص ٣٢٤) ١١٧
مذهب الزيدية أعدل مذاهب الشيعة ١١٨
الإمامية تقول بعودة إمام منتظر ١١٩
تنبيه : تنبيه آخر : ١٢٦
السيد الحميري كيساني التكتُّم في الأعمال يستلزم الخداع ١٢٧
الشيعة تحفظ الأسانيد الصحيحة وتضع فيها الأحاديث ١٢٩
الشيعة تحشو الكتب بتعاليمها وتنسبها إلى أهل السُّنة ١٣٣
الشيعة ملجأ يأوي إليه مَن أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد (ص ٣٣٠) ١٣٤
لليهودية ظهرت في التشيُّع ١٣٦
النصرانية ظهرت في التشيُّع ١٣٧
التجسيم والحلول ظهرا في التشيُّع ١٣٨
الفهرس ١٤٢