كتاب الخراجيات
التجميع فقه استدلالي
الکاتب المحقق الثاني والمحقق الاردبيلي والفاضل القطيفي والفاضل الشيباني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

كتاب الخراجيات

المحقق الثاني والمحقق الاردبيلي

والفاضل القطيفي والفاضل الشيباني


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


كتاب الخراجيات

تأليف:

المحقق الثاني والمحقق الاردبيلي والفاضل القطيفي والفاضل الشيباني

قاطعةُ اللجاج في تحقيقِ حلِ الخراج

تأليف

الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي الكَركي

"المحقّق الثاني"


[ تمهيد المؤلف ]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي ايّد كلمة الحقّ بالبراهين القاطعة، واعلى كلمة الصدق بالحجج اللامعة، ودرج أباطيل المفترين بالدلائل الدامغة، وأذلّ أعناق المغالطين بالبينّات القامعة، والصلاة والسلام على المبعوث بخير الأديان محمد المختار من شجرة بني عدنان، وعلى آله الأطهار المهتدين، وعترته الاخيار الحفظة للدين.

وبعدُ:

فإنّي لمّا توالى على سَمعي تصّدى جماعة من المتسمّين بسمة الصلاح، وثلّة من غوغاء الهمج الرعاع، أتباع كلّ ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظٍّ وافر، واستولى عليهم الشيطان فحلّ منهم في سويداء الخاطر لتقريض العرض وتمزيق الأديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء النهج القويم، - حيث انّا لمّا لزمنا الإقامة ببلاد العراق، وتعذر علينا الانتشار في الآفاق للأسباب ليس هذا محل ذكرها - لم نجد بُدّاً من التعلّق بالقرية لدفع الاُمور الضروريّة من لوازم متمّمات المعيشة، مقتفين في ذلك أثر جمع كثير من العلماء وجمّ غفير من الكبراء الأتقياء، اعتماداً على ما ثبت بطرقٍ من اهل البيت -عليهم‌السلام - من أنّ أرض العراق ونحوها - مما فتح عنوة بالسيف - لايملكها مالك مخصوص، بل هي للمسلمينَ قاطبة يؤخذ منها الخراج والمقاسمة، ويُصرف

في مصارفه التي بها رواج الدين، بأمر إمام الحقّ من اهل البيت -عليهم‌السلام -، كما وقع في ايام امير المؤمنين -عليه‌السلام -.


وفي حال غيبته -عليه‌السلام - قد أذن أئمتنا -عليهم‌السلام - لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور، كما سنذكره مفصلاً. فلذا تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون غير مستنكر ولا مستهجَن.

وفي زماننا - حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، واندرس بينهم معظم الأحكام، واخفيت مواضع الحلال والحرام - هدرت شقاشق الجاهلين، وكثرت جرأتهم على اهل الدين، استخرت اللّه تعالى، وكتبتُ في تحقيق هذه المسألة " رسالة " ضمّنتُها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار -عليه‌السلام -، وأودعتها ما صّرحوا به في كتبهم من الفتوى: " بأن ذلك حلال لاشكّ فيه، وطلق لاشبهة تعتريه "، على وجه بديع، تذعن له قلوب العلماء، ولا تمجه أسماع الفضلاء. واعتمدت - في ذلك - أن ابُينّ في هذه المسألة التي أفَلَ بدرها وجُهل قدرُها، غيرةً على عقائل المسائل، لاحرصاً على حطام هذا العاجل، ولا تفاديا من تعريض جاهل، فإن لنا بموالينا أهل البيت -عليهم‌السلام - أعظم اسُوة وأكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الأقاويل، ونسبوا إليهم الأباطيل، وبملاحظة " لوكان المؤمن في جحر ضب يبرد كلّ غليل " مع أني لن أقتصر - فيما أشرت اليه - على مجرّد مانبهت عليه. بل أضفت إلى ذلك من الاسباب التي تثمر الملك وتفيد الحلّ ، مالا يشوبه شكّ، ولا يلحقه لبس من شراء حصة من الأشجار، والاختصاص بمقدار معين من البذر. فقد ذكر أصحابنا طُرقاً للتخلّص من الربا، واسقاط الشفعة ونحوها مما هو مشهور متداول، بل لا ينفك منها إلا القليل النادر. وقد استقرّ في النفوس قبوله وعدم النفرة منه، مع أنّ ما اعتمدته في ذلك: أولى بالبعد عن الشبهة، وأحرى بسلوك جادة الشريعة.

ولم اُورع في - هذه الرسالة من الفتوى إلاّ ما اعتقدت صحّته، وأقدمت على

لقاء اللّه تعالى به، مع علمي بأنّ مَن خلا قلبه من الهوى، وبصّر بصيرته من الغوى، وراقَبَ اللّه تعالى في سريرته و علانيته، لايجد بُداً من الاعتراف به، والحكم بصحته.

وسمّيتها: قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج، ورتّبتها على مقدمات خمس، ومقالة، وخاتمة. وسألتُ اللّه تعالى أن يلهمني إصابة الحق، ويجنّبني القول بالهوى، إنّه ولي ذلك، والقادر عليه.


المقدمة الاولى في أقسام الأرضين

وهى في الأصل على قسمين:

أحدهما:

أرض بلاد الاسلام، وهي على قسمين أيضاً: عامر وموات، فالعامر: ملك لأهله لايجوز التصرّف فيه إلا بإذن مُلاكه. والموات: إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لإمام المسلمين يفعل به ما يَشاء، وليس هذا القسم من محلّ البحث المقصود.

القسم الثاني:

ماليس كذلك، وهوعلى أربعة أقسام:

أحدها: مايملك بالاستغنام ويؤخذ قهراً بالسيف، وهو المسمّى بـ(المفتوح عنوةً).

وهذه الأرض للمسلمين قاطِبةً لايختصّ بها المقاتلة عند أصحابنا كافةَ، خلافاً لبعض العامّة(١) ، ولايفضّلُون فيها على غيرهم، ولايتخيّر الإمام بين قسمتها ووقفها وتقرير أهلها عليها بالخراج، بل يقبلها الإمامعليه‌السلام لمن

____________________

(١) للعامة جملة أقوال:

أحدها: تقسيم الأرض على الغانمين فحسب.

والثاني: تصبح فيئاً للمسلمين دون الغانمين.

والثالث: تخيير الإمام بين قسمتها على الغانمين أوالمسلمين.

كما اختلفوا في تقسيمها بين الغانمين أو وقفها... الخ. انظر تفصيلات ذلك في موسوعة الخراج كتاب: الاستخراج لابن رجب الحنبلي، دار المعرفة بيروت.


يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أوالثُلث اوغير ذالك. وعلى المتقبّل إخراج مال القبالة الذي هوحقّ الرقبة. وفيما يفضل في يده - اذا كان نصاباً - أما العشرأو نصف العشر.

ولا يصحّ التصرّف في هذه الأرض بالبيع والشراء والوقف وغير ذلك.

وللإمامعليه‌السلام أن ينقلها من متقبّلٍ الى آخر، أذا انقضت مدّة القبالة أواقتضت المصلحة ذالك. وله التصرف فيها بحسب مايراه الإمامعليه‌السلام من المصلحة للمسلمين.

وانتفاع الأرض يُصرف إلى المسلمين وإلى مصالحهم، وليسَ للمقاتلة فيه الا مثل مالغيرهم من النصيب في الارتفاع.

وثانيها: أرض مَن أسلم اهلها عليها طوعاً من غير قتال.

وحكمها أن تترك في ايديهم ملكاً لهم يتصرفون فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر انواع التصرّف، إذا قاموا بعمارتها. ويؤخذ منهم العشر أو نصفه زكاةً بالشرائط.

فان تركوا عمارتها اوتركوها خراباً كانت للمسلمين قاطِبة، وجاز للإمامعليه‌السلام ان يقبّلها ممّن يعمّرها بما يراه من النصف أوالثلث أوالربع ونحو ذالك.

وعلى المتقبّل - بعد إخراج حق القبالة، ومؤونة الأرض، مع وجه النصاب - العشر أو نصفه. وللإمامعليه‌السلام أن يعطي اربابها حقّ الرقبة من القبالة، على المشهور.

أفتى به الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) والنهاية(٢) ، وأبو الصلاح(٣) وهو الظاهر

____________________

(١) انظر: حقل الزكاة، ص٢٣٤،٢٣٥ /ج١/المكتبة الرضوية.

(٢) انظر: حقل الزكاة، /ص٢٠١-٢٠٢/ج١/الطبعة المترجمة.

(٣) نقلاً عن المختلف /حقل الزكاة /ص٢٣٢.


من عبارة المحقق نجم الدين في الشرائع(١) ، واختاره العلّامة في المنتهى(٢) والتذكرة(٣) والتحرير(٤) .

وابن حمزة(٥) وابن البرّاج ذهبا إلى أنّها تصير للمسلمين قاطبة وأمرها إلى الإمامعليه‌السلام . وكلام شيخنا في الدروس(٦) قريب من كلامهما فإنه قال: " يقبلها الإمامعليه‌السلام بما يراه ويصرفه في مصالح المسلمين ".

وابن ادريس(٧) منع من ذلك كلّه، وقال: " إنّها باقية على ملك الاول، ولايجوز التصرف فيها إلابإذنه ". وهو متروك.

احتج الشيخ بما رواه صفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر(٨) ، قال: " ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها اهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده واخذ منه العشر مما سقت السماء والأنهار، ونصف العشر ممّا كان بالرُشا فيما عمروه منها، ومالم يعمروه منها أخذه الإمامعليه‌السلام فقبله ممن يعمّره، وكان للمسلمين، وعلى المتقبّلين في حصصهم العشر أو نصف العشر "(٩) .

وفي الصحيح عن احمد بن محمد بن أبى نصر، قال: " ذكرتُ لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام الخراج وما سار به أهل بيته، فقال: العشر ونصف العشر على من أسلم تطوّعاً تركت أرضه في يده، واُخذ منه العشر أو نصف العشر فيها عمّر منها، وما لم يعمر أخذه الوالى فقبّله ممن يعمره وكان للمسلمين، وليس

____________________

(١) انظر: حقل الجهاد /ص٣٢٢/ج١.

(٢) انظر: حقل الجهاد /ص٩٣٥/ج٢.

(٣) انظر: حقل الجهاد /ص٤٢٧/ج١.

(٤) انظر: حقل الجهاد /ص١٤٢.

(٥) انظر " الوسيلة " /حقل الجهاد /ص٧١٧/ " الجوامع الفقهية ".

(٦) نقلاً عن " المختلف " /ص٣٣٢.

(٧) انظر: حقل الجهاد/ص١٦٣ /منشورات صادقي.

(٨) انظر: " السرائر " حقل: احكام الأرضين ص١١٠.

(٩) التهذيب/حقل الخراج/ص١١٨-١١٩/ج ٤/منشورات دار الكتب الاسلامية/ح٣٤١.


فيما كان أقلّ من خمسة أوساق شيء. وما اُخذ بالسيق فذلك للإمامعليه‌السلام يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخيبر "(١) .

واعترض في المختلف(٢) - بأنّ السؤال وقع عن أرض الخراج ولانزاع فيه، بل النزاع في أرض من أسلم أهلها عليها. ثم أجاب بـ: أن الجواب وقع أولاً عن أرض من أسلم أهلها عليها، ثم إنّهعليه‌السلام أجاب عن أرض العنوة.

اذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ العلّامة في المختلف احتج بهاتين الروايتين على مختار الشيخ والجماعة، وهما في الدلالة على مُختار ابن حمزة وابن البرّاج أظهر.

ثم احتجّ لهما برواية(٣) لا تدل على مطلوبها(٤) بل ولا تلتئم مع مقالتهما، وليس لنا في بيان ذلك كثير فائدة. نعم، بمقتضى الروايتين: المتجّة ماذهبا إليه.

وثالثها: أرض الصلح، وهى: كلّ أرض صالح أهلها عليها.

وهى أرض الجزية، فيلزمهم ما يصالحهم الإمام -عليه‌السلام - عليه من

____________________________

(١) التهذيب/حقل الخراج / ص١١٩/ ص٢٤٢ ج٤.

(٢) انظر: حقل الجهاد/ص٢٢٢.

(٣) وهي رواية معاوية بن عمار: " سمعت ابا عبداللّه -عليه‌السلام - يقول: أيما رجل أتى خربة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها، فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضاً لرجل قبّله فغاب عنها وتركها وأخربها ثم جاء بعد يطلبها، فإن الأرض للّه... ".

(٤) يبدو أنّ كلاً من العلّامة وناقده " المؤلف " وقع في نفس التشوّش الذي طبع منهجهما الاستدلالي.

فالمؤلف أحتجّ للطوسي بنفس الروايتين اللتين احتج العلّامة بهما لوجهة نظره ووجهة نظر الطوسي وأبي الصلاح، فيما ذهبوا جميعاً الى أن الأرض التي اسلم اهلها عليه طوعاً: إذا تركوا عمارتها يقبلها الإمام مَن يعمرها ويعطى صاحبها طسقها في حين أن الروايتين لم تتغرّضا للطسق الذي يمنحه الإمام لصاحب الأرض التي تركها.

علماً بأن ثمة رواية ثالثة استشهد بها العلّامة رداً على مختاري ابن حمزة وابن البراج، جاء فيها " قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال فليؤد إليه حقّه "، فيما يمكن ان تشكل مستنداً لوجهة النظر القائلة بالطسق، مع ملاحظة أن الاجابة كانت مطلقة، تتحدث عن الرجل الذي يواجه أرضاً خربة ذات مالك، دون أن تتحدث عن القبالة أونمط المالك، ولكنها قد تصلح قيداً للنصوص المطلقة التي تنفي أحقية المُحيي الأول، بغض النظر عن سببية إحيائه: بأن كانت ممن أسلم أهلها عليها طوعاً وتركها، أوتملكها بأخذ أسباب الملك من بيع أو إرث أوهبة.


نصفٍ أو ثلث أو ربع أو غير ذلك، وليس عليهم شيء سواه.

فإذا أسلم أربابها، كان حكم أرضهم حكم أرض من أسلم طوعاً ابتداءً، ويسقط عنهم الصلح لأنّه جزيه.

ويصح لأربابها التصرّف فيها بالبيع والشراء والهبة وغيرذلك.

وللإمام -عليه‌السلام - أن يزيد وينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها.

ولو باعها المالك من مسلم: صحّ، وانتقل ماعليها الى رقبة البائع وهذا اذا صولحوا على أنّ الأرض لهم.

أما لوصولحوا على أن الأرض للمسلمين وعلى اعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة، عامرها للمسلمين ومواتها للإمام -عليه‌السلام -

ورابعها:

أرض الانفال، وهي: كل أرض انجلى اهلها عنها وتركوها، أوكانت مواتا لغيرمالك فاحييت، أوكانت آجام وغيرها مما لايزرع فاستحدثت مزارع، فإنها للإمام -عليه‌السلام - خاصة لانصيب لأحد معه فيها، وله التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة والقبض، حسب مايراه، وكان له أن يقبلها بما يراه من نصف أوثلث أوربع ويجوز له نزعها من يد متقبلها إذا انقضت مدة القباله، إلا ما اُحييت بعد موتها، فأن من احياها أولى بالتصرف فيها إذا تقبلها بما يتقبلها غيره، فإن ابى كان للإمام نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه، وعلى المتقبل بعدإخرج مال القبالة - فيما يحصل: العشر أو نصفه.


مسائل

الاُولى: تقسيم الأرضين إلى هذه الأقسام الأربعة بعينه موجود في كلام

الشيخ في المبسوط والنهاية، بل تكاد عبارته تطابق العبارة المذكورة هنا. والظاهر أنه لاخلاف بين الأصحاب في ذلك. فقد ذكره كذلك جماعة من المتأخرين كابن ادريس، والمحقق ابن سعيد، والعلّامة في مطوّلاته " كالمنتهى " و " التذكرة "، ومتوسطاته " كالتحرير "، ومختصراته " كالقواعد " و " الارشاد " وكذا شيخنا الشهيد في " الدروس ".

الثانية: قال الشيخ(١) : " كل موضع أوجَبْنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين إذا أخرج الإنسان مؤونته ومؤونة عياله لسنته - وجب عليه فيما بقي بعد ذلك الخمس لأهله " وهو متجه.

الثالثة: مايُؤخذ من هذه الأراضي: إما مقاسمة بالحصّة، اوضريبة تسمي (الخراج)، يُصرف لمن له رقبة تلك الأرض.

فما كان من المفتوح عنوة فمصرفه للمسلمين قاطبةً. وكذا مايَؤخذ من أرض الصلح أعني " الجزية ".

وما يُؤخذ ممّا أسلم أهلها عليها إذا تركوا عمارتها: على ماسبق(٢) .

وما كان من أرض الأنفال: فهو للإمام -عليه‌السلام - وسيأتي تفضيل بعض ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

____________________

(١) انظر: المبسوط /حقل الزكاة /ص٢٢٦/ج١.

(٢) أي: للإمام أن يقبلها شخصاً آخر، ولكن على أن يعطي أربابها حق الرقبة.


المقدمة الثانية في حكم المفتوح عنوة

أعني المأخوذ بالسيف قهراً لأن فيه معني الإذلال، ومنه قوله تعالى: " وعَنَتِ الوجوهُ للحي القيّوم " أي: ذلّت.

وفيه مسائل

الأولى: قد قدّمنا أن هذه الأرض للمسلمين قاطبةً، لايختص بها المقاتلة، لكن إذا كانت محياة وقت الفتح. ولا يصح بيعها - والحالة هذه - ولا وقفها ولا هبتها، بل يصرف الإمام -عليه‌السلام - حاصلها في مصالح المسلمين مثل: سدّ الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر، ويخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الديون وغير ذلك من مصالح المسلمين.

ذهب الى ذلك أصحابنا كافة.

قال الشيخ في " المبسوط "(١) عندما ذكر هذا القسم من الأرضين:

" ويكون للإمام النظر فيها وتقبيلها وتضمنها بماشاء، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وماينوبهم: من سد الثغور ومعونة المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين، وليس للغانمين في هذه الأرض خصوصاً شيء، بل هم والمسلمون سواء، ولايصحّ بيع شيء من هذه الأرضين ولا هبته ولامعاوضته ولا تمليكه ولا وقفه ولا رهنه ولا إجارته ولا إرثه. ولايصح

____________________

(١) انظر: المبسوط/حقل الجهاد/ص٣٤ /ج٢.


أن يبني دوراً ولا منازل ولا مساجد و سقايات، ولا غير ذلك من أنواع التصرّف الذي يتبع الملك. ومتى فعل شيئاً من ذلك كان التصرّف باطلاً، وهو باقٍ على الأصل ".

هذا كلامه -رحمه‌الله - بحروفه. وكلامه في النهاية قريبٌ من ذلك، وكذا كلام ابن ادريس في السرائر.

والذي وقفنا عليه من كلام المتأخرين عن زمان الشيخ -رحمه‌الله - غير مخالف لشيء من ذلك. فهذا العلّامة في كتابه منتهى المطلب وتذكرة الفقهاء والتحرير مصرح بذلك.

قال في " المنتهى "(١) : " قد بيّنا أنّ الأرض المأخوذة عنوة لايختصّ بها الغانمون بل هي للمسلمين قاطبة إن كانت محياة وقت الفتح، ولايصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها، بل يصرف الإمام حاصلها في المصالح مثل: سد الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر، و يخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الدين وغير ذلك من مصالح المسلمين ".

وقد تكرّر في كلامه نحو هذا: قبلُ وبعدُ، وكذا قال في التذكرة والتحرير، فلاحاجة إلى التطويل بايراد عبارته فيهما.

وقد روى الشيخ في التهذيب عن حمّاد بن عيسى، قال:

" رواه بعض أصحابنا عن العبد الصالح أبي الحسن الأول -عليه‌السلام - في حديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة قال: " وليس لمن قاتل شيء من الأرضين وما غلبوا عليه إلا ما احتوى العسكر ". إلى أن قال:

" والأرض التي اُخذت عنوةً بِخَيلٍ وركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمّرها ويحييها، ويقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من

____________________

(١) انظر: حقل الجهاد /ص٩٢٦.


الخراج: النصف أو الثلث أو الثلثان، وعلى قدر ما يكون لهم صالحاً ولايضرّ بهم، فإذا خرج منها نماءٌ بداءً، فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء او سقي سيحاً، و نصف العشر مما سُقي بالدوالي والنواضح، فأخذه الوالي فوجّهه في الوجه الذي وجهه اللّه تعالى له " إلى أن قال: " ويؤخذ بعدُ ما بقي من العشر، فيقسّم بين الوالي و بين شركائه الذين هم عّمال الأرض واكرتها، فيدفع إليهم أنصباءهم على قدر ما صالحهم عليه، ويأخذ الباقي، فيكون ذلك ارزاق أعوانه على دين اللّه، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولاكثير. وله بعد الخمس الأنفال.

والأنفال: كل أرض خربة قد باد اهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيلٍ ولاركاب، ولكن صولحوا عليها وأعطوا بايديهم من غير قتال. وله رؤوس الجبال، وبطون الأودية، والآجام، وكل أرض ميتة لا ربّ لها. وله صوافي الملوك مما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأن الغصب كله مردود. و هو وارث من لا وارث له "(١) الحديث بتمامه.

وهذا الحديث - وإن كان من المراسيل - إلّا أن الأصحاب تلقّوه بالقبول، ولم نجد له راداً، وقد عملوا بمضمونه. واحتجّ به - على ما تضمّن من مسائل هذا الباب - العلّامة في المنتهى وماهذا شأنه فهو حجّة بين الأصحاب، فإن ما فيه من الضعف ينجبر بهذا القدر من الشهرة.

بقي شيء واحد وهو: أنه تضمن وجوب الزكاة قبل حق الأرض، وبعد ذلك يؤخذ حق الأرض. والمشهور بين الأصحاب أنّ الزكاة بعد المؤن. نعم، هو قول الشيخ -رحمه‌الله -.

____________________

(١) انظر: حقل الخمس من التهذيب، ص١٢٨-١٣٠/ج٤/ح٣٦٦.


وروي الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن ابي نصرعن أبي الحسن الرضا -عليه‌السلام - قال:

" ما اُخذ بالسيف فذلك للإمام -عليه‌السلام - يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - بخيبر، قبل أرضها ونخلها، والناس يقولون لاتصحّ قبالة الأرض والنخل، اذا كان البياض أكثر من السواد، وقد قبل رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - خيبر(١) .

وفي معناه: مارواه أيضاً مقطوعاً عن صفوان بن يحي وأحمد بن أبي نصر(٢) .

الثانية: موات هذه الأرض - أعني المفتوحة عنوة - وهو ماكان في وقت الفتح مواتاً للإمام -عليه‌السلام - خاصة(٣) لايجوز لأحد إحياؤه إلا باذنه إن كان ظاهراً. ولو تصرّف فيها متصرف بغير إذنه كان عليه طسقها. وحالة الغيبة: يملكها المحيي من غير إذن.

ويرشد إلى بعض هذه الاحكام ما أوردناه في الحديث السابق عن أبي الحسن الأول -عليه‌السلام -(٤) . وأدل منه مارواه الشيخ في الصحيح عن عمربن يزيد: " أنه سمع رجلاً يسأل الصادق -عليه‌السلام - عن رجل أخذ أرضاً مواتا تركها أهلها فعمّرها وأكرى أنهارها وبَنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً، قال: فقال أبو عبداللّه -عليه‌السلام - : " كان أمير المؤمنين -عليه‌السلام - يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الإمام من أهل بيتي، فإذا ظهر القائم -عليه‌السلام - فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه "(٥) .

____________________

(١) التهذيب: حقل الخراج/ص١١٩/ج٤/ح٣٤٢.

(٢) نفس المصدر/ص١١٨/١١٩/ح٣٤١.

(٣) بصفة انها من "الأنفال" فتخرج عن عموم الأرض المفتوحة عنوة.

(٤) مثل قوله -عليه‌السلام - (وله: بعد الخمس الأنفال: والأنفال: كل أرض خربة باد أهلها) و(كل أرض ميتّة لاربّ لها) وانظر ص٤٧ من هذا الكتاب.

(٥) التهذيب/ حقل الزيادات من الانفال/ص١٤٥/ج٤/ح٤٠٤.


وروى الشيخ عن محمد بن مسلم قال: " سألت ابا عبداللّه -عليه‌السلام - عن الشراء من أرض اليهود والنصارى، فقال: ليس به بأس " إلى أن قال: " وأيّ قوم احيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم احق بها وهي لهم "(١) .

الثالثة: قال الشيخ في النهاية والمبسوط، وكافة الأصحاب: لايجوز بيع هذه ولاهبتها ولاوقفها - كما حكيناه سابقاً - عنهم لأنها أرض المسلمين قاطبةً، فلا يختص بها أحد على وجه التملك لرقبة الأرض، إنما يجوز له التصرف فيها، ويؤدي حق القبالة إلى الإمام -عليه‌السلام -، ويخرج الزكاة مع اجتماع الشرائط. فإذا تصرف فيها أحدٌ بالبناء والغرس صح بيعها، على معنى: أنه يبيع ماله من الآثار وحق الاختصاص بالتصرف لا الرقبة ذاتها لأنها ملك المسلمين قاطبة.

روى الشيخ عن صفوان بن يحيى عن أبي بُردة بن رجاء، قال:

" قلت لأبي عبداللّه -عليه‌السلام -: كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: ومن يبيع ذلك وهي أرض للمسلمين؟! قال: قلت: يبيعها الذي هي في يديه؟ قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثم قال: لابأس، يشتري حقّه منها ويحوّل حق المسلمين عليه، ولعله يكون أقوى عليها وأملك بخراجها منه "(٢) .

وهذا صريح في جواز بيع حقّه، اعني آثار التصرف، ومنع بيع رقبة الأرض. ولانعرف احداً من الأصحاب يخالف مضمون الحديث.

وعن محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبداللّه -عليه‌السلام - عن الشراء من أرض اليهود والنصارى، فقال: ليس به بأس، قد ظهر رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - على أهل خيبر، فَخارجهم على أن يترك الأرضَ بايديهم يعملونها ويعمرونها فلا أرى به بأساً لوأنك اشتريت منها "(٣) الحديث.

وهذا يُراد به ما اريد بالأول من بيع حقه منها، إذ قد صرّح أولاً بأنها ليست

____________________

(١) التهذيب/حقل الأنفال/ص١٤٦/ج٤/ح٤٠٧.

(٢) نفس المصدر/ح٤٠٦.

(٣) نفس المصدر/ح٤٠٧.


ملكاً لهم، وإنما خارجهم النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله - فكيف يتصور منهم بيع الرقبة والحالة هذه؟

وقريب من ذلك ماروى حسناً عن حريز عن أبي عبداللّه -عليه‌السلام - قال:

" سمعته يقول رُفع إلى أمير المؤمنين -عليه‌السلام -: رجلُ مسلم اشترى أرضاً من أراضي الخراج، فقال أمير المؤمنين -عليه‌السلام -: له مالنا، وعليه ما علينا، مسلماً او كافراً، له ما لأهل اللّه وعليه ما عليهم ".(١)

وهذا - في الدلالة - كالأوّل.

وعن حريز عن محمد بن مسلم وعمر بن حنظلة عن أبي عبداللّه -عليه‌السلام - قال:

" سألته عن ذلك، فقال: لابأس بشرائها، فإنها إذا كانت بمنزلة ما في ايديهم يؤدى عنها "(٢) .

وأولى من ذلك ما رواه محمد الحلبي في الصحيح عن أبي عبداللّه -عليه‌السلام - وقد سأله عن السواد ما منزلته؟ فقال:

" هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ولم يُخلَق بَعد.

فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: لايصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين، فإن شاء وليّ الأمر أن يأخذها أخذها. قلنا: فإن أخذها منه؟ قال: يرد إليه رأس ماله، وله ما أكل من علتها بما عمل "(٣) .

وفي التذكرة رواه هكذا، قال: (يود) بالواو بدل الراء من الوداء مجزوماً

____________________

(١) التهذيب: ج٤/ص١٤٧ح٤١١.

(٢) نفس المصدر/ص١٤٧/ح٤٠٨.

(٣) نفس المصدر، حقل: في أحكام الأرضين/ص١٤٧/ج٧/ح٦٥٢.


لأنهُ أمر للغائب محذوف اللام. وما أوردناه أولى.

فان قلت: إذا جوّزتم البيع ونحوه تبعاً لآثار التصرّف، فكيف يجوز لوليّ الأمر أخذها من المشتري، وكيف يردّ رأس ماله، مع أنّه قد أخذ عوضه، أعني تلك الآثار؟

قلتُ: لاريب أنّ وليّ الأمر له أن ينتزع أرض الخراج من يد متقبّلها إذا انقضت مدّة القبالة وإن كان له بها شيء من الآثار فانتزاعها من يدي المشتري أولى بالجواز، وحينئذٍ فله الرجوع برأس ماله لئلا يفوت الثمن والمثمن. لكنّ الذي يردّ الثمن يحتمل أن يكون هو الإمام -عليه‌السلام - لانتزاعه ذلك، ويحتمل أن يكون البائع، لمافي الردّ من الإشعار بسبق الآخذ. وقوله " وله ما أكل " أنّه يريد به المشتري.

وفى معنى هذه الأخبار أخبار اُخر كثيرة، أعرضنا عنها ايثاراً للاختصار.

تنبيهات

الأوّل: قد عرفت أن المفتوحة عنوة لا يصحّ بيع شيء منها ولا وقفه ولاهبته.

قال في المبسوط: " ولايصحّ أن يبني دوراً ولا منازل ولا مساجد وسقايات ولا غير ذلك من أنواع التصرّف الذيي يتبع الملك، ومتى فعل شيئاً من ذلك كان التصرّف باطلاً، وهو باقٍ على الأصل ".

وقد حكينا عبارته قبل ذلك.

وقال ابن إدريس(١) :

" فإن قيل: لما نراكم تبيعون وتشترون وتقفون أرض العراق وقد اُخذت عنوة؟ قلنا: انما نبيع ونقف تصرّفنا فيه وتحجيرنا وبناءنا، فأما نفس الأرض فلا يجوز ذلك فيها ".

____________________

(١) انظر: السرائر/ص١١١.


قال العلّامة في المختلف(١) بعد حكاية ذلك عن ابن إدريس هذا، وهو يشعر بجواز البناء والتصرّف، قال:

" وهو أقرب ".

قلت: هذا واضح لاغبار عليه. يدل عليه ما تقدم من قول الصادق -عليه‌السلام - " اشتر حقّه منها " ، وأنه أثر محترم مملوك لم يخرج عن ملك مالكه بشيء من الأسباب الناقلة، فيكون قابلاً لتعلّق التصرفات به.

ونحوذلك قال في التذكرة(٢) في كتاب البيع فإنه قال:

" لايصح بيع الأرض الخراجية لأنها ملك للمسلمين قاطبة لا يختص بها أحد، نعم يصح بيعها تبعاً لآثار المتصرف ".

وكذا قال في القواعد(٣) والتحرير(٤) .

ثم نعود إلى كلامه في المختلف فإنه قال فيه في آخر المسألة من كتاب البيع:

" ويحمل قول الشيخ على الأرض المحياة دون الموات "

قلت: هذا مشكل لأن المحياة هي التي تتعلق بها هذه الأحكام المذكورة، وأما الموات: فإنها في حال الغيبة مملوكة للمُحيي، ومع وجود الإمام -عليه‌السلام - لايجوز التصرّف فيها إلّا بإذنه، مع أن الحمل لاينُافي ما قرّ به من مختار ابن إدريس لأنّ مراده بأرض العراق: المعمورة المحياة التي فيها: لايجوز بيعها ولاهبتها لانها أرض الخراج.

نعم: يمكن حمل كلام الشيخ -رحمه‌الله - على حال وجود الإمام -عليه‌السلام - وظهوره، لامطلقاً.

الثاني: نفوذ هذه التصرفات التي ذكرناها إنّما هو في حال غيبة الإمام -عليه‌السلام -

____________________

(١) انظر: ص٣٣٣

(٢) انظر ٤٦٥.

(٣) انظر حقل الجهاد/ص١٠٦

(٤) انظر حقل الجهاد/ص١٤٢


اما في حالة ظهوره فلا، لأنه إنما يجوز التصرّف فيها بإذنه. وعلا هذا فلا ينفذ شيء من تصرّفات المتصرّف فيها استقلالاً.

وقد أرشد إلى هذا الحكم كلام الشيخ في " التهذيب "(١) ، فإنه أورد على نفسه سؤالاً وجواباً محصّله - مع رعاية ألفاظه بحسب الإمكان - إنه:

" إذا كان الأمر في أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها وكذا الغنائم و كان حكم الأرضين ما بنيتم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالأئمة -عليه‌السلام -، إما لاختصاصهم بها كالأنفال أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل والتضمين لهم مثل أرض الخراج، فيجب أن لايحلّ لكم منكح، ولايخلص لكم متجر، ولايسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه!!

قيل له: إن الأمر - وإن كان كما ذكرت - من اختصاص الأئمة -عليه‌السلام - بالتصرف في هذه الاشياء، فإنّ هنا طريقاً إلى الخلاص.

ثم اورد الاحاديث التي وردت بالإذن للشيعة قي حقوقهم -عليهم‌السلام - حال الغيبة، ثم قال:

إن قال قائل: إن ما ذكرتموه إنّما يدلّ على إباحة التصرّف في هذه الأرض ولا يدل على صحة تملّكها بالشراء والبيع، ومع عدم صحتها لايصح ما يتفرع عليهما!!

قيل له: قد قسمنا الأرضين على ثلاثة أقسام. أرض يسلم أهلها عليها فهي ملك لهم يتصرّفون فيها، وأرض تؤخذ عنوةً أو يُصالح أهلُها عليها فقد أبحنا شراءها وبيعها لأن لنا في ذلك قسماً لأنها أراضي المسلمين، وهذا القسم أيضاً يصح الشراء والبيع فيه على هذا الوجه، وأما الأنفال وما يجرى مجراها فليس يصحّ تملكها بالشراء، وإنما اُبيح لنا التصرّف حسب.

____________________

(١) انظر حقل الانفال/ص١٤٢-١٤٦/ج٤/تعقيباً على حديث٤٠٥ وما قبله.


ثم استدلّ علىحكم أراضىالخراج بروايته أبي بردة بن رجاء السالفة، الدالّة على جواز بيع آثار التصرّف دون رقبة الأرض.

وهذا كلام واضح السبيل، ووجهه - من حيث المعنى - أنّ التصرّف في المفتوحة عنوة انما يكون بأذن الإمام -عليه‌السلام - وقد حصل منهم الأذن لشيعتهم حال الغيبة فتكون آثار تصرّفهم محترمة بحيث يمكن ترتب البيع ونحوه عليها.

وعبارة شيخنا في " الدروس "(١) أيضاً ترشد إلى ذلك حيث قال:

" ولا يجوز التصرّف في المفتوح عنوة الا باذن الإمام -عليه‌السلام - ، سواء كان بالبيع أو بالوقف أو غيرهما، نعم في حالة الغيبة ينفذ ذلك ".

وأطلق في " المبسوط " أن التصرّف فيها لا ينفذ، أي: لم يقّيد بحال ظهور الإمام -عليه‌السلام - أوعدمه. ثم قال: وقال ابن ادريس: " إنما يباع ويوقف تحجيرنا وبناؤنا وتصرّفنا لانفس الأرض ".

ومراده بذلك أن ابن إدريس ايضاً أطلق جواز التصرّف في مقابل إطلاق " الشيخ " -رحمه‌الله - عدم جوازه. والصواب: التقييد بحال الغيبة، فينفذ، وعدمه بعدمه، وهذا ظاهر بحمد اللّه تعالي.

____________________

(١) انظر: حقل الجهاد/ص١٦٣.


المقدمة الثالثة في بيان أرض الأنفال وحكمها

الأنفال جميع نفل بسكون الفاء وفتحها وهو: الزيادة ومنه: النافلة. والمراد به هنا: كل مايخص الإمام -عليه‌السلام - وقد كانت الأنفال لرسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - في حياته، وهي بعده للإمام القائم مقامه -صلى‌الله‌عليه‌وآله -.

وضابطها: كلّ أرض فتحت من غير ان يوجف عليها بخيل ولاركاب، والأرضون الموات، وتَركَة من لاوارث له من الأهل والقرابات، والآجام، والمفاوز، وبطون الأودية، ورؤوس الجبال، وقطائع الملوك.

وقد تقدم في الحديث السابق الطويل عن أبي الحسن الأول -عليه‌السلام - ذكر ذلك كله(١) . وقدروى الشيخ عن زرارة عن أبي عبداللّه -عليه‌السلام - قال:

قلت له: ماتقول في قول اللّه تعالى: " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال للّه "؟ قال: الأنفال للّه تعالى وللرسول وهي: كل أرض جلا أهلُها من غير أن يحمل عليها بخيل ولارجال ولاركاب، فهي نفل لله وللرسول(٢) .

وعن سماعة بن مهران قال: سألته عن انفال، فقال: كل أرض خربة أو شيء كان للملوك فهو خالص للإمام -عليه‌السلام - ليس للناس فيها سهم. قال: ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولاركاب(٣) .

وفي مرسلة العباس الوراق عن رجل سمّاه عن أبي عبداللّه -عليه‌السلام - قال:

" اذا غزا قومٌ بغير إذن الإمام -عليه‌السلام - فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام -عليه‌السلام - واذا غزوا بإذن الإمام -عليه‌السلام - فغنموا كان الخمس للإمام "(٤) . ومضمون هذه الرواية مشهور بين الأصحاب، مع كونها مرسلة، وجهالة بعض رجال سندها، وعدم إمكان التمسك بظاهرها؛ إذ من غزا بإذن الإمام لايكون خمس غنيمة كلها للإمام -عليه‌السلام -

____________________

(١) انظر ص/٥١-٥٢ من هذا الكتاب.

(٢) التهذيب /حقل الأنفال/ص١٣٢/ج٤/ح٢٦٨.

(٣) نفس المصدر/ص١٣٣/ح٣٧٣.

(٤) نفس الصدر/ص١٣٥/ح٣٧٨.


إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الأرض المعدودة من الأنفال إمّا أن تكون محياة أو مواتاً، وعلى التقديرين، فإمّا أن يكون الواضع يده عليها من الشيعة أولا، فهذه

أربعة أقسام.

وحكمها: أن كلّ ماكان بيد الشيعة من ذلك، فهو حلال عليهم ؛مع اختصاص كلً من الحياة والموالت بحكمه(١) ، لأنّ الأئمة -عليهم‌السلام - أحلّوا ذلك لشيعتهم حال الغيبة. وأمّا غيرهم فإنها عليهم حرام. وان كان لا ينتزع منهم في الحال على الظاهر، حيث انّ المستحق لانتزاعه هو الإمام -عليه‌السلام - فيتوقّف على أمره.

وروى الشيخ عن عمر بن يزيد قال:

رأيت أبا سيّار مسمع بن عبدالملك بالمدينة، و قد كان حمل إلى أبي عبداللّه -عليه‌السلام - مالاً في تلك السنة فردّه عليه، فقلت: لم ردّ عليك ابو عبداللّه -عليه‌السلام - المال الذي حملته إليه ؟فقال: إني قلت حين حملت إليه المال: إني كنت ولّيت الغوص، فاصبت منه أربعمائة ألف درهم، وقد جئتُ بخمسها ثمانين ألف درهم... إلى أن قال: " يا أبا سيّار قد طيبنا لك، فضمّ أليك مالك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون، محلّل لهم ذلك إلي أن يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فإن كسبهم من الأرض حرامٌ عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة "(٢) .

____________________

(١) عبارة المؤلف القائلة باختصاص كل من المحياة والموات بحكمه يكتنفها الغموض فقد سبق للكاتب أن أوضح بأن " الأنفال " للإمام وأنها مباحة للشيعة بحكم أخبار التحليل، وهذا يعني وأنعدام الفارق بين المحياة والموات من الأنفال من حيث التصرّف فيها. ومن الواضح أن الفارق لا تظهر ثمرته إلا في اصطناع بين الأرض المفتوحة عنوة وأرض الأنفال، لأن الأرض المحياة طبيعيا عائدة إما إلى الإمام. أوعائدة إلى المسلمين بناء على القول بأنها داخلة في عموم " كل أرض لارب لها " او عائدة الى المسلمين بناء على القول بدخولها في عموم ملكيّة الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين بل: حتى موات المفتوحة عنوة يسمها طابع التردد المذكور. والمؤلف بصفته قد ردم الفارق بين نمطى الأرض: حينئذٍ كان الأجدر أن يوضع حكم كل من محياة الأنفال ومواتها.

(٢) التهذيب: حقل الأنفال /ص١٤٤/ج٤/ح٤٠٣.


قال في الصحاح: " الطسق ": الوظيفة من خراج الأرض، فارسي معرب.

وعن الحرث بن المغيرة النصري قال:

دخلت على ابي جعفر -عليه‌السلام - فجلست عنده، فأذا نجيّة قد استأذن عليه، فاذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال:

جعلت فداك إني اريد أن أسالك عن مسألة واللّه ما اُريد بها إلا فكاك رقبتي من النار، فكأنه رقّ له فاستوي جالساً فقال:

يانجيّة سلنى فلا تسألني اليوم عن شيء إلا اخبرتك به، قال:

جعلت فدالك ماتقول في فلان وفلان؟ قال:

يانجية، لنا الخمس في كتاب اللّه ولنا الأنفال ولنا صفو المال، وهما واللّه أول من ظلمنا حقنا في كتاب اللّه وأول من حمل الناس على رقابنا، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة لظلمنا أهل البيت، وإنّ الناس ليتقلّبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، فقال نجيّة:

إنا للّه وانا اليه راجعون - ثلاث مرات - هلكنا ورب الكعبة، قال: فرفع فخذه عن الوساة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئاً إلا أنا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول:

اللّهم إنا أحللنا ذلك لشيعتنا. قال: ثم أقبل بوجهه إلينا وقال:

يانجية، ماعلى فطرة ابراهيم -عليه‌السلام - غيرنا وغير شيعتنا.(١) .

وهذان الحديثان ونحوهما من الأحاديث الكثيرة مما لا خلاف في مضمونها بين الأصحاب بلاشك ولامرية، فلاحاجة إلى البحث عن أسنادهما والفحص عن رجالهما، فأن آحاد الاخبار(٢) بين محققىّ الأصحاب والمحصلين منهم إنما

____________________

(١) نفس المصدر: ص١٤٥/ح٤٠٥.

(٢) من الواضح أن " آحاد الاخبار " تشمل كلاً من المعتبر والضعيف، فتقييد الكاتب ملاحظة القرائن بآحاد الأخبار يبدو وكأنه لاضرورة له. الا إذا ذهبنا إلى أن هدف الكاتب هو ان يلمح إلى أن خبر الواحد سواء أ كان مستجمعاً لشروط الاعتبار حسب معايير الحديث او غير مستجمع لها، إنّما يكتسب قيمته بقدر عمل الأصحاب به، سواء أكان ذلك ضعيفاً قد عُمِل به أو معتبراً ولكن هجره الأصحاب.


يكفي حجة إذا انضمّ إليها من المتابعات والشواهد وقرائن الأحوال ما يدلّ على صدقها، فما ظنك باجماع الفرقة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

فان قيل: ما معنى جعل هذه الأشياء في حال الغيبة للشيعة؟ أهي على العموم أو على جهة مخصوصة؟ وعلى تقدير الثاني، فما هذه الجهة؟

قلنا: ليس المراد حلّها على جهة العموم والالزم سقوط حقّهم -عليهم‌السلام - من الخمس حال الغيبة، وهو خلاف مايدلّ عليه أكثر الأصحاب، بل القول به منسوبٌ إلى الشذوذ، بل يلزم منه جواز تناول حقّهم -عليهم‌السلام - والتصرّف فيه، إلى غير ذلك ممّا هو معلوم البطلان، وإنّما المراد إحلال ما لابّد من المناكح والمساكن والمتاجر، لتطيب ولادتِهم ويخرجوا عن الغصب في المسكن والمطعم ونحوهما: وقد عيّن الأصحاب لذلك مواضع بخصوصها في باب الخمس، فلا حاجة إلى ذكرها هاهنا. فاذا كان بيد أحدنا من أرض الأنفال شيء إمّا بالإحياء او الشراء من بعض المتقبّلين ونحو ذلك _كانت عليه حلالاً باحلال الأئمه -عليهم‌السلام -.

فان قيل: ليس على الشيعة في هذا النوع من الأرض خراج، فهل على غيرهم فيه شيء من ذلك ؟

قلنا: لانعرف في ذلك تصريحاً للأصحاب، ولكن قد وقع في الحديث السابق التصريحُ به ووجهه - من حيث المعنى - أنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه، فلا يكون مجاناً.

فإن قيل: هل يجوز لمن استجمع صفات النيابة حال الغيبة جباية شيء من ذلك؟


قلنا: إن ثبت أن جهة نيابته عامة، احتمل ذلك وإلى الآن لم نظفر بشيء فيه(١) وكلام الأصحاب قد يشعر بالعدم، لأن هذا خاصّة الإمام -عليه‌السلام - ، وليس هو كخراج الأرض المفتوحة عنوة، فإن هذا القسم لغيره، كما سيأتي إن شاء اللّه.

فان قيل: فلو استولى سلطان الجور على جباية شيء من خراج هذه الأرضين، اعتقاداً منه أنه يستحقه لزعمه أنه الإمام، فهل يحل تناوله ؟

قلنا: الأحاديث التي تأتي تحل تناول الخارج الذي يأخذه الجائر. وكلام الأصحاب يتناول هذا القسم، وإن كان السابق إلى الأفهام في الخراج ما يؤخذ من المفتوح عنوةً، فلا يبعد الحاقه به(٢) ، ولم أقف على شيء صريح في ذلك سوى إطلاق ما ورد عنهمعليهم‌السلام .

فائدة: لافرق بين غيبة الإمام -عليه‌السلام - وحضوره في زمان التقيّة، لاستوائهما في كونه -عليه‌السلام - موجوداً ممنوعاً من التصرّف. والأخبار وكلام الأصحاب يومئ إلى ذلك، وإباحتهم -عليهم‌السلام - لشيعتهم إنما وقع في زمانهم -عليهم‌السلام - و كذا الأمر بالجمعة وقد احتجّ الأصحاب بذلك، بثبوتهما في زمان الغيبة. وفي الواقع لافرق بينهما.

____________________

(١) بالرغم من أن بعض الفقهاء يحاول أن يميّز بين ملك الإمام وملك المسلمين. بصفة أنّ الأول منهما من الممكن أن يشتثمره الإمام لأفراد باعيانهم، والاخر يصرف في مصالح عامّة، إلا أن هذا الفارق لاشاهد له من النصوص ما دمنا نعرف أن ملكيّة الإمام ليست شخصيّة، بل اعتبار المنصب الرسمي، مما يعني أن الأموال بقسميها موكولة إلى نظره اُصرفت في نطاق أفراد بأعيانهم أو صرفت في مصالح عامة. هذا فضلاً عن أن إشارة الكاتب إلى أن الأنفال من (خاصّة الإمام) لاصلة له بـ(النيابة العامة) التي سوّء الكاتب مشروعيتها في نطاق الخراج المتصل بالأرض المفتوحة عنوة، وتردّد في مشروعيتها بالنسبة الى أرض الأنفال. ففي الحالين، إما أن تكون ثمة قناعة بنيابة القضية أم لا، ولذلك لايظهر أى وجه للفارق الذي اصطنعه الكتاب في هذا الميدان.

(٢) إن عدم استبعاد المؤلف إلحاق الأنفال بالمفتوح عنوة من حيث جباية الخراج، يدلل على ما سبق إن قلناه من عدم الفارق بين نمطي الأرض من حيث صلاحيّة النيابة لها.


المقدمة الرابعة في تعيين ما فتح عنوة من الأرضين

إعلم، أن الذي ذكر الأصحاب من ذلك: " مكّة " زادها اللّه شرفاً، والعراق والشام وخراسان وبعض الأقطار ببلاد العجم.

وقدتقدمَ في بعض الأخبار السابقةَ أنّ البحرين من الأنفال. فأما " مكة " ، فأن للأصحاب - في كونها فتحت عنوة أوصلحاً - خلافاً، أشهره أنها فتحت عنوة.

قال الشيخ في " المبسوط "(١) :

ظاهر المذهب (الأصحاب) أن النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله - فتح مكة عنوة بالسيف، ثم آمنهم بعد ذلك، وإنّما لم يقسم الأرضين والدور لأنها لجميع المسلمين، كما نقول في كل ما يفتح عنوة اذا لم يكن نقله إلى بلد الإسلام، فإنّه يكون للمسلمين قاطبة. ومنَّ النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله - على رجال من المشركين فأطلقهم.

وعندنا: أنّ للإمام -عليه‌السلام - أن يفعل ذلك. وكذلك اموالهم، منَّ عليهم بها.

وقال العلّامة في " التذكرة "(٢) :

____________________

(١) حقل: الجهاد/ص٣٣/ج٢.

(٢) حقل: الجهاد/ص٤٠٨/ج١.


وأمّا أرض مكّة فالظاهر من المذهب أن النبّى -صلى‌الله‌عليه‌وآله - فتحها بالسيف، ثمّ آمنهم بعد ذلك.

وكذا قال في " المنتهى "(١) ونحوه قال في " التحرير "(٢) .

وشيخنا في " الدروس " لم يصرّح بشيء.

واحتجّ " العلّامة " على ذلك بمارواه الجمهور عن النبي -صلى‌الله‌عليه‌وآله - أنّه قال لأهل مكّة:

" ماتروني صانعاً بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخٍ كريم، فقال: أقول لكم كما قال أخي يوسف لإخوته: لاتثريب عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللّه لكُم وَ هُوَ أرحَم الراحِمين إذهبوا فأنتم الطلقاء ".

ومن طريق الخاصّة: بما رواه الشيخ عن صفوان ين يحيى وأحمد بن محمّد ابن أبي نصر، قالا: " ذكرنا له الكوفة " إلى أن قال:

" إنّ أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العشر ونصف الشعر، وإنّ أهل مكّة دخلها رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - عنوة و كان اُسراء في يده فأعتقهم، وقال: اذهبوا أنتم الطلقاء ".

وأجاب عن حجّة القائلين بأنّها فتحت صلحاً حيث إن النبيّ -صلى‌الله‌عليه‌وآله - دخلها بأمان: لما ورد في قصّة العبّاس وأبي سفيان. وقوله -صلى‌الله‌عليه‌وآله - " من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن تعلّق بأستار الكعبة فهو آمن " إلاّ جماعة معيّنين، وأنه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - لم يقسّم أموالهم ولا أراضيهم.

بانه على تقدير تسليم ذلك إنّها لم يقسّم الأرضين والدور لأنها لجميع المسلمين لايختصّ بها الغانمون، على ما تقرّر من الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة،

____________________

(١) حقل: الجهاد/ص٩٣٧.

(٢) حقل: الجهاد/ص١٤٢-١٤٣.


والأموال والأنفس يجوز أن يمنّ عليهم بها مراعاة للمصلحة، لأن للإمام -عليه‌السلام - ان يفعل مثل ذلك.

وهذ قريب من كلام ظاهر " المبسوط ".

وأما أرض العراق التى تسمى بـ أرض السواد وهي المفتوحة من أرض الفُرس في أيام الثاني فلا خلاف فيه أنها فتحت عنوة وأنما سمّيت سواداً لأن الجيش لمّا خرجوا من البادية ورأوا هذه الأرض والتفاف شجرها سمّوها السواد لذلك. كذا ذكره العلّامة -رحمه‌الله - في " المنتهى " و " التذكرة ".

قال في المبسوط(١) وهذه عبارته :

" وأمّا أرض السواد: فهي المغنومة من الفرس التى فتحها عمر، وهي سواد العراق، فلما فتحت بعث عمر عمار بن ياسر أميراً، وابن مسعود قاضياً وولياً على بيت المال، وعثمان بن حنيف ماسحاً، فمسح عثمان الأرض، واختلفو في مبلغها، فقال الساجي:(٢) اثنان وثلاثون ألف جريب، وقال ابوعبيدة: ستة وثلاثون ألف جريب، وهي ما بين عبادان وموصل طولاً، وبين القادسيّة وحلوان عرضاً. ثم ضرب علي كل جريب نخلٍ ثمانية دراهم، والرطبة ستة، والشجرة كذالك، والحنطة أربعة، والشعير درهمين. وكتب ألىعمر فأمضاه.

وروي ان ارتفاعها كانت في عهد عمر، مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان في زمن الحجّاج رجع إلى ثمانية عشرألف ألف، فلما ولّي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول سنة، وفي السنة الثانية بلغ ستين ألف ألف، فقال: لوعشت سنة اُخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر، فمات في تلك السنة. وكذالك أمير المؤمنين -عليه‌السلام - لما افضى الأمر إليه، امضى ذلك لأنه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بماعنده.

____________________

(١) حقل الجهاد/ص٣٣-٣٤/ج٢.

(٢) الساعى(ب).


والذي يقتضيه المذهب: أن هذه الأراضي وغيرها من التى فُتحت عنوة يكون خمسها لأهل الخمس، وأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة الغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء. ويكون للإمام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بماشاء " هذه عبارته بحروفها.

وقال في " المنتهى " وهذه عبارته :

" أرض السواد هي الأرض المفتوحة عنوة من الفرس التى فتحها عمر بن الخطاب، وهي سواد العراق. وحدّه في العرض: من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسيّة المتصل بعذيب من أرض العرب، ومن تخوم الموصل طولاً إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة. فامّا الغربي الذى تليه البصرة فإنما هو اسلامي، مثل شط عثمان بن أبي العاص " الى أن قال:

" وهذه الأرض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطّاب، ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاثة أنفس: عمّار بن ياسر على صلاتهم أميراً وبن مسعود قاضياً، ووالياً علي بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. وفرض لهم في كل يوم شاة، شطرها مع السواقط لعمّار، وشطرها للآخرين، وقال: ماأرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سرع في خرابها. ومسح عثمان أرض الخراج، واختلفوا في مبلغها فقال الساجي(٢) : اثنان وثلاثون ألف جريب وقال ابوعبيدة: ستة وثلاثون ألف ألف. ثم ضرب على كلّ جريب نخلٍ عشرة دراهم، وعلى الكرم ثمانية دراهم وعلى الحنة أربعه دراهم، وعلى الشعير درهمين. ثم كتب بذلك الى عمر فأمضاه. وروي أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان في زمان الحجّاج رجع ألى ثمانيةعشر ألف ألف، فلما ولي عمربن العزيز "... ثم ساق باقىكلام شيخ بحروفه مازاد ولا نقص، وكذا

____________________

(١) حقل: الجهاد/ص٩٣٧.

(٢) الساعي(ب)


أو نحوه صنع في " التذكرة " في باب الجهاد بحروفه.

وأعاد القول بفتح السواد عنوة في باب " إحياء الموات ".

ولم يحضرني وقت كتابة هذه الرسالة - هذا الموضع من كتاب " السرائر " لابن إدريس -رحمه‌الله - لأحكي ما فيه. لكنّه في باب (أحكام الأرضين)(١) من كتاب الزكاة ذكر: أن أرض العراق مفتوحة عنوة، وذكر في أحكامها قريباً من كلام الأصحاب الذي حكيناه.

وروى الشيخ باسناده عن مصعب بن يزيد الأنصاري، وأورده ابن إدريس في " السرائر "، والعلّامة في " المنتهى " قال:(٢)

" استعملني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه‌السلام - على أربعة رساتيق: المدائن: البهقباذات، ونهرسير، ونهرجوير، ونهرالملك، وأمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهماً ونصفاً، وعلى جريب وسط درهماً، وعلى كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم، وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم. وأمرني أن القى على كل نخل شاذ عن القرى لمارة الطريق وابن السبيل ولا أخذ منه شيئاً. وأمرني أن أضع الدهاقين الذين يركبون البراذين ويتختّمون بالذهب على كل رجل منهم ثمانية وأربعين درهماً، وعلى اوساطهم والتجار منهم على كلّ رجل أربعة وعشرين درهماً، وعلى سفلتهم وفقرائهم على كل إنسان منهم قال: وجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم في سنة ".

قال الشيخ:

توظيف الجزية في هذا الخبر لاينافي ما ذكرناه من أن ذلك منوط بما يراه الإمام -عليه‌السلام - من المصلحة، فلا يمنع أن يكون أميرالمؤمنين -عليه‌السلام - رأى المصلحة في ذلك الوقت، و وضع هذا المقدار. وإذا تغيّرت المصلحة الى

____________________

(١) انظر /ص١١١.

(٢) التهذيب/ حقل: الخراج/ ص١١٩-١٢٠/ج٤/ح٣٤٣.


زيادة ونقصان غيّره، وإنما يكون منافياً لو وضع ذلك عليهم ونفى الزيادة عليه والنقصان عنه في جميع الأحوال، وليس ذلك في الخبر.

قلت: ومثله القول فى توظيف الخراج وأنه منوط بالمصلحة وعُرف الزمان كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

وهذا التقدير ليس على سبيل التوظيف بل بحسب مصلحة الوقت.

وأعلم، أن الذى أوردته من لفظ الحديث هو ما أورده الشيخ في " التهذيب " ولكن وجدت نسخته مختلفة العبارة في ايراد الرساتيق المذكورة، ففي بعضها " نهرسيريا " و " نهرجوير " وفي بعضها نهر " بسر " بالباء الموحدة، والسين المهملة المكسورة، ونهر " جوين " بالنون والجيم المفتوحة والياء المثناة من تحت بعد الواو المكسورة، وفي بعضها " جوبر " بالجيم والباء الموحّدة بعد الواو.

وقال ابن ادريس - بعد أن أورد الحديث في " السرائر " - بعطف البهقباذات علىالمدائن بالواو.

ونهر (بسر) بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة والسين غير المعجمة، هي: " المدائن ".

والدليل على ذلك أن الراوي قال: استعملني علىأربعة رساتيق، ثم عدّد خمسة فذكر المدائن ثم ذكر من جملة الخمسة نهر " سير " فعطف على اللفظ دون المعنى، ثم شرع في بيان جواز مثل هذا العطف إلى أن قال:

" فأما البهقباذات فهي ثلاثة: البهقباذ الأعلى وهو ستة طساسيج، ثم ذكر أسماءها، والبهقباذات الأوسط: أربعة طساسيج، ثم ذكر اسماءها، والبهقباذ الاوسط: اربعة طساسيج، وذكر أسماءها، والبهقباذ الأسفل: خمسة طساسيج، وصنع مثل ذلك.

والذي وجدته في نسخ " التهذيب ": المدائن البهقباذات بغير واو، كما وجدته في "المنتهى" حيث اورد الحديث بلفظه.

وروى الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر -عليه‌السلام - قال:


"سألته عن سيرة الإمام -عليه‌السلام - في الأرض التي فتحت عنوة بعد رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - فقال: إن أميرالمؤمنين -عليه‌السلام - قد سار في أهل العراق بسيرة، فهي إمام لسائر الأرضين"(١) .

فان قلت: أليس قد قال الشيخ في "المبسوط " ما صورته:

" وعلى الرواية التي رواها أصحابنا - أن كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الإمام -عليه‌السلام - فغنمت، تكون الغنيمة للإمام خاصّة "(٢) - تكون هذه الأرضون وغيرها - مما فتحت بعد رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - إلاّ ما فتح في أيام أمير المؤمنينعليه‌السلام - إنْ صحّ شيء من ذلك يكون للإمام خاصّة، ويكون من جملة الأنفال التي لا يشركه فيها غيره؟ وهذا الكلام يقتضي أن لاتكون أرض العراق من المفتوح عنوة ؟

قلت: الجواب عن ذلك من وجوه:

الأول: انّ الشيخ -رحمه‌الله - قال هذه على صورة الحكاية، وفتواه ما تقّدم في أوّل الكلام، مع أنّ جميع أصحابنا مصرّحون - في هذا الباب - على ما قاله الشيخ في أول كلامه. و" العلّامة " في " المنتهى " و" التذكرة " انما اورد كلام الشيخ هذا حكايةً وايراداً، بعد أن أفتى بمثل كلامه الأوّل: حيث قال في أوّل كلامه: " وهذه الأرض فتحت عنوة"، ولم يتعرض لما ذكره أخيراً بشيء.

الثاني: انّ الرواية التي أشار اليها الشيخ ضعيفة الإسناد، ومرسلة ومثل هذه كيف يحتجّ به أو يسكن إليه، مع أنّ الظاهر من كلامه في " المنتهى" ضعف العمل بها؟

____________________

(١) التهذيب/حقل: الجزية/ص١١٨/ج٤/ح٣٤٠.

(٢) انظر: حقل الجهاد/ص٣٤/ج٢.


الثالث: انّا لو سلّمنا صحّة الرواية المذكورة، لم يكن فيها دلالة على أنّ أرض العراق فتحت عنوة بغير إذن إمام -عليه‌السلام - فقد سمعنا: أن عمر استشار أمير المؤمنين -عليه‌السلام - في ذلك. وممّا يدل عليه: فعل عمّار، فإنّه من خلصاء أمير المؤمنين -عليه‌السلام - ولولا أمره لما ساغ له الدخول في أمرها.

وممّا يقطع مادة النزاع، ويدفع السؤال. ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمَّد الحلبي قال:

" سُئلَ أبوعبد اللّه -عليه‌السلام - عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لحميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ولمن يُخلقُ بعد، فقلنا: الشبراء من الدهاقين؟ قال: لايصلح إلاّ أن يشتري منهم على أن يُصيّرها للمسلمين "(١) الحديث.

وروى ايضا عن عبدالرحمن بن الحجاج قال:

سألت أبا عبداللّه -عليه‌السلام - عمّا اختلف فيه ابن أبي ليلى وابن شبرمة في السواد وأرضه، فقلت إن ابن أبي ليلى قال: إنهم اذا أسلموا أحرار، ما في أيديهم من ارضهم لهم. وأمّا ابن شبرمة فزعم أنّهم عبيد وأنّ ارضهم التي بأيديهم ليست لهم. فقال: -عليه‌السلام - في الأرض ما قال ابن شبرمة، وقال: في الرجال ما قال ابن أبي ليلى أنهم إذا أسلموا فهم أحرار.(٢)

وهذا قاطع في الدلالة على ما قلناه، لا سيمّا وفتوى الأصحاب وتصريحهم موافق لذلك، فلا مجال للتردّد.

وأما أرض الشام، فقد ذكر - كونها مفتوحة عنوة - بعضُ الأصحاب. وممّن ذكر ذلك " العلّامة " في كتاب " إحياء الموات " من " التذكرة "، لكن لم يذكر أحد حدودها.

____________________

(١) التهذيب/أحكام الأرضين/ص١٤٦/ج٧/ح٦٥٢.

(٢) نفس المصدر/ص١٥٥/ح٦٨٤.


وأمّا البواقي، فذكر حكمها القطب الراوندي في شرح " نهاية " الشيخ وأسند إلى " المبسوط "، هذه عبارته:

" والظاهر - على ما في " مبسوطه " - أنّ الأرضين التي هي من أقصى خراسان إلى كرمان وخوزستان وهمدان وقزوين وما حواليها أخُذَتْ بالسيف ".

هذا ما وجدته فيما حضرني من كتب الأصحاب، واللّه أَعلم بالصواب.

المقدمة الخامسة في تحقيق معنى الخراج وأنه هل يتقدر أم لا

إعلم، أن الخراج هو: ما يضرب على الأرض كالاُجرة لها، وفي معناه المقاسمة غير أن المقاسمة تكون جزءً من حاصل الزرع، والخراج مقدار من النقد يضرب عليها. وهذا هو المراد بـ القبالة والطسق في كلام الفقهاء.

ومرجع ذلك الى نظر الإمام حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين عرفاً، وليس له في نظر الشرع مقدار معّين لا تجوز الزيادة عليه، ولا النقصان منه.

ويدلّ على ذلك وجوه.

الاوّل: أن الخراج و المقاسمة كالاُجرة، وهي منوطة بالعرف، متفاوتة بتفاوت الرغبات. أما الاُولى فلأنها في مقابل منافع الأرض، ولانريد بمشابهتها للاُجرة إلا ذلك. و أما الثانية فظاهرة.

قال العلّامة في " المنتهى "(١) في باب قتال البغاة، في توجيه كلام الشيخ -رحمه‌الله - حيث قال فيها:

لو ادّعى من بيده أرض الخراج - عند المطالبة به بعد زوال يد أهل البغي - اداءه إلى أهل البغي لم يقبل قولهم.

وجهه: أن الخراج معاوضة لأنّه ثمن أو اُجرة فلم يقبل قولهم في أدائه كغيره

____________________

(١) انظر ص٩٨٩.


من المعاوضات.

الثاني: قد سبق في الحديث المرويّ عن أبي الحسن الأول(١) -عليه‌السلام - (وهو الحديث الطويل الذى أخذنا منه موضع الحاجة) ما يدل على ذلك، حيث قال:

" والأرض التي اُخذت عنوة بخيل وركاب فهى موقوفة متروكة في ايدي من يعمرها ويحييها، على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج، النصف او الثلث او الثلثان، وعلى قدر ما يكون صالحاً ولايضرّبهم الحديث ".

وهذا صريح فيما قلناه، فإنّ تنويع الخراج إلى النصف والثلث والثلثين وإناطته بالمصلحه بعد ذلك، صريح في عدم انحصار الأمر في شيء بخصوصه، ولا اعرفُ لهذا رادّاً من الأصحاب.

الثاللث: الاجماع المستفاد من تتبّع كلام من وصل الينا كلامه من الأصحاب، وعدم العثور على مخالف، ولامحكيّاً في كلام المتصدّين لحكاية الخلاف، مشهوراً ونادراً، في مطوّلات كتب المحققين ومختصراتهم.

قال الشيخ في " النهاية "(٢) في حكم الأرض المفتوحة عنوة:

" وكان على الإمام أن يقبّلها من يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع "

وقال في " المبسوط "(٣) في باب حكم الأرضين من كتاب الزكاة في حكم المفتوحة عنوة:

" وعلى الإمام تقبيلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث ".

وقال في كتاب (الجهاد) منه عند ذكر سواد العراق وغيره ممّا فتحت عنوة:

" يكون للإمام النظر فيها وتقبيلها بما شاء ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في

____________________

(١) انظر: ص٤٧- ٤٨ من هذه الرسالة.

(٢) حقل: الزكاة/ص٣١٢/ج١.

(٣) حقل: الزكاة/ص٢٣٥/ج١.


مصالح المسلمين "(١) .

وقال ابن ادريس في " السرائر " - في حكم المفتوحة عنوة -.

" وعلىالإمام أن يقبّلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أوالثلث أوالربع أو غير ذلك "

وقال العلّامة في " المنتهى "(٢) .

" وهذه الأرض المأخوذة بالسيف عنوة يقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف والثلث ".

وقال في " التذكرة ":(٣)

" الأرض المأخوذة بالسيف يقبّلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أوالثلث وغيره "

وقال في " التحرير "(٤) في المفتوحة عنوة:

" ويقبّلها الإمام -عليه‌السلام - لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أوالثلث ".

وقال في " القواعد "(٥) في هذه الباب أيضا:

" ويُقبّلها الإمام لمن يراه بما يراه، حفظاً للمسلمين، ويصرف حاصلها في مصالحهم ".

وقال في " االأرشاد ":

" ويقبلها الإمام ممن يراه بما يراه ".

وقال " المقداد " -رحمه‌الله - في التنقيح - ولم يحضرني عند كتابة هذه الرسالة لأحكي عبارته - لكن حاصل كلامه - فيه على ما أظنّ- : أن مرجع تعيين الخراج إلى العرف، فكلّما يليق بالأرض عرفاً جاز ضربه عليها.

____________________

(١) حقل: احكام الأرضين /ص١١٠

(٢و٣و٤و٥) انظر ص٩٣٥و٤٢٧و١٤٢و١٠٦.


فان قلت: قد صرّحتم أن هذه منوط بنظر الإمام -عليه‌السلام - ورأيه، فكيف يحلّ بدون ذلك؟

قلنا: قد نصّ أئمتنا -عليهم‌السلام - في غير حديث وصرّح اصحابنا كافّة - وسنحكي الأحاديث الواردة وعبارات الأصحاب عن قريب إن شاء اللّه تعالى - بحلّ تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة و وجهه من حيث المعنى واضح لأن الخراج حقّ شرعي منوط تقديره بالمصلحة عرفاً و ارتباطه بنظر الإمامعليه‌السلام ، فإذا تعدّى الجائر في ذلك إلى ما لايجوز له، وعمل ما هو منوط بنظر الإمام -عليه‌السلام - استقلالاً بنفسه، كان الوزر عليه في ارتكاب مالا يجوز له، ولم يكن المأخوذ حراماً، ولامظنّة حرام، لأنه حق شرعي على الزارع، خارج عن ملكه يستحقّه قوم معلومون. وقد رفع أئمتنا -عليهم‌السلام - المنع من طرفهم بالنسبة إلينا، فكيف يحرم؟

قال في " التذكرة " في كتاب " البيع "(١) :

" ما يأخذه الجائر من الغلات باسم " المقاسمة " ومن الأموال باسم " الخراج " عن حقّ الأرض، ومن الأنعام باسم " الزكاة "، يجوز شراؤه واتّهابه و لايحب إعادته على أصحابه وإن عرفوا، لأنّ هذا مال لايملكه الزارع وصاحب الأنعام و الأرض، فانّه حق اللّه تعالى: أخذه غير مستحقه، فبرئت ذمّته وجاز شراؤه".

والحاصل: إن هذا ممّا وردت به النصوص، واجمع عليه الأصحاب بل: المسلمون، فالمنكر له والمنازع فيه مدافع للنصّ منازع للإجماع، فاذا بلغ معه الكلام إلى هذا المقام، فالأولى الاقتصار معه على قول: " سلام ".

فان قلت: فهل يجوز أن يتولّى من له النيابة حال الغيبة ذلك أعني:

____________________

(١) انظر: ص٤٦٥.


الفقيه الجامع للشرائط؟

قلنا: لانعرف للأصحاب في ذلك تصريحاً، ولكن مَن جوَّز للفقهاء - في حال الغيبة - تولي استيفاء الحدود وغير ذلك من توابع منصب الإمامة ينبغي تجويزه لهذا بطريق أولى، لأنّ هذا أقلّ خطراً، لاسيّما واالمستحقّون لذلك موجودون في كل عصر؛ إذ ليس هذا الحق مقصوراً على الغزاة والمجاهدين كما يأتي(١) .

ومن تأمّل في كثير من أحوال الكبراء من علمائنا السالفين مثل السيد الشريف المرتضى علَم الهدى، وأعلم المحققين من المتقدّمين والمتأخرين: نَصير الحق والدين " الطوسي "، وبحر العلوم مفتي العراق جمال الملة والدين: الحسن بن مطهّر، وغيرهم - رضوان اللّه عليهم - نظر متأمّل منصف لم يعترضه الشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المنهج، ويفتحون هذا السبيل، وماكانوا ليودعوابطون كتبهم إلا ما يعتقدون صحته.

___________________________

(١) من الواضح أنّ " النيابة " تتحقق فاعليتها في حالة بسط اليد أي: تمكن الفقيه من ممارسة مسؤولية الحكم في تقديره للخراج وصرفه في مصالح المسلمين إلا في حالة افتراض إمكانية التخلص من دفع الخراج إلى الجائر، وحينئذٍ (مع القول بوجوب الدفع) يصبح موضوع (الخراج) مماثلاً للزكوات والاخماس: من حيث دفعها إلى "الفقيه" أو الإذن منه، أو عدمها: أي الدفع مباشرة الى المستحق: أفراداً كانوا أم جهة عامة.


المقالة في حلّ الخراج في حضور الإمام -عليه‌السلام - وغيبته

أمّا حال حضوره -عليه‌السلام - فلا شك فيه، وليس للنظر فيه مجال. وقد ذكر أصحابنا في مصرف الخراج: أنّ الأرض جعل الإمام منها أرزاق الغزاة والولاة والحكام وسائر وجوه الولايات.

قال الشيخ في المبسوط(١) في فصل " أقسام الغزاة ":

" مايحتاج إليه للكراع وآلات الحرب كان ذلك في بيت المال من أموال المصالح، وكذلك رزق الحكام و ولاية الأحداث والصلات وغيرذلك من وجوه الولايات، فإنهم يعطون من المصالح، و المصالح تخرج من ارتفاع الأراضي المفتوحة عنوة ".

وكذا قال العلّامة حاكياً عن الشيخ كلامه، فلا حاجة إلى التطويل.

وهذا واضح جليّ وليس المقصود بالنظر.

وأما في حال الغيبة: فهو موضع الكلام ومطمح النظر، ولو تأمل المنصف لوجد الأمر فيه أيظاّ بيناً جلياً، فإن هذا النوع من المال مصرفه ما ذكر، ليس للإمام -عليه‌السلام - قليل ولا كثير. وهذه المصارف التي عددناها لم تتعطل كلّها في حال الغيبة وإن تعطّل بعضها.

____________________

(١) انظر: ص٧٤-٧٥/ج٢.


وكون ضرب الخراج وتقبيل الأرضين وأخذه وصرفه موكولاً إلى نظره -عليه‌السلام - لا يقتضي تحريمه حال الغيبة لبقاء الحقّ ووجود المستحق، مع تظافر الأخبار عن الأئمة الأطهار -عليهم‌السلام - وتطابق كلام أجلّة الأصحاب ومتقدّمي السلف ومتأخريهم بالترخيص لشيعة أهل البيت -عليهم‌السلام - في تناول ذلك الغيبة بأمر الجائر.

فاذا انضمّ إلى هذا كله أمر من له النيابة حال الغيبة، كان حقيقاً باندفاع الأوهام واضمحلال الشكوك.

ولنا في الدلالة على ما قلناه مسلكان:

الأول: في الأخبار الواردة عن أهل البيت -عليهم‌السلام - في ذلك، وهي كثيرة:

فمنها: مارواه الشيخ -رحمه‌الله - عن أبي بكر الحضرمي قال:

" دخلت على أبي عبداللّه -عليه‌السلام - وعنده اسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطي الناس ؟ قال ثم قال لي: لم تركت عطاءك؟ قال، قلت: مخافة على دينى. قال: ما متع ابن أبي سماك أن يبعث اليك بعطائك، أما علم أن لك في بيت المال نصيباً؟(١) .

قلت: هذا الخبر نصّ في الباب، فانّه -عليه‌السلام - بيّن للسائل حيث قال: إنه ترك أخذ العطاء للخوف على دينه - أنه لاخوف عليه، فإنّه إنّما يأخذ حقّه، حيث إنه يستحقّ في بيت المال نصيباً.

وقد تقرّر في الاصول تعدّي الحكم بالعلّة المنصوصة.

ومنها: ما رواه أيضاً في الصحيح عن عبدالرحمان الحجاج قال:

____________________

(١) التهذيب/حقل: المكاسب/ص٣٣٦-٣٣٧ ج٦/ح٩٣٣.


" قال لي ابوالحسن الأول -عليه‌السلام - مالك لا تدخل مع عليّ في شراء الطعام انّي أظنك ضيقاً؟ قال، قلت: نعم، فان شئت وسّعت عليّ، قال: اشتره "(١) .

وقد احتجّ به العلّامة في التذكرة على تناول مايأخذ الجائر باسم الخراج والمقاسمة.

ومنها: مارواه أيضاً عن أبي المغزا قال:

" سأل رجل أبا عبداللّه -عليه‌السلام - وأنا عنده فقال: أصلحك اللّه، أمرّ بالعامل فيجيزني بالدراهم، آخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحجّ بها؟ قال: نعم "(٢) .

ومثل هذا من عدة طرق اُخرى.

ومنها: مارواه أيضاً في الصحيح عن جميل بن صالح، قال:

" أرادوا بيع تمرعين أبي زياد، فاردت أن اشتريه، فقلت حتى استأذن أبا عبداللّه -عليه‌السلام - فأمرت مصادفاً فسأله. قال: فقال: قل له يشتره، فان لم يشتره اشتراه غيره "(٣) .

قلت: وقد احتجّ بهذا الحديث لحلّ ذلك " العلّامة " في " المنتهى " وصحّحه.

لكن، قد يُسأل عن قوله: " فإن لم يشتره اشتراه غيره "، فإن شراء الناس للشيء لا مدخلية له في صيرورته حلالاً على تقدير أن يكون حراماً، فأنيّ مناسبة له ليعلّل به؟

ولا يبعد أن يكون ذلك إشاره منه -عليه‌السلام - إلى معنى لطيف وهو:

أنّ كلّ من له دخل في قيام دولة الجور ونفوذ أوامرها وقوة شوكتها وضعف دولة العدل يحرم عليه هذا النوع ونحوه بشراء وغيره، بخلاف مالم يكن كذلك،

____________________

(١) التهذيب: /ص٣٣٦/ح٩٣٢.

(‌٢) نفس المصدر/ص٣٣٨/ح٩٤٢.

(٣) نفس المصدر/ص٣٧٥/ح١٠٩٢.


فإنّ عدم دخوله في شراء هذا كدخوله في أنّه: لايتعطّل أمر دولة الجور أو يتناقض، بل رواجها بحاله. فأشار -عليه‌السلام - بقوله: " إن لم يشتره اشتراه غيره " إلى أنه لامانع له من الشراء أولا دخل له في دولة الجور بتقوية ولا غيره. فإن لم يشتره لم يتفاوت الحال بل يشتريه غيره.

ومنها: ما رواه أيضاً عن إسحاق بن عمّار قال:

" سألته عن الرجال يشتري من العامل وهو يظلم؟!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ قال: يشتري منه مالم يعلم أنه ظلم فيه أحد ".

وهذا الحديث نقلته عن " المنتهى" هكذا، وظنّي أنّه نقله من " التهذيب "(١) .

وبمعناه أحاديث كثيرة.

ومنها: ما رواه أيضاً في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبيدة عن أبي جعفر -عليه‌السلام - قال:

" سألته عن الرجل يشتري من السلطان من إبل الصدَقة وغنمها وهو يعلم أنهم يأخذون منهم اكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال -عليه‌السلام -: ما الابل والغنم إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه. قلت له: فما ترى - من أغنامنا - في متصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا نقول بعناها، فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: إن كان أخذها وعزلها فلا بأس. قلت له: فما ترى في الحنطة والشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا فيأخذ حنطة فيعزل بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام له؟ فقال: اذا كان قد قبضه بكيل وأنتم حضور، فلا بأس بشرائه منه بغير كيل ".(٢)

ومنها: ما رواه الشيخ أيضاً باسناده عن يحيى بن أبي العلا عن أبي عبداللّه -عليه‌السلام - عن أبيه:

____________________

(١) انظر: حقل المكاسب/ص٣٧٥/ج٦/ح١٠٩٣

(٢) نفس المصدر/ص٣٧٥/ح١٠٩٤.


"إنّ الحسن والحسين -عليهما‌السلام - كانا يقبلان جوائز معاوية "(١) .

قلت: قدعلم أن موضع الشبهة حقيق بالاجتناب، والإمام -عليه‌السلام - لايواقعها، وما كان قبولها -عليهما‌السلام - لجوائزه إلا لما لهما من الحقّ بيت المال مع أنّ تَصرَّف معاوية عليه غضب اللّه وسخطه كان بغير رضاً منهما -عليهما‌السلام - فتناولهما حقهما -عليهما‌السلام - المرتب على تصرّفه دليلٌ على جواز ذلك لذوي الحقوق في بيت المال من المؤمنين، نظراً إلى التأسّي.

وقد نبّه " شيخنا " في " الدروس "(٢) على هذا المعنى وفرّق بين الجائزة من الظالم وبين أخذ الحقّ الثابت في بيت المال أصالة. فإن ترك قبول الأول افضل، بخلاف الثاني.

ومثل هذه الاخبار كثير لمن تتّبع ولسنا بصدد ذلك، فانّ في هذا غنية في الدلالة على المطلوب في تتبّع ماسواها.

وكونُ بعضها قد يعتري بعض رجال أسناده طعن أوجهالة، غيرُ قادحٍ في شيء منها بوجه من الوجوه، على أنّ أسانيد كثيرة منها صحيحة، كما قّدمناه. ومع ذلك فإن الأصحاب كلهم أو جلّهم قد أفتوا بمضمونها في كتبهم وعملوا به، فيما بلغنا عنهم.

والخبر الضعيف الإسناد - إذا انجبر الخبر بقول الأصحاب وعملهم - ارتقى إلى مرتبة الصحاح وانتظم في سلك الحجج، واُلحِقَ بالمشهور.

فان قيل: هنا سؤالان.

الأول: إنّ هذه الأخبار تضمّنت حّل الشراء خاصّة، فمن أين ثبت حلّ التناول مطلقاً؟

الثاني: هذه الأخبار إنما دلّت على جواز التناول من الجائر بعد استيلائه وأخذه

____________________

(١) التهذيب /ج٦ ص٣٧٧/ح٩٣٥.

(٢) انظر: ص٢٢٩ من الكتاب المذكور.


فمن أين ثبت حلّ الاستيلاء والأخذ كما يفعله الجائر؟

قلنا: الجواب عن الأوّل، أنّ حلّ الشراء كافٍ في ثبوت المطلوب، لأنّ حلّ الشراء يستلزم حلّ جميع أسباب النقل، كالصلح والهبة، لعدم الفرق، بل الحكم بجواز غير الشراء على ذلك التقدير بطريق أولى لأنّ شروط صحّة الشراء أكثر. وقد صرّح الأصحاب بذلك، بل يستلزم جواز قبول هبته - وهوفي يد وليّ المال - والحوالة به، لما عرفتَ من أنّ ذلك غير مملوك له، بل إنّما هو حقّ تسلّط على تصرّف الغير فيه غير مَن له أهليّة التصرّف.

وقد سوّغ ائمتنا -عليهم‌السلام - ابتناء تملكنا له على ذلك التصرّف غير السائغ لأنّ تحريمهم -عليهم‌السلام - إنما كان من جهتهم -عليهم‌السلام - فاغتفروا لشيعتهم ذلك طلباً لزوال المشقة عنهم، فعليهم - من اللّه - التحية والسلام.

وقد صرّح بذلك بعض الأصحاب، وسنذ كره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا الجواب عن الثاني، فلأنّ الأخذ من الجائر والأخذ بأمره سواء.

على أنّه إذا لوحِظَ أنّ المأخوذ حقٌّ ثبت شرعاً - ليس فيه وجه تحريم ولاجهة غصب ولا قبح، حيث إنّ هذا حق مفروض على هذه الأراضي المحدث عنها. وكونه منوطاً بنظر الإمام -عليه‌السلام - انتفى الحظر اللازم بسببه ترخيص الإمام في تناوله من الجائر - سقط السئوال با لكلية أصلاً ورأساً.

المسلك الثاني: اتفاق الأصحاب على ذلك. وهذه عبارتهم نحكيها شيئاً فشيئاً من كلامهم بعينه من غير تغيير، على حسب ما وقع إلينا من مصنّفاتهم في وقت كتابة هذه الرسالة.

فمن ذلك: كلام شيخ الطائفة و رئيسها وفقيهها ومعتمدها محمّد بن الحسن الطوسي في كتاب " المكاسب " من كتاب " النهاية " وهذا لفظه:

" ولا بأس بشراء الأطعمة وسائر الحبوب والغلات على اختلاف أجناسها من


سلاطين الجور وان علم من أحوالهم أنّهم ياخذون ما لايستحقون ويقبضون ما ليس لهم ما لم يعلم شيئاً من ذلك بعينه غصباً، فإن علم كذلك فلا يتعرّض لذلك، وإمّا ما يأخذونه من الخراج والصدقات - وإن كانوا غير مستحقين لها - جاز شراؤها منهم ".(١)

هذا كلامه.

وقال المحقق نجم الدين في " الشرائع " ما هذا لفظه:

" ما يأخذه السلطان من الغلات: باسم " المقاسمة "، والاموال: باسم " الخراج " عن حقّ الأرض، ومن الانعام: باسم " الزكاة "، يجوز ابتياعه وقبول هبته، ولاتجب اعادته على اربابه وان عرف بعينه ".(٢)

وقال العلّامة -رحمه‌الله - في " المنتهى ":

" يجور للإنسان أن يبتاع ما يأخذه سلطان الجور بشبهة الزكوات من الإبل والبقر والغنم، وما يأخذه عم حقّ الأرض من الخراج، وما يأخذه بشبهة " المقاسمة " من الغلات وان كان غير مستحقٍ لأخذ شيء من ذلك، إلاّ أن يتعيّن له شيء منه بانفراده أنّه غصب، فلا يجوز له أن يبتاعه ".(٣)

ثم احتجّ لذلك برواية جميل بن صالح واسحاق بن عمّار وأبي عبيدة السالفات(٤) إلى أن قال:

" إذا ثبت هذا فإنّه يجوز ابتياع ما يأخذه من الغلات باسم " المقاسمة " أو الأموال باسم " الخراج " عن حقّ الأرض، ومن الأنعام باسم " الزكاة "، وقبول هبته، ولا تجب إعادته على أربابه، وان عرف بعينه دفعاً للضرورة ".

قلت: هذا بعينه هو ماأسلفناه سابقاً.

____________________

(١) انظر: ص٣٦٠/ج٢

(٢) حقل التجارة، ص١٣/ج٢.

(٣) انظر: ص٢٧./ج١.

(٤) انظر: ص٧٨ من هذه الرسالة.


وقال في " التذكرة " ماهذا لفظه:

" ما يأخذه الجائر من الغلات باسم " المقاسمة "، ومن الأموال باسم الخراج عن حق الأرض، ومن الأنعام باسم الزكاة: يجوز شراؤه واتّها به ولا تجب إعادته على أصحابه وإن عرفوا، لأنّ هذا مال لايملكه الزارع وصاحب الأنعام والأرض، فإنّه حق اللّه تعالى، أخذه غير مستحق، فبرئت ذمته وجاز شراؤه "(١) .

ثمّ احتجّ لذلك بخبر أبي عبيدة وعبد الرحمان السالفتين.

وقال في " التحرير ":

" ما يأخذه الظالم بشبهة " الزكاة " من الإبل والبقر والغنم، وما يأخذه عن حقّ الأرض بشبهة " الخراج " وما يأخذه من الغلّات باسم " المقاسمة " حلال وان لم يستحق اخذ ذلك ولاتجب إعادته على أربابه وإن عرفهم إلاّ أن يعلمه في شيء منه بعينه أنه غصب، فلا يجوز له تناوله ولاشراؤه "(٢) .

وقال في " القواعد ":

" والذي يأخذه الجائر في الغلات باسم " المقاسمة "، ومن الأموال باسم " الخراج " عن حقّ الأرض، ومن الأنعام باسم " الزكاة " يجوز شراؤه واتّها به ولا تجب إعادته على أصحابه وان عُرفوا "(٣) .

وفي حواشي شيخنا الشهيد "قدس‌سره " على القواعد، ما صورته:

" وان لم يقبضها الجائر، وكذا ثمرة الكرم والبستان ".

وقال في " الإرشاد " - عطفاً على أشياء ممّا يحل بيعها وتناولها -:

" وما يأخذه الجائر باسم المقاسمة من الغلات، والخراج عن الأرض، والزكاة من الأنعام وإن عرف المالك "

وقال شيخنا الشهيد في " الدروس "(٤) كلاماً في هذا الباب من أجود كلام المحققين، إذا بأملّه المنصف الفطن، علم أنّه يعتقد في الخراج أنه من جملة الأمال

____________________

(١) انظر: ٢ ص٥٨٣/ج١.

(٢) حقل التجارات ص١٦٢

(٣) انظر: ص١٢٢.

(٤) انظر: ص٣٢٩.


الخالية من الشبهة، البعيدة عن الأوهام، حيث ذكر الجوائز وجعل ترك قبولها أفضل، وبالغ في أحكام الخراج بما سنحكيه مفصّلاً، وصورة كلامه:

" يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج والزكاة والمقاسمة، وإن لم يكن مستحقّاً له ".

ثم قال:

" ولايجب ردّ المقاسمة و شبهها على المالك، ولايعتبر رضاه، ولايمنع تظلّمه من الشراء. وكذا لوعلم أنّ العامل يظلم، إلا أن يعلم بعينه.

نعم يكره معاملة الظلمة ولايحرم لقول الصادق -عليه‌السلام -: " كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه "(١)

ولا فرق بين قبض الجائر ايّاه أو وكيله وبين عدم القبض، فلو أحاله بها وقبل الثلاثة أو وكله في قبضها أو باعها وهي في يد المالك أو في ذمته جاز التناول، ويحرم على المالك المنع. وكما يجوز الشراء تجوز سائر المعاوضات والهبة والصدقة والوقف، ولايحلّ تناولها بغير ذلك ".

والمقدادرحمه‌الله في " التنقيح " شرح النافع(٢) أخذ حاصل هذا الكلام، وأورده بصورة الشرح مطوّلاً، ولم يحضرني في وقت نقل كلام الأصحاب سوى هذا المقدار من الكتب فانقل كلام الباقين، لكن فيها أوردناه غنيّة وبلاغ لاُولي الألباب، فإن كلام الباقين لايخرج عن كلام من حكينا كلامهم، إذا لو كان فيهم مخالف لحكاه من عثرنا على مصنفاتهم و اطّلعنا على مذاهبهم، لما علمناه من شدّة حرصهم على ايراد خلاف الفقهاء وان كان ضعيفاً، والإشارة إلى القول الشاذّ وإن كان واهياً فيكون الحكم في ذلك إجماعيّاً.

على أنّه لو كان فيهم مخالف مع وجود فتوى كبراء المتقدّمين والتأخرين

____________________

(١) التهذيب/ج٦/٧٩/ح٣٣٧.

(٢) انظر: ص١٩/ج٢ من الكتاب المذكور.


واستفاضة الأخبارعن أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وصحة طرق كثير منها، واشتهار مضمونها، لم يكن خلافه قادحاً، فكيف والحال كما قد عرفت.

فها نحن قد قررنالك في هذه المسألة، وأوضحنا لك من مشكلاتها ما يجلي صدأ القلوب، ويزيل أذى الصدور، ويرغم اُنوف ذوي الجهل، ويشوّه وجوه اُولي الحسد الذين يعضون الانامل غيظاً وحنقاً، ويلتجئون في تنفيس كربهم إلى التفكّه في الاعراض، والتنبيه على ما يعدونه - بزعمهم - من العورات، ويطعنون بما لايعد طعْناً في الدين، يمهدون بذلك لإنفسهم - في قلوب دهماء العامّة وضعفاء العقول وسفهاء - الأحلام محلاً، ولا يعلمون أنّهم قد هدّموا من دينهم، وأسخطوا اللّه مولاهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

فإن ما أوردناه من الأخبار عن الأئمة الأطهار -عليهم‌السلام - وحكيناه من فقهاء العترة النبويّة المبرّئين من الزيغ والزلل، ان كان حقاً يجب اتّباعه والانقياد له، فناهيك به وكانوا أحقّ بها وبأهلها وأيّ ملامة على من اتّبَعَ الحقّ، وتمسّك بهدي قادة الخلق لولا انعمه عن صوب الصواب، والغشاء عن نور اليقين. وان كان باطلاً ما أثبتناه من الأخبار الكثيرة والأقوال الشهيرة فلا سبيل لنا إلى مخالفتهم وسلوك غير جادّتهم، والحال: أنهم قدوتنا في أصول ديننا وعمدتنا في أركان مذهبنا، وكيف نتّبعهم حيناً ونفارقهم حياً؟ يحلونه عاماً ويحرّمونه عاماً.

شعر:

وما انا إلا من عزية إن غوت

غويت وان ترشد عزيّة أرشد

على أن الحاسد لايرضى وإن قرعت سمعه الآيات، والمغمّض لايبصر وإن أتى بالحجج البّينات ولوراجع عقله وتفكّر لم يجد فرقاً بين حلّ الغنائم وحلّ ما نحن فيه بل هذا إنما هو شعبة من ذاك، فإنّه إذا كان المبيح له والإذن في تناوله واحداً فأيّ مجال للشك وأيّ موضع للطعن لولا عين البغضاء وطوية الشحناء؟

وجدير بمن علم كيف كان طعن الحاسدين وإنكار المغمضين على سيدّ الكونين وإمام الثقلين ونسبتهم إليه الأباطيل وندائهم عليه وندائهم عليه في الأندية بالأفاعيل ممّا يذيب المرائر ويفتّت قلوب ذوي البصائر، أن يهون عليه مثل هذه الأقوال السخيفة والإنكارات الفاسدة.

شعر:

فما في حريم بعدها من تحّرجٍ

ولا هتك ستر بعدها بمحرّم


وما لنا نسمع من خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبارعلمائنا الماضين وسلفنا الصالحين ماهومن جملة الشواهد على ما ندعيه، والدلائل الدّالة على حقيقة ما ننتحيه.

فمن ذلك ما تكرّر سماعنا من أحوال الشريف المرتضى علم الهدى، ذي المجدين أعظم العلماء في زمانه، الفائز بعلوّ المرتبتين في أوانه: عليّ بن الحسين الموسويّ - قدس اللّه سره - فإنّه مع ما اشتهر من جلالة قدره في العلوم وأنّه في المرتبة التي تنقطع أنفاس العلماء على أثرها، وقدا قتدى به كلّ من تأخّر عنه من علماء أصحابنا بلغنا أنّه كان في بعض دول الجور ذاحشمة عظيمة وثروة جسيمة وصورة معجبة، وأنه قد كان له ثمانون قرية. وقد وجدنا في بعض الآثار ذكر بعضها.

وهذا أخوه ذوالفضل الشهير والعلم الغزير والعفّة الهاشميّة والنخوة القرشيّة، السيد الشريف المرضيِّ الرضيِّ - روّحَ اللّه روحه - كان له ثلاث ولايات، ولم يبلغنا عن أحد من صلحاء ذلك العصر الإنكار ولا النقص منهما، ولانسبتهما إلى فعل حرام أو مكروه أوخلاف الأولى، مع أنّ الذين - في هذا العصر - ممّن يزاحم بدعواه الصلحاء لايبلغون درجة أتباع اولئك، والمقتدين بهم.

ومتى خفي شيء، فلا يخفى حال استاذ العلماء المحققّين والسابق في الفضل على المتقدّمين والمتأخرين، نصير الملّة والحق والدين، محمّد ابن الطوسي

- قدّس اللّه نفسه وطيّب رمسه وأنه كان المتولي لاحوال الملك، والقائم بأعمال السلطنة.

هذا وأمثاله إنّما يصدر عن اوامره ونواهيه.

ثم انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخرين، بحرالعلوم، مفتي الفرقة، جمال الملّة والدين، أبي منصور الحسن المطهر - قدس اللّه روحه - وكيف كان ملازمته السلطان المقدّس المبرور(محمد خدا بنده) وأنه كان له عدة قرى، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك مما لو عدّد لطال.


ولو شئت أن أحكي عن أحوال عبداللّه بن عباس وعبداللّه بن جعفر، و كيف كانت أحوالها في دول زمانهما لحكيت شيئاً عظيماً.

بل لو تأمل المتأمّل، الخالي من المرض قلبه، لوَجدَ المربّي للعلماء والمروّج لأحوالهم إنما هو الملوك وأركان دولتهم. ولهذا لمّا قلّت العناية بهم، وانقطع توجّههم بالتربية إليهم ضعفت أحوالهم، وتضعضعت أركانهم، وخليت أندية العلم ومحافله في جميع الأرض.

وليس لأحد من المفتين أن يقول: إنّ هؤلاء أحيوا هذه البلاد، وكانت - قبل - مواتاً، لأنّ هذا معلوم البطلان ببديهة العقل.

أمّا أولاً: فلأنَّ بلاد العراق على ما حكيناه كانت بتمامها معمورة، لم يكن لأحد مجال أن يعمّرَ - في وسط البلاد - قرى متعدّدة، وما كان بين القربتين والبلدين - في البعد - قدر فرسخ إلا نادراً، كيف و مجموع معمورها من الموصل إلى عبّادان ستّة وثلاثون ألف ألف جريب(١) .

____________________

(١) إن تحديد ما هو عامر أو ميت فضلاً عن بعض المواقع التي صولح عليها من الصعب أن يركن إليه الملاحظ في الذهاب إلى أن العراق كان معموراً بتمامه - كما هي وجهة نظر المؤلّف -، أو إلى أنّ التصرّف الذي مارسه الآخرون (ممّن يناقشهم المؤلف) قائم على إحيائهم لأرض ميتة محدودة بشكل يمكن فرزها عن المعمور، أو الميت الذى كان عامراً زمن الفتح، وخاصة إذا عرفنا أن (المورّخين) أشاروا إلى مواقع من " الجنوب " وغيرها ممّا لم تدخل في نطاق " السواد "، فضلاً عن التحديد القائم الذي أشرنا إليه في مقدّمة هذه الرسالة.


واما ثانياً: فلأنّ عمارة القرى أمر عظيم يحتاج إلى زمان طويل وصرف مالٍ جزيل وهم كانوا بعيدين عن هذا الاستعداد، مع هذه التمحّلات - بعد ما تلوناه من كلامهم في أحكام هذه الأرضين واحوال خراجها وحلّ ذلك - من التكلّفات الباردة والاُمور السامجة، نعوذ باللّه من القول بالهوى ومجانبة سبيل الهدى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الخاتمة : في التوابع واللواحق

وفيها مسائل:

الاولى: في أن الخراج ليس من جملة مواضع الشبهات، لأنّا قد قرّرنا فيها قبل أنه من جملة الغنائم إذ هوحقّ الأرض المفتوحة، فحلّها تابع لحلّها بغير تفاوت.

وقد أقمنا الدليل على ذلك، وحكينا ماصدر عن الأصحاب -رحمهم‌الله - فيه، وليس لنا ماينافي ذلك إلا أخذه بأمر سلطان الجور، وهو موقوف على أمر الإمام -عليه‌السلام - ونظره -عليه‌السلام -، وهذا لايصلح للمنافاة، لأن الأئمة -عليهم‌السلام - أباحوا لشيعتهم ذلك حال الغيبة، وأزالوا المانع من جهتهم، فلم يكن فيه شيء يقتضي التنفّر، ولايبعد من رضا اللّه سبحانه و رضاهم، لا سيمّا إذا انضمّ إلى ذلك نظر نائب الغيبة.

وأي فارق بينه وبين ما أحَلوا لشيعتهم حال الغيبة ممّا فيه حقوقهم؟ وهؤلاء الذين يزرون على هذا النوع لايتجنّبون ما فيه حقّهم -عليهم‌السلام -، بل ولا يستطيعون، فإنّ هذه الجواري والعبيد ومتفرّدات الغنائم ومايحصل من البحر بالغوص وغيره لايستطيع أحدٌ الانفكاك منه، وهم لا يتحرّجون من هذا القسم ولا ينفرون منه، و يبالغون في التشنيع على القسم الأول، لما يلحقه من المحرّمات أو مواقع الشبهات، ويجعلون انفسهم في ذلك مقتدى للعامّة، يقتفون آثارهم، ولا يخافون اللّه سبحانه، حيث انّهم قد حرّموا بعض ما أحلّه اللّه، وانكروا بعض


ما علم ثبوته من الدين، وينالون من الأعراض المحّرمة بما هو حرام عليهم، ولافرق في استحقاق المقت من اللّه سبحانه بين استحلال الحرام وبين تحريم الحلال، فإن عُمَر لما أنكر حلّ المتعة مازال الأئمة -عليهم‌السلام - يُنكرون عليه، ويتوجّعون من فعله وافترائه، وحثوا على فعلها، ووعدوا عليها بمضاعفة الثواب: فطماً للنفوس عن متابعته على ضلالة.

والشبهة - انّما سميت شبهة - لأنها موضع الاشتباه، وليس هذا النوع موضعاً للاشتباه كما نقول في أموال الظلمة والعشارين، فإنها مواقع الشبهة ومظانّ الحرمات، فإن الحل والحرمة حكمان شرعيّان، يثبتان وينتفيان بحكم الشارع، فما كان أمرُ الشارع فيه الحلُّ فهو الحلال، وما كان أمره فيه الحرمة فهو الحرام. فالشبهة هي: الحلال بحسب الظاهر ولكنّه مظنّة الحرام في نفس الأمر كما مثلناه في أموال الظلمة.

الثانية: قد عرفت أنّ " الخراج " و " المقاسمة " و " الزكاة " المأخوذة بأمر الجائر أو نائبه حلالٌ تناولها، فهل تكون حلالاً للآخذ مطلقاً حتى لو لم يكن مستحقاً للزكاة ولا ذا نصيب في بيت المال حين وجود الإمام -عليه‌السلام - ؟ أم إنّما يكون حلالاً بشرط الاستحقاق، حتّى أن غير مستحق يجب عليه صرف ذلك الى مستحقيه؟

إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يقتضي الأولّ وتعليلاتهم بأنّ للآخذ نصيباً في بيت المال، وأنّ هذا الحق لله تعالى، يُشعر بالثاني.

وللتوقف فيه مجال، وإن كان ظاهر كلامهم هو الأوّل، لأنّ رفع الضرورة لايكون إلا بالحلّ مطلقاً.

الثالثة: قال في " التحرير ".

" روي عن الصادق -عليه‌السلام - أنّه سُئِلَ عن النزول على أهل الخراج، فقال: ثلاثة أيام.

وعن السخرة في القرى وما يؤخذ من العلوج والاكراد إذا نزلوا في القرى،

قال: ويشترط عليهم ذلك فيما شرطت عليهم من الدراهم والسخرة وما سوى ذلك، وليس لك أن تأخذ متهم شيئاً حتى تشارطهم، وان كان كالمستيقن أنّ من نزل تلك الأرض أو القريه اُخذ منه ذلك".


قلت: الرواية في " التهذيب "(١) وفيها بدل " الأكراد " " الاُكرة " كأنه جمع: " أكار ".

وفي معناها مارواه عن اسماعيل بن الفضل قال:

سألت أبا عبداللّه -عليه‌السلام - عن رجل اشتري أرضاً من أرض الخراج... إلى أن قال: " إن اناساً من أهل الذّمة نزلوها، ألَهُ أن يأخذ منهم اجرة البيوت إذا أدوا جزية رؤوسهم؟ قال: يشارطهم، فما اخذ بعد الشرط فهو حلال "(٢) .

ولكن روي عن عليّ الأزرق، قال: سمعت أبا عبداللّه -عليه‌السلام - يقول:

" أوصى رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - عليّاً -عليه‌السلام - عند موته، فقال: يا عليّ لا يُظلم الفلاحون بحضرتك ولايزاد علي أرض وضعت عليها ولاسخرة على مسلم "(٣) .

وفي معنى ذلك مارواه عن " الحلبي "(٤) عن أبي عبداللّهعليه‌السلام .

الرابعة: روى الشيخ -رحمه‌الله - في " التهذيب " عن عليِّ بن يقطين قال:

" قلت لأبي الحسن الأولعليه‌السلام : ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت لابدّ فاعلاً فاتّقِ أموال الشيعة، قال: فأخبرني علي أن كان يجبيها من الشيعة علانية ويردّها عليهم في السّر "(٥) .

وفي معناه: مارواه الحسن بن الحسين الأنباري عن الرضا -عليه‌السلام - قال:

____________________

(١) حقل: احكام الأرضين/ص١٥٣-١٥٤/ج٧ ح٦٧٨.

(٢) نفس المصدر/ص١٥٤/ح٦٧٩.

(٣) نفس المصدر/ص١٥٤/ح٦٨٠.

(٤) نفس المصدر/ص١٥٤/ح٦٨١.

(٥) نفس المصدر/ص٣٣٥، ج٦ ٩٢٧.


" كتبت إليه أربعة عشرة سنة استأذنه في عمل السلطان، فلما كان في آخر كتبت إليه أذكر أننّي أخاف على خبط عنقي وأنّ السلطان يقول: رافضي، أولسنا نشك في أنّك تركت عمل السلطان للرفض "

فكتب إليه ابوالحسن -عليه‌السلام - :

" فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنّك إِذا وليت عملت في عملك بما أمر رسول اللّه -صلى‌الله‌عليه‌وآله - ثمّ تصير أعوانك وكتابك أهل ملّتك، وإذا صار إِليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين كان ذا بذا، وإلا فلا "(١) .

قلت: في معنى هذين الحديثين أحاديث اُخر، وليس هذا ممّا نحن فيه بشيء، لأنّ موضوع هذا تولي أعمال سلطان الجور وأخذ الجائزة على ذلك، وهذا خارج من بحثنا بالكلية، و ما ورد في الحديث الأول أنّه كان يجبي أموال الشيعة علانية ويردّها عليهم سرّاً، يمكن أن يكون المراد به وجوه الخراج والزكوات والمقاسمات لأنها - وان كانت حقاً عليهم - فليست حقاً للجائر، فلا يجوز جمعها لأجله إلاّ عند الضرورة. لازلنا نسمع من كثير ممن عاصرناهم لاسيّما شيخنا الأعظم الشيخ علي بن هلال - قدس اللّه روحه -، وغالب ظني أنّه بغير واسطة بل بالمشافهة - أنّه لايجوز لمن عليه الخراج والمقاسمة سرقته ولا جحوده ولامنعه، ولاشيئاً منه لأن ذلك حقّ واجب عليه، واللّه سبحانه أعلم بحقائق الاُمور.

* * *

وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام، فلنحمد اللّه الذي وفقنا للتمسّك بعروة عترة النبييّن، النبي المصطفى -صلى‌الله‌عليه‌وآله - وخلاصة [خاصّته](٢) الوصيّ

____________________

(١) التهذيب: ج٦/ص٣٣٥/٩٢٨.

(٢) الموجود فى النسخة (خاصة).


المرتضى، أحد السببين، وثاني الثقلين، وضياء الكونين، وعصمة الخلق في الدارين، وسلوك محجتهم والاستضاءة بانوار حجتهم. ونسأل اللّه - جلّ اسمه - أن يصلي ويسلّم عليهم أجمعين، صلاة يظهر بها شرف مقامهم يوم الدين، وأن يحشرنا في زمرتهم وتحت ألويتهم، ويتوفّانا على حبهم، مقتفين هداهم في صدرهم و وردهم، أن يصفح عن ذنوبنا ويتجاوز عن سيّئاتنا، وللّه الحمد والمنّة أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً...

" فرغ من تأليفها العبد المعترف بذنوبه علي بن عبدالعالي وسط نهار الاثنين تقريباً حادي عشر شهر ربيع الثاني سنة عشر وتسعمائة حامداً ومصلياً على محمد وآله الطيبين الطاهرين ".


السراج الوهاج لدفع عَجَاجِ قاطعةِ اللجِاجِ

تأليف

الشيخ إبراهيم بن سُليمان

" الفاضلِ القَطيفي "


بسم الله الرحمن الرحيم

نبذة من حياة الفاضل القطيفي(ره)

ذكره - أول من ذكره - الحرالعاملي في القسم الثاني من كتابه " أمل الآمل " الذى سماه: " تذكرة المتبحرين في تراجم العلماء المتأخرين " فاكتفى فيه بقوله: إبراهيم ابن سليمان القطيفي، فاضل عالم محدّث، له كتب منها كتاب " الفرقة الناجية " حسن، توفي بالغري، من المتأخرين(١) .

ثمّ ذكره صاحب " الحدائق " في " الكشكول " عن رسالة لبعض فضلاء تلامذة المجلسي، والمقصود به صاحب " رياض العلماء " قال: الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، ثمّ الغروي، ثم الحلي، الامام الفقيه الفاضل، العالم الكامل، المحقق المدقق، المعاصر للشيخ علي الكركي. كان يسكن المشهد المقدس الغروي(٢) .

مشايخه:

قال: والذي يظهر من اجازة الشيخ إبراهيم هذا للمولى شمس الدين محمَّد بن الحسن الاسترآبادي أنه يروي عن الشيخ علي بن هلال (الجزائري) بواسطة واحدة(٣) وقد كتب بخطه الشريف اجازة لتلميذه المير معزّالدين محمّد بن تقي الدين

____________________

(١) أمل الآمل ٨:٢.

(٢) كشكول الشيخ يوسف البحراني ٢٨٩:١ نقلاً عن رياض العلماء للمولى عبدالله الاصفهاني.

(٣) رياض العلماء ١٥:١ عن كشكول البحراني.


الحسيني الاصفهاني، ويظهر من تلك الاجازة أن الشيخ علي بن هلال المذكور كان عّم هذا الشيخ. وكان تاريخ الاجازة: سنة ثمان وعشرين وتسعمائة(١) وقال في الاجازة السابقة: إنّ عدة من الفضلاء أجازوه، ولكن أوثقهم الشيخ إبراهيم بن الحسن بن علي بن هلال الجزائري المذكور(٢) وعليه فالواسطة واسطتان.

ومن مشايخه المحقق الثاني الكركي، فقد انهى صاحب " الكشكول " اجازته الى المترجم عن الكركي(٣) .

تلامذته والراوون عنه:

قال: ويروي عنه أيضاً جماعة من العلماء، كما يظهر ذلك من اجازاته.

منهم: تلميذه السّيد معزّ الدين محمّد بن تقي الدين محمّد الحسيني الاصفهاني، وله منه اجازة تاريخها سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، في المشهد المقدس الغروي، وقد رأيتها بخطه الشريف على ظهر " الشرائع " التي كانت لتلميذه المذكور، وخطه لايخلو من رداءة.

ومنهم أيضاً: السيد شريف الدين الحسيني المرعشي التستري، والد القاضي نوراللّه التستري صاحب " مجالس المؤمنين " على ما صرّح به القاضي نوراللّه في حواشي " المجالس " المذكور(في ترجمة هشام بن سالم).

ومنهم: السّيد الأميرزا نعمة اللّه الحلّي.(٤)

وقد سبق القول عن اجازته للمولى شمس الدين محمّد بن الحسن الاسترآبادي.

واضاف صاحب " الحدائق " في سلسلة اجازته: الشيخ حسين بن عبدالحميد، والمولى كريم الدين الشيرازي عن القطيفي(٥) .

____________________

(١) رياض العلماء ١٧:١، ١٨ عن الكشكول.

(٢) رياض العلماء ١٥:١ عن الكشكول.

(٣) لؤلؤة البحرين: ١٥٩.

(٤) رياض العلماء ١٥:١ وترجم له في روضات الجنات.

(٥) لؤلؤة البحرين: ١٥٩.


وأضاف صاحب " روضات الجنات ": المولى شمس الدين محمّد بن تركي وتاريخ اجازته له سنة خمس عشرة وتسعمائة، بعد سنتين من وروده العراق(١) .

ومنهم: شاه محمود الخليفة الشيرازي(٢) .

مؤلفاته:

١ - أدعية سعة الرزق وقضاء الدين في مجموعة مختصرة الذريعة ٣٩٨:١.

٢ - الأربعون حديثاً- ينقل عنه العلّامة المجلسي في البحار- الذريعة ٤١٠:١.

٣ - تحقيق الفرقة الناجية مرتب على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، أوله: يامن جعل علياً العلي الهادي، الى دين مختاره من الحاضر والبادي... فهذه نفقة صدرت في تحصيل أن الفرقة الناجية عند اللّه هم الشيعة الامامية. وقال في خاتمتها: ولنختم رسالتنا هذه بثلاث فوائد. وبعد الفوائد قال: أحببت تتميم ماأسلفته بأحاديث حسنة لايكاد يظفربها مجتمعة الاقليل من العلماء، وهي مؤكدة لما تقدم من أن الحق انما هو كون الفرقة الناجية شيعة عليعليه‌السلام . ثم أورد ثمانية عشر حديثاً وبها تتم النسخة، كتب في شعبان ١٠٠٦هـ فرغ منه في ٥صفر ٩٤٥هـ - الذرية ١٧٧:١٦.

٤ - تعليقات على الشرائع الذريعة ١٠٦:٦ بعنوان حاشية على الشرائع.

٥ - الثمانية عشر حديثاً، وهي تتمة رسالته السابقه في تحقيق الفرقة الناجية كما مر، وذكرها في الذريعة ١١:٥ بهذا العنوان وذكر لها نسختين احداهما للمرحوم السماوى.

٦ - حاشية الألفية للشهيد الذريعة ٢٢:٦و١٠٧:١١ بعنوان شرح الألفية وقال: أوله: الحمد للّه الذي تفرد بالكبرياء وتوحد بالجلال. فرغ منه نهار الأحد السادس عشر من محرم سنة ٩٣٩ وعناوينه: أقول... رأيت نسخة منه في مكتبة المولى محمّد على الخونساري في النجف الأشرف. وعبّر عنه مؤلفه بالحاشية.

____________________

(١) روضات الجنات ٢٧:١.

(٢) روضات الجنات ٢٩:١.


٧ - الرسالة الحائرية، كما في الذريعة ٤:٦. وسيأتي الحديث عنها.

٨ - الرسالة الرضاعية، في عموم قاعدة التنزيل، ردّاً على المحقق الكركي، ذكرها في الذريعة ١٨٨:١١ وقال: طبعت منضمة الى رضاعيات اُخر بايران، أولها: يامن فطرنا بفطرته...

٩ - رسالة في حرمة صلاة الجمعة في زمن الغيبة مطلقاً، ردّاً على المحقق الكركي في قوله بوجوبها مع وجود المجتهد الجامع لشرائط الفتوى، كما في رياض العلماء والذريعة ٦٢:١٥.

١٠ - رسالة في حرمة السجود على التربة المشوية (المطبوخة) وهي وان لم يذكرها الأفندي في " رياض العلماء " فلم ينقل عنه ولم يذكره البحراني لا في " الكشكول " ولافي " لؤلؤة البحرين " ولا العلّامة الطهراني في " الذريعة " ولكنه ذكر ردّها من شيخه الشيخ الكركي وقال: ردّ فيها على معاصره الشيخ إبراهيم القطيفي المانع منه. فرغ منها ٩٣٣، ونقل ذلك عن " رياض العلماء "(١) .

١١ - الرسالة الصومية - الذريعة ٢٠٤:١١ وقال: هي موجودة في المكتبة الرضوية. ونقل عنها بعض فتاواه الأردبيلي في " شرح الارشاد ".

١٢ - رسالة في شرح عدد (محرمات الذبيحة) كما في الذريعة ١٤٨:٢٠. مختصرة.

١٣ - السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج - وهو هذا الكتاب وسيأتي الكلام عنه.

١٤ - شرح الأسماء الحسنى - الذريعة ٨٨:١٣ وقال: مبسوط طويل الذيل كثير الفوائد، فرغ منه في سنة ٩٣٤هـ، كما في رياض العلماء.

١٥- النجفية في سهو اليومية - مرتبة على مقدمة وبابين وخاتمة أولها: " الحمد للّه الذي اصطفي محمّداً على سائر الأنبياء... اني لم أظفر على مؤلف لظبط

____________________

(١) الذريعة ١٤٨:١٢. وراجع هامش كتاب السرائر الحاوي لابن ادريس طبعة جماعة المدرسين ٣٣:١ .


السهو في الصلاة على انفراد، الا ما ألفه بعض الفضلاء المحقّقين في رسالة تسمي " السهوية " فتأملتها فاذا هي لاتخلو من اضطراب، وسميتها: النجفية في سهو اليومية، الذريعة ٢٢٧:١١. وقال: توجد عند المحدث القمي نسخة عصر المصنف كتب في النجف الأشرف ثم قرئت عليه فكتب الإنهاء: في مجالس آخرها الربع عشر من شهر جمادي الآخرة سنة سبع وعشرين وتسعمائة وفي بعض اجازاته أذن في العمل بخلافياتها مادام حيّاً. والقمي ذكر نسخته في الفوائد الرضوية: ٦.

١٦ - نفحات الفوائد ومفردات الزوائد. وقال فيه: دعاني حب الوحدانية وعزة الجبروتية، وسطوة الالهية وقدرة الفردانية، مما لاتحيط به القوة الامكانية الا بما تلهمه الألطاف الرحمانية في قوله تعالى " لو كان فيهما، آلهة الا اللّه لفسدتا " فانه مّما تحيرت فيه عقول اُولي الألباب وكثر فيه القيل والقال بين حملة الكتاب - حاشا وارث العلم عن الحق الصواب، فانهم الراسخون فيه، والعاملون بتأويل المتشابه وردّه الى المحكم من الخطاب - حتى أن بعض الأفاضل رجّح أن الدليل فيها اقناعي.

وهو تهجّم عظيم على الحضرة الربوبية. وها أنا ذا اسطر ما سنح لي... فرغ منه ١٣ش-وال سنة ٩٤٥ وهي أجوبة لاهي أجوبة لاسئلة افتراضية في الفلسفة الدينية، عناوينها: إن سأل سائل كذا نقول كذا...

١٧ - نوادر الأخبار الطريفة - الذريعة ٣٤٤:٢٤ والظاهر أنها هي الثمانية عشر حديثاً المارّ الذكر.

١٨ - النية - الذريعة ٤٣٩:٢٤ وقال: موجودة في الرضوية وقف سنة ١١٤٥.

١٩ - الهادي الى الرشاد للعلّامة - الذريعة ١٥:٢٥ خرج منه الطهارة وقيل من الصلاة، نسخة منه في الرضوية، واخرى عند السّيد محمّد علي الروحاني باصفهان. وذكره بعنوان حاشية الارشاد للعلامة الذريعة ١١:٦.

٢٠ - واجبات الصوم، أوله: ياولى العناية اجعلنا من أهل عنايتك، منها نسخة في الرضوية كتبت في سنة ١٠٦٧هـ كما في الذريعة ٢:٢٥.ولعلها هي الرسالة الصومية السابقة الذكر.

* * *


الرسالة الحائرية:

نقل اكثر رسائله هذه المرحوم المولى عبداللّه الأفندي في " رياض العلماء " ونقلها عنه صاحب " الحدائق " في " لؤلؤة البحرين " ثمّ قال: والعجب أنه مع كونه يروي عن الشيخ علي الكركي المذكور، كانت له معه معارضات ومناقضات، بل رأيت في كلامه في بعض كتبه مايدل على القدح في فضل الشيخ علي المذكور ونسبته إلى الجهل - كما هو شأن جملة من المعاصرين - حتى أنه ألف في جملة من المسائل في مقابلة رسائل الشيخ علي المذكور ردّاً عليه ونقضاً لما ذكره منها: مسألة حلّ الخراج... ورسالة حرمة الجمعة زمان الغيبة... ورسالة المنزلة في الرضاع... وفي الجميع ما أصاب ولا وافق الصواب.

وقد وقعت بيدي رسالة من رسائله سمّاها بـ" الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية " ذكر في صدر الرسالة المذكورة ما اتفق له مع الشيخ علي في سفره معه للمشهد المقدس الرضوي من المسائل التي نسبه فيها الى الخطأ.

منها: أن العشرة القاطعة لكثرة السفر يشترط فها التتالي أم لا؟ فنسب الى نفسه الأول وإلى الشيخ علي الثاني، وفي هذه المسألة صنّف الرسالة المشار اليها.

ومنها: أنه نقل عنه: أن من لم يجد ساتراً الا جلد الكلب وعليه في نزعه تقية سقط عنه فرض أداء الصلاة. قال: فبالغته في ذلك فأبى الا الاصرار على ماقاله... فاعرضت عنه وحملته على الغفلة وعدم المطالعة.

منها: أنه حكم باستحباب الوضوء المجدّد على من اغتسل غسل الجنابة، وبالغته في ذلك وقلت له: ان المجّدد لا يستحب الا مع سبق وضوء قبله. فقال: وفي غسل الجنابة وضوء ضمناً.

ثم ذكر: " أني دخلت يوماً الى ضريح الرضاعليه‌السلام فوجدته هناك فجلست معه، فاتّفق حضور بغية العلماء الوارثين وزبدة الفضلاء الراسخين جمال الملة والدين. فابتدأ - بحضوره - معرضاً عليّ: لِمَ لَم تقبل جائزة الحكام؟!...

فقلت: لأن التعرض لها مكروه.

فقال: بل واجب أو مستحب.

فطالبته بالدليل.


فاحتج بفعل الحسنعليه‌السلام مع معاوية وقال: ان التأسي إما واجب أو مندوب " على اختلاف المذهبين.

فأجبته عن ذلك واستشهدت بقول الشهيد " رحمه الله تعالى " في " الدروس ":

" ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل، ولا يعارض ذلك أخذ الحسنعليه‌السلام جوائز معاوية، لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة ".

فمنع - أولاً - كون ذلك في " الدروس " ثمّ التزم بالمرجوحية. وعاهد اللّه تعالى هناك أن يقصر كلامه على قصد الاستفادة بالسؤال والافادة بالجواب.

ثم فارقته قاصداً الى المشهد الغروي على احسن الحال.

فلما وصلت تواترت الأخبار عنه من الثقات وغيرهم بما لا يليق بالذكر الى أن انتهى الأمر الى دعواه العلم ونفيه عن غيره. فبذلت وسعي بجميع أنواع الملاطفة في رضاه بالاجتماع للبحث والمذاكرة فأبى ".

وفي آخر الرسالة ذكر ما صورته: " واذ فرغت من هذه فأنا مشتغل بنقض رسالته " الخراجية " وكشف لبْس ما رتّبه فيها من المباحث الاقناعية " وهو مما يقتضى منه العجب العجيب، كما لايخفى على الموافّق الأريب(١) .

وقال قبله المولى عبداللّه الأفندي في " رياض العلماء ": وتكثرت المعارضات بينه وبين الشيخ علي الكركي، حتى أن أكثر الايرادات التي أوردها الشيخ علي في بعض رسائله في الرضاع والخراج وغيرهما ردّ عليه(٢) .

ثّم قال: وقد سمعت من الاستاذ " المجلسي " أيده اللّه - مشافهة - مايدل على القدح في فضله، بل في تديّنه، حيث انه نقل لي: أنه رأى مجموعة بخط الشيخ

____________________

(١) لؤلؤة البحرين: ١٦١-١٦٢.

(٢) رياض العلماء ١٧:١ ولا يخفى أن هذا عكس مامرّ عن صاحب لؤلؤة البحرين، وهوُ وهم غريب أوسهو قلم، فلا ريب أن رسائل القطيفي ردّ على الكركي لا بالعكس.


إبراهيم هذا، وقد ذكر فيها افتراءات على الشيخ علي(١) .

ونقل ذلك صاحب " لؤلؤة البحرين " وقال: ومن وقف على ما نقلناه عن الرسالة المتقدمة، وما حذفناه مما هو من هذا القبيل وأشنع، عرف صحة ما ذكره شيخنا المذكور. ولكن هذه طريقة قد جرى عليها جملة من العلماء من تخطئة بعضهم بعضاً في المسائل، وربما انجرّ الى التجهيل والطعن في العدالة(٢) .

وعليه فصاحب " لؤلؤة البحرين " حمل المجموعة بخط الشيخ إبراهيم هذا التي كانت عند المجلسي على الرسالة الحائرية، وقد مرّ فيما ‎‎ نقل البحراني عنها اعتراض الكركي على القطيفي في حرم الامام الرضاعليه‌السلام : أنه لِمَ لَم يقبل جائزه الحكام؟! ولكن الأفندي نقل الاعتراض هذا هكذا:

" سمعنا من المشايخ أنه كانرحمه‌الله بمشهد الحسينعليه‌السلام أو المشهد الغروي على مشرفه أفضل الصلاة والسلام، واتّفق ورود الشيخ علي المذكور هناك، واجتمعنا خلف القبر المبارك في الرواق. وكان السلطان " الشاه طهماسب " قد أرسل في تلك الأوقات للشيخ إبراهيم المذكور جائزة، وردّها الشيخ... فقال له الشيخ علي: انك أخطأت في ذلك الرد وارتكبت اما محظوراً أو مكروهاً. واستدل على ذلك القول بأن مولانا الحسنعليه‌السلام قد قبل جوائز معاوية، ومتابعته والتأسي به إما واجبة أو مندوبة، وتركها إما حرام أو مكروه كما تحقق في الاُصول، وهذا السلطان لم يكن أنقص درجة من معاوية وأنت لم تكن أعلى رتبة من الحسنعليه‌السلام . وأجابه الشيخ بجواب(٣) .

فترى ما فيه من الفارقات عن واقع اعتراض الكركي وجواب القطيفي عالم يذكره. وعذره في ذلك نقله ذلك بواسطة " المشايخ " ولعله سمعه من شيخه المجلسي نقلاً بالمعنى عن الرسالة الحائرية للقطيفي نفسه. والطريف أن البحراني ابتدأ فنقل ما نقله الأفندي ثمّ نقل ما في الرسالة الحائرية ولم يلتفت الى وحدة القضية

____________________

(١) رياض العلماء ١٩:١.

(٢) لؤلؤة البحرين: ١٦٣.

(٣) رياض العلماء ١٥:١، ١٦.


واختلاف النقل ورجحان النقل المباشر على النقل بالواسطة. ثم انبرى المولى الأفندي لتفنيد اعتراض المحقق الثاني فقال:

" لكن أقول: إن كلام المحقق الثاني تتراء امنه آثار المغالطة:

أما أولاً - فلأن أخذ الحسن جوائز معاوية كان استيفاء لبعض حقوقهعليه‌السلام ، فان الدنيا بما فيها لهم -عليهم‌السلام -، فكيف بما في يد ذلك الطاغى الباغي، فلا تصح المقايسة، ويبطل حديث التأسي لأنه يجب أو يستحب فيها لم يعلم فيه جهة اختصاص، وهو ظاهر.

وأما ثانياً - فلأن باب التقية والضرورة في شأنهعليه‌السلام واضح مفتوح في اخذه تلك الجوائز، لأنه كان قد صالح ظاهراً مع ذلك الملحد تقية لشيعته وحقناً لدم زمره تبعته، فلو لم يقبل الجوائز منه لتخّيل ذلك الشقي أنه لم يقر على عهده وصلحه، ولعله يخطر بباله أنه يريد الخروج عليه ثانياً. وعلى هذا أيضاً فلا وجه للاستدلال بفعله من جهة التأسي.

وأما ثالثاً - فلأن اللّه تعالى يقول: " ولاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار "(١) وأخذ تلك الجوائز من السلطان الجائر مستلزم له البتة، فهو - حينئذٍ - ممنوع، من باب أن مقدمة المحظور محظورة أيضاً اذا كانت مستلزمة له، اذ قل ما ينفك الركون مع الاحسان كما قيل " الانسان عبد الاحسان " خرج عنه ما خرج من وقت الضرورة ونحوها فيبقى الباقي تحت المنع. ومن المعلوم أن ذلك الاحتمال - أعني الضرورة - عن هذا الشيخ مرتفع، على ما صرّح به هو نفسه، فلا وجه لتجويزه له "(٢) .

وقبل أن يحاكم بينهما اعتذر يقول: وأنا أقول: إن كليهما طودا الحلم وعلما العلم ولايليق بمثلي أن يحاكم بينهما(٣) .

يقول هذا وهو بعد ذلك يقول: وقد سمعت عن الاستاذ (المجلسي) أيده اللّه:

____________________

(١) سورة هود:١١٣.

(٢) رياض العلماء ١٦:١، ١٧.

(٣) رياض العلماء١٦:١.


أنه (القطيفي) لم يكن ذا فضل كثير، فليست له مرتبة المعارضة مع الشيخ علي الكركي اذ أين فضله عن فضل الشيخ علي وعلمه وتبحّره(١) فلما ذا عدّهما علما العلم وطودا الحلم؟ لعله لقوله:

"رأيت بخط بعض العلماء أنه حكى عن بعض أهل البحرين في حق الشيخ إبراهيم هذا، " قدس اللّه سرّه " : أن هذا الشيخ قد دخل عليه الامام الحجةعليه‌السلام في صورة رجل يعرفه الشيخ، وسأله: أي الآيات من القرآن في المواعظ أعظم؟ فقال الشيخ: قوله سبحانه: " إن الذين يُلحدون في آياتنا لايخفون علينا، أفمن يلقى في النار خير؟ ام من يأتي آمناً يوم القيامة؟! إعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير "(٢) فقال: صدقت ياشيخ. ثم خرج عنه. فسأل بعض أهل البيت: أخرج فلان ؟ قالوا: ما رأينا أحداً داخلاً ولاخارجاً(٣) على أن المجلسي قد ذكر كتاب الأربعين في عداد مصادر بحاره وتوثيق أصحابها فقال:

" والشيخ إبراهيم القطيفي "رحمه‌الله " كان في غاية الفضل، وكان معاصراً للشيخ نورالدين المروّج " الكركي " وكانت بينهما مناظرات ومباحثات كثيرة "(٤) .

فلا محيص عن التعارض بين القولين، ولا يدرى السابق عن اللاحق.

هذا الكتاب:

قال الأفندي: وقد ألف في كل موضع ألف فيه الشيخ علي الكركي للردّ عليه.

ومن جملة ذلك: الرسالة الخراجية المسماة بـ" السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج " وقد وضعها في حرمة الخراج ردّاً على الشيخ علي في رسالته " قاطعة اللجاج " التي صنّفها في حلّ الخراج(٥) .

أما المؤلف الفاضل القطيفي فقد قال عنها: وإن بعض اخواننا في الدين (يعني المحقق الكركي) قد ألف رسالة في حلّ الخراج وسمّاها " قاطعة اللجاج " وأولى باسمها

____________________

(١) رياض العلماء ١٩:١.

(٢) سورة فصلت :٤٠.

(٣) رياض العلماء ١٨:١.

(٤) بحار الانوار ٤٦:١.

(٥) رياض العلماء ١٧:١.


ان يقال: مثيرة العجاج كثيرة الاعوجاج! ولم اكن ظفرت بها منذ ألفها إلا مرة واحدة في بلد " سمنان " وما تأملتها إلّا كجلسة العجلان. وأشار اليّ من يجب طاعته بنقضها ليتخلّق من رآها من الناس برفضها، فاعتذرت بأعذار لانذكر الآن. وما بلغت منها حقيقة تعريضية - بل تصريحية - بأنواع التشنيع ومخالفته في ذلك.

فلما تامّلته الآن مع علمي بأن ما فيها أوهى من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادها ساكب، وهو مع ذلك لايألو جهداً بأنواع التعريض - بل التصريح - بما يكاد يخفى مقصده فيه على أهل البصائر، ومن هو على حقائق أعوار المقاصد عائر...

فاستخرت اللّه تعالى على نقضها وابانة ما فيها من الخلل والزلل، ليعرف أرباب النظر من أهل العلم والعمل الحق فيتبعوه، والباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك...

فألفت هذه الرسالة وجعلتها واضحة الدلالة، وسميتها " السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج " ومن اللّه تقدس اسمه اسأل العصمة في المقاصد والمصادر والموارد(١) .

والمقصود من حلّ الخراج ما قاله المحقق الكركي في مقدمة كتابه: وفي حال غيبتهعليه‌السلام قد أذن ائمتناعليهم‌السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور، كما سنذكره مفصّلاً.(٢)

والظاهر أن مقصوده من ذلك هو ما قاله بشأنه صاحب " رياض العلماء " :

" ويلوح من بعض التواريخ الفارسية: أن الشيخ علي الكركي هذا قد دخل بلاد العجم في زمن سلطنة السلطان الشاه إسماعيل، وأن الشيخ علي المذكور دخل الى " هراة " بعد دخول السلطان الشاه إسماعيل المذكور اليها في سنة غلبة السلطان المذكور على ملك الاوزبك: شاه بيك خان"(٣) .

____________________

(١) مقدمة الكتاب.

(٢) مقدمة الكتاب.

(٣) رياض العلماء: ٤٤١:٣.


وقال: " واتصل بصحبة السلطان (الشاه طهماسب الصفوي ثاني سلاطين الصفوية) فكان معظماً مبجلاً في الغاية عند ذلك السلطان وقد عيّن له وظائف وادارات كثيرة، حتى أنه قرر له سبعمائة توماناً في كل سنة بعنوان " السيورغال " في بلاد عراق العرب، وكتب في ذلك حكماً وذكر فيه اسمه في نهاية الاجلال والاعظام "(١) .

وقال: وقد كان هذا الشيخ معظماً عند السلطان الشاه الطهماسب في الغاية، وأعطاه وظائف " وسيورغالات " وادارات ببلاد عراق العرب، وقد نصبه حاكماً في الامور الشرعية بجميع بلاد ايران، وأعطاه في ذلك الباب حكماً وكتاباً يقضي منه العجب، لغاية مراعاة ذلك السلطان لأدبه في ذلك الكتاب، ولما كان ذلك المكتوب مشتملاً على مطالب جليلة دعانى ذلك الى ايراد صورة ذلك الحكم والكتاب في هذا الموضع من هذا الكتاب، وكان صدره هكذا: بسم اللّه الرحمن الرحيم(٢) يامحمّد وياعليّ...(٣) .

فكأن اقطاع السلطان الصفوي هذه الخراجات لهذا الشيخ هو الذي أثار الضجة، فكتب الشيخ ردّاً عليهم " قاطعة اللجاج في تحقيق حّل الخراج " فردّه القطيفي بكتابه: " السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج ".

وقد مرّ في ترجمة شيخه الكركي، أن العلّامة الطهراني يؤرخ فراغ الكركي من تأليفه رسالة الخراجية بسنة ٩١٦(٤) ويؤرخ فراغ الفاضل القطيفي من رسالته الرّدية: " السراج الوهاج " بسنة ٩٢٤(٥) فالفاصل بينهما ثمان سنين، وكجواب عن هذه الفترة الفاصلة قال القطيفي في مقدمته:

" ولم اكن ظفرت بها منذ ألفها إلا مرة واحدة في بلد " سمنان " وما تأمّلتها إلا كجلسة العجلان ، وأشار إليّ من يجب طاعته بنقضها ليتخلّق من رآها من

____________________

(١) رياض العلماء ٤٤١:٣.

(٢) رياض العلماء ٤٥٠:٣.

(٣) رياض العلماء ٤٥٥:٣-٤٦٠.

(٤) الذريعة ٧:١٧ عن نسخة رآها في مكتبة المجلس بطهران.

(٥) الذريعة ١٦٤:١٢ بلا مصدر.


الناس برفضها، فاعتذرت... وما بلغت (حينئذٍ) منها حقيقة تعريضية بل تصريحية بأنواع التشنيع، فلما تأمّلته الآن مع علمي بأنّ ما فيها أوهى من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادّها ساكب، وهو مع ذلك لا يألو جهداً بأنواع التعريض بل التصريح... فاستخرت اللّه على نقضها وابانة ما فيها من الخلل والزلل، ليعرف أرباب النظر من أهل العلم والعمل الحق فيتبعوه، والباطل فيجتنبوه، فخرج الامر بذلك، فامتثلت... "(١)

أما قبل هذا فقد كان الفاضل القطيفي من تلامذته والمستجيزين منه الحديث كما مرّ عن صاحب " الحدائق "(٢) ولذلك قال فيه: " والعجب أنه مع كونه يروي عن الشيخ الكركي كانت له معه معارضات ومناقضات... وقد وقعت بيدي رسالة من رسائله سمّاها بـ" الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية " ذكر في صدر الرسالة المذكورة ما اتفق له مع الشيخ علي في سفره معه للمشهد المقدس الرضوي من المسائل التي نسبه فيها الى الخطأ... الى أن قال: ثم فارقته قاصداً المشهد الغروي على أحسن الحال. فلما وصلت تواترت الأخبار عنه من الثقات وغيرهم بما لايليق بالذكر، الى أن انتهى الأمرالى دعواه العلم ونفيه عن غيره.

فبذلت وسعي - بجميع أنواع الملاطفة - في (طلب) رضاه بالاجتماع للبحث والمذاكرة، فأبى... ".

وذكر في آخر الرسالة ما صورته: " واذ فرغت من هذه فأنا مشتغل بنقض رسالته " الخراجية " وكشف لبْس ما رتّبه فيها من المباحث الاقناعية " وهو مما يقضى منه العجب العجيب، كما لايخفى ذلك على الموفق الأريب "(٣) .

تحدّيه شيخه بمناظرته:

أما قوله: " فبذلت وُسعى - بجميع أنواع الملاطفة - في (طلب) رضاه بالاجتماع

____________________

(١) مقدمة الكتاب للقطيفي.

(٢) لؤلؤة البحرين: ١٥٩.

(٣) لؤلؤة البحرين: ١٦١-١٦٣.


للبحث والمذاكرة، فأبي... ".

فقد نقله المولى عبداللّه الاصفهاني في " رياض العلماء " عن حسن بَيك روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا في تاريخه بالفارسية " أحسن التواريخ " ما معناه: ان الشيخ إبراهيم القطيفي لما خاصم الشيخ علي الكركي رجع الأمير نعمة اللّه الحلي - الذي كان من تلامذة الشيخ علي الكركي - رجع عنه واتصل بالشيخ إبراهيم القطيفي مع جماعة من العلماء في ذلك العصر: كالمولى حسين الأردبيلي والمولى حسين القاضي مسافر - المولى حسين - وغير هم ممن كان بينهم وبين الشيخ علي كدورة، ودفع الأمير نعمة اللّه الحلّي مع الجماعة من العلماء دفعوا الشيخ إبراهيم القطيفي على أن يباحث مع الشيخ علي الكركي في مجلس السلطان الشاه طهماسب في مسألة صلاة الجمعة، ووعده ذلك الجمع من العلماء أن يعاونوه في البحث في المجلس، وكان يعاونهم في ذلك جماعة من الأمراء أيضاً، عداوةً للشيخ علي(!) ولكن لم يتّفق هذا المقصود ولم ينعقد ذلك أصلاً(١) .

وعلق السيد الأمين العاملي على هذه المواقف للفاضل القطيفي في مواجهة شيخه المحقق الكركي يقول: ان العالم اذا تورّع عن جوائز الملوك وتنزه عنها وتجنب الانحياز اليهم توّرعاً، فلا لوم عليه ولا يقدح ذلك فيه، بل هو طريق السلامة.

ولكن اللوم على القطيفي في قدحه في الشيخ واطالته لسانه عليه مع جلالة قدره وعظم محله في العلم، وكون القطيفي ليس من رجاله، فان من توّرع عن جوائز الملوك لايجوز له القدح فيمن يأخذها، لوجوب حمل فعله على الصحة، لاسيما اذا كان من أجلاء العلماء كالمحقق الكركي(٢) .

ولا شبهة في تقدم الشيخ علي عليه في العلم والتحقيق والتبحّر، كما لاشك في أن الشيخ علي أبعد غوراً وأصحّ رأياً وأقوى سياسة في قبوله جائزة الشاه طهماسب ومخالطته لملوك الصفوية ، وأنّ في ردّ القطيفي لجائزة الشاه لنوع جمود(٣) .

____________________

(١) رياض العلماء ٤٥٢:٣.

(٢) أعيان الشيعة ١٤٣:٢.

(٣) أعيان الشيعة ١٤٢:٢.


وقال: في أحواله: قدم من القطيف الى العراق وسكن النجف، وتوفي فيه ، ولم أقف علي تاريخ وفاته، لكنّة كان حياً سنة ٩٤٤(١) وهي تاريخ اجازته الكبيرة للسيد شريف الدين الحسيني المرعشي الشوشتري والد القاضي نوراللّه الشوشتري صاحب " مجالس المؤمنين "(٢) .

____________________

(١) أعيان الشيعة ١٤١:٢.

(٢) أعيان الشيعة ١٤٣:٢.


بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذّي يسّرمعرفة اليقين فظهرت للعارفين حقائقه، وأوضح لطلاّبه أعلامه وبانت للمساكين طرائقه، الذي يقذف با لحقّ على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق(١) ، والصلاة على المختار للهداية فهو قائد الخير وسائقه، محمّد المصطفى الذي صفت جميع صفاته وخلائقه، وعلى أخيه الذي جعل سيفاً لنبوّته فهو مؤازره وموافقه، ذلك أمير المؤمنين حقّاً المميّز به صادق عهد اللّه ومدافعه، صلّى اللّه عليهما وعلى آلهما الذين هم سوابق الفضل ولواحقه.

وبعد؛ فيقول الفقير الى اللّه المنّان إبراهيم بن سليمان: إن الزمان وإن تفاقمت(٢) ضلالته وبعدت هدايته، ورجع القهقرى على عقبه وأقعى(٣) إقعاء الكلب على ذنبه، وكلح(٤) منه لاّهل الفضل ناباً وفتح لهم من مضلّات الفتن باباً، ونادى بخدّامه في الشهوات الذين ارتكبتهمّ الغفلة والهفوات: هلمّوا الى بقية اللّه للدين وحَفَظة الحجج والبراهين، فلا يبقوا لهم من الناس داراً ولا في عمران الأرض آثاراً، فإن وليّ النعم ودافع النقم ممد لأوليائه بالارقاد وهو القاهر

____________________

(١) اقتباس من آية١٨ - سورة الأنبياء - أولّها: بل نقذف با لحق فيد مغه....

(٢) فَقِمَ الأمر: عظم ولم يجرِ على استواء.

(٣) أقْعَى الكلب : جلس على استه*.

(٤) كلح: هو من الكلوح وهو الذي قصرت شفتاه عن أسنانه...

* الإقعاء: أن يضع الرجل اليتيه على عقبيه في تشهديه. (معاني الاخبار باب معنى الاقعاء ص٣٠٠).


بقدرته في سمائه وأرضه فوق العباد، وقد صرّح عنه بكلامه فصيح المنادي، فأسمع من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد من الحاظر والبادي " ألم تَر َكيف فَعَل رَبُك بعاد * إرَمَ ذاتِ العمادِ * التي لم يُخلَق مِثلُها في البلاد * وثمودَ الذين جابوا الصخر بالوادِ * وفرعون ذي الأوتادِ * الذين طغوا في البلادِ * فأكثروا فيها الفسادَ * فصبَّ عليهِم ربُك سوطَ عذابٍ * إنّ ربَّك لبالمرصاد "(١) و" إنّا لَنَنصُرُ رُسُلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويومَ يقومُ الأشهاد "(٢) .

هذا وأن بعض إخواننا في الدين قد ألفّ رسالة في حلّ الخراج وسمّاها " قاطعة اللجاج " وأولى باسمها أن يقال: مثيرة الهجاج كثيرة الاعوجاج، ولم أكن ظفرت بها منذ ألّفها إلاّ مّرة واحدة في بلد سمنان، وما تأمّلتها إلا كجلسة العجلان، فأشارإليّ من يجب طاعته بنقضها ليتخلّق من رآها من الناس برفضها، فاعتذرت بأعذار لانذكر(٣) الآن، وما بلغت منها حقيقة تعريضية بل تصريحية بأنواع التشنيع ومخالفته في ذلك، فلمّا تأمّلته الآن مع علمي بأن ما فيها أو هى من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادّها ساكب، وهو مع ذلك لايألو جُهداً بأنواع التعريض بل التصريح بما يكاد يخفي مقصده فيه على أهل البصائر، ومن هو على حقائق أعوار المقاصد عاثر، لكن المرء المؤمن يسلّي نفسه بالخبر المنقول عن أهل المآثرعليهم‌السلام : لا يخلو المؤمن من خمس - الى أن قال -: وهو مؤمن يؤذيه، فقيل: مؤمن يؤذيه! قال: نعم وهو شرّهم عليه لأنّه يقول فيه فيصدّق(٤) وفي قوله تعالى " وإن تَصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك منِ عزم الاُمور "(٥) .

____________________

(١) الفجر: ٦-١٤.

(٢) غافر: ٥١.

(٣) الصحيح " لانذكرها ".

(٤) مشكاة الانوار ص ٢٨٥ - الفصل الخامس - في ذكر ما جاء في المؤمن وما يلقى من أذى الناس وبعضهم إياه وفيه لا ينفك المؤمن من خصال اربع: من جار يؤذيه وشيطان يغويه ومنافق يقفو أثره ومؤمن يحسده قال سماعة: قلت جعلت فداك مؤمن يحسده قال يا سماعة اما انه اشدهم عليه قلت وكيف ذلك؟ قال لأنه يقول فيه فيصدق عليه.

(٥) آل عمران: ١٨٦.


وقوله " وإن تَصبِروا وتتّقوا لا يضرُّكم كيدُهم شيئاً إن اللّه بما يعملون محيط "(١) اتمّ دلالةً وسلوى، وقد حسن بي أن أتمثّل بقول عنترة العبسي:

ولقد خشيت بأن أموت ولا أرى

للحرب دائرة با بني ضمضمي

شاتمي عرضي ولم اشتمهم

والناذرين اذا لم ألقهما ذمي

فا ستخرت اللّه تعالى على نقضها وابانة ما فيها من الخلل والزلل، ليعرف أرباب النظر من أهل العلم والعمل الحّق فيتّبعوه والباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك، فامتثلتُ قائلاً من قريحتي الفاترة على البديهة الحاضرة ثلاثة أبيات:

فشمّرت عن ساق الحميّة معرباً

لتمزيقها تمزيق أيدي بني سبا

وتفريقها تفريق غيم تقيّضت

له ريح خسف صيرت جمعه هبا

أبى اللّه أن يبقى ملاذ العاقل

كذاك الذي للّه يفعل قدأبى

فألّفت هذه الرسالة وجعلتها واضحة الدلالة وسمّيتها " السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج " ومن اللّه تقدّس اسمه أسأل العصمة في المقاصد والمصادر والموارد ولاقّدم على المقصود بالذات من النقض فوائد:

الفائدة الاُولى

قال العلّامة في تحريره : فصل ، ويحرم كتمان الفقه والعلم(٢) قال اللّه تعالى " إن الذين يكتُمون ما أنزلنا من البيّنات والهُدى مِن بعدِ ما بيّنّاهُ للناسِ في الكتاب اُولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون "(٣) . وقال: " إنّ الذين يكتمون ما انزل اللّه من الكتاب ويشترون به ثمَناً قليلاً اُولئك ما يأكُلون في بُطونهم إلا النار ".(٤) وقال -عليه‌السلام -: من كتم علماً ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من النار "(٥) وقال : -عليه‌السلام - أذا ظهرت البدع في اُمّتي فَليُظهر العالم علمه فمن لم

____________________

(١) آل عمران: ١٢٠.

(٢) الحرير الأحكام: ج١ ص٣ الطبعة الحجرية وفيه " يحرم كتمان العلم والفقه...".

(٣) البقره : ١٥٩.

(٥) بحار الانوار: ج٢ ص٧٨ حديث٦٦ عن عوالي اللئالي وفيه "... من كتم علماً نافعاً... " والحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٤) البقره: ١٧٤.


يفعل فعليه لعنة اللّه:(١) .

الثانية

قالعليه‌السلام : الفقهاء اُمناء الرسل مالم يدخلوا في الدنيا. قيل: يارسول اللّه فيما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فاذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم(٢) . أورد ذلك العلّامة في تحريره أيضاً(٣) . وقالعليه‌السلام : العلماء أحباء اللّه ما امروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولم يميلوا في الدنيا ولم يختلفوا أبواب السلاطين، فاذا رأيتهم مالوا الى الدنيا واختلفوا أبواب السلاطين فلا تحملوا عنهم العلم ولاتصلّوا خلفهم ولاتعودوا أمراضهم ولا تشيِّعوا جنائزهم فإنهم آفة الدّين وفساد الاسلام يفسدون الدين كما يفسد الخّل العسل(٤) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : النظر في وجوه العلماء عبادة(٥) . سُئل جعفر بن محمدعليه‌السلام عنه فقال: هو العالم الذي اذا نظرت اليه ذكّرك الآخرة ومن كان خلاف ذلك فالنظر اليه فتنة(٦) . وفي حديث آخر: اذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص وإياك يخدع، ويقال: يردّ مظلمة ويدفع عن مظلوم، فإنه هذه خدعة إبليس اتخذها فخّاً والقرآن سُلَّماً(٧) . وروي الشيخ بإسناده الى معاوية الأسدي قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمدعليهما‌السلام يقول: أما واللّه إنكم لعلى دين اللّه وملائكته فأعينونا على ذلك

____________________

(١) الكافي: ج١ ص٥٤ حديث٢ والحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٢) نفس المصدر: ج١ ص٤٦ حديث٥. وفيه " عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله " وفيه اختلاف يسير وكذا في البحار ج٢ ص١١٠ حديث١٥ نقلاً عن عوالي اللئالي والرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٣) تحريرالأحكام: ج١ ص٣ في وجوب طلب العلم الطبعة الحجريه.

(٤) لم نعثر عليه.

(٥) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر " مجموعة ورّام " ج١ ص٨٤ باب العتاب.

‌‌‌ (٦) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر " مجموعة ورّام " ج١ ص٨٤ باب العتاب.

(٧) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر " مجموعة ورّام " ج١ ص٨٤ باب العتاب.


بورع واجتهاد، عليكم بالصلاة والعبادة، عليكم بالورع(١) . والى محمد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر محمدبن عليعليهما‌السلام يقول: لا دين لمن دان بطاعة من عصى اللّه، ولادين لمن دان بفرية باطل على اللّه، ولا دين لمن دان بجحود شيء من كتاب اللّه(٢) . وإلى علي بن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّهعليهم‌السلام قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم لأصحابه: ألا أنه قد دبّ إليكم داء الاُمم من قبلكم وهو الحسد، ليس بحالق الشعر لكنه حالق الدّين، وينجي منه أن يكفّ الانسان يده ولسانه، ولايكون ذا غمز إلى أخيه المؤمن(٣) . والى ابن عباس قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانته في ماله وإن اللّه سائلكم يوم القيامة(٤) . وبحذف الإسناد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : العلم وديعة اللّه في أرضه والعلماء اُمناؤه، فمن عمل بعلمه أدّى أمانته، ومن لم يعمل بعلمه كُتب في علم اللّه من الخائنين(٥) .

الثالثة

بحذف الإسناد قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أعان طالب

____________________

(١) ارشاد القلوب: ج١ الباب السادس والعشرون: في الورع والترغيب فيه - ص١٠١ وكذلك بحار الأنوار ج٨٢ ص٢٠٨ الحديث ١٦ باب١ في فضل الصلاة وعقاب تاركها من كتاب الصلاة نقلاً - عن مجالس ابن الشيخ. وكذلك أمالي الشيخ الطوسي ج١ ص٣١.

(٢) أمالي الشيخ المفيد(رض) ص٣٠٨ الحديث٧ من المجلس السادس والثلاثون. وفي آخره " ايات اللّه " بدل " كتاب اللّه ". ط منشورات جماعة المدرّسين قم.

وكذلك الاختصاص ص٢٥٨- باب مثل علم أهل البيتعليهم‌السلام - وهي ايضاً تختلف عمّا في الكتاب في الفقرة الأخيرة.

(٣) بحار الأنوار: ج٧٣ ص٢٥٣ حديث٢٠ - باب الحسد - نقلاً عن مجالس المفيد ص٢١١.

(٤) بحار الأنوار: ج٢ ص٦٨ حديث١٧ - نقلاً عن امالي الشيخ المفيد(ره) - وفي المصدر مسائلكم يوم للقيامة.

(٥) بحار الأنوار: ج٢ ص٣٦ حديث٤٠ - نقلاً عن الدرة الباهرة.


العلم فقد أحبّ الأنبياء وكان معهم، ومن أبغض طالب العلم فقد أبغض الأنبياء فجزاؤه جهنّم، وأن لطالب العلم شفاعة كشفاعة الانبياء، وله في جنّة الفردوس ألف قصر من ذهب، وفي جنّة الخلد مائة ألف مدينة من نور، وفي جنّة المأوى ثمانون درجة من ياقوتة حمراء، وله بكلّ درهم أنفقه في طلب العلم جوار بعدد النجوم وبعدد الملائكة، ومن صافح طالب العلم حرّم اللّه جسده على النار، ومن أعان طالب العلم اذا مات غفراللّه له ولمن حضر الجنازة. قالوا لمالك بن دينار: يا أبا يحيى رُب طالب علم للدّنيا! فقال: ويحكم ليس له يقال طالب العلم يقال له طالب الدنيا(١) . وهذا موافق لقولهعليه‌السلام : ولئن تطلب الدنيا بأقبح ما يطلب به خير من أن يطلب بأحسن ما يطلب به الآخرة(٢) . وقالعليه‌السلام من آذى طالب العلم لعنته الملائكة وأتى يوم القيامة وهو عليه غضبان(٣) ، ومن أهان فقيهاً مسلماً لقى اللّه وهو عليه غضبان(٤) .

الرابعة

الفقهاء أفضل الناس بعد المعصومين اذا عملوا بمقتضى علمهم واستعملوا الورع في أفعالهم وكفّوا ألسنتهم عن الغيبة لأنها آفتهم، فإن الرجيم اللعين قد علم أنّهم أشدّ الخليقة عليه لأنه إنما طلب النظرة لاغواء النوع وهم هداة الطريقة، ولهذا ورد أن فقيهاً واحداً أشدّ على إبليس من ألف عابد(٥) فامتحنهم بحب

____________________

(١) ارشاد القلوب ج١ ص١٦٤ - الباب التاسع والاربعون - في الأدب مع اللّه تعالى.

(٢) لم نعثر عليه.

(٣) ارشاد القلوب ج١ ص١٦٤ - الباب التاسع والاربعون - في الأدب مع اللّه تعالى.

(٤) بحار الانوار ج٢ ص٤٤ حديث١٣ باب١٠ - كتاب العلم - نقلاً عن عوالي اللئالي والرواية منقولة عن الامام الصادقعليه‌السلام .

(٥) بحار الانوار ج١ ص١٧٧ كتاب العلم باب٥ - في النوادر - " والرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله " حديث: ٤٨ نقلاً عن عوالي اللثالي وج٢ ص١٦ كتاب العلم باب٨ ثواب الهداية والتعليم حديث:٣٤ نقلاً عن أمالى الشيخ الطوسي(قده) " والرواية فيها عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ".


السمعة وبالغيبة، لأن الاُولى علامة المرئي، والرّياء يصيّر الطاعات معاصي، والثانية تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقد ورد فيها مالا يحصى. ومنه عن أميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام الغيبة أدام كلاب النار.(١) وعنه ايضاً: كذب من زعم أنه ولد من الحلال ويأكل لحوم الناس(٢) . وزيّن ايضاً لهم ما وجب عليه التنزّه عنه من أعمال الحيل والشبه في الدين ليسقط أمانتهم عنداللّه ومحلهم عند قلوب الأتقياء، فإن تميّز المقتدي أنما يكون بما ينفرد به عن أبناء النوع، فكيف اذا فعل ما يتعفّف عنه أكثر أفرادهم؟ لاجرم يسقط محلّه فلا يركن إليه في الدين لأنّه ظالم لنفسه فيدخل تحت عموم قوله تعالى " ولاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسّكم النار ومالكم من دون اللّه من أولياء ثمّ لا ينصرون"(٣) .

الخامسة

الحيل الشرعيّة على أقسام: منها مالا ينافي الأمانة، ومنها ما ينافيها ولهما ضابط هو أن ما أخلّ بالمطلوب الشرعي الناشئ عن حكمة ربّانية بها يتمّ صلاح النوع وأحوال معاشهم فلا شك في كونه منافياً للأمانة، وما ليس كذلك لاينافيها لكن منه ما يكون التنزّه عنه أولى، ومنه مالا يوصف بذلك، ولنفرض صوراً يتّضح للناظر بها جليّة الحال.

الاُولى: اذا باع الانسان موزوناً أو مكيلاً بمثله جنساً متفاضلاً فهو ربا، فجاز أن يتحيّل بما يخرجه عن الربا إمّا بضمّ غير الجنس إليه أو غير ذلك من الصور المذكورة شرعاً، وهذا غير منافٍ للحكمة بلب موافق لها وليس تركه أولى، وذلك لأنّ تحريم الربا تعبّدي لابتعلّق بمصلحة المتعاوضين أصلاً بل مصلحتهما نظراً الى عمل المعاش في جعل التعاوض تابعاً لتراضيهما، ومن ثم أجاب تعالى

____________________

(١) و (٢) وسائل الشيعة ج٥ كتاب الحج ص٦٠٠ حديث١٦ من باب١٥٢ في تحريم اغتياب المؤمن ولو كان صدقاً من أبواب أحكام العشرة.

(٣) هود: ١١٣.


المنكرين حيث قال حكاية عنهم: " ذلك بأنّهم قالوا إنما البيع مثل الربا "(١)

بقوله: " وأحلّ اللّه البيع وحرّم الربا "(٢) فغرض الشارع يتمّ بالتخلّص منه بأي وجه اتفق، إذ لاغرض له منوطاً إلا بعدم التفاضل مع التساوي، ومثل هذه الحيلة لاسقاط الشفعة فإن الأمثل أن نزع المال من المالك لايكون إلاعن رضاه خرج منه ما كلّف به الشارع عند وقوع البيع دون سائر العقود في الاراضي التي يمكن قسمتها من ثبوت حق الشريك وهو الأخذ بالشفعة، وليس بلازم على المشتري أن يوقع البيع ليشفع منه بل له أن يوقع الصلح ليسلم من التكليف با لحكم الشرعي، والحقّ تعالى إنّما أوجب حكم الشفعة مع البيع ولم يوجب البيع.

الثانية: اذا دفع الى فقيه مالاً ليصرفه علي المحاويج ويأخذ منه لنفسه إن كان محتاجاً وهو غير محتاج فملّك ماله من يثق به كولده وزوجته ليكون محتاجاً وأخرجه على نفسه ثم استعاد ماله كان ذلك من الحيل المنافية للأمانة لمنافاته حكمة طلب إخرج الزكاة لأن الغرض مساواة الفقراء ودفع ضروراتهم بدفع الحقّ المفروض لهم وقد ورد استحباب نقلها الى الفقهاء لأنهم أعلم بمواقعها، وربما قيل با لوجوب، فاذا فعل الفقيه ذلك كان خائناً لأمانته غير موثوق بديانته وهو ممّن نصب للدين فخّاً يصطاد به، ومثل هذا من أتى الى مال مسلم يده عليه فتسلّط باليد الغالبة حتى أخافه، وعلم منه أنه إن لم يوافقه اضطرّه الى ماهو أبلغ ممّا يلتمس منه، ثم طلب منه أن يبيعه نصف نخيله وبساتينه التي يكون قيمة الواحد منها ألف دينار وهي خمسون مثلاً بدينار ليتملّك نصف ذلك ويأخذه منه، وذلك لأنه مناف لمطلوب الشارع من عدم أكل المال بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ، الناشىء عن حكمة تسلّط المسلمين على أموالهم إلا عن طيب من

____________________

(١) و (٢) البقرة: ٢٧٥.


أنفسهم ليتّم نظامهم ويتوفّر دواعيهم الى حاجاتهم المتفرّعة عن غناهم، ونحو ذلك من أمره ظالم بمال على عامل لايستحقّ عنده شيئاً كعشار مثلاً فأخذ رطل ابريسم مثلاً فباعه عليه باثني عشر توماناً وقيمة الرطل أضعافه والمأمور عليه لايقدر أن يمتنع لخوف من الظالم فإن ذلك خيانة وإعانة على منكر وهو أمر الظالم على المظلوم بما لايستحقّ وعدم انزجار العامل عن عمله، فانظر أيّها العاقل اللبيب كم بين الصورتين اللتين في المسألة من ألف ألف جريب، وبعض قاصري النظر عادمي الفكر يتسلّط على جواز الصور بورودها في مثل دفع الربا والشفعة، وليس إلّا من غلبة حبّ الدّنيا المقتضي لعدم البصيرة، ونعوذ باللّه من ذلك.

الثالثة: اذا كان على فقير من السادة أوالعوام دين لرجل وعلى الآخر حقّ من الخمس او الزكاة، وعلم كلّ منهما أن المدين لايتمكّن من أداء الدين لإعساره ، فصالح ذو الحّق صاحب الدين على ما في ذمّته الفقير بشيء نذر رضى به صاحب الدين لعلمه بعدم تمكّنه من الاستيفاء، ثم احتسب ذو الحقّ ما يستحقّه في ذمّة الفقير من حق اللّه تعالى عليه فإنه يصّح ولا ينافي الحكمة، لكن احتساب قدرما دفع وابراء الفقير أو انظاره بالباقي ودفع باقي ما في ذمّته من الحقّ الى الفقراء أولى. ولهذا ورد في الشرع المطهّر كراهة صرف الصدقات الواجبة الى من يعتاد صلته من الاخوان(١) ، وربما كان من هذا الباب الصور الشرعية في دفع القرض بزيادة عليه، وحكي لي من أثق بدينه إن الشهيد ابن مكّي - تغّمده اللّه برحمة وأسكنه بحبوحة جنّته - سئل لمّا قدم المدينة حاجّاً عن المائة يزاد عليها عشرون فقال ربا واللّه ربا واللّه، فقالوا له: ليس كما تذهب لكن نحن نقرض المائة ونستوهب عشرين منها ثم نقرض العشرين، فقال: حيلة حيلة لاأدري. فانظر الى تورّع هذا الفقيه واحتياطه في عدم الحيلة المحتملة، وما نال الفقهاء

____________________

(١) علل الشرائع ص٣٧١ - الباب٩٤.


المرتبة عند اللّه تعالى والزلفة لديه إلّا بالورع، وما حكاه السعيد عن والده في طبخ الزبيب فيه كفاية لكل لبيب أريب، وحيث أتينا على ما أوردناه من المقدّمات فلنرجع الى المقصود بالذات.

قوله: حيث إنّا لزمنا الإقامة ببلاد العراق وتعذّر علينا الانتشار في الآفاق لم نجد بّداً من التعلّق بالغربة لدفع الاُمور الضروريّة من لوازم مهمّات(١) المعيشة(٢) .

أقول: لايخفى على كلّ ناظر أن هذا العذر لاينهض على مخالفة الشرع القويم والطريق المستقيم، فالتعلّق بالغربة إمّا أن يكون مشروعاً خالياً عمّا يدنس غرض أهل الشريعة أو لايكون، فإن كان الأول لم يفتقر الى توطية العذر بما ذكر على وجهٍ هو إظهار عدم حبّ الزيارة وطبيعة بعض المكلّفين مشعوفة بها كما لايخفى، وإن كان الثاني فالعذر غير مقبول، فكيف يستجير من ادّعى الارتقاء في العلم أن يتكلّم بنحو هذا بعد سماعه قوله تعالى " إنّ اللّه هو الرزّاق ذو القوّة المتين "(٣) . وبعد قولهعليه‌السلام : من طلب العلم يكفل له برزقه(٤) . وقولهعليه‌السلام : الرزق كالموت يأتيك وإن هربت منه(٥) . وغير ذلك من الآثار، على أن الناظر بعين البصيرة يرى ماقاله غير واضح، فأنّ إقامته في العراق لم تكن لازمة خصوصاً حينئذٍ وعدم وجدانه بّداً من التعلّق غير واقع، فإنه لم يقم فيها وفي مثلها إلّا ريب ما يطرح الاعياء، ثم اُخذت منه وهو مستقيم في الحالين ولا تفاوت عليه

____________________

(١) في النسخة الاخري لكتاب " كلمات المحققين " والرسالة الخراجية للمحقق الثاني(قده) المطبوعة في ضمنها " متمّمات ".

(٢) رسالة " قاطعة اللجاج في حلّ الخراج " للمحقق الثاني(قده) ص٣٧.

(٣) الذاريات: ٨.

(٤) كنز العمّال ج١٠ حديث رقم٢٨٧٠١ - ص١٣٩ ط بيروت والرواية عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومتنها هكذا: من طلب العلم تكفّل اللّه له برزقه.

(٥) لم نجد ما يطابق هذا التعبير تماماً وفي الكافي ج٢ ص٥٧ في ذيل حديث٢ من باب٣٠ من كتاب١ بما هذا نصّه " ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفّر من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت "، وفي ج٥ من الكافى ص٣٠٤ في ذيل حديث٢ من باب١٥٩ من كتاب المعيشة هكذا " لو أن أحدكم هرب من رزقه لتبعة حتى يدركه كما أنّه إن هرب من أجله تبعه حتى يدركه " وتنبيه الخواطر ج٢ ص١٠٧ ما هذا نصه: ولو أن أحدكم يتربصّ رزقه لطلبه كما يطلبه الموت.


فيهما، فالعذر إذن مزيّف إلا على من ران على قلبه ممّا كسب.

قوله: مقتفين في ذلك أثر كثير من العلماء وجمّ غفير من الكبراء الأتقياء(١) .

أقول: لم يرض هذا المعتذر أن يرتكب ما ارتكب إلّا بأن ينسب مثل فعله الى الأتقياء على قاعدة قوله تعالى وقول رسوله المعلومين لأهل العلم وتركنا ذكره بعينه حذراً من خبط الجهّال في المثال.

وليت شعري أيّ تقي ارتكب ما ارتكبه من أخذ قرية يتسلّط فيها با لسلطان من غير سبق العياء ولاغيره من الأسباب المملّكة، فإن كان وهمه يذهب الى مثل العلّامة جمال الملّة والدين الحسن بن يوسف بن المطهّر - قدّس اللّه سرّه - فهذا من الذي يجب عنه الاستغفار ويطهر القسم بتكراره بعد المضمضة، فأن الذي كان له من القرى حفر أنهارها بنفسه وأحياها بماله لم يكن لأحد فيها من الناس تعّلق أبداً، وهذا مشهور بين الناس، ويدلّ عليه ونزيده بياناً أنه وقف أكثر قراه في حياته وقفاً مؤبّداً ورأيت خطّه عليه وخطّ الفقهاء المعاصرين له من الشيعة والسنّة، ومنه الى الآن ما هو في يد ينسب إليه بقبضه بسبب الوقف الصحيح، وفي صدر سجل الوقف أنّه أحياها وكانت مواتاً، والوقف الذي عليه خطّه وخطّ الفقهاء موجود الآن ومع ذلك فالظنّ بمثله لما علم من تقواه وتورعّه يجب أن يكون حسناً مع أنه يتمكّن من الامور على ما في نفسه، ولو لم يكن من تقواه، إلّا أن أهل زمانه فيه بين معتقد فيه مالا يذكر وآخر يعتقد فيه الأمر المنكر وبيالغون في نقضه ويعملون بنقل الميّت دون قوله كما صرّح به هو عن نفسه وهو في أعلى مراتب القدرة عليهم، ولم يتعرّض لغير الاشتغال با كتساب الفضائل العلمية والأحكام النبوية وإحياء دارس الشريعة المحمّدية لكان كافياً في كمال ورعه وجمال سيرته، ونحو ذلك يقال في مثل علم الهدى وأخيه - رضوان اللّه - عليهما على أن الذي يجب على هذا المستشهد

____________________

(١) راجع خراجيتة(ره) ص٣٧.


نظراً الى طريقة العلم وآدابه واقتفاء آثار المستشهدين أنه ينقل عنهم ولو بخبر واحد أنهم أخذوا القرية الفلانية أوقرية ما لغيرهم تعلّقوا بها لأمر السلطان لهم بذلك حتى ثبت استشهاده، أمّا مجرّد أن يكون لهم قرى وأموال ونحو ذلك لايدلّ على أنهم فعلوا كمثل فعله ليصحّ استشهاده، فهذا أيضاً مزيّف، وحسن أن يتمثل له بقول الشاعر:

وأفحش عيب المرء أن يدفع الفتى

توى النقص عنه بانتقاص الأفاضل

قوله: اعتماداً على ما ثبت بطريق أهل البيتعليهم‌السلام من أن أرض أهل العراق ونحوها ممّا فتح عنوةً بالسيف لايملكها مالك مخصوص بل هي للمسلمين قاطبة يؤخذ منها الخراج أو المقاسمة ويصرف في مصارفه... الخ(١) .

أقول: سيأتي الجواب إن شاء اللّه تعالى عن هذا في محلّه مفصلاّ، بحيث يكشف عن غمام التباسه ويعرّف المستضيء بنور الحقّ موضع اقتباسه.

قوله: وفي حال غيبتهعليه‌السلام قد أذن أئمتناعليهم‌السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور(٢) .

أقول: الذي أذن أئمتناعليهم‌السلام لشيعتهم في زمن الغيبة المنا كح وفي وجه قوّي له شاهد من الأثر المساكن والمتاجر وهو في الأرضين مختصّ بما كان حقّهمعليهم‌السلام كالأنفال، أما الأرض المفتوحة عنوةً فهي للمسلمين قاطبة، فتصرّفهم فيها جائز مع عدم ظهور الامام، ويدلّ عليه ما يأتي من الأحاديث ما أشار إليه بعض الأصحاب كالشيخ في التهذيب(٣) وغيره، والظاهر سقوط الخراج زمن الغيبة عن الشيعة لظاهر الأخبار. ويؤيّده أنه لم ينقل عن السلف منهم والخلف عزل قسط من شيء من الأراضي وإن لم يؤخذ منهم الخراج مع اعتنائهم

____________________

(١) و (٢) راجع خراجيته(ره)، ص٣٧-٣٨.

(٣) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٦ باب٣٩ في الزيادات وبعدها يذكر الاخبار الدالة على مورد الاستشهاد.


بالتقوى والتحرّز عن الاشتغال بالحقوق. وقد يستدلّ على سقوط الخراج عن المسلمين كافّة مع عدم ظهور الامام بظاهر بعض الأحاديث، وسيأتي. نعم الظاهر أنه يستقرّ الضمان على غير الشيعة لظاهر حديث عمر بن يزيد(١) . اذا عرفت هذا فقوله " وفي حال غيبتهعليه‌السلام قد أذن أئمّتناعليهم‌السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور"(٢) إن أراد به أنهم إذ أذنوا في تناول الأراضي فهو ممنوع، ولانعرف قائلاً به ولا أثراً من الحديث يدلّ عليه، وهو قد سلّم ذلك في رسالته حيث اعترض بعد ذكر الحديث التي تدلّ في زغمه على إباحة الخراج باعتراضين.

أحدهما: أن الأحاديث في الابتياع فلايجوز غيره.

والثاني: أنها في التناول لما يأخذه الجائر فلا يتسلّط على الأخذ من دون أخذه سابقاً، لأنه غير مدلول الأحاديث وقصاراه في الجواب عن الثاني المساواة، وعن الأول المساواة مع التنبيه الدالّ على الأولوية. وستسمعها مع ما عليهما مفصّلا إن شاء اللّه تعالى.

وإن أراد أنهم أذنوا في ابتياع ما يأخذه الجائر فليس مخصوصاً بالخراج فإنهم أذنوا في ابتياع ما يأخذه من زكاة من أسلم طوعاً من الأراضي بل ومن الأنعام ولا بالشيعة، ومع أنه لايدلّ على ماهو فيه من حلّ القرية بشيء من الدلالات وستسمعه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

قوله: فلهذا تداوله العلماء(٣) ... الخ.

أقول: إن أراد بما تناولوه ما أجازه الأئمّةعليهم‌السلام لشيعتهم من حلّ الثلاثة أو ابتياع ما يأخذه السلطان فقد بيّنا أنه لا دلالة فيه على مطلوبه، وإن أراد أنهم تداول أخذ قرى المسلمين ووضع يديهم عليها فنحن لانسلّم فعل واحد

____________________

(١) سيأتي الحديث مفصّلاً.

(٣) نفس المصدر، ص٣٨.

(٢) راجع خراجيته(ره) ص٣٨.


منهم له أو إشارته الى إباحته فضلاً عن تداولهم له، وعلى طريق آداب البحث على المدّعي هنا بصحيح النقل بما ثبت به شرعاً ولو بخبر واحد أنهم تداولوا ذلك، أما الدعوى المجرّدة فلا تقبل في مواضع النزاع. هذا وقد يمنع دلالة التداول مالم يتحقّق إجماع أو ما يقوم مقامه من الأدلّة التي يصحّ الاعتماد عليها.

قال السيّد التقيّ الورع ابن طاووس الحسني مجيباً لمن أورد عليه - لما ترك التقدم والنقابة الاعتراض بفعل المرتضى عَلَم الهدى وأخيه بعد أن قال: إن اُولئك قد يتملّكون في زمانهم ممّا لانقدر عليه(١) - ما معناه: إني قلت بذلك على سبيل التأدّب معهما وإلّا فلست براض عليهما ولا على فعلهما وليسا معصومَين حتى يكون فعلهما حجّة، فهما داخلان تحت من يردّ عليه مثل هذه الأفعال.

قوله: مع أني لم أقتصر فيما أشرت اليه على مجرّد مانبّهت عليه بل أضفت الى ذلك من الأسباب التي يثمر الملك ويفيد الحلّ ما لا يشوبه شك ولا يلحقه لبس من شراء حصّة من الأشجار والاختصاص بمقدار معيّن من البذر فقد ذكر أصحابنا طرقاً للتخلّص من الربا(٢) .

أقول: هذا لا يحتاج الى بيان طائل بعدما حقّقناه في المقدّمة، وذلك لأنه إن بنى الحلّ على الملك فالصورة حيلة تنافي الأمانه بل غير جائزة لأن أهلها مقهورون مخافون، ولهذا لمّا اُخذت القرية منه لم يمكنه أن يدّعي عليهم ولا أن يطالبهم بما ابتاعه منهم لأنهم يجيبوه بأنا إنما فعلنا ذلك خوفاً ولو كان عن رضى وايثار لا ستقرّ ملكه عليه كسائر الأملاك المبتاعة، وإن لم يبن عليه فوجوده كعدمه بل عدمه أولى، ومن هنا علم أن الاحتياط لابدّ فيه من المعرفة والتقوى والورع. ومن العجب أن الخراج عنده ليس من الشبهات ولا من المشتبهات، وظاهره أن القرية

____________________

(١) كشف المحجّة/ص١١٢ نقلاً بالمضمون.

(٢) راجع خراجيته(ره)، ص٣٨.


مساوية للخراج، والاحتياط إنمّا بكون المقتضي من الخلاف والشبهة وهذا خلف، علي أن الصورة التي عليها مقتضى دخوله تحت الملاك والزراريع الذين يلزمهم الخراج، فظاهره كما استشهد به آخر رسالته إن كتم الخراج وسرقته والحيلة عليه لايجوز. وحينئذٍ يلزمه الخراج لدخوله تحت أهله هذا خلف فرجع ما عمله على أصله بالابطال.

قوله: المقدّمة الاُولى في أقسام الأرضين وهي في الأصل على قسمين:

أحد هما: أرض بلاد الاسلام، وهي عامر وموات، فالعامر ملك لأهله لايجوز التصّرف فيه إلّا باذن مالكه، والموات إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لإمام المسلمين يفعل به مايشاء، وليس هذا القسم من محّل البحث المقصود.

القسم الثاني: ماليس كذلك وهو أربعه أقسام:

أحدهما: مايملك بالاستغناء... إلخ.

وثانيهما: أرض من أسلم أهلها عليها طوعاً... الخ، ومنه قوله: اذا عرفت هذا فاعلم أن العلّامة في المختلف احتجّ بهاتين الروايتين(١) قلت: يعني ما يذكره عن قريب على مختار الشيخ والجماعة، وهما في الدلالة على مختار ابن حمزة وابن البرّاج أظهر ثم احتجّ لهما برواية لايدلّ على مطلوبهما بل ولا يلتئم مع مقالتهما... الخ.(٢)

أقول: لايخفى على ممّن عرف الشريعة بأعلى مراتب المعرفة أووسطها أو أدناها أن هذا كلام من لا يحقّق شيئاً ومن ليس له اطّلاع على هذا الفنّ ولا على اصطلاح أهله، وذلك لأن أصحابنا في باب إحياء الموات يقسّمون الأراضي الى قسمين: أرض بلاد الاسلام ولا يخرج عنها ويقابلها أرض بلاد الشرك، وفي

____________________

(١) سيأتي الكلام فيه.

(٢) راجع خراجيته(ره) ص٤١-٤٣.


باب الجهاد يذكرون للأراضي أقساماً أربعة: المفتوحة عنوةً، وأرض الصلح ، والتي أسلم أهلها عليها طوعاً، والأنفال، فقسمته هنا الأراضي في الأصل على قسمين: أحد هما أرض بلاد الاسلام، وثانيهما ما ليس كذلك، وهو أربعة عن التحقيق بمعزل، فإن أرض الاسلام لايخلو إمّا أن يكون ما أسلم أهلها عليها طوعاً أو ما قابل بلاد الشرك، وما قابل بلاد الشرك ينقسم الى المفتوح عنوةً وما أسلم أهلها عليها طوعاً وغير هما.

وليت شعري كيف جعل أرض بلاد الاسلام قسماً يقابل الأربعة؟ وكيف حصر ماليس أرض بلاد الاسلام في الأربعة المذكورة؟ ثم ليت شعري كيف جعل القسم الذي هو أرض بلاد الاسلام ليس من محّل البحث المقصود؟ فليت شعري ما المقصود بالبحث حتى لايكون منه؟ ومن أيّ وجه. اختصّ ما سواء بأنّه المقصود بالبحث بحيث لا يشاركه فيه فيساويه؟ ويمكن الجواب بأن هذا من مخترعات اجتهاده ومعناه في نفسه ويظهر بعد السئوال عنه، فاعتبروا يا اُولي الأبصار.

تنبيه وايقاظ: إن كنت في شّك ممّا أشرنا إليك فاستمع لما يُتلى عليك:

قال الشيخ -رحمه‌الله - في المبسوط:(١) فصل: في حكم أراضي الزكاة وغيرها، الأرضون على أربعة أقسام حسب ما ذكرناه في النهاية،(٢) فضربٌ منها يسلم أهلها عليها... إلخ، والضرب الآخر من الأرضين ما اُخذ عنوةً بالسيف، والضرب الثالث كلّ أرض صالح أهلها عليها وهي أرض الجزية... إلخ، والضرب الرابع كلّ أرض انجلى أهلها أو كانت مواتاً... إلخ. وإنما لم نذكر تتمّة كلامه في الأرضين لعدم تعلّق غرضنا به ولأنّ نحوه آتٍ في كلام التحرير.(٣)

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية ج١ - كتاب الزكاة - في اعتبار النية في الزكاة ص٢٣٢.

(٢) النهاية: في مجّرد الفقه والفتاوى - كتاب الزكاة - باب أحكام الأرضين ص١٩٥و١٩٦.

(٣) تحرير الأحكام: ج٢ - كتاب إحياء الموات - ص١٢٩.


الذي نقشه المؤلف فلا فائدة في تكراره.

وقال في كتاب إحياء الموات:(١) والبلاد على ضربين: بلاد الاسلام وبلاد الشرك، فبلاد الاسلام على ضربين: عامر وغامر، فالعامر ملك لأهله لايجوز لأحد الشروع فيه والتصرّف فيه إلّا بإذن صاحبه... الخ، وأمّا الغامر على ضربين: غامر لم يجر عليه ملك لمسلم، وغامر جرى عليه ملك مسلم... إلخ. وأمّا بلاد الشرك فعلى ضربين: عامر وغامر، فالعامر ملك لأهله، وكذلك كلّ مكان به صلاح العامر من الغامر، فان صاحب الغامر أحقّ به كما قلنا في العامر في بلاد المسلمين، ولا فرق بينهما أكثر من أن العامر في بلاد الاسلام لايملك بالقهر والغلبة، وأما الغامر فعلى ضربين.

وقال ابن إدريس في السرائر:(٢) باب أحكام الأرضين وما يصحّ التصرّف فيه بالبيع والشراء وما لا يصحّ. الأرضون على أربعة أقسام: ضرب منها أسلم أهلها عليها طوعاً... إلخ، والضرب الثاني من الأرضين ما اُخذ عنوةً بالسيف، والضرب الثالث كلّ أرض صالح أهلها وهي أرض الجزية... إلخ، والضرب الرابع كلّ أرض انجلى أهلها... إلخ - ثم قاله: - والبلاد على ضربين... وساق البحث على نحو ما ذكر الشيخ في المبسوط. -

وقال العلّامة في الارشاد:(٣) المطلب الرابع في الأرضين وهي أربعة... إلخ - ثم قال سياقة: - لا يجوز إحياء الغامر ولا مابه صلاح العامر كالشرب والطريق في بلاد الاسلام والشرك إلا أن ما في بلاد الشرك نعيم بالغلبة، ونحو ذلك قال في القواعد(٤) وقال المحقّق في الشرائع(٥) وغير ذلك من كتب الأصحاب من أرادها

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية: ج٣ كتاب إحياء الموات ص٢٦٨و٢٦٩.

(٢) السرائر ص١١٠ - كتاب الزكاة - ط طهران الحجرية.

(٣) الاّ انّ في المصدر " المطلب الثالث " راجع: ج١ ص٣٤٨ ط مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

(٤) قواعد الاحكام ج١ ص٦٢ - كتاب الخمس - ط الحجريّة في قم.

(٥) شرائع الاسلام للمحقّق الحلي(قده) الجزء الرابع ص٧٩١ - كتاب احياء الموات - ط بيروت.


وقف عليها فلا حاجة الى سطرها مفصّلة وفيما ذكرناه كفاية.

قوله: القسم الثاني... إلخ.(١)

أقول: هذه الأقسام التي ذكرها هو كلام العلّامة في تحريره(٢) إلا ماشذّ، فليس الكلام منسوباً اليه لتكون الجناية فيه إن كانت عليه إلّا ما أشار اليه من الدليل فإنه كلام المختلف، وأنا الآن أذكر كلام التحرير بعينه ليعرف الناظر أنه أخذه منه نقشاً من غير تغيير، وأذكر كلام العلّامة في المختلف.(٣) وأشار الى ما ينبغي الاشارة اليه.

قال العلّامة في تحريره:(٤) الثالث في الأرضين وفيه ثمانية مباحث: الأول: الأرضون على أربعة أقسام (أحدها) ما يملك بالاستغنام ويؤخذ قهراً بالسيف فانها للمسلمين قاطبة لايختصّ بها المقاتلة ولايفضلون على غيرهم، ولا يتخيّر الامام بين قسمتها ووقفها وتقرير أهلها بالخراج، ويقبّلها الامام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث وعلى المتقبّل إخراج مال القبالة وحقّ الرقبة وفيما يفضل في يده اذا كان نصاباً العشر أو نصف العشر، ولا يصحّ التصرّف في هذه الأرض بالبيع والشراء والوقف وغير ذلك، وللامام أن ينقله من متقبّل الى غيره اذا انقضت مدة القبالة، وله التصرّف فيه بحسب ما يراه من مصلحة المسلمين، وارتفاع هذه الأرض تنصرف الى المسلمين بأجمعهم، وليس للمقاتلة فيها إلّا مثل ما لغيرهم من النصيب في الارتفاع. (الثاني) أرض من أسلم أهلها عليها طوعاً من قبل نفوسهم من غير قتال فتترك في أيديهم ملكاً لهم

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٤٠.

(٢) تحرير الأحكام ج١ ص١٤١ - كتاب الجهاد - أحكام الاسارى الطبعة الحجرية، قم.

(٣) مختلف الشيعة ج٢ ص٣٣٢ - كتاب الجهاد - في ضمن الفصل الخامس - الطبعه الحجرية - طهران.

(٤) تحرير الاحكام ج١، ص١٤١ - كتاب الجهاد - في أحكام الأسارى القسم الثالث - الطبعه الحجريه افست قم - آل البيت.


يصّح لهم التصرّف فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر انواع التصرّف اذا عمروها وقاموا بعمارتها، ويؤخذ منهم العشر أو نصف العشر زكاة اذا بلغ النصاب، فان تركوا عمارتها وتركوها خراباً كانت للمسلمين قاطبة، وجاز للامام ان يقبلها ممّن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع، وكان على المتقبّل بعد إخراج حقّ القبالة ومؤونة الأرض اذا بقى معه النصاب العشر، وعلى الامام أن يعطى أربابها حقّ الرقبة. (الثالث) أرض الصلح وهي كلّ أرض صالح أهلها عليها، وهي أرض الجزية، بلزمهم ما يصالحهم الامام عليه من نصف أو ثلث أو ربع أو غير ذلك، وليس عليهم غير ذلك، واذا أسلم أربابها كان حكم أرضهم حكم أرض من أسلم طوعاً ابتداءً، ويسقط عنهم الصلح لأنه جزية، ويصحّ لأربابها التصرّف فيها بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك، وللامام أن يزيد وينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدّة الصلح بحسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها، ولوباعها المالك من مسلم صحّ وانتقل ما عليها الى رقبة البائع، هذا اذا صولحوا على أن الأرض لهم، أمّا لوصولحوا على أن الأرض للمسلمين وعلى أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة عامرها للمسلمين ومواتها للامام. (الرابع) أرض الأنفال وهي كلّ أرض النجلى أهلها عنها وتركوها، أو كانت مواتاً لغير مالك فاحييت، أو كانت آجاماً وغيرها ممّا لا يزرع فاستحدثت مزارع فانها كلّها للامام خاصّة لانصيب لأحد معه فيها، وله التصرّف فيها بالقبض والهبة والبيع والشراء بحسب ما يراه، وكان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع، ويجوز له نزعها من يد متقبّلها اذا انقضت مدّة الزمان إلاّ ما اُحييت بعد موتها، فإن من أحياها أولى بالتصرّف فيها اذا تقبّلها بما يقبلها غيره، فإن أبي كان للامام نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه، وعلى المتقبّل بعد إخراج مال القبالة فيها يحصل في حصّة العشر أو نصف العشر الثاني، قال الشيخ: كلّ موضع أوجبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين اذا أخرج الأنسان مؤونته ومؤونة عياله لسنته وجب عليه فيما بقي بعد ذلك الخمس لأهله.


أقول: الى هنا كلام التحرير وهو قريب من عبارة الشيخ في المبسوط التي ذكرها في آخر فصول كتاب الزكاة(١) . ولا يخفى أنّ المؤلّف قد أخذها بعينها ويتعلّق بها فوائد:

(منها) أن الشيخ والعلّامة اقتصرا على قول وللامام أن ينقلها من متقبّل الى آخر اذا انقضت مدّة القبالة، وزاد المؤلّف " أو اقتضت المصلحة ذلك" وظاهره أن اقتضاء المصلحة يتخيّر النقل قبل انقضاء المدّة وهو غلط، لأن الامام يجب عليه إلاّ الوفاء بما عاقد عليه اذا كان مصلحة حينئذٍ وهو لاينقل إلاّ ذلك.

(ومنها) قول العلّامةرحمه‌الله :(٢) ولو باعها المالك من مسلم صحّ وانتقل ما عليها الى رقبة البائع. قلت: خالف في ذلك التقي محتجّاً بأنه قد ثبت في الأرض فاذا بيعت فلا ضمان. وأجاب العلّامة بأنها جزية على المالك متعلّقة بشيء من ماله فاذا خرج منه المال استقرّت في ذمته كالدين الذي عليه رهن. والمشهور ماقاله العلّامة.

(ومنها) قول الشيخ(٣) وتبعه العلّامة،(٤) أو كانت مواتاً لغير مالك فاُحييت أو كانت آجاماً ممّا لا يزرع فاستحدثت مزارع. قلت: هذا القيد - أعني الاحياء والاستحداث - ليس بشيء لأن الموات التي لامالك لها والآجام للامام اُحييت واستحدثت أم لا، بل القيد لا يخلو من نظر لأن الاحياء والاستحداث إن كان للامام فهو ليس بشرط لأنّه مالك قبله، وان كان من غيره أمكن القول بأن ذلك الغير يملكها لأن الموات يملكها المحيي على وجه، وقد يحمل على الاحياء مع

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية ج١ ص٢٦٣ كتاب الزكاة.

(٢) تحرير الأحكام ج١ كتاب الجهاد ص١٤٢ الطبعة الحجرية " في ضمن القسم الثالث من اقسام الارضين ".

(٣) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٢٩ - كتاب الجهاد - ط الحيدرية طهران.

(٤) تحرير الاحكام ج١ ص١٤٢ - كتاب الجهاد - ط الحجرية.


ظهوره، ولا شعور في الكلام به فحذف القيد أولى. ومنها قول الشيخ(١) والعلّامة(٢) : إلاّ ما اُحييت بعد مواتها فإن من أحياها أولى بالتصرّف فيها اذا تقبّلها بما يتقبّلها غيره.

أقول: لا يجب على الامام تقريرها في يدها لأنها ملكه وهو مخيّر في وضع من شاء عليها وأحيا المحيي إن أفاد ملكاً لم يجز رفع يده وإلاّجاز مطلقاً، نعم يستحبّ ذلك للامام، فإن أراد الاستحباب فلا بحث فيه إلاّ أنهما قالا: فإن أبى كان للامام نزعها. وظاهر ذلك أنه إن لم يأت لم يكن له النزع عملاً بمفهوم الشرط الذي هو حجّة عند المحقّقين. وقولهما سابقاً " أولى" لا يدلّ على الاستحباب لأن أولوية اليد قد تفيد الوجوب كما في أولوية المحجر. هذا ممّا يتعلّق بكلام التحرير الذي نسخه المؤلّف في رسالته،(٣) امّا ما قال العلّامةرحمه‌الله في مختلفه(٤) فهذه عبارته: مسألة: أرض من أسلم أهلها عليها طوعاً ملك لهم يتصرّفون فيها كيف شاؤا، فان تركوا عمارتها يقبّلها الامام ممّن يعمرها ويعطي صاحبها طسقها وأعطى المتقبّل حصّة وما يبقى فهو متروك لصالح المسلمين في بيت ما لهم.

قاله الشيخرحمه‌الله وأبو الصالح، وقال ابن حمزة: اذا تركوا عمارتها صارت للمسلمين أمرها الى الامام(٥) . وقال ابن البّراج:(٦) وإن تركوا عمارتها حتى صارت خراباً كانت حينئذٍ لجميع الاسلام يقبّلها الامامعليه‌السلام ممّن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه من نصف أو ثلث أو ربع وعلى متقبّلها بعد إخراج مؤونة الأرض وحقّ القبالة فيما يبقى في خاصّة من عليها إذ بقى خمسة أوسق أو أكثر من

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامة ج١ ص٢٦٣ كتاب الزكاة.

(٢) تحرير الاحكام ج١ ص١٤٢ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجرية قم.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٤٢.

(٤) مختلف الشيعة ص٣٣٢ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجرية هذا اول كلام العلّامة في المختلف المنقول عنه ههنا.

(٥) الوسيلة الى نيل الفضيلة - كتاب الزكاة - فصل في بيان أحكام الارضين ص١٣٢.

(٦) المهذّب ج١ ص١٨٢ - كتاب الخمس - ط مؤسسة النشر الاسلامى - قم.


ذلك العشر أو نصف العشر. وقال ابن إدريس:(١) الأولى ترك ما قاله الشيخ فإنه مخالف للاُصول والأدلّه العقليّة والسمعيّة، فإن ملك الانسان لايجوز لأحد أخذه ولا التصرّف فيه بغير إذنه واختياره، فلا يرجع عن الأدلّة بأخبار الآحاد، والأقرب ما قاله الشيخ لنا أنه أنفع للمسلمين وأعود عليهم فكان سائغاً، وأيّ عقل يمنع من الانتفاع بأرض ترك أهلها عمارتها وايصال أربابها حقّ الأرض مع أن الروايات متضافرة بذلك.

وروى صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر قال: ذكرنا الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعاً تركت أرضه في يده واُخذ منه العشر ممّا سقت السماء والأنهار، ونصف العشر ممّا كان بالرشا فيما عمروه منها، وما لم يعمروه منها أخذه الامام فقبله ممّن يعمره وكان للمسلمين، وعلى المتقبّلين في حصصهم العشر أو نصف العشر(٢) . وفي الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: ذكرت لأبي الحسن الرضا الخراج وما سار به أهل بيته فقال: العشر ونصف العشر فيما عمر منها ومالم يعمر أخذه الوالي فقبله ممّن يعمره وكان للمسلمين وليس فيها أقل من خمسة أوسق شيء وما أخذ بالسّيف فذلك للامام يقبله بالذى يرى كما صنع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخيبر(٣) .

لا يقال السؤال وقع عن أرض الخراج ولا نزاع فيها بل في ارض من أسلم أهلها عليها طوعاً، لأنّا نقول الجواب وقع أولاً عن أرض من أسلم أهلها، ثم إنهعليه‌السلام أجاب عن أرض العنوة.

واحتجّ ابن حمزة وابن البّراج بما رواه معاوية بن وهب في الصحيح قال:

____________________

(١) السرائر - كتاب الزكاة - ص١١٠ الطبعة الحجريةّ طهران.

(٢) و (٣) تهذيب الأحكام ص١١٩ حديث٤/٣٤٢ - باب٣٤ في الخراج وعمارة الأرضين وفيهما اختلاف.


سمعت أبا عبداللّهعليه‌السلام يقول: أيّما رجل أتى خربة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضاً لرجل قبله فغاب عنها وتركها وأخربها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض للّه عزّوجل ولمن يعمرها(١) .

والجواب أنه محمول على أرض الخراج أو على أن المحيي أحقّ ما دام يقوم بعمارتها وأداء حقّها من مالكها اذ أراد خرابها لما رواه الحلبي في الصحيح عن الصادقعليه‌السلام - الى أن قال: - وعن الرجل يأتي الأرض الخربة الميتة فيستخرجها ويكري أنهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه؟ فيها الصدقة. قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤدِّ إليه حقّه(٢) . الى هنا كلامه،(٣) وهو كلام فقيه متمكّن في فقه عالم بأغواره فطن في دقائقه، وذلك لأنه حيث علم أن كلام الشيخرحمه‌الله مركب من دعويين: أحدهما جواز التصرّف وهو موافق لمذهب الشيخ، وعدم دفع الطسق، وظاهر هما أنها تخرج عن ملك المالك وهو مخالف لمذهب الشيخ، وكلام ابن إدريس يقتضي المنع من التصرّف مطلقاً وهو مخالف لمذهب الشيخ والتقي والقاضي وهو - أعني العلّامة - مختار مذهب الشيخ. استدلّ أولاً على صحّة دعواه من جواز التصرّف وهو مشترك بينه وبين التقي والقاضي ردّاً على ابن إدريس بقوله: إنه أنفع للمسلمين وأعود عليهم فكان سائغاً، قال: وأيّ عقل يمنع من الانتفاع بأرض ترك أهلها عمارتها...(٤) متعجّباً من قول ابن إدريس بالمنع، وأردفه بقوله: وايصال أربابها حقّ الأرض(٥) إذا لا عجب من

____________________

(١) الكافي: ج٥ ص٢٧٩ ح٢، التهذيب: ج٧ ص١٥٣ من باب١١ من أحكام الارضين والحديث٢١/٦٧٢ من المسلسل في ج٧ وفيهما اختلاف.

(٢) تهذيب الأحكام: ج٧ ص١٤٨ من باب١١ من أحكام الأرضين - حديث٧/٦٥٨ الاستبصار: ج٣ ص١١٠ وفيهما اختلاف يسير.

(٣) مختلف الشيعة ج١ ص٣٣٢ - كتاب الجهاد - في حكم أرض اسلم صاحبها مع اختلاف يسير - وهذا آخر ما نقل عن المختلف في هذه المسألة هنا.

(٤) و (٥) مختلف الشيعة ج١ كتاب الجهاد ص٣٣٢.


المنع اذا لم يصل المالك نفع لأنها ملكه، ومجّرد ترك العمارة ليس من الأسباب الناقلة للملك عن مالكه قطعاً، بل الأعراض بقصد عدم للملك لايخرج الملك عن المالك وإن كان الملك حيواناً يخرج الى الامتناع كالصيد، وقد صّرح به الأصحاب في محلّه مستدلّين بعدم تحقّق سبب الإزالة شرعاً فكيف بغيره، ثم أكّد الاستدلال بتضافر الروايات، وأورد منها روايتين. فبطل مذهب ابن إدريس فصار الحال مشتركاً بين الشيخ والتقي والقاضي إلّا ما يفهم من إطلاق قوله في الرواية " وكان للمسلمين " والمراد ليس إلّا مال القبالة واطلق اللفظ لذلك.

وأيضاً فدليل ابن إدريس لاغبار عليه لولا الشهرة التي عضدت خبر الواحد بجواز الانتفاع، ولا تصريح في الروايات بخروج الملك عن المالك لإمكان حمل ما يحتمل منها ذلك على النما والارتفاع، فدليله با لنسبة الى بقاء الملك لامعارض له أصلاً، ويؤيدّه ما دلّ من الروايات على لزوم أنه إن قال قائل: اذا كان الأمر في أموال الناس ماذكرتم من لزوم الخمس فيها وكذا الغنائم وكان أحكام الأرضين ما بيّنتم من وجوب اختصاص التصّرف فيها بالأئمةعليهم‌السلام ، إما لاختصاصهم بها كالأنفال أو للزوم التصرّف فيها بالتقبيل والتضمين لهم مثل أرض الخراج فيجب أن لايحلّ لكم منكح ولا تخلص لكم متجر ولا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه. قيل له: إن الأمروان كان كما ذكرت من اختصاص الأئمةعليهم‌السلام بالتصرّف في هذه الأشياء فإن لنا طريقاً الى الخلاص، ثم أورد الحديث التي وردت بالإذن للشيعة في حقوقهمعليهم‌السلام حال الغيبة - ثم قال: - إن قال قائل إن ما ذكرتموه إنما يدّل على إباحة التصرّف في هذه الأرضين ولا يدّل على صحة تملّكها بالشراء والبيع، ومع عدم صحتهما لايصح ما يتفرّع عليهما.

قيل له: قد قّسمت الأرضين على ثلاثه أقسام: أرض يسلم أهلها عليها فهي ملك لهم يتصرّفون فيها، وأرض تؤخذ عنوةً وتصالح أهلها عليها وقد أبحنا شراءها وبيعها لأن لنا في ذلك قسما لأنها أراضي المسلمين وهذا


القسم أيضاً يصحّ الشراء والبيع فيه على هذا الوجه، وأمّا الأنفال وما يجري مجراها فليس يصحّ تملّكها بالشراء وانما اُبيح لنا التصّرف حسب(١) .

ثم استدلّ على حكم أراضي الخراج برواية أبي بردة بن رجا السابقة(٢) الدالّة على جواز بيع آثار التصرّفات دون رقبة الأرض، وهذا كلام واضح السبيل وجهه من حيث المعنى أن التصّرف في المفتوحة عنوةً إنما يكون بإذن الامام، وقد حصل منهم الاذن لشيعتهم حال الغيبة، فيكون آثار تصرّفهم محترمة بحيث يمكن ترتّب البيع ونحوه عليها، وعبارة شيخنا في الدروس(٣) أيضاً يرشد الى ذلك حيث قال: ولا يجوز التصّرف في المفتوحة عنوة إلّا بإذن الامامعليه‌السلام سواء كان بالوقف أو غيرها، نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك.

وأطلق في المبسوط(٤) أن التصرف فيها لاينفذ أي لايقيّد بحال ظهور الامام ولا عدمه، - ثم قال - وقال ابن إدريس:(٥) إنما يباع ويوقف تحجيرنا وبناؤنا وتصرّفنا لانفس الأرض، ومراده بذلك أن ابن إدريس أيضاً أطلق جواز التصّرف في مقابل اطلاق الشيخ عدم جوازه، والصواب التقييد بحال الغيبة لينفذ، وعدمه بعدمه ، وهذا ظاهر بحمداللّه. الى هنا كلامه. يقول الفقير الى اللّه المنانّ إبراهيم بن سليمان: ان هذا التنبيه الثاني من كرامات القرن العاشر حيث أظهرأن من يسعى بالعلم ويوصف به ويجلس منتصباً للفتوى يبسط مثل هذا في مصنف، وليس أعجب من ذلك إلّا سماع أهل القرن لهذا ألتأليف من غير أن ينكره منكر منهم انكاراً يروع مثل هذا المؤلّف أن يؤلّف مثله، ولاأعرف جواباً من هذين إلّا ماقالهعليه‌السلام : إن

____________________

(١) نقل قول الشيخ بالمعنى، راجع التهذيب ج٤ ص١٤٥و١٤٦ من باب٣٨ في الزيادات.

(٢) التهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٦ حديث٢٨/٤٠٦ باب٣٩ في الزيادات.

(٣) الدروس الشرعيّة في فقه الامامية ص١٦٣ - كتاب الجهاد - في آخر " درس في اللواحق " ط افست قم.

(٤) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٢٨ - كتاب الجهاد - في حكم ما يغنم وما لايغنم - ط الحيدرية طهران.

(٥) السرائر - كتاب الزكاة - ص١١٠ - ط الحجرية طهران٠


اللّه لا يفيض العلم انتزاعاً(١) ... الخ. وها أنا ذا انفة على الدين ورعاية للحجج والبراهين اُبيِّن ما فيه على وجه يظهر لكلّ متأمّل.

قوله: نفوذ هذه التصرّفات التي ذكرناها إنما هو في غيبة الامامعليه‌السلام أمّا في حال ظهوره فلا، لأنه إنما يجوز التصرّف فيها مطلقاً بإذنه، وعلى هذا فلا ينفذ شيء من تصرّفات المتصرّف فيها استقلالاً.(٢)

أقول: لاخفي أنه أراد بالتصرفات التي أشار اليها البناء والغرس ونحو ذلك، ولا شبهة في أن نفوذه على معنى كون البيع مثلاً يصحّ فيه لايتعلّق بظهور الامام ولا غيبته لأن علّة النفوذ كون الآثار المذكورة مملوكة للمتصرّف وهي أعيان لا يخرج عن ملكه الاّ بسبب شرعي، وهذا لا يختلف الأمر فيه بين غيبة الامام وظهوره، وهذا المؤلّف قد سلّم ذلك حيث علّل في التنبيه الأول الجواز بقوله " قلت: هذا واضح لاغبار عليه يدلّ عليه ما تقدّم من قول الصادقعليه‌السلام : اشتر حقه فيها(٣) وأنه أثر محرم لم يخرج عن ملك مالكه شيء من الأسباب الناقلة فيكون قابلاً لتعلّق التصرّفات ". فانظر أيّها المتأمّل الى تناقض كلام هذا الرجل وخبطه وعدم ضبطه ثم لا يرضى أن يتأخّر حيث أخّره القدر، بل لايزال يدّعي الفضل والعلوّ فيه، لكن هذا من ذاك كما في المثل السائر: السفينة في الدّجلة كالملاح، وقوله في التعليل " لأنه إنما يجوز التصرّف فيها بإذنه مطلقاً فلا ينفذ شيء من تصرفات المتصرّف فيها استقلالاً " كلام غير مربوط لأن عدم جواز التصرف لا يقتضي عدم جواز بيع آثار التصرّف، فإن الغاصب لوغرس أو بنى جاز مع غرسه وبنائه ولا يزيد مرتبة، هذا عن كونه غاصباً. ثم إن كلامه هذا يبطله

____________________

(١) بحار الانوار ج٢ ص٨٣ - كتاب العلم - حديث٨ من الباب١٤ نقلاً عن تفسير الامام العسكريعليه‌السلام وفي المصدر لا يقبض، بدل: لا يفيض.

(٢) راجع خراجيته (ره) ، ص٥٣ - ٥٤.

(٣) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٦ ضمن حديث من باب٣٩ في الزيادات - حديث٢٨/٤٠٦ وفيه اختلاف يسير.


ما صرّح به العلّامة في المنتهى(١) وغيره من الأصحاب من إطلاق جواز بيعها تبعاً لآثار التصرف من غير تعيين لكون التصرّف وقع مباحاً أم لا، والروايات صريحة بذلك أيضاً، وفي بعضها عن علي(٢) عليه‌السلام هكذا: رفع اليه رجل اشترى ارضاً من أرض الخراج... الخ فكيف [تكون] مخصوصة بحال الغيبة؟ والدليل الشرعي الذي قدّمناه وسلّمه هو يؤيّد ذلك، فاعتبروا يا اُولي الأبصار.

قوله: وقد أرشد الى هذا الحكم كلام الشيخ في التهذيب(٣) ... الخ(٤) .

أقول: ليت شعري كيف أرشد كلام الشيخ في التهذيب الى ما ذكره، ثم ليت شعري ثانياً وثالثاً كيف وكلام الشيخ الأوّل إنما وقع لفائدة جواز نفي التصرف على معنى عدم تحقّق الإثم فيه وليس من البيع والشراء ونحوهما في شيء، وقد صرّح به عند استيفاء الاستدلال على إباحة غير الأرضين بقوله: وأما أراضي الخراج وأراضي الأنفال والتي قد انجلى أهلها عنها فإنا قد أبحنا أيضاً التصرّف فيها ما دام الامام مستتراً، فاذا ظهر يرى هو في ذلك رأيه، فنكون نحن في تصرّفنا غير آثمين(٥) . فانظر كيف ساوى في الأمر أرض الخراج والأنفال؟ فلولا أن المراد بالتصرّف هو نفس الانتفاع لافترقا لافتراقهما في الأحكام بالنسبة الى البيع ونحوه كما لايخفى، وسيأتي من المؤلّف ما يدلّ عليه وممّا يؤيّد ما ذكرناه ويزيده بياناً أن الشيخ لمّا استوفى غرضه من بيان جواز التصرّف بالانتفاع قال " فإن قال قائل: إن جميع ما ذكرتموه إنما يدلّ على إباحة التصرّف لكم في هذه الأرضين ولم يدلّ على أنه يصحّ لكم تملّكها بالشراء والبيع، فاذا لم يصحّ الشراء

____________________

(١) منتهى المطلب ج٢ ص٩٣٦ - كتاب الجهاد - ط الحجرية.

(٢) وسائل الشيعة ج١١ ص١١٩ حديث٦ باب٧١ - كتاب الجهاد.

(٣) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٧.

(٤) راجع خراجيته(ره)، ص٥٤.

(٥) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٣ حديث:٢٤/٤٠٢ - باب٣٩ في الزيادات.


والبيع فما يكون فرعاً عليه أيضاً لا يصحّ مثل الوقف والنحلة والهبة وما يجري مجرى ذلك(١) . قلت: وهذا صريح في أن ما تقدّم ليس إلاّ في إباحة نفس التصرّف ولهذا أتى بقوله " إنما " الدالّة على الحصر، ثم لم يُجب بأن البيع ونحوه يجوز في زمن الغيبة بل أجاب بما نقله عن المؤلّف، وحاصله جواز البيع والشراء في الآرض التي أسلم أهلها عليها طوعاً، وجواز بيع أرض العنوة والصلح لانّ المبايع(٢) فيها سهماً لأنها أراضي المسلمين فيجوز بيعه وشراؤه على هذا الوجه وعدم جواز بيع أراضي الأنفال بل يجوز التصّرف فيها حسب، ولا يخفى على من له تأمّل ومسكة من عقل النظر أن ما ذكره الشيخ لايدلّ على مدّعى هذا المؤلّف بأحد الدلالات ولاينطبق عليه لأن الشيخ علّل أولاً إباحة التصرّف بالجواز حال الغيبة وليس من المدّعى المراد في شيء، وعلّل جواز البيع والشراء بقرار الملك فيما أسلم أهله عليه وبالشركة في أرض المفتوحة عنوة، فلا مدخل لظهور الامام ولاغيبته بوجه من الوجوه، ولا أعرف من أين نخيّل لهذا المؤلّف كون كلام الشيخ يرشد الى ما ذكره!! وقول المؤلّف " ثم استدلّ على حكم الخراج برواية أبي بردة " كلام لايرتبط بالمقصود أصلاً لأن رواية أبي بردة عامّة بالنسبة الى الظهور والغياب والى كون التصرف فيها جائزاً وغير جائز، وكون المتصّرف شيعياً وغير شيعي، فانظر أيّها المتأمّل بعين البصيرة الى كلام هذا الرجل تجد العجب العجاب.

وقد أحببت أن اورد كلام الشيخ في التهذيب من أولّه الى آخره تبّركاً وتيمّناً وتعريفاً يخرج من الإجمال الى التفصيل وينتبه الناظر على سواء السبيل.

قالرحمه‌الله (٣) " فان قال قائل: اذا كان الأمرفي أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها وكان أحكام الأرضين ما بيّنتم من وجوب اختصاص التصرّف فيها بالأئمّةعليهم‌السلام إما لأنها ممّا يختصّون برقبتها دون سائر الناس مثل الأراضي التي ينجلي

____________________

(١) الى هنا كلام الشيخ في التهذيب ج٤، ص١٤٥

(٢) والصحيح للبايع٠

(٣) راجع التهذيب: ج٤ من ص١٤٢ الى ص١٤٧.


أهلها عنها، أو للزوم التصرّف فيها بالتقبيل والتضمين لهم مثل أرض الخراج وما يجري مجراها، فيحب أن لايحلّ لكم منكح ولا يتخلّص لكم متجر ولايسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه وسبب من الأسباب قيل له: إن الأمر وإن كان على ما ذكرتموه من السؤال من اختصاص الأئمةعليهم‌السلام بالتصرف في هذه الأشياء فان لنا طريقاً الى الخلاص ممّا ألزمتمونا. أما الغنائم والمتاجر والمناكح وما يجري مجراها ممّا يجب للامام فيها الخمس فانهمعليهم‌السلام قد أباحوا ذلك لنا وسوّغوا التصرّف فيه وقد قدمنا فيما مضى ذلك، ويؤكده ايضاً ما رواه سعد ابن عبداللّه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عمّارة عن الحارث بن مغيرة البصري عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: قلت له: إن لنا أموالاً من غلات وتجارات ونحو ذلك، وقد علمت أن لك فيها حقّاً، قال: فلم أحللنا إذاً لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم؟!! وكلّ من والى آبائي فهم في حلّ ممّا في أيدينا فليبلّغ الشاهد الغائب(١) . وعنه عن أبي جعفر عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفرعليه‌السلام رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطّه: من أعوزه شيء من حقّي فهو في حلّ(٢) . وما رواه محمّد ابن الحسن الصفّار عن يعقوب بن يزيد عن الحسن بن علي الوشاء عن القاسم بن يزيد عن الفضل عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: من وجد برد حبّنا في كبده فليحمد اللّه على أوّل النعم، قال: قلت: جعلت فداك ما أوّل النعم؟ قال: طيب الولادة، ثم قال أبو عبداللّهعليه‌السلام : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لفاطمةعليها‌السلام : أحلّي نصيبك من الفي لآباء شيعتنا ليطيبوا، ثم قال أبو عبداللّهعليه‌السلام : إنا أحللنا اُمّهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا(٣) . وما رواه محمّد

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٣ باب٣٩ الزيادات حديث: ٢١/٣٩٩.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٣ باب٣٩ الزيادات حديث: ٢٢/٤٠٠، الفقيه: ج٢ ص٤٤ ح١٦٦٠، وفيهما اختلاف.

(٣) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٣ باب٣٩ الزيادات حديث: ٢٣/٤٠١.


ابن الحسن الصفّار عن الحسن بن الحسن ومحمّد بن علي وحسن بن علي بن يوسف جميعاً عن محمّد بن سنان عن حمّاد بن طلحة صاحب السابري عن معاذبن كثير بيّاع الأكسية عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فاذا قام قائمنا حرّم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتوه به يستعين به. فامّا الأرضون فكلّ أرض تعيّن لنا أنها ممّا قد أسلم أهلها فإنه يصحّ لنا التصرّف فيها بالشراء منهم والمعاوضة وما يجري مجراها، وأما أراضي الخراج وأراضي الأنفال والتي قد انجلى أهلها عنها فإنا قد أبحنا أيضاً التصرّف فيها مادام الامام مستتراً، فاذا ظهر يرى وفي ذلك رأيه فنكون نحن في تصرّفنا غير آثمين(١) وقد قدّمنا ما يدلّ على ذلك، والذي يدل عليه أيضاً مارواه سعيد بن عبد اللّه عن أبي جعفر عن الحسن بن محبوب عن عون بن يزيد قال: رأيت أبا سيّار مسمع بن عبدالملك بالمدينة وقد كان حمل الى أبي عبداللّهعليه‌السلام مالاً في تلك السنة فردّه عليه، فقلت له: لم ردّ عليك أبو عبداللّهعليه‌السلام المال الذي حملته إليه؟ فقال: إني قلت حين حملت إليه المال أني كنت ولّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أحبس عنك أو أعرض لها وهي حقّك الذي جعلها اللّه تعالى لك في أموالنا، فقال: وما لنا من الأرض وما أخرج اللّه منها إلّا الخمس، يا أبا سيّار الأرض كّلها لنا فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كلّه، فقال لي: يا أبا سيار الأرض قد طيبّناه لك فضّم إليك مالك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم محللّون، محلّل لهم ذلك الى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة(٢) وما رواه محمّد

____________________

(١) تهذيب الاحكام ج٤ ص١٤٣-١٤٤ باب٣٩ الزيادات وفيه اختلاف ومسلسل الحديث٢٤/٤٠٢.

(٢) تهذيب الاحكام: ج٤ ص١٤٤ باب٣٩ الزيادات حديث٢٥/٤٠٣ وفيه اختلاف يسير قال معلق كتاب التهذيب: في الكافي هكذا " طسق ما كان في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فان كسبهم... الخ " ولعلّه سقط من قلم الناسخ في التهذيب وإلا فهو أنسب في المقام، انتهى كلام معلق التهذيب.


ابن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين بن محبوب عن عمر بن يزيد قال: سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبداللّهعليه‌السلام عن رجل اخذ أرضاً مواتاً تركها أهلها فعمرها وأكرى نهرها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً، قال: فقال ابو عبداللّهعليه‌السلام : كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤدّيه الى الامام في حال الهدنة، فاذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه(١) . وما رواه علي بن الحسن بن فضّال عن جعفر بن محمد بن حكيم عن عبدالكريم بن عمر الخثعمي عن الحارث البصري قال: دخلت على أبي جعفر فجلست عنده فأذن نجيّة قد استأدن عليه فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك إني اُريد أن أسألك عن مسألة ما اُريد بها إلاّ فكاك رقبتي من النار، فكأنّه رقّ له فاستوى جالساً فقال: يا نجيّة: سلني فلا تسألني اليوم إلاّ أخبرتك به، فقال: جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان فقال: يا نجيّة لنا الخمس في كتاب اللّه ولنا الأنفال ولنا صفو المال، هما واللّه أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب اللّه وأوّل من حمل الناس على رقابنا ودمائنا في أعناقهما الى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، وان الناس يتقلّبون في حرام الى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، فقال نجيّة: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاث مرّات، هلكنا وربّ الكعبة، فرفع فخذه عن الوسادة واستقبل القبلة ودعا بدعاء لم أفهم منه شيئاً إلاّ أنا سمعنا في آخر دعائه يقول: اللّهمّ إنا أحللنا ذلك لشيعتنا، قال: ثم أقبل إلينا بوجهه وقال: يا نجيّة ما على فطرة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا. فان قال قائل: إن جميع ما ذكرتموه إنما يدل على إِباحة التصرف لكم في هذه الأرضين ولم يدل على أنه يصحّ لكم تملّكها بالشراء والبيع، فاذا لم

____________________

(١) تهذيب ألاحكام ج٤ ص١٤٥ باب٣٩ الزيادات حديث: ٢٦/٤٠٤ وفيه اختلاف يسير.


يصحّ الشراء والبيع فما يكون فرعاً عليه أيضاً لايصح مثل الوقف والنحلة والهبة وما يجري مجرى ذلك، قيل: قد قسّمنا الأرض فيما مضى على ثلاثة أقسام: أرض يسلم أهلها عليها فهي تترك في أيديهم وهي ملك لهم، فما يكون حكمه هذا الحكم صحّ لنا شراؤها وبيعها، وأمّا الأرضون الّتي تؤخذ عنوةً أو يصالح أهلها عليها فقد أبحنا شراءها وبيعها لأن لنا في ذلك قسماً لأنها أراضي المسلمين، فهذا القسم ممّا يصحّ الشراء والبيع فيه على هذا الوجه، وأما الأنفال وما يجري مجراها فليس تصحّ تملّكها بالشراء وإنما اُبيح لنا التصرّف حسب.

والذي يدّل على القسم الثاني مارواه محمّد بن الحسن الصفّار عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحى قال: حدّثني أبو بردة بن رجا قال: قلت لأبي عبداللّهعليه‌السلام : كيف تراني شراء أرض الخراج؟ قال: ومن يبيع ذلك في أرض المسلمين؟ قال: قلت يبيعها الذي في يديه، قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثم قال: لابأس اشترحقّه منها ويحول حقّ المسلمين عليه ولعّله يكون أقوى عليه وأمين بخراجهم منه(١) . وروى علي بن الحسين بن فضال عن أبراهيم بن هشام عن حماد بن عيسى عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى قال: ليس به بأس، قد ظهر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أهل خيبر فخارجهم على أن تترك الأرض بأيديهم يعملونها ويعمرونها فلا أرى به بأساً لوأنّك اشتريت منها شيئاً، وأيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعملوها فهم أحق بها وهي لهم(٢) . وعنه عن علي بن حمّاد عن حريز عن محمد ابن مسلم وعمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال: سألته عن ذلك فقال: لابأس بشرائها، فانها اذا كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدّي عنها كما يؤدّي

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٦ باب٣٩ - في الزيادات حديث: ٢/٤٠٦، وفيه اختلاف يسير.

(٢) من لايحضره الفقيه ج٣ - كتاب المعيشة - باب احياء الموات والأرضين - ص ٢٣٩ حديث: ٣٨٧٦، وتهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٦ باب٣٩في الزيادات حديث: ٢٩/٤٠٧، وفيها اختلاف يسير.


عنها(١) . وعنه عن علي بن حمّاد بن عيسى عن إبراهيم بن أبي زياد قال:

سألت أبا عبداللّهعليه‌السلام عن الشراء من أرض الجزية قال: فقال: اشترها فإن لك من الحقّ ما هو أكثر من ذلك(٢) . وبهذا الاسناد عن حمّاد عن حريز عن زراره عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: اذا كان كذلك كنتم الى أن تزادوا أقرب منكم الى أن تنقصوا(٣) . وبهذا الاسناد عن حريز عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: سمعته يقول: رفع إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام رجل اشترى أرضاً من أرض الخراج، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : له مالنا وعليه ما علينا مسلماً كان أو كافراً له ما لأهل اللّه وعليه ما عليهم(٤) .

يقول الفقير الى اللّه المنّان إبراهيم بن سليمان: الى هنا كلام الشيخ في التهذيب(٥) ولايخفى على ناظره أنه قد اشتمل على أمرين: (الأول) إباحة التصرّف للشيعة في الخمس والأراضي الى أن يقوم قائم آل محمّدعليهم‌السلام . (الثاني) إباحة البيع والشراء للأراضي من غير تقييد بزمن الغيبة ولايكون البائع شيعيّاً بل ولا مسلماً ولابكون البيع يختصّ بآثار التصرّف، نعم ربمّا فهم منهما سواء له الاختصاص لكن بتوجه (بتوجيه ظ) لأن الجواز مطلقاً يقتضي الجواز للشيعة في جملة من يجوزلهم.

والدليل دلّ على الجواز مطلقاً فلا شبهة، وها هو قد تجلى لناظره، فليطالعه بعين البصيرة، وقد اشتمل على أحكام وأنظار لولا الخروج عن المقصود لأشرنا إليها.

قوله: ووجهه من حيث المعنى أن التصرّف في المفتوحة عنوة انما يكون بإذن الامام، وقد حصل منهم الإذن لشيعتهم حال الغيبة فتكون آثار تصرّفهم محترمة

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٧ باب٣٩ - في الزيادات حديث:٣٠/٤٠٨ وفيه اختلاف يسير.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٧ باب٣٩ - الزيادات حديث:٣١/٤٠٩ وفيه اختلاف يسير.

(٣) تهذيب الاحكام ج٤ باب٣٩ الزيادات حديث:٣٢/٤١٠ وفيه اختلاف يسير.

(٤) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٧ من باب٣٩ - في الزيادات حديث:٣٣/٤١١ وفيه اختلاف يسير.

(٥) تهذيب الأحكام: ج٤ من ص١٤٢ الى ص١٤٧.


بحيث يمكن ترتب البيع ونحوه(١) .

أقول: هذا كلام في نهاية الركاكة والسقوط عن درجة الاعتبار لايخرج من لحيي متأمّل، وذلك أن مطلوب المؤلّف كما هو ظاهر منه صريح أن التصرّف بالبيع ونحوه تبعاً للآثار إنما يصحّ زمان الغيبة، فلا يصحّ إثباته إلّا بأمرين: الصحّة مع الغيبه، وعدم الصحّة لامعها، وكلامه هنا دلالته على الصحّة زمن الغيبة فلا يصحّ دليلاً على المدّعى، على أن المقصود بالذات تخصيص الصحّة بزمن الغيبة لأن الصحّة قد ثبتت على جهة العموم بما مضى من الأدلّة، وأشار إليه أيضاً من الأحاديث، ولا دلالة فيما ذكره عليه أصلاً، هذا والصحّة لا تتوقّف على إباحة الإذن كما قرّرناه سابقاً ونبّهنا على أنه أشار إليه فيما سبق أيضاً فلا مدخل لتوسّط قوله: إن التصرّف انما يكون بإذن الامام(٢) فهذا الكلام عند التأمّل لاحقيقة له، ويحسن التمثيل فيه بقوله تعالى: " وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا كيدُ ساحر ولا يُفلح الساحرُحيث أتى ".(٣)

قوله: وكلام شيخنا في الدروس أيضاً يرشد الى ذلك.(٤)

أقول: ظاهر كلامه في الدروس(٥) غير مقيّد بآثار التصرّف وحمله عليه تكلّف غير حسن، وقد أشرنا إليه سابقاً، وفي خلال كلام الشيخ في التهذيب ما يدلّ عليه.

قوله: وأطلق في المبسوط(٦) أن التصرّف لاينفذ أي لايقيّد بحال الظهور ولا عدمه(٧) .

____________________

(١) و (٢) راجع خراجيته(ره) ص٥٥.

(٣) طه: ٦٩

(٤) و (٧) راجع خراجيته(ره)، ص٥٥.

(٥) الدروس: كتاب احياء الموات ص٢٩٢ - ط الحجرية قم.

(٦) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٢٩ - كتاب الجهاد.


أقول: مسلّم أنه أطلق، لكن مراده بالاطلاق عدم النفوذ على الاستقرار لاعدم نفوذ البيع تبعاً لآثار التصرّف لأن ذلك جائز لا يختلف فيه أحد من الأصحاب فيما علمته.

قوله: ثم قال: وقال ابن إدريس(١) : " إنما يباع ويوقف تحجيرنا وبناؤنا وتصرّفنا لانفس الأرض "، ومراده بذلك أيضاً أن ابن إدريس أطلق جواز التصرّف في مقابل إطلاق الشيخرحمه‌الله عدم جوازه.(٢)

أقول: أسند الى نفسه بصيغة الجمع والى أهل زمنه ظاهر أو هو زمن الغيبة فلا إطلاق بالنسبة إِليها ولو شوحح في ذلك مع فساد المشاحة كما لايخفى، قلنا: ظاهر كلامه فيما سوى الأرض وظاهر الشهيد الاطلاق وإلاّ لم يكن لايراده قول ابن إدريس " لا نفس الارض " فائدة، وكلام الشهيد يقتضي نفوذ التصرّف مطلقاً في الغيبة، وكلام الشيخ يقتضي المنع، وكلام ابن إدريس يقتضي تخصيص الجواز بما سوى نفس الأرض، فمن أين علم أن كلام الشهيد يرشد الى كون البيع لآثار التصرّف مخصوص بالغيبة مع أنه خلاف ظاهره كما حرّرناه وأزلنا اللبس عنه والحمد اللّه.

قوله: في المقدمة الثانية في بيان أرض الأنفال والآجام وبطون الأودية ورؤوس الجبال(٣) .

أقول: لانقض يتعلّق بهذا إلّا أن فيه نكتة أحببت الاشارة إليها حيث أهملها، إمّا لاختياره الاطلاق كغيره أو لغير ذلك وهي أن المراد بما ذكر كلّ ما كان كذلك أو ما كان في ملكه أعني ماليس في يد مسلم من الأرض التّي أسلم

____________________

(١) السرائر - كتاب الزكاة - ص١١٠ الطبعة الحجرية في الطهران.

(٢) راجع خراجيته(ره)، ص٥٥.

(٣) إلّا أنّه (قده) ذكر هذا الأمر في المقدمة الثالثة راجع خراجيته(ره)، ص٥٥.


اهلها عليها طوعاً وجهان في قوّة التعادل. قال العلّامة في المختلف لمّا نقل القولين: والأقرب الإطلاق. لنا ما رواه محمّد بن مسلم في الموثّق عن أبي عبداللّهعليه‌السلام أنه سمعه يقول: الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا واعطوا بأديهم وما كان من أرض خراب أو بطون أودية فهذا من الفيء، والأنفال للّه وللرسول، فكما كان للّه فهو للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يضعه حيث يحب(١) . وما رواه محمّد بن مسلم أيضاً بسند آخر عن الباقرعليه‌السلام وفي حديث سماعة بن مهران وقد سأله عن الأنفال - الى أن قال - الطسق للمالك والشهرة عليه(٢و٣) فيتعيّن الحمل على ما ذكرناه فتمّ الاستدلال والردّ، ثم احتجّ لهما بما هو دليلهما ولا إشكال ولا شك في دلالته على مطلوبهما والتئامه مع مقالتهما لأن الرواية دلّت على أن من عمّرأرضاً خربة لها مالك يكون له وليس للمالك اذا طلبها أن ينزعها منه، فدلّت بعمومها على أرض من أسلم أهلها عليها طوعاً مع خرابها لدخولها تحت اسم الأرض الخربة ونظائرها على خروجها عن ملكه، ولهذا احتاج العلّامة الى حملها على ما ذكره، ولولا ظهور دلالتها على الدعوى لم يحتج الى الحمل، فإن الحمل لايكون إلّا ممّن يريد خلاف ظاهر المحمول، وهذا واضح ثم أورد سنداً على حمله ما هو بعينه صالح للاستدلال على شقّ كلام الشيخ الثاني الذي هو الفتوى المشهور بين أصحابنا، فتمّ مطلوبه ودليله، ولم يقصر عن مدّعاه ولا أورد إلّا ماهو دليل منتج للمدّعي. فانظر أيّها المنصف كيف اجترأ هذا الرجل على إمام المجتهدين وعماد الدين حتّى قال: ثم احتجّ لهما برواية لاتدلّ

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٣٣ حديث:٤/٣٧٠ من باب ٣٨ - في الأنفال وص١٤٩ حديث:٣٨/٤١٦ من باب٣٩ - في الزيادات.

(٢) وسائل الشيعة ج١٣ ص٢٢ حديث٨ من باب١١ - من أبواب بيع الثمار الا انها تغاير ما في الكتاب بتفاوت يسير ولعلّه نقل بالمعنى.

(٣) مختلف الشيعة ج١ ص٢٠٦ المقصد السادس من كتاب الزكاة في الخمس - الفصل الثالث في الانفال - مع تفاوت


على مطلوبهما بل ولا تلتئم مع مقالتهما(١) . فاذا كان هذا قوله في هذا الرجل الذي هو علم التحقيق والتدقيق فكيف لا يشنّع على غيره ووجب أن يتمثّل بهما بقول الشاعر:

وكم من عائب قولاً صحيحاً

وآفته من الفهم السقيم

وأيّ شناعة على العالم أكبر من أنه لا يفهم عدم انطباق الدليل على المدّعى حتّى يستدلّ بما يدّل ولا يلتئم مع المداول. وليت شعري كيف توهّم أن الدليل لا يدلّ ولا يلتئم، فان كان سببه ذكر الغياب في الرواية فلا يخفى قصوره لأنه قال وتركها وأخربها. فالعلّة هي الترك والخراب ولو شوحح بأن الرواية دلّت على أن العلّة المجموع، والتقي والقاضي زعما أن العلّة الخراب مطلقاً، أجبنا بوجهين (أحدهما) أنه لا قائل بمدخلية الغياب مع الخراب، فاعتباره خارج عن الأقوال، فخصوصية قيد الغياب ملغى بلا خلاف، وحينئذٍ فذكره في السؤال وقع للتنبيه على سبب الخراب نظراً الى الغالب لا أنه شرط. ومثل هذا كثير في الروايات يعلمه من طالعها. (وثانيهما) أن الغيبة هنا محمولة على عدم ملاحظته ومراعاته، فان مثل ذلك يسمّى غيبة، فانّ من توجّه الى شيء ببدنه ولم يكن متوجّهاً إليه بقلبه يقال أنه غائب الفلب عنه. أقول: وبنحو هذا الخيال الواهي تحيّري على مثل هذا الفاضل بأنه يستدلّ على ما يدلّ على المطلوب ولا يلتئم مع المقالة، وليس لقائل أن يقل إن العلّامة حاك، فالقصور في استدلال التقي والقاضي لأنه سلم الدلالة وأجاب عنها بالحمل، ولو لم يكن الدليل دالاً كان سوء الفهم منسوباً إليه، وحاشاه بل حاشاهما أيضاً منه، فانظر أيها الناظر سمت الحقّ متجنّباً لغيره " ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه انّ الذين يضلّون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب "(٢) .

____________________

(١) راجع خراجيته(ره) ص٤٣.

(٢) ص:٢٦.


قوله: في خلال كلامه وكلام شيخنا الشهيد في الدروس قريب من كلامهما فإنّه قال يقبّلهما الامام بما يراه ويصرفه في مصالح المسلمين وابن إدريس منع من ذلك كلّه، وقال إنها باقية على ملك الأول ولا يجوز التصرّف فيها إلا باذنه وهو متروك(١) .

أقول: كان الخطأ والسهو لازم هذا الرجل فلا ينفكّ عنه حتّى أنه لونقل عبارة لم ينقلها صحيحاً لا أدري لأي شيء، فإن كان يقول: لأن الرواية تجوز بالمعنى، قلنا: فلا بدّ من مراعاة عدم الاختلاف وهذه عبارة الدروس، فليتأمّل هل هي مخالفة لما نقله أو موافقة، قال: ولوتركوا عمارتها فالمشهور في الرواية أن الامام يقبّلها بما يراه ويصرفه في مصالح المسلمين. وفي النهاية يدفع من حاصله طسقها لأربابها والباقي للمسلمين(٢) وابن إدريس منع من التصرّف بغير إذن أربابها وهو متروك(٣) ولا شك أن الشهيد في هذه العبارة اقتصر على كون المشهور في الرواية ما ذكره وحكى الطسق عن النهاية وهي كتاب خبر حذفت أسانيده، وكأنه أشار الى مقتضى رواية الحلبي السابقة(٤) وذكر قول ابن إدريس وهو المنع من التصرّف بغير إذن أربابها وأنه متروك، وما حكاه المولّف يفهم منه بغير ارتياب لو كان هو عبارة الدروس أنه مفتٍ بتقبيلها وصرف الحاصل في المصالح من غير إشارة الى غير ذلك إلاّ قول ابن إدريس، وقد ذكر أنّه متروك، فأين عبارته ممّا حكاه؟ فاعتبروا يا اُولى الأبصار وإن أردت زيادة الايضاح فبين ما نقله، وبين عبارة الدروس فرق من وجوه:(الأول) أن عبارته تدلّ على الفتوى وعبارة الدروس لا تدلّ عليه بل على أن المشهور في الرواية ذلك. (الثاني) أن عبارته لا

____________________

(١) راجع خراجيته(ره) ص٤٢.

(٢) النهايه فى مجرّد الفقه والفتاوى - كتاب الزكاة - ص١٩٤.

(٣) تهذيب الأحكام ج٧ ص١٤٨. ومسلسل الحديث:٧/٦٥٨من هذا الجزء باب١١ - في أحكام الأرضين.

(٤) الدروس الشرعية في فقه الامامية ص١٦٣ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجرية.


إشعار فيها بالاشارة الى الرواية وهو يدل ظاهراً على عدم قول غير ما حكاه عن ابن إدريس، فاذا كان متروكاً تعيّن الحمل به وعبارة الدروس(١) تدّل على نقل اخلاف بل الرواية لأن النهاية كتاب خبر في الحقيقة.

(الثالث) أن عبارته تدلّ صريحاً على نقل بقاء الملك الأول ويفهم منه أن ما سبق يدلّ على عدمه، وليس في عبارة الشهيد ما يدلّ على عدم الملك أصلاً، بل ربما كان في نقله بكلام ابن إدريس إشعار بأنها باقية على الملك على القولين حيث اقتصر على نقل اشتراط الاذن من أربابها.

(الرابع) أن عبارته تقيّد كون البقاء على الملك متروكاً لانه قول ابن إدريس المتروك، وعبارة الشهيد لا احتمال فيها لذلك، وكيف يكون البقاء على الملك متروكاً وهو فتوى الأكثرين من أصحابنا؟ نعم اشتراط الاذن - كما قاله الشهيد - متروك، فهذا كلام من لا يحقّق شيئاً، اللّهمّ إلاّ أن يكون نقل كلام الدروس من حضورها عنده لظنّه أنه متوهّم لم ينظر هو ولا غيرهُ بعد في ذلك. ومثل هذا التصنيف يجرى مجرى التلاعب بالعلوم ونقل أقوال الفقهاء بالخيال الموهوم نعوذ باللّه من ذلك.

قوله: المقدّمة الثانية في حكم المفتوحة عنوة... الخ.(٢)

أقول: لا نزاع لنا ولا ردّ على حكم المفتوحة عنوةً، فإن حكمها مشهور متداول بين الأصحاب، وقد ذكر المؤلّف عبارة بعضهم بعينها، نعم لنا في هذا الباب الذي ذكره نكت: (الاولى) لم يذكر من حكم المفتوحة عنوة إخراج الخمس منها أو من حاصلها، بل ظاهره عدم ذلك حيث أطلق الحكم بتقبيلها وإخراج حاصلها فيما ذكر، ولا وجه حسناً له فإنّ اللّه تعالى بقول " واعلموا أنّما غنمتم من شيء فإنّ لله خُمُسَه "(٣) الآية، وهي عامّة، والشيخ قال في صدر كلامه الذي

____________________

(١) الدروس الشرعية في فقه الامامية ص١٦٣ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجرية.

(٢) راجع خراجيته(ره) ص٤٦.

(٣) الأنفال: ٤١.


نقله: والذي يقصيه يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوةً أن يكون خمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة للغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء ويكون للإمام...(١) الى آخر ما ذكره عنه. وقال الفاضل ابن إدريس في سرائره: والضرب الثاني من الأرضين ما اُخذ عنوةً بالسيف - بفتح العين - وهو ما اُخذ عن خضوع وتذلّل قال اللّه تعالى " وعنت الوجوه للحيّ القيّوم "(٢) أي خضعت وذلّت، فإن هذه الأرض تكون للمسلمين بأجمعهم المقاتلة وغير المقاتلة، وكان على الامام أن يقبّلها لمن يقوم بعمارها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك، وكان على المتقبّل إخراج ما قبل به من حقّ الرقبة يأخذه الامام فيخرج منه الخمس فيقسمه على مستحقّه والباقي منه يجعل في بيت مال المسلمين يصرف في بيت مال المسلمين يصرف في مصالحهم من سدّ الثغور وتجهيز الجيوش(٣) ، وربما أهمل ذلك بعض الأصحاب إنكالاً على ما سبق منهم قبل، فالمنفرد للبحث لابدّ وأن يتعرّض لذلك لئلاّ يتوهّم عموم الحكم في المفتوحة عنوةً بل هو الظاهر خصوصاً عند غير العالم بالأحكام.

(الثانية): قوله: وهذا الحديث وإن كان من المراسيل إلاّ أن الأصحاب تلقّوه بالقبول ولم نجد له رادّاً وقد عملوا بمضمونه.

واحتجّ به على ما تضمّن من مسائل هذا الباب العلّامة في المنتهى(٤) وما هذا شأنه فهو حجّة بين ألأصحاب(٥) .

أقول: ما ذكره لا غبار عليه، إلاّ أنه سنورد ما هو أبلع شهرة منه مع أنه ردّه

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٢٨ - كتاب الجهاد - فصل في حكم ما يغنم وما لا يغنم - مع تفاوت يسير.

(٢) طه: ١١١.

(٣) السرائر ص١١٠ باب حكم الأرضين - الطبعة الحجريّة.

(٤) منتهى المطلب ج١ - كتاب الخمس - البحث الرابع في الانفال ص٥٥٣ المسألة الأولى الطبعة الحجريّة.

(٥) راجع خراجيته(ره) ص٤٨.


بردّ ليس بشيء ومنه أنه مرسل، فكلامه هنا يكون حجّة عليه هناك، فذكرنا هذا للتنبيه على اختلاف قوليه وعدم ضبطه للقانون وعدم وقوفه بحسب مقتضي الدليل (الثالثة) قال في آخر كلامه: بقي هنا شيء وهو أنه - يعني الخبر المرسل الذي استدلّ به - تضمّن وجوب الزكاة قبل حقّ الارض وبعد ذلك يؤخذ أهل الأرض، والمشهور بين الأصحاب أن الزكاة بعد المؤن، نعم هو قول الشيخرحمه‌الله .

وروى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا(١) عليه‌السلام قال: وما اُخذ بالسّيف فذلك للإمام يقبّله بما يرى كما صنع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخيبر قبّل أرضها ونخلها والناس يقولون لا يصحّ قبالة الآرض والنخل اذا كان البياض أكثر من السواد، وقد قبّل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيبر وعليهم في حصصهم العشر ونصف العشر.

وفي معناه ما رواه أيضاً مقطوعاً عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر(٢) .

أقول: ظاهر إيراده للخبر وما في معناه الاستدلال على كون الزكاة بعد المؤن ولا دلالة في ذلك بوجه من الوجوه إلاّ بالمفهوم على وجه بعيد كما لا يخفى ولا حجّة فيه، فالاستدلال ساقط والمعتمد في الاستدلال على عدم وجوب الزكاة في مجموع الحاصل كما تضمّنه الخبر أن شرط الزكاة ملك النصاب لمالك واحد، ولا كلام أن ارتفاع الأرض للمسلمين فلا يبلغ نصيب كلّ واحد منهم قطعاً فلا يجب فيه الزكاة لاختلال شرط الوجوب وهو ملك النصاب لمالك متفرّد. وبهذا يتم الاستدلال وإن قلنا أن الزكاة تقدّم على المؤن، وما دلّ على الوجوب في الخبر لا يصحّ

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٤ ص١١٩ حديث: ٢/٣٤٢ من باب٣٤ - باب الخراج وعمارة الأرضين، وفيها اختلاف.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ ص١١٩. حديث: ١/٣٤١ باب٣٤ في الخراج وعمارة الأرضين.


الاعتماد عليه إلا بسبب الاعتضاد بالشهرة، ولاشهرة هنا، فسقط الاستدلال به على هذا الحكم.

قوله: الثانية: موات هذه الأرض أعني المفتوحة عنوة وهو ما كان وقت الفتح مواتاً للإمام -عليه‌السلام - خاصّة لا يجوز إِحياؤه إلا بأذنه إن كان ظاهراً، ولو تصرّف فيها متصرّف بغير إذنه كان عليه طسقها، وحال الغيبة يملكها المحيي من غير إذن، ويرشد الى بعض هذه الأحكام ما أوردناه في الحديث السابق عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام . وأدلّ منه ما رواه... إلخ. وروى الشيخ أيضاً عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبداللّهعليه‌السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى فقال: ليس به بأس - الى أن قال - أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعملوها فهم أحقّ بها وهي لهم(١)(٢) .

أقول: لا نزاع لنا في أنّ موات المفتوح عنوة من الأنفال يختصّ به الامامعليه‌السلام ، لكن لنا في كلام المولّف نكتتان:

(الاُولى) أنه سلّم أن المحيي يملكها اذا كان الامام غير ظاهر من غير إذن ولا غبار عليه، إلاّ أنه يقول عن قريب في رسالته: إن ما في يد غير الشيعة من ذلك حرام، وهو خلاف ما سلّمه هنا وخلاف ما أقام الدليل عليه هنا من العموم، وسنشير الى الدليل هناك أيضاً بما يظهر به خطاؤه ولولاه لأمكن أن يجاب عنه بأنه أراد الخاصّ بقرينة ما يأتي من كلامه.

(الثانية) أنه استدلّ بخبر محمّد بن مسلم(٣) الذي ذكرناه عنه ولادلالة فيه بل هو دالّ على ملك المحيي من غير تفصيل، ولولا خصوص ما دلّ من

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٦ حديث٢٩/٤٠٧ باب٣٩ في الزيادات، والفقيه ج٣ ص٢٤٠ وفيهما اختلاف يسير.

(٢) راجع خراجيته(ره) ص٤٩-٥٠.

(٣) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٤٦ حديث:٢٩/٤٠٧ باب٣٩ في الزيادت، والفقيه ج٣ ص٢٤٠ حديث٣٨٧٦ مع اختلاف يسير في الرواية والراوي عمّا في التهذيب.


الأحاديث أمكن الاستدلال به على العموم فلا يليق ذكره دليلاً على ما ادّعاه لأنه لا يدلّ على شيء منه. وقد يعتذر عنه انه أراد الاستدلال على كون الموات بالاحياء تملّك في الجملة وهو عام فيدخل فيه ملكه في زمن الغيبة وغيره دلّ على عدم الملك في زمن الظهور، وهذا لا يخلو من تكلّف.

قوله: الثالثة: قال الشيخ في المبسوط(١) والنهاية(٢) : وكافّة الأصحاب لا يجوّز بيع هذه الأرض... إلخ(٣) .

أقول: قد ثبت أن الناقل يجب عليه تصحيح ما نقله، وقد نقل عن كافّة الأصحاب ذلك، فعليه تصحيح نقله على أنا نقول: قال الشهيدرحمه‌الله في الدروس: ولا يجوز التصرّف في المفتوح عنوةً إلاّ بإذن الامام سواء بالوقف أو بالبيع أو غيرهما، نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك(٤) ، وهو يدلّ بظاهره على خلاف ما نقله عن الكافّة، وربما فهم المؤلّف من كلام الشهيد هذا شيئاً غير ما هو معناه، وسيأتي الكلام عليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى، على أن هذا كلّه بحث في المسألة من حيث هي، وإلاّ فلا فائدة للمؤلّف في ذلك، نظراً الى ما هو مقصوده إذ لا يلزم من كون هذا حكم المفتوح عنوةً حلّ القرية إلا مع دعاء (ادّعاء - خ ل) وستسمع عن قريب بطلانها.

قوله: وفي التذكرة(٥) رواه كذا قال: يودّ بالواو بدلاً عن الراء من الأداء مجزوماً بأنه أمر للغائب محذوف اللام وما ذكرناه أولى(٦) .

أقول: الأولوية هنا لا معنى لها أصلاً بل النظر يتعلّق بتصحيح الرواية ولابدّ

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٤.

(٢) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ص١٩٥ - كتاب الزكاة - باب أحكام الأرضين.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٥٠.

(٤) كتاب الدروس الشرعية في فقه الامامية - كتاب الجهاد - ص١٦٣ الطبعة الحجريّة.

(٥) تذكرة الفقهاء ج١ ص٤٢٨ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجريّة.

(٦) راجع خراجيته(ره)، ص٥١.


للمجتهد من أصل مصحّح عليه يعتمد، فإن كان فيه الواو وجب اتّباعه، وإن كان فيه الراء اتّبع، وليس للأولوية في نقل ألفاظ الأخبار مدخل.

قوله: فإن قلت: اذا جوّزتم البيع ونحوه تبعاً لآثار التصرّف فكيف يجوّز اُولي الأمر أخذها من المشتري؟ وكيف يستردّ رأس ماله مع أنه قد أخذ عوضه أعني تلك الآثار؟ قلت: لا ريب أنّ وليّ الأمر له أن ينتزع أرض الخراج من متقبّلها اذا انقضت مدّة القبالة، وإن كان له فيها شيء من الآثار فانتزاعها من يد المشتري أولى بالجواز، وحينئذٍ فله الرجوع برأس ماله لئلاّ يفوت الثمن والمثمن(١) .

أقول: نفي الريب عن جواز الانتزاع من المتقبّل مع انقضاء مدّة القبالة مسلّم لا غبار عليه، أمّا كون انتزاعها من يد المشتري مساوياً له فضلاً عن كونه أولى بالجواز ممنوع أشد المنع بل في المبسوط(٢) ظاهر البطلان لأن يد المشتري يد معاوضة بذل فيها جزء من ماله ويد المتقبّل ليس كذلك بل هي في معنى المزارعة والمساقاة يستحقّ جزء السبب بسبب عمله والآخر للمالك، فأين هذا من ذاك؟ وهل يستجيز محصّل أن يسطّر في تصنيف تظفر به الاذكياء مثل هذا لولا قلّة التأمل وعدم إمعان النظر؟ ومن العجائب والغرائب قوله: وكيف يسترد رأس ماله مع أنه قد أخذ عوضه، أعني تلك الآثار أنه قبل الابتياع فليس من الأخذ في شيء وإن أراد أنّ ملكها مع انتزاع الامام باقٍ له لم يزل، فلا معنى لردّ الثمن، ولا لقوله لئلاّ يفوت الثمن والمثمن، وإن أراد غير ذلك فهو معقول إلاّ أن يكون من مخترعات اجتهاده فلا بأس.

قوله: لكن الذي يردّ الثمن يحتمل أن يكون هو الامامعليه‌السلام لا نتزاعه ذلك، يحتمل أن يكون البائع لما في الردّ من الاشعار بسبق الآخذ(٣) .

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٥٢.

(٢) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٣٥ - كتاب الجهاد.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٥٢.


أقول: لايحتمل أن يكون المراد إلّا الامامعليه‌السلام لأن البائع باع ماهو جائز له شرعاً بمعاوضة صحيحة ثبت جوازها بالنصّ، فاستحقّ العوض، فلا وجه لردّه، وكيف يحتمل أن يردّه مع أن المنتزع الامامعليه‌السلام وهي في يده؟ ولو احتمل أن يرد البائع وجب الحكم بعود يده كما كانت مالم يعاوضه الامام لأن من آثار التصرّف ماهو مملوك للبائع كالبناء والغرس وغيرهما. ومن العجب أن المؤلّف ما فارق قوله الأول إلاّ بقليل، ثم احتمل ما لايجتمع معه وقوله الأول، واذا تصرّف فيها أحد بالبناء والغرس صح وله بيعها على أنه يبيع ماله فيها من الآثار وخصّ الاختصاص بالتصرّف، ثم قال بعده بما سطّر، وهذا تصريح في جواز بيعه حقّه أعني آثار التصرّف، قلت: فاذا كان ما باعه حقّاً له والامامعليه‌السلام له الانتزاع من حيث إن الأرض لم تنتقل كيف يحتمل أن يردّ البائع ثمن ما هو حقّ له، وقد عاوض عليه بعقد صحيح لازم، ولعلّ هذا من مخترعات اجتهاد المؤلّف في المسائل الفقهية وبعد هذا بأسطر قال: قلت: هذا واضح لاغبار عليه يدّل عليه ما تقدم من قول الصادقعليه‌السلام " اشتر حقّه منها "(١) ، وأنه أثر محترم مملوك لم يخرج عن ملك مالكه بشيء من الأسباب الناقلة فيكون قابلاً لتعلّق التصرّفات، فانظر أيّها المتأمّل الى كلام هذا المؤلّف سابقاً ولاحقاً، وفي الوسط تظفر ببعض الغرائب فيه.

قوله: في التنبيه الأول ردّاً على العلّامة: ثم نعود الى كلامه في المختلف، فإنه قال فيه في آخر المسألة في كتاب البيع: ويحمل قول الشيخ على الأرض المحياة دون الموات قلت: هذا مشكل لأن المحياة هي التي تتعلّق بها هذه الأحكام المذكورة. وأمّا الموات فإنها في حال الغيبة مملوكة للمحيي، ومع وجود الامام لايجوز التصرّف فيها إلّا بإذنه، مع أن الحمل لايلاقي ماقرّبه من مختار ابن إدريس

____________________

(١) تهذيب الاحكام ج٤ ص١٤٦ حديث:٢٨/٤٠٦و ج٧ ص١٥٥ حديث:٣٥/٦٨٦.


لأن مراده بأرض العراق المعمورة المحياة التي يقال فيها لايجوز بيعها ولا هبتها لأنها أرض الخراج، الى هنا كلامه(١) . وقبل التعّرض له نذكر كلام العلّامه في المختلف قال: مسألة الأرض المفتوحة عنوة، قال في المبسوط: لايصحّ بيع شيء من هذه الأرض ولا أن تبنى دوراً ومنازل ومساجد وسقايات ولا غير ذلك من أنواع التصرّف التي تتبع الملك، ومتى فعل شيئاً من ذلك كان التصرّف باطلاً وهو باق على الأصل، وقال ابن إدريس: فإن قيل: نراكم تبيعون وتشرون وتقفون أرض العراق وقد أخذت عنوة، قلنا: إنما نبيع ونقف تصرّفنا وتحجيرنا وبناءنا، فأمّا نفس الأرض فلا يجوز ذلك. وهو يشعر بجواز البناء والتصرّف وهو أقرب، ويحمل قول الشيخ على الأرض المحياة دون الموات(٢) الى هنا.

أقول: لايخفى على الناظر أن الشيخ أطلق المنع من غير تقييد بالمحياة ولا الموات، وأن ابن إدريس أطلق الجوازمن غير تقييد(٣) . وأن العلّامة قد جمع بين القولين بحمل كلام الشيخ على المحياة دون الموات، وقرّب كلام ابن إدريس مع الحمل المذكور وهو عين جعله مخصوصاً بالموات، ولا يرد أن ابن إدريس منع من جواز البيع في الأرض، فاذا حمل كلام العلّامة على الموات لاوجه للمنع لأنّا نجيب أن العلّامة لم يتعرّض إلّا لتقريب جواز البناء والتصرّف لاغير كما لايخفى، فاستشكال المؤلّف سببه قلّة التدّبر في كلام الفضلاء وسرعة التهجّم عليهم بالطعن كما هو دأبه كثيراً. وليت شعري كيف لم يتفطّن في كلام هذا الفاضل حتّى قال: لا يلاقي ما قربّه، فإنه لم يقرّب إلّا الجواز المقابل للمنع المطلق، وحمل كلام الشيخ على المحياة فعلم تفصيل مذهبه، نعم لم يتعرّض لكلام ابن إدريس

____________________

(١) راجع خراجيته(ره) ص٥٣.

(٢) مختلف الشيعة - كتاب الجهاد - ص٣٣٣.

(٣) السرائر ص١١١ باب حكم الأرضين - الطبعة الحجرّية.


في منع بيع نفس الأرض لعدم تعلّق غرضه به في المسألة التي ساقها. وبالجملة فهذا الرجل لم يعض بضرس قاطع على العلم ليعرف مقاصده وينال مطالبه فلو مشى الهوينا وتأخر حيث أخّره القدر كان أنسب بمقامه.

قوله: نعم يحمل كلام الشيخ(ره) على حال وجود الامام وظهوره لامطلقاً(١) .

أقول: هذا من غرائبه وعجائبه، فإن كلام الشيخ عنده مخصوص بالمحياة وقت الفتح فاذا حمل المنع على حال ظهورهعليه‌السلام لامطلقاً جاز ذلك في غيبتة، واذا جاز بيع الأرض ونحوه في الغيبة كان ذلك منافياً لما سبق منه ممّا نقله عن الكافّة، ولمطلوبه الذي هو بصدده، ولأجله ألّف رسالته، فإن التزمه فياحبّذا، لكنه لايلزمه بل هو لغفلته لايدري بتنافي كلامه، ويمكن أنّ سبب حمل توهّمه أن كلام الشيخ مخصوص بالمنع من البيع تبعاً لآثار التصرّف وهو بمعزل عن كلام الشيخ لأن صريح كلامه المنع من بيع نفس الأرض حيث قال: لايجوز بيع شيء من هذه الأرض ولا أن تبنى... إلخ(٢) مع انّا سنبيّن أنّ بيع الآثار لايختصّ بزمن الغيبة، فانظر أيّها المتأمّل ردّه لكلام العلّامة وحمله.

أقول: ومن مختلطات رسالته قوله: الثانية: نفوذ هذه التصرّفات... إلخ، فلنورده بعينه بلفظه ثم نتكلّم عليه.

قال: الثاني نفوذ هذه التصرّفات التي ذكرناها إنما هو في غيبة الامام، أمّا في حال ظهوره فلا، لأنه إنما يجوز التصرّف فيها مطلقاً بإذنه، وعلى هذا فلا ينفذ شيء من التصرّفات المتصرّف فيها استقلالاً، وقد أرشد الى هذا الحكم كلام الشيخ في التهذيب فإنه أورد على نفسه سؤالاً وجواباً محصلهما مع رعاية ألفاظه

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٥٣.

(٢) المبسوط في فقه الامامية ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٤.


بحسب الامكان - الى أن قال: - ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب(١) . [وما رواه حسن بن راشد عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام ... وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام الحديت(٢) . احتج ابن إدريس بأن الأصل إباحة ذلك للمسلم وعدم تخصيص الامامعليه‌السلام فلا يعدل عنه بمثل هذه الأخبار الضعيفه(٣) ، والجواب المنع من أصالة الاباحة، بل الامام أولى لأنّه قائم مقام الرسول عليه وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وبالجملة ففي المسألة نظر(٤) الى هنا كلام العلّامةرحمه‌الله ](٥) .

أقول: لا يخفى أن جوابه الذي أجاب به عن حجّة ابن إدريس غير ناهض لأنه لا يلزم من كونه قائماً مقام الرسولعليه‌السلام وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم أن لا يكون الأصل الاباحة للمسلمين، وأن ما في يد المسلم اذا أسلم عليه لا يكون له ويختصّ بهعليه‌السلام بل يستحبّ البحث في الرسولعليه‌السلام بالنسبة الى ذلك، قال المحقّق في المعتبر(٦) : قال الشيخان: رؤوس الجبال والآجام من الأنفال، وقيل: المراد به ما كان من الأرض المختصّة به، وظاهر كلامهما الاطلاق، ولعلّ مستند ذلك روايه الحسن بن راشد عن أبي الحسن الأول قال: وله رؤوس من الجبال وبطون الأودية والآجام(٧) ، والراوي ضعيف.

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٥٣ -٥٦.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٣٠ ضمن الحديث الثاني عن باب - قسمه الغنائم - وأول الرواية في ص١٢٨ حديث٢/٣٦٦ باب٣٧ في قسمة الغنائم.

(٣) السرائر - كتاب الزكاة - باب أحكام الأرضين ص١١٠ - الطبعة احجريّة.

(٤) مختلف الشيعة ج١ ص٢٠٧ - المقصد السادس من كتاب الزكاة في الخمس الفصل الثالث في الانفال - ط الحجرية.

(٥) ما بين المعقوفتين لم توجد في كلام المحقق الثاني: "قدس‌سره "

(٦) المعتبر في شرح المختصر - كتاب الخمس - ص٢٩٦ الطبعة الحجرية.

(٧) تهذيب الأحكام: ج٤ ص١٣٠ وفيه " رؤوس الجبال " حديث:٢/٣٦٦ " وأول الحديث في ص١٢٨ " باب٣٧ في قسمة الغنائم.


قوله: وفي مرسلة العبّاس الورّاق عن رجل سمّاه عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: اذا غزا قوم بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للامام، واذا غزوا بإذن الامام فغنموا كان الخمس للامام. ومضمون هذه الرواية مشهور بين الاصحاب مع كونها مرسلة وجهالة بعض رجال أسنادها وعدم إمكان التمسّك بظاهرها، إذ من غزا بإذن الامام لا يكون خمس غنيمته كلّها للامامعليه‌السلام (١) .

أقول: هذا الكلام من المؤلّف عجيب غريب، لأنه إن أراد بما ذكر من الإرسال وغير بيان صورة الحال مع كونها حجّة فلا مزيد فيه.

وان أراد الطعن في العمل بالرواية فهو ساقط بالكلية لا يحتاج الى جواب طائل بعد كونها في الاشتهار بين الأصحاب بالغة حدّاً لا يذكرون الاشارة الى خلاف عند الفتوى بمضمونها، ولم أسمع لها رادّاً من الأصحاب، وما هذا حاله في الاشتهار حجة بلا اشكال، وقد سلّم نحو ذلك فيما مضى بقوله: وهذا الحديث وإن كان من المراسيل إِلاّ أنّ الأصحاب تلقّوه بالقبول ولم نجد له رادّاً وقد عملوا بمضمونه. واحتجّ به على ما تضمّن من مسائل هذا الباب العلّامة في المنتهى(٢) ، وما هذا شأنه فهو حجّة بين الأصحاب، وأن ما فيه من الضعف ينجبر بهذا القدر من الشهرة. إِنتهى كلامه، ولا شك أن شهرة هذا الخبر كاد أن لا يلحقه شهرة شيء من المراسيل بل صرّح بعض الأصحاب بنقل الاجماع على مضمونها.

قوله: " وعدم إمكان التمسّك بظاهرها إذ من غزا بإذن الامام لا يكون خمس غنيمة كلّها للامام " أعجب من الأول لوجهين.

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٥٦.

(٢) منتهى المطلب ج١ ص٥٥٤ - كتاب الخمس - البحث الرابع في الانفال - الطبعة الحجريّة.


(أحدهما) ما هو مقرّر مذكور مشهور متواتر بين الأصحاب يعرفه كلّ من خالط الاستدلال بالحديث، وهو أن الخبر اذا اشتمل على ما هو معمول به إما لاشتهاره أو لعدم المعارض له جاز الفتوى به، وإن كان مشتملاً على شيء له معارض أو شاذ لا يصحّ الفتوى به ولا يقدح في جواز العمل بما ليس فيه ذلك، ولولا خوف الاطالة أوردت من ذلك جملة، وكأن المؤلّف لم يلاحظ ما ورد في ذلك في منزوحات البئر(١) وغير من الأحكام الشرعية ولا وصيته المعتبر في ذلك. والدليل العقلي يساعد على ذلك فان المعارضة والتخصيص قد يختصّ ببعض مادلّ عليه الخبر فيكون الباقي سليماً من المعارض فيكون راجح الدلالة فيجب العمل به.

(وثانيهما) أن استناد الخمس إليهعليه‌السلام لأنه القابض له والمتصرّف فيه والحاكم فيه بما شاء كيف لا والإضافة تصدق بأدنى ملا بسة على أن قائلاً لوقال: الخمس كلّه له للرواية لم يكن ردّ كلامه إلا بثبوت الدليل على عدم الاختصاص، فلا بدّ من الجمع، ولا جمع إلاّ بأن إسناده إليه بكونه له من حيث إنه يرفع إليه أو يأخذ ما يصطفيه ويقسمه فيأخذ نصفه ويقسم النصف على الأنصاف، وما يفضل عن كفايتهم في السنة فهو له وما يعوز فهو عليه، فكأنه له وكأنّهم واجبوا النفقة عليه. ليت شعري كيف كان مثل هذا الذي يفهم تطبيقه بأدنى تأمّل يقتضي عدم إمكان التمسّك بظاهرها حتّى يكون قدحاً فيها؟ وهل مثل هذا يصدر من فقيه تكلّف الجمع بين الأخبار المختلفة والنظر في دقائق معانيها ولا ورد ما يحقّق شهرة العمل بالرواية ويدفع احتمال الردّ عليها بالارسال ونحوه فيما ذكرناه من الحكم؟.

قال الشيخ في المبسوط(٢) الأنفال هي كلّ أرض خربة باد أهلها - الى أن

____________________

(١) راجع الوسائل الباب١٤ الى٢٤ من أبواب الماء المطلق في ج١ ص١٢٥ الى ص١٤٤.

(٢) المبسوط في فقه الامامية ج١ ص٢٦٣ كتاب الزكاة.


قال: - فاذا قوتل قوم من أهل حرب بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة للامام خاصّة دون غيره، فجميع ما ذكرناه كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصّة وهي لمن قام مقامه من الأئمّة في كل عصر، فلا يجوز التصرّف في شيء من ذلك إلاّ بإذنه... الخ، ولم يذكر فيه لا قولاً ولا خلافاً.

وقال في النهاية(١) : واذا غزا قوم أهل حرب من غير أمر الامام فغنموا كانت غنيمتهم للامام خاصّة دون غيره، وليس لأحد أن يتصرّف في شيء ممّا يستحقّه الامام من الأنفال والأخماس إلاّ باذنه... الخ.

و قال في الخلاف(٢) : مسألة: اذا دخل قوم دار الحرب وقاتلوا بغير إذن الامام فغنموا كان ذلك للامام خاصّة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(٣) .

وقال ابن إدريس في باب ذكر الأنفال ومستحقّها: ولو قاتل قوم من أهل الحرب بغير أمر الامام فغنموا كانت الغنيمة خاصّة للامام دون غيره، فجميع ما ذكرناه كان للنبيّعليه‌السلام خاصّة وهو لمن قام مقامه من الأئمة في كلّ عصر لأجل المقام لا وراثة...(٤) إلخ.

قلت: ومن مذهب ابن إدريس عدم جواز العمل بخبر الواحد وإن صحّ مستنده مطلقاً فضلاً عن الضعيف، فضلاً عن كونه مخصّصاً لعموم الكتاب، وأفتى بمضمون الرواية فلولا أنها عنده من المشاهير التي يجب العمل بهالم يفتِ بمضمونها، بل الظاهر أنه لا خلاف عنده في مضمونها لأن مجرّد الشهرة مع ضعف المستند لا يقوم حجّة عنده خصوصاً في تخصيص الكتاب العزيز، وكلام المحقّق الآتي

____________________

(١) النهاية: ص٢٠٠، وفيه اختلاف يسير.

(٢) الخلاف ج٢ - كتاب الفيء وقسمة الغنائم - ص٣٣٢ مسألة١٦.

(٣) الى هنا كلام الشيخ الطوسي(ره) في الخلاف.

(٤) السرائر - كتاب الخمس - ص١١٦ الطبعة الحجرية.


ذكره صريح في أنه انمّا اعتمد على الاجماع على مضمونها، وقد سبق نقل الشيخ في الخلاف(١) الاجماع عليه. وقال العلّامة في المنتهى واذا قاتل قوم من غير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة للامام، ذهب إليه الشيخان والسيّد المرتضى رحمهم ‌الله وأ تباعهم. وقال الشافعي... الخ - ثم قال: - احتجّ الأصحاب بما رواه العبّاس الورّاق عن رجل سمّاه...(٢) إلخ.

قلت: ظاهره أن مضمونها متّفق عليه حيث لم يذكر الخلاف إلّا عن المخالفين، وقال " احتجّ الأصحاب " والجمع المحلّى للعموم، وقد يمكن أن يقال الألف واللام للعهد فلا يرجع إلّا الى الثلاثة وأتباعهم لكنه لايقدح إلّا في الدلالة على الاجماع ولا يخلو من مشاحة لاحاجة الى الاطالة بها.

وقال في التحرير في الفصل الثالث في الأنفال: واذا قاتل قوم من غير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة للامامعليه‌السلام خاصة(٣) ولم يشرالى قول ولا خلاف ولااحتمال الى غير ذلك من تصانيفه كالقواعد(٤) والارشاد(٥) وغير هما وعبارات سائر الأصحاب ممّا يخرج تعداده الى الإطناب، لايقال قد قال المحقّقرحمه‌الله في النافع، وقيل: اذا غزا قوم بغير إذنه فغنمتهم له، والروايه مقطوعة فحكاه قولاً وأشار الى ضعفه بكون الرواية مقطوعة(٦) .

وقال في المعتبر: الثانية: قال الثلاثة: اذا قاتل قوم من غير إذن الامام فغنموا فالغنيمة للامام. وقال الشافعي... الخ ثم قال: وما ذكره الأصحاب ربما عوّلوا. فيه على رواية العبّاس الورّاق عن رجل سمّاه عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال:

____________________

(١) الخلاف ج٢ ص٣٣٢ مسألة١٦ - كتاب الفيء وقسمة الغنائم

(٢) منتهى المطلب ج١ ص٥٥٣ - كتاب الخمس - الطبعة الحجرية.

(٣) تحرير الاحكام ج١ ص٧٥ - كتاب الخمس - الطبعة الحجرية.

(٤) قواعدالاحكام ج١ ص٦٢ - كتاب الزكاة - الطبعة الحجرية.

(٥) ارشاد الاذهان ج١ - كتاب الزكاة - النظرالثالث في الخمس ص٢٩٣.

(٦) المختصر النافع في فقه الامامية ص٦٤ - كتاب الخمس.


اذا غزا قوم بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للامام وإن غزوا بأمره كان للامام الخمس(١) وبعض المتأخّرين يستكشف صحّة الدعوى مع إنكاره العمل بخبر الواحد فيحتجّ بدعوى إجماع الاماميّة، وذلك مرتكب فاحش إذا هو يقول: إن الاجماع أنما يكون حجّة اذا علم أن الامام في الجملة، فان كان يعلم ذلك فهو منفرد بعلمه فلا يكون علمه حجّة على من لايعلم(٢) . الى هنا كلامه، ويظهر منه إنكار الفتوى.

فنقول: كلامه في النافع(٣) لايظهر منه غير أنه حكاه قولا ًوأشار الى ضعف مستنده وغاية ما يلزم منه عدم قطعه به على أنّ المعلوم من قاعدته في النافع أنّ ما يقول فيه وقيل هو ما اذا لم يكن مستنده مقطوعاً به عنده وهو لايدلّ على اختياره فلأنه مع أنه صرّح في شرائعه بالفتوى من غير إشارة الى خلاف ولاضعف حيث قال في آخر المقصد الأول من الأنفال: وما يغنمه المقاتلون بغير إذنه فهو لهعليه‌السلام (٤) فلو كان مخالفاً في النافع صريحاً لم يقدح خلافه في الاتفاق لسبق دخوله مع الجماعة وكلامه في المعتبر(٥) لم يرد على ما ذكره في النافع(٦) إلّا بتعيين الثلاثة وبإنكار الاجماع لاعلى طريق نقل الخلاف بل على طريق عدم ثبوته عنده، وهو مرتكب لايخلو من نظر لأن الاجماع المنقول بخبر الواحد حجّة عنده، وابن إدريس من أجلّاء الأصحاب ولوقدح فيه فلا قدح في الشيخ وقد نقله في الخلاف(٧) وهو رئيس الطائفة وامامهم ومعتمدهم في الأقوال والروايات. على أنّا نقول من العجب تردّد المحقّق أو عدم جزمه بالفتوى، وقد اعتمد في غير ذلك على ما هو أقلّ

____________________

(١) تهذيب الاحكام ج٤ ص١٣٥ حديث:١٢/٣٧٨ باب٣٨ في الانفال وفيه اختلاف يسير.

(٢) المعتبر في شرح المختصر - كتاب الخمس - ص٢٩٦ الطبعة الحجريّة.

(٣) المختصر النافع ص٦٤ - كتاب الخمس.

(٤) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام القسم الأول ص١٣٧ من كتاب الخمس في مسائل قسمة الخمس.

(٥) المعتبر في شرح المختصر - كتاب الخمس - ص٢٩٦.

(٦) مختصر النافع - كتاب الخمس - ص٦٤.

(٧) الخلاف ج٢ ص٣٣٢ مسألة١٦ - كتاب الفي وقسمة الغنائم.


شهرة مع ضعف مستنده حيث يقول: رواية يجبر ضعفها الشهرة وهذه أشدّ شهرة، وأيضاً فقد جزم بالفتوى في شرائعه(١) ولا مستند له إلا هذه الرواية فلولا انجبارها بالشهرة أو الاتفاق لم يجز له الفتوى بحال، وعلى كلّ حال فلا محيص ولا مناص عن الشهرة التي يتحقّق معها صحة الاستدلال بالخبر وإن كان مرسلاً.

قال الفاضل المقداد في تنقيحه في شرح قول المحقّق في النافع: وقيل اذا غزا قوم بغير إذنه فغنيمتهم له والرواية مقطوعة والقائل الثلاثة وأتباعهم، والرواية رواها عبّاس الورّاق عن الصادقعليه‌السلام وهي مشهورة بين الأصحاب وعليها عملهم(٢) .

وقال الفاضل ابن فهد مهذّبه في شرح كلامه في الرواية إشارة الى ما رواه العّباس الورّاق عن رجل سمّاه عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال(طاب ثراه): اذا غزا قوم بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام، وإن غزوا بأمره كان الخمس للامام(٣) . وعليها عمل الأصحاب، ويؤيّدها أن ذلك معصية فلا يكون وسيلة الى الفائدة ولأنه ربما كان نوع مفسدة فالمنع أو عزلهم الى تركه فيكون لطفاً فضعفها بإرسالها تؤيّد بعمل الأصحاب وبما وجّهناه(٤) .

قلت: وفي كلاهما(٥) ما يدلّ على الاتفاق، وفي هذا كفاية شافية ووقاية رافية واللّه الفتّاح.

قوله: واذا عرفت ذلك فاعلم أن الأرض المعدودة من الأنفال إمّا أن تكون محياة أو موات، وعلى التقديرين فإمّا أن يكون الواقع يده عليها من الشيعة أولا، فهذه أقسام أربعة وحكمها أن كلّما كان بيد الشيعة من ذلك فهو حلال عليهم مع

____________________

(١) شرائع الاسلام، في مسائل الحلال والحرام القسم الاول ص١٣٧ - من كتاب الخمس في مسائل قسمة الخمس.

(٢) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع ج١ - كتاب الخمس - ص٣٤٣.

(٣) تهذيب الأحكام: ج٤ ص١٣٥ حديث:١٢/٣٧٨ باب٣٨ في الانفال وفيه اختلاف يسير.

(٤) المهذب البارع في شرح المختصر النافع ج١ - كتاب الخمس - ص٥٦٧.

(٥) كذا، الصواب " كليهما ".


اختصاص كلّ من المحياة والموات بحكمه لأن الأئمةعليهم‌السلام أحلّوا ذلك لشيعتهم حال الغيبة وأمّا غيرهم فإنه عليهم حرام(١) .

أقول: في هذه نوع قصور، والأنسب أن يقال: إمّا أن يكون محياة أو موات وحكمها أن كل ما بيد الشيعة... الخ، والأمر سهل في هذا، لكن قوله " وأما غيرهم فإنه عليهم حرام وباطل " فإن ظاهر المذهب أن الموات من الأنفال يصحّ إحياؤه لجميع المسلمين ولا تحرم على أحد منهم في زمن الغيبة، فيد كلّ مسلم عليه يد إباحة، وهو مدلول إطلاق الروايات وفتاوى الأصحاب، حيث حكموا بجواز إحياء الموات من غير تقييد لها بكونها من غير الأنفال، بل في الحقيقة عند التأمّل أكثر موات الأرضين من الأنفال، ويدلّ عليه أيضاً إطلاق إحياء ما ترك عمارته غائباً كان المالك أو حاضراً. نعم الكلام في الكسب فإنه لا يحلّ على الاطلاق على معنى عدم وجوب شيء على المكتسب إلا للشيعة في وجه حسن، وبين ذلك وبين تحريم وضع اليد على الارض بون بعيد، والمؤلف لم يلتفت الى ذلك لأنه من المجازفين، ولهذا استدّل على مدّعاه بقول أبي عبداللّه في رواية عمر بن(١) يزيد: وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم محلّلون يحلّ لهم ذلك الى أن يقوم قائمنا فيحسبهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فإن كسبهم من الأرض حرام حتّى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم(٢) . ولم يتفطّن لعدم دلالة الحديث على تحريم وضع اليد واختصاصه بالتكسّب، وبخبر نجية، ولا دلالة فيه إلاّ من حيث المفهوم، والتحقيق أن مفهوم خبر نجية(٣) لا دلالة فيه أصلاً لأنهعليه‌السلام قال:

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٥٧.

(٢) التهذيب: ج٤ ص١٤٤ حديث:٢٥/٤٠٣ باب٣٩ في الزيادات، وفيه اختلاف يسير وفي هامشه: " في الكافي هكذا: طسق ما كان في أيديهم، وأما ما كان فيأيدي غيرهم فإن كسبهم... الخ. ولعلّه سقط من قلم الناسخ في التهذيب وإلاّ فهو أنسب بالمقام ".

(٣) تهذيب الأحكام: ح٤ ص١٤٥ حديث:٢٧/٤٠٥ باب٣٩ الزيادات.


لنا الخمس في كتاب اللّه ولنا الأنفال ولنا صفو المال - ثم قال: - اللّهم إنا أحللنا ذلك لشيعتنا ومفهومه أنهم لم يحلّوا ذلك لغير شيعتهم. وذلك إشارة الى ما هو حقّهم من الأمور المذكورة، ولا يلزم من عدم إحلالهم الجميع عدم إحلالهم البعض، ولو سلّمت الدلالة فهي محمولة على الكسب بالنسبة الى الأراضي جمعاً بين الأخبار، ويمكن أن يحمل أيضاً الحلّ للشيعة على الحلّ الخاصّ. أعني ما يختلف الحال فيه بين الحضرة والغيبة، بحيث لا يرفع أيديهم عنه بعد الظهور كما دلّ عليه بعض الأخبار وكلام الأصحاب كالعلّامة في المنتهى(١) وغيره.

إقول: لا يشتبه على من ينظر بعين البصيرة الشافية عن شوب كدر طلب غيرالحقّ أنه لا يكاد يحقّق شيئاً ولا ورد ما يزيل الشبهة عمّا ذكرته من الأخبار ومن كلام الأصحاب الدالّ على الاباحة في الأرضين بإطلاقه، وقبل ذلك اُقدّم سؤالاً وجوابه، أما السؤال فهو أن الامامعليه‌السلام أطلق تحريم الكسب من الأرض، وحملهم بعض الأخبار على ذلك لا يتمشّى على اُصول قواعد الشريعة من أن الزرع الزارعه ولو في الأرض وغيره وكذا الغرس لغارسه وانما يلزمه الاُجرة في الذّمة والجواب أن إطلاق التحريم على الكسب باعتبار لزوم الحقّ للغير به مع عدم إبقائه إيّاه من باب إطلاق المسبّب علىالسبب، أو نقول أن حقّ الامامعليه‌السلام متعيّن في العين لإطلاق الطسق وهو الرقبة من خراج الأرض ولا يكون ذلك كسائر الحقوق التي يكون المدين فيها بالخيار في جهات القضاء ولنرجع الى ما قلناه فنقول: أما الدلالة من الأخبار فمنه ما رواه الشيخ في التهذيب عن علّي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من غرس شجراً أو حفر وادياً بدياً(٢) لم يسبقه

____________________

(١) منتهي المطلب ج١ ص٥٥٣ - كتاب الخمس - البحث الرابع في الانفال - الطبعة الحجريّة.

(٢) البدي: البئر التي حفرت في الاسلام وليست بعادية.(من هامش التهذيب).


إليه أحد أو أحيا أرضاً ميتة فهي له قضاء من اللّه عزوجلّ ورسوله(١) . وعنه عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول: أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم(٢) .

وعن الحسن بن محبوب عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبداللّهعليه‌السلام يقول: أيّما رجل أتى خربة بايرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فإن عليه فيها الصدقة، فان كانت أرضاً لرجل قبله فغاب عنها وتركها وأخربها ثم جاء بعد فطلبها فإن الأرض للّه عزّوجل ولمن عمرها(٣) . وعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد عن حريز عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وفضيل وبكير وحمران وعبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي جعفرو أبي عبداللّهعليهما‌السلام قالا: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحيا أرضاً مواتاً فهي له(٤) . وعن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: وجدناه في كتاب عليعليه‌السلام : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتّقون والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤدِّ خراجها الى الامام وله ما أكل منها وإن تركها أو خربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحقّ بها من الذي تركها فليؤدِّ خراجها الى الامام من أهل بيتي وله ما أكل حتّى يظهر القائم من أهل بيتى بالسيف فيحوبها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنعها إلا ما كان في أيدي شيعتنا فيقاطعهم على ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم(٥) .

____________________

(١) تهذيب الأحكام: ج٧ ص١٥١ حديث:١٩/٦٧٠من الباب١١ في أحكام الأرضين.

(٢) تهذيب الأحكام: ج٧ ص١٥٢ وفيه اختلاف يسير حديث:٢٠/٦٧١ باب١١ في أحكام الأرضين.

(٣) تهذيب الأحكام: ج٧ ص١٥٢ حديث:٢١/٦٧٢ باب١١ في أحكام الأرضين.

(٤) تهذيب الأحكام: ج٧ ص١٥٢ حديث:٢٢/٦٧٣ باب١١ في أحكام الأرضين.

(٥) تهذيب الأحكام: ج٧ ص١٥٢ حديث:٢٣/٦٧٤ باب١١ في أحكام الأرضين.


أقول: قطع تفصيل هذه الرواية النزاع وفصح عن المراد وفيها وفيما سبق جملة كافية من الأخبار. وأما الدلالة من كلام الأصحاب فأكثر من أن تحصى، فمنه ما ذكره العلّامة في المنتهى وهذه عبارته: وأما الموات منها وقت الفتح فهي للامام خاصّة لا يجوز لأحد إحياؤه إلا بإذنه إن كان موجوداً ولو تصرّف فيها بغير إذنه كان على المتصرّف طسقها ويملكها المحيي عند غيبته من غير إذن - الى أن قال: - ويدلّ على أن المحيي للموات في غيبتهعليه‌السلام يملكها بالإحياء ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد قال: سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبداللّهعليه‌السلام عن رجل أخذ أرضاً مواتاً تركها أهلها فعمرها وأكرى أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً قال: فقال أبو عبداللّهعليه‌السلام كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه الى الامام فهي في حالة الهدنة، فإذا ظهر القائمعليه‌السلام فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه(١)(٢) .

قلت: والمراد بالمؤمنين في الخبر المسلمون لأن الشيعة مأذون لهم اتّفاقاً فجعل الفاضل الخبر دليلاً على الملك من غير إذن يدلّ على أنه فهم ما ذكرناه من أن المراد المسلمون، والغرض الاستشهاد بكلام الأصحاب فلا مشاحة في دلالة الخبر وعدم حجيّة فهم العلّامة إذ الدّليل قد تقدم في الأخبار.

وقال في التحرير في كتاب إحياء الموات: ولو كان الامام غائباً كان المحيي أحق بها مادام قائماً بعمارتها، فإن تركها فزالت آثارها فأحياها غيره كان الثاني أحق، فاذا ظهر الامام كان له رفع يده عنها(٣) وقد سمعت ما ذكره في باب قسمة الأراضي عند ذكر الأنفال في صدر الرسالة.

____________________

(١) تهذيب الأحكام: ج٤ ص١٤٥ حديث:٢٦/٤٠٤ باب٣٩ في الزيادات.

(٢) منتهى المطلب: ج٢ ص٩٣٦ كتاب الجهاد البحث الثالث في أحكام الأرضين - الطبعة الحجريّة.

(٣) تحرير الأحكام: ج٢ ص١٣٠ كتاب احياء الموات بيان أقسام الأرضين الرابع - الطبعة الحجريّة.


و قال في الارشاد: ويجوز إحياء الموات بإذن الامام وبدون إذنه مع غيبته ولا يملكه الكافر(١) .

و قال في القواعد: وكلّ أرض لم يجر عليها ملك مسلم فهي للامام، وما جرى عليها ملك مسلم فهي له وبعده لورثته، فإن لم يكن لها مالك معيّن فهي للامام ولا يجوز إحياؤها إلاّ بأذنه، فإن بادر وأحياها بغير إذنه لم يملكها، فإن كان غائباً كان أحق بها مادام قائماً بعمارتها، فإن تركها فبادت آثارها فأحياها غيره كان الثاني أحق، وللامام بعد ظهوره رفع يده(٢) .

و قال الشهيدرحمه‌الله في دروسه: ونعني بالموات ما لا ينتفع به لعطلته إما لانقطاع الماء عنه أو لاستيلائه عليه أو لاستيجابه مع خلوّه من الاختصاص، ويشترط في تملّكه بالاحياء اُمور تسعة: (أحدها) إذن الامام على الأظهر سواء كان قريباً من العمران أم لا، وفي غيبة الامام يكون المحيي أحقّ بها مادام قائماً بعمارتها، فإن تركها فزالت آثاره زالت يده...(وثانيها) أن يكون المحيي مسلماً...(٣) إلخ. وعبارات الأصحاب في هذا كثيرة لا يخلو منها سطور، واشتركت معنىً في أن إحياء الموات في حال الغيبة لسائر المسلمين جائز ويقتضي ثبوت اليد وكون المحيي أحقّ بالأرض، وهذا ممّا لا شك فيه ولا شبهة لديه ولا غبار عليه. وفي هذا القدر كفاية وتقنع واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل.

قوله: المقدّمة الرابعة: في تعيين ما فتح عنوة من الأرضين... الخ(٤) .

أقول: لا بحث لنا منوطاً بهذه المقدّمة إلاّ في العراق.

____________________

(١) ارشاد الأذهان ج١ - كتاب الجهاد - المطلب الثالث سياقة ص٣٤٨.

(٢) قواعد الأحكام ج١ - كتاب احياء الموات - ص٢٢٠ السبب الأول في الاختصاص - الطبعة الحجرية.

(٣) الدروس الشرعية في فقه الاماميّة ص٢٩٢ - كتاب احياء الموات - الطبعة الحجرية وفيه اختلاف يسير.

(٤) راجع خراجيته(ره)، ص٦١.


والمؤلّف قال: وأما أرض العراق التي تسمّى بأرض السواد وهي المفتوحة من الفرس التي فتحت في أيام الثاني فلا خلاف في أنها فتحت عنوة(١) .

أقول: إن أراد بقوله " لاخلاف في أنها فتحت عنوة " أنه لاخلاف في كونها فتحت بالسيف في الجملة على معنىً أن فتحها لم يكن بالصلح ولا بهرب أهلها وتسليمها ولا بإسلامهم طوعاً بل بال محاربة فهو حقّ اليقين لأنه من المتوارات(٢) لكن لايجديه في مطلوبه نفعاً، وإن أراد أنها بحكم المفتوحة عنوة على معنىً أن عامرها للمسلمين وغامرها للامام على ما سبق من تفصيل الأحكام فهو معلوم البطلان إذ الخلاف متحقّق، بل لوشئت أن أقول: لاخلاف في كونها من الأنفال لأنها غنيمة الغازي بغير إذنه فيكون منها، لقلت: وما يوجد من بعض الروايات فهو محمول على التقية، وعبارات الأصحاب لايخلو عن شيء يمكن تطبيقه على ماينافي الاتّفاق، والآن فلسنا بصدد دعوى ذلك لنحققه بل بصدد بيان بطلان قوله " لاخلاف " ومن أنه لم يأت بدليل على الاجماع أكثر من إيراد عبارتين أو ثلاثة لبعض أصحابنا ورواية أو روايتين من الحديث وليس من الدلالة على الاجماع في شيء، بل لو كانت دعواه ترجيح أحد المذهبين لم يقم ما ذكره دليلاً على مدّعاه لأن قول رجلين أو ثلاثة في أصحابنا ليس بدليل، وخبر الواحد بمجرّده قد يمنع دلالته ومع تسليمها فمع الخلّو عن المعارض، والمعارض وهو ما علم من أنها فتحت في زمن الثاني وقد سلمه معلوم وإذن عليعليه‌السلام (٣) غير معلوم، وليس حمل الخبر على ما يقتضي الاذن أولى من حمله على التقية للجزم بأنها فتحت في غير زمن الامام الظاهر اليد، وكلام الشيخ يدّل على أن عدم الاذن محقّق وسيأتي.

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٦٣.

(٢) الصحيح المتواترات.

(٣) تهذيب الأحكام جص١٤٥ حديث:٢٦/٤٠٤ باب٣٩ في الزيادات.


وأعجب من ذلك أن العلّامة في المنتهى(١) والتحرير(٢) نقل عن الشيخ ما يدلّ على أنها من الأنفال فأسقطه حتّى أورد الكلامين، وأورد هو قول الشيخ في المبسوط(٣) وجعل آخره إيراداً ثم أجاب عنه بكلام رثّ ركيك لا يفوه به متأمّل وحيث كانت هذه المسألة من المهمّات علماً وعملاً ونقضاً وجب إيضاحها على وجه لا يبقى معه اشتباه، فنقول وباللّه التوفيق: ثبت بما لا غبار عليه أن الثاني بعث عسكراً فتح العراق ووليّ الأمر عندنا وهو عليعليه‌السلام حينئذٍ مقهور اليد عامل بالتقية متابع خوفاً على نفسه للثاني لا يشكّ فيها أحد من علمائنا، ومن المعلوم أنّعليه‌السلام عند الثاني في ظاهره وعند من يدين بإمامته من الرعية، لا حكم له من حيث الامامة ولا أمر ولا إذن ولا غير ذلك وهذا مقطوع به أيضاً، فالغنيمة التي غنمها العسكر غنيمة عسكر ليس من قبل إمام عادل عندنا فهي من الأنفال على الرواية المشهورة بين الأصحاب،(٤) وقد أسلفناها وما يدلّ على شهرتها ونقل الاجماع عليها، فالعراق حينئذٍ من الأنفال ولايحتمل أن يكون بحكم المفتوحة عنوة إلاّ على أحد أمرين:

(الأول) كون العسكر أتى بإذن وليّ الأمر وهو غير معلوم والأصل عدمه، بل لوقيل إنه ثابت العدم أمكن لأنه إعانه على اشتهار إمامته وعموم رياسته وهو إغراء بالقبيح لايليق من المعصوم إلا على وجه لا يخلو من نظر هو أن ذلك أخفّ ضرراً مع اشتهار اسم الاسلام من البقاء على الكفر، ولا يخفى على المتأمل ما فيه، وممّا يؤيدّ عدم تحقّق الاذن ويؤكّده اُمور ستسمعها إن شاء اللّه تعالى، ولنورد منها هنا شيئاً واحداً هو انّ السيّد الفاضل الكامل العالم العامل علي بن

____________________

(١) منتهى المطلب ج١ ص٥٥٣ - كتاب الخمس - البحث الرابع في الانفال - الطبعة الحجريّة.

(٢) تحرير الأحكام ج١ ص١٤٣ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجريّة.

(٣) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٣٤ - كتاب الجهاد.

(٤) تهذيب الأحكام ج ٧ ص١٥٢ حديث٢٣/٦٧٤ من باب١١ في أحكام الأرضين.


عبد الحميد الحسيني قدّس اللّه سرّه قال في شرحه الذي بلغ فيه الغاية وتجاوز فيه النهاية للنافع وطاهره أنه حكاية عن شيخه فخر الدينرحمه‌الله ما هذا لفظه: وأما العراق فقيل فتح عنوة فهو للمسلمين كافّة لايباع ولا يوقف ولا يوهب ولا يملك لأن الحسن والحسينعليهما‌السلام كانا مع الجيش وفتح بإذن عليعليه‌السلام ، وقيل لم يفتح عنوة لأن الفتح عنوة هو الذي يكون بحضور الامام أو نائب الامام أو إِذن الامام وليس شيء من ذلك معلوماً، وكذا قولهم أن الحسن والحسينعليهما‌السلام كانا مع الجيش أيضاً غير معلوم فلا يكون مفتوحاً عنوة فيكون للامامعليه‌السلام وهو المفتي به، وكذا قال والده(١) . الى هنا كلامهرحمه‌الله .

أقول: ولم أقف على حديث أعتمد عليه ولو خبر واحد في أنهعليه‌السلام أذن في ذلك، والأصل والظاهر متطابقان على عدمه، فيكون منفيّاً وعلى كلّ تقدير فائدة الاجماع الذي ادّعاه مع التصريح بالخلاف كما سمعته.

(الثاني) الشك في مقتضى الرواية وليس بمتوجّه لما قرّرنا سابقاً، ولاُورد عبارات بعض الأصحاب في هذا الباب.

قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط: وأما أرض السواد فهي الأرض المفتوحة من الفرس الذي فتحها عمر وهي سواد العراق فلمّا فتحت بعث عمر عمّار بن ياسر أميراً وابن مسعود قاضياً ووالياً على بيت المال وعثمان بن حنيف ماسحاً، فمسح عثمان الأرض. واختلفوا في مبلغها، فقال الساجي اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبو عبيدة ستة وثلاثون ألف جريب وهي ما بين عبادان والموصل طولاً وبين القادسية وحلوان عرضاً، ثم ضرب على كلّ جريب نخل ثمانية دراهم والرطبة ستة والشجر كذلك والحنطة أربعة والشعير درهمين وكتب الى عمر فأمضاه. وروى أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم

____________________

(١) لم يتوفّر لدينا شرح الحسيني على المختصر.


فلما ولّي عمر بن عبدالعزيز رجع الى ثلاثين ألف ألف في أول سنة وفي الثانية بلغ ستين ألف ألف فقال: لوعشت سنة اُخرى لرددتها الى ما كان في أيام عمر فمات تلك السنة، وكذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا اُقضي الأمر إليه أمضى ذلك لأنه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما يجب عنده فيه، والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة أن يكون خمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة، يكون الغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء، ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما يبوءبهم من سدّ الثغور ومؤونة المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من المصالح، وليس الغانمين في هذه الأرضين خصوصاً شيء بل هم والمسلمون فيه سواء، ولا يصّح بيع شيء من هذه الأرضين ولا هبته ولا معاوضته ولا تملّكه ولا وقفه ولا إجارته ولا إرثه، ولا يصحّ أن نبني دوراً ومنازل ومساجد وسقايات ولا غير ذلك من أنواع التصرّف الذي تتبع الملك، ومتى فعل شيئاً من ذلك كان التصرّف باطلاً وهو باقٍ على الأصل، وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الامام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصّة هذه الأرضون وغيرها ممّا فتحت بعد الرسول إلا ما فتح في أيام أميرالمؤمنين إن صحّ شيء من ذلك يكون للامام خاصّة ويكون من جملة الأنفال التي له خاصّة لا يشركه فيها غيره(١) .

أقول: لا خفاء ولا شبهة أن الشيخرحمه‌الله بهذا الكلام حاكم أن الفتح كان بغير إذن عليعليه‌السلام لأنه حكم بأنه على الرواية يكون من الأنفال، والرواية تضمّنت أن ما فتح له بغير إذنه يكون له، فلولا أن عدم الاذن محقّق عنده لم يحكم بأنها من الأنفال على الرواية بلامرية لأنه لا يلزم من الرواية أن ما فتح بإذنه من

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٣.


الأنفال بل ما فتح بغير إذنه، وقد حكم على الرواية بأن العراق وسائر ما فتح في غير أيام عليعليه‌السلام يكون من الأنفال، وهذا صريح ينادي من له أدنى تأمّل بأن غزو العسكر لم يكن بإذن أمير المؤمنينعليه‌السلام وأن مذهب الشيخ أنها من الأنفال لأنه مفت بمقتضى الرواية وجازم بها في كتبه بل ادّعى في بعضها الاجماع على مقتضاها كما أسلفنا حكاية عنه. إن قلت ما قد قال سابقاً والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها ينافي حكمه بكونها من الأنفال على الرواية لأن الرواية عنده محقّقة مجزوم(١) بها كما ذكرته عنه في هذا الكتاب وغيره كالنهاية(٢) فما الجمع بين كلاميه؟ قلت: وجه الجمع بين كلاميه أن يحمل الكلام الأول على الردّ على العامّة بتقدير الفتح عنوة، فان الذي يقتضيه المذهب في المفتوح عنوة ما ذكره، وعند الشافعي أن حكمه حكم ما ينقل ويحوّل،(٣) وبه قال الزبير، وذهب قوم الى أن الامام مخيّر فيه بين شيئين بين أنّ يقسّمه على الغانمين وبين أن ينفقه على المسلمين. ذهب اليه عمرو معاد الثوري وعبداللّه بن المبارك، وذهب ابو حنيفة وأصحابه الى أن الامام مخيّر فيه بين ثلاثة أشياء: بين أن يقسّمه على الغانمين وبين أن ينفقه على المسلمين وبين أن يقرّ أهلها عليها ويضرب عليهم الجزية باسم الخراج، فإن شاء أقرّ أهلها الذين كانوا فيها، وإن شاء أخرج اُولئك وأتى بقوم آخرين من المشركين وأقمرهم فيها وأضرب عليهم الجزية باسم الخراج، وذهب مالك الى أن ذلك يصير وقفاً على المسلمين بنفس الاغتنام والأخذ من غير إنفاق الامام، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه،(٤) فلمّا علم الشيخ أنّهم اتفقوا على أنها

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٧ ص١٥٢ حديث:٢٣/٦٧٤ من باب١١ في أحكام الأرضين.

(٢) النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى - كتاب الزكاة - ص٢٠٠.

(٣) الامّ ج٤ ص١٤٠ كتاب الوصايا تفريق القسم فيها اوجف عليه الخيل والركاب.

(٤) الخلاف ج٢ ص٣٣٣ المسألة١٨و١٩ من كتاب الفيء وقسمة الغنائم - ط " اسماعيليان "


فتحت عنوة وأن أكثر مذاهبهم ليس على ما هو الحق في المفتوح عنوة أشار الى أن الذي يقتضيه المذهب في المفتوح عنوة ما ذكره بيّن ذلك للردّ عليهم، ثم أشار الى ما هو مذهب الاماميّة واختارهم وذكر سند اختيارهم وهو الرواية، فهذا حقيقة كلام الشيخرحمه‌الله يعرفه من دعاه و من تدبّر مباحثه في كتبه خصوصاً المبسوط،(١) وكيف يليق غير هذا وهو حاكم مفتٍ بمقتضى الرواية وحاكم أن الأمر على مقتضاها أن يكون العراق من الأنفال.

قال المؤلّف في آخر هذه المقدّمة: فان قلت أليس قد قال الشيخ في المبسوط ما صورته: وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إِذن الامام فغنمت تكون الغنيمة للامامعليه‌السلام خاصّة(٢) تكون هذه الأرضون وغيرها ممّا فتحت بعد الرسول إلاّ ما فتح بعد في أيام أمير المؤمنينعليه‌السلام - إن صحّ شيء من ذلك - يكون للامام خاصّة ويكون من جملة الأنفال التي لا يشركه فيها غيره،(٣) وهذا الكلام يقتضي أن لا يكون أرض العراق من المفتوحة عنوة. قلت: الجواب عن ذلك من وجوه:

(الأول) أن الشيخ قال هذا على صورة الحكاية وفتواه ما تقدّم في أول الكلام مع أن جميع أصحابنا مصرّحون في هذا الباب بما قاله الشيخ في أول كلامه، والعلّامة في المنتهى(٤) والتذكرة(٥) أورد كلام الشيخ هذا حكاية وإيراداً بعد أن أفتى بمثل كلامه الأول حيث قال في أوّل كلامه: وهذه الأرض فتحت عنوة... الخ ولم يتعرّض لما ذكره أخيراً بشيء.

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية ج٢ - كتاب الجهاد.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ حديث:١٢/٣٧٨ باب٣٨ - في الأنفال ص١٣٥.

(٣) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٣٤ - كتاب الجهاد.

(٤) منتهى المطلب ج٢ ص٩٣٨ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجريّة.

(٥) تذكرة الفقهاء ج١ ص٤٢٨ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجريّة.


(الثاني) أن الرواية(١) التي أشار اليها ضعيفة الاسناد ومرسلة، ومثل هذه كيف يحتجّ به أو يسكن إليه مع أن الظاهر من كلام العلّامة في المنتهى ضعف العمل بها؟ (الثالث) إنّا لو سلمنا صحّة الرواية(٢) المذكورة لم يكن فيها دلالة على أن أرض العراق فتحت عنوة بغير أمر الامام، فقد سمعنا أن عمر استشار أمير المؤمنين في ذلك، وممّا يدّل على ذلك فعل عمّار فإنه من خلصاء أمير المؤمنينعليه‌السلام ولولا أمره لما ساغ له الدخول في أمرها(٣) . الىهنا.

أقول: هذا الكلام ممّا يجب أن يقام منه على ساق وينتصر لدين اللّه منه فإنه مع بطلانه لا يصل الى مرتبة الشبهة بل هو أوهى من بيت العنكبوت وذلك لأن قوله في الوجه الأول من الأجوبة: إن الشيخ قال " هذا على صورة الحكاية وفتواه ما تقدّم في أول كلامه " ليس بمعقول لأن الشيخ حكم على تقدير الرواية بأن العراق من الأنفال فهو حكم معلّق على تقدير جواز العمل بالرواية، ويلزم منه أنّ العسكر الذي افتتح العراق كان بغير إذنه لأن مقتضى الرواية ليس إلاّ مع ذلك.

فليت شعري كيف يخيّل(٤) أن يكون هذا حكاية؟ لا أدري عمّن حكى. وأما الحكاية التي حكى ليس إلاّ أنه حكم على تقدير، فإمّا أن يمنع الملازمة ردّاً عليه أو يمنع الأصل الذي يبنى عليه، وأمّا كون كلامه حكاية فهو حكاية لا يخلومن نكاية.

قوله: مع أن جميع أصحابنا يصرّحون في هذا الباب بما قاله الشيخ في أول كلامه(٥) .

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٣٥ حديث١٢/٣٧٨ الباب٣٨ في الأنفال.

(٢) المبسوط في فقه الامامية ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٣.

(٣) و (٥) راجع خراجيته(ره)، ص٦٧-٦٨.

(٤) الظاهر (يحتمل).


أقول: قد سمعت ما حكيناه عن فخرالدينرحمه‌الله والذي أعرفه أن أكثر الأصحاب لم يتعرضّ لذلك بنفي ولا إثبات نعم ذكره أفراد منهم كالعلّامة(١) والشيخ(٢) علىما سمعته من قوله الدالّ على أنها من الأنفال وابن إدريس أشار الى ذلك في سرائره(٣) إشارة، فليت شعري كيف كان قول أفراد قليلين مع عدم التصريح من بعضهم جميع الأصحاب " إنَّ هذا لشَيء عُجابٌ "(٤) . وأعجب منه التصحيح(٥) من بعض الأصحاب بالخلاف وباختيار العكس جزماً أو معلّقاً على ما هو مسلّم، فكيف يدخل مثل هذا في الجميع. وأعجب منه التصريح من الجميع.

قوله: والعلّامة في المنتهى والتذكرة أورد كلام الشيخ هذا حكاية وإيراداً بعد أن أفتى بمثل كلامه الأول حيث قال في أول كلامه وهذه الأرض فتحت عنوة لم يتعرّض لما ذكره آخراً بشيء(٦) .

أقول: إنما كان أعجب لأنه أورد سنداً للردّ على قول الشيخ بأنه مخالف لما قاله جميع الأصحاب مع أن الذي أشار إليه من الأصحاب لم يسكتوا عن كلام الشيخ بل أورده حكاية، وفيه دلالة ظاهرة على فهمهم منه ما يخالف فتواهم وعلى اعتبار القول حيث أوردوه بعد فتواهم، وهذا يؤكد عدم إطلاق فتوى من أفتى من الموردين لكلامه بدون إيراد قوله والاشارة إليه، فكيف يكون سنداً على أن قول الشيخ خلاف الاجماع أو أنه حكاية؟! نعم ما ذكره العلّامة عنه حكاية فاعتبروا يا اُولي الأبصار. هذا وكلام العلّامة في المنتهى ليس فيه دلالة على أنه

____________________

(١) منتهى المطلب ج٢ - كتاب الجهاد - ص٩٣٨ الطبعة الحجرية. تذكرة الفقهاء ج١ - كتاب الجهاد - ص٤٢٨ الطبعةالحجرية.

(٢) المبسوط في فقه الامامية ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٤.

(٣) السرائر ص١١٦ - كتاب الخمس - باب ذكرالانفال ومن يستحقها - الطبعة الثانية الحجرية.

(٤) ص: ٥.

(٥) الصحيح " التصريح "

(٦) راجع خراجيته(ره)، ص٦٧.


مفتٍ بأنها بحكم المفتوح عنوة بشيء من الدلالات لأنه قال: مسألة: أرض السواد هي الأرض المفتوحة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطّاب وهي سواد العراق وحده في الأرض من منقطع الجبال الى طرف القادسية المتّصل بقريب من أرض العرب ومن تخوم الموصل طولاً الى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة. فأما الغربي الذي يليه البصرة فإنما هو إسلامي مثل شط عثمان بن أبي العاص ما والاها كانت سباخاً ومواتاً فأحياها عثمان ابن ابي العاص وسميت هذه الارض سواداً لأن الجيش لما خرجوا من البادية رأوا هذه الأرض والتفاف شجرها سمّوها السواد لذلك، وهذه الأرض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطّاب، ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاثة أنفس عمّار بن ياسر على صلاته أميراً، وابن مسعود قاضياً ووالياً على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وفرض لهم كلّ يوم شاة شرطها مع القسوط لعمار وشطرها للآخرين وقال: ما أرى، قرية يؤخذ منها كلّ يوم شاة إلّا سريع في خرابها، ومسح عثمان بن حنيف أرض الخراج واختلفوا في مبلغها فقال الساجي إثنان وثلاثون ألف جريب. وقال: ابوعبيدة: ست وثلاثون ألف ألف جريب ثم ضرب على كلّ جريب نخل عشرة دراهم وعلى الكرام ثما نية دراهم وعلى جريب الشجر والرطبة ستة دراهم وعلى الحنطة أربعة دراهم وعلى الشعير درهمين ثم كتب بذالك الى عمر فامضاه، وروي أن ارتفاعها كان في عهد محمر مائة وستين ألف ألف درهم، فلمّا كان زمان الحجّاج رجع الى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولّي عمر بن العزيز رجع الى ثلاثين ألف ألف درهم في أول سنته وفي الثانية بلغ الى ستين الف ألف درهم، فقال: لوعشت سنة اُخري لرددتها الى ما كان في أيام عمر، فمات تلك السنة، ولما اُفضي الأمر الى أمير المؤمنين عليعليه‌السلام أمضى ذلك لأنه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما يجب عنده فيه.

قال الشيخ(ره): والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد


التي فتحت عنوة يخرج خمسها لأرباب الخمس وأربعة أخماسها الباقية يكون للمسلمين قاطبة - الغانمين وغيرهم سواء في ذلك - ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما يبوء بهم من سدّ الثغور وتقوية المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من المصالح، وليس للغانمين في هذه الأرضين على وجه التخصيص شيء بل هم والمسلمون فيه سواء، ولايصح بيع شيء من هذه الأرضين ولاهبته ولامعاوضته ولاتملّكه ولا وقفه ولا رهنه ولاإجارته ولا إرثه، ولايصحّ أن تبنى دوراً ومنازلاً ومساجد وسقايات ولاغير ذلك من أنواع التصرّف التي تتبع الملك، ومتى فعل شيئاً من ذلك كان التصرّف باطلاً وهو باقٍ على الأصل. ثم قالرحمه‌الله : وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الامام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصّة تكون هذه الأرضون وغيرها ممّا فتحت بعد الرسول إلاّ ما فتح في أيام أمير المؤمنينعليه‌السلام - إن صحّ شيء من ذلك - يكون للامام خاصّة ويكون من جملة الأنفال التي له خاصّة لايشركه فيها غيره(١) . فانظر أيها المتأمل بعين البصيرة الى قلّة تأمّل بعين البصيرة الى قلّة تأمل هذا الرجل وجرأته على دعوى الاجماع ونفي الخلاف والنقل عن جميع الأصحاب، مع أن عبارات أمثالهم كما تلونا عليك، فإن العلّامة قد حكى كلام الشيخ حكاية وهي كما ذكرناه عنه في المبسوط(٢) ، وقد ذكر هو فيما سبق حكم المفتوحة عنوة فلو كان أرض السواد ممّا فتح عنوة عنده لقال به جزماً من غير أن يحكيه قولاً مع أنه حكاه ولم يتعرض له بنفي أو إثبات، ثم حكى قول الشيخ وعلى الرواية بعده فان كان حكاية القول وعدم التعرّض له دليلاً على عدم الاختيار فهو مشترك، وما هو جوابه هو جوابنا، ولم يسبق منه شيء غير قوله " فتحت عنوة فتحها عمر بن الخطّاب " ولا دلالة فيه

____________________

(١) منتهى المطلب ج٢ ص٩٣٧ - كتاب الجهاد - في أحكام ارض السواد - الطبعة الحجرية.

(٢) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٣٣ - كتاب الجهاد.


لأنه من الجزوم به أنها فتحت بالسيف فتحها الثاني، أما أنّ لها حكم المفتوحة عنوة شرعاً فلا، بل لو قيل أن قوله " فتحها " فيه دلالة على أنها ليست بحكم المفتوحة عنوة عنه كان صواباً لأنه جزم بأن المغنوم بغير إذن الامام للامام. وقوله " فتحها " من غير أن يذكر شيئاً غير ذلك فيه دلالة على أنها من الأنفال خصوصاً إذا انضمّ الى جملة كونها بحكم المفتوحة عنده حكاية، وعبارته في التحرير قريب من هذا حيث قال: أرض السواد وهي الارض المفتوحة من الفرس التي فتحها عمر وهي سواد العراق وحده من سطح الجبال بحلوان الى طرف القادسية المتّصلة بقريب من أرض العرب ومن تخوم الموصل طولها الى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، فأمّا الغربي الذي يليه البصرة فإنما هو إسلامي مثل شطّ عثمان ابن أبي العاص وما والاها كانت شياحاً ومواتاً وأحياها عمّار بن أبي العاص وسميّت هذه الأرض سواداً لأن الجيش لمّا خرجوا من البادية رأوا التفاف شجرها فسمّوها سواداً وبعث عمر إليها بعد فتحها ثلاثة أنفس: عمّار بن ياسر على صلاتهم أميراً وابن مسعود قاضياً ووالياً على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، قال أبو عبيدة: فبلغ مساحتها ستة وثلاثون ألف ألف جريب فضرب على كلّ جريب نخل عشرة دراهم وعلى الكرم ثمانية دراهم وعلى جريب الشجر والرطبة ستة دراهم وعلى الحنطة أربعة دراهم وعلى الشعير درهمين ثم كتب الى عمر فأمضاه وكان ارتفاعها مائة وستين ألف ألف درهم ولما انتهى الأمر الى أميرالمؤمنينعليه‌السلام أمضى ذلك ورجع ارتفاعها في زمن الحجّاج الى ثمانية عشر ألف ألف درهم. قال الشيخ: والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة يخرج خمسها لأربابه وأربعة الأخماس الباقية للمسلمين قاطبة لا يصحّ التصرّف فيه ببيع ولا هبة ولا إجارة ولا إرث، ولا يصحّ أن تبنى دوراً ومنازل ومساجد وسقايات ولا غير ذلك من أنواع التصرّف التي يتبع الملك، ومتى فعل شيئاً من ذلك كان التصرّف باطلاً وهو باقٍ


على الأصل - قال - وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الامام تكون تلك الغنيمة للامام خاصّة تكون هذه الأرضون وغيرها ممّا فتحت بعد الرسولعليه‌السلام إلاّ ما فتح في أيام أمير المؤمنينعليه‌السلام - إن صحّ شيء من ذلك - يكون للامام خاصّة ويكون من جملة الأنفال التي له خاصّة لا شركة فيها غيره(١) . الى هنا، فتفطّن أيّها المنصف، هل حكم بأنها فتحت عنوة في كلامه هذا أو احترزعنه بقول " المفتوحة من الفرس التي فتحها عمر " ثم حكى قول الشيخ ولم يتعرّض له مع أنه صّرح في باب الخمس بحكم المفتوحة عنوة ولم يذكره هنا إلا قولاً، وهذا بعينه هو كلامه في المنتهى(٢) من غير فرق، وتوهّم الفرق بقوله في المنتهى " فتحت عنوة فتحها عمر " في غاية الضعف بعدما ذكرناه، فأين الدلالة من كلام العلّامة فضلاً عن كلام جميع الأصحاب؟ واللّه يهدي الى طريق الصواب. واعلم أن في عبارة الشيخ والعلّامة دلالة على أن عليّاًعليه‌السلام ما أمضى ما فعله عمر إلاّ تقية، والظاهر أنه لكونها من الأنفال لأنّها غنيمة من غزا بغير إذنه.

قوله: إن الرواية التي أشار اليها الشيخ ضعيفة الاسناد(٣) .

أقول: هذا لا يحتاج الى ردّ بعد ما أثبتناه وحققّناه من أنها معتضدة بعمل الأصحاب مشهورة الفتوى منهم بل مضمونها في الحقيقة إجماع، وقد تقدّم فلا نعيده، والمؤلّف قال سابقاً ومضمون هذه الرواية مشهور بين الأصحاب مع كونها مرسلة ولا شك أن الشهرة تعضد الضعف وتحقّق جواز العمل جزماً.

قؤله: مع أن الظاهر من كلام العلّامة في المنتهى(٤) ضعف العمل بها(٥) .

____________________

(١) تحرير الأحكام ج١ ص١٤٢ - كتاب الجهاد - القسم الثالث في الأرضين. الرابع الانفال " و" ارض السواد - الطبعة الحجرية.

(٢) منتهى المطلب ج٢ ص٩٣٧ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجرية.

(٣) و (٥) راجع خراجيته(ره)، ص٦٧.

(٤) منتهى المطلب ج٢ ص٩٣٧ - كتاب الجهاد.


أقول: لا أدري قوله هذا لأيّ شيء نشأ ولا أيّ شيء قصد به وذلك لأنّا اذا سلّمنا أن ظاهرالعلّامة في المنتهى(١) ضعف العمل بها لهم يقدح في حجيتها المستندة الى شهرتها بين الأصحاب بوجه من الوجوه أصلاً، بل لا يقدح في الاجماع لأن العلّامة أفتى بها فيما تقدّم من المنتهى وما تأخر عنه فلا يقدح خلافه فيه في الاجماع لوكان صريحاً فضلاً عن أن يكون ظاهراً على أنا لانسلّم أن ظاهر العلّامة في المنتهى ضعف العمل بها وهذه عبارته فيه واذا قاتل قوم من غير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة للامام. ذهب إليه الشيخان والسيّد المرتضىرحمه‌الله وأتباعهم. وقال الشافعي: حكمها حكم الغنيمة مع إذن الامام لكنه مكروه. وقال أبو حنيفة: هي لهم ولا خمس ولأحمد ثلاثة أقوال كقول الشافعي وأبي حنيفة وثالثها لا شيء لهم. احتجّ الأصحاب بما رواه العباّس الوراق عن رجل سمّاه عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: اذا غزا قوم بغير إذن الامام كانت الغنيمة كلّها للامام، واذا غزوا بأمر الامام فغنموا كان للامام الخمس(٢) . احتّج الشافعي بعموم قوله تعالى " واعلموا أنما غنمتم من شيء "(٣) الآية، وهو يتناول المأذون فيه وغيره واحتجّ أبو حنيفة بأنه اكتساب مباح من غير جهاد فكان كالاحتطاب والاحتشاش. واحتجّ أحمد على ثالث أقواله بأنّهم عصاة بالفعل فلا يكون ذريعة الى الفائدة والتملك الشرعي. والجواب عن الأول أنه غير داالّ على المطلوب إذ الآية تدلّ على إخراج الخمس في الغنيمة إلا على المالك، وإن كان قول الشافعي فيه قوّة، وعن الثاني بالمنع من المساواة لأنه منهّي عنه إلاّ بإذنهعليه‌السلام ، وعن الثالث بالتسليم فانه غير دلّ على المطلوب(٤) الى هنا، ولا أعرف وجه ظهور استعطافه العمل بالرواية من هذا الكلام، فإن كان

____________________

(١) منتهى المطلب: ج ص٩٣٧ - كتاب الجهاد - الطبعة الحجريّة.

(٢) تهذيب الأحكام: ج٤ ص١٣٥حديث: ١٢/٣٧٨ باب٣٨ في الانفال وفيه اختلاف يسير.

(٣) الأنفال: ٤١.

(٤) منتهى المطلب: ج١ ص٥٥٣ - كتاب الخمس - الطبعة الحجريّة.


المؤلّف توهّم ذلك من قوله " ذهب إليه الشيخان... إلخ " أو من قوله " احتجّ الأصحاب " أو من قوله " وان كان قول الشافعي فيه قوّة "(١) فليس من الظهور الذي ذكره في شيء كما لايخفى، فإن قوله الأول ذهب إليه بعد فتواه ظاهراً، وقوله " احتجّ الأصحاب " مؤيّد في الحقيقة، وكون قول الشافعي لا يخلو من قوّة لا يدلّ على ضعف العمل بضدّه مع أنه أورد ذلك بعد جوابه بقصور استدلاله عن الدلالة على مطلوبه.

قوله: الثالث: لو سلّمنا صحة الرواية المذكورة لم يكن فيها دلالة على أن أرض العراق فتحت عنوة بغير إذن الامامعليه‌السلام (٢) .

أقول: لم يدع الشيخ ولا غيره ولافاه به فوه عالم أن الرواية تدلّ على عدم الاذن حتى يكون ثالث الأجوبة عدم دلالتها على الفتح عنوة بغير إذن، فهذا الجواب لا ينطبق ولا يبتني على قانون أهل النظر بوجه من الوجوه أصلاً، وحاصل الأمر أن الشيخ حكم بأن العراق من الأنفال على الرواية،(٣) فقضية شرطية بيان ملازمتها لم يتعرّض له إلاّ أنه من كلامه أنه يعتقده، وقد وجّهناه سابقاً(٤) فجوابه بأن الرواية لا دلالة فيها بغير إذن خبط ظاهر.

قوله: فقد سمعنا أن عمر استشار أمير المؤمنينعليه‌السلام في ذلك(٥) .

أقول: السماع لا يكون دليلاً إلاّ اذا ثبت بطريق شرعي ولو آحاداً، ولم يثبت، والأصل عدم الإذن فيتمسّك به الى أن يقوم ما يخالفه.

قوله: وممّا يدلّ عليه فعل عمّار فإنه من خلصاء أمير المؤمنينعليه‌السلام ولولا أمره لما ساغ له الدخول(٦) .

____________________

(١) اشارة الى كلامه العلّامة في المنتهى.

(٢) راجع خراجيته(ره)، ص٦٨.

(٣) المبسوط في فقة الأمامية ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٤.

(٤) انظر ص٦٧.

(٥) و (٦) راجع خراجيته(ره) ص٦٨.


أقول: هذا من أوهى الأدلّة لأن عمر كان في الظاهر إماماً تجب متابعته تقية، وقد بعث عمّاله الى البلاد وفيهم خواصّ عليعليه‌السلام فلم يمتنعوا فعدم امتناعهم لا يدلّ على وجوب اتّباعه لأنه أهل لذلك، ولا على صحّة تصرّفه على أن عمّار لو تمّكن من عدم الطاعة له وسلّمنا أنه استأذن عليّاًعليه‌السلام فأذن له لم يدّل، إلاّ أن فعل عمّار لم يكن معصية لا أنّ فعل عمر كان صحيحاً وفتحه كان صحيحاً وتوليته كانت صحيحة، وكيف يخفى هذا على من له أدنى عقل وفكر، هذا والصّحيح أنها حمله الامامعليه‌السلام لأنها من الأنفال، فلو أذن لعمّار لكان أذن له في ماله، وإذنهعليه‌السلام في ماله جائز وكذا إذنه في صرفه في مصالح المسلمين - لو ثبت - وجواز هذا كافٍ في عدم صحّة الاستدلال ولاتَ حين مناص، وبالجملة فهذا الكلام بعيد عن التحقيق وباللّه التوفيق.

قوله: وممّا يقطع النزاع ويدفع السؤال ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّهعليه‌السلام عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين... الخ(١) و(٢) .

أقول: هذا خبر واحد غير معتضد بالاجماع بل ولا شهرة وهو محمول على التقية فلا يعرج على مثله محصّل، وقد مرّ في خلال كلام الشيخ(٣) والعلّامة(٤) الاشارة الى التقية في إمضاء عليعليه‌السلام بعد توليته.

قوله: وروى أيضاً عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام عمّا اختلف فيه ابن أبي ليلى وابن شبرمة في السواد وأرضه فقلت: إن ابن أبي ليلى قال: إنّهم اذا أسلموا فهم أحرار وما في أيديهم من أرضهم لهم وأمّا ابن شبرمة فزعم أنّهم عبيد وأن أرضهم التي بأيديهم ليست لهم، فقال في الأرض

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٧ ص١٤٧ حديث: ١/٦٥٢ باب١١ في أحكام الأرضين.

(٢) راجع خراجيته(ره)، ص٦٨.

(٣) المبسوط في فقه الامامية ج٢ ص٣٤ - كتاب الجهاد.

(٤) منتهى المطلب ج٢ ص٩٣٧ - كتاب الجهاد.


ما قال ابن شبرمة وابن بشير(١) وقال في الرجال ما قال ابن أبي ليلى بأنهم اذا أسلموا فإنهم أحرار(٢) . وهذا قاطع في الدلالة على ما قلناه لا سيّما وفتوى الأصحاب و تصريحهم موافق لذلك فلا مجال للتردّد.(٣)

أقول: هذا عن التحقيق بمعزل لأنّا اذا سلّمنا الخبر لم نتعرّض لضعف إسناده، وقلناه بمضمونه لم يلزم اكثر ممّا دلّ عليه، وإنما دلّ على أن الأرض ليست لهم وكونها لا تدلّ على أنها فتحت عنوة لأنه أعمّ ولا دلالة للعامّ على الخاصّ، كيف ونفي كونها لهم يجتمع مع ما هو الحقّ من كونها من الأنفال، والأنفال للامامعليه‌السلام فلا يكون لهم، فانظر أيّها المتأمّل الى كثرة خبط هذا الرجل خبط عشواء فلا يكاد أن يرتّب دليلاً على محلّه، فمن هو بهذا القصور أولى أن يتحذّرعن القصور، ومن العجب أن دليله غير منطبق على مدّعاه وهو يقول " وهذا قاطع في الدلالة على ما قلناه " وأمّا قوله " لا سيّما وفتوى الأصحاب وتصريحهم موافق لذلك فلا مجال للتردّد " علم جوابه فيما مضى فلا يحتاج الى بيان طائل.

قوله: وأمّا أرض الشام فقد ذكر كونها مفتوحة عنوة بعض الأصحاب، وممّن ذكر ذلك العلّامة في كتاب إحياء الموات من التذكرة لكن لم يذكر أحد حدودها(٤) ، وأمّا البواقي فذكر حكمها القطب الراوندي في شرح نهاية الشيخ وأسنده الى المبسوط وعبارته هذه " والظاهر على ما في المبسوط أن الأرضين التي هي من أقصى خراسان الى كرمان وخوزستان وهمدان وقزوين وما حواليها التي اُخذت بالسيف "(٥)

هذا ما وجدته فيما حضرني من كتب الأصحاب(٦) .

____________________

(١) يبدو انّ " وابن بشير " زائدة.

(٢) تهيب الاحكام ج٧ ص١٥٥ حديث:٣٣/٦٨٤ باب١١في أحكام الأرضين وفيه اختلاف يسير.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٦٨.

(٤) تذكرة الفقهاء ج٢ ص٤٠٢ - كتاب احياء الموات في بيان تقسيم الاراضي - الطبعة الحجرية.

(٥) لا يوجد عندنا هذا الكتاب.

(٦) راجع خراجيته(ره)، ص٦٨ ٦٩.


أقول: هذا كلام لا يحتاج الى نقض لأنه لم يزد فيه على كون بعض الأصحاب ذكر ذلك وهو حكاية حال، ولا يخفى أن مجرّد الفتوى ليس دليلاّ، وقد صدر المقام بقوله في تعيين، ما فتح عنوة، فإن أراد أن هذا القدر يقتضي التعيين فلا يخفى فساده وإن أراد أنه يفيد الدعوى فلا نزاع معه، على أن ما في المبسوط(١) قد سمعته وسمعت ما ذيلّه به من قوله " وعلى الرواية "،(٢) وإذ قد عرفت ما أفدناه وضعف ما استدلّ به فاعلم أن هنا أمر اذا نظرة المتأمّل بعين البصيرة لم يجد معه لهذا الرجل المتحمّل في حلّ هذا الشعرية وجهاً وأنه وفيما فعل وألف لا يخلو من أمرين قصور في العلم أسقط فيما فعل، أو شدّة فهمه لحبّ جمع الدنيا لا يبالي معه من أين أصاب، وذكر ما ذكرتموّهاً لدفع الشناعة من بعض قاصري النظر، ولعلّ الثاني هوالوجه، فإن ولاة العراق قد ألّموا أهله بتخريج مال لاشبهة في تحريمه، ضرب في تحصيله السيّد والعامي وبكر من ضيق ذمّة الفقير والمسكين وكنت من المشاهدين لذلك، حتى أن الحائك وغيره من أرباب الصنائع من المؤمنين المكتسبين يؤخذ منهم الى مرتبة الدرهم والدرهمين وجمعوا ذلك وجعلوه في وجه المعونة للزاد والراحلة وما تبعهما عند توجّهنا الى الرضاعليه‌السلام بإشارة من خلدت دولته فبولغت فيه، فكان جوابي بحضرة هذا المؤلّف وحضرات أكبار أهل العراق من السادة والعوام أنه - دامت سلطنته - بعث إلينا من أقصي خراسان ونحن في طرف عراق العرب طلبنا لترويج الدين وإظهار فضل التشيّع وأهله المستنّين بسنته أهل بيت النبوّةعليهم‌السلام فاذا تركنا الدين وأخذنا الحرام كيف نكون أهلاً لترويج الدين، فلم ألبث قليلاً واذا به قد أخذه وصرفه فيما يشاء غير متأثم ولا خائف من موقف العرض ولا مستحٍ من شناعة أهل الإيمان

____________________

(١) المبسوط في فقه الامامية ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٤.

(٢) اشارة الى كلام المحقق الثاني(قده) في خراجيته ص٦٧.


وأهل الخلاف على دين التشيّع نظراً الى فعل من هو مسمّى فيهم بالرئاسة وربما زعم أنه عمل حيلة له، فليت شعري كيف كانت تلك الحيلة مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي وجوب السعي في ردّه الى أهله على الفور بجميع أنواع القدرة، فلو لم يكن على المتحيّل في أخذه إلاّ عدم ردّه والسعي فيه لكان من موبقات الذنوب بل الرضا والسكوت عنه مع المكنة من موبقاتها، وإنما ذكرت هذه الحكاية في هذا المحلّ لأنها مشهورة بلغت مرتبة لايمكن أحد أن ينازع فيها ولا يمكن من الجواب عنها هو، وقد زعم أنه قد عمل عليها صورة وجاز أمره مع ذلك عند أهل الدنيا الغافلين عن مصالح المعاد، فكيف لا يجوز ما يحتمل أن يكون شبهة!! وقد كنت أكره أن اُوقعها في مثل هذه الرسالة لولا ماعلمته من وجوب التنبيه لأهل اللّه ليأخذوا الحذر من مثله وليمتنعوا من تقليده لفقد ما يشترط في صحّة أخذه من مثل الثقة والأمانة. قال اللّه في الشهادة - ولا شكّ في كونها دون مرتبة الانتصاب في منصب النبوّة للفتوى وتكملة الاستقامة -: " فإن عُثِرَ على أنهما استحقّا إثماً فآخرانِ يقومان مقامَهما "(١) وأكثر فائدة في ذكرها تعريف أهل الخلاف لنا أن ديننا ومذهبنا لا يقتضي ذلك، فإنه قد اشتهر عنهم بسبب مثل هذه الأفعال ممّن يزعمه أنه من رؤساء المذهب ما لايكاد يقال، فإنّا للّه وإن‍اّ إليه راجعون.

ولنرجع الى ما نحن بصدده فنقول: لا شكّ ولا خفاء أن المفتوحة عنوة مواتها للامام وعامرها للمسلمين، فما علم أنه عامر وقت الفتح فهو للمسلمين، وما علم أنه موات فهو للامام، وما لم يعلم فهو محتمل وكونه عامراً الآن أعلم دلالةً فيه على كونه عامراً وقت الفتح، والأصل عدم العمارة حيث يثبت، فلا يجوز التسلّط على أخذ الخراج من قرية الآن إلا إذا علم أنها كانت وقت الفتح عامرة، وهو في آخر

____________________

(١) المائدة: ١٠٧.


رسالتة قال " وليس لأحد أن يقول: هؤلاء أحيوا هذه البلاد وقد كانت قبل مواتاً لأن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل.

أمّا (أولاً) فلأن بلاد العراق على ما حكيناه كانت بتمامها معمورة لم يكن لأحد مجال أن يعمروها في وسط البلاد قرى متعدّدة، وما كان بين القريتين والبلدين في البُعد قدر فرسخ إلا نادراً، كيف ومجموع معمورهما من الموصل الى عبادان ستة وثلاثون ألف ألف جريب.

وأما (ثانياً) فلأن عمارة القرى أمر عظيم يحتاج الى زمان طويل وصرف مال جزيل وهم كانوا بعيدين عن هذا الاستعداد مع أن هذه التمحّلات بعد ما تلوناه من كلامهم في أحكام هذه الأرضين وأحوال خراجها وحلّ ذلك من التكلّفات الباردة والامور السامجة "(١) .

أقول تنبيهاً لأهل العقول:

يا اُولي الأباب اُنظروا يا ذوي البصائر تفكّروا كيف جعل الإيراد كون البلاد محياة بعد الموات وهذا لايعترض به أحد؟ ومن ثم قال: إنه معلوم البطلان ببديهة العقل، ثم خبط في توجيه معلوميّته بالبديهة بما يشعر بأن مراده أعمّ من إحياء الجميع والبعض ونحن نفصل الجواب عن كلامه على طريق البحث والنظر.

فنقول: إمّا أن يريد بقوله هذه البلاد مجموعها - أي مجموع بلاد العراق - أو البلاد التي يتعلق بها غرضه كالقرية مثلاً، فإن أراد الأول فمسلّم أنه مسلّم البطلان بالبديهة فلا حاجة الى الاستدلال عليه، بل الاستدلال الذي ذكره عليه لايخلو من قصور إذ قوله " لم يكن لأحد مجال أن يعمر في وسط البلاد قري "(٢) ممنوع أشد المنع، إذ لاشاهد له من الأدلّة، وكون معمورها ما ذكر لا يدّل عليه إلاّ

____________________

(١) و (٢) راجع خراجيته(ره)، ص٨٦ ٨٧.


إذا تحقق أن ذلك هو قدر مجموع أراضيها طولاً وعرضاً، وهو إن لم يكن معلوم البطلان بالضرورة يفتقر إثباته الى دليل، وقوله " وأمّا ثانياً... إلخ "(١) ركيك جدّاً لأنه مجرّد استبعاد وخطابية، من العجب إسناد ما هو معلوم البطلان بالبديهة مثل هذا، وإن أراد الثاني فمعلوم أنه ليس معلوم البطلان بالبديهة ودعواه مكابرة، وما أسنده من الوجهين ظاهر الضعف كما نبّهنا عليه آنفاً، وممّا يؤكّد ويزيده بياناً ماهو في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار من تجدّد قري وبلاد بعد الفتح لم تكن معمورة، فإنّ الحلّة التي هي اليوم من أقطاب العراق كانت مواتاً وقت الفتح وغيرها كثير من أراضي العراق.

ويؤيّد ما ذكرناه أن العلّامة الفهّامة قطب رحى الدين وإمام المجتهدين وقّف قري متعدّدة كما أشرنا إليه سابقاً، وفي صدر وقفه أنه أحياها وهي ميتة وعمرها وكانت خراباً، وعلى وقفه خطوط أماثل العلماء والفقهاء من المذاهب الأربعة ومذهب الخاصّة، وهل يستجيز محصّل أن يقول إن أرض العراق يوم الفتح لم يكن فيها شيء من الموات؟ إلاّ أن يكون ممّن لايبالي كيف يرمي الكلام على أن معمورها المذكور ليس بطريق ثابت يصّح الاعتماد عليها؟ هذا والمعترض لايعترض بأنها محياة بعد الممات، إذ لاحاجة الى ذلك بل يقول لانسلّم أن هذه المعيّنة من أرض الخراج وكون العراق مفتوحة عنوة لايدّل عليه إلاّ إذا ثبت أنها كانت بحيث لاموات فيها، وأن هذه المعيّنة كانت محياة حينئذٍ ودونه خرط القتاد بل كون بعضها كان مواتاً معلوم بالضرورة. لايقال لو تّم ما ذكرتم لقام الاحتمال في كلّ شيء من المفتوح عنوة فلا يتحقّق حكم الخراج في شيء منه.

فنقول: إن لم يعلم أن شيئاً منه على التعيين كان عامراً وقت الفتح ولا ثبت أنه قد اُخذ منه الخراج متّصلا من غير انقطاع أو أخذه عادل ونحو ذلك ممّا يدّل

____________________

(١) راجع خراجيته(ره) ص٨٧.


على أنها محياة وقت الفتح التزمنا ذلك ولا ضرورة ولا محذور فيه إذ طريان ما يمنع الحكم بسبب لاحق لا يقتضي نفيه سابقاً، وإن علم على التعيين تعلّق الحكم به وترك في غيره الى أن ثبت، ومن المعلوم أراضي عدّة كانت عمارات وقت الفتح ذكر أهل السير وغيرهم وأشار إليها الأصحاب.

وقال ابن إدريس في السرائر(١) : وقد أورد شيخنا المفيد في مقنعته في باب الخراج وعمارة الأرضين خبراً وهو: روى يونس بن إبراهيم عن يحيى بن أشعث الكسري عن مصعب بن مصعب بن يزيد الأنصاري قال: استعملني أمير المؤمنين علّى بن أبي طالبعليه‌السلام على أربعة رساتيق: المدائن والهفتادات [والبهبقباذات] وبهر سير وشهر جويرب ونهر الملك(٢) (٣) . قال محمّد بن إدريس مصنّف هذا الكتاب: بهر سير - بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة والسين الغير المعجمة - وهي المدائن، الدليل على ذلك أن الراوي قال: استعملني على أربعة رساتيق ثم عدّ خمسة فذكر المدائن ثم ذكرمن جملة الخمسة بهر سير وعطف على

____________________

(١) السرائر: كتاب الخمس والغنائم ص١١٢ وفيه اختلاف كثير.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٢٠ الحديث:٣/٣٤٣ باب٣٤ في الخراج وعمارة الأرضين وسند الرواية فيه هكذا " سعد ابن عبداللّه عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن إبراهيم بنت عمران الشيباني عن يونس بن إبراهيم عن يحيي بن أشعث الكندي عن مصعب بن يزيد الأنصاري قال: استعملني الخ، وأيضا فيه " البهقباذات ونهر سير ونهر جوير ونهر الملك " *.

(٣) المقنعة ص٤٥ باب الخراج وعمارة الأرضين.

* البهقباذات وهي ثلاثة - أ - الاعلى: ويشمل بابل والفلوجة العليا والسفلى وبهمن

أردشير وابزقباذ وعين التمر - ب - الأوسط: ويشمل نهر البداة وسورا وبريسما وباروسما ونهر الملك - ج - الأسفل: ويشتمل خمسة طساسيج كانت على الفرات الأسفل حيث يدخل البطائح.

نهر سير من طساسيج كورة أستان أردشير بابكان وهي على امتداد نهر كوثي والنيل.

نهر جوير أيضاً من طساسيج كورة أستان أردشير بابكان المتقدم ذكرها.

نهر الملك: وهو أحد الأنهار التي كانت تحمل من الفرات الى دجلة وأوله عند قرية الفلوجة ومصبّه في دجلة أسفل من المدائن بثلاثة فراسخ(من هامش التهذيب: ج٤ ص١٢٠).


اللفظ دون معناه وهذا كثير في القرآن والشعر. قال الشاعر:

إني(١) الملك القرم وابن الهمام

وليث الكتيبة في المزدحم

وكل الصفات راجعة الى موصوف واحد وقد عطف بعضها على بعض لاختلاف ألفاظها، وقول الحطيئة:

وهند أتى من دونها النأي والبعد

والبُعد هو الناي، ويدلّ على ما قلناه أيضاً ماذكره أصحاب السير في كتاب صفين، قالوا لمّا سار أمير المؤمنينعليه‌السلام الى صفين - قالوا: - ثمَّ مضى نحو ساباط حتى انتهى الى مدينة نهر سير واذا رجل من أصحابه ينظر في آثار كسرى وهو يتمثّل قول أبي يغفر النهشلي:

جرت الرياح على محلّ ديارهم

فكأنهم كانوا على ميعاد

فقال عليعليه‌السلام : أوّلا قلت " كم تركوا من جنّات وعيون وزروعٍ ومقام كريم* ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين* كذلك وأورثناها قوماً آخرين "(٢) الآية.

فأما الهفتادات فهي ثلاثة: الهفتاد الأعلى وهو ستة طساسيج طسوج باجل وحطرسة والفلوجة العليا والسفلى والنهرين وعين النهر. والهفتاد الأوسط أربعة طساسيج: طسوج الحبة والبداة وسورا ونهر سما ونهر الملك وباروسما. والهفتاد الأسفل خمسة طساسيج فيها طسوج مزابت بادقلي وطسوج المسلّحين الذي فيه الخورنق والسدير، ذكر ذلك عبداللّه بن جودد(٣) أنه في كتاب الممالك والمسالك. الى هنا.

وإنمّا ذكرنا الخبر الذي فيه ذكر أمير المؤمنين عليّاًعليه‌السلام تيمّناً ببركته، وإلاّ فالأخبار المعمور وقت الفتح في ولاية الثاني كثيرة فلا يقال يحتمل تجرّد هذه المذكورة.

____________________

(١) وفي نسخة(أنا).

(٢) الدخان: ٢٥-٢٨.

(٣) الظاهر (خورداد).


ثمّ نعود الى ما كنّا فيه فنقول: ليس لقائل أن يقول إن الظاهر أن العراق كانت عماراً ولهذا سمّيت السواد لشدة التفاف شجرها ونخلها فيجوز البناء عليه، لأنا نقول: لا يصح عند الشريعة التمسك بالظاهر في رفع يد المسلم عمّا في يده لأن يد المسلم على المال على معلوم وكونه من أرض الخراج فلا يصحّ ما يتصّرف فيه ممّا يتأتّى ذلك غير معلوم ولا يجوز رفع يده عنه لأن الشارع جعل لرفع اليد عن الملك أمر يناط به من شهادة العدلين أوردّ اليمين على اختلاف المذهبين وممّا ينبّهك على ذلك أن الوقف ثبت بالشياع واذا كان في يد مسلم شيء يعارضه الشياع ففيه قولان أصّحهما تقّدم يد المسلم على الشياع، فكيف بما لايتمسّك فيه إلاّ بمثل هذه الاحتمالات الباردة، ومن نظر الشريعة خصوصاً باب الإقرار والقضاء علم أن رفع يد المسلم لايصحّ إلاّ في موضع اليقين شرعاً لجواز رفعها وأن رفعها يبتني على الاحتياط التّام، وهذا بأصله يصحّ متمسّكاً على عدم أخذ الخراج ممّا عليه يد أحد المسلمين اذا لم يعلم أنه كان من الذي حيّاً وقف الفتح بطريق شرعي، ومن العجائب قول هذا المؤلّف " مع أن هذه التمحّلات بعد ما تلوناه من كلامهم في أحكام هذه الأرضين وحلّ خراجها من التكلّفات الباردة والأمور السامجة "(١) ليت شعري التكلّف البارد والأمر السامج هو التلزيق والخطابات التي لاطائل تحتها ولا دليل عليها أو التمسك بثبوت يد المسلم وأصالة عدم استحقاق الغير أيّهما أولى بما ذكر.

قوله: بعد ما تلوناه من كلامهم.

أقول: كلام القوم في أرض الخراج أوفي أرض معيّنة، الأول لانزاع فيه، والثاني لم يذكر فلا يحتاج الى المنع، وكأني أرى هذا الرجل نظر بعين الفكرة الصائبة في الدنيا. إن أكثر الناس في هذا الزمان يميلون الى تحصيل الحطام ولو

____________________

(١) راجع خراجيته(ره) ص٨٧.


بالحرام، فأكثروا الحشو بالشبهات ليكون له منهم الرغبات لشدّة تهمتهم وميلهم الى مقتضى الشهوات، نعوذ باللّه من نصب الدين فخّاً يصطاد به الختامات واسم الرئاسات، وقد كان في هذا القدر كفاية إذا لم يبق في الرسالة ما هو منوط بموضع نزاع مهم، إلاّ أنّا نتعّرض لما قصر فيه فهمه واستدلاله في باقيها تحقيقاً لاسم النقض واللّه الموفّق. قوله في المقدّمة الخامسة: أعلم أن الخراج هو ما يضرب على الأرض كالأجرة وفي معناه المقاسمة، غير أن المقاسمة تكون جزء من حاصل الزرع والخراج مقدار من النقد يضرب(١) .

أقول: ظاهره أن الجزء من حاصل الزرع لأسمى خراجاً وهو باطل، فإن تسميته خراجاً شائع ذائع وهو موجود في الأخبار فضلاً عن الفتاوى، وقد ذكره المؤلّف بعد هذا بيسير في الحديث المروي عن أبي الحسن الأول حيث قال: الأرض التي آخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها ويحييها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلث أو الثلثان(٢) ... إلخ، فلا أدري كيف يرمي هذا الرجل الكلام، هب أنه لم يتأمّل حال التأليف، ألا يلتفت بعد قبل ملاحظة أهل النظر؟

قوله: وقال المقدادرحمه‌الله في التنقيح: ولم يحضرني عند كتابة هذه الرسالة لأحكي عبارته، ولكن حاصل كلامه فيه على ما أظنّ أن مرجع تعيين الخراج الى العرف(٣) .

أقول: هذا الكلام لايليق بحكاية الأقوال، ولم يستعمله المحصّلون في ذلك، وأيّ ضرورة الى ذلك مع أنه لم يستوف كلام أكابر القوم كالمفيد والمرتضى وابن

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٧٠.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ ص١٣٠ باب٣٧ في قسمة الغنائم حديث: ٢/٣٦٦.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٧٢.


بابويه وغيرهم، فحذف هذا الكلام كان أنسب، هذا والمقداد في تنقيحه لم يتعرّض لهذه المسألة أصلاً ولم يودعها كتابه.

فانظر أيّها المتأمّل الى كثرة خبط هذا الرجل، وكونه لا يبالي كيف وقع الكلام منه. و أعجب من ذلك غفلة الناس عنه.

قوله: ووجهه من حيث المعنى واضح لأن الخراج حقّ شرعيّ ينوط تقديره بالمصلحة عرفاً، فارتباطه بنظر الإمام، فإذا تعدّى الجائر في ذلك الى ما لا يجوز له، وعمل ما هو منوط بنظر الإمام استدلالاً(١) بنفسه كان الوزر عليه في ارتكاب مالا يجوز له، ولم يكن المأخوذ حراماً ولا مظنّة حرام لأنه حقّ شرعيّ على الزارع خارج عن ملكه يستحقّه قوم معلومون، وقد رفع أئمّتنا المنع من طرفهم بالنسبة إلينا فكيف يحرم!!(٢)

أقول: هذا الوجه من حيث المعنى في غاية السقوط لأن الخراج وإن كان حقّاً شرعيّاً إلا أنه في الذمّة مالم يشترط كونه من حاصل الأرض، فالأخذ من حاصل الأرض لا بعينه له إلا بالتراضي لأن المدين مخيّر في جهات القضاء، فاذا اُخذ من غير ماله من غير رضاه لم يصحّ ولم يزل استحقاقه عنه، ولو سلّم أنه في غير الزرع جبراً ودون إثباته مالا يخفى فهو حقّ مشاع في عين مال معصوم لا يجوز التسلّط عليه إلاّ بالقسمة كم أهله، فأخذ الجائر له لا يكون معيناً له حتى تبرأ ذمة المأخوذ منه، فهو على الاشاعة لم يزل فلا يزول التحريم.

ومن العجب قوله: " لأنه حقّ شرعيّ على الزارع خارج عن ملكه " لا أدري خروجه عن ملكه بمعنى عدم استحقاقه له بسبب الشركة أو غيره لغيره.(الأول) غير مسلّم ولا يقتضي رفع التحريم - لو سلّم كما قلناه - لأن القابض غير مستحقّ ولا والي على القسمة. (والثاني) لا يخفى فساده. وقوله: " وقد رفع ائمتناعليه‌السلام المنع

____________________

(١) في خراجيته(ره)، استقلالاً.

(٢) راجع خراجيته(ره)، ص٧٣.


من طرفهم بالنسبة إلينا " ممنوع في صورة النزاع وسنكشف عليك تحقيق هذه المسألة عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

قوله: في التذكرة في كتاب البيع(١) .

أقول: كلام التذكرة بمجرّده لا يكون حجّة إنّما الحجّة في الدليل المذكور فيها من كتاب أو سنّة أو إجماع أو دليل عقل، نعم يحسن إيراد ما فيها إذا لم يكن عن دليل لمعرفة مذهبه وقوله فيها، وحسن هنا أن يتمثّل بقول بعض الفضلاء. وأنت خبير بما رواه، ولسنا بمن نقلّد ما بين دفتي الشفاه.

أقول: وتعليل العلّامة في تذكرته بقوله " لأن هذا مال لا يملكه الزارع وصاحب الأنعام والأرض فإن حقّ اللّه أخذه غير مستحقّه فبرئت ذمّته وجاز شراؤه "(٢) ضعيف لا يعرج عليه لأنه لا يلزم استحقاق اللّه تعالى في مال شيئاً، إن من أخذ من المشاع بذلك الاسم يكون ما أخذه هو الحقّ الذي للّه تعالى.

و بهذا لو أخذ المال من المال المشاع قهراً لم تبرأ ذمّة المالك إلا من قدر حصّة ما أخذه قهراً مع عدم التفريط ويلزمه زكاة الباقي.

ولو قيل هذا مخصوص بالجائر منعناه على أن دليله عام لاإشعار فيه بكون الأخذ مخصوصاً على ما لايخفى، فخصوصية الجائر بالحكم يقتضي تعليلاً آخر لا يفهم ممّا ذكر واللّه الموفّق.

قوله: والحاصل إن هذا ممّا وردت به النصوص وأجمع عليه الأصحاب بل المسلمون... والمنازع فيه مدافع للنصّ ومنازع للاجماع، فاذا بلغ معه الكلام الى هذا المقام فالأولى الاقتصار معه على قولي سلام(٣) .

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٧٣.

(٢) تذكرة الفقهاء ج١ ص٥٨٣ - كتاب البيع - في بيان حلّ الخراج والمقاسمة - الطبعة الحجريّة.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٧٣.


أقول: لم يزد على دعوى النصّ والإجماع وهو ممنوع وعليه إثباته، فاذا أثبته على وجه ينطبق على مدّعاه ونوزع فيه فليعرض على المنازع، وسياق ما نذكره من النصّ والاجماع، والكلام عليه وعنده يعرف من يقال له اعتراضاً عنه وأشار الى جهله سلام.

قوله: من تأمّل كثيراّ من أحوال كبراء علمائنا السالفين... الخ(١) .

أقول: هذا ونحوه من التزليقات والتلزيقات التي لاتشتبه على اهل اللّه مقاصد قائلها، وقد أسلفنا شيئاً من الجواب عنها، وسيأتي زيادة عند ذكر زيادة كلام في هذا المقام إن شاء اللّه تعالى.

قوله: في مقالة حلّ الخراج: ولنا في الدلالة على ما قلناه مسلكان، الأول: في الأخبار الواردة عن أهل البيتعليهم‌السلام وهي كثيرة، فمنها مارواه الشيخ عن أبي بكر الحضرمي قال: دخلت على عبداللّهعليه‌السلام وعنده إسماعيل ابنه فقال مايمنع ابن ابي سمّاك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ممّا يكفيه الناس ويعطهم ما يعطي الناس، قال: ثم قال: ام تركت عطاءك؟ قال: قلت: مخافةً على ديني، قال: ما منع ابن أبي سمّاك أن يبعث إليك بعطائك؟ أما علم أن لك في بيت المال نصيباً؟(٢) قلت: هذا [الخبر] نصّ في الباب فإنهعليه‌السلام بيّن للسائل حيث قال: إنه ترك أخذ العطاء للخوف على دينه بأنه لاخوف عليه فإنه إنما يأخذ حقّه حيث إنه يستحقّ في بيت المال نصيباً وقّد تقرّر في الاصول بتعدّي الحكم بالعلّة المنصوصة(٣) .

أقول: جميع ماأورده واورد في هذا الباب من الأخبار وغيرها يأتي جوابها في الجمع بين كلام الأصحاب لكن أحببت أن اُشير الى ماذكر فيه مفصّلاً بياناً

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٧٤.

(٢) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٦ حديث:٥٤/٩٣٣ باب٩٣ في المكاسب " أخبار جوائز العمال ".

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٧٦.


لقصوره في الاستدلال، فأقول: هذا الخبر أورده العلّامة في المنتهى دليلاً على جواز تناول جوائز الظالم(١) إذا لم يعلم أنها حرام، ولم يذكره في حلّ الخراج وتناوله، ولاشكّ أن الاستدلال يتبع الدليل والدليل لا إشعار فيه بالخراج على أن ما فهمه هذا المؤلّف من هذا الخبر ليس على الوجه، وذلك أنهعليه‌السلام أشار الى الردّ على ابن أبي سمّاك في إعراضه عن الشيعة بقوله " أو لا يمنع... الخ " ثم سأل أبابكر عن ترك العطاء فأجابه إن تركه مخافة فأقرّه عليه وأعرض عنه. ثم رجع الى تقريع ابن أبي سمّاك وإلزامه بأنه ترك الدفع مع أنه يعلم لكل من المسلمين حقّاً في بيت المال وهو يدفع الى بعضهم دون بعض.

فحاصل الخبر أن أبابكر له حجّة في ترك الأخذ ولا حجّة لا بن أبي سمّاك في ترك الدفع فأين النصّ وأين نفيه الخوف هذا والخبر ممنوع صحّة سنده فلا تثبت دلالته.

ومن العجب أن هذا الرجل لو أراد أن يستدلّ على مطلب صحيح لم يحسن الاستدلال عليه لقصور فهمه.

قوله: ومنها ما رواه أيضاً في الصحيح عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال: قال أبو الحسنعليه‌السلام : ما لك لاتدخل مع علي في شراء الطعام إني أظنّك ضيّقاً، قال: قلت: نعم، فإن شئت وسّعت عليّ، قال: اشتره(٢) . وقد احتجّ بها العلّامة في التذكرة على تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة(٣) (٤) .

أقول: لا يخفى على من له أدنى تأمّل في العلم أن هذا الخبر لا يدلّ على تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج، والمقاسمة بشيء من الدلالات غاية دلالته أنه

____________________

(١) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٦ - كتاب التجارة - الطبعة الحجريّة.

(٢) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٦ حديث: ٥٣/٩٣٢ باب٩٣ في المكاسب - أخبار جوائز العمّال.

(٣) تذكرة الفقهاء ج١ ص٥٨٣ - كتاب البيع في بيان حل الخراج والمقاسمة - الطبعة الحجريّة.

(٤) راجع خراجيته(ره)، ص٧٦-٧٧.


يدلّ على ابتياع الطعام على جهة العموم وليس فيه تصريح بأن الابتياع من الجائر ولو سلّم، فنحن لا نمنع من جواز ابتياع ما يأخذه باسم الخراج. فإن قيل: يدلّ من حيث عمومه، قلنا: قد ثبت إن شرط صحة الابتياع كون البيع حلالاً فالخراج إن كان حلالاً جاز ابتياعه وإلاّ فلا، ولا دلالة في الخبر على أن الخراج حلال كما لا يخفى فإن معاملة الغاضب والابتياع منه وإن كان أكثر أمواله غصباً جائز لعموم الكتاب والسنّة، ولا يدلّ على ما في يده من الغضب، وهذا واضح.

وقوله: " وقد احتجّ به العلّامة " ليس بشيء لأنّا بيّنا عدم دلالة الخبر وقد يظهر نكتة استدلال العلّامة فيما نحقّقه إن شاء اللّه تعالى قوله: ومنها ما رواه أيضاً في الصحيح عن جميل بن صالح قال: أرادوا بيع تمر عين أبي زياد فأردت أن أشتريه ثم قلت: حتى أستأذن أبا عبداللّهعليه‌السلام فأمرت مصادفاً، فسأله فقال قل له: يشتريه، فان لم يشتره اشتراه غيره.(١) قلت: قد احتجّ بهذا الحديث لحلّ ذلك العلّامة في المنتهى(٢) وصحّحه.(٣)

أقول: الجواب عن هذا كالجواب عن الخبر السابق، فإنه لادلالة فيه على موضع النزاع بل على ابتياع مال الظالم، ونحن لانمنعه بل نكرهه.

قوله: لكن قد يُسأل عن قوله " فان لم يشتره اشتراه غيره... الخ "، وحاصله أن الحلّ مختصّ بمن ليس له دخل في قيام دولة الجور ونفوذ أوامرها وفق شوكتها وهو معنى لطيف في زعمه.(٤)

أقول: هذا خلاف ما أصله من أن الخراج لجميع المسلمين فإنه إذا لا يفترق

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٧٥ حديث:٢١٣/١٠٩٢ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الشراء من الظالم "

(٢) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٧ - كتاب التجارة - الطبعة الحجريّة.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٧٧.

(٤) نفس المصدر.


الحكم فيه بالنسبة الى أهل يقوم به الدولة وغيرهم.

وفي الخبر الأول - أعني رواية أبي بكر(١) - دلالة على ذلك حيث ردّ على ابن أبي سمّاك بعدم استعمال شباب الشيعة على ما فهم المؤلف، وأيضاً الأصحاب أطلقوا من غير تفصيل ولم يذكروا أنه من خواصّ الشيعة، فالمخصّص يحتاج الى دليل، وهو مسلّم كلامهم ويستدلّ به، والذي يخطر ببالي أن قولهعليه‌السلام " فان لم يشتره اشتراه غيره " للإشارة الى أن الامتناع من أموال الظالم لافائدة مهمّة فيها إلا اذا كان أهل العصر جميعاً أو أكثرهم على ذلك لأن الامتناع يفيد تورعّه عن المظالم حينئذٍ بسبب عدم معاملة الناس له، أمّا اذا لم يكن كذلك لم يظهر فائدته خصوصاً أن أحداً لايمنع عن معاملة من يعامله وإلا لبطل أكثر النظام فلا فائدة في الامتناع حينئذٍ، فنقول الإمام ذلك للتنبيه على هذا، فالأحاديث وكلام القوم على العموم، وأي محصّل يجزم بتخصيص ما هو عام بمثل هذا الخيال مع أنه لم يزد على الدعوى شيئاً فانظر الى قصور فكرة هذا الرجل تظفر بالعجب العجاب.

قوله: ومنها ما رواه أيضاً عن إسحاق بن عمّار قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم، قال: يشتري منه مالم يعلم أنه ظلم فيه أحداً.(٢) وهذا الحديث نقلته هكذا من المنتهى(٣) وظنّي أنه نقله من التهذيب وبمعناه أحاديث كثيرة.(٤)

أقول: لا يخفى على الناظر أن هذا الحديث لا دلالة فيه على حلّ الخراج ولا على حلّ تناوله من الظالم بشيء من الدلالات لأن دلالته ليس إلا على جواز

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٦ حديث:٥٤/٩٣٣ باب٩٣ في المكاسب " أخبار جوائز العمال "

(٢) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٧٥ حديث:٢١٤/١٠٩٣ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الشراء من الظالم "

(٣) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٧ - كتاب التجارة - الطبعة الحجريّة.

(٤) راجع خراجيته(ره)، ص٧٨.


الابتياع من العامل الذي يظلم إذا لم يعلم أنه ظلم أحداً بعينه، فأخذه إن كان ظلماً لم يجز، وإلاّ جاز، فأين الدلالة وهو مع ذلك مرسل وإسحاق بن عمّار ضعيف.

قوله: ومنها ما رواه ايضاً في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبيده عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: سألته عن الرجال هنا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنمها وهو يعلم أنهم يأخذون أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، قال: ما الإبل والغنم إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لابأس حتى يعرف الحرام بعينه، قيل له فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا نقول بعناها فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: إن كان أخذها وعزلها فلا بأس(١) (٢) .

أقول: لا دلالة في هذا على المطلوب لأن جواز ابتياعهم لايدلّ على جواز الابتياع مطلقاً لجواز أن يكون ذلك لكونه مالهم وفي قوله " عزلها " إشارة إليه.

نعم صدر الحديث فيه دلالة ما، وسيأتي الجواب عنهما إن شاء اللّه تعالى.

قوله: قيل فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا ويأخذ حظّه فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل(٣) .

أقول: لاخفاء في عدم صحّة الاستدلال بهذه على مطلوبه وذلك لأن المفهوم منها بقرينة السؤال والجواب أن الغرض جواز إبانة الابتياع من غير كيل ثانٍ، أو عدم جوازه كما هو ظاهر جلي. وقد صرّح في السؤال بأنّه يقسّم لهم حظّهم ويأخذ حظّه وهو نظراً الى منطوق اللفظ يدلّ على أن ما أخذه حقّاً له، ولانزاع في ذلك إذ

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٧٥ حديث:٢١٥/١٠٩٤ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الشراء من الظالم " - مع اختلاف ونقص يسيرين عمّا في التهذيب.

(٢) راجع خراجيته(ره)، ص٧٨.

(٣) نفس المصدر.


" القاسم " يجوز أن يكون مزارعاً أو وكيل المزارع الذي منه الزرع أو منها أو من الزرع والأرض له، ولا إشعار في الخبر بأن القاسم قاسم الجور وأن الذي يأخذه من الخراج، سلّمنا، لكن جوازه لهم لايدلّ على جوازه مطلقاً لأنه ما لهم لم يزل والابتياع لأنه لايمكن بدونه ولايرد أنه لوكان كذلك لم تظهر فائدة السؤال الجواز أن تكون فائدته استبانة جواز ذلك فإن فيه تقريراً لفعله ورضاً به من حيث معاوضته، وربما كان في قوله وأنتم حضور إشارة الى ذلك لأن مع عدم الحضور يحتمل خلطه بغير ما اُخذ منهم.

قوله: ومنها ما رواه الشيخ أيضاً بإسناده عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبداللّهعليه‌السلام عن أبيه أن الحسن والحسينعليهما‌السلام كانا يقبلان جوائز معاوية(١) قلت: قد علم ان موضع الشبهة حقيق بالاجتناب، والإمامعليه‌السلام لايواقعها، وما كان قبولهماعليهما‌السلام لجوائزه إلا لما من الحقّ في بيت المال، مع أن تصرّفه عليه غضب اللّه وسخطه كان بغير رضاً منهمعليهم‌السلام ، فتناولهما حقّهما المترتّب على تصرّفه دليل على جواز ذلك لذوي الحقوق في بيت المال من المؤمنين نظراً الى ثبوت التأسّي. وقد نبّه شيخنا في الدروس(٢) على هذا المعنى وفرّق بين الجائزة والظلم وبين أخذ الحقّ الثابت في بيت المال أصالة، فإن ترك قبول الأول أفضل بخلاف الثاني(٣) .

أقول: وباللّه التوفيق: هذا الكلام مخبوط من أربعة أوجه:

(الأول): أن معرض استدلاله حلّ الخراج والرواية دلّت على الجوائز، وبينهما بون بعيد، إذ جهة حلّ الجائزة عدم العلم بتحريمها والأصل عدم التحريم، وعموم ما دلّ على جواز تناولها إذا لم يعلم غصباً بعينها وحلّ الخراج يستدعي

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٧ حديث:٥٦/٩٣٥ باب٩٣ في المكاسب " أخبار جوائز العمال ".

(٢) الدروس الشرعية في فقه الامامية ص٣٢٩ - كتاب المكاسب - الطبعة الحجريّة.

(٣) راجع خراجيته(ره)، ص٧٨ ٧٩.


دليلاً يختصّه كما لايخفى.

(الثاني) أن قوله " قلت: لا خفاء أن موضع الشبهة حقيق بالاجتناب والامامعليه‌السلام لايواقعها"(١) لا طائل تحته، لأن الشبهة التي لا يواقعها الامام إن اُريد بها ما يقتضي المنع والتحريم فغير الامام من العدول كذلك، ونحن لا ندّعي تحريم مال الجائر مطلقاً وإن اُريد ما يقتضي المرجوحية التي لاتبلغ التحريم، فلو سلّمنا عدم مواقعة الامام لها قلنا لا يقتضي مواقعته إلا عدم المرجوحية بالنسبة إليه لا مطلقاً. وقد يختلف الحال بالنسبة اليه والى غيره والواقع هناك كذلك، فان جوائز الظالم مكروهة لسائر الناس دون الامام لأن حقّ الامامة له وما في يد الجائر يستحقّ هو قبضه بالأصالة بتقدير وقوع الشبهة فيه لأنه أعلم بمصارفه ويدفع نوع الشبهة عنه، وهذا غير القبض والمال حقّه بالأصالة بخلاف غيره فإنه مرجوح بالنسبة إليه.

وقد نبّه على ما قلناه الشهيدرحمه‌الله في دروسه حيث قال: وترك أخذ ذلك من الظالم مع الاختيار أفضل، ولا يعارضه أخذ الحسنينعليهما‌السلام جوائز معاوية لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة(٢) . على أن لنا أن نقول إنهم فعلوا ذلك تقية فلا دلالة فيه أصلاً.

(الثالث) أن قوله " وما كان قبولهماعليهما‌السلام لجوائزه إلاّ بما لهما من الحقّ في بيت المال "(٣) ركيك ظاهر الركاكة لأنه غير لازم أن تكون الجائزة من بيت المال لجواز أن يكون من خاصّة ماله المملوكة له بأخذ أنواع التملّكات.

ومن هذا يعلم (الوجه الرابع) من الخبط - أعني قوله " فتناولهما حقّهماعليهما‌السلام المترتّب على تصرّفه دليل على جواز ذلك لذوي الحقوق نظراً الى

____________________

(١) هذا قول المحقق الثاني(قده) في خراجيته، ص٨٣.

(٢) الدروس الشرعية في فقه الإمامة ص٣٢٩ - كتاب المكاسب - الطبعة الحجريّة.

(٣) هذا قول المحقق الثاني(قده) في خراجيته، ص٧٩.


ثبوت التأسّي "(١) - لأن تناولهما لم يثبت أنه من حقّهما من بيت المال حتى يتأسّى لهما من هذه الحيثيّة. فانظر ايّها المتأمل الى قلّة فطنة هذا الرجل كيف بلغت بهذا القدر في مثل هذا المطلب اليسير.

وأبلغ من هذا كلّه قوله " وقد نبّه شيخنا في الدروس على هذا المعنى... الخ "(٢) وأنت قد تعلم أن الشهيد لم ينبّه إلاّ على جواز ابتياع ما يأخذه الجائر وجواز جائزته، وإن ترك ذلك أفضل الاّ للمعصوم فإن حقّه بالأصالة، ومن المعلوم أنه غير مطلب المؤلّف لأن الجوائز لاشبهة فيها وإن أخذ المعصوم لها من حيث حقّه في بيت المال، فيثبت لغيره ماثبت له من غير فرق، وهذا خلاف ما نبّه عليه الشهيد بلامرية، فان كنت في شكّ من ذلك فاستمع كلام الشهيد في دروسه قالقدس‌سره : ويجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج والزكاة والمقاسمة وإن لم يكن مستحقّاً لها وتناول الجائزة منه إذا لم يعلم غصبها، وإن علم ردّت على المالك فإن جهله تصدق بها، واحتاط ابن إدريس بحفظها والوصية بها.

وروي أنها كاللقطة قال: وينبغي إخراج خمسها والصدقة على إخوانه منها والظاهر أنه أراد الاستحباب في الصدقة، وترك أخذ ذلك من الظالم مع الاختيار أفضل ولا يعارض ذلك أخذ الحسنعليه‌السلام جوائز معاوية لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة(٣) .

فانظر أيّها المتأمّل هل الذي نبّه عليه الذي أشرنا إليه أو الذي توهّم المؤلّف؟

فإن كلامه ظاهر في المرجوحية وعدم صلاحية فعلهعليه‌السلام للرجحان لاختصاص الرجحان به لأنه حقّه بالأصالة، هذا ما أفاده تغمّده اللّه برحمته وأسكنه بحبوحة جنّته، ولا كلام في مرجوحية جوائز الظالم عقلاً وشرعاً، وقد

____________________

(١) هذا قول المحقق الثاني(قده) في خراجيته، ص٧٩.

(٢) (٣) الدروس الشرعية في فقه الإمامة ص٣٢٩ - كتاب المكاسب - الطبعة الحجريّة.


أحببت أن اُزيد هذا البحث إيضاحاً بالاستشهاد بكلام بعض الأصحاب.

قال العلّامة في المنتهى: ولابأس بمعاملة الظالمين إن كان مكروهاً - الى أن قال - : وانما قلنا إنه مكروه لاحتمال أن يكون ما أخذه ظلماً فكان الأولى التحرّي عنه دفعاً للشبهة المحتملة. (مسألة) متى تمكّن الانسان من ترك معاملة الظالمين والامتناع من جوائزهم كان الأولى له ذلك لما فيه من التنزّه(١) .

وقال فيه أيضاً: ولو يعلم حراماً جاز تناولها وإن كان المجيز لها ظالماً.

وينبغي أن يخرج الخمس من جوائز الظالم ليظهر بذلك ماله، لأن الخمس يطهر المختلط بالحرام، فتطهّر مالم يعلم فيه الحرام أولى(٢) .

وقال المقداد في تنقيحه: جوائز الظالم والفاعل من قبله يجوز قبولها والتصرّف فيها إلا أن يعلم الظلم بعينه ولايجوز أخذه(٣) .

وقال ابن إدريس وينبغي إخراج خمسها والصدقة على إخوانه منها،(٤) والظاهر أن مراده بالاستحباب في الصدقة وترك الجائزة من الظالم أفضل، وكذا ترك معاملته أيضاً، ولا يكون ما بيده من الأمور محرّماً بمجرد ظلمه لجواز أن يتملّك شيئاً على جهة الظلم فلا يحرم حينئذٍ معاملته لقول الصادقعليه‌السلام " كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو حلال حتّى يعرف تحريمه بعينه "(٥) .

نعم يكره ذلك مع الاختيار، وأما حال الضرورة فجائز، ولا يعارض الأول أخذ الحسنينعليهما‌السلام جوائز معاوية لأن ذلك حقّهم بالأصالة، ولولا كراهة

____________________

(١) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٦ - كتاب التجارة - وهذا الكلام في مسألتين متمايزتين مع اختلاف يسير عما فيها - الطبعة الحجريّة.

(٢) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٥ - كتاب التجارة - الطبعة الحجريّة.

(٣) التنقيح الرابع لمختصر الشرائع ج٢ ص١٩ - كتاب التجارة - مسائل فيما يكتسب به فوائد الرابعة مع اختلاف يسير.

(٤) السرائر ص٢٠٣ - كتاب القضايا - باب النوادر في القضاء والأحكام مع اختلاف في التعبير - الطبعة الحجريّة.

(٥) وسائل الشيعة ج١٢ ص٥٩ حديث١ باب٤ من أبواب ما يكتسب به - كتاب التجارة - " والرواية عن ابي عبداللّهعليه‌السلام ".


الإطالة في مثل هذا مع ظهوره لأوردت عبارات اُخرى، وبالجملة فلا شكّ عند أهل اللّه أن من الورع تجنّب جوائز الظالم، وإنكار ذلك جهل.

قوله: فإن قيل: هنا سؤالان: (الأول) أن هذه الأخبار إنما تضمّنت حال الشراء خاصّة، فمن أين ثبت حلّ التناول مطلقاً؟ (الثاني) أن هذه الأخبار إنّما دلّت على جواز التناول من الجائر بعد استيلائه والأخذ كما يفعله الجائر.

قلنا: الجواب عن الأول أن حلّ الشراء كافٍ في ثبوت المطلوب لأن حلّه يستلزم حلّ جميع أسباب النقل كالصلح والهبة لعدم الفرق بل الحكم بجواز غير الشراء على ذلك التقدير بطريق أولى لأن شرط صحّة الشراء أكثر. وقد صرّح الأصحاب بذلك بل يستلزم جواز قبول هبته وهو في يد ذي المال والحوالة ما عرفت من أن ذلك غير مملوك بل إنما هو حقّ تسلّط على التصرّف فيه غير من له أهلية التصرّف، وقد سوّغ أئمّتنا تملّكنا له على ذلك التصرّف الغير الشائع لأن تحريمه إنما كان من حقّهم فاغتفروا لشيعتهم، ذلك طلباً لزوال المشقّة عنهم، فعليهم من اللّه التحيّة والسّلام وقد صرّح بذلك بعض الأصحاب(١) .

أقول: هذا الكلام خبط ظاهر وذلك لأن متعلّق البيع - أعني الخراج المبحوث عنه - غير مملوك للجائر، وقد سلّمه المؤلّف، واذا لم يكن مملوكاً فهو مملوك لغيره لاستحالة بقاء ملك بلا مالك. ولو قيل: أنه على حكم مال اللّه تعالى حتّى يقبضه الإمام لم يقدح في المطلوب ومستحقّ قبضه والتصرّف فيه الإمامعليه‌السلام ، فإذا فرضنا أنه أجاز الابتياع لم يدلّ على جواز غيره بشيء من الدلالات فضلاً عن كون جواز غير البيع أولى وذلك لأنه محبوب فيه و أمره الى الوالي، فإذا جاز نوعاً معيّنا لم يجز تخطّيه وإنما يمكن تسليم المساواة والأولوية في صورة ما اذا كان الإجازة يقتضي كون الابتياع ملكاً للبائع، فإن ماذكره قد يتمّ

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٧٩-٨٠.


وتعليله قد يتحقّق، وهو لم يتفطّن في الفرق بين الأمرين كما هو عادته من المجازفة.

وقوله " بل يستلزم جواز قبول هبته وهو في يد ذي المال "(١) ظاهر المنع بل البطلان وأيّ وجه اقتضى استلزام جواز ابتياع مال يأخذه بإجازة من له التصرّف في بيعه جواز إتهّابه مال من اُجيز له في البيع لذلك هذا أمر لا نعرفه فلعلّه حصله من تدقيقات اجتهاده وحسن تأملّه فيه.

وقوله في إثباته " لما عرفت من: أن ذلك غير مملوك "(٢) لايصحّ تعليلاً للاستلزام كمالا يخفى لأن غير المملوك يوقف التصرّف فيه على إذن المالك أو من له التصرّف، ولا يستلزم الإذن في معين الاذن في غيره، وإن كان ما يؤذن فيه أبلغ ممّا لا يؤذن فيه، فإن الإذن في الهبة بغير عوض لايستلزم الإذن في البيع، فكيف بالعكس.

وقوله " وقد سوّغ أئمتنا تملّكنا له على ذلك التصرّف "(٣) عجيب غريب لأنه إن أراد بتسويغ أئمّتنا للتملّك بتسويغهم له بغير الابتياع فهو ممنوع، وقد سلّم أن الأخبار لاتدلّ عليه لأنها إنما تضمّنت حلّ الابتياع، ولهذا احتاج الى إثبات غيره بالاستلزام والأولوية، وإن أراد بتسويغهم له بالانتفاع فلا منازعة فيه، وإنما البحث في كون ذلك يستلزم غيره أم له، وعليه بني الإيراد، وقوله " وقد صرّح به بعض الأصحاب "(٤) لاطائل تحته لأن فتوى بعض الأصحاب بمجرّده لا يقوم دليلاً.

قوله: وامّا الجواب عن الثاني فإن الأخذ من الجائر والأخذ بأمره سواء، على أنه إذا لوحظ أن المأخوذ حقّ ثبت شرعاً ليس فيه وجه تحريم ولا غصب ولا قبح حيث إن هذا حقّ مفروض على هذه الأراضي المحدّث عنها، وكونه منوطاً بنظر

____________________

(١) و (٢) و (٣) و (٤) راجع خراجيته(ره)، ص٨٠.


الإمام انتفى الحظر اللازم بسببه ترخّص(١) الإمام في تناوله من الجائر سقط السؤال بالكلّية أصلاً ورأساً.(٢)

أقول: هذا الكلام أوله ممنوع أشدّ المنع، أعني قوله " الأخذ من الجائر والأخذ بامره سواء ".

ليت شعري أيّ وجه اقتضى المساواة مع أن هذا مال محرّم يتوقّف على إذن الإمام وليس هو في يد الجائر حتى يدخل تحت الأخبار بتقدير حجّيتها؟ ومن أين يحتمل المساواة فضلاً عن القطع بها مع أن أخذه محرّم اُجيز الأخذ منه بالابتياع للنصّ مثلاً والأخذ على حاله من التحريم، فالأخذ ابتداء عن أمره لاوجه لإباحته.

وآخره ركيك جداً، أعني قوله " اذا لوحظ... الخ " لأنّا إذا لاحظنا كون المأخوذ حقاً لاقبح فيه وأنه منوط بنظر الإمام وأجاز تناوله مع الجائر كيف يسقط السؤال بالكلّية أصلاً ورأساً، إذ القائل يقول هذا حقّ لاقبح فيه أصلاً، لكن لايجوز تناوله ابتداءً، فهذا السؤال كما لايخفى قائم باقٍ يفتقر الى الجواب بل لاجواب فيه لأصالة المنع من التصرّف إلا بإذن الإمام خرج منه التناول من الجائر على وجه المخصوص فيبقى الباقي على المنع، إذا تأمّل المتأمّل هذا الكلام علم منه أن المؤلف في أيّ مقام هذا، وبعض الأصحاب صرّح بعدم جواز التناول بغير ذلك.

قال الفاضل السيّد ابن عبد الحميد الحسيني في شرحه للنافع: وإنما يحلّ بعد قبض السلطان له أو نائبه،(٣) ولهذا قال المصنّف ما يأخذه باسم المقاسمة فقيّده بالأخذ وهو على الجائز ونائبه حرام، وغيره من المصنّفين أيضاً ذكر ذلك.

____________________

(١) في خراجيته(ره)، ترخيص.

(٢) راجع خراجيته(ره)، ص٨٠.

(٣) لم يتوفر عندنا المصدر.


والحاصل: أن مادلّ عليه الروايات في زعمه لايقتضي ما ذكره وأمّا الاجماع على ما ذكره فهو على المنع وباللّه التوفيق.

قوله: المسلك الثاني...(١) الى آخر ما نقل من العبارات.

أقول: وباللّه التوفيق وهو ولي التحقيق: (أولاً) حيث حقّقنا فيما مضى أن العراق ليست مفتوحة عنوة وأبطلنا مازيَّفه المؤلّف من الأدلّة على أن ذلك لم يجديه حلّ الخراج بتقدير تسلميه لأنه إنمّا يكون في الأرض المفتوحة عنوة ومحلّ قريته بحث عنها ليس كذلك.

(وثانياً) إنا قد حقّقنا أيضاً أن كون أرض العراق مفتوحة عنوة لايقتضي حلّ الخراج في مطلوب هذا المؤلّف.

(وثالثاً) أن حلّه إنما ثبت بتقدير أخذه من الجائر ابتياعاً لأنه مدلول الروايات، والذي حكاه من الأقوال إنما هو قول عدد قليل وبعضهم لم يذكر غير الابتياع كالشيخ في النهاية(٢) وبعضهم كالعلّامة(٣) والشهيد(٤) ذكر غيره وبعض من لم يذكره صرّح بنفي غيره كما حكيناه عن السيّد الحسيني شارح النافعرحمه‌الله ، وظاهر بعض الأصحاب أيضاً ذلك، بل بعض ما ذكره عبارته ظاهره ذلك، فالتناول بغير الابتياع غايته أنه فتوى آحاد من الأصحاب وليس دليلاً إذ لاشاهد له من الأخبار ولا إجماع عليه والعقل ينفيه، وظاهر الكتاب العزيز شاهد ينفيه

____________________

(١) راجع خراجيته(ره)، ص٨٠.

(٢) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ص٣٥٨ باب عمل السلطان وأخذ جوائزهم - كتاب المكاسب.

(٣) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٧ - كتاب التجارة - الطبعة الحجريّة. تذكرة الفقهاء ج١ ص٥٨٣ في بيان حل الخراج والمقاسمة - كتاب البيع - الطبعة الحجريّة، تحرير الأحكام ج١ ص١٦٣ تفصيل المكاسب المكروهة - كتاب التجارات - الطبعة الحجريّة، قواعد الأحكام ج١ ص١٢٢ الأحكام السادس من الخاتمة - كتاب المتاجر - الطبعة الحجريّة.

(٤) الدروس الشرعية في فقه الاماميّة ص٣٢٩ - كتاب المكاسب - الطبعة الحجريّة.


فلا يقوم حجّة، وقد سبق مافيه كفاية عند ذكره الاستلزام فلا يتّم مطلوبه.

(ورابعاً) أن حلّ التناول من الجائر مطلقاً لو ثبت لم يستلزم حلّ الأخذ ابتداءً فلا يحلّ غرضه حلّ الخراج مطلقاً، ولا دلالة عليه من كتاب ولاسنّة ولا إجماع بل ولا قول من يعتمد عليه من الأصحاب، ألا ترى أنه استدلّ بالاتّفاق المستند الى عبارات الأصحاب ولم يذكر عبارة يدلّ على ذلك أصلاً بل في بعضها ما يدلّ على العدم كقول الشهيد في آخر عبارته " وكما يجوز الشراء يجوز سائر المعاوضات والهبة والصدقة والوقف ولايحلّ تناولها بغير ذلك "(١) فسقط كلامه بالكلّية.

ولنرجع الى تحقيق كلام الأصحاب في الباب تبرّعاً وقصداً لإبانة الحقّ ومن اللّه تعالى نسأل الاسناد بإلهام الصواب والسداد والتمسك بسبيل الرشاد فنقول: لاشك ولاخفاء في أن الأصحاب ذكروا جواز ابتياع ما يأخذهالسلطان الجائر باسم المقاسمة وباسم الزكاة من الأراضي والأنعام، ولاشبهة أن ذلك ليس من حيث الاستحقاق منه لذلك لاللعين المأخوذة ولا لجواز الأخذ بل هو ظلم، كما لاشبهة أن هذه المسألة لا تعلّق لها بحلّ الخراج وعدم حلّه لأن الزكاة من الأنعام، والغلّات لاتعلّق لها بذلك بوجه من الوجوه، وقد أجازوا فيها ذلك مع أنها ظلم وغضب فلو كانت العلّة حلّ الخراج لأختصّ الحكم به، ولم يخصّه به أحد فيما علمته، ومن ذكر ذلك ذكره غالباً في باب المكاسب وذكر أنه يجوز ابتياع ما يأخذه الجائر من الزكاة والأرض.

بل لنا أن نقول: إن أخذ الظالم الخراج من الأرض باسم المقاسمة غصب وظلم، إذ لايلزم من استحقاق المسلمين له جواز أخذه لغير واليهم، ولا جواز قسمته بحيث يبعث ما أخذه لهم لأن قسمة غير الوالي غير معتبرة، ألا ترى أنهم

____________________

(١) الدروس الشرعية في فقه الاماميّه ص٣٢٩ - كتاب المكاسب - الطبعة الحجريّة.


حكموا بجواز ابتياع ما أخذه باسم الزكاة مع حكمهم إلاّ من شذّ بعدم براءة الدافع منها بل أوجبوا الزكاة عليه فيما بقي عنده ثانياً، وزكاة الجميع مع سبق تفريطه، وحرموا الدفع إليه مع المكنة، فيمكن أن يقال في الخراج ذلك للاشتراك في العلّة، وممّا يؤيد هذا ويؤيّده بياناً أن مصرف الزكاة الثمانية المذكورين في الآية الكريمة(١) وجواز الابتياع لما يأخذه الظالم لا يختصّ بهم بل هو جائز على الإطلاق فلا يكون لعلّة الاستحقاق.

نعم قد وردت رخصة بكفاية ما يأخذه الظالم عن الزكاة دلّت عليه روايات من طرقنا لكني لم أقف على مفتٍ بها بل اكثر مَن تعرّض لها قرّب الإخراج ثانياً أو لم يعتمد شيئاً إلا الشيخ في التهذيب فإنه قال فيه لما ذكر حديث أبي بكر وفيه: وليس على أهل الأرض اليوم زكاة فإنه قد رخّص اليوم لمن وجبت عليه واُخذت منه ذلك السلطان الجائر أن يحتسب من الزكاة وإن كان الأفضل إخراجه ثانياً لأن ذلك ظُلمٌ ظُلِمَ به(٢) . ثم أورد الروايات الدالّة على الإسقاط.

أقول: وحكمه بأنه ظُلمٌ ظُلِمَ به يقتضي الجزم بالإعادة لا أفضلية الإعادة إذا عرفت هذا فلا يخفى أن الجمع بين تحريم مال المسلم إلاّ بوجه شرعي وتجويز ابتياع مايؤخذ منه ظلماً أمر مشكل، فلا بدّ من تحقيق هذه المسألة لأنها من المهمّات في الشريعة، وساُفصّل ما يتّضح به في مباحث.

الأول: في مايدلّ على أن ذلك حرام وظلم في الزكاة صريحاً وفي غيره بالإطلاق ومايتبعه من الضمان.

الثاني: في الجمع بين ذلك وبين جواز الابتياع من الظالم.

الثالث: في ردّ اللازم من هذه المسألة وتوابعها.

____________________

(١) التوبة: ٦٠.

(٢) تهذيب الأحكام ج٤ ص٣٨ حديث: ٩/٩٧ باب١٠ - في وقت الزكاة - والراوي " عبداللّه بن بكير " ومع اختلاف في النص عما في المصدر.


فالبحث الأول فيه مسألتان: (الأولى) في المأخوذ من الزكاة. (والثانية) في المأخوذ من غيرها.

أمّا الأولى: فيدلّ على تحريم أخذها وأن المأخوذ ظلم وعدوان عموم قوله تعالى " إنما الصدقاتُ للفقراء والمساكين "(١) الآية، حصرها فيمن ذكره، فأخذ غيرهم إلاّ من الوالي عليها للقسمة بينهم وتصرّفه بجميع الأنواع غير مشروع وظلم لأهل الحق، وغيرها من الآيات وعموم قولهعليه‌السلام " خذ الصدقة من أغنيائهم واجعلها في فقرائهم "(٢) فأخذها على غير الوجه ظلم محرّم وعدوان، ولأنها شرّعت لسدّ فاقة الفقراء ومواساتهم، فأخذها لا لصرفها في الوجه منافٍ للحكمة، فيجب أن يكون محّرماً ولأنها حقّ في العين، فيتوقّف تمييزه على القسمة الشرعية أجاز الشارع للمالك الدفع منها أو من غيرها عيناً أو قيمةً الى الوالي والمستحقّ تحقيقاً، فإذا لم يدفع لم تبرأ الذمّة ولم يخرج الاستحقاق عن العين عملاً باستصحاب بقاء الحقّ الى أن يتحقّق ما يخرج عنه، وليس أخذ الجائر مخرجاً لإنه ليس والياً ولا مستحقّاً، ويؤيّد ما ذكرناه ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمّد ابن علي بن محبوب عن إبراهيم بن عثمان عن حمّاد عن حريز عن أبي اُسامة قال: قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : جعلت فداك إن هؤلاء المتصدّقين يأتوننا فيأخذون منّا الصدقة فنعطيهم إيّاها، أيجزي عنّا؟ فقال: لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم ـ أو قال ـ ظلموكم أموالكم وإنما الصدقة لأهلها(٣) .

إن قلت: أورد الشيخ في التهذيب ثلاث روايات تدلّ على عدم وجوب الزكاة ثانياً،(٤) قلنا: مع عدم التعرّض لدلالتها لا إيراد عليها بها لأن مطلوبنا

____________________

(١) التوبة: ٦٠.

(٢) السرائر ص٩٩ س١٩ من الطبعة الحجريّة.

(٣) تهذيب الأحكام ج٤ ص٤٠ حديث: ١٣/١٠١ باب١٠ في وقت الزكاة.

(٤) تهذيب الأحكام ج٤ ص٣٩ حديث:١١/٩٩ وص٤٠ حديث:١٢/١٠٠ و ١٤/١٠٢ باب١٠ في وقت الزكاة.


إثبات أنهم ظلم وقد ثبت، فيقع الكلام في الجمع خاصّة إذ لا يلزم من السقوط بتقدير ترجيحه على عدم سقوط الظلم الذي لا معارض له، ويؤيّد عدم السقوط من فتوى الأصحاب ما قال العلّامة في المنتهى: لايجوز للمالك دفعها الى الجائر طوعاً ولو دفعها إليه باختياره لم تجز عنه - ثم قال: - لوعزلها المالك فأخذها الظالم أو تلفت لم يضمن المالك حصّة الفقراء ممّا أخذ الظالم إجماعاً اذا لم يفرط ويؤدّي زكاة ما بقي عليه على ماتقدّم من الخلاف(١) .

وقال في التحرير: ولو أخذ الجائر الزكاة ففي إجزائها روايتان الأقرب عدمه لكن لا يضمن حصّة الفقراء ممّا أخذه(٢) .

وقال الشيخ في الخلاف: إذا أخذ الصدقة لم تبرأ ذلك ذمّته من وجوب الزكاة عليه لأن ذلك ظُلمٌ ظُلِمَ به، والصدقة لأهلها يجب عليه إخراجها، وقد روي أن ذلك مخبر عنه، والأول أحوط. قال الشافعي: إذا أخذ الزكاة امام غير عالم (عادل خ) أجزأت عنه لأن إمامته لم تزل بفسقه، وذهب أكثر الفقهاء من المحقّقين وأكثر أصحاب الشافعي الى أنه إذا فسق زالت إمامته - ثم قال: - والذي يدلّ على أن ذمته لم تبرا ممّا أخذه المتغلّب أن الزكاة حقّ لأهلها فلا تبرأ ذمّته بأخذ غير من له الحق، ومن أبرأ الذمّة بذلك فعليه الدلالة(٣) .

وقال الشهيد في البيان: لو أخذ الظالم العشر أو نصفه باسم الزكاة ففي الإجزاء بها روايتان والأقرب عدمه، وحينئذٍ يزّكي الباقي وإن نقص عن النصاب بالمخرج(٤) .

____________________

(١) منتهى المطلب ج١ ص٥١٤ - كتاب الزكاة - البحث الثاني في المتولي للإخراج فروع: الأول، الثاني، الثالث - الطبعة الحجريّة.

(٢) تحرير الأحكام ج١ ص٦٧ - كتاب الزكاة - البحث الثاني في المتولي لإخراج الزكاة - الطبعة الحجريّة.

(٣) الخلاف ج١ ص٢٨١ مسألة:٣١ - كتاب الزكاة - ط: اسماعيليان.

(٤) البيان ص١٨٤ الفرع السادس من فروع زكاة الغلات وما يتعلق بها - الطبعة الحجريّة.


وأمّا الثانية: فيدلّ عليها عموم الكتاب والسنّة الدالّين على تحريم التصرّف في الأموال بغير حق، والعقل مؤيد له فإنه حاكم بقبح ذلك فإن ما جعله اللّه تعالى في وجه المصادف يقبح تغييره لمنافاته الحكمة.

ويؤيّده ما رواه الشيخ في التهذيب عن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : ماتقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت لابدّ فاعلاً فاتّقِ أموال الشيعة: قال: فأخبرني أنه كان مجيئها من الشيعة علانية ويردّها عليهم في السر(١) . دلّ بفحواه على الترك مع الإمكان وعن النهي صريحاً عن أموال الشيعة ولو كان أخذ الخراج من الحقوق التي ليست ظلماً لم يجز ذلك.

ومن العجب أن المؤلّف نقل هذا الخبر وخبر آخر في آخر رسالته وهو ما رواه الشيخ عن الحسن بن الحسن(٢) الانباري عن الرضاعليه‌السلام - الى أن قال - فكتب أبو الحسنعليه‌السلام : فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنك إذا وليّت عملت في عملك بما أمر به رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم يصير أعوانك وكتابك أهل ملّتك، فإذا صار إليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين كان جائزاً وإلاّ فلا(٣) (٤) .

ثم قال ما ختم به رسالته: وما زلنا نسمع كثيراً ممّن عاصرناهم لاسيّما شيخنا الأعظم الشيخ علي بن هلال قدّس اللّه روحه وغالب ظنّي أنه بغير واسطة بل بالمشافهة أنه لايجوّز لمن عليه الخراج والمقاسمة سرقته ولا جحوده ولا منعه ولاشيء من ذلك لأن ذلك حقّ عليهم(٥) .

فليا شعري كيف ختم بهذه رسالته مع أن كلام الإمام صريح في عدم جواز

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٥ حديث:٤٨/٩٢٧ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الولاية " مع اختلاف يسير.

(٢) الظاهر الحسن بن الحسين هو الصحيح.

(٣) تهذيب الأحكام ج٦ ص٢٣٥ حديث:٤٩/٩٢٨ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الولاية " مع اختلاف يسير.

(٤) (٥) راجع خراجيته(ره)، ص٩٠-٩١.


أخذ الظالم له، وهو قد سلّم فيما مضى أن أخذه محرم عليه؟ واذا كان محرّماً عليه كيف لايجوز كتمانه عليه مع المكنة ولا سرقته ولا جحوده؟ وهل هذا إلاّ عدول عن قول معصوم وفتوى قام الدليل عقلاً ونقلاً عليها الاستشهاد بقول فقيه جائز الخطأ أن يثبت صحّة النقل عنه؟

ولوشئت أن أقول أن اختيار الدفع الى الظالم مع التمكين من الكتمان والسرقة والجحود ممّا علم عدم جوازه من الدين بالضرورة لقلت، لأن ذلك حقّ للمسلمين يجب إيصاله اليّ واليهم، فإذا كان غائباً وجب أن يوصل الى نائبه وهو حاكم الشرع، فإن لم يكن فإلى مستحقّه حسبه كالمال الذي في يده لغيره فانه يدفعه الى من يستحقّ قبضه شرعاً.

ومما يؤيّد بطلان ما ذكره ونقله في غالب ظنّه ما رواه الشيخ عن أحمد بن زكريا الصيدلاني عن رجل من بني حنيفة من أهل بست(١) وسجستان(٢) قال: رافقت أبا جعفرعليه‌السلام في السنة التي حجّ فيها في أول خلافة المعتصم فقلت له وأنا معه على المائدة وهناك جماعة من أولياء السلطان: إن والينا جعلت فداك رجل يتولاكم أهل البيت ويحبّكم وعليَّ في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني اللّه فداك أن تكتب إليه بالإحسان إليَّ، فقال: لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك إنه على ماقلت من محبيكم أهل البيت فكتابك ينفعني عنده، فأخذ القرطاس وكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أمّا بعد فإن موصل كتابي ذكر عنك مذهباً جميلاً وإن ما لك من أعمالك ما أحسنت فيه، فأحسن الى إخوانك، واعلم أن اللّه عزّوجل لسائلك مثاقيل الذرّ والخردل. فلمّا وردت سجستان سبق الخبر الى الحسين بن عبداللّه النيشابوري - وهو الوالي - فاستقبلني من المدينة على

____________________

(١) بست: مدينة قديمة في أفغانستان على ملتقى الطرق بين بلوخستان والهند " نقلاً عن هامش تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٤ "

(٢) سجستان: أو سيستان بلاد واقعة بين إيران وأفغانستان " نفس المصدر "


فرسخين فدفعت اليه الكتاب فقبّله ووضعه على عينيه ثمَّ قال لي: حاجتك؟ فقلت: خراج عليَّ في ديوانك، قال: فأمر بطرحه عنّي وقال: لاتؤدّ خراجاً ما دام لي عملي ثمَّ سألني عن عيالي فأخبرته بمبلغهم فأمر لي ولهم بما يقوتنا وفضلاً، فما أدّيت في عمله خراجاً مادام حيّاً ولاقطعني صلته حتّى مات(١) . ووجه الدلالة ظاهرة فإنه إنما شكى الامام الخراج فلو كان حقّاً يجب أداؤه ويحرم كتمانه لأخبره بذلك ولم يجبه الى الوصية فيه لأجله.

وممّا يدلّ على ما ذكرناه ما رواه الشيخ عن علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كبار بني اُمية فقال: استأذن لي على أبي عبد اللّهعليه‌السلام ، فاستأذنت له فأذن له، فلمّا أن دخل فسلّم وجلس، ثم قال كلمته: جعلت فداك إني كنت في ديوان هذا القوم فأصبت في دينارهم مالاً كثيراً واغمضت في مطالبه، فقال أبو عبداللّهعليه‌السلام : لولا أن بني اُمية وجدوا من يكتب لهم ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقّنا، ولوتركهم الناس وما في أيديهم لما وجدوا شيئاً إلا ماوقع في أيديهم، قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: فقال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل. قال: فاخراج من جميع ما كسبت من ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت إليه ماله ومن لم تعرف تصدّقت به وأنا أضمن لك على اللّه عزّوجل الجنّة... الخ(٢) . وجه الدلالة أنه أطلق الأمر بردّ ما أخذ بسبب الظالمين وهو يتناول الخراج وغيره، وهو موافق للنظر لأن أخذ الجائر ظلم يجب ردّه الى من أخذه منه ليصرف في محلّه.

إن قلت: هذا الخبر استدلّ به بعض الأصحاب كالعلّامة في المنتهى على وجوب ردّ جوائز الظالم إذا علمته حراماً(٣) قلت: لامانع من الاستدلال به على

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٤ حديث: ٤٧/٩٢٦ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الولاية " مع اختلاف يسير.

(٢) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣١ حديث: ٤١/٩٢٠ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الولاية " مع اختلاف يسير.

(٣) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٥ - كتاب التجارة - الطبعة الحجريّة.


ذلك لأنه عام، ويصحّ الاستدلال به على ما يتناوله، ومنه الجائزة المحرّمة فلا منافاة إذ لا يلزم من الاستدلال به على فرد ممّا دلّ عليه عدم الاستدلال به على الآخر، إذ الاعتبار بعموم الدليل، لايقال صرحّ جماعة من الأصحاب بعدم وجوب ردّ الخراج وإن علم أربابه.

فنقول: أولاً كلام من قال بذلك ليس حجّة بمجرّده مالم يكن رواية أو إجماع سلّمنا لكن الجواب يعلم من الجمع بين كلام الأصحاب.

وأمّا المبحث الثاني وهو الجمع بين كون الاخذ غير مستحقّ وجواز الابتياع، فهو أن يقول حيث لا يمكن حمل الكلامين على إطلاقهما ضرورة أن كون المال مغصوباً.

وظلماً يقتضي المنع من جواز التصرّف فيه وهو متحقّق ولو في الزكاة على القول بوجوب إعادتها، وقد حكينا من أجلاء فقهائنا وذكرنا روايته عن أهل البيتعليهم‌السلام ، فإنه إذا ثبت وجوبهما ثانياً ثبت جزماً أن ما اُخذ فيه حقّ للمالك باقٍ على استحقاقه فهو في يد آخذه غصب بلا شبهة، فلا يمكن القول بجواز ابتياعه منه مع أن القائل بذلك أطلق جواز الابتياع فيما أخذه الظالم باسم الزكاة، وإن من مذهبه عدم براءة ذمّة المأخوذ منه ووجوب الإعادة(١) فلا بدّ من الجمع دفعاً للتنافي العقلي والشرعي.

فنقول وباللّه التوفيق: جهة الجمع هو أن المراد بالجائر في كلام الأصحاب مخصوص بمن له شبهة الإمامة، وقد اُجيز لنا أن نعاملهم بمقتضى مذهبهم كما جاز ابتياع عوض الخمر من اليهود، وحينئذٍ إذا أخذ إمامهم منهم شيئاً فهو مباح بالنسبة إليه والى رعيّته المعتقدين إمامته، فيجوز ابتياعه وإن لم يكن مستحقّاً عندنا، وفي وجوب التخصيص بما اُخذ من معتقدي الإمامة نظر ينشأ من أن جواز معاملتهم بمذهبهم هل يقتضي العموم فلا يشترط الإباحة أو لايقتضيه، فيشترط

____________________

(١) البيان ص١٨٤ - كتاب الزكاة - الطبعة الحجريّة.


فعل عدم الاشتراط يجوز وإن اُخذ من الشيعي، وعلى الاشتراط لا يجوز. وظاهر الأصحاب عدم الاشتراط لإطلاقهم الجواز من غير تفصيل ولعلّ الأقرب الاشتراط، وربما كان في الخبر الذي ذكرناه سابقاً عن علي بن يقطين دلالة عليه حيث قالعليه‌السلام " فاتق أموال الشيعة "(١) ولا يشكل هذا بضمان المعتقد الزكاة وإن دفع الى من يعتقد أنه إمام لأنه اذا استبصر يضمن، فان (وان ظ) كان دفع الى فريقه مع جواز تصرّف من دفع إليه والابتياع منه قطعاً، ولو اخترنا العموم بحيث يشمل الحكم للشيعة فالوجه سقوط الزكاة مثلاً عن الشيعي بأخذه، ويكون ذلك رخصة بسبب شبهة مذهب المخالف ودفعاً للضرورة عن الشيعي بالإعادة، وكأني بعديم نظر وقليل فكر لا ينعم المطالعة والتدبّر يتلقّى هذا الجمع لألتزامه التقليد وعدم معرفته بدقائق الشريعة بالإنكار ويظن أنه تخصيص من غير مخصّص فيقول الكلام عامّ فلا وجه للتخصيص. وقد تقرّر أن العقل قد يخصّص، فإذا تحقّق مالا يتمشّى على قواعد العقل والشرع إلاّ بالمخصص وجب، ومن حمله على العموم فهو لأخذه ماطفح على الماء من غير أن يريب الى ما في وسطه فضلاً عن قعره مع أن ما ذكرناه قد ينبّه له من بعض العبارات للفضلاء المحقّقين كقول العلّامة في المنتهى: يجوز للإنسان أن يبتاع ما يأخذه بسلطان الجور بشبهة الزكاة من الإبل والبقر والغنم وما يأخذه من حقّ الأرض باسم الخراج وما يأخذه بشبهة المقاسمة. فذكره الشبهة(٢) فيه إشارة الى ما ذكرناه، وفي الكلام الذي ذكرناه عن الشيخ في الخلاف وكلام الشافعي(٣) فيه دلالة أيضاً، بل أقول: إن في كلّ عبارات الأصحاب دلالة من حيث أن الأخذ من الأنعام والغلات ولو من الأراضي التي أسلم أهلها عليها كما يقتضيه إطلاق العبارة، والاتّفاق

____________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٥ حديث:٤٨/٩٢٧ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الولاية ".

(٢) منتهى المطلب ج٢ ص١٠٢٧ - كتاب التجارة - مع اختلاف يسير - الطبعة الحجريّة.

(٣) الخلاف ج١ ص٢٨١ مسألة: ٣١ - كتاب الزكاة - " ط: اسماعيليان "


لايكون إلاّ عمّن يتصدّى لذلك من حيث إمامه زعمه لأن بعث المصدّقين وأخذ ذلك من خواصّ من يعتقد الإمامة أونائبه، فيكون ذلك من خواصّه قرينة على أن المراد من له شبهة الإمامة، واللّه الموفّق للصواب.

واما الثالث: أعنى ردّ الخطأ في هذه المسألة فنقول: من علّل جواز الابتياع بأن هذا مال لايملكه الزارع وصاحب الأنعام فقد أخطأ لأنه لا يلزم من عدم ملكه له بتقدير تسليمه بعينه بأخذ الجائر ولهذا حكم العلماء بضمان الزكاة على المأخوذ منه، وبينهما تنافٍ ظاهر، خصوصاً أنه قال: لأن هذا مال لايملكه الزارع وأصحاب الأنعام والأرض فإنه حقّ اللّه أخذه غير مستحقّه فبرئت ذمّته وجاز شراؤه.

وليت شعري مايجمع بين براءة ذمّته وضمانه، وإنما قلنا بتقدير تسليمه لأن المنع متوجّه بأن يقال الزرع ملكه والاُجرة عليه في ماله فتدّبر. ومن قال بعدم جواز منع الزارع ونحوه فقد أخطأ لأنه إذا تمكّن وجب عليه المنع لأن المدفوع إليه غير مستحق فيجب منعه لأنه من الأمر بالمعروف ودفعه من المنكر، ومن أطلق جواز الهبة بحيث يشتمل الزكاة فقد أخطأ لأن الزكاة متعيّنة للصرف في أصنافها فلا يجوز هبتها ولاقبول هبتها، وقد يتوجّه المنع في غير الزكاة أيضاً لولا أن الجائر له من نصيب وافر فيجوز نظراً الى شبهة إمامته التصرّف فيما يهب منه ولايرد ذلك في الابتياع، فإن بيع الإمام للزكاة جائز لأن صرف العين غير متعيّن ولأنه قد يبيع للمصارف المتوقّفة على البيع كسبيل اللّه. وقد يعلم بالتنبيه المذكور أكثر الخطأ الوارد في الباب اللّه وليّ الصواب وإليه المرجع والمناب.

وحيث انتهينا الى هذا ولم يبق في رسالته المعدّة للنقض إلّا ماهو حقيق بالإعراض والرفض من التعريض بأهل الايمان وإظهار الشنيعة لأهل البحث والتبيان، مع كون ماذكر سابقاً ولاحقاً لايكاد يخرج من بين لحيي المحصّل فلنقطع الكلام إلا عن ثلاث فوائد:


الاُولى: قد ذكر في كلامه مرّة بعد اُخرى الشريف المرتضىقدس‌سره والمحقّق الطوسي والعلّامة رضوان اللّه عليهم أجمعين توطئة عند نفوس بعض العامّة ومن ذكرهم يعيدون عمّا عمله فلا يستحلّون ما استحلّه ونحن لا نمنع كون المرتضى ذاحشمة وارتفاع ولا يكثر (يكسره خ) (يشر في خ ل) ذلك اذا كان غير مشتمل على مايخالف الشرع على أن عادة السلف أن من تقدم من فقهائهم وعلمائهم لا يذكرونهم إلاّ بأحسن ما عملوا امتثالاً للخبر النبوي على ما فاه [به عليه] الصلاة والسلام، ولا نقول (ولايقولون خ ل) بعد موته إلاّ خيراً، هذا وإن علم أنه كان يفعل غير ذلك فكيف اذا لم يعلم، بل علم من شواهد الحال والآثار أنه كان من أهل التقوى والصلاح، ومع التحقيق لو فعل من ذكره فعله لم يكن حجّة إذا قام الدليل على مرجوحيّته، وإن شئت أن تطّلع على بعض هذه الاُمور فانظر في كتاب السيّد النقيب العالم العامل التقيّ النقي ابن طاووس الحسيني الذي صنّفه لابنه المعبّر عنه بثمرة المهجة فإنه أشار الى المرتضى وأخيه في أمر سهل هو تولّيهما النقابة وردّ عليهما ولم يحتشمهما من الردّ، وردّ قول من يحتجّ بهما في ذلك من شدّة صلاحه وتقواه وورعه الذي لايوصف، وأمّا ما في العقائد (الفضائل خ ل) للمحقّق الطوسي لا استشهاد به فإنه كان داخلاً في سلك الاُمراء والملوك، وفي الإشارة كفاية. وبالجملة فمثل هذا لا يقوم عذراً فضلاً عن الحجّة.

الثانية: المعذرة الى أرباب العلم والنظر والتقوى والورع فيما زلّ فيه الذهن أو غفل عنه القلب فإن ذلك شأن غير المنزل من كتاب أو سنّة، فإن صحّة جميع المطالب ليس من علامات الفضائل ذوو الفضل يعرفون أهله يكفيه الأنظار والإيراد والإصرار، لكن المطلوب منهم إمعان النظر وإتعاب الفكر قبل المبادرة بردّ أو إيراد، فإن الاستعجال مظنّة الخطأ، وفيما فعلته من النقض فاني انما فعلته لاعتقاد وجوبه على أن هذا المؤلّف - فيما علمته واللّه على ما أقول شهيد - في مرتبة يقصّر عمّا يدّعيه لنفسه فأحببت أن اُعرّفه واُعرف أهل الفضل مرتبته، وأيضاً


فرسالته هذه مع كونه(١) واهية المباني ركيكة المعاني قد اشتهرت بين أهل الراحة وحبّ الاشتهار بشعائر الأبرار فأحببت إظهار ماغفلوا عنه قربةً الى اللّه تعالى لئلا يضيع الحقّ فتدخل في سلك من رضي بإضاعته وسكت عن إنكار تضييعه، لولا ذلك لكنت من المعرضين عنها كما أعرضت عن جواب استغابته وإعرابه من لا يؤمن على سفك الدماء المحرّمة عن الأعوام واللّه الحكم يوم القيامة، والعذر فيما أيضاً من التشنيع، فإن مثل ذلك جواباً عمّا سبق من تشنيعه جائز بل هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا وقع في تصنيف سبب خطائه فيه، فإن بدأ استحقّ الجواب وهذه عادة السلف، فان شككت في ذلك فلاحظ تصنيف العلّامة خصوصاً المختلف، وانظر ما شنّع فيه على ابن إدريس مع أن مصنّفه إمام المذهب في العلم والعمل، وأنما فعلوا ذلك ليكون علمائهم منزّهين عن التعرّض بمثل ذلك، قال الشاعر:

بسفك الدماء يا جارتي تحقن الدما

وبالقتل تنجو كلّ نفس من القتل

وقال تعالى " ولكم في القصاص حياة "(٢) . وقلت [مع] قريحتي الفاترة:

ولو أن زيداً سالم الناس سالموا

وكانوا له إخوان صدق مدى الدهر

ولكنّه اُوذي فجوزي بعض ما

جناه نكالاً والتقاضي الى الحشر

الثالثة: روى الشيخ في التهذيب عن محمّد بن يعقوب عن علي بن محمّد عن ابن جمهور عن أبيه رفعه عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال: كان أمير المؤمنينعليه‌السلام كثيراً ما يقول: اعلموا علما يقيناً إن اللّه تعالى لم يجعل للعبد وإن اشتدّ جهده وعظمت حيلته وكثرت مكائدته أن يسبق ما سمّى به في الذكر الحكيم ولم يخل بين العبد في ضعفه وقلّة حيلته أن يبلغ ما سمّى له في الذكر الحكيم، أيّها الناس إنه لن يزاد امرءً نقيراً بحذقه ولن ينقص امرءً نقيراً بحمقه، فالعالم بهذا

____________________

(١) الظاهر " كونها " هو الصواب.

(٢) البقرة: ١٧٩.


العامل به أعظم الناس راحة في منفعة والعالم بهذا التارك له أعظم الناس شغلاً في مضرّة، وربّ منعم عليه مستدرج بالإحسان إليه، وربّ مقدور في الناس مصنوع له، فأقف أيّها الساعي من سعيك واقصر من عجلتك وانتبه من سنة غفلتك وتفّكر فيما جاء عن اللّه عزوجل على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واحتفظوا بهذه الحروف السبعة فإنها من قول أهل الحجى ومن عزائم اللّه في الذكر الحكيم إنه ليس لأحد أن يلقى اللّه عزّوجل بخِلّة من هذه الخِلال الشرك باللّه فيما افترض عليه، أو شفى غيظ بهلاك نفسه، أو أمر بأمر يعمل بغيره، أو استنجح الى مخلوق بإظهار بدعة في دينه، أو سرّه أن يحمده الناس بما لم يفعل، والمتجبّر المختال وصاحب الابهة(١) . وعن الحسن بن محبوب عن حريز قال: سمعت أبا عبداللّهعليه‌السلام يقول: اتّقوا اللّه وصونوا أنفسكم بالورع وقوّوه بالثقة والاستغناء باللّه عن طلب الحوائج الى صاحب سلطان، واعلم أن من خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طلباً لما في يديه من دنياه أخمده اللّه ومقته عليه ووكله إليه، فان هو غلب على شيء من دنياه فصار منه إليه شيء نزع اللّه البركة منه ولم يأجره على شيء ينفقه في حجّ ولا عتق ولابر(٢) .

ولنقطع الكلام على هذا حامدين للّه حيث جعلنا من أتباع العترة الظاهرة، ونسأله أن يمنّ علينا بصيانة دينهم وما ينسب إليه عن المشبّهة الباطنة والظاهرة، وأن يجعلهم شفعاءنا في الدنيا والآخرة والحمد للّه.

تمّت في سنة ١١٠٩ هـ ق.

________________________

(١) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٢٢ حديث:٤/٨٨٣ باب٩٣ في المكاسب مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.

(٢) تهذيب الأحكام ج٦ ص٣٣٠ حديث:٣٥/٩١٤ باب٩٣ في المكاسب " أخبار الولاية " مع اختلاف يسير.


رسالتان في الخَراج

تأليف

المحقق البارع الشيخ أحمد

" المُقدَّسِ الأردَبيلي "

بسم اللّه الرحمن الرحيم

نبذة من حياة المولى المقدّس الأردبيلي "قدس‌سره "

ذكره - أول من ذكره من أرباب الرجال والتراجم - السيّد مصطفى التفرشي (ت ١٠٢١)

في " نقد الرجال " فقال: أحمد بن محمَّد الأردبيلي، أمره في الجلالة والثقة والأمانة أشهر من أن يذكر، وفوق ما تحوم حوله عبارة كان متكلماً فقيهاً عظيم الشأن جليل القدر رفيع المنزلة، أورع أهل زمانه وأعبدهم واتقاهم(١) . ونقل قوله الأردبيلي في " جامع الرواة "(٢) .

ذكره الحر العاملي (ت١١٠٤) في القسم الثاني من " أمل الآمل " فقال: كان عالماً فاضلاً مدققاً عابداً ثقة ورعاً، عظيم الشأن جليل القدر، معاصراً لشيخنا البهائي. ثمّ نقل قول التفرشي أيضاً(٣) .

وعلق عليه المولى عبداللّه الاصفهاني في " رياض العلماء " يقول: أقول: قرأ العقليات في بلدة شيراز على مولانا جمال الدين محمود، تلميذ مولانا جلال الدين الدواني... وحين ذهب الى النجف الأشراف ترك العقليات واقتصر على النقليات حتى أنّا سمعنا من الشيوخ أنه حين كان السيّد محمّد (العاملي صاحب المدارك) والشيخ حسن (العاملي صاحب المعالم) يقرأون عليه شرح المختصر (في الأصول للعضدي) كان لا يرخصهما أن يقرءا عليه كل مسألة (يراها) باعتقاده

____________________

(١) نقد الرجال: ٢٩.

(٢) جامع الرجال: ٦١:١.

(٣) أمل الآمل ٢٣:٢.


لامدخلية لها في الدين، فيتجاوزان عن ذلك الموضع الى مسألة اخرى نافعة(١) .

أشهر ما عُرف به:

إن أشهر واكثر شيء وأقدس ما عُرف به المقدّس الأردبيلي هو ما اشتهر عنه من تشرفه بلقاء الإمام الثاني عشر الحجة ابن الحسن المنتظر " عجل اللّه تعالى فرجه " وأول من ذكره بهذا في كتابه هو المولى المجلسي "قدس‌سره " في موسوعته " بحار الأنوار " في باب من رآه قريباً من زماننا، قال:

منها: ما أخبرني به جماعة عن السيد الفاضل مير علاّم قال: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدسة بالغريّ " على مشرّفها السلام " وقد ذهب كثير من الليل. فبينا أنا أتجول هناك اذ رأيت شخصاً مقبلاً نحو الروضة المقدسة، فأقبلت اليه فلما قربت منه عرفت أنه استاذنا الفاضل العالم التقي الزكي مولانا أحمد الأردبيلي " قدّس اللّه روحه "(٢) فأخفيت نفسي عنه حتى أتى الباب وكان مغلقاً فانفتح له عند وصوله اليه، ودخل الروضة، فسمعته يتكلم كأنما يناجي أحداً، ثم خرج واُغلق الباب.

فمشيت خلفه حتى خرج من الغري وتوجه نحو مسجد الكوفة، فمشيت خلفه بحيث لا يراني، حتى دخل المسجد وصار الى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين عنده، ومكث طويلاً، ثم رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغري، وكنت خلفه.

فلما قرب من الحنانة(٣) أخذني سُعال لم أقدر على دفعه، فسعلت، فالتفت الي فعرفني وقال: أنت مير علاّم؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع هنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدسة الى الآن، واُقسم عليك بحق صاحب القبر أن تخبرني بماجرى لك في هذه الليلة من البداية الى النهاية. فقال: اُخبرك، على أن لاتخبر به أحداً مادمت حياً: فلما توثق ذلك مني قال: كنت اُفكر في بعض المسائل وقد

____________________

(١) رياض العلماء ٥٦:١.

(٢) من هنا يبدو أنه انما حدث بهذا بعد وفاة المقدس.

(٣) الحنانة: موضع بين النجف والكوفة اقرب الى النجف فيه مسجد.


اُغلقت عليّ، فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين وأسأله عن ذلك، فلما وصلت إلى الباب فتح لي مفتاح كما رأيت، فدخلت الروضة وابتهلت الى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتاً من القبر أن: إئت مسجد الكوفة وسل من القائمعليه‌السلام فانه إمام زمانك، فأتيت الى المحراب وسألته عنها واُجبت. وها أنا أرجع الى بيتي(١) .

ونقل هذا الخبر عن المولى المجلسي تلميذه السيد نعمة اللّه الجزائري في كتابه " الأنوار النعمانية "(٢) . حدثني أوثق مشايخي علماً وعملاً: أنه كان لهذا الرجل - وهو المولى الأردبيلي - تلميذ من أهل تفرش(٣) اسمه: مير علاّم، وقد كان بمكان من الفضل والورع، قال ذلك التلميذ:

كانت لي حجرة في المدرسة المحيطة بالقبة الشريفة، فاتفق أني فرغت من مطالعتي وقد مضى جانب كثير من الليل، فخرجت من الحجرة انظر في صحن الحضرة، وكانت الليلة شديدة الظلام، فرأيت رجلاً مقبلاً على الحضرة الشريفة، فقلت: لعل هذا سارق جاء ليسرق شيئاً من القناديل، فنزلت وأتيت الى قربه فرأيته وهو لايراني، فمضى الى الباب ووقف، فرأيت القفل قد سقط وفتح له الباب الثاني (الرواق) والثالث (الحرم) على هذا الحال، فأشرف على القبر فسلّم، وأنى من جانب القبر ردّ السلام! فإذا هو يتكلم مع الإمامعليه‌السلام في مسألة علمية!

ثمّ خرج من البلد متوجهاً الى مسجد الكوفة، فخرجت خلفه وهو لا يراني، فلما وصل الى محراب المسجد سمعته يتكلم مع رجل آخر بتلك المسألة. ثم رجع ورجعت خلفه. فلما بلغ الى باب البلد أضاء الصبح فأعلنت له نفسي وقلت له: يا مولانا كنت معك من الأول الى الآخر، فأعلمني من كان الرجل الأول الذي كلمته في القبة؟

____________________

(١) بحار الأنوار ١٧٤:٥٢.

(٢) الأنوار هنا جمع النور بفتح النون بمعنى الزهرة والكمامة والبرعم، ولذلك اضيفت الى النعمان ملك الحيرة، كما في شقائق النعمان. وليس جمع النور بمعنى الضوء حيث لايناسب الاضافة.

(٣) بلدة تبعد عن قم ثلاثين كيلومتراً الى أراك.


ومن الرجل الآخر الذي كلمك في مسجد الكوفة؟ فأخذ عليّ المواثيق أني لا اُخبر أحداً بسرّه حتى يموت، ثم قال لي:

يا ولدي إن بعض المسائل تشتبه علي فربّما خرجت في بعض الليل الى قبر مولانا أمير المؤمنين وكلمته في المسألة وسمعت الجواب، وفي هذه الليلة أحالني على مولانا صاحب الزمان وقال لي: إن ولدنا المهدي هذه الليلة في مسجد الكوفة فامض اليه وسله عن هذه المسألة، فكان ذلك الرجل هو المهديعليه‌السلام .

ذكر ذلك السيد الجزائري ثمّ قال: هذه نبدة من أحواله فاعتبر أحواله الباقية!

كان عام الغلاء يقاسم الفقراء ما عنده من الأطعمة ويبقي لنفسه مثل سهم واحد منهم، فاتفق أنه فعل في بعض السنين الغالية هكذا، فغضبت عليه زوجته وقالت: تركت أولادنا في مثل هذه السنة يتكفّفون الناس؟! فتركها ومضى عنها الى مسجد الكوفة للاعتكاف!

فلما كان اليوم الثاني جاء رجل مع دواب حملها الطعام الطيب من الحنطة الصافية والطحين الناعم، فقال: هذا بعثه اليكم صاحب المنزل وهو معتكف في مسجد الكوفة!

فلما جاء المولى من اعتكافه أخبرته زوجته بأن الطعام الذي أرسلته مع الأعرابي طعام حسن! فحمد اللّه تعالى. وما كان له خبر عنه.

وكان يتعمّم بعمامة كبيرة، فإذا طلب منه أحد عمامة أو مقنعة قطع له من تلك العمامة(١) .

ومن جملة ورعه:

ومن جملة ورعه: أنه كان يستأجر دابة من النجف ويأخذها من صاحبها يمضي بها الى زيادة الكاظمين والعسكريينعليهم‌السلام ، فإذا أراد الرجوع ربما أعطاه بعض أهل بغداد من الشيعة كتاباً (رسالة) ليوصلها الى بعض أهل النجف، فكان يضع

____________________

(١) الأنوار النعمانية ٣٠٢:٢ تبريز.


الكتاب في جيبه ويمشي ويسوق الدابة من بغداد الى النجف، ويقول: ان صاحب الدابة لم يأذن لي في حمل هذا الكتاب على دابته(١) .

والخبر بهذا التعبير قد يوهم تكرر الأمر ممّا يستبعد معه، ولكن معاصر السيّد الجزائري وزميله في الدراسة: السيد محمّد صالح الخاتون آبادي (ت١١١٦) صهر العلّامة المجلسي، ذكر الخبر في كتابه " حدائق المقربين " فقال: " كان يخرج من النجف الأشرف الى زيارة الكاظمينعليهما‌السلام على دابة الكراء، فاتفق أنه خرج في بعض أسفاره ولم يكن معه مكاريّ الدابة، فلما أراد أن يرجع من الكاظمين أعطاه بعض أهل بغداد رقيمة (رسالة) ليوصلها الى بعض أهل النجف، فأخذها وجعلها في جيبه، ولكنه لم يركب بعد على الدابة فكانت هي تمشي قدامه الى النجف، وكان يقول: أنا لم أُوذن من المكاريّ بحمل ثقل هذه الرقيمة (الرسالة).

قال: وحكموا أيضاً: أنه كان اذا أراد الحركة الى الحائر المقدس لأجل الزيارات المخصوصة كان يحتاط في صلاته بالجمع بين القصر والتمام ويقول: ان طلب العلم فريضة وزيارة الحسينعليه‌السلام سنة، فاذا زاحمت السنة الفريضة احتمل تعلق النهي عن ضد الفريضة بها وصيرورتها - من أجل ذلك - سفر معصية! مع أنه كان لا يدع في ذهابه وايابه مطالعة الكتب والتفكر في مشكلات العلوم مهما استطاع(٢) .

وما نقله السيد الجزائري من بذل المترجم من عمامته الكبيرة أيضاً نقله معاصره وزميله في الدراسة السيد الخاتون آبادي في " حدائق المقربين " بأدق ممّا نقله الجزائري وقدم له مقدمة قال فيها: وكان يأكل ويلبس ما يصل اليه بطريق الحلال رديّاً كان أم سنيّاً ويقول: المستفاد من الأحاديث الكثيرة وطريقة الجمع بين الأخبار: أن اللّه يحب أن يرى أثر ماينعمه على عباده عند السعة، كما يحبّ الصبر على القناعة عند الضيق. فكان لا يردّ من أحد شيئاً، ومتى التمس أحد منه أن يلبس

____________________

(١) الأنوار النعمانية ٣٠٢:٢ تبريز.

(٢) روضات الجنات ٨٢:١ عن حدائق المقربين للسيد الخاتون آبادي صهر المولى المجلسي.


شيئاً من الثياب النفيسة لبسها، وتكرر أنّه اهديت اليه عمائم غالية فيلبسها ويخرج بها الى الزيارة، فاذا طلب شيئاً منها أحد السائلين خرق منها قطعة لأجله، وهكذا، حتى لا يبقى على رأسه عند عودته لبيته من تلك العمامة النفيسة سوى ذراعاً واحداً!(١) .

ومن صبره على القناعة عند الضيق كان يلبس ما يصل اليه من طريق الحلال ولو كان رديّاً أورثاً، حتى حكي أنه لرثاثة أثوابه أصابه بعض زوار النجف في الطريق فلم يعرفه، فطلب منه أن يغسل ثياب سفره وقال: اُريد أن تُزيح عنها درن الطريق وتجيئني بها. فتقبل منه ذلك وباشر بنفسه قصارتها وتبييضها الى أن فرغ منها فجاء بها الى ذلك الرجل ليسلمها اياه، فاتفق أن عرفه الرجل في هذه المرة وجعل الناس يوبخونه على ذلك العمل وهو يمنعهم عن الملامة ويقول: إن حقوق إخواننا المؤمنين اكثر من أن يقابل بها غسل الثياب!.

ولعل العمامة والثياب النفيسة التي كانت تهدى اليه كانت من الشاه عباس الصفوي فكان لا يردّ من أحد شيئاً حتى من الشاه الصفوي، بل يلبسها بالتماسه، ولكنه بذلك يبدلها للسائلين بالتماسهم، فكأن يده كانت اليد المحلّلة بين السلطان والناس.

قال الخونساري في " روضات الجنات ": كان الشاه عباس الصفوي يبالغ في تعظيمه وتبجيله ويرسل اليه بكل جميل، وهو في ذلك يستدعي من جنابه أن يتوجه الى إيران، ويتحاشى الشيخ في جوابه عن قبول ذلك، ويؤكد على رضاه بما أنعم اللّه عليه من التوفيق للمقام في النجف الأشرف(٢) ولعل ذلك أيضاً كان من تقدّسه واحتياطاته، وان كان لم يحترز عن قبول هداياه.

* * *

____________________

(١) روضات الجنات ٨٢:١ عن حدائق المقربين للسيد الخاتون آبادي صهر المولى المجلسي.

(٢) روضات الجنات ٨٣:١.


وساطاته وشفاعاته:

ولذلك كان يلجأ اليه أحياناً بعض المقصّرين في خدمة الحكومة الصفوية ويطلبون منه الوساطة والشفاعة فيشفع لهم، كما نقل الخونساري في " روضات الجنات " عن كتاب " المقامات " الذي وضعه سيّدنا الجزائري في شرح أسماء اللّه الحسنى، قال: التجأ الى مشهد أمير المؤمنينعليه‌السلام رجل كان مقصّراً في خدمة الحكومة الصفوية، وطلب من الأردبيلي " نوّر اللّه ضريحه " أن يكتب الى السلطان الشاه عباس الأول يطلب منه أن لايؤذيه، فكتب اليه بالفارسية ما ترجمته هكذا:

" ليعلم باني الملكُ المستعار عباس! أن هذا الرجل وان كان في أول أمره ظالماً فهو الآن يبدو مظلوماً، فلو عفوت عن تقصيره لعل اللّه يعفو عن بعض تقصيراتك.

كتبه عبد سلطان الولاية: أحمد الأردبيلي " فأجابه الشاه:

" عباس يعرض عليكم: إن الخدمة التي أمرتم بها بقبّلها وقدّمها مع الامتنان، فالرجاء أن لاينسى (المولى) هذا المحبّ عن دعاء الخير. كتبه كلب عتبة عليعليه‌السلام : عباس "(١) .

بل كان أحياناً يتوسط لبعض فقراء السادة اليه أوالى والده الشاه طهماسب لإعانتهم، كمانقله الجزائري أيضاً وقال: فلما وصلت الكتابة اليه قام وقرأها وقوفاً تعظيماً لها، فلما رأى فيها وصفه بالاخوة من قبل الأردبيلي قال: إذا دفنتموني فضعوا هذا الكتاب تحت رأسي، لاحتج به على منكر ونكير بأن المولى أحمد الأردبيلي سمّاني أخاً له. فأحضر كفنه ووضع الكتاب فيه(٢) .

____________________

(١) روضات الجنات ٨٥:١ هكذا بدون تاريخ، والتاريخ الرسمي لجلوس الشاه عباس سنة ٩٩٦ بينما يأتي أن وفاة الشيخ في ٩٩٣ أي قبل جلوس الشاه عباس بثلاث سنين. ولكن المنشي الميرزا اسكندر بيك المؤرخ الأول لاول عهد الصفوية ذكر في كتابه تاريخ عالم آرا العباسي: أن وفاة الشاه السابق الشاه طهماسب كان في ٩٨٤ وبعده تناثر الملك حتى توافقوا بعد فترة على ابنه الشاه عباس فملك، وإنما تاريخ جلوسه الرسمي ٩٩٦ وليس تاريخ تملكه. وبه يندفع الاشكال وينحل.

(٢) روضات الجنات ٨٤:١، ٨٥ عن المقامات للسيد الجزائري.


مشايخه:

مرّعن الأفندي في " رياض العلماء ": أنّه قرأ العقليات في بلدة شيراز على مولانا:

١ - جمال الدين محمود، تلميذ مولانا جلال الدوّاني. والشرعيات على(١) .

وعن تلمذته على جمال الدين محمود قال الخونساري في " روضات الجنات ":

كان شريكاً في الدرس مع المولى عبداللّه اليزدي (صاحب حاشية المولى عبداللّه في المنطق شرح تهذيب المنطق للتفتازاني) والمولى الميرزا جان الباغ نوي عند المولى جمال الدين محمود الذي كان من تلامذة المولى جلال الدوّاني.

وقد قرأ في المنقول والمعقول على بعض تلامذة الشهيد الثاني وفضلاء المشاهد المشرفة.

٢ - وله الرواية عن السيّد علي الصائغ من كبار تلامذة الشهيد المبرور، كما في أول الأربعين للمجلسي(٢) .

تلامذته:

قال الافندي في " رياض العلماء ": سمعت من مشايخنا أن له "قدس‌سره " عشرة تلاميذ كلهم فضلاء علماء منهم:

١ - الميرزا محمد الاسترابادي.

٢ - الميرفضل اللّه (ابن السيّد محمد الاسترابادي).

٣ - السيّد محمّد صاحب " المدارك "

٤ - الشيخ حسن (صاحب المعالم)(٣) .

_________________________

(١) رياض العلماء ٥٦:١ والنسخة ناقصة عن شيخه في الشرعيات.

(٢) روضات الجنات ٨٥:١

(٣) رياض العلماء ٥٦:١، ٥٧.


ومرّ عن المولى المجلسي وتلميذه السيّد الجزائري، أن منهم:

٥ - المولى مير علاّم التفرشي الذي روى عنه لقاء المترجم بالحجة " عجل اللّه فرجه " ونقل الخونساري في " روضات الجنات " أن المولى الميرزا محمَّد الاسترآبادي سأل المولى أحمد المقدّس عند وفاته عمن يستحق أن يرجع إليه بعده؟ فقال: أما في الشرعيات فالى الميرعلاّم، وأما في العقليات فالى المير فضل اللّه(١) وكأنه أضاف عن الخاتون آبادي.

٦ - المولى عبد اللّه التستري(٢) ولم نعثر على غيرهم.

مؤلفاته:

قال الأفندي في " رياض العلماء ": له:

١ - شرح " ارشاد الأذهان الى أحكام الايمان " (للعلّامة الحلي) وهو موجود الآن من الأول الى آخر مباحث الوقوف والصدقات، ثم لم يوجد فيما بين (كذا) ويوجد من الصيد والذباحة الى الآخر. وقد سمعنا من بعض الأفاضل أنه قد كتبه ولكن لعسر الاطلاع على خطه لم يكتبه أحد من الناس الى أن اندرس.

ونسب اليه مولانا سلطان حسين الاسترابادي في كتاب " تحفة المؤمنين "

٢ - زبدة البيان.

٣ - حاشية على إلهيات شرح التجريد، بسط الكلام فيه في بحث الامامة، ونقل الأدلة عن الفخر الرازي وأبطلها.

٤ - رسالة فارسية في حرمة الخراج تنسب اليه.

٥ - تعليقات على " قواعد الاحكام " للعلّامة.

٦ - تعليقات على " تذكرة الفقهاء " للعلّامة في الفقه، رأيتهما بخطه على الكتابين في مشهد الحسينعليه‌السلام .

____________________

(١) روضات الجنات ٨٠:١.

(٢) روضات الجنات ٨٢:١.


٧ - تعليقات على شرح المختصر للعضدي، رأيتها بخطه.

٨ - رسالة فارسية في مناسك الحج مختصرة، رأيتها في دهخوارقان.

٩ - رسالة فارسية في الامامة، مبسوطة.

١٠ - حواشي كتاب كاشف الحق.

١١ - رسالة اثبات الواجب.

١٢ - رسالة في عدم صحة قول الأصحاب بعدم خلو الزمان عن المجتهد، رأيتها بخط الأمير شرف الدين الشولستاني، في استراباد، نقلاً عن خط ولد المؤلف.

١٣ - رسالة في كون أفعال اللّه تعالى معللة بالأغراض، رأيتها في مازندران(١) .

١٤ - حديقة الشيعة، ذكره الحرفي " أمل الآمل " بعد أن ذكر له: آيات الأحكام، وشرح الإرشاد وقال: كبير لم يتم(٢) ولم ينص عليه المجلسي ولكنه عقد المصباح الثالث من مصابيح كتابه بالفارسية: " عين الحياة " في ذم الصوفية، حيث عدّد من كتب في الردّ عليهم قال: " وزبدة العلماء والمتورعين مولانا أحمد الأردبيلي " وما يعرف عن الأدبيلي في الرد على الصوفية إنما هو في كتابه هذا: حديقة الشيعة.

ولم يذكره الأفندي في تعداد كتبه، ولكنه قال في ترجمة العطار: " قال محّمد بن غياث الدين في " تلخيص كتاب حديقة الشيعة " للمولى أحمد الأردبيلي بالفارسية " ومثله في ترجمة عبداللّه بن حمزة الطوسي(٣) وذكره صاحب " الحدائق " في لؤلؤة البحرين " وقال: ذكره شيخنا عبداللّه بن صالح وشيخنا العلّامة الشيخ سليمان بن عبداللّه البحراني وغيرهم، فلا يلتفت الى انكار بعض أبناء هذا الوقت بأن الكتاب ليس له وأنه مكذوب عليه(٤) وقال الخونساري في " روضات الجنات ": ويدل عليه أيضاً ما يوجد في مجلده الثاني الذي يختص بفضائل الائمة واثبات إمامتهم

____________________

(١) رياض العلماء ٥٧:١.

(٢) أمل الآمل ٥٧:٢.

(٣) مستدرك الوسائل ٣٩٥:٣.

(٤) لؤلؤة البحرين: ١٥٠.


بالدليل والبرهان من الحوالة الى " زبدة البيان " ثم قال: ومن تصنيفاته:

١٥ - تعليقات على خراجية الشيخ علي المحقق الكركي(١) واضاف التبريزي عن الطهراني:

١٦ - استيناس المعنوية، في الكلام.

١٧ - اصول الدين. ومنها نسخة بالمكتبة الرضوية:

١٨ - حاشية على شرح التجريد للقوشجي(٢) ولعلها هي التي مر ذكرها عن الأفندي.

خراجيات المترجم:

مرّ عن الأفندي في " رياض العلماء " أن له رسالة في حرمة الخراج بالفارسية.

وعن الخونساري في " روضات الجنات ": أن له تعليقات على خراجية الشيخ علي المحقق الكركي.

وفي سنة ١٣١٣ طبعت خراجيات المحقق الكركي وردّها للفاضل القطيفي ودعم الردّ للمترجم وردّ الدعم للفاضل الشيباني وردّ الردّ للمترجم، واُعيد طبعها بالاوفست سنه ١٤٠٢بقم المقدّسة في مجموعة بعنوان " كلمات المحقيقين " وذكر العلّامة الطهراني خراجيتي المترجم في " الذريعة "(٣) .

وطبعت خراجية المترجم في دعم الفاضل القطيفي مع خراجيته الاُخرى في ردّ الفاضل الشيباني، مع كفاية الاُصول للآخوند الخراساني سنة ١٣١٨ كما في " ريحانة الأدب "(٤) .

والخراجيتان للمترجم عربيتان يبدو من أولاهما أنها الأولى، حيث قال الفاضل

____________________

(١) روضات الجنات ٨٣:١ و٨٤.

(٢) ريحانة الأدب ٣٦٩:٥ وفيه صورة للمقدس الأردبيلي رسمت بأمر الشاه عباس الصفوي.

(٣) الذريعة ١٤٤:٧.

(٤) ريحانة الأدب ٣٦٩:٥.


الشيباني في ردّها: انه قد اشتهر أن مولانا أحمد الأردبيلي " سلمه اللّه تعالى وأبقاه " يقول بتحريم الخراج. وقد سألني جماعة من أصحابه عن ذلك فقلت لهم: المناسب أن يكتب مولانا في ذلك شيئاً يدل على تحريمه. فبعد مدة ظهرت منه رسالة محصلها: أن الخراج فيه شبهة. وأنا أنقل عبارته حرفاً بحرف...

فكأنّ هذه الرسالة التي يردّها التي تدل على " أن الخراج لا يخلو عن شبهة " هي اولى رسائله، وهي في خمس صحائف من الطبعة القديمة من القطع المتوسط، فلما ردّها الفاضل الشيباني برسالة في أربع عشرة صحيفة من نفس القطع والطبع، أجابه المترجم برسالة في ورقة واحدة بصفحتين قال في أولها: فائدة: الذي أظن تحريم ما يأخذون في هذا الزمان بغير اذن الامامعليه‌السلام مثل العشر الحاصل من القرى...

هذا، فان كانت له بعد هاتين الخراجيتين خراجية اخرى فارسية كما قاله الأفندي، فلعلها كانت الثالثة بعد هاتين.

وفاته ومدفنه:

قال التفرشي في " نقد الرجال " توفي "رحمه‌الله " في شهر صفر سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة، في المشهد المقدس الغروي، على ساكنه من الصلوات أشرفها ومن التحيات اكملها(١) والتفرشي أول من نقل تاريخ وفاته وعليه عول من بعده:

الحرّ العاملي في " أمل الآمل " والبحراني في " لؤلؤة البحرين " والخونساري في " روضات الجنات ".

ولم يعيّنوا محلّ دفنه، الا أن السيّد الأمين قال في " أعيان الشيعة ": دفن في الحجرة التي عن يمين الداخل الى الروضة المقدسة، كالعلّامة الحلي المدفون في الحجرة التي عن يسار الداخل الى الروضة أو يخرج لابدّ أن يقرأ له الفاتحة(٢) .

____________________

(١) نقد الرجال: ٢٩.

(٢) أعيان الشيعة: ٨٠:٣.


بينما كتب العلّامة السيّد محمّد صادق بحر العلوم في تعاليقه على " لؤلؤة البحرين ":

دفن في الايوان الذهبي العلوي، في حجرة خاصة به بجنب المنارة القبلية(١) .

وهي عن يسار الداخل إلى الروضة من الايوان لااليمين، وعليه السيرة والتسالم.

والسلام عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيّاً.

محمّد هادي اليوسفي الغروي

_______________________

(١) لؤلؤة البحرين: ١٤٨.


الرسالة الأولى

بسم اللّه الرحمن الرحيم

اعلم وفّقك اللّه لمرضاته أنَّ الخراج لايخلو عن شبهةٍ، فإنّه على ما فهم من كلامهم، اِنَّه كالاُجرة المضروبة على الارض الَّتي فُتِحَتْ عنوة وكانت عامرة حين الفتح، وفي معناه المقاسمة، سواء كانت من عين حاصل الأرض كالثّلث، أو من النّقد بل غيره أيضاً.

وقيل: إنَّه مختصّ بالقسم الثاني والمقاسمة بالاوّل.

وقد يفرق بالمضروب على الارض والمواشي وهي الّتي اُخذت بالسَّيف والغلبة مع النبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو مع الإمام ونائبهما في الجهاد، وإلا يكون فيئاً(*) لهماعليهما‌السلام على ما يُفهم من عباراتهم وإن كان دليلهم لا يخلو عن ضعف، إلاّ كلام المحقّق في المعتبر(١) والنافع(٢) فإنه يدّل على تردّده في كون ما أخذه العسكر بغير إذنه فيئاً - وقالوا: وهذه الأرض للمسلمين قاطبة فيكون حاصلها لهم، وأمرها إلى الامامعليه‌السلام ويصرف حاصلها في مصالح المسلمين من المساجد والقناطر والقضاة والأئمة والمؤذّنين وسدّ الثّغور والغزاة وغيرها.

وينبغي كون ذلك بعد إخراج الخمس، لأنّه من الغنيمة وكلام أكثر

____________________

(*) كذا والصحيح " يكن "

(١) المعتبر/ص٢٩٦.

(٢) المختصر النافع ص٦٤.


الأصحاب خال عنه ونبّه عليه الشيخ إبراهيم -رحمه‌الله - في نقض الرّسالة الخراجيّة للشيخ عليّ بن عبدالعالي. وفي العبارة المنقولة عن المبسوط تصريح بوجوب الخمس في هذه الأراضي(١) .

واعلم أيضاً أنّه ما ثبت كون الأرض فتحت عنوة على الوجه المذكور إلاّ ما ثبت في زمن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كونه كذلك وأمّا غيره، فالعراق وُجد كونها مفتوحة عنوة في كثير من العبارات حيث فتحت في زمان الثّاني بالقهر وقيل: كان بإذن أمير المؤمنينعليه‌السلام وكان الحسنانعليهما‌السلام مع العسكر، وقد منع ذلك، وذلك منقول عن فخر الفقهاء ووالده في التّنقيح(٢) .

ويفهم ذلك من كلام المبسوط وإن يفهم منه خلافه أيضاً(٣) وبالجملة، ما ثبت كونه كذلك.

نعم، فيما رواه الشيخ في الصحيح - على ما قيل - " عن محمد الحلبيّ قال: سئل أبو عبداللّهعليه‌السلام عن السواد، ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين الحديث "(٤) دلالة على ذلك، مع أنّه قد يكون للتقيّة على ما قيل، أو يكون لهعليه‌السلام جعلها كذلك تفضّلاً منه.

وأمّا ما سوى العراق مثل الشام، ونقل عن العلّامة(٥) ، وخراسان الى كرمان وخوزستان وهمدان وقزوين وحواليها ونقل أنّها خراجيّة عن القطب الراوندي في الخراجيّة(٦) ، فقد علمت أنَّ حليّته موقوفة على تحقيق كون الأرض، التي يؤخذ منها الخراج اُخذت عنوة وكانت معمورة حينئذٍ ومضروب الخراج ولم يدّع أحد

____________________

(١) المبسوط/ج٢ ص٦٦.

(٢) لايتوفر لدينا هذا الكتاب وقد نقل القطيفي هذا القول عن الفخر ووالده، راجع كلمات المحققين ص٢٨١.

(٣) المبسوط/ج٢ ص٣٤.

(٤) نقل مضمونه في كتاب من لايحضره الفقيه ج٣: ص٢٤٠ رقم ٣٨٧٩ والوسائل ج١٢: ص٢٧٤ ح٤ وج١٧: ص٣٤٦ ح١ والتهذيب ج٧: ص١٤٧ ح١.

(٥) راجع التذكرة/ج٢ ص٤٠٢.

(٦) رسائل المحقق الكركي/المجموعة الأولى ص٢٦٦.


ملكيَّتها ولم تكن موقوفة لما سيجيء ودونه خرط القتاد إِذ طريقه الخبر المتواتر أو خبر الواحد الصحيح وليس شيء من ذلك بمعلوم ولا مظنون بظن معتبر.

ولا يمكن إثباته بكونها معمورةً الآن، وأنَّ الجائر يأخذ عنها الخراج، كما قال الشيخ زين الدّين في شرح الشّرايع(١) حملاً لفعل المسلمين على الصحّة إذ الأصل عدمه، وذلك قرينة ضعيفة. إذ الجائر يرى عدم تقييده لأخذه مال الناس، ولدخوله فيما ليس له كالقتل وغير ذلك، فكيف يمكن حمل ذلك منه على الصحّة؟

ولأنّه يأخذ الخراج من غير محلّه وفوق الحق ومن غير رضى المتصرف، بل وقد ينقص محصوله عن الخراج، ولا يتمكّن من الترك، بل لو ترك الزراعة يؤخذ منه الخراج، على أنَّهم صرّحوا بأنَّ أخذ الجائر غير جائز وأنّه ظلم وحرام وهو آثم به، فكيف يحكم على الصحة والإباحة ولا يعتبر شرعاً في أخذ ما في أيدي الناس الدالة على الملكيّة؟ وقد يدّعى الملكيّةَ أيضاً.

قال فيه في شرح قول المصنّف: " والنّظر فيها أي الأرض المفتوحة عنوة الى الامام ":

" هذا مع ظهوره وبسط يده، وأمّا مع غيبته كهذا الزمان، فكل أرض يدعي أحد ملكيتها بشراء أو إرث ونحوها ولا يعلم فساد دعواه تقر في يده كذلك، لجواز صدقه، وحملاً لتصرفه على الصحة، فأنّ الأرض المذكورة يمكن تملّكها بوجوه "(٢) وذكر وجهين.

ثمّ على تقدير الثبوت فلا دليل يعتدّ به عليه، وإن كان ظاهر عبارات الأصحاب يفيده، لكن الأخذ بمجرد ذلك من غير ظهور دليل: وثبوتُ إجماعهم بحيث يقنع النفس به وإنْ اِدعى الشيخ على ذلك الإجماع في الخراجية لما يعلم في الإجماع ودعواه في هذا الزمان في مثل هذه المسألة مشكلُ، لأنّ الظّاهر أنّ

____________________

(١) مسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام/ج١، ص١٥٥.

(٢) مسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام/ج١، ص١٥٥.


المال لمن في يده من غير أن يكون لأحد شيئاً إذ ثبوت الخراج في أرضه من الإمام، وقبوله على ذلك المقدار المقرّ الآن غير واضح وإن سلّم أنّ أرضها ممّا يجب فيه الخراج. فيكون هو غاصباً يلزمه اجرة المثل وليس بمعلوم كونها المقدار المقرّر المأخوذ باسمه.

ثمّ إنّ ذلك دين في ذمّته فلا يمكن الأخذ إلاّ برضاه، ولا يتعيّن كون المأخوذ لذلك إلاّ بأخذهم أو أخذ وكيلهم وهو متعذّر حينئذ، فيكون ثابتاً في ذمّته يوصي به إلى أن يصل إلى صاحبه أو الحاكم لو أمكن ويكون له ذلك، إذ الإمام ناظر ولا يلزم من كون الحاكم نائباً عنه في الجملة كونه نائبا في ذلك، أو يوصل هو الى أهله أي يصرفه في مصالح المسلمين، أو يكون ساقطاً سيّما مع الاحتياج، إذ هو من المسلمين، فقد يكون هذا من نصيبه حيث إنّ المفهوم من كلام الشّيخ عليّ -رحمه‌الله - أنّ الآخذ إنّما يأخذه لأنّه من بيت مال المسلمين وللآخذ يصيب فيه وحصّة، ولا شكّ أنّ ذا اليد أيضاً كذلك.

ثمّ بعد ذلك كلّه كيف يصنع الآخذ بالخمس؟ وكيف يقسمه في هذا الزّمان من غير إذن الحاكم؟ وأيّ شيء يفعل بحصّتهعليه‌السلام ونجد أهل هذا الزمان غافلاً عن ذلك كلّه واعتمد ما في الرسالة الخراجيّة للشيخ علي وغيره مع قوله " لايجوز العمل بقول الميّت بوجه "، ويفهم من كلامه دعوى الاتّفاق ودليله عليه عباراتهم المنقولة في الرسالة، ومعلوم أنّها ليست عبارات جميعهم ولا بعضهم الذي فيه من يظنّ كونه الإمام ولو بجهل النسب على ما قالوه، مع أنّه لا يفيد الظّنَّ، على أنّ أكثر العبارات الّتي فيها لا يخلو عن شيء كما ذكر في نقضها، مع أنّ الأصحاب إنّما جوّزوا أخذ ما قبضه الجائر على ما يظهر من كلامهم، فالاجماع على تقديره إنّما يكون على ذلك لا مطلقاً لأنّ بعض الأصحاب صرّح بعدم جواز التناول بغير ذلك.

ونقل في النقض أنّ السيد عميد الدين ابن عبد الحميد قال في شرحه


للنّافع: " وإنّما يحلّ بعد قبض السلطان أو نائبه - ولهذا قال المصنف:(١) ما يأخذه باسم المقاسمة - فقيّدة بالأخذ ".

ويفهم من الدروس أيضاً ذلك، بل أخصّ منه على ما نقله فيه، إذ يفهم عدم الجواز عنده إلاّ في المعاوضة حيث قال فيه: " وكما يجوز الشراء يجوز سائر المعاوضات كالهبة والصدقه والوقف ولا يحلّ تناولها بغير ذلك ".

ومنه يعلم أنّ جواز التناول مطلقاً ليس بمجمع عليه أيضاً، بل فيه خلاف حيث يفهم عدمه عند الشهيد وعند السيد المذكور وفي النافع أيضاً على ما فهمه.

وأمّا أدلّتهم فهي بعض الأخبار ولا دلالة ظاهرة فيها وادّعى النصوصيّة فيها الشيخ علي وهي خبر أبي بكر الحضرميّ الذي رواه الشيّخ عنه، عن أبي عبداللّهعليه‌السلام وموضع الدلالة منه قولهعليه‌السلام : " ما منع ابن أبي سمّاك أنْ يبعث اليك بعطائك، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً؟"(٢) .

وقال الشيخ عليّ فيها: " قلت: هذا نصّ في هذا الباب إلى قوله: حيث إنّه يستحقّ في بيت المال نصيباً، وقد تقرّر في الاُصول تعدّي الحكم بالعلّة المنصوصة ".

قلت: الحديث غير معلوم الصحّة وعدم ظهور الدلالة، إذ غايتها جواز قبول الحضرمي في عطاء ابن أبي سمّاك لأنّ له في بيت المال نصيباً فُهم بالقياس جواز الأخذ منه لمن كان مثل الحضرميّ في الاستحقاق من بيت المال، بأن يكون من المصالح، فلم يدلّ على جواز أخذ الخراج من كل جائر مؤمناً وغيره لكل أحد، سواء كان ممن يستحقّ من بيت المال أو لا.

____________________

(١) أي المحقق الأولرحمه‌الله .

(٢) الوسائل ج١٢ ص١٥٧ باب٥١ من ابواب ما يكتسب به ح٦ وايضاً في التهذيب ج٢،ح١٠٢ و ج٦ ص٣٣٦ ح٥٤.


فالاستدلال بمثله في هذه المسألة لا يخلو عن إشكال وأشدّ منه تسميته بالنص.

نعم يمكن الاستدلال به في الجملة على جواز أخذ الجوائز من الجائر كما استدلّ به عليه العلّامة في المنتهى(١) وليس بتامّ أيضاً.

وأيضاً صحيحة هشام الدالّة على جواز شراء مال الصدقة من الجائر حتى يعرف أنّه حرام(٢) ولا خفاء في عدم دلالتها على المدّعى وهو ظاهر.

وأيضاً ما روي أنّ الحسنينعليهما‌السلام قبلاً جوائز معاوية(٣) وعدم الدلالة ظاهر.

وأيضاً صحيحة عبد الرحمن، حين قال له أبو الحسنعليه‌السلام : " مالك لا تدخل مع عليًّ في شراء الطعام، إنّي أظنّك ضيّقاً قال: قلت: نعم، فإنْ شئت وسّعت عليَّ، قال: اشتره "(٤) ومعلوم أن ليس فيه إلاّ الدلالة على جواز شراء طعام كان عبد الرحمن ضيّقا من شرائه، ولايدّل على جواز أخذ الخراج من كل جائر لكلّ أحد بكلّ وجه هو المدعى.

وأيضاً صحيحة جميل بن صالح قال: " أرادوا بيع تمرعين أبي زياد، فأردت أن أشتريه، فقلت: حتى أستأذن أبا عبداللّهعليه‌السلام فأمرت مصادفاً فسأله فقال: قل له فليشتره فانه ان لم يشتره إشتراه غيره "(٥) وهي مثل ما قبلها في الدلالة بل اقلّ، على أنّه قد يكون صحّتهما موقوفة على توثيق عبد الرحمن ومصادف.

ونقلهما الشيخ علي في خراجيّة(٦) ، وقال: " وقد استدل بالاخير في المنتهى

____________________

(١) المنتهى/ج٢، ص١٠٢٦.

(٢) الوسائل ج١٢ ص١٦١ ح٥ كتاب التجارة، الكافي ج٥ ص٢٢٨ ح٢، التهذيب ج٦ ص٣٧٥ ح٢١٥.

(٣) الوسائل ج١٢ ص١٥٧ كتاب التجارة باب٥١ من ابواب مايكتسب به ح٤ و ص١٥٩ ح١٣، قرب الاسناد ص٤٥، التهذيب ج٦ ص٣٣٧ ح٥٦.

(٤) الوسائل ج١٢ ص١٦١ كتاب التجارة باب٥٢ من ابواب مايكتسب به ح١، التهذيب ج٦ ص٣٣٦ ح٥٣.

(٥) الوسائل ج١٢ ص١٦٢ كتاب التجارة باب٥٣ من ابواب مايكتسب به ح١، الكافي ج٥ ص٢٢٩ ح٥، التهذيب ج٦ ص٣٧٥ ح٢١٣.

(٦) رسائل المحقق الكركي/المجموعة الأولى ص٢٧٢.


على هذه الدعوى ثم اعترض الشيخ عليّ على نفسه بأنّ جواز الشراء لايدلّ على غيره، وأجاب أنّ حل الشراء يستلزم حلّ جميع أسباب النقل " وأنت تعلم أنّه غير واضح، إذ قد يكون جواز الشراء لحصول العوض وغير ذلك، الا ترى أنّ المكاتب يجوز له الشراء ولا يجوز له الهبة، وأيضاً اجاب عن عدم لزوم جواز الأخذ بأمر الجائر من جواز أخذ ما قبضه على تقدير تسليمه بنحو ذلك، وهو غير ظاهر.

وبالجملة هذه المسألة في الغاية من الإشكال، حيث إنّهم حكموا بها بهذه الأدّلة و قالوا: لا يجوز الأخذ إلاّ بإذن الجائر.

بل نقل الشيخ علي عن البعض " انّه لايجوز السرقة والكتمان للزارع " مع قولهم بعدم جواز الأخذ للجائر وأنّه ظالم، فلا يجوز البيع منه حينئذ بل لا يمكن تحقّق البيع، وكيف يجوز بيع مال المسلمين الّذي الناظر فيه الامامعليه‌السلام ومصرفه بعض المصالح أخذه الظالم ظلماً أن يُشترى منه أويتّهب، إلاّ أنْ يقال هذا استنقاذ لابيع حقيقة ولا صدقة ولكن حينئذ شرط الإذن أو القبض غير ظاهر. وكيف لايجوز لمن في ذمته السرقة والكتمان؟ بل ينبغي، بل يجب عدم جواز الإعطاء له إن أمكن، لأنّه لاتبرأ ذمّته على تقدير قدرته على المنع و لا يتعيّن ما اُخذ منه مالاً للخراج والزكاة.

لكن ما جزم بهذا النقل، بل قال: اظن سماعاً عن علي بن هلال. وما نقلوا دليلاً على عدم الجواز إلاّ بإذن الجائر والجواز به سوى مامرّ. فلولا خوف خلاف الإجماع لأمكن القول بعدم جواز البيع أيضاً إذ ليس في الأخبار جواز بيع مال الخراج المبحوث عنه.

نعم قد يوجد في بعض الاخبار جواز شراء الزكاة فيحتمل زكاة مال المشترى على طريق الاستنقاذ، وأن يكون المراد ممّن عنده الزكاة لاعين الزكاة، وأن يكون العامل مأذوناً من الامامعليه‌السلام وما كان معلوماً ظاهراً للتقيّة، أو

يكون للتقيّة، أو قضيّة في واقعةٍ فلا يتعدّى وأمثالها كثيرة، وان يكون لطفاً من اللّه تعالى تسهيلاً للشريعة ونفياً للحرج على تقدير عدم ثبوت براءة الذمّة والضرورة واستحقاق الزكاة فيؤوّل كلام الأصحاب على بعض تلك الوجوه على تقدير صحّته مثل كون الآخذ من المصالح والمصرف أو الذّي يقدر أن يأخذه ويصرفه في مصرفه وغير ذلك وقد احتمل الشيخ إبراهيم في النقض كون الجائر مخالفاً بظنّ إمامته وكذا المعطي ويفهم من شرح الشرائع أيضاً.

تمّت الرسالة الخراجيّة لمولانا أحمد الاردبيليرحمه‌الله في رابع شهر رجب الأصب سنه ١٣١٣.


الرسالة الثانية

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

فائدة

الّذي أظنّ تحريم ما يأخذون في هذا الزمان بغير إذن الامامعليه‌السلام مثل العشر الحاصل من القرايا، فإنّ حلّه في الأصل واستحقاق المسلمين له على ما يفهم من كلامهم -رحمهم‌الله تعالى - موقوف على كون تلك القرايا فتحت عنوة بإذن الإمامعليه‌السلام ، ومعمورة حينئذٍ، أو فتحت على أن الأرض للمسلمين، وعلى عدم وقفيّتها، وعدم دعوى من في يده ملكيّتها، والحال أنّهم يأخذون من الوقف وممّن يدّعي الملكيّة، وعلى ثبوت المعاملة كالمزرعة من الإمامعليه‌السلام أو نائبه مع من يؤخذ منه الخراج.

أمّا التوّقف على الفتح عنوة بإذن والمعمورّية حين الفتح فلأنّ كلّ ذلك مصرّح به في محلّه.

وأمّا على عدم دعوى ملكيّتها فلأنّهم صرَّحوا بأنَّ كلّ من يدّعي ملكيّة شيء وهو تحت يده ولم يعلم فساده، يقبل قوله في ملكه، بل مجرّد اليد دليل الملكيّة مع عدم العلم بالفساد. ولا شك في أنّه يمكن صحّة تملكّه، مع أنّه صرَّح بذلك


الشهيد الثّاني في شرح الشرائع(١) وذكر لاحتمال صحّة تملكّه وجهين.

وأمّا على ثبوت المعاملة، فإنَّ حاصل القرية لزارعها إذا كان البذر له ولايجوز أخذ مال الغير إلاّ على وجه شرعيّ وليس بالفرض هناك ما يمكن إلاّ مثل ذلك.

وأنت تعلم أنَّ إثبات كلّ ذلك في زماننا هذا دونه خرط القتاد كيف؟!

وأسهله إثبات الفتح عنوة في العراق. مع أنَّه قال الشيخ في المبسوط: " وعلى الرواية التي رواها الأصحابنا - إنَّ كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الإمامعليه‌السلام فغنمت تكون الغنيمة للإمامعليه‌السلام خاصّة -(٢) تكون هذه الأرضون وغيرها ممّا فتحت بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ ما فتحت في أيّام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، إن صح شيء من ذلك، للإمام خاصّة لايشترك فيها غيرهعليه‌السلام "(٣) ، وقال الشيخ إبراهيم -رحمه‌الله - في نقض الخراجيَّة: " قال السيد عميد الدين في شرح النافع وظاهره أنّه حكاه عن شيخه فخرالدين: وأما العراق فقيل إنّه فتح عنوة فهو للمسلمين لا يباع ولا يوقف ولايوهب ولايملك، لأن الحسن والحسينعليهم‌السلام كانا مع الجيش، وفتح بإذن عليّعليه‌السلام وقيل لم يفتح عنوة لأنّ الفتح عنوة هو الّذي يكون بحضور الإمام أو نائب الإمام أو إِذن الإمام، وليس هنا شيء من ذلك، وكذلك قولهم إنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام كانا مع الجيش أيضاً غير معلوم فلا يكون مفتوحاً عنوة فيكون للإمامعليه‌السلام ، وهو المفتى به وكذا قال والده قدس اللّه سرهما، انتهى ".

فلا يسمع دعوى الشهرة بل الإجماع في كون العراق فتحت عنوة.

____________________

(١) مسالك الافهام/ص١٥٥ ج١.

(٢) الوسائل ج٦ ص٣٦٩ ح١٦ التهذيب ج٤ ص١٣٥ ح١٢.

(٣) المبسوط/ج٢ ص٣٤.


والّذي يوجد في كلام بعض الأصحاب من جواز أخذ ما أخذ الجائر باسم الخراج، لايدلّ على الإجماع، ويمكن أن يكون مع حصول الشرائط من الجائر المخالف مع كون الآخذ مصرفاً للخراج وأخذ ما يحتاج إليه، فلا يسمع دعوى الإجماع في جواز أخذه مطلقاً.

كيف؟! وتوقّف مدّعي الإجماع المحقّق الثاني في جواز أخذه لغير من يكون مصرفاً للخراج مثل الغزاة والقضاة، والمدّعي الآخر الشهيد الثاني تردّد في شرح الشرائع في جواز أخذه من الجائر الموافق(١) .

ثمّ إن أغمضنا عن ذلك كلّه، كيف يجوز لواحد منا سواء كان مصرفاً للخراج أم لا أن يأخذ مالاً كثيراً فوق ما يحتاج إليه هو لجميع المسلمين، بمعنى أنّه مال لمصالحهم العامّة مثل المسجد والقنطرة، يصرفه وليّهم فيها وهو الإمامعليه‌السلام أو نائبه، بغير إذنهم وإذن وكيلهم و وليّهم ويتصرّف فيه كيف شاء؟

وبالجملة معلوم عدم جواز التصرّف في مال الناس إلا على الوجه الشرعي المعلوم شرعيّته عقلاً ونقلاً كتاباً وسنّةً وإجماعاً، وما رأيت دليلاً منها يدلّ على جواز أخذ واحد منّا شيئاً ممّا يأخذه الجائر باسم الخراج ولم نعلم هل لكلّ أحد من المسلمين أو للفقراء المستحقّين له أو للصالح في الجملة، بقدر الحاجة وفوقها وهل الجائر هو المخالف أو الاعم وإِن كان ظاهر ذلك العموم. ولهذا تردّد في بعض أفراده بعض المجتهدين المدّعي للإجماع كما أشرنا إليه وذلك ليس بكتاب ولا سنّة ولا إجماع ولا برهان عقليّ حتّى يكون حجة بالنّسبة الى من يدّعي الاستدلال وكذا بالنسبة الى مقلّديه، كما عرفت.

____________________

(١) مسالك الافهام/ ص١٥٥، ج١ حيث قال... لان المسلمين بين قائل باولوية الجائر وتوقف التصرّف على اذنه وبين مفوض الامر الى الامام العادل. المعلّق.


مع أنّه فرع جواز تقليده وهو ظاهر، مع أنّهم يدّعون الإجماع على بطلان تقليد الموتى، ومعلوم أنّ حلّه ليس ممّا يحتاج إلى الدليل ولا التقليد وهو ظاهر.

والعجب أنّ الآخذين الآن وإن كانوا غنيين عن هذا وفوق حاجتهم، مستندهم كلام المحقّق الثاني مع أنّه يفهم من كلامهرحمه‌الله في مواضع، التردّد في جوازه لكلّ أحد مثل الغنيّ وغيره المصالح وأنّه مع دعواه البرهان عليه ما اكتفى بذلك في أخذه بل شارك أهل القرية في البذر واشترى بعض الأشجار منهم صرّح به في الخراجيّة.

أعجب منه عدم جواز الأخذ إلاّ بإذن الجائر مع عدم جواز الأخذ له، وعدمُ جواز التصرّف في الحاصل إلاّ بعد القسمة وإخراج الحقّ الّذي يطلبه ظلماً. فما علم جواز أخذ الخراج على الإطلاق ولا لزومه على الزارع. نعم يلزم اُجرة من تصرّف في أرض الخراجيّة إن ثبت فيكون ديناً في ذمّته يأخذه الوالي أو وكيله يصرفه في مصالح المسلمين. واللّه أعلم بالصواب.

تمّت هذه الرّسالة الخراجيّة أيضا من تأليفات المولى الفاضل العالم المرحوم المغفور الورع التقي مولانا أحمد الاردبيلي أسكنه اللّه تعالى في جنانه.


رسالة في الخراج

تأليف

الشيخ ماجد بن فَلاح

" الفاضِلِ الشيبَاني "

بسم اللّه الرحمن الرحيم

نبذة من حياة الفاضل الشيباني(ره)

لاشبهة في تقدم الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي " قده م٩٤٠ " على الفاضل الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي البحراني الحلّي " ره م بعد ٩٥١ " في العلم والتحقيق والتبحر، كما لاشك في أن الشيخ علي أبعد غوراً وأصحّ رأياً وأقوى سياسة في قبوله جائزة " الشاه طهماسب " ومخالطته لملوك الصفوية.

وإن العالم اذا تورّع عن جوائز الملوك وتنزّه عنها وتجنّب الانحياز اليهم تورّعاً، فلا لوم عليه ولا يقدح ذلك فيه، بل هو طريق السلامة. ولكن اللّوم على القطيفي في قدحه في الشيخ وإطالة لسانه عليه مع جلالة قدره وعظم محله في العلم، وكون القطيفي ليس من رجاله، فانّ من تورّع عن جوائز الملوك لايجوز له القدح فيمن يأخذها، لوجوب حمل فعله على الصحة، لاسيّما إن كان من أجلاء العلماء كالمحقق الكركي(١) .

هكذا دافع السيد الأمين العاملي الشقراوي عن المحقق الثاني العاملي الكركي في قبال الفاضل القطيفي البحراني، وهكذا علق على مواقف القطيفي في مواجهة شيخه الكركي.

ولكن الفاضل القطيفي لم يكن يومئذٍ وحيداً في مواجهة المحقق الكركي، بل

____________________

(١) أعيان الشيعة ١٤٢:٢،١٤٣.


كان معه في ذلك عدد غير قليل من أهل العلم وغيرهم ممن كان يلجّون في مواجهة الشيخ.

فكتب الشيخ ردّاً عليهم رسالة الخراجية: " قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج ".

فرده القطيفي - بعد ثمان سنين - بكتابه " السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج ".

وسئل المحقق المقدس الأردبيلي عن المسألة فاشتهر عنه أنه يقول بتحريم الخراج، وبلغ ذلك الى معاصره الفاضل الشيخ ماجد بن فلاح الشيباني وسئل عن رأيه في ذلك، فقال لهم: المناسب أن يكتب مولانا في ذلك شيئاً يدل على تحريمه. فبعد مدة ظهرت منه رسالة محصّلها: أن الخراج فيه شبهة. فردّها برسالة الخراجية هذه، وردّ بردّه القطيفي وانتصر للمحقق الكركي " قده ".

فردّها المحقق المقدس الأردبيلي " قده " برسالة الخراجية الثانية في التأكيد على تحريم الخراج بقول مطلق. ولم يشأ الشيباني أن يردّ الأردبيلي بردّ آخر وتوقّف عن ذلك. ولقد سبق القول عن كل ذلك في مقدمتي رسائل المحقق الكركي والفاضل القطيفي والمقدس الأردبيلي. ونحن نقدم الآن الخراجية الشيباني. ويقول هو في مقدمتها:

" فيقول الفقير الفاني: ماجد بن فلاح الشيباني: أنه قد اشتهر أن مولانا أحمد الأردبيلي " سلمه اللّه تعالى وأبقاه " يقول بتحريم الخراج. وقد سألني جماعة من أصحابه عن ذلك، فقلت لهم: المناسب أن يكتب مولانا في ذلك شيئاً يدل على تحريمه. فبعد مدة ظهرت منه رسالة محصّلها: أنّ الخراج فيه شبهة... قال دام ظله ومتعّنا اللّه ببقائه وكثر من مثله وأمثاله... ".

وقال في خاتمتها:

" إن الشيخ إبراهيم المنسوب اليه الخلاف معترف بحلّه، وأثبت ذلك في نقضه، كما حكيناه عنه سابقاً. فرحم اللّه من أحسن النظر، وتفكّر في أمر دينه واعتبر،

وجعل ضالّته ونزّه نفسه عن التعصب والجدال، واعترف لأهل الفضل بفضلهم، ويزّل الناس بمنازلهم. وليكن هذا آخر ما خطر لهذا الفقير القاصر ".

وانما ذكره من أرباب التراجم السيد حسن الصدر في الجزء الثاني المخطوط من كتابه: " تكملة أمل الآمل " فقال: عالم فاضل، فقيه كامل، له رسالة في حل الخراج، ردّ فيها على المقدس الأردبيلي والشيخ إبراهيم القطيفي، وانتصر للمحقق الكركي. وكان معاصراً للمقدس.رحمه‌الله عليهم أجمعين(١) .

____________________

(١) السيّد حسن الصدر في الجزء الثاني المخطوط من تكملة أمل الآمل نقلاً عن الفوائد الرضوية: ٣٦٩.


بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أحلّ خراج بلاده للمؤمنين من عباده، وألهم قلوب من يعتّد بكلامه حلّ تناوله واختصامه، و صلى اللّه على محمّد وآله الذين بيَّنوا لنا جميع حرام اللّه وحلاله.

وبعد، فيقول الفقير الفاني ماجد بن فلاح الشباني (الشيباني خ ل): إنّه قد اشتهر أنّ مولانا أحمد الأردبيلي - سلّمه اللّه تعالى و أبقاه - يقول بتحريم الخراج، وقد سألني جماعة من أصحابه عن ذلك، فقلت لهم: المناسب أن يكتب مولانا في ذلك شيئاً يدلّ على تحريمه. فبعد مدّة ظهرت منه رسالة محصّلها أنّ الخراج فيه شبهة. وأنا أنقل عبارته حرفاً بحرف خوفاً من التغير والتبديل وكثرة الأقاويل.

فقال - دام ظلّه ومتّعنا اللّه ببقائه وكثّر من مثله وأمثاله- : " اعلم - وفّقك اللّه لمرضاته - أن الخراج لايخلو عن شبهة، فإنّه على مافهم من كلامهم إنّه كالاُجرة المضروبة على الأرض التي فتحت عنوة، وكانت عامرة حين الفتح، وفي معناه: المقاسمة، سواء كانت من عين حاصل الأرض كالثلث أو من النقد بل غيره

أيضاً. وقيل: إنّه مختصّ بالقسم الثاني والمقاسمة بالأول، وقد يفرّق بالمضروب على الأرض أو المواشي، وهي التي اُخذت بالسيف والغلبة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو مع الإمامعليه‌السلام أو نائبهما في الجهاد، وإلا يكون فيئاً لهماعليهما‌السلام على ما يفهم من عباراتهم، وإن كان دليلهم لا يخلو عن


ضعف، إلا كلام المحقّق في المعتبر(١) والنّافع،(٢) فإنّه يدلّ على تردّده في كون ما أخذه العسكر بغير إذنه فيئاً - وقالوا: وهذه الأرض للمسلمين قاطبةً، فيكون حاصلها لهم وأمرها إلى إلامامعليه‌السلام ويصرف حاصلها في مصارف المسلمين من المساجد والقناطر والقضاة و الأئمّة والمؤذّنين وسدّ الثغور والغزاة وغيرها، وينبغي كون ذلك بعد إخراج الخمس، لأنّه من الغنيمة، وكلام أكثر الأصحاب خالٍ عنه، ونبّه عليه الشيخ إبراهيم(٣) في نقض الرسالة الخراجيّة لعليِّ بن عبدالعالي، وفي العبارة المنقولة عن المبسوط(٤) تصريح بوجوب الخمس في هذه الأراضي " إنتهى كلامه دام ظلّه(٥) .

وأقول: إنّ المفهوم من قوله " فإنّه... الخ " كون هذا الكلام دليلاً على كون الخراج فيه شبهة، ولا يخفى أن هذا الكلام بأسره لادلالة له على مدّعاه بشيء من الدلالات الثلاث، يعرف ذلك من كان سالكاً طريق الإنصاف، فإنّ كونه كالاُجرة وكون المقاسمة في معناه واختصاصه بالقسم الثاني، والمقاسمة بلأوّل لايدلّ على حلٍّ ولا تحريم ولاشبهة.

وقوله: " وقد يفرّق بالمضروب على الأرض أو المواشي " لاربط له بما قبله ولا بما بعده.

____________________

(١) المعتبر: كتاب الخمس ص٢٩٦.

(٢) المختصر النافع: كتاب الخمس ص٦٤.

(٣) السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج: المطبوع في ضمن الكتاب ص٥٨.

(٤) المبسوط: ج٢ - كتاب الجهاد - ص٢٨و٣٤.

(٥) راجع خراجيهّ المحقق الأردبيلي(ره) المطبوعة في ضمن الكتاب ص١٧-١٨.


وقوله " وإلا يكون فيئاً " إن أراد به غنيمة الغازي بغير إذن الإمام كما يفهم من آخر هذه العبارة، فالصواب تركه، لأنّ المفروض كون الجهاد مع النبيّ أو الإمام أو نائبه في الجهاد، على ما صرّح به فكيف يكون ما أخذه فيئاً؟ وإن أراد به غيره فلا بدّ بيانه.

وقوله " وهذه للمسلمين - إلى قوله - وينبغي كون ذلك بعد إخراج الخمس " لادخل له في الاستدلال على التحريم ولا الشبهة، بل إن كان ولا بدّ يكون دليلاً على كون الخراج حلالاً.

قال - دام ظلّه- : " واعلم أيضاً أنّه ما ثبت كون الأرض فتحت عنوة على الوجه المذكور إلا ماثبت في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كونه كذلك، وأمّا غيره فالعراق وجد كونها مفتوحة عنوةً في كثير من العبارات، حيث فتحت في زمان الثاني بالقهر، وقيل كان بإذن أمير المؤمنينعليه‌السلام وكان الحسنان عليهما اسلام مع العسكر وقد منع ذلك، وذلك منقول عن فخر الفقهاء ووالده في التنقيح، ويفهم ذلك من كلام المبسوط(١) وإن يفهم خلافه أيضاً، وبالجملة ما ثبت كونه كذلك "(٢) إنتهى كلامه دام ظلّه.

وأقول: إنّ هذا الكلام مع قطع النظر عمّا فيه من عدم تحرير العبارة وربطها، لا يظهر المعطوف عليه ما هو؟ والمفهوم أنّ أرض العراق لم يثبت كونها خراجيّة، وهو مع تسليمه لا يدلّ على كون الخراج فيه شبهة، بل إن ثبت دلّ على أنّ المأخوذ منها بطريق الخراج حرام إن قلنا بأنّ القسمة للغازين أو قلنا بأنّها للإمام ولم نقل بأنّهعليه‌السلام جعلها كأرض الخراج تفضّلاً منه كما يجيء في كلام هذا المصنّف.

وقوله: " وبالجملة لم يثبت كونه كذلك " بعد تصريح العلماء بأنّها لا خلاف

____________________

(١) المبسوط: ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٣.

(٢) راجع خراجيتهّ(ره)، ص١٨.


فيه أنّها فتحت عنوة، ممّا لا يليق من مثل هذا الفاضل، فإنّ كون أرض العراق خراجيّة أشهر من الشمس وأبين من أمس لمن تصفّح مساطير العلماء، مثل عبارة المبسوط(١) والمنتهى(٢) ، والتذكرة(٣) ، والتحرير(٤) ، والسرائر(٥) ، وما رواه الشيخ بإسناده عن مصعب بن يزيد الأنصاري من قوله: إستعملني أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ... الخ(٦) . وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام من قوله: سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت عنوةً بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قد سار في أهل العراق مسيرة فهم(٧) إمام لسائر الأرضين(٨) . وما روي أيضاً عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبداللّهعليه‌السلام عمّا اختلف فيه ابن أبي ليلي، وابن شبرمة...الخ(٩) ، فكلّ هذا لا يفيد الظنّ بأنّ أرض العراق خراجيّة؟! فكيف لنا بثبوت المعاني اللغويَّة التي نأخذها من كتب المخالفين؟!

فليتأمّل ذلك المنصف.

قال - دام ظلّه -: " نعم، فيما رواه الشيخ في الصحيح على ما قبل عن محمَّد الحلبيّ، قال: سئل أبو عبداللّهعليه‌السلام عن السواد، ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين... الخ(١٠) دلالة على ذلك مع أنّها قد تكون للتقيّة على ما قيل، أو يكون لهعليه‌السلام جعلها كذلك تفضّلاً منه " انتهى كلامه دام ظلّه(١١) .

____________________

(١) المبسوط: ج٢ - كتاب الجهاد - ص٣٣.

(٢) منتهى المطلب: ج٢ - كتاب الجهاد - ص٩٣٧.

(٣) تذكرة الفقهاء: ج١ - كتاب الجهاد - ص٤٢٨.

(٤) تحرير الأحكام: ج٢ - كتاب الجهاد - ص١٤٢.

(٥) السرائر: كتاب الزكاة - باب أحكام الأرضين ص١١١.

(٦) التهذيب: ج٤ ص١١٨ ح٣٤٣.

(٧) هكذا في المطبوعة ولكن في التهذيب " بسيرة فهي ".

(٨) التهذيب: ج٤ ص١١٨ ح٣٤٠.

(٩) التهذيب: ج٧ ص١١٥ ح٦٨٤.

(١٠) التهذيب: ج٧ ص١٤٧ ح٦٥٢.

(١١) راجع خراجيتهّ(ره)، ص١٨.


أقول: إنّ الحمل الثاني ينادي ويقول: مرحباً بالوفاق. فإنّ المقصود حلّ ما يؤخذ من أرض العراق بطريق الخراج. وأما الحمل الأوّل، فإنّما يستقم لو كان لهذا الخبر معارض أرجح منه، أمّا مع عدم المعارض فأيّ ضرورة إلى هذا الحمل.

قال - دام ظلّه -: " وأمّا ما سوى العراق مثل الشام، ونقل عن العلّامة: وخراسان إلى كرمان، وخوزستان وهمدان وقزوين و حواليها، ونقل أنّها خراجّية عن قطب الراوندي في الخراجيّة، فقد علمت، أنّ حلّيّته موقوفة على تحقيق كون الأرض التي يؤخذ منها الخراج اُخذت عنوة وكانت معمورة حينئذٍ ومضروب الخراج ولم يدّع أحد ملكيّتها ولم تكن موقوفة لما سيجيء ودونه خرط القتاد. إذ طريقه الخبر المتواتر أو خبر الواحد الصحيح وليس شيء من ذلك بمعلوم ولا مظنون بظن معتبر " إنتهى كلامه دام ظلّه(١) .

أقول: هذا الكلام يدلّ على حلّ الخراج وأنّه لا شبهة فيه، وإنّما الكلام في تحقيق أرض الخراج وليس هو المبحوث عنه. ثمّ اِنّ المتوقّف عليه حلّ الخراج إنمّا هو فتح المعصوم أو نائبه للأرض عنوةً وكونها محياة، وأمّا عدم ضرب الخراج وادّعاء أحد ملكيّتها لا ينافي كون الأرض خراجيّة، لأنّ المفتوح عنوة يملك تبعاً لآثار التصرّف، ولايقتضي ذلك سقوط الخراج بل يقتضي قرارها في يده مادام آثار التصرّف موجودة.

ثمّ دعوى انحصار الثبوت بالخبر المتواتر وخبر الواحد الصحيح دعوى خالية عن الدليل فلم لا يكفي فيها الشياع المفيد للظن؟ إذ لولم يكف فيها ذلك لبطل هذا الحكم مع امتداد الأوقات و فناء الشهور(٢) وعدم حصول التواتر، وذلك ينافي حكمة الشارع.

____________________

(١) راجع خراجيتهّ(ره)، ص١٨-١٩.

(٢) وفناء الدهور (ن خ).


قال - دام ظلّه -: " ولا يمكن إثباته بكونها معمورة الآن وأنّ الجائر يأخذ عنها الخراج كما قال الشيخ زين الدين في شرح الشرائع: حملاً لفعل المسلمين على الصحّة، إذ الأصل عدمه وذلك قرينة ضعيفة، إذ الجائر يرى عدم تقييده لأخذه مال الناس ولدخوله فيما ليس له كالقتل وغير ذلك، فكيف يمكن حمل ذلك منه على الصحّة؟ ولأنّه يأخذ الخراج من غير محلّه وفوق الحقّ ومن غير رضا المتصرّف، بل وقد ينقص محصوله من الخراج ولا يتمّكن من الترك، بل لو ترك الزراعة يؤخذ منه الخراج، على أنّهم صرّحوا بأنّ أخذ الجائر غير جائز وأنّه ظلم وحرام وهو آثم به، فكيف يحكم على الصحّة والإباحة ولا يعتبر شرعاً في أخذ ما في أيدي الناس الدالّة على الملكيّة وقد يدّعي الملكيّة أيضاً؟ قال فيه في شرح قول المصنّف " والنظر فيها أي في الأرض المفتوحة عنوةً إلى الامام ". هذا مع ظهوره وبسط يده، أمّا مع غيبته كهذا الزمان فكلّ أرض يدّعي أحد ملكيّتها بشراء أو إرث ونحوها ولا يعلم فساد دعواه تقرّ في يده كذلك، لجواز صدقه وحملاً لتصرّفه على الصحّة فإنّ الأرض المذكورة يمكن تملّكها بوجوه وذكر وجهين " إنتهى كلامه دام ظلّه(١)(٢) .

أقول: الشيخ زين الدين -رحمه‌الله - ادّعى أنّ كونها خراجيّة يثبت بكونها معمورة الآن وأخذ الجائر منها، واستدلّ عليه بحمل فعل المسلمين على الصحّة، ولا يخفى تكررّ هذا الدليل في كلام الفقهاء وأنّهم استدلّوا به على مطالب كثيرة من جملتها ما استشهد به المصنّفُ من قول الشيخ زين الدين: " فكلّ أرض يدّعي أحدٌ ملكيّتها - إلى قوله: - حملاً لتصرّفه على الصحّة "، فقول المصنّف: " الأصل عدمه " إن أراد به عدم الخراج فلا يضرّ هذا المستدلّ إذا سلّم المصنّف دليله، وإن لم يسلّمه فلا حاجة إلى قوله " إذ الأصل عدمه "، وإن أراد أنّ الأصل عدم

____________________

(١) مسالك الأفهام: ج١ ص١٥٥.

(٢) راجع خراجيتهّ(ره)، ص١٩.


الصحّة ففيه ما يكفيه.

وقوله: " إنّ ذلك قرينة ضعيفة " بعد تسليم الدليل، لاوجه له إذ عدم تقيّد الظالم وما ذكر فيه من المطاعن لايخرجه عن الاسلام، ولا يقتضي تحريم ما في يده إذا لم نعلم تحريمه بعينه.

وقوله: " من غير رضا المتصرّف " لا وجه له بعد الإحاطة بأنّ الخراج خارج عن ملك المتصرّف. ومن أوهن المطاعن قوله: " بل وقد ينقص محصوله عن الخراج " مع قطع النظر عمّا في العبارة، لما قرّر أنّ الخراج كالاُجرة، والعلاوة التي ذكرها وهي التصريح بأنّ أخذ الجائر غير جائز لا يقتضي تحريمه على مستحقّه ولا ينافي صحّة أخذ المستحقّ له ولا إباحته له وإن كان أخذ الجائر له محرّماً.

وقوله: " ولا يعتبر شرعاً في أخذ ما في أيدي الناس الدالّة على الملكيّة " إن أراد بما في أيدي الناس، الأموال التي يدّعون ملكها فليس الكلام فيه وإن أراد به الأموال التي في أيديهم إذا طلبها السلطان دفعوها إليه على أنّها عوضاً عن زرع هذه الأرض، فنفي الاعتبار لا وجه له.

وقوله: " قد يدّعي الملكيّة - إلى قوله - وذكر وجهين " لا طائل بذكره لأنّ كلامنا في الأرض التي لايدّعي صاحب اليد ملكيّتها أو يدّعيها مع علم فساد دعواه.

قال - دام ظلّه -: " ثمّ على تقدير الثبوت فلا دليل يعتدّ به عليه وإن كان ظاهر عبارات الأصحاب يفيده، لكن الأخذ بمجرّد ذلك من غير ظهور دليل.

وثبوت إجماعهم بحيث تقنع النفس به وإن ادّعى الشيخ علي بن عبدالغالي الإجماع على ذلك في الخراجيّة لما تعلم في الاجماع، ودعواه في هذا الزمان في مثل هذه المسألة مشكل، لأنّ الظاهر أنّ المال لمن في يده من غير أن يكون لأحد شيئاً، إذ ثبوت الخراج في أرضه من الامام وقبوله على ذلك المقدار الآن غير واضح وإن سلّم أنّ أرضها ممّا يجب فيه الخراج، فيكون هو غاصباً يلزمه اُجرة المثل و ليس بمعلوم


كونها المقدار المقّرر المأخوذ باسمه " انتهى كلامه أدام اللّه أيّامه(١) .

أقول - وباللّه التوفيق -: لايخفى أنّ هذا المصنّف يدّعي أن الخراج محرّم أو فيه شبهة، فكيف يكفيه في ذلك أن لا دليل يدلّ على تحليله. نعم، لو كان مانعاً كفاه ذلك. وعدم قبوله دعوى الإجماع من مثل الشيخ علي(٢) ، أو مثل الشيخ زين الدين(٣) ومثل المقداد(٤) -رحمهم‌الله تعالى - لا يلائم ما هو مقرّر من [أنّ ظ] الإجماع المنقول بخبر الواحد بل ولا المنقول بنقل مستفيض حجة.

وأعظم من بالغ في دعوى الإجماع شيخنا الشيخ زين الدين الذي بالغ في تتبّع الروايات وكلام الفقهاء فقال -رحمه‌الله تعالى -: " ما يأخذه الجائر في زمن الغلبة قد أذن أئمتُنا في تناوله منه، وأطبق عليه علماؤنا، لا نعلم فيه مخالفاً وإن كان ظالماً في أخذه، ولاستلزام تركه والقول بتحريمه الضرر العظيم على هذه الطائفة(٥) .

وقال المقداد -رحمه‌الله -: " إنّما قلنا بجواز الشراء من الجائر مع كونه غير مستحقّ للنصّ الوارد عنهمعليهم‌السلام بذلك، وللإجماع وإن لم يعلم مستنده أنَّ ما يأخذه الجائر حقّ لأئمّة العدل وقد أذنوا لشيعتهم في ذلك فيكون تصرّف الجائر كالفضولي إذا إنضمّ إليه إذن المالك " انتهى(٦) .

أقول: ومن ذلك يفهم جواز غير الشراء فتأمل. وما ورد من الروايات التي يدلّ بعضها صريحاً وبعضها بالفكر الصائب وإن كان في بعضها ضعف، وعبارات الفقهاء التي هي صريحة بحلّه ممّا يدلّ على تحليله.

وأصرح ما وجدناه في هذا الباب ما رواه محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمّد ابن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن

____________________

(١) راجع خراجيهّ المحقق الأردبيلي(ره) ص١٩-٢٠.

(٢) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج للكركي: ص٨٠.

(٣) و (٥) مسالك الإفهام: - كتاب التجارة - ص١٦٨.

(٤) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع: ج٢ - كتاب التجارة - ص١٩.

(٦) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع: ج٢ - كتاب التجارة - ص١٩.


عبدالملك، عن أبي جعفر وأبي عبداللّه وأبي الحسنعليهم‌السلام وعن المفضّل ابن صالح عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال: إذا سرق السارق من البيدر من إمام جائر فلا قطع عليه إنما أخذ حقّه، فإذا كان مع إمام عادل فعليه القتل(١) ولكنّه وإن كان ضعيفاً فهو مع غيره من الأحاديث الدالّة على حلّ الخراج قد اعتضد بعمل الفقهاء وتوافق عباراتهم فضلاً عن الإجماع المدّعى على أنّ الخراج حلّ للمسلمين قاطبة.

ومن أعجب الاُمور أنّ هذا الخراج لم يذهب إلى تحريمه أجد من المسلمين فضلاً عن المؤمنين حتى أنّ الشيخ إبراهيم -رحمه‌الله - الذي نسب إليه الخلاف في ذلك قال في نقض الخراجيّة بما يدلّ اعتقاده بأنّ الخراج حلال للمسلمين وإن حرم أخذ الجائر له، وهذه عبارته: " ولو شئت أن أقول إنّ اختيار الدفع الى الظالم مع التمكّن من الكتمان والسرقة والجحود ممّا علم عدم جوازه من الدين بالضرورة لقلت، لأنّ ذلك حقّ للمسلمين يجب إيصاله إلى واليهم، فاذا كان غائباً وجب أن يوصل إلى نائبه وهو حاكم الشرع، فإن لم يمكن فإلى مستحقّه حسبة(٢) كالمال الذي في يده لغيره فإنه يدفعه إلى من يستحق قبضه شرعاً "(٣) .

فإذا كان الأمر كذلك فلا فرق مع غيبة الحاكم الشرعي أن يأخذ الخراج من الظالم أو من غيره، و كثيراً ما نسمع الفقهاء -رحمهم‌الله - تعالى يقولون: لو نجد الرفيق لقلنا كذا، فمسألة لم يوجد دليل على تحريمها ولا قائل به فكيف يجوز التجرّي على القول به؟ وما أشبه الخراج بالمتعة التي كانت على عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأوّل وكرهوه من زمن الثاني، بل هو في حكمه أعلى مرتبة حيث إنّ المخالفين نقلوا في تحريم المتعة من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(١) التهذيب: ج١٠ ص١٢٨ ح١٢٨.

(٢) في الأصل " حسبته ".

(٣) السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج: ص١٢٢.


وعن بعض الصحابة، ولم ينقل مخالف ولا مؤالف حديثاً ولا قولاً في تحريمه، بل كان حلّه شائعاً(١) في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة والتابعين وجميع أهل العلم. وقوله: " فإن سلّم أنّ أرضها ممّا يجب فيه الخراج - الى قوله - وليس بمعلوم كونه المقدار المقدّر " لاوجه له بعد التسليم بأن الخراج هو الاُجرة الائقة بتلك الأرض.

قال - دام ظلّه -: " ثمّ إنّ ذلك دين في ذمّته فلا يمكن الأخذ إلاّ برضاه ولايتعيّن كون المأخوذ لذلك إلاّ بأخذهم أو أخذ وكيلهم وهو متعذّر حينئذٍ فيكون ثابتاً في ذمّته يوصي به إلى أن يصل إلى صاحبه أو الحاكم لو أمكن، ويكون له ذلك، إذ الامام ناظر ويلزم من كون الحاكم نائباً عنه في الجملة كونه نائباً في ذلك أو يوصل هو إلى أهله أي يصرفه في مصالح المسلمين أو يكون ساقطاً سيما مع الاحتياج إذ هو من المسلمين فقد يكون هذا من نصيبه، حيث إنّ المفهوم من كلام الشيخ علي(٢) أنّ الآخذ إنّما يأخذه لأنّه من بيت مال المسلمين، وللآخذ نصيب فيه وحصّة، ولاشك أنَّ ذا اليد أيضاً كذلك "(٣) انتهى كلامه دام ظلّه.

أقول: هذا الكلام لادخل له في تحريم الخراج، بل يدلّ على تحليله، إنّما الكلام في التوصّل إلى أخذه إذا لم يسمح به المستعمل للأرض، ولا يخفى أنّ للامامعليه‌السلام الأخذ من ذلك المستعمل ولو بالقهر إذا لم يسمح به ذلك المستعمل، وأمّا الجائر فقد دلّت الأحاديث والفتاوى والاجماع على أنّ ما يأخذه الجائر جائز لنا تناوله من يده. وهو أعمّ من الأخذ طوعاً أو كرهاً لأنّ " ما " من أدوات العموم حتّى أنّ في بعضها " ولو كان يتظلّم "، فلا يبعد أن يقال بالأخذ بتعين ذلك المأخوذ للخراج ويكون مغايراً للدين، على أنّا نقول: إنَّ الدّائن إذ

____________________

(١) ظاهراً (ن خ).

(٢) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج: ص٧٦.

(٣) راجع خراجيتهّ(ره)، ص٢٠.


امتنع من عليه الدين(١) جاز الأخذ منه قهراً، ويتعيّن ذلك عوضاً عنه، وتحريم السرقة والامتناع(٢) من أدائه إذا طلبه دليل على عدم جواز الأخذ من دون إذن الحاكم ومن ثبت أنّه قائم مقامه في جواز الأخذ من يده، ويدلّ على عدم سقوطه عن ذلك المستعمل، نعم لو أذن له في تبعيتّه لأجله فلا كلام في سقوطه وليس كلّ من له نصيب في بيت المال يجوز له الأخذ منه من دون إذن الحاكم ومن يقوم مقامه ألا يرى(٣) أنّ الوقف العامّ كالوقف على الفقراء لكلّ فقير نصيب فيه ولم يجزله الأخذ إلاّ بإذن من له ولاية التفريق، وبعد الاحاطة بما قلناه، فلا وجه لقوله: " ولا يلزم من كون الحاكم نائباً عنه - إلى قوله - في مصالح المسلمين ".

قال - دام ظلّه -: " ثمّ بعد ذلك [كلّه] كيف يصنع الآخذ بالخمس وكيف يقسمه في هذا الزمان من غير إذن الحاكم؟ وأيّ شيء يفعل بحصّتهعليه‌السلام " ؟ انتهى كلامه دام ظلّه(٤) .

أقول: إن أراد أنّ الخمس أقلّ من الاُجرة اللائقة بتلك الأرض فلا ضرر فيه، لأنّ الآخذ أخذ أقلّ من حقّه فلا يكون حراماً، لأنّه أخذ بعض حقّه وإن أراد أنه أزيد فلا نزاع في تحريم الزائد، وقوله " وكيف يقسمه في هذا الزمان من غير إذن الحاكم " إن أراد به الحاكم الشرعي بأن يكون المعنى: وكيف يقسم الجائر للخراج من غير إذن الحاكم الشرعي، فإن سئل عن أنّ هذا التصرّف هل هو جائز للحاكم الجائر أم لا؟ قلنا: هو غير جائر له ولا يقتضي هو عدم جواز أخذنا من يده لإذن أئمّتناعليهم‌السلام في الأخذ من يده، وإن أراد به حاكم الجور قلنا: الأخذ من غيره مع طلب حاكم الجور له لا يجوز.

____________________

(١) اذا امتنع في أداء الدين ظ.

(٢) ومع الأمتناع ظ.

(٣) ترى ظ.

(٤) راجع خراجيتهّ(ره)، ص٢٠.


وقوله " وأيّ شيء يفعل بحصّتهعليه‌السلام " إن أراد بالحصّة الخمس الواجب له ولقبيله قلنا: الخمس لايتعلّق بالعين كما صرّحوا به حتّى يكون المأخوذ فيه الخمس، ولو سلّمنا أنّه متعلق بالعين فالمصنف - دام ظلّه - يرى عدم وجوب الخمس في زمن الغيبة، وإن أراد أنّ له حصّة في الخراج فغير معلوم استحقاقه بشيء منه، ولو سلّم ذلك فقد أباحوه لنا بإذنهم في تناول الخراج من يد الجائر، أو نقول إنّه لايجب البسط على جميع المستحقين كالزكاة، بل بسطه على جميع المسلمين متعسّر بل متعذّر.

قال - دام ظلّه -: " ونجد أهل هذا الزمان غافلاً عن ذلك كلّه واعتمدوا على ما في رسالة الخراجيّة لعلي بن عبد العالي وغيره مع قوله: لا يجوز العمل بقول الميّت بوجه " إنتهى كلامه دام ظلّه(١) .

أقول: لا وجه لتخصيص الغفلة بأهل هذا الزمان بل هي شاملة لجميع أهل الأعصار، وذلك من أدلّ الدلائل على أنّ ذلك كلّه لايمنع من حلّ الخراج، لأنّ ما أفاده - دام ظلّه - ليس في كمال الدقّة حتّى لم يصل إليه إلاّ هو بل لأجل أنّها أوهام لايعتدّ بها ولايلتفت إليها.

وقوله: " إنّه لايجوز العمل بقول الميّت " إن أراد به التقليد للميّت والإخلاد إلى قوله وترك الحثّ في تحصيل الاجتهاد فهو مسلّم، لكن لايمنع من تقليده في المسائل التي يضطّر إليها قبل تحصيل الاجتهاد، وإن أراد أنّه لايجوز العمل بقوله وإن اضطّر فما قوله فيمن ضاق عليه وقت الصلاة ويريد أن يصلّي فهل يترك الصلاة أو يقلّد الميّت ويصلّي؟ على أنّا نقول إنّ هذه المسألة ليس للاجتهاد فيها دخل لأنّها من المسائل الاجماعيّة و لهذا لم يذكرها العلّامة في مختلفه الذي اجتهد فيه على ذكر المسائل الخلافية.

قال - دام ظلّه -: " ويفهم من كلامه دعوى الاتّفاق ودليله عليه عباراتهم المنقولة في الرسالة ومعلوم أنّها ليست عبارات جميعهم ولابعضهم الذي فيه من يظنّ كونه الامام ولو بجهل النسب على ماقالوه، مع أنّه لايفيد الظّنّ، على أنّ أكثر العبارات التي فيها لاتخلو عن شيء كما ذكر في نقضها، مع أنّ الأصحاب إنّما جوّزوا أخذ ما قبضه الجائر على ما يظهر من كلامهم، فإن الإجماع على تقديره إنما يكون على ذلك لامطلقاً، لأنَّ بعض الأصحاب صرحّ بعدم جواز التناول بغير ذلك "


إنتهى كلامه دام ظلّه(١) .

أقول: لايخفى أنّ الشيخ علي(٢) وغيره ادّعى الاتفاق على حلّ الخراج، و جعلُ المصنّف دليل الإجماع عباراتهم قدح في مثل هذا العالم المتبحّر. على أنّا نقول ذكر العبارات بعد دعوى الاتّفاق لا يدلّ على كونه دليلاً، لجواز أن يكون سبب دعواه الإجماع الأطلاع عليه، وذكر العبارات مؤيّد لذلك كما جرت عادة السلف بتأييد الدليل برواية أبي هريرة وعائشة وغيرهما، ومما يؤيّد ما قلناه، قوله -رحمه‌الله - قبل هذا الكلام الذي ادّعى فيه الاتفاق وذكر عبارات الفقهاء بعده " والحاصل أنّ هذا ممّا وردت به النصوص وأجمع عليه الأصحاب بل المسلمون فالمنكر له والمنازع فيه مدافع للنصّ منازع للإجماع، فاذا بلغ معه الكلام إلى هذا المقام فالأولى الاقتصار معه على قول سلام "(٣) وكأنّ هذا المصنّف - دام بقاه - لم يطّلع على هذا الكلام.

وقوله " على أنّ أكثر عباراتهم لا تخلو من شيء على ما ذكر في نقضها " والذي ذكر في نقضها أنه قول عدد قليل، بعضهم ذكر الابتياع وبعضهم عمّم. وقد قال الشيخ علي -رحمه‌الله - إنّه إذا جاز الابتياع جاز غيره و استدلّ عليه(٤) .

والجماعة الذين ذكرت عباراتهم مثل الشيخ في النهاية(٥) ونجم الدين في

____________________

(١) راجع خراجية المحقق الأردبيلي(ره) ص٢٠.

(٢) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج للكركي: ص٨٠.

(٣) نفس المصدر، ص٧٣.

(٤) نفس المصدر، ص٨٠.

(٥) النهاية: كتاب المكاسب ص٣٥٨.


الشرائع(١) والعلّامة في المنتهى(٢) والتذكرة(٣) والتحرير(٤) والقواعد(٥) والشهيد في حاشية القواعد(٦) ، والعلّامة في الإرشاد(٧) ، والشهيد في دروسه(٨) ، والمقداد في تنقيحه(٩) . فهؤلاء الجماعة لم ينقلوا في هذه الكتب خلافاً لأحد من المسلمين فضلاً عن المؤمنين مع شدّة حرصهم على إيراد الخلاف وإن ضعف، فلا أقلّ أن يكون ذلك قرينة من القرائن الدالة على أنه لا خلاف في هذا الحكم مع قطع النظر عن الاجماع الذي قد ذكر مراراً.

وقوله " مع أنّ الأصحاب إنّما جوّزوا أخذ ما قبضه الجائر " إن أراد جمعهم فهو غير صحيح، وإن أراد بعضهم فمسلّم ويمكن حمله على ما إذا منع منه ولم يأذن فيه قبل القبض، ولو سلّم ذلك كلّه فكيف كان الإجماع إنّها هو على القبض ومن أعجب الاُمور استدلاله على أنّ الإجماع إنّها هو على ذلك بقوله لأنَّ بعض الأصحاب صرّح بعدم جواز التناول بغير ذلك بعد الإحاطة بأنّ الإجماع هو الاتّفاق في العصر الواحد وأنّ معلوم النسب لا يقدح في الإجماع، تقدَّم أو تأخَّر أو قارن.

قال - دام ظلّه -: " ونقل في النقض: أن السيّد ابن عبدالحميد قال في شرحه للنافع: " وإنّما يحلّ بعد قبض السلطان أو نائبه، ولهذا قال المصنّف ما يأخذه باسم المقاسمة فقيّدة بالأخذ " ويفهم من الدروس أيضاً ذلك، بل أخصّ منه على ما نقله فيه، إذ يفهم عدم الجواز عنده إلاّ في المعاوضة حيث قال فيه " وكما

____________________

(١) شرائع الاسلام: كتاب التجارة ص١٣.

(٢) منتهى المطلب: ج٢ - كتاب التجاره - ص٥٨٣.

(٣) تذكرة الفقهاء: ج١ - كتاب البيع - ص٥٨٣.

(٤) تحرير الأحكام: ج١ - كتاب التجارات - ص١٦٣.

(٥) قواعد الأحكام: ج١ - كتاب المتاجر - ص١٢٢.

(٦) حاشية القواعد...

(٧) إرشاد الأذهان: ج١ كتاب المتاجر، ص٣٥٨.

(٨) الدروس: كتاب المكاسب ص٣٢٩.

(٩) التنقيح الرائع: ج٢ - كتاب التجارة - ص١٩.


يجوز الشراء يجوز بسائر المعاوضات كالهبة والصدقة والوقف ولايحلّ تناولها بغير ذلك "(١) ومنه يعلم أنّ جواز التناول مطلقاً ليس بمجمع عليه أيضاً، بل فيه خلاف حيث يفهم عدمه عند الشهيد(٢) ، وعند السيّد المذكور، وفي النافع أيضاً على مافهمه " إنتهى كلامه دام ظلّه(٣) .

أقول: لايخفى أنّ المفهوم من الروايات ومن كلام الفقهاء أنّ وجه الحلّ كون الخراج حقاً من حقوق المسلمين، وأئمّتنا أذنوا لنا في تناوله، فعلى هذا لاوجه لتوقّف حلّه على قبض الجائر له أو نائبه، نعم لو منع منه الجائر أمكن توقّفه على ذلك، على أنّا نقول: من أذن له الجائر في أخذه كان نائباً للجائر قبضه كقبضه، ولو سلّم ذلك كلّه فأيّ دخل له في تحريم الخراج المأخوذ من يد الظالم أو نائبه؟ ومن الغرائب قوله " ويفهم من الدروس ذلك " مع أنّ التصريح فيها بقوله " ولا فرق بين قبض الجائر إيّاها أو وكيله، وبين عدم القبض "(٤) وأغرب من ذلك قوله " ومنه يعلم أنّ جواز التناول مطلقاً ليس بمجمع عليه الى آخر ما ذكره " مع تصريحه هو - فضلاً عن غيره - أنّ معلوم النسب لا يضرّ خلافه في الإجماع.

قال - دام ظلّه -: " وأمّ‍ا أدلّتهم فهي بعض الأخبار، ولا دلالة ظاهرة فيها، وادّعى النصوصيّة فيها الشيخ علي بن عبدالعالي وهي خبر أبي بكر الحضرمي الذي روى الشيخ عنه، عن أبي عبداللّهعليه‌السلام ، وموضع الدلالة منه قولهعليه‌السلام " ما منع ابن أبي سماك يبعث إليك بعطائك، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً "(٥) وقال الشيخ علي بن عبدالعالي فيها " قلت: هذا نصّ في الباب - الى قوله -: حيث إِنّه يستحقّ في بيت المال نصيباً، وقد تقرّر في الاُصول

____________________

(١) و (٢) الدروس: كتاب المكاسب ص٣٢٩.

(٣) راجع خراجيتهّ(ره) ص٢٠-٢١.

(٤) الدروس: كتاب المكاسب ص٣٢٩.

(٥) التهذيب: ج٦ ص٣٣٦و٣٣٧ ح٩٣٣.


تعدّي الحكم بالعلّة المنصوصة "(١) قلت: الحديث غير معلوم الصحة، وعدم ظهور الدلالة إذ غايتها جواز قبول الحضرمي عطاء إبن أبي سماك، لأنّ له في بيت المال نصيباً، فهم بالقياس جواز الأخذ منه لمن كان مثل الحضرمي في الاستحقاق من بيت المال، بأن يكون من المصالح، فلم يدلّ على جواز أخذ الخراج من كلّ جائر، مؤمناً وغيره لكلّ أحد، سواء كان ممّن يستحق من بيت المال أولا، فالاستدلال بمثله في هذه المسألة لايخلو عن إشكال، وأشدّ منه تسميته بالنص، نعم يمكن الاستدلال به في الجملة على جواز أخذ الجائر من الجوائز كما استدلّ به عليه العلّامة في المنتهى وليس بتامّ أيضاً " انتهى كلامه دام ظلّه(٢) .

أقول: قوله " الحديث غير معلوم الصحّة " لوسلّم لا يقتضي عدم جواز الاستدلال به لجواز اعتضاده بما يجبر ضعفه من إجماع أو غيره، وأمّا ظهور دلالته على حمل الخراج للمسلمين فنقول: إنّ الحضرمي إنّما اِستحقّ العطاء من بيت المال الذي من جملته الخراج لكونه صاحب نصيب في بيت المال، ومعلوم أنّ استحقاقه للنصيب إنّما هو من جهة كونه من جملة المسلمين، لأنَّه لو كان له جهة غير ذلك لنقلتها الرواة وأهل التاريخ، بل المجتهدون الذين اشتهر حرصهم على نقل أقلّ من ذلك، ولو نقلوه لشاع وذاع، وإذا كان الأمر كذلك فكلّ مسلم له نصيبت في بيت المال وما ليس له نصيب لا يستحقُّ الأخذ، فانتفى الإشكال، والاشدّ منه ومن العجب قوله " نعم يمكن الاستدلال به على جواز أخذ الجوائز من الجائر " فكيف يعمل بقوله " ألم يعلم أنّ لك في بيت المال نصيباً " لأنّ النصيب في بيت المال لايقضي حلّ الجوائز من غيره، فالدّليل حينئذٍ أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى جواز أخذ جوائز الظالم مطلقاً إذا لم يعلم كونها(٣) .

____________________

(١) خراجية المحقق الثاني، المطبوعة في ضمن كلمات المحققين، ص١٨١.

(٢) راجع خراجيتهّ(ره) ص٢١-٢٢.

(٣) احتمال سقوط كلمات من هنا، فتأمل.


قال - دام ظلّه -: " وأيضاً صحيحة هشام الدالّة على جواز شراء مال الصدقة من الجائر حتّى يعرف أنّه حرام(١) . ولاخفاء في عدم دلالتها على المدعى وهو ظاهر، وأيضاً ما روي أنَّ الحسنينعليهما‌السلام ، قبلاً جوائز معاوية(٢) ، وعدم الدلالة ظاهر "(٣) .

أقول: لايخفى أنّ هذه الرواية كما دلّت على جواز شراء مال الصدقة دلّت على جواز شراء ما يأخذه باسم المقاسمة من الحنطة والشعير، وذلك مصرّح به فيها وهو يشمل الخراج من حاصل الأرض، وقد بيّن أنّ الجائر لايستحقّه ولا يجوز أخذه له، فجواز الشراء منه ليس إلاّ لكونه حقّاً لنا، وإذا كان الأمر كذلك فأين ظهور عدم دلالتها على المدّعى؟ وأمّا قبول الحسنينعليهما‌السلام جوائز معاوية - عليه ما يستحقّه - فهو كما قال المصنّف - دام ظلّه - لكن لاحاجة للقائل بحلّه إلى ذلك لوجود مايكفيه.

قال - دام ظلّه -: " وأيضاً صحيحة عبد الرحمن حين قال له أبو الحسنعليه‌السلام : مالك لاتدخل مع علي في شراء الطعام، إنّي أظنّك ضيّقاً؟ قال: قلت: نعم، فإن شئت وسعت عليّ، قال: اشتره(٤) . ومعلوم أن ليس فيه إِلاّ الدلالة على جواز شراء طعام كان عبدالرّحمن ضيّقاً من شرائه، ولايدّل على جواز أخذ الخراج من كلّ جائر لكلّ أحد بكلّ وجه وهو المدّعى " إنتهى كلامه دام ظلّه(٥) .

أقول: لايخفى أن الطعام عامّ، وقد سلّم الناقض عمومه، فيشمل الخراج وقد جوّز الإمام شراءه، واذا جاز شراء الطعام الذي هو أعمّ من الخراج من الجائر الذي لا يستحقّه ولا يجوز له أخذه كان دليلاً على حلّ الخراج لنا، لأنّ جواز الشراء منه إنّما هو لكون الخراج حقاً لنا.

وفي قول الشيخ علي -رحمه‌الله - " وقد احتجّ بها العلّامة في التذكرة على

____________________

(١) التهذيب: ج٦ ص٣٧٥ ح١٠٩٤.

(٢) التهذيب: ج٦ ص٣٣٧ ح٩٣٥.

(٣) و (٥) راجع خراجيتهه(ره) ص٢٢.

(٤) التهذيب: ج٦ ص٣٣٦ ح٩٣٢.


تناول مايأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة "(١) دقيقة وهي أنّ دلالة هذه الروايات على حلّ الخراج غير ظاهرة. فلولا علم العلّامة بأنّ هذا الطعام من مال الخراج والمقاسمة لما استدلّ بها، وإذا كان الأمر كذلك دلّ على جواز أخذ الخراج من كلّ جائر لكلّ واحد من المسلمين لالكلّ أحد، فتأمّل.

قال - دام ظلّه -: " وأيضاً صحيحة جميل بن صالح قال: أرادوا بيع تمرعين أبي زياد فأردت أن اشتريه، ثمّ قلت: حتى أستأذن أبا عبداللّهعليه‌السلام ، فأمرت مصادفاً فسأله فقال: قل له: يشتريه فإن لم يشتره اشتراه غيره(٢) هذه مثل ما قبلها في الدلالة، بل أقل، على أنَّه قد يكون صحّتها موقوفة على توثيق عبدالرحمن ومصادف ونقلها الشيخ علي بن عبد العالي في الخراجيّة، وقال: " وقد استدلّ بالأخير في المنتهى على هذه الدعوى " ثمّ اعترض الشيخ علي على نفسه: " بأنّ جواز الشراء لايدلّ على غيره، وأجاب إنّ حلّ الشراء يستلزم حلّ جميع أسباب النقل "(٣) وأنت تعلم أنّه غير واضح، وقد يكون جواز الشراء لحصول العوض وغير ذلك، ألا ترى أنّ المكاتب يجوز له الشراء ولا يجوز له الهبة! وأيضاً أجاب عن عدم لزوم جواز الأخذ بأمر الجائر من جواز أخذ ما قبضه على تقدير تسليمه بنحو ذلك وهو غير ظاهر " إنتهى كلامه دام ظلّه(٤) .

أقول: قد قال الشيخرحمه‌الله بعد نقل هذه الرواية: " إنّ العلّامة احتجّ على حلّ ذلك بهذه الرواية في المنتهى، وصحّحه "(٥) وهذا اعترف منه، إذ دلالتها على ذلك غير ظاهرة، فلولا أنّ العلّامة اطّلع على أنّ ذلك التمر من الخراج لما استدلّ بها، ولو لم تدلّ على ذلك فنحن لا إحتياج بنا إليها بعد الإحاطة بأنَّ جواز الشراء ليس إلاّ لكون نصيب لنا فيه، وأنّ أئمتنا أذنوا لنا في أخذه، فلا شبهة في

____________________

(١) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج للكركي: ص٧٧.

(٢) التهذيب: ج٦ ص٣٧٥ ح١٠٩٢.

(٣) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج للكركي: ص٨٠.

(٤) راجع خراجيتهّ(ره) ص٢٢-٢٣.

(٥) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج للكركي: ص٧٧.


جواز غير الشراء بل الأخذ مجّاناً.

ومن العجب قوله: " وقد يكون جواز الشراء لحصول العوض "، اذ حصول العوض للجائر الذي لايجوز له أخذ الخراج ولا تملّكه لانقتضي جواز التسلّط على مال الغير. والتمثيل بالمكاتب الذي يملك ما في يده لكنّه محجور عليه بغير المعاوضة أعجب من ذلك، لأنّ الجائر غير مالك بالإجماع بل لا ولاية له، وإذا ثبت أنّ المأخوذ حقّ بالأصالة فلا فرق بين الأخذ من أيدي الجائر والأخذ بأمره، وذلك ظاهر لمن تدبّره.

قال - دام ظلّه -: " وبالجملة هذه المسألة في الغاية من الاشكال، حيث إنّهم حكموا بها بهذه الأدلة، وقالوا: لا يجوز الأخذ إلاّ باذن الجائر بل نقل الشيخ علي ابن عبدالعالي عن البعض أنّه لا يجوز السرقة والكتمان للزارع مع قولهم بعدم جواز الأخذ للجائر، وأنّه ظالم فلا يجوز البيع منه حينئذٍ، بل لا يمكن تحقّق البيع، وكيف يجوز بيع مال المسلمين الذي الناظر فيه الإمام ومصرفه المصالح أخذه الظالم ظلماً أن يشترى منه أو يتّهب، إلاّ أن يقال هذا استنقاذ لا بيع حقيقة، ولا صدقة، ولكن حينئذٍ شرط القبض أو الإذن غير ظاهر " إنتهى كلامه دام ظلّه(١) .

أقول: لايخفى أنّه لا منافاة بين حلّ الخراج وعدم جواز الأخذ بدون إذن الجائر، ولا يصلح أن يكون ذلك منشأ لمجرّد الإشكال فضلاً عن كونه منشأ للغاية من الإشكال، إذ لا قبح أن يقول الشارع للانسان: لك في بيت المال نصيب ولا يجوز لك أخذه إلاّ بإذن الجائر لمصلحة يعلمها، ونظائر ذلك كثيرة، فإنّ الوقوف العام والزكوات والوصايا والمنتشرين كذلك بل ملك الانسان المختصّ به كالمحجور عليه للسفه كذلك، بل غير المحجور عليه كذلك، كما لو استولى الظالم على مال الانسان، وخاف على نفسه أن يتصرّف بغير إذن الظالم فإنّه لا يجوز

____________________

(١) راجع خراجيتهّ(ره) ص٢٣.


لأحد من هؤلاء السرقة والكتمان، وإن أراد أنّ منشأ الإشكال الدلائل المذكورة فقط، فمعلوم أيضاً عدم صلاحيّتها له، لأنّ هذه الدلائل إن أفادت الحلّ فلا إشكال، وإن لم تفده فلا إشكال أيضاً وإن أراد إذن الجائر الذي لا يجوز له الأخذ ولا التصرّف، وكيف يجامع حلّ الخراج ويكون منشأ للإشكال؟ فهو ممّا لا وجه له بعد الإحاطة بما قلناه.

ونفي جواز البيع بعد دلالة الروايات والعبارات عليه عجيب لا يليق بهذا الفاضل. وقوله " بل لايمكن تحقق البيع " مع ورود الروايات به ونقل الإجماع عليه أعجب، ولو سلّم يكون استنقاذاً، وإطلاق البيع عليه ليس بعزيز، بل هو موجود في عبارات الفقهاء، كما لو قهر الحربي من ينعتق عليه وباعه.

ونفي ظهور اشتراط قبض الجائر له أو إذنه لا دخل(١) في التحريم والشبهة، بل هو ممّا يحقّق مطلوبنا من حلّ الخراج وكون منشأ حلّه أنّ لنا فيه نصيباً.

قال دام ظلّه: " وكيف لا يجوز لمن في ذمّته السرقة والكتمان، بل ينبغي، بل يجب عدم جواز الإعطاء له إن أمكن، لأنّه لا تبرأ ذمّته على تقدير قدرته على المنع، ولا يتعيّن ما اُخذ منه مالاً للخراج والزكاة، لكن ما جزم بهذا النقل بل قال اظنّ سماعاً عن علي بن هلال، وما نقلوا دليلاً على عدم الجواز إلاّ باذن الجائر والجواز به سوى مامر " إنتهى كلامه دامت أيّامه وكثّر اللّه من مثله وأمثاله(٢) .

أقول: إنّ جميع ماقاله المصنّف - دام ظلّه - إن لم يساعد من يقول بحلّ ما يؤخذ باسم الخراج والزكاة، فلا أقل أن لا يضرّه، إذ المقصود حلّ تناول ما يأخذه الجائر سواء جاز للجائر أخذه أم لا، وسواء حرم على المالك دفعه أم لا، وسواء تعيّن ما أخذه للخراج والزكاة أم لا، ولا يتوقّف إثبات مطلوبنا على شيء من ذلك، على أنّا نقول: الروايات دلّت على تعيين ما أخذه للخراج لقول الامامعليه‌السلام : أما علم أنّ لك يصيباً في بيت المال،(٣) وبيت المال إن لم يعمّ

____________________

(١) لادخل له ظ.

(٢) راجع خراجيتهّ(ره) ص٢٣.

(٣) التهذيب: ج٦ ص٣٣٦و٣٣٧ ح٩٣٣.


الخراج والزكاة وغيرهما فلا أقلّ أن يكون مختصّاً بهما.

ولا يخفى أنّ الشيخ علي -رحمه‌الله - جازم بالنقل عن الشيخ علي بن هلال وإنّما تردّده بين كونه مشافهة أو بواسطة، بل الراجح عنده أنّه مشافهة، حيث قال " غالب ظنيّ بالمشافهة " واستدلّ على عدم جواز السرقة والجحود والمنع لذلك أو لشيء منه لمن هو عليه، لكونه حقّاً(١) ، فأين قول المصنّف إِنّه ما جزم بهذا النقل؟

قال - دام ظلّه -: " فلولا خوف خلاف الإجماع، لأمكن القول بعدم جواز البيع أيضاً، إذ ليس في الأخبار جواز بيع مال الخراج المبحوث عنه. نعم قد يوجد في بعض الأخبار جواز شراء الزكاة فيحتمل زكاة مال المشتري على طريق الاستنقاذ، وأن يكون المراد ممّن عنده الزكاة لاعين الزكاة، وأن يكون العامل مأذوناً من الإمامعليه‌السلام ، وما كان معلوماً ظاهراً للتقيّة أو يكون للتقية أو قضية في واقعة، فلا يتعدّى وأمثالها كثيرة، وأن يكون لطفاً من اللّه تعالى تسهيلاً للشريعة ونفياً للخراج على تقدير عدم ثبوت براءة الذمّة والضرورة و استحقاق الزكاة فيؤوّل كلام الأصحاب على بعض تلك الوجوه على تقدير الإجماع مثل كون الأخذ من المصالح والمصرف، أو الذي يقدر أن يأخذه ويصرفه في مصرفه، وغير ذلك. وقد احتمل الشيخ إبراهيم القطيفي في النقض كون الجائر مخالفاً بظّن إمامته وكذا المعطي(٢) ويفهم من شرح الشرائع(٣) أيضاً " إنتهى كلامه دام ظله(٤) .

أقول: قول المصنّف " لولا خوف خلاف الإجماع " لاوجه لاختصاصه بهذه المسألة، إذ كلّ مسألة من مسائل الشرع يمكننا أن نقول فيها لولا خوف مخالفة الدليل لأمكننا القول ببطلانها. وهذا اعتراف منه بثبوت الإجماع بعد الانكار له ورجوع إلى الحقّ، ولايخفى أنّ صحيحة هشام(٥) وصحيحة عبدالرحمن(٦)

____________________

(١) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج للكركي: ص٩١.

(٢) السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج: ص١٢٤.

(٣) مسالك الإفهام: ج١ - كتاب التجارة - ص٥٥.

(٤) راجع خراجيتهّ(ره) ص٢٣-٢٤.

(٥) التهذيب: ج٦ ص٣٧٥ ح١٠٦٤.

(٦) التهذيب: ج٦ ص٣٣٦ ح٩٣٢.


صريحان في جواز بيع مال الخراج وقد بيّنا ذلك فيما مضى بل بيّنا دلالة باقي الروايات فليراجع.

ولايخفى أن هذه المحامل التي ذكرها المصنف قاصرة على مافيها، انما تحسن لوكان في المسألة خلاف أو رواية تدلّ على عدم جواز أخذ الخراج أو مشتراه، أما مع عدم ذلك فأيّ ضرورة على الحمل على تلك المحامل.

وقوله: " وأن يكون لطفاً من اللّه... الخ " ممّا ينادي و يصرّح بالوفاق، لأنّا متى منعنا كون حلّه لطفاً وعدم حلّه حرجاً؟ بل صرّح بعض من ادّعى الإجماع على حلّه أنّه لولا الحّل لزم الحرج على هذه الطائفة(١) ، وقد أسلفنا، وما رأيت أقلّ طالعاً من هذه المسألة لما قرَّروا من أنّ جواز العمل يكفي فيه الظنّ الحاصل من الدليل، وكثير من المسائل يثبتونها بالخبر الضعيف، ويقولون إنّه وإن كان ضعيفاً إلاّ أنّه قد انجبر بعمل الأصحاب أو بغيره، و هذه المسألة قد ادّعى على حلّها الإجماع جماعة من العلماء مثل المحقّق المدقّق فريد عصره وزمانه الشيخ علي بن عبدالعالي(٢) والشيخ المرحوم المبرور الشهيد الثاني الشيخ زين الدين(٣) والفاضل المقداد ودلّت عليه الروايات... قول أحد ممن يسمى باسم العلم بتحريمها ولا دلّت عليه رواية حتّى أنّ الشيخ إبراهيم(٤) المنسوب إليه الخلاف معترف بحلّه وأثبت ذلك في نقضه كما حكيناه عنه سابقاً، فرحم اللّه من أحسن النظر وتفكّر في أمر دينه واعتبر وجعل ضالّته الحقّ، ونزّه نفسه عن التعصّب والجدال، واعترف لأهل الفضل بفضلهم، ونزّل الناس بمنازلهم، وليكن هذا آخر ماخطر لهذا الفقير القاصر. (تمّت).

____________________

(١) مسالك الإفهام: ج١ كتاب التجارة ص١٦٨.

(٢) قاطعة اللجاج في حلّ الخراج للكركي: ص٧٦.

(٣) مسالك الإفهام: ج١ - كتاب التجارة - ص٨٠.

(٤) السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج: ص١١٨.


الفهرس

كتاب الخراجيات المحقق الثاني والمحقق الاردبيلي والفاضل القطيفي والفاضل الشيباني ١

كتاب الخراجيات تأليف: المحقق الثاني والمحقق الاردبيلي والفاضل القطيفي والفاضل الشيباني قاطعةُ اللجاج في تحقيقِ حلِ الخراج تأليف الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي الكَركي "المحقّق الثاني" ٣

[ تمهيد المؤلف ] ٤

المقدمة الاولى في أقسام الأرضين ٦

المقدمة الثانية في حكم المفتوح عنوة ١٢

المقدمة الثالثة في بيان أرض الأنفال وحكمها ٢٢

المقدمة الرابعة في تعيين ما فتح عنوة من الأرضين ٢٧

المقدمة الخامسة في تحقيق معنى الخراج وأنه هل يتقدر أم لا ٣٥

المقالة في حلّ الخراج في حضور الإمام - عليه‌السلام - وغيبته ٤٠

الخاتمة : في التوابع واللواحق ٥٢

السراج الوهاج لدفع عَجَاجِ قاطعةِ اللجِاجِ تأليف الشيخ إبراهيم بن سُليمان " الفاضلِ القَطيفي " ٥٧

رسالتان في الخَراج تأليف المحقق البارع الشيخ أحمد " المُقدَّسِ الأردَبيلي " ١٨٤

الرسالة الأولى ١٩٧

الرسالة الثانية ٢٠٤

رسالة في الخراج تأليف الشيخ ماجد بن فَلاح " الفاضِلِ الشيبَاني " ٢٠٨

الفهرس ٢٣٢