كتاب الصلاة- الجزء 1
التجميع فقه استدلالي
الکاتب الميرزا محمد حسين الغروي النائيني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

كتاب الصلاة

الجزء الاول

الميرزا محمد حسين الغروي النائيني


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


كتاب الصلاة

من إفادات قدوة الفقهاء والمجتهدين آية الله في الارضين

الميرزا محمد حسين الغروي النائيني

١٣٥٥ ه‍. ق

تأليف الفقيه المحقق الشيخ محمد علي الكاظمى الخراساني ١٣٦٥ ه‍.ق

الجزء الاول

الموضوع: فقه



المقصد الاول: في أقسام الصلاة

وقبل الدخول في المقصدو ينبغي تمهيد مقال يشتمل على مقدمتين: الاولى أنه وان قد أطالوا الاعلام في البحث في شرح لفظة الصلاة وبيان معانيها اللعوية والعرفية إلا أن الظاهر أنه لاثمرة مهمة في ذلك بعد معلومية المراد منها، وأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله استعملها في أول زمان البعثة في هذه العبادة الموظفة المخترعة الالهية التي هي رأس كل عبادة وميزان كل عمل.

فكلما وردت هذه اللفظة في الكتاب والسنة فالمراد منها هذا المعنى الذي نتعبد به صباحا ومساء إلا أن تقوم قرينة على أن المراد منها ليس هذا المعنى، ولا حاجة إلى إتعاب النفس وإثبات أن هذه العبادة كانت في الشرائع السابقة بزيادة ونقصان وأنها كانت


تسمى بهذه اللفظة حتى تكون حقيقة لغوية إذ مع أن إثبات ذلك لايهمنا لاطريق لنا إلى إثباته، إذ تسمية تلك العبادة التي كانت في تلك الشرائع بلفظ الصلاة غير معلوم، وعلى تقدير العلم بذلك لم يعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على ما كانوا يتعبدون به في الشرائع السباقة بأي عناية كان، إذ من المحتمل أن يكون إطلاق الصلاة عليه بعناية معناها اللغوي وهو الدعاء لامن باب كونها وظيفة خاصة إلهية وعبادة مخترعة شرعية كما هو كذلك في شرعنا، فإن ما وظف في الشرائع السابقة لم يعلم ماهو، فلعله كان سنخ من الدعاء، فإطلاق الصلاة عليه من باب المعنى اللغوي، وهذا بخلاف الاطلاق في شرعنا، فإنه ليس من ذلك الباب قطعا، وإنما لفظ اطلق على موضوع خاص ومعنى مخصوص مغاير للمعنى اللغوي. وكيف كان فقد عرفت أن إطلاق لفظ الصلاة على هذه العبادة الخاصة كان من أول الامر وأول البعثة كما يظهر ذلك من بعض التواريخ والاخبار، فلابد من حمل لفظة الصلاة على هذا المعنى كلما وردت في الكتاب والسنة، ولكن بعد اشتهارها في ذلك في لسانهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولسان تابعيه إلا أن يقوم دليل على خلافه.

المقدمة الثانية قد اختلفت كلمات الاصحاب في أعداد الصلوات المفروضة، فربما أنهاها بعض إلى تسعة وآخر إلى سبعة وغير ذلك مما يظهر للمتتبع، هذا ولكن لابد أن يكون التقسيم باعتبار اختلاف القيود والخصوصيات المأخوذة فيها الموجبة لاختلافها في نوعها بحسب الجعل الشرعي.


وأما الخصوصية الموجبة للاختلاف في الصنف والفرد فلا يون ميزانا للتقسيم وإلا لزادت الاقسام إلى ما لايمكن إحصاؤها.

فيحنئذ نقول: هكذا ينبغي تقسيمها بأن يقال: هذه العبادة المخترعة الشرعية التي تسمى صلاة إما أن تكون مفروضة وإما أن تكون مسنونة، ثم المفروضة إما أن تكون مفروضة بحسب الجعل الاولي وإما أن يعرض لها وصف الفرض.

فالمفروضة بحسب الاصل والجعل الاولي على أنواع أربع:

الاول، الصلاة اليومية: ومنها الجمعة فإنها بدل عن الظهر في يومها وليست هي مباينة لليومية في نوعها حتى تعد قسما آخر في قبالها كما عن بعض، بل هي داخلة في اليومية حقيقة، ولافرق في اليومية بين الاداء والقضاء من الولي وغيره، فإن القضاء هي الصلاة اليومية، غايته أنه في خارج الوقت وليس خصوصية الوقتية منوعة بحيث تكون صلاة الظهر في وقتها مباينة لها في خارج الوقت في نوععها كمالايخفى.

النوع الثاني، صلاة العيدين: فإنها باعتبار اشتمالها، على خصوصيات وقيود تحفها من الكيفية والوقت تكون مباينة في نوعها لسائر الصلوات.

النوع الثالث، صلاة الآيات: أعم من الخسوب والكسوف والزلزلة وكل آية، فإنها بجميع أقسامها نوع واحد مباين لسائر أنواع الصلاة، غاية الامر يكون الاختلاف في سبب الوجوب فإنه تارة يكون الخسوف واخرى يكون غيره.

النوع الرابع، صلاة الطواف: فإنها وإن كانت بحسب الصورة كصلاة الصبح إلا أنه باعتبار أخذ زمان ومكان خاص فيها تكون مباينة في نوعها لباقي الصلوات. فهذه الانواع الاربع مفروضة بحسب الاصل. وأما المفروضة بالعارض فكالمستأجر عليها والمنذورة وما شابهها، ولكن


ينبغي أن يعلم أنه ليست المفروضة بالعارض مباينة بالنوع للمفروضة بالاصل أو المسنونة بل هي متحذة بالنوع لسائر الصلاة، وإنما الاختلاف نشأ من سبب الوجوب كما تقدم، فلو نذر صلاة الظهر أو صلاة الليل أو استؤجر عليها لم يخرج المنذور عن حقيقته قبل النذر بل هو باق على ما كان عليه من النوع، غاية الامر أنه عرض له وصف الوجوب بعد ما كان فاقدا له، ويلحقه بعض أحكام الصلاة الواجبة من وجوب الاستقبال والاستقرار، وغير ذلك على ما يأتي تفصيله فيما بعد إن شاء‌الله.

فعلم أن أنواع الصلاة المفروضة منحصرة في هذه الاربع، وصلاة الاموات لاينبغي عدها من هذه العبادة الخاصة والوظيفة المخصوصة بل هي أشبه شئ بالصلاة بمعناها اللغوي. وينبغي حينئذ أن ترتب كتاب الصلاة على فصول أربع، يبحث في كل فصل عن نوع من هذه الانواع الاربع مع ما يلحقه من الاحكام واللواحق.


الصلوات اليومية

وفيه أركان، وينبغي أولا تعداد ركعاتها ونوافلها، فنقول: لاإشكال ولاخلاف في أن عدد ركعاتها سبعة عشر في الحضر وإحدى عشر في السفر بإسقاط الركعتين الاخيرتين من الرباعيات الثلاث، بل ربما كاد أن يكون ذلك من ضروريات الدين.

وأما النوافل فالمشهور المعروف بين الاعلام أنها أربعة وثلاثون ركعة، ولكن قد وردت طوائف من الاخبار أنها ثلاثة وثلاثون بإسقاط الوتيرة(١) ، أو تسعة وعشرون(٢) بإسقاط أربع من نافلة العصر أيضا أو سبعة وعشرون بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب أيضا(٣) هذا ولكن حيث كانت هذه الطوائف مما أعرض عنها الاصحاب وإن كان يوجد بينها من الصحاح فلابد إما من طرحها أو تأويلها بما لاينافي ما عليه المشهور بل كاد أن يكون من المجمع عليه بل هو كذلك في هذه

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢ باب ١٣ من أبواب أعداد الفرائص ح ٥

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢ باب ١٤ من أبواب اعداد الفرائض، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢ باب ١٤ من أبواب أعداد الفرائض، ح ١. [ * ]


الاعصار ويمكن حملها على زيادة مزية وتأكد استحباب في سبعة وعشرين بحيث لم تكن تلك المزية في الساقط، لا أن الساقط لم يكن من النوافل المرتبة ولعله يشعر إلى ذلك بعض الاخبار كقولهعليه‌السلام لا تصل أقل من أربع وأربعين ركعة(١) .. إلخ.

بقي الكلام في صلاة الغفيلة والوصية اللتين بين المغرب والعشاء وصلاة أربع ركعات بعد العشاء فهل هي من الرواتب الموظفة في هذه الاوقات أو ليست كذلك، بل ربما احتمل بعض عدم مشروعيتها، ولكن الانصاف أن صلاة الغفيلة في غاية الاعتبار، لان الشيخرحمه‌الله ذكرها في مصباحه(٢) الذي هو متأخر عن التهذيب والاستبصار وكان عليه العمل، فهو في غاية القوة، ولابصغى إلى مناقشة بعض في مشروعيتها أو عدها من نافلة المغرب. وأما الوصية فإنها وإن لم تكن بتلك المثابة من الاعتبار على ما ذكره شيخنا الاستاذ مد ظله في بحثه إلا أنه ليس كذلك، فإنها قد ذكرها الشيخرحمه‌الله أيضا في مصباحه(٣) فهي في الاعتبار الغفيلة.

وأما أربع ركعات بعد العشاء فقد وردت رواية(٤) أن الصادقعليه‌السلام كان يصليها بعد العشاء، ونقل عن بعض الاعلام العمل بها ومداومتها سفرا وحضرا، ولابأس به بعد جبر ضعف الرواية لو ان بعمل بعض الاصحاب وبعد التسامح في أدلة السنن. نعم جعلها من الرواتب الموظفة الليلية مشكل، والامر في ذلك سهل.

ثم إنه لا إشكال في سقوط نافلة الظهر والعصر في السفر في غير مواطن التخيير

____________________

(١) و (٤) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣ باب ١٤ من ابواب اعداد الفرائض، ح ٤.

(٢) و (٣) مصاح المتهجد: ص ٩٤. [ * ]


وعدم سقوط نافلة المغرب والصبح، إنما الكلام في سقوط نافلة العشاء فيه وسقوط نافلة الظهر والعصر في مواطن التخيير وسقوط أربع ركعات التي تزاد في نافلة الظهر يوم الجمعة في السفر.

أما سقوط نافلة العشاء في السفر فالمشهور على سقوطها بل ادعي الاجماع عليه، للاخبار المستفيضة الدالة على أن كل صلاة مقصورة في السفر تسقط نافلتها وفي بعضها أن الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولابعدهما شئ إلا المغرب(١) ولاشعار خبر ابي يحيى الحناط قال: سألت الصادقعليه‌السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال: يا بني لو صلحت النافلة بالنهار في السفر تمت الفريضة(٢) . فإنه يشعر بأن التمامية علة لثبوت النافله، ومنه يعلم إشعاره بأن القصرية علة للسقوط، فيدور الثبوت والسقوط مدار التمامية والقصرية.

وعن بعض الاعلام عدم سقوطها لرواية فضل بن شاذان عن الرضاعليه‌السلام : إنما صارت العشاء مقصورة وليس تترك ركعتاها لانها زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتان من التطوع(٣) . وفي خبر ابن الضحاك أنه كان الرضاعليه‌السلام يصلي الوتيرة في السفر(٤) وبهذين الخبرين لاخصيتهما واشتمال الاول على التعليل خصوصا مع التسامح في أدلة السنن لو كان فيهما ضعف يقوى في النظر عدم السقوط وإن ذهب شيخنا الاستاذ مد ظله إلى السقوط عملا بتلك المطلقات.

وأما سقوط نافلة الجمعة في السفر فالاقوى سقوطها، للاخببار المستفيضة من

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٣ ص ٦٠ باب ٢١ من أبواب أعداد الفرائض، ح ٣ و ٤ وفيهما اختلاف يسير.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٧٠ باب ٢٩ من أبواب أعداد الفرائض، ح ٣.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٦١ باب ٢١ من أبواب أعداد الفرائض، ح ٨ نقلا بالمعنى. [ * ]


سقوط النافلة النهارية، وهي منها.

ومن هنا يعلم أنه لو قلنا بأن النوافل إنما هي للوقت لا للفريضة على أضعف الاحتمالين كان الاقوى أيضا السقوط، لان الاخبار مصرحة في سقوط النوافل النهارية في السفر، سواء كانت للوقت أو للفريضة. وأما سقوط النوافل في مواضع التخيير كالحرمين فهل تسقط مطلقا سواء أتم أو قصر أو أنها لاتسقط مطلقا أو يفصل بين الاتمام فلاتسقط وبين التقصير فتسقط؟ وجوه بل أقوال. أما وجه السقوط مطلقا فلان الصلاة في السفر بحسب الجعل الاولي مقصورة، وأن الاتمام في المواطن الاربعة رخصة، فإذا كانت بحسب الجعل مقصورة فلابد من أن تسقط نافلتها، لما عرفت من الاخبار من أن كل صلاة مقصورة تسقط نافلتها.

وبعبارة اخرى: أنه لاإشكال في أن الصلاة في الحضر قد ااخذت بالنسبة إلى الركعتين الآخرتين بشرط الانضمام، وفي السفر في غير المواطن الاربعة بشرط لا، وفي المواطن الاربعة لابشرط، ومعنى كونها لابشرط أنه للمكلف إيقاعها تماما، وحينئذ يقع الكلام في أن الاخبار الدالة على الملازمة بين القصر في الفريضة وسقوط نافلتها هل تدل على الملازمة فيما يجب التقصير ويتحتم أو الاعم من ذلك ومما يجوز التقصير؟ فإن قلنا بالاول فلا تكون دالة على سشقوط النافلة في مواطن التخيير لعدم تحتم القصر فيها، فلابد من الرجوع إلى عمومات مشروعية النافلة. وإن قلنا بالثاني فلابد من سقوط لجواز التقصير في المواطن الاربعة، ولايبعد استفادة هذا المعنى من الاخبار.

وحاصله: أن النافلة تدور مدار تمامية الصلاة، بحيث كلما وجبت الصلاة تماما فالنافلة تشرع. وربما قيل بأن النافلة تدور مدار فعل الصلاة تماما، فإذا أتم في المواطن الاربعة فلا تسقط النافلة، وإن قصر فتسقط. وربما


يشعر إلى ذلك خبر أبي يحيى الحناط(١) المتقدم، فتأمل.

وعلى أي حال، الركن الاول من الفصل الاول في مقدمات الصلاة التي يجب أو يستحب تحصيلها قبل فعل الصلاة، وفيه أبحاث:

تعيين المواقيت من الوقت الاشتراكي والاختصاصي للظهر والعصر

فاعلم أنه لاإشكال في أن أول وقت الظهر هو الزوال بل الاجماع منعقد عليه، وما ورد من الاخبار من القدمين(٢) والمثل(٣) وأمثال ذلك محمول على وقت الفضيلة للمتنفل، وربما يأتي الاشارة إليه، وكذلك لاإشكال ولاخلاف في صحة فعل العر عقيب فعل الظهر خلافا للعامة، وكذا في العشاء‌ين يدخل وقت المغرب بأول ذهاب الحمرة المشرقية، ويصح فعل العشاء عقيبها وإن لم يذهب الشفق نعم نقل عن بعض الاعلام لزوم تأخير العشاء إلى ذهاب الشفق كما هو كذلك عند العامة أيضا، ولكن قد تواتر الاخبار بصحتها قبل ذلك فلا ينبغي الشك فيه، وكذلك لاإشكال في امتداد وقت الظهر إلى مقدار اداء العصرقبل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٦٠ باب ٢١ من أبواب اعداد الفرائض، ح ٤. [ * ]

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٢ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ١ و ٢.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٩ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٣٣. [ * ]


الغروب، وصحة فعل المغرب إلى مقدار أداء العشاء قبل الانتصاف أو قبل الفجر، على تفصيل يأتي في محله. إنما الخلاف والاشكال في أن ما بين الزوال والغروب وقت لمجموع الظهرين، وكذلك ما بين المغرب وانتصاف الليل وقت لمجموع العشاء‌ين، أو أنه يختص من أول الوقت بمقدار أداء الظهر كما أنه يختص من آخر الوقت بمقدار أداء العصر، وكذلك في طرف العشاء‌ين.

والاقوال في المسألة ثلاثة على ما يظهر من الكلمات: قول بأن ما بين الزوال والغروب وقت لمجموع الفريضتين، غاية الامر أنه يجب فعل الظهر قبل العصر، ولازم هذا القول أنه لو نسي الترتيب وصلى العصر في أول الزوال صحت صلاته بمقتضى حديث " لاتعاد "(١) وقول بأنه يختص من أول الوقت بمقدار أداء الظهر كما يختص من آخره بمقدار أداء العصر، بحيث لاتصح الشريكة فيه بحال من الاحوال، حتى أنه لو فرض أنه صلى الظهر قبل الزوال على وجه صحيح، كما إذا دخل الوقت وهو بعد لم يفرغ منها على ما يأتي تفصيله إن شاء الله لاتصح فعل العصر قبل مضي مقدار أربع ركعات من الزوال، وكذلك لو صلى العصر قبل فعل الظهر على وجه يصح على ما يأتي ايضا لايصح فعل الظهر في الوقت الاختصاصي لها، وهذا القول هو الاختصاص المطلق.

وقول ولعل أن يكون عليه المعظم هو الاختصاص في الجملة، بمعنى أنه لو لم يصل الظهر على وجه صحيح لاتصح فعل العصر مطلقا ولو نسيانا في الوقت الاختصاصي للظهر، وكذلك في آخر الوقت لو لم يصل العصر على وجه صحيح لايصح فعل الظهر في الوقت الاختصاصي للعصر. وأما لو فرض أنه قد صلى

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٠ باب ٢٩ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥. [ * ]


الظهر على وجه صحيح قبل الزوال، وكذا صلى العصر على وجه صحيح قبل فعل الظهر تصح فعل العصر عقيبها وإن وقعت المختص للظهر، وكذلك تصح الظهر في الفرض الثاني وإن وقعت في الوقت الاختصاصي للعصر، وهذا القول هو المعتمد وعليه تنطبق الاخبار بعد تقييد مطلقاتها وتحكيم نصوصها، فلابد أولا من ذكر الاخبار الواردة في المقام حتى يتضح حقيقة الحال، وهي على طوائف أربع: منها: ما دل على أن بمجرد الزوال يدخل وقت الظهرين، كرواية محمد بن علي ابن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة(١) وقد ورد بهذا المضمون عدة روايات بأسانيد مختلفة.

ومنها: ما دل على هذا المعنى بزيادة قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه " كرواية محمد بن يعقوب عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن جميعا عن سهل بن زياد عن إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضاعليه‌السلام : ذكر أصحابنا أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر، وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة، إلا أن هذه قبل هذه في السفر والحضر، وأن وقت المغرب إلى ربيع الليل، فكتبعليه‌السلام : كذلك الوقت غير أن وقت المغرب ضيق(٢) ، الحديث.

ومنها: ذلك أيضا بزيادة قولهعليه‌السلام " ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس " كرواية عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩١ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩٥ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٢٠.

[*]


وقت الظهر والعصر فقال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعا، إلا أن هذه قبل هذه، ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس(١) .

ومنها: ما دل على اختصاص أول الوقت بالظهر وآخر الوقت بالعصر وكذا العشاء‌ان، كرواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر، حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقي وقت العصرحتى تغيب الشمس(٢) وبهذا التفصيل ذكر وقت العشاء‌ين في تتمة هذا الحديث.

فهذه جملة الاخبار الواردة في المقام، فينبغي أن يعلم ما يتحصل من مجموعها وما يستفاد منها فنقول: أما الطائفة الاولى فهي كالصريحة في أن بمجرد الزوال يدخل الوقتان، بحيث يصلح هذا الزمان لوقوع أي من الصلاتين فيه، فتدل على صحة العصر في أول الزوال، سواء كان قد صلى الظهر أو لم يصلها، فدلالتها على صحة العصرفي أول الوقت في الجملة بالصراحة، وإن كان بالنسبة إلى فعل الظهر وعدمه يكون بالاطلاق والظهور، إذ لو لم تصح العصرفي اول الوقت بوجه من الوجوه وحال من الاحوال لم يبق مورد لقولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان " وذلك واضح.

وأما الطائفة الثانية وهي المشتملة على قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبواب المواقيت، ٧. [ * ]


هذه " فلا إشكال في أنها ليست في مقام شرطية الترتيب من دون تصرف في الوقت، فإنهلاوجه لذكر خصوص الترتيب من بين الشرائط، فينبغي حينئذ أن يعد سائر الشرائط أيضا كالقبلة والطهور وأمثال ذلك، مع أنه يلزم بناء على هذا أن يكون الاستثناء منقطعا، إذ لو كان في مقام بيان شرطية الترتيب فقط من دون تعرض للوقت لاتكون جملة قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه " مرتبطة بما قبلها وهو قولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان " فإن عقد المستثنى منه إنما سيق لبيان الوقت المضروب للصلاة، والمفروض أن عقد المستثنى بناء على هذا يكون لبيان شرطية الترتيب، وشرطية الترتيب لادخل لها بالوقت المضروب للفعل، فيكون الاستثناء منقطعا، وهو خلاف الاصل كما بين في محله، فلابد من أن يكون قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه " في بيان جعل مقدارمن الوقت للاولى ويرتبط حينئذ بما قبله، فكأنه أرادعليه‌السلام بهذه الجملة تقييد ما أطلقه أولا من قولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان " وبيان أن أول الوقت إنما هو للصلاة الاولى، ولذا عقبهعليه‌السلام بما في الطائفة الثالثة وهو قوله " ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس".

فالطائفة الثالثة أقوى دليل على أن المراد من قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه " لبيان تخصيص أول بالاولى، وإلا لم يكن معنى لقولهعليه‌السلام " ثم أنت في وقت منهما " إذا لو لم تكن الجملة لبيان تعيين الوقت وتخصيصه، بل لبيان شرطية الترتيب فقط، فالمكلف من أول الوقت في وقت منهما جميعا والترتيب شرط في تمام الوقت، فلامعنى لقولهعليه‌السلام حينئذ " ثم أنت في وقت منهما جميعا " لان التعقيب بكلمة " ثم " بعد بيان شرطية الترتيب لاموقع له إلا لافادة سقوط التريب وهو كما ترى ضروري البطلان، فالتعقيب ب‍ " ثم " إنما يصلح إذا كان ما قبلها وهو قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه " لبيان


تخصيص الوقت وجعله أوله للاولى، فينطبق على ما في الطائفة الرابعة، وهي رواية داود بن فرقد وأمثالها مما دل على اختصاص أول الوقت بالظهر. وظهر ضعف القول الاول وهو أن ما بين الزوال والغروب وقت لمجموع الصلاتين، بحيث لونسي الظهر وصلى العصر في أول الزوال تقع صحيحة بمقتضى حديث " لاتعاد "(١) لان قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه " لاتدل على أزيد من اشتراط الترتيب، وهو كسائر الشرائط عند النسيان يسقط، ورواية داود بن فرقد الدالة على الاختصاص ضعيف السند، لايقاوم ما دل من المطلقات من أنه إذا زال الزوال دخل الوقتان(٢) .

وجه الضعف: ما تقدم من أن قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه " يدل على الاختصاص بالبيان المتقدم، وأما رواية داود بن فرقد فهي مع كونها معتبرة في نفسها كما يظهر بالمراجعة يكفي في جبرها عمل المعظم بها. بقي الكلام فيما استفاده المعظم من أن الاختصاص إنما هو فيما إذا لم يصل صاحبة الوقت، وأما إذا كان قد صلاها بوجه صحيح تصح الشريكة في الوقت الاختصاصي، في مقابل من يقول بالاختصاص المطلق بحيث لم تصح الشريكة في الوقت المختص بحال من الاحوال وإن كان قد صلى صاحب الوقت قبله بوجه صحيح، والحق أنهم قد أجادوا فيما استفادوه من الاخبار، ولا محيص عن استفادة ذلك منها.

بيانه: أن رواية داود بن فرقد إنما تدل على الاختصاص المطلق بالاطلاق، فإن قولهعليه‌السلام فيها " فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٠ باب ٢٩ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩١ باب ٤ من أبواب المواقيت، نقلا بالمضمون. [ * ]


يبقى.. إلخ " إنما يدل على عدم دخول وقت العصر حتى يمضي مقدار أربع ركعات من أول الوقت، سواء قد صلى الظهر قبل ذلك على وجه صحيح أو لم يصلها، فدلالتها على عدم دخول وقت العصرعند فعل الظهر قبل الزوال على وجه صحيح، كما إذا ظن بدخول الوقت فشرع في الصلاة ودخل عليه الوقت وهو بعد في الصلاة ولو قبل التسليم بناء على اعتبار الظن في باب الوقت انما يكون بالاطلاق، مع أن دلالة قولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال فقد دخل الوقتان " بعد تقييده بقوله " إلا أن هذه قبل هذه " على صلاحية فعل العصر في أول الوقت في الجملة إنما يكون بالنصوصية، إذ لو لم تصح العصر في وقت الظهر بحال من الاحوال لم يبق مورد لقوله " دخل الوقتان " فحينئذ لابد من تقييد إطلاق رواية داود بن فرقد بما إذا لم يصل الظهر على وجه صحيح قبل دخول الوقت، ويبقى الصورة الاخرى وهي ما إذا صلى الظهر قبل ذلك داخلة في قولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان " وهذا بخلاف ما إذا أخدنا بإطلاق رواية داود، فإنه لم يبق مورد حينئذ لقوله " دخل الوقتان " فمن باب تحكيم النص على المطلق يتسفاد من أفاده المعظم من أن الاختصاص إنما هو فيما إذا لم يؤد صاحبة الوقت.

وبعبارة أوضح: أن النسبة بين قولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان " وبين ما في رواية داود بن فرقد وإن كان هو التباين، لان إطلاق قوله " إذا زال الزوال دخل الوقتان " يشمل فيما إذا لم يصل الظهر، فهو بإطلاقه دال على دخول وقت العصر وإن لم يكن قد صلى الظهر، وكذا إطلاق رواية داود بن فرقد الدالة على الاختصاص يدل على عدم دخول وقت العصر قبل مضي مقدار أربع ركعات من أول الزوال مطلقا سواء صلى الظهر أو لم يصلها، فالروايتان متعارضتان باطلاقهما. ولكن بعد تقييدعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان " بقولهعليه‌السلام


عقيب ذلك كما في بعض الروايات " إلا أن هذه قبل هذه " فيخرج صوره عدم فعل الظهر عن إطلاقه، ويبقى صورة فعل الظهر قبل الزوال على وجه صحيح مشمولا لقوله " إذا زال الزوال دخل الوقتان " لعدم دخول هذه الصورة تحت المقيد، وهو قوله " إلا أن هذه قبل هذه " لان هذه الجملة إنما تصح فيما إذا كان الفرضان بعد باقيين في ذمة المكلف، إذ لو لم يبق في ذمة المكلف إلا فرض واحد لم يكن معنى لقوله " هذه قبل هذه " فالمقيد إنما يخرج صوررة عن تحت الاطلاق وهي ما إذا لم يفعل الظهر، وتبقى الصورة الاخرى وهي ما إذا فعل الظهر على الوجه الصحيح مشمولة لقولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان ".

وحينئذ تنقلب النسبة بين قوله " إذا زال الزوال دخل الوقتان " وبين ما في رواية داود بالاعم والاخص المطلق بعد ما كانت بالتباين، فإن قولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان " يختص بعد التقييد بصورة واحدة، وهي دخول وقت العصرفي أول الزوال فيما إذا صلى الظهر بوجه صحيح قبل الزوال، ورواية داود أعم من هذه، فإن مفادها أنه سواء صلى الظهر أو لم يصلها وقت العصر لا يدخل، فيقيد إطلاقها بقوله " إذا زال الزوال دخل الوقتان " الذي هو يكون بعد التقييد كالنص في دخول وقت العصرعلى تقدير صلاة الظهر، فتأمل جيدا، هذا كله في أول الوقت.

وأما آخر الوقت فرواية داود بن فرقد وإن كانت قد دلت على اختصاص مقدار أربع ركعات من الغروب للعصر خاصة، سواء كان قد صلى الظهر قبل ذلك أو لم يصلها، ولازم ذلك عدم صحة الظهر في هذا الوقت لو كان قد صلى العصرقبل ذلك على وجه صحيح، كما إذا خاف الضيق فصلى العصر بظن أنه لم يبق من الوقت إلا مقدار أدائها فتبين خلافه وأن الوقت بعد باق، فإطلاق رواية داود بن فرقد يدل على خروج وقت الظهر حينئذ فلا يصح إيقاعها أداء،


إلا أنه مع العلم بعدم الفرق بين أول الوقت وآخره وعدم القول به يقيد ذلك الاطلاق بما في رواية الحلبي، قال: سألته عن رجل نسي الاولى والعصر جميعا ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس، فقال: إن كان في وقت لايخاف فوت أحدهما فليصل الظهر ثم يصلي العصر، وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولايؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا، ولكن يصلي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصل الاولى على أثرها(١) .

فهذه الرواية صدرها وإن كان من أدلة الاختصاص إلا أن قولهعليه‌السلام في ذيلها " ثم ليصل الاولى على أثرها " بإطلاقه يشمل ما إذا تبين بقاء الوقت، إذ لم يفرض الامامعليه‌السلام زائدا على خوف الضيق وهو ممكن التخلف، فالرواية تدل بإطلاقها على صحة فعل الظهر في وقت العصر، وبعد تقييدها بما دل على التوسعة في القضاء تكون مختصة بما إذا انكشف بقاء الوقت بمقدار فعل الظهر، فتكون أخص مطلقا من رواية داود بن فرقد ويرتفع المحذور، فتدبر.

بقي الكلام في تحديد مقدار الوقت الاختصاصي للفريضة، مع اختلافها سفرا وحضرا وخوفا، وكذلك اختلافها باعتبار اشتمالها على المستحبات وعدمه، واختلاف المصلي باعتبار واجديته للمقدمات من الطهارة والسترر وغير ذلك، وباعتبار خفة لسانه وبطئه وغير ذلك من الاختلاف، والمسألة لم تكن محررة في كلمات الاصحاب حق التحرير، وقد اختلفت كلماتهم في التعبير عن الوقت الاختصاصي، فبعضهم عبر عن ذلك ب‍ " مقدار مضي أربع ركعات " كما عبر به في رواية داود بن فرقد، وبعضهم عبر عنه ب‍ " بعد الفراغ عن صلاة الظهر " كما عبر به أيضا في رواية الفضل عن العلل(٢) أو " بعد أن صليت الظهر " كما في

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٤ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٨ وفيه اختلاف يسير.

(٢) علل الشرائع: ج ١ ص ٢٦٣ باب ١٨٢ علل الشرائع واصول الاسلام قطعة من ح ٩. [ * ]


رواية اخرى نقل عن المستند(١) ، فالمهم إنما هو بيان ما يستفاد من الاخبار فنقول: ربما يتوهم أن قولهعليه‌السلام " بعد الفراغ عن صلاة الظهر " أو " بعد أن صليتها " ظاهر في الفراغ الفعلي بما لها من المقدمات فتكون المقدمات داخلة فيها تبعا، ويعتبر حينئذ في دخول وقت العصرمضي زمان من أول الوقت بحيث يفي بصلاة الظهر مع ما لها من المقدمات، فلو صلى العصرقبل ذلك تقع في الوقت الاختصاصي للظهر، بل ربما يدعى أظهرية هذه الاخبار عما في رواية داود بن فرقد(٢) من اعتبار مضي خصوص مقدار أربع ركعات الظاهرة في عدم دخول المقدمات فيها، فيكون قولهعليه‌السلام " عند الفراغ من الصلاة التي قبلها " في تحديد وقت العصر كما في رواية العلل(٣) قرينة على أن المراد من " مضي مقدار أربع ركعات " كما في رواية داود مضي الاربع بما لها من المقدمات، هذا.

ولكن الانصاف أن هذه الدعوى لاتستقيم.

أما أولا: فلمنع أظهرية قولهعليه‌السلام " عند الفراغ " في دخول المقدمات تبعا عن قولهعليه‌السلام " مقدار مضي أربع ركعات " الظاهر في أن المدار على مضي هذا المقدار من الزمان خاصة بلا دخل للمقدمات فيها، بل ربما يقال بأظهرية ما في رواية داود الظاهر في التحديد بالزمان عن قوله " عند الفراغ " الظاهر في التحديد بالفعل كما لايخفى على المتأمل، فدعوى الاظهرية ممنوعة جدا.

وأما ثانيا: فلان ليس كل أظهرية توجب التصرف في الظاهر، بل لابد في الاظهرية من أن تكون على وجه لو القي الاظهر والظاهر إلى العرف واتصلا في الكلام، يفهم منه المراد بلا تأويل ومن غير أن يقع المخاطب في حيرة، بل بمجرد

____________________

(١) مستند الشيعة: كتاب الصلاة ج ١ ص ٢٣٦.

(٢) الوسائل. ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من ابواب المواقيت، ح ٧.

(٣) علل الشرائع: ج ١ ص ٢٦٣ باب ١٨٢ علل الشرائع واصول الاسلام قطعة من ح ٩. [ * ]


صدورهما عن المتكلم يحمل الظاهر على الاظهر ويستفاد منه المراد كما إذا لم يكن هناك إلا كلام واحد ظاهر في معنى واحد، فلو كانت الاظهرية بهذه المثابة تكون حينئذ قرينة على التصرف في الظاهر وحمله على ما لا ينافي الاظهر، وأما لو كانت هناك مجرد أظهرية من غير أن تصل إلى هذه المرتبة فلا تكون قرينة على التصرف والحمل ولايخرجه عن كونه تبرعيا، ففي المقام نقول: إن مجرد أظهرية قوله " عند الفراغ " في دخول المقدمات تبعا على تقدير تسليمها ليس بتلك المثابة من الاظهرية بحيث يوجب التصرف في قوله " حتى يمضي مقدار أربع ركعات " وحمله على ما لاينافي دخول المقدمات، والشاهد على ذلك أنه لو جمع الفقرتين في كلام واحد، كأن يقال: لايدخل وقت العصر حتى يمضي مقدار أربع ركعات من أول الزوال فإذا فرغت من الصلاة يدخل وقت العصر، لايفهم العرف أن المراد من المضي إنما هو المضي بما للركعات من المقدمات ويحكم أظهرية " إذا فرغت " على ذلك.

واما ثالثا: فلان ما استدل به من الاخبار على دخول المقدمات، كقوله " عند الفراغ من الصلاة التي قبلها "(١) وأمثال ذلك أجنبية عن المقام، فلانها ليست بصدد بيان تحديد الوقت الاختصاصي وأن مقدار فعل الظهر والفراغ عنها يختص بها وليس للشريكة فيه حظ ونصيب، بل تلك الاخبار إنما هي بصدد إفادة أمر آخر، وهو الرد على العامة حيث يوجبون تأخير العصر إلى ما يزيد على المثلين، فقولهعليه‌السلام " عند الفراغ من الصلاة الاولى " إنما هو للرد عليهم وأنه ليس الامر كما زعموا، بل يجوز فعل العصر عند الفراغ من الظهر ولايجب تأخيرها إلى المثل كمما في بعض الروايات، أو المثلين(٢) كما في بعضها الآخر المحمولة على

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١١٧ باب ١٠ من أبواب المواقيت، ح ١١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٥ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ١٣. [ * ]


إرادة بيان الفضل للمتنفل وأنه المثل أو المثلان على ما سيأتي تفصيله وكذا لايجب تأخيرها بما يزيد على ذلك كما يفعله العامة. فالروايات إنما هي بصدد بيان جواز فعل العصر عقيب الفراغ من الظهر، من دون انتظار المثل أو المثلين أو أزيد، كما يشعر إليه قولهعليه‌السلام في رواية العلل " ولم يكن للعصر وقت معلوم مشهور مثل هذه الاوقات الاربعة، فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها "(١) الحديث، فهذه الاخبار أجنبية عما نحن فيه من تحديد الوقت الاختصاصي.

فتحصل: أن هذه الاخبار لاتقاوم ظهورر رواية داود(٢) في أن مقدار الوقت الاختصاصي إنما هو مقدار مضي أربع ركعات خاصة من غير دخول المقدمات من جهات. فالاقوى أن وقت العصر يدخل بمجرد مضي ذلك المقدار مطلقا سواء كان المكلف واجدا للمقدمات أو فاقدا لها، هذا بالنسبة إلى دخول المقدمات وخروجها عن تحديد الوقت الاختصاصي.

وأما بالنسبة إلى خفة لسان المكلف وبطء حركاته، واشتماله الفريضة على المستحبات وعدمه، فلايبعد ملاحظة ما هو الوسط عند نوع المصلين، فلايقتصر على أقل الواجب ولا على اشتمال الفريضة بأكثر المستحبات، وكذا بالنسبة إلى الخفة والبطء بل يلاحظ في ذلك ما هو الوسط، فلو من أول الزوال مقدار اربع ركعات متوسطات في اشتمالها على المستحبات وعدمه وفي الخفة والبطء فقد دخل وقت المشترك، كما هو الشأن في غالب التقديرات الشرعية، حيث إنها محمولة على ما هو المعتاد والمتعارف عند الاواسط.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١١٧ باب ١٠ من أبواب المواقيت، ح ١١.

(٢) علل الشرائع: ج ١ ص ٢٦٣ باب ١٨٢ علل الشرائع واصول الاحكام قطعة من ح ٩. [ * ]


بقى الكلام في تحديد الوقت الاختصاصي بالنسبة إلى الحاضر والمسافر، وأمثال ذلك من صلاة الخوف والمطاردة، فقد يقال: إن قولهعليه‌السلام في رواية داود بن فرقد " حتى يمضي مقدار اربع ركعات "(١) محمول على المثال ولاخصوصية للاربع، بل هو كناية عن مضي مقدار الفريضة على اختلافها بالنسبة إلى أشخاص المكلفين وغير ذلك، فيدخل وقت الاشتراكي بالنسبة إلى الحاضر مقدار مضي أربع ركعات من أول الزوال، وبالنسبة إلى المسافر مقدار مضي ركعتين، وهكذا بالنسبة إلى الخائف مقدار صلاته.

ولكن الانصاف أن الحمل على ذلك مما لاشاهد[ له ] وإن كان ليس ببعيد، إذ من المحتمل قريبا أن يكون لمضي مقدار أربع ركعات خصوصية، بحيث لايدخل وقت المشترك إلا بعد مضي ذلك المقدار من الوقت ولو كان الشخص مسافرا أو خائفا، فالحمل على المثالية تحتاج إلى دليل، وعلى تقدير الشك في ذلك فهل الاصل يقتضي الرجوع إلى المطلقات من قولهعليه‌السلام إذا زال الزوال دخل الوقتان "(٢) أو إلى استصحاب عدم دخول وقت العصر؟ وجهان، لايخلو الاول من قوة بعد ما كان الشك في المختص راجعا إلى الاقل والاكثر، فتأمل.

ثم إن الثمرة بين ما اخترناه من عدم دخول المقدمات في الوقت الاختصاصي، وبين ما اختاره بعض الاعلام من دخولها في ذلك، إنما تظهير فيما إذا لم يؤد صاحبة الوقت، وأما إذا أداها فوقت العصر يدخل مطلقا بناء على كلا القولين، لما تقدم من أن أدلة الاختصاص مختصة بما إذا لم يؤد صاحبة الوقت

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبوب المواقيت، ح ٧.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩١ باب ٤ من أبواب المواقيت، نقلا بالمضمون. [ * ]


كما تقدم تفصيله، وحينئذ نقول: تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا صلى العصر نسيانا قبل الظهر بعد مضي مقدار أربع ركعات من الوقت أو أكثر، بحيث كان من أول الوقت مشغولا بتحصيل المقدمات إلى مضي ذلك المقدار، وبعد تحصيلها نسي عن فعل الظهر وصلى العصر، فبناء على ما اخترناه تصح العصر، لانها وقعت في الوقت المشترك، وحديث " لاتعاد "(١) يرفع الترتيب عند النسيان، وأما بناء على القول الآخر فينبغي الحكم ببطلانها، لانها وقعت في الوقت الاختصاصي، فان الوقت الاختصاصي بناء على هذا القول إنما هو مقدار تحصيل المقدمات مع فعل الفريصة، والمفروض أن العصر وقعت قبل ذلك فتبطل.

وإنما قيدنا بما إذا كان المكلف مشغولا بتحصيل المقدمات من أول الزوال إلى مضي ذلك المقدار فلانه لو كانت المقدمات حاصلة له قبل الزوال، أو كانت متعذرة عليه مطلقا، فلا ثمرة أيضا بين القولين، فإن من يقول بدخول المقدمات فإنما يقول به إذا كان المكلف فاقدا لها ومكلفا بها، وأما لو كان واجدا لها أو غير مكلف بها إما لتعذرها وإما لنسيانها فوقت الاختصاصي حينئذ يكون بمقدار مضي أربع ركعات فقط.

نعم لو فرض أن نسيانه المقدمات إنما كان بتبع نسيان الظهر، بحيث لو لم يكن ناسيا للظهر لما كان ناسيا للمقدمات وإن بعد الفرض لكان اللازم على هذا القول هو الالتزام ببطلان صلاة العصر أيضا، لو وقعت قبل مضي مقدار من الوقت بحيث لو كان متذكرا لكان يمكنه فعل الفريضة مع المقدمات، فان نسيان المقدمات حيث كان بتبع نسيان الظهر فالتكليف لايسقط عنها لعدم سقوطه عن

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٠ باب ٢٩ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥. [ * ]


الظهر، فيلزم وقوع العصرفي الوقت الاختصاصي، فتأمل(١) .

والحاصل: أن الظاهر من كلمات من يقول بدخول المقدمات في الوقت الاختصاصي، إنما هو في المقدمات التي يجب تحصيلها، بحيث يكون المكلف فاقدا لها وكان مما يمكنه تحصيلها بعد دخول الوقت، لا أنه يدعي بدخول المقدمات في الوقت الاختصاصي مع كون المكلف واجدا لها، أو غير مكلف بها للتعذر أو النسيان أو غير ذلك من أسباب العذر، حتى يلزمه القول ببطلان العصر لمن أتى بها ناسيا للظهر بعد مضي مقدار أربع ركعات فقط مطلقا سواء كان المكلف واجدا لها أو فاقدا، فان ذلك بعيد من كلماتهم بل المصرح به خلاف ذلك.

فتحصل: أن الثمرة بين القولين إنما تحصل فيما إذا مضى مقدار من الوقت لايفي بتحصيل المقدمات مع فعل الفريصة وصلى العصر ناسيا للظهر، فإنه بناء على ما اخترناه تصح، وبناء على القول الآخر لاتصح، هذا كله فيما إذا مضى مقدار أربع ركعات من الزوال وصلى العصر ناسيا للظهر.

____________________

(١) وجهه هو أن الاقوى أن نسيان المقدمات سواء كان بتبع نسيان الفريضة أو لم يكن بل كان نسيانها مستقلا لايوجب سقوطها، لان العمدة في سقوط المقدمات المنسية إنما هو " لاتعاد الصلاة " وحديث " لاتعاد " (*)إنما يستفاد منه عدم إعادة الصلاة عند نسيان مقدماتها أو أجزائها غير الخمسة، فمع عدم الصلاة رأسا كما فيما نحن فيه حيث نسي الظهر فلا وجه لسقوط مقدماتها عند نسيانها ولو لم يكن نسيانها بتبع نسيان الفريضة. نعم المقدمات المنسية إلى صلاة العصر على تقدير صحتها تكون ساقطة لجريان حديث " لاتعاد " بالنسبة إليها.

وأما صلاة الظهر فحيث إنها منسية من رأسها لاتكون مشمولة لحديث " لاتعاد " فلا تكون مقدماتها المنسية ساقطة، ويلزم على هذا وقوع العصر في الوقت الاختصاصي للهظر بناء على دخول المقدمات فيه، فتبطل من جهة وقوعها في غير وقتها، فتأمل. " منه ".

(*) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٠ باب ٢٩ من أبواب القراء في الصلاة، ح ٥. [ * ]


وأما إذا لم يمض مقدار ذلك، فإن وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي للظهر، لحيث لم يدخل الوقت المشترك قبل الفراغ منها فلا إشكال في بطلانها على كلا القولين، نعم لو لم نقل بالوقت الاختصاصي، وقلنا: إن قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه "(١) لبيان إفادة مجرد شرطية الترتيب، وأعرضنا عن رواية داود بن فرقد(٢) ، لكانت الصلاة صحيحة، لاغتفار الترتيب عند النسيان كسائر الشرائط، وأما لو لم نقل بهذه المقالة كما هو المختار وعليه المعظم فاللازم بطلان صلاة العصر لو وقعت في الوقت الاختصاصي، ولاتحسب لاعصرا ولاظهرا.

أما عدم احتسابها عصرا فواضح، لانه من ثمرات القول بالاختصاص، وأما عدم احتسابها ظهرا فلان الشئ لاينقلب عما وقع عليه، فإذا لم تصح عصرا مع أنها هي المنوي فكيف تقع ظهرا؟ نعم وردت هنا رواية صحيحة عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام مشتملة على جملة من الاحكام، ومنها أنه قالعليه‌السلام : إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر، فإنما هي أربع مكان أربع، وإن ذكرت أنك لم تصل الاولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاولى، ثم صل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر(٣) الحديث. وقد علم بهذه الصحيحة بعض المتأخرين وأفتى بإطلاقها، وقال: إنه لو صلى العصر ناسيا للظهر في الوقت الاختصاصي، بحيث لم يدخل الوقت

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ باب ٤ من أبوب المواقيت، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٧.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢١١ من أبواب المواقيت، ح ١. [ * ]


المشترك وهو فيها بل وقعت بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي صحت الصلاة ووقعت ظهرا، وبعد ذلك يصلي العصر على اختلاف في تعبيراتهم من وقوعها ظهرا قهرا عليه وإن لم ينو ذلك، أو أنه يعتبر احتسابها ظهرا بأن يجعلها في نيته ظهرا ويحتسبها كذلك بعد الفراغ عند التذكر، هذا.

ولكن الانصاف أن العمل بهذه الرواية والفتوى على طبقها في غاية الوهن والسقوط.

أما أولا: فلان الرواية وإن كانت في الدرجة العليا من الصحة، وقد أفتى المشهور بما اشتملت عليه من الاحكام وعمل بها، إلا في خصوص هذا الجزء، وهو صحتها عند التذكر بعد الفراغ واحتساب العصرظهرا، فإن المشهور قد أعرض عنه وأفتى ببطلان الصلاة لو وقعت بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي، ولا تحسب لاظهرا ولاعصرا، ولو وقعت في الوقت المشترك ولو جزء منها تصح عصرا، فإعراض المشهور عن خصوص هذا الجزء مع الاخذ بسائر ما اشتملت عليه من الاحكام أقوى شاهد على وهن هذا الجزء ووقوع الخلل فيه.

وأما ثاينا: فلعدم إلاطلاق في الرواية بحيث تشمل ما إذا وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي: إما لندرة نسيان الظهر في أول وقتها بحيث يشرع في أول وقت الظهر في العصر ناسيا لها كما في الجواهر(١) ، وإما لظهور قولهعليه‌السلام في الرواية: " إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر " في امتداد النسيان ولو في الجملة، فإنه لو شرع في العصرفي أول وقت الظهر لايقال: إنه نسي الظهر حتى شرع في العصر، بل يقال: نسي الظهر وصلي العصر، فكلمة " حتى " تدل على امتداد النسيان ولو في الجملة، فتقع العصر ولو جزء منها في

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٧ ص ٨٦. [ * ]


الوقت المشترك، ولايمكن أن يقال: إن كلمة " حتى " إنما هي لبيان امتداد النسيان إلى الفراغ من العصر، لمنافاته لقولهعليه‌السلام عقيب ذلك " فذكرتها وأنت في الصلاة " أو " بعد فراغ: " فالانصاف أن الرواية لاإطلاق فيها بحيث تشمل ما نحن فيه.

وأما ثالثا: فلانه على فرض إطلاق الرواية لابد من تقييدها بأدلة الاختصاص الدالة على عدم صحة العصرفي الوقت المختص وعدم صلاحيته لذلك، فلانه بعد تقييد أدلة الاختصاص بما إذا لم يؤد صاحبة الوقت على ما تقدم بيانه، فتكون حينئذ نصا في عدم صلاحية الوقت لوقوع العصرفيه عند عدم فعل الظهر، ولا مورد لها سوى هذه الصورة، فلو أخذنا بإطلاق تلك الرواية وقلنا: إنه متى ما صليت العصرقبل الظهر ناسيا لها تقع ظهرا فلا يبقى للاختصاص مورد حينئذ.

لايقال: إن أدلة الاختصاص إنما هي لبيان عدم صحة الصلاة عصرافي الوقت المختص، وأما عدم وقوعها ظهرا فلايستفاد من أدلة الاختصاص.

فإنه يقال: بعد فرض الاخذ بإطلاق الرواية، وقلنا: إن الصلاة متى ماوقعت فإنما هي تقع ظهرا سواء كان ذلك في الوقت الاختصاصي أو في الوقت المشترك، فأي فائدة في جعل وقتين وقت اختصاصي ووقت اشتراكي؟ وهلل ثمرة ذلك إلا عدم صحة العصر في الاول لو وقعت نسيانا الدالة عليه ادلة الاختصاص بالنصوصية وصحتها في الثاني؟ فلابد من تقييد إطلاق الرواية بما إذا وقعت العصر ولو جزء منها في الوقت المشترك بناء على العمل بها.

وأما رابعا: فلان قولهعليه‌السلام في الرواية " فانوها الاولى " كالصريح في عدم وقوعها ظهر قهرا، بل يحتاج إلى نية العدول واحتسابها ظهررا، فلو أن أحدا صلى العصر نسيانا في أول وقت الظهر، ولم يتذكر إلى أن مات فتقع العصر


باطلة، ولابد من قضاء الولي عنه الظهر والعصر، ولايمكن للولي أن ينوي ما وقع من الميت ظهرا، فالاقوى أن هذا الجزء من الرواية ساقط من أصله ولايمكن الفتوى به(١) ، هذا كله إذا لم يتذكر حتى فرغ من العصر. واما لو تذكر في الاثناء، فإن كان تذكره بعد دخول وقت المشترك فلابد من نية العدول وإتمامها ظهرا، ويدل عليه أخبار العدول(٢) ، وأما لو تذكر وهو

____________________

(١) هذا إذا وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت المختص بالظهر، وأما إذا وقع جزء منها في الوقت المشترك، ولم يتذكر حتى فرغ منها فالاقوى صحتها عصرا كما نسب إلى المشهور، لاطلاق رواية إسماعيل بن رياح عن أبي عبدالله قال: إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك (*). الشامل لدخول الوقت المشترك في أثناء صلاة العصر ولو قبل التسليم.

لايقال: إن مورد الرواية إنما هو إذا راعى الوقت وظن دخوله واتفق مخالفة ظنه للواقع وأن الوقت بعد لم يدخل ولكن دخل عليه في الاثناء، وأما لو فرض أنه لم يراع الوقت ودخل في صلاة الظهر غير ملتفت إلى الوقت أصلا واتفق دخوله في أثناء الصلاة فلا إشكال في بطلانها، بل ربما ادعي الاجماع عليه، وما نحن فيه من هذا القبيل، لانه لايمكن فعل العصرقبل الظهر إلا عند غفلته من صلاة الظهر ونسيانه، وما كان هذا شأنه لايمكنه مراعاة دخول الوقت المشترك، إذ مراعاة ذلك لايكون إلا مع تذكره بأنه ما صلى الظهر فيخرج الفرض عما نحن فيه، فلا يمكن التمسك بإطلاق رواية إسماعيل لما نحن فيه.

فإنه يقال: إن في الرواية لم يكن لفظة المراعاة، وإنما قلنا ببطلان صلاة من لم يراع الوقت وصلى غافلا ودخل عليه في الاثناء فلاجل أن المفروض في الرواية " إذا صليت وأنت ترى أنك في الوقت " والشخص لايرى نفسه ي الوقت إلا عند المراعاة كما لايخفى، هذا بالنسبة إلى صلاة الظهر الواقعة قبل الزوال. وأما فيما نحن فيه فلا يتحقق موضوع قولهعليه‌السلام " وأنت ترى أنك في الوقت " بعد الالتفات بوجوب لظهر ووجوب الترتيب الا إذا نسي عن فعل الظهر بتخيل أنه قد أتى بها، فإن في مثل هذا يرى الشخص نفسه أنه في وقت العصر ويكون مشمولا للرواية ولو لادخول ما نحن فيه في إطلاق الرواية لما كان لصحة العصر الواقعة بعضها في الوقت المشترك وجه، وأولوية ما نحن فيه عما إذا وقعت بعض صلاة الظهر في الوقت ممنوعة جدا بعدما كان الصحة فيها لاجل المراعاة المفقود فيما نحن فيه، فتأمل جيدا. " منه ".

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢١١ باب ٦٣ من أبواب المواقيت. (*) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٠ باب ٢٥ من أبواب المواقيت، ح ١. [ * ]


بعد في الوقت الاختصاصي فالذي يظهر من بعض الاعلام، كالبيان(١) والمقاصد العلية(٢) وجامع المقاصد(٣) والمدارك(٤) وغيرها على ما نقل أنه يعدل ويتممها ظهرا.

ولكن يشكل ذلك بأن أخبار العدول لايستفاد منها ذلك، فإنها في مقام إحراز الترتيب بعد الفراغ عن أن ما وقع منه أولا كان جامعا لشرائط الصحة سوى فوات الترتيب وبالعدول يحرز الترتيب، وأما لو فرض أن ماوقع منه أولا كان باطلا من أصله فبأخبار العدول لايمكن تصحيحه، إذ ليست في مقام تصحيح الباطل، وحيئنذ نقول: إنه لو تذكر وقد دخل عليه الوقت المشترك، فحيث إن دخول الوقت المشترك مصحح لما وقع منه أولا في غير الوقت لكان مقتضى القاعدة المستفادة من الاخبار مع قطع النظر عن أخبار العدول تتميمها عصرا واغتفار فوات الترتيب كما لو يتذكر إلى الفراغ، وبعد ملاحظة أخبار العدول يجب العدول وتتميمها ظهرا، وأما لو تذكر وهو بعد في الوقت الاختصاصي، فحث إن ما وقع من الصلاة كان في غير وقتها وبعد لم يدخل عليه الوقت المشترك فلابد من وقوعه باطلا، وقد عرفت أن أخبار العدول ليست بصدد تصحيح ما وقع باطلا، فتامل.

فروع الاول: لو صلى العصر ناسيا للظهر وتذكر بعد الفراغ منها، ولكن شك في

____________________

(١) البيان: باب أوقات الصلاة ص ٥٠ س ٥.

(٢) لايوجد لدينا هذا الكتاب.

(٣) جامع المقاصد: ج ٢ ص ٣٣ أوقات الصلاة.

(٤) المدارك: ص ٤٩ الرابع: الفرائض اليومية.. [ * ]


أنه هل دخل عليه الوقت المشترك قبل فراغه منها حتى تصح عصرا، أو أنه لم يدخل ووقعت بجميع أجزائها في الوقت الاختصاصي فلا إشكال في عدم جواز التمسك بإطلاق قولهعليه‌السلام " إذا زال الزوال دخل الوقتان "(١) لتصحيحها، لان المفروض أنه قدقيد هذا الاطلاق بمقدار مضي اربع ركعات، والشبهة في المقام مصداقية لايجوز التمسك فيها بالعام، وهذا مما لاشبهة فيه. إنما الاشكال في أن قاعدة الفراغ تجري أولا؟ والاقوى أنه لا موقع لقاعدة الفراغ في المقام، بل استصحاب عدم دخول الوقت المشترك محكم، فتكون الصلاة واقعة في غير وقتها.

بيان ذلك: أنه يسمر عليك إن شاء‌الله في بعض المباحث الآتية أن مورد قاعدة الفراغ إنما هو الشك في فقدان شرط أو جزء كان مراعاته بيد المكلف وبعد الفراغ شك في مراعاته، إما على النحو الشك الساري بحيث يشك الآن بأنه هل راعى الشرط أو الجزء في موطنه، أو أنه غفل عن مراعاته على أحد الاحتمالين في قاعدة الفراغ، وإما على نحو لايرجع الشك إلى الشك الساري، كما إذا شك بعد الفراغ في اتيان الجزء أو الشرط بعد العلم بأنه كان ملتفتا إليه في موطنه، كما هو أقوى الاحتمالين في قاعدة الفراغ.

ولكن على كلا الاحتمالين يعتبر أن يكون الشئ المشكوك مما بيد المكلف مراعاته، وأما لو لم يكن من هذا القبيل، بأن كان من الامور الخارجة عن قدرة المكلف، بحيث لو كان الشئ المشكوك واقعا في الخارج لكان وقوعه من باب المصادفة الاتفاقية بلادخل لمراعاته فلا مورد لقاعدة الفراغ فيه.

ففيما نحن فيه الشك إنما هو في دخول الوقت المشترك في أثناء الصلاة، وهذا

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩١ باب ٤ من أبواب المواقيت. نقلا بالمضمون. [ * ]


كماترى لادخل لمراعاة المكلف فيه، فإن دخول الوقت وعدم دخوله من المصادفات الاتفاقية الخارجة عن قدرة المكلف ومراعاته. نعم ما هو بيد المكلف إنما هو مراعاة أن صلاته هذه كانت قبل الظهر أو بعدها، وهذا مما يقطع بعدم مراعاته، لان المفروض القطع بوقوع العصر قبل الظهر، فما هو بيد المكلف مراعاته يقطع بعدم المراعاة، ولامجرى لقاعدة الفراغ بالنسبة إليه، وما هوليس بيد المكلف مراعاته كدخول الوقت وعدم دخوله أجنبي عن قاعدة الفراغ، فلا محيص عن استصحاب عدم دخول الوقت والحكم ببطلان الصلاة.

لايقال: لو شك بعد الفراغ من صلاة الظهر وبعد دخول الوقت(١) . أن الظهر هل وقعت بتمام اجزائها قل الوقت أو بعده ولو جزء منها، فلا إشكال في جريان قاعدة الفراغ والحكم بصحتها، مع أن المشكوك هو دخول الوقت وعدم دخوله، وهو خارج عن قدرة المكلف ومراعاته، فما الفرق بين هذا وبين ما نحن فيه؟ والحاصل: أنه لانجد فرقا بين الشك بعد الفراغ في دخول الزوال أثناء صلاة الظهر، حيث تسالموا على الحكم بصحتها لاأجل قاعدة الفراغ، وبين الشك بعد الفراغ في دخول الوقت المشترك في أثناء صلاة العصر، حيث قلتم بعدم جريان قاعدة الفراغ.

____________________

(١) وإنما قيدنا ببعد دخول الوقت فإنه لو كان بعد الفراغ شاكا في دخول الوقت ايضا لما كان محل لقاعدة الفراغ، فإنها من القواعد الممهدة لمرحلة الامتثال والخروج عن عهدة التكليف، وذلك فرع ثبوت التكليف واشتغال الذمة به، فلو كان بعد الفراغ عالما بدخول الوقت الآن وإن شك في وقوع الظهر خارجه، فحيث إنه الآن عالم باشتغال ذمته بالظهر وتوجه التكليف عليه كان موردا لقاعدة الفراغ.

وأما لو كان بعد الفراغ الآن أيضا شاكا في دخول لوقت فهو الآن بعد شاك في اشتغال ذمته بصلاة الظهر وتوجه التكليف إليه، فكيف تجري القاعدة مع كونها من الاصول المجعولة في مقام الخروج عن عهدة ما اشتغلت الذمة به وامتثاله؟ فتأمل جيدا " منه ". [ * ]


فإنه يقال: الفرق واضح، فإنه في مسألة صلاة الظهر وإن كان دخول الوقت وعدم الدخول ليس بيد المكلف، إلا أنه قبل فعل الظهر كان يمكنه مراعاة الوقت وأن الزوال تحقق أو لم يتحقق، فباعتبار أن مراعاة الوقت قبل فعل الظهر كان بيد المكلف، فلو شك بعد فعل الظهر أنه هل راعى الوقت أو لم يراع، على وجه لايرجع إلى الشك الساري أو يرجع على الاحتمالين، فقاعدة الفراغ لامانع منها، فجريان قاعدة الفراغ ليس لاجل الشك في دخول الوقت وعدمه في الاثناء، حتى يقال: إنه خارج عن قدرة المكلف ومراعاته، بل جريانها إنما لاجل الشك في مراعاته الوقت قبل فعل الظهر أو عدم مراعاته.

ولذا لو قطع بعدم المراعاة وعلم أنه دخل في الصلاة غافلا، ولكن شك بعد الفراغ في دخول الوقت في الاثثناء قهرا لما كان موردا لقاعدة الفراغ، وهذا بخلاف ما نحن فيه، فإن الشك فيه متمحض في دخول الوقت المشترك عليه قهرا في الاثناء وعدم دخوله، وليست هناك جهة اخرى للشك كانت بيد المكلف مراعاتها وشك في مراعاتها حتى تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إليها.

نعم لو أمكن رجوع الشك في المقام إلى الشك في مراعاته قبل فعل العصر أن الوقت المشترك دخل أو لم يدخل لكان لتوهم جريان القاعدة وجه، إلا أنه لايمكن رجوع الشك في المقام إلى ذلك، لان هذا المراعاة قبل فعر العصر لايكون إلا مع التفاته إلى عدم فعل الظهر، وإلا لا يمكن منه تحقق هذا المراعاة، ومع التفاته إلى ذلك يخرج الفرض عما نحن فيه، لان كلامنا إنما فيما إذا نسي فعل الظهر وصلى العصروبعد الفراغ تذكر وشك في دخول الوقت المشترك في الاثناء، فجهة الشك في المقام متمحضة إلى ما ليس بيد المكلف مراعاته، وقد عرفت أنه لايكون حينئذ موردا لقاعدة الفراغ، فتأمل جيدا. هذا كله إذا كان تذكره وشكه في دخول الوقت المشترك بعد الفراغ من الصلاة.


وأما لو تذكر في أثناء الصلاة عدم فعل الظهر، وشك في دخول الوقت المشترك حتى يكون له العدول بناء على ما اخترناه من أن العدول مختص بما إذا تذكر في الوقت المشترك فعدم جريان قاعدة الفراغ حينئذ في غاية الوضوح، ولابد من استصحاب عدم دخول الوقت المشترك، ويرتفع به موضوع العدول.

الفرع الثاني(١) : لوخاف ضيق الوقت إلا عن صلاة العصر فلا إشكال في وجوب تقديمها وتأخير الظهر، كما صرحت به رواية الحلبي(٢) المتقدمة. ثم إنه لو تبين مطابقة خوفه للواقع، وأنه لم يبق من الوقت بعد فعل العصر شئ فلا إشكال في خروج وقت الظهر وصيرورتها قضاء، وأما لو تبين بقاء الوقت بحيث يمكن فعل الظهر فيه ففي المقام وجوه بل أقوال، قول ببطلان العصر ويجب فعلها ثانيا، وهذا القول مبني على أن قبل الوقت الاختصاصي للعصر بمقدار فعل الظهر يختص بالظهر أيضا كما في أول الوقت، وحينئذ تكون العصر

____________________

(١) فائدة: قد ذكر الاصحاب قاعدتين ربما يتوهم المنافاة بينهما، الاولى: أنه لو خالف الضيق صلى العصر مقدما على الظهر. الثانية: أنه لو شك في بقاء الوقت استصحب الوقت وصلى الظهر مقدما على العصر. ولعله يتوهم أنه لايمكن الجمع بين القاعدتين. ولكن يمكن الجمع بينهما أن مورد الخوف إنما هو ما إذا علم مقدار الوقت كربع ساعة، ولكن شك في سعته لفعل الظهر والعصر، فهنا يقدم العصرلانه لااستصحاب بالنسبة إلى الوقت بعد العلم به، وبالنسبة إلى سعته لفعل الصلاتين ليس له حالة سابقة حتى تستصحب.

ومورد الاستصحاب إنما هو فيما إذا لم يعلم المقدار الباقي من الوقت، وأنه هل هو نصف ساعة حتى يسع للصلاتين أو ربع ساعة حتى لايسع، فهنا يستصحب بقاء الوقت ويرتفع به موضوع الخوف بعد حكيم الشارع بأن الوقت باق، وأنه يسع للصلاتين بمقتضى التعبد بالاستصحاب، فتأمل " منه ".

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩٤ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ١٨. [ * ]


واقعة في الوقت المختص للظهر فتبطل.

وقول بصحتها ظهرا ووجوب فعل العصر بعدها، لقولهعليه‌السلام " إنما هى أربع مكان أربع "(١) وقول بصحتها عصرا وعدم جواز فعل الظهر فيما بقي من الوقت لااداء ولاقضاء، لان الوقت المختص بالعصر غير صالح لوقوع الشريكة فيه مطلقا، كعدم صلاحية وقوع غير صوم رمضان في رمضان.

وربما قيل: عدم صحة الظهر فيما بقي من الوقت أداء وأما قضاء فلا مانع منه، لانه لاينقص عما بعد الغروب. وقول بصحتها ووجوب فعل الظهر فيه أداء، وهذا هو المختار وعليه المشهور.

أما صحة ما فعله أولا عصرا فلدلالة رواية الحلبي(٢) عليه من قوله " وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولايؤخرها " ولايمكن أن يقال: إن الخوف اخذ فيها طريقا وبعد انكشاف الخلاف لاوجه للاجزاء وصحتها عصرا، بل مقتضى القاعدة البطلان وعدم الاجزاء كسائر موارد تخلف الطرق، فإنه لامعنى لاخذ الخوف طريقا، إذ ليس له جهة كاشفية وطريقية حتى يمكن اعتباره من جهة الطريقية، بل إنما هو حالة نفسانية للمكلف كالشك إذا وجد لايعقل انكشاف الخلاف فيه، فلابد من أخذه موضوعا، ولازم ذلك الاجزاء كما في جميع الموارد التي اخذ الخوف موضوعا للحكم، كخوف الضرر في باب الصوم والوضوء وأمثال ذلك، فإن في جميع هذه الموارد مقتضى القاعدة الاجزاء.

وأما وجوب فعل الظهر فيما بقي من الوقت أداء فلما تقدم من أن الاختصاص إنما هو فيما إذا لم يؤد صاحبة الوقت على وجه صحيح، وأما إذا أداها فالوقت صالح لوقوع الشريكة فيه، خصوصا بعد قولهعليه‌السلام " ثم أنت في وقت منهما إلى غروب الشمس "(٣) ومما يدل على صحة فعل الظهر في الوقت الاختصاصي

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢١١ باب ٦٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩٤ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ١٨.

(٣) في الوسائل هكذا: متى تغيب الشمس. [ * ]


للعصر خصوصا قولهعليه‌السلام في آخر رواية الحلبي " ثم صلى الظهر على أثرها "(١) فإنه وإن كان مطلقا بالنسبة إلى بقاء الوقت وخروجه، إلا أنه بعد تقييده بما دل على التوسعة في القضاء يكون نصا فيما إذا بقي من الوقت مقدار فعل الظهر، وبه يخصص حينئذ إطلاق رواية داود بن فرقد(٢) ، الدالة بإطلاقها على اختصاص مقدار أربع ركعات من الغروب للعصر خاصة، سواء صلاها قبل ذلك على وجه صحيح أولا، وقد تقدم تفصيل ذلك فراجع.

فتحصل: أن مقتضى القواعد والجمع بين الادلة هو صحة فعل الظهر فيما بقي من الوقت أداء على تقدير فعل العصرقبل ذلك على وجه صحيح. وبذلك يظهر ضعف سائر الاقوال، أما القول الاول فلان دعوى اختصاص الظهر من آخر الوقت كأوله بمقدار أدائها خالية عن الشاهد. ولعله توهم ذلك من وجوب الترتيب.

وفيه مع أن الترتيب لايختص بآخر الوقت، بل هو واجب من أوله إلى مقدار أربع ركعات إلى الغروب، فلازم ذلك الحكم ببطلان صلاة العصر لو خاف الضيق، أو نسي الظهر لو وقعت عقيب الزوال بنصف ساعة مع أنه لم يقل به أحد أن مسألة شرطية الترتيب أجنبية عن مسألة الاختصاص، ولايمكن استفادة الاختصاص منها.

وربما يوجه هذا القول بأن بطلان العصر ليس من جهة وقوعها في الوقت المختص بالظهر بل لاجل فوات الترتيب، والمتيقن من سقوطه إنما هو ما لو نسي عن الظهر، وأما لو كان ملتفتا إلى عدم فعله الظهر ولكن خاف الضيق كما هو مفروض المسألة فلا وجه لسقوطه، وينبغي حينئذ بطلان العصر.

____________________

(١) في الوسائل هكذا: ليصلي الاولى بعد ذلك.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٧. [ * ]


وفيه ما لايخفى، بعد ورود النص(١) بأنه عند خوف الضيق يقدم العصر ويؤخر الظهر الدال على الاجزاء كما تقدم. وأما القول اللثاني فلما تقدم من عدم عمل المشهور بقولهعليه‌السلام " إنما هي اربع مكان أربع "(٢) . وأما القول اللثالث مع ما يتلوه من القول، فلانه مبني على الاختصاص المطلق والاخذ بإطلاق رواية داود بن فرقد(٣) ، وقد تقدم فساده وأنه مناف لمقتضى الجمع بين الادلة. فالاقوى عن انكشاف الخلاف لزوم فعل الظهر أداء، كما هو ظاهر المشهور.

الفرع الثالث: لو بقي من الوقت مقدار خمس ركعات فلا ينبغي الاشكال في لزوم فعل الظهر ثم العصر، لانه قد أدرك من الوقت مقدار ركعة فيجب فعل الظهر، لما ورد من أن " من أدرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت جميعا "(٤) . فمن أدرك ركعة من الظهر في الوقت المشترك يجب عليه فعلها وإن وقع الباقي منها في الوقت المختص بالعصر، لان قاعدة " من أدرك " توسع دائرة الوقت وتجعل ما وقع من الظهر في وقت المختص بالعصر وقتا للظهر، وتكون حاكمة على أدلة الاختصاص.

لايقال: إن الظاهر من قاعدة " من أدرك " إنما هو التوسعة في الوقت، بمعنى أنها تجعل ما ليس بوقت مضروب شرعا بعنوانه الاولي وقتا، فلسانها إنما هو تنزيل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٤ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ١٨.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢١١ باب ٦٣ من أبواب المواقيت، ح.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٧.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٧ باب ٣٠ من أبواب المواقيت، مع تفاوت في اللفظ. [ * ]


خارج الوقت منزلة الوقت، كما إذا أدرك من صلاة العصر ركعة، بحيث يقع الباقي منها في وقت المغرب الذي لم يضرب بعنوانه الاولي وقتا للعصر، بل إنما هو ضرب وقتا للمغرب، وبالعنوان الثانوي ببركة قاعدة " من أدرك " يصير وقتا للعصر، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فإن الوقت الاختصاصي للعصر بالنسبة إلى صلاة الظهر ليس من قبيل خارج الوقت كالمغرب بالنسبة إلى العصر، بل هو وقت للظهر أيضا، بمعنى صلاحيته بحسب الضرب والتشريع لوقوع الظهر فيه، كما يدل عليه قولهعليه‌السلام " ثم أنت في وقت منهما إلى الغروب "(١) فليس ما وقع من صلاة الظهرفي الوقت المختص بالعصر من قبيل ما وقع من صلاة العصر في وقت المغرب، فإن في الثاني لم يكن الوقت صالحا لها بحسب التشريع بخلاف الاول، وقد عرفت أن قاعدة " من أدرك " إنما هي لتنزيل خارج الوقت منزلة الوقت، فلاتشمل القاعدة ما نحن فيه، وتبقى أدلة الاختصاص على حالها من عدم صحة الشريكة فيه إذا لم يكن مؤدى صاحبة الوقت، ولازم ذلك عدم صحة فعل الظهر في مفروض المسألة.

فإنه يقال: مع إمكان دعوى الاولوية القطعية للصحة فيما نحن فيه عما إذا وقعت بقية صلاة العصرفي وقت المغرب كما لايخفى. إنه لافرق في شمول القاعدة بين المقامين، فإن القاعدة في مقام تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت، سواء كان حروجه من جهة عدم المقتضي، كمقدار من وقت الغروب بالنسبة إلى صلاة العصر، أو كان ذلك لاجل المانع مع كون الوقت بحسب الاقتضاء صالحا، كمقدار من وقت العصر بالنسبة إلى صلاة الظهر.

والحاصل: أن القاعدة كما تنزل ما ليس فيه اقتضاء الوقتية منزلة الوقت،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٥، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


كذلك تنزل ما كان له مانعا عن الوقتية من جهة ابتلائه بصاحبته مع وجود المتقضي فيه منزلة الوقت.

وبعبارة واضحة: أن القاعدة كما توجد المقتضي لخارج الوقت وتجعله وقتا، كذلك ترفع المانع عنه.

فالاقوى أن من أدرك من الظهر مقدار ركعة يجب عليه، وإن وقع الباقي منها في الوقت المختص بالعصر، لعموم قاعدة " من أدرك " الحاكم على أدلة الاختصاص.

هذا تمام الكلام في وقت الظهرين من المختص والمشترك، وما يتفرع عليهما من الفروع. نعم بقي الكلام في معرفة الزوال، الذي هو أول وقت الظهرين. وطريق معرفة ذلك إنما هو زيادة الظل بعد نقصانه، فيما كان عرض البلد مخالفا لميل الشمس في المقدار إلى جهة الشمال، أو حدوثث الظل بعد انعدامه فيما كان موافقا للميل الاعظم، أو انقص منه إلى جهة الجنوب.

وتوضيح ذلك، على وجه الاجمال: هو أنه لاإشكال في حركة الشمس بالنسبة إلى الفصول الاربعة تختلف، من حيث كونها في الشتاء والخريف تكون في البروج الجنوبية، وفي الصيف والربيع تكون في البروج الشماليه، والبعد بين تمام ميلها إلى البروج الجنوبية الذي هو أول الجدي، وبين منتهى ميلها إلى البروج الشمالية الذي هو في أول السرطان مقدار أربع وعشرين درجة، فالبلاد الواقعة بين هذين الميلين لامحالة الظل ينعدم فيها في كل سنة يومين، في حال صعودها إلى البرج الشمالي، وفي حال نزولها إلى البرج الجنوبي، فإنه في مثل هذه البلاد تسامت الشمس في كل سنة يومين على رؤوس أهل البلد، ويختلف ذلك اليومان باعتبار اختلاف البلاد في قربها إلى الميل الاعظم وبعدها، فرب بلد ينعدم الظل فيه يومين، يوم قبل السرطان ويوم بعد السرطان، لقربه عن الميل الاعظم، ورب بلد يكون الانعدام فيه بعشرة أيام أو عشرين يوما قبل ذلك،


كما قيل: إنه ينعدم الظل في مكة قبل السرطان بستة وعشرين يوما، ثم يحدث بعد ذلك ظل إلى أن ينتهي الميل الاعظم للشمس، وتأخذ في النزول، فإذا مضى من السرطان أيضا ستة وعشرون يوما ينعدم الظل فيها أيضا يوما واحدا.

والحاصل: أن اليومين يختلفان باعتبار قرب البلد وبعده عن خط الاستواء الذي يكون تحت الميل الاعظم، وأما البلاد الواقعة تحت خط الاستواء المساوي للميل الاعظم كمدينة الرسول على ما قيل فيعدم الظل فيه يوما واحدا في كل سنة، وهو اليوم[ الذي ] ينتهي ميل الشمس إلى البرج الشمالي وهو أول السرطان، لان في ذلك اليوم تكون الشمس مسامتة لرؤوس أهل البلد الموافق في العرض للميل الاعظم، وبعد ذلك اليوم لامحالة يحدث ظل، لخروج الشمس عن المسامتة، ففي هذين الطائفتين من البلاد الظل ينعدم لامحالة إما يوما أو يومين.

وأما إذا لم يكن البلد بين الميلين ولا كان مساويا للميل الاعظم، بل كان خارجا عنه إلى جهة الشمال كالعراق، فالظل لاينعدم فيه أصلا، لعدم اتفاق مسامتة الشمس لرؤوس أهل البلد في طول السنة، نعم يختلف الظل الباقي عند الزوال زيادة ونقصانا بحسب اختلاف بعد البلد إلى جهة الشمال عن الميل الاعظم كما هوواضح، وأما الاراضي الواقعة في منتهى ميل الشمس إلى جهة الجنوب، فحيث لم تكن مسكونة لايهمنا التعرض عنها.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن علامة الزوال إنما هي حدوث ظل الشاخص المنصوب على سطح الارض نصبا مستقيما بعد انعدامه، في البلاد التي ينعدم فيها الظل يوما أو يومين، وزيادة الظل بعد نقصانه في غير تلك البلاد، أو فيها في غير اليوم واليومين، ولكن هذه العلامة إنما تظهر للحس بعد مضي مقدار من الزوال مما يزيد على نصف ساعة، فلم تكن علامة لمعرفة أول الزوال حقيقة، فإن أردت أن تعرف أوله الحقيقي فلابد من إعمال الدائرة الهندية المجعولة لذلك.


وطريق معرفتها هو أن تدير على أرض مسطحة دائرة، وتنصب على مركزها مقياسا محدد الرأس مخروطي الشكل يكون طوله قد ربع الدائرة، ولابد من أن يكون ذلك النصب نصبا مستقيما، ثم إن الشمس لامحالة إذا طلعت يحدث للمقياس ظل مستطيل إلى جهة المغرب، ولايزال ينقص كلما ارتفعت الشمس حتى يصل الظل إلى رأس الدائرة، فإذا وصل إلى ذلك اجعل له علامة، ثم لايزال الظل أيضا ينقص حتى ينتهي نقصانه أو ينعدم على اختلاف البلاد، وبعد ذلك يأخذ في الزيادة وينقلب الظل إلى جهة المشرق، وكذلك يزيد إلى أن يتجاوز عن الدائرة، فإذا وصل رأس الظل إلى منتهى الدائرة وأراد الخروج عنها اجعل له أيضا علامة، ثم تصل ما بين العلامتين بخط مستقيم وتنصف ذلك الخط، ثم تصل ما بين مركز الدائرة ومنتصف ذلك الخط بخط، وذلك خط نصف النهار، فإذا أردت معرفة الزوال في غير يوم العمل تنظر إلى ظل المقياس، فمتى وصل إلى هذا الخط كانت الشمس في وسط السماء، فإذا ابتدأ رأس الظل يخرج عنه فقد زالت.

ويعرف الزوال أيضا بميل الشمس إلى الحاجب الايمن مما يلي الانف لمن يستقبل نقطة الجنوب، سواء كانت قبلة له كالموصل ومن والاها أو لم تكن قبلة له، ضرورة عدم التفاوت في ذلك، بل المدار على استقبال نقطة الجنوب، فإن الشمس عند الزوال تحاذي نقطة الجنوب، وتكون الشمس بين الحاجبين لمن استقبل النقطة، فإذاا مالت إلى الحاجب الايمن يعرف تحقق الزوال، فحصر هذه العلامة بمن كانت نقطة الجنوب قبلة له كما في بعض المتون مما لاوجه له. نعم هذه العلامة أيضا لاتظهر للحس إلا بعد مضي مدة من الزوال.


في بيان وقت المغرب والعشاء

اعلم أنه قد اتفق الاصحاب على أن أول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس، ولكن وقع الخلاف في تعيين الغروب، وأنه هل هو استتار القرص عن افق المصلي، أو أنه ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس. ومنشأ الاختلاف في ذلك هو اختلاف الاخبار، وقبل ذكرها ينبغي تقديم امور: الاول: أن الجمع بين الدليلين بالاطلاق والتقييد لاينحصر فيبما إذا كان المقيد من أفراد المطلق، كقوله (اعتق رقبه) و (اعتق رقبة مؤمنة) إذ ليس كل مطلق يوجب التوسعة، حتى يكون المقيد موجبا للتضييق وخروج بعض مالولاه لكان داخلا في المطلق، فإنه رب إطلاق يوجب التضييق، والتقييد يوجب التوسعة، كما يقال: إطلاق العقد يوجب التعجيل أو نقد البلد وغير ذلك، وكما يقال: إطلاق الامر يوجب النفسية والعينية والتعيينية، فإن مثل هذا الاطلاق يوجب التضييق، بداهة تخصيص العقد بنقد البلد أو التعجيل، وكذا تخصيص الامر التعييني يوجب الضيق، بخلاف ما لو قيد هذا الاطلاق بعدم لزوم نقد البلد أو التعجيل، أو قيد الواجب بعدم التعيينية، فإن هذا التقييد يوجب التوسعة.

فمن هنا يعلم أنه ليس التقييد منحصرا بما كان المقيد من أفراد المطلق، بداهة أن غير نقد البلد أو الواجب التخييري لم يكن من أفراد نقد البلد أو الواجب التعييني الذي اقتضياهما الاطلاقان، ففي المثالين لوقام الدليل على إرادة الاعم من نقد البلد أو غير الواجب التعييني، لم يعامل ما بينه وبين ما دل على خصوص نقد البلد أو الواجب التعييني بالاطلاق معاملة المتعارضين بالتباين، بل يكون


هذا الدليل مقيدا لذلك الاطلاق وبمنزلة القرينة له، ويعامل معهما معاملة المطلق والمقيد، وإن لم يكن المقيد من أفراد المطلق، وذلك واضح.

الثاني: أنه ربما يكون الدليل بحسب ظهوره الاطلاقي لايعم غير شخص ما تعلق به، ولكن يرد دليل آخر على دخول التوابع والملحقات بما تعلق به ذلك الدليل الذي لم يعم بحسب ظهوره الاطلاقي تلك التوابع والملحقات، وحينئذ لايعامل مع الدليلين معاملة المتعارضين بالتباين، بل يقدم ما دل على دخول التوابع ويقيد به ذلك الاطلاق، وإن لم تكن تلك التوابع داخلة في المطلق، لما عرفت في الامر الاول من أنه لايعتبر في المقيد من أن يكون من أفراد المطلق وداخلا فيه لولا التقييد. مثلا لو قال (جاء‌زيد) فهذا القول بحسب ظهوره يدل على أن الجائي شخص زيد، من غير شمول زيد لمواليه وتوابعه، ولو قال بعد ذلك أن مرادي من (جاء زيد) ليس شخص زيد فقط بل هو مع توابعه، لم يكن هذا القول معارضا للقول الاول، بل يكون حاكما عليه، ومقدما على ذلك الظهور، ومقيدا لذلك الاطلاق، من غير استلزام المجازية، كما لايخفى.

الثالث: أن التحديدات الشرعية الواردة في بيان تحديد الموضوعات العرفية الظاهرة في خلاف ما حدده الشارع لايعامل معها معاملة التعارض، مثلا لو ورد أن المسافر حكمه كذا، والمقيم حكمه كذا، وماء الكثير حكمه كذا، فلو لم يرد من الشارع تحديد كان ما يفهمه العرف من هذه الموضوعات هو المتبع، فربما لايرى العرف صدق الماء الكثير على الكر، وكذا لايرى صدق السفر والاقامة على ثمانية فراسخ أو إقامة عشرة ايام. ولكن بعد تحديد الشارع الماء الكثيير بالكر، والسفر بثمانية فراسخ، والاقامة بعشرة أيام، لايعامل مع هذا التحديد معاملة المعارض، لما أخد نفس الماء الكثير


والسفر والاقامة موضوعا، وإن كان ظاهر ما يترأى من الموضوع منافيا لهذا التحديد، فإن هذا الظهور إنما يكون متبعا إذا لم يرد تحديد للشارع لبيانه، وبعد ورود التحديد يؤخذ به ويطرح ذلك الظهور، فإنه يكون نظير التخطئة في المصداق، وذلك أيضا واضح.

الرابع: أنه لو لم يكن بين المتعارضين جمع دلالي، كالاطلاق والتقييد والنص والظاهر، تصل النوبة حينئذ إلى المرجحات السندية، وتكون مقدمة على موافقة العامة ومخالفتهم كما بين في محله، لكن هذا إذا لم يكن في أحد الدليلين ما يوجب الظهور في صدوره تقية، أو كان مضمون أحد الدليلين مما تفردت به العامة، بحيث صار شعارا لهم وكانوا يعرفون بذلك، كمعرفة الخاصة بما تضمنه الدليل الآخر.

والحاصل: أن ملاحظة المرجحات السندية إنما يكون بعد جريان الاصول الجهتية، من أصالة الصدور لبيان الحكم الواقعي، وأصالة عدم صدوره تقية، وأما مع عدم جريان الاصول الجهتية، إما لاحتفاف أحد الدليلين بما يوجب القطع أو الظن العقلائي على كونه صادرا تقية، وإما لكون ما تضمنه أحد الدليلين من المعنى كان يعد في زمان الصدور من شعار العامة وكانوا يعرفون به، عكس ما تضمنه الدليل الآخر من كونه كان شعارا للخاصة ويعرفون به، فلاتصل النوبة إلى المرجحات السندية.

إذا عرفت هذه الامور فلنشرع في ذكر الاخبار، وهي وإن كانت من الجانبين كثيرة إلا أنا نقتصر بما هو صريح أو ظاهر الدلالة، ثم نعقبه بما يقتضيه النظر الصحيح في الجمع بينها، فنقول: أما ما دل على أن الغروب إنما هو بذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس ولايكفي استتار القرص فهي على طوائف أربع: منها: ما تدل على أن وقت استتار القرص وغيبوبة الشمس إنما هو ذهاب الحمرة المشرقية، وفي بعضها تقييد الذهاب بتجاوزها عن قمة الرأس.


ففي مرسلة ابن أبي عمير عن الصادقعليه‌السلام : وقت سقوط القرص ووقت الافطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص(١) . وما رواه الكليني عن الباقرعليه‌السلام قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من ناحية المشرق فقد غابت الشمس من شرق الارض وغربها(٢) . وفي المحكي عن فقه الرضاعليه‌السلام : أن وقت المغرب سقوط القرص إلى أن قال: والدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق(٣) .. إلخ. وفي رواية اخرى عن ابن أبي عمير عن القاسم بن عروة عن بريد بن معاوية العجلي قال: سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول: إذا غابت الشمس من هذا الجانب يعني ناحية المشرق فقد غابت الشمس في شرق الارض وغربها(٤) .

ومعلوم أن المراد من غيبوبة الشمس من ناحية المشرق غيبوبتها بتوابعها وملحقاتها من الشعاع والحمرة، لاأن المراد خصوص غيبوبة جرم الشمس، إذ لايكون حينئذ معنى لقولهعليه‌السلام " من ناحية المشرق " فإن جرم الشمس إذا غاب يغيب من المشرق والمغرب لاخوص المشرق، فيعلم من ذلك أن المراد منه غيبوبتها بتوابعها ولوازمها، وقد عرفت في الامر الثاني صحة إطلاق اللفظ وإرادة الاعم منه ومن توابعه وملحقاته إذا كانت هناك قرينة متصلة أو منفصلة تدل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٢٧ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٢٦ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ١.

(٣) المستدرك: ج ١ ص ١٩٠ باب ١٣ من أبواب المواقيت، ح ٣.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٢٦ من أبواب المواقيت، ح ١، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


على إرادة الاعم، وإن كان اللفظ مع تجرده عن تلك القرينة يكون ظاهرا في شخص ما وضع له ولايعم التوابع. وفي معناها روايات اخر ظاهرة الدلالة من أن مغيب الشمس واستتار القرص إنما يكون بذهاب الحمرة المشرقية.

ومنها: ما تدل على أن وقت المغرب إنماهو ذهاب الحمرة المشرقية، أو ما يقرب من هذا التعبير، مثل رؤية الكوكب وأمثال ذلك، من غير بيان أن استتار القرص أو غيبوبة الشمس يتحقق بذلك. ففي مرسلة ابن أشيم عن الصادقعليه‌السلام قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق(١) ، الحديث.

وما رواه محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن بكر بن محمد عن أبي عبداللهعليه‌السلام أنه سأله سائل عن وقت المغرب، فقال: إن الله يقول في كتابه لابراهيم: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا فقال هذا ربي(٢) ، وهذا أول الوقت، وآخرذلك غيبوبة الشفق(٣) .. إلخ. ومعلوم أن ذهاب الحمرة ملازمة لرؤية الكوكب لغالب الناس المتعارفة في البصر، فلاعبرة بمن يراه قبل ذلك. وفي معناها أيضا عدة روايات اخر لاتخفى على المتتبع.

ومنها: ما تدل على ثبوت الفصل بين مغيب الشمس وصلاة المغرب.

ففي رواية أبان بن تغلب قال: قلت لابي عبداللهعليه‌السلام : أي ساعة كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٢٦ باب ١٦ من ابواب المواقيت، ح ٣.

(٢) الانعام: ٧٦.

(٣) الوسائل: ٣ ص ١٢٧ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٦. [ * ]


المغرب(١) . بداهة ظهوره في ثبوت الفصل في الجملة بينهما، ومعلوم أن الفصل في الجملة يلازم ذهاب الحمرة المشرقية هذا، مع عدم القول بالفصل.

ومنها: ما تدل على الامر بالمساء بصلاة المغرب، وأن فعلهمعليهم‌السلام لهاه عند استتار القرص، إنما كان لاجل التقية.

ففي رواية جارود قال: قال لي ابوعبداللهعليه‌السلام : يا جارود ينصحون فلايقبلون، وإذا سمعوا بشئ نادوا به، أو حدثوا بشئ اذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلا فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن اصليها إذا سقط القرص(٢) . ولايخفى ظهور قولهعليه‌السلام أخيرا " فأنا الآن اصليها إذا سقط القرص " في التقية لان لايعرف بما أذاعوه ونادوا به كما يدل على ذلك صدرها، فحينئذ يكون قولهعليه‌السلام " مسوا بالمغرب قليلا " بمعنى التأخير عن استتار القرص في الجملة، حتى لاينافي ظهور فعلهعليه‌السلام (٣) لها عند الاستتار إنما كان لاجل التقية، لكن التأخير لاعلى وجه يوجب اشتباك النجوم كما صنعه أبوالخطاب واصحابه، وقد عرفت أن التأخير عن الاستتار في الجملة يلازم القول بذهاب الحمرة.

هذا ما أردنا ذكره من الاخبار الدالة على أن وقت المغرب إنما هو ذهاب الحمرة المشرقية، وفي معناها أخبار اخر كثيرة ظاهرة الدلالة في ذلك، ولكن اسقطناها للاستغناء بما ذكرناه.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٢٧ من أبواب المواقيت، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٢٩ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ١٥.

(٣) إذ لو كان المساء بمعنى فعلها عند الاستتار لما كان فعلهعليه‌السلام لها في ذلك الوقت لاجل التقية وهذا مناف لظاهره فتأمل جيدا " منه ". [ * ]


فلنذكر الآن الاخبار الدالة على أن وقت المغرب إنما هو استتار القرص، ونقتصر أيضا على ما هو ظاهر الدلالة في ذلك، وهي أيضا طوائف: منها: ما دل على أن وقت المغرب إنما هو غيبوبة الشمس أو استتار القرص، من غير ذكر شئ آخر فيها. ففي رواية محمد بن علي بن الحسين قال: قال أبوجعفرعليه‌السلام : وقت المغرب إذا غاب القرص(١) . قال: وقال الصادقعليه‌السلام : إذا غابت الشمس فقد حل الافطار ووجبت الصلاة(٢) . وفي رواية جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا غاب القرص أفطر الصائم ودخل وقت الصلاة(٣) . وفي رواية داود بن أبى يزيد قال: قال الصادقعليه‌السلام : إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب(٤) . وغير ذلك مما علق دخول وقت المغرب بمجرد غيبوبة الشمس واستتار القرص، وهي كثيرة.

ومنها: ما دل على منع الامامعليه‌السلام أن يمسي بالمغرب، وأنه كان يصليعليه‌السلام إذا غربت الشمس. ففي رواية عبيدالله بن زرارة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سمعته يقول: صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر، وكنت أنا اصلي المغرب إذا غربت الشمس، واصلي الفجر إذا استبان، فقال الرجل: مايمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟ فإن الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا وهي طالعة على قوم

____________________

(١) و (٢) و (٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٠ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ١٨ و ١٩ و ٢٠.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٣١ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢١. [ * ]


آخرين بعد، فقلت له: إنما علينا أن نصلي إذا غربت الشمس عنا وإذا طلع الفجر عندنا(١) ، الحديث.

ومنها: ما دل على فعل الصادقعليه‌السلام صلاة المغرب عند غيبوبة الشمس، مع التصريح فيه بأن شعاع الشمس بعد موجود في الافق.

ففي رواية أبان بن تغلب وأبان بن أرقم وغيرهم، قالوا: أقبلنامن مكة حتى إذا كنا بوادي الاخضر إذا نحن برجل يصلي، ونحن ننظر إلى شعاع الشمس، فوجدنا في أنفسنا فجعل يصلي ونحن ندعو عليه ونقول هو شباب من شباب أهل المدينة، فلما أتيناه إذا هو أبوعبدالله جعفر بن محمدعليه‌السلام ، فنزلنا فصلينا معه وقد فاتتنا ركعة، فلما قضينا الصلاة قمنا إليه، فقلنا له: جعلنا فداك هذه الساعة تصلي؟ فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت(٢) .

ومنها: ما دل على أن وقت المغرب إنما هو بغيبوبة القرص، مع زيادة تحديده بأنه إذا نظرت إليه لم تره، كما في رواية علي بن الحكم عن أحدهما أنه سئل عن وقت المغرب، فقال: إذا غاب كرسيها، قلت: وما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره(٣) .

ومنها: ما دل على امتداد وقت المغرب من حين غيبوبة الشمس إلى أن تشتبك النجوم أو سقوط الشفق. فعن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: وقت المغرب من حينتغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم(٤) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٣١ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٢ وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٣١ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٣ وفيه اختلاف يسير.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٢ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٥.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٢ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٦. [ * ]


وفي رواية اخرى عنه أيضاعليه‌السلام قال بعد سؤاله عن وقت المغرب: رقت المغرب ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق(١) .

هذا ما أردنا ذكره أيضا من الاخبار الدالة على أن وقت المغرب إنما هو غيبوبة الشمس. والذي يقتضيه النظر الصحيح في الجمع بينها هو الاخذ بما دل على اعتبار ذهاب الحمرة المشرقية، فإن ما دل على خلافها من كون العبرة بغيبوبة الشمس والقرص لايقاومه من جهات. أما الطائفة الاولى الدالة على دخول الوقت بغيبوبة الشمس واستتار القرص بقول مطلق من غير ضميمة فهي محكومة بالطائفة الاولى من تلك الاخبار، التي حددت استتار القرص وغيبوبة الشمس بذهاب الحمرة المشرقية.

وقد تقدم في الامر الثالث أنه لايعامل في ما ورد من التحديدات الشرعية للموضوعات العرفية معاملة المعارض، بل تكون حاكمة على الظاهر الاولي من الموضوع، ومقيدة لاطلاقه، ومبينة للمراد منه.

وكيف يعامل معاملة التعارض بين ما دل على دخول الوقت بغيبوبة الشمس بقول مطلق، وبين ما دل على أن غيبوبة الشمس إنما يتحقق بذهاب الحمرة المشرقية؟ وهل يتوقف أحد في كون الثاني مفسرا للاول ومبينا له؟ ولابعد في إرادة ذهاب الحمرة أيضا من استتار القرص، ولم يكن الكلام خارجا عن المتعارف لان الحمرة من توابع القرص وملحقاته، وقد عرفت في الامر الثاني من أن إرادة التوابع أيضا من لفظ المتبوع لايستلزم المجازية، فضلا عن خروج الكلام عما هو المتعارف، فالطائفة اولى من هذه الاخبار محكومة طرا بالطائفة الاولى

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٣ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٩. [ * ]


من تلك الاخبار.

وأما الطائفة الثانية من هذه الاخبار المشتملة على فعلهعليه‌السلام صلاة المغرب عند غيبوبة الشمس مع منعه من أن يمسي بالمغرب فبعد ما عرفت من أن غيبوبة الشمس قد فسرت بذهاب الحمرة بمقتضى الطائفة الاولى من تلك الاخبار فلا دلالة فيها على كون فعلهعليه‌السلام إنما كان عند غياب الشمس مع عدم ذهاب الحمره، بل مقتضى التفسير أن فعله كان بعد ذهاب الحمرة، ولا ينافيه المنع من أن يمسي بالمغرب، إذ لعل المراد ب‍ " يمسي " هو فعلها بعد سقوط الشفق.

ولعل المصاحب كان من أصحاب أبي الخطاب، واحتمال ذلك يكفي في سقوط الاستدلال بها، ولاينافي أيضا ما ذكرنا من أن المراد بقولهعليه‌السلام " إنما علينا أن نصلي إذا غربت الشمس " في غروبها مع ذهاب الحمرة، ما في ذيل الرواية " وعلى اولئك أن يصلوا إذا غربت الشمس عنهم "(١) بداهة أنه ربما تذهب الحمرة عن مكان، بل يسقط الشفق أيضا، مع عدم غيبوبة الشمس في مكان آخر، فهذه الطائفة أيضا غير معارضة لما دل من اعتبار ذهاب الحمرة.

وأما الطائفة الثالثة الدالة على فعل الصادقعليه‌السلام لها مع بقاء شعاع الشمس فلابد من حملها على التقية، لان في نفس الرواية دلالة على أن فعل الصلاة في ذلك الوقت كان من شعار العامة بحيث كانوا يعرفون به، حتى أن القوم قبل معرفة الامامعليه‌السلام كانوا يدعون عليه، ويتخيلون أنه شاب من شباب المدينة، فما هذا شأنه كيف يمكن الاستدلال به؟ فلابد من حمل جميع ماورد بالتحديد بغيبوبة الشمس على التقية.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ١٣١ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٢. [ * ]


ويؤيد ذلك الطائفة الرابعة حيث عبر فيها باستتار الكرسي تارة وباستتار القرص اخرى، فإنه يعلم منه أن الامامعليه‌السلام كان بصدد الطفرة عن الجواب حتى أن السائل كرر سؤاله، فالتجأ الامامعليه‌السلام بتحديد استتار القرص بأنه إذا نظرت إليه لم تره، مع احتمال أن يكون ضمير " إليه " راجعا إلى القرص بتوابعه من الحمرة، وإن كان خلاف الظاهر.

وأما الطائفة الخامسة فلا دلالة فيها أيضا، لان قولهعليه‌السلام " وقت المغرب ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق "(١) أو " اشتباك النجوم "(٢) بعد تحديد غيبوبة الشمس في تلك الاخبار بذهاب الحمرة، لايكون له ظهور في كون غروب الشمس غروب نفس الجرم، ولو كان له هذا الظهور مع قطع النظر عن ذلك التحديد. نعم لو لم يكن بين ذهاب الحمرة وسقوط الشفق أو اشتباك النجوم فصل لما أمكن حمل الغروب على ذهاب الحمرة، إلا أن الامر ليس كذلك.

فتحصل مما ذكرنا: أنه لامعارضة بين الاخبار حتى تصل النوبة إلى المرجحات السندية، لان ما دل على التحديد بغروب الشمس أو استتار القرص، إما محكومة بما دل على أن الغيبوبة إنما تحصل بذهاب الحمرة وهي أكثرها، واما محمولة على التقية، لاشتمالها على قرينة تدل على ذلك، وقد تقدم في الامر الرابع أن ملاحظة المرجحات إنما هو بعد الفراغ عن جريان الاصول الجهتية.

ولو أغمضنا عن ذلك كله وقلنا بالمعارضة فلا إشكال أيضا في أن الترجيح على ما دل على اعتبار ذهاب الحمرة، لامن جهة الاكثرية والاشهرية، بل من جهة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٣ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٩.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٢ باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٦. [ * ]


مخالفتها للعامة، بخلاف ما دل على أن العبرة باستتار القرص، فإنها موافقة للعامة ويجب طرحها.

وما ذكرنا من أن رتبة الموافقة والمخالفة للعامة متأخرة عن المرجحات السندية صحيح إلا أنه ليس في المقام من المرجحات شئ، لان في كلتا الطائفتين من الصحاح ما لايخفى، والعدالة والوثاقه ة متحققة في كليهما، ولاأشهرية في البين لان كلتا الطائفتين مشهورتان عند الرواة والشهرة العملية ما لم تصل إلى حد الاعراض عن الاخرى لا اعتبار بها، مع أن الشهرة العملية في تلك الطائفة، لانه لم ينسب القول باستتار القرص من الطبقة الاولى التي هي العبرة في كون عملهم جابرة وكاسرة، إلا عن الكاتب والصدوق والمرتضى والشيخ وسلار والقاضي(١) ، مع أن عبارات بعضهم على ما نقل غير صريحة في ذلك، بل نقل عن بعضهم خلاف ما نسب إليه، فلا إشكال في أن الشهرة أو الاشهرية في تلك الطائفة.

فليس في مادل على اعتبار استتار القرص من المرجحات لو لم تكن في مقابلها، ولا محالة تصل النوبة إلى موافقة العامة ومخالفتهم، ولا إشكال في موافقة ذلك للعامة بحيث كانوا يعرفون به كما سمعت، ولا أظن بعدما ذكرنا التوقف في الحكم ممن له أدنى روية في الجمع بين الاخبار.

فالاقوى أن أول وقت المغرب إنما هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس، كما صرحت به بعض الروايات المتقدمة، وبه يقيد ما دل على اعتبار الحمرة من غير تقييد بتجاوزها عن ذلك الحد. وأما آخره فالمشهور أنه يمتد إلى مقدار أربع ركعات من نصف الليل مطلقا ولو للمختار. وقيل إلى ثلثه.

وقيل: إلى سقوط الشفق، وما بعد ذلك إلى انتصاف

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٧ ص ١٠٧. [ * ]


الليل يكون وقتا للمضطر.

وقيل: إن وقت الاضطراري يمتد إلى الطلوع. وربما تكون في المسألة أقوال اخر، هذا بالنسبة إلى المغرب.

وأما العشاء فالمشهور ايضا أن أول وقتها إنما هو بعد فعل المغرب، وآخر وقتهاللمختار إلى انتصاف الليل.

وقيل: إن وقتها إنما هو غيبوبة الشفق، وآخر وقتها للمختار ثلث الليل، وما بعد ذلك إلى نصف الليل وقت لمضطر. وربما تكون في المسألة أيضا أقوال اخر. وليس هذا الاختلاف مختصا بالعشاء‌ين، بل في الظهرين أيضا اختلفت كلمات الاصحاب، فالمشهور على أنه يمتد وقت الظهرين إلى الغروب اختيارا، كما أن المشهور هو دخول وقت العصر بمجرد فعل الظهر، بل مجمع عليه، وإن كان يظهر من بعض العبائر وقوع الخلاف فيه.

وقيل: إن آخر وقت الظهر هو القدمان، وآخر وقت العصر هو أربعة أقدام للمختار، وبعد ذلك وقت للمضطر إلى الغروب.

وقيل: إن آخر وقت الظهر هو المثل، وآخر وقت العصر المثلان للمختار.

وقيل غير ذلك أيضا.

وبالجملة: اختلفت كلمات الاصحاب بالنسبة إلى آخر وقت الظهر والعصر، بعد اتفاقهم ظاهرا على أول وقت الظهرين، وكذا اختلفت كلماتهم بالنسبة إلى آخر وقت العشاء‌ين وأول وقت العشاء، بعد اتفاقهم على أول وقت المغرب وهو الغروب، وإن وقع الخلاف في ما يتحقق به الغروب، وأنه هل هو الاستتار أو ذهاب الحمرة على ما تقدم بيانه، وكذلك اختلفت كلماتهم في آخر وقت صلاة الفجر، بعد اتفاقهم أيضا على الظاهر في أوله وأنه هو الفجر الصادق.

ولكن المشهور بين الاعلام هو امتداد وقت الظهرين إلى الغروب مطلقا ولو للمختار، وامتداد وقت العشاء‌ين إلى نصف الليل مطلقا، ودخول وقت العشاء


بمجرد فعل المغرب، وامتداد وقت الصبح إلى طلوع الشمس أيضا مطلقا ولو للمختار، هذا هو المشهور، وفي مقابله أقوال اخر لاتخفى على المتتبع، ولعلها تمر عليك في طي الاستدلال لما ذهب إليه المشهور. فينبغي التكلم في مقامات ثلاث: الاول: في امتداد وقت الظهرين للمختار إلى الغروب.

المقام الثاني: امتداد وقت العشاء‌ين إلى نصف الليل حتى للمختار، وندرج فيه دخول وقت العشاء بمجرد فعل المغرب. المقام الثالث: امتداد وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس للمختار أيضا.

أما المقام الاول: فقد علمت أنه المشهور، وهو الاقوى في النظر، وبيان ذلك يتوقف على ذكر ما ورد من الاخبار في وقت الظهرين، وهي على طوائف: منها: المطلقات الدالة على امتداد وقت الظهرين إلى الغروب. كقولهعليه‌السلام " ثم أنت في وقت منهما إلى غروب الشمس "(١) وهي كثيرة جدا، وقد تقدم شطر منها في أول بحث المواقيت.

ومنها: ما دل على امتداد وقت الظهر إلى أربعة أقدام. كخبر الكرخي قال: سألت أباالحسنعليه‌السلام متى يدخل وقت الظهر قال: إذا زالت الشمس، فقلت: متى يخرج وقتها؟ فقال: من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام، وإن وقت الظهر ضيق ليس كغيره(٢) .. إلخ. وفي معناه رواية اخرى وردت في باب طهر الحائض بعد أربعة أقدام من الزوال، حيث قالعليه‌السلام : إنها تصلي العصر فإن وقت الظهر قد خرج(٣) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٥ وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٩ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٣٢.

(٣) الوسائل: ج ٢ ص ٥٩٨ باب ٤٩ من أبواب الحيض، ح ٢ من كتاب الطهارة نقلا بالمضمون. [ * ]


وقد افتى بعض بمضمون هذا الخبر مع زيادة امتداد وقت العصر إلى ثمانية أقدام مع أنه ليس في الخبر ذلك، بل فيه امتداد وقت العصر إلى غروب الشمس، حيث قال: قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال: إن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، فقلت: متى يخرج وقت العصر؟ فقال: وقت العصرإلى أن تغرب الشمس(١) .

ومنها: ما دل على امتداد وقت الظهر إلى المثل والعصر إلى المثلين. ففي خبر محمد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح وهو يقول: إن أول وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال، وأول وقت العصر قامة وآخر وقتها قامتان(٢) . وفي معناه روايات اخر. وقد أفتى بمضمونها بعض لكن بعد تقييده بالمختار، لما دل من امتداد الوقت لصاحب العذر إلى الغروب.

ومنها: ما دل على أن وقت الظهر هو القدمان(٣) أو القدم(٤) أو الذراع(٥) ، ووقت العصر أربعة أقدام(٦) أو ذراعان(٧) من غير تعرض أن ذلك آخر وقت الفرضين، بل في بعضها دلالة على أن ذلك أول وقتها، ومع ذلك ذهب بعض إلى أن ذلك آخر وقت الفرضين للمختار، ولعله توهم أن تلك الاخبار في مقام تحديد

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٩ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٣٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٨ من أبواب المواقيت، ح ٢٩.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٢ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ١ و ٢.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١١٠ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٣٤.

(٥) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣ باب ١٤ من أبواب أعداد الفرائض، ح ٦.

(٦) و (٧) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٢ و ١١١ باب ٨ و ٩ من أبواب المواقيت، ح ١ و ٢. [ * ]


آخر الوقت، مع أن ظاهر الاخبار يأباه، وأن ذلك أول الوقت لخصوص المتنفل، فراجع.

ومنها: ما دل على امتداد وقت العصر للمختار حتى يصير الظل ستة أقدام. كما في خبر سليمان بن خالد: العصر على ذراعين، فمن تركها حتى تصير على ستة أقدام فذلك المضيع(١) . وفي معناه رواية اخرى(٢) ، وقد أفتى بمضمونه بعض.

وفي المسألة أيضا أقوال خالية عن الشاهد، إذ الاخبار الواردة في الباب هي ما ذكرناها، وقد عرفت أن هذه الاخبار المفصلة بين المثل والمثلين والاقدام وغير ذلك كلها مقيدة بصورة الاختيار، لما ورد من أن وقت المضطر ممتد إلى الغروب أو إلى اصفرار الشمس على اختلاف في ذلك أيضا، والاخبار المقيدة أيضا كثيرة لاتخفى على المراجع، كما في صحيح ابن سنان عن الصادقعليه‌السلام في حديث: لكل صلاة وقتان، وأول الوقت افضلهما، ولاينبغي تأخير ذلك عمدا، ولكنه وقت من شغل أو نسي أو نام، وليس لاحذ أن يجعل آخر الوقتين وقتا، إلا من عذ أو علة(٣) .

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في موضعين: الموضع الاول: في الجمع بين هذه الاخبار المفصلة الدالة على عدم امتداد الوقت إلى الغروب للمختار بمقتضى الاخبار المقيدة، وبين المطلقات الدالة بإطلاقها على امتداد الوقت مطلقا حتى للمختار إلى الغروب.

الموضع الثاني: في الجمع بين نفس هذه الاخبار.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١١١ باب ٩ من أبواب المواقيت، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١١١ باب ٩ من أبواب المواقيت، ح ٤.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٨٧ باب ٣ من أبواب المواقيت، ح ٤، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


المفصلة، حيث إنها بنفسها متعارضة من حيث اعتبار المثل والمثلين وأربعة أقدام والذارعين وغير ذلك مما تقدم. أما الكلام في الموضع الاول فالمشهور على حمل الاخبار المفصلة على بيان مراتب وقت الفضيلة، وحمل المطلقات على بيان وقت الاجزاء، من غير فرق بين المضطر والمختار، وفي مقابله الاقوال الاخر، حيث حملوا المطلقات على الوقت الاضطراري، والاخبار المفصلة على الوقت الاختياري، هذا.

ومقتضى القواعد الاصولية مع فطع النظر عن القرائن الخارجية هو حمل المطلقات على الوقت الاضطراري، وتقييدهها بما دل على عدم امتداد الوقت للمختار إلى الغروب، فإن المطلقات بإطلاقها تشمل المختار والمضطر في امتداد الوقت إلى الغروب، وأخبار القدم والقدمين والمثل والمثلين الظاهرة في خروج الوقت بذلك بعد تقييدها بالمختار تكون مقيدة لتلك المطلقات. فيكون الغروب وقتا للمضطر.

وهذا الجمع بحسب القواعد مقدم من حمل الاخبار المفصلة على الاستحباب والفضيلة كما صنعه المشهور، لما تبين في باب المطلق والمقيد من أن ما دل على التقييد يكون حاكما ومبينا للمراد من المطلق، فالاصول اللفظية الجارية في المقيد من ظهور أمره في الوجوب تكون حاكمة على الاصول الجارية في المطلق من ظهوره في الاطلاق، وإن كان ظهور الامر في الوجوب في المقيد يكون أضعف بمراتب من ظهور المطلق في الاطلاق، لان الشك في إطلاق المطلق يكون مسببا عن الشك في كون الامر في المقيد للوجوب، وبعد جريان أصالة ظهور الامر فيه في الوجوب يرتفع موضوع الشك في المطلق، ومن المعلوم أن الاصل الجاري في السبب يكون مقدما على الاصل الجاري في المسبب، ولا يلاحظ أقوائية الظهور كما سنعه بعض الاعلام، فظهور أمر (اعتق رقبة مؤمنة) حاكم على ظهور المطلق في الاطلاق وإن

كان ذلك من أضعف الظهورات وهذا من أقواها.


والسر في ذلك ما عرفت من أن الشك في المطلق مسبب عن الشك في المقيد، ولايمكن العكس بأن يقال: إن الشك في كون الامر في المقيد للوجوب مسبب عن الشك في إطلاق المطلق، وبعد الاخذ بأصالة الاطلاق في المطلق يرتفع موضوع الشك في كون الامر في المقيد للوجوب، ولابد حينئذ من حمله على الاستحباب، وذلك لان دليل المطلق غير متعرض للمقيد، غاية الامر أنه لو بقي على إطلاقه يكون معارضا للمقيد.

وهذا بخلاف دليل المقيد، فإنه بمنزلة القرينة للمطلق ك‍ (يرمي) في قولنا (أسد يرمي) فإن ظهور يرمي في رمي النبال يكون قرينة على أن المراد من الاسد هو الرجل الشجاع، ولايمكن أن يقال: إن ظهور أسد في الحيوان المفترس يكون قرينة على أن المراد من يرمي هو رمي التراب، وهذا واضح لاسترة فيه، وقد ذكرناه في باب المطلق والمقيد مفصلا، فراجع.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن مقتضى ما عرفت من حكومة الاصول الجارية في المقيد على الاصول الجارية في المطلق هو لزوم حمل المطلقات الورادة في امتداد وقت الظهرين إلى الغروب على المقيدات الظاهرة في خروج الوقت بالاقدام والمثلين للمختار، ولاتصل النوبة إلى حمل أوامر المقيدات على الفضيلة والاستحباب، كما سنعه المشهور. ولكن هذا إنما يتم لو لم يكن هناك قرينة على إرادة وقت الفضيلة من الاوامر المقيدة، وأما مع ثبوت القرينة في ذلك ينهدم ظهورالامر في الوجوب في المقيدات، وتبقى المطلقات على حالها من امتداد الوقت للمختارر إلى الغروب.

والانصاف أن ملاحظة مجموع الاخبار الواردة في هذه الباب مما يشرف


الفقيه القطع بإرادة وقت الفضيلة من الاقدام والمثلين، ولو لم يكن في أخبار الباب إلا رواية أحمد بن يحيى لكفى شاهدا في أن تلك الاخببار محمولة على تحديد وقت الفضل، وفيها قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسنعليه‌السلام : روي عن آبائك القدم والقدمين والاربع والقامة والقامتين وظل مثلك والذراع والذرعين، فكتبعليه‌السلام : لاالقدم ولا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، وبين يديها سبحة وهي ثمان ركعات، فإن شئت طولت وإن شئت قصرت، ثم صل الظهر، فإذا فرغت كان بين يدي الظهر والعصر سبحة وهي ثمان ركعات، إن شئت طولت وإن شئت قصرت، ثم صل العصر(١) .

فيظهر من السؤال والجواب أن الراوي تخيل أن تلك الاوقات أوقات للوجوب فسأل عما هو الواجب، فنفى الامامعليه‌السلام الوجوب وأنه ليس القدم والقدمان والمثل والمثلان وغير ذلك مما ورد عن آبائيعليهم‌السلام وقتا للوجوب، بل إذا زال الزوال دخل الوقتان، فالامامعليه‌السلام وإن ذكر في الجواب أو الوقت ولم يتعرض لآخره وأن امتداده إلى متى إلا أن جوابهعليه‌السلام كالصريح في أن التحديد بتلك الاوقات المروية عنهمعليهم‌السلام لم يكن تحديدا للوقت الواجب بحيث لايجوز التقديم والتأخير عنه، فهذه الرواية أقوى شاهد على ما ذهب إليه الشمهور من أن التحديد بذلك إنما هو لبيان وقت الفضل لاالاجزاء.

وممايدل على ذلك أيضا قولهعليه‌السلام في صحيحة زرارة: أحب الوقت إلى الله عزوجل أوله، حين يدخل وقت الصلاة فصل الفريضة، فإن لم تفعل فإنك

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٨ بباب ٥ من أبواب المواقيت، ح ١٣ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


في وقت منهما حتى تغيب الشمس(١) .

ضرورة أنه كالصريح في امتداد الوقت إلى الغربو، وإن كان أوله أفضل لانه أحب إلى الله، خصوصا بعد قوله " فإن لم تفعل " الظاهر في عدم الفعل اختيارا، إذ لايحسن التعبير ب‍ " إن لم تفعل " فيما إذا كان معذورا من الفعل، بل حق التعبير حينئذ أن يقال: فإن لم تتمكن، أو لم نقدر، أو كنت معذورا، وأمثال ذلك مما يدل على الاضطرار.

هذا مضافا إلى أن في نفس هذه الاخبار ما يدل على ذلك، كقولهعليه‌السلام في صحيحة إبن سنان في حديث: لكل صلاة وقتان وأول الوقت أفضلهما، ولاينبغي تأخير ذلك عمدا، ولكنه وقت من شغل أو نسي(٢) ، الحديث. بداهة ظهور " لاينبغي " في كون آخر الوقت أيضا وقتا للاجزاء وإن كان التأخير مرجوحا، وقولهعليه‌السلام " أوله رضوان الله وآخره عفو الله "(٣) وأمثال ذلك من التعبيرات الدالة بنفسها على جواز التأخير اختيارا، وإن كان أوله أفضل.

هذا كله مع أن بعض الاخبار الدالة على خروج الوقت إذا صار الظل أربعة أقدام لابد من حملها على التقية أو طرحها، فإن ماورد من أن الحائض إذا طهرت بعد مضى أربعة أقدام من الزوال تصلي العصر لخروج وقت الظهر بذلك(٤) . مما لايمكن الالتزام به، بل هو مجمع على بطلانه، بداهة أن الحيض من أوضح مصاديق العذر والاضطرار فلابد من طرحها أو حملها على التقية.

وبالجملة: لاحاجة إلى إطالة الكلام في ذلك، فإن ملاحظة الاخبار تكفي في

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٨٧ باب ٣ من أبواب المواقيت، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٨٧ باب ٣ من أبواب المواقيت، ح ٤ وفيه: " اول الوقتين ".

(٣) الوسائل: ج٣ ص ٩٠، باب ٣ من أبواب المواقيت، ح ١٦.

(٤) الوسائل: ج ٢ ص ٥٩٨، باب ٤٩ من أبواب الحيض، ح نقلا بالمضمون. [ * ]


حمل الاخبار المفصلة على الفضيلة، هذا تمام الكلام في الموضع الاول.

بقي الكلام في الموضع الثاني: وهي الجمع بين نفس الاخبار المحددة المفصلة، فإنه قد عرفت اختلافها في ذلك أيضا، فبعضها تحديد بالمثل للظهر والمثلين للعصر، وهو منتهى ماورد من التحديد، وبعضها تحديد الظهر بالقدم والعصر بالقدمين، وهو أقل التحديدات، وما بينهما من القدمين والاربعة والستة متوسطات، ولايبعد حمل هذا الاختلاف على بيان مراتب الفضل وأن أوله بل أول الزوال كما ورد أن أول الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة(١) ، الحديث القدم للظهر والقدمان للعصر، وآخره المثل للظهر والمثلان للعصر وأن الاول أفضل، ولا بأس بالتزام عدم دخول وقت فضيلة العصر قبل القدمين وإن فرغ من الظهر قبل ذلك.

بل يمكن أن يستشعر من بعض الاخبار أن ما شرع أولا إنما هو التفريق بين الظهرين وان الجمع رخصة، كما يظهر ذلك مما ورد في نزول جبرئيلعليه‌السلام في اليوم الاول بوقت كذا وفي اليوم الثاني بوقت كذا(٢) . فراجع.

وحاصل الكلام: أن الاخبار في الباب مضطربة غاية الاضطراب، فإن في بعضها نفي التحديد رأسا، كقولهعليه‌السلام بعد السؤال عن اختلاف الاخبار المروية عن آبائهعليهم‌السلام " لا المقدم والا القدمين.. إلخ "(٣) وفي بعضها تحديد الظهر بالقدم والعصر بالقدمين، كما في قولهعليه‌السلام " والنصف من ذلك أحب إلي " بعد السؤال عنه عن فعل الظهر بالقدمين والعصر بأربعة أقدام، وبعضها التحديد بالقدمين للظهر وأربعة للعصر، وفي بعضها التحديد بالمثل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٨، باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٢٩ وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١١٤، باب ١٠ من أبواب المواقيت، ح ٥.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٩٨، باب ٥ من أبواب المواقيت، ح ١٣. [ * ]


والمثلين على اختلاف بينها في أن ذلك منتهى الوقت كما في أكثر روايات المثل والمثلين، أو أول الوقت كما في بعضها الآخر، وفي بعضها تحديد العصربستة أقدام في طرف الانتهاء وغير ذلك من الاختلافات. والانصاف أن هذه الاختلافات أقوى شاهد على أن التحديد بذلك ليس للوقت الاجزائي، بل إنما هو لبيان مراتب الفضل. ولكن المتحصل من مجموع الاخبار على ما عليها من الاختلاف: هو أن آخر وقت فضيلة العصر المثلان، وآخر وقت فضيلة الظهر المثل، وما دل على أمر الامامعليه‌السلام لزراة من فعل الظهر بعد المثل والعصر بعد المثلين(١) فمحمول على أن ذلك كان لمصلحة اقتضت إلى عدم فعل زرارة الظهر والعصر في وقت الفضيلة.

وعلى كل حال لايمكن القول بأن وقت الفضيلة إنما هو بعد المثل والمثلين، لمخالفته للاجمماع وصريح عدة من الروايات بأن ذلك آخر الوقت لاأوله، فما ورد في بعض الاخبار من أن أول الوقت هو بعد ذلك مطروح أو مؤول.

وأما أو الوقت للمتنفل هو القدم للظهر والقدمان للعصر، فإن ذلك أقل ما ورد من التحديد، بل يمكن أن يقال: إن أول وقت الفضل هو ذلك لغير المتنفل أيضا، وإن ما ورد من التعليل بأن التحديد إنما كان من جهة النافلة فمحمول على أن ذلك إنما هو لبيان حكمة التشريع لاعلته، بحيث يكون أول الزوال أول وقت الفضيلة لغير المتنفل. ولكن ينافي ذلك ما ورد من أن أول الزوال هو أول الوقت في خصوص يوم

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٥، باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ١٣. [ * ]


الجمعة والمسافر(١) . فإن ذلك يشعر بأن الفضل لغير المتنفل هو فعله في أول الوقت، والوجه في تخصيص المسافر ويوم الجمعة إنما هو لمكان سقوط النافلة في ذلك.

وعلى أي حال، المراد من المثل أو المثلين والقدم والقدمين إنما هو بملاحظة الظل الحادث بعد انعدامه أو انتهاء نقصانه، وأن المراد ملاحظة مجموعو الظل من الباقي والحادث، بداهة عدم إمكان إرادة ذلك، فإنه ربما يكون الظل الباقي بقدر المثل باعتبار اختلاف الامكنة والازمنة، فيلزم أن لايكون حينئذ للظهر وقت فضيلة، فتأمل جيدا. وعليك بملاحظة الاخبار الواردة في الباب، فإن المقام لايسع أزيد من ذلك.

المقام الثاني: في بيان آخر وقت المغرب والعشاء، وأول وقت العشاء، فنقول: أما أول وقت العشاء فالمشهور أنه بعد الفراغ من المغرب، وإن كان قبل سقوط الشفق المفسر في الاخبار بذههاب الحمرة المغربيه، لاالبياض المعترض بالافق، فإنه يبقى تقريبا إلى ثلث الليل.

وقيل: إن أول وقت العشاء إنما هو بعد سقوط الشفق، فلايجوز تقديمها عليه إلا لصاحب العذر، للاخبار الدالة بظاهرها على ذلك، كما في خبر نزول جبرئيل بصلاة المغرب قبل ذهاب الشفق، وبصلاة العشاء بعده(٢) . ومفهوم قولهعليه‌السلام " لابأس بأن تعجل العتمة في السفر قبل أن يغيب الشفق " وغير ذلك مما يظهر منه عدم دخول وقت العشاء للمختار قبل ذهاب الشفق.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٥، باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ١١ نقلا بالمعنى.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١١٤، باب ١٠ من أبواب المواقيت، ح ٣. [ * ]


والاقوى ما عليه المشهور من دخول وقتها قبل ذلك، وان كان الافضل تأخيرها عن ذلك، وذلك لما ورد في عدة من الروايات من فعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله المغرب والعشاء قبل سقوط الشفق من غير علة ولاعذر، كما هو صريح الروايات(١) به، وعلل في بعضها بأن فعله ذلك ليتسع الوقت على امته.

ولرواية زرارة قال: سالت أبا جعفرعليه‌السلام وأبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يصلي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق، فقالا: لابأس به(٢) . وغير ذلك مما دل بالخصوص على دخول وقت العشاء قبل سقوط الشفق، مضافا إلى العمومات والاطلااقت الوارده في صلاة العشاء‌ين، كقولهعليه‌السلام " إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين، إلا أن هذه قبل هذا "(٣) . وحينئذ لابد من حمل ما ورد على فعل العشاء بعد الشفق على الافضلية، وأن الافضل هو تأخير العشاء عن ذلك إلى ربع الليل أو ثلثه.

وأما آخر وقت العشاء‌ين فالمشهور أنه يمتد إلى النصف مطلقا حتى بالنسبة إلى المختار.

وقيل: إن آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق للمختار، وأما المضطر فيمتد وقته إلى الربع أو الثلث أو النصف أو إلى ما قبل طلوع الفجر بمقدار فعل العشاء على اختلاف الاقوال في ذلك، وكذا الاقوال في طرف العشاء، فقيل: إن آخر وقته للمختار الربع أو الثلث على اختلاف القولين في ذلك، ومن الربع إلى الثلث أو النصف أو الطلوع، وكذا من الثلث إلى النصف أو الطلوع وقت للمضطر.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٢، باب ٣٢ من أبواب المواقيت، ح ٨.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٤٨، باب ٢٢ من أبواب المواقيت، ح ٥.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٢، باب ١٦ من أبواب المواقيت، ح ٢٤. [ * ]


والاقوى ما عليه المشهور من امتداد الوقت مطلقا إلى النصف، ولابد من حمل الاخبار الواردة على أن آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق أو ربع الليل أو ثلثه، وكذا ما دل على أن آخر وقت العشاء هو الثلث أو الربع على بيان وقت الفضيلة ومراتبها لا الاجزائي، لعين ما تقدم في الظهرين.

وحاصله: أنه وإن كان مقتضى القواعد الاصولية هو حمل المطلقات الدالة على امتداد الوقت إلى النصف على خصوص المضطر، من جهة المقيدات الدالة على أن آخر وقت المغرب لغير صاحب العذر هو سقوط الشفق أو الربع أو الثلث، وعلى أن آخر وقت العشاء هو الربع أو الثلث لغير ذلك أيضا، إلا أن في المقام قرائن تدل على أن المراد من المقيدات المحددة إنما هو الوقت الفضيلي لاالاجزائي، وأن تلك التحديدات إنما هي مراتب الفضل، وذلك لما ورد في عدة من الروايات على جواز تأخير المغرب عن الشفق بلاعدر، وكذا تأخير العشاء عن الثلث أو الربع.

ولنذكر بعض الاخبار الواردة في المقام ليتضح حقيقة الحال، ففي رواية حريز عن زرارة والفضيل قالا: قال أبوجعفرعليه‌السلام : إن لكل صلاة وقتين، غير المغرب فإن وقتها واحد، ووقتها وجوبها، ووقت فوتها سقوط الشفق(١) . وفي معناها عدة روايات ظاهرة الدلالة في أن آخر وقت المغرب هو سقوط الشفق لكن مع تقييدها بغير علة، كقولهعليه‌السلام : من أخر المغرب حتى تشتبك النجوم من غير علة فانا إلى الله منه برئ(٢) . وقد أفتى بمضمونها بعض الاصحاب، وفي رواية عمر بن يزيد قال: قال أبوعبدالله: وقت المغرب في السفر

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٧، باب ١٨ من أبواب المواقيت، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٨، باب ١٨ من أبواب المواقيت، ح ٨. [ * ]


إلى ثلث الليل(١) . وفي روايته أيضا قال: قال أبوعبدالله: وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل(٢) . وقال الكليني: إنه روي أيضا إلى نصف الليل(٣) .

فيفهم من هذه الروايات أن آخر وقت المغرب للمضطر بناء على حمل السفر على المثال وأن المقصود مطلق العذر هو الربع، وبه روايات عديدة، وقد أفتى بمضمونها بعضص، أو النصف كما عن الكليني(٤) ، وقال به أيضا قوم، هذا في طرف المغرب.

وأما العشاء ففي رواية عن صاحب الامر عجل الله فرجه أنه قال: ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم(٥) إلخ. وهذه الرواية بظاهرها تدل على أن آخر وقت العشاء هو اشتباك النجوم الذي هو قريب من سقوط الشفق، ولكن الظاهر أنه لم يعمل بها أحد، وفي مضمر معاوية بن عمار: أن وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل(٦) . ويقرب منها رواية الحلبي عن الصادق(٧) ، وأفتى بمضمونها بعض، وقد ورد في عدة من الروايات أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لولا أني أخاف أن أشق على امتي لاخرت العشاء إلى ثلث الليل(٨) . وفي بعض منها أنه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأنت في رخصة منها إلى نصف الليل(٩) . وفي رواية أنه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لولا أن أشق على امتي لاخرت العشاء

____________________

(١) و (٢) و (٣) الوسائل:: ج ٣ ص ١٤١، الباب ١٩ من أبواب المواقيت، ح ١ و ٢ و ٣.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٤١، باب ١٩ من أبواب المواقيت، ح ٣.

(٥) الوسائل: ج ٣ ص ١٤٧، باب ٢١ من أبواب المواقيت، ح ٧.

(٦) الوسائل: ج ٣ ص ١٤٦، باب ٢١ من أبواب المواقيت، ح ٤.

(٧) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٥، باب ١٧ من أبواب المواقيت، ح ٩.

(٨) الوسائل: ج ٣ ص ١٤٦ باب ٢١ من أبواب المواقيت، ح ٢.

(٩) الوسائل: ج ٣ ص ١٣٥ باب ١٧ من أبواب المواقيت، ح ٧ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


إلى نصف الليل(١) . وروى الكليني إلى ربع الليل(٢) أيضا.

فهذه جملة الاخبار الواردة في المقام، وأنت إذا نظرت في هذه الاخبار على اختلافها تعرف أنها ليست بصدد بيان الوقت الاجزائي، بل إنما هي لبيان وقت الفضل، كما يدل عليه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذيل قوله " لو لا أني أخاف أن أشق " " وأنت في رخصة منها إلى نصف الليل " فإنه يشعر بأن التأخير إلى الثلث ليس من جهة أنه أول الوقت، كما يوهمه ظاهر قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله " لاخرت العشاء إلى ثلث الليل " بل لمكان أن آخر الوقت الفضيلي هو الثلث وأنه أفضل من أوله، كما يشعر إليه أن تقديمها على ذلك الوقت إنما هو لمكان خوف المشقة، وإلا فالصبر إلى الثلث أفضل، وإن كان الوقت ممتد إلى النصف.

فيتحصل من هذه الرواية امور ثلاثة: الاول: أن الوقت ممتد إلى النصف بقرينة قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله " وأنت في رخصة.. إلخ ". الثاني: أن وقته ا يدخل قبل الثلث. الثالث: أن الثلث آخر وقت الفضيلي وأنه أفضل من غيره، ولا مانع من أن يكون آخر وقت الفضيلي أفضل من أوله، فتكون هذه الرواية مخصصة لما دل على أن أول الوقت أفضل مطلقا في جميع الفرائض.

فظهر أن هذه الرواية بنفسها تكفي في المطلوب من امتداد وقت العشاء مطلقا إلى النصف، وأن ماورد من الثلث والربع محمول على الوقت الفضيلي، هذا بالنسبة إلى العشاء، وقد عرفت أن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله " وأنت في رخصة منها إلى نصف الليل " كاد أن يكون صريحا في الامتداد إلى ذلك مطلقا حتى للمختار، ضرورة أنه لو كان ذلك مخصوصا بالمضطر لما كان معنى لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله " وأنت في رخصة " لعدم مناسبة الرخصة مع كونه مضطرا في التأخير،

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٤٦، باب ١٧ من أبواب المواقيت، ح ٥ و ٣. [ * ]


فإن الرخصة إنما تستعمل في مقام التوسعة والقدرة على الفعل قبل ذلك. اللهم إلا أن يقال بتعميم الاضطرار إلى ما لاينافي ذلك، فتأمل فإن التعميم يلازم القول بالامتداد إلى النصف اختيارا، هذا كله مضافا إلى المطلقات التي كادت أن تكون متواترة والشهرة المحققة.

وأما المغرب فامتداد وقته إلى النصف من جهة عدم القول بالفصل بينه وبين العشاء، فكل من قال بامتداد وقت العشاء إلى النصف اختيارا قال به في المغرب أيضا، هذا. مضافا إلى الادلة الخاصة من جواز تأخير المغرب عن الشفق اختيارا، كما في رواية عمار عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز أن تؤخر ساعة؟ قال: لابأس إن كان صائما أفطر ثم صلى، وإن كانت له حاجة قضاها ثم صلى(١) . فإن إطلاق الحاجة وعدم تقييدها يدل على جواز التأخير لاي حاجة، وهذا كما ترى يساوق جواز التأخير اختيارا.

وفي رواية داود الصرمي قال: كنت عند أبي الحسن الثالثعليه‌السلام يوما، فجلس يحدث حتى غابت الشمس، ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدث، فلما خرجت من البيت نظرت فقد غاب الشفق قبل أن يصلي المغرب(٢) ، الحديث. وفي رواية إسماعيل قال: رأيت الرضا وكنا عنده لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم، ثم قام فصلى بنا على باب دار إبن أبي محمود(٣) .

وإذا جاز التأخير عن الشفق اختيارا فلا محالة يكون ممتدا إلى النصف، لضعف القائل بالتفصيل، فحينئذ يجب حمل الاخبار المحددة في طرف المغرب

____________________

(١) و (٢) و (٣) الوسائل: ح ٣ ص ١٤٣، باب ١٩ من أبواب المواقيت، ح ١٢ و ١٠ و ٩. [ * ]


والعشاء إلى بيان وقت الفضيلة وأن أول وقت الفضل للمغرب هو ذهاب الحمرة، كما يدل عليه المطلقات من أفضلية أول الوقت، ودونه في الفضل الربع، ودونه الثلث، وكذا أول وقت فضيلة العشاء سقوط الشفق، وآخره الثلث، لكن هنا التاخير إلى الثلث أفضل عكس المغرب والظهرين فإن أول أوقاتها يكون أفضل.

هذا كله بالنسبة إلى جواز تأخير العشاء‌ين عن الربع والثلث إلى النصف اختيارا. وأما جواز تأخيرها عن النصف إلى الطلوع إما اختيارا كما نسب إلى بعض، أو اضطرارا كما عن المعتبر(١) والمدارك(٢) ، فمجمل القول فيه: أنه قد وردت عدة من الروايات وفيها الصحاح أن وقت العشاء‌ين ممتد إلى الطلوع لكن في خصوص النائم والناسي والحائض.

ففي الصحيح عن الصادقعليه‌السلام أنه قال: إن نام الرجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلي كلتيهما فليصليهما، وإن خشي أن تفوته أحدهما فليبدأ بالعشاء الآخرة(٣) . وفي خبر عبدالله بن سنان: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر، وإن طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء(٤) . وفي طريق آخر: إن طهرت قبل الفجر(٥) .

وفي رواية عبيدالله بن زرارة: لاتفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس،

____________________

(١) المعتبر في شرح المختصر: ص ١٣٨، ص ١٥ من كتاب الصلاة.

(٢) مدارك الاحكام: ص ١١٩، س ٢٥ من كتاب الصلاة.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢، باب ٦٢ من أبواب المواقيت، ح ٣، وفيه اختلاف يسير.

(٤) الوسائل: ج ٢ ص ٦٠٠، باب ٤٩ من أبواب الحيض، ح ١٠.

(٥) الوسائل: ج ٢ ص ٥٩٩ و ٦٠٠ باب ٤٩ من أبواب الحيض، ح ٧ و ١٢ نقلا بالمضمون. [ * ]


ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس(١) .

ومقتضى إطلاق الرواية الاخيرة هو امتداد الوقت إلى الفجر مطلقا ولو اختيارا، خصوصا بعد قولهعليه‌السلام " لاتفوته صلاة النهار حتى تغيب الشمس " بل يمكن أن يقال: إن الظاهر من خبر طهر الحائض هو ذلك أيضا، بقرينة قولهعليه‌السلام " إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر " بداهة جواز تأخير الظهر والعصرإلى الغروب وإن طهرت قبله بكثير، فينبغي أن يكون العشاء‌ين كذلك، لانهما جعلا في الرواية على نسق واحد، فتأمل.

ولعل هذا أوجب القول بامتداد وقت العشاء‌ين مطلقا إلى الغروب، وإن قال في الجواهر من أنه لم يعرف قائله(٢) ، والانصاف أنه ينبغي أن لايعرف قائله، فإن القول بذلك في غاية السقوط، لتصريح جملة من الاخبار في أن منتهى وقت العشاء‌ين هو النصف، فلو أخذنا بإطلاق هذه الرواية من امتداد الوقت إلى الطلوع اختيارا تكون معارضة لتلك الاخبار بالتباين، ولايريب أحد في ترجيح تلك الاخبار لكثرتها، بل ربما يدعى تواترها، وشهرتها بين الرواة، وعمل الاصحاب عليها، مع أنه قد عرفت أنه لم يعلم القائل بامتداد الوقت إلى الطلوع اختيارا.

فلا إشكال في سقوط هذا القول، وسقوط ما يمكن التمسك به له، أما رواية عبيدالله بن زرارة فلضعف سندها، على ما في الجواهر(٣) ، وأما رواية الحائض فلان موردها هو الاضطرار، فليس فيها إطلاق بالنسبة إلى غير الاضطرار، ومجرد ذكر الظهرين قبله لايكون قرينة على ذلك، مع أنه على فرض صحة السند في

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١١٦، باب ١٠ من أبواب المواقيت، ح ٩.

(٢) و (٣) جواهر الكلام: ج ٧ ص ١٥٦ و ١٥٨. [ * ]


الاولى وصحة الدلالة في الثانية لابد من طرحها لموافقتها للعامة لكن في خصوص العشاء، لان المغرب لايمتد عندهم إلى الطلوع بل وقته عندهم ضيق وأن آخره سقوط الشفق، فتأمل جيدا.

بقي الكلام في ما ينقل عن المعتبر(١) والمدارك(٢) بل الشيخ في الخلاف(٣) من امتداد الوقت إلى الطلوع بالنسبة إلى المضطر، ومستندهم ما تقدم من قول الصادقعليه‌السلام " إن نام الرجل ولم يصل صلاة العشاء والمغرب(٤) .. إلخ " وهو وإن كان مخصوصا بالنوم والنسيان، إلا أنه بعد إلقاء الخصوصية يكون الحكم عاما لمطلق المضطر، وبه يقيد ما دل على النصف من المطلقات الشاملة بإطلاقها المضطر والمختار.

ولايمكن أن يقال بأن غاية ما يدل عليه الصحيح هو فعل العشاء‌ين قبل الفجر لو استيقظ أو تذكر بعد الانتصاف وهو أعم من الاداء والقضاء، فلعل أن تكون العشاء‌ين بعد الانتصاف قضاء ولكن يجب قضاؤهما قبل الفجر، غاية الامر أنه يكون من الادلة الدالة على تعجيل القضاء بالنسبة إلى خصوص النائم والناسي، فتكون المطلقات حينئذ أخص من هذا الصحخيح، لان المطلقات تدل على خروج الوقت بعد الانتصاف وتكون الصلاة قضاء، وهذه الصحيحة تدل على وجوب فعل العشاء‌ين قبل الفجر ولاتعرض لها للادائية والقضائية، فلابد من حملها على صورة القضاء كما هو الشأن في صناعة الاطلاق والتقييد، وذلك لان قولهعليه‌السلام في آخر الصحيحة " وإن خشي أن تفوته أحدهما فليبدأ

____________________

(١) المعتبر في شرع المختصر: ص ١٣٨ س ١٥ من كتاب الصلاة.

(٢) مدارك الاحكام: ص ١١٩ س ٢٥ من كتاب الصلاة.

(٣) الخلاف: ج ١ ص ٢٦٤ مسألة ٨ من كتاب الصلاة، طبع مؤسسة النشر الاسلامي قم.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٠٩ باب ٦٢ من أبواب المواقيت، ح ٣. [ * ]


بالعشاء الآخرة " ينفي هذا المعنى، بداهة أنه لو كانت قضاء لم يكن وجه لسقوط الترتيب وفعل العشاء قبل المغرب، ودعوى سقوط الترتيب في القضاء في هذا المورد بعيد جدا.

فالانصاف أن الصحيحة في حد نفسها ظاهرة الدلالة في امتداد الوقت للناسي والنائم إلى الطلوع، ولايمكن الحمل على التقية لان الحمل على التقية فرع التعارض وعدم الجمع الدلالي، وفي المقام ليس كذلك لان الجمع الدلالي ممكن، لما عرفت من أخصية هذه الصحيحة بالنسبة إلى المطلقات، وفي كل مورد كان أحد الدليلين أخص مطلقا من الآخر يجمع بينهما بحمل المطلق على الخاص ولاتصل النوبة إلى ملاحظة التقية، اللهم إلا أن يكون الخاص بنفسه مشتملا على قرائن التقية، وهذا في المقام مفقود أيضا، فلا يمكن الخدشة في دلالة الرواية على ماذهب إليه في المعتبر(١) والمدارك(٢) والشيخ(٣) على احتمال إلا من حيث تعميم الاضطرار، مع أن في الرواية لم يذكر إلا خصوص النوم والنسيان.

والانصاف أن إلقاء الخصوصية ليس بذلك البعد، بل في رواية زرارة التصريح بذلك قال: وقال الصادقعليه‌السلام : لاتفوت الصلاة من أراد الصلاة، لاتفوت صلاة النهار حتى تغرب الشمس، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر وذلك للمضطر والعليل والناسي(٤) .

نعم هذه الصحيحة لها معارض في خصوص النوم، وهو مرفوعة إبن مسكان عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: من نام قبل أن يصلي العتمة فلم يستيقظ حتى

____________________

(١) المعتبر في شرح المختصر: ص ١٣٨ س ١٥ من كتاب الصلاة.

(٢) مدارك الاحكام: ص ١١١٩ س ٢٥ من كتاب الصلاة.

(٣) الخلاف: ج ١ ص ٢٦٤ مسألة ٨ من كتاب الصلاة.

(٤) الوسائلك ج ٣ ص ٩١ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٣، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


يمضي نصف الليل فليقض صلاته وليستغفر الله(١) .

ودعوى أعمية القضاء من فعل الشئ في خارج الوقت مما لاشاهد عليها بعدما كان الظاهر منه هو ذلك، خصوصا بعد قوله " فلم يستيقط حتى يمضي نصف الليل " إذ لو كان القضاء بمعنى فعل الشئ ولو في وقته لم يكن وجه لهذا التقييد كما لايخفى، فدلالة هذه الرواية على خروج الوقت بعد النصف بالنسبة إلى النائم في غاية الوضوح، فتكون معارضة مع أحد جزئي تلك الصحيحة، ولا إشكال في ترجيحها على الصحيحة، لموافقتها للمطلقات ومخالفتها للعامة.

وحينئذ ينهدم ما ذكرناه من استفادة التعميم لمطلق العذر من جهة إلغاء الخصوصية مع قطع النظر عن رواية زرارة(٢) ، إذ لم يبق في الصحيحة إلا مورد واحد وهو النسيان، ومجرد ورود دليل على امتداد الوقت للناسي إلى الطلوع أو هو والحيض مع قطع النظر عن الاشكال الوارد فيما يدل عليه كما تقدم لايمكن استفادة العموم وتسرية الحكم لكل عذر. فالقول بامتداد الوقت إلى ذلك بالنسبة إل كل مضطر خال عن الدليل، وما في رواية زرارة يحتمل إرادة النافلة منه، فتأمل فإنه بعيد، هذا.

مع ما قيل من إعراض المشهور عن هذه الاخبار وعدم العمل بها، وموافقتها للتقية، ولكن مع ذلك لاينبغي ترك الاحتياط بعدم التعرض لنية الاداء والقضاء، وإن أخر العشاء‌ين إلى ذلك عمدا، فضلا عن صورة العذر وخصوصا الناسي، فتأمل جيدا.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٦ باب ٢٩ من أبواب المواقيت، ح ٦.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٩١ باب ٤ من أبواب المواقيت، ح ٣. [ * ]


تنبيه: لايخفى أن ما ذكرنا من امتداد الوقت إلى النصف يراد النصف من الغروب إلى طلوع الفجر لاالنصف باعتبار طلوع الشمس، فإن ما بين الطلوعين لايعد من الليل لافي اللغة ولا في الشرع، ولم ينقل القول به أيضا من أحد إلا من الاعمش، ومخالفته لاتضر بتحقق الاجماع المحكي والمحقق.

وقد ورد في غير مورد من الكتاب والسنة إطلاق النهار واليوم على ما بعد طلوع الفجر، كإطلاق الليل على ما قبل ذلك، بل نقل عن البحار(١) وجود مائة خبر يدل على أن ما بين الطلوعين ليس من ساعات الليل، فلا يحتاج إلى ذكر الادلة وتفصيلها، فإن المسألة أوضح من ذلك، وإن أردت أن تستحضر عن تفصيلها فعليك بمراجعة الجواهر في باب المواقيت(٢) ، فإنه قد أطال الكلام في ذلك، وأتى بما يغني عن غيره.

بيان أول وقت صلاة الصبح وآخره

أما أوله فالظاهر قيام الاجماع من الخاصة على أنه هو طلوع الفجر الثاني المعترض على الافق كالقبطية البيضاء، وهو المعبر عنه بالفجر الصادق، في مقابل الفجر الكاذب الذي يظهر قبل ذلك وهوكذنب السرحان، مضافا إلى تواتر الاخبار بذلك من غير أن يوجد لها معارض، سوى ما ربما يتوهم من خبر إن مهزيار قال: كتب أبوالحسن الحصين

____________________

(١) بحار الانوار: ج ٨٠ ص ٧٤ باب ١ من أبواب النجاسات والمطهرات وأحكامها.

(٢) جواهر الكلام: ج ٧ ص ٧١.


إلى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام معي: جعلت فداك أختلف مواليك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الاول المستطيل في السماء، ومنهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الافق واستبان، ولست أعرف أفضل الوقتين فاصلي فيه، فإن رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين وتحده لي، وكيف أصنع مع القمر والفجر لايتبين معه حتى يجهر ويصبح، وكيف أصنع مع الغيم، وما حد ذلك في السفر والحضر، فعلت إن شاء‌الله. فكتب بخطه وقرأته: الفجر يرحمك الله هو الخيط الابيض المعترض، وليس هو الابيض صعدا، فلا تصل في سفرلا ولاحضر حتى تبينه(١) ، الحديث.

فإن ظاهر السؤال المفروغية عن أن الفجر الاول كان وقتا لصلاة الصبح وكانت بعض الموالي تصليها فيه، وإنما سأل عن أفضل الوقتين، ولكن هذا لايصلح للمعارضة بعد جوابهعليه‌السلام وتعيينه الفجر بالفجر الصادق، فلعل صلاة بعض الموالي في الفجر الكاذب كان من أجل التقية، إما من عند أنفسهم، وإما من حيث أمرهم بذلك، وإن لم يوجد فيما بأيدينا من الاخبار أمر الموالي بالصلاة في الفجر الكاذب وعلى أي لاإشكال ولاخلاف في أن الميزان هو الفجر الصادق، بل هو من ضروريات المذهب. إنما الاشكال في آخره، فالمشهور على أنه يمتد إلى طلوع الشمس اختيارا، وإن كان الفضل عدم تأخيرها من طلوع الحمرة المشرقية وأن ذلك آخر وقت فضيلتها.

وقيل: إن الامتداد إلى ذلك إنما هو للمضطر، وأما المختار فآخر وقتها هو طلوع الحمرة المشرقية.

فمما يدل على المشهور قول أبي جعفرعليه‌السلام : وقت صلاة الغداة ما بين طلوع

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٣ باب ٢٧ من أبواب المواقيت، ح ٤، وفيه: حتى يحمر ويصبح. [ * ]


الفجر إلى طلوع الشمس(١) . كما في رواية زرارة. وفي حديث عبيد بن زرارة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: لاتفوت صلاة الفجر حتى تطلع الشمس(٢) .

وهذا وإن كان مطلقا بالنسبة إلى المختار والمضطر إلا أنه ليس في المقام ما يصلح للتقييد، فإن ما ورد من التحديد بطلوع الحمرة المشرقية لغير صاحب العذر الذي تمسك به القول الآخر المقابل للمشهور ظاهر في إرادة الوقت الفضيلي لا الاجزائي، ولابأس بذكر بعضها ليعلم حقيقة الحال.

ففي رواية أبي بصير المكفوف قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ فقال: إذا كان الفجر كاقبطية البيضاء، قلت: فمتى تحل الصلاة؟ فقال: إذا كان كذلك، فقلت: ألست في وقت من تلك الساعة إلى أن تطلع الشمس؟ فقالعليه‌السلام : لا، إنما نعدها صلاة الصبيان، ثم قال: إنه لم يكن يحمد الرجل أن يصلي في المسجد ثم يرجع فينبه أهله وصبيانه(٣) .

وفي صحيحي إبن سنان(٤) والحلبي(٥) عن الصادقعليه‌السلام : لكل صلاة وقتان وأول الوقت أفضلهما، ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء، ولاينبغي تأخير ذلك عمدا، ولكنه وقت من شغل أو نسي أو سهى أو نام. وفي الموثق في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه أمر أن يصلي المكتوبة من الفجر إلى أن تطلع الشمس(٦) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٥٢ باب ٢٦ من أبواب المواقيت، ح ٦، وفيه: صلاة الغداة.

(٢) الوسائل: ج ٣، ص ٥٢ باب ٢٦ من أبواب المواقيت، ح ٨.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٥٥ باب ٢٨ من أبواب المواقيت، ح ٢.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٥١ باب ٢٦ من أبواب المواقيت، ح ٥، وفيه: وأول الوقتين.

(٥) الوسائل: ج ٣ ص ١٥١ باب ٢٦ من أبواب المواقيت، ح ١.

(٦) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٢ باب ٢٦ من أبواب المواقيت، ح ٧، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


ولو سلك أحد مسلك الانصاف يقطع بأن هذه الاخبار ليست بصدد بيان الوقت الاضطراري وأن الوقت الاختياري لايمتد إلى الطلوع، كما يشعر إليه قولهعليه‌السلام " ولاى ينبغي تأخير ذلك عمدا " وقولهعليه‌السلام " إنما نعده صلاة الصبيان " وقولهعليه‌السلام بعد ذلك " وإنه لم يكن يحمد الرجل " فإن الظاهر من هذه التعبيرات هو مرجوحية التأخير إلى طلوع الشمس وأن الفضل تقديمها على ذلك، مضافا إلى التصريح بالافضلية في الصحيحين المتقدمين، نعم ليس في الاخبار ما يدل على امتداد وقت الفضيلة في الصحيحين المتقدمين، نعم ليس في الاخبار ما يدل على امتداد وقت الفضيلة إلى طلوع الحمرة المشرقية، بل الموجود فيها " إلى أن يتجلل الصبح السماء " أو " يسفر " وكأنهم فهموا منه ذلك وأن تجلل الصبح واسفراره يكون مقارنا لظهور الحمرة(١) في طرف المشرق.

فظهر أن الاقوى امتداد وقت صلاة الصبح إلى طلوع الشمس مطلقا حتى للمختار، وأن الاخبار المحددة كلها لبيان وقت الفضل، بل الانصاف أن ظهور الاخبار المحددة في صلاة الصبح في بيان وقت الفضيلة أقوى بمراتب من ظهور الاخبار المحددة في الظهرين والعشاء‌ين وظهر أيضا أن آخر وقت فضيلة الصبح هو طلوع الحمرة المشرقية، وإن كان أول الفجر أفضل كما صرحت به الصحيحتان، ولاعبرة بالحمرة المغربية على تقدير عدم مقارنتها لطلوع الشمس، كما يدل عليه رواية دعائم الاسلام عن الصادقعليه‌السلام : إن أول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في افق المشرق، وآخر وقتها أن يحمر افق المغرب، وذلك قبل أن

____________________

(١) بل في بعض الروايات ما يدل على ذلك كما في صحيحة إبن يقطين سألت أباالحسنعليه‌السلام الرجل لايصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر (*)، الحديث. فإن الظاهر أن عطف وتظهر الحمرة على الاسفراء من باب عطف التفسير فتأمل جيدا " منه ".

(*) الوسائل: ج ٣ ص ١٩٣ باب ٥١ من أبواب المواقيت، ح ١. [ * ]


يبدو قرن الشمس من افق المشرق بشئ لاينبغي تأخيرها إلى هذا الوقت لغير عذر، وأول الوقت أفضل(١) . ونحوه المحكي عن فقه الرضا(٢) عليه‌السلام . وهذا كما ترى يدل على أن آخر وقت الفضل أو آخر وقت الاجزاء هو احمرار افق المغرب لغير المضطر. لكن الظاهر أنه لم يعمل به أحد من الاصحاب، لانعقاد الاجماع على أن آخر وقت الفضل أو الاجزاء هو احمرارافق المشرق، هذا مضافا ما عن البحار من أن اعتبار احمرار المغرب غريب، وقد جربت أنه إذا وصلت الحمرة إلى افق المغرب يطلع قرن الشمس(٣) . مع أن الرواية صريحة بخلافه، وعلى أي حال إلاشكال في سقوط هذا الجزء من الرواية لعدم العمل بها. هذا تمام الكلام في أوقات الفرائض اليومية.

أوقات النوافل اليومية

فالمشهور أن وقت نافلة الظهر من الزوال إلى القدمين، ووقت نافلة العصر إلى أربعة أقدام.

وقيل: إن الظهر إلى المثل، والعصر. إلى المثلين الذي هو آخر وقت فضيلة الفريضتين.

وقيل: يمتد وقت النافلة بامتداد وقت الفريضة. والاقوى ما ذهب إليه المشهور، ويدل عليه عدة روايات، ففي رواية إبن مسكان عن زراره قال: قال لي أبوجعفرعليه‌السلام : أتدري لم جعل الذراع

____________________

(١) دعائم الاسلام: ج ١ ص ١٣٩، وفيه " ولاينبغي ".

(٢) فقه الرضا: ص ٧٤.

(٣) بحار الانوار: ج ٨٣ ص ٧٤ باب وقت صلاة الفجر ونافلتها.


والذراعان؟ قال: قلت: لم؟ قال: لمكان الفريضة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يبلغ ذراعا، فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة(١) . وفي معناها عدة روايات اخر.

وأما امتداد وقت النافلة إلى المثل والمثلين فلم يدل عليه دليل، سوى ما يتوهم من دلالة الاخبار المفسرة للذراع بالقامة عليه، وهي عدة من الروايات.

ففي رواية زرارة(٢) وعبدالله بن سنان(٣) عن أبي عبداللهعليه‌السلام : كان حائط مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قامة، فإذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر، وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر. وهذا بظاهره يدل على أن القامة غير الذراع، بقرينة " من " الظاهرة في التبعيض، ولكن بعد البناء على أن الحائط بقرينة ما ورد من تفسير القامة بالذراع كان ذراعا يتم المطلوب، فإنه يصير المعنى حينئذ أن الحائط كان قدر ذراع، فإذا صار الفئ بذاك المقدار يعني ساوى الظل مقدار ذي الظل كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلي الظهر، وإذا صار الظل مقداري ذي الظل صلى العصر، فيكون العبرة بالمثل والمثلين ولابد حينئذ من رفع اليد عن ظهور " من " في التبعيض.

ويجري بهذا المجرى جميع الاخببار الواردة في القامه والقامتين، مع ما ورد عن تفسيرها بالذراع والذراعين، ويكون الذراع حينئذ كناية عن قامة الشاخص بقرينة التفسير، فيكون العبرة بصيرورة الظل بمقدار ذي الظل، وهو المراد من المثل والمثلين.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٦ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٢٠، وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٨ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٢٧.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٤ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٧. [ * ]


وفيه: أن مبنى الاستدلال إنما هو على حائط المسجد كان ذراعا، حتى يكون المراد من قولهعليه‌السلام " فإذا مضى من فيئه ذراع " هو صيرورة الظل بقدر ذي الظل، وهذا المعنى لم يثبت بل الثابت خلافه، وأن الحائط كان قدر قامة الانسان كما هو المحكي عن فقه الرضا(١) عليه‌السلام ، ويدل عليه أيضا نفس مافي رواية زرارة وعبدالله بن سنان المتقدمتين، فإن الظاهر من كلمة " من " هو التبعيض، وهو لايستقيم إلا إذا كان مقدار الحائط أكثر من ذراع، وكذا يظهر من صدر الروايتين أيضا، فإن الظاهر من لفظ القامة في قولهعليه‌السلام " كان حائط مسجد رسول الله قامة " هوقامة الانسان، فان هذا هو المنساق من إطلاقها.

والحاصل: أن تمامية الاستدلال موقوف على أن يكون حائط مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قدر ذراع، وهذا مع أنه لم يثبت في نفسه، ينفيه صدر الرواية وذيلها، فإن المنساق من إطلاق القامة التي في صدر لرواية هو قامة الانسان، وظهور لفظة " من " التي في الذيل في التبعيض، فرواية زرارة وعبدالله ابن سنان أدل على اعتبار القدمين والاربعة من اعتبار المثل والمثلين وماورد من تفسير القامة بالذراع لاشهادة فيها على أن الحائط كان قدر ذراع، إذ المستفاد من مجموع الاخبار أنه كان في ذلك الزمان اصطلاح خاص وهو التعبير عن الذراع بالقامة، كما يظهر من الصادقعليه‌السلام : القامة والقامتان الذراع والذراعان في كتاب عليعليه‌السلام (٢) ، وقولهعليه‌السلام عند سؤال أبي بصير كم القامة؟ فقال: ذراع(٣) .. إلخ.

____________________

(١) فقه الرضا: ص ٧٦.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٧ باب ٨ من أبواب المواقيت الحديث ٢٦ نقلا بالمضمون.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٦ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ١٦. [ * ]


ولكن هذا لايدل على أن كلما استعملت القامة في أي مورد يراد منها الذراع حتى إذا كانت هناك قرينة على الخلاف، فلفظ القامة في رواية زرارة وعبدالله ابن سنان الواردتين في حائط مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يراد منها قامة الانسان بقرينة الذيل وما ورد من استحباب أن يكون حائط(١) قامه أو أكثر على ما قيل وبقرينة المحكي عن فقه الرضا(٢) .

فمن مجمع هذا يستفاد أن الحائط كان قدر قامة الانسان، وهذا لاينافي أن يكون المراد من القامة عند إطلاقها هو الذراع، كما ورد التفسير بذلك في عدة من الروايات، ويكون حينئذ جميع ما ورد من تحديد وقت الظهر والعصر بالقامة والقامتين محمول على القدمين وأربعة أقدام المتساويان للذراع والذراعين.

فإن قلت: لو حملتم لفظ القامة الواردة في الروايات بالذراع، فبم تستدلون على امتداد وقت فضيلة فريضة الظهر والعصر بالمثل والمثلين؟ ويكون حينئذ القول بالامتداد إلى ذلك خال عن الدليل.

قلت: بل يستدل على ذلك بما ورد من التحديد بالمثل والمثلين، كما في قول الصادقعليه‌السلام لسعيد بن هلال: قل لزرارة إذذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر(٣) .

وفي معناها رواية اخرى(٤) ، ولا ملازمة بين أن يكون المراد من القامة هو الذراع وبين أن يكون المراد من المثل ذلك أيضا، بل المراد من المثل هو مثل الشاخص(٥) كما هو واضح.

____________________

(١) هكذا في الاصل، والظاهر سقوط كلمة " المسجد " بعد كلمة " حائط ".

(٢) فقه الرضا: ص ٧٦.

(٢) فقه الرضا: ص ٧٦.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١١٠ باب ٨ من ابواب المواقيت، ح ٣٣.

(٥) لكن الظاهر من رواية زرارة هو بلوغ الظل الاعم من الباقي والحادث بعد الزوال مقدار المثل، وهذا لايستقيم في بعض الازمنة والامكنة، فإنه ربما يكون الظل الباقي أكثر من المثل، فيلزم أن يكون وقت الفريضة قبل الزوال، ولايمكن حملها على خصوص الظل الحادثث، لان قولهعليه‌السلام " إذا كان ظلك مثلك.. إلخ " ينافي ذلك، فإنه لو كان المراد خصوص الظل الحادث لكان حق التعبير أن يقال: إذا صار ظلك مثلك، كما لايخفى، هذا. مضافا إلى أن الظاهر من الرواية هو كون المثل والمثلين أول وقت الفريضة لاآخر، مع أنه ما تضمنته رواية زرارة قضية شخصية لايمكن التمسك بها. فالانصاف أنه بناء على كون المراد من القامة الذارع يكون القول بامتداد وقت فضيلة الفريضة إلى المثل والمثلين خال عن الدليل، فتأمل " منه ".

[ * ]


فتحصل: أنه لايمكن الاستدلال على امتداد وقت نافلة الظهرين إلى المثل والمثلين بما ورد من أن حائط كان قامة، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا مضى من فيئه ذراع يصلي الظهر(١) . إذ الاستدلال بذلك إنما يتم بعد حمل القامة على الذراع، وقد عرفت عدم إمكان ذلك، وقد استدلوا عليه أيضا بامور اخر غير خالية من المناقشة. قالاقوى ما عليه المشهور من امتداد وقت النافلة إلى القدمين وأربعة أقدام.

وأما القول بامتداد وقت النافلة إلى آخر وقت الفريضة فلم يظهر القائل به، وربما نسب إلى الحليرحمه‌الله إلا أنه على تقدير صدق النسبة لم يكن قولا آخر في المسألة، لان بناء الحلي على ما حكي هو أن آخر وقت الفريضة عنده هو المثل والمثلان للمختار، ولم ينقل تصريح منه على امتداد وقت النافلة إلى آخر وقت الاضطراري للفريضة. وعلى أي حال لاشاهد على هذا القول من الاخبار أصلا، سوى ما يتوهم من دلالة الاخبار على عدم وقت للنافلة، وأنها بمنزلة الهدية كل وقت صالح لها على ذلك. وفيه: مع أن هذه الاخبار أعم من المدعي، سيأتي التكلم فيها إن شاء‌الله.

وبناء على المشهور لو لم يصل من نافلة الزوال شئ إلى أن صار الظل قدمين وكذا لم يصل من نافلة العصر شئ إلى أن صار الظل أربعة أقدام،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٨ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٢٧. [ * ]


فلا إشكال في خروج وقت النافلة. وأما لو تلبس منها ولو بركعة زاحم بها الفريضة، لقاعدة " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها " كما في النبوي(١) الشاملة لفريضة والنافلة بتنزيل صلاة النافلة منزلة صلاة واحدة فتأمل ولرواية عمار بن أبي عبداللهعليه‌السلام في حديث قال: وقت صلاة الجمعة شراك أو نصف، وقال: للرجل أن يصلى الزوال ما بين زوال الشمس إلى أن يمضى قدمان، وإن كان قد بقي من الزوال ركعة واحدة أو قبل أن يمضي قدمان أتم الصلاة حتى يصلي تمام الركعات، فإن مضى قدمان قبل أن يصلي ركعة إذا زالت الشمس بدأ بالاولى، ولم يصل الزوال إلا بعد ذلك(٢) ، الحديث. فإن الرواية وإن كانت لاتخلو عن إغلاق وإشكال إلا أن دلالتها على المقصود ظاهرة.

ولافرق فيما ذكرنا بين أن يعلم قبل الشروع في النافلة أنه لم يبق من وقتها إلا ركعة، أو لا يعلم ذلك بأن دخل في النافلة بظن بقاء وقتها، أو كان غافلا وبعدما صلى ركعة ظهر خروج وقتها، لاطلاق القاعدة، لكن على أي حال يعتبر أن تقع ركعة منها قبل القدمين. ثم لايخفى أن ما قلنا من امتداد وقت النافلة إلى القدمين هو امتدادها إلى رأس القدمين لا إلى أن يبقى من القدمين مقدار أداء الفريضة، لان الظاهر من الادلة هو امتداد الوقت إلى نفس القدمين كما هو واضح.

بقي في المقام شئ يجب التنبيه عليه وهو أنه ربما قيل بعدم وقت للنافلة بل جميع النهار صالح لها، وإن كان إيقاعها من الزوال إلى القدمين للظهر والاربعة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٨ باب ٣٠ من أبواب المواقيت، ح ٣٠.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٧٨ باب ٤٠ من ابواب المواقيت، ح ١، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


للعصر أفضل، وقد استدل على ذلك بعدة من الروايات، بعضها ظاهرة الدلالة في ذلك. وربما قيل أيضا بجواز فعل النافلة قبل الزوال لكن لامطلقا. بل لمن علم أنه شغله شاغل من فعلها في وقتها.

ويدل عليه أيضا عدة من الروايات. فمما يدل على الاول ما رواه علي بن الحكم عن بعض أصحابه عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: قال لي: صلاة النهار ست عشرة صلها أي النهار شئت، إن شئت في أوله، وإن شئت في وسطه، وإن شئت في آخره(١) . وعن القاسم بن وليد الغساني عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: قلت له: جعلت فداك صلاة النهار النوافل في كم هي؟ قال: ست عشرة ركعة، في أي ساعات النهار شئت أن تصليها صليتها، إلا أنك إذا صليتها في مواقيتها أفضل(٢) . وعن أبي عبداللهعليه‌السلام أيضا قال: صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى ما اتي بها قبلت، فقدم منها ما شئت وأخر منها ما شئت(٣) . وقد استدل على ذلك أيضا بروايات اخر لاتخلو عن المناقشة، كما أن الرواية الاخيرة التي ذكرناها لاتخلو عنها أيضا، لان صلاة التطوع أعم من النوافل اليومية المرتبة، بل ربما قيل بظهور التطوع في التطوع الابتدائي فلا يشمل النافلة.

فالعمدة هو ما ذكرناه من الروايتين الاولتين، فإن الانصاف كونهما ظاهرتي الدلالة في ذلك، وآبية عن حملهما على القضاء أو غيره جدا، فلو خلينا وأنفسنا لكان يلزمنا القول بذلك، ويحمل ما ورد من تحديد النافلة بالقدمين والاربعة على بيان وقت الفضيلة، وأن فعلها عند ذلك يكون أفضل الاوقات.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣٦ باب ١٣ من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح ١٧.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٣٦ باب ١٣ من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح ١٨، وفيه اختلاف يسير.

وفيه: بن وليد الغفاري.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٧٠، باب ٣٧ من أبواب المواقيت، ح ٨. [ * ]


إلا أن الظاهر أنه لم يعمل بهما على الاطلاق، بل ربما ادعي الاجماع على خلاف ذلك، فتأمل جيدا.

ومما يدل على الثاني ما رواه في الكافي(١) والتهذيب(٢) عن الباقرعليه‌السلام من جواز تعجيل نافلة الزوال إذا علم أنه يشتغل عنها. وفي خبر إسماعيل بن جابر قال قلت لابي عبداللهعليه‌السلام : إني اشتغل، قال: فاصنع كما نصنع، صل ست ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر يعني ارتفاع الضحى الاكبر، واعتد بها من الزوال(٣) . وقد استدل على ذلك أيضا بروايات اخر لاتخلو عن المناقشة.

وما ذكرناه ظاهر الدلالة في ذلك، فلو خلينا وأنفسنا أيضا لكان ينبغي العمل بهذه الروايات مع عدم العمل بالطائفة الاولى، لان بين هذه الروايات وبين ما دل على تحديد الوقت بالقدمين وأربعة أقدام أعم أخص مطلقا، لان هذه الروايات مخصوصة بمن يشتغل عنها في وقتها، فمقتضى صناعة الاطلاق والتقييد هو حمل الاخبار المحددة على من لم يشغله عن النافلة في وقتها شئ. ولكن أيضا قيل بعدم العمل بها، إلاأن الظاهر خلافه، لما نقل عن التهذيب وجمع آخر من الاساطين العمل بمضمونها. فالانصاف أن القول به لايخلو عن قوة، هذا تمام الكلام في وقت نافلة الظهرين.

وأما وقت نافلة العشاء‌ين فأول الوقت لنافلة المغرب هو بعد فعل الفريضة، ويمتد إلى ذهاب الحمرة المغربية بمقدار أداء الفريضة، هذا هو المشهور، وقد نقل الاجماع عليه. وربما مال بعض إلى امتداد وقت نافلة المغرب بامتداد وقت

____________________

(١) الكافي: ج ٣ ص ٤٥٠ باب تقديم النوافل وتأخيرها وقضائها وصلاة الضحى، ح ١.

(٢) التهذيب: ج ٢ ص ٢٦٨ باب ١٣ من أبواب المواقيت، ح ١٠٤.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٩ باب ٣٧ من أبواب المواقيت، ح ٤، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


الفريضة إلى ما قبل انتصاف الليل.

وقد استدل للمشهور بوجوه: منها: أن المعهود من فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو ذلك(١) . ومنها: الاخبار الناطقة بأن المفيض إلى عرفات إذا صلى المغرب في المزدلفة يؤخر النافلة إلى ما بعد العشاء(٢) . ومنها: النهي عن التطوع في وقت الفريضة(٣) . ولكن الكل لايخلو عن مناقشة، أما فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فعلى تقدير ثبوته لادلالة له على خروج وقتها بعد الحمرة، إذ لعل فعله في ذلك الوقت كان من باب أنه كان أفضل أوقاتها.

وأما أخبار المفيض من عرفات فهو إنما لمكان استحباب الجمع بين العشاء‌ين في ذلك المكان كما ذكره الاصحاب. وأما النهي عن التطوع في وقت الفريضة فإنما هو عند تضيق وقت الفريضة، لاأن التطوع في وقت فضيلة يكون منهيا عنه. فلم يقم دليل على ما ذهب إليه المشهور إلا بالتشبث بعدم ثبوت وقت للنافلة زائدا على ذهاب الحمرة، ولابد في العبادة من الاقتصار على القدر المتيقن من التوظيف الواصل، فتأمل. ويمكن الاستيناس للمشهور بامتداد وقت نافلة الظهرين إلى آخر وقت فضيلتهما بمقدار ادائهما، وبامتداد وقت نافلة الصبح إلى آخر وقت فضلها بمقدار أدائها، فيستأنس من ذلك أن آخر نافلة المغرب هو آخر وقت فضيلتها الذي هو

____________________

(١) الوسائل: ج ١٠ ص ٤٠ باب ٦ من أبواب الوقوف بالمشعر، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ١٠ ص ٤٠ باب ٦ من أبواب الوقوف بالمشعر، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ١٠ ص ٤٠ باب ٦ من أبواب الوقوف بالمشعر، ح ٣. [ * ]


ذهاب الحمرة المغربية.

ثم إن الكلام في مزاحمة نافلة المغرب لفريضة العشاء هو الكلام في مزاحمة نافلة الظهر لفرضها ونافلة العصر لفرضها، وإن كان بينهما فرق من جهة أن المزاحمة في الظهرين إنما كان بين النافلة وذيها، والمزاحمة في المغرب إنما يكون بين نافلة المغرب وفريضة العشاء. والاقوال في مسألة مزاحمة نافلة المغرب للعشاء ثلاثة، قيل بعدم المزاحمة ولو فرض أنه صلى منها ثلاث ركعات، فلو دخل وقت صلاة العشاء وهو في الركعة الرابعة من النافلة يهدمها. وقيل بالمزاحمة لو صلى منها ركعة بل أقل. وقيل بالمزاحمة في خصوص الصلاة التي بيده بمعنى أنه لو دخل عليه الوقت وهو في الركعتين الاولتين أتمها خاصة وليس له بعد ذلك الشروع في الركعتين الاخيريتين، وإن كان في الاخيرتين أتمها أيضا.

ومنشأ الاختلاف إنما هو من حيث عدم النص في المسألة، ومقتضى القاعدة الاولية هو عدم المزاحمة مطلقا، ولكن لابأس بالتمسك لها بقاعدة " من أدرك "(١) بناء على شمولها للنافلة وكون الاربعة ركعات بمنزلة صلاة واحدة.

وأما وقت نافلة العشاء فهو ممتد بامتداد وقت الفريضة إلى الثلث أو النصف أو الطلوع على الاقوال فيها. وأما وقت صلاة الليل فهو بعد انتصافه، وإن كان تأخيرها إلى السحر وهو الثلث الاخير أو السدس على الاحتمالين فيه أفضل، للاخبار المستفيضة(٢) على أن أول وقتها هو النصف وآخر وقتها هو طلوع الفجر الثاني، ولايجوز تقديمها على

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٧ باب ٣٠ من أبواب المواقيت.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٨١ باب ٤٤ من أبواب المواقيت. [ * ]


الانتصاف إلا لعذر، ولو تلبس منها بأربع زاحم بها فريضة الصبح، كل ذلك للاخبار وعليه المشهور، فلاحاجة إلى إطالة الكلام في ذلك. وقت نافلة الصبح هو طلوع الفجر الاول إلى طلوع الحمرة المشرقية بمقدار أداء الفريضة على المشهور، وقد دل عليه الاخبار(١) .

الاحكام المتعلقة بالمواقيت

وفيه مسائل: الاولى في جواز التطوع في وقت الفريضة.

فاعلم أن هنا مقامين للتكلم الاول في التطوع في وقت الفريضة. الثاني التطوع لمن عليه فريضة، وإن خلط بعض الاعلام بين المقامين وجعلهما من واد واحد، إلا أن الحق أنه لاربط لاحدهما بالآخر.

أما التكلم في المقام الاول فمجمله أنه قد وردت عدة من الروايات ظاهرها المنع عن التطوع في وقت الفريضة، وقد أفتى بمضمونها جمع من الاعلام، ووردت أيضا عدة اخرى مما ظاهرها الجواز ما لم يتضيق وقت الفريضة، لابد أولا من ذكر الاخبار الواردة من الطرفين، ثم نجمع بينهما على ما يقتضيه النظر الصحيح فنقول: أما ما دل على المنع فمنها: الاخبار الواردة في تحديد الذراع والذراعين لنافلة

____________________

(١) إلا أن الانصاف عدم قيام دليل معتد به في امتداد وقت النافلة إلى طلوع الحمرة وإن ذهب المشهور إليه، فراجع. " منه ". [ * ]


الظهرين، معللا في بعضها أن التحديد بذلك لاجل عدم وقوع التطوع في وقت الفريضة، كقول الباقرعليه‌السلام : أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت: لم؟ قال: لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه(١) .

وفي معناه روايات اخر. ومنها: ماورد في ركعتي الفجر من صحيح زرارة عن أبي جعفر قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر، إنهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أتريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة(٢) . وقد ورد النهي عن ركعتي الفجر بعد الفجر أو بعد قول المؤذن قد قامت الصلاة في روايات اخر أيضا.

ومنها: ما رواه زرارة أيضا على ما حكي من حبل المتين قال: قلت لابي جعفر: اصلي نافلة وعلي فريضة أو في وقت فريضة؟ قال: لا، إنه لايصلي نافلة في وقت فريضة، أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان كان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟ قال: قلت: لا، قال: فكذلك الصلاة، قال: فقايسني وما كان يقايسني(٣) . وربما احتمل أن هذه الرواية هي التي وردت في ركعتي الفجر التي ذكرناها قبيل هذه وإنما نقلها حبل المتين أو غيره بالمعنى، ويؤيده أنه لم تكن في الكتب الاربعة المعتبرة على ما حكي.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٠٧ باب ٨ من أبواب المواقيت، ح ٢١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٩٢، باب ٥٠ من أبواب المواقيت، ح ٣. وفيه " ثلاثة عشرة ".

(٣) الحبل المتين: الفصل السابع من المقصد الثالث فيما يتعلق بأوقات القضاء وحكم التنفل في وقت الفريضة ص ١٥٠ س ١٣. [ * ]


ومنها: موثق إبن مسلم عن أبي جعفر قال: قال لي رجل من أهل المدينة: يا أبا جعفر مالي لا أراك تطوع بين الاذان والاقامة كما يصنع الناس؟ قال: قلت: إنا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة، فإذا دخل الفريضة فلا تطوع(١) .

ومنها: خبر أبي بكير عن جعفر بن محمدعليه‌السلام : إذا دخل وقت صلاة مفروضة فلا تطوع(٢) .

وفي خبر أديم: لايتنفل الرجل إذا دخل وقت فريضة إلى أن قال: إذا دخل وقت فريضة فابدأبها(٣) .

وغير ذلك من الاخبار الناهية أو النافية عن الدخول في النافلة قبل المكتوبة، أو الآمرة بالبدأة بالفريضة قبل النافلة مما ظاهره الوجوب.

وأما ما دل على الجواز فمنها: الموثقة المروية في الكتب الثلاثة على ما حكي عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله، أيبتدأ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال: إذا كان في وقت حسن فلابأس بالتطوع قبل الفريضة، وإن كان خاف الفوت من أجل مامضى من الوقت فليبدأ وهو حق الله، ثم ليتطوع بما شاء، الامر موسع أن يصلي الانسان في أول وقت دخول وقت الفريضة النوافل، إلا أن يخاف فوت الفريضة والفضل إذا صلى الانسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أول الوقت للفرية، وليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت(٤) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٥ باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٣، وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٦ باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٧، وفي سنده " عن أبي بكر " وفيه اختلاف يسير.

(٣) الوسائل: ج ٣، ص ١٦٥ باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٦.

(٤) الكافي: ج ٣ ص ٢٨٨ باب التطوع في وقت الفريضة، ح ٣ من كتاب الصلاة، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


ومنها: رواية إبن مسلم قال قلت للصادقعليه‌السلام : إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو أبدأ بالفريضة؟ قال: إن الفضل أن تبدأ بالفريضة(١) ، الحديث. ومنها: رواية عمار: إذا أردت أن تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة أو غيرها فلا تصل شيئا حتى تبدأ فتصلي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة، ثم اقض ما شئت(٢) . ومنها: خبر يزيد سأل الصادق عن الرواية التي يروون أنه لاينبغي أن يتطوع في وقت فريضة، ما حد هذا الوقت؟ قال: إذا أخذ المقيم في الاقامة، فقال له: إن الناس يختلفون في الاقامة، قال: المقيم الذي تصلي معه(٣) . وفي نسخة الوسائل التي عندي لفظة " لاينبغي " لم تكن، وقد أثبتها في الجواهر، ولعل نسخة الوسائل التي عندي غلط، أو كانت الرواية متعددة.

ومنها: خبر إسحاق بن عمار قلت: اصلي في وقت فريضة نافلة؟ قال: نعم في أول الوقت إذا كنت مع إمام يقتدى به، فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة(٤) . ومنها: رواية أبي بصير عن الصادقعليه‌السلام : إن فاتك شئ من تطوع النهار والليل فاقضه عند زوال الشمس، وبعد الظهر عند العصر، وبعد المغرب، وبعد العمة، ومن آخر السحر(٥) . وغير ذلك مما يظهر منه الجواز.

ولايصغى إلى المناقشة في أسانيد كلتا الطائفتين، فإن في كل منهما صحاح وموثقات ومعمول به.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٧ باب ٣٦ من أبواب المواقيت، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٠٧ باب ٦١ من أبواب المواقيت ح ٥، وفيه اختلاف يسير.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٦ باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٩، وفيه اختلاف يسير.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٥، باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٢.

(٥) الوسائل: ج ٣، ص ٢٠١ باب ٥٧ من أبواب المواقيت، ح ١٠. وفيه " من تطوع الليل والنهار". [ * ]


وكذا لايصغى إلى ما عن الرياض(١) من حمل الاخبار المجوزة على التقية، فإن فيه مضافا إلى أن ذلك فرع عدم إمكان الجمع الدلالي بين الاخبار وسيأتي إمكان ذلك إن شاء‌الله أن في بعض الاخبار المانعة ما يشعر منه عدم كون الائمةعليهم‌السلام استعملوا التقية في هذه المسألة، كما يظهر بالتأمل في رواية زرارة(٢) الواردة في ركعتي الفجر المشتملة على المقايسة ورواية إبن مسلم(٣) المتقدمتين، فإن الظاهر من قولهعليه‌السلام " أتريد أن تقايس لو كان عليك من شهررمضان.. إلخ " هو تعليم زرارة طريق المحاجة والمخاصمة مع من يرى جواز التطوع في وقت الفريضة، وليس المراد من قولهعليه‌السلام " اتريد أن تقايس " بيان القياس في حكم الامامعليه‌السلام بعدم جواز ركعتي الفجر بعد الفجر، وأن الامامعليه‌السلام هو بنفسه قاس عدم جواز ذلك على عدم جواز التطوع بالصوم لمن عليه قضاء رمضان، حتى يصير المعنى أنه يا زرارة كما لايجوز التطوع بالصوم كذلك لايجوز التطوع بالنافلة في وقت الفريضة، فإن ذلك بعد معلومية عدم جواز القياس في الشريعة واستبعاد حكم الامامعليه‌السلام بالقياس خلاف الظاهر، بل الظاهر من الرواية(٤)

____________________

(١) رياض المسائل: ج ١ ص ١١١ س ٢٩ من كتاب الصلاة.

(٢) المستدرك: ج ١ ص ١٩٥، باب ٤٦ من أبواب المواقيت، ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ١، ص ٣١٥، باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٣.

(٤) ومايظهر من رواية حبل المتين (*) من أن الامامعليه‌السلام بنفسه قاس المقام بذلك المقام فقد عرفت احتمال وحدة الرواية، مع أنه على تقدير التعدد فلابد من حملها، لانه ليس من شأنه القياس فيما يقوله من الاحكام، مع أنه هو بنفسه يمنع عنه ويحث في عدمه، فلابد من حملها ما لاينافي ذلك " منه".

(*) المستدرك: ج ١ ص ١٩٥ باب ٤٦ من أبواب المواقيت، ح ٣، من دون الاسناد إلى حبل المتين. [ * ]


هو تعليم زرارة طريق إلزام الخصم القائل بالقياس، فكأنهعليه‌السلام قال لزرارة قل لهم كيف جوزتم أنتم النافلة في وقت الفريضة مع عدم تجويزكم التطوع بالصوم لمن عليه قضاء رمضان مع أن مذهبكم القياس، وهذا كما ترى يظهر منه أن الامام حكم في هذه المسألة بمر الحق وكان بصدد عدم استعمال التقية، ومع هذا كيف يمكن حمل أخبار الجواز على التقية.

وكذا يظهر ذلك من رواية ابن مسلم(١) ، فإن الظاهر من قولهعليه‌السلام " إنا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت الفريضة " مداومة الائمةعليهم‌السلام على عدم فعل التطوع في وقت الفريضة، فيظهر منه أنه لم يكن بناء الائمةعليهم‌السلام في هذه المسألة على التقية، هذا كله مع أن الحمل على التقية إنما يكون عند الضرورة، كما اعترف هوقدس‌سره بذلك، ولا ضرورة في المقام، لامكان حمل أخبار المنع على الكراهة والاقلية في الثواب بعد تخصيصها بغير الموارد الخاصة التي ورد فيها استحباب بعض النوافل في أوقات الفرائض، كالغفيلة والوصية الواردتان بين المغرب والعشاء، وكالنافلة في ليلة الجمعة وليال شهر رمضان، وغير ذلك مما لايحصى كثرة.

ومما يدل على أن المراد من النهي أو النفي هو أقلية الثواب والمرجوحية في رواية سماعة المتقدمة " والفضل إذا صلى الانسان وحده أن يبدأ بالفريضة وهو حق الله "(٢) وقولهعليه‌السلام في إبن مسلم " إن الفضل أن تبدأ بالفريضة "(٣) فإن ذلك كالصريح في مفضولية التطوع في وقت الفريضة وأن الارجح تركها، بل يظهر من رواية سماعة أن المرجوحية مختصة بما إذا صلى

____________________

(١) الوسائل: ج ١ ص ١٦٥ باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٤ باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٧ باب ٣٦ من أبواب المواقيت، ح ٢. [ * ]


الانسان وحده، وأما لو صلى جماعة فلا مرجوحية أيضا في أن يتطوع إلى أن تنعقد الجماعه. واحتمال كون قوله " والفضل.. إلخ.. ليس من قول الامامعليه‌السلام بل من الكليني بعيد غايته وإن لميذكره في التهذيب.

ويظهر هذا المعنى أيضا أي كون المرجوحية مختصة بالمنفرد من روايات اخر، مثل صحيحة إبن يزيد المتقدمة " سأل الصادقعليه‌السلام عن الرواية التي يروون أنه لاينبغي أن يتطوع في وقت فريضة(١) .. إلخ" فإن الامامعليه‌السلام خصص الرواية التي يروونهها بما إذا أخذ المقيم في الاقامة في الجماعة، فإنه يدل على عدم البأس في التطوع قبل انعقاد الجماعة ولو فرض أن الجماعة انعقدت بعد دخول وقت الفريضة بمدة، فيظهر منه عدم مرجوحية التطوع في وقت الفريضة لمن كان منتظرا فضل الجماعة، ويكون الحكم بالمرجوحية مختص بالمنفرد أو بعد انعقاد الجماعة، هذا.

ولكن الظاهر أن الرواية غير متعرضة لحكم المنفرد وأنه بالنسبة إليه مرجوح أو غير مرجوح، بل الرواية تكون مختصة بمسألة الجماعة، وأن ما روي من أنه لاينبغي التطوع في وقت الفريضة إنما هو مخصوص بما إذا أخذ المقيم الذي تريد أن تصلي معه في الاقامة، وأما التطوع قبل ذلك لمثل هذا الشخص فلا مرجوحية فيه.

وعلى كل حال، التأمل في الروايات يعطي عدم كون النهي فيها للحرمة، بل يستفاد من مجموعها أن الانسان لولم ينتظر ما يوجب الفضل في التأخير كالجماعة كان الارجح أن لايتطوع بل يبدأ بالمكتوبة، بخلاف ما إذا كان منتظرا لذلك.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ باب ١٦٦ باب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح ٩، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


وربما يشعر إلى ذلك قولهعليه‌السلام " لاقربة في النوافل إذا أضرت بالفرائض "(١) بناء على أن يكون المراد من الاضرار بالفريضة هو الاضرار بوقت فضيلتها لا الاضرار بوقتها الاجزائي، فيصير حاصل المعنى: أن النافلة إذا أضرت بفضيلة الوقت فلا قربة فيها، ويستفاد منها أنه لو زاحم بفضيلة الوقت ما هو أقوى منها كانتظار الجماعة وأمثال ذلك فلامانع من النافلة فتأمل. هذا كله في التطوع في وقت الفريضة.

وأما التطوع لمن عليه فريضة فمجمل القول فيه: أنه وإن ذهب إلى التلازم بينهما بعض كما نسب إلى الرياض(٢) حيث حكي عنه عدم الفرق بين المسألتين إلا أن الظاهر أنه لاربط لاحد المسألتين بالاخرى دليلا وقولا. أما قولا فلاعترافه بأن بعض من قال بعدم الجواز في المسألة الاولى وهي التطوع في وقت الفريضة قال بالجواز في هذه المسألة، نعم من قال بالمضايقة في القضاء يلزمه أن لايفرق بين المسألتين، فتأمل. وأما دليلا فلان ما استدل به على عدم جواز التطوع لمن عليه فريضة في غاية الضعف، إذ ليس هو إلا المرسل: لاصلاة لمن عليه صلاة(٣) .

وإلا رواية زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها، فقال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها إلى أن قال: ولايتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة(٤) . وإلا خبر يعقوب بن شعيب(٥) ،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٠٨ باب ٦١ من أبواب المواقيت، ح ٧.

(٢) رياض المسائل: ج ١ ص ١١٢ س ٣ من كتاب الصلاة.

(٣) المستدرك: ج ١ ص ١٩٥ باب ٤٦ من أبواب المواقيت، ح ٢.

(٤) الكافي: ج ٣ ص ٢٩٢ باب من نام عن الصلاة أوسها عنها، ح ٣، وفيه اختلاف يسير.

(٥) الوسائل: ج ٣ ص ٢٠٦ باب ٦١ من أبواب المواقيت، ح ٤. [ * ]


المتضمن للامر بالبدء بالفريضة المقضية قبل قضاء النوافل. والاستدلال بمثل هذا لما نحن فيه في غاية الضعف، أما الرسل فمضافا إلى كونه مرسلا، ولم يثبته الاصحاب في الكتب المعتبرة، وإنما ذكره الشيخرحمه‌الله في كتابي المبسوط(١) والخلاف(٢) ولم يذكره في التهذيب والاستبصار الذي عليهما المعول لم يوجد أحد أفتى بعمومه، فإن لازمه عدم جواز التطوع لمن نذر أن يصلي ركعتين في مدة سنة، أو آخر نفسه لذلك، وهذا كما ترى لم يقل به أحد ولايمكن القول به.

وأما رواية زرارة(٣) فمع معارضتها بعدة من الرويات الدالة على استحباب التطوع بركعتين قبل قضاء الفريضة يمكن حمل النهي فيها على المرجوحية أو نفي الكمال، كما يمكن حمل الامر الوارد في خبر يعقوب بن شعيب(٤) بالبدأة بالفريضة على الافضلية، لما دل من الروايات الصحيحة الصريحة في جواز التطوع لمن عليه فريضة خصوصا وعموما، كما ورد في تقدم قضاء ركعتي الفجر على قضاء صلاة الصبح، وتقديم صلاة الليل لمن كان عليه دين من صلاة، وغير ذلك من الاخبار.

ومن هنا قيل: لامرجوحية في فعل النافلة لمن عليه فريضة، وإن قلنا بالمرجوحية في وقت الفريضة، فتأمل فإنه ليس بعيدا، لقوة أدلة الجواز. بل يظهر من بعضها أن ماورد في حكم التطوع كراهة مقصور بما إذا كان في وقت الفريضة، وأما مسألة التطوع لمن كان عليه فريضة فهو خاج عن ذلك، ففي

____________________

(١) المبسوط: ج ١ ص ١٢٧ من كتاب الصلاة.

(٢) الخلاف: ج ١ ص ٣٨٦ من كتاب الصلاة.

(٣) الكافي: ج ٣ ص ٢٩٢ باب من نام عن الصلاة أوسها عنها، ح ٣..

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٠٦ باب ٦١ من أبواب المواقيت، ح ٤. [ * ]


الرواية المشتملة على قصته مع الحكم بن عتيبة وأصحابه، حيث أخبره في العام السابق عن قول أبي جعفرعليه‌السلام : إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى تبدأ بالمكتوبة، وأخبره في العام الآخر قضية نوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن صلاة الصبح فقضاها حين استيقظ بعد قضاء نافلتها، فقال له الحكم: قد نقضت حديثك عام أول، فحكى زرارة ذلك لابي جعفرعليه‌السلام ، فقالعليه‌السلام له: ألا أخبرتهم أنه قد فاته الوقتان جميعا، وأن ذلك كان قضاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

بداهة أنه بعد حمل النهي في قولهعليه‌السلام " إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة " على الكراهة كما تقدم الشواهد على ذلك فيكون الظاهر من قولهعليه‌السلام " ألا أخبرتهم إلى آخره " أن ما قلت لك في العام السابق من كراهة التطوع، فإنما هو في وقت الفريضة، لا ما إذا كان عليه فريضة، ومسألة قضاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنما تكون من قبيل الثاني لا الاول، فتأمل في الاخبار، فإن الاخبار المجوزة في غاية الصراحة، فلا يمكن رفع اليد عنها بما تقدم من أخبار المنع، فالاقوى أنه لامانع من التطوع في وقت الفريضة ولمن عليه فريضة، وإن كان الارجح تأخير التطوع عن أداء الفريضة.

فرع: لو نذر التطوع فهل يصح إيقاعه في وقت الفريضة بناء على خروجه بالنذر عن موضوع التطوع، أو لايصح لانه يعتبر في متعلق النذر أن يكون راجحا مع قطع النظر عن تعلق النذر به، والمفروض أن التطوع في وقت الفريضة لارجحان فيها، بناء على الحرمة فلابد من خروج هذا الفرد من التطوع عن متعلق النذر لو كان

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٠٧ باب ٦١ من أبواب المواقيت، ح ٦، نقلا بالمضمون. [ * ]


نذره مطلقا، أو بطلانه من أصله لوقيده بذلك الوقت؟ الاقوى هو الاول، وبيان وجهه يستدعي بسطا من الكلام، فنقول: إنه لاإشكال في أنه يتعبر في متعلق النذر من الرجحان، كما أنه يعتبر في متعلق العهد واليمين عدم المرجوحية، فيكون الرجحان من قبيل القيود المعتبرة في المتعلق، ولاإشكال أيضا في اعتبار تقدم المتعلق بجميع ماله من القيود على الحكم، بحيث يؤخذ المتعلق بماله من الشرائط مفروض التحقق حتى يرد الحكم عليه، فكل قيد لايتأتى إلا من قبل الحكم لايعقل أخذه في متعلقه، كمسألة القربة والعلم والجهل وأمثال ذلك مما هو مسطور في الاصول، وحيث كان الرجحان مأخوذا في متعلق النذر فلابد وأن يكون سابقا على النذر، حتى يرد النذر على المتعلق الراجح، ولايكفي الرجحان الجائي من قبل النذر كما يوهمه بعض العبائر، لتوقف صحة النذر على كونه راجحا، فلو توقف الرجحان على النذر يلزم الدور.

وما ورد(١) من صحة نذر بعض المحرمات، كالاحرام قبل الميقات، وكالصوم في السفر، فليس ذلك من باب الاكتفاء بالرجحان الجائي من قبل النذر، ولا من باب تخصيص ما دل على اعتبار الرجحان في متعلق النذر بغير هذا المورد، بل ورود الدليل بصحة مثل هذا النذر يكشف عن تقييد الحرام الواقعي من الصوم في السفر والاحرام قبل الميقات بما إذا لم يتعلق النذر به.

والحاصل: أن النذر من العناوين الطارئة القابلة لتغير الواقع عما هو عليه من المصلحة والمفسدة، كالضرر والاضطرار وأمثال ذلك، فإذا ورد دليل بالخصوص على صحة نذر الحرام فلامحالة يكشف عن تقييد الحرام واقعا بما إذا لم يقع نذر على خلافه، وهذا كما ترى لاربط له بما نحن فيه من عدم إمكان

____________________

(١) الوسائل: ج ١٦، ص ٢٠٣، باب ٢٠ وص ١٩٦ باب ١٣ من أبواب النذور والعهد. [ * ]


الاكتفاء بالرجحان الجائي من قبل النذر، ومجرد ورود دليل بالخصوص في بعض الموارد لايمكن تسريته إلى جميع الموارد، إذ يلزمه القول بصحة نذر جميع المحرمات، وهذا كما ترى بديهي البطلان، فالنذر كالشرط فكما أنه لايمكن القول بصحة الشرط المخالف للكتاب بأدلة وجوب الوفاء بالشرط فكذلك لايمكن القول بصحة نذر المرجوح بأدلة وجوب الوفاء بالنذر، فلابد من ورود النذر على الموضوع الراجح، ولا أظن أحدا خالف ما ذكرناه.

نعم هنا أمر آخر وقع التكلم فيه من بعض الاعلام، وهو أنه هل يكفي في صحة النذر الرجحان حال النذر وإن صار مرجوحا حال الفعل، أو لايكفي بل يعتبر بقاء الرجحان إلى حال صدور الفعل؟ ومعنى الرجحان حال النذر هو أن يكون الفعل حال تعلق النذر به راجحا، كما إذا نذر زيارة الحسينعليه‌السلام في كل ليلة جمعة، ثم طرأ في بعض ليالي الجمع ما يقتضي المرحوحية، كما إذا حصلت له الاستطاعه للحج، فربما يقال: إن الفعل حيث كان في زمان صدور النذر راجحا فالنذر انعقد صحييحا لوجود ما اعتبر فيه من رجحان المتعلق، وبعد انقعاد النذر المرجوحية الطارئة غير موجبة لانحلاله، ففي المثال المتقدم الاستطاعة العارضة لاتكون موجبة لانحلال النذر، لانه لم تكن الاستطاعة حين انعقاده، فإذا لم تكن موجبة لانحلاله فلا يكون الشخص مستطيعا للحج، ولم يكن واجبا عليه، لاشتغال ذمته بواجب آخر مقدم عليه سببا.

ومن هنا نقل عن الشيخ صاحب الجواهررحمه‌الله أنه كان عند اشتغاله بكتابة الجواهر، ينذر زيارة الحسينعليه‌السلام ليلة العرفة حتى لايجب عليه الحج لوحصلت له الاستطاعة في الاثناء، وربما أفتى بذلك بعض المتأخرين، هذا. ولكن الظاهر أنه يعتبر في صحة النذر وبقائه من ثبوت الرجحان حال صدور


الفعل، ولايكفي الرجحان حال النذر كما لاتكفي القدرة على المتعلق حال التكليف بل يعتبر القدرة حال العمل، فكما أن كل تكليف مشروط ببقاء القدرة إلى زمان صدور الفعل فكذلك الرجحان في متعلق النذر لابد وأن يكون باقيا حال العمل، وإن كان بينهما فرق من حيث إن اعتبار القدرة عقلي واعتبار الرجحان شرعي، لكن الغرض مجرد التنظير.

والحاصل: أن الرجحان حال النذر لاأثر له في بقائه، بل لو فرض أنه كان حال النذر مرجوحا ولكن حال العمل كان راجحا لكان نذره صحيحا بلا إشكال، ففي المثال المتقدم لامحيص عن القول بانحلال نذره بمجرد طروء الاستطاعة، ويجب عليه الحج لصيرورة زيارة الحسينعليه‌السلام حينئذ مرجوحة، ولايمكن العكس بأن يقال: الحج يصير مرجوحا بعد تعلق النذر بالزيارة، فتصير الزيارة واجبة لسبق سببه ويرتفع حينئذ موضوع الاستطاعة، وذلك لان الكلام بعد في انعقاد النذر بالنسبة إلى الزيارة التي حصلت الاستطاعة قبل مجئ زمانها، ومجرد سبق النذر لايكفي في ذلك بعدما كان بقاؤه مشروطا ببقاء الرجحان، فالرجحان حال النذر مما لاأثر له.

بل يمكن أن يقال: إن الرجحان حال النذر كلمة لامعنى لها، ولايعقل في مثل المثال أن يقال بالرجحان حال النذر، فإنه لاإشكال في أن زيارة عرفة إنما تكون راجحة عند مجئ وقتها، ولايعقل أن يقال: إن زيارة عرفة راجحة قل مجئ وقتها الذي هو وقت النذر، فزيادة عرفة كصلاة الظهر، فكما لايمكن أن يقال: إن صلاة الظهر قبل الزوال راجحة فكذلك لامعنى للقول برجحان زيارة عرفة حين النذر الذي يكون قبل مجئ وقتها، بناء على ما هو الحق من عدم معقولية الواجب المعلق والشرط المتأخر، فلو نذر أحد قبل أشهر الحرم زيارة الحسينعليه‌السلام في يوم عرفة، فانعقاد هذا النذر يكون موقوفا ثبوتا بثبوت


رجحان الزيارة في ظرف وقوعها، فإذا استطاع الشخص قبل ذلك فتكون الزيارة في وقتها مرجوحة لسبق الاستطاعة، فلا يبقى موضوع للنذر، ولامحيص عن انحلاله، فتأمل.

والحاصل: أن النذر كالشرط، فكما لو شرط على المشتري ضيافة زيد في كل شهر مثلا أو في شهر خاص، واتفق ارتداد زيد وكفره في بعض الشهور أو في ذلك الشهر الخاص، بحيث حرم ضيافته إما لوجوب قتله وإما لحرمة موادته كان الشرط ملغى، ولايجب الوفاء به بعموم المؤمنون عند شروطهم(١) . والسر في ذلك أنه يعتبر في الشرط حدوثا وبقاء عدم مخالفته للكتاب، فكذلك لو نذر زيارة الحسينعليه‌السلام في كل شهر أو في شهر خاص، واتفق حصول الاستطاعة في بعض الشهور أو في ذلك الشهر الخاص، بحيث وجب عليه المسير للحج، كان النذر ملغى وينحل قهرا، لاعتبار الرجحان في متعلق النذر حدوثا وبقاء.

فظهر ضعف تعليل بعض الاعلام صحة نذر التطوع في وقت الفريضة بارتفاع مرجوحيتها بنفس النذر، قال: ولايرد أن متعلق النذر لابد أن يكون راجحا، وعلى القول بالمنع لارجحان فيه فلاينعقد نذره، وذلك لان الصلاة من حيث هي راجحة، ومرجوحيتها مقيدة بقيد يرتفع بنفس[ النذر ](٢) ، ولايعتبر في متعلق النذر الرجحان قبله ومع قطع النذر عنه، حتى يقال بعدم تحققه في المقام، انتهي.

وظاهر هذه العبارة لاتستقيم من أنه لاعبرة بالرجحان الجائي من قبل النذر، بل لابد وأن يكون الرجحان متحققا قبله، بل لايعقل ذلك كما عرفت، فتعليل صحة نذر التطوع في وقت الفريضة بهذا غير سديد، بل الاقوى في التعليل هو أن

____________________

(١) الوسائل: ج ١٥ ص ٣٠ باب ٢٠ من أبواب المهور، ح ٤.

(٢) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة واثبتناه لاقتضاء السياق. [ * ]


يقال: إن ما هو المحرم التطوع في وقت الفريضة بوصف التطوع، وليست ذات صلاة جعفر مثلا محرمة، بل المحرم إنما هو التطوع بصلاة سجعفر وفعلها بداعي الاستحباب والتنفل، وصلاة جعفر بهذا الوصف لم يتعلق النذر بها، بل لايمكن أن يتعلق بها مقيدة بهذا الوصف، لانه يعتبر في متعلق النذر القدرة عليه، وصلاة جعفر بوصف كونها مستحبة غير مقدورة بعد تعلق النذر بها لصيرورتها واجبة، فلو فرض أن أحدا نذر فعل صلاة جعفر بوصف كونها مستحبة، كان نذره باطلا ولاينعقد أصلا، فالنذر دائما يكون متعلقا بذات العمل، وذات صلاة جعفر مع قطع النظر عن استحبابها لم تكن محرمة في وقت الفريضة، بل المحرم إنما هو التطوع بها، فإذا لم تكن ذات العمل منهيا عنه فلا مانع من تعلق النذر به، ويصير بذلك واجبا ويخرج موضوعا عن كونه تطوعا في وقت الفريضة، بل يكون فريضة في وقت فريضة.

فإن قلت: هب أن ذات العمل لم يكن منهيا عنه، إلا أن مجرد ذلك لايكفي في صحة النذر، لما تقدم من اعتبار الرجحان في متعلقه، ولا يكفي مجرد عدم المرجوحية، وذات العمل في وقت الفريضة حيث لم يتعلق به أمر استحبابي ولاوجوبي لايمكن الحكم برجحانه، فإن ذلك يكون رجما بالغيب.

والحاصل: أن رجحان الشئ لابد وأن يستكشف من تعلق الامر، إذ لاطريق لنا إلى معرفته سوى ذلك، وصلاة جعفر في وقت الفريصة بعد ما لم يتعلق بها أمر استحبابي ولاوجوبي حسب الفرض فمن أين يحكم برجحانها حتى يصح نذرها، فتكون واجبة وتخرج موضوعا عن كونها تطوعا في وقت الفريضة، فلامحيص إما عن القول ببطلان النذر وإما عن القول بالاكتفاء بالرجحان الآتي من قبل النذر، وقد تقدم عدم معقولية الثاني، فلابد من الاول وهو بطلان النذر.

قلت: يكفي في إثبات الرجحانية نفس العمومات الدالة على مشروعية صلاة


جعفر في نوعها، وكذا العمومات الدالة على أن الصلاة قربان كل تقي(١) ، ومعراج المؤمن(٢) ، وسقوط الامر بها في وقت الفريضة لايلازم سقوط الرجحانية المستكشفة من تلك العمومات.

والحاصل: أن القدر الثابت إنما هو سقوط الامر بالنوافل في وقت الفريضة، وأما سقوط الرجحان فلم يقم عليه دليل.

مضافا إلى معلومية أن الصلاة المشتملة على الذكر والدعاء لم تكن مرجوحة في حد نفسها بل تكون راجحة، فحينئذ يصح تعلق النذر بها، وبسببه تخرج عن كونها تطوعا في وقت الفريضة. ولايقاس ذلك بما إذا نذر أن يصلي خمس ركعات متصلة، حيث يكون نذره باطلا بالاجماع مع اشتمالها على الدعاء والذكر، وذلك لان الصلاة المشتملة على خمس ركعات لم تكن مشروعة في نوعها، وهذا بخلاف صلاة جعفر وغيرها من النوافل لمشروعيتها في نوعها، وإن سقط أمرها من جهة مزاحمتها لوقت الفريضة فتحصل: أن الرجحان المعتبر في متعلق النذر حاصل في المقام سابقا على النذر ومع قطع النظر عن تعلق النذر به، فلا حاجة إلى الالتزام بتلك المقالة الفاسدة من كفاية الرجحان الجائي من قبل الندر، فتأمل فيما ذكرناه فإنه بعد للنظر فيه مجال، إذ لمانع أن يمنع ثبوت الرجحان بعد تخصيص تلك العمومات الدالة على مشروعية الصلاة بغير وقت الفريضة.

نعم لو كان سقوط الامر بالنوافل في وقت الفريضة من باب المزاحمة لاالتخصيص لكان القول بثبوت الرجحان في محله، إلا أن إثبات ذلك مشكل،

____________________

(١) الكافي: ج ٣ ص ٢٦٥ باب فضل الصلاة، ح ٦.

(٢) الظاهر أن هذا مستفاد من الخبر لا أنه بنفسه خبر مستقل، راجع بحار الانوار: ج ٨٢ ص ٢٤٨. [ * ]


ولايسعنا التكلم في ذلك بأزيد مما ذكرناه، فعليك بالتأمل.

فإن قلت: سلمنا جميع ما ذكرته من تعلق النذر بذات الصلاة لابوصف التطوع، ومن ثبوت الرجحان لها مع قطع النظر عن تعلق النذر بها، إلا أنه لاإشكال في أن الامر بالوفاء بالنذر توصلي لايعتبر في سقوطه قصد التقرب وامتثال الامر، والمفروض أن ذات الصلاة في وقت الفريضة لم تكن مأمورا بها بأمر عبادي، فمن أين تقولون يعتبر في صحة مثل هذه الصلاة المنذورة من قصد التقرب والامر، بحيث لو لم يأت بها بهذا القصد كانت الصلاة باطلة، ولم يبرأ من نذره، مع أنه لم يكن في البين أمر عبادي يقصد؟ والحاصل: أن الامر النذري لو اتحد مع الامر العبادي في المتعلق، بأن تعلق الامر النذري بعين ما تعلق به الامر العبادي، لاكتسب الامر النذري التعبدية من الامر التعبدي لاتحادهما.

وذلك كما لو نذر صلاة الليل، فحيث إن النذر إنما يتعلق بذات صلاة الليل لابوصف كونها مستحبة، وإلا لكان النذر باطلا لعدم القدرة عليه من حيث صيرورة صلالاة الليل بعد النذر واجبة، فلا يمكن إتيانها بوصف كونها مستحبة، فالنذر لامحالة يتعلق بذات صلاة الليل، والمفروض أنه قد تعلق بذات الصلاة أمر استحبابي عبادي، فيتحذ متعلق النذر مع متعلق الامر الاستحبابي، وحيث لايمكن اجتماع الوجوب والاستحباب في متعلق الواحد فلامحالة يكتسب الامر النذري التعبدية من الامرر الاستحبابي وينخلع عما كان عليه من التوصلية، كما أن الامر الاستحبابي يكتسب من الامر النذري الوجوب وينخلع عما كان عليه من الاستحباب، فيتحد الامران ويحصل من ذلك أمر وجوبي عبادي، لكن هذا إنما يكون بعد تعلق الامر العبادي بصلاة الليل.

وأما فيما نحن فيه فالمفروض أنه لم يتعلق بذات صلاة جعفر في وقت الفريضة


أمر عبادي، والامر النذري لايكون إلا توصليا، فمن أين يكتسب التعبدية حتى يكفي قصده في وقوع الصلاة عبادة مقربة؟ قلت: قد علم من مذاق الشارع أن الصلاة وظيفة شرعت لان يتعبد بها، فلو تعلق بها أمر لكان لامر لامحالة عبادي يعتبر في سقوطه من قصد الامتثال، وحيث إن النذر تعلق بصلاة النافلة بذاتها، والمفروض اجتماع هذا النذر لشرائط الصحة من الرجحان وغيره، فلامحالة يتعلق الامر النذري بذات الصلاة، وإذا تعلق بها أمر وإن كان من قبل النذر فلابد وأن يكون عباديا.

وبالجملة: الامر النذري يختلف باختلاف ما تعلق به، فلو تعلق بأمر عبادي بمعنى أنه لو تعلق به أمر لكان أمره عباديا، لكان الامر النذري عباديا لايسقط إلا بقصد الامتثال، ولو تعلق بأمر غير عبادي يكون توصليا لايعتبر في سقوطه ذلك، فتأمل فإن للنظر في ذلك أيضا مجال. هذا كله بناء على حرمة التطوع في وقت الفريضة، وقد عرفت أن الاقوى صحة النذر مطلقا، وجواز فعل المنذور في وقت الفريضة، لصيرورته واجبا سواء كان نذره مطلقا أو قيده بخصوص وقت الفريضة، وإن كان الصحة في المطلق أوضح كما لايخفى وجهه.

وأما لو قلنا بالكراهة من باب أقل الثواب كما هو الشأن في كراهة العبادات فلا ينبغي الاشكال في صحة النذر، لان الكراهة في العبادات تجتمع مع الرجحان والامر كليهما، ويكون جميع أركان النذر متحققا بلا أن يدخله ريب، فتأمل جيدا. ولو آخر نفسه لصلاة الزيارة مثلا في وقت الفريضة فالاقوى أيضا هو الصحة، لصيرورتها بالاجارة واجبة وتخرج عن موضوع التطوع، بل الصحة في الاجارة أوضح منها في النذر، لامكان الاشكال في النذر من حيث الرجحان المعتبر في


متعلقه، ويتوهم أن ذات الصلاة التي هي متعلقة للنذر مع كونها غير مأمور بها لارجحان فيها، وهذا بخلاف الاجارة فإن متعلقها هي الصلاة المأمور بها بالامر المتوجه على المنوب عنه، فهذا الوصف داخل في متعلق الاجارة.

نعم هنا صورة إشكال، وهو أنه يعتبر في متعلق الاجارة أن يكون العمل المستأجر عليه مما يباح على الاجير فعله بحيث لايكون العمل محرما عليه، ووجه اعتبار ذلك واضح، وفي المقام لو كان متعلق الاجارة هو الصلاة بوصف كونها مأمورا بها بالامر الاستحبابي فالاجير لايمكنه فعلها بهذا الوصف، لان المفروض حرمة التطوع في وقت الفريضة، فإذا لم يمكن للاجير فعلها فكيف يصير أجيرا على فعلها؟ هذا مضافا إلى أنه يعتبر في متعلق الاجارة أيضا أن يكون المستأجر قادرا على العمل، بحيث يكون المستأجر مما يمكنه الفعل إذا أراد المباشرة به، فإذا كان الفعل محرما عليه شرعا لما جاز الاجارة عليه، لان فعل الاجير فعل المستأجر ويكون في الحقيقة هو العامل ببدنه التنزيلي، وفي المقام لو وقعت الاجارة في وقت فريضة المستأجر لكان مقتضى القاعدة بطلان الاجارة.

والحاصل: أنه لو وقعت الاجاة في وقت فريضة الاجير لزم الاشكال الاول، ولو وقعت في وقت فريضة المستأجر لزم الاشكال الثاني، ولو وقعت في وقت فريضة كل منهما لزم الاشكالان جميعا، هذا. ولكن يدفع الاول بأن ما يحرم على الاجير إنما هو فعل التطوع لنفسه في وقت فريضة، لافعل ما هو مستحب على الغير في وقت فريضة نفسه بالاجارة، فإن ذلك لامانع عنه في حد نفسه ولادليل على حرمته، نعم التبرع عن الغير فيما يستحب عليه لايخلو عن إشكال، لصدق التطوع في وقت الفريضة على مثل هذا، مع أن ذلك أيضا لايخلو عن نظر، فإن التبرع إنما هو في جهة النيابة لافي نفس الفعل، فالمتبرع


إنما يفعل ما هو مستحب على الغير نيابة عنه بقصد المجانية والقربة، فيثاب على هذا المعنى أي على فعله نيابة لاعلى أصل الفعل، ففعل الصلاة نيابة عن الغير لايدخل في عنوان حرمة التطوع في وقت الفريضة، سواء كان بالتبرع أو بالاجارة، وإن كان بالاجارة أوضح وأبعد عن الاشكال، وأما التبرع فبعد يحتاج إلى مزيد تأمل. ويدفع الثاني بأن ماهو حرام على المستأجر إنما هو المباشرة بالتطوع، وأما لو كان ذلك بالنيابة فلا، ولا ملازمة بين حرمة المباشرة وحرمة النيابة، كما يظهر ذلك من جواز إجارة الحائض الغير للطواف مع حرمة الطواف عليها مباشرة، وكذا اجارة الجنب الغير لدخول المسجد، وغير ذلك من الموارد كما يظهر للمتتبع، فلا إشكال من هذه الجهة أيضا، ولكن مع ذلك بعد في النفس من صحة الاجارة شئ، فتأمل.

المسألة الثانية: لو حصل للمكلف أحد الاعذار المانعة عن التكليف، كالحيص والجنون وأمثال ذلك، فإن مضى من الوقت مقدار فعل الصلاة التامة الاجزاء والشرائط، من الطهارة المائية وتحصيل الساتر وغير ذلك من الشرائط التي كان فاقدا لها قبل الوقت ثم طرأ عليه العذر، فلا إشكال ولاخلاف في وجوب القضاء عليه، كما لااشكال ولاخلاف فيما إذا طرأ عليه العذر في أول الوقت في سقوط القضاء، إنما الاشكال والخلاف فيما إذا مضى من الوقت اقل من ذلك المقدار، فهل يجب عليه القضاء أولا؟ وكذا الكلام بالنسبة إلى آخر الوقت لوزال العذر قبل آخره بمقدار لايتمكن من فعل الفريضة مجتمعة للشرائط والاجزاء، مع تمكنه منها فاقدة للشرائط مع الطهارة المائية، أو بدونها أيضا بحيث لم يكن متمكنا إلا من الصلاة مع الطهارة الترابية فقط دون سائر الشرائط ودون الطهارة المائية، فهل يجب عليه فعلها ولو خالف كان عليه القضاء، أو لايجب إلا إذا زال العذر


قبل آخره بمقدار فعل الفريضة مجتمعة لجميع الشرائط؟ ولنقدم الكلام في أول الوقت ثم نعقبه بآخره إذ ربما يكون بينهما تفاوتا بحسب الدليل، فنقول. مقتضى القاعدة أنه لو طرأ عليه أحد الاعذار المسقطة للتكليف قبل مضي مقدار من الوقت يمكنه فعل الفريضة تامة للاجزاء والشرائط هو عدم وجوب القضاء عليه ولا الاداء، إذا علم في أول الوقت بطرو العذر بعد ذلك.

أما عدم وجوب الاداء فلان المفروض عدم تمكنه من فعل الصلاة التامة، ولادليل على سقوط الشرائط بالنسبة إلى مثل هذا الشخص، فإن ما دل على سقوط الشرائط في حال الاضطرار إنما هو مختص بما إذا كان الشخص غير متمكن في حد نفسه من فعل الشرط، لاما إذا كان في حد نفسه متمكنا من فعل الشرط ولكن طرأ عليه ما يوجب سقوط التكليف، كما فيما نحن فيه.

والحاصل: أن العذر عن فعل الشرط في زمان لايكفي في سقوط التكليف عنه مالم يتعذر في جميع الوقت كما هو التحقيق في ذوي الاعذار، بل يحتاج في سقوط التكليف عن الشرط هو ثبوت العذر في تمام الوقت، ولذا لايجوز لذوي الاعذار البدار إلى فعل الصلاة الفاقدة للشرائط ما لم يعلم بعدم زوال العذر، إلا أن يقوم دليل شرعي على تنزيل العذر في زمان منزلة العذر في تمام الوقت، كما لايبعد ثبوت ذلك بالنسبة إلى خصوص الطهارة المائية، حيث يجوز عليه البدار مع الطهارة الترابية وإن لم يعلم باستيعاب العذر لتمام الوقت، على ما يأتي بيانه إن شاء‌الله، وأما ماعدا الطهارة من سائر الشرائط فيحتاج في سقوط التكليف عنها بحسب القاعدة إلى استيعاب العذر لتمام الوقت، ولايكفي العذر في بعض إنما طرأ عليه ما يوجب سقوط التكليف من الحيض والجنون وغير ذلك.


فإن قلت: أما قلتم إن العذر إذا استوعب تمام الوقت كان التكليف بالنسبة إلى الشرط المعذور فيه ساقطا وكان يجب عليه الصلاة فاقدة لذاك الشرط، فما الفرق بين ما نحن فيه وبين ذلك، فإن الوقت بالنسبة إلى من تحيض عقيب نصف من الزوال هو هذا المقدار من الزمان، والمفروض أن في هذا المقدار من الزمان غير متمكن من الشرائط، فهو كما إذا استوعب عذره تمام الوقت؟ قلت: ليس الامر كذلك، فإن طروء الحيض لايوجب تضييق في الوقت المضروب للصلاة، بل الوقت المضروب إنما هو باق على حاله، غاية الامر أن الشخص غير متمكن من فعل الصلاة في وقتها من جهة عروض المسقط.

والحاصل: أنه فرق بين أن يستوعب العذر تمام الوقت المضروب للصلاة من الزوال إلى الغروب وبين أن يعرض المسقط في أثناء الوقت، فإن عروض المسقط لايجعله آخر الوقت، فلابد في القول بوجوب الادداء على مثل هذا الشخص من قيام دليل بالخصوص على تنزيل العذر في بعض الوقت بمنزلة العذر في تمام الوقت.

والقول بأن وقت هذا الشخص هذا المقدار من الزمان حتى يدخل في موضوع من استوعب عذره تمام الوقت خال عن الدليل، بل هو قياس محض، فتأمل فإنه بعد للتأمل فيه مجال. ثم لاأقل من الشك في كون هذا المقدار من العذر المتعقب بالمسقط موجبا لسقوط التكليف عن الشرط فقط حتى يجب عليه الصلاة الفاقدة، كما إذا استوعب العذر إلى تمام الوقت، فأصالة البراء‌ة محكمة، لان انعدام المشروط عند انعدام شرطه مما لايدخله ريب، والمفروض الشك في شمول تلك الادلة الدالة على سقوط خصوص الشرائط بالنسبة إلى مثل من يعرض المسقط، إذ لاأقل من كون المتيقن منها هو ما إذا لم يكن الشخص في حد نفسه قادرا على الشرط في مجموع


الوقت، فبالنسبة إلى مثل هذا شاك في توجه التكليف إليه والاصل البراء‌ة، فالاقوى هو عدم وجوب الاداء على من علم بطرو المسقط قبل تمكنه من فعل الصلاة تامة الاجزاء والشرائط، فتأمل.

ثم على تقدير وجوب الاداء عليه لاوجه لوجوب القضاء عليه لو عصى وخالف، وذلك لان تبعية وجوب القضاء على الاداء إنما هوفيما إذا لم يقم دليل على سقوط القضاء، وفيما نحن فيه قام الدليل على سقوط القضاء، فإن مادل على أن مافوته الحيض والجنون لاقضاء عليه شامل لما نحن فيه، فإن الصلاة التامة الاجزاء والشرائط قد فوته الحيض فلا قضاء لها، والقول بقضاء الصلاة الفاقدة بديهي الفساد بعد تمكن المكلف من الصلاة التامة.

والحاصل: أن الصلاة التامة للشرائط لاقضاء لها من جهة أنها فاتت بسبب الحيض، والادلة ناطقة بعدم وجوب قضاء مافات بالحيض، وقضاء الصلاة الناقصة ضروري الفساد ولم يدعه أحد، ولايقاس ما نحن فيه بما إذا كان مكلفا بالصلاة الناقصة ففوتها عصيانا حيث يجب عليه قضاء الصلاة التامة بلا إشكال، لان التمامية والناقصية إنما هي من حالات المكلف كالجهر والاخفاف تدور مدار حال المكلف من التمكن وعدمه، ففي الوقت حيث لم يكن متمكنا إلا من الناقصة كانت هي الواجبة ليس إلا، وأما في خارج الوقت فحيث إنه متمكن من التامة كانت هي الواجبة أيضا ليس إلا، وذلك لان كون التمامية والناقصية من حالات المكلف مسلم، إلا أن العصيان لم يكن مسقطا للقضاء كما كان الحيض مسقطا له.

والحاصل: أن الفرق بين العصيان والحيض هو قيام الدليل على عدم قضاء مافات بالحيض.

فالاقوى أنه وإن قلنا بوجوب الاداء على من علم بطرو المسقط لايجب عليه القضاء، فتأمل.

هذا كله بالنسبة إلى أول الوقت.


وأما آخر الوقت فيمتاز عن أوله أنه إذا أدرك مقدار خمس ركعات مع سائر الشرائط كان يجب عليه الاداء قطعا لقاعدة " من أدرك " وإن خالف كان عليه القضاء أيضا قطعا، وهذا بخلاف أول الوقت، فإنه لابد في وجوب الاداء والقضاء من إدراك ثمان ركعات من سائر الشرائط، لعدم جريان قاعدة " من أدرك " بالنسبة إلى أول الوقت، لاختصاص أدلتها بآخره كما لايخفى.

وأما لو أدرك من آخر الوقت دون ذلك فالكلام فيه الكلام في أوله أداء وقضاء، أما عدم وجوب القضاء عليه لو خالف فلجريان عين ما ذكرناه في أول الوقت فيه أيضا بلا تفاوت، وأما عدم وجوب الاداء عليه، فلانه وإن لم تجر العلة التي ذكرناها في أول الوقت فيه، لان من أفاق في آخر الوقت بمقدار لايمكنه فعل الصلاة مجتمعة للشرائط أو طهرت الحائض كذلك فقد استوعب عذره تمام الوقت، فيكون مشمولا لتلك الادلة الدالة على سقوط الشرائط عند عدم التمكن منها في مجموع الوقت، وإن كان يمكن أن يدعى أن تلك الادلة مقصورة بما إذا كان الشخص غير متمكن من فعل الشرط في حد نفسه في مجموع، لاما إذا كان متمكنا منه وكان جهة عذره من جهة انتفاء ما هو شرط التكليف من العقل والخلو عن الحيض، إلا أن الانصاف أن قصر تلك الادلة بذلك مشكل.

نعم يمكن أن يقال: إن الشرائط المأخوذة في لسان الادلة شرط للتكليف، كالعقل والبلوغ والخلو عن الحيض، لها دخل في الملاك وما هو جهة التكليف من المصالح والمفاسد، فحينئذ الصلاة التامة للشرائط لاملاك لها مع استيعاب الحيض والجنون إلى قريب من آخر الوقت، ولادليل على ثبوت الملاك في الصلاة الناقصة، فلاطريق إلى إثبات وجوب الاداء على مثل هذا، فتأمل فإن هذا أيضا لايتم إلا بعد القول بعدم شمول تلك الادلة الدالة على ثبوت التكليف بالناقص


مع عدم التمكن من التام، كقولهعليه‌السلام " الصلاة لاتترك بحال "(١) وأمثال ذلك لما نحن فيه، وعليه لاحاجة إلى هذا البيان، وأما بعد الاعتراف بشمول تلك الادلة له فنفس تلك الادلة تكفي في ثبوت الملاك والتكليف بالناقص، فتأمل فتأمل(٢) فإن المسألة مشكلة، وعلى أي حال على تقدير القول بوجوب الاداء على مثل هذا الشخص لادليل على ثبوت القضاء عليه بالبيان المتقدم في أول الوقت.

ولافرق فيما ذكرنا بين الطهارة المائية وسائر الشرائط، فكما أنه يعتبر في آخر الوقت القدرة على الطهاررة المائية، كما ورد به النص في باب الحيض واعترف به الخصم، كذلك يعتبر القدرة على سائر الشرائط.

بل يمكن أن يستدل على اعتبار القدرة على جميع الشرائط في آخر الوقت بمصححة عبيد بن زرارة: أيما امرأة رأت الطهر وهي قادرة على أن تغتسل في وقت صلاة معينة ففرطت فيها حتى تدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، وإن رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة ودخل وقت صلاة اخرى فليس عليها قضاء(٣) .

بناء على أن يكون المراد من قوله " قامت في تهيئة ذلك " هو القيام في تهيئة مقدمات الصلاة لاخصوص الغسل، وإن كان ربما يأباه صدره، فتأمل. بل يمكن أن يقال بدلالة رواية محمد بن مسلم على اعتبار التمكن من جميع الشرائط في أول الوقت أيضا، فإن فيها عن أحدهماعليهما‌السلام قال قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر، فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر، قال: تصلي العصر وحدها، فإن ضيعت فعليها صلاتان(٤) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٧٥ باب ٣٩ من أبواب المواقيت، ح ٤.

(٢) هكذا في الاصل والظاهر ان الثانية زائدة.

(٣) الوسائل: ج ٢ ص ٥٩٨ باب ٤٩ من أبواب الحيض، ح ١، وفيه اختلاف يسير.

(٤) تهذيب الاحكام: ج ١ ص ٨٩ باب ١٩ من أبواب الحيض والاستحاضة والنفاس، ح ٢٣. [ * ]


بتقريب أن يقال: إن المراد من دخول وقت العصر هو دخول الوقت الاختصاصي لها، فيصير المعنى حينئذ أن المرأة إذا طهرت من حيضها في أول الزوال فقامت تشتغل في شأنها من الغسل وتهيئة سائر الشرائط، فلم يسع وقت صلاة الظهر لجميع ذلك حتى دخل وقت صلاة العصر، فقالعليه‌السلام : لايجب عليها إلا صلاة العصر وحدها، فيستداد منه أنه يعتبر في تكليفها بصلاة الظهر أن يسع الوقت لتهيئة جميع الشرائط التي كانت فاقدة لها، فلو لم يسع الوقت لذلك لم تكن مكلفة بالصلاة.

والاستدلال بهذا أيضا مبني على أن يكون المراد من الاشتغال بشأنها هو الاشتغال بالغسل وسائر الشرائط، لاخصوص الغسل أو هو مع طهارة بدنها من لوث الحيض، وأن يكون المراد من دخول وقت صلاة العصر هو الوقت الاختصاصي لها لا الوقت الفضلي كما هو الظاهر منه، إذ يبعد أن يطول زمان الاشتغال بشأنها إلى الوقت الاختصاصى للعصر مع أنها رأت الطهر في أول الوقت، كما هو الظاهر من قول السائل " رأت الطهر عن الظهر " وعليه يسقط الاستدلال بالرواية بالكلية لعدم العمل بها، بداهة أنه مجرد دخول وقت الفضلي للعصر لايوجب عدم تكليفها بالظهر إلا بناء على القول بأن آخر وقت الاجزائي للظهر هو المثل، فالرواية تنطبق على هذا المذهب، فتأمل فإن الاستدلال بالرواية لما نحن فيه لايخلو عن شئ.

إلا أنه لاحاجة إلى هذه الروايات، فإنا في غنى عنها بعد ما ذكرنا من أن عدم وجوب الاداء والقضاء عليها إنما هو مقتضى القاعدة، فللخصم من إقامة الدليل على الوجوب وهو مفقود، وإن كان ربما يستدل له بإطلاق بعض الاخبار، كخبر ابن الحجاج عن امرأة طمثت بعدما تزول الشمس ولم تصل الظهر، هل


عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم(١) .

فإن إطلاق السؤال يعم ما إذا لم يمض من الوقت بمقدار فعل الصلاة التامة، ولكن الانصاف انصرافه إلى مضي ذلك المقدار، فتأمل. ثم إنه لافرق فيما ذكرنا بين الحيض والبلوغ والجنون وغير ذلك من شرائط التكليف. نعم هنا كلام آخر في خصوص البلوغ ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه لو بلغ في اثناء الصلاة أو بعدها في سعة الوقت وقلنا بشرعية عبادة الصبي، فهل يجب عليه الاتمام في الاولى بلا إعادة والاجتزاء في الثانية، أو لايجزي بل يجب عليه إعادة الصلاة فيما إذا بلغ بعد الصلاة واستثنافها فيما إذا بلغ في أثنائها؟ وهنا احتمال آخر وهو إمام الصلاة التي بيده وجوبا أو ندبا ثم إعادتها.

وتنقيح البحث هو أن الكلام في المقام إنما هو بعد الفراغ عن شرعية عبادة الصبي واستحبابه، إذ لاموضوع لهذا البحث بناء على التمرينية، فإنه لاإشكال في عدم الاجتزاء بها، سواء بلغ في الاثناء أو بعد الفراغ، وليس له إتمامها إذابلغ في الاثناء وإن احتمله بعض لفوات موضوع التمرين بالبلوغ، وينقلب موضوع التمرين إلى الوجوب وتصير الصلاة واجبة عليه، فلاسبيل إلى القول بإتمامها تمرينا.

ثم إنه اختلفت كلمات الاصحاب في الحج وفي باب الصلاة والصيام، ففي باب الحج ذهب المشهور إلى أنه لو بلغ الصبي بعد تلبسه بالحج قبل الوقوف بالمشعر أجزأه عن حجة الاسلام، ولايحتاج إلى إعادة الافعال السابقة، وأما في باب الصلاة فقد ذهب المشهور إلى خلاف ذلك، وقالوا: إنه لو بلغ الصبي في

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ٥٩٧ باب ٤٨ من أبواب الحيض، ح ٥ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


الاثناء فلا يعتد بالافعال السابقة ويجب عليه استئنافها.

فقد يتخيل أنه لاوجه لهذا التفصيل مع كون البابين من واد واحد، إلا أن الانصاف أنه ليس كذلك، ويختلف باب الحج عن باب الصلاة، فإن في باب الحج بعد ما لوحظ كل فعل فيه على جهة الاستقلالية، ولذا يحتاج إلى تجديد النية عند كل فعل، وبعد كون حجة الاسلام ليست من الامور القصدية كالظهرية والعصرية، بل هي تدور مدار اجتماع شرائط حجه الاسلام على المكلف، فلو كان واجدا لها يكون حجه حجة الاسلام، وإن كان فاقدا لها لاتكون حجة الاسلام، وبعد ورود النص في أن العبد إذا اعتق قبل الوقوف بالمشعر أجزأه عن حجه الاسلام(١) ، وفهم وحدة المناط بين اشتراط الحرية واشتراط البلوغ وليس ذلك من باب القياس، يكون الاجتزاء بالحج الذي بلغ في أثنائه عن حجة الاسلام على القاعدة، بخلاف باب الصلاة فإن تطبيقه على القاعدة يحتاج إلى مؤنة اخرى سيأتي التعرض لها.

والحاصل: أنه فرق بين باب الحج وبين باب الصلاة، فإن في باب الحج بعد ورود النص الصحيح بأن العبد إذا اعتق قبل الوقوف أجزأ حجه عن حجة الاسلام، وبعد اتحاد المناط في العبد والصبي كما فهمه الاصحاب يكون

الحكم كما ذكره المشهور، فإن ما أوقعه الصبي قبل بلوغه ولو كان على جهة الندبية إلا أنه ندبية البعض لاينافي وجوب الآخر وهو سائر أفعال الحج التي تقع منه بعد البلوغ، لعدم ارتباطية الافعال بعضها مع بعض من هذه الجهة، فمجرد وقوع الاحرام مثلا ندبا لاينافي وقوع الوقوف مثلا وجوبا، وكذا وقوع الاحرام لاعن حجة الاسلام لاينافي وقوع الاحرام عنه بعد ما لم تكن حجة الاسلام من

____________________

(١) الوسائل: ج ٨ ص ٣٥ باب ١٧ من أبواب وجوب الحج، ح ١ و ٤ من كتاب الحج. [ * ]


العناوين القصدية، وحينئذ لو قام الدليل على عدم لزوم اجتماع شرائط الوجوب عند أول فعل من أفعال الحج بل يكفي اجتماعها عند الوقوف، كان اللازم هو القول بالصحة والاكتفاء به عن حجة الاسلام كما قاله المشهور.

وهذا بخلاف باب الصلاة، لان المفروض ارتباطية أفعالها بعضها مع بعض، وفقدان النص على كفاية تحقق شرائط الوجوب في بعضها، كان مقتضى القاعدة هو البطلان وعدم الاجتزاء بها إلا بعناية اخرى، وهي أن يقال: إن ما هو الملاك في تكليف البالغ بالصلاة وإلزامه بها هو الموجب لتكليف الغير البالغ بالصلاة استحبابا من دون أن يكون تفاوت بينهما في ذلك، فالمصلحة القائمة بصلاة الظهر لاتختلف بحسب الكمية، سوى أنها في غير البالغ تقتضي الاستحباب وفي البالغ تقتضي الوجوب والالزام.

وحينئذ يمكن أن يقال بأنه لو بلغ الصبي في أثناء الصلاة بما لايوجب نقض الطهارة لكان اللازم عليه تتميم الصلاة بلاحاجة إلى الاستئناف والاعادة، وكذا لو بلغ بعد الصلاة، أما إذا كان بلوغه بعد الصلاة فواضح، فإن تمام ما هو المصلحة القائمة في صلاة الظهر قد استوفاها، فلايبقى حينئذ موضوع للامر الوجوبي بالصلاة ثانيا، فلو قيل مع ذلك بوجوب الصلاة عليه ثانيا لكان مساوقا للقول بالتكليف بشئ بلا أن يكون هناك ما يوجب التكليف به، وأما إذا بلغ في الاثناء فكذلك أيضا، لان المفروض أنه لم يتبدل حقيقة المأمور به بالبلوغ ولاحقيقة الامر، بل إنما تبدل صفة الامر، لاسقوط أمر عن ملاك وثبوت أمر آخر عن ملاك آخر، فحينئذ الركعتان اللتان أتى بهما إلى الآن بوصف الاستحباب تكون تامة في المصلحة كما إذا كانت واجبة من أول الامر، وعند انضمام الركعتين الاخيرتين إليهما يسقط الامر.

والحاصل: أن مبنى القولين في المسألة من إتمام الصلاة التي بيده إذا بلغ في


أثنائها والاكتفاء بها وعدم إعادة الصلاة التي بلغ بعدها، ومن عدم وجوب الاتمام ولزوم الاستئناف إذا بلغ في الاثناء وإعادة الصلاة إذا بلغ بعدها، إنما هو كون الملاك الذى امر لاجله بالصلاة هل هو متحد في البالغ والصبي، ويلزمه وحدة الامر والمأمور به وأن التفاوت إنما هو في صفة الامر من الوجوب والاستحباب، أو تغاير الملاك فيهما وأن المصلحة التي اقتضت أمر الصبي بالصلاة استحبابا مغايرة للمصلحه التي اقتضت أمر البالغ بالصلاة وجوبا، ويلزمه سقوط الامر الاستحبابي عند البلوغ لسقوط ملاكه وثبوت أمر آخر وجوبيا عنده لثبوت ملاكه؟ فلو قلنا بوحدة الملاك وأن التغاير إنما هو في الصفة فقط كان اللازم هو القول بعدم إعادة الصلاة لو بلغ بعدها وإتمام الصلاة إذا بلغ في أثنائها، لاستيفاء الغرض والمصلحة فلا يكون هناك ما يوجب تجدد الامر الوجوبي بالاعادة والاستئناف، ولو قلنا بتغاير الملاك كان اللازم هو إعادة الصلاة واستئنافها، لسقوط ما هو الموجب للاستحباب وثبوت ما هو الموجب للوجوب، ولايمكن القول حينئذ بالاجتزاء بالركعتين اللتين صلاهما استحبابا، لان ملاك الاستحباب لايمكن أن يكون مسقطا لما هو ملاك الوجوب، والامر الوجوبي الذي يتوجه عليه في أثناء الصلاة إنما هو الامر بتمام الصلاة من التكبيرة إلى التسليمة، إذ ليس هناك أمر سوى قوله تعالى: أقيموا الصلاة(١) وأمثال ذلك، والصلاة اسم لمجموع الافعال لاخصوص الركعتين اللتين بلغ عندهما كما هو واضح، هذا.

ولكن الانصاف أنه وإن قلنا بوحدة الملاك كما هو ليس بكل البعيد لايلزمنا القول بسقوط الاعادة لو بلغ بعدها ولزوم إتمام الصلاة التي بلغ في

____________________

(١) الروم: الآية ٣١. [ * ]


أثنائها، وذلك لانه لاإشكال في امتياز صلاة البالغ مع غيره ولو باعتبار تبدل صفة الامر وتأكد الطلب بالنسبة إلى البالغ، وحينئذ فمن المحتمل أن يكون لهذه الصفة دخل في استئناف الصلاة التي بلغ في أثنائها وإعادة الصلاة التي بلغ بعدها.

وبعبارة اخرى: لاريب في نقصان صلاة الصبي عن غيره وإن اشتملت على الملاك واتحدت مع غيره في ذلك، إلا أن المراد من اتحاد الملاك هو عدم تباين الملاكين بحيث لم يكن بينهما جهة جامعة أصلا، لا أن يكون المراد منه هو اشتمال عبادة الصبي بتمام ما اشتملت عليه عبادة البالغ بحيث تكون وافية بتمام الغرض، فإنه لاإشكال في أن للبلوغ دخلا ولو في تبدل صفة الامر وحينئذ فمن المحتمل في عالم الثبوت أن يكون المقدار الباقي من المصلحة التي تشتمل عليه عبادة البالغ باعتبار عروض صفة الوجوب لازمة التحصيل أيضا، بحيث يمكن استيفاؤها مع فعل الصبي الصلاة الناقصة ويمكن أن لايكون قابلا للاستيفاء، وهذا البحث سيال في جميع الناقص مع الكامل، كالصلاة بالطهارة الترابية، والصلاة بالطهارة المائية، وغير ذلك من أفراد الناقص والكامل.

وحينئذ فإن كان في مقام الاثبات ما يعين أحدهما فهو، وإلا كان المتبع هو إطلاقات الادلة، إذ لاإشكال في شمول قوله تعالى: أقيموا الصلاة لعموم البالغين سواء فعلوا ما هو وظيفتهم في حال الصباوة من الصلاة أو لم يفعلوا، فحينئذ يلزم على الصبي البالغ أن يمتثل هذا الامر وإن امتثل الامر الاستحبابي قبل ذلك، ولازم ذلك هو استئناف الصلاة لو بلغ في اثنائها وإعادتها لو بلغ بعدها، فتأمل.

فإن التمسك بالاطلاقات بعد الاعتراف باتحاد حقيقة المأمور به وأن صلاة الصبي بناء على الشرعية متحدة بالهوية مع صلاة البالغ، وكذا اتحاد الامر وأن التبدل إنما هو في الصفة فقط، لايخلو عن إشكال فإنه لاموضوع حينئذ


لتلك المطلقات، فتأمل فإن المسألة بعد لاتخلو عن إشكال، هذا كله في الصلاة.

وأما الصيام فلا إشكال في عدم وجوب الاتمام لو بلغ بعد الفجر ولو بلحظة، لاعتبار اجتماع شرائط التكليف من أول الوقت، ولم يقم دليل على الاجتزاء لو حصلت في بعض الوقت كما ورد في باب الحج.

بقي الكلام في الطهارة وأنه لو تطهر الصبي ثم بلغ فهل له الصلاة بتلك الطهارة أو يجب إعادتها؟ الظاهر أنه لاينبغي الاشكال أيضا في عدم لزوم الاعادة، لان المفروض أنه تكفي الطهارة المستحبة لاجل الغايات المستحبة في فعل الصلاة الواجبة بهها ولايحتاج إلى إعادتها، لان الطهارة المستحبة كالطهارة الواجبة رافعة للحدث، ولايشترط في الصلاة أزيد من رفع الحدث، وطهارة الصبي بناء على الشرعية تكون كسائر الطهارات المستحبة في رافعيتها للحدث، والبلوغ لم يكن من الاحداث الرافع للطهارة فلا يحتاج لى إعادتها بعد البلوغ، إذ الطهارة حينئذ تكون كسائر الشرائط الحاصلة له قبل البلوغ من الساتر وغيره، فتأمل جيدا.

المسألة الثالثة: لا إشكال في أن مقتضي القاعدة الاولية هو لزوم تحصيل العلم بالوقت مع إمكانه، ولايكتفي بالظن لاصالة حرمة العمل به إلا أن يقوم دليل على اعتباره إما مطلقا أو في الجملة، وحيث إن العلم بدخول الوقت ممكن ولو بالصبر إلى أن يعلم أنه قد زال الزوال أو صار المغرب، وليس الوقت كسائر الموضوعات الاخر التي يمكن تعذر العلم بها، كالقبلة مثلا فإن الشخص يمكن أن لايحصل له العلم بالقبلة أبدا، وهذا بخلاف الوقت فإنه يبعد أن لايحصل العلم به إلى أن يخرج الوقت، فتحصيل العلم بالوقت ممكن لعامة الناس ولو بالصبر، فمقتضى القاعدة هو لزوم الصبر إلى أن يحصل العلم بدخول الوقت وعدم الاعتماد على الظن، خصوصا إذا أمكنه تحصيل العلم به في أول الوقت بلا حاجة إلى


الصبر، فإن الظاهر قيام الاجماع ععلى عدم جواز التعويل بالظن المطلق من أي سبب كان.

وإن كان ربما نسب الخلاف إلى بعض الاعلام على ما في الجواهر(١) إلا أن عبارات من نسب إليه الخلاف لاتدل على جواز العمل بالظن مطلقا حتى مع إمكان تحصيل العلم به في أوله، فراجع الجواهر.

نعم قد تردد في الذخيرة على ما نقل في المسألة، لخبر إبن رياح عن الصادقعليه‌السلام قال: إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت، ولم يدخل الوقت فدخل وأنت في الصلاة، فقد أجزأت عنك، بدعوى إرادة الظن من لفظ " ترى " لكونه معناه(٢) . وأنت خبير بفساده، لان ترى مأخوذ من الرؤية، وهو أقريب إلى العلم من الظن، بل ربما يدعى ظهوره في العلم، وعلى تقدير عدم ظهوره في ذلك فلا أقل من صلاحيته لذلك، فلا يمكن دعوى ظهوره في الظن.

وبالجملة: بعد لم يقم دليل على اعتبار مطلق الظن في معرفة الوقت مع التمكن من تحصيل العلم من غير صبر، ولم يعلم به قائل أيضا. نعم ذهب بعض الاعلام على اعتبار خصوص أذان الثقة العارف بالوقت، لجملة من الاخبار الظاهرة أو الصريحة في جواز التعويل بأذان الثقة التي بإطلاقها تشمل صورة التمكن من تحصيل العلم، فمنها: قول الصادقعليه‌السلام في الصحيح: صل الجمعة بأذان هؤلاء، فإنهم أشد شئ مواظبة على الوقت(٣) ومنها: خبر محمد بن خالد القسري قال له أيضا: أخاف أن اصلي الجمعة قبل أن

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٧ ص ٢٦٥ س ١٣ من كتاب الصلاة.

(٢) ذخيرة المعاد: ص ٢٠٨ س ٣٠ من كتاب الصلاة.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٦١٨ باب ٣ من أبواب الاذان والاقامة، ح ١. [ * ]


تزول الشمس، فقال: إنما ذلك على المؤذنين(١) .

ومنها: قولهمعليهم‌السلام : المؤذن مؤتمن(٢) ، والمؤذنون امناء(٣) . وأمثال هذه التعبيرات الظاهرة في اعتبار أذانه، كاعتبار أقوال سائر الامناء في سائر المقامات. وإطلاق هذه الاخبار مع جملة اخرى لم نذكرها تدل على جواز الاعتماد بقول المؤذن في باب الوقت، حتى مع التمكن من تحصيل العلم من دون صبر، وحتى مع عدم حصول العلم من أذان المؤذن. بل في بعضها يقرب من التصريح باعتبار الاذان مع عدم حصول العلم به، كالرواية المتقدمة قال له: أخاف أن اصلي الجمعة قبل أن تزول الشمس، فقالعليه‌السلام : إنما ذلك على المؤذنين.

فإن ظاهره اعتبار الاذان حتى مع الخوف والشك، فحمل هذه الاخبار على صورة حصول العلم بالوقت بأذان المؤذن بعيد في الغاية. مع أنه بناء على هذا لايكون خصوصية في الاذان بل هو كسائر الاسباب المفيدة للعلم، فتخصيص الاذان بالسؤال والجواب يكون بلا وجه، وهذا مبعد آخر على الحمل المذكور. فالانصاف أن دلالة هذه الاخبار على اعتبار أذان المؤذن في غاية القوة.

نعم في خبر علي بن جعفر عن أخيهعليه‌السلام ما يدل على عدم العبرة بأذان المؤذن حتى يحصل له العلم، فإن فيه في الرجل يسمع الاذان، فيصلي الفجر ولايدري أطلع الفجر أم لا، غير أنه يظن لمكان الاذان أنه طلع، قالعليه‌السلام : لايجزيه حتى يعلم أنه طلع(٤) . فهذا الخبر بظاهره يعارض تلك المطلقات بالاعم

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦١٨ باب ٣ من أبواب الاذان والاقامة، ح ٣، وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦١٨ باب ٣ من أبواب الاذذان والاقامة، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٦١٩ باب ٤ من أبواب الاذان والاقامة، ح ٦، وفيه اختلاف يسير.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٠٣ باب ٥٨ من أبواب المواقيت، ح ٤ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


المطلق، بل يعارض مع بعضها بالتباين. وحمل الخبر على ما إذا لم يكن المؤذن بمؤتمن وغير عارف بالوقت مما لاشاهد له، كما أنه يبعد تقييد تلك المطلقات بمثل هذا الخبر لقوة تلك المطلقات في الغاية، مع أنه قد عرفت أن في بعضها ما يأبى عن التقييد، فيدور الامر بين طرح تلك المطلقات والاخذ بهذا الخبر والفتوى بضمونه من أنه لابد من تحصيل العلم مع التمكن كما نسب إلى المشهور، بل ربما ادعى عليه الاجماع على ما نقل، أو طرح هذا الخبر والاخذ بتلك المطلقات والفتوى بمضمونها من اعتبار أذان المؤذن مطلقا حتى مع التمكن من تحصيل العلم كما قال به بعض الاعلام، ولم يعلم حال الطبقة الاولى من العلماء الذي يكون عملهم هوالجابر والكاسر، وأنهم هل أفتوا بمضمون المطلقات وطرحوا الخبر أو بالعكس، ومن هنا استشكل شيخنا الاستاذ مدظله في هذه المسألة ولم يرجح أحد الطرفين، ولكن الانصاف أن العمل بالمطلقات لايخلو عن قوة.

ثم إن هذه الاخبار إنما دلت على اعتبار أذان المؤذن فقط، وأما قول المؤذن وإخباره بدخول الوقت من دون أذان فلايبعد إلحاقه بالاذان، ودعوى القطع بعدم خصوصية في الاذان ليست بتلك المثابة من البعد، وإن استشكل في ذلك أيضا شيخنا الاستاذ مد ظله هذا كله في الاذان.

وأما البينة فلاينبغي الاشكال في اعتبارها وأنها في عرض العلم، لعموم قولهعليه‌السلام : والاشياء كلها على ذلك حتى تستبين أو تقوم به البينة(١) . ودعوى أن المشار إليه في ذلك إنما هو خصوص الحلية والحرمة، فلايعم ما نحن فيه وما شابهه من الشرائط والاجزاء وغير ذلك من الموضوعات، ضعيفة

____________________

(١) الوسائل: ج ١٢ ص ٦٠ باب ٤ من أبواب ما يكتسب به، ح ٤ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


جدا، فإن المراد من المشار إليه في ذلك ليس خصوص الحلية والحرمة النفسيان، بل المراد منه هو الاصل الجاري في الشئ لو لا العلم وقيام البينة على الخلاف، فيصير المعنى أن الاشياء كلها على ما يقتضيه الاصل فيها إلا مع العلم على الخلاف أو قيام البينة عليه. ومجرد كون الامثلة المذكورة في صدر الرواية من موارد الحليه والحرمة النفسيان لايقتضي اسم الاشارة بذلك، فتأمل جيدا. فالاقوى حجية البينة لوقامت على أي موضوع من الموضوعات التي يتعلق به حكم شرعي، سواء في ذلك الوقت وغيره.

وأما العدل الواحد فالاقوى عدم حجيته في الموضوعات مطلقا، إلا أن يقوم دليل خاص في مورد بالخصوص على اعتباره، فإن ما دل على اعتبار خبر العدل مخصوص بالاحكام ولايشمل الموضوعات، سوى مفهوم آية النبأ(١) ، وفي دلالة آية النبأ على اعتبار خبر العدل محل تأمل كما ذكر في محله، وعلى فرض دلالتها وعمومها للموضوعات تكون مخصصة كغيرها من الادلة على تقدير عمومها أيضا بما دل على اعتبار التعدد في الموضوعات، كقولهعليه‌السلام " والاشياء كلها على ذلك حتى.. إلخ " فإنه حصر طريق إثبات الموضوعات بالعلم أو البينة، فلا عبرة بخبر الواحد فيها.

فتحصل من جميع ما ذكرناه: أنه مع التمكن من تحصيل العلم بالوقت من غير صبر لابد من تحصيل العلم، ولايقوم شئ من الظنون مقامه سوى البينة وسوى أذان المؤذن على إشكال في الاخير تقدم وجهه. وأما مع عدم التمكن من تحصيل العلم إلا بالصبر، فتارة يكون عدم التمكن من

____________________

(١) الحجرات: الآية ٦. [ * ]


جهة وجود العذر العام كالغيم، واخرى من جهة العذر الخاص كالعمى والحبس، فلو كان العذر عاما فربما قيل بالاكتفاء بمطلق الظن ولايلزمه الصبر إلى أن يعلم، بل ربما نسب ذلك إلى المشهور، بل ربما ادعى الاجماع عليه. وقد استدل عليه بما ورد من اعتبار صياح الديك في يوم لايرى فيه الشمس والقمر أو في يوم غيم، كما ورد التعبير بذلك في الاخبار، ففي حسن الفراء كالصحيح قال: قال رجل من أصحابنا للصادقعليه‌السلام : إنه ربما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم، فقالعليه‌السلام : تعرف هذه الطيور التي تكون عندكم بالعراق يقال لها الديوك؟ فقال: نعم، قال: إذا ارتفعت أصواتها وتجاوبت فقد زالت الشمس، أو قال: فصل(١) . وفي معناه خبران أخران.

ومن المعلوم أن أقصى ما يفيده صياح الديك هو الظن، وبعد إلغاء الخصوصية من الظن المستفاد من صياح الديك، وإلغاء حصوصية الغيم وأن ذكره إنما كان من جهة كونه عذرا لايمكن معه تحصيل العلم، يتم ما أفاده المشهور من جواز الاعتماد على مطلق الظن مع عدم التمكن من العلم، سواء كان ذلك من جهة الغيم أو العمى أو الحبس أو غير ذلك من الاعذار. وأنت خبير بما في دعوى القطع بعدم الخصوصية في صياح الديك وتسرية الحكم إلى كل ظن من المجازفة. وكذا في دعوى القطع بعدم الخصوصية في الغيم وتسرية الحكم إلى كل عذر ولو لم يكن عاما كالعمى والحبس.

فالاقوى على ما اختاره شيخنا الاستاذ مد ظله من الاقتصار على اعتبار خصوص صياح الديك في خصوص العام، واما فيما عداه فيلزمه الصبر حتى يحصل له العلم بدخول الوقت، فتأمل فإن ما ذهب إليه المشهور لايخلو عن قوة.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٢٥ باب ١٤ من أبواب المواقيت، ح ٥ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


وربما يستدل للمشهور بامور اخر لاتخلو عن ضعف وإن صلحت للتأييد، فراجع الكتب المبسوطة وتأمل فيها.

ثم إنه لو تبين فساد ظنه فيما جاز التعويل عليه أو تبين خطأ قطعه فمقتضى القاعدة الاولية هو فساد الصلاة ولزوم الاعادة ولو وقعت تكبيرة الاحرام في خارج الوقت، فضلا عن وقوع تمام الصلاة أو معظم الاجزاء في خارجه. وهذا بناء على ما اخترناه في الاصول من عدم اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء في غاية الوضوح، فإن أقصى ما دل على اعتبار الظن أو القطع من النص والعقل هو جواز الصلاة، وأما الاجزاء وعدم لزوم الاعادة لووقع جزء منها في خارج الوقت فلا دلالة فيه على ذلك، فلابد في القول بالاجزاء من التماس دليل يدل على ذلك.

نعم من قال باقتضاء الامر الظاهري للاجزاء يلزمه القول بالصحة وعدم لزوم الاعادة لو وقعت تمام الصلاة في خارج الوقت، فضلا عن وقوع بعض منها فيه، ولابد له من التماس دليلا يدل على عدم الاجزاء على عكس ما اخترناه. إلا أن هذا إنما يتم في خصوص ما إذا اعتمد في الوقت على الحجة الشرعية من البينة وأذان المؤذن وصياح الديك وأمثال ذلك، وأما لو اعتمد على قطعه فمقتضى القاعدة حتى بناء على اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء هو فساد الصلاة ولزوم الاعادة عند تبين الخطأ ووقوع بعض الصلاة في خارج الوقت، فضلا عن وقوع تمامها فيه، إذ لاأمر ظاهري في صورة القطع حتى يقتضي الاجزاء كما لايخفى.

والحاصل: أنه بناء على عدم اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء لايفرق الحال بين ما إذا كان اعتماده على القطع أو الظن المعتبر، وأن في الجميع القاعدة تقتضي الاعادة لو وقعت الصلاة في خارج الوقت أو بعض منها ولو التكبيرة، ولابد من


قيام دليل يدل على الاجزاء إما مطلقا أو في بعض الفروض، وأما بناء على اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء ففي صورة الاعتماد على الظن مقتضى القاعدة هو الاجزاء لو وقعت الصلاة في خارج الوقت بتمامها أو بعض منها، ولابد من قيام دليل حينئذ على عدم الاجزاء إما مطلقا أو في بعض الفروض، وأما في صورة الاعتماد على القطع فمقتضى القاعدة أيضا عدم الاجزاء مطلقا، هذا ما يقتضيه القاعدة الاولية.

ولكن ما عليه العمل وفتوى المشهور هو الاعادة والقضاء لو وقعت تمام الصلاة في خارج الوقت، وأما لو وقع جزء منها في الوقت ولو التسليم بناء على كونه جزء فلا إعادة ولاقضاء، من غير فرق بين أن يكون قد اعتمد على الظن المعتبر أو القطع في كلا الفرضين. وربما يظهر من بعض التفصيل بين الظن والقطع، وأن في صورة الاعتماد على الظن تصح الصلاة لو وقع جزء منها في الوقت دون ما إذا وقع تمامها في خارجه، وأما في صورة الاعتماد على القطع فالصلاة فاسدة مطلقا ولو وقع جزء منها في الوقت.

وليس في المسألة نص سوى خبر إبن رياح المتقدم عن الصادقعليه‌السلام قال: إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت، ولم يدخل الوقت فدخل وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك(١) . وهذا إنما يدل على الاجزاء في خصوص ما إذا دخل الوقت في أثناء الصلاة ولو قبل التسليم، وأما إذا لم يدخل الوقت حتى فرغ من الصلاة فهذا الخبر بنفسه يدل على عدم الاجزاء فضلا عن اقتضاء القاعدة ذلك، بداهة أن تخصيصهعليه‌السلام الاجزاء بصورة دخول الوقت في الاثناء يدل على

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٠ باب ٢٥ من ابواب المواقيت، ح ١، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


عدم الاجزاء عند عدم الدخول، فللقائل باقتضاء الامر الظاهري للاجزاء أن يستدل بهذا الخبر أيضا على عدم الاجزاء لو لم يدخل الوقت في أثناء الصلاة.

وأما لو دخل في الاثناء فلو قلنا إن قولهعليه‌السلام " ترى " ظاهر في خصوص الظن كما تقدم عن بعض فيكون دليلا على القول الاخير من التفصيل بين القطع والظن، وأن في صورة الاعتماد على القطع يلزم الاعادة ولو وقع جزء منها في خارج الوقت، بخلاف ما إذا اعتمد على الظن.

وأما بناء على ما قويناه سابقا من أن لفظة " ترى " مأخوذة من الرؤية فهي مقصورة بصورة العلم، أو الاعتقاد الراجح الشامل للعلم والظن، فيكون الخبر دليلا على ماذهب إليه المشهور، فإن دخول صورة القطع في الخبر بناء على ما اخترناه ظاهر.

وأما الظن فربما يتوهم خروجه لعدم صدق " ترى " عليه، إلا أن الانصاف أنه لو كان الظن من الظنون المعتبرة كما هو مفروض الكلام فلفظة " ترى " شاملة له أيضا، لصدق " ترى " عند الاعتماد على البينة مثلا، فالاقوى ما ذهب إليه المشهور، والمناقشة في سند الرواية مما لاوجه له بعد عمل المشهور بها.

هذا كله لو دخل في الصلاة قاطعا لدخول الوقت أو ظانا له بالظن المعتبر. أما لو دخل في الصلاة عامدا عالما بعدم دخول الوقت، أو جاهلا بشرطية الوقت، أو ناسيا لها أو للوقت، فمقتضى القاعدة البطلان لو وقع جزء منها في خارج الوقت، وأما لو وقعت تمام الصلاة في الوقت فالاقوى الصحة في الجميع إن تمشى منه قصد القربة، وإن كان حصول ذلك في صورة التعمد مشكل، وذلك لان الوقت ليس من الخصوصيات القصدية التي يعتبر قصدها في الصلاة، بل ما هو المعتبر في تحقق قصد المأمور به إنما هو قصد الصلاة في هذا الوقت والزمان، وأما مطابقة الزمان للزوال فهو أمر خارج عن تحت قدرته وإرادته بل هو يدور


مدار واقعه، وفي المقام أبحاث مهمة قد فاتني كتابتها لبعض عوائق الزمان، فنسأل أن يوفقنا لكتابتها بعد ذلك.

مسألة: لاشإكال في لزوم الترتيب بين الفرائض ووجوب فعل الظهر قبل العصر والمغرب قبل العشاء، إلا أن هذا الترتيب ليس شرطا واقعيا تبطل الصلاة بفواتها سهوا بل إنما هو شرط ذكري، فلوسها وقدم العصر على الظهر وكان ذلك في الوقت الاشتراكي أو دخل وهو فيها صحت صلاته ووقعت عصرا لاظهرا، وأما لو وقعت في الوقت الاختصاصي فالاقوى البطلان ولاتحتسب لاظهرا ولا عصرا، وقد تقدم الوجه في ذلك.

وحكم العشاء‌ين كالظهرين، نعم بينهما فرق وهو أنه لو شرع في العشاء في أول وقت المغرب نسيانا ولم يتذكر حتى فرغ منها فلا محالة يقع ركعة منها في الوقت الاشتراكي فتصح، هذا كله إذا لم يتذكر حتى فرغ من الصلاة. وأما إذا تذكرفي الاثناء عدل بينته إلى السابقة إن كان محل العدول باقيا، وهو في الظهرين إلى ما قبل التسليم، وأما في العشاء‌ين فإلى قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة على الاظهر، ولايضر زيادة القيام في العدول لانه من قبيل الزيادة السهوية، كما لايخفى وجهه على المتأمل.

وأما إذا دخل في الركوع فقد أفتى بعض بالبطلان، لعدم إمكان العدول حينئذ وعدم سقوط الترتيب في الاجزاء اللاحقة لتذكره، فلايمكنه تتميم هذه الصلاة عشاء فتبطل، هذا. ولكن الاقوى أيضا الصحة وتتميمها عشاء، وذلك لان الترتيب المعتبر بين الصلاتين هو الترتيب بين مجموع الصلاتين من حيث المجموع، بحيث يقع مجموع إحدى الصلاتين قبل الاخرى، وهذا المعنى بمجرد الشروع في الصلاة اللاحقة نسيانا قبل الاولى يسقط، فشرطية الترتيب تكون حينئذ مقصورة بما إذا كان


متذكرا له قبل الصلاة، وأما لو شرع في الصلاة نسيانا ثم تذكر في الاثناء ولو في الركعة الاولى فالترتيب يسقط بالنسبة إلى الاجزاء اللاحقة، لان الترتيب في الاجزاء السابقة سقط بمقتضى النسيان وحديث " لاتعاد "(١) والمفروض أن الترتيب إنما اعتبر بين مجموعو الصلاتين، وهذا المعنى مما يستحيل حصوله بعد وقوع بعد الاجزاء على خلاف الترتيب، لفوات المجموع بفوات بعض الاجزاء، فمقتضى القاعدة لولا أخبار العدول هو أنه لو شرع في الصلاة اللاحقة نسيانا وتذكر في الاثناء صحت صلاته وأتمها على ما افتتحت، غايته أن أخبار العدول دلت على لزوم العدول فيما أمكن، والمفروض فيما نحن فيه عدم إمكان العدول فلابد من تتميمها عشاء، فتأمل جيدا.

مع أنه لوفرض أن الترتيب اعتبر في كل جزء جزء من اللاحقة والسابقة على نحو العام الاصولي، فيمكن أن يقال أيضا بالصحة بالملازمة بين الصحة في الاجزاء السابقة بمقتضى حديث " لاتعاد " والصحة في الاجزاء اللاحقة، وذلك لان المفروض أن الاجزاء السابقة على التذكر مشمولة لحديث " لاتعاد " لان المفروض وقوعها قبل السابقة نسيانا، فالترتيب ساقط بالنسبة إليها ويشملها حديث " لاتعاد " وإذا لم يجب إعادة الاجزاء السابقة فبالملازمة تدل على صحة الاجزاء اللاحقة، وإلا لزم لغوية شمول " لاتعاد " للاجزاء السابقة، فتأمل جيدا فإنه لايخلو عن دقة.

هذا تمام الكلام في المواقيت، وقد وقع الفراغ منها في الليلة الرابعة والعشرين من شهر محرم الحرام سنة ١٣٤٣.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من ابواب القبلة، ح ١. [ * ]


فيما يجب استقباله في حال الصلاة والدفن وغير ذلك.

وقد اختلفت كلمات الاصحاب في ذلك، فقيل: القبلة عبارة عن نفس الكعبة والبناء لمن كان في المسجد، والمسجد قبلة لمن كان في الحرم، والحرم قبلة لمن كان في خارجه من أهل الدنيا. وقد استدل على ذلك بعدة من الاخبار. وقيل: القبلة للقريب هو نفس الكعبة، وللبعيد الجهة بمعنى السمت والطرف.

وقيل: إن القبلة هي عبارة عن نفس الكعبة للقريب والبعيد والمشاهد وغير المشاهد، لكن مع تعميم الكعبة من تخوم الارض إلى عنان السماء، وإن اختلفت كيفية المحاذاة والاستقبال، فإن القريب المشاهد إنما يحاذي نفس البناء والبيت، والبعيد الغير المشاهد إنما يحاذي الفضاء والخط الخارج من البيت إلى عنان السماء.

وهذا هو الحق الذي ينبغي المصير إليه، وذلك للاخبار المستفيضة التي ادعى في الجواهر(١) تواترها، الدالة على أن القبلة هي الكعبة. وهي وإن كانت ظاهرة في

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٧ ص ٣٢٢. [ * ]


نفس البيت والبناء إلا أنه قد ورد عنهم صلوات الله عليهم أجمعين(١) أن الكعبة إنما هي ممتدة إلى عنان السماء، مع وضوح أنه لايمكن استقبال نفس البناء للبعيد مع كروية الارض، بداهة أنه على ذلك إما أن يكون البعيد فوق الكعبة والبيت أو تحتها، فالتكليف باستقبال نفس البناء محال كما هو واضح، فالعبرة في استقبال البعيد إنما هو استقبال الخط الخارج من البيت الممتد إلى عنان السماء، بحيث لو أخرج خط من جبهة المصلي لكان يمر على ذلك الخط الخارج من البيت لامحالة.

والقول بأن قبلة البعيد إنما هو الجهة والسمت وإن لم يصل خط من المصلي إلى الفضاء المحيط بالبيت خال عن الدليل والشاهد، وكيف يمكن القول بذلك مع تضافر الاخبار بأن القبلة هي الكعبة والبيت؟ والحاصل: أنه يعتبر في كل مصل أن يستقبل نفس الكعبة والبناء أو الخط الخارج منها إلى عنان السماء، ولايكفي فيه استقبال السمت والجهة من دون ذلك، كما أنه لايعتبر استقبال نفس البناء بل ذلك كما عرفت محال من جهة كروية الارض، كما أنه لايكفي استقبال المسجد أو الحرم لمن كان خارجا عنهما مع عدم اتصال خط من جبهة المصلي إلى الكعبة أو الخط الخارج منها، كما إذا وقف على أحد أضلاع المسجد بحيث يعلم عدم اتصالل خط منه إلى الكعبة، بل لم يعلم من صاحب هذا القول الاكتفاء بذلك.

____________________

(١) ففي موثقة إبن سنان: صليت فوق أبي قبيس العصر، فهليجزي ذلك والكعبة تحتي؟ قال: نعم، إنما هي قبلة من موضعها إلى السماء (* ١) وفي رواية اخرى: أساس البيت من الارض السابعة إلى السماء العليا (* ٢). " منه ".

(* ١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٤٧ باب ١٨ من أبواب القبلة، ح ١.

(* ٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٤٨ باب ١٨ من أبواب القبلة، ح ٣ وفيه اختلاف. [ * ]


ومن هنا احتمل بعض أن يكون النزاع لفظيا، بمعنى أنه من قال بأن المسجد قبلة لمن كان في الحرم لايريد أن المسجد قبلة لذلك ولو مع عدم مواجهة البيت بوجه من الوجوه بحيث لم يتصل خط من المصلي إليه، بل المراد أنه لو استقبل المسجد يكفي من جهة استلزامه غالبا لاتصال خط منه إلى البيت أو الفضاء المتصل به، وهو كذلك بناء على ما سيأتي من معنى استلزام زيادة البعد لزيادة المحاذاة.

وبذلك يمكن ارجاع ما دل من الاخبار على أن المسجد قبلة لاهل الحرم، والحرم قبلة لاهل الدنيا(١) ، إلى ذلك، بمعنى أن مستقبل المسجد لمن كان في الحرم ومستقبل الحرم لمن كان خارجا منه يكون مستقبلا للكعبة أيضا ولو للخط الخارج منها إلى عنان السماء، كما أنه يمكن إرجاع ممن قال بالسمت والطرف إلى ذلك أيضا، وإن أبت بعض عباراتهم عن ذلك.

والحاصل: أنه يمكن أن يكون مراد الجميع من الاقوال والاخبار أن البعيد إذا توجه نحو الطرف الذي تكون القبلة فيه أو نحو المسجد والحرم فلا محالة يتصل منه خط إلى الخط الخارج من البيت غالبا، وهذا لاينافي بطلان صلاة من علم بعدم ذلك كالمصلي نحو أحد أضلاع المسجد.

فالحري إنما هو بيان اتصال الخطين، فإنه ربما يتوهم أن ذلك محال من جهة صغر جرم البيت، فالمصلي لو فرض أنه صلى في أماكن متعددة بحيث يعلم بزيادة سعة الامكنة التي صلى فيها عن جرم البيت، فكيف يمكن اتصال خط من المصلي من جميع هذه الامكنة إلى البيت، أو إلى الخط الخارج منه إلى عنان السماء؟ وكذا الاشكال في الصف المستطيل، فيلزم بناء على اعتبار اتصال الخطين هو بطلان صلاة بعض الصف، أو بطلان بعض الصلوات بالنسبة إلى الشخص

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٠ باب ٣ من أبواب القبلة ح ١ و ٢ و ٣ و ٤. [ * ]


الواحد المصلي في الامكنة المتعددة، وهذا كما ترى مما لايقول به أحد وبالجملة: القول بأن القبلة نفس الكعبة بناء وفضاء يلازم القول ببطلان صلاة الصف المستطيل، هذا ولكن لايخفى عليك فساد التوهم، وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدمة، وهي أن سعة دائرة رأس الانسان مما يقرب ثلاثين إصبعا وهذه الدائرة بهذا الضيق يكون كل جزء منها محاذيا لجزء من الدائرة المحيطة بالعالم، بحيث لو اخرجت خطوط من الدائرة المحيطة إلى دائرة رأس الانسان فلا محالة جميع تلك الخطوط تتصل (*) إلى دائرة رأس الانسان، كما يشاهد أن الدائرة الصغيرة المرسوم فيما يقرب من قطب الرحى يكون كل جزء منها محاذيا لجزء من الدائرة الوسيعة المرسومة في مبتدأ الرحى.

ثم إن القدر المعتبر في الاستقبال ومواجهة شخص لشخص إنما هو مقدار ثمن دائرة الرأس تقريبا، وهو مقدار أربعة أصابع من مقدم الرأس الذي يكون بين الحاجبين، ولايعتبر في صدق الاستقبال المواجهة بكل ما بين الحاجبين، بل يكفي في صدق الاستقبال عرفا أن يكون مواجها بجزء مما بين الحاجبين، بحيث لو اخرج خط من المستقبل بالكسر من أي جزء من أجزاء جبهته لكان ذلك الخط متصلا إلى المستقبل إليه، ولايحتاج أن تكون جميع الخطوط الخارجة من الجبهة متصلة بالمستقبل إليه، كما لايخفى. وحينئذ نقول: إنه لاإشكال في كون مقدار ما بين الحاجبين قوسيا، ويكون

____________________

[ * ]


محاذيا لقطعة قوسية من دائرة محيط العالم، وإن كان سعة تلك القطعة من دائره المحيط تزداد عن سعة الجبهة بأضعاف مضاعف، لما عرفت من أن الدائرة الصغيرة تحادي الدائرة الكبيرة بتمام أجزائها، فقوس الجبهة تحاذي مقدارا من قوس دائرة المحيط مع كثرة سعته بالنسبة إلى قوس الجبهة، بحيث لو أخرج خطوطا من قوس الدائرة لاتصلت الخطوط بأجمعها بقوس الجبهة فالجبهة مع صغر سعتها تحاذي أضعاف مضاعف منها بآلاف الوف، وذلك ليس إلا من جهة بعد موقف الانسان عن دائرة المحيط، وإذا كان الشخص مواجها لقطعة من قوس دائرة المحيط فلا مجالة يكون مواجها لكل ما كان بينه وبين قوس الدائرة من البلدان والجبال والانهار وغير ذلك.

وهذه المواجهة ليست تظهر للحس من دون أن يكون لها واقع بل مواجهة حقيقية واقعية، والشاهد على ذلك أنه لو أخرج خطوطا من قوس الجبهة مستقيمة معتدلة لكانت الخطوط مارة بجميع ما كان بينه وبين قوس المحيط، بداهة اتصال خطوط الجبهة بالقوس يستلزم مرورها على ما كان متوسطا بينها وبين القوس، فظهر معنى ما يقال من أن زيادة البعد توجب زيادة المحاذاة، وأن الانسان مع صغر حجمه يكون مواجها بقوس الجبهة لكل ما كان بينه وبين محيط العالم من الاودية والابنية ومنها الكعبة المعظمة لو توجه نحوها.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن الصف المستطيل كيفما فرضت استطالته لامحالة يكون مواجها للكعبة مع بعده عنها ومع اتحاد جهة أهل الصف بحسب


القبلة، بحيث لو فرض خروج خط من جبهة كل واحد من المصلين لكان مارا على الخط الخارج من الكعبة الممتد إلى عنان السماء، نعم لو اعتبرنا في الاستقبال أن يكون الخط خارجا من بين العينين، ولايكفي خروجه من أحد جانبيها لامتنع اتصال خطوط الصف المستطيل إلى الخط الخارج من الكعبة، إلا أنه قد تقدم عدم اعتبار ذلك في صدق الاستقبال، بل يكفي الاستقبال بأحد طرفي الجبهة.

والحاصل: أن الدوائر المرتسمة بين موقف الشخص وبين محيط العالم على كثرتها يكون الشخص مواجها لقوس منها بقوس جبهته، وكلما فرض بعد الدائرة عن دائرة الموقف يكون القوس المواجه إليه منها أوسع من القوس المواجه إليه من الدائرة التي دونها التي تكون أقرب إلى موقف الشخص منها.

فالشخص يكون مواجها لمقدار شبر من الدائرة التي ترتسم بقرب منه، ويكون مواجها لمقدار شبرين من الدائرة التي ترسم فوق تلك الدائرة، وهكذا يزداد المحاذاة والمواجهة بمقدار بعد الدائرة إلى أن تصل إلى الدائرة المحيطة بالعالم، فتتسع المحاذاة بمقدار اتساع ما يحاذيه من قوس الدائرة، وعليه يكون الانسان محاذيا ومواجها لكل ما كان بينه وبين المحيط.

فإذا توجه الانسان نحو القوس الذي تكون الكعبة فيه فلا محالة يكون مواجها للكعبة ولو لفضائها الممتد إلى السماء، وهذه المواجهة تزداد كلما ازداد الانسان بعدا عنها، فربما يكون الشخص مواجها لجزء يسير من الكعبة إذا كان قريبا منها، وربما يكون مواجها لتمامها لتمامها إذا بعد عنها، وهكذا يزداد المواجهة حتى تصلى المواجهة إلى مرتبة يكون الشخص مواجها لتمام الحرم ومازاد، حتى أنه لو فرض أن الشخص وقف فيما يقرب القطب الجنوبي أو الشمالي يكون مواجها لثمن الدنيا بحسب نسبة الجبهة إلى دائرة الرأس، وقد عرفت أن هذه المواجهة ليس مواجهة وهمية بل مواجهة واقعية حقيقية.


وحينئذ الصف الذي يكون متحد الجهة في القبلة كلما فرض بعده عن مكة يمكن زيادة استطالته، ويكون كل من أهل الصف محاذيا لنفس الكعبة أو الخط الخارج ولو بجزء من الجبهة.

مثلا لو فرض أن الصف انعقد في مسجد الحرام فغاية ما يمكن من استطالته بحيث يكون مواجها للكعبة هو أن يكون بمقدار سعة المسجد بل أقل، وأما لو فرض انعقاده في الحرم يمكن زيادة استطالته على وجه يكون الجميع مواجها لها، وهكذا كلما فرضت بعد مكان الصف عن الكعبة يزدادا في استطالته، حتى قيل: إن في العراق يمكن فرض استطالة الصف على وجه يزيد عن عشرين فرسخا، ويكون الجميع مواجها للخط الخارج من الكعبة إلى عنان السماء، بحيث لو فرض خروج خطوط مستقيمة من مواقف الصف فلامحالة من كل شخص يمر خط من جبهته إلى الخط الخارج من الكعبة، ولايعتبر في الخطوط الخارجة من المواقف أن تكون متوازية بحيث يتساوى بعد ما بين الخطين من مخرجهما إلى منتهاهما، بداهة أنه لو اعتبرت الخطوط هكذا لامتنع اتصال الخطوط من الصف إلى الخط الخارج من الكعبة، لصغر حجم الكعبة بالنسبة إلى الصف ولعل منشأ النقض بالصف المستطيل على من قال باعتبار مواجهة الكعبة سواء في ذلك القريب والبعيد هو هذا، أي تخيل اعتبار أن تكون الخطوط متوازية، ولما رأى استحالة ذلك في الصف المستطيل نقض على صاحب هذا القول بأنه يلزمه القول ببطلان صلاة بعض الصف.

وأنت خبير بأنه لانحتاج في المواجهة أن تكون الخطوط متوازية، بل المدار على صدق المواجهة والاستقبال، وذلك يتحقق باستقامة الخطوط الخارجة من دون حاجة إلى توازيها، فتأمل جيدا في كلمات الاعلام حتى تعرف حقيقة الحال، وأن المراد من الجهة في كلماتهم هو هذا المعنى، لاالجهة بمعنى السمت والطرف مع عدم اتصال خط من المصلي إلى الخط الخارج عن الكعبة، فإن ذلك


ضروري البطلان، وكيف يمكن الالتزام بذلك مع تواتر الاخبار على وجوب استقبال الكعبة؟ فلا محالة يعتبر في صحة الصلاة من اتصال خط من أحد أجزاء جبهته إلى الخط الخارج من الكعبة الممتد إلى عنان السماء، فإن الذي يمكن في حق البعيد هو هذا، وهذا المعنى بمكان من الامكان، ولو فرض أنه صلى في أمكنة متعددة بحيث تزداد سعة الامكنة عن الكعبة فإن من كل مكان يتصل خط إليها بعد معرفة السمت التي تكون الكعبة فيه بالامارات المنصوبة لذلك على ما سيأتي ثم لايخفى عليك أن الدائرة المرسومة عند مسجد المصلي المحيطة بالمكان الذي يشغله في حال الصلاة تكون أوسع من دائرة رأس المصلي، فإن دائرة الرأس تقرب ثلاثين إصبعا كما تقدم، ودائرة المسجد تقرب ذلك المقدار شبرا، فالقوس المواجه لجبهة المصلي من دائرة المسجد يزيد على شبرين، وعليه لو كان الخط الخارج من الكعبة محاذيا لاحد الجانبين من الجبهة كما إذا كان في طرف اليمين مثلا يجوز الانحراف عمدا إلى أن يقع ذلك الخط في طرف الشمال، وذلك يكون بمقدار شبر، فيجوز الانحراف عن القبلة لو كانت في مسجد المصلي عمدا يمينا وشمالا إلى حد يقع خطه القبلة في أحد جانبي الجبهة، لما عرفت سابقا من صدق الاستقبال من أي جزء من أجزاء الجبهة، فتأمل جيدا.

ثم إن الظاهر من الاستقبال هو الاستقبال بالوجه مع مقاديم البدن، فلايكفي المواجهة بالوجه مع اعوجاج مقاديم البدن كلا أو بعضا، إلا أن يكون البعض مما لايضر بالصدق العرفي كاعوجاج أصابع الرجلين مثلا، ولافرق في اعتبار ذلك بين القريب والبعيد.

نعم يختص القريب بأمر آخر، وهو أنه هل يكفي مواجهة بعض البدن كالنصف مثلا للبيت، أو أنه يعتبر مواجهته بجميع البدن، فلايكفي الوقوف مواجها لاحد أضلاع البيت، بحيث يكون نصف البدن مواجها للبناء ونصفه


الآخر خارجا عنه؟ الظاهر هو الثاني لعدم صدق الاستقبال كذلك، فتأمل.

وإنما قلنا: إن ذلك يختص بالقريب لان البعيد لايتصور فيه ذلك بعد ما كان قبلته الجهة بالمعنى المتقدم، فإن المعتبر في مواجهته أن يكون خطا خارجا من أحد أجزاء جبهته واصلا إلى الخط الخارج من الكعبة الممتد إلى عنان السماء، بحيث يحدث منهما زوايا قوائم، وهذه المواجهة إما أن تكون وإما أن لاتكون، ولايمكن التبعيض والمواجهة بنصف البدن كما لايخفى.

فرع: الظاهر أن حجر إسماعيل خارج عن البيت وإن وجب إدخاله في الطواف، فلايكفي استقباله كما ورد به النص الصريح، وهو ما رواه معاوية بن عمار أنه سأل الصادقعليه‌السلام عن الحجر أمن البيت هو؟ فقال: لا، ولاقلامة ظفر، ولكن إسماعيلعليه‌السلام دفن امه فيه، فكره أن يوطأ فجعل عليه حجرا، وفيه قبور أنبياء(١) . وبمضمونه أخبار اخر(٢) . وإدخاله في الطواف لايكون قرينه على كونه من البيت مع تعليل الامامعليه‌السلام ذلك بأن إسماعيل دفن امه في ذلك المكان، فوجب إدخاله في الطواف لئلا يوطأ، وأين هذا من جواز استقباله في الصلاة؟ فقياس بعض الاعلام الصلاة بالطواف في غير محله.

تنبيه: قد ظهر مما ذكرنا أن القبلة هي محل البناء والفضاء لانفس الابنية

____________________

(١) الوسائل: ج ٩ ص ٤٢٩ باب ٣٠ من أبواب الطواف، ح ١ نقلا بالمعنى.

(٢) الوسائل: ج ٩ ص ٤٢٩ باب ٣٠ من أبواب الطواف. [ * ]


والجدران، وعليه يجوز الصلاة في جوف الكعبة ولو إلى بابها المفتوحة، وكذا على سطح الكعبة اختيارا وإن لم يكن هناك ضرورة، وتقييد بعض بها في غير محله، نعم يشترط أن يبرز بين يديه شيئا من السطح حتى لايكون سجوده على منتهى السطح ليكون مستقبل القبلة في جميع أحوال الصلاة، وكذا يجوز الصلاة على جبل أبي قبيس أو جبل آخر أو في سرداب منخفضا عن الكعبة، لما تقدم من أن الكعبة من تخوم الارض إلى عنان السماء.

بيان ما يعرف به قبلة كل إقليم من العلامات المذكورة

في الكتب المبسوطة.

فاعلم أن معرفة قبلة كل البلاد يتوقف على معرفة طول البلاد وعرضها، ونسبة طول كل بلد وعرضه إلى طول وعرض مكة حتى يعرف قبلة كل بلد. وكان القدماء من علماء الهيئة يجعلون مبدأ طول البلاد من جزائر خالدات وعرضها من خط الاستواء الذي هو مار بنقطتي المشرق والمغرب تحت دائره المعدل، ولكن المتجددين نم علماء الهيئة في هذا الزمان يجعلون مبدأ الطول من قرية قريبة بدار سلطنة الانجليز لندن، بل أهل كل مملكة يجعل مبدأ طول البلاد دار سلطنة تلك المملكة، كطهران في إيران وباريس في فرانسة وكذا سائر الممالك، وعلى أي حال لايختلف الحال في ذلك، فإن من أي مكان جعل مبدأ الطول لابد من ملاحظة نسبة طول البلد وعرضه إلى طول مكة وعرضها.

والاقسام المتصورة في المقام ثمانية، فإن الاختلاف إما أن يكون في الطول والعرض معا وإما أن يكون في أحدهما، ولايعقل اتفاق بلد مع مكة في الطول والعرض معا كما لايخفى، ثم إن الاختلاف في الطول تارة يكون البلد في غربي مكة واخرى يكون في شرقيهها، وكذا الاختلاف في العرض تارة يكون البلد في


جنوب مكة واخرى يكون في شمالها، فهذه أقسام أربعة فيما إذا كان الاختلاف في الطول فقط أو في العرض فقط، وأربعة أقسام اخر حاصلة من الاختلاف في كليهما، وهي ما إذا كان البلد في غربي مكة وعرضه في جنوبها أو في شمالها فهذا قسمان، والقسمان الآخران هو ما إذا كان البلد في شرقي مكة وعرضه في جنوبها أو شمالها، فهذه أقسام ثمانية تختلف قبلة البلاد حسب هذا الاختلاف، وليس المقام مقام التعرض لطول البلاد وعرضها والنسبة بينها، فإن ذلك موكول إلى محله ومطلوب من أهله من علماء الهيئة.

ولعل استخراجات أهل هذا العصر من أهل الفن يكون أضبط وأتقن من استخراجات القدماء، ولذلك(١) لسهولة أسباب الاستخراج في هذا الزمان، حتى أنه يمكن معرفة قبلة عامة البلاد بتوسط القوة البرقية من التلكراف، وذلك لان الشمس في كل سنة تسامت رؤوس أهل مكة بيومين، وهما اليوم الثامن من الجوزاء والثاني والعشرين من السرطان على ما نقل فالشمس في هدين اليومين هي فوق الكعبة، ولذا يعدم الظل فيها في هذين اليومين كما تقدم في باب المواقيت، فلو عرف أول الزوال في مكة وهو ان انعدام الظل فيها يكون الظل الشاخص في كل بلد من البلاد في ذلك الآن مواجها للكعبة لامحالة، بحيث لواخرج من ذلك الظل خطا مستقيما لاتصل بالكعبة.

فالمعيار في قبلة كل بلد هو المواجهة إلى ظل ذلك البلد في آن زوال مكة في يوم يعدم فيها الظل، ومعرفة آن زوال مكة في كل بلد بمكان من الامكان بتوسط القوة البرقية من التلكراف، وهذا المعنى أضبط شئ في معرفة القبلة في جميع الاقاليم والبلدان.

____________________

(١) هكذا في الاصل، والصحيح " وذلك ". [ * ]


وفي المقام طريق آخر لايحتاج إلى القوة البرقية إذا علم مقدار تفاوت البلد مع مكة في الطول، كما استخرجه المحقق الطوسيقدس‌سره على ما نقل، وحاصله: أن اليوم الذي يعدم الظل فيه في مكة تكون الشمس في أول الزوال في دائرة نصف النهار، والتفاوت بين نصف النهار في كل بلد ونصف نهار مكة بقدر الفصل بين طوليهما، لان كل بلد كان طوله أقل من مكة يتأخر الظهر فيه عن مكة، وكل بلد كان طوله أكثر من مكة يتقدم الزوال فيه عن مكة، لانه يكون حينئذ أبعد عن المغرب واقرب إلى المشرق، فإذا علم مقدار طول البلد ومقدار طول مكة فالتفاوت بينهما بكل درجة مقابل لمقدار أربع دقائق، لانه لو قسم ثلثمائة وستين درجة على أربع وعشرين ساعة فلكل خمس عشرة درجة ساعة ولكل درجة أربع دقائق.

وعلى هذا فلو كان طول مكة عشرين درجة وطول البلد خمسة وعشرين فيصير زوال البلد عشرين دقيقة قبل زوال مكة، فبعد مضي عشرين دقيقة من زوال البلد إذا جعل المصلي ظل الشاخص بين قدميه وتوجه إليه يكون متوجها إلى القبلة لامحالة، لان الشمس في هذا الآن أي عند مضي عشرين دقيقة من زوال البلد تكون مسامتة لرؤوس أهل مكة وفوق الكعبة، فالمتوجه إلى الظل يكون متوجها إلى الكعبة. ولو انعكس الفرض بأن كان طول البلد عشرين وطول مكة خمس وعشرين، فيصير زوال البلد بعد زوال مكة بعشرين دقيقة، فالعبرة حينئذ بمواجهة الظل في ذلك الحال، فتأمل تعرف.

وعلى كل تقدير العبرة إنما هو بمعرفة القبلة بأي طريق ممكن، ومعرفة ذلك لها طرق متعددة.

منها: محراب صلى فيه معصومعليه‌السلام كأحد المحاريب للمساجد الاربعة،


ولكن بشرط العلم ببقاء المحراب على هيئته التي جعلها المصعومعليه‌السلام من دون أن يتغير، وهذا الشرط مفقود في هذا الزمان لكثرة التغيرات، خصوصا في محراب مسجد الكوفة على ما نقل.

ومنها: قبر المعصومعليه‌السلام بالشرط المذكور.

ومنها: العلائم المنصوبة لذلك من مهرة أهل الفن، كوضع الجدي كذا ووضع سهيل كذا، وأمثال ذلك مما هو مذكور في الكتب المبسوطة، فإن الانصاف أن هذه العلائم علائم متقنة استخرجها مهرة أهل الفن، فهي إن لم تكن مفيدة للعلم فلا أقل من إفادتها الاطمئنان الملحق بالعلم المعبر عنه بالعلم العادي في بعض الكلمات. ثم لايخفي عليك أنه ليس في الاخبار علامة تعبدية لمعرفة القبلة، وإنما ورد بعض الاخبار في خصوص الجدي، كقولهعليه‌السلام في بعضها: إجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق مكة فاجعله بين كتفيك(١) . وقولهعليه‌السلام في آخر: ضع الجدي في قفاك وصل(٢) .

ولكن من المعلوم أنه لايمكن الاخذ بإطلاق هذه الاخبار، فإن جعل الجدي على القفاء لايكون مطردا في جميع البلدان، بل هو مقصور بما إذا كان قبلة البلد نقطة الجنوب وكذا قولهعليه‌السلام " وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك ".

وبالجملة: ليس فيما بأيدينا من الاخبار ما يدل على جعل الشارع شيئا خاصا علامة للقبلة تكون مطردة في جميع البلدان، فلا بد حينئذ من الرجوع إلى العلامات المستخرجة من الهيئة، وقد عرفت أنها امور مضبوطة من شأنها أن تفيد

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٢ باب ٥ من ابواب القبلة، ح ٢، وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٢ باب ٥ من أبواب القبلة، ح ١، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


العلم، وعلى تقدير عدم إفادتها للعلم فلا أقل من إفادتها الظن، وسيأتي أنه حجة عند تعذر العلم.

لايقال: كيف يمكن التعويل على العلامات المذكورة في كتب القوم مع أنها بنفسها مختلفة لايمكن الجمع بينها؟ والاختلاف في ذلك يكون أقوى شاهدا على اشتباههم، وكيف يتصور الجمع بين جعل الجدي خلف المنكب الايمن مع جعل المغرب والمشرق الاعتداليان على اليمين والشمال؟ فإن جعل المشرق والمغرب كذلك يقتضي مقابلة نقطة الجنوب، وجعل الجدي كذلك يقتضي الانحراف عنه إلى المغرب بما يقرب من اثني عشرة درجة.

فإنه يقال: إن هذا الاختلاف إنما هو لاجل ما ذهبوا إليه من التوسعة في جهة القبلة بحيث لايضر هذا المقدار من الزيادة والنقيصة في الانحراف، والشاهد على ذلك أنه جمع بين هذين العلامتين من هو استاذ الفن الذي لايمكن في حقه الاشتباه كالعلامة على ما حكي عنه فيعلم من هذا أن ذلك لايكون إلا من جهة التوسعة في جهة القبلة عندهم، وهذا المقدار من التفاوت لايوجب الخروج عن الجهة بالمعنى الذي ذكرناه، ولايكون شاهدا على أن المراد من الجهة هو السمت والطرف مع عدم اتصال خط من المصلي إلى الكعبة، فتأمل جيدا.

وعلى أي حال لابد من الرجوع إلى العلائم التي ذكرها أهل الهيئة لمعرفة القبلة، فإن هذا هو المتيسر للبعيد، نعم حيث كان قدماء أهل الهيئة مختلفين مع المتجددين في تشخيص طول البلاد وعرضها ومقدار الانحراف، حتى نقل أن القدماء ذهبوا إلى انحراف قبلة النجف الاشرف من الجنوب إلى المغرب بمقدار اثني عشرة درجة، والمتجددون ذهبوا إلى أن الانحراف بمقدار ثمانية درجات، فلابد حينئذ من الاخذ بالاحتياط والمتوسط بين القولين. وقد عرفت سابقا أن العلامات المنصوصة في الاخبار لايمكن الاخذ بإطلاقها


وحملها على التعبد طابقت الكعبة أو لم تطابق، وما ورد في صحيح زرارة عن الباقرعليه‌السلام لاصلاة إلا إلى القبلة قال: قلت: أنى حد القبلة؟ قال: ما بين المغرب والمشرق قبلة كله(١) . لايكون صريحا في جواز التوجه إلى أي نقطة مما بين المغرب والمشرق اختيارا، لاحتمال أن يكون السؤال عن حد القبلة هو الحد الذي إذا صلى الانسان فيه تكون صلاته صحيحة ولو في الجملة وفي بعض الاوقات، كما إذا تبين له الخطأ بعد الجهد وأن صلاته لم تكن على جهة القبلة، فإن في هذا الحال تصح الصلاة إذا كانت بين المشرق والمغرب ولم يكن مستدبرا للقبلة، كما هو رأي المعظم.

والحاصل: أنه يمكن أن يكون السؤال عند حد القبلة هو الحد الذي يجوز إيقاع الصلاة فيه اختيارا، ويمكن أن يختص ببعض الاحوال. ومما يبعد المعنى الاول هو أنه من المستبعد جدا أن يختفي لمثل زرارة حد القبلة مع وروده في الكتاب العزيزى بقوله تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام(٢) .

فمن المحتمل أن يكون جهة السؤال هو المعنى الثاني، فتأمل.

كما أنه يمكن أن يكون المعنى أن ما بين المغرب والمشرق قبلة كله لكن لالكل أحد بل تختلف الاشخاص في ذلك، فرب شخص تكون قبلته منحرفة عن المغرب بقليل، ورب شخص يكون انحرافه أزيد وكذا إلى أن يصل إلى حد يكون قبلة الشخص مما تقرب المشرق، وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اختلاف البلدان في الطول والعرض، فما بين المغرب والمشرق كله قبلة على حسب اختلاف البلاد، فتأمل وعلى كل تقدير لايمكن الاخذ بإطلاق الصحيحة والقول بجواز استقبال أي نقطة مما بين المغرب والمشرق، هذا مع أنه يمكن أن يدعى الاجماع على خلافه،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ صص ٢٢٨ باب ١٠ من أبواب القبلة، ح ٢.

(٢) البقرة: الآية ١٤٣. [ * ]


وإن نسب الخلاف إلى من لايضر بالاجماع.

ثم إن العلامةقدس‌سره جعل من جملة العلامات لاهل العراق جعل القمر ليلة السابع عند الغروب على العين اليمنى، وجعله كذلك عند انتصاف الليل في الليلة الرابع عشر، وجعله كذلك أيضا عند الفجر في الليلة الاحدى والعشرين(١) ولكن قال شيخنا الاستاذ مد ظله: إني جربت ذلك في الليلة السابعة فرأيت في ذلك اختلافا بحسب اختلاف الشهور بالنقص والتمام، فلاحظ.

وكيف كان لابد من معرفة القبلة والعلم بها مع التمكن كما هو الشأن في جميع الشرائط، ولايعتبر في العلم حصوله من سبب خاص بل من أي سبب حصل، ومع عدم التمكن من العلم لابد إلى التنزل إلى الظن. ولكن يقع الكلام في أنه مع التعذر من تحصيل العلم هل يجوز التعويل على مطلق الظن، أو أن مرتبة الاخذ بالعلامات المنصوبة المستخرجة من الهيئة مقدمة رتبة على الظن المظلق على تقدير عدم إفادتها للعلم؟ فربما يقال: إن العلامات مع عدم إفادتها للعلم تكون في عرض الظن المطلق ولاوجه لتقدمها عليه.

ولكن الانصاف أنه ليس كذلك، فإن العلامات على فرض تسليم عدم إفادتها للعلم ليست في رتبة الظن المطلق، إذ لاإشكال في كونها منضبطة في نوعها مستخرجة من أسا مستحكم مفيدة للاطمئنان غالبا، فهي مقدمة على الظن المطلق كتقدم البينة عليه أيضا، لما عرفت من عموم حجية البينة في باب المواقيت، وأنها لاتختص بباب الترافع وما كان الشك فيه من جهة الحلية والحرمة الذاتيان، كما ربما يتوهم من قولهعليه‌السلام : والاشياء كلها على ذلك حتى يستبين أو تقوم به البينة(٢) . إلا أنه قد تقدم أن ورودها في ذلك لايوجب الاختصاص

____________________

(١) منتهى المطلب: ص ٢١٩ في القبلة.

(٢) الوسائل: ج ١٢ ص ٦٠ باب ٤ من أبواب ما يكتسب به، ح ٤، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


فالاقوى أن البينة في عرض العلم مقدمة في الرتبة على الظن المطلق، لان الظن متأخر عن العلم، والمفروض أن البينة في عرض العلم لعدم تقييد في دليل حجيتها، فيكون الظن متأخرا عن البينة أيضا، ولا يعقل أن يكون ما في طول الشئ في عرضه.

وبعبارة اخرى: أن من قامت عنده البينة يكون عارفا بالقبلة بالتعبد، فيخرج عن موضوع " من لايعلم " الذي اخذ موضوعا لحجية الظن. نعم في خصوص المقام إشكال وهو أن حجية البينة في الموضوعات كحجية الخبر الواحد في الاحكام مقصورة بما إذا كان الاخبار عن حس وشهود لاالحدس والاجتهاد، وهذا المعنى في باب الاخبار عن القبلة منسد، لان مستند الشهود إما الاجتهاد وهو حدسي، وإما العلامات المنصوبة المأخوذة من الهيئة وهي أيضا حدسية، فلايجوز التعويل على البينة في أمثال المقام(١) ، هذا.

ولكن لايخفى عليك ضعف الاشكال، فإن العلامات المستخرجة من الهيئة ليست حدسية، لان الضابط في الامور الحدسية هو أن يكون ذلك بإعمال نظر واجتهاد، واستعمال المقدمات النظرية والاقيسة الاجتهادية لاستنتاج المطالب، كاستنتاج الفقيه الحكم الشرعي من الادلة بحسب ما يفهمه منها، ومن المعلوم أن علم الهيئة ليس من هذا القبيل، بل هو كعلم الحساب مأخوذ من مبادئ حسية ومقدمات مشهورة، بداهة أن معرفة طول البلاد وعرضصها من الامور الحسية التي يعرفها كل من كان أهلا لها، ومجرد عدم معرفة كل أحدلها لايخرجها عن الحسية، فهو من قبيل معرفة الصائغ مقدار الغش في الذهب ومعرفة المقوم مقدار

____________________

(١) ويمكن أن يقال: إن اعتبار البينة في أمثال المقام إنما هو من باب اعتبار قول أهل الخبرة، لامن باب الشهادة حتى يقال: إنه يعتبر أن تكون عن حس والحس مفقود في مثل المقام فتأمل فانه لوكان اعتبار ذلك من باب أهل الخبر لم يكن وجه لاعتبار التعدد، فتأمل. " منه ". [ * ]


قيمة الدار، وهل يمكن ان يدعي أحد أن معرفة الصائغ مقدار الغش يكون حدسيا والحاصل: أن الضابط في الحسيات أن تكون مأخوذة من مباد حسية وإن احتاجت إلى إعمال نظر في استخراجات المحسوسات، إذ ليس كل محسوس مشاهدا بالبصر، بداهة أن معرفة هذا الحامض وأنه من ماء النارنج أو الحصرم يحتاج إلى إعمال نظر مع أنه من المحسوسات، فالقول بأن علم الهيئة مبني على الحدسيات في غاية الوهن والسخافة.

وعليه لاإشكال في حجية البينة إذا كان مستندها العلائم المنصوبة المستخرجة من الهيئة، نعم لو كان مستندها امورا اخر اجتهادية تكون حينئذ في عرض الظن المطلق إذا أفاد من قولها الظن، ولا وجه حينئذ لتقدمها عن الظن الحاصل باجتهاد نفس المكلف كما لايخفى.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن العلم والعلائم والبينة تكون في عرض واحد ومقدمة على الظن المطلق، كما أنها مقدمة على الامتثال الاجمالي من الصلاة إلى أربع جهات، بناء على أن الامتثال التفصيلي مقدم على الامتثال الاجمالي كما بين في محله، وكما أن البينة تكون مقدمة على الامتثال الاجمالي كذلك الظن الحاصل بالاجتهاد في مورد اعتباره يكون مقدما على الامتثال الاجمالي، لان الظن يكون حينئذ حجة شرعية، والامتثال به يكون امتثالا تفصيلا فيقدم على الامتثال الاجمالى وما يظهر من خبر خراش(١) من نفي اعتبار الاجتهاد وأن الحكم عند تعذر

____________________

(١) وهو أنه قال للصادقعليه‌السلام : جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت السماء علينا او أظلمت فلم نعرف مما كنا وأنتم سواء في الاجتهاد، فقالعليه‌السلام : ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصلي إلى أربع وجوه (*). " منه ".

(*) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٦ من أبواب القبلة، ح ٥ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


العلم هو الصلاة إلى أربع جهات فمأول أو مطروح، لما سيمر عليك إن شاء‌الله من صراحة الاخبار في أن الحكم عند تعذر العلم هو التحري والاجتهاد والعمل بما أدى إليه اجتهاده، وهذه الاخبار مع صراحتها وصحتها وعمل المشهور عليها، لايمكن طرحها لاجل خبر يحتاج العمل به إلى جابر مفقود في المقام.

مع أنه ليس بصريح في نفي الاجتهاد والاخذ بالظن عند تعذر العلم، بل لاظهور فيه لاحتمال أن يكون المراد من قولهعليه‌السلام " ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصل إلى أربع وجوه " هو أنه ليس كما يزعمون من أنه لوغمت عليه الامارات ولم يمكن الاجتهاد والتحري صلى إى أي جهة شاء، بل يعتبر أن يصلي حينئذ إلى أربع جهات، ويحتمل أن يكون المراد من الاجتهاد في كلام السائل هو العمل بالرأي والاستحسان من دون أن يكون ذلك بتحري واستناد إلى أمارة مفيدة للظن، وهذا المعنى من الاجتهاد ليس بمعتبر عندنا، ولايجوز التعويل عليه عند فقد العلم، بل لابد حينئذ من الصلاة إلى أربع جهات.

والحاصل: أنه لابد إما من طرح الخبر وإما من تأويله، لعدم مقاومته لما دل من أن الحكم عند تعذر العلم هو التحري والاجتهاد، وأن ذلك مقدم على الصلاة إلى أربع جهات، كقولهعليه‌السلام في صحيح زرارة: يجزي التحري أبدا إذ لم يعلم أين وجه القبلة(١) . وكموثق سماعة سألته عن الصلاة بالليل والنار إذا لم ير الشمس والقمر ولا النجوم، فقالعليه‌السلام : اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك(٢) . وغير ذلك من النصوص الدالة على اعتبار الاجتهاد. ثم إنه لايخفى عليك أنه لافرق فيما ذكرناه من وجوب التحري والاجتهاد عند

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٣ باب ٦ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٤ باب ٦ من أبواب القبلة، ح ٣ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


فقد العلم بين الاعمى وغيره، وما في بعض الكلمات من أن الاعمى يقلد ليس المراد منه التقليد الاصطلاحي الذي هو عبارة عن الاخذ بقول الغير تعبدا وبلا دليل، بل المراد منه هو أن الاعمى إذا لم يتمكن من تحصيل العلم وكان المورد مورد الاجتهاد والتحري يسأل عن الغير ويأخذ بقوله، لكن لامطلقا بل إذ حصل له الظن من قوله، لان هذا هو التحري الممكن في حق الاعمى غالبا، فإنه لادليل على اعتبار التقليد في الموضوعات.

وما ورد(١) في بعض الروايات من أن الاعمى إذا لم يعرف القبلة يرى من يسدده إليها ويوجهه نحوها ليس المراد من التقليد، بل المراد منه أنه يرى من يعرفه القبلة حتى يصلي نحوها، فهذه الروايات تدل على وجوب تحصيل العلم على الاعمى إذا كانت القبلة معلومة مشخصة عند الناس، وهذا مما لاكلام فيه، فإنه لو كانت القبلة معلومة كما إذا كان في مسجد الحرام يجب على الاعمى تحصيل العلم بها ولو بالسؤال، وليس في مثل هذا موقع للاجتهاد والتحري، لان الظاهر من أخبار التحري إنما هو فيما إذا لم تكن القبلة معلومة مشخصة كيوم غيم وأمثال ذلك، وأما إذا كانت القبلة معلومة غاية الامر أن الاعمى لخصوص عماه لم يعرف القبلة فليس هذا مورد التحري والاجتهاد، بل يجب عليه أولا السؤال حتى يحصل له العلم، ومع فرض عدم حصوله يصلي إلى أربع جهات ولاعبرة بالظن حينئذ، بل غير الاعمى أيضا كذلك.

والحاصل: أن في المقام دعويين: (الاولى) أن الحكم عند فقد العلم هو الاجتهاد والتحري، سواء في ذلك الاعمى وغيره، ولاعبرة بالتقليد ولادليل عليه (الثانية) أن مورد الاجتهاد والتحري إنما هو فيما إذا لم تكن القبلة معلومة، كما إذا

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٥ باب ٧ من أبواب القبلة، ح ١ و ٢ و ٣. [ * ]


كان يوم غيم بحيث لم ير الشمس والقمر كما هو مورد الاخبار(١) ، وأما إذا كانت القبلة معلومة ولم يكن مانع من ملاحظة العلامات المنصوبة لمعرفتها فليس هذا مورد الاجتهاد والتحري، بل اللازم في مثل هذا العلم، ومع التعذر لمانع شخصي كالعمى فالصلاة إلى أربع جهات، ولافرق في ذلك أيضا بين الاعمى وغيره.

فتحصل من جميع ما ذكرناه: أن لمعرفة القبلة مرتبتين

(الاولى) العلم وما يلحق به من الامارات والبينة

(الثانية) التحري والاجتهاد والاخذ بالاحرى. ولو فقد المرتبتان جميعا فاللازم هو الصلاة إلى أربع جهات كما عليه المعظم، ويدل عليه مضافا على الاجماع المحكي في عدة من كتب الاصحاب مرسل خداش(٢) المتقدم، وهو إن اشتمل على ما لايقول به المشهور من نفي الاجتهاد إلا أنه قد عرفت الجواب عن ذلك، مع أن المشهور أخذوا به فيما نحن فيه، إذ الظاهر أنه ليس لهم مستند في الصلاة إلى أربع جهات سواه، وإن حكي عن الكافي والفقيه أنهما قالا: روي أن المتحير يصلي إلى أربع جوانب كما عن الاول(٣) ، وأنه قد روي فيمن لايهتدي إلى القبلة في مفازة أن يصلي إلى أربع جوانب كما عن الثاني(٤) ، وقد استفاد بعض الاعلام أن هاتين الروايتين غير مرسل خداش وليس بكل البعيد، وعلى أي حال يكفيدليلا لما نحن فيه مرسل خداش بعد جبره بعمل المشهور. وبذلك يكون مقدما على ما دل من أن الحكم عند التحير هو الصلاة إلى جهة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٣ باب ٦ من أبواب القبلة.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٦ باب ٨ من أبواب القبلة، ح ٥.

(٣) الكافي: ج ٣ ص ٢٨٦ ح ١٠ من كتاب الصلاة.

(٤) الفقيه: ج ١ ص ٢٧٨ باب القبلة ذيل ح ٨٥٤. [ * ]


من الجهات حيث شاء، كما في مرسل إبن أبي عمير عن زرارة: سألت أبا جعفر عن قبلة المتحير، فقال: يصلي حيث يشاء(١) . وفي صحيحة زرارة: يجزي المتحير أبدا أينما يتوجه(٢) . وقد اطنب في الجواهر(٣) في مقام الجواب عن هذه الروايات وضعفها وأنها مجعولة أو محرفة، ولكن الانصاف أنه لاحاجة إلى هذا التطويل، فإن نسبة هذه الروايات مع مرسل خداش(٤) بالاعم والاخص المطلق، فإن الموضوع في خبر خداش هو المتمكن من الصلاة إلى أربع جهات، وهذه الاخبار أعم من ذلك، فيجب حملها على من لايتمكن من الصلاة إلى أربع جهات على قواعد باب التعارض بالاعم المطلق، فتأمل. بقي في المقام امور ينبغي التنبية عليها.

الاول: أنه يعتبر أن تكون الصلوات الاربع إلى جهات أربع متساوية النسبة تقريبا، ولايكفي صلاتها إلى جهة واحدة أو جهتين، لان المتبادر من قولهعليه‌السلام في خبر خداش " فليصل إلى أربع وجوه " هو ذلك كما لايخفى، مضافا إلى أن الصلاة إلى أربعة وجوه متساوية النسبة إما محصلة للقبلة وإما أن لايبلغ الانحراف عنها إلى اليمين والشمال، وهو مجز أيضا في الجملة وفي بعض الاحوال، وهذا بخلاف ما إذا صلى الاربع إلى جهة واحدة أو جهتين، فإنه ربما يكون الانحراف إلى ماوراء اليمين والشمال، وهو لايجزي في حال من الاحوال.

وما يقال من أنه بناء على هذا يمكن الاكتفاء بثلاث صلوات على ثلاث جهات متساوية، لان الانحراف على تقديره أيضا لايبلغ اليمين والشمال، فلا وجه

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٦ باب ٨ من أبواب القبلة، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٦ باب ٨ من أبواب القبلة، ح ٢.

(٣) جواهر الكلام: ج ٧ ص ٤١٢.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٦ باب ٨ من أبواب القبلة، ح ٥. [ * ]


للالتزام بأربع صلوات.

ففساده غني عن البيان بعد ورود النص بأربع صلوات، مضافا إلى أنه لو خلينا وأنفسنا لكان اللازم هو الصلاة بمقدار يعلم بوقوع أحدها إلى القبلة، كما هو الشأن في جميع الموارد التي يحكم فيها بلزوم الاتيان بالمقدمات العلمية، غاية الامر أنه بالنص أسقطنا الزائد على أربع صلوات، وتبقى الاربع على حالها من لزوم الاتيان بها من باب المقدمة العلمية، فلاوجه للاكتفاء بثلاث صلوات.

وما يتوهم من أنه بعد سقوط الزائد على الاربع لاتكون الاربع حينئذ مقدمة علمية حتى يلزم الاتيان بها لذلك، لعدم كونها محصلة للعلم بالصلاة إلى القبلة. فليس بشئ فإنه مضافا إلى أن سقوط بعض مقدمات العلمية لايوجب سقوط بعضها الآخر كما بين في الاصول، وعليه بنينا بوجوب(١) بما أمكن من المحتملات في الشبهة الوجوبية الغير المحصورة يمكن أن يقال: إنه من ورود النص بأربع صلوات يستكشف أن الشارع وسع القبلة في هذا الحال إلى ربع الفلك، وجعل المواجهة إلى ربع الدائرة التي تكون الكعبة فها مجز في هذا الحال، وعليه يكون الصلوات إلى أربعع جهات من باب المقدمة العلمية لاحراز المواجه إلى ربع الدائرة التي تكون القبلة فيها، فتأمل جيدا.

الامر الثاني: هل يعتبر أن يستوفي أولا محتملات الظهر ثم يعقبه بمحتملات العصر، أولا يعتبر ذلك بل له أن يصلي الظهر والعصرمعا إلى جهة وهكذا إلى أن يستوفي محتملاتهما معا، نعم ليس له أن يستوفي محتملات العصر قبل استيفاء محتملات الظهر، وكذا ليس له أن يصلي العصرإلى جهة مغايرة لصلاة الظهر، بل لابد أن يصلي العصر إلى الجهة التي صلى الظهر إليها؟

____________________

(١) سقط من هنا كلمة " الاتيان ". [ * ]


أقول: هذه المسألة مبنية على أن الامتثال الاجمالي هل هو في عرض الامتثال التفصيلي أو في طوله، فلو قلنا بالاول فلا يعتبر أن تقع محتملات العصر عقيب جميع محتملات الظهر، ولو قلنا بالثاني فيعتبر ذلك.

وتفصيل ذلك هو أنه لاإشكال في اشتراط الترتيب بين الظهر والعصر، ولابد من إحراز وقوع العصر عقيب الظهر كسائر الشرائط التي لابد من إحرازها في مقام الامتثال، وهذا مما لاكلام، إنما الكلام في أنه يعتبر في حسن الامتثال من إحراز الترتيب حين فعل العصر بحيث يكون حين اشتغاله بالعصر محرزا لوقوع الظهر حتى يكون محرزا للترتيب في ذلك الحال، أو أنه يكفي في تحقق الامتثال وحسنه إحراز الترتيب ولو بعد فعل العصر؟ فلو قلنا بكفاية الاحراز البعدي فله فعل الظهر والعصرمعا إلى جهة واحدة، لان حين فعل العصروإن لم يعلم بالترتيب ووقع العصر عقيب الظهر لاحتمال أن لاتكون القبلة في تلك الجهة إلا أنه بعد استيفاء جميع المحتملات يعلم بالترتيب ووقوع العصربعد الظهر، ولو قلنا بلزوم العلم بالترتيب حين فعل العصر فاللازم تأخير محتملات العصرعن محتملات الظهر، لانه يعلم حينئذ بفراغ ذمته عن الظهر حين اشتغاله بمحتملات العصر.

فإن قلت: حين فعل كل واحد من محتملات العصر لايعلم أيضا بوقوع العصر عقيب الظهر، لاحتمال أن لاتكون القبلة في تلك الجهة فلا تكون هذه الصلاة عصرا واقعيا، والمعتبر من الترتيب هو وقوع العصر الواقعي عقيب الظهر الواقعي لامطلقا، ولايمكن العلم بهذا حين فعل كل واحد من محتملات العصر، فبالاخرة ينتهي الامر إلى حصول العلم بالترتيب بعد استيفاء جميع المحتملات، ويرتفع الفارق بين القولين. قلت: الفرق بينهما في غاية الوضوح، فإنه لوصلى العصر عقيب جميع


محتملات الظهر يعلم إجمالا حين فعل كل واحد من محتملات العصرأن هذه الصلاة التي بيده واقعة عقيب الظهر الواقعي، فهو من جهة تكليفه الظهري فارغ الذمة، وإن كان لايعلم بأن هذه الصلاة التي بيده عصرا واقعيا لاحتمال أن لاتكون إلى القبلة، إلا أن هذا الجهل، لاجل الجهل بالقبلة لا الجهل بالترتيب، وهذا بخلاف ما إذا صلى الظهر والعصرمعا إلى جهة واحدة، فإنه كما يكون جاهلا بأن صلاته العصري واقعة إلى القبة كذلك يكون جاهلا بفراغ ذمته عن الظهر، ففي الفرض يكون جاهلا بكل من القبلة والترتيب معا، وبناء على أن يكون الامتثال التفصيلي مقدما على الامتثال الاجمالي يجب عليه رفع جهله بالنسبة إلى الترتيب، لانه يتمكن من ذلك بتأخير محتملات العصر عن محتملات الظهر مع الامكان، وإن لم يتمكن رفع جهله بالنسبة إلى القبلة ولا ملازمة بينهما، فما نحن فيه نظير ما إذا كانت القبلة اللباس كلاهما مشتبهين، ويمكنه رفع اشتباهه بالنسبة إلى اللباس وامتياز الطاهر منه عن النجس، ولايمكنه رفع اشتباهه بالنسبة إلى القبلة، فهل يمكن أن يتوهم أحد بناء على تقدم الامتثال التفصيلي على الاجمالي أنه لايلزم عليه رفع اشتباهه بالنسبة إلى اللباس لكونه مشتبه القبلة ويصلي في كل واحد من الثوبين إلى أربع جهات؟ فإن قلت: فرق بين ما نحن فيه والمثال، فإن في المثال عند عدم رفع اشتباهه عن اللباس يلزم زيادة في المحتملات ولزوم تعدد الصلاة في كل واحد من الثوبين إلى كل واحدة من الجهات الاربع، وهذا بخلاف ما نحن فيه، فإنه سواء صلى الظهر والعصرمعا إلى جهة أو عقب محتملات العصر عن محتملات الظهر لايلزم زيادة في المحتملات، ولايلزمه أكثر من صلاة الظهر أربع إلى أربع جهات وكذلك العصر، ومن المعلوم أن تقدم الامتثال التفصيلي على الاجمالي على القول به إنما هو فيما إذا استلزم من الامتثال الاجمالي التكرار، وعند استلزام التكرار


يكون الامتثال التفصيلي في عرض الامتثال الاجمالي كما ثبت في محله.

قلت: ليس التكرار بنفسه محذورا، بل إنما منع من التكرار لانه امتثال اجمالي وهو متأخر رتبة عن الامتثال التفصيلي، وهذا المحذور بعينه يأتي فيما نحن فيه وإن لم يلزم منه زيادة في المحتملات، والحاصل: أن تأخر رتبة الامتثال الاجمالي عن التفصيلي أوجب لمنع التكرار، لا أن لمنع التكرار أوجب تأخر رتبة الامتثال الاجمالي عن التفصيلي.

إذا عرفت ما ذكرنا من ابتناء المسألة على تلك المسألة فاعلم أن شيخنا الاستاد مد ظله حيث اختار في تلك المسألة تأخر رتبة الامتثال الاجمالي عن التفصيلي كما ذكرنا وجه ذلك في حجية القطع مفصلا فذهب في هذه المسألة إلى لزوم تأخر محتملات العصر عن محتملات الظهر، وكذا الكلام فيما كان من هذا القبيل كموارد الجمع بين القصر والاتمام وأمثال ذلك، فتأمل جيدا.

الامر الثالث: لوضاق الوقت عن استيفاء جميع محتملات الظهر والعصر كما إذا لم يسع الوقت إلا لسبع صلوات، فهل يدخل النقص على الظهر أو على العصر أو يتخير؟ وجوه: أما الوجه الاول فهو تخيل شمول أدلة الاختصاص لما نحن فيه، بدعوى أن مقدار أربع صلوات من آخرر الوقت مختص بالعصر، لان مقدمات العلمية كمقدمات الصحة مشمولة لادلة الاختصاص. ولكن قد تقدم سابقا أن مقدمات الصحة غير داخلة في أدلة الاختصاص فكيف بالمقدمات العلمية، فالوجه الاول ضعيف جدا.

وأما اوجه التخيير فهو تخيل أن ما نحن فيه إنما يكون من باب التزاحم، فإن التكليف بالظهر والعصرمعا فعلي وإنما المتأخر هو زمان الامتثال، وحيث لم يكن في البين أهم ومهم فاللازم هو التخيير على قواعد باب التزاحم. وهذا


التخيل أيضا فاسد، فإن ما نحن فيه وإن كان من باب التزاحم إلا أن حيث كان فعل العصر مشروطا شرعا بفعل الظهر لادلة الترتيب فاللازم هو استيفاء محتملات الظهر، لان فعل الظهر غير مشروطة بشرط فما نحن فيه نظير ما إذا عجز عن القيام في ركعة من ركعات الصلاة، وددارر الامر بين ترك القيام في الركعة الاولى أو في الركعة الثانية، لانه كما يجب القيام في الركعة الاولى لقدرته فعلا عليه والقعود في الركعة الثانية لعجزه عنه، ولايمكنه العكس إذ لاموجب للقعود في الركعة الاولى مع كونه قادرا على القيام فيها، فكذلك فيما نحن فيه يجب فعل الظهر إلى أربع جهات لقدرته على تحصيل القبلة فيها، ويدخل النقص على العصر لعجزه عنها عند فلعها. بل ما نحن فيه أولى من المثال، لان ترتب الركعة الثانية على الاولى ليس بشرعي بل هو أمر تكويني، وهذا بخلاف ترتب العصر على الظهر فإنه أمر شرعي، وصحة العصر مشروطة شرعا بفعل الظهر.

وحاصل الكلام: أنه قد تحرر في باب التزاحم أنه كل أمررين مترتبين إذا وقع التزاحم بينهما يجب صرف القدرة على الاول منهما، لعدم اشتراط الاول بشرط غير القدرة وهي حاصلة بالفرض، بخلاف الثاني فإنه مشروط بكونه عقيب الاول سواء كان شرط الوجوب أو شرط الواجب، فلابد من ملاحظه القدرة حين تحقق شرطه والمفروض أنه لاقدرة له في ذلك الحين.

نعم لو كان المتأخر في نظر الشارع، كالقيام الركني في المثال المتقدم لكان اللازم صرف قدرته إلى المتأخر، لان الاهمية موجبة لتولد خطاب إحفظ قدرتك إلى الاهم، فتأمل فإن المقام لايسع أكثر من ذلك وتفصيله موكول إلى محله. فظهر أن الاقوى من الوجوه هو الوسط.


الامر الرابع: لوضاق الوقت إلا عن ثلاث أو اثنتان، فهل يجب فعلها أو يقتصر على واحدة منها إلى أي جهة شاء؟ ربما يتوهم أنه لايجب عليه فعل ما تمكن من الجهات بعد عدم إمكان الاربع، لان المفروض عدم التمكن من الصلاة إلى القبلة أو ما بحكمها من استقبال ربع الفلك، فتخرج الجهات الباقية عن كونها مقدمة علمية، نعم لما كانت الصلاة لا تسقط بحال يجب عليه صلاه واحدة إلى أي جهة شاء، هذا. ولكن لايخفى عليك ضعفه، لان سقوط بعض المقدمات العلمية لايوجب سقوط الباقي، فهو كما إذا اضطر إلى بعض أطراف الشبهة المحصورة، فكما أن الاضطرار إلى بعض الاطراف لايوجب جواز فعل الباقي في الشبهة التحريمية وترك الباقي في الشبهة الوجوبية كما بين في محله فكذلك فيما نحن فيه.

فإن قلت: نعم الامر وإن كان كذلك وأن مقتضي القاعدة عند سقوط بعض المقدمة العقلية عدم سقوط الباقي، إلا أن في المقام حيث ورد الدليل على أن المتحير يكفيه الصلاة إلى أي جهة شاء، غاية الامر أنه رفعنا اليد عنه في صورة التمكن من الاربع لرواية(١) خداش، فيبقى باقي الصور داخل تحت ذلك الدليل، فلا وجه حينئذ لايجاب الثلاث أو الاثنان عليه.

قلت: لاوجه لهذا الاشكال بعد ملاحظة الادلة الواردة في المقام وملاحظة الجمع بينهما، وتفصيل ذلك هو أنه ببعد ورود اعتبار كون الصلاة إلى القبلة وأنه أينما كنتم فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، وبعد ورود أن ما بين المشرق والمغرب قبلة(٢) ، وبعد ورود(٣) ان غير المتمكن يصلي إلى أربع جهات، لابد من

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٦ باب ٨ من أبواب القبلة، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٨٧ باب ٢ من أبواب القبلة، ح ٩.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٥ باب ٨ من أبواب القبلة. [ * ]


ملاحظة ما يتحصل منها، فنقول: إن مقتضى القاعدة الاولية هو أنه عند التمكن من معرفة القبلة يجب الصلاة إليها، بمقتضى قوله تعالى: فولوا وجوهكم(١) ، وقولهعليه‌السلام في موثق عمار بعد السؤال عن رجل صلى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قالعليه‌السلام : إن كان متوجها فيما بين المغرب والمشرق فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم(٢) ، الخبر. فإن الظاهر منه أنه لو علم جهة القبلة فاللازم عليه هو الصلاة نحوها ولايكفيه غيرها.

ثم إنه قد ورد أيضا أن ما بين المغرب والمشرق قبلة كما في رواية زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: لاصلاة إلا إلى القبلة، قال: قلت: اين حد القبلة؟ قال ما بين المشرق والمغرب قبلة كله(٣) . وهذه الرواية وإن حملناها سابقا على ما إذا تبين له بعد الصلاة كما في عدة من روايات اخر إلا أنه لاداعي إلى هذا الحمل بعد عموم اللفظ وشموله إلى ما قبل الصلاة.

وطريق الجمع بين هذه الرواية وما دل من وجوب استقبال عين الكعبة هو أن استقبال العين إنما هو للمتمكن من معرفتها، بداهة أن التكليف بالتوجه نحوها إنما هو فرغ الامكان فهو مخصوص قهرا بالمتمكن، وأما قولهعليه‌السلام " ما بين المشرق والمغرب قبلة كله " فلابد من حمله بما إذا يتمكن من معرفة القبلة، كما ربما يشعر به قوله في السؤال " أين حد القبلة " أي أين حد القبلة التي يجزي الصلاة إليها في الجملة أي في صورة عدم التمكن من استقبال العين، فقالعليه‌السلام " ما بين المشرق والمغرب قبلة " أي مع عدم معرفة القبلة يجزيه الصلاة إلى ما بين

____________________

(١) البقرة: ١٤٤.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٩ باب ١٠ من أبواب القبلة، ح ٤.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢١٧ باب ٢ من أبواب القبلة، ح ٩، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


المشرق والمغرب، فلو علم جهة المشرق والمغرب فهو، وإن لم يعلم جهتيهما فلابد من إحراز كون صلاته واقعة بينهما، وذلك إنما يكون بالصلاة إلى ثلاث جهات على نحو التثليث، فإنه حينئذ يجوز كون صلاته واقعة بينهما ولايكفيه الصلاة إلى ثلاث جهات على نحو التربيع، لعدم إحراز البينونية حينئذ كما لايخفى.

ثم إنه لو خلينا وأنفسنا لكان اللازم عند التحير وعدم معرفة القبلة هو الاكتفاء بثلاث صلاة على جهة التثليث، ولكن بعد ورود الدليل على أنه يصلي إلى أربع جهات فلابد مع التمكن من الاربع من الصلاة إلى أربع، ويبقى صورة عدم التمكن من الاربع والتمكن من الثلاث تحت إطلاق قوله " ما بين المشرق والمغرب قبلة " فلابد من الصلاة إلى ثلالاث جهات على جهة التثليث لاحراز البينونية، ولايجوز الاكتفاء بواحدة.

نعم يبقى في المقام صورة ما إذا لم يتمكن إلا من صلاتين، فإنه خارج عن تحت دليل الاربع وخارج عن " ما بين المغرب والمشرق " فيمكن أن يقال حينئذ بالاكتفاء بصلاة واحدة، لاطلاق قولهعليه‌السلام " صلى إلى أي جهة شاء "(١) ولكن مع ذلك يمكن أن يقال: إنه بعد خروجه المتمكن من الاربع والثلاث من ذلك الاطلاق فيصير إطلاقه موهونا ويكون المتيقن منه هو ما إذا لم يتمكن إلا من جهة واحدة، ويبقى المتمكن من الاثنين باقيا على حكمه الاصلي من وجوب الاتيان بالمقدمات العلمية مهما أمكن. هذا حاصل ما أفاده شيخنا الاستاذ مد ظله في هذا المقام، ولكن بعد للنظر فيه مجال، فتأمل.

الامر الخامس: أنه لا إشكال في عدم الاعادة والقضاء على من صلى أربع ثم

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ٢ ص ٤٥ باب ٥ من ابواب القبلة، ح ١٤٣ نقلا بالمضمون. [ * ]


تبين الخلاف وأن القبلة لم تكن على نفس الجهة التي صلى نحوها بل كانت بيمينها ويسارها، لانه مضافا إلى أن الحكم بالصلاة إلى الاربع وسقوط الزائد لم يكن من قبيل الحكم الظاهري الذي يمكن انكشاف الخلاف فيه، بل هو حكم واقعي حعل للمتحير، فقبلة المتحير في الحقيقة في هذا الحال هي ربع الفلك، أن صلاته تكون حينئذ فيما بين المغرب والمشرق، وقد ورد النص على أن الصلاة لو وقعت بينهما لاإعادة وقضاء(١) . ومنه يعلم أيضا الحكم فيما إذا لو صلى إلى ثلاث جهات فيما إذا كان تكليفه ذلك وأنه لاإعادة عليه ولاقضاء، لان ما بين المغرب والمشرق قبلة له في هذا الحال حقيقة.

وأما لو صلى إلى جهة واحدة فيما كان تكليفه ذلك فربما يتوهم وجوب الاعادة والقضاء لو كان مستدبرا، ووجوب الاعادة فقط لوكان إلى جهة المشرق والمغرب، وعدم وجوب شئ لو كان بينهما إلى جهة القبلة، لما سيمر عليك من الاخبار الدالة على ذلك.

ولكن يدفعه أن تلك الاخبار مقصورة بمن أحرز جهة القبلة فتبين الخطأ، لامن لم يحرز القبلة لعدم معرفتها وكان تكليفه الواقعي الصلاة إلي أي جهة شاء كما فيما نحن فيه. فالاقوى عدم الاعادة والقضاء عليه أيضا، وإن أشكل شيخنا الاستاذ بالنسبة إلى الاعادة.

نعم يبقى صورة واحدة وهو ما إذا صلى إلى جهتين فيما كان تكليفه ذلك، فإنه خارج عما بين المغرب والمشرق وخارج عن إطلاق الصلاة إلى أي جهة شاء، فمقتضى القاعدة في صورة انكشاف الخلاف أن يكون عليه الاعادة والقضاء، وإن كان بعيدا من المذاق حيث إنه من صلى إلى جهة واحدة لايكون

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٩ باب ١٠ من أبواب القبلة، ح ٥ نقلا بالمضمون. [ * ]


عليه إعادة ولاقضاء ومن صلى إلى جهتين يكون عليه الاعادة والقضاء، فتأمل.

الامر السادس: لافرق في عدم التمكن فيما ذكر له من الاحكام بين أن يكون ذلك لضيق الوقت أو لامر آخر، لاطلاق الدليل.

الامر السابع: لو حصل له الظن إلى أن القبلة في أحد هاتين الجهتين فهل يلحق هذا الظن بالظن إلى القبلة في الاعتبار بحيث لايجب عليه الصلاة إلى أربع، أو لايلحق بذلك بل يجب عليه الصلاة إلى أربع؟ ربما يتوهم ابتناء المسأللة على أن اعتبار الظن بالقبلة هل يلازم اعتبار الظن بالنفي وأن القبلة لم تكن في هذه الجهة أو لايلازم، فإن قلنا بالملازمة فلا يجب عليه الصلاة إلى أربع، لان الظن بكون القبلة في أحد هاتين الجهتين يلازم الظن بعدم القبلة في الجهتين الباقيتين، والمفروض اعتبار الظن بالنفي كالاثبات، فلا تجب الصلاة إليهما.

وإن لم نقل بالملازمة فتجب، لان الظن بعدم القبلة في الجهتين وجوده كعدمه، هذا ولكن لايخفى عليك عدم ابتناء المسألة على ذلك، فإنه وإن قلنا بالملازمة بين اعتبار الظن بالاثبات وبين اعتباره بالنفي لكن هذه الملازمة إنما هي فيما إذا كان الظن بالاثبات معتبرا، والظن في كون الثلبة في أحد هاتين الجهتين لم يقم دليل على اعتباره، لخروجه عن موضوع الاخبار التي [ دلت ](١) على اعتبار الظن بالقبلة، فإنها ظاهرة في الظن في جهة خاصة لامردد بين جهتين، كما هو الظاهر من قولهعليه‌السلام " فتحرى وتعمد القبلة جهدك "(٢) فإذا لم يكن مثل هذا الظن معتبرا فكيف يقال باعتبار الظن بالنفي؟ فلابد له حينئذ من الصلاة إلى أربع مع الامكان، فتأمل، جيدا.

____________________

(١) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة واثبتناه لاقتضاء السياق.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٣ باب ٦ من أبواب القبله. [ * ]


هذا تمام الكلام في أحكام الجاهل بالقبلة والمتحير بها.

لايجوز صلاة الفريضة على الراحلة اختيارا إلا مع الضرورة

إعلم أن هنا مسائل ينبغي التعرض لها.

الاولى: الصلاة على الراحلة وما يجري مجراها من الحمل والارجوحة والقجاوة وما شابهها. والاشكال فيها من جهتين، من جهة الاستقبال ومن جهة الاستقرار. والمعروف الذي عليه المعظم أنه لايجوز أن يصلي الفريضة على الراحلة إلا لضرورة، وأما النافلة فيجوز مطلقا ولو اختيارا. وهذا لاإشكال فيه في الجملة، لدلالته جملة من الاخبار عليه كما سيمر عليك بعضها.

إنما الاشكال فيما إذا طرأ على الفرض النفل كالصلاة المعادة، أو طرأ على النفل الفرض كما لو نذر النافلة، فهل العبرة على الاصل في كل من الطرفين بأن يلاحظ في المعادة وما شابهها حكم الفريضة ويلاحظ في المنذورة حكم النافلة، أو أن العبرة على الوصف الطارئ أيضا في كل من الطرفين، أو يفصل بين نقل عرض له الفرض فيلحقه أحكام الفرض وبين فرض عرض له النفل كالمعادة فيلحقه حكم النفل؟ ثم إن هذه الوجوه ليست في خصوص مسألة القبلة والاستقرار، بل هي جارية في جميع ما يختص به النافلة من الاحكام، كعدم بطلان الشك في الثنائية منها، وجواز البناء على الاكثر والاقل، وغير ذلك من الاحكام المختصة بالنافلة.

وعلى أي حال قيل: إن العبرة إنما هي حكم الاصل ولايلتفت إلى العارض، سواء كان الاصل نفلا طرأ عليه الفرض كالمنذورة أو فرضا طرأ عليه النفل


كالمعادة، ففي الاول يجوز صلاتها على الراحلة اختيارا ولا يبطلها الشك، وفي الثاني لايجوز صلاتها على الراحلة ويبطلها الشك لو كانت ثنائية أو ثلاثية. وقد استدل على ذلك بالاستصحاب في كل من الفرضين، ففي الاول استصحاب حكم النافلة إلى ما بعد النذر، وفي الثاني استصحاب أحكام الفريضة إلى ما بعد صيرورتها نافلة، هذا. ولكن الانصاف أنه لاموقع للتمسك بالاستصحاب في كل من الطرفين، للشك في الموضوع إن لم نقل بتبدله قطعا.

وبيان ذلك: هو أن الوصف العنواني الذي يؤخذ في موضوع دليل الحكم.

تارة: بمناسبة الحكم والموضوع يكون المتفاهم منه عرفا أن للوصف العنواني دخلا في موضوع الحكم حدوثا وبقاء، كما في قوله: إعط الزكاة الفقير فإن العرف يرى بمناسبة الحكم والموضوع أن لوصف الفقر دخلا في الحكم بإعطاء الزكاة، فلو زال الفقر يكون من باب زوال الموضوع، وكذلك قوله: قلد المجتهد العادل وأمثال ذلك مما يكون للوصف في نظر العرف دخلا في الحكم.

واخرى لايرى العرف للوصف العنواني دخلا في الموضوع بحسب مرتكزاته وما يراه من مناسبة الحكم والموضوع، بل يرى الوصف معرفا ومن قبيل العلة للحكم لاأنه جزء موضوع له، كقوله: الماء المتغير نجس، فإن العرف يفهم أن معروض النجاسة إنما هو جسم الماء لاوصف التغير، وإنما اخذ التغير علة لعروض هذا الحكم على نفس الماء، ومن هنا يرى النجاسة باقية ببقاء الماء وإن زال التغير، بحيث لو فرض حكم الشارع بالطهارة عند زواله يرى من باب ارتفاع الحكم عن موضوعه مع بقائه لاارتفاعه بارتفاعه.

وثالثة يشك في أنه من أي القبيلين هل للوصف العنواني دخل في الموضوع أو أنه يكون معرفا وعلة، ولاغرو في شك العرف في ذلك وتفصيله موكول إلى محله في


باب الاستصحاب.

ثم إنه لاإشكال في عدم جريان الاستصحاب في القسم الاول، للقطع بارتفاع الموضوع. وكذلك لاإشكال في جريان الاستصحاب في القسم الثاني، للقطع ببقاء الموضوع، فلو شك أن التغير هل علة الحدوث فقط حتى تبقى النجاسة عند زواله، أو علة للبقاء أيضا حتى ترتفع بزواله، كان الاستصحاب هو المحكم. وأما القسم الثالث فلايجري فيه الاستصحاب أيضا، للشك في الموضوع مع أنه يعتبر في باب الاستصحاب القطع ببقائه كما بين في محله.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن مثل جواز الصلاة على الراحلة مع فوت الاستقبال والاستقرار، ومثل أن الشك في الثنائية لايبطل، ومثل جواز البناء على الاقل والاكثر، وغير ذلك من الاحكام المترتبة على النافلة، حيث إنها كانت أحكاما تسهيلية وجعلها إنما هو لاجل التوسعة فهي إنما تناسب النافلة لانه يتسامح فيها ما لايتسامح في الفريضة، فمن القريب جدا أن يكون لوصف التنفل دخل في موضوع هذه الاحكام، لان مناسبة الحكم والموضوع يقتضي أن تكون جعل مثل هذه الاحكام المبتنية على التسامح والتسهيل إنما هو لاجل النافلة، لخلاف ما يقابلها من الاحكام من عدم جواز الصلاة على الراحلة، وبطلان الشك في الثنائية والثلاثية، ولزوم البناء على الاكثر، وأمثال ذلك من الاحكام المتنية على التضيق وعدم المسامحة، فإنها تناسب وصف الفرض، فمن القريب أيضا جدا أن يكون لوصف الفرض دخل في مثل هذه الاحكام.

والمنذورة حيث عرض لها وصف الفرض فتناسب أن يلحقها أحكام الفرض، فلو ادعى أحد القطع بأن لوصفي الفرض والنفل دخلا في موضوع هذه الاحكام لما كان مجازفا وكانت دعواه في محله، فيكون المقام من قبيل القسم الاول الذي يكون للوصف العنواني دخل في متعلق الحكم مثل إعط الزكاة الفقير، ففي


مثل النفل الذي عرض له الفرض مما يقطع بارتفاع الموضوع فلا موقع للاستصحاب. وإن أبيت عن ذلك فلا أقل من الشك، فيكون من القسم الثالث الذي يشك في الموضوع فلايجري الاستصحاب فيه أيضا، والمنع عن الشك في مدخلية وفي الفرض والنفل في الاحكام يكون خلاف الانصاف، فالاقوى أنه لاموقع للاستصحاب في كل من الطرفين.

ثم إنه إن قام دليل بالخصوص على تسرية حكم النقل إلى بعد عروض الفرض وبالعكس فهو، وإلا كان المتبع إلى الاطلاقات والعمومات الدالة على اعتبار الشرائط من القبلة والاستقرار، وعموم البناء على الاكثر عند الشك في الرباعية، وبطلان الشك في الثنائية، والقدر الثابت من التخصيص هو ما كان نفلا بالفعل، لان المقام يكون من إجمال المخصص الذي يدور أمره بين الاقل والاكثر، فلا مانع من الرجوع إلى العمومات، فتأمل جيدا. هذا في النفل الذي طرأ عليه الفرض.

وأما الفرض الذي طرأ عليه النفل كالمعادة احتياطا وجماعة فالاقوى فيه أيضا مراعاة حكم الفرض.

أما الصلاة المعادة احتياطا فأصل نفليتها شرعا مشكل، بل إنما هو لاجل حكم العقل بحسن الاحتياط من جهة احتمال الخلل، وعلى فرض أن يكون الاعادة مستحبا شرعا فاستحبابه إنما هو لاجل جبر الخلل المحتمل وقوعه في الصلاة، فلابد من أن تكون المعادة واجدة لجميع الشرائط حتى تقوم الصلاة المعادة مقام الاصل على تقدير وقوع الخلل فيها. وأما الصلاة المعادة جماعة فهى وإن كانت مستحبة شرعا إلا أن قولهعليه‌السلام


" ليختار الله أحبهما إليه "(١) يدل على أنها تكون من باب الامتثال عقيب الامتثال، فلابد أن تكون أيضا واجدة لجميع الشرائط حتى يمكن أن تكون أحبهما إليه. نعم يبقى الاشكال في صلاة العيدين والجمعة في زمان الغيبة، وأنه هل يجري عليها أحكام الفرض أو أحكام النقل؟ ولعله يأتي تحقيقه إن شاء‌الله عند التعرض لها.

ثم لايخفى عليك أن ما اخترناه من جريان أحكام الفرض على النافلة المنذورة إنما هو في غير حكم الجماعة، وأما بالنسبة إلى حكم الجماعة بحيث يجوز له أن بصلي الصلاة النافلة المنذورة جماعة، كسائر الفرائض التي تشرع فيها الجماعة دون النوافل، فأمره مشكل. وإن كان يظهر من عبارة الشهيد(٢) ،رحمه‌الله الاجماع على جواز ذلك، حيث حكي عنه: أن جميع أحكام الفريضة تجري على المنذورة حتى بالنسبة إلى الجماعة عندنا. فإن الظاهر من قوله " عندنا " هو دعوى الاجماع على ذلك، وإن كان في الظهور ما لايخفى.

وعلى كل حال فالمتيقن إنما هو تسرية أحكام الفرض على المنذورة سوى الجماعة إلا أن يقوم دليل على خلافه، هذا ما يقتضيه القاعدة. ولكن في خصوص المقام وردت رواية على جواز الصلاة المنذورة على الراحلة، وهي رواية علي بن جعفر: سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلي كذا وكذا، هل يجزيه أن يصلي ذلك على دابته وهو مسافر؟ قالعليه‌السلام نعم(٣)

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٥٧ باب ٥٤ من أبواب صلاة الجماعة، ح ١٠.

(٢) ذكرى الشيعة: ص ٢٦٥ س ١٦.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٨ باب ١٤ من أبواب القبلة، ح ٦. [ * ]


والنسبة بين هذه الرواية وما دل(١) على عدم جواز الفريضة على الراحلة إلا لضرورة إنما بالعموم من وجه، لان هذه وإن كانت ظاهرة في خصوص النافلة كما لايخفى وجهه إلا أنها أعم من حيث الضرورة وعدمها، وتلك الروايات وإن كانت في خصوص الفريضة إلا أنها أعم من حيث كونها منذورة أو غيرها، فلابد من رفع اليد عن عموم أحدهما، إما بتخصيص الفريضة بغير المنذورة، وإما بتخصيص المنذورة بصورة الضرورة.

ودعوى أظهرية رواية علي بن جعفر، لانصراف الفريضة في أخبار المنع إلى الفرائض الاصلية فلا تشمل المنذورة خالية عن الشاهد، لعدم الانصراف على وجه يوجب صرف اللفظ عن ظاهره، بل إنما هو من الانصرافات البدوية التي لاعبرة بها، فالانصاف أن الفريضة في أخبار المنع ظاهرة في الاعم من المنذورة والفرائض الاصلية، كما أن ما دل على جواز فعل المنذورة على الراحلة ظاهر في الاعم من الضرورة وغيرها.

بل ربما يدعى أن رواية علي بن جعفر أظهر، لان الظاهر من السؤأل أن المنذورة هل هي كالفرائض لايجوز أن يصليها على الراحلة أو أنها كالنافلة يجوز، فكأنه كان المرتكز في ذهن السائل أن حكم النافلة هو جواز صلاتها اختيارا على الراحلة، وكان جهة السؤال في أن النذر يوجب تغيير الحكم أو لايوجب، فقولهعليه‌السلام " نعم " بمنزلة قوله إن النذر لايوجب تغيير الحكم وبعد يجوز صلاتها اختيارا على الراحلة، فتأمل فإن هذا أيضا كدععوى الانصراف في تلك الاخبار لايخلو عن مناقشة، فالاظهرية في البين في كل من الطرفين لم يكن، وعليه لابد من رفع اليد عن ظهور أحدهما، هذا.

ولكن بعد لم يعلم عمل الاصحاب على

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٦ باب ١٤ من أبواب القبلة. [ * ]


رواية علي بن جعفرعليه‌السلام ، فالقول بأنه لايجوز صلاة المنذورة على الراحلة اختيارا لايخلو عن قوة.

ثم إن هنا مقامين للتكلم (الاول) في جواز الصلاة على الراحلة مع فوات بعض الشرائط والافعال من القبلة والركوع والاستقرار وأمثال ذلك. (الثاني) جواز الصلاة على الراحلة مع عدم فوات شئ من الشرائط والاجزاء.

أما المقام الاول: فالمعروف بين الاصحاب عدم جواز الفريضة على الراحلة اختيارا وجوازه عند الضرورة، وأما النافلة فيجوز مطلقا، ويدل عليه عدة من الاخبار، كصحيح عبدالرحمن عن الصادقعليه‌السلام : لايصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل القبلة، وتجزيه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ماأمكنه من شئ، ويؤمي في النافلة إيماء(١) . وفي موثق عبدالله بن سنان قلت: لابي عبداللهعليه‌السلام : أيصلي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال: لا، إلا من ضرورة(٢) . وفي بعض الروايات(٣) تقييد الضرورة بالشدة، ومعلوم أنه ليس المراد من الشدة البالغة حد القدرة، بل المراد منها ما يعسر معه النزول والركوب.

وينبغي ان يعلم انه في مورد جاز الصلاة على الراحلة لابد من ملاحظة الشرائط والافعال مهما أمكن، لان الضرورات تتقدر بقدرها، فيستقبل القبلة ولو بالتكبيرة مع عدم التمكن من غيرها، ويراعي سائر الشرائط بقدر القدرة، ولايعتبر

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٦ باب ١٤ من أبواب القبلة، ح ١، وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٧ باب ١٤ من أبواب القبلة، ح ٤.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٦ باب ١٤ من أبواب القبلة، ح ٥ و ١١. [ * ]


أن يصبر إلى ضيق الوقت كما يظهر من الشرائع(١) ، بل يجوز له البدار لكن بشرط اليأس عن زوال العذر، كما هو الشأن في جميع دوي الاعذار، على ما يأتي بيانه إن شاء‌الله في محله.

وحكم الصلاة على الراحلة [حكم](٢) الصلاة ماشيا فيجوز عند الضرورة دون الاختيار، وادعي على ذلك الاجماع، والظاهر أنه لودار الامربين الصلاة راكبا وبين الصلاة ماشيا فالحكم فيه التخيير، لان في كل منهما جهة لم تكن في الآخر، فإن في الركوب تفويتا للقيام مع استقرار المصلي بنفسه وإن كانت دابته متحركة، وفي المشي تفويت استقرار المصلي مع ثبوت القيام له، ولم يعلم أهمية أحد الجهتين، فلا محيص عن التخيير كما هو الشأن في كل متزاحمين لم يكن أحدهما أهم.

وربما يستدل على التخيير بقوله تعالى: وإن خفتم فرجالا أو ركبانا(٣) .

وفي الاستدلال ما لايخفي، لان المراد من رجالا أو ركبانا هو الحال المتلبس به المكلفين، فيصير المعنى إن خفتم العدو فصلوا سواء كنتم راكبين أو راجلين، وأين هذا من التخيير؟ هذا. ولكن يمكن أن يقال بتقديم المشي لاهمية القيام خصوصا الركني منه، فتأمل.

المقام الثاني: في جواز الصلاة على الراحلة مع عدم فوات شئ من الشرائط والاجزاء، كما إذا كانت الدابة معقولة وكان في كجاوة أو سرير يمكنه استيفاء الركوع والسجود

____________________

(١) شرائع اسلام: ج ١ ص ٦٦ في القبلة.

(٢) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة واثبتناه لاقتضاء السياق.

(٣) البقرة: الآية ٢٣٩. [ * ]


وغير ذلك من الشرائط والاجزاء.

وفي جواز الصلاة كذلك إشكال، فان الظاهر من قولهعليه‌السلام " لايصلي على الدابة الفريضة إلا المريض.. إلخ " هو عدم جواز الصلاة على الدابة مطلقا سواء كانت واقفة أو سائرة، فيكون نفس الكون على الدابة مانعا عن الصلاة عليها كمانعية غير المأكول عن الصلاة فيه. وكون المنع عن الصلاة على الدابة إنما هو لاجل أن الغالب عدم إمكان استيفاء جميع الافعال عليها فيكون الحكم واردا مورد الغالب كما في الجواهر(١) مما لايمكن المساعدة عليه، لان النفي في قولهعليه‌السلام " لايصلي.. إلخ " لم يرد إلا لبيان مانعية الدابة عن الصلاة عليها، وليس له نظر إلى حيثية الاجزاء والشرائط وأنه مطلق بالنسبة إلى إمكان استيفائها وعدمه، حتى يمنع إطلاقه بالنسبة إلى ذلك بدعوى أن الغالب عدم إمكان الاستيفاء فالحكم وارد مورد الغالب، لما عرفت من أن قولهعليه‌السلام " لايصلي على الدابة " كقوله " لايصلي في الحرير " ظاهر في شرطية عدم الدابة وأنه وارد لمجرد بيان ذلك، فليس النفي متعرضا لحال الافعال حتى يبحث عن إطلاقه بالنسبة إلى ذلك وعدم إطلاقه.

نعم بالنسبة إلى مانعية الدابة يكون مطلقا من حيث كونها واقفة أو سائرة، غاية الامر أنا نقطع بأن الدابة من حيث كونها دابة ليس لها خصوصية تمنع عن الصلاة عليها، وإنما المانع هو عدم القرار الذي نسب إلى المشهور اعتباره في الصلاة زائدا على الاستقرار، والمراد من القرار هو أن يكون المصلي مستقرا على الارض ولو بواسطة أو ما بحكمها كالماء على ما سيأتي من جواز الصلاة في السفينة.

وتنقيح البحث في المقام يستدعي بسطا في الكلام فنقول: إن المصلي تارة

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٧ ص ٤٢٠. [ * ]


يكون مستقرا في مكان بحيث لم يكن له حركة عينية خارجية وإن كان له حركة تبعية عرضيه، كجالس السفينة في الانهار الصغار التي لم يكن لها تموج واضطراب لسكون الماء. واخرى لايكون مستقرا في مكان بل متحركا بحركة عينية خارجية ولو كان بتبع حركة الغير، كالراكب على الدابة في حال سيرها، وكالراكب في الشمندفر وإن كان حركته دون حركة الدابة إلا أنه مع ذلك له حركة حسية خارجية. وثالثة لايكون مستقرا في مكان ولم يكن له حركة أيضا، كراكب الدابة الواقفة سواء كان في محمل أو سرير أو غيره، وهذا أيضا يمكن على نحوين، فإن الدابة تارة تكون معقولة بحيث يؤمن من حركتها، واخرى لاتكون معقولة وتكون في معرض الحركة، وقس على الدابة غيرها مما يكون معلقا في الهواء. فهذه مجمل أقسام المصلي باعتبار حالاته من حيث المكان والاستقرار.

وأما حكمها فالقسم الاول مما لاشبهة في صحة صلاته، على خلاف في السفينة يأتي بيانه إن شاء‌الله وكذا لاشبهة في عدم صحة الصلاة في القسم الثاني، لفوات القرار والاستقرار معا فيه فهو المتيقن من أخبار المانعة عن جواز الصلاة على الراحلة. وأما القسم الثالث فهو بكلا قسميه يمكن أيضا دخوله في الاخبار المانعة، بناء على ما استظهرناه منهامن أن المنع إنما هو لبيان مانعية نفس الراحلة من جهة فوات القرار، وقد بنى شيخنا الاستاذ على ذلك.

ولكن الانصاف أن استظهار ذلك من الاخبار في غاية الاشكال، لامكان دعوى أن المنع عن الصلاة على الراحلة إنما هو لاجل فوات الاستقرار وغيره من الشرائط والاجزاء كما هو الغالب. ودعوى أن الحكم لم يرد لبيان ذلك لاتخلو عن إشكال، وعلى فرض التسليم وأن المنع إنما يكون واردا لبيان مانعية نفس الدابة فيمكن أن يقال: إن جهة


السؤال عن الصلاة على الراحلة إنما هو من جهة حركتها وسيرها، فالحكم إنما يكون منزلا على حال حركتها وسيرها كما هو الغالب، فلا يشمل ما إذا كانت معقولة.

وبالجملة: القول ببطلان الصلاة على المحمل والسرير المحمول على الدابة المعقولة المطمئن من حركتها، أو التخت المعلق في الهواء بحيث لايتحرك في حال الصلاة لايخلو عن تأمل بل منع، للشك في دخوله في أخبار المنع، والاصل فيه البراء‌ة لرجوع الشك فيه إلى الشك في مانعية الراحلة عن الصلاة فيكون من باب الاقل والاكثر الارتباطيين، وقد حرر في محله أن الاصل فيه هو البراء‌ة لا الاشتغال على الاقوى.

نعم يعتبر أن يكون المصلي مطمئنا بعدم حركة الدابة في حال الصلاة حتى يمكنه الجزم بالنية، إذ مع عدم الاطمئنان يكون حال الصلاة عليها كحال الصلاة في مواضع الزحام من حيث عدم تحقق الجزم بالنية، وأصالة عدم طرو المانع في الاثناء لايوجب حصول الجزم بالنية كما لايخفى. ولاينتقض بصلاة ذات العادة التي تحتمل طرو الحيض في أثنائها. لان القدر المتمكن منها هو الصلاة باحتمال عدم طرو الحيض فلايمكنها الجزم بالنية، فلابد لها من الامتثال الاحتمالي، لان صبرها يوجب تأكد احتمال طرو المناع، وهذا بخلاف المقام لان المفروض هو تمكنه من الصلاة على الارض، فهو متمكن من الامتثال القطعي وعليه لايجوز له الصلاة بالامتثال الاحتمالي، وسيأتي مزيد توضيح لذلك في باب النية إن شاء‌الله.

بقي الكلام في حكم الصلاة في السفينة في حال سيرها، ولابد أولا من ذكر بعض الاخبار الواردة في الباب مما ظاهره التعارض والتنافي. فمنها: ما رواه الحلبي أنه سأل أبا عبدالله عن الصلاة في السفينة، فقال:


يستقبل القبلة ويصف رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجه إلى القبلة وإلا فليصل حيث توجهت به، وإن أمكنه القيام فليصل قائما وإلا فليقعد ثم يصلي(١) . ومنها: رواية جميل بن دراج أنه قال لابي عبداللهعليه‌السلام : تكون السفينة قريبة من الجدد فأخرج وأصلي؟ قال: صل فيها أما ترضى بصلاة نوحعليه‌السلام (٢) . وفي رواية يونس بن يعقوب أنه سأل أبا عبدالله عن الصلاة في الفرات وما هو اصغر منه من الانهار في السفينة، فقال: إن صليت فحسن وإن خرجت فحسن(٣) . قال: وسأله عن الصلاة في السفينة وهي تأخذ شرقا وغربا فقال: استقبل القبلة ثم كبر ثم درمع السفينة حيث دارت(٤) .

ومنها: رواية علي بن إبراهيم قال: سألته عن الصلاة في السفينة، قال: يصلي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة، ولايصلي في السفينة وهو يقدر على الشط(٥) . وفي رواية حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يسأل عن الصلاة في السفينة، فيقول: إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلوا قياما، فإن لم تستطيوا فصلوا قعودا، وتحروا القبلة(٦) .

ومنها: ما في تفسير العياشي عن زرارة قال: قلت لابي عبداللهعليه‌السلام : الصلاة في السفر في السفينة والمحمل سواء؟ قال: النافلة كلها سواء، تؤمي إيماء

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٣ باب ١٣ من أبواب القبلة، ح ١ و ٣.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٣ باب ١٣ من أبواب القبلة، ح ٥.

(٤) و (٥) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٤ باب ١٣ من أبواب القبلة، ح ٦ و ٨.

(٦) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٥ باب ١٣ من أبواب القبلة، ح ١٤. [ * ]


اينما توجهت دابتك وسفينتك، والفريضة تنزل لها عن المحمل إلى الارض إلا من خوف فإن خفت أو مأت، وأما السفينة فصل فيها قائما وتوخ القبلة بجهدك، فإن نوحا قد صلى الفريضة فيها قائما متوجها إلى القبلة وهي مطبقة عليهم، قال: قلت: وما كان عليمه بالقبلة فيتوجهها وهي مطبقة عليهم؟ قال: كان جبرئيلعليه‌السلام يقومه نحوها، قال: قلت: فأتوجه نحوها في كل تكبيرة؟ قال: أما في النافلة فلا، إنما تكبر على غير القبلة الله أكبر، ثم قال: كل ذلك قبلة للمتنفل، أينما تولوا فثم وجه الله(١) .

فهذه جملة من الاخبار التي أردنا ذكرها، وهي كما ترى على طوائف: منها ما يدل على كيفية الصلاة في السفينة من استقبال القبلة وصف الرجلين والقيام مع التمكن، من دون أن يكون متعرضا لاصل حكم الصلاة في السفينة من قوله " سأل عن الصلاة في السفينة " بقرينة الجواب هو أن يكون السؤال عن أصل الكيفية، فهو من جهة الجواز مطلقا مهمل غير ناظر إليه، فلو فرض أنه ورد في عدم الجواز اختيارا وإنما الجواز مختص بصورة الاضطرار لايقع التعارض بينهما كمالايخفى.

ومنها: ما دل على جواز الصلاة في السفينة، وهو بإطلاقه يشمل صورتي الاختيار والاضطرار، بل ظاهر في خصوص الاختيار كالرواية الثانية، فإن الظاهر من قوله " تكون السفينة قريبة من الجدد " هو عدم المشقة في الخروج منها وعدم الاضطرار بالصلاة فيها، خصوصا مع قوله " فأخرج وأصلي " فقولهعليه‌السلام

____________________

(١) تفسير العياشي: ج ١ ص ٥٦ ح ٨١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٣ باب ١٣ من أبواب القبلة، ح ١. [ * ]


في الجواب " صل فيها " في قوة التصريح بجواز الصلاة فيها اختيارا. ويقرب من ذلك في التصريح بالجواز في صورة الاختيار رواية يونس بن يعقوب حيث قالعليه‌السلام : إن خرجت فحسن وإن صليت فحسن إذ في صورة الاضطرار لا يكون محل لقوله " وإن خرجت فحسن ".

نعم السؤال مختص بالانهار الصغار فلايشمل السفينة في البحر المتلاطم، وأما قوله في تتمة هذه الرواية قال: وسأله عن الصلاة في السفينة تأخذ شرقا وغربا، فلا يدل على جواز الصلاة في السفينة المضطربة اختيارا، لان الظاهر منه بقرينة الجواب هو أن يكون السؤال عن كيفية الصلاة في السفينة المضطربة لاعن أصل الجواز، فلاينافي اختصاصه بصورة الاضطرار كما لايخفى.

وأما رواية على بن إبراهيم فالظاهر منها أيضا أن يكون السؤال عن كيفية الصلاة في السفينة بقرينة قولهعليه‌السلام " يصلي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام " وأما قولهعليه‌السلام في ذيل هذه الرواية " ولايصلي في السفينة وهو يقدر على الشط " فغير معارض لما دل من جواز الصلاة في السفينة اختيارا، لان الظاهر من قولهعليه‌السلام " ولايصلي في السفينة " هو أن يكون في صورة عدم التمكن من استيفاء جميع أفعال الصلاة في السفينة، بقرينه قولهعليه‌السلام في صدر الرواية " يصلي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام " فيختص المنع في هذه الصورة لافيما إذا تمكن من استيفاء جميع الافعال حتى الاستقرار فيما إذا لم تكن السفينة مضطربة.

نعم ربما يدعى ظهور رواية حماد بن عيسى في المنع عن الصلاة في السفينة في صورة الاختيار والتمكن من الخروج، لان الظاهر من قوله " إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا فإن لم تقدروا فصلوا قياما " هو أنه مع التمكن من الصلاة في السفينة تامة الاجزاء والشرائط يجب عليه الخروج مع القدرة عليه، هذا.


ولكن لا ملازمة بين التمكن من القيام والتمكن من استيفاء سائر أفعال الصلاة، فيمكن أن يكون المنع لاجل فوات الاستقرار كما ربما يدعى أنه الغالب أو فوات القبلة، فتأمل جيدا.

ومنها: رواية العياشي والانصاف أنها صريحة في جواز الصلاة في السفينة اختيارا مع التمكن من استيفاء الافعال وتكون شاهد جمع بين الاخبار، فإن التفصيل في الفريضة بين الراحلة والسفينة، وأن في الراحلة لايجوز إلا في صورة الاضطرار وفي السفينة يجوز مطلقا سواء قدر على الخروج أو لم يقدر يكون نصا في الجواز، نعم يختص الجواز بصورة التمكن من استيفاء الافعال بقرينة قولهعليه‌السلام " فصل فيها قائما وتوخ القبلة " وكذا يختص بصورة التمكن من الاستقرار وعدم اضطراب السفينة بقرينة كون السائل زرارة وهو عراقي، والسفن السارية في أنهار العراق من الفرات والدجلة لاتكون مضطربة غالبا.

فتحصل: أن المستفاد من مجموع الاخبار بعد تحكيم النص والاظهر على الظاهر هو أنه لو كانت السفينة غير مضطربة، وتمكن المصلي من استيفاء جميع أفعال الصلاة من القيام والقبلة وغيرذلك فالصلاة فيها اختيارا. تصح مع التمكن من الخروج، وإن لم يتمكن من استيفاء الافعال فجواز الصلاة مختص بصورة عدم التمكن.

وقد انقدح أيضا حال الصلاة على الراحلة، وأنه في الفريضة لايجوز إلا مع الاضطرار وعدم التمكن من النزول، وأما في النافلة فيجوز مطلقا ولايعتبر القبلة ولو مع التمكن فيها، بل يتوجه حيثما توجهت الدابة، كما صرحت به رواية العياشي المتقدمة. فما عساه يظهر من بعض الاخبار من اعتبار الاستقبال في حال الركوع والسجود والتكبير أو في خصوص حال التكبير، كقول الصادقعليه‌السلام في


حسن معاوية بن عمار: لابأس أن يصلي الرجل صلاة الليل في السفر وهو يمشي، ولابأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار وهو يمشي يتوجه إلى القبلة ثم يمشي ويقرأ، فإذا أراد أن يركع حول وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثم مشى(١) . وكصحيح عبدالرحمن قال فيه: سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الصلاة في الليل في السفر في المحمل، فقالعليه‌السلام : إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر وصل حيث ذهب بك بعيرك(٢) ، الخبر.

لابد من حمله على الافضلية، لعدم مقاومته لجملة من الاخبار المصرحة بعدم اعتبار القبلة في النافلة إذا صليت على الدابة، أو في حال المشي مطلقا حتى في حال التكبير المعللة في جملة منها بقوله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله(٣) ، وأنها نزلت في النافلة في السفر.

وحاصل الكلام: أن في صلاة النافلة جهات من البحث:

الاولى: في أصل جوازها اختيارا على الراحلة وفي حال المشي.

الثانية: في عدم اعتبار القبلة فيها مطلقا ولو في حال التكبير.

الثالثة: في أن جواز الصلاة على الراحلة هل هو مختص بالسفر أو يعم الحضر أيضا؟ الرابعة: في أنه هل يعتبر الركوع والسجود فيها لو صليت ماشيا أو على الراحلة ولو بأن ينزل لهما، أولا يعتبر ذلك بل يجزي الايماء لهما مع جعل إيماء السجود أخفض؟ الخامسة: في أنه لو قلنا بعدم اعتبار القبلة فيها، فهل ذلك يختص بما إذا

____________________

(١) الوسائل:: ج ٣ ص ٢٤٤ باب ١٦ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٤١ باب ١٥ من أبواب القبلة، ح ١٣.

(٣) البقرة: ١١٥. [ * ]


صليت على الراحلة أو في حال المشي دون ما إذا صليت في حال الاستقرار على الارض مطمئنا، أولايختص بذلك بل يعم حال الاستقرار أيضا؟ أما الجهة الاولى فقد تقدم البحث عنها، وأن أصل الجواز مما لاإشكال فيه ولاخلاف، وقد تواترت الاخبار(١) على ذلك.

وأما الجهة الثانيه فقد تقدم أيضا أنه لايعتبر الاستقبال في حال من الاحوال، وأن ما ورد من اعتبار ذلك في بعض الاحوال فمحمول على الافضلية، وإن خالف فيه بعض الاعلام على ما هو المحكي.

وأما الجهة الثالثة فالظاهرر عدم اختصاص الجواز بالسفر بل يعم الحضر، لصحيح عبدالرحمن بن الحجاج سأل أبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يصلي النوافل في الامصار وهو على دابته حيث ما توجهت به، قال: لابأس(٢) .

وفي حكم الراكب الماشي، وهو وإن لم يدل عليه بالخصوص دليل إلا أن يكفي إطلاقات جواز الصلاة ماشيا من غير تفصيل بين السفر والحضر، فما يظهر من بعض الاعلالام من الاشكال في جواز الصلاة على الراحلة حضرا مما لاوجه له.

وأما الجهة الرابعة فالظاهر أن النزول من الدابة للركوع والسجود مما لايعتبر في الفريضة في مورد جواز أن يصليها على الدابة فضلا عن النافلة، بل لايجوز ذلك لانه فعل كثير يمحو صورة الصلاة، وإن مال إليه في الجواهر(٣) في الفريضة بدعوى أن الصعود والنزول من مقدمات فعل الركوع والسجود فلا يضر، ولايخفى مافيه.

وأما الماشي فالظاهر عدم اعتبار ذلك أيضا، بل يكفي الايماء لهما مع جعل إيماء السجود أخفض، وما تقدم في رواية معاوية بن عمار من أن الماشي يركع

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٩ و ٢٤٤ ب ١٥ و ١٦ من أبواب القبلة.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٩ باب ١٥ من أبواب القبلة، ح ١.

(٣) جواهر الكلام: ج ٧ ص ٤٢٧. [ * ]


ويسجد فمحمول على الافضلية، لصراحة جملة من الاخبار بكفاية الايماء لهما.

وأما الجهة الخامسة فمقتضى الاطلاقات الوارده في الكتاب والسنة هو اشتراط النافلة بالقبلة، كقوله تعالى: فولوا وجوهكم شطره(١) وكقولهعليه‌السلام : لاصلاة إلا إلى القبلة(٢) . وهذا بنفسه شامل للفريضة والنافلة. والقول بأن قوله " فولوا " أمر وهو للوجوب والنافلة لاوجوب لها ففساده غني عن البيان، لان الامر في مثل هذا إنما هو لبيان شرطية القبلة كسائر الاوامر الواردة في بيان الاجزاء والشرائط فيعم النافلة أيضا.

وبالجملة: مقتضى الاوامر الواردة في الكتاب والسنة هو اشتراط النافلة بجميع شرائط الفريضة إلا ما خرج فالعمدة هو ملاحظة المخرج.

وما ورد في بعض الاخبار(٣) من أن الآية إنما نزلت في الفريضة لاينافي ذلك أيضا، لان مورد النزول لايوجب التخصيص كما هو الشأن في غالب الآيات الواردة في الكتاب. نعم لو دل دليل بأن الحكم بتولية الوجه شطر المسجد مختص بالفريضة لكان اللازم خروج النافلة عنه، إلا أن ظاهر الخبر ليس كذلك، فإن فيه قالعليه‌السلام : استقبل القبلة بوجهك ولا تقلب وجهك من القبلة فتفسد صلاتك، فإن الله عزوجل يقول لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفريضة: فول وجهك.. إلخ.

وهذا كما ترى لا يدل على أن الحكم مختص بالفريضة، بل أقصاه أن الآية نزلت عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في الفريضة، كما ورد(٤) التفسير بذلك حيث كانصلى‌الله‌عليه‌وآله في صلاة العصر وهو مستقبل لبيت المقدس، فنزلت هذه

____________________

(١) البقرة: الآية ١٤٤ و ١٥٠.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢١٧ باب ٢ من أبواب القبلة، ح ٩.

(٣) الفقيه: ج ١ ص ٢٧٨ باب القبلة، ح ٨٥٦.

(٤) مجمع البيان: ج ١ ص ٢٢٣، البرهان: ج ١ ص ١٥٨. وفيهما " قد صلى من الظهر ركعتين ".


الآية فحول وجههصلى‌الله‌عليه‌وآله نحو الكعبة، فمن هذه الجهة لايمكن الخدشة في إطلاق الآية، مع أن في إطلاق السنة كفاية، فتأمل.

فلابد حينئذ من ملاحظة المخرج فنقول: قد ثبت بمقتضى الادلة السابقة جواز فعل النافلة إلى غير القبلة في حال الركوب والمشي، وبعد لم يقم دليل على جواز فعلها إلى غير القبلة في حال الركون والاستقرار على الارض، وما ورد في عدة من الروايات(١) من أن قوله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله نزلت في النافلة. لايدل على ذلك أيضا لتقييدها في جميعها أو غالبها بأنها نزلت في النافلة في السفر، ومعلوم أن المراد من السفر هو حال التلبس به من الركوب والمشي، فلا يعم حال الاستقرار في منازل السفر، فتأمل.

فالاقوى أن النافلة لو صليت على الارض مستقرا يعتبر فيها كل ما يعتبر في الفريضة من الاجزاء والشرائط إلا ما استثني من الترخيص بالقعود فيها وترك السورة. هذا كله لوصليت على الارض مستقرا. وأما لو صليت في السفينة فالظاهر عدم اعتبار القبلة فيها كما لو صليت على الراحلة، للتصريح بسقوط القبلة فيها في رواية العياشي(٢) المتقدمة، مضافا إلى الاخبار(٣) الواردة في أن قوله تعالى: فأينما تولوا.. إلخ نزلت في النافلة في السفر الذي تعم الصلاة في السفينة أيضا كما لايخفي.

الخلل الواقع في القبلة

فاعلم أن الخلل الواقع في الصلاة من جهة القبلة

____________________

(١) و (٣) الوسائل: ج ٢ ص ٢٤٢ ٢٤٣ باب ١٥ من أبواب القبلة، ح ١٨ و ١٩ و ٢٣.

(٢) تفسير العياشي: ج ١ ص ٥٦ ص ح ٨١. [ * ]


تارة يكون عن عمد وعلم بالحكم والموضوع، واخرى يكون عن جهل بالحكم قصورا أو تقصيرا، وثالثة يكون عن نسيان كما إذا نسي وصلى إلى غير القبلة، ورابعة يكون عن غفلة، وخامسة يكون عن خطأ في الاجتهاد والتحري فيما كان تكليفه ذلك.

ثم إن الخلل الواقع تارة يكون منحرفا عن القبلة ولم يبلغ اليمين واليسار، واخرى يكون بالغا لهما بأن صلى إلى نفس النقطتين، وثالثة يكون متجاوزا منهما ولم يبلغ الاستدبار، ورابعة بلغ الاستدبار، فهذه جملة الاقسام المصورة في الخلل الواقع في القبلة، ولابد من تنقيح كل منها على وجه الاختصار، فنقول: لاإشكال في بطلان الصلاة إذا وقع الخلل عن عمد في جميع الاقسام، سواء كان إلى بين النقطتين أو إلى نفسهما أو تجاوز عنهما بلغ إلى الاستدبار أو لم يبلغ، والسر في ذلك واضح لان لازم جعل القبلة شرطا في الصلاة هو ذلك كما لايخفى.

وأما لو كان الخلل واقعا عن جهل فإن كان عن تقصير فكذلك أيضا، للاجماع على أن الجاهل المقصر في حكم العامد خطابا وعقابا إلا في القصر والاتمام والجهر والاخفات، فهو مكلف بالتوجه إلى القبلة الواقعية فلا تعمه الاخبار الآتية المصححة للصلاة إذا وقعت بين المغرب والمشرق المعللة بأن ما بين الشرق والمغرب قبلة، لان توسعة القبلة إلى هذا الحد إنما يكون في مورد سقوط الخطاب بالقبلة الواقعية، فتكون ما بين المغرب والمشرق قبلة في طول القبلة الواقعية لافي عرضها، وإلا لصح التوجه إلى ما بينهما عمدا واختيارا، وقد عرفت أن ذلك خلاف التحقيق، وإن قيل به فمورد هذه الاخبار إنما هو فيما إذا لم يتمكن المكلف من التوجه إلى القبلة الواقعية بحيث يوجب سقوط خطابها، والخطاب عن الجاهل المقصر غير ساقط إجماعا. وبهذا البيان يمكن خروج الجاهل القاصر أيضا عن عموم الاخبار الآتية،


لان الساقط عن الجاهل القاصر ليس إلا العقاب وأما الخطاب فغير ساقط عنه لتمكنه من التوجه إلى القبلة، والجهل بالحكم لايوجب سلب قدرته عنه، لعلمه بموضوع القبلة وكان جاهلا في حكمها، كما إذا كان الجاهل في نفس مسجد الحرام المشاهد للكعبة، بداهة أنه يمكنه التوجه إلى القبلة، فهو عن عمد واختيار لم يوقع صلاته نحوها وإن كان ذلك لجهله بالحكم، فحينئذ لاوجه لسقوط خطاب القبلة عن الجاهل القاصر وإن كان معذورا من حيث العقاب، فإذا لم يسقط خطاب القبلة عنه فلا تعمه الاخبار الآتية، لان موردها الغير المتمكن من التوجه إليها الموجب لسقوط خطابها، هذا ما أفاده شيخنا الاستاذ في هذا المقام، فتأمل جيدا.

وأما لو كان الخلل الواقع في القبلة من جهة النسيان أو الغفلة أو الخطأ في الاجتهاد فهو داخل في عموم الاخبار، واختصاص بعضها بصورة الخطأ في الاجتهاد لاينافي إطلاق الباقي وعمومها للناسي والغافل.

والاولى ذكر جملة من الاخبار الوارده في المقام وهي على طوائف ثلاث: منها: ما دل على عدم وجوب الاعادة لافي الوقت ولافي خارجه، كصحيح إبن عمار عن الصادقعليه‌السلام قلت له: الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف يميمنا وشمالا، فقال له: قد مضت صلاته ومابين المغرب والمشرق قبلة(١) . وكموثق عمار عنهعليه‌السلام أيضا في رجل صلى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاه قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجها فيما بين المغرب والمشرق فليحول وجهه إلى القبلة ساعه يعلم، وإن كان متوجها إلى دبر القبلة

____________________

(١) تهذيب الاحكام: ج ٢ ص ٤٨، ح ٢٥. [ * ]


فليقطع صلاته ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتح الصلاة(١) . والمروي عن قرب الاسناد: من صلى إلى غير القبلة وهو يرى أنه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه فيما بين المغرب والمشرق(٢) . وفي رواية الراوندي من صلى على غير القبلة فكان إلى غير المشرق والمغرب فلايعيد الصلاة(٣) . وقول أبي جعفرعليه‌السلام في صحيح زرارة: لاصلاة إلى إلى القبلة، قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال: ما بين المغرب والمشرق قبلة كله(٤) ، الخبر. وفي معناها عدة من الاخبار الاخر.

وهذه الاخبار كما ترى ظاهرة أو صريحة في أنه لو وقعت الصلاة بين لمغرب والمشرق فلا إعادة، وهي وإن كانت مطلقة بالنسبة إلى الوقت وخارجه بناء على شمول الاعادة لفعل الشئ في خارج الوقت أيضا وكانت النسبة بينها وبين ما يأتي من الاخبار الظاهرة في وجوب الاعادة في الوقت دون خارجه بالعموم من وجه، لان هذه الاخبار أعم من التذكر في الوقت وخارجه وإن كانت في خصوص ما بين المغرب والمشرق، والاخبار الآتية أعم مما إذا كانت الصلاة بين المغرب والمشرق وما إذا كانت ماوراء ذلك، لكنها أخص من حيث كونها مختصة بصورة التذكر في خارج الوقت، فلكل منهما جهة عموم وجهة خصوص.

وكما أنه يمكن حمل الاخبار الآتية على خصوص ما إذا كانت الصلاة واقعة فيما وراء المغرب والمشرق أو إلى نفس النقطتين، كذلك يمكن حمل هذه الاخبار المتقدمة على خصوص التذكر في خارج الوقت. وقد حكي عن صاحب

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٩ باب ١٠ من أبواب القبلة، ح ٤ و ٥ وفيهما اختلاف يسير.

(٣) بحار الانوار: ج ٨٤ ص ٦٩ باب القبلة وأحكامها، ح ٢٦، وفيه: فكان إلى المشرق والمغرب.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ٢. [ * ]


الحدائق(١) رحمه‌الله الميل إلى ذلك، والتزم بوجوب الاعادة في الوقت مطلقا. ولايرد عليه ما أورده الجواهر(٢) رحمه‌الله من أن معاملة العموم من وجه إنما هو فيما إذا كان بين موضوعي الحكمين لابين الموضوع والحكم كما في المقام، حيث إن أعمية هذه الاخبار بالنسبة إلى عدم وجوب الاعادة في الوقت وفي خارجه إنما تكون في الحكم لافي الموضوع، وهذا بخلاف الاعمية في الاخبار الآتية لانها تكون في الموضوع وهو المصلي ما بين المغرب والمشرق والمصلي إلى ماوراء ذلك.

وبالجملة: أن الموضوع في الاخبار الآتية هو الصلاة إلى غير القبلة الاعم مما بين المغرب والمشرق وماوراء ذلك، والموضوع في الاخبار المتقدمة هو خصوص الصلاة ما بين المغرب والمشرق الاعم في الحكم وعدم وجوب الاعادة في الوقت وفي خارجه، وفي مثل هذا لايعامل معه معاملة التعارض من وجه، كما لايعامل معاملة التعارض من وجه في مثل (اضرب الجهال في الليل لافي النهار) و (لاتضرب زيدا) وليس ذلك إلا من جهة أن العموم في اضرب الجهال إنما هو في الموضوع وهو الجهال الشامل لزيد ولغيره، والعموم في لاتضرب زيدا في الحكم الشامل لليل والنهار الذي يكون ظرف النفي.

وذلك للفرق بين المثال وأخبار الباب، فإن في المثال أعمية لاتضرب زيدا لايصلح إلا في طرف الحكم، وهذا بخلاف أخبار الباب فإن الموضوع فيها ليس إلا المصلي إلى غير القبلة، وهذا الموضوع في الاخبار المتقدمة يكون أعم من المتذكر في الوقت وفي خارجه، وفي الاخبار الآتية يكون أعم مما بين المغرب والمشرق وغيره، كما أن الموضوع في الاول يكون خاصا في خصوص المصلي ما بين المغرب والمشرق، وفي الثاني يكون خاصا في المتذكر في خارج الوقت، فالانصاف

____________________

(١) الحدائق الناضرة: ج ٦ ص ٤٣٧ من كتاب الصلاة.

(٢) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٢٦ من كتاب الصلاة. [ * ]


أن النسبة بينهما كما ذكره في الحدائق بالعموم من وجه. إلا أنه مع ذلك لابد من القول بعدم الاعادة مطلقا في الوقت وفي خارجه إذا كانت الصلاة بين المغرب والمشرق، لقولهعليه‌السلام في عذة من الاخبار(١) المتقدمة: إن ما بين المغرب والمشرق قبلة. وهذا يكون حاكما على الاخببار الآتية ومفسرا لموضوعها وأن الصلاة إلى غيرالقبلة إنما هي الصلاة التي لم تكن بين المغرب والمشرق لان ما بينهما يكون قبلة، ومع هذه الحكومة لامجال لملاحظة النسبة وأنها تكون بالعموم من وجه.

وبالجملة: أن هذه الاخبار كما تكون حاكمة على قولهعليه‌السلام : لاتعاد الصلاة إلا من خمس(٢) وعد منها القبلة فإن هذه الاخبار توسع دائرة القبلة، كذلك تكون حاكمة على قولهعليه‌السلام في الاخبار الآتية " من صلى إلى غير القبلة " فلا محيص عن القول بعدم وجوب الاعادة مطلقا إذا كانت الصلاة بين المشرق والمغرب.

الطائفة الثانية: من الاخبار هي الاخبار المفصلة بين التذكر في الوقت فالاعادة وخارجه فلا إعادة.

كصحيح عبدالرحمن عن الصادقعليه‌السلام : إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد، وإن فاتك الوقت فلاتعد(٣) . وكخبر يعقوب بن يقطين قال: سالت عبدا صالحاعليه‌السلام عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبلة، ثم طلعت الشمس وهو في وقت، أيعيد

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ٢ وص ٢٢٨ باب ١٠ و ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ج ١.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٩ باب ١١ من أبواب القبلة، ح ١. [ * ]


الصلاة إذا كان قد صلى على غير القبلة؟ وإن كان قد تحرى القبلة بجهده أتجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما كان في الوقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة(١) . وفي معناهما عدة من أخبار(٢) اخر. وهذه الاخبار وإن كانت مطلقة بالنسبة إلى ما كانت الصلاة بين المغرب والمشرق وماوراء شذلك حتى الاستدبار، إلا أنه لابد من تقييدها بغير ما كانت بين المغرب والمشرق للاخبار المتقدمة، كما لابد من تقييدها بغير صورة الاستدبار لما يأتي من دلالة بعض الاخبار(٣) على لزوم الاعادة عند الاستدبار مطلقا في الوقت وفي خارجه.

الطائفة الثالثة: ما دلت على وجوب الاعادة مطلقا في صورة الاستدبار، ونحن وإن لم نعثر على خبر يدل بالصراحة على ذلك سوى ما أرسله الشيخقدس‌سره في النهاية(٤) من " أنه رويت رواية أن من صلى إلى استدبار القبلة ثم على بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصلاة. وهذا هو الاحوط وعليه العمل " وظاهر قوله أخيرا " وعليه العمل " أن عمل الصحابة كان على ذلك لاعمل نفسه، خصوصا بعد قوله " وهذا هو الاحوط ". إلا أنه يمكن الاستدلال على ذلك أيضا بما دل من بطلان الصلاة عن الالتفات إلى ماوراء القبلة.

وبيان ذلك: هو أنه وإن كان بين هذه المسألة التي نحن فيها ومسألة الالتفات التي تأتي في قواطع الصلاة إن شاء‌الله فرق، من جهة أن الالتفات إنما اعتبر قاطعا للصلاة وذلك لايكون إلا في أثناء الصلاة، وهذا بخلاف القبلة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٠ باب ١١ من أبواب القبلة، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٣٠ و ٢٣١ باب ١١ من أبواب القبلة، ح ٤ و ٥ و ٦ و ٨ و ٩.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٩ باب ١٠ من أبواب القبلة، ح ٤ وص ٢٣١ باب ١١، ح ١٠.

(٤) النهاية: ص ٦٤. [ * ]


حيث إنها اعتبرت شرطا في الصلاة، ولابد من تحقق الشرط من ابتداء الصلاة إلى آخرها، وبعبارة اخرى: الالتفات إنما يكون قاطعا للهيئة فاعتباره إنما يكون في أكوان الصلاة من غير دخل له في أفعالها، والقبلة إنما تكون شرطا لافعال الصلاة، إلا أنه لو وقعت بعض أفعال الصلاة في أثنائها إلى غير القبلة يصدق الالتفات أيضا، لانه يكون حينئذ التفاتا وزيادة.

والحاصل: أنه يمكن أن يتحقق الالتفات القاطع من دون إخلال بما هو الشرط في أفعال الصلاة من القبلة، كما إذا التفت إلى ماورائه ثم رجع من دون أن يأتي بشئ من أفعال الصلاة، ولكن لايمكن العكس بأن بأتي بشئ من أفعال الصلاة إلى دبر القبلة من دون أن يكون هناك التفات كما لايخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول: الاستدلال على بطلان الصلاة الواقعة على دبر القبلة بالاخبار الدالة على بطلان الصلاة عند الالتفات إلى ماوراء القبلة في أثناء الصلاة يتوقف على امور: الاول: أن أخبار الباب الدالة على أن من صلى إلى غير القبلة يعيد في الوقت لافي خارجه تعم الناسي ايضا ولاتختص بالمجتهد المتحري كما قدمناه، وكذا الاخبار الدالة على أن الالتفات مبطل تعم الناسي أيضا ولاتختص(١) بالعامد الملتفت كما لايخفى على من راجعها.

____________________

(١) بل يمكن أن يكون مساقها الاختصاص بصورة النسيان. لان أخذ قيد الالتفات بلكه أو إلى الخلف كما في بعض أخبار الالتفات إنما يناسب صورة النسيان ولايعم العامد، إذ في صورة العمد لايحتاج إلى الالتفات بالكل أو الخلف بل تبطل الصلاة بأقل من ذلك، ونفس الادلة الاولية الدالة على شرطية القبلة تكفي في بطلان الصلاة عند التعمد ولايحتاج إلى أخبار الالتفات، فأخبار الالتفات سؤالا وجوابا إنما تكون مسوقة لصورة النسيان كمالايخفى. ومن الغريب دعوى صاحب الجواهر (*) بأن المتيقن من أخبار الالتفات صورة العمد، فراجع وتأمل. " منه ".

(*) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٣٥. [ * ]


الامر الثاني: أنه لاإشكال في صدق الصلاة على غير القبلة فيما إذا وقعت ركعتين أو ركعة منها إلى غير القبلة، ولا تختص بما إذا وقعت الصلاة من أولها إلى آخرها إلى غير القبلة، فمن كبر إلى القبلة ثم أوقع باقي الصلاة إلى غير القبلة يصدق أنه صلى إلى غير القبلة، وذلك واضح أيضا.

الامر الثالث: أنه لا إشكال في أولوية الصلاة بتمام أجزائها إلى غير القبلة بالبطلان من الصلاة الواقعه ركعتين منها مثلا إلى غير القبلة لوقام الدليل على بطلانها كذلك، بداهة أنه لو كان وقوع بعض أفعال الصلاة إلى غير القبلة موجبا لبطلانها لكان وقوعها بتمام أجزائها إلى غير القبلة أولى بالبطلان.

الامر الرابع: أنه لو قام الدليل على عدم بطلان الصلاة لو وقعت إلى ما بين المغرب والمشرق، ولاتحتاج إلى الاعادة لافي الوقت ولافي خارجه، أو عدم القضاء فقط لو وقعت إلى نفس النقطتين، فالالتفات إلى ما بين المغرب والمشرق يكون أولى بعدم البطلان، وكذا الالتفات إلى نفس النقطتين يكون أولى بعدم القضاء، لما عرفت من الملازمة بين وقوع الصلاة إلى غير القبلة مع تحقق الالتفات إلى غيرها ولاعكس، فلو كانت الصلاة إلى ما بين المغرب والشرق صحيحة وغير موجبة للاعادة والقضاء لكان الالتفات المجرد عن فعل الصلاتي إلى ما بين المغرب والمشرق أولى بالصحة كما لايخفى.

إذا عرفت هذه الامور فاعلم أن في أخبار الباب وفي أخبار الالتفات مطلقات ينبغي ملاحظتها وما يستفاد منها، أو مطلقات الباب فهي ما ذكرناه من الطائفة الثانية الدالة على عدم وجوب القضاء لمن صلى على غير القبلة، فإنها تعم صورة الاستدبار وعدمه، وأما مطلقات باب الالتفات فهي مادلت على وجوب الاعادة والقضاء. على من التفت إلى غير القبلة، كقول الصادقعليه‌السلام في


خبر أبي بصير: إن تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد(١) . فإنها تعم صورة الالتفات على وجه الاستدبار أو دون ذلك إلى طرف المغرب والمشرق وما بينهما، هذا.

ولكن بعد ما كان الصلاة إلى ما بين المغرب والمشرق غير موجب للاعادة والقضاء، وكان الصلاة إلى نفس النقطتين غير موجب للقضاء‌فقط لكان اللازم هو عدم وجوب الاعادة والقضاء لو التفت إلى ما بين المغرب والمشرق نسيانا، لما عرفت من أن الصلاة إلى ما بينها يلازم الالتفات أيضا، فإذا لم تكن الصلاة إلى ذلك موجبة للاعادة والقضاء فالالتفات الخالي عن فعل الصلاة بطريق أولى يكون غير مجب لذلك، فلا يبقى في مطلقات باب الالتفات إلا صورة واحدة وهي صورة الاستدبار، فتكون نصا في بطلان الصلاة عند الالتفات إلى الاستدبار. ولايعارضه أخبار الباب الدالة على عدم وجوب القضاء عند الصلاة إلى غير القبلة، لان شمول هذه الاخبار للاستدبار إنما يكون بالاطلاق والظهور، ومقتضى تحكيم النص على الظاهر هو حمل مطلقات الباب على غير صورة الاستدبار وهو ما إذا كانت الصلاة على نفس النقطتين، فصورة الاستدبار تكون خارجة عن تحت هذه المطلقات، وحينئذ يتم الاستدلال بأخبار باب الالتفات لما نحن فيه من بطلان الصلاة في صورة الاستدبار لبعض المقدمات السابقة، لانه لو كان الالتفات إلى الاستدبار موجبا للبطلان فالصلاة إلى ذلك ولو في الاثناء أولى بالبطلان، ولو كان الصلاة في الاثناء إلى دبر القبلة موجبا للبطلان فالصلاة التامة الواقعة إلى دبر القبلة نسيانا أولى بالبطلان، وبعد ملاحظة المقدمات السابقة لامحيص عن القول بذلك.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ٤ مع اختلاف يسير. [ * ]


نعم لو قلنا بأن أخبار الباب مختصة بصورة التحري والاجتهاد ولاتعم الناسي كما اختاره صاحب الجواهرقدس‌سره لكانت أخبار الالتفات أجنبية عن المقام ولايمكن الاستدلال بها فيه، إلا أن دعوى اختصاصها بذلك مما لاوجه لها، مع أن صاحب الجواهر(١) رحمه‌الله اعترفبأن الطائفة الاولى من أخبار الباب الدالة على عدم وجوب الاعادة والقضاء لو وقعت الصلاة إلى ما بين المغرب والمشرق تعم الناسي أيضا، وإنما قال بالاختصاص في خصوص الطائفة الثانية، ولكن الانصاف أنه لم يظهر وجه للتفرقة بين الطائفتين، فتأمل(٢) .

وكذا لايمكنم الاستدلال بأخبار باب الالتفات لما نحن فيه، لو منعنا الاولوية وأنه لاملازمة بين بطلان الصلاة إلى دبر القبلة لو كان ذلك في الاثناء وبطلانها لو وقعت من أول الامر إلى دبر القبلة، أو قلنا بعدم صدق الصلاة إلى دبر القبلة لوكان في الاثناء، أو قلنا بأن أخبار الالتفات تختص بالعامد ولاتعم الناسي.

ولكن منع الملازمة بين الاول والاثناء وعدم صدق الصلاة إلى غير القبلة لو كان ذلك في الاثناء واختصاص الالتفات بصورة العمد كل ذلك مشكل بل لاسبيل إليه، فالاقوى القول ببطلان الصلاة لو وقعت إلى دبر القبلة، كما عليه عمل الاصحاب حسب ما يستفاد من عبارة الشيخ(٣) رحمه‌الله المتقدمة في ذيل المرسل الذي حكاه، فتأمل فيما ذكرناه فإن الاستدلال بأخبار الالتفات لما نحن فيه لايخلو من إعمال لطف.

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١١ ص ٤٢.

(٢) سيأتي وجه التفرقة بين الطائفتين في آخر البحث فانتظر وراجع.

(٣) النهاية: ص ٦٤ وقد عدل شيخنا الاستاذ مدظله عن هذا التقريب عند البحث في القواطع في مسألة قاطعية الالتفات، وقوى في نظره عدم ثبوت المفهوم لصحيحة البزنطي (*)، وهذا التقريب منبي على ثبوت المفهوم فتأمل. " منه".

(*) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٩ باب ٣ من أبواب قواطع الصلاة، ح ٨. [ * ]


ويمكن تقريب الاستدلال بوجه آخر، وهو أنه في أخبار باب الالتفات ما يكون أخص من مطلقات هذا الباب، وهو صحيح البزنطي: سألت الرضاعليه‌السلام عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلى ولايعتد به(١) ، الخبر. وفي معناه رواية اخرى. وجه كون ذلك أخص من مطلقات الباب واضح، فإن قولهعليه‌السلام " من صلى إلى غير القبلة يعيد في الوقت لافي خارجه "(٢) يعم صورة الاستدبار وغيرها، وما في صحيح البزنطي في أخبار الالتفات مختص بصورة الاستدبار كما هو الظاهر من الخلف، فتكون النسبة بينهما أعم أخص مطلقا.

ولايتوهم أن صحيح البزنطي أعم من جهة التذكر في الوقت وفي خارجه فتكون النسبة بينهما بالعموم من وجه. وذلك لان الاعادة عند التذكر في الوقت مما اتفق عليه كلتا الطائفتين من أخبار الباب وصحيح البزنطي، فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى ذلك، وإنما التعارض في صورة التذكر في خارج الوقت، فإن صحيح البزنطي يوجب القضاء عند الالتفات إلى خصوص الاستدبار، وأخبار الباب تنفي القضاء عند الاستدبار أيضا لكن بالعموم الشامل له ولغيره، فتكون النسبة أعم مطلقا لامن وجه.

وحينئذ لابد من تقييد أخبار الباب بما في صحيح البزنطي، وخروج صورة الصلاة على وجه الاستدبار عن تحت قولهعليه‌السلام " من صلى إلى غير القبلة " وذلك بعد ما تقدم من أولوية بطلان الصلاة على وجه الاستدبار من البطلان عند

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٩ باب ٣ من ابواب قواطع الصلاة، ح ٨.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٩ باب ١١ من أبواب القبلة، نقلا بالمضمون. [ * ]


الالتفات إلى الخلف الخالي عن الصلاة واضح لاشبهة فيه، فإذا خرجت صورة الاستدبار عن عموم قوله " من صلى على غير القبلة، وخرجت صورة الصلاة إلى ما بين المغرب والمشرق عن عمومه أيضا بما تقدم من الاخبار(١) الدالة على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة، فلا يبقى حينئذ تحت قولهعليه‌السلام " من صلى إلى غير القبلة " إلا صورة واحدة وهيالصلاة إلى نفس النقطتين وما يلحق بذلك على ما يأتي بيانه.

وتكون النسبة حينئذ بين أخبار الباب مع مطلقات باب الالتفات بالاعم المطلق، لان قولهعليه‌السلام في الخبر المتقدم " إن تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد "(٢) يعم صورة الاستدبار وغيره، وهذا بخلاف أخبار الباب فإنها بعد التخصيص بما عرفت تكون مختصة بصورة الصلاة إلى نفس النقطتين وما يلحق بذلك، فتكون النسبة بينهما بالاعم المطلق، وإن كان قبل تخصيص أخبار الباب بما عرفت تكون النسبة بالعموم من وجه، ولكن بالتخصيص تنقلب النسبة، فلا بد من حمل مطلقات باب الالتفات الدالة في فساد الصلاة عند الالتفات بغير صورة الالتفات إلى النقطتين، لما تقدم أيضا من أن الصلاة إلى ذلك لو كان غير موجب للقضاء، فالالتفات لايكون موجبا له بالاولوية القطعية.

وعلى كل حال لابد في الاستدلال بأخبار الالتفات لما نحن فيه من شمول قولهعليه‌السلام " من صلى إلى غير القبلة " لصورة النسيان وعدم اختصاصه بالمتحري، فإنه لولا ذلك لكان باب الالتفات أجنبيا عن المقام كما تقدم في شمول قولهعليه‌السلام : " من صلى إلى غير القبلة " لصورة النسيان نوع خفاء،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٨ باب ١٠ من أبواب القبلة، ح ١ و ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ٤. [ * ]


لان نسبة قولهعليه‌السلام : " من صلى إلى غير القبلة " مع قولهعليه‌السلام " لاتعاد الصلاة إلا من خمس ومنها القبلة "(١) إنما تكون بالعموم من وجه، وذلك لان " لاتعاد الصلاة إلا من خمس " مقصور بصورة النسيان كما يأتي بيانه إن شاء‌الله في باب الخلل، لان عقد المستثنى منه وهو عدم الاعادة في غير الخمس إنما يكون مختصا بمورد النسيان ولايعم العامد وغيره، فيكون عقد المستثنى وهو الاعادة من الخمس ايضا مقصورا بصورة النسيان. وهذا لاينافي وجوب الاعادة في الخمس في غير صورة النسيان أيضا، لان كون الحكم كذلك خارجا لايلازم أعمية عقد المستثنى لغير صورة النسيان، فإن المستثنى تابع للمستثنى منه، فإذا كان المستثنى منه مختصا بصورة النسيان فيكون المستثنى أيضا كذلك.

وعليه تكون النسبة بين حديث " لاتعاد " وبين قوله " من صلى إلى غير القبلة " بالعموم من وجه، فإن الموضوع في " لاتعاد " وإن كان يشمل صورة وقوع الصلاة على نفس النقطتين وعلى الاستدبار وعلى ما بين المغرب والمشرق ولكن يختص بصورة النسيان، وهذا بخلاف قولهعليه‌السلام " من صلى إلى غير القبلة " فإنه وإن كان مختصا بصورة وقوع الصلاة إلى نفس النقطتين وما بحكمه حسبما تقدم إلا أنه أعم من جهة النسيان وغيره من الغافل والمتحري فتكون النسبة بالعموم من وجه، وكما يمكن تخصيص حديث " لاتعاد " بغير صورة الصلاة إلى النقطتين كذلك يمكن تخصيص قوله " من صلى إلى غير القبلة " بغير صورة النسيان.

ولعله إلى هذا كان نظر صاحب الجواهر(٢) رحمه‌الله حيث ذهب إلى عدم

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٣٥. [ * ]


شمول قوله " من صلى إلى غير القبلة " لصورة النسيان وكونه مختصا بالمتحري، وهذا بخلاف قوله " ما بين المغرب والمشرق قبلة " فإنه وإن كان النسبة بينه وبين حديث " لاتعاد " بالعموم من وجه أيضا إلا أنه حيث كان لسان " ما بين المغرب والمشرق قبلة " لسان الحكومة يقدم على حديث " لاتعاد " ولا تلاحظ النسبة وهذا بخلاف " من صلى إلى غير القبلة " فإنه لايكون حاكما على حديث " لاتعاد " بل معارضا له بالنسبة إلى خارج الوقت، وأما في الوقت فلا تعارض بينهما لاتفاقهما على وجوب الاعادة فيه، هذا. ولكن مع كون النسبة بينهما بالعموم من وجه يمكن أن يقال بأظهرية قوله " من صلى إلى غير القبلة " في شموله لصورة النسيان من شمول " لاتعاد " إلى الصلاة إلى النقطتين وما بحكمه.

وبيان ذلك: هو أنه ليس المستفاد من عقد المستثنى في حديث " لاتعاد " إلا قضية جزئية وهو إعادة الصلاة من القبلة في الجملة، وليس لها إطلاق بالنسبة إلى جميع الاحوال، بداهة أن حديث " لاتعاد " إنما سيق لبيان حكم المستثنى منه وهو عدم إعادة الصلاة من غير الخمسة، ولم يرد لبيان حكم الاعادة من الخمسة، فلايمكن أن يقال: إن فوات كل واحد من الخمسة موجب لبطلان الصلاة مطلقا، بل المستفاد منه ليس إلا البطلان في الجمله، لان رفع السلب الكلي الذي دل عليه عقد المستثنى منه إنما يصدق بالايجاب الجزئي الذي هو مفاد عقد المستثنى، فالقول ببطلان الصلاة مطلقا وفي جميع الاحوال لايستفاد من حديث " لاتعاد " إلا بمعونة مقدمات اخر من أن الايجاب الجزئي في قوة الاهمال، وخروج عقد المستثنى عن الفائدة مع كون المتكلم بصدد البيان، وغير ذلك من مقدمات الحكمة. وهذا بخلاف الاطلاق المستفاد من قوله " من صلى إلى غير القبلة " فإن


الاطلاق وشمول النسيان إنما يستفاد من نفس القضية، لان الصلاة إلى غير القبلة نسيانا ليس بمثابة يكون اللفظ منصرفا عنه.

وبالجملة: الانصاف أن إطلاق قولهعليه‌السلام " من صلى إلى غير القبلة " وشموله لصورة النسيان يكون أقوى من إطلاق حديث " لاتعاد " وشموله لبطلان الصلاة على نفس النقطتين.

بل قد عرفت أنه لاإطلاق في عقد المستثنى في حديث " لاتعاد " بل هو نظير المفهوم المستفاد من قولهعليه‌السلام " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ "(١) فإن مفهومه ليس إلا أن الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شئ، ولايستفاد منه انه ينجسه كل شئ إلا بضم مقدمات اخر من الخارج، وليس ذلك إلا لاجل أن القضية لم تسق إلا لبيان مطهرية الكر ولم تسق لبيان نجاسة غيره، فتأمل فإن المقام لايسع زيادة على ذلك من الكلام.

بقي الكلام في معنى الاستدبار الموجب لبطلان الصلاة مطلقا في الوقت وفي خارجه. والظاهر أن يكون المراد منه مقدار ثلث الدائرة الذي يكون مقابلا للثلث الذي تكون القبلة فيه، بحيث، لو قسمنا الدائرة التي يكون المصلي فيها إلى ثلاثة أثلاث يكون ثلث منها بطرف القبلة وما بحكمها مما بين المغرب والمشرق الذي تصح الصلاة فيه وغير موجب للاعادة والقضاء، ويكون ثلث آخر منها في طرف المغرب والمشرق (سدس للمغرب وسدس للمشرق) والثلث الآخر يكون في دبر القبلة.

وبالجملة: دائرة الاستدبار تكون أوسع من دائرة الاستقبال، فإن المعتبر في الاستقبال إنما هو ما بين الجبينين على ما تقدم تفصيله وهذا يكون قريبا من عشر

____________________

(١) الوسائل: ج ١ ص ١١٧ باب ٩ من أبواب الماء المطلق، ج ١ و ٢ و ٦ وفيه: إذا كان الماء..

إلخ. [ * ]


الدائرة، وأما الاستدبار فالمعتبر منه هو الخلف وما بين الكتفين، وهذا يكون قريبا من ثلث الدائرة، إذ الظاهر صدق الاستدبار والخلف إلى هذا المقدار، فتأمل جيدا. هذا كله لو ظهر الخطأ بعد إتمام الصلاة.

وأما لو ظهر في الاثناء فلو كان ما بين المغرب والمشرق استقام والاستئناف، ولو كان إلى نفس النقطتين فإن تذكر في خارج الوقت، بأن كانت صلاته في آخر الوقت بحيث لم يدرك منه إلا ركعة، وفي الركعة الثانية التي وقعت في خارج الوقت تذكر أنه أخطأ في القبلة، وكانت صلاته إلى نفس النقطتين فكذلك أيضا استقام بلا استئناف، لان تذكره كان في خارج الوقت الذي لايوجب القضاء إذا وقعت الصلاة بتمامها إلى نفس النقطتين، فعدم وجوب القضاء لو وقعت ركعة منها كذلك يكون أولى.

ولو تذكر في الوقت فالظاهر وجوب الاستئناف، لان التذكر في الوقت موجب للاعادة إذا كان بعد الصلاة فكذلك لو كان في الاثناء، لان ما هو شرط الكل شرط للبعض أيضا، فتأمل. ولو كان إلى دبر القبلة فالظاهر أيضا وجوب الاستئناف مطلقا في الوقت وفي خارجه، لان ما هو المبطل للكل مبطل للبعض أيضا، مضافا إلى دلالة بعض الروايات عليه.


بقي الكلام في بعض الفروع التي تعرض لها في الشرائع، والظاهر أنه لاثمرة مهمة في ذكرها، فالاولى عطف عنان الكلام إلى ما هو الشرط الثالث في الصلاة وهو الساتر وحيث كان البحث عن الساتر يشتمل على امور مهمة أفردنا بجزء مستقل، فراجع.

لباس المصلي وبحث المكان

ويعتبر فيه امور:

أن لايكون من جلد الميتة

وغيره من سائر أجزائها سواء دبغ أولا، وسواء كان مأكولة اللحم أولا، وسواء كانت مما لها نفس سائلة أولا، كل ذلك لاطلاق الادلة على تأمل في الاخير يأتي الاشارة إليه إن شاء‌الله. واعتبار ذلك في اللباس مما انعقد عليه الاجماع ظاهرا واستفاضت به النصوص فلا كلام فيه، ولكن يقع الكلام في مقامين: الاول: في بيان الحال عند الشك في كون الجلد جلد ميتة، وأنه هل يجوز الصلاة فيه أولا.

ربما يقال بابتناء المسألة على كون التذكية شرطا أو الموت مانعا، فإن قلنا بالاول فلابد من إحرازها ولايجوز عند الشك فيها، كما هو الشأن في كل ما اعتبر شرطا، ولو قلنا بالثاني فيمكن دفعه بالاصل عند الشك في تحققه، كما هو الشأن أيضا في كل ما اعتبر مانعا، هذا.


ولكن الظاهر عدم ابتناء المسألة بذلك، وأنه لايجوز الصلاة في المشكوك مطلقا سواء قلنا بشرطية التذكية أو مانعية الموت، لان الاصل عند الشك هو عدم التذكية ومعه لايبقى مجال لدفع المانع بالاصل.

نعم لو منع عن جريان أصالة عدم التذكية كما نسب ذلك إلى الفاضل التونيقدس‌سره (١) لكان ابتناء المسألة على شرطية التذكية أو مانعية الموت في محله، إلا أنه لاسبيل إلى المنع عن ذلك.

وما ذكره الفاضل التونيقدس‌سره في وجه المنع على ما حكاه الشيخقدس‌سره (٢) في تنبيهات الاستصحاب عند بيان أقسام الاستصحاب الكلي يرجع إلى أحد وجهين كل منهما لايخلو عن نظر.

أما الوجه الاول فحاصله: أن ما هو الموضوع في الادلة وما اخذ مانعا عن جواز الصلاة ليس إلا الموت حتف الانف الذي يكون ضدا وجوديا للتذكية، وبأصالة عدم التذكية لايمكن إثبات الموت حتف الانف، لانه يكون إثباتا لاحد الضدين الوجوديين بنفي الآخر.

الوجه الثاني: هو أن عدم التذكية في حال حياة الحيوان أمر مغاير لعدم التذكية في حال موته، والذي ينفع هو عدم التذكية في حال الموت، وهذا العدم لم يكن له حالة سابقة حتى يستصحب فهو مشكوك الحدوث، والعدم الثابت في حال الحياة لم يؤخذ مانعا حتى يستصحب، مع أنه قطعي الارتفاع لان المفروض عدم حياة الحيوان.

والحاصل: أن عدم التذكية من اللوازم الاعم للحيوان من حال حياته ومن حال مماته، وما هو المانع عن الصلاة هوالعدم المقارن للموت لاالعدم في حال

____________________

(١) الوافية: ص ٩١، س ١٣ القسم السادس من الشرط الرابع للعمل بالاستصحاب.

(٢) فرائد الاصول: ص ٦٤١ التنبية الاول. [ * ]


الحياة ، فاستصحاب عدم التذكية الثابت في حال حياة الحيوان لاينفع في إثبات عدم التذكية في حال موت الحيوان الذي يكون هو المانع. وهذان الوجهان وإن لم يصرح بهما في كلامه، إلا أنه يمكن التطبيق كلامه عليه، فراجع. وعلى كل حال ما يمكن أن يكون مانعا عن جريان أصالة عدم التذكية في المشكوك هو هذان الوجهان. ولكن لايخفى عليك مافي كلا الوجهين من النظر.

أما الوجه الاول ففيه: أنه لم يؤخذ في شئ من الادلة الموت حتف الانف موضوعا للنجاسة ولااعتبر مانعا عن الصلاة، بل الموضوع للنجاسة والحرمة والمانع عن الصلاة هو الميته، وهي عبارة عن عدم التذكية وعدم ورود فعل الذابح على الحيوان.

والحاصل: أنه ليس التقابل بين التذكية والميتة تقابل التضاد، بل التذكية هي أمر شرعي يعتبر في تحققها امور من الذبح بالحديد وفري الاوداج والتسمية والاستقبال، فإذا انتفى أحد هذه الامور يكون الحيوان ميتة، بداهة أنه لو انتفى أحد هذه الامور لايكون الحيوان مذكى وإلا خرج الشرط عن كونه شرطا، وإذا لم يكن مذكى فلابد من أن يكون ميتة إذلاواسطة بينهما. مع أن في بعض الادلة رتب الحلية والطهارة وجواز الصلاة على نفس التذكية، كقوله تعالى: إلا ما ذكيتم(١) ، وقولهعليه‌السلام في ذيل موثقة ابن بكير الآتية " إذا كان ذكيا ذكاه الذابح " وغير ذلك، فبانتفاء التذكية تنتفي هذه الاحكام كما دل عليه قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه(٢) ، ولافرق في انتفاء التذكية بين العلم به أو قيام طريق معتبر عليه ولو كان أصلا.

وليس المقصود من أصالة عدم التذكية إثبات الموت حتف الانف حتى يقال: إنه

____________________

(١) المائدة: الآية ٣.

(٢) الانعام: الآية ١٢١. [ * ]


لايمكن إثبات أحد الضدين بنفي الآخر، بل المقصود هو مجرد عدم ورود التذكية على الحيوان، وهذا بنفسه كاف في إثبات النجاسة والحرمة وعدم جواز الصلاة في جلده. فظهر أنه لامانع من جريان أصالة عدم التذكية عند الشك فيها، ولاحاجة إلى إثبات الموت حتف الانف.

وأما الوجه الثاني ففيه: أن التذكية لو كانت عبارة عن فعل الذابح وما هو الصادر عنه، من دون اعتبار قابلية المحل فيها جزء أو شرطا على ما سيأتي بيانه فعند الشك في تحققها تكون مسبوقة بالعدم، بداهة أن فعل الذابح أمر حادث مسبوق بالعدم الازلي، وهذا العدم الازلي مستمر من قبل وجود الحيوان إلى زمان تحقق موته وإزهاق الروح عنه، غايته أن عدم التذكية قبل وجود الحيوان يكون عدما محموليا منتف بانتفاء موضوعه وهو الحيوان، وبعد وجود الحيوان يكون عدما نعتيا وهو عدم تذكية هذا الحيوان الموجود، وهذا العدم النعتي مستمر إلى زمان زهوق الروح عنه وبعده، من دون أن ينقلب ذلك العدم الثابت في حال الحياة إلى عدم آخر في حال الممات بل هو هو، غاية الامر أن عدم التذكية الثابت في حال حياة الحيوان لم يكن موضوعا لاثر شرعي، لان موضوع الحرمة والنجاسة وعدم جواز الصلاة مركب من أمرين: زهوق الروح مع عدم التذكية، فعدم التذكية في حال الحياة لم يكن لها أثر، ولكن بقاء ذلك العدم إلى تحقق الجزء الآخر الذي هو عبارة عن زهاق الروح يكون ذا أثر شرعي من النجاسة والحرمة وعدم جواز الصلاة في جلده، والمفروض تحقق زهوق الروح وجدانا فيستصحب عدم التذكية الثابتة في حال الحياة إلى زمان زهوق الروح ويلتئم حينئذ كلا جزئي المركب الذي يكون موضوعا للنجاسة وغيرها من الاحكام، غايته أن أحد جزئي المركب يكون محرزا بالوجدان والجزء الآخر بالاصل.

وحاصل الكلام: أن معروض التذكية التي هي عبارة عن فعل الذابح إنما


هوالجسم، وهذا الجسم في حال الحياة لم يكن مذكى ولم يرد عليه فعل الذابح بالعدم النعتي فيستصحب إلى زمان زهوق الروح، والاثر في المقام مترتب على نفس هذا العدم النعتي المستمر، وليست حياة الحيوان من مقومات هذا العدم وقيدا للموضوع حتى يقال بتبدل ذلك العدم إلى عدم آخر لانقلاب الموضوع وفوات الحياة عن الحيوان، بل ليست الحياة إلا من حالات الموضوع الذي عبر عنها الشيخقدس‌سره بالوجودات المقارنة، والموضع هو الجسم الثابت في كلا الحالين، فلا الموضع تبدل ولا العدم انقلب.

فالانصاف أنه لو قلنا: إن التذكية هي عبارة عن فعل الذابح فقط من دون أخذ قابلية المحل جزء لها، بل هي شرط آخر للنجاسة وغيرها من الاحكام مغايرة للتذكية، فلا مجال للمنع عن جريان أصالة عدم التذكية عند الشك فيها، وكذا لو قلنا: إن قابلية المحل داخل في التذكية وجزء لها ولكن كان المشكوك من الحيوانات القابلة للتذكية بأن لايكون من الحشرات بناء على أن كل حيوان قابل للتذكية سوى الحشرات أو لم يكن من المسوخ أيضا بناء على أنه لايقبل التذكية أيضا.

وبالجملة لسنا في مقام تنقيح الضابط بين ما يقبل التذكية وما لايقبل، بل هو موكول إلى محله، وإن كان لايبعد القول بان كل حيوان قابل للتذكية [ سوى ](١) الحشرات، وعلى كل حال بعد إحراز قابلية المحل كما هو مفروض الكلام تكون أصالة عدم التذكية جارية عند الشك فيها، سواء قلنا بأن قابلية المحل جزء للتذكية أو لم نقل. نعم لو قلنا بأن قابلية المحل جزء أو شرط لتحقق التذكية وإن لم يمكن القول

____________________

(١) ما بين المعقوفتين لم توجد في النسخة واثبتناه لاقتضاء السياق. [ * ]


بذلك لان التذكية تعرض المحل القابل فلايمكن أخذ القابلية في مفهومها لما كان لاصالة عدم التذكية مجال أصلا عند الشك في قابلية المحل لها ولو فرض العلم بتحقق ما هو فعل الذابح، لان فعل الذابح بنفسه على هذا القول لم يكن تذكية، بل هي مركب من فعله ومن قابلية المحل، وقابلية المحل ليست لها حالة سابقة حتى تستصحب، فإن الحيوان إما أن يوجد قابلا للتذكية وإما أن يوجد غير قابل، فلامجرى لاصالة عدم التذكية حينئذ كما لايخفى، هذا.

ولكن حتى على هذا القول لو شك في ورود فعل الذابح على الحيوان المشكوك القابلية لكان أصالة عدم التذكية تجري أيضا، لانه بناء على هذا القول تكون التذكية معنى حاصلا من فعل الذابح ومن قابلية المحل، وهذا المعنى البسيط الحاصل من ذلك مقطوع العدم عن هذا الجسم في حال حياته فيستصحب إلى حال الممات.

والحاصل: أن نفس قابلية الحيوان للتذكية وإن لم يكن لها سابقة إلا بالعدم المحمولي الثابت قبل وجود الحيوان، إلا أن التذكية الحاصلة منها ومن فعل الذابح يكون مسبوقا بالعدم في حال حياة الحيوان، فتجري أصالة عدم التذكية عند الشك في حصولها، فانقدح أنه عند الشك في تذكية الحيوان تكون أصالة عدم التذكية محكمة، من غير فرق بين أن نقول: إن التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح وكان قابلية المحل شيئا آخر معتبرا في تأثير التذكية للطهارة والحلية، أو نقول: إن التذكية هي عبارة عن معنى بسيط منتزع عن مجموع الامرين، وإنما تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا علم بتحقق ما هو فعل الذابح، فإنه بناء على أن التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح فالتذكية تحققت قطعا ويرجع إلى قابلية المحل عند الشك فيها إلى أصالة الحل والطهارة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، وأما بناء على القول الآخر فأصل التذكية مشكوكة، فتأمل جيدا.


وعلى كل حال قد ظهر مما حققناه انه عند الشك في التذكية لامانع من جريان أصالة العدم، وعليه لاتظهر الثمرة بين شرطية التذكية أو مانعية الموت، فلاحاجة في إتعاب النفس لاثبات أحد الامرين، وإن كان القول بمانعية الموت لايخلو عن قوة، لظاهر النواهي الدالة على المنع عن الصلاة في أجزاء الميتة، فإن النهي المتعلق بأجزاء العبادة وشرائطها ظاهر في المانعية لاالحرمة التكليفية، كما أن الامر المتعلق بها ظاهر في الجزئية والشرطية لاالوجوب النفسي.

وما قيل من أن الظاهرمن قولهعليه‌السلام في صحيحة ابن بكير(١) " وإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وشعره وبوله وألبانه وكل شئ منه جائزة إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذابح " وقولهعليه‌السلام في خبر أبي حمزة " لاتصل فيها إلا ما كان ذكيا "(٢) هو شرطية التذكية لامانعية الموت، فيمكن منعه لاحتمال أن يكون المراد بالذكي عدم الميتة، والتعبير بالذكي من باب أنه إذا لم يكن ميتة فلا محالة يكون ذكيا لانتفاء الواسطة، فتأمل جيدا.

المقام الثاني: بعدما تبين أن المرجع عند الشك في التذكية هو أصالة العدم، فيقع الكلام في بيان ماهو المخررج عن هذا الاصل، وهو أحد امور:

الامر الاول: المأخوذ من المسلم، فإن يد المسلم قد جعلها الشارع أمارة على التذكية، سواء أخبر ذواليد بها أو لم يخبر. ومما يدل على اعتبار يد المسلم ما رواه إسماعيل بن عيسى قال: سألت

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلى، ح ١.

(٢) وسائل الشيعة: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب المصلي، ح ٦. [ * ]


أبا الحسنعليه‌السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قالعليه‌السلام : عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين.

يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه(١) . وهذه الرواية كما ترى كالصريحة في اعتبار يد المسلم، وما ربما يظهر منها من اعتبار أمر زائد على اليد، من استعمال المسلم له كالصلاة فيه، فالظاهر أنه غير معتبر عند الاصحاب.

الامر الثانى: الاشتراء من سوق المسلمين وإن لمى يعلم إسلام البائع، ولكن بشرط عدم العلم بكفره بأن كان مجهول الحال، كما سيأتي والذي يدل على اعتبار سوق المسلمين ا رواه أبونصير عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لايدري أذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه وهو لايدري أيصلي فيه؟ قالعليه‌السلام : نعم أنا اشتري لخف من السوق ويصنع لي واصلي فيه وليس عليكم المسألة(٢) . وإطلاق هذه الرواية تدل على اعتبار السوق وإن لم يعلم إسلام البائع، ولايمكن دعوى انصرافه إلى ما كان البائع مسلما لغلبة وجود أهل الذمة في سوق المسلمين في ذلك الزمان، فدعوى الانصراف مما لاوجه له.

الامر الثالث: ما إذا كان الجلد أو غيره من أجزاء الحيوان مطروحا في أرض الاسلام. وقد استدل على اعتبار ذلك بما رواه السكوني عن أبي عبداللهعليه‌السلام أن أميرالمؤمنينعليه‌السلام سئل عن سفرة وجدت في لطريق مطروحة لكثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، فقال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : يقوم ما فيها

____________________

(١) الفقيه: ج ١ ص ٢٥٨ باب لباس المصلي، ح ٧٩٢ وفيه " رأيتموهم صلون " طبع جامعة المدرسين بقم.

(٢) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٢ باب ٥٠ من أبواب النجاسات، ح ٦ وفيه أحمد بن محمد بن أبي نصر. [ * ]


ثم يؤكل لانه يفسد وليس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له: يا أميرالمؤمنينعليه‌السلام لايدري سفرة مسلم أم سفرة مجوسي، فقالعليه‌السلام : هم في سعة حتى يعلموا(١) . وربما يستدل عليه أيضا بما رواه عمار عن العبد الصالحعليه‌السلام أنه قال: لابأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما سنع في أرض الاسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الاسلام؟ قالعليه‌السلام : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس(٢) .

والاستدلال بذلك على اعتبار المطروح في أرض الاسلام، بحيث يكون نفس كونه في أرض الاسلام أمارة على التذكية قاطعة لاصالة العدم مشكل، وإن قال به جماعة من الاساطين لكن بعد تقييده بما إذا كان عليه أثر الاستعمال، بأن يكون على المطروح اثر يستفاد منه أنه كان مستعملا فيما لايجوز استعماله على تقدير كونه ميتة، كاللحم الموضوع في السفرة كما في الخبر المتقدم، حيث إنه يستفاد من وضعه في السفرة أنه وضع فيها لاجل الاكل الذي لايجوز على تقدير كونه من ميتة، وهذا بخلاف الجلد المطروح في الارض الذي لايكون عليه أثر الاستعمال.

واستفادة هذا القيد إنما يكون من خبر السفرة، ولابأس باستفادته إلا أن الكلام في أصل اعتبار المطروح في أرض الاسلام من دون أن يكون في يدهم أو سوقهم، فإن ما استدل به على اعتبار ذلك من الخبرين لايخلو عن مناقشة.

أما خبر السفرة فالظاهر منه أنه ليس السؤال عن التذكية وعدمها، بل جهة السؤال عن الطهارة والنجاسة، فإن الظاهر من قوله " لايدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي " هو أنه لايعلم طهارة ما في السفرة ونجاستها، فأجابعليه‌السلام : بأنهم في سعة مالايعلمون، أي محكوم بالطهارة حتى يعلم خلافه، ولايمكن

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٣ باب ٥٠ من أبواب النجاسات، ح ١١.

(٢) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٢ باب ٥٠ من أبواب النجاسات، ح ٥. [ * ]


التمسك بإطلاق السؤال والجواب لصوة الشك في التذكية وعدمها، لان السؤال والجواب لم يسق لهذه الجهة، وعلى فرض التسليم فغايته أن يكون مفاد هذا الخبر كمفاد المطلقات الآتية من الحكم بحلية ما لايعلم كونه ميتة، وسيأتي أنه لايمكن الاخذ باطلاقها.

وبالجملة: دلالة هذا الخبر على أن نفس كون الشئ في أرض المسلمين مع عدم العلم بسبق يد مسلم عليه أمارة شرعية، بحيث تكون قاطعة لاصالة عدم التذكية مشكل.

وأما خبر عمار فهو أجنبي عما نحن فيه، فإن حلية ما صنع في أرص الاسلام لايلازم حلية المطروح في أرض الاسلام، بل الظاهر منه أن المصنوع في أرض الاسلام من الفراء وغيره وإن كان فيها غير الاسلام يجوز استعماله والتصرف فيه من الصلاة وغيرها، وهذا لاينافي اعتبار أخذه من السوق أو من يد المسلم، بل الظاهر من الخبر هو كون المصنوع في أرض الاسلام الذي يباع ويشترى في أسواقهم يجوز الصلاة فيه وإن لم يعلم كون صانعه مسلما، فيكون مساق هذا الخبر مساق الاخبار الدالة على اعتبار السوق، وأين هذا من الدلالة على اعتبار المطروح في بلاد المسلمين.

والحاصل: أنه بعد لم يظهر لنا دليل يدل على أمارية الطرح في أرض الاسلام في مقابل اليد والسوق، فالاقوى الاقتصار في مخالفة الاصل على اليد والسوق.

نعم هنا جملة من الاخبار يظهر منها أن كل ما لم يعلم كونه ميتة فهو محكوم بالتذكية، وقد أخذ بإطلاقها بعض الاساطين، فلو تم هذا لكان ذلك تخصيصا لحجية الاستصحاب، وتكون أصالة عدم التذكية ساقطة من أصلها ولو اخذ من يد كافر فضلا عن الاخذ من مجهول الحال في غير سوق المسلمين، ولكن الكلام في إطلاق هذه الروايات أولا، وفي إمكان الاخذ به ثانيا.


ولا بأس أولا بذكر بعض الاخبار، ثم نعقبه بما هو المستفاد منها.

ففي موثقة سماعة عن الصادقعليه‌السلام سألته عن تقليد السيف في الصلاة فيه الفراء والكيمخت، فقالعليه‌السلام : لابأس ما لم يعلم أنه ميتة(١) . وفي صحيحة الحلبي حدثني علي بن أبي حمزة رجلا سأل أبا عبداللهعليه‌السلام وأنا عنده عن الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه، قال: نعم، قال الرجل: إن فيه الكيمخت، فقال: وما الكيمخت فقال: جلود الدواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة، فقالعليه‌السلام : ما علمت أنه ميتة فلا تصلل فيه(٢) . وفي رواية محمد بن يونس أن أباه كتب إلى أبي الحسنعليه‌السلام سأله عن الفرو والخف ألبسه واصلي فيه ولاأعلم أنه ذكي، فكتبعليه‌السلام : لابأس به(٣) . وفي معناها أخبار(٤) اخر دلت بإطلاقها على الحكم بالتذكية مالم يعلم أنه ميتة، هذا.

ولكن الانصاف عدم إمكان التمسك بها.

أما أولا: فلان الظاهر أن يكون جهة السؤال في جميع الاخبار الواردة في هذا الباب هو أنه لما كان في زمن الائمة أهل الذمة يبيعون ويشترون في أسواق المسلمين، وكانت العامة تحل ذبائح أهل الكتاب ويعاملون معها معاملة ذبائح المسلمين، وكذلك كانت تحل الميتة بالدبغ، وحيث كانت الشيعة كثير التردد

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٣ باب ٥٠ من أبواب النجاسات، ح ١٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٣٣٢ باب ٥٥ من أبواب لباس المصلي، ح ٢.

(٣) الفقيه: ج ١ ص ٢٥٨ باب لباس الصملي، ح ٧٩٣.

(٤) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧١ باب ٥٠ من أبواب النجاسات، ح ٢ وباب ٦١ من أبواب المصلي، ص ٣٣٧، ح ١ وباب ٥٠ من أبواب النجاسات ص ١٠٧٣، ح ١١. [ * ]


مع العامة ومخالطون لهم ويعاملون معهم في البيع والشراء، فمن أجل هذا أوجب الضيق على الشيعة، حيث كانوا يدخلون السوق ويشترون ما لايعلم أنه من ذبيحة المسلم أو ذبيحة أهل الذمة، وكذا لم يعلم أنه ميتة دبغ أولا، فكثر السؤال من الائمةعليهم‌السلام ، وأن هذه المعاملات التي تقع في الاسواق بيننا وبين العامة مع ما هو المعلوم من طريقتهم كيف حالها، وأنه يجوز أن يعامل مع المأخوذ معاملة المذكى أولا، فأجابواعليهم‌السلام بعدم البأس، وأنه يعامل معه معاملة المذكى.

فجميع ماصدر عنهمعليهم‌السلام جوابا في هذه الاخبار إنما سيق لبيان حكم المعاملات الواقعة بين الشيعة وبين أهل السوق، وعليه لايبقى مجال لتوهم الاطلاق فيما دل على حلية مالم يعلم كونه ميتة، بل هو منزل على ما كان متعارفا في ذلك الزمان، ويكون مساقها مساق الاخبار الدالة على اعتبار اليد والسوق.

وأما ثانيا: فعلى فرض تسليم الاطلاق فلابد من تقييده بما إذذا لم يؤخذ من يد الكافر، أو من يد مجهول الحال في غير سوق المسلمين، وذلك لصراحة بعض الاخبار بوجوب السؤال والفحص عما اخذ من يد المشركين.

ففي خبر إسماعيل بن موسى عن أبيه سألت أباالحسنعليه‌السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قالعليه‌السلام : عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك(١) .. إلخ.

ومع هذا التصريح كيف يمكن الاخذ بإطلاق ما دل على حلية مالم يعلم كونه ميتة ولو اخذ من يد الكافر؟ فالانصافف أنه لاقاطع لاصالة عدم التذكية إلا يد المسلم أو سوق المسلمين

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٢ باب ٥٠ من ابواب النجاسات، ح ٧ وفيه. عن سعدعن ابيه اسماعيل بن عيسى. [*]


ولو كان المأخوذ منه مجهول الحال، لاطلاق أدلة اعتبار السوق خرج منه ما إذا علم كفر المأخوذ منه، فتأمل جيدا. بقي في المقام امورينبغي التنبيه عليها.

الاول: في أنه هل يد الكافر أمارة على عدم التذكية كما كانت يد المسلم أمارة على التذكية، أو أنه ليس يد الكافر أمارة عللى عدم التذكية، بل مجرد كونها غير أمارة على التذكية ومما لاأثر لها وغير موجبة لرفع اليد عن أصالة عدم التذكية الجارية في المشكوك؟ ربمما قيل بأن يد الكافر أمارة على عدم التذكية كما أن يد المسلم أمارة على التذكية.

وقد استظهر ذلك من قولهعليه‌السلام في خبر إسماعيل(١) المتقدم " إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك " ومن قولهعليه‌السلام في خبر عمار(٢) المتقدم أيضا " إذا صنع في أرض الاسلام ". وفي الاستظهار من ذلك نظر واضح كما لايخفى. والانصاف أنه لم يظهر من الادلة من يستفاد منه أما رية يد الكافر على عدم التذكية، بل غاية ما يستفاد منها عدم الامارية في مقابل جعل أمارية يد المسلم.

ثم إن الثمرة بين القولين إنما تظهر فيما إذا اشتركا يدالكافر ويد المسلم في جلد الحيوان أو غيره، فبناء على الامارية يقع التعارض بين الامارتين، ونحتاج في ترجيح يد المسلم على يد الكافر إلى بعض الوجوه الاعتبارية، ككون يد المسلم أقوى أمارة من يد الكافر، وغير ذلك من الوجوه التي لادليل على اعتبارها، وأما بناء على ما قلناه من عدم أمارية يد الكافر فلا تعارض في البين. وربما قيل بظهور الثمرة أيضا فيما إذا سبقت يد الكافر على يد المسلم، فيقع

____________________

(١) الفقيه: ج ١ ص ٢٥٨ باب لباس المصلي، ح ٧٩٢.

(٢) الظاهر أن المراد خبر إسحاق بن عمار المذكور في الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٢ باب ٥٠ من أبواب النجاسات،[*]


التعارض أيضا ويقدم يد المسلم للاقوائية واللحوق وغير ذلك، هذا. ولكن تمامية هذه الثمرة موقوفة على كون يد المسلم أمارة على التذكية ولو مع العلم بسبقها بيد الكافر، وسيأتي الاشكال في ذلك.

الامر الثاني: في أن أمارية يد المسلم على التذكية هل مطلقة ولو مع العلم بسبق يد الكافر عليه، أو أنها مقيدة بما إذا لم يعلم ذلك؟ فقول: ذهب بعض الاساطين إلى الاول، نظرا إلى إطلاق الادلة الدالة على اعتبار يد المسلم، كقولهعليه‌السلام في ذيل خبر إسماعيل(١) المتقدم " وإذا رأيتم يصلون فيه فلاتسألوا عنه " حيث إن إطلاق ذلك يقتضي اعتبار يد المسلم ولو مع العلم بأخذه من يد الكافر، هذا. وقد استشكل شيخنا الاستاذ مد ظله في ذلك، ومال إلى عدم اعتبار يد المسلم مع العلم بسبقها بيد الكافر إلا على وجه تأتي الاشارة إليه.

وحاصل ما أفاده مدظله في وجه الاشكال يحتاج إلى تمهيد مقدمة، وهي أن الادلة المتكلفة لبيان الاحكام الشرعية تارة تكون على نحو القضايا الحقيقية ومبينة للكبريات التي يتألف منها الاقيسة لاستنتاج الاحكام الجزئية، كقولهعليه‌السلام " إذا بلغ الماء قدر كرلم ينجسه شئ "(٢) وأمثال ذلك، واخرى تكون على نحو القضايا الخارجية، كما إذا سئل المعصومعليه‌السلام عن فعل شئ أو ترك شئ فأجابعليه‌السلام بالبأس أو عدم البأس، فإن هذا لايكون على نحو الكبرى الكية، بل قضية خاصة وردت في مورد خاص، ومن هنا يعبر عنها في كلمات الفقهاء بأنها قضية في واقعة.

____________________

(١) الفقيه: ج ١ ص ٢٥٨ باب لباس المصلي، ح ٧٩٢.

(٢) الوسائل: ج ١ ص ١١٧ باب ٩ من أبواب الماء المطلق، ح ١. [ * ]


وقد حققنا ذلك في مبحث " لاضرر " وقلنا في ذلك المورد: إنه ليس كل ما صدر عنهمعليهم‌السلام جوابا عن سؤال خاص يكون على نحو القضية الخارجية، بل ربمما يستفاد منه كبرى كلية، وقد حررنا الضابط بينهما على وجه لامزيد عليه.

والغرض في المقام مجرد بيان أن الجواب يمكن أن يكون على نحو القضية الخارجية، كما أنه يمكن أن يكون على نحو الكبرى الكلية، فإن كان على نحو الكبرى الكلية فلاإشكال في استفادة الاطلاق أو العموم منها لو كان في مقام البيان، وأما إذا كان على نحو القضية الخارجية فلايمكن استفادة الاطلاق منها إلا بضميمة ترك الاستفصال في الموارد التي تكون محلا للاستفصال مع القطع بعدم خصوصية المورد، فلو لم يكن المحل محلا للاستفصال، أو لم يحصل القطع بعدم خصوصية المورد، لايمكن استفادة الاطلاق من الجواب كما لايخفى.

إذا عرفت هذا فنقول: إن غالب ماصدر عنهمعليهم‌السلام في هذا الباب إنما هو جواب عما سألوا عنه الاصحاب مما كانوا مبتلين به من معاملتهم مع أهل السوق الذي يكون فيهم من يستحل ذبائح أهل الذمة وطهارة الميتة بالدبغ، ومن المعلوم أن في مثل هذا لايمكن أن يتمسك بإطلاق الجواب، لانه جواب عما وقع في الخارج.

ولايمكن القول بالاطلاق من باب ترك الاستفصال، لما عرفت من استفادة الاطلاق من ترك الاستفصال إنما يكون في المحل القابل للاستفصال، ومن المعلوم أن الصحابة في ذطلك الزمان لم يكونوا مبتلين بما نحن مبتلون به الآن، من حمل مال التجارة من الجلود وغيرها من بلاد الكفر إلى بلاد الاسلام، بحيث نعلم أن ما وقع في يد المسلم إنما هو مسبوق بيد الكافر وحمل من بلاد الكفر إلى بلاد الاسلام، وهذا المعنى لم يكن معهودا في ذلك الزمان، فليس المقام مقام ترك


الاستفصال، فلايمكن القول بالاطلاق من هذه الجهة. وكذلك لايمكن القول بالاطلاق بدعوى القطع بعدم الفرق بين ما نحن مبتلون به الآن من سبق يد الكافر على يد المسلم، وما كانوا مبتلين به في ذلك الزمان من المعاملة مع من يستحل ذبيحة أهل الذمة، لان المأخوذ في ذلك الزمان من يد المسلم العارف أو غير العارف حيث لم يعلم كونه من ذبيحة أهل الذمة ولم يعلم سبقه بيد الكافر، فجعل الشارع يد المسلم أمارة عن التذكية، وأين هذا من المأخوذ في هذا الزمان مما يعلم سبقه بيد الكافر؟ فدعوى القطع بعدم الخصوصية عهدتها على مدعيها.

والحاصل: أنه بعد ما كان الصادر عنهمعليهم‌السلام في هذا الباب إنما هو جواب عن قضايا خارجية، ولم يرد في هذا الباب ما يكون كبرى كلية يستفاد منه اعتبار يد المسلم على الاطلاق حتى لو كانت مسبوقة بيد الكافر، وقد عرفت أن استفادة الاطلاق والكبرى الكلية من الجواب عن القضية الخارجية لايمكن إلا بترك الاستفصال مع القطع بعدم خصوصية للمورد، وكلاهما ممنوعان في مثل المقام كما لايخفى، فالاقوى عدم اعتبار يد المسلم إذا كانت مسبوقة بيد الكافر.

نعم لو احتمل احتمالا عقلائيا أن المسلم وإن أخذها من يد الكافر لكن بعد تحقيقه الحال عن تذكية المأخوذ وعدمها لكان يده بضميمة أصالة الصحة في فعل المسلم أمارة على التذكية، إلا أن هذا مما يقطع بعدمه في هذا الزمان، للقطع بأن المسلمين في هذا الزمان يجلبون مال التجارة من بلاد الكفر من دون تحقيق للحال والسؤال عن التذكية وعدمها.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا الاستاذ في هذا المقام في وجه الاشكال في اعتبار يد المسلم على الاطلاق، وقد عرفت أن الاشكال في ذلك إنما هو لامرين: الاول: عدم ابتلاء الصحابة في ذلك بما ابتلينا نحن الآن من حمل مال التجارة من بلاد


الكفر إلى بلاد الاسلام.

الثاني: أن ما صدر عنهم جوابا في هذا الباب إنما يكون على نحو القضايا الخارجية وليس لبيان الكبرى الكلية فتأمل جيدا فإن كلا الامرين لايخلو عن تأمل وربما يمكن استفادة الاطلاق من قولهعليه‌السلام ولو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق(١) فتأمل.

الامر الثالث: هل يعتبر في أمارية يد المسلم أن يكون المسلم مستعملا للجلد أو غيره فيما لايجوز استعمال الميتة فيه كعرضه للبيع والشراء والصلاة فيه وأمثال ذلك، أو أنه يكفي مجرد كونه في يده وتحت استيلائه وإن كان مطروحا في بيته أو دكانه؟ وجهان مبنيان على أن أمارية يد المسلم على التذكية هل هي من باب أماريتها على الملك وحيث إن الميتة لاتملك فيد المسلم كاشفة عن الملك الملازم للتذكية، أو أن أماريتها من باب حمل فعل المسلم على الصحة، فلو قلنا بالاول فنفس كون الجلد تحت يده وسلطانه يكفي في ترتيب آثار التذكية عليه، لان نفس الاستيلاء كاشف عن الملكية الملازمة للتذكية، وإن قلنا بالثاني فلابد من استعماله له على وجه لايجوز الاستعمال لو كان ميتة حتى تجري قاعدة حمل فعل المسلم على الصحة، بداهة أنه لاموضوع للقاعدة إلا في صورة الاستعمال، فلايكفى مجرد كونه في داره مع عدم استعماله له في ترتيب آثار التذكية عليه(٢)

____________________

(١) الوسائل: ج ١٨ ص ٢١٥ باب ٢٥ من أبواب كيفية الحكم، ح ٢ نقلا بالمضمون.

(٢) لايقال: لاوجه لاعتبار قيد الاستعمال زائدا على الاستيلاء فإن نفس استيلاء المسلم على شئ أمارة على الملكية والملكية تلازم التذكية ومثبتات الامارة حجة فلاوجه لاعتبار الاستعمال.

فإنه يقال: يد المسلم إنما تكون أمارة على الملك فيما إذا احرز قابلية ما في يده للتملك، فلو كان هناك في يده شئ لم يعلم كونه ترابا غيرقابل للتملك أو نحاسا قابلا له فمن مجرد كونه في يده لايحكم كونه نحاسا، وكذا لو كان في يده لحم لايحكم كونه من مذكى مالم يستعمله فيما يستعمل فيه الذكي، فالمخرج عن أصالة عدم التذكية ليست ليد فقط بل هي مع الاستعمال، وهذا هو المتيقن من أدلة الباب، ومن هنا يعلم أن المبنى الاول من المبنيين الذي ذكرناهما فاسد من أصله فتأمل " منه ". [ * ]


والاقوى هو الوجه الثاني أي كون أماريتها من باب حمل فعل المسلم على الصحة، لان الظاهر من أدلة الباب سؤالا وجوابا هو ما إذا كان هناك استعمال من المسلم على وجه ينافي كون ما في يده ميتة كالبيع والشراء وأمثال ذلك. ويدل عليه قولهعليه‌السلام " وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه "(١) ومعلوم أن الصلاة اخذت في المقام كناية عن مطلق الاستعمال على وجه ينافي كونه ميتة، فمجرد ثبوت جلد أو لحم بيد المسلم مع احتمال أن يكون ذلك في يده من جهة إرادة إعددامه لااستعماله لايحكم عليه بالتذكية.

الامر الرابع: لو كان الشئ مسبوقا بيد المسلم ولو كان الآن بيد الكافر كما إذا اشتراه اليهودي من مسلم، فهل العبرة على اليد الفعلي ويحكم عليه بعدم التذكية، إما من جهة أمارية يد الكافر عليها وإما من جهة قتضاء الاصل ذلك على الوجهين المتقدمين، أو أن العبرة على اليد السابق ويحكم عليه بالتذكية إما مطلقا ولو قلنا بأماررية يد الكافر على عدم التذكية، وإما في خصوص ما إذا منعنا عن ذلك وقلنا بأن الموجود في يد الكافر بعد باق على أصالة عدم التذكية من دون أن تكون يده أماة على العدم؟ والاقوى من هذه الوجوه هو الوسط اي كون العبرة على الييد السابقة ولاأثر لليد الفعلي للكافر أصلا، أما لو قلنا بعدم كون يد الكافر أمارة على العدم فواضح، فلان المفروض ثبوت يد المسلم على هذا الشئ.

وهي أمارة على التذكية، ومجرد انتقاله إلى يد الكافر التي ليس هي أمارة على العدم لايوجب سلب الشئ عما كان محكوما به من التذكية بمقتضى يد المسلم، وكذلك الحال لو قلنا بأمارية يد الكافر على عدم التذكية، بداهة أنه بعد ما كان الشئ بيد

____________________

(١) الفقيه: ج ١ ص ٢٥٨ باب لباس المصلي، ح ٧٩٢. [ * ]


المسلم فقد حكم عليه بالتذكية، وما هو مذكى لايمكن أن ينقلب إلى غير المذكي، فلايعامل معهما معاملة تعارض الامارتين. وليس المقام مثل تعارض أمارة الطهارة مع أمارة النجاسة، بداهة أن الظاهر يمكن أن ينقلب إلى النجاسة والنجس ينقلب إلى الطهارة وكذلك الملك يخرج عن الملكية، وهذا بخلاف المقام فإن المذكى لايصير غير المذكى، فيد الكافر المسبوقة بيد المسلم ساقطة عن الامارية ولاأثرلها، فتأمل هذا في صورة سبق يد المسلم على يد الكافر، وأما في صورة العكس فقيه الكلام المتقدم.

الامر الخامس: في أن المنع عن الصلاة في الميتة هل يعم جميع أقسام الميتة مما كان لها نفس سائلة أو لم يكن، أو يختص بما إذا كانت لها نفس سائلة؟ وبعبارة اخرى: هل المنع ن الصلاة فيها من جهة نجاستها، أو أن المنع عنها من جهة مانعية نفس الموت من دون دخل للنجاسة في ذلك، وإن اجتمعت الجهتان فيما كان لها نفس سائلة؟ وجهان بل قولان.

الاقوى هو الاول أي مقصور بما إذا كان لها نفس سائلة، لما عرفت من أن أغلب أخبار الباب إنما هي جوابا عن سؤالات اصة في موارد خاصة كانت الصحابة مبتلين بها من شراء الجلود والفراء وأمثال ذلك، ومعلوم أن مثل هذه الاشياء لم يعهد صناعتها من الميتة التي ليس لها نفس سائلة، فلا إطلاق في الادلة تعم جميع أقسام الميتة.

وما ورد في بعض الاخبار(١) من المنع عن الصلاة في الميتة بقول مطلق فمنصرف أيضا إلى الميتة التي يعهد اتخاذ اللباس وغيره من جلودها وسائر أجزائها، وذلك في الميتة التي تكون لها نفس سائلة من غير فرق في ذلك بين أن

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٤٩ و ٢٥٠ باب ١ و ٢ من أبواب لباس المصلي. [ * ]


نقول بشرطية التذكية أو مانعية الموت. وما يتوهم من أنه بناء على شرطية التذكية لابد من إحرازها من غير فرق بين ما كان له نفس سائلة وغيره، وعليه لايجوز الصلاة في مطلق الميتة وإن لم يكن لها نفس سائلة لفقد الشرط.

ففيه: أنه وإن قلنا بشرطية التذكية لكن شرطيتها مقصورة في الحيوان الذي له نفس سائلة، فإن ما دل على اعتبار التذكية ليس إلا صحيح إبن بكير(١) وخبر إبن أبي حمزة(٢) ، وفي كليهما اعتبرت التذكية فيما كان له نفس سائلة، فإن الظاهر من قولهعليه‌السلام في الاول " إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح " هو أن التذكية معتبرة في الحيوان الذي يقبل الذبح، واللذبح لايطلق إلا فيما كان له نفس سائلة، فتأمل. والخبر الثاني يكون أظهر من ذلك، فراجع.

والحاصل: أنه بعد لم يظهر من الادلة كون مطلق الموت مانعا وإن كان الميتة طاهرة لم يكن لها نفس سائلة. فالاولى إن لم يكن أقوى هو الاقتصارر في المانعية بالميتة النجسة، وعليه لاتكون عدم الميتة شرطا آخر في الصلاة، بل هو من صغريات اشتراط الطهارة في لباس المصلي، فالاحكام المذكورة في ذلك الباب من جواز الصلاة في المشكوك مع عدم ثبوت حالة سابقة له تقتضي نجاسته، ومن صحة الصلاة في النجس إذا وقع ذلك جهلا مع عدم سبق العلم به وغير ذلك من الاحكام كلها جارية في باب الميتة.

فلوشك في حيوان من حيث ثبوت نفس سائلة له وعدمه يجوز الصلاة في

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٣. [ * ]


أجزائه، وكذا لو صلى جهلا بكونه ميتة صحت صلاته، فتأمل جيدا فإن ذلك لايخلو عن إشكال، فإن من قال منا بطهارة الميتة بالدبغ قال بعدم جواز الصلاة فيها، فيظهر من ذلك أن الموت بنفسه مانع عن الصلاة، وإن كان مانعيته مقصورة بالميتة النجسة حسب ما استظهرناه من أدلة الباب، إلاأن ذلك لايقتضي جريان أحكام الطهارة والنجاسة فيها أيضا.

الامر السادس: في أنه هل يشترط في أمارية يد المسلم على التذكية كونه غير مستحل للميتة بالدبغ، أو لايشترط ذلك؟ وقد اختلفت كلمات الاصحاب في ذلك فقد حكي من عض عدم جواز الصلاة في المأخوذ من مستحل الميتة بالدبغ، بل زاد بعض المنع ممن يتهم بذلك سواء في ذلك أخبر وضمن بالتذكية أولا، وحكي من آخر المنع إلا إذا أخبر بالتذكية أو ضمن بها.

ولكن المشهور الذي عليه العمل هو الجواز مطلقا ولو علم بكونه ممن يستحل الميتة بالدبغ فضلا عن المتهم سواء في ذلك الضمان والاخبار وعدمه، لاطلاق النصوص الواردة في الباب، بل قد عرفت أن تكثر السؤال عنهمعليهم‌السلام عن الشراء مما هو في السوق كان لاجل ذلك أي وجود من يستحل الميتة بالدبغ.

بل في بعض الاخبار ما يقرب التصريح بذلك، وهو خبر إسماعيل بن موسى(١) المتقدم فإن فيه: سألت أباالحسنعليه‌السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ فأجابعليه‌السلام : بعدم السؤال إذا كان البائع مسلما. وهذا مع معروفية استحلال الميتة بالدبغ عند العامة يكون كالصريح في اعتبار يد المسلم وسوقه مطلقا.

____________________

(١) الفقيه: ج ١ ص ٢٥٨ باب لباس المصلي، ح ٧٩٢. [ * ]


وما ورد من أن علي بن الحسين كان ينزع الفرو المأخوذ من أرض العراق في وقت الصلاة، معللا بأن أهل العراق يستحلون الميتة بالدباغ(١) .

فليس فيه دلالة على خلاف ما ذهب إليه المشهور وإن استدل به صاحب القول الاول، فإن نفس أخذذهعليه‌السلام ولبسه وإن كان في غير حال الصلاة دليل على أنه ما كان يعامل معه معاملة الميتة، بداهة أنه لو كان المأخوذ ممن يستحل الميتة بالدبغ مما لايحكم عليه بالتذكية وكان بحكم الميتة لما جاز لبسه واستعماله في حال من الاحوال، فنفس استعماله ولو في غير حال الصلاة أقوى شاهد على أنه بحكم المذكى.

وذلك لاينافي نزععه في حال الصلاة، فإن ذلك كان للتنزيه وشدة الاحتياط لاحراز الواقع الذي ينبغي البناء عليه لكل أحد فضلا عن المعصومعليه‌السلام ، والاحتياط في الموضوع لاينافي مرتبة العصمة، فتأمل. وكذلك لاينافي ما ذهب إليه المشهور خبر الاشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفرعليه‌السلام : ما تقول في الفرو نشري من السوق؟ فقالعليه‌السلام : إذا كان مضمونا فلابأس(٢) .

وإن استدل به صاحب القول الثاني بناء على حمل الضمان على ضمان البائع، فيدل بمفهومه على عدم جواز الشراء عند عدم ضمان البائع ذكاته، فإن أقصى ما يفيده المفهوم هو ثبوت البأس عند عدم الضمان، وذلك غير صريح ولاظاهر في المنع عن الشراء، فلايمكن أن يقاوم ماتقدم من الادلة الصريحة على جواز الشراء من السوق ولو علم أن البائع كان ممن يستحل الميتة بالدبغ.

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٨١ باب ٦١ من أبواب النجاسات، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٣ باب ٥٠ من أبواب النجاسات، ح ١٠ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


وربما يستدل للتفصيل المزبور بما رواه عبدالرحمن قلت لابي عبداللهعليه‌السلام : إني أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام فأشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها هي ذكية فيقول بل فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية فقالعليه‌السلام : لاولكن لابأس أن تبيعها وتقول قد شرط الذي اشتريتها منه أنها ذكية فقلت: وما أفسد ذلك قالعليه‌السلام : استحلال أهل العراق الميتة ويزعمون أن دباغ الجلد ذكاته(١) .. إلخ.

فإن ظاهر التعليل هو المنع عن الاخذ ممن يستحل الميتة بالدبغ مطلقا حتى مع الاخبار بالتذكية، غاية الامر أن صدر الرواية دلت بالصراحة على جواز الشراء عند الاخبار بالتذكية، وإن منع عن بيعها على أنها ذكية، فيبقى صورة عدم الاخبار داخل في التعليل.

وفيه: أن التعليل إنما سيق لاجل المنع عن بيعها على أنها ذكية لالاصل المنع عن الشراء، فليس في الرواية ما يدل على المنع عن الشراء عند عدم الاخبار، بل المتحصل من الرواية هو أنه حيث كان أهل العراق يستحلون الميتة بالدبغ فليس للمشتري منهم أن يبيع ما اشتراه على أن ذكي، لان ظاهر الاشتراط هو الاخبار عن الذكاة وأنه عالم به مع أنه لم يعلم به، فإن أخذه ممن يستحل ذلك يوجب عدم العلم بالذكاة، وإخبار البائع الاول لايوجب العلم به فليس للبائع الثاني الاخبار على سبيل الجزم بذكاته، وأين هذا من الدلالة على التفصيل المزبور؟ وبالجملة: بعد لم يظهر لنا دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه المشهور، وعلى تقدير ثبوته فهو مؤول أو مطروح، لعدم مقاومته لما تقدم من الادلة الدالة على اعتبار يد المسلم مطلقا ولو كان ممن يستحل الميتة بالدبغ، فالاقوى ما عليه المشهور

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٨١ باب ٦١ من أبواب النجاسات، ح ٤ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


الامر السابع: مقتضى إطلاق الادلة هو عدم جواز الصلاة في الميتة مطلقا، سواء كان مما تتم الصلاة فيه أولا، وسواء كان نعلا أو خفا أو غيره.

وما ورد(١) في(٢) بعض الاخبار من نفي البأس عن النعال والخفاف إذا لم تكن من أرض المسلمين فمحمول أو مطروح، بداهة عدم مقاومته لمطلقات الباب، مع أنه معارض لصريح بعض الاخبار الوارد في خصوص الخفاف من المنع عن الصلاة فيها إذا كانت من ميتة، وهو ما رواه الحلبي قلت لابي عبدالله: الخفاف عندنا في السوق فنشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقالعليه‌السلام : صل فيها حتى يقال لك إنما ميتة بعينها(٣) فاحتمال جواز الصلاة في الخفاف المصنوعة من الميتة ضعيف غايته، كضعف احتمال جواز الصلاة في خصوص النعال، لما ورد(٤) في عدة من الاخبار من أن نعل موسىعليه‌السلام الذي امر بخلعه كان من جلد ميتة، فيظهر منه جواز لبس النعل من الميتة، وإذا جاز لبسه جاز الصلاة فيه.

وجه الضعف هو أنه أولا: مجرد جواز لبس ذلك في شريعة موسىعليه‌السلام لايثبت جوازه في شريعتنا، مع ما ورد(٥) من المنع عن استعمال الميتة بقول مطلق الشامل للنعل، بل لم يعلم جواز ذلك حتى في شريعة موسىعليه‌السلام ، لانه كان لبسه والامر بخلعه قبل تلبسه بمرتبة النبوة على ما هو المحكي.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣١٠ باب ٣٨ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) هو ما رواه الهاشمي، قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن لباس الجلود والخفاف والنعال والصلاة فيها إذا لم يكن من أرض المسلمين، فقالعليه‌السلام : أما النعال والخفاف فلابأس بها. " منه ".

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٣١٠ باب ٣٨ من أبواب لباس المصلي، ح ٢ نقلا بالمضمون.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٤٩ باب ١ من أبواب لباس المصلي، ح ٣ و ٤.

(٥) الوسائل: ج ١٦ ص ٣٦٨ باب ٣٤ من كتاب الاطعمة والاشربة. [ * ]


وثانيا: قد روي(١) عن الحجةعليه‌السلام تكذيب ذلك، وأنه لم يكن نعل موسىعليه‌السلام من جلد الميتة، بل المراد من خلع النعل الذي أمر به الله تعالى هو خلع محبة الاهل الذي كان في قلب موسى.

وبالجملة: لايمكن رفع اليد عن المطلقات بمثل هذا، فالاقوى عموم المنع حتى من حمل أجزاء الميتة كما ربما يشعر به رواية(٢) تقليد السيف المتقدم، بناء على كون تقليد السيف من باب المحمول، لامن باب كونه ملبوسا وإلا كان دالا على عدم جواز الصلاة فيما لاتتم الصلاة فيه، فتأمل جيدا. هذا تمام الكلام في الامر الاول من الامور المعتبرة في لباس المصلي.

أن لايكون من أجزاء غير مأكول اللحم

وإن ذكي وكان قابلا للتذكية، فإن التذكية فيما كان قابلا لها إنما توجب جواز سائر الاستعمالات ماعدا الصلاة. ولسنا الآن في بيان ما يقبل التذكية من الحيوانات فإن لبيان ذلك مقاما آخر، وإن كان الاقوى قبول كل حيوان مأكول وغير مأكول للتذكية حتى المسوخات، لما حكاه شيخنا الاستاذ مد ظله من ورود بعض الادلة على قبول بعض المسوخات للتذكية، وإذا ثبت في البعض ثبت في الكل لعدم القول بالفصل. بل ربما يستفاد قابلية كل حيوان للتذكية من قولهعليه‌السلام في ذيل صحيح إبن بكير(٣) الآتي " ذكاه الذابح أو لم يذكه " بداهة ظهوره في أن التذكية

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٤٩ باب ١ من أبواب لباس المصلي، ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٧٢ باب ٥٠ من أبواب النجاسات، ح ٤.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


هي عبارة عن نفس الذبح وكل حيوان قابل للذبح، فيستفاد من ذلك كبرى كلية وهي قابلية كل حيوان للتذكية إلا ما خرج كالحشرات، فتأمل. وعلى كل حال المهم في المقام هو البحث عن مانعية غير المأكول للصلاة.

وتنقيح البحث عن ذلك يستدعي رسم امور:

الاول: لاإشكال ولاخلاف في مانعية غير المأكول للصلاة وفسادها إذا وقعت فيه، وهذا في الجملة ماقد تواترت به النصوص، إنما الكلام في أن ذلك على نحو الكبرى الكلية وأن كل غير مأكول لاتجوز الصلاة فيه عدا ما استثنى من الخز والسنجاب، أو ليس ذلك على نحو الكبرى الكلية بل المانعية مقصورة بما يأكل اللحم مما له ناب ومخلب؟ ولابد أولا من ذكر بعض ما ورد في الباب من الادلة، ثم نعقبه بما هو المستفاد منها فنقول: روى ابن أبي عمير عن إبن بكيرقال: سأل زرارة أبا عبداللهعليه‌السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن الصلاة في وبر كل شي ء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسد لاتقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله، ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاحفظ ذلك يا زرارة، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذبح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك


أكله فالصلاة في كل شئ منه فاسد ذكاه الذبح أو لم يذكه(١) .

وفي رواية جعفر بن محمد عن آبائه في وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام قال: يا علي لاتصل في جلد ما لايشرب لبنه ولايؤكل لحمه(٢) . وفي رواية إبن أبي حمزة قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام وأباالحسنعليه‌السلام عن لباس الفراء والصلاة فيها، فقال: لاتصل فيها إلا ما كان منه ذكيا، قال: أو ليس الذكي مما ذكي بالحديد؟ قال: نعم(٣) إذا كان مما يؤكل لحمه، قلت: وما يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لابأس بالسنجاب فإنه دابة لاتأكل اللحم، وليس هو مما نهى عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب(٤) . وفي رواية محمد بن إسماعيل بإسناده يرفعه إلى أبي عبداللهعليه‌السلام قال: لاتجوز الصلاة في شعر ووبر ما لايؤكل لحمه، لان أكثرها مسوخ(٥) .

وفي الباب روايات اخر صريحة الدلالة في المنع عن الصلاة فيما لايؤكل لحمه إلا أنها واردة في موارد خاصة كالثعلب والاررنب والسمور وأمثال ذلك، وفيما ذكرناه غنى وكفاية.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ فيما هو المستفاد منها، فنقول: مقتضى رواية ابن بكير(٦) هو عموم المنع عن كل ما لايؤكل لحمه، ويستفاد

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٦.

(٣) وفي بعض النسخ " وما يؤكل لحمه من غير الغنم " بإسقاط كلمة (لا) " منه ". راجع الكافي: ج ٣ ص ٣٩٧، ح٣.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٥) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٧.

(٦) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


منها الملازمة بين غير المأكول وفساد الصلاة، كما أنه يستفاد منها الملازمة بين المأكول والصحة، فهذه الرواية بنفسها تدل على كبرى كلية، وهي صحيحة السند ومعمول بها عند الاصحاب، وإن كان إبن أبي بكير في نفسه ملعونا، كما يظهر من سوء تعبيره في الرواية بقوله " زعم أنه إملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله " هذا، مع ما ذكر في حالاته من الذم، وعلى أي حال كونه مذموما في نفسه لايضر بصحة روايته، فلا إشكال من هذه الجهة، كما لاإشكال في دلالتها على الكبرى الكلية.

نعم مقتضى التعليل في ذيل رواية إبن أبي حمزة(١) هو عدم المنع في خصوص ما إذا لم يكن آكل اللحم ولم يكن له ناب ومخلب، فمقتضى القاعدة لو لم يكن في المقام شئ آخر هو تخصيص الكبرى الكلية المستفاد من رواية إبن بكير بما في ذيل رواية إبن أبي حمزة.

ولكن مقتضى التعليل الوارد في ذيل رواية محمد بن إسماعيل(٢) وهو قولهعليه‌السلام " لان أكثرها مسوخ" هو عموم المنع أيضا(٣) فالحري هو ملاحظة النبسة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٧.

(٣) وقد أفاد شيخنا الاستاذ مد ظله أن النسبة بين التعليلين إنما هي بالاعم الاخص المطلق، وان قولهعليه‌السلام " لان اكثرها مسوخ " أخص من قولهعليه‌السلام " لانه لايأكل اللحم ". وتقريبه هو أن قولهعليه‌السلام " لانه لايأكل اللحم " قد اشتمل على عقد إيجابي وهو جواز الصلاة فيما لايأكل اللحم، وعقد سلبي وهو عدم جواز الصلاة فيما يأكل اللحم، والنسبة إنما تلاحظ بين كلا العقدين من الايجابي والسلبي مع قوله لان أكثرها مسوخ ". وحينئذ يكون قولهعليه‌السلام " لان أكثرها مسوخ " أخص مطلقا من التعليل الآخر، لان العقد الايجابي والسلبي يعم جميع أصناف الحيوانات، بداهة أنه كل حيوان في الدنيا إما أن يكون آكل اللحم وإما أن لايكون، فكل حيوان لابد وأن يكون داخلا في أحد العقدين، وهذا بخلاف قوله " لان أكثرها مسوخ " فإنه مختص بصنف خاص من الحيوان وهو ما كان مسوخا، وحينئذ يكون دلالة قولهعليه‌السلام " لان أكثرها مسوخ " على مانعية الحيوان المسوخ وإن لم يكن أكل اللحم أظهر لاخصيته، ويخرج قولهعليه‌السلام " لانه لايأكل اللحم " عن العلية. ثم على تقدير كون النسبة بين التعليلين بالعموم من الوجه لابد أيضا من أنه بكلا العلتين، وذلك لانه لو قصرنا االمانعية بخصوص آكل اللحم وما كان له ناب أو مخلب يلزم أن يبقى قولهعليه‌السلام " لان أكثرها مسوخ " بلامورد، ذلك لان المسوخ إما آكل اللحم وإما غير آكل، فإن كان آكل اللحم فمانعيته عن الصلاة انما يكون من جهة آكليته للحم، بمقتضى مفهوم قولهعليه‌السلام " لانه لايأكل اللحم " لامن جهة مسوخيته، إذا المسوخية مع كونه آكل اللحم مما [ لا ] أثرلها، وإذا خرج هذا القسم من المسوخ عن قوله " لان اكثرها مسوخ " فلايبقى له إلا مورد واحد وهو المسوخ الغير الآكل، فلوخص المانعية بخصوص الآكل قولهعليه‌السلام " لان أكثرها مسوخ " عن العلية ويبقى بلا مورد وهذا مما لايجوز، لان كل عام بالنسبة إلى بعض موارده نص في الجملة، فتأمل.

ثم إن هذا كله على تقدير اشتمال الرواية على كلمة " لا " وأما بناء على مافي بعض نسخ الصحاح من سقوط كلمة " لا " فيكون التعليل حينئذ أجنبيا عن المقام كما لايخفى وجهه على المتأمل، فتأمل جيدا. " منه ". [ * ]


بين التعليلين وما يستفاد منهما. والظاهر أن تكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، فإن مقتضى التعليل في رواية إبن أبي حمزة(١) هو علية عدم آكل اللحم ولم يكن له ناب ومخلب للجواز سواء كان من المسوخ أو لم يكن، ومقتضى التعليل في رواية محمد بن إسماعيل(٢) هي علية المسوخ سواء كان ذي ناب ومخلب أو لم يكن، فيقع التعارض بينهما في المسوخ الذي لم يكن له ناب ومخلب، فإن مقتضى التعليل في رواية إبن أبي حمزة هو جواز الصلاة فيه، ومقتضى التعليل في رواية محمد بن إسماعيل هو عدم جواز الصلاة فيه، هذا.

ولكن من المعلوم أن دلالة ذيل رواية إبن أبي حمزة على انحصار علة المنع في آكل اللحم مما كان له ناب ومخلب إنما هو بالاطلاق، إذ ليست العلية بنفسها موضوعة للعلة المنحصرة، بل الانحصار إنما يستفاد من الاطلاق من الاطلاق وعدم ذكر علة اخرى، وهذا بخلاف دلالة ذيل رواية محمد بن إسماعيل، فإنها تدل على علية

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٧. [ * ]


المسوخية بالنصوصية، فلابد من رفع اليد عن إطلاق ما في رواية إبن أبي حمزة وعدم دلالته على الانحصار. فيتحصل من مجموع الذيلين علية كل من المسوخية وكون الحيوان ذي ناب ومخلب للمنع وعدم جواز الصلاة في شئ منها.

وإذا ثبت المنع عن المسوخ وإن لم يكن ذي ناب ومخلب فيثبت في غير المسوخ أيضا مما حرم أكله، لان قولهعليه‌السلام " لان أكثرها مسوخ " علة لعموم المنع، وأن المنع عن غير المأكول بجميع اقسامه إنما هو من جهة أكثرية المسوخ فيها، فمقتضى هذا التعليل هو عموم المنع لكل ما لايؤكل.

مع أن الظاهر أن يكون قولهعليه‌السلام " لان أكثرها مسوخ " علة للتشريع لاعلة للحكم، ومن المعلوم أن الحكم في باب علل التشريع لايدور مدارها بل يطرد ولو في غير موردها، وعليه يرتفع التعارض بين العلتين أيضا، فإن التعليل في ذيل رواية ابن أبي حمزة(١) إنما يكون علة للحكم، وفي ذيل رواية محمد بن إسماعيل(٢) إنما يكون علة للتشريع.

الامر الثاني: بعد ماثبت عموم المنع عن كل حيوان غير مأكول اللحم سواء في ذلك السباع وغيره، فهل يختص المنع بخصوص ما إذا كان له نفس سائلة كما استظهرنا ذلك في مانعية الميتة، أو يعم المنع لكل حيوان وإن لم يكن له نفس سائلة؟ مقتضى إطلاقات أدلة الباب هو عموم المنع لكل حيوان.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٧. [ * ]


ولايقاس المقام بما تقدم في الميتة، فإن في باب الميتة حيث إن مادل على المنع عنها إنما كان غالبا جوابا عما فرضه السائل من الجلود والفراء وغيره، ولم يعهد أخذ مثل ذلك مما لانفس له، فكان المنع عنها منصرفا إلى ذلك، لان نجاسة الميتة هي التي كانت مرتكزة في الاذهان، وذلك هو الذي أوجب السؤال عن المشكوك أخذه من الميتة، فالمنع عن الميتة مقصور بالميتة النجسة وهي التي تكون لها نفس سائلة.

وهذا بخلاف المقام فإن قولهعليه‌السلام في صحيح ابن بكير " إن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله(١) .. إلخ " عام يشمل كل حيوان محرم الاكل وإن لم يكن له نفس سائلة، وكذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي في وصيته " لاتصل في جلد مالايشرب لبه ولايؤكل لحمه "(٢) يعم كل حيوان.

ودعوى انصراف ذلك إلى خصوص ما كان له نفس سائلة مما لاشاهد عليها، خصوصا في قوله " كل شئ حرام أكله " كما في الصحيحة، فإن لفظة " كل " موضوعة للعموم فيعم جميع أصناف الحيوانات.

فإن قلت: نعم وإن كان لفظة " كل " عام للجميع إلا أن قولهعليه‌السلام في ذيل الصحيحة " ذكاه الذابح أو لم يذكه " يوجب تخصيص ذلك العموم بما إذا كان تذكيته بالذبح، وذلك مقصور بما إذا كان للحيوان نفس سائلة، بداهة أن تذكية مالانفس له ليس بالذبح.

قلت: ذلك لايصلح للتخصيص، فإن المقسم في قولهعليه‌السلام " ذكاه الذابح أو لم يذكه " هو الحيوان القابل للتذكية بالذبح وعدمه، فما لانفس له

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٦. [ * ]


خارج عن المقسم وغير متعرض له في هذا التقسيم، إلا أن ذلك لايوجب خروجه عن عموم قولهعليه‌السلام " وكل شئ حرام أكله ".

مع أنه يمكن أن يقال: إن الذبح في الرواية إنما يكون كناية عن مطلق ما يتحقق به التذكية لاخصوص فري الاوداج، وإنما كان التعبير بالذبح لان غالب ما يتحقق به التذكية هو الذبح، وحينئذ يصير المعنى أن كل ما حرم أكله فالصلاة فيه فاسدة سواء ذكي بما يذكى به أو لم يذك وحينئذ يعم ما لانفس له لان مالانفس له له تذكية، غايته أن تذكيته ليس بالذبح بل بالخروج من الماء مثلا كما في السمك.

والحاصل: أن مقتضى العموم هو عموم المنع لكل حيوان. ويؤيد ذلك بل يدل عليه استثناء خصوص الخز مع كونه مما لانفس له، بناء على ما ذكره الشهيدقدس‌سره من أن الحيوانات البحرية كلها مما لانفس لها إلا التمساح، وحينئذ يكون استثناء الخز مع كونه بحريا لانفس له دليلا على عموم المنع لكل حيوان، فتأمل جيدا.

نعم لايعم ما كان غير قابل للاكل لعدم لحم فيه كالقمل والبراغيث والزنبور وأمثال ذلك، فإن الموضوع في غالب الادلة هو ما لايؤكل لحمه، فما لالحم له خارج عنها، وما في بعض الادلة من التعبير بحرمة الاكل كما في صحيح إبن بكير(١) فالمراد منه أيضا ما حرم أكل لحمه لانصرافه إلى ذلك، بل ربما يستدل على الجواز بالسيرة القطعية وغير ذلك كما لايخفى على المتتبع، فالظاهر خروج مالا لحم له عن عنوان الادلة. كما أن الظاهر خروج الانسان عنه أيضا لانصرافه إلى غير الانسان، فلا بأس بالصلاة مصاحبا لشعر الانسان وريقه، ويدل على ذلك ما في الصحيح كتبت إلى

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


أبي الحسنعليه‌السلام هل يجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعرالانسان وأظفاره من قبل أن ينفضه ويلقيه عنه؟ فوقع بالجواز(١) . وكذلك يدل على ذلك ما ورد من جواز وصل المرأة شعر غيرها بشعرها. فالاقوى أن الانسان خارج عن عنوان الادلة، وعليه لو فرض نسج ثوب من شعر الانسان فلابأس بلبسه والصلاة فيه. ثم إن في عموم المنع لما كان محرم الاكل بالعارض كالموطوء والجلال يأتي الاشارة إليه.

هذا كله في الحيوان الذي يتخذ منه اللباس وغيره، وقد عرفت مقدار المانعية من حيث عموم الحكم لكل حيوان محرم الاكل وعدم العموم. بقي الكلام في مقدار المانعية من حيث مايتخذ من الحيوان من اللباس وغيره فنقول: لاإشكال في عموم المنع لكل لباس تتم الصلاة فيه سواء كان ساترا أو لم يكن، فلو كانت جبته الملبوسة فوق الساتر متخذة من غير المأكول فالصلاة فيها فاسدة.

وبالجملة: لا كلام في عموم الحكم ما تتم الصلاة فيه، إنما الكلام في عموم الحكم لما لاتتم الصلاة فيه كالتكة والجورب والقلنسوة.

ومقتضى صحيحة إبن بكير(٢) هو عموم المنع لذلك أيضا، فإن قولهعليه‌السلام " وكل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره.. إلخ " بإطلاقه شامل لما لاتتم الصلاة فيه بعد صدق كونه صلى فيه.

مضافا إلى ماورد في خصوص الجورب والتكة من المنع إذا كانت من وبر

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٧٧ باب ١٨ من أبواب لباس المصلي، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


إبن بكير على مالايتأتي فيه الظرفية الحقيقية من ذكر الروث واللبن، بداهة أن الروث واللبن سواء كان في ثوب المصلي أو بدنه لايكون إلا كون الصلاة معه لافيه، مع أن الامامعليه‌السلام جعل مساق الروث واللبن مساق اللباس وعبر في الجميع بكلمة " في ".

ومن هنا التجأ بعض الاعلام إلى جعل كلمة " في " بمعنى المصاحبة والمعية، وعلى ذلك بنى عدم جواز الصلاة في الشعر الملقاة وفي المحمول ورده في الجواهر(١) بما حاصله: أن مجرد ثبوت الروث واللبن في الرواية لايوجب رفع اليد عما يقتضيه ظاهر كلمة " في " من الظرفية وجعلها بمعنى " مع " في جميع ما ذكر في الرواية من الوبر والشعر والجلد، إذ جعل كلمة " في " بمعنى " مع " في مثل هذه الامور بلاموجب، لامكان تحقق معنى الظرفية فيها كالصلاة في الثوب المعمول من الوبر أو الشعر أو الجلد، غايته أن في خصوص الروث واللبن لابد من التصرف بعد عدم إمكان إبقاء كلمة " في " بمعناها من الظرفية فيهما لعدم تحقق معنى الظرفية في ذلك.

والتصرف كما يكون بجعل كلمة " في " بمعنى " مع " كذلك يمكن أن يكون المراد من الصلاة في اللبن والروث الصلاة في الثوب المتلطخ بهما، فتكون كلمة " في " بمعناها من الظرفية في جميع ماذكر في الرواية، غايته أن في خصوص اللبن والروث يحتاج إلى تجوز في الكلام، ومن هنا استشكل في الجواهر(٢) في مانعية الشعر الملقاة وفي المحمول، لعدم شمول الادلة لهما بعد عدم جريان الظرفية فيهما، هذا.

ولكن الانصاف أنه لايمكن المساعدة على ما في الجواهر(٣) من إبقاء كلمة

____________________

(١) و (٣) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٧٧.

(٢) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٧٩. [ * ]


الارانب، كما في خبر علي بن مهزيار كتب إليه إبراهيم بن عقبة عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الارانب، فهل تجوز الصلاة في وبر الارانب من غير ضرورة ولاتقية؟ فكتب: لاتجوز الصلاة فيها(١) . ومن العموم أنه لافرق بين وبر الارانب وغيرها ولابين التكة والقلنسوة، فالاقوى عموم المنع.

وما في خبر إبن عبدالجبار(٢) من جواز الصلاة في القلنسوة والتكة إذا كانت من وبر الارانب فلابد من حمله على التقية أو طرحه، لعدم مقاومته للادلة الدالة بالاطلاق وبالخصوص على عموم المنع.

بل ذكر شيخنا الاستاذ مدظله أن في نفس خبر إبن عبدالجبار ما يظهر منه أن الحكم كان لاجل التقية، فإن فيه قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام هل يصلي في قلنسوة عليها وبر ما لايؤكل لحمه أو تكة حرير أو تكة من وبر الارانب؟ فكتبعليه‌السلام : لاتجوز الصلاة في الحرير المحض وإن كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه. فإن نسبة التذكية إلى نفس الوبر يشعر(٣) بالتقية، فتأمل فإن في الاشعار مالا يخفى، وعلى أي حال الاقوى ما عليه المعظم من عموم الحكم.

بقي الكلام في الشعر الملقاة على لباس المصلي أو بدنه وفي حكم المحمول. أما الشعر الملقاة فالظاهر أيضا عدم جواز الصلاة معها، وذلك لان كلمة " في " الواقعة في أخبار الباب وإن كانت ظاهرة في الظرفية على نحو تكون الصلاة واقعة في الشئ نحو ثبوت الشئ في المكان أو الزمان، وهذا المعنى من الظرفية مفقود في الشعر الملقاة على الثوب أوالبدن، لعدم كون الصلاة واقعة فيه بل معه، إلا أنه لابد من رفع اليد عما يقتضيه الظاهر الاولي من الظرفية، من جهة اشتمال موثقة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٨ باب ٧ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٧٣ باب ١٤ من أبواب لباس المصلي، ح ٤.

(٣) لان الوبر ليس مما تحله الحياة حتى يعتبر فيه التذكية " منه ". [ * ]


" في " في غير الروث واللبن على معناها الاولي من الظرفية الحقيقية، والتجوز في خصوص اللبن والروث بعد ما ذكر الجميع في الرواية على مساق واحد، كما لايمكن المساعدة على ما أفاده بعض الاعلام من جعل كلمة " في " بمعنى " مع " لانه خروج عما تقتضيه كلمة " في " بلاموجب.

فالاولى إبقاء كلمة " في " على معناها من الظرفية، ولكن ذكر الروث واللبن في الرواية يكون قرينة على أن المراد من الظرفية ليس هو معناها الاولي الظاهر من كلمة " في " من ثبوت الشئ في المكان أو الزمان، بل المراد منها معنى أوسع من ذلك بحيث يشمل مثل اللبن والروث الواقع على بدن المصلي أو لباسه ويصدق أنه صلى فيهما ولو بنحو من التوسعة في الظرفية.

وهذا المعنى من التوسعة موجود في الشعر الملقاة على لباس المصلي بل على بدنه، بل وكذا المحمول إذا كان مع المصلي بلاواسطة وعاء كما إذا كان في جيب المصلي، وأما لو كان في وعاء كما إذا فرض جعل بعض أجزاء مالايؤكل لحمه في قارورة أو وعاء آخر وكانت القارورة مع المصلي فصدق الظرفية على مثل هذا المحمول مشكل.

وحاصل الكلام: أن أدلة الباب وإن اشتملت على كلمة " في " الظاهرة في الظرفية إلا أنه لامحيص عن القول بالتوسعة في الظرفية على نحو يعم الشعر الملقاة على اللباس والبدن والمحمول بلا واسطة، فإن في الجميع يصح إطلاق (الصلاة فيه) بنحو من التسامح والتوسعة، والشاهد على ذلك إطلاق الظرفية في مثل الروث واللبن الذي لايكون ذلك إلا بعد التوسعة في معنى الظرفية.

نعم في المحمول مع الواسطة جميع مراتب الظرفية مفقود، وإنما الظرفية تكون في الوعاء المشتمل على المحمول، فيقال: صلى في قارورة فيها عظم ما لايؤكل مثلا، ولايقال: صلى في عظم ما لايؤكل، وهذا بخلاف ما إذا كان العظم مع


المصلي بلاواسطة لصدق الظرفية فيه، وصح أن يقال: صلى في عظم مالايؤكل، هذا حاصل ما أفاده شيخنا الاستاذ مدظله في هذا المقام فتأمل فيه فإنه لايخلو عن تأمل خصوصا في التفرقة بين قسمي المحمول. وعلى كل حال الظاهر عموم المنع للشعر الملقاة على لباس المصلي لصدق الظرفية على مثل ذلك كما تقدم فيشمله الاطلاقات، مضافا إلى خصوص خبر الهمداني كتب إليه: يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لايؤكل لحمه من غير تقية ولاضرورة فكتب: لاتجوز الصلاة فيه(١) . وتضعيف الجواهر(٢) سنده مما لاوجه له بعد ما كان معمولا به.

فإن قلت: إن ذلك معارض بما في رواية إبن عبدالجبار(٣) المتقدمة، فإن قولهعليه‌السلام فيها " وإن كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه " جوابا عما سأله السائل من التكة المعمولة من وبر الارانب ومن القلنسوة التي عليها وبر ما لايؤكل، والمعلوم أنه لافرق بين الوبر الملقى على القلنسوة وبين الوبر الملقى على الثوب كمعلومية عدم الفرق بين الوبر والشعر فيكون معارضا لرواية الهمداني.

قلت: رواية إبن عبدالجبار قد اشتملت على جزء‌ين (أحدهما) جواز الصلاة في القلنسوة الملقى عليها وبر ما لايؤكل لحمه (وثانيهما) جوار الصلاة في التكة المعمولة من وبر الارانب.

وكل من الجزء‌ين له معارض بعد إلقاء الخصوصية عن القلنسوة والوبر.

أما الجزء الاول فهو معارض برواية الهمداني حيث دلت على المنع عن الصلاة في الشعر الملقاة.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٤.

(٢) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٧٨.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٧٣ باب ١٤ من أبواب لباس المصلي، ح ٤. [ * ]


وأما الجزء الثاني فهو معارض برواية إبن مهزيار(١) المتقدمة، حيث دلت على المنع عن الصلاة في التكك المعمولة من وبر الارانب، فيكون المقام نظير العام المخصص بمخصصين المستوعبين لافراد العام، ويدور الامربين الاخذ بالعام وطرح المخصصين أو الاخذ بالمخصصين وطرح العام، والمتعين في المقام هو طرح العام، لما تقدم من عدم عمل المعظم برواية إبن عبدالجبار(٢) ، مع أن فيها شائبة التقية فتأمل جدا.

بقي الكلام في حكم ما استثناه المعظم من جواز الصلاة في الخز والسنجاب. أما السنجاب فقد نسب إلى المشهور استثناؤه لدلالة جملة من الاخبار على جواز الصلاة فيه المعللة بعضها بأنه لايأكل اللحم(٣) . بل ربما يظهر من بعض الاخبار حلية أكل لحمه أيضا، كما في رواية ابن أبي حمزة(٤) بناء على بعض النسخ من إسقاط كلمة " لا " على ما تقدم، لكن الظاهر عدم ثبوت قول معتد به بين الاصحاب في حلية لحمه وإن قالوا بجواز الصلاة فيه. ولكن مع ذلك أشكل شيخنا الاستاذ مذ ظله تبعا لبعض الاصحاب في جواز الصلاة فيه، نظرا إلى ورود بعض الاخبار(٥) في المنع عنه، وعدم ثبوت شهر القدماء التي تكون هي العبرة في كسر الاخبار وجبرها في العمل بأخبار المجوزة، مع احتمال التقية فيها، فتأمل جيدا.

وأما الخز فالظاهر قيام الاجماع على استثنائه وبرا على ما هو المحكي، وإن نقل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٨ باب ٧ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٧٣ باب ١٤ من أبواب لباس المصلي، ح ٤.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٢ و ٣.

(٤) راجع ص ٢٢٠ من هذا الكتاب.

(٥) مستدرك الوسائل: ج ١ ص ٢٠١ باب ٤ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


الخلاف بالنسبة إلى جلده ولكن خلاف ضعيف لايعتد به، فالاقوى جواز الصلاة في وبره وجلده لدلالة جملة من الاخبار(١) على ذلك من غير معارض.

نعم قال شيخنا الاستاذ مد ظلحه إن الظاهر كون هذا الخز المعروف في هذا الزمان غير الخز الذي كان يعمل منه الالبسة في عصر الائمةعليهم‌السلام وما تأخر عنه إلى ما قبل زمان الشهيدرحمه‌الله فإن الخز الذي كان في ذلك العصر كان ينسج من وبره الالبسة الفاخرة التي كانت تباع بأغلى القيم، وهذا الخز المعروف في هذا الزمان مما لايمكن أن يعمل من نفس وبره منفصلا عن جلده شئ أصلا وما في الجواهر(٢) من التمسك على اتحاد هذا الخز للخز السابق بأصالة عدم النقل منظور فيه، لانه إن اريد من أصالة العدم أصالة عدم نقل معنى ذلك الخز الذي كان في السابق فهو مما لايثبت كون هذا الخز الموجود في هذا الزمان هو ذلك الخز، وإن اريد من أصالة عدم النقل على نحو القهقراء فهو ليس بحجة عندنا.

وبناء على هذا يشكل الصلاة في هذا الخز إن ثبت كونه من محرم الاكل، وإلا فالجواز مبني على الجواز في المشكوك كما لايخفى. ثم إنه يعتبر في الخز بناء على جواز الصلاة فيه أن يكون خالصا، فلايجوز في المغشوش منه بوبر الارانب والثعالب وغير ذلك مما لايجوز الصلاة فيه منفردا.

نعم في تعيين معنى الخلوص وأنه هل هو عبارة عن عدم خلطه بشئ مطلقا ولو كان الغش قليلا جدا بحيث لايراه العرف غشا، أو أنه ليس الامر كذلك فلابأس بالغش القليل الذي لايراه العرف غشا، وجهان مبنيان على أن الخلوص هل هو عند العرف معنى يجامع الغش القليل جدا بحيث لاينافي ذلك مع ما هو حقيقة المرتكز في ذهن العرف، نظير مفهوم الماء الصادق حقيقة بماله

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٦٠ باب ٨ من أبواب لباس المصلي

(٢) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٩١. [ * ]


من المعنى على الماء المغشوش بقليل من التراب، أو أن الخلوص هو عبارة عن الخلوص الحقيقي بمعناه الساذج الخالص من كل شئ، وأن إطلاق العرف الخالص على ما كان الغش قليلا من باب التسامح من حيث إن الغش لايراه غشا، نظير الزيادة والنقيصة القليلة في التحديدات كالكر مثلا.

فإن كان الخلوص هو المعنى الاول فلاينافيه الغش القليل، وإن كان المعنى الثاني فالغش القليل ينافيه، وأنه لاعبرة بتسامح العرف وإطلاق الخالص عليه، كما لاعبرة بإطلاق الكر على مانقص منه قليلا، وحيث قلنا بأن هذا الخز غير الخز المستثنى في الاخبار فلاطائل في تنقيح معنى الخلوص وأن أي المعنيين صحيح، فإنه لاموضوع لهذا البحث حينئذ فتأمل جيدا.

ثم إنه ربما استثنى بعض تبعا لبعض الاخبار(١) الحواصل والسمور والفنك، ولكن الظاهر ذهاب المشهور على خلافه ومعارضة أخبار المجوزة لصراحة جملة من الاخبار الدالة على المنع، فلابد من حمل أخبار الجواز على التقية.

الامر الثالث: في تحقيق الحال في شرطية المأكولية أو مانعية غير المأكولية، وينبغي أولا من تمهيد مقدمة ربما يظهر منها فساد بعض ما قيل في المقام، وهي أنه قد حقق في محله من أن الشرطية والجزئية والمانعية والسببية غير قابلة لان تنالها بأنفسها يد الجعل، سواء في ذلك شرطية التكليف أو شرطية المكلف به(٢) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٤ باب ٤ من ابواب لباس المصلي.

(٢) وكذلك شرطية الوضع كما في باب العقود والايقاعات، وكذلك في باب الطهارة والنجاسة وأمثال ذلك، وبالجملة: المدعى هو أن الشرطية والجزئية والمانعية والسببية غير قابلة للجعل في أي باب من الابواب، سواء كان في باب التكليف أو في باب المتعلق والمكلف به أو في باب الوضع، لان ملاك استحالة الجعل في الجميع واحد كما لايخفى وجهه، فتأمل جيدا " منه ". [ * ]


والسرفي ذلك واضح، فإن ما هو فعل الآمر والصادر عنه في مقام التشريع ليس إلا تصور عدة امور تكون موافقة لغرضه وقيام المصلحة بها، وبعد ذلك يجمعها في قالب الطلب وينشئها على طبق ما تصوره، فعند ذلك ينتزع من القيود الوجودية الجزئية والشرطية على اختلاف بينهما في كيفية الاعتبار من جعل الشئ داخلا في الماهية بحيث يتألف منه ومن غيره المركب فيكون جزء، ومن جعله خارجا عنها على نحو التقيد داخل والقيد خارج فيكون شرطا، وينتزع من القيود العدمية المانعية، وإلا فنفس الشرطية والمانعية والجزئية ليس لها ما بحذاء في وعاء، وليس لها ثبوت وتحقق لافي عالم التكوين ولافي عالم الاعتبار والتشريع.

بل تكون الشرطية وأخواتها أسوأ حالا من وجوب والمقدمة اللازم من وجوب ذيها، فإن وجوب المقدمة أمر ثابت في عالم الاعتبار ومتصور في عالم التشريع وتتعلق بها إرادة آمرية، غاية الامر إرادة تبعية تترشح من إرادة ذيها وخطابها لازم خطاب ذيها، وهذا بخلاف الشرطية وما شابهها فإنها امور انتزاعية صرفة غير متأصلة في عالم الاعتبار، وغير متعلقة لارادة أصلا ولو بإرادة تبعية، وليس لها نحو ثبوت وتحقق لافي عالم التصور السابق على الجعل ولا في عالم الجعل والانشاء، لما عرفت من أن الثابت في عالم التصور ليس إلا لحاظ امور متعددة متباينة يجمعها قيام المصلحة بها وموافقتها للغرض، ثم بعد ذلك. يجعلها في معرض الانشاء وقالب الطلب.

ففي عالم التصور لم يتصور إلا ذات الشرط والجزء من حيث دخله في الغرض ونفس المانع من حيث منعه عنه، لاشرطية الشرط وجزئية الجزء ومانعية المانع، فانها لم يقع التصور عليها ولم تدخل في عالم اللحاظ، بل المتصور والملحوظ هو


ذوات هذه الاشياء، وعند ذلك تنتزع الشرطية والجزئية والمانعية عن المتصور، ففي عالم التصور ليس لهذه الاشياء ما بحذاء ولم يكن لها تحقق، فإذا لم يكن لها في عالم التصور نحو ثبوت وتحقق ففي عالم الجعل والانشاء تكون أيضا كذلك، بداهة أن الجعل والانشاء إنما يكون على طبق المتصور، ولايعقل أن يتحقق في عالم الجعل شئ ليس له تحقق في عالم التصور، ففي عالم الجعل أيضا ليس للشرطية وأخواتها نحو ثبوت وتحقق فلايتعلق بها جعل، بل لو فرض أن بعد الجعل ألف مرة قال: جعلت هذا الشئ جزء للمجعول أو شرطا له فهو غير قابل لان يصير جزء أو شرطا له إلا بالنسخ وتغيير المجعول عما جعل، وذلك واضح إلى النهاية فلا حاجة إلى إطالة الكلام فيه.

ثم إنه قد عرفت أن منشأ انتزاع الشرطية غير منشأ انتزاع المانعية، فإن منشأ انتزاع الشرطية إنما هو تعلق الطلب بالخصوصية الوجودية التي لها دخل في تحقق الملاك، وهذا بخلاف منشأ انتزاع المانعية فإنه ليس هو إلا عبارة عن اعتبار عدمه في المتعلق من جهة مضادة وجوده لتحقق الملاك.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في إمكان الجمع في الجعل بين ما هو منشأ انتزاع شرطية أحد الضدين ومانعية الآخر، بحيث يكون وجود أحد الضدين شرطا والآخر مانعا، فنقول: الظاهر عدم إمكان ذلك، وأنه من المستحيل أن يكون لوجود أحد الضدين دخل في الملاك والمصلحة مع مانعية الضد الآخر عن تحقق الملاك، وكذلك من المستحيل أيضا جعل أحد الضدين شرطا والآخر مانعا، وكذلك من المستحيل أيضا ثبوت أثر وتحقق فائدة في الجمع بين شرطية أحدهما ومانعية الآخر، فالجمع بينهما من المستحيل في جميع هذه العوالم الثلاثة من عالم الملاك والجعل والاثر.

وتفصيل ذلك هو أنه لاإشكال في تقدم رتبة الشرط على وجود المانع كتقدم


رتبة المقتضي على وجود الشرط، فإن المانع هو الذي يزاحم المقتضي في تأثيره ويصادم أثره، فرتبة وجود المانع متأخر عن وجود المقتضي، إذ مع عدم المقتضي لامعنى لمانعية المانع وكان وجوده كعدمه، ولايستند عدم الشئ إلى وجود المانع بل يستند إلى عدم وجود مقتضيه، لان انتفاء الشئ إنما يكون بانتفاء أول جزء علته وليس هو إلا المقتضي، فمع عدم المقتضي لامعنى لاطلاق المانع على الشئ كما يشاهد ذلك بالوجدان، فإن مع عدم وجود النار في المكان المقتضية للاحراق لايصح إطلاق المانع على البلل الموجود في المكان إلا على نحو التعليق والاشتراط، وذلك بمكان من الوضوح لاحاجة إلى إطالة الكلام فيه.

فإذا ثبت تأخر رتبة وجود المانع عن وجود المقتضي فلا محالة يكون رتبة وجوده متأخرا عن رتبة وجود ما هو شرط لتأثير المقتضي، لما عرفت من أن المانع هو ما صادم تأثير المقتضي وزاحم رشحه وإفاضته الوجود لمعلوله، فلابد أولامن وجود المقتضي بماله من الشرائط المعتبرة في تأثيره حتى تصل النوبة إلى المانع، وإلا فمع عدم وجود الشرط لايستند عدم الشئ إلا إلى عدم شرطه لاعلى وجود مانعه، فإن المانع كان أو لم يكن وجوده وعدمه سيأن بعد عدم وجود ما هو الشرط لتأثير المقتضي، كما هو واضح أيضا إلى الغاية.

وإذا ظهر تأخر رتبة وجود المانع عن رتبة وجود الشرط فلا محالة يكون رتبة عدم المانع متأخرا أيضا عن وجود الشرط، لان عدم المانع هو القيد الاخير لوجود العلة التامة المستتبعة لوجود المعلول، فلا محالة يكون متأخرا في الرتبة عن وجود المقتضي والشرط كما لايخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول: بعد ما كان الشرط في العلل التكوينية مقدما في الرتبة عن المانع، كان الشرط الشرعي من حيث دخله في الملاك وكشفه عن المصلحة بناء على اصول العدلية مقدما في الرتبة عن دخل عدم المانع في الملاك


وما هو مصلحة الحكم، وذلك لان دخل الشروط وعدم الموانع الشرعية في الملاكات إنما هو من الامور الواقعية التكوينية، ولايكون ذلك بتصرف شرعي وجعل مولوي، بداهة أن مدخلية شئ في الملاك وتسبب الملاك عنه أو عدم التسبب من الامور الواقعية التكوينية وقد كشف الشارع عنه.

فإذا كان مدخلية الشروط وعدم الموانع الشرعية في الملاكات من الامور الواقعية التكوينية، كان من المستحيل أن يكون لوجود أحد الضدين دخل في تحقق الملاك وشرط لثبوته، مع مدخلية عدم الضد الآخر في ثبوت الملاك أيضا بحيث يكون وجوده مانعا، بداهة أنه عند وجوده لايكون عدم الملاك مستندا إليه حتى يكون مانعا، لان وجوده مساوق لعدم الضد الآخر لاستحالة اجتماع الضدين في الوجود، فإذا ساوق وجوده لعدم الآخر المفروض شرطيته في الملاك كان عدم الملاك مستندا إلى عدم شرطه لا إلى وجود هذا الضد المفروض مانعيته، لما تقدم من تقدم رتبة الشرط على وجود المانع، فاذا لم يكن عدم الملاك مستندا إلى وجوده لم يكن لعدمه دخل في الملاك وهو المطلوب.

وحاصل الكلام: أنه حيث كان وجود أحد الضدين دائما مساوقا لعدم الآخر فلا يعقل أن يكون وجود أحد الضدين شرطا في تحقق الملاك مع كون الضد الآخر مانعا عنه، لانه عند وجود الضد المفروض كونه مانعا لايكون عدم تحقق الملاك من أجل وجوده ومستندا إليه، بل يكون من أجل انعدام الضد الآخر الذي يكون وجوده شرطا في الملاك، السابق وجوده في الرتبة عن وجود المانع كما تقدم، فلا يصح أن يكون وجود هذا الضد مانعا، فلايكون لعدمه دخل في الملاك كمالايخفى.

فظهر استحالة اجتماع شرطية أحد الضدين مع مانعية الآخر في الملاك والمصلحة عليها الاحكام.

وأما استحالة اجتماعهما في الجعل فمضافا إلى لزوم خلو أحد الجعلين عن


الملاك، وهو مناف للاصول العدلية من تبعية الاحكام للملاكات، يلزم لغوية جعل المانع.

بل يكون من باب تحصيل الحاصل، لانه بنفس جعل أحد الضدين شرطا يكون الآخر مانعا، فهو منجعل قهرا لاستحالة اجتماع الضدين في الوجود، فلايعقل استقلال الجعل بالنسبة إلى كل منهما، لان جعل المانع بعد جعل شرطية أحد الضدين يكون من قبيل جعل ما هو حاصل، لما عرفت من أن مانعية الضد وتقيد المطلوب بعدمه لازم جعل شرطية الضد الآخر، وحيث كان وجود الشرط مقدما في الرتبة على وجود المانع كما تقدم فلا محالة يكون تصور الشرط في مقام الجعل مقدما على جعل المانع، فيكون رتبة جعل الشرط سابقة عن جعل المانع، وإذا كان الامر كذلك يكون جعل مانعية أحد الضدين بعد جعل شرطية الآخر تحصيلا للحاصل، لانه منجعل بنفس جعل شرطية الضد الآخر السابق في الرتبة عليه كمالايخفى.

وأما استحالة اجتماعهما في الاثر فهو أيضا أوضح من أن يخفى، لانه بعد جعل شرطية أحد الضدين لايعقل أن يترتب أثر عملي على جعل مانعية الآخر، لان وجود أحد الضدين دائما ملازم مع عدم الآخر، وعليه يكون الانبعاث عن الجعل المتكفل لشرطية أحد الضدين هو بنفسه انبعاثا عن إيجاد الضد الآخر المفروض مانعيته، كما أن عصيان خطاب الشرط يكون باتحاد ضده.

والحاصل: أنه لايترتب بعد جعل أحد الضدين شرطا أثر علمي من إطاعة وعصيان على جعل مانعية الضد الآخر، لان إطاعته وعصيانه إنما هو بإطاعة وعصيان الشرط السابق رتبة عليه، والاثر المترتب على الجعل ليس إلا الاطاعة والعصيان، فإذا انتفيا انتفى الجعل كما هو واضح.

وإذا ظهر لك استحالة الجمع بين شرطية أحد الضدين ومانعية الآخر ملاكا


وخطابا وأثرا بما لامزيد عليه، فلو قام هناك دليل على شرطية أحد الضدين، وقام دليل آخر على مانعية الضد الآخر، كان الدليلان متعارصين ولابد من إعمال باب المعارضة عليهما، فإن الضابط في باب التعارض هو التنافي وامتناع ثبوت مدلولي الدليلين في نفس الامر، سواء كان ذلك من أجل مناقضة نفس الدليلين كما في أكرم زيدا ولاتكرم زيدا، أو كان من أجل قيام الاجماع والضرورة على وحدة المجعول في الواقع، مع أن كلا من الدليلين متكفل لجعل مغاير لما تكفله الآخر من الجعل، كما في مسألة وجوب صلاة الظهر والجمعة، فإنه مع قطع النظر عن الاجماع الخارجي القائم على وحدة الفريضة في يوم الجمعة لم يكن بين الدليلين تعارض، بل كان اللازم الاخذ بكلا مدلوليهما من وجوب الظهر والجمعة، ولكن بعد قيام الاجماع على ذلك يعامل مع كل من الدليلين معاملة التعارض، أو كان من أجل استحالة أن تنالهما معا يد الجعل، كما فيما نحن فيه من شرطية أحد الضدين ومانعية الآخر، فإن في جميع هذه الاقسام الثلاثة يعامل مع الدليلين معاملة التعارض.

فظهر فساد ما ربما ينسب إلى بعض من عدم معاملة التعارض مع الدليلين الدال أحدهما على شرطية أحد الضدين والآخر على مانعية الضد الآخر، بل لابد من الاخذ بكل منهما. وجه الفساد واضح بعد ما عرفت من استحالة الجمع بينهما، وعليه لامحيص من معاملة التعارض مع مثل هذين الدليلين. إذا عرفت ذلك كله فلابد حينئذ من ملاحظة أدلة الباب، وما يستفاد منها من شرطية المأكولية للصلاة أو مانعية الغير المأكولية، فنقول: إن أخبار الباب على طوائف.

منها: ما تضمن النهي عن الصلاة في غير المأكول، وهي عدة من الاخبار ربما


تصل حد الاستفاضة، كما يظهر للناظر في أدلة الباب من الادلة العامة والخاصة الواردة في المنع عن الصلاة في مثل الثعالب والارانب والسمور والفنك وغيرها. وظهور هذه الطائفة في مانعية غير المأكول مما لايكاد يخفى، لما عرفت من أن منشأ انتزاع المانعية إنما هو النواهي الغيرية الدالة على تقيد المطلوب بعدم تخصصه بالخصوصية الكذائية من غير المأكول والحرير وأمثال ذلك.

ومنها: ما تضمن عدم جواز الصلاة في غير المأكول، كما في خبر الهمداني(١) المتقدم. وهذه الطائفة أيضا كسابقها في الدلالة على المانعية كما لايخفى، لان المراد من الجواز وعدم الجواز في أخبار الباب ليس هو الجواز وعدم الجواز التكليفي، بل المراد الوضعي منه المساوق لعدم ترتب الاثر وعدم المضي، في مقابل الجواز بمعنى المضي وترتب الاثر، وظاهر أن عدم ترتب الاثر وعدم المضي للصلاة الواقعة في غير المأكول إنما هو من جهة خروج الفرد المتخصص به عن صلاحية الانطباق على المطلوب، وليس ذلك إلا من جهة مانعية غير المأكول عن انطباق المتخصص به على المطلوب.

ومنها: ما دل على فساد الصلاة الواقعة في غير المأكول، وهي أيضا ظاهرة في المانعية، لان الفساد أيضا عبارة عن عدم انطباقه على المطلوب وهو معنى المانعية كما تقدم.

ومنها: بعض التعليلات الواردة في الباب من أكثرية المسوخ وآكلية اللحم، وهذا أيضا يدل على المانعية، لان التعليل بذلك يدل على أن المنع عن غير المأكول لملاك مسوخية الاكثر أو آكلية اللحم، فهو تعليل بما هو ملاك المنع.

وبالجملة: هذه الطوائف كلها يدل على المانعية، ولم نعثر في أدلة الباب على

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٤. [ * ]


ما يدل على الشرطية، سوى ما قيل من ظهور روايتي إبن أبي حمزة(١) وابن بكير(٢) في شرطية المأكول.

قال في الاولى: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام وأبا الحسنعليه‌السلام عن لباس الفراء والصلاة فيها، فقال: لاتصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا، قلت: أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ فقال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه، قلت: وما يؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لابأس بالسنجاب فإنه دابة لاتأكل اللحم، وليس هو مما نهى عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذا نهى عن كل ذي ناب ومخلب.

وفي نسخة: وما لايؤكل لحمه من غير الغنم؟ فقال: لابأس..(٣) إلخ.

وهذه الرواية قد استدل بها من قال بالشرطية، لكن الاستدلال بها على الشرطية يتوقف على أن يكون ما بعد " بلى " وهو قوله " إذا كان مما يؤكل لحمه " راجعا إلى صدر الرواية وهو قوله " إلا فيما كان منه ذكيا " ويكون قيدا له، فيصير المعنى حينئذ لاتصل إلا في الذكي مما يؤكل لحمه، ويستفاد منه الشرطية من جهة تعلق الطلب بأمر وجودي(٤) .

وأما لو كان ما بعد " بلى " من تتمة الجواب عن قول السائل " أوليس الذكي ما ذكي بالحديد " فتكون الرواية حينئذ أجنبية عن الدلالة على شرطية المأكول، لانه بناء على هذا يكون من قوله " قلت أو ليس الذكي ما ذكي.. إلخ " جملة مستأنفة مشتملة على سؤال وجواب أجنبي عن باب الصلاة، فكأن

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١.

(٣) التهذيب: ج ٢ ص ٢٠٣ باب ١١، ح ٧٩٧.

(٤) وهذا أيضا لايدل على شرطية المأكولية بقول مطلق، بل غايته أن يدل على شرطية المأكولية فيما يعتبر فيه التذكية كالجلد وغيره مما تحله الحياة، لامثل الوبر والشعر وغير ذلك مما لاتحله الحياة فتأمل " منه ". [ * ]


السائل بعد ما سمع جواب الامامعليه‌السلام عن مسألة الصلاة في الفراء من أنه يجوز الصلاة فيها إذا كانت ذكية، أراد أن يعلم الذكي فسأل وقال " أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد " فأجابه الامامعليه‌السلام بأنه ليس مجرد تذكية الحيوان بالحديد يكون ذكيا، بل يعتبر أن يكون الحيوان الذي يرد عليه التذكية مما يؤكل لحمه. وبهذا استدل من قال بعدم قبول غير مأكول اللحم للتذكية، وعليه لابد من رفع اليد عن هذا الذيل لمعارضته لعدة من الاخبار الصريحة الصحيحة الدالة على قبول غير مأكول اللحم للتذكية.

وبالجملة: لو كان قوله " إذا كان مما يؤكل لحمه " من تتمة الجواب عن السؤال الثاني فتكون الرواية بمعزل عن الدلالة على شرطية المأكولية، وإنما هو أمر آخر لابد من رفع اليد عنه بما دل على قبول المسوخ وغيره للتذكية، ويكون الجواب عن السؤال الاول مجرد قولهعليه‌السلام " لاتصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا " وهذا لايدل على شرطية المأكولية، بل أقصاه أنه يدل على اشتراط التذكية في لباس المصلي إذا كان بما يعتبر فيه التذكية كالجلد وأمثاله مما تحله الحياة، لامثل الوبر، والشعر مما لايعتبر فيه التذكية: والظاهر أن يكون قوله " إذا كان مما يؤكل لحمه " من تتمة الجواب عن السؤال الثاني لاتقييدا للجواب الاول، لان الفصل بين الجواب الاول وقيده بسؤال وجواب أجنبي بعيد غايته.

اللهم إلا أن يقال: إن ما دل على قبول محلل الاكل من المسوخ وغيره يكون قرينة على رجوع مابعد " بلى " إلى تقييد الجواب الاول، فتأمل فإن اقصاه على اعتبار المأكولية في خصوص ما تحله الحياة كما ذكرناه في الهامش. ثم إن هذا كله مع قطع النظر عما في ذيل الرواية، فإنه بناء على ما في بعض


النسخ(١) من ثبوت كلمة " لا " في قول السائل " وما لايؤكل لحمه من غير الغنم " يكون نفس الذيل دليلا على مانعية غير المأكول، فإن قولهعليه‌السلام في آخر الرواية " وليس هو مما نهى عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا نهى عن كل ذي ناب ومخلب " يكون أقوى شاهدا على أن الاصل في باب الصلاة هو نهي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن غير المأكول، فتكون المانعية هو الاصل في هذا الباب، ويكون التعبير في الصدر بالمأكولية من باب صحة التعبير على اعتبار انتفاء أحد الضدين بوجود الضد الآخر، من دون أن يكون خصوصية لوجوده حتى يستفاد منه الشرطية.

نعم بناء على خلو السؤال عن كلمة " لا " يكون الذيل أيضا أجنبيا عن باب الصلاة كما تقدم. فالانصاف أن استفادة الشرطية من هذه الرواية في غاية الاشكال، وعلى تقدير الاستفادة فلايمكن مقاومتها مع الادلة العامة والخاصة الدالة على المانعية، مع ما فيها من الصراحة والتعليل، فتأمل جيدا.

وأما رواية إبن بكير فهي ما رواه إبن أبي عمير عن إبن بكير قال: سأل زرارة أبا عبدالله عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول الله أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسد لاتقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله(٢) ، الخبر.

وقد استدل بهذه الرواية أيضا على شرطية التذكية، حيث يستفادمن قولهعليه‌السلام

____________________

(١) راجع ص ٢٣٧ من هذا الكتاب.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١ وفيه اختلاف يسير. [ * ]


" حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله " توقف صحة الصلاة على القيد الوجودي وهو وقوعها في محلل الاكل. ولكن يتوقف الاستدلال بالرواية على الشرطية على جعل الجملة الفعلية وهي قوله " لاتقبل تلك الصلاة " جملة مستأنفة سيقت للتأسيس وبيان حكم مستقل، لاللتأكيد وتوضحيا لقوله " فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسد " بداهة أنه لو كانت الجملة مسوقة للتأكيد كانت الرواية من جملة الادلة الدالة على المانعية لاالشرطية كما لايخفى.

وكذا يتوقف الاستدلال بها على الشرطية على أن تكون الجملة الفعلية ناظرة إلى الصلاة قبل وقوعها في الخارج وقبل صدورها من المكلف، وأما لو كانت الجملة ناظرة إلى الصلاة بعد وقوعها، وبيان أن الصلاة الواقعة في غير ما أحل الله أكله فاسدة ولاتجزي حتى يصليها في غيره، ويكون قوله " مما أحل الله أكله " بيانا لبعض أفراد الغير الذي يعتبر أن يوقع الصلاة فيه بداهة أنه للغير أفراد منه القطن والكتان ومنه ما أحل الله أكله من أجزاء الحيوان، فإذا كانت الجملة ناظرة إلى الصلاة بعد وقوعها فأقصى ما تدل عليه الجملة حينئذ هي فساد الصلاة الواقعة في محرم الاكل ولابد من إعادتها في غيره.

ومعلوم أنه لايعتبر أن يكون الغير هو خصوص محلل الاكل، لقيام الضرورة على جواز الصلاة في القطن والكتان، فلابد من حمل قوله " مما أحل الله أكله " لبيان بعض أفراد الغير لا أن يكون قيدا لذلك الغير، فإنه لو كان قيدا لذلك الغير كان ظاهره عتبار وقوع الصلاة في محلل الاكل، بحيث لاتجوز الصلاة في غيره قط كما هو الشأن في جميع الشرائط الوجودية للصلاة، فإن معنى اعتبار وقوع الصلاة في الظاهر هو عدم جوازها في غيره، ولذا يجب عليه تحصيل الطاهر مهما أمكن، فلو كان قوله " مما أحل الله أكله " قيدا لكان اللازم هو اعتبار وقوع الصلاة فيه


بحيث يلزم عليه تحصيله، وهذا مخالف للضرورة بداهة جواز الصلاة في القطن والكتان ومن هنا كان للقائل بالشرطية الالتزام بأحد الامرين، إما بالالتزام بأن ما هو الشرط في الصلاة هو أحد الخصوصيات الوجودية من القطن والكتان والمأكول وغيرها، وإما بالالتزام بأن في خصوص ما إذا كان اللباس من الحيوان يشترط فيه خصوصية وجودية من كونه من مأكول اللحم، ويكون جواز الصلاة في القطن والكتان من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

ولكن حيث كان الالتزام الاول بلا موجب ولم يقم عليه دليل التزم بعض من قال بالشرطية إلى الثاني، وقال: إن الشرط مقصور بما إذا كان اللباس من أجزاء الحيوان، ويكون الجواز بالنسبة إلى غير ذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع، مع أن السلب بانتفاء الموضوع خلاف القضايا المتداولة في العلوم، فإن الاصل في السلب أن يكون بانتفاء المحمول، وسيأتي الاشارة إليه في طي المباحث الآتية إن شاء‌الله.

وبالجملة: السلب بانتفاء الموضوع خلاف الظاهر، ولايصار إليه إلامن باب اللابدية كما في المقام، بناء على قيام الدليل القطعي على شرطية المأكول، إلا أن الشأن في قيام الدليل على ذلك. وبعد لم يقم في المقام دليل على ذلك، لما عرفت من أن دلالة رواية إبن بكير(١) على الشرطية يتوقف على جعل الجملة الفعلية للتأسي، وكونها ناظرة إلى الصلاة قبل وقوعها، وكون قوله " مما أحل الله أكله " قيدا للغير لابيانا لاحد أفراده، وفي جميع هذه المقدمات الثلاثة نظر، وعلى تقدير التسليم فغايته تعارض الصدر مع الذيل، فإن صدر الرواية ظاهر في المانعية وذيلها ظاهر في الشرطية،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


فيتعارضان وتسقط هذه الرواية عن صلاحية التمسك بها على كلا الطرفين من الشرطية والمانعية، ويبقى في المقام أدلة المانعية الصريحة المعللة سالمة عن المعارض.

فتحصل: أن أدلة الباب مطبقة على المانعية. إذا عررفت ذلك فيقع الكلام حينئذ في أن المانعية المستفادة من الادلة هل هي المانعية المطلقة الواقعية التي لادخل للعلم والجهل بها، أو أن مانعيتها مقصورة بصورة العلم بالموضوع؟ وبعبارة اخرى: هل مانعية غير المأكول من الموانع الواقعية، أو من الموانع العلمية كالنجاسة، بحيث لو صلى في غير المأكول جهلا كانت صلاته واقعا صحيحة، وهذذا بخلاف ما لو كانت المانعية واقعية فإن مقتضى القاعدة الاولية بطلان الصلاة إلاأن يقوم دليل على الاجزاء؟ فنقول: ربما قيل بأن المانعية في المقام علمية لاواقعية، وأقصى ما يمكن أن يستددل به على ذلك أحد امور:

الاول: هو دعوى أخذ العلم في مداليل الالفاظ وضعا وانصرافا. وهذه الدعوى بمكان من الغرابة والفساد، بداهة أن لفظ الخمر والخل والمأكول وغير المأكول لم يوضع إلا لنفس الخمر والخل الواقعي من دون دخل للعلم والجهل به، ولا وجه لانصرافه إلى المعلوم.

وبالجملة: هذه الدعوى مما لايمكن المساعدة عليها، وكانت في هذا الزمان من الدعاوي المهجورة.

الثاني: دعوى دلالة رواية عبدالرحمن على ذلك، قال سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن رجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب، أيعيد صلاته؟ قالعليه‌السلام : إن كان لم يعلم فلايعيد(١) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٦٠ باب ٤٠ من أبواب النجاسات، ح ٥. [ * ]


وجه الدلالة هو أنه لاإشكال في عدم الفرق بين أجزاء غير المأكول من الاجزاء النجسة وغيرها في المانعية، بل مانعية الاجزاء النجسة تكون أشد وأولى، فإذا كانت مانعية عذرة الكلب والسنور مقصورة بصورة العلم حسب مادلت عليه الرواية حيث حكم الامامعليه‌السلام فيها بعدم الاعادة عند الجهل، فمانعية غير العذرة من سائر أجزاء السنور والكلب يكون أولى بقصرها بصورة العلم، هذا.

ولكن لايخفى عليك أن الاستدلال بهذه الرواية على قصر المانعية بصورة العلم يتوقف على دعوى عدم الفرق بين الصلاة الواقعة في غير المأكول باعتقاد عدم وقوعها فيه أو الغفلة عن ذلك، وبين الصلاة مع الشك في المأكولية وعدمها.

وبالجملة: هذه الرواية دلت على عدم إعادة الصلاة عند وقوعها في غير المأكول جهلا بزعم أنه من المأكول أو الغفلة عن ذلك، وأين هذا مما نحن فيه من جواز إيقاع الصلاة في المشكوك كونه من المأكول جوازا واقعيا، بحيث لايضر انكشاف الخلاف لو صلى فيه والحال هذه، ويكون من قبيل انقلاب الموضوع إلى موضوع آخر؟ فهذه الرواية أجنبية عما نحن فيه، بل لو قلنا فيما نحن فيه بالجواز من جهة اقتضاء الاصول العملية ذلك كما هو المختار وسيأتي توصيحه كان الاجزاء عند انكشاف الخلاف بعد الصلاة يحتاج إلى دليل آخر غير هذه الرواية، فإن هذه الرواية قد تضمنت للاجزاء وعدم الاعادة بقيدين (أحدهما) انكشاف الخلاف بعد وقوع الصلاة (ثانيهما) أن يكون إيقاع الصلاة في غير المأكول بزعم أنه من المأكول.

وما نحن فيه من جواز إيقاع الصلاة مع الشك في المأكولية قبل الصلاة جوازا واقعيا يكون كلا القيدين اللذين اعتبرا في الرواية منتفيا، ولو قلنا بالجواز الظاهري حسب ما تقتضيه الاصول العملية مع الشك في المأكولية قبل الصلاة،


كان عند انكشاف الخلاف القيد الثاني اللذين اعتبرا في الرواية منتفيا، فلابد من التماس دليل آخر يدل على الاجزاء وعدم الاعادة عند انكشاف الخلاف، بناء على جواز الصلاة في المشكوك. وهذه الرواية لاتدل لاعلى أصل الجواز في المشكوك، ولا على عدم الاعادة عند انكشاف الخلاف.

فإن قلت: لو كانت الصلاة الواقعة في غير المأكول مع الجهل به مشتملة على المصلحة وما هو ملاك الحكم، كما يكشف عنه هذه الرواية الدالة على الاجزاء وعدم الاعادة، فما المانع من إيقاع الصلاة مع الجهل بالمأكولية ولو شكأ، لانه على فرض كون المشكوك من غير المأكول واقعا لايضر باشتمال الصلاة على المصلحة وما هو ملاك الامر؟ فهذه الرواية دليل على اشتمال الصلاة على المصلحة وإن وقعت في غير المأكول جهلا، من غير فرق بين أقسام الجهل من الغفلة واعتقاد المأكولية والشك فيها، فإن العبرة بعدم العلم بغير المأكولية كما هو مفروض الرواية، وعدم العلم متحقق في جميع أقسام الجهل.

قلت: نعم هذه الرواية وإن دلت على اشتمال الصلاة الواقعة في غير المأكول جهلا على المصلحة والملاك، إلا أن مجرد اشتمال الصلاة الواقعة امتثالا للامر الواقعي المتعلق بهها على المصلحة لايلازم اشتمال الصلاة على المصلحة مع الشك في المأكولية قبل فعلها، فإنه لو قام الدليل على أن الشئ الواقع في مرحلة امتثال المأمور به الذي هو متأخر عن رتبة الامر وفي طوله مشتمل على ما هو مصلحة المأمور به في هذا الحال وبهذا الوصف أي بوصف وقوعه امتثالا عما هو المأموربه فلا يمكن التعدي عنه والقول بأن ذلك الشئ قبل وقوعه بوصف الامتثال مشتملا على المصلحة.

نعم لو قام دليل آخر على اشتمال الشئ ولو قبل وقوعه بوصف الامتثال على المصلحة لكان الامر كما ذكر، إلا أن الشأن في قيام الدليل على ذلك، فإنه


لم يقم دليل على اشتمال الصلاة في مشكوك المأكولية على الملاك قبل إيقاعها، حتى يقال بالتخيير بين وقوع الصلاة في المأكول ووقوعها في مشكوك المأكولية.

وبالجملة: هذه الرواية إنما تدل على اشتمال الصلاة الواقعة في غير المأكول جهلا امتثالا لامرها على المصلحة، وهذا لايلازم اشتمال الصلاة في مشكوك المأكولية قبل إيقاعها بوصف الامتثال على المصلحة، حتى يقال بأن المانعية في المقام علمية لاواقعية.

الثالث: دعوى اختصاص أدلة الباب بصورة العلم بغير المأكولية. وقد نسبت هذه الدعوى إلى المحقق القميقدس‌سره وفيه: أنه لم يظهر وجه اختصاص الادلة بذلك بعد عدم أخذ قيد العلم فيها، اللهم إلا أن يكون غرضه من أدلة الباب هي الرواية المتقدمة، وقد عرفت أنها أجنبية عن الدلالة على ذلك.

الرابع: دعوى عدم إطلاق أدلة الباب بحيث يعم صورة العلم والجهل. وفيه: أن رواية إبن بكير(١) وأمثالها في غاية القوة من الاطلاق، ولم يظهر لنا في سائر أبواب الفقه إطلاق أقوى من إطلاق أدلة الباب.

الخامس: دعوى قصر القيدية المستفادة من الخطابات الغيرية بصورة العلم. وهذه الدعوى أيضا نسبت إلى المحقق القميقدس‌سره ومرجع هذه الدعوى إلى دعويين. (احداهما) دعوى أن الخطابات الغيرية المسوقة لبيان الشرطية والمانعية مشروطة بكل ما يشترط به الخطاب النفسي من الوجوبي والتحريمي، فكل شرط اعتبر في حسن الخطاب النفسي فهو معتبر في حسن الخطاب الغيري أيضا. (ثانيهما) دعوى أن العلم بالموضوع من شرائط حسن الخطاب، كما أن القدرة على المتعلق من شرائط حسن الخطاب، ولدا نسب إلى بعض الاعلام اشتراط

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


القيدية المستفادة من الاوامر الغيرية بالقدرة عليها، بحيث إنه إذا عجز عنها فالقيدية ساقطة، ويجب الاتيان بالمقيد خاليا عن القيد، من دون أن يكون العجز عن القيد موجبا لسقوط المقيد أيضا كما هو كذلك فيما إذا استفيدت القيدية من مثل قوله " لاصلاة إلا بالطهور "(١) حيث إن العجز عن الطهور موجب لسقوط الصلاة أيضا بحسب القاعدة الاولية.

وهذا بخلاف القيدية المستفادة من مثل قوله " لاتصل فيما لايؤكل " و " في الحرير " وأمثال ذلك من الخطابات الغيرية، فإن الخطاب الغيري كالخطاب النفسي حسنه مشروط بالقدرة على متعلقة، فإذا عجز عن متعلقه فالخطاب ساقط والقيدية المستفادة منه تستتبعه في السقوط وحينئذ لاموجب لسقوط المقيد.

وكأن المحقق القميرحمه‌الله قاس العلم على القدرة، وجعل العلم أيضا من شرائط حسن الخطاب كالقدرة، ولعل الذي أوقعه في هذا هو عد العلم من الشرائط العامة كالقدرة، فكل خطاب مشروط بالقدرة فهو مشروط بالعلم أيضا، وعليه يكون المانعية المستفادة من قوله " لاتصل في غير المأكول " مقصورة بصورة العلم بغير المأكولية، هذا.

ولكن لايخفى عليك ما في هذه الدعوى من المناقشة من وجوه: (أحدها) أنه على تقدير تسليم هذه الدعوى والغض عما سيأتي، فأقصى ما تقتضيه هذه الدعوى هو قصر المانعية المستفادة من الخطاباتالغيرية الواردة في أدلة الباب بصورة العلم بالموضوع، وأما المانعية المستفادة من الوضع كقولهعليه‌السلام في رواية ة إبن بكير " فالصلاة فيه فاسدة "(٢) وأمثال ذلك فلايمكن

____________________

(١) الفقيه: ج ١ ص ٣٣ باب وقت وجوب الطهور ح ٦٧.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٢. [ * ]


قصرها بصورة العلم، فإنه لايكون هناك خطاب حتى يقال باشتراط حسنه بصورة العلم.

(وثانيها) أن اصل اعتبا القدرة في الاوامر الغيرية وجعلها من شرائط حسن الخطاب الغيري كالخطاب النفسي مما لاوجه له، بعد ما كان الخطاب الغيري في باب متعلقات التكاليف كالخطاب الغيري في باب الوضع والاسباب إنما يكون لمحض الارشاد وبيان مدخلية القيد في تحقق الملاك في المقيد، فليس فيه جهة بعث ومولوية حتى يكون حسنه مشروطا بالقدرة.

وعلى تقدير تسليم الفرق بين الخطاب الغيري في باب متعلقات التكاليف والخطاب الغيري في باب الاسباب والوضع، وأن الخطاب الغيري في الاول له جهة مولوية وبعث، فمن المعلوم أن جهة المولوية المستفادة من الخطاب إنما هو من جهة تعلق الطلب المولوي بالمركب من هذا القيد المستفاد من الخطاب الغيري، ومن سائر الاجزاء والقيود الاخر المستفادة من الخطابات الاخر، وإلا فنفس هذا القيد لم يتعلق به خطاب مولوي مستقل، وإلا كان واجبا مستقلا وخرج عن كونه قيدا، فليس هناك إلا خطاب واحد مستقل مولوي، والقدرة المعتبرة في حسن الخطاب إنما هي القدرة على جميع المقيد مع القيود، فاللازم هو سقوط أصل الخطاب المولوي عندالعجز عن متعلقه ولو بواسطة العجز عن بعض قيوده، وقد أطلنا الكلام في ذلك في التنبية الثاني من تنبيهات مبحث الاشتغال في الاصول فراجع.

(ثالثها) أن قياس العلم على القدرة وجعله من شرائط حسن الخطاب مما لاوجه له، ومجرد عد العلم كالقدرة من الشرائط العامة لادلالة له على كون العلم من شرائط حسن الخطاب، بل شرطية العلم يختلف مع القدرة، فإن القدرة من شرائط حسن الخطاب لقبح تكليف العاجز عقلا، وأما العلم فإنما هو من شرائط


تنجز الخطاب كما لايخفى وجهه.

وبالجملة: دعوى اختصاص القيدية المستفادة من أدلة الباب بصورة العلم بالموضوع مما لاوجه لها.

السادس: دعوى دلالة إطلاقات أدلة جواز الصلاة في كل لباس على جواز الصلاة في المشكوك، والقدر الخارج منها هو صورة العلم يكون اللباس من غير المأكول. وفيه:

(أولا) أنه لم يظهر لنا بعد دليل يدل على جواز الصلاة في كل لباس ولو بالاطلاق.

(وثانيا) أن الخارج عن تحت الاطلاق على فرض وجوده إنما هو عنوان غير المأكول الواقعي، فيكون التمسك بالاطلاقات على جواز الصلاة في المشكوك من باب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وقد تبين في محله فساد ذلك. فظهر أنه لامحيص عن القول بأن المانعية في المقام هي المانعية الواقعية التي لايتفاوت الحال فيها بين العلم بالموضوع والجهل به.

إذا عرفت ذلك فالذي ينبغي تحريره في المقام هو تحرير مرجع الشبهة، وأنه عند الشك في المأكولية وعدمها هى الاصل العملي يقتضي جواز الصلاة في المشكوك، أو أن الاصل العملي يقتضي عدم جواز الصلاة فيه؟ وتعيين الاصل الجاري في الشبهة وأنه أي أصل يجري وأي أصل لايجري؟ وقبل الخوض في ذلك ينبغي تمهيد مقدمة، وهي أنه كلامنا في تحرير مرجع الشبهة في المشكوك إنما هو بعد الفراغ عن جريان البراء‌ة في باب الارتباطيات في متعلقات التكاليف، سواء قلنا بالبراء‌ة العقلية والشرعية كليهما كما هو مختار الشيخقدس‌سره (١) أو قلنا بالبراء‌ة الشرعية فقط كما هو مختارنا.

وإلا فلو قلنا في باب الارتباطيات بالاشتغال وعدم جريان البراء‌ة الشرعية

____________________

(١) فرائد الاصول: ص ٤٦٠ المقصد الثالث في الاشتغال. [ * ]


والعقلية فيها فينهدم أساس تحرير الاصل في المقام، ولم يبق محل للتكلم عن الاصل الجاري في المشكوك، بداهة أنه لو قلنا عند دوران الامرربين الاقل والاكثر في باب متعلقات التكاليف بالاشتغال والرجوع إلى الشك في الامتثال، فيكون القول بالاشتغال فيها نحن فيه من تردد الموضوع الخارجي بين المأكولية وعدمها الذي يرجع إلى الاقل والاكثر في باب موضوعات التكاليف كما سنوضحه إن شاء‌الله أولى، ورجوع الشبهة في المقام إلى الشك في الامتثال أشد، لان بعض من قال بالبراء‌ة عند دوران الامربين الاقل والاكثر في باب متعلقات التكاليف الارتباطية قال بالاشتغال في المقام، بتخيل الفرق بين دوران الام ر بين الاقل والاكثر في متعلقات التكاليف، وبين دوران الامر بينهما في موضوعات التكاليف كما سيأتي.

والحاصل: أن كلامنا في المقام إنما هو بعد تسليم البراء‌ة في باب الارتباطيات عند دوران المتعلق بين الاقل والاكثر، حتى يتمحض الكلام في المقام في بيان تحقق الفرق بين ما نحن فيه، وبين باب متعلقات التكاليف، وعدم تحقق الفرق بينهما. فليكن هذا على ذكر منك حتى لاتشكل علينا في أثناء تحرير الاصل الجاري في المشكوك بما يرجع إلى إنكار جريان البراء‌ة في باب الارتباطيات عند تردد متعلق التكليف بين الاقل والاكثر.

وينبغي أيضا أن يعلم أن السر في جريان البراء‌ة في الارتباطيات ليس إلا أن وجود الارتباطية كعدمها، وأن ما هو مناط جريان البراء‌ة في التكاليف الاستقلالية عند دورانها بين الاقل والاكثر كالدين المردد بين أن يكون عشرة دراهم أو خمسة هو بعينه جار في التكاليف الارتباطية أيضا.

فإن المناط في جريان البراء‌ة في الاستقلاليات ليس إلا من جهة الشك في تعلق التكليف بالاكثر، وفي الارتباطيات أيضا كذلك، فإن التكليف فيها وإن


كان واحدا إلا أنه حيث كان منبسطا على أجزاء متعلقه وشرائطه فكان لكل واحد من الاجزاء والشرائط حظ من ذلك التكليف وحصة يخصه، فإذا شك في وجوب شئ جزء كان أو شرطا أو مانعا كان باعتبار ماله من الحصة شك في التكليف، فتشمله أدلة البراء‌ة العقلية والشرعية بناء على مسلك الشيخقدس‌سره أو خصوص البراء‌ة الشرعية بناء على ما هو المختار عندنا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام في تحرير الاصل الجاري في المشكوك يقع في مقامات ثلاث:

الاول: في تنقيح جريان أصالة البراء‌ة العامة للشبهات الوجوبية والتحريمية والحكمية والموضوعية.

الثاني: في تنقيح جريان أصالة الحل المختصة بالشبهات التحريمة الموضوعية، أو تعم الحكمية أيضا على وجه.

الثالث: في جريان الاستصحاب، وأنه هل يمكن أن يكون المشكوك مجرى للاستصحاب بعد الفراغ عن كونه مجرى أصالة البراء‌ة وأصالة الحل.

أما الكلام في المقام الاول: وهو في بيان جريان أصالة البراء‌ة في المشكوك فتنقيحه يستدعي رسم امور: الاول: أن الاحكام الشرعية بعدما كان لامحيص عن تعلقها بفعل المكلف، وما كان تحت قدرته واختياره وما هو فاعله والصادر عنه، فإما أن لايكون لها تعلق بموضوع خارجي كالصلاة مثلا، حيث إن أجزاء‌ها ليست إلا أفعالا وأقوالا صادرة عن المكلف من دون أن يكون تعلق بموضوع خارجي، وكذا الكلام في الغناء وأمثال ذلك في المتعلقات سوات كانت معروضة لحكم وجوبي أو لحكم تحريمي، وإما أن يكون لها تعلق بموضوع خارجي، كوجوب إكرام العالم وحرمة شرب الخمر، وأمثال ذلك من التكاليف الوجوبية والتحريمية التي لها تعلق


وربط بموضوع خارجي، سواء كان الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلف إيجادها في الخارج ويجعلها في عالم الاعيان كالخمر مثلا، فإنه يمكن أن يوجده المكلف في الخارج بأن يصنع ويعمل من التمر والزبيب خمرا، أو كان من الموضوعات التي لايمكن للمكلف إيجادها في الخارج كحرمة وطء الام مثلا، إذ لايعقل للمكلف إيجاد ما تكون اما له، وكوجوب استقبال القبلة وأمثال ذلك من الموضوعات الخارجة عن تحت قدرة المكلف واختياره.

ولكن على كل حال ما هو متعلق التكليف والمخاطب به لابد وأن يكون أمرا اختياريا للمكلف، بحيث يمكن أن ينبعث عنه ويحرك عضلاته نحوه، ففي مثل حرمة وطء الام ما هو متعلق الحرمة ومورد التكليف ليس إلا وقوع الوطء على الام، وأما كون المرأة اما فهذا غير قابل لتعلق التكليف به، وكذلك وجوب الصلاة عند الزوال فإن ما هو مورد التكليف ليس إلا إيقاع الصلاة عند تحقق الزوال، وأما زوالية الزوال وكون هذا الوقت زوالا فهو مما ليس تحت قدرة المكلف واختياره، ولايمكنم تعلق التكليف به كما هو واضح.

وحاصل التقسيم: هو أن التكليف إما أن يكون وجوديا بمعنى أن يكون المطلوب هو وجود الشئ، كالصلاة والحج وإكرام العالم وأمثال ذلك، وإما ان يكون عدميا بمعنى أن يكون المطلبو عدم تحقق الشئ في الخارج وعدم صدوره عن المكلف، كالغناء والغيبة وشرب الخمر وأمثال ذلك. وكل منهما إما أن يكون له تعلق بموضوع خارجي كإكرام العالم وشرب الخمر وأمثال ذلك، وإما أن لايكون له تعلق بموضوع خارجي كالصلاة والغناء وأمثال ذلك. ثم إن ما كان له تعلق بموضوع خارجي فإما أن يكون الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلف إيجادها في الخارج كالخمر والعالم بناء على


إمكان جعل الشخص عالما، وإما أن لايمكن كالام والقبلة والوقت وأمثال ذلك.

الامر الثاني: ما كان من التكليف الذي له تعلق وربط بموضوع خارجي، ففي عالم التصور والثبوت يمكن أن يكون الملاك والمصلحة، التي اقتضت إنشاء الحكم وتشريعه إنما يثبت ويتحقق بعد تحقق الموضوع ووجوده في الخارج، بحيث يكون وجود الموضوع خارجا من شرائط تحقق الملاك بحيث لاملاك ولا مصلحة مع عدم تحققه خارجا. وأما القدرة فإن اخذت شرطا شرعا في لسان الدليل، كما إذا قال: إن قدرت فافعل كذا فهي أيضا لها دخل في تحقق الملاك، إذ لو لم يكن لها دخل في ذلك لكان أخذها في لسان الدليل لغوا، لاستقلال العقل بقبح تكليف العاجز.

والقول بأنه لامانع من أخذها في لسان الدليل مع استقلال العقل باعتبارها في التكليف، وأي ملازمة بين القدرة المأخوذة في لسان الدليل من أن يكون لها دخل في تحقق الملاك، أو أي مانع من بيان الشارع ما يستقل به العقل فاسد جدا، فإن الظاهر في كل ما اخذ في لسان الدليل أن يكون أخذه من باب أن بيانه من وظيفة الشارع وما هو شأن المولى في مقام إعمال المولوية، والقدرة إذا اخذت في لسان الدليل فالظاهر يقتضي أن يكون أخذها من جهة أن من وظيفته بيانها، والقدرة المعتبرة عقلا في التكليف ليس من وظيفة الشارع بما أنه شارع بيانها.

فمن نفس أخذ القدرة في لسان الدليل يستكشف أنها غير القدرة المعتبرة عقلا. وعليه لامحالة يكون لها دخل في تحقق الملاك، لان مع عدم دخلها في الملاك يكون اعتبارها في الدليل لغوا وعبثا كما لايخفى.

ثم إن هنا فرقا بين القدرة العقلية المعتبرة في التكليف وبين القدرة الشرعية


المأخوذ في لسان الدليل، فإن المعتبر في تحقق القدرة الشرعية هو أن يكون المكلف قادرا على الشئ عرفا، بحيث يعد عند العرف أنه قادر في مقابل العجز العرفي، فلو توقف تحقق المأمور به خارجا على مقدمات بعيدة المسافة بحيث يعد في العرف أنه عاجز، لكان المأمور به ساقطا عنه إذا قيد بالقدرة في لسان الدليل.

وهذا بخلاف القدرة العقلية المعتبرة في التكليف، فإن المعتبر فيها هو إمكان تحقق الشئ من المكلف ولو بمقدمات بعيدة المسافة، لان العقل إنما اعتبر القدرة من حيث قبح تكليف العاجز، فمع عدم عجزه تكوينا يجب عليه فعل المأمور به، وهذا بخلاف القدرة الشرعية، فإن أخذها في لسان الدليل تكون كسائر القيود المعتبرة في الدليل التي يرجع في مداليلها إلى العرف، والعرف ربما لايرى الشخص قادرا مع كونه قادرا عقلا.

وبالجملة: القدرة إذا اخذت في لسان الدليل يستكشف منها أمران: (أحدهما) دخلها في الملاك.

(وثانيهما) كونها عرفية، وأما إذا لم تؤخذ في لسان الدليل فلا إشكال في اعتبارها عقلا من جهة قبح تكليف العاجز من دون أن يكون لها دخل في الملاك، بل مع تمامية الملاك ربما يكون الشخص عاجزا فيسقط عنه التكليف، لكن لالسقوط ملاكه بل لعجزه كما في جميع موارد التزاحم.

نعم يبقى في المقام إشكال، وهو أنه لم لايجوز أن يكون للقدرة العقلية دخل في الملاك أيضا؟ ومجرد عدم أخذها في لسان الدليل لايكشف عن عدم دخلها في الملاك، إذ من الممكن أن تكون القدرة كالبلوغ والعقل مما لها دخل في تحقق الملاك، غاية الامر أن الشارع اكتفى عن بيانها بواسطة استقلال العقل باعتبارها، وهذا بخلاف البلوغ فإن العقل لايرى قبحا في تكليف غير البالغ، فمن أجل ذلك اعتبره الشارع، وهذا بخلاف القدرة فإن اعتبارها من المستقلات


العقلية الضرورية فاكتفى الشارع ببيان العقل، وعلى كل حال لاطريق لاثبات القول بأن القدرة العقلية مما لادخل لها في الملاك.

وبناء على هذا يشكل الامر في مسألة تصحيح العبادة في باب التزاحم، سواء قلنا بالخطاب الترتبي أم لم نقل، فإن الخطاب الترتبي مبني على تحقق الملاك، كما أن من أنكر الترتب وصحح العبادة إنما هو من أجل ذلك مع أنه لاطريق لنا إلى إحراز الملاك، فإن الملاكات إنما يستكشف من الخطابات بناء على اصول العدلية، وبعد سقوط الخطاب لاجل التزاحم وعدم القدرة لاسبيل إلى العلم بالملاك حتى يقال بصحة العبادة بالملاك أو الترتب. وعلى كل قد خرجنا عما هو المقصود في المقام ولكن الكلام يجر الكلام، فظهرأن الشرائط الراجعة إلى نفس المكلف مما لها دخل في تحقق الملاك غير القدرة.

وأما موضوع التكليف والشرائط الراجعة إليه فيمكن أن يكون أيضا لتحققه بماله من الشرائط دخل في تحقق الملاك، بحيث لاملاك واقعا مع عدم تحققه خارجا، وعليه يتفرع أنه لاحكم واقعا إلا بعد تحقق الموضوع لتبعية الحكم الملاك، وعليه يتفرع أيضا امتناع الشرط المتأخر، لان معنى الشرط أن يكون له دخل في تحقق الموضوع بحيث لاموضوع واقعا من عدم تحقق شرطه، كما أن شرائط المكلف من البلوغ والعقل مما لها دخل في تحقق عنوان المكلف، فإذا لم يكن الموضوع ثابتا ولو لفقدان شرطه كان الحكم منتفيا واقعا، إذ لايعقل تحقق الحكم مع عدم موضوعه.

ويمكن أيضا أن لايكون لوجود الموضوع دخل في تحقق الملاك والمصلحة المقتضية للحكم، بل كان الملاك ثابتا ولو مع عدم الموضوع، غاية الام أنه مع عدم تحقق الموضوع خارجا وعدم قدرة المكلف على إيجاده الحكم المستتبع للملاك


يسقط من جهة انتفاء القدرة على امتثاله من دون سقوط الملاك، بل الملاك مع بقائه على ملاكيته يفوت من المكلف كسائر الملاكات التي تفوت من المكلف من جهة عجزه عن استيفائها، وهذا بخلاف القسم الاول وهو ما كان لتحقق الموضوع دخل في الملاك، فإن مع عدم وجود الموضوع خارجا لاملاك واقعا حتى يوجب فواته عن المكلف.

وحاصل الكلام: أن متعلق التكليف إذا كان له ربط بموضوع خارجي، سواء كان مما يمكن للمكلف إيجاده كالخمر أم لا كالوقت والقبلة وأمثال ذلك، لايخلو حال الموضوع من أحد أمرين لاثالث لهما، فإنه إما أن يكون للموضوع دخل في تحقق الملاك، وإما أن لايكون، فإن كان له دخل فلا محالة يكون الحكم مشروطا بوجود الموضوع، والسر في ذلك هو تبعية الحكم للملاك، وإن لم يكن له دخل فلا حالة يكون الحكم مطلقا غير مشروط بوجود الموضوع هذا في عالم الثبوت.

وأما في عالم الاثبات ففي التكاليف العدمية التحريمية طرا تكون من القسم الاول، أي ما كان لوجود الموضوع دخل في تحقق الملاك والمفسدة المقتضية للنهي، بداهة أن الخمر اذا لم يكن موجودا في الخارج فلا معنى لتحقق المفسدة في شربه ولامعنى للنهي عنه، إذ الخمر الذي لاوجود له في الخارج يكون الشرب منتركا بنفسه، فالمنهي عنه ليس إلا الخمر الموجود، وعليه يكون التكليف مشروطا بوجود موضوعه. ولايمكن أن يكون التكليف بالنسبة إليه مطلقا بحيث يجب على المكلف إيجاد الخمر مقدمة لترك شربه، بل معنى لاتشرب الخمر إنما هو قضية مشروطة، أي إذا وجد الخمر فلا تشربه، ففي التكاليف العدمية دائما يكون التكليف مشروطا بوجود الموضوع.


وأما التكاليف الوجودية المطلوب منها الوجود فكلا القسمين يمكن فيها، فإن في مثل قوله أكرم عالم أو صل في المسجد يمكن أن يكون لوجود العالم والمسجد دخل في تحقق ملاك وجوب الصلاة، فيكون التكليف بالنسبة إليه مشروطا فلايجب الاكرام والصلاة عند عدم وجود العالم والمسجد، ولايجب على المكلف إيجادهما ولو مع تمكنه منه، ويمكن أيضا أن لايكون لوجود الموضوع دخل في الملاك بأن كان ملاك أكرم العالم والصلاة في المسجد ثابتا ولو مع عدم وجودهما، وعليه يكون التكليف بالنسبة إلى الموضوع مطلقا ويجب على المكلف إيجاده مع عدم وجوده وتمكنه منه كسائر مقدمات الواجب المطلق، ففي طرف الاوامر كل من القسمين ممكن.

نعم ظاهر القضية هو أن يكون التكليف بالنسبة إلى وجود الموضوع مطلقا، إلا أن يعلم من خصوصية المقام خلافه، فإنه بعدما لم يؤخذ وجود الموضوع في القضية شرطا، وقال بقول مطلق أكرم العالم وصل في المسجد، ولم يقل إذا وجد عالم فأكرمه وإذا وجد المسجد فصل فيه، فالظاهر يقتضي أن لايكون التكليف مشروطا بأزيد مما يعتبره العقل في مطلق التكليف من القدرة على الامتثال وإيجاد المتعلق، فإذا تمكن المكلف من إكرام العالم والصلاة في المسجد ولو بإيجاد العالم والمسجد، لكان اللازم بمقتضى إطلاق القضية وعدم أخذ الموضوع فيها مفروض الوجود، هو وجوب الاكرام والصلاة ولو ببناء المسجد وإيجاد العالم إذا مكن له ذلك.

والحاصل: أن ظاهر إطلاق القضية في طرف الاوامر إذا كان المطلوب هو صرف وجود الشئ لامطلق الوجود، كما في مثل أكرم عالما وتوضا بالماء وصل في المسجد وأمثال ذلك، هو أن لايكون التكليف مشروطا بأزيد مما يستقل به العقل في جميع التكاليف من القدرة على الامتثال، فاذا تمكن المكلف من إكرام


العالم والوضوء بالماء والصلاة في المسجد ولو بخلق الموضوع وإيجاده كان اللازم هو امتثال التكليف، إلا أن تقوم قرينة من حال أو مقال على اشتراط التكليف بصورة وجود الموضوع وفرض تحققه في الخارج.

فظهر الفرق بين باب الؤامر والنواهي، وأن في باب الاوامر يمكن أن لايكون التكليف مشروطا بوجود الموضوع إذا كان المطلوب صرف الوجود، وأما في باب النواهي فدائما التكليف يكون مشروطا بوجود الموضوع. ثم إن هنا فرقا آخر بين باب الاوامر والنواهي، وهو أنه في باب النواهي لايمكن أن يكون المطلوب صرف الوجود، بل دائما يكون المطلوب فيها هو عدم الوجود والسلب الكلى الذي هو نقيض صرف الوجود.

وهذا بخلاف باب الاوامر فإن كون المطلوب فيها هو صرف الوجود بمكان من الامكان. والسر في ذلك هو أن ه لمما كان المطلوب في طرف النهي عدم الشئ، وعدم الشئ لايمكن إلابانعدام جميع ما يفرض للشئ من الوجودات العرضية والطولية، فلابد من أن يكون المتعلق في النهي مطلق الوجود الساري في جميع الموجودات، مثلا لو قال: لاتكرم الفاسق ولا تكرم فاسقا أو لا تكرم الفساق فالمطلوب هو ترك إكرام مطلق الفاسق في أي وجود فرض له، ولا معنى لان يكون المطلوب هو ترك إكرام الفاسق على نحو صرف الوجود بأن يكون إكرام فاسق ما متعلق النهي، وهذا بخلاف باب الاوامر فإنه لما كان المطلوب فيها وجود الشئ والشئ يوجد بأول وجوده، فيمكن أن يكون متعلق الطلب هو أول الوجود لامطلق الوجود.

وبالجملة: في طرف الاوامر يمكن أن يكون المطلوب على أحد وجوه أربعة:

الاول: أن يكون المطلوب في طرف المتعلق والموضوع صرف الوجود، بأن يكون المقصود من قول اكرم عالما هو وقوع صرف وجود الاكرام على صرف وجود العالم


الثاني: أن يكون المطلوب مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي، بأن يكون المطلوب كل فرد فرد من الاكرام على كل فرد فرد من العالم.

الثالث: أن يكون المطلوب مطلق الوجود على نحو العام المجموعي، بأن يكون الملحوظ هو مجموع أفراد الاكرام مع مجموع أفراد العالم، ويكون المجموع من حيث المجموع مطلوبا واحدا تعلق الامربه.

الرابع: أن يكون المطلوب هو الطبيعة السارية في جميع الافراد على نحو وجودها السعي، وهذا القسم مشترك مع القسم الثالث في الاثر، وإنما التفاوت بالتعبير فإنه تارة يرد الحكم على نفس الطبيعة السارية، واخرى يرد الحكم على أفرادها بعد ملاحظتها على نحو العام المجموعي، هذا في طرف الامر.

وأما في طرف النهي فأقسامه أيضا أربعة، فإنه تارة يرد النهي عن الشئ باعتبار مطلق وجوده على نحو العام الاستغراقي، بأن يكون المطلوب في مثل لاتشرب الخمر هو ترك كل فرد فرد من أفراد الشرب لكل فرد فرد من أفراد الخمر. واخرى يكون المطلوب هو ترك مجموع أفراد الشرب لمجموع أفراد الخمر على نحو العام المجموعي، بمعنى أن يكون المطلوب عموم السلب لاسلب العموم، أي يكون متعلق النهي هو ترك مجموع أفراد الخمر، لاعلى نحو يكون كل وجود منه مبغوضا على حدة وله إطاعة وعصيان، حتى يرجع إلى القسم الاول وهو العام الاستغراقي، ولا على نحو يكون المبغوض مجموع الموجودات بوصف المجموع على نحو سلب العموم، حتى يكون فعل البعض مع ترك البعض غير مبغوض، كما في مثل قوله لاتأكل كل رمانة في البستان، حيث يكون المقصود من النهي هو أكل جميع الرمانات التي في البستان، بل على نحو يكون النهي عن المجموع بأن يريد أن لا يتحقق منه فرد في الخارج، بحيث لو تحقق فرد منه في الخارج كان عصيانا


للخطاب وكانت الافراد الاخر غير متعلقة للنهي، كما في مثل النذر فإنه لو نذر ترك شرب التتن كان المقصود منه هو أن لايتحقق الشرب منه في الخارج، بحيث لو عصى وشرب فبأول وجوده يتحقق الحنث وتلزمه الكفارة فله أيضا أن يشرب سائر الافراد، إلا أن يكون نذره تعلق بترك كل فرد فرد منه مستقلا على نحو العام الاستغراقي، فإنه في شرب كل فرد حينئذ يتحقق حنث وكفارة كما لايخفى.

وثالثة: يرد النهي على الطبيعة السارية، بمعنى أن يكون المقصود هو عدم تحقق الطبيعة خارجا، وهذا مشترك أثره مع القسم الثاني وهو ما إذا كان على نحو العام المجموعي.

ورابعة: يكون النهي في التكاليف العدمية من قبيل القضية المعدولة المحمول، بأن يكون المقصود من النهي هو أن لايكون الشخص شارب الخمر بمعنى عدم اتصافه بهذا الوصف، كما إذا قال: كن لاشارب الخمر.

وبتقريب آخر نقول: لاإشكال في أن ما هو الصادر عن المكلف وما هو فعله مباشرة في التكاليف العدمية ليس إلا ترك الشرب لآحاد الممكنة شربها، فإن ما هو فعل المكلف ليس إلا ترك هذا الخمر وهذا الخمر وهكذا ترك كل فرد فرد من أفراد الخمر، ثم بعد ذلك يتولد من آحاد هذه التروك السلب المجموعي وأنه تارك للمجموع، ثم بعد ذلك يتولد أيضا عنوان آخر وهو اتصاف الشخص بأنه لاشارب الخمر، فهذه مراتب ثلاث مترتبة في التولد والانتزاع، فأول ما يوجد من المكلف هو ترك الآحاد، ثم بعد ذلك يتحقق ترك المجموع، ثم بعد ذلك يتصف الشخص بأنه صار لاشارب الخمر.

وهذه المراتب الثلاث كلها قابلة لتعلق التكليف العدمي بها، فإنه تارة يكون التكليف بما هو الصادر عن المكلف بالمباشرة فيكون التكليف حينئذ


انحلاليا، بمعنى أنه يكون لكل فرد فرد من أفراد الخمر خطاب يخصه، وله إطاعة وعصيان لاربط له بالخطاب الوارد على الفرد الآخر. واخرى يتعلق التكليف بالعنوان المتولد من ترك الآحاد وهو ترك المجموع، فيكون التكليف واحدا وخطابا فاردا يتعلق بالمجموع، وعصيانه يكون بأول وجود شرب فرد من الخمر، وكانت الافراد الاخر حينئذ لاطاعة ولاعصيان. وثالثة يتعلق التكليف بالامر المتولد من ترك المجموع، وهو كون الشخص لاشارب الخمر على نحو القضية المعدوله المحمول، وهذا بخلاف القسمين الاولين فإن القضية من السالبة المحصلة.

الامر الثالث: بعد ما عرفت الاقسام المتصورة في طرف الاومر وفي طرف النواهي يقع الكلام حينئذ فيما هو الاصل من هذه الاقسام، وأن الاصل في طرف التكاليف الوجودية وفي باب الاوامر أن يكون المطلوب هو صرف الوجود، أو أن الاصل يقتضي أن يكون المطلوب مطلق الوجود؟ ففي مثل أكرم أو صل في المسجد يقتضي الاصل الاكتفاء بصرف وجود إكرام العالم، أو أن الاصل يقتضي إكرام مطلق وجوده بأقسامه المتقدمة؟ وكذا الكلام في طرف النهي والتكاليف العدمية، هل الاصل يقتضي أن يكون التكليف فيها انحلاليا، أو يكون كل فرد يوجد في الخارج من أفراد الموضوع مستتبعا لفرد من الخطاب يخصه، أو أن الاصل لايقتضي ذلك؟ والحاصل: أن الكلام في هذا الامر يقع في أن طبع الامر والتكليف الوجودي، هل يقتضي أن يكون المطلوب منه صرف الوجود، بحيث يكتفي في مقام الامتثال بأول الوجود، وكان الوجود الثاني من باب الامتثال عقيب


الامتثال، أو أن طبع الامر يقتضي مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي أو المجموعي أو الطبيعة السارية؟ وكذا يقع الكلام في أن طبع النهي والتكاليف العدمية، هل يقتضي الانحلالية بحيث يكون كل فرد من أفراد الموضوع له خطاب وطاعة وعصيان، أو أن طبع النهي يقتضي السلب الكلي علي نحو العام المجموعي، أو يقتضي السلب على نحو المعدولة المحمول؟ فنقول: مقتضى التضاد والمقابلة بين الامر والنهي هو أن يكون المطلوب في كل منهما نقيض ما هو المطلبو في الآخر، فلو كان المطلوب في طرف الامر صرف الوجود كان اللازم بمقتضى المقابلة أن يكون المطلوب في طرف النهي هو السلب الكلي على نحو العام المجموعي، بحيث يتحقق العصيان بأول الوجود من دون أن يكون للوجودات الاخر طاعة وعصيان، كما كان الامرفي طرف الامر بالعكس وأن الاطاعة تتحقق بأول الوجود من دون أن يكون للوجودات الاخر طاعة وعصيان.

وبالجملة: لو كان المطلوب في طرف الامر صرف الوجود كان اللازم أن يكون المطلوب في طرف النهي السلب الكلي، لان نقيض الموجبة الجزئية السالبة الكلية. ولو كان المطلوب في طرف الامر مطلق الوجود على نحو العام الاستغراقي كان مقتضى المقابلة أن يكون المطلوب في طرف النهي العام الانحلالي. هذا بحسب ما تقتضيه المقابلة بين الامر والنهى. ولكن مع ذلك الاصل وما هو طبع الامر والنهي لايقتضي ذلك، بل يقتضي أن يكون المطلوب في طرف الامر صرف الوجود، وفي طرف النهي انحلاليا ويكون لكل فرد من أفراد الخمر خطاب يخصه.

أما في طرف الامر فاقتضاؤه صرف الوجود واضح، فإن طلب إيجاد الطبيعة


لايقتضي أزيد من نقض العدم وتحقق وجود الطبيعة في الخارج، وهذا المعنى يحصل بأول وجود للطبيعة، فلو كان المقصود إيجاد كل فرد فرد من الطبيعة على نحو العام الاستغرافي أو المجموعي لكان اللازم هو اعتبار قيد زائد في متعلق الامر ومؤنة اخرى غير تعلق الطلب بنفس الطبيعة، فتعلق الامر بنفس الطبيعة بنفسه وبطبعه لايقتضي أزيد من صرف الوجود كما لايخفى.

وأما في طرف النهي فقد عرفت أن محتملاته ثلاثة: (أحدها) أن يكون النهي من باب أخذ القضية على نحو المعدولة المحمول، بأن يكون النهي عن شرب الخمر مثلا باعتبار ما يتولد من الترك الخارجي، ويكون المقصود منه هو كون الشخص لاشارب الخمر. وهذا الاحتمال في باب النواهي والتكاليف العدمية ساقط من أصله، فإن الظاهر في باب النواهي هو أن يكون النهي عن الشئ لاجل أن لوجود المنهي عنه وهو شرب الخمر مثلا مفسدة، من دون أن يكون في عدم الشرب مصلحة بحيث يكون نفس العدم بما هو عدم مطلوبا ويلاحظ معنى اسميا ويتعلق الطلب به.

وفي القضية المعدولة المحمول إنما يكون نفس العدم محمولا وملحوظا معنى اسميا، فلو كان معنى قوله لاتشرب الخمر هو صيرورة الشخص لاشارب الخمر فمعناه أن نفس اتصاف الشخص بهذا العدم بما هو عدم مطلوب ومحبوب من دون أن يكون في شرب الخمر مفسدة، ويكون النهي عن الشرب إنما هو لاجل كون ترك آحاد الشرب مقدمة لتحقق ذلك العدم في الخارج، وهذا كما ترى خلاف ما يقتضيه النهي، لما عرفت من أن ظاهر النهي عن الشئ ثبوتا إنما هو لاجل أن في وجود ذلك مفسدة اقتضت النهي عنه، هذا. مع أنه خلاف ظاهر الدليل، فإن الظاهر من قوله لاتشرب الخمر هو عدم


إيجاد الشرب في الخارج، فلو كان المقصود هو عدم اتصاف الشخص بشرب الخمر كان حق العبير أن يقول: كن لاشارب الخمر، لا أن يقول: لاتشرب الخمر.

وبالجملة: هذا الاحتمال في باب التكاليف العدمية ضعيف جدا. بقي في الباب احتمالان آخران.

(أحدهما) أن يكون المقصود من النهي هو السلب الكلي على نحو العام المجموعي، بأن يكون معنى قوله لاتشرب الخمر هو ترك مجموع أفراد الخمر من حيث المجموع، بأن كان هناك خطاب واحد تعلق بالمجموع ويكون عصيانه بوجود أول فرد من شرب الخمر، من دون أن يكون للباقي طاعة وعصيان كما كان في النذر كذلك. وهذا الاحتمال وإن كان ربما يعينه مقابلة النهي للامر كما تقدم إلا أنه أيضا خلاف الظاهر، فإن الظاهر من قوله لاتشرب الخمر هو أن يكون مطلق وجود شرب الخمر مبغوضا، سواء في ذلك الوجود الاول والثاني والثالث وهكذا، لا أن يكون المبغوض هو أول الوجود كما هو لازم معنى السلب الكلي.

والحاصل: أن كون المقصود في النهي هو السلب الكلي على نحو المجموع يحتاج إلى عناية زائدة عن تعلق النهي بنفس الطبيعة، وهي أخذ مجموع وجودات الطبيعة أمرا ويلاحظها بلحاظ فارد ثم ينهى عنها بما أنها أمر واحد، وهذا خلاف ظاهر توجه النهي على نفس الطبيعة، فإن ظاهره أن يكون لكل وجود من الطبيعة مفسدة لاربط بها بالآخر.

فيتعين (الاحتمال الثالث) وهو الانحلالية، وأن في باب النواهي يكون لكل وجود يفرض للطبيعة خطاب برأسه وطاعة وعصيان يخصه، وهذا الخطاب لاتحقق له إلا بعد تحقق الفرد خارجا، لما عرفت من أنفي باب التكاليف


العدمية الانحلالية يكون لوجود الموضوع دخل في تحقق الملاك.

بل في التكاليف الوجودية الانحلالية يكون الامر كذلك أيضا، إذا الظاهر من قوله أكرم كل عالم أن يكون لوجود العالم في الخارج دخل في تحقق ما هو مناط الحكم، ويلزمه قهرا تبعية الحكم لوجود الموضوع، فلازم الانحلالية أن يكن الحكم مشروطا بوجود الموضوع، كما أن لازم صرف الوجود عكس ذلك، وأن الظاهر في مثل قوله أكرم عالما هوأن لايكون التكليف مشروطا بأزيد مما يقتضيه العقل من القدرة على الامتثال كما تقدم تفصيله.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن الاصل في باب النواهي هو أن يكون التكليف انحلاليا إلا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك، ويلزمه قهرا اشتراط التكليف بوجود الموضوع، وأن الاصل في باب الاوامر أن يكون المطلوب صرف الوجود وعدم اشتراطه بتحقق الموضوع إلا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك.

الامر الرابع: بعد ما عرفت الانقسامات المتصورة في طرف الامر والنهي، يقع الكلام حينئذ في بيان حال الشك، وأنه في أي مورد يرجع الشك إلى الشك في التكليف، وفي أي مورد يرجع الشك إلى الشك في الامتثال.

وقبل بيان ذلك لابد من بيان ما هو الضابط في رجوع الشك إلى أحد القسمين، فنقول: ان ضابط الشك في التكليف هو أن يرجع الشك إلى مرحلة فعل الآمر وما هو الصادر عنه في مقام أمره وتحقق الطلب منه، ففي كل مرحلة يرجع الشك إلى مرحلة أصل الطلب، ولو باعتبار سعة دائرة الطلب وضيقه يكون الشك شكا في التكليف، وضابط الشك في الامتثال هو أن يرجع الشك إلى الشك في تحقق الفعل والترك المطالب به، مع تبين التكليف وما هو الصادر عن الآمر.


إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لو لم يكن للتكليف تعلق وربط بموضوع خارجي، بل كان هناك تكليف ومتعلق فقط فالشبهة المصداقية لايمكن تحققها فيه، سواء في ذلك التكاليف الوجودية والعدمية، بداهة أن بعد تبين مفهوم التكليف ومفهوم التعلق، وأن التكليف هو الوجوب والحرمة والمتعلق هو الصلاة والغناء، وعلم معنى الصلاة والغناء، لايمكن أن يشك الشخص في حال صدور المتعلق منه فيما يفعله وأن هذا المشغول به ماهو.

نعم بعد الفعل يمكن أن يشك في فعله السابق، والذي فعله في السابق هل هو صلاة أو غناء، ولكن هذا الشك في التكاليف الوجودية يرجع إلى الشك في الامتثال إن لم يكن هناك مثل قاعدة الفراغ التي تثبت الامتثال وفي التكاليف التحريمية مما لاأثر له بداهة أنه لاأثر للشك في أنه هل صدر مني غناء أو لم يصدر وعلى تقدير فرض الاثر فأصالة عدم صدور الغناء جارية.

ثم لايخفى عليك أن ما قلناه من عدم تحقق الشبهة المصداقية في باب متعلقات التكاليف إنما هو فيما إذا كان نفس الفعل الصادر عن المكلف ابتداء متعلق التكليف، وأما إذا كان الفعل الصادر عن المكلف محصلا وسببا لما هو متعلق التكليف فتطرق الشبهة المصداقية فيه بمكان من الامكن، بداهة أنه يمكن الشك في أن هذا الذي يفعله هل هو محصل لما هو المكلف به أو غير محصل وكلما رجع الشك إلى المحصل كان مجرى للاشتغال، لرجوع الشك إلى الشك في الامتثال والخروج عن الفعل والترك المطالب به، سواء كان ذلك في التكاليف الوجودية أو العدمية.

أما في التكاليف الوجودية فرجوع الشك إلى الشك في الامتثال واضح، كما في باب الطهارة الحدثية والخبثية على وجه. وأما في التكاليف العدمية فكذلك ايضا على ما اختاره شيخنا الاستاذ مد ظله


مثلا لو نهى عن إحراق زيد فالتكليف بحرمة الاحراق بعد العلم به قد تنجز على المكلف، فلو شككت في الالقاء الكذائي هل هو محصل للاحراق أولا، كان اللازم بمقتضى تنجز التكليف بحرمة الاحراق هو التجنب عن مثل هذا الالقاء المشكوك محصليته، وذلك لرجوع الشك فيه إلى الشك في العصيان، لا إلى الشك في التكليف بداهة العلم بالتكليف والمتعلق كليهما، فالشك في ذلك لايرجع إلى الشك في أحدهما، بل إلى الشك في تحقق العصيان بمثل هذا الالقاء المحتمل كونه محصلا للاحراق، والشك في تحقق العصيان كالشك في تحقق الاطاعة ليس من مجاري البراء‌ة، لان مجرى البراء‌ة منحصر في الشك في التكليف لا في محصله.

والحاصل: أن الشك في محصلية الالقاء الكذائي للاحراق لابد له من رافع ومؤمن عقلي أو شرعي، والمفروض انتفاء المؤمن العقلي والشرعي في مثله، لعدم جريان قبح العقاب بلابيان، وعدم جريان رفع مالايعلمون، لما عرفت من أن مورد البراء‌ة الشرعية والعقلية منحصر بما إذا كان الشك في أصل التكليف لافي محصله، فتأمل جيدا.

هذا كله فيما إذا لم يكن للتكليف تعلق بموضوع خارجي. وأما إذا كان له تعلق بذلك، فيختلف حال الشك حسب اختلاف التكاليف الوجودية والعدمية بأقسامها المتقدمة. فلو كان التكليف وجوديا، وكان المطلوب منه صرف الوجود كما هو الاصل في التكاليف الوجودية على ما عرفته فقد تقدم أن الظاهر من مثل قوله أكرم عالما هو أن لايكون التكليف مشروطا بأزيد مما يشترط العقل في جميع التكاليف من القدرة على الامتثال، ولازمه أن لايكون الملاك والتكليف مشروطا بوجود العالم، فاللازم حينئذ هو وجوب تحصيل العالم ليكرمه، وعلى تقدير الشك في وجود العالم أو القدرة على إيجاده فاللازم هو الفحص حتى يعلم بعدم القدرة.


وبالجملة: كلما رجع الشك إلى ناحية القدرة العقلية، فمن حيث عدم دخلها في الملاك العقل يستقل بوجوب الفحص ويحكم بذلك حكما طريقيا، نعم لو كانت القدرة شرطا شرعيا فمن حيث دخلها في الملاك كما تقدم كان الشك فيها شكا في أصل التكليف، فلايجب الفحص حينئذ إذا كان الشك فيه من أجل الشبهة الموضوعية كما فيما نحن فيه، إلا أن يقوم دليل من الخارج على وجوب الفحص، أو كان الخطاب المشروط بالقدرة يقتضي الفحص، لانه كانت القدرة المأخوذة في الخطاب شرعا مما لايمكن العلم بها بحسب العادة إلا في الفحص كما في الاستطاعة الحجية، فإن العلم بحصولها لايمكن عادة إلا بالفحص عن مقدار المالية وما يملكه.

وهذا هو السر في فتوى المشهور بوججوب الفحص عن الاستطاعة مع أن القاعدة لاتقتضي ذلك، لما عرفت من أنه كلما كان الشك في أصل تحقق ما هو شرط التكليف وكان له دخل في الملاك كان مرجعه إلى أصل التكليف، وأصالة البراء‌ة تنفي وجوب الفحص إذا كانت الشبهة موضوعية.

وحاصل الكلام: أن في التكاليف الوجودية إذا لم يكن الملاك والتكليف مشروطا بوجود الموضوع، كان اللازم هو وجوب الفحص عن تحقق الموضوع والقدرة عليه، وقد عرفت أن عدم اشتراط الملاك والتكليف بوجود الموضوع مما يقتضيه إطلاق الخطاب إذا كان المطلوب منه صرف الوجود كما هو مقتضى طبع الامر والاصل فيه.

وأما إذا كان الملاك والتكليف مشروطا بوجود الموضوع، كما إذا قام دليل من الخارج على ذلك، كان مقتضى القاعدة عند الشك فيه عدم وجوب الفحص والبراء‌ة عنه، إلا أن يقوم دليل على وجوب ذلك، أو كان الخطاب بنفسه يقتضيه، كما في بلوغ المال حد الاستطاعة في الحج، وحد النصاب في


الزكاة. هذا كله في التكاليف الوجودية المطلوب منها صرف الوجود.

وأما التكاليف الوجودية المطلوب منها مطلقة، فإن كان ذلك على نحو الانحلالية بأن كان لكل موضوع يوجد في الخارج خطاب مستقل، كما في مثل أكرم العلماء إذا كان على نحو العموم الاستغراقي، فرجوع الشك إلى الشك في التكليف عند الشك في وجود الموضوع واضح، بداهة أن لو شك في عالمية زيد مثلا كان الشك في ذلك مستلزما للشك في وجوب إكرامه، لانه على تقدير أن يكون عالما كان له خطاب مستقل برأسه، فيرجع الشك إلى الشك في أصل التكليف، وواضح أنه من مجاري البراء‌ة.

وأما إذا كان المطلوب مطلق الوجود على نحو العام المجموعي، فهو وإن لم يكن هناك إلا خطاب واحد وتكليف فارد، إلا أنه لاإشكال في أنه يختلف سعة وضيقا حسب ما يوجد من أفراد الموضوع خارجا، بداهة أنه لو لم يوجد من أفراد العلماء إذا اعتبر على نحو المجموعي إلا مائة، كان سعة التكليف بمقدار المائة وله تعلق بهذه الجملة، ولو زاد على المائة واحد اتسعت دائرة التكليف وكان له تعلق أيضا بذلك الواحد، وهكذا تتسع دائرة التكليف حسب اتساع أفراد الموضوع.

فلو شك في عالمية زيد مثلا فهو وإن لم يكن له خطاب مستقل على تقدير كونه عالما إلا أنه مما يوجب سعة دائرة التكليف، فالشك فيه شك في مقدار التكليف، وبالاخرة يرجع الشك إلى الشك في وجوب إكرام زيد، ويكون مجرى البراء‌ة أيضا كما لايخفى.

هذا كله في التكاليف الوجودية، وقد عرفت حال الشك فيها بأقسامه. وأما التكاليف العدمية فقد عرفت أنه ليس فيها ما يكون المطلوب منه صرف الوجود، فما ذكرناه في التكاليف الوجودية عند الشك في وجود الموضوع إذا كان المطلوب منه صرف الوجود ساقط في التكاليف العدمية من أصله.


نعم الاحتمالات الاخر جارية فيها أيضا مع زيادة احتمال آخر في خصوصها، وهو ما إذا كان المطلوب من التكليف العدمي العنوان المتولد من الترك الخارجي وهو كون الشخص لاشارب الخمر، وقد عرفت أن هذا خلاف ما يقتضيه ظاهر النهي.

ولو قام دليل على أن المطلوب من النهي هو ذلك فلامحيص حينئذ من ترك جميع ما يحتمل كونه خمرا، لان الترك الخارجي يكون حينئذ محصلا لذلك العنوان، فلابد من القطع بحصول العنوان الذي يكون هو المطلوب، والقطع بحصول ذلك لايتحقق إلا بترك جميع أفراد الخمر المعلومة والمشكوكة، بداهة أن شرب مشكوك الخمرية ملازم للشك في حصول العنوان، والشك فيه يرجع إلى الشك في الامتثال كما هو أوضح من أن لايخفى.

بقي في المقام احتمالان آخران: (أحدهما) أن يكون النهي على نحو الانحلالية، بأن يكون لكل فرد من أفراد الخمر خطاب يخصه (ثانيهما) أن يكون على نحو المجموعية. والكلام فيهما عند الشك في الموضوع الكلام في التكاليف الوجودية بعينه، وأنه يكون من مجاري البراء‌ة فلانعيده، لكنه قد عرفت أن الاصل في باب الاوامر هو أن يكون على نحو صرف الوجود، وأن الاصل في باب النواهي أن يكون على نحو الانحلالية.

هذا كله في التكاليف الوجودية والعدمية الاستقلالية. وأما التكاليف الوجودية والعدمية الارتباطية التي هي المقصود بالاصالة للبحث عنها هنا، وإنما ذكرنا حال الاستقلالية تبعا، فمجمل القول فيها: أن جميع الاقسام المتصورة في التكاليف الاستقلالية متصورة في التكاليف الارتباطية أيضا، فإن منها ما لايكون له تعلق بموضوع خارجي كالركوع والسجود والتكفير وقول آمين وغير ذلك من الخطابات الغيرية الوجودية والعدمية. ومنها مايكون له تعلق بموضوع خارجي، وهذا على قسمين لانه إما أن يتعلق به تكليف وجودي


كالاستقبال والطهور وأمثال ذلك، وإما أن يتعلق به تكليف عدمي كلبس الحرير وغير المأكول وأمثال ذلك.

فإن كان التكليف وجوديا وكان المطلوب منه صرف الوجود، كما هو الشأن في جميع التكاليف الوجودية الارتباطية، فعند الشك في تحقق الموضوع والقدرة عليه يجب الفحص كالتكاليف الاستقلالية.

وهذا هو السر فيما اشتهر في الالسن من أن الشرط يجب إحرازه ولايكفي الشك في حصوله، لان التكليف المتعلق بالشرط يكن وجوديا والمطلوب منه صرف الوجود، فلابد عند الشك فيه من الفحص إلى أن يعلم بتعذره.

وإن كان التكليف عدميا كما في باب الموانع التي هي محل البحث في المقام، فينبغي أولا أن يتكلم فيما هو منشأ انتزاع المانعية ثبوتا وإثباتا، فنقول: بعد ما عرفت من أن رتبة تحقق المانع ووجوده إنما هو بعد وجود المقتضي بماله من الشرائط والاجزاء، فلا إشكال في أن منشأ انتزاع المانعية بالنسبة إلى الملاكات والمصالح والمفاسد التي تبتني عليها الاحكام الشرعية بناء على اصول العدلية إنما يكون أمرا واقعيا تكوينيا، كما أن مقتضيات الملاكات بمالها من الاجزاء والشرائط تكون امورا واقعية تكوينية، من دون أن يكون لها تعلق بجعل شرعي ولامساس لها بالشارع في عالم شارعيته وجعله الاحكام، بل هي كسائر الامور التكوينية الواقعية.

وإذا كان شأن موانع الملاكات كذلك فعند الشك في تحقق المانع عن الملاك يرجع الشك في الحقيقة إلى الشك في حصول الملاك، فلو كانت الملاكات داخلة في حيز التكليف ومتعلقة للطلب لكان الاصل عند الشك في المانع عن الملاك هو الاشتغال والاحتياط، لما عرفت من أن الشك في المانع يرجع إلى الشك في حصول الملاك الذي فرض تعلق الطلب به، وكلما رجع الشك إلى


الشك في المحصل يكون الاصل فيه هو الاشتغال والاحتياط لاالبراء‌ة كما تبين في محله، هذا.

ولكن بعد ما بينا في محله وأوضحنا أن الملاكات غير داخللة في حيز الطلب ولم يتعلق بها أمر أصلا، وليست من المسببات التولدية لفعل المكلف، بل ليس الفعل إلا مقدمة إعدادية لحصولها كان الشك في حصول المانع منها مما لاأثر له، ولاينفع في شئ من المقامات، ولايمنع عن جريان البراء‌ة في متعلقات التكاليف.

بداهة أن في جميع موارد تردد الواجب بين الاقل والاكثر يرجع الشك فيها إلى الشك في حصول الملاك بالاقل، فلو كان الشك في حصول الملاك يمنع عن جريان البراء‌ة في المتعلق لكان اللازم هو القول بالاحتياط في جميع موارد تردد الامر بين الاقل والاكثر. وهذا يكون هدما لما أسسناه في أول البحث، من أن التكلم فيما نحن فيه إنما هو بعد الفراغ عن جريان البراء‌ة في الاقل والاكثر الارتباطي.

والحاصل: أنه بعد البناء على أن الملاكات لم تكن لازمة التحصيل ولم يتعلق بها طلب ولاأمر، بل إنما تكون عللا ودواعي للامر والتكليف، كان الشك في حصول المانع منها مما لاأثر له ولايترتب عليه شئ، فالحري إنما هو ملاحظة منشأ انتزاع المانعية في باب التكاليف، وفي باب متعلقاتها، وفي باب موضوعاتها، وفي باب الوضع والاسباب، كموانع باب العقود والايقاعات، فنقول: إن المانع (تارة) يكون مانعا عن التكليف الذي هو فعل اختياري للآمر والمكلف بالكسر. (واخرى) يكون مانعا عن متعلق التكليف والمأمور به الذي هوفعل اختياري للمأمور والمكلف بالفتح.


(وثالثة) يكون مانعا عن تحقق ما هو موضوع التكليف، وهذا أيضا يرجع إلى المانعية عن التكليف، بداهة اشتراط التكليف بالموضوع فالمانع عن الموضوع مانع عن التكليف. (ورابعة) يكون مانعا عن تحقق المسبب الذي هو المجعول الشرعي في باب الوضع والاسباب، كموانع تحقق الملكية والزوجية وأمثال ذلك من المجعولات الشرعية الامضائية، فهذه جملة أقسام الموانع.

وحيث عرفت سابقا أن المانعية كالسببية والشرطية والجزئية مما لاتنالها يد الجعل، بل المجعول إنما هو منشأ انتزاع هذه الامور، فاعلم أن منشأ انتزاع المانعية للمأمور به والمكلف [ به ] ليس هو ثبوتا إلا تحقق تخصص المأمور وتقيده في عالم الجعل والتشريع بعدم ما فرض كونه مانعا، بداهة أن الاهمال النفس الامري في عالم تحقق الارادة والجعل مما لايعقل بالنسبة إلى الجاعل الملتفت، ففي عالم الثبوت واللواقع لامحيص إما من لحاظ تقيد المأمور به بعدم الشئ، وإما من لحاظه مطلقا بالنسبة إلى وجوده وعدمه، ولايمكن أن يكون لاهذا ولاذاك، وإلا لزم الاهمال الواقعي الذي عرفت استحالته.

والحاصل: أن في مقام تألليف الماهية وتشريعها إما أن يلاحظها الشارع مقيدة بأمر وجودي، وإما أن يلاحظها مقيدة بأمر عدمي، وإما أن يلاحظها مطلقة، ولارابع لهذه الاقسام.

واختلاف اللحاظ بحسب هذذه الاقسام إنما يكون من أجل اختلاف الماهية بحسب انطلباق الملاك عليها، فتارة يكون الملاك منطبقا عليها مطلقا بالنسبة إلى الانقسامات اللاحقة لها، واخرى لاينطبق الملاك عليها إلا على وجه خاص من انضمام أمر وجودي إليها أو عدمي، ومن المعلوم أن الجاعل لابد في مقام اللحاظ والجعل من ملاحظة الماهية على الوجه الذي ينطبق عليها الملاك، وإلا كان ذلك


نقضا لغرضه ومفوتا لمقصوده كما لايخفى.

فإن لاحظ الماهية مطلقة غير مقيدة بأمر وجودي أو عدمي، فلا يعقل بعد ذلك جعل شئ جزء لها أو شرطا أو مانعا، إلا أن يكون غير ملتفت إلى أن الشئ الفلاني شرط أو مانع، وإلا لايعقل أن يلاحظ الشخص الملتفت إلى الجهات الواقعية الماهية المطلقة وبعد ذلك لايحظ شيئا آخر جزء لها أو مانعا عنها.

وإن لاحظها مقيدة بأمر وجودي، فذلك الامر الوجودي إما أن يكون جزء لها أو شرطا على اختلاف بينهما في كيفية اللحاظ. وإن لاحظها مقيدة بأمر عدمي فذلك الامر العدمي يكون مانعا لامحالة. هذا كله في عالم اللحاظ. ثم بعد ذلك لابد للجاعل والشارع من تشريع الماهية وجعلها على طبق لحاظها، فكما أن في عالم اللحاظ ليس له لحاظ شئ آخر جزء أو شرطا أو مانعا بعد لحاظ الماهية مطلقة، فكذلك بعد الجعل والتشريع أن يجعل أمرا شرطا أو مانعا عن مجعوله إلا على سبيل النسخ.

وحاصل الكلام: أن هنا عوالم ثلاثة، عالم الملاك وعالم اللحاظ وعالم الجعل والتشريع، ومنشأ انتزاع الجزئية والشرطية والمانعية في كل من هذه العوالم الثلاثة مختلف، فإن منشأ انتزاع هذه الامور في عالم الملاك قد عرفت أنه أمر واقعي تكويني، وقد تقدم أن الشك في تحقق المنشأ وحصوله في هذا العالم مما لاأثر له بعد عدم كون الملاكات داخلة في حيز الطلب والتكليف.

ومنشأ انتزاع هذه الامور في عالم اللحاظ إنما هو عبارة عن لحاظ الطبيعة إما مقيدة بأمر وجودي أو بأمر عدمي، والجزء والشرط والمانع في هذا العالم أيضا مما لاأثر له، بداهة أن عالم اللحاظ مع قطع النظر عن الجعل والتشريع على طبقه


مما لاأثثر له ولاإطاعة له ولاعصيان.

بل الاطاعة والعصيان والاثر إنما تترتب على عالم الجعل والتشريع الذي هو عالم التكليف، ومنشأ انتزاع المانعية والشرطية والجزئية في هذا العالم أي عالم الجعل إنما هو جعل الطبيعة وتقييدها وتخصيصها بأمر وجودي أو عدمي فمن تقيدها بأمر وجودي تنتزع عنه الجزئية والشرطية، ومن تقيدها بأمر عدمي تنتزع عنه المانعية، فلو لا تقيد الماهية في عالم التشريع بعدم ذلك الذي فرض كونه مانعا عن تحقق المأمور به، لايمكن بعد ذلك أن يصير شئ مانعا عنه، ولايعقل جعله ثانيا إلا على طريق النسخ كما عرفت.

فتحصل: أن منشأ انتزاع المانعية للمأمور به ليس إلا تقيد المأمور به في عالم الجعل والتشريع بعدم الشئ، كما أن منشأ انتزاع المانعية في باب الوضع والاسباب ليس هو إلا عبارة عن تقيد المسبب الذي هو المجعول الشرعي في باب الاسباب، كالملكية والزوجية وأمثال ذلك بعد المانع، وهكذا الحال في موانع التكليف ليس المنشأ إلا عبارة عن اشتراط التكليف وتقيده بعدم المانع كما لايخفي. هذا كله بحسب عالم الثبوت.

وأما بحسب عالم الاثبات فالنواهي الغيرية الواردة دالة بمدلولها المطابقي على ذلك التقيد النفس الامري، كما أن الاوامر الغيرية الواردة دالة بمدولها المطابقي على التقيد النفس الامري أيضا، غايته أن النواهي تدل على التقيد بالعدم الذي هو مساوق لمانعية الشئ، والاوامر تدل على التقيد بالوجود الذي هو مساوق لجزئية الشئ أو شرطيته.

فمثل قوله " اركع أو اسجد أوصل مستقبلا " يدل على جزئية الركوع والسجود وشرطية الاستقبال، ويكشف عن تقيد الصلاة ثبوتا في مقام الجعل والتشريع بالركوع والسجود والاستقبال، ومثل قوله " لاتصل في الحرير " و " فيما


لايؤكل " يدل على مانعية الحرير وما لا يؤكل، ويكشف عن تقيد الصلاة ثبوتا بعدم وقوعها في الحرير وفيما لايؤكل.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن المحتملات التي ذكرناها في النواهي الاستقلالية بعينها جارية في النواهي الغيرية، فإن النهي الغيري يمكن أن يكون له تعلق بموضوع خارجي، كالنهي عن الصلاة فيما لايؤكل وفي الحرير، ويمكن أن لايكون له تعلق بموضوع خارجي، كالنهي عن قول آمين والتكتف.

ثم ما كان له تعلق بموضوع خارجي يمكن ثبوتا أن يكون المطلوب منه هو العنوان المترتب والسبب التوليدي الحاصل من ترك ما تعلق به النهي، بأن يكون المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لايؤكل هو اتصاف الصلاة بعدم وقوعها فيه، وكون المصلي متصفا بأنه غير لابس له، بحيث يكون المقصود هوالمعنى النعتي الحاصل من ترك لبس أفراد غير المأكول، فتكون القضية حينئذ من الموجبة المعدولة المحمول وتخرج عن السالبة المحصلة، كما إذا كان المطلوب في النواهي الاستقلالية مثل لاتشرب الخمر هو كون الشخص غير متصف بكونه شارب الخمر، وأنه يعتبر أن لايكون شارب الخمر.

ويمكن أن يكون المطلوب من النهي الغيري المتعلق بموضوع خارجي هو السلب الكلي على نحو العام المجموعي، بأن يكون المقصود من النهي عن الصلاة فيما لايؤكل هو تركها في مجموع أفراد ما لايؤكل، بحيث كان هناك نهي واحد و مطلوب فارد تعلق بمجموع الافراد، فيكون المانع هو مجموع الافراد على نحو عموم السلب لاسلب العموم، بحيث لو صلى في فرد مما لايؤكل اضطرارا فقد خرجت لافراد الاخر عن المانعية وتعلق النهي بها.

ويمكن أن يكون المطلوب من النهي الغيري هو السلب الكلي على نحو الانحلالية بحيث يكون لكل فرد من أفراد مالايؤكل خطاب يخصه، ويتعدد


المانع حسب تعدد أفراده في الخارج، وتكون الصلاة مقيدة بعدم وقوعها في كل واحد من الافراد، ويتعدد القيد حسب تعدد أفراد كتعدد الخطابات الاستقلالية حسب تعدد أفراد الموضوع.

والحاصل: أن المحتملات في النواهي الغيرية هي بعينها المحتملات في النواهي الاستقلالية، وقد عرفت أن المحتملات في النواهي الاستقلالية ثلاثة ففي النواهي الغيرية أيضا كذلك، هذا بحسب الامكان.

وأما بحسب الاستظهار فما استظهرناه في النواهي الاستقلالية، من كون المطلوب فيها بحسب ما يقتضيه ظاهر الدليل كونه على نحو الانحلالية، لا السلب الكلي على نحو العام المجموعي، ولاالموجبة المعدولة المحمول، بعينه مستظهر في النواهي الغيرية، وأن الاصل فيها أيضا الانحلالية، وحينئذ يكون الشك في تحقق الموضوع الخارجي شكا في التكليف، كما تقدم وجهه في النواهي الاستقلالية.

وبيان ذلك، هو أنه لاإشكال في أن الظاهر من أدلة الباب، من مثل قولهعليه‌السلام " لاتجوز الصلاة فيما لايؤكل "(١) خصوصا الاخار المعللة بالمسوخية وغيرها، هو أن جهة المنع إنما هي لاجل خصوصية قائمة في غير المأكول أوجبت المنع عن الصلاة فيه.

وهذا المعنى ينافي كونه من باب الموجبة المعدولة المحمول، فإنه لو كان المطلوب بالنهي هو كون الصلاة متصفة بكونها لافيما يؤكل لحمه، بحيث يكون نفس هذا العدم النعتي تمام المطلوب والمصلحة قائمة به، لكان اللازم هو ملاحظة العدم معنى استقلاليا، وتكون الخصوصية الموجبة لعدم صحة الصلاة فيما لايؤكل قائمة بنفس هذا العدم، من دون أن يكون في الحيوان الغير المأكول خصوصية

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي ح ٧. [ * ]


أوجبت المنع عن الصلاة فيه، بل كانت الخصوصية قائمة بذلك الوصف العدمي القائم بالصلاة عند ترك الصلاة فيما لايؤكل، بحيث تدور الصحة والفساد مدار تحقق ذلك الوصف وعدمه، حتى لو فرض محالا أن المكلف ترك الصلاة في جميع أفراد ما لايؤكل، ولم يتحقق ذلك الوصف العدمي للصلاة، لكانت الصلاة فاسدة. وهذا الفرض وإن كان محالا، لان ترك الصلاة في جميع أفراد ما لايؤكل ملازم لتحقق العنوان العدمي للصلاة، فإن ذلك العنوان من قبيل المسبب التوليدي لذلك الترك، كما عرفت وجهه في النواهي الاستقلالية، إلا أن التفكيك بين المتلازمين مما يوجب تقريب المطلب وتسجيله.

والحاصل: لازم كون المطلوب هو الصلاة لافيما يؤكل على نحو القضية المعدولة المحمول، هو كون الخصوصية المستتبعة للصحة والفساد قائمة بنفس ذلك العدم، من دون أن يكون لافراد غير المأكول دخل في ذلك، ولاخصوصية فيها توجب المنع عن الصلاة فيها.

وهذا كما ترى ينافي ظواهر الادلة، من كون المنع إنما هو من أجل خصوصية قائمة في نفس الحيوان التي أوجبت حرمة أكله وعدم جواز الصلاة فيه، كما يشهد لذلك التعليل بالمسوخية وغيرها، فالمطلوب في باب النواهي الغيرية سحب ما يقتضيه ظاهر الادلة ليس هوإلا ترك الصلاة في أفراد ما لايؤكل لاتصاف الصلاة بالترك، بحيث لو فرض أيضا محالا ترك المكلف الصلاة في جميع أفراد مالايؤكل، ولكن لم يتحقق ذلك الوصف العدمي للصلاة، لما كان ذلك مخلا بالصحة أصلا.

فاحتمال أن يكون المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لايؤكل، هو اتصاف الصلاة بكونها لافيما يؤكل لحمه على نحو المعدولة المحمول ساقط من أصله، ولاينبغي الاصغاء إليه


بقي احتمالات آخران: (أحدهما) أن يكون المطلوب من النهي هو ترك الصلاة في أفراد ما لايؤكل على نحو العام المجموعي، بحيث يكون هناك مطلوب واحد وقيد فارد للصلاة، وهو عدم وقوعها في مجموع أفراد مالايؤكل من حيث المجموع على نحو السلب الكلي، نظير من نذر ترك أفراد شرب الدخان. (ثانيهما) أن يكون المطلوب من النهي هو ترك الصلاة في كل فرد فرد من أفراد ما لايؤكل على نحو العموم انحلالي، بحيث يكون كل فرد من أفراد ما لايؤكل متعلقا للنهي الغيري استقلالا، ويكون عدم كل فرد فرد قيدا للصلاة، فتتعدد القيدية حسب تعدد الافراد.

وقد تقدم في النواهي الاستقلالية أن الاصل فيها الانحلالية، والظاهر من مثل قوله " لاتشرب الخمر " هو انحلال الخطاب بالنسبة إلى كل فرد فرد من أفراد الخمر، بحيث يكون لكل فرد خطاب يخصه، فهل الامر في النواهي الغيرية أيضا كذلك، أو أن الاصل فيها أن يكون النهي على نحو العام المجموعي؟ ربما يتوهم أن المطلوب فيما نحن فيه لابد وأن يكون على نحو السلب الكلي لاالعام الانحلالي، وذلك لانه لاإشكال في عدم حصول قيد الصلاة، وما هو المطلوب من النهي عن الصلاة فيما لايؤكل، إلا ترك الصلاة في مجموع أفراد ما لايؤكل، فامتثال النهي عن الصلاة فيما لايؤكل لايتحقق إلا بالتحرز والتجنب عن جميع أفراد ما لايؤكل، وهذا كما ترى لايستقيم إلا بأن يكون المطلوب فيما نحن فيه هو السلب الكلي لا الانحلالي.

وأيضا لاإشكال في أنه لو صلى في أحد أفراد مالايؤكل لاتكون سائر الافراد مانعة، لان المسبوق بمثله لايؤثر، وهذا يكشف عن بطلان الانحلالية، لانه لو كان المطلوب بالنهي هو الانحلالية لكان اللازم اتصاف كل فرد فرد من أفراد غير المأكول بالمانعية، كاتصاف كل فرد فرد من أفراد الخمر بالحرمة، هذا.


ولكن لايخفى عليك فساد هذا التوهم، فإن عدم حصول القيد للصلاة، إلا بترك جميع أفراد غير المأكول لايكشف عن كون المطلوب بالنهي هو السلب الكلي، بل عدم حصول ذلك إنما هو من لوازم الارتباطية، حيث إن الارتباطية بين أجزاء الصلاة وشرائطها وموانعها تقتضي عدم تحقق المطلوب من الصلاة إلا بوجدانها لجميع ما اعتبر فيها.

وما ذكر من أنه لو صلى في أحد أفراد غير المأكول تخرج سائر الافراد عن كونها مانعة، وهذا ينافي الانحلالية، ففساده غني عن البيان، فإن فيه:

(أولا) نقضا أنه لو صلى مع فقدان بعض أجزاء الصلاة أو شرائطها، أو صلى مع مانع آخر غير ما لايؤكل كالحرير مثلا، فلا إشكال في أن غير المأكول لايتصف بالمانعية، فإنه لو صلى في ألف من غير المأكول لايؤثر في الفساد، بعدما كانت الصلاة واقعة على غير ما اعتبرفيها من الاجزاء والشرائط والموانع، فمجرد خروج سائر الافراد عن المانعية إذا كانت الصلاة واقعة في فرد مما لايؤكل لايكشف عن كون القيد اخذ على نحو السلب الكلي أو الانحلالي.

(وثانيا) أن مانعية غير المأكول لم تؤخذ قيدا لافراد الصلاة، حتى يقال بأن الفرد من الصلاة الواقع في فرد من غير المأكول يوجب خروج سائر الافراد عن المانعية، بل القيد إنما اعتبر قيدا للطبيعة، فلو فرض أنه صلى ألف فرد من الصلاة في غير المأكول، لايوجب خروج غير المأكول عن المانعية، وبعد باق على مانعيته للطبيعة، والافراد الواقعة من الصلاة خارجة عن صحة انطباقها على الطبيعة المأمور بها.

نعم لو فرض أنه اضطر إلى الصلاة في فرد من غير المأكول، بحيث يوجب سقوط القيد عن القيدية، فحينئذ لو قال أحد بأنه بعد اضطراره إلى لبس فرد من أفراد غير المأكول يجوز لبس سائر الافراد، ولاتضر بصحة الصلاة، لكشف ذلك


عن أن القيد إنما اخذ على نحو السلب الكلي، حيث جواز لبس سائر الافراد الغير المضطر إليها ينافي الانحلالية، وأن كل فرد من أفراد غير المأكول مانع مستقل وتعلق النهي الغيري به بحياله. إلا أن الشأن في جواز ذلك، فإن الظاهر تسالم الفقهاء على ما حكي أنه لابد من الاقتصار على المضطر إليه ولايجوز لبس الزائد، وهذا التسالم يكشف عن الانحلالية لا السلب الكلي، كما لايخفى وجهه.

فظهر أن ما تخيل وجها لان يكون النهي في مثل " لاتصل فيما لايؤكل " على نحو السلب الكي ليس بجيد، والاقوى أن النهي فيما نحن فيه إنما يكون على نحو الانحلالية، وأن كل فرد من أفراد غير المأكول يكون مانععا بحياله وتعلق به النهي الغيري مستقلا.

وعليه تندرج الشبهة في مجاري البراء‌ة، فإذا شك في شئ أنه من غير المأكول من جهة الشبهة المصداقية يكون الشك شكا في التكليف، ويكون من باب دوران المتعلق بين الاقل والاكثر، بداهة أن الانحلالية توجب تعدد القيد والنهي حسب ما يوجد من أفراد غير المأكول في الخارج، فالشك في فرد يوجب الشك في النهي والتقيد زائدا عما علم من الافراد المعلومة.

ثم على تقدير التنزل وتسليم كون النهي على نحو السلب الكلي لا الانحلالي، فالشبهة أيضا مندرجة في مجاري البراء‌ة، ضرورة أنه بناء على السلب الكلي وإن كان النهي واحدا والقيد فاردا، إلا أنه لاإشكال في اتساع دائرة متعلق النهي والقيد حسب سعة ما يوجد من أفراد غير المأكول، وأن كل مايوجد في الخارج من أفراده يوجب زيادة المتعلق وتوسعة في ناحية القيد، وهذا المقدار يكفي في اندراج الشبهة في مجاري البراء‌ة، كما عرفت وجهه في التكاليف الاستقلالية، بداهة أنه بناء على هذا أيضا يرجع الشك فيه إلى الشك في التكليف لاالشك في الامتثال.


وحاصل الكلام: أنه بناء على أن يكون النهي عن الصلاة فيما لايؤكل انحلاليا، وأن كل فرد فرد من أفراد ما لايؤكل قد تعلق به نهي، وكان موردا للتكليف مستقلا بحيث يتعلق بكل فرد يوجد في الخارج فرد من الخطاب لاربط له بخطاب المتعلق الآخر، يكون اندراج الشبهة في مجاري البراء‌ة واضحا.

ولو لم يكن النهي عن الصلاة فيما لايؤكل انحلاليا وكان على نحو السلب الكلي، فهو وإن كان خلاف ظاهر النهي إلا أنه مع ذلك تكون الشبهة مجري للبراء‌ة، لرجوع الشك في الفرد المشتبه إلى الشك في سعة التكليف والقيد، فإنه لو كان الفرد المشتبه من غير المأكول واقعا لكان ذلك يوجب سعة دائرة النهي والقيد المستفاد منه، فالشك في الفرد يلازم الشك في تعلق النهي به، وكلما رجع الشك إلى الشك في تعلق النهي يرجع إلى البراء‌ة، لما عرفت من الضابط بين رجوع الشبهة إلى الشك في التكليف ورجوعها إلى الشك في الامتثال، وأنه كلما رجعت الشبهة إلى ناحية الطلب وما هو فعل الآمر والمكلف بالكسر فتكون الشبهة من مجاري البراء‌ة في غير الشك في المحصل، وكلما رجعت الشبهة إلى تحقق الفعل أو الترك المطالب به كانت الشبهة من مجاري الاشتغال.

وفيما نحن فيه على كلا التقديرين، سواء كان النهي انحلاليا أو كان مجموعيا، يكون الشك في الفرد المشتبه من باب الشك في التكليف وتردد المتعلق بين الاقل والاكثر. غايته أنه بناء على الانحلالية يرجع الشك إلى الشك في أصل تعلق الخطاب المستقل في الفرد المشتبه، وبناء على المجموعية يرجع الشك إلى دخول الفرد المشتبه تحت دائرة الخطاب الواحد المتعلق بمجموع الافراد.

نعم لو كان المطلوب بالنهي هو العدم النعتي، والوصف المسبب من ترك الصلاة في آحاد غير المأكول، لكان الشك حينئذ مندرجا في مجاري الاشتغال، لرجوع الشك إلى الشك في تحقق ذلك الوصف العدمي المطالب به، لما عرفت من


أنه لو كان المطلوب بالنهي هو العدم النعتي على نحو الموجبة المعدولة المحمول، لكان ترك أفراد غير المأكول محصلا لذلك العدم، ويدور أمر المحصل حينئذ بين الاقل والاكثر، وكلما رجع الشك إلى باب المحصل فالاصل فيه الاشتغال.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أنه لافرق بين النواهي الغيرية والنواهي الاستقلالية، فكما أن الاصل في النواهي الاستقلالية هو الانحلالية، ويكون الشك في الفرد المشتبه شكا في أصل التكليف، فكذلك الامر في النواهي الغيرية وكما أن المطلوب في باب النواهي الاستقلالية، لو كان على نحو السلب الكلي والعام المجموعي، كان الشك أيضا راجعا إلى الشك في التكليف من حيث سعة دائرة التكليف وضيقه، فكذلك الحال في النواهي الغيرية.

وكما أن المطلوب في باب النواهي الاستقلالية لو كان على نحو الموجبة المعدولة المحمول لكان الشك راجعا إلى الشك في الامتثال، فكذلك الحال في النواهي الغيرية حذ والنعل بالنعل. هذا كله بناء على المختار عندنا من مانعية غير المأكول، كما تقدم وجهه.

وأما بناء على شرطية المأكول، فهو وإن كان خلاف ظاهر الادلة إلا أنه يختلف حكم الشك فيه، فإنه بناء على المانعية قد عرفت أنه لامحيص عن القول بالبراء‌ة إلا على تقدير تقدم، وقد عرفت أن ذلك التقدير خلاف ظاهر أدلة الباب.

وأما بناء على الشرطية، فإن قلنا بأن شرطية المأكول مقصورة بما إذا كان اللباس من حيوان، بحيث لو كان اللباس من غير الحيوان كانت الشرطية منتفية من باب عدم الموضوع كما عرفت الوجه في ذلك فيما تقدم لكان اللازم حينئذ عند الشك في المأكولية مع العلم بأن اللباس متخذ من الحيوان هو الاحتياط، للشك في تحقق ما هو الشرط، والشك في الشرط يستدعي الشك في تحقق المشروط وهو الصلاة، فيرجع الشك إلى الشك في تحقق الامتثال والخروج عن


عهدة التكليف.

وأما لو شك في اتخاذ اللباس من الحيوان أو غيره من القطن والكتان، وعلى تقدير كونه من الحيوان فيشك في كونه مأكولا أو غيره، لكان اللازم حتى على القول بالشرطية هو الرجوع إلى البراء‌ة، لان مرجع الشك في الفرض أيضا إلى اتساع سعة دائرة الشرطية بحيث تشمل المشكوك.

ومجرد العلم بشرطية المأكول لايلازم القول بالاشتغال، فإن شرطية المأكول حسب الفرض مقصورة بما إذا كان اللباس من الحيوان، فلو علم كون اللباس من الحيوان كان اللازم هو تحصيل العلم بكونه من المأكول قضية للشرطية، وأما لو شك كونه من الحيوان كما هو المفروض فلا مانع من جريان البراء‌ة للشك في تحقق موضوع ما هو الشرط، وهو كون اللباس من الحيوان، فيرجع الشك إلى الشك في اشتراط المأكولية في هذا اللباس، فإنه على تقدير كونه من الحيوان يشترط فيه المأكولية، وكلما رجع الشك إلى الشك في الاشتراط فالاصل البراء‌ة عنه، فتأمل جيدا.

نعم لو قلنا بأن الشرط هو خصوص المأكولية، بل هو أحد خصوصيات الوجودية من القطن والكتان ومنها المأكولية كما تقدم الوجه في ذلك أيضا كان اللازم في الفرض المذكور هو القول بالاشتغال، للشك في تحقق تلك الخصوصية الوجودية التي كانت شرطا في صحة الصلاة، لاحتمال كون اللباس من حيوان غير مأكول.

فتحصل من جميع ماذكرناه: أنه بناء على مانعية غير المأكول كما أطبقت عليها روايات(١) الباب، وبناء على انحلالية القيد، وأن مثل قوله " لاتصل فيما

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي. [ * ]


لايؤكل " ينحل إلى نواهي متعددة حسب تعدد أفراد ما لايؤكل في الخارج، ويكون لكل فرد فرد من أفراده خطاب يخصه ويتعلق به بعد وجوده، كما هو ويكون الشأن في كل خطاب تعلق بموضوع خارجي عللى نحو الانحلالية، كان محل الكلام وهو ما إذا اشتبه الشئ في كونه من المأكول أو غيره مندرجا في موارد تردد متعلق التكليف بين الاقل والاكثر، من جهة الشبهة المصداقية والموضوعية، بداهة أنه بناء على المانعية والانحلالية يرجع الشك في المورد المشتبه إلى الشك في تعلق التكليف والخطاب الغيري بهذا الفرد من اللباس، وأنه هل ورد عليه خطاب لاتصل فيه أو لم يرد، بعد العلم بورود الخطاب وتوجه التكليف بالنهي عن الصلاة فيما علم كونه من غير المأكول.

فيكون ما نحن فيه مثل ما إذا شك في خمرية مائع من جهة الشبهة الموضوعية، فكما أن الشك في الخمرية يستلزم الشك في تعلق النهي به، لان نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى المعلول، والشك في العلة يلازم الشك في المعلول، فكذلك بعينه فيما نحن فيه، سوى أن الخطاب في مثل لا تشرب الخمر استقلالي، والخطاب فيما نحن فيه غيري. وسنشير إلى أن الفرق ليس بفارق فيما هو المناط في جريان البراء‌ة في الشبهات الموضوعية في التكاليف الاستقلالية. هذا كله بناء على انحلالية الخطاب.

وأما بناء على عدم الانحلالية وأن المطلوب في مثل قوله " لاتصل فيما لايؤكل " إنما هو أمر واحد، ويكون للصلاة قيد فارد وهو عدم وقوعها في مجموع أفراد ما لايؤكل، لاأنها مقيدة، بعدم وقوعها في كل فرد فرد، حتى تتعدد القيدية حسب تعدد الافراد كما هو لازم الانحلالية، بل ليس هناك إلا نهي واحد وقيد فارد تعلق بمجموع الافراد على نحو السلب الكلي، بحيث لايختلف النهي والخطاب والقيد، زادت الافراد في الخارج أو نفصت. نعم زيادة الافراد


ونقصانها يوجب التوسعة والضيق في دائرة متعلق النهي والقيد، كما لو نذر انه لايشرب ماء الدجلة مثلا، فإن زيادة ماء الدجلة أو نقصانه لايوجب تعدد النذر، ولاتعدد النهي الجائي من قبل الوفاء بالنذر، بل الزياده والنقيصة إنما توجب سعة دائرة المنذور وضيقه فهو وإن كان خلاف ما يقتضيه ظاهر النهي الذي له تعلق بموضوع خارجي، حيث عرفت أن الاصل الاولي في باب النواهي المتعلقة بالموضوعات الخارجية هو الانحلالية، من غير فرق بين الاستقلالية والغيرية، وأن ما تخيل من أن النهي الغيري في مثل لاتصل فيما لايؤكل لايمكن أن يكون مفاد الانحلالية لاحد الوجهين المتقدمين، فقد عرفت ضعفه، وأن ما ذكر من الوجهين لايصلح فارقا بين النواهي الاستقلالية والغيرية، ولايوجب انقلاب الاصل الاولي عما هو عليه، إلاأنه بناء عليه أيضا يرجع الشك في المورد المشتبه إلى تردد متعلق التكليف بين الاقل والاكثر.

غايته أنه بناء على الانحلالية يرجع الشك في المورد المشتبه إلى الشك في أصل وجود النهي عنه وتقيد الصلاة بعدم الوقوعو فيه، وهذا بخلاف الوجه الاخير، فإن الشك [ يرجع ] فيه إلى الشك في تعلق ذلك النهي المقطوع وجوده بهذا المشتبه، واتساع دائرة القيدية بعدم الوقوع فيه. وعلى كل حال يرجع الشك إلى الشك في متعلق التكليف وتردده بين الاقل والاكثر.

وأما بناء على أن يكون المطلوب في مثل لاتصل فيما لايؤكل هو النعت العدمي على نحو الموجبة معدولة محمولها، وهو اتصاف الصلاة بعدم وقوعها فيما لايؤكل، وأن المطلوب هو الصلاة لافيما لايؤكل، فيخرج المورد المشتبه عن كونه متعلقا للتكليف والنهي لااستقلالا ولاضمنا وتبعا، بل يكون متعلق النهي حقيقة هو ذلك النعت العدمي المسببب التوليدي من ترك الصلاة في آحاد أفراد مالايؤكل، فيكون ترك الافراد محصلا لذلك المطلوب، ويرجع الشك في المورد


المشتبه إلى تردد محصل متعلق التكليف بين الاقل والاكثر لاتردد نفس المتعلق.

ولعل نظر المشهور على ما نسب إليهم من ذهابهم إلى المنع عن الصلاة في المشكوك ومصيرهم إلى الاحتياط إلى هذا الوجه، وأنهم فهموا من النهي عن الصلاة فيما لايؤكل هو أن المطلوب النعت العدمي، من دون أن تكون الافراد متعلقة للنهي، هذا. ولكن قد عرفت أنه لايمكن المصير إلى هذا الوجه، لان الظاهر من الادلة، خصوصا المعللة منها، هو كون الخصوصية والمفسدة التي أوجبت المنع عن الصلاة فيما لايؤكل قائمه بنفس أفراد مالايؤكل، فتكون نفس الافراد متعلقة للنهي.

إذا عرفت ذلك فنقولك إن دوران متعلق التكليف بين الاقل والاكثر من جهة الشبهة الموضوعية، كدوران المتعلق بين الاقل والاكثر من جهة الشبهة الحكمية كفقد النص وإجماله، ونحن بعدما بينا وأوضحنا أن دوران الامربين الاقل والاكثر من جهة الشبهة الحكمية يكون مجرى للبراء‌ة الشرعية لاالعقلية، فكذلك دوران المتعلق بينهما من جهة الشبهة الموضوعية من غير فرق بينهما أصلا.

وتوهم أن مورد الرجوع إلى البراء‌ة العقلية والشرعية إنما هو فيما إذا شك في شئ يكون بيانه من وظيفة الشارع، وما هو جاعله والصادر عنه في مقام التشريع، بداهة أن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنما هو فيما إذا كان البيان من وظيفة الشارع، وكذا قوله " رفع مالايعلمون " إنما يكون فيما إذا شك في مجعول شرعي يكون وضعه ورفعه بيد الشارع، وهذا المعنى لايجري في الشبهات الموضوعية، لانه ليس من وظيفة الشارع بيان حمال الموضوع الخارجي وأن اللباس من مأكول اللحم أو غيره، بل ليس وظيفة الشارع إلا بيان الاحكام، وأن حكم المأكول وغير المأكول ماهو، والمفروض أنه علمنا حكم المأكول وغيره، وأنه لايجوز الصلاة في غير المأكول، فما هو من وظيفة الشارع بيانه قد علمناه، والشك إنما هو واقع فيما


لايكون من وظيفة الشارع بيانه، فلا محل للبراء‌ة العقلية والشرعية في الشبهات الموضوعية فاسد جدا، بداهة أنه ليس المناط في البراء‌ة العقلية والشرعية أن يكون المشكوك من وظيفة الشارع بيانه، وإلا كان اللازم عدم جريان البراء‌ة في الشبهات الحكمية أيضا عند إجمال النص، كما لو تردد الغناء المحرم بين أن يكون هو مطلق مد الصوت وترجيعه، أو ذلك مع كونه مطربا، بداهة أنه ليس من وظيفة الشارع بيان معنى الغناء، بل معناه موكول إلى اللغة والعرف.

بل مناط البراء‌ة العقلية ليس إلا قبح العقاب على الواقع المجهول الذي لم يصل إلى المكلف بأحد أسباب وصوله من العلم به أو قيام الطريق عليه، ضرورة أن الانبعاث عن البعث المولوي إنما يكون بوجوده العلمي لابوجوده الواقعي، فإن الانبعاث عن الوجود الواقعي مع عدم وجوده العلمي من المحالات الاولية كما لايخفى، فإذا كان الانبعاث يحتاج إلى الوجود العلمي فما لم يعلم بالبعث، ولم يصل إلى المكلف بأحد أسباب وصوله كان العقاب عليه قبيحا عقلا، سواء صدر البعث عن الشارع واقعا أو لم يصدر.

بل ربما يقال بأن مورد البراء‌ة العقلية إنما هو فيما إذا كان صادرا عن الشارع واقعا ولم يصل إلى المكلف، وأما إذا لم يصدر من الشارع واقعا وكان مما سكت الله عنه فليس قبح العقاب على مثل هذا من باب قبح العقاب بلا بيان، بل قبح العقاب على مثل هذا إنما هو لاجل أن وظيفة الشارعية ماتمت، إذ لامعنى للعقاب عن شئ لاواقع له ولامجعول للشارع.

وبالجملة: مناط حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان إنما هو لاجل أن الانبعاث يحتاج إلى الوصول، فما لم يصل الحكم الشرعي بما اعتبر فيه كان العقاب عليه قبيحا، وإن كان في الواقع صادرا عن الشارع بما له من القيود وتمت وظيفته، لما عرفت من أن مجرد تمامية وظيفة الشارع مع عدم وصول البعث إلى


المكلف غير مصحح للعقاب، هذا في البراء‌ة العقلية. وأما البراء‌ة الشرعية فمناط جريانها إنما هو الشك في أمركان بيد الشارع رفعه ووضعه، وكان في رفعه المنة والتوسعة على العباد، فكلما حصل الشك في مثل هذا تجري البراء‌ة الشرعية.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنه بعد ما عرفت من انحلالية النهي، وأن مثل قوله " لاتشرب الخمر " أو " لاتصل فيما لايؤكل " ينحل إلى نواهي متعددة، حسب تعدد أفراد الخمر وغير المأكول في الخارج، ويسنتبع كل فرد خطاب مستقل يخصه لاربط له بخطاب الفرد الآخر، يحتاج الوصول والوجود العملي لمثل هذا النهي إلى أمرين: (الاول) العلم بالكبرى، وهي حرمة أفراد الخمر وغير المأكول. (الثانية) العلم بالصغرى، وهي كون هذا الشئ خمرا أو غير مأكول.

فإذا وصل هذان الامران جميعا كان البعث المولوي والنهي منجزا، ويجب الخروجع عن هدته. ولو شك في أحد الامرين أو كليهما كان البعث غير تام في الباعثية، وتجري البراء‌ة العقلية فيه وكذلك البراء‌ة الشرعية، فإنه بعد ما كان لكل فرد خطاب يخصه فالشك في تحقق الفرد في الخارج شك في تحقق ذلك الخطاب وهو أمر مجهول، أمر وضعه ورفعه بيد الشارع، وفي رفعه المنة فتجري البراء‌ه الشرعية فيه، هذا في الشبهات الموضوعية.

وأما في الشبهات الحكمية إذا كان من جهة إجمال النص، فالكلام فيها الكلام في الشبهات الموضوعية إشكالا وجوابا. كما أن الاشكال والجواب مطرد أيضا في الشبهات التحريمة والوجوبية، وقد استقصينا البحث عن ذلك في الاصول، فراجع. هذا تمام الكلام في بيان كون الشبهة من مجاري أصاالة البراء‌ة.

المقام الثاني في توضيح كون الشبهة من مجاري أصالة الحل التي قام الدليل


على اعتبارها بالخصوص، ونطقت بها عدة من الروايات، كرواية مسعدة بن صدقه(١) وغيرها.

وفي اختصاصها بالشبهات الموضوعية أو تعم الشبهات الحكمية أيضا كلام ذكرنا تفصيله في الاصول، وقلنا: إن الاشبه اختصاصها بالشبهات الموضوعية، لان الظاهر من قولهعليه‌السلام " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال.. إلخ " هو كون الشئ الذي اخد موضوعا منقسما إلى القسمين فعلا، بحيث يكون له فعلا قسم حلال وقسم حرام، وإن كان التقسيم باعتبار نوعه وصنفه بأن يكون نوع منه حلالا ونوع منه حراما، كالحيوان المنقسم إلى الارنب المحرم الاكل والغنم المحلل الاكل، وذلك إنما يكون في الموضوعات الخارجية.

وبالجملة: الظاهر من رواية مسعدة خصوصا الامثلة المذكورة فيها هو اختصاص أصالة الحل بالشبهات الموضوعية. وعلى كل حال فقد تمسك بأصالة الحل لجواز الصلاة في المشكوك جملة من الاساطين، ببيان أن الشك في جواز الصلاة في المشكوك مسبب عن الشك في حلية الحيوان المأخوذ منه اللباس، وبعد جريان أصالة الحل في الحيوان يرتفع الشك المسببي، كما هو الشأن في كل شك سببي ومسببي، ولا يتوقف جريان أصالة الحل في الحيوان [على] كون اللحم محلا للابتلاء فعلا، بل لو فرض أن لحم الحيوان كان خارجا عن مورد الابتلاء كانت أصالة الحل في الحيوان جارية، باعتبار جواز الصلاة في المأخوذ منه، ويكفي في جريان الاصل هذا المقدار من الاثر، فمجرد خروج لحم الحيوان عن مورد الابتلاء غير مانع عن جريان الاصل. كما أنه لايمنع عن جريان أصالة الحل جريان أصالة عدم التذكية في

____________________

(١) الوسائل: ج ١٢ ص ٦٠ من أبواب ما يكتسب به، ح ٤. [ * ]


الحيوان، على تقدير الشك فيها بناء على أخذ قابلية المحل جزء للتذكية، وتردد الحيوان المأخوذ منه اللباس بين كونه قابل للتذكية أو غير قابل، فإن أصالة عدم التذكية على تقدير جريانها إنما تنفع بالنسبة إلى الاجزاء التي تحلها الحياة، وأما بالنسبة إلى الصوف والوبر والشعر وغيرها من الاجزاء التي لاتحلها الحياة فأصالة عدم التذكية مما لاأثر لها، ولا تمنع عن جريان اصالة الحل في الحيوان بالنسبة إلى أثر جواز الصلاة في مثل الوبر والصوف، نعم بالنسبة إلى الاجزاء التي تحلها الحياة تكون أصالة الحل محكومة بأصالة عدم التذكية في مورد جريانها.

وبالجملة: ما توهم مانعا عن جريان أصالة الحل غير مانع، لاخروج اللحم عن محل الابتلاء، ولاجريان أصالة عدم التذكية في الحيوان، لانه يكفي في جريان الاصل مجرد ترتب أثر شرعي عليه، ولو كان ذلك الاثر جواز الصلاة في وبره وصوفه، فالخروج عن محل الابتلاء لايصلح للمانعية، كما أن اصالة عدم التذكية لاتصلح للمانعية بالنسبة إلى الاجزاء التي لاتحلها الحياة، هذا.

ولكن مع ذلك لايستقيم الاستدلال بأصالة الحل الجارية في الحيوان لجواز الصلاة في المأخوذ منه بالبيان المتقدم، وذلك لان اللباس المشكوك تارة يكون منشأ الشك فيه من جهة الشك بين أخذه من الحيوان المحلل أو من الحيوان المحرم المعلوم كل منهما والممتاز في الخارج عن الآخر، كما أنه فرض أن هناك غنما معلوم الحلية وأرنبا معلوم الحرمة، وشك في أخذ الصوف مثلا من الغنم أو الارنب، وهذا هو الغالب في اللباس المشكوك.

واخرى يكون الشك فيه من جهة الشك في المأخوذ منه، وتردده بين كونه محلل الاكل أو محرمه، كما لو فرض أن هناك حيوانا علم أخذ الصوف منه، ولكن تردد الحيوان بين المحلل والمحرم سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

فلو كان منشأ الشك من قبيل القسم الاول فلامجال لتوهم جريان أصالة


الحل في الحيوان، حتى يكون موجبا لرفع الشك المسببي من جواز الصلاة في صوفه مثلا، وذلك لانه ليس هناك حيوان مشكوك الحلية والحرمة حتى تجري أصالة الحل فيه، بل المفروض أن أحد الحيوانين معلوم الحلية والآخر معلوم الحرمة، فالشك ليس راجعا إلى المأخوذ منه وهو الحيوان حتى تجري أصالة الحل فيه، بل الشك راجع إلى مرحلة الاخذ، وأن الصوف من أي من الحيوانين أخذ.

وتوهم أن الشك في الاخذ يستلزم الشك في المأخوذ منه قهرا، وبهذا الاعتبار يكون المأخوذ منه مجرى لاصالة الحل. فاسد جدا، فإنه إن اريد من استلزام الشك في الاخذ الشك في المأخوذ منه تحقق الشك في المأخوذ منه الخارجي، المعلوم حلية أحدها وحرمة الآخر، فدعوى الاستلزام ممنوعة جدا، وكيف يعقل الشك في المأخوذ منه الخارجي مع العلم بحلية أحدها وحرمة الآخر؟ وإن اريد من الاستلزام مع قطع النظر عن المأخوذ منه الخارجي، بأن يقال: إن الشخص الآن شاك في ان المأخوذ منه هذا الصوف حلال أو حرام، ولو باعتبار الشك في نحو الاخذ مع قطع النظر عن أن المأخوذ منه الخارجي لاترديد فيه، بلا يلاحظ نفس هذا المفهوم المنتزع عن لحاظ الاتصاف باتخاذ هذا الصوف منه، ويغمض العين ويقطع النظر عن الخارج، فالاستلزام وإن كان صحيحا إلا أن هذا مجرد مفهوم ومحض صور لاواقع له، ولايمكن جريان أصالة الحل بهذا الاعتبار المبني على المغالطة وعدم ثبوت واقع له. فالانصاف أن في هذا القسم من الشك لامجرى لاصالة الحل أصلا.

وأما القسم الآخر، وهو ما إذا كان الشك في الصوف من جهة الشك في حلية الحيوان المأخوذ منه وحرمته، فهو وإن كان أصالة الحل قاضية بحلية الحيوان المشتبه، إذا ترتب على الحلية أثر شرعي يمكن إحرازه بأصالة الحل، ولو كان ذلك الاثر جواز الصلاة في أجزائه، إلا أنه مع ذلك لاجدوى لاصالة الحل فيما نحن فيه


وبيان ذلك هو أنه يعتبر في كل شك سببي ومسببي أن يكون بين الشك السببي والمسببي ترتب وطولية، وأن يكون ذلك الترتب شرعي لاعادي أو عقلي، وأن يكون الاصل الجاري في الشك السببي رافعا لموضوع الشك المسببي وهادما له، كما في الشك في طهارة المغسول بماء مشكوك الطهارة والنجاسة، حيث إن أصالة الطهارة في الماء يوجب رفع الشك في نجاسة المغسول به.

وبالجملة: يعتبر في رفع الشك المسببي عند جريان الاصل في الشك السببي اجتماع هذه القيود الثلاثة، فلو انتفى أحد هذه القيود، إما بأن لايكون بينهما ترتب، أو كان ذلك الترتب عاديا أو عقليا، أو كان الاصل الجاري في الشك السببي غير رافع للشك المسببي، كان الشك المسببي باقيا على حاله، والاصل الجاري في الشك السببي مما لافائدة له بالنسبة إلى الشك المسببي.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن الحكم المترتب على ما يحل أكله ومالايحل، كعدم جواز الصلاة في أجزائه وجوازها، يمكن أن يكون على أحد وجوه ثلاث.

الاول: أن يكون الحلية والحرمة اخذت في موضوع الدليل لمجرد المعرفية إلى الذوات التي يحل أكلها أو يحرم، من الغنم والارنب وأمثال [ ذلك ]، بحيث لايكون لوصف الحلية والحرمة دخل في ترتب ذلك الحكم، من جواز الصلاة في أجزائه وعدم جوازها، وحيئنذ يكون جواز الصلاة فيما يؤكل وعدم جوازها فيما لايؤكل في عرض حلية الاكل وحرمته معروضان لذات الحيوان من دون أن يكون بينهما ترتب وطولية، بل كانا معلولين لعلة ثالثة.

وعلى هذا الوجه لاجدوى لاصالة الحل القاضية بحلية الحيوان، ولايترتب عليها جواز الصلاة في أجزائه، إذ لاسببية ومسببية بين الحكمين ولابين الشكين، فأصالة الحل في الحيوان لايوجب جواز الصلاة فيه، لان إثبات أحد المتلازمين بالاصل لايوجب إثبات اللازم الآخر، إلا على القول بالاصل المثبت كما لايخفى.


الوجه الثاني: أن يكون الحلية والحرمة اخذت في موضوع الدليل للعنوانية، بأن يكون لوصفي الحلية والحرمة دخل في جواز الصلاة وعدمه، ويكونا موضوعين لذلك، لكن لامطلق الحلية والحرمة، بل الحلية والحرمة العارضان لذوات الحيوانات في حد أنفسها، المحفوظان عند طرو ما يوجب الرخصة فعلا أو المنع، كالحلية الموضوعة للحم الغنم، والحرمة الموضوعة للحم الارانب، بداهة أن الحلية الموضوعة للحم الغنم لاتنافي عروض المنع الشرعي عن أكله في مورد، كما إذا كان مغصوبا، فإن الغنم مع كونه مغصوبا محلل الاكل في حد ذاته، بمعنى أن الغنم خلق مأكول اللحكم، كما أن حرمة لحم الارانب لاتنافي الرخصة الشرعية في أكله، كما إذا كان في المخمصة، فإنه مع ذلك الارنب خلق غير مأكول اللحم.

وبالجملة: يمكن أن تكون الحلية والحرمة الذاتيان العارضة للحيوان موضوعا لجواز الصلاة في أجزائه وعدم جوازها. وعلى هذا الوجه يكون الشك في جواز الصلاة في المشكوك مسببا عن الشك في حلية الحيوان وحرمته، لان المفروض أن حلية الحيوان وحرمته صار موضوعا لجواز الصلاة في أجزائه وعدم جوازها، فيكون الشك في الجواز مسببا عن ذلك.

ولكنه مع ذلك لاجدوى لجريان أصالة الحل في الحيوان لاحراز جواز الصلاة في أجزائه، فإن مفاد أصالة الحل ليس إلا الحلية الفعلية والرخصة في المشكوك بما أنه مشكوك، من دون أن تكون محرزة لحال الحيوان وأنه من محلل الاكل أو محرمه، إذ ليست أصالة الحل من الاصول التنزيلية المحرزة المتكفلة لالغاء أحد طرفي الشك والاخذ بالآخر كما لاستصحاب، بل أصالة الحل كأصالة الطهارة أصل عملي موضوع لمجرد البناء على أحد طرفي المشكوك بما أنه مشكوك. فالحكم الظاهري المجعول بأصالة الحل يكون من سنخ الواقعي المجعول في حال الاضطرار، فكما أن الرخصة الواقعية المجعولة في حال المخمصة لاتوجب صيرورة


الحيوان محلل الاكل في حد ذاته، فكذلك الرخصة الظاهرية المجعولة بأصالة الحل، وحينئذ يكون الشك في جواز الصلاة في المشكوك المسبب عن الشك في الحلية والحرمة بالمعنى المتقدم بعد باق على حاله، والاصل الجاري في ناحية السبب لايوجب رفع الشك المسببي.

الوجه الثالث: أن يكون الحلية والحرمة الفعليان موضوعين لجواز الصلاة وعدمه، بأن يكون تمام الموضوع لجواز الصلاة في أجزاء‌ه هو الرخصة في أكل لحمه فعلا، بحيث يدور جواز الصلاة وعدمه مدار هذه الرخصة والحلية الفعلية، فكلما حل أكل لحم الحيوان جاز الصلاة في أجزائه، وكلما حرم لاتجوز الصلاة في أجزائه. وعلى هذا الوجه تكون أصالة الحل في الحيوان عند الشك فيه مجدية، ورافعه للشك المسببي، وموجبة لجواز الصلاة في أجزائه.

وإذا تمهد هذا فنقول: إن من الواضح أنه لم تؤخذ الحلية والحرمة بالمعنى الاخير موضوعا لجواز الصلاة في أجزاء الحيوان، حتى يقال بجريان أصالة الحل في طرف الحيوان، ليترتب عليه جواز الصلاة في أجزائه قضية للسببية والمسببية، إذ أدلة الباب بين طائفتين:

الاولى: ما رتب الحكم بعدم جواز الصلاة على نفس الانواع والذوات المحرمة، كالارانب والثعالب وأمثال ذلك. ومن الواضح أن هذه الطائفه لامساس لها لحديث السببية والمسببية، إذ لم يعلق الحكم فيها على حرمة الاكل حتى يتوهم ذلك، بل تكون حرمة الاكل وعدم جواز الصلاة في عرض واحد، يعرضان للحيوان باعتبار ماله من الخصوصية المسوخية، كما ورد التعليل بذلك في بعض الاخبار.

الطائفة الثانية: ما رتب الحكم بعدم جواز الصلاة على عنوان ما لايؤكل


وما هو حرام اكله. وهذا الطائفة مما لايمكن إنكار ظهورها في دخل حرمة الاكل في الحكم بعدم جواز الصلاة في أجزاء الحيوان، إذ ظاهرر كل وصف اخذ في عنوان الدليل أن يكون لذلك الوصف دخل في ترتب الحكم.

وحمله عل المعرفية خلاف الظاهر خصوصا التفريع الوارد في موثقة إبن بكير(١) ، فإن الظاهر من قولهعليه‌السلام فيها " وكل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره.. إلخ " هو أن يكون عدم جواز الصلاة متفرعا على حرمة الاكل ومترتبا عليه.

وبالجملة: ظهور هذه الطائفة في سببية الوصف مما لاينكر. إلا أنه مع ذلك يمكن أن يحمل الوصف فيها على المعرفية بقرينة الطائفة الاولى، إذ لاشبهة في أظهرية الطائفة الاولى، باعتبار اشتمالها على التعليل بأن اكثرها مسوخ، ولامانع من رفع اليد عن ظهور الطائفة الثانية، وحمل الوصف فيها على المعرفية لمكان أظهرية الطائفة الاولى.

ثم على تقدير التسليم والقول بأن لوصف الحرمة دخلا في ترتب الحكم بعدم جواز الصلاة في أجزائه، فغاية ما يمكن تسليمه هو أن يكون لوصف الحرمة بالمعنى الثاني دخل في الحكم، وهو الحرمة الذاتية المجعولة لذوات الاشياء في حد أنفسها، لاالحرمة بالمعنى الثالث التي هي عبارة عن المنع الفعلي، فإن الظاهر من الحرمة والحلية الموصوفة بهما محرمات الانواع ومحللاتها هو الحرمة والحلية الذاتية، لا الحرمة والحلية الفعلية. ثم على تقدير تسليم عدم ظهورها في ذلك، فلامحيص للفقيه من حملها على ذلك، بداهة أنه لو لم يحمل على ذلك، وقلنا بأن الحلية والحرمة الفعليين

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٠ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


موضوعان لعدم جواز الصلاة وجوازها، كان اللازم هو الحكم بجواز الصلاة في أجزاء ما اضطر إلى أكله للمخمصة من الارانب والثعالب، وعدم جواز الصلاة في الغنم المغصوب أو المحلوف ترك أكله.

وهذا كما ترى باطل بالضرورة فلما كان هذا التالي الباطل لابد من حمل الحلية والحرمة على الحلية والحرمة العارضين لذوات الاشياء، وعليه كان جريان أصالة الحل في الحيوان مما لايثمر في رفع الشك المسببي من جواز الصلاة في أجزائه، لما عرفت من أن الحلية الثابتة بأصالة الحل إنما هي الحلية الفعلية والرخصة في أكل اللحم، وجواز الصلاة وعدم جوازها لم يترتب على هذه الحلية، بل على الحلية الذاتية العارضة لذوات الانواع.

فظهر مما ذكرناه أنه لايترتب على جريان أصالة الحل في الحيوان جواز الصلاة في أجزائه، وأن حديث السببية والمسببية مما لامساس لها في المقام، إما لعدم السببية والمسببية، كما إذا كانت حلية الاكل وجواز الصلاة كلاهما معروضين لذات الحيوان في عرض واحد، وإما لعدم الجدوى في السببية والمسببية بناء على ترتب جواز الصلاة على الحلية الواقعية.

ومما ذكرنا ظهر أيضا أنه لو قلنا بأصالة الحرمة عند الشك في حلية الحيوان وحرمته، إما لكون الاصل في اللحوم الحرمة كما حكي(١) عن المحقق والشهيد الثانيين بناء على أن حصر المحللات في الطيبات في قوله تعالى: وأحل لكم الطيبات(٢) ، يوجب انقلاب الاصل في المطعومات، وأن الاصل فيها الحرمة كما هو الشأن في كل حكم علق على أمر وجودي، حيث يلزم إحرازه في ترتب ذلك الحكم على ما هو المعروف بينهم، وإما لكون الاصل في كل شبهة تحريمية هو الحرمة كما ذهب إليه الاخباريون فليس مفاد أصالة الحرمة حينئذ إلا عكس

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٣٦ ص ٤٠٢.

(٢) المائدة: الآية ٤. [ * ]


مفاد أصالة الحل، ولايترتب عليها عدم جواز الصلاة في أجزاء الحيوان وإن حرم أكل لحمه، لان حرمة أكل لحمه المدلول عليه بأصالة الحرمة لايصيره محرم الاكل ذاتا، بل هي كالحرمة الواقعية المجعولة في حال الغصب، والمفروض أن عدم جواز لصلاة مترتب على الحرمة الذاتية لاالحرمة العرضية الفعلية.

وبالجملة: لايكفي في رفع المانعية جريان أصالة الحل في الحيوان المتخذ منه اللباس، كما لايكفي في ثبوت المانعية جريان أصالة الحرمة فيه بناء على أن الاصل فيه الحرمة، وكذا لايكفي في رفع المانعية جريان أصالة الحل من جهة الحرمة الذاتية أو الحرمة التشريعية في الصلاة في المشكوك.

أما الاول فلان الحرمة الذاتية مما لاينبغي توهمها في الصلاة فيما لايؤكل وغيره من سائر القيود المعتبرة في صحة الصلاة سوى الطهارة الحدثية، إما مطلقا أو في خصوص الحيض، وإن كان الاقوى أن الطهارة الحدثية مطلقا على حد سائر القيود مما لاحرمة ذاتية للصلاة عند اختلالها، وعلى كل حال لامجرى لاصالة الحل في رفع الحرمة الذاتية، لان الصلاة فيما لايؤكل مما يقطع بعدم حرمتها الذاتية، فالمشكوك من أنه مما لايؤكل لاشك في حرمته الذاتية وحليته، حتى تجري فيه أصالة الحل.

وعلى فرض التسليم والقول بحرمة الصلاة ذاتا عند فعلها فيما لايؤكل، فمع ذلك لايجدي أصالة الحل في رفع المانعية، فإن غاية ما يثبت بأصالة الحل هو عدم الحرمة الذاتية وحلية الصلاة في المشكوك، وأما كون هذه الصلاة مما تنطبق على المأمور به فمما لايمكن إثباته بأصالة الحل إلا على القول بالاصل المثبت، فيبقى الشك في الخروج عن عهدة التكليف باقيا على حاله.

فأما الثاني فلان بمجرد الشك في المشروعية مما يقطع بعدم المشروعية، ولايبقى مجال لاصالة الحل بناء معلى ما هو التحقيق من أن حرمة التشريع لاتدور


مدار عدم المشروعية الواقعية، بل حكم العقل بقبح التشريع المستتبع بقاعدة الملازمة لحكم الشارع بحرمته، مترتب على الاعم من القطع بعدم المشروعية الواقعية والظن والشك بجامع واحد، بحيث يكون تمام الموضوع لحكم العقل هو عدم إحراز المشروعية، فمبجرد عدم إحراز المشروعية يتحقق تمام ما هو موضوع حكم العقل بقبح الاستناد والتشريع، فلايبقى مجال للشك حتى يتشبث بذيل أصالة الحل للحلية التشريعية.

كما أنه بناء على هذا لايمكن التشبث بأصالة عدم المشروعية لاثبات الحرمة التشريعية فيما كان الخالة السابقة عدم المشروعية، لافي مثل المقام من الشك في انطباق الصلاة في المشكوك على ما هو المأمور به الثابت تشريعه قطعا، فإن في مثل هذا لامجال للاستصحاب من جهة انتفاء الحالة السابقة.

وأما فيما كان حالته السابقة عدم المشروعية فلا يمكن جريان الاستصحاب لاثبات عدم المشروعية النفس الامرية، لما عرفت من أن الاثر الذي يراد ترتبه بالاستصحاب من الحرمة التشريعية غير مترتب على عدم المشروعية النفس الامرية، بل الاثر مترتب على عدم إحراز المشروعية، وهذا حاصل بنفس الشك وجدانا ومتحقق تكوينا، وما كان حاصلا بنفس الشك تكوينا لايمكن أن تناله يد التعبد، لانه تحصيل للحاصل، بل أردأ أنحائه، لانه يرجع إلى إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد.

وبالجملة: بعدما كان حرمة التشريع لاتدور مدار عدم المشروعية الواقعية، بل كان تمام الموضوع الواقعي لحرمة التشريع هو عدم إحراز المشروعية، فبنفس الشك بالمشروعية يقطع بعدم المشروعية، ولامجال لاصالة الحل في إثبات المشروعية، ولا لاصالة عدم المشروعية في إثبات عدم المشروعية فيما كان الحالة السابقة عدم المشروعية كالحجية مثلا، وأما في مثل المقام من الشك في الانطباق


فأصالة عدم المشروعية مما لامجرى له من أصله، لانتفاء الحالة السابقة.

هذا بناء على ما هو التحقيق عندنا من أن تمام الموضوع لقبح التشريع هو عدم العلم بالمشروعية الثابت عند القطع بالعدم والشك والظن. وأما بناء على الاحتمال الآخر من أن حكم العقل بقبح التشريع إنما هو مترتب على عدم المشروعية الواقعية، وكان حكمه بقبح التشريع عند الشك في المشروعية من أجل التحرز عن الوقوع فيما هو الموضوع الواقعي، لالقبح التشريع وهو عدم المشروعية الواقعية، فيكون حكمه في صورة الشك لمحض الطريقية، كحكمه بقبح التصرف في المال المشكوك كونه لنفسه أو لغيره، فإن القبيح العقلي إنما هو التصرف في مال الغير، لافيما شك كونه مال الغير، ولكن مع ذلك يقبح التصرف في المال المشكوك مخافة للوقوع في القبيح الواقعي، فلاصالة عدم المشروعية مجال، لان المفروض أن الحرمة التشريعية مترتبة على عدم المشروعية الواقعية لاعلى عدم العلم بها، والشك في المشروعية لايلازم ما هو الموضوع للحرمة من العدم الواقعي، وإن استقل العقل بالحرمة عند الشك من باب الطريقية، فالاصل الموضوعي المحرز لعدم المشروعية الواقعية جارو حاكم على الحكم الطريقي العقلي، كما في مثل قاعدة الطهارة والاستصحابها.

ولكن مع ذلك أصالة الحل لاتجري، لان أصالة الحل ليست من الاصول الموضوعية المحرزة للواقع، بل إنما هي قاعدة مضروبة لغرض الشك مع حفظ الشك، والحكم الطريقي العقلي بقبح التشريع عند الشك المستتبع بقاعدة الملازمة حكم طريقي شرعي بحرمته يكون هادما لموضوع اصالة الحل ورافعا له، لان بمجرد الشك في المشروعية يحكم العقل والشرع بقبح وحرمة التشريع، فلا يبقى شك حتى يتشبث بذيل أصالة الحل، لان جريانها موقوف على انحفاظ الشك، ومع هذا الحكم العقلي الطريقي لاانحفاظ له.

ولايقاس أصالة الحل بأصالة عدم


المشروعية حيث قلنا بجريانها، فإن أصالة العدم من الاصول التنزيلية المحرزة للواقع الموجبة لالقاء الشك والاخذ بأحد الطرفين على أنه هو الواقع، فأصالة العدم يكون موجبا لرفع الشك في المشروعية ومحرزا لعدمها الواقعية، ومعها لايبقى شك في المشروعية حتى يتشبث بذيل الحكم العقلي الطريقي بقبح الاقدام على ما لايؤمن معه من الوقوع في التشريع الواقعي، وأين هذا من أصالة الحل؟ فإن موضوع أصالة الحل إنما هو الشك في الحلية والحرمة، والشك في المشروعية وإن كان مستتبعا للشك في حرمة التعبد به وحليته، إلا أنه بنفس الشك في المشروعية العقل يستقل بقبح التعبد به الملازم لحكم الشارع بحرمته، فلاتصل النوبة إلى أصالة الحل.

وبعبارة اخرى: موضوع حكم العقل بقبح التعبد إنما هو الشك في المشروعية، وموضوع أصالة الحل إنما هو الشك في الحلية والحرمة المسببية عن الشك في المشروعية، وبعد جريان الاصل السببي وهو حكم العقل بقبح التعبد عند الشك لايبقى مجال للاصل المسببي(١) من أصالة الحل.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أنه لو كان الشك في انطباق المشكوك على المأمور به كما في مثل المقام، فلاأصالة الحل تجري ولاأصالة عدم المشروعية، سواء قلنا بأن موضوع قبح التشريع هو عدم المشروعية الواقعية، أو قلنا بأن موضوعه هو عدم العلم بالمشروعية. أما عدم جريان أصالة الحل، فلان بمجرد الشك يستقل العقل بقبح التشريع من باب الطريقية بناء على الاول، ومن باب الموضوعية بناء على الثاني. وأما عدم جريان أصالة عدم المشروعية، فلان

____________________

(١) بل لو فرض اتحاد الموضوع واتحاد المرتبة فلابد من التخصيص، لاعمية أصالة الحل وأخصية حكم العقل " منه مدظله ". [ * ]


الانطباق وعدم الانطباق مما لايكون له حالة سابقة.

وأما لو كان الشك في أصل المشروعية كالشك في الحجية وأمثال ذلك، فإن قلنا بأن الموضوع لحكم العقل والشرع بقبح التشريع وحرمته يدور مدار عدم المشروعية النفس الامرية، وأن حكمه عند الشك في المشروعية بقبح الاستناد والتشريع لمحص الطريقية، فأصالة عدم المشروعية تجري، ولكن أصالة الحل لاتجري أيضا، وأما لو قلنا بأن قبح التشريع لايدور مدار عدم المشروعية النفس الامرية، بل يدور مدار عدم إحراز المشروعية، فلاأصالة الحل تجري ولاأصالة عدم المشروعية، لتحقق تمام الموضوع للقبح العقلي بنفس الشك وجدانا وحاصل تكوينا، ولايمكن التعبد بما هو محرز بالوجدان وحاصل بنفسه.

ولا ينتقض بما إذا قامت أمارة معتبرة على عدم تشريع شئ، فلان لازم هذا البيان هو عدم حجية مثل هذه الامارة، لان المؤدى حاصل بنفس الشك، فلايمكن التعبد بما هو حاصل وإن كان ذلك بالامارة، وذلك لعدم أخذ الشك في موضوع حجية الامارة، وإنما كان الشك موردا لها من باب لغوية جعل الطريق على القاطع بذي الطريق.

والحاصل: أنه لايعتبر في تحقق موضوع الامارة الشك، وإنما المعتبر هو تحقق اثر وفائدة على مؤداها، ويكفي في الاثر ثبوت عدم المشروعية النفس الامرية مع لوازمه وملزوماته المثبتة، وأين هذا من الاستصحاب الذي اخذ الشك في موضوعه؟ فتأمل جيدا. وعلى كل حال فقد ظهر لك أنه لا مجال للتشبث بأصالة الحل لرفع الشك في المشروعية، لعدم تحقق موضوعها.

ولو سلم وأغمضنا عن جميع ما تقدم، فغاية ما يترتب على أصالة الحل هو جواز الاستناد وفعل الصلاة في المشكوك مستندا إلى الشارع، ومجرد ثبوت هذا لايكفي في رفع المانعية وانطبقا الصلاة في المشكوك على المأمور به إلا على القول بالاصل المثبت.


وبالجملة: فليس التمسك بهذا الاصل مبنيا على شئ من هذه الوجوه، وإنما بناء الاستدلال على إجزائه في نفس الشك في المانعية، من حيث رجوع الشك في ذلك إلى الشك في حلية الصلاة فيه وحرمته حقيقة، باعتبار منشأ انتزاع المانعية الذي هو عبارة عن تقيد المطلوب بعدم وقوع الصلاة فيه، على ما أسلفنا الكلام فيه، فكما أن القيدية تساوق الحرمة فكذلك عدم القيدية يساوق الحلية.

فإن كانت الحلية والحرمة حلية وحرمة واقعية كان معناهما ثبوت التقيد وعدمه واقعا، وإن [كانت ] الحلية والحرمة حلية وحرمة ظاهرية كان معناهما ثبوت التقيد وعدمه ظاهرا، ويترتب على الحلية الظاهرية في المقام الصحة والاجزاء، كما يترتب عليها في التكاليف الاستقلالية النفسية جواز الفعل وإباحة المنافع المقصود فيها يحكم عليه بالحلية.

وحاصل الاستدلال: هو أن المراد من " الشئ " في قولهعليه‌السلام " كل شئ فيه حلال وحرام " والموصول في قوله " كل ما كان فيه حلال وحرام " إما أن يكن نفس الموضوعات الخارجية المرددة بين الحلال والحرام، كما هو الظاهر من لفظة الشئ، والتمثيل بالثوب في رواية مسعدة(١) ، وورود الموصول بعد السؤال عن الجبن في رواية عبدالله بن سليمان(٢) وإما أن يراد من الشئ أو الموصول نفس الافعال المشتبهة من حيث أنفسها، أو باعتبار تعلق الافعال بموضوعاتها المشتبهة.

فإن كان المراد من الشئ والموصول هو نفس الموضوعات الخارجية فيكون [ المراد ] من الحل والحرمة المعنى الوضعي، الثابت لفنس الموضوعات الخارجية باعتبار تعلق أفعال المكلفين بها، إذا لامعنى لحلية الموضوع أو حرمته في نفسه وحد

____________________

(١) الوسائل: ج ١٢ ص ٦٠ باب ٤ من أبواب ما يكتسب به، ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ١٧ ص ٩١ باب ٦١ من أبواب الاطعمة المباحه، ح ٢. [ * ]


ذاته، بل إنما يتصف بالحلية والحرمة باعتبار تعلق فعل المكلف به، لكن لاعلى أن يكون واسطة في العروض بأن تكون الحلية والحرمة عارضين أولا وبالذات لنفس الفعل، وكان اتصاف الموضوع بهما بالعرض والمجاز، حتى يحتاج إلى تقدير المضاف في قولك الخمر حرام من نحو الشرب والاستعمال وأمثال ذلك، فإن ذلك إنما يكون على تقدير كون الحلية والحرمة الحلية والحرمة الاقتضائية لاالحلية والحرمة الوضعية، فإن الحلية والحرمة الوضعية إنما يتصف بهما نفس الموضوع الخارجي حقيقة، غايته أنه لابماهو هو بل باعتبار تعلق فعل المكلف به، بحيث يكون الفعل واسطة في الثبوت ومصححا لعروض الحلية والحرمة على الموضوع.

وإن اريد من الشئ أو الموصول نفس الافعال، لامعنى إرادة خصوص الافعال التي ليس لها تعلق بموضوع خارجي، حتى يكون أصالة الحل أجنبية عن المقام وأمثاله مما كان الشك من جهة التردد في الموضوع الخارجي، إذ إرادة خصوص الفعل بقيد عدم تعلقه بموضوع خارجي مما لاشاهد عليها، بل المراد الافعال بمعناها الاعم، أي سواء كان لها تعلق بموضوع خارجي أو لم يكن.

وحاصل الكلام: أن المراد من الشئ في لسان الدليل، إما أن يكون الافعال سواء كان لها تعلق بموضوع خارجي أو لم يكن، وإما أن يكون المراد منها خصوص الموضوعات باعتبار تعلق الفعل به، وإما أن يراد منه خصوص الفعل الذي له تعلق بموضوع خارجي.

والفرق بين القسمين الاخيرين من حيث نفسها، أو باعتبار تعلقها بموضوعاتها المشتبهة، فيكون المراد من الحلية والحرمة حينئذ المعنى الاقتضائي العارض لافعال المكلفين، فعلى الاول يختص جريان هذا الاصل بما إذا كان الشك في الحلية والحرمة مستندا إلى تردد موضوع خارجي بين الامرين، وعلى الثاني لايختص بذلك، بل يعم ما إذا كاان الشك فيهما مستندا إلى تردد المكلف بين من يحل له الفعل أو يحرم كالخنثى.


ثم لايخفى عليك أنه لايعتبر في جريان هذا الاصل من أن تكون الحرمة المحتملة الذي يراد نفيها بهذا الاصل على تقدير ثبوتها الواقعي عارضة للشئ من جميع الجهات، بأن يكون الشئ، حراما بقول مطلق لامنفعة محللة له أصلا، بل يكفي في جريان هذا الاصل كون الشئ محتمل الحرمة من جهة خاصة، وإن كان له منفعة محللة قطعية من جهة اخرى.

نعم يعتبر في الجهة المحتملة تحريمها أن تكون من الجهات المقصودة من الشئ مما يعد عند العرف منفعة له، فالجهة النادرة التي لايعتني بها العقلاء خارجة عن مجاري هذا الاصل، كما لو فرض أن جميع منافع الشئ المقصودة منه محللة قطعا، وكان هناك جهة نادرة غير مقصودة يحتمل حرمتها، فإن في مثل هذا لايصح أن يقال: إن هذا الشئ محتمل الحل والحرمة بحيث يوصف الشئ بهما حتى يدخل في مجاري هذا الاصل.

وبالجملة: لو كان للشئ جهة مقصودة عند العرف، ومنفعة معتنى بها عند العقلاء واحتمل حرمتها، صح أن يقال: إن هذا الشئ محتمل الحل والحرمة، ولايحتاج في جريان هذا الاصل تردد الشئ بينهما من جميع الجهات، ولاإشكال أن الصلاة في الشئ من الجهات المعتنى بها عند العرف والمنافع المقصودة عند العقلاء، فلو تردد الشئ بين حلية الصلاة فيه وحرمتها يدخل في مجاري هذا الاصل، وإن لم تكن الجهات الاخر من مجاريه، كما إذا كانت مقطوعة الحلية أو الحرمة.

وكذلك لامجال لتوهم اختصاص هذا الاصل بما إذا كان المنع والحرمة المحتملة في موضوع أصالة الحل حكما نفسيا وخطابا مستقلا ناشئا عن المبغوضية الذاتية، حتى يختص موضوع أصالة الحل بالتكاليف الاستقلالية والشبهات النفسية التحريمية، بل يعم ما إذا كان المنع والحرمة من جهة القيدية والمنع عن وقوع الصلاة فيه، فإن الملاك في اتصاف الشئ بالحرمة الشرعية هو تعلق


التكليف العدمي به، سواء كان مطلوبا لنفسه كما في التكاليف الاستقلالية، أو مطلوبا لغيره كما في التكاليف الغيرية.

وبالجملة: ليس معنى الحرمة الشرعية إلا عبارة عن المنع عن الشئ في الشريعة، وحرمان العباد عنه، وكونه واقعا في حيز التكليف العدمي، من دون دخل الاستقلالية في ذلك. فكما أن الخمر حرام شرعا، وواقع في حيز التكليف العدمي، وحرم العباد عنه من جهة شربه، أو حرم العباد عن نفس شربه على الوجهين المتقدمين، من أن المراد من الشئ هو نفس الموضوعات باعتبار تعلق أفعال العباد بها، أو الافعال المتعلقة بالموضوعات، فكذلك وقوع الصلاة في غير المأكول أو الحرير حرام شرعا، وواقعا في حيز التكليف العدمي، وحرم العباد عنه باعتبار إيقاع الصلاة فيه، أو حرم العباد عن إيقاع الصلاة فيه على الوجهين.

وكما أن المائع المردد بين الخل والخمر مردد بين الحلال والحرام باعتبار تعلق الشرب به، أو تردد نفس الشرب بينهما، فكذلك الصوف المردد بين ما قيدت الصلاة بعدم الوقوع فيه وما رخص إيقاعها فيه مردد بين الحلال والحرام حقيقة، ومندرج تحت موضوع هذا الاصل بحسب حاق معنى الحل والحرمة. وكما أن مرجع جريان أصالة الحل في المائع المردد إلى ترخيص ظاهري فكذلك مرجع جريان أصالة الحل في الصوف المردد إلى ترخيص ظاهري من جهة إيقاع الصلاة فيه، ومرجع الترخيص في الصوف إلى إطلاق المطلوب وعدم تقيده بعدم الوقوع فيه، ولازم ذلك هو الصحة والاجزاء الظاهري.

وبالجملة: الاستدلال بأصالة الحل لجواز الصلاة في المشكوك يتركب من مقدمات ثلاث.

الاولى: رجوع الشك في مانعية المشتبه إلى الشك في منع الشارع من إيقاع


الصلاة فيه أو ترخيصه له. ورجوع الشك إلى ذلك موقوف على ما مهدناه سابقا وأوضحناه، من أن منشأ انتزاع المانعية هو تقيد المطلوب بعدم الوقوع فيما فرض كونه مانعا ووقوع ذلك في حيز التكليف العدمي.

وبهذه المقدمة يخرج الشك في الاجزاء والشرائط عن موضوع هذا الاصل، إذ منشأ انتزاع الجزئية والشرطية ليس هو إلا عبارة عن تقيد المطلوب بالوقوع فيه أو معه، فهو واقع في حيز التكليف الوجودي لا العدمي، وذلك كما ترى أجنبي عن موضوع اصالة الحل، فإن موضوع أصالة الحل كما عرفت إنما هو ترردد الفعل أو الموضوع الخارجي بين الممنوع عنه شرعا وبين المرخص فيه، وأين ذلك مما كان التردد من جهة وقوعه في حيز التكليف العدمي؟ وبالجملة: الشك في الاجزاء والشرائط أجنببي عن اندراجه في موضوع هذا الاصل.

وحاصل الكلام: هو أن تقيد المطلبو بعدم وقوعه في شئ عبارة عن منع مولوي عن إيقاعه في ذلك الشئ، كما أن عدم التقييد وإطلاق المطلوب بالنسبة إلى القطن والكتان مثلا عبارة عن الرخصة الشرعية المقابلة للمنع المذكور، وكل من هاتين الجهتين واضح.

أما رجوع التقييد إلى المنع المولوي فهو واضح بعد الانحلالية، ووقع كل واحد من أفراد مالايؤكل مثلا في حيز التكليف العدمي، والمنع المولوي عن إيقاع الصلاة فيه. نعم لو منعنا الانحلالية وقلنا: إن المطلوب هو المعنى البسيط المنتزع عن عدم وقوع المطلوب في آحاد ما لايؤكل على نحو السالبة معدولة محمولها، كانت الشبهة فيما نحن فيه أجنبية عن مجاري هذا الاصل، إذ مرجع ذلك إلى تقيد المطلوب بأمر وجودي على نحو تقيده بالاجزاء والشرائط، وقد عرفت من أنه كلما رجع الشك إلى التكليف الوجودي كان خارجا عن مجاري اصالة الحل.

وأما الجهة الثانية، وهي رجوع عدم التقييد والاطلاق إلى الترخيص الشرعي


الذي هو أمر وجودي لامحص اللاحكمية، فلان الاطلاق إنما هو عبارة عن إرسال المولى، وإرخاء عنان العباد فيما تساوى وجود الشئ وعدمه في عالم اللب والارادة. وهذا المعنى من الاطلاق يساوق الترخيص والحل والاباحة.

فدعوى أن الترخيص والاباحة والحلية لايساوق الاطلاق وعدم التقييد. ممنوعة جدا، بل الاطلاق كالترخيص أيضا أمر وجودي وأحدهما مساوق للآخر. وهذا لاينافي ما قلناه في باب المطلق والمقيد من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة لاتقابل التضاد، فإن ما قلناه في ذلك الباب إنما هو الاطلاق والتقييد الموصوفان بهما الالفاظ بحسب وضع الالفاظ، لا الاطلاق والتقييد النفس الامري وفي عالم اللب والارادة، فإنه لاإشكال في أن الاطلاق النفس الامري كالتقييد أمر وجودي.

فظهر فساد ما ربما يتوهم من أن الشك في المقام باعتبار منشأ انتزاع المانعية إنما هو إلى تقييد المطلوب بعدم الوقوع في المشكوك أو إطلاقه، فيكون أحد طرفي الشك أمرا وجوديا والآخر عدميا، وفي مثل هذا الشك لايندرج في موضوع أصالة الحل، لان موضوع أصالة الحل إنما هو فيما إذا كان طرفا الشك أمرا وجوديا من الحرمة والحلية الذي كلاهما أمران وجوديان.

وجه الفساد هو أن ا لاطلاق أيضا أمر وجودي مساوق فيما نحن فيه للترخيص والحلية. ثم لو سلمنا أن الاطلاق أمر عدمي فنقول: إنه لايعتبر في موضوع أصالة [ الحل ] أن يكون طرفا الشك أمرين وجوديين، فإن في رواية معدة: كل شئ حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه(١) لم يؤخذ الشك في الحلية والحرمة موضوعا،

____________________

(١) الوسائل: ج ١٢ ص ٦٠ باب ٤ من أبواب ما يكتسب به، ح ٤، مع تفاوت يسير. [ * ]


بل لو لم يكن قوله " حتى تعرف الحرام " كان مفاد الرواية حكما واقعيا نظير كل غنم حلال، ولكن بعد قوله " حتى تعرف.. إلخ " يستفاد منه أنه في مقام بيان إعطاء القاعدة للمشكوك، وحينئذ يكون الشك في الحرمة وعدمها مندرجا تحت القاعدة المستفادة من رواية مسعدة، وإن خرج عن الرواية الآخر التي اخذ الشك في الحرمة والحلية موضوعا، ومجرد أخذ الشك في الحلية والحرمة في موضوع هذه الروايات لايصلح لان يكون مقيدا لرواية مسعدة، الذي لم يؤخذ الشك في الحلية والحرمة موضوعا فيها، فتأمل جيدا.

المقدمة الثانية: بعد ما عرفت من رجوع الشك في المانعية إلى الشك في المانعية إلى الشك في منع الشارع فنقول: إن الحلية والحرمة الواردين في عنوان أدلة أصالة الحل لااختصاص لهما بالحلية والحرمة الناشئتين عن المبغوضية الذاتية وعدمها، حتى يختص موضوع أصالة الحل بالتكاليف الاستقلالية، بل ليس الحرمة إلا عبارة عن المنع الشرعي وما حرم العباد عنه، ولو باعتبار بعض ما يتعلق به من الافعال كالصلاة فيه، فإن من الشارع عن إيقاع الصلاة في غير المأكول وترخيصه في إيقاعها في المأكول عبارة عن الحرمة والحلية الشرعية، ولم يؤخذ في حاق مدلول لفظة الحرام أن تكون ناشئة عن المبغوضية الذاتية، حتى يختص بالاستقلاليات.

ولو سلم انصراف لفظة الحرام إلى التكاليف الاستقلالية، فإنما هو في لسان الفقهاء، وأما في لسان الشارع فلا انصراف فيه إلى ذلك. والذي يدلك على ذلك استعمال لفظ الحرام في لسان الادلة بمعناه الاعم الناشئ عن المبغوضية الذاتية أو المنع المتعلق بباب القيود والروايات الواردة في ذلك وإن كانت كثيرة جدا، إلا أنه نحن نقتصر على ذكر رواية واحدة رواها الفقيه مرسلا، قال: سئل أبوجعفر وأبوعبداللهعليه‌السلام فقيل لهما: إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها، أفنصلى فيها قبل أن نغسلها؟


فقالا: نعم، إن الشئ حرم أكله وشربه ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه(١) . وهذه الرواية كما ترى كالصريحة في أن الحرمة الشرعية أعم من المنع الاستقلالي أو المنع في باب القيود من الموانع، إذ الامامعليه‌السلام استعمل لفظة الحرام بجامع واحد بين ما حرم لذاته كالمس واللبس، وما حرم لاجل المانعية كالصلاة فيه.

وبالجملة: استعمال لفظ الحرام في باب الموانع كثير جدا كما يظهر للمتتبع، وعليه لامجال للمنع عن شمول أصالة الحل لما نحن فيه، لان هذا الصوف المردد بين كونه من مأكول أو غيره، يشك في حلية الصلاة فيه وحرمتها، باعتبار منشأ انتزاع المانعية من تعلق التكليف العدمي به، فيدخل في مجاري هذا الاصل حقيقة.

ولا حاجة إلى تلكف أن الحل والحرمة في باب العبادات بمعنى الصحة والفساد، فيكون الصوف مرددا بين ما تحل الصلاة فيه أي تصح، وما تحرم أي تفسد، وبهذا الاعتبار يدخل ما نحن فيه في مجاري أصالة الحل، وذلك لانه وإن استعمل لفظ الحل والحرمة بمعنى الصحة والفساد(٢) ، كما بظهر من خبر تحف العقول(٣) وغيره الوارد في باب المعاملات، إلا أنه معلوم أن المراد من الحلية والحرمة في أدلة أصالة الحل هو الحلية ولحرمة لتكليفية، لاالحلية بمعنى الصحة والفساد.

____________________

(١) الفقيه: ج ١ ص ٢٤٨ باب لباس المصلي، ح ٧٥١ وفيه " نعم لابأس إنما حرم الله أكله وشربه..الخ ".

(٢) بل يمكن أن يقال: إنه ما استعمل لفظ الحل والحرمة في شئ من الروايات بمعنى الصحة والفساد بل المراد من الحل والحرمة في جميع الموراد حتى في باب المعاملات هو الترخيص والمنع الشرعي غايته أن الترخيص والمنع الشرعي يختلف أثره باختلاف متعلقه ففي باب المعاملات يكون الاثر هو النفوذ وعدم النفوذ وفي باب العبادات يكون الاثر هو الاجزاء والصحة وعدمها " منه ".

(٣) تحف العقول: ص ٢٤ ط النجف الاشرف. [ * ]


مع أنه لو كان الحل والحرمة بمعنى الصحة والفساد لكان اللازم اطراد أصالة الحل عند الشك في باب القيود لوجودية من الاجزء والشرائط، لانه عند الشك في تحقق الشرط يشك في الصحة والفساد أيضا، فهل يمكن أن يقال: إنا بأصالة الحل نثبت الصحة؟ وبالجملة: ليس مبنى الاستدلال على أخذ الحل والحرمة بمعنى الصحة والفساد، بل مبنى الاستدلال أن الممنوع عنه في باب الموانع حقيقة داخل في حاق مدلول لفظ الحرام، فالمراد من الحل والحرمة في موضوع أصالة الحل هو الحرمة التكليفية، غايته أنه ليست الحرمة في باب الموانع ناشئة عن المبغوضية الذاتية، وقد عرفت أن المبغوضية الذاتية خارجة عن مدلول لفظ الحرام لغة وعرفا وشرعا، إذ ليس الحرام في اللغة إلا بمعنى الحرمان المطرد في باب الموانع أيضا، وعند العرف عبارة عن المنع الشرعي.

المقدمة الثالثة: بعد ما عرفت من أن الترخيص والحلية الظاهرية المستفادة من أصالة الحل، كما تقابل الحرمة الذاتية كذلك تقابل الحرمة في باب الموانع، فلا محالة يترتب على الترخيص الظاهري في باب الشبهات الاستقلالية الترخيص والحلية الذاتية، بمعنى جواز الشرب واللبس وغير ذلك مما كان موردا للشبهة، وفي باب الموانع يترتب على الترخيص الظاهري الاجزاء والصحة الظاهرية المحفوظة عند عدم انكشاف الخلاف، وذلك لان الترخيص في كل مقام لامحالة وان يرجع إلى الجهة المشكوك فيها، إذ لامعنى لورود الترخيص على غير تلك الجهة.

ففي باب التكاليف الاستقلالية يلاحظ الجهة المشكوك فيها فيرد الترخيص عليها، فإن كان الجهة المشكوك فيها هي الاكل مثلا، بأن كان شاكا في حلية الاكل، فالترخيص الظاهري المستفاد من أصالة الحل يرجع إلى حلية الاكل، وإن كان الجهة المشكوك فيها هوالشرب فالترخيص يرجع إليه، وهكذا سائر


الجهات، فإن الترخيص يرد على نفس الجهة المشكوكة.

وفي باب الموانع الجهة المشكوك فيها هي عبارة عن القيدية المستفادة من المنع عن وقوع الصلاة في المشكوك، فحقيقة الشك فيما نحن فيه يرجع إلى المنع المستتبع للقيدية، فالترخيص الظاهري المستفاد من أصالة الحل لابد وأن يرد على هذه الجهة، ومعنى الترخيص من هذه الجهة هو عدم المنع المساوق للتقييد عن وقوع الصلاة في المشكوك، ومرجع هذا إلى إطلاق المطلوب وعدم أخذ عدم الوقوع في المشكوك قيدا، كعدم أخذ عدم الوقوع في القطن مثلا قيدا، غايته أن في باب القطن إطلاق المطلوب بالنسبة إليه وعدم أخذ عدمه قيدا فيه يكون إطلاقا واقعيا، وفيما نحن فيه يكون إطلاقا ظاهريا، وكما أنه يترتب على الاطلاق الواقعي الصحة والاجزاء الواقعي، فكذلك يترتب على الاطلاق الظاهري الصحة والاجزاء الظاهري المقيد بعدم انكشاف الخلاف.

وبالجملة: ورود الترخيص على الجهة المشكوكة فيها فيما نحن فيه يساوق لاطلاق المترتب عليه الصحة والاجزاء، فالاطلاق المستفاد من أصالة الحل فيما نحن [ فيه ] كالاطلاق المتسفاد من أصل آخر موضوعي أو حكمي من استصحاب أو غيره، فكما أن من الاستصحاب أو حديث الرفع(١) يستفاد الاطلاق وعدم تقييد المطلوب عند الشك فيه ويترتب عليه الصحة والاجزاء، فذلك من أصالة الحل يستفاد ذلك ويترتب عليه الصحة والاجزء.

وبما ذكرنا يظهر الفرق بين جريان أصالة الحل في نفس الجهة المستتبعة للقيدية والمانعية، حيث قلنا بترتب الصحة والاجزاء عليه، وبين جريان أصالة الحل من جهة الشك في الحرمة الذاتية أو التشريعية، حيث قلنا: إنه لايترتب على

____________________

(١) الوسائل: ج ١١ ص ٢٩٥ باب ٥٦ من أبواب جهاد النفس، ح ١ [ * ]


جرين أصالة الحل بهذا الوجه الصحة والاجزاء وانطباق المأتي به على المأمور به إلا على القول بالاصل المثبت، بداهة أن ترخيص الشارعع الفعل ذاتا أو من حيث استناده إليه لايترتب عليه انطبقا المأتي به على المأمور به، ولا يلازم رفع المانعية المشكوكة، إذ الترخيص لم يرجع على هذا الوجه إلى الجهة المستتبعة للمانعية، بل الترخيص يرجع إلى أمر آخر من الحرمة الذاتية أو التشريعية الملازم عقلا لرفع المانعية.

وهذا بخلاف جريان أصالة الحل من الجهة المستتبعة للمانعية على ما أوضحناه، فإن الترخيص من هذه الجهة يساوق الاطلاق وعدم تقيد المطلوب بما شك في مانعيته، ولازم هذا لامحالة هو ترتب الصحة، لان المأتى به بالامر الظاهري مجز ما لم ينكشف الخلاف. هذا تما الكلام في تقريب التمسك بأصالة الحل فيما نحن فيه.

تنبيه: لايخفى عليك أن ما قلناه من جريان أصالة الحل في التكليف والمنع الشرعي المستتبع للمانعية وترتب الصحة عليه إنما هو بناء على عدم تأصل المانعية وأخواتها في الجعل، وأما لو قلنا بتأصل المانعية في الجعل فيشكل التمسك بأصالة الحل لما نحن فيه، فإن المانعية بنفسها ليست من مجاري أصلة الحل، لما عرفت من أنه يعتبر في موضوع أصالة الحل من أن يكون الشك في الحلية والحرمة، وأما نفس الشك في المانعية فليس شكا في الحلية والحرمة.

نعم التكليف المنتزع عن جعل المانعية يكون من مجاري أصالة الحل، فإن جعل المانعية يستتبع المنع الشرعي عن إيقاع الصلاة فيما فرض كونه مانعا، فالشك في المانعية يستتبع الشك في المنع الشرعي المسبب من جعل المانعية، فالشك المسببي يكون من مجاري أصالة الحل إلا أن جريان الاصل في الشك المسببي لايوجب رفع الشك السببي وهو الشك في مانعية المشتبه، فالشك في المانعية بعد باق على حاله إلا على القول بالاصل المثبت.


اللهم إلا أن يقال: إنه لاحاجة لنا في رفع الشك السببي بعد عدم منع الشارع وترخيصه في إيقاع الصلاة في المشتبه من الجهة الذي يلازم المانعية، فالشك في المانعية وإن كان بعد باق على حاله إلا أن بقاء‌ه لايخل في جريان الاصل المسببي وترتب الصحة، كما لو كان المكلف على طهارة وخرج منه وذي أو مذي وشك في ناقضية الوذي والمذي، فإن الشك في ناقضيتهما وإن كان يستتبع الشك في الطهارة إلا أنه بجريان استصحاب الطهارة نستغني [ عنه ]، وإن كان الشك في الهارة مسببا عن الشك في ناقضية المذي، وناقضية المذي لم يكن مجرى لاصل.

إلا أنه لاحاجة لنا إلى رفع الشك السببي بعد حكم الشارع بأن المكلف متطهر، والمفروض أن ما جعل شرطا للصلاة هو الطهارة، وهي حاصلة بمقتضى الاستصحاب فليبق الشك في ناقضية المذي إلى يوم القيامة، وبعين ذلك يمكن أن يقال فيما نحن فيه، من أن الشك في المانعية وإن كان باقيا إلا أنه يستغى عنه بعد ترخيص الشارع في إيقاع الصلاة في المشتبه من الجهة المنتزعة على المانعية لامن جهة التشريع أو الحرمة الذاتية، فتأمل جيدا.

وعلى كل حال بناء على تأصل المانعية في الجعل اتكون نفس المانعية من مجاري أصالة الحل وإن كانت من مجاري أصالة البراء‌ة، إذ لايعتبر في موضوع البراء‌ة أزيد من أن يكون أمر المشكوك بيد الشارع رفعا ووضعا، والمانعية بناء على تأصلها في الجعل تكون كذلك أمر وضعها ورفعها بيد الشارع، فلا مانع من جريان أصالة البراء‌ة فيها، فتأمل جيدا.

المقام الثالث: في بيان جريان أصالة عدم المانع في المقام، وقد نسب إلى بعض المفروغية عن جريانها في المقام بناء على المانعية، وهو على إطلاق ممنوع، كما سيتضح لك عن قريب إن شاء‌الله.

نعم لو قلنا بأن أصالة عدم المانع أصل عقلائي برأسه، من دون أن يرجع إلى الاستصحاب كما حكي عن بعض دعوى


ذلك لتم التمسك بأصالة عدم المانع في المقام على إطلاقه، وكذلك لو لم نقل بذلك ولكن قلنا باعتبار الاصل المثبت يتم إطلاق التمسك بها في المقام، هذا ولكن الظاهر أنه لايمكن المساعدة على كلا الدعويين.

أما الدعوى الاولى فغاية ما يمكن في تقريبها هو أن يقال: إن الطريقة العقلائية قد استقرت عند الشك في وجود شئ على البناء على العدم وترتيب آثاره عليه، وإن لم يكن ذلك العدم مسبوقا بالحلة السابقة، كما إذا كان الاثر مترتبا على العدم النعتي لا المحمولي على ما سيأتي بيانه وبالجملة: تارة يكون بناء العقلاء عند التردد بين الوجود والعدم هو البناء على العدم، من حيث إن كل حادث مسبوق بالعدم، فهذا يرجع إلى الاستصحاب، واخرى يكون بناؤهم على ذلك لامن تلك الحيثية، بل من باب ان الممكن حيث يفتقر في وجوده إلى علة خارجة عن ذاته فمع عدم إحراز علة الوجود يبنون على العدم، وإن كان ذلك العدم من العدم الربطي الذي هو مفاد ليس الناقصة.

وإثبات هذه الدعوى في غاية الاشكال، فإن استقرار الطريقة العقلائية لابد وأن يكون ناشئا عن منشأ عقلائي ارتكازي فطري، ولم نجدمنشأ لاستقرار الطريقة العقلائية على ذلك، نعم في خصوص باب الانساب قد ادعي ذلك، وأن بناء العقلاء عند الشك في تحقق النسب على العدم حفظا للانساب والمواريث.

والحاصل: أن دعوى كون أصالة عدم المانع من الاصول العقلائية غير الاستصحاب، دون إثباتها خرط القتاد.

وأما الدعوى الثانية وهي دعوى حجية الاصل المثبت ففي غاية الفساد كما بينا في محله. وأما التمسك بأصالة عدم المانع الراجع إلى الاستصحاب فهو على إطلاقه لايستقيم، وتوضيح ذلك يتوقف على بيان أمرين: الاول: أن المجعول في باب الطرق والامارات مغاير لما هو المجعول في باب


الاصول، فإن المجعول الشرعي في باب الطرق إنما هو الثبوت الواقعي المحكي بالطريق، ولذا كان مثبتاتها حجة، وأما المجعول في باب الاصول على اختلاف أنحائها إنما هو الجري العملي والبناء على مؤدياتها من حيث العمل، كما حقق في محله، فلابد حينئذ من ترتب أثر عملي على نفس مؤدى الاصول إذا لم يكن المؤدى هو بنفسه أثرا عمليا، كما إذا كان المؤدى حكما شرعيا، إذ بعد ما كان المجعول هو الجري العملي فلابد من أن يكون مؤدى الاصل مما له جري عملى يكون بنفسه مما تناله يدالجعل، ولذا كان مثبتاتها غير حجة.

ثم إنه لافرق في تحقق الاثر العملي بين أن يكون الاصلقل جاريا في وادي الثبوت ومرحلة توجه التكليف، أو جاريا في وادي السقوط ومرحلة امتثال التكليف، إذ بعد ما كان وادي السقوط والامتثال كوادي الثبوت وتوجه التكليف أما قابلا للجعل الشرعي وتصرف ظاهري والحكم بتحقق الفراغ، فلافرق حينئذ بين كون مؤدى الاصل راجعا إلى مرحلة الثبوت، أو إلى مرحلة السقوط والفراغ كما هو واضح.

وكذلك لافرق في تحقق الاثر العملي المحتاج إليه في جريان الاصل، بين أن يكون مؤدى الاصل تمام الموضوع لذلك الاثر، أو كان جزء الموضوع وبه قوامه ولو على نحو القيدية، إذ يكفي في تحقق الاثر هذا المقدار أي ولو بأن يكون جزء لما هو موضوع الاثر أو قيده، بحيث لو لم يجر الاصل لما كان الاثر مترتبا، وإن كان جزؤه الآخر محرزا بالوجدان.

والحاصل: أنه يكفي في جريان الاصل كون مؤداه مما له دخل في تحقق الاثر، سواء كان تمام الموضوع أو جزء‌ه، وهذا أيضا مما لاسترة فيه. نعم ينبغي تعيين ما هو الضابط الكلي لمعرفة أن في أي مورد يكون مؤدى الاصل جزء ما هو الموضوع أو قيده وما لايكون كذلك، فإنه ربما يشتبه الحال في


بعض الموارد بتخيل أن مؤدى الاصل يكون جزء موضوع الاثر، مع أنه لايكون كذلك وكان موضوع الاثرر أمرا آخر لايمكن إثباته بمؤدى الاصل إلا على نحو المثبتية، وكذلك العكس فإنه ربما يكون المؤدى جزء الموضوع ويتخيل عدمه، فلابد من تعيين الضابط الكلي لذلك فنقول: إنه كلما كان الاثر الشرعي المجعول مترتبا على عدة أجزاء داخلية أو خارجية، بحيث لو أحرزنا تلك الاجزاء واجتماعها في عمود الزمان، سواء كان إحراز ذلك بالوجدان أو بتعبد شرعي، لم يبق لنا شك في ترتب ذلك الاثر الشرعي المجعول، ولاتردد في حصول أمر آخر له دخل في ترتب الثر لم نكن محرزين إياه، ففي مثل هذا يكفي إحراز بعض تلك الاجزاء بالوجدن والبعض الآخر بالاصل، وذلك لايكون إلا إذا كان الموضوع المركب متألفا من أجزاء متبائنة ليس لها جامع سوى اجتماعه في الزمان، من دون أن يكون هناك أمر آخر له دخل في الموضوع منتزعها عن اجتماع هذه الاجزاء في الزمان، أو معلولا له، أو ملازما له، فإن في جميع هذا لايكفي إحراز بعض تلك الاجزاء بالوجدان والآخر بالاصل، إلا إذا كان نفس ذلك الامرر المنتزع أو المعلول أو الملازم الذي فرض له دخل في ترتب الاثر محرزا إما بالوجدان أو يكون مؤدى الاصل هو بنفسه، ولايكفي جريان الاصل في منشأ الانتزاع إلا على القول بالاصل المثبت.

وحاصل الكلام: ضابط إحراز بعض الموضوع بالوجدان والآخر بالاصل هو أن يكون الموضوع ذا أثر شرعي، ويكون ذلك الموضوع مركبا من جزء‌ين فصاعدا ليس بينهما جامع سوى تحققهما في الوعاء الذي اخذ موضوعا للاثر في ذلك الوعاء، مثلا لو كان طهارة المغسول مترتبا على الغسل بالماء الطاهر، بحيث يكون الموضوع مركبا من الماء وكونه طاهرا كما هو كذلك، فحينئذ لو أحرزنا الماء بالوجدان وطهارته بالاصل أو بالعكس وغسلنا في مثل هذا الماء لم يبق لنا شك


بعد في حصول طهارة المغسول، إذ المفروض أنه لايعتبر في طهارته سوى الغسل بالماء في ظرف كونه طاهرا، وقد تحقق هذا المعنى لانه غسل في ماء محكوم بطهارته شرعا ولو بالاصل، وكذلك لو فرض أن الاثر مترتب على الصلاة عند طهارة المصلي، فلو أحرز المصلي طهارته بالاصل لم يبق له شك في ترتب الاثر، إذ لم يعتبر في موضوع الاثر إلا كون المصلي طاهرا في ظرف الفعل، فلو أحرز طهارته بالاصل في ذلك الظرف والوعاء كان تمام الموضوع للاثر متحققا.

ولامعنى لان يقال: إن موضوع الاثر هو ارتباط الصلاة بالطهارة، وذلك الارتباط غير محرز بمجرد إحراز الصلاة والطهارة. وذلك لان الارتباط ليس إلا عبارة عن فعل الصلاة في ظرف الطهارة، وهذا حاصل ولو بضم الوجدان بالاصل، ولو كان المراد من الارتباط هو تقيد الصلاة بالطهارة فهذا ليس من فعل المصلي بل التقييد من فعل الشارع.

وبالجملة: ما هو فعل المصلي ومتعلق التكليف ليس إلا الصلاة في ظرف طهارته من الحدث والخبث، وهذا محرز ولو بضم الوجدان بالاصل، وأما الارتباط والتقييد، وكذا مقارنة الشرط للمشروط بمعناها المنتزع عن اجتماع الشرط والمشروط في الزمان، فهذه كلها خارجة عن متعلق التكليف وموضوعه.

وإن اريد من المقارنة مجرد اجتماع الشرط والمشروط في الزمان فهذا حاصل ومحرز ولو بضم الاصل، فجريان الاصل في طهارة المصلي أو طهارة الماء المغسول به لم يكن من الاصول المثبتة، إذ الضابط في الاصل المثبت هوأن يكون الاثر الشرعي مترتبا على ما هو لازم مؤدى الاصل أو ملزومه، لاعلى نفس مؤدى الاصل، وفي المثالين الاثر الشرعي مترتب على نفس مؤدى الاصل ولو باعتبار كونه جزء الموضوع أو قيده.

نعم فيما إذا كان الاثر مترتبا على المعنى المتنزع عن اجتماع الاجزاء في الزمان


أو معلولا له، لايمكن جريان الاصل فيما هو منشأ الانتزاع في إثبات الاثر إلا على القول بالاصل المثبت، وذلك كما في استصحاب الشهر السابق بالنسبة إلى يوم الشك، ومع ذلك لايترتب أحكام أول الشهر على اليوم الذي بعد يوم الشك، مثلا لو شك في يوم الثلاثين من شعبان أنه من شعبان أولا، فلا إشكال في جريان استصحاب بقاء شعبان وجواز إفطاره، وكذلك لاإشكال في تحقق القطع بأن اليوم الذي من بعده يكون من رمضان، إذ لايمكن كون شعبان واحدا وثلاثين يوما، ومع ذلك لايمكن ترتب أحكام أول الشهر على ذلك اليوم، إذ الاولية لرمضان إنما هي عنوان ثانوي ينتزع عن وجود رمضان المسبوق بالعدم، وكذا أولية كل شئ، لاأن الاولية هي عبارة عن الوجود المسبوق بالعدم حتى يقال: إن الوجود ثابت بالوجدان للعلم بأن هذا اليوم من رمضان، ومسبوقيته بالعدم ثابت باستصحاب بقاء شعبان في اليوم الذي قبله وهو يوم الشك، فيكون هذا من باب ضم الوجدان بالاصل.

والاولية لو كانت بهذا المعنى فلا إشكال في ترتب أحكام الاول على اليوم الذي بعد يوم الشك. وأما لو كانت هي عبارة عن المعنى المنتزع عن الوجود المسبوق بالعدم فضم الوجدان بالاصل مما ينفع(١) في ترتب أحكام الاولية عليه، إذ مع هذا الوجدان والاصل بعد شاكين في تحقق ما هو موضوع الاحكام من تحقق الاولية، ولم يرتفع شكنا بضم الوجدان بالاصل، وقد تقدم أن الضابط في ضم الوجدان بالاصل هو ان بعد الضم لايبقى لنا شك في تحقق الموضوع.

وكذلك لايكفي في ترتب آثار نجاسة الملاقي بالكسر باستصحاب رطوبة الملاقى بالفتح مع العلم بالملاقاة، إذ تلك الآثار لم تترتب على مجرد تماس

____________________

(١) هكذا في الاصل، والظاهر " لاينفع ". [ * ]


الجسمين مع رطوبة أحدهما حتى يقال: إن الموضوع مركب من أمرين: تماس الجسمين المحرز بالوجدان، ورطوبة أحدهما المحرز بالاصل، بل الاثر مترتب على ما هو معلول لهذا التماس من انتقال الرطوبة من أحدهما إلى الآخر، فإن الانتقال هو المؤثر في التنجيس لامجرد الملاقاة، ففي مثل هذا أيضا لايندرج تحت قاعدة ضم الوجدان بالاصل.

وكذلك يكفي في إدراك الركعة وترتب أحكام الجماعة على مجرد استصحاب بقاء الامام في الركوع بدعوى أن الموضوع مركب من ركوع المأموم في ظرف ركوع الامام وقد أحرز المأموم ركوعه بالوجدان وركوع الامام بالاصل نظير استصحاب طهارة الفاعل في ظرف الصلاة وذلك لان موضوع إدراك الركعة وأحكام الجماعة ليس هو ذلك بل الموضوع في لسان الدليل إنما هو ركوع المأموم قبل رفع رأس الامام من ركوعه وهذه القبلية من لوازم ذلك المركب لاأن الموضوع نفس المركب حتى يندرج في ضم الوجدان بالاصل.

وحاصل الكلام: أنه كلما كان الموضوع أمرا منتزعا أو معلولا أو ملازما أو ملزوما للامر المركب مما هو حاصل بالوجدان وما هو حاصل بمودى الاصل لاينفع جريان الاصل في إثبات ما هو موضوع الاثر إلا على القول بالاصل المثبت. ومنه يظهر أن الاثر لو كان مترتبا على المركب لكن لابما أن أجزاء‌ه مجتمعين في الزمان، بل باعتبار الربط الخاص الحاصل بين اجتماع تلك الاجزاء في الزمان لاينفع جريان الاصل بضم الوجدان في إحراز ذلك الربط الخاص، كما لو قال: إن جاء‌ك زيد راكبا فأكرمه، فإن الاكرام لم يترتب على نفس مجئ زيد وركوبه، بل الاثر مترتب على المجئ الخاص، وهو حالية الركوب للمجئ الذي يعبر عنه بهيئة الحال، فإن في مثل هذا لو أحرزنا مجئ زيد وركوبه في زمان واحد


بحيث اجتمعا هذان الامران في الزمان، مع ذلك لايترتب عليه وجوب الاكرام، لان إثبات ذلك الربط الخاص بهذا الاجتماع في الزمان المحرز أحدها بالوجدان والآخر بالاصل لايكون إلا على القول بالاصل المثبت، فإن الضابط الكلي على ما عرفت في كفاية ضم الوجدان بالاصل في ترتب الاثر هو أن لايكون الموضوع إلا نفس المركب الذي لاجامع بين أجزائه إلا وحدة الزمان، فتأمل جيدا.

الامر الثاني: لاإشكال في رجوع كل وصف اعتبر في المصلي، أو في المكان، أو في اللباس، أو في الزمان إلى تقييد الصلاة بذلك الوصف وجوديا كان أو عدميا، بداهة أن المطلوب هو الصلاة المتقيدة بكون المصلي واجدا لكذا أو فاقدا لكذا، والصلاة المتقيدة بكون لباس المصلي كذا وكذا، فرجوع كل وصف اعتبر في أي محل بالآخرة إلى الصلاة مما لاخفاء فيه.

ولكن مع ذلك المحل الذي اعتبر الوصف الوجودي أو العدمي فيه تارة يكون هو المصلي، واخرى يكون لباسه أو مكانه، وثالثة يكون نفس الصلاة. مثلا أليست الصلاة مقيدة بعدم وقوعها في الحرير، ولكن محل الذي اعتبر هذا الوصف فيه تارة يكون المصلي، بأن يكون المعتبر في الصلاة هو عدم كون المصلي لابسا للحرير، واخرى يكون معتبرا في اللباس، بأن يكون المعتبر هو عدم كون اللباس من الحرير، وثالثا يكون معتبرا في نفس الصلاة، كالصلاة في غير الحرير. واستفادة هذه الوجوه وأن الوصف في أي محل اعتبر إنما يكون من لسان الدليل، فقد يكون لسانه اعتبار الوصف في المصلي، وقد يكون في اللباس، وقد يكون في الصلاة.

إذا عرفت ذلك فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المحل المعتبر فيه الوصف هو المصلي، أو اللباس. مثلا لو كان المصلي غير لابس للحرير، أو


كان لباسه من غير الحرير، فيشك في ظرف وقوع الصلاة كونه لس الحرير أولا، أو صار لباسه من الحرير أولا، فلا إشكال في جريان استصحاب عدم كونه لابسا للحرير، أو عدم صيرورة اللباس من الحرير في ظرف وقوع الصلاة، ويدخل في صغريات ما إذا كان بعض الموضوع محرزا بالوجدان والآخر بالاصل، إذ بعد ما كان محل الوصف هو كون المصلي غير لابس للحرير في ظرف الصلاة، فالموضوع هو عبارة عن نفس هذا المركب المحرز بالوجدان والاصل.

وكذا الكلام في الطهارة الحدثية والخبثية الذي لاإشكال في اعتبارها في المصلي، وكونه هو محل الوصف، فإن المعتبر في الصلاة هو كون الفاعل متطهرا، كما يدل عليه قولهعليه‌السلام " لان يكون العبد طاهرا بين يدي ربه "(١) وما حكي عن بعض الاعلام من التفصيل بين التفاته إلى الشك في طهارته قبل الصلاة، وبين أن يكون قبل الصلاة غافلا وصلى غفلة ثم بعد ذلك شك في الطهارة، فقال في الاول بكفاية استصحاب الطهارة، ويترتب عليه جواز الدخول في الصلاة، ويكون من صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان والآخر بالاصل، وأما الثاني فاستصحاب الطهارة لاتثبت وقوع الصلاة مع الطهارة إلا على القول بالاصل المثبت، فلو لاقاعدة الفراغ الحاكمة بصحة الصلاة لايترتب على استصحاب الطهارة أثر الصحة، هذا.

ولكن لايخفى عليك مافيه، فإنه بعد ما كان الاثر مترتبا على وقوع الصلاة في ظرف طهارة الفاعل فلافرق في ذلك بين أن يكون الشك في الطهارة حاصلا قبل الصلاة ودخل في الصلاة باستصحاب الطهارة، وبين أن يكون الشك حاصلا بعد الصلاة وأحرز الطهارة في ظرف وقوع الصلاة باستصحابها بعدها، فإنه وإن لم

____________________

(١) الوسائل: ج ١ ص ٢٥٧ باب ١ من ابواب الوضوء، ح ٩. [ * ]


يجر الاس تصحاب قبل ا لصلاة مع الغفلة لاعتبار الشك الفعلي في جريانه ولايكفي الشك التقديري، إلا أنه بعد تحقق الشك ولو بعد الصلاة يجري الاستصحاب ويبني على بقاء الطهارة المتيقنة إلى ظرف وقوع الصلاة، فيكون المكلف قد أحرز الصلاة في ظرف طهارته، ويدخل في صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان والآخر بالاصل.

وبالجملة: لافرق في ترتب أثر الصحة والاجزاء بين جريان استصحاب الطهارة قبل الصلاة أو بعدها، سوى أنه لو اجري الاستصحاب قبل الصلاة كان إحراز جزء الموضوع مقدما على إحراز جزئه الآخرر المحرز بالوجدان، ولو كان جريان الاستصحاب بعد الصلاة كان إحراز ما هو محرز بالوجدان وهو فعل الصلاة مقدما على إحراز ما هو محرز بالاصل من الطهارة، ومن المعلوم أن سبق الاحراز الوجداني على الاحراز التعبدي ولحوقه لادخل له في الاثر المقصود من الصحة وسقوطط الاعادة والقضاء، هذا.

مع أنه المراد من قوله: إن جريان الاستصحاب قبل الصلاة يترتب عليه جواز الدخول في الصلاة، إن كان هو الجواز التكليفي فهذا مما لاأثر له في الاثر المقصود من سقوط الاعادة والقضاء، إذ الجواز التكليفي لايلازم ذلك إلا على القول بالمثبت، مع أنه لاشك في الجواز التكليفي، إذ الصلاة مع عدم الطهارة ليست من المحرمات الذاتية حتى يقال: إن باستصحاب الطهارة يترتب عليه الجواز التكليفي، وإن كان المراد منه الجواز الوضعي بمعنى الصحة والمضي وسقوط الاعادة والقضاء فهذا مما لافرق فيه بين سبق جريان الاستصحاب ولحوقه، إذ على كل تقدير سقوط الاعادة والقضاء مترتب على إحراز الموضوع المركب من طهارة المصلي والصلاة في ظرفها، وهذا الاحراز لايتوقف على جريان الاستصحاب قبل الصلاة، فالتفصيل بين الصورتين مما لايستقيم ولايمكن


المساعدة عليه، فتأمل جيدا. هذا كله فيما إذا كان محل الوصف هو المصلي أو اللباس.

وأما إذا كان محل الوصف هو نفس الصلاة، فإن كان القيد الوجودي أو العدمي حاصلا من أول الشرع ثم يشك في ارتفاعه، إما لاجل الشك في فقدان الجزء أو الشرط أو عروض المانع في الاثناء، وإما لاجل الشك في مانعية الموجود سواء في ذلك الشبهة الحكمية والموضوعية، وإما أن يكون مشكوك الحصول من أول الصلاة.

فإن كان حاصلا في أول الامر ثم طرأ الشك في ارتفاعه، فلا يخلو أيضا إما أن يكون محل القيد هو ذات الاجزاء وأفعال الصلاة، كما هو أقوى الوجهين في باب الموانع(١) ، وإما أن يكون محل القيد هو الهيئة الاتصالية القائمة بمواد الاجزاء الحادثة بحدوث التكبيرة والمنعدمة بالتسليمة، كما هو أحد الوجهين في باب القواطع.

فإن كان محل القيد هو ذوات الاجزاء فالاستصحاب مما لامجال له أصلا، بداهة أن أصالة عدم المانع لايثبت اتصاف الصلاة بعدمه إلا على القول بالاصل المثبت. وكذلك استصحاب صحة الاجزاء السابقة مما لاينفع، لان صحة الاجزاء السابقة عبارة عن الصحة التأهلية، إذ الصحة الفعلية بمعنى سقوط الاعادة والقضاء مما لاتتصف الصلاة بها إلا بعد الفراغ منها وإتيانها تامة للاجزاء والشرائط، والصحة التأهلية بمعنى أنه لو انضم إليها سائر الاجزاء

____________________

(١) بداهة أن مثل مانعية الحرير أو الذهب أو النجاسة الخبثية إنما تعتبر في نفس الاجزاء وما هو أفعال الصلاة فلو لبس الحرير في بين السكونات والاكوان، أو تنجس لباسه في أثنائها، ثم نزع الحرير أوزال النجاسة عند اشتغاله بأفعال الصلاة لم يكن ذلك مخلا بصلاته مع عدم فوت الموالاة، وهذا بخلاف القهقهة والبكاء والالتفات وغير ذلك من القواطع، فإنها معتبرة في جميع الصلاة حتى سكوناتها وأكوانها، ولذا لو وقع البكاء في أثناء السكون بطلت الصلاة " منه ". [ * ]


والشرائط لكانت صحيحة فهي مع أنه يرجع إلى الاستصحاب التعليقي مقطوعة البقاء حتى عند طرو الشك في وجود المانع أو مانعية الموجود.

فمحل القيد الوجودي أو العدمي إن كان نفس أجزاء الصلاة فاستصحاب عدم تحقق المانع مما لامساس له ولاأثر له. وإن كان محل القيد هو الهيئة الاتصالية المستمرة في الصلاة التي لايضربها تبادل الاجزاء نظير الحركة المتوسطة، فاستصحاب بقاء الهيئة الاتصالية عند الشك في طرو القاطع أو قاطعية الموجود وإن كان له مساس، وتام الاركان، واعتمد عليه الشيخقدس‌سره إلا أنع مع ذلك لايفيد، فإن الهيئة الاتصالية لم تكن هي بنفسها متعلقة الطلب والتكليف، حتى يجدي استصحابها ولو مع بقاء الشك في قاطعية الموجود نظير استصحاب الطهارة عند الشك في ناقضية المذي، حيث إن استصحاب الطهارة يكفي ولو مع بقاء الشك في ناقضية المذي، إذ ما هو متعلق التكليف نفس الطهارة التي لابد للمكلف من إحرازها، وأما كون المذي ناقضا أو ليس بناقض فليس هو متعلق التكليف، وإنما كان وجوده منشأ للشك في ارتفاع ما هو متعلق التكليف، وبعد إحراز الطهاة ولو بالاصل لاحاجة لنا إلى رفع الشك في ناقضية المذي، وليكن الشك باق إلى يوم القيامة.

وما نحن فيه لو كان متعلق الطلب والتكليف هو نفس الهيئة الاتصالية، وقلنا بأنها أمر وجودي وفعل المكلف، وكان تعلق النهي بعدم وقوع تلك القواطع من باب أنه رافع لما هو متعلق التكليف حقيقة، لاأن نفس عدم القواطع اخذ قيدا في الصلاة، فجريان الاستصحاب حينئذ في محله، إذ بعد استصحاب ما هو متعلق التكليف من بقاء الهيئة الاتصالية لاحاجة لنا إلى إحراز حال القاطع، وليبق الشك فيه إلى يوم القيامة، ولكن الامر ليس كذلك، فإن نفس كون االصلاة مشتملة على أمر وجودي وراء الاجزاء والشرائط محل إشكال بل منع، إذ


لايخطر ببال المصلي أن هناك وراء الاجزاء أمر آخر وجودي متعلق للارادة الفاعلية. مع أن على فرض وجوده كونه هو بنفسه متعلق التكليف دون تلك القواطع محل منع أيضا بعدما كان ظواهر الادلة على خلافه، فإن الظاهر من أدلة القواطع كون نفس عدم تخلل تلك القواطع في أثناء الصلاة متعلقا للطلب، فلا يمكن أن يقال: إنه يكفي استصحاب بقاء الهيئة الاتصالية، ولاحاجة لنا إلى رفع الشك في وجود القاطع أو قاطعية الموجود، وتنظير ما نحن فيه بالمثال المتقدم، فإن معنى ذلك هو أن متعلق التكليف مما لانحتاج إلى إحرازه، وما هو ليس متعلق التكليف نحتاج إلى إحرازه، وهو كما ترى.

نعم يمكن أن يقال: إن متعلق التكليف وإن كان هو نفس عدم تخلل تلك القواطع، إلا أن المحل الذي اعتبر ذلك العدم فيه هو الجزء الصوري والهيئة الاتصالية لا الاجزاء المتبادلة المتصرمة، وحينئذ نستصحب عدم تخلل القاطع في محله الذي اعتبر فيه، لاأنه نستصحب بقاء الهيئة الاتصالية.

ولايرد عليه ما أوردناه في باب الموانع، فإن الموانع حيث إنه كان محلها نفس الاجزاء المتصرمة فاستصحاب عدم تحقق المانع في الاجزاء مما لامساس له، لان الاجزاء السابقة على ما هو مشكوك المانعية أو حصوله قد تصرمت وانقضت. مع أنه عدم حصوله في تلك الاجزاء مقطوع لامعنى لاستصحابه، والاجزاء اللاحقة بعد لم توجد، والجزء الذي في يده الذي شك في تحقق المانع فيه لم يكن له حالة سابقة حتى يقال: الاصل عدم وقوع المانع في هذا الجزء، إذ قبل وجوده لم يكن شئ، وبعد وجوده يكون مشكوك المصاحب للمانع، فهو من أول وجوده وحدوثه مشكوك، وليس له حالة سابقة حتى يقال: الاصل عدم وقوع المانع في هذا الجزء، إذ متى كان الجزء ولم يكن مصاحبا لعدم المانع حتى يستصحب.


وهذا بخلاف باب القواطع، فإن من أدلة القواطع نستكشف لامحيص من أن هناك أمرا وجوديا، وإن لم يكن متعلقا لارادة الفاعل ومتعلق الطلب والتكليف، وهذا الامر الوجودي أمر واحد مستمر قائم بالاجزاء ولايضره تبادلها، وقد أخذ هذا الامر الوجودي محلا لعدم تلك القواطع، وعند الشك في تخلل القاطع في أثناء هذا الامر الوجودي الذي اعتبر محلا له نستصحب عدم تخلله في محله الذي اعتبر فيه، وما هو متعلق التكليف ليس إلا عدم وقوع القاطع في أثناء هذا الامر الوجودي، وهذا الامر الوجودي الذي نعبر عنه بالجزء الصوري والهيئة الاتصالية قبل حصول ما يشك في قاطعيته لم يقع فيه قاطع، والآن نستصحب أيضا عدم وقوعه فيه، ويكون ماهو متعلق التكليف محرزا بالاصل، ولا محذور فيه أصلا، فتأمل جيدا.

هذا كله إذا كان القيد الوجودي أو العدمي موجودا في أول الشروع ثم عرض الشك في ارتفاعه. وإن كان مشكوك الحصول من أول الامر، فمعلوم أنه بالنسبة إلى القيد الوجودي لامجرى لاصل من الاصول بعد ما كان القيد الوجودي مما لابد في إحرازه من أول الصلاة إما بالوجدان وإما بالاصل، فمع الشك في وجوده من أول الصلاة الذي اخذ القيد محلا فيها ووصفا لها كما هو مفروض الكلام لم يكن لاتصاف الصلاة بهذا الامر الوجودي حالة سابقة، إذ المفروض أنه مشكوك الحصول من أول الصلاة، فلامجرى للاستصحاب.

وأما إذا كان القيد قيدا عدميا، ففي جريان الاصل وعدمه اضطربت كلمات القوم والاعلام حتى الشيخقدس‌سره وجريان الاستصحاب في هذا مبني على كفاية جريان استصحاب العدم السابق على الحوادث في إحراز عدم تخصص تلك الحوادث بالخصوصيات المشكوكة عند حدوثها، كالصلاة فيما نحن فيه، حيث إنها حين حدوثها مشكوكة التخصص بخصوصية عدم المأكولية، إذا


فرض كونه وصفا للصلاة لاللباس كما سيأتي بيانه ففي كفاية جريان استصحاب عدم اتصاف الصلاة بغير المأكولية السابق على وجود الصلاة أو عدم كفايته خلاف بين الاعلام، والحق عدم كفايته وتوضيح المطلب يتوقف على رسم امور: الاول: لاإشكال في جريان الاستصحابات العدمية بالنسبة إلى نفس لتكاليف وموضوعاتها. وما يتوهم من أنه لابد وأن يكون المستصحب من الامورات التي تنالها يد الجعل، أو كان هناك أثر مجعول مترتب على المستصحب وإن لم يكن هو بنفسه مما تناله يد الجعل، والعدم الازلي هو بنفسه ليس مجعولا، فاستصحاب عدم التكليف مما لايجري.

وكذلك استصحاب عدم الموضوع، فإن الاثر الذي يراد ترتبه هو عدم الحكم، وإلا نفس عدم الموضوع مع قطع النظر عن الاثر المترتب عليه مما لامعنى لاستصحابه، وعدم الحكم ليس هو أمرا مجعولا حتى يترتب على عدم الموضوع، بداهة أن انتفاء الحكم عند انتفاء موضوعه ليس أمرا مجعولا، بل هو من قبيل انتفاء المعلول عند انتفاء علته الذي لايقبل أن تناله يد الجعل ولو تبعا، واضح الفساد، فإن العدم الازلي وإنم لم يكن هو بنفسه مجعولا إلا أن التعبد بالبناء عليه الذي هو المجعول في باب الاصول مما يمكن أن تناله يعد الجعل، فإنه كما أن للشارع التعبد بالبناء على وجود الشئ تكليفا كان أو وضعا أو موضوعا، فكذلك للشارع التعبد بالبناء على عدم الشئ، ولانحتاج في مقام جريان الاستصحاب إلى أزيد من أن يكون المستصحب قابلا للتعبد الشرعي بكلا طرفيه من جوده وعدمه.

فما ربما ينسب إلى الشيخ من إنكاره الاستصحابات العدمية من الاوهام، فإن كلماته مشحونة بخلافه.

ثم إنه لافرق في المستصحب العدمي بين أن يكون تمام الموضوع للاثر أو


جزء‌ه على ماتقدم، كما أنه لافرق فيها بين أن يكون العدم هو بنفسه ذا أثر شرعي، أو كان الاثر مترتبا على نقيضه الوجودي ويراد من استصحاب العدم هو نفي ذلك الاثر باعتبار نفي نقيضه الوجودي.

مثلا تارة يكون عدم فسق زيد ذاتر أثر، واخرى فسق زيد ذا أثر من حرمة الاكرام مثلا وإن لم يكن نفس عدم فسفه موضوعا لاثر أصلا، وعلى كلا التقديرين استصحاب عدم فسق زيد يجري إذا تمت أركانه من اليقين السابق والشك اللاحق، غايته انه إذا كان نفس عدم فسق زيد موضوعا للاثر من وجوب الاكرام مثلا فبنفس استصحاب عدم الفسق يرتب أثره، وإن كان فسقه موضوعا للاثر فباستصحاب عدم فسقه ينفى الاثر المترتب على نقيضه الوجودي من الفسق، ويقال بعدم حرمة إكرامه إذا كان الفاسق موضوعا لذلك.

وبالجملة: لافرق في الاستصحاب العدمية بين أن تكون هي بنفسها ذا أثر، أو كان نقيضها الوجودي ذا أثر. كما أنه لايختص ذلك بالاستصحابات العدمية بل يجري في الاستصحابات الوجودية أيضا، فإن الاثر تارة يترتب على نفس الوجود المستصحب، واخرى يترتب [ على ] نقيضه العدمي، ويراد من استصحاب الوجود نفي الاثر المترتب على عدمه، كما في استصحاب وجود المانع، فإن نفس وجود المانع مما لم يؤخذ موضوعا للاثر شرعا، وإنما كان موضوع الاثر هو عدم المانع، ولكن حينئذ ذلك استصحاب وجود المانع يجري ويترتب عليه انتفاء الاثر المترتب على عدم المانع كما لايخفى.

الامر الثاني: بعد ما عرفت من أنه لايتوقف جريان الاصل على كون الاثر مترتبا على نفس مؤداه، بل يكفي ترتبه على نقيضه أيضا، فنقول: إن المقيد أو المخصص النافي للحكم الوارد على العنوان المأخوذ في مصب العموم أو الاطلاق، كورود إلا الفساق أو لاتكرم فساق العلماء بعد ورود أكرم العلماء، أو الفاسق


العالم بعد ورود أكرم العالم، فلا يخلو حاله عن أحد أمرين: إما أن يكون المخصص أو المقيد الذي اخذ خصوصية وجودية فيه كالفسق في المثال واردا لمحص إفادة التخصيص أو التقييد للعام أو المطلق، من دون أن يتكفل لاثبات حكم على الفاسق من حرمة إكرامه، بل كان وروده لمجرد بيان أن العام الذي يجب إكرامه بمقتضى العموم أو الاطلاق ليس هو مطلق العالم بل العالم الذي لم يكن فاسقا، وأما كون العالم الفاسق محرم الاكرام أو لافليس لدليل المخصص أو المقيد تعرض لذلك.

وإما أن يكون المخصص أو المقيد واردا لبيان إثبات حكم على المتخصص بالخصوصية الوجودية التي تكفل دليل المخصص لها، كما إذا كان قوله لاتكرم فساق العلماء عقيب قوله أكرم العلماء واردا لبيان إفادة حرمة إكرام الفاسق لامجرد عدم وجوبه.

فإن كان ورود المخصص أو المقيد على الوجه الاول كان مفاده مانعية الفسق عن وجوب الاكرام المستفد من العموم أو الاطلاق، ودخل عدم تخصص مصب لعموم أو الاطلاق بتلك الخصوصية التي تكفلها المخصص، فيكون العالم الذي يجب إكرامه هو العالم الذي لم يتخصص بخصوصية الفسق، وحينئذ لو كانت تلك الخصوصية مؤدى الاصل، كما إذا كان مشكوك الفسق حالتهالسابقة عدم الفسق، كان الاثر مترتبا على نفس إحراز عدم تلك الخصوصية بالاصل، وكان مؤدى الاصل هو موضوع الاثر لابعناية نقيضه، إذ المفروض أن الفسق لم يكن ذا أثر ولم يحكم عليه بحكم، وإنما كان الاثر مترتبا على نفس عدم الفسق، لانه هو القيد الذي تكفل دليل المخصص لبيان دخله في مصب العموم أو الاطلاق، فالاثر إنما يترتب على نفس إحراز عدم فسق زيد، فلو كان عالميته محرزة بالوجدان يدخل في صغريات ما قلناه من إحراز بعض المركب


بالوجدان والآخر بالاصل، لان موضوع وجوب الاكرام بعد ورود المخصص يكون مركبا من العالم الذي لم يكن فاسقا، فلو احرز عالمية زيد بالوجدان وعدم فسقه بالاصل ترتب عليه وجوب الاكرام كما لايخفى.

وإن كان ورود المخصص أو المقيد على الوجه الثاني، بأن كان قوله لاتكرم الفاسق العالم واردا لبيان حرمة إكرام العالم الفاسق لالمجرد عدم وجوبه، وكان استفادة التخصيص أو التقييد لاجل امتناع ورود الحكمين المتضادين على موضوع واحد، بأن يكون زيد مثلا مما يجب إكرامه لكونه عالما، ومحرما إكرامه لكونه فاسقا، فامتناع ذلك يوجب تقييد أو تخصيص الاطلاق والعموم، رجعت حينئذ نتيجة التخصيص والتقييد إلى تنويع مصب العموم أو الاطلاق إلى نوعين متقابلين، أحدهما العالم الفاسق الذي يحرم إكرامه، والآخر نقيض ذلك وهو العالم الغير الفاسق الذي يجب إكرامه، ويكون تخصص العالم بالخصوصية الوجودية من الفسق دخيلا في حرمة الاكرام، وعدم التخصص دخيلا في وجوب الاكرام، وقوله لاتكرم العالم الفاسق دالا على الاول، وهو دخل خصوصية الفسق في حرمة الاكرام بالمطابقة، ودخل عدم الفسق في وجوب الاكرام بالملازمة من باب امتناع توارد الحكمين المتضادين على موضوع واحد الذي بمعونة ذلك استفدنا التقييد أو التخصيص، وإلا نفس قوله لاتكرم العالم الفاسق لم يكن مدلوله المطابقي ذلك بل كان مدلوله المطابقي حرمة إكرام الفاسق.

وهذا القسم من المخصص والمقيد أي الذي يكون واردا لبيان حرمة إكرام الفاسق العالم يتحد مع القسم الاول وهو ما كان ورد لمحض تقييد وتخصيص مصب العموم والاطلاق من جهة، ويمتاز عنه من اخرى.

أما الجهة التي يتحد معه فهي أن الاثر وهو وجوب إكرم من لم يكن فسقا الذي دل عليه دليل المخصص بالملازمة مترتب على نفس عدم تلك الخصوصية من الفسق، فإن كان عدم


الخصوصية مؤدى الاصل ترتب على نفس المؤدى وجوب الاكرام.

وأما الجهة التي يمتاز عنه فهي أن أثر حرمة الاكرام الذي دل على ذلك دليل المخصص بالمطابقة يترتب على إحراز عدم تلك الخصوصية بعناية نقيضة، إذ الحرمة لم تترتب على نفس عدم تلك الخصوصية، بل رتبت على نقيضه وهو الفسق، وعلى كل حال إذا كان عدم تلك الخصوصية مؤدى الاصل، كما إذا كانت الحالة السابقة لزيد عدم الفسق، فبنفس إحراز عدم تلك الخصوصية بالاصل يترتب عليه وجوب الاكرام وعدم حرمته كما لايخفى.

ثم إن الاثر المترتب عند عدم إكرام الفاسق العالم من عدم الحرمة، إذا كان دليل المخصص مثبتا لها، وإن كان يترتب على انتفاء الجملة والمركب الذي اخذ في دليل المخصص موضوعا أو متعلقا للحكم، كما إذا لم يتحقق منه إكرام العالم الفاسق بجملته، إلا أنه يترتب أيضا عند انتفاء أحد أجزاء الجملة، لان المركب ينتفي بانتفاء احد أجزائه، كما إذا تحقق منه الاكراام ولكن لم يكن المكرم بالفتح عالما أو فاسقا، وعند انتفاء أحد الاجزاء يصدق أيضا انتفاء الجملة والمركب.

إلا أنه إذا كان الشك في انتفاء الجملة مسببا عن الشك في انتفاء الجزء، كما إذاأكرم ما هو مشكوك الفسق، فإن الشك في تحقق إكرام الفاسق منه بهذه الجملة مسبب عن الشك في فاسقية المكرم بالفتح، فلا محالة يكون الاصل الجاري في طرف السبب لو كان مجرى للاصل حاكما على الاصل الجاري في ناحية المسبب، ولايكون الاصل المسببي معارضا للاصل السببي عند التخالف، ولا معاضدا له عند التوافق.

فلو كان منشأ الشك في صدور الجملة منه وهو إكرام الفاسق العادل مسببا عن الشك في فاسقية المكرم الذي هو جزء المركب، وكان فاسقية المكرم مجرى للاصل، بأن كان حالته السابقة الفسق أو عدم الفسق، كان الاصل الجاري في طرف الجزء هو المتبع، ولاتصل النوبة إلى الاصل


الجاري في الجملة، فلو استصحب عدم فاسقية زيد المكرم ترتب عليه عدم الحرمة، ولا حاجة إلى استصحاب عدم تحقق الجملة.

ولايمكن أن يقال: إن إكرام الفاسق العالم لم يعلم صدوره منه والاصل عدمه، وكذلك لو استصحب فاسقية زيد ترتب عليه أثر الحرمة ولا أن يعارضه بأصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، لما عرفت من أن الاصل المسببي لايكون معاضدا ولا معارضا للاصل السببي.

نعم لو لم يكن الجزء مجرى للاصل، كما إذا لم يعلم حالته السابقة من الفسق وعدمه، كان الاصل المسببي حينئذ جاريا، وصح أن يقال: الاصل عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، لان هذه الجملة مسبوقة بالعدم، ويترتب عليه حينئذ أثر عدم الحرمة، وأنه لم يفعل حراما، ولكن لايترتب على هذا الاصل إكرم العالم الغير الفاسق الذي دل على وجوبه قوله أكرم العالم بعد تخصيصه بقوله لاتكرم الفاسق العالم، فإن مجرد عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه لايثبت أنه أكرم العالم الغير الفاسق، كما لايخفى. فليس له الاكتفاء بإكرام مشكوك الفسق تعويلا على هذا الاصل، ولايسقط به الوجوب الذي تكفله العام بعد التخصيص وإن ترتب على هذا الاصل عدم الحرمة، وذلك واضح في الغاية.

هذا كله إذا كان دليل المخصص مثبت لحكم من الحرمة على ما تقدم في القسم الثاني من المخصص.

وأما إذا كان دليل المخصص من القسم الاول، وهو ما إذا كان مفاده مجرد المانعية من دون أن يتكفل لثبوت حكم على المخصص، فلا يجري الاصل المسببي، وإن لم يكن الاصل السببي جاريا من حيث انتفاء الحالة السابقة للجزء، وذلك لانه لايترتب على الاصل المسببي وانتفاء الجملة أثر أصلا، لان الفاسق لم يكن محرم الاكرام حتى يراد من أصالة انتفاء الجملة ترتب أثر الحرمة.


ولايكون الاصل الجاري في الجملة محرزا لاكرام العالم الغير الفاسق الذي تكفله العام بعد التخصيص حذوما سمعته في القسم الاول، فلا أثر لجريان الاصل في الجملة.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن دليل المخصص إن كان واردا لمحض إفادة المانعية فلا فائدة في جريان الاصل في الجملة مع عدم جريانه في الاجزاء، وإن كان واردا لافادة حكم على العنون الذي اخذ في دليل المخصص موضوعا للحكم، فالاصل في الجملة عند عدم جريان الاصل في الاجزاء وإن كان جاريا، إلا أنه لايترتب عليه إلاانتفاء حكم المخصص الذي سيق دليل المخصص لافادته.

وبذلك يظهر فساد ما قيل في المقام من أنه عند الصلاة في المشكوك يجري الاصل بالنسبة إلى الجملة، ويقال الاصل عدم صدور الصلاة في غير المأكول، لان الشك في صدور الصلاة في غير المأكول وإن كان مسببا عن الشك في الجزء، وهو الشك في كون اللباس من المأكول أو غيره، إلا نه لما لم يكن الشك في الجزء مجرى للاصل من حيث عدم الحالة السابقة للباس كان الاصل في الجملة المركب جاريا، وصح أن يقال: الاصل عدم صدور الصلاة في غير المأكول، لان صدور الصلاة فيه أمر حاديث مسبوق بالعدم، ويترتب عليه وقوع الصلاة في غير غير المأكول.

وجه الفساد هو أن الاصل الجاري في الجملة مما لاأثر له أصلا، بعد ما كان الدليل الدال على النهي عن الصلاة في غير المأكول مسوقا لمحض إفادة المانعية، من دون أن يتكفل النهي لحكم تحريمي، بأن تكون الصلاة في غير المأكول محرمة، فيكون أصالة عدم صدور الصلاة في غير المأكول، كأصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم فيما إذا كان قوله لاتكرم العالم الفاسق، مسوقا لمحض إفادة المانعية مما لاأثر لها أصلا.


وعلى تقدير أن يكون النهي عن الصلاة في غير المأكول مثبتا للحرمة، فغاية ما يترتب على الاصل المذكور هو عدم صدور الحرام منه، لاصدور الصلاة في غير غير المأكول منه، على حذوما سمعته من ترتب أثر عدم الحرمة على جريان أصالة عدم صدور إكرام الفاسق العالم منه، إذا كان دليل المخصص سيق لبيان إفادة حكم على العنوان الذي اخذ موضوعا في دليله، فتأمل جيدا فإن المطلب وإن كان واضحا، إلا أنه لما كان كتابة شيخنا الاستاذ مد ظله في هذا المقام مشكلة أردنا توضيحها.

الامر الثالث: أن تركب متعلقات الاحكام أو موضوعاتها يكون تارة من العرض ومحله، كما إذا كان موضوع التكليف هو زيد وصف فسقه، أو كان متعلق التكليف هو الصلاة مع وصوف وقوعها في غير المأكول، بأن يكون التركيب من العرض والمعروض، واخرى يكون غير ذلك، بأن يكون التركيب من عنوانين متباينين أجنبي كل منهما من الآخر.

وهذا أقسامه كثيرة، لانه إما أن يكون التركيب من جوهريين وجودين أو عدمين او مختلفين، كما إذا كان الموضوع مركبا من وجود زيد ووجود عمرو، أو كان مركبا من وجود زيد وعدم عمرو، أو كان مركبا من عدم زيد وعدم عمرو، وإما أن يكون التركيب من جوهر وعرض قائم بمحل آخر، كما إذا كان التركيب من وجود زيد وقيام عمرو، هذا أيضا على أقسامه الثلاثة من كونهما وجوديين أو عدميين أو مختلفين.

وإما أن يكون التركيب من عرضيين كقيام زيد وقيام عمرو على أقسامه الثلاثة أيضا، وإما أن يكون التركيب من عرضيين قائمين بموضوع واحد كقيام زيد وسواده بأقسامه الثلاثة أيضا. وفي جميع هذه الاقسام يكون التركيب من المتباينين، ولايعقل أن يؤخذ أحد جزئية نعتا للآخر، بداهة أن وجود زيد لايمكن نعتا لوجود عمرو، وكذا عدمه نعتا لعدمه أو لوجوده،


وكذا لايمكن أن يكون قيام زيد نعتا لقيام عمرو [ و ] بالعكس، وذلك واضح.

وحيث إن في كل تركيب لابد من اعتبار وحدة يكون جامع بين الاجزء المتباينة، وبدون ذلك لايعقل التركيب كما لايخفى، والوحدة التي تمكن أن تكون جامعا بين المتباينات ليس إلا الاجتماع في الزمان ووجود كل من الجزء‌ين في ظرف وجود الآخر بحيث يجمعهما عمود الزمان، وحينئذ إن كان القيد وجوديا كان التقييد راجعا إلى العدم المقارن، وكان الاثر مترتبا على وجود زيد المقارن لوجود عمرو [ و ] إن كان القيد عدميا كان التقييد راجعا إلى العدم المقارن، وكان الاثر مترتبا على وجود زيد المقارن لعدم عمرو.

وفي جميع هذه الاقسام لو كان الموضوع أو المتعلق هو نفس هذه الاجزاء كان إحراز بعضها بالوجدن والآخر بالاصل يكفي في ترتب الاثر، سواء كان الاثر مترتبا على نفس الوجود أو العدم، أو كان الاثر مترتبا على نقيض كل منهما، حسب ما تقدم من أنه لافرق في ترتب الاثر بين أن يكون نفس الجزء [ محرزا ] بالوجدان أو مؤدى موضوع الاثر أو كان نقيضه موضوعا لذلك.

وعلى كل حال في جميع ما كان التركيب من الاجزاء المتباينة التي لاجامع بينها سوى وحدة الزمان كان داخلا في صغرى ما قدمناه، من كفاية إحراز بعض الاجزاء [ بالوجدان ] والآخر بالاصل. نعم لو كان الموضوع هو العنوان الملازم أو المنتزع أو المعلول عن تحقق تلك الاجزاء لما كان لنفس تحقق تلك الاجزاء حينئذ أثر، ولما كان إحراز بعضها بالوجدان والآخر بالاصل مجديا إلا على القول بالاصل المثبت.

والامثلة التي ذكرها شيخنا الاستاذ مد ظله في المقام كالصلاة، وطهارة الفاعل، والاستيلاء على مال الغير عند عدم الرخصة من الشرع أو المالك، وإسلام الوارث عند حياة مورثه، كلها راجعة إلى ما كان الاثر مترتبا على نفس اجتماع


الاجزاء في الزمان، من دون أن يكون مترتبا على العنوان الملازم، فلو احرزت الصلاة بالوجدان والطهارة بالاصل ترتب عليه أثر الصحة، وكذا لو احرز الاستيلاء بالوجدان وعدم الرخصة بالاصل ترتب عليه أثر الضمان، وكذا لو احرز إسلام الوارث بالوجدان وحياة المورث بالاصل ترتب عليه أثر الوراثة، إذا كان إسلام لوارث معلوم التاريخ بحيث لايكون مجرى للاصل، ولو كان مجهول التاريخ كان الاصلان من الطرفين متعارضين، والمثال الذي ذكره أخيرا بقوله " والاوصاف المتوقفة لزوم العقد على اتصاف العوضين.. إلخ " راجع إلى أن موضوع الاثر هو العنوان الملازم، فلا يكفي إحراز العقد بالوجدان وسلامة العوضين من العيوب بالاصل في ترتب لزوم العقد، مالم يحرز وقوع العقد على العوض المتصف بالسلامة، فتأمل جيدا.

هذا كله فيما إذا كان التركيب من الاجزاء المتباينة. وأما إذا كان التركيب من العرض ومحله، ففي عالم التصور يمكن أن يلاحظ العرض القائم بمعروضه تارة بما أنه شئ بحيال ذاته، ويتصوره بما أنه معنى من المعاني وشئ من الحوادث، كأن يلاحظ مثلا زيدا ويلاحظ أيضا عدالة زيد بلحاظ مستقل من دون أن يأخذه وصفا ونعتا لزيد، بل بما أنه هو في قبال زيد شئ من الاشياء، واخرى يلاحظه بما أنه نعتا قائم بزيد وعارض له وحاصل لموضوعه لاحق به.

فإن لاحظه على الوجه لايصح حمله على معروضه، لان العرض بهذا الوجه يكون مبدأ الاشتقاق الذي لايحمل على الذات، ولحاظ العرض بهذا الوجه هو الذي اصطلح على تسميته بالمحمول المقارن، سواء اخذ وجوده قيدا للموضوع والمتعلق أو عدمه، فإن اخذ الوجود يكون القيد حينئذ هو الوجود المقارن، وإن اخذ عدمه يكون القيد هو العدم المقارن.

وأخذ العرض بهذا الوجه هو الذي يصح


استصحاب عدمه حتى مع وجود معروضه، بداهة أنه لو كان القيد هو عدم عدالة زيد بما أنه شئ بحيال ذاته أو عدم فسقه فالعرض بهذا الوجه يكون كسائر الحوادث مسبوقا بالعدم، وصح أن يقال بعد وجود زيد: إن عدالة زيد أو فسقه لم يكن والآن كما كان، ويترتب حينئذ الاثر، ويكون أيضا من صغريات إحراز بعض الموضوع [ بالوجدان ] والآخر بالاصل، فلو احرز وجود زيد ولم يحرز وجود عدالته بمعناه الاستقلالي لترتب الاثر حينئذ.

وإن لاحظه على الوجه الثاني صح حمله حينئذ على معروضه، لانه يكون حينئذ من المشتقات التي يصح حمله على الذوات، ويقال: زيد عادل أو فاسق، وأخذ العرض بهذا الوجه هو الذي جرى اصطلاحهم في تسميته بالعرض النعتي في قبال المحمول المقارن، سواء أيضا اخذ وجوده نعتا أو عدمه، فإن اخذ وجوده نعتا يكون القيد هو وجوده النعتي، وإن اخذ عدمه يكون القيد هو العدم النعتي، وهذا العدم النعتي هو الذي لايمكن استصحابه بعد وجود معروضه كما سنوضحه. هذا كله في عالم التصور.

لكن لايخفى عليك أن في مقام أخذ العرض قيدا لمعروضه لامحيص عن أخذه على الوجه الثاني وهو العرض النعتي، ولايمكن أخذه على الوجه الاول وهو العرض المقارن لاثبوتا ولاإثباتا، أما عدم إمكانه في مرحلة الثبوت فيتضح بتمهيد مقدمتين: الاولى: لاإشكال في استحالة الاهمال النفس الامري في مقدمات الاحكام وموضوعاتها بالنسبة إلى الانقسامات المنقسمة هي إليها، بداهة أن الغرض لايتعلق بمهمل، بحيث [ لايلاحظ ] الآمر ما هو متعلق غرضه أو موضوعه، مثلا لو قال: أكرم العالم فلا يخلو إما أن يكون الغرض قائما بإكرام العالم بالنسبة إلى جميع نقساماته، من كونه فاسقا أو عادلا أو روميا أو زنجيا وقائما وقاعدا وكذا بالنسبة


إلى الاكرام تعلق الغرض بوجوده سواء وقع بالاطعام أو الاعطاء أو الضيافة وغير ذلك من الانقسامات، وإما أن يكون الغرض قائما به على نحو الخاص من فسقه وعدالته وغير ذلك، بحيث لايتعلق الغرض به بما أنه مرسل، بل بما أنه مقيد بخصوصية، وإن لم تذكر الخصوصية في نفس مصب الاطلاق أو العموم بل اعتمد على ذكرها بدليل منفصل.

وعلى كل أمر الموضوع أو المتعلق لايخلو عن أحد هذين القسمين، ولايمكن أن يقوم الغرض بما لايتساوى فيه الانقسامات ولا ما يتساوى الذي هو عبارة اخرى عن الاهمال، وذلك واضح غايته.

والثانية: لاإشكال أيضا في أن إطلاق المتعلق والموضوع، أو تقييده بما يقارنه في الزمان، متأخر في الرتبة عن إطلاقه وتقييده بالنسبة إلى انقسامات نفسه، بداهة أن إطلاق العالم أو تقييده بالنسبة إلى ما يقارنه في الزمان، من قيام عمرو وقعود زيد وغير ذلك من المقارنات الزمانية، إنما هو متأخر رتبة عن إطلاق أو تقييد العالم بالنسبة إلى انقسامات نفسه من عدالته وفسقه، إذ لايعقل أخذ العالم بالنسبة إلى عدالته وفسقه مهملا وتقييده أو إطلاقه بما يقارنه في الزمان، فإن معنى ذلك يرجع إلى أخذ الموضوع مهملا، وقد عرفت استحالته في المقدمة الاولى، بل هذه المقدمة إنما تكون من صغريات المقدمة الاولى.

إذا عرفت هاتين المقدمتين يظهر لك انحصار قيدية الخصوصية العرضية لمعروضها في مرحلة الثبوت بالنعني، وامتناع التقييد بالمقارن، بمعنى أنه لابد في مقام تأليف موضوع التكليف أو متعلقة في العرض ومحله من أخذ العرض بالنسبة إلى معروضة عرض نعتيا بالمعنى المتقدم في العرض النعتي لامقارنا، وذلك لانه بعدما امتنع أن يكون الموضوع أو المتعلق مهملا بالنسبة إلى النعت الوجودي أو العدمي اللاحق من واجديته لتلك الخصوصية أو فاقديته لها، بمعنى أن العالم أو الاكرام لايعقل أن يكون مهملا بالنسبة إلى العدالة والفسق والضيافة والاعطاء


فإن العالم الذي اخذ موضوعا فإما ان يؤخذ موضوعا بوصف كونه عادلا، أو بوصف كونه غيرفاسق، أو مطلقا، إذ مع عدم أخذه بهذا النحو يكون مهملا، وقد عرفت امتناعه، فحينئذ فإن اخذ في نفس الامر مقيدا بالعدالة أو عدم الفسق لزم عدم انقسامه إلى المقارن رأسا، فإنه بعد ما كان الموضوع هو العالم العادل أو غير الفاسق لايبقى محل لعدالته المقارن وعدم فسقه المقارن ولا موضوع لهذا الانقسام، ولايمكن الاطلاق والتقييد بالنسبة إليه لارتفاع موضوعه، إذ لو قيد العالم العادل بأن يكون عدالته موجودا ومقارنا له في الزمان يلزم لغوية هذا التقييد، إذ بعد تقييد العالم بالعدالة لايعقل انفكاكه عن عدالته المقارنة له في الزمان حتى يحتاج إلى التقييد، وإذا امتنع تقييده بالوصف الموفق المقارن امتنع إطلاقه أو تقييده بالوصف المضاد المقارن، للزوم المناقضة بين ذلك التقييد وهذا الاطلاق أو التقييد المضاد، كما لايخفى وجهه على المتفطن، بداهة أن بعد تقييد العالم بالعدالة أو عدم الفسق لايعقل أخذه مطلقا بالنسبة إلى عدالته لمقارن له في الزمان أو عدم فسقه كذلك، إذ معنى إطلاقه بالنسبة إلى ذلك هو أن العالم العادل يجب إكرامه سواء قارن عدالته في الزمان أو لم يقارن، وهكذا الحال فيما إذا قيد بالوجود أو العدم المقارن المضاد لما قيد به أولا.

فظهر أنه ثبوتا لايمكن أخذ العرض بالنسبة إلى محله إلا على وجه النعتية والتوصيف والربطية، ولايمكن أخذه على وجه المقارن، فإذا امتنع الثبوت النفس الامري إلا على وجه النعتية فلا محيص من صرف الدليل في مقام الاثبات إلى ذلك لو فرض أنه ظاهر في المقارن، فكيف إذ كان مجملا أو ظاهر في النعتية؟ وبعد ذلك لايبقى مجال للتكلم في مرحلة الاثبات.

ولكن مع ذلك نقول: على فرض إمكان التقييد بالمقارن في مرحلة الثبوت ونفس الامر، وأغمضن على استحالته ففي مقام الاثبات، تكون الادلة منطبقة


على التقييد بالنعتي لاالمقارن. وتفصيل ذلك هو أنه لاإشكال في أن مفاد الدليل لو كان من أول الامر مركبا توصيفيا، كقوله أكرم العلماء العدول، أو قوله أكرم العالم الغير الفاسق، فهو ظاهر في كون الوجود والعدم وجودا وعدما نعتيا لامقارنا، بداهة ظهور قوله أكرم العالم الغير الفاسق في كون عدم الفسق اخذ قيدا للعالم على وجه النعتية، ومن هنا لم يستشكل أحد في ظهور المخصص المتصل في النعتية.

وأما لو كن المخصص من قبيل الاستثناء أو المنفصل فهو الذي وقع محلا للكلام في استفادة النعتية أو المقارنة منه، ولكن لامحيص عن حمل الاستثناء أو المنفصل في النعتية أيضا. وكذا لو كان دليل المخصص مجملا، كما إذا قام إجماع على اعتبار عدم فسق العالم في وجوب إكرامه، ولم يكن له إطلاق في أخذه على وجه النعتية أو المقارنة، بل كان لمجرد الافادة على دخل الخصوصية من العدالة أو عدم الفسق في معروض الحكم، فلو كان دليل المخصص مجملا فغتيه أنه يدور المر حينئذ بين المتباينين، إذ أخذ الخصوصية على وجه النعتية مباين لاخذه على وجه المقارنة، من دون أن يكون بينهما جامع حتى يكون من باب دورن الامر بين الاقل والاكثر، بل عند إجمال دليل القيد يتردد القيد بين المتباينين.

ومع الغض عن أنه ثبوتا لامحيص عن حمل القيدية على النعتية نقول: إنه عند دوران الامر بين المتباينين لاجدوى لاحراز العدم أو الوجود المقارن بالاصل مع عدم إحراز النعتية منهما، إذ انتفاء العدم أو الوجود المقارن وإن كان يلازم واقعا انتفاء النعتية أيضا، بداهة أنه مع عدم مقارن الفسق لزيد يكون زيد غير فاسق، إلا أنه لاجدوى للاصل الجاري في الملزوم لاحراز لازمه إلا على القول بالاصل المثبت، فعند إجمال الدليل لابد من إحراز كل من النعتية والمقارنة، ولايكفي


إحراز المقارنة فقط بالاصل.

وأما لو كان دليل القيد من قبيل الاستثناء أو المنفصل، كما هو الغالب في التخصيصات التي بأيدينا، فلا محيص أيضا من حملها على النعتية، وذلك لانه لاإشكال في استفادة التباين الكلى بين ما هو الموضوع عن تلك الكلية بأحد الوجهين المتقدمين، من ن التخصيص تارة يرد لمجرد إفادة المانعية، أو لبيان حكم آخر، وعلى أي حال الموضوع الذي اخذ في العموم بعد التخصيص يكون مباينا للموضوع الذي اخذ في الخاص تباينا كليا، وإلا ما فرض كونه مخصصا لم يكن بمخصص، ومع فرض كونه مخصصا لامحيص في ارتفاع المناقضة بين حكم العام والمخصص من تباين الموضوعين، والتباين الكلي لايكون إلا بتنويع ما اخذ مصبا للعموم إلى نوعين أحدهما ما أخرجه المخصص وهو العالم الفاسق، والآخر قسيمه وهو العالم الغير الفاسق، من دون أن يكون ثالث بين النوعين، وحيئنذ يكون حكم العام أو المطلق واردا على ما هو قسيم ما أخرجه المخصص، وهذا المقدار مما لاإشكال فيه، إذ معنى التخصيص والتقييد ذلك، وإذا ضممت هذه المقدمة إلى م تقدم من مغايرة الانقسام اللاحق لمصب العام والمطلق من جهة العدم والوجود المحمولي المقارن للانقسم اللاحق له من جهة العدم والوجود الربطي النعتي، لما عرفت من أن لوجود والعدم المقارن مغاير للنعتي منهما، وحينئذ يكون العدم المقارن مباينا للوجود المقارن، كما أن العدم النعتي مغاير أو مباين للوجود النعتي، فالمقابل لكل من المقارن والنعتي هو ما يقابله بمعنى مقابلة المقارن من الوجود بالمقارن من العدم وبالعكس، ومقابلة النعتي منه بالنعتي من العدم وبالعكس، وليس مقابل العدم النعتي الوجود المقارن إلا بالملازمة.

وهذا هو المراد من قول شيخنا الاستاذ مد ظله في رسالته: وبداهة أن


المقابلة بينهما بكل واحد من الاعتبارين إنما هي مع ما يقابله بذلك الاعتبار دون الآخر. وحاصل مرده من هذه العبارة: هو أن العدم الربطي إنما يقابل ويباين الوجود الربطي لاالوجود المقارن، كما أن الوجود المقارن إنما يباين العدم المقارن لا العدم الربطي.

وإذا عرفت ذلك فحينئذ نقول: إنه لاإشكال في أن ما تكفله المخصص بمدلوله المطابقي إنما هو نفي الحكم الوارد على العام عن المتخصص بالخصوصية الوجودية التي تكفله دليل المخصص من استثناء أو منفصل، مثلا قوله إلا الفاسق، أو لاتكرم الفاسق العالم، عقيب قوله أكرم العالم قدسيق لبيان إفادة أن الخصوصية الوجودية الربطية من فسق العالم تكون مانعة عن وجوب إكرمه، ومن المعلوم أن الخصوصية الوجودية قد اخذت على وجه النعتية في دليل المخصص لا المقارنة، فإن قوله لاتكرم العالم الفاسق كقوله أكرم العالم العادل الظاهر في أخذ الخصوصية على وجه الربطية والنعتية، ومن هنا لم يقع خلاف في استفادة النعتية من المخصص المتصل، فإذا كانت الخصوصية الوجودية التي تكفلها دليل المخصص اخذت على وجه الربطية فلا محيص من أخذ ما يقابلها ويباينها من العدم الربطي والنعتي في مصب العموم والاطلاق، لما عرفت من أن مصب العام بعد التخصيص والتنويع يكون مباينا كليا مع ما أخرجه المخصص، والتباين الكلي لايحصل بينهما إلا بذلك، أي أخذ ما يقابل ويباين الخصوصية الوجودية التي تكفل لبيان مانعيتها دليل المخصص في مصب العموم، فإن اخذت الخصوصية فيه على وجه المقارن فلابد من أخذ العدم المقارن في مصب العموم، وإن اخذت الخصوصية الوجودية فيه على وجه النعتية فلابد من [اخذ] ما يقابله من العدم النعتي في مصبه، وحيث إن الخصوصية الوجودية إنما اخذت في دليل المخصص على وجه النعتية، فيكون القيد المأخوذ في مصب العموم هو العدم النعتي لاغير،


فالباقي تحت العموم بعد التخصيص إنما هو العالم الغير الفاسق على جهة الربطية.

وإذ قد عرفت بما لامزيد عليه من أن التركيب إذا كان من العرض ومحله فلابد من أخذ العرض وجوديا كان أو عدميا على وججه يكون نعتا لمعروضه لامقارنا له، واستحالة أخذه على وجه لمقارنة ثبوتا وإثباتا، فقد ظهر لك فساد ما قيل، من أن العام المخصص بالمتصل ليس كالعام المخصص بالاستثناء أو المنفصل، فإن المخصص المتصل يوجب معنوية العام بعنوان خاص، كالعدالة في قوله أكرم العالم العادل، وأما العام المخصص بالاستثناء أو المنفصل فليس معنونا بعنوان خاص، بل بكل عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص، وحينئذ يكفي في ترتب الاثر إحراز أي عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص، فالشرط الذي لم يوجد مخالفته للكتاب، والمرأة التي لم يوجد انتسابها إلى قريش، مصداق للعام وليس بمصداق للخارج قطعا، فحينئذ يكون من الباقي تحت العام بعد التخصيص، لما عرفت من أن الباقي تحت العام لم يكن معنونا بعنوان خاص، حتى لابد من إحرازه في ترتب الاثر، كما في المخصص المتصل، حيث يوجب معنونية العام بعنوان الخاص، بل كل عنوان بعد باق تحت العام غير عنوان الخاص، ولاإشكال أن عنوان الخاص أمر حادث مسبوق بالعدم، فيجري الاصل فيه ويدخل في صغريات إحراز بعض الموضوع بالوجدان والآخر بالاصل. هذا حاصل ما افيد في المقام، ولكن لايخفى عليك مافيه.

أما أولا: فلان المسلم من دعوى عدم معنونية العام بالمنفصل والاستثناء هو أن المنفصل أو الاستثناء لايوجب إجمال العام عند تردد المخصص بين الاقل والاكثر، وهذا بخلاف المتصل، فإنه يسري إجمال المخصص إلى العام كما بين في محله، وأما إذا كان الخاص مبين المفهوم من دون إجمال فيه، فلامحيص من تنويعه العام إلى نوعين متباينين، وسقوط أصالة العموم، وإخراج العام عن كونه كبرى كلية


وتمام الموضوع كما هو ظاهر عمومه أولا إلى كونه كالجزء منه، وهذا المقد لامحيص عنه سواء في ذلك المخصص المتصل أو المنفصل، فإن تنويع العام إلى نوعين هو معنى التخصيص والتقييد الذي به يرتفع التناقض والتنافي بين عموم العام وإطلاق المطلق والمخصص، إذ مع عدم تنويع العام إلى ذلك يكون التنافي بعد باق على حاله.

والحاصل: أن معنونية العام إلى نقيص [ الخاص ] الخارج بالتخصيص، وجعل العالم مثلا هو العالم الغير الفاسق هو عين التخصيص والتقييد، ولو لاذلك لما كان تخصيصا وتقييدا، ولاارتفعت المناقضة والمضادة والمضادة من البين، ولكان اللازم هو التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية، لانه إذا لم يكن قوله لاتكرم الفاسق العالم معنونا للعام في الشبهات المصداقية، لانه إذا لم يكن قوله لاتكرم الفاسق العالم معنونا للعالم وموجبا لتنويعه بما عدا الفاسق، وكان خروج الفاسق عنه كموت بعض الافراد، فكما أن موت بعض أفراد العامة لايوجب معنونية العام، وكانت أصالة العموم بالنسبة إلى البقية بعد باقية على حالها كما إذا لم يكن هناك موت، فكذلك التخصيص بالفاسق بناء على عدم تنويعه العالم يكون كالموت، ولايوجب سقوط أصالة العموم في الافراد المشكوكة، بل غاية ما يستفاد من التخصيص هو خروج الفاسق، فالفرد المشكوك مع عدم العلم بكونه من أفراد المخرج يكون باقيا تحت العموم بمقتضى أصالة العموم، فكان اللازم هو جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية، وهو كما ترى لايقول به من قال بهذه المقالة، فتنويع العام إلى نوعين متباينين من لوازم الغير المنفك عن التخصيص، سواء في ذلك المخصص المتصل أو المنفصل.

وعلى ذلك لايكفي في ترتب الاثر مجرد إحراز عدم عنوان الخاص ما لم يحرز عنوان العام الثابت له بعد التخصيص، ولايكفي جريان الاصل في عدم عنوان الخاص لترتب الاثر إلا على القول بالاصل المثبت، ولايكون من صغريات إحراز


بعض المركب بالوجدان والآخر بالاصل.

وأما ثانيا: فقوله " يكفي في ترتب الاثر إحراز أي عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص " مما لايستقيم، فلان الذي يحتاج إليه في ترتيب الاثر هو إحراز العنوان الذي ااخذ في مصب العموم بعد تخصيصه بالخارج، فإن هذا هو الذي تعلق به التكليف أو الوضع، وإحراز سائر العناوين غير ذلك العنوان الذي تعلق به التكليف أو الوضع مما لاأثر [ له ]، ويكون من ضم الحجر في جنب الانسان.

أللهم إلا أن يكون المراد أن إحراز أي عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص يكون ملازما لاحراز عنوان العام بعد التخصيص، وهذا وإن كان ثبوتا كذلك، إلا أن إحراز عنوان العام بإحراز أي عنوان بالاصل يكون من المثبت الذي لايقول هو به وتوهم أن العام لم يكن معنونا بعنوان حتى يحتاج إلى إحرازه، بل بكل عنوان غاية الامر أن المخصص أخرج عنوانا خاصا، وبقيت البواقي على ما كان عليه قبل التخصيص كما إذا مات بعض الافراد، وعلى ذلك يبتني إحراز أي عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص. ففساده غني عن البيان، بداهة أن تعنون العام بكل عنوان مما لايمكن، للزوم التناقض والتنافي. مع أن لازم ذلك هو أن شمول العام لما ينطبق من مصاديقه على سائر العناوين إنما يكون بواسطة انطباق ذلك العنوان عليه، مثلا شمول أكرم العلماء للرومي يكون بواسطة انطباق عنوان الرومي عليه، وشموله للزنجي بواسطة انطباق الزنجي عليه وهكذا، وهذا كما ترى ضروري الفساد، بل يكون شمول العام للرومى إنما يكون بواسطة انطباق عنوان العام عليه، من دون أن يكون للرومية دخل في ذلك ولا الزنجية، فدعوى معنونية العام بكل عنوان وكفاية إحراز أي عنوان مما يستقيم.

بل الظاهر أن العام غير معنون بعنوان ويتساوى وجود كل عنوان وعدمه بعد إحراز ما اخذ في لسان الدليل عنوان من العالم مثلا، فالذي يحتاج إليه هو إحرز عنوان


العام بعد التخصيص، من دون حاجة إلى إحراز سائر العناوين من الرومية والزنجية مثلا.

وحاصل الكلام: أن ما اخذ في مصب العموم مع قطع النظر عن ورود المخصص عليه كان يتساوى فيه وجود كل عنوان مع عدمه، ولم يكن معنونا بعنوان أصلاالذي هو معنى الارسال والاطلاق، وكان مصب العموم هو بنفسه كبرى كلية وهو معنى أصالة العموم والاطلاق، وبعد ورود التخصيص يخرج مصب العموم عن هذا التساوي بالنسبة إلى خصوص ما أخرجه المخصص، وتكون الكبرى الكلية ما عدا الخاص وتدور مدار نقيضة، ولكن بالنسبة إلى سائر العناوين بعد باق على حاله من التساوي وعدم المدخلية، وحينئذ يكون اللازم هو إحراز نقيض الخارج، ولايكفي إحراز أي عنوان بعد ما كان ذلك العنوان المحرز مما لادخل له في مصب العموم، وكان وجوده وعدمه سيان، فقوله " العام المخصص بالمنفصل يكون معنونا بكل عنوان، ويكفي في ترتب الاثر إحراز أي من العنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص " مما لايستقيم، بل لابد من إحراز نقيض الخارج الذي يكون هو الموضوع للاثر بعد التخصيص، فتأمل جيدا.

فيكون ما في ذيل رواية محمد بن إسماعيل(١) من التعليل في قوة التصريح بأن غير المسوخ أيضا لايجوز الصلاة فيه، نعم دلالته على المنع بالنسبة إلى جميع أفراد غيرالمسوخ إنما يكون بالاطلاق، وتخصيص مثل هذا الاطلاق المؤيد بإطلاقات أدلة الباب وفتاوى الاصحاب بخصوص ما إذا كان الحيوان آكل اللحم بعيد غايته، مع ما عرفت من أن دلالة التعليل في رواية إبن أبي حمزة(٢) على الجواز فيما

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٧.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥٢ باب ٣ من أبواب لباس المصلي، ح ٣. [ * ]


إذا لم يكن آكل اللحم إنما هو لاجل دلالته على الانحصار المستفاد من مقدمات الحكمة، ويكفي في عدم جريان مقدمات الحكمة وعدم الانحصار إطلاق ما في رواية محمد بن إسماعيل(١) فتأمل.

وعلى كل حال فالظاهر ثبوت الملازمة بين حرمة الاكل وفساد الصلاة كما عليه المعظم، فتكون هي الاصل في المسألة إلا أن يقوم دليل بالخصوص على خلاف ذلك، كما في السنجاب والخز حيث قام الدليل على جوازالصلاة فيهما بلامعارض كما عليه المعظم أيضا، وفيما عدا ذلك فهو بعد باق على الاصل في المسألة من عدم الجواز، وقيام الدليل على الجواز بالنسبة إلى بعض الافراد مثل الفنك والسمور فهو معارض بمثله من عدم الجواز، وعلى تقدير عدم المعارض فلابد من حمله على التقية مع إعراض الاصحاب عنه، لان الجوازفي غير المأكول هو مذهب العامة، تأمل جيدا.

تنبيه: قال شيخنا الاستاذ مد ظله: إن الخز الذي كان معمولا أخذ اللباس منه في زمن الائمةعليهم‌السلام غير االخز المعروف في هذا الزمان، فإن الذي يظهر من بعض الاخبار والتواريخ أن الالبسة الخزية التي كانت في ذلك الزمان كانت تعمل من وبر الخز، وكان وبره أما نفسيا غالي القيمة، وهو في منتهى اللطافة، وكان ينسج من وبره الاقمشة كالعمامة والقباء وغير ذلك، وهذا الخز المعروف في هذا الزمان غير قابل لان ينسج من وبره شئ، وعليه لايلحقه حكم الخز، بل هو شئ آخر يلحق بالمشتبه، فإن جوزنا الصلاة في المشتبه فهو، ولكن بعد إحراز

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٥١ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٧. [ * ]


تذكيته إن كان مما له نفس سائلة، وإن لم نجوز الصلاة في المشتبه كانت الصلاة فيه فاسدة، فتدبر. ولعله يأتي لبيان حكم الخز والسنجاب مزيد توضيح.

المشهور بين الاصحاب اعتبار الاباحة في لباس المصلي، وقد ادعي الاجماع على ذلك، خصوصا الساتر منه حيث تكرر نقل الاجماع على بطلان الصلاة في الساتر المغصوب.

والظاهر أنه لاخصوصية للساتر بل حاله في ذلك حال سائر اللباس. وتوهم ان الستر حيث كان مأمورا به في الصلاة وشرطا لصحتها، وذلك لايجامع كونه منهيا عنه لغصبية ما يستر به، فلابد من فساد الصلاة عند التستر بالمغصوب، إما لاندراجه في باب النهي عن العبادة ولو لشرطها، وإما لاندراجه في باب اجتماع الامر والنهي مع غلبة جانب النهي، كما هو الشأن في جميع موارد اجتماع الامرر والنهي، حيث يقدم جانب النهي بناء على الامتناع، لان إطلاق النهي يكون شموليا، واطلاق الامر بدليا، وكلما دار الامر بين الاطلاق الشمولي والاطلاق البدلي فالاطلاق الشمولي مقدم، كما أوضحناه في محله، ففساده غنى عن البيان.

أما أولا: فلان ما هو الواجب والشرط في الصلاة هو الستر بمعناه الاسمي المصدري، وهو الاضافة اللاحقة للصلاة من جهة الستر، والاثر الحاصل من التستر وهو كون الشخص مستورا، وما هو المنهي عنه هو الستر بمعناه المصدري، وهو التستر واللبس الذي يتحقق الغصب به، فلا يندرج التستر بالمغصوب لافي باب النهي عن العبادة، ولافي باب اجتماع الامر والنهي، لان النهي تعلق بأمر خارج عما هو الشرط في الصلاة، فلا الشرط منهي عنه، ولا هو متحد مع النهي عنه.

وأما ثانيا: فلانه لو سلمنا أن ما هو الشرط في الصلاة هو الذي تعلق به النهي، أو اتحد مع المنهي عنه، ولكن ليس كل شرط تعلق النهي به إما لنفسه وإما لاتحاده مع المنهي عنه يوجب فساد الصلاة، بل ذلك مقصور بالشرط العبادي الذي يعتبر فيه قصد التقرب والامتثال، كالطهارات الثلاث مثلا، وأما الشروط


التوصلية التي لايعتبر فيها ذلك فتعلق النهي بها ووقوعها على صفة التحريم لاتوجب فساد العبادة المشروطة بها، غايته أنه فعل محرم في الصلاة مع اشتمال الصلاة على شرطها من التستر مثلا، فلاموجب لفساد الصلاة، ولاإشكال أن شرطية الستر ليس من الشروط التي يعتبر فيها قصد الامتثال، بل إنما هو من الشروط التوصلية، ولذا يكتفي به مع وقوعه عن غير قصد وبلانية، فمجرد كون الستر شرطا في الصلاة لايوجب له خصوصية بها يمتاز عن سائر اللباس، فينبغي عقد البحث في كلي اللباس.

والظاهر أنه ليس في المقام نص بالخصوص يدل على اعتبار الاباحة في لباس المصلي، وما ورد في بعض الاخبار من وصية عليعليه‌السلام لكميل: انظرفيما تصلي وعلى ما تصلي إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول(١) . فلا دلالة فيه على ذلك، لعدم ظهور قولهعليه‌السلام " فلا قبول " في الحكم الفقهي، حتى يكون عدم القبول مستتبعا للاعادة والقضاء، بل هو محمول على الحكم الاخلاقي.

وبالجملة: الظاهر أنه ليس فيما بأيدينا من الاددلة ما يدل على اعتبار الاباحة في لباس المصلي، فلابد من ملاحظة ما تقتضيه القاعدة، وليس لنا في المقام قاعدة تقتضي ذلك سوى مسألة اجتماع الامر والنهي، فإن أمكننا إدراج المقام في باب اجتماع الامر والنهي بالنسبة إلى أجزاء الصلاة، بأن يتحد الجزء الصلاتي مع التصرف في المغصوب فهو، وإلا كان مقتضى القاعدة عدم اشتراط اللباس ذلك، وإن ادعي عليه الاجماع، لكن الاجماع موهون بنقل الخلاف.

والذي يقتضيه النظر هو إمكان إدراج المسألة في باب اجتماع الامر والنهي بالنسبة إلى بعض أجزاء الصلاة، وهو الجزء الركوعي والجزء السجودي بيان ذلك

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٣ باب ٢ من أبواب لباس المصلي، ح ٢. [ * ]


هو أنه لاإشكال بعد البناء على ركنية القيام المتصل بالركوع الذي معناه أن يكون الركوع عن قيام أن الهوي من القيام إلى الركوع يكون من أجزاء الركوع، ويكون الركوع حينئذ من مبدأ الانحناء إلى أن يصل إلى حد الراكع، لا أن الركوع عبارة عن نفس الهيئة ويكون الهوي مقدمة وجودية له، فيكون الهوي والانحناء خارجا عن أفعال الصلاة، كما قال به العلامة الطباطبائي(١) في منظومته " إذا لهوي فيهما مقدمة.. إلخ " إذ الالتزام بذلك ينافي القول بركنية القيام المتصل بالركوع، إذ معنى ركنية ذلك كما عرفت هو أن يكون الركوع عن قيام، وذلك لايجتمع مع مقدمية الهوي، إذ لازم القول بمقدمية الهوي هو أنه لايعتبر الهوي بقصد الركوع، بل لو هوى لابمقصد الركوع فلما وصل إلى حد الركوع قصد الركوع لكان ذلك مجزيا، وهذا المعنى ينافي اعتبار كون الركوع عن قيام الذي هومعنى ركنية القيام المتصل بالركوع، فإن كون الركوع عن قيام هو أنه من مبدأ تقوسه وانحنائه مشتغلا بالركوع إلى أن يصل إلى حد الركاع.

وبالجملة: لامحيص بعد الالتزام بركنية القيام المتصل بالركوع كما لامحيص عنه من القول بأن الهوي من القيام إلى الركوع من أفعال الصلاة، وليس مقدمة خارجة عنها. ومن هنا من جمع بين ركنية القيام المتصل بالركوع وبين مقدمية الهوي فقد جمع بين ما لايمكن الالتزام به. وإذ قد ظهر أن الهوي من القيام يكون من أفعال الصلاة فيكون الهوي عند تلبسه بالمغصوب تصرفا في المغصوب ومتحدا معه، بحيث يحمل على هذا الهوي بالحمل الشائع الصناعي أنه تصرف بالمغصوب، فيجتمع الامر والنهي في هذا الجزء الصلاتي الذي ملاكه الاتحاد بحسب الخارج، فيكون حال الهوي كحال الصلاة في المكان المغصوب من حيث

____________________

(١) الدرة النجفية: ص ١٢٣ في الركوع. [ * ]


الاتحاد، وبعد البناء على تقديم جانب النهي في موارد اجتماع الامر والنهي تكون الصلاة باطلة ولو باعتبار جزئها من الهوي. هذا بالنسبة إلى الركوع.

وأما بالنسبة إلى السجود فإن بنينا على أن السجود عبارة عن نفس كون الجبهة على الارض والهوي إليه، من مبدأ حدوثه إلى أن تصير الجبهة على الارض مقدمة خارجية، فلا اتحاد بينه وبين التصرف في الغصب أبدا كما لايخفى.

وإن بنينا على أن السجود من مقولة الفعل، الذي هو عبارة عن وضع الجبهة على الارض لاكون الجبهة على الارض، فبمقدار ما يتحقق به الوضع وهو قبيل صيرورة الجبهة على الارض يتحقق الاتحاد بين التصرف في المغصوب وبين الوضع الذي يكون فعلا سجوديا، وهذا هو الاقوى، لانه يعتبر في السجود وضع الجبهة على الارض لامطلق كون الجبهة على الارض، ففي الجزء السجودي أيضا يتحقق اجتماع الامر والنهي، وتبطل الصلاة من أجله بعد البناء على تغليب جانب النهي.

وهذا بالنسبة إلى الجزء الركوعي والسجودي. وأما بالنسبة إلى سائر الاجزاء فلااتحاد فيها بين الامر والنهي ولااجتماع، بداهة أن القيام عبارة عن الهيئة الحاصلة للقائم، وهذا هوالذي يكون جزء للصلاة، وكذا الجلوس للتشهد، والهيئة لم تتحد مع التصرف في المغصوب، بل إنما يكون التصرف من المقارنات لها.

ثم لايخفى عليك أن ما قلناه من الاتحاد في الجزء الركوعي والسجودي إنما هو موجبة جزئية وفي بعض اللباس، وهو ما يتحرك بالحركة الركوعية والسجودية، وذلك إنما يكون بالنسبة إلى ما على المصلي من اللباس في النصف العالي من بدنه، فإن هذا المقدار هو الذي يتحرك بالحركة الركوعية عند الهوي إليه، وأما مافي أسافل بدنه كالسراويل فلا يتحرك بالحركة الركوعية أصلا، هذا بالنسبة إلى الركوع.

وأما بالنسبة إلى السجود، فبالنسبة إلى ما يكون في أعالي بدنه أيضا


لايتحرك بالحركة السجودية التي هي قبيل وصول الجبهة إلى الارض بالمقدار الذي يصدق عليه الوضع، بل ما يتحرك بهذه الحركة إنما هو مثل العمامة مثلا وما يكون بمثابها.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن إطلاق القول باعتبار الاباحة في لباس المصلي مما لم يقم عليه دليل، وإنما يصح ذلك موجبة جزئية وهو بالنسبة إلى خصوص الركوع والسجود، وذلك أيضا ليس على إطلاقه، بل بالنسبة إلى بعض اللباس وهو ما يتحرك بحركتهما، ولازم ذلك هو أنه لو لبس المغصوب في الصلاة ونزعه عند إرادة الركوع والسجود لكانت صلاته صحيحة، بل لازم ذلك جواز لبس مثل السراويل وغيرها مما لايتحرك بالحركة الصلاتية مطلقا ولو في حال الركوع والسجود، هذا.

ولكن الاحتياط لاينبغي تركه، خصوصا بعد ذهاب المشهور على اعتبار الاباحة في اللباس، بل في المصاحب من غيره.

بقي الكلام في حكم الناسي بالموضوع، والجاهل به، والجاهل بالحكم تقصيرا أو قصورا وضعا أو تكليفا، والناسي بالحكم كذلك.

فنقول: المشهور هو أن الجاهل بالموضوع تصح صلاته، وكذا الناسي له على إشكال في خصوص الغاصب، يأتي بيانه إن شاء‌الله وأما الجاهل بالحكم الوضعي من بطلان الصلاة في المغصوب، وكذا الناسي له، فمما لاأثر له، بل المدار على الجهل والعلم بالحكم التكليفي. وأما الجاهل بالحكم التكليفي، فإن كان عن تقصير فهو بحكم العامد العالم من بطلان صلاته، وإن كان عن قصور فهو بحكم الجاهل بالموضوع من صحة صلاته. وأما الناسي بالحكم فهو ملحق بالجاهل به. هذا ما ذهب إليه المشهور على ما حكي عنهم.

وينبغي من تقديم مقال به يتضح الوجه فيما ذهبوا إليه، وحاصله: أنه قد ذكرنا في محله من أن البحث عن جواز اجتماع الامر والنهي وامتناعه يقع


من جهتين: الاولى: البحث عن ذلك من حيث وحدة المتعلق، وأنه هل يلزم في مورد الاجتماع من تعلق الامر بعين ما تعلق به الآخر، وسراية كل من الامر والنهي إلى متعلق الآخر، أو أنه لايلزم ذلك وإن تصادقا خارجا على شئ واحد؟ وبعبارة اخرى: بعد تصادق الصلاة والغصب على المجمع المأتي به، يقع البحث في أن هذا التصادق هل هو من باب التركيب الاتحادي، حتى يلزم تعلق كل منهما بعين ما تعلق به الآخر، أو أنه من باب التركيب الانضمامي حتى لايلزم ذلك؟ الجهة الثانية: بعد الفراغ عن الجهة الاولى، وأن التركيب على نحو الانضمام، وعدم سراية كل منهما إلى متعلق الآخر، يقع الكلام في الجهة الثانية من اعتبار المندوحة، وأنه عند المندوحة وقدرة المكلف على الصلاة في غير المغصوب، هل يكون مورد التصادق مأمورا به ومنهيا عنه بالفعل، أو لايكون إلا أحدهما؟ فإن قلنا بالامتناع من الجهة الاولى، وسراية كل من الامر والنهي إلى متعلق الآخر، فيكون مسألة اجتماع الامر والنهي من صغريات باب التعارض، ولاربط له بباب التزاحم، فإن الضابط في باب التعارض هو امتناع صدور الحكمين ثبوتا وفي عالم التشريع وتعلق إرادة المولى، من دون أن يكون لقدرة المكلف وعدم قدرته دخل في ذلك، والامتناع من الجهة الاولى إنما يكون في عالم الثبوت والتشريع حيث يستحيل أن يأمر المولى بعين ما ينهى عنه، وتعلق كل من إرادة الفعل والترك بالنسبة إلى شئ واحد، سواء كان هناك مكلف أو لم يكن، قدر المكلف على الجمع بينهما أو لم يقدر، كما هو واضح.

وحينئذ لو بنينا على الامتناع من الجهة الاولى، وقدمنا في مقام التعارض جانب النهي، كما لامحيص عنه، لما تقدمت الاشارة إليه من أن الاطلاق الشمولي الذي هو مفاد النهي مقدم في مقام التعارض على الاطلاق البدلي الذي هو مفاد


الامر، كتقدم العام الاستيعابي على الاطلاق الشمولي تكون المسألة من صغريات باب النهي عن العبادة، ويلزمه القول بفساد العبادة مطلقا حتى مع الجهل بالموضوع أو نسيانه، وذلك لانه بعد ما كانت المسألة من صغريات باب التعارض مع تقديم جانب النهي، فتكون جهة الامرر ثبوتا مغلوبة وجهة النهي غالبة، كما هو الشأن في كل مورد يقع التعارض بين الامر والنهي مع تغليب جانب النهي، وإن لم يكن التعارض من باب اجتماع الامر والنهي، بل كان التعارض لجهة اخرى غير مسألة الاجتماع، بل هذا هو الشأن في كل متعارضين قدم أحدهما على الآخر وإن لم يكن التعارض بين الامر والنهي، فإن تقديم أحد المتعارضين على الآخر يكشف إنا عن غلبة ملاكه ومغلوبية ملاك الآخر، لوكان فيه ملاك مع قطع النظر عن المعارضة، وبعد ذلك لايمكن تصحيح متعلق المعارض المغلوب لو كان عبادة لابالامر ولا بالملاك، لعدم الامر به حسب الفرض بعد تقديم النهي، وملاكه لو كان فهو مغلوب بملاك النهي، والملاك المغلوب بأقوى منه لايوجب صحة العبادة، فلا يمكن تصحيح العبادة بشئ من الامر والملاك مع توقف صحة العبادة على أحدهما لامحالة.

لايقال: إنه عند الجهل بالموضوع أو نسيانه يسقط النهي لامحالة، فلا مانع من الصحة حينئذ. فإنه يقال: النهي وإن سقط بالجهل والنسيان إلا أن ملاكه لم يسقط بذلك، لعدم تصرف الجهل بالملاك في مثل ما نحن فيه مما كان من باب التعارض الذي ملاكه وقوع المعارضة في عالم التشريع وعالم تعلق إرادة الآمر، الذي لادخل لارادة الفاعل وعلمه وجهله بذلك، فإذا كان ملاك النهي باقيا فالفساد إنما يستند إليه لاإلى النهي الساقط بالجهل، ولتفصيل الكلام محل آخر.

هذا كله لو بنينا على الامتناع من الجهة الاولى. وأما لو بنينا على الامتناع من الجهة الثانية، فقد عرفت أنه يكون حينئذ نم


صغريات باب التزاحم ويخج من باب التعارض، فإن معنى الجواز في الجهة الاولى هو عدم سراية كل من الامر والنهي إلى متعلق الآخر، وأن التركيب في مورد التصادق والاجتماع النضمامي، ففي عالم الثبوت والارادة لامانع من تشريع مثل هذا الامر والنهي، لعدم تعلق الارادة بفعل شئ وترك ذلك، بل تعلقت الارادة بفعل شئ وترك شئ آخر وإن تصادقا في الخارج، ففي ناحية الثبوت لامانع من الاجتماع فيخرج عن باب التعارض.

نعم في ناحية قدرة الفاعل، وتعلق إرادته بفعل متعلق الامر وترك متعلق النهي، يقع التزاحم بينهما في مورد التصادق، لعدم قدرة المكلف من امتثال كل من الامر والنهي مع اتحاد المتعلق خارجا، لكن هذا مع اشتمال كل من الامر والنهي على تمام ما هو ملاكه، فإنه بعد عدم المانع من تشريع الحكمين ثبوتا يكون الملاك في كل منهما على حاله من دون وقوع كسر وانكسار بينهما، وقدرة المكلف وعدمها لاتوجب تصرفا في الملاك أصلا، كما هو الشأن في كل متزاحمين، فتكون مسألة الاجتماع بناء على الامتناع من الجهة الثانية والجواز من الجهة الاولى من صغريات باب التزاحم، ويجري فيها ما يجري في كلي باب التزاحم من ملاحظة المرجحات، وحيث كان النهي سريانيا والامر صرف الوجود فلامحيص من تقديم جانب النهي، وخروج الفرد من الصلاة المبتلى بالمزاحم عن تحت إطلاق متعلق الامر، لان النهي بسريانيته يصلح أن يكون تعجيزا مولويا عن متعلق الامر بخلاف العكس، فتأمل جيدا.

ثم إن من لوازم باب التزاحم هو أن تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لاحد موجباته إنما يكون في صورة العلم بالحكم والموضوع، لان التزاحم إنما يقع عند ذلك، وإلا فوجود الواقعي للحكم مما لاأثر له في باب التزاحم، بل لابد من وجوده العلمي، مثلا لو لم يعلم بأن هناك غريقا آخر، لايمكن أن يزاحم وجود


واقعي " أنقد الغريقآ للغريق الذي علم به حكما وموضوعا، بل اللازم عليه فعلا هو إنقاذ ما علم كونه غريقا ليس إلا، وهذا بخلاف باب التعارض، لما عرفت من أن التعارض إنما يكون بين الوجود الواقعي وفي عالم الارادة الآمرية والتشريع من دون أن يكون لعلم المكلف وجهله دخل في ذلك، ولتوضيح المقال محل آخر، والغرض في المقام مجرد الاشارة إلى ما بيتني عليه مسألتنا من الصلاة في المغصوب عند الجهل والنسيان.

وإذا عرفت ما ذكرناه، ظهر لك الوجه فيما ذهب إليه المشهور من صحة صلاة الجاهل بالموضوع، والناسي له، والجاهل بالحكم التكليفي قصورا، وبطلان صلاة العامد العالم، والجاهل بالحكم تقصيرا، فإن ذهابهم إلى ذلك إنم هو لبنائهم على الجواز من الجهة الاولى كما هو المشهور بينهم أيضا على ما نسب إليهم في الاصول والامتناع من الجهة الثانية، وذلك بعد الاحاطة بما قدمناه واضح.

أما الصحة عند الجهل بالموضوع ونسيانه فواضح، لما عرفت من أن النهي في الجهة الثانية إنمايقدم على الامر بوجوده العلمي لابوجوده الواقعي، لانه بوجوده الواقعي لايزاحم الامر بعد تمامية ملاكه، كما عرفت من أن ذلك من لوازم التزاحم، وأن مسأللة الاجتماع من الجهة الثانية تكون من صغرى باب التزاحم، والجاهل بالغصبية وإن لم يسقط النهي عنه واقعا إلا أنه غير منجز عليه، فلا مانع من صحة صلاته بعد استمالها على تمام الملاك، وكذا الناسي لها، بل هو أوللى بالصحة، لسقوط النهي عنه واقعا، وكذا الكلام بالنسبة إلى الجاهل بالحكم عن قصور، فإنه كالجاهل بالموضوع من حيث كون النهي غير منجز عليه.

وأما بطلانها في صورة العلم بالحكم والموضوع، أو الجهل بالحكم فقط لكن عن تقصير، فلتنجز النهي عليه، فتقع الصلاة منه مبغوضة، وما وقع مبغوضا لايمكن أن يكون مقربا. [ * ]


فإن قلت: بعد الالتزام بأن مورد الاجتماع مشتمل على كل من ملاك الامر والنهي، كما هو لازم باب التزاحم، ومجرد تقديم جانب النهي لايوجب عدم اشتمال الصلاة على ملاكها، وإلا لخرج عن باب التزاحم ودخل في باب التعارض، وحينئذ لامانع من تصحيح الصلاة بالملاك، وإن عوقب على فعل الغصب، كما هو الشأن في كل متزاحمين قدم أحدهما على الآخر، كتقديم الازالة على الصلاة، ولكن مع ذلك تقع صلاته صحيحة لوخالف وترك الازالة.

وحاصل الكلام: أنه بعد الفراغ من الجهة الاولى والبناء على الجواز فلا معنى للقول ببطلان صلاة الجاهل المقصر، بل وكذا العالم بعد الاعتراف بأن مورد التصادق مشتمل على تمام ملاك الامر، وبعد تصحيح العبادة بالملاك كما في نظائر المقام من سائر موارد التزاحم.

قلت: نعم وإن كان مورد التصادق مشتملا على تمام ما هو ملاك الامر، إلا أن مجرد ذلك لايكفي في المقربية بعد اتحاده وابتلائه بما يقع فعلا من المكلف مبغوضا عليه من التصرف في المغصوب، وما قلنا من تصحيح العباده بالملاك إنما هو فيما إذا لم يكن بهذه المثابة. وتفصيل ذلك هو أن التزاحم على أقسام خمسة.

الاول: تزاحم الصدين كالتزاحم بين الازالة والصلاة.

الثانى: التزاحم بين المقدمة وذيها إذا كان أحدهما واجبا والآخر محرما.

الثالث: تزاحم المتلازمين في الوجود فيما إذا كان التلازم اتفاقيا، كما إذا فرض وجوب استقبال القبلة وحرمة استدبار الجدي مع أنهما متلازمان في العراق وما والاها.

الرابع: تزاحم المتحدين في الوجود، كما فيما نحن فيه من تزاحم الصلاة والغصب عند التصادق والاتحاد.

الخامس: تزاحم الواجبين في ناحية قدرة الكلف، من دون أن يكون بينهما


تضاد ولااتحاد ولا تلازم ولامقدميته وذيها، وذلك كما في تزاحم القيام في الركعة الاولى والثانية، أو في بعض الركعة، كما إذا دار أمره بين القيام في الركعة الاولى والجلوس في الثانية والعكس، أو دار أمره بين القيام في أول الركعة والجلوس في آخرها وبالعكس.

وهذه الاقسام الخمسة بعد اشتراكها في التزاحم تختلف من حيث تصحيح العبادة باللاك، فإن في القسمين الاولين، وهما التزاحم بين الضدين والمقدمة وذيها، يمكن تصحيح العبادة بالملاك، فلو فرض أنه ترك الازالة مع كونها أهم من الصلاة وصلى بداعي الملاك تقع صلاته صحيحة، وكذا لوأتى بالمقدة المحرمة مع كونها أهم وفعل ذي المقدمة الواجب بداعي الملاك صحت وإن عصى بترك الازالة وفعل المقدمة.

والسر في ذلك هو أن الصلاة، وكذا في المقدمة، حيث كان لها وجود استقلالي لاربط له بالازالة والمقدمة، ومشتملة على تمام الملاك، فلا مانع عند العقل من التقرب بها وصحتها بداعي الملاك، ومجرد عصيانه في ترك الازالة وفعل المقدمة لايمنع عن ذلك، فهو نظير من شرب الخمر وصلى، أو ترك الحج وصلى، ومجرد إمكان الاجتماع في الوجود كما في الامثلة وعدم إمكانه كما فيما نحن فيه لايصلح فارقا من الجهة التي نحن فيها، وكما يمكن تصحيح العبادة في هذا القسمين بالملاك كذلك يمكن بالامر الترتبي، بناء على المختار من إمكانه.

وأما القسم الخامس فلا يمكن تصحيح العبادة بالملاك، مثلا لو كان يجب عليه حفظ قدرته على القيام في آخر الركعة لئلا يفوت منه القيام المتصل بالركوع، لكونه أهم من القيام في أول الركعة والجلوس في آخرها مع استلزامه فوات القيام المتصل بالركوع، فلو خالف وقام في أول الركعة وجلس في آخرها كان مقتضى القاعدة بطلان صلاته، لانه زاد في أول الركعه قيام لم يكن واجبا عليه، ونقص


في آخرها قياما واجبا عليه، فهو كمن تعمد بالقعود في آخر الركعة مع قدرته على القيام الذي لاإشكال في بطلان صلاته، ففي القسم الخامس مع كونه من باب التزاحم لايمكن [ تصحيح ] العبادة بالملاك.

وأما القسم الثالث وهو ما إذا كان التزاحم بين المتلازمين، ففي تصحيح العبادة بالملاك إشكال، وذلك فلان أحد المتلازمين العبادي وإن كان له وجود استقلالا، واشتمل على الملاك، وكان ما بحذائه في الخارج غير ما بحذاء ملازمه الآخر، إلا أن اكتفاء العقل بالامتثال بمثل هذه العبادة التي لازمت ما يكون مبغوضا للمولى محل إشكال، إذ ليس لنا دليل لفظي يتمسك بإطلاقه على أن كلما تحقق الملاك في العبادة صحت، بل تصحيح العبادة بالملاك إنما هو عقلي، وحكمه بصحة أحد المتلازمين إذا كان عبادة، مع أن ما يلازمه مبغوضا فعليا للمولى، وعدم انفكاك إرادة أحد المتلازمين عن إرادة الآخر غالبا ولو تبعا، غير معلوم.

فإذا كان هذا حال القسم الثالث فما ظنك بالقسم الرابع ! وهو ماإذا اتحدت العبادة مع ما هو مبغوض للمولى فعلا، فإن تصحيح مثل هذا بالملاك، مع أن ما يصدر منه فعلا مبغوضا للمولى ومعاقبا عليه، مما لايمكن، وكيف يمكن ذلك مع أن الوجود من المكلف في الخارج متحد ماهية ووجودا، وقد تعلقت به إرادة الفاعل بما هو عليه من المبغوضية الفعلية والتفاته إلى ذلك او عدم التفاته على وجه لايعذر فيه؟ وبالجملة: لايمكن تصحيح هذه العبادة المتحدة مع المبغوض الفعلي بالملاك، ولايمكن أن تكون مقربة مع تعلق إرادة الفاعل بما يصدر منه مبغوضا عليه مع ما هو عليه من الاتحاد.

فإن قلت: نعم إرادة الفاعل وإن تعلقت بالمبغوض الفعلي من التصرف


بالغصب، إلا أنها تعلقت بما هو مشتمل على ما يكون فيه ملاك المحبوبية أيضا من امتثال الامر الصلاتي المتعلق بالطبيعة دون الفرد، وتشخص الصلاة بما يكون مبغوضا لايوجب عدم تحقق الامتثال بالطبيعة بعد ما كانت الخصوصيات الفردية خارجة عن دائرة متعلق الامر، فليكن هذا العبد مطيعا من حيث إرادته إيجاد طبيعة الصلاة امتثالا لامرها، وعاصيا من جهة إرادة الشخص الذي يكون مبغوضا.

قلت: لو كان إرادة الفاعل بإيجاد الطبيعة قد تعلقت بها مستقلا، وكانت إرادته ذلك مغايرة لارادته الشخص المبغوض، بأن كان له إرادتان مستقلتان منحازتان، قد تعلقت أحدهما بالطبيعة والاخرى بالفرد، أمكن ان يقال ذلك.

مع أن ذلك أيضا على إطلاقه ممنوع، لما عرفت من أن المسلم من تصحيح العبادة بالملاك هو ما كانت العبادة لها وجود استقلالي خارجا وإرادة من دون أن تكون ملازمة بينها وبين المبغوض، وعلى كل حال في صورة الاتحاد لم تكن هناك إرادتان للفاعل مستقلتان منحازتان في الخارج، بل ليس هناك إلا إرادة واحدة قد تعلقت بإتيان ما يكون مجمع العوانين مع ما هو عليه من المبغوضية والاتحاد، فكيف يكون إرادة إيجاد مثل هذه الطبيعة مقربا مع أنه أسوأ حالا من المتلازمين في الوجود الذي قد عرفت الاشكال فيه؟ مع أن في المتلازمين كانت إرادة أحد اللازمين مغايرة لارادة الآخر، غايته أنه متلازمين في الارادة، وفي المقام لم يكن الارادة واحدة تعلقت بالمبغوض الفعلي.

فإن قلت: إذا لم تكن إرادة الطبيعة مغايرة لارادة المجمع، وكانت هناك إرادة واحدة قد تعلقت بالمحبوب والمبغوض، فكيف جوزتم الاجتماع من الجهة الاولى؟ وهل لازم ذلك إلا تعلق الارادة بعين ما تعلقت به إرادة الآخر؟ قلت: الكلام في الجهة الاولى إنما كان في إرادة الآمر في مقام التشريع،


وحيث كان في ذلك المقام الخصوصيات الفردية خارجة عن تعلق إرادة الآمر بها، بل تعلقت بالطبيعة الصلاتية وطبيعة الغصبية، فلايلزم في مقام تعلق إرادة الآمر من اجتماع الارادتين وتعلق كل بعين ما تعلق به الآخر، وهذا بخلاف الكلام من الجهة الثانية، فإنها في مقام تعلق إرادة الفاعل، الذي لايمكن في هذا المقام من تعلق إرادته بالطبيعة الصرفة من دون أن تتعلق بالفرد المبغوض.

فإن قلت: فما معنيقولهم إن المشخصات الفردية خارجة عن متعلق الارادة وغير ملتفت إليها؟ قلت: مرادهم من ذلك الخصوصيات اللاحقة لنفس الفرد في حال وجوده، كتشخص الصلاة بالخصوصية الكذائية عند وجودها، وأما الخصوصيات اللاحقة لنفس الطبيعة، كإيجاد الطبيعة في زمان كذا أو في مكان كذا، فمما لايمكن عدم تعلق الارادة الفاعلية بها، بل لابد من تعلق الارادة بها.

وحاصل الكلام: أن إرادة الطبيعة في ضمن الفرد المحرم مما لايمكن أن يكون مقربا، لصدوره منه مبغوضا عليه، وبذلك ظهر أنه ليس وجه فساد صلاة العالم بالموضوع والحكم هو عدم إمكان تمشئ قصد القربة منه، فإن ذلك مع كونه مقصورا بالعالم دون الجاهل المقصر على إطلاقه ممنوع، فإن العالم ربما يمكن تمشي قصد القربة منه فلايكن هذا مانعا عن الصحة، بل المانع ما ذكرناه من أنه عند العلم والجهل الذي لايعذر فيه فلا يقع الفعل مبغوضا عليه، من جهة قصده إيجاد الطبيعة في ضمن الفرد المحم الفعلي.

وهذا بخلاف الجاهل المعذور أو الجاهل بالموضوع والناسي له، فإنه لمكان عدم قصده ذلك، إما لعدم كونه محرما عليه واقعا كالناسي للموضوع، وإما لعدم منجزية النهي كالجاهل به أو بالحكم مع كونه معذورا، كانت عبادته صحيحة، هذا بالنسبة إلى غير الغاصب. وأما بالنسبة إلى نفس الغاصب فقد يقال: إن نسيانه للموضوع لايوجب


صحة صلاته، ووجهه بعض بأنه غير معذور في نسيانه، إما لانصراف أدلة رفع النسيان إلى غير ذلك، وإما لانه كان يجب عليه الحفظ والذكر حتى يرد مال الناسي إلى أهله، فبتركه الحفظ والذكر الذي أوجب النسيان صار نسيانه مما لايعذر فيه، وكان تكليف لاتغصب منجزا عليه، فلا تصح منه الصلاة، هذا. ولكن لايخفى عليك مافي كلا الوجهين من الصعف. أما دعوى الانصراف فمما لاشاهد عليها، إذ لاموجب له.

وأما الوجه الثاني، فعلى فرض تسليم أنه كان يجب عليه الحفظ والذكر، فأقصاه أنه فرط في هذا الواجب وعصى بتركه، وهذا لاينافي معذرويته في حال النسيان، ولايعقل أن يكون النهي منجزا عليه في حال النسيان، فإن رفع التكليف عن الناسي عقلي لايختص بشخص دون شخص، وحال دون حال.

ودعوى أن تصرفه في المغصوب حال النسيان كتصرفه في حال الخروج عن الدار المغصوبة يمكن ان لايكون معذورا فيه، مع أنه مما لابد منه عقلا، مدفوعة (أولا) بأن الخروج يكون مأمورا به ليس إلا ومعذورا فيه، على ما هو المختار من أن الخروج لم يكن منهيا عنه في حال من الحالات، لانه تخلص عن الغصب فلا يمكن أن [يكون] منهيا عنه.

(وثانيا) سلمنا ذلك إلا أن الخروج يمكن أن يقال منهيا عنه بالنهي السابق الساقط، ويكون مقدورا تركه بترك الدخول، إلاأنه في صورة النسيان لايمكن ذلك، لان الشئ في حال النسيان غير مقدور لابنفسه ولا بالواسطة، فإن التحفظ والمواظبة على الذكر لايلازم عدم النسيان، فربما الشخص يكون في كمال التحفظ والمواظبة ومع ذلك ينسى لامر غير اختياري، فلايقاس باب النسيان بباب الخروج الذي هو مقدور دائما بترك الدخول، فتأمل جيدا.

فالاقوى أنه لافرق في الصحة بين كون الناسي هو الغاصب أو غيره.

بقي في المقام بعض الفروع المرتبطة بالمقام.


الاول: لو وجب على الغاصب حفظ المغصوب، وتوقف حفظه على الصلاة فيه، فالاقوى صحة صلاته، لان المفروض أن التصرف الحاصل بالصلاة فيه مما يجب عليه مقدمة للحفظ، ومعه لايمكن أن يكون التصرف منهيا عنه، فلاموجب للفساد.

ثم إن وجوب حفظ مال المغصوب عن التلف إنما هو لاجل اقتضاء الضمان ذلك، فإنه بالغصب قد ضمن العين المغصوبة بمالها من الخصوصية الشخصية، والخصوصية النوعية التي ينتقل إليها عند تعذر الشخصية، وذلك كما في المثليات، والخصوصية المالية التي ينتقل إليها عند تعذر الشخصية والنوعية، كما في القيميات.

ومعنى كون الخصوصية الشخصية في ضمانه هو أنها في عهدة الغاصب إلى أن يردها إلى صاحبها، ولامعنى لذلك إلا وجوب ردها، ولامعنى لضمان الخصوصية الشخصية إلا ذلك، إذ بعد ما كانت الخصوصية المثلية والمالية ضامنا لها بنفس وضع يده على المغصوب، فلا معنى لان يتوهم أن معنى ضمان الخصوصية الشخصية هو أن عند تلفها ينتقل إلى المثل والقيمة، وليس معنى ضمانها وجوب ردها، فإن الانتقال إلى المثل والقيمة ليس من لوازم ضمان الخصوصية الشخصية، بل هو من لوازم وضع اليد على المال الذي يكون له خصوصية نوعية وخصوصية مالية، وإلا فالخصوصية الشخصية إذا تلفت فقد فاتت من المالك من دون أن يحصل له بإزائها شئ، فمعنى ضمان الخصوصية الشخصية ليس إلا وجوب ردها، فإذا وجب ردها وجب حفظها مقدمة لذلك، فإذا كان وجوب الحفظ من لوازم ضمان المغصوب، فلا يقتضي ضمان المغصوب حينئذ حرمة التصرف المتوقف عليه الحفظ، فإن الشئ لايمكن أن يقتضي لازمين متدافعين، فتأمل.


ويمكن أن يقال: إن وجوب حفظ مال المغصوب ليس من جهة ضمانه، بل من جهة أن وقوع مال الغير تحت اليد وإن لم تكن اليد يدا عادية يقتضي وجوب حفظه، كما نرى وجوب حفظ المال ولو كانت اليد يد أمانة مالكية أوشرعية، ودعوى أن كل مال وقع تحت اليد بجب حفظه ليس بكل البعيد.

نعم دعوى أن كل مال يجب حفظه وإن لم يكن تحت اليد مما لاسبيل إليها. وعلى كل حال بعد وجوب حفظ المال المتوقف على الصلاة فيه، إما لاقتضاء الضمان ذلك، وإما لوقوعه تحت اليد، لم يكن التصرف الصلاتي منهيا عنه، فلاوجه لفسادها.

الثاني: لو صبغ الثوب بصبغ مغصوب، أو خاطه بخيط مغصوب، فربما قيل: إنه لامانع من الصلاة فيه، لعد الصبغ والخيط تالفا ويلزمه قيمته، ويشكل ذلك بأن دعوى عد الصبغ والخيط تالف عند العرف مما لاسبيل إليها، بعدما كان عين الصبغ والخيط موجودا في الثوب، ومجرد عدم إمكان رده إلى صاحبه لايقتضي ذلك ولا الانتقال إلى القيمة، فليكن شريكا بنسبة قيمة الصبغ والخيط، وليس كل ما لايمكن رده إلى صاحبه يعد تالفا عند العرف، بل التالف ماخلا صفحة الوجود عنه، إما حقيقة كالحرق، وإما عرفا كالغرق في البحر الذي يستحيل عادة إخراجه وإيصاله إلى صاحبه، وأما الصبغ والخيط الذي هو موجود بالفعل، وما بحذاء في الخارج، ومما يشار إليه عرفا، فلا يمكن عده تالفا والانتقال إلى القيمة.

نعم فيما لو اجبر أحد على الصبغ والخياطة مع كون الصبغ والخيط مباحا وملكا للمكره بالكسر أمكن أن يقال: إنه لامانع من الصلاة فيه، ويلزمه قيمة اجرة الخياطة والصباغة، لانه عمل محترم له أجره عند العرف، بل استشكل شيخنا الاستاذ مد ظله في حاشيته على العروة الصلاة فيه أيضا،


من جهة احتمال بعض الشركة في المالية في الزيادات الحكمية كالقصارة والخياطة، فإذا كان هذا حال الزيادة الحكمية فما ظنك في الزيادات العينية، كما إذا كان الصبغ والخيط ملكا لغير مالك الثوب، فتأمل جيدا.

الثالث: لاإشكال في جواز الصلاة لو أذن المالك الصلاة في المغصوب حتى بالنسبة إلى الغاصب، واحتمال منع الغاصب حتى مع إذن المالك ضعيف جدا، وأضعف منه احتمال منع غير الغاصب أيضا، كما أن أضعف منه احتمال منع نفس المالك أيضا مع بقاء موضوع الغصبية، إذ ليس منشأ لهذه الاحتمالات سوى كون العين بعد مغصوبة وبالاذن لاتخرج عن الغصبية.

ولكن فيه أنه ليس لنا إطلاق يدل على منع الصلاة في المغصوب حتى يؤخذ بإطلاقه، ويقال: مادامت العين باقية على الغصب لايجوز الصلاة فيها ولو للمالك، بل لو كان هناك إطلاق لما كان دالا على ذلك، لعدم شموله لصورة الاذن، أو انصرافه إلى غير ذلك، فتأمل جيدا.

هذا تمام الكلام فيما يتعلق باللباس المصغوب. ومما قيل باعتباره في لباس المصلي هو أن لايصلي فيما يستر ظهر القدم دون الساق، ذكره جماعة من الاعلام، وقد استدل عليه بما روي مرسلا من عدم جواز الصلاة في الشمشك بضم الاوليين وسكون الثالث، والنعل السندية(١) . ولعل قد فهموا من ذلك المثال وتعدوا عنهما إلى كل ما يغطي الساق، هذا. ولكن الاقوى الجواز، لان إثبات الحكم بمثل هذا المرسل الذي لم يعلم عمل القدماء به مشكل، وعلى فرض العمل به فلم يعلم أن المنع عنهما لمكان عدم تغطية الساق، إذ يحتمل أن يكون النهي من ذلك لاجل عدم استقرار

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣١١، باب ٣٨ من أبواب لباس المصلي، ح ٧. [ * ]


الابهام على الارض بنفسه أو بحائل في حال السجود، بل يبقى الابهام في زاوية النعل معلقا بالهواء، كما هو المحسوس في أغلب النعول، هذا كله مضافا إلى ما في التوقيع المروي عن الاحتجاج أن محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمانعليه‌السلام يسأله هل يجوز للرجل أن يصلي وفي رجليه بطيط لالايغطي الكعبين أم لايجوز؟ فوقععليه‌السلام جائز(١) . بناء على إرادة العظمين من الكعبين فيه، وعلى كل حال الظاهر أنه لاينبغي الاشكال في الجواز.

هذا كله فيما يعتبر في الساتر من اللباس. وأما ما يعتبر في السترر من حيث الحل الذي يجب ستره.

يجب على الرجل ستر عورته من القبل والدبر والبيضتين، ولايجب ستر مازاد على ذلك، ولا الصلاة في ثوبين. وأما المرأة فيجب ستر جميع بدنها عدا الوجه والكفين والقدمين. وقد استدل على ستر جميع البدن بماورد من أن نسائكم عوراتكم(٢) . ولايخفى أنه ليس المراد منه كون المرأة جميعها عورة التي هي عبارة عن سوأة وما يستحى منه، بل المراد من كون المرأة عورة وجوب حفظها ومراعاتها، كما هو المراد من قوله تعالى: بيوتنا عورة(٣) . وربما يدعى الملازمة بين ما يجب ستره عن غير المحارم وما يجب ستره في الصلاة، وهو جميع البدن عدا ما استثني.

ولكن الانصاف أنه لم تثبت هذه الملازمة، ولم يدل عليها دليل، والنصوص الواردة في الباب ليس إلا وجوب ليس المرأة ثوبين في الصلاة، وهي أخبار متعددة على اختلاف بينها من حيث جعل الثوبين في بعضها الدرع والخمار، وفي بعضها الدرع والمقنعة، وفي بعضها

____________________

(١) الاحتجاج: ج ٢ ص ٤٨٤ س ٢١.

(٢) الوسائل: ج ١٤ ص ١٧٣ باب ١٣١ من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، ح ١ إلا أن فيه هكذا " أن النساء عى وعورة.. إلخ ".

(٣) الاحزاب: الآية ١٣. [ * ]


غير ذلك، ومعلوم أن ذلك من باب المثال، والمقصود لبسها ثوبين أحدهما يستر أسافل البدن والآخر أعاليه، بل يكفيها ثوب واحد إذا كان ساترا للاسافل والاعالي، والتعبير في الثوبين إنما هو لغلبة تحقق ستر ذلك بهما، وندرة الستر بثوب واحد يكن ساترا للجميع، وحينئذ ينبغي الاقتصار بمايقتضيه طبع الثوبين من الستر.

لاإشكال أنه لو كان هناك ثوبان، سترت بأحدهما أسافل البدن وبالآخر أعاليه، فالدي يتحقق من الستر هو ستر جميع البدن، عدا ما استثني من الوجه والكفين والقدمين، فما في بعض الاخبار(١) من عدم وجوب ستر الرأس مؤول أو مطروح، لعدم العمل به، وكذا إلحاق بعض الشعر بالوجه مما لاوجه له، مع أن المتعارف عند لبس الثوبين هو ستر الشعر أيضا، هذا مضافا إلى دعوى الاجماع والشهرة المحققة على ذلك، فلا يبنغي الاشكال في ذلك، كما لاينبغي الاشكال في عدم وجوب ستر الوجه والكف والقدم، بعدما كان المتعارف عند لبس الثوبين عدم ستر ذلك بهما، فما في بعض العبائر من وجوب ستر جميع البدن إلا موضع السجود مما لاوجه له، وكذا لا إشكال في عدم وجوب ستر الرأس على الامة، لورود النص(٢) على ذلك.

بقي في المقام فروع مهمة ينبغي التعرض لها. الاول: يتحقق الستر بكل ما يكون ساترا بحسب نوعه وطبعه، ولايلزم أن يكون من جنس المنسوج، بل يكفي الجلد والملبد وغير ذلك من أنواع الساتر، بل وكذا الحشيش والورق وغير ذلك. نعم في كون الحشيش والورق في عرض

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٩٧ باب ٥ من أبواب لباس المصلي، ح ٥ و ٦.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٩٧ باب ٢٩ من أبواب لباس المصلي، ح ١ و ٢. [ * ]


المنسوج والجلد إذا عمل منه ثوبا والملبد، أو في طوله وأن الانتقال إلى ذلك عند تعذر المنسوج وشبهه إشكال.

فظاهر بعض هو العرضية، وظاهر آخر الطولية، على اختلاف في كلماتهم في الطولية، وأن مثل الطين مثلاهل هو في عرض الحشيش أو في طوله، وغير ذلك مما يطلع عليها المراجع. والظاهر أن الجميع في عرض واحد، وأنه يجوز اختيارا التستر بالحشيش، وإن مال شيخنا الاستاذ مد ظله إلى الطولية، نظرا إلى أن الظاهر من الستر هو الستر بما يكون ساترا في جنسه وطبعه، وإلى صحيح علي بن جعفر سأل أخاه عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا، وحضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بركوع وسجود(١) .. إلخ. فإن أمرهعليه‌السلام بالتستر بالحشيش بعد فرض السائل عدم التمكن من غيره، وعدم التمكن وإن كان في كلام السائل لافي كلام الامامعليه‌السلام ، إلاأنه يشعر بأنه الانتقال إلى الحشيش إنما هو عند عدم التمكن من غيره، فتأمل. نعم ينبغي القطع بعدم كفاية الستر باليد إلا عند الضرورة(٢) .

الثاني: الستر واجب في الصلاة وإن لم يكن هناك ناظر محترم، وليس الستر مقصورا بما إذا كان هناك ناظر، بل الستر واجب في الصلاة مطلقا، على وجه لو كان هناك ناظر لامتنع عليه النظر إلى عورته. ويتفرع على ذلك وجوب ستر العورة من جميع الجهات، فلو كان واقفا على سطح أو شباك، بحيث لوكان هناك ناظر من تحت لامكنه النظر إلى عورته، لم يتحقق منه الستر الواجب،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٦ بابا ٥٠ من أبواب لباس المصلي، ح ١ وفيه اختلاف يسير.

(٢) وسيأتي الكلام في الطين " منه ". [ * ]


بل كان يجب عليه الستر على وجه لايمكن للواقف من تحت النظر إلى العورة. نعم من كان واقفا على الارض لم يجب عليه الستر من تحت، لتحقق الستر بالارض، بل يجب عليه الستر من سائر الجوانب. هذا كله بالنسبة إلى الستر عن الغير.

وأما السترر عن نفسه ففي وجوبه إشكال، فلو صلى في ثوب واسع الجيب، بحيث لو أراد النظر إلى عورة نفسه لامكنه ولو في بعض الاحوال، ففي الصحة إشكال.

ولايبعد أن يقال:إن الشك في ذلك إنما هو لاجل تردد مفهوم الستر بين الاقل والاكثر، لعدم العلم بأن الستر الواجب في الصلاة ما هو، وأنه هل يجب الستر حتى عن نفسه أولا، وكلما رجع الشك إلى ذلك فالاصل البراء‌ة.

الثالث: وجوب الستر في الصلاة إنما هو وجوب شرطي لاتكليفي محض، كما هو ظاهر الاوامر الواردة في بيان أجزاء العبادة وشرائطها، فلا تصح الصلاة مع عدم الستر. وهل شرطيته مطلقة حتى في حال الجهل والنسيان. أو مقصورة بصورة العلم والالتفات؟ الظاهر أن شرطيته ليست مطلقة بحيث لو جهل بالستر أو نسيه في تمام الصلاة أو في بعضها تبطل.

وتفصيل ذلك هو أن عدم الستر، إما أن يكون لجهل به، كما إذا تستر بثوب بتخيل أنه ساتر لعورته مع أن في الواقع لم يكن ساترا، وإما لنسيانه، كما إذا نسي التستر وصلى عاريا، من غير فرق بين أن يكون النسيان من أول الصلاة، أو في أثنائها، كما إذا تستر في أول الصلاة وفي الاثناء انكشفت عورته ونسي سترها ثانيا، وإما لقهرقاهر، كما إذا هب الريح في أثناء الصلاة فانكشفت عورته.

وكل من هذه الامور الثلاثة إما أن يزول المانع من الجهل والنسيان والقهر في أثناء الصلاة، كما إذا التفت أو تذكر أو سكن الريح في


الاثناء، وإما أن يزول بعد الصلاة، فتكون الصور ستة.

أما صورة الجهل فإن لم يلتفت إلا بعد الصلاة فلا إشكال في الصحة، لصحيح علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الرجل يصلي وفرجه خارج لايعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قالعليه‌السلام : لاإعادة عليه، وقد تمت صلاته(١) . فإن المتيقن من شموله هو صورة عدم الالتفات إلابعد الصلاة.

وإن التفت في الاثناء، فهو وإن كان خارجا عن مورد الرواية، إلا أنه لايبعد دعوى عدم الفرق بين وقوع تمام الصلاة من غير ساتر لجهل به، أو وقوع بعضها لذلك. لكن هذا إنما يجدي بالنسبة إلى حال الجهل، بمعنى أن الاجزاء الواقعة في حال الجهل بعدم الستر حالها حال جميع الصلاة الواقعة كذلك، وأما بالنسبة إلى حال العلم بذلك، وهو آن التفاته إلى أنه مكشوف العورة، فبأي وجه يمكن القول بالصحة مع أنه يصدق عليه أنه مكشوف العورة وهو عالم به؟ ولايجديه تحقق الستر منه بعد العلم فورا، فإن الكلام إنما هو في آن العلم والالتفات، فإن في هذا الآن إلى أن يتحقق الستر منه لم يكن واجدا للشرط من الستر مع علمه بذلك، والحال أن الستر شرط في جميع أكوان الصلاة، لاأنه شرط لخصوص الاقوال والافعال، كما سيأتي بيانه إن شاء‌الله، فيشكل الامر في هذا الصورة، وهي صوررة التفاته في الاثناء.

فإن قلت: بعد البناء على أن الاجزاء السابقة على الالتفات، الواقعة في حال عدم التستر مشمولة لصحيح علي بن جعفر، فبلازمه يدل عن اغتفار

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٩٣ باب ٢٧٧ من أبواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


عدم تحقق الستر في حال الالتفات إلى حصول الستر، وإلا لغى صحة الاجزاء الواقعة في حال الجهل، فإن معنى اغتفار عدم تحقق الستر مع الجهل به فيما مضى من صلاته ولو التفت في الاثناء هو اغتفار عدم الستر في حال الالتفات إلى أن يحصل الستر.

والحاصل: أنه لابد إما من القول بأن رواية علي بن جعفر مقصورة بصورة وقوع تمام الصلاة فاقدة للستر مع الجهل، فلا تعم وقوع بعض الاجزاء كذلك، وهو بعيد غايته، وإما من القول باغتفار عدم الستر في حال الالتفات لو التفت في الاثناء.

قلت: حيث إن صحيح علي بن جعفر كان شموله لمحل البحث بالعموم ومن المعلوم في محله أنه لو كان هناك عموم ذوأفراد وكان شمول العام لبعض الافراد بلاعناية وشموله لبعض آخر يتوقف على عناية من إثبات لازم ذلك البعض، كان ذلك الفرد المتوقف شمول العام له على عناية إثبات لازمه غير مشمول للعام من أصله لاأنه مشمول له، نعم لو كان الدليل خاصا بذاك الفرد لكان لامحالة مثبتا للازمه من جهة خروجه الكلام عن اللغوية، ولنوضح ذلك بمثال مثلا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : " رفع مالايعلمون "(١) عام ذوأفراد شامل لكل تكليف مجهول أمر وضعه ورفعه بيد الشارع كالشك في وجوب الدعاء والصلاة وغير ذلك، ومن التكليف المجهول الشك في جزئية شئ للعبادة كالسورة للصلاة فيعمه حديث الرفع ولكن الشك في جزئية ذلك الشئ يلازم الشك في حصول الغرض والمصلحة التي اقتضت الامر بالمركب عند عدم فعل ذلك المشكوك، فلو قلنا إن تحصيل الغرض ليس بواجب بل

____________________

(١) الوسائل: ج ١١ ص ٢٩٥ باب ٥٦ من ابواب جهاد النفس، ح ١. [ * ]


الواجب هو فعل متعلق التكيف كما هو المختار عندنا كان شمول حديث الرفع للجزء المشكوك في عرض شموله لسائر التكاليف المجهولة بلاعناية أصلا.

وأما لو قلنا بوجوب تصحيل الغرض كما قيل فلايمكن أن يعم حديث الرفع(١) للجزء المشكوك، لما عرفت من أن الشك فيه يلازم الشك في حصول الغرض والشك في حصول الغرض هو بنفسه لم يكن مشمولا لحديث الرفع لانه من الشك في المحصل الذي لاتجري البراء‌ة فيه كما أوضحناه في محله، ولايمكن أن يقال: إن حديث الرفع بالنسبة إلى نفس الجزء المشكوك لامانع من شموله، لانه تكليف مجهول، وشموله لذلك لايلازم إلقاء الشارع، للشك في المحصل وجعله الخالي من ذلك الجزء محصلا للغرض وإلا لغى رفع الجزء المشكوك لانه دائما ملازم للشك في حصول الغرض، فلو لم يجعل الشارع الخالي من ذلك الجزء محصلا للغرض لما كان معنى لقوله رفع التكليف عن الجزء المشكوك، إذ لافائدة في رفعه، وذلك لان هذا فرع شمول حديث الرفع للجزء المشكوك الملازم لذلك اللازم من الشك في المحصل، والكلام بعد في شموله للجزء المشكوك لان شموله لذلك يتوقف على جعل آخر من إلقاء الشك في المحصل وإلا كان شموله لذلك لغوا كما قيل، وذلك الجعل الآخر يتوقف شمول حديث الرفع للجزء المشكوك وهذا كما ترى.

والحاصل: أن حديث الرفع إنما هو متكفل لجعل مدلوله، فلايمكن أن يتكفل لجعل آخر غير مدلوله، فلو توقف شموله لبعض أفراده على جعل آخر كان ذلك مانعا عن شموله لذلك الفرد لاأنه يشمل وبشموله يترتب عليه

____________________

(١) الوسائل: ج ١١ ص ٢٩٥ باب ٥٦ من ابواب جهاد النفس، ح ١. [ * ]


ذلك الجعل الآخر، ومن هنا لانقول بالاصل المثبت، نعم لوكان حديث الرفع مختصا بالاجزاء كان لامحالة يترتب عليه ذلك الجعل وإلا لغى إلاأن الامر ليس كذلك، فإنه من عدم شموله للاجزاء لايلزم محذور أصلا ولايبقى العام بلامورد، لبقاء الشك في التكليف غير الاجزاء تحته، وما نحن فيه من هذا القبيل عينا، فإن رواية علي بن جعفر(١) إنما هي متكفلة لحال الجهل بعدم الساتر، وأما حال العلم بعدم الساتر إلى حصول الستر منه فالرواية غير متعرضة له بالمطابقة، نعم لازم شمولها لصورة الالتفات في الاثناء هو اغتفار حال العلم أيضا، كما كان لازم شمول حديث الرفع(٢) للاجزاء هو محصلية الخالي عن الجزء المشكوك، فلايمكن أن يقال إن الرواية شاملة لصورة الالتفات في الاثناء ويترتب عليه اغتفار حال الالتفات أيضا وإلا لغى، إذ اللغوية إنما تلزم لو كانت الرواية مختصة بصورة الالتفات في الاثناء، إلا أن الامر ليس كذلك لان من عدم شموله لتلك الصورة لايلزم منه محذور بقاء الرواية بلامورد، لشمولها لصورة الالتفات بعد الصلاة فتأمل جيدا، هذا كله في الجهل.

وأما النسيان فلو نسي الستر ولم يتذكر إلا بعد الصلاة، فقد حكي(٣) عن الشهيدقدس‌سره بطلان الصلاة، وربما يقال بالصحة لعموم رفع النسيان، وقد بينا في محله عدم إمكان التمسك بحديث الرفع لرفع الاجزاء والشرائط المنسية، ومن الغريب أنه لم يتمسك لما نحن فيه بحديث " لاتعاد "(٤) ، ودعوى

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٩٣ باب ٢٧ من أبواب لباس المصلي، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ١١ ص ٢٩٥ باب ٥٦ من ابواب جهاد النفس، ح ١.

(٣) جواهر الكلام: ج ٨ ص ١٧٨.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من ابواب القبلة، ح ١. [ * ]


أن حديث " لاتعاد " مقصور بالاجزاء دون الشرائط، يدفعها اشتمال " لاتعاد " على الشرائط كالقبلة والطهور، فالظاهرر أنه لامانع من شمول حديث " لاتعاد " لصورة النسيان إلا أن الجرأة على الفتوى به مشكل، بعد عدم تمسك الاساطين به مع علمهم به في سائر المقامات، بل عليه يبتنى غالب أساس قواعد الخلل، هذا لو تذكر بعد الصلاة.

وأما لو تذكر في الاثناء فبالنسبة إلى الاجزاء الواقعة مع غير الساتر في حال النسيان لامانع من شمول حديث " لاتعاد " لها، وأما بالنسبة إلى حال التذكر فالكلام فيه الكلام في حال الجهل لان حال التذكر غير داخل في " لاتعاد " إلا بعناية دخول ملزومه من حال النسيان، والمفروض أن " لاتعاد " أيضا عام لايلزم من عدم شموله لصورة التذكر في الاثناء محذور أصلا، اللهم إلا أن يقال: إن ملاك شمول " لاتعاد " للنسيان السابق على التذكر هو بعينه موجود في حال التذكر فحال التذكر مشمول ل‍ " لاتعاد " في عرض شموله لحال النسيان لا أنه لازم له، وذلك لان حديث " لاتعاد " مقصور بما إذا كان التكليف بالجزء الفائت ساقط بحيث يستحيل التكليف به إلا بالاعادة، ولايمكن التكليف به بدون الامر بالاعادة، فكل مورد كان التكليف منحصر بالاعادة ف‍ " لاتعاد " ترفعه، وأما إذا أمكن التكليف بالفائت بدون الامر بالاعادة فلايعمه حديث " لاتعاد " بل مورد " لاتعاد " منحصر بما إذا كان التكليف بالفائت مساوق لقوله أعد فب‍ " لاتعاد " تنفى الاعادة، ومن هنا كان الجهل خارجا عن مورد " لاتعاد " فإن ترك الجزء أو الشرط جهلا لايوجب سقوط التكليف به لقدرته على فعل الجزء أو الشرط خارجا، غايته أنه لايفعله لا أنه لايمكنه فعله، حتى يسقط التكليف منه وينحصر تكليفه بالاعادة، بل هو حال ترك الجزء مكلف بفعله، ولايقال له


" أعد " بل يقال له " إقرأ السورة " لتمكنه من فعلها، والجهل لايوجب سقوط التكليف في شئ من الموارد، وهذا بخلاف صورة النسيان، فإنه يستحيل تكليف الناسي للجزء أو الشروط لخروجه بنسيانه عن قدرته وينحصر تكليفه حينئذ بالاعادة،، ومن هنا نقول يلزم تدارك المنسئ مع بقاء محله وهو عدم الدخول في ركن لعدم انحصار تكليفه حينئذ بالاعادة.

وبالجملة: ينحصر مورد " لاتعاد " بما إذا كان التكليف بالفائت مساوقا لقوله أعد، وهذا في صورة النسيان واضح وكذا ما بحكمه مما إذا لم يمكن التكليف بالفائت إلا بالاعادة وحينئذ نقول: إنه كما كان ترك الستر في حال النسيان مشمولا ل‍ " لاتعاد ".

فكذلك ترك الستر في حال التذكر إلى زمان يمكنه الستر مشمول ل‍ " لاتعاد " بمناط شموله لحال النسيان، إذ ليس مناط شموله لحال النسيان إلا امتناع تكليفه بالستر في ذلك الحال إلا بالاعادة، فكذلك في حال التذكر لامتناع تكليفه بالستر في ذلك الحال قبل مضي زمان يمكنه الستر، وينحصر تكليفه بالاعادة لو كان الستر شرطا في ذلك الحال، فحديث " لاتعاد "(١) بمناط واحد يشمل حال النسيان والتذكر في عرض واحد لاأن أحدهما لازم للآخر حتى يتجه عليه الاشكال المتقدم.

وبذلك ظهر حكم ما إذا كان عدم الستر لقهر قاهر من ريح وغيره فإنه مشمول لحديث " لاتعاد " بكلا قسميه من زوال المانع بعد الصلاة أو في الاثناء، بل يمكن أن يقال بالصحة في الصورة الثانية أيضا، وهي ما إذا كان عدم التستر لجهل به وقد علم به في الاثناء، غايته أن الصحة فيها يكون بمجموع الدليلين من رواية على بن جعفر(٢) ، ومن حديث " لاتعاد " فالرواية

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من ابواب القبلة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٩٣ باب ٢٧ من ابواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


تدل على الصحة بالنسبة إلى حال الجهل أي عدم الستر الحاصل في حاله والحديث يدل عليها بالنسبة إلى حال العلم بمقدار يمكنه الستر، ولاحاجة إلى التمسك بالصحة لحال العلم برواية علي بن جعفر حتى يقال إن ذلك من إثبات اللازم بالعام، فتأمل.

الرابع: الظاهر أن يكون الستر شرطا في جميع من أجزائها وأكوانها حتى السكونات المتخللة، وليس شرطية الستر كشرطية الطهارة من الخبث حيث تكون شرطا في خصوص الاجزاء، ومن هنا كان نجاسة البدن أو الثوب في بين السكونات مع تطهيره عند فعل الاجزاء مما لايخل بالصحة، لان النجاسة الخبثية اعتبرت على جهة المانعية لاالقاطعية، بخلاف الحدث، والظاهر أن يكون شرطية الستر من قبيل شرطية الطهارة الحدثية وذلك لظهور الادلة في ذلك، فإن الظاهر من اعتبار الستر في الصلاة هو اعتباره في جميع الصلاة حتي في الهيئة الاتصالية، وجعله من قبيل النجاسة الخبثية يحتاج إلى دليل، هذا مع أن مناسبة الحكم والموضوع يقتضي ذلك، حيث إنه لايناسب الوقوف بين يدي الجبار مع كونه مكشوف العورة ولو في آن من الآنات.

الخامس: قد عرفت فيما تقدم الكلام في الستر بالحشيش وأنه هو في طول الستر بما يكون ساترا في نوعه كالثوب أو في عرضه وهل التستر(١) بالطين والدخول في الحفيرة والماء الكذر وغير ذلك مما يحصل به الستر عن الناظر المحترم يكون كالتستر بالحشيش أولا؟ واعلم أن الكلام في التستر بالطين وما شابهه من الحفيرة والماء الكدر يقع من جهتين:

____________________

(١) كون التستر بالطين والحفيرة والماء الكدر في عرض واحد او بينها ترتب كلام للاصحاب، لايخفى على المراجع، وإن اختار شيخنا الاستاذ مد ظله العرضية فتأمل " منه ". [ * ]


الاولى: أن الستر بذلك هل هو من الستر الصلاتي حتى يجب ولو مع الامن عن الناظر المحترم، أو أنه ليس من الستر الصلاتي بل هو من الستر عن الناظر المحترم فلايجب إلامع عدم الامن منه؟ الثانية: بعد أن ثبت أن الستر بذلك إنما يكون من الستر الصلاتي، فهل هو في طول سائر ما يحصل به الستر، حتى يكون الانتقال إليه بعد عدم التمكن من غيره حتى من الحشيش الذي ثبت كونه ساترا في الجملة، أو أنه في عرض غيره، وهذا بخلاف الكلام في الحشيش فإنه كان متحصلا من الجهة الثانية، لانه لا إشكال في أن الستر بالحشيش كان من استر الصلاتي، كما دل عليه رواية علي بن جعفر، وعلى كل حال ليس فيما بأيدينا من الادلة ما يدل على وجوب الستر بهذه الاشياء سوى رواية الحفيرة، وهي رواية مرسلة أيوب ابن نوح عن بعض أصحابه عن أبي عبداللهعليه‌السلام العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفرة دخلها وسجد فيها وركع(١) .

وهي وإن كانت مرسلة إلا أن عمل الاصحاب بها يكون جابرا لها، فمن هذه الجهة لا إشكال إنما الاشكال فيما يستفاد منها، من أن النزول في الحفيرة هل هو من جهة حصول الستر الصلاتي، كما قواه بعض الاعلام في بعض رسائله العملية، أو من جهة الامن عن الناظر، كما قواه صاحب الجواهر(٢) قدس‌سره وعليه بنى في رسالته العلمية.

وتنقيح البحث هو: أن هذه المرسلة صالحة لان تكون مقيدة لاحد الاطلاقين.

الاول: إطلاق رواية علي بن جعفر الدالة على أنه إن لم يجد شيئا يستر به

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٦ باب ٥٠ من ابواب لباس المصلي، ح ٢.

(٢) جواهر الكلام: ج ٨، ص ٢١٢. [ * ]


للصلاة حتى الحشيش فليصل قائما بإيماء، فتكون هذه المرسلة مقيدة لاطلاق قولهعليه‌السلام " إن لم يجد شيئا "، فيصير المعنى حينئذ إن لم يجد شيئا يستر به حتى الحفيرة فليصل قائما بايماء، وأما لو وجد حفيرة فلينزلها ويصلي مع ركوع وسجود، وعلى هذا يكون الستر بالحفيرة من الستر الصلاتي، ويجب حينئذ وإن أمن المطلع.

الثاني: إطلاق ما دل على أنه عند الامن من المطلع يصلي قائما بإيماء، وإن كان بعض الروايات خالية عن قيد الايماء كمرسل ابن مسكان المنجبر بالشهرة يصلي عريانا قائما إن لم يره أحد فإن رآه أحد صلى جالسا "(١) . فتكون المرسلة مقيدة لهذه الطائفة من الاخبار، فيصير المعنى حينئذ إن أمن المطلع صلى قائم وإن لم يمن الامطلع صلى جالسا إلا إذا وجد حفيرة فيدخلها ويصلي قائما بركوع وسجود، فتخرج الرواية حينئذ عن الستر الصلاتي، ويكون النزول في الحفيرة مقصورا بما إذا لم يأمن المطلع.

وتوهم أنه لامانع من تقييد كلا الاطلاقين وضح الفساد، فإن تقييد الاطلاق الاول يوجب رفع موضوع الاطلاق الثاني، بداهة أنه لو كان النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي لكان اللازم حينئذ نزولها سواء أمن المطلع أو لم يأمن.

وبالجملة: رواية الحفيرة يمكمن أن تكون مقيدة لاطلاق رواية علي بن جعفر(٢) ، الدالة على أنه عند عدم إصابة شئ يستر به عورته للصلاة يصلي قائما بإيم‌ء، سواء وجد حفيرة أو لم يجد، وهذه المرسلة تدل على أنه إن وجد حفيرة ليس له الايماء بل يصلي بركوع وسجود فتقيد تلك لاطلاق ويكون

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٦ باب ٥٠ من ابواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٦ باب ٥٠ ابواب لباس المصلي، ح ١. [ * ]


النزول في الحفيرة من مرتب الستر الصلاتي، ويمكن أن تكون مقيدة لاطلاق الروايات الدالة على أنه عند عدم الامن من المطلع يصلي جالسا إلا إذا وجد حفيرة فينزلها ويصلي قائما بركوع وسجود، والذي يوهن أن تكون المرسلة مقيدة للاطلاق الثاني، هو أنه لم يفرض في المرسلة عدم الامن عن المطلع بل هي من هذه الجهة مطلقة، ويكون التعارض بينه وبين ما دل على الصلاة جالسا عند عدم الامن عن المطلع بالعموم من وجه، فإن ما دل على الصلاة جالسا أعم من وجدان الحفيرة وعدمه، كما أن المرسلة أعم من الامن عن المطلع وعدمه، اللهم إلا أن يقال: إن الامر بالنزول بالحفيرة إنما هو لعدم الامن عن المطلع، وإلا لكان النزول لغوا إلا إذا كان من مراتب الستر الصلاتي، فحينئذ يكون الامر به لذلك، والذي يوهن أيضا أن تكون المرسلة مقيدة للاطلاق الثني هو أنه بعدما لم يكن النزول في الحفيرة من مرتب الستر الصلاتي، وكان لاجل الامن عن المطلع، فتكون حكم الصلاة في الحفيرة حكم صلاة العراة الآمنين، وسيأتي أن حكمها الصلاة قائما مع الايماء من دون ركوع وسجود، وإن خالف في ذلك بعض الاعلام كصحب الحواهر(١) حيث قال بالركوع والسجود فيها نظرا إلى هذه المرسلة، إلا أنه سيأتي ضعفه وهذ بخلاف ما إذا جعلنا النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، فإن اعتبار الركوع والسجود فيها على القاعدة ولعل من قال: بأن النزول في الحفيرة من مرتب الستر الصلاتي كان نظره إلى هذا، ولكن الذي يوهن أن يكون النزول في الحفيرة من مراتب ال‍؟ الصلاتي، هو استبعاد كون النزول في الحفيرة التي يمكن للشخص من الركوع والسجود فيها من مراتب الستر الصلاتي، مع كون الحفيرة بهذه السعة، إذ

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٨ ص ١٩٨. [ * ]


مناسبة الحكم والموضوع لايقتضي ذلك.

فالانصاف أنه لايمكن القول بأن النزول في الحفيرة من مراتب الستر الصلاتي، فتكون روية الحفيرة حينئذ ساقطة، لانه بعد عدم كون النزول فيها من مراتب الستر الصلاتي يكون النزول فيها لاجل الامن عن المطلع، ومعه لايمكن الفتوى بمضمونها لما سيأتي، من أن صلاة العاري الآمن عن المطلع إنما هو بالايماء لا بالركوع والسجود، مع أن الرواية مرسلة ولم يظهر من القدماء العمل بمضمونها، بل سيأتي أن نفس وجوب النزول في الحفيرة لاجل تحصيل الامن عن المطلع(١) إشكال، فإن من لم يأمن المطلع تكليفه الجلوس، ولايجب عليه تحصيل المأمن كما سيأتي بيانه إن شاء‌الله.

ثم إن في حكم النزول في الحفيرة التلطخ بالطين، والنزول في الماء الكدر، وأن ذلك ليس من مراتب الستر الصلاتي، بداهة أنه لو كان التلطخ بالطين من مراتب الستر الصلاتي لوقع التنبيه عليه في الاخبار، كيف لايكون كذلك مع أن مثل الحشيش نبه عليه في الاخبار، والحال أن التلطخ بالطين أسهل إصابة من الحشيش، إذ قلما يوجد أحد لايمكنه خلط الماء بالتراب وجعله طينا وتلطيخ العورة به، وإصابة الحشيش لايكون بهذه السهولة.

وبالجملة وقوع التنبيه بالستر بالحشيش في الاخبار وعدم وقوعه بالتلطخ بالطين، يكشف عن أن التلطخ بالطين ليس من الستر الصلاتي، بل يجب لتحصيل الامن عن الناظر المحترم.

الفرع السادس: من لم يجد شيئا يشتر به عورته للصلاة، فإن أمن من الناظر المحترم وجب عليه الصلاة قائما، وإن لم يأمن وجب عليه الصلاة جلوسا، وهذا

____________________

(١) والاقوى وجوب تحصيل المأمن مقدمة للقيام الواجب في الصلاة كما يأتي الاشارة إليه " منه ". [ * ]


مما لاإشكال فيه وقد تضافرت عليه النصوص، إنما الكلام في كيفية صلاة القائم والجالس، أم الجالس فالظاهر أيضا أنه لاإشكل في أنه لايجوز له الركوع والسجود بل يومي إليهم، وأما القائم فقد اختلفت كلمات الاعلام في كيفيتها فقيل: بأنه يركع ويسجد واختاره في الجواهر(١) ، وقيل: بأنه يومي لهما وهذا هو الاقوى لدلالة جملة من النصوص عليه من غير معارض إلا رواية لحفيرة(٢) التي قد تقدم الكلام فيها، فمن ذلك قولهعليه‌السلام في رواية علي بن جعفر المتقدمة: " وإن لم يصب شيئا يستر به عورته أومى وهو قائم "(٣) ، بعد تقييدها بصورة الامن عن المطلع بقرينة الاخبار المفصلة، ومن ذلك موثقة سماعة " في رجل يكون في فلاة من الارض ليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء قال: يتيمم ويصلي عريانا قائما ويومي إيماء "(٤) ، وفي نسخة الكافي(٥) " قاعدا " بدل " قائما ".

ثم إنه بناء على وجوب الايماء عليه لو خالف وركع وسجد كان مقتضى القاعدة بطلان صلاته لعدم إتيانه ما هو المأمور به في هذ الحال، ودعوى أن سقوط الركوع والسجود رخصة لاعزيمة فلا مانع من صحة الصلاة كذلك مما لاشاهد عليها، بعد الامر بالايماء، ولو جمع بين الايماء والركوع والسجود سهوا ففي بطلان صلاته إشكال، لصدق أنه زاد في صلاته ركنا من الركوع والسجود فتبطل، ومن أن الركوع والسجود لم يكونا ركنا في هذا الحال،

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٨ ص ٢١٧.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٦ باب ٥٠ من أبواب لباس المصلي، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٦ باب ٥٠ من ابواب لباس المصلي، ح ١.

(٤) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٦٨ باب ٤٦ من ابواب النجاسات، ح ١.

(٥) الكافي: ج ٣ ص ٣٩٦ ح ١٥. [ * ]


فلاموجب للبطلان وقد اختار شيخنا الاستاذ مدظله الاول، وقال بالبطلان، نظرا إلى أن أمره بالايماء لايوجب خروج الركوع والسجود عن الركنية فتأمل جيدا.

وكذا تبطل صلاة من كان وظيفته القيام فخالف وجلس وبالعكس لعدم إتيانه ما هو المأمور به، ودعوى أن أهمية الستر عن الناظر المحترم أوجب سقوط القيام والانتقال إلى الجلوس وهذا لايوجب خروج القيام عن الملاك، فيكون المقام كسائر موارد التزاحم الذي كان لاحد المتزاحمين أهمية وجبت الامر به، فإنه لاإشكال في أنه خالف وأتى بالمزاحم الآخر صح لو كان عبادة، فليكن المقام كذلك، مما لا دليل عليها، وإن قال به في الجواهر، فإنه من الممكن أن لايكون للصلاة عن قيام في هذا الحال أي حال عدم الامن عن الناظر المحترم الذي تكليفه الجلوس ملاك يقتضي الصحة فتأمل جيدا.

الفرع السابع: لاإشكال في أنه تشرع الجماعة للعراة بل تستحب. لصحيح ابن سنان سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة قال: يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا(١) . وموثق إسحاق بن عمار قلت لابي عبدالله: قوم قطع عليهم الطريق واخذت ثيابهم فبقوا عراة وحضرت الصلاة كيف يصنعون قالعليه‌السلام يتقدمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه فيومي إيماء للركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم(٢) .

وقد عمل بهما الاصحاب وأفتوا بمضمونهما، فما في بعض الاخبار من إيجاب التباعد والصلاة فرادى كما عن قرب الاسناد عن الصادق فإن كانوا

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٨ باب ٥١ من ابواب لباس المصلي، ح ١ و ٢. [ * ]


جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى(١) محمول أو مؤول، لعدم لعمل به وإن كنت القاعدة تقتضيه، بداهة أن القيام واجب في الصلاة، ومع عدم المأمن يجب تحصيل المأمن ولو كان ذلك بالتباعد، أو النزول في الحفيرة ليمكنه القيام، فالقول بعدم وجوب التباعد والصلاة جلوسا جماعة على خلاف القاعدة، لان الجماعة مستحبة فلا تزاحم ما هو واجب من القيام، إلا أنه بعد ورود النص الصريح على مشروعيتها وفتوى الاصحاب بمضمونه كان الاشكال بذلك اجتهادا في مقابل النص.

وبالجملة: لاإشكال في مشروعية الجماعة إنما الكلام في كيفيتها أما بالنسبة إلى القيام والجلوس، فالظاهر أيضا أنه لاينبغي الاشكال في تعين الجلوس عليهم، كما هو صريح الاخبار المتقدمة، والاشكال بأن النسبة بين هذه الاخبار وما دل على أن الآمن عن الناظر يصلي قائما هو العموم من وجه، فإن ما يدل على أن الآمن يصلي قائما أعم من أن يكون وحده أو مع جماعة، وهذه الاخبار أعم من الآمن وغيره، إذ مجرد كونهم جماعة لايلازم عدم الامن إذ من الممكن أن يكونوا في ظلمة أو فاقدين للبصر، فتكون النسبة هي العموم من وجه مندفع.

أولا: أن فرض الامن عن الناظر مع كونهم جماعة نادر جدا، تكون هذه الاخبار منصرفة عنه، بل هي مختصة بصورة عدم الامن، فتكون هذه الاخبار موافقة لما دل على أن غير الآمن يصلي جالسا.

وثانيا: فعلى فرض كون النسبة هي العموم من وجه، فالعمل على هذه الاخبار إجماعا، إذ لم ينقل من أحد أنهم يصلون قائما جماعة وأما من حيث

____________________

(١) قرب لاسناد: ص ٦٦. [ * ]


الركوع والسجود، فظاهر الاخبار أن الامام يومي وهم يركعون ويسجدون، ولكن اختلفت كلمات الاصحاب في ذلك، فمنهم من عمل بظاهر الاخبار من أن المأمومين يركعون ويسجدون والامام يومي، ومنهم من قال بالايماء في الجميع.

والاقوى هو الاول، لان نسبة ما تقدم من الاخبار من أن الجالس يومي للركوع والسجود مع هذه الاخبار نسبة الاعم المطلق، فيجب تخصيص تلك الاخبر بغير صورة الجماعة، ولااستبعاد فيه أصلا، إذ من الجائز أن يكون للجماعة خصوصية أوجبت عدم الانتقال إلى الايماء، بل يمكن أن يقال: إن ما دل على أن الجالس يومي للركوع والسجود ولايركع ولايسجد إنما كان مختصا بصورة عدم الامن عن الناظر، وهذا المعنى مفقود في الجماعة، فإنه مع وحدة الصف والتصاق بعضهم ببعض يكونوا في حال الركوع والسجود آمنين، لعدم تمكنهم

عادة من النظر إلى سوأة الآخر الملاصق له، وهذا بخلاف حال قيامهم، لامكان نظر كل واحد إلى عورة الآخر، وهذا هو الذي أوجب انتقالهم من القيام إلى الجلوس.

وبالجملة: إمكان النظر إلى عورة الآخر في حال القيام وعدم إمكانه في حال الركوع والسجود أوجب إيجاب الجلوس عليهم والركوع والسجود التام، وما يقال: من أن لازم ذلك هو التعدي إلى كل آمن في حال الركوع والسجود مع عدم أمنه في حال القيام ولو كان فرادى، وهذا ينافي ما دل على أن غير الآمن يجلس ويومي، من غير تفصيل بين أمنه في حال الركوع وعدم أمنه، إنما يستقيم مع وجود الدليل على ذلك، وإلا هو بنفسه أمر ممكن إلا أنه لادليل عليه، وما ذكرناه في الجماعة من أن أمنهم في حال الركوع والسجود وعدم أمنهم في حال القيام أوجب انتقالهم إلى الجلوس مع فعلهم الركوع التام والسجود كذلك، إنما كان لمحض الاستئناس، وإلا لم يرد التعليل بذلك في


الاخبار حتى يتعدى عن الجماعة إلى غيرها.

فإن قلت: القول بأن المأمومين يركعون ويسجدون ينافي ما ورد في بعض الاخبار من التعليل لعدم الركوع والسجود بأنه يبدو خلفه، كما في بعض الروايات.

قلت: هذا التعليل لايصلح أن يكون علة للحكم يستفاد منه كبرى كلية بل هو حكمة التشريع، كما [ لا ] يخفى وجهه على المتأمل، وقد بينا الضابط بين ما يكون علة للحكم وبين ما يكون حكمة التشريع فراجع.

اختلف الاصحاب في اعتبار تقدم الرجل على المرأة في الصلاة فالمشهور بين القدماء على ما هو المحكي عنهم اعتبار تقدم الرجل على المرأة بكله أو بعد عشرة أذرع بين الموقفين أو وجود حائل، وعن المتأخرين عدم اعتبار ذلك، ومنشأ الاختلاف هو اختلاف الاخبار، ففي عدة من الروايات ورد النهي ي عن ذلك، وفي عدة اخرى ورد عدم البأس عن ذلك.

فمن الاول: ما رواه عمار عن الصادقعليه‌السلام أنه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلي وبين يديه إمرأة تصلي قالعليه‌السلام : لايصلي حتى يجعل بينه وبينها أكثر من عشرة أذرع، وإن كانت عن يمينه وعن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك، فإن كانت تصلي خلفه فلابأس، وإن كانت تصيب ثوبه وإن كانت المرأة قائمة أو قاعدة أو نائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت(١) . وخبر إدريس بن عبدالله القمي سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يصلي وبحياله إمرأة قائمة على فراشها أجنبية فقالعليه‌السلام : إن كانت قاعدة فلا يضرك وإن كانت تصلي فلا(٢) . وفي معناه عدة من روايات(٣) اخر مشتملة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٠ باب ٧ من ابواب مكان المصلي، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٥ باب ١ من ابواب مكان المصلي، ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٣ باب ٥ من ابواب مكان المصلي، ح ٢ و ٥. [ * ]


على النفي. ومن الثاني خبر جميل عن الصادقعليه‌السلام في الرجل يصلي والمرأة تصلي بحذاه فقال: لابأس(١) . وخبر عيسى بن عبدالله القمي على ما رواه في العلل سئل الصادقعليه‌السلام عن إمرأة صلت مع الرجال وخلفها صفوف وقدامها صفوف قالعليه‌السلام : مضت صلاته ولم تفسد على أحد ولاتعيد(٢) ، وغير ذلك من الاخبار الدالة على الجواز.

اعلم أن هنا مقامات وقع البحث عنها: الاول: في أصل اعتبار تقدم الرجل على المرأة، وأنه هل يعتبر ذلك في أصل صحة الصلاة حتى يكون عدم تقدمه من الموانع أو لايعتبر ذلك في الصحة وإن كره ذلك؟ الثاني: على كل من تقديري المانعية والكراهة فهل يعتبر في رفع المانعية أو الكراهة تأخر المرأة عن الرجل بكله، بأن يكون موضع سجود المرأة متأخر عن موقف الرجل أولايعتبر ذلك المقام؟ الثالث: لو كانت المرأة قدام الرجل أو عن يمينه ويساره فما حد البعد المعتبر بينهما في زوال المانعية والكراهة؟ المقام الرابعع: في تحديد الحائل الذي يكون رافع للمانعية أو الكراهة.

أما الكلام في المقام الاول فمجمله أنه وإن حكي عن المشهور بين المتقدمين ذهابهم إلى المنع، وجعل ذلك في مسلك الموانع، إلا أن الاقوى هو الكراهة،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٦ باب ٤ من ابواب مكان المصلي، ح ٤.

(٢) لم نعثر عليه. [ * ]


وذلك لان الادلة المجوزة نص في الجواز، لاتتحمل معنى آخر بداهة صراحة قولهعليه‌السلام : " لابأس " في خبر جميل(١) المتقدم في الجواز وإن كان بالنسبة إلى نفي الكراهة ظاهر، فإن نفي البأس ظاهر في نفيه بجميع مراتبه التي منها الكراهة إلا أن ظهوره في نفي الكراهة لايصادم صراحته في الجواز، وهذا بخلاف الادلة المانعة، إذ غايتها ظهورها في ذلك، بداهة أن كلمة " لا " او " لاتصلي " ليس صريحا في المنع بل أقصاه ظهورها فيه، والظهور لايصادم النص، هذا مضافا إلى أن في نفس أدلة المنع ما يظهر منه الكراهة كقولهعليه‌السلام في صحيح الحلبي(٢) " لاينبغي ".

والحاصل أن قولهعليه‌السلام في أخبار المنع " لا " أو " لاتصلي " إنما يدل على المنع ظهورا، حيث إن النهي والنفي ظاهر في الحرمة النفسية في غير باب الاجزاء والشرائط والموانع في المركبات، فإنه يكون ظاهرا في المانعية وأما قولهعليه‌السلام " لابأس " كما في خبر جميل، وقولهعليه‌السلام مضت صلاتها ولم تفسد على أحد " كما في خبر عيسى(٣) ، فلا يكون إلا نصا في الجواز، فلا محيص حينئذ من رفع اليد عن ظاهرر النفي والنهي وحمله على الكراهة، وإلا لزم طرح أدلة الجواز بالمرة.

هذا مع ما عرفت من أن في نفس أخبار المنع ما يدل على الكراهة، فيكون شاهد جمع، مضافا إلى ما في الاخبار المانعة من المناقشة سندا ودلالة كما لايخفى على المتأمل، ومضافا إلى اختلاف الروايات المحددة لمقدار البعد بين الرجل والمرأة تارة بالشبر(٤) ، واخرى بالذراع(٥) ، وثالثة بالرحل(٦) ، ورابعة بكون موضع

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٦ باب ٤ من ابواب مكان المصلي، ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣١ باب ٨ من ابواب مكان المصلي، ح ٣.

(٣) لم نثر عليه.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ باب ٥ من ابواب لباس المصلي، ح ١.

(٥) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ باب ٥ من ابواب لباس المصلي، ح ٣.

(٦) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٩ باب ٥ من ابواب لباس المصلي، ح ١١. [ * ]


سجود المرأة محاذيا لركوع الرجل(١) ، وغير ذلك من التحديدات، فإن هذا الاختلاف العظيم أقوى شاهد على أن الحكم استحبابي، واختلاف التحديدات لاختلاف مراتب الاستحباب.

وأما الكلام في المقام الثاني فمجمله أنه ذهب بعض في رفع المانعية أو الكراهة إلى اعتبار تأخر المرأة بكلها عن الرجل، بأن يكون موضع سجود المرأة متأخرا عن موضع وقوف الرجل، وقد استدل على ذلك برواية عمار حيث قالعليه‌السلام فيها: " فإن كانت تصلي خلفه فلا بأس "(٢) حيث إن ظاهر الخلف هو التأخر بكل البدن هذا، ولكن الاقوى عدم اعتبار التأخر بكل البدن في رفع المانعية أو الكراهة، وذلك لمنع دلالة الخلف على التأخر بكل البدن، بل يصدق الخلف لو كانت المرأة واقفة عن يمين الرجل أو يساره مع تأخرها عنه يسيرا، بأن يكون موضع سجودها متأخرا عن موضع سجوده، مضافا إلى إشعار قولهعليه‌السلام في ذيل الرواية بعد قوله " " فإن كانت تصلي خلفه فلا بأس " و " وإن كانت تصيب ثوبه " أنه لايعتبر التأخر بكل البدن، فإن إصابة الثوب إنما يكون غالبا عند وقوف المرأة إلى أحد جانبي الرجل، وأما إذا كانت متأخرة عنه بجميع بدنها، فيبعد إصابتها ثوبه فتأمل، مع أنه لو اغمض عن ذلك، فأقصى ما يقتضيه لفظة الخلف هو كونها ظاهرا في التأخر بكل البدن مع صدقه أيضا على ما سوى ذلك، وحينئذ لايمكن أن يعارض الاخبار الواردة في تحديد رفع المنع بالشبر والذراع والرحل وغير ذلك، كما أنه لايمكن معاملة التعارض في نفس الاخبار المحددة بعد ما كان الحكم كراهية، فيقتصر في رفع الكراهة بالاقل وهو الشبر ويكون

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٠ باب ٦ من ابواب لباس المصلي، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٠ باب ٦ من ابواب مكان المصلي، ح ٤. [ * ]


الزائد على ذلك فضلي، كما هو الشأن في جميع التحديد بين الاقل والاكثر.

وحاصل الكلام: أنه سواء‌قلنا بالمنع أو الكراهة لابد من القول برفعهما بالشبر، فإن رواية الشبر(١) تنفي اعتبار الزائد، والخلف أيضا يصدق بذلك، وإن سلم كونه ظاهرا في التأخر بكل البدن، فتحمل حينئذ رواية الذراع(٢) والرحل(٣) وغير ذلك على مراتب الاستحباب والفضل، فراجع الاخبار وتأمل فيها.

وأما الكلام في المقام الثالث فقد قيل: إنه يعتبر البعد بينهما بعشرة أذرع لو كانت المرأة قدام الرجل أو إلى أحد جانبيه، واستدل لذلك برواية عمار(٤) المتقدمة، ولكن الاقوى عدم اعتبار ذلك فيما كانت إلى احد جانبيه لخبر أبي بصير: سألت الصادقعليه‌السلام عن الرجل والمرأة يصليان جميعا في بيت المرأة عن يمين الرجل بحذاه قال: لاحتى يكون بينهما شبر أو ذراع أو نحوه(٥) .

وفي معناه روايات آخر(٦) ، وهذا الروايات كما ترى، تنفي اعتبار الزائد على الشبر إذا كانت المرأة واقفة عن يمين الرجل بل في رواية اطلق الشبر ولم يقيد بكونها واقفة عن يمينه، بل قالعليه‌السلام : " إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذاه "(٧) . وبهذا يمكن أن يقال لايعتبر الزائد على الشبر ولو كانت المرأة واقفة قدام الرجل، إلا أن يمنع ذلك، بدعوى أن لفظة بحذاه ظاهرة في الجنب من اليمين واليسار، ولايشمل صورة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ باب ٥ من ابواب مكان المصلى، ح ١ و ٣ و ٤.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ باب ٥ من ابواب مكان المصلى، ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٩ باب ٥ من ابواب مكان المصلى، ح ١١.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٠ باب ٦ من ابواب مكان المصلى، ح ٤.

(٥) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ باب ٥ من ابواب مكان المصلى، ح ٣.

(٦) و (٧) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ و ٤٢٨ من ابواب مكان المصلى، ح ٣ و ٧. [ * ]


التقدم، وعلى أي حال الظاهر أنه لاينبغي الاشكال في كفاية الشبر إذا كانت عن يمين الرجل أو يساره، فتحمل حينئذ رواية اعتبار العشرة(١) على الفضل، نعم يبقى الكلام فيما إذا كانت المرأة قدام الرجل، ولايبعد الالتزام بعشرة أذرع في رفع المنع أو الكراهة تمسكا بتلك الرواية، ولامانع من التفصيل بين اليمين واليسار وبين التقدم فتأمل جيدا.

وأما الكلام في المقام الرابع فقد قيل أيضا: إنه يعتبر في الحائل أن يكون مانعا عن مشاهدة كل منهما للآخر في جميع حالات الصلاة، وربما يستدل على ذلك بصحيح الحلبي سأل الصادقعليه‌السلام عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وامرأته أو بنته تصلي بحذاه في الزاوية الاخرى قالعليه‌السلام : لاينبغي ذلك إلا أن يكون بينهما سترا(٢) حيث إن الظاهر من الستر هو أن يكون ساترا بقول مطلق، وفي جميع الحالات هذا، ولكن الاقوى أيضا عدم اعتبار ذلك، بل يكفي مطلق الحائر ولو في الجملة وفي بعض الاحوال، لرواية علي بن جعفر سأل أخاه عن الرجل هل يصلح أن يصلي في مسجد قصير الحائط وامرأته قائمة تصلي وهو يراها وتراه قالعليه‌السلام : إن [ كان ] بينهما حائط طويل أو قصير فلابأس(٣) .

وفي معناه روايات اخر(٤) تدل على عدم اعتبار الستر في جميع الحالات بل ربما يقال: إنه يكفي في الحائل أن يكون طوله قدر ذراع بل قدر شبر لما في ذيل خبر أبي بصير المتقدم حيث قالعليه‌السلام بعد أن اعتبر الشبر: كان طول رحل رسول الله ذراعا، وكان يضع بين يديه إذا صلى شيئا يستره ممن يمرر بين

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٠ باب ٧ من ابواب مكان المصلي، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣١ باب ٨ من ابواب مكان المصلي، ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٢ باب ٨ من ابواب مكان المصلي، ح ٤.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ باب ٥ من ابواب مكان المصلي، ح ١ و ٣. [ * ]


يديه(١) . فإن التعليل بذلك بعد اعتبار الشبر إنما يناسب أن يكون الشبر الذي اعتبره أولا من جهة كونه حائلا، فيكون مقدار الشبر من حيث الطول لامن حيث المسافة، فتأمل جيدا.

هذا تمام الكلام في أصل المسألة. بقي في المقام فروع ينبغي التنبيه عليها: الاول: هل يعتبر في مانعية المحاذاة أن تكون كل من صلاة الرجل والمرأة صحيحة من غير جهة المحاذاة أو لايعتبر ذلك بل يكفي في المانعية ولو كانت أحد الصلاتين فاسدة من غير جهة المحاذاة؟ وقد كثر الكلام في المقام من الاعلام، حتى بنوا المسألة على القول بالصحيح والاعم، ولكن الظاهرأن المسألة بمكان من الوضوح لاتحتاج إلى إطالة الكلام فيها، بداهة أن جميع الادلة التي تكون متكلفلة لبيان الاجزاء والشرائط والموانع إنما تتكفل جزئية شئ أو شرطيته أو مانعيته بعد الفراغ من اشتمال المركب لسائر الشرائط والاجزاء والموانع، إذ لامعنى لتكفل مانعية شئ مثلا وأخذه مانعا عن المركب الاعم عن أن يكون له مانع آخر أولا، إذ مع سبقه بمانع آخر لايمكن أن يكون هذا الشئ مانعا، فأخذ شئ مانعا إنما هو بعد فرض اشتمال المركب على جميع ما يعتبر فيه سوى هذا الذي يراد أخذه مانعا مثلاقوله: " لاتلبس الحرير في الصلاة " إنما يكون متكفلا لمانعية الحرير للصلاة الجامعة للاجزاء والشرائط والموانع غير لبس الحرير، إذ لامعنى لاخذ الحرير مانعا للصلاة الاعم من كونها واجدة لسائر ما يعتبر فيها أو فاقدة لها، وقوله " لاتصلي محاذيا للمرأة " كقوله " لاتلبس الحرير " إنما يكون متكفلا لمانعية المحاذاة، بناء عليها للصلاة بعد كونها جامعة لشرائط الصحة لو لا المحاذاة، فلامحيص عن القول باعتبار صحة الصلاتين في مانعية المحاذاة، وبذلك

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٧ باب ٥ من ابواب مكان المصلي، ح ٣. [ * ]


يظهر الخلل في جملة من كلمات الاعلام فراجع.

الفرع الثاني: لو علم أحدهما بفساد صلاة الآخر من غير جهة المحاذاة في أول الامر، فلا إشكال في صحة صلاته ولو علم بصحتها من غير تلك الجهة، فلا إشكال في فساد صلاته مع عدم تبين الخلاف، وكذا لو شك في الصحة والفساد، لان الاصل هو الصحة ولو تبين الخلاف وان صلاته كانت فاسدة من غير جهة المحاذاة وكان علمه بالصحة خطأ، فلاينبغي الاشكال أيضا بصحة صلاته لو تمشى منه قصد القربة مع علمه بصحة صلاة الآخر ولو لاجل أصالة الصحة، لان علمه بالصحة إنما يكون طريقيا لاموضوعيا وبعد تبين خطأ علمه وتمشى منه قصد القربة لامانع من صحة صلاته، سواء علم بالفساد بعد الصلاة أو في الاثناء، نعم لو علم من أول الامر بفساد صلاة الآخر وصلى وبعد الصلاة أو في أثنائها تبين صحتها من غير جهة المحاذاة وأن علمه بالفساد كان خطأ، فمقتضى القاعدة هو بطلان صلاته، لان المفروض أنه صلى محاذيا مع صحة صلاة الآخر واقعا وإن لم يعلم بها واعتقد فسادها، إذ ذلك لازم أخذ العلم على وجه الطريقية، وبالجملة: العلم يكون طريقا في كل من طرفي الصحة والفساد.

الفرع الثالث: لاإشكال في أنه لايجب عليه الاستفسار والاستخبار من الآخر في صحة صلاته وفسادها عند الشك فيها، لمكان أصالة الصحة، نعم لو أخبر بالفساد فهل يكون قوله معتبرا في مقابل أصالة الصحة أو لا يعتبر قوله؟ وقد ذكر لكل من الوجهين وجوه لاتخلو عن مناقشة، فالاولى ابتناء ذلك على اعتبار قاعدة مالايعلم إلا من قبله، فإن قلنا باعتبار ذلك وعمومها لجميع الموارد كما يظهر من بعض إرسالها إرسال المسلمات، فلا إشكال ويكون إخباره بالفساد فيما نحن فيه معتبرا لان العلم بفساد صلاته غالبا منسد لغير المصلي إلا أن الشأن في اعتبار تلك القاعدة بعمومها، وبعد لم يظهر لنا ما يدل على اعتبارها بعمومها، نعم ورد


في بعض الموارد ما ربما لايخلو عن إشعار بالعموم كقولهعليه‌السلام في باب المتعة: " أرأيت إن سألتها البينة هل تقدر على ذلك بعد السؤال عن اتهامها بأن لها زوج "(١) وكذا ورد في باب الحيض(٢) والعدة(٣) والحمل(٤) أنها مصدقات، والمسألة بعد تحتاج إلى مزيد مراجعة لعله يعثر على ما يدل على عموم القاعدة.

الفرع الرابع: لو عرض لاحد الصلاتين الفساد في الاثناء فهل هو كالفساد من أول الامر فتكون الصلاة الاخرى صحيحة، لعدم اشتمالها على المانع من المحاذاة لصلاة صحيحة، أو أنه ليس كالفساد من أول الامر فتكون الصلاة الاخرى أيضا فاسدة، لصدق أنه صلى محاذيا لآخر في صلاته المنعقدة على وجه الصحة، وعروض الفساد عليها في الاثناء مما لاأثر له؟ وبالجملة: العبرة بالصحة والفساد إنما هو في أول الامر، فلو صلى محاذيا لمن انعقد صلاته صحيحة بطلت صلاته، وإن عرض لها الفساد في الاثناء، وهذا الوجه هو الاقوى، كما لايخفى وجهه على المتأمل.

الفرع الخامس: هل مانعية المحاذاة مطلقة أو مقصورة بصورة الاختيار؟ والالتفات الذي ينبغي ان يقال: هو أن قولهعليه‌السلام " " لايصلي " وإن لم يدل بهيئته ومادته على صدور الفعل منه اختيارا أما المادة فواضح، لان مادة الافعال لم توضع إلا للمعنى الحدثي والمصدري، وأما الهيئة فلانها إنما وضعت لقيام المادة بالفاعل على اختلاف أنحاء القيام، من دون أن يكون لها دلالة على صدور الفعل منه اختيارا وعن علم، إلا أن في خصوص المقام لايبعد القول باختصاص مانعية المحاذاة بصورة العلم بها، وذلك لان الظاهر من أخبار الباب والمسؤول عنه هو

____________________

(١) الوسائل: ج ١٤ ص ٤٥٧ باب ١٠ من أبواب المتعة، ح ٥، مع اختلاف.

(٢) و (٣) الوسائل: ج ٢ ص ٥٩٦ باب ٤٧ من ابواب الحيض.

(٤) الوسائل: ج ١٥ ص ٤٤١ باب ٢٤ من ابواب العدد، ح ٢. [ * ]


الجهة الاختيارية، كما يظهرر من قوله في السؤال: أن المرأة تزامل الرجل في المحل(١) .. إلخ، وبالجملة: الظاهر أن المسؤول عنه في الاخبار هو صلاة الرجل خلف المرأة مع الالتفات والاختيار، وفي هذا الفرض أجابعليه‌السلام : بأنه لايصلي، هذا مع أن مناسبة الحكم والموضوع يقتضي اختصاص المنع بذلك فتأمل.

ويتفرع على ذلك أنه لو كان كل من الرجل والمرأة جاهلين بالآخر إما لظلمة أو لعمى أو غير ذلك صحت صلاتهما جميعا، لعدم إيقاع الصلاة اختيارا مع المحاذاة، ولو كان أحدهما جاهلا بالمحاذاة والآخر عالما بها صحت صلاة الجاهل وفسدت صلاة العالم، لان المحاذاة الاختيارية إنما تنتسب إلى العالم دون الجاهل، وهذا بخلاف ما إذا كان كل منهما عالم بالآخر، فإن المحاذاة الاختيارية تنتسب إليهما جميعا فتفسد صلاتهما.

ويتفرع على ذلك أيضا بطلان خصوص صلاة اللاحق إذا كان عالما بالسابق، دون صلاة السابق، لانه حينئذ المحاذاة الاختيارية إنما تستند إلى اللاحق فتفسد صلاته، ولاأثر لعلم السابق حينئذ بالمحاذاة لانعقاد صلاة اللاحق فاسدة بسبب علمه بالمحاذاة، وقد تقدم أن المحاذاة للصلاة الفاسدة لايكون مانعا، نعم لو كان اللاحق جاهلا، فإن أمكن السابق التباعد على وجه لاتبطل صلاته بالمقدار المعتبر من التباعد وجب عليه، وإن لايمكنه التباعد كذلك سقطت مانعية المحاذاة حينئذ، من جهة حرمة قطع الصلاة فتأمل.

الفرع السادس: لاعبرة بالفوقية والتحتية مع صدق كون أحدهما في يمين الآخر أو شماله أو قدامه، نعم لو كانت الفوقية والتحتية على وجه لايصدق ذلك، كما

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٣ باب ١٠ من ابواب مكان المصلي، ح ٢. [ * ]


إذا كان أحدهما في مكان مرتفع بحيث لايقال: إنه واقف في يمين الآخر أو شماله أو قدامه، كما إذا كان ارتفاعه يقرب من عشرين ذراعا، لكان ذلك خارجا عن مورد الروايات، لان الروايات إنما تكفلت لبيان الجهات الاربع فقط، ثم إنه لو كان أحدهما واقفا على مكان مرتفع بحيث لايضر بصدق اليمين واليسار والقدام، ففي كيفية اعتبار المسافة بينهما وجوه أو أقوال: أحدها اعتبارها من موقف أحدهما إلى الاساس الذي يكون الآخر واقفا على مرتفعه، فإن بلغ عشرة أذرع فهو وإلا فلا. ثانيهما: اعتبارها من موقف أحدهما إلى الاساس ومن الاساس إلى موقف الواقف على مرتفعه، فإن بلغ المجموع عشرة أذرع فهو. وإلا فلا ثالثها: اعتبارها من ضلع المثلث بين الموقفين، بأن تلاحظ المسافة بين الموقفين بأن يخرج خطا من أحد الموقفين إلى موقف الآخر فإن بلغ عشرة أذرع فهو إلا فلا، ولايكفي إخراج الخط من الموقف إلى الاساس فقط ولايعتبر إخراجه أيضا من الاساس إلى موقف العالي، ولايخفى عليك الفرق بين هذه الوجوه الثلاثة، فإن الاول ينقص عن الضلع المثلث الحاصل بين الموقفين، والثاني يزيد عليه وأقوى الوجوه هو الثالث، من غير فرق بين أن يكون تسنيميا أو انحداريا.

الفرع السابع: لو كانا في موقف لايمكنهما التباعد فإن كانا في ضيق الوقت صليا جميعا وسقط اعتبار عدم المحاذاة وإن كان في سعة الوقت صليا على التعاقب مخيرين في التقدم والتأخر، وإن كان الافضل تقديم الرجل، وما ورد في بعض الاخبار من أنه " صلى الرجل أولا "(١) محمول على ذلك، لا أن ذلك شرط لصحة الصلاة أو أنه واجب نفسي.

الفرع الثامن: ظاهر أخبار الباب اختصاص الحكم بالرجل والمرأة، ولايعم الصبي

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٣٣ باب ١٠ من ابواب مكان المصلي، ح ١ و ٢. [ * ]


والصبية وإن قلنا بشرعية عبادتهما، من غير فرق بين تقدم الصبية على الصبي أو على الرجل، أو تقدم الصبي على المرأة، نعم ورد في بعض(١) أخبار باب الجماعة ما يظهر منه تعميم الحكم للصبي والصبية، فراجع وتأمل.

بقي الكلام في المعنى الثاني من المكان، وهو اعتبار الطهارة فيه: اعلم أن الاقوال في ذلك أربعة الاول: اعتبار الطهارة في جميع مكان المصلي، من موضع القدم إلى موضع السجود.

الثاني: عدم اعتبار الطهارة فيه مطلقا حتى موضع السجود، وهو الذي ينسب إلى الراوندي(٢) .

الثالث: اعتبار الطهارة في خصوص المساجد السبعة.

الرابع: اعتبار الطهارة في خصوص موضع الجبهة، وهو الذي ينسب إلى المشهور.

والروايات في المقام مطلقة وهي بين ماتعتبر الطهارة مطلقا وبين ما لا تعتبرها مطلقا، ولكن حيث كانت روايات عدم الاعتبار صريحة في ذلك من حيث نفي البأس فيها وروايات الاعتبار ظاهرة في ذلك من حيث ورود النهي فيها الظاهر في المانعية كان مقتضى القاعدة حمل الروايات الناهية على الكراهة، تحكيما للنص على الظاهر، وهذا هو الذي دعا الراوندي إلى عدم اعتبار الطهارة مطلقا، حتى في المسجد، ولابأس بذكر بعض أخبار الباب حتى يتضح حقيقة الحال: فمنها خبر ابن أبي عمير قلت لابي عبداللهعليه‌السلام اصلي على الشاذكونه وقد أصابتها الجنابة فقالعليه‌السلام : لابأس(٢) .

وفي معناه عدة من روايات اخر دالة على نفي البأس في المكان النجس الذي بإطلاقه يشمل جميع المكان. ومنها خبر إبن بكير عن الصادقعليه‌السلام : في الشاذكونه يصيبها الاحتلام

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤١٢ باب ٢٣ من أبواب صلاة الجماعة، ح ٣ و ٥.

(٢) المعتبر: ص ١٢٤ س ٤ من كتاب الطهارة.

(٣) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٤٤ باب ٣٠ من ابواب النجاسات، ح ٤. [ * ]


أيصلي عليها قال: لا(١) .

ومنها موثق عمار: سأله عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر قالعليه‌السلام : لايصلي عليه وأعلم موضعه حتى تغسله.. اخبر(٢) .

وهذان الخبران ظاهران في المنع، إلا أن لما كان نفي البأس صريحا في الجواز كان مقتضى القاعدة حمل النفي على الكراهة، وليس في أخبار الباب ما يدل على اعتبار الطهارة في المساجد السبعة أو خصوص موضع الجبهة، ولكن لشيخنا مد ظله في المقام كلاما وحاصله: أن خبر ابن بكير وكذا موثق عمار ظاهر في عدم نجاسة جميع المكان الذي يصلي فيه، بداهة أن إصابة الاحتلام إنما يكون في مقدار من المكان، وكذا ظاهر الموضع القدر بقرينة " وأعلم موضعه حتى تغسله " هو قذارة مقدار قليل من البيت، بحيث لايصلح للصلاة فيه بل يصلح للصلاة عليه في الجملة ولو في بعض حالات الصلاة، وكذا لفظة " على " ظاهرة في الاستعلاء، بحيث يكون الصلاة عليه وذلك أخص من الصلاة فيه، فإن لفظة في يشمل جميع مكان المصلي وإن لم يلاق بدنه له كالمواضع المتخللة بين المساجد في حال السجود، وهذا بخلاف لفظة " على " فإنه [ نها ] ظاهرة في ملاقاة بدن المصلي للموضع ليتحقق الاستعلاء، فلفظة " على " إنما تشمل موقف المصلي ومحل تشهده ومواضع مساجده السبعة، فضم هاتين المقدمتين أحدهما: كون موضع إصابة الاحتلام والقذارة قليل جدا، بحيث لايتحمل إلا لبعض حالات الصلاة.

وثانيهما: اعتبار كون ذلك الموضع مما يصيبه بدن المصلي، بقرينة

____________________

(١) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٤٤ باب ٣٠ من ابواب النجاسات، ح ٦.

(٢) الوسائل: ج ٢ ص ١٠٤٢ باب ٢٩ من ابواب النجاسات، ح ٤. [ * ]


" على " ومعلوم أن المتيقن من ذلك هو موضع السجود، لانه أحق بإطلاق الصلاة عليه لانه ركن في الصلاة مع أنه لايحتمل اعتبار طهارة غيره، وعدم اعتبار طهارته، واعتبار طهارة الجميع ينافي قلة المكان القذر ينتج ما ذهب إليه المشهور، من اختصاص اعتبار الطهارة في خصوص المسجد دون غيره، لانه بناء على المقدمات المذكورة تكون الاخبار المانعة مختصة بموضع السجود، ومقتضى صناعة الاطلاق والتقييد هو حمل الاخبار المجوزة على ما عدا موضع السجود، لاخصية الاخبار المانعة حينئذ فتأمل جيدا، فإنه بعد في المقدمات شئ، وتتميم فتوى المشهور بغير الاجماعات المنقولة مشكل.

وعلى كل حال ظاهر المشهور عدم اعتبار الطهارة في غير محل السجود، نعم يعتبر أن لايكون في المكان نجاسة متعددية، والظاهر أن اعتبار ذلك إنما هو لمحض الطريقية لا الموضوعية، فلو كانت النجاسة مما يعفى عنها لقلتها فلا بأس بتعديها كما هو واضح، هذا تمام الكلام فيما يعتبر في المكان.

وأما البحث عن مكروهات المكان فليس بمهم، نعم ينبغي البحث عن الصلاة في المقابر، حيث إنه ربما قيل ببطلان الصلاة فيها.

اعلم أن هنا عناوين أربع: الصلاة في المقابر والصلاة بين القبور، والصلاة على القبر والصلاة إلى القبر، بأن يجعل القبر قبلة له. وقد ورد المنع عن كل من هذه العناوين الاربع في الاخبار، ولايخفى الفرق بين الاول والثاني، إذ في الاول لايعتبر فعلية القبور ولا أن تكون الصلاة بينها بل يكفي كون المكان معدا للدفن، بحيث يطلق عليه المقبرة وإن لم يكن فيه إلا قبر واحد. بل وإن لم يكن فيه قبر أصلا، وهذا بخلاف الثاني فإنه يعتبر فعلية القبور لاأقل من قبرين صدق البينية بدون ذلك، فمما دل على الاول قوله في خبر المناهي، نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يصلي


الرجل في المقابر والطرق الخبر(١) .

وقولهعليه‌السلام في خبر عبيد بن زرارة: الارض كلها مسجد إلا بئر غائط ومقبرة(٢) . ومما يدل على الثاني موثقه عمار سأل الصادقعليه‌السلام يصلي بين القبور قال: لايجوز ذلك إلا أن يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه، وعشرة أذرع من خلفه، وعشرة أذرع عن يمينه، وعشرة أذرع عن يساره، ثم يصلي إن شاء(٣) .

ومما يدل على الثالث خبر يونس بن ظبين عن أبي عبدالله أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى أن يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى(٤) .

ومما دل على الرابع قوله في صحيحة زرارة المروية عن العلل قال: لابي جعفرعليه‌السلام الصلاة بين القبور فقال: بين خللها ولاتتخذو شيئا منها قبلة.. الخبر(٥) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٤٥٣ باب ٢٥ من ابواب مكان المصلي، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٤٢٣ باب ١ من ابواب مكان المصلي، ح ٤.

(٣) الوسائل: ج ٣ ص ٤٥٣ باب ٢٥ من ابواب مكان المصلي، وفيه " سألته عن الرجل يصلي ".

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٤٥٤ باب ٢٥ من ابواب مكان المصلي، ح ٨ وفيه اختلافى يسير.

(٥) علل الشرائع: ص ٣٥٨ باب ٧٥، ح ١ ط بيروت، وفيه اختلاف يسير. [ * ]


الفهرس

كتاب الصلاة الجزء الاول الميرزا محمد حسين الغروي النائيني ١

كتاب الصلاة من إفادات قدوة الفقهاء والمجتهدين آية الله في الارضين الميرزا محمد حسين الغروي النائيني ١٣٥٥ ه‍. ق تأليف الفقيه المحقق الشيخ محمد علي الكاظمى الخراساني ١٣٦٥ ه‍.ق الجزء الاول الموضوع: فقه ٣

المقصد الاول: في أقسام الصلاة ٥

الصلوات اليومية ٩

تعيين المواقيت من الوقت الاشتراكي والاختصاصي للظهر والعصر ١٣

في بيان وقت المغرب والعشاء ٤٤

بيان أول وقت صلاة الصبح وآخره ٧٧

أوقات النوافل اليومية ٨١

الاحكام المتعلقة بالمواقيت ٩١

فيما يجب استقباله في حال الصلاة والدفن وغير ذلك ١٣٣

بيان ما يعرف به قبلة كل إقليم من العلامات المذكورة في الكتب المبسوطة ١٤٢

لايجوز صلاة الفريضة على الراحلة اختيارا إلا مع الضرورة ١٦٥

الخلل الواقع في القبلة ١٨٣

لباس المصلي وبحث المكان أن لايكون من جلد الميتة ٢٠٠

أن لايكون من أجزاء غير مأكول اللحم ٢٢٤

الفهرس ٤١٠