ثمّ شيّعني الألباني
تأليف: الشيخ عبد الحميد الجاف
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤
ص ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥
الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)
الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
ص ب : ٧٢٩
الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)
الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك) :
ثمّ شيّعني الألباني
تأليف: الشيخ عبد الحميد الجاف
الطبعة الأولى: ٢٠٠٠ نسخة
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
المطبعة ستارة
* جميع الحقوق محفوظة للمركز *
بقلم الشيخ محمّد الحسّون
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على حبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا، النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
والحمدُ لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ لنا الإسلام ديناً، بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيته الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين وبعد.
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تحولاً مذهبيّاً كبيراً، وانتقالاً إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لا يمكن لأيّ منصفٍ أن ينكره، ممّا حدى برجال دين وقادة سياسيين في الدول العربيّة وغيرها، إلى الحديث عن هذه الظاهرة، بل التنبيه والتحذير منها.
ولا نبالغ إن قلنا: إنّ عدد هؤلاء المتحوّلين يصل إلى مئات الآلاف، بل عدّة ملايين، وقد ذكرنا أدلّتنا على ذلك في بعض ما كتبناه سابقاً عن هذا الموضوع، وبعض اللقاءات في الفضائيات وغرف البالتوك
والقاسم المشترك لهؤلاء المتحوّلين، الذي جعلهم يتركون مذهبهم السابق الذي تعبّدوا الله به ردحاً من الزمن، وترك موروثهم الديني الذي ورثوه من
آبائهم وأجدادهم، هو قناعتهم الكاملة بوجوب التعبّد بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، المبنيّ أساساً على استحقاق سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) للخلافة والإمامة بعد رحيل النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الرفيق الأعلى.
وهذه القناعات التي تولّدت عند هذا العدد الكبير من المسلمين المستبصرين، كانت نتيجةً للتطوّر الحاصل في وسائل الإعلام والارتباط في العالم، الذي كان لأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) نصيب فيها، بامتلاك عدّة فضائيات ومواقع على الإنترنيت وغرف في البالتوك.
وعند ذلك بدأ العلماء والمثقفون المنصفون الباحثون عن الحقيقة، بالاطلاع عل أدلّتنا وحججنا على عقائدنا عموماً، وفي مقدّمتها الأدلّة على ولاية علي بن أبي طالب(عليه السلام).
وبدأ الكثير من المستبصرين بتدوين تجاربهم الجديدة في التحوّل المذهبي، في كتب مستقلّة أو مقالات نُشرت هنا وهناك، بيّنوا فيها الأسباب التي دعتهم لترك مذهب الآباء والأجداد نحتفظ بالكثير منها في مركز الأبحاث العقائديّة، وقمنا بوضع بعضها في موقع المركز.
حتّى أنّ بعضهم جعل سبب استبصاره عنواناً لما كتبه من كتب ومقالات، مثل: " لقد شيّعني الحسين(عليه السلام) "، و" بنور فاطمة اهتديت "، و" مظلوميّة الزهراء وأهل البيت(عليهم السلام) عناصر تشيّعي "، و" عقيدة أهل البيت(عليهم السلام) في التوحيد هي التي شيّعتني"، و"شيّعني حديث الاثني عشر خليفة"، و"حديث انقسام الأمّة والفرقة الناجية هو الذي شيّعني"، و"الكذب على الشيعة هو الذي شيّعني"،
"شيّعتني آية الوضوء"، و"شيّعني حديث الطائفة الظاهرة على الحقّ"، و"مودّة
قربى النبيّ(صلى الله عليه وآله) عند الشيعة هي التي شيّعتني"، و"شيّعتني الحجج التي في كتب السّنة المعتمدة"، و"شيّعني حديث الثقلين"، و"حديث الغدير وحادثته هما اللذان شيّعاني"، و"رزيّة الخميس هي التي شيّعتني"، و"فوجئت بحقيقة الشيعة والتشيّع فتشيّعت"، و"وسطية الشيعة ودعوتهم إلى الوحدة الإسلامية والعمل من أجلها هما عوامل تشيّعي"، و"تناقض القائلين بالشورى في الحكم هو الذي شيّعني"، و"شيّعتني روحيّة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) "، و"شيّعتني فطرتي وكتاب المراجعات"
والكتاب الذي نقدّم له، هو أحد تلك الكتب الكثيرة التي جعل مؤلّفه الكريم سبب استبصاره عنواناً له " ثمّ شيّعني الألباني "، وعند مطالعته سوف نعرف كيف أنّ هذا العالم السلفي صار سبباً لاستبصار الأخ العزيز الشيخ عبد الحميد الجاف حفظه الله ورعاه وسدّد خطاه.
فمن هو الألباني؟
وكيف تأثّر بأسلافه ابن تيميّة وابن قيّم الجوزية ومحمّد بن عبد الوهاب؟
ومَن وقف ضدّه من العلماء من أتباع مدرسة الخلفاء؟ ولماذا سُجن مدّة من الزمن؟
وكيف انتقد الألباني الكثير من علماء السلف؟
ولنا وقفة قصيرة مع هذا الكتاب ومؤلّفه.
الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني
هو محمّد ناصر الدين بن نوح نجاتي بن آدم، الملقّب بـ (( الألباني )) نسبةً إلى بلده ألبانيا، المكنّى بأبي عبد الرحمن.
ولد سنة ١٣٣٢هـ في مدينة (( أشقودرة )) عاصمة (( ألبانيا )) في ذلك الوقت، ونشأ في أسرة فقيرة بعيدة عن الغنى، وكان والده الحاج نوح نجاتي قد تخرّج من المعاهد الشرعيّة في العاصمة العثمانية (( الآستانة ))، ورجع إلى بلاده لتعليم الناس أحكام دينهم.
ولمّا تولّى الحكم في (( ألبانية )) الملك أحمد زوغو، وسار على نهج جيرانه من أهل الكتاب، هاجر الحاج نوح نجاتي إلى دمشق واستقرّ بها، وكان عمر ولده آنذاك تسع سنوات، فأدخله المدرسة الابتدائية، ثمّ لم يسمح له بإكمال دراسته في المدارس الحكوميّة، بل أخذ يدرسّه بنفسه الصرف والنحو وتجويد القرآن ومقدمات الفقه الحنفي، ثمّ عهد بتدرسه إلى صديقه الشيخ سعيد البرهاني(١) .
يقول الشيخ الألباني:
(( إن نعم الله عليّ كثيرة، لا أُحصي لها عدّاً، ولعلّ من أهمها اثنتين: هجرة والدي إلى الشام، ثمّ تعليمه إياي مهنته في إصلاح الساعات.
_____________________
١- الألباني الإمام، لعبد القادر الجنيد: ١ -٤.
أمّا الأولى: فقد يَسَّرت لي تعلّم العربيّة، ولو ظللنا في " ألبانية " لما توقّعت أن أتعلّم منها حرفاً، ولا سبيل إلى كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ عن طريق العربية.
وأمّا الثانية: فقد قيضت لي فراغاً من الوقت، أملؤه بطلب العلم، وأتاحت لي فرص التردّد على المكتبة الظاهريّة وغيرها ساعات من كلّ يوم، ولو أنّي لزمت صناعة النجارة التي حاولت التدرّب عليها أولاً، لالتهمت وقتي كلّه، وبالتالي لسدّت بوجهي سبل العلم، الذي لابدّ لطالبه من التفرّغ ))(١) .
ويقول أيضاً:
(( وذات يوم لاحظتُ بين الكتب المعروضة لدى أحد الباعة جزءاً من مجلة " المنار " فاشتريته، ووقعت فيه على بحث بقلم السيّد رشيد يصف فيه كتاب "الإحياء" للغزالي، ويشير إلى محاسنه، ومآخذه، ولأوّل مرّة أواجه مثل هذا النقد العلمي، فاجتذبني ذلك إلى مطالعة الجزء كلّه، ثمّ أمضي لأتابع موضوع "الإحياء" في الإحياء نفسه، وفي الطبعة التي تحتوي على تخريج الحافظ العراقي، ورأيتني أسعى لاستئجاره لأنّي لا أملك ثمنه، ومن ثمّ أقبلت على قراءة الكتاب، فاستهواني ذلك التخريج الدقيق حتّى صمّمت على نسخه أو تلخيصه، وهكذا جهدت حتّى استقامت لي طريقة صالحة تساعد على تثبيت تلك المعلومات.
وأحسب أنّ هذا المجهود الذي بذلته في دراستي تلك، هو الذي شجّعني وحبّب إليّ المضي في ذلك الطريق، إذ وجدتني أستعين بشتى المؤلّفات اللغويّة والبلاغيّة، وغريب الحديث لتفهّم النصّ إلى جانب تخريجه"(٢)
________________________
١- المصدر السابق: ٣-٤.
٢- علماء ومفكرّون عرفتهم للمجذوب: ٢٩١ - ٢٩٢.
وقال أيضاً:
(( ومن توفيق الله تعالى وفضله عليّ أن وجّهني منذ أوّل شبابي إلى تعلّم هذه المهنة تصليح الساعات - ذلك لأنّها حُرة لا تتعارض مع جهودي في علم السنّة، فلقد أعطيت لها من وقتي كلّ يوم - ما عدا الثلاثاء والجمعة - ثلاث ساعات فقط، وهذا العدد يمكنني من الحصول على القوت الضروري لي ولعيالي وأطفالي على طريقة الكفاف طبعاً، فإنّ من دعائه عليه الصلاة والسلام: " اللهمّ اجعل رزق آل محمّدٍ قوتاً " رواه الشيخان.
وسائر الوقت أصرفه في سبيل طلب العلم والتأليف، ودراسة كتب الحديث، وبخاصّة المخطوطات منها في المكتبة الظاهريّة، ولذلك فإنّني ألازم هذه المكتبة مُلازمة موظفيها لها، ويتراوح ما أقضيه من الوقت فيها ما بين ستّ ساعات إلى ثماني ساعات يومياً على اختلاف النظام الصيفي والشتوي في الدوام "(١) .
وكان أول عمل حديثي قام به الألباني هو نسخه كتاب " المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار " للحافظ العراقي والتعليق عليه، وهذا الكتاب هو تخريج لأحاديث كتاب " إحياء علوم الدين " للغزالي.
وأخر كتاب عمل فيه هو كتاب "تهذيب صحيح الجامع الصغير والاستدراك عليه"(٢) .
وقد مدحه وأثنى عليه علماء السلفيّة كثيراً:
قال عبد العزيز بن عبد الله بن باز: " لا أعلم تحت قبّة الفلك في هذا العصر
_____________________
١- انظر " حياة الألباني " للشيباني ١: ٤٨ -٥٢.
٢- انظر " ترجمة موجزة للشيخ الألباني " لعبد الله ناصر الدوسري :٢.
أعلم من الشيخ ناصر في علم الحديث "، ووصفه بأنّه: " مجدّد هذا العصر في علوم الحديث ".
وقالت الشيخ محمّد بن صالح العثيمين: " بل هو محدّث العصر "، ووصفه بـ " أنّه ذو علم جمّ في الحديث دراية ورواية ".
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء في السعوديّة: " وهو واسع الاطلاع في الحديث، قويّ في نقدها، والحكم عليها بالصحة والضعف ".
ووصفه الشيخ حمّاد الأنصاري بأنّه " ذو اطّلاع واسع في علم الحديث ".
ووصفته مشيخة أهل الحديث في الهند، بأنّه: " أكبر عالم بالأحاديث النبويّة في هذا العصر ".
وقال شارح سنن النسائي الشيخ محمّد علي آدم الأثيوبي: " وله اليد الطولى في معرفة الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً، كما تشهد بذلك كتبه القيّمة، فقلّ من يُدانيه في هذا العصر الذي ساد فيه الجهل بهذا العلم الشريف "(١) .
_____________________
١-الألباني الإمام، لعبد القادر الجنيد: ٦ -٧.
اتّباع الألباني لعلماء السلفيّة
لا يخفى على أحد اتّباع الألباني لعلماء السلفيّة، مثل ابن تيميّة، وابن قيّم الجوزيّة، ومحمّد بن عبد الوهاب، والسير على منهجهم العلمي والاعتقاد بعقائدهم ومدحهم كثيراً واعتبارهم قدوة له وإن كان في بعض الأحيان ينقدهم ويخرج عمّا ساروا عليه في منهجهم.
قال في تسجيل صوتي له من سلسلة " الهدى والنور" رقم٨٨٠ :
منهجنا قائم على اتّباع الكتاب والسنّة، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح، وأعتقد أنّ البلاد السعوديّة إلى الآن لا يزال الكثير من أهل العلم فيهم على هذا المنهج، متأثّرين بما تأثرّنا به نحن مثلهم، بدعوة شيخ الإسلام بحقّ أحمد ابن تيميّة.
ثمّ تلميذه ابن قيّم الجوزيّة، ثمّ بمَن سار على منهجهم، وسلك سبيلهم كالشيخ محمّد بن عبد الوهاب، الذي كان له الفضل الأوّل بإحياء دعوة التوحيد في بلاد نجد أولاً، وبتفصيل دقيق، حتّى لمسناه في الصغار قبل الكبار هناك، كما أنّه أسّس للدعوة: اتّباع السنّة، وعدم إيثار أي مذهب من مذاهب أهل السنّة الأربعة على الكتاب والسنّة.
وكان له الفضل الثالث بعد الشيخين ابن تيميّة وابن قيّم الجوزيّة في اعتقادي، بإحيائه منهج الشيخين في العالم النجدي أوّلاً، ثمّ في العالم الإسلامي ثانياً، وله الفضل في عصره في نشر هذه الدعوة المباركة، وقد التزمها كثير من العلماء ليس في نجد ثمّ الحجاز التي تليها، بل في سائر العالم الإسلامي في الهند والباكستان وفي بلاد أخرى.
موقف علماء السنّة من الألباني وإبعاده وسجنه
بعد أن عُرف الألباني واشتهر في الأوساط العلميّة، كداعية للمذهب الوهابي، ومتاثّراً بأفكار السلفية، وسائراً على نهج ابن تيميّة وابن القيّم ومحمّد بن عبد الوهاب، أخذ كبار رجال الدين وعلمائهم ينظّمون له الدعوات ويهيؤون له الجلسات العلميّة من أجل نشر أفكاره ومعتقداته.
ومن الطبيعي أن يقف ضدّه مَن يخالفه الرأي ولا يعتقد بأفكار الوهابيّة من علماء ومثقّفين من أتباع مدرسة الخلفاء، ومن هنا بدأ الصراع بين الألباني ومشايخ العلماء في سوريا.
يقول الألباني عن نشاطه في الدعوة للوهابيّة، وما لاقاه من مضايقات من قبل المشايخ: " لقد بدأتُ الاتصال بالمعارف والأصدقاء وأصدقائهم، وجعلتُ من الحانوت ندوةً نجتمع بها، ثمّ رأينا الانتقال إلى دار أحد الأنصار، ثمّ إلى واحدة أخرى أكبر، ومن ثمّ استأجرنا إحدى الدور لهذه الغاية، وجعل الحضور يتكاثرون، حتّى ضيق بهم المكان، وبلغ النشاط مستوىً عالياً من قراءة الحديث وشرحه وأسانيده.
واستمر هذا دأبنا حتّى أثمرت مساعي المعارضين لهذا الاتجاه، فضيّق علينا، ثمّ ألغيت الاجتماعات، وانفضّ السامر، وها نحن أولاء حتّى الآن لم نخلص من هذه المضايقات، نجتمع حين يكون ذلك ممكناً، وإذا حيد بيننا وبين الاجتماع
انقطعنا إلى التأليف والتحقيق اللذين لا نستطيع الانقطاع عنها "
ويقول أيضاً: " وكان من آثار هذا الإقبال الطيّب الذي لقيته هذه الدعوة أن رتّبنا برنامجاً لزيارة بعض مناطق البلاد ما بين حلب واللاذقيّة إلى دمشق.
وعلى الرغم من قصر الأوقات التي خُصصّت لكلّ المدن، فقد صادف هذه الرحلات نجاحاً ملموساً، إذ جمعت العديد من الراغبين في علوم الحديث على ندوات شبه دورية، يقرأ فيها كتب السنّة، وتتوارد الأسئلة ويدور النقاش المفيد.
إلاّ أنّ هذا التجوال قد ضاعف من نقمة الآخرين، فضاعفوا من سعاياتهم لدى المسؤولين، فإذا نحن تلقاء مشكلات يتصل بعضها برقاب بعض "(١) .
ثمّ توسّعت رحلات الألباني لتشمل مدن ومحافظات كثيرة في سوريا، داعياً إلى الفكر الوهابي، الأمر الذي أثار استنكار المخالفين للوهابية من علماء ومثقفين.
يقول القريوتي: " وقد كان للشيخ رحلات شهرية منظّمة، بدأت أسبوعياً كلّ شهر، ثمّ استقرّت على نحو ثلاث أيام، كان يقوم بها إلى المحافظات السوريّة: حلب، إدلب، اللاذقيّة، السلميّة، ثمّ حمص، ثمّ حماة، ثمّ الرقّة. ولقد كان لتلك الجهود والرحلات ثمراتها الطيّبة في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ، وإلى التوحيد ونبذ الشرك والخرافة، مع ما صاحبها من المعارضة من أهل الأهواء"(٢) .
وكان لتأييد الألباني الوهابيّة واتّباعهم، وتمجيدهم، والسير على نهج ابن تيميّة وابن القيّم، كان له تأثير مضادّ من قبل بعض العلماء والمشايخ من أتباع مدرسة الخلفاء، إذ بدأوا بتحذير عموم الناس منه ومن دعوته، ودعوة الناس إلى
_____________________
١- علماء ومفكّرون عرفتهم، للمجذوب ١: ٢٩٥.
٢- كوكبة من أئمة الهدى: ١٩٥.
عدم الاستماع إلى محاضراته، وتحذير طلاب العلم من التأثّر بأفكاره، ومجالسته، والدعوة إلى هجره ومقاطعته.
ثم قام جماعة من مشايخ بلده بتنظيم عريضة ضدّه، ورفعوها إلى مفتي الشام، بعد أن جمعوا لها توقيعات الناس، ومفادها: (( أنّه يقوم بدعوة وهابيّة تشوّش على المسلمين )). فرفعها المفتي إلى مدير الشرطة، واستدعي الألباني على إثرها إلى مركز الشرطة، ولم يخرج منه إلاّ بضمانات بعض الشخصيات الاجتماعية.
بعد ذلك قام جماعة من العلماء والمثقّفين برفع شكوى على الألباني، بأنّ كلامه ومحاضراته تؤدّي إلى التفرقة بين المسلمين، فرفع مفتي " إدلب " هذه الشكوى إلى وكيل وزارة الداخلية لشؤون الأمن في سوريا، فقام باستدعاء الألباني وإبلاغه بالشكوى وطلب المفتي منعه من دخول بلده - إدلب - ثم بعد ذلك تمّ إبعاده إلى مدينة الحسكة.
ولم ينتهِ الأمر إلى هذا الحدّ، بل قام جماعة من العلماء برفع شكوى على الألباني وتقديمه إلى المحاكمة التي حكمت عليه بالسجن لمدة ستة أشهر، فسجن في سجن القلعة بدمشق، وهو نفس السجن الذي سجن فيه قبله ابن تيميّة وابن قيّم الجوزية(١) .
وأشار الألباني في " صحيفته " ٣: ٤-٥ إلى مذكّرة أصدرها وزير الأوقاف في بعض الإمارات العربيّة، نشرت في أوائل شوال سنة ١٤٠٦هـ، قال عنها الألباني: إنّ الوزير المذكور يتهم إخواننا السلفيين في تلك الإمارة بتهم شتى، منها التطرّف والخطورة على العقيدة الإسلامية، وإنكار المذاهب الأربعة، ويقول فيها: كما جرى طرده - أي الألباني - من الإمارات قبل أربع سنوات ومنعه من العودة للبلاد.
_____________________
١-الألباني الإمام، لعبد القادر الجنيد: ١٣.
العلماء الذين ردّوا على الألباني
وقام جماعة من المشايخ والعلماء بالردّ على الألباني وكتبه وأفكاره، فألفوا عدّة رسائل، منها:
١) تنبيه المسلم إلى تعدّي الألباني على صحيح مسلم، للعلاّمة المحدّث الشيخ محمّد سعيد الشافعي
٢) وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والردّ على الألباني، له أيضاً.
٣) القول المقنع في الردّ على الألباني المبتدع، للعلاّمة الحافظ الشيخ عبد الله ابن الصدّيق الغماري.
٤) قاموس شتائم الألباني، للشيخ العالم حسن بن علي السقّاف.
٥) تناقضات الألباني الواضحات، له أيضاً.
٦) البشارة والاتحاف في ما بين ابن تيميّة والألباني في العقيدة من الاختلاف، له أيضاً
٧) الشماطيط في ما يهذي به الألباني في مقدماته من تخبّطات وتخليط، له أيضاً.
٨) الألباني شذوذه وأخطاؤه، للعلاّمة المحدّث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
٩) كتاب مفتوح إلى الشيخ ناصر الدين الألباني من تلميذه محمود مهدي الاستانبولي.
١٠) التعريف بأوهام من قسّم السنن إلى صحيح وضعيف، للعلاّمة محمود سعيد ممدوح.
انتقاد الألباني للكثير من علماء السلف والعلماء المعاصرين
إذا كان الألباني وجّه سهامه ولسانه اللاذع لعلماء السلف وانتقدهم في ما كتبه من مؤلّفات، كالحافظ السيوطي، والذهبي، والحاكم، والمنذري، وابن الجوزي، وابن حجر، والسبكي، والمناوي.
فمن الطبيعي أن تكون حصّة العلماء الذين عاصروه من الانتقاد كبيرة، بل والخروج عن القواعد العلمية والأدبية للبحث العلمي والحوار الرصين.
ونذكر هنا بعض كلماته، ليقف عليها القاريء، بغضّ النظر عن مدى صحة كلامه والمورد الذي انتقده:
١) قال عن السيوطي: (( وجعجع حوله السيوطي في اللآلي دون طائل )). الضعيفة ٤: ١٨٩.
(( فيا عجباً للسيوطي كيف لم يخجل من تسويد كتابه الجامع الصغير بهذا الحديث )). الضعيفة ٣: ٤٧٩.
(( ومع هذا فقد تجرّأ السيوطي أو غفل فسوّد بهذا الحديث الجامع الصغير)). الضعيف ٣: ١٨٧.
(( لقد شغله - السيوطي - نعمة التعقّب على ابن الجوزي عن معرفة علّة هذا الحديث الحقيقية )). الضعيفة ٤: ١٨٢.
٢) وقال عن الذهبي: (( فلمَ إذن وافق الحاكم على تصحيح إسناده؟! وكم له من مثل هذه الموافقات الصادرة عن قلّة نظر وتحقيق )). غاية المرام: ٣٥.
(( فتأمل مبلغ تناقض الذهبي، لتحرص على العلم الصحيح وتنجو من تقليد الرجال )). الضعيفة ٤: ٤٢٢.
٣) وقال عن الحاكم النيسابوري: (( ولذلك أخطأ الحاكم خطأً فاحشاً )). الضعيفة ٣: ٤٥٨.
٤) وقال عن الحافظ السبكي: (( ثمّ تعقّبه السبكي نحو ما سبق من تعقّب الحافظ لابن ظاهر، ولكنّه دافع عنه بوازع من التعصّب المذهبي، لا فائدة كبرى من نقل كلامه وبيان ما فيه من التعصّب )). الضعيفة ٢: ٢٨٥.
٥) وقال عن المحدّث المناوي: (( بل هو من تعصّب المناوي )). الضعيفة ٢: ٣٤٥.
(( وإنّ من عجائب المناوي التي لا أعرف لها وجهاً أنّه في كثير من الأحيان يناقض نفسه )). الضعيفة ٤: ٣٤.
٦) وقال عن الشيخ محمّد سعيد رمضان البوطي والشيخ محمّد عوامة: ((وظنّي أنّ هذا المقلّد وذاك، على ما بينهما من الخلاف في الأصول والفروع إلاّ في التقليد الأعمى... فما حيلتنا مع أناس ندعوهم إلى اتّباع الكتاب والسنّة لينجو بذلك من العصبيّة المذهبيّة والغباوة الحيوانيّة، فيأبون )) الآيات البيّنات: مقدّمة الآيات البينات.
٧) وقال عن الشيخ عبد الفتاح أبو غدّه: (( أشلّ الله يدك وقطع لسانك )). كشف النقاب: ٥٢.
٨) وقال عن الشيخ الصابوني في مقدّمة الصحيحة: (( سرّاق، غير صادق، جاهل مضلّل، صاحب دعوى فارغة، سأكشف خزيه وعاره )).
٩) وقال في مقدّمة آداب الزفاف عن العلاّمة المحدّث حبيب الرحمن
الأعظمي: (( وقد استعان الأنصاري بأحد أعداء السنّة وأهل الحديث ودعاة التوحيد والمشهور بذلك، ألا وهو الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي )).
١٠) وقال عن الشيخ محمّد علي الصابوني والشيخ نسيب الرفاعي: (( وهما من أجهل مَن كتب في هذا المجال في ما علمت، وبخاصة الرفاعي منهما فإنّه أجرؤهما إقداماً على التصحيح بجهل بالغ )). الضعيفة ٤: ٥١.
ردّ الألباني على ابن تيميّة
على الرغم من أنّ الألباني كان من أتباع ابن تيميّة، والسائرين على نهجه العلمي، خصوصاً في العقائد، لكن مع ذلك نشاهده ينتقده ويردّ عليه في موارد كثيرة، نذكر اثنين منها ؛ لكونّها قد أثرّت كثيراً في المؤلّف، كما يذكر خلال سرده لقصته هذه:
أولاً: فمن العجب حقّاً أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيميّة على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة ، كما فعل بالحديث المتقدّم هناك (( من كنت مولاه )) مع تقريره أحسن تقرير - إلى أن قال -: هذا كلّه من بيان شيخ الإسلام وهو قوي متين كما ترى!! فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث ؛ إلا التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة )). الصحيحة حديث ٣٢٢٣.
ثانياً: وعند كلامه عن حديث الغدير قال: (( إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام عن الحديث وبيان صحته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعّف الشطر الأول من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري عن تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان )). الصحيحة ٤: ٣٤٤.
وفاته
توفّي الألباني ووفد على ربّه بأعماله، إن كان محسناً فله، وإن كان مسيئاً فعليه، وذلك يوم السبت ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٤٢٠هـ في مدينة عمّان، وخلّف مجموعة آثار منها:
(( سلسلة الأحاديث الصحيحة ))، (( سلسلة الأحاديث الضعيفة ))، "صحيح الجامع الصغير"، "تمام النعمة"، تحقيق كتاب (( الاحتجاج بالقدر )) لابن تيميّة، تحقيق كتاب (( الآيات البيّنات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفيّة السادات )) للآلوسي، تحقيق كتاب (( الإيمان )) لابن تيميّة، رسالة (( الحديث حجّة نفسه في العقائد والأحكام ))، تحقيق (( شرح العقيدة الطحاوية )) لابن أبي العزّ الحنفي، تحقيق كتاب (( السنّة )) لابن أبي عاصم، اختصار كتاب (( العلو )) للذهبي، تحقيق كتاب (( كلمة الإخلاص )) لابن رجب الحنبلي، رسالة (( منزلة السنّة في الإسلام ))، بالإضافة إلى صحاح وضعاف للسنن الأربعة، وغيرها.
مؤلّفه الأخ الفاضل الشيخ عبد الحميد الجاف، كرديّ الأصل، شافعي المذهب، ثمّ سلفي، ثمّ اعتنق مذهب أهل البيت عليهم السلام نهاية عام ١٩٩٣م بعد دراسة وبحث عميق للمذاهب الإسلامية والمقارنة بينهما.
ولد في بغداد نهاية عام١٩٦٩م، الموافق لليلة٢٧ من شهر رمضان المبارك ودرس في مدارسها، وتخرّج من كليّة الفنون في جامعة بغداد قسم التصميم والديكور.
وفي نهاية عام ١٩٩٦م التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، وطوى مراحلها الأوليّة، وهو اليوم يحضر أبحاث الخارج فقهاً وأصولاً عند بعض أعلامها.
التقيته مرّات عديدة فوجدته فاضلاً، مُلمّاً بالكثير من المسائل الخلافيّة بين المذاهب الإسلامية، يتمتع بروح شفافة، وأخلاق حميدة، يتحدّث بصراحة عن مذهبه السابق وعقائده الوهابية الماضية.
وكتابه هذا سطّر فيه قصّة استبصاره بأسلوب أدبيّ، بعيداً عن التعقيدات التي شاهدناها من البعض، وضمّنه بعض الأبحاث العلميّة والتحقيقات الدقيقة، وذكر فيه كيف أن الشيخ الألباني صار سبباً لاستبصاره وركوبه سفينة النجاة واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من أولاده عليهم جميعاً سلام الله.
وذكر في أوّله سبب تأليفه لهذا الكتاب، وهو إلقاء الحجّة على إخوانه الذين لا يزالون يسيرون على غير منهج أهل البيت(عليهم السلام)، ويتعبّدون الله على غير المذهب الحقّ، وذلك من باب (( الدين النصيحة ))، إذا فالهدف من الكتاب هو النصيحة، تمسّكاً بقوله تعالى: ? ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ?(١) .
ثمّ بيّن انتقاله إلى السلفية، ومضيّ ستّ سنوات يتعبّد الله على المذهب الوهابي، وأكدّ أنّ السلفيّة ليسوا مذهباً واحداً بل عدّة مذاهب وفرق وإن جمعهم مسجد واحد أو بلد واحد، فكيف الحال مع التعدّد في البلاد والمساجد، فهم يختلفون في ما بينهم في الكثير من العبادات، فضلاً عن غيرها من الاعتقادات.
وبدأ سرد حكايته، وما الذي دعاه إلى التفكير بالمذاهب الإسلامية، والبحث عن الحقّ، وما الذي واجهه من صعوبات في بحثه هذا، وكيف أنّه أخيراً اقتنع بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وأعلن تحوّله المذهبي، الذي لاقى بسببه معاناة كثيرة، ضحّى بالكثير من أجله: من فقد بعض الأهل والأصدقاء والأحبّة، بل حتّى أنّ تحوّله المذهبي كان سبباً من منعه من الاقتران بالبنت التي اقتنع بها وقرّر أن تكون شريكة حياته وأمّ أولاده، إلاّ أنّ أهلها رفضوه لا لسبب فيه، بل لأنّه شيعي فقط وفقط!!! وهذا أمر لا يقف على حجم معاناته إلاّ من مرّ بهذه التجربة الصعبة والصدمة الكبيرة.
والميّزة الجديدة التي شاهدتها في هذا الكتاب، والتي قد تخلو عنها كتب المستبصرين وذكر قصص استبصارهم، هي أنّ المؤلّف ذكر قصّته كاملة، وذكر أسماء أبطالها - إن صحّ التعبير بهذه الكلمة - الحقيقيّة، والأماكن التي جرت
_____________________
١- النحل : ١٢٥.
فيها هذه القصة من مساجد وجوامع وحسينيات ومراقد مطهرة في مدن العراق.
ولا أريد استباق القاريء هنا بتعريف أبواب الكتاب ومباحثه، بل ليقف عليه القاريء بنفسه ويعرف فصوله، وكيف أنّ الألباني كان سبباً لتحوّل الكاتب مذهبياً.
وأخيراً نتمنّى للمؤلّف الكريم مزيداً من التوفيق والازدهار في حياته العلميّة وعمله في سبيل الدعوة للمذهب الحقّ، وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين.
محمّد الحسّون
٤/ جمادى الأولى١٤٣٠هـ
الصفحة على الأنترنيت: site.aqaed.com/mohammad
البريد الإلكتروني: muhammad@aqaed.com
الإهداء
إلى كلّ محبٍّ للحقّ باحثٍ عنه ومتّبع له أينما كان ومع من كان.
مستعداً للتجرّد والحكم بإنصاف والكفر بالطاغوت أيّاً كان.
وترك تقليد الآباء ونبذ التعصب المقيت مهما كان.
والسائل عن الدليل والبرهان على كلّ قول أو مذهب أو دين؛ ليؤمن بالله حقّاً، ويستمسك بالعروة الوثقى صدقاً، ويدخل في السلم كافةً، كما أمره تعالى بذلك حتماً، ويميّز عن الباطل ما كان حقاً، ويتبع الحقّ مهما كان مرّاًً.
وهذا أمر غير متيسّر إلا لمن يوفّقه الله تعالى، ويمنَّ عليه بالهداية والتمييز بين المذاهب والعقائد والأقوال فيتّبع أحسنها، فيكون من الذين مدحهم الله تعالى بقوله:( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) (١) .
_____________________
١- الزمر: ١٧.
إلفات نظر
ومن باب (الدين النصيحة) أقول:
انظروا يا إخوتي في أدلّتي وقصّتي ثمّ احكموا عليها بعد ذلك وحاكموها، كما أمر بذلك الله تعالى حيث قال: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(١) ، وأمرنا بذلك أيضاً في قوله تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(٢) ، فلعلّ أحداً يستفيد من تجربتي فيتّعظ بغيره ويكون من السعداء دون عناء فإنّ (السعيد من اتّعظ بغيره).
والبحث عن الحقيقة طريق صعب ووعر، وسالكه فرد نادر، والعقيدة هي الأساس، فمن يبحث في الأساس بعد البناء يحتاج إلى إزالة البناء الذي يعلوه: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}(٣) ، وإنّ من يجد عقيدة صحيحة توافق الدليل والبرهان وإن كانت عند غيره أو حتّى عدوّه فإنّه أحقّ بها إن كان مخلصاً لله تعالى باحثاً عن الحق، أينما كان ومع من كان، ليفوز باتّباعه وينجو لصدقه وإخلاصه ويكون مصداقاً لقوله تعالى:( نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ
_____________________
١- البقرة: ١١١.
٢- المائدة: ٨.
٣- النور: ٤٠.
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (١) .
فيرى حينئذٍ تناسب الأساس مع حجم أو شكل ذلك البناء ليحصل التطابق والقوّة والمتانة، ليتمّ المطلوبَ ويحصل المحبوب، الذي من أجله شُرّعت الشرائع، وأرسلت الرسل، وأُسيلت الدماء، وبُذلت الأنفس على أحسن وجه وأكمل حال:( فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (٢) .
وأخيراً أُخاطبكم وأطلب منكم ما طلبه نبي الله نوح(عليه السلام) من قومه:( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (٣) .
_____________________
١- النور: ٣٥.
٢- الذاريات: ٥٠.
٣- هود: ٨٨.
بعد ستة أعوام كنت قد قضيتها سلفيّاً متشدداً مدافعاً عن مذهبي بقوّة وداعياً له، معتقداً ضلال من خالف وخسران من تخلّف، منتقداً للمذاهب الأخرى وأتباعها لاعتقادي عدم اتّباعهم الدليل الصحيح والفرقة الناجية والطائفة المنصورة! إلى أن حدثت معي حادثة لا بفعلي واختياري وإنّما بإرادة إلهيّة ونعمة ربّانية، فقمت بالبحث بسببها، وتيسّر لي اتّباع الحقّ من خلالها، ونبذت التعصّب وتقليد الآباء عن طريقها، فتبسّم لي الدليل الصحيح والبرهان الصريح والحجّة القويّة، فانبسطت جوانحي واستقرّت جوارحي واطمأنّ قلبي، بعد أن كنت متشدداً متشنّجاً شديداً فظّاً غليظاً متأسّياً بالفاروق! ــ كما نزعم كسلفيين ــ لا أكاد أرى أحداً إلاّ وقد صدر منه ما يخالف ما أنا عليه أو أدعو إليه من الحقّ باعتقادي، وظنّي حتّى مع أبناء جلدتي ومذهبي ومن هم على شاكلتي ــ وهذا حال جميع السلفيين ــ فإنّنا نختلف في المذهب الواحد إلى مذاهب (والفرقة الناجية) إلى فرق.
فالسلفيون وإن كانوا أبناء مسجد واحد فهم مختلفون فيما بينهم، ناهيك عن العلماء والبلدان فكلّ سلفي يفتي على ضوء فهمه وقناعته ومقدار اطّلاعه أو بحسب ما يقع تحت يده من كتب أو فتاوى؛ فترى أحدهم يوجب تحريك الإصبع في التشهّد(١) ، والآخر يكتفي برفعه دون تحريك، وثالث يطالب من يحرّكه بلطف أن يحرّكه بشدّة ؛ لأنّ ذلك الإصبع أشدّ على الشيطان من مطارق الحديد، فيفهم هذا الحديث ويتخيّل أنّ الشيطان
_____________________
١- وهذا ما يعدّه سائر المسلمين معيباًً وعبثاًً لا يليق بالصلاة أبداًً.
قابع تحت إصبعه متربّع على فخذه يخشى ضرباته الحديدية بإصبعه الموجع؛ فيجب عليه أن يضرب به رأس ذلك الشيطان ويلقّنه درساً لن ينساه أبداً!!
وكذا الخلاف في مسألة الهوي للسجود، أيكون بوضع الركبتين أوّلاً كما يفعل سائر أهل السنّة واعتادوا عليه، أم يكون بالهوي باليدين دون الركبتين ولا يتشبّه بالبعير كما يفعل الآخرون على فتوى الألباني التي ظهرت في آخر الزمان؟! وأمّا من يقدّم الركبتين فيرى أنّ الآخر يسيء الأدب ويلعب ويعبث في الصلاة.
وهكذا في مسألة التكتّف والإسبال بعد الركوع! فالألباني وأتباعه في العالم كلّه يرون بأنّ أقرانهم من سلفية السعودية أهل بدعة ؛ لأنّهم يرون التكتّف بعد الركوع أيضاً دون الإسبال، فيسمّي الألباني هذا الفعل: بدعة الحجازيين وينصّ على أنّها بدعة وضلالة!! وكذا مسألة التكتّف فالاختلاف في كيفيته ومحلّه من الجسم مفتوح على مصراعيه دون حلّ، وكذا الجهر بآمين، وتقصير الثوب ومقداره، وكذا تقصير اللحية بمقدار قبضة، والصلاة في النعل والجورب السميك فقط أو القصير أيضاً!
وهكذا فكلّ واحدة من هذه المسائل توجب عند السلفيين إعمال الولاء والبراء والحبّ والبغض ــ دون مبالغة ــ لمن يخالفهم فيها ؛ لأنّ كلّ سلفي يرى أنّه موافق للسنّة الصحيحة والدليل الصحيح دون غيره من المقلدة الجهلة!! وهذا كلّه وأضعافه في أحكام الصلاة فقط! والتي هي عمود الدين وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله) يؤدّيها عدّة مرّات يومياً، فكيف بأحكام العبادات الأخرى؟! مثل الوضوء وكيفية مسح الرأس ومقداره، والمحرّمات مثل تحريم الذهب المحلّق، وكذلك الاستعانة بالكافرين والمشركين على المسلمين، وتكفير ولعن المعيَّن، والتصوير والإنترنيت، والمعاملات كالطلاق الثلاث وبعض أنواع الزيجات المستحدثة، والعقائد كالموقف من الخليفة الفاسق، وممّن يحكم بغير ما أنزل الله، ، والتكوينيات كالأسباب والمسببات، وكروية الأرض وحركتها ودورانها وثبوت الشمس ! وما إلى ذلك.
فرأيت بعد تلك الحادثة (التي سأذكرها بالتفصيل) بأنّ هذا المذهب لا يختلف عن غيره من المذاهب الأخرى، بل يزيد عليها بالتشدد المذموم، والتطرّف الملوم، واللعب بأحكام الدين دون رادع ولا حدّ معلوم، وإنّما هم مجموعة فرقاء في الصورة ولكنهم في الظاهر فقط هم يجتمعون، فتذكّرت قول الله تعالى حين أدركت هذه الأمور: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}(١) ، فأدركتُ أنّ الحقّ لهذا المذهبِ مجانب، ولسبيله غير مقارب، فجال في خاطري قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}(٢) ، فقررت البحث فعلاً عن دين الله الحقّ لا المدّعى من قبل هذا وذاك بلا دليل ولا برهان كما وصف الشاعر ذلك حينما قال:
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
إذا انبجس الدموع على خدود تبيّن من بكى ممّن تباكى
وهكذا قررت البدء ببحث علمي دقيق غير متعصّب، وأسلوب شرعي منصف، قد أمرنا الله تعالى به في قوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}(٣) لمعرفة الحقّ من الباطل، وبموافقة الدليل الصحيح والفهم الصريح لأحد العلماء المحققين أو المعتبرين عندنا، كي لا يُعترض فيقال: إنّك فهمت النص بفهم الرافضة! وليس على فهم السلف الصالح! ولكي تتمّ الحجّة أيضاً عليّ وعلى كلّ مسلم ؛ لأنّ الله تعالى تعهّد في بيانه للحق أن يتمّ حجّته على أحسن وجه حين وصف ذلك بقوله عزّ من قائل: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}(٤) ، وقوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}(٥) ، فأكون بذلك معذوراً أمام الله وأمام من سأخالفه ومقبولاً أمام من أوافقه ؛ لأنّ الله تعالى قد أوصى فقال: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(٦) .
فلا يمكن أن يتمّ البرهان بين الفرقاء إلاّ بواسطة الدليل المشترك والمتّفق عليه بينهم ــ حتّى يصح أن يسمّى حجّة يُحتجّ بها ــ لا بما ينفرد به أحدهم، كما يفعل ذلك السلفيون حيث يحتجّون ويلزمون الشيعة بروايات البخاري وغيره، ويوجبون عليهم قبولها!!
ولنبدأ بحكاية ما جرى معي عند البحث بذكر بعض المواقف التي جعلتني أُغيِّر عقيدة كانت عندي راسخة، وطريقة كانت لي سائغة، فخالفت بعد ذلك الأحباب والأصدقاء، والأخوة والآباء، وسلكت طريقاً وعراً يصعب على الكثيرين سلوكه لما فيه من وحشة وظلمة ومتاهات، وأشواك ومتناقضات ومبهمات، وخصوصاً بعد تطاول الأزمان في الخلاف العقائدي، وكان عزائي الوحيد بأنّ الله تعالى تعهّد بإيضاح الحجّة وإبلاغها وتيسيرها لمن طلبها بسعي وإخلاص.
فأرجو من القارئ الكريم أن يستمع لقولي، ويفهم حجّتي، وينظر لرأيي، ويزن ذلك بواسطة الميزان الشرعي، فيتّعظ بي دون عناء أو ضياع، وليعتبر بتجربة غيره تسهيلاً للبحث عن الحقّ والاتّباع.
( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (٧) .
عبد الحميد الجاف
جمادى الأولى/١٤٢٦
_____________________
١- الحشر: ١٤.
٢- النساء: ٨٢.
٣- المائدة: ٨.
٤- الأنعام: ١٤٩.
٥- الأنفال: ٤٢.
٦- البقرة: ١١١.
٧- الأعراف: ١٧٦
دواعي البحث
خلال تلك السنين الستة، حدثت معي حوادث عدّة، اضطررت معها لخوض هذا المضمار الصعب، والملف الساخن، والخضم المتلاطم، ولكوني سنّياً ــ أي: من أبوين سنّيين ــ بدأت بالعبادة على وفق مذهبي، واعتقدت ما يعتقدونه دون تمحيص أو معرفة أو دليل، خصوصاً في بلد مثل العراق بنظامه السنّي المستمر في حكمه منذ عقود، بل قرون!! بمناهجه المدرسية التي تناسب المذهب والتاريخ الموافق للسلطة والسلطان، فتعلّمناها وأخذناها على أنّها مسلَّمة لا شية فيها، ويجب التسليم بها دون شك يعتريها.
وقد كانت بداية التزامي بالدين والاستمرار على أداء الصلاة قد حدثت بسبب مفارقة لطيفة سبّبت لي ذلك الالتزام؛ حيث كنت طالباً في السادس الإعدادي (البكالوريا) عندما عرَّفني أحد زملائي وأصدقائي في المدرسة (ضياء) بأحد أصدقائه من طلبة البكالوريا أيضاً لأستفيد منه لكونه من مدرسة أفضل، ولكون مدرّسيه ممّن يساهمون في وضع أسئلة الامتحانات العامة، ولكون بيته أصبح يقرب من بيتنا الجديد الذي انتقلنا إليه منذ فترة وجيزة، وكان ذلك الطالب شيعياً بخلاف صديقي السابق الذي أصبح بيته بعيداً عنّي بعض الشيء حتّى افترقنا شيئاً فشيئاً.
فتعرّفت على صديقي الجديد (محمّد عبد الرسول)، ومن ثمّ عرّفني الأخير بدوره على بعض أصدقائه في منطقتنا منهم (كمال وأحمد ومكي وستار)،
فأصبحنا بمرور الأيام مجموعة متجانسة نلتقي دائماً ونتسامر ليلاً ونتجوّل في شوارع المحلّة إلى وقت متأخّر من الليل، فلم أر منهم إلاّ الكلام الجميل والمشاعر اللطيفة والأخلاق الحميدة، وكانت قصصهم في الغالب دينية وبخصوص حياة وأحوال أهل البيت(عليهم السلام) وعلمهم وأخلاقهم وفضائلهم وخطبهم ووصاياهم، وشيء من التاريخ، وبعض مسائل الخلاف، وبعض المسائل العلمية والطبيعية، وشيء من النوادر والطرائف، فأحببتهم كثيراً وكنت أستمتع بالوقت الذي أقضيه معهم، وأستفيد منه بصورة كبيرة لجدّيتهم وثقافتهم وتدينهم.
فأصبح أصدقائي الجدد بعد فترة يضغطون عليّ ويرغبونني في التزام الصلاة والاستمرار عليها بعد أن أخبرتهم بأنّي أصلّي فترة وأترك أخرى، وقالوا لي بأنّ أفضل علاج لذلك هو الصلاة في المسجد كي تستمر عليها ولا تقطعها بعد ذلك، وبدؤوا يرغبونني بصلاة الجماعة ويذكرون لي أهميتها وفوائدها وما فيها من الأجر الجزيل والثواب العظيم.. وفجأةً سألتهم سؤالاً بدا وكأنّه كان محرجاً دون أن أعلم بذلك حينما قلت لهم: فلمَ لا نذهب إلى المسجد سوية ما دام الأمر بهذه الأهمية؟ ولماذا ترسلونني إلى المسجد وأنتم لا تذهبون {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(١) ؟!
فأجابوا بحسرة واضحة: ليتنا نستطيع ذلك!
فقلت: ولِمَ لا تستطيعون؟
قالوا: إنّ مذهبنا يشترط العدالة في الإمام وهذا الشخص تابع لوزارة الأوقاف ويأخذ مرتّبه من الدولة، ناهيك عن وجود بعض إشكالاتنا الشخصية عليه لكونه يسبّنا ويحرّض علينا ويتهجّم على مذهبنا كلّما ارتقى المنبر!
_____________________
١- البقرة: ٤٤.
قلت لهم: وكيف تأمروني بالصلاة خلف مثل هذا الشخص؟
فأجاب أحدهم بسرعة: لأنّكم لا تشترطون ما نشترط فإنّكم تروون عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّه يقول: (صلّوا وراء كلّ بر وفاجر)!
فقلت: كيف يصح ذلك؟
قالوا: لأنّكم تقولون بأنّ ذلك للتيسير!
فأجبت بحرج شديد ودون قناعة: الله أعلم!
فدخلت المسجد بعد ذلك وبدأت بالصلاة وداومت عليها بحمد الله وتوفيقه وفضله وإلى يومي هذا، وأسأله تعالى الدوام عليها حتّى آخر أنفاسي في الدنيا.
بعد مدّة من مصاحبتي لأصدقائي الشيعة طلبوا منّي أن نتعاهد بأن نبحث عن الحقّ ونتّبعه جميعاً لأنّ الحقّ واحد، فإمّا أن نكون نحن أهل الحقّ أو أنتم فنجتمع عليه دون هذه الفُرقة والبغض والاختلاف الحاصل بيننا دون جدوى أو حل، والمستفيد الوحيد من ذلك هم أعداء الإسلام.
فأخبرتهم بأنّي لا أعلم من مذهبي ما يكفيني للدفاع عنه! فقالوا: تعلّم واسأل حتّى نستفيد جميعاً، فوافقت على استحياء وخوف من العواقب ؛ لأنّني أعلم يقيناً بأنّهم أعلم منّي وأثقف، بالإضافة إلى كثرتهم ووحدتي بينهم، فتعاهدنا على اتّباع الحقّ مهما كان ومع من كان، وأخبروني بأنّهم يتمنّون أن يجيز لهم مذهبهم الصلاة معنا.
وبدأنا نبحث في هذه المسألة وفي غيرها، فتعرّفت بسبب ذلك على بعض الوهابية الذين أرشدوني إلى بعض كتبهم المهمّة، وساعدني حينها أيضاً أحد أصدقائي (نزار) بأن عرّفني على شخص مختص بهذه المسائل، وكان هذا الشخص قليل الحضور إلى المسجد مع أنّه من طلبة كلية الشريعة ومثقف جدّاً، بل ومختص بالأديان والمذاهب، فعرّفني عليه حين صادف أن حضر في أحد الأيام إلى المسجد، فسألته عن أسباب تغيّبه عن المسجد مع أنّ صلاة الجماعة واجبة عندنا مع ما هو عليه من شأن ومن قرب وجوار للمسجد! فأخبرني برأيه
السيّئ بإمام المسجد (فذكّرني ذلك بانتقاد جماعتي الشيعة لذلك الشيخ أيضاً) ولكن ماذا يفعل ــ والكلام له ــ وهو جار المسجد والنبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: (لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد)، وقال: "إنّني أدوس على نفسي في كلّ مرّة أحضر للصلاة وأتنازل حتّى ألبّي فيها النداء وأصلّي خلف عبد الوهاب هذا!".
وأخبرني بأنّه يضغط على نفسه أيضاً ليحضر صلاة الجمعة ليقوم بتوجيه النقد لذلك الإمام بعد الصلاة إذا ما أخطأ أو خالف المشهور أو ذكر في خطبته حديثاً موضوعاً تأدية لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعجبني علم ذلك الشخص وجرأته فأخبرته بحاجتي إليه في قصّتي مع الشيعة، فسرّ بذلك لسعة اطّلاعه في هذا المجال وحبّه له وقال لي: "متى تحتاجني أُطرق الباب بلا تردد وسأجيبك عن كلّ سؤال أو شبهة وبكل سرور"(١) .
فبدأنا البحث، وكنت أجيب على إشكالاتهم بسؤالي لأستاذي الجديد (علي) والتسليم لردوده حتّى لو لم تكن مقنعة في بعض الأحيان! وأذكر من بين الأمور التي لم أقتنع بجوابه عليها حينها ــ مع حججه القوّية في غيرها غالباً ــ جوابه عن حديث (كتاب الله وعترتي) فإنّه ضعّفه مباشرة تقليداً لابن تيمية وأجاب كعادته بإجابات ابن تيمية بحذافيرها ــ لأنّه كان يحفظ منهاج سنّته عن ظهر قلب ــ فقال بأنّ العترة هنا لو سلّمنا بصحّة الحديث جدلاً يقصد منها العلماء السادة حملة السنّة والعلم والقرآن من قرابة النبيّ كعليّ وابن عباس والشافعي وما إلى ذلك لا مطلقاً، وإلاّ فإنّ منهم من لم يكن عالماً فكيف نتّبعه؟! ومنهم من هو كاذب عند الشيعة أنفسهم، فلذلك يجب حمل الحديث على العلماء منهم فحسب، فلا يكون
_____________________
١- هذا الشخص اسمه (علي سرّي) وكان حينها طالباً في كلية الشريعة وهو سبط د. عبد الكريم زيدان أحد علماء أهل السنّة ومَنِّظر الإخوان المسلمين وأحد مؤسسيه في العراق.
حينئذ دليلاً على ما يريده الشيعة.
فقلت له: فإذا كان الأمر كذلك فلماذا أوصانا النبيّ(صلى الله عليه وآله) بهم وخصّهم بالترك فينا من بعده مع كتاب الله وهم سواء مع سائر العلماء وبلا أيّ فرق وتميّز؟ فقال:كان ذلك لتأكيد فضلهم عند التساوي بالعلم مع غيرهم لا لتخصيصهم في الاتّباع ؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أوصى في حديث آخر أصحّ من هذا بكتاب الله وسنّته!
فقلت له: أنا غير مقتنع بهذا المعنى فإنّه بعيد جدّاً لعدم وضوح فائدة تأكيد فضلهم عندي مع مساواتهم لغيرهم في العلم والحجّية والترك! فغضب فجأة وجَنَّ جنونه على غير عادته من الهدوء والضحك والتبسّم والسيطرة على المطالب وقال لي صارخاً: لا يجوز لك أن تخالف ما فهمه علماء السنّة أبداً لأنّك ستكون بذلك مثل الشيعة بالضبط!
فقلت له: لا لا!! أعوذ بالله أستغفر الله من أن أردّ عليك أو على أيّ عالم من علمائنا فكيف إن كان ذلك إجماعاً، فذهبت وتركته وأخبرت أصدقائي بما قاله لي أستاذي ومعلّمي الجديد (علي سري)، ولكنّهم تعجّبوا من ردّه وتضعيفه لذلك الحديث وفهمه له ــ فقد ردّوا عليه بما رددت به عليه تماماً ومن دون اتّفاق أو حديث مسبق بيننا ــ وقالوا هذا هو التلاعب الذي جعلنا لا نتّفق هذه المدّة الطويلة وإلى يومنا هذا !
ثمّ سألوني عن قناعتي الشخصية؛ فأُحرجت حينها ــ خصوصاً أنّي متعاهد معهم على البحث واتّباع الحقّ ــ فأخبرتهم عن ضعف قناعتي بكلام أصحابنا، ولكننا يجب أن نستمر في البحث حتّى تتم القناعة سلباً أو إيجاباً، فرحّبوا بذلك لعلمهم بجدّيتي في البحث وعدم تعصّبي، فحصل الاتّفاق واستمر البحث.
والغريب أنّي بعد فترة وجدت أنّ الحديث صحيح فقد صححه الكثير من
علماء أهل السنّة، وكذلك شيخ السلفية ومحدّث العصر الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني! ولكنّني بقيت أفهمه بما يتناسب مع الحديث الآخر (كتاب الله وسنّتي) الذي وصفه أستاذي الجديد بأنّه أصحّ من حديث العترة، وكذلك فهم وشرح الألباني له أيضاً، فلا يجوز لي أن أتجاوز فهم علمائي كما حذّرني صديقي وشيخي من فعل ذلك آنفاً!! وخصوصاً مع تصحيح الألباني لحديث (كتاب الله وسنّتي)!
وأودّ أن أذكر هنا شيئاً مهمّاً آخر ــ مع عدم ذكري لكثير من الأشياء المهمّة والمناظرات واللقاءات التي حصلت لي، إمّا لبعد الفترة وضعف التذكّر، وإمّا خشية الإطالة(١) ــ وهو أنّني فارقت أصدقائي الشيعة بعد فترة بعدما اعتقدت بأنّهم أَخلُّوا بالعهد ولم يذعنوا للحق، وذلك حينما وجدت في أحد الكتب التي كانوا يعيروني إياها لمطالعتها ــ وهو كتاب أجوبة مسائل موسى جار الله للسيّد شرف الدين ــ بأنّ الإمام عليّ(عليه السلام) كان يصلّي خلف أبي بكر وعمر دون أن يعيد الصلاة خالصاً لوجه الله، ونحن نقتدي به الآن ونصلّي خلف المخالف دون أن نعيدها بعد ذلك، فالصلاة خلف المخالف لا تشترط فيها عدالة الإمام كما يشترط ذلك في الإمامي. ففرحت لذلك فرحاً شديداً، ووضعت إشارة عند تلك الصفحة، وذهبت لبيت كبير أصدقائي الشيعة وأكثرهم ثقافة فلم أجده ووجدت أخاه فأعطيته الكتاب وقلت له: أوصله إلى (كمال) وبيّنت له ما وجدت، وأخبرته بأنّني سوف أنتظرهم في المسجد جميعاً حسب الاتّفاق إن كانوا صادقين في عهدهم وبحثهم،
_____________________
١- ومن ذلك حصول الكثير من المناظرات بيني وبين أحد أصدقائهم وهو شيخ أمجد، ومن ثمّ أخذي من قبل هذا الشيخ إلى أحد علمائهم وخطبائهم المشهورين في بغداد وهو السيّد عبد الرسول الكفائي(رحمه الله) لمناظرته والاستفادة منه، وفي المقابل قمت أنا بالاستعانة بأستاذي علي سري في مناظراتنا الأخيرة معهم قبل الافتراق.
فقد وجدت ما يجيز لهم الصلاة معنا ومن مذهبهم وعلى لسان عالم كبير مثل السيّد شرف الدين، وأخبرته بأنّني سوف أفارقهم ولن آتي بعد ذلك لزيارتهم أبداً إن لم أجدهم في المسجد!
فلم يأتوا لأيام انتظرتهم فيها طويلاً، فأُصبت بخيبة أمل، وتعجّبت لفعلهم وعنادهم! مع علمي بأنّهم كانوا مخلصين وصادقين في عهدهم معي، وفي المقابل كنت إذا رأيت أحدهم أو زارني بعضهم بعد ذلك وسأل عن سبب عدم لقائي بهم واعتزالي إياهم تذرّعت بضيق الوقت، فحسبوا أنّني قد أصبحت متعصّباً كسائر جيرانهم وأصدقائهم السنّة الذين يصلّون في المسجد ــ كما كانوا يشكونهم لي بسبب بعض تصرّفاتهم غير اللائقة مثل عدم تسليمهم عليهم مع أنّ بيوتهم متلاصقة وأنّهم أصدقاء منذ الطفولة ولأكثر من عشرين سنة ــ فكان ظنّهم بي غير صحيح، فافترقنا بصمت وسوء ظن ودون معرفة السبب الحقيقي الذي عرفناه بعد سنين من كون (أحمد) أخو (كمال) قد نسي ما أوصيته به، وأنّه لم يكن منتبهاً لكلامي أصلاً، فلم يخبر أخاه بشيء مطلقاً، وكذلك فإنّ ظنّي بأنّهم قد عرفوا الحقّ وعاندوه ولم يتّبعوه لم يكن في محلّه، ولكن وجبت علي مفارقتهم في حينها وبهذه الصورة، لضغط بعض أصدقائي وجيراني ــ ممّن يصلّون معي في المسجد ــ عليَّ كثيراً بتركهم، وأنّه لا فائدة من الكلام معهم, وأنّهم متعصّبون لمذهبهم! فاعتقدت حينها صدق مقولتهم فوافقتهم هذه المرّة على غير عادتي.
الصدمة الأولى!
بعد مفارقتي لأصدقائي الشيعة بسنوات حصلت تحوّلات وأحداث مهمة في المنطقة ومن أهم تلك الأحداث حرب الخليج الثانية في الكويت، وفي تلك الأثناء حصل اختلاف شديد بين علماء السلفية (علماء الصحوة) وبين الوهابيين
الذين ينظرون للسعوديين بحسب المعاهدة والاتّفاق التأسيسي فيما بينهم! فقام وعّاظ السلاطين من الوهابيين بإصدار الفتاوى الجاهزة للسلطة لتبرير أفعالهم مهما كانت!(١) فقام مفتي الديار ابن باز ومن معه ممّن على شاكلته كابن عثيمين وابن جبرين، بتجويز وتبرير الاستعانة بالكافرين على المسلمين بحجّة أنّ العراقيين بين شيعة رافضة قبوريين وسنّة بعثيين وأكراد علمانيين !!
ولم يكتفوا بالضرورة وما إلى ذلك ولكنهم قاموا بتكفير جميع المسلمين العراقيين!! ومن ثمّ جعلوا ذلك من باب الاستعانة بالكافرين على الكافرين، ممّا سبب إثارة حفيظة الكثير من علماء السلفية المستقلين.
فأحدث ذلك الأمر تشتتاً وفرقة في صفوف السلفيين ممّا أدّى إلى الاختلاف والأخذ والرد والإنكار، كالذي حصل بين ابن باز وجماعته من جهة وبين العلماء الآخرين من غير السعوديين من جهة أخرى، كالألباني الذي أنكر على الوهابيين تكفيرهم للعراقيين جميعاً لوجود آلاف السلفيين من تلاميذه العراقيين ممّن درسوا في جامعات الوهابيين في السعودية بزعمه!، والتشريد الذي حصل لسفر الحوالي وسعيد بن مسفر وغيرهم، والسجن الذي لحق بسلمان العودة وعائض القرني وغيرهم، والإقامة الجبرية لسائر المعترضين والناقمين، والمبعدين من المعترضين كالشيخ عداب الحمش النعيمي الذي أبعد خارج المملكة.
وكنت أعرف هذا الشيخ سابقاً من خلال كتبه لكونه رجالياً وكوني مهتماً
________________________
١- هذا ما كان أحد الأخوة في المسجد يصرّح لي به (وهو الأخ مصطفى من رجالات الإخوان المسلمين ومن ملازمي الشيخ محمّد عياش الكبيسي وخواصّه) فكان يؤذيني بذلك كثيراً حتّى أغضب وأنفعل منه وكان يشبه الشيخ ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين والفوزان بمثل عبد الغفار العباسي وقاريء السلطة علاء الدين القيسي وصبحي الهيتي فهم برأيه لا يختلفون في كونهم موظفين عند السلطة فكان يعدني بأنّي سأعرف ذلك في يوم ما، فسبحان الله العظيم!
بعلم الحديث والرجال، وكان له عندي كتابان وبتقديم ابن باز وأمره بطباعتها، ففوجئت بوجوده عندنا في العراق وفي مثل هذه الظروف! حين قرأت إعلاناً معلّقاً على جدار مسجدنا (غير السلفي) ــ في أحد أيام رمضان أثناء الحرب وتحت وابل القصف بالقنابل والصواريخ ــ بأنّ الشيخ عداب الحمش سيلقي قريباً محاضرة في مسجد آخر في منطقتنا (وهو مسجد بيد السلفية) فسررت بذلك كثيرا،ً وأخبرت كلّ جماعتي السلفيين في مسجدنا بأهمية حضورنا جميعاً لأنّ هذا الرجل سلفي وقد طرد من السعودية بسبب موقفه من الحرب مع أنّ الشيخ ابن باز نفسه كان قد راجع كتابه في علم الرجال وقرّضه وأمر بطبعه ومدح مؤلّفه!!
وكذلك فإن موضوع محاضرته يعتبر مهمّاً جدّاً بالنسبة لنا وسينفعنا كثيراً في دعوتنا وهو (أهمية ومكانة السنّة النبوية) ؛ لأنّ السلفيين لا همّ عندهم إلاّ موضوعين هما: (التوحيد والشرك) من جهة، و(السنّة والبدعة) من جهة أخرى، فالسنّة تعتبر حجر الزاوية في المنهج السلفي والأساس الذي يقوم عليه؛ فهي موضوع أساسي منهجي مهمّ جدّاً بالنسبة لنا وخصوصاً نحن السلفيون العراقيون فإنّنا فقراء في المنهج والفكر والتنظير للمذهب لقلة المصادر أو منعها وقلّة العلماء السلفيين في العراق، ولقرب عهد هذا الفكر عندنا أصلاً.
فأقبلَ يومُ المحاضرة ببطءٍ شديد لاشتياقنا وتلهّفنا أشدّ التلهّف لذلك، وبعد أداء صلاة العشاء بإمامة الشيخ الضيف قام بإلقاء محاضرته فحصل ما لا تحمد عُقباه (بنظري في حينها طبعاً) عندما صُدمتُ بقوله بعد بداية محاضرته بقليل: "أنا أستغرب من مشايخنا ودعاتنا وخطبائنا وكتّابنا بأنّهم كثيراً ما يلهجون بذكر حديث (كتاب الله وسنّتي) ولا يذكرون حديث (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) لماذا يا أخي لا تذكر هذا الحديث، لا تذكره لوحده يا أخي! اذكرهما معاً لا بأس، لماذا هذه الحساسية من أهل البيت؟ لماذا نتركهم لغيرنا ألسنا أولى بهم
منهم؟! علماً بأنّ الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني(حفظه الله) يصحح حديث العترة ويضعّف حديث السنّة"!!
فقلت في نفسي: يا كاذب يا رافضي يا مدسوس بانَ كذبك ودسّك! لأنّني أذكر جيّداً بأنّ الألباني يذكر حديث (كتاب الله وسنّتي) دائماً سواء في كتبه أو في محاضراته، فلا يمكن تصوّر مخالفة الشيخ لمنهجه بعدم جواز ذكر الحديث الضعيف والاستدلال به! بل إنّ هذا الحديث هو قوام المذهب السلفي وأساسه، فكيف يضعّفه شيخ السلفية الألباني!! مع أنّني بالإضافة إلى ذلك أتذكّر جيّداً بأنّ الشيخ الألباني قد صححه أثناء تصحيحه لحديث العترة!!
فلمّا أكمل الحمش محاضرته خرجت مضطرباً مغموماً مصاباً بخيبة أمل كبيرة وإحساس بالخجل من أصدقائي بعدما وعدتهم بأن يتحفنا هذا العلاّمة بشيء من علمه الذي طالما افتقدناه سابقاً لعدم وجود المد السلفي المدعوم من الدولة الوهابية عندنا في العراق حينها بعكس ما عليه الحال في سائر الأمصار المفتوحة لهم لكثرة إنفاق أموالهم في دعم ونشر مذهبهم بين المسلمين!! سوى ما اتّفق عليه الملك فهد مع الطاغية صدام عند زيارته الوحيدة للعراق وتبرّعه بمبلغ كبير لطباعة كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمّد بن عبد الوهاب وكتب الوهابية الأخرى، كفتح المجيد وقرة عيون الموحدين وما إلى ذلك بحسب ما نُقل، فوضعوا النقود في جيوبهم وأذنوا فقط بطبع هذه الكتب فطبعها بعض السلفيين العراقيين تبرّعاً وعلى نفقاتهم الخاصّة فرحين بذلك مسرورين شاكرين! فحصل بذلك الانفراج الكبير وغير المتوقّع أبداً، فاستطعنا بذلك معرفة المزيد وأضيف لنا بعض الاطّلاع وبعض التواصل العلمي فحصل الانتشار وبدأ بالظهور حينذاك!
وبعد خروجنا من المسجد قلت لجماعتي التي أتيت بها ليستفيدوا وينتهلوا
المزيد والجديد: يبدو أنّ هذا الشيخ مدسوس ورافضي خبيث! (أستغفر الله) ولولا أنّه كذلك لما طردوه من المملكة!! فسحقاً وتعساً له من شيخ سوء مدسوس مخيب للآمال فالله حسيبه من مضلل أفّاك! فتعجّب أصحابي من قولي هذا المناقض تماماً لقولي السابق فيه وأنّه محدّث زمانه وأوحد أقرانه وو!
فقالوا متعجّبين مندهشين: ما الذي جرى وما الذي غيرّ رأيك هكذا فما عدا ممّا بدا!!
قلت لهم: ألا ترونه كيف يكذّب بوقاحة وافتراء ويهدم عمدة أدلة أحقّية أهل السنّة بأسلوب ملتو خبيث؟! فقد افترى وكذب على الشيخ الألباني وزعم أنّه يضعّف حديث (كتاب الله وسنّتي)، مع أنّ الشيخ يذكر هذا الحديث كلّما تكلّم أو كتب، فكيف يستدل الشيخ بحديث ضعيف فيخالف مذهبه ومنهجه؟! من هنا نعلم بأنّ هذا الرجل إمّا أن يكون صدامياً أو رافضياً يعمل بالتقية!!
بعد المحاضرة ذهبت إلى البيت مباشرة وبدأت بالبحث عن كلام الشيخ الألباني في هذا الحديث في مظانّه، فبحثت عنه في السلسلة الصحيحة فلم أجده فتعجّبت من ذلك!! ثمّ تذكّرت بأنّني قد قرأت سابقاً كلاماً للشيخ ــ بشأن تصحيح حديث الكتاب والسنة في أثناء تصحيحه لحديث الثقلين والرد على من يضعّفه ــ في كتاب لأحد تلاميذه وهو محمّد بن إبراهيم الشيباني قد ألّفه هذا في حياة أستاذه! وأسماه (حياة الألباني)، فلمّا تصفّحت هذا الكتاب تأكّدت من تصحيحه لحديث العترة وردّه الشديد على من يضعّفه ويردّه، وفي ختام بحثه هذا قام كذلك بالردّ على من يضعّف حديث (كتاب الله وسنّتي) أيضاً، ففرحت لذلك وصرخت قائلاً: أين هذا الأفّاك الكذّاب الذي لا أدري من أين أتانا ليشككنا بديننا؟ فليأتِ ولينظر قول الشيخ جيّداً حتّى لا يكذب ولا يفتري عليه مرّة أخرى مستغلاًّ انقطاع العراق عن العالم وحرمانه من مواكبة وتطوّر العلم والمعلومات!!
لم تدم فرحتي طويلاً! فبعد أن أكملت قراءة تلك السطور من كلام الألباني، صدمت وصعقت وأصابتني قشعريرة ووقف والله شعر رأسي وكلّ شعرة في جسمي!!
لقد فوجئت بطريقة تصحيح الألباني لحديث (كتاب الله وسنّتي) على غير
طريقته ومنهجه وأصوله، بل على غير عادة علماء الحديث في التصحيح، حيث قال كما في كتاب (حياة الألباني) وكذا في (سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني) في أثناء تصحيحه لحديث الثقلين (كتاب الله وعترتي) برقم (١٧٦١) وبعد أن صحح أكثر طرقه وشواهده ومتابعاته: "وله شواهد من حديث أبي هريرة عند الدارقطني (٥٢٩)، والحاكم (١/٩٣)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/٥٦)، وابن عباس عند الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وعمرو بن عوف عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٤ـ١١٠). وهي وإن كانت مفرداتها لا تخلو من ضعف؛ فبعضها يقوّي بعضاً، وخيرها حديث ابن عباس...".
فأردت البحث في أسانيده، ولكنني كنت قد اطلعت على كلام الألباني نفسه في بعضها وكانت بين المعضل والمرسل (بلاغ)، فبحثت في إسناد خير طرقه وأقواها على حدّ تعبير الألباني بعد اعترافه بأنّ كلّ أسانيده ضعيفة، فهي إذن لا تقوم بها حجّة بنفسها عنده.
وهذا الطريق يرويه الحاكم عن ابن عباس، وفي إسناده رواة مطعون بهم وفيهم كلام كثير، كإسماعيل بن أبي أويس، وأبيه أبي أويس، وثور بن زيد، وعكرمة.
ولننظر في ترجمة كلّ واحد من هؤلاء لنرى هل أنّ خير تلك الطرق لهذا الحديث يمكن أن يشفع للطرق الأخرى الضعيفة جدّاً ليقوّي بعضها بعضاً كما يدّعي الألباني ذلك أم العكس هو الصحيح:
١ــ إسماعيل بن أبي أويس: قال عنه الحافظ ابن حجر في مقدّمة فتح الباري في معرض دفاعه عن أحاديث البخاري التي انتقدها وضعّفها الدارقطني، فقال عند الحديث الثالث والأربعين منها ما نصّه: "قال الدارقطني فيما وجدت بخطه
أخرج البخاري حديث إسماعيل بن أبي أويس عن... قال: وإسماعيل ضعيف، (قلت): سيأتي الكلام عليه، وأظن أنّ الدارقطني إنّما ذكر هذا الموضع من حديث إسماعيل خاصة وأعرض عن الكثير من حديثه عند البخاري لكون غيره شاركه في تلك الأحاديث وتفرّد بهذا فإن كان كذلك فلم يتفرّد به، بل تابعه عليه معن ابن عيسى.. والله أعلم... "(١) .
قلت: وهذا اعتراف واضح من الدارقطني بضعفه، وإقرار من ابن حجر أيضاً بضعفه لو انفرد كما توقّع هو إحساناً للظن بالبخاري وبرواته كما يرى من يطّلع ويتابع دفاعه واعتذاراته للبخاري.
ثمّ ترجم له ابن حجر فقال: "إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس(!!) احتجّ به الشيخان إلاّ أنّهما لم يكثرا من تخريج حديثه ولا أخرج له البخاري ممّا تفرّد به سوى حديثين، وأمّا مسلم فأخرج له أقل ممّا أخرج له البخاري, وروى له الباقون سوى النسائي فإنّه أطلق القول بضعفه، وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته, واختلف فيه قول ابن معين فقال مرّة: لا بأس به، وقال مرّة: ضعيف، وقال مرّة: كان يسرق الحديث هو وأبوه، وقال أبو حاتم: محلّه الصدق وكان مغفلاً، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح.
فقال ابن حجر للجواب عن ذلك وللدفاع عنه: "قلت: وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أنّ إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي منها وأن يُعلِّمَ له على ما يحدِّث به ليحدّث به ويُعرض عمّا سواه، وهو مشعر بأنّ ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه ؛ لأنّه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج
________________________
١- مقدّمة فتح الباري (٣٦٢).
بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلاّ إن شاركه فيه غيره فيعتبر به"(١) .
________________________
١- مقدّمة فتح الباري (٣٨٨)
لو نظر أيّ منصف لترجمة هذا الرجل لما ارتاب لحظة في ضعفه وطرح رواياته، ولكن المشكلة كلّ المشكلة هي أنّ هذا الرجل ممن يروي له البخاري كثيراً وكذا مسلم وسائر الكتب الستة فهو ممن يجب أن يكون قد جاز القنطرة، ولكن لنذكر بعض أقوال العلماء الذين طعنوا وجرحوا هذا الرجل لتتبين الحقيقة وتنجلي الغبرة لعلّها تأخذ بالتعصّب الأعمى معها بإذنه تعالى ولطفه وتوفيقه:
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمته (١/٢٩١) باختصار:...ابن أخت مالك ونسيبه(!!) عن أحمد ورواية عن ابن معين: لا بأس به، وقال معاوية بن صالح عنه: ضعيف هو وأبوه، وعن ابن معين رواية أخرى قال: ابن أبي أويس هو وأبوه يسرقان الحديث، وفي رواية أخرى عن ابن معين: مُخلِّط يكذب ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وفي موضع آخر: غير ثقة، وقال اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدّي إلى تركه، ولعلّه بان له ما لم يبن لغيره ؛ لأنّ كلام هؤلاء يؤول إلى أنّه ضعيف،... وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب، وقال العقيلي في الضعفاء بسنده عن ابن معين: ابن أبي أويس يسوي فلسين، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح، وحكى ابن أبي خيثمة أنّ إسماعيل قد ارتشى من تاجر عشرين ديناراً حتّى باع له على الأمير ثوباً يساوي خمسين بمائة، وذكر الإسماعيلي في المدخل فقال: كان يُنسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره، وقال ابن حزم في المحلى: قال أبو الفتح الأزدي: حدّثني سيف بن محمّد أنّ ابن أبي أويس كان يضع الحديث، وعن سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل
المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قلت(ابن حجر): وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتّى تجنّب حديثه وأطلق القول فيه بأنّه غير ثقة، ولعلّ هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثمّ انصلح، وأمّا الشيخان فلا يظن بهما أنّهما أخرجا له إلاّ الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات، وقد أوضحت ذلك في مقدّمة شرحي على البخاري، والله أعلم.
قلت: إنّ هذا الاعتذار غير مجد من ابن حجر، فالكذّاب كذّاب فلا يمكن قبول روايته بمثل هذا الاحتمال الذي ما أنزل الله به من سلطان، فالأصل بأنّه متهم فيبقى على ذلك حتّى يثبت العكس، ولا ترفع مثل هذه الأمور بالاحتمالات المزاجية التبرعية التعصّبية وغير المنصفة ولا المعقولة!
وهو كلام جيّد يتبيّن من خلاله حال هذا الرجل مع دفاع ابن حجر المستميت عنه لكونه من رجالات البخاري، وهو في صدد الدفاع عن كلّ رجاله وأحاديثه كما فعل في تغليق التعليق في دفاعه عن مسند أحمد بن حنبل، ومع ذلك لم يستطع توثيقه ولا الاعتذار للبخاري في الرواية عنه أو تخريج حديثه وخصوصاً ما ينفرد به!!
فتبيّن ضعف هذا الحديث وهذه الزيادة، لعدم وثاقة راويها، ورميه بالكذب، وسرقة الأحاديث، ووضعها، وعدم متابعة الثقات له فيها وخصوصاً ذكر كلمة (وسنّتي)، وكذلك اشتراط ابن حجر لصحّة روايته أن يخرجها البخاري في صحيحه مع متابعة غيره له فيها وعدم تفرّده؛ فعدم تخريج البخاري لهذه الرواية مع اطّلاعه على جميع روايات ابن أبي أويس دلّ بشكل قاطع على عدم ارتضاء البخاري لها وتضعيفه إيّاها، خصوصاً لو علمنا مدى احتياج مذهب أهل السنّة لهكذا رواية مهمة تعتبر الأساس الذي يقوم عليه المذهب، وكذلك بالنسبة للبخاري فقد جعل في صحيحه كتاباً بعنوان (الاعتصام بالكتاب والسنّة) ولم يخرّج هذه الرواية فيه مع مناسبتها للكتاب، بل هي أصل لهكذا كتاب فتأمّل! وكذلك روى البخاري حجّة الوداع وخطبتها ولم يرو هذه الخطبة وهذه الزيادة هناك، بل روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي بكرة و... خطبة الوداع وليس فيها كلّها الوصية بالكتاب والسنّة.
ويكفي في ردّ حديث (كتاب الله وسنّتي) أيضاً بالإضافة إلى ما ذكرناه إنّه قد روى مسلم ما يخالف ويعارض هذه الرواية عن الصادق(عليه السلام) عن الباقر(عليه السلام) عن جابر الأنصاري(رضي الله عنه) بلفظ: (وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله)(١) ، وهي رواية أصحّ وأقوى من تلك! وبذلك تعتبر تلك الرواية منكرة
________________________
١- صحيح مسلم (٤/ ٤٠).
إن لم نحكم بوضعها، لكونها رواية ضعيف، بل متهم ومخالف للثقات!
٢ــ أبو أويس: قال العيني عنه في عمدة القاري: "أبو أويس ضعّفه أحمد وابن معين وأبو حاتم، فلا يحتج بما انفرد به فكيف إذا انفرد بشيء وقد خالفه فيه من هو أوثق منه؟!.. "(١) .
أقول: فالكلام فيه هو عين الكلام في ابنه تماماً، فتكون في الحديث علتان تكفي الواحدة منهما لسقوطه فكيف بهما مجتمعتين؟!
وسأذكر بعضاً من ترجمته ومن جرحه تتميماً للفائدة وإيضاحاً لحاله بالبيّنة والدليل، فأقول:
لنستذكر أوّلاً قول ابن معين الآنف الذكر كما في مقدّمة فتح الباري، وتهذيب التهذيب: "ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث، وكذلك قوله عنهما: هو وأبوه ضعيفان"(٢) .
وكذا قال عنهما أحمد كما عند ابن عدي في كامله وغيره: "ابن أبي أويس ليس به بأس وأبوه ضعيف الحديث"(٣) .
وهذا يدلّ على أنّ أبا أويس أضعف من ابنه عند أحمد، وصرّح بذلك ابن عدي في كامله في آخر كلامه في ابنه إسماعيل ما نصّه: "والبخاري يحدّث عنه الكثير(٤) ، وهو خير من أبيه أبي أويس"(٥) . فتأمّل ولاحظ جيّداً!!
________________________
١- عمدة القاري (٥/ ٢٨٦).
٢- مقدّمة فتح الباري (٣٨٨)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٧١).
٣- الكامل لابن عدي (٤/١٨٢).
٤- كما ذكر ذلك صاحب كتاب (زهرة المتعلّمين في أسماء مشاهير المحدّثين) أن ّالبخاري روى عن إسماعيل بن أبي أويس قريباً من مائتي حديث، ومسلم قدر عشرين حديثاً، راجع هامش كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ المِزِّي تلميذ ابن تيمية (٣/١٢٩) من كلام محققه الدكتور بشار عواد معروف ناقلاًً ذلك عن إكمال لمغلطاي (١/ الوقة: ١١٨)، أقول: وراجع إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (٢/١٨٤) حيث قال: وقال صاحب الزهرة: روى عنه البخاري قريباً من مائتي حديث، ومسلم قدر عشرين حديثاً.
٥- الكامل (١/٣٢٤).
وكذا جعله أبو حاتم الرازي أسوء حالاً من ابنه حين ضعّفه ووثّق ابنه، كما روى عنه ذلك ابنه في الجرح والتعديل: "يكتب حديثه ولا يحتج به وليس بالقوي"(١) ، مع إنّه قال في ابنه إسماعيل: محلّه الصدق وكان مغفلاً.
وختم الكلام فيه ابن عدي في كامله بقوله: "وفي أحاديثه ما يصح ويوافقه الثقات عليه، ومنها ما لا يوافقه عليها أحد وهو ممّن يُكتب حديثه"(٢) .
وقال عنه ابن معين: صدوق وليس بحجّة... وهو مثل فليح في حديثه ضعف، وقال عنه مرّة: صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز، وأخرى ضعيف الحديث، وأخرى ليس بشيء، وقال عنه النسائي: ليس بالقوي، وقال عنه علي بن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفاً(٣) .
ونختم بنقل الطامة الكبرى في أبي أويس وابنه، وهي قول الحسين بن فهم: ثلاثة أبيات كانت عند يحيى بن معين من أشر قوم؛ المحبر بن قحذم وولده، وعاصم بن علي وولده، وآل أبي أويس، كلّهم كانوا عنده ضعافاً جدّاً(٤) .
فتأمّل واعرف حال هذا الطريق هل يصلح أن يقوّي طريقاً آخر أضعف منه؟!
________________________
١- الجرح والتعديل (٥/٩٢).
٢- الكامل (٤/١٨٤).
٣- راجع ترجمته في تاريخ بغداد (١٠/٨)، وتهذيب الكمال (١٥/١٦٩).
٤- راجع تهذيب التهذيب لابن حجر (٥/٤٤)، وتهذيب الكمال للمزي (١٣/٥١٢)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/٢٤٣) والأطم منها هو ما فعله مؤلف كتاب تهذب الكمال الحافظ المزي تلميذ ابن تيمية حينما حاول رفع كلمة (أشر) من كلام ابن معين كما قال ذلك محقق الكتاب حينما أثبت هذه الكلمة وقال: ضبب عليها المؤلف. كلّ هذه المحاولات البائسة تأتي في سياق إخفاء الحقائق حفاظاً على كرامة وقدسية الصحيحين، فأين الأمانة العلمية يا مسلمين؟!!
٣ــ ثور بن زيد: مع أنّ فيما ذكرنا كفاية لردّ طريق هذه الرواية ولكن نذكر أيضاً حال بقية من طعن فيه من رجال هذا السند الذي اعتبره محدّث العصر الألباني بأنّه أقواها وخيرها، فقد قال عنه البيهقي: مجهول، واتّهمه ابن البرقي بالقدر، وقال عنه ابن عبد البر: وهو صدوق لم يتّهمه أحد بكذب، وكان ينسب إلى رأي الخوارج والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال هو نحو شريك يعني ابن أبي نمير.
وشريك هذا قال عنه ابن حجر: صدوق يخطيء، واشترط ابن عدي لقبول روايته أن يروي عنه ثقة، ولا يحتج بحديثه إذا حدّث عنه ضعيف(١) ، وكذلك قال ابن عدي والنسائي عنه: ليس بالقوي، واتّهمه ابن حزم بوضع الحديث! وقال الألباني: هو غير.. النخعي، وهو مثله في الضعف أو أشد.
٤ــ عكرمة: وما أدراك ما عكرمة! فهذا الرجل وقع الخلاف والطعن فيه أكثر وأوضح من كلّ من ذكرنا آنفاً، وهذا الرجل بالذات له مواقف معادية واضحة لأهل البيت(عليهم السلام)، ويكفي موقفه وقوله وشذوذه عن الأمّة في آية التطهير، حيث كان يتجوّل في الأسواق والأزقة ويتحدّى كلّ الناس بأنّ الآية ليست نازلة فيما يظن الناس كلّ الناس والمشهور عندهم والمقطوع به لدى جميعهم، وإنّما هي نازلة في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) خاصّة، ويطلب المباهلة ممّن يقول بخلاف قوله، فالله حسيبه!
ويكفينا في هذه العجالة قول الحافظ ابن حجر فيه ناقلاً تجريحه الواسع النطاق: "وقد رأيت أن ألخّص ما قيل فيه هنا... فأمّا أقوال من وهّاه فمدارها على
________________________
١- وقد رأينا من الذي يحدّث عنه إنّه واحد من أسوء ثلاثة أبيات وأشر قوم عند ابن معين إنّهم آل أبي أويس.
ثلاثة أشياء: على رميه بالكذب، وعلى الطعن فيه بأنّه كان يرى رأي الخوارج، وعلى القدح فيه بأنّه كان يقبل جوائز الأمراء، فهذه الأوجه الثلاثة يدور عليها جميع ما طعن به فيه..."(١) .
أقول: وكلّ واحد منها قاصمة للظهر فما بالك بها إذا اجتمعت!!
وعموماً فإنّ هذا الرجل هو المرشح الأقوى والمتهم الأقرب في وضع مثل هذه الأحاديث المقابلة والمضادة لفضائل أهل البيت(عليهم السلام) كما فعل من قبل مع آية التطهير.
فتبيّن بأنّ هذا الطريق ضعيف جدّاً، ولا يمكن لأحد قبوله كشاهد فكيف بتحسينه وجعله جابراً لبقية الطرق الأضعف منه؟! كما قال بذلك الشيخ الألباني حيث اعتبر هذا الطريق خير طرقه!!
إذا علمت هذا أخي القاريء المنصف والباحث عن الحقّ ومبتغيه يتبيّن لك بطلان قول الشيخ الألباني وخطأه الجسيم حينما قال في نهاية بحثه وتصحيحه لحديث الثقلين: "إذا عرفت ما تقدّم فالحديث ــ كتاب الله وعترتي ــ شاهد قوي لحديث الموطأ بلفظ: (تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنّة رسوله) وقد خفي وجه هذا الشاهد على بعض من سوّد صفحات من إخواننا الناشئين اليوم في تضعيف حديث الموطأ، والله المستعان..."(٢) .
وأقول: إنّ كثرة طرقه وتعدد مخارجه لا تغني فقره ولا تجبر كسره ولا تقوّي ضعفه؛ لأنّ القاعدة التي قررها جميع علماء هذا الفن وجهابذته؛ هي عدم إطلاق كون الحديث الضعيف يتقوّى مع تعدد طرقه، بل اشترطوا فيه كون ضعف الراوي
________________________
١- مقدّمة فتح الباري (٤٢٤).
٢- سلسلة الأحاديث الصحيحة: (ح١٧٦١).
ناشئاً من سوء حفظه وليس من تهمة في صدقه أو دينه، فإنّ هذا قد يزداد ضعفه بكثرة طرقه ناهيك عن الحكم عليه ببقاء ضعفه وعدم انجباره، فقد يتقوّى احتمال كذبه وتواطيء رواته على وضعه فيرد حينئذ ويسقط اعتباره ويطرح جانباً ولا يحتج به أبداً.
والمشكلةُ الكبرى، أنّ هذه القاعدة قد قال بها وأكّدها الألباني نفسه فقد قال في كتابه تمام المنّة تحت عنوان: (القاعدة العاشرة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس على إطلاقه): "من المشهور عند أهل العلم أنّ الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنّه يتقوّى بها، ويصير حجّة، وإن كان كلّ طريق منها على انفراده ضعيفاً، ولكن هذا ليس على إطلاقه (والكلام للألباني)، بل هو مقيّد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئاً من سوء حفظهم، لا من تهمة في صدقهم أو دينهم، وإلاّ فإنّه لا يتقوّى مهما كثرت طرقه، وهذا ما نقله المحقق المنّاوي في (فيض القدير) عن العلماء"(١) .
فصرخت من أعماق قلبي بخيبة أمل وحال يرثى لها: تباً لك يا ألباني!! إن كان هذا دليلك في تصحيح مثل هذا الحديث الذي عليه مدار المذهب!! كيف تقول مثل هذا القول الذي لا يمكن أن يتفوّه به طفل أو مجنون فضلاً عن بالغ عاقل فكيف بعالم كبير!! بل محدّث العصر وابن تيمية زمانه وخليفته، بل مجدد العصر كما يزعم تلاميذه وكما نزعم نحن أتباعه؟!
كيف يكون أهم دليل للشيعة شاهداً ومقوّياً لأهم دليل للسنّة؟!! فإنّ هناك رايتين مختلفتين ولافتتين متناقضتين يرفعُ إحداها أهل السنّة ولسان حالهم يقول: نحن الفرقة الناجية وأهل الحقّ والمذهب الصحيح، بل الممثل الشرعي للإسلام؛
________________________
١- تمام المنّة (٣١).
وذلك لتمسّكنا بوصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهما الكتاب والسنّة، والراية الثانية يرفعها الشيعة، حيث يقولون: بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) أدرى بما فيه، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أوصى بمتابعة كتاب الله وعترته أهل بيته وقد تركهما وخلّفهما فينا من بعده وأمر بأخذ الدين والأحكام عنهما كي نأمن من الضلال من بعده، وأمرنا بالتمسّك بهم دون غيرهم إن أردنا الهداية، وإلاّ فالضلال المبين والعياذ بالله؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يشهد بالنجاة لمن اتّبع أو أخذ عن غير أهل بيته، وكذلك لم يأمرنا أصلاً بالتمسّك بغير أهل البيت(عليهم السلام) من الصحابة أو أصحاب المذاهب أو أصحاب المناصب أو السنّة بغض النظر عن ناقلها من أيٍّ كانوا، ولم يخبرنا بضلال من تركهم كما أخبرنا بذلك في وصيته لنا بأهل بيته(عليهم السلام)، فترك أهل بيته في أمّته من بعده يخلفونه في قيادة الأمّة وهدايتها فإنّهم يتفرّدون دون غيرهم باجتماع الأمّة على تعديلهم وإمامتهم، بالإضافة إلى كونهم مأمونين ناصحين هادين مهديين عالمين عابدين باتّفاق الأمّة ؛ فهم عدول الأمّة وعلماء الملّة لا يختلف في فضلهم وطهارتهم اثنان، كما نص حديث أبي داود في الاثني عشر خليفة في أنّهم: (كلّهم تجتمع عليه الأمّة)، وفي رواية عند البزار والطبراني (اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرّهم عداوة من عاداهم)(١) .
فكيف يسوغ للألباني ــ بعد كلّ هذا الاختلاف والتنافي بين الفريق المستدل بحديث عترتي أهل بيتي والفريق المقابل الذي يستدل بحديث سنّتي ــ بأن يأتي ويدّعي بعد ذلك: أنّ الحديثين بمعنى واحد، وأنّ أحدهما يشهد للآخر ويصححه ــ مع اعترافه هو نفسه ضمناً بأنّ أسانيد حديث (سنّتي) لا يصح منها شيء ولا تقوم بها حجّة لوحدها، فتشبث لأجل ذلك بهذا الشاهد (حديث عترتي) وأنّه لولاه لما
________________________
١- قال الهيثمي في مجمع زوائده (٥/١٩١): رواه الطبراني والبزار، ورجال البزار ثقات.
صح حديث كتاب الله وسنّتي!! ــ فالحديثان عنده سيّان والمعني في عترتي هو المعني في سنّتي والوصية هنا بعينها هناك، فلِمَ كلّ هذا الاختلاف يا إخوان؟! ولِمَ لا تحملون بعد هذا الفهم راية واحدة ويافطة فاردة؟!
وأقول له: عجباً لك يا علاّمة عصرك، ومحدّث زمانك، وفريد أوانك، أيّها الألباني الشامي!! أهكذا تُفهم أحاديث بهذه الأهمية؟!
فقلت في نفسي: بأنّ مثل هذا الكلام لا يمكن القول به أو قبوله أيّاً كان قائله ؛ لأنّ فيه مغالطةً وخلطاً أو جهلاً على أقل تقدير إن أحسنت الظن بالشيخ المحدّث! فالدليل هنا أخص من المدّعى كما يقول أهل المعقول؛ لأنّ تفسير الألباني لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله): (وعترتي أهل بيتي) بأنّه يقصد العالمين بالسنّة من أهل البيت(عليهم السلام) العاملين بها فقط، فاستثنى وخصص البعض من أهل البيت(عليهم السلام) بلا دليل ولا قرينة وهذا خلاف الظاهر، هذا أوّلاً.
وثانياً: إنّ أهل البيت(عليهم السلام) عنده مهما بلغوا فإنّهم لا يحملون جميع السنّة ؛ لأنّ وجود السنّة أعم من كونها عند أهل البيت، فالسنّة التي عندهم هي بعض سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعدم إحاطة أحد بجميع السنّة عند أهل السنّة مطلقاً، والمراد من السنّة في الحديث جميع سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)! فتبيّن لنا الفرق الشاسع والواضح بين السنّة والعترة وعدم التساوي بينهما قطعاً، فالنتيجة هي أنّ العترة لا تساوي السنّة أبداً بحسب أصول الألباني وجميع أهل السنّة! وأنّ حديث الثقلين لا يمكن أن يكون شاهداً عندهم لحديث (سنّتي) ؛ لأنّ (عترتي) تعني مَنْ كانت عنده بعض الأحاديث وهو من العترة، وسنتي يعني كلّ الأحاديث، فلا يمكن حينئذٍ التسوية بين السنّة والعترة على قولهم وعلى قواعد مذهبهم ؛ لأنّه سيكون بينهما عموم وخصوص من وجه، فكيف يدّعى معه التساوي والترادف ليصح أن يكون شاهداً
له؟! وعلى هذا فإنّ حديث عترتي أصلاً سيكون بلا معنى ولا فائدة ولم يكن فيه أيّ فضل أو مزيّة لأهل البيت(عليهم السلام).
فتبين لي بأنّ الألباني أخطأ هنا ولم يصب الحقّ، وكذلك عند تصحيحه لحديث (كتاب الله وسنتي) بهذه الطريقة غير العلمية وتقويته عن طريق حديث مناقض ومباين له وهو حديث (وعترتي أهل بيتي) وجعله مساوياً لحديث هو نقيضه ومعارض له دون أيّ وجه مقبول (مع تضعيفه سنداً واعترافه بعدم قيام الحجّة به في نفسه!!).
بل إنّه بفعله هذا قد جمع بين المتناقضات!! وساوى بين المختلفات!! لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) فسّر قوله: (عترتي) بقوله: (أهل بيتي)، فعرّفهم للأمّة وبيّنهم بأحسن البيان وأوضحه، ولم يقل (وعترتي سنّتي)! أو (وعترتي ممّن يحملون سنّتي)!! وهو قادر على ذلك، وهو أفصح من نطق بالضاد وأبلغهم، فضلاً عن كونه في مقام البيان لا الإجمال، فافهم!
فلو أراد(صلى الله عليه وآله) من العترة السنّة لما فسّرها بقوله: (وعترتي أهل بيتي)، ولكننا رفضنا الاعتراف بهذه الحقيقة الناصعة ولم نستطع قبول هذا البيان الواضح ؛ لأنّه لا يتوافق مع ما نحن عليه وآباؤنا من تركنا لأهل البيت(عليهم السلام)، وعدم الرواية عنهم، وجعلهم كأيّ راوٍ آخر مهما كان مغموراً أو نكرة أو فاسقاً، بل وتفضيل مثل هؤلاء عليهم، والإعراض عمّن أوصانا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بهم وأخذ الدين عنهم، وأمرنا بالتزامهم وعدم التقدّم عليهم أو التخلّف عنهم!
فلمّا وصلتُ إلى هذه الحقيقة المرّة، فإذا عروش أهل السنّة عندي أصبحت هاوية! وأسسهم ومبانيهم مهدّمة! وأصولهم وعقائدهم وأقوالهم متلاشية! فلم أستطع قبول تبريراتهم كالسابق، ولم أعد أثق بأقوالهم وتفسيراتهم وفهمهم لأدلة
مسائل الخلاف، وراودني الشك في كلّ ما تعلّمته والتزمته، فاخترت الحياة بدل الموت، والحرية عقب التقليد، والتفتّح بعد الانغلاق، وقررت الانطلاق بدل التقيّد والتعصّب، وأوجبت على نفسي البحث عن الحقّ متجرّداً من كلّ خلفية مسبقة، أو تبرير واضح البطلان أو ساذج أو بعيد أو غير مقبول عند المنصف والمتجرّد(١) ، وتركت كلّ ما ورثته عن الآباء وما التزمته من مقولات الأسياد والكبراء خلف ظهري بعد أن ظهر لي أنّها كانت مجرد سراب يحسبه الظمآن ماءً.
ولكنني ترددت كثيراً في ذلك وقلت في نفسي: أيّ فضل لي على غيري يجعل منّي عارفاً للحقّ مدركاً للحقيقة دون سواي؟! وكيف بالألباني وابن باز وابن عثيمين وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن حجر حتّى أهتدي أنا ويضلّوا!! أبداً لا أصدّق بأنّ الله تعالى اختارني واصطفاني لخالص رحمته وأنا العبد الآبق الجاهل الذي عرف ربّه ودينه من بضعة سنوات فقط!!! فتذكرت ذمّه تعالى للكافرين والمعاندين للحقّ وعدم قبوله لقولهم عندما قال عنهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}(٢) ، وفي آية أخرى {مُّهْتَدُونَ}(٣) ، فكيف أتردد وأخاف خوض غمار بحر البحث بهذا الشكل؟! وكيف يصعب علي السير فيه وأنا مأمور بسلوكه إن أردت النجاة ورضا الله تعالى والجنّة والخلاص من النار؟!
فحضرتْ أمامي وارتسمتْ صورةُ ذلك الصحابي الجليل سلمان الفارسي المحمّدي ــ الذي قال فيه أشرف الخلق(صلى الله عليه وآله): (سلمان منّا أهل البيت)(٤) ، فهو الباحث عن الحقّ بحق، وهو الذي انتقل
________________________
١- وأذكر بعض تبريراتنا الباردة الساذجة ما قاله الساجي في ترجمة أحد رواة مسلم وهو جعفر ابن سليمان فقد ذكروا بعد توثيقه إنّه شيعي، بل تصريحه ببغض الشيخين! فقام الساجي بتبرير ذلك بقوله وادّعائه بأنّ جعفراً لا يقصد أبا بكر وعمر وإنّما يقصد جارين له كان قد تأذّى منهما فكان يقول عنهما: فأمّا السب فلا وأمّا البغض فيا لك!
٢- الزخرف: ٢٣.
٣- الزخرف: ٢٢.
٤- أخرجه الحاكم في مستدركه (٣/٥٩٨) والهيثمي في مجمع زوائده (٦/١٣٠) وقال: رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعّفه الجمهور وحسّن الترمذي حديثه وبقية رجاله ثقات.
من ديانات متعددة حتّى وصل إلى الحقّ، واستمر في البحث عنه دون توقف حتّى النفس الأخير، فبعد أن كان مجوسياً ــ كما يظهر من كتب التاريخ ــ أصبح يهودياً ثمّ نصرانياً ثمّ مسلماً ثمّ موالياً لعلي(عليه السلام)، ولذلك كرَّمه(صلى الله عليه وآله) ونسبه إلى أهل البيت(عليهم السلام) شرفاً واتّباعاً وتسليماً.
فزاد بذلك شوقي للبحث، واطمأن فؤادي بعد الخوف، وتيقّن قلبي بعد التردد والشك فتوكّلت على الله بعد أن أقسمت أن أخوض بكلّ تفان وإخلاص وعدل وإنصاف غمار البحث في هذا البحر اللجي المظلم الكؤود الذي ابتعدت عنّا معالمه الحقيقية لأزمان غبرتْ، وطالت فيه الخصومات حتّى كلَّت، وكثرت مناظراته وما حُسمتْ، ولكن عزائي في إدراك الحقّ كان يقيني بتعهّد الله تعالى حين قال: {فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}(١) .
فهم جديد للأحداث بعد إزالة الحجب:
قبل اثنتي عشرة سنة من الآن تقريباً بدأت رحلتي إلى الثقلين عندما كنت سلفياً متشدداً، وبعد اللتيا والتي اقتنعت بوجوب اتّباع الأمّة لأهل بيت النبيّ G دون غيرهم؛ حينما بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذا الأمر للناس إبان حجّة الوداع وبشكل واضح وصريح ورسمي، بعد إقفالهم من الحجّ وفي طريق العودة بين مكة والمدينة عند الجحفة بغدير خم قبل أن يفارقه الناس، وأمام أكثر من مائة ألف صحابي ومسلم جمعهم من المناطق المحيطة بمكة والمدينة وأكثر بلاد جزيرة العرب ليحج بهم حجّة الوداع؛ فرسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يكن يريد تعليم الناس فريضة الحجّ فحسب، بل يبدو أنّ هناك أموراً مهمّة أخرى، فالحج عموماً فريضة غير غريبة عن المجتمع العربي في تلك الفترة، ولم تكن من مختصّات التشريع الإسلامي والدين الجديد، والناس يعرفون
________________________
١- الأنعام: ١٤٩.
أغلب مراسيم الحجّ منذ الجاهلية، وكان المسلمون يحجّون في زمان النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) كلّ عام، وكان عليّ(عليه السلام) قد حج بهم العام السابق وبيَّن أكثر مسائل الحجّ حين أعلن البراءة من المشركين وترك حجّ الجاهلية ونبذ عهودهم وأمر بتطهير البيت الحرام من كلّ مشرك ومن كلّ عريان... ومع كلّ ذلك كان باستطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله) أداء حجّه مع أهل المدينة ومن ثمّ ينقل الصحابة الحجّ للناس كسائر الأحكام مع كون الحجّ في الإسلام ليس فرضاً وواجباً إلاّ على المستطيع، ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعا كلّ أمّته للحضور معه ورغّبهم بذلك وأطلق على هذا الموسم (حجّة الوداع) تنبيهاً وتشويقاً للمسلمين في الحضور معه فيها، فهناك أشياء مهمّة يريد(صلى الله عليه وآله) لأجلها جمع أكبر عدد ممكن ليشهدهم عليها! فحجّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بهم بهذه الحجّة، وإطلاق هذا الاسم الملفت عليها، وجمعهم بهذا الكم الغفير، لا يمكن أن يكون لأجل فريضة الحجّ فقط!
بل كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذاهباً لأمر أهم وأعظم من تعليم الناس فريضة الحج(١) ! فكان الأهم من ذلك كلّه هو (تبليغهم آخر أوامر الله تشريعاً، وهدايتهم إلى أهم
________________________
١- لكون الحجّ كان معروفاً لهم في الجملة مألوفاً عندهم، والحجّ من فروع الدين وليس بواجب على كلّ المسلمين، وإنّما هو يجب على من استطاع إليه السبيل، ومع ذلك فقد حاول النبي(صلى الله عليه وآله) جمع وأخذ كلّ المسلمين معه ولم يقتصر على العلماء ليعلّموه من بعده لغيرهم وينقلوه ويبلّغوه عنه، وكذلك فإنّ هذه الجموع الغفيرة سوف يسقط عنها جميعاً فرض الحجّ ووجوبه، فلا حاجة لهم لتعلّم أحكام الحجّ لأنفسهم فيما بعد، فالإصرار على تجميع كلّ المسلمين وجلبهم معه واصطحابه إيّاهم يفسّره أهمية الإمامة وأمر خلافته من بعده، وخصوصاً مع تسمية الحجّة لذلك العام بأنّها حجّة الوداع، ففي تسميتها بذلك إشارة لطيفة لدنوّ أجل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد أشار(صلى الله عليه وآله) إلى هذه النكتة في خطبته فيها وتكراره وترديده القول: (إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب).
فنزول آية (التبليغ) وآية (إكمال الدين) في هذه الحجّة مع عدم علاقتها بالحجّ يدلّ بوضوح بأن ّالغاية الأهم في هذه الحجّة الوداعية هو بيان إمامة أهل البيت(عليهم السلام) وخلافتهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنّ هذا الأصل الأصيل من أصول الدين.
سننه تكويناً) ليكمل بذلك لهم دينهم، وليتم عليهم نعمته، وليرضى لهم الإسلام ديناً، في آخر فرصة يجتمع فيها بالمسلمين يمكنه(صلى الله عليه وآله) من خلالها تبليغ مثل هذا الأمر المهم والعظيم(١) (بعد أن قاومت قريش ذلك ففوتت الفرصة الذهبية لتبليغ ذلك في نفس أيام الحجّ في عرفات أو منى)!! فجمعهم بعدما فرغوا توّاً من أداء حجّة وداع نبيّهم ورسول ربّهم، وبعد أن أقفل راجعاً بمصاحبة تلك الجموع الغفيرة التي حرص وأكّد على حضورها معه لشهودهم تلك الحجّة العظيمة التي أطلق عليها حجّة الوداع؛ ولكونهم في حالة نادرة يكون فيها المسلم أقرب صلة بالله وأكثر طاعة وتقبّلاً وتسليماً لأحكامه، في ظرف تكون القريحة فيه مفتوحة عادة لتقبّل الأوامر والتسليم بها والانقياد إليها، فالحجّ من أكثر الفرائض الإسلامية التي تزيد المسلم تواضعاً وخضوعاً وتذللاً وتسليماً، وتكون حينها مشاعرهم وعواطفهم مشدودةً ومُنشدَّةً ومتفاعلةً مع النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) أكثر من أيّ وقت آخر، فهم عمّا قريب سوف يتفرّقون عنه ويفارقوه وقد لا يلتقوه بعد ذلك أبداً، فأذّن(صلى الله عليه وآله) في الناس حينئذ أن توقّفوا عند غدير خم، فأرجع المتقدّم منهم وانتظر المتأخّر عنهم، وخطبهم وقدّم المقدّمات التي بيَّن من خلالها بأنّه يودّعهم وسيفارقهم قريباً، وأنّه يجب أن يكون هناك من يحلّ محله ويخلفه، ولابدّ من حصول ذلك، وأنّ هذا الأمر ليس اختيارياً وليس بيده ولا بأيديهم، وإنّما هو بيد الله تعالى الذي أمره بذلك وهدده وتوعّده إن لم يبلّغ هذا الأمر المهم والعظيم الذي من دونه سوف يضيع الدين وتذهب أحكامه وتتغيّر معالمه وتندرس أركانه
________________________
١- لكون الإمامة والخلافة الإلهية للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) من أعظم أمور الدين وأصوله، حيث يصف رسول الله(صلى الله عليه وآله) من مات بلا إمام أنّ موتته جاهلية، فالميت على الجاهلية لا يقبل منه توحيد ولا نبوّة ولا عمل قط، ولذلك نزلت بعد تبليغ الأمر آية إكمال الدين، وأمّا من ترك الحجّ أو أخطأ في أدائه أو جهل بعض أحكامه فليس كذلك قطعاً وإجماعاً، فتدبّر.
ويختلف أتباعه وتتمزّق كلمته ويكفِّر بعضهم بعضاً ويضرب بعضهم رقاب بعض، فأراد تبليغهم هذا الأمر وبيان أهميته وأنّه من الله تعالى لا من عند نفسه ورغبته، ووجوب إيمانهم به وتسليمهم له والانقياد من بعده لخليفته ووصيه الشرعي، وطلب منهم أن يسلّموا بذلك ويذعنوا له ولو ظاهراً ومؤقتاً؛ لأنّ الله تعالى لا يرضى منه ولا منهم بأقل من ذلك ليُتِمّ ويُكمِل تعالى بذلك دينه ونعمته ويحفظ خاتمة شرائعه وأكملها.
أوّل تصدٍّ من قريش للنبيّ(صلى الله عليه وآله):
أنزل الله تعالى على نبيّه وخاتم رسله(صلى الله عليه وآله) قوله(عزوجل): {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(١) في حجّة الوداع بعد أن منعه البعض ــ كما سنذكره قريباً ــ من تبليغ هذا الأمر والأصل المهم والأخير، ليودع النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمّته مطمئن النفس مرتاح البال مستبشراً بالمآل مكملاً دين الله قبل الفراق والانتقال.
ولكنَّ بني آدم هم بنو آدم وليسوا بملائكة! فبعد أن أحست قريش ببوادر التبليغ بإمامة أهل البيت(عليهم السلام) وخلافتهم للنبيّ(صلى الله عليه وآله) وحصر ذلك الأمر بهم دونهم؛ امتعضوا من ذلك الأمر وانزعجوا كثيراً وأحسّوا بالخطر المحدق بهم وقطع عليهم كلّ طموحٍ وتَمنٍّ؛ فحاولوا حينئذ تعطيل هذا الأمر والتصدّي له ومنع تبليغه وانتشاره بين ذلك الجم الغفير، ومن ثمّ الالتواء عليه بكلّ وسيلة مهما كانت ليبقَ الأمر في دائرة السيطرة والهيمنة والزعامة القرشية الفاعلة ولتبق الخيارات مفتوحة أمامهم!
________________________
١- المائدة: ٦٧.
فاعترضوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتصدّوا له في أوّل مرّة يبلّغهم فيها بهذا الأمر المهم بصراحة ووضوح تام، فكان ذلك في حجّة الوداع في عرفات، قبل نزول آية التبليغ، حينما أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله) التبليغ هناك وتوضيح أمره السابق لهم في التمسّك بالثقلين وبولاية علي(عليه السلام) والنص على خلفائه والأئمة من بعده جميعاً وإلى قيام الساعة باثني عشر من عترته وأهل بيته، بعد أن بلّغهم به على نحو الإجمال والإشارات والعمومات، فحاول بيان حصر خلافته بهم وأوصافهم وأسمائهم وتنصيبهم والنص على خلافتهم له(صلى الله عليه وآله) بصورة قاطعة واضحة دون أن يدع لأحد أيّة إمكانية للاجتهاد والإنكار، بعدما بيّن من قبل ذلك وأشار إليه مراراً وتكراراً بمثل حديث الإنذار يوم الدار والثقلين والموالاة والمنزلة وباب مدينة العلم والحكمة وسدّ أبواب المسجد إلاّ باب عليّ(عليه السلام) ومؤاخاته له دون غيره مع كونهما مهاجرَين وتحذيره(صلى الله عليه وآله) قريشاً من بعث الله عليهم رجلاً يضرب رقابهم ويقاتلهم على تأويل القرآن كما قاتلهم هو(صلى الله عليه وآله) على تنزيله، وآية الولاية وآية التطهير وآية المودّة وآية المباهلة، وقوله(صلى الله عليه وآله) للناس مراراً وتكراراً بأنّ الأمر في قريش ما بقي اثنان والناس تبع لقريش، وغيرها كثير؛ فلا ندري بعد كلّ هذه النصوص الصريحة كيف يكون التبليغ والتصريح؟!!
كيفية تصدّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) للمتمردين:
أحسّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بمخططات قريش ورأى أفعالهم ورفضهم وتصدّيهم وضجيجهم كلّما تكلّم في هذا الأمر وعدم انقيادهم وطاعتهم له؛ فقام(صلى الله عليه وآله) في مقابل ذلك بالتصدّي لهم وتبليغهم بهذا الأمر الإلهي مهما كان صعباً أو غير مقبول عند قريش، خصوصاً حينما يتكّفل الله تعالى له بعصمته منهم ومن شرّهم؛ فبعد أن قاموا بالاعتراض على هذا الأمر ــ كلّما حاول(صلى الله عليه وآله) تبليغه ــ بكلّ وسيلة ليصرفوه عن تبليغهم وإلزامهم بحصر
الإمامة وخلافة النبوّة في عليّ(عليه السلام) وسائر أهل بيت النبيّ(عليهم السلام) كي يركن إليهم؛ حاول النبيّ(صلى الله عليه وآله) حينئذ إلزامهم بذلك بواسطة جمعهم بعد حجّة الوداع وتبليغهم في غدير خم قبل أن يتفرّقوا عنه وتنصيبه لعليّ(عليه السلام) أميراً للمؤمنين من بعده، وطلبه مبايعتهم إيّاه ولياً للعهد مرّة، وكتابة ذلك أخرى كما في رزية يوم الخميس، وإبعادهم عن مسرح الأحداث وعن المدينة للغزو ثالثة حينما بعثهم في جيش الفتى والمولى أسامة بن زيد، وتصدّيه أيضاً لكثير ممّا كانوا يقومون به من أفعال وممارسات في مقابل هذا الأمر؛ مثل تقديمهم لأبي بكر وعمر للصلاة بالناس، أو تأخيرهم إنفاذ جيش أسامة، أو صياحهم وضجيجهم ورفع أصواتهم وتكبيرهم للتشويش عليه(صلى الله عليه وآله) حينما أراد التنصيص على الأئمة الاثني عشر تفصيلاً في حجّة الوداع! أو رمي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالهجر والهذيان وملئ سمعه الشريف بذلك الكلام الجريء المتهتك القبيح حينما أراد كتابة ذلك الأمر بحضورهم لإشهادهم عليه في رزية يوم الخميس! ومثل هذه التصرّفات إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ وتنمّ عن عدم إيمان البعض بعصمة نبي ورسول لا يمكن أن ينطق عن هوى، وهو تجاسر صارخ منهم على مقام معصوم مبلّغ عن الله تعالى، وتشكيك برسالة إلهية خاتمة، وتمرّد عليها وعلى تعاليمها وأوامرها، واجتهاد في مقابل النص الواضح الصريح، وأيّ نص؛ إنّه أمان الأمّة من الضلال والضياع والفرقة والاختلاف من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإلى يوم القيامة، فأيّ أمر ذي نفع عظيم على الأمّة فوّتوا؟! وأيُّ مصلحة وخير عليها ضيّعوا؟! وأيّ رزية لها جلبوا؟! كما وصف ابن عباس ذلك باكياً حتّى بلّت دموعه الحصباء(١) ، وفي رواية بلفظ: "ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رأيت على خديه كأنّها نظام اللؤلؤ"(٢) ، وكان ذلك من ابن عباس(رضي الله عنه) بعد تلك الواقعة المؤلمة بعقود وعقود؛ فعبّر
من خلال تصرّفه هذا عمّا حمله من أسى وأسف ومرارة على
________________________
١- البخاري (٤/٣١) ومسلم (٥/٧٥).
٢- مسلم (٥/٧٦).
ما فات على الأمّة من الخير العظيم، وما جرى عليها من الشرور والاختلافات والتقاتل على الدنيا، وكذا مخالفة الأحكام الصحيحة بل تغييرها، فكشف(رضي الله عنه) ببيانه هذا عن مؤامرة حصلت وتصرّفات سببت نخر جسد الأمّة وضعفها وانحرافها عن الجادة.
نعود إلى حديثنا عن القلاقل التي افتعلتها قريش في حجّة الوداع حينما حاول رسول الله(صلى الله عليه وآله) تبليغ النص على خلفائه فتصدّت له قريش حينما أدركوا خطر ذلك التبليغ عليهم، فحاولوا منع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من تبليغ ذلك الأمر والنص على خلفائه بكلّ وسيلة ــ كما سنبيّن ذلك قريباًــ لئلا يقعوا بذلك المأزق من النص على خلافة عليّ وبنيه(عليهم السلام) من بعده وولايته للعهد دونهم، والذي سيؤدّي إلى غلق كلّ الأبواب أمام طموحاتهم الكبيرة التي تفوق الحد المشروع، وتتعدّى على حدود الله التي حدّها، وخلافته التي يريدها أن تكون في الأرض كما أكّد ذلك في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}(١) .
فحصل حينئذ صراع وصدام للإرادات بينهم وبين النبيّ(صلى الله عليه وآله)؛ فقد حالوا دون أن ينص رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويصرّح بأكثر ممّا قاله وصرّح به، كالذي نحن فيه الآن من حديث (الأئمة الاثني عشر)، ونقلهم عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّه قال هنا (كلّهم من قريش) بعد أن لغطوا وكبّروا واعترضوا وضجّوا! والواقع أنّ هذا القول قد بلّغه وذكره لهم(صلى الله عليه وآله) سابقاً ليتهيّئوا لقبول تصريحه به لهم ونصّه عليهم وتنصيبه لهم(عليهم السلام) فيما بعد، دون تفصيل أو تصريح بأسمائهم، أو حتّى الإجمال بنحو كونهم من بني هاشم أو أهل بيته على سبيل المثال؛ ليخرج سائر قريش دونهم صراحة، ففعلوا
________________________
١- البقرة: ٣٠.
في مقابل ذلك ما فعلوا من صراخ ولغط وضجيج وتكبير وقيام وقعود! حين وصف راوي الحديث ــ وهو الصحابي المجاهد جابر بن سمرة ــ فعلهم ذاك وأشار إليه بقوله(رضي الله عنه): (ثمّ قال كلمة أصمنيها الناس)؛ لأنّهم لو تركوه يقول ما يريد(صلى الله عليه وآله) وفسحوا له المجال ليكمل لقام(صلى الله عليه وآله) بإلزامهم وتبليغهم بأمرٍ لم ولن يقبلوه أو يتقبّلوه مهما كلّفهم ذلك، وهو قبول إمامة رجل يبغضه ويكرهه ويحسده الكثير من قريش إلاّ من رحم ربّي، بالإضافة إلى أنّ قبولهم وتسليمهم سيحرمهم الزعامة بعده وإلى الأبد! مع خوف النبيّ(صلى الله عليه وآله) من عدم حصول المصلحة المترتبة على تحقق الإمامة بهذا الشكل (أعني لو ألزمهم وأجبرهم على تنفيذها وتطبيقها) فعدم انقياد الناس وطاعتهم لإمامهم الشرعي سيؤدي إلى الفساد بدل المصلحة المتوخّاة من الإمامة (١) .
وحينما يئس النبيّ(صلى الله عليه وآله) من طاعتهم له وإنصاتهم لتبليغه وانقيادهم لأمره من بعده؛ اكتفى(صلى الله عليه وآله) بالتلميح والإشارة دون التصريح وبالعبارة، بعدما ضجّوا ولغطوا في أثناء إخباره عن الأئمة الاثني عشر، ومنعوه من التصريح بأكثر ممّا صرح به على حين غفلة منهم وهم لا يشعرون، وفائدة ذلك هي إقامة الحجّة، فلمّا انتبهوا لخطورة موقفهم وفداحة الأمر المحدق بهم واستحالة إنكاره بعد تبليغه وبوح النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الملأ به قاموا بما قاموا وأبدوا المقاومة واللغط والثرثرة والتشويش!
وهناك رواية دقيقة تصف الحال الذي وصفناه هنا تماماً، يرويها الإمام
________________________
١- وقد اتّضح ذلك بعد تولّيه(عليه السلام) خلافتهم وبإلحاحهم وإجماعهم (لوقوعهم في فتنة وحيرة ليس لها إلاّ أبا الحسن) وبعد ربع قرن بما فعلوه معه (بعد انتهاء حاجتهم واستتباب أمرهم وكشفه(عليه السلام) الأمور وإيضاحها وعلاجها) فقاموا بالخروج عليه بعد ذلك بحروب ثلاثة شنّوها عليه خلال خمسة أعوام فقط، فكيف لو تولّى الإمام أمورهم مباشرة وهم كارهون ومن دون انعقاد هذا الإجماع؟!!
أحمد عن نفس هذا الصحابي الرائع الذكي الذي تحمّل أعباء وتبعات نقله لهذه الرواية وإيصال الحقيقة للناس وهو جابر بن سمرة، منفرداً بشجاعة فائقة بنقل هذا الحديث الشريف ونشره بألفاظ مختلفة حتّى أدّى ما جرى بشكل واضح جلي فقال: "خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بمنى (وفي رواية: بعرفات) فسمعته يقول: (لن يزال هذا الأمر عزيزاً ظاهراً حتّى يملك اثنا عشر كلّهم)، ثمّ لغط القوم وتكلّموا فلم أفهم قوله بعد (كلّهم)، فقلت لأبي: ما قال بعد (كلّهم)؟ قال: كلّهم من قريش" (١) ؛ وهي إشارة واضحة منه(رضي الله عنه) للتنبيه وللكشف عمّا حصل وصدر من تصرّفهم بذلك الشكل واعتراضهم على النبيّ(صلى الله عليه وآله) ومحاولتهم إسكاته ومنعه من التصريح بما يريد من أمر لا يروق لهم وما لا يقبلونه أبداً!
فأنكر عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) لغطهم هذا واعتراضهم عليه ورفع أصواتهم فوق صوته، فأمر جرير بن عبد الله أن ينبّههم ويسكتهم ويستنصتهم ــ ولكن دون جدوى!! ــ كي يستمعوا لقوله(صلى الله عليه وآله)، لمخالفتهم أمر الله تعالى المعروف عندهم من قبل بالاستماع إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعدم رفع أصواتهم فوق صوته وعدم جهرهم له بالقول كجهر بعضهم لبعض، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جرير قوله: "قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: (يا جرير استنصت الناس)" (٢) ، فكانوا مأمورين بالسكوت والإنصات لا بالكلام ورفع الأصوات! وفعلهم هذا يوضّح لنا معنى حديث جرير من أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) له هنا بالذات، فلم نره في موضع آخر أو خطبة أخرى غير هذه أمرهم فيها بالسكوت والإنصات! ولم يبعث من يسكتهم ويستنصتهم لولا أنّهم أساؤوا التصرّف والأدب وأكثروا الكلام في غير محلّه،
________________________
١- رواه أحمد في مسنده (٥/٩٩)، والطبراني في الكبير (٢/١٩٦).
٢- البخاري (١/٣٨) و(٥/١٢٦) و(٨/٣٦،٩١)، ومسلم (١/٥٨).
والمواجهة بادية في وجوههم، ظاهرة في قسماتهم، واضحة في تصرّفاتهم، لائحة في أفعالهم.
علماً أنّ كلّ ما روي في إسكات الناس يذكر حصوله في منى، وحديث جابر الذي ذكرناه آنفاً كان في منى أيضاً كما في إحدى رواياته، وقد روي حديث جرير في مصادر أخرى تحكي لنا ما جرى حينها بوضوح دون حذف أو تلاعب حينما فعلوا ذلك ولم ينصتوا ولم ينتهوا؛ فتصدى رسول الله(صلى الله عليه وآله) لذلك بقوله: (يا جرير استنصت الناس) ثمّ قال عند ذلك: (لا ألفينكم ــ لأعرفن ــ بعد ما أرى، أي: من تصرّفاتكم ترجعون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) (١) ، وهذا يثبت ما قلناه بوضوح!!
بالإضافة إلى أنّ المعروف والمنقول أنّ عادة المسلمين حينما يخطب النبيّ(صلى الله عليه وآله) يكونون من السكون والسكوت بحال كأنّ على رؤوسهم الطير (٢) ، ولكن الحال هنا قد اختلف، كما هو الحال في موقف مصيري آخر حينما تجرّأت قريش وقامت برزية أخرى مماثلة ومشابهة لهذه الحادثة تماماً وهي رزية يوم الخميس، والتي سببت حدوث رزية الأمّة، كما وصفها وبكى بسببها ابن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن، حينما رموا رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخاتم النبيين وأشرف خلق الله أجمعين بالهجر والفحش والهذيان!!
________________________
١- أخرجه أحمد في مسنده (٤/٣٦٦) والنسائي في سننه (٧/١٢٨) وفي الكبرى أيضاً وابن كثير في البداية والنهاية (٥/٢١٦)..
٢- وردت عدّة روايات بأنّ الصحابة حينما يكونون في حضرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) يكونون كأنّ على رؤوسهم الطير، وذُكر ذلك في صفاته وشمائله(صلى الله عليه وآله) في غير حديث، والملفت أنّي وجدت رواية يرويها الهيثمي في مجمع زوائده (٩/٥٣) عن أنس بن مالك يقول: كنّا نجلس عند النبي(صلى الله عليه وآله) كأنّما على رؤوسنا الطير ما يتكلّم أحد منّا إلاّ أبو بكر وعمر!! وقال: رواه الطبراني...
وأكثروا في حضرته الاختلاف واللغط ورفع الأصوات، فتصدّى لهم(صلى الله عليه وآله) وطردهم، مع عدم فعله لذلك مع أحد طيلة حياته كلّها، ولكن في هذين الموقفين فقط قام بإسكاتهم مرّة وطردهم أخرى، ليبيّن لأمّته فداحة ما فعلوا وينبّههم على ذلك وينذرهم خطر وسوء ما ارتكبوا وعن سبيل الحقّ كيف صدّوا، فإنّ الشدّة وعدم اللين في تصرّفه(صلى الله عليه وآله) عند هذين الموقفين يختلف عن المعروف والمعهود من صبره وسعة صدره وتحمّله لإساءات المسيئين، ولكن الموقف هنا يختلف عن غيره ؛ لأنّ الحرب هنا تشن على الدين وعلى مستقبل المسلمين، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) يعلم ذلك جيّداً فهو المتصل بالوحي والسماء فتصرّف بحسب ما يقتضيه الموقف ؛ لأنّهم هنا خالفوا أمر الله لهم بالسكوت عند النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعدم رفع أصواتهم فوق صوته، وكذا وجوب التأدّب معه(صلى الله عليه وآله) واحترامه وتعزيزه وتوقيره، فقد قاموا برفع الأصوات في حضرته وشوشوا ولغطوا وقطعوا كلامه واعترضوا عليه ومنعوا من وصول صوته، بل اضطروه(صلى الله عليه وآله) بتصرّفهم هذا وجرأتهم تلك على خفض صوته وقطع كلامه وإجمال ما كان يريد تفصيله لهم، لعدم جدوى رفع الصوت حينها لحصول منافاة بين رفع صوته للتبليغ وبين رفضهم لذلك التبليغ، فاكتفى بقول يأمن معه من مستطير شرّهم وكبير اعتراضهم وهيجان نقمتهم وشديد غضبهم خوفاً من إتمامه(صلى الله عليه وآله) لهذا الأمر، فخفض(صلى الله عليه وآله) صوته حينما لغطوا ورفعوا صوتهم فوق صوته، فكأنّه ردد الكلام مع نفسه فلم يسمعوا بعدما فعلوا وافتعلوا تكملة كلامه وإخباره بهذا الأمر العظيم والمكمل للدين والمتمم لنعمة ربّ العالمين!!
وكان الأجدر بهم في حال بيان مثل هذا الأمر العظيم أن ينصتوا ويستمعوا له(صلى الله عليه وآله) ويعوا أمره جيّداً، خصوصاً مع تحريم الله تعالى عليهم مثل هذا
الفعل، بل وتهديده لهم بإحباط أعمالهم إذا هم فعلوه فقال(عزوجل): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} (١) .
________________________
(١) الحجرات:٢.
أمر الله تعالى نبيّه(صلى الله عليه وآله) ــ بعد تكشّف نوايا القوم ــ بعدم الخوف منهم على نفسه وعلى الدين، فهم أقل من أن يعترضوا إرادة الله تعالى ويتغلّبوا على قدرته(عزوجل)، فأوجب عليه بعد تلك المحاولة تبليغهم أمر خلافة عليّ(عليه السلام) وولايته عليهم، وعقد البيعة له وجعلها في أعناقهم في حياته دون أدنى تردد؛ لأهمية هذا الأمر، بل توقف الرسالة والدين عليه، وأنّه(صلى الله عليه وآله) لم يبلغ الدين إن توانى وتردد بتبليغ هذا الأمر العظيم واستسلم للمعترضين، فطمأنه تعالى بأنّه سيتكفّل عصمته منهم عند تبليغه هذا الأمر بقدرته وتأييده، كما أشار لذلك تعالى بقوله بعد فعلهم ولغطهم ومنعهم النبيّ(صلى الله عليه وآله) من تبليغ ذلك، فأنزل عليه آية التبليغ مطمئناً له مهدداً إيّاه بأنّه سوف لا يكون مبلّغاً للرسالة دون تبليغ هذا الأمر المكمّل لها والمتمم لمصلحتها والمحافظ عليها والحامي لأحكامها، غاضباً على فعلهم وعدم طاعتهم بعدم فسحهم المجال لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ليبلّغ هذا الأمر العظيم الذي لا يتمّ الدين إلاّ به، فأنزل(عزوجل) مؤكّداً هذا الأمر: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ} (١) ، فطمأنه بالعصمة والحفظ منهم وأنجاه الله تعالى بصرفهم عنه بعنايته وإعجازه تعالى، فاستطاع(صلى الله عليه وآله) حينئذ تبليغهم رغم أنوفهم، وأخذ البيعة لعليّ(عليه السلام) منهم، دون أن يمسّه
________________________
١- المائدة:٦٧.
شرّهم، وعجزهم عن الاعتراض عليه، فبلَّغ(صلى الله عليه وآله) وتمّ بذلك دين الله تعالى ونعمته رغم أنوف وإرادة الحزب القريشي المعارض.
ويتّضح هذا جليّاً من بعض الأحاديث التي حكت وحاكت هذه الوصية لعليّ(عليه السلام).
فعن عائشة أنّها قالت: "من حدّثك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كتم شيئاً من الوحي فلا تصدّقه وأنّ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}" (١) .
وكذلك ما قاله الأسود بن يزيد: "ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً كان وصياً قالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت: حجري فدعى بطست فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنّه مات فمتى أوصى إليه" (٢) .
وروى البخاري ومسلم عن طلحة بن مصرف أنّه سأل عبد الله بن أبي أوفى: هل كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) أوصى؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس (المسلمين) الوصية أو (فَلِمَ) أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله! (٣) .
وحديث ابن عباس أيضاً يلمح للوصية هذه، ولكن الإنكار والنسيان المدّعى هو الفيصل عند نقل هذه الأمور! فقد روى البخاري عنه أنّه قال: "يوم الخميس وما يوم الخميس, ثمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتدّ برسول الله(صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس، فقال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً)، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع, فقالوا: هجر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال: (دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت
________________________
١- البخاري (٨/٢١٠). المائدة: ٦٧.
٢- البخاري (٣/١٨٦)، ومسلم (٥/٧٥).
٣- البخاري (٣/١٨٦) و(٥/١٤٤) و(٦/١٠٧)، ومسلم (٥/٧٤).
أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال: فنسيتها!!!" (١) .
فمن كلّ هذه الروايات يتبيّن لنا أنّ هنالك أمراً ووصية مشهورة كان يقول بها ويثبتها البعض لعليّ(عليه السلام)، وأنّ هنالك شكوكاً حول موضوع وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّ هنالك أمراً خطيراً غامضاً مخفياً أو مخيفاً، وأسئلة تحتاج إلى جواب!!
بالإضافة إلى أنّ هناك أحاديث أخرى تشير إلى ما قلناه، من أنّ آية التبليغ نازلة بخصوص الوصية لعليّ(عليه السلام) وولايته على المؤمنين، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يعلم بهذا الرفض، وأنّهم قد يرتدون وقد يصدر عنهم ما يقتضي حذره وتقيته منهم ومداراته لهم وتدرجه معهم! فقد ذكروا بعض الأحاديث التي تشير إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) خشي من الناس في تبليغ هذا الأمر.
فقد روي عن مجاهد أنّه قال: لمّا نزلت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}، قال: يا ربّ كيف أصنع؟ إنّما أنا وحدي يجتمع علي الناس، فأنزل الله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (٢)(٣) .
وروي عن الحسن في هذه الآية أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: (إنّ الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ الناس مكذّبي، فوعدني لأبلغن أو يعذّبني فأنزلت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ...} (٤) .
________________________
١- البخاري (٤/٣١)و (٥/١٣٧)، ومسلم (٥/٧٥)، وعند أحمد في المسند (١/٢٢٢): فقالوا: ما شأنه أهجر؟ قال سفيان: يعني هذى استفهموه فذهبوا يعيدون عليه فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه وأمر بثلاث، وقال سفيان مرّة: أوصى بثلاث قال: وسكت سعيد عن الثالثة فلا أدري أسكتَ عنها عمداً وقال: مرّة أو نسيها؟ وقال سفيان مرّة: أمّا أن يكون تركها أو نسيها..
٢- المائدة: ٦٧.
٣- تفسير ابن كثير (٢/٨٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/١١٧٣)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/٣٠١)، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي (ص٩٤).
٤- عمدة القاري للعيني (١٨/٢٠٦) قال: وذكر الثعلبي عن الحسن: قال سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله): لما بعثني الله(عزوجل) برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ من الناس من يكذبني وكان يهاب قريشاً واليهود والنصارى فنزلت، والثعلبي في تفسيره (٤/٩١) والواحدي في أسباب نزوله (١٣٥) وأبو حيان في بحره المحيط (٣/٥٣٨) والسيوطي في دره المنثور (٢/٢٩٨) ولباب النقول (٩٤) والشوكاني في فتح القدير (٢/٦٠).
بل نقل العيني في عمدة القاري ما ينص على ما قلناه تماماً عن إمامنا أبي جعفر محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين(عليه السلام) قال: (بلّغ ما أنزل إليك من فضل عليّ ابن أبي طالب فلمّا نزلت هذه الآية أخذ بيد عليّ وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه) (١) .
وكذلك قال الشوكاني (الوهابي) في تفسيره: "وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} قال: (يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع عليّ الناس)، فنزلت: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إنّ الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ الناس مكذّبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذّبني فأنزلت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} يعنى إن كتمت آية ممّا أنزل إليك لم تبلّغ رسالته.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال:
________________________
١- تفسير الرازي (١٢/٤٩-٥٠) وقال فيه:
التاسع: كان يهاب قريشاً واليهود والنصارى، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية.
العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال:" من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه" فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.
نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم في عليّ بن أبي طالب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله): {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (إنّ عليّاً مولى المؤمنين) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}..." (١) .
وكذلك أخرج السيوطي في الدر المنثور حديثين في سبب نزول هذه الآية:
أحدهما: عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: "نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم في عليّ بن أبي طالب".
والثاني: عن ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (أنّ عليّاً مولى المؤمنين) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}" (٢) !!
كلّ هذا يدلّ على أنّ الآية نازلة في تبليغ أمر مهم ومكمّل للدين ومن أصوله وأركانه وليس الكلام عن الدين كلّه، خصوصاً وأنّ هذه الآية نازلة في أواخر حياة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) وبعثته بالإجماع، وقبل (ثمانين) يوماً فقط من وفاته(صلى الله عليه وآله)، فلا معنى للقول بأنّها تأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) أن لا يخاف الكفّار والمشركين وقريش واليهود والنصارى في دعوته وأن يدعوهم إلى الدين ولا يترك ذلك ؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت دك كلّ حصونهم ومعاقلهم فلم يخف منهم أبداً، وقد أذعنوا له بعد فتح مكة وخيبر ووفد نصارى نجران وعام الوفود الذي سبق
________________________
١- فيض القدير للشوكاني (٢/٦٠).
٢- الدر المنثور للسيوطي (٣/١١٦).
حجّة الوداع، فلا يمكن أن ينهاه الله تعالى عن الخوف من تبليغهم الرسالة بعد أن قام بذلك على أتم وجه وأفضل قيام ونجح نجاحاً باهراً وحقق النصر المبين.
خصوصاً لو نظرنا وتأمّلنا في ذيل الآية وهو قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (١) الذي يؤيّد ما ذهبنا إليه بوضوح مع عدم توافقه مع تفسيرهم للآية بل هو نقيضه، خصوصاً وحصول كلّ هذا في آخر أيام حياة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) وبعثته، وبعد دعوة دامت ثلاث وعشرين سنة؛ إذ كيف يتوافق صدر الآية الذي يطمئن النبيّ(صلى الله عليه وآله) ويحفزه على التبليغ وعصمة الله له ممّن يهدده، وتنتهي الآية بأنّ هؤلاء الكافرين سوف يبقون في غيّهم ولن ينتفعوا بتبليغك ولن يهتدوا، مع حصول عكس ذلك تماماً خلال فترة الرسالة؟! فلماذا هذا التهديد وهذا الأمر بالتبليغ. إذن وما معناه وما الفائدة منه؟ وذيل الآية ــ على تفسيرهم ــ يناقض الصدر تماماً! فيكون هذا نفياً للغرض، فلا يبقى لهم مآل إلاّ الرجوع عن تفسيرهم للآية ككل ورجوعهم إلى ما ذكرناه؛ من كون الكلام عن المتظاهرين بالإسلام، وهم بعض قريش الذين لا يرغبون ولا يقبلون بولاية عليّ(عليه السلام) عليهم، فبعد رفضهم لها في حجّة الوداع واعتراضهم على تبليغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لهذه الولاية أنزل الله تعالى على رسوله الكريم هذه الآية يأمره فيها بعدم الاكتراث بهم وعدم خوفه، فالله تعالى تعهّد بعصمته منهم وصرفهم عنه هذه المرة (في غدير خم) لتبليغ وإقامة الحجّة شاءت قريش أم أبت!!
فما فعلوه برسول الله(صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع لم يستطيعوا تكراره هذه المرّة يوم الغدير لإرادة الله ذلك وتأييده لنبيّه ولدينه، فتمّ التبليغ لهذا الأمر من خلال هذه المعجزة وهذا التأييد، وظهر للمرّة الأولى والأخيرة بهذا الشكل الواضح والصريح
________________________
١- البقرة: ٢٦٤.
دون تشويش ولا اعتراض، ورضخ الجميع لذلك شاؤا أم أبوا دون أن يستطيعوا التكلّم ببنت شفة، فتمّ التبليغ على أحسن صورة وأتمّ وجه، بل بايعت قريش كلّها عليّاً(عليه السلام) وهنّئوه بإمرة المؤمنين والولاية عليهم (١) ، وهذا غاية ما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتوقّع حصوله، ولذلك كان عيداً وفرحة وشكراً لله تعالى، فأمرهم(صلى الله عليه وآله) بصيامه وجعل فضله أعظم وأجزل جزاءً وثواباً على عمل أو صوم (٢) ، لكون إرادة الله تعالى وقدرته قد تدخلت هنا بكلّ قوّة ففاقت كلّ قدرة وإرادة ومكر وكيد مهما حاول أهل الباطل التكالب، ومهما تعاضد المكابر المعاند، ومهما مكر وكاد فالله
________________________
١- ذكرأحمد في مسنده (٤/٢٨١): حدّثنا عبد الله حدّثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة وكسح لرسول الله(صلى الله عليه وآله) تحت شجرتين فصلّى الظهر وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، قال فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً (٧/٥٠٣)، ونقلها بلا تمريض علاّمة الوهابية المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (١٠/١٤٨) فقال: وقول عمر لعلي أصبحتَ مولى كلّ مؤمن أي: ولي كلّ مؤمن.
٢- ورد في الحديث: (من صام يوم الثامن عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهراً) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء (٢/٢٥٨) والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٨/٢٨٤) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/٢٣٣) وابن كثير في البداية والنهاية (٥/٢٣٣) و(٧/٣٨٦) وابن مردويه في مناقب علي (٢٣١) وغيرهم؛ ولكن لم يفهموا هذا الحديث فقاموا بإنكاره وردّه لمخالفته ونسفه لعقيدتهم، فقالوا في ردّه وإنكاره: إنّ صيام شهر رمضان كلّه، يعدل صيام عشرة أشهر فقط فكيف يكون صوم يوم واحد يعدل صيام ستين شهراً؟!!، وقال ببطلانه وغرابته ابن كثير والذهبي بادّعائهما نكارته، ولكنهما نظرا إلى متن الحديث لا إلى سنده، وهذه ليست طريقة المحدثين أبداً، وإنّما هي طريقة أهل البدع والهوى فتأمّل، وأذكر هنا كلام الشيخ الألباني حين قام بتصحيح حديث (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون) قال: هذا الحديث قد يستفيد منه المبتدعة ولكنني لا أستطيع تضعيفه لأجل ذلك، ولذلك فنحن نسلم بصحّته ونكل تفسيره إلى الله فإنّ الحقّ أحق أن يتّبع (الصحيحة).
تعالى خير الماكرين ويجعلهم هم المكيدون.
ويشهد لاشتهار وأهمية وعظمة هذا اليوم، تفطن اليهود أيضاً له وللآية التي نزلت فيه، حيث سألوا ابن الخطّاب عنه؟ فتحايل لذلك بحيلة مفضوحة في جوابهم، وحرف ذلك اليوم لإخفائه، وادّعى بأنّه كان في عرفة وهو يوم عيد! مع عدم قول أيّ مسلم بأنّ عرفة يوم عيد، ولكنه فعل ذلك لغاية في نفسه قضاها ومآرب أراد نيلها!
ويشهد لما قلناه ما قاله الإمام الغزالي في كتابه سرّ العالمين مبيّناً وواصفاً حال عمر وحزبه القرشي وما عملوه وما صدر عنهم في هذا الشأن وما فعلوه تماماً كما وصفناه؛ كما في سير أعلام النبلاء للذهبي:
لأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب (رياض الإفهام) في مناقب أهل البيت(عليهم السلام) قال: ذكر أبو حامد في كتابه (سرّ العالمين وكشف ما في الدارين) فقال في حديث: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) أنّ عمر قال لعليّ: بخ بخ، أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضى، ثمّ بعد هذا غلب عليه الهوى حبّاً للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون، وسرد كثيراً من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الامامية، وما أدري ما عذره في هذا؟ والظاهر أنّه رجع عنه، وتبع الحق، فإنّ الرجل من بحور العلم، والله أعلم (١) .
فللّه الحمد من قبل ومن بعد على إكمال الدين، وله الشكر والمنّة على تمام النعمة، وله الفضل والثناء كلّه على رضاه لنا الإسلام ديناً، ولذلك ختمها تعالى
________________________
١- سير أعلام النبلاء (١٩/٣٢٨).
بإنزال آية عظيمة تتكلّم في هذا الشأن وتبيّن أهمية هذا الأمر ووصفه وتوضيحه ومبلغ أهميته وكونه ركناً من أركان الدين ومكمّلاً أساسياً له ومتمماً للإسلام الحقيقي، فقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} (١) !! فها هو الإمام الغزالي يعترف بما جرى فيتّضح أنّ الحجّة قائمة واضحة لائحة في الأفق لكلّ من أراد أن يرى ذلك كما وعد الله تعالى بذلك وقال: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} (٢) .
فما اضطروه وأكرهوه(صلى الله عليه وآله) عليه قبل أيام في حجّة الوداع من إخفات صوته وإخفاء كلامه بسبب لغطهم ورفع أصواتهم وتكبيرهم في أثناء كلامه وتبليغه(صلى الله عليه وآله)؛ لم يحصل هنا في غدير خم لتكفّل الله تعالى بإتمامه لرسوله(صلى الله عليه وآله) هنا وعصمته المؤقتة منهم حتّى إتمامه تبليغ هذا الأمر، بعد أن أراد توضيحه لهم وبيان صفة خلفائه ومن أي عشيرة هم، والنص عليهم وتشخيصهم وتنصيبهم على الأمّة بوضوح وعلى مرأى ومسمع من كلّ المسلمين في حجّة الوداع، ليأمنوا وتأمن بذلك جميع الأمّة من الرزايا والاختلاف والقتال والكفر والضلال والتكفير والطمع وتنصيب غير اللائقين بهذا المقام، وتضييعهم لأنفسهم ودينهم بعد رحيله(صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى، وإبعاداً لأمّته عن الفتنة والطمع بأشياء لم يجعل الله
________________________
١- المائدة: ٣، وقد روى في نزولها يوم الغدير كلّ من ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٤٢/٢٣٣) وابن كثير والخطيب البغدادي وغيرهم كابن مردويه في مناقب علي، عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة أيضاً قال: لما نصب رسول الله(صلى الله عليه وآله) علياً(عليه السلام) بغدير خم فنادى له بالولاية هبط جبريل(عليه السلام) بهذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً}، راجع ما خرّجناه آنفاً في حديث صوم يوم الغدير عن أبي هريرة فهو نفس هذا الحديث، وسند حديث أبي هريرة قوي وجيد، وقد وثّق فحول علماء الرجال رجال سنده فلا يمكن ردّه أو تكذيبه.
٢- الأنعام: ١٤٩.
تعالى لهم نصيباً فيها ولا كفلاً منها؛ ولكن ومع كلّ ذلك: هيهات هيهات وقد سبق القضاء بنقض الميثاق!
وبالتالي فإنّ يوم الغدير المبارك حصلت فيه معجزة من معاجز النبوّة وتأييد إلهي للنبيّ(صلى الله عليه وآله) وللإسلام وللمسلمين أيضاً، فبعد أداء المسلمين لهذه الشعيرة العظيمة والتي تعتبر من أهم العبادات وأعظمها تواضعاً وتسليماً وانقياداً لله تعالى وأوامره ــ حيث يعتبر هذا الجو مناسباً، بل هو أفضل ما يمكن توفّره لتقبّل مثل هذا الأمر الصعب القبول على النفوس ــ وبمصاحبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) يداً بيد وبعد حثّ الله تعالى لرسوله(صلى الله عليه وآله) وحبيبه ووعده ووعيده وتأمينه وتسكين قلقه من اعتراض قريش وتكفّل حمايته وعصمته منهم، قام رسول الله(صلى الله عليه وآله) عند غدير خم في الجحفة في طريق العودة من حجّة الوداع، وبعد التي واللتيا صدع(صلى الله عليه وآله) فيهم بأمر ربّه قائلاً: (ألا أيّها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وإنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي؛ أحدهما أعظم من الآخر الثقلين ــ وقال عنه الهيثمي وإسناده جيد: (خليفتين، أمرين) وفي رواية الحاكم: إن اتبعتموهما، وفي رواية أخرى عند الألباني عن الترمذي والطبراني وكذا عند أحمد: ما إن أخذتم به ــ كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (١) ، وفي رواية أخرى قال: ثمّ قال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ألست أولى بكم من أنفسكم)؟ قالوا: بلى، قال: (فمن كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه) (٢) .
________________________
١- أخرجه مسلم بتفصيل والحاكم في مستدركه (٣/١١٠)، والترمذي وأحمد والطبراني وابن أبي عاصم والدارقطني والديلمي، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله والطحاوي، وصحح بعض طرقه الحاكم ووافقه على أكثرها الذهبي، وحسّنه الترمذي وصححه الألباني اُنظر السلسلة الصحيحة له: (ح١٧٦١) والهيثمي وغيرهم كثير.
٢- مسند أحمد (١/١١٩) و(٤/٢٨١)، وابن ماجة (١/٤٣)، والحاكم في مستدركه (٣/١١٠) وصحح أحد أسانيده على شرط الشيخين، والآخر على شرط مسلم.
بعد يوم التنصيب في الغدير وبعد أن تم التبليغ على أتم وجه وأكمله لم تتوفّق قريش واقعاً للتسليم بأمر الله تعالى بعد هذه المعجزة الإلهية وإقامة الحجّة الواضحة البالغة ؛ لأنّها بقيت مصرّة على التحدّي والعناد وعدم القبول والرضوخ للأمر الواقع بعد عقدهم الإمامة لعليّ(عليه السلام) بأنفسهم ومبايعتهم له تحت أنظار وشهادة المسلمين كافّة وبإشراف رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فجعل الله تعالى الأمر بعد يوم الغدير كما هو الحال قبله وفق الأسباب والمسببات الطبيعية والاختيار وصراع الإرادات دون التدخّل الإلهي، كالذي حصل يوم الغدير أو المعجزات أو الصرفة (١) ، فأوكلهم كالعادة إلى أنفسهم ؛ لأنّ الحجّة قد تمّت عليهم: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (٢) ، ولذلك فعلوا بعد ذلك نفس ما فعلوه في حجّة الوداع عند خطبته(صلى الله عليه وآله) هناك، فقاموا بعد شهرين فقط من قبولهم لولاية عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام) برزية يوم الخميس، وتخلّفوا عن جيش أسامة، ورتَّّبوا صلاة أبي بكر بالناس، وادَّعوا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمرهم بتقديمه للصلاة خلافاً لكلّ القرائن والشواهد والدعاوى، وأنّ الناس ليسوا بحاجة إلى عليّ(عليه السلام)، وأنّ هؤلاء أهم منه وأليق بالنيابة والخلافة، ولكن هيهات هيهات أن يتمّ لهم ذلك دون أن يفتضحوا، ودون أن تتم حجّة الله البالغة بخطل ما ارتكبوا وضلال ما عملوا وعدم رضا الله ورسوله بكلّ ما فعلوا.
________________________
١- الصرفة: هي عبارة عن منع الله تعالى لأناس من فعل شيء ما بتدخّل إلهي إعجازي وصرفهم بقدرته عن فعله، مثل صرف الله تعالى قريشاً بأن يأتون بمثل هذا القرآن على قول، وكذلك صرف قريش عن قتل النبي(صلى الله عليه وآله)، ومثل ذلك صرف قريش عن منع النبيّ(صلى الله عليه وآله) من تبليغ ما أمره الله تعالى بتبليغه من ولاية أمير المؤمنين يوم الغدير.
٢- الكهف: ٢٩.
فحاول(صلى الله عليه وآله) بعد ذلك محاولة أخرى لإتمام هذا الأمر بعد أن يئس من تسليمهم بولاية عليّ(عليه السلام) عليهم من بعده وكتابة ذلك في محضرهم، فقام(صلى الله عليه وآله) بإخراجهم وإبعادهم عن المدينة لغزو الروم لعلمه بقرب أجله، فأرسلهم إلى مؤتة وأمّر أسامة بن زيد على شيوخ قريش ــ وهو الفتى والمولى الأسود الذي كان يناهز الثامنة عشر من عمره ــ صارخاً في وجوههم، آمراً بإسراعهم وإنفاذهم، منكراً عليهم تأخّرهم وتخلّف بعضهم، مرغماً بذلك أنوفهم، كاسراً لكبريائهم، مبيّناً لهم واقعهم وحقيقة مكانتهم بعد أن أمّر عليهم عمرو بن العاص قبل ذلك، مهيّئاً الظرف، وممهّداً للضربة القاصمة للظهر الفاضحة للمتكبّر المعاند الجبّار؛ ليتمّ أمر الله ويستتب وفقاً لإرادته التشريعية (وتعالى سبحانه) دون احتكاك أو اعتراض أو تعكير أو تدخّل أو امتعاض أو مواجهة أو رمي للنبيّ(صلى الله عليه وآله) بهجر أو هذيان، فيتحقق حينئذ أمر الله تعالى على أرض الواقع، فيؤدّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذلك ما يراه حقّاً للأمّة وواجباً عليه من إرشادهم وهدايتهم على أتم وجه ممكن، لحرصه الشديد(صلى الله عليه وآله) على أمّته المسكينة خوفاً عليها من الضياع والضلال من بعده، ووقوعها فريسة سهلة للذئاب التي تحيط بها، محذّراً العامّة من اتّباع سادتهم وكبرائهم كما حذّرهم تعالى من فعل ذلك بقوله عزّ من قائل: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} (١) ، ولطالما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يحذّرهم وينذرهم من وقوعهم في ذلك كما في الأمم السابقة بمثل قوله(صلى الله عليه وآله) لهم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتّى إذا دخلوا جحر ضب تبعتموهم! قالوا: اليهود والنصارى؟ قال(صلى الله عليه وآله): فمن؟!) (٢) .
وتحذيره(صلى الله عليه وآله) لأمّته من الأئمة المضلّين وخوفه عليهم منهم أكثر من الدجال
________________________
١- الأحزاب: ٦٧ ــ ٦٨.
٢- صحيح البخاري (٨/١٥١).
حيث قال(صلى الله عليه وآله): (غير الدجال أخوف على أمّتي من الدجال؛ الأئمة المضلّين) (١) .
ولكنهم اعترضوا وكابروا وطعنوا في أمير رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي ولاه عليهم بنفسه، وعرفوا القصد من وراء هذا البعث وهذه الإمرة، فطعنوا في أسامة كما طعنوا في أبيه من قبل على عادتهم، واستنكفوا واستكبروا من الانقياد لموالي وعبيد ــ ولو كانوا موالي رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو من السابقين الأولين أو منصبين من قبل من لا ينطق عن الهوى ــ وهم يرون أنفسهم سادة لهم لكونهم من قريش! فحصل ما حصل، وفعلوا فعلتهم تلك، وطعنوا فيه، ليصارعوا هذا النهج النبوي الذي لا يروق لهم أبداً، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيهم خطيباً مغضباً مريضاً معصوب الرأس وهو في مرض موته في آخر أيامه معهم في هذه الدنيا فقال: (إن تطعنوا في إمارته فقد
________________________
١- مسند أحمد (٥/١٤٥) وذكره النووي في شرحه لمسلم وقال: معناه أنّ الأشياء التي أخافها على أمّتي أحقّها بأن تُخاف الأئمة المضلّون. وأخرج الحديث أيضاً الهيثمي في مجمع زوائده (٥/٢٣٩) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، ورواه عن علي(عليه السلام) أيضاً وقال عنه: رواه أبو يعلى وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف وقد وُثق ورواه عن عمر حيث قال لكعب: إنّي سائلك عن أمر فلا تكتمني، قال: والله ما أكتمك شيئاً أعلمه، قال: ما أخوف ما تخاف على أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله)؟ قال: أئمة مضلّين، قال عمر: صدقتَ، فقال: أسرَّ إليَّ وأعلمنيه رسول الله(صلى الله عليه وآله). قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات. ثمّ قال الهيثمي: وعن ثوبان قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّما أخاف على أمّتي الأئمة المضلّين. قال: رواه أحمد ورجاله ثقات. وعن أبي الدرداء رواه أيضاً عن أحمد والطبراني وعن شداد بن أوس، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وعن أبي أمامة أيضاً.
وأخرجه الألباني عن السيوطي في صحيح الجامع الصغير(ح٤١٦٥) وقال: صحيح. وكذلك ذكره في سلسلته الصحيحة (ح١٥٨٢ ــ ح ١٩٨٩). وقال الألباني عن طريق ثوبان: أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: (إنّما أخاف على أمّتي الأئمة المضلّين). أخرجه أبو داود (٢/٢٠٣) والدارمي (١/٧٠) و(٢/٣١١) والترمذي (٣/ ٢٣١) وأحمد (٥/١٧٨) وقال الترمذي: حديث صحيح. قلت (الألباني): وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الحاكم (٤/٤٤٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقاً للإمرة... ــ وفي مسلم ــ وإنَّ هذا لخليق) (١) ، وأمرهم بإنفاذ الجيش بأسرع وقت ودون تأخير، وحذّرهم من التمهّل والتباطئ، فقال(صلى الله عليه وآله) لهم بعدما اشتدّ به المرض وارتقى المنبر وكرر قوله وأمره: (أنفذوا جيش أسامة أنفذوا جيش أسامة) (٢) ، ولكن دون جدوى!!
وحاول رسول الله(صلى الله عليه وآله) في آخر خميس له في هذه الدنيا ــ في محاولة أخيرة ولإقامة الحجّة طبعاًـ إقناعهم بضرورة هذا الأمر وأهميته، وترغيبهم بتنفيذه، وترهيبهم من تركه ونبذه، فأراد تأكيده بكتابته وتوثيقه بمسمع منهم ومرأى؛ فقال لهم(صلى الله عليه وآله): (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً) (٣) ، فتنبّه القوم أيضاً لمراد النبيّ(صلى الله عليه وآله) من طلبه كتابة هذا الكتاب بتنصيب عليّ(عليه السلام) للخلافة كتابةً هذه المرّة في كتاب ــ هم من كان يجب أن يقدّموه بأيديهم وبكامل إرادتهم واختيارهم ورضاهم فيشهدوا على محتواه ــ ليلزمهم تنفيذه دون اجتهاد في مقابله؛ فلا يمكنهم بعد ذلك إنكاره أو رفضه أو التمرّد والاعتراض عليه أو الطعن فيه أو تغييره إن قُدِّر لهذا الكتاب أن يكتب؛ فاعترضوا عليه واختلفوا وتنازعوا معه وتجرؤوا عليه ورموه بالهجر، وأصرّوا على عدم كتابته وردِّ أمره(صلى الله عليه وآله) مع تأكيده عليه وإظهاره لأهميته بقوله: (لن تضلوا بعده أبداً) مع القرينة الحالية التي تدلّ على أهمية ذلك بكونه على فراش الموت ويريد كتابة وصيته وبوادر توديعه لهذه الدنيا في الأفق لائحة ومقدّمات مغادرته إلى الرفيق الأعلى واضحة!
________________________
١- البخاري ومسلم، وخليق، بمعنى: أهل.
٢- الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/٢٤٩) و(٤/٦٨) وتاريخ دمشق لابن عساكر (٢/٤٧و٥١و٥٦) و(٨/٦٢) وسيرة ابن هشام (٤/١٠٦٤) وإمتاع الأسماع للمقريزي (٢/١٢٥و١٣٢) و(١٤/٥١٧و٥٢٠و٥٣٢) بألفاظ متقاربة ومنها (أنفذوا بعث أسامة).
٣- البخاري (٤/٣١) و(٥/١٣٧) و(٧/٩) و(٨/١٦١) ومسلم (٥/٧٦).
وكذلك قوله(صلى الله عليه وآله) لهم بصراحة وبالإخبار المباشر عن خطورة ما هم مقدمون عليه، وما سينتقض من بعده من عرى الإسلام وأصوله: (لَتَنقُضُنَّ عرى الإسلام عروة عروة كلّما انتقضت عروة تمسّك الناس بالتي تليها أوّلها نقضاً الحكم وآخرها الصلاة) (١) ، الذي أخرجه ابن حبان في باب: ذكر الأخبار بأنّ أوّل ما يظهر من نقض عرى الإسلام من جهة الأمراء فساد الحكم والحكّام. وكذا في قوله(صلى الله عليه وآله) لهم: (إنّي والله لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) (٢) .
وهكذا أدّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما عليه وزيادة، ولكن قد سبق القضاء والسنّة الإلهية الكونية بأنّ المسلمين سوف لا يجتمعون على تنفيذ أمر الله تعالى وطاعته في هذا الأصل العظيم والمهم كما هو الحال في سائر التشريعات الإلهية: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (٣) ، وأنّهم سوف لن يطيعوا كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله) في هذا الأمر العظيم؛ كما نص عليه (صلى الله عليه وآله) بكلّ صراحة ووضوح، حيث نُقل عنه أنّه قال: (إن تؤمّروا عليّاً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً يأخذ بكم الطريق المستقيم) (٤) ، فحصل نتيجة فعلهم ذلك كلّ الذي حصل،
________________________
١- رواه ابن حبان في صحيحه (١٥/١١١) والحاكم في مستدركه (٤/٩٢) والهيثمي في مجمع زوائده (٧/٢٨١) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٠٧٥).
٢- أخرجه البخاري (٢/٩٤) و(٤/١٧٦) و(٥/٤٠) و(٧/١٧٣و٢٠٩) ومسلم (٧/٦٨).
٣- هود: ١١٨ ــ ١١٩.
٤- أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/١٧٦) عن أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وقال عن الأخير ورجال البزار ثقات، وعن البزار أيضاً بلفظ (قالوا يا رسول الله ألا تستخلف علينا؟ قال: إنّي إنْ استخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب قالوا... ألا نستخلف علياً؟ قال: إن تستخلفوه ولن تفعلوا يسلك بكم الطريق المستقيم وتجدوه هادياً مهدياً) وأخرجه الحاكم في مستدركه (٣/٧٠) وصححه بلفظ: (... قالوا لو استخلفت علينا علياً؟ قال: إنّكم لا تفعلوا وإن تفعلوا تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق المستقيم) وبلفظ (وإن تولّوا علياً تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق) وأخرجه الحاكم أيضاً في (٣/١٤٢) بلفظ (وإن ولّيتموها علياً فهادٍ مهتدٍ يقيمكم على صراط مستقيم) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وتسبب بنو آدم كعادتهم بوقوع الظلم والاختلاف والابتعاد عن الدين الحقّ والخروج عليه والرِدّة عنه، كما حصل ذلك بعد جميع أنبياء الله ورسله(عليهم السلام) دون استثناء هذه الأمّة طبعاً؛ من الوقوع في الفتنة والاختلاف بعد إنزال التشريعات وإرسال الأنبياء والرسل(عليهم السلام)، كما أكّد تعالى ذلك بقوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحقّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (١) ، وقوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (٢) .
________________________
١- البقرة: ٢١٣.
٢- الأحزاب: ٦٢.
الانتقال إلى المواجهة العلنية
لمّا أحسّ الحزب القريشي المعارض لولاية أهل البيت(عليهم السلام) على الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأنَّ إسلوبهم الهاديء والتصدّي غير المعلن للنبيّ(صلى الله عليه وآله) أصبح غير نافع لهم، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بدأ بالتوضيح وإلقاء الحجج أكثر فأكثر مع تكثيف جهوده في التبليغ بالتصريح دون التلويح، قرروا تغيير طريقتهم بتصعيد التصدّي للنبيّ(صلى الله عليه وآله) بصورة مباشرة واضحة قويّة وقحة ليحولوا دون إصرار النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الكتابة، مع ضعفه ومرضه(صلى الله عليه وآله) وظرفه المحرج وإصراره على قبولهم ورضاهم وتسليمهم، فاتّهموا رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينئذ بالهجر والهذيان، فهددوا بذلك أيما تهديد، واستعملوا أقوى ما لديهم من سلاح خبيث، فقالوا كلمتهم الآثمة تلك، في إشارة بل رسالة واضحة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّه إن كتب هذا الكتاب فإنّهم سيقومون بالطعن فيه، وفي رسالته وبعثته ونبوّته فضلاً عن إمامة عليّ(عليه السلام) وعترته، فيحصل بذلك الفساد والردة ويعود الكفر وأيام الجاهلية من أوسع أبوابها، فارتأى النبيّ(صلى الله عليه وآله) السكوت حينئذ وترك الكتابة، واكتفى بتبليغه السابق لهم، وبطردهم وإظهار غضبه عليهم، كما نصَّ على ذلك ابن عباس فيما يرويه البخاري، فحصل ما حصل من رزية ومصيبة، وتسلّط بطانة الشر والسوء عل الأمّة دون حصوله(صلى الله عليه وآله) على تسليمهم لأمره ورضاهم بحكم الله وحكمه بتنصيبهم وقبولهم خلافة وإمامة من هو الأفضل ــ كما يعلمون وكما هو واضح للجميع ــ لحمل راية الدين وصلاح هذه الأمّة وإتمام
مسيرتها المباركة!
لكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قام بعد فعلتهم الشنيعة تلك، بمحاولة أخرى قبل يومين أو ثلاثة من وفاته(صلى الله عليه وآله)، حين أراد إخراجهم من المدينة للغزو تأكيداً وتذكيراً وتجديداً لأمره السابق لهم بالخروج لغزو الروم في بداية مرضه قبل أسبوعين تقريباً، وذلك لإتمام أمر خليفته على أمّته من بعده بعيداً عنهم وعن اعتراضهم عليه واختلافهم معه، بعد أن رأى ما رأى من مواجهتهم له وكلامهم فيه وطعنهم في كلّ شيء وهدمهم لكلّ ما بناه وشيّده فيهم لسنوات!!
وبذلك قام النبيّ(صلى الله عليه وآله) ــ بعد أن استنفذجميع خياراته ــ بخيار أخير حرصاً عليهم وعلى الأمّة ــ ليقطع الحجّة والتذرّع بعد ذلك ــ بعد رفضهم الأمر وتمرّدهم واعتراضهم عليه حتّى وصل الأمر بهم إلى تهديده(صلى الله عليه وآله) بالمساس والطعن بشخصه الشريف(صلى الله عليه وآله) وعصمته ونبوّته ورسالته كلّها إن كتب تلك الوصية الخطيرة التي يريد النص فيها على الأمر من بعده كما هو واضح؛ حينما عصوا أمره ولم يقدّموا له الكتاب الذي طلب منهم تقديمه بأنفسهم وأيديهم وبرضاً وطيب نفس وتسليماً، فكذلك لم يأتمروا بأمره لهم وطلبه الأخير منهم فلم ينفذوا جيش أسامة طيلة تلك الأيام، بحجّة خوفهم من وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في مرضه هذا وهم بعيدون عن المدينة!! (١) مع أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو الذي استنفرهم وبعثهم بنفسه وهو على تلك الحالة من شدّة المرض حينما خرج لهم ــ أرواح العالمين له الفداء ــ وهو معصوب الرأس من شدّة وجعه، ومع علمه بقرب أجله، وصعد المنبر وهو على تلك الحالة وأنكر عليهم عدم خروجهم وعدم انصياعهم لأوامره وعدم رضاهم بتنصيب أسامة عليهم وتأخّرهم وتململهم في خروجهم وتلكّؤهم في مغادرة المدينة
________________________
١- وهذا أيضاً دليل على أنّهم يعلمون جيّداً بما يريد(صلى الله عليه وآله) تحصيله بإبعادهم.
المنورة.
فحصل ما حصل! وحققوا ما طمحوا وسعوا إلى حصوله وما بذلوا لتحقيقه حتّى مع وضوح بغض الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) ذلك!!
نجحوا فجنحوا وهلكوا فأهلكوا!
نعم، لقد نجحوا بأفعالهم تلك في منع وقوع ما كانوا يكرهون وقوعه من كتابة النص على الإمام عليّ(عليه السلام) والوصية له وإبعاد الأمر عنهم وحرمانهم من القيادة والرئاسة والى الأبد، فوقع لهم ما أرادوا بعد كلّ الجهود الاستثنائية التي بذلها رسول الله(صلى الله عليه وآله) لتبليغهم دين الله تعالى!
نعم، نجحوا في جعل بيان الأمر بذلك المستوى، حيث يتمكّنون من إنكاره أو تأويله أو الالتفاف عليه دون أن يستطيع أحد تكفيرهم أو شنّ الحرب عليهم؛ ولكن لم يكن ذلك لذكائهم ولا لصحّة فعلهم أو إقرار النبيّ(صلى الله عليه وآله) لهم، بل لجرأتهم على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعنادهم لأحكام دين الله التي لا تروق لهم، خصوصاً وأنّ هذا الأمر يشترط في نفوذه في الناس وتطبيقه على الأمّة جمعاء وتحصيل جميع مصلحته وفائدته وجني تمام ثماره؛ قبوله من الناس وقناعتهم به وبعصمته، والبيعة له والرضا عنه والانقياد للإمام والقائد، والتسليم لأوامره دون شك أو ارتياب فيما يقول ويفعل ويسن؛ لتتمّ المصلحة كاملة من علل تشريعه، فيؤمن من الضلال والاختلاف حينها، لحصولها باختيارهم حينئذ ودون إكراه، ولذلك قال تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (١) ، أي: لا يمكن أن تتحصل ثمرات الدين والتديّن بالإكراه.
وكذلك أشار رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى هذا الشرط حين أوصى الأمّة بوجوب التزام
________________________
١- البقرة: ٢٥٦.
سنّة خلفائه، والإشارة منه إلى كونها امتداداً لتعاليمه وإكمالاً لسنّته حين أمر أمّته وأوصاها قائلاً: (عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ) (١) .
وكذلك ما ذكرناه آنفاً من إشارته(صلى الله عليه وآله) إلى ذلك الاختيار المطلوب لأحكام الله تعالى دون إجبار وإكراه منه أو من الإمام(عليه السلام) عليها، فأوضح ذلك بقوله(صلى الله عليه وآله): (وإن تؤمّروا ــ أو إن تولّوا ــ أو إن ولّيتموها ــ عليّاً وما أراكم فاعلين) (٢) ، وهذا نظير قوله تعالى بعد تحريم الخمر عدّة مرّات دون انتهاء البعض عنه، وقول البعض في كلّ مرّة: اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً دون ترك للخمر أو ارتداع عَنه! فأنزل الله (عزوجل): {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (٣) إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (٤) ، الذي حمل بين طيّاته العتاب والازدراء والإنكار والتهديد لمن لم يستجب لأمر الله تعالى مباشرة وتمادى في التعاطي مع النهي الإلهي والإرادة الإلهية.
فمثل هكذا أسلوب في الأوامر والنواهي الإلهية لا يعني أنّ الله تعالى يخيّرهم بين الفعل والترك وأنّ لهم أن يفعلوا ولهم أن يتركوا، فعدم الإجبار
________________________
١- أخرجه أحمد (٤/١٢٧) وأبو داود (٢/٣٩٣) والدارمي (١/٤٥) وابن ماجة (١/٦) والترمذي (٤/١٥٠) وصححه ووافقه المنذري، والحاكم (١/٩٦،٩٧) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وصححه الألباني أيضاً كما في الصحيحة (ح٩٣٧).
٢- رواه الحاكم في مستدركه (٣/٧٠) والهيثمي في مجمع زوائده (٥/١٧٦) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات، ورواه الحاكم في مستدركه وصححه على شرط الشيخين بلفظ (وإن ولّيتموها عليّاًً فهاد مهتد يقيمكم على صراط مستقيم) وللمزيد راجع تخريجه السابق.
٣- المائدة: ٩٠.
٤- المائدة: ٩١.
والإكراه لا يبرر مطلقاً لمن لا يمتثل، وإنّما المقصود من ذلك كلّه أنّ الله تعالى يأمرنا بحكمه الواجب والمحتّم علينا فعله، كالصلاة والزكاة وإمامة عليّ(عليه السلام) وعدم القتل وعدم شرب الخمر الخ...، وهو في الوقت نفسه يترك لنا الخيار بفعله وعدمه بعد أمره لنا بالامتثال لا على نحو التخيير في الأمر، وإنّما أثبت لنا الاختيار بين الامتثال بالطاعة وعدمه بالمعصية ؛ لأنّه تعالى لا يحملنا قسراً وجبراً على الطاعة والعبادة والامتثال؛ لئلا يبطل التكليف والاختيار، ومن ثمّ الثواب والعقاب.
وهذه نكتة مهمّة ودقيقة، جارية في جميع التكاليف والأوامر والنواهي الشرعية، والتي ينبغي فهمها جيّداً وأخذها بنظر الاعتبار دائماً، حتّى نستطيع فهم مسألة الإمامة الإلهية والخلافة الربّانية بالنص وغيرها من المسائل، ونقض البعض على الشيعة ــ مغالطةً ــ بعدم تحققها في الخارج وعدم حصولها في الواقع؛ بقولهم لو كان الله يريد ذلك لحصل، وبما أنّ تلك الإمامة لم تتحقق فلا إرادة إلهية ولا إمامة ربّانية!
والجواب الواضح على ذلك: هو أنّ الذي لا يتخلّف عن الوقوع والحصول بسبب الإرادة الإلهية هو التكوينيات وليس التشريعيات، والإمامة والخلافة بالتنصيب الإلهي تكوينية ولكن بحسب الأمر الإلهي للعباد بالتزامها واتّخاذها عقيدة هي تشريعية، فيمكن أن يتمرّد العبد على سيّده فيكون عاصياً لا يطيع أوامره!! فإرادته تعالى وطلبه من خلقه أن يعبدوه شيء وعدم استجابة كلّ الناس شيء آخر؛ فهذه مغالطة مكشوفة!
وبالتالي فإنّ تشريع الأوامر من الله تعالى شيء، وتنفيذ الناس لهذه الأوامر شيء آخر، فينبغي التفريق بين الأمرين وعدم الخلط والتلبيس على الناس بذلك!!
ترك الكتابة
كان رفضهم وتصدّيهم للأمر النبوي في كلّ مرّة (كما حصل ذلك في مثل حجّة الوداع ورزية يوم الخميس وعدم إنفاذ جيش أسامة) سبباً في ترك النبيّ(صلى الله عليه وآله) لكتابة الوصية هذه المرّة (في رزية يوم الخميس) من بابٍ أولى ؛ لأنّهم رموه هنا بالهجر والهذيان! فطعنوا في عصمته ونبوّته هنا صراحة وكذّبوه(صلى الله عليه وآله) بعد ما فعلوه في منعه والتصدّي له حين أراد(صلى الله عليه وآله) تبليغهم هذا الأمر مشافهة في حجّة الوداع، مع حرصه(صلى الله عليه وآله) على توفير البيئة والظرف المناسبين حيث اختار أفضل الأوقات وأنسبها للقبول والتسليم وهو حجّة الوداع!!
فعدم تسليم وقبول قريش لهذا الأمر مهما كلّفهم ذلك أوّلاً، وعلمه(صلى الله عليه وآله) بما سيؤول إليه حالهم، وما يخططون له، وما سيقومون به بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) إن كتب تلك الوصية ثانياً؛ كلّ ذلك جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) يرجح عدم كتابة تلك الوصية المهمّة بعد رفضهم لها وعدم تقديمهم الكتاب الذي طلب منهم تقديمه له(صلى الله عليه وآله)، وتنازعهم واختلافهم ورميه بالهجر والهذيان والعياذ بالله؛ ممّا سيؤدّي إلى طعنهم في شخصه الشريف(صلى الله عليه وآله) وعصمته ونبوّته ووصيته، وزعمهم وادّعائهم أنّه(صلى الله عليه وآله) قد كتب تلك الوصية في مرض موته وهو في حالة هجر وهذيان!! وأنّه غلب عليه مرض الموت كما صرّحوا حينها فأثّر فيه المرض وغيَّره، وأنّه (حاشاه وصلّى عليه الإله) لم يكُن في تمام عقله ووعيه فلم يدرِ ما يقول وما يكتب ــ والعياذ بالله ــ فهذا ما سيحصل
بالتأكيد إن هم عجزوا وفشلوا في منع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من كتابة وصيته التي أراد كتابتها وأصرّ عليها.
ولذلك استمات عمر وحزبه ومن معه في منع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الكتابة، لتسهل المهمّة عليهم مستقبلاً في أخذ ومصادرة الخلافة والاستبداد بها دون عليّ(عليه السلام)، ومخالفة النصوص والإشارات دون عناء الاصطدام بالوصية الصريحة والمكتوبة الناصّة على عليّ(عليه السلام) من قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وبحضورهم وشهادتهم هم أنفسهم ورضاهم كما حاول رسول الله(صلى الله عليه وآله) فعله وتحقيقه؛ فإنّه حينئذ سيؤدّي إلى طعنهم المباشر بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى، فاجتهادهم يكون حينئذ في مقابل النص الواضح المكتوب المشهود من قبلهم والمقدّم فيه القرطاس بأيديهم؛ فيؤدّي ذلك إمّا إلى التقاتل والصدام مع عليّ(عليه السلام) وحزبه المؤمنين الذي سيكون شاملاً ومحتدماً في هذه الحالة عمّا هو الحال عليه لو لم تكتب الوصية؛ لأنّهم حينئذ سيخالفون نصّاً إلهياً بتنصيب النبيّ(صلى الله عليه وآله) واضحاً وصريحاً لا لبس فيه ولا مجال للالتفاف عليه، أو أنّه سيؤدّي إلى الخروج عن الدين بشكل سافر لطعنهم المباشر أو تشكيكهم بشخص النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو نبوّته أو عصمته! نعوذ بالله من الخذلان ومن مسالك الشيطان.
ابن تيمية قد كفانا المؤنة!
وجدت ابن تيمية يعترف بهذا الفهم تماماً، وينصّ على هذه الحقيقة فعلاً، وهو ليس رافضياً بكلّ تأكيد! بل هو شيخ إسلامهم، وأشدّ الناس بغضاً ومحاربة للشيعة! فقد قال ما نصّه: "فلمّا كان يوم الخميس همَّ أن يكتب كتاباً فقال عمر: (ماله أهجر؟) فشك عمر هل هذا القول من هجر الحمى، أو هو ممّا يقول على عادته؟ فخاف عمر أن يكون من هجر الحمى، فكان هذا ممّا خفى على عمر،
كما خفى عليه موت النبيّ(صلى الله عليه وآله) بل أنكره، ثمّ قال بعضهم: هاتوا كتاباً. وقال بعضهم: لا تأتوا بكتاب. فرأى النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّ الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة ؛ لأنّهم يَشُكُّون هل أملاه مع تغيّره بالمرض؟ أم مع سلامته من ذلك؟ فلا يُرفع النزاع، فتركه" (١) ، انتهى كلام ابن تيمية بلفظه.
فتأكّد النبيّ(صلى الله عليه وآله) من عدم جدوى أيّة محاولة منه لإقناعهم بامتثال أمره وردعهم عن تمرّدهم واستكبارهم وغيّهم؛ فردّ عليهم هذه المرّة بطردهم ــ على غير عادته(صلى الله عليه وآله) من عدم قيامه يوماً ما بطرد أحد من بيت النبوّة أبداً مهما فعل ذلك الشخص ومهما أساء ــ فأوضح وأشار بصدور مثل هذا الفعل منه(صلى الله عليه وآله) إلى أنَّ الخطب عظيم، والرزية كبيرة، واعتراضهم عليه هنا ليس خطأً شخصياً ولا بسيطاً، ناهيك عن كونه ممدوحاً وصحيحاً كما يزعم البعض!! فيكون فعله(صلى الله عليه وآله) غضبة واضحة غضبها لله تعالى ولدينه، وحسرة صريحة، بل صرخة مدوِيّة على مصير أمّته وما يحدق بها ممّا تخططهُ قريش لهذه الأمّة المسكينة وتكيد لها من بعده(صلى الله عليه وآله)، فدلّ على ذلك وأكّده أيضاً بقوله(صلى الله عليه وآله) لهم حين ردّوا عليه(صلى الله عليه وآله): "فذهبوا يردّون عليه فقال: (دعوني) ــ وفي رواية: (قوموا عنّي) ــ فإنّ الذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه)" (٢) كما رواه البخاري.
وقد استظهر ورجّح ابن حجر في فتحه إنكار النبيّ(صلى الله عليه وآله) على مانعيه من الكتابة ــ بخلاف ما يزعمه بعض المرقعين ــ عند شرحه لهذا الحديث فقال: "قلت: ويحتمل عكسه، أي: إنّ الذي أشرتُ عليكم به من الكتابة خير ممّا تدعونني إليه من عدمها، بل هذا هو الظاهر" (٣) .
________________________
١- منهاج السنّة لابن تيمية (٦/٣١٥).
٢- صحيح البخاري (٤/٣١) و(٥/١٣٧)، ومسلم في صحيحه أيضاًً (٥/٧٥)، وبلفظ قوموا عنّي: البخاري (١/٣٧) و(٧/٩) و(٨/١٦١).
٣- فتح الباري (٨/١٠٢).
وجود النص:
يشهد لوجود هذا الرفض من قبل الحزب القريشي المعارض وعدم تسليمهم لهذا الأمر وتصدّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) لهم في المقابل؛ ما جاء في الحديث الذي يرويه بريدة وعمران بن حصين اللّذان يحكيان لنا حادثة حصلت بين عليّ(عليه السلام) ومخالفيه والمعترضين عليه من مناوئيه خلال هذه الفترة أيضاً ــ أي: آخر أيام حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ــ وموقف النبيّ(صلى الله عليه وآله) من هذين الفريقين، وفيه ما نصّه: "فقال لهم النبيّ(صلى الله عليه وآله): (ما تريدون من عليّ إنّ عليّاً مّني وأنا من عليّ وهو ولي كلّ مؤمن بعدي)" (١) . فهذا الحديث ــ وغيره ــ يوضّح وقوع الرفض والطعن في الإمام(عليه السلام) وعدم الرغبة فيه والتعاقد والتآمر عليه منذ حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وحتّى وفاته(عليه السلام) (٢) ؛ ولذلك كان(صلى الله عليه وآله) كثيراً ما يؤكّد على حُبّ عليّ(عليه السلام) مبيّناً أنّ بغضه علامة على النفاق وأنّ سبّه بمنزلة سبّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) نفسه وسبّ النبيّ سبّ الله تعالى (٣) ، هذا من جهة.
________________________
١- رواه الترمذي وحسنه (٣٧١٣)، والنسائي في الخصائص (ص١٣و١٧)، وابن حبان (٢٢٠٣)، وأحمد (٤/٤٣٧) و(١/٣٣٠)، والطيالسي (٨٦٨و٢٨٧٥)، والحاكم (٣/١١٠) و(٣/١٣٣) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ومن ثمّ أقرّهم الألباني، وعن الطريق الآخر قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي أيضاً، وأقرّهم الألباني كذلك انظر السلسلة الصحيحة (٢٢٢٣)، وقال ابن حجر عنه أيضاً في الإصابة وإسناده قوي، وفيه تآمر أربعة من الصحابة على علي(عليه السلام) منهم خالد، فراجع الحديث بتمامه.
٢- وهنالك روايات عديدة وبمناسبات شتّى تثبت انحراف الناس عن علي(عليه السلام) وبغضهم له، كحديث بريدة الذي ذكرناه آنفاً، وحديث عائشة في البخاري الذي يبيّن سبب مبايعة علي لأبي بكر والتماس مصالحته حين قالت ما نصّه: "فلمّا ماتت فاطمة استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته..." وغيرها كثير، فراجع ثمة. وكذا حديث وهب بن حمزة حين قال: "خرجت مع علي من المدينة إلى مكة.... فلمّا قدمت لقيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقلت: رأيت من علي كذا وكذا فقال: لا تقل هذا فهو أولى الناس بكم بعدي" قال عنه الهيثمي: رواه الطبراني وفيه دكين ذكره ابن أبي حاتم ولم يضعّفه أحد وبقية رجاله وثّقوا.
٣- روى الحاكم (٣/١٢١)، وأحمد (٦/٣٢٣)، والنسائي في خصائص علي (ص٩٩) وغيرهم عن أبي عبد الله الجدلي عن أم المؤمنين أم سلمة قولها لهم: أيُسب رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيكم (في ناديكم)؟ فقلت: معاذ الله أو سبحان الله فقالت:سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: (من سبّ علياً فقد سبّني)، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وكذا صحح طرقه الهيثمي فقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة، راجع مجمعه (٩/١٣٠).
ومن جهة أخرى ففي حديث (وهو وليكم بعدي) نصّ من النبيّ(صلى الله عليه وآله) على خلافة وولاية الإمام عليّ(عليه السلام) بعده(صلى الله عليه وآله).
وممّا يدل على نصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) على إمامة عليّ(عليه السلام) هنا؛ وصف بعض علماء السنّة الحديث المتقدّم بأنّه: "ممّا يقوّى به معتقد الشيعة"!! وأنّه "لو صحّ لدلّ على خلافة عليّ بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) دون فصل"، كما فهم ذلك المباركفوري السلفي حيث قال ما نصّه: "وقد استدلّ به الشيعة على أنّ عليّاً(رضي الله عنه) كان خليفة بعد رسول الله من غير فصل، واستدلالهم به عن هذا باطل فإنّ مداره عن صحّة زيادة لفظ بعدي وكونها صحيحة محفوظة قابلة للاحتجاج والأمر ليس كذلك.. ــ ثمّ قال ــ وظاهرٌ أنّ قوله بعدي في هذا الحديث؛ ممّا يقوّى به معتقد الشيعة" (١) ، فالمباركفوري السلفي المتشدد يعترف بدلالة الحديث ونصّه على كون عليّ(عليه السلام) خليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من غير فصل، ولكنه لم يسلّم بها وردّها بسبب تضعيفه لكلمة (بعدي) في الحديث، فهو يفهم ذلك ويسلم به لو كان الحديث عنده ثابتاً بتمامه!!
وقد تبيّن لي لاحقاً صحّة هذه الكلمة وخطأه في تضعيفها وردّها وبطلان قوله فيها وتقليده لابن تيمية في ذلك دون فحص أو تحقيق أو متابعة أو تدقيق، حيث وجدت ما فعله الألباني عندما بحث في طرق الحديث وأخرج أسانيدها وصححها بنفسها بحسب ضوابط وقواعد علم الحديث، إضافة لتقويتها بما
________________________
١- تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (١٠/١٤٦).
يعضدها من شواهد ومتابعات كحديث الغدير المتواتر باعتراف الألباني الذي جعله وهذا الحديث ذو دلالة وإشارة واحدة ومعنى واحد للولاية فيهما!!
فلمّا وجدت هذه الكثرة من الأقوال وشدّة اختلافهم في هذا الحديث، بحثت فيه بنفسي، مع أنّي رأيت تصحيح محدّث العصر الألباني السلفي الذي أطمئن لعلمه وأثق به لسعة اطّلاعه وإنصافه عموماً، ولكن ليطمئن قلبي ولتقوى حجّتي أمام ربّي، إن سألني كيف وثقت بالألباني وأخذت بقوله وتصحيحه لهذا الحديث دون غيره؟ خصوصاً بعد ما رأيت من فعله وتساهله في تصحيح حديث كتاب الله وسنّتي وتأويله لحديث كتاب الله وعترتي أهل بيتي بمعانٍ بعيدة وغير مقبولة، وما إلى ذلك من هفواته بل زلاّته ؛ ولذلك بحثت في الأحاديث بنفسي.
فابن تيمية يكذّبه، والمباركفوري يشكك به ويطعن في كلمة مهمّة فيه بسبب تفرّد بعض الرواة من الشيعة بهذه الكلمة بزعمه رغم اعترافه بصدقهما ووثاقتهما!! فوجدت بأنّ للحديث طريقين: أحدهما عن الأجلح الكندي، وهو شيعي ولكنّه ثقة وصدوق عند علمائنا، كما أنّ الطريق الثاني عن جعفر بن سليمان، وهو ثقة عندنا أيضاً ومن رجال مسلم.
فوجدت أنّ المباركفوري يضعّف كلمة (بعدي) في الحديث مع توثيقه لرواته وصحّة سنده عنده! معللاً فعلته تلك بأنّ كلّ طريق من هذين الحديثين فيه راوٍ شيعي وقد تفرّدا بزيادة لفظ (بعدي) في الحديث خلافاً لقواعد الحديث كما صرّح الألباني بذلك، فقال المباركفوري: "والظاهر أنّ زيادة لفظ (بعدي) في هذا الحديث من وهم هذين الشيعيين"!! فضعّف هذا الحديث العظيم بجرّة قلم! مع أنّ دعواه هذه كاذبة أصلاً ؛ لأنّ هذا الحديث لا يروى بطرق وأسانيد أخرى من دون هذه الكلمة ليقول بأنّ هذه الكلمة من وهم هذين الشيعيين، وكذلك وجود طرق أخرى للحديث فيها هذه الكلمة وليس في أسانيدها شيعي واحد كما في حديث ابن عباس ووهب بن حمزة، وخصوصاً حديث
وهب ففيه فوائد متعددة، فإنّه ينصّ على معنى الولاية مع وجود كلمة بعدي فيها، فروى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال له عن عليّ(عليه السلام): (إنّه أولى الناس بكم بعدي) (١) ، فهذا الحديث أصرحها دلالة وأدلّها على مقام ومعنى ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
أذكر أنّي قبل اطّلاعي على كلام الشيخ الألباني كنت قد اقتنعت حينها بقول المباركفوري طبعاً، فأزال همّي وارتحت قليلاً بسبب شرحه وقوله وتنفّست حينها الصعداء!
ولكن بعد أيام قلائل حصل ما لم يكن بالحسبان! حين وجدت بأنّ الألباني يصحح هذا الحديث، بل وجدت أنّه أتى له بطريق ثالث صححه أيضاً ــ بعد دفاعه المستميت طبعاً عن الطريقين الأوّلين وتصحيحه لهما ــ والذي أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وكذا ابن حجر العسقلاني والهيثمي عن ابن عباس، وهو بسند آخر وليس فيه الأجلح الكندي أو جعفر بن سليمان.
ففاجأني الألباني حين صحح هذا الحديث بقوّة! ثمّ فاجأني أيضاً حينما ردّ واستنكر كلام ابن تيمية بأشدّ أسلوب وأعنف لفظ! بل لم أرَ كلاماً للألباني بهذا المستوى من الهجوم والقسوة في حقّ ابن تيمية كما فعل هنا ــ مع إعجابه الشديد به والسير على نهجه، بل التزامه لنفس مدرسته وآرائه ــ حين وصف ابن تيمية ورماه بالجرأة والتسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة، قائلاً: "فمن العجيب حقّاً أن يتجرّأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة
________________________
١- مجمع الزوائد للهيثمي (٩/١٠٩) وقال: رواه الطبراني وفيه دكين ذكره ابن أبي حاتم ولم يضعّفه أحد وبقية رجاله وثّقوا.
(٤/١٠٤) كما فعل بالحديث المتقدّم هناك (من كنت مولاه) مع تقريره رحمه الله أحسن تقرير... ــ إلى أن قال ــ هذا كلّه من بيان شيخ الإسلام وهو قويّ متين كما ترى!! فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث؛ إلاّ التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة، غفر الله لنا وله" (١) .
ولمّا رجعت إلى كلام ابن تيمية فوجئت مرّة ثالثة ممّا قاله الألباني عن تقرير وردّ وفهم ابن تيمية ووصفه إيّاه بأنّه قويّ متين(!!)؛ فإنّ الواضح والصريح من كلام ابن تيمية أنّه يكذّبُ الحديثَ ويقول باستحالة صدوره عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويردّ معناه، بل لا يرى له معنى صحيحاً لأجل تناقض متنه(بزعمه)! وعدم استفادة معنى له يصح لغةً، فتناقض الألباني هنا! وقام بتصحيح الحديث وفهمه في نفس الوقت بفهم ابن تيمية الذي يكذّب الحديث ويردّه بسبب خطورة معناه وادّعائه عدم وجود معنى صحيح يفهم منه أصلاً!! فوقع الألباني هنا في تناقض صارخ وتخبّط واضح وخلط فاضح وغفلة غير لائقة بمثله، ولكن ما جعلني أصدّق بصدور مثل هذا الأمر عنه هو قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (٢) .
كبير السلفية (الألباني) يردّ بعنف على شيخ إسلامه لصالح الشيعة:
قد أثارني وأذهلني ردّ الألباني هنا، وبهذه العبارات القاسية، وإنكاره على ابن تيمية، وهو من هو عنده وعند كلّ سلفي!! وتذكّرت مورداً آخر يتكلّم الألباني فيه على ابن تيمية بقسوة، وذلك في سلسلته الصحيحة عند كلامه في
________________________
١- سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني (ح٢٢٢٣).
٢- النساء: ٨٢.
حديث الغدير حيث قال: "إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحّته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية، قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها. والله المستعان" (١) انتهى.
وأنا أقول: الله المستعان عليه وعلى أمثاله.
فنفعني ذلك نفسياً ومعنوياً ؛ لأنّه حطّم وأسقط بكلامه هذا هيبة ابن تيمية ومكانته التي كانت لا تضاهى عندنا وتقليدنا الأعمى له وعدم تخطئته في شيء أبداً، حتّى سهّل عليَّ بعد ذلك التحرر من ردوده ورفضه لجلِّ أحاديث فضائل أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) وخصائصه، ومحاولته تجريدها عن معانيها ودلالاتها العظيمة، وكلامه الواضح البطلان وتشدده إلى حدّ التطرّف والجرأة والاستهانة والطعن الواضح في أئمة البيت(عليهم السلام)، ذلك الطعن الذي لم نعهده من سائر أئمة السنّة.
وكذلك تبيّنت لي مخالفاته وشذوذ آرائه عموماً والإجماعات التي يدعيها دائماً مبالغة واعتداداً، بل تدليساً وزوراً وبهتاناً (٢) !!
________________________
١- سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٤/٣٤٤)، (ح١٧٥٠).
٢- كما كان شيخنا وأستاذنا محمّد عياش الكبيسي يقول لنا ذلك دائماً ويثبت بالدليل في خطب الجمعة وغيرها بأنّ ابن تيمية كثير المبالغات وغير دقيق في ادّعائه للإجماعات وخصوصاً في العقائد، وقد بحث ذلك وأثبته في رسالة الماجستير التي قدّمها في بداية التسعينيات لكلية الشريعة وحضرنا مناقشتها آنذاك، ولكننا لم نكن نصدّق أيّ شيء من تلك الادعاءات لاعتقادنا كراهية عياش له وتحامله عليه ؛ لأنّه من أتباع مدرسة الإخوان المسلمين، حتّى رأيت كلام الألباني هذا فيه، فأصبحت حينئذ أتقبّل كلام من يطعن في آرائه أو يشكك في دقته أو يدّعي مخالفاته وشذوذه، بعد أن كنّا نعتقد فيه أنّه يمثل الحقّ المطلق الذي لا يمكن خطأه، ولا يمكن لأحد مهما كان تخطئته أو الرد عليه، حينما نستذكر دائماً ونردد ما يذكره الذهبي أو المزي من تلاميذه حين قال في ابن تيمية: "لم أر مثله ولم يرَ مثل نفسه"!!!
وهذا الطعن والتشكيك من الألباني في ابن تيمية بسبب أحاديث تدعم الشيعة، ثمّ التخبّط والضعف عند كلامهم عموماً في أحاديث وأدلة الشيعة التي تذكر أهل البيت(عليهم السلام)، أكّد لي ضعف مذهب أهل السنّة وضعف علمائهم عند الردّ على الشيعة، وقوّة تلك الأدلة التي تستدل بها هذه الفرقة (الشيعة)، بحيث وجدت في هذا الحديث فقط عدّة أقوال متناقضة وتخريجات باردة وغير مقنعة بالمرّة، بل والله إنّها لتضحك الثكلى!
فقد رأيت ما انتهى إليه علم وتحقيق المباركفوري السلفي الذي ضعّف كلمة (بعدي) في الحديث تقليداً لابن تيمية ولكن بحجّة أخرى غير حجّة ابن تيمية، حيث جعلها من وهم راويين شيعيين موثّقين عنده أيضاً تفرّدا بذكر هذه الزيادة!
والأمر ليس كما زعم بأنّهما تفرّدا بزيادة كلمة (بعدي) في الحديث! فالحديث لم يرد بطرق أخرى من دون هذه الكلمة أصلاً حتّى يُحتمل ويُقبل ما قاله واعتذر به، وحتّى لو تنزّلنا معه فيما ادّعاه، فإنّ من المتّفق عليه عند العلماء أنّ زيادة الثقة مقبولة، وقد اعترف هو بوثاقتهما وصدقهما، ولذلك أطلق على زيادتهما بالوهم وليس الكذب! وكذلك فإنّ الألباني ردّ هذا القول وفنّده عند تصحيحه لهذا الحديث، حيث قال ما نصّه: "فإن قال قائل: راوي هذا الشاهد شيعي، وكذلك في سند المشهود له شيعي آخر، وهو جعفر بن سليمان، أفلا
يعتبر ذلك طعناً في الحديث، وعلّة فيه؟! فأقول (والكلام للألباني): كلا ؛ لأنّ العبرة في رواية الحديث إنّما هو الصدق والحفظ، وأمّا المذهب فهو بينه وبين ربّه فهو حسيبه، ولذلك نجد صاحبي الصحيحين وغيرهما قد أخرجوا لكثير من الثقات المخالفين كالخوارج والشيعة وغيرهم..." (١) .
ثمّ رأيت بأنّ تكذيب ابن تيمية لهذا الحديث وردّه للحديث متناً لا سنداً، مخالفة صريحة وواضحة منه لأصول وقواعد العلماء والمحققين عند الحكم على الأحاديث! فحكم عليه بالضعف من خلال متنه ومعناه لا من خلال سنده كما هو معهود، معنى ومتناً لا سنداً ورجالاً، فزعم استحالة صدوره عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) لغة لا لوجود كذّاب في سنده، فتأمّل!
ثمّ رأيت أيضاً تصحيح الألباني للحديث وردّه على تكذيب ابن تيمية له بشكل مباشر، وعلى طعن المباركفوري فيه بشكل غير مباشر ؛ لأنّه قام بذكر نفس قوله وإشكاله ــ الذي ذكرناه ونقلناه قبل سطور ــ فقد ردّ الألبانيُّ عليهما هنا بقوّة ومتانة، بل وجرأة غير معهودة لمثله على مثلهما كأعمدة محترمين عند السلفيين، وخصوصاً على مثل ابن تيمية!!
ثمّ رأيت الألباني بعد ذلك كلّه ينقض غزله فيفهم الحديث بعد تصحيحه له بنفس فهم ابن تيمية الذي نصّ على عدم وجود معنى صحيح للحديث، وكذَّبه لأجل ذلك متناً ومعنى لا سنداً ؛ لأنّ رجاله رجال مسلم! فتمّ لي العجب والاستغراب على أتمّ وجه وأجلى صورة!!
فخلص لي من كلّ ذلك: أنّ كلامهم (المباركفوري، وابن تيمية، والألباني) في هذا الحديث ــ كما هو شأنهم في غيره من أحاديث الخلاف ــ عبارة عن تخبّط
________________________
١- السلسلة الصحيحة للألباني (ح٢٢٢٣).
واضح وهوى متّبع وعدمِ التزامٍ للحقّ والقواعد العلمية عند نقده، سواء كان في سنده أم في متنه ودلالته؛ فكان حاصل كلام كلّ واحد منهم بتمامه ينقض بعضه بعضاً، وغير مقنع لأيّ عاقل مكلّف بأخذ عقيدته بدليل وبرهان.
ولي هنا وقفة بسيطة وتساؤل بريء: هل سيكون كلامهم في مثل هذا الحديث سنداً ومتناً كما هو حال كلامهم فيه لو ورد مثله في فضل أبي بكر أو عمر وكان أحد رواته ناصبياً أو عاملاً أو مقرّباً عند السلطة مثلاً؟!! هذا السؤال نحتاج فعلاً إلى الإجابة عنه دائماً.
فجمعت بين أقوالهم فيه، فاخترت من بينها ما اتّفقوا عليه، وكان صحيحاً ومقنعاً ومنطقياً ومنصفاً وصادراً عن غير هوى أو حميةٍ أو عصبيةٍ أو تقليد، ومفسّراً بعضه بعضاً ومكمّلاً بعضه لبعض ويدلّ بعضه على صحّة الآخر ويؤكّده، فوجدت:
١ــ إنَّ الحديثَ صحيحٌ، كما أكّد الألبانيُّ ذلك؛ فحق لي حينئذ الاستدلال به والعمل عليه.
٢ــ إنَّ ظاهرَ معناه ممّا يقوى به معتقد الشيعة كما نصّ على ذلك المباركفوري وأقرّه ؛ فحقّ لي حينئذٍ فهم الحديث بحسب ذلك واستدلالي به على خلافة عليّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) مباشرة ودون فصل، كما اعترف بتلك الدلالة وأقرّها المباركفوري السلفي نفسه أيضاً، ولكنّه اشترط لثبوت ذلك المعنى صحّة كلمة (بعدي) في الحديث! فيقال له؛ إنّ هذا الحديث قد صححه من هو أعلم وأدق منه سواء القدماء كالحاكم والذهبي والترمذي أم المعاصرين كشيخ السلفية وخاتمة محدّثي العصر! الألباني وغيره.
٣ــ ظهور كذب ابن تيمية، واتّباعه للهوى والتعصّب الأعمى والحقد على أهل البيت(عليهم السلام) ونصب العداء لهم؛ فوجب ردّ كلامه هنا جملة وتفصيلاً لثبوت
الحديث بأسانيد صحيحة لا يمكن الطعن بها أو الغمز فيها! فكلام ابن تيمية يخالف وينافي نفس قواعد السلفية مع كونه منهم بل مؤسسهم؛ كما قال الألباني وغيره (١) : "يجب الأخذ بالحديث الصحيح ولو كان متنه يعارض المذهب ولا يوافق ما إليه نذهب، وكذا النظر يجب أن يوجّه إلى سنده دون متنه وما إلى ذلك"!
فوجدت نفسي ألتزم أمراً لم يلتزمه أحد غيري ممّن ذكرت! فعزوت ذلك إلى عهدي لنفسي بأن أتجرّد عن التعصّب المذهبي وأن أبحث عن الحقّ وأتّبعه، أينما أراه وعند من أجده، بخلاف ما هم عليه من التزام مذهب معيّن ومعتقد لا يحيدون عنه مهما جاءتهم من أدلة معارضة ومناقضة لما يذهبون إليه، فكانت رؤيتي للحديث من خارج دائرة التقليد الأعمى الذي يلتزمه هؤلاء سلفاً، كعدم الاعتقاد بإمامة عليّ(عليه السلام) مهما ظهرت وقويت أدلتها لمعارضتها ومخالفتها للكثير ممّا التزموه واعتقدوه، كعقيدة عدالة جميع الصحابة، وأفضلية الشيخين وصحّة خلافتهما، وعدم وجود نصّ صحيح على خلافة عليّ(عليه السلام)، وغير ذلك ممّا أجمعت عليه الأمّة بزعمهم!
فرأيتُ نصَّ هذا الحديث واضحاً جليّاً، أمّا هم فإنهم لم ولن يستطيعوا الأخذ به ؛ لأنّهم لا يرون بأنّ مثل هذا الحديث يمكن أن يزلزل ويهدم وينقض هذه الإجماعات وهذه العقائد الراسخات!! أو ينسف المذهب من أساسه! أو يأت على بنيانهم من القواعد! أو يدمّر كلّ شيء بأمر الله! كما وصف تعالى ذلك الدليل الذي طلبه بعض المعاندين استهزاءً ودون جدوى بالإجابة والإيمان والإذعان فقال(عزوجل): {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا
________________________
١- كما صرّح بذلك الألباني في غير ما موضع من كتبه.
اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} (١) ، فاضطروا إلى ردّه سنداً مرّة، ومتناً أخرى، وتأويلاً ولَياً لعنقه ثالثة، وفهمه بسذاجة وتخبّط وتناقض رابعة!
وهكذا نرى كلامهم في سائر الآيات وأحاديث الخلاف ؛ لأنّ مذهب السنّة قد تأسس على ذلك فلا يمكن لأحدهم أن يحيد عن ذلك أو ينظر في أدلة المخالف بإنصاف وعدم تقليد، وإلاّ فإنّه يُكفَّرُ مرّةً، ويُبدَّعُ أخرى، ويُرمى بالرفض ثالثة، أو يُهاجَم ويُحارب ويُفصل من عمله ويُنحى عن منصبه على أقل التقديرات.
فرأيتُ بأنَّ كلّ من تكلّم في هذا الحديث لم يتكلّم بإنصاف أو حجّة علمية! فقطعت بأنّه لا عذر لي أمام الله تعالى بترك هذا الحديث، أو الأخذ به، بحسب فهم الألباني، أو قول ابن تيمية، أو تفلسف المباركفوري ؛ لأنّهم تناقضوا فيه كثيراً! فتحتّم علي بأن لا ألتزم قول أحد من هؤلاء، خصوصاً وأنّ مذهبي السلفي يُحتِّم عليَّ التزام فهم السلف الصالح! من القرون الخيرية الثلاثة! دون غيرهم من المتأخرين عنهم كهؤلاء.
وبعد ما رأيت جرأة الألباني على ابن تيمية ونكيره الشديد عليه، تشجّعت للبحث في ذلك ــ دون الخوف من مخالفة أحد بعد اليوم ــ ولكن بفهم دقيق ونظر مقبول وتأمّل معقول، يمكنني أن أقابل به ربّي(وتعالى سبحانه) يوم القيامة وأحتجّ به حين أُسأل يومها دون خجل أو وجل أو تردد أو ضعف، فكلّنا يعلم بأنّ الله(وتعالى سبحانه) قد ذمّ تقليد الآباء والكبراء والسادة والأحبار والرهبان دون دليل مقنع معقول معتد به، وقد طالبنا تعالى بالدليل فقال(عزوجل): {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
________________________
١- الاحقاف: ٢٤ ــ ٢٥.
صَادِقِينَ} (١) ، فجعل ذلك منهاجاً وطريقاً للوصول إلى الحقّ وعدم المؤاخذة وقبول العذر في الدنيا والآخرة دون نكير من أحد أو استهجان.
فرأيت بأنّ الحديث! صحيح كما نصّ عليه الألباني والحاكم والذهبي وغيرهم، فبقي عندي فهم الحديث؛ فرفضت فهم الألباني له وتوّهمه وخلطه فيه بوضوح، حيث عجبت من وقوعه فيه مع سعة علمه وظاهر إنصافه! ولكنني تذكرت عدم عصمته وقول مالك: "كلٌ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ إلاّ صاحب هذا القبر(صلى الله عليه وآله)" (٢) .
وكذلك علمت من خلال استعراضي لأقوالهم واطّلاعي عليها والنظر فيها بأنّ كلامهم متناقض ومتعارض ومتهافت ومضطرب.
وبعبارة أخرى: هو ترقيع واضح لفتق توسع على الراقع، فقطعت بأنّه من عند غير الله ؛ لأنّ الله تعالى تعهّد بأنّ كلامه ودينه لا يحتوي على اختلاف أو تناقض أو فتق فقال عزّ من قائل: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (٣) .
رأيت أنّ الألباني قد صحح الحديث ومن ثمّ أحال معناه وفهمه على ابن تيمية، مع أنّ ابن تيمية قد كذّب الحديث وقال بامتناع واستحالة صدوره عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وزعم بأنّ معناه باطل وغير صحيح ولا يستقيم، بل متناقض وغير
________________________
١- البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤.
٢- البداية والنهاية لابن كثير (١٤/١٦٠) وسير أعلام النبلاء للذهبي (٨/٩٣) وأحكام الجنائز للألباني (ص١٧٣) وغيرها.
٣- النساء: ٨٢.
مفهوم، فلا يمكن صدوره عن خير من نطق بالضاد ومن لا ينطق عن الهوى! فقد قال في منهاج سنّته ما نصّه: "وكذلك قوله: (هو ولي كلّ مؤمن بعدي) كذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كلّ مؤمن وكلّ مؤمن وليه في المحيى والممات، فالولاية التي هي ضدّ العداوة لا تختص بزمان، وأمّا الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها والي كلّ مؤمن بعدي، كما يقال في صلاة الجنازة: إذا اجتمع الولي والوالي قدم الوالي في قول الأكثر، وقيل: يقدّم الولي، فقول القائل: (عليّ ولي كلّ مؤمن بعدي، كلام يمتنع نسبته إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فإنّه إن أراد الموالاة لم يحتج أن يقول بعدي، وإن أراد الإمارة كان ينبغي أن يقول وال على كلّ مؤمن" (١) انتهى.
ولكنني لمّا راجعت هذه المسألة في كتب اللغة وجدت بأنّ الصحيح عكس ذلك تماماً! وهو أنّ الولي يصح أن يأتي بمعنى الخليفة ومتولي الأمر والأولى بالتصرّف أيضاً، بخلاف زعم ابن تيمية.
فقد قال الجوهري: "كلّ من ولي أمر شيء فهو وليه" (٢) .
وقال ابن منظور: "ولي في أسماء الله تعالى الولي هو الناصر، وقيل: المتولّي لأمور العالم والخلائق القائم بها" (٣) .
ورجّح العيني في عمدة القاري ذلك فقال: "ومن أسماء الله تعالى الوالي وهو مالك الأشياء جميعها المتصرّف فيها، ومن أسمائه الولي: المتولّي لأمور العالم والخلائق القائم بها (٤) .
وكذلك قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى الولي هو الناصر، وقيل: المتولّي
________________________
١- منهاج السنّة لابن تيمية (٧/٣٩١).
٢- الصحاح للجوهري (٦/٢٥٢٩).
٣- لسان العرب لابن منظور (١٥/٤٠٦).
٤- عمدة القاري للعيني (٨/٨٥).
لأمور العالم والخلائق القائم بها، ومن أسمائه(عزوجل) الوالي وهو مالك الأشياء جميعها المتصرّف فيها، وكأنّ الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي (١) .
وهذه النصوص تشير إلى صحّة إطلاق الولي على المتولّي للأمور خلافاً لما زعمه ابن تيمية، وهذا التفريق لطيف ومتين في الردّ عليه وكشف تدليسه وتعمّده استعمال المغالطات، حيث إنّ الأفصح والأبلغ هو عين ما قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فاللغة تصحح بل توجب قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام) عند وجود النبيّ(صلى الله عليه وآله) وولايته الفعلية: (أنت ولي كلّ مؤمن بعدي) فاجتماع (ولي مع بعدي) صحيح ومقبول، بل هو أصح من جمع كلمة (والي) مع (بعدي)؛ لاشتراط الفعلية ومباشرة الأمر فعلاً وواقعاً لمن يسمّى والياً كما ذكرنا ذلك عن ابن الأثير في نهايته وغيره، ولذلك اتّفق وتعارف في كلّ زمان على تسمية من يجعله الخليفة أو الملك أو الحاكم خليفة من بعده بمصطلح (ولي العهد) ولم يقل أحد بجواز إطلاق (والي العهد) عليه ناهيك عن وجوبه كما زعمه هذا الناصب الجاهل الضال؛ فسقط كلام ابن تيمية من رأس وتبيّن تدليسه وقلبه للحقائق بالعكس!!
ثمّ إنّ من المعروف عند كلّ أحد، استعمال الولي بمعنى المتولّي للأمر أو الأولى بالأمر؛ كما في قولنا: ولي العهد وولي الأمر وولي الدم وولي المقتول وولي المرأة وولي الطفل، وكلّ ذلك قالوا عنه: إنّه بمعنى الأولى بالتصرّف في ذلك المتعلّق من غيره، ومن ثمّ نصّ ابن الأثير على صحّة هذا الإطلاق فقال: "وكلّ من ولي أمراً أو قام به فهو مولاه ووليه، وكما ذكرناه في حديث وهب من
________________________
١- النهاية لابن الأثير (٥/٢٢٦).
قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) له في عليّ(عليه السلام): (لا تفعل فإنّه أولى الناس بكم بعدي)" (١) فتأمّل!!
بعد كلّ ما قدّمناه من أدلة في معنى الولي؛ نختم بما نصّ عليه عمر بن الخطّاب نفسه من صحّة إطلاق كلمة ولي على الخليفة خلافاً لما زعمه ابن تيمية، فقد روى البخاري قول عمر وفيه: "فتوفى الله نبيّه(صلى الله عليه وآله) فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله... (ثمّ قال عمر): ثمّ توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي ولي رسول الله" (٢) .
ومن الواضح جدّاً أنّ عمر قد قصد من الولي هنا الخليفة، وإلاّ لما قال "أنا ولي ولي رسول الله" ؛ لأنّه لا يمكن أن يقصد عمر هنا: أنا محب محب رسول الله أو أنا ناصر ناصر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؛ لأنّه سوف لن يكون للكلام أيّ معنى، وخصوصاً بعد تكراره للفظ الولي وإخباره عن نفسه بأنّه ولي ولي رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فتعيّن بأن يكون قصده ومراده أنا خليفة خليفة رسول الله دون أدنى شك أو شبهة أو ريب ــ خصوصاً مع شهرة تسمية عمر حينئذ بخليفة خليفة رسول الله، حتّى غيّروها إلى أمير المؤمنين لاحقاً ــ فلا نحتاج بعد هذه الرواية الثابتة والصريحة وبعد قول عمر هذا إلى دليلٍ آخر للردّ على زعم ابن تيمية وتكذيبه حينما ادّعى مدلّساً عدم
________________________
١- قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/١٠٩): رواه الطبراني وفيه دكين ذكره ابن أبي حاتم ولم يضعّفه أحد وبقية رجاله وثّقوا.
٢- راجع صحيح البخاري (٨/٩)، وولي ولي رسول الله معناها خليفة خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما هو معلوم، وقد صرّحت الروايات الكثيرة بقولهم لعمر: يا خليفة خليفة رسول الله، حتّى غيّر ذلك عمر بعد أن أطلقها عليه البعض فاستحسنها عمر وقال: إذا جاء بعدي خليفة فستقولون له: يا خليفة خليفة خليفة رسول الله قولوا: يا أمير المؤمنين!
صحّة وعدم جواز إطلاق كلمة الولي على ولاية الأمر!
فابن تيمية يكذّب الحديث ويردّه ليس من ناحية السند، وإنّما من حيث المتن والمعنى! فهو يدّعي عدم دلالته على معنى صحيح البتة؛ وبالتالي فلا دلالة للحديث عنده، ومع هذا الكلام الواضح والصريح منه يقوم الشيخ الألباني بتصحيح الحديث سنداً ويحيل تفسيره على ابن تيمية ويدّعي تفسيره للموالاة هنا بالمحبة والنصرة التي أنكر انطباقها هنا ابن تيمية لأنّه ردّ الحديث لأجل ذلك، فمع أنّ ابن تيمية لا يرى للحديث معنى صحيحاً نرى أنّ الألباني يحيل فهمه على ابن تيمية ويصفه بأنّه قويّ متين!!
فرأيتُ أنّ من حقّي الطعن على فهم الألباني، وكلام ابن تيمية من قبله، لخلط الأخير وتدليسه وإنكاره للمعنى الصحيح والواضح للحديث، أمّا الألباني فقد غضّ نظره عن كلمة (بعدي) وأهميتها في الحديث والذي جعل ابن تيمية يكذّبه دون النظر أو الطعن في السند، ولكنه لغفلته وسذاجته ــ من باب حسن الظن بهِ ــ أحال فهم معنى الحديث على ابن تيمية الذي قام بتكذيب الحديث لأجل كلمة (بعدي) لعلمه بتأثيرها على المعنى ودّقة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وبلاغته وتعمّده في قولها مع شدّة ما كان يحيط به من ظروف قاهرة، ومعرفته بعدم تقبّل قريش لذلك الأمر ومحاولتهم منعه مهما كلّفهم ذلك ؛ لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان كلامه فصلاً كما هو معروف لدى الجميع.
النتيجة واحدة مهما كانت الاحتمالات!
بعد كلّ هذا توجّب عليَّ التسليم بمؤدّى هذا الحديث الذي نصّ على أنّ عليّاً(عليه السلام) ولي كلّ مؤمن بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أي: أنّه خليفته والأولى بالتصرّف في شؤون الأمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فالحديث يدلّ على خلافة عليّ(عليه السلام) على كلّ الاحتمالات؛ فإنّ قوله(صلى الله عليه وآله): (وهو وليكم بعدي) هنا يحتمل معنيين لا ثالث لهما:
إمّا بمعنى: إنّه بعدي في (المكانة والمنزلة والمحبة)، فيكون عليّ(عليه السلام) أفضل الخلق ورتبته تأتي بعد رتبة ومنزلة ومكانة رسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ فيكون الرجل الثاني في الأمّة، ويكون أحقّهم بالمحبة والتقديم والتفضيل من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وهذا المعنى لا يقول به أهل السنّة ولا يلتزمه أحد منهم، وهو مخالف لعقيدتهم في وجوب تفضيل الثلاثة عليه! وهو مشكل أيضاً لإجماع أهل السنّة على وجوب الاعتقاد بالأفضلية بحسب ترتيب الخلافة وعدم جواز مخالفة ذلك مطلقاً، فإنّه(عليه السلام) ــ بحسب هذا الفرض لمعنى الحديث ــ سوف يكون أولى بالخلافة وأليق بها من الثلاثة؛ لكونهم يرتبون أفضلية الخلفاء والصحابة بحسبها، وهذا يعني بأنّ خلافة عليّ(عليه السلام) حينئذ تلزمهم ؛ لأنّهم يوجبون خلافة الفاضل على المفضول! (١) .
أو بمعنى: بعدي (زماناً وظرفاً)، وهذا المعنى أيضاً ينصّ على أولوية الإمام عليّ(عليه السلام) بالناس من أنفسهم وفي تولّي شؤونهم بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) مباشرة وخلافته له تبعاً، فيكون ذلك نصاً على خلافته وإمامته دون أدنى شك؛ فأحلاهما مرّ وكلّ حرفِ جرٍّ يجر!!
فأصبح واضحاً لديّ بعد ذلك، أنّ التعصّب والتلاعب هو الذي تسبب في غمط الحقّ أهله وفهم مثل هذه النصوص بالشكل الذي فهمه ابن تيمية أو الألباني أو المباركفوري أو غيرهم، فلابدّ من الثورة والتمرّد والتحرر من ذلك.
________________________
١- فقد استدل عمر بن الخطّاب في السقيفة لخلافة أبي بكر بتقديمه للصلاة بالناس وأسبقيته وهجرته مع النبي(صلى الله عليه وآله)، وكذلك فعل أهل السنّة في كتب العقائد وقولهم المتّفق عليه بتقديم الثلاثة في التفاضل يؤيّد من باب الالتزام هذا القول، إذ إنّ الفهم العرفي سوف يسلّم أنّ الأفضل يجب أن يؤمّر وإلاّ لما ترتبوا هذا الترتيب في الأفضلية، وهذا يعني ضمناً التزامهم بالقول بوجوب تقديم الفاضل، وكذلك فعلوا واعتقدوا في الخلفاء الآخرين وأوجبوه.
من هنا فقد أملى عليَّ قلبي وعقلي وضميري أنّ أوجّه دعوتي إلى كلّ حرّ يتّبع الحقّ والدليل، ويطلب النجاة والفوز بالجنّة؛ بأن لا يقلّد في عقيدته دون دليل قاطع، فقد حذّر تعالى من اتّباع الظن والهوى فقال عزّ من قائل: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (١) ، ويجب أيضاً أن يراجع أدلة سائر الفرق الأخرى بتجرّد وإنصاف دون التزام موقف مسبق ورثه من دين الآباء، وكذلك عدم التسليم لهذا العالم أو ذاك قبل أن يقتنع قناعة تامّة بقوله، وكذلك عدم التسليم لهم حينما يشك في مخالفة أقوالهم لدلالة الحديث أو لدلالة بعض مفرداته، فإنّنا سوف نقابل علاّم الغيوب المطّلع على السرّ وأخفى، ولات حين مناصٍ ولات حين مندمِ!!
فلنحذر يا إخوتي أشدّ الحذر من تقليد الآباء أو السادة والكبراء حينما يشرّعون لنا غير شرع الله، ويدعوننا إلى غير حكم الله، ويقولون لنا قولاً على غير مراد الله، فإنّ الله تعالى قد حرّم علينا حينئذٍ طاعتهم ولم يقبل منّا التذرّع بقولهم، وسوف لن يمنع العذاب عنّا إن أطعناهم واتّبعناهم وهم بهذا الحال، فقال عزّ من قائل: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ
________________________
١- النجم: ٢٣.
الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} (١) .
وقد أكدّ الله تعالى على إفراد حجّية قول الرسل المعصومين على الناس دون غيرهم، لئلا يحتجّ أحد من الناس بغير الرسل أو يتعذّر باتّباع قول غير المعصوم على الاستقلال أو طاعته وإن كان قوله بخلاف العقل والمنطق والبرهان، فحذّر تعالى من ذلك قائلاً: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حجّة بَعْدَ الرُّسُلِ} (٢) ، فأكّد هنا بوضوح بأنّه لا يصح لأحد أن يحتج على الله تعالى يوم الحساب لتبرير ما ذهب إليه بأيّة حجّة غير الرسل(عليهم السلام) وما نصّت على حجيته الرسل، وبالتالي فلا يجوز طاعة أحد من الكبراء أو السادة أو الأحبار أو الرهبان على نحو الاستقلالية في حجّية قوله كما هو الحال مع رسل الله وحججه من أوصيائهم(عليهم السلام)، أمّا الاحتجاج بمثل الصحابة أو أصحاب المذاهب الأربعة أو غيرهم واتّباعهم، فلا يمكن قبول قولهم والاحتجاج به على الله تعالى ؛ لأنّه تعالى لم ينصبهم ولم يأمر رسوله(صلى الله عليه وآله) بنصبهم حجّة على الناس أبداً، خصوصاً مع الوصية بغيرهم وعدم عصمتهم، وكذلك عدم الإشارة إليهم بالاتّباع والالتزام لا من قريب ولا من بعيد!
مع وقوع الاختلاف الكبير فيما بينهم، وكذلك وقوع المخالفات الصريحة والواضحة منهم للنصوص الشرعية كما حصل ذلك في مثل الأمر بالتراويح، والنهي عن المتعتين، والتيمم عند فقد الماء، وإباحة النبيذ أو تناول الخمر من دون إسكار، والنهي عن التحديث بالسنّة وحرقها وحرق المصاحف، وإحداث الأذان الثالث، وإتمام الصلاة في مورد وجوب القصر، وتولية الفسّاق من أمثال يزيد والوليد والحجاج وعبد الله بن أبي سرح على رقاب المسلمين والسكوت عليهم
________________________
١- الأحزاب: ٦٦ـ ٦٨.
٢- النساء: ١٦٥.
وعلى ظلمهم، وجرأتهم على أولياء الله ومدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهدم وحرق بيت الله الحرام وإضفاء الشرعية عليهم والدفاع المستميت عنهم، ومن ثمّ تولّي الخوارج والنواصب وتفضيلهم على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ومتوليهم والمتمسّكين بهم بحسب وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله)!
مع أنّ الله تعالى قد أكّد في مقابل ذلك على اختياره لحججه بنفسه ودون خيرة أو إذن أو موافقة من أيّ أحد من العالمين والخلق أجمعين، فقال(عزوجل): {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} (١) وقال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (٢) ، دون أن يعبأ بقول ورأي الملائكة الكرام، وطلب ورغبة خليله إبراهيم(عليه السلام) كما دلَّ على ذلك قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (٣) فردَّ تعالى على الملائكة وعلى إبراهيم(عليه السلام) مع كمال عقولهم ومقبولية قولهم، ليبيّن للجميع بأنّه هو المتفرّد بالخلق والاختيار والتنصيب والعلم بالأصلح والأفضل والمستحق لهذه المناصب دون غيره مهما كان علمه وسعة عقله وصواب رأيه ورؤيته، فالخالق المختار يكون بكلّ تأكيد أعلم بما خلق وما أودع من إمكانيات في كلّ فرد من جميع خلقه والمصلحة المترتبة على ذلك الاختيار بخلاف اختيار سائر خلقه الفقراء المحدودين بالنسبة إليه تعالى، وقد أكّد تعالى ذلك بقوله: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (٤) .
وقد أكّد هذه الحقيقة رسول الله(صلى الله عليه وآله) نفسه كما يروي البخاري وغيره حين
________________________
١- القصص: ٦٨.
٢- البقرة: ٣٠.
٣- البقرة: ١٢٤.
٤- الأنعام: ١٢٤.
قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلّما هلك نبي خلفه نبي، وأنّه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأوّل فالأوّل أعطوهم حقّهم فإنّ الله سائلهم عمّا استرعاهم) (١) ، وهذا واضح في الإشارة به إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) حينما قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) دون غيره ممّن خلفهم على المدينة وفي آخر غزوة غزاها قبل وفاته(صلى الله عليه وآله): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي) (٢) ، فحديث المنزلة فيه نفس قوله(صلى الله عليه وآله) في الحديث الآخر الذي يبيّن كيفية الخلافة في هذه الأمّة وهو قوله(صلى الله عليه وآله): (وأنّه لا نبي بعدي)، وفي هذا الحديث نسب الاسترعاء لله تعالى، وأوصاهم أيضاً بإعطائهم حقّهم وبيعة أَوَّلهِم فأيّ أوّل غير عليٍّ(عليه السلام)؟ وأيّ حقّ غير الخلافة الإلهية؟ وأيّ استرعاء لهم من الله تعالى غير إعطائهم الولاية والأولوية على الناس من بعده؟ خصوصاً مع وجود رواية لحديث المنزلة يرويه ابن أبي عاصم في كتاب السنّة (٣) ، وحسّنه الألباني بلفظ: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّك لست نبياً وأنت خليفتي في كلّ مؤمن من بعدي). وفي رواية أخرى ذكرها الألباني في تخريجه وتحقيقه بكتاب السنّة لأبن أبي عاصم (ص٥٥٢) عن الحاكم (٣/١٣٢) وصححها ووافقه الذهبي بلفظ: وقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): (أنت وليي في كلّ مؤمن بعدي). فتأمّل جيّداً!!
فوجوب الإيمان بوجود خلفاء لخاتم الأنبياء والمرسلين يكونون أئمة معصومين مختارين من الله تعالى ومنتجبين من بين الخلق أجمعين أمر لابدّ منه على ما قررناه هنا، بدلالة الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والعقل والمنطق وسنّة الله التكوينية والتشريعية في خلقه وشرائعه، بالإضافة إلى أقوال العلماء
________________________
١- البخاري (٤/١٤٤) ومسلم (٦/١٧).
٢- البخاري (٤/٢٠٨) و(٥/١٢٩) ومسلم (٧/١٢٠).
٣- السنّة لابن أبي عاصم (٥٥١).
وإجماع الأمّة من وجوب الإمامة وتنصيب إمام على الأمّة يكون خليفةً لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، فيحمي الدين ويحقق الحقّ المبين ويطبّق الشرع المتين وينتصف للمظلوم من الظالم اللئيم، مع ترجيح الجميع لكون ذلك الخليفة هو الأفضل أو الأصلح.
ومع كلّ هذه الأدلة ننقل هنا كلمة رائعة للحافظ ابن حجر العسقلاني في تقرير ما قلناه عند كلامه عن نزول عيسى(عليه السلام) وصلاته واقتدائه بإمام المسلمين الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر(عجل الله تعال فرجه الشرف) فقال: "وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمّة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال أنّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، والله أعلم" (١) .
فنتيجة القول بعدم جواز التقليد في العقيدة؛ عدم جواز اتّباع وتقليد أحد مهما كان من دون حجّة قاطعة ودليل على حجّية قوله أو نصّ شرعي على وجوب اتّباعه، بخلاف ما ثبت لأهل البيت(عليهم السلام) من خصوصية وأهمية وتفضيل كآية التطهير وحديث الثقلين، وخصوصية عليّ(عليه السلام) التي نطق بها ابن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن حين قال: "إذا أتانا الثبت عن عليّ لم نعدل به" (٢) ، فمن
________________________
١- فتح الباري (٦/٣٥٨).
٢- الاستيعاب (٣/١١٠٤)، والإصابة (٤/٤٦٧)، وعند ابن الأثير عن ابن عباس أيضاً قال: إن ثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل عنه إلى غيره.
فائدة مهمّة: وهذا الكلام واضح في إثبات وبيان خصوصية وحجّية وتميّز لقول الإمام علي(عليه السلام) على سائر أقوال الآخرين وجعله في المقدّمة دون سواه من الأقوال، وهذا الكلام من ابن عباس يبيّن ويفسّر حمل كلّ الروايات التي تنقل ويخالف ابن عباس فيها الإمام علي(عليه السلام) ظاهراً، وكذلك ما رووه عن أبيه العباس بأنّها كلّها محمولة على التقية أو التظاهر بالخلاف فقط، أو محاولة نشر الأحكام الصحيحة بواسطة ابن عباس لعدم تحمّل ظرف الإمام(عليه السلام) من الجهر بها أو عدم طاعتهم وأخذهم عنه، لوجود الحساسية منه، أو معرفة كونه صاحب مذهب مخالف لمذهب الحكومات والخلفاء كإظهار الاختلاف في مسألة المتعة وتفسير القرآن وغير ذلك.
يخالف تلك الوصايا وتلك الخصائص والخصوصية لعليّ(عليه السلام) وأهل البيت الكرام وأفضليتهم الواضحة الثابتة فسيكون خاسراً يوم القيامة عارياً عن الحجة عند الله تعالى ولن يغني عنه حينئذ فلان شيئاً، كما قال تعالى في ذلك: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي} (١) .
ويتفرّع عن ذلك مشروعية بل وجوب البحث عن الحقّ ــ المختلف فيه بين الفرق المتعددة والكثيرة والمختلفة ــ على كلّ من يستطيع البحث والتمييز والتدقيق وتحليل النصوص والأقوال والأحداث، ومن ثمّ الخروج بنتيجة يقتنع بها ويطمئن إليها على أن تستند إلى قواعد علمية متّفق عليها ــ كلٌّ بحسبه ــ فيكون بذلك من المجاهدين في الله تعالى الباحثين عن الحقّ الذين تعهّد الله تعالى في صريح كتابه بنصرهم وأوجب على نفسه إيصالهم للحق وتأييدهم حين قال(عزوجل): {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (٢) ، وقال(وتعالى سبحانه) في هؤلاء أيضاً: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (٣) ووعدهم بالنصر فقال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} (٤) .
وهناك آية كريمة أرجو أن نتأمّلها جميعاً بشكل جيّد، يمتدح الله تعالى فيها حال الباحث المخلص وفي مقابله يذمّ المقلّد المتعصّب الماكر ويصف من يتّبع الدليل بالحياة بعد الموت فقد قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً
________________________
١- الفرقان: ٢٧ـ ٢٩.
٢- العنكبوت: ٦٩.
٣- الليل: ٤ ــ ٧.
٤- الحج: ٤٠.
يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ * فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} (١) .
نسألك اللّهمّ أن تتقبّل منّا جهدنا المتواضع الذي نبذله في أبحاثنا، وأن تجعله لوجهك خالصاً، وأن توفّقنا وجميع المسلمين لطرق باب البحث دائماً، واتّباع الدليل مهما كان لما نعتقده مخالفاً، وقبولنا للحق ولو كان مرّاً، فنلازم الحقّ ونفارق ما كان باطلاً، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وإلى سواء السبيل، وصلّى الله على خير خلقك محمّد وآله الطاهرين.
________________________
١- الأنعام: ١٢٢ ــ ١٢٦.
قررت ــ بعد ظهور وانكشاف هذه النتائج على غير ما كنت أعتقده وأتوقّعه مطلقاً وفي وسط هذا الخضم المليء بكلّ جديد ممّا لم يخطر على بالي أبداً ــ أن أطوي كشحي بشحذ همّتي، والتشمير عن ساعدي، وشد حيازيمي، وأنقاد بنفسي وقلبي وهواي لأمر واحد دون شيء سواه، وهو الحقّ الثابت بالدليل والبرهان؛ فتحتمَ عليًّ أن أبحث في هذا الموضوع بتجرّد أكثر ودقّة أكبر؛ ليكون اختياري للمذهب والعقيدة الواقعية الحقة التي أمرني الله تعالى بالتزامها، ومن ثمّ أستطيع المحاجة والدفاع عنها أمامه تعالى يوم الحساب، لكونها صادرة عن علم ودراية ويقين وسعة تأمّل وتحليل وتفكير، لا عن تسرّع أو جهل أو اشتباه أو تقصير.
فقررت التحوّل بعد فترة، وبعد حينٍ من المعاناة والحيرة، بعد أن حصلت عندي القناعة بوجوب الانتقال، وترك التقليد والحيدة عن الحق والاحتيال، ومن ثمّ الميل مع الدليل الدال على وجوب التزام ومتابعة عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله) والآل.
فقلَّبتُ وجهي ورمقت بناظري نحو السماء والآفاق، وفكّرت مليّاً بما سيترتب على هذا الانتقال من المعاناة والمشاق، وما سيضرب عليّ من حصار تُسكب فيه الدموع من الآماق، ويكون من المحتم عليَّ حينذاك التقوقع والانغلاق، وعدم التواصل مع إخوتي وأعزّتي والرفاق، فأكون وحيداً شاذاً
محسوباً من المرّاق، فيحكم عليَّ بالردة وترك الحق، ويُسام عليَّ سوء العذاب، عن حقّ ــ بزعمهم ــ وعن استحقاق، وفعلاً قد حصل معي الكثير من ذلك فيما بعد، سَأُعرِّجُ على ذكر بعض ما فعلوه معي من تصرّفات وتهديدات وويلات في محلّه إن شاء الله(عزوجل) خالق البريات.
فترددت ــ مع كلّ هذه المخاطر والخطوب التي تنتظرني، وهذه الأجواء التي ستحيط بي، والعسر المادي والمعنوي الذي سيصيبني (١) ــ في خوض غمار هذا البحث الخطير الذي طالما حذّرني من خطورته وعدم جدواه أساتذتي وزملائي في المسجد، وأنّه قلما وصل من سلك طريقه إلى نتيجة مخالفة لما هو عليه من مذهب واعتقاد، كان قد ورثه عن الآباء والأجداد، وأنّه نادراً ما استفاد من سلك طريقه فحصل له الانتقال المنشود بعد بذل الجهد والجهاد، وبالتالي فقد تقرر عندي بأنّ بحثي هذا سوف يكون تضييعاً للعمر وللوقت والاجتهاد.
________________________
أمّا المعاناة المعنوية فلأنّ المفهوم المتعارف عند السنّة أنّ أسوأ وأكذب فرقة وأذل طائفة هم الرافضة ــ بزعمهم ــ وأفضل طريقة وأصحّها والفرقة الناجية والطائفة المنصورة هي السلفية!! فماذا سأقول إن تحوّلت من فرقة مغرورة مستعلية على سائر المسلمين لا ترى الحقّ إلاّ معها ولا ترى الباطل إلاّ في سائر الفرق الأخرى التي تخالفها وخصوصاً الشيعة! فهذه النظرة الدونية للشيعة والراسخة في الأذهان هو ما سيجعلني أشعر بالذنب والحياء إن أنا تحوّلت دون سائر الناس من السلفية إلى التشيّع فعلى الأقل سوف تقل قيمتي اجتماعياً! بعد أن كنت رأساً محترماً! يشار له بالبنان والأسبقية في هذا المضمار! وكذلك سوف أسأل نفسي دائماً وأشك في صحّة اختياري وتحوّلي لما ذكرته آنفاً ممّا رسخ في أذهاننا وما تربّينا عليه، وكذلك بالنسبة للمعاناة المادية فإنّني أعمل في بيع الكتب السلفية ولا أجيد غير ذلك، خصوصاً أنّ ذلك معروف عنّي في السوق فلا أستطيع بعد ذلك بيع كتب الشيعة أمام الجميع، لا سيما وأنّني قررت عدم مفارقة السنّة والبقاء معهم للمناصحة وتوحيد الصفوف وتقبُّل الآخر دون إعلان تشيّعي لعدم تقبّلهم مني حينها، هذا بالإضافة إلى الخوف من الأمن الصدامي! ولا أستطيع أيضاً بيع كتب السلفية بعد ذلك وأنا أقطع بأنّ أكثرها كتب ضلال.
ولكنني ــ في نفس الوقت ــ خيرت نفسي بين الدنيا والآخرة، وبين الجنّة والنار، وبين الفوز والخسران؛ فحينئذ هانت الصعاب في نظري، وتضاءلت الخطوب في خاطري، وكان أسوتي وقدوتي في ذلك سلمان الفارسي (المحمّدي)، الذي شرّفه النبيّ(صلى الله عليه وآله) واعتبره من أهل البيت(عليهم السلام) بسبب بحثه عن الحق، واتّباعه وانقياده وتسليمه له أينما وكيفما ومع من كان، مع ما لاقاه من بيع واستعباد ومشاق، وترك للجاه والسمعة والقصور والمعابد ووراثة لآبائه السدان، فجازاه الله بالإكرام والإحسان، ورفعه وعوّضه أعلى المراتب والمنازل، فصار يشار إليه بالبنان، فكان حقّاً محمّدياً سلمان، فصار لكلّ باحث عن الحقّ عزاء وسلوان.
فبدأتُ الرحلة متوكّلاً على الله تعالى، قاصداً للبحث عن الحق بكلّ تجرّد، وتذكّرت حينها شعاراً سلفياً شيعياً "أن لا نعمل إلاّ بدليل"، وبعبارة شيعية "نحن أتباع الدليل أينما مال نميل"، وتعاهدت مع نفسي أن أتّبع الحقّ ولو كان مع المجوس أو اليهود ناهيك عن الصوفية أو الإخوان أو الشيعة، إن ثبت لي ذلك الحقّ بالدليل وحصل عندي معه الاطمئنان والتصديق، وبهذه الروح المجردة والمتجردة بدأت الرحلة لأكون منصفاً في الحكم غير مائل لجهة دون جهة، بخلاف ما كنت عليه في السابق من بذل قصارى جهدي في إيجاد الأعذار والتأويلات المقبولة وغيرها كي أصحح مذهبي ورأيي كما تعلمت ذلك من أساتذتي، ولو كانت غير مقبولة أو بعيدة أو دون دليل أو بترجيح المرجوح أو البقاء بلا جواب، لإحسان الظن بالعلماء لاعتقادي بأنّ هذا الإشكال أو ذاك قد ورد عليهم قطعاً وأجابوه حتماً، وما إلى ذلك من تبريرات وأعذار ما أنزل الله بها من سلطان، وقد تصل النوبة فيها إلى التعصّب والتقليد دون قناعة أو اطمئنان!!
قررت خوض هذه الرحلة بعد أن ثبت لي وجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) دون من سواهم، وبعد أن انكشفت لي حقيقة مذهب أهل السنّة وتهدّمت لديّ أهم أركانه، وسقط عندي أقوى دليل على صحّته؛ وهو اتّباع الكتاب والسنّة النبوية بنقل أيّ صحابي، وجواز الأخذ عنه لا على التعيين وبلا أي تخصيص أو استثناء أو قيد أو تأمّل في أحد منهم!! سقط من نظري عن بصيرة، وانهار كيانه باندهاش وحيرة، فسببت لي تلك الحقيقة وذلك الانكشاف صدمةً وتزلزلاً وشكّاً وعدم معرفة بكيفية التصرّف المناسب مع مثل هذه المستجدات والمفاجآت التي حصلت معي بالذات دون غيري من بين قرابة مليار مسلم على وجه هذه المعمورة، دون سابق إنذار أو توقّع أو استعداد، وهذه الصدمة جعلتني أدور في دوامة وشكوك لا أوّل لها ولا آخر، ولا مرشد لي فيها ولا ناصر غير الله، فأيّ أخٍ أستطيع التحدّث معه فيعذرني، وأيّ عالم أو أستاذ متجرّد يمكنني سؤاله واسترشاده فينفعني، وأيّ صديق يمكن أن أستسرّه فيؤمنني، فبقيت على هذه الحال من صراع وقلق وخوف من كلّ شيء حولي.
وقد يقول قائل هذه مبالغة! فأقول: لا والله، فإنّكم لو جرّبتم أو خضتم، لما قلتم ما قلتم، وما بذلك تفوّهتم، وكذلك لو تعرّض أحدكم ــ عافاه الله ــ لما تعرّضت إليه من تهديد ووعيد، لما قال ما قال، لأنّه فوق التصوّر ناهيك عن التصديق!
فبقيتُ في تلك الدوامة وذلك القلق أتقدّم خطوة وأرجع خطوات، فإلى من أشكو، ومن يسمعني، ولمن أعرض ما توصّلتُ إليه، ومن يطّلع على مثل هذه الأمور التي تضرّ بي ولا تنفعني ولو دنيوياً أو اجتماعياً، ناهيك عن عدم توقّعي أو تخطّري يوماً ما أن يكون الحقّ مع الشيعة؛ فالشيعة قد كانوا مشركين في نظري غير موحّدين، ولا يؤمنون بهذا القرآن، ويكفّرِون كلّ السلف والصحبان، وللأئمةِ عُبّاَد، وهم للدين هُدّام، بل هم أخطر وأشرّ على الإسلام عندنا من اليهود وأهل الصلبان، بالإضافة إلى كونهم منبوذين في العراق محارَبين، فهم يُعتَبرون مواطنين من الدرجة الثانية، فلا يحقّ لهم بناء مسجد واحد أو حسينية أو قاعة للمناسبات ولعقد اللقاءات، بل إنّ الكثير من مساجدهم قد اغتصبها بعض السلفيين دون أن يستطيع الشيعة منعهم، بل لم يستطيعوا حتّى الاعتراض عليهم، وكذلك منعوا بيع وشراء واقتناء الكتب الشيعية، بل حتّى صلاة الشيعة يصعب أداؤها في الأماكن العامّة أو الحكومية، بل حُبس الكثير من الشيعة وأُعدموا بتهمة الانتماء إلى (حزب الدعوة) لمجرد صلاتهم في المساجد، خصوصاً أثناء الحرب مع إيران، وهكذا سماع إذاعة إيران والمحاضرة الدينية للشيخ الوائلي(رحمه الله) وغيره أمر لا يتمّ إلاّ بشقِّ الأنفس والمجازفة؛ فهذا قليل من كثير ممّا يعانيه الشيعة في العراق؛ فلا أدري ما الذي سيقنعني ويدفعني لأن أكون فرداً من هذه الجماعة المظلومة المغلوبة على أمرها، المسلوبة إرادتها وحقوقها، بل المسلوبة حقوقها وهي في وطنها التي من حقّها أن تعيش بكرامة ومساواة مع غيرها، وحريتها في اختيار عقيدتها وممارساتها الدينية، ويزداد الألم حينما نعلم بأنّهم يشكّلون الأغلبية الساحقة من السكان، وأراضيهم أغنى بقاع العراق على الإطلاق، وهم يعيشون الحرمان بكلّ معانيه، ويعانون الذل والهوان بسبب تسلّط أولئك المتسلّطين المتجبّرين الطغام، وبأوامر مباشرة من سادتهم المستعمرين الأمريكان، وتواطيء الطائفيين من الجيران.
فما الذي سيعجبني من هذا الحال، ويدفعني للانضمام إلى صفوف أناس بهذه الصفات، وهذا البعد عن التوحيد والإنصاف، وهذا الحال من الجهل والبعد عن الحقّ، بل معاداة الدين ومحاولة الانتقام، وتمنّي هدمه بحسب عقيدتي فيهم وسابق ظنّي، أمّا من الناحية الاجتماعية فتعج بهم كلّ هذه الآلام، وكونهم فرقة لا يحقّ لهم الكلام، وطائفة محرومة ومسلوبة الحقوق بين السكان..
ولكن! من جانب آخر دلَّ عندي الدليل على أحقّيتهم، وأوجب عليّ البرهان متابعتهم؛ بحيث لا يمكن أن يهتدي من أراد الهداية إلاّ من خلالهم، لعدم وجود جماعة تَتَّبع أهل البيت(عليهم السلام) ــ الذين ثبت عندي وجوب اتّباعهم ــ سواهم، فهم ينتهلون من منهلهم ويعرفون أخبارهم وأخلاقهم ويهتمون بهم ويلتزمون حبّهم ويتمسّكون بحبلهم فلا أستطيع تجاوزهم مع امتيازهم وتميّزهم.
بخلاف غيرهم من المخالفين للشيعة، ممّن يدّعي محبّتهم ومتابعتهم وهم لا يعرفون عنهم أيّ شيء، بل لا يعرفون غير التنكيل بشيعتهم ومحاربة من يدّعي اتّباعهم وينتسب إليهم بعد رميه بالغلو فيهم، وفي نفس الوقت يقومون بتولّي أعدائهم والدفاع عمّن قتلهم وقاتلهم أو كفّرهم أو لعنهم وسبّهم وأبغضهم، مع روايتهم عمّن نصب العداء لأهل البيت(عليهم السلام) والخوارج والملوك والخلفاء بكلّ إخلاص وافتخار، ودفاع مستميت عنهم وتوثيقهم بأعلى الدرجات، وعدم مقارنة جلالتهم بأحد حتّى مع أهم علمائهم المعتدلين! فهؤلاء عندهم أوثق الناس، مع أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يصفهم بأشنع الأوصاف وينفر عنهم ويحذّر من اتّباعهم أو التزام طريقتهم.
فقد رووا هم أنفسهم بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد أثبت للمبغضين والنواصب النفاق حين أخبر عليّ(عليه السلام) عنه(صلى الله عليه وآله) بعهده إليه: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه عهد إلى
النبيّ الأمي أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق) (١) ، ورووا أيضاً بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد وصف الخوارج بأنّهم: (شرّ البرية) (٢) ، و(شرّ الخلق والخليقة) (٣) ، وأنّهم (كلاب النار) (٤) ، وأخبر(صلى الله عليه وآله) عماراً بخصوص معاوية والقاسطين وإنّه سوف (يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار) (٥) ، ومع ذلك يأتي أهل السنّة ويتولّونهم ويتبعونهم ويثقون برواياتهم ويأخذون الدين عنهم! مع أنّ المنافق قد وصفه النبيّ(صلى الله عليه وآله) لنا بأنّه: (إذا حدَّث كذب)، وفي نفس الوقت يتعاملون مع الشيعة الذين يسمّونهم الروافض بخلاف وعكس تعاملهم مع الخوارج والنواصب، فقد قرروا بأنّهم لا يروون عمّن يسبّ أبا بكر وعمر ولا كرامة كما يصرحون بذلك، بخلاف فعلهم مع من يبغض عليّاً! مع أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) فضح مبغضي عليّ(عليه السلام) لا غيرهم وحذّر منهم وبيّن بوضوح بأنّهم دعاة إلى النار!!
وقد أكّد الحافظ ابن حجر العسقلاني هذا المعنى تماماً ولكنّه برره بعد ذلك تبريراً بارداً يضحك الثكلى فقال كما في تهذيب التهذيب حيث قال: وقد كنتُ أستشكلُ توثيقهم الناصبي غالباً وتوهينهم الشيعة مطلقاً ولا سيما أنّ عليّاً ورد في حقّه: (لا يحبّهُ إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق)، ثمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البُغض ها هنا مقيَّد بسببٍ هو كونه نصر النبيّ(صلى الله عليه وآله)... (٦) .
________________________
١- رواه مسلم في صحيحه (١/٦١) وغيره.
٢- الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٢٢٥) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/١٥٤).
٣- صحيح مسلم (٣/١١٦).
٤- الترمذي (٤/٢٩٤)، وابن ماجة (١/٦١و٦٢)، والحاكم (٢/١٤٩) و(٣/٥٧١)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٥/٢٣٠) و(٦/٢٣٠) وما بعدها، وأخرجه أيضاً البيهقي والطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والحميدي وابن أبي عاصم في كتاب السنّة وغيرهم.
٥- صحيح البخاري (١/١١٥) وفيه أيضاً بلفظ: يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار في (٣/٢٠٧).
٦- تهذيب التهذيب (٨/٤١١).
ولنأخذ مثلاً على اتّباع أهل السنّة لغير أهل البيت(عليهم السلام)، وتفضيل كلّ من هبَّ ودبَّ عليهم، فهم يأخذون دينهم ويروون السنّة المطهرة عن مثل أبي هريرة الذي رووا عنه (٥٣٧٤) حديثاً! تلك الشخصية القلقة المجهولة المشكوك فيها، والذي صحب النبيّ(صلى الله عليه وآله) أقل من سنتين! مع قوله بأنّه روى لهم جراباً من الجرابين ودلواً من الدلوين!! بينما يروون عن عليّ(عليه السلام) (٥٠) حديثاً صحيحاً فقط! وبما يتوافق مع مذهبهم طبعاً، كتحريم المتعة، وغسل الرجلين، وما إلى ذلك، مع أنّ الإمام(عليه السلام) تربّى منذ نعومة أظافره في حجر النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وعاشره وصحبه طيلة مدّة البعثة الشريفة وبقي بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة وهو الحافظ للقرآن، العالم بالسنّة، وأقضى الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والذي كان مستشاراً وناصحاً ومعلّماً لكلّ من طلب النصيحة منه، دون أن يسأل هو أحداً أو يحتاج إلى علم آيةٍ أو حديثٍ من أحدٍ مطلقاً.
ويروي البخاري في صحيحه الذي يعتبرونه أصحّ كتاب بعد كتاب الله تعالى عن مثل عمران بن حطان مادح قاتل عليّ وكبير الخوارج (١) ! وعن مروان بن الحكم الذي قتل طلحة غدراً (٢) والذي فعل ما فعل للاستحواذ على الخلافة والملك! وعن حريز بن عثمان كبير النواصب الذي كان يسبّ عليّاً(عليه السلام) ويلعنه على المنبر! وكان بعض النواصب يُنسبون إليه فيقولون عن الناصبي (كان حريزي المذهب) (٣) !
________________________
١- راجع سير أعلام النبلاء للذهبي (٤/٢١٤) وغيره.
٢- مجمع الزوائد للهيثمي (٩/١٥٠) وعن قيس بن أبي حازم قال رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في عين ركبته فما زال يسيح إلى أن مات، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
٣- راجع لمعرفة كلّ ذلك في ترجمته من تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب والكامل في الضعفاء وميزان الاعتدال ولسانه وكلام ابن حبان في الجوزجاني السعدي الناصبي الذي يعتبرونه من أئمة الجرح والتعديل وقوله فيه (كان حريزي المذهب)!!!!! نستجير بالله تعالى.
وفي المقابل، يترك الرواية عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، ولم يخرج للإمام الحسن(عليه السلام) سيّد شباب الجنّة أيضاً ولو حديثاً واحداً!
فكيف يصح لي أن أترك من تمسّك بعليّ(عليه السلام)، وأصدّق وأتّبع من يُفضّل ويتّبع مثل هؤلاء المجاهيل؟! وآخذ ديني وعقيدتي ممّن يروي عن كعب الأحبار، ويروي عن مثل وهب وهمام ابني منبه روايات تفوح منها رائحة بني إسرائيل، خصوصاً بعد قول النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) لنا، ووصيته لمن أراد الهداية منّا، مراراً وتكراراً كما رواه جمع، منهم أبو سعيد الخدري عنه(صلى الله عليه وآله): (تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعدي الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (١) ، فكيف لي أن أخالف هذا الحديث الواضح الذي يصرّح بثقلهما ونفاستهما وخلافتهما لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ووصيته بالتمسّك بهما ومراعاتهما واتّباعهما وأخذ الدين عنهما مع استمرارهما من بعده ودون انقطاع إلى يوم القيامة؟!!
أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله) كتابة ذلك في وثيقة ــ كما استعرضته فيما مضى ــ في آخر أيام عمره الشريف ولكنهم اعترضوا على طلبه ورفضوا تقديم الكتاب له(صلى الله عليه وآله) ليكتب لهم ذلك ومنعوه من كتابة وصيته الشريفة، والتي صرّح لهم بأهميتها، فهذا النص
________________________
١- رواه بطرق وألفاظ مختلفة الكثير من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم بألفاظ مختلفة ومتقاربة كمسلم والترمذي وأحمد والطبراني والحاكم والدارقطني والطحاوي في مشكل آثاره وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وابن أبي عاصم في السنّة وصححه الألباني والحاكم والذهبي والهيثمي.
الذي يثبت الضلال عند المخالفة يدلّ على حصر خلافته(صلى الله عليه وآله) بالكتاب الكريم والعترة الطاهرة(عليهم السلام)؛ فلا يمكن بعد ذلك أن تختار الأمّة بصورة كيفية ومزاجية واجتهاد وإعمال رأي في قبال اختيار الله تعالى ونصّ رسوله(صلى الله عليه وآله): {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} (١) ، ومن ثمّ عمموا وجوّزوا خلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخلافة الله تعالى كما قال(عزوجل): {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} (٢) لكلّ من هبّ ودبّ! بعد تخصيصه(صلى الله عليه وآله) وتحديده لخلفائه على نحو الحصر بأهل البيت(عليهم السلام) للأمن من الضلال، ومن ثمّ الهداية إلى الله وإلى الحقّ والفوز بالجنّة والنجاة من النار.
________________________
١- القصص: ٦٨.
٢- البقرة: ٣٠.
وجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)
في هذه الأحوال الصعبة وهذه الظروف العصيبة، وما ثبت لي فيها من فوارق جذرية بين الفريقين؛ قررت ترك ونبذ مذهب أهل السنّة عموماً، والسلفية خصوصاً، بعد أن تهدّمت وتهاوت أركانه ومعالمه وعرشه.
بدأت البحث عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الذي ثبت لي وجوب اتّباعه بالحجّة والدليل والبرهان، إن أردتُ النجاة والهداية وعدم الضلال، والذي نصّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأكّد على التمسّك به من بعده، في أكثر من مناسبة ومحفل؛ فأوصانا بالتمسّك بخليفتيه والثقلين اللذين تركهما في أمّته من بعده، وهما كتاب الله وأهل بيته من عترته (١) ، وأخبر بأنّه خَلَّف فينا بعده خلفاء شرعيين راشدين هاديين مهديين ربانيين تجب طاعتهم والتمسك بِسُنَّتِهم، مطلقاً دون قيد أو شرط، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أكّد على ذلك وشدد وحضّ عليه مطلقاً، بعد أن بيّن تعالى للجميع منزلتهم فأوضح لنا(وتعالى سبحانه) عصمتهم خلافاً لغيرهم، ونصّ في آية التطهير على طهارتهم وإذهاب الرجس عنهم، فأمرنا تعالى باتّباعهم وطاعتهم كما نطيعه ونطيع رسوله، وأمرنا على لسان رسوله(صلى الله عليه وآله)
________________________
١- أخرجه مسلم بتفصيل، والحاكم في مستدركه (٣/١١٠)، والترمذي وأحمد والطبراني وابن أبي عاصم والدارقطني والديلمي وابن عبد البر في جامع بيان العلم والطحاوي، وصحح بعض طرقه الحاكم ووافقه على أكثرها الذهبي، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني (انظر السلسلة الصحيحة له: ح١٧٦١) والهيثمي وغيرهم كثير.
باتّباع سنّتهم والعضّ عليهم بالنواجذ بعد أن وصفهم بالخلفاء الراشدين المهديين (١) ، وأنّ عددهم اثنا عشر خليفة (٢) ، وأنّهم كعدّة نقباء بني إسرائيل (٣) ، وأنّه(صلى الله عليه وآله) أراد كتابة ذلك والنص على الإمامة ومساعدة الأمّة على قبولها وتثبيت إمامة عليّ(عليه السلام) بوصية واضحة صريحة لا لبس فيها وبمرأى ومسمع ممّن كان يرفض ذلك ويقاومه، لئلا ينكروا أو يغيرّوا أو يبدّلوا أو يتمرّدوا على الأمر الإلهي ويحاولوا عدم إمضائه وإنفاذه وتطبيقه وامتثاله بعد رحيله(صلى الله عليه وآله)، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) بما قام وفعل ما فعل وبذل كلّ ما يمكنه بذله من جهد، لكي يوفّر لصحابته وأمّته من بعدهم وإلى يوم القيامة سبب هدايتهم.
فأغلق النبيّ(صلى الله عليه وآله) باب ذلك الخيار الذي يفضحهم مع أنّه سيفقد فرصة تحصيل تلك المصلحة بصورتها الكاملة، فاختار هذا الخيار الصعب بالرغم من مرجوحيته، وفضّله على الخيار الآخر وهو كتابة ذلك الكتاب رغماً عنهم، مع اعتراضهم ورفضهم القوي؛ لأنّ الأخير سيسبب رِدَّة الناس جميعاً عن الإسلام وترك التوحيد والنبوّة ناهيك عن الإمامة، فلو كان ذلك سيؤدّي إلى تعطيل الإمامة فحسب لهان الأمر، وكان إرغامهم على قبول كتابة الكتاب راجحاً من جهة إقامة الحجّة عليهم، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) لا يعدل عن الراجح إلى المرجوح إلاّ بسبب يمسّ جوهر العقيدة والدين، فاختار النبيّ(صلى الله عليه وآله) حصول أقل الضررين واكتفى ببيان جريمتهم
________________________
١- رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن أبي عاصم في السنّة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني أيضاً.
٢- البخاري (٨/١٢٧)، ومسلم (٦/٣ - ٤)، وأحمد والترمذي وأبو داود والحاكم وغيرهم.
٣- رواه أحمد وأبو يعلى والبزار في مسانيدهم وحسنّه ابن حجر في فتح الباري (١٣/١٨٣) وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/١٩٠): وفيه مجالد بن سعيد وثّقه النسائي وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات.
الكبرى وفساد فعلهم وخطأ اختيارهم بطردهم وقوله لهم بعد أن وصفوه بالهجر ونسبوه إلى الهذيان، وبعدما أكثروا من اللغط والاختلاف: (دعوني ــ قوموا عنّي ــ فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه) (١) كما قرر ابن تيمية ذلك تماماً واعترف به حين قال في منهاج سنّته: (رأى النبيُّ(صلى الله عليه وآله) أنّ الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة ؛ لأنّهم يَشُكُّون هل أملاه مع تغيِّره بالمرض(أي: مع هجره)؟ أم مع سلامته من ذلك؟ فلا يرفع النزاع فتركه) (٢) !
وهذا الترديد بين القبول على مضض، وبين الرفض والقتال والمجابهة قد صرّح به عمر نفسه في حادثة السقيفة وبنصّه فلا يأتي أحد بعد ذلك ويقول قد افتريتم على عمر أو أنّه لا يمكن أن يفعل شيئاً من هذا القبيل، فهذا هو طبعه وهذه عقيدته! فقد قال عمر كما يروي البخاري ذلك: (فخشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى وإمّا أن نخالفهم فيكون فساد) (٣) ، فهذا التصريح منه وهذا النَفَس يتّفق مع فعلته في تلك الرزية وقوله الشنيع ؛ لأنّه عين قوله في تلك الحادثة المؤلمة تماماً؛ حيث شكك بعصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وطعن في أوامره واجتهد في قبال نصّه(صلى الله عليه وآله)، فترك النبيّ(صلى الله عليه وآله) كتابة الوصية ــ لا نفس الوصية ــ ومن ثمّ لم يتمكّن من إلزامهم بها من بعده من دون أن يبقى مجال لأحد في إنكارها أو التشكيك بها أو تأويلها، ومن ثمّ ضيّعوا الهداية على الأمّة جمعاء، بحيث لم يكن ليضلَّ أحد ولو كان من الرعاع؛ ولكن قد سبق القدر والقضاء في مخالفتهم لإرادة أرحم الرحماء، هنا في يوم الرزية كما في يوم إنفاذ جيش أسامة وكما في حجّة الوداع، فكانوا من الأشقياء، وتسببوا في ضلال
________________________
١- البخاري (٣/١١١١ و١١٥٥) و(٤/ ١٦١١) ومسلم (٣/١٥٨).
٢- منهاج السنّة لابن تيمية (٦/٣١٥).
٣- البخاري (٨/٢٨).
الأمّة فحصل لها ما يخشى عليها من ضلال وتمزّق وانفتاق، فحرفوا الدين عن مساره فافترقت الأمّة أيّ افتراق، وأخذوا به بعيداً عن الحقّ فاختلف المسلمون وأصبحوا في فراق، وتكفيريين ومُرّاق، ففشلٌ وذهاب ريح وارتماء، فحُرِموا وحَرموا الأمّة من السموّ والارتقاء.
كلّ هذه المعاناة والمحاولات للنبيّ(صلى الله عليه وآله) تدلّ على حرصه على الأمّة وتبليغه الرسالة أعظم تبليغ، بل أقام الحجّة البالغة التي لا يجحدها ولا يشكك أحد فيها وإلى قيام الساعة، فجزاه الله عنا خير ما جازى به نبيّاً عن أمّته.
وقد بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمّة، ولكن البعض أبوا وأصرّوا على خلافه واجتهدوا في قبال أمره وصريح تبليغه، ففعلوا وخططوا وخالفوا إرادة الله تعالى من قبول حصر الإمامة والخلافة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) في أهل بيته(عليهم السلام)، بعد اصطفائهم من الله تعالى وتطهيرهم بالإضافة إلى أفضليتهم الظاهرة على جميع الأمّة، والتي يعترفون هم أنفسهم بها حاشا الإمامة والخلافة للنبيّ(صلى الله عليه وآله)، كلّ ذلك لجدارتهم ولياقتهم لهذا الأمر الصعب والتكليف الرباني العسير من قيادة الناس وهدايتهم، وخلافة نبيّهم(صلى الله عليه وآله).
وهذا ليس ادّعاءً أو فهماً أو استنباطاً منّي دون دليل! وإنّما هو عين ما نصّ عليه الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) حين حذّر الصحابة، وبالتالي نبّه أمّته على ما سيحدث من بعده وما سيغيّر وما سينقلب عنه المسلمون ويجحدون من نعمة وفضل من الله تعالى عليهم قبل أن يكون تفضيلاً لأهل البيت(عليهم السلام) واصطفائهم لذلك الأمر دونهم؛ فإنّ الله تعالى وصف إمامة أهل البيت(عليهم السلام) بإكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب، فيا لها من نعمة قد جحدوها، ويا له من فضل كفروه، ويا له من لطف رفضوه، فحرموا منه ولم يجنوا ثماره اليانعة الطيبة.
فحرموا أنفسهم من فضل ونعمة ينبغي لهم أن يعترفوا بخسرانهم من دونها
في الدنيا والآخرة، ويجب عليهم أن ينتبهوا لتركهم ذلك الأمر العظيم فيعودوا إليه، ويعتذروا عن التمرّد عليه وجحده وهو بهذه المكانة والأهمية حتّى أمر الله تعالى ورسوله الكريم(صلى الله عليه وآله) بطاعتهم المطلقة والانقياد لهم ليهتدوا، كما نبّه النبيّ(صلى الله عليه وآله) على أهمية ذلك بوصفه لمن يترك إمامة وولاية أهل البيت(عليهم السلام) ولا ينقاد لها بأنّه يموت ميتة جاهلية، وأنّ من لا يتمسّك بالثقلين والخليفتين على الأمّة بعد نبيّها(صلى الله عليه وآله) فإنّه يضلّ من بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) بلا شك ولا ريب.
فبعد أن رأيت ما بينّاه من حرصِ النبيّ(صلى الله عليه وآله) وإصراره على بيان أمر الخلفاء من بعده وجهاده ومعاناته الشديدة بتبليغهم هذا الأمر الإلهي العظيم المكلّف به من الله، وطعنهم في شخصه الشريف وعصمته ونبوّته، حيث لاقى ما لاقاه من الرادّين عليه والساخطين على أمره وحكمه الشرعي الإلهي هذا.
والذي يحتمل أنّ بعضهم ظنّ بأنّه اجتهاد شخصي من النبيّ(صلى الله عليه وآله) ورأي رآه وتحيّز وتفضيل لابن عمّه عليهم دون وجه استحقاق وفضل أو دون أمر إلهي شرعي، وإنّما كان ذلك لمجرد رغبة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وحبّه لعليّ(عليه السلام) وترشيحه له برأيه الخاص والشخصي ــ إحساناً منّي للظن بالبعض ولكي لا نظلم أحداً ــ ولذلك قد يكون صدر منهم ما صدر فلا يدخل هذا الصنف مع المعاندين، ومع ذلك بقي(صلى الله عليه وآله) يبيّن ذلك الأمر ويحاول تطبيقه وتنفيذه بكلّ وسيلة مشروعة ومتاحة ومقدورة له وبشتّى الطرق والأساليب التي بيّنا بعضها هنا، وبكلّ عزم وإصرار ودون هوادة أو مداهنة أو تقصير أو يأس، واضعاً بين عينيه قول الله تعالى له وخطابه الشديد اللهجة معه، مبيّناً فيه عدم كون ذلك الأمر لقرابة أو رغبة شخصية منه لعليّ(عليه السلام) مهما ظنّت قريش ذلك، وإنّما هو أمر إلهي ونصّ شرعي ووجوب ديني، بل هو حكم عقلي وأصل عقائدي لا يتمّ الدين من دونه، فقال تعالى مبيّناً ذلك: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ} (١) فلا يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد بلّغ تمام رسالته إلاّ بهذا الأمر الذي هو ليس منه بل من ربّه!! فيكون تبليغه ناقصاً غير تام من دون ذلك؛ ولا يعتبر حينئذ قد بلّغ الدين الذي أراده الله تعالى للأمّة، فلا يكون مبلّغاً للرسالة الحقيقية الكاملة الخاتمة، والتي بها صلاح الناس وكمالهم الذي أراده الله تعالى لهم وأحبّ أن يكونوا عليه، وشرّع ذلك الدين الخاتم الكامل المتكامل من أجل تحقيق هذه الغاية والوصول إليها، وبذلك الأمر (إمامة أهل البيت(عليهم السلام)) يؤمَن من تحريف الدين أو تأويله أو التلاعب به أو تضييعه أو ضياعه؛ لوجود قيّم معصوم عليه بصورة مستمرّة وعدم استغلال أحد للدين أو تسييسه من قبل السلطات والحكومات الغاصبة الظالمة، وبالتالي يؤمن من ضلال الأمّة واختلافها فتحصلُ الهداية العامّة للأمّة، والتي أومأ إليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأشار إليها وبلّغها بقوله: (إنّي تارك فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (٢) .
فرأيت بأنّ من المحتم عليّ أن أتأسّى برسول الله(صلى الله عليه وآله) حين تبليغه لهذا الأمر، وأتحمل مشاق هذا الطريق وصعوباته من باب أولى وأوجب؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ما فعل كلّ ذلك وأصرّ هذا الإصرار وبيّن ذلك البيان، وحذّر مَن يتركه مِن حتمية الضلال؛ إلاّ لأهمية هذا الأمر وعظمته وكونه أصلاً عقائدياً وركناً دينياً لا يتمّ الدين إلاّ به ومن خلاله.
ويشهد لذلك تحذير الله تعالى لنبيّه(صلى الله عليه وآله) من ترك تبليغه لهذا الأمر، وتهديده
________________________
١- المائدة: ٦٧.
٢- قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٧٠) ورجاله ثقات، و(٩/١٦٢): رواه أحمد وإسناده جيّد، وأخرى (١/١٧٠): رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٤٥٧).
بعدم تبليغ الرسالة أصلاً من دونه، وبيان الله تعالى لنبيّه(صلى الله عليه وآله) بأنّه معه ومؤيّده وعاصمه ممّن يخاف اعتراضهم وسخطهم وحتّى تهوّرهم وانتقامهم.
فأنا لم ولن أتعرّض لمثل ظرف رسول الله(صلى الله عليه وآله) والضغوط التي مورست عليه قطعاً، فلا يوجد حولي أناس بتلك الشراسة والدهاء، ولم يكن من حولي اليوم في مثل ظرف الأوّلين في فرصتهم الوحيدة لإمكانية اعتلائهم كرسي الخلافة وتحقيق الطموح الشخصي، والحقد والحسد والبغض لعليّ(عليه السلام) وبني هاشم، فليس السنّي مهما كان حاله كالقرشي في طموحه في كلّ ذلك وتقديم المصلحة الشخصية على الدين والاعتقاد الحقّ والاقتناع التام بالدين، فإعطاء قريش الحقّ لكلّ أحد في خلافة المسلمين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يجعله المسلم السنّي نصب عينيه مثل القرشي في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله) الأعظم مع أنّهم الآن سيستفيدون من ذلك أيضاً! إذْ إنّ القول بعموم الخلافة لكلّ من هبّ ودبّ تجعل طموح وأمل أيّ فرد من أفراد الأمّة مشروعاً في أن يكون يوماً ما إماماً على المسلمين وأميراً للمؤمنين! ولكن الأمر عند قريش كان أوضح وآكد منه عند أهل السنّة اليوم ممّن جاء بعدهم وأحسن الظن بهم.
فتشجّعت بذلك واطمأن قلبي له، فخضت وسلكت هذا الطريق الصعب بقوّة وسكينة، متوكّلاً على الله تعالى الذي تعهّد بهداية كلّ من جاهد فيه وطَلَبَ الوصول إليه وإلى سبله المؤدّية إلى رضوانه وقبوله، بواسطة طاعة أمره وشرعه هو لا بما يناسب هوانا وقناعتنا، فقد تعهّد الله(عزوجل) بذلك حين قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (١) .
________________________
١- العنكبوت: ٦٩.
حينها استرجعت في ذاكرتي فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) خصوصاً وأهل البيت(عليهم السلام) عموماً، وصرت أراها برؤية أخرى تختلف جذرياً عن رؤيتي السابقة لها تماماً ــ إن لم أقل تناقضها حقيقة ــ فبعد أن كنت ملزماً بتأويل كلّ فضيلة لعليّ(عليه السلام) خشية تأثيرها على عقيدتي من وجوب تفضيل غيره عليه وعدالة من خالفه أو سبّه أو لعنه أو قاتله صلوات الله وسلامه عليه، أو خوفاً من تأدية ذلك إلى تقوية أو تصحيح قول الشيعة وعقيدتهم، وبالتالي مخالفة عقيدتي وأصول مذهبي.
فأصبحت بعد تحرري عن هذا الفهم الموهوم، وهذه القواعد المغلوطة المكذوبة أفهم الأمور وأراها على حقيقتها، ولا أخاف من مخالفة تلك القواعد وتلك الأسماء التي سمّيناها نحن وآباؤنا، والتي ما أنزل الله بها من سلطان.
فأصبحت دلالات الأحاديث والآيات الكريمة واضحة لي وضوح الشمس، وتعجّبت لحالي السابق حينها!! فأصبحت لا أتصوّر بأنّني كنت أفهمها فهماً آخر مخالفاً لفهمي الحالي، وكيف كنت مقتنعاً بذلك؟! بل أصبحت والله أضحك على نفسي وأستشنع قولي وفهمي السابق ولا أستسيغه أو أبرره لمن يقول به أبداً! لانكشاف الأمور لي بحمد الله وتوفيقه، حتّى أصبحت أفهم النصوص كأنّي أتلّقى الحقّ عن قلب النبيّ(صلى الله عليه وآله) وفمه الشريف مباشرة وكأنّي معه كواحد من الصحابة،
بحيث يخاطبني مباشرة بقوله، ويهمس في أذني وكأنّي أراه وأسمعه، وأعي ما يقول ويقصدهُ، فأفهمه على حقيقته، بخلاف ما كنت عليه في السابق، وقبل أيام فقط، من تكلّفٍ وتأويل وليّ أعناق النصوص، بل تجريدٍ للفضائل والخصائص العظيمة عن معناها وجعلها لا تدلّ على شيء البتة، نتصوّر ونصوّر النبيَّ(صلى الله عليه وآله) وكأنّه يتكلّم عن بديهيات ويوضّح واضحات، ولا يقصد بيان أيّ شيء مهم أو حكم شرعي أو تعليم إلهي، وإنّه لا همَّ له إلاّ حلِّ خلافات وفصل خصومات ونزاعات شخصية حصلت عرضاً ومصادفة بين ابن عمّه عليّ(عليه السلام) وخصومه أو مبغضيه أو المعترضين عليه أو منتقديه!!
وبالتالي فهذه الأفهام السقيمة المجردة للنصوص النبوّية عن معناها ومغزاها كما فعله ابن تيمية وورثناه عنه، بل قلبها إلى سيئات وأخطاء!! ناهيك عن تجريدها عن الفضيلة بعد الفراغ عن الردّ والإنكار والتضعيف والتكذيب بلا دليل ولا برهان!
وبعد مطالعتي للأحاديث الشريفة في فضائل أهل البيت(عليهم السلام) وسيّدهم عليّ(عليه السلام)، راودتني بعض الشكوك وأثيرت في ذهني بعض الشبهات حول أفضلية الإمام عليّ(عليه السلام) على سائر الصحابة وأهل البيت(عليهم السلام)، بعد أن رأيت حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) في أفضلية سبطيه وريحانتيه من الدنيا وولديه الحسن والحسين(عليهما السلام) وهو يصفهم بقوله(صلى الله عليه وآله): (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة) (١) ؛ ففهمت من هذا الحديث أفضليتهما(عليهما السلام) على كلّ الصحابة وأهل البيت(عليهم السلام) على الإطلاق ودون استثناء، لكون أهل الجنّة كلّهم شباب لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله) في حديث آخر: (يدخل أهل الجنّة الجنّة: أبناء ثلاث وثلاثين في خَلق آدم وحسن يوسف وقلب أيوب) (٢) ، فإن ذلك الفهم للحديث سوف يصطدم بحقيقة لا خلاف عليها وهي أفضلية أبيهما عليّ(عليه السلام) عليهما، فإن استثنيته دون دليل فحينئذ يمكن استثناء غيره معه فلا يستقيم تفضيلهم(عليهم السلام) على من سواهم، ولا يتمّ لي الدليل في تفضيل عليّ(عليه السلام) على كلّ البشر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)!
________________________
١- رواه أحمد والترمذي والطبراني وابن حبان والبزار والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وغيرهم؛ راجع في تفصيل تخريجه سلسلة الأحاديث الصحيحة للمحدث السلفي الألباني (ح٧٩٦) وقال في آخر تخريجه: فالحديث صحيح بلا ريب؛ بل هو متواتر كما نقله المناوي، وكذلك الزيادات التي سبق تخريجها، فهي صحيحة ثابتة. انتهى الحديث.
٢- رواه أحمد (٢/٢٩٥،٣٤٣) و(٥/٢٤٣) والترمذي (٤/٨٨) والطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٣٩٨) وحسّن بعض طرقه.
ولكن رحمة الله تعالى وألطافه وتوفيقاته يسّرت وقوع حديث تحت أنظاري من حيث لا أحتسب حين قررت متابعة طرق هذا الحديث وألفاظه رغم علمي باتّفاق المسلمين على صحّته وشهرته، بل تواتره عندهم وعدم اطّلاعي على مخالف يضعّف أو يطعن في الحديث أبداً، فقلَّبتُ كتاب سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحدّث العصر الشيخ السلفي الألباني ــ شيخي المفضّل حينها! ــ فاطّلعت على تخريجه المفصّل لهذا الحديث، فرأيت المفاجأة الجميلة والدواء الذي أزال ما كنت أشكو منه من شك وحيرة لفهم هذا الحديث على واقعه الظاهر والموافق لما توصّلت إليه من نتائج، وهي وجوب اتّباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وكذلك أفضليتهم على سائر الصحابة، وأنّ عليّاً(عليه السلام) هو وصي رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأفضل الخلق من بعده، فرأيت الكثير من طرق الحديث تحتوي على زيادات مهمّة جدّاً تبيّن مراد النبيّ(صلى الله عليه وآله) الحقيقي من الحديث بشكل واضح وصريح ودون لبس أو شك كما عانيت من ذلك لفترة ليست بالقصيرة، وتصرّح هذه الزيادات في الحديث نفسه بأفضلية أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) على الحسن والحسين(عليهما السلام) واستثناء أبيهما(عليه السلام) من سيادتهما على جميع الأمّة، فزال اللبس واتّضح القصد وتم الفضل وبان حقّ كلّ ذي حقّ وأخذ كلّ ذي منزلة ومكانة ما يناسبه، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.
فقد قال الألباني (١) بعد أن ذكر عشرة من الصحابة ورد الحديث عنهم وبطرق كثيرة منها:
١ــ وأمّا حديث ابن مسعود؛ فله عنه طريقان: ...فذكره. وفيه الزيادة: (وأبوهما خير منهما). أخرجه الحاكم (٣/١٦٧) وقال: صحيح بهذه الزيادة، ووافقه الذهبي. وأقول (والكلام كلّه للألباني): إنّما هو حسن للخلاف المعروف في عاصم".
وذكر أيضاً بعض طرقه، فقال: "٢ـ وأمّا حديث حذيفة... فقال (النبيّ(صلى الله عليه وآله)):
________________________
١- سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ المحدّث الألباني السلفي (ح٧٩٦).
(عرض عليَّ ملك استأذن ربّه أن يسلّم عليّ ويبشّرني في أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)، وزاد الترمذي وأحمد: (وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة). وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث إسرائيل. قال (الألباني): وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح؛ غير ميسرة.. وهو ثقة، وصحح الزيادة الحاكم (٣/١٥١)، ووافقه الذهبي".
ثمّ ختم الألباني تخريجه لهذا الحديث بقوله: "وبالجملة؛ فالحديث صحيح بلا ريب؛ بل هو متواتر كما نقله المنّاوي، وكذلك الزيادات التي سبق تخريجها، فهي صحيحة ثابتة، ومنها طبعاً: (وأبوهما خير منهما وفاطمة سيّدة نسائها)". انتهى الحديث.
فارتحت لذلك كثيراً وأُثلج صدري وقلبي وسررت بهذه الكلمات العظيمة والتي لا يفهم الحديث على واقعه ومراد النبيّ(صلى الله عليه وآله) منه إلاّ بوجودها، ولكن يد الغدر والتحريف والتلاعب والهوى امتّدت لتشوّه هذا الحديث وتعبث به وتحرّف معناه وتلوي عنقه وتسلبه بريقه ونوره الذي تتضح من خلاله منزلة أهل البيت الطاهرين، وكذلك تفهم سائر فضائلهم(عليهم السلام) على حقيقتها لا كما يفهمونها بعد تلاعبهم بألفاظها ومعانيها، ناهيك عن ردّها وإنكارها كما هو ديدنهم في التعامل مع فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، كما رووا في مقابل هذا الحديث الرائع الشريف حديثاً مكذوباً لا طعم له ولا لون ولا رائحة، فرووا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد قال أيضاً: (أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة)!!
وهذا ديدن جميع السلفيين مع فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، وخصوصاً شيخ إسلامهم ومنظّرهم ابن تيمية، والذي قال بالحرف الواحد في منهاج سنّته عن
فضائل وخصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) (١) عند ردّه على استدلال العلاّمة الحلّي بفضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) الصحيحة ومن كتبهم المعتبرة: "إنّ هذه الأحاديث التي ذكرها ــ يعني العلامة ــ أكثرها كذب أو ضعيف باتّفاق أهل المعرفة بالحديث، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدلّ على إمامة عليّ ولا على فضيلته على أبي بكر وعمر وليست من خصائصه، بل هي فضائل شاركه فيها غيره بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر فإن كثيراً منها خصائص لهما" (٢) .
وكذلك أعاد ذلك: "وقد قال العلماء: ما صحّ لعليّ من الفضائل فهي مشتركة شاركه فيها غيره بخلاف الصديق فإنّ كثيراً من فضائله وأكثرها خصائص له لا يشركه فيها غيره" (٣) .
فلا ندري من يكون هؤلاء العلماء؟ وأين قولهم؟ والدليل بخلافها وعلى العكس منها تماماً!
وكذلك قال: "فإنَّ فضائل عليّ الثابتة عامّتها مشتركة بينه وبين غيره بخلاف فضائل أبي بكر وعمر فإنّ عامّتها خصائص لم يشاركا فيها" (٤) .
عامله الله بما يستحق على هذا النصب الصارخ والعداء الفاضح!!
فحمدت الله تعالى وشكرته على هدايته وتوفيقه لي ورفع الغشاوة والظلمة عن عيني وقلبي حتّى رأيت حقائق الأشياء بواقعها والمراد منها؛ فجزمت بكذب
________________________
١- التي ألّف فيها النسائي صاحب أصح السنن الأربعة جزءاً وأسماه خصائص علي، والتي وصف الحافظ ابن حجر أسانيد أحاديثه بأنّها كلّها جياد.
٢- منهاج السنّة (٥/٦).
٣- منهاج السنّة (٧/١٢١).
٤- منهاج السنّة (٧/١٧٣).
ووضع حديث (أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة) (١) ، وأصبح وضعه واضحاً جليّاً عندي وعند كلّ عاقل وكلّ شخص صادق غير متعصّب ولا معاند.
فإنّ تمام حديث الحسنين(عليهما السلام) ونصّه الكامل يبيّن المراد الحقيقي منه وهو أفضلية سيادة الحسن والحسين(عليهما السلام) على أهل الجنّة أجمعين عدا رسول ربّ العالمين(صلى الله عليه وآله) سيّد ولد آدم وسيّد العترة بضرورة الدين، وكذلك أبويهما لاستثنائهما في نفس الحديث؛ فإنّ استثناء النبيّ(صلى الله عليه وآله) لأجناس مختلفة عن جنسهما كبعض الأنبياء وأبيهما وأمّهما يبيّن ويثبت العموم المراد منه، بحيث إنّه لولا الاستثناء ومزيد البيان لفُهِم أنّهما(عليهما السلام) أفضل البشر سواء الأنبياء منهم أو الشباب أو الشيوخ والكهول أو النساء؛ فعليّ(عليه السلام) قد استشهد وهو في سن أبي بكر وعمر فلا يبقى لهم أيُّ عذر بعد استثناء عليّ(عليه السلام) دون أقرانه في نفس الحديث ليخصصوا الحديث بمن مات وهو شاب وعدم شموله لمن مات شيخاً أو كهلاً ــ مع استشهادهما(عليهما السلام) كهلين أو شيخين أيضاً ــ أو تأويلهم له بمن كان كذلك في الجنّة كما أبطلنا ذلك آنفاً من كون أهل الجنّة في عمر واحد! وما إلى ذلك من أجوبة متكلّفة لليّ عنق الحديث عن وجهته الصحيحة، وتحريف دلالته الواضحة الصريحة؛ كما فهم ذلك أتباعهم ومن عرف حقّهم، والتزم وصية نبيّه(صلى الله عليه وآله) فيهم، والذي لا مصلحة له في جحد فضلهم وتحريف ما ورد فيهم حسداً أو حقداً أو تنافساً.
________________________
١- أخرجه الترمذي (٥/٢٧٢) بثلاثة طرق، ضعّف واحدة، وسكت عن أخرى، ووصف الثالثة بأنّها حسنة غريبة، وراجع في تخريجه وتضعيف كلّ أسانيده وعدم تصحيح أيّ منها مجمع الزوائد للهيثمي (٩/٥٣)، وخصوصاً لو أُخذ بنظر الاعتبار قول أبي حاتم فيه كما نقله الألباني عن ابنه في السلسلة الصحيحة (ح٨٢٤)، فقد نقل ابنه عنه قوله في هذا الحديث: هذا حديث باطل (يعني بهذا الإسناد) وامتنع أن يحدّثنا وقال: اضربوا عليه. ومن الواضح أنّ كلام أبي حاتم شيء وكلام ابنه وفهمه له شيء آخر، خصوصاً مع تصريحه ببطلان الحديث لا الإسناد!!
وبذلك تبيّن لي الطريق بكلّ وضوح، وزال عنّي كلّ شك وجحود، فاستعنت بالله أن يقدرني على اتّباع الحقّ ويسهّل لي سلوك سبيل الصدق، وترك ما كنت عليه ممّا توارثته عن الآباء والأجداد دون دليل أو برهان أو كتاب منير، وقد قال تعالى وتعهّد لكلّ من طلب الحقّ ورام الصدق والبر والمعروف بأن يوفّقه للوصول له وإدراكه وتيسير رحلته وإتمام مهمّته بيسر وتسديد وتأييد وتوفيق ليس له نظير وغير متوقّع ودون أيّ حساب أو احتساب، فقال(عزوجل): {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (١) ، وقال عزّ من قائل: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (٢) .
________________________
١- الليل: ٥ ــ ٧.
٢- النازعات: ٤٠ - ٤١.
كان أصعب موقف صادفني خلال هذه الأحداث هو يوم تلجلجت هذه المعلومات في صدري، وانكشفت هذه الأمور أمام عيني، وتيقّن قلبي بوجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) من عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله) دون غيرهم ؛ للأمن من الضلال والوصول إلى رضا الجبّار ودخول جنان الرحمن، وبعد تبين عدم وجود دليل لي على اتّباع الصحبان دون المنتجبين الأطهار، واتّخاذ الصحابة أئمة دون القرابة والآل.
فاحترت وتحيّرت ماذا أفعل بعد ذلك؟!! وكيف أتصرّف مع أهلي وقرابتي وجيراني وأصدقائي ورفاقي في المسجد ومعارفي في السوق وزملائي في الجامعة؟!
ففكّرت باللجوء إلى أحد أصدقائي لأبث له ما أصبت به من هم وغمّ، وما كشفتُ من حقيقة ليست بالسهلة عليَّ، سواء بالاعتقاد بها أو ترجيحها أو بالتكلّم بها أو طرحها على مائدة البحث والنظر والتحليل، فهذا أمر صعب ومتعسّر القبول، ولا يصدّق السلفي ولا يؤخذ كلامه على محمل الجد إن طرحه أو تكلّم به! ولكن كيف أعتقد بذلك وحدي دون أن أعرض ذلك الأمر الخطير على إنسان عاقل؟ لأستفيد من ملاحظاته أو خبرته أو فهمه أو علمه، ولأستفيد من عقله ومعلوماته وتحليله ورأيه بذلك، فقد يخطئ الإنسان ويجهل دون أن يعلم فيحصل له جهل مركب، لذا رأيت أنّ ذلك محتّم عليّ ومكمّل لبحثي، وعلى الأقل
ليطمئن قلبي بأنّي لم أعتقد ذلك عن هوى أو غباء أو تسويل نفس أو تضليل من شيطان، أو حتّى تلبّس جنّ كما ادّعاه أحد أصدقائي السلفيين ممّن أصيب بالدهشة والذهول لخبر تشيّعي وما أُشيع عن تحوّلي! فأخبرني مرّة بأنّه لا يصدّق تحوّلي وتشيّعي وإنّما يعتقد جازماً بأنّ جنّياً رافضياً قد تلبّسني!!
فلم يخطر في بالي إلاّ صديقي (المهندس حارث السامرائي)، وهو أعزّ شخص عليّ وأقرب الناس إلي والذي كنت أقضي أكثر أوقاتي معه، حيث كنا متفاهمين على أعلى درجات التفاهم والتوافق في الأفكار وحتّى الخواطر، وكان مهندساً طيّب القلب متواضعاً ذكياً متوقد الذهن، قد كان من قبل مائلاً للإخوان المسلمين ليس له كثير باع بأمور الدين وطلب العلم، وقد كنت أدعوه ليكون من السلفيين، فأصبح سلفياً بعد اللتيا والتي، وبعد شقّ الأنفس، والكثير من المتاعب والمشاكل والمفارقات التي حصلت بيني وبينه، والتي وصلت حدّ العداوة والبغضاء، طبعاً بسبب أسلوبي السلفي الحادّ والفظ، وتجريحي بأبي حنيفة ونقده والذي كان يقلّده وكذلك لكونه من أهالي الأعظمية التي تحوي ضريح أبي حنيفة النعمان، حتّى أثّرنا فيه أنا وأصدقائي، فتحوّل سلفياً في نهاية المطاف، وأصبحنا صديقين حميمين لصيقين، ثمّ درس وتعلّم بعض الأمور وفهم المنهج السلفي جيّداً وأصبح من دعاته والمعجبين به على أحسن ما كنت أتوقّعه منه وعلى أتمّ وجه وأبلغ صورة، فأطلق لحيته الكثة الطويلة بعد أن كان يعتاد حلقها وتخفيفها، ولبس الثوب القصير بعد أن كان يرتدي البنطال، وكان ممّا درسه كتاب التوحيد بشرح قرة عيون الموحّدين وفتح المجيد وبدأ بقراءة كتب ابن تيمية، ودرسنا مصطلح الحديث (الباعث الحثيث) سوية عند شيخنا (أبو دعاء) بعد أن كان يقرأ سابقاً لسيّد قطب، وخصوصاً تفسيره (في ظلال القرآن) وبعض كتب عبد القادر الكَِيلاني والصوفية لكون أخيه صوفياً وما إلى ذلك من ترهات... (بزعمنا واعتقادنا كسلفية)!!!
فمرّة أردت مفاتحته بما اكتشفت، ولكن خانتني الشجاعة في البوح بذلك، وخشيت على نفسي من التفوّه له بشيء عن هذا الموضوع مع كونه ثقتي وموضع سرّي وأعزّ صديق عندي، ولكن الأمر ليس بالهيّن ومعلومات الرجل ليست كثيرة في هذا الباع من آراء وأقوال الفرق والمذاهب، فكيف سيكون ردّه لو أبحت له بما في داخلي وأعلنت له تشيّعي بعد أن عانيت ما عانيت معه لكي يصبح سلفياً ويقتنع بهذا المذهب الممقوت والمكروه في العراق ولا سيما في مسجدنا الإخواني الصبغة والتوجّه، ولم يمض على اقتناعه بالسلفية سوى سنتين تقريباً! فكيف أقنعه مرّة أخرى بترك السلفية واعتناق التشيّع مع أنّ التشيّع عندنا ممقوت مكروه منبوذ أكثر بكثير من السلفية؟!
ومرّت الأيام والشهور وأنا أحترق وأتألّم من حالي ومآلي، وما أنا فيه من انهيار مذهب أهل السنّة عندي بشكل قاطع وأكيد، وعدم استطاعتي ترك المذهب والمسجد والأصدقاء والأخوان هكذا دون نقاش مع أحد أو طرح لما توصّلت إليه واقتنعت به من دون تأكّدٍ من عدم إصابتي بالجنون أو الجنوح عن الصراط بإضلال النفس أو الشيطان أو انتقام الله وإمداده لي وتضليلي إن كنتُ مستحقاً للضلال؛ فكان لابدّ لي من مفاتحة أحد ممّن أعرفه بهذا الأمر، لأتأكّد من عدم فقداني لعقلي وعدم ضلالي، فأكون بالتالي على بينة من أمري وما أفعله من فهم وتفكير أدّى بي إلى ترك مذهبي وتغيير عقيدتي وهي أعزّ شيء أمتلكه، فتغيير العقيدة من أصعب الأمور على الإنسان على الإطلاق ؛ لأنّك ستهدم عقيدة راسخة عادة وتأتي بدلاً عنها بأخرى تحلّ محلّها فكأنّك تميت نفساً وتحيي أخرى!
فلم يبق أمامي سواه لأصارحه، لعلّه يقتنع بما اقتنعت به أو يوقظني من منامي على أقل تقدير!
وكانت أوّل مرّة تكلّمت فيها معه عن بعض ما أعانيه من صراع من دون توضيح، وبالعموميات وبصورة غير مباشرة، فلم يفهمني جيّداً ولم يعرف مرادي ومقصدي! وهذا أمر متوقّع بل أكيد حينما شكوت له من السلفية ومنهجهم غير المنضبط، وقلت له بأنّ كلّ مجموعة وكلّ جامع وكلّ شخص أصبح مذهباً بذاته فأين الفرقة الناجية؟ إن كان السلفيون أنفسهم فرقاً يضلل بعضهم بعضاً، ويختلف بعضهم مع بعض، ويكره بعضهم بعضاً، فكيف بسائر الفرق والجماعات؟! وكيف تكون الجماعات السلفية على اختلافها وافتراقها تمثّل فرقة واحدة وناجية؟!
وخذ على ذلك مثلاً، في بغداد فقط ترى جماعة الشيخ عبد الملك المفتي (١) يختلفون مع جماعة الشيخ محمود (٢) ، وهؤلاء يختلفون مع جماعة شيخ عادل (٣) وجماعة شيخ فؤاد (٤) ، وهؤلاء بدورهم يختلفون مع جماعة شيخ سامي (٥) ، وأمّا جماعة شيخ فائز (٦) فحدّث ولا حرج في الاختلاف والتكفير، وما إلى ذلك لسائر الفرق الأخرى عداهم، لأنهم وهابيون تكفيريون حتّى السلفيين عندهم ليسوا بسلفيين أصلاً، وليسوا من الفرقة الناجية.. بل حتّى الجماعة الواحدة من السلفيين
________________________
١- هذه الجماعة في منطقة حي الجامعة في كرخ بغداد.
٢- هذه الجماعة تتواجد في قرية سعيدة والزعفرانية في رصافة بغداد.
٣- هؤلاء يتواجدون في منطقة الغزالية وهي في كرخ بغداد.
٤- هؤلاء في بغداد الجديدة، نّواب ضبّاط في رصافة بغداد، وقد اغتيل شيخ فؤاد من قبل نظام صدام وهو في اليمن.
٥- هؤلاء يتواجدون في حي العامل لوجود شيخ سامي في مسجد المنطقة وهو جامع العشرة المبشرة في كرخ بغداد.
٦- هذه الجماعة تعتبر أعرق وأقدم وأوّل حركة وهابية تنشأ في العراق، ويتواجدون بحسب علمي في منطقة الشعب وحي أور والطالبية في رصافة بغداد، وقد قام صدام بإعدام ثمانية من كبار ومؤسسي هذه الجماعة، فأفل نجمها واضمحل حجمها وتفككت قاعدتها ويبدو أنّ فكرهم مطابق إلى حدّ كبير لفكر القاعدة.
من أبناء المسجد الواحد فإنّهم كانوا يختلفون أشدّ الاختلاف في بعض الأحكام وبعض القضايا وبعض الأفهام للحديث أو الآية أو كلام ابن تيمية أو غيره.
فقلت له: ألا ترى بأنّه ينطبق علينا معاشر السلفيين قول الله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} (١) ؟
فوافقني (حارث) بذلك الشعور ظاهراً! وعرفت بعد ذلك بأنّه ذهب إلى أصدقائي من السلفيين في جامع آخر وهو (جامع الفردوس) (٢) وأخبرهم بأنّي قد أكون تأثّرتُ بالإخوان فيجب أن يدركوني من الضياع والضلال والردّة عن الحقّ، فقاموا بالتردد عليَّ حينها كثيراً حتّى أنّ زياراتهم لي كانت يومية تقريباً، فاستغربت حينها لذلك وارتبت كثيراً من تصرّفهم وتقرّبهم وتوددهم هذا.
فقلت في نفسي: لمَ يفعلون ذلك وفي هذا الوقت بالذات؟ ماذا فعلت وماذا تكلّمت بعدُ حتّى يفعلوا مثل هذا الفعل! ويواسوني ويُسمِعوني بعض الكلمات مزاحاً ويومئون إلى تأثّري بالإخوان المسلمين وانحرافي عن السلفية نوعاً ما بزعمهم؟! بعد أن كنت متشدداً بعض الشيء، ففعلت وتركت بعض ما لا ينبغي لمثلي فعله أو تركه، من ارتدائي حينها البنطال (الكابوي)، وتخفيف لحيتي وتساهلي في بعض الأمور كعدم لبس القصير، أو تحريك الإصبع في التشهّد، أو رفع اليدين على الصدر في التكتف، وما إلى ذلك بالإضافة إلى انتقادي للمدرسة السلفية عند (حارث) ــ الذي أخبرهم بذلك النقد اللاذع ــ وبذلك حاولوا أن يُحسِّنوا صورتهم وصورة المدرسة السلفية بإظهار بعض المحاسن، كالزيارة والتواصل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأسلوب جديد وتفاهم وتفهّمٍ للآخرين، دون تفسيق مباشر، وهجر للمخالف لهم، كما كان ديدنهم!!
________________________
١- الحشر: ١٤.
٢- في منطقة حي أور في بغداد الرصافة.
يوم الفصل
بعد ذلك حاولت مراراً وتكراراً مفاتحته مباشرة فلم أجد لذلك سبيلاً، واستطعت مرّة أن أفاتحه بالموضوع حين خرجنا من صلاة العصر من المسجد وكان يوم جمعة وكانت بداية أيام محرم.
ففاتحته في الموضوع فحصل الفتح بتوفيق الله تعالى ومنّه وقدرته ولطفه وبركة أيام سيّد الشهداء وأبي الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام)، فبعد أخذ العهود والمواثيق الغليظة منه بأن لا يخرج كلامي لأيّ شخص غيرنا كائناً من كان، استغرب كثيراً من قولي وتشديدي وإقسامي عليه بهذا الشكل!
فقال: نحن بيننا كلام وأسرار وتفاصيل عن حياتنا الخاصّة فلماذا هذا التشديد اليوم؟!
فقلت له: إنّ الأمر مهم وشديد وخطير ويختلف عن كلّ ما نتكلّم به كلّ يوم! فاشتدّ شوقه لمعرفة الكلام الجديد والمخيف، فخاطبته حينها بأسلوب ارتجالي ودون تكلّف أو تحضير مسبق، فذكرت له صلاة الجمعة في ذلك اليوم وما تكلّم فيه الخطيب دون ذكر سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وسبطه ونحن في أيامه وأيام شهادته(عليه السلام) وأنكرت ذلك عليه فوافقني.
وذكّرته بعد ذلك بما جرى قبل أشهر في جامع عبد الله بن عمر حينما حضرنا محاضرة للشيخ عداب محمود الحمش المحدّث السلفي المبعد عن
السعودية الذي تكلّم عن أهمية السنّة النبويّة! فتذكّرها.
فقلت له: هل تذكر ما قاله في ذلك اليوم عن حديث كتاب الله وعترتي؟
قال: لا.
فأخبرته بما قال، فتذكّر ذلك وقال: صحيح، فقد خرجنا يومئذٍ غير راضين عليه، كنت أراك غاضباً منه لأجل كلامه عن حديث الثقلين، أمّا أنا فقد استغربت حينها من كلامه في البدعة وتفصيله فيها على غير المعروف والمألوف عند السلفية، ولم أنتبه أصلاً لكلامه في هذا الحديث!
فذكرت له كلامه في تضعيف الألباني حديث (كتاب الله وسنّتي)، وأنّي قد راجعت بعد ذلك وتأكّدت من صحّة دعواه وأنّ الشيخ الألباني قد ضعّف فعلاً كلّ أسانيد حديث (كتاب الله وسنّتي) وصحح حديث (كتاب الله وعترتي) بأسانيده الصحيحة بذاتها والحسنة بذاتها والصحيحة والحسنة لغيرها وكثرة طرقه أيضاً.
وسألته بعد ذلك: ماذا نعرف عن أهل البيت(عليهم السلام) كي نطبّق هذا الحديث ووصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذه ونعمل بها؟! هل نعرف مثلاً ولاداتهم أو وفياتهم أو نهتمّ بها كما يفعل الشيعة؟ وها نحن في أيام محرم فانظر إلى اهتمام الشيعة وحزنهم ومعرفتهم بهم، وهل نعرف أو ننقل أخلاقهم أو أقوالهم أو خطبهم أو أحاديثهم أو فقههم أو عقائدهم؟
فقال: لا والله، لا نعرف شيئاً عنهم! ولم يذكرهم علماؤنا أو خطباؤنا إلاّ عرضاً.
فقلت له: مع أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد خلّفهم فينا وأوصانا باتّباعهم وأخذ الدين والسنّة عنهم!
فقال: فعلاً هذا أمر محيِّر! ولكن ما العمل؟ فعلماؤنا لم يرووا عنهم والرواة عنهم كلّهم كاذبون!
فقلت له: وكيف نترك أهل البيت(عليهم السلام) للكاذبين إن كنّا فعلاً نعمل بوصية رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟! كيف نترك الإمام الصادق(عليه السلام) يحدّث الكاذبين فقط دون الصادقين فيفعلون بأحاديثه ما يشاؤون، ويكذبون عليه بما يهوون، ويشكّلون مذهباً معارضاً لنا، مشتتاً لجمعنا وجماعتنا، هادماً لإسلامنا، مخالفاً لأحكامنا، سارقاً منّا أئمتنا، ونحن من يجب أن يتمسّك به ويأخذ الدين عنه! فهل يعقل ذلك؟! هل يعقل أن نترك الصادق للكاذبين ونتركه لهم وندّعي بعد ذلك بأنّنا نحن من يلتزم بوصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيهم؟! ونحن من يلازمهم ويأخذ الدين عنهم وليس من انتسب إليه والتزم به وأحاطه وحدّث عنه!
فقال: فعلاً هذا الكلام منطقي، وهذا الأمر غير طبيعي!
فقلت له: أتعرف أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) مجمع على عدالتهم عندنا! وأنّهم أفضل أهل زمانهم! وأنّ الإمام عليّ(عليه السلام) هو أفضل الصحابة، وهو من يجب اتّباعه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو خليفته الشرعي!
قال: كيف ذلك؟
فأخبرته بحديث الغدير بعد حديث الثقلين، وأخبرته بفضائل عليّ(عليه السلام) واحدة تلو الأخرى، وهو يستمع إليّ وكأنّ على رأسه الطير متعجّباً مصدوماً فاتحاً عينيه وفمه بدهشة واضحة وكأنّه لم يسمعها من قبل!!
حتّى قال لي: كلّ هذه الأحاديث عندنا صحيحة السند أيضاًَ؟!!
قلت له: لم آتك بحديث واحد ضعيف أو حديث من غير كتب أهل السنّة المعتبرة!
حتّى وصلت إلى ذكر كلام ابن عباس ــ الذي حصل لنا بعده ما حصل ــ حين قلت له: ويكفي في تفضيل أمير المؤمنين(عليه السلام) قول ابن عباس فيه وهو حبر الأمّة وترجمان القرآن، كما روى ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة: "إن أتانا الثبت عن عليّ لا نعدل به" (١) ! فهذه شهادة من ابن عباس بوجود خصيصة للإمام عليّ(عليه السلام) تفضّله وتميّزه عمّن سواه وعلى لسان حبر الأمّة الذي دعا له رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأنّ يفقّهه الله تعالى في الدين ويعلّمه التأويل، فأين علم عليّ(عليه السلام) هذا الذي يعتزّ به حبر الأمّة بهذا الشكلّ! وهل نحن نفعل ذلك مع أحاديث عليّ(عليه السلام)؟!
أبداً ــ والكلام لي ــ خذ مثلاً: البخاري يروي حديث شرب الماء واقفاً عن عليّ(عليه السلام) وقد فعله أمام الناس مستنكراً على من يشرب الماء عن جلوس ومن يتورّع عن شربه قائماً، بالإضافة إلى أنّه(عليه السلام) نقل فعل ذلك عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بالإضافة إلى كونه(عليه السلام) خليفةً راشداً وإماماً للمسلمين وأميراً للمؤمنين، ومع ذلك لا يأخذ السلفيون بهذا الحديث ولم يعملوا به وردّوه عليه! فخالفوه وفضّلوا أحاديث أنس وأبي هريرة على أحاديث عليّ(عليه السلام) وفقهه، مع إنّها أصحّ منها إسناداً!! وهو خليفة راشد تجب متابعته وتقديمه على غيره بنص حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو نصّ في المسألة، وقول ابن عباس أيضاً الذي ذكرناه، فكيف نسمّي أنفسنا وندعي بأنّنا نحن من يتّبع أهل البيت(عليهم السلام) دون غيرنا؟!!
فتعجّب (حارث) لذلك!! وأيّدني تماماً في كلامي.
وذكّرته بالبخاري الذي لم يحتج بالإمام الصادق(عليه السلام) وهو يُلقّب في الأمّة كلّها بالصادق، فهو لم يصدّقه ولم يحتج بحديثه مع أنّه يحتج بحديث مثل مروان ابن الحكم وعمران بن حطان وحريز بن عثمان وأمثالهم! فكيف ندّعي بعد هذا
________________________
١- سبق تخريجه.
كلّه بأنّنا نحن من يتّبع أهل البيت(عليهم السلام) ويحبّهم ويتمسّك بهم في الحقيقة والواقع؟! فأيّ حقيقة هذه وأيّ واقع؟!
حصل الفتح في هذه اللحظة العظيمة أخيراً.. واقتنع صديقي (حارث) بكلامي حينها، ورجّحه وتقبّله.
وقال لي: كلّ هذه الفضائل وهذه الأحاديث عندنا؟!
قلت له: إي والله وفي أصحّ كتبنا وعند أفضل علمائنا ومحققينا كالبخاري ومسلم في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه عليهما، وبموافقة الذهبي في تلخيصه، وابن حجر في الإصابة، والذهبي في سير أعلام النبلاء، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، والمزي في تهذيب الكمال، والبداية والنهاية لأشدّ عالم سنّي سلفي يقلّد شيخه ابن تيمية ومنهجه في كلّ شيء وهو ابن كثير الدمشقي والذي يكاد يكون ناصبياً كشيخه، والاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير، وما إلى ذلك من كتب لعلماء محققين ومعتبرين عند السلفيين دون غيرهم ممّن نعدّهم من المتساهلين!
وقلت له: إن شئتَ نذهب الآن إلى بيتي لنتأكّد وأريك أكثر ممّا ذكرت لك من فضائل لأمير المؤمنين(عليه السلام) عند ابن حجر والألباني والآخرين، كحديث المؤاخاة، وسدّ كلّ الأبواب إلاّ باب عليّ، وكون عليّ باب مدينة العلم وباب دار الحكمة، وأقضى الصحابة، وأنّه كرار وليس بفرار يقاتل جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، وأنه لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق، وأنّ من سبّه وأبغضه فقد سبّ وأبغض النبيّ ومن سبّ النبيّ وأبغضه فقد سبّ الله تعالى وأبغضه، وما إلى ذلك!
فأذعن لي قائلاً: الله أكبر، كلّ ذلك عندنا ونحن لا ندري!! فكيف نفضّل
غيره عليه؟! وكيف نتّبع غيره ونستبدله بمن هو أدنى منه، ومن لم يوص رسول الله باتّباعه وليس له من الفضائل نصف ما لعليّ ولا حتّى عُشرها؟!!
فقلت له: إذن يجب أن نعترف بوجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) وأفضلية عليّ(عليه السلام) على الشيخين!
فقال: أكيد!
بعد ذلك ذهبنا إلى البيت وأريته ما قلت له بأمّ عينيه، قلت مشكلاً: ولكننا لا نروي عن أهل البيت(عليهم السلام) شيئاً كثيراً وديناً كاملاً! فكيف العمل؟
فقال: دعنا نبحث، فأنا متأكّد بأنّنا سنجد ذلك.
قلت له: إنّي بحثت كثيراً ولم أصل إلى نتيجة في ذلك!
قال: كيف ذلك؟
قلت له: قد قلت لك: إنّ علماءنَا يروون الأحاديث عن أهل البيت(عليهم السلام) التي تناسب مذهبنا فقط دون التي يختصون بها، ودون التي تخالف روايات النواصب والحكومات وسنّة أبي بكر وعمر!
فقال مغضباً: كيف؟!
قلت له: بالإضافة إلى ما ذكرته لك من مقارنة بين روايتنا لأبي هريرة ورواياتنا عن عليّ(عليه السلام) ومخالفتهم لرواية عليّ(عليه السلام) التي تخالف روايات غيره كأبي هريرة وأنس، فهل يمكن أن يقرن المنصف عليّاً(عليه السلام) بمثل هؤلاء؟!
قال: طبعاً لا.
قلت له: انظر لو أخذنا مثلاً على ذلك رواية شرب الماء واقفاً، والإمام عليّ(عليه السلام) هو خليفة وإمام عندنا، وروايته أصحّ سنداً، فهي في صحيح البخاري، وكذلك انظر لإعراض البخاري عن رواية جعفر الصادق(عليه السلام) وعدم الاحتجاج به!
وأنّ مالكاً كان لا يروي عن جعفر بن محمّد(عليه السلام) حتّى يضمّه إلى آخر من أولئك الرفعاء ثمّ يجعله بعده!! وفي رواية تظهر عملهم للحكومات قال الراوي: لم يرو مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بني العباس (١) !! وقال ابن حجر بعد ذلك: وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ولا يُحتج به ويُستضعف؛ سُئل مرّة: سمعت هذه الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرّة، فقال: إنّما وجدتها في كتبه، قلت (ابن حجر): يحتمل أن يكون الأؤلان وقعا عن أحاديث مختلفة فذكر فيما سمعه أنّه سمعه وفيما لم يسمعه أنّه وجده وهذا يدلّ على تثبّته، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من سادات أهل البيت(عليهم السلام) فقهاً وعلماً وفضلاً يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه، وقد اعتبرت حديث الثقات عنه فرأيت أحاديث مستقيمة ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ومن المحال أن يلصق به ما جناه غيره (٢) .
بل قال ابن حبان (٣) بعد قوله: يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه: "لأنّ في حديث ولده عنه مناكير كثيرة، وإنّما مَرَّضَ القول فيه مَن مرّض من أئمتنا لِما رأوا في حديثه من رواية أولاده، وقد اعتبرت حديثه من الثقات عنه مثل ابن
________________________
١- تهذيب التهذيب (٢/٨٨) وغيره كتهذيب الكمال وميزان الاعتدال والكامل فراجع ثمت.
٢- تهذيب التهذيب (٢/٨٨) وغيره فراجع.
ويقصد بعبارته الأخيرة بأنّ أبناء جعفر هم الكذابون فليس من الإنصاف إلصاق الكذب بجعفر بسبب أبنائه. الله أكبر (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذباً) فأولاد جعفر هم موسى الكاظم وعلي بن موسى الرضا وهم من أوثق الناس وأئمتهم وعدول الأمّة بالاتّفاق فكيف يدّعى بأنّ الخلل في أحاديث الصادق كان بسبب كذب أولاده!!؟؟ فهذا يكشف ويدل بوضوح بأنّ لجعفر الصادق وأولاده مذهباً خاصاً وأحاديث مخالفة لما يرويه العامّة السنّة تروى عنه بواسطة خواصّه والأئمة من ولده ممّا يختلف ويخالف روايات العامّة ويصطدم معها، وهذا يرد الشبهة التي تثار على الشيعة بأنّ أهل الكوفة الرافضة وابن سبأ والفرس هم من وضعوا الأحاديث على جعفر وكذبوا عليه وأسسوا هذا المذهب الذي لا يمت بصلة لأهل البيت، فابن حبان والقطان وابن خلدون يشهدون بأنّ هذه الأحاديث المخالفة وهذا المذهب المخالف هو ثابت عن أهل البيت ونسبته لهم حقيقية والمتهم فيه هم أهل البيت أنفسهم ولو شكك المرجفون المنحرفون.
٣- الثقات (٦/١٣١).
جريج والثوري ومالك وشعبة وابن عيينة ووهب بن خالد ودونهم، فرأيتُ أحاديث مستقيمة ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ورأيت في رواية ولده عنه أشياء ليس من حديثه ولا من حديث أبيه ولا من حديث جدّه، ومن المحال أن يلزق به ما جنت يدا غيره" انتهى.
وكذلك أبو حنيفة يبيّن لنا عمله للحكومات ومعاداة أئمة السنّة وحكوماتهم لأهل البيت(عليهم السلام) واختلافهم معهم جذرياً، فأوضح بقصّته هذه أعلمية أهل البيت(عليهم السلام) على الجميع ووجود مذهب خاص ينفردون به، يختلف عن مذاهب أهل السنّة!
فقد رووا عن أبي حنيفة أنّه قال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد، قالوا: كيف؟ قال: لمّا أقدمه المنصور إلى الحيرة بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له من مسائلك الصعاب قال: فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر، فأتيته بالحيرة فسلَّمتُ وأذن لي فجلست، ثمّ التفت إلى جعفر فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا أبو حنيفة، ثمّ أتبعها: قد أتانا! ثمّ قال: يا أبا حنيفة هات مسائلك نسأل أبا عبد الله، وابتدأت أسأله، وكان يقول في المسألة: أنتم تقولون كذا وكذا وأهل المدينة يقولون كذا وكذا ونحن (أهل البيت) نقول كذا وكذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالفنا جميعاً، حتّى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة! ثمّ قال أبو حنيفة: أليس قد رُوينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس (١) .
وفي نفس هذا المسار جاء قول ابن خلدون: "وشذَّ أهل البيت بمذاهب
________________________
١- تهذيب الكمال للمزي (٥/٧٩)، سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/٢٥٨)، تاريخ الإسلام للذهبي أيضاً (٩/٨٩)، الكامل لابن عدي (٢/١٣٢).
ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم" (١) !!
ولو نظرنا إلى كلامهم الذي يثبت بأنّ لأهل البيت(عليهم السلام) مذهباً خاصاً ينفردون به؛ تجدهم يتخبّطون في إلصاق الذنب بمخالفة الأئمة وأحاديثهم لمذهب السنّة، فحاول بعضهم الطعن بالإمام الصادق(عليه السلام) نفسه المجمع على وثاقته عندهم! وبعضهم طعن في أولاده في روايتهم عنه(عليه السلام) كما رأينا صنع ابن حبان وابن خلدون! وآخرون لم يرووا عنهم تجنّباً لأحاديثهم المخالفة لمشهور أهل السنّة كمالك فلم يرو عنه إلاّ خوفاً أو طمعاً بعد ظهور أمر بني العباس أو عند موافقته لروايات السنّة! وآخرون حاولوا التآمر والتعاون مع الحكومات والسلطات والقوّة لإرهاب الإمام(عليه السلام) وسائر الأئمة(عليهم السلام) تزلفاً له أو اقصاءً وحسداً للإمام(عليه السلام)! وبهذه الأساليب وغيرها تعامل أهل السنّة مع أهل البيت(عليهم السلام) ورواياتهم!
فأين دعوى اتّباعهم وقبولهم والتزامهم؟! وأين رعاية وصية جدّهم فيهم صلوات ربّي وسلامه عليه وعليهم؟! وأين الكاذبون الذين يدّعي أهل السنّة بأنّهم هم من كذبوا ونسبوا للإمام الصادق كذباً(عليه السلام) ما يخالف أهل السنّة؟!
إذن، فكيف ندّعي بعد كلّ هذا الكلام بأنّنا أولى بأهل البيت(عليهم السلام) من الشيعة؟! وأنّنا نحن الذين نتّبع أهل البيت(عليهم السلام) ونروي عنهم لا الشيعة؟! وأنَّ عِلمَهم عندنا وأنّ الشيعة كذبوا عليهم وجاؤوا بمذهب مكذوب نسبوه إليهم كذباً وزوراً ما أنزل الله به من سلطان لا يمت بأيّ صلة بأهل البيت(عليهم السلام)؟!
فقال لي (حارث): أرجوك دعنا من الشيعة، ولنجد حلاًّ لهذه المصيبة! كيف سنصل إلى أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) ومذهبهم بطرق صحيحة ثابتة؟
________________________
١- تاريخ ابن خلدون (١/ ٤٤٦).
فقلت له: قد بيّنْت لك بأنّه لا توجد عندنا هكذا أحاديث بحيث يتكوّن منها مذهب كامل في الفقه والأخلاق والعقائد! وذكرت لك طريقة رواية علمائنا عن أهل البيت(عليهم السلام) وعدم وثوقهم بما يروونه! وعدم روايتهم عنهم إلاّ بما يتناسب مع مذهبنا ورواياتنا وروايات النواصب والخوارج وآراء الحكومات التي كوّنوا منها مذهباً أطلقوا عليه مذهب أهل السنّة والجماعة في مقابل مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ومدرستهم!!
فقال لي: ما الحل إذن؟
فقلت له ــ بعد أن يئستُ بصورة غير مباشرة من إقناعه بأنّ الشيعة هم من يتّبع أهل البيت ــ : عندي حل!
قال: قل ما هو؟
فقلت له: هناك من العلماء من السلف من قيل عنه بأنّه شيعي أو متشيّع وهو مع ذلك يسير على منهج أهل السنّة، وهم محدّثون وعلماء محترمون حتّى عند السنّة أنفسهم، كالكوفيين (١) والنسائي والحاكم وعبد الرزاق الصنعاني ووكيع بن الجراح شيخ الشافعي وسفيان الثوري وسعيد بن جبير ومقاتل ومجاهد والكلبي وابن إسحق، وغيرهم.. فما رأيك بأن نبحث عن عقائدهم وأقوالهم الفقهية لكونهم متابعين وموالين لأهل البيت(عليهم السلام) ومعروفين بالتشيّع لهم؟
فقال: أحسنت! هؤلاء هم من سينقذنا ممّا نحن فيه، وهؤلاء يمثّلون الحقّ إن شاء الله، فهم برزخ وسط بين الفريقين بلا إفراط ولا تفريط.
فبحثنا كثيراً عمّا رجوناه فلم نهتدِ إلى شيء يذكر ممّا تأمّلناه منهم، بل لا يوجد عندنا نقل يثبت أيّ رأي لهم فقهي أو عقائدي يختلف عن أقوال أهل
________________________
١- على اصطلاح أهل السنّة وكلام المحدّثين في أهل الكوفة وإلاّ فالكوفة فيها مذاهب ومشارب شتّى.
السنّة ؛ لأنّهم لا يمثّلون مدرسة مستقلة لها كيانها ومنهجها الخاص وطلاّبها، وبالتالي فلم نهتد لأيّ شيء جديد يجعلنا نطمئن بأنّنا نلتزم وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) في اتّباع العترة الطاهرة!
وبعد ثلاثة أو أربعة أيام قلت لحارث: سوف لن نصل إلى نتيجة في فعلنا هذا، ونحن في الواقع نضيّع وقتنا الثمين ونضيّع أنفسنا بهذه المحاولة!
قال لي حارث: وكيف ذلك؟!
قلت له: يا أخي نحن تركنا الوصية الحقيقية وذهبنا نتمسّك بمن نظن أنّه اتّبع العترة، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) يأمرنا ويوصينا باتّباع العترة ولم يأمرنا باتّباع من نظن فيهم وبلا دليل بأنّهم يتّبعون العترة، هذا أوّلاً.
وثانياً: سوف لن نحصل على مذهب هؤلاء من خلال كتب أهل السنّة ؛ لأنّ هؤلاء كغيرهم من الشيعة ممكن أن يكونوا خائفين ويستعملون التقية مع الناس والعلماء والحكّام لا سيما وهم في وسط سنّي مستمر، فكيف سنصل إلى آرائهم الحقيقية والصحيحة والتي لو صرّحوا بها لما أصبحوا من كبار علماء وأئمة أهل السنّة؟!
وثالثاً: إن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعدنا فقال: (لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك) (١) ، وهؤلاء العلماء كانوا متواجدين في فترة واحدة تقريباً ولا نعرف من قبلهم ممّن يحمل أفكارهم ولا من بعدهم، فكيف ينطبق عليهم الحديث؟ وكيف يكونون هم الفرقة الناجية؟ فهؤلاء يتواجدون في وسط السلسلة فلا أوّل لهم ولا آخر!
________________________
١- رواه البخاري (٤/١٨٧) و(٨/١٤٩و١٨٩) ومسلم (١/٩٥) و(٦/٥٢ـ٥٣) بألفاظ وطرق متعددة.
والحق يجب أن تحمله سلسلة متّصلة وجماعة مستمرة ومتواجدة في كلّ زمان ولا يخلو منهم زمان، فأين أتباعهم وأين سلفهم إن كانوا حقاً يمثّلون الحقّ؟
فقال: أصبت وربّ الكعبة! فما الحل إذن؟
قلت لحارث مصارحاً ــ وأنا خائف ــ : كفانا مكابرة وتكبّراً! فليس لنا في الواقع إلاّ فئتين على مرِّ العصور لا ثالثة لهما يدَّعون الحقّ، وهما السنّة والشيعة، فلماذا هذا التجاهل لهذه الفرقة المليونية والتي استمر وجودها منذ أوّل الخلافات والنزاعات بين المسلمين وإلى يومنا هذا، ويبدو واضحاً أنّه مستمر إلى يوم القيامة ولم يخلُ منهما زمان أبداً، أليس كذلك؟
قال: فعلاً ولكن! الشيعة! قل لي شيئاً آخر!
قلت له: ليس لدي شيء آخر! نحن تعاهدنا بأن نبحث عن الحقّ ونتّبعه ولو كان عند اليهود ولنا أسوة بسلمان الفارسي!
قال: أجل قد اتّفقنا على ذلك فلِمَ الخوف؟! فلنرى ما عند الشيعة، وعندنا عقول نميّز بها الحقّ من الباطل! ولكن يا (عبد الحميد)، رجاءً إنّ ضلال الشيعة وكفرهم وشركهم واضح لنا فلماذا نتعب أنفسنا بالبحث عن أقوالهم واتّباعهم لأهل البيت(عليهم السلام)؟
قلت له: لنرى حججهم وبفهم العلماء المحققين لا بفهمنا ولا بفهم الشيعة، لنكون باحثين حقيقيين، ونقيم الحجّة أمام الله تعالى إن عاتبنا على عدم اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) الذين يلهج بذكرهم الشيعة من حولنا أينما ذهبنا وأينما توجّهنا، فالشيعة كثيرون من حولنا ويظهرون حبّهم واتّباعهم لأهل البيت(عليهم السلام) دون من سواهم من المسلمين، فلماذا لا نبطل حجّتهم ونبيّن كذبهم بالدليل والبرهان والبحث العلمي المتجرد عن الهوى والعاطفة؟
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! ولو أنّي مقتنع بأنّ الشيعة لا يمكن أن يمثّلوا الحقّ، ولكن ماذا أفعل وقد ألزَمتْني حجّتُك وألقمْتَني حجراً بأدلَّتك! فعلاً مم الخوف وعندي عقل رزقنيه الله تعالى لأميّز به الحقّ من الباطل! ولكن يا (عبد الحميد)، ألا ترى بأنّ الشيعة ضالّون ومشركون! فكيف يمثّلون الحقّ وهم يدعون غير الله وينذرون لغير الله، ويطوفون بقبور أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كما نطوف نحن ببيت الله الحرام، ويحلفون بغير الله، ويتسمون بعبد الحسين وعبد الزهرة وعبد الأئمة، وما إلى ذلك ممّا عندهم من غلو بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، واعتقادهم فيهم بأنّهم يعلمون الغيب، وكذلك سبّهم للصحابة بل تكفيرهم لهم، وطعنهم بأمهات المؤمنين، واعتقادهم بتحريف القرآن الكريم، فكيف تتوقّع بأنّهم يمثّلون الفرقة الناجية ويتّبعون أهل البيت(عليهم السلام) دون غيرهم؟!
فقلت له: تمهّل واصبر ولنبحث عن أحقّيتهم وصحة اتّباعهم لأهل البيت(عليهم السلام) أوّلاً، فإذا ثبت بأنّهم الوحيدون الذين يتّبعون أهل البيت(عليهم السلام) ويحملون فكرهم ومنهجهم ومذهبهم فسوف نفكّر بعد ذلك بهذه الأمور، ونسأل عنها أهلها ولماذا يفعلونها وما المبرر لهم على فعلها وصحتها والتزامها وعدم نهي علمائهم عنها إن أنكروها وقالوا بحرمتها وعدم صحتها؟
فقال: فعلاً يجب أن يثبت لنا أوّلاً بالدليل بأنّ الشيعة هم الفرقة الناجية، ثمّ ننتقد عليهم الكثير ممّا لا نقبله ونراه شركاً وضلالاً مع أنّ فهمنا للتوحيد قد يكون فيه خلل وخطل!
فقلت له: حينما أخبرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بأنّه خلّف فينا من بعده ثقلين وخليفتين، وأمرنا بالتمسّك بهما، وأخبرنا بأنّ الله تعالى اللطيف الخبير قد أخبره بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض، أي أنّهما باقيان في الأمّة موجودان في
كلّ زمان لا تخلو الأرض منهما، وأَنّ من يطلبهما سوف يجدهما قطعاً، وأنّ هناك من سيلتزم بهما كما ينصّ حديث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة (١) ، فمذهب أهل البيت(عليهم السلام) مادام يمثّل تلك الفرقة الناجية فلابدّ أن يكون موجوداً لأنّه هو الإسلام الصحيح ودين الله الحقّ الذي تعهّد تعالى بحفظه ووجوده رغم ثقل العمل بالثقلين وصعوبة التزامهما على الناس (٢) !
قال: هذا صحيح.
قلت له: إذن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وأقوالهم وآرائهم وأحاديثهم موجودة في الأمّة وهناك من يمثّلهم ويتّبعهم لا محالة.
قال: أجل.
قلت له: فلمّا رأينا كيف تعامل علماء السنّة والحكومات وأتباع الحكومات من وعّاظ السلاطين وعلماء السوء مع أهل البيت(عليهم السلام)، من تشريد وتقتيل واستدعاء واختبار وسجن وتحريض وترغيب وترهيب وإقامة جبرية وما إلى ذلك فكلّ ذلك يسقط كون أهل السنّة هم أتباع أهل البيت(عليهم السلام) أليس كذلك؟
قال: فعلاً.
فقلت له: ثمّ بحثنا عن المتشيّعين والمعتدلين من علماء أهل السنّة المنصفين فلم نصل معهم إلى حلّ، ووجدنا انقطاع سلسلتهم من قبلهم ومن بعدهم، فتبيّن بأنّهم لا يمثّلون الفرقة الناجية أيضاً ولا يجب علينا متابعتهم دون أهل البيت(عليهم السلام)،
________________________
١- أقصد حديث (لا تزال في أمّتي طائفة ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
٢- في كلامي هذا إشارة إلى ما عرفوا وشرحوا به الثقلين حين قال النووي عن سبب إطلاق النبي(صلى الله عليه وآله) هذا الاسم عند شرحه لحديث الثقلين في صحيح مسلم: (سمّاهما ثقلين لعظمهما ونفاستهما وثقل العمل بهما).
لأنّ ؛ الصادق المصدّق وعدنا باستمرار الفرقة الناجية بقوله(صلى الله عليه وآله): (لا تزال طائفة)، ولأنّنا سوف نتّبع الفرع ونحن مأمورون باتّباع الأصل مع تعهّد النبيّ(صلى الله عليه وآله) بوجود الأصل في الأمّة إلى يوم القيامة وعدم وجداننا للفرع في الواقع، فسقط هذا الاحتمال أيضاً!
قال: أكيد!
فقلت له: بقي لنا خيار أخير وهو البحث عمّن يدّعي اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) ظاهراً وفي الجملة دون غيرهم، فلم نجد من الفرق المتجذرة والمستمرة إلاّ فرقة الشيعة الإمامية الاثني عشرية دون الزيدية والإسماعيلية، فالأخيرة باطنية إباحية مسقطة للتكاليف مخالفة للحق بشكل واضح، ولا تنطبق عليها مواصفات الفرقة الناجية، ويتّبعون إماماً قد مات في زمان الإمام الصادق بعده (إسماعيل) فلا يمكن أن يكون الإمام اللاحق قد مات قبل الإمام السابق، والزيدية ليست بالمتجذرة في القدم من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) مباشرة، ولا دلّت عليهم أو أشارت لهم أيّة أحاديث للنبيّ(صلى الله عليه وآله) كالشيعة الإمامية، بالإضافة إلى إجماع الأمّة على أفضلية أئمة الشيعة الإمامية على أئمة الزيدية، مضافاً إلى أنّ حديث الأئمة الاثني عشر لم يلتزمه ولم يعمل به ولم يطبّقه ولم يصر عليه الإسماعيلية أو الزيدية كالشيعة الإمامية الاثني عشرية، ناهيك عن كون شرط الإمام عند الزيدية خروجه وقيامه بالسيف، وهذا يدلّ على كون مذهبهم عبارة عن ردّة فعل وليس فعلاً ونظاماً ومصلحة وتشريعاً ونظرية متكاملة تمثّل الإسلام ونظام الحكم الشرعي والإلهي في الإسلام! فالإمام عندهم هو الثائر على الباطل وأهل الباطل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الناتج والمترشح من الأنظمة الفاسدة!
قال: أحسنت فكلّ هؤلاء لا ينطبق عليهم المراد والنصوص ولا يمثّلون
الفرقة الناجية أبداً!
قلت: فلم يتبق لدينا سوى الشيعة الإمامية الاثني عشرية ممّن ينتحل الميل لأهل البيت(عليهم السلام) كما عَبّر ابنُ خلدون عنهم ووصفهم في مقدّمة تأريخه، وهذا يثبت اتّباع الشيعة والتزامهم مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فعلاً وواقعاً!
قال: إي والله، لا فظ فوك! فقد أقمت عليّ الحجّة، وأوضحت لي المحجّة، وأغلقت عليَّ كلّ باب للاحتمال أو الشك، فوالله لولا كلامك معي بهذه الطريقة العجيبة وغير المعهودة، ولولا معرفتي بك وثقتي بشخصك واعتزازي بمعرفتك وثقتي بعلمك واطّلاعك ما صدّقت هذا أبداً ولسمّيته أحجية وقصّة خيالية، ولا أعتقد بأنّني سأصدّق غيرك لو تكلّم معي في ذلك، بل أعتقد بأنّني سوف لن أصدّقك أنت أيضاً لو تكّلمت معي بغير هذه الطريقة وغير هذا الأسلوب الرائع، فإنّي لم أظن ولم يخطر على بالي يوماً من الأيام ولا لحظة من اللحظات بأنّ الشيعة هم الفرقة الناجية وهم أتباع أهل البيت(عليهم السلام) حقّاً، ولم أعرف يوماً منزلة أهل البيت(عليهم السلام) وأهميتهم هذه أبداً، وكنت أقول في نفسي لو ظهر لي رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو عليّ(عليه السلام) وقالا لي بأنّ الحقّ مع الشيعة لشككت بذلك وما صدقتهما! فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله!! {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} (١) .
بُعيد كلامنا هذا مباشرة أحسست بأنّ ذاتي وشخصيتي ونفسيتي قد تغيّرت تماماً وانقلبت وتحوّلت إلى نفس جديدة أُضيف إليها شيء ما ــ وإنّي لأعجز أن أصف لكم أحبّتي مشاعري في تلك اللحظات، فهي لم تحصل لي في حياتي كلّها، بل وأجزم بأنّها سوف لن تحصل لي إلاّ أن يشاء الله أن يرزقنا الجنّة حيث
________________________
١- الأعراف: ٤٣.
وعدنا الله ورسوله باللذة التي سنشعر بها هناك حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ــ فشعرت حين اتّفقنا أنا وصديقي (حارث) على وجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) على أقل تقدير عند الاختلاف بينهم وبين غيرهم وعدم قرن أحد بهم ووجوب معرفتهم ومحبّتهم والتمسّك بهم ؛ لأنّهم وصية نبيّنا(صلى الله عليه وآله) وخلفاؤه الذين هم أحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أمّته وأمرنا بالتمسّك بهما للأمن من الضلال.
شعرت حينئذ بأنّ جبلاً ثقيلاً كنت أحمله على ظهري وعاتقي زال مباشرة، فأصبحت خفيفاً وشفافاً ومجرداً وكأنّي أحلّق في السماء، وروحي ونفسي قد تغيّرت وتحوّلت تماماً وانقلبت إلى شيء آخر فعلاً، فبعد أن كنت متشدداً فظاً أكره كلّ من يخالفني ولو في عدم تحريكه لإصبعه في التشهد أو عدم فتح رجليه ولصق قدميه كلّها بقدميَّ أصبحت الآن أحسّ بحبّي ورحمتي لكلّ بني البشر لكلّ موافق وكلّ مخالف وأشفق على الخلق كلّهم وأشعر بالرحمة تجاهم، فأحسست بنورٍ في قلبي يسعُ كلَّ الناس، أعطف من خلاله على كلّ الناس، وأشفق على كلّ الناس، وأريد أن يحسّ كلّ الناس بهذا الشعور، فكيف أوصل لهم هذا الإحساس، وكيف أساعدهم على الشعور به وهذه البهجة والسرور وهذه السعادة الغامرة التي لا توصف؟ كيف سأرسمها على وجوه الناس وأدخلها إلى قلوبهم؟
فيا لها من لذّة لم أشعر بها ولم أتذّوقها طيلة حياتي مهما مررت به من تغييرات وإنجازات ومفارقات وتنقلات، فازددت يقيناً بأنّي وجدت الحقّ حقّاً ورزقت اتّباعه، فيا لها من نعمة أعجز والله عن شكرها، ويا له من فضل ما بعده فضل.
وبعد أن أخبرت صديقي حارثاً بما جرى لي صرخ قائلاً: "سبحان الله وأنا أيضاً والله قد أحسست بأنّ غشاوة عن عيني قد أزيلت فتكشَّفتْ لي الأمور كلّها وانتقلت إلى حياة أخرى، وأصبحت أفهم كلّ شيء على حقيقته وواقعه، وأراه بشكله اللائق به، حتّى أنّي لم أشعر قبل هذا اليوم وهذه اللحظات باطمئنان لشيء من الدين مثلما أحسّ به الآن وأشعر به"!!
فقلت له: سبحان الله ولذلك يسمّى هذا إيماناً واعتقاداً وتصديقاً واطمئناناً! فالآن صدّقت وفهمت قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) لخباب لمّا شكى له وبعض الصحابة حالهم وما كانوا يتعرّضون له من تعذيب شديد فيتأذّون بذلك ويشكونه من سوء حالهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكان يجيبهم(صلى الله عليه وآله) بأنّ هذا التعذيب هيّن يجب تحمّله، وأنّ من كان قبلهم ينشرون بالمناشير ويقرّضون بالمقاريض على أن يكفروا ويخرجوا من إيمانهم ويتركوا دينهم فيأبون ذلك ويتحمّلون كلّ ما يفعل بهم.
فالآن فعلاً أحسست بقيمة الإيمان والعقيدة وشعرت باستحقاقه التضحية حقّاً لا كلاماً، فإنّنا بصراحة ككلّ السلفية إيماننا وعقيدتنا مجرد نصوص وألفاظ وكلمات غير مفهومة وغير مثمرة فلا تنفع في عمل أو إيمان حقيقي يستحق تلك التضحية، فلم يخالط الإيمان قلوبنا في الواقع وإنّما هي دين مجرد ألفاظ ومصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان نرددها كالببغاوات ولا نفهمها ونحن نتمسّك بها ونرددها ونكررها ونتدارسها لمجرد أنّ ابن تيمية شيخ إسلامنا قد قالها!
وقد كان الكثير من إخواننا الصوفية والإخوان المسلمين ينتقدون ذلك فينا، ولكننا لم نكن نبالي بكلامهم ولا نأخذ بنصيحتهم، كانوا يقولون لنا:
إنّكم تخوضون في خلافات عقائدية وتجيدون الكلام في العقائد النظرية دون أن تحسّون بها ودون أن تخالط قلوبكم! حتّى إنّي لأذكر كلام شيخنا محمّد عياش الكبيسي (١) عندما كان يتكلّم عن العقيدة ويصنّفها إلى ذات ثمرة وعملية، وإلى عقيمة وغير عملية، فكان كثيراً ما يرشدنا في خطبه إلى التزام عقيدة الصحابة البسيطة وفهم الصحابة لتلك العقيدة، وليس التمسّك بعلم الكلام وأخذ العقيدة عن المتكلّمين والمجادلين ومعرفة المشاكل والخلافات وفروع العقيدة وترك الفهم البسيط المثمر العملي للعقيدة الذي سار عليه الصحابة والسلف ففتحوا البلاد ونشروا الدين والإيمان بين العباد ودعوا إلى الله واتّقوه وقاموا بما هو مطلوب ومرجو من غاية بعث الأنبياء وإرسال الرسل وتشريع الشرائع وكمال النفس وتكامل الروح، فالدين المعاملة والدين النصيحة والدين عمل لا مجرد كلام وترديد ألفاظ والدين إيجابي لا سلبي. فالآن نستطيع فهم كلام هؤلاء (٢) ونصيحتهم بعد أن كنّا غافلين غارقين في التعصّب والتقليد!
فقال: صدقت وربّ الكعبة، الآن أحسست فعلاً بالإيمان والعقيدة وثمرة اتّباع الحقّ بعد أن كنّا نركّز على الشكل والصورة والهيئة والظاهر والألفاظ دون أن نعير أيّة اهتمام للإيمان المثمر والعملي!
فقال لي صديقي بعد ذلك متحسّراً: ولكن بقي في النفس شيء، بل أشياء ممّا ننتقده ونستنكره على الشيعة ممّا ذكرت لك آنفاً!
________________________
١- وهو الآن مسؤول العلاقات الخارجية في هيئة العلماء السنّة في العراق، وأستاذ العقيدة في الجامعة القطرية.
٢- أقصد في نقدهم لمنهج السلفية وإلاّ فتبسيط العقيدة وعدم الحض على طلب العلم يردّ عليهم أيضاً، والحقّ أنّ التشيّع فيه كلّ الحلول.
فقلت له: أحسنت، الآن جاء وقت طرح الإشكالات على الشيعة لمعرفة آرائهم وعقائدهم، وهل هم فعلاً مسلمون وممثّلون للحقّ ولأهل البيت(عليهم السلام) أم أنّهم ابتدعوا وضلّوا بعد أن هداهم الله تعالى؟
وقلت له مقترحاً: لي صديق قديم من الشيعة المثقفين والآن يدرس في حوزة النجف على ما أعتقد، وهو الذي كان أصدقائي الشيعة ــ الذين كنت أناقشهم سابقاً ــ يأتون به ويستعينون به للردّ عليَّ ومناقشتي ــ حينما يعجزون عن جوابي في بعض المسائل ــ لمعلوماته الجيّدة في هذا المجال، فأنا أراه ينفعنا الآن كثيراً ؛ لأنّه صاحب خبرة وتجربة بالخلافيات بين السنّة والشيعة، وكثيراً ما كان يستدلّ عليَّ من كتب السنّة المعتبرة حين يحاورني، فلعله ينفعنا في الإجابة عن هذه التساؤلات والإشكالات التي بزوالها يثبت لنا أنّ الشيعة الإمامية الاثني عشرية دون منازع هم الآن يمثّلون مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الحقيقي والإسلام الذي يريده الله، وأنّهم هم دون غيرهم قد اتّبعوهم حقّاً تمسّكاً بوصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) دون من سواهم من فرق المسلمين.
ولكن المشكلة تكمن فيما لو لم يستطع الشيعة الجواب عن إشكالاتنا وظهر أنّها محكّمة عليهم! فهل نستطيع أن نجزم بعد ذلك بأنّ وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم تتحقق في الواقع، وأنّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) قد ضاع واندرس كغيره من المذاهب المندرسة؟! فلا يوجد في الأمّة شيء اسمه مذهب أهل البيت(عليهم السلام) أو فقه أهل البيت(عليهم السلام) أو علم أهل البيت(عليهم السلام) إلاّ عدّة أحاديث لا تمثّل شيئاً يذكر بالنسبة إلى عموم أحكام الدين، ويمكن الاستغناء عنها أيضاً! أو بقي ولكنّه مذهب منسوب إليهم كذباً وموضوع عليهم(عليهم السلام) بهتاناً تدّعيه الشيعة، وهذا المذهب الموهوم المصنوع قد ضلّ به أناس على مرِّ التاريخ ممّن يحبّون أهل البيت(عليهم السلام) ويميلون إليهم ويريدون اتّباعهم والانقياد لوصية نبيّهم(صلى الله عليه وآله) بالتمسك بهم
وبخلافتهم له للأمن من الضلال؟
فأجابني مباشرة: لا يمكن ضياع دين الله الحقّ بهذا الشكل، لا أصدّق ذلك!
فقلت له: أحسنت هذا ما أردتك أن تصل إليه بنفسك، فما دمنا قد وصلنا إلى حقيقة الدين، وعرفنا من يتّبعه ومن أعرض عنه، فلا يمكن لأيّ شبهة أن تزعزعنا عن اتّباعه وتصديقه، فالخلل إذن فينا وفي فهمنا وفي مذهبنا الوهابي الذي خالف الأمّة جمعاء في أفهامه الشاذة وكفّر الأمّة وضللها واتهّمها بعبادة غير الله تعالى والغلو بالصالحين، مع أنّ الأمّة الإسلامية الخاتمة بُراءٌ من مدعاهم وزعمهم هذا واتهّامهم للأمّة الخاتمة أمّة التوحيد بالشرك؛ حيث إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى قد أخبرنا: (أنّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم) (١) ، وكذلك نفيه(صلى الله عليه وآله) رجوع الأمّة إلى الشرك من بعده بقوله: (إنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكنّي أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) (٢) ، وكذلك ما أخبر به فيما سيقع من أمور غريبة عن حال المسلمين وعقائدهم عموماً قبيل قيام الساعة وجعله من علاماتها حيث قال (صلى الله عليه وآله): (لا تقوم الساعة حتّى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة) (٣) ، فاعتبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) طواف بعض نساء المسلمين حول وثن ما علامة مهمّة من علامات الساعة ومدعاة لقيامها، فكيف يصح أن تتهم هذه الشرذمة الضالة أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) كلها عدا بضعة آلافٍ من الأعراب بوقوع الشرك الأكبر فيها وانتشاره في المسلمين بشكل واسع، مع كلّ هذا الكلام وهذه الوعود النبويّة الصادقة الصريحة، وهذا التوضيح في نفي التهمة عن الأمّة وتنزيهها وتبرئة ساحتها عن سقوطها ووقوعها في براثن الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى
________________________
١- صحيح مسلم (٨/١٣٨).
٢- البخاري (٢/٩٤) و(٤/١٧٦) و(٥/٤٠) و(٧/١٧٣و٢٠٩)، ومسلم (٧/٦٨).
٣- البخاري (٨/١٠٠)، ومسلم (٨/١٨٢).
وعلى لسان من لا ينطق عن الهوى؟!! فهذه الأحاديث والوعود تعني بوضوح عدم وقوع الشرك الأكبر بالمرّة في هذه الأمّة المرحومة الخاتمة الكاملة المهيمنة على الأديان والشرائع السابقة كلّها، فقد وعد وأشار(صلى الله عليه وآله) إلى نفي وقوع الشرك الأكبر في أمّته(صلى الله عليه وآله)، وإنّما أكّد على وقوع الشرك الأصغر فيها فقط وتفشيه بين أفرادها، وعدم الخوف على الأمّة من غير الأصغر منه فقال(صلى الله عليه وآله): (الشرك في أمّتي أخفى من دبيب النمل على الصفا)، وفي رواية: (الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)، وفي ثالثة: (الشرك أخفى في أمّتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء)، فهذه الأحاديث الشريفة تدلّ على عدم وقوع الشرك الأكبر في هذه الأمّة إلاّ في حالة نادرة فاردة.
ولقد أجاد وأبدع المناوي في (فيض القدير) في شرحه لهذا الحديث حيث قال وأكّد عين ما قلناه: "لأنّهم ينظرون إلى الأسباب كالمطر غافلين عن المسبب ومن وقف مع الأسباب فقد اتّخذ من دونه أولياء فلا يخرج عنه المؤمن إلاّ بهتك حجب الأسباب ومشاهدة الكل من ربّ الأرباب وأشار بقوله (على الصفا) إلى أنّهم وإن ابتلوا به لكنّه متلاش فيهم لفضل يقينهم فإنّه وإن خطر لهم فهو خطور خفي لا يؤثّر في نفوسهم كما لا يؤثّر دبيب النمل على الصفا، بل إذا عرض لهم خطرات الأسباب ردّتها صلابة قلوبهم بالله" (١) .
فيا ويل هؤلاء ويا خطأهم وضلالهم!! وهذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيهم وليس حكمي، الذي قال فيهم ووصفهم بهذه الأوصاف وبيّن حقيقتهم وأخبرنا عنهم وحذّرنا من سوء منهجهم وطريقتهم العمياء الضالة فقال(صلى الله عليه وآله) عنهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) (٢) ، وهذه الصفات تنطبق على الوهابية والسلفية بشكل واضح ؛
________________________
١- فيض القدير للمناوي (٤/٢٢٧).
٢- البخاري (٨/١٧٨) ومسلم (٣/١١٠).
لأنّهم يمثّلون الامتداد الحقيقي للخوارج، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) قد أنذرنا من استمرار وجود هؤلاء بيننا وإلى قيام الساعة، فأخبرنا عنهم(صلى الله عليه وآله) فقال: (كلّما خرج منهم قرن قطع حتّى عدّها زيادة على عشر مرّات كلّما خرج منهم قرن قطع حتّى يخرج الدجال في بقيتهم) (١) ، وفي رواية: (لا يزالون يخرجون حتّى يخرج آخرهم مع الدجال) (٢) ، وأخرى: (كلّما طلع منهم قرن قطعه الله(عزوجل)) (٣) .
فيا ويل من يهدر جهود الأمّة ويخالف أحكام هذا الدين العظيم بإباحة دماء اتّباعه بغير فهم ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير!
فاقتنع (حارث) بكلامي وشكرني، وقال لي: كيف فتح الله عليك هذا الفتح وكلّمتني بهذه الطريقة وسقت لي هذه الأدلة الدامغة البليغة؟!
فقلت له: هذا فتح الله وفضله علينا وتوفيقه لنا، وهذه سطوة الحقّ، وهذه أيضاً حجّة الله البالغة التي وعدنا بها ربنا(عزوجل) لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل يا أخي العزيز.
فقال: فعلاً هذا فتح الله علينا فقد أصبح تفكيرنا وفهمنا للأمور ورؤيتنا لكلّ شيء تختلف عن السابق تماماً، وكأنّ غشاوة عن أعيننا وقلوبنا قد أزيلت!
فأجبته: إي والله، إنّها الحجب والرين الذي كان يغطّي عقولنا وقلوبنا، فنحسب سذاجتنا فهماً وحماقتنا علماً، وأعداء الله أولياءً له وأولياءه أعداءً، فيا لها من فترة خدّاعة تلبّست فيها الأمور عندنا وتشابه البقر علينا ونجونا بعد أن كدنا!!
فقلنا سوية: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.
________________________
١- أخرجها الهيثمي بعدّة روايات وعدّة طرق عن أحمد راجع (٦/٢٢٨و٢٢٩) وما قبلها وبعدها.
٢- المصدر السابق.
٣- المصدرالسابق.
في رحاب السيّد السبزواري(قدس سره)
حصل معي حدث مهم بعد ذلك بشهرين تقريباً من مفاتحة صديقي وبداية بحثنا، وبعد مناسبة وزيارة الأربعين للإمام الحسين(عليه السلام) حينما كنت مع صديقي المفضّل (حارث) في بيته في حديقة المنزل وكنّا جالسين في الأرجوحة وذهب حينها ليأتينا بشيء من الطعام للعشاء، فحدث أمر هزَّ كياني ولفت أنظاري بل أرعبني! فحينما كنت أنظر إلى السماء رأيت شهاباً ينزل فتعوّذت من الشيطان الرجيم كما هو مستحب فعل ذلك عندنا؛ لأنّنا نعتقد بأنّ شيطاناً قد استرق السمع فرماه الله تعالى بشهاب ثاقب كما يذكر القرآن الكريم ذلك، ولكن الأمر لم ينته عند ذلك النجم فقد تكررت المسألة وكررت التعوّذ، حتّى تكررت الحالة إلى درجة لم أستطع اللحاق معها بالتعوّذ لكلّ نجم يسقط، فأدركت حينها بأنّ أمراً ما قد حصل، وجال في خاطري احتمال أن يكون ذلك بسبب موت وليٍّ لله وقد يكون بكاءً على الحسين(عليه السلام)، وليس الأمر طبيعياً لأقول بأنّ هنالك شياطين تسترق السمع بهذا العدد! فماذا بقي من الغيب إن صحّ أنّ هذا الأمر بسبب استراق الشياطين للغيب؟ وخطرت في ذهني مباشرة آية كريمة لم تخطر في بالي من قبل وهي قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء} (١) ، فظننت أنّ هناك حدثاً عظيماً لا
________________________
١- الدخان: ٢٩.
يعلمه إلاّ الله تعالى، وأنّ هذا قد يكون بكاءً على الحسين(عليه السلام)، فلمّا جاء (حارث) أخبرته بما يجري فتعوّذ هو الآخر حتّى وصل إلى ما وصلت إليه بعد قليل، فتعجب من هذا الحدث! فأخبرته بما جال في خاطري من بكاء السماء على ولي لله تعالى أو على الحسين(عليه السلام)، فأجاب بقوله: ولِمَ لا؟!
وفي اليوم الثاني ذهبت إلى محل عملي وتواجدي في سوق بيع وشراء الكتب بسوق السراي، فأحسست بأنّ أمراً غريباً قد حصل! فوجوه الشيعة حزينة مكفهرة كئيبة وعيونهم تكاد تدمع أو أنها قد ذبلت من البكاء واحمرّت، فتحرّيت الخبر فأُجبت مباشرة من صديقي (ثائر) بأنّ المرجع الشيعي السيّد عبد الأعلى السبزواري(قدس سره) قد فارق الحياة بالأمس فتذكّرت ما جرى بالأمس مباشرة وخررت وسَلّمت لعظمة الله وعظمة أوليائه وأذعنت بالحقّ وأيقنت بأهله، فقلت: سبحان الله العظيم، الله أكبر، وقل جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً، يالرحمة الله الواسعة، ويالآياته البالغة، كيف أشكر ربّي على هذه الآيات الباهرات وهذه الحجج القاطعات وهذا التأييد والتوفيق الرباني العظيم الذي لا أستطيع عدّه ولا شكره مهما شكرت ومهما عددت، فيا لها من عناية إلهية وآية كونية كأنّ الله تعالى فعلها لأجلي، ولأجلي فقط! لكي يطمئن قلبي وأنطلق في صراطه المستقيم من دون أدنى شك أو ريب، ومهما بلغت الصعوبات، ومهما صادفت من المشكلات، ومهما عزَّ الأنصارُ وكثر النُقّاد وأهلُ العِناد، وكذلك فإنّ هذه الآية أثّرت بي كثيراً ؛ لأنّني كغيري من السلفيين لا نعدُّ علماءَ الشيعة إلاّ آلهة تعبد من دون الله وأنّهم أئمة كفرٍ ــ حاشاهم ــ يجب قتلهم ؛ لأنّهم يعرفون الحقّ ويعاندونه كما حكم عليهم بذلك ابن تيمية وغيره، فثبت لي بهذا الحدث العظيم بأنّه ولي لله تعالى وأن السماء بكته، ومن ثمّ الشيعة هم أهل الحقّ بكلّ استحقاق.
وهذا الأمر وهذه الآية كانت لها مقدّمات ومفارقات ولم تحصل معي صدفةً أبداً، فقد حصلت لي مع شخصية السيّد السبزواري(قدس سره) دون أن أعرفه ودون أن أراه ودون أيّ سبب أو مبرر أو سابق إنذار، ولكن أعتقد بأنّ بركاته وسعتني وخصّتني بشيء من أنوار الله تعالى التي استودعها في خواص أوليائه، بحيث تدخل وتؤثّر هذه الأنوار وهذه الإشعاعات الإيمانية دون أن نشعر بذلك، فهذه عظمة الإيمان بالغيب والمخلصين الصادقين مع الله تعالى فهنيئاً لهم، وجعلنا الله ممّن يختم له بشيء ممّا أكرمهم به إنّه أكرم الأكرمين وأوسع المعطين.
أمّا المفارقة الأولى التي تعرّفت من خلالها على السيّد السبزواري(قدس سره) بالذات فقد حصلت معي بعد حرب الخليج وتحرير الكويت مباشرة حين قرأت في إحدى الصحف المحلية الصدامية فتوى للسيّد الخوئي(قدس سره) وأخرى للسيّد السبزواري(قدس سره) تحرّم القتال ضدّ النظام حين هبّ أبناء الشيعة بانتفاضتهم بعد الحرب وبعد ضعف صدام اللعين وانهياره، وقد كنّا نسميها (الغوغاء) وصفحة الغدر والخيانة، فأثار انتباهي اسمه التوحيدي أكثر من تلك الفتاوى المفتعلة والمنسوبة إلى المراجع العظام كذباً وزوراً، فتعجبت بأنّ هناك شيعياً بل عالم شيعي بالذات اسمه عبد الأعلى وليس عبد الحسين أو عبد الزهرة أو عبد الأئمة! وأنّ أحد علماء الشيعة قد يكون موحّداً ويعرف التوحيد ولا يتسمّى بالأسماء الشركية! (كما نزعم كوهابية) فأُعجبت به أشدّ الإعجاب وأحببته دون غيره من العلماء، خصوصاً وقد قرأت اسم السيّد الخوئي(قدس سره) حينها، فوجدت بأنّه يكّنى بأبي القاسم فكرهته لذلك ؛ لأنّ هذه كنية رسول الله(صلى الله عليه وآله) التي يختص بها، وتذكّرت حينها قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): (سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي) (١) ، فانزعجت من السيّد الخوئي(قدس سره) وأحببت السيّد السبزواري(قدس سره) من أجل ذلك! فهذه أوّل مفارقة ووقفة
________________________
١- البخاري (٣/٢٠) و(٤/٤٩) و(٧/١١٦) ومسلم (٦/١٦٩ـ١٧١).
خاصّة لي مع السيّد السبزواري(قدس سره)!
والمفارقة الثانية حصلت لي حين تُوفي السيّد الخوئي(قدس سره) ففرحنا بذلك نحن السلفيون طبعاً كعادتنا واعتقادنا بأنّه قد توفي طاغوت ــ حاشاه(قدس سره) ــ يُعبد من دون الله وإمام من أئمة الضلال ــ حاشاه وأستغفر الله على ذلك ــ فأذكر حين وفاة السيّد الخوئي(قدس سره) ذهبت إلى محل عملي وتواجدي المعتاد في سوق السراي وشارع المتنبي حيث سوق الكتب، رأيت بائعي الكتب الشيعة كئيبين متألمين وقد بان على وجوههم الحزن والألم الشديد، فاستخبرت عن الموضوع والحال فقالوا لي بأنّ السيّد الخوئي(قدس سره) قد مات، وبعد أيام كنت في السوق ومرّ بنا شيخ كبير يلبس الصاية والشماغ والعقال وكنت بجانب صديقي الشيعي الأصل المتسنن (ثائر) فأخبرني عنه قبل أن يقترب منّا فقال: هذا شيخ شريف من النجف وهو ابن مرجع سابق من مراجع الشيعة وهو الشيخ كاشف الغطاء صاحب كتاب (أصل الشيعة وأصولها)، فتبادر إلى ذهني فوراً أن نسأله عن العالم الذي جعلوه خلفاً للسيّد الخوئي زعيماً للحوزة العلمية؟ فهمست في أذن (ثائر) بذلك والشيخ يقترب منّا شيئاً فشيئاً، وينظر إلينا ويتأمل فينا، وأنا بثوبي القصير وابتسامتي المعهودة، فأحسست حينها وكأنّه سمعني أو أحسّ بي وكأنّه يقرأ أفكاري وما يجول في خاطري مع بُعده عنّا، ولكن نظراته كانت تراقبنا بغضب، فلمّا اقترب سأله صديقي (ثائر) بقوله: من أصبح خليفةً للسيّد الخوئي في زعامة الحوزة؟
فانتفض علينا الشيخ شريف كالأسد وثارت حفيظته وصرخ مغضباً وقال: نحن لسنا بطارقة! والحوزة ليست بكنيسة أو فاتيكان تعيّن بطريركاً بعد آخر دون شروط أو ضوابط!! العلماء عندنا يرشحون الأعلم بعد المعرفة والاختبار فيكون زعيماً للحوزة حينها بهذه الطريقة!
فقلنا له: هذا هو قصدنا! من أصبح زعيماً للحوزة بهذه الطريقة يا شيخ؟
فقال لنا بعد أن هدأ عنه الغضب: السيّد عبد الأعلى السبزواري!
فقلت له: وهل السبزواري أعلم من الخوئي؟!
فأجاب بلهجته القديمة: أبداً هو لا يصل أربِعين بالمية من علم السيّد الخوئي(قدس سره)!
فشكرناه واعتذرنا منه على عدم دقة سؤالنا وأنّ غرضنا كان معرفة المرجع الأعلى فقط، ولم يكن سؤالنا بغرض الاستفزاز أو الانتقاص من أحد أبداً!!
فتلك الآية لمّا حصلت عند وفاته كانت هي المرّة الثالثة لمعرفتي بهذا الرجل العظيم، وكانت هي الوقفة الثالثة المباركة معه فرحمه الله تعالى وقدس سرّه ونوّر ضريحه فقد كان سبباً مهمّاً في هدايتي وواسطة لنزول الرحمة الإلهية عليّ، فعن طريقه تعرّفت والتفتُّ واطمئننت لأشياء مهمة عن الشيعة والتشيّع وأحقيتهم وكثرة الافتراءات عليهم.
وأصبح الربط بين الأشياء واضحاً عندي، فأثّر بي الموقف الأخير كثيراً، واستطعت تقبّله وتصديقه بسهولة، فلولا سماعي بالسيّد من قبل وتأثّري به لما أثّر بي ذلك الحدث وتلك الحالة الغريبة التي لم أعتقد بها يوماً ولم أصادفها مرّة، خصوصاً مع فكرنا السلفي المتشدد وقلوبنا الغليظة عن الأمور الروحية والمعنوية والعرفانية البعيدة عن منهجنا وعقيدتنا بالمرّة، ولكن سبحان الله العظيم الذي يسّر لي تقبّل ذلك بتيسيره لي كلّ تلك المقدّمات، فأحمده سبحانه عليها وأشكره لأجلها حمداً وشكراً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
مقابلة العدو القديم!
حينها ذهبت إلى أحد أصدقائي الشيعة القدماء ــ الذين تعرّفت عليهم في السادس الإعدادي ــ (مكي) الذي كان هو و(أحمد) يمثّلان خفة الدم والظل والمزاح المستمر في مجموعتنا التي ذكرتها في بداية الكتاب، وكانا كثيراً ما يتمازحان معي ويُسمعاني كلاماً يؤذيني حينما كنّا نتسامر كلّ ليلة تقريباً ونتحاور في الخلافيات والاختلافات، حتّى إذا جاء وقت مغادرتي لهما همس أحدهما في أذن صاحبه ثمّ قالا لي بصوت ولحن واحد: "الله ومحمّد وعلي وياك"، فأصرخ مجيباً: "لا لا، لا تشركا بالله"!! فيضحكان ونفترق، هذان الشخصان كنت أحبّهما كثيراً ويبادلاني نفس الشعور، وكانا كثيراً ما يكرران قول: "متى يهديك الله وتكون شيعياً"؟ فأجيبهم على الفور بحسب عقيدة كلّ وهابي: أنتما واهمان لا يمكن لسنّي يوماً من الأيام أن يصبح شيعياً (١) ، بخلاف الشيعة في زماننا وبلدنا فكثيراً ما نجدهم في مساجدنا بعد أن يأتوا ليصلّوا معنا في المساجد فإذا بهم يتسننون بعد أيام، بل إن أكثر السلفيين في العراق أصلهم من الشيعة بخلاف السنّة فإنّهم لا يميلون للوهابية والسلفية فلم يعتنقها إلاّ الأفراد القلائل! (٢) .
________________________
١- أصبحت هذه الأحجية من نسج الخيال أمّا الواقع فإنّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ينتشر انتشاراً كبيراً وغير طبيعي ودون جهود تذكر من الشيعة في جميع أرجاء العالم كمصر والمغرب العربي وغيرها وفي الطبقات المثقفة جدّاً ولله الحمد والمنّة.
٢- كان الطاغية الطائفي صدام يقوم بتقديم التسهيلات للتجار السنّة ويعفيهم من الجمارك والرسوم والضرائب إذا تعهّد ذلك التاجر ببناء مسجد سني وخصوصاً في المناطق الشيعية أو المختلطة بخلاف الشيعة، وعلى العكس من ذلك تماماً فإنّه كان يمنع بناء أيّ مسجد شيعي في بغداد، فحصل ما حصل من بعض الشيعة من تحوّل إلى الوهابية لسبب وآخر بعد أن يقوموا بالصلاة في المساجد السنية وهم جهلة ولا خلفية ثقافية لهم في المذهب فيسهل تغييرهم حينئذ، وأعتقد أنّ هذا الأمر قد دُبِّر بليلٍ وأنّه مؤامرة مدروسة وخبيثة وليس أمراً اعتباطياً.
على كلّ حال ذهبت حينها إلى صديقي الشيعي هذا وقصدته ليدلّني على صديقه المثقف الشيعي الذي كانوا يأتونني به للنقاش والمناظرة، فوجدت صديقي (مكي) جالساً كعادته مع صديقه الحميم ولم تغيّرهما الأيام ولم تفرّق بينهما، فلمّا سلّمت عليهما ردّا عليّ السلام ورحّبا بي وأبديا اشتياقهما لي، وابتدرا عتابي فأخبرتهما مباشرة بتشيّعي واستبصاري فصدما ونظر أحدهما إلى الآخر باستغراب وتوجس وخيفة!!! مع أنّهما أبديا فرحهما وسرورهما المتكلّف والمفتعل في الظاهر وأخذاني بالأحضان والتقبيل، ولكنهما كانا حائرين ما الذي أتى بي بعد كلّ هذه المدّة؟ ولماذا رجعت إليهم؟ وكيف اقتنعت بالمذهب مع افتراقنا منذ سنوات دون نقاش أو حوار؟ هل يمكن أن يكون ذلك خطّة لاختراقهم والنيل منهم، أم أنّ الخبر واقعي ويجب أن يفرحوا بي فعلاً؟!
كان الخيار صعباً لهما ؛ لأنّ النظام الصدامي البعثي كان يتوقّع منه أن يفعل كلّ شيء وكلّ خطّة ممكنة للنيل والإطاحة بالشيعة ومحاربتهم، فمعرفتهم بي وبتشددي وتعصّبي وسعة اطّلاعي ومناظراتي معهم كانت ترجّح وتؤيّد عدم إمكان هدايتي للتشيّع واقتناعي به يوماً من الأيام، ولكن الله يهدي من يشاء، مع أنّهما كانا يأملان ذلك لي لحبّهم إيّاي ومخالطتهم لي ومعرفتهم بحبّي للحقّ واتّباعه مع من كان، ولكن الأمر ليس بالهيّن ولا بالسهل فمسألة التحوّل المذهبي والعقيدي من أصعب المسائل على الإطلاق، وخصوصاً التحوّل إلى المذهب
الشيعي في العراق وفي زمن صدام، فهذا يعتبر ضرباً من الخيال وبعيداً عن التصوّر والتصديق! وبالتالي لا يمكن تصديق هذا الرجل بهذا الخبر وإن نقلته لهم بنفسي ورأوا الصدق في وجهي، ولهم الحقّ حينها بالتوجس والحذر.
وبعد ذلك سألتهما عن صديقهما المثقف (أمجد) واحتياجي له لوجود بعض الأسئلة العالقة والشبهات حول المذهب من أحد أصدقائي الذي استبصر معي! فنظر أحدهما إلى الآخر نظر المغشي عليه وقالا مباشرة: لا نعرف مكانه ولا أخباره وقد انقطعنا عنه منذ زمن بعيد ؛ لأنّه يدرس في حوزة النجف الآن، فلا ندري متى يرجع إلى بغداد؟ ومتى يتواجد؟ ولكن سنسأل لك أهله عنه ونعطيك الجواب فيما بعد.
وقد فعلا ذلك معي فعلاً لا لأجلي وإنّما لخوفهم على صاحبهم وشيخهم منّي وإخباره بالخبر، لأنّهم رأوا أنّ الأمر يستحق ذلك فإن وافق الشيخ بالمجازفة أخبروني عنه وإن رفض فسيخبروني بعدم معرفة أيّ شيء عنه! فمررت عليهما بعد يوم أو يومين فإذا بهما يقولان لي: إنّه موجود في بغداد، وأنّه يرحب بي ويرغب في مقابلتي ورؤيتي، فأخبرتهم بضرورة إحضار صديقي (حارث) معي لتكتمل الفائدة، فتواعدنا على الذهاب إلى الشيخ في مساء ذلك اليوم بعد صلاة العشاء، لأنّ بيت صديقي الشيعي هذا كان قريباً من جامعنا السنّي، وهو من يرتّب الموعد وعنده سيارة لينقلنا إلى بيت الشيخ، وذهب كلّ منّا إلى شأنه وحاله حتّى الموعد المتّفق عليه.
وجاء المساء وأتيتهم بحارث وعرفتهم عليه، فازدادوا سروراً حينها، ولكن بقيت أحسّ بتقلّب وجوههم وحيرتهم وخوفهم المشروع منّي، فانطلقنا إلى الشيخ في بيته الذي زرته لعدّة مرّات سابقاً لمناقشته ومناظرته وليأخذني إلى السيّد
الأعلم في منطقتهم حينها كما ذكرت ذلك في البداية.
فكان هذا الرجل صاحب فضل عليَّ فكم تحمّلني عند مناظرته في السابق، وكم مرّة أخذني إلى السيّد عبد الرسول الكفائي(رحمه الله)، وكم مرّة زارنا إلى منطقتنا ليناقشني، أمّا هذه المرّة فقد أتيته ليردّ لنا شبهاتنا التي تبقّت عندنا ونظن بأنّها ممّا يؤاخذ عليه الشيعة، فاحتجت إليه اليوم ليدفعها عنّا ويرفع لنا شكوكنا فنقطع بصحّة اتّباع الشيعة لأهل البيت(عليهم السلام) وتمثيلهم في الواقع، ليثبت لنا بأنّ المذهب الذي عليه الشيعة اليوم هو الامتداد الحقيقي والشرعي لأهل البيت(عليهم السلام) دون أن يراودنا أيّ تردد أو شك أو شبهة، ليصح أنّنا اتّبعنا أهل البيت(عليهم السلام) الذين أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله) باتّباعهم عن علم ودراية وقطع ويقين.
ذهبنا إلى الرجل وفرح بي فرحاً عظيماً لم أكن أتصوّره بعد ما رأيت من صديقي (مكي) تلك الفرحة الحذرة، فكان بخلافه تماماً بحيث أن لا يشعرنا بأيّ توجس وخوف وحذر، بل رحّب بنا كثيراً وأجابنا بما يستطيع عن بعض أسئلتنا، بل كلّها ولكنّه رأى بأنّنا لم نقتنع كثيراً بإجاباته، فبادر بالقول بعد ساعات من جلستنا معه وإجابته عمّا سألناه به: "إنّ صاحب الحاجة أعمى ولعلّكم لم تقتنعوا بإجاباتي لكم بصورة تامّة فأقترح عليكم أن تذهبوا إلى النجف الأشرف لتسألوا علماءَنا ومراجعنا عمّا بدا لكم من أسئلة أو استفسارات أو شبهات حول المذهب، وهم من يجب عليكم توجيه الأسئلة إليهم ؛ لأنّهم هم من يمثّل المذهب بصورة كاملة ويعرفون دقائقه وتفاصيله بشكل تام ولا تحتاجون إلى أحد بعدهم لسؤاله".
فقلت له: وهل فعلاً نستطيع رؤية المراجع واللقاء بهم وتوجيه الأسئلة إليهم بصراحة ودون إحراج؟!
فقال: هم يرحبون بكلّ سؤال وبكلّ شخص يحبّ معرفة مذهب أهل
البيت(عليهم السلام).
فقلت له: هل يمكن أن نناقشهم لأنّ أسئلتنا كما ترى ليست أسئلة تحتاج إلى فتاوى وتقليد، بل هي أبحاث عقائدية وأخذ ورد واستدلال ونقض؟
فقال: بكلّ سرور، بل هم يحبون المثقفين والأخذ والرد مع المخالفين، فهم يحترمون العلم، ولا تنسى بأنّهم هم أنفسهم من قرر وجوب الاجتهاد في العقيدة وعدم جواز التقليد فيها! وهذا يعني بأنّهم يوجبون السؤال والأخذ والرد والنقض ومعرفة الدليل على كلّ مكلّف فكيف يتضايقون منكم أو يرفضون السؤال أو النقاش؟! أبداً، أنا أؤكّد لكم مبدئياً بأنّهم موافقون فبقيت موافقتكم فقط!
فقلت له: نحن نتمنى ذلك وهي غاية لقائنا بك والبحث عنك، لأنّنا نريد أن نزيل بعض الشكوك ونرفع بعض الشبه التي لم نفهمها كما تفهمونها في مذهبكم، لأنّنا متأكّدون بأنّكم الوحيدون الذين يتّبعون أهل البيت(عليهم السلام) دون سائر الفرق الإسلامية، ولكن أرجو أن تلتمس لنا العذر عند الشك ببعض الأمور العقائدية التي نراها تخالف ظواهر الكتاب والسنّة، والتي نظن بخطئكم فيها بسبب ما كنّا عليه من عقائد السلفية والوهابية، فأرجو أن تتفهّموا وضعنا وظرفنا وتسامحوننا على ما يظهر من كلامنا وكأنّه تشكيك في عقائدكم ومفاهيمكم وأعمالكم وممارساتكم التي نراها من الشرك أو الغلو!
فقال الشيخ: نحن نتفهّم ذلك ولا ننزعج مطلقاً من أيّ سؤال، وخصوصاً الخلافيات سواء العقائدية أو حتّى الفقهية، فنحن لا نتحفّظ على أي سؤال أو جواب أو معلومة يمكن أن تنفع أحداً مهما كانت، لأنّنا بحمد الله وفضله عندنا من الأدلة العقلية أوّلاً والنقلية من الفريقين ثانياً ما يؤيّد أحقّيتنا وصحّة مذهبنا وصواب عقائدنا وعدم وقوعنا في شيء مخالف للعقل والمنطق والدليل.
فقلت له: أحسنت وبارك الله فيك على سعة صدرك وتفهمك واحترامك لأيّ رأي ولأيّ شخص مهما اختلف معكم بخلاف ما كنت عليه أنا سابقاً كما تتذكّر!
فقال: فعلاً إنّك قد أتعبتنا كثيراً وكنت متعصّباً بشكل لا يوصف، ولم نقابل سنّياً مثلك، ولكن سبحان الله الذي يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، ولعلّ نطفتك الطاهرة وصدقك وإخلاصك في طلب الحقّ هو الذي جعل الله يختارك من دون هذه الملايين من السنّة المنتشرين هنا وفي العالم أجمع.
فقلت له: أشكرك على هذا الشعور وحسن ظنّك بي ونلتقي بعد أيام بإذن الله للسفر إلى النجف في رحلة لم أكن يوماً أفكّر أن أفعلها أو أراها إلاّ لتهديم الضريح الشريف لأمير المؤمنين(عليه السلام) والعياذ بالله أو قتل زوّاره؛ لأنّهم مشركون ويعبدون غير الله بحسب عقيدتنا الخارجية البائسة، فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه ممّا كنت أعتقده، وكم أنا سعيد باختيار الله تعالى لي وهدايته إيّاي دون من أراهم أعلم منّي، فإنّي والله مستح من الله ومن أهل البيت(عليهم السلام)! كم كنت مخطئاً ومخالفاً لهم وكم كنت أبغض اتّباعهم وأنظر إليهم نظرة سوء! وكيف كنت أفضّل غيرهم عليهم! فيا ويلتاه إن لم يقبل الله تعالى توبتي ويغفر لي خطيئتي التي أستحي من الله أن أواجهه بها.
فقال لي: مولاي أنت أفضل منّا ومن الكثير من الشيعة! أنتم المخالفون حينما تستبصرون وتعرفون الحقّ وتتبعونه عن دراية ودليل، فنحن نفضّلكم على الكثير من الشيعة الذين يعتقدون بأهل البيت(عليهم السلام) عن تقليد وعدم معرفة بدليل أو علم، فيكفي أنّكم تتركون عقيدتكم وتتخلون عن مراكزكم الاجتماعية وأهلكم وأصدقائكم وتعانون ما تعانون من أجل متابعة أهل البيت(عليهم السلام)، فهنيئاً لكم ونحن نغبطكم على هذه النعمة التي أنتم عليها، فكيف تقول هذا القول؟!! فإنّ رحمة الله
واسعة وكبيرة ويغفر كلّ الذنوب التي نرتكبها مهما كانت بشعة وكبيرة حتّى الشرك به إن تبنا عنه وندمنا منه، فكيف بك وأنت اعتقدت ما اعتقدته ظاناً بأنّه دين الله وأنّه الحقّ، ثمّ بحثت وبعد ثبوت الدليل عندك على خلاف عقيدتك تركت ما أنت عليه مباشرة وتابعت الحقّ مع عدم هواك له ومعه!! فما أعظم موقفك وما أحسن صنيعك وما أعزّ أمثالك وما أشرف قدرك، فهنيئاً لك ولصديقك الذي تشرّفنا بالتعرّف عليه، وكأنّنا نعرفه منذ زمان بعيد كما نعرفك، صدّقني لا نفرّق الآن بينك وبينه، ونحن نطلق على هذه الحالة التي نرتاح فيها لشخص ونحسّ بأنّنا نعرفه باللقاء في عالم الذر وما في حديث: (الأرواح جنود مجندة...).
فسلّمنا على القوم وغادرنا بيت الشيخ على أمل تنسيق قضية سفرنا بعد أيام.
رحلة في أحضان النجف
بعد يومين أو ثلاثة من لقائنا بالشيخ ذهبنا إليه، وهذه المرّة كنّا فيها على موعد معه للسفر إلى النجف حيث العلماء والمراجع والحوزة العلمية وضريح أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولم يكن قرارنا بالموافقة والقبول أمراً هيِّناً ويسيراً! بل ترددنا كثيراً حتّى حصلت القناعة بتلك الرحلة المحفوفة بالخطر بالنسبة إلينا، لمعرفتنا بأنّ الحكومة والأمن الصدامي سوف يطلع على ذلك، وقد نفتضح ونُتَّهم بِتُهم خطيرة وندفع ثمناً غالياً، ففكّرنا ووازنا بين المصالح والمفاسد وهل أنّ ذهابنا إلى النجف بهذه الأهمية بحيث يستحق منّا تعريض أنفسنا لمثل تلك الخطورة؟!
المهم أنّ احتياجنا كان كبيراً واشتياقنا للتعرّف على المجهول كان شديداً، وبعض الشكوك كان يجب علينا إزالتها والتخلّص منها، ولا خيار لنا غير تلك الرحلة في طلب العلم وفي سبيل الله والحق، فهو نوع من الجهاد الذي يستحق التضحية ويمدح فاعله ولا ينتقد من يخوض غماره، وبالتالي حصلت القناعة والترجيح للذهاب إلى النجف لأجل هذا الأمر المهم والقضية المصيرية.
لمّا وصلنا إلى النجف الأشرف، نظرت إلى القبة العظيمة لضريح أمير المؤمنين(عليه السلام) وكأنّي أراه أمامي بنفسه شامخاً كالجبل بكبريائه وشجاعته وسعة علمه، فتفاجئت بما رأيت!! وانتابني شعور غريب بحنان كبير يحيط بي وعلم راسخ وروح رفعها الله تعالى وجعلها تحلّق حول تلك البقعة، تحسّ معها بأنّ
روحه(عليه السلام) أشعة نور وحنان ورحمة تسع كلّ من دخل تلك المدينة وتتخلل كلّ من زاره واستنار به، فيا له من إمام عظيم نافع في حياته وبعد وفاته.
وبدخولنا لزيارته(عليه السلام) أخذتني رعدة وهيبة وبهاء وعز وحضور! وكأنّي أطرق باب داره في الكوفة التي تبعد بضعة كيلومترات والذي نمر عليه حينما نقدم من بغداد، فتفتح لنا الملائكة باب داره هنا فتحسّ وكأنّها ترفرف بأجنحتها وتزاحمك كلّما اقتربت منه أكثر، وحينما لمست ضريحه الطاهر واعتنقته كأنّي عانقت عليّاً(عليه السلام) نفسه وشممت ريحه الطاهر وارتميت بأحضان الأب العالم الحنون، فأخذتني رعدة وداخلني خجل وضآلة لم أحسّ بها في حياتي كلّها، واستغفرت ربّي على ما قصّرت في جنبه وفي حقّ وليّه وأخي نبيّه(صلى الله عليه وآله)، الذي ربّاه في حجر حنانه وأحضان علمه وناجاه بحكمته وزوّجه ثمرة فؤاده، وهو رافع رايته، ووصيه ووزيره وخليفته، وموضع سرّه وحبيبه، والذي هو منه أو كنفسه، فاستشفعت به وتقرّبت بوسيلته ومنزلته إلى ربّي وربّه كي يغفر لي تقصيري معه وغمطي حقه، وتفضيلي عليه غيره، وقرنه بمن هم دونه، فكيف سوّلت لي نفسي ذلك؟! وكيف رضيت بمن سواه بدلاً؟! وكيف كنت أفتخر بغيره عليه؟! وكيف اقتنعت وسوّل لي الشيطان بأن أعدله بمن لا يرقى ولا يستحق حتّى لخدمته؟! وتقبّلي تفضيل من كان يعترف بأفضلية عليّ عليه وعلى غيره وعدم قياس نفسه به؟! فكلنا نعلم ونقرأ ونسمع ونحكي للناس تلك القصّة التي اعترض فيها ابن عمر على تفضيل عمر للحسن والحسين(عليهما السلام) في العطاء على سائر الناس فأجابه عمر: "ائتني بأب كأبيهما وأم كأمهما وجدّ كجدّهما... فأعطيك مثل عطائهما" (١) .
________________________
١- فتوح الشام للواقدي (٢/٢٠٨) والذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/٢٥٩و٢٨٥) وغيرهم.
وبعد أداء مراسيم الزيارة أخذنا الشيخ إلى أحد المراجع الكبار، فأعجبني استقباله لنا وترحيبه بنا وتواضعه معنا، وتعجبت لذلك! لأنّني قبل أيام فقط كنت أعتقد بأنّ هؤلاء العلماء كالأحبار والرهبان يستعبدون الناس ولهم قداسة وهالة كاذبة مفتعلة، يتكبّرون بها على الناس ويستعبدونهم فلا يجرؤ أحد أن يتكلّم معهم أو يناقشهم أو يطالبهم بالدليل أو يعترض عليهم أو يردّ عليهم، لأنّ الراد عليه كالراد على الإمام والراد على الإمام كالراد على الله(عزوجل)! وبالتالي فلا يمكن أن يتكلّم أحد مع عالم شيعي إلاّ بخضوع وتذلل، وطرح سؤال بصوت خفي عن حكم شرعي واستفتاء عن حلال أو حرام، هذا إن استطعت الوصول إلى المرجع نفسه وسمحوا لك بسؤاله، وإلاّ فإنّ هناك من يجيب عن الأسئلة في مكتبه، فلا يمكن أن يتفرّغ المرجع لأسئلة الناس، فعنده ما يشغله من مهام عظمى وتدريس للعلماء وتأليف كتب وما إلى ذلك، فإنّك لو زرت مرجعاً وسمحوا لك برؤيته فلن تستطيع سوى أن تسلّم عليه وتقبّل يده، وإن أكرموك فيمكن أن يستخير لك الله تعالى فتكون يومئذ ذو حظ عظيم وحصلت على فضل كبير ووقت طويل، وتفضيل على سائر عباد الله المساكين! هذا ما كنّا نسمعه ونعتقد به عن مراجع الشيعة حاشاهم!
ولكننا رأيناهم على خلاف تلك الدعايات الصدامية المغرضة تماماً، فقد قمنا بجولة لكلّ المراجع العظام حينئذ فلم نر منهم إلاّ الترحيب والتواضع والاهتمام والمداراة والسماحة والكرم والتفرّغ لنا، والردّ على كلّ سؤال وجّهناه إليهم أو نقض على مذهبهم مهما كان شديداً أو محرجاً أو غير لائق، ولم نصادف منهم من أدار عنّا وجهه أو غضب من سؤال وجّهناه إليه، كلا والله، لم نر إلاّ الأخلاق الحميدة والاستقبال اللطيف والترحاب العربي والإسلامي الأصيل.
التقلّب بين مراجع النجف:
قضيت أجمل وأنفع ثلاثة أيام في حياتي في النجف، وأنا أتنقّل فيها بين المراجع وأتردد عليهم متى شئت وأسألهم عمّا أشاء وما بدا لي من موضوع أيِّ موضوع يخطر على بالي أو يقلقني، فيا لها من أيام كم ارتقيت خلالها وانتهلت من علوم لم تخطر على بالي قط، وتعلّمت كيف أفكّر، وكيف أفهم الأشياء، وقد فتح الله تعالى من مغاليق عقلي وقلبي ما شاء الله على أيدي هؤلاء العلماء العظام.
وأذكر هنا طرفاً ممّا حصل لنا مع العلماء، فإنّنا ذكرنا عند أحدهم وهو آية الله العظمى الشيخ بشير حسين النجفي كيفية تعامل الشيعة مع الأموات ومخاطبتهم والتوسل بهم وطلب الشفاعة منهم وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} (١) ، وقال(عزوجل): {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} (٢) ؟
فأجابنا: بأنّ هذه الآيات لا علاقة لها بموضوع سماع الموتى ؛ لأنّ سماعهم ثابت بإجماع الأمّة، فإنّ عقيدة جميع المسلمين أنّ الميت يُسأل من قبل الملكين بعد موته، وكذلك يسمع قرع نعال من دفنوه، ويردّ السلام على من سلّم عليه، وقد كلّم رسول الله(صلى الله عليه وآله) المشركين في قليب بدر، وقال لعمر بن الخطاب حين اعترض على فعله فأجابه: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنّهم لا يستطيعون أن يجيبوا) (٣) ، وقد أكّد تعالى على حياة الشهداء وأمرنا بالاعتقاد بها، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) كلّهم شهداء فهم أحياء يسمعون كلامنا ويردّون سلامنا
________________________
١- فاطر: ٢٢.
٢- النمل: ٨٠.
٣- البخاري (٥/٩) ومسلم (٨/١٦٣و١٦٤) واللفظ له.
ولكن الله تعالى حجب عن سمعنا جوابهم وصوتهم فهذه حياتهم بعد موتهم.
فقلنا له: بأنّ الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون، فهم ليسوا عندنا ولا معنا؟!
فأجاب: وهل نحن لسنا عند الله تعالى حاضرين؟! كيف أنتم تتخيلون بأنّ الله تعالى في مكان بعيد بحيث يكون الشهداء فيه فيكونون حينئذ عنده؟!
قلنا: لا ندري! ولكن ظاهر الآية تقول ذلك.
قال: أنتم واهمون، لأنّكم لو قرأتم الآية الأخرى لوجدتم بأنّها تفسّرها.
قلنا: كيف؟
قال لنا: قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} (١) ، فنهانا الله تعالى هنا عن إطلاق لفظ الموت على الشهداء فقال: {وَلاَ تَقُولُواَْ}، وهذا النهي عن القول بأنّهم أموات يدلّ على حياتهم والتعامل معهم على هذا الأساس من الاحترام وخفض الأصوات عندهم والكلام معهم والسلام عليهم وزيارتهم والتوسل بهم إلى الله تعالى وما إلى ذلك.
قلنا: سبحان الله كأنّنا لم نسمع هذه الآية الكريمة من قبل!
فقال أحد الحاضرين معنا: ولكنّهم قد ماتوا فهم أموات يا شيخنا؟
فأجابه الشيخ: الله يقول: {وَلاَ تَقُولُواْ}!!
فبقي صاحبنا يردد: ولكنّهم أموات؟! والشيخ يجيبه: (ولا تقولوا ولا تقولوا ولا تقولوا)!! حتّى انتهى صاحبنا من قوله بعد أن انتبه أخيراً وركّز في كلام الشيخ. فانفجرنا ضاحكين على هذا الموقف اللطيف.
وأضاف الشيخ بشير النجفي a ــ الذي ذكّرنا بالأئمة الأطهار في تواضعه وسرعة بديهته وصبره الكبير وحضور المعلومة عنده متى ما أرادــ : إنّ مسألة التوحيد والشرك
________________________
١- البقرة: ١٥٤.
مسألة مهمّة ودقيقة، والوهابية أخطئوا كثيراً حين رموا الأمّة بالشرك لأمور لا علاقة لها بذلك، ولفهمهم الخاطئ لهذه المفاهيم وهذه المصطلحات، كما وقع بذلك أسلافهم الخوارج من قبل فكفّروا أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين في مسألة التحكيم، لأنّهم يجتزئون المفاهيم ويستدلون ببعض الكتاب ويتركون البعض، فلم تتشكّل عندهم تلك المفاهيم بشكل تام ولم تكتمل عندهم الصورة، فأصبحوا يتخبّطون ويكفّرون الأمّة ويحكمون عليها بالشرك الأكبر لمجرد تفريقهم بين الحي والميت فقط! فالطلب والاستعانة والاستغاثة بالحي جائزة عندهم وتوحيدٌ وأخذٌ بالأسباب ومسألة طبيعية، بينما الطلب من الميت أو الاستعانة والاستغاثة به شرك مطلقاً، وهذا أمر غريب منهم وينم عن قلّة فهمهم للدين وللتوحيد، ولذلك نرى بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) يصفهم بأنّهم: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (١) ، فهم لم يفهموا القرآن جيّداً ولم يجمعوا بين آياته، ولذلك أنتم أتيتموني بآيات عدم سماع الأموات فقط (والكلام للشيخ بشير a ) ولم تأتون بآية الشهداء أو أحاديث سماعهم، ولذلك وقعتم بالخطأ والاجتزاء بالمفاهيم!
فقلنا له: فعلاً فإنّ مشكلة السلفيين والوهابيين أنّهم يقرؤون كتباً ذكرت لهم بعض الآيات القرآنية التي تنهى عن الطلب والاستعانة بغير الله تعالى وتنكر التشفّع والتوسّل إلى الله تعالى!
قال الشيخ: ولذلك نقول بأنّنا يجب أن ندرس كلّ حكم وكلّ أمر شرعي، وعقده من كلّ جوانبه وكلّ أدلته وبمساعدة العقل والقواعد العقلية لكي لا نقع في خطأ، مثل إثبات الظواهر أو فهم بعض الآيات واستخلاص حكم ناقص منها، ولكي نرى المفهوم الإسلامي المراد فعلاً ونرسم له صورة كاملة واضحة لا إشكال فيها ولا شبهة ترد عليها، فنعلم حينئذ بأنّنا أصبنا مراد الله تعالى حقّاً
________________________
١- البخاري (٤/١٠٨) و(٦/١١٥) و(٨/٥٢و١٧٨) ومسلم (٣/١١٠و١١٢و١١٤و١١٦) بلفظه.
ونطمئن حينئذ من نسبته إليه تعالى وإلى دينه الحنيف من دون تسرّع أو جهل أو ضلال.
قال الشيخ: فاستدلالهم مثلاً بقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي: لا نستعين بغيرك يا ربّنا، فكلّ استعانة بغير الله شرك أكبر مخرج من الملّة! وهذا كلام غير صحيح واستدلال غير تام! لأنّنا يمكننا النقض عليهم بجواز الاستعانة بغير الله كالعصا والسيارة والأموال والرجل القوي وعند الحريق وعند الغرق نستعين ونستغيث بغير الله، فكلّ ذلك جائز بالإجماع فكيف يستدلون بآية مطلقة تنفي مطلق الاستعانة بغير الله تعالى على عدم جواز الاستعانة بالأموات فقط؟! فالدليل أخصّ من المدّعى فعلاً هذه مشكلة في طريقة استدلالهم، ولكنّهم مصرّون على هكذا استدلال فماذا نفعل معهم؟ ولذلك أبنائي (والكلام لسماحة الشيخ a ) أحبّ أن أحذّركم من هذا المنزلق الخطير، وهذا التفكير الساذج الذي أودى بالأمّة وأدّى إلى وقوع الاختلاف والتكفير والتمزّق فيها.
فشكرناه وخرجنا ونحن مرتاحون جّداً لما حدث لنا اليوم ثمّ ضحكنا ضحكة واحدة مع صاحبنا وقلنا له بصوت واحد مكررين: ولا تقولوا، ولا تقولوا، ولكنّهم أموات!!
أمّا الفائدة الأخرى التي نلتها من هذه الرحلة إلى النجف فكانت عند المرجع الأعلى السيّد علي السيستاني، الذي ذكّرنا بآبائه العظام في هيبتهم وحكمتهم وسعة علمهم ورصانة معلوماتهم والتصدي للمعضلات وحلّها؛ فقد سألناه في موضوع الصفات الخبرية حتّى أتيته على أعقد سؤال وإشكال للوهابيين والسلفيين فيها وأهم أدلة إثباتها وإجرائها على الله تعالى عمّا يقولون، والذي يركّز السلفيون والوهابيون على الاستدلال به لإثبات معانيها الحقيقية وإحراج خصومهم، وهو قول الله تعالى: {قَالَ يَا
إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (١) ، فهم يقولون: لو أنّ اليد تستخدم في القرآن بمعنى القدرة، فكيف يقول تعالى هنا: يديّ؟! فهل يقصد قدرتي؟ وهل تتعدد القدرة؟ وبالتالي فهذا يدلّ على أنّ لله تعالى يدين حقيقيتين!!
فأجاب السيّد ــ وظننت بأنّه سوف لن يجيب على هذا السؤال كما ينبغي، وكما يجيد الجواب على غيره من الأسئلة ــ ففاجئني السيّد بجوابه الرائع الذي أثلج صدري!
فقال السيّد a : أنت حين تقدم هدية لشخص ما، فمرّة تقدّمها بيدك أو ترسلها إليه بيد آخر، أو عن طريق البريد، ومرّة أخرى تريد أن تبيّن لهذا الشخص بأنّه مهم وعزيز عليك فتذهب إليه بنفسك وتقدّم له تلك الهدية بكلتا يديك، فسوف تبين له ويفهم هو منك أيضاً كبير اهتمامك به وإكباره ومعزّته وتقديره بعملك هذا، فأراد الله تعالى أن يبيّن لإبليس مدى اهتمام الله تعالى بآدم ومكانته وأهميته، بحيث خلقه الله تعالى بمزيد عناية واهتمام واختيار واجتباء، وهذا كلّه يدلّ على أفضليته واستحقاقه لذلك الطلب من السجود له من قبل الملائكة، فلا تبقى لإبليس حجّة بعد هذا البيان الرائع واللطيف.
فتعجّبنا لبيان السيّد!! بالإضافة إلى هذا الفهم الرائع للقرآن، ولبيان الله تعالى بهذا الشكل لإبليس وإقامة الحجّة البالغة عليه، فهذا هو المطلوب منّا أن نفهمه من القرآن الكريم لا أن نثبت أنّ لله تعالى يدين أو رجلين! فما الفائدة من إثبات يد أو رجل أو ساق أو إصبع أو وجه لله تعالى وترك مثل هذا الفهم وهذه الحجج الرائعة والمهمّة والمفيدة والمثبتة لعدل الله تعالى وإقامة حججه بتمام وكمال؟!
وأذكر أيضاً ممّا استفدناه في رحلتنا المباركة هذه المعلومات اللطيفة التي أفادنا
________________________
١- ص: ٧٥.
بها المرجع الكبير آية الله العظمى السيّد الحكيم a ، فقد استضافنا ثلاثة أيام وكان يأكل معنا ويستقبلنا حتّى في وقت راحته، وهو الذي وجدنا عنده حنو الأب العطوف وحرص العالم الرحيم الذي ذكّرنا بأجداده العظام محمّد وآله الطيبين وحرصهم على الناس ومساعدتهم على فهم الدين بصواب ودقّة.
فقد كنّا نتكلّم مرّة عن عصمة الأنبياء، وفي الأثناء أثار انتباهنا لأمر كنّا غافلين عنه فقال: ألا ترون هذا الإصرار منكم وأنّكم منذ ساعات تسوقون الآيات والروايات وتجهدون أنفسكم لتنسبوا الأخطاء والمعاصي إلى أنبياء الله ورسله وخاصّة خلقه ومن اصطفاهم واجتباهم وهداهم تعالى إلى صراط مستقيم وإلى سواء السبيل ومن لا ينطق عن الهوى ومن كان على خلق عظيم، فهؤلاء البشر هم صفوة خلق الله، فلماذا تحرصون على الحط عليهم والنيل منهم وتخطئتهم؟!
وكان السيّد قبل كلامه هذا قد سألني عن الكثير من أفعال الخلفاء وتصرّفاتهم التي خالفوا فيها الموازين الشرعية، وطلب منّي جواب أهل السنّة عليها وكيفية تبريرها، فبيّنت له آراءَهم وكيفية تعاملهم مع النصوص الواضحة ومحاولتهم لي عنقها وتأويلها، بل قلبها فضلاً وعلماً وصواباً ومواقف مسددة وملهمة ومميزة، فرأى السيّد كيفية دفاعهم المستميت بمحاولتهم عدم تخطئة الصحابي في أيّ موقف وعدم مؤاخذته على أيّ عمل أو فعل فعله مهما كان مخالفاً لآية أو حديث أو ظاهر!
فقال السيّد: أرأيت موازين المخالفين لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وعدم إنصافهم! وكيف يدافعون عن أيّ صحابي مهما فعل ويلتمسون له الأعذار ويؤوّلون أفعاله مهما عظمت أو خالفت النصوص الصريحة، بينما تراهم يفعلون خلاف ذلك تماماً مع أنبياء الله المعصومين بالإجماع!! ورأيت بنفسك ما فعلته أنت
بنفسك منذ ساعات معنا! وكيف جئتنا بعشرات الأدلة التي تحاول من خلالها عدم نسبة الخطأ لهم وصدورها عنهم! فهم كما ترى يقلبون الموازين الشرعية وينزّهون ويعصمون ويبررون لمن لم يستطيعوا القول والجهر بعصمته، وينالون ويصرّون على إثبات المخالفات والمعاصي وارتكابها وصدورها وإلصاقها بمن نزّههم الله تعالى عنها وعصمهم وأجمعت الأمّة على ذلك!! فما لهم كيف يحكمون؟!!
ففاجئني كلام السيّد هذا!! وأثّر بي كثيراً، وقررت فوراً بأن لا أنسب لأنبياء الله تعالى ورسله أيّ خطأ وأيّ معصية بعد اليوم، فقد قامت عليّ الحجّة البالغة.
وقد أفادنا السيّد محمّد سعيد الحكيم a بمصطلحات جديدة ومهمّة تحلّ كثيراً من ألغاز ومشاكل موضوع العصمة وفهمه بشكل جيّد ودقيق، وهو قاعدة ارتكاب خلاف الأولى بدل نسبة الخطأ والمعصية، وكذلك مسألة الأمر الإرشادي واختلافه عن الأمر التشريعي، وبه تفسّر بعض الأوامر كنهي آدم(عليه السلام) عن الأكل من تلك الشجرة وما إلى ذلك، وأنّ الأمر الإرشادي هو عبارة عن نصيحة يتضرر الإنسان بمخالفتها ضرراً آنياً دنيوياً لا علاقة له بالتكاليف الشرعية له فلا تثبت بذلك المعصية! فنستطيع فهم قصص الأنبياء وبعض إطلاقات القرآن الكريم عليهم من خلال هذين المصطلحين بشكل صحيح وخال عن نسبة الخطأ والمعصية ونفي صدور مثل هذه النقائص عنهم عليهم الصلاة والسلام، وبذلك نفهم استغفارهم وتوبتهم وإنابتهم إلى الله تعالى وما إلى ذلك بأنّهم(عليهم السلام) قد خالفوا الأولى، وقد اشتهرت عند المسلمين مقولة تبيّن ذلك وهي أنّ: (حسنات الأبرار سيئات المقرّبين) (١) ، فمسألة مخالفة الأولى هي نفس هذه المقولة المسلَّم بها،
________________________
١- مقولة منسوبة لذي النون(عليه السلام) ولبعض كبار الصوفية كالجنيد وأبي سعيد الخراز الذي رواها عنه ابن عساكر، وذكرها العيني في عمدة القاري (٧/١٨٠) و(٢٢/٢٧٩) مسلّماً بها، وكذلك نقلها في شرحه العظيم آبادي السلفي في عون المعبود شرح سنن أبي داود.
ومسألة الأمر الإرشادي ينعكس لدينا واضحاً من خلال قصّة آدم(عليه السلام)، فنفهم القرآن الكريم وعصمة أنبياء الله تعالى ورسله(عليهم السلام) بعد ذلك بفهم صحيح خال عن أيّة إساءة لهم، وبذلك نستطيع إثبات القدوة والأسوة الحسنة وإمكان تطبيق الشريعة بشكل كامل دون نقص أو إحراج وعدم نسبة تكليف الله تعالى للإنسان بما لا يطيق.
أمّا المرجع الرابع الذي زرناه وأحببته من أوّل نظرة وقعت عيني عليه فهو آية الله العظمى السيّد محمّد الصدر(قدس سره)، الذي يذكّر كلّ من يراه ويلتقيه ولو لمرّة واحدة بأجداده العظام محمّد(صلى الله عليه وآله) وآله الكرام بتواضعه العجيب، فهو متواضع وكأنّه إنسان عادي وبسيط جداً من جهة، وفي نفس الوقت له هيبة وهيمنة وقداسة من جهة ثانية، وهذه الخصلة اختص بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)، ومن الصعب على الإنسان غير المعصوم أن يوازن ويجمع بين هاتين الصفتين، ولذلك كان السيّد(قدس سره) مميَّزاً ومحبوباً جّداً، وقد التقيناه ليلاً في مكتبه الأقرب ــ بالنسبة إلى غيره من المراجع العظام ــ إلى جوار الصحن الحيدري الشريف، وهذا الوقت يجلس فيه ساعة واحدة فقط، فلمّا جلس وتأخّرنا في سؤاله وانتهى الوقت قام ليخرج ووصل إلى الباب، فقفز إليه الشيخ (أمجد) الذي جاء بنا إلى النجف وخاطبه بقوله: عفواً سيّدنا الأخوة مستبصرون وكانوا وهابيين وعندهم بعض الأسئلة عن المذهب ويريدون التعرّف على مذهبنا جيّداً في بعض المحاور العقيدية المهمّة!
فأجابه السيّد الصدر: حبيبي لماذا لم تتكلّموا منذ ساعة؟! ولكن مع ذلك
فالمسألة تستحق رجوعي، فرجع وقال: تفضّلوا فأعجبني موقفه هذا كثيراً، فجلس السيّد(رحمه الله) بجانبي تماماً ورحبّ بي وجعل أذنه بقرب فمي وقال لي: سل ما شئت وعمّا شئت ولا تستحِ ولا تترد من أيّ سؤال أو إشكال تريد طرحه! فأعجبني أكثر وأكثر، فقرّب رأسه وأذنه منّي وهو يهزّ رأسه بالإيجاب، ويقول: تكلّم يا ولدي اسأل فنحن في الخدمة.
تكلمنا حينها في الصفات الذاتية والخبرية وتكلّمنا في الطلب من الأموات، وتكلّمنا في تحريف القرآن، فأجابنا عن الأخير: بأنّ هناك روايات عندنا وعندهم يفهمها البعض ويستدل بها على التحريف وهي ليست كذلك! لأنّها تدلّ على تفسير رسول الله(صلى الله عليه وآله) لها بإضافة بعض الكلمات التوضيحية للآية لتنص على المراد وتفهم جيّداً، ولذلك كانت مصاحف الصحابة مكتوبة مع هذه الإضافات التفسيرية، ولكن الخلفاء ألغوا هذه المصاحف ووحّدوها من دون هذا التفسير وزعموا حينما قاموا بحملتهم هذه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) نهى عن كتابة غير القرآن وقال: (من كتب عنّي غير القرآن فليمحه) (١) لكي لا يختلط القرآن بغيره! ومع ذلك إن سلّمنا بهذه الروايات فهي كلّها روايات آحاد فهي ظنية، والقرآن متواتر بإجماع الأمّة، فلا تصمد هذه الروايات أمام تواتر القرآن الكريم، ولا يمكن أن تعارضه لأنّها ليست في قوّته سنداً ومتناً، وبذلك يندفع الإشكال المثار بهذه الروايات على سلامة القرآن، والكلام عن التحريف لا أقبل به مطلقاً لأنّه في مصلحة أعداء الله وليس في مصلحة المسلمين أبداً، نحن نحرص على الإسلام مهما تضررنا فدعوهم يطعنوا بنا ولا نطعن نحن بهم في هذا الموضوع، ولا نكشف عن رواياتهم التي تشبه وتساوق وتساوي رواياتنا تقريباً، لئلا يشكك أعداء الله في
________________________
١- صحيح مسلم (٨/٢٢٩).
القرآن نفسه، وبالتالي يجب أن نحرص على المصدر الأوّل للتشريع ومعجزة رسول الله(صلى الله عليه وآله) الخالدة، ولا نتكلّم في هذا الموضوع الشائك والمعقد، وينبغي الابتعاد عمّن يتكلّم في التحريف ويطعن في القرآن الذي: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (١) .
أمّا بالنسبة للصفات، فكانت للسيّد نظريات وآراء خاصة وتقترب إلى الفلسفة أكثر منها للكلام.
فشكرنا السيّد على اهتمامه بنا ورجوعه من أجلنا وسعة صدره معنا وخرجنا، وانتهت زيارتنا بعد يوم آخر حافل مع السيّد الحكيم، رزمنا بعدها حقائبنا وعدنا أدراجنا إلى بغداد، حيث ينتظرنا أهلنا.
ولكن حدث لي بعد رجوعي ما لم يكن بالحسبان! فاعتبرته ضريبة وابتلاءً واختباراً وغربلة، فتذكّرت قوله تعالى: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (٢) ، وتذكّرت أيضاً ما كان يردده أصدقائي الشيعة كثيراً وهو أنّ أبا ذر جاء للنبيّ(صلى الله عليه وآله) وقال له: (إنّي أحبّكم أهل البيت(عليهم السلام) فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله) فأعد للفقر تجفافاً (جلباباً) فإنّ الفقر أسرع إلى من يحبّنا من السيل من أعلى الأكمة إلى أسفلها) (٣) .
لمّا عدنا وجدت بأنّ الأهل قد اضطربوا وأُقلقوا عليَّ إلى درجة رهيبة،
________________________
١- فصلت: ٤٢.
٢- آل عمران: ١٧٩.
٣- رواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣١) وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ووجدته في كتب الخاصّة بلفظ (جاء رجل لعلي فقال له: يا أمير المؤمنين إنّي أحبّك فقال صدقت... فاتّخذ للفقر جلباباً فوالذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: (إنّ الفقر إلى محبينا أسرع من السيل من أعلى الوادي إلى أسفله) رواه الصفار في بصائر الدرجات (٤١٠) واختصاص المفيد (٣١١).
وخصوصاً أخي الساكن معنا في البيت وهو يمتاز بعصبيته المفرطة، فاستقبلني بقوله: أين كنت؟!
فأجبته: ألا تعلمون بأنّي ذهبت إلى النجف؟!
فقال: ماذا فعلت؟
قلت: ماذا تتوقّع أن يفعل من يذهب للنجف؟ قد زرت أمير المؤمنين(عليه السلام) والعلماء والحوزة.
فقال: أنت ذهبت لتبايع الخميني!!
قلت: أيُّ خميني؟! يا أخي الخميني قد مات منذ خمس سنين!! ما هذا المنطق!؟
قال: إذن بايعت نائبه! أنتم حزب الدعوة!! وأصبح يصرخ ويعيد الجملة الأخيرة وأمي O تحاول إسكاته، وأنا كذلك أحاول منعه، ولكن دون جدوى! حتّى بدأ يمدّ يده عليّ ويضربني وأنا أحاول منعه أيضاً، فسمع بعض الجيران ذلك فهرعوا لنا، ولحسن حظّي كانوا من الشيعة المتدينين جّداً وكانوا أصدقاءً لأخي هذا ومؤثّرين عليه فهو يحترمهم كثيراً، فأسكته جارنا (أبو سعد) بوضع يده على فم أخي حينما كان يصرخ بأعلى صوته هذا في حزب الدعوة وقد ذهب إلى النجف وأدّى البيعة! فصرخ الرجل بوجهه قائلاً: أُسكتْ! هل تعلم ما تقول؟!! هل تعلم بأنّك أوّل من يتضرر وجميع العائلة لو سمعك أحد ووصل ذلك إلى الدولة! هل أنت مجنون؟!! فأفاق أخي من عصبيته وتدارك الواقع وسكت مبهوتاً مباشرة!
فهذا ما استقبلني أهلي به بعد رجوعي من سفر شاق مخيف سرّي، ومجازفة فعلية قمت بها في مثل هذا الظرف من زمن الطاغية صدام، وبعد ظرف محرج حصلت فيه اضطرابات وتداعيات حرب الكويت وإبادة الانتفاضة الشيعية أو ــ
الغوغاء ــ بمصطلح صدام والسنّة!
هكذا بدأت المشاكل تطفو على السطح وتظهر للوجود بعد أنْ كنتُ أنعم بحياة هادئة رتيبة خالية من المشاكل تقريباً، ولم أكن أمتلك من الخبرة الكافية للتأقلم والتفاعل مع المشاكل والمواجهات، فأضحيت الآن أخوض حياة جديدة قد تكتنفها المواجهات الكبيرة والمشاكل والاحتكاكات التي لم أستعد لها ولم أكن قد خضتها سابقاً، بل لم أكن أتوقّع يوماً بأنّي سوف أواجهها أو تواجهني.
وبعد هذا الموقف العصيب هدأ أخي بفضل الله وبجهود وحكمة جارنا الشيعي، وبالتالي عادت المياه إلى مجاريها بعد فترة وجيزة، وأصبح أخي أمام الأمر الواقع من تقبّل حالتي الجديدة، وسط ذهول جارنا هذا الذي لم يكن ليتصور يوماً بأنّني سأتغيّر بعد أن كان وعائلته يرووني بثوبي القصير ولحيتي الطويلة الخفيفة نسبياً، ولطالما تكلّموا مع أخي هذا وأمي بوجوب حذري واحترازي وتقليلي من اللقاءات والتجمعات اليومية أمام منزلنا خوفاً من إلفات نظر الأمن الصدامي علينا ونحن بتلك الحالة المريبة والأشكال الغريبة مع علاقات الدولة المتوترة بدول الخليج وخصوصاً السعودية والقواعد الأمريكية والطيران المستمر منها.
صراع مفتعل واسع النطاق
بعد رحلتنا النجفية توضّحت الصورة وأزيلت كلّ شبهة ووضعت النقاط على الحروف تقريباً، ولم يبق إلاّ مسألة أو مسألتان ليستا من صميم المذهب ولا يؤكّد عليها العلماء، ولكن الصراع منها محتدم، والتكفير من خلالها مفتوح على مصراعيه، وهما مسألة قول بعض علماء الشيعة بتحريف القرآن، ومسألة طلب الحوائج من الأولياء الأموات وقدرتهم على قضائها طبعاً بإذن الله(وتعالى سبحانه) !
فانكشف لي بعد رحلة النجف أنّ هذه المسائل ليست مهمّة أبداً ولا جوهرية، حيث لا يوجب الشيعة الإيمانَ بها على أحد وإنّما لا يكّفرون من يعتقد بها على تفصيل فيها وفرق بينها طبعاً، فالأمر سهل..
تجربتي في الدعوة وبداية الجهر بها
بعد أيام من رجوعنا من النجف لم أكن أستطيع الكتمان وعدم الكلام في هذا الأمر، فبدأت أقول لصديقي (حارث) يجب علينا دعوة الناس إلى هذا الأمر وخصوصاً من كان شيعياً وساهمنا في تحويله إلى وهابي.
فقال: إنّ الوقت مبكر لذلك وتعرّفنا على الحقّ حديث وعمره بعد قصير، فلنصبر ولننتظر قليلاً!
قلت له: هل نضمن عمرنا يوماً واحداً حتّى يمكننا تأجيل عملنا ودعوتنا ومفاتحة إخواننا بموضوع مهم كهذا؟! فهذه مسألة جنّة ونار يا أخي!!
قال: فعلاً، ولكننا نخاف أن نتهوّر فنتضرر من ذلك، فهؤلاء سوف لن يرحمونا إن كشفوا أمرنا وتشيّعنا، ونحن نريد البقاء معهم كما أوصى بعض علمائنا بذلك لتقريب وجهات النظر ومحاولة توحيد الصفوف بين الفريقين على المدى البعيد!
قلت له: أنا لا أتحمّل رؤيتي لهذا النور ونجاتي وهلاك غيري! أريد أن أصرخ على الملأ وأوصل صوت الحقّ لكلّ أحد على وجه هذه المعمورة ليستنيروا بنور محمّد وآل محمّد، ولكي أبرئ ذمّتي أمام الله.
قال: صحيح ما تقول ولكن التقية واجبة والحفاظ على النفس من أوجب الواجبات، والوضع لا يسمح والخطر محدق بنا فماذا سيحدث مع إعلان التشيّع؟
قلت له: يا أخي أنا لم أقل نعلن التشيّع ولا نعلن كلّ شيء، وإنّما نبدأ بالدعوة بشكل سرّي مع أقرب أصدقائنا، ولا نعرض عليهم كلّ شيء وإنّما تفضيل علي مثلاً من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والطعن في معاوية ويزيد من خلال عرض الأدلة الصحيحة، وما إلى ذلك.
قال: هذه فكرة جيّدة! لنقل لهم بأنّ لدينا بحثاً في هذه المسائل ولم نصل إلى نتيجة فيه بعدُ، فنطرح ذلك على شكل بحث وتساؤل وطلب معونة لا أكثر.
فقلت له: اتّفقنا.
بدأنا الدعوة بالنقاش في هذا الأمر أمام صديقنا (حسام) الشيعي الأصل والوهابي بسببنا، ففتحنا الموضوع أمامه وتناقشنا وهو بصحبتنا، فتعجّب لطرحنا وتفاجأ بكلامنا، وقال: ماذا تقولون وعمّ تتكلّمون!! ما هذا الكلام؟!
فقلت له: نبحث عن الحقّ.
قال: أيّ حق؟
قلت له: هل تذكر محاضرة الشيخ عداب الحمش في جامع ابن عمر في رمضان؟
قال: نعم.
قلت له: أتذكر كلامه حول حديث كتاب الله وسنّتي الذي ادّعى فيه أنّ الشيخ الألباني قد ضعّفه وكذّبته أنا حينها وقلت لكم بأنّ هذا الشيخ مدسوس ومطرود من السعودية وليس محلاًّ للثقة، وإنّ الشيخ الألباني يستشهد بهذا الحديث دائماً في كتبه ومحاضراته ويستحيل أن يستشهد بحديث ضعيف.
قال: نعم، تذكّرت هذا الكلام.
فقلت له: لقد راجعت كلام الألباني وتصحيحه فوجدته يقول بأنّ كلّ أسانيد
هذا الحديث ضعيفة ولا تقوم بها حجّة ولكن يقوّي بعضها بعضاً ويشهد له حديث كتاب الله وعترتي الصحيح فيكون شاهداً قويّاً لهذا الحديث ويصح به!
فقال: هل يعقل أن يصحح الألباني الأحاديث هكذا؟!
قلت له: هنا فعل ذلك على غير عادته من التحقيق والتدقيق وعدم قبوله لأيّ حديث ليس له سند يعتمد عليه، وإلاّ فما فرقه عن الفقهاء وعن المبتدعة والمبتدئين الذين ينكر عليهم دائماً وينتقدهم بتصحيح أحاديث أصحّ من إسناد هذا الحديث! ولكن الهوى يقلب الضعيف صحيحاً والصحيح ضعيفاً ومنكراً ومردوداً، فالعديد من العلماء كابن تيمية والذهبي وابن كثير كثيراً ما نقرأ لهم كيف يضعّفون أحاديث صحيحة السند، ولكن يقول بعضهم عنها: في قلبي منها شيء أو في نفسي منها شيء أو منكرة المتن!! وما إلى ذلك.
وبالتالي فمن يريد أن يضعِّف أو يردِّ حديثاً فما أسهل ذلك عليه، كما هو حال ابن تيمية في منهاج سنّته الذي لم يبقِ حديثاً واحداً استدل به العلاّمة إلاّ ردّه وادّعى الإجماع على كذبه أو ضعفه أو عدم رواية أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم له بزعمه كذباً وافتراءً وتضليلاً ودون دليل أو حجّة.
وبهذا الكلام رأيت صديقي (حسام) يتزلزل وتعييه الحجّة في الردّ عليّ ولكنّه ارتأى عدم الخوض في مثل هذه المسائل وطلب منّي إنهاء الكلام في هذا الموضوع، فأنذرته وخوّفته من النار ومن يوم الحساب كيف سيجيب ربّه وما حجّته في اتّباع الصحابة كلّهم وترك أهل البيت(عليهم السلام) الذين أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله) باتّباعهم والتمسّك بهم والعض على سنّتهم بالنواجذ للأمن من الضلال، ولكنّه لم يستجب وقال بأنّ معلوماته قليلة أمام مثل هذه الشبهات فلا يحبذ الكلام في هذا المجال.
وأخبرني بعد أن أخذ الله بيده ووفّقه لاتّباع الحق؛ أنّه قد ذهب إلى من يثق بعلمه ــ وهو الشيخ المحقق السلفي (محمود عمران) الذي ساهم في تحقيق ونشر الكثير من كتب ورسائل ابن تيمية وابن القيم والوهابية ــ وأخبره عن تحوّلي وعن أسئلتي لهم وإشكالاتي عليهم فحذّره منّي وأوصاه بمقاطعتي وعدم سماع هذه الشبهات منّي لأنّها تنكت في القلب حتّى تؤثّر به من حيث يشعر أو لا يشعر فلم يُجِزْ له الكلام معي وأمره بمقاطعتي!
دعوت وهابياً فشاع أمري:
في يوم آخر وبعد صلاة العشاء خرجت من جامع منطقتنا فخرج معي صديقي وجاري (ماجد) خريج كلية العلوم ولاعب ومدرب للأثقال وهو كردي فيلي من أصل شيعي وتحوّل وهابياً لاختلاطه بأبناء جامع وهابي في منطقتنا، وقد تباحث وتدارس معه صديقي (حارث) في بعض الكتب الوهابية أيضاً بعد أن أصبح يصلّي في مسجدنا لقربه من بيته، و(ماجد) هذا أهله من الشيعة ومتعصّبون جّداً فكان يعاني الأمرّين منهم، فشكى لي في هذه الليلة منهم بحرقة وأسى، ورأيته مهموماً إلى درجة كبيرة حتّى كادت تدمع عينيه حينما تكلّم معي عن معاناته مع أهله، وأخبرني بأنّه بعد زواجه من وهابية ازدادوا له عداءً وتعصّباً حتّى أنّهم كانوا يقفلون باب البيت ليلاً كي لا يخرج الفجر للصلاة في المسجد!
فقلت له بعد أن أكمل كلامه معي: عندي حلّ مشكلتك!
ففرح وكأنّ مشكلته قد انتهت فعلاً وقال لي بلهفة: أخبرني بالله عليك ماذا لديك؟ أنقذني! هل هي عوذة أم دعاء أم آية أرجوك بشّّرني الآن؟
وأنا أجيبه بالنفي طبعاً، فازدادَ لهفة وشوقاً فقلت له: في الحادية عشرة من مساء اليوم سنأتيك أنا وحارث للكلام معك في هذا الموضوع.
فقال: ماذا أفعل؟ إنّا لله وإنّا إليه راجعون! سأنتظركم على أحر من الجمر.
فلمّا تركته ذهبت إلى بيت صديقي (حارث) وأخبرته بالخبر والموعد، فتضايق كثيراً وأنكر عليّ فعلي هذا وقال لي: ما الذي فعلته؟ إنّك ستفضحنا يا أخي!!
قلت له: رأيته محتاجاً لأيّ شيء ينقذه من مشكلته مع أهله فظرفه مواتي جّداً وسيتقبّل المسألة بسهولة وأنّه سيحصل على الهداية والخلاص وتنتهي المشاكل العائلية.
بعد تقديم وتأخير اقتنع (حارث) بالأمر بعد أن طلب منّي عدم تدخّله في الموضوع، وقبلت بذلك وطلبت منه مرافقتي فقط، فاصطحبته إلى (ماجد) بسيارتي في الحادية عشرة مساءً وكان البرد شديداً وقارصاً في تلك الأيام فطرقنا الباب، فخرج إلينا صديقنا ماجد مسرعاً وكأنّه كان واقفاً خلف الباب، فسلّمنا عليه.
فقال بعد السلام مباشرة: بشّروني ماذا أحضرتم لي؟ ما الموضوع؟ ما الحل الذي وعدتني به يا أخي؟
فقلت له: كلّ خير إن شاء الله تعالى، أخي العزيز (ماجد) أنت رجل مؤمن وعاقل وتعرف بأنّنا نحبّك محبّة خاصة، فلذلك تجب لك علينا النصيحة، وأنت الآن تمر بأزمة مع أهلك ناتجة عن اختلافكم في المذهب وأنت تعرفنا جيّداً وتعرف من نحن، كما تعلم درجة وثاقتنا عند الجميع، وتعرف أيضاً أصولنا السنّّية المتوارثة والمتجذرة في القِدم، فحارث سامرائي، وأنا كردي من السليمانية، وبما أنّنا نثق بك ورأينا مدى حاجتك سارعنا إلى مفاتحتك بهذا الموضوع الخطير، فنرجو منك أن تكون أهلاً لحسن ظننا بك وتعتبر مجازفتنا هذه في سبيل الله
وللنصيحة ولحبنا لك وحقّك علينا، وبذلك نرجو منك أن تصون الأمانة ولا يخرج كلامنا هذا معك إلى غيرنا ولا تذكره لأحد أبداً!
فأجاب: سبحان الله ما المسألة؟! إخواني عمّ تتكلمون؟ فهّموني ما القضية؟
قلت له: عندنا بحث حول وجوب إتّباع أهل البيت(عليهم السلام) وأفضلية الصحابة واستحقاقهم الخلافة وخرجنا ببعض النتائج، فممّا توصّلنا إليه في هذا البحث أنّ عليّاً(عليه السلام) أفضل الصحابة وأنّ أهل البيت(عليهم السلام) يجب اتّباعهم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) دون غيرهم، وأنّهم والقرآن يمثّلون الثقلين اللذين خلفهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أمّته وأوصاها بالتمسّك بهما لتأمن من الضلال، وهذا أمر ينبغي أن يسرّك ويفرحك فهو ينجيك في الدنيا والآخرة!
فصرخ: هل أنت مجنون! ماذا أصابكم هل جننتم أم نزل عليكم الوحي أم ماذا؟!! كيف تقتنعون بالتشيّع وهو مذهب الشركيات والبدع وأنتم تعرفون التوحيد جيّداً! بل أنتم من درّسني وعلّمني التوحيد، ومنكم عرفت هذه الأمور! كيف حصل ذلك لكم؟! أنا لا أصدق ما أسمع!
قلت له: اصبر قليلاً وهدّيء من روعك وانظر إلى حجّتنا في ذلك ولا تحكم علينا مباشرة، نحن نريد أن نسمعك ذلك ونطلعك عليه فحسب ولا نريد جواباً الآن، تستطيع أن تفكّر وتسأل وتطالع ثمّ تقرر أنت وحدك لا غيرك وتحدد مصيرك وعقيدتك التي ترجو بها خلاصك يوم القيامة والنجاة بها من النار والفوز بالجنّة، فهذه هي غايتنا وغاية جميع المتدينين.
فسألني وأثار عدة مسائل خلافية خطيرة ويصعب على السلفي تقبّلها وكان من الصعب جّداً الكلام حينئذ فيها، كالموقف من الشيخين، وتحريم المتعتين، والجمع بين الصلاتين، والإسبال، ومسح الرجلين وو... حتّى أجبته عن هذه
المسائل بصراحة وبأدلة من الصحاح ومن العلماء المعتمدين والمحققين، فتفاجأ لما سمع!! وهرع من السيارة متألماً متأسفاً على ما سمعه ورآه هذا اليوم الذي زاد فيه همّه وتضاعف غمّه فيه بعد أن كان ينتظر العلاج منّا للتخلّص من همّه وغمّه! فخرج وأغلق الباب خلفه وقال متحسّراً: مع الأسف هذا أسوء خبر سمعته في حياتي، وأنا لا أصدّق ما تقولون، وأظن أنكم تمزحون وأرجو أن يكون ظني هذا صحيحاً!
فقلت له: نرجو أن تلتحق بنا في بحثنا هذا لنصل سوية إلى الحقّ الذي يحبّه الله ويرضاه وهذه هي غايتنا المنشودة.
وقد أخبرني فيما بعد بأنّه لمّا تركنا في تلك الليلة لم يذق بعدها طعم النوم، وانتظر قلقاً إلى الفجر متى يطلع فذهب إلى الجامع الوهابي في منطقتنا عند الفجر، وهو غير الذي نصلّي فيه عادةً ولكننا نحضر الجمعة فيه بإمامة الشيخ محمّد عياش الكبيسي الذي ذكرته آنفاً وكنّا نحضر دروسه في العقيدة وفقه السيرة فيه، وعلى كلّ حال ذهب (ماجد) فجراً إلى ذلك الجامع البعيد نسبياً عن بيوتنا ليشكو ما سمعه منّي ليلة أمس لشيخنا وأستاذنا (أبي دعاء)، وكانت علاقتي بشيخي هذا قويّة وكنت أنسخ له بعض كتب الألباني والوهابية ليوزّعها في أنحاء بغداد أو العراق، فكان هذا الرجل يصرف على الكتب وتصويرها أموالاً طائلة، وعلى كلّ حال لم يجده (ماجد) في تلك الصلاة ولقوّة الصدمة ذهب بعد الصلاة إلى بيته وكانت السماء مظلمةً بعدُ، فطرق الباب فخرج له الشيخ (أبو دعاء) وقال له ما الخبر؟! ماذا أتى بك في مثل هذا الوقت خير إن شاء الله؟! فأجابه ماجد: أيُّ خير لقد حصلت مصيبة كبرى! فقال: تكلّم ما هي؟ هل سقط النظام؟ هل حصل انقلاب!؟ هل ألقي القبض على أحد الإخوان؟ تكلّم ماذا حصل!؟ فقال له
(ماجد): أعظم! لقد تشيّع عبد الحميد وحارث!! فأجابه الشيخ: ماذا تقول؟! لعلك رأيت مناماً هل أنت على ما يرام؟ كيف حصل هذا؟ ماذا تقول؟ فأجابه ماجد: نعم للأسف هذه هي الحقيقة! فأدخله الشيخ إلى المنزل ليستخبره كلّ ما جرى فصدّق الخبر وطمأنه وقال له: لا عليك أنا سأتصرّف معهما، وإن رأيتهما فأرسلهما لي.
أستاذي وشيخي يقبض عليَّ بنفسه ويتوعّدني:
فبحثوا عنّا أياماً عديدة وأخبرني في أثناء ذلك أحد زملائي في درس (الشيخ أبي دعاء) وهو (المهندس عباس) وكان حافظاً للقرآن بأنّ الشيخ يريد رؤيتي في أسرع وقت ممكن، ولم أذهب إليه حينها حتّى جاء اليوم الذي حضر فيه شيخنا (أبو دعاء) إلى جامعنا في صلاة العشاء، ولم أره حينها حتّى انتهت الصلاة، فأتى واقترب منّي وهمس في أذني أريد أن أراك في الخارج، فبهت وتفاجأت لحضوره في مسجدنا، وقلت في نفسي: ما مدى أهمية الموضوع بحيث يضطر معها للمجيء إلى مسجدنا والصلاة فيه ولم ينتظرنا حتّى نلتقي!! وكان يحتاجني كثيراً لتصوير كتب أو شرائها لكنه لم يأت مرّة إلى مسجدنا لأجل ذلك، فقلت في نفسي: يا الله ماذا يريد؟
فلمّا خرجنا من المسجد صرخ في وجهي قائلاً: اصعدوا إلى السيارة، فاستغربنا لصراخه في وجهنا!! مع ما نعرفه عنه من هدوء وخفة دم وثقل وأخلاق واحترام متبادل بيننا، فأحسسنا بأنّ الأمر خطير وأنّه قد سمع بخبرنا فماذا نفعل! فصعدنا إلى السيارة.
فلمّا صعد وبدأ السير في السيارة تأمّل قليلاً ثمّ فاجأنا بقوله: ما هي حكايتكم مع الأخ (ماجد)؟
فقلنا: أيَّة حكاية؟
قال: تكلّموا مباشرة دون لف ودوران، ما هي طبيعة كلامكم مع ماجد قبل أيام؟ هل يمكن لأحد أن يصدق أو يتصور أو يستوعب ما فعلتموه؟! لماذا فعلتم ذلك؟ ما الذي جرى لكم؟ هل جننتم؟ أخبروني؟
قلت له: لدينا بحث مهم وخطير ورغبنا في عرضه على ماجد ليساعدنا فيه ونستأنس برأيه.
فقال: أما وجدتم من تعرضوا عليه بحثكم الذي تَدّعونه غيره؟ ماذا فعلتم به؟ المسكين لم يتحمّل الصدمة فقد بقي تلك الليلة بلا نوم وأتاني فجراً وأخبرني بخبركما! وقال لنا أيضاً: الذي عنده بحث أو إشكال هل يطرحه على أستاذه أم على تلميذه؟!
فأجبته: على الأستاذ طبعاً، ولكن المسألة مختلفة هنا لأنّنا لم نكن قد هضمنا الإشكال بعدُ ولا أكملنا البحث، إنّما هي أفكار آنية وردت في أذهاننا وناقشناها مباشرة وتطوّرت بسرعة وأحببنا أن يشاركنا أيَّ شخص نعرفه من إخوتنا، لأنّنا نريد أن نرى أنّ ما يشكل علينا هل يعارض أي دليل ثابت عندنا، فقد يحضر الدليل عند أحد ويغيب عن الآخرين، ولذلك أحببنا عدم التكتم بالأمر رغم معرفتنا بخطورته الكبيرة ومشاكله العويصة، ولذلك طلبنا المشاركة من (ماجد) على التفكير والتحليل معنا ليس أكثر!
فقال: مع من تحدّثتم أيضاً؟
قلت: (حسام) أيضاً لأنّنا نخرج وندخل ونذهب إلى المسجد ونرجع سوية على الغالب فهو أكثر من أراه وأخالطه بعد (حارث)، لأنّنا لم يتّفق أن كان معنا أحد حين نتناقش (أنا وحارث) في هذه المواضيع غير (حسام) رفيقنا الثالث.
فقال: أرجو منكم أن لا تحدّثوا أحداً في هذا الموضوع غيري فقط، ثمّ أردف مهدداً: والله لو أحببت التصرّف معكم تصرّفاً آخر فلا يصعب عليّ ذلك أبداً، ولكنني سأعطيكم فرصة للدفاع عن النفس وبيان ما حصل لكم وتبرير سوء ما نقل عنكم ممّا خالفتم فيه أهل السنّة وله لوازم خطيرة تهدد عقيدتكم وتهدد كونكم من الملتزمين بمنهج وعقيدة السلف الصالح!
فأوضحوا لي الأمر بشكل كامل وتواصلوا معي لمساعدتكم على فهم ما تركتم، وردّ الشبهات التي عرضت لكم، وبالتالي تكملون بحثكم تحت إشرافي تقريباً لكي لا يبقى عندكم أيّ عذر للتأخير، فإنّي أريد منكم المسارعة في إنهاء هذه المشكلة التي أثّرت سلباً على الكثير من الإخوة والتي لم تحدث لأحد طيلة هذه القرون الممتدة وخصوصاً لمثقف موحّد سلفي مثلكم!
وصلنا إلى منزله بعد أن تجوّل في شوارع المناطق المحيطة وسلك بنا طريقاً بعيداً حتّى وصلنا إلى بيته الواقع في منطقتنا، فتنفسنا الصعداء بعد أن خفنا كثيراً من نبرة كلامه وتهديده لنا، فأدخلنا إلى بيته في غرفة المكتبة وتحدّث معنا هناك قائلاً: أنتم من أهم الأشخاص والإخوة الذين أعتمد عليهم ومن أفضلهم! كيف تصدر منكم مثل هذه الزلّة؟! اتّقوا الله واستغفروه وعودوا إلى رشدكم ماذا دهاكم؟ هل تقبلون أن تكون أهلي العلوية الأمية البسيطة أفقه وأعقل منكم؟ ــ هي علوية شيعية وقد سلكت سبيل ومنهج السلف الصالح واقتنعت به قناعة تامّة ونبذت مذهبها وتركته بسهولة ــ فكيف تفعلون أنتم عكس ذلك كيف؟!! ولذلك (والكلام له) فأنا كأخ وشيخ لكم وقد خدمتكم في التدريس والنصيحة فينبغي أن تفاتحوني بأيّة مشكلة تعرض لكم وأيّ إشكال يرد عليكم فتكلّموا الآن بكلّ ما عندكم وأوضحوا لي سبب إشكالاتكم على بعض الأمور التي يختلف فيها السنّة
والشيعة.
ثمّ إنّه يجب عليكم أن تسرعوا في إنهاء هذا البحث، وتحددوا لي الآن وقتاً معيّناً وقصيراً تعاهدوني بأنّكم ستنهون البحث فيه، لأنّ هذه المسألة خطيرة ومسألة جنّة ونار، ولا أحد يضمن حياته للحظة واحدة، فلا يصح أن تبقوا هكذا حائرين مشوشين مشغولين بالبحث بلا عقيدة راسخة وعلى عقيدة مهزوزة وغير ثابتة!
قلت له: هذا بحث صعب وطويل ولا أعتقد بأنّه ينتهي ليوم أو يومين وبالتالي فقد يتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً!
ففاجأنا حين قال: لا لا أبداً مستحيل! يجب عليكم إنهاء بحثكم خلال أسبوع فقط لننهي هذه المشكلة ونلملمها لئلا تزداد أو تتضخم.
فقلت ضاحكاً: ماذا؟! وأنا في رأيي بأنّ السنّة قليلةٌ.
قال: كيف تقول ذلك؟ وكيف تريد أن تبقى لمدّة طويلة لا تدري ما هو؟
قلت: لأنّك قبل قليل قلت بأنّ المسألة خطيرة لأنّها مسألة جنّة ونار! فكيف تقول الآن بوجوب إنهاء البحث عن الجنّة والنار بأسبوع واحد يا شيخنا؟ أليس ذلك تقليل من أهمية الجنّة والنار مع أنّ المسألة شائكة وصعبة ومتجذرة!
قال: خذوا أسبوعين لا أكثر، لا مجال لدينا ولا وقت زائد عندنا لنضيّعه في هذا البحث الذي أكل الدهر عليه وشرب وانتهى منه فطاحل علمائنا، كابن تيمية والذهبي وابن القيم وابن كثير وولي الله الدهلوي والآلوسي والألباني وعلماء السعودية، وغيرهم كثير ممّن بذل جهوداً مباركة في بيان أحقّية مذهب أهل السنّة وكشف باطل وتزييف الرافضة، وبالتالي ماذا تريد أن تضيف عليهم؟ وماذا تفهم وتعرف غير ما عرفوه وكشفوه؟ فمغامرتكم هذه عبارة عن تضييع لوقتكم وجهدكم الذي نحن والدين بأمسِّ الحاجة إليه، وأنتم تبددونه وتستنزفونه على أمر لا تأتون فيه بجديد،
فهذه مشكلة أزلية ولا تحلّ أبداً! وكلّ فريق يلتزم ما عنده ويعتمد على أدلة هو مقتنع بها وتوافق مدرسته ومنهجه وقواعد مذهبه، فلا ينفع أحداً الخوض في هذا المجال وبعد هذه الفترة التي خلت وهذه القرون التي تصرمت، ليصل إلى شيء جديد ويكتشف ما لم يكتشفه ولم يتمكّن من معرفته جهابذةُ علمائنا!
قلت له: ما قلته صحيح، فمن أكون أنا أمام هؤلاء الفطاحل من العلماء الذين أفنوا عمرهم بالقراءة والمطالعة والحفظ والبحث والدرس والتدريس؟!
نعم كلّ هذا صحيح، ولكن ذلك لا يجعلهم يسألون بدلاً عنّي يوم القيامة! لأنّ يوم القيامة لا يغني فيه أحدٌ عن أحد ولا يُسأل أحدٌ بدلَ أحدٍ ولا يحتجُّ أحدٌ بقول أحدٍ فيه، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (١) ، وقال عزّ من قائل: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ} (٢) ، وقال(عزوجل): {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} (٣) ، فكيف أعتمد على غيري وسوف لا يسأل الله تعالى هناك أحداً سواي؟!!
قال: مع أنّ تمثيلك غير صحيح! ولكن مطلبك صحيح فلك الحقّ في معرفة عقيدتك عن دليل تطمئن إليه وحجّة بالغة وبرهان ساطع لا شبهة ولا إشكال فيه لتكون مؤمناً حقيقياً وعلى عقيدة راسخة لا لبس فيها وتفديها بكلّ شيء.
قلت: أشكرك شيخي الجليل على تفهمك لي ولموقفي الصعب، الذي خشيت معه عرضه عليك مباشرة وبسرعة في الحقيقة.
قال: إذن ليس الكلام كما ادّعيت من أنّ الإشكال لم يكن قد تحكّم بعدُ،
________________________
١- الأنعام: ٩٤.
٢- الأحزاب: ٦٧.
٣- الأعراف: ٣٨.
ولذلك لم تفاتحني وإنّما لأنّك ارتكبت أمراً لا أرضى به!!
قلت له: أنت من علَّمنا تحريك عقولنا وتحرير أنفسنا والمطالبة بالدليل من أيّ شخص مهما كان إلاّ الله ورسوله(صلى الله عليه وآله)!
قال: فعلاً أنتم محظوظون لكونكم وقعتم في يدي لا في يد غيري! على كلّ حال نبقى على اتّفاقنا بعد أسبوعين أريد إنهاء هذا البحث، وأقول لكم: خذوا شهراً كاملاً ولكن أريد منكم التواصل معي ومناقشتي في أي مشكلة وشبهة وفكرة عندكم، اتّفقنا؟
قلت له: نشكرك من أعماق قلوبنا على هذه الوقفة الأبوية والمشرِّفة واستعدادك لبذل الجهد معنا حتّى النهاية.
فسلّمنا أنا وصديقي حارث وخرجنا سعداء وغير مُصدِّقين بما جرى وبما انتهى إليه الأمر!! وتحوّل شيخنا (أبو دعاء) من وحش كاسر قبل قليل إلى أب مشفق ومرشد ومعلّم ومساعد لنا في بحثنا، وأصبح يطلب منّا مناقشته وعرض أفكارنا عليه فلعلّه يهتدي يا حارث ماذا تقول؟! ضحك (حارث) وصرخ في وجهي: نعم، نعم، يهتدي مثلما اهتدى (ماجد)!! سامحك الله على توريطنا بهذه الورطة العظيمة، ولكن الله ستر ولطف فالحمد لله على عنايته الواضحة بنا.
قلت له: سبحان الله هل ترى كيف أنّ العناية الإلهية تحوطنا وتهوّن علينا المشاكل والصعوبات مهما عظمت؟ وهذا يدلّ على أنّنا أصحاب حقّ!
قال: أكيد! ولكن رجاءً لا نريد ورطة جديدة فإنّ الله تعالى قد يخذلنا لسوء تصرّفنا ومخالفتنا وعدم عملنا بالتقية التي يقول الشيعة بوجوبها أحياناً، فدعهم وشأنهم وفكّر جيّداً كيف نتخلّص من شرّ أبي دعاء هذا!
قلت له: سأحضر له مصادري وسآخذ له السلسلة الصحيحة للألباني ونذهب
لمناقشته في عدالة الصحابة وكلام الألباني ونقده بشدة لابن تيمية والذي جعلنا نعيد النظر ونشك فيما قرأناه واعتمدناه في الرد على الشيعة من خلال منهاج سنّته الذي يعتبر المصدر الأساسي في هذا الموضوع! وسنفحمه إن شاء الله تعالى!
قال: رجاءً عبد الحميد!! تصرّف بهدوء وروية وحكمة، فنحن لسنا بحاجة إلى مشاكل أخرى.
قلت له ــ كالعادة في نهاية كلّ مشكلة أو لقاء ــ: لا تحزن إنّ الله معنا.
فضحكنا مسرورين مرتاحين وذهبنا إلى بيوتنا على أمل اللقاء غداً.
نقاشنا مع أقدم وهابي في جامعنا:
بعد لقاء أبي دعاء، خرجنا يوماً من جامعنا بعد صلاة العشاء فقلت لحارث: ما رأيك بعمار؟
قال: ما به؟
قلت له: الرجل القادم المرشح للكلام معه! ما مدى استجابته لنا، فهو مثقف وورع ووسواسي في أبسط الأمور فكيف بعظيمها؟
فقال لي: اسكت رجاءً! قلت لك: سوف لن نفاتح أحداً منهم هذه الفترة أبداً.
قلت له: يا حارث هذا النور الذي نوّر الله به قلوبنا ومنّ به علينا وأكرمنا برؤيته لماذا نحجبه عن غيرنا؟ هل يحقّ لنا ذلك؟!
قال: نعم، التقية ديني ودين آبائي.
قلت له: التقية على العين والرأس، ولكن لا تشرع التقية مع كلّ أحد، فأئمة أهل البيت(عليهم السلام) لم يتّقوا من أصحابهم وشيعتهم ومن يثقون به، وإلاّ لما وصل إلينا الدين والأحكام الصحيحة!
قال: فعلاً، ولكن من يضمن مثل هؤلاء؟ فالدكتور (عمار) سلفي قديم
ومتشدد نوعاً ما، فكيف نأمنه؟!
قلت له: فعلاً! هو أقدم سلفي في جامعنا، وقد كان وحيداً في منهجه من بين أبناء المسجد وصبر وبقي منفرداً على ما هو عليه ولم يؤثر فيه أبناء المسجد شيئاً، ولكن أين الثرى من الثريا!
قال: ماذا تعني؟
قلت: أبناء الجامع كلّهم إخوان وماذا عند الإخوان المسلمين غير القصص والحكايات فليس مطلب علمي واحد والسلفيون لا يحبّون القصص أصلاً ولا يتأثّرون بها، المهم عندهم التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، والإخوان أبعد الناس عن مثل هذه الأمور! كيف تريد منه أن يتأثّر بهم؟ بخلافنا فنحن عندنا الكثير من المسائل العلمية والتساؤلات المشروعة عند السلفيين لأنّنا نمتلك أدلة صحيحة ولم نعتمد على أدلة أو أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو كيفما اتّفق، هذا هو الفارق الذي يجعل الأمل موجوداً في إمكان تجاوب دكتور (عمار) معنا مع ما يمتاز به من الكتمان وعدم الاختلاط مع الناس والحذر والخوف من كلّ شيء حوله!
فوافق حارث على مضض وقال: أنت عنيد جدّاً وستودي بنا إلى المهالك.
فأجبته: لا عليك، إنّ الله معنا. فاطمئن وأشار بالإيجاب.
كلّ هذا النقاش ونحن نتابعه في السير لنلحق به، فلمّا لحقنا به بدأنا بالتحدّث معه ومفاتحته.
فقلت له بعد أن سرنا سوية وتكلّمنا هنا وهناك: دكتور! هل تعلم بصحّة حديث الثقلين، فما رأيك؟
قال: هو ضعيف، ضعّفه شيخ الإسلام!
قلت له: ولكن الشيخ الألباني صححه وردّ على ابن تيمية لتضعيفه لهذا الحديث وحديث الغدير (من كنت مولاه)!
قال: كيف؟
قلت له: راجع السلسة الصحيحة وتعرف ذلك! فالشيخ الألباني هو محدّث العصر وهو مختص في الحديث أكثر من ابن تيمية، فلا عذر لنا بترك الحديث وتضعيفه بعد تصحيحه له!
قال: فعلاً الشيخ الألباني لا يبارى ولا يجارى في هذا العلم.
قلت له: فكيف العمل بهذا الحديث؟
قال: يحمل على أهل العلم من أهل البيت(عليهم السلام) طبعاً، ولا يمكن تعميمه لكلّ أهل البيت(عليهم السلام) فهم بشر مثلنا فيهم العالم وفيهم الجاهل، فهذا أمر بديهي!
قلت: ولكن هناك احتمال آخر أقوى وأمتن من هذا الفهم.
قال: ما هو؟
قلت: يمكن جدّاً أن يدّعى بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيّن المراد من هذه العترة مرّة بأهل بيته حيث قال(صلى الله عليه وآله): (وعترتي أهل بيتي)، وأخرى بتخصيص أهل بيته الذين أوضحهم ويوضّحهم دائماً ويهتم بهم دون غيرهم من أقربائه، كما فعل في المباهلة مع نصارى نجران وغطّاهم بالكساء وحصرهم قولاً وعملاً كما في حديث الكساء وغير ذلك!
فقال: كيف تخصص عامّاً؟!
قلت له: لأنّك أنت من رفض تعميمه وأوجب مخالفة ذلك العموم وجعله أمراً مفروغاً منه وبديهياً كما يقول علماؤنا!! حيث أوجبوا كما أنت تجيب الآن مخالفة العموم وتخصيص وصية النبيّ(صلى الله عليه وآله) بعترته أهل بيته الملتزمين بالكتاب
والسنّة العلماء بهما، فهذا تخصيص أيضاً!
قال: فعلاً، ولكن تخصيصه بهذا الشكل لا يمكن!
فقلت له: إذن نحن نتّفق على تخصيصه ونختلف في مقداره فقط، صحيح؟
قال: نعم، ولكن تخصيصي بديهي ولا يحتاج إلى دليل، أمّا تخصيصك فيحتاج إلى دليل، مع وجود لوازم فاسدة له حتّى لو ادّعيت الدليل!
قلت له: هوّن عليك واصبر حتّى نرى الدليل، ثمّ احكم بعد ذلك ولا تستبق الأحداث!
فقال: حصر الدين برجل واحد وطفلين وامرأة مستحيل وغير ممكن! من نقل القرآن والسنّة؟ وهل حضر عليّ كلّ المشاهد وكلّ مكان وزمان كان فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ إذن لابدّ أن يفوته شيء ويكون عند غيره، فالصحابة يكمل أحدهم الآخر ولا يمكن الاستغناء بواحد منهم دون الجمع بينهم وبين رواياتهم جميعاً، فالدين مفِرّق بينهم ولم يجتمع في واحدٍ غَير رسولِ الله(صلى الله عليه وآله)!
قلت له: لم أتكلّم في الدليل بعدُ وتكلّمت أنت بالنقض عليّ! فهل هذا من الإنصاف؟ وهل يكون البحث العلمي بهذه الطريقة؟
قال: لا، ولكن أختصر الطريق عليك!
قلت: لا حاجة بي للاختصار فالوقت يتسع لمعرفتنا شرع الله تعالى وأمره ونهيه، لكي لا نكون مثل الخوارج الذين دخلوا في الدين والتزموا أحكامه وحفظوا القرآن وصاموا النهار وقاموا الليل لكن دون جدوى، ولم يتقبّل الله منهم شيئاً لمجرد عدم فهمهم لدين الله وللحقّ وأخذه عن غير أهله، وقال الله تعالى محذّراً من ذلك(صلى الله عليه وآله): {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (١) ، فلا يمكننا الجزم باتّباع الحقّ على الظن واختيار الأدلة
________________________
١- الكهف: ١٠٤.
والاقتصاد بالوقت وطي المقدّمات، وغض النظر عن الأحاديث التي لا تروق لنا أو تكلَّم فيها علماؤنا بشيء من الاختصار، واختلفوا فيها من جهة صحّتها ومن جهة دلالتها، وبالتالي فيجب علينا نحن أن نبحث فيها بأنفسنا، بل نشبعها بحثاً لإبراء الذمة أمام الله تعالى حين يسألنا.
فبالله عليك، ما هي حجّتك أمام الله تعالى يوم القيامة لو سألك عمن أخذت دينك ومن اتّبعت وقلّدت؟ فما سيكون جوابك؟ وما هي حجّتك؟
قال: العلماء، لأنّهم أهل الذكر، وقد أُمرنا بسؤالهم عند الجهل بأيّ شيء.
فقلت له: وهل لأهل الذكر مواصفات خاصّة، أم كلّ من يدّعي، أو كلّ من ندّعي بأنّه من أهل الذكر؟
قال: أهل الذكر لهم مواصفات خاصّة من العلم والعمل والعدالة وسعة الاطّلاع والأمانة، وما إلى ذلك.
قلت: وخفايا نفسه وباطنه كيف أعرفه لأئمتنه على ديني، فقد يكون العالم أداة للسلطة، وقد يكون منافقاً فيضلّني، فماذا أقول لربّي؟
قال: هذه مسألة علمها عند الله تعالى، وخفايا الشخص لسنا مكلّفين بها، وإنّما يكفي الظاهر فهو الميزان في الإسلام والعبرة به في كلّ الأمور!
قلت له: الظاهر في إمام الجماعة وفي عدالة الشخص أو الشاهد لكي لا يشق على الأمّة، أمّا في الاتّباع في مثل الهداية والضلال وتمثيل دين الله تعالى فلا يمكن أن يكون بحسب الظاهر، وإلاّ لما أُيّد الأنبياء بالمعاجز والبراهين على صدقهم! ولوجب علينا تصديق كلَّ مُدَّع لنبوّة أو إمامة أو ما أشبه ذلك! فعموم العلماء وعدم تأييدهم بحجّة لهم على إقامتهم حجّة بينهم وبين الله على الناس لا يمكن الركون إليه والاطمئنان بالأخذ به إلاّ بأمر من الشارع.
ولهذا أقول: بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بَيَّن لأمّته وبلَّغها حجّته عليهم ونائبه فيهم وخليفته
الواقعي وممثّله الحقيقي من بعده وهادي الأمّة لأهل زمانه وهذا ما أدَّعيه من وجوب اتّباع أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعترته المعروفين المعيّنين المبينين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخلافة أمير المؤمنين له من بعده، كما بيّن ذلك مراراً وتكراراً.. وهذا الوجوب على الأمّة كوجوب الصلاة والصيام والجهاد يأخذ به من كان مؤمناً حقيقياً ومسلّماً لله تعالى، ويترك ذلك العصاة وغير المخلصين من كلّ المكلَّفين في كلّ زمان ومكان ولا غرابة من ذلك فقد وقع هذا في كلّ الأمم، كما صدر ذلك من بني إسرائيل اتجاه أنبياء الله تعالى ورسله حينما كان الله تعالى يبعث أنبياءه ورسله فيهم فقاموا بتكذيبهم أو قتلهم بدلاً من اتّباعهم، وقد ذكر تعالى ذلك بقوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} (١) ، فهذا حال الأمم وأصحاب الرسل والأنبياء وكيفية تعاملهم مع أحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه، وأوضح من ذلك قصّة طالوت وداود التي ذكرها تعالى في كتابه العزيز عبرة لأصحاب الأنبياء، فهؤلاء طلبوا من نبيّهم داود(عليه السلام) أن يجعل لهم مَلِكاً ليقاتلوا تحت رايته، فأجاب الله تعالى على لسان نبيّه(عليه السلام): {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (٢) .
قال: لو سلّمنا بكلّ ما قلته رغم خطورته، وقلنا بوجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأين مذهبهم الآن؟! أين أحاديثهم الصحيحة ورواياتهم؟ ومن هم؟
قلت له: هذا سؤال جيّد! فرسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما أمرنا بالتمسك بأهل البيت(عليهم السلام)
________________________
١- البقرة: ٨٧.
٢- البقرة: ٢٤٧.
هو أعلم منّا ببقائهم وبقاء مذهبهم(عليهم السلام) وعلمهم وحديثهم في الأمّة وإلاّ نسبنا لله تعالى ولرسوله الجهل وعدم العلم وعدم العصمة، بل الكذب حينما يخبرنا(صلى الله عليه وآله) ببقاء العترة فينا وأنّها أحد الثقلين اللذين تركهما وخلَّفهما في أُمّته من بعده مع القرآن الكريم، ويخبرنا(صلى الله عليه وآله) أيضاً جازماً بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض، ويضيف(صلى الله عليه وآله): فانظروا كيف تخلفوني فيهما! (١) فكلّ هذا الكلام وهذه الوصية وهذا التأكيد منه(صلى الله عليه وآله) يدلّنا ويرشدنا على وجودهم بعد إيجاب اتّباعهم والتمسّك بهم!
قال: فأين حديثهم الصحيح، ولماذا لم يصل إلينا؟
قلت: النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول وصل ويصل وأنت تقول لم يصل!!
قال: أين هو إذن؟
قلت: أنت يجب أن تبحث عنه فالخلل في كتبنا التي أعرضت عن أهل البيت(عليهم السلام) ولم تنقل عنهم إلاّ النزر اليسير!
قال: ولكن الرواة عنهم كذّابون والثقة منهم عزيز، ولذلك لم يرو علماؤنا عنهم مقداراً كبيراً من أحاديثهم رغم علمهم وإمامتهم حتّى الإمام الصادق!
قلت: ولماذا تركنا وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وثقله في أمّته للكذّابين، وقد خلّفهم فينا من بعده وأوصانا بالتمسّك بهم ولم يأمر الكذّابين بالتمسّك بهم؟! كيف يجوز لنا ذلك؟
قال: لا ندري لعلّ رواية الكذب الكثير عنهم ونسبة الأحاديث إليهم هو الذي جعل علماءنا يتوقّفون في روايتهم وعدم الاحتجاج بها وتجنّبها!
قلت: وهذه مخالفة صريحة أخرى لوصيته(صلى الله عليه وآله) ولمن يريد الأمن من الضلال!
________________________
١- راجع الترمذي وتحسينه له والحاكم وتصحيحه على شرط الشيخين والنسائي والطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد وابن أبي عاصم في السنّة وغيرهم.
فهذا تخلٍّ عن الحقّ وتخاذلٌ عن الصادقين وخلفاء رسول ربّ العالمين، وهذا يجعلنا نجزم بفوات الخير الكثير علينا، وتركنا لأناس نأمن من الضلال بمتابعتهم، وتفريطنا بأئمة وجب علينا التمسّك بهم، لننجوا من الضلال والنار!
فقال: كيف تقول ذلك وقد نسب إليهم الشيعة الكثير من الأمور المخالفة للأدلة الصحيحة الثابتة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كالتقية والمتعة ومسح الرجل والإسبال وتأخير الإفطار حتّى يرون النجمة وتكفيرهم للصحابة والكلام في عرض عائشة والغلو في الأئمة والشرك ودعاء الأموات وو..! قلت: مهلاً! واحدة واحدة يمكننا التكلّم عنها ولكن يجب أن نبدأ ببدايةٍ متّفق عليها وهي وجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) دون سائر الصحابة والعلماء ومعرفة الأئمة والخلفاء الراشدين الشرعيين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أعني الأئمة الاثني عشر!
قال: لا لا لا، ما دليلك على حصر أهل البيت(عليهم السلام) بالأئمة الاثني عشر أو الخمسة أصحاب الكساء؟قلت له: إنّ حصر أهل البيت(عليهم السلام) في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالخمسة واضح جدّاً، فهم من اختصّوا بكونهم أهل المباهلة حين قال(صلى الله عليه وآله) مبيّناً ومحدداً وحاصراً: (اللّهمّ هؤلاء أهلي) (١) ، وهم دون غيرهم من طَبَّق عليهم رسولُ الله(صلى الله عليه وآله) آيةَ التطهير (٢) واختصّهم بها، فأدخلهم تحت كسائه وثوبه وقال بعد أن نزلت وتلاها:
________________________
١- صحيح مسلم (٧/١٢٠). وآية المباهلة هي قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِين} آل عمران: ٦١. فلم يأتِ رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الأبناء إلاّ بالحسنين ولا من النساء إلاّ بفاطمة الزهراء ولا بالأنفس، أي: الرجال الذين هم كنفسه إلاّ بعلي صلوات ربّي وسلامه عليهم أجمعين وقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي مع كون نصارى نجران ستون شخصاً.
٢- صحيح مسلم (٧/١٣٠) عن عائشة بلفظ مرط مرحل والمرط بالكسر والكساء بمعنى واحد، ورواه أحمد (١/٣٣٠) ضمن حديث ابن عباس ذو الفضائل العشرة لعلي والذي حسّنه الألباني ورواه أيضاً الحاكم في مستدركه (٣/١٣٢) وصححه ووافقه الذهبي، ومن طريق واثلة بن الأسقع عند أحمد (٤/١٠٧) وعند الحاكم (٢/٤١٦) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وحديث أم سلمة عند أحمد أيضاً (٦/٢٩٢) والترمذي (٥/٣٠) و(٥/٣٢٨) والحاكم أيضاً (٢/٤١٦) وصححه على شرط البخاري وقال الذهبي على شرط مسلم و(٣/١٤٦) وصححه الحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد من حديث أنس (٣/٢٥٩) و(٣/٢٨٥) والترمذي (٥/٣١) وحسّنه، والحاكم (٣/١٥٨) وصححه على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي؛ كلّهم بلفظ (أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل البيت: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} الأحزاب: ٣٣.
(اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي...) (١) واستمرّ على إيقاظهم ستة أشهر لصلاة الفجر وهو يتلوها عليهم وهم آل عليّ المقصودون بحديث الثقلين (٢) .
وما أضاف إليهم زيد بن أرقم هنا آل عقيل وآل جعفر وآل عباس إمّا تقية
________________________
١- أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٠٧) بلفظ: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق). و(٦/ ٢٩٢) بلفظ: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً اللّهمّ هؤلاء...) (مكرراً) قلت (أم سلمة): فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير إنّكِ إلى خير.
وفي رواية أخرى لأم سلمة عند أحمد (٦/٣٠٤) بلفظ: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) جلل على عليِّ وحسن وحسين وفاطمة كساءً ثم قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي اللّهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أنا منهم؟ قال: إنّكِ إلى خير. وفي لفظ الترمذي (٥/٣١): اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت على خير. وفي لفظ آخر عنده (٥/٣٢٨): قالت أم سملة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: أنتِ على مكانكِ وأنتِ إلى خير. وفي رواية ثالثة عنده (٥/ ٣٦١): ثم قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي؛ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فقالت: أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: إنّك على خير وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
وعند الحاكم في مستدركه (٢/ ٤١٦) بلفظ: فقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي قالت أم سلمة: يا رسول الله، ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنّك إلى خير وهؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أهلي أحق. وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. وفي لفظ آخر عنده صححه على شرط مسلم (٢/٤٣٦) عن واثلة بن الأسقع: قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، وفي (٣/ ١٤٧) رواه الحاكم عن واثلة أيضاً بلفظ: قال: هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أهل بيتي أحق. وصححه على شرط الشيخين.
٢- صحيح مسلم (٧/١٢٣) وأحمد (٤/٣٦٦) والبيهقي في سننه (٢/١٤٨) وفيه زيادة مهمّة حين سألوه وقالوا له: أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: بلى نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته الذين ذكرهم من حرموا الصدقة بعده.
وإمّا أنّه رأيه، ومن المتّفق عليه عدم حجّية رأي الصحابي، فيمكننا ردّه لأنّه لم يرفعه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) كما أنّ غير واحد من العلماء قد خالفه وقال غير ذلك.
فالإضافة إلى آل عليٍّ من قبل هذا الصحابي الجليل زيد بن أرقم كان للتمويه؛ لأنّه كان متهماً مهدداً من قبل الحجاج بعد اشتهاره بتحديث الناس بحديث الحوض وارتداد الصحابة! وكان خائفاً متردداً أيضاً من الكلام مع الذين سألوه تحديثهم بحديث لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وبيّن لهم منذ البداية وقبل تحديثهم بأنّه "قد كبر سنّه ونسي بعض الذي كان يعي"، فحاول بيان أنّه سيقطع من الحديث شيئاً ويجمل فيه لئلا ينكشف أمره من قبل السلطات والحكومات، ولذلك أشار لهم ولنا بقصده ذلك بقوله: "فما حدّثتكم فخذوا وما لا فلا تكلّفونيه"، وكذلك بيَّن لنا موقفه الصعب بتغييره لألفاظ الحديث في روايته لحديث الثقلين ففي الطرق الأخرى يقول: (كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، وفي رواية مسلم قد أجابهم بجوابين وطريقتين وأسلوبين في نفس الحديث والحادثة والمجلس حينما بيّن أنّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) لَسْنَ من أهل بيته، فلمّا سُئل: أليس نساؤه من أهل بيته؟ فمرّة قال: "نساؤه من أهل بيته"! ثمّ نقض كلامه فأخرجهن بالاستثناء حين قال: "ولكن أهل بيته من حرموا الصدقة بعده"! وأخرى صرح بأنَّ "نساءَه لسن من أهل البيت(عليهم السلام)" عرفاً وشرعاً، وصرَّح بقوله: "لا".. واستدل على إثبات الشرع بالعرف واللغة!
وبذلك تبيّن أنّه كان حذراً خائفاً أراد أن يوصل لنا رسالة خفية دقيقة قدر إمكانه بأنَّ هناك تعتيماً وتضليلاً حول هوية أهل البيت(عليهم السلام) الذين كانوا واضحين جدّاً للصحابة وللعرب بحيث لم يسأل أحدهم النبيَّ عمّا يقصده من قوله(صلى الله عليه وآله): (وعترتي أهل بيتي)! ولكن السلطات ارتأت التعمية بالتعميم لكي يتمّ لها أمرها ويستتب لها ملكها!!
وأمّا بعد هؤلاء فبما أنّنا نفتقدهم ورسول الله(صلى الله عليه وآله) قد قال: بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فقد جعلهم سلسلة متصلة لا يمكن انقطاعها أو انعدامها في وقت من الأوقات، وبذلك بيَّن لنا بأنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر ولا يستقيم أمر الناس وأمر الدين إلاّ بهم وبولايتهم، وأنّ آخرهم هو المهدي(عجل الله تعال فرجه الشرف) بالاتّفاق، وبذلك يتبين لنا وجوب انحصار الخلافة الشرعية الراشدة المهدية في اثني عشر رجلاً فقط بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإلى يوم القيامة، ويتبين ذلك جلياً من خلال ما ذكرناه، وخصوصاً مع تأكيده وبيانه من خلال حديث ابن مسعود حين سأله مسروق بقوله: "هل سألتم رسول الله(صلى الله عليه وآله) كم يملك هذه الأمّة من خليفة؟ فقال ابن مسعود: ــ لبيان أهمية هذه المسألة ــ ما سألني عنها أحد مذ قدمت العراق قبلك ثمّ قال: نعم ولقد سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل" (١) .
فقلت له: وهذا ما عليه الشيعة منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة وإلى يومنا هذا، فأين أدلتنا نحن على العموم والتعميم؟
قال: بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله) بعض الصحابة للتبليغ عنه إلى مدن وقرى بعيدة وبلدانٍ شتى، وجعله مرجعاً وحيداً لهم لأخذ الدين وتعلمه، فهذا يكشف عن عدم اختصاص أحد بالدين دون غيره، فالدين وإمامة الدين مفتوحة للجميع دون استثناء!
قلت له: كلامك هذا يستقيم لولا وجود النصوص المخصصة، فلو تركنا حديث الثقلين والغدير وما إلى ذلك جانباً وذكرنا أنموذجاً واضحاً صحيحاً صريحاً متّفقاً عليه للتخصيص والحصر وعدم عموم خلافة الرسول وإمامة الأمّة
________________________
١- رواه أحمد في مسنده (١/٣٩٨و٤٠٦) والحاكم في المستدرك (٤/٥٠١) والهيثمي في مجمع الزوائد (٥/١٩٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه مجالد بن سعيد وثّقه النسائي وضعّفه الجمهور.
لكلّ أحد فقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) (١) ، بل قال(صلى الله عليه وآله): (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه ما أقاموا الدين) (٢) ، فأخبرنا بأنّها ستستمر على ذلك فأكمل الحديث بقوله(صلى الله عليه وآله): (ما بقي من الناس اثنان)، وهذا يعني إلى يوم القيامة! فهذا التخصيص الثابت قد حرم الكثير من الصحابة وممّن يأتي من بعدهم من الأمّة من غير قريش من هذه المكانة وهذه الزعامة وهذه القيادة حتّى أصبحت القرشية شرطاً يلزم توفّره لمن يتصدى للإمامة العظمى على المشهور والصحيح الموافق للدليل إن لم نقل بالإجماع ولم نعبأ بالشواذ من الأقوال! فالاختلاف بيننا في سعة المخصص وضيقه لا في أصل التخصيص، وبذلك يندفع إشكالك حول حرمان الناس من حقّهم في التصدّي لإمامة الأمّة!
قال: نعم، كلامك صحيح ولكن تخصيصك غير مقبول ولا معقول ولا دليل عليه!
قلت له: كيف تقول ذلك وفضائل وخصائص الإمام عليّ(عليه السلام) تطفح بها الكتب وتغص بها المؤلفات...
فقاطعني حينها (حارث) وسأل صاحبنا بقوله: بمناسبة التخصيص وعدم قبولك بأفضلية أهل البيت(عليهم السلام) مع ما تدّعيه من حبّهم الكبير، أريد منك أن تذكر لي خمسة فضائل للإمام عليّ(عليه السلام) حتّى أصدّق ما تقوله وأقطع بأنّك تحبّ عليّاً كما تحبّ أبا بكر وعمر؟
________________________
١- صحيح البخاري باب مناقب قريش (٤/١٥٥) وباب الأمراء من قريش (٨/١٠٥) ومسلم (٦/٣).
٢- صحيح البخاري باب مناقب قريش (٤/١٥٥) وباب الأمراء من قريش (٨/١٠٥).
فأجابه متلكّئاً: إنّ فضائل عليّ كثيرة طبعاً كزواجه من فاطمة الزهراء بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وسكت!!
فقلنا له: وبعد! يا الله! هذا ليس بحديث، اذكر لنا أحاديث في فضله رجاءً؟
قال: وإعطائه الراية يوم خيبر، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
ولم يستطيع ذكر فضيلة أخرى غير هذين الحديثين!!
فقلت له: ما شاء الله على هذا الحب العظيم!! بالله عليك لا تتذكر إلاّ معنى حديثين من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) الكثيرة جدّاً والمشهورة بحيث قال عنها أحمد بن حنبل وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: "لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في عليّ" (١) ، فراجع نفسك وحاسبها هل وفت وأدّت حقّ علي بن أبي طالب حقّاً؟!
فقال له (حارث): والله لو سألتك عن فضائل أبي بكر أو عمر لذكرتها بسرعة هائلة ولذكرت ما صح وما لم يصح وبالعشرات! على كلّ حال أنت لم تذكر سوى حديثين فقط ومن البخاري وبالمعنى! وقد وردت المئات منها في الكتب المعتبرة عندنا وكلّها تدلّ على أفضليته ووجوب متابعته والحض على التزام طريقه وطريقته كحديث الثقلين والكساء والمباهلة والغدير والمنزلة والاثني عشر، وحديث (أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب) (٢) ، ورواية الترمذي له بمعناه بلفظ: (أنا دار الحكمة وعليّ بابها) (٣) ، وقول
________________________
١- قاله ابن حجر في فتح الباري (٧/٥٧)، والمباركفوري في تحفة الأحوذي (١٠/١٤٤) والحاكم عن أحمد (٣/١٠٧) بلفظ: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الفضائل ما جاء لعلي).
٢- رواه الحاكم النيسابوري في مستدركه بعدّة طرق وصححها (٣/١٢٦و١٢٧) والهيثمي في مجمع الزوائد (٩/١١٤) وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد السلام بن صالح الهروي وهو ضعيف. قلت: ولكن ذكر ابن معين والحاكم من يتابع الهروي عليها فلم ينفرد الهروي بهذه الرواية وهذا الطريق فدفعوا التهمة عن الهروي بذلك لمن ضعّف هذا الحديث به، ونقل المتقي الهندي في كنز عماله كلاماً نفيساً يستفاد منه بأنّه أتى به ليصحح الحديث ويقويه فقال في (١٣/١٤٨): وقد أورد ابن الجوزي في الموضوعات حديث علي وابن عباس وأخرج ك (الحاكم) حديث ابن عباس وقال: صحيح الإسناد، وروى خط (الخطيب البغدادي) في تاريخه عن يحيى بن معين إنّه سُئِل عن حديث ابن عباس فقال: هو صحيح، وقال عد (ابن عدي) في حديث ابن عباس إنّه موضوع، وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: قد قال ببطلانه أيضاً الذهبي في الميزان وغيره ولم يأتوا في ذلك بعلة قادحة سوى دعوى الوضع دفعاً بالصدر، وقال الحافظ ابن حجر في لسانه: هذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصلاً فلا ينبغي أن يُطلق القول عليه بالوضع وقال في فتوى هذا الحديث: أخرجه ك (الحاكم) في المستدرك وقال: إنّه صحيح وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات وقال: إنّه كذب والصواب خلاف قولهما معاً وأنّ الحديث من قسم الحسن لا يرتقي إلى الصحة ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولاً ولكن هذا هو المعتمد في ذلك انتهى. وقد كنت (والكلام للمتقي الهندي) أجيب بهذا الجواب دهراً إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث علي في تهذيب الآثار مع تصحيح ك لحديث ابن عباس فاستخرت الله وجزمت بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحة والله أعلم.
٣- سنن الترمذي (٥/٣٠١).
عليّ(عليه السلام): (كنت إذا سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) أعطاني وإذا سكتُّ ابتدأني) (١) ، و(أقضاكم عليّ) (٢) الذي تشهد له رواية البخاري عن عمر من قوله (وأقضانا عليّ) (٣) وغيرها، فكلّ هذه الأحاديث وأمثالها معها تدلّ على خصوصية أمير المؤمنين وتفضيله على كلّ من سواه بشكل واضح وصريح فخصائصه(عليه السلام) لم يشركه فيها أحد أبداً!
وعلى كلّ حال استمر الحوار مع دكتور (عمار) أكثر من أربع ساعات نتكلّم معه
________________________
١- نفس المصدر، وقال عنه الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وكذا أخرجه الحاكم في المستدرك(٣/١٢٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/٤٩٥) والنسائي وفي السنن الكبرى (٥/١٤٢) وفي خصائصه بثلاثة طرق عن علي (١١٢) وابن سعد في طبقاته وابن عساكر في تاريخه الكبير والمتقي الهندي في كنزه.
٢- أخرجه ضمن حديث طويل الترمذي (٣٧٩١) وابن ماجة (١٥٤) وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٢٢١٨) والحاكم (٣/٤٢٢) ووافقه الذهبي وقال شعيب الأرنؤوط: وهو كما قالوا.
٣- البخاري (٥/١٤٩).
في مختلف المسائل، من المتعة ومسح القدمين والإسبال والتقية والإمامة والأفضلية والأسبقية والأعلمية والشجاعة والفضائل وما إلى ذلك...
فقلت له في آخر اللقاء عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل: بالله عليك دكتور ألم يثبت لك خطأ أهل السنّة في أيّ مسألة من المسائل الكثيرة التي ذكرناها لك ولو في مسألة واحدة؟
قال: لقد ثبت لي بأنّكم رافضة وهذه أعظم استفادة من حديثكم!
فقلت له: الله أكبر! هذا كلّ ما استفدته من كلّ ما ذكرناه لك؟! أنا آسف على كلّ دقيقة أضعتها معك ويا لإنصافك وبحثك عن الحقّ ومتابعتك للدليل! يا من تدعون متابعة الدليل!
وقلت له أيضاً عند الافتراق: ما الذي تستفيده من معرفتك وتأكدك من كوننا رافضة مع أنّنا لسنا رافضة، وإنّما نحن كما ترى نتبع الدليل أينما وُجد!
فأجابني بأنّه استفاد من كشف أمرنا ليحذر الإخوة (الوهابيين) من الاحتكاك بنا أو التحدّث معنا أو حتّى السلام علينا لأنّنا أصبحنا مبتدعة وتجب مقاطعتنا والحذر منّا! لئلا نضلّهم!
فقلت له: هداك الله وأصلحك ونحن أيضاً استفدنا من حوارنا معك بأنّكم معاشر السلفية تدَّعون الاتّباع وأنتم أبعد الناس عنه وأكثرهم تعصباً وتقليداً، وعلمنا بأنّ فكركم غير متحرر، بل هو متوغل في التقليد والتعصّب الأعمى وعدم الإنصاف! هدانا الله وإياكم إلى سواء السبيل.
فلمّا فارقنا دكتور (عمار) الوهابي قال لي (حارث) غاضباً: انظر ماذا تفعل بنا! رجاءً اترك هؤلاء إلى جهنم وبئس المصير، دعنا عنهم واكفنا شرهم كيف تأمن بالكلام مع هؤلاء والله لا أدري كيف تفكّّر أنت؟
قلت له: نؤدّي ما علينا والباقي على الله ما دمنا نرى بأنّنا نفعل ذلك قربة إلى الله تعالى لا نريد منهم جزاءً ولا شكوراً، إنّما نريد أن نريهم النور الذي رأيناه والكنز الذي عثرنا عليه، فنحن نقيم الحجّة عليهم لنبريء ذمّتنا ولا نلوم أنفسنا ونتهمها بالتقصير بعدم إسماعهم فقد يهدي الله بنا أحداً منهم: {وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} (١) .
فقال لي (حارث): انتهي عن ذلك إذن رجاءً اتركهم بعد الآن قد أدّيت ما عليك.
فقلت له: بالله عليك أنت مقتنع حقاً بما تقول؟ كيف تقول ذلك ونحن مكلّفون بإيصال الحقّ إلى كلّ من نستطيع إسماعه! أنسيت قوله(صلى الله عليه وآله): (بلّغوا عنّي ولو آية) (٢) ، و(الدين النصيحة) (٣) .
فقال: ولكن المشاكل التي ستسببها لنا لا تطاق؛ أنسيت قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (٤) !
قلت له: هون عليك يا حارث فالأجر على قدر المشقة، ونحن تعاهدنا أن نبذل كلّ ما نستطيع أن نقدّمه لنوصل الناس إلى الحقّ معنا، وكذلك تعلم بأنّ الله معنا وعنايته بنا ظاهرة، فكم مرّة ينقذنا ويجعل كيدهم في نحورهم ويجعل نارهم علينا برداً وسلاماً! فيجب علينا تذكّر قول الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (٥) .
________________________
١- النمل: ٨١.
٢- البخاري (٤/١٤٥).
٣- البخاري (١/٢٠).
٤- البقرة: ٢٨٦.
٥- آل عمران: ١٣٩.
بعد ذلك بأيام قلائل ذهبت إلى شيخنا (أبو دعاء) متوكّلاً على الله مصطحباً معي صديقي (حارث) وأخذت جزئين من خمسة أجزاء كانت عندي من كتاب سلسة الأحاديث الصحيحة للألباني، فدخلنا عليه ورحّب بنا وهو مكفهر الوجه على غير عادته وكأنّه لقاء رسمي خالٍ من الابتسامات المتبادلة والكلام الزائد، فاقتصر على الترحيب والسكوت اكتفاءً بالإشارة لنا بالدخول إلى غرفة مكتبته، قائلاً: تفضّلوا أهلاً وسهلاً. وبعد أن جلسنا سأل عن أحوالنا وأخبارنا وهل كلّمنا أحداً آخر خلال هذه الفترة؟ فأجبناه بالنفي خائفين من معرفته بكلامنا مع دكتور (عمار) رغم علمنا بعدم معرفة أحدهما للآخر ولكنهما كلاهما يعرفان صديقنا (ماجد) فخشينا من احتمال إخبار (عمار) لماجد فنفتضح حينها، ولكننا أحضرنا عذراً بأنّ عماراً أيضاً صاحب علم وأقدم منّا في هذا المسلك فكلامنا معه كان للاستفادة منه فهو وماجد ليسا في خانة واحدة بكلّ تأكيد.
فقال لنا مباشرة: ها ماذا فعلتم؟ وإلى ما توصّلتم؟
فقلت له: عندنا بعض الإشكالات حول عدالة الصحابة؟
فقال: كيف؟
فقلت له: انظر إلى الشيخ الألباني كيف يتكلّم في أبي الغادية ذلك الصحابي الذي قيل بأنّه من أهل بيعة الرضوان ولكنه قتل عماراً وورد فيه حديث ينص على كونه من أهل النار، فقرر الشيخ الألباني بأنّه من أهل النار، وهذا مخالف لعقيدتنا بعدالة جميع الصحابة وينسفها وينقضها تماماً، فماذا يبقى لنا من الدين بعد ذلك؟
قال: ماذا تقصد؟
قلت: إن عماد مذهب أهل السنّة والجماعة وأساسه هو نظرية عدالة جميع الصحابة فإذا انتقضت هذه القاعدة الكلية بواحد فممكن أن تنتقض بغيره! وإذا
دخل الاحتمال في كلّ صحابي بأنّه ليس عادلاً أو مؤمناً أو من أهل الجنّة فلا يمكننا بعد ذلك اعتماد روايته وتصديق إخباره عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وبذلك تنتفي حجية الأحاديث ــ أي: السنّية ــ برمّتها أو أنّه سوف يجب علينا إخضاع الصحابة كغيرهم لقاعدة الجرح والتعديل أيضاً وهذا مخالف للإجماع! بالإضافة إلى صعوبة تطبيق ذلك؛ لأنّ علماءَنا المتقدّمين لم يفعلوا ذلك مع أحد من الصحابة، فكيف نأتي بجرح وتعديل لهم جميعاً بعد هذه القرون! سيكون هذا عسيراً جدّاً إن قلنا بإمكانه.
فقال لي: ماذا تقول؟! وما هذه المقدّمات والنتائج من أين لك هذا الكلام الذي لم يقله أحد قبلك!! حتّى الشيخ الألباني الذي تنقل عنه هذا الموقف لم يصل إلى ما وصلت أنت إليه وقررته من نتائج خطيرة مخالفة لإجماع الأمّة! فمن أنت حتّى تتكلّم بمثل هذا الكلام؟!
قلت له: أنا عبد فقير مسكين جاهل ولكنني أطلب العلم كما تعلم ذلك وكما أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأريد الوصول إلى الحقّ ومعرفة عقيدتي عن دليل واطمئنان لأنّني أنا من سيُسأل يوم القيامة وليس الشيخ الألباني ولا ابن تيمية ولا أهل السنّة والجماعة، لأنّ الله تعالى رفض تقليد الآباء والسادة والكبراء في العقائد ولم يعذر مَن تعذّر بأنّهم هم من أضلّوه وإنّما عذّبهم تعالى جميعاً فقال(عزوجل): {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} (١) .
فقال أبو دعاء ــ بعد أن أخذ منّي الكتاب وقرأ المطلب كلّه ــ : نعم، إن أخطأ صحابي واحد فهذا لا يعني بأنّ كلّ الصحابة ارتدّوا، وأنّهم ليسوا عدولاً، وأنّ أغلب الصحابة فاسقون أو في النار، بل يعتبر هذا الرجل استثناءً ومنصوصاً عليه، أمّا غيره فيجب الاعتقاد بعدالته وفضله، وهذا ما قاله الألباني هنا وهو كلام مقبول!
________________________
١- الأعراف: ٣٨.
فهلا أخذت بكلّ كلام الشيخ الألباني (حفظه الله) ولم تقتطع ما يعجبك؟
فقلت له: هذا ادّعاء لم يثبت وليس عليه دليل واضح، بل لو تأمّلت جيّداً في كلام الألباني تجده لا يقول بما قلته وفهمته أنت أبداً! فقد ردّ على ابن حجر لمّا حاول الاعتذار لأبي الغادية بأنّه مجتهد وأنّه مأجور قائلاً: هذا حقّ (يعني قاعدة أنّ الصحابة متأوّلون فيما جرى بينهم وللمجتهد المخطئ أجر)، لكن تطبيقه على كلّ فرد من أفرادهم مشكل، لأنّه يلزم تناقض القاعدة المذكورة بمثل حديث الترجمة، إذ لا يمكن القول بأنّ أبا غادية القاتل لعمار مأجور لأنّه قتله مجتهداً ورسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: (قاتل عمار في النار)! فالصواب أن يقال: إنّ القاعدة صحيحة إلاّ ما دلّ الدليل القاطع على خلافها، فيستثنى ذلك منها، كما هو الشأن هنا، وهذا خيرٌ من ضرب الحديث الصحيح بها. والله أعلم (١) .
فالشيخ الألباني هنا لا يقول بأنّ أبا غادية فقط هو المستثنى! وإنّما قال بوضوح: إنّ القاعدة صحيحة إلاّ ما دلّ الدليل القاطع على خلافها! فالألباني يعترف بأنّنا لو وجدنا نصوصاً تخرج مائة صحابي وتدينهم وتذمّهم لوجب علينا إخراجهم من هذه القاعدة، ولكننا لم نعمل بهذا الأمر ولم نقبله وتعصّبنا وغلونا في الصحابة حتّى التزمنا القول بوجوب اعتقاد عدالة الكل!!
فقال: أين هذه النصوص التي تدلّ على استثناء صحابة آخرين غير أبي الغادية من هذه القاعدة؟
قلت له: أحسنت خذ مثلاً أنّ هناك حديثاً ينص على أنّ معاوية وجيشه دعاة إلى النار، فهل نفهم بأنّهم كانوا مجتهدين فعلاً ومأجورين على مقاتلتهم وخروجهم على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)؟ أم أنّ هذا النص يصرّح
________________________
١- سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني (ح ٢٠٠٨).
بكونهم قاصدين للخروج على الإمام الشرعي وأنّهم قصدوا الفساد والإفساد والبغي، وأثبت النية السيئة وجعلهم دعاة إلى جهنم؟ فقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيهم: (ويح عمار يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار) (١) ، وفي رواية أخرى: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار) (٢) .
فقال: نعم، ممكن أن يكون النص خاصاً بعمار فقط، فلو أطاعهم عمار لاستحق النار، ولا يلزم منه أن يكون معاوية وعمرو بن العاص وجيش أهل الشام كلّه في النار! خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار بعض الآيات التي مدحت الصحابة الذين دخلوا الإسلام بعد الفتح، وكذلك الأحاديث التي صححها الألباني نفسه في فضل معاوية وعمرو بن العاص وعامّة الصحابة!
فقلت له: أنا أذكر أحاديث متّفق على صحتها وموافقة للواقع، وأنت تريد أن تلزمني بأحاديث يمكن أن يكون معاوية نفسه قد أمر بوضعها أو علماء الحكومات قاموا بذلك تملقاً للملك والحاكم وتبريراً لما فعله وفعلوه! أليس هناك دواعي لوضع مثل هذه الأحاديث التي تبرر وتمدح الباطل وأهله؟ فكيف يُطمئن لصدورها عن النبيّ الأعظم وهي تخالف وتناقض ما ثبت عنه(صلى الله عليه وآله)؟! ولماذا تلوي أعناق النصوص وتتأوّلها وتخالف ظواهرها؟ بل هي نصّ محكم بأنّ معاوية قائد وصاحب فئة باغية داعية إلى النار! ولا اجتهاد في معرض النص! فكيف يمكن لنا أن نخصص العام ونخالف الظاهر لأجل مصلحة أناس لا تربطنا بهم علاقة ولا ولاء إلاّ إذا اتّبعوا الحقّ وكانوا من أهله؟! أمّا أن يبغوا ويظلموا ويفسدوا ويقتلوا ويصفهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بأنّهم بغاة ودعاة للنار، فلا يجب علينا أن نتأوّل لهم ونبرر أفعالهم حتّى نتولاّهم فنوقع أنفسنا
________________________
١- صحيح البخاري (١/١١٥).
٢- صحيح البخاري (٣/٢٠٧).
بالمساءلة دونهم وفي محاذير خطيرة بدلاً عنهم، وسيسألنا الله تعالى الذي أمرنا بموالاة أوليائه والبراءة من أعدائه أيّاً كانوا، وحذّرنا من فعل مثل هذا الأمر مع الكل وبعموم لم يخصص وحذر الصحابة أنفسهم من فعل ذلك أيضاً فقال عز من قائل: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (١) ، فأوجب تعالى علينا بذلك نبذ كلّ عاص لله مخالف لأمره مرتكب لنهيه والبراءة منه من هذه الحيثية.
فلماذا نقحم أنفسنا مع أناس قد نصّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليهم بأنّهم بغاة ظالمون داعون إلى النار، ونحن نريد أن نتولاّهم وندافع عنهم دفاعاً مستميتاً، ونأخذ الدين عنهم ونجعلهم أئمة وأمراءً للمؤمنين، ونقحمهم تحت عنوان مقدّس عظيم وهو عنوان الصحابة فنجعله فضفاضاً يشمل كلّ من هبّ ودبّ دون أن يدلّ دليل على إخلاصه ورضا الله تعالى عنه كي نزكّيه ونتولاّه ونقدّسه وندافع عنه مهما فعل! مثلما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) في بعض الصحابة وأثبت وجوب محبّتهم وتزكية الله تعالى لهم (٢) ؟
قال: كيف تقول ذلك في أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله)؟! الله الله في أصحاب محمّد!!
قلت له: وماذا قلت أنا غير كلامك؟! أنا من يقول يجب علينا احترام هذا العنوان وعدم توسيعه بحيث يشمل غير الصالحين المخلصين، وكذلك من نصّ الشرع على عدم إخلاصه وكلّ من هبّ ودبّ! فهؤلاء يجب أن نعتقد بأنّهم ليسوا
________________________
١- المجادلة: ٢٢.
٢- كما في حديث: (إنّ الله أخبرني بأنّه يحبّ أربعة وأمرني بحبّهم، علي منهم عليٌ منهم عليٌّ منهم والمقداد وأبي ذر وسلمان) رواه الترمذي.
مخلصين وليسوا مجتهدين وغير مأجورين، بل محاسبين على كلّ ما فعلوه وما أفسدوه ومن قتلوه، لقد قتلوا عشرات الآلاف من كبار الصحابة ومن خيار التابعين والقراء وحملة الدين! فهل ترى أنّ من يقتل الصحابة ومن تبعهم بإحسان مأجور؟ والذي يسبّهم أو يلعنهم أو يتبّرأ منهم كافر؟ ما لكم كيف تحكمون، وبأيّ لغة تتكلّمون؟!!
قال: أنت على خطر عظيم لأنّك تجرؤ على من اختارهم الله تعالى لصحبة نبيّه(صلى الله عليه وآله)، فهؤلاء تلاميذ محمّد وحوارييه! كيف تجرؤ على الطعن بهم وهم حفظة الدين وناقليه إلينا؟!
قلت: لا والله أنا أقدّر كلّ من ساهم بنقل الدين وحفظه لنا، ولكنني أتكلّم على من دلّ الدليل على خطئه، وتقصّده للخطأ والفساد والإفساد، وليس أكثر! وأضيف إلى ذلك: بأنّ وجود مثل هؤلاء في الصحابة والسلف وكذلك وجود الكثير من المنافقين مجهولي الهوية ضمن الصحابة يجعلنا نشكك بكلّ ما نقل وأثر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أحاديث عن طريقهم؛ لأنّ في الصحابة وفي النقلة أناس من أهل النار، وكذلك وجود المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهؤلاء المنافقون ينقسمون إلى أناس معروفين بأعيانهم ومشخّصين بأسمائهم كأُبيّ بن أبي سلول، وهذا الصنف يمكن اجتنابه والحذر منه، أو بصفاتهم كالمتخلّفين عن الصلاة أو الجهاد، وهؤلاء منافقون مجهولون لنا ويمكن لأهل زمانهم وأقرانهم الطعن فيهم واجتنابهم، أمّا من جاء بعدهم كالتابعين فلا يتصوّر أحد بأنّه يميّزه ويعرفه وخصوصاً أنّ أكثر هؤلاء أصبحوا ولاة وقادة، وهناك منافقون لا يعلمهم إلاّ الله ورسوله وحذيفة بن اليمان، وهم المنافقون الاثنا عشر أصحاب العقبة الذين حاولوا تنفير دابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليقتلوه،
وهناك منافقون لا يعلمهم إلا الله ورسوله، وهناك منافقون مردوا على النفاق لا يعلمهم حتّى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قد ذكرهم تعالى في قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} (١) .
فهذه الأصناف من المنافقين كلّها موجودة ومدرجة ضمن أفراد الصحابة وهم مجهولون لنا، ومع كلّ ذلك لا نجيز لأحد التعرّض لهم بجرح وقدح، ونقول بأنّهم فوق ذلك، وأنّهم كلّهم عدول، وكلّهم في الجنّة، وأنّ الله تعالى قد اختارهم لنبيّه وعدّلهم ورضي عنهم ورضوا عنه أجمعين، ودون أيّ استثناء لأحد، ولو كان قد رأي رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرّة واحدة!
أنا يا شيخي الفاضل أرى بأنّ هذا الكلام لا يستقيم! وهذه العقيدة لا تثبت بدليل يمكن الركون إليه والاعتماد عليه والاطمئنان له والتزامه ؛ لأنّ دليله عبارة عن عموميات محتملة في القرآن والسنّة وليست نصوصاً، وهي أيضاً مخصصة بنفس الكتاب والسنّة لوجود الاستثناءات والنقوض التي ترد عليها بكلّ صراحة ووضوح، مثل تسميته تعالى لأحد الصحابة فاسقاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (٢) ، وكذلك ذكره تعالى لإمكان الردة فيهم حين خاطبهم تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (٣) ، بل صرّح تعالى بوقوع الارتداد والانقلاب منهم عند موت النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو قتله فقال: {وَمَا محمّد إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً
________________________
١- التوبة: ١٠١.
٢- الحجرات: ٦
٣- المائدة: ٥٤
وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} (١) ، مع الأخذ بنظر الاعتبار بأنّ كلّ آية تمدح الصحابة على فعل صالح فعلوه كالهجرة والنصرة والبيعة والعبادة والمحبّة والجهاد والقوّة والطاعة، كانت نصوص مقيدة إمّا بزمان أو مكان أو شرط يجب توفّره ليدخل في الممدوحين، كالإيمان والإخلاص والصدق وكون ذلك الفعل لله تعالى وليس لمصلحة شخصية أو لدنيا أو تجارة أو امرأة.
فالمهاجرون مثلاً لا يمكن أخذ مدحهم على عمومه وظاهره ليشمل كلّ فرد فرد ممّن هاجر من الصحابة، ولا يمكن مدح وتنزيه كلّ مهاجر ظاهراً ؛ لأنّ ذلك سينتقض بفعل أحد الصحابة الذي هاجر ليتزوّج امرأة مثلاً وكان يسمّى من قبل الصحابة أنفسهم مهاجر أم قيس (٢) ، وكذا مدح الأنصار قد نقض ظاهر عمومه كبير الخزرج سعد بن عبادة الذي بقي شاذّاً عن الجماعة دون أن يبايع أبا بكر وعمر أيضاً حتّى مات (٣) ، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (من مات وليس في عنقه بيعة
________________________
١- آل عمران: ١٤٤
٢- روى الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/١٠١) عن شقيق قال: قال عبد الله: من هاجر يبتغي شيئاً فهو له، قال: وهاجر رجل ليتزوّج امرأة يقال لها أم قيس فكان يسمّى مهاجر أم قيس، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في فتح الباري (١/٨): قال ابن دقيق العيد: نقلوا أنّ رجلا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنّما هاجر ليتزوّج امرأة تسمّى أم قيس...انتهى...وقصّة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور... ابن مسعود قال: من هاجر يبتغى شيئاً فإنّما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش...فكّنا نسمّيه مهاجر أم قيس، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
٣- انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/٣٩٠) قال: ولم يبايعه سعد بن عبادة فتركه ولم يعرض له حتّى توفي أبو بكر وولي عمر فلم يبايع له أيضاً فلقيه عمر ذات يوم في طريق من طرق المدينة فقال له عمر: إيه يا سعد إيه سعد، فقال سعد: إيه يا عمر، فقال عمر: أنت صاحب ما أنت عليه؟ فقال سعد: نعم أنا ذلك وقد أفضى الله إليك هذا الأمر وكان واليه صاحبك أحب إلينا منك وقد والله أصبحت كارهاً لجوارك..! وكذلك في أسد الغابة لابن الأثير (٢/٢٨٤) قال: فلم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر وسار إلى الشام.
مات ميتة جاهلية) (١) ، و(من فارق الجماعة شبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية) (٢) ، حتّى أنّ عائشة حينما ذكرته في حديث الإفك وصفته بقولها: "وكان رجلاً صالحاً"، وكذلك انتحار أحد الأنصار في إحدى المعارك حين أصيب (٣) ، وكذلك مقاتلة بعضهم مع النبيّ(صلى الله عليه وآله) رياءً وسمعة وليقال عنه إنّه شجاع، هذا بالإضافة إلى وجود عصاة وفسّاق وخوالف وفارّين من الزحف والقتال ومنافقين كثيرين في الصحابة، وكذلك يرد على أهل بيعة الرضوان أمثال أبي الغادية قاتل عمار الذي قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيه: (قاتل عمار وسالبه في النار) (٤) ، وأمثال عبد الرحمن بن
________________________
١- رواه مسلم في صحيحه (٦/٢٢) ورواه أحمد بألفاظ منها ما في (٤/٩٦): (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية) كما قال الشيخ الألباني في كتاب السنّة لابن أبي عاصم (٤٨٩) وحسّنه وما وجدناه في مسند أحمد لفظه هو: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية).
٢- البخاري (٨/٨٧) ومسلم (٦/٢١) وأحمد (٥/١٨٠) والترمذي (٤/٢٢٦) وأبو داود (٢/٤٢٦) بلفظ: (من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه).
٣- راجع مجمع الزوائد (٧/٢١٤) وأسد الغابة لابن الأثير (١/١١٢) وقال الهيثمي عنه: رواه الطبراني وإسناده حسن؛ أنّ رجلاً كان يجري في القتال ويخبرون النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذلك والنبيّ يقول لهم: هو في النار.. فقالوا له: يا رسول الله استشهد فلان قال: هو في النار، فلمّا اشتدّ به ألم الجراح أخذ سيفه فوضعه بين ثدييه ثمّ اتكأ عليه حتّى خرج من ظهره... وذكرها الهيثمي كقصّة أخرى مشابهة لهذه عن أحمد (٧/٢١٤) بلفظ: (...فقد نحر فلان نفسه) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورووا قصّة أخرى عن أحد الصحابة أيضاً وقد قتل نفسه بمشاقص فلم يصلِّ عليه النبيّ(صلى الله عليه وآله) كما في صحيح مسلم (٣/٦٦).
٤- أخرجه الحاكم في مستدركه (٣/٣٨٧) وصححه على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي وجاء له الألباني بشاهد آخر في صحيحته (٢٠٠٨) عند أحمد (٤/١٩٨): وقال: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم. وروى ابن أبي شيبة في مصنّفه (٧/٤٩٢) و(٨/٤٣): وكان ممن بايع تحت الشجرة.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/٨٤٠) عنه: كان الأمير على الجيش القادمين من مصر إلى المدينة الذين حصروا عثمان وقتلوه.
عديس البلوي (١) وعمرو بن الحمق الخزاعي (٢) ، فهما بدريان رضوانيان، وهما ممّن قاد الثورة على عثمان وحاصروه ومنعوه الماء والطعام وقادوا حملة قتله، وباشر عمرو بنفسه قتل عثمان، وكذلك محمّد بن أبي بكر وكنانة بن بشر وسودان ابن حمران، فينتقض استدلال أهل السنّة بذلك رأساً ؛ لأنّهم يقولون بالعموم المطلق وعدم استثناء أيّ صحابي مهما فعل، وهذا ما لم أستطع الاقتناع به خصوصاً مع مخالفته لآيات وأحاديث كثيرة جدّاً، بل مخالفته لروح الإسلام وتعاليمه وتكاليفه التي خوطب بها الصحابة قبل غيرهم!
استطراد :
هل نصدّق قول الله تعالى في الصحابة؟
أَستطرِدُ هنا للفائدة فأقول: إنّ الله تعالى أكّد هذه الحقيقة وخاطب الصحابة بالتكاليف
________________________
١- قال ابن حجر عنه في فتح الباري (٢/١٥٩): أحد رؤوس المصريين الذين حصروا عثمان، وفي مقدّمة الفتح (ص٢٥٨) حين شرحه لحديث يذكر الذي صلّى بالناس حين حصر عثمان (ويصلّي لنا إمام فتنة) قال: المراد بإمام الفتنة المذكور عبد الرحمن بن عديس البلوي قاله ابن عبد البر. وروى ابن أبي شيبة في مصنّفه (٧/٤٩٢) و(٨/٤٣): وكان ممن بايع تحت الشجرة، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/٨٤٠) عنه: كان الأمير على الجيش القادمين من مصر إلى المدينة الذين حصروا عثمان وقتلوه.
وقال الزركلي في الأعلام (٣/٣١٦): ولّما قتل عثمان، عاد إلى مصر، فطلبه معاوية ابن أبي سفيان وقبض عليه وسجنه في لد ( بفلسطين) ففر، فأدركه صاحب فلسطين فقتله. ومن النوادر اللطيفة التي حصلت مع ابن عديس هذا أنّه لما عثر عليّه أحدهم بعد فراره قال له: لا تقتلني فأنا من أصحاب الشجرة! فقال له: أرى أنّ الشجر كثير فقتله.
٢- قال الزركلي في أعلامه (٥/٧٦) عنه: صحابي، من قتلة عثمان، سكن الشام، وانتقل إلى الكوفة ثمّ كان أحد الرؤوس الذين اشتركوا في قتل عثمان، وقال ابن شبة النميري في تاريخ المدينة (٤/١٢٣٢) بسنده: دخل عليه محمّد بن أبي بكر بشريان كان معه فضربه في حشائه حتّى وقعت في أوداجه فخر، وضرب كنانة بن بشر جبهته بعمود، وضربه سودان بن حمران بالسيف، وقعد عمرو بن الحمق على صدره فطعنه تسع طعنات، وقال علمت أنّه مات في الثالثة فطعنته ستاً لما كان في قلبي عليه.
والاختبارات والابتلاءات وجعلهم كغيرهم من الناس فقال عزّ من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (١) .
وقال تعالى أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} (٢) .
وقال أيضاً: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ
________________________
١- آل عمران : ١٠٢ ــ ١٠٧.
٢- الأنفال: ٢٠ ــ ٢٢
وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (١) ، وأيضاً قوله: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (٢) .
وقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (٣) .
وقوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (٤) .
وقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (٥) فكلّ هذه الآيات وغيرها كثير تدلّ بوضوح على توجيه هذه التكاليف الشرعية إلى الصحابة في الأصل وأوّلاً وبالذات ومن ثمّ يكون الخطاب متوجّهاً إلى الأمّة، فالصحابة حالهم كحال غيرهم مكلّفون ومخاطبون بالأحكام الشرعية ومطالبون بامتثال الأوامر الإلهية وتنفيذها والإخلاص في الأعمال، فمن كان يرجو الله واليوم الآخر {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} (٦) ، ومن لم يكن مخلصاً ولم يقصد وجه الله تعالى في عمله فحاله كحال غيره لا
________________________
١- النحل: ٩٠ ــ ٩٦.
٢- الروم: ٣١ ــ ٣٢
٣- البقرة: ١١٠
٤- العنكبوت: ٢ـ ٤.
٥- آل عمران: ٩٧.
٦- النساء: ٦٩.
يقبل منه عدل ولا صرف ويأتي يوم القيامة صفر اليدين، لا تنفعه معرفة ولا صحبة ولا نسب ولا سبب!! فهل بعد كلّ هذا الوضوح في الموقف الإلهي من الصحابة يمكن أن نصدّق أهل السنّة في دعواهم عدالة جميع الصحابة ودخولهم كلّهم الجنّة وعدم سماع حسيس جهنم لكلّ واحد منهم!!
وكذلك بيّن تعالى مخالفات بعض الصحابة على العكس من قول وعقيدة السنّة بعدالتهم جميعاً، وكذلك إمكانية صدور المخالفة والمعصية منهم وبكثرة! بحيث يفهم جيّداً أنّهم أناس عاديون كغيرهم لا خصوصية لهم حتّى نلزم من خلالها القول بعدالتهم أجمعين، فأوضح تعالى ذلك بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} (١) ، وقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حتّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (٢) ، وقوله تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (٣) ، وقوله تعالى: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ} (٤) ، وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} (٥) ، وقوله تعالى: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ
________________________
١- المائدة: ٥٤.
٢- البقرة: ٢١٧.
٣- التوبة: ٤١.
٤- التوبة: ٣٨.
٥- الجمعة: ١١.
مَعَ الْخَوَالِفِ} (١) ، وقوله تعالى: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (٢) ، وقوله تعالى: {وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} (٣) ، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} (٤) ، وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} (٥) ، وقوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (٦) ، وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} (٧) ، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} (٨) ، وغيرها الكثير من الآيات المباركات التي تتكلّم عن معاصي وأعمال قد ارتكبها المسلمون في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو يمكن أن يرتكبوها.
هذا بالإضافة إلى ما نقل في الأحاديث والروايات والتأريخ من حصول مخالفات ومعاصي وقتال وسباب ولعن فيما بين الأصحاب، فلا أدري كيف تتم نظرية عدالة جميع الصحابة وكيف تستقيم مع كلّ هذا؟! فضلاً عن غرابة هذه النظرية وبُعدها عن ذهن الصحابة أنفسهم، فلم نَر من يزكّي نفسه منهم! بل الكل كانوا يخافون من النفاق
________________________
١- التوبة: ٨٧.
٢- آل عمران: ١٧٩.
٣- التوبة: ٦١.
٤- المجادلة: ١١ـ ١٢.
٥- الأحزاب: ٢٩.
٦- الحجرات: ٦.
٧- البقرة: ١٠٨.
٨- الحجر: ٢٤.
أو الردة أو المعصية أو الحساب، حتّى تمنّى أبو بكر أن يكون (بعرة) (١) !! وتمنّى عمر أن يكون (تبنة) أو (لم تلده أمّه) أو يكون (نسياً منسياً)!! (٢) أو يخرج منها صفراً أو كفافاً لا عليّ ولا لي!! (٣) حتّى أنّ عمر كان يسأل حذيفة في سؤاله بكونه من المنافقين، فكيف يكون مبشراً بالجنّة؟ وكيف نعلم نحن بذلك ونجزم له بها وهو لا يعلم كما هو واضح من إلحاحه على حذيفة بالسؤال والتأكّد من كونه ليس منافقاً (٤) ؟! فيا له من إيمان!! ويا لها من جنّة قد بشّروا بها! فإمّا أنّه لا يصدّق رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما يخبره بأنّه من أهل الجنّة، أو تكون الأحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعدهم! فرجّحوا ما شئتم!!
ناهيك عن أحاديث الحوض والتي تبيّن ردة الصحابة من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتغييرهم وتبديلهم وانقلابهم على أعقابهم القهقرى فلا يخلص منهم إلاّ كمثل
________________________
١- نقلها ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/٣٣١) والمتقي الهندي في كنز العمال (١٢/٣٣٦) وابن أبي شيبة في المصنف (٨/١٤٤).
٢- الحاكم في المستدرك (٤/٩) واقتصر على (نسياً منسياً) وابن أبي شيبة في المصنف (٨/١٥٢) والمتقي الهندي في كنز العمال (١٢/٦١٩) وفيه تمنّى كونه تبنة وعدم ولادة أمّه له وكونه نسياً منسياً، ونقل عبد الرزاق في مصنفه (١١/٣٠٧) وابن أبي شيبة أيضاً (٨/١٩١) عن عائشة من قولها: يا ليتني كنت نسياً منسياً.
٣- البخاري (٢/١٠٧) و(٤/٢٠٥) ولفظه: وددت أنّ ذلك كفافاً لا عليّ ولا لي.
٤- راجع مجمع الزوائد للهيثمي (٣/٤٢) وكنز العمال للمتقي الهندي (١٣/٣٤٤) والمصنف لابن أبي شيبة (٨/٦٣٧) حتّى أنّ الفسوي قد اعترض على هذه الرواية واعتبرها من الذم لعمر ومناقضة لما يعتقده السنّة في عمر وما يجب أن يعتقده هو في نفسه فقال ابن حجر في مقدّمة فتح الباري (ص٤٠٢): وشذّ يعقوب الفسوي فقال في حديثه خلل كثير ثمّ ساق من روايته قول عمر في حديثه يا حذيفة بالله أنا من المنافقين؟ قال الفسوي: وهذا محال! (قلت والكلام لابن حجرـ): هذا تعنّت زائد وما بمثل هذا تضعف الإثبات ولا ترد الأحاديث الصحيحة، فهذا صدر من عمر عند غلبة الخوف وعدم أمن المكر فلا يلتفت إلى هذه الوساوس الفاسدة في تضعيف الثقات والله أعلم (!!).
همل النعم، كما صرّحت بذلك رواية أبي هريرة عند البخاري (١) .
نعود إلى موضوعنا الأصلي والكلام مع شيخي أبي دعاء:
فقد أجابني بعد قولي في الصحابة وتفصيل القول فيهم: اتّق الله ولا تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض! فالألباني الذي تستدل بكلامه هو نفسه يؤمن بعدالة الصحابة، وكذلك هو يروي ويصحح الأحاديث الكثيرة في فضل الصحابة وخصوصاً الخلفاء الثلاثة، فهل تقبل رأيه فيهم وتصحيحه لروايات فضائلهم أم أنّك تنتقي ما يعجبك فقط من قوله وأحاديثه؟
قلت له: أنا لا أتكلّم الآن عن شخصية معيّنة أو أشخاص معينين ــ مع أنّ الشيخ الألباني يختلف قوله عن أهل السنّة ولا يلتزم بعدالة جميع الصحابة ــ وإنّما أتكلّم عن قاعدة مطردة مطلقة عامّة وهي عدالة جميع الصحابة، وأحاول من خلال البحث التأكّد من صحّتها أو بطلانها والإشكالات التي ترد عليها ولو بناقض واحد فتسقط هذه القاعدة بتمامها، فلا يهمني فضل أو عدالة فلان أو معصية أو جرح علاّن، وإنّما المهم عندي ثبوت كلية هذه القاعدة أو جزئيتها، ولذلك أقول لك شيخي العزيز: دعنا عن كلّ التفاصيل ولنبحث هذه القاعدة بشكل عام، هل هي صحيحة أم باطلة؟
ثمّ إنّ ما يصححه الشيخ الألباني إنّما يصححه من حيث السند، وأنا أطعن وأخالف في ذلك بسبب قواعد الجرح والتعديل عندنا، فإنّ لي عليها اعتراضات كثيرة! فقد وثّق علماء الحديث الكثير من النواصب والخوارج بل كلهم وبأعلى درجات التوثيق مع أنّهم منافقون كذّابون أفّاكون بنصّ قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعهده
________________________
١- راجع الحديث في صحيح البخاري (٧/٢٠٨) عن أبي هريرة وغيرها كثير في البخاري وفي مسلم.
لعليّ(عليه السلام) بذلك حينما أخبرنا(عليه السلام) بقوله: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأمي(صلى الله عليه وآله) إلي أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق) (١) ، وكلّنا يعلم بأنّ المنافق قد ذكر صفاته رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأنّه: (إذا حدّث كذب) (٢) فكيف نوثّقهم ونصدّق أخبارهم ونأخذ الدين عنهم ونجتهد في مقابل النص لأجلهم ونجعلهم في أعلى درجات الوثاقة دائماً؟!
وأيضاً فإنّ الخوارج مثلاً ثقات ولا يكذبون عندنا وبحسب قواعدنا؛ لأنّهم يعتقدون كفر مرتكب الكبيرة والكذب كبيرة فهي كفر فهم لا يمكن أن يكذبوا أبداً، فيجب أن نوثّقهم! وبهذه الطريقة الحدسية الظنية الشاذة العجيبة والمخالفة للنصوص الشرعية وللواقع مع علمنا بقول واعتراف أحد كبار الخوارج بعد توبته ورجوعه عن قولهم: "إنّ هذه الأحاديث دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً" (٣) !! فهذا اعتراف واضح وصريح من قبل الخوارج أنفسهم بأنّهم أناس متّهمون كذّابون يضعون الأحاديث على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكيف نُكذِّبُ رسولَ الله(صلى الله عليه وآله) ونخالفه ونقوم بتوثيقهم بهذه الطريقة الظنية الساذجة، وهذه الموازين التي ما أنزل الله بها من سلطان؟!
وفي المقابل نجد بالعكس من هذه القاعدة تماماً نستعملها مع الشيعة، فنقول كما قال الذهبي وابن حجر: إننا لا نروي عن الرافضي ولا كرامة! ونبرر ذلك بأنّهم يسبّون أبا بكر وعمر ونتشدد معهم بعكس ما فعلناه مع النواصب والخوارج الذين يكّفرون ويسبّون
________________________
١- صحيح مسلم (١/٦٠).
٢- البخاري في سبع روايات ومواضع منها (١/١٤) ومسلم (١/٥٦).
٣- الكفاية للخطيب البغدادي (ص١٥١) وتفسير القرطبي (١/٧٨) وذكره ابن الجوزي في مقدّمة موضوعاته (١/٣٩) وكذلك الفتني في تذكرة موضوعاته (ص٧) وابن حجر في لسان ميزانه (١/١٠) وفي تهذيب تهذيبه (٨/١١٤) وغيرهم.
ويبغضون ويلعنون عليّاً(عليه السلام)، مع أنّ النصوص الصحيحة تصرّح بذمّ من يسبّ عليّاً أو يبغضه وليس العكس! فقد قال الذهبي في ميزان اعتداله: "ثمّ بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة" (١) .
فتبيّن من خلال ذلك بأنّ قواعدنا التوثيقية مخالفة لنصوص وموازين الشريعة تماماً وبلا دليل، بل مخالفة ومصادمة للأدلة!
بل أزيدك على هذا، أنّ الحافظ ابن حجر العسقلاني قد أكّد حصول عين ما قلته واستشكله وأقرَّ بأنّ مقاييس أهل السنّة تسير وتعمل بعكس ما تدل عليه ظواهر النصوص والموازين الشرعية! ولكنّه يؤوّله بعد ذلك ويحاول ترقيعه وارتضاء فعله وصدوره عن علماء الجرح والتعديل ؛ لأنّ هذه القواعد لولاها لساخ المذهب، فهي أعمدته وركائزه فلا يستطيع السني الاعتراف والانحراف عنها وإلاّ أصبح رافضياً لا محالة!
فقد قال ابن حجر ما نصّه: "وقد كنت أَستشكلُ توثيقهم الناصبي غالباً وتوهينهم الشيعة مطلقاً ولا سيّما أن عليّاً ورد في حقّه (لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق)، ثمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البغض ها هنا مقيَّدٌ بسببٍ وهو كونه نصر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ؛ لأنّ من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حقّ المبغض والحبّ بعكسه وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً، والخبر في حبّ عليّ وبغضه ليس على العموم (!!) فقد أحبّه من أفرط فيه حتّى ادّعى أنّه نبي أو أنّه إله تعالى الله عن إفكهم، والذي ورد في حقّ عليّ من ذلك قد ورد مثله في
________________________
١- ميزان الاعتدال (١/٦)، وذكره ابن حجر في لسان الميزان (١/٩) بلفظه، وفي تهذيب التهذيب (١/٩٤) بمعناه.
حقّ الأنصار وأجاب عنه العلماء أنّ بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاقه وبالعكس فكذا يقال في حقّ عليّ وأيضاً فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة والتمسّك بأمور الديانة بخلاف من يوصف بالرفض فإنّ غالبهم كاذب ولا يتورّع في الأخبار..." (١) !!
انظر ــ أخي القاريء ــ إلى محاولتهم الترقيع وضعفهم في ردّ ذلك ووضوح مخالفتهم للنصوص الصريحة ومعارضة موازينهم للنصوص! فتبرير وتأويل وصرف حديث عام مثل قوله(صلى الله عليه وآله) (لا يبغضك إلا منافق) تحريف وإبطال للدين والشريعة، وإلاّ فإنّ بغض حجر أو شجر لأجل كونه يحمي رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويعينه على النصر كفر واضح، فلا خصوصية حينئذ ولا معنى للحديث البتة على هذا التفسير، فهذا خلط للأوراق والتواء على النصوص الواضحة العامّة الصريحة وتخصيصها بلا مخصص واقعاً.
فنرى بأنّ أئمة السنّة يروون عن مثل عمران بن حطان وإسحق بن سويد وحريز بن عثمان والجوزجاني ومروان بن الحكم وغيرهم من النواصب والخوارج، ويعرضون عن رواية الإمام الصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام)، مع اعترافهم بإمامتهم وفضلهم في العلم والدين، بل وصلت النوبة للإمام الحسن(عليه السلام) وهو سيّد شباب أهل الجنّة! فلم يخرج له البخاري حديثاً واحداً! فلماذا هذا الجفاء لأهل البيت(عليهم السلام) والإصرار على موالاة أعدائهم؟!
أمّا مقدار الأحاديث فنرى التفاوت الكبير والهوّة العظيمة فيما نرويه عن الإمام عليّ(عليه السلام) بالمقارنة مع ما نرويه عن مثل أبي هريرة النكرة المجهول المثير للجدل!!
________________________
١- تهذيب التهذيب (٨/٤١١).
بل إنّنا لم نرو عن أهل البيت(عليهم السلام) إلاّ ما كان موافقاً لرواياتنا، كما فعل ذلك وصرّح به الإمام مالك صاحب المذهب ومفتي المدينة وعالم السلطات والحكومات حين فعل ذلك مع الإمام الصادق(عليه السلام)، فقد نقلوا كيف تعامل مالك معه فقالوا: "لم يرو مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بني العباس" (١) ، و"كان مالك لا يروي عن جعفر بن محمّد حتّى يضمّه إلى آخر من أولئك الرفعاء ثمّ يجعله بعده" (٢) ، ويقول فيه إمامهم في الرجال يحيى بن سعيد القطان: "في نفسي منه شيء ومجالد أحبّ إليّ منه" (٣) !! مع اتّفاقهم على ضعف مجالد ووثاقة وإمامة جعفر حتّى قال أبو حنيفة: "ما رأيت أحداً أفقه من جعفر" (٤) .
وكذلك هناك مشكلة عند السنّة مع أهل البيت(عليهم السلام)، وهي أنّهم مع روايتهم القليلة عنهم فهم لا يتّبعون رواياتهم ولا يحرصون على العمل بها إن هم رووها وصحّت عندهم! خذ مثلاً رواية البخاري عن عليّ(عليه السلام) في مسألة شرب الماء من وقوف، فقد كان الإمام عليّ في زمن خلافته الراشدة وكذلك أنكر على البعض
________________________
١- الكامل لابن عدي (٢/١٣١) وتاريخ الإسلام للذهبي (٩/٩٠) وتهذيب الكمال للمزي (٥/٧٦).
٢- نفس المصادر السابقة.
٣- نفس المصادر السابقة.
٤- الكامل لابن عدي (٢/١٣٢)، وتاريخ الإسلام (٩/٨٩)، وتهذيب الكمال (٥/٧٩)، مع أنّهم يقولون عن أبي حنيفة بأنّه أفقه الناس فهو بنفسه يعترف ويقر بأنّ الإمام الصادق أفقه الناس كما نقل الزيلعي ذلك في نصب الراية (١/٣٣): قال ابن الجوزي في (المنتظم): لا يختلف الناس في فهم أبي حنيفة وفقهه، كان سفيان الثوري وابن المبارك يقولان: أبو حنيفة أفقه الناس، وقيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة ؟ فقال: رأيت رجلاً، لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجّته، وقال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، وقال القاضي عياض في (ترتيب المدارك): قال الليث لمالك: أراك تعرق؟ فقال مالك: عرقت مع أبي حنيفة، إنّه لفقيه يا مصري.
الذين يتنزّهون عن شرب الماء من قيام فشرب(عليه السلام) قائماً وأخبرهم بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك والرواية في أصح كتبنا (١) ومع ذلك لا نعمل بهذه الرواية، ونأخذ بقول ورواية أنس أو أبي هريرة، فأين اتّباعنا لأهل البيت(عليهم السلام)؟! بل سنّة النبيّ المؤكّدة التي ينقلها سيّد العترة والخليفة الراشد، وفي نفس الوقت نرى أنّ ابن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن يقول في عليّ(عليه السلام): "إذا أتانا الثبت عن عليّ لم نعدل به" (٢) . فلا أدري متى نتّبعهم إذن إن تركنا ذلك مع هكذا حديث؟!
وعندنا مشكلة أخرى مع أهل البيت(عليهم السلام)، وهي كوننا جعلناهم في عزلة وفي محل ريبة وشبهة، ولا نروي عنهم هكذا وإنّما بتحرّز واختيار وعند موافقة رواياتهم(عليهم السلام) لرواياتنا، وفي الظرف الذي نريده نحن وليس مطلقاً، وهذا أمر غريب وتصرّف فريد لم نفعله مع راوٍ آخر أبداً!! فكما ذكرنا: (لم يرو مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بني العباس)، وكذلك (لم يرو عنه حتّى يضمه إلى رجل من أولئك)!! وأبو حنيفة يتّفق مع أبي جعفر المنصور على الإمام الصادق(عليه السلام) ليحرجه ويقلل فتنة الناس وحبّهم وإعجابهم وانبهارهم به التي كان أبو جعفر يشكو منها ويتضايق من ثبوتها للإمام الصادق(عليه السلام)، حيث روى أئمة السنّة قصة جميلة ومهمّة جدّاً وتكشف عن واقع أئمة وعلماء أهل السنّة وتعاونهم مع الحكومات ضدّ أهل البيت(عليهم السلام)!
فقد رووا ومنهم ابن عدي بسنده إلى حسن بن زياد يقول: سمعت أبا حنيفة، وسئل من أفقه من رأيت؟ فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد لمّا أقدمه المنصور الحيرة بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له
________________________
١- صحيح البخاري (٦/٢٤٨).
٢- الإصابة لابن حجر (٤/٤٦٧)، والاستيعاب لابن عبد البر (٣/١١٠٤)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر أيضاً (٢/٥٨)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٠/٤٨٦)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٧/٢٩٧).
من مسائلك تلك الصعاب فقال: فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت وأذن لي أبو جعفر فجلست، ثمّ التفت إلى جعفر فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا؟ قال: نعم هذا أبو حنيفة، ثمّ أتبعها قد أتانا، ثمّ قال: يا أبا حنيفة هات من مسائلك سل أبا عبد الله، فابتدأت أسأله قال فكان يقول: في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالَفنا جميعاً حتّى أتيت على أربعين مسألة ما أخرج منها مسألة، ثمّ قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس (١) .
فهذا التعاون بين أئمة السنّة والسلطات الحاكمة ضدّ أهل البيت(عليهم السلام) يثبت بأنّنا غير جادّين في اتّباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كما ندّعي ونزعم، بل يمكن أن يكون الأليق والأصح وصفنا باتّباع الحكومات وأذنابهم!
ولذلك فإنّي أرى بأنّنا لا نستطيع أن نصرّح بذلك فقط، وأمّا واقعاً وفعلاً فأجزم بعدم متابعتنا لأهل البيت(عليهم السلام) وعدم مبالاتنا بهم، بل إنّنا نتّبع ونلتزم كلّ من يبتعد عنهم وندافع عنه ؛ لأنّنا جعلنا أهل البيت(عليهم السلام) مظان فتنة وشبهة وريبة، فمن يقترب منهم أو يروي عنهم سيكون مصيره الإهمال والاتّهام في صدقه ودينه مفارقاً للجماعة!
هذا وقد شكك علماء السنّة إمّا بأئمة أهل البيت(عليهم السلام) أنفسهم، وإمّا طعنوا في الرواة عنهم! حينما وجدوا بأنّ الكثير من رواياتهم لا تتوافق مع رواياتنا وأحكامنا، فمن تجرّأ ولم يعبأ بمنزلة ومقام أهل البيت(عليهم السلام) جرّحهم وطعن فيهم
________________________
١- الكامل لابن عدي (٢/١٣٢) وتهذيب التهذيب للمزي (٥/٧٩) وسير أعلام النبلاء للذهبي (٦/٢٥٨) وتاريخ الإسلام للذهبي أيضاً (٩/٨٩).
مباشرة، كابن خلدون وابن حبان ومالك ويحيى بن سعيد القطان والجوزجاني وغيرهم، ومن تورّع عن ذلك شكك بالرواة عنهم ووصفهم ووصمهم بالكذب، فأضعنا عن طريق هذه الطرق الملتوية والمخفية رواياتهم وعلمهم شئنا أم أبينا.
فقال لي شيخي (أبو دعاء): أكمل وفضفض كلّ ما عندك، وأظهر لنا حقدك وبغضك لأهل السنّة وحقدك عليهم! لا أدري كيف غُسل دماغك بهذا الشكل ومن فعل بك ذلك؟! أنا لا أصدّق ما أسمع!! ولو حكاه لي عنك أيّ شخص آخر ولم أسمعه منك بنفسي فأقطع بأنّي سأكذبّه مباشرة، ولكن مع الأسف قد سمعته منك بنفسي! أنا يائس منك بعد ما سمعته، وسأخبر الإخوة بمقاطعتك حتّى ترجع إلى صوابك ورشدك وما كنت عليه من عقيدة وفكر! أمّا وأنت على هذا الحال فلا يمكننا تقبّل أفكارك أبداً، ولا أقبل مطلقاً أن تكلّم أحد إخوتنا بشيء ممّا قلته لي الآن مهما كان الداعي أو العذر وقد أعذر من أنذر!
هيّا اذهبوا إلى حيث شئتم، فلا أدري ما أقول!! ولكننا قطعاً قد خسرناكم وخسرتمونا مع شديد الأسف، ولكن نقول: بأنّ الله يهدي من يشاء ويضلّ من يريد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
فخرجنا أنا وحارث من بيته مرتاحين مسرورين بدرجة كبيرة لم نكن لنتوقّعها، بل كنّا خائفين قبل المقابلة بدرجة كبيرة وكنّا قلقين ممّا سيفعله بنا لو صارحناه بما عندنا وما في قلبنا! فالحمد لله.
ثمّ جاء دور أصدقائنا من أبناء جامع الفردوس في حي أور والشعب، فقد كنت قد فاتحت أحدهم (المهندس أحمد شفيق) حين جاءني ليتأكد عن بعض ما سمع عنّي من قيامي ببحث ومراجعة بعض مواقف السلف والتفاصيل ومنزلتهم بينهم، فطرق باب منزلي عصراً، فلمّا خرجت إليه ورأيته استغربت كثيراً لمجيئه بمفرده! فهو لم يفعل ذلك من قبلُ أبداً، فعرفت بأنّ الأمر مهم وأنّ الرائحة بدأت تفوح ــ وأنا في الواقع لا أتضايق من ذلك ولا أخاف، بل أفرح كثيراً لمعرفة كلّ الناس بذلك لأنّني أريد لكل الناس الخير والهداية ليروا ما رأيت من نور أهل البيت(عليهم السلام) المخفى علينا والمحجوب عنّا بالدعايات المغرضة والإعلام المضلل ــ.
فتكلّمنا طويلاً أمام باب منزلنا حتّى قمت بإثبات فسق يزيد وجواز لعنه ووجوب البراءة منه، وفسق معاوية لقتاله عليّاً(عليه السلام) ووصف رسول الله(صلى الله عليه وآله) إيّاه وجيشه بأنّهم بغاة وأنّهم دعاة إلى النار ولعن عليّ(عليه السلام) له في قنوته، وما إلى ذلك من قول النسائي فيه، وأمره سعداً وغيره بسبّ عليّ، لأنّ من سبّ عليّاً أو قاتله فهو مبغض له قطعاً، ومن أبغضه فهو منافق بنصّ حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي يرويه مسلم في صحيحه، وبالتالي فأنا ممّن ثبت عندي فسق معاوية والبراءة منه وحتى إمكانية لعنه اقتداءً بأمير المؤمنين(عليه السلام)!
فأجابني صارخاً منفعلاً مهدداً بعد أن ساق قوله تعالى: {مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ
الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُـّلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (١) : إن سببت معاوية سأسبُّ عليّاً فكلاهما صحابة وما الفرق بينهما والله تعالى يقول: {وَكُـّلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (٢) !!
فقلت له: عجيب أمرك والله! أنت تتولّى معاوية وتدافع عنه مع أنّه لم يثبت في فضله شيء مع ما غيّره من الدين، وما بدّله من الشرع المبين، وما بذله ترغيباً وترهيباً لأجل وضع الأحاديث والكذب على رسول ربّ العالمين(صلى الله عليه وآله)! مع خروجه على إمام زمانه الذي أجمع عليه المسلمون من الأنصار والمهاجرين، وحربه له وقتل آلاف المسلمين، وزعيم الفئة الباغية بنصّ النبيّ الأمين(صلى الله عليه وآله)، ثمّ تأتي وتقارنه برجل هو من رسول الله بمنزلة هارون من موسى، وهو باب مدينة العلم، وأوّل الناس إسلاماً، والذي تربى منذ صغره في حجر وأحضان رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فتأتي وتقارنه بالطليق ابن الطلقاء ألا تتق الله!! أيُّ دين هذا؟! وكيف ستقابل الله تعالى؟
فودّعني وهو مغضب ودون أيّ جواب!
وبعد ذلك أخبرني صديقنا الثالث (أديب) بأنّ (المهندس أحمد) قد أتاه بعد مناقشته لي متألّماً شاكياً ممّا صدر منه بفلتات لسانه من قوله في عليّ أمير المؤمنين، فأخبرني (أديب) بأنّه قال له: هل تعلم بأنّ عبد الحميد أفضل منك! فلو قبض الله تعالى روحيكما حينها لذهب هو إلى الجنّة وأنت إلى النار ؛ لأنّه حين تكلّم تكلّم عن دليل تابعه في قوله في معاوية، ومعاوية ليس من الدين في شيء ولم يرد في حقّ من لا يحبّه شيء، أمّا أنت فقد تجاوزت حدود دينك، وقلت ما لا دليل عليه، بل الدليل على خلاف قولك، وبالتالي فسوف يُعذر هو ولا تعذر
________________________
١- الحديد: ١٠.
٢- الحديد: ١٠.
أنت أمام الله تعالى، فاستغفر ربّك وتب ممّا صدر عنك، ولا يأخذك الغضب والهوى إلى معصية الله تعالى وقول الباطل وإن لم تقصده.
وبعد مدّة ذهبنا أنا و(حارث) إلى (أديب) نفسه بعد أن دعانا للحضور عنده، وكان عنده (مهندس أحمد) نفسه الذي جاءني إلى بيتي وناقشته في معاوية ويزيد، ووجدنا عنده أيضاً (تحسيناً) صديق (أحمد) وأخاً (لأديب) اسمه (حكيم)، فتكلّم (أديب) بأدب رفيع كعادته وبهدوء تام بعد أن قلب بعض الكتب التي كانت أمامه من مجموع الفتاوى لابن تيمية، فأخرج لنا أحد أجزائه فقرأ علينا ما معناه: إنّه يجب الاعتقاد بأفضلية أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ، وهذا الترتيب أصبح ضرورياً لحصول الإجماع عليه فتفضيل أبي بكر وعمر على عليّ أهم من التفضيل بين عثمان وعليّ ؛ لأن المهاجرين والأنصار أجمعوا على تفضيلهما عليه (١) ، وقال: من فضّل عليّاً على الشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار!!
فقلت لهم: أنا لحدّ الآن لم أبحث مسألة تفضيل عليّ على الشيخين وإنّما أعتقد فيما بيني وبين الله بأنّ عليّاً لا يمكن أن يقرن بعثمان وفضل عليّ عليه عندي أوضح من الشمس في رابعة النهار!
فأجابني: هذه المسألة ليست هي بأهمية الأولى ؛ لأن الكثير من السلف وخصوصاً أهل الكوفة يفضّلون عليّاً على عثمان! فلا تعتبر بدعة عمّا كان عليه السلف ولا تُعدُّ من مختصّات الشيعة أو الرافضة أبداً، مع أنّ ابن تيمية كما قرأنا قبل قليل ادّعى الإجماع على تفضيل عثمان، وأنّ بعض الأئمة من الكوفيين رجعوا عن قولهم ووافقوا الأمّة فانعقد الإجماع! وعلى كلّ حال فهذه مسألة
________________________
١- راجع مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/٢٢٢ـ٢٣٠) فهو يختلف قليلاً عمّا نقلته عنه حسب ما أذكر.
يمكن النزاع فيها بخلاف الأولى.
أمّا بالنسبة إلى الكلام في معاوية ويزيد فلا يقبل أهل السنّة الكلام في معاوية مطلقاً ؛ لأنّه صحابي، وقد قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُـّلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (١) .
قلت له: إذن يجب أن نتكلّم في مسألة عدالة الصحابة عموماً أو في عدالة معاوية خصوصاً، أمّا معاوية فيكفيه عندي أنّ الإمام النسائي وغيره قد قالوا بأنّه لم يثبت في فضله شيء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى ذكره البخاري في صحيحه بقوله باب في ذكر معاوية ولم يقل في فضل معاوية وهذه إشارة منه إلى ما قلناه!
ثمّ إنّ هذه الآية تتكلّم عن المخلصين المؤمنين المستحقين للثواب، أمّا المنافقون والمرتدون والفاسقون فلا يمكن أن يعدهم الله بالحسنى وهم مسيؤون، فأين العدالة الإلهية وأين الإنصاف؟! بالإضافة إلى عدم استدلال معاوية أو أحد من حزبه بهذه الآية، مع كونهم هم من نزلت عليهم هذه الآيات وهم أعرف بمواضعها ومقاصدها! فلماذا الدفاع عن هؤلاء الطلقاء بأكثر ممّا هم دافعوا به عن أنفسهم؟!
وكذلك عندي بأنّ معاوية حارب الإمام عليّ(عليه السلام) وخرج عليه دون وجه حقّ.
قال لي أديب: كان متأوّلاً، أيّ: مجتهداً مخطئاً فله أجر واحد بحسب القاعدة والحديث الشريف!
فأجبته: نعم، كلامك صحيح إن لم يثبت لنا العكس فقد قال فيه رسول الله: (يا عليّ سيقاتلك من بعدي الناكثون والقاسطون والمارقون)، وقال فيه أيضاً: (ويح عمار
________________________
١- الحديدة: ١٠.
تقتله الفئة الباغية)، وصرّح أكثر وبيّن بأنّه لم يكن مجتهداً مأجوراً، بل كان قاصداً للبغي والظلم والخروج فوصفه بأنّه داعية إلى النار، فكيف يكون الباغي والقاسط والظالم والداعي إلى النار عادلاً ومأجوراً وفي الجنّة وموعوداً بالحسنى؟
قال: من أين لك بأنّه داعية إلى النار؟
قلت: حديث البخاري في عمار وقول رسول الله(صلى الله عليه وآله) له: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار)(١) ، فهذا نصّ صحيح صريح ينصّ على أنّ معاوية وجيشه وحزبه دعاة إلى النار، وأنّ عليّاً وحزبه وجيشه دعاة إلى الجنّة، هذا نصّ الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وهذه حجّتي أمام الله تعالى في معاوية.
فكفاكم التواءً على النصوص بجعل معاوية كما قال لي أحد الأخوان من قبل: "هو الباب الذي ينبغي أن لا يكسر للحفاظ على عدالة الصحابة فلو كُسر وصل الشيعة إلى أعلى الهرم"!
وأمّا يزيد الخمِّير السكيِّر الذي قتل الحسين سيّد شباب أهل الجنّة وسبط رسول الله وريحانته من الدنيا، وقتل وقاتل أهل المدينة وروَّعهم واستباح أهلها وحرمها، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيها: (لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلاّ أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء) (٢) ، وهدم الكعبة وحرقها مع موته بأشنع ميتة وهو شاب بعد أعماله تلك بأشهر قليلة، ومع كلّ ذلك نتوقّف فيه ونتولاّه وندافع عنه لأجل حديث مكذوب نحاول تطبيقه عليه وإقحامه فيه والإصرار على ذلك، مع أنّه لا ينطبق عليه! بل الراجح والمقطوع عند المحققين
________________________
١- صحيح البخاري (١/١١٥) وغيره.
٢- صحيح البخاري (٢/٢٢٢) ومسلم (٤/١١٣،١٢٢).
والمنصفين بأنّه لا يمكن أن ينطبق عليه، إذ ما خصوصية غزوة لبحر أو مدينة لم تفتح أصلاً حتّى يستوجب الجيش كلّه الجنّة بذلك أو تغفر ذنوبهم جميعاً وإن حاربوا الإسلام وهدموا أركان الإيمان؟! بل لو فتحتْ ماذا يعني ذلك أصلاً؟! وكم من مرّة غزيت وفتحت البحار أو مدن الروم فلا ندري ماذا يعني غزوها أو فتحها أوّل مرّة أو آخر مرّة؟ ولذلك لو قلنا بصحّة هذا الحديث وانطباقه على الإمام الخليفة الراشد الهادي المهدي(عجل الله تعال? فرجه الشر?ف) الذي ادّخره الله لهذه الأمّة كان ذلك مقنعاً، لوجود حكمة من الإشارة إلى فضيلة عظيمة للإمام المهدي(عجل الله تعال? فرجه الشر?ف)، وهي ثابتة له ولا يحتاج لفتح القسطنطينية أو غزوها كي يمدح أو تثبت عدالته وخلافته إلى أفضلية، بل هي ثابتة له بفتحها أو دون ذلك، فيكون الحديث الشريف فيه إشارة إلى أفضلية الإمام وعظمته وثوابه وثواب جيشه وأفضلية أولئك الناس الذين يقاتلون تحت يديه في آخر الزمان، ولكان ما قلناه أقرب للواقع وموازين الشارع.
ولذلك قال أكثر العلماء بعدم إمكان انطباق هذا الحديث على يزيد، بل عدم كونه أوّل من غزا البحر أصلاً! فانظر ــ أخي المنصف ــ كلام المنصفين والمحققين عسى أن تتضح لك الأمور.
قال العيني في عمدة القاري: "والأصح أنّ يزيد بن معاوية غزا القسطنطينية في سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سيّر معاوية جيشاً كثيفاً مع سفيان بن عوف إلى القسطنطينية فأوغلوا في بلاد الروم، وكان في ذلك الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وتوفي أبو أيوب في مدة الحصار، قال صاحب (المرآة) قلت: الأظهر أنّ هؤلاء السادات من الصحابة كانوا مع سفيان هذا ولم يكونوا مع يزيد بن معاوية، لأنّه لم يكن أهلاً أن يكون هؤلاء السادات في
خدمته وقال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية ؛ لأنّه أوّل من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد؛ لأنّه أوّل من غزا مدينة قيصر.انتهى. قلت(العيني): أيُّ منقبة كانت ليزيد وحاله مشهور؟ فإن قلت: قال(صلى الله عليه وآله) في حقّ هذا الجيش: مغفور لهم، قلت (العيني): لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص، إذ لا يختلف أهل العلم أنّ قوله(صلى الله عليه وآله): مغفور لهم، مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتّى لو ارتد واحد ممّن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم، فدلّ على أنّ المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم" (١) .
وكذلك قد يكون هو وأزلامه من وضعه خصوصاً أنّ رواته من أهل الشام، وأحد رواته هو ابن الأسود العنسي المتنبيء الكذّاب مدّعي النبوّة، فكيف نترك المحكمات ونأتي نلهث خلف المتشابهات الواضح عليها الكذب والتحريف، والتي يرويها أناس مشبوهون؟! فحديث ابن الأسود العنسي عن أم حرام يرويه أنس عن أم حرام بلفظ آخر غير هذا وليس فيه (أنّهم مغفور لهم) كما سنذكره.
فحديث البخاري ينفرد بروايته عمير بن الأسود العنسي عن أم حرام ونصّه: (أوّل جيش من أمّتي يغزون البحر قد أوجبوا... أوّل جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم) (٢) ، فهو نسخة محرّفة ومعدلة عن حديث أنس! والذي يرويه البخاري ومسلم بعدّة طرق عن أنس عن أم حرام أيضاً ونصّه:
عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت: (نام النبيّ(صلى الله عليه وآله) يوماً قريباً منّي ثمّ استيقظ يتبسّم فقلت: ما أضحكك قال: أناس من أمّتي عرضوا عليَّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرّة قالت: فادع الله أن يجعلني منهم
________________________
١- عمدة القاري (١٤/١٩٨).
٢- البخاري (٣/٢٣٢).
فدعا لها، ثمّ نام الثانية ففعل مثلها فقالت مثل قولها فأجابها مثلها فقالت: أُدعُ الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأوّلين، فخرجتْ مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً أوّل ما ركب المسلمون البحر مع معاوية فلمّا انصرفوا من غزوهم قافلين فنزلوا الشام فقرّبت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت) (١) ، فهذا حديث أم حرام ــ مع ما فيه من غرابة ونكارة ــ فليس فيه مدح ولا أنّهم أوجبوا ولا أنّهم مغفور لهم كما ترى!!
ثمّ إنّ الحديث المحرَّف عنه أيضاً ليس فيه تصريح بمدح أمير الجيش وقائده، ولا لزوم إرادة العموم منه، كما صرّح بذلك بعض علماء السنّة على ما ذكرناه، فكيف نجازف ونخالف كلّ هذا، وندافع عنه وكأنّ أمر دخوله وقصده بالحديث مفروغ عنه؟! فما يكون سنده بهذه الحالة من انفراد الشاميين (النواصب) بروايته هكذا ومخالفتهم لروايات غيرهم، ووجود ابن الأسود العنسي بين الرواة وهو موظّف شامي وقاضي عند السلطة الشامية ومخالفته لرواية أنس عن خالته أم حرام، وتوفّر دواعي كثيرة لوضع الحديث وتحريفه لتحسين صورة خليفة أهل الشام وملكهم وابن ملكهم الذي أفسد وأجرم بحقّ العباد والبلاد، مع وجود الدواعي من نفس يزيد لوضع هكذا حديث وفضيلة تغطّي على جرائمه، كلّ ذلك يدلّ على عدم صدوره ووضعه!
ثمّ إن صحّ مدح جيش يفتح القسطنطينية فإنّما يليق أن يقصد منه غير أمثال يزيد قطعاً، وإنّما هو ينطبق على الإمام المهدي(عجل الله تعال? فرجه الشر?ف) وجيشه الذي سيمثّل الإسلام الحقيقي من نبعه الصافي في آخر الزمان بحسب الروايات الصحيحة والمتّفق عليها، فالحديث الصحيح الذي يحكي فتح القسطنطينية ويمدح فاتحيها ورد بلفظ: (لتفتحن القسطنطينية
________________________
١- راجع صحيح البخاري (٣/٢٠١، ٢٠٣) و(٧/١٤٠) و(٨/٧٣)، وصحيح مسلم (٦/٤٩،٥٠).
فنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) (١) ، وورد حديث آخر بأنّ ذلك الفتح يكون قبل قيام الساعة فورد بلفظ: (عمارة بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب حضور الملحمة وحضور الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال) (٢) .
فجزمت بأنّ هذا الحديث قد حرّفته السلطات الأموية وتلاعبت به وجعلته ينطبق على يزيد ليقلل من سخط واستياء الأمّة منه ومن أفعاله الشنيعة التي لا يمكن لأَحد الاعتذار منها أو تبريرها، فجعلوا هذا الحديث ينطبق عليه لكي يقول الناس ــ بعد أن يقعوا في الحيرة والشك ــ ما قلته أنت تماماً يا أخي العزيز، وما كنت أقوله وأردده أنا أيضاً من إنكار أعماله واستشناع أفعاله! ولكن لورود النص فيه من المعصوم وصاحب الشأن بأنّه مغفور له فما الذي بأيدينا نستطيع فعله مع وجود النص؟ وما الذي نستطيع فعله في هذه الحالة؟ هل نحن أحرص على الشرع من صاحبه؟ ولذلك أوجبنا على أنفسنا الدفاع عنه والاعتذار له دون خجل أو وجل أو حياء أو رادع! فهذا ما أرادوه حينما وضعوا مثل هذه الأحاديث المزوّرة والمكذوبة والمحرّفة ليضلّوا عن سبيل الله، فالله حسيبهم.
هذا هو قول السلفيين وبعض أهل السنّة في يزيد اللعين، وهذه هي عقيدتهم بالملوك والحكومات وأعداء أهل البيت(عليهم السلام) عموماً، فهم يحاولون تبرير جرائمهم الشنيعة مهما عظمت. ألمثل يزيد نحاول أن نعتذر ونتمنّى له الجنّة؟! إذن فعلى الإسلام السلام إن جُعل أمثال يزيد من أهل الجنّة ومن الأبطال المرموقين الممدوحين.
________________________
١- مسند أحمد (٤/٣٣٥)، والحاكم في المستدرك (٤/٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي، والهيثمي في مجمع زوائده (٦/٢١٨) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات.
٢- مسند أحمد (٥/٢٣٢،٢٤٥)، وسنن أبي داود (٢/٣١٢)، وسنن الترمذي (٣/٣٤٦) وحسّنه وفيه (في سبعة أشهر)، والحاكم في مستدركه (٤/٤٢٠) وقال: صحيح موقوف ووافقه الذهبي.
أنا أستغرب وأستهجن مثل هذا التفكير الغريب، والاعتقاد السقيم، والتبرير للمفسدين بهذه الصورة، مع وضوح فسادهم وإفسادهم!! مع أنّ الكثير من أئمة أهل السنّة تبرّأوا من يزيد وأجازوا لعنه، كإمام أهل السنّة أحمد بن حنبل والقاضي أبو يعلى وابن الجوزي والعلاّمة التفتازاني والسيوطي وغيرهم، فلا أدري لِمَ لم نطع الإمام أحمد ونتّبعه في هذه المسألة؟! وقد أطعناه في كلّ شيء حتّى جعلناه دون غيره إمام أهل السنّة دون منازع! فقد روى عنه ابنه عبد الله براءته من يزيد وتجويزه لعنه.
فقال كما رواه ابن تيمية وغيره: ولهذا قيل للإمام أحمد:.... وقيل له: إنّ قوما يقولون: إنّا نحب يزيد فقال: وهل يحبُّ يزيدَ أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقيل: فلماذا لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحداً (١) .
وكذلك ابن الجوزي الحنبلي المتشدد قد ألّف كتاباً في الردّ على عالم حنبلي متعصب لا يرضى بلعن يزيد فأسماه (الردّ على المتعصّب العنيد المانع من لعن يزيد).
ومع كلّ ذلك فإنّنا ندافع بضراوة وبكل ما أوتينا من قوّة عن هذه الحثالات! فكيف ندّعي بأنّنا أصحاب الحقّ والفرقة الناجية؟! فهل يزيد ومعاوية وعمرو بن العاص هم أبطال ومؤسسي الفرقة الناجية؟! إذاً فعلى الفرقة الناجية السلام.
إنّي أعتبر الأخ (أديب) من أفضل وأنصف وأعقل الشخصيات السنّية التي التقيتها على الإطلاق، فأديب هذا رغم كونه سلفياً ولكنه منصف لدرجة أنّه كان يشجّعني على القول بتفضيل عليّ على عثمان، وكذلك المسح على الأرجل في الوضوء، ويقول لي: امسح ولا تخف فلك سلف في ذلك فهو مذهب ابن جرير
________________________
١- رأس الحسين لابن تيمية ( ٢٥٠).
الطبري أو على الأقل إنّه يقول بالتخيير، ومن ثمّ قد أضع الشيخ عداب محمود الحمش من بعده لفضله عليّ بإيقاده أوّل شرارة في عقلي وقلبي ونفسي لأبحث عن أهل البيت(عليهم السلام) وإعادة حساباتي ومنهجي السابق ورجوعي إلى العقل والدليل دون هوى أو تعصب أو تشدد، حيث نبّهني لما فعله الشيخ الألباني الذي كنت أحبّه كثيراً.
فالله أسأل أن يهدي هذين الشيخين، ويوفّقهما إلى ما يحبّ ويرضى فإنّهما أهل لذلك، والله العالم بسرائر الأنفس والقلوب، ولا نزكّي على الله أحداً.
وفي المقابل وبعد نقاشي مع الأخ (أديب) حصلت لي مشكلة مع أحد مشايخ مسجدنا وجامعنا، وهو شيخ علي (وكنت أسمّيه علي شريعتي وبموافقته طبعاً) وهو خريج كلية الشريعة، وكنت قد خطبت شقيقته في هذه الفترة فتردد كثيراً بعد أن كان يرغب بذلك ؛ لأنّه وعائلته كانوا يحترمونني كثيراً جدّاً، حتّى صرّح لي حين اعتذاره لي وتبريره لعدم قبوله بي زوجاً لكريمتهم وأخبرني بأنّ جميع أفراد عائلتهم من صغيرهم إلى كبيرهم يبدون معزّتي ومحبّتي إلى درجة أنّهم لا يفضّلون عليّ إلاّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)! وأعتقد بأنّه كان يجاملني وخصوصاً أنّه رفضني بسبب معاوية ويزيد، فأيّ حبّ وتفضيل بقي لي وهو يزعم أنّه يفضّلني عليهما وهو في نفس الوقت يرفض ارتباطي بهم لأجلهما؟!
وعلى كلّ حال قال لي (شيخ علي) بأنّه سأل عنّي وأنّني أرفع شأناً وأعلى قدراً من أن يسأل عنّي ــ كما عبّر هو ــ واعتذر عن ذلك بأنّه سمع هنا وهناك كلاماً بخصوص عقيدتي، فأراد أن يستوضح أمري ويتأكّد من جماعتي السلفيين (في جامع الفردوس) كأحمد وأديب فأخبروه بأنّني أفضّل عليّاً وأطعن في معاوية ويزيد ومع أنّه أخبرني بأنّه يكتفي بإنكاري لما سمعه عنّي فقط ولو إجمالاً وتكذيب ذلك وردّه، فيرضى بل يتمنّى ولو ادّعاءً فيصدّقني ويتمّ الأمر، فتحيّرت حينها والله في جوابه ورأيت بأنني أُخير بين الجنّة والنار، فالمرأة والدنيا كانت في
كفّة وكنت بأمسّ الحاجة إليها بالذات ــ وأحتسب ذلك عند الله ــ والحقّ والدين وأهل البيت(عليهم السلام) كانوا في الكفّة المقابلة، فلا أدري كيف يتوقّع أحد أن تترجح عند مسلم مؤمن عاقل كفّة المرأة والدنيا على كفّة أهل البيت(عليهم السلام) والجنّة؟ فأبيت وقررت مصارحته لا بل ودعوته ودون أيّ تقية ففتحت الكلام معه وأقمت الحجّة عليه، فغادرني متألّماً ومعتذراً بأنّه لا يمكنه أن يأمن على عقيدة كريمتهم بعد ما سمعه مني، وأخبرني بأنّه سيكون بانتظاري بفارغ الصبر لعلّي أرجع عن أقوالي فأعود إلى رشدي وصوابي ــ كما يزعم ويظن ــ وأغيّر رأيي وأرجع إلى ما كنت عليه.
بعد ذلك تسرّب خبر استبصارنا أنا وحارث إلى أكثر من شخص وجهة، حتّى أرسل إمام المسجد الشيخ عبد الوهاب العبيدي الأعظمي أحد أبناء المسجد وهو (أبو حذيفة) إلى حارث لدعوتنا إلى تحقيق خاص معنا، ومحاكمة سيقوم بها شيخ الجامع بنفسه ومن معه لمعرفة حقيقة عقيدتنا وكشف أمرنا واتّخاذ اللازم بحقّنا وحسم أمر تواجدنا معهم في المسجد واختلاطنا بهم، لإحساسهم بخطورة الأمر وخصوصاً بعدما قمت بالكلام مع أكثر من شخص من روّاد المسجد بعد حارث، مثل ماجد، ونزار، وحسام، ومصطفى، وهشام الشيعي الأصل، وعلي عضلات الكردي، ومحمّد أبي خباب التكريتي، ومحمّد السوداني، وقاريء القرآن الشهير محمّد ناصر، وطالبي كلية الشريعة علي سري وعلي حسين (شريعتي)، والدكتور عمار، وغيرهم ممّن لا أتخطّرهم الآن.
وأعتقد بأنّ مفاتحتهم صديقي (حارث) بشأن المحاكمة كان لغاية! وهي تجريدي عن كلّ من حولي لأبقى وحيداً فأعود إلى ما يريدون ويرغبون، فهذا هو أسلوبهم وقد استخدموه معي مراراً لكوني مخالفاً لهم في الاتجاه، وكوني سلفياً وهم من الإخوان، وقد ذكر لي غير واحد ممّن أقنعته بالسلفية سابقاً بتحذيرهم له حينها من التكلّم معي والاقتراب منّي كما فعلوا مع محمّد (من السودان) الذي أخبرني بذلك مستغرباً مستهجناً، بل قال لي بأنّه عاندهم وخالف
وصيتهم فلازمني بسبب وصيتهم تلك! وقال لي: أنا ازددت يقيناً بأنّهم ضعفاء ولا يستطيعون الصمود أمام أدلّتك بأسلوبهم ذاك فهو أسلوب الضعفاء، فقطعت بأنّ عندك شيئاً لا يملكونه فاستخدموا أسلوباً غريباً، ولكنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فلم يتُمّ الله لهم ما أرادوا، ولم يتزعزع حارث عمّا توصّل إليه ورآه من الحقّ بدليل وإخلاص وتروّي، ولذلك فشلوا وصرفهم الله تعالى عن محاكمتنا المزعومة!
من سخريات القدر وفي أحد الأيام حصل أمر عجيب وغريب معي، حيث استعان بي أحد رجالات مسجدنا لأردّ على رجل شيعي، مع أنّهم قد علموا بتشيّعي الذي سميّته لهم بحثاً، وبعد أن حاولوا محاكمتي قبل أيام قلائل، وذلك حين طرق باب بيتنا صباحاً رجلٌ كان أحد مساعدي ونواب إمام مسجدنا وهو (منير العبيدي) مصطحباً معه رجلاً عرَّفني عليه واسمه (أبو أكرم) ادّعى منير أنّه ابن خالته أو ابن عمّته وأنّه إمام مسجد في قرية شيعية تسمّى (الجلاعطة) تقع في ناحية الراشدية بأطراف بغداد الشمالية الشرقية، كان قد تحرّك عليها الشيخ منير لكونه من أقرباء أهالي هذه المنطقة، فساهم في بناء مسجدها، فكان يأخذ بعض شباب مسجدنا لبناء ذلك المسجد مجاناً (عونة)، ويتوسّط هو وصديقه (حاج فاضل) في مديرية الأوقاف الصدامية لتوفير الأموال والمواد لإتمام بنائه، وكان يعمل ذلك كلّه من أجل شيء خطير وهو تغيير أبناء تلك المنطقة ومحاولة تحويلهم عن مذهبهم الذي تركه هو وعائلته من قبل، فكان يتقدّم لإمامتهم في الصلاة حينما يكون موجوداً في المسجد، وكذلك جعلهم يصلّون في خمسة أوقات ويتركون الشهادة لعلي(عليه السلام) وقول حي على خير العمل في أذانهم وإقامتهم، ويصلّي بهم صلاة الجمعة، ويعطيهم دروساً ــ عفواً قصصاً ــ بعد الصلوات وما إلى ذلك.
فأتاني منير بهذا الشخص لكونه مثقفاً ومسؤولاً عن المسجد، ولكونه إمام المسجد في الواقع وفي حال عدم تواجد منير، ولكونه كان يخالفه الرأي في بعض ما يطرحه في المسجد ويعارضه بذكر بعض الأحاديث الموجودة في كتب وصحاح أهل السنّة في المسائل الخلافية والتي تدعم وتؤيّد ما يذهب إليه الشيعة، كحديث الجمع بين الصلاتين والمتعة والطلاق بالثلاث وغدير خم ورزية يوم الخميس وتوديعهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله) برميه بالهجر ومنعه من كتابة وصيته وما إلى ذلك، فأخبره باختصاصي بالردّ على الشيعة واطّلاعي على هذه المسائل بصورة تفصيلية ودقيقة وأنّ لديّ بحث عن أهل البيت(عليهم السلام).
فتوجّست منهم خيفة، وقلت في نفسي: إنّها عبارة عن تمثيلية من قبل منير وإمام المسجد لاختباري والتأكّد من حالي وحقيقتي لينكشف أمري لأُطردَ من المسجد، أو يسلِّموني إلى الأمن الصدّامي الذي لا يرحم والذي يفرح كثيراً بمثل هذا الصيد السهل وهذا الرزق المجاني ويتمنّاه ويحلم به، فترددت كثيراً جدّاً في الكلام معهم والجواب عليهم، ولكنني أيضاً رأيت نفسي أُخيّر وأُختبر من الله تعالى مرّة أخرى عن درجة يقيني وإخلاصي للحقّ والاستعداد للتضحية في سبيله، فقلت في نفسي: (هي موتة أو موتتان؟!) فقررت بأن أجيبهم بصراحة لعلّهم يكونوا صادقين في كلامهم ودعواهم فتتضرر قرية بأكملها وتتغيّر وتترك مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بسببي وبسبب تفكيري بالحفاظ على نفسي، فأجبته عن كلّ مسألة بما يتوافق مع قول الشيعة والردّ على رأي السنّة في هذه المسائل وبكلّ قوّة، حتّى شعرت بتوفيق وتأييد إلهي في حضور الجواب والأدلة والسحر في البيان وترتيب الكلام والبديهية والتنقّل بين الأدلة والمواضيع برشاقة ووضوح، حتّى استشاط مهندس منير غضباً وقعد في الشارع بعد أن كان واقفاً، ضارباً رأسه بيديه صارخاً:
"أردتك عوناً فطلعت فرعون" (١) !! فضحكتُ حينها وانشرح صدري لما أدّيته ووفقني ربّي على فعله حتّى اطمئننت بأنّه لا يمثّل عليَّ ولا يبغي اختباري أو جرّ لساني، وإنّما هو فعلاً في مشكلة حقيقية وحاجة ملحّة بحيث ألجأته إلى أن يقصدني دون غيري، والمجيء إليَّ وإلى بيتي من الصباح الباكر ليرد على رجل من أقربائه، ولكنه كان مضطراً لذلك لكوني أكثرهم خبرة بالخلافيات مع الشيعة وأشدّهم عليهم مع معرفتهم بما جرى لي، وقد أكون غيّرت مذهبي وانتمائي ولكنني لم أكن بعد قد أظهرت لهم ذلك (٢) ، فأراد أن يستغل هذه النقطة ويحرجني كي أجيبه بما يناسبه ولا يمكنني حينها أن أجيبه بما أعرفه حقّاً وما جعلني أغيّر مذهبي؛ لكثرة الكلام عنّي حينها وانتشار خبري وأمري مع إنكاري ظاهراً لتشيّعي، فاعتقدَ بأنّني مضطر في مثل هكذا ظرف للتقية ولإخفاء وإنكار كلّ ما يثير الشبهة حولي، وحينها سيضرب عصفورين بحجر واحد، ولكنني رفضت الرضوخ لظنه ومراده، وقرَّرت التصدّي له مهما حصل لي ؛ لأنّ سكوتي حينها سيؤدّي إلى أن أكون مُعيناً وسبباً لإضلال غيري، بل الكثير من الناس بسبب خوفي على نفسي، فارتأيت المواجهة ووفّقني ربّي لأكون شجاعاً حينها وعلى قَدَرِ تلك المسؤولية، فنجحت وخابوا بحمد الله تعالى وتوفيقه.
وفي تلك اللحظات جرت إرادة الله تعالى وأمره وقضائه، فمرّت من أمامنا سيارة وإذا بمنير يصرخ مهرولاً: توقّف! توقّف! ثمّ أخبرنا بأنّه منذ ثلاثة أيام يبحث عن هذا الرجل ولم يجده، فاستأذن منّا وأدار محرّك سيارته وانطلق ليلحق
________________________
١- هذا مثل عراقي، يقال في حقّ من تأتي به ليعينك فينقلب ضدّك، ويكون موقفه ودوره بعكس ما تتوقع.
٢- وقد أخبرني الشيخ أبو أكرم فيما بعد أنّ الشيخ منير قد جاء به لي على أساس أنّ لي بحثاً موسّعاً في مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الحقيقي.
تلك السيارة، وترك قريبه معي وطلب مني إكمال الجواب عن أسئلته عسى ولعل!
فرجع الشك إلى قلبي! وازددت تأكّداً بأنّه جاء ليختبرني ؛ لأنّه زعم بأنّه أتى بهذا الرجل لكي أقنعه بأنّ حجّة الشيعة ضعيفة وأنّ الحقّ مع منير والسنّة، وأنّ الجمع بين الصلاتين لا يجوز أو على الأقل لا يجوز اتّخاذها عادة، وكذلك غيرها من المسائل التي طرحوها عليَّ، أمّا أن يذهب ويتركه معي مع عدم معرفتنا ببعضنا وبعد أن أجبته بإجابات خطيرة لم تَرُقْ له ولم يكن يتوقّع صدورها عنّي في ذلك الظرف الذي كنت فيه من تسرّب الكلام حول تشيّعي والشك في عقيدتي فلا يمكن أن يفعله لو كان عنده مثقال ذرة عقل وهو شيخ ومهندس! فكم تحيّرت وشككت وترددت حينها في أمر هذا الرجل!! ولكنني استعنت بالله تعالى ليخلّصني وينقذني من هذا الموقف العصيب.
فسألت (الشيخ أبا أكرم) عن الحقيقة، وجعلته يقسم لي بقسم خاص بالشيعة لا يمكن أن يفعله السنّي كي أتأكّد من صدقه وتشيّعه، بعد أن أقسم بالله تعالى بأنّه فعلاً إمام مسجد شيعي وأن شيخ منير هو ابن عمته وأنه يتناقش معه باستمرار ويعترض عليه ويخالفه لوحده هناك في تلك القرية وذلك المسجد الفتي، الذي بسبب صعوبة بل استحالة بنائه في زمن الطاغية قد تقبّلوا منير ومن على شاكلته ليفعل بهم ما فعل ويصلّي بهم ويأمرهم بالتفريق بين الصلوات وعدم الشهادة لأمير المؤمنين بالولاية وهم كارهون، فصدّقته حينها واطمأننت لقوله ورجع لي اعتقادي السابق وجزمي، فانهلت عليه مباشرة بكلام شديد ووجّهت له كلاماً جارحاً، وهو فاتحاً عينيه وفمه مستفهماً عمّا يجري، متعجباً من طريقة كلامي معه!! ما الذي يجري؟! ما الذي يحدث؟! هو لا يعرفني سابقاً وليس بيني وبينه مشكلة فلماذا هذا الصراخ في وجهه؟! ولماذا يوجه له هذا الكلام الجارح؟! وما
المناسبة لكي أتجرّأ عليه أكثر من منير ابن عمّته والمتفضّل عليه ببناء مسجده؟!
فسألني: يا أخي ماذا يجري؟ كيف تتكلّم معي الآن بهذه اللهجة؟!
فقلت له: هل تعلم لماذا تكلّمت بهذا الكلام وهجمت عليكم هذا الهجوم؟
قال: لا، لم أفهم أيّ شيء!
قلت له: لماذا أتى بك منير إليَّ؟
قال: لكي تقنعني بمذهبكم وأتخلّى عن نقاشه وإلى الأبد.
فقلت له: أتعلم بأنّي سنّي سلفي وهابي متخصص بالرد على الشيعة؟
قال: نعم، عرفت ذلك، ولذلك جاء بي شيخ منير إليك ولكنه أخبرني بأنّك تبحث عمّا يتعلّق بأهل البيت(عليهم السلام) والشيعة عموماً!
قلت له: بل أنا قد تركت مذهب السنّة وأصبحت شيعياً بعد بحث عميق وعلمي! وأنتم الشيعة تتنازلون عن عقائدكم وكيانكم ووجودكم! أليس لي الحقّ بأن أغضب وأتكلّم عليكم بما سمعتَ منّي؟
قال: بلى، ولكن أعد عليّ ما قلته بالله عليك.
فأعدت عليه كلامي وخبر تشيّعي فاحتضنني وقبّلني وفرح بي كثيراً حتّى دمعت عيناه.
وقال لي: يجب أن تأتي معي الآن إلى القرية فنحن بحاجة ماسة إليك..
فأخبرته بأنّ ذلك أمر مستحيل ؛ لأنّ أمري بدأ يظهر وأنا أخفي وأنكر تشيّعي إلى يومنا هذا ومنير سيأتي للقرية على عادته بل إلى المسجد، فكيف لو رآني هناك عندكم؟! هل ستنقذوني وعشيرتي ممّا سيحدث لنا؟
قال: فعلاً لك الحقّ في كلّ ما تقول، ولكننا محتاجون إليك فعلاً ؛ لأن أهلنا بدأوا يتأثّرون بهؤلاء، وقد تغيّر شخص أو شخصان عندنا.
فقلت له: هوّن عليك وسأعطيك كتباً لتقرؤوها كلّكم وسأبعثك إلى من يكمل لكم المسجد من دون حاجة إلى الأوقاف أو إلى منير وأمثال منير، فدخلت إلى البيت فوراً وأخرجت له بعض كتب التيجاني ومراجعات السيّد شرف الدين، وطلبت منه أن يقرأها هو وجميع شباب القرية المثقفين وطلبة الجامعات والخِرِّيجين، ففرح بذلك كثيراً وافترقنا.
ثمّ عاد لزيارتي مساء ذلك اليوم هو وبعض أبناء القرية وطلبوا منّي مرافقتهم والتزام قريتهم، فبيّنت لهم عذري وأسباب رفضي التي كنت قد بيّنتها سابقاً للشيخ (أبي أكرم)، فقبلوا عذري وغبطوني على تحوّلي وهدايتي وشكروني على ما قدّمته لهم، ثمّ ذهبنا إلى بيت (حارث) فأخذناه معنا إلى بيت الشيخ (أمجد) فأخبرته بخبرهم وذكرت له وضعهم ومشكلتهم واحتياجهم والأمر الذي حصل معي، فطمأنهم بأنّه في خدمتهم وأنّه سيؤمِّن لهم كلّ احتياجات مسجدهم بحيث لا يحتاجون إلى أحد مثل شيخ منير وحجي فاضل والأوقاف، فتخلّصوا من وصايتهم وشروطهم ورحمتهم في ذلك الوقت، فتلك الفترة قد انتهت وولّت إلى حيث لا رجعة إن شاء الله تعالى، فاستبشروا.
وبعد أن ذهبوا، شكرني الشيخ (أمجد) على موقفي مع منير (والذي تبيّن لي بعد ذلك بأنّه كان زميلاً له في الجامعة التكنولوجية) وأوصاني بالحيطة والحذر منهم.
وبعد ذلك أكمل الشيخ المشوار معهم ولم يقصّر في سعيه لهم لإتمام بناء مسجدهم وطرح مشكلتهم أمام المرجعية، وقام بترشيح وتكليف من يكون متواصلاً معهم وبخدمتهم سيّداً محترماً وخطيباً مفوهاً ورجلاً ذا فهم للواقع وهو سيّد (محمّد أبو تقي)، الذي كان مناسباً لتلك المرحلة وقد بذل جهداً مميزاً في خدمتهم وتعليمهم
معالم دينهم وكيفية تحمّلهم وتفانيهم في التمسك بمذهبهم، الذي أُهدر حَقُّه أو كاد بسبب (صدام) الطائفي الذي سام الناس سوء العذاب فكانت سياساته الخبيثة والطائفية قد سببَت تسنن الكثير من البسطاء من اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) لمنعه بناء مساجد للشيعة وسماحه للسنّة، بل تشجيعهم على بناء المساجد حتّى كثرت إلى درجة انتشارها في الأحياء الشيعية، بل وانتقالها إلى مناطق الشيعة الخالصة كالنجف وكربلاء، فالدعاية والسطوة والصوت لهم، ولكنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، ولم يتمّ لهم أمرهم وسعيهم على أبناء تلك المنطقة الأبطال الذين عانوا ما عانوه وواجهوهم بشراسة وإيمان وإخلاص وحرص وتفانٍ لا نظير له، فصمدوا أمام كلّ تلك المخططات والمؤامرات الخبيثة والضغوط الشديدة، وبفضل الله تعالى وجهود الأخيار عادوا إلى سفينة أهل البيت(عليهم السلام) معتصمين بهم متمسّكين بهديهم تاركين نابذين مذهب الحكومات المتسلّطة على رقاب الناس التي ذمّها الله تعالى ورسوله الكريم، فلا يمكن لأيّ عاقل أن يفخر بمثل معاوية ويزيد وعمرو بن العاص والوليد بن عقبة ومروان وعبد الملك وأبنائه الأربعة والحجاج وخالد بن عبد الله القسري، وكذا المنصور الدوانيقي وهارون والأمين والمأمون والمتوكّل والمعتصم والمعتمد والدولة العثمانية والعلمانيون اليوم وو.. في مقابل أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من العترة الطاهرة.
خلال تلك الفترة وبعد محاورتنا الطويلة مع دكتور (عمار) في تلك الليلة، يبدو أنّ عماراً تأثّر من تركي لمذهبهم فحاول أن يكلِّم صديقه وزميله الذي كان قد عرَّفني به هو سابقاً ونصحني بدراسة العقيدة عنده، وهو دكتور (زيد)، وهذا الرجل يعتبر من كبار ورؤوس الوهابية في تلك الفترة، وقد درستُ العقيدة عنده فعلاً، وقد كان الدكتور عمار معجباً جدّاً به وبعلمه، ولذلك يبدو أنّه حاول أن يشكوني إليه لعله يفلح بإرجاعي إليهم بعد صدمته بي ؛ لأنّ أهل السنّة عموماً لم يتصوّروا مع تلك الظروف الصدّامية الطائفية القمعية أن يأتي يوم يتحوّل فيه سني ومن بابٍ أولى سلفيٌّ عن مذهبه ويصبح شيعياً.
فقد كنّا نرى بأنّ ذلك مستحيل! حتّى أنّنا كنّا نشكك بوجود حوار حقيقي يتمكّن فيه شيعي من إقناع سنّي أو يمكن أن يقتنع من خلاله سنّي بمذهب الشيعة كما ينقله صاحب المراجعات! وكذلك كنّا نشكك في وجود شخصيات مثل التيجاني والأنطاكي وغيرهم ممّن استبصر وكتب قصّة استبصاره، ونعتبر ذلك من تأليفات الشيعة وكذبهم ومسرحياتهم التي لا حدود لها ولا نهاية ولا حقيقة ورائها مطلقاً! ولذلك فأنا أعذر كلّ هؤلاء على صدمتهم بي وألتمس لهم كلّ العذر على اهتمامهم بموضوع تحوّلي الفريد والنادر في مقاييس أهل السنّة عندنا في العراق على أقل تقدير، وتصدّيهم لي بشتّى الوسائل ؛ لأنّه سيؤدّي إلى اهتزاز
ثقتهم المطلقة بمذهبهم (١) ، واعتدادهم بأنفسهم واستعلائهم على الشيعة وبقية المذاهب والفرق التي تخالفهم والذين قد اعتادوا ذلك على مرّ العصور، وكذلك خوفهم من انتشار ظاهرة التحوّل عندهم حتّى أصبحوا يقومون بزيارات مكوكية إلى منزلي بتتالي وتناوب فيما بينهم! فبعد الدكتور عمار جاءني الدكتور زيد محضراً معه الشيخ المهندس أياد عبد اللطيف، ومن ثمّ جاءني مهندس أياد بالشيخ عبد الله المفتي صاحب كتاب (الحجج الدامغات في الردّ على كتاب المراجعات)، وهذا الأخير يعتبر أعلمهم وخاتمتهم في معرفة المسائل الخلافية والتخصص فيها؛ لكون له ردّ على كتاب المراجعات الذي يعتبر من أقوى وأهم الكتب التي تثبت أحقيّة الشيعة ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) والذي أثّر بالكثير ممّن قرؤوه.
وعلى كلّ حال وبعد مناقشاتي مع (زيد) لمرّتين وبعد عجزه وعدم قدرته على إقناعي بشيء ممّا يلتزم به السلفيون طلب منّي زيد أن آتيه بمن يظن بأنّه أثّر وغرر بي من الشيعة وضللني! أو على الأقل من أراه أعلم وأفضل وأكثر معرفة منّي بمذهب التشيّع، لأنّني على حدّ قوله متعصّب جدّاً ورافضي أكثر من الرافضة أنفسهم ولا ينفع الكلام معي، وقال لي بالحرف الواحد: لو أتيتنا بأيّ رافضي أنت تختاره وتثق بعلمه لرأيت بأُمِّ عينك قوّة حجّتنا وصحة مذهبنا ولتبيّن لك خطؤك وخطل اختيارك! وسترجع إلينا مذعناً بأحقّيتنا ونجاة فرقتنا دون غيرنا..!!
________________________
١- وأذكر هنا أحد الأخوة وهو شيخ عبد الستار الجنابي حينما قال لي يوماً.. بعد أن انكشف أمري وندر تواجدي في المسجد: أخي، الله يغفر لك لا لا! الله لا يغفر لك! لو تعلم ما فعلت وما تسببت من مفاسد ــ حتّى قال ــ إنّ أكثر من خمسة عشر شاباً يافعاً تركوا المسجد بسببك ولمجرد معرفتهم بتشيّعك!
وأقول معلقاً: إن كان مجرد تشيّعي صدور المئات والآلاف من طالبي الحقّ لاتّباع الحقّ وأهله من خلال كتابي هذا بحقّ محمّد وآل محمّد، فلنقل جميعاً: آمين.
فتخطّرت من أعرف من الشيعة الأقوياء الذين يمكن أن يقارعوا زيداً هذا فخطر بذاكرتي شيخ (أمجد) وبعد أن ذهبت إلى الشيخ أمجد رأيت عنده السيّد عز الدين ابن المرجع الكبير آية الله العظمى السيّد الحكيم a ، فلمّا عرضت أمامهم تحدّي الدكتور زيد وطلبه مناظرة أقوى شيعي أعرفه طلب الشيخ من السيّد أن يناظره هو، فتبسّم السيّد على عادته فوافق مباشرة ودون أيّ تردد أو ممانعة ولكن السيّد لأخلاقه الرفيعة وتأسيّاً بأهل البيت(عليهم السلام) بادر بالطلب منّي بأن أبلغ زيداً السلام عنه وأنّه يتشرّف بالتعرّف عليه ومحاورته، وأنّه لا يحبّذ أن يكون عنوان أوّل لقاء وتعارف مع صديقي وشيخي وأُستاذي السابق بعنوان مناظرة وجدال وتحدّي، على العكس تماماً من فعل زيد حينما أخبرته بما قاله السيّد المهذّب صرخ في وجهي ــ كعادة الوهابيين من الاعتداد بالنفس والتشدد والفضاضة ــ قائلاً: وأنا لا أتشرّف بلقاء سادة الرافضة! فإنّني لو كنت أرغب بذلك فإنّه أمر يسير والنجف قريبة وممتلئة بسادة الرافضة، وأنا قد أتيتك كي أجادلكم لإثبات باطلكم وزيف مذهبكم فقط!! وأمّا كلام صاحبك المعسول فقد قاله فقط لأنّه خائف من النقاش والفضيحة، ويعلم بأنّه لا حجّة له تصمد في وجه النقاش العلمي أمام طلبة علم أهل السنّة ناهيك عن علمائهم، ولو كان ذا حجّة قويّة وعقيدة صحيحة لما طلب مثل هذا الطلب.
فقلت له: لا تتعجّل في حكمك فإنّه سيأتي وتتكلّمون وحينئذٍ يتبيّن الخائف والضعيف من الشجاع وصاحب الحجّة القوّية! وكلّ ما أطلبه منك يا أخي هو أن تحترمه وتكلّمه بلطف فقط، فهل يصعب عليك ذلك وتعجز عنه؟!
قال: أنا سوف أحضر لأتكلّم معه بكلام علمي وهذا هو أسلوبي، ولا تتوقّع منّي سبّه أو شتمه أبداً، فماذا تريد منّي أن أفعل مع مقدّسيكم أكثر من ذلك؟
قلت له: لا بأس بذلك وأنا أشكرك مقدّماً. فافترقنا.
ومن ثمّ التقينا في الموعد المتّفق عليه بيننا، فحضر (زيد) مستصحباً معه صاحبه المهندس (الشيخ أياد عبد اللطيف) كعادته وحضر السيّد عز الدين ومعه الشيخ أمجد وأنا وحارث في بيتنا، وفي غرفتي التي كانت ممتلئة بالكتب السنّية، فبدأ السيّد بالكلام وعرّف نفسه وطلب من زيد أن يسأل ما بدا له؟
فبدأ زيد كعادته بتوجيه أسئلته فيما يجيده(!) ككلّ سلفي من توحيد الأسماء والصفات، ووجّه الأسئلة إلى السيّد السؤال تلو السؤال عن تفسير آيات في صفات الله تعالى.
فأجابه السيّد أولاً، ثمّ ذكر له قاعدة عقلية في كيفية التعامل مع آيات أو أحاديث الصفات وأنّه لا ينبغي أن يستمر بالسؤال عن كلّ صفة وكلّ آية تذكر صفة خبرية! ومع ذلك استمر زيد بنفس أسئلته حتّى قام السيّد عز الدين الحكيم بالكلام عن البديهيات والضروريات والقواعد العقلية التي ينبغي مراعاتها في معرفة أصول الدين عموماً وفهم آيات الصفات الخبرية خصوصاً.
وقد قال له: يجب أن نوسّع أفهامنا ومداركنا وننظر بنظرة أعمق وأبعد، لأنّ نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) وسائر الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) بعثوا ليحاكوا الفطرة والبديهة ليصل الناس بأدنى تأمّل إلى المعرفة والتوحيد والإيمان، فينبغي أن يكون فهمنا للذات الإلهية المقدّسة وما يمكن أن نصفها به وكيفية توحيده تعالى بما يحاكي هكذا نوع من الأدلة دون الاستدلال بنفس الكتاب أو السنّة وإلاّ حصل الدور المحال.
وبعبارة أخرى: إن أردنا من شخص أن يؤمن بالله تعالى فهل نستطيع أن نستدل عليه بآية قرآنية لإقناعه؟! لا يمكننا أن نستدل على الملحد أو البوذي أو اليهودي أو النصراني بالقرآن الكريم ؛ لأنّه أصلاً لا يؤمن بأنّه من الله تعالى،
فكيف يتم الاستدلال عليه؟ فينبغي أن نستدل بأصل وحجّة قبل القرآن وقبل التصديق بالرسول(صلى الله عليه وآله) من الأمور والقواعد البديهية والعقلية التي يقرّ بها جميع البشر، وفي هذا المجال - أي: الصفات - تكون هذه القواعد هي المرجع في فهم النصوص الخبرية أو الظواهر القرآنية لكي لا تتصادم النصوص ولا ينسب إلى الله تعالى ما لا يليق به في مجال الصفات كالتعطيل والتجسيم والتمثيل والتشبيه وما إلى ذلك، فما أجمع عليه العقلاء أو المسلمون لا نقاش فيه، وما لم يقتضِ محذوراً أو نقصاً لله تعالى فلا مشكلة في إثباته على ظاهره، أمّا محل النزاع والخلاف بين المسلمين فإنّه في هذه الحالة ينبغي مراعاة تلك القواعد البديهية والعقلية المتّفق عليها بين البشر من نفي ما يقتضي النقص أو الظلم أو الفقر أو الحاجة عن الله تعالى كنسبة الجهة أو الحركة أو التشبيه أو التجسيم وما إلى ذلك ممّا يتنزّه الله تعالى عن الاتصّاف به أو أن يُنسب إليه(وتعالى سبحانه)، وبذلك لا نقع في خطأ فاحش مر يؤدّي بنا إلى ضلال أو جهل أو تجاسر على الذات الإلهية المقدّسة.
فأذعن صاحبنا الدكتور ــ الذي كان يزعم بأنّه لا يتشرّف بالتعرّف على شيعي أو سيّد رافضي ــ بأنّه لا قِبَلَ له بمناظرة الشيعة وأنّه تورّط بمناقشتهم ويجب عليه الإذعان بأنّه لا يفهم من مذهبه وخصوصاً ما يتبجحون به في باب الأسماء والصفات إلاّ بعض الألفاظ التي لا يفقه معانيها أو لوازمها، فتبيّن له بأنّ فوق كلّ ذي علم عليم ولم يكن فريد عصره ووحيد زمانه كشيخ إسلامهم ابن تيمية بزعمهم!
وبعد أن انتهى الكلام واللقاء قام الدكتور بمصافحة السيّد وتقبيله وشكره حتّى قال له سررنا بلقائك وأتمنّى أن ألتقيك مرّة أخرى.
فأجابه السيّد: وأنا أشكرك جدّاً على هذه المجاملة والتكرّم بهذا اللقاء
تشرّفنا بكم وأرجو أن نلتقي في المستقبل.
وأذكر يوماً رأيت فيه زيداً هذا في مرآب السيارات في باب المعظم، فأتى إليّ مسرعاً وصرخ في وجهي: اسمع، إن رأيت أحداً من إخواننا ولم يسلّم عليك فلا تتعجّب ولا تعتب علينا ؛ لأنّه قد ثبت لنا بأنّك رافضي فلا يجوز السلام عليك، هل فهمت؟!
قلت له: لا حاجة لي بسلامكم، ولكن سبحان الله بمجرد مخالفتي لكم واتّباعي لأهل البيت(عليهم السلام) كفّرتموني، فما أضلّكم وما أجهلكم!
قال: أبداً نحن من يتّبع أهل البيت(عليهم السلام) وأنتم مفترون عليهم تنسبون إليهم مذهباً هم منه براء.
قلت له: ليس الآن وقت جدال ونقاش، ولكن أقول لك: {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (١) .
________________________
١- الحج: ٦٩.
وجاء دور المفتي
وبعد الدكتور زيد وصاحبه المهندس أياد جاء دور الشيخ عبد الله المفتي الذي يعتبر أعلم السلفية وأكثرهم اطّلاعاً في مسائل الخلاف مع الشيعة، لكونه ممّن له ردّ في مجلدين كبيرين على كتاب المراجعات للسيّد شرف الدين الموسوي وقد جاء به إلى بيتي مهندس أياد أيضاً.
فبدأ الكلام بعد أن جلسنا في غرفتي بين الكتب الكثيرة التي كانت تحيط بنا من كلّ جانب فبدأ بالكلام فقال: سمعنا ما سمعناه عنك فاقترح بعض الإخوة الأعزاء أن أقوم بزيارتك لبيان الحقّ لك لكونك عزيزاً علينا، وإنّي أتيت لأبيّن لك عدم صواب رأيك، وأنّ هذا الكتاب الذي بين يدي هو كتاب الردّ على المراجعات لنتّخذ من المراجعات منهجاً لتسلسل وترتيب الحوار والنقاش، فهو جيّد من هذه الناحية فقط! وإلاّ فهو جاهل مفتر مخلط متخبط لا يعلم شيئاً عن كتبنا وعلمائَنا، فتورّط وافتضح في مراجعاته المفتريات هذه.
فقلت له: على كلّ حال أهلاً وسهلاً بك، لا بأس بذلك ولا مانع عندي، تكلّم بما تريد؟
قال: الحديث الأوّل الذي يذكره شرف الدين هذا، هو حديث الثقلين.
قلت له: نعم.
قال: الحديث ضعيف.
قلت له: سبحان الله!! كيف تقول ذلك وقد صححه محدث العصر الشيخ الألباني؟!
قال: هل ذكرت لك أيّ شخص أو اسم عالم؟
قلت له: ماذا تقصد؟
قال: لا تذكر لي أيّ شخص صحح أو ضعّف، فأنا أستطيع أن أذكر لك أيضاً من ضعّف هذا الحديث.
قلت له: فكيف سنصل إلى نتيجة إذن؟
قال: يجب أن نصحح ونضعف نحن بحسب الدليل.
قلت له: وهل نحن أعلم من الألباني؟! كيف ترد قوله وهو محقق ومدقق وإمام معتمد من أئمة أهل السنّة السلفيين؟
قال: الأسماء لا تهم ولا تغيّر الحقائق، فنحن مطالبون بالنظر في الدليل بأنفسنا ولا يجوز التقليد ولا ينفعنا أبداً كما ذكرت لك.
قلت له: فهل نحن نمتلك علماً كافياً لنصحح ونضعف الأحاديث بأنفسنا ونستغني عن علماء الأمّة؟
فقال: لم لا؟!
قلت: سبحان الله الاجتهاد أصبح مبتذلاً عند السلفيين إلى أبعد الحدود! ومع ذلك فإنّ رجال الحديث كلّهم ثقات يروي لهم أصحاب الكتب الستة وليس الشيخان فقط فكيف تجرؤ على تضعيف الحديث؟!
قال: أحسنت، لنتكلّم هكذا بالعلم وليس بالعاطفة.
السند الأوّل للحديث فيه علّتان: فسفيان الثوري مدلّس وقد عنعن وحبيب بن أبي ثابت مدلّس ويرسل عن أم سلمة ولم يدركها فالحديث ضعيف.
فقلت له: وهل هذه العلل الواضحة غابت عن الشيخ الألباني وهو محدّث العصر؟
قال: اتّفقنا على عدم ذكر أيّ اسم!
فقلت له: صحيح ولكن كلامك مردود منقوض ؛ لأنّ البخاري ومسلم يرويان عشرات الأحاديث عن هذين الرجلين بالعنعنة فهل تستطيع تضعيف عشرات الأحاديث التي تملأ الصحيحين عن هؤلاء؟
قال: أبداً لا توجد، هذا افتراء! أخرجها لي إن كنت صادقاً؟!
قلت له: ليس شأني أن أبحث الآن وأخرج لك هذه الأحاديث وهذه الأسانيد، أنت ابحث وفتّش عنها في كتبك، فإن لم تجدها فتعال وكذّبني، وأنا سأتّبعك حينها في ردّ الحديث وتضعيفه، بل أقول لك إن لم تجد كلامي صحيحاً فتعال وابصق في وجهي، فماذا تريد أكثر من ذلك؟
فأصرّ على إخراجها وإلاّ قطع النقاش.
فقلت له: سأخرجها وأحضرها لك في لقائنا القادم.
فلمّا رفض أصررت أنا أيضاً على موقفي من عدم استطاعتي فعل ذلك الآن، وأنّي أقطع بوجودها وهو من يجب عليه بيان كذبي وردّ دعوتي حتّى أتّبعه وأقتنع بضعف الحديث وردّه، مع كثرة طرقه وقوّة أسانيده ووجود شاهد له في صحيح مسلم كما ذكر ذلك الألباني وصحح وحسّن بعض طرقه (١) .
قال: الخلاصة هي أنّ الرواية الصحيحة غير صريحة وهي لا تفيدكم والرواية الصريحة ليست صحيحة.
قلت له: تضعّفون ما يخالف مذهبكم دائماً وتؤوّلون ما يصحّ عندكم ممّا
________________________
١- راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (ح١٧٦١).
يضرّكم وينفع خصمكم، فهذا ليس ديناً ولا عدلاً ولا إنصافاً، فأنتم تحتاجون إلى التجرد والإنصاف وتغيير قواعدكم هذه كي نصل إلى نتيجة ترضي الله تعالى.
قال: رواية مسلم صحيحة ولكنها لا تذكر التمسك بالعترة من أهل البيت(عليهم السلام) وإنّما تنصّ على التمسّك بالقرآن فقط، وحفظ النبيّ(صلى الله عليه وآله) في أهل بيته ليس إلاّ!
قلت له: سبحان الله! النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: (إنّي تارك فيكم ثقلين)، وأنتم تقولون: لم يترك فينا إلاّ ثقلاً واحداً، فماذا نقول لكم؟!! مع أنّ هناك طرقاً كثيرة تصرّح بأنّه ترك لنا العترة مع القرآن على حدٍّ سواء بدليل قوله(صلى الله عليه وآله): (ولقد أخبرني اللطيف الخبير بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض).
فرواية مسلم مثلها مثل رواية الترمذي والطبراني والحاكم والجميع، ولكن رواية مسلم فيها تفصيل وإضافات ضاع معها المعنى وهذا يدل على تصرّف الرواة في رواية مسلم لا العكس!
فانتهى النقاش وقال لي: أنت متعصّب ولا تتفاهم فلا ينفع الكلام معك!
فقلت له: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (١) ، أنا أيضاً أراك متعصباً معانداً لا ينفع معك الكلام: {فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (٢) فخرجوا من البيت ولم يعودوا بعدها أبداً (٣) .
________________________
١- المؤمنون: ٥٣.
٢- البقرة: ١١٣.
٣- هذا الرجل المعروف بالشيخ عبد الله المفتي رأيت كتابه ــ الذي كان يحمله معه حينما ناقشني وكان مخطوطاًـ بعد مرور سنوات على لقائنا مطبوعاً بعنوان الحجج الدامغات لنقض كتاب المراجعات ففوجئت بأنّه ذكر اسم مؤلّفه بإسم مستعار وهو أبو مريم بن محمّد الأعظمي وهو غيّر اسمه الحقيقي! فلا أدري ما المسوّغ الشرعي لهم لفعل ذلك مع أنّهم ينكرون بشدّة ويشنعون على الشيعة مبدأ التقية؟!
بقي الكلام عن بعض ما حصل معي ــ من أخذ ورد وقيل وقال ــ في شارع المتنبي (سوق السراي) هذا السوق الذي يجمعني يومياً بالكثير من المثقفين من مختلف مناطق بغداد والعراق بحكم تعاملنا بالكتب بيعاً وشراءً واستعارة.
فأكثر من تأثّّر بي هناك شخص يبيع الكتب من أصدقائي وهو جمال (أبو عبد الله) الذي كان يعرف تعصّبي وتشددي كسلفي، لأنّنا كنّا نذهب سوية إلى حضور محاضرات الشيخ سامي في حي العامل، وكان يسمع انتقادي لذلك الشيخ السلفي المتخرّج من جامعة الملك محمّد بن سعود في المدينة المنورة على ما كنّا نسمع، ولم أكن راضياً عليه في بعض أطروحاته، وكنت ممّن يسمّونه بالإخوانجي بسبب تشددنا مع أنّه كان يدرّسنا العقيدة الواسطية لابن تيمية.
على كلّ حال كان (جمال) يعرف تشددي السلفي فتفاجأ حينما سمع بتحوّلي عن السلفية من أبناء جامع الفردوس من أصدقائي وأصدقائه كالمهندس أحمد وتحسين وهم ممّن كان يأتي معنا بالإضافة إلى صلاح الذي كان ينقلنا نحن الأربعة بسيارته إلى جامع الشيخ سامي، فكان يغضب ويتوسّل بي كلّما رآني ويسألني من الذي أضلّك وأقنعك بمذهب الرافضة، مع أنّك لست ممّن يمكن إضلاله؟ ماذا أعطوك لتتحوّل إليهم، هل زوّجوك؟! هل أعطوك مالاً؟! فأنا يمكنني أن أعطيك وأوفّر لك كلّ ما تحتاجه! سأوفّر لك مرتّباً شهرياً، سأوفّر لك
وجبة غذائية شهرياً، سأسرّحك من العسكرية دون أن تراها.. فقط ارجع إلى رشدك وصوابك، ارجع إلى أهل السنّة، ماذا دهاك؟!
وأنا كنت أضحك من عروضه وكلامه جملة وتفصيلاً كلّه، وأقول له: والله لو أعطيتني الدنيا وما فيها لن أترك الحقّ وموالاة أهل البيت(عليهم السلام) ومتابعتهم أبداً مهما كلّفني ذلك، إلاّ أن يدلّ الدليل على وجوب تركهم فأنا حينئذ سأتركهم وأتّبع الدليل.
وأذكر يوماً كان يكلّمني (جمال) وبعض السلفية، وكانوا يقولون لي: أنت كافر مرتد ولا يجوز التعامل معك! فسمعهم أحد الوهابيين من تلاميذ الشيخ محمود (كبير وهابية الزعفرانية) والذي يعتبر رأساً من رؤوس الوهابية في العراق وكان يعرفني نوعاً ما، فقال لهم: أستغفر الله كيف تقولون ذلك؟!
فأجابه (جمال) بأنّه لا يعرف عنّي شيئاً، وقال له بالحرف الواحد: ها الشخص كان سلفياً قحّاً ومتشدداً بشكل كبير والآن أصبح رافضياً!!
فقال له ذلك الشيخ: نعوذ بالله هذه ردّة!
فقلت له: ردّة عن ماذا؟
قال: ردّة عن الإسلام!
قلت له: أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فكيف تكفّرني؟!
قال: أنت كافر مرتد.
قلت له: ما دليلك؟
قال: (من بدلّ دينه فاقتلوه) (١) .
قلت له: سبحان الله، من غيّر دينه وليس من غيّر مذهبه! وأنا مسلم ديني
________________________
١- صحيح البخاري (٤/٢١) و(٨/٥٠و١٦٣).
الإسلام ما لكم كيف تحكمون؟!! أنا أتشهّد الشهادتين وأستقبل الكعبة عند الصلاة وأؤمن بالقرآن والصلاة والصوم والزكاة والحج فكيف تكفّرني؟
قال: لأنّك خرجت من النور إلى الظلمات وغيّرت دينك.
قلت له: الكثير من العلماء غيّروا مذاهبهم كعبد القادر الجيلاني فقد ترك الحنابلة وأصبح حنفياً، والعز بن عبد السلام ترك الشافعية وأصبح حنبلياً، وما إلى ذلك فتغيير المذهب شيء وتغيير الدين والردّة شيء آخر!!
قال: إلاّ الرافضة!! فهم دين وليسوا مذهباً.
قلت له: كيف تثبت لي ذلك؟ ما هو دليلك؟
قال: أسألك سؤالاً واحداً وبسيطاً وبعيداً عن العقائد والصفات والشرك والقبور وما إلى ذلك؟
قلت له: تفضّل.
قال: كيف كان يصلّي رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟
قلت له: هل تقصد الصلاة كاملة أم تقصد الإسبال والتكتف؟
قال: لا بأس، تكفيني مسألة الإسبال والتكتف.
قلت له: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يسبل يديه في الصلاة، وأدلّتي على ذلك هي:
١ــ اختلاف المذاهب في هيئة التكتف وجزم كلّ مذهب بأنّ الهيئة منحصرة بما يرونه هم دون غيرهم، ويلزم من هذا عدم صحة نسبة التكتف للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد صلّى عشرين سنة تقريباً أمام الناس وأمام الصحابة فكيف يختلف نقل هذه الهيئة المهمّة والواضحة عنه؟! فلو كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) فعل كلّ تلك الهيئات لما اعترض أصحاب المذاهب بعضهم على بعض، ولكن المذاهب تجزم بأنّ هيئتها هي الصحيحة وخطأ من سواهم، فدلّ ذلك على عدم قول أحد بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)
قد نوّع الهيئة وفعلها كلّها، بل فعل هيئة واحدة ضائعة بين المذاهب.
٢ــ ولو أردنا الترجيح، فأكثر علماء السنّة على تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح! فكيف بمثل هذه الأحاديث المتناقضة المختلفة المضطربة؟!
فتبيّن أنّ الإسبال المروي عن أهل البيت(عليهم السلام) وعن أهل المدينة هو الراجح من بين هذه الأوضاع.
٣ــ ثمّ إنّ مقتضى الاحتياط هو الإسبال أيضاً ؛ لأنّ التكتف أمر زائد وحركة مشكوك بثبوتها في الصلاة قد تفسد الصلاة بفعله، والأصل العدم، وبما أنّ التكتف غير واجب عند الجميع، فالاحتياط يقتضي إسبال اليدين دون التكتف!
٤ــ ثمّ إنّ الإسبال هو الهيئة الوحيدة التي يجتمع السنّة والشيعة عليها، أمّا سائر الهيئات فتنفرد بها كلّ جماعة عن سواها! فهناك الكثير من السنّة في السودان والمغرب العربي من المالكية وكذلك كلّ الشيعة يسبلون أيديهم في الصلاة.
٥ــ ورواية البخاري لحديث واحد غير صريح في التكتف يثبت عجزه عن إيجاد حديث صحيح فيه! خصوصاً ما تشكّله هذه المسألة من أهمية كبرى بالنسبة إلى الخلاف بين السنّة والشيعة، وكذا بين المذاهب الفقهية.
فقد روى (١) حديثاً فرداً عن سهل بن سعد الساعدي الصحابي الشيعي الموالي لأهل البيت(عليهم السلام)، وبصيغة المبني للمجهول ــ في مقام يوجب عليه إبراز وإظهار أهمية ذلك ــ ونسبته إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولكنه قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" قال أبو حازم (وهو الراوي عن سهل فلا أدري لم لم يسأله وإنّما اكتفى بظنه فقال لنا؟!): لا أعلمه إلاّ ينمي ذلك إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وهذا يحتمل أنّ الآمر لم يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنّما هو
________________________
١- صحيح البخاري (١/١٨٠).
أحد الخلفاء أو الملوك، فلا يثبت مع وجود هذا الاحتمال مشروعية ذلك والجزم بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك أو أمر به أبداً!
ولا يصح كذلك التمسّك بالقاعدة المعروفة في قول الصحابي: كنّا نؤمر، أو كنّا نفعل أنّه بحكم الرفع؛ لأنّ الأمر هنا ليس كذلك، فالصحابي يقول كان الناس يؤمرون، ولم يقل: كنّا، أو كان الصحابة، أو كان النبيّ يأمرنا، وكما يرى كلّ عاقل منصف بأنّ الفرق بين الصيغتين واضح للغاية!
٦ــ بقي الكلام في أهم دليل وأدقّه، وهو ما استفدته من كلام محدّث العصر عند السلفيين وهو الشيخ الألباني عن القيام من الركوع في الصلاة، فذكر حديث المسيء صلاته عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) قائلاً: (ثمّ ارفع رأسك حتّى تعتدل قائماً فيأخذ كلّ عظم مأخذه ــ وفي رواية ــ فإذا رفعت فأقم صلبك وارفع رأسك حتّى ترجع العظام إلى مفاصلها) (١) .
فقال الألباني في الهامش: تنبيه: إنّ المراد من هذا الحديث بيّن واضح، وهو الاطمئنان في هذا القيام، وأمّا استدلال بعض إخواننا من أهل الحجاز وغيرها بهذا الحديث على مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في هذا القيام فبعيد جدّاً عن مجموع روايات الحديث، بل هو استدلال باطل؛ لأنّ الوضع المذكور لم يرد له ذكر في القيام الأوّل (قبل الركوع) في شيء من طرق الحديث وألفاظه، فكيف
________________________
١- قال الألباني في تخريجه له في صفة صلاته: البخاري ومسلم والدارمي والحاكم والشافعي وأحمد.
أقول: أخرج بعضه البخاري في صحيحه (٧/٢٢٦) وعند ابن ماجة (١/٢٨٠) والدارمي وأحمد أيضاً بلفظ: واستوى حتّى رجع كلّ عظم إلى موضعه معتدلاً) وعند أحمد أيضاً (٥/٤٢٤) بلفظ: في موضعه معتدلاً، فانظر إلى قوله: يستوي قائماً وقوله: معتدلاً عند ذكر قيام ورجوع العظام فكلّ ذلك يدلّ على الوقوف باعتدال والقيام مع الإسبال دون ما قالوه من الاطمئنان أو التكتف بعد الركوع الذي ما أنزل الله به من سلطان.
يسوغ تفسير الأخذ المذكور فيه بأخذ اليسرى باليمنى قبل الركوع؟! هذا لو ساعد على ذلك مجموع ألفاظ الحديث في هذا الموطن، فكيف وهي تدلّ دلالة ظاهرة على خلاف ذلك؟! ولست أشك في أنّ وضع اليدين على الصدر في هذا القيام بدعة وضلالة ؛ لأنّه لم يرد مطلقاً في شيء من أحاديث الصلاة (وما أكثرها) ولو كان له أصل لنقل إلينا ولو عن طريق واحد، ويؤيّده أنّ أحداً من السلف لم يفعله ولا ذكره أحد من أئمة الحديث فيما أعلم".
أقول: هناك فوائد عدّة في كلام الشيخ الألباني هنا:
منها: أنّه أثبت بأنّ التكتف بعد الركوع لم يرد مطلقاً في شيء من أحاديث الصلاة رغم كثرتها!
وأنّه بدعة وضلالة! لعدم ثبوته وعدم فعل أحد من السلف له.
وأنّه لم يذكر البتة عند العلماء ولا أئمة الحديث!
وأيضاً أقول للشيخ الألباني: لو أخذنا بفهم الحجازيين لهذا الحديث، أيّ أنّ دلالة هذا الحديث على إرجاع اليدين إلى مواضعها التي كانت عليها قبل الركوع (في القيام الأوّل) كما هو ظاهر الحديث وثمرته وفائدته لا مجرد الاطمئنان! وأخذنا معه بقولك إنّ الإسبال هو الوارد في الأحاديث وفعل السلف بعد الركوع وليس التكتف!
فإنّنا سنخلص إلى نتيجة مهمّة وهي: أنّ الإسبال بعد الركوع هو المراد من هذا الحديث، لا ما ذهبت أنت إليه من الاطمئنان، ولا ما ذهب إليه الوهابيون الحجازيون من التكتف!
فيكون قوله(صلى الله عليه وآله) في الحديث: (حتّى ترجع العظام إلى مفاصلها) أو (حتّى يأخذ كلّ عظم مأخذه) أو (حتّى يعتدل)؛ إنّما تدلّ على أنّ المعنى المراد من
ذلك كلّه: هو التزام الحالة التي سبقت الركوع وهو الإسبال بالاتّفاق، لا سيما مع إقرارك بأنّ السلف كلّهم كانوا يسبلون بعد الركوع، وأنّ أحاديث المسيء صلاته كلّها تخلو من ذكر التكتف حتّى قبل الركوع فلماذا هذا الإصرار على التكتف حتّى مع عدم ذكره؟!!
هذه بعض الأدلة والقرائن التي تثبت وتبين بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يسبل يديه في الصلاة ويأمر به لا أنّه كان يتكتف.
فحضر حينئذ وقت صلاة الظهر فرفع الأذان فقال لي ذلك الشيخ الوهابي: إنّ كانت هذه طريقتك وأدلتك فأنت أخونا وعلى رؤوسنا! دعك عمّا يقولون وتعال لنأكل من هذه الحلوى! ولنذهب للصلاة سوية(!!).
فأمسك بيدي واشترى لنا بعض الحلوى(!!) من بائع متجوّل في السوق، وذهبنا وهو يمسك بيدي أيضاً إلى المسجد فصلينا سوية، ولكن بعد يوم أو يومين استغربت من تغيّره وتبدّل أسلوبه معي! بحيث كان يراني فيحول عينه ويدير رأسه عنّي وكأنّه لم يَرني (كما هو حال غيره ممّن كنت أتكلّم معهم في هذه المواضيع فحالهم في البداية يختلف فإنّهم يحاولون الكلام معي والاحتكاك بي ومحاورتي ونقاشي وبأيّ شكل من الأشكال، ولكن حينما أكلّمهم ويرون ما يرون من حجج دامغة لا يستطيعون الرد عليها ينتقلون إلى موضوع آخر، فيحصل لهم عين ما حصل لمن هو قبلهم ومن ثمّ يقفزون إلى آخر بعد عجزهم عن الردّ على ذلك الدليل وذلك الموضوع وهكذا.. ثمّ لا أراهم بعد ذلك)!
لتلطيف الجو فقط
وأختم سفر رحلتي ومناقشاتي هذه بذكر نادرة لطيفة:
وهي أنّ أحداً ممّن كنت أعرفهم من رجالات الوهابية من أصدقائي في سوق الكتب صُدم بتحوّلي من سلفي إلى شيعي فقطع حينها السلام علي، فسألته مرّة عن سبب قطعه السلام عليّ؟
فقال لي: أنت تلبّسك جنّي رافضي وأريد علاجك منه كي ترجع أخاً عزيزاً لنا كما عهدناك سابقاً لأنّه يستحيل أن يتحوّل موحّد إلى مشرك!
وأنا أستغرب من كلام هذا الشخص!! وهذا التخبط عند هؤلاء الناس (الوهابيين) كم هم متناقضون! والله إنّك إن تكلّمت معهم بالعقل والمنطق رموك بالزندقة! وإن أتيتهم بالدليل الملزم ذهبوا حينها إلى العقل والمنطق والعرف وحتى الأحلام إن استدعى الأمر ذلك!
فحينما نتكلّم مثلاً عن الزواج المؤقت (المتعة) في الإسلام، ونأتي لهم بدليل صحيح صريح بأنّ عمر هو من نهى عنه وحرّمه كما في صحيح مسلم وغيره، قالوا: هل ترضاه لنفسك؟ هل ترضاه لأختك؟ إنّها أسوأ من الزنا!!
عموماً أنا أعد الجميع إن شاء الله تعالى ووفّقنا أن أتّبع هذا البحث وهذه الرحلة المباركة بأبحاث أخرى عقيدية وفقهية موسّعة ونافعة بإذنه تعالى.
والله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل والصراط المستقيم.
وصلى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، والحمد لله ربّ العالمين.
عبد الحميد البغدادي الجاف
٩/ صفر الخير/١٤٢٨هـ
المصادر
* القرآن الكريم.
١- إرواء الغليل / محمّد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي، بيروت ١٩٨٥م.
٢- أسباب النزول للواحدي/ علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت٤٦٨هـ/ دار الباز، مكة المكرمة، ١٣٨٨هـ.
٣- الاستيعاب في معرفة الأصحاب/ أبو عمر ابن عبد البر النمري الأندلسي ت٤٦٣هـ/ علي محمّد البجاوي/دار الجيل، بيروت، سنة١٤١٢هـ.
٤- أُسد الغابة في معرفة الصحابة/ لابن الأثير ت٦٣٠هـ/ دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.
٥- الإصابة في تمييز الصحابة/ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت٨٥٢هـ/ تحقيق عادل أحمد عبد الموجود ومحمّد علي معوض/ دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ١٤١٥هـ.
٦- الاعتصام / أبو إسحاق الشاطبي ت ٧٩٠هـ / دار المعرفة، بيروت ٢٠٠٠م.
٧- الأعلام/ خير الدين الزركلي/ دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٠م.
٨- إمتاع الأسماع/ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي ت٨٤٥هـ/ تحقيق محمّد عبد الحميد النميسي/ دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ١٤٢٠هـ.
٩-
الباعث الحثيث / ابن كثير ت ٧٧٤هـ / مكتبة المعارف، الرياض / تحقيق الألباني ١٩٩٦م.
١٠- البداية والنهاية/ أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ت٧٧٤هـ/ تحقيق علي شيري/ دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ١٤٠٨هـ.
١١- تاريخ الإسلام/ شمس الدين محمّد بن عثمان الذهبي ت٧٤٨هـ/ تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري/ دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، ١٤٠٧هـ.
١٢- تاريخ بغداد/ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت٤٦٣هـ/ تحقيق مصطفى عبد القادر عطا/ دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧هـ.
١٣- تاريخ المدينة/ أبو زيد عمر بن شبة النميري ت٢٦٢هـ/ تحقيق فهيم محمّد شلتوت/ دار الفكر، قم إيران، ١٤١٠هـ.
١٤- تاريخ مدينة دمشق/ أبي القاسم ابن هبة الله الشافعي المعروف بابن عساكر ت٥٧١هـ/ تحقيق علي شيري/ دار الفكر، بيروت لبنان، ١٤١٥هـ.
١٥- تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي/ محمّد عبد الرحمن المباركفوري ت١٣٥٣هـ/ دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ١٤١٠هـ.
١٦- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف / أبو الحجاج المزّي ت ٧٤٢هـ / دار إحياء التراث العربي، بيروت ٢٠٠١م.
١٧- تذكرة الموضوعات/ محمّد طاهر الهندي الفتني ت٩٨٦هـ/ ١٣٤٢هـ.
١٨- تفسير ابن أبي حاتم/ أبو محمّد ابن أبي حاتم الرازي ت٣٢٧هـ/ تحقيق أسعد محمّد الطيب/ المكتبة العصرية، صيدا.
١٩- تفسير ابن مردويه/ لم يطبع حسب علمي / النقل عنه بالواسطة ونقل العلماء عنه كالسيوطي في الدر المنثور وابن كثير وغيرهما.
٢٠-
تفسير البحر المحيط/ أبو حيان الأندلسي ت٧٤٥هـ/ تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوض/ دار الكتب العلمية، بيروت٢٠٠١م.
٢١- تفسير روح المعاني / أبو الثناء الآلوسي ت ١٢٧٠هـ / طبعة دار الفكر، بيروت ٢٠٠٣م.
٢٢- تفسير القرآن العظيم/ أبو الفداء إسماعيل بن كثير ت٧٧٤هـ/ تحقيق محمّد إبراهيم البنا/ دار المعرفة، بيروت لبنان، ١٤١٢هـ.
٢٣- تفسير القرطبي / أبو عبد الله القرطبي ت ٦٧١هـ / إحياء التراث العربي، بيروت لبنان ١٩٨٥م.
٢٤- التفسير الكبير/ فخر الدين الرازي ت٦٠٦هـ.
٢٥- تفسير البغوي / البغوي ت ٥١٦هـ / دار ابن حزم، بيروت لبنان ٢٠٠٢م.
٢٦- تفسير الواحدي/ أبي الحسن الواحدي ت٤٦٨هـ/ تحقيق صفوان عدنان داوودي/ دار القلم والدار الشامية، بيروت دمشق، ١٤١٥هـ.
٢٧- تهذيب التهذيب/ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت٨٥٢/ دار الفكر، بيروت لبنان، ١٤٠٤هـ.
٢٨- تهذيب الكمال/ جمال الدين أبو الحجاج المزي ت٧٤٢هـ/ تحقيق د.بشار عواد معروف/ مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، ١٤٠٦هـ.
٢٩- التوسّل والوسيلة / تقي الدين بن تيمية ت ٧٢٨هـ.
٣٠- التوسّل أنواعه وأحكامه / الشيخ محمّد ناصر الألباني / المكتب الإعلامي، بيروت ١٩٨٣م.
٣١- تمام المنّة/ محمّد ناصر الدين الألباني ت١٩٩٩م/ دار الراية، الرياض، المكتبة الإسلامية، عمان/ط٢، ١٤٠٩هـ.
٣٢-
الثقات/ محمّد بن حبان بن أبي حاتم البستي ت٣٥٤هـ/ مجلس دائرة المعارف الإسلامية بحيدر آباد الدكن الهند، ١٣٩٣هـ.
٣٣- الثقات / العجلي ت ٢٦١هـ / مكتبة الدار في المدينة المنورة ١٩٨٥م.
٣٤- جامع البيان عن تأويل آي القرآن/ أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ت٣١٠هـ/ تخريج صدقي جميل العطار/ دار الفكر بيروت لبنان، ١٤١٥هـ.
٣٥- جامع بيان العلم وفضله/ أبو عمر بن عبد البر الأندلسي ت٤٦٣هـ/ دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ١٣٩٨هـ.
٣٦- الجرح والتعديل/ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ت٣٢٧هـ/ دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان/ ط١، ١٣٧١هـ.
٣٧- حياة الألباني / محمّد بن إبراهيم الشيباني/ المكتب الإعلامي ١٩٩١م.
٣٨- خصائص أمير المؤمنين/ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ت٣٠٣هـ/ تحقيق محمّد هادي الأميني/ مكتبة نينوى، طهران.
٣٩- الدر المنثور في التفسير بالمأثور/ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ت٩١١هـ/ دار الفكر، بيروت.
٤٠- الروح / ابن قيم الجوزية ت٧٥١هـ.
٤١- رأس الحسين/ ابن تيمية الحراني ت٧٢٨هـ/ مطبوعة مستقلة وهي مستلّة من مجموع فتاواه (٢٧/٤٥٠).
٤٢- الرحيق المختوم / صفي الرحمن المباركفوري / دار احياء التراث العربي، بيروت لبنان.
٤٣- زاد المسير في علم التفسير/ أبو الفرج ابن الجوزي ت٥٩٧هـ/ تخريج
السعيد بن بسيوني زغلول/ دار الفكر، بيروت لبنان، ١٤٠٧هـ.
٤٤- زاد المعاد في هدي خير العباد / ابن قيم الجوزية ت ٧٥١هـ / مؤسسة الرسالة، مكتبة المنار، بيروت ، الكويت / تحقيق شعيب الأرناؤوط.
٤٥- سلسلة الأحاديث الصحيحة/ محمّد ناصر الدين الألباني ت١٩٩٩م/ مكتبة المعارف، الرياض، ١٩٩٥م.
٤٦- سلسلة الأحاديث الصحيحة / الألباني / مكتبة المعارف، الرياض ٢٠٠٢م.
٤٧- سرّ العالَمَين وكشف ما في الداريَن/ حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي ت٥٠٥هـ/ تحقيق أيمن البحيري/ دار الآفاق العربية، القاهرة، ١٤٢١هـ.
٤٨- سبل السلام / الأمير الصنعاني ت ١١٨٢هـ / جمعية إحياءالتراث العربي، الكويت ٢٠٠٠م.
٤٩- سنن ابن ماجة/ محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني ت٢٧٥هـ/ تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر.
٥٠- سنن أبي داود/ سليمان بن الأشعث السجستاني ت٢٧٥هـ/ تحقيق سعيد محمّد اللحام/ دار الفكر.
٥١- سنن الترمذي وهو الجامع الصحيح/ أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي ت٢٧٩هـ/ تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف/ دار الفكر، بيروت لبنان، ١٤٠٣هـ.
٥٢- سنن الدارقطني/ علي بن عمر الدارقطني ت٣٨٥هـ/ تخريج مجدي منصور بن سيد الشورى/ دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧هـ.
٥٣- سنن الدارمي/ أبو محمّد عبد الله بن بهرام الدارمي ت٢٥٥هـ/
٥٤-
السنن الكبرى/ أبي بكر البيهقي ت٤٥٨هـ/ دار الفكر.
٥٥- السنن الكبرى/ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ت٣٠٣هـ/ تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري/ دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١هـ.
٥٦- سنن النسائي/ أحمد بن شعيب النسائي ت٣٠٣هـ/ دار الفكر، بيروت، ١٣٤٨هـ.
٥٧- سير أعلام النبلاء/ محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت٧٤٨هـ/ تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ١٤١٣هـ.
٥٨- السيرة الحلبية / نور الدين الحلبي ت ١٠٤٤هـ / دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٦م.
٥٩- السيرة النبوية/ أبو محمّد عبد الملك بن هشام الحميري ت٢١٨هـ/ تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد/ المدني، القاهرة، ١٣٨٣هـ.
٦٠- الشريعة / أبو بكر الآجري الشافعي ت ٣٦٠هـ / إحياء التراث الإسلامي، الكويت.
٦١- شرح السنّة / البغوي ت ٥١٦هـ /دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٣م.
٦٢- شرح النووى على مسلم / الإمام محيي الدين النووي ت ٦٧٦هـ / دار الكتاب العربي، بيروت لبنان ١٩٨٧م.
٦٣- الصحاح/ إسماعيل بن حماد الجوهري ت٣٩٣هـ/ تحقيق أحمد عبد الغفور عطار/ دار العلم للملايين، بيروت لبنان، ١٤٠٧هـ.
٦٤- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان/ علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ت٧٣٩هـ/ تحقيق شعيب الأرنؤوط/ مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٤هـ.
٦٥-
صحيح البخاري/ محمّد بن إسماعيل البخاري ت٢٥٦هـ/ دار الفكر، بيروت، ١٤٠١هـ.
٦٦- صحيح الجامع الصغير وزيادته/ محمّد ناصر الدين الألباني، معاصر/ جمعية إحياء التراث الإسلامي/ الكويت، ط٣، ١٤٢١هـ.
٦٧- صحيح مسلم/ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ت٢٦١هـ/ دار الفكر، بيروت لبنان.
٦٨- الطبقات الكبرى/ محمّد بن سعد ت٢٣٠هـ/ تحقيق إحسان عباس/ دار صادر، بيروت لبنان.
٦٩- عمدة القاري/ بدر الدين محمود بن أحمد العيني ت٨٥٥هـ/ دار إحياء التراث الإسلامي، بيروت.
٧٠- عون المعبود شرح سنن أبي داود/ شمس الحقّ العظيم آبادي ت١٣٢٩هـ/ دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ١٤١٥هـ.
٧١- الفقة على المذاهب الأربعة / عبد الرحمن الجزيري ت ١٩٤١م / دار الفكر، بيروت ٢٠٠٣م.
٧٢- فتح الباري شرح صحيح البخاري/ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت٨٥٢هـ/ دار المعرفة، بيروت لبنان.
٧٣- فتح القدير/ محمّد بن علي الشوكاني ١٢٥٠هـ/ عالم الكتب، بيروت لبنان.
٧٤- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد / عبد الرحمن آل الشيخ.
٧٥- فتوح الشام/ محمّد بن عمر الواقدي ت٢٠٧هـ/ دار الجيل، بيروت لبنان.
٧٦- فيض القدير شرح الجامع الصغير/ محمّد عبد الرؤوف المناوي
ت١٠٣١هـ/ تصحيح أحمد عبد السلام/ دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ.
٧٧- القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع / السخاوي ت ٩٠٢هـ / مكتبة دار البيان، دمشق ١٩٩٤م.
٧٨- الكامل في ضعفاء الرجال/ أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني ت٣٦٥هـ/ تحقيق يحيى مختار غزاوي/ دار الفكر، بيروت لبنان، ١٤٠٩هـ.
٧٩- الكامل في التاريخ / ابن الأثير ت ٦٣٠هـ / دار صادر، بيروت ١٩٦٥م.
٨٠- كتاب السنّة/ أبو بكر عمرو بن أبي عاصم ت٢٨٧هـ/ تحقيق محمّد ناصر الدين الألباني/ المكتب الإسلامي، بيروت لبنان، ط٣، ١٤١٣هـ
٨١- كشف الخفاء ومزيل الإلباس/ إسماعيل بن محمّد العجلوني ت١١٦٢هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت لبنان، ط٣، ١٤٠٨هـ.
٨٢- كشف الشبهات / محمّد بن عبد الوهاب / دار الصميعي، المملكة العربية السعودية ١٩٩٨م.
٨٣- الكفاية في علم الرواية/ أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت٤٦٣هـ/ تحقيق د. أحمد عمر هاشم/ دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، ١٤٠٥هـ.
٨٤- كنز العمال/ علاء الدين المتقي الهندي ت٩٧٥هـ/ تحقيق بكري حياني وصفوة السقا/ مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان ١٤٠٩هـ
٨٥- اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة / السيوطي / دار الفكر، بيروت.
٨٦- لسان الميزان / ابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ / مؤسسة الأعلمي،
بيروت ١٩٧١.
٨٧- اللؤلؤ والمرجان فيما اتّفق عليه الشيخان / محمّد فؤاد عبد الباقي / جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت ١٩٩٩م.
٨٨- مجمع الزوائد / أبو بكر الهيثمي ت ٨٠٧هـ / دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٨م.
٨٩- مسند أحمد / الإمام أحمد بن حنبل / دار صادر، بيروت.
٩٠- مسند الحميدي / أبو بكر الحميدي ت ٢١٩هـ / دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٨م.
٩١- مسند أبي يعلى الموصلي / أبو يعلى الموصلي ت ٣٠٧هـ / دار المأمون، دمشق ، بيروت.
٩٢- مسند الشاميين / الطبراني ت ٣٦٠هـ / مؤسسة الرسالة، بيروت ١٩٩٦م.
٩٣- مسند الطيالسي / أبو داود الطيالسي ٢٠٤هـ / دار المعرفة، بيروت.
٩٤- مسند ابن راهويه / إسحاق بن راهويه ت ٢٣٨هـ / المدينة المنورة ١٩٩١م.
٩٥- المصنّف / ابن أبي شيبة ت ٢٣٥هـ / دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٥م.
٩٦- المصنّف / عبد الرزاق الصنعاني ت ٢١١هـ / منشورات المجلس الأعلى.
٩٧- المستدرك على الصحيحين / الحاكم النيسابوري ت ٤٠٥هـ / دار المعرفة، بيروت.
٩٨- مشكاة المصابيح / الخطيب التبريزي ت٧٤٠هـ / دار الفكر، بيروت لبنان ٢٠٠١م.
٩٩-
المطالب العالية / ابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ / دار المعرفة، بيروت لبنان.
١٠٠- معالم السنن / الخطابي ت ٣٨٨هـ / دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٥م.
١٠١- مرقاة المصابيح / الملا علي القاري ت ١٠١٤هـ / دار الفكر، بيروت ٢٠٠٢م.
١٠٢- الموضوعات / أبو الفرج ابن الجوزي ت ٥٩٧هـ / دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٣م.
١٠٣- مجموع فتاوى ابن تيمية / تقي الدين ابن تيمية ت ٧٢٨هـ / مكتبة المعارف، المملكة العربية السعودية.
١٠٤- منهاج السنّة النبويّة / تقي الدين ابن تيمية ت ٧٢٨هـ / دار الفكر، القاهرة الطبعة القديمة، مؤسسة القرطبي ط ١٤٠٦هـ.
١٠٥- مفردات غريب القرآن / الراغب الأصبهاني ت ٥٠٢هـ / دار القلم، دمشق ١٤٢٥هـ.
١٠٦- نيل الأوطار / الشوكاني ت ١٢٥٥هـ / دار الجيل، بيروت لبنان ١٩٧٣م.
ma_shayani_alalbani\١١.html" l "٦٥" t "contents"
المصادر
الفهرس
ثمّ شيّعني الألباني ١
مقدّمة المركز٤
ردّ الألباني على ابن تيميّة١٩
هذا الكتاب ٢١
مقدمة مؤلف ٢٨
البحث عن الحقيقة٣٥
بداية البحث ٤٤
الصدمة الكبرى!٤٤
صراع الإرادات:٦٦
يوم الغدير الحاسم٧٢
صعود وتيرة المواجهة:٨٢
ولكن دون جدوى!!٨٦
تناقض الألباني:٩٩
شبهة ابن تيمية على الحديث:١٠٧
كلام لعمر ينقض زعم ابن تيمية:١١٠
حرمةُ التقليد في العقائد ١١٣
خلاصة الكلام في هذا المقام:١١٧
الانتقال الصعب ١٢٠
القرار الصعب ١٢٣
فسلكت السبيل ١٣٧
شبهة أزيلت بجواب ربّاني أثلج قلبي ١٣٩
أصعب ما واجهني ١٤٥
إكمال الحوار مع شيخي أبي دعاء:٢٣٠
جولة مع باقي الأصدقاء٢٥٣
امتحان صعب وتخيير بين الدنيا والآخرة٢٦٤
محاولتهم محاكمتنا٢٦٦
حوارٌ مثمر مع رجل مهم في جامعنا٢٦٨
وجاء دور أستاذي الدكتور٢٧٥
حوارات في شارع المتنبي ٢٨٥
الفهرس ٣٠٤