أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية
التجميع مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الکاتب السيد محمد باقر الصدر
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام

ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية

الشهيد محمد باقر الصدرقدس‌سره


هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


صدر، محمد باقر، ١٩٣١ - ١٩٧٩ ق. sadr, Miohmmad Baqir

ائمة اهل بيتعليهم‌السلام ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية / مؤلف محمد باقر صدر؛ اعداد

وتحقيق المؤتمر العالمي الإمام الشهيد الصدر. - قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر ،قدس‌سره ١٤٢٤ ق. - ١٣٨٢.

ص. ( تراث الشهيد صدرقدس‌سره : ٢٠ )

فهرستنويسي بر اساس اطلاعات فيباعربي.

كتابنامه به صورت زير نويس.

١ - اسلام - تاريخ - از آغاز تا ١٣٢ ق. ٢. خلافت - بيعت. ٣. علي بن ابي طالب (ع)، امام اول، ٢٣ قبل از هجرت - ٤٠ ق. اثبات خلافت. ٤. شيعه - تاريخ. ٥. امامت. الف. كنكره بين المللى آيت الله العظمى شهيد صدرقدس‌سره ( نخستين ١٣٧٩: تهران ) ب بجوهشكاه علمى تخصصى شهيد صدر.

١٩ الف ٤ ص ٢ / ٣٨ DS ٠٢ / ٩٥٣

كتابخانه ملى ايران٧١٥١ - ٨٣ م

اسم الكتاب : أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية

محاضرات : آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدرقدس‌سره

إعداد وتحقيق : لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره

الناشر : مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدرقدس‌سره

الطبعة المحقّقة في المؤتمر : الثانية

المطبعة: شريعت - قم

تاريخ الطبع : ١٤٢٧ ق.

الكميّة: ٣٠٠٠ نسخة

رقم الشابك : ٢ - ٤٧ - ٥٨٦٠ - ٩٦٤: ISBN

جميع الحقوق محفوظة للناشر


تراث الشهيد الصدر ٢٠

أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام

ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية

محاضرات

سماحة آية العظمى الإمام الشهيد محمد باقر الصدرقدس‌سره

المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره


بسم الله الرحمن الرحيم



كلمة المؤتمر:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

منذ منتصف القرن العشرين، وبعد ليل طويل نشر أجنحته السوداء على سماء الأُمّة الإسلامية لعدّة قرون، فلفّها في ظلام حالك من التخلّف والانحطاط والجمود، بدأت بشائر الحياة الجديدة تلوح في أُفق الأُمّة، وانطلق الكيان الإسلامي العملاق - الذي بات يرزح تحت قيود المستكبرين والظالمين مدى قرون - يستعيد قواه حتى انتصب حيّاً فاعلاً قويّاً شامخاً بانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران تحت قيادة الإمام الخمينيقدس‌سره يقضّ مضاجع المستكبرين، ويبدّد أحلام الطامعين والمستعمرين.

ولئن أضحت الأُمّة الإسلاميّة مدينة في حياتها الجديدة على مستوى التطبيق للإمام الخمينيقدس‌سره فهي بدون شك مدينة في حياتها الجديدة على المستوى الفكري والنظري للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره ، فقد كان المنظّر الرائد بلا منازع للنهضة الجديدة؛ إذ استطاع من خلال كتاباته وأفكاره التي تميّزت بالجِدة والإبداع من جهة، والعمق والشمول من جهة أُخرى، أن يمهّد السبيل للأُمّة


ويشقّ لها الطريقنحو نهضة فكرية إسلاميّة شاملة، وسط ركام هائل من التيّارات الفكرية المستوردة التي تنافست في الهيمنة على مصادر القرار الفكري والثقافي في المجتمعات الإسلاميّة، وتزاحمت للسيطرة على عقول مفكّريها وقلوب أبنائها المثقّفين.

لقد استطاع الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدرقدس‌سره بكفاءةٍ عديمة النظير أن ينازل بفكره الإسلامي البديع عمالقة الحضارة الماديّة الحديثة ونوابغها الفكريّين، وأن يكشف للعقول المتحرّرة عن قيود التبعيّة الفكريّة والتقليد الأعمى زيف الفكر الإلحادي، وخواء الحضارة الماديّة في أُسسها العقائديّة، ودعائمها النظريّة، وأن يثبت فاعليّة الفكر الإسلامي وقدرته العديمة النظري على حلّ مشاكل المجتمع الإنساني المعاصر، والاضطلاع بمهمّة إدارة الحياة الجديدة بما يضمن للبشريّة السعادة والعدل والخير والرفاه.

ثمّ إنّ الإبداع الفكري الذي حقّقته مدرسة الإمام الشهيد الصدر لم ينحصر في إطار معيّن، فقد طال الفكر الإسلامي في مجاله العام، وفي مجالاته الاختصاصيّة الحديثة كالاقتصاد الإسلامي والفلسفة المقارنة والمنطق الجديد، وشمل الفكر الإسلامي الكلاسيكي أيضاً، كالفقه والأُصول والفلسفة والمنطق والكلام والتفسير والتاريخ، فأحدث في كل فرع من هذه الفروع ثورةً فكريّة نقلت البحث العلمي فيه إلى مرحلة جديدة متميّزة سواء في المنهج أو المضمون.

ورغم مضيّ عقدين على استشهاد الإمام الصدر، ما زالت مراكز العلم ومعاهد البحث والتحقيق تستلهم فكره وعلمه، وما زالت الساحة الفكريّة تشعر بأمسّ الحاجة إلى آثاره العلميّة وإبداعاته في مختلف مجالات البحث والتحقيق العلمي.


ومن هنا كان في طليعة أعمال المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر إحياء تراثه العلمي والفكري بشكل يتناسب مع شأن هذا التراث القيّم.

وتدور هذه المهمّة الخطيرة - مع وجود الكمّ الكبير من التراث المطبوع للشهيد الصدر - في محورين:

أحدهما : ترجمته إلى ما تيسّر من اللغات الحيّة بدقّة وأمانة عاليتين.

والآخر : إعادة تحقيقه للتوصّل إلى النصّ الأصلي للمؤلّف منزّهاً من الأخطاء التي وقعت فيه بأنواعها من التصرّف والتلاعب والسقط... نتيجة كثرة الطبعات وعدم دقّة المتصدّين لها وأمانتهم، ثمّ طبعه من جديد بمواصفات راقية.

ونظراً إلى أنّ التركة الفكرية الزاخرة للسيّد الشهيد الصدرقدس‌سره شملت العلوم والاختصاصات المتنوّعة للمعارف الإسلامية وبمختلف المستويات الفكريّة، لذلك أوكل المؤتمر العالمي للشهيد الصدر مهمّة التحقيق فيها إلى لجنة علمية تحت إشراف علماء متخصّصين في شتّى فروع الفكر الإسلامي من تلامذته وغيرهم، وقد وُفّقت اللجنة في عرض هذا التراث بمستوى رفيع من الإتقان والأمانة العلميّة، ولخّصت منهجيّة عملها بالخطوات التالية:

١ - مقابلة النسخ والطبعات المختلفة.

٢ - تصحيح الأخطاء السارية من الطبعات الأُولى أو المستجدّة في الطبعات اللاحقة، ومعالجة موارد السقط والتصرّف.

٣ - تقطيع النصوص وتقويمها دون أدنى تغيير في الأُسلوب والمحتوى، أمّا الموارد النادرة التي تستدعي إضافة كلمة أو أكثر لاستقامة المعنى فيوضع المضاف بين معقوفتين.

٤ - تنظيم العناوين السابقة، وإضافة عناوين أُخرى بين معقوفتين.


٥ - استخراج المصادر التي استند إليها السيّد الشهيد بتسجيل أقربها غلى مرامه وأكثرها مطابقة مع النصّ؛ ذلك لأنّ المؤلّف يستخدم النقل بالمعنى - في عددٍ من كتبه وآثاره - معتمداً على ما اختزنته ذاكرته من معلومات أو على نوع من التلفيق بين مطالب عديدة في مواضع متفرّقة من المصدر المنقول عنه، وربّما يكون بعض المصادر مترجماً وله عدّة ترجمات؛ ولهذا تُعدّ هذه المرحلة من أشقّ المراحل.

٦ - إضافة بعض الملاحظات في الهامش للتنبيه على اختلاف النسخ أو تصحيح النصّ أو غير ذلك، وتُختم هوامش السيّد الشهيد بعبارة (المؤلّف قدّس سرّه) تمييزاً لها عن هوامش التحقيق.

وكقاعدة عامّة - لها استثناءات في بعض المؤلّفات - يُحال الابتعاد عن وضع الهوامش التي تتولّى عرض مطالب إضافيّة أو شرح وبيان فكرةٍ ما أو تقييمها ودعمها بالأدلّة أو نقدها وردّها.

٧ - تزويد كلّ كتاب بفهرس موضوعاته، وإلحاق بعض المؤلّفات بثبت خاص لفهرس المصادر الواردة فيها.

وقد بسطت الجهود التحقيقيّة ذراعيها على كلّ ما أمكن العثور عليه من نتاجات هذا العالم الجليل، فشملت: كتبه، وما جاد به قلمه مقدمةً أو خاتمةً لكتب غيره ثمّ طُبع مستقلاًّ في مرحلة متأخرة، ومقالاته المنشورة في مجلاّت فكريّة وثقافيّة مختلفة، ومحاضراته ودروسه في موضوعات شتّى، وتعليقاته على بعض الكتب الفقهيّة، ونتاجاته المتفرّقة الأُخرى، ثمّ نُظّمت بطريقة فنّية وأُعيد طبعها في مجلّدات أنيقة متناسقة.

والكتاب الذي بين يديك: ( أئمّة أهل البيت -عليهم‌السلام - ودورهم في تحصين


الرسالة الإسلامية ) هو مجموعة محاضرات - عدا واحدة منها - ألقاها السيّد الشهيد في أيّام عطلة الدروس الحوزويّة في مناسبات مختلفة مثل مواليد ووفيات أهل البيتعليهم‌السلام ، وكان ذلك بمحضر طلاّبه الذين كانوا يحضرون دروسه في الفقه والأصول، وكانت تسجّل هذه المحاضرات وتكتب من قبل بعض طلبته الأفاضل. واحتفظ كثير من هذه الأشرطة الصوتيّة والدفاتر إلى يومنا هذا.

وقد طبعت مجموعة من هذه المحاضرات سابقاً تحت عنوان ( أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف ) طبعة غير محقّقة، ولم تحتوِ إلاّ على إحدى عشرة محاضرة. وقد أُجري عليها في تلك الطبعة بعض التصرّفات من تغيير للعبارة وإسقاط لبعض المقاطع وغير ذلك.

وقد تمكّنت لجنة التحقيق ولله الحمد من الحصول على الأشرطة والدفاتر التي سجّلت أو دوّنت فيها هذه المحاضرات، فاستنسخت المجموعة بدقّة تامّة وعناية فائقة وقد بلغت عشرين محاضرة، وحُقّقت باستخراج المصادر والتعليقات المناسبة، ووضعت لها العناوين المناسبة وغير ذلك من الأعمال التحقيقيّة التي أُخذت بعين الاعتبار في هذه المجموعة.

ويعود الفضل في تحصيل هذه الأشرطة والدفاتر إلى مصدرين:

أحدهما : الأرشيف الواسع الثمين الذي أتحفنا به فضيلة حجّة الإسلام السيّد حامد الحسيني حفظه الله وشكر مساعيه.

والثاني : ما وصل إلينا من دفاتر ومكتوبات فضيلة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد عبد الغني الأردبيلي تغمّده الله برحمته الواسعة، الذي كان من أوفى تلامذة الشهيّد الشهيدقدس‌سره .

والنقطة المحوريّة في هذه المحاضرات ما أبدعه السيّد الشهيدرحمه‌الله في


نظرته الشموليّة لحياة أهل البيتعليهم‌السلام ، فإنّه وإن لم يرفض النظرة التجزيئيّة بهذا الشأن إلاّ أنّه يرى أنّ النظرة غير قادرة على تفسير الظواهر المتخالفة في حياة الأئمةعليهم‌السلام ، ولذ فقد ركّز على النظرة الشموليّة الجامعة لهذا التاريخ وقسّمه إلى ثلاث مراحل متوالية اعتبر كلَّ مرحلةٍ مكمّلةٍ لما قبلها وممهّدةً لما بعدها.

ولا يقصد السيّد الشهيد إهمال الدراسة التجزيئيّة لحياة الأئمّةعليهم‌السلام ، بل يراها ضرورية لإنجاز الدراسة الشاملة والمترابطة، كما أنّه يرى أنّ النظرة الكلّيّة الشموليّة ليست مجرّد افتراض، وإنّما هي ممّا تفرضه العقيدة المتبلورة في فكرة الإمامة بالذات؛ لأنّ الإمامة واحدة في الجميع بمسئوليّاتها وشروطها فيجب أن تنعكس انعكاساً واحداً في شروط الأئمّة وأدوارهم مهما اختلفت ظروفهم الطارئة. وسيوافيك التفصيل في أثناء المحاضرات.

وقد خلّف السيّد الشهيد عدّة محاضرات في ضوء الاتّجاه التوحيدي والشمولي المترابط ولكنّه لم يوفّق لإكمال مشروعه البديع.

ولم يكن إبداعه في نظرته هذه فحسب، بل أبدع حتّى في دراسته التحليليّة لحياة كلّ واحد من أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، ومن أبرز مصاديق ذلك دراسته المستوعبة لموقف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام تجاه معاوية، وكذا تحليله لمصالحة الإمام الحسنعليه‌السلام مع معاوية وغيرها من مبتكراته في حقل تاريخ الأئمّةعليهم‌السلام .

وأمّا بالنسبة إلى تحقيق هذه المحاضرات وإعدادها للطبع، فلا بُدّ من الإشارة إلى أهمّ ما أُجري في هذا المجال:

١ - اقتبس اسم الكتاب( أئمّة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ) من كلمات السيّد الشهيّد في أثناء بعض محاضراته وهو الموضوع الرئيسي الذي تركّز البحث عليه في غالب هذه المحاضرات، وإن كانت هناك


موضوعات أُخرى تتعدّى حدود هذا العنوان تطرّق إليها سيّدنا الشهيدرحمه‌الله أيضاً في هذه المجموعة.

٢ - قامت لجنة التحقيق بتنظيم هذه المحاضرات وفقاً للتسلسل الموضوعي المتناسب للتقسيم الذي اختاره السيّد الشهيدرحمه‌الله نفسه لحياة أهل البيت في ضوء النظرة الشموليّة التي أشرنا إليها، وإن كان التسلسل التاريخي للمحاضرات التي ألقاهاقدس‌سره قد لا يطابق ذلك بسبب تأثّره بالمناسبات الزمانيّة التي كانت تمرّ عليه من ذكرى وفيات أهل البيت ومواليدهمعليهم‌السلام .

٣ - هناك بعض الكلمات لم تتحقّق اللجنة صحّتها أو المقصود منها عولجت أحياناً بالقرائن المتوفّرة في الكلام وأُشير في بعض الموارد في الهامش إلى عدم مفهوميّة الكلمات، وتركت في سائر الموارد من دون تغيير بتوقّع أن لا يرى القارئ فيها تشويشاً في أداء المعنى.

٤ - لم تحصر العناوين بين المعقوفتين؛ لأنّ هذه العناوين برمّتها وضعت بحسب اختيار لجنة التحقيق، كما أنّ الهوامش التوضيحيّة أيضاً كانت من عمل اللجنة نفسها؛ ولذا لم تتمّ الإشارة إلى اسم اللجنة في نهايتها.

٥ - لاحظت اللجنة أنّ بعض الحوادث والتفاصيل التاريخيّة الواردة لا تنطبق تماماً مع المصادر التاريخيّة المتوفّرة لديها، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى اعتماد السيّد الشهيدرحمه‌الله على ما علق بذهنه الشريف من مراجعاته القديمة لمختلف المصادر والمآخذ، ولهذا تمّت الإشارة إلى موارد هذا الاختلاف في الهامش.

ولا يفوتنا أن نشيد بالموقف النبيل لورثه السيّد الشهيد كافّة، سيّما نجله البارّ ( سماحة الحجّةالسيّد جعفر الصدر حفظه الله ) في دعم المؤتمر وإعطائهم الإذن


الخاصّ في نشر وإحياء التراث العلمي للشهيد الصدرقدس‌سره .

وأخيراً نرى لزاماً علينا أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى اللجنة المشرفة على تحقيق تراث الإمام الشهيد، والعلماء والباحثين كافّة، الذين ساهموا في إعداد هذا التراث وعرضه بالأُسلوب العلمي اللائق، سائلين المولى - عزّ وجلّ - أن يتقبّل جهدهم وأن يمنّ عليهم وعلينا جميعاً بالأجر والثواب، إنّه سميع مجيب.

المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدس‌سره

أمانة الهيئة العلميّة


النبوة الخاتمة



بسم الله الرحمن الرحيم*

المقدّمة:

إنّنا نجتمع اليوم بمناسبة أروع ذكرى مرّت في حياة الإنسان، وفي يومٍ هو أشرف يومٍ في تأريخ الإنسان على الإطلاق، سواء قيّمنا الأيام بما تشتمل عليه من أحداث، أو بما تتمخّض عنها من نتائج.

فإنّ هذا اليوم بما يشتمل عليه من أحداثٍ هو اليوم الأوّل في تأريخ الإنسان؛ لأنّه اليوم الذي استطاع فيه أن يبلغ الذروة التي رشّحتها له عشرات الآلاف من الرسالات والنبوّات، فأصبح قاب قوسين أو أدنى، متمثّلاً في شخص النبيّ محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمّا لو لاحظناهُ بما تمخّض عنه فإنّه لا يمكننا أن نتصوّر الكمّية العظيمة من الطاعات والعبادات، والأعمال النبيلة الزاخرة بكلّ معاني النبل الأخلاقي التي أُوتي بها بعد هذا اليوم، وباسم هذا اليوم.

كما أنّنا نستطيع أن نعتبر أنّ العروش التي حُطّمت، والجبابرة الذين قُضي عليهم، وعهود الظلم والطغيان التي قُوّضت كانت باسم هذا اليوم.

____________________

(*) ألقيت في ٢٧ شهر رجب ١٣٨٨ ه-.


ويمكننا تصوّر التضحيات العظيمة، والبطولات المستميتة، في سبيل إقامة العدل على الأرض، كانت باسم هذا اليوم.

هذا اليوم هو اليوم الأوّل في تأريخ الإنسانيّة، سواءً قيّمناه على أساس ما حدث فيه، أو على أساس ما نتج عنه؛ لأنّه يوم ( النبوّة الخاتمة ).

وبمناسبة ( النبوّة الخاتمة ) أُريد أن أتحدّث إليكم عن فكرة التغيير والتجديد في النبوّة، الفكرة التي عاشتها ظاهرة النبوّة في تأريخ الإنسان على مرّ الزمن؛ حتّى وضع لها الحدّ النهائيّ على يد الرسالة الإسلامية الخاتمة.

أسباب التجديد والتغيير في النبوّة:

التجديد والتغيير في النبوّة له أسباب عديدة معقولة يمكن أن يقوم على أساس أيّ واحدٍ منها، ويمكن أن يقوم على أساس أكثر من سببٍ واحدٍ منها:

السبب الأوّل - استنفاد غرض النبوّة:

يحصل التجديد والتغيير في النبوّة فيما إذا كانت هذه النبوّة قد استنفدت أغراضها، واستكملت أهدافها، وأنهت شوطها المفروض عليها، فإنّه في مثل هذه الحالة لا بدّ لها أن تخلي الميدان لنبوّةٍ جديدةٍ تحمل أهدافاً جديدة، وتحمل شوطاً جديداً لا بدّ أن تؤديّه في خدمة الإنسان، وفي سبيل تصعيده إلى المستوى المطلوب.

وأقصد بكون النبوّة تستنفد أغراضها أن تكون ( النبوّة ) بالذات وصفةً وعلاجاً لمرضٍ طارئ في حياة البشريّة.

هناك نقاط ضعفٍ تطرأ بين حينٍ وحينٍ في بعض الأزمنة والأمكنة، وفي بعض المجتمعات البشريّة، وتكون إمّا من الناحية الفكريّة، أو الروحيّة، أو


الأخلاقيّة، وهذه الأمراض تستفحل بموجب شروطٍ موضوعيةٍ خاصّة، وتحتاج هذه الأمراض إلى نوعٍ من العلاج فقط، فيُنزل المولى عزّ وعلا وحياً معيّناً لأجل علاج هذه الحالة المرضيّة الاستثنائية في ذلك المكان المعيّن.

وبطبيعة الحال سوف يكون العلاج المقدّم من قبل هذه الرسالة علاجاً قائماً على أساس هذه الحالة الاستثنائية المنحرفة التي يعيشها إنسان عصر هذه النبوّة.

ومن الطبيعي والمعقول أن لا يصحّ علاج من هذا القبيل في كلّ زمانٍ ومكان. فكلّ إنسانٍ منّا قد يأخذ وصفةً معيّنة في حالةٍ مرضيّةٍ إلاّ أنّ هذه الوصفة نفسها لا يمكن أن تصبح غذاءً اعتيادياً للإنسان في كلّ زمانٍ ومكان.

فحينما تكون النبوّة في طبيعة تركيبها قد جاءت لعلاج مرض معيّنٍ طارئ في حياة الإنسان، تكون في طبيعتها رسالةً قد صمّمت وفق هذه الحاجة. وحينما تكون النبوّة هكذا، وتدخل شوط عملها وجهادها، وتكافح وتحارب في سبيل استئصال هذا المرض الاستثنائي، بعد هذا تصبح هذه الرسالة مستنفدةً لأغراضها؛ لأنّها جاءت لمعركةٍ جزئيةٍ محدّدةٍ بظروفٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ خاصّة، وهذه المعركة انتهت بانقضاء هذه الظروف.

فمثلاً، ما يقال من أنّ المسيحيّة كانت تتّجه إلى نزعةٍ روحيّةٍ مفرطةٍ - يعني الإفراط في الروحيّة - والتركيز على الجانب الغيبي بدرجةٍ أكبر بكثيرٍ من التركيز على أيّ جانبٍ من جوانب الحياة المعاشة المحسوسة، وأنّ التركيز على الجانب الغيبي اللا منظور، والتركيز على جعل النفس منقطعةً عن كلّ علائق الدنيا، هذا التركيز الذي قامت على أساسه فكرة الرهبنة في المسيحيّة كان علاجاً لمرضٍ كان يعيشه شعب بَني إسرائيل حينما ظهرت المسيحيّة.

هذا المرض وهذا الانغماس المطلق في الدنيا وفي علائق الدنيا، وهذه الحالة النفسيّة التي كانت تجعل الإنسان اليهوديّ مشدوداً إلى درهمه، وديناره ،


ويومه، وغده... هذه الحالة كانت بحاجةٍ إلى علاج، وهذا العلاج يحاول أن ينتشل هذا الإنسان اليهودي من ضرورات يومه وغده، وتُذَكِّره بأمسه وربّه. ولهذا كان في المسيحيّة هذا النوع من الإفراط المناسب مع حالةٍ موضعيّةٍ زمانيّةٍ معيّنةٍ في التأريخ الطويل للإنسان.

أمّا هذا النوع من الإفراط حينما يؤخذ كخطٍّ عامٍّ للإنسان يعتبر شذوذاً وانحرافاً؛ لأنّه دواء للمريض، وليس طعاماً للصحيح.

فمن هذه الأسباب التي تجعل التغيير في النبوّة أمراً معقولاً، هو أنّ النبوّة تستنفد أغراضها، وتستوفي أهدافها باعتبارها رسالةً صمّمت لعلاج حالةٍ طارئةٍ وقد استنفدت أغراض العلاج.

السبب الثاني - انقطاع تراث النبوّة:

من جملة الأسباب المعقولة لتغيير النبوّة: هو ألاّ يبقى منها تراث يمكن أن يقام على أساسه العمل والبناء.

إذا افترضنا أنّ نبوّةً جاءت ومارست دورها في قيادة البشرية، وهدايتها، ووصلها بربّها، وتطهيرها من شوائبها، إلاّ أنّ هذه النبوّة بعد أن مات شخص النبيّ تولّدت ظروف وانحرافات أكلت كلّ ذلك التراث الروحي والمفاهيمي الذي خلّفه ذلك النبيّ الذي قاد تلك المعركة.

بقيت النبوّة مجرّد مسألةٍ تأريخيّة، وشعارٍ غامضٍ غائمٍ باهت، دون أن يكون هذا الشعار معبّراً عن أيّ كيانٍ فكريٍّ مفاهيميٍّ محدّدٍ في أذهان القاعدة الشعبيّة المرتطبة بتلك النبوّة.

في مثل هذا الحالة لا يمكن أن تواصل هذه الدفعة الإلهيّة المتمثّلة في تلك النبوّة عملها؛ لأنّها لا يمكن أن تواصل عملها بدون مصباح منير، بدون كتابٍ منيرٍ


على ما يصطلح عليه القرآن الكريم(١) ، وهذا الكتاب المنير عبارة عن ذلك التراث الفكري والمفاهيمي الذي يمثّل القاعدة للعمل النبوي، ويمثّل الإطار للحياة التي يقدّمها النبيّ ويدعو إليها، فإذا ماتت تلك القاعدة وذلك الإطار باضمحلال ذلك التراث، وبقيت النبوّة مجرّد مسألةٍ تأريخيّةٍ لا يوجد لها ( ما بإزاء ) - على ما يقول المناطقة - يعني لا يوجد بالفعل في حياة الناس ما يجسّد مفهوم تلك النبوّة، ومنظارها إلى الحياة، ففي مثل ذلك لا بدّ من دفعةٍ جديدةٍ لكي يُستأنف العمل، يُستأنف الشوط في سبيل إعادة البشريّة إلى ربّها، وإقامة دعائم العدل والحقّ والتوحيد على وجه الأرض.

وهذا السبب أيضاً نجده بصورةٍ كبيرةٍ في المسيحيّة بالذات؛ لأنّ المسيحيّة بعد أن غادر السيّد المسيحعليه‌السلام مسرح الدعوة والعمل لم يبقَ من المسيحية شيء حقيقي يمكن أن يُقام على أساسه العمل النبوي.

الإنجيل الذي يُحدّث عنه القرآن الكريم(٢) نفد نهائياً؛ لأنّ الإنجيل الذي يحدّث عنه القرآن الكريم كتاب أُنزل على السيّد المسيحعليه‌السلام ، لا كتاب أُلّف من قبل طلاّب السيّد المسيح.

والأناجيل(٣) التي تعيش اليوم، وكانت تعيش بالأمس، وفي ذلك الحين

____________________

(١) كقوله تعالى:( جاؤُوا بالبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالكِتابِ المُنير ) آل عمران: ١٨٤، وقوله تعالى:( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالكِتابِ المُنير ) فاطر: ٢٥،( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنيرٍ ) الحجّ: ٨.

(٢) في قوله تعالى:( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارهِمْ بِعيِسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فيهِ هُدىً وَنُورٌ... ) ، المائدة: ٤٦.

(٣) الأناجيل الأربعة: متّى ويوحنا ومرقص ولوقا.


هي كتب ألّفها طلاّب السيّد المسيح على أفضل التقادير. فالرسالة المتمثّلة في الكتاب السماوي قد انطفأت، والحواريون كانوا من حيث القلّة والتشتّت والاضطراب الذهني ما يجعلهم غير قادرين على حماية التراث الباقي في أذهانهم من السيّد المسيحعليه‌السلام ؛ بدليل مراجعة هذه الأناجيل التي كتبوها، فإنّ هذه الأناجيل لا تحمل في الحقيقة إلاّ سيرة السيّد المسيحعليه‌السلام ، وعلى الأقلّ أكثر من تسعين بالمئة منها تنقل سيرة السيّد المسيحعليه‌السلام مع إبراز الجانب الغيبي والمعاجزي من هذه السيرة.

إذن لم يبقَ من السيّد المسيحعليه‌السلام بعد انتهاء دوره على المسرح حصيلة مضيئة يمكن أن يقام على أساسها، وعلى المدى الطويل العمل النبوي، إذ لم تبقَ إلاّ فكرة غائمة غامضة عن إنسانٍ أتى ليصلح وقال وعلّم ثمّ انتهى. أمّا أنّه ماذا قال ؟ وكيف انتهى ؟ وماذا خلّف ؟ وما هي شريعته ؟ كلّ هذا يبقى غائماً غامضاً.

ولهذا مُلئ بالتدريج، وبأيدٍ بشريّة، أي بالأيدي البشرية التي تزعّمت بعد هذا المسيحيين، ملئت هذه الفراغات الكبيرة التي تركها السيّد المسيحعليه‌السلام خاصّةً بعد أن أصبحت المسيحية رومانيةً ودخلت الإمبراطورية الرومانية في الديانة المسيحية رسميّاً أوّلاً، وشعبيّاً ثانياً(١) .

في مثل هذه الحالة أصبحت هذه الفراغات تُملأ بأيدٍ بشرية؛ لأنّها أدركت بأنّ هذه الوصفة العلاجية فيها فراغات كبيرة، ولا يمكن أن تقدّم مع هذه الفراغات إلى الناس.

__________________

(١) استطاعت النصرانية أن تولّي قسطنطين إمبراطوراً على الدولة الرومانية سنة ( ٣٠٥ م )، بعدها أصبحت الإمبراطورية الرومانية تدين بالنصرانية. راجع قصّة الحضارة ١١: ٣٨٢ وما بعدها.


إذن، هذا أيضاً من الأسباب المعقولة لتغيير النبوّة، وهي ألاّ يبقى من ذلك النبيّ تراث حيّ يمكن أن يقام على أساسه العمل وترتكز بموجبه الدعوة إلى الله.

السبب الثالث - محدوديّة نفس النبيّ:

ومن الأسباب التي يمكن أن يقام على أساسها التغيير في النبوّة: هو أن تكون الرسالة التي هبطت على النبيّ محدودةً باعتبار محدودية نفس النبيّ.

النبيّ، وإن كان مفهوماً عامّاً إلاّ أنّ هذا المفهوم العامّ - على ما يقوله المناطقة - يصدق على أفراده بالتشكيك.

هناك - على ما تقول الروايات(١) - نبيّ للبشرية، ونبيٌّ للجماعة، ونبيٌّ للقبيلة، ولذا فإنّ النبوّات تختلف معاً من حيث السعة والضيق باختلاف طبيعة النبيّ نفسه، وباعتبار مستوى كفاءة القيادة الفكريّة والعمليّة في شخص النبيّ.

فمحدودية الكفاءة القيادية في المجالين الفكري والعملي ممّا يؤثّر في تحديد الرسالة التي يحملها النبيّ؛ لأنّ كلّ إنسانٍ على الأرض لا يمكن أن يحمل رسالة يحارب ويدافع ويجاهد عنها - حقيقة - إلاّ إذا كان مستوعباً لها استيعاباً كاملاً شاملاً، وهذا الاستيعاب الكامل الشامل يتطّلب من هذا الداعية أن يكون على مستوى هذه الرسالة.

ومن الواضح أنّ الأنبياء كغيرهم من الناس يتفاوتون في درجات تلقّيهم للمعارف الإلهيّة عن طريق الوحي من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا كانت بعض الرسالات محدودةً بحكم محدودية قابلية الأنبياء أنفسهم، حيث إنّ هذا النبيّ

____________________

(١) راجع بحار الأنوار ١١: ٥١، باب معنى النبوّة وعلّة بعثة الأنبياء، الحديث ٤٩، وكنز العمّال ١١: ٤٣٧، الحديث ٣٢٠٥٨.


ليس مؤهّلاً لأن يحمل هموم البشريّة على الإطلاق وفي كلّ زمانٍ ومكان، بل هو مهيَّأٌ لأن يحمل هموم عصره فقط، أو هموم مدينته فقط، أو هموم قبيلته فقط؛ لأنّ ذلك الشخص الذي يحمل هموم البشرية، ويعيش مشاكلها على الإطلاق ليكتوي بنارها ليس إلاّ الدرجة العالية من الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى من الأنبياء والأوصياء.

فإذا كانت النبوّة محدودةً بطبيعة قابليّات هذا النبيّ كان لا بدّ في خارج هذه الحدود الزمانيّة أو المكانيّة من نبوّةٍ أُخرى تمارس عملها في سبيل الله.

السبب الرابع - تطوّر الإنسان المدعوّ:

وأخيراً من جملة الأسباب التي تدعو إلى تغيير النبوّة: هو تطوّر الإنسان ( المدعوّ )، لا محدودية الإنسان ( الداعي ) كما بيّنّا فيما سبق، وكون الإنسان المدعوّ يتصاعد بالتدريج لا بالطفرة، وينمو على مرّ الزمن في أحضان هذه الرسالات الإلهيّة فيكتسب من كلّ رسالةٍ إلهيّةٍ درجةً من النموّ تهيّئُهُ وتعدّه لكي يكون على مستوى الرسالة الجديدة، وأعبائها الكبيرة، ومسؤوليّاتها الأوسع نطاقاً.

وفكرة التطوّر هنا لا بدّ وأن تحدّد - إجمالاً - معالمها، وملامحها:

ملامح فكرة التطوّر:

هنا يمكننا أن نبرز ثلاثة خطوطٍ رئيسيةٍ يتطوّر على أساسها الإنسان؛ إلاّ أنّ عامل التطوّر في النبوّة يرتبط بالتطوّر في خطّين من هذه الخطوط الثلاثة، ولا يرتبط بالخطّ الثالث من هذه الخطوط.


وهذه الخطوط الثلاثة هي:

١ - خطّ وعي التوحيد.

٢ - خطّ المسؤولية الأخلاقية لحمل أعباء الدعوة.

٣ - خطّ السيطرة على الكون والطبيعة.

النبوّة ترتبط بالواقع بالخطّين ( الأوّل والثاني ) من هذه الخطوط الثلاثة، أي بالوعي التوحيدي عند الإنسان، وبالمسؤوليّة الأخلاقية لحمل أعباء الدعوة، ولا ترتبط النبوّة بالخطّ الثالث من خطوط التطوّر، وهو مدى سيطرة الإنسان على عالم الطبيعة والكون؛ ذلك لأنّ النبوّة تستهدف أن تصنع الإنسان من داخله، وتستهدف أن تصنع للإنسان قاعدةً فكريةً يقوم على أساسها بناؤه ( الداخلي )، ثمّ تقيم على أساس هذا البناء ( الداخلي ) البناء ( الخارجي ) للإنسان.

الخطّ الأوّل - وعي التوحيد:

وهذه القاعدة الأساسية التي تقوم على أساسها البناء الداخلي للإنسان وبالتالي البناء الخارجي هي ( التوحيد )، وربط الإنسان بكامل مراحل وجوده وجوانب حياته بربٍّ واحدٍ أحد.

هذه الفكرة هي القاسم المشترك بين كلّ النبوّات التي عاشها الإنسان منذ أن خلقه الله على وجه الأرض(١) .

إلاّ أنّ فكرة( التوحيد ) ليست ذات درجةٍ حدّية، وإنّما هي بنفسها ذات درجاتٍ من العمق والأصالة، والتركيز، والترسيخ، ولذا فهي ذات درجات

____________________

(١) كما جاء في قوله تعالى:( وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أنَا فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء:٢٥.


متفاوتة.

وكان لا بدّ بمقتضى الحكمة الإلهية أن يُهيّأ الإنسان لها بالتدريج، هذا الإنسان الذي غرق بمقتضى تركيبه العضوي والطبيعي في حسّه ودنياه؛ حينما يُدعى إلى فكرة التوحيد لا بدّ أن يُنتزع من عالم حسّه ودنياه بالتدريج لكي ينفتح على فكرة التوحيد التي هي فكرة الغيب.

فالغيب يجب أن يُعطى له على مراحل، وعلى درجات، وكلّ درجةّ تهيِّئ ذهنه لتلقّي التوحيد على الدرجة الأخرى.

نحن بإمكاننا بالالتفات إلى فكرة التوحيد المعطاة في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم أن نفهم هذا المعنى كمثال، التوراة والإنجيل والقرآن كلّ هذه الكتب تعطي فكرة التوحيد، وعندما أقول: التوراة، والإنجيل أقصد التوراة والإنجيل اللَذين بين أيدينا اليوم، لأنّهما على أيّ حالٍ يصوّران الفكرة الدينية في شعب موسىعليه‌السلام ، وشعب عيسىعليه‌السلام ، ولا شكّ في أنّهما يحتفظان بجزءٍ من النصّ الديني إلى حدٍّ قليلٍ أو كثيرٍ خاصّةً في التوراة.

ولهذا يمكن أن نستلهم من الكتابين في سبيل تقدير وتحديد الروح الدينية العامّة للمرحلتين، مرحلتين من مراحل حياة الإنسان التي عاشها مع النبوّة.

بطبيعة الحال نجد فارقاً بالدرجة، وتطوّراً في مفهوم ( التوحيد ) المُعطى.

فكرة التوحيد في التوراة:

فبينما ( التوحيد ) في ( الكتاب الأوّل ) يقوم على أساس إعطاء ( إله )، هذا الإله لا يستطيع الكتاب أن ينتزع عنه الطابع القومي المحدود، فيشدّ هذا الإله إلى


جماعة معيّنةٍ، إلى شعبٍ معيّن؛ الشعب الذي قُدّر أن تنزل الرسالة فيه، وأن يكون النبيّ منه، فكانت التوراة باستمرارٍ تقدّم الإله في إطارٍ قوميٍّ كأنّه إله هؤلاء في مقابل الأصنام والأوثان التي هي آلهة الشعوب والقبائل الأخرى، فلم تقل التوراة بشكلٍ صريحٍ وعميقٍ لهؤلاء: إنّ هناك إلهاً واحداً للجميع، وإنّ هذه الأوثان والأصنام يجب أن ترفضها البشريّة، وإنّما كأنّها عوضّت هؤلاء بالخصوص عن صنمٍ ووثنٍ معيّنٍ بإلهٍ يعبدونه بدلاً عن هذا الصنم، هذا الشيء الذي بعث في نفوس هؤلاء القوم تأريخيّاً الشعور بالاعتزاز، والشعور بالزهو والخيلاء على بقيّة الشعوب الأُخرى، هذا الشعور الذي لم يوجد في شعوبٍ متأخّرةٍ نزلت فيها نبوّات التوحيد؛ على أساس أنّ الإله الذي أعطي إليهم كان إلهاً مشوباً بشيءٍ من المحدوديّة والطابع القومي؛ فخيّل لهم على مرّ الزمن أنّهم يحتكرون ( الله ) لأنفسهم؛ بينما الشعوب والقبائل الأخرى هي ذات آلهةٍ شتّى، وأصنامٍ شتّى. ويُشير القرآن الكريم إلى فكرة الاحتكار التي كان يعتقدها اليهود بالنسبة إلى الله تعالى(١) .

فكرة التوحيد في الإنجيل:

في ( الكتاب الثاني ) صُعدّت فكرة ( الله ) مرتبة، وذلك لأنّ الطابع القومي

____________________

(١) ورد في القرآن قوله تعالى:( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) المائدة: ١٨. وقوله تعالى:( قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ... ) الجمعة: ٦. وقوله تعالى:( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى... ) البقرة: ١١١. وقوله تعالى:( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ) البقرة: ١٣٥.


انتزع عن هذه الفكرة، أصبح ( الإله ) المقدّم من قبل تلامذة السيّد المسيحعليه‌السلام للعالم أجمع إلهاً عالمياً لا فرق فيه بين شعب وشعب، إلاّ أنّ هذا الإله هو إله العالم على الإطلاق لم يغادر منطقةً قريبة من ذهن الإنسان المحسوس، ولم يُجرَّد تجريداً كاملاً عن عالم الحسّ؛ بل بقي على صلةٍ وثيقةٍ جدّاً بالإنسان الحسّي كأنّه أبوه، وبهذا يُعبَّر في الأناجيل كثيراً عن الإنسان بأنّه: ( ابن الله ).

المسيحيّة الرسمية تفسّر هذا الإنسان ب-( عيسى بن مريم ) لكن لا أظنّ أن يقصد به هذا.

الأناجيل تعبّر عن أيّ إنسانٍ بأنّه ( ابن الله ) لا عن( عيسى بن مريم ) بالخصوص أنّه ابن الله؛ لأنّها تعطي عن الله فكرة الأب الواحد للجماعة البشرية، لا فكرة الخالق السيّد المطلق المقتدر، الواهب الكبير. فكرة أبٍ له أبناء، هؤلاء الأبناء لهم لغات شتّى، ولهم اتّجاهات شتّى، ولهم مذاهب شتّى، ولهذا يجب أن يتآخوا، لأنّهم أبناءٍ أبٍ واحد.

فكرة التوحيد في القرآن:

بينما( الكتاب الثالث ) القرآن الكريم كتاب نبيّ الإسلام، يعطي فكرة التوحيد بأنصع وأوسع ما يمكن من التنزيه الذي يبقى محتفظاً بقدرته على تحريك الإنسانية؛ لأنّه يجرّد هذه الفكرة عن طابع ( الأبوّة ) والعلائق المادّية مع الإنسان على الإطلاق، يجرّد ( الله ) عن أيّ علاقةٍ مادّيةٍ مع أيّ إنسانٍ حتّى مع أشرف إنسانٍ على وجه الأرض، مع صاحب الرسالة بالذات؛ محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

يقف النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله - في لغة القرآن - بين يدي الله عبداً ذليلاً خاضعاً


يتلّقى الأوامر، وليس له إلاّ أن يطيع، وإلاّ أن ينفّذ حرفيّاً(١) .

مثل هذه الفكرة هي أقصى ما يمكن أن يصل إليه التنزيه، والتعميق، والترسيخ في فكرة ( التوحيد )، مع الحفاظ على فاعلية الفكرة، وعلى محرّكيتها.

هذا الخطّ ( خطّ وعي التوحيد ) وفكرة التوحيد هو أوّل الخطوط التي تتغيّر على أساسه ( النبوّات )؛ لأنّ هذا الخطّ هو القاعدة الأساسية التي تعمل بموجبها كلّ النبوّات، فمهما صعدت درجة الوعي لهذه القاعدة يجب أن تعطى لها الصيغة المعمّقة لها أكثر.

الخطّ الثاني - المسؤولية الأخلاقية للدعوة:

الخطّ الثاني هو خطّ تحمّل أعباء المسئولية الأخلاقية للدعوة، يعني كون الإنسان بالغاً إلى درجةٍ تؤهلّه لأن يتحمّل أعباء دعوةٍ لها ضريبتها، وواجباتها، وآلامها، وهمومها.

مثل هذا التحمّل أيضاً له درجات، ولا يستطيع الإنسان بالطفرة أن يصل إلى درجة تحمّل أعباء الرسالة العالمية الواسعة غير محدودة الزمان والمكان، لم يستطع أن يصل لذلك بالطفرة، وإنّما استطاع أن يصل إليه بالتدريج، وعبر مرانٍ طويلٍ على تحمّل المسئوليات البشريّة.

____________________

(١) كما جاء في قوله تعالى:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ) الحاقّة: ٤٤ - ٤٥ و( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) النجم: ٣ - ٥، و( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) المائدة: ٦٧، و( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) المائدة: ٤٩، وغيرها.


بقي يتحمّل المسئوليات عبر مرانٍ طويل، ونما خلال المران الطويل حتّى استطاع أن يتحمّل مسئوليةً رساليةً لا حدّ لها، ممتدّةً مع الزمان والمكان، وإلاّ فأيّ مسئولياتٍ كانت تتحمّلها أُمم الأنبياء السابقين، الأُمم التي انكشف تأريخها أمامنا اليوم، أُمم( موسى ) و( عيسى ) مثلاً ؟

نحن بالمقارنة بين أُمم موسى وعيسىعليهما‌السلام والمسئوليات التي تحمّلتها الأُمّة الإسلامية حينما نزل الوحي على النبيّ محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرسالة الخاتمة، بالمقارنة بينها نكتشف وجود درجةٍ كبيرةٍ في الفارق بينها في تحمّل المسئوليات، وهذه الدرجة الكبيرة في تحمّل المسئولية تعبّر عن نحو الاستعداد على مرّ الزمن.

موسى عليه‌السلام مات وشعب بني إسرائيل في التيه، توّج حياته وجهاده وتضحياته بأن مات وشعب بني إسرائيل في التيه؛ لأنّ الله كتب عليهم التيه أربعين سنة(١) ؛ لأنّهم لم يستجيبوا لمتطلّبات الرسالة، لم يستجيبوا أبداً لما تقتضيه رسالة موسى بالنسبة إليهم، حتّى خلّفهم موسىعليه‌السلام حيارى ومات.

أين هذه من اُمّةٍ حملت أعباء الرسالة ؟ اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الخطّ الثالث - سيطرة الإنسان على الطبيعة:

الخطّ الثالث وهو خطّ سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة. هذا الخطّ خطّ متطوّر قبل الإسلام وبعد الإسلام، ولن يقف عند مرحلةٍ من المراحل على الإطلاق.

الإنسان سوف لن تقف سيطرته - بإذن الله - عند مرحلةٍ من مراحل

____________________

(١) كما في قوله تعالى:( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ... ) ، المائدة: ٢٦.


الاستيلاء على الكون والطبيعة، وإن انتهى استيلاؤه على الأرض فلسوف يفكّر بالاستيلاء على بقيّة الكواكب، وعلى جميع أبعاد الكون.

إذن فهو في نموّ مستمرّ لا ينقطع، ولا توضع له حدود مفترضة من هذه الناحية.

فلو كانت النبوّة مرتبطةً بهذا الخطّ أيضاً لتحتمّ أن تتغيّر النبوّات على مرّ الزمن وإلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة، ولكنّ النبوّة غير مرتبطةٍ بهذا الخطّ؛ لأنّ النبوّة لم تأتِ إليه لكي تأخذه بيده في مجال السيطرة على الكون والطبيعة، وإنّما جاءت لتصنع من هذا الإنسان المسيطر على الكون والطبيعة بالدرجة التي تهيِّئه له هذه الظروف - الظروف الموضوعية - وأن تجعل من هذا الإنسان إنساناً فاضلاً نبيلاً مدبّراً حكيماً، سواء أكانت سيطرته على الطبيعة تهيّئهُ لأن ينتقل من بلدٍ إلى بلدٍ على رجليه، أو على الجمل، أو في الطائرات، أو في الصواريخ.

على جميع هذه التقادير، وفي جميع هذه المراحل، التي تعبّر عن درجات سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة، النبوّة لا يختلف دورها وطبيعة رسالتها.

ومن هنا كان من الحتم أن تتغيّر النبوّة بين الحين والحين وفقاً للخطّ الأوّل والثاني، ولم يكن من الحتم أن تتغيّر وفقاً للخطّ الثالث.

ولكّنا - نحن المسلمين - نعتقد بأنّ الخطّين الأوّل والثاني اللذَين تُربط بهما التغيّرات في النبوّة، هذان الخطّان لهما حدّ نهائي يصل إليه الإنسان، وهذا الحدّ النهائي هو الحدّ الذي وصل إليه الإنسان حينما جاء الإسلام.

الإسلام كرسالةٍ شاملةٍ كاملةٍ عامةٍ للحياة، هذه الرسالة جاءت على أبواب وصول الإنسان إلى رشده الكامل من ناحية استعداده لتقبّل وعي توحيدي صحيح شامل كامل، ومن ناحية تحمّله لمسؤوليّة أعباء الدعوة.


ونحن باستقرار تأريخنا المنظور منذ جاء الإسلام إلى يومنا هذا لا نجد أيّ تغيّرٍ حقيقيٍّ في هذين الخطّين، لا في مدى اتّساع الوعي التوحيدي عند الإنسان، ولا في اتّساع التحمّلات الأخلاقية لأعباء الدعوة.

نعم، نجد التغيّر الواسع جدّاً في الخطّ الثالث الذي يُعتبر خارج نطاق عمل النبوّة ورسالتها.


فكرة موجزة عن الوحي



بسم الله الرحمن الرحيم

انقطاع الوحي:

اليوم نجتمع بمناسبة أعظم فاجعةٍ مرّت على تأريخ البشريّة على الإطلاق، بمناسبة الفاجعة المزدوجة التي مثّل الجزء الأوّل منها انقطاع الوحي في تأريخ النوع البشري، هذه الظاهرة التي لم يعرف الإنسان في تأريخه الطويل الطويل ظاهرةً يمكن أن تماثلها، أو أن تناظرها في القدسيّة والجلال والأثر في حياة الإنسان وتفكيره.

ويمثّل الجزء الآخر من الفاجعة الانحراف داخل المجتمع الإسلامي على يد المؤامرة التي قام بها جناح من المسلمين بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فانحرف بذلك الخطّ عمّا كان مقرّراً له من قِبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن قِبل الله سبحانه وتعالى.

أحداث ما بعد الفاجعة:

كان هذا اليوم المشئُوم بداية انحرافٍ طويل، ونهاية وحيٍ طويل، ونهاية عهدٍ سعيدٍ بالوحي، تمثّل في مئةٍ وأربعةٍ وعشرين ألف نبيٍّ كما في بعض

____________________

(*) ألقيت في ٢٨ صفر ١٣٨٥ ه- في مقبرة آل ياسينرحمه‌الله في النجف الأشرف عصراً.


الروايات(١) .

وكان بداية ظلامٍ ومحنٍ ومآسٍ، وفواجع وكوارث من ناحيةٍ أخرى، تمثّل في ما أعقب وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أحداث في تأريخ العالم الإسلامي، هذه الأحداث المرتبطة ارتباطاً شديداً وقويّاً بما تمّ في هذا اليوم من الفاجعة، على ما في زيارة الجامعة التي نقرؤها:

بيعتهم التي عمّ الإسلام شؤمها، وزرعت في قلوب الأمّة الآثام، وعقّت سلمانها، وطردت مُقدادها، ونَفَت جنديها، وفتحت بطن عمّارها، وأباحت الخمس للطلقاء وأولاد الطلقاء، وسلّطت اللعناء على المصطفين الأخيار، وأبرزت بنات المهاجرين والأنصار إلى الذلّة والمهانة، وهدّمت الكعبة، وأباحت المدينة، وخلطت الحلال بالحرام. إلى غير ذلك من الأوصاف التي نعت بها الإمامعليه‌السلام (٢) .

الجزء الثاني من الفاجعة الذي تمّ في هذا اليوم، هذا الجزء الثاني من الفاجعة تحدّثنا عنه خلال الكلام عن حياة الأئمةعليهم‌السلام ، وسوف نتحدّث عنه خلال كلامنا عند مناسباتٍ أخرى في حياة الأئمةعليهم‌السلام .

والآن نقتصر على الجزء الأوّل من هذه الفاجعة، يعني ننظر إلى الحدث الواقع في هذا اليوم بوصفه حدثاً قد وضع حدّاً لتلك الظاهرة العظيمة، التي اقترنت مع هبوط الإنسان على وجه الأرض، ظاهرة الوحي، ظاهرة ارتفاع الإنسان وتفانيه للاتّصال المباشر بالله سبحانه وتعالى.

ففي مثل هذا اليوم وضع حدّ نهائي لهذه الظاهرة المباركة الميمونة، وفي

____________________

(١) الخصال ( للصدوق ) ٢: ٥٢٤.

(٢) بحار الأنوار ١٠٢: ١٦٦، كتاب المزار، الباب ٨، باب الزيارات الجامعة...، الحديث ٦.


بعض الروايات: أنّ جبرائيلعليه‌السلام حينما ارتفع مع ملائكة السماء بروح محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربّها راضيةً مرضيّةً، التفت إلى الأرض مودّعاً، ثمّ طار إلى سماوته(١) ، هذا اليوم كان هو يوم انقطاع الإنسانية عن الاتّصال المباشر بالله سبحانه وتعالى في انتهاء حياة خاتم الأنبياء والمرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبهذه المناسبة أُريد أن أُعطي فكرةً موجزةً على مستوى بحث اليوم عن الوحي الذي انقطع في مثل هذا اليوم. الوحي الذي يتمثّل في اتّصال خاصٍّ بين الإنسان وبين الله، هذا الوحي هو ضرورة من ضروريات تخليد الإنسان على وجه الأرض. وبهذا خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، وأودعه الاستعداد الكامل، والأرضيّة الصالحة بإفاضة هذه الموهبة من الله سبحانه وتعالى ضمن شروط وظروفٍ موضوعيّةٍ وذاتيّةٍ معيّنة.

الحسّ وأثره في تربية الإنسان:

والآن أُريد أن أدرس جانباً واحداً من ضرورة الوحي، لأنّ ضرورة الوحي يمكن أن توضع في قبال جانبين في الإنسان. ونحن الآن نقتصر على أحد الجانبين.

الإنسان خلق حسيّاً أكثر منه عقليّاً، خلق ليتفاعل مع حسّه أكثر ممّا يتفاعل مع عقله، يعني أنّ النظريّات والمفاهيم العقليّة العامّة في إطارها النظري، هذه المفاهيم حتّى لو آمن بها الإنسان إيماناً عقليّاً، حتّى لو دخلت إلى ذهنه دخولاً نظريّاً، مع هذا لا تهزّه، ولا تحرّكه ولا تبنيه، ولا تزعزع ما كان فيه، ولا تنشئه من

____________________

(١) بحار الأنوار ٢٢: ٥٠٥، تاريخ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الباب ٢، باب وفاته وغسله والصلاة عليه ودفنهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الحديث ٤.


جديد إلاّ في حدودٍ ضيّقةٍ جدّاً. على العكس الحسّ، فإنّ الإنسان الذي يواجه حسّاً ينفعل بهذا الحسّ، وينجذب إليه، وينعكس هذا الحسّ على روحه، ومشاعره، وانفعالاته، وعواطفه بدرجةٍ لا يمكن أن يقاس بها انعكاس النظريّة العقليّة، والمفهوم المجرّد عن أيّ تطبيقٍ حسّي. وليس من الصدفة أنّ كان الإنسان على طول الخطّ في تأريخ المعرفة البشريّة أكثر ارتباطاً بمحسوساته من معقولاته، وأكثر تمسّكاً بمسموعاته، ومنظوراته من نظرياتّه، فإنّ هذا هو طبيعة التكوين الفكري والمعرفي عند الإنسان. وليس من الصدفة إثبات حقّانيّة أيّ دينٍ بالمعجزة، وكانت أكثر معاجز الأنبياء على مستوى الحسّ، لأنّ الإنسان يتأثّر بهذا المستوى أكثر ممّا يتأثّر بأيّ مستوىً آخر.

إذن فالإنسان بحسب طبيعته، وجهازه المعرفي، وتكوينه النظري، خُلق حسّياً أكثر منه عقليّاً مع هذا المستوى من الانخفاض من المعرفة، أكثر ممّا هو متفاعل مع المستوى النظريّ المجرّد من المعرفة، وهذا يعني أنّ الحسّ أقدر على تربية الإنسان من النظر العقليّ المجرّد لو تُرك الإنسان إلى نظره العقليّ المجرّد، وإلى حسّه المجرّد، يعني إلى ما يتّفق له من حسّ، وما يتّفق له من نظر، فسوف يسيطر الحسّ عليه أكثر ممّا يسيطر عليه النظر، سوف يهيمن عليه حسّه، ويحتلّ من جوانب وجوده وشخصيّته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر ممّا يحتلّ العقل ( المفهوم النظريّ المجرّد).

الحسّ هو المربّي الدرجة الأُولى للإنسان، هذا مزاجه وهذا وصفه. والعقل هو المربّي الدرجة الثانية، هذا وصفه وهذا مزاجه.

بناءً على هذه الحالة لا بدّ للإنسان من حسٍّ مُربٍّ زائداً على العقل، والمدركات العقليّة الغائمة الغامضة التي تدخل إلى ذهن الإنسان ذا قوالب محدّدةٍ


وغير واضحةٍ ومكتنفةٍ بدرجةٍ كبيرةٍ من الأُمور.

إضافةً إلى هذه القوالب كان لا بدّ لكي يربّي الإنسان على أهداف السماء، على مجموعة من القيم والمثل والاعتبارات كان لا بدّ من أن يكون له مربٍّ حسّي، كان لا بدّ من أن يربّى على أساس الحسّ، وهذا هو السبب في أنّ أيّ إنسانٍ وأيَّ حضارةٍ وأيّ مدنيّةٍ انقطعت عن السماء لم يربّها العقل. بل كلّ الحضارات التي عرفها تأريخ النوع البشري إلى يومنا هذا، إلى حضارة الإنسان الأوروبي اليوم التي تحكم العالم ظلماً وعدواناً، كلّ هذه الحضارات التي انقطعت عن السماء ربّاها العقل؛ لأنّ الحسّ هو المربّي الأوّل دائماً، فكان لا بدّ لكي يمكن تربية الإنسان على أساس الحسّ، لكن على أساس حسٍّ يبعث في هذا الإنسان إنسانيّته الكاملة الممثّلة لكلّ جوانب وجوده الحقيقيّة، كان لا بدّ من خلق حسٍّ في الإنسان يدرك تلك القيم والمثل والمفاهيم، ويدرك التضحية في سبيل تلك القيم والمثل إدراكاً حسيّاً لا إدراكاً عقلانياً بقانون الحسن والقبح العقليّين فقط، بل يدركهما كما ندرك محسوساتنا ومسموعاتنا ومبصراتنا.

وهذا معنى ما قلناه من أنّ ضرورة الإنسانية، ضرورة الإنسان في خطّ التربية تفرض أن يودع في طبيعة تكوينه وخلقه أرضيةً صالحةً لأن تكون مثل هذا الحسّ، لأن تكوّن حسّاً بحسن العدل، بقبح الظلم، بآلام المظلومين، لأن تكوّن حسّاً بكلّ ما يمكن للعقل إدراكه، وما لا يمكن للعقل إدراكه من قيمٍ ومثلٍ واعتبارات.

وهذه الأرضيّة أو هذا الاستعداد الكامل الذي كان لا بدّ من خلقه في طبيعة الإنسان، هذا الاستعداد الوحي، هو استعداد الارتباط المباشر بالله


سبحانه وتعالى، لكي تنكشف كلّ الحجب، كلّ الستائر عن كلّ القيم، وكلّ المثل وكلّ هذه الاعتبارات والأهداف العظيمة، لكي ترى رؤية العين وتسمع سماع الأُذن، لكي يلمسها بيده ويراها بعينه، يشمّها، يذوقها.

كان لا بدّ من أن توجد هذه البذرة، بذرة مثل هذا الحسّ في النوع البشري، إلاّ أنّ وجدان هذه البذور في النوع البشري لا يعني أنّ كلّ إنسانٍ سوف يصبح له مثل هذا الحسّ، سوف ينفتق إدراكه عن مثل هذا الحسّ، وإنّما يعني أنّ الإمكانية الذاتية موجودة فيه، إلاّ أنّ هذه الإمكانية لم تخرج إلى مرحلة الفعليّة إلاّ ضمن شروطها وظروفها وملابساتها الخاصّة كأيّ إمكانيةٍ أخرى في الإنسان.

هناك شهوات وغرائز موجودة في الإنسان منذ يخلق وهو طفل، ولكنّه لا يعيش تلك الشهوات والغرائز إلى مراحل متعاقبةٍ من حياته، فإذا مرّ بمراحل متعاقبةٍ من حياته تفتّحت تلك البذور، حينئذٍ أصبح يعيش فعليّة تلك الشهوات والغرائز، هذا على مستوى تلك الغرائز، كذلك على مستوى هذا الحسّ الذي هو أشرف وأعظم وأروع ما أُودع في طبيعة الإنسان، هذا قد لا يعيشه مئات الملايين من البشر في عشرات الآلاف من السنين، قد لا ينفتح، يبقى مجرّد استعدادٍ خامٍ وأرضيّةٍ ذاتيةٍ تمثّل الإمكان الذاتي لهذه الطبيعة فقط دون أن تنفتح عن وجود مثل هذا الحسّ؛ لأنّ تفتّحه يخضع لما قلناه من الملابسات والشروط التي لها بحث أوسع من كلامنا اليوم.

مراتب الحسّ:

هذه الأرضيّة تصبح أمراً واقعيّاً في أشخاصٍ معيّنين يختصّهم الله تبارك وتعالى بعنايته ولطفه واختياره، وهؤلاء هم الأنبياء، وهم المرسلون الذين يرتفعون إلى مستوى أن تصبح المعقولات الكاملة محسوساتٍ لديهم، يصبح كلّ


ما نهمه وما لا نفهمه عقليّاً من القيم والمثل يصبح أمراً حسّياً لديهم، يحسّونه ويسمعونه ويبصرونه؛ ذلك أنّ الأفكار التي ترد إلى ذهن الإنسان تارةً ترد إلى ذهن الإنسان وهو لا يدرك إدراكاً حسّياً مصدر هذه الأفكار. الأفكار التي ترد إلى الإنسان كلّنا نؤمن بأنّها أفكار بقدرة الله وعنايته وردت إلى ذهن الإنسان وإلى فكره، لكنّ إيماننا بذلك إيمان عقلي نظري لا أنّنا نحسّ هذا دائماً. نؤمن به إيماناّ نظريّاً عقليّاً بأنّ الله تعالى هو مصدر العلم والمعرفة والأفكار الخيّرة في ذهن الإنسان؛ ولهذا أيّ فكرةٍ من هذا القبيل تطرأ في ذهن الإنسان نؤمن عقليّاّ بأنّها من الله سبحانه وتعالى.

لكن هناك فرق كبير بين حالتين، بين حالة أن ترد فكرة إلى ذهن إنسانٍ فيحسّ هذا الإنسان بأنّ هذه الفكرة أُلقيت إليه من أعلى، بحيث يدرك إلقاءها من أعلى، كما تدرك أنت الآن أنّ الحجر وقع من أعلى، أنّ قطرة المطر وقعت من أعلى، يدرك هذا بكلّ حسّه وبكلّ سمعه وبصره، يدرك أنّ هذه القطرة، هذا الفيض، هذا الإشعاع قد وقع عليه من أعلى، اُلقي عليه من قبل الله تعالى.

وأخرى لا يدرك هذا على مستوى الحسّ، يدركه عقليّاً لكن لا يدرك حسّياً، يدرك أنّ هناك فكرةً تعيش في ذهنه نيّرةً خيّرة لكنّه لم يرَ بعينه، لم يرَ بأنّ هناك يداً قذفت بهذه الفكرة إلى ذهنه.

الأفكار الاعتيادية التي تعيش في أذهان الناس هي من القسم الثاني، وأمّا القسم الأوّل وهي الأفكار التي تقذف في ذهن الإنسان فيتوفّر لدى ذاك الإنسان حسّ بها بأنّها قّذفت إليه من الله سبحانه وتعالى، وأُفيضت عليه من واهب الوجود، وواهب المعرفة. فهذه أيضاً على أقسام:

لأنّ هذا الإنسان تارةً قد بلغ حسّه إلى القمّة فاستطاع أن يحسّ بالعطاء الإلهي من كلّ وجوهه، من كلّ جوانبه، يسمعه ويبصره، يراه في جميع جهاته ،


يتفاعل معه بكلّ ما يمكن للحسّ أن يتفاعل مع الحقيقة، هذا هو الذي يعبّر عنه بمصطلح الروايات - على ما يظهر من بعض الروايات - بمقامٍ عالٍ من الأنبياء، مقام الرسول الذي يسمع الصوت ويرى الشخص أيضاً. ويمكن أن نفترض أنّ هناك ألواناً أخرى من الحسّ تدعم هذا الحسّ السمعي والبصري عند هذا الإنسان العظيم، فهو يحسّ بالحقيقة المعطاة من الله تعالى من جميع جوانبها، يحسّ بها بكلّ ما أوتي من أدوات الحسّ بالنسبة إليه. هذا هو الدرجة العالية من الحسّ وقابليّة الاتّصال مع العطاء الإلهي.

وأخرى يفترض أن يحسّ بها من بعض جوانبها وهو الذي عبّر عنه بأنّه يسمع الصوت ولا يرى الشخص، هذا إحساس إلاّ أنّه إحساس ناقص.

وقد يفترض أنّه أقلّ من ذلك، وهو الذي عبّر عنه في بعض الروايات بأنّه يرى الرؤيا في المنام(١) . هنا يرى شيئاً، هذه الرؤيا المنامية طبعاً تختلف عن الرؤيا في اليقظة من حيث درجة الوضوح. فهنا فارق كيفي بين الحسّ في الرؤيا المناميّة، والرؤيا في عالم اليقظة والانتباه الكامل.

هناك درجات من الحسّ، وعلى وفق هذه الدرجات وضعت مصطلحات:( الرسول ) و(النبيّ ) و( المحدَّث ) و( الإمام ) ونحو ذلك من المصطلحات، إلاّ أنّ الذي يمثّل أعلى هذه الدرجات هو الوحي المتمثّل في ملكٍ، يتفاعل معه النبيّ تفاعلاً حسّياً من جميع جوانبه، كما كان يعيش سيّد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله مع جبرائيل، هنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعيش الحقيقة الإلهيّة عيشاً حسّياً من جميع جوانبها، يعيشها كما نعيش نحن على مستوى حسّنا وجود رفيقنا وصديقنا، لكن مع فارقٍ بين هذين الحسّين بدرجة الفارق بين المحسوسين.

____________________

(١) راجع: أصول الكافي ١: ١٧٦، باب الفرق بين الرسول والنبيّ والمحدّث.


الحسّ هو المربّي للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

هذا الحسّ هو الذي استطاع أن يربّي شخص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واُعدّ لكي يكون الممثّل الأوّل والرائد الأوّل لخطّ هذه القيم والمثل والأهداف الكبيرة، يعني هذا الحسّ قام بدور التربية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه استنزل القيم والمثل والأهداف والاعتبارات العظيمة، استنزلها من مستواها الغائم المبهم، من مستواها الغامض العقلي، من مستوى النظريات العموميّة، فأعطاها معالم الحسّ التي لا ينفعل الإنسان - كما قلنا - بقدر ما ينفعل بها. فبهذا تصبح هذه الصورة المحسوسة التي هبطت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على أيٍّ من الأنبياء، تصبح هذه الصورة ملء وجوده، ملء روحه، ملء كيانه، تصبح همّه الشاغل له ليله ونهاره؛ لأنّها هي أمامه، هو يراها، ويحسّها، هو يلمسها ويشمّها بأروع ممّا نلمس ونشمّ ونسمع ونبصر.

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الحسّ المربّي للآخرين:

ثمّ هذا الشخص الذي استطاع أن يربّيه الحسّ القائم على الوحي يصبح هو حسّاً مربّياً للآخرين، فالآخرون من أبناء البشريّة الذين لم تُتِح لهم ظروفهم وملابساتهم وعناية الله أن يرتفعوا هم إلى مستوى هذا الحسّ، الذين لم يتح لهم هذا الشرف العظيم، سوف يتاح لهم الحسّ لكن بالشكل غير المباشر، حسّ بالحسّ، لا حسّ بالحقيقة الإلهيّة مباشرة، حسّ بالمرآة الحقيقية الإلهيّة، انعكست عليها هذه الحقيقة الإلهية، يعني المعطى الإلهي، الثقافة الإلهيّة، الثقافة الإلهيّة انعكست على هذه المرآة، والآخرون يحسّون بهذه المرآة، بينما النبيّ نفسه كان يحسّ مباشرةً بتلك الثقافة الإلهيّة بما هي أمرٌ حسّي، لا بما هي أمرٌ نظريّ. أمّا نحن نحسّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بما هو رجلٌ عظيم، بما هو رجل استطاع أن يثبت للبشريّة


أنّ هناك اعتباراً وهدفاً فوق كلّ المصالح والاعتبارات، فوق كلّ الأنانيّات، فوق كلّ الأمجاد المزيّفة والكرامات المحدودة. أنّ هناك إنساناً لا تنفد طاقته إذا ربط طاقته بطاقة الله، أنّ هناك إنساناً لا ينقطع نفَسه إذا كان دائماً يسير على خطّ رسالة الله سبحانه وتعالى، هذا المضمون الذي للإنسان أن يدركه عقليّاً، هذا المضمون الذي حشّد أرسطو وأفلاطون مئات الكتب بالبرهنة العقليّة عليه، هذا على إمكانية استمداد المتناهي من اللا متناهي، هذا المعنى أصبح لدى البشريّة أمراً محسوساً، خرج من نطاق أوراق أرسطو وأفلاطون التي لم تستطع أن تصنع شيئاً، والتي لم تستطع أن تفتح قلب إنسانٍ على الصلة بهذا اللا متناهي. خرج من مستوى هذه الأوراق وأصبح أمراً حسّياً يعيش بين الناس، يعيش في قلوب الناس، يعيش مع تأريخ الناس؛ لكي يكون هذا الأمر المحسوس هو التعبير القوي دائماً عن تلك القيم والمثل، وهو المربّي للبشريّة على أساس تلك القيم والمثل.

فالوحي بحسب الحقيقة هو المربّي الأوّل للبشريّة الذي لم يكن بالإمكان للبشريّة أن تربّى بدونه؛ لأنّ البشريّة بدون الوحي ليس لديها إلاّ حسّ بالمادّة، وما على المادّة من مادّيات، والإدراك العقلي الغائم قد يصل إلى مستوى الإيمان، ولا يدخل إلى ضميره، ولا يسع كلّ وجوده، ولا يتفاعل مع مشاعره وعواطفه، ولا بدّ من أن يستنزل ذاك العقل إلى مستوى الحسّ، لا بدّ أن تستنزل تلك المعقولات إلى مستوى الحسّ، وحيث إنّ هذا ليس بالإمكان أن يعمل مع كلّ الناس؛ لأنّه ليس كلّ الناس مهيّئاً لهذا، ولهذا استكفي لهذه العمليّة أناس معيّنون أوجد الله تبارك وتعالى فيهم الحسّ القائد الرائد، هذا الحسّ ربّاهم أوّلاً وبالذات، ثمّ خلق حسّاً ثانوياً، وجوداً حسّياً ثانوياً، هذا الوجود الحسّي الثانوي كان هو المربّى للبشريّة.


ونختم الحديث بضرورة الاستفادة من هذه الفكرة، يعني لئن بقيت القيم والمثل والأهداف والاعتبارات عقليّةً محضةً فهي سوف تصبح قليلة الفهم، ضعيفة الجذب بالنسبة إلى الإنسان، وكلّما أمكن تمثيلها حسّياً أصبحت أقوى، وأصبحت أكثر قدرةً على الجذب والدفع. فإذا كان هذا حقّاً فيجب أن نخطّط لأنفسنا ونخطّط في علاقتنا مع الآخرين على هذا الأساس.

استنزال القيم العقليّة إلى مستوى المحسوسات:

ومعنى أن نخطّط في أنفسنا على هذا يعني أن لا نكتفي بأفكارٍ عقليّةٍ نؤمن بها نضعها في زاوية عقلنا كإيمان الفلاسفة بآرائهم الفلسفيّة، لا يكفي أن نؤمن بهذه القيم والمثل إيماناً عقلياً صرفاً، بل يجب أن نحاول أن نستنزلها إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ من الوضوح الحسّي. طبعاً نحن لا نطمع أن نكون أنبياء، لا نطمع أن نحظى بهذا الشرف العظيم الذي انغلق على البشرية بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن مع هذا ( الوضوح ) مقول بالتشكيك على حسب اصطلاح المناطقة، ليس كلّ درجةٍ من الوضوح معناها النبوّة، هناك ملايين من درجة الوضوح قبل أن تصبح نبيّاً، يمكن أن تكسب ملايين من الدرجات، وهذه المراتب المتصاعدة قبل أن تبلغ إلى الدرجة التي أصبح فيها موسى في لحظةٍ استحقّ فيها أن يخاطبه الله، أو قبل أن يصل الإنسان إلى الدرجة بلغ إليها محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما هبط عليه أشرف كتب السماء، هناك ملايين من الدرجات، وهذه الملايين بابها مفتوح أمامنا ولا بدّ لنا أن لا نقتصر، أن لا نزهد في هذا التطوير العقلي للقيم والمثل الموجود عندنا، لا بدّ أن نطمع في أكثر من هذا من الوضوح، وفي أكثر من هذا من التحدّد ومن الحسّية، لا بدّ لنا أن نفكّر في أن يُعبّأ كلّ وجودنا بهذه القيم والمثل؛ لكي تكون على مستوى المحسوسات بالنسبة إلينا.


أساليب استنزال القيم العقليّة إلى مستوى المحسوسات:

من أساليب استنزال هذه القيم والمثل إلى مستوى المحسوسات هو التأثير الذهني عليها باستمرار، هو الإيحاء بها، إيحاء الإنسان بها إلى نفسه باستمرار، حينما توحي إلى نفسك باستمرارٍ بهذه الأفكار الرفيعة، حينما توحي إلى نفسك باستمرارٍ بأنّك عبد مملوك لله سبحانه وتعالى، وأنّ الله تبارك وتعالى هو المالك المطلق لأمرك وسلوكك ووجودك، وهو المخطّط لوضعك ومستقبلك وحاضرك، وأنّه هو الذي يرعاك بعينٍ لا تنام في دنياك وفي آخرتك، حينما توحي إلى نفسك بهذه العبوديّة وتوحي إلى نفسك باستمرارٍ بمستلزمات هذه العبوديّة؛ من أنّك مسئول أمام هذا المولى العظيم، مسئول أن تطيعه، أن تطبّق خطّه، أن تلتزم رسالته، أن تدافع عن رايته، أن تلتزم شعاراته، حينما تُسرّ في نفسك وتؤكّد على نفسك باستمرار أنّ هذا هو معنى العبودية، لأنّك دائماً وأبداً يجب أن عيش لله. حينما توحي إلى نفسك بأنّك يجب أن تعيش لله سوف تتعمّق دقّة العيش لله في ذهنك، سوف تتّسع، سوف تصبح بالتدريج شبحاً يكاد أن يكون حسّياً بعد أن كان نظريّاً عقليّاً صرفاً.

أليس هناك أشخاص من الأولياء والعلماء والصدّيقين قد استطاعوا أن يبصروا محتوى هذه القيم والمثل باُمّ أعينهم ؟ ولم يستطيعوا أن يبصروها بأُمّ أعينهم إلاّ بعد أن عاشوها عيشاً تفصيليّاً مع الالتفات التفصيلي الكاشف، وهذا العمليّة شاقّة جدّاً؛ لأنّ الإنسان - كما قلنا - ينفعل بالحسّ، وما أكثر المحسوسات من أمامه ومن خلفه، الدنيا كلّها بين يديه، تمتّع بحسّه في مختلف الأشياء، وهو يجب عليه دائماً وهو يعيش في هذه الدنيا التي تنقل إلى عينه مئات المبصرات، وتنقل مئات المسموعات، يجب عليه أن يلقّن نفسه دائماً بهذه الأفكار، ويؤكّد


هذه الأفكار الخاصّة في لحظات ارتفاعه وفي لحظات تساميه؛ لأنّ أكثر الناس - إلاّ من عصم الله - تحصل له لحظات التسامي وتحصل له لحظات الانخفاض.

لحظة الجلوة والانفتاح:

ليس كلّ إنسان يعيش محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله مئة بالمئة، وإلاّ لكان كلّ الناس من طلاّبه الحقيقيّين، كلّ إنسانٍ هو لا يعيش محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ لحظات معيّنة تتّسع وتضيق بقدر تفاعل هذا الإنسان برسالة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله . إذن، ففي تلك اللحظات التي تمرّ على أيّ واحدٍ منّا ويحسّ بأنّ قلبه منفتح لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ عواطفه، ومشاعره كلّها متأجّجة بنور رسالة هذا النبيّ العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في تلك اللحظات يغتنم تلك الفرصة ليختزن، وأنا أُُؤمن بعملية الاختزان، يعني أُؤمن بأنّ الإنسان في هذه اللحظة إذا استوعب أفكاره وأكّد على مضمونٍ معيّنٍ وخزنه في نفسه سوف يفتح له هذا الاختزان في لحظات الضعف، بعد هذا حينما يفارق هذه الجلوة العظيمة، حينما يعود إلى حياته الاعتياديّة سوف يتعمّق بالتدريج هذا الرصيد، هذه البذرة التي وضعها في لحظة الجلوة، في لحظة الانفتاح المطلق على أشرف رسالات السماء، تلك البذرة سوف تشعره، سوف تقول له في تلك اللحظة؛ إيّاك من الانحراف، إيّاك من المعصية، إيّاك من أن تنحرف قيد أنملةٍ عن خطّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كلّما ربط الإنسان نفسه في لحظات الجلوة، في لحظات الانفتاح إذا ربط نفسه بقيود محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله واستطاع في لحظةٍ من هذه اللحظات أن يعاهد نبيّه الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله على أن لا ينحرف عن رسالته، على أن لا يتململ عن خطّه، على أن يعيشه ويعيش أهدافه ورسالته وأحكامه، حينئذٍ بعد هذا حينما تفارقه هذه الجلوة - وكثيراً ما تفارقه - إذا أراد أن ينحرف يتذكّر عهده، يتذكّر صلته بمحمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تصبح العلاقة حينئذٍ ليست مجرّد عقل، مجرّد نظريّةٍ عقليّة، بل هناك


اتّفاق، هناك معاهدة، هناك بيعة أعطاها للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في لحظة حسّ، في لحظةٍ قريبةٍ من الحسّ، كان كأنّه يرى النبيّ أمامه فبايعه، لو أنّ واحدٍ منّا رأى النبيّ، استطاع أن يرى النبيّ بأُمّ عينيه أو رأى صاحب الأمرعليه‌السلام . تصوّروا أنّ أيّ واحدٍ منّا لو أُتيح له هذا الشرف العظيم ورأى إمامهعليه‌السلام ، رأى قائده بأُمّ عينيه وعاهده وجهاً لوجهٍ على أن يعصي، على أن لا ينحرف، على أن لا يخون رسالته، هل بالإمكان لهذا الإنسان بعد هذا ولو فارقته تلك الجلوة، ولو ذهب إلى ما ذهب، ولو عاش أيّ مكانٍ وأيّ زمان، هل يمكنه أن يعصي ؟ هل يمكنه أن ينحرف ؟ أو يتذكّر دائماً صورة وليّ الأمرعليه‌السلام وهو يأخذ منه هذه البيعة. نفس هذه العملية يمكن أن يعلمها أيّ واحدٍ من عندنا لكن في لحظة الجلوة، في لحظة الانفتاح.

كلّ إنسانٍ من عندنا يعيش لحظة لقاء الإمامعليه‌السلام من دون أن يلقى الإمام ولو مرّةً واحدةً في حياته، هذه المرّة الواحدة أو المرّتين أو الثلاثة يجب أن نعمل لكي تتكرّر؛ لأنّه بالإمكان أن نعيش هذه اللحظة دائماً، هذا ليس أمراً مستحيلاً بل هو أمرٌ ممكن، والقصّة إعدادٍ وتهيئةٍ لأن نعيش هذه اللحظة، لأن نوسّع هذه اللحظة من حياتنا، لكي تأخذ كلّ حياتنا والجزء الأكبر من حياتنا، لكن حتّى في حالة عدم توسعة هذه اللحظة، حتّى في حالة وجود لحظاتٍ أكثر بكثيرٍ نعيش فيها الدنيا، نعيش فيها أهواء الدنيا ورغبات الدنيا، مع هذا يجب أن تخلق فينا تلك اللحظة رصيداً، يجب أن تخلق فينا بذرة عصمة، قوّة قادرة على أن نقول: لا، حينما يقول الإسلام: لا، و: نعم، حينما يقول الإسلام ذلك، لا نُقدم حينما يقول الإسلام: لا تُقدم. أو أُقدِم حينما يقول الإسلام: أقدِم. هذه اللحظة يجب أن نغتنمها، ويجب أن نختزن، لكي تتحوّل بالتدريج هذه المفاهيم إلى حقائق، وهذه الحقائق إلى محسوسات، وهذه المحسوسات إلى جهادٍ نعيشه بكلّ عواطفنا ومشاعرنا وانفعالاتنا آناء الليل والنهار. هذه هي تجربتنا نحن، يعني نحن بيننا


وبين أنفسنا، ونحن ما أحوجنا إلى ذلك؛ لأنّ المفروض أنّنا نحن الذين يجب أن نبلّغ للناس، نحن الذين يجب أن نُشعّ بنور الرسالة على الناس، نحن الذين يجب أن نرسم الطريق والدرب، نحدّد معالم الطريق للأمّة والمسلمين، إذن فما أحوجنا إلى أن يتبيّن لنا الطريق تبيّناً حسّياً، تبيّناً أقرب ما يكون إلى تبيّن الأنبياء وطرقهم.

ليس عبثاً وليس صدفةً أنّ رائد الطريق دائماً كان إنساناً يعيش الوحي؛ لأنّه كان لا بدّ له أن يعيش طريقه بأعلى درجةٍ ممكنةٍ من الحسّ حتّى لا ينحرف، حتّى لا يتململ، حتّى لا يضيع، حتّى لا يكون سبباً في ضلال الآخرين، ليس هذا صدفة. إذن فلا بدّ لنا أن نطمع فيها أكبر درجةٍ ممكنةٍ بالنسبة إلى ظروفنا وملابساتنا من الحسّ، يجب أن ندعو، أن نتضرّع إلى الله دائماً لأن يفتح لنا، يفتح أمام أعيننا معالم الطريق، أن يرينا الطريق رؤية عينٍ لا رؤية عقلٍ فقط، أن يجعل هذه القيم وهذه المثل والطريق إلى تجسيد هذه القيم وهذه المثل شيئاً محسوساً بكلّ منعطفات هذا الطريق وبكلّ صعوبات هذا الطريق، وما يمكن أن يصادفه في أثناء هذا الطريق، لا بدّ لنا أن نفكّر في أن نحصّل أكبر درجةٍ ممكنةٍ من الوضوح في هذا الطريق، هذا بيننا وبين أنفسنا.

ما هي العبرة المتوخّاة ؟

وأمّا العبرة التي نأخذها بالنسبة إلينا مع الآخرين، نحن أيضاً يجب أن نفكّر في أنّنا سوف لن نطمع في هداية الآخرين عن طريق إعطاء المفاهيم فقط، عن طريق إعطاء النظريات المجرّدة فقط، إعطاء النظريات المجرّدة فقط وتصنيف الكتب العميقة، كلّ هذا لا يكفي، إلقاء المحاضرات النظريّة لا يكفي. بل لا بدّ لنا أن نبني تأثيرنا في الآخرين أيضاً على مستوى الحسّ، يجب أن نجعل الآخرين


يحسّون بنا بما ينفعلون به انفعالاً طيّباً طاهراً مثاليّاً، فإنّ الآخرين مثلنا، الآخرون هم بشر، والبشر ينفعلون بالحسّ أكثر ممّا ينفعلون بالعقل، فلا بدّ لنا إذن أن نعتمد على هذا الرصيد أكثر ممّا نعتمد على ذلك الرصيد. كتاب نظري مئة بالمئة لا يساوي أن تعيش الحياة التي تمثّل خطّ الأنبياءعليهم‌السلام ، حينما تعيش هذه الحياة بوجودك، بوضعك، بأخلاقك، بإيمانك بالنار والجنّة، إيمانك بالنار والجنّة حينما ينزل إلى مستوى الحسّ، إلى مستوى الرقابة الشديدة، إلى مستوى العصمة، حينما ينزل إلى هذا المستوى يصبح أمراً محسوساً، يصبح هذا الإيمان أمراً حسّياً حينئذٍ سوف يكهرب الآخرين، سوف يشجّع الآخرين. فلا بدّ لنا في حياتنا مع الآخرين والتأثير على الآخرين أن لا نطمع بالتأثير عليهم على مستوى النظريّات فحسب، فإنّ هذا وحده لا يكفي وإن كان ضرورياً أيضاً، ولكن يجب أن نضيف إلى التأثير على مستوى النظريات تطهير أنفسنا، وتكميل أرواحنا، وتقريب سلوكنا من سلوك الأنبياء والأوصياء؛ لنستطيع أن نجسّد تلك القيم والمثل بوجودنا أمام حسّ الآخرين قبل أن نعطيها لعقول الآخرين أو توأماً مع إعطائها لعقول الآخرين.

اللهمّ وفّقنا للسير في خطّ أشرف أنبيائك، والالتزام بتعاليمه.

وغفر الله لنا ولكم جميعاً.


الاتجاه الشمولي

في دراسة حياة الأئمّةعليهم‌السلام



بسم الله الرحمن الرحيم*

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على القادة من حملة الرسالة الكبرى أشرف الأنبياء محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.

وبعد، فإنّي أريد في هذا الحديث معكم أيّها الإخوة أن اُعبّر عن اتّجاه معيّن في دراسة حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، وسوف لا يتّسع الحديث معكم في حدود هذه الفرصة أن يرسم اتجاهاً معيّناً ويجسّده أو يخطّط له، وإنّما كلّ ما أحاوله هو إثارة التفكير حول هذا الاتجاه وإعطاء بعض الملامح العامة عن حياة الأئمّةعليهم‌السلام .

النظرة الكّليّة والتجزيئيّة لحياة الأئمّةعليهم‌السلام :

وهذا الاتجاه الذي أريد أن أتحدّث إليكم عنه هو الاتجاه الذي يتناول حياة الإمام ويدرس تأريخه على أساس النظرة الكلّية، بدلاً عن النظرة التجزيئية، أي: أن ينظر إلى الأئمّة ككلٍّ مترابطٍ ويدرس هذا الكلّ ويكتشف ملامحه العامّة، وأهدافه المشتركة، ومزاجه الأصيل، ويتفهّم الترابط بين خطواته.

____________________

(*) بحثٌ كتبه السيّد الشهيد وأُلقي في الجلسة الخامسة للموسم الثقافي الأوّل لجمعيّة الرابط الأدبيّة في النجف الأشرف سنة ١٣٨٦ ه- - ١٩٦٦ م.


وبالتالي الدور الذي مارسه الأئمّةعليهم‌السلام جميعاً في الحياة الإسلامية، ولا أُريد بهذا أن أدرس حياة الأئمّة على أساس النظرة التجزيئيّة أي دراسة كلّ إمام بصورة مستقلّة، بل إنّ هذه الدراسة التجزيئيّة نفسها ضروريّة لإنجاز دراسة شاملة للأئمة ككلّ، إذ لا بدّ لنا أوّلاً أن ندرس الأئمّة بصورة مجزّأة ومستوعبة إلى أوسع مدى ممكن، حياة كلّ إمام، بكلّ ما تزخر به من ملامح وأهداف ونشاط، حتّى نتمكّن بعد هذا أن ندرسه ككلٍّ ونستخلص الدور المشترك للأئمةعليهم‌السلام جميعاً وما يعبّر عنه من ملامح وأهداف وترابط.

الفرق بين النظرتين:

وإذا قمنا بدراسة أحوال الأئمّةعليهم‌السلام على هذين المستويين فسوف نواجه على المستوى الأوّل اختلافاً في الحالات، وتبايناً في السلوك، وتناقضاً من الناحية الشخصيّة بين الأدوات التي مارسها الأئمّةعليهم‌السلام . فالحسنعليه‌السلام هادَنَ معاوية، بينما حارب الحسينعليه‌السلام يزيد حتّى قُتل، وحياة السجّادعليه‌السلام فائحة بالدعاء، بينما حياة الباقرعليه‌السلام فائحة بالحديث والفقه، وهكذا....

وأمّا على المستوى الثاني حينما نحاول اكتشاف الخصائص العامّة والأمور والدور المشترك للأئمة ككلٍّ فسوف تزول كلّ تلك الاختلافات والتناقضات، لأنّها تبدو على هذا المستوى مجرّد تعابير مختلفة عن حقيقة واحدة، وإنّما اختلف التعبير عنها وفقاً لاختلاف الظروف والملابسات التي مرّ بها كلّ إمامٍ، وعاشتها القضية الإسلامية والشيعة في عصره، من الظروف والملابسات التي مرّت بالرسالة في عهد إمامٍ آخر، ويمكننا عن طريق دراسة الأئمّة على أساس النظرة الكلّية أن نخرج بنتائج أضخم من مجموع النتائج التي تتمخّض عنها الدراسات التجزيئية؛ لأنّنا سوف نكشف ترابطاً بين أعمالهم.


وسوف نستخدم مثالاً بسيطاً لتوضيح الفكرة، فنحن نقرأ في حياة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه جمع الصحابة في خلافته واستشهدهم على نصوص الإمامة، وشهد بذلك عدد كبير بالسماع عن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

ونقرأ في حياة الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه جمع في عَرَفة على عهد معاوية من تبقّى من خيار الصحابة والمهاجرين وعدداً كبيراً من التابعين وطلب منهم أن يحدّثوا بنصوص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليّ وأهل البيتعليهم‌السلام (٢) .

ونقرأ في حياة الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قام بنفس العمليّة واستشهد التابعين وتابعي التابعين(٣) .

وحين ندرس الأئمّة ككلٍّ ونربط بين هذه النشاطات بعضها ببعض، ونلاحظ أنّ العمليات الثلاث وضعت على ثلاثة أجيال نجد أنفسنا أمام تخطيط مترابط يكمّل بعضه بعضاً، يستهدف الحفاظ على تواتر النصوص عبر أجيال عديدة حتّى تصبح في مستوىً من الوضوح والاشتهار يتحدّى كلّ مؤامرات الإخفاء والتحديد.

وفي عقيدتي أنّ وجود دور مشترك مارسه الأئمّةعليهم‌السلام جميعاً ليس مجرّد افتراض نبحث فيه عن مبرّراته التأريخية، وإنّما هو ممّا تفرضه العقيدة نفسها، وفكرة الإمامة بالذات؛ لأنّ الإمامة واحدة في المجتمع بمسؤولياتها وشروطها، فيجب أن تنعكس انعكاساً واحداً في سلوك الأئمّة وأدوارهم مهما اختلفت ألوانها الظاهرية بسبب الظروف والملابسات، ويجب أن يشكّل الأئمّةعليهم‌السلام بمجموعهم

____________________

(١) راجع: الغدير ١: ٣٣٩ - ٣٧٨.

(٢) راجع: الاحتجاج ٢: ٨٧ - ٨٨.

(٣) راجع: بحار الأنوار ٤٦: ٣٤٧ - ٣٤٨، باب مناظراتهعليه‌السلام مع المخالفين، الحديث الأوّل.


وحدة مترابطة الأجزاء ليواصل كلّ جزءٍ من تلك الوحدة دور الجزء الآخر ويكمله.

الدور المشترك للأئمّةعليهم‌السلام :

إذن فما هو الدور المشترك للأئمّةعليهم‌السلام ؟ هذا هو السؤال التي يقتبس على ضوء ما تقدّم، وقد لا نحتاج إلى شيء من البحث لكي نتّفق بسرعة على نوعيّة الدور المشترك الذي أُُسند إلى الأئمّة في تخطيط الرسالة، فكلّنا نعلم أنّ الرسالة الإسلامية بوصفها رسالةً عقائديةً قد خطّطت لحماية نفسها من الانحراف وضمان نجاح التجربة خلال تطبيقها على مرّ الزمن، فأُوكل أمر صيانة التجربة وتمويلها تثقيفياً، وتوجيهها سياسياً إلى الأئمّةعليهم‌السلام ؛ بوصفهم أشخاصاً عقائديين، الذين بلغوا في مستواهم العقائدي درجة العصمة عن الانحراف والزلل والخطأ. غير أنّنا حين نحاول أن نحدّد الدور المشترك الذي مارسه الأئمّةعليهم‌السلام ككلٍّ في تأريخهم المجيد لا نعني هذا الدور الخيالي في تزعّم التجربة الإسلامية؛ لأنّنا نعلم جميعاً أنّ الأحداث المؤلمة التي وقعت بعد وفاة الرائد الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقصت الأئمّةعليهم‌السلام عن دورهم القيادي في تزعّم التجربة، وسلّمت مقاليد الرسالة ومسئوليّتها وتطبيقها إلى أشخاصٍ آخرين انحرف معهم التخطيط، واشتّد الانحراف على مرّ الزمن، وإنّما نريد بالدور المشترك في تأريخ الأئمّةعليهم‌السلام : الموقف العامّ الذي وقفوه في خضمّ الأحداث والمشاكل التي اكتنفت الرسالة بعد انحراف التجربة وإقصائهم عن مركزهم القيادي في زعامتها.

وهنا نجد تصوّراً شائعاً لدى كثير من الناس الذي اعتادوا أن يعبّروا عن الأئمّة بوصفهم أُناسا مظلومين فقط قد أُقصوا عن مركز القيادة، وأقرّت الأئمّة هذا


الإقصاء، ومارسوا بسبب ذلك ألوان الاضطهاد والحرمة، فهؤلاء الناس يعتقدون أنّ دور الأئمّةعليهم‌السلام في حياتهم كان دوراً سلبياً على الأغلب نتيجةً لإقصائهم عن مجال الحكم، فحالهم حال من يملك داراً يغتصب منه ويخبو أمله في إمكان استرجاعها.

وهذا التفكير بالرغم من أنّه خاطئ يعتبر خطأً من الناحية العملية؛ لأنّه يحبّب إلى الإنسان السلبيّة والانكماش والابتعاد عن مشاكل الأمّة ومجالات قيادتها، ولهذا أعتقد أنّ من ضرورتنا الإسلامية الراهنة أن نثبت خطأ ذلك التفكير، وندرس حياة الأئمّةعليهم‌السلام على أساس نظرة كلّية لنتبيّن إيجابيّتهم الرساليّة على طول الخطّ ودورهم المشترك الفعّال في حماية الرسالة والعقيدة.

أمثلة الدور الإيجابي للأئمّةعليهم‌السلام :

إنّ الأئمّةعليهم‌السلام بالرغم من إقصائهم عن مجال الحكم كانوا يتحمّلون باستمرار مسئوليّتهم في الحفاظ على الرسالة وعلى التجربة الإسلامية، وتحصينها ضدّ التردّي إلى هاوية الانحراف والانسلال عن مبادئها وقيمها انسلالاً تاماً، فكما كان الانحراف يقوى ويشتدّ ويتنظّر بخطّ الترديّ إلى الهاوية، كان الأئمّةعليهم‌السلام يتّخذون تدبيراً لازماً ضدّ ذلك، وكلّما وقعت التجربة الإسلامية أو العقيدة في محنةٍ أو مشكلةٍ عجزت الزعامات المنحرفة عن علاجها بحكم عدم كفاءتها بادر الأئمّةعليهم‌السلام إلى تقديم الحلّ ووقاية الأمّة من الأخطار التي كانت تهدّدها.

وبكلمةٍ مختصرة: كان الأئمّةعليهم‌السلام يحافظون على المقياس العقائدي والرسالي في المجتمع الإسلامي، ويحافظون على أن لا يهبط إلى درجة تشكّل


خطراً ماحقاً، وهذا يعني ممارستهم جميعاً دوراً إيجابياً فعّالاً في حماية العقيدة وتبين مصالح الرسالة والأمّة.

تمثّل هذا الدور الإيجابي في إيقاف الحاكم عن المزيد من الانحراف؛ كما فعل الإمام عليّعليه‌السلام حين صعد عمر بن الخطّاب على المنبر، وتساءل عن ردّ الفعل لو صرف الناس عمّا يعرفون إلى ما ينكرون، فردّ عليه الإمامعليه‌السلام بكلّ وضوح وصراحة: إذن لقوّمناك بسيوفنا(١) .

وتمثّل في تعرية الزعامة المنحرفة إذ أصبحت تشكّل خطراً ماحقاً ولو عن طريق الاصطدام المسلّح فيها، والشهادة في سبيل كشف زيفها وسلب تخطيطها، كما صنع الإمام الحسينعليه‌السلام مع يزيد.

وتمثّل في مجابهة المشاكل التي تهدّد كرامة الدولة الإسلامية، وتعجز الزعامات المنحرفة عن حلّها، كما في المشكلة التي أبرزها كتاب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان، إذ عجز عبد الملك عن الجواب بمستواه، فملاً الإمام زين العابدينعليه‌السلام هذا الفراغ وأجاب بالشكل الذي يحفظ للدولة كرامتها وللاُمّة الإسلامية هيبتها(٢) .

وتمثّل أيضاً في إنقاذ الدولة الإسلامية من تحدّي الكافر الذي كان يهدّد سيادتها، كالتحدّي الذي واجهه هشام من ملك الروم بشأن النقد وعجز عن الردّ عليه، فكان الإمام الباقرعليه‌السلام في مستوى الردّ على هذا التحدّي

____________________

(١) راجع: المناقب للخوارزمي: ٩٨، وبحار الأنوار ٤٠: ١٨٠ - ١٨١، تاريخ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الباب ٩٣، الحديث٦٠.

(٢) راجع: بحار الأنوار ٤٦: ١٣٢ - ١٣٣، تاريخ عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، الباب ٨، الحديث ٢٢.


لحفظ الاستقلال النقدي(١) .

وتمثّل الدور الإيجابي للأئمةعليهم‌السلام أيضاً في تلك المعارضة القويّة العميقة التي كان الأئمّةعليهم‌السلام يواجهون بها الزعامات المنحرفة بإرادة صلبة لا تلين، وقوّة نفسية صامدة لا تتزعزع، فإنّ هذه المعارضة بالرغم من أنّها اتّخذت مظهر السلبيّة المسلّحة، غير أنّ المعارضة حتّى بصيغتها السلبيّة كانت عملاً إيجابياً عظيماً في حماية الإسلام، والحفاظ على مُثُله وقيمه؛ لأنّ انحراف الزعامات القائمة كان يعكس الوجه المشوّه للرسالة، فكان لا بدّ للقادة من أهل البيتعليهم‌السلام أن يعكسوا الوجه النقيّ المشرق لها، وأن يؤكّدوه عمليّاً باستمرار المطابقات بين الرسالة والحكم والواقع.

وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظرية سليماً من الانحراف، وإن تشوّه معالم التطبيق.

ويمكنني أن أذكر بهذا الصدد مثالاً جزئياً ولكنّه يعبّر عن مدى الجهود التي بذلها الأئمّةعليهم‌السلام في سبيل الحصول على هذا المكسب، مكسب خروج الإسلام على المستوى النظري سليماً من الانحراف.

تصوّروا أيّها الإخوة: أنّ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام قد هدّد السجن صحّته حتّى أصبح حين يسجد لربّه كالثوب المطروح على وجه الأرض، فيدخل عليه رسول الزعامة المنحرفة فيقول: إنّ الخليفة يعتذر إليك ويأمر بإطلاق سراحك على أن تزوره وتعتذر إليه، أو تطلب رضاه، فيشمخ الإمام ويجيب

____________________

(١) راجع: مستدرك الوسائل ٧: ٨٤ - ٨٦، الباب ١٣ من أبواب زكاة الذهب والفضّة، الحديث ٢.


بالنفي بكلّ صراحة(١) ، ويتحمّل مرارة الكأس إلى الثُّمالة؛ لا لشيءٍ إلاّ لكي لا يحقّق للزعامة المنحرفة هدفها من أن يبارك الإمام خطّها فتنعكس معالم التشويه من التطبيق المنحرف على الرسالة نفسها.

وتمثّل الدور الإيجابي للأئمة في تمويل الأمّة العقائدية بشخصيّتها الرسالية والفكرية من ناحية، ومقاومة التيارات الفكرية التي تشكّل خطراً على الرسالة وضربها في بدايات تكوّنها من ناحية أخرى، وللإمام من علمه المحيط المستوعب ما يجعله قادراً على الإحساس بهذه البدايات الخطرة وتقدير أهمّيتها ومضاعفاتها ولتخطيطهم للقضاء عليها.

وقد يمكن أن يفسّر على الضوء اهتمام الإمام العسكريعليه‌السلام وهو في المدينة بمشروع كتابٍ يضعه الكندي أو يصنّفه الكندي وهو في العراق حول متناقضات القرآن، إذ اتّصل به عن طريق بعض المنتسبين إلى مدرسته وأحبط المحاولة وأقنع مدرسة الكندي بأنّها على خطأ(٢) . الإيجابية تتكشّف في علاقات الأئمّةعليهم‌السلام بالأمّة، وفي الواقع أنّ حياة الأئمّةعليهم‌السلام زاخرة كلّها بالشواهد الإيجابية للدور المشترك الذي كانوا يمارسونه.

فمن ذلك: علاقات الأئمّةعليهم‌السلام بالأمّة والزعامة الجماهيرية الواسعة النطاق التي كان أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام يتمتّعون بها على طول الخطّ، فإنّ هذه

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٤١٤، وبحار الأنوار ٤٨: ٢٣٠ - ٢٣١، تاريخ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، الباب ٩، باب أحوالهعليه‌السلام في الحبس...، الحديث ٣٧.

(٢) راجع: المناقب لابن شهر آشوب ٤: ٤٢٤، وعنه في بحار الأنوار ٥٠: ٣١١، تاريخ أبي محمّد العسكريعليه‌السلام ، الباب ٣٨، الحديث ٩.


الزعامة لم يكن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام يحصلون عليها صدفة أو على أساس مجرّد الانتماء إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّهم منتسبون إلى الرسول، كلاّ بل على أساس العطاء، وللدور الإيجابي الذي يمارسه الإمام في الأُمّة بالرغم من إقصائه عن منصب الحكم، فإنّ الأُمّة لا تمنح أحداً على الأغلب الزعامة مجاناً، ولا يمتلك الفرد قيادتها ويحتلّ قلوبها بدون عطاء سخيّ منه تستشعره الأُمّة في مختلف مجالاتها وتستفيد منه في حلّ مشكلاتها والحفاظ على رسالتها.

إنّ تلك الزعامة الواسعة التي كانت نتيجةً لإيجابية الأئمّةعليهم‌السلام في الحياة الإسلامية هي التي جعلت لعليٍّعليه‌السلام المثل الأعلى للثوّار الذين قضوا على عثمان، وهي التي كانت تتمثّل بمختلف العلاقات التي عاشها الأئمّةعليهم‌السلام مع الأُمّة.

اُنظروا إلى الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام كيف يقول لهارون الرشيد:أنت إمام الأجسام، وأنا إمام القلوب (١) .

اُنظروا إلى عبد الله بن الحسن حين أراد أن يأخذ البيعة لابنه محمّد كيف يقول للإمام الصادق: واعلم - فديتك - أنّك إذا أجبت لم يختلف عن ابني أحد من أصحابك، ولم يختلف عليّ اثنان من قريش ولا من غيرهم(٢) .

ولاحظوا مدى ثقةّ الأُمّة بقيادة أئمة أهل البيتعليهم‌السلام نتيجةً لما يعيشون من دورٍ إيجابيٍّ في حماية الرسالة وتطبيق مصالح الأُمّة.

لاحظوا المناسبة الشهيرة التي أنشأ فيها الفرزدق قصيدته في الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، كيف أنّ هيبة الحكم وجلال السلطان لم يستطع أن يشقّ

____________________

(١) راجع: إحقاق الحقّ ١٩: ٥٤٣ و ٥٤٨.

(٢) أصول الكافي ١: ٣٥٩، كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل، الحديث ١٧.


لهشام طريقاً لاستلام الحجر بين الجموع المحتشدة من أفراد الأُمّة في موسم الحجّ، حينما استطاعت زعامة أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام أن تجذب الجماهير في لحظةٍ وهي تحسّ بمقدم الإمام القائد وتشقّ الطريق بين يديه نحو الحجر !(١)

لاحظوا قصّة الهجوم الشعبي الهائل الذي تعرّض له قصر المأمون نتيجة لإغضابه الإمام الرضاعليه‌السلام ، فلم يكن للمأمون مناص من الالتجاء إلى الإمام لحمايته من غضب الأمّة، فقاله له الإمامعليه‌السلام : اتّقِ الله في اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما وليت من هذا الأمر وخصصت به، إنّك قد ضيّعت أمور المسلمين وفوّضت ذلك إلى غيرك يحكم فيه بغير حكم الله(٢) .

إنّ كلّ هذه النماذج والمظاهر للزعامة الشعبية التي عاشها أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام على طول الخطّ تبرهن على إيجابيّتهم وشعور الأُمّة بدورهم الفعّال في حماية الرسالة.

الإيجابية تتكشّف في علاقات الأئمة بالحكّام، ويمكننا أن ننظر من زاوية جديدة لنصل إلى نفس النتيجة من زاوية علاقات الزعامات المنحرفة مع الأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام على طول الخطّ، فإنّ هذه العلاقات كانت تقوم على أساس الخوف الشديد من نشاط الأئمةعليهم‌السلام ودورهم في الحياة الإسلامية، حتّى يصل الخوف لدى الزعامات المنحرفة أحياناً إلى درجة الرعب، وكان لحصول ذلك باستمرار تطويق إمام الوقت بتحفّظ شديد، ووضع رقابة محكمة عليه، ومحاولة فصله عن قواعده الشعبيّة، ثمّ التآمر على حياته، ووفاته شهيداً بقصد التخلّص من خطره.

____________________

(١) رجال الكشي: ١٢٩ - ١٣٢، والمناقب ٤: ١٦٩.

(٢) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢: ١٦٠، الباب ٤٠، الحديث ٢٤.


فهل كان كلّ هذا من الصدفة أو مجرّد تسليةٍ تتّخذ الزعامات المنحرفة كلّ هذه الإجراءات تجاه أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام بالرغم من أنّها تكلّفها ثمناً بالغاً من سمعتها وكرامتها، أو كان ذلك نتيجةً لشعور الحكّام المنحرفين بخطورة الدور الإيجابي الذي يمارسه أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وإلاّ فلماذا كلّ هذا القتل والتشريد أو النفي والسجن ؟ !

الأئمّةعليهم‌السلام ومسألة تسلّم الحكم:

هل كان الأئمّة يحاولون تسلّم الحكم ؟ يبقى سؤال واحد قد يتبادر إلى الأذهان، وهو: أنّ إيجابية الأئمّةعليهم‌السلام هل كانت تصل إلى مستوى العمل لتسلّم زمام الحكم من الزعامات المنحرفة، أو تقتصر على حماية الرسالة ومصالح الأمّة من التردّي إلى الهاوية وتفاقم الانحراف ؟

والجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى توسّع في الحديث يضيق عنه هذا المجال، غير أنّ الفكرة الأساسية في الجواب المستخلصة من بعض النصوص والأحاديث المتعدّدة: أنّ الأئمة لم يكونوا يرون الظهور بالسيف والانتصار المسلّح أمراً كافياً لإقامة دعائم الحكم الصالح على يد الإمام، إنّ إقامة هذا الحكم وترسيخه لا يتوقّف في نظرهم على مجرّد تهيئة حملة عسكرية، بل يتوقّف قبل ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته إيماناً مطلقاً، ويعبّئ أهدافه الكبيرة، ويدعم تخطيطه في مجال الحكم، ويحدث ما يحقّق للاُمّة من مقاصد.

وكلّكم تعلمون قصّة الخراساني الذي جاء إلى الإمام الصادقعليه‌السلام يعرض عليه تبنّي حركة الثوار الخراسانيين، فاستمهل جوابه، ثمّ أمره بدخول التنوّر ،


فرفض، وجاء أبو بصير فأمره بذلك فسارع إلى الامتثال، فالتفت الإمامعليه‌السلام إلى الخراساني وسأله: كم لكم من أمثال أبي بصير ؟ وكان هذا هو الردّ العملي من الإمامعليه‌السلام على اقتراح الخراساني(١) .

وعلى هذا الأساس تسلّم أمير المؤمنين زمام الحكم في وقت توفّر ذلك الجيش العقائدي، متمثّلاً في صفوة من المهاجرين والأنصار والتابعين.

رعاية الشيعة بوصفها الكتلة المؤمنة بالإمام:

عرفنا أنّ الدور المشترك الذي كان الأئمّةعليهم‌السلام يمارسونه في حياتهم الإسلامية كدور الوقوف دون المزيد من الانحراف وإمساك المقياس عن التردّي إلى الحضيض والهبوط إلى الهاوية.

غير أنّ هذا في الحقيقة يعبّر عن بعض ملامح الدور المشترك، وهناك جانب آخر في هذا الدور المشترك لم نشر إليه حتّى الآن، وهو جانب الإشراف المباشر على الشيعة بوصفهم الجماعة المرتبطة مع الإمام والتخطيط لسلوكها، وحماية وجودها، وتنمية وعيها، وإمدادها بكلّ الأساليب التي تساعد على صمودها في المحن، وارتفاعها إلى مستوى الحاجة الإسلامية إلى جيش عقائدي وطليعة واعية.

ولدينا عدد كبير من الشواهد من حياة الأئمّةعليهم‌السلام على أنّهم كانوا يباشرون نشاطاً واسعاً في مجال الإشراف على الكتلة المرتبطة بهم والمؤمنة بإمامتهم، حتّى أنّ الإشراف كان يصل أحياناً إلى درجة تنظيم أساليب لحلّ

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٣٧، وعنه في بحار الأنوار ٤٧: ١٢٣، تاريخ الإمام الصادقعليه‌السلام ، الباب ٥، باب معجزاته واستجابة دعواتهعليه‌السلام ، الحديث ١٧٢.


الخلافات الشخصية بين أفراد الكتلة، ورصد الأموال لها، كما يحدّث بذلك المعلّى ابن خنيس عن الإمام الصادقعليه‌السلام (١) .

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نفهم عدداً من النصوص بوصفها تعليم أساليب للجماعة التي يشرفون على سلوكها، وقد تختلف الأساليب باختلاف ظروف الشيعة بالملابسات التي يمرّون بها.

أيّها الإخوة، ما قدّمته كافٍ للنقاط التي أحببت إثارتها والتي يجب أن نتربّى عليها في دراسات الأئمّةعليهم‌السلام .

وختاماً لا بدّ أن يكون هذا منطلقاً للباحثين في حياة أهل البيتعليهم‌السلام . وأبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً من التابعين والسائرين على هداهم، والملتزمين بكلّ حدودهم والمطبّقين لأوامرهم، والثائرين لإعادة الإسلام على مسرح الوجود.

____________________

(١) راجع: أصول الكافي ٢: ٢٠٩، كتاب الإيمان والكفر، باب الإصلاح بين الناس، الحديث ٣ و ٤، والراوي فيهما هو المفضل وليس المعلّى.



الأُمّة الإسلاميّة:

طاقة حراريّة أم وعي مستنير ؟



بسم الله الرحمن الرحيم

قلنا: إنّه حينما وجد الانحراف بعد وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تكن الأُمّة على مستوى المراقبة، الأُمّة بوصفها المجموعي لم تكن قادرةً على ضمان عدم وقوع هذا الحاكم المنحرف بطبيعته في سلوكٍ منحرف؛ لأنّ كون الأُمّة على مستوى هذا الضمان إنّما يكون فيما إذا وصلت الأُمّة بوصفها المجموعي إلى درجة العصمة، أي إذا أصبحت الأُمّة كاُمّةٍ تعيش الإسلام عيشاً كاملاً عميقاً مستوعباً مستنيراً منعطفاً على مختلف مجالات حياتها. وهذا ما لم يكن بالرغم من أنّ الأُمّة الإسلامية وقتئذٍ كانت تشكّل أفضل نموذجٍ للاُمّة في تأريخ الإنسان على الإطلاق. يعني نحن الآن لا نعرف في تأريخ الإنسان أنّها بلغت في مناقبها وفضائلها وقوّة إرادتها وشجاعتها وإيمانها وصبرها وجلالتها وتضحيتها، ما بلغته هذه الأُمّة العظيمة حينما خلّفها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الذي يقرأ تأريخ هؤلاء الناس، هذه الحفنة، الناس التي عاشت مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تبهره أنوارهم، أنوارهم في المجال الروحي والفكري والنفسي، في مجال الجهاد والتضحية في سبيل العقيدة، ولكنّ هذه الأنوار التي تظهر للمطالع لم تكن نتيجة وعي معمّقٍ تعيشه الأُمّة في أبعادها الفكريّة والنفسيّة، بل كانت نتيجة


طاقةٍ حراريّةٍ هائلةٍ اكتسبتها هذه الأُمّة بإشعاع النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله عليها، هذه الأُمّة التي عاشت مع أكمل قائدٍ للبشريّة اكتسبت عن طريق الإشعاع من هذا القائد درجةً كبيرةً من الطاقة الحراريّة.

هذه الطاقة الحراريّة صنعت المعاجز، وصنعت البطولات، وصنعت التضحيات التي يقلّ نظيرها في تأريخ الإنسان، ولا أريد الآن أن أعطي الأرقام.

طبعاً وبمراجعة غزوات الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وقوائم روحيّة المجاهدين في أيام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإيثار كلّ واحدٍ منهم للإسلام وللعقيدة، إيثاره بكلّ وجوده، بكلّ طاقاته وإمكانيّاته، هذه النماذج الرفيعة إنّما هي نتائج هذه الطاقة الحراريّة، هذه الطاقة الحراريّة هي التي جعلت الأُمّة الإسلاميّة تعيش أيام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتحمل لواء الإسلام بكلّ شجاعةٍ وبطولةٍ إلى مختلف أرجاء الأرض والعالم، هذه هي طاقة حرارية وليست وعياً.

الفرق بين الوعي والطاقة الحراريّة:

ويجب أن نفرّق ونميّز بين الطاقة الحرارية والوعي:

الوعي عبارة عن الفهم الفعّال الإيجابي المحرّك للإسلام في نفس الأُمّة، الذي يستأصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالاً كاملاً، ويحوّل تمام مرافق الإنسان، يحوّلها من مرافق للفكر الجاهلي، للعاصمة الجاهلية، للذوق الجاهلي إلى مرافق الفكر الإسلامي والعاصمة الإسلاميّة والذوق الإسلامي، هذا هو الوعي.

أمّا الطاقة الحرارية فهي عبارة عن توهّجِ عاطفيٍّ حارّ، شعور يبلغ في


مظاهره نفس ما يبلغه الوعي في ظواهره، بحيث يختلط الأمر فلا يميّز بين الأمة التي تحمل مثل الطاقة الحرارية وبين اُمّةٍ تتمتّع بذلك الوعي إلاّ بعد التبصّر.

إلاّ أنّ الفرق بين الأمّة الواعية والأمّة التي تحمل الطاقة الحرارية فرق كبير، فإنّ الطاقة الحرارية بطبيعتها تتناقص بالتدريج بالابتعاد عن مركز هذه الطاقة الحرارية. المركز الذي يؤمّن الأُمّة بهذه الطاقة هو شخص القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان بطبيعة الحال أن يكون حال الأُمّة بعده في تناقضٍ مستمرّ، حال الشخص الذي يتزوّد من الطاقة الحرارية للشمس أو النار ثمّ يبتعد عن الشمس أو النار، فإنّ هذه الحالة تتناقص عنده باستمرار. وهكذا كان.

تأريخ الإسلام يثبت أنّ الأُمّة الإسلامية كانت في حالة تناقصٍ مستمرٍّ من هذه الطاقة الحرارية التي خلّفها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمته حين وفاته.

بخلاف الوعي، فإنّ الوعي بذلك المعنى الشامل والمركز المستأصل لجذور ما قبله، والذي يخلق جميع المفاهيم والأفكار المسبقة، ذلك الوعي من طبيعته الثبات والاستقرار، بل التعمّق على مرّ الزمن؛ لأنّ هذا الوعي بطبيعته يمتدّ ويخلق له بالتدريج خيالاتٍ جديدةً وفقاً لخطّ العمل ولخطّ الأحداث، فإنّ الأُمّة الواعية هي اُمّة تسير في طريق التعمّق في وعيها، والأُمّة التي تحمل طاقةً حراريةً هائلةً هي الأُمّة التي لو بقيت هي وحدها مع هذه الطاقة الحرارية فسوف تتناقص هذه الطاقة الحرارية بالاستمرار.

والفرق الآخر: أنّ الوعي لا تهزّه الانفعالات، الوعي يجمد أمام الانفعالات، أمّا الطاقة الحرارية فتهزّها الانفعالات، الانفعال حينئذٍ يفجّر المشاعر الباطنيّة المستترة، يبرز ما وراء الستار، ما وراء سطح النفس، كأنّ الطاقة الحرارية طاقة تبرز على سطح النفس البشرية، وأمّا الوعي فهو شيء يثبت مع


أعماق هذه النفس البشرية، ففي حالة الانفعال سواء كان الانفعال انفعالاً معاكساً يعني حزناً وألماً، أو كان انفعالاً موافقاً فرحاً ولذّةً وانتصاراً، في كلا الحالين يتفجّر ما وراء الستار، ويبرز ما كان كامناً وراء الستار، هذه الطاقة الحرارية في الأُمّة المزوّدة بهذه الطاقة.

أمّا الأُمّة الواعية فوعيها يجمد ويتقوّى على مرّ الزمن، كلّما مرّ بها انفعال جديد أكّدت شخصيّتها الواعية في مقابل هذا الانفعال، وصبغته بما يتطلّبه وعيها من موقف، هذا هو الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية.

الأُمّة الإسلامية كانت تحمل الطاقة الحراريّة لا الوعي المستنير:

نحن ندّعي: أنّ الأُمّة الإسلامية العظيمة التي خلّفها القائد العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله والتي ضربت أعظم مثلٍ للأمّة في تأريخ الإنسان إلى يومنا هذا، هذه الأُمّة كانت تحمل طاقةً حراريةً كثيرة، ولم تكن اُمّةً تحمل وعياً مستنيراً مستوعباً مجتثّاً لأصول الجاهلية فيها. والدليل على هذا كلّه واضح من تأريخ الأُمّة نفسها، من يقرأ تأريخ الأُمّة يعرف أنّ الأُمّة كانت اُمّةَ طاقةٍ حرارية، ولم تكن اُمّةَ وعيٍ مستنيرٍ يُجتثّ به أصول الجاهلية في حالات الانفعال: الانفعال الموافق، والانفعال المخالف، يبدو أنّ هذه الأُمّة لم تكن إلاّ اُمّة طاقةٍ حراريةٍ ولم تكن اُمّة وعي.

الشواهد على ذلك:

(١) اُنظر غزوة هوازن بعد فتح مكّة، ماذا صنعت هذه الأُمّة العظيمة بتلك الطاقة الحرارية في لحظة الانفعال ؟


رسول الله خرج بجيشٍ مزيجٍ من الأنصار ومن قريش من أهل مكّة، فانتصر في معركته، وأخذ غنائم كثيرة، وكان من قرارهصلى‌الله‌عليه‌وآله توزيع هذه الغنائم جميعاً على من خرج من مسلمي مكّة، فوزّعها جميعاً على مسلمي مكّة، ولم يعطِ من مسلمي الأنصار شيئاً منها، هذه لحظة انفعال، لحظة انفعالٍ نفسيٍّ أنّ هؤلاء يرون أنفسهم أنّهم خرجوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المدينة ليفتحوا مكّة، وفتحوا مكّة وحقّقوا للأمّة أعظم الانتصارات في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بفتح مكّة، وبعد هذا يدخل معه في الدعوة أناس جدد، فهؤلاء الأناس الجدد يستقلّون بتمام الغنائم ويأخذونها على يدي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذه لحظة انفعال، في هذه اللحظة من لحظات الانفعال لا تكفي الطاقة الحرارية، هنا نحتاج إلى وعيٍ ليثبّت هذه الأُمّة، لتستطيع أن تتغلّب على لحظة الانفعال، فهل كان مثل هذا موجوداً ؟ لا، لم يكن موجوداً.

فإنّ الأنصار أخذ يثير ما بينهم هذا الحسّ القائل: بأنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله لقي أهله وقومه وعشيرته فنسي أنصاره وأصحابه ! هؤلاء الذين شاركوه في محنته، هؤلاء الذين ضحّوا في سبيله، هؤلاء الذين قاوموا عشيرته في سبيل دعوته، نسيهم وأهملهم وأعرض عنهم؛ لأنّه رأى أحبّاءه وأقرباءه وأولاد عمّه، رأى عشيرته. أُنظروا إلى هذا التفسير، يبدو أنّ الأنصار كان المفهوم القَبَلي مركّزاً في نظرهم، متمركّزاً في نفوسهم إلى درجةٍ يبدو لهم أنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الرجل الأشرف الأكمل الذي عاشوا معه، وعاشوا مع تمام مراحل حياته الجهادية ولم يبدوا في كلّ مراحلهم الجهادية أيّ لونٍ من ألوان الانحراف، يعطي شعوراً قبليّاً قوميّاً، بالرغم من هذا وبالرغم من خلوّ حياته من أيّ إشعارٍ سابقٍ بذلك في لحظة انفعالٍ


قالوا: بأنّه وقع تحت تأثير العاطفة القبليّة، تحت تأثير العاطفة القوميّة. هذه العاطفة القومية القبلية، هذا الترابط القبلي كيف كان قوياً في أنفسهم بحيث إنّهم اصطنعوه تفسيراً للموقف في لحظةٍ من لحظات الانفعال.

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سمع بالحسّ، اطّلع على أنّ هناك بذوراً فكريّة ضدّه في الأنصار. أرسل على كبار الأنصار من الأوس والخزرج، جمعهم عنده، التفت إليهم وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما مقالة تبلغني عن بعضكم في هذا الموضوع: أنّ محمّداً نسي أصحابه وأنصاره حينما التقى بقومه ؟ ! فسكت الجميع واعترف البعض بهذه المقالة. حينئذٍ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ يعالج الموقف الآني، المشكلة الآنية يعالجها أيضاً بإعطاء مزيدٍ من الطاقة الحرارية؛ لأنّ هذه المشكلة ذات حدّين: حدّ آنيّ، وحدّ على مدى طويل، الحدّ على المدى الطويل يجب أن يعالج عن طريق التوعية على الخطّ الطويل، وهو الشيء الذي كان يمارسهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا المشكلة بحدّها الآني يجب أن تعالج أيضاً معالجةً آنية، والمعالجة الآنية لا تكون إلاّ عن طريق إعطاء مزيد من هذه الطاقة الحرارية للسيطرة على لحظة الانفعال.

ماذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لهم ؟ وكيف ألهب عواطفهم ؟ قال لهم: ألا ترضون أن يذهب أهل مكّة إلى بلادهم بمجموعة من الأموال الزائفة وأنتم ترجعون بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة. هؤلاء يرجعون لمكّة بكومةٍ من الأموال لا تنفعهم إلاّ برهةً من الزمن، هذه كانت دفعةً حراريةً جدّاً تحوّل الموقف في لحظة، هذه الأُمّة التي تعيش اللحظات العاطفيّة هكذا أمام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يستغفرون ويعلنون ولاءهم واستعدادهم ويقينهم به.

أرادصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يعمّق الموقف أكثر عاطفياً، فبعد أن سكن بكاؤهم وهدأت


عواطفهم قال لهم: ألا تقولون لي في مقابل هذا ؟! أخذ يترجم بعض الأحاسيس المستترة في نفوسهم لأجل أن يهيّج عواطفهم تجاهه، ولأجل أن يشيع في ذلك المجلس جوّاً عاطفياً روحياً بتغلّبه على الموقف إلى آخر القصّة(١) .

النتيجة هي: أنّ هذه الأُمّة التي تحمل الطاقة الحرارية تنهار أمام لحظة الانفعال.

(٢) لحظة انفعالٍ أخرى أيضاً في تأريخ هذه الأُمّة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . لحظة انفعالٍ كبيرة، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رحل وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يشكّل هزّةً نفسيّة هائلة بالنسبة إلى الأُمّة الإسلامية التي لم تكن قد تهيّأت بعد ذهنياً وروحياً لأن تفقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه اللحظة من الانفعال، أيضاً المشاعر التي كانت في الأعماق برزت على السطح. الشاهد الأوّل كان بالنسبة إلى الأنصار.

وهذا شاهدٌ بالنسبة إلى المهاجرين: ماذا قال المهاجرون في لحظة الانفعال ؟ هؤلاء المهاجرون الذين هاجروا من بلادهم وتركوا دورهم وعوائلهم وقومهم في سبيل الإسلام ماذا قالوا ؟ ماذا كان موقفهم ؟

كان موقفهم أنّهم قالوا: إنّ السلطان سلطان قريش ! إنّ سلطان محمّد وسلطان قريش نحن أولى به من بقيّة العرب، أولى من بقيّة المسلمين(٢) .

هنا أيضاً برز الشعور القَبَلي، أو الشعور القومي، برز في لحظة انفعال؛ لأنّ هذه اللحظة من الانفعال من طبيعتها أن تشكّل صدمةً بالنسبة إلى الطاقة الحراريّة، يصبح الإنسان في حالةٍ غير طبيعيّة، وفي هذه الحالة غير الطبيعيّة حيث لا يوجد

____________________

(١) الإرشاد ١: ١٤٥، ١٤٦، وعنه في بحار الأنوار ٢١: ١٥٨ - ١٥٩، تاريخ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الباب ٢٨، باب غزوة حنين والطائف و...، الحديث ٦.

(٢) راجع: تاريخ الطبري ٢: ٤٥٧، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٨ - ٩.


وعي عاصم ينهار فيها أمام تلك الأفكار المستترة، أمام تلك العواطف المختفية، وراء الستار تبرز هذه الأفكار وهذه العواطف. إذن لحظة الانفعال هي التي تحدّد أنّ هذه الأُمّة هل تحمل وعياً، أو تحمل طاقةً حراريّة ؟!

صحيح أنّعبادة بن الصامت حينما واجه ملك القبط في مصر واجهه بطاقةٍ حراريةٍ كبيرةٍ هائلة، حينما سأله عن هدفه هل يريد مالاً ؟ هل يريد جاهاً ؟ هل يريد مقاماً ؟ قال: لا أريد شيئاً من ذلك، وإنّما نريد أن ننقذ المظلوم من الظالم في أيّ مكانٍ على وجه الأرض، ونريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان هي السفلى(١) ، هذه طاقة حراريّة، هذه الطاقة الحرارية تشبه الوعي تماماً، لأنّ عبادة بن الصامت لو كان يمثّل الأُمّة الواعية لقال نفس هذا الكلام في تقسيم الغنائم.

لكنّ الفرق في لحظة الانفعال، في لحظة الانتصار، ماذا صنع المسلمون في لحظة الانتصار والاستيلاء على كنوز كسرى وقيصر ؟ الاستيلاء على العالم ؟ المسلمون في هذه اللحظة أخذوا يفكّرون في الدنيا، أخذوا يفكّرون في أن يقتنص كلّ واحدٍ منهم أفضل قدرٍ ممكنٍ من هذه الدنيا.

(٣) والأزمة التي مرّت بعمر بن الخطّاب في تحقيق حال الأرض المفتوحة عنوة، وأنّ الأرض المفتوحة عنوة هل تقسم على المقاتلين، أو أنّها تجعل لبيت

____________________

(١) لم نعثر في أخبار فتوح مصر على نحو هذا الخبر، بل لم نجد لعبادة بن الصامت خبراً في فتح مصر، ولم يكن في فتح مصر مواجهة مع ملك القبط هكذا، وإنّما كان الإرسال المشابه لهذا في حرب القادسيّة بطلب من ملك الفرس، فأرسلوا إليهم عشرة مع المغيرة بن شعبة الثقفي ليس فيهم عبادة بن الصامت. اُنظر الكامل لابن الأثير ٢: ٤٦٢ - ٤٦٨، وتاريخ الطبري ٣: ٧٦ - ٧٧.


المال وتجعل ملكاً عاماً ؟ هذه الأزمنة تعطي في المقام كيف أنّ هذه الأُمّة تردّدت في لحظة الانفعال ؟ لأنّ وجوه المهاجرين والأنصار، هؤلاء الأبرار المجاهدون، هؤلاء الذين عاشوا كلّ حياتهم في الكفاح والجهاد في سبيل الله، هؤلاء أخذوا يصرّون إصراراً مستميتاً على أنّ هذه الأراضي يجب أن توزّع عليهم، وعلى أنّ كلّ واحدٍ منهم يجب أن ينال أكبر قدرٍ ممكنٍ من هذه الأرض، إلى أن أفتى علي ابن أبي طالبعليه‌السلام بأنّ الأرض للمسلمين جميعاً، لمن هو موجود الآن، ولمن يوجد بعد اليوم إلى يوم القيامة(١) .

هذه اللحظات لحظات الانفعال والانفعالية، هي التي تحدّد أنّ الأُمّة ككلٍّ تحمل طاقةً حراريةً أو تحمل وعياً.

إذن فالأُمّة كانت تحمل وعياً، ولكن وراء هذا الوعي يوجد قدر كبير من الرواسب الفكرية والعاطفية والنفسية التي لم تكن قد استؤصلت بعد.

لماذا لم تُستأصل الرواسب الجاهليّة في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قد يقول قائل: إذن ماذا كان يصنع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لم تكن قد استؤصلت هذه الرواسب ؟!

الجواب على ذلك هو: أنّ هذه الرواسب ليس استئصالها شيئاً سهلاً يسيراً، وذلك:

أمّا أوّلاً فلأنّ الدعوة الإسلامية التي جاء بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تكن مجرّد خطوة إلى الأمام، بل كانت طفرةً بين الأرض والسماء، إذا لاحظنا حال العرب

____________________

(١) انظر: تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥١ - ١٥٢، وبحار الأنوار ٣١: ١٦٤ - ١٦٧.


قبل الإسلام ولاحظنا مستوى الرسالة الإسلامية نرى أنّ المستوى هو مستوى الطفرة بين الأرض والسماء، لا مستوى الحركات الإصلاحيّة التي توجد في المجتمعات العالمية، وهي مستوى الخطوة إلى الأمام، أيّ حركة إصلاحية تنبع من الأرض وتنبع من عبقرية الإنسان بما هو إنسان، هي تزحف بالمجتمع خطوةً إلى الأمام لا أكثر، فالمجتمع كان قد وصل إلى الخطوة السابقة، هذه الحركة الإصلاحية التي تبع من الأرض تتقدّم به خطوة واحدة أو خطوتين أو ثلاث خطوات في خطّ التقدّم، وحينئذٍ من الممكن في زمن قصير أن تستأصل رواسب الخطوة السابقة بعد الدخول في الخطوة الثانية؛ لأنّ الفرق الكيفي بين الخطوة السابقة والتالية فرق قليل، فرق ضئيل، التشابه بين الخطوة السابقة والتالية تشابه كبيرٌ جدّاً. هذا التشابه الكبير وذاك التفاوت اليسير يعطي في المقام إمكانية التحويل، إمكانية اجتثاث تلك الأصول الموروثة من الخطوة السابقة.

ولكن ماذا ترون وماذا تقدّرون لو أنّ شخصاً جاء إلى شخصٍ آخر فقام به إلى السماء ؟ في لحظةٍ من اللحظات جاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى مجتمعٍ متأخّرٍ يعيش الفكرة القبلية بأشدّ ألوانها وبأحطّ معارفها ونتائجها وأخسّ مفاهيمها وأفكارها، جاء فألقى فيها فكرة المجتمع العالي، الذي لا فرق فيه بين قبيلةٍ وقبيلة، وبين شعبٍ وشعب، بين اُمّةٍ وأمّة، وقال بأنّ: الناس سواسية كأسنان المشط(١) ، وأنّ هؤلاء الناس يجب أن يشكّلوا اُمّةً واحدة، ومجتمعاً واحداً، ودولةً واحدة، تضمّ العالم كلّه.

___________________

(١) بح ار الأنوار ٢٢: ٣٤٨، تاريخ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الباب ١٠، باب فضائل سلمان وأبي ذر و...، الحديث ٦٤، عن الاختصاص: ٢٢٢.


هذه الطفرة الهائلة بكلّ ما تضمّ من تحوّلٍ فكريٍّ وانقلابٍ اجتماعيٍّ وتغيّرٍ في المشاعر والمفاهيم والانفعالات، هذه الطفرة لم تكن شيئاً عادياً في حياة الإنسان، إذن فكيف يمكن أن نتصوّر أنّ هذا المجتمع الذي طفر بهذه الطفرة، مهما كان هذا المجتمع ذكياً، ومهما كان صبوراً على الكفاح، ومهما كان قوياً مؤمناً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ كيف يمكن أن نتصوّر في الحالات الاعتيادية أنّ هذا المجتمع يودّع تمام ما كان عنده من أفكارٍ ومشاعرَ ومن انفعالات، ويقلّب صفحةً جديدةً كاملةً دون أيٍّ التفاتٍ لموروثات الجاهلية ( العهد السابق ) ؟

هذا أمر غير ممكنٍ لا في فترة عشرة سنوات، بل في فترةٍ أطول من عشر سنوات، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعش كمجتمعٍ ودولةٍ، كمربٍّ تربيةً كاملةً في المدينة إلاّ عشر سنوات فقط، كيف وأنّ جزءاً كبيراً من المجتمع الإسلامي الذي دخل الأحداث بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرةً هو مجتمع مكّة الذي كان قد دخل في حظيرة الدولة الإسلامية وقتئذٍ ؟ ومكّة لم تكن قد دخلت في الإسلام إلاّ قبل سنتين من وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكيف يمكن أن نتصوّر في خلال هذه الأزمنة القصيرة ومع تلك الطفرة الهائلة الكبيرة اجتثاث تلك الأصول ؟ إذن فالأصول كان من المنطقي والطبيعي أن تبقى. وكان من المنطقي والطبيعي أن لا يجتثّ إلاّ في خلال أمد طويل، وخلال عمليةٍ طويلةٍ مع خلفاء الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد الرسول.

إلاّ أنّ هذه العملية قطعت بالانحراف بتحوّل خطّ الخلافة من علي (عليه‌السلام ) إلى الخلفاء الذين تولّوا الأمر بعد رسول الهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

إذن فهذا لا يعطي نقطة استغراب، أو نقطة ضعفٍ بالنسبة إلى عمل الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ينسجم مع عظمة الرسالة أو مع جلالها ومع


تخطيط النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

إذاً فهذه هي الأُمّة. إنّها تحمل طاقةً حراريةً، ولكنّها اُمّة غير واعية، إذا كانت هي اُمّة تحمل طاقةً حراريةً ولكنّها اُمّة غير واعية، إذن فهي غير قادرةٍ على حماية التجربة الإسلامية وعلى وضع حدٍّ لانحراف الحاكم الذي تولّى الحكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ بالصيغة الأصولية التي قلناها أنّ الأُمّة بوصفها المجموعي ليست معصومةً ما دامت هي تحمل طاقةً حراريةً فقط، ولا تحمل وعياً مستنيراً يجتثّ الأصول الجاهلية، إذن فهي بوصفها المجموعي ليست معصومة، وإذا لم تكن معصومةً بوصفها المجموعي إذن فلا تقف في وجه هذا الانحراف؛ ولا يمكن أن تكون ضماناً لهذا الانحراف. يبقى الحاكم الذي قلنا: إنّه بنفسه - حتّى لو أخذنا الحاكم بغير المفهوم الشيعي - مع هذا تبقى طبيعة الأشياء وطبيعة الأحداث تبرز أن يكون هذا الحاكم عرضةً للانحراف وعرضةً لتحطيم التجربة الإسلامية، وبالتالي تحطيم جميع الأصول الموضوعيّة والإطار العامّ لهذه التجربة الشريفة المباركة، فإنّ الحاكم أوّلاً هو جزء من هذه الأُمّة - جزء عادي - التي قلنا بأنّها لم تكن تحمل وعياً مستنيراً، بل كانت تحمل طاقةً حرارية.

الحاكم جزءٌ من هذه الأُمّة:

ولنفرض أنّ هذا الحاكم لم يكن شخصاً متميّزاً من هذه الأُمّة بانحرافٍ خاصٍّ أو بتخطيطٍ سابق على الاستيلاء على الحكم، أو بتصميمٍ على قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في سبيل الاستيلاء على الحكم، فلنفرض أنّ كلّ هذا لم يكن، وإنّما هو جزء عادي من هذه الأُمّة التي كانت تحمل طاقةً حراريةً على أحسن تقدير، ولم تكن تحمل وعياً مستنيراً، إذن فمعنى كونه جزءاً من هذه الأُمّة يعني: أنّ


الحاكم يستبطن قدراً كبيراً من العواطف الجاهلية، والمشاعر الجاهليّة، وهذا كان واضحاً من اللحظة الأولى في يوم السقيفة في الحُجج التي أوردها المهاجرون ضدّ الأنصار، كان من الواضح أنّ تقييم الخلافة لم يكن تقييماً إسلامياً، وأنّ تقييم النبوّة لم يكن تقييماً إسلامياً.

إذن فهذه الرواسب الفكريّة والعاطفية للجاهلية سوف تعمل عملها في سلوك هذا الحاكم، وفي تخطيط هذا الحاكم وفي كلّ ما يتصرّف فيه هذا الحاكم، إذا أضفنا إلى هذا الحكم بالخصوص كان يبدو منه في حياة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله نزعة الاستقلال بالرأي وروح التمرّد على التعبّد، هذا أمرٌ كان ظاهراً فيهم وبخاصّة في الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب، كان من الظاهر في حياة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان بعيداً عن نزعة التعبّد المطلق بكلّ ما يأتي به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل كان فيه روح التمرّد على جملةٍ من التعاليم التي جاء بها؛ لأنّها تُحدث عنده حالة التناقض بين الدعوة الجديدة التي دخل فيها وبين مفاهيمه وأفكاره وعواطفه السابقة التي صاغتها الجاهلية له هذه النزعة، نزعة التحرّر ونزعة التعويل على الرأي والتمرّد على التعبّد. هذا الشخص لم يكن يشكّل خطراً على الأُمّة في الوقت الذي كان إنساناً عادياً في المجتمع الإسلامي؛ لأنّ رسول الله كان حاكماً في المجتمع. أمّا حينما تولّى هذا الشخص وأصحابه زمام قيادة التجربة، قيادة هذه السفينة في هذا الوقت يعني ( مع خلوّ الميدان من شخص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذه النتيجة أصبحت تشكّل خطراً في المقام، فإذا أضفنا تلك الموروثات الجاهليّة إلى هذه النزعة - الاستقلال بالرأي - سوف نستنتج طبيعياً في المقام أنّ هذا الحاكم سوف يسير في جملةٍ من قضاياه ومشاكله على وفق الموروثات الجاهلية، وعلى وفق رواسبه العاطفية


النفسية التي خلّفها له آباؤه وأجداده، لا التي خلّفها له رسول الدعوةصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذا أضفنا إلى ذلك أيضاً أنّ الحاكم لم يكن قد هُيِّئَ أبداً لأن يكون حاكماً، للحاكم مشاكله الخاصّة، وسلوكه الخاصّ، وثقافته الخاصّة، الحاكم الخاصّ إذا كان حاكماً في صدر دعوةٍ جديدة، ذات حرارةٍ خاصّة، وذات ثقافةٍ جديدة، هذا الحاكم لا بدّ وأن يتهيّأ بصورة سابقة تهيّؤاً ثقافيّاً علمياً روحياً لأن يكون حاكماً.

هنا نريد أن نقصد بعدم التهيّؤ عدم التهيّؤ الثقافي والعلمي، يعني لم يكن قد استوعب الإسلام، ولم يكن قد حاول أن يدرس الإسلام في المقام، عمر يقول: بأنّه شغلنا في أيام رسول الله الصفق في الأسواق، تأتيه المشكلة فلا يعرف الجواب عنها، يبعث للمهاجرين والأنصار ليستفتهم، مرّةً ثانيةً، وثالثة، ورابعة، وحينما يتكرّر هذا المطلب منه ويقف موقفاً سلبياً تجاه المشاكل من الناحية الدينية يعتذر عن ذلك، يقول: شغلنا في أيام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الصفق في الأسواق(١) .

نعم، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن قد اشتغل لتهيئة مجموعةٍ من الأُمّة لتحكم الناس؛ لأنّه قد كان هيّأ قادة معيّنين من أهل البيتعليهم‌السلام ليحكموا.

كان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله درسان:

فإنّ له درساً وعملية توعيةٍ على مستوى الأُمّة، وهذه عملية توعية للأمّة بوصفها رعيّة بالمقدار الذي تتطلّبه الرعيّة وعياً وثقافةً.

وكان له درس آخر على مستوى آخر من التوعية للصفوة التي اختارها الله تعالى لتخلفه لقيادة هذه التجربة، وتلك كانت توعيةً على مستوى القيادة، وعلى

____________________

(١) انظر: الغدير ٦: ٢٢٣.


مستوى الحاكمية.

وهؤلاء الذين تولّوا الحكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكونوا قد وعوا على هذا المستوى، ولم يكونوا هم أنفسهم قد هيئُوا أنفسهم بصورةٍ مسبقةٍ لهذا المستوى من الناحية الفكرية والثقافية، ألسنا جميعاً نعلم أنّ الصحابة في أيام أبي بكر وعمر اختلفوا في المسائل الواضحة جدّاً. اختلفوا في حكم مسألةٍ كان يمارسها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام أعينهم طيلة السنة، اختلفوا في حكم صلاة الجنائز، هذه المسألة العبادية الصرفة البعيدة عن كلّ المجالات الشيطانية والسياسية والاقتصادية. فالاختلاف هنا اختلاف ناشئ من الجهل حقيقةً، لا اختلاف ناشئ من الهوى، وليس من قبيل الاختلاف في حكم الأرض، وحكم الغنيمة وحكم الخمس.

قد يقال: إنّ هذا ليس جهلاً، بل هذا هوى. كلّ هذا ينشأ من عدم الاستعداد المسبق لممارسة الحكم والقيادة لهذه التجربة.

اتّساع رقعة البلاد الإسلاميّة:

يضاف إلى كلّ ذلك: أنّ الأُمّة كانت تحمل طاقةً حراريةً، ولم تكن واعية، وإلى أنّ الحاكم كان قاصراً ومقصّراً، يضاف إلى ذلك أنّ الإسلام كان على أبواب تحوّلٍ كمّيٍّ هائل، كان على أبواب أن يفتح أحضانه لأمم جديدةٍ لم ترَ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم تسمع آيةً من القرآن من فم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على الإطلاق. تلك الأُمّة التي خلّفها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وإن كانت تحمل طاقةً حراريةً لكن بعد أن اتّسعت الأمة كمّيّاً وضمّت إليها شعوباً كثيرةً من مختلف القوميات والشعب العربي بمجموعه، ما بال هذه الشعوب من الفارسية التركية والكردية التي لم تكن قد رأت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله


ولا سمعت منه كلمةً من القرآن. هل يترقّب أن يكون لها وعيٌ، أو يترقّب أن يكون لها طاقة حراريّة ؟ !

فتلك الطاقة الحرارية كانت نتيجة كفاح مستمّر مع أشرف قائد على وجه الأرض. أمّا هذه الشعوب التي دخلت في حظيرة الإسلام لم تكن قد عاشت هذا الكفاح المستمّر مع أشرف قائدٍ على وجه الأرض، إذن فهذا الانفتاح الهائل على شعوبٍ أخرى أيضاً أضعف من مناعة هذه الأُمّة، وأضعف من قدرة هذه الأُمّة على الحماية وفتح مجالاتٍ جديدةٍ للقصور والتقصير أمام الحاكم أيضاً.

الحاكم الذي لم يكن مهيّأًً نفسياً لأن يحكم في مجتمع المدينة فكيف يكون مهيّأً نفسياً وفكرياً وثقافياً لأن يحكم على بلاد كسرى وقيصر ؟ لأن يقود ويجتثّ أصول الجاهلية الفارسية، والهندية، والكردية، والتركية، إضافة إلى اجتثاث الجاهلية العربية، هذه الجاهليات التي كلّ واحدةٍ منها تحتوي على قدرٍ كبيرٍ من الأفكار والمفاهيم المنافية مع الأفكار والمفاهيم الأخرى، فهي أيضاً جاهليّات عديدة متضاربة فيما بينها عاطفيّاً وفكريّاً كلّها في مجتمع واحدٍ في حالة عدم وجود ضمانٍ لا على مستوى الحاكم ولا على مستوى الأُمّة.

الأُمّة هي مجموع أولئك الذين خلّفهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد رأوا بأمّ أعينهم ولو لحظة قصيرة تجسيداً واقعيّاً حيّاً للنظرة الإسلامية للحياة وللمجتمع في أيام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّهم قد رأوا تصرّفات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المجال السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي؛ لأنّهم قد سمعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إنّ ( الناس سواسية كأسنان المشط )، فهذه الشعوب التي دخلت الإسلام جديداً لم تكن قد سمعت كلّ هذا، بل سمعت خلاف هذا من الحكّام الجدد الذين كانوا يتولّون زعامة التجربة.


إذن فكان كلّ هذا الذي قلناه يمهّد لانطماس النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية انطماساً كاملاً؛ لأنّ هذه النظرية الاجتماعية الإسلامية للحياة الاجتماعية كان أمينها حاكماً منحرفاً، وكانت الأُمّة غير قادرة على مواجهة هذا الانحراف، وكانت على أبواب توسّعٍ هائلٍ يضمّ شعوباً لا تعرف شيئاً أصلاً عن هذه النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية، وإنّما تعرف الواقع الذي يتجسّد خارجاً، والتي عاشته كواقع فاتحٍ مسلمٍ يسيطر على بلادها.

إذن فكان من المفروض ومن المنطقي بحسب طبيعة الأشياء أن تتحوّل النظريّة الإسلامية للحياة الاجتماعية إلى نظرية أخرى على وفق خطّ الحاكم. يعني: كان من المنطقي أن يعيش المسلمون ذهنياً وفكرياً نظرية أبي بكر وعمر وعثمان للحكم، كما عاشوها واقعياً سياسياً، وأن تنطمس تلك الأطروحة الصالحة فكرياً وروحياً كما انطمست سياسياً واقتصادياً في يوم السقيفة، هذا كان أمراً طبيعياً، وقد خطّط لحماية الإسلام من قبل قادة أهل البيتعليهم‌السلام ، وذلك عن طريق الدخول في الصراع السياسي مع خلفاء الجور.

صراع الأئمّةعليهم‌السلام مع الانحراف والخلفاء المنحرفين:

الأئمّةعليهم‌السلام دخلوا في صراعٍ مع الخلفاء المنحرفين ومع الزعامات المنحرفة، دخلوا في الصراع يحملون في أيديهم مشعل تلك النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية، بكلّ بهائها ونورها وجمالها وكمالها، ولم يكونوا يستهدفون من هذا أن يعيدوا خطّ التجربة إلى محلّه، وهذا ما نتحدّث عنه فيما يأتي:

إنّ خطّ التجربة لم يكن بالإمكان أن يعود مرّة أخرى إلى الاستقامة بعد أن انحرف، لم يكن الصراع السياسي يستهدف في المقام أن يعيد التجربة إلى خطّها


المستقيم، وعلى مدى الخطّ الطويل لم يكن هذا هو الهدف الآني للصراع السياسي، وإنّما كان الهدف الآني للصراع السياسي هو: أن يصنع المسلمين، وأن يصنع الشعوبَ الجديدة، وأن يوعّوا الشعوب الأخرى التي كانت قد دخلت في حضانة الإسلام على النظرية الحقيقية للإسلام عن الحياة، عن المجتمع، عن الدولة، عن الاقتصاد، عن السياسة، عن الآخرة، عن التعامل والتعارض، ما هو مفهوم الإسلام في هذه المجالات ؟ يجب أن يبيّن للناس، يجب أن تزرع هذه النظريّة في ذهن الناس.

صحيح أنّ النظريّة كانت موجودةً في القرآن، وكانت موجودةً في النصوص ولكنّ وجودها في القرآن والنصوص لا يكفي وحده:

أوّلاً : النظريّات حينما تكون جبراً على ورقٍ لا تكفي لأن تعطي صورةً واضحةً في أذهان الناس.

ثانياً : بأنّ القرآن والسنّة لم تفهمهما هذه الشعوب الجديدة التي قد دخلت في الإسلام بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله . أمّا السنّة فلم يكونوا قد سمعوا عنها شيئاً، وإنّما سوف يسمعون عنها عن طريق الصحابة، وأمّا القرآن الكريم فلم يكونوا قد سمعوا شيئاً من تفسيره أيضاً، وإنّما سوف يسمعون تفسيره عن طريق الصحابة.

إذن فكان لا بدّ من تجسيدٍ حيٍّ لهذه النظرية الإسلامية، وحيث لم يكن بالإمكان تجسيده عن طريق الحكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرة، ولهذا جسّد عن طريق المعارضة مع الزعامات المنحرفة على يد عليّ والحسن والحسينعليهم‌السلام .

الأئمّة في المرحلة الأولى ما رسوا هذا الصراع السياسي لأجل إعطاء هذه النظرية بكلّ وضوح، غاية الأمر أنّنا نرى أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قام بالصراع


الحادّ الواضح بعد موت عمر بن الخطّاب.

نعم، بعد السقيفة بأيامٍ سجّل أمير المؤمنينعليه‌السلام للتأريخ رأيه في السقيفة، وسجّل ذلك الحواريون من أصحابه من أمثال:سلمان ومقداد وعمّار ، حيث قالوا:

بأنّ هذا ليس تعديّاً على عليّعليه‌السلام ، وإنّما هو تعدٍّ على الأُمّة الإسلامية، وعلى التجربة الإسلامية، سلمان أخذ يصف المسلمين بأنّه ماذا سيكون حالهم لو بايعوا علياًعليه‌السلام (١) ؟ كما أنّفاطمة الزهراء عليها‌السلام في كلامٍ لها مع نساء المهاجرين والأنصار وصفت أيضاً حالة المسلمين بعد الانحراف، وحالة المسلمين لو أنّهم بايعوا عليّاًعليه‌السلام (٢) .

لكن بعد هذا أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يبدُ على مسرح الصراع بشكلٍ مكشوفٍ أيام أبي بكر، وكذلك لم يبدُ بشكلٍ مكشوفٍ أيام عمر بن الخطاب بالرغم من أنّ الانحراف كان قد بدأ في خلافة أبي بكر.

تغيير شخص الحاكم، والانحراف في تفسير مضمون الحكم، وسياسة الحكم، هذا بدأ في أيام أبي بكر، واشتدّ في أيام عمر، وانجلى في أيام عثمان بصورةٍ غير إسلامية، وكان الانحراف يسير في خطّ منحنٍ حتّى وصل إلى الهاوية بعد ذلك.

وإنّما بدأ أمير المؤمنينعليه‌السلام معارضته لأبي بكر ولعمر ولعثمان وللزعامات المنحرفة جميعاً بشكلٍ مكشوفٍ وصريحٍ بعد وفاة عمر مباشرةً، وقبل أن يتمّ الأمر لعثمان، حينما قال له عبد الرحمن بن عوف في الشورى: مدّ يدك أبايعك

____________________

(١) انظر: بحار الأنوار ٢٨: ٣٠٠ - ٣٠١، باب الفتن والمحن، الباب ٤، الحديث ٤٨.

(٢) انظر: بلاغات النساء لابن طيفور: ٣٢ - ٣٣، ومعاني الأخبار للصدوق: ٣٥٤ - ٣٥٥، باب معنى قول فاطمةعليها‌السلام لنساء المهاجرين والأنصار في علّتها، وفيه حديث واحد.


على كتاب الله وسنّة رسوله وسنّة الشيخين. وكان يريد عبد الرحمن بن عوف من ذلك أن يجعل سيرة الشيخين ممثّلاً شرعيّاً للنظرية الإسلامية، لو كان قَبِل عليّعليه‌السلام ذلك لانتهى هذا التمثيل وهذه النظرية السائدة.

فقال عليّعليه‌السلام : بايعني على كتاب الله وسنّة رسوله واجتهاد رأيي(١) ؛ لأنّ سيرة الشيخين لا يمكن أن تُجعل كممثّلٍ شرعيٍّ للنظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية. هنا بدأ الإمام يشجب ويعارض هذه الزعامة المنحرفة، أمير المؤمنين رفض الخلافة والزعامة لأجل أن لا يُدخل هذين الرجلين كجزءٍ للنظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية.

قد يقال: إنّ هذا من باب التزاحم، وباب العناوين الثانوية، ماذا كان يضرّه أن يقول: نعم، فيبايعه على كتاب الله وسنّة رسوله وسنّة الشيخين. ثمّ بعد هذا يقول أمير المؤمنين لعبد الرحمن بن عوف: شرطك مردود؛ لأنّه مخالف لكتاب الله وسنّة رسوله. ماذا كان سيحدث وما كان يضرّ ذلك ؟!

ألم يكن هذا تكليفاً شرعياً بناءًُ على أنّ الوصول إلى الخلافة واجب وينحصر مقدّمة هذا الواجب بإمضاء هذا الشرط ؟ إذن فهذه مقدّمة للواجب، فبالعنوان الثانوي يكون واجباً.

والجواب عن ذلك هو: أنّ قبول هذا الشرط لم يكن واجباً، ما أشدّ ضياع الإسلام لو قَبِل هذا، لو قَبِل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ذلك ! إذن لتمّ التخطيط، لتمّ أنّ النظريّة الإسلامية للحياة الاجتماعية هي النظريّة التي قدّمها هؤلاء المنحرفون في المقام.

____________________

(١) انظر: بحار الأنوار ٣١: ٣٩٩، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ١٨٨.


وقد قلنا: وسوف نشرح أنّ عود التجربة الإسلامية إلى الخطّ المستقيم على المدى البعيد لم يكن بالإمكان أصلاً، حتّى لو تولّى أمير المؤمنينعليه‌السلام الخلافة بعد عمر.

إذن لو أمضى أمير المؤمنين عمل الشيخين كان جزءاً من النظريّة الإسلامية للحياة الاجتماعية وكان هذا خسارةً كبيرة.

أمّا عدم الإمضاء كان بنفسه جزءاً من عملية إعطاء النظريّة الأخرى للحياة الاجتماعية على أساس الإسلام.

فمن هنا بدأ الإمام يصارع، ثمّ بعد هذا في أيام عثمان اتّضح صراعه السياسي بشكلٍ أوضح، كانعليه‌السلام هو يعبّر عن الأُمّة، وعن آمال الأُمّة، وعن مظالم الأُمّة أمام عثمان، وكان يعظه، ويحذّره ويذكّره بالله وأيام الله، والآخرة ورسول الله، ولكنّ عثمان لم يكن يتّعظ.

هنا يأتي سؤال، وهو: أنّ أمير المؤمنين لماذا تأخّر في عملية الصراع السياسي إلى ما بعد موت عمر مباشرة ؟ لماذا لم يدخل في الصراع أيام أبي بكر وأيام عمر ؟

والجواب عن هذا السؤال هو: أنّه كان حريصاً كلّ الحرص أن يبدو صراعه موضوعياً عقائدياً، كان يستهدف تثبيت دعائم نظريةٍ حقيقيةٍ للإسلام، لا تدعيم شخصه، كان الإمامعليه‌السلام حريصاً على أن تكون التصوّرات والانعكاسات التي يعيشها الناس عن صراعه على مستوى صراعٍ نظريٍّ عقائدي، وأن لا يكون على مستوى صراع شخصي؛ لأنّ هذا النحو من الصراع هو من أكبر الوسائل لتثبيت أحقيّة هذه النظرية التي يقدّمها.

وحينما أراد أن يثبت للذهنيّة الإسلامية أنّ النظرية الإسلامية للحياة هي


هذه، لا تلك النظرية التي يطبّقها الزعماء المنحرفون كيف يستطيع أن يرسّخ هذا في الذهنية الإسلامية ؟ مع الالتفات إلى نقاط الضعف في الذهنية الإسلامية، وإلى عدم كون الذهنية الإسلامية ذهنيةّ واعية، يرسّخ هذا بأن لا يبدو منه أيّ ظاهرةٍ يمكن أن تفسّر حتّى على مستوى تلك الذهنية الضعيفة أنّه عمل شخصي، وأنّه صراع شخصي، لا أنّه صراع عقائدي ونضال في سبيل تثبيت النظرية.

ولهذا انتظر أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يبرز الانحراف واضحاً ثمّ يبدأ بالصراع، والانحراف لم يكن واضحاً ومكشوفاً لدى الناس، هؤلاء الناس غير الواعيين، هؤلاء لا يشعرون بمرارة الانحراف إلاّ إذا دخل الانحراف إلى بيوتهم، إلا إذا مسّ جلودهم، وأحرق شعورهم وأكدر معاشهم، حينئذٍ يشعرون بهذا الانحراف وبمرارة هذا الانحراف.

إذن قبل وضوح الانحراف لا يترقّب من الأُمّة غير الواعية أن تشعر بالانحراف.

الانحراف بدأ في أيام أبي بكر، ونما في أيام عمر، لكنّه كان انحرافاً مستوراً، وكان عمر موفّقاً جدّاً في أن يلبس هذا الانحراف في المقام الثوب الديني المناسب. نحن لا نريد أن نعطي مفهومنا الخاصّ عن عمر بل نأخذ بمفهوم السنّة عن عمر.

عمر ميّز في العطاء بين الناس، ووضع تركيباً قبليّاً في المجتمع الإسلامي، كما صنع عثمان بن عفّان، لكن فرق بينهما؛ لأنّ عمر جعل هذا التركيب الطبقي على أساس خدمة الإسلام، قال: كلّ من كان أقرب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نعطيه أكثر، وكلّ من كان أعظم جهاداً في سبيل الإسلام نعطيه أكثر(١) .

____________________

(١) انظر: بحار الأنوار ٣١: ٤٤ - ٥٨، كتاب الفتن والمحن، وتاريخ الطبري ٣: ٢٧٩.


هذا ثوب تقبله أُمّة غير واعيةٍ قبولاً إجماعيّاً أكثر ممّا تقبله النظرية الإسلامية الحقيقية، قبل أن يلتفت إلى نتائج هذا التركيب القبلي في اللحظة الأولى، قبل أن يلتفت إلى ما سوف يتمخّض هذا التركيب الطبقي من بلايا، ومن كوارث ومحنٍ في المجتمع الإسلامي.

استطاع عمر أن يلبس هذا التركيب الطبقي ثوب الدين، هذا عمّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لا بدّ أن يكون أكثر عطايا، هؤلاء بدريّون لا بدّ أن يكون عطاؤهم أكثر من الأُحديّين، أن يكون المهاجرون أكثر عطاءً من غيرهم، أن يكون العرب الموجودون أيام الرسول وعاشوا الدعوة في مراحلها الأولى أكثر عطاءً من غيرهم، وهكذا.

فلو كان عليّعليه‌السلام يعارض هذا الانحراف وقتئذٍ لفسّر على مستوى تلك الذهنيّة بأنّه صراع شخصي وليس صراعاً عقائدياً، لم يكن بالإمكان يومئذٍ أن يبيّن بأنّه ماذا يتمخّض عن هذه الجريمة التي ارتكبها عمر بعد عشرين سنةً من كوارث ومحن، لم يكن بالإمكان أن يفهم المسلمون ذلك، ولهذا سكت لأجل أن لا يُلبس صراعه الثوب الشخصي.

ولهذا كانعليه‌السلام يقول: ( لأُسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين )(١) ، ما دام التعدّي عليّ، فأنا ساكت ما دام المسلمون يعيشون ويشعرون بأنّ الأمور بخير، فأنا ساكت حتّى يصابوا بشرارة الانحراف.

وبعد وفاة عمر أعلن رأيه في الشيخين، وهذا لم يكن صراعاً شخصياً، فإعلانه بمخالفة سيرة الشيخين كان موقفاً عقائدياً ونضالياً، ولم يكن موقفاً

____________________

(١) نهج البلاغة: ١٠٢، الخطبة ٧٤.


شخصياً، لأنّ مصلحته الشخصية كانت تقتضي هنا أن يسكت، وأن يعلن عدم المعارضة، فإنّه لم يكن بينه وبين وصوله إلى الخلافة إلاّ أن يقرّ بزعامة هؤلاء المنحرفين، هذا موقف لا يمكن أن يفسّر على أساس الصراع الشخصي، وإنّما يفسّر على أساس أنّ هذا الشخص يريد أن يمسك بيده نظريةً جديدةً للإسلام غير النظرية التي طبّقها الشيخان.

ثمّ بعد ما تكشّف الانحراف في أيام عثمان إلى درجةٍ شعرت الأُمّة غير الواعية بذلك، خصوصاً في السنوات الأخيرة من أيام عثمان دخل الإمام في الصراع بشكلٍ مكشوفٍ ليثبت للتجربة الإسلامية دعائم النظرية الأخرى، فكانعليه‌السلام رمزَ نظريةٍ إسلاميةٍ للحياة الاجتماعية تختلف عن النظرية المطبّقة لواقع الحياة، وبقي رمزاً لهذه النظرية الإسلامية للحياة، على ما سوف نشرح.


بداية الانحراف



بسم الله الرحمن الرحيم

كنّا نريد أن نحدّد دور الأئمّةعليهم‌السلام والمخلصين ممّن يدور في فلكهم من أهل البيتعليهم‌السلام والواعين من المسلمين في عصرهم في حماية الإسلام وردّ الفعل بالنسبة لما وقع من انحراف بعد وفاة النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

دور الأئمّةعليه‌السلام في صيانة التجربة الإسلامية:

هناك دور مرفوض للأئمّةعليه‌السلام في عالم التشريع وذلك بنصّ الشريعة الإسلامية المقدّسة. وهذا الدور عبارة عن صيانة التجربة الإسلامية في إنشاء المجتمع الإسلامي العالمي التي أنشأ بذرتها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان المفروض أنّ القيادة الإسلامية لهذه التجربة تتسلسل في هؤلاء الأئمة الاثني عشرعليه‌السلام واحداً بعد الآخر.

هذا هو الدور التشريعي المفروض والمنتظر بالنسبة للأئمةعليه‌السلام ، إلاّ أنّنا لا نريد أن نتحدّث عن هذا الدور التشريعي وأدلّته ومبرّراته، بمعنى أنّنا لا نريد الخوض في بحث الإمامة وإثبات إمامتهمعليه‌السلام ؛ لأنّنا سنعتبر هذا البحث مفروغاً عنه، ولأنّ هذا البحث هو دراسة مواطن العبرة من حياتهمعليه‌السلام ومحاولة فهم


وضعهمعليه‌السلام بعد أن أقصوا عن مراكزهم القيادية في تزعمّ التجربة الإسلامية للمجتمع، للدولة، للاُمّة. ولأنّ هذه الدارسة ربّما تعطينا الضوء الذي نستعين به في تصوّرنا وموقفنا الإسلامي تجاه قضايانا وأهدافنا.

الفكرة التي أُريد عرضها خلال هذا البحث تتلخّص في عدّة أسطر، ولذا سنعرض هذا الملخّص ومن ثمّ ننتقل إلى الشرح والتوسيع، والفكرة هي:

نشوء الانحراف الخطير بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

إنّ الإسلام جابه بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله انحرافاً خطيراً في صميم التجربة التي أنشأها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للمجتمع الإسلامي والأُمّة الإسلامية، هذا الانحراف في التجربة الاجتماعية والسياسية للأمة في الدولة الإسلامية كان بحسب طبيعة الأشياء من المفروض أن يتّسع ويتعمّق بالتدريج وعلى مرّ الزمن؛ لأنّ الانحراف يبدأ بذرةً ثمّ تنمو، وكلّما تحقّقت مرحلة من هذا الانحراف مهّدت هذه المرحلة إلى مرحلةٍ أوسع وأرحب، وبناءً عليه كان من المفروض أن يصل هذا الانحراف في خطٍّ منحنٍ طوال عمليةٍ تأريخيةٍ وزمنيّةٍ طويلة المدى إلى الهاوية، أي إلى أبعد مدىً متصوّرٍ لهذا الانحراف، بحيث تصبح التجربة الإسلامية للمجتمع والدولة مليئةً بالتناقضات من كلّ جهةٍ وصوب، وتصبح عاجزةً عن مجاراة ومواكبة الحدّ الأدنى من حاجات ومصالح الأُمّة، بمعنى أن تتهاوى هذه التجربة بالتدريج فتثبت عجزاً تلو عجز، وقصوراً تلو قصور، حتّى تعلن إفلاسها نهائياً عن مواكبة الحدّ الأدنى للقضايا التي تتبنّاها وللرسالة التي تعلن عنها.

وحينما يتسلسل الانحراف في خطٍّ تصاعديٍّ من هذا القبيل أو في خطٍّ تنازليٍّ إلى الهاوية فمن المنطقي في فهم تسلسل الأحداث أنّ هذه التجربة سوف


تتعرّض بعد مدىً من الزمن لانهيارٍ كامل، أي أنّ الدولة والمجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية كقيادةٍ للمجتمع سوف تتعرّض للانهيار الكامل، لأنّ هذه التجربة حينما تصبح مُلأى بالتناقضات، حينما تصبح عاجزةً عن مواجهة وظائفها الحقيقيّة، حينما تصبح بهذا الوضع عاجزة عن حماية نفسها، وتصبح الأُمّة نفسها عاجزةً عن حماية هذه التجربة.

أمّا أنّ التجربة عاجزة عن حماية نفسها، لأنّها تكون قد استنفدت أهدافها، واستنفدت إمكانية البقاء والاستمرار على مسرح التأريخ لأنّها أصبحت مكفوفةً ومفضوحةً وواضحة الخطأ، والتجربة المكفوفة لا يمكن أن تستمّر على مسرح التأريخ.

وأمّا أنّ الأُمّة ليست على مستوى حماية هذه التجربة لأنّ الأُمّة لا ترى منها، ولا تجني الخير الذي تفكّر فيه، ولا تحقّق عن طريقها الآمال التي تصبو إليها؛ ولذا لا ترتبط هذه التجربة بأيّ ارتباطٍ حقيقيٍّ مع الأُمّة.

وبناءً لما تقدّم لا بدّ أن تنهار هذه التجربة في مدىً من الزمن؛ وذلك كنتيجةٍ نهائيةٍ وحتميةٍ لبذرة الانحراف التي غُرست فيها، وحينما تنهار هذه التجربة يكون معنى ذلك أنّ الدولة الإسلامية تسقط، والحضارة الإسلامية تتخلّى عن قيادة المجتمع، والمجتمع الإسلامي يتفكّك، والإسلام يُقصى عن مركزه كقائدٍ للمجتمع وكقائدٍ للأمّة. ولكن الأُمّة تبقى طبعاً، المسلمون يبقون كأمّة، التجربة في المجتمع والدولة تفشل وتخطئ وتنهار أمام أوّل من يغزوها، كما حصل أمام الغزو التتري الذي واجه الخلافة العباسية(١) ، لكنّ هذه الأُمّة

____________________

(١) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨: ٢١٨ - ٢٤١.


بقيت كمسلمين، ولكن بحسب منطق وتسلسل الأحداث من المحتوم أن تنهار الأُمّة بعد انهيار التجربة.

هذه الأُمّة كأمّةٍ تدين بالإسلام وتؤمن بالإسلام وتتفاعل مع الإسلام أيضاً تنهار، لماذا ؟ لأنّ هذه الأُمّة ما عاشت الإسلام الصحيح الكامل مدىً طويلاً من الزمن، عاشت الإسلامي الصحيح الكامل زمناً قصيراً، وهو الزمن الذي مارس فيه التجربة شخص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن ثمّ عاشت تجربة منحرفة، هذه التجربة المنحرفة لم تستطع أن تعمّق الرسالة وتعمّق فيها المسئولية تجاه عقيدتها، ولم تستطع أن تثقّفها وتحصّنها وتزودّها بالضمانات الكافية لعدم الانهيار أمام حضارةٍ جديدةٍ وغزوٍ جديدٍ وأفكار جديدةٍ يحملها الغازي إلى بلاد الإسلام، هذا الغازي الذي يأتي فيحطّم التجربة، يحطّم المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، يأتي معه بتقاليد ومفاهيم وحضارةٍ وتصوّراتٍ وعادات، هذه كلّها سوف تؤثّر على الأُمّة الإسلامية التي لم تعرف الإسلام معرفةً حقيقيةً طيلة هذه التجربة المنحرفة.

وسوف لن تجد هذه الأُمّة في نهاية تلك التجربة المنحرفة - وبعد أن نفدت روحها الحقيقية، وبعد أن أُُهينت كرامتها، وبعد أن حُطّمت إرادتها، وبعد أن غلّت أياديها عن طريق الزعامات التي مارست تلك التجربة المنحرفة - ما تحصّن نفسها به ضدّ ما يطرأ بعد انهيار التجربة، وحينئذٍ ستنهار الأُمّة أيضاً، وسوف تندمج بالعالم الكافر الذي غزاها وفتحها وسيطر عليها، وسوف تذوب الرسالة والعقيدة، وتصبح الأُمّة خبراً بعد أن كانت أمراً حقيقياً على مسرح التأريخ، وبهذا ينتهي دور الإسلام.

هذا هو التسلسل المنطقي بقطع النظر عن دور الأئمّةعليه‌السلام .


دور الأئمةعليه‌السلام تجاه تسلسل الانحراف:

أمّا دور الأئمّةعليه‌السلام تجاه هذا التسلسل فيتلخّص بأمرين:

الأمر الأوّل : الذي كان الأئمّة يمارسونه في حياتهم هو محاولة القضاء على الانحراف الموجود في تجربة المجتمع الإسلامي، وإرجاع التجربة إلى وضعها الطبيعي، وذلك بإعدادٍ طويلِ المدى، وبتهيئة الظروف الموضوعيّة التي تناسب وتتّفق مع إرجاع التجربة إلى وضعها الطبيعي، فمتى كانت الظروف الموضوعية مهيّأةً كان الأئمّةعليه‌السلام على استعدادٍ لأن يمارسوا إرجاع التجربة إلى الوضع الطبيعي كما مارس أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقال:بأنّ الله أخذ عهداً على الإنسان أن لا يقرّ على الظلم مع وجود الناصر والناصر موجود ...(١) وكلمة الناصر استبطنت كلّ الحدود والظروف الموضوعيّة التي سوف تذكر فيما بعد، والتي تجعل في قدرة الإمام المعصوم أن يحاول إعادة التجربة الإسلامية إلى وضعها الطبيعي ووضعها الصحيح.

هذا هو الأمر الأوّل الذي يعني الإعداد والعمل لتهيئة المقدّمات والظروف الموضوعيّة للتمكّن من إعادة التجربة إلى وضعها الطبيعي والصحيح.

الأمر الثاني الذي كان يمارسه الأئمةعليه‌السلام حتّى في حالة الشعور بعدم وجود هذه الظروف الموضوعيّة، وبعدم تحقّق التي تهيّئ الإمامعليه‌السلام لخوض معركةٍ في مقام تسلّم زمام الحكم من جديد، هذا الأمر الذي كان يمارسه الأئمّةعليه‌السلام هو تعميق الرسالة فكرياً وروحياً وسياسياً في ذهن الأُمّة الإسلامية بغية إيجاد تحصينٍ كافٍ تامٍّ في صفوف الأُمّة الإسلامية، وذلك لكي يؤثّر هذا

____________________

(١) نهج البلاغة: ٥٠، الخطبة ٣ المعروفة بالشقشقيّة.


التحصين في مناعتها وفي عدم انهيارها بعد تردّي التجربة وسقوطها.

كان من اللازم بعد أن حرمت الأُمّة الإسلامية من التجربة الصحيحة للحياة الإسلامية بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تطعّم وأن تغذّى رسالياً بالإسلام، تغذّى في مجالها الروحي، وفي مجالها الفكري، وفي مجالها الاجتماعي والسياسي، في جميع هذه المجالات تغذّى الأُمّة بالإسلام، وتحصّن بالإسلام لكي تعرف الإسلام وتستوعبه.

وأعني بتعبئة الأُمّة هنا لا مجموع الأُمّة؛ لأنّ هذه لا يمكن أن تتحقّّق بالنسبة لمجموع الأُمّة إلاّ في حال وجود قيادةٍ تمارس التجربة، تمارس الحكم في الدولة والمجتمع، ولكنّ الذي أعنيه في المقام من تعبئة الأُمّة هو إيجاد قواعد واعيةٍ في الأُمّة، وإيجاد روحٍ رساليةٍ في الأُمّة، وإيجاد عواطف تجاه هذه الرسالة في الأُمّة.

هذا هو الأمر الثاني الذي مارسه الأئمّةعليه‌السلام على طول الخطّ، وإن كان الأئمّةعليه‌السلام حتّى في حالة شعورهم بعدم إمكان استرجاع مركزهم المغصوب من الخلفاء الغاصبين، حتّى في هذه الحالة كانوا يعملون عملاً مهمّاً جدّاً لإنقاذ وجود الأُمّة في المستقبل، وضمان عدم انهيارها الكامل وتفتّتها كأمّة بعد سقوط التجربة، وذلك بإعطاء التحصين الكامل المستمرّ لهذه الأُمّة، على تفصيل سوف يأتي - إن شاء الله تعالى - خلال بحث هذه الفكرة بالتوسيع.

هذا هو ملخّص البحث. وأمّا التفصيل فبما يلي:

قسم من تفاصيل هذه الفكرة قلناه فيما سبق، ولكنّنا الآن نلخّصه لأجل أن يبقى التسلسل في عرض الفكرة، وسنستمرّ في عرض الفكرة في طول التلخيص.


مخلّفات انحراف القيادة:

وقع الانحراف بعد وفاة النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله . هذه هي بداية البحث في تسلسل هذه الفكرة، وكان هذا الانحراف انحرافاً أساسياً وخطراً جداً بالرغم من أنّه لم يمسَّ في ظاهر الحال إلاّ ميداناً واحداً من الميادين التي كان يعتمد عليها الإسلام في بداية الأمر.

لعلّ كثيراً من الناس هكذا بدا لهم: أنّ هذا الانحراف لا يعني أكثر من أنّ شخصاً كان مرشحاً من قبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو من قبل الله سبحانه وتعالى، وهذا الشخص قد أُقصي أو غصب حقّه وأُعطي حقّه لشخصٍ آخر بدلاً عنه. قد يكون هذا الشخص الآخر قادراً على أن يقوم مقامه في هذه المهمّة، قد يكون في ظاهر الحال هكذا يُتخيَّل، يُتخيَّل أنّ الانحراف كان يتمثّل في اعتداءٍ على حقّ شخصٍ معيّن وسلب هذا الحقّ من هذا الشخص المعيّن، وتسلّم شخص آخر من الخلفاء الذين تسلّموا زمام الحكم بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

إلاّ أنّ الانحراف لم يكن انحرافاً شخصياً أو سهلاً أو بسيطاً بهذا المقدار؛ لأنّنا قلنا في الأيام السابقة بأنّ الإسلام رسالة تربيةٍ للإنسان، ورسالة جاءت لتبني الإنسان من جديد، وبناء الإنسان من جديدٍ يتوقّف على السيطرة على كلّ المجالات التي يمكن للإنسان أن يمارس حياته ونشاطه عليها؛ لأنّ المربّي ما لم يسيطر على كلّ تلك المجالات، وما لم يمتلك زمام كلّ تلك الميادين لا يمكنه أن يسيطر على كلّ أبعاد الإنسان، وبالتالي أن يربّي الإنسان وفقاً للرسالة التي جاء بها، التربية الشاملة الكاملة للإنسان بحيث يبني إنساناً إسلامياً جديداً متميّزاً بكلّ أبعاده وجهاته ومقوّماته عن إنسان ما قبل الإسلام، عن إنسان الجاهلية، هذا يتوقّف على أن يسيطر المربّي على كلّ المجالات التي يعمل عليها الإنسان


يسيطر على مجال العلاقات الفردية مع الإله، يسيطر على مجال علاقاته مع الآخرين في النطاق العائلي والمجال الاجتماعي، يسيطر على كلّ هذه المجالات؛ لأنّه لو يم يسيطر على أيّ واحدٍ منها يكون معنى ذلك أنّ جزءاً من الإنسان لم يسيطر عليه. وبما أنّ الإنسان يتفاعل مع كلّ هذه المجالات يكون عدم السيطرة على واحدٍ منها معناه أنّه لم يسيطر على جزءٍ من الإنسان، وبالتالي لم يستطع أن يربّي الإنسان.

أنتم ترون أنّ الأب لا يستطيع أن يربّي ابنه تربيةً كاملةً شاملة؛ لأنّه ليس المربّي الوحيد لابنه؛ ولأنّ هناك أشياء تشاركه في تربية ابنه، يشاركه في تربية ابنه زملاؤه في المدرسة، وأُُستاذه في المدرسة، والمجتمع الذي يعيش فيه، الشارع الذي يلعب فيه، القوانين التي تطبّق عليه من قبل الدولة، كلّ هؤلاء يشاركون في تربية ابنه، فالتربية الشاملة الكاملة لا تكون إلاّ بالهيمنة الكاملة على كلّ هذه المجالات بحيث أن تؤخذ خيوط هذه المجالات بيد المربّي، وبعد هذا يستطيع أن يحدّد الأُطروحة الصحيحة للإنسان الأفضل.

على هذا الأساس كانت سيطرة الإسلام على كلّ المجالات بما فيها المجال الاجتماعي الذي هو رأس هذه المجالات، كان هذا جزءاً أساسياً من التركيب الإسلامي، من الأُطروحة الإسلامية. كان من الضروري جدّاً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يسيطر على كلّ هذه المجالات، لا أن يكون واعظاً في المسجد فحسب، ولا أن يكون أُستاذاً في حلقةٍ فحسب، بل يكون هذا وذاك، ويكون إضافةً إلى هذا وذالك رائداً للمجتمع، حاكماً للمجتمع في كلّ ما يصبو إليه المجتمع من آمالٍ وأهداف، ويكون مخطّطاً ومقنّناً للمجتمع في كلّ ما يحتاج إليه المجتمع من قوانين ونظم.

هذا هو أُسلوب التربية الكاملة الشاملة الذي اختاره الإسلام، وليس من الكلفة أن يقال في نصّ نبويّ: ( مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً


جاهليةً )(١) لأنّ الارتباط في الإمام، الارتباط في القيادة جزء من التربية الإسلامية الكاملة للإنسان إذا كانت القيادة الإسلامية للحياة الاجتماعية جزءاً ضرورياً لإنجاح الحياة الإسلامية والثروة الإسلامية وإنتاج الأُمّة والفرد والعائلة.

بناءً على هذا نستطيع أن نعرف أنّ أيّ انحرافٍ يحصل في مجال قيادة المجتمع وقيادة التجربة الإسلامية، أنّ أيّ انحرافٍ يقع في هذه القيادة فهو يهدّد المخطّط كلّه بكامله؛ لأنّ هذا الانحراف سوف ينزع هذا المجال من يد الإسلام، وإذا انتزع هذا المجال من يد الإسلام فسوف لن يسيطر على جزءٍ كبيرٍ من الإنسان، وبالتالي وبقانون التفاعل بين الأجزاء بعضها مع بعضٍ سوف لن يسيطر على بقيّة الأجزاء، يعني أنّ الانحراف في هذا المجال يشكّل بداية خطرٍ على التجربة الإسلامية كلّها، على عمليّة التربية الإسلامية كلّها، ولم يكن مجرّد استبدال شخصٍ بشخصٍ آخر، لم يكن ظلماً لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بما هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وإنّما كان ظلماً للتجربة الإسلامية وبالتالي للبشرية.

عدم كفاءة قيادة التجربة الإسلاميّة:

كلّ هذا الانحراف وقع بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتمثّل في أنّ جماعةً من صحابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يرتضوا عليّاً المنصوص عليه من قبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للخلافة، فتصدّى بعضهم لها ومارس هؤلاء المرشّحون الحكم وقيادة التجربة الإسلامية، مارس أبو بكر ذلك، ومن بعده عمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان بن عفّان.

هؤلاء الصحابة تارةً ننظر إليهم بمنظارٍ شيعيٍّ خاصّ، وهذا المنظار لا نريد أن نتحدّث به، ولكنّا ننظر إلى هؤلاء بقطع النظر عن هذا المنظار الخاصّ فنقول:

____________________

(١) الكافي ١: ٣٧١ و ٣٧٦ و ٣٧٨ ٣٩٧ و ٢: ٢٠ و ٢١.


إنّ تسلّم هؤلاء لزعامة التجربة الإسلامية كان يشكّل بداية الانحراف، وكان سبباً حتمياً لتأرجح التجربة بين الحقّ والباطل واستبطانها شيئاً من الباطل، واتّساع دائرة الباطل بالتدريج، وذلك:

أوّلاً - الرواسب الجاهليّة:

أمّا أوّلاً فلأنّ هؤلاء الصحابة الذين تسلّموا زمام الحكم أُُناس يشهد التأريخ عن حياتهم بأنّهم عاشوا الجزء الأكبر من حياتهم في عصرٍ جاهلي، وضمن إطار التفكير الجاهلي في كلّ ما كانوا يفكّرون فيه أو يتألّمون منه في كلّ مجالاتهم الاجتماعية ومجالات أهدافهم ومجالاتهم الفكرية والعقائدية، كانوا يعيشون الإطار الجاهلي بكلّ معناه، بعد هذا دخلوا في الإسلام، ولا نريد أن نتحدّث عن طبيعة دخولهم في الإسلام لنفرض أنّ دخولهم في الإسلام كان دخولاً حسناً، وأنّهم عاشوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عيشةً حسنة، ولكنّ بذور الجاهلية لم تُستأصل من أفكارهم وعقولهم، بدليل أنّهم بالرغم من عيشهم مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وبالرغم من الادّعاء بالاسئثار بلطف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرغم من كلّ هذا كانوا بين حينٍ وآخر يعلنون عن تقاليد وتصوّراتٍ ترتبط بالوضع الذي كانوا يعيشونه قبل الإسلام.

احتجاج الخليفة الثاني على متعة الحجّ، فبالرغم من أنّ متعة الحجّ عمل عبادي خالص لا يرتبط بأيّ مصلحةٍ من مصالح الدنيا المعلومة، وبالرغم من أنّ الإنسان العاقل لا يستطيع أن يدرك بعقله أيّهما أحسن ؟ هل الأحسن العمرة المستمرّة إلى الحجّ أو العمرة المتحلّل منها التي يأتي بعدها الحجّ ؟ هذا العمل العبادي الذي لا تستطيع عقولنا أن تفضّل فيه بين الطريقتين اللتين يمكن أن يؤدّي بهما. هنا عمر لم يتأثّر في احتجاجه بعقله؛ لأنّه لا محلّ للعقل في التفضيل في هذا المقام، وإنّما تأثّر بطبيعة تربيته وعاداته وتقاليده، وحيث إنّ الجاهلية كانت


ترفض التحلّل بين العمرّة والحجّ، تأثّر الخليفة الثاني تأثّراً إلى درجةٍ أن يردّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجهاً لوجهٍ مفضّلاً طريقة الجاهلية على طريقة الإسلام(١) .

وفي حياة الخلفاء الثلاثة شواهد كثيرة على هذا تظهر بين حينٍ وحين، ولا نريد من هذا أن نقول بأنّ هؤلاء كانوا يستبطنون الكفر والعداء للإسلام أو لشخص الرسول فإنّ الحديث عن هذا قد جمّدناه، ولكن ما قلناه يمكن أن ينسجم حتّى مع التصوّر السنّي لهؤلاء، بأن نقول: هؤلاء الصحابة صالحون، ولكنّهم مع هذا كلّه لا يزال الراسب الجاهلي يعيش في أعماقهم بدرجة ٣٠، ٤٠، ٥٠ % مثلاً، وأمّا الباقي فأصبح إسلامياً.

في يوم السقيفة - مثلاً - تعلمون بأنّ الخليفة الأوّل والثاني قالا: من ينازعنا سلطان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ !(٢) كأنّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله شيخ قبيلةٍ وهم شيوخ هذه القبيلة، وبعد أن مات شيخ القبيلة الأوّل يتولّى شيوخ القبيلة الآخرون !

من ينازعنا سلطان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ ! هذا راسب جاهلي قد لا يكون عمر أو أبو بكر يعيش هذا الراسب، قد يكون الجانب الإسلامي يتغلّب على الجانب الجاهلي، ولكن حيث إنّ الراسب موجود فإنّ جزءاً من نفسه يمثّل هذا الراسب، ولهذا يطفو هذا الراسب في لحظاتٍ عديدةٍ من حياتهم الاجتماعية والسياسية.

إذن فهؤلاء الخلفاء بحكم وضعهم وحياتهم لم يكونوا ناساً قد اجتثّت الجاهلية من نفوسهم اجتثاثاً تاماً، بل كانت الجاهلية تعيش في نفوسهم في حالةٍ واضحةٍ ملحوظةٍ تنعكس على سلوكهم بين حينٍ وآخر، وحينئذٍ فهؤلاء حينما يتزعّمون قيادة التجربة الإسلامية فبطبيعة الحال مجموع الأفكار والعواطف التي

____________________

(١) انظر: بحار الأنوار ٣١: ١١٢ - ١٣٣، والنصّ والاجتهاد: ١٩٤ - ٢٠٠.

(٢) السيرة النبويّة لابن هشام ٤: ٣١٠، والإمامة والسياسة: ٦.


يمثّلها أبو بكر أو عمر أو عثمان هي التي تحكم وهي التي تسود، لا شكل الخليفة ولحمه، بل هذه الأشياء التي يحملها اللحم والعظم والشكل، وإن كان مجموع هذه العواطف والأفكار ٥٠% أو ٤٠% أو ٣٠% رواسب جاهلية فمعنى ذلك أنّ الجاهلية سوف تشارك الإسلام في الحكم، وسوف يصبح للجاهلية حكم وتزعّم في توجيه التجربة الإسلامية التي جاءت لأجل أن تنقذ الإنسان من الجاهليّة إلى الإسلام، وتصنع الإنسان الجديد، وتقضي على الإنسان القديم، بينما كان المفروض هكذا، وإذا بالجاهليّة تشارك الإسلام في الحكم.

ثانياً - عدم استيعابهم الرسالة الإسلامية:

وأمّا ثانياً فإنّ هؤلاء لم يكونوا مهيّئين للحكم بقطع النظر عن جهة الراسب الجاهلي، لم يكونوا قد استوعبوا الرسالة الإسلامية استيعاباً كاملاً؛ لأنّ هؤلاء الصحابة تأثّروا بالمحنة، عاشوا المحنة السياسية للدولة الإسلامية، المحنة العسكرية لهذه الدولة، الدولة الإسلامية كانت في خضمّ الحروب وفي خضمّ الفتن، وفي منازعاتٍ مع المشركين من ناحيةٍ ومع اليهود من ناحيةٍ أُخرى، ومع سائر قبائل العرب من ناحيةٍ ثالثة.

إذن خضمّ هذا الصراع العسكري والسياسي كان يجعل الصحابة دائماً في دوّامة التفكير في كيفية حماية الدولة الإسلامية، وفي كيفية الدفاع عنها، وفي كيفية المساهمة في حروبها.

تعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غزا عشرات المرّات(١) في ظروفٍ قصيرة، غزوات أعمّ من أن يكون قد وقع فيها قتال أو لم يقع فيها قتال. فالحياة كانت

____________________

(١) عدد غزوات الرسول (٨١ ) غزوة، انظر: مقدّمة مغازي الواقدي.


قلقة، حياة صراعٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ مع الأعداء، مع المشركين، مع المنافقين من كلّ صوبٍ وحدب، لم يكن ليتوفّر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الوقت لتدريبهم وتثقيفهم على مستوى القيادة. صحيح أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يمارس تثقيفاً عالياً لأجل إيجاد اُمّةٍ واعية، أُمّةٍ تتمتّع بالحدّ الأدنى من الوعي ولكن لم يكن هناك تخطيط من قِبَل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو لم يكن هناك تخطيط من قِبَلهم أيام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في أن يثقّفوا أنفسهم ويهيّئوا أنفسهم لكي يتسلّموا الحكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولهذا قال عمر بن الخطّاب عندما عزّت عليه الفتوى أنّه:ألهانا أيام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الصفق في الأسواق عن تعلّم مثل هذا الحكم (١) .

نحن لا نقول: إنّه ألهاه الصفق في الأسواق. افرضوا ألهته الحرب والغزو والجهاد في المقام عن تعلّم مثل هذه الأحكام، مع هذا هو بالنتيجة لم يتهيّأ لمستوى القيادة. قلنا بأنّه اشتغل بالصفق في الأسواق كما هو يعترف، أو انشغل بوضع الدولة الإسلامية وظروفها السياسية والعسكرية، على أيّ حالٍ لم يتهيّأ للقيادة.

من هنا نرى أنّ أبا بكر وعمر كانا عاجزين عن تحديد أبسط الأحكام الشرعيّة؛ لأنّه لم يكن عندهم تثقيف للاختزان إلى ما بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قلنا في بعض الأيام السابقة: إنّ صلاة الميّت التي كان يمارسها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام المسلمين، وكان يمارسها في كلّ يوم تقريباً لأنّه كان هناك عدد كبير من المسلمين يموتون، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي عليهم، مع هذا اختلف المسلمون بعد هذا، اختلف هؤلاء القادة بأنّ التكبيرات في صلاة الميّت كم عددها ؟(٢)

____________________

(١) انظر: الغدير ٦: ٢٢٣.

(٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٨: ١٣٧.


هذا كلّه يعطي المعنى الاتّكالي. إنّ هؤلاء كانوا في أيام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله متّكلين على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هو القائد، هو الرائد، هو الموجّه، الواحد كان يأتي يأتمّ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يخطر بباله في مرّةٍ من المرّات أن يحسب، هذه التكبيرات [ هذه ] الأُولى، هذه الثانية، هذه... حتّى يعرف أنّها أربعة أو خمسة، هذا معنى الاتّكالية، هذه الاتّكالية عاشها هؤلاء الصحابة في عصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يكن المسلمون متهيّئين بعد وفاة النبيّ تهيّؤاً فكرياً وعقائدياً لتحمّل أعباء الرسالة.

ثالثاً - الفرق بين ظروف التجربة في أيّام النبيّ وبعدها:

ثالثاً: أنّ التجربة التي عاشها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لو فرض أنّها تعطي هذه الإمكانيات الفعلية فمن المعلوم أنّ هناك فارقاً كبيراً بين ظروف التجربة في أيام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والظروف التي كانت الأُمّة الإسلامية مقبلةً عليها حينئذٍ، الأُمّة الإسلامية بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت مقبلةً على تحوّلٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ كبيرٍ وضخمٍ جدّاً؛ لأنّه كان من المفروض تحقيق فكرة المجتمع العالمي، هذه الفكرة التي دعا إليها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولكنّه لم يحقّقها؛ لأنّ النبيّ إلى أن مات لم يمتدّ نفوذه إلى أكثر من نطاق الجزيرة العربيّة بالرغم من أنّه دعا ملوك العالم، دعا كسرى وقيصر، دعا سلطان الحبشة، دعا غيرهم إلى الإسلام لأجل توعيتهم بالإسلام، أو لأجل تسجيل أنّ الإسلام مجتمع عالمي، ويدعو إلى المجتمع العالمي الذي لا يفرّق فيه بين شعبٍ وشعب، وبين قوميةٍ وقوميةٍ، بالرغم من هذا لم يتحقّق المجتمع العالمي أيام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تحقّق مجتمع عربي يحمل الفكرة العالمية، مجتمع عربي يقوم على أساس الرسالة، على أساس الفكرة العالمية، ليس على أساس الفكرة القومية أو القاعدة القومية للرسالة.

هذا المجتمع بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان من المفروض أن يبني عالميّته، أن ينشئ


المجتمع العالمي، أن يضمّ في مجتمعٍ واحدٍ العرب والفرس والترك والهنود وجميع شعوب الأرض، أن يضمّهم في مجتمعٍ واحد، وهذه المهمّة مهمّة صعبة وعظيمة جدّاً، وتختلف كلّ الاختلاف من الظروف الموضوعية للمرحلة الأُولى التي عاشها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذه المرحلة أو هذه المهمّة التي تحتاج إلى عقليّة رسالية ١٠٠%، إلى نزاهة، وإلى تخلّص من كلّ شوائب، ومن كلّ الاتجاهات الفكريّة والعاطفية التي يعيشها الإنسان القَبَلي أو الإنسان القومي، عمر أو أبو بكر لن يستطيعا ذلك.

إنّ تجربة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرغم من أنّها كانت تمرّ في مرحلةٍ بدائيةٍ للموضوع كانت أساساً ضامناً قطعياً لصحّة سيرهم في المرحلة الثانية، في مرحلة إنشاء مجتمعٍ عالميٍّ مع أنّهما لم يعيشا المجتمع العالمي حتّى ذلك الوقت، ولم يعيشا المجتمع العالمي إلاّ كفكرةٍ لم تولد إلى النور، لم يعيشا حالةً تريهم أنّ الناس كلّهم أُُسرة، كلّهم سواسية كأسنان المُشط، أنْ لا فرق بين عربيٍّ وعجمي، هذا كانوا يسمعونه كفكرةٍ من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن لم يكونوا يرونه مجسّداً في المجتمع، في علاقاتهم بحيث إنّ إنساناً عجميّاً وإنساناً عربيّاً عاشا مجتمعاً واحداً بصورةٍ متكافئة، وإنّما هي مجرّد فكرةٍ لم يتيسّر لهؤلاء أن يحقّقوا هذه الفكرة وأن يتولّوا تحقيقها في هذه المرحلة الدقيقة من التجربة الإسلامية؛ ولذا وبطبيعة الحال سوف تحصل لهم بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله انخفاضات فكريّة وعاطفية تجعلهم دون مستوى تحقيق فكرة المجتمع العالمي، وقد تكون بذرة صغيرة جدّاً في عهدٍ ما، وقد تكون هذه البذرة تكبر بعد هذا وتصبح بلاءً كبيراً وشرّاً مستطيراً، كلّكم تعلمون بأنّ في التأريخ أمثلة كثيرة على هذا النحو.

العهدة على التأريخ في النقل: أنّ عمر بن الخطّاب أعفى نصارى العرب في العراق من الجزية، العرب الذين كانوا موجودين في العراق أعفاهم من الجزية


وكلّفهم بالزكاة ! لماذا ؟ عاتبوه، قالوا له: إنّ الجزية فيها شأن الذلّ فلا ندفع الجزية لأنّنا عرب ! قال لهم: إذن فادفعوا الزكاة. وأمر بأخذ المال منهم بعنوان الزكاة(١) .

طبعاً لم تكن الزكاة أصغر من الجزية؛ لأنّ المشرك يدفع الجزية والمسلم يدفع الزكاة، غاية الأمر كانت الجزية بحسب نفسها علاقةً فيها مهانة.

عمر بدّل الجزية بالزكاة، هذه البذرة الصغيرة جدّاً والطفيفة لم تطبّق إلاّ على عشيرةٍ واحدةٍ لا أكثر من عشائر النصارى في العراق، هذه البذرة على مرّ الزمن تأتي بالشرّ المستطير، لعلّ هذه البذرة هي الأساس في كلّ الشرور التي عاشها المسلمون بعد هذا، والتي مُني بها المسلمون نتيجةً للكيانات القومية التي زعزعت بعد ذلك الإسلام، وحطّمت الرسالة الإسلامية، الكيانات القومية العربية الفارسية التركية الهندية... إلى غير ذلك من الكيانات القومية الكافرة التي أُُنشئت في العالم الإسلامي، لعلّ هذه العملية البسيطة كانت هي نقطة الانطلاق لهذا الخطّ الطويل.

أنا لا أُريد أن أقول: إنّ هذا الخبر صحيح، بل أُُريد أن أقول بأنّ مهمّة إنشاء مجتمعٍ عالمي، هذه المهمّة تحتاج إلى قيادةٍ تختلف عن طبيعة الصلات والفروق التي كانت موجودةً في هؤلاء الخلفاء.

رابعاً: فتح باب البدع والتضليل:

رابعاً: لأنّ الشعور بالظلم في نفس الخلفاء كان يقيّض لهم التوسّع في الإضرار. الخلفاء كان يشعرون بأنّهم ظلموا علياًعليه‌السلام وغصبوه حقّه المنصوص

____________________

(١) انظر: صحيح مسلم ٤: ١٢٩، ومن لا يحضره الفقيه ٢: ١٥، وعنه في وسائل الشيعة ١٥: ١٥٢، الباب ٦٨ من أبواب جهاد العدوّ وما يناسبه، الحديث ٥، وانظر بحار الأنوار ٣١: ١٧١.


عليه من قبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نعم، لعلّهم لم يكونوا يشعرون بأنّهم أساؤوا إلى الإسلام بهذا الترتيب، وأنّ عملهم سوف يؤدّي إلى هدم الكيان الإسلامي، لعلّهم لم يكن لهم دقّة النظر وفهم تسلسل الأحداث ومنطق التأريخ كما ينبغي، لم يكونوا يقدّرون أنّه بعد مرور ستّين سنةً على وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سوف يشرب خليفة المسلمين الخمر(١) ، ويقتني الجواري للرقص والغناء والتسلية، لعلّهم لا يستطيعون أن يفسّروا هذا التفسير، ولكنّهم على أيّ حالٍ كانوا يشعرون بأنّهم غصبوا علياًعليه‌السلام ، وأنّهم أخذوا حقّه، ولهذا كانوا في مقام تبرير هذا نفسياً، أرادوا أن يبرّروا هذا، وظهر هذا السبيل على كلماتهم.

عمر خليفة المسلمين قال بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حاول أن يولّي عليّاً، لكنّي أنا منعته(٢) احتياطاً للإسلام وحرصاً على مصلحة الإسلام، وغير ذلك كثير. كلّ هذه التبريرات النفسية إزاء وخز الضمير أنتجت انحرافاً خطيراً، أنتجت البناء النفسي عندهم بأنّه لا يلزم التقيّد بما يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

صحيح، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال بأنّ عليّاً إمام بعدي، وإنّه خليفةٌ بعدي، قد يكون هناك شيء آخر أصلح من هذا لحال المسلمين. إنّهم للدفاع عن الذنب الذي كان موجوداً في نفوسهم قالوا هذا. وحينما قام هذا المبدأ انفتحت كلّ البدع والانحرافات، حتّى أنّ عمر لم يرَ مانعاً من أين يقول:( متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا اُحرّمهما ) !!(٣) . لم ير مانعاً من ذلك بعد أن عاش مدّة من الزمن

____________________

(١) انظر: مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي: ١٨٢.

(٢) مسند أحمد ١: ٣٥٥.

(٣) انظر: بحار الأنوار ٣١: ١١٢ - ١٣٣، والنصّ والاجتهاد: ١٩٤ - ٢٠٠.


الشعور بالذنب، وحلّ التناقض بأن خدع نفسه وأقنعها خداعاً وتضليلاً، أصبح يقول: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا أقول.

هذا الباب ( باب خدع النفس ) فتح باباً آخر و هو باب البدع والتضليل، باب حمل الشعارات الجزئية الهستيرية غير الصحيحة.

هذه الأمور الأربعة فرضت حتمية الانحراف لتجربة الإسلام التي جاء بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتولّي قيادتها بعده غير أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.


موقف الإمام عليعليه‌السلام السياسي

بعد تسلّمه زمام الحكم

( القسم الأوّل )



بسم الله الرحمن الرحيم*

الإمام عليعليه‌السلام أمل الإسلام والأمّة بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

نجتمع لذكرى أشأم ليلةٍ بعد اليوم الذي توفّي فيه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ اليوم الذي توفّي فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان هو اليوم الذي خلّف فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تجربته الإسلاميّة في مهبّ القدر، وفي رحبة المؤامرات التي أتت عليها بعد برهةٍ من الزمن. واليوم الذي اغتيل فيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام كان اليوم الذي قضي فيه على آخر أملٍ في إعادة خطّ تلك التجربة الصحيحة، هذا الأمل الذي كان لا يزال يعيش في نفوس المسلمين الواعين، ومتجسّداً في شخص هذا الرجل العظيم الذي عاش منذ اللحظة الأولى هموم الدعوة وآلامها، واكتوى بنارها، وشارك في بنائها لبنةً لبنة، وأقام صرحها مع أستاذهصلى‌الله‌عليه‌وآله صرحاً صرحاً.

هذا الرجل الذي كان يعبّر عن كلّ هذه المراحل بكلّ همومها ومشاكلها وآلامها.

هذا الرجل كان هو الذي يمثّل هذا الأمل الوحيد الذي بقي للمسلمين

____________________

(*) أُلقيت في ١٨ شهر رمضان المبارك / ١٣٨٨ ه-.


الواعين في أن تسترجع التجربة خطّها الواضح الصريح، وأُسلوبها النبويّ المستقيم، حيث إنّ الانحراف في داخل وفي أعماق هذه التجربة كان قد طغى وتجبّر واتّسع بحيث لم يكن هناك ولا يكون هناك أيّ أملٍ في أن يقهر هذا الانحراف. اللهمّ إلاّ على يد رجلٍ واحدٍ كعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ولهذا كانت حادثة اغتيال هذا الإمام العظيم - حينما خرّ صريعاً في مثل هذا اليوم - كانت تقويضاً حقيقيّاً لآخر أملٍ حقيقيٍّ في قيام مجتمعٍ إسلاميٍّ صحيحٍ على وجه الأرض إلى يومٍ غير معلوم، وإلى أجلٍ غير محدود.

كان هذا الاغتيال المشئوم عقيب حكمٍ مارسه الإمامعليه‌السلام طيلة خمس سنواتٍ تقريباً، وهذه الخمس سنوات التي مارسعليه‌السلام فيها الحكم بدأ منذ اللحظة الأولى من تسلّم زمام الحكم في عمليّة التغيير الحقيقي في كيان هذه التجربة المنحرفة، وواصل سعيه في سبيل إنجاح عملية التغيير.

واستشهد وخرّ صريعاً بالمسجد وهو في قمّة هذه المحاولة، أو في آخر محاولةٍ من محاولات عملية التغيير، وتصفية الانحراف الذي كان قد ترسّخ في جسم المجتمع الإسلامي متمثّلاً في معسكرٍ منفصلٍ عن الدولة الإسلامية الأُم.

رفض الإمامعليه‌السلام للمساومات:

والظاهر الواضحة في هذه الخمس سنوات التي مارس فيها الإمامعليه‌السلام هي أنّ الإمام منذ بدءِ تسلّم زمام الحكم إلى أن خرّ صريعاً في سبيل إقامة عدل الله على الأرض كان غير مستعدٍّ بأيّ شكلٍ من الأشكال وفي أيّ صيغةٍ من الصَيغ لتقبّل أنصاف الحلول بالنسبة إلى تصفية هذا الانحراف، أو تقبّل أيّ معنىً من معاني المساومة أو المعاملة على حساب هذه الأُمة، التي كان يرى بكلّ حرقةٍ وألمِ أنّها تُهدر كرامتها وتباع بأبخس الأثمان.


هذه الظاهرة تسترعي الانتباه سياسياً من ناحية، وتسترعي الانتباه فقهيّاً من ناحية أخرى.

موقف الإمامعليه‌السلام سياسياً:

أمّا من الناحية السياسية فقد استرعت انتباه أشخاصٍ معاصرين للإمامعليه‌السلام ، واسترعت انتباه أشخاصٍ آخرين حاولوا أن يحلّلوا ويدرسوا حياة الإمامعليه‌السلام ، فقد لوحظ عليهعليه‌السلام أنّ عدم تقبّله بأيّ شكلٍ من الأشكال لهذه المساومات وأنصاف الحلول كان يعقّد عليه الموقف، ويثير أمامه الصعاب، ويرسّخ المشاكل، ويجعله عاجزاً عن مواجهة مهمّته الأساسيّة والمضيّ بخطّ تجربته إلى حيث يريد.

فمثلاً ذلك الشخص ( المغيرة ) الذي جاء إليه بعقليّة هذه المساومات، واقترح عليه أن يُبقي معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام وقال له: إنّ بإمكانك إبقاء معاوية والياً على الشام برهةً من الزمن، وهو في هذه الحالة سوف يخضع ويبايع، وحينئذٍ يمكنك استبداله أو تغييره بأيّ شخصٍ آخر بعد أن استقطبتَ كلّ أطراف الدولة، وبعد أن تكون قد تمّت لك البيعة والطاعة في كلّ أرجاء العالم الإسلامي، فاشترِ بإبقاء هذا الوالي أو ذاك، وبإقرار هذه الثروات المحرّمة في جيب هذا السارق أو ذاك برهةً من الزمن، ثمّ بعد هذا يمكنك أن تصفّي كلّ هذه الولايات الفاجرة، وكلّ هذه الثروات المحرّمة.

ولكنّ الإمام في جوابه للمغيرة بن شعبة قال بأنّه يرفض هذه الألوان من المساومة، وسوف يسير في خطّه السياسي الواضح(١) ، ومن هنا قال معاصروه

____________________-

(١) بحار الأنوار ٣٢: ٣٤، باب بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الحديث ٢٠.


وقال غير معاصريه: إنّه كان بإمكانه أن يسجّل نجاحاً أكبر، وأن يحقّق توفيقاً من الناحية السياسية أكثر لو أنّه قَبِل أنصاف الحلول، ولو أنّه مارس هذا النوع من المساومات ولو بشكلٍ مؤقّت.

موقف الإمامعليه‌السلام فقهيّاً:

أمّا من الناحية الفقهيّة في الموضوع فهي ناحية التزاحم.

الفقه يقول بأنّه إذا توقّف واجب أهمّ على مقدّمةٍ محرّمةٍ فلا بدّ من الحفاظ على ذلك الواجب الأهمّ، ولا يجوز تبرير ترك الواجب الأهمّ في سبيل حرمة المقدّمة(١) . حينما يقال: إذا توقّف إنقاذ نفسٍ محترمةٍ من الغرق على اجتياز أرضٍ مغصوبةٍ لا يرضى صاحبها باجتيازها حيث تسقط هنا حرمة هذا المالك ورضاه؛ لأنّ النتيجة أهمّ من هذه المقدّمة، كما فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض غزواته مثالاً مشابهاً لهذا المثال: كان الجيش الإسلامي مضطراً إلى الخروج من المدينة عن طريقٍ معيّن، وكان في هذا الطريق مزرعة لأحد الصحابة، وكان من طبيعة مرور هذا الجيش في المزرعة إتلاف محاصيلها الزراعيّة، هذه المحاصيل التي لم يرضَ أن يقدّمها مالك المزرعة في سبيل الإسلام ويسمح بمرور الجيش عليها، ولذلك احتجّ وصرخ وقَدِم إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال له: مزرعتي ومالي، ولكنّ النبيّ لم يجبه بحرفٍ واحد، ولكنّه وجّه الأمر إلى الجيوش بالمرور، وكان نتيجة ذلك إتلاف المحاصيل(٢) .

____________________

(١) دروس في علم الأصول ٢: ٢٣١ - ٢٤١.

(٢) انظر: السيرة النبويّة لابن هشام ٣: ٦٥، والمغازي للواقدي ١: ٢١٨، وتاريخ الطبري ٢: ١٩٢.


وما صدر هذا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ لأنّ النتيجة كانت أهمّ من المقدّمة؛ ولذلك يقال في الفقه: إذا توقّف الواجب على مقدّمةٍ محرّمةٍ وكان ملاك الوجوب أقوى من الحرمة يقدّم الواجب على الحرام.

وعلى هذا الضوء حينئذٍ يمكن أن تثار الظاهرة التي استعرضناها في حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام كحاكم، وهي: أنّه لماذا لم يطبّق هذه القاعدة في سبيل استباحة كثيرٍ من المقدّمات المحرّمة ؟ أليس إجماع الرأي عليه ؟ أليس تملّكه لزمام القيادة في المجتمع الإسلامي أمراً واجباً محقّقاً لمكسبٍ إسلاميٍّ كبير ؟ لأنّه سوف يفتح - إذا تيسّر له زمام القيادة - أبواب الخيرات والبركات ويقيم حكومة الله في أرضه، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الذي يتوقّف على مقدّمةٍ محرّمة، من قبيل إمضاء ولاية معاوية بن أبي سفيان مدّةً من الزمن، أو إمضاء الأموال المحرّمة التي وصلت لأيدي أُميّة من عثمان بن عفّان، لِم لَم يُقدم الإمامعليه‌السلام على ارتكاب المحرّم في سبيل الواجب الأهمّ الذي قدّم في باب الفقه ؟

أسباب رفض الإمامعليه‌السلام المساومات:

الواقع هو أنّ الإمامعليه‌السلام لا بدّ أن ينهج الطريق الذي اتّبعه، ولم يكن بإمكانه كقائدٍ رساليٍّ يمثّل الإسلام وأهدافه أن يقبل هذه المساومات وأنصاف الحلول ولو كمقدّمة، وليس قانون باب التزاحم الفقهي هنا صالحاً للانطباق على موقف أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ وذلك للآتي:

السبب الأوّل:

أوّلاّ: لا بدّ وأن يلحظ أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يريد أن يرسّخ قاعدة سلطانه في قطر جديد من أقطار العالم الإسلامي، وهذا القطر هو العراق، لأنّ


شعب العراق وأبناء العراق مرتبطون روحيّاً وعاطفيّاً بالإمامعليه‌السلام ، وحيث إنّه لم يكن شعب العراق يعي رسالة عليّعليه‌السلام وعياً حقيقياً كاملاً كان الإمامعليه‌السلام بحاجةٍ إلى أن يبني في تلك الطليعة العقائدية، وذلك الجيش العقائدي الذي يكون أميناً على الرسالة والأهداف، ويكون ساعداً ومنطلقاً له بالنسبة لترسيخ هذه الأهداف في كلّ أرجاء العالم الإسلامي.

كان الإمامعليه‌السلام بحاجةٍ إلى تلك القاعدة التي لم يكن يملكها مسبقاً، فإذن كيف يستطيع أن يبني هذه القاعدة ؟ هل يمكن أن يبني هذه القاعدة العقائدية في جوٍّ من المساومات وأنصاف الحلول حتّى ولو كانت جائزةً شرعاً، لأنّ جوازها الشرعي لا يؤثّر في الحقيقة التالية شيئاً، وهي: أنّه لا يمكن لشخصٍ يعيش في جوٍّ من المساومات وأنصاف الحلول العقائديّة، وتنتج منه رجلاً كعمّار بن ياسر أو أبي ذرّ أو سلمان، ويكتسب روحية الجيوش العقائديّة الواعية البصيرة، والتي تكون معاركها مع خصومها ليست معارك للذات، ولكنّها معارك للأهداف الكبيرة التي هي أكبر من الذات ؟

هذه الروحيّة لم يكن من الممكن أن تنمو، ولا يمكن لعليّعليه‌السلام أن يبنيها في من حوله وفي حاشيته وقواعده الشعبية وهو يعيش في جوٍّ من المساومات وأنصاف الحلول حتّى ولو كانت جائزة، لأنّ جوازها لا يغيّر من مدلولها التربوي شيئاً، ولا من دورها في تكوين نفسية الإنسان بأيّ شكلٍ من الأشكال، إذن كان هناك حاجة حقيقيّة ملحّة أمام الإمام عليّعليه‌السلام في بناء دولته إلى قاعدةٍ شعبيةٍ واعيةٍ يعتمد عليها في ترسيخ الأهداف على النطاق الأوسع، وهذه القاعدة الشعبيّة لم تكن موجودةً حينما تسلّم زمام الحكم حتّى يستطيع الاتّفاق معها على ضرورية هذه المساومات وأنصاف الحلول، ولا توجب انحرافه عن خطّ الرسالة المقدّسة إذا أخذ بها لمدّة زمنيةٍ محدودة.


كان على عليٍّعليه‌السلام أن يبني ذلك الجيش العقائدي، وكان عليه أن ينتزع الخيِّر من جماعته وحاشيته العراقيين؛ لكي يشكّل منهم كتلةً واعيةً من قبيل مالك الأشتر، وهؤلاء لم يكن بالإمكان ممارسة بناءٍ نفسيٍّ وروحيٍّ وفكريٍ وعاطفيٍّ حقيقيٍّ لهم في جوٍّ مليءٍ بالمساومات؛ لأنّها كانت تشكّل نكسةً بالنسبة لعملية التربية لهذا الجيش العقائدي، وترك بناء مثل هذه القاعدة الحقيقية يعني فقدان عليٍّعليه‌السلام للقوى الحقيقيّة التي يعتمد عليها بناء الدولة؛ وذلك لأنّ أيّ دولةٍ عقائديةٍ هي بحاجة إلى طليعةٍ عقائديةٍ تستشعر بشكلٍ واعٍ وعميقٍ وموسّعٍ أهداف تلك الدولة، وواقع أهميّتها، وضرورتها التأريخية.

ونتيجة لكلّ هذا كان لا بدّ من الحفاظ على صفاء وطُهر عملية التربية لهذا الجيش العقائدي، وكان لا بدّ لآلافٍ من أمثال مالك الأشتر أن يشاهدوا إنساناً لا تزعزعه المغريات، ولا يتنازل إلى أيّ نوعٍ من أنواع المساومات حتّى يستطيعوا من خلال حياة الرجل العظيم أن يتبنّوا المدلول الرسالي الكامل للأُطروحة ولأبعادها الواسعة في صيغة الحياة.

ونتيجة ذلك كان لا بدّ لعليٍّعليه‌السلام ولأجل ممارسة عملية التربية أن يترفّع عن هذه المساومات والحلول الوسط لكي يستطيع أن يخلق ذلك الجوّ الرفيع نفسياً وفكريّاً وروحياً، والذي سوف ينشأ في داخل وفي أعماقه الجيل الذي يستطيع أن يحتضن أهداف عليٍّعليه‌السلام ويضحّي في سبيلها، ويواكب هذه الأهداف في حياة الإمام، وبعد وفاته.

السبب الثاني:

ثانياً : لا بدّ من الالتفات إلى أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام جاء في أعقاب ثورةٍ ولم يأتِ إلى الحكم في حالةٍ اعتيادية، معنى مجيئه في أعقاب ثورةٍ يعني أنّ


البقيّة الباقية من العواطف الإسلامية قد تفجّرت في لحظة ارتفاع، كلّ هذه العواطف تجمّعت ثمّ ضغطت ثمّ انفجرت في لحظة ارتفاع، وماذا ينتظر القائد الرسالي غير لحظة ارتفاعٍ في حياة اُمّة؛ لكي يستطيع أن يستثمر هذه اللحظة في سبيل إعادة هذه الأُمّة إلى سيرها الطبيعي.

وبما أنّ الإمام علياًعليه‌السلام كان قائداً رساليّاً فكان عليه أن يستثمر لحظة الارتفاع هذه؛ لأنّ المزاج النفسي والروحي وقتئذٍ لشعوب العالم الإسلامي لم يكن ذال المزاج الاعتيادي الهادئ الساكن حتّى يسير على ضوء مخطّطه التدريجي، وإنّما كان هذا المزاج ثوريّاً مرتفعاً إلى مستوى قتل الحاكم والإطاحة به؛ لأنّه انحراف عن كتاب الله وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذن هذا الارتفاع الذي وجد في لحظةٍ في حياة اُمّةٍ لم يكن من السهل إعادته بعد ذلك؛ ولذا كان لا بدّ للحاكم الذي يتسلّم زمام المسئوليّة في مثل هذه اللحظة أن يعمّق هذه اللحظة، وأن يمدّدها ويرسّخ المضمون العقائدي في أثنائها عن طريق هذه الإجراءات الثوريّة التي قام بها أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ولو أنّ الإمام أبقى الباطل مؤقّتاً وسكت عن معاوية وأمثال معاوية، وترك مال الله في أيدي مروان وأمثاله، إذن لهدأت العاصفة وانكمش هذا التيّار العاطفي والنفسي، ومعنى انكماشه وهدوئه أن لا يستطيع الإمام في فترةٍ أُخرى إثارة وتصعيد ثورته من جديدٍ ليقوم بالإجراءات التي من المفروض أن يهادنها مؤقّتاً كما ذكرنا سابقاً. ولذا كان أفضل ظرفٍ لهذه الإجراءات هو الظرف الثوري الذي كانت تعيشه الأُمّة الإسلامية، ولم يكن بالإمكان تأجيل هذه الإجراءات إلى ظروفٍ أُخر تنطفئ فيها هذه الشعلة، وتذوب هذه العواطف، وتتميّع هذه المشاعر.


السبب الثالث:

ثالثاً : ولا بدّ أيضاً من الالتفات إلى أنّ الإمام علياًعليه‌السلام كان يحرص بشدّةٍ على أن تدرك الأُمّة كافّةً أنّ واقع المعركة بينه وبين خصومه ليست معركةً بين شخصين، وبين قائدين، وبين قبيلتين، وإنّما هي معركة بين الإسلام والجاهلية. كان يحرص على أن يفهم الناس أنّ واقع المعركة بينه وبين خصومه هو نفسه واقع المعركة بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين الجاهلية التي حاربته في بدرٍ وفي اُحدٍ وغيرهما من المعارك.

ومن الطبيعي أن يُمنى هذا الحرص بالفشل وبنكسةٍ كبيرةٍ لو أنّه أقرّ معاوية، وأقرّ مخلّفات عثمان السياسية والمالية؛ لأنّ إقرار ذلك ولو لبرهةٍ قصيرةٍ سوف يرسّخ في ذهن المسلمين بشكلٍ عامٍّ أنّ القصّة ليست قصّة معركةٍ رسالية، وإنّما قصّة أهداف حكمٍ انسجمت مع واقع هذه المخلّفات، ونتيجةً لذلك فسوف تخلق هذه المخلّفات ذلك الشكّ الذي نما عند الأُمّة في أمير المؤمنينعليه‌السلام بالرغم من عدم وجود مبرّرٍ موضوعي، وإنّما كانت له مبرّرات ذاتية، بالرغم من أنّه لم يكن يوجد أيّ مبرّرٍ موضوعيٍّ لذلك، وبالرغم من أنّ المبرّر الوحيد للشكّ كان ذاتياً، بالرغم من هذا استفحل هذا الشكّ وقوي حتّى امتحن هذا الإمام العظيمعليه‌السلام بهذا الشكّ، ومات واستشهد والأُمّة شاكةٌ فيه، ثمّ استسلمت الأُمّة وتحوّلت إلى كتلةٍ هامدةٍ بين يدي الإمام الحسنعليه‌السلام نتيجةً لذلك الشكّ. فكيف إذا افترضنا أنّ الشكّ وجدت له مبرّرات موضوعية بحسب الصورة الشكلية للموقف ؟

لو أنّ المسلمين رأوا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام - رمز الأُطروحة الإسلامية - يساوم ويبيع هذه الأُمّة ولو مؤقّتاً ماذا يكون رأيهم ؟! وما هو موقفهم ؟!


أمير المؤمنينعليه‌السلام كانت مهمّته الكبرى هي الحفاظ على وجود الأُمّة، وعلى عدم تنازلها عن هذا الوجود. الأُمّة الإسلامية التي قالت لعمر بن الخطّاب الذي هو أكبر خليفةٍ انحرف عن رسالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قالت: إذا انحرفت عمّا نعرف من أحكام كتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله نقوّمك بسيوفنا(١) . هذه الأُمّة قالت هذه الكلمة لأكبر خليفةٍ منحرف، بدأت تتنازل عن وجودها، أو بتعبيرٍ آخر: كانت هناك مؤامرات تحاك ضدّ هذه الأُمّة لكي تتنازل عن وجودها، وكان على عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أن يحافظ على هذه الأُمّة، وأن يحصّنها ضدّ عملية التنازل عن وجودها.

معاوية وجذور معاوية في تأريخ الإسلام الذين كانوا يقودون معركة التنازل عن الوجود بالنسبة للأُمّة، ويخطّطون لها هم أنفسهم كانوا يدعون إلى أن يصبح الإسلام هرقلية وكسروية. والهرقلية والكسروية كانتا يكنّى بهما عن تنازل الأُمّة عن وجودها، أي أن تتحوّل التجربة الإسلامية من أُمّةٍ تحمل رسالة إلى ملكٍ يحمل هذه الرسالة بمستوى وعيه لها وإخلاصه لها أن وجد عنده إخلاص.

هذه المؤامرات التي نجحت بعد هذا والتي تُوّجت بكلّ المآسي والمحن والكوارث التي كانت ولا تزال إلى يومنا هذا، كلّ هذه المحن والكوارث كانت النتيجة الطبيعية لتنازل الأُمّة عن وجودها وكيانها.

أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي أدرك الأُمّة في اللحظات الأخيرة من وجودها المستقلّ كان يريد أن يمدد هذا الوجود المستقلّ، وأن يشعر الأُمّة بأنّها ليست سلعةً تباع وتشترى، وأنّها ليست شيئاً يساوم عليه. إذن كيف يشعرها بأنّها ليست

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٠: ١٨٠ - ١٨١، تاريخ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الباب ٩٣، الحديث ٦١، عن كشف الغمّة والمناقب للخوارزمي. والنقل بالمعنى والقائل في الخبر الإمام عليّعليه‌السلام .


سلعةً تباع وتشترى إذا كان هو يبيعها ويشتريها ولو لبرهةٍ زمانيةٍ قصيرة ؟! كيف يستطيع أن يشعر الأُمّة بأنّها لا تباع ولا تشترى، وليست وفق رغبات السلاطين وأهواء الحكّام، وإنّما هي الأُمّة التي تمثّل خلافة الله في الأرض ؟ كيف يمكن أن يفهم الأُمّة ذلك إذا كان هو يبيع قطّاعاتٍ من هذه الأُمّة لحكّامٍ فجرةٍ من أمثال معاوية بن أبي سفيان في سبيل أن يسترجع هذه القطّاعات بعد ذلك ؟

وبطبيعة الحال كان معنى رضاه بالمساومات والحلول الوسط أن يواكب هذه المؤامرات ضدّ وجود الأُمّة، بينما المفروض أنّه سيقف في وجه أيّ مؤامرةٍ على استقلال وجود الأُمّة؛ ولذا فلا يمكنه القبول بالمساومات.

السبب الرابع:

رابعاً : أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام لم يكن يتعامل مع الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها فقط، وإنّما كان يحمل هدفاً أكبر من ذلك. الإمام عليّعليه‌السلام كان يحسّ بأنّه أدرك المريض وهو في أواخر مرضه، أي في الوقت الذي لا ينفعه العلاج، ونتيجةً لإحساسه هذا كان يفكّر في أبعادٍ أطول وأوسع للمعركة، ولم يكن فقط يفكّر في الفترة الزمنية التي عاشها. هذا التفكير هو أنّ الإسلام بحاجةٍ لأن تقدّم عنه في خضمّ الانحراف أطروحة واضحة صريحة نقيّة لا شائبة فيها ولا غموض، لا التواء فيها و لا تعقيد، لا مساومة فيها ولا نفاق ولا تدجيل.

لماذا كان الإسلام بحاجةٍ إلى هذه الأُطروحة ؟

الإسلام بحاجة لهذه الأُطروحة؛ لأنّ الأُمّة كتب عليها أن تعيش الحكم الإسلامي المنحرف منذ نجحت السقيفة، وحيث إنّها كتب عليها إلى أمدٍ طويلٍ أن تعيش الحكم الإسلامي المنحرف، وبما أنّ الإسلام الذي تعطيه السقيفة بامتدادها


التأريخي إسلام مشوّه وممسوخ، إسلام لا يحفظ الصلة العاطفية فضلاً عن الفكرية بين الأُمّة ككلٍّ وبين الرسالة، بين أشرف رسالات السماء وهذه الأُمّة التي هي أشرف الأُمم. هذا الإسلام المعطى لمعاوية ومروان وعبد الملك وهارون لا يمكن أن يترك صلةً بين الأمّة وبين الإسلام، فكان لا بدّ لحفظ الصلة بين جماهير الأمّة الإسلامية وبين هذه الرسالة من إعطاء صورةٍ واضحةٍ محدّدةٍ للإسلام، وهذه الصورة أُعطيت نظريّاً على مستوى ثقافة أهل البيتعليه‌السلام ، وأُعطيت عمليّاً على مستوى تجربة الإمام عليٍّعليه‌السلام .

فكان الإمام عليّ في تأكيده على العناوين الأوّلية في التشريع الإسلامي، وفي تأكيده على الخطوط الرئيسية في الصيغة الإسلامية للحياة، كان في هذا يريد أن يقوّم المنهاج الإسلامي واضحاً، غير ملوّثٍ بأدران الانحراف التي كتبت على تأريخ الإسلام مدّةً طويلةً من الزمن. وكان لا بدّ لكي يتحقّق هذا الهدف من أن يعطي التجربة إلى المسلمين بهذا النوع من الصفاء والنقاء والوضوح، دون أن يعمل بما أسميناه بقوانين باب التزاحم.

وهكذا كان هذا الإمام العظيمعليه‌السلام صامداً مواجهاً لكلّ المؤامرات على الأمّة، هذه المؤامرات التي كانت الأمّة تساهم في صنعها وفي حياكتها على أساسٍ من جهلها وعدم وعيها، وعدم شعورها بالدور الحقيقي الذي يمارسه هذا الإمامعليه‌السلام في سبيل حماية وجودها من الضياع، وحماية كرامتها من أن تتحوّل إلى سلعة، حتّى خرّ صريعاً على يد شخصٍ من هذه الأمّة التي ضحّى في سبيلها، خرّ صريعاً في المسجد متوِّجاً حياته بكلماته: ( فزت وربّ الكعبة )(١) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤١: ٢، تاريخ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الباب ٩٩، باب يقينهعليه‌السلام وصبره على المكاره، الحديث ٤.


هل كان عليّعليه‌السلام أسعد إنسانٍ في آخر لحظةٍ من حياته ؟

لنحسب حساب عليٍّ وهو في آخر لحظةٍ من لحظات حياته حينما قال: ( فزت وربّ الكعبة)، هل كان عليّعليه‌السلام أسعد إنسان، أو كان أتعس إنسان ؟

يمكن أن نقارن ونحسب على أساس مقياسين: أحدهما مقياس الدنيا، والآخر مقياس الله عزّ وجلّ.

لو كان عليّعليه‌السلام عمل كلّ الذي عمله للدنيا، لنفسه، فهو عندما ضُرب كان أتعس إنسان، ومَن أتعس من عليّ الذي بَنى كلّ ما بنى، وأقام كلّ الذي أقام من صروحٍ ثمّ حُرم من كلّ هذا البناء ؟

هذا الإسلام الشامخ العظيم الذي يأكل الدنيا شرقاً وغرباً بني بدم عليّ، بني بخفقات قلب عليّ، بني بآلام علي، كان علي شريكاً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بكلّ محن هذا البناء، وكوارث هذا البناء، ومآسي هذا البناء، أيّ لحظةٍ محرجةٍ وجدت بتأريخ هذا البناء لم يكن عليٌّعليه‌السلام فيها ؟ هو الإنسان الوحيد الذي تتّجه إليه أنظار النبيّعليه‌السلام ونظر المسلمين جميعاً لأجل إنقاذ عمليّة البناء.

إذن فعليّعليه‌السلام كان هو المضحّي دائماً في سبيل هذا البناء، هو الشخص الذي أعطى ولم يبخل، الذي ضحّى ولم يتردّد، الذي كان يضع دمه على كفِّه في كلّ غزوةٍ وفي كلّ معركة، في كلّ تصعيدٍ جديدٍ لهذا العَلم الإسلامي الراسخ العظيم.

إذن، فقد شيّدت كلّ هذه المنابر بيد عليّعليه‌السلام ، واتّسعت أرجاء كلّ هذه الدولة بسيف عليّ، لكن ماذا حصل عليّ من كلّ هذا البناء في مقاييس الدنيا ؟ ماذا حصل من التضحيات ؟ من كلّ هذه البطولات ؟ من الحرمان الطويل


الطويل ؟ ماذا حصل غير الإقصاء عن حقّه الطبيعي ؟ بقطع النظر عن نصٍّ أو تعيينٍ من الله عزّ وجلّ، كان حقّه الطبيعي أن يحكم بعد أن توفّي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه الشخص الثاني عطاءً للدعوة وتضحيةً في سبيلها، أُقصي عن حقّه الطبيعي، قاسى ألوان الحرمان، أُنكرت عليه كلّ امتيازاته، معاوية بن أبي سفيان هو الذي يقول لمحمّد بن أبي بكر: كان عليّ كالنجم في السماء في أيام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّ أباك والفاروق ابتزّا حقّه وأخذا أمره، وبعد هذا نحن شعرنا أنّ بإمكاننا أن ندخل في ميدان المساومة مع هذا الرجل.(١) الإمام نفسه يتحدّث عن نفسه، ويحدّث عن مقامه في أيام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وكيف أنّ مقامه أخذ يتنازل بالتدريج نتيجةً لمؤامرات الحاكمين عليه حتّى قيل: عليّ ومعاوية.(٢)

إذن فعليّعليه‌السلام حينما واجهه عبد الرحمن بن ملجم - لعنه الله - بتلك الضربة القاتلة على رأسه الشريف كان ماضيه عبارةً عن ماضي حرمانٍ وألمٍ وخسارة، ولم يكن قد حصل من هذا البناء العظيم.

لكنّ الأشخاص الذي حصلوا على شيءٍ عظيمٍ من هذا البناء هم أولئك الذي لم يساهموا في هذا البناء، هم أولئك الذين كانوا يفرّون في اللحظات الحاسمة في عملية هذا البناء، هم أولئك الذين كانوا على استعدادٍ دائمٍ للتنازل عن مستوى هذا البناء في أيّة لحظةٍ من اللحظات، أولئك حصلوا على مكاسب عريضةٍ من هذا البناء.

أمّا هذا الإمام الممتحن الذي لم يفرّ لحظة، الذي كان لم يتلكّأ في آن، الذي لم يتلعثم في قولٍ أو عمل، هذا الإمام العظيم لم يحصل على أيّ مكسبٍ من هذا

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ١٢، ١٣.

(٢) راجع نهج البلاغة: ٣٦٨، الكتاب ٩.


البناء بأيّ شكلٍ من الأشكال، انظروا أنّ هذه الحادثة يمكن أن تفجّر قلب الإنسان دماً، غير العامل حينما ينظر في حال إنسانٍ عاملٍ على هذا الترتيب يتفجّر قلبه ألماً لحال هذا العامل المسكين، لحال هذا العامل التعيس الذي بنى فغيّر الدنيا ثمّ لم يستفد من هذا التغيير.

نظرة الإمامعليه‌السلام للمستقبل:

ثمّ تعالوا فانظروا إلى المستقبل الذي كان ينظره الإمام عليّعليه‌السلام بعين الغيب، هذا ماضيه، فماذا عن مستقبله ؟ كان يرى بعين الغيب أنّ عدوّ الإسلام معاوية سوف يطأ منبره، وسوف يطأ مسجده، وسوف ينتهك كلّ الحرمات والكرامات التي ضحّى وجاهد في سبيلها، سوف يستقلّ بهذه المنابر التي شيّدت بجهاده وجهوده ودمه، سوف يستغلّها في لعنه وسبّه عشرات السنين، هو الذي كان يقول لبعض الخُلّص من أصحابه:إنّه سوف يعرض عليكم سبّي ولعني والبراءة منّي، أمّا السبب فسبّوني، وأمّا البراءة فلا تتبّرؤوا منّي .(١)

إذن، فهو كان ينظر بعين الغيب إلى المستقبل بهذه النظرة. لم يكن يرى في المستقبل نوعاً من التكذيب يُتدارك به هذا الحرمان، كانت الأجيال التي سوف تأتي بعد أن يفارق الدنيا، هذه الأجيال كانت ضحية مؤامرةٍ أُموية جعلتها لا تدرك أبداً دور الإمام عليٍّعليه‌السلام في بناء الإسلام.

هذا هو حرمان الماضي، وهذا حرمان المستقبل، وبالرغم من كلّ هذا قال:

____________________

(١) بحار الأنوار ٣٩: ٣١٦ و ٣١٧ و ٣٢٢، تاريخ أمير المؤمنين، الباب ٨٨، باب كفر من سبّه أو تبرّأ منهعليه‌السلام ، الحديث ١٣ - ١٧ و ٢١، والجزء ٧٥: ٣٩٣ و ٤٠٨ و ٤٣٠، كتاب العشرة، الباب ٨٧، باب التقيّة والمداراة، الحديث ٢ و ٤٨ و ٩٠.


( فزت وربّ الكعبة )، لأنّه لم يكن إنسان الدنيا، ولو كان إنسان الدنيا لكان أتعس إنسانٍ على الإطلاق، لو كان إنسان الدنيا لكان قلبه تفجّر ألماً وحسرة، ولو كان إنسان الدنيا فسوف يندم ندماً لا ينفعه معه شيء، لأنّه بنى شيئاً ثمّ انقلب عليه هذا البناء ليحطّمه، أيّ شيءٍ يمكن أن ينفع هذا الشخص ؟ إذا فرضنا أنّ شخصاً أراد أن يربّي شخصاً لكي يخدمه فلمّا ربّى ذاك الشخص الآخر ونما واكتمل رشده جاء ليقتل مربيّه، ماذا ينفع المربِّي غير أن يموت ندماً ؟ لكنّ هذا الرجل العظيم قال: ( فزت وربّ الكعبة )، كان أسعد إنسانٍ ولم يكن أتعس إنسان، لأنّه كان يعيش لله ولم يكن يعيش للدنيا، كان يعيش لهدفه ولم يكن يعيش لمكاسبه، لم يتردّد لحظةً وهو في قمّة هذه المآسي والمحن، في صحّة ماضيه، وفي صحّة حاضره، وفي أنّه أدّى دوره الذي كان يجب عليه.

العبرة التي يجب أن نأخذها:

وهذه هي العبرة التي يجب أن نأخذها، يجب أن نستشعر دائماً أنّ السعادة في علم العامل لا تنبع من المكاسب التي تعود إليه نتيجةً لهذا العمل، يجب أن لا نقوّم سعادة العامل على أساس المكاسب التي تعود إلينا نتيجة لهذا العمل؛ لأنّنا لو قوّمنا على هذا الأساس فقد يكون حظّنا كحظ هذا الإمام من دنياه، حيث إنّه بنى إسلاماً غيّر دنياً، ووجّه أُمّة، ثمّ بعد هذا انقلبت عليه هذه الأُمّة لتلعنه على المنابر ألف شهر، نحن يجب أن لا نجعل مقياس سعادة العامل في عمله هو المكاسب والفوائد التي تنجم عن هذا العمل، وإنّما هو رضا الله عزّ وجل، ونجعل المقياس حقّانية العمل وكفى، وحينئذٍ سوف نكون سعداء، أثّر عملنا أم لم يؤثّر، وسواء قدّر الناس عملنا أم لم يقدّروا، سواء رمونا باللعن أو الحجارة، على أيّ


حالٍ سوف نستقبل الله سبحانه وتعالى ونحن سعداء؛ لأنّنا أدّينا حقّنا وواجبنا، وهناك من لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلاّ أحصاها.

لئن ضيّعوا السعادة، ولئن ضيّعوا فهمهم، ولئن استولى عليهم الغباء حتّى خلطوا بين عليٍّ وعمر، وبين عليٍّ ومعاوية، لئن انصرفوا عن عليّعليه‌السلام وهم في قمّة الحاجة إليه فهناك من لا يختلط عليه الحال، بل هناك من يميّز بين عليّعليه‌السلام وبين أيّ شخص آخر، هناك من أعطى لعليّعليه‌السلام نتيجةً لعملٍ واحدٍ من أعماله مثل عبادة الثقلين(١) ، ذاك هو الحقّ، وتلك هي السعادة.

اللّهمّ احشرنا معه، واجعلنا من شيعته والمتوسّمين خطاه، والحمد الله ربّ العالمين.

____________________

(١) انظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم الحسكاني ٣: ٣٧، وشواهد التنزيل له أيضاً ٢: ٨، الحديث ٦٣٦، وفرائد السمطين للحمويني الشافعي ١: ٢٥٥، الحديث ١٩٧، وينابيع المودّة للحنفي ١: ٢٨٢، الحديث ٥، عن المناقب للخوارزمي.



موقف الإمام عليعليه‌السلام السياسي

بعد تسلّمه زمام الحكم

( القسم الثاني )



بسم الله الرحمن الرحيم*

حرْص الإمامعليه‌السلام على الصيغة الإسلامية للحياة:

كنّا نتحدّث عن تلك الظاهرة الفريدة في المرحلة التي قضاها الإمامعليه‌السلام حاكماً متصرِّفاً ومصرِّفاً لشئون المسلمين.

هذه الظاهرة الفريدة هي ما ألمحنا إليها من أنّ الإمامعليه‌السلام كان حريصاً كلّ الحرص على إعطاء العناوين الأوّلية للصيغة الإسلامية للحياة، والوقوف على التكليف الواقعي الأوّلي بحسب مصطلح الأصوليين، دون تجاوزه إلى ضرورات استثنائية تفرضها طبيعة الملابسات والظروف.

قلنا: إنّ هذه النقطة بُحثت من الناحية الفقهيّة ومن الناحية السياسية معاً، فقيل مثلاً:

لماذا لم يرتضِ الإمام بأنصاف الحلول أو بشيءٍ من المساومة ؟

لماذا لم يسكت ؟

لماذا لم يُمْضِ ولو بصورةٍ مؤقّتةٍ الجهاز الفاسد الذي تركه وخلّفه عثمان بعد موته ؟

____________________

(*) ألقيت في ١٩ شهر رمضان المبارك / ١٣٨٨ ه-.


لماذا لم يُمْضِ الجهاز حتّى إذا أطاعه هذا الجهاز وأسلم له القيادة بعد ذلك يستطيع أن يمارس بشكلٍ أقوى وأعنف عملية التصفية ؟

تفسير الظاهرة:

كنّا نعالج هذه المسألة، وقلنا: إنّ الجواب عن هذا السؤال وتفسير هذه الظاهرة الفريدة في حياة الإمامعليه‌السلام يتّضح بمراجعة عدّة نقاطٍ استعرضنا من هذه النقاط أربعاً:

النقطة الأولى : هي أنّ الإمامعليه‌السلام كان بحاجةٍ إلى إنشاء جيشٍ عقائديٍّ في دولته الجديدة التي كان يخطّط لإنشائها في العراق، وهذا الجيش العقائدي لم يكن موجوداً، بل كان بحاجةٍ إلى تربيةٍ وإعداد فكريٍّ ونفسيٍّ وعاطفي، وهذا الإعداد كان يتطلّب جوّاً سابقاً صالحاً لأن تنشأ فيه بذور هذا الجيش العقائدي. وهذا الجوّ ما لم يكن جوّاً كفاحياً رسالياً واضحاً لا يمكن أن تنشأ في أحضانه بذور ذلك الجيش العقائدي، لو افترضنا أنّ الجوَّ كان جوّ المساومات وأنصاف الحلول حتّى في حالة كون أنصاف الحلول تكتسب الصفة الشرعية بقانون التزاحم - على ما ذكرناه - حتّى في هذه الحالة تفقد الصيغة مدلولها التربوي.

النقطة الثانية : هي أنّ الإمامعليه‌السلام جاء لتسلّم زمام الحكم في لحظة ثورةٍ لا في لحظةٍ اعتيادية، ولحظة الثورة تستبطن لحظة تركيزٍ وتعبئةٍ وتجمّع كلّ الطاقات العاطفية والنفسية في الأُمة الإسلامية لصالح القضية الإسلامية، فكان لا بدّ من اغتنام هذه اللحظة بكلّ ما تستبطنه من هذا التزاحم الهائل عاطفياً ونفسياً وفكرياً.


النقطة الثالثة : التي ركّزنا عليها، هي: أنّ ظاهرة الشكّ في مجتمع الإمامعليه‌السلام هذه الظاهرة التي بيّنّاها في محاضراتٍ سابقة، وكيف أنّها عصفت بالتجربة واستطاعت أن تقضي على الآمال والأهداف التي كانت معقودةً عليها، هذا الشكّ بالرغم من أنّه لم يكن يملك في سيرة الإمامعليه‌السلام أيّ مبرّرٍ موضوعي، وكانت مبرّراته ذاتيةً محضةً - بالنحو الذي شرحناه تفصيلاً فيما مضى - فقد استفحل وطغى، فكيف لو افترضنا أنّ هذه المبرّرات الذاتية أُضيفت إليها مبرّرات موضوعية من الناحية الشكلية ؟ إذن لكان هذا الشكّ أسرع إلى الانتشار والتعمّق والرسوخ، وفي النهاية إلى تقويض هذه التجربة.

النقطة الرابعة : التي ختمنا بها الحديث بالأمس هي عبارة عن أنّ أنصاف الحلول أو المساومة هنا كانت في الواقع اشتراكاً في المؤامرة، وكانت تحقيقاً للمؤامرة من ناحية الإمامعليه‌السلام ، ولم تكن تعبيراً عن الإعداد لإحباط هذه المؤامرة؛ لأنّ المؤامرة لم تكن مؤامرةً على شخص الإمام عليٍّعليه‌السلام ، ولم تكن مؤامرةً على حاكمية الإمام عليٍّعليه‌السلام حتّى يقال: إنّه يمهّد لهذه الحاكمية بشيءٍ من هذه الحلول الوسط، وإنّما المؤامرة كانت مؤامرة على وجود الأُمّة الإسلامية، على شخصية هذه الأُمة، على أن تقول كلمتها في الميدان بكلّ قوّةٍ وجرأةٍ وشجاعة، على أن تنسلخ عن شخصيّتها، وينصب عليها قيّم من أعلى يعيش معها عيش الأكاسرة والقياصرة مع شعوب الأكاسرة والقياصرة. هذا الذي كان يسمّى بالمصطلح الإسلامي بالهرقليّة والكسرويّة.

هذه هي المؤامرة.

وهذه المؤامرة هي التي كان يسعى خطّ السقيفة بالتدريج عامداً أو


غير عامدٍ إلى تعميقها، إلى إنجاحها في المجتمع الإسلامي.

فلو أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد مارس أنصاف الحلول، لو كان قد باع الأُمة بيعاً مؤقّتاً مع خيار الفسخ، إذن لكان بهذا قد اشترك في إنجاح وفي سلخ الأُمّة عن إرادتها وشخصيّتها.

كانت الأُمّة وقتئذٍ بحاجةٍ كبيرةٍ جدّاً لكي تستطيع أن تكون على مستوى مسئوليات ذلك الموقف العصيب، وعلى مستوى القدرة للتخلّص من تبعات هذه المؤامرة.

كان لا بدّ من أن تشعر بكرامتها، بإرادتها، بحرّيتها، بأصالتها، بشخصيّتها في المُعترك، وهذا كلّه ممّا لا يتّفق مع ممارسة الإمامعليه‌السلام لأنصاف الحلول.

النقطة الخامسة : لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الإمامعليه‌السلام لو أمضى الأجهزة الفاسدة التي كان قد خلّفها الخليفة المنحرف من قبله وأقرّها لكان من غير المعقول بمقتضى طبيعة الأشياء أن يستطيع ممارسة عملية التغيير في هذه التجربة التي يتزعّمها.

في الواقع أنّ هذا الفهم لموقف الإمامعليه‌السلام الذي أعرضه في هذه النقطة مرتبط بحقيقة مطلقة تشمل موقف الإمامعليه‌السلام وموقف كلّ عقائدي رسالي تحيط به نفس الظروف والملابسات ويريد أن يقوم بعملية تغيير جذري وإصلاح حقيقي في مجتمع من المجتمعات.

هذه الحقيقة هي أنّه لا يمكن أن ينشأ على يد الأُطروحة الفاسدة - التي لا بدّ أن يشملها الإصلاح - إصلاح الأُمة. فلو افترضنا أنّ الزعيم المسئول عن إصلاح تلك الأُمة والبيئة التي يتزعّمها أقرَّ الأجهزة الفاسدة التي يتوقّف الإصلاح على إزالتها وتبديلها، ومن ثمّ تعاون معها ولو مؤقّتاً بمنطق: إنّي اُقرّها ثمّ بعد اكتسابي


القوم والمزيد من القدرة وبعد امتدادي أُفقيّاً وعمودياً في أبعاد هذه التجربة التي أتزعّمها، ثمّ بعد ذلك أستبدل هذه الركائز بركائز صالحة، هذا كلّه لا يتّفق مع طبيعة العمل الاجتماعي؛ وذلك لأنّه سوف يستمدّ قوتّه وقدرته وامتداده الأفقي والعمودي من هذه الركائز الفاسدة؛ لأنّها قوّته التنفيذية التي هي وجهه إلى الأُمة، فإذا افترضنا أنّ هذه الأجهزة كانت هي الأجهزة الفاسدة التي يريد المخطّط الإصلاحي إزالتها وتبديلها فليس من المعقول أن يقول الزعيم في أيّ لحظةٍ من اللحظات: إنّي أرفض هذه الأجهزة الفاسدة؛ لأنّ النتيجة المنطقية مرتبطة بمقدّماتها، والنتيجة واقعياً مرتبطة بركائزها. فهذا الشموخ المستمدّ من ركائز فاسدةٍ لا يمكن أن يتمرّد على هذه الركائز. هذا الزعيم حتّى ولو كان حسن النيّة والتصوّر مع هذا لو أنّه طبّق هذه الصورة سوف يجد في نهاية الطريق أنّه عاجز عن التغيير، وسوف لن يتمكّن من تحقيق أهدافه الكبيرة؛ لأنّ هذا الزعيم مهما كان متمكّناً ومتسلّطاً فلن يستطيع أن يغيّر بيئةً بجرّة قلمٍ أو إصدار قرار، وإنّما تتغيّر البيئة عن طريق الأجهزة التي تنفّذ إرادة هذا الزعيم وتخطيطه، وهذه الأجهزة إذا كانت هي نفسها لا تتّفق مع الإرادة الإصلاحية لهذا الزعيم فكيف تنفّذ إرادته وتحقّق أهدافه ؟

إذن، فطبيعة العمل التغييري في أيّ بيئةٍ تفرض على الزعيم العقائدي الإصلاحي أن يبدأ العمل، ويبدأ بناء زعامته بصورةٍ منفصلةٍ عن تلك الأجهزة الفاسدة، وهذا ما كان يفرض على الإمام عليٍّعليه‌السلام أن لا يقرّ ولا يمضي مخلّفات عثمان بن عفّان الإدارية والسياسية.

النقطة السادسة : لا بدّ من الالتفات إلى أنّه لو أنّ الإمامعليه‌السلام كان قد أمضى مرحلياً الأجهزة التي خلّفها عثمان مثل معاوية بن أبي سفيان لحصل من ذلك على


نقطة قوّة - وهي ما يفترضه المعترِض على تصرّف الإمام - ومنشأ هذه القوّة هو أن يبايع معاوية، ويبايع أهل الشام علياًعليه‌السلام . صحيح هذه النقطة في حساب عملية التغيير، لكن في مقابل هذا سوف يحصل معاوية على نقطة قوّة، ونقطة القوّة هذه هي اعتراف صاحب الأطروحة هذه، صاحب الخطّ الإسلامي المعارض منذ أن تشكّلت السقيفة بشرعيّة حاكمية معاوية بن أبي سفيان، ومعنى هذه الشرعية هو أنّ معاوية رجل يوصف - على أقلّ تقديرٍ - بأنّه عامل قدير على تسيير مهامّ الدولة، وعلى حماية مصالح المسلمين ورعاية شئونهم، هذا المعنى هو المدلول العرفي الواضح لمثل هذا الإمضاء في الذهنيّة الإسلامية العامة.

ونحن إذا قارنّا بين هاتين النقطتين فسوف لن ننتهي إلى قرارٍ مؤكّدٍ بأنّ نقطة القوّة التي يحصل عليها الإمامعليه‌السلام هي أهمّ في حساب عملية التغيير الاجتماعي التي يمارسها من نقطة القوّة التي يحصل عليها معاوية، خاصّةً إذا التفتنا إلى أنّ عملية تغيير الولاة في داخل الدولة الإسلامية وقتئذٍ لم تكن عمليةً سهلة، ولم تكن عمليةً بهذا الشكل من اليسر الذي نتصوّره في دولةٍ مركزيةٍ تسيطر حكومتها المركزية على كلّ أجزاء الدولة وقطّاعاتها.

ليس معنى أن يبايع معاوية لخليفةٍ في المدينة أنّ جيشاً للحومة المركزية سوف يدخل إلى الشام، أو أنّ هناك ارتباطاً عسكرياً حقيقياً سوف يوجد بين الشام والحكومة المركزيّة، وإنّما يبقى هذا الوالي بعد البيعة همزة الوصل الحقيقية بين هذا البلد وبين الحكومة المركزية. فضعف الحكومة المركزية عسكرياً في ذلك الوقت وترسّخ معاوية في الشام - لأنّ الشام لم يعرف والياً إسلامياً سوى يزيد بن أبي سفيان ومن بعده معاوية بن أبي سفيان، وكذلك الصلاحيات الاستثنائية التي أعطاها عمر بن الخطّاب لمعاوية في أن ينشئ له سلطنةً وملكيةً في الشام، بدعوى أنّ ذلك يكون مظهر عزٍّ وجلالٍ للإسلام في مقابل دولة القياصرة، إلى جانب


الصلاحيات التي أخذها من عثمان، والتي كرّست انفصال الشام واقعياً عن الحكومة المركزية، ولم يبقَ أيّ ارتباطٍ حقيقيٍّ بين الشام والمدينة سوى الارتباط الدستوري الاسمي بتبعيّة الشام إلى الحكومة الإسلامية - هذا الضعف من جهةٍ، والترسّخ من الجهة الأُخرى، كان يُعقّد الموقف على أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويجعل نقطة القوّة التي يحصل عليها ( وهي مجرّد البيعة في الأيام الأولى )، نقطةً غير حاسمة؛ وذلك لأنّ الإمام إذا عزل معاوية فبإمكان معاوية أن يثير إلى جانب وجوده المادي القوي في الشام الشبهات على المستوى التشريعي الإسلامي، لأنّه يستطيع أن يقول: لماذا عزلني علي بن أبي طالب ؟ وما هو الشيء الذي صدر منّي بعد أن اعترف بأنّي حاكم عادل صالح لإدارة شئون المسلمين ؟

مثل هذا الكلام كان بإمكان معاوية أن يوجّهه حينئذٍ للإمام ولم يكن يقدر الإمامعليه‌السلام أن يجيب جواباً مقنعاً للرأي العام الإسلامي وقتئذٍ على هذه الشبهة. لكنّه حينما يعزله من البداية فإنّ عزله يكون على أساس عدم صلاحيته، وعدم توفّر الشروط اللازمة للحاكم الإسلامي عنده، إلى جانب أنّ هذا العزل يعبّر عن عدم رضا الإمامعليه‌السلام عن الفترة السابقة التي عاشها معاوية كحاكمٍ في الشام من قبل عمر وعثمان.

النقطة السابعة : أنّ هذا الشبهة التي وجّهت للإمامعليه‌السلام تفترض أنّ معاوية ابن أبي سفيان في حال بقائه والياً من قِبَلِ الإمام مؤقتاً سوف يعطي نقطة قوّة للإمام عليعليه‌السلام ، ولكن لا يوجد في القرائن والدلائل التي كانت تكتنف موقف الإمام ما يوحي بصحّة هذا الافتراض؛ وذلك لأنّ معاوية لم يعصِ الإمامعليه‌السلام بسبب عزله عن الولاية، وإنّما كان ذلك - في أكبر الظنّ - جزءاً من مخطّطه لمؤامرة أموية طويلة الأمد على الإسلام.


الأموية كانت تريد نهب المكاسب الإسلامية بالتدريج، هذا النهب الذي عبّر عنه أبو سفيان بأقسى تعبير حينما ركل قبر حمزةرضي‌الله‌عنه بقدمه وهو يقول: إنّ هذا الدين الذي قاتلتمونا عليه وبذلتم دماءكم في سبيله أصبح كرةً في أيدي صبياننا وأطفالنا.(١)

كانت المرحلة الأولى من المؤامرة الأموية عملية ترسيخ الأخوين يزيد ومعاوية في الشام، ومن ثمّ محاولة استقطاب الشام عن طريق حكمه الدائم من قِبَلهم. ومن ثمّ ابتدأ معاوية ينتظر الفرصة الذهبيّة التي هيّأها له مقتل عثمان، هذه الفرصة الذهبية التي تعطي سلاحاً غير منتظرٍ يمكن أن يمسكه ويدخل به إلى الميدان، ولهذا نراه قد تباطأ عن نصرة عثمان وعن أمر الجيوش التابعة له بالدخول إلى المدينة لحماية عثمان، مع العلم بأنّ عثمان كان يستصرخه ويؤكّد له بأنّه يعيش لحظات الخطر. معاوية كان قادراً على تأخير هذا المصير المحتوم عن عثمان إلى مدّةٍ طويلةٍ لو أنّه وقف موقفاً إيجابياً من نصرة عثمان، ولكنّه تلكّأ، وكان يخطّط لكي يبقى هذا التيار كاسحاً، ولكي يخرّ عثمان صريعاً على أيدي المسلمين، ثمّ بعد هذا يأتي ويمسك بزمام هذا السلاح ويقول: أنا ابن عمّ الخليفة المقتول.

هذه الفرصة الذهبية التي كانت تحكي مستوى الآمال والأطماع الأموية لنهب مكاسب الإسلام لم يكن من المظنون أن يدعها معاوية لقاء بقائه والياً على الشام من قبل الخليفة الجديد؛ لأنّ ولاية الشام كانت مرحلةً أُنجزت من المؤامرة، وبعد مقتل عثمان اتبدأت المرحلة الجديدة، وهي نهب كلّ الوجود الإسلامي

____________________

(١) راجع: بحار الأنوار ٤٤: ٧٨، تاريخ الإمام الزكي الحسنعليه‌السلام ، باب سائر ما جرى بينهعليه‌السلام وبين معاوية، الحديث الأوّل.


وتزعّمه، والذي كان يعني أنّ إبقاءه والياً على الشام سوف لن يكون على مستوى أطماعه.

النقطة الثامنة : وأخيراً فإنّنا نقول: إنّ ملاحظة طبيعة الوضع العامّ وملاحظة موقع الإمام عليعليه‌السلام في ذلك الوضع لم تكن لتوحي بالاعتقاد بالعجز عن إمكان إنجاح عملية التغيير بدون مساومة، ومن الواضح بناءً على أنّ الفكرة الفقهية التي أشرنا إليها بالأمس: من أنّ توقّف الواجب الأهمّ على المقدّمة المحرّمة يبيح تلك المحرّمة، إنّما تكون صحيحةً إذا كان هناك توقّف بالفعل، وأحرز أنّه لا يمكن التوصّل إلى الواجب الأهمّ إلاّ عن طريق هذه المقدّمة المحرّمة، ولكنّ الظروف هنا وطبيعة الموقف لم تكن توحي ولم تكن تؤدّي إلى اليقين بمثل هذا التوقّف؛ وذلك لأنّ المؤامرة التي كان على عليٍّعليه‌السلام الاضطلاع بمسئولية إحباطها حينما تولّى الحكم لم تكن قد نجحت بعد، بل كانت الأُمّة أيام مقتل عثمان قد عبّرت تعبيراً معاكساً ومضادّاً لواقع هذه المؤامرة ولمضمونها. صحيح أنّ هذه المؤامرة تمتدّ بجذورها إلى أمدٍ طويلٍ قبل هذا التأريخ؛ وذلك لأنّ الأُمّة التي سهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على إعطائها أصالتها وشخصيّتها وكرامتها ووجودها، حتّى أنّه ألزم نفسه وألزمه ربُّه بمشاورتها لأجل تربية المسلمين وإعدادهم نفسياً لتحمّل مسئولياتهم، ولأجل إشعارهم بأنّهم هم الأُمّة التي يجب أن تتحمّل مسؤوليات هذه الرسالة(١) ، هذه الأُمّة التي خلّفها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي تعيش هذه الروحية، وتعيش هذا المستوى عاطفياً ونفسياً

____________________

(١) وذلك في قوله تعالى:( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) آل عمران: ١٥٩.


تعرّضت للمؤامرة على وجودها وتحويل هذا الوجود إلى سلطان.

وكان أوّل جذرٍ من جذور هذه المؤامرة قد أُعطي كمفهومٍ في السقيفة حينما قال أبو بكر: ( من ينازعنا سلطان محمّد )(١) ، هذا المفهوم كان من المفاهيم التي شكّلت جذراً من جذور المؤامرة، السقيفة وإن كانت بمظهرها اعترافاً بوجود الأُمّة؛ حيث إنّ الأُمّة تريد أن تتشاور في تعيين الحاكم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن هذا المفهوم الذي أُعطي في السقيفة، والذي كُتب له أن ينجح ويمتدّ بأثره بعد ذلك، كان بحدّ ذاته ينكر وجود الأُمّة، كان ينظر إلى النبوّة أنّها سلطان قريش، أنّها سلطان عشيرة معيّنة، وهذه العشيرة المعيّنة هي التي يجب أن تحكم وأن تسود.

ومن ثمّ نرى أنّ عمر كان يعمّق بشكلٍ وآخر هذا المفهوم، مثلاً: في إحدى المرّات سمع عمر بن الخطّاب: أنّ المسلمين يتحدّثون حلقاً حلقاً ويفكّرون في أنّه لو أُصيب عمر بشيءٍ فمن يحكم المسلمين بعد أن يموت ؟ معنى هذا أنّ المسلمين يحملون همّ التجربة، وهمّ المجتمع، ومعناه أنّه لا يزال للأُمة وجود، عمر بن الخطاب انزعج من عمل المسلمين ومن وجود الأُمّة في الميدان؛ وذلك لأنّه يعرف أنّ وجود الأُمّة في الميدان معناه وجود عليعليه‌السلام في الميدان، ووجود الخطّ المعارض في الميدان؛ ولهذا صعد عمر المنبر وقال:إنّ أقواماً يقولون: من يحكم بعد أمير المؤمنين ؟! أَلا إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها .(٢)

ما معنى هذا الكلام من عمر ؟ يريد أن يقول: بأنّه لا يجوز للمسلمين أن يعودوا مرّةً أُخرى إلى التفكير المستقلّ في انتخاب شخص، وإنّما يجب أن يعيّن

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري ٢: ٤٥٧.

(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٤: ٣٠٧، ٣٠٨.


لهم شخص من أعلى. عمر لم يجرأ أن يبيّن هذا المفهوم صراحة، عمر كان يريد أن يعيّن الحاكم من أعلى، لا أن تفكّر الأُمّة في تعيين هذا الحاكم كما فكّرت في ذلك بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك التفكير المشئوم، عمر بعد ذلك عبّر عمّا يريد صراحة حينما طُعن حيث جاءه المتملّقون وقالوا له: ينبغي أن توصي يا أمير المؤمنين ولا ينبغي أن تترك اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هملاً، عندئذٍ عيّن ستّة أشخاص.(١)

صحيح أنّه لم يجرأ على تعيين واحد، وصحيح أنّه أعطى الأُمّة وجوداً ناقصاً حينما حصر الأمر في ستّة أشخاص عليهم أن يعيّنوا واحداً منهم. ولكنّه في هذا كان ينفّذ المؤامرة، المؤامرة التي كانت تنفّذ بالتدريج على وجود هذه الأُمّة وكيانها وإرادتها، عبد الرحمن بن عوف الذي كان هو قطب الرحى في هؤلاء الستّة لم يستطع أيضاً أن يطفئ دور الأُمّة، ولم يحلّ المشكلة عن طريق التفاوض فيما بين هؤلاء الستّة في اجتماع مغلق، وإنّما ذهب يستشير الأُمّة ويسأل المسلمين عن الذي يرشّحونه من هؤلاء الستّة ( إلى هنا كانت الأُمّة لا تزال تحتفظ بدرجة من وجودها بحيث أنّ صنيعة عمر بن الخطّاب لم تغفل وجود الأُمّة ) عبد الرحمن يسأل هذا ويسأل ذاك عن الذي يريدونه(٢) ، وأخيراً يقول: ما سألت عربياً إلاّ وقال: عليّعليه‌السلام ، وما سألت قرشياً إلاّ وقال: عثمان(٣) . ومعنى هذا أنّ جماهير المسلمين كانت تقول علي بن أبي طالبعليه‌السلام وعشيرة واحدة معيّنة كانت تريد أن تغصب الحكم من الأُمّة كانت تقول عثمان؛ لأنّ عثمان كان تكريساً لعملية النهب، بينما علي بن أبي طالبعليه‌السلام كان تعبيراً وتأكيداً لوجود الأُمّة في

____________________

(١) الإمامة والسياسة ١: ٤٢، وتاريخ الطبري ٣: ٢٩٢ - ٢٩٣.

(٢) راجع: الطبري ٣: ٢٩٧.

(٣) الطبري ٣: ٣٠١.


الميدان ولهذا أرادته الأُمّة، وأرادت العشيرة عثمان، ثمّ جاء عثمان وفي دوره تكشّفت المؤامرة أكثر وامتدّت أكثر، أصبحت العشيرة تحكم وتقول بكلّ وقاحة: بأنّ المال مالنا، والأرض أرضنا، والخراج خراجنا إن شئنا أعطينا وإن شئنا حرمنا(١) ، لكن كان كلّ هذا خارج نطاق الدستور؛ لأنّ الصيغة في الدستور هي الصيغة الإسلامية، وهي أنّ المال مال الله والناس سواسية كأسنان المشط(٢) .

هذه هي الصيغة الإسلامية حتّى في عهد عثمان، ولكن هذا الوالي الأموي المتغطرس، أو ذاك الوالي المتعجرف كان ينطق ويترجم الواقع لا الدستور، فيقول: إنّ أرض السواد بستاننا نحن نعطي ونمنع، وهكذا كان.(٣)

ولكنّ كلّ هذا كان يعني أيضاً أنّه ما دامت الصيغة الإسلامية موجودة جماهيرياً فإنّ المؤامرة غير ناجحة بالرغم من الجذور ومن المقدّمات والإرهاصات النظريّة والعمليّة؛ لأنّ الأُمّة جاءت وطالبت عثمان بمضمون الصيغة الإسلامية في الدستور وتطالبه بخلع هذا الوالي أو ذاك؛ لأنّه منحرف، لأنّه لا يطبّق كتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يكن باستطاعة عثمان أن يجيب بصراحة ويقول: أيّتُها الأُمّة ليس لكِ إرادة؛ لأنّ الإرادة إرادتي وعليه فهذا الوالي يمثّلني أنا الحاكم المطلق.

ولكنّه كان يراوغ ويعتذر ويقيل ويُرجع وهكذا، كان يناور مع الأُمّة، هذه الأُمّة التي بدأت تحسّ بالخطر على وجودها فعبّرت عن ذلك تعبيراً ثورياً وقتلت

____________________

(١) راجع: تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٨.

(٢) تحف العقول: ٣٦٨، وبحار الأنوار ٧٨: ٢٥١، كتاب الروضة، الباب ٢٣، باب مواعظ الصادقعليه‌السلام ، الحديث٩٩.

(٣) مروج الذهب ٢: ٣٣٧ عن سعيد بن العاص الأموي الأشدق.


الخليفة.

وبعد هذا اتّجهت طبيعياً إلى الإمام عليعليه‌السلام لكي يعبّر من جديد عن وجودها، ولكي يحبط المؤامرة ولكي يعيد إلى هذه الأُمّة كرامتها داخل الدستور وخارجه، ولكي يقضي على كلّ انحراف خرج به الحكّام عن الصيغة الإسلامية عن الدستور.

فمن هنا كانت القضيّة لا تزال في بدايتها ولا تزال الأُمّة بحسب مظهرها - على الأقلّ - هي تلك الأُمّة التي قتلت الحاكم لتحافظ على وجودها، وعليعليه‌السلام صاحب الطاقات الكبيرة هو الشخص الوحيد الذي يؤمّل منه أن يصفّي عملية الانحراف.

فالظروف والملابسات لم تكن تؤدّي إلى يأس بل كانت تؤدّي إلى أمل، وما وقع خارجاً خلال السنوات الخمس كان يؤكّد هذا الأمل، فإنّ علياًعليه‌السلام لولا معاكسات جانبيّة - لم تكن تنبع من حقيقة المشاكل الكبرى في المجتمع - لاستطاع أن يسيطر على الموقف لولا مسألة التحكيم مثلاً، لولا أنّ شعاراً معيّناً خرج من قِبَل معاوية وانعكس بفهم خاطئ عند جماعة معيّنة من جيش الإمامعليه‌السلام ، لولا هذا لكان بينه وبين قتل معاوية وتصفيته بضعة أمتار.

إذن كان الأمل هو أنّ علياّعليه‌السلام يمكنه أن يحقّق الهدف، ويعيد للأمة وجودها من دون حاجة إلى المساومات وأنصاف الحلول. كان هذا الأمل أملاً معقولاً وكبيراً؛ ولهذا لم يكن هناك مجوّز لارتكاب أنصاف الحلول والمساومات، ولكنّ الأمل قد خاب وانتهى كَأمل حقيقي في تصفية الانحراف حينما خرّ هذا الإمام العظيمعليه‌السلام صريعاً في مسجده، ونجحت المؤامرة على وجود الأُمّة، غير أنّ الإمامعليه‌السلام حينما فتح عينيه في تلك اللحظة العصيبة ورأى الإمام الحسنعليه‌السلام يبكي وهو يدرك بأنّ وفاة أبيه هي وفاة لكلّ الآمال، أراد أن ينبّهه


إلى أنّ الخطّ لا يزال باقياً، وأنّ التكليف لا يزال مستمرّاً، وأنّ نجاح المؤامرة لا يعني أن نلقي السلاح، نعم المؤامرة نجحت يا ولدي، ولهذا سوف تشرّدون وسوف تقتلون، ولكن هذا لا يعني أنّنا يجب أن نلقي السلاح، ولا يعني انتهاء المعركة، ولهذا يجب أن تقاوم حتّى تقتل مسموماً ويجب أن يقاوم أخوك الحسينعليه‌السلام حتّى يقتل بالسيف(١) ومع ذلك لا بدّ أن يستمرّ الخطّ حتّى بعد سرقة وجود الأُمّة من الأُمّة؛ لأنّ محاولة استرجاع الوجود إذا بقيت في الأُمّة فسوف يبقى هناك ما يحصّنها من التميّع والذوبان.

الأُمّة حينما تنازلت عن إرادتها، وعن شخصيّتها لفرعون من الفراعنة تكون عرضة للذوبان والتميّع في أتونه، لكن إذا بقي لدى الأُمّة محاولة استرجاع هذا الوجود باستمرار - هذه المحاولة التي يحاولها خطّ عليّ ومدرسة عليّ والشهداء والصدّيقين من أبناء عليعليه‌السلام وشيعته - فسوف يبقى مع هذه المحاولة أمل في أن تسترجع الأُمّة وجودها، وعلى أقل التقادير سوف تحقّق هذه المحاولة مكسباً آنياً باستمرار وهو تحصين الأُمّة ضدّ التميّع والذوبان المطلق في إرادة الحاكم وفي إطاره، وهذا ما وقع.

أسأل الله أن يجعلنا من شيعته وأنصاره والسائرين في خطّه والمساهمين في هذه المحاولات.

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٢: ٢٨٣.


الصعوبة التي واجهها الإمام عليعليه‌السلام

بعد البيعة



بسم الله الرحمن الرحيم

الخليفة هو القيّم والأمين على الرسالة:

انتهينا في خطّ العرض العامّ إلى تولّي أمير المؤمنينعليه‌السلام لزعامة المسلمين سياسياً وإدارياً بعد مقتل عثمان، إلاّ أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام حينما تولّى الخلافة بعد مقتل عثمان أراد أن يشرح للمسلمين بطريقته الخاصّة أنّ المسألة بالنسبة إليه ليست مسألة تبديل شخصٍ وذهاب شخصٍ ومجيء شخصٍ آخر، ليست مسألة فارقٍ اسميٍّ أو شخصيٍّ بين زعيم الأمس وزعيم اليوم، وإنّما هي مسألة اختلافٍ شاملٍ كاملٍ للمنهج، وفي كلّ القضايا المطروحة أمام الأمة لعلاجها وتصفيتها، كانعليه‌السلام يريد أن يبيّن للمسلمين النظرة الحرفيّة إليه، أن ينظر بوصفه قائماً على الخطّ، وقيّماً على منهج، وأميناً على رسالة، وعنواناً لدستورٍ جديدٍ يختلف عن الوضع المنحرف القائم بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

رفض الإمام عليّعليه‌السلام الخلافة أوّل الأمر:

لأجل هذا امتنع عن قبول الخلافة أوّل الأمر، فقال لهم: فكّروا في غيري، واتركوني وزيراً لمن تستخلفونه، فأنا لكم وزير خيرٌ منّي أمير(١) ، يعني على

____________________

(١) راجع: نهج البلاغة: ١٣٦، الخطبة ٩٢.


مستوى حياة الدعة والكسل، على مستوى حياة الرخاء واليسر، على مستوى الحياة الفارغة من المسئولية، على مستوى هذه الحياة أنا وزير خيرٌ منّي أمير؛ لأنّي حينما أكون أميراً سوف أُرهقكم، سوف أُتعبكم، سوف أفتح أمامكم أبواب مسئولياتٍ كبرى، وأزرع في قلوبكم الهموم الكبيرة التي تجعل ليلكم نهاراً، وتجعل نهاركم ليلاً، هذه الهموم التي تجعلكم دائماً وأبداً تعيشون مشاكل الأُمّة في كلّ أرجاء العالم الإسلامي، هذه الهموم التي سوف تدفعكم إلى حمل السلاح - من دون حاجةٍ مادّية - لأجل تطهير الأرض الإسلامية من الانحراف الذي قام عليها....

اتركوني وزيراً أكون أفضل لكم على مستوى هذه الحياة منّي وأنا أمير؛ لأنّي كوزيرٍ لا أملك أن أرسم الخطط، ولا أن أضع الخطّ والمخطّط، وإنّما أنصح وأُشير. وحينئذٍ يبقى الوضع كان بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يبقى مستمراً.

أصرّوا عليه بأن يقبل أن يكون خليفة، ففرض عليهم الشروط، فقبلوا هذه الشروط إجمالاً دون أن يفسّر، ودون أن يوضّح. أعطاهم فكرةً عن أنّ عهده هو عهد منهجٍ جديدٍ للعمل السياسي والاجتماعي والإداري، فقبلوا هذا العهد، وكان هذا سبباً في أن ينظر المسلمون من اللحظة الأولى إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بوصفه نقطة تحوّلٍ في الخطّ الذي وجد بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا بوصفه مجرّد خليفة، وإنّما هذا بداية عهدٍ جديدٍ انتعشت معه آمال كبيرة.

انشقاق معاوية:

وحينما بويععليه‌السلام كان أكبر الصعاب التي واجهها بعد بيعته هو انشقاق معاوية بن أبي سفيان وتخلّف الشام بكامله تبعاً لمعاوية عن الانضمام إلى بيعته. هذا التناقض شقّ المجتمع الإسلامي أو الدولة الإسلامية إلى شقّين، ووجد في كلٌّ


من الشقّين جهاز سياسي وإداري لا يعترف بالآخر، ولا يعترف بمشروعيّة الآخر.

الفوارق بين وضع الإمام عليٍّعليه‌السلام ومعاوية:

ومنذ البدء كانت هناك فوارق موضوعية واضحة بين وضع علي بن أبي طالبعليه‌السلام السياسي والإداري، ووضع معاوية السياسي والإداري، تجعل هذه الفوارق معاوية أحسن موقفاً، وأثبت قدماً، وأقدر على الاستمرار في خطّه من إمام الإسلامعليه‌السلام .

هذه الفوارق الموضوعية لم يصنعها الإمامعليه‌السلام بيديه، وإنّما هي نتيجة تأريخ:

فأوّلاً: كان معاوية يستقلّ بإقليمٍ من أقاليم الدولة الإسلامية، ولم يكن لعليّعليه‌السلام أيّ رصيدٍ أو قاعدةٍ شعبيةٍ في ذلك الإقليم على الإطلاق؛ لأنّ هذا الإقليم كان قد دخل الإسلام بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وانعزال عليٍّعليه‌السلام عن خطّ العمل، وكان هذا الإقليم دخل ودشّن حياته الإسلامية بولاية يزيد أخي معاوية، ثمّ بعده بولاية معاوية، وعاش الإسلام من منظار ومن نطاق ولاة بني أميّة، ولم يسمع بعليعليه‌السلام ، ولم يتفاعل مع الوجود الإسلامي والعقائدي لهذا الإمام العظيم؛ لهذا لم يكن يملك شعارُ عليٍّ رصيداً وقاعدةً شعبيةً في المجتمع الذي تزعّمه معاوية، وحمل لواء الانشقاق فيه.

وهذا بخلاف العكس، فإنّ شعار معاوية كان يملك رصيداً قوياً وقاعدةً قويةً في المجتمع الذي تزعّمه الإمامعليه‌السلام ؛ لأنّ معاوية كان يحمل شعار الخليفة القتيل، والمطالبة بدم الخليفة القتيل، والخليفة القتيل كان أميراً على ذلك المجتمع الذي تزعّمه عليعليه‌السلام ، وكان لهذا الخليفة القتيل إخطبوط في هذا المجتمع


وقواعد في هذا المجتمع، وأرحام في هذا المجتمع، ومنتسبون ومرتبطون في هذا المجتمع؛ ولهذا كان شعار معاوية يلتقي مع وجوده، ومع قاعدةٍ ورصيدٍ في داخل مجتمع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بينما لم يكن شعار عليعليه‌السلام يلتقي مع قاعدةٍ ورصيدٍ في داخل مجتمع معاوية.

وثانياً : من ناحيةٍ أُخرى كانت طبيعة المهمّة تميّز معاوية عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، لأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بوصفه الحاكم الشرعي والمسئول عن الأُمّة الإسلامية كان يريد أن يقضي على هذا الانشقاق الذي وجد في جسم الأُمّة الإسلامية، وذلك بتنحية هؤلاء المنحرفين، وإجبارهم بالقوّة على انضمامهم إلى الخطّ الشرعي، وكان هذا يستدعي الدخول في الحرب، ودفع الإنسان المسلم الذي كان يعيش تحت لواء حرب، دفعه إلى ساحة حرب لا يدافع عن نفسه وعن حرمه، بل يغزو دفاعاً عن إقليمٍ آخر.

كان عليّعليه‌السلام يريد من العراقي أن يخرج من العراق، تاركاً أمنه واستقراره، ومعيشته ورخاءه ليحارب أناساً شاميين لم يلتقِ معهم بعداوةٍ سابقة، وإنّما فقط بفكرة أنّ هؤلاء انحرفوا، ولا بدّ من إعادة أرض الشام للمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية. فكان موقف عليٍّعليه‌السلام يتطلّب ويفترض ويطرح قضية الهجوم على أُناسٍ لا يملكون - في غالبيتهم - الوعي لخطورة تراخيهم على قمع هذا الانحراف، انطلاقاً من عدم استيعابهم لأبعاده.

وأمّا معاوية فكان يكتفي من تلك المرحلة بأن يحافظ على وجوده في الشام، ولم يكن يفكّر معاوية - ما دام أمير المؤمنين - أن يهاجم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأن يحارب العراق، ويضمّ العراق إلى مملكته، وإنّما كان يفكّر فقط في أن يحتفط فقط بهذا الثغر من ثغور المسلمين، حتّى تتهيّأ له الفرص والمناسبات والظروف الموضوعية بعد ذلك ليتآمر على الزعامة المطلقة في كلّ أرجاء العالم


الإسلامي. فمعاوية لم يكن يقول للشامي: اترك استقرارك وأمنك واذهب إلى العراق محارباً، لا لشيء إلاّ لأنّ هذا الشخص خارج عن طاعتي، ولكنّ علياًعليه‌السلام يقول هذا للعراقي؛ لأنّ علياًعليه‌السلام كان يحمل بيده مسئولية الأُمّة، ومسؤولية إعادة الوحدة للمجتمع الإسلامي، بينما كان معاوية كلّ مكسبه، كلّ همّه وقصارى أمله أن يحافظ على هذا الانشقاق، ويحافظ على هذه التجزئة التي أوجدها والتي كادها للإسلام والمسلمين. وشتّان بين قضية الهجوم حينما تطرح وقضية الدفاع.

وثالثاً : كان هناك فرق آخر بين معاوية والإمامعليه‌السلام ، وهذا الفرق هو أنّ معاوية كان يعيش في بلد، هذا البلد لم يكن قد نشأت فيه زعامات سياسية طامحة إلى الحكم والسلطان من ناحية، ولم يكن أُناس ممّن له سابقة في الإسلام، ممّن يرى لنفسه الحقّ في أن يساهم في التخطيط وفي التقدير، وفي حساب الحاكم، وفي رسم الخطّ، لم يكن هكذا، الشام أسلمت على يد معاوية وأخيه، كلّهم كانوا نتيجة لإسلام معاوية، ولإسلام أخي معاوية، ولإسلام من استخلف معاوية على الشام، ولم يكن قد مُني بتناقضات من هذا القبيل.

أمّا عليعليه‌السلام كان يعيش في مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يعيش في حاضرة الإسلام الأولى التي عاش فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعاش بعده أبو بكر وعمر وعثمان، حتّى قتلا، ومن ناحيةٍ كان يواجه كثيراً من الصحابة من أصحاب السوابق في خدمة الإسلام، هؤلاء الذين كان كثير منهم من يرى أنّ من حقّهم أن يساهموا في التخطيط، وأن يشتركوا في رسم الخطّ، وكان لكلٍّ منهم اجتهاده وذوقه وقريحته في التخطيط وفي رسم الخطّ، كان يواجه عليعليه‌السلام أشخاصاً كانوا يرونه ندّاً لهم، غاية الأمر أنّه ندّ أفضل، ندّ مقدّم، لكنّهم صحابة كما أنّه هو صحابي عاش مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعاشوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

طبعاً إنّنا نعلم بأنّ خلافة عليٍّ كانت بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بعشرين سنة ،


وهذا معناه أنّ ذلك الامتياز الخاصّ الذي يتمتّع به أمير المؤمنين في عهد النبوّة والذي عبّر عنه معاوية في رسالةٍ له لمحمّد بن أبي بكر حينما قال له: كان عليّ في عهد رسول الله كالنجم لا يطاول(١) ، ذاك الامتياز الخاصّ كان قد انتهى مفعوله ومفهومه، وتضاءل أثره في نفوس المسلمين، الناس عاشوا عشرين سنةً يرون عليّاًعليه‌السلام مأموماً، يرونه منقاداً، يرونه جندياً بين يدي أمير، هذا الإحساس النفسي خلال عشرين سنةً ذهب بتلك الآثار التي خلّفها عهد النبوّة.

وهكذا كان يُنظر إلى عليّعليه‌السلام بشكلٍ عام، عند الصحابة الذين ساهموا في حلّ الأمور وعقدها، وكانوا يمشون في خطّ السقيفة، هؤلاء الصحابة الذين كانوا في حلّ الأمور المعقدّة، وقدّموا خدمات للإسلام في صدر حياتهم، وكان قُدّر لهم بعد هذا أن يمشوا في خطّ الانحراف وفي خطّ السقيفة، هؤلاء كانوا ينظرون إلى عليّ كالأخ الأكبر، الزبير صحيح كان يخضع لعليّعليه‌السلام لكن كان يخضع له كالأخ الأكبر، لا يرى أنّ إسلامه مستمدّ منه، أنّ وجوده في الإسلام مستمدّ منه، هذه الحقيقة الثانية التي كانت واضحة على عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حُرّفت خلال عهد الانحراف، خلال عهد أبي بكر وعمر وعثمان؛ ولهذا كان الزبير يعترف بأنّ عليّاً أفضل منه، لكنّه لا يرى نفسه مجرّد آله، ومجرّد تابع، ومجرّد جنديٍّ يجب أن يؤمر فيطيع، فكان هناك أُناس من هذا القبيل، هؤلاء يريدون أن يشتركوا في التخطيط، يشتركوا في رسم الخطّ، في ظرفٍ هو أدقّ ظرفٍ وأصرحه وأبعده عن عقول هؤلاء القاصرين. هذه من ناحية.

رابعاً : ومن ناحيةٍ أُخرى كانت توجد هناك الأطماع السياسية والأحزاب السياسية التي تكوّنت في عهد عمر بن الخطّاب، واستفحلت بعده نتيجةً للشورى ،

____________________

(١) راجع: مروج الذهب ٣: ١٢، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ١٩٠.


هذه الأحزاب السياسية كانت تفكّر في أمرها، وتفكّر في مستقبلها، وتفكّر في أنّه كيف تستفيد أكبر قدرٍ ممكنٍ من الفائدة في خضمّ هذا التيّار، في خضمّ هذا التناقض ؟ وهذا بخلاف معاوية لم يكن قد مني بصحابةٍ أجلاّء يعاصرونه ويقولون له: نحن صحابة كما أنت صحابي، بل كلّ أهل الشام كانوا مسلمين نتيجةً لإسلامه وإسلام أخيه، لم ير أحد منهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يسمع أحد القرآن إلاّ عن طريق معاوية، إذن فكانت حالة الاستسلام في المجتمع الشامي بالنسبة إليه لا يوجد ما يناظرها بالنسبة إلى الإمامعليه‌السلام في مجتمع المدينة والعراق.

خامساً : ومن ناحيةٍ خامسةٍ كان هناك أيضاً فرق آخر بين الإمامعليه‌السلام ومعاوية، وحاصل هذا الفرق هو: أنّ الإمامعليه‌السلام كان يتبنّى قضيّةً هي في صالح الأضعف من أفراد المجتمع، أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يتبنّى الإسلام بما فيه من قضايا العدالة الاجتماعية التي يمثّلها النظام الاقتصادي للإسلام، وهذه القضايا لم تكن في صالح الأقوى، بل كانت في صالح الأضعف، ومعاوية كان يمثّل الجاهلية بفوارقها وعنفوانها وطبقاتها، وهذا لم يكن في صالح الأضعف بل كان في صالح الأقوى؛ وذلك أنّه بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما دخل العراق والشام وبقية البلاد في داخل إطار المجتمع الإسلامي لم يقدر الخلفاء الذين تولّوا زعامة المسلمين على تذويب التنظيم القبائلي الذي كان موجوداً في هذه البلاد، بل بقي التنظيم القبائلي سائداً في هذه البلاد، وبقي زعيم كلّ قبيلةٍ هو الشخص الذي يرتبط بالسلطان، هو همزة الوصل بين قبيلته وبين السلطان. وهذا التنظيم بطبيعته يخلق جماعة من زعماء ومن شيوخ هذه القبائل الذين لم يروا الإسلام في المرتبة السابقة، تولم يعيشوا أيام النبوّة عيشاً صحيحاً يجعل من هؤلاء طبقةً معيّنةً ذات مصالح، وذات أهواء، وذات مشاعر في مقابل قواعدها الشعبية، ويُهيٍّئ لهم أسباب النفوذ


والاعتبار.

الآن تصوّروا مجتمعاً إسلامياً تركه الخلفاء المنحرفون وهو يفتّ بالتقسيمات القبليّة، ويفتّ بالتنظيمات القبليّة، بمعنى أنّ كلّ قبيلةٍ كانت تخضع إدارياً وسياسياً لزعامة تلك القبيلة التي تشكّل - كما قلنا - همزة وصلٍ بين القبيلة وبين السلطان، تصوّروا مجتمعاً من هذا القبيل يقول لهم أحد الأميرين يحمل أُطروحة التساوي بين شيخ هذه القبيلة وبين أفراد هذه القبيلة، ويحمل الآخر أن يرشي رؤساء هذه القبائل بقدر الإمكان، أيّ الأطروحتين تكون أقدر بالنسبة إلى هذا المجتمع، الأطروحة الأولى في صالح الأضعف وهو أكثر كمّاً ولكنّه أضعف هذا المجتمع، الأطروحة الثانية هي في صالح الأقوى كمّاً ولكنّه أقوى كيفاً، وهذا ما كان يفعله غير عليٍّعليه‌السلام من الحكّام، وهذا أيضاً كان عاملاً من عوامل القوّة بالنسبة إلى معاوية.

هذه الظروف الموضوعية لم يصنعها الإمامعليه‌السلام ، وإنّما هي صنعت خلال التأريخ، وأوجدت لمعاوية مركزاً قوياً، ووجد للإمام مركز ضعف، ولولا براعته الشخصية وكفاءته الشخصية ورصيده الروحي في القطاعات الشعبية الواسعة، لولا ذلك لما استطاععليه‌السلام أن يقوم بما يقام به، وحروب تلاقيه داخلية من خلال أربع سنوات....

بدأ الإمام بخلافته ودشّن عهده، وبدأ الانقسام مع هذا العهد على يد معاوية ابن أبي سفيان، وأخذ الإمام يهيّئ المسلمين للقيام بمسؤولياتهم الكبيرة للقيام بدورهم في تصفية الحسابات السابقة، في تصفيتها على المستوى المالي، على المستوى الاقتصادي، على المستوى الاجتماعي، على المستوى السياسي والإداري الذي كان يحتاج إلى الكفاح والقتال، وأخذ يدعو الناس إلى القتال، وخرجوا إلى القتال، إلاّ أنّه هنا ونحن قد درسنا عليّاً مع معاوية بحسب ظروفه


الموضوعيّة لا بدّ وأن ندرس الذهنية العامّة للمسلمين أيضاً، كيف كانت تفسّر هذا الخلاف الموجود بين علي ومعاوية ؟

ذهنيّة المسلمين ونظرتهم إلى الخلاف:

الذهنية العامة للمسلمين بدأت تفسّر هذا الخلاف بأنّه خلافٌ بين خطّ خلافةٍ راشدةٍ وبين شخصٍ يحاول الخروج على هذه الخلافة الراشدة، كانوا ينظرون إلى عليٍّ بشكلٍ عامٍّ على أنّه هو الخليفة الراشد الذي يريد أن يحافظ على الإسلام، ويحافظ على خطّ القرآن، وأنّ معاوية يتآمر. هذا المفهوم استطاع أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يزرعه بالرغم من الظروف الموضوعية التي قلناها، في ذهن القاعدة الشعبية الواسعة، في كلّ أرجاء العالم الإسلامي، عدا القطر الذي كان يرتبط بمعاوية، وهذه الذهنية هي التي تصبغ المعركة بين عليٍّعليه‌السلام ومعاوية بطابع الرسالة، كانت تعطيه معنىً رسالياً. وكانت تفسّر هذه المعركة بأنّها معركة بين اتّجاهين، بين فكرين، بين هدفين، وليست بين شخصيّتين، إلاّ أنّ الأمر تطوّر إلى أن أصبح جليّاً أنّ المسلمين بدأوا يشكّون شكّاً واسع النطاق بأنّ هذه المعركة بين أمير المؤمنينعليه‌السلام وبين معاوية معركة رسالية.

الشكّاكون وأسباب الشكّ:

من الصعب جدّاً تصوّر أنّه كيف يمكن للمسلمين أن يشكّوا في أنّ المعركة التي كانت قائمةً بين إمام الورع والتقى والعدالة، وبين شخصٍ خائنٍ منحرفٍ جاهليٍّ عدوّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كانت معركةً رسالية ؟ كيف يمكن أن يشكّ أنّه لم تكن معركة رساليّة ؟

إلاّ أنّي لا أشكّ في أنّ عدداً كبيراً من المسلمين على مرّ الزمن في عهد


خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام بدؤوا يشكّون أنّ هذه المعركة هي رسالية حقيقية أو غير رسالية، فلنمسك الآن بأسباب هذا الشكّ أوّلاً، يجب أن نعرف أنّ المسلمين الذين شكّوا من هم ؟

إنّهم أولئك الذين عرفناهم عقيب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هم أولئك المسلمون الذين خلّفهم رسول الله فكانت خير أُمّةٍ أُخرجت للناس، على مستوى إيمانهم وطاقاتهم الحرارية وكهربتهم من شخصيّة النبي ّصلى‌الله‌عليه‌وآله والمبادئ التي طرحها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن لم يكن لهم من الوعي العقائدي الراسخ إلاّ شيء قليل، هذا المعنى شرحناه وبيّناه وبيّنا جهاته فيما سبق، وقلنا: إنّ الأُمّة لم تكن على مستوى الوعي وإنّما كانت على مستوى الطاقة الحرارية، إذن فنحن سوف لن نتوقّع من هذه الأُمّة التي هي على مستوى الطاقة الحرارية، وعلى مستوى الوعي القليل نقاشاً رساليّاً منطقيّاً في حساب هذه المعركة، كما أنّ هذه الطاقة سوف لن نتوقّع فيها أن تبقى مشتعلة، وتبقى على جذوتها وحرارتها بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإطفاء الشمس من هذا المجتمع الإسلامي بعشرين سنةً تبقى هذه، هذا أيضاً ليس منطقيّاً، إذن فيجب أن نفكّر في أنّ هذه الطاقة الحرارية قد تضاءلت بدرجةٍ كبيرة، وحتّى تلك الصبابة من الوعي، تلك الجذور من الوعي التي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد بدأ بها لكي يواصل بعد هذا خلفاؤه المعصومونعليهم‌السلام عملية توعية الأُمّة، حتّى تلك البذور قد فُتّتت، وأُخفيت ومنع بعضها عن الإثمار، وبقي بعضها الآخر بذوراً منقسمة أيضاً. يجب أن نتصوّر الأُمّة الإسلامية بهذا الشكل، حينما نتصوّر الأُمّة الإسلاميّة بهذا الشكل.

من ناحية أُخرى يجب أن نتصوّر مفهوم المسلمين عن معاوية. نحن الآن ننظر إلى معاوية بعد أن استكمل حظه من الدنيا، وبعد أن دخل الكوفة وصعد على منبر علي بن أبي طالبعليه‌السلام وقال: إنّي لم أُحاربكم لكي تصوموا أو تصلّوا وإنّما


حاربتكم لأن أتأمّر عليكم(١) ، بعد أن أعلن بكلّ صراحةٍ ووقاحةٍ عن هدفه، وبعد أن طرح بكلّ برودةٍ شعار الخليفة المظلوم، وشعار الخليفة القتيل، دخل عليه أولاد عثمان بن عفّان وقالوا له: لقد جعلنا هذا الأمر وتمّ الأمر لك يا أمير المؤمنين، فما بالك لا تقبض على قتلة أبينا ؟ قال: أوَ لا يكفيكم أنّكم صرتم حكّام المسلمين.(٢)

نحن ننظر إلى معاوية بعد أن ارتكب الفضائع وغيّر أحكام الشريعة وأبدع في السنّة ! ننظر إلى معاوية بعد أن استخلف يزيد ابنه على أمور المسلمين، بعد أن قتل مئاتٍ من الأبرار والأخيار، ننظر إلى معاوية بعد أن تكشّف أوضاعه، لكن فلنفرض أنّ شخصاً ينظر إلى معاوية قبل أن تنكشف له هذه الأوضاع، لنفترض أنّ أولئك الأشخاص يعيشون في إطار الأمّة الإسلامية وقتئذٍ.

معاوية ماذا كان ؟ ستتكشّف أوضاعه وقتئذٍ على مستوى المسلمين الذين كانوا يدورون في فلك حكومات السقيفة، ماذا كان من أوراق معاوية مكشوفة وقتئذٍ ؟

معاوية كان شخصاً قد مارس عمله الإداري والسياسي بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأقلّ من سنة، خرج من المدينة وذهب إلى الشام، ذهب هناك كعامل للشام حتّى إذا مات أخوه اُسند إليه ولاية الشام بكاملها، وبقي معاوية هناك(٣) ، وكان معاوية مدلّلاً محترماً معزّزاً من قبل عمر بن الخطّاب، الذي كان ينظر إليه بشكل عام في المجتمع الإسلامي بنظرة الاحترام والتقدير، حتّى أنّ عمر

____________________

(١) أعيان الشيعة ٤: ٢٦.

(٢) البيان والتبيين ٣: ٣٠٠، وشيخ المضيرة لأبي رية: ١٨٢.

(٣) راجع: تاريخ الخلفاء: ١٩٥.


ابن الخطّاب حينما أراد أن يؤدّب ولاته استثنى معاوية من هذا التأديب، وحينما أراد أن يقاسم أموال ولاته استثنى معاوية من ذلك ! معاوية كان والياً موثوقاً به معزّزاً من الناحية الإسلامية عند ابن الخطّاب.

وبعد هذا جاء عثمان فوسّع من نطاق ولاية معاوية، وضمّ إليه عدّة بلاد أُخرى إضافة إلى الشام، ولم يطرأ أيّ تغيير في وضع معاوية. فمعاوية لم يكن شخصاً مكشوفاً بل كان شخصاً عنوانه الاجتماعي أنّه والٍ حريص على كرامة الإسلام، وأنّه هو الشخص الذي استطاع أن يدخل في قلب الخليفة الخشن الذي يعاتب ويعاقب، الذي كان يضرب ابنه بحدّ الخمر حتّى يموت، هذا الخليفة لم يضرب معاوية ولم يعاقبه، هذا هو المنظور إليه.

معاوية كان نتيجة الترويجات من قبل الحكّام والحكّام والخلفاء المنحرفين الذين كانوا معذورين - بالرغم من كونهم منحرفين - من أفراد الأُمّة الإسلامية، كان يتمتّع بسمعة طيّبة وبمفهوم طيّب.

تذرّع معاوية بشعار دم عثمان:

هنا دخل ولأوّل مرّة في الصراع شعارُ الأخذ بالثأر لدم عثمان، هذا الشعار الذي أخذه معاوية كان يبدو على مستوى البسطاء من الناس وكثير من المغفّلين شعاراً له وجهة شرعية، كان يقول بأنّ عثمان قُتل مظلوماً(١) ، وعثمان بالرغم من أنّه خان الأُمّة، وبالرغم من أنّه استهزأ بالإسلام، وبالرغم من أنّه حوّل الدولة الإسلامية إلى دولة عشيرة وقبيلة(٢) ، وبالرغم من أنّه ارتكب الجرائم التي أدنى

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٧٨، وانظر تاريخ الطبري ٣: ٥٦١.

(٢) راجع: الإمامة والسياسة ١: ٥٠، وتاريخ الطبري ٣: ٣٧٧، ٣٨٢، وتاريخ الخلفاء: ١٥٦.


عقابها القتل، بالرغم من هذا، معاوية يقول: قتل عثمان مظلوماً. وليس هناك من الناس من يقول بأنّ عثمان يستحقّ القتل، كثير من الناس البسطاء أيضاً يقولون: عثمان قتل مظلوماً. إذن فعثمان قتل مظلوماً، فلا بدّ من القصاص، فيا علي أنت قادر على أن تعطينا قاتليه حتّى نقتلهم، إنّك قادر فأعطنا قاتليه، وإن كنت عاجزاً إذن فأنت عاجز من أن تطبّق أحكام الإسلام، فلا يجوز لك حكومة الإسلام بعد عثمان، فإنّ الخليفة يُشترط فيه القدرة على تطبيق أحكامه.

هذا هو الشعار الذي أبرزه معاوية في مقابل شعار الإمام، والإمامعليه‌السلام في مقابل هذا الشعار لم يكن يريد أن يصرّح بأنّ عثمان كان جديراً بأن يقتل، أو كان يجب أن يقتل؛ لأنّه لو صرّح بهذا إذن لتعمّق اتّهام معاوية وطوّر التهمة من قول أعطني قتلة عثمان، إلى قول: إنّك قتلت عثمان، فبقي شعار معاوية شعاراً مضلّلاً، مضلّلاً إلى حدٍّ كبير. هذا من ناحية.

كيف تمّ التشكيك في الإمام عليّعليه‌السلام :

ومن ناحيةٍ ثانيةٍ لا بدّ أن نلاحظ الجهود والأتعاب والتضحيات التي قام بها المسلمون في كنف الإمامعليه‌السلام ، لا أدري أنّه هل جُرّب أو لم يُجرّب هذا الإيحاء النفسي حينما تكون المهمّة صعبةً على الإنسان وثقيلةً على الإنسان وتوسوس له نفسه بالتشكيك، حينما يصعب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى يصعب عليه كلمة حقٍّ أمام رجلٍ مبطل ؟ حينئذٍ يأخذ بالوسوسة: من قال بأنّ هذا الرجل مبطل ؟ من قال إنّه قادر على هذا الكلام ؟ من قال إنّ شروط الأمر بالمعروف تامّة ؟ وهكذا يوسوس لأجل أن يستريح من هذه المهمّة، لأجل أن يلقي عن ظهره هذا العبء الكبير، كلّ إنسانٍ يميل بطبعه إلى الدعة، إلى الكسل، إلى الراحة، إلى الاستقرار، فإذا وضعت أمامه مهام كبيرة، حينئذٍ إذا وجد مجالاً


للشكّ في هذه المهمّة فسوف يكون عنده دافع نفسي إلى أن يشكّ، يشكّ لأجل أنّه يريد أن يشكّ، ويشكّ لأجل أنّه من مصلحته أن يشكّ، وهذا كان موجوداً على عهد الإمامعليه‌السلام .

العراقيّون قدّموا من التضحيات شيئاً كثيراً، بذلوا أموالهم ونفوسهم ودماءهم في حروبٍ ثلاثة، آلاف من العراقيين ماتوا وقتلوا، عشرات من الأطفال يُتِّموا، آلاف من النساء أصبحن أرامل، آلاف من البيوت والعوائل تهدّمت، كثير من المدن والقرى غارت عليها جيوش معاوية، كثير من هذه المآسي والويلات، كثير من ألوان الدمار حلّ بهؤلاء المسلمين، نتيجة ماذا ؟! ولأجل ماذا ؟! لأجل أن يزداد مالهم ؟! لا، لأجل أن يزداد جاههم ؟! لا؛ لأنّهم لا يشعرون من أنّ أهل الشام سرقوا شيئاً، وإنّما لحساب الرسالة، لحساب الخطّ، لحساب المجتمع الإسلامي، هذا الحساب لأجل هذا الهدف الكبير، وهذا هدف كبير أعزّ من كلّ النفوس، وأعزّ من كلّ الدماء، وأعزّ من كلّ الأموال.

لكن نحن يجب أن نقدّر موقف هؤلاء الذين ضحّوا وبذلوا وقدّموا، ثمّ أصبحوا يشكّكون لأنّ من مصلحتهم أن يشكّكوا، وأصبح الإمام يدفعهم فلا يندفعون، ويحرّكهم فلا يتحرّكون، لماذا ؟ لأنّ مصلحتهم أن يتصوّروا المعركة بتصوّرٍ جديد، أن يعطوا للمعركة مفهوماً جديداً، وهو أنّ القصّة قصّة زعامة علي أو معاوية، ما بالنا وعلي ومعاوية، إمّا أن يكون هذا زعيماً وإمّا أن يكون ذلك زعيماً، نحن نقف على التلّ ونتفرجّ، فإمّا أن يتمّ الأمر لهذا أو لذاك.

هذا التفسير بدت بداياته، وهذا التفسير الذي أوحت مصلحة هؤلاء إلى هؤلاء هو الذي كان يشكّل عقبةً كئوداً دون أن يتحرّك هؤلاء من جديد إلى خطّ الجهاد، هذا التفسير هو الذي جعل أمير المؤمنينعليه‌السلام يبكي وهو على المنبر، وينعى أصحابه الذين ذهبوا، أُولئك الذين لم يشكّوا فيه لحظة، أُولئك الذين آمنوا


به إلى آخر لحظة، أُولئك الذين كانوا ينظرون إليه كامتدادٍ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يبكي لعمّار وأمثاله، هذا عمّار الذي وقف بين الصفّين، ووضع سيفه على بطنه، وقال: والله إنّك تعلم لو كان رضاك أن تغمد هذا في بطني حتّى أخرجته من ظهري لفعلته، والله إنّك تعلم أنّي لا أعلم رضاً إلاّ في قتال هؤلاء المارقين المنحرفين(١) ، كان يبكي لأمثال عمّار؛ لأنّ عمّار وأمثاله كانوا قد ارتفعوا عن أمثال هذه الشكوك، قد طلّقوا مصالحهم الشخصيّة في مصلحة الرسالة، كانوا قد غضّوا النظر عن كلّ الاعتبارات الخاصّة في سبيل حماية كيان الإسلام، وفي سبيل إعادة مجد المجتمع الإسلامي ووحدة المجتمع الإسلامي إلى هؤلاء. لا يلتفت الإمام يمنةً ويسرةً إلاّ ويجد من له أبٌ قتيل، أو ابن صغير كيف يتركه ؟ أو زوجة كيف يرسلها ؟

الامتحان العصيب:

أصبح هؤلاء الذين كانوا يفكّرون في الهموم الكبيرة، أصبحوا يفكّرون في الهموم الصغيرة، أصبحوا يفكّرون في قضاياهم، يجب أن لا نعتب عليهم، فنحن أسوأ منهم، فنحن لم نرتفع لحظةً هكذا ثمّ نهبط، وهؤلاء ارتفعوا لحظةً ثمّ هبطوا. هؤلاء خرجوا من بلادهم وطلّقوا نساءهم وأطفالهم وأموالهم في سبيل الله، وفي سبيل قضيّةٍ ليس لهم ربح مادّي فيها. هؤلاء فعلوا هذا ساعةً من الوقت ثمّ أدركهم الشيطان.

أمّا نحن لا ندري إذا وقفنا مثل هذا الموقف هل نصمد ولو ساعة، أو نبقى

____________________

(١) راجع بحار الأنوار ٣٢: ٤٩٠، نقله عن كتاب نصر بن مزاحم، وفي ٣٣: ١٣، نقله عن ابن الأثير.


في الحضيض ؟ على أيّ حالٍ هؤلاء كانوا بشر، لم يكونوا عمّار بن ياسر، هؤلاء بدأ الشكّ يتسرّب إلى نفوسهم، بدؤوا يشكّون في هذا الإمامعليه‌السلام الصالح حتّى تمنّى الموت، لأنّ الإمامعليه‌السلام أصبح يحسّ أنّ صلته الروحيّة قد انقطعت عن هؤلاء، إنّه أصبح منفصلاً عن هؤلاء. أصبحوا لا يفهمون أهدافه ورسالته. ومن أمرّ ما يمكن أن يقاسيه زعيم أو قائد أو صاحب منهج أن يعيش مع جماعة لا تتفاعل معه فكريّاً، ولا تعيش مع خطّه، مع إنسانٍ يبذل كلّ ما لديه في سبيلهم وأنّهم لا يحسّون أنّ كلّ هذا في سبيلهم، وإنّهم يشكّون فيه، يشكّون في نيّته، هذا هو الامتحان العصيب الذي قاساه عليه أفضل الصلاة والسلام، لكن بالرغم من هذا الامتحان لم تضعف قوّته ولم تهن عزيمته، بقي إلى آخر لحظةٍ يحاول أن يبثّ من روحه الكبيرة في هذا المجتمع المتفتّت الذي بدأ يشكّ، والذي بدأ يتوقّف. كان يحاول أن يبثّ فيهم من روحه الكبير، إلى أنّ خرّ شهيداً في مسجد الكوفة.


انحراف التجربة الإسلامية

وتخطيط الأئمةعليهم‌السلام لمواجهة الانحراف



بسم الله الرحمن الرحيم

القائد يجب أن يكون معصوماً:

قلنا: إنّ الذين تسلّموا القيادة الفعليّة وزمام التجربة الإسلامية بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان من المحتوم أن ينحدروا إلى الانحراف، ويزرعوا البذرة الصغيرة التي تنمو على مرّ الزمن لتأتي على التجربة وتحطّمها تحطيماً كاملاً بعد أن تبعد في التأريخ. بينما لو تسلّمها الأئمّةعليهم‌السلام لكان العكس، ولما وجدت تلك البذرة.

ولكن قد يقال: إنّ الأشخاص الذين انتزعوا قيادة التجربة الإسلامية بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وإن كانوا غير مهيّئين سياسيّاً وروحيّاً، وإن كانوا يعيشون راسباً جاهليّاً على النحو الذي ذكر، وبالتالي لم يكونوا يمثّلون الدرجة الكاملة للانصهار مع هذه الرسالة، هذه الدرجة التي هي شرط أساسي لتزعّم هذه التجربة، ألا يكفي وجود أفرادٍ في الأُمّة يمكنهم أن يشرفوا على القيادة فيعطوا الضمان والحماية الكافية لعدم انحراف القيادة، ولعدم مواكبتها لخطّ الرسالة ؟

الفكرة في هذا البحث تقوم على هذا الأساس، على أساس أنّ قيادة التجربة يجب أن تكون على مستوى العصمة. وهذا في الواقع ليس من مختصات الشيعة. ليس من مختصّات الشيعة الإيمان بأنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً، بل هذا ما تؤمن به كلّ الاتجاهات العقائدية في العالم على الإطلاق، أيّ اتّجاهٍ


عقائدي في العالم يريد أن يبني الإنسان من جديدٍ في إطار عقيدته، ويريد أن ينشئ للإنسانية معالم جديدة فكريةً وروحيةً واجتماعيةً، هذا الاتجاه العقائدي يشترط لأن ينتج، وأن يتنجّز، وأن يأخذ مجراه في خطّ التأريخ أن يكون القائد الذي يمارس تطبيق هذا الاتجاه معصوماً.

يشترط في القيادة التي تطبّق الماركسية - بوصفها اتجاهاً عقائدياً يريد أن يصيغ الإنسان ويبلوره في إطاره الخاصّ - أن يكون معصوماً، إلاّ أنّ مقاييس العصمة تختلف. في الاتجاه الماركسي يجب أن يكون القائد الذي يمارس تطبيقه معصوماً بمقاييس الماركسية. والقائد الذي يمارس زعامة التجربة الإسلامية يجب أن يكون معصوماً بمقاييس إسلامية. والعصمة في الحالتين بمفهومٍ واحد، وهو عبارة عن الانفعال الكامل في الرسالة، والتجسيد الكامل لكلّ معطياتها في النطاقات الروحية والفكرية والعملية، هذه هي العصمة.

والشيعة لم يشذّوا باشتراط العصمة في الإمام عن أيّ اتجاهٍ عقائديٍّ آخر؛ ولهذا نرى في الاتجاهات العقائدية الأُخرى كثيراً ما يُتّهم القائد الذي يمثّل الاتجاه بأنّه ليس معصوماً، توجَّه إليه نفس التهمة التي يوجّهها المسلمون الواعون أصحاب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام إلى الخلفاء الذين تولّوا الخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . نفس هذه التهمة يوجّهونها إلى القادة الذين يعتقدون أنّهم لم ينصهروا برسالاتهم، ولم يتفاعلوا باتجاهاتها تفاعلاً كاملاً.

بالأمس القريب جزء كبير من الماركسية في العالم انشطر على قيادة الاتحاد السوفييتي، واتّهم قيادة الاتحاد السوفييتي بأنّهم غير أهلٍ للحكم، بأنّهم غير مهيّئين لأن يكونوا قادةً للتجربة الماركسية، يعني غير معصومين بحسب لغتنا، إلاّ أنّ نفي العصمة عنهم بمقاييس ماركسيّةٍ لا بمقاييسنا الخاصّة، أي ليس بمقاييس إسلامية.


مقاييس العصمة:

إذن، فأصل الفكرة وجوهرها تؤمن به كلّ الاتجاهات العقائدية، وإنّما المقاييس لها تختلف باختلاف طبيعة تلك الاتجاهات. نعم، العصمة في الإسلام ذات صيغةٍ أوسع نطاقاً من العصمة في الاتجاهات العقائدية الأُخرى. وهذه السعة في صيغة العصمة تنبع من طبيعة سعة الإسلام نفسها، لأّن العصمة كما قلنا: هي التفاعل الكامل والانصهار الشامل والتجاوب مع الرسالة في كلّ أبعاد الإسلام. والرسالة الإسلامية تختلف عن أيّ رسالةٍ أُخرى في العالم؛ وذلك لأنّ أيّ رسالةٍ أُخرى في العالم لا تعالج إلاّ جانباً من الإنسان.

الماركسية التي تمثّل أحدث رسالةٍ عقائديةٍ في العالم الحديث تعالج جانباً من وجود الإنسان. تترك الإنسان حينما يذهب إلى بيته، حينما يذهب الإنسان إلى مخبئه، حينما يخلو الإنسان لنفسه ليس لها علاقةٍ مع الإنسان في هذه الميادين، وإنّما تأخذ بيده في مجال الصراع السياسي والاقتصادي لا أكثر من هذا المقدار. فصيغة الرسالة بطبيعتها صيغة منكمشة محدودة، صيغة تعالج جانباً من الحياة الإنسانية. فالعصمة العقائدية التي لا بدّ أن تتوفّر في قائدٍ ماركسيٍّ - مثلاً - هي العصمة في حدود هذه المنطقة التي تعالجها الرسالة العقائدية الماركسية.

أمّا الرسالة الإسلامية التي هي رسالة السماء على وجه الأرض فهي تعالج الإنسان من كلّ نواحيه، وتأخذ بيده إلى كلّ مجالاته، ولا تفارقه وهو على مخدعه في فراشه، وهو في بيته بينه وبين نفسه، وهو في أيّ مجالٍ من مجالات حياته، هذه الرسالة معه، وحيث إنّ هذه الرسالة معه ولا تفارقه في أيّ مجالٍ من مجالات حياته لهذا تكون الصيغة المحدودة من العصمة على أساس هذه الرسالة


أوسع نطاقاً وأرحب أُفقاً وأقسى شروطاً، وأقوى من ناحية مفعولها وامتدادها في كلّ أبعاد الحياة الإنسانيّة.

فعصمة الإمام ليست هي عبارة عن مجرّد النزاهة في الحكم، وليست هي عبارة عن مجرّد الترفّع عن المال، بل هي عبارة عن النزاهة في كلّ فكرة، وفي كلّ عاطفة، وفي كلّ الشئون.

والنزاهة في كلّ فكرة وعاطفة وشأن عبارة عن انصهارٍ كاملٍ مع مفاهيم وأحكام الرسالة الإسلامية في كلّ مجالات هذه الأفكار والعواطف والشؤون. هذا استطرادٌ كان لا بدّ منه.

إذن، فالعصمة شرط لمجموع الاتجاهات العقائديّة، ونحن أيضاً نؤمن بأنّ العصمة هي شرط في هذا الاتجاه. وبطبيعة الحال حينما نقول ب-: أنّ العصمة شرط في هذا الاتجاه. لا نقصد به أمراً حتميّاً غير قابلٍ للزيادة والنقصان والتشكيك. نفس العصمة إذا حوّلناها إلى مفهوم النزاهة والتجاوب الكامل مع الرسالة تكون أمراً مقولاً بالتشكيك مختلفاً في الشدّة والضعف، وبوصف أنّ أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام المرتبة الأسمى والأكمل من هذه المراتب المقولة بالتشكيك والمختلفة شدّةً وضعفاً نقول بإمامتهم.

عدم عصمة الزعامة والأُمّة:

ولنعد أخيراً إلى موضوع البحث فنقول بأنّ هؤلاء الذين تسلّموا أمر التجربة الإسلامية وزعامتها بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكونوا معصومين حتّى بأدنى مراتب العصمة، بأدنى مراتب النزاهة والتفاعل مع الرسالة الإسلامية كما أشرنا إلى ذلك بالأمس، وحينئذٍ حيث إنّ التجربة تمثّل اتّجاهاً عقائدياً ورسالياً، وليس أنّ مجموعة من الناس يعيشون، مجرّد أنّهم يعيشون، وإنّما أيضاً هم هادفون، أُناس


مثاليّون، أُناس يمثّلون وجهة نظر معيّنةٍ في الكون والحياة والمجتمع، يمثّلون رسالةً لتغيير الحياة على وجه الأرض وتغيير التأريخ، إذن هذه التجربة العقائديّة الضخمة على هذا المستوى بحاجةٍ إلى قيادةٍ عقائديةٍ معصومةٍ تتوفّر فيها فعالية عالية جدّاً من النزاهة والتجرّد والموضوعيّة والانفعال بمعطيات هذه الرسالة. إذن لم تكن هذه موجودةً في القيادة.

قد يقال: إنّ العصمة كانت موجودةً في الأُمّة ككلّ، والأُمّة ككلٍّ كانت تمارس الإسلام، وكانت تمارس التوجيه، وكانت تمارس المراقبة للحكم القائم حتّى لا ينحرف، الأُمّة ككلٍّ كانت معصومة، وإذا كانت الأُمّة ككلّ معصومةً إذن فالعصمة قد حصلنا عليها عن طريق الوجود الكلّي للأمة. والفكرة التي قد يكون الحديث المروي من طرق العامّة يحاول تذليلها:أُمّتي لا تجتمع على خطأ (١) . إلاّ أنّ هذه الفكرة غير صحيحة، نحن نؤمن أنّ الأُمّة بوجودها المجموعي لم تكن معصومةً كما هي الحال في الخلفاء الذين استولوا على الزعامة بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، طبعاً إذا استثنينا الزعامة المعصومة الموجودة في داخل هذه الأُمّة والمتمثّلة في اتجاه أمير المؤمنينعليه‌السلام .

تنشئة الأُمّة من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

هذا بالرغم من أنّنا نعترف ونفتخر ونمتلئ اعتزازاً بالإيمان بأنّ الأُمّة الإسلامية التي أسّسها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والتي حرسها ضربت أروع نموذجٍ للأمّة في تأريخ البشرية على الإطلاق. الأُمّة الإسلامية كانت الأُمّة المثلى الكاملة التي أمكن للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في وقتٍ قصيرٍ جدّاً نسبيّاً في تأريخ إنشاء الأُمم في مدّةٍ لا تبلغ

____________________

(١) سنن ابن ماجه ٢: ١٣٠٣، الحديث ٣٩٥٠.


ربع قرنٍ أن ينشئ اُمّةً لها من الطاقة والإرادة والحرارة القدر الكبير، والذي لا يمكن للإنسان الاعتيادي أن يخيّل كيف تمكّن من إيجادها. هذه الأُمّة التي قدّمت من التضحيات في أيام النبيّ في سبيل رسالتها ما لم تقدّم أيّ اُمّةٍ قبلها، هذا التسابق على الجنّة، التسابق على الجهاد، التسابق على الموت، الإيثار الذي كان موجوداً بين المسلمين، روح التآخي التي شاعت في المسلمين، المهاجرون والأنصار كيف عاشوا ؟ كيف تفاعلوا ؟ كيف انصهروا ؟ اُنظر إلى أهل بلدٍ واحدٍ ينزح إليهم أهل بلدٍ آخر يأتون إليهم ليقاسموا هؤلاء خيرات بلادهم ومعاشهم وأموالهم، بل حتّى نساؤهم، وهؤلاء يستقبلونهم برحابة صدر، ينطلقون معهم، ينظرون إليهم أنّهم إخوة لهم، يعيشون مجتمعاً واحداً وكأنّهم كانوا قد عاشوا مئات السنين.

هذه الانفتاحات العظيمة في كلّ ميادين المجتمع التي حقّقتها الأُمّة بقيادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذه الانفتاحات لا مثيل لها، وبالرغم من كلّ هذا نقول بأنّ الأُمّة لم تكن معصومة، وأنّ كلّ هذه الانفتاحات كانت قائمةً على أساس الطاقة الحرارية التي كانت تمتلكها الأُمّة من لقاء القائد الأعظم، ولم تكن قائمةً على أساس درجةٍ كبيرةٍ من الوعي الحقيقي للرسالة العقائدية.

الطاقة الحراريّة في الأُمّة:

نعم، كان الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله يمارس عملية توعية الأُمّة، وعملية الارتفاع بالأُمّة إلى مستوى اُمّةٍ معصومة. هذه العملية التي كانت مضغوطة، والتي بدأ بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لكن لم ينجز شيئاً منها في هذه الخُطّة. إنّما الشيء الذي أُنجز في هذه الخطّة، في خطّ عمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على مستوى الأُمّة ككلّ، وليس على مستوى أفرادٍ معدودين هو إعطاء الأُمّة طاقةً حراريةً من الإيمان بدرجةٍ كبيرةٍ جدّاً، هذه


الطاقة الحرارية التي كانت تمتلكها الأُمّة يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وفي كلّ لحظةٍ من لحظات انتصارها أو انكسارها هي المصدر، وهي السبب في كلّ هذه الانفتاحات العظيمة. وكانت روح القائد هي التي تجذب، وهي التي تحصد، وهي التي تقود هؤلاء إلى المثل العليا والقيم الضخمة الكبيرة التي جسّدها الرائد الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بين يديهم. إذن فهي طاقة حرارية وليست وعياً.

الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية:

وقلنا فيما سبق: إنّ الطاقة الحرارية والوعي قد يتّفقان في كثيرٍ من الأحيان، ولكن لا يمكننا المقارنة في الحالات الاعتيادية بين أُمّةٍ واعيةٍ وبين اُمّةٍ تملك طاقةً حراريةً كبيرةً دون درجةٍ كبيرةٍ من الوعي.

نعم، قد تكون هناك مظاهر مشتركة في كثيرٍ من الأحيان، ولكن في منعطفاتٍ معيّنةٍ من حياة هذه الأُمّة، في لحظاتٍ حاسمةٍ ومواقف حرجةٍ من تأريخها يتبيّن الفرق بين الوعي والطاقة الحراريّة، يتبيّن هذا في لحظات الانفعال، الانفعال الشديد، سواء كان انفعالاً موافقاً لعمليات الانتقال أو انفعالاً معاكساً. في هذه اللحظات يبدو حينئذٍ الفرق بين الطاقة الحرارية وبين الوعي؛ لأنّ الوعي لا يتزعزع في لحظة الانفعال، يبقى ثابتاً وصامداً لا يلين ولا يتميّع في لحظة الانفعال، وعي الإنسان وإيمانه بأهدافه ومسؤولياته فوق كلّ الانفعالات، فوق كلّ المشاكل والانتصارات، أيّ انتصارٍ يحقّقه الإنسان لا يمكن أن يخلق فيه انفعالاً يزعزعه إذا كان واعياً وعياً حقيقياً.

محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا الرجل العظيم يدخل إلى بيت الله الحرام منتصراً، لحظة الانتصار هذه لم تزعزع من خُلقه، من وضعه، لم تخلق فيه نشوة الانتصار، وإنّما خلقت فيه ذُلّ العبودية، شعر بذلّ العبودية أكثر ممّا شعر بنشوة الانتصار.


هذا هو الذي يمثّل الوعي العظيم، لكنّ المسلمين عاشوا نشوة الانتصار في لحظاتٍ عديدة، وكذلك في لحظاتٍ أُخرى، لحظات الصدمة والمأساة، يبقى صامداً أمام المشكلة لا يلين ولا يتراخى، يبقى على خطّه واضحاً. النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن يبدو عليه أيّ فرقٍ بينه وهو داخل مكّة فاتحاً، وبينه وهو مطرود في الحجاز من قبائل العرب المشركين. يتوجّه إلى ربّه يقول له: لا يهمّني ما يصنع هؤلاء إذا كنت راضياً عنّي(١) ، نفس الروح التي نجدها في لحظة انقطاعه، في لحظة مواجهته البشرية التي تحمل ألوان الشرور، في لحظة تمرّد الإنسان على هذا الذي جاء ليُصلحه. لم تتبدّل حالته في هذه اللحظة وبين حالته والإنسانية تستجيب، والإنسانية تخضع، والإنسانية تُطأطئ رأسها بين يديه، بين يدي الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذا هو الوعي. أمّا الأُمّة لم تكن هكذا، ولا نريد أن نكرّر الشواهد حتّى يأتي البحث اليوم كاملاً، الشواهد على أنّ الأُمّة كانت غير واعيةٍ وإنّما هي طاقة حرارية مرّت في الأيام السابقة. إذن فالأُمّة الإسلامية كانت تحمل طاقةً حراريةً كبيرةً ولم تكن اُمّةً واعيةً بدرجةٍ كبيرة، فلم تكن العصمة متوفّرةً لا في القيادة، ولا في الأُمّة بوجودها المجموعي، ومن أجل هذا كان الانحراف حتمياً على النحو الذي بيّنّا بالأمس.

تخطيط الأئمّةعليهم‌السلام لمواجهة الانحراف:

وهكذا بدأ الانحراف بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقلنا: إنّ الخطّ الذي بدأه الأئمّةعليهم‌السلام كان ينحلّ إلى شكلين:

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري ٢: ٨١.


الخطّ الأوّل : وهو خطّ محاولة القضاء على هذا الانحراف بالتجربة الإسلامية، تجربة المجتمع الإسلامية والدولة الإسلامية، حيث إنّ التجربة انحرفت بإعطاء زمامها إلى أُناسٍ لا يؤتمنون عليها وعلى مقدّراتها ومُثلها وقيمها، ولذا كان لا بدّ من العمل لتسلّم زمام هذه التجربة.

الخطّ الثاني : هو الخطّ الذي كان الأئمةًعليهم‌السلام يؤدّونه حتّى في الحالات التي كانوا يرون أن ليس في الإمكان السعي وراء تسلّم زمام هذه التجربة، وهو خطّ الضمان لوجود الأُمّة في المستقبل البعيد، لأنّنا قلنا: حيث إنّ التجربة انحرفت كان من المنطقي في تسلسل الأحداث أن يتعمّق هذا الانحراف، ثمّ يتعمّق حتّى تنهار التجربة أمام أوّل غزوٍ تتعرّض له هذه الأُمّة.

حيث إنّ الأُمّة الإسلامية لم تعش إلاّ التجربة المنحرفة المضلّلة، إلاّ هذه التجربة المشوّهة عن الإسلام، إذن فسوف لن تحارب عن إسلامها كأُمّة. بعد أن تنهار الدولة، وتنهار الحضارة الحاكمة تنهار الأُمّة كأُمّةٍ أيضاً، سوف تتنازل عن إسلامها، لأنّها لم تجد في هذا الإسلام ما تدافع عنه.

أعتقد أنّ الأُمّة الإسلامية لو كانت قد عاشت الإسلام من منظار عمر وأبي بكر وعثمان ومعاوية وعبد الملك بن مروان وهارون الرشيد والباقي من هؤلاء الخلفاء غير الصالحين فقط الذين تزعّموا التجربة الإسلامية، لو أنّ الأُمّة كانت قد عاشت الإسلام من هذا المنظار فقط إذن لتنازلت عن هذا الإسلام برحابة صدر.

ماذا وجدت من هذا الإسلام ؟ وماذا جنت منه ؟ كيف نقدر أن نتصوّر أنّ الإنسان غير العربي يدافع عن الإسلام الذي يتبنّى زعامة العربي على غير العربي ؟ كيف نتوقّع من الفارسي أن يدافع عن كيانٍ يعتبر هذا الكيان ملكاً لأسرةٍ واحدةٍ من قبائل العرب وهو أُُسرة قريش ؟ كيف يعقل أنّ هؤلاء المسلمين


يشعرون بأنّهم قد وجدوا حقوقهم وكرامتهم في مجتمعٍ يضجّ فيه بكلّ ألوان التفاوت والتمييز والاستئثار ؟ ولذا كان من الطبيعي أن يتنازلوا عن هذا الإسلام حينما تنهار التجربة بعد تعمّق الانحراف.

إلاّ أنّ الذي جعل الأُمّة لا تتنازل عن الإسلام هو المثل الآخر الذي قُدّم له، مثل واضح المعالم، أصيل المثل والقيم، أصيل الأهداف والغايات، قدّمت له أُطروحة من قبل الواعين من المسلمين بزعامة الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام .

ولنعلم مسبقاً، وقبل أن نأتي إلى التفاصيل، أنّ هذه الأُطروحة التي قدّمها الأئمّةعليهم‌السلام للإسلام لم تكن تتفاعل مع الشيعة المؤمنين بإمامة أهل البيتعليهم‌السلام فقط، بل كان لها صدىً كبير في كلّ العالم الإسلامي، حيث إنّ الأئمّةعليهم‌السلام كانت لهم أُطروحة الإسلام، وكانت لهم دعوى لإمامة أنفسهم لم يطلبوا لها إلاّ عدداً ضئيلاً من مجموع الأُمّة الإسلامية إلى مدّةٍ طويلة، إلاّ أنّ الأُطروحة الأُخرى التي تمثّل الإسلام الصحيح، والتي مثّلها الأئمّةعليهم‌السلام والواعون الملتفّون حولهم تفاعلت مع مجموع الأُمّة الإسلامية في كلّ أبعادها، مع مفكّريها وأكابرها، وهي التي ثبّتت إسلام الأقطار الإسلامية، حيث إنّها تضمّنت الأُطروحة الصحيحة للإسلام، والنموذج الواضح الصريح له في كلّ مجالاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والخلقية والعبادية، ممّا جعل المسلمين يسهرون على هذه التجربة ويحمونها، حيث إنّهم ينظرون إليها بمنظارٍ آخر غير منظار الواقع المعاش، وعلى أساسٍ من هذا نبدأ بتحليل الموقف عقيب وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى ضوء هذه الأُطروحة.

موقف أمير المؤمنينعليه‌السلام في مواجهة الانحراف:

أمير المؤمنينعليه‌السلام حينما واجه الانحراف في التجربة عقيب وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله


قام بعملية تعبئةٍ فكريةٍ في صفوف المسلمين مؤدّاها: أنّ هذا الوضع الجديد هو وضع غير طبيعيٍّ ومنحرف عن الخطّ الإسلامي، واستعان بهذا الصدد ببنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قرينته العظيمة؛ وذلك لأجل أن يستثير في نفوس المسلمين عواطفهم، ومشاعرهم المرتبطة بأعزّ شخصٍ يحبّونه وهو شخص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، إلاّ أنّه فقدهاعليها‌السلام ولم يستطع أن يستثير المسلمين بالدرجة التي تحوّل مجرى التجربة وتجعل هناك تبدّلاً أساسياً في الخطّ القائم. وكان ذلك أمراً طبيعياً.

ولكي نفهم هذا يكفي أن نلتفت إلى نفس ما أصاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الرائد الأعظم لهذه الرسالة، ما أصابه من قلقٍ وارتباكٍ في سبيل تركيز إمامة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ماذا دهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصابه ؟ هذا النبيّ العظيم الذي لم يتلكّأ ولم يتلعثم ولم يتردّد في أيّ لونٍ من ألوان التركيز والعمل في سبيل تلك المهمّات. هذا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله العظيم الذي لم يشعر بالخوف ولا القلق، والذي لم يخفق قلبه بأيّ لونٍ من ألوان الوساوس والشكوك، ولا بأيّ لونٍ من ألوان الضعف والانهيار، هذا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذاته يقف حائراً أمام الأمر الإلهي في أن يبلّغ وأن يركّز إمامة عليّ بن أبي طالب، حتّى ما جاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من إنذاره بأن يُبلّغ، وإلاّ فكأنّه لم يبلّغ الرسالة(٢) ، أي أنّه كان مستوى الخطر في نظر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصل إلى درجة هدر شخصيّته، شخصيّة الرائد الأوّل وصاحب الرسالة، أي أنّ الانحراف كان على سبيلٍ من المنعة، هذه المنعة التي كانت تمنع عن تزعّم عليٍّعليه‌السلام للتجربة

____________________

(١) الإمامة والسياسة: ١٢، والاختصاص: ١٨٤.

(٢) وهو قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ... ) المائدة: ٦٧.


الإسلامية عميقة قوية واسعة؛ بدرجة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه كان يخشى من أن يُعلن عن تشريع هذا الحكم وليس عن تطبيقه بحسب الخارج. وكذا حينما أراد أن يسجّل هذا الحكم، حينما أراد أن يسجّله في كتاب.

المسلمون لأوّل مرّة في تأريخ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا النبيّ الذي كانوا يتسابقون إلى الماء الذي يتقطّر من وضوئه(١) ، هذا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي ذهب رسول قريش إلى قريش يقول لهم: إنّي رأيت كسرى وقيصر وملوك الأرض فما رأيت رجلاً انجذب إليه جماعته وأصحابه، ويؤمنون به، كما ذاب أصحاب محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله في محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يشعرون بوجودهم أمام هذا الرجل العظيم(٢) . وبالرغم من كلّ هذا وفي مجلسهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوم واحد من أصحابه فيقول ما يقول !! بما تعلمون، ثمّ لا يحصل بعد هذا أيّ ردّ فعلٍ لهذا الكلام، أيّ ردّ فعلٍ حاسمٍ حينما يقوم هذا الصحابي ويقول هذا الكلام وينحرف بهذا الشكل الواضح ؟! ولا يجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ أن يقول: ( قوموا عنّي )(٣) ، المسألة كانت بهذه الدرجة من المنعة والشمول.

وعلى سبيل الإجمال يجب أن نعلم بأنّ عليّاًعليه‌السلام لم يكن رئيساً ولا كان قاصراً أو مقصّراً حينما فشل؛ لأنّه غير محتملٍ، خصوصاً وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو قمّة النشاط والحيويّة والجهاد ومع ذلك واجه هذه المشاكل والصعاب تجاه تشريع الحكم، فكيف يكون الإمام أمام تنفيذه في قبال هذه الموانع ؟

____________________

(١) إعلام الورى ١: ٢٢٠.

(٢) إعلام الورى ١: ٢٢١.

(٣) أمالي الشيخ المفيد: ٣٦ - ٣٧، المجلس الخامس، وعنه في البحار ٢٢: ٤٧٤، تاريخ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الباب الأوّل، باب وصيتّه عند قرب وفاته، الحديث ٢٢.


بعض موانع تزعّم عليّعليه‌السلام :

أمّا ما هي طبيعة هذه الموانع فإنّ ذلك يحتاج إلى دراسةٍ مفصّلةٍ لنفسيّة المجتمع الإسلامي في أيام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أوضح ممّا يتوفّر لدينا الآن من معلومات. إلاّ أنّنا يمكننا ذكر بعض الموانع على سبيل المثال:

١ - التفكير اللا إسلامي من ولاية الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :

ومن تلك الموانع العميقة: التفكير اللا إسلامي من ولاية عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل عليّاًعليه‌السلام بعده حاكماً على المسلمين وإماماً لهم. المسلمون - ولنتكلّم عن المسلمين المؤمنين بالله ورسوله حقّاً - لم يكونوا من الواعين بدرجةٍ كبيرة، نعم كانت عندهم طاقة حرارية تصل إلى درجة الجهاد، إلى الموت في سبيل الله، هؤلاء الذين قاموا بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ضدّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام . أنا لا أشكّ بأنّهم مرّت عليهم بعض اللحظات كانوا على استعدادٍ لأن يضحّوا بأنفسهم في سبيل الله، وأنا لا أشكّ أنّ الطاقة الحرارية كانت موجودةً عندهم. سعد بن عبادة - مثلاً - عارض عليّاًعليه‌السلام ، والذي فتح باب المعارضة عليه كان مثل المسلمين الآخرين، ويجاهد مثلهم، غاية الأمر لم يكن لديه الوعي. وكذا باقي المسلمين، وهؤلاء المسلمون فكّروا - وكان تفكيراً سطحيّاً - بأنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله يريد أنّ يعلي مجد بني هاشم، ويعلي كيان هذه الأسرة وأن يمتدّ بنفسه بعده، فاختار عليّاًعليه‌السلام ، اختار ابن عمّه لأجل أن يمثّل أمجاد أُسرته.

هذا التفكير كان منسجماً مع الوضع النفسي الذي يعيشه أكثر المسلمين كراسبٍ جاهليٍّ لرواسب عرفوها قبل الإسلام، ولم يستطيعوا أن يتخلّوا عن ذلك


تخلّياً تامّاً.

ألسنا نعلم أنّ هؤلاء المسلمين الغيارى المجاهدين ماذا صنعوا في غزوة حنين حينما وزّع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المال والغنائم على قريش ولم يُعطٍ الأنصار ؟! وزّع على قريشٍ، على أهل مكّة ولم يعطِ أهل المدينة. ماذا صنع أهل المدينة ؟ أخذ بعضهم يقول لبعض: إنّ محمّداً لقي عشيرته فنسينا، لقي قريشاً ونسي الأوس والخزرج(١) ، نسيَ هاتين القبيلتين اللتين قدّمتا ما قدّمتا للإسلام.

إذن فكان هؤلاء على المستوى الذي تصوّروا في هذا القائد العظيم الموضوعي الذي كان يعيش الرسالة، بالرغم من هذا كان يمكنهم أن يتصوّروا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله آثر قبيلته بمالٍ فكيف لا يتصوّرون أنّه آثر عشيرته بحكمٍ وزعامةٍ وقيادةٍ على مرّ الزمن والتأريخ ؟ هذا التصوّر الذي كان يصل إلى هذا المستوى المتدنّي من الوعي، ولم يدركوا أبعاد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولذا كانوا بين حينٍ وحينٍ عرضةً لأن يطغى عليهم الراسب الجاهلي، وينظرون إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من منظار رواسبهم الجاهلية كشخصٍ يرتبط بابن عمّه ارتباطاً حميماً، ويرتبط بعشيرته ارتباطاً قبليّاً، ويرتبط بالعرب ارتباطاً قوميّاً.

وأنا أظنّ أنّه لو لم يكن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ابن عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لو كانت الصدفة لم تشأ أن يكون الرجل الثاني في الإسلام من أُسرة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بل كان من عديٍّ أو تيم، لو كان من أُسرةٍ أُخرى لكان لهذه الولاية مفعول كبير جدّاً، ولقضي على هذا التفكير اللا إسلامي بالنسبة للولاية، ولكن ما هي حيلة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا كان الرجل الثاني في الإسلام ابن عمّه ؟ لم يكن له حيلة في أن يختار شخصاً دون آخر، وإنّما كان عليه أن يختار من اختاره الله، ومن اختاره الله كرجلٍ ثانٍ في

____________________

(١) إعلام الورى ١: ٢٣٨.


تأريخ الرسالة وكيانها، وفي الجهاد في سبيلها كان من باب الصدفة ابن عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذه الصدفة فتحت باب المشاغبة والحركة لهذا الراسب.

٢ - عامل النفاق:

العامل الثاني: هو العامل الذي كان يعيش في نفوس المنافقين، والمنافقون كثيرون في المجتمع الإسلامي، خاصّةً وأنّه انفتح قبل وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انفتاحاً جديداً مكّة التي دخلت جديداً في الإسلام، والتي تلاها دخول قبائل كثيرةٍ في الإسلام كانت تتضمّن الكثيرين من أصحاب المطامع والحرص على الجاه أو استسلاماً للأمر الواقع، حيث فرض محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله زعامته على العرب ولم يكن بالإمكان زحزحة هذه الزعامة.

هؤلاء كانوا يعلمون أنّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام هو الرجل الثاني في هذه الرسالة، وهو الاستمرار العنيد لها لا الاستمرار الرخو المتميّع لها. بينما كانت أطماعهم المشدودين لها ومصالحهم المرتبطين بها - والتي كان من جملتها استمرار الإسلام - الشيء الذي جمعهم ومنحهم الحُلُم بالاستيلاء على كنوز كسرى وقيصر، لكن كان من المصلحة لهم أن لا تستمرّ بتلك الدرجة من الصلابة والحدّية، بل أن تستمرّ بدرجةٍ رخوةٍ هيّنة، كما وصف الإمام الصادقعليه‌السلام حينما سئل: كيف نجح أبو بكر وعمر في قيادة المسلمين وفشل عثمان وعليّعليه‌السلام في هذه القيادة ؟ قالعليه‌السلام : لأنّ عليّاً أرادها حقّاً محضاً، وعثمان أرادها باطلاً محضاً، وأبو بكر وعمر خلطا حقّاً بباطل(١) .

كان لا بدّ أن تستمرّ هذه الرسالة، لكن تستمرّ بشكلٍ هيّنٍ ليّن، بشكلٍ ينفتح

____________________

(١) لم نعثر عليه.


على مطامع أبي سفيان ويتعامل معه أبو سفيان الذي جاء إلى عليّعليه‌السلام في لحظةٍ قاسية، في لحظةٍ خانه فيها المسلمون وتآمروا عليه وتنكّروا لكلّ جهاده وأمجاده، حتّى أنكروا أُخوّته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان الاعتيادي بالمظلوميّة، في هذه اللحظة جاءه أبو سفيان يعرض عليه القيادة بين يديه، يعرض عليه أن يزعّمه في سبيل أن يكون هو اليد اليمنى للدولة الإسلامية، يأبى عليعليه‌السلام ، يأبى وهو مظلوم ومتآمَر عليه ومضطهد حقّه(١) . ثمّ يذهب أبو بكر وعمر إلى أبي سفيان ويتعاملان ويوليّان أولاده على بلاد المسلمين(٢) . هذا هو الاستمرار الهيّن الذي كانت مصالح المنافقين تطلبه وقتئذٍ، والذي كانت زعامة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام تمثّل خطراً على مصالحهم.

٣ - العامل الأخلاقي والنفسي:

والعامل الثالث: هو عامل يرتبط بعوامل نفسيةٍ خلقية، علي بن أبي طالبعليه‌السلام كان يمثّل استمراراً وتحديّاً بوجوده التكويني للصادقين من الصحابة لا المنافقين، وذلك بجهاده، بصرامته، باستبساله، بشبابه، بكلّ هذه الأُمور كان يضرب الرقم القياسي الذي لا يمكن أن يحلم به صحابي آخر. كلّ هؤلاء كانوا يودّون أن يقدّموا خدمةً للإسلام - أتكلّم عن الصحابة الصالحين الصادقين - ولكنّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام كان يفوقهم بدرجةٍ كبيرةٍ هائلة.

علي بن أبي طالب بالرغم من التفاوت الكبير في العمر بينه وبين شيوخ

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري ٢: ٤٤٩.

(٢) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢١٨ - ٢٢١، وبحار الأنوار ٢٨: ٢٣٣، كتاب الفتن والمحن، الباب ٤، الحديث ٢٠.


الصحابة من أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما ممّن عاش في تلك الفترة التي تلت وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بالرغم من كلّ ذلك أفلس أبو بكر، وأفلس عمر، وأفلس هؤلاء كلّهم أمام رسوخ عليٍّعليه‌السلام الذي كان يضرب بسيفين.

معاوية يقول لمحمّد بن أبي بكر بأنّ عليّاًعليه‌السلام كان في أيام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كالنجم في السماء لا يطاول(١) .

الأُمّة الإسلامية كانت تنظر إليه كالنجم في السماء بالرغم من أنّ العدد الكبير منها لم يكن يحبّه؛ وذلك لأنّ النسبة لم تكن نسبةً معقولة. عليّعليه‌السلام مجاهد بدرجةٍ لا يمكن أن يقاس به شخص آخر، كان صامداً بدرجةٍ لا يمكن أن يقاس به شخص آخر، وكذا في زهده وفي باقي الكمالات الإسلامية.

إذن، فعليعليه‌السلام كان تحدّياً، كان استفزازاً للآخرين، وهؤلاء الآخرون ليسوا كلّهم يعيشون الرسالة فقط، بل جملة منهم يعيشون معها أنفسهم وأنانيّتهم، وحينما يشعرون بهذا الاستفزاز التكويني من شخص هذا الرجل العظيم الذي كان يتحدّاهم من غير قصد التحدّي، بل ليهديهم ويبني مجدهم ورسالتهم وعقيدتهم، ولكن ماذا يصنع لمن يعيش نفسه وأنانيّته ؟ وكان ردّ الفعل لهذا هو مشاعر ضخمة من العداء لعليعليه‌السلام .

ويكفي كمثالٍ لأن نوضح هذا المطلب: أن نذكر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما خرج غازياً وخلّف عليّاًعليه‌السلام مكانه أميراً على المدينة، هؤلاء الناس لم يتركوا علياًعليه‌السلام ، أخذوا يُشِيعون - بالرغم من أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يستخلف في المرّات السابقة أحد الأنصار على المدينة، ولم يكن عليعليه‌السلام ؛ لأنّ المنصب لم يكن من الأهمية بحيث يتولاّه عليهعليه‌السلام دائماً - بأنّه ترك علياًعليه‌السلام في المدينة

____________________

(١) راجع: مروج الذهب ٣: ١٢، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ١٩٠.


لأنّه لا يصلح للحرب.

عليعليه‌السلام هذا الرجل الصلب العنيد المترفّع، هذا الرجل الذي يقول: لا يزيدني إقبال الناس عليّ ولا ينقصني إدبارهم(١) . استفزّت أعصابه لدرجة أنّه ترك المدينة ولحق بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسأله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن السبب ؟ فقال: يقولون بأنّك تركتني لأنّي لا أصلح للحرب !

اُنظروا للحقد، لو أمكن أن تنكر كلّ فضيلةٍ لعليٍّعليه‌السلام لا يمكن أن تنكر أنّه يصلح للحرب، ولكن الحقد وصل فيهم على هذا الرجل العظيم إلى أن يفسّروا إمارته على المدينة بأنّه لا يصلح للحرب. ولكنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول فيه كلمته المشهورة: إنّ عليّاًعليه‌السلام منّي بمنزلة هارون من موسى. إنّه لا ينبغي أن أخرج من المدينة إلاّ وأنت فيها إثباتاً لوجودي ولتحمي المدينة(٢) .

على أيّ حالٍ هذه العوامل كلّها اشتركت في سبيل أن تجعل موانع قويةً جدّاً، هذه الموانع اصطدم بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في تشريع الحكم واصطدم بها عليّعليه‌السلام عند محاولة تطبيقه وعند مقابلة الانحراف وتعديل التجربة وإرجاعها للوضع الطبيعي؛ ولهذا فشل في زعزعة الوضع القائم بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي ذلك الحين بدأ خطّه الثاني، وهو خطّ تحديد الإسلام في إطاره الصحيح الكامل، وتحصين الأُمّة وجعلها قادرةً على مواصلة وجودها الإسلامي.

والحمد لله ربّ العالمين، وإلى محاضرةٍ أخرى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

____________________

(١) جاء في كتابهعليه‌السلام إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري بعد حرب البصرة قال: لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها، نهج البلاغة: ٤١٨، الكتاب ٤٥.

(٢) المراجعات، المراجعة ٢٦: ١٩٧ - ٢٠٢.


بداية الانحراف

ودور عليعليه‌السلام في مواجهته



بسم الله الرحمن الرحيم

حينما توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلّف أُمّةً ومجتمعاً ودولة، أقصد بالأُمّة: المجموعة من المسلمين الذين كانوا يؤمنون برسالته ويعتقدون بنبوّته، وأقصد بالمجتمع: تلك المجموعة من الناس التي كانت تمارس حياتها على أساس تلك الرسالة وتنشئ علاقاتها على أساس التنظيم المقرّر لتلك الرسالة، وأقصد بالدولة: القيادة التي كانت تتولّى زعامة ذلك المجتمع والانشغال في تطبيق الإسلام وحمايته ممّا يهدّده من أخطار.

انهيار الأُمّة بانحراف القيادة:

الانحراف الذي حصل يوم السقيفة كان انحرافاً في الدولة، في كيان الدولة، لأنّ القيادة اتّخذت طريقاً غير طريقها الطبيعي. وقلنا: بأنّ هذا الانحراف في زعامة التجربة - أي في الدولة - كان من الطبيعي في منطق الأحداث أن ينمو، وأن يثبت، وأن يتّسع حتّى يحيق بالتجربة نفسها فتنهار الزعامة الحامية للإسلام. الزعامة التي تشرف على تطبيق الإسلام، هذه الزعامة باعتبار انحرافها وعدم كونها قادرةً على تحمّل المسؤولية تنهار في أمدٍ قصيرٍ أمام أيّ خطرٍ أو غزوٍ


حقيقيٍّ تواجهه في حياتها العسكريّة والسياسيّة.

وحينما تنهار الدولة ينهار تبعاً لذلك المجتمع الإسلامي، لأنّ المجتمع يتقوّم بالعلاقات التي تنشأ على أساس الإسلام، فإذا لم تبقَ زعامة ترعى هذه العلاقات وتحميها وتقنّن القوانين لها فلا محالة ستتفتّت هذه العلاقات وتتبدّل بعلاقاتٍ أُخرى قائمةٍ على أساس غير الإسلام، وهذا معناه زوال المجتمع الإسلامي.

وتبقى بعد ذلك الأُمّة وهي أبطأ العناصر الثلاثة تصدّعاً وزوالاً، أي أنّ مجموعةً من البشر يبقون في حالة إيمانٍ بالله ورسوله واليوم الآخر بعد أن زالت الدولة الشرعيّة الصحيحة وزال المجتمع الإسلامي الصحيح، تبقى الأُمّة، إلاّ أنّها أيضاً وفي منطق الانحراف من المحتوم عليها أن تتفتّت، وأن تنهار، وأن تنصهر ببوتقة الغزو الكافر الذي أطاح بدولتها ومجتمعها؛ لأنّ الأُمّة التي عاشت الإسلام زمناً قصيراً لم تستطع أن تستوعب من الإسلام ما يحصّنها وما يحدّد أبعادها ويعطيها أصالتها وشخصيّتها وروحها العامّة، ويمنحها القدرة للاجتماع على مقاومة التميّع والتسيّب والانهيار في البوتقات الأخرى.

هذه الأُمّة بحكم أنّ الانحراف قصّر عمر التجربة، وبحكم أنّ الانحراف قد زوّر معالم الإسلام، بحكم هذين السببين الكمّي والكيفي، السبب الكمّي هو أنّ عمر التجربة الإسلاميّة يصبح قصيراً بفعل الانحراف؛ لأنّه يسرع بإفناء التجربة الإسلامية، والعامل الكيفي: هو أنّ الانحراف يشوّه معالم الإسلام ولا يعطي الإسلام بشكلٍ صحيح، فهذا العامل الكيفي وذاك العامل الكمّي يجعلان الأُمّة غير مستوعبةٍ للإسلام؛ لأنّها لم تعش الإسلام إلاّ زمناً قصيراً بحكم العامل الكمّي، ولم تعش إلاّ بصورة مشوّهةٍ بحكم العامل الكيفي، إذن فلا تتحصّن


بالطاقة التي تمنعها وتحفظها من الانهيار أمام الكافرين وثقافاتهم. ومن هنا تنهار الأُمة، فتتنازل بالتدريج عن عقيدتها وآدابها وأحكامها، ويخرج الناس من دين الله أفواجاً.

وهذا هو واقع الفكرة التي عرضتها روايةٌ عن أحد أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام تقول: إنّ أوّل ما يتعطّل من الإسلام هو الحكم بما أنزل لله سبحانه وتعالى، وآخر ما يتعطّل من الإسلام الصلاة(١) . هذه الرواية تعبير بسيط، شرحه هو ما قلناه من أنّ أوّل ما يتعطّل هو الحكم بما أنزل الله، وأنّ الزعامة والقيادة والدولة تنحرف، فعندما تنحرف سوف يتعطّل الحكم بما أنزل الله، وهذا الخطّ ينتهي حتماً إلى أن تُعطّل الصلاة، أي إلى أن تتميّع الأُمّة. تعطّل الصلاة هو مرحلة أنّ الأُمّة تتعطّل، أنّ الأُمّة تتنازل عن عقيدتها، أنّ الأُمّة تضيع عليها رسالتها وآدابها وتعاليمها.

الحكم بغير ما أنزل الله معناه أنّ التجربة سوف تنحرف، أنّ المجتمع يتميّع، فهذا خطّ متسلسل نستنبطه من الرواية، تقول هذه الرواية: أوّل ما يتعطّل هو الحكم بما أنزل الله، وآخر ما يتعطّل هو الصلاة، آخر ما يتركه المسلمون هو الصلاة، وبمعنى آخر: يتركون الإسلام.

موقف الأئمّةعليهم‌السلام من انحراف الزعامة وانهيار التجربة والأُمّة:

في مقابل هذا المنطق وقف الأئمّةعليهم‌السلام على خطّين:

الخطّ الأوّل : هو محاربة تسلّم زمام التجربة، زمام الدولة، محو آثار

____________________

(١) لم نظفر به وراجع سفينة البحار ٥: ٤٠٠.


الانحراف، إرجاع القيادة إلى موضعها الطبيعي لأجل أن تكتمل العناصر الثلاثة: الأُمّة، والمجتمع، والدولة.

والخطّ الثاني : هو تحصين الأُمّة ضدّ الانهيار بعد سقوط التجربة، وإعطاؤها من المقوّمات القدر الكافي لكي تبقى وتقف على قدميها، وتعيش المحنة بعد سقوط التجربة بقدمٍ راسخةٍ وبروحٍ مجاهدةٍ وبإيمانٍ ثابت.

والآن نريد أن نتبيّن وجود هذين الخطّين في حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام مع استلال العبر من المشي على هذين الخطّين:

الخطّ الأوّل - محاولة تصحيح الانحراف:

خطّ محاولة تصحيح الانحراف وإرجاع وضع المجتمع والدولة في الأُمّة الإسلاميّة إلى خطّه الطبيعي. عمل الإمام عليّعليه‌السلام حتّى قيل عنه: إنّه أشدّ الناس رغبةً في الحكم والولاية، وحتّى اتّهمه معاوية بأنّه طالب جاهٍ وسلطانٍ وزعامة، واتّهمه بالحقد على أبي بكر وعمر، واتّهمه بكلّ ما يمكن أن يُتّهم به الشخص المطالب بالجاه والسلطان وبالزعامة(١) . الإمام أمير المؤمنين عمل على خطّ تسلّم زمام الحكم، وتفتيت هذا الانحراف، وكسب زعامة التجربة الإسلامية إلى شخصه الكريم، بدأ هذا العمل عقيب وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرةً كما قلناه بالأمس، حيث حاول إيجاد تعبئةٍ وتوعيةٍ فكريةٍ عامةٍ في صفوف المؤمنين، وإشعارهم بأنّ الوضع منحرف، إلاّ أنّ هذه التعبئة لم تنجح لأسبابٍ ترتبط بشخص عليّعليه‌السلام ،

____________________

(١) انظر: كتاب السقيفة لسليم بن قيس الهلالي العامري: ١٨٠ - ١٨٥، ونهج البلاغة: ٥٢، الخطبة ٥، و ٢٤٦، الخطبة ١٧٢.


استعرضنا بعضها بالأمس، ولأسبابٍ أخرى ترتبط بانخفاض وعي المسلمين أنفسهم؛ لأنّ المسلمين وقتئذٍ لم يدركوا أنّ يوم السقيفة كان هو اليوم الذي سوف ينفتح منه كلّ ما انفتح من بلاءٍ على الخطّ الطويل لرسالة الإسلام، لم يدركوا هذا، ورأوا أنّ وجوهاً ظاهرة الصلاح قد تصدّت لزعامة المسلمين ولقيادتهم في هذا المجال، ومن الممكن خلال هذه القيادة أن ينمو الإسلام وأن تنموا الأُمّة.

ماذا واجهت عمليّة التصحيح ؟

ولم يكن يُفهم عن عليّعليه‌السلام إلاّ أنّ له حقّاً شخصيّاً يطالب به، وهو مقصّر في مطالبته، والمسألة تقف عند هذا الحدّ وليس أكثر، ولذا ضاقت القصّة على أمير المؤمنين من هذه الناحية، وإنّنا نجد في مراحل متأخّرة من حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام المظاهر الأخرى لعمله على هذا الخطّ لمحاولة تسلّمه أو سعيه في سبيل تسلّم زعامة التجربة الإسلاميّة، وتفادي الانحراف الذي وقع.

إلاّ أنّ الشيء الذي يجب أن يكون واضحاً غاية الوضوح، والذي هو واضح في غاية الوضوح أيضاً أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام خلال عمله في سبيل تزعّم التجربة وفي سبيل محاربة الانحراف القائم ومواجهته بالقول الحقّ، وبالعمل الحقّ، وشرعيّة حقّه في هذا المجال كان يواجه مشكلةً كبيرة، وقد استطاع أن ينتصر عليها أيضاً انتصاراً كبيراً، هي مشكلة الوجه الظاهري لهذا العمل، والوجه الواقعي له، وعملية التوفيق بينهما:

الوجه الظاهري للعمل:

حيث إنّه يتبادر إلى ذهن الإنسان الاعتيادي لأوّل مرّةٍ أنّ العمل في سبيل


معارضة زعامة العصر، والعمل في سبيل كسب الزعامة أنّه عمل في إطارٍ فكري يعبّر عن شعور هذا العامل بوجوده، ومصالحه ومكاسبه وأبعاد شخصيّته، هذا هو التفسير التلقائي الذي يتبادر إلى الأذهان من هذا العمل. والذي حاول معاوية أن يستغلّه في معركته مع الإمام. هذا التفسير هو تفسير للوجه الظاهري للعمل.

الوجه الواقعي للعمل:

إلاّ أنّ الوجه الواقعي لهذا العمل من قبل الإمام لم يكن هكذا. الوجه الواقعي هو: أنّ عليّاًعليه‌السلام كان يمثّل الرسالة، وكان يمثّل الأهداف الحقيقيّة لها، وكان الأمين الأوّل من قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على التجربة، على استقامتها، على صلابتها، على عدم تميّعها على الخطّ الطويل الذي سوف يعيشه الإسلام والمسلمون بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالعمل كان بروح الرسالة، ولم يكن بروحه هو. كان عملاً بروح تلك الأهداف الكبيرة، ولم يكن عملاً بروح مصالحه الشخصيّة، لم يكن يريد أن يبني زعامةً لنفسه، وإنّما كان يريد أن يبني زعامة الإسلام، وقيادة الإسلام في المجتمع الإسلامي، ومن ثمّ في مجموع البشرية على وجه الأرض.

تعارض الوجه الواقعي والظاهري للعمل في النفوس:

هذان الوجهان المختلفان قد يتعارضان في نفس العامل، وقد يتعارضان في نفس الأشخاص الآخرين الذين يريدون أن يفسّروا عمل هذا العامل. أمّا في نفس العامل فقد يتراءى له في لحظةٍ أنّه يريد أن يبني زعامة الإسلام لا زعامة


نفسه، إلاّ أنّه خلال العمل إذا لم يكن مُزوّداً بوعي كامل، إذا لم يكن مزوّداً بإرادةٍ قويّة، إذا لم يكن قد استحضر في كلّ لحظاته وآنات حياته أنّه يعيش هذه الرسالة ولا يعيش نفسه، إذا لم يكن هكذا فسوف تخلق في نفسه ولو لا شعوريّاً انفصاماً بين الوجه الظاهري للعمل والوجه الواقعي له، سوف تخلق في نفسه تناقضات، وسوف يضيِّع خلال العمل وخضمّ المشاكل كلّ الأهداف، أو جزءاً كبيراً منها، وسوف تتغلّب زعامته الشخصيّة على حساب تلك الأهداف. سوف ينسى أنّه لا يعمل لنفسه بل يعمل لتلك الرسالة. سوف ينسى أنّه ملك لغيره وليس ملكاً لنفسه. وهذا خطر كبير جدّاً يواجه كلّ شخصٍ يحمل هذه الأهداف الكبيرة، حيث يواجه خطر الضياع في نفسه، وخطر أن تنتصر أنانيّته على هذه الأهداف الكبيرة فيسقط في أثناء الطريق.

عليّعليه‌السلام الذي يصرّ دائماً أن يكون زعيماً ويصرّ أنّه هو الأحقّ بالزعامة، عليّ الذي يتألّم، الذي يتحسّر؛ لأنّه لم يصبح زعيماً للتجربة بعد محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي يقول: ( لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرَّحا )(١) . فإنّه في غمرة هذا التأسّف، في غمرة هذا الألم، في غمرة هذه الحساسيّة يجب أن لا ينسى أنّ هذا الألم ليس لنفسه، وأنّ هذه الحسّاسيّة ليست لنفسه، أنّ كلّ هذا العمل وكلّ هذا الجهد ليس لأجل نفسه. وعدم الاهتمام هذا في غمرة هذه المشاكل هو الذي يولّد المشكلة الكبيرة، هذه المشكلة تحتاج إلى ترويضٍ كبيرٍ من قبل العامل، فإنّ العامل دائماً يثير نفسه، ويسأل نفسه بأنّه ليس ملكاً لنفسه، وإنّما هو ملك لتلك الأهداف، ومن ثمّ يحدّث أصحابه، ويبقى

____________________

(١) نهج البلاغة: ٤٨، الخطبة ٣.


أصحابه الذين يشاركون معه في العمل بأنّهم ليسوا أصحابه، وإنّما هم أصحاب تلك الأهداف الكبيرة، ويربيّهم دائماً على أنّهم هم أصحاب الرسالة لا أصحابه هو وذلك حتّى يصبح هؤلاء ملك تلك الأهداف لا ملك نفسه.

أيّ زعيمٍ يمكن أن ينحرف خلال خطّ عمله إذا افترضنا أنّ هذا الزعيم قد ربّى أصحابه على أنّهم أصحابه هو، فإنّهم قد لا يستطيعون تقويمه بعد هذا. وأمّا إذا ربّى أصحابه على أنّهم أصحاب أهدافه لا أصحاب نفسه فإنّهم سوف ينظرون إلى هذا الشخص المربّي من خلال تلك الأهداف، ويحكمون عليه من خلالها، ويقيّمونه على أساسها.

نجاح الإمام عليّعليه‌السلام في التوفيق بين الوجهين:

وقد انتصر عليٌّعليه‌السلام انتصاراً عظيماً في تلكما الناحيتين، انتصر عليّعليه‌السلام على نفسه، وانتصر في إعطائه عمله الإطار الرسالي والطابع العقائدي انتصاراً كبيراً.

عليّعليه‌السلام ربّى أصحابه على أنّهم أصحاب الأهداف لا أصحاب نفسه، كان يدعو دائماً إلى أنّ الإنسان يجب أن يكون صاحب الحقّ قبل أن يكون صاحب شخصٍ بعينه، عليّعليه‌السلام هو الذي قال: ( اعرف الحقّ تعرف أهله )(١) . هو الذي كان يقول للمقداد وأبي ذرّ وسلمان وعمّار وغيرهم: اعرفوا الحقّ ثمّ احكموا على عليّعليه‌السلام هل هو مع الحقّ أو لا، لا تأخذوا عليّاً أو عمر أو أبو بكر أو سعداً أو

____________________

(١) أمالي المفيد: ٥، ووسائل الشيعة ٢٧: ١٣٥، الباب ١٠ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٣٢.


أيّ شخصٍ وتجعلوه مقياساً للحقّ، بل خذوا الحقّ ثمّ احكموا على عليٍّ وغيره في إطار ذلك الحقّ.

وهذا غاية ما يمكن أن يقدّمه الزعيم من إخلاصٍ في سبيل أهدافه، أن يؤكّد دائماً لأصحابه، لأنصاره - وهذا ما يجب على كلّ المخلصين أن يؤكّدوا عليه في أنفسهم ويؤكّدوا عليه بين أتباعهم - أنّ المقياس هو الحقّ وليس هو الشخص، أنّ المقياس هو الأهداف، وليس هو الفرد مهما كان هذا الفرد عظيماً.

هل يوجد شخص أعظم من عليّ بن أبي طالب ؟ لا يوجد هناك شخص أعظم منه إلاّ أستاذهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكن مع هذا جعل المقياس هو الحقّ لا المقياس هو نفسه. لمّا جاء ذلك الشخص وسأله عن الحقّ في حرب الجمل هل هو مع هذا الجيش - كان هذا الرجل يعيش في حالة تردّدٍ بين عائشة وعليّ - يريد أن يوازن بين عائشة وعليّ، أيّهما أفضل حتّى يحكم بأنّ عائشة مع الحقّ أو عليّ مع الحقّ، أجهود عائشة أفضل للإسلام أم جهود عليّ ؟ قال له الإمام: ( اعرف الحقّ تعرف أهله ).

عليعليه‌السلام كان يصرّ دائماً على أن يعطي العمل الشخصي طابعه الرسالي، لا طابع المكاسب الشخصيّة بالنسبة إليه، وهذا هو الذي يفسّر لنا أنّ عليّاًعليه‌السلام بعد أن فشل في تعبئته الفكريّة عقيب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعارض أبا بكر وعمر معارضةً واضحةً سافرةً طيلة حياتهما؛ ذلك أنّ أوّل موقفٍ اعتزم فيه على المعارضة والمواجهة بعد تلك التعبئة الفكريّة وإعطائها الشكل الواضح والصريح كان عقيب وفاة عمر، وذلك يوم الشورى، حيث حطّم صنميّة أبي بكر وعمر عندما عرض عليه عبد الرحمن بن عوف أن يبايعه على كتاب الله وسنّة رسوله


وسيرة الشيخين فإنّه أبى أن يبايع على ذلك، وقال: بل على كتاب الله وسنّة نبيّه واجتهاد رأيي(١) . هنا أعلن عليّعليه‌السلام عن معارضة عمر.

في حياة أبي بكر وعمر بعد تلك التعبئة لم يبدُ من الإمام موقف إيجابي واضح في معارضة أبي بكر وعمر، والوجه في هذا هو: أنّ عليّاً كان يريد أن تكون المعارضة دائماً في إطارها الرسالي، وأن ينعكس هذا الإطار الرسالي على المسلمين؛ حتّى يفهموا أنّ معارضته ليست لنفسه وإنّما هي للرسالة، وحيث إنّ أبا بكر وعمر كانا قد بدءا الانحراف، هذا الانحراف الذي لم يكن قد تعمّق بعد، والمسلمون القصيرو النظر الذين قدّموا أبا بكر ثمّ عمر على عليّعليه‌السلام لم يكن باستطاعتهم أن يعمّقوا النظر إلى هذه الجذور من الانحراف التي نشأت في أيام أبي بكر وعمر، فكان معنى مواصلة العمليّة ومواصلة المعارضة بشكلٍ شديدٍ أيام أبي بكر وعمر، معنى أن يبدأ عمله الذي بدأه أيّام عثمان، أيام أبي بكر وعمر، معناه أن يفسّر من أكثر المسلمين على أنّه عمل شخصي ومنافسة شخصيّة مع أبي بكر وعمر، أبو بكر وعمر وإن بدأت بذور الانحراف في عهدهما إلاّ أنّه حتّى هذه البذور كانت من الأغلب مصبوغةً بالصبغة الحراريّة الإيمانيّة، كانا يربطانها بالحرارة الإيمانية الموجودة لدى الأُمّة. وحيث إنّها حرارة إيمانيّة بدون وعيٍ رساليٍّ لم تكن الأُمّة تميّز أنّ هذا هو عبارة عن الانحراف.

عمر حينما ميّز بين المسلمين وأنشأ نظام الطبقات، حينما أثرى قبيلةً أو جماعةً دون غيرها وعلى حساب غيرها حينما أثرى قبيلة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث

____________________

(١) انظر: تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٢، والطبري ٣: ٣٠١.


أغنى زوجاته، أغنى عمّه، أغنى أهل بيته، حينما كان يعطي لزوجات النبيّ لكلٍّ عشرة آلاف، ويعطي عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله العبّاس اثني عشر ألفاً(١) ، حينما قسّم الأموال الضخمة على هذه الأسرة، لم يكن هذا الانحراف مختلفاً عن انحراف عثمان في جوهره عندما ميّز عثمان أهل بيته وعشيرته، إلاّ أنّ عمر ربط هذا الانحراف بالحرارة الإيمانيّة عند الأُمّة. هذه الحرارة غير الواعية عند الأُمّة كانت تقبل مثل هذا الانحراف، لأنّ هؤلاء أهل النبيّ وزوجاته، العبّاس مثلاً يمكنه أن يثري على حساب النبيّ، وكذا عائشة وحفصة و...، ولا تحسّ الأُمّة بأساً بذلك، لكن عثمان حينما جاء لم يزد على هذا الانحراف في جوهره شيئاً، إلاّ أنّه لم يربط تصرّفاته بالحرارة الإيمانيّة عند الأُمّة، بدّل عشيرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعشيرته هو فقط(٢) .

انحراف عثمان استمرار لانحراف عمر إلاّ أنّه انحراف مكشوف. وذلك الانحراف مقنّع؛ ذاك الانحراف مرتبط بالحرارة الإيمانيّة عند الأُمّة، وهذا الانحراف يتحدّى مصالح الأُمّة، ويتحدّى المصالح الحسّية للأمّة، ولهذا استطاعت الأُمّة أن تلتفت إليه، بينما لم تلتفت بوضوحٍ إلى انحراف أبي بكر وعمر، ولذا لم يستطع عليّعليه‌السلام أن يعلن ذلك إلاّ بعد أن مات أبو بكر وعمر، في الوقت الذي لا يفسّر فيه عمله على أنّه منازعة للسلطان والزعامة مع أبي بكر وعمر، بينما مع عثمان عندما تمّ لعثمان الأمر يوم الشورى لم يكن كذلك، ولذا

____________________--

(١) شرح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) ١٢: ٢١٤، عن ابن الجوزي في كتابه: أخبار عمر وسيرته.

(٢) بحار الأنوار ٣١: ٢٦٥ - ٢٦٧ عن مروج الذهب ٢: ٢٤١ - ٣٥٢، وشرح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) ٣: ٣٣، وتلخيص الشافي ٤: ٩٤ - ٩٨.


قوّض خلافة عثمان بأن قال: إنّي سوف أسكت ما سلمت أمور المسلمين ومصالحهم(١) ما دام الغبن عليّ وحدي، ما دمت أنا المظلوم وحدي، وما دام حقّي وحده هو الضائع. إنّي سوف أسكت وأُبايع وأُطيع. لكن إذا تهدّمت مصالح المسلمين وقضاياهم وكرامتهم وإسلامهم، إذا واجهوا مصائبهم نتيجةً لهذه الزعامة المنحرفة فلن أستطيع الصبر والسكوت، وهو الذي كان. ولم يصبرعليه‌السلام في حياة عثمان؛ لأنّ الانحراف تكشّف، وارتفعت تلك الأقنعة، وفقد الارتباط بالحرارة الإيمانيّة التي ارتبط بها الانحراف في أيام الخليفة الأوّل والثاني. ولهذا أسفر عليّعليه‌السلام عن المعارضة وواجه عثمان بما سنتحدّث عنه بعد ذلك.

فعليّعليه‌السلام في محاولته تسلّم زمام التجربة وزعامة القضيّة الإسلامية كان يريد أن يوفّق بين هذا الوجه الظاهري للعمل وبين الوجه الواقعي للعمل، ولقد استطاع ذلك، واستطاع أن يوفّق بينهما توافقاً كاملاً، واستطاع هذا في توفيقه للعمل وفي تربيته لأصحابه، حيث ربّاهم على أنّهم أصحاب الأهداف لا أصحاب الأشخاص. واستطاع هذا في كلّ الشعارات التي طرحها، واستطاع أن يثبت هذا مع أنّ رغبته في أن يصبح الحاكم كانت في القمّة، لكن مع ذلك لم يكن مستعدّاً أبداً لأن يصبح حاكماً مع وجود الشروط التي وضعت. ألم تعرض عليه الحاكميّة بعد موت عمر ؟ ولكن عندما وجد شرطاً من الشروط قد اختلّ في هذه الرسالة رفض هذه الحاكميّة(٢) .

____________________

(١) نهج البلاغة: ١٠٢، الخطبة ٧٤، وفيه: ( لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جورٌ إلاّ عليَّ خاصّة ).

(٢) انظر: الإمامة والسياسة للدينوري ١: ٣٠ بتحقيق د. الزيني، وتاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٢، والطبري ٤: ٢٣٣ عن عمر بن شبة وأبي مخنف.


عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، بالرغم من أنّه كان في أشدّ ما يكون سعياً وراء الحكم، جاءه المسلمون بعد أن قتل عثمان وعرضوا عليه أن يكون حاكماً، قال لهم: بايعوا غيري وأنا أكون كأحدكم، بل أكون أطوعكم لهذا الحاكم الذي تبايعونه ما سلمت أمور المسلمين في عدله وعمله(١) ؛ يقول ذلك لأنّ الخطر الذي تواجهه الأُمّة الإسلاميّة كبير جدّاً، وبذرة الانحراف التي عاشها المسلمون بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أن قتل عثمان تمادت وتعمّقت وتجبرّت وطغت. هذا الانحراف الذي استكبر، الذي خلّف التناقضات في الأُمّة الإسلامية، وهذا عبء كبير جدّاً، ماذا يريد أن يقول ؟! يريد أن يقول بأنّي لا أقبل شيئاً إلاّ أن تصفّوا هذا الانحراف، أنا أقبل الحكم الذي يصفّي هذا الانحراف ويقتلع جذوره لا الحكم الذي يصانعه.

هذه الإحجامات عن قبول الحكم في مثل هذه اللحظات كانت تؤكّد الطابع الرسالي، لحرقته، للوعته، لأساه، لألمه، لرغبته في أن يكون حاكماً. استطاع أن ينتصر على نفسه ويعيش دائماً لرسالته وأهدافه، واستطاع أن يربّي أصحابه أيضاً على هذا المنوال. هذا هو الخطّ الأوّل من محاولته لتسلّم زمام التجربة الإسلاميّة.

الخطّ الثاني - تحصين الأُمّة:

هو خطّ تحصين الأُمّة التي كانت تواجه خطر العاملّين الكمّي والكيفي، اللذَين سوف يجعلان هذه الأُمّة لا تعيش الإسلام إلاّ زمناً قصيراً بحكم العامل الكمّي الذي سوف يسرع في إفناء التجربة، وسوف لن تعيش إلاّ تجربةً مشوّهةً

____________________

(١) نهج البلاغة: ١٣٦، الخطبة ٩٢، وفيه: وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم.


بحكم العامل الكيفي الذي يفرض عليها، الإمام هنا بدأ بتحصين الأُمّة بالتغلّب على هذين العاملين.

معالجة العامل الكمّي:

أمّا التغلّب على العامل الكمّي فكان في محاولة تمديد عمر التجربة حيث لا يمكن تمديدها بزعامته هو شخصيّاً، وكان ذلك التمديد بأسلوبين:

الأوّل: هو عبارة عن التدخّل الإيجابي الموجّه في حياة هذه التجربة. القادة والزعماء الذين كانوا يتولّون هذه التجربة كانوا يواجهون قضايا كثيرة لا يحسنون مواجهتها، كانت تواجههم مشاكل كثيرة لا يحسنون حلّها، ولو حاولوا حلّها ومواجهتها لوقعوا في أشدّ الأخطار والأضرار، ولأوقعوا المسلمين في أشدّ التناقضات، ولأصبحت النتيجة المحتومة أقرب، ولأصبحت التجربة على شفا الموت والفناء والهلاك. هنا كان يتدخّل الإمامعليه‌السلام - وهذا خطّ عام سار الأئمةعليهم‌السلام كلّهم على هذا الخطّ كما قلنا وسوف نقول - فكان الإمامعليه‌السلام يتدخّل تدخّلاً إيجابيّاً موجّهاً في سبيل أن ينقذ التجربة من المزيد من الضياع، من المزيد من الانحراف.

كلّنا نعلم بأنّ المشاكل العقائديّة التي كانت تواجه الزعامة السياسية بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذه المشاكل العقائدية التي كانت تثيرها الحضارات الأخرى التي بدأت تندرج في الأُمّة الإسلاميّة، وكذلك الأديان الأخرى التي بدأت تعاشر المسلمين، هذه المشاكل العقائديّة لم تكن الزعامة السياسيّة قادرة على حلّها ولذا كان الإمامعليه‌السلام هو المعين لتلك الزعامة في عملية التغلّب على تلك المشاكل.

كلّنا نعلم بأنّ الدولة الإسلاميّة واجهت في عهد عمر خطراً من أعظم


الأخطار، وهو خطر إقامة الإقطاع الذي لا نظير له في مجتمعات العالم، هذا الإقطاع الذي كان من المفروض أن يسرع في دمار الأُمّة الإسلاميّة، وذلك حينما وقع البحث بين المسلمين بعد فتح العراق في أنّه هل توزّع أراضي العراق على المجاهدين المقاتلين، أو أنّها تبقى ملكاً عامّاً للمسلمين عموماً ؟ وكان هناك اتّجاه كبير بين المسلمين إلى أن توزّع هذه الأراضي على المجاهدين، أي على الذين فتحوا العراق والشام ومصر وفارس، وكان نتجية ذلك أن يعطي العالم الإسلامي لبضعة آلافٍ التي كانت تقاتل وتحارب، وبالتالي يشكّل إقطاعاً لا نظير له في التأريخ. هذا المطلب هو الخطر الذي كان يهدّد الدولة الإسلاميّة، وكان عمر قد تحيّر من أجل ذلك عدّة أيام؛ لأنّ عمر ليس على مستوى المسئوليّة، ولا يعرف ماذا يصنع ؟ وما هو الأصلح ؟ وكيف يعالج هذه المشكلة؟

عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام يتدخّل ويحسم هذا الخلاف، ويبيّن وجهة نظر الإسلام في الموضوع، ممّا اضطّر عمر لأن يأخذ بنظر الإمام عليّعليه‌السلام ، وأنقذ بذلك الإسلام من الدمار الكبير(١) .

وكذلك التدخّلات الكثيرة والتي منها قضيّة النفير العامّ الذي اقتُرح على عمر، والذي كان يهدّد العاصمة في غزوٍ سافرٍ كان من الممكن أن يقضي على الدولة الإسلاميّة، هذا الاقتراح طُرح على عمر، وكاد عمر أن يأخذ به، جاء عليّ إلى المسجد، إلى عمر مسرعاً على ما في بعض الروايات، قال له: لا تنفر نفراً عامّاً، كان عمر يريد أن يخرج مع تمام المسلمين الموجودين آنذاك في المدينة، وعندها تفرغ المدينة عاصمة الإسلام ممّن يحميها عن غزو المشركين

____________________

(١) تأريخ اليعقوبي ٢: ١٥١.


والكافرين، منعه من النفير العام(١) . وهكذا كان عليّعليه‌السلام يتدخّل تدخّلاً إيجابيّاً موجّهاً في سبيل أن يقاوم المزيد من الانحراف، والمزيد من الضياع، كي يطيل عمر هذه التجربة ويقاوم عامل الكمّ الذي ذكرناه.

والأسلوب الآخر لمقاومة العامل الكمّي في الموضوع كان هو المعارضة، أي كان عبارةً عن تهديد الحكّام ومنعهم من المزيد من الانحراف، لا عن سبيل التوجيه وإنّما عن سبيل المعارضة والتهديد. في الأوّل كنّا نفرض أنّ الحاكم فارغ دينيّاً وكان يحتاج إلى توجيه، الإمامعليه‌السلام كان يأتي ويوجّه. أمّا الأسلوب الثاني يكون فيه الحاكم منحرفاً ولا يقبل التوجيه، إذن فيحتاج إلى معارضة، ويحتاج إلى حملةٍ ضدّ هذا الحاكم لأجل إيقافه عند حدّه، ولأجل منعه عن المزيد في الانحراف، وكانت هذه هي السياسة العامّة للأئمّةعليهم‌السلام .

ألسنا نعلم أنّ عمر صعد على المنبر وقال:ماذا كنتم تعملون لو أنّا صرفناكم عمّا تعلمون إلى ما تنكرون ؟! كان يريد أن يقدّر الموقف وماذا سيكون. لم يقم له إلاّ عليّعليه‌السلام ليقول له:لو فعلت ذلك لقوّمناك بسيوفنا (٢) .

كان هذا هو الشعار العامّ للإمام عليّعليه‌السلام بالرغم من أنّه لم يشترك في عملية تعديل عمر بالسيف خلال حكم عمر؛ وذلك لظروفٍ ذكرناها ودرسناها. إلاّ أنّه قاد المعارضة، وتزعّم هذه المعارضة، واستقطب آمال المسلمين ومشاعر المسلمين واتّجاهات المسلمين نحو حكمٍ صحيح، ولهذا كان هو المرشّح الأساسي شبه الوحيد أيضاً بعد أن قتل عثمان. واجتمع عليه المسلمون.

____________________

(١) نهج البلاغة: ٢٠٣، الخطبة ١٤٦، والكامل في التأريخ ( لابن الأثير ) ٣: ٨.

(٢) بحار الأنوار ٤٠: ١٨٠ - ١٨١، تاريخ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الباب ٩٣، الحديث ٦١.


الإمامعليه‌السلام كان يتحرّك بهدف وقف امتداد الانحراف، وتجميد حركة أصحاب الانحراف. وبهذا يكمل معالجة العامل الكمّي.

معالجة العامل الكيفي:

وأمّا معالجة العامل الكيفي وهو المحافظة على الأُمّة الإسلاميّة، وإعطاؤها الوجهة الإسلاميّة الصحيحة دون قبول الوجهة المنحرفة المشوّهة للإسلام، هذا العمل لا يكفي فيه الصراع على المستوى الكمّي السابق؛ لأنّه لا يكسب الأُمّة المناعة الحقيقيّة والحرارة الحقيقيّة للبقاء والصمود كأمّة. إذن كان لا بدّ وأن يحدّد الوجه الحقيقي للإسلام في سبيل الحفاظ عليه، وهذا الوجه الحقيقي قدّمه الإمام عليّعليه‌السلام من خلال معارضته للزعامات المنحرفة أوّلاً، ومن خلال حكم الإمامعليه‌السلام بعد أن مارس الحكم بنفسه، من خلال هذين العمَلين: العمل السياسي المتمثّل في المعارضة، والعمل السياسي المتمثّل في رئاسة الدولة بصورةٍ مباشرةٍ، قدّم الوجه الحقيقي للإسلام، الأطروحة الصحيحة للحياة الإسلاميّة، الأطروحة الخالية من كلّ تلك الألوان من الانحراف، طبعاً هذا لا يحتاج إلى حديث، ولا يحتاج إلى تمثيل؛ لأنّه واضح لديكم.

أمير المؤمنين حينما تولّى الحكم لم يكن يستهدف من تولّي الحكم تحصين التجربة أو الدولة بقد ما كان يستهدف تقديم المثل الأعلى للإسلام، لأنّه كان يعرف أنّ التناقضات في الأُمّة الإسلاميّة بلغت إلى درجةٍ لا يمكن معها أن ينجح عمل إصلاحي إزاء هذا الانحراف، مع علمه أنّ المستقبل لمعاوية، وأنّ معاوية هو الذي يمثّل القوى الكبرى الضخمة في الأُمّة الإسلاميّة. كان يعلم ذلك، ولهذا ذكّر بولاية معاوية، وقال لأهل الكوفة: ويلكم، إنّه سيسلّط عليكم هذا


الرجل الذي نعته النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة(١) . كان يعرف أنّ القوى الضخمة التي خلّفها عمر وخلّفها عثمان والتي خلّفها الانحراف، هذه القوى كلّها إلى جانب معاوية، وليس إلى جانبه هو ما يعادل هذه القوى، ولكنّه مع هذا قَبِل الحكم، ومع هذا بدأ بتصفية وتعرية الحكم والانحراف الذي كان قبله، ومع هذا مارس الحكم وضحّى في سبيل هذا الحكم بعشرات الآلاف من المسلمين، أوّل من قتل الآلاف من المسلمين في سبيل الحكم هو عليّعليه‌السلام ؛ وذلك في سبيل أن يقدّم الأطروحة الصحيحة الصريحة للإسلام وللحياة الإسلاميّة، وقد قلت بالأمس وأُؤكد اليوم بأنّ عليّاًعليه‌السلام في معارضته، في حكمه، لم يكن يمثّل الشيعة فقط، ولم يكن يؤثّر على انحراف الشيعة فقط، بل كان يؤثّر على مجموع الأُمّة الإسلاميّة.

عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ربّى المسلمين جميعاً سنّةً وشيعة، حصّن المسلمين جميعاً، عليّعليه‌السلام عرّف المسلمين جميعاً سنّةً وشيعة قيمة الإسلام وعظمة الإسلام، عليّعليه‌السلام أصبح أطروحة ومثلاً أعلى للإسلام الحقيقي، من الذي كان يحارب مع الإمام عليّعليه‌السلام ؟ هؤلاء المسلمون الذين كانوا يحاربون المسلمين في سبيل هذه الأطروحة الغالية، وفي سبيل هذا المثل الأعلى، أكانوا كلّهم شيعةً بالمعنى الأخصّ ؟ لا، لم يكونوا كلّهم شيعة، هذه الجماهير التي انتفضت بعد عليّعليه‌السلام على مرّ التأريخ بزعامات أهل البيتعليهم‌السلام ، بزعامات العلويّين الثائرين من أهل البيت الذين كانوا يرفعون راية عليّعليه‌السلام وشعار عليّعليه‌السلام للحكم، هؤلاء كلّهم كانوا شيعةً بالمعنى الأخصّ ؟ لا، لم يكونوا شيعةً بالمعنى الأخصّ، بل كان أكثرهم لا يؤمن بعليّعليه‌السلام إيماننا نحن الشيعة، ولكنّهم كانوا

____________________

(١) الملاحم والفتن: ٢١، والإرشاد ١: ٢٨١.


ينظرون إلى عليّعليه‌السلام أنّه المثل الأعلى، أنّه الرجل الصحيح الحقيقي للإسلام، حينما قام نائب عبد الله بن الزبير يعلن سياسة عبد الله بن الزبير وقال بأنّنا سوف نحكم بما كان يحكم به عمر وعثمان قامت الجماهير، جماهير المسلمين تقول له: لا، بل حكم عليّعليه‌السلام (١) ، فعليّ كان يمثّل اتّجاهاً في مجموع الأُمّة الإسلاميّة.

الخلافة العباسيّة كيف قامت ؟ كيف نشأت ؟ قامت على أساس دعوة كانت تتبنّى زعامة الرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) ، يعني أنّ هذه الحركة استغلّت عظمة هذا الاتّجاه، وتجمّع المسلمين حول هذا الاتّجاه، ولم يكن هؤلاء شيعة، أكثر هؤلاء لم يكونوا شيعة، لكن كانوا يعرفون أنّ الاتّجاه الصالح الحقيقي الصلب العنيف كان يمثّله عليّعليه‌السلام والواعون من أصحاب عليّعليه‌السلام وأبنائه، ولهذا فإنّ كثيراً من أبناء العامّة هم من أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام ، كثيرٌ من أصحاب الأئمة كانوا من العامّة. بل من أئمّة العامّة ومن أكابر أصحاب الصادقعليه‌السلام (٣) . كان الأئمّةعليهم‌السلام يفكّرون في أن يقدّموا الإسلام لمجموع الأُمّة الإسلاميّة وأن يكونوا مثلاً، أن يكونوا أطروحة، أن يكونوا مثلاً أعلى. كانواعليهم‌السلام يعملون على خطّين: خطّ بناء المسلمين الشيعيّين الصالحين، وخطّ ضرب المثل الأعلى لمجموع المسلمين بقطع النظر عن كونهم شيعة أو سنّة. هناك علماء من كبار علماء السنّة أفتوا بوجوب الجهاد، وبوجوب القتال بين يدي ثوّار آل محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله . أبو حنيفة النعمان قبل أن ينحرف ،

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٨٩ - ٤٩٠.

(٢) الإمامة والسياسة ٢: ١٥٨، والملاحم والفتن: ٣٢.

(٣) راجع: رجال الشيخ الطوسي: ٣٢٥، أصحاب الصادقعليه‌السلام ، حرف النون، وبحار الأنوار ٤٧: ٢٧ - ٣٢، تاريخ الإمام الصادقعليه‌السلام ، باب مكارم سيره ومحاسن أخلاقه، الحديث ٢٦ - ٢٩.


قبل أن يرشيه السلطان ويصبح من فقهاء عمّال السلطان، أبو حنيفة نفسه الذي كان من أعيان السنّة ومن زعماء السنّة، هو نفسه خرج مقاتلاً ومجاهداً مع رايةٍ من رايات آل عليٍّعليه‌السلام ، وأفتى بالجهاد مع رايةٍ من رايات آل عليٍّعليه‌السلام ، كلّ هذا قبل أن يتعامل مع السلاطين(١) .

إذن فاتّجاه عليٍّعليه‌السلام لم يكن اتّجاهاً منفرداً محدوداً، كان اتّجاهاً واسعاً على مستوى الأُمّة الإسلاميّة كلّها لأجل أن يحصّن الأُمّة الإسلاميّة كلّها، لأجل أن يعرّف الأُمّة الإسلاميّة ما هو الإسلام ؟ وما هي أهداف الإسلام ؟ وكيف يمكن للإنسان أن يعيش حياةً إسلاميّةً وفي إطار مجتمعٍ إسلامي ؟

____________________

(١) راجع: تفسير الكشّاف للزمخشري ١: ١٨٤.


المرحلة الأولى من حياة الأئمّةعليهم‌السلام



بسم الله الرحمن الرحيم

نتكلّم حول حياة الأئمّة الثلاثة: الإمام الحسن، والإمام الحسين، ثمّ عليّ ابن الحسينعليهم‌السلام ، وهؤلاء الثلاثة يشكلّون مع أبيهم عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام - على ما قلناه في المجالس السابقة - تمام المرحلة الأولى من المراحل الثلاث لحياة الأئمّةعليهم‌السلام .

مراحل تاريخ الأئمّةعليهم‌السلام :

فإنّنا قد ذكرنا في بعض الأبحاث المتقدّمة عن تأريخ الأئمّةعليهم‌السلام : أنّ تأريخ الأئمّةعليهم‌السلام يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل بعد وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله :

المرحلة الأولى : هي مرحلة تفادي صدمة الانحراف، هذه المرحلة هي المرحلة التي عاش فيها قادة أهل البيتعليهم‌السلام مرارة الانحراف وصدمة انحراف التجربة الإسلامية بعد وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان لمرارة هذا الانحراف ولصدمة هذا الانحراف آثاره وفجائعه ومضاعفاته - التي كان من الممكن أن تمتدّ فتقضي على الإسلام ومصالحه - على الأُمّة الإسلامية، فتصبح قصّةً في التأريخ لا وجود لها في خطّ الزمن المستمرّ.


الأئمّةعليهم‌السلام في هذه المرحلة الأولى عاشوا صدمة الانحراف وقاموا بالتحصينات اللازمة بقدر الإمكان، لا بالقدر الذي لم يكن داخلاً بالإمكان، فقاموا بالتحصينات اللازمة بكلّ العناصر الأساسية للرسالة ضدّ صدمة الانحراف، فحافظوا على الرسالة الإسلامية، وحافظوا على التصوّرات الإسلامية، وحافظوا على الأُمّة الإسلامية نفسها، كلّ هذه الأركان والمقوّمات حصّنوها تجاه صدمة الانحراف.

هذه هيالمرحلة الأولى ، وهذه المرحلة تبدأ من بعد وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وتستمرّ إلى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيت، وهو الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

ثمّ تبدأالمرحلة الثانية ، والإمام الباقرعليه‌السلام يشكّل شبه البداية لها، حينما نقول: شبه البداية؛ لأنّ تصوّر هذا العمل ليس حدّياً، بحيث يمكن أن نقف على لحظةٍ فنقول: هذه اللحظة هي نهاية مرحلةٍ وبداية مرحلة، وإنّما هذا التصوّر يتّفق مع طبيعة الأحداث المتصوّرة في خطّ تأريخ الإسلام.

وقلنا: إنّ الإمام الخامسعليه‌السلام يمكن أن يشكّل شبه بدايةٍ للمرحلة الثانية، والمرحلة الثانية هي المرحلة التي شرع فيها قادة أهل البيتعليهم‌السلام بعد أن وضعوا التحصينات اللازمة وفرغوا من الضمانات الأساسية ضدّ صدمة الانحراف، هذه المرحلة الثانية هي مرحلة بناء الكتلة، بناء الجماعة المؤمنة بزعامة أهل البيتعليهم‌السلام ، المنضوية تحت لوائهم، الشاعرة بكلّ الحدود والأبعاد من المفهوم الإسلامي المتبنّى من قبل أهل البيتعليهم‌السلام منذ زمان عليّ بن الحسينعليه‌السلام وحتّى زمان الإمام الباقر والصادقعليهما‌السلام .

كان هذا العمل يبلغ القمّة. وليس معنى هذا أنّ العمل الأوّل الذي كان هو الخصيصة الرئيسيّة للمرحلة الأولى قد انقطع، وإنّما معنى هذا أنّ العمل الأوّل


استمرّ، لكن حيث إنّ صدمة الانحراف كان يمكن تقليل خطرها خلال ما قام به الأئمّة الأربعة الأُولعليهم‌السلام من جهودٍ وتضحياتٍ في سبيل حفظ الإسلام؛ ولهذا تحتّم أن يواجه قادة أهل البيتعليهم‌السلام المهمّة الجديدة، مهمّة بناء الجماعة الصالحة من مجموع هذه الأُمّة التي حصّنت بالحدّ الأدنى من التحصين، لا بدّ أن ينتخب مجموعة من هذه الأُمّة فيحصّنوه بأعلى درجةٍ ممكنةٍ من التحصين، ويوعّون بأعلى درجةٍ من التوعية؛ حتّى تكون هذه الجماعة هي الرائد والقائد والحامي للمجموع الإسلامي الذي حصّن بالحدّ الأدنى من التحصين، هذا العمل مارسه الإمام الباقر والصادقعليهما‌السلام ، على مستوى القمّة، وقلنا: إنّ هذه المرحلة استمرّت إلى زمان الإمام الكاظمعليه‌السلام .

وفي زمان الإمام الكاظم بدأتالمرحلة الثالثة ، وهذه المرحلة لا يحدّدها بشكلٍ بارزٍ - على ما ذكرت سابقاً - النشاط الإيجابي من قبل الأئمّة أنفسهم، بل يحدّدها - بشكلٍ بارزٍ - موقف الحكم المنحرف من الأئمّة أنفسهم؛ وذلك لأنّ الجماعة التي نشأت في ظلّ المرحلة الثانية التي وضعت بذرتها في ظلّ المرحلة الأُولى نشأت ونمت في ظلّ المرحلة الثانية، هذه الجماعة غزت العالم الإسلامي، وبلغت إلى درجةٍ من الاتّساع والنموّ والنفوذ الفكري، إلى درجة بحيث إنّها أخذت تشكّل خطراً حقيقياً على الزعامات المنحرفة التي كانت تحكم المجتمع الإسلامي وقتئذٍ، وبدا للخلفاء يومئذٍ أنّ قيادة أهل البيتعليهم‌السلام أصبحت على مستوى تسلّم زمام الحكم والعود بالمجتمع الإسلامي إلى حظيرة الإسلام الحقيقي؛ ولهذا اختلفت بشكلٍ رئيسيٍّ ردود الفعل للخلفاء تجاه الأئمّة من أيام الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام على ما أوضحناه في حديثنا عن الإمام الجوادعليه‌السلام .

هذه هي المراحل الثلاثة التي سوف نستوعبها بالتدريج خلال تأريخ كلّ واحد من الأئمّة إلى أن يكملوا.


المرحلة الأُولى - تحصين المقوّمات الأساسيّة للحضارة الإسلامية:

أمّا المرحلة الأُولى وهي تشتمل على حياة أربعة من الأئمّة: الإمام علي بن أبي طالب، والإمام الحسن، والإمام الحسين، والإمام عليّ بن الحسينعليهم‌السلام .

وخصيصة هذه المرحلة الرئيسية: أنّ الأئمّة الأربعة قاموا بتحصين المقوّمات الأساسيّة للحضارة الإسلامية ضدّ صدمة الانحراف، لكي نفهم معنى هذا الكلام، ولكي نستطيع أن نطبّقه على آخرهمعليهم‌السلام يجب أن نبيّن ما هي صدمة الانحراف ؟ وما هو عمق صدمة الانحراف ؟ وبالتالي ما هو منطلق هذا الانحراف ؟ وكيف كان يترقّب أن يستمرّ هذا الانحراف ؟ وكيف وقع بحسب الخارج ؟

على ضوء تحديد منطلق هذا الانحراف، وعمق هذا الانحراف، وخطورة هذا الانحراف، يمكن أن نتنبّه حينئذٍ إلى جلالة هذه المرحلة وعظمة منجزات الأئمّةعليهم‌السلام فيها.

خطورة هذا الانحراف وجلالته :

هذا الانحراف الذي يمكننا أن نختصره في جملةٍ بسيطةٍ قصيرةٍ جدّاً، وهي: أنّ شخصاً غير عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام تولّى الأمر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأصبح سلطان المسلمين بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، شخص من الصحابة غير الإمام عليعليه‌السلام ، هذه الجملة البسيطة هي التي تشكّل كلّ هذا البلاء العظيم بكلّ مضاعفاته ونتائجه التي سوف نتحدّث عنها.

ليست هذه الجملة البسيطة فقط معبّرةً عن ظلمٍ وغبنٍ شخصيٍّ للإمامعليه‌السلام واستيلاءٍ على حقٍّ خاصٍّ من حقوقه، ليس هكذا، لو كان مجرّد مظلوميّة علي بن أبي طالبعليه‌السلام لوقف على مستوى العقيدة الدينية ولم يسرِ إلى الحياة الإسلامية في كلّ مجالاتها الخارجيّة.


لم تكن المسألة مسألة عقيدةٍ فحسب، أو مسألة نزاعٍ بين شخصين في حقٍّ مشروعٍ يدّعيه المدّعي وينكره المنكر، لم يكن هكذا، وإنّما كان تغيير شخص هذا الحاكم تعريضاً للتجربة الإسلامية للفشل المحقّق فعلاً، ثمّ خطر الانهيار الكامل في المستقبل.

ما هي الرسالة ؟

ولكي يتّضح هذا المعنى تمام الاتّضاح لا بدّ أن نعرف ما هي الرسالة التي كان مجرّد تغيير شخص الحاكم فيها، مجرّد استيلاء أبي بكر على الحكم بدلاً عن الشخص المعيّن من قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنصّ يزعزع كيان هذه الرسالة، ثمّ يمحقها محقاً كاملاً لولا جهود الأئمّةعليهم‌السلام . كيف أنّ مجرّد تغيير الحكم وشخص الحاكم يوجب هذا العمق في الخطر ؟ وهذا المحق في نهاية الشوط ؟ ما هي الرسالة الإسلامية ؟ حتّى نعرف على ضوء ذلك كيف يكون هذا الخطر عميقاً ؟ ثمّ نفهم بعد هذا ما هي التحصينات ضدّ هذا الخطر العميق ؟

نظرة الإنسان إلى الكون ؟

هناك منذ البدء نظرتان أساسيتان للكون ولموقف الإنسان للكون.

النظرة الأُولى:

إحدى النظرتين الأساسيتين للإنسان نحو الكون وموقفه من الكون: أنّه يرى أنّ الكون مملكة لمليكٍ قدير يراقبها من وراء الستار مراقبةً غير منظورة. هذه هي النظرة الأُولى التي يتحدّد بها موقف الإنسان من الكون وطبيعة هذا الكون، وهذه النظرة تستبطن حتماً الشعور بأنّ وجود الإنسان في الكون هو


وجود الأمين ووجود الخليفة، لا وجود الأصيل والمتحكّم؛ لأنّ هذه مملكة غيره بكلّ ما فيها من وجود، وبما فيها من نفس الإنسان، هي مملكة ذلك المليك القدير المراقب من وراء الستار؛ ولهذا يشعر بأنّه يقوم بأعباء الأمانة والخلافة، وبالخلافة التي قام بها آدمعليه‌السلام ، وقامت بها بعد ذلك الأجيال الصالحة لبني آدم.

هذه الخلافة والأمانة تستبطن في هذه النظرة حينما يشعر بأنّه أمين وخليفة، وهذا أيضاً يستبطن معنىً آخر، وهو معنى ضرورة استيحاء الأمر والتدبير والتقرير والتقديم من قبل ذلك الملك القدير، لأنّه هو خليفة وأمين، والأمين لا بدّ له أنّ يطبِّق على الأمانة التي استؤمنها(*) قرارات المالك، فلا بدّ إذن للإنسان أن يكون رهن ذلك المليك القدير، وهذا هو معنى الإقرار بالعبودية، والإقرار بضرورة بناء الحياة الإنسانية في الأرض، والتفاعل مع الكون في كلّ مجالات الإنسان في الكون وفقاً للقرارات الإلهية المعطاة من قبل ذلك المليك القدير.

ثمّ إنّ الجزء الآخر لهذه النظرة الأساسية المليك القدير المراقب من وراء الستار. ما معنى المراقب من وراء الستار ؟ يعني أنّه يراقب ويحاسب ويدقّق، لكنّ هذا المليك له طريقة خاصّة في المراقبة والتدقيق، فإنّه يراقب من وراء ستارٍ لا يتجلّى للناس في المملكة جهاراً، فكلّ من عصاه يضربه آناً ويلزمه بالعقوبات، بل يختفي عن مملكته بحسب المنطق الحسّي لهذه المملكة، ويراقب أهل هذه المملكة هذا المليك القدير.

فكرة أنّه يراقب من وراء الستار تستبطن المسئولية، والمسئولية تستبطن الحساب والعقاب، والحساب والعقاب يستبطن وجود عالمٍ آخر وراء هذا العالم؛ لتحقيق نتائج هذه المراقبة المستورة غير المنظورة، وغير السافرة والعاجلة، من

____________________

(*) في الكتاب المطبوع جاءت العبارة بالشكل التالي: ( استؤمن إيّاها ). وما أثبتناه أكثر موافقة للنثر العربي. [شبكة الحسنين عليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي ]


قِبل ذلك المليك القدير. إذا جاءت فكرة عالمٍ آخر للجزاء والحساب والعقاب تجيء فكرة الأهداف الكبيرة، فحينئذٍ الإنسان لا يكون قيد عمره في الدنيا، ولا يكون قيد هذا الشوط القصير في الدنيا، بل يكون رهن خطٍّ طويلٍ يمتدّ مع ذلك العالم المنظور، وحينئذٍ يكون الإنسان على مستوى الأهداف الكبيرة، الأهداف التي لا يستطيع أن يطمسها، لا يستطيع أن يستنزفها، لا يستطيع أن يستفيد منها، أعظم الأهداف وأجلّ الأهداف وأشمل الأهداف هي تلك الأهداف التي تكون أوسع من عمر إنسانٍ واحد، هذه الأهداف كيف يمكن أن تحمل الإنسانية عليها، وتحمل الإنسانية على تحقيقها إذا كانت الإنسانية لا ترى الأمر في نظرها إلاّ هذا الشوط القصير.

إذن هذا الهدف ليس هدفها؛ لأنّها هي لا تستنزف أصالةً هذا الهدف، ولا تشرب نخب هذا الهدف، فتكون هذه الأهداف معطّلة، وتبقى الإنسانية رهن الأهداف القصيرة، رهن الغايات المادية المحدودة، وهذه الغايات المادية المحدودة هي منطلق ألوانٍ كثيرةٍ من الصراع والكفاح والعراك ما بين الأسرة البشريّة، بين فردٍ وفرد، بين مجتمعٍ ومجتمع، بين قوميةٍ وقومية، بين أُمّةٍ وأُمّة.

وأمّا إذا أصبحت البشرية على مستوى أهدافٍ كبيرةٍ لأنّها انطلقت في غاياتها وفي ثوابها وفي عقابها إلى أكثر من حدود هذه الدنيا، حينئذٍ تستطيع أن تنجز أعباء تلك الأهداف الكبيرة، من خرج من بيته مهاجراً في سبيل الله فمات وقع أجره على الله(١) . هذا الهدف الكبير هو لم يستطع أن يحقّقه، وخرج من بيته، وقضى خطوةً في تحقيق هذا الهدف الكبير، كم من آلاف الناس درسوا وماتوا

____________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى:( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) [النساء: ١٠٠].


قبل أن يحقّقوا النتيجة، كم من آلاف المجاهدين خرجوا للحرب واستشهدوا قبل أن يذوقوا لذّة الانتصار، كم من أجيال المجاهدين والمصلحين طافوا وتحمّلوا في سبيل سياحتهم من أذىً وظلمٍ وإهانةٍ وماتوا قبل أن يذوقوا لذّة الانتصار، إلاّ أنّ هؤلاء حيث إنّهم خرجوا من بيتهم مهاجرين في سبيل الله وماتوا في وسط الطريق وقع أجرهم على الله، بالأجر الإلهي انفتح أمام هؤلاء طريق هذه الأهداف الكبيرة، فلا يهمّ على هذا الإنسان القصير العمر أن يموت خلال الخطوة الأولى، وخلال الخطوة الثانية، ما دام يسير في خطٍّ ما في أيّ مرحلةٍ منه يموت يقع أجره على الله تعالى.

هنا انفتح طريق هذه الأهداف الكبيرة، انفتح باب الخُلقية، هذه القيم الخلقيّة لا معنى لها ما لم تكن على مستوى الأهداف الكبيرة والجزاء الكبير غير المنظور، القيم الخلقية من التضحية والفداء والحبّ والإيثار ونحو ذلك من الأُمور كلّ هذه القيم الخلقية انفتح بابها، لأنّها جميعاً طرقٌ إلى الله، كلّ من يمشي في طريقٍ من هذه الطرق، ويموت ويخسر ويبتلى بصدمة تجاهها يقع أجره على الله، كلّ من يضحّي فلا يلاقي جزاء تضحية يقع أجره على الله تعالى، لأنّه يدخل في ملاك من خرج من بيته مهاجراً في سبيل الله فمات وقع أجره على الله.

حينئذٍ هذه النظرة الأساسية تشعّبت منها كلّ هذه الشعوب، وكلّ هذه الفروع التي بكاملها تشكّل الحضارة الإسلامية، فالحضارة الإسلامية عبارة عن هذه النظرة الأساسية، بكلّ شعبها وفروعها التي ترجع بالنهاية إلى نسيجٍ كاملٍ للعلاقة مع الله في تفاعل الإنسان مع كلّ مجالاته الحيوية والكونية، هذه النظرة الأُولى.


النظرة الثانية:

وفي المقابل نظرة أُخرى غير إسلامية، وهذه النظرية هي أنّ الإنسان ينظر إلى الكون بأنّه أصيل في هذا الكون، وحينما ينظر في نفسه بأنّه أصيلٌ في هذا الكون، وأنّ هذا الكون مستقلٌ، وغير خاضعٍ لمليك وراء الستار، ولمراقبة من وراء الستار، حينما يتركّز في نظره الأصالة لنفسه، والاستقلال لهذا الكون، حينئذٍ تنعدم المسئولية، وإذا انعدمت المسئولية في المقام بقي هو أنّ يتحمّل المسؤولية بنفسه، يعني بدلاً عن أن يشعر بأنّه مسئول ومراقب أمام جهةٍ عُليا تضع أمامَهُ أهدافاً كبيرةً في سبيل الثواب الكبير والعقاب الكبير، يضع هو المسئولية، وحينما يتحمّل هو وضع المسئولية تكون هذه المسئولية نتاج نفسه، فيعكس فيما يضعه تمام ما في نفسه، تمام المحتوى الداخلي والروحي والجسمي له بكلّ ما فيه من نقصٍ وشهوةٍ وخطأ، وحينئذٍ حينما يريد الإنسان أن يحدّد لنفسه مسئولياته سوف يحدّدها على ضوء أهدافه، وحينما يريد أن يحدّد أهدافه سوف يحدّدها على ضوء طريقه، وعلى ضوء مدى طريقه، وحيث إنّ طريقه محدود، وحيث إنّ طريقه منكمش في نطاق المادّة فسوف تكون الأهداف على مستوى الطريق، وحينما تكون كذلك فسوف تكون المسئوليات في نطاق هذه الأهداف، وبعد هذا سوف تخسر القيم الخلقية، وبعد هذا سوف يتولّد عن ذلك ألوان من الصراع والنزاع بين البشرية جماعات ووحداناً، هذه النظرة الثانية في مقابل الأولى.

التربية الإسلاميّة:

والإسلام جاء لأجل أن يربّي الإنسان على النظرة الأولى لا ليكون مجرّد عالمٍ يجيء بنظريةٍ يكتبها في كتاب، ليس حاله حال العلماء الذين يجيئون


بالنظريات فيكتبونها في كتاب ويلقونها في مجلس درسٍ أو بحث، لم يكن الإسلام عالماً، بل كان الإسلام مربّياً، جاء الإسلام ليربّي الإنسان على هذه النظرة، بحيث تصبح هذه النظرة جزءاً من وجوده، وتجري مع دمه وعروقه ومع فكره وعواطفه، وتنعكس على كلّ مجالات تصرّفه وسلوكه مع الله ومع نفسه ومع الآخرين.

التربية الصحيحة تستدعي الهيمنة الشاملة:

إذن، فلا بدّ للإسلام أن يهيمن على هذا الإنسان، وعلى كلّ علاقاته ليستطيع أن يربّيه، المربّي لا يستطيع أن يربّي شخصاً ما لم يهيمن عليه، إذا لم يهيمن عليه، إذا لم يهيمن عليه يكون مجرّد تلميذ، الأستاذ يلقي النظرية العلمية للتلميذ إن شاء التلميذ قبل وإن شاء رفض، وهذا باب التتلمذ والبحث.

وأمّا باب التربية فهو باب الهيمنة، الأب يستطيع أن يربّي ابنه أحياناً فيما إذا هيمن عليه، إذن فالهيمنة هي الشرط الأساس للتربية، والهيمنة كلّما كانت أوسع نطاقاً وأوسع مجالاً كانت أكثر إنجاحاً لعملية التربية، الأب يستطيع أن يربّي ابنه ولكن قد لا يستطيع أن ينجح؛ لأنّ وجود ابنه ليس كلّه تحت هيمنته، وليس كلّه تحت سيطرته، لأنّ هذا الابن هو ابنه، وهو أيضاً ابن هذا المجتمع، ابن مجتمعٍ كبيرٍ يتفاعل معه ويتأثّر به، ويؤثّر فيه ويتبادل معه العواطف والمشاعر والأفكار والانفعالات، ويقيم معه العلاقات في الحقول الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك من مجالات حياته، فهو ليس ابنه وحده، بل هو ابنه وابن المجتمع، وبنوّة المجتمع لهذا الولد أكثر بكثيرٍ من بنوّته لهذا الأب الذي ولد منه، ولهذا قد يعجز كثير من الآباء عن تربية أبناءهم في المجتمع الفاسد، كم سمعت من أبٍ يتذمّر لأنّه لا يستطيع أن يربّي ابنه في آخر الزمان ومع هذا الفساد مثلاً، هذا


كلّه لأنّه يوجد هناك أب آخر لهذا الابن وهو المجتمع.

إذن، فالتربية الكاملة لا يمكن أن تكون لهذا الفرد إلاّ إذا هيمن المربّي عليه وعلى علاقاته الاجتماعية وروابطه مع غيره أيضاً ليصبح تمام هذا الموجود تحت سيطرة هذا المربّي، تمام نشاطاته وتصرّفاته تحت سيطرة هذا المربّي، شخص واحد يكون هو الأب ويكون هو المجتمع، حينئذٍ يصبح هذا مربّياً كاملاً مطلقاً بالنسبة إلى هذا الابن.

وكيف يمكن الهيمنة على هذه العلاقات الاجتماعية ؟ هذا ما صنعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّه هيمن على العلاقات الاجتماعية، لأنّه تزعّم بنفسه المجتمع، لأنّه أنشأ مجتمعاً وقاده بنفسه، ووقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطّط لهذا المجتمع ويرسم لهذا المجتمع، ويبني كلّ العلاقات داخل هذا الإطار الاجتماعي، علاقة الإنسان مع نفسه، علاقته مع ربّه، علاقته مع عائلته، علاقته مع بقية أبناء مجتمعه، علاقاته في مختلف المجالات ومختلف الحقول الاجتماعية والشخصية، كان هو الذي يخطّط. إذن كلّ هذه الأُمور صارت تحت هيمنته، ولمّا صارت تحت هيمنته استكمل هذا الشوط الأساس للتربية الناجحة.

ولا شكّ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لو كان قد امتدّ به العمر، وكان قد امتدّت التجربة الإسلامية بعده على أيدي خلفائه الميامين المعصومين من أهل بيته من أمير المؤمنين وأولادهعليهم‌السلام . إذن لأمكن لهذه التربية أن تؤتي ثماراً عجيبةً جداً، هذه الثمار نقرؤها الآن بعنوان المعجزات والكرامات عن أحوال الناس بعد ظهور الحجّة، تلك المعجزات والكرامات ليست معجزاتٍ ولا كرامات، وإنّما هي نتيجة تربية، هل يمكن أن يبلغ المجتمع البشري إلى مستوىً من التعاون والتعاضد، إلى مستوىً من التوحّد والترفّع بحيث يستغني عن النقد، بحيث يستغني عن التعبير المادّي القاسي جدّاً في حياة الإنسان ؟


الروايات تقول بأنّ هذا سوف يقع في عهد الحجّةعليه‌السلام ، هذا الذي سوف يقع هو نتيجة هذه التربية المخطّطة على يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويد الخلفاء المعصومين من أهل بيته.

عناصر التجربة الإسلاميّة وآثار انهدامها:

إذن فالتجربة الإسلامية كانت تشتمل على عناصر ثلاثة باعتبار أنّها عملية تربية:

- من القائد، المربّي.

- ومن تنظيم مستمدٍّ من قبل الشريعة الإسلامية.

- ومن حقلٍ لهذا التنظيم، وهو الأُمّة أو المجتمع.

هذه هي العناصر الثلاثة المزدوجة في هذه التجربة.

إذن الانحراف كيف بدأ ؟ الانحراف هنا بدأ بتغيير هذه العناصر الثلاثة الرئيسية لهذه التجربة.

أحد عناصر هذه التجربة تهدّم بعد وفاة الرسول الأعظم، يعني ثلث التجربة الإسلامية تهدّم، ثلث البناء الذي لأجله جاء أربع وعشرون ألف رسالة من السماء، جزء واحد من ثلاثة أجزاء تهدّم بذلك من هذه التجربة، وكان تهدّم هذا الجزء الواحد كفيلاً بطبيعة الحال لأن يهدم الجزأين الآخرين؛ لأنّ هذه التجربة متفاعلة في عناصرها، بعدما انهدّ جزء من هذا، ينهدّ الجزآن الآخران حتماً.

لا ندري أنّ المسلمين وقتئذٍ هل كانوا يتصوّرون عمق هذا الانحراف بعد هذا ؟ أكبر الظنّ أنّهم لم يكونوا يتصوّرون غايته، كانوا يتصوّرون أنّ المسألة مسألة تغيير حكمٍ من أحكام الله لا أكثر. إنّ الله جعل علياًعليه‌السلام وهم جعلوا أبا بكر، أمّا باقي الجهات بقي الوضع على حاله، بقيت العلاقة على حالها، بقيت


الزكاة تجبى، بقي الفقراء يعطون منها، بقي كتاب الله يُقرأ في المساجد، بقيت الجماعات تقام ظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً، بقي بيت الله الحرام يحجّ إليه عشرات الآلاف، بقي الجنود، بقي المرابطون للجهاد يفتحون بلاد الله بلداً بعد بلد، إذن لم يتغيّر شيء، إلاّ أنّ شخصاً كان اسمه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام هو أعدل وأعلم وأرفع من أبي بكر، هذا أُقصي عن المقام؛ لغلبة الأهواء والشهوة ولأمور أخرى سوف نذكرها في حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وجعل مكانه أبو بكر؛ لا أكثر من هذا المقدار.

لكنّ الأمر لم يكن كذلك، هذا كان نذير الشؤم والويل والدمار بالنسبة إلى التجربة الإسلامية كلّها، لما بُدِّل شخص الحاكم وجُعل حاكم، هذا الحاكم الآخر لم يكن مصمّماً من قِبل واضع التجربة، ومعناه أنّ هذا الإنسان على أقلّ تقديرٍ، حتّى لو أخذنا بمفهوم السنّة عن أبي بكر لا بمفهومنا عن أبي بكر، لو أخذنا بمفهوم أخلص المخلصين لأبي بكر، لا بمفهوم أهل البيت عن أبي بكر، ، فهو إنسان تحتشد في نفسه أفكار كثيرة خاطئة، وتحتشد في نفسه شهوات كثيرة تعرّضه للانحراف، هذا على أقلّ تقديرٍ لم يكن إنساناً معصوماً لا من الناحية الفكريّة، ولا من الناحية العملية، قصوراً لا تقصيراً، هذا الإنسان جاء ليتسلّم زمام التجربة الإنسانية بدلاً عن ذلك الإنسان المعصوم، فحينئذٍ أبو بكر تسلّم زمام الأمر.

ومن أبو بكر ؟ هو مجموعة هذه الأفكار والمشاعر والعواطف والانفعالات. هذا هو أبو بكر، إذن فالحاكم هو هذه الكومة، نفرض أنّ السنّة صدقت، وأنّ هذه الحفنة خمسون بالمئة من الأفكار والعواطف فيها كانت إسلامية، لكن فيها خمسون بالمئة ليس إسلامياً، إذن فقد أصبح الحكم مزدوج الشخصية، أصبح الحاكم في الظاهر عبارةً عن خمسين بالمئة من الأفكار والعواطف الإسلامية من وجهة الرأي السنّية، وخمسين بالمئة من العواطف


والأفكار غير إسلامية بل جاهلية في المقام، فبطبيعة الحال أنّ هذا النصف الثاني على أقلّ تقديرٍ، لو لم نقل بأنّ كلا النصفين حاله هكذا، وأخذنا بنظرية من يقول بأنّ القصّة قصّة مناصفة لا أقلّ من أن يكون هذا الشخص عرضةً للانحراف، فمن هو الضامن لعدم هذا الانحراف ؟ هل الضامن هو الأُمّة ؟ الأُمّة لم تكن في مستوى العصمة وقتئذٍ، كما أنّ أبا بكر لم يكن معصوماً، كذلك الأُمّة بوصفها المجموعي لم تكن معصومة، من الممكن أن تبلغ الأُمّة درجة العصمة خلال تربيةٍ طويلة الأمد، لو أنّ رسول الله والأئمّة الاثني عشرعليه‌السلام قد توالوا على اُمّةٍ واحدةٍ ومارسوا عملية التربية كان من الجائز أن تبلغ الأُمّة بوصفها المجموعي في مستوى العصمة بحيث لا تحتاج بعد هذا إلى قائدٍ معصوم، بل هي تحكم نفسها بنفسها؛ لأنّها بوصفها المجموعي تكون معصومة، هذا أمر جائزٌ عقلاً، ولكنّه بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تكن الأُمّة بوصفها المجموعي معصومة، والدليل على هذا سيأتي بعد ذلك.

فإذن لم تكن الأُمّة على مستوى العصمة، ولم يكن أبو بكر على مستوى العصمة، إذن فسوف ينفتح من هذا الحاكم غير المعصوم الخطر على الأجزاء الأخرى للتجربة، المقوّمات الأساسية للرسالة الإسلامية، سوف ينفتح الخطر على المصادر الأخرى، على الكتاب والسنّة.

ومن البديهي أنّه لم يكن الكتاب والسنّة في عهد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله مكتوباً في كتاب، نعم الكتاب كان مكتوباً ولكنّه لم يكن مكتوباً ومطبوعاً على النحو الذي نعرفه الآن، لم يكن هذا الكتاب في أيدي المسلمين بوصفه كتاباً وقرآناً محدوداً من ألفه إلى يائه. وأنتم تعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مات والسنّة لم تكن مكتوبةً أصلاً، لا بشكلٍ موزّعٍ كالقرآن، ولا بشكلٍ غير موزّغ، وإنّما كانت محفوضةً في صدور المسلمين وقتئذٍ، والسنّة كانت هي المصدر الثاني للإسلام.


ماذا يعني انحراف الحاكم ؟

ماذا يترقّب في شخص حاكمٍ منحرفٍ في المقام أن يفقه من هذين المصدرين وأن يعمل في حماية هذين المصدرين ؟ لو لم يكن هناك تحصين من الخارج من قادة أهل البيتعليهم‌السلام بالنحو الذي سوف نشرحه، إنّه كان من الطبيعي أن يترقّب أنّ الكتاب والسنّة - ولا أقلّ من السنّة - سوف تكون عرضةً للضياع والانحراف والتزوير على أساس الانحراف في هذا الحاكم، فالمقوّمات الأساسية للإسلام سوف تطوّر وتزوّر، النظريّة الأساسية للإسلام سوف تشوّه، الإسلام له نظرية للحياة، هذه النظرية سوف تطوّر وتشوّه بشكلٍ آخر، بشكلٍ جاهليٍّ لا يختلف عن النظرية الجاهلية؛ لأنّ المصادر الأساسية للإسلام فرضنا أنّها عرضة للتحريف وللإقصاء عن مجالات الذهنيّة الإسلامية، وحتّى لو لم تكن عرضة، فالنصوص الموجودة في أُمهات الكتب لم تكن تعطي النظرية الحقيقية للناس.

الناس حسّيون أكثر منهم منطقيّون، الناس يعيشون ما يرون، لا يعيشون ما يقرؤون حبراً على ورق، إذن فيعيشون ويرون النظرية التي يمارسها أبو بكر، ويمارسها الخلفاء الذين توالوا من بعده، يمارسها هذا الخطّ المنحني من الانحراف، الذي اشتدّ انحناؤه بالتدريج حتّى بلغ إلى الهاوية من الانحراف، إذن فسوف يعيشون هذا الواقع، وهذا المجسّد للنظرية الإسلامية للحياة، وسوف لن يبقى هناك أطروحة أخرى للنظرية الإسلامية للحياة، وبذلك يفقد الإسلام أطروحته على المستوى النظري، وعلى المستوى النضالي بعد أن فقده على المستوى الواقعي، فالمستوى الاجتماعي الخارجي بعد هذا ماذا سوف يكون ؟ بعد هذا سوف ينعكس فيها بعد إقصاء


مصادر الرسالة عنها، وبعد تشويه معالم النظرية الإسلامية في وجهها، وبعد تعمّق الحاكم في انحرافه، فمعنى انحراف الحاكم أنّه سوف يتميّع في حفظ مصالح الأُمّة، وسوف يتجبّر في حاكميّته.

ردّ الفعل لتميّعه في حفظ مصالح الأُمّة ما هو ؟ كيف ينعكس هذا التميّع على الأُمّة ؟

ينعكس هذا التميّع في الظلم والفساد والتناحر والصراع فيما بين أفراد الأُمّة؛ لأنّ الوالي لا يحفظ مصالحه الحقيقية، والتجربة في الحاكم كيف تنعكس على الأُمّة ؟ سوف تنعكس على الأُمّة في الضياع، في الانحلال وفقدان الإرادة، وفقدان الشعور بالمسئولية، إذن فسوف تصبح الأُمّة بعد شوطٍ طويلٍ من الزمان اُمّةً ملؤها الفساد، وملؤها انعدام الإرادة، وهذه التجربة الإسلامية المنحرفة سوف تسقط حتماً في يومٍ من الأيام؛ لأنّها منحرفة، ولو كانت إسلاميةً يجب أن تسقط يوماً ما.

إذن هذه التجربة سوف تسقط في يومٍ ما، وسوف تجيء تجربة أُخرى كافرة وصريحة مكانها، وحينما تجيء تلك التجربة الكافرة الصريحة مكانها سوف تواجه اُمّةً متميّعةً لا يوجد لديها أي مناعةٍ ضدّ الكفر، وسوف تندمج هذه الأُمّة اندماجاً كاملاً للتجربة الكافرة الصريحة، وبذلك يضيع الإسلام والرسالة والنظرية الإسلامية للحياة، وتضيع الأُمّة نفسها، هذه هي الأخطار التي كان يترّقب أن تنجم عن منطلق الانحراف يوم السقيفة.


مواجهة أئمّة المرحلة الأولى

للانحراف



بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام السجّادعليه‌السلام ومواجهة قمّة الانحراف:

هذه الساعة نعيشها في ظلال الإمام زين العابدينعليه‌السلام آخر أئمّة المرحلة الأولى من المراحل الثلاث التي أشرنا إليها في حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، نعيشها في ظلال هذا الإمام الممتحن الذي عانى أقسى فترةٍ من الفترات التي مرّت على قادة أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنّه عاصر بداية قمّة الانحراف، هذا الانحراف الذي بدأ عقيب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرةً وقد تحدّثنا عنه في الأيّام السابقة. هذا الانحراف بدأ يتكشّف بشكلٍ صريحٍ واضحٍ سافرٍ، لا على مستوى المضمون فحسب بل على مستوى الشعارات، وعلى مستوى الكلمات المطروحة من قبل الحكّام في العمل والتنفيذ، فكان الحكم نظرياً وعملياً قد بدأت تتكشّف حقيقته.

الإمام السجّادعليه‌السلام ولد قبل وفاة أمير المؤمنينعليه‌السلام بثلاث سنين(١) ، نعني ولد وأمير المؤمنين في خطّ الجهاد في حرب الجمل، أو على أبواب خطّ الجهاد في حرب الجمل، وعاش طفولته مع أمير المؤمنينعليه‌السلام في محنته، ثمّ عاش مع الحسنعليه‌السلام في محنته، ثمّ عاش مع الحسينعليه‌السلام في محنته، ثمّ استقلّ في المحنة

____________________

(١) كانت ولادتهعليه‌السلام سنة ٣٨ ه-.


حتّى رأى جيوش الخطّ المنحرف تدخل إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فتربط خيلها بأُسطوانات المسجد(١) .

هو يحدّثعليه‌السلام بأنّه كان يدخل إلى مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا المسجد الذي كان من المفروض أن يكون منطلقاً للرسالة في أفكارها ومفاهيمها ونورها إلى العالم كلّه، هذا المسجد قاسى على عهد الإمام زين العابدينعليه‌السلام هذا المستوى من الذلّ والهوان، وجيش الانحراف، جيش بني أميّة حينما يأتي إلى المدينة، ويعلن إباحتها ويهتك كلّ حرمات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة، ويدخل إلى مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ويربط خيله بأسطوانات المسجد.

الإمام السجّادعليه‌السلام عاش هذه المحنة، محنة الزمن إلى حين دخول جيوش الانحراف إلى المسجد، واستهتاره بحرمات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على هذا المستوى. يمكن أن نعتبر أنّ الفترة التي عاشها الإمام السجّادعليه‌السلام هي أقسى فترةٍ مرّت على إمام؛ لأنّها بداية تكشّف قمّة الانحراف.

صحيح أنّ هذه القمّة لم تنحسر بعده وإنّما بقيت، ولكن البداية كانت على عهده هو، وبهذا كنّا نعتبر الإمام السجّادعليه‌السلام ممتحناً أكثر من سائر الأئمّةعليهم‌السلام ، في ظلال هذا الإمام الذي سوف نتحدّث عنه مفصّلاً، عن وضعه وحياته وعن تفاصيله.

عودٌ على بدء:

ونعود الآن تسلسل حديثنا السابق، حيث إنّا كنّا بدأنا بتسلسلٍ لعرض

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٦: ١٣١، تاريخ عليّ بن الحسين السجّادعليه‌السلام ، الباب ٨، باب أحوال أهل زمانه من الخلفاء وغيرهم، الحديث ٢١.


حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، وهذا التسلسل بدأناه من حين وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانتهينا إلى حين وصول الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الخلافة وتسلّمه زمام المسئولية في المجتمع الإسلامي. فنعود إلى ما كنّا فيه حفاظاً على تسلسل الحديث.

طبيعة الموقفين وصراع الأطروحتين:

أتذكّر أنّي قلت في ما سبق: إنّ الإمامعليه‌السلام كان يوجد منذ البدء في طبيعة موقفه، وطبيعة موقف معاوية، الذي كان يمثّل خطّ الانحراف، كان يوجد في طبيعة الموقفين ما يقرب من النتيجة التي انتهى إليها الصراع بين الإمامعليه‌السلام ومعاوية.

هناك عدّة نقاطٍ لا بدّ من الالتفات إليها تفصيلاً سأُوجزها إجمالاً، لأنّي شرحتها في ما سبق:

الأولى - اختلاف الموقفين على مستوى الغزو والدفاع:

إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كانت عمليّته على مستوى الغزو، وكانت عملية معاوية على مستوى الدفاع، كان أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد أن تسلّم زمام الحكم في الدولة الإسلامية يرى نفسه مسئولاً عن تصفية الانحراف وهذا الانشقاق غير الشرعي الذي أوجده خطّ بني أُميّة والموالين لبني أُميّة في جسم الأُمّة الإسلامية. وكان يرى أنّ من همّه ومن واجب الأُمّة الإسلامية القضاء على هذا الانشقاق، وهو حينما ركّز عاصمته، وقاعدته الشعبيّة في العراق كان مطلبه السياسي الذي يريد أن يعبّئ هذه القاعدة الشعبية لتحقيقه، ولبذل الجهد والتضحية في سبيله هو تصفية هذه التجزئة السياسية غير المشروعة في جسم الأُمّة الإسلامية، وكان معنى هذه التصفية أن يبدأ أميرُ المؤمنينعليه‌السلام معاويةَ بالهجوم والغزو، يعني ذلك


أن ينقل قاعدته الشعبية ويكلّفها بأن تقوم وتتحرّك وتخرج من بلادها مهاجرةً في سبيل الله تعالى؛ لكي تقضي على زمرة الانحراف التي قدّر لها أن تتمركز في ثغرٍ من ثغور المسلمين وهو الشام.

بينما معاوية لم يكن همّه على مستوى الغزو، ولم يكن موقفه يتطلّب فيه أن يغزو، وإنّما كان موقفه يتطلّب منه أن يمسك الشام، كان يتطلّب منه أن يحاول فصل الشام عن باقي أجزاء الوطن الإسلامي الكبير.

وفرق كبير بين قائدٍ يأمر جيشه بأن يتحرّك من بلاده ليخوض معركةً لا يوجد أيّ اعتبارٍ لخوضها سوى اعتبار الرسالة فقط، كان يعلم بأنّ العراقيين لم يكونوا موتورين من الشاميين بما هم شامييّون، ولم تكن مصالحهم الخاصّة قد تعطّلت عن طريق انفصال الشام عن جسم الدولة الإسلامية، وإنّما كان هناك اعتبار الرسالة، اعتبار الإسلام الذي يستصرخهم ويناديهم ليقوموا هذا الانشقاق والقضاء على هذه التجزئة، فهم يجب أن يكونوا مدفوعين في هذه المعركة بدافعٍ رساليٍّ كبير، ويجب أن يصلوا إلى مستوىً عظيمٍ من فهم القضيّة وإدراك أبعادها وتبيين مضمونها؛ حتّى يكونوا على مستوى العطاء لها، عطاء النفوس والأرواح والأموال والأوقات، بينما هذا المستوى من العطاء لم يكن هو أُطروحة معاوية لجيشه. معاوية لم يكن يقول لجيشه: تعالوا نحتلّ العراق، تعالوا لنغزو باقي أرجاء الوطن الإسلامي، وإنّما كان يمنّيهم بالسيادة والاستقلال، وفي النهاية وعلى الخطّ الطويل يجعل زعامة الوطن الإسلامي في الشام.

والأشخاص الذين كانوا يدورون في فلك الإمامعليه‌السلام كان فيهم عدد كبير من الواعين، وأنصاف الواعين، والحارّين وأنصاف الحارّين، على المصطلحات التي وضعناها فيما سبق، وهذه الكتلة الكبيرة من الواعين وأنصاف الواعين، والحارّين وأنصاف الحارّين استجابت لمطالب الرسالة منذ اللحظة الأولى ،


استجابت مع الإمامعليه‌السلام وشعرت بأنّ من واجبها الإسلامي أن تصفّي هذه التجزئة، وأعطت هذه الكتلة من التضحيات ما أعطت، وخاضت عدّة معارك ضاربة. هؤلاء أعطوا للقضيّة التي طرحها أمير المؤمنينعليه‌السلام عطاءً لا يستهان به، ولكنّ هذا العطاء كان ولا بدّ أن يتناقض بالتدريج وفقاً لمستوى وعي هؤلاء على ما سوف أشرح في نهاية الحديث.

إذن فهنا لم تكن الأطروحتان متكافئتين من حيث درجة الجهة، من حيث درجة الطلب، من حيث درجة الدفع والتحريك. أُطروحة تريد منك أن تخرج من بيتك مهاجراً تغزو في سبيل الله، وأُخرى تريد منك أن تبقى في بيتك، وأن تحافظ على استقلال بيتك في بيتك. هذا الفرق الكبير بين الدرجتين لهاتين الأُطروحتين، بين درجة الجهد التي تفرضها هذه الأُطروحة، ودرجة الجهد التي تفرضها الأُطروحة الأُخرى، كان له دور كبير في طبيعة الموقف الذي سوف نتحدّث عنه في نهاية هذا الحديث.

الثانية - الإمام عليّعليه‌السلام يواجه إفرازات الماضي:

إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كما كان بصدد تغطية التجزئة السياسية المنحرفة التي وقعت في العالم الإسلامي وقتئذٍ، كان أيضاً يواجه انحرافاً في داخل المجتمع الإسلامي الذي حكمه نتيجةً للظروف السياسية التي فرضته، وكان لا بدّ له أن يخوض معركةً ضدّ هذا الانحراف الذي كان يعيشه المجتمع العراقي والحجازي والمجتمع الإسلامي بشكلٍ عام، فعليّعليه‌السلام كان يواجه معركتين: معركةً ضدّ التجزئة السياسية بجسم الأُمّة الإسلاميّة، ومعركةً أُخرى ضدّ الانحراف الداخلي في المجتمع الإسلامي، والذي كان يمثّل سياسة الخلفاء الذين سبقوه، كان يتمثّل في:


- التمييز غير الشرعي وغير الإسلامي.

- وفي الأفكار والخواطر الكثيرة اللا إسلامية.

- وفي الاستئثار بالأموال وإقامة الثروات على أساس غير مشروع.

- ويتمثّل في إسناد الولايات ومراتب النفوذ إلى أناس لا ينسجمون مع خطّ الرسالة.

كان لا بدّ لهعليه‌السلام أن:

- يقلّم أظافر المنحرفين.

- وأن يسترجع الأموال من الخائنين.

- وأن يحارب الأفكار والمفاهيم المنحرفة وغير المتّفقة مع خطّ الإسلام.

وهذه المعركة كبيرة في داخل مجتمعه، كان لا بدّ له أن يخوضها إلى جانب معركته الخارجيّة.

وهذا على عكس معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن يعيش معركةً في داخل مجتمعه؛ لأنّ الشام بالرغم من أنّه داخل في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية بالفتح العسكري فإنّه لم يدخل الإسلام إلى الشام دخولاً كبيراً، بل دخل الإسلام بشعاراته الأوّلية فقط، وكذلك لم يدخل بمضمونه الحقيقي إلى قلوب أهل الشام، بل كانوا لا يزالون يعيشون الرواسب الجاهلية بدرجةٍ كبيرة، حيث إنّهم كانوا يتأطّرون بالأفكار التي آمنوا بها قبل الإسلام، وكذلك لم تكن أوضاعهم الاجتماعية والفكرية والسياسية تختلف بدرجةٍ كبيرةٍ عمّا كانت عليه قبل الإسلام، حتّى التشريعات الشكلية للوضع السياسي كانت هي التشريعات الشكلية للوضع السياسي قبل الإسلام.

عمر بن الخطّاب بالرغم من صرامته الشكلية ضدّ هذه التشريعات في العالم الإسلامي قد أمضى هذه التشريعات عند معاوية، وأبقاه على وضعه حينما عرض عليه معاوية أن يعيش في الشام كخليفةٍ للقياصرة، ويجب أن يواصل أُبّهة


القياصرة وجلالهم، لقد أمضى عمر هذا بكلّ وقاحة، أمضى مواصلة معاوية لخطّ القياصرة.

فالشام كانت تعيش إلى درجةٍ كبيرةٍ الجاهلية التي كانت عليها قبل الإسلام، ومعاوية لم يكن يرى أيّ تناقضٍ بين أهدافه وأُطروحته وبين المجتمع الشامي بوضعه الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، هذا المجتمع الذي كان مؤهلاً تماماً لتقبّل أُطروحة معاوية، وهو أن يتزعّم الشام زعامةً ملكيةً قيصريةً لا تؤمن بالارتباط الحقيقي لله تعالى، ومن هنا نجد الفارق بين وضع كلٍّ من الإمامعليه‌السلام ومعاوية في مجتمعه الذي يحكمه.

الثالثة - قناعة المجتمع بالإمام عليّعليه‌السلام ومعاوية:

إنّ مركز أمير المؤمنينعليه‌السلام يختلف بدرجةٍ كبيرةٍ عن مركز معاوية قبل خوض المعركة مع الإمام عليعليه‌السلام ، فإنّ أمير المؤمنين قبل خوض المعركة، قبل تسلّم زمام المسئولية كان قد تكوّن له في نظر المسلمين المفهوم الرسمي الذي أعطته السقيفة للإمام عليعليه‌السلام ، هذا المفهوم الرسمي للإمام عليهعليه‌السلام هو عبارة عن أنّ الإمامعليه‌السلام ليس إلاّ صحابياً جليلاً له خدمات في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحاله كحال غيره من الصحابة الأجلاّء ذوي الخدمات الجليلة في عصر النبوّة، هذا هو المفهوم الرسمي الذي أعطته السقيفة ثمّ أكّدته الشورى.

المسلمون بدأوا بالتدريج وبحكم السياسة الحاكمة أيام أبي بكر وعمر وعثمان يعاملون علي بن أبي طالب على هذا الأساس، على أساس أنّه صحابي جليل ذو سوابق، لا أكثر من هذا المقدار، كان هذا شأن عليعليه‌السلام ، وبحكم هذا الشأن كان يوجد هناك رؤوس كبيرة من الصحابة ممّن كانوا يرون أنّهم لا يقلّون عن عليّعليه‌السلام أو يقلّون بدرجةٍ عن عليّعليه‌السلام ، يرونه على أحسن تقديرٍ أنّ الفارق


بينه وبينهم فارق درجة، هم صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو كذلك، صحيح أنّهم أخذوا العلم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو كذلك، نعم هو أفضل منهم وأروع، هو أكثر منهم جهاداً في أيام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهذا على خلاف وضع معاوية بن أبي سفيان بالنسبة إلى المجتمع الشامي، هذا المجتمع الذي لم يكن يعرف غير معاوية. المجتمع الشامي هو عبارة عن أُناس كفرةٍ دخلوا الإسلام على يد أخ معاوية الذي ولاّه أبو بكر على الشام، وهو يزيد بن أبي سفيان، ثمّ لمّا مات يزيد ولّى أبو بكر معاوية أخاه؛ ولذا فإنّ أهل الشام الذين دخلوا الإسلام على يد معاوية وأخيه، ينظرون إلى إسلامهم أنّه ناتج من هذا الرجل، هو همزة الوصل بينهم وبين الإسلام، وهو الذي عن طريقه وصلت الشريعة إليهم؛ ولذا كانت نظرة أهل الشام ورجالاته إلى معاوية تختلف عن نظرة رجال أمير المؤمنينعليه‌السلام وعن نظرة رجال المدينة والعراق إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهذا الاختلاف في النظرة أوجد في حياة الإمامعليه‌السلام تناقضاً ومثاراً من الآراء والاجتهادات المتضاربة، وامتناعاً في كثيرٍ من الأحيان عن قبول رأي أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بينما كان أهل الشام يلقون معاوية بالطاعة الكاملة والخضوع الأعمى.

الرابعة - الاختلاف في مستوى الدعويين:

والنقطة التي لا بدّ من الالتفات إليها في المقام هي أنّ دعوى الإمامعليه‌السلام في معاوية لم تكن على مستوى الحسّ، بل كانت على مستوى الوعي، والواعون لم يكونوا جميع المسلمين. وأمّا دعوى معاوية في عليٍّعليه‌السلام فقد صوّرها وكأنّها على مستوى الحسّ، والناس كلّهم يعيشون الحسّ.

عليّعليه‌السلام كان يقول بأنّ معاوية لا يمثّل خطّاً من خطوط الإسلام، بل يمثّل


جاهلية أبيه وجدّه، معاوية يريد أن يقضي على الكيان الإسلامي، ويريد أن يحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمعٍ آخر لا يؤمن بالإسلام وبالقرآن، بل يؤمن بالقيصرية والكسروية، هذا هو مدّعى الإمامعليه‌السلام في معاوية.

ومدّعى معاوية في الإمامعليه‌السلام : أنّ الإمام قد هيّج الناس على عثمان وعلى الخليفة الحاكم وقتئذٍ؛ لأنّ أصحابه وأهله هم طليعة الثوّار على عثمان، وأنّ عليّاً عن طريق هؤلاء الأصحاب والطلائع الواعية قتل عثمان، ثمّ تربّع على كرسيّه بعده، ما أقرب هذه الدعوى إلى التفكير على مستوى الحسّ !

هل هناك شخص يعيش الأرقام التي كان يقدّمها معاوية عن هذه الطلائع العلوية التي باشرت بنفسها قتل عثمان، أو التي ساعدت وحرّضت على عثمان من قبيل محمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر وأبي ذرّ، وغيرهم من أقطاب المسلمين رضوان الله عليهم، هؤلاء الذين باشروا وحرّضوا على قتل عثمان ثمّ يأتي عليعليه‌السلام بعده فيتسلّم زمام الحكم بعد عثمان.

هل هناك تفكير أقرب إلى الحسّ من أن يكون علياً في المقام قد قتل عثمان بيدٍ ثمّ أخذ الحكم باليد الأخرى ؟

تفسير معاوية كان مقبولاً إلى حدٍّ ما؛ لأنّه كان قريباً من الحسّ، وأمّا تفسير الإمامعليه‌السلام لموقف معاوية كان يحتاج إلى قدرٍ من الوعي.

نحن الآن ننظر إلى معاوية بعد أن تكشّف، وبعد أن صعد على منبر الكوفة في عام الجماعة لقول:( ما حاربتكم لتصلّوا أو تصوموا، وإنّما حاربتكم لأتأمّر عليكم ) (١) .

ننظر إلى معاوية بعد أن قتل حجر بن عديّ والأبطال الأبرار من إخوان

____________________

(١) الإرشاد ( للشيخ المفيد ) ٢: ١٤.


حجر بن عدي(١) ، وبعد سمّ الحسنعليه‌السلام ، وبعد أن أعطى ولاية العهد لابنه الفاسق يزيد. ننظر إلى معاوية بعد أن انتهى معاوية، لكنّ أولئك المسلمين، الجماهير الكبيرة من أولئك المسلمين لم يكونوا ينظرون إلى معاوية بعد أن انتهى، ولم يكونوا ينظرون إلى معاوية من هذا المنظار؛ لأنّهم لم يعيشوا بعد هذه الأحداث.

أنظروا أيّها الإخوة بمنظار تلك الجماهير غير الواعية، تلك الجماهير التي عاشت مع أبي بكر وعمر وفضّلتهما على عليٍّعليه‌السلام ، وتأمّلت في تفضيل عثمان على عليّعليه‌السلام . انظروا بمنظار هذه الجماهير غير الواعية وتساءلوا عن معاوية، من هو معاوية ؟

معاوية شخص كامن من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان معتمداً لأبي بكر وعمر، وكان من الواضح أنّ عمر كان يوليه درجةً كبيرةً من ثقته، وعمر هو هذا الشخص الذي تقدّسه هذه الجماهير، ومعاوية بحسب الظاهر كان ملتزماً للشكليات التي هي مقياس الإسلام عند هذه الجماهير غير الواعية، ولم يكن قد صدر منه إلى ذلك الوقت انحراف واضح جليّ على مستوى الجماهير، ولم تكن قد صدرت منه معصية واضحة محدّدة على المستوى المطلوب. إذن فمعاوية بذلك المنظار ليس هو معاوية الذي يُنظر إليه اليوم.

بينما معاوية ماذا يقول ؟ معاوية يقول: إنّ عليّاً قتل عثمان، وإن لم يكن قد قتل عثمان فمن الذي قتله ؟ على كلّ حال، فإن كان عليّ قادراً على أن يقيم الحدّ على قاتل عثمان فليسلّم للناس القاتل حتّى نقتله، وإن لم يكن قادراً على ذلك فهو إذن عاجز عن تطبيق الشرع، فليعتزل الخلافة وليأتِ شخص قادر آخر للخلافة، هذا ما كان يدّعيه معاوية بن أبي سفيان.

____________________

(١) تأريخ اليعقوبي ٢: ٢٣١ - ٢٣٢.


مجموع هذه النقاط أوجدت بالتدريج بذرة الشكّ في مجتمع الإمام عليّعليه‌السلام .

سريان الشكّ وتعميقه في مجتمع الإمام عليّعليه‌السلام :

هذا الإمام الذي خاض المعركة على رأس هذا المجتمع لتصفية الانحراف من الداخل وتصفية الانحراف من الخارج، وكان يريد أن يُوعّي الجماهير ويفهمها بأنّ المعركة ليست معركة زعامةٍ شخصية، وليست معركة وجودٍ خاصّ، وليست معركة قبيلته أو عشيرته أو أمجاده، وإنّما هي معركة رسالة السماء، معركة الحفاظ على أمانة الله التي جاهد في سبيلها الآلاف من الأنبياء.

كان يريد أن يوعّي الجماهير على واقع هذه المعركة وطبيعة هذه المعركة، وأنّها معركة السماء لا معركة الأرض، وأنّها معركة الله لا معركة الهوى. هذا الإمام العظيم بدأ المعركة على أساس أنّ الجماهير بدأت تحسّ هذه الأبعاد للمعركة وطبيعتها، ولكن هذه بعد أن تعبت، بعد أن أرهقها خطّ الكفاح، بعد أن قدّمت للإمام عليّعليه‌السلام وللإسلام كثيراً من التضحيات التي قد لا يمكن أن يقدّمها كثير من المجتمعات، إلاّ أنّ النَفَس لم يكن طويلاً، نَفَس هذه الجماهير احتبس، بينما الانحراف كان ذا نَفَسٍ طويل، انقطع نَفَس هذه الجماهير عندما تعبت، وحينما أرهقها خطّ الجهاد، وحينما أخذت تشعر بأنّها في حالةٍ غير طبيعية، وحينما أخذت تشعر بأنّها طلّقت الدنيا، طلّقت الأبناء و الأموال والثروات في سبيل قضيّةٍ لا تمسّ مصالحهم الشخصية، حينما أخذوا يحسّون ويدركون هذا بدأوا لأنفسهم بالشكّ، فإنّ التميّع يوحي بالشكّ، التميّع قد يوحي للإنسان بالشكّ، رغبة هؤلاء في أن يوقفوا هذه الجهود، في أن يجمّدوا أنفسهم، في أن يريحوا أنفسهم، هذه الرغبة النفسيّة تخلق شكّاً، تخلق مبرّراتٍ لا منطقيّة، هذه المبرّرات غير المنطقية


هي نتيجة الرغبة النفسيّة في أن يتبدّل الحال، في أن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل أعباء هذا الخطّ، قبل تحمّل مسئوليات هذا الخطّ.

وكانت هناك أشياء كثيرة أيضاً تساهم في هذا الشكّ وفي إشاعته، كان هناك أُناس من الصحابة على قدرٍ كبيرٍ من الورع والتقوى في نظر الناس، كان هؤلاء الناس المؤمنون والذين لم يكونوا واعين رساليين عقائديين يوحون للجماهير بأنّ المعركة ليست صحيحة، إنّ القاعد في المعركة خير من القائم، والقائم فيها خير من السائر والضارب، هذا الإيحاء من قِبل أبي موسى الأشعري - مثلاً - كان له قوّة أكبر بكثيرٍ من الإيحاء المقابل من قِبل عمّار بن ياسر، لأنّ إيحاء عمّار بن ياسر يكلّف الموت، يكلّفك أن تتنازل عن حياتك. أمّا الإيحاء من أبي موسى الأشعري فهو يُكفيك بذل هذه الحياة، يقول لك: حافظ على حياتك، ابتعد عن الأخطار، اذهب واجلس في بيتك ودَعِ الإسلام مع أخطاره ومع أعدائه.

عمّار بن ياسر صحابّي كبير، وأبو موسى الأشعري أيضاً صحابي كبير، هذا يكلّفك بالموت، وذلك يكلّفك بالحياة، ولكن أيّ حياة ؟ هذه الحياة الرخيصة، حياة الذلّ والهوان، الحياة تحت ظلّ معاوية، أو تحت ظلّ الجاهلية ! هذا الإنسان الاعتيادي البسيط الشاكّ يفضّل إيحاء أبي موسى الأشعري وأمثاله على إيحاء عمّار بن ياسر وأمثاله؛ لأنّه يريد أن يحتفظ بحياته. إذن يتعمّق الشكّ على أساسٍ من إيحاء أمثال أبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر.

وممّا ساهم في تعميق الشكّ أيضاً أنّه كان هناك نزاع تقليدي بين بني أُميّة وبني هاشم، نزاع عاشه بنو أُميّة وبنو هاشم قبل الإسلام، والناس حينما أخذت تفتّش عن نقطة ضعفٍ في المعركة بدأت الأذهان تثير الشكّ في أن تكون المعركة بين عليّعليه‌السلام ومعاوية نتيجةً استمراريةً لصراعٍ تقليديٍّ توازنيٍّ بين قبيلتين، بين بني أُميّة وبني هاشم.


كلّ هذه العوامل وعوامل أخرى ساعدت على أن يكون هذا الإمام العظيم مشكوكاً من قبل هذه الجماهير، فكان يصعد على المنبر ليدعو الناس إلى الجهاد فلا يتحرّك أحد، كان يستثير هممهم وعزائمهم فلا يستجيبون؛ لأنّهم بدأوا يشكّون، والشكّ في القائد هو أقسى ما يُمنى به هذا القائد المخلص، والشكّ في القائد هو أخطر ما تمنى به الأُمّة التي تتحمّل عناء هذا القائد.

بالرغم من هذا الشكّ، قلنا فيما سبق بأنّ الإمامعليه‌السلام لم يقف ولم يتراجع ولم يتردّد، بقي في المعركة، بقي يواصل عملية التعبئة للجهاد إلى آخر سنةٍ من حياته، إلى آخر شهر من حياته، ماتعليه‌السلام بعد أن خرّ صريعاً في المسجد، وهناك بدايات جيشٍ مجهّزٍ بالخروج للجهاد وللقضاء على معاوية بن أبي سفيان.

ظروف خلافة الإمام الحسنعليه‌السلام :

وتولّى الإمام الحسنعليه‌السلام الخلافة في هذه الظروف من التعقيد، ومع جماهير ملأها الشكّ ولا تؤمن إيماناً كاملاً برساليّة هذه المعركة، وبوضوح أهداف هذه المعركة، ولا تتجاوب دينياً وإسلامياً مع هذه المعركة، فإذا أضفنا إلى هذا الفارقَ بين شخصية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وشخصية الحسنعليه‌السلام ، لا الفارق بينهما في حساب الله سبحانه وتعالى فإنّ كلّ واحدٍ منهما إمام معصوم عند الله، وإنّما الفارق بينهما بحسب الرصيد التأريخي في أذهان الناس أنفسهم، فإنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يملك رصيداً تأريخياً في نفوس الناس لا يملك مثله الإمام الحسنعليه‌السلام ، إذا أضفنا هذا إلى ذاك، وأضفنا كون تولّي الإمام الحسنعليه‌السلام للزعامة الدينية بعد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قوّى أن تكون الشبهة قبلية، وأنّ المعركة هي معركة بيتٍ مع بيت، لا معركة شخصٍ يمثّل الرسالة مع شخص يمثّل الجاهلية.


إلى جانب أنّ المسلمين لم يكونوا مؤمنين وقتئذٍ بفكرة النصّ من قِبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فكرة الإمامة القائمة على النصّ، ولم يكن تولّي الإمام الحسنعليه‌السلام للزعامة بنظرهم كإمامٍ منصوصٍ عليه، بل كإمام على أساس من الخطّ العامّ للسقيفة، وحينئذٍ رأوا بأنّ الإمامة انتقلت من أبٍ لابنه ممّا أكّد طبيعة المعركة على أساس كونها معركة بيتٍ مع بيت، كلّ هذا عقّد الموقف وجعل الشكّ يتصاعد في المقام إلى درجة أنّ خوض معركةٍ منتصرةٍ مع هذا الشكّ أصبحت مستحيلة.

الإمام الحسنعليه‌السلام أمام موقفين:

وعندما أصبحت المعركة المنتصرة للإمام الحسنعليه‌السلام معركةً مستحيلة بقي أمامه أن يخوض المعركة اليائسة، يعني المعركة التي يستشهد فيها ويُقتل فيها من يقتل ممّن حوله، هذه المعركة اليائسة لم تكن لتؤدّي مفعولاً على الإطلاق؛ لأنّها سوف تتمّ في ظلّ شكّ الجماهير، فما هي أهدافها ؟ وما هي طبيعتها ؟ أهي مجرّد عنادٍ استمراريٍّ على خطّ الزعامة القبليّة، أو هي عناد رسالي وأمانة إلهيّة ؟

ولو خاض الإمام الحسنعليه‌السلام هذه المعركة اليائسة لكانت في نظر كثيرٍ من المسلمين على مستوى المعركة اليائسة التي خاضها عبد الله بن الزبير، معركة يائسة حينما فرّ عنه أصحابه، فيما تقدّم هو بنفسه مع أصحابه الخواصّ فقاتلوا حتّى قتلوا جميعاً وقتل هو أيضاً. عبد الله بن الزبير خاض معركةً يائسة، هل ذكر أحد من المسلمين عبد الله بن الزبير ؟ هل فكّر أحد من المسلمين في أنّ عبد الله ابن الزبير خاض معركته من أجل الإسلام ؟ بذل دمه من أجل العمل الإسلامي ؟ أبداً وعلى الإطلاق، لماذا ؟ لأنّ الناس كانوا يعيشون مفهوماً واضحاً أو نصف واضح عن عبد الله بن الزبير بأنّه يخوض المعركة ضدّ عبد الملك بن مروان لزعامته الشخصية، لا لأجل حماية الإسلام، ولا لأجل إنقاذ الرسالة ولأجل


تعديل الخطّ، نفس هذا الشكّ بدرجة أو بأخرى كان قد وُجد في الجماهير أيام الإمام الحسنعليه‌السلام ، لأنّه كان موجوداً في آخر أيام أمير المؤمنينعليه‌السلام وتعقّد ونما في عهد الإمام الحسنعليه‌السلام ، وعليه فلو خاض الإمام الحسنعليه‌السلام المعركة اليائسة لكانت هذه المعركة يائسةً جدّاً إلى درجةٍ كبيرةٍ، كالمعركة التي خاضها عبد الله بن الزبير، ولم يكن لمثل هذه المعركة أيّ عطاءٍ للإسلام وللعمل الإسلامي.

كان لا بدّ للإمام الحسنعليه‌السلام ولا بدّ للخطّ الصحيح أن ينحسِر مؤقّتاً ويهادن مؤقّتاً، وسيتولّى معاوية بن أبي سفيان على كلّ العالم الإسلامي لكي ينكشف مضمون أُطروحة معاوية، ولكي يعرف هؤلاء المسلمين البسطاء - الذين لم يكونوا يعرفون إلاّ ما يرونه بأعينهم - مَن كان عليّعليه‌السلام ؟ ومن كان معاوية ؟ وماذا كانت أُطروحة عليعليه‌السلام ؟ وما هي أُطروحة معاوية ؟

ولقد ساهم معاوية نفسه إلى درجة كبيرة حيث لم ينتظر إلى أن تختفي الوقائع والأحداث بل أعلن منذ اليوم الأوّل عن مضمون هذه الأُطروحة وبدأ يواصل هذا الإعلان عملياً وقوليّاً في مختلف مجالات سيادته، حتّى أخذ المسلمون يشعرون شعوراً كاملاً واضحاً بأنّ أُطروحة معاوية هي أُطروحة الجاهليّة التي تريد أن تهدّم الإسلام والكيان الإسلامي، وأنّ عليّ بن أبي طالب هو الذي كان يحمل المشعل الذي كان يضيء الطريق، وأنّ تلك التجربة القصيرة التي زاولها في الحكم بقيت حلماً في نظر الجماهير الإسلامية وهم في خضمّ بؤسهم وفي خضمّ ما كانوا يعيشونه من البلاء.

وهكذا رأينا كثيراً من المسلمين يتّصلون بالإمام الحسنعليه‌السلام لكي ينقض الهدنة؛ لأنّ معاوية أخلّ بالشروط، ولكنّ الإمام الحسنعليه‌السلام كان يقول بأنّ لكلّ شيء أجله، ولكلّ شيء حسابه، لم يكن يرفض بشكلٍ مطلقٍ فكرة نقض الهدنة ،


لكنّه كان يؤجّل هذا النقض بلغة أنّ لكلّ شيءٍ أجله وحسابه؛ وذلك لأنّه يريد أن يتكشّف معاوية بصورةٍ أكبر، وكان يريد أن تكون أهداف معاوية مكشوفةً لكلّ إنسان، إلاّ أنّ معاوية بن أبي سفيان عرف أنّه سوف يتكشّف على هذا المستوى، وسوف يفتضح أمام المسلمين، ففكّر في أن يحطّم هذه الفضيحة، أي أنّه فكّر في أن لا يكون مصيره مصير ابن عمّه عثمان بن عفّان.

عثمان تكشّف لكن إلى درجةٍ ضئيلةٍ جدّاً، وهو يريد أن يتكشّف بدرجةٍ كبيرةٍ جدّاً، لأنّه يريد أن يتمتّع بالدنيا إلى أقصى مدى يمكن أن يتمتّع به مَلك، هو يريد أن يتكشّف ومن همّه وهدفه ذلك، لكنّه في نفس الوقت يريد أن لا تكون نتيجته نتيجة عثمان ونهاية عثمان، كان يريد أن يتحصّن من هذه النتيجة، وذلك بأن يزيّف للأمّة الإسلامية ضميرها وإرادتها وحافزيّتها لمقابلة الظلم والظالمين، فوضع سياسته خلال عشرين عاماً ليميت هذا الضمير، وليميت هذه الإرادة، ليميّع الأُمّة الإسلاميّة، ويجعل المسلمين ينصرفون عن همومهم الكبيرة إلى الأمور الصغيرة، عن الآلام الضخمة إلى آلام حياتهم البسيطة، ينصرفون عن الأهداف التي كانوا يحملونها لتحطيم جاهليات العالم كلّها إلى مصالحهم الرخيصة، إلى الدريهمات التي كانوا يتقاضونها من بيت المال في رأس كلّ شهر، هذا المسلم الذي كان يفكّر في تحطيم ظلم الظالمين في بلاد كسرى وقيصر أصبح لا يفكّر إلاّ في هذه الدريهمات الرخيصة، وإلاّ في هذه الحياة المبتذلة التي يمنّ بها عليه عمّال بنو أُميّة.

أتصدّقون أنّ شيوخ القبائل في الكوفة أصبحوا جواسيس لمعاوية بن أبي سفيان بالرغم من أنّهم من شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؟ أصبحوا عملاء وجواسيس لمعاوية يعطونه الأخبار المفصّلة عن أيّ تحرّكٍ وأيّ تحسّس من قِبل شباب قبائلهم، يعطون الأخبار والأرقام لشرطة معاوية بن أبي سفيان ليضربوا


هذا التحرّك ويسرقوا أنفاس هؤلاء الشباب. هؤلاء الشيوخ الذين كانوا شيعةً لعليّعليه‌السلام ويؤمنون بعليّعليه‌السلام فكيف بغيرهم ؟! ماتت الجماهير وماتت إرادة المسلمين، واستسلم المسلمون السنوات العشرين التي حكمها معاوية والتي هي من أخزى الفترات التي مرّت في تأريخ الأُمّة الإسلامية على الإطلاق، كلّ إنسانٍ كان يحسّ إحساساً واضحاً بأنّه مظلوم، وأنّ الأُمّة الإسلامية ككلٍّ مهدّدة بالخطر، وأنّ الإسلام في مهبّ الريح، وأنّ أحكام الشريعة يتلاعب بها، وأنّ الحاكم لا يفكّر إلاّ في نفسه وإلاّ في وجوده وفي مصالحه الخاصّة، هذا كان وضحاً عند كلّ إنسان، ولكن كلّ إنسانٍ كان لا يفكّر أن يبدأ هو، لا يفكّر في أن يتقدّم هو، كلّ إنسانٍ كان يفكّر في أن يتقدّم، يفكّر قبل هذا بالدراهم التي سوف يقبضها في آخر الشهر، فكان يحجم عن الإقدام، كانت كرامة كلّ إنسانٍ وكرامة أُمّته ودينه أرخص عنده من هذا العيش الذليل، أرخص عنده من هذا العطاء الرخيص الذي يتقاضاه آخر الشهر. فكان لا بدّ لشخصٍ والحالة هذه أن يقوم بدورٍ ليحولّ هذه الضمائر ويحوّل هذه الإرادة، ينقذها من الموت إلى الحياة، ولم يكن يوجد وقتئذٍ شخص يمكن أن يقوم بهذه المهمّة إلاّ الحسينعليه‌السلام .

دور الإمام الحسينعليه‌السلام في المعركة:

هنا دور الحسينعليه‌السلام يختلف عن دور الحسنعليه‌السلام بأنّ المسلمين هنا ليس عندهم أيّ شكٍّ في صحّة هذه المعركة، اليوم المسلمون كلّهم يعيشون تجربة الإمام عليّعليه‌السلام كمثلٍ أعلى للحكم الإسلامي، يعيشون شعارات الإمام عليعليه‌السلام ، إنّها هي شعارات القرآن، وهذا واضح على مستوى الجماهير كلّها، إذن كان لا بدّ للإمام الحسينعليه‌السلام أن يخوض معركة، نعم هي معركة يائسة وليست معركةً منتصرة؛ لأنّ هذه المعركة ستدور في أُمّةٍ ميّتة، في أُمّةٍ قد فقدت


ضميرها وإرادتها وقابلية المقاومة عندها، هذه المعركة لا يمكن أن تستقطب من جماهير الأُمّة جيشاً قويّاً واسع النطاق قادراً على استئصال الحاكمين الظالمين، فالمعركة معركة خاسرة في الحساب العاجل، ولكن هذه المعركة اليائسة الخاسرة في الحساب العاجل كان بإمكانها أن تنقذ ضمير الأُمّة الإسلامية من الموت، كان بإمكانها أن تعيد إلى الإنسان المسلم همّه الكبير بعد أن نسيه في ضمن أُموره الصغيرة، أن تعيد همّه بأهدافه الضخمة بعد أن ضاعت هذه الأهداف الضخمة في خضمّ محنته الأموية، المسلمون يرون أنّ كلّ واحدٍ منهم في سبيل الحفاظ على عيش رخيصٍ مبتذلٍ لا يعطي شيئاً للإسلام، بل يكون سائراً في خطّ أعداء الإسلام، هكذا كانوا. قال ذاك الشخص للإمام الحسينعليه‌السلام بأنّ أهل الكوفة( سيوفهم عليك وقلوبهم معك ) (١) . انظروا إلى موقع الإرادة إلى أيّ درجةٍ ! قلوبهم معك، وهذا معنى الإرادة، وإرادتهم معك، لكن هذه الإرادة ميّتة، يريد أن يحرّك هذه الإرادة، يريد أن يخرجها من الإطار الأموي لتصبح قوّةً وطاقةً فاعلةً محرّكةً مخيفةً للحكّام الظالمين، المسلم كان يسترخص كرامة الإسلام في عيشه الرخيص.

الإمام الحسينعليه‌السلام حينما يتقدّم في خطّ الجهاد، حينما يبذل آخر قطرةٍ من دمه، حينما يبذل وجوده ووجود صحبه وأهله وذويه، حينما يقدّم كلّ هذه التضحيات في سبيل الإسلام... ومن هو الحسينعليه‌السلام ؟ الحسين هو ذاك الشخص الذي كان يعيش عيشاً مرفّهاً كما لا يعيش أكثر هذه الجماهير البائسة، كان من أكثر المسلمين غنىً، كان من أكثر المسلمين جاهاً، كان من أكثر المسلمين عزّاً، كان سعيداً في حياته البيتية وحياته الاجتماعية وحياته المادّية، كان شخصاً

____________________

(١) وقعة الطف: ١٥٨.


موقّراً، كان شخصاً لا يصله من بني أُمية إلا بالقدر الذي يصل الإسلام من بني أُمية، وبنو أُمية كانوا يحافظون جدّاً على أن لا يصلوا بظلمهم إلى المصالح الشخصية للحسينعليه‌السلام ، فالمصالح الشخصية للحسينعليه‌السلام كانت متوفّرة، المال كان كثيراً، الجاه كان عظيماً، المنزلة كانت كبيرة، مئات الملايين من المسلمين كانوا يتهافتون على التبرّك بالإمام الحسينعليه‌السلام والإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن بحاجةٍ لا إلى مالٍ ولا إلى جاهٍ ولا إلى مجدٍ ولا إلى تقديس، كان كلّ هذا متوفّرةً عند الحسينعليه‌السلام ، بينهما لم تكن متوفّرةً لدى جماهير المسلمين، ومع هذا رأى هذا الإنسان الذي تتوفّر لديه كلّ أسباب النعيم والرخاء، كلّ أسباب السعادة بمقاييس الجماهير المنخفضة، هذا الإنسان يطلّق هذه الحياة ويغلق على نفسه أبواب هذه السعادة في سبيل مقاومة الظالمين والحفاظ على الرسالة، كانت هذه هي الهزّة الكبرى التي هزّ بها الإمام الحسينعليه‌السلام ضمير الأُمّة الإسلامية، وبمقارنةٍ بسيطةٍ بين السنوات العشرين الفائتة والعشرين اللاحقة ندرك مدى الفرق بين الضمير الثوري للأمّة الإسلامية قبل مقتل سيّد الشهداءعليه‌السلام والضمير الثوري للأمّة الإسلامية بعد مقتل سيّد الشهداء.

قلت في بداية المحاضرات: إنّ الأئمّةعليه‌السلام كانوا يستهدفون من جملة ما يستهدفون تحصين الأُمّة الإسلامية ضدّ صدمة الانحراف كان صدمة، وهذه الصدمة كان بالإمكان أن تقضي على الأُمّة كما قضت على التجربة الإسلامية كتجربةٍ حاكمة، وكان هذا طبيعياً ومنطقياً، لأنّه الوضع الذي كان يعيشه المسلمون قبل مقتل سيّد الشهداءعليه‌السلام .

إلاّ أنّ مقتل سيّد الشهداءعليه‌السلام حصّن الأُمّة الإسلامية ضدّ التميّع وضدّ الانحلال، وضدّ أن تلقي نفسها في خضمّ هذا الظلم المعاش من قبل الحكّام


المترفين المستهترين بأحكام الإسلام.

المقارنة بين عصرنا وعصر سيّد الشهداءعليه‌السلام :

والمهمّ في المقام أن نقارن بين عصرنا وعصر سيّد الشهداءعليه‌السلام ، صحيح لا يوجد اليوم في هذا العصر شخص لو ضحّى بنفسه يستطيع أن يملك هذه الهزّة في ضمير الأُمّة الإسلامية، الأُمّة الإسلامية اليوم مات ضميرها كما مات ضميرها في عصر معاوية بن أبي سفيان، الأُمّة الإسلامية اليوم تقطع من أطرافها وتُنتهك حرماتها، فلا تتحرّك حركةً حقيقية، فهي ميّتة، هذه الأُمّة الإسلامية ميّتة.

أنا قلت مراراً بأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام صعد المنبر فقال على أثر هجوم عشيرةٍ من عشائر معاوية على عشيرةٍ كانت تنتمي إلى الدولة الإسلامية الصالحة، كان يقول:إنّه لو أنّ إنساناً مات بعد هذا همّاً أو غمّاً لم يكن ملوماً (١) .

واليوم تقع هذه المآسي الكبرى وهذه الأحداث الكبرى في العالم الإسلامي فلا يتأثّر بها أكثر المسلمين، ولا يحسّ بها أكثر المسلمين، هذا معناه أنّ ضمير الأُمّة الإسلاميّة ميّت، فهل يمكن إحياء هذا الميّت ؟ لا يوجد عندنا شخص يتمتّع بكلّ ملابسات الظروف التي كان يتمتّع بها الحسينعليه‌السلام ، الحسينعليه‌السلام كان ريحانة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان سيّد شباب أهل الجنّة، كان الناس يرونه تعبيراً آخر ومباشراً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كانوا يتقرّبون به إلى الله تعالى، كان بعهده عشرات الصحابة الذين لا يزالون موجودين وقد سمعوا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من فم النبيّ الطاهر أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة )(٢) ، لا يوجد أحد

____________________

(١) نهج البلاغة: ٧٠، الخطبة ٢٧.

(٢) وقعة الطفّ: ٢٠٧، ٢٠٨.


من المسلمين اليوم يملك هذا الذي كان يملكه الإمام الحسينعليه‌السلام لكي يحرّك ضمير الأُمّة الإسلامية، إنسان واحد بمفرده لا يمكن أن يحرّك ضمير الأُمّة الإسلامية.

ولكن العمل الدعوائي والنموذجيّة الإسلامية في الدعاة وعلى الخطّ الطويل المتلاحق هو الذي يحرّك ضمير الأُمّة الإسلامية، ينقذ هذا الضمير من حالة الركود والموت إلى حالة الحياة والحركة، يجب أن نوطّن أنفسنا، ويجب على المسلمين أن يوطّنوا أنفسهم على أن يضحّوا باللحظات والساعات المرحة، ويجب أن لا ينتظروا من هذه الأُمّة أن تستفيق لوحدها، بل تجب علينا التضحية بالغالي والنفيس، بالوقت والدم لكي نحقّق المكسب الذي حقّقه الإمام الحسينعليه‌السلام في تضحيته، بل يجب أن نشعر أيضاً بأنّ تضحيتنا هي جزء من خطٍّ طويل، هذا الخطّ، الطويل بامتداده التاريخي قد يحقّق حينئذٍ جزءاً من ذلك المكسب العظيم الذي حقّقته تضحية الإمام الحسينعليه‌السلام .

التضحيات حينما تتقاطر، حينما يحسّ المسلمون بأنّ هناك قطاراً من المسلمين، هذا القطار مستعدّ للتضحية بوجوده وبنفسه في سبيل الله سبحانه وتعالى، حينما يحسّ المسلمون بهذا إحساساً واقعاً في حياتهم العمليّة، حينما يضحّوا هؤلاء المسلمون بالتدريج، حينما يضحّي هؤلاء المسلمون لا على مستوى الكلام، لا على مستوى هذا الكلام الذي أنا أقوله؛ لأنّ الحسينعليه‌السلام كان بإمكانه أن يتكلّم وليس الكلام بمفيد، لكنّه لم يكتفِ بالكلام؛ لأنّ الحسينعليه‌السلام لو خطب ألف خطبةٍ لم يكن يستطيع أن يحرّك ضمير الأُمّة الإسلامية، وإنّما حرّكها بدمه لا بلسانه، حرّكها بتضحيته لا بخطابته، فلو أنّ قطاراً من التضحيات المتتابعة بذل في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمة الله بالنحو المناسب والمطابق لقواعد الشرع فحينئذٍ بالإمكان أن يتحرّك ضمير الأُمّة الإسلامية.


ونحن كلّنا يجب أن نعدّ أنفسنا روحيّاً وفكريّاً لكي نكون على مستوى عطاء النفوس والأرواح للإسلام، ليس فقط على مستوى الوقوف والشهادة للإسلام، يجب أن نروّض أنفسنا، نوحي لأنفسنا دائماً أنّنا يجب أن نكون في اللحظة التي ينادينا فيها الإسلام للموت، يجب أن نكون مستعدّين للموت، قد لا نواجه هذه اللحظة أبداً لكنّه بالإمكان أن نواجهها في لحظةٍ من اللحظات، ألم تمرّ عليكم جميعاً تجربة المدّ الشيوعي الأحمر في العراق ؟! لو أنّ تجربةً من المدّ الشيوعي الأحمر في العراق كانت قد ارتفع مقياسها الضئيل أكثر ممّا وقع إلى حدٍّ مّا، ألم يكن يواجه كلّ واحدٍ منّا وقتئذٍ نداءً من الإسلام يدعوه إلى التضحية بنفسه ؟! يدعوه إلى الموت ؟!

وكما نحن مطالبون اليوم في فلسطين وكثير من أقطار الأُمّة الإسلامية التي يتعرّض فيها الإسلام والمسلمون إلى كوارث ومآسي وويلات. وكما نحن مطالبون لتصحيح الوضع في جميع أقطار الأُمّة الإسلامية والعودة بها للبناء الإسلامي الصحيح، ولإفشاء أحكام الإسلام في الدولة والمجتمع والفرد، في الأرض والمصنع والمتجر، في العامل والفلاّح والصناعي والغني والفقير.

إنّنا يجب أن نوحي لأنفسنا دائماً بأنّنا مطالبون بما طولب به الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك لأنّنا نسير في خطّ الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


خلافة الإمام الحسنعليه‌السلام وظروفها

( القسم الأوّل )



بسم الله الرحمن الرحيم

بذرة الشكّ:

قلنا: إنّه بعدما خرّ الإمام صريعاً في المسجد كانت بذرة التناقض للتجربة الإسلامية التي تزعّم قيادتها لإعادة كامل الصيغة الإسلامية إلى الحياة بدأت تستفحل وتشتدّ، هذه البذرة هي التي سمّيناها في ما سبق بالشكّ، ودرسنا الظروف الموضوعيّة والنفسية والتأريخية التي كوّنت هذا الشكّ، ونقصد من هذا الشكّ: الشكّ في القائد، في نظرية القائد وأطروحته التي يكافح من أجلها ويحارب على أساسها، وكان هذا الشكّ - على ما أوضحناه فيما سبق، شكّاً مصطنعاً ولم يكن شكّاً حقيقياً، أي بالرغم من أنّه كان يعيش وجداناً في أكثر القطاعات التي دخلت في حكم الإمام عليعليه‌السلام بالرغم من هذا لم يكن شكّاً بحكم المنطق أو بحكم السيرة للإمام عليعليه‌السلام ، وإنّما كان شكّاً مستوحىً من إرهاق هؤلاء وانخفاض أنفاسهم من خطّ الجهاد الطويل المتواصل.

اقتناع الأُمّة شرط النجاح:

وما من رسالةٍ وقائدٍ يحسن أُطروحة رسالية تكون فوق مصالح الأفراد وفوق حدود وجوداتهم، ما من رسالةٍ وقائدٍ يحمل رسالةً من هذا القبيل يمكن أن


ينجح في خطّ عمله ما لم يحصل على اقتناع الأُمّة بالأطروحة والقضية.

القضية التي أكبر من مصالح هذا الفرد بالذات وذاك الفرد بالذات فلا يمكن أن يضمن نجاح مصلحة هذا الفرد بالذات. المصالح المحدودة المقيّدة قد تتعارض مع قضية كبيرة، وهذه القضية الكبيرة جدّاً، أيّ قضية كبيرة جدّاً تُطرح على المسرح السياسي أو الاجتماعي لا يمكن أن تنجح إلاّ إذا حصلت على اقتناع من الأُمّة بصحّة هذه القضية ونُبلها وواقعيتها، وضرورة تطبيقها.

وهنا لا يلزم أن يحصل هذا الاقتناع من الأُمّة ككلّ، بل يكفي أن يحصل هذا الاقتناع لجزء الأُمّة، ثمّ يُحصِّل هذا الجزء باقي الأجزاء، فيجمّد باقي الأجزاء ويكسبها بالتدريج إلى الاقتناع كما وقع في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كان هناك اقتناع من قبل جزءٍ من الأُمّة، وكان هناك استسلام وتجميد من قبل أجزاء أخرى سمّاها القرآن بالمنافقين وهو الجزء المناقض من الأُمّة. كان محمّد والجزء المقتنع من الأُمّة هو الطليعة التي تحمل بيدها الرسالة وتحارب من أجلها وتبذل دمها في سبيل تحقيق الأهداف. هذا المنطق كان يقضي على التجربة التي خلّفها الإمام علي بأن تعيش حالة مضطربة من التناقض؛ لأنّ هذا الاقتناع الذي هو شرط ضروري في إنجاح أيّ أطروحة رساليةٍ تتعدّى حدود ومصلحة الأفراد، هذا الاقتناع لم يكن متوفّراً في أواخر عهد الإمام عليعليه‌السلام بحكم الظروف التي كان يعيشها الإمام عليعليه‌السلام .

تحوّل الشكّ بعد عهد الإمام عليّعليه‌السلام :

وهذا الشكّ كان قد بدأ من عهد الإمام علي، واستمرّ بعد الإمام عليعليه‌السلام حينما تولّى الإمام الحسنعليه‌السلام مقاليد الحكم، غير أنّه تحوّل من شكّ سلبي على


الأكثر إلى شكّ إيجابي على الأكثر، كان هذا الشكّ في أيام الإمام عليعليه‌السلام شكّاً سلبيّاً إذا استثنينا قضيّة الخوارج، هذا الشكّ في أُطروحة الإمام كان شكّاً سلبياً، يعني كان ينعكس على مستوى سلبي لا على مستوى إيجابي، ينعكس على مستوى التخاذل والتميّع والتثاقل عن الزحف، والتلكّؤ في تلبية الأوامر العسكرية التي كان يصدرها الإمام عليعليه‌السلام بالالتحاق بخطّ الجهاد. كان ينعكس من واقع سلبية على الأكثر، بينما هذا الشكّ بعد الإمام أخذ ينعكس انعكاساً إيجابياً.

ومن ناحيةٍ أخرى اتّسع نطاقه فشمل قطاعاتٍ أكثر من المجتمع الذي كانت تحكمه التجربة، يعني طرأ على هذه التجربة تحوّل كيفي ينعكس إيجابياً على الأكثر، كما كان ينعكس سلبياً على الأكثر، والتحوّل الكيفي جعله يطغى ويشتدّ بالتدريج في الجماهير التي كان من المفروض أن تساهم في مراحل العمل والجهاد في إنجاح التجربة.

أمّا لماذا طغى هذا الشكّ كيفياً وكمّياً بعد الإمام عليعليه‌السلام ؟ وهذا هو السؤال الذي يجب أن يجاب عليه، والجواب ينحصر في النقاط التي ذكرناها في أبحاثنا السابقة. هذا الشكّ بدأ من عهد الإمام عليعليه‌السلام ، وكان فحوى هذا الشكّ ومضمونه هو تشكيك الإنسان العراقي المجاهد تحت لواء الإمام عليعليه‌السلام في أن تكون معركة الإمام عليعليه‌السلام مع معاوية معركة الإسلام مع الجاهلية في ثوبها الجديد، هذا المفهوم الذي كان يعطيه الإمام بقوله، بوجوده، بسلوكه، بكلّ جوارحه ومشاعره، هذا المفهوم المعطى من قبل الإمام عليعليه‌السلام وهو أنّ معركته مع معاوية كانت معركة بالصيغة الإسلامية الكاملة الشاملة للحياة مع الجاهلية، ولكن بالثوب الجديد وعلى مستوى جديد؛ لأنّ الجاهلية بالأمس لم تكن تقتنع إلاّ بأفكار الصيغة الإسلامية رأساً، بأفكار النبوّة رأساً، ولكن بعد ذلك وبعد أن


سيطر الإسلام على مقاليد كسرى وقيصر وملك المعمورة، بعد هذا أصبحت الجاهلية بإزاء أمر واقع استشعرت في مقابل هذا الأمر فعدّلت من موقفها، فبينما تريد أن تنكر الإسلام ككلّ بدأت تحاول أن تنكر جزءاً من الإسلام، الجزء الذي يتعارض مع واقع مصالحها السياسية والاجتماعية، وفهمها لأساليب الحياة وتقييمها للسلوك.

المعركة هي هذا، كان يعطيها الإمام لا بقوله فقط، بل بسلوكه ووجوده وتصديقه، بهذا المفهوم استطاع الإمام أن يعمل المعجزة في سبيل أن يجعل شعباً يواكب هذا المفهوم ويقتنع بهذا المفهوم، شعباً لم يعش أيام الرسالة الأولى، لم يعش قضية الإسلام على عهد النبوّة، شعب العراق دخل الإسلام منذ سنين عديدة، لم تكن القواعد الشعبية التي اعتمد عليها الإمام عليعليه‌السلام قد عاشت أكثر أيام الإسلام الأولى، أيام الوحي الأولى، مع هذا كسب الإمام هذا الاقتناع إلى درجةٍ ما وإلى وقتٍ ما، ثمّ بدأ الشكّ في ذلك، الشكّ في قضية عليٍّعليه‌السلام مع معاوية هل هي قضية الإسلام مع الجاهلية بثوب جديد ؟ أو هي قضية صراع بين الشخصيتين، بين أسرتين، بين اتجاهين كانا يتحاربان قبل الإسلام واستأنفا الحرب بعد الإسلام ؟ كان هاشم مع أُميّة، كان عبد المطلب مع أُموي آخر، كان محمّد مع أبي سفيان، كان عليّ مع معاوية، هل هذه الحرب هي استمرارية في اتجاهين تأريخيين وعلاقة تأريخية متعاصرة بين هاتين القبيلتين ؟

هذا الشكّ بدأ يوجد وينمو في عصر الإمام عليعليه‌السلام ، والمنمّي له هل هو الإمام ؟ أو سياسة الإمام عليعليه‌السلام ؟ بل هو الإرهاق الشعبي، انقطاع النفس، رغبة الشعب، حبّ السلامة. هذا هو الذي نمّى هذا الشكّ، هذا الشكّ يشتدّ ويقوى بعد الإمام عليعليه‌السلام ، فإنّ موت الإمام كان مثيراً لعوامل عديدة، هذه العوامل العديدة أدّت إلى تنمية هذا الشكّ كمّاً وكيفاً.


عوامل تنامي الشكّ:

العامل الأوّل:

أوّل هذه العوامل:لحظة الفراغ ، بينما الإمام عليعليه‌السلام ملأ مركزه السياسي للتجربة، كان كلّ إنسان في التجربة مشدوداً بواقع حياته إلى الاعتراف بسلطة الإمام وشرعيّته وأحقيته كما كان هكذا، بينما فُقد الإمام في لحظة مفاجئة من دون سابق أيّ تمهيد أو إعداد لهذا الخطّ؛ لأنّ هذا الخطّ - نتيجة اغتيال - أودى بحياة هذا الإمام العظيم، وإنّ المسلمين الذين عاشوا في كنف التجربة التي يتزعمّها الإمام عليّعليه‌السلام هؤلاء عاشوا لحظة فراغ سياسيٍّ حينما انطفأت الشعلة، حينما خلت الساحة من الإمام أخذوا يحسّون بأنّهم يفقدون اختيارهم، بأنّهم أصبحوا في مركز لا بدّ لهم أن يفكّروا من جديدٍ في أنّ أيّ الطريقين لا بدّ أن يختاروا، استمرارية الحاكم كانت تمنع من أن يشعروا بأنّهم في موقفٍ يتيح لهم التفكير من جديد، أمّا انطفاء الشعلة وخلوّ الساحة من الإمام القائد أدّى إلى أنّ هؤلاء أصبحوا يشعرون بأنّهم في موقفٍ جديد، ويدرسوا قضيّتهم الجديدة، ويدرسوا على ضوء مصالحهم الاتجاه والسلوك الذي يجب أن يطبّق بالنسبة إلى مستقبلهم.

العامل الثاني:

إنّ الإمام الحسنعليه‌السلام حينما تسلّم مقاليد الحكم كان هناك كيان سياسي قائم يحكم في العالم الإسلامي، وهذا الكيان يتمثّل في حكم الشام الذي كان يقوده معاوية، كان هناك كيانان سياسيان حاكمان في العالم الإسلامي: أحدهما يقوده الإمام الحسنعليه‌السلام ، والآخر يقوده معاوية، وهذا الكيان الذي يقوده معاوية


أكسبه في نظر معاوية وأهل الشام شرعيّة ثوب الخلافة بعد التحكيم أعقاب معركة صفّين. لهذا أخذ يعيش معاوية مع قاعدته كما يعيش الخليفة مع رعيّته، والإمام عليّعليه‌السلام كان استمراريةً لوجودٍ سياسيٍّ أسبق وخلافةٍ مشروعةٍ أسبق زمناً من هذا الكيان السياسي القائم بالشام، لكن بعد أن خلا الميدان من الإمام عليعليه‌السلام وجاء الحسنعليه‌السلام يتسلّم مقاليد الحكم كان في الذهنيّة العامّة والتصوّر العامّ من الإنسان العادي المسلم بأنّ هناك شيئاً يملأ الفراغ إلى حدّ ما، فلا بدّ من التفكير من جديد؛ لأنّه من اللازم بناء كيانٍ سياسيٍّ جديدٍ أو الالتحاق بهذا الكيان قائم، مثل هذا التفسير لم يكن موجوداً في أيام الإمام عليّعليه‌السلام . بل إنّ هذا الكيان السياسي القائم في الشام طرح في أيام عليّعليه‌السلام ، بينما الآن كيان الحسنعليه‌السلام يعتبر هو الطارئ في أذهان الإنسان العادي على الكيان السياسي.

فقد استغلّ معاوية هذه النقطة في كتابه إلى الإمام الحسنعليه‌السلام حيث قال ما مضمونه: قد تمّت الخلافة لي ولزمتك منذ يوم التحكيم، وأنت الآن لا بدّ لك أن تدخل فيما دخل الناس(١) . معاوية يتكلّم بلغة الخليفة، بينما معاوية لم يكن يمكنه أن يتكلّم بلغة الخليفة في عهد عليّعليه‌السلام ؛ لأنّه هو الذي شقّ عصا الطاعة على عليّعليه‌السلام ، فلو تكلّم لم يكن مثل هذا الكلام قادراً على أن يزرع الشكّ، فهذا العامل الثاني يجعل مثاراً للشكّ في أذهان العاديين غير الواعين من أنّه هل من الضروري الحفاظ، أو هل من الضروري بناء هذا الكيان إلى جانب ذلك الكيان، أو بالإمكان الانسحاب من ذلك الكيان ؟

____________________

(١) راجع: شرح النهج لابن أبي الحديد ١٦: ٢٥، وبحار الأنوار ٤٤: ٥٥، باب كيفيّة مصالحة الحسنعليه‌السلام معاوية، الباب ١٩، الحديث ٦.


العامل الثالث:

هو الاعتبارات الشخصية القائمة في أمير المؤمنين، الإمام الحسن والإمام عليعليهما‌السلام في منطق العصمة سواء، وفي منطق النصّ الإلهي سواء، ولكن هما في منطق الجماهير وقتئذٍ لم يكونا سواء، ونحن نعلم بأنّ الحكم الذي كان يمارسه الإمام عليعليه‌السلام لم يكن قائماً على أساس نصٍّ إلهيٍّ أو العصمة، وإنّما كان استمراراً لخطّ السقيفة، غاية الأمر بأنّ هذه الجماهير التي أخطأت حظّها في المرّة الأولى، وفي المرّة الثانية، وفي المرّة الثالثة، وأصابت حظّها في المرّة الرابعة.

فهذه التجربة كانت تقوم على أساس مفهومٍ جماهيري، لا على أساس نظرية العصمة والنصّ الإلهي، وهنا يدخل في تقييم الحاكم اعتبارات كثيرة كانت الجماهير تعيشها. فالجماهير كانت تعيش اعتباراتٍ عديدةً عن الإمام عليّعليه‌السلام ، ولا تعيش مثل هذه الاعتبارات عن الإمام الحسنعليه‌السلام ، من ناحية أنّ الإمام علياً سوابقه من أيام الرسول، صحبته الطويلة، مواقفه العظيمة في الأيام الأولى من الإسلام، سلطته الروحية والعلمية في آفاق الصحابة، كلّ هذا يجعل من الإمام عليّعليه‌السلام رجلاً عظيماً في أنظار المسلمين، رجلاً أهلاً لأن تسًسلّم إليه مقاليد الأمور حتّى في اللحظة الحرجة. أمّا الإمام الحسنعليه‌السلام لصغر سنّه، وعدم وجود تأريخ مماثلٍ له من هذا القبيل لم يكن يملك القدرة على إخضاع النفوس، على إخضاع المسلمين نفسياً بالشكل الذي كان يتاح للإمام عليّعليه‌السلام .

من ناحيةٍ أخرى البيعة التي حصل عليها الإمام عليّعليه‌السلام كانت أوضح شرعيةً في نظر الجماهير التي تؤمن باتجاه السقيفة، كانت أوضح شرعيةً من بيعة الإمام الحسنعليه‌السلام ؛ لأنّ بيعة الإمام عليّعليه‌السلام تمّت في المدينة، وتمّت على يد


الصحابيين، ولم يختلف في ذلك إلاّ أناس قليلون، الباقون كلّهم بايعوا، كانوا القاعدة الأولى لبيعة الإمام عليّعليه‌السلام وكان هناك عدد كبير من الصحابة لا يزال موجوداً على المسرح الاجتماعي والسياسي، كلّ هذا يعطي لحاكميّة الإمام عليّعليه‌السلام من البهاء والشرعية والقدرة على التأثير والنفوذ والإخضاع لنفوس الآخرين، مثل هذا لم يكن متوفّراً للإمام الحسنعليه‌السلام .

العامل الرابع:

من عوامل تعميق الشكّ هو أنّ الحسنعليه‌السلام قد تسلّم مقاليد الحكم عقيب أبيه مباشرة، استوحى بهذا العمل الإنسانُ العادي الضعيف غير الواعي قرينة جديدة على ذلك التصوّر الخاطئ، الإنسان الذي يفترض أنّ معركة عليّعليه‌السلام مع معاوية معركة أسرة مع أسرة، معركة عشيرة مع عشيرة، لا معركة رسالة مع رسالة. الإطار القَبَلي للمعركة، هذا الإطار عزّزه أنّ الحسنعليه‌السلام تولّى الإمامة والخلافة بعد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، طبعاً هذا التعزيز لم يكن موجوداً لو افترضنا أنّ الجماهير المسلمة كانت واعيةً وكانت تعيش نظريّة الإسلام عن الإمام حقيقة، ولكن حيث إنّ الجماهير لم تكن واعيةً، حيث إنّ الجماهير كانت هي الجماهير السقيفة التي قالت: من ينازعنا سلطان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) . هذه الجماهير كانت تحمل تلك الروح، ولهذا استوحت وتصوّرت أنّ تسلّم الإمام الحسنعليه‌السلام مقاليد الحكم عقيب استشهاد الإمامعليه‌السلام هذا يكون قرينة على أنّ القصّة بيتٌ في مقابل بيت، وليست قصّة رسالة في مقابل رسالة.

وأقول: إنّ الذي منع الإمام علياًعليه‌السلام من الإعلان الرسمي والسياسي على

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٤٥٧.


مستوى الجماهير عن خليفته الإمام الحسنعليه‌السلام له في المركز السياسي هو تفادي مثل هذا التصوّر؛ ولهذا أوصى الحواريين الذين يؤمنون بالنظرية الإسلامية الصحيحة للإمامة، أوصى إليهم بإمامة الحسنعليه‌السلام وعرّفهم بأنّ الحسنعليه‌السلام هو الإمام وهو الحجّة من قبل الله والوصيّ من بعده. إلاّ أنّه بوصفه حاكماً ورئيساً للدولة لم يعلن إعلاناً رسمياً سياسياً أنّ الحسنعليه‌السلام هو الذي يتسلّم الأمر من بعده.

العامل الخامس:

من عوامل تعمّق الشكّ في نفوس المسلمين هو: أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام لظروفٍ - سوف نشرحها - لم يكن قد تسرّع للإعلان عن عزمه على الحرب مع معاوية والاشتباك المسلّح مع معاوية، عدم إعلان الإمام الحسنعليه‌السلام وعدم تسرّعه بالإعلان عن عزمه على الاشتباك المسلّح مع معاوية استغلّه معاوية، وأشاع على أساسه أنّ الحسنعليه‌السلام يفكّر في الصلح، كانت هذه الإشاعة القائمة على أساس هذه النقطة، وكانت لهذه الإشاعات مساهمة كبيرة جدّاً في توسيع نطاق الشكّ عند المسلمين وتردّدهم في أن تكون هذه القضية التي يحاربون من أجلها قضيةً يشكّ فيها القائد نفسه.

هذه العوامل الخمسة أدّت إلى توسيع نطاق هذا الشكّ المصطنع بعد وفاة الإمام لتسلّم الإمام الحسنعليه‌السلام مقاليد الحكم والزعامة، وهذا الشكّ المصطنع الذي اشتدّ على أساس هذه العوامل تحوّل - كما قلنا - كيفياً من طاقةٍ سلبيةٍ إلى طاقةٍ إيجابية، وتحوّل كمّياً من شكٍّ يعيشه بعض الأفراد والجماعات إلى شكٍّ تعيشه الجماهير في مختلف قطاعات هذا المجتمع الذي كان يحكمه الإمام الحسنعليه‌السلام .


هذا الشكّ يبدو بكلّ وضوحٍ منذ اللحظة الأُولى لتسلّم الإمام الحسنعليه‌السلام مقاليد الحكم، منذ اللحظة الأُولى التي فوجئ بها الإمامعليه‌السلام باستشهاد والدهعليه‌السلام إلى اللحظة الأخيرة التي تمّ فيها تسليم الأمر لمعاوية، في كلّ هذه الفترة القصيرة منذ اللحظة الأُولى إلى اللحظة الأخيرة نحن نجد الشواهد تلو الشواهد، والدلائل تلو الدلائل على هذا الشكّ المرير المتزايد المتنامي في نفوس الجماهير في القائد، وفي الأُطروحة، وفي الأهداف، وفي الرسالة.

ظروف بيعة الإمام الحسنعليه‌السلام :

الإمام عليعليه‌السلام يستشهد، ويعلن الإمام الحسنعليه‌السلام عن وفاة الإمام العظيم، ولم يعلن عن مسألة الخليفة ليعيّنوا ما يملأ به الفراغ السياسي الذي تركه الإمام عليعليه‌السلام ، يذهب الإمام الحسنعليه‌السلام إلى المسجد يؤبّن الإمام عليّاً ويقرّر(١) أباه وينعاه، وفي هذا التقرير يحاول أن يدفع الشكّ بقدر ما يمكن بكلماتٍ تدفع الشكّ، أراد أن يستعرض صورةً ملخّصةً عن هذا الإمام العظيم الذي خرّ شهيداً في المسجد بين المسلمين، أراد أن يقدّم بين المسلمين صورةً موجزةً عن هذا الرجل النظيف الذي لم يعش لحظةً إلاّ لرسالته ولإسلامه بعد أن ألقى [ الخطبة ] التي أراد فيها أن يدفع الشكّ بقدر ما يمكن لخطبته أن تدفع الشكّ عن الإمام عليّعليه‌السلام . بعد هذا وقف ساكتاً يتأمّل ليرى ماذا سيكون ردّ الفعل ؟ ماذا يكون موقف المسلمين من هذه اللحظة، من ملء الفراغ، من القضية المطروحة الآن ؟ وهي قضية ملء الفراغ الذي تركه الإمام عليعليه‌السلام . لمن يتوجّه المسلمون الآن ؟

____________________

(١) كذا في الأصل.


كلّ المسلمين سكتوا، لم يقم أحد، لم يجب أحد، لم يبرز أحد شيئاً، هؤلاء المسلمون المجتمعون في المسجد، هؤلاء هم الأمناء على التجربة، هم أصحاب عليّ، هم قادة هذا المجتمع، هم الطليعة التي كان بها يصول وبها يكافح وبها يجاهد هذا الإمام العظيم، كلّهم سكتوا، لم يجب واحد لم يقل شيئاً أبداً.

قال ابن عمّه عبد الله بن عبّاس: نقدّم أطروحة خلافة الإمام، قال بأنّ علياًعليه‌السلام إن كان قد ذهب فهناك ابنه الحسنعليه‌السلام (١) ، سوف يواصل طريقه، سوف يسير في خطّه، سوف يحمل اللواء، سوف نسير في كنفه.

حينما قدّم هذا الشعار أو هذه الأطروحة بدأ شخص من زاوية المسجد، وشخص من زاوية أُخرى، وهكذا فاستجابوا مع هذا الشعار وبويع الإمامعليه‌السلام .

لماذا قَبِل الإمام الحسنعليه‌السلام أن يبايع ؟

وهنا قد يقول القائل: إنّ الإمام الحسن لماذا قبل أن يبايع وهو يشعر بهذا الشكّ المتزايد المتنامي، هذا الشكّ الذي يُعجز القيادة عن إنجاح أهدافها والوصول إلى أغراضها ؟ لماذا وافق أن يبايع وأن يتسلّم زمام الحكم في لحظةٍ يائسة ؟

الجواب : أنّه لو لم يقبل بذلك، لو أنّه رفض أن يبايع، لو أنّه لم يتسلّم مقاليد الحكم بعد الإمام عليّعليه‌السلام لقيل بأنّ هذا الشكّ الذي يعيشه المسلمون يتسرّب إلى القادة أنفسهم، إلى الحسنعليه‌السلام نفسه. إنّ الحسنعليه‌السلام أصبح يعيش هذا الشكّ في صحّة هذه المعركة، في ضرورة هذه المعركة، في أهمية هذه المعركة، فكان لا بدّ لكي يثبت الإمام الحسنعليه‌السلام أنّ القادة لا يزالون يؤمنون بقضيتهم وأطروحتهم

____________________

(١) إعلام الورى ١: ٤٠٧، وكشف الغمّة ١: ٥٣٢، ٥٣٣.


على المستوى الذي يؤمنون به من الساعة الأولى، فيبادر ويقبل البيعة التي عرضها المسلمون وقتئذٍ ويتحمّل المسؤولية، مسؤولية الحكم، وهكذا كان، تحمّل مسؤولية الحكم بالرغم من هذا الشكّ؛ لأن لا يتّهم القائد أيضاً بهذا الشكّ.

أنا اُقدّر وأظنّ أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام حينما تسلّم مسؤولية الحكم كان عازماً أن لا يتسرّع في خوض معركةٍ مسلّحةٍ مع معاوية، كان يودّ أن تؤجّل المعركة إلى أمدٍ طويل، وذلك لكي يصفّي أو لكي يحاول أن يصفّي هذا الشكّ جدّاً، لكي يتفرّغ إلى الظروف الداخلية وإلى المجتمع الذي يحكمه، ويحاول أن يخفّف من حدّة هذا الشكّ، ويقضي على منابعه، ويعالج بعض أسبابه وينعش من جديد نفسيّة الفرد المسلم في داخل هذا المجتمع، حتّى إذا استطاع في نهاية الشوط أن يكسب درجةً معقولةً من الاقتناع بالأطروحة حينئذٍ يبدأ معركته المسلّحة مع معاوية، وهذا هو الذي جعله لا يعلن عزمه على الحرب من اللحظة الأولى.

جاءه بعض خواصّه طلبوا منه الإعلان السريع عن الحرب والسفر السريع إلى ميدان القتال قبل أن يتقدّم معاوية وقبل أن يخرج معاوية من بلاده. إلاّ أنّه رفض ذلك(١) ، وكان رفضه مرتبطاً - على ما أظنّ - ارتبطاً وثيقاً بالظروف النفسية التي يعيشها المجتمع الإسلامي وقتئذٍ. كانت هذه الظروف النفسية إلى علاجٍ أكبر ممّا هي بحاجة إلى الحرب، بحاجةٍ توعية أكثر ممّا هي بحاجةٍ إلى قتال، بحاجةٍ إلى نوع إعطاء فرصةٍ جديدةٍ لكي يدرسوا من جديدٍ الأطروحة ونبلها وأهدافها وخيراتها وبركاتها قبل أن يكلّفوا بقتالٍ جديد؛ ولهذا تمهَّل الإمام

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤: ٢٩، تاريخ الإمام الزكي الحسنعليه‌السلام ، الباب ١٨، باب العلّة التي من أجلها صالح الحسنعليه‌السلام معاوية.


الحسن وتضيّق في موضوع القتال، إلاّ أنّ معاوية بن أبي سفيان لم يتمهّل ولم يتضيّق.

خروج معاوية لقتال الإمامعليه‌السلام :

معاوية بعد قتل الإمام عليٍّ بشهرٍ أو أقلّ أو شهرين أو ثلاثة - على اختلاف التقادير في الروايات - خرج مع جيشٍ ليغزو العراق. معاوية كان يقدّر فهمه للظروف وقتئذٍ، كان يقدّر أنّ الظروف مؤاتية باعتبار ما خلّفه الإمام عليّعليه‌السلام من فراغاتٍ سياسيةٍ ونفسيةٍ وفكريةٍ، الظروف مؤاتية بأن يوقع ضرراً كبيراً بالمجتمع الذي يحكمه عليّ، أن يحقّق مكسباً سياسياً جديداً له، قد يمكن ارتفاع هذا المكسب إلى درجة تصفية المعركة نهائياً. إلاّ أنّه مع هذا لم يكن عنده فكرة كاملة عن كلّ الظروف النفسية، والأبعاد التي يعيشها المجتمع الإسلامي الذي يحكمه الإمام عليعليه‌السلام ولهذا في نفس الوقت الذي تهيّأ للمعركة المسلّحة كان يحاول إلى جانب المعركة المسلّحة أن يستخدم الوسائل الأخرى التي بإمكانه أن ينتصر بها على عدوّه.

الإمامعليه‌السلام يستنفر المسلمين للجهاد:

وفي الرسالتين الأخيرتين المتبادلتين بين معاوية والحسنعليه‌السلام انتهى النقاش وقُرّر من قبل الإمام الحسنعليه‌السلام الحرب. خرج الإمام الحسنعليه‌السلام إلى مسجد الكوفة وأعلن أنّ معاوية قد اتّجه مع جيشه لمحاربتهم واستنفر المسلمين للجهاد.

إلاّ أنّ هذا الشكّ الذي قلناه ظهر من جديدٍ ظهوراً سلبياً في تلك اللحظة، حيث إنّه لم يجب الإمام الحسن أحدٌ بكلمةٍ سوى شخص واحد، هذا الشخص


الواحد هو عديّ بن حاتم رضوان الله عليه، قال لهؤلاء المسلمين: بأنّ هذا الإمام يأمر وأنا أطيع، وليس على الجندي إلاّ أن يطيع، وهذه دابّتي بباب المسجد ثمّ أركبها وأخرج إلى النُّخيلة ولا أرجع إلى منزلي وخرج. وكان أوّل من خرج للجهاد وتبعه ألف من عشيرته.

يقول في البحار: وجهّز الإمام الحسن جماعةً معه، وخرج إلى النُّخيلة، وبقي عشرة أيامٍ في النُّخيلة، واستخلف ابن عمّه(١) على الكوفة لكي يعبّئ باقي القوى المقاتلة فلم يرد أحد، بقي الإمام الحسن عشرة أيامٍ في النُّخيلة ينتظر عسكراً وجيشاً، فلم يرد جيش، فاضطرّ الإمامعليه‌السلام إلى أن يرجع إلى الكوفة مرّةً أخرى، فرجع مرّةً أخرى ليعبّئ جيشاً.

عبّأ جيشاً - تقول بعض الروايات: إنّه بلغ اثني عشر ألفاً - واتّجه هذا الجيش إلى مسكن، واتّجه هو مع أربعة آلاف أو ستّة آلاف إلى المدائن، هذا الجيش الذي عبّأه وبلغ اثني عشر ألفاً واتّجه إلى مسكن وقعت فيه ثلاث خيانات متتالية:

الخيانات والتراجعات في جيش الإمامعليه‌السلام :

الخيانة الأولى كانت على يد شخص من مُرّة، هذا الشخص كان في طليعة هذا الجيش قبل أن يتكامل، أرسله مع أربعة آلاف.

يقول صاحب البحار: فراسله معاوية قبل أن يصل إلى مسكن، وأعطاه كذا وكذا مقداراً من المال، وفرّ هو مع صفوةٍ من أصحابه وخونته إلى عسكر معاوية ،

____________________

(١) وهو المغيرة بن نوفل بن الحارث، بحار الأنوار ٤٤: ٥١، تاريخ الإمام الزكي الحسنعليه‌السلام ، الباب ١٩، باب كيفيّة مصالحه الحسنعليه‌السلام ومعاوية.


ثمّ فرّ أربعة آلافٍ أخرى مع شخصٍ آخر قبل أن يصل إلى مسكن، فرّ مع بعض الخونة إلى جيوش معاوية، ثمّ أرسل ابن عمّه عبيد الله بن عبّاس مع اثني عشر ألف نسمةٍ على أكثر الروايات، فدخل إلى مسكن، فترك العسكر وذهب إلى خطّ معاوية(١) .

كان لمثل هذه التراجعات، لمثل هذه الخيانات المتلاحقة المتتابعة، أثرها المشئوم في تلك النفوس المليئة بالشكّ المليئة بالتردّد. تصوّروا نفوساً كانت بصورةٍ سابقةٍ مليئةً بالشكّ والتردّد والتغيّر، ثمّ تقع مثل هذه الخيانات الناتجة عن مثل ذلك الشكّ، فسوف يتعمّق الشكّ لا محالة، هذا الشكّ كلّما يتّخذ صورةً إيجابيةً يكون لهذه الصيغة الإيجابية ردّ فعلٍ نفسيٍّ من الشُكّاك بحيث يزيد درجة الشكّ عندهم أكثر، وهكذا كان.

فعاش جيش الإمام الحسنعليه‌السلام في مسكن وهو يفقد بالتدريج القوى المقاتلة، حتّى بلغ عدد المحاربين من جيش الإمام الحسن في مسكن ثمانية آلاف، والإمام الحسن كان وقتئذٍ في المدائن، وتصل إليه الأخبار، وتنعكس هذه الأخبار إلى جيشه.

رُسُل معاوية إلى الإمامعليه‌السلام :

ثمّ معاوية أرسل في هذه اللحظات الحرجة العصيبة ثلاثةً من أصحابه، أحدهم المغيرة بن شعبة أرسلهم إلى الإمام الحسنعليه‌السلام برسالةٍ(٢) ، وكان في هذه

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤: ٥١ - ٥٢، تاريخ الإمام الحسنعليه‌السلام ، الباب ١٩، باب كيفيّة مصالحة الحسنعليه‌السلام معاوية، الحديث ٥.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٥.


الرسالة مجموع الكتب التي وصلت إلى معاوية من أصحاب الإمام في الكوفة، هذه الكتب تقول لمعاوية: أقدم، فلك السمع والطاعة، وسوف نسلّم لك الحسن يداً بيد، هذه الكتب أرسلها معاوية إلى الإمام الحسن ليقرأها بنفسه محاولاً بذلك أن يكسر من تصميم الإمام الحسنعليه‌السلام على مواصلة الخطّ والجهاد والمعركة(١) .

دخل هؤلاء الثلاثة على الإمامعليه‌السلام بعد أن حاولوا أن يستقطبوا أنظار الجيش، وبطبيعة الحال هناك وفد مفاوض من قبل معاوية يأتي إلى الحسن، وسوف ينعكس هذا الوفد، وسوف تشخص الأبصار إلى نتائج مباحثات هذا الوفد مع الإمام الحسنعليه‌السلام ، يدخلون إلى الإمام الحسن، ويعرضون له الكتب، كتب الخونة من أصحابه، هؤلاء الذين أعماهم ذلك الشكّ الذي تكلّمنا عنه، فكتبوا إلى معاوية هذه الكتب، الإمام الحسن يقرأ هذه الكتب واحداً بعد الآخر، ثمّ بعد هذا توجد رسالة من معاوية للإمام الحسنعليه‌السلام يقول له: إن شئت أن تحقن الدماء وأن توقف القتال ولك الأمر من بعدي.

الإمامعليه‌السلام بعد أن ينهي قراءة الكتب لا يعطي أيّ كلمةٍ فاصلةٍ في الموضوع، وإنّما يتّجه إلى هؤلاء الثلاثة فيعظهم ويذكّرهم الله والنار وأيام الله، ويذكّرهم بأنّ هذه اللحظات هي جزء قصير جدّاً من عمرهم، يجب أن يقيموه على أساس الشوط الطويل الذي يعيشونه، يقف منهم كواعظٍ فقط ثمّ يسكت، وإنّما يسكت لأنّه يحاول أن يقوم بآخر تجربةٍ مع قاعدته الشعبية، ليرى أنّه هل بقي في هذه القاعدة الشعبية قدرة على مواصلة هذه المعركة مهما كلّف الثمن ؟

يخرج هؤلاء الثلاثة من عند الإمام فيحاولون أن يكذّبوا الإمام

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤: ٤٨، تاريخ الإمام الحسنعليه‌السلام ، الباب ١٩، باب كيفيّة مصالحة الحسنعليه‌السلام معاوية، الحديث٥.


الحسنعليه‌السلام ، فينشروا في الجيش وهم يستطرقون أنّ الله قد فرّج عن هذه الأُمّة، وقد حقنت الدماء بابن بنت رسول الله، إنّ ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله استجاب للصلح.

بطبيعة الحال هذا الإخبار الكاذب كان له مفعول كبير جدّاً في التخدير، وفي إيقاف العزائم والهمم، وفي توسيع نطاق الشكّ الذي تكلّمنا عنه.

بعد هذا يخرج الإمام الحسنعليه‌السلام يقف خطيباً يقول ما مضمونه: بأنّ معاوية دعانا إلى ما لا يكون فيه خيرنا ولا خيركم فماذا أنتم فاعلون ؟ وكانوا كلّهم يعرفون أنّ هذا الشيء الذي ليس فيه خيره ولا خير الناس، فصاحوا بصوتٍ واحد: الصلح الصلح !

ضرورة انحسار الإمام عن المعركة:

كانت هذه اللحظة هي اللحظة التي أحسّ فيها الإمام الحسنعليه‌السلام بأنّ بقاء التجربة الإسلامية العلوية أصبح شيئاً متعذّراً غير ممكن، وأنّ انحساره عن الميدان أصبح شيئاً ضرورياً لأجل الإسلام نفسه، وذلك لأنّ هذه التجربة مع هذا الشكّ لا يمكن أن تعيش، فلا بدّ أن يقضى على هذا الشكّ ثمّ تستأنف التجربة.

ولم يكن بالإمكان أن يقضى على هذا الشكّ المرير المستعصي إلاّ بأن ينحسر الحسن وخطّ عليّعليه‌السلام عن المعركة ثمّ تنكشف أطروحة معاوية وأهداف معاوية، بعد هذا يرى المسلمون بأُمّ أعينهم، هؤلاء الذين يعيشون الحسّ أكثر ممّا يعيشون العقل، يعيشون بعيونهم أكثر ممّا يعيشون بعقولهم، يرون بعيونهم أنّ المعركة التي كان يقودها الإمام عليّعليه‌السلام مع معاوية هي معركة الإسلام مع الجاهلية، لا معركة شخصٍ مع شخص، ولا مصلحة مع مصلحة، ولا عشيرة مع عشيرة، كان لا بدّ في منطق التجربة من أن يحارب هذا الشكّ ثمّ يستأنف التجربة.


ولم يكن بالإمكان ولا بإمكان اليوم وليس بإمكان أيّ يومٍ أن تنجح تجربة رسالية يقودها قائد يحمل بيده رسالةً هي أكبر من وجودات الأشخاص، وأكبر من مصالحهم الخاصّة ما لم يكسب مسبقاً الاقتناع بصحّة هذه الرسالة وبأهدافها وبضرورتها، ولم يكن بإمكان التجربة السياسية وقتئذٍ من مواصلة وجودها في المعركة أن تكسب هذا الاقتناع، هذا الاقتناع الذي لم يستطع الإمام الحسنعليه‌السلام أن يكسبه أو أن يحول دون فقدانه بالتدريج؛ ولهذا كان من الضروري أن ينحسر ظلّ الإمام عليّعليه‌السلام عن ميدان الحكم لكي تنكشف أُطروحة معاوية، وبعد ذلك يعرف المسلمون أنّ هذه الأُطروحة التي جاهد في سبيلها الإمام عليعليه‌السلام هي أُطروحة وجودهم وعقيدتهم ورسالتهم ومصالحهم الحقيقية غير المنظورة لهم، وعندئذٍ يكون بالإمكان استئناف العمل من جديدٍ على أساس اقتناع مسبق.

هذا خلاصة ما أردنا أن نقوله، وله تتمّة تأتي في اليوم الآتي.


خلافة الإمام الحسنعليه‌السلام وظروفها

(القسم الثاني)



بسم الله الرحمن الرحيم(*)

طريقان بين يدي الإمام الحسنعليه‌السلام :

على أساس الظروف التي شرحناها بالأمس والتي عقّدت الطريق بين يدي الإمام الحسنعليه‌السلام والتي ضاعفت من قوّة الشكّ وحوّلته من طاقة سلبية إلى طاقة إيجابية ممتدّة واسعة النطاق، على أساس ذلك كان بين يدي الإمام الحسنعليه‌السلام طريقان: إمّا أن يواصل العمل في الساحة حتّى يخرّ صريعاً كما خرّ صريعاً بعد ذلك أخوه الحسين شهيداً في ساحة كربلاء. وإمّا أن يوقف خطّ العمل نزولاً على الأمر الواقع.

الاعتبارات المتمثّلة في الإمام الحسنعليه‌السلام :

وكان لا بدّ للإمام الحسن وهو يدرس أفضل هذين الطريقين من أن يدخل في حسابه كلّ اعتباراته وكلّ جوانب وجوده؛ لأنّ الإمام الحسن كانت تتمثّل فيه عدّة اعتبارات: كان من ناحيةٍ هو:

____________________

(*) أُلقيت في يوم الأحد ١٢ من شهر رجب سنة ١٣٨٨ ه-.


أوّلاً : الأمين على النظرية، هو الأمين على الصيغة الإسلامية الكاملة على الحياة بوصفها خطّاً فكرياً وروحياً يجب أن يعيش، ويجب أن يستقطب بالتدريج، ويجب أن يمتدّ إلى أكبر قدرٍ ممكنٍ من القلوب والنفوس والعقول.

وكان من ناحيةٍ أخرى: الأمين على التجربة، يعني الأمين على كيانٍ جسّد تلك الصيغة الإسلامية الكاملة، هذا الكيان الذي أنشأه الإمام عليعليه‌السلام واستأنف به حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعصره، هذا الكيان خلّفه الإمام عليعليه‌السلام ليتزعّمه الإمام الحسنعليه‌السلام ، فكان الإمام الحسنعليه‌السلام بالاعتبار الثاني أميناً على الواقع الحيّ الذي جسّد تلك الصيغة الإسلامية الكاملة، أي هو أمين على النظرية والتطبيق معاً، أمين ووريث للمفهوم والخطّ ولتجسيد هذا الخطّ من واقع الحياة.

وكان هناك اعتبار ثالث من الاعتبارات التي يمثّلها الإمام الحسن: فهو أمين على كتلة، هذه الكتلة هي التي نسمّيها بالشيعة، هذه الكتلة هي الجانب أو الجزء الذي أخذ نظرية الإسلام من عليعليه‌السلام ، ومن إمامة عليعليه‌السلام ، ومن خطّ أهل البيتعليهم‌السلام ، هذه الكتلة التي وضع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بذورها، ثمّ نمّاها عليعليه‌السلام خصوصاً على عهد خلافته، وأخذها الإمام الحسنعليه‌السلام ليتسلّم زعامتها وقيادتها، كتلة يجب أن تنمو على مرّ الزمن، وتشكّل الطليعة الواعية القادرة على قيادة المسلمين ككلٍّ في مستقبلٍ قريبٍ أو بعيد.

هذه اعتبارات ثلاثة كان يمثّلها جمعياً هذا الإمام الشابّ، فكان لا بدّ حينما يدرس أفضل الطريقين: طريق التضحية والموت أو طريق تجميد الحركة والخطّ إلى وقتٍ ما، دون أن يدخل إلى جانب هذه الاعتبارات الثلاثة اعتبار رابع يطلق عليه عادةً أيّ اسمٍ من الأسماء العاطفية أو الخلقية التي لا ترتبط بمصالح الرسالة، من قبيل أن يقال: إباء الضيم، عدم الاستعداد لمصافحة الأعداء، الشعور


بالعزّة.

كلّ هذه المشاعر هي اعتبارات عاطفية يجب أن لا تأخذ طريقها إلى قلب الإنسان الحقّ الذي يريد دائماً أن يرسم طريقه على أساس الاعتبارات الرسالية، كإباء الضيم - مثلاً - الذي ينسب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام .

هذا الإباء يجب أن يراد به حينما ينسب إلى إمامِ حقٍّ كالإمام الحسينعليه‌السلام أو الإمام الحسنعليه‌السلام إباء هذا الإمام عن أن تنتهك حرمة الرسالة، وعن أن تذلّ الرسالة، وعن أن تفقد الرسالة مكسباً كان بالإمكان أن يتحقّق بالنسبة إلى هذه الرسالة.

أمّا المفهوم العاطفي لإباء الضيم فهو مفهوم جاهلي لا يقرّه الإسلام، فإنّ إباء الضيم حيث تقتضي الرسالة من الرسالي أن يمتحن تحمّل هذه القيم مثل هذا الإباء يكوم موقفاً لا رسالياً ولا إنسانياً، كما أنّ العكس صحيح، فأيّ اعتبارٍ عاطفيٍّ أو خلقيٍّ غير نابعٍ من واقع الرسالة وقيمها وأهدافها يجب أن لا يدخل في حساب الإنسان الحقّ. وأيّ إنسانٍ أحقّ بهذا الوصف من هؤلاء القادة الذين اؤتمنوا على أشرف الرسالات السماوية، وهذا ليس مجرّد مفهومٍ تأريخي، إنّما هو أيضاً يجب أن يكون قاعدةً لعمل كلّ واحدٍ منّا، كلّ إنسانٍ يريد أن يسير على خطّ هؤلاء القادة يجب في البداية دراسة كلّ نقطةٍ من نقاط سلوكه على مفترق الطريق، يجب أن يدرس سلوكه واختياره على مفترق الطريق على أساس اعتبارات الرسالة، لا على أساس نوعٍ من العواطف التي يعيشها الإنسان الاعتيادي بقلبه لا برسالته، وهكذا كان للإمام الحسنعليه‌السلام ثلاثةٍ خطوطٍ لا بدّ من أن يدرس موقفه على أساسها:

الأوّل : كونه أميناً على الرسالة، أي على أُطروحة النظرية، أي على الصيغة


الإسلامية الكاملة للحياة نظرياً وروحياً.

الاعتبار الثاني : كونه أميناً على التجربة السياسية التي جسّدت تلك الأُطروحة.

الاعتبار الثالث : كونه أميناً على الكتلة التي بذرها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونمّاها الإمام عليعليه‌السلام كان من المفروض أن تمتدّ مع تأريخ الإسلام.

أمّا على الاعتبار الأوّل بوصفه أميناً على الأُطروحة النظرية، على الصيغة الإسلامية للحياة بوصفها خطّاً يجب أن يعيش في عقول وأرواح ونفوس المسلمين، فقد كان أقسى المفارقات هذه المفارقة التي بيّناها فيما سبق، حينما رأينا هذه الصيغة الإسلامية الكاملة للحياة كان وصولها إلى درجة الحكم وممارستها للحكم، كان هذا بنفسه وبصورةٍ غير مباشرةٍ السبب في زوال الاقتناع بها من قبل القواعد الشعبية بالتدريج، لا لأنّ وصولها إلى الحكم كشف عن وجهٍ منحرفٍ عن سلوكٍ غير منطبقٍ على النظرية، غير منسجمٍ مع قيمها وأهدافها، بل لأنّ القاعدة الشعبية التي وصل على أكتافها قائد هذه النظرية إلى الحكم لم تكن تستطيع أن تعيش حياة الكفاح والجهاد إلاّ إلى مرحلةٍ قصيرةٍ من الزمن.

ولهذا حينما مارس الإمام العظيم أبو الأئمّةعليهم‌السلام تطبق نظريته على كلّ مستويات الحياة الإسلامية: اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وخلقياً بدأت المتاعب والمصائب، بدأ الناس يشكّون، بدؤوا يرهقون، يرهقون بهذه النظرية، وبهذا زال الاقتناع بالتدريج من صحّة هذه النظرية، وكان لا بدّ للنظرية لكي تعيش في الأُمّة الإسلامية من أن تسترجع هذا الاقتناع بأيّ ثمن، وكان ثمن استرجاعها هذا الاقتناع هو أن ينحسر هذا الحكم الذي يمثّل هذه الأُطروحة ،


وأن يخلي الميدان لحكمٍ آخر مثّله معاوية، ومثّلته كلّ القوى المتبقيّة من السقيفة، كان لا بدّ لذلك من أن يبرز على الميدان، من أن يظهر واقعه، ومضمونه، وحقيقة أهدافه، وكلّ أبعاده، وحينئذٍ تسترجع الأُطروحة اقتناع المسلمين بها وبصحّتها وضرورتها.

هل قدّر على كلّ نظريّة صالحة أن تفقد قواعدها الشعبيّة بعد التطبيق ؟

هنا قد يبدو سؤال : أنّه هل هناك قدر لازم على كلّ نظريةٍ صالحة أنّها حينما تأخذ مجراها في التطبيق تفقد اقتناع قواعدها الشعبية بها بالتدريج، وحينئذٍ تبدأ من جديدٍ مضطرّةً إلى أن تتخلّى عن الحكم ليفسح المجال للآخرين أن يمارسوا الحكم على أساس نظريةٍ أخرى باطلةٍ كافرةٍ، حتّى يكون ذلك مثبتاً للمسلمين صحّة النظرية الأولى ؟

هل هذا قدر مفروض على النظرية الإسلامية دائماً أنّها تدخل إلى الحياة فتقود وتحكم ثمّ سرعان ما تهدم وسرعان ما تضطرّ إلى الانسحاب، لكي تسترجع مرّةً أخرى الاقتناع الذي فقدته خلال التطبيق ؟

هل هذا قدر لازم على النظرية الإسلامية في الظروف الموضوعية الخاصّة التي تفتّق عنها حكم الإمام عليعليه‌السلام ، ذلك لأنّ الإمام علياًعليه‌السلام حينما حكم وحينما جاء ليمارس تصديق هذه النظرية كاملةً غير منقوصةٍ جاء معتمداً على شعبٍ لم يتفاعل معه ساعة، لم يعش معه يوماً، لم يصرف معه في سبيل إعداد هذه النظرية جهداً ؟

الشعب الذي قام بحماية هذا التطبيق، وشكّل الجيش المحارب للإمام كان شعب العراق، وبالرغم من أنّ الشعب العراقي وقتئذٍ كان يبدو من أكثر الشعوب


- شعوب الأُمّة الإسلامية - استجابةً إخلاصاً للإمام عليعليه‌السلام ، ولهذا نادى أهل العراق للإمام عليهعليه‌السلام بأنّه خليفة، إلاّ أنّ استجابة هذا الشعب واستجابة قطاعاتٍ أخرى مصريةٍ ومن الجزيرة العربية للإمام كان استجابةً على أساس الرصيد الذي كان يتمتّع به الإمام عليعليه‌السلام ، على أساس هذا النوع من التأريخ الكبير الذي يعيشه الإمام في أذهان المسلمين.

المسلمون حينما عاشوا محنة انحراف عثمان، ثمّ بعد هذه المحنة مقتل عثمان، وحينها وجدوا أمامهم مشاكل كبيرة فوق الحلّ من الإنسان الاعتيادي اتّجهوا بأنظارهم بطبيعتهم إلى صحابي كبير، اتّجهوا ليفتّشوا عن صحابيٍّ كبيرٍ يستطيع بما يحمل من تراث محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتغلّب على هذه المشاكل الكبيرة، ويملأ هذا الفراغ الكبير، ويعيد الأمور إلى أوضاعها الطبيعية، فكان أن وقع اختيار المسلمين بطبيعتهم على الإمام عليعليه‌السلام ؛ لأنّه كان أبرز صحابيٍّ على المسرح السياسي يتمتّع بما لا يتمتّع به أيّ صحابيٍّ آخر من سوابق وفضلٍ وشهرة.

إذن فالاستجابة منذ البدء كانت استجابةً عاطفيةً قائمةً على أساس الشهرة، لا على أساس التفاعل، لا على أساس التقديس الذاتي، لا على أساس القربة المباشرة لهذه القواعد الشعبية، ومن الطبيعي أن تكون هذه الاستجابة العاطفية القائمة على أساس الشهرة، وعلى أساس السوابق، وعلى أساس الفضل، ومن الطبيعي أن تكون هذه الاستجابة استجابةً ذات شوطٍ قصير، ذات موجةٍ قصيرةٍ ثمّ تبدأ بالذوبان، تبدأ بعد هذا بالتميّع حينما تصطدم بما تصطدم به أعباء الجهاد من المصالح الشخصية للأفراد.

أمّا حينما تجيء النظرية الإسلامية إلى الحياة على أعقاب تفاعلٍ واسع النطاق مع جزء كبيرٍ من الأُمّة، حينما تجيء ويكون هناك جزء كبير من الأُمّة


مقتنعاً بهذه النظرية اقتناعاً واعياً مدبّراً صحيحاً، في مثل تلك الحالة سوف لن تحتاج هذه النظرية مرّةً أخرى إلى أن تتنازل عن الحكم لكي تكسب اقتناعه، الاقتناع العاطفي هو الذي يتزحزح خلال غبار الجهاد، أمّا الاقتناع الواعي فهو الذي يتعمّق ويترسّخ خلال غبار الجهاد.

على أيّ حالٍ كانت الظروف الموضوعية وقتئذٍ تفرض هذا التلاشي وهذا الانحسار في الاقتناع حتّى فقد خطّ عليعليه‌السلام وهي النظرية الإسلامية الكاملة الصحيحة اقتناع المسمين بها، وحينما فقدت هذا الاقتناع لا بدّ لها أن تسترجعه، وكان لا بدّ لكي تسترجعه من أن تفسح المجال لأعدائها لكي يعبّروا عن ذواتهم وعن أنفسهم، ولكي يقول معاوية بالذات وبكلّ وضوح وبكلّ صراحة على المنبر الذي كان يجسّد آمال المسلمين يصعد على ذلك المنبر ويقول: إنّي حاربتكم لا لكي تصلّوا أو تصوموا، وإنّما لكي أتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم لذلك كارهون(١) .

إلاّ أنّ انحسار حكم الإمام عليٍّعليه‌السلام وإعطاء الفرصة لمعاوية أو للأعداء لكي يمارسوا وجودهم على المسرح كان يمكن أن يتمّ بطريقٍ أو بطريقين، وقف الإمام الحسنعليه‌السلام على مفترقها.

لماذا لم يختر الإمام الحسنعليه‌السلام طريق الجهاد ؟

كان يمكن أن يواصل الإمام الحسنعليه‌السلام مهمّته العسكرية حتّى يخرّ صريعاً في ميدان الجهاد، وحينئذٍ يفسح المجال لمعاوية لكي يعيش وجوده

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤: ٥٣، تاريخ الإمام الحسنعليه‌السلام ، الباب ١٩، باب كيفيّة مصالحة الحسنعليه‌السلام معاوية، الحديث٥.


كحاكم.

وكان يمكن أن يتحقّق ذلك بتجميد حركته وإيقاف العمل ضدّ معاوية.

كان يمكن أن يتحقّق بكلّ من هذين الأسلوبين، ومن هنا قد يقفز إلى الذهن هذا السؤال: أنّه لماذا لم يختر الإمام الحسنعليه‌السلام الطريق الأوّل من هذين الطريقين بعد أن كان كلّ من هذين الطريقين محقّقاً لحاجة الرسالة بالانسحاب المؤقّت لكي تكسب الاقتناع ؟ ويزداد هذا السؤال جولاناً في الذهن حينما يقارن موقف الإمام الحسنعليه‌السلام بموقف الإمام الحسينعليه‌السلام حينما وقف بين الطريقين فاختار أن يخرّ صريعاً بدلاً من أن يوقف العمل ولو مؤقّتاً.

الفرق الأساسي بين موقفي الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام :

إلاّ أنّنا قلنا ونقول أيضاً: إنّ فرقاً أساسياً كبيراً بين موقف الحسنعليه‌السلام وموقف الإمام الحسينعليه‌السلام ، سوف يتبيّن هذا الفرق على مستوى الاعتبارات الثلاثة، سوف يبرز على أساسها موقف الحسينعليه‌السلام على كلّ واحدٍ من هذه الاعتبارات الثلاثة، يبدو هناك فرق كبير بين موقف الإمام الحسنعليه‌السلام وموقف الحسينعليه‌السلام ، بين الظروف الموضوعية لموقف الإمام الحسنعليه‌السلام والظروف الموضوعية لموقف الإمام الحسنعليه‌السلام .

على مستوى الاعتبار الأوّل:

أمّا على الاعتبار الذي سوف نعالجه على مستوى الرسالة فهناك فرق كبير حتّم على الإمام الحسينعليه‌السلام أن يختار الطريق الأوّل، ولم يكن هناك هذا التحتّم للإمام الحسنعليه‌السلام ، الأمر الذي كان يتحتّم على الإمام الحسينعليه‌السلام


أن يختار الطريق الأوّل، وهو أن يواصل حتّى يخرّ صريعاً، هو أنّ الأُمّة وقتئذٍ لم تكن تعيش حالة الشكّ، بل كانت تعيش موت الإرادة وفرق بين الموضعين هناك.

هناك مرضان وجدا في الأُمّة. مرض الشكّ، وهو أنّ الأُمّة كانت قد فقدت إيمانها واعتقادها برسالية الأُطروحة، وموضوعية الأُطروحة، حينما اصطدم موقف الحسنعليه‌السلام مع معاوية، وفي مثل هذا الحال لو واصل الإمام الحسنعليه‌السلام الحرب حتّى يخرَّ صريعاً لم يحقّق شيئاً من المكاسب التي حقّقها الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّه حينما يخرّ صريعاً في الميدان والأُمّة تشكّ في دوافعه، تشكّ في نظافة رسالته، تشكّ في صحّة موقفه، تشكّ في إلهيّة أطروحته، حينما يخرّ صريعاً والأُمّة تشكّ في كلّ هذا سوف لن يفعل هذا الدم الطاهر الذي يسكب على الأرض ما فعله الدم الطاهر الذي سكب على أرض كربلاء، سوف لن يحرّك ضميراً في الأُمّة، سوف لن يغيّر شيئاً من الأوضاع الحقيقية للأمّة.

عبد الله بن الزبير أيضاً كان له موقف في وجه جيش عبد الملك بن مروان، كان له موقف يعتبر بالمقاييس الشخصية وبقطع النظر عن الرسالة كان يعتبر موقفاً بطولياً، واصل الحرب إلى أن خرّ صريعاً في الميدان، إلى أن قُتل وقُتل معه كلّ أهله وكلّ ذويه القادرين على حمل السلاح تقريباً(١) . إلاّ أن عبد الله ماذا ترك في ضمير الأُمّة ماذا حرّك في نفوس المسلمين هل استطاع عبد الله بن الزبير أن يحقّق المكسب الذي حقّقه الإمام الحسينعليه‌السلام .

عثمان بن عفّان واصل الحكم، واصل التجربة كلّما قال له أعداؤه: استقل

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٦٧.


تنحّ عن الحكم، قال: لا أنزع ثوباً ألبسني الله إيّاه !(١) ، حتّى قتل وهو يعلم أنّه لو تنحّى عن الحكم لما قتل، بذل دمه ونفسه في سبيل الحكم، لكن هل كان هناك إنسان يتجاوب مع مثل هذه الشجاعة ؟ هل استطاعت هذه الشجاعة أن تحرّك ضمير الأُمّة الإسلامية أو أن تحرّك شيئاً من أوضاع المسلمين ؟ لا، لماذا ؟ لأنّ عبد الله بن الزبير، أو لأنّ عثمان بن عفّان، أو لأنّ أيّ شخصٍ آخر من هذا القبيل كان يحارب وكان يقاتل لنفسه لا للاُمّة، وكانت الأُمّة على أقلّ تقديرٍ تشكّ في هذا، وتحتمل أنّ عبد الله بن الزبير كان يقاتل لنفسه، هل كان قد استسلم للموت لأنّه أبى الضيم، لأنّه أبى أن يطأطئ أمام عدوّه، أو أنّه واصل القتال لأجل الأُمّة، لأجل المظلومين والبائسين والمضلّلين الذين كان يحكمهم عبد الملك بن مروان ؟ الأُمّة لم تكن تعيش ذلك الاقتناع بالنسبة إلى عبد الله بن الزبير أو بالنسبة إلى أمثاله.

وهكذا ذهبت ميتة عبد الله بن الزبير دون أن تخلق أثراً حقيقياً في محتوى الأُمّة النفسي أو الفكري أو الروحي، وكان مصير مقتل الإمام الحسنعليه‌السلام نفس المصير تقريباً لو أنّه واصل القتال، لو اختار الطريق الأوّل من الطريقين والأُمّة على الحالة التي مرّ معنا، والشكّ الذي تحوّل إلى طاقةٍ إيجابيةٍ ممتدّةٍ في أوسع نطاق، كان هذا الشكّ يجعل المسلمين ينظرون إلى هذه الاستماتة من الإمام الحسنعليه‌السلام أنّها استماتة من لون استماتة أيّ شخصٍ آخر يأبى الضيم، يأبى أن يطأطئ أمام عدوّه من الناحية العاطفية، ولهذا واصل المعركة حتّى قتل... لَما حرّك هذا الدم الطاهر شيئاً من نفوس المسلمين، ولَما غيّر شيئاً من أوضاعهم

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٤٠٤.


النفسية والروحية.

بينما الإمام الحسين حينما اختار الطريق الأوّل كانت الأُمّة حين كانت القواعد الشعبية التي ترتبط بالإمام عليعليه‌السلام كانت قد تخلّصت من المرض الأوّل، من مرض الشكّ؛ لأنّ الأسطورة - أسطورة معاوية - قد تجلّت بكلّ وضوح، لأنّ الجاهلية التي كان يمثّلها معاوية قد أسفرت عن وجهها على المسرح السياسي والاجتماعي وعلم الناس بأنّ علياًعليه‌السلام كان يحارب جاهلية الأصنام والأوثان، ولم يكن يحارب مع معاوية خصماً قبليّاً أو شخصاً معادياً له بالذات، هذا عرفه المسلمون وعرفته القواعد الشعبية المرتبطة بالإمام، تخلّصت هذه القواعد الشعبية من المرض. لكنّها منيت بالمرض الثاني وهو موت الإرادة.

أصبحت الأُمّة الإسلامية لا تملك إرادتها، نعم هي تفهم أنّ عليّاًعليه‌السلام هو الطريق الواضح، هو طريق الكفاح والجهاد، أنّ عليّاًعليه‌السلام هو أرض الأُطروحة الصالحة، أنّ حكم عليّعليه‌السلام هو المثل الأعلى الذي يجب على المسلمين أن يكافحوا في سبيل تحقيقه، كلّ هذا أصبح واضحاً.

شعار ( لا نريد إلاّ حكم عليّ ) كان يتردّد على ألسنة الناس الثائرين في أكثر الثورات التي وقعت في خطّ أهل البيتعليهم‌السلام ، ولكن مع هذا لم يكن هؤلاء يملكون إرادتهم، كانوا قد فقدوا ضميرهم وإرادتهم، كانوا قد استكانوا، كانوا قد ضاعت مُثُلهم وقيمهم واعتباراتهم، لم يكن الشكّ في الكبرى، بل كان العيب في الصغرى، كانت الإرادة قد انطفأت، كانت الشعلة قد ماتت، كانت الدريهمات الصغيرة هي أكبر همّ هذا الإنسان الصغير، هذا الإنسان القزم، فكان لا بدّ من أن يحرّك ضمير هذا الإنسان لكي يسترجع إرادته.

قلت فيما سبق: إنّ أكبر وأروع تمثيل لفقدان الإرادة قول ذلك الرجل


للإمام الحسينعليه‌السلام : سيوفهم مع عدوّك وقلوبهم معك(١) . قمّة فقدان الإرادة أن يكون الإنسان حبيباً لك يحبّك ولكنّه يحمل السيف عليك، يعني قلبه لا يستطيع أن يمسك به، هذه قمّة فقدان الإرادة، حينما تبلغ الأُمّة إلى قمّة فقدان الإرادة فكان لا بدّ لشخص أن يُرجع للأمّة إرادتها، الإمام الحسنعليه‌السلام بانحساره عن ميدان الحكم وفسح المجال للأُطروحة الأخرى لكي تبرز بكلّ وضوح أبعادها أرجع للأمّة اقتناعها بموضوعيّة أُطروحة عليّعليه‌السلام ، والإمام الحسينعليه‌السلام بمواصلة الطريق الأوّل حتّى خرّ صريعاً، أرجع إلى الأُمّة إرادتها، نَبَّه الإنسان المسلم الاعتيادي الذي كان أكبر همّه هو هذه الدريهمات، والذي حوّله بنو أُميّة من إنسان يحمل هموم شرق الأرض وغرب الأرض، من إنسان يحمل هموم المظومين والممتحنين في أقصى الأرض إلى إنسان لا يعيش إلاّ همّ راتبه الشهري وهمّ مصالحه الشخصية، هذا الإنسان الذي تحوّل إلى هذا المسخ، هذا بمقتل الحسين قال: أنا الذي لا أتحرّك، أنا الذي أرى الإسلام ينتهك، أرى الشريعة تمزّق، أرى المسلمين تهدر كرامتهم، أرى الآلاف بعد الآلاف يعذّبون ويهانون ويشرّدون ثمّ أسكت، وذلك طمعاً وحرصاً على حياة رخيصة ؟!

إنّ مع هذا الرجل الذي توفّرت له كلّ مُتع الحياة، هذا الرجل الذي هو من أغنى الناس مالاً، من أكثر الناس جاهاً، هذا الرجل الذي إذا خرج إلى المسلمين يتسابق عشرات الآلاف من المسلمين إلى تقبيل يديه، هذا الرجل الذي لم يكن متعطشّاً، لا إلى شهرة، ولا إلى مجد، ولا إلى مال، كان شخصاً منعّماً، كان شخصاً لم يعش أي ظلامةٍ من الظلامات التي عاشها المسلمون؛ لأنّ معاوية لم يكن

____________________

(١) وقعة الطف: ١٥٨.


يحاول أن يمتدّ بظلمه إلى شخص الحسين مثلاً، كان معاوية يرضخ إلى شخص الحسين وأمثال الحسين من السادة الإسلاميين الكبار، كان الناس تحت السياط، أمّا الحسينعليه‌السلام لم يكن تحت السياط، لم ينله سوط واحد من تلك السياط التي نالت الناس، بالرغم من هذا خرج الحسين بنفسه، بذل دمه في سبيل أولئك الذين كانوا تحت سياط، الذين لم يفكّر واحد منهم في أن يبذل دمه في سبيل الآخرين الذين يشاركونه؛ لأنّهم تحت السياط، من هنا تحرّك الضمير الإسلامي، من هنا تحرّكت الإرادة في نفوس المسلمين، من هنا فجّر الإمام الحسينعليه‌السلام الثورة في يوم عاشوراء، وبقيت الثورة متفجّرةً على التعاقب إلى أن طاح عرش بني أُميّة.

إذن فكان هناك فرق كبير موضوعي بين الظرف الذي عاشه الإمام الحسنعليه‌السلام والظرف الذي سوف يعيشه بعد عشرين عاماً الإمام الحسينعليه‌السلام . كان هناك فرق في نوعية مرض الأُمّة. مرض الأُمّة في المرحلة الأولى كان هو الشكّ، وأمّا مرض الأُمّة في المرحلة الثانية كان هو فقدان الإرادة، وكان لا بدّ في المرض الثاني أن يختار الطريق الأوّل، بينما المرض الأوّل كان هو الشكّ لم يكن اختيار الطريق الأوّل في ظلّ مرضٍ من هذا القبيل يحقّق ذلك المكسب الذي حقّقه اختيار الطريق الأوّل من قبل الإمام الحسينعليه‌السلام . إذن فعلى أساس الاعتبار الأوّل من الاعتبارات الثلاثة التي كان يمثّلها الإمام الحسن بوصفه أميناً على النظرية على التراث الفكري على الإسلام، بوصفه خطّاً يجب أن يمتدّ مع الأجيال روحياً وجسمياً، بهذا الاعتبار كان لا بدّ أن يكسب الاقتناع بهذا الخطّ.

قلنا: بأنّ هذا الاقتناع توقّف على أن ينحسر، فكان لا بدّ أن ينحسر، لا بدّ أن يخلي الميدان لعدوّه. وكان هذا الإخلاء يكون بطريقين: إمّا أن يواصل حتّى يخرّ صريعاً في ميدان المعركة، وإمّا أن يوقف، وكان الطريق الأوّل سلبياً تجاه


المكاسب التي حقّقها الإمام الحسينعليه‌السلام حينما سلك نفس هذا الطريق. هذا كلّه على الاعتبار الأوّل.

على مستوى الاعتبار الثاني:

وأمّا على الاعتبار الثاني من اعتبارات الإمام الحسنعليه‌السلام اعتباره بوصفه أميناً على التجربة، أميناً على الواقع السياسي الحيّ الذي كان يجسّد تلك الصبغة الإسلاميّة الكاملة للحياة، بوصفه أميناً على هذه التجربة، كان لا بدّ أن يدرس موقفه ليختار أحد هذين الطريقين، أصبح واضحاً ممّا سبق أنّ التجربة كان من المستحيل أن تبقى، أن يواصل وجودها، كان من المستحيل افتراض النصر في هذه المعركة الذي هو معنى بقاء التجربة لمواصلة وجودها؛ لأنّ أيّ تجربةٍ بأُطروحة رساليةٍ تعيش مستوىً أكبر من مستوى مصالح هذا الفرد بالذات، ولا يمكن أن تواصل وجودها ولن يمكن فيما يأتي من الزمان أن تواصل وجودها إلاّ إذا كانت قد حظيت باقتناعٍ كبيرٍ واسع النطاق من قواعد شعبيةٍ قادرةٍ أن تحمل هذه التجربة، وأن تسند هذه التجربة، وأن تضحّي بدمها في سبيل هذه التجربة، أمّا حينما تفتقد التجربة هذا الاقتناع، حينما تصبح حالة الاقتناع بالنسبة إلهيا صفراً تصبح هذه التجربة مشلولةً عن العمل، وغير قادرةٍ على الدفاع عن ذاتها، وعن نفسها؛ لأنّها بِمَ تستهوي الناس ؟ هل تستهوي الناس بالمصالح إلى حدّ، وهذا خروج عن مضمونها الحقيقي.

نعم، كان بالإمكان أن يستهوي الإمام الحسنعليه‌السلام الناس عن طريق مصالحهم الخاصّة، كان للإمام أن يدخل المداخل التي دخلها معاوية، أن يشتري ضمائر الناس، أن يكتب إلى رؤساء الشام كما كتب معاوية إلى رؤساء العراق، أن


يخدع، أن يماطل، أن يكون توزيع الأموال على غير الأساس الإسلامي الصحيح.

إلاّ أنّ هذا الخروج عن المضمون الحقيقي للنظرية، إذن فكان يتوقّف بقاء التجربة ويتوقّف بقاء كلّ تجربةٍ رساليةٍ طاهرةٍ نظيفةٍ على أن يوجد هناك ناس يؤمنون بنظافتها، يؤمنون بطهارتها، مستعدّون للدفاع عنها. وحيث إنّ هذا الاقتناع لم يكن موجوداً في ظروف الشكّ الذي شرحناه فكان محتّماً ومقضيّاً على هذه التجربة أن تنتهي.

هل تنتهي بأن يواصل الإمام الحسنعليه‌السلام الطريق الأوّل ليواصل الكفاح والجهاد حتّى يخرّ صريعاً فيمسكَن أوالمدائن ، أو تنتهي بطريقٍ آخر ؟

كان لا بدّ أن تبرز مصلحة هذه التجربة بتحديد أحد الطريقين. الإمام الحسنعليه‌السلام في هذا أيضاً نجده يختلف اختلافاً كبيراً عن الإمام الحسينعليه‌السلام . الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن قائداً لتجربةٍ سياسيةٍ قائمةٍ بالفعل، لم يكن رئيساً لدولةٍ قائمةٍ بالفعل، لم يكن أميناً على حكمٍ قائمٍ بالفعل، وإنّما كان شخصاً مضطهداً في الأرض لم يكن معه إلاّ ثلّة من أصحابه.

أمّا الإمام الحسنعليه‌السلام فكان يمثّل جبهةً سياسيةً قائمةً بالفعل، إلاّ أنّ هذه الجبهة بالرغم من ضخامتها المظهرية، بالرغم من تخوّف معاوية منها، بالرغم من أنّ معاوية بقي يفكّر مئة مرّةٍ أن لا يدخل إلى ساحة المعركة، كان يشكّ، كان يحتمل أن تكون الجبهة ملتفّةً عليه إلى حدٍّ ما، هذه الجبهة بالرغم من ضخامتها الظاهرة كانت منكوبةً من الداخل، كانت فراغاً من الداخل، إلاّ أنّ هذه الضخامة الظاهرية لهذه التجربة كانت تعطي الحقّ للإمام الحسنعليه‌السلام أن يدخل مع معاوية في تحقيق أكبر قدرِ ممكن من المكسب لهذه التجربة، ولأهداف هذه التجربة ،


ولرسالة هذه التجربة.

لم يكن هناك بالإمكان أن يدخل الحسينعليه‌السلام في تحقيق مكاسب عن طريق المفاوضة السياسية مع يزيد، والحسينعليه‌السلام شخص عادي من أفراد المسلمين، بينما كان بالإمكان للإمام الحسنعليه‌السلام وهو يتزعّم جبهةً مخفيةً لمعاوية من هذا القبيل لا تزال حتّى الآن تذكّر معاوية بسيوف ليلة الهرير، هذه الجبهة كانت تذكّر معاويةَ بسيوف ليلة الهرير، كان بإمكان زعيمها أن يفرض على معاوية بعض التنازلات في مقابل إيقاف العمل مؤقّتاً، وهكذا كان في الأقرب بالنسبة إلى مصلحة هذه التجربة أن توقف، وأن تنحسر مع ضمان رجوعها ولو رسمياً وقانونياً على أن تنتهي انتهاءً كاملاً باستمرار القتال واستشهاد الإمام الحسنعليه‌السلام .

كان هناك طريقان:

إمّا أن يواصل الإمام الحسنعليه‌السلام الجهاد فيقتل دون قيد أو شرط؛ لأنّه يعلم أنّ التجربة يقضى عليها بالتمام سواء علم بذلك معاوية أو لم يعلم، فالإمام الحسنعليه‌السلام الذي يعيش الأوضاع الداخليّة في مجتمعه هو أعلم بهذا وأدرى به، ولهذا كان معنى المواصلة أن يقتل، ومعنى أن يقتل يعني: أن تنتهي التجربة دون أن يكون هناك أيّ أساسٍ بإمكانية رجوعها بعد هذا، يعني أيّ أساسٍ قانوني.

وبين أن يدخل الإمام الحسنعليه‌السلام عن طريق هذه الهيبة المظهريّة لهذه الجبهة يدخل في حديثٍ مع معاوية لاستيفاء ما يمكن استيفاؤه من مكاسب هذه التجربة، وحينها اختار الإمام الحسنعليه‌السلام الطريق الثاني، وكان لا بدّ لكلّ من يعيش ظروف الإمام الحسنعليه‌السلام أن يختار الطريق الثاني، إلاّ إذا حصل بتلك الاعتبارات العاطفية التي أدخلناها في بداية الحديث وقلنا: إنّه لا يدخل في


حساب إنسان حقّ. وهذا الإمام الحسنعليه‌السلام اشترط لمعاوية على نفسه أن ينسحب عن ميدان الحكم، ولم ينصّ هذا الشرط على نوعٍ من البيعة والتبعيّة السياسية الصريحة في الروايات الصحيحة الواردة عنهم، فلا يوجد في الروايات الواردة عن الإمام الحسنعليه‌السلام أنّه اشترط لمعاوية على نفسه البيعة والتبعيّة السياسيّة بالمعنى الذي كان موجوداً لعليّعليه‌السلام بالنسبة إلى أبي بكر وعمر وعثمان، وإنّما كان هناك إيقاف للعمل، إيقاف للمعركة والقتال، وفي مقابل هذا الإيقاف كان هناك تعهّدات اشترطها معاوية، بعض هذه التعهدات ترجع إلى الكتلة، وهذا هو الاعتبار الثالث الذي نتكلّم عنه فيما بعد، وبعضها ترجع إلى التجربة، وترجع إلى التجربة يعني ترجع إلى الحكم وإلى الكيان السياسي.

وأهمّ هذه التعهّدات: أنّه اشترط على معاوية أن لا يوصي لأحدٍ غير الإمام بالأمر من بعده. وفي روايةٍ أخرى: أن يوصي للإمام الحسنعليه‌السلام (١) ، ولهذا كان الإمام الحسنعليه‌السلام يريد أن ينحسر عن الحكم لكي يكسب اقتناع المسلمين بصحّة الأُطروحة، ثمّ لكي يضع أساساً جديداً، على هذا الأساس الجديد يمكن للأُطروحة أن ترجع مرّةً أخرى للميدان السياسي، وتصارع على أساسها على هذا الحقّ المعتضد من ناحية هذا الشرط.

وأنتم تعلمون - كما ذكرنا بالأمس - أنّه كانت هناك شكوك البعض في شرعية خلافة الإمام الحسنعليه‌السلام بالنحو الذي شرحناه، وكان هذا الشرط يقضي على كلّ شكٍّ في نظر الجماهير في صحّة خلافة الإمام الحسنعليه‌السلام ، لو كان معاوية قد أصيب بسكتة تامّة بعد هذا الشرط بشهر أو شهرين وانتهى الأمر

____________________

(١) تاريخ الخلفاء ( للسيوطي ): ١٩١، الإمامة والسياسية ( للدينوري ): ١٨٤ - ١٨٥.


لاسترجع الإمام الحسنعليه‌السلام في ذهنيّة الجماهير كلّ المبرّرات الشرعية لأنْ يحكم ولأن يُستخلف، فكان معنى هذا الاختيار تجميد التجربة مؤقّتاً، ووضع قاعدةٍ شرعيةٍ وقانونيةٍ يمكن على أساسها مواصلة الكفاح والجهاد على هذا لإرجاعها إلى مستوى الحياة، إلى مسرح الحياة، بعد أن تكون قد استرجعت الاقتناع المطلوب بها من قواعدها الشعبية التي فقدت الاقتناع في ظلّ الظروف السابقة.

إذن فعلى أساس الاعتبار الثاني أيضاً كان هذا الاعتبار الثاني يحتّم على الإمام الحسنعليه‌السلام أن يفضّل الطريق الثاني على الطريق الأوّل، بينما الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن يوجد لديه مثل هذا الاعتبار لكي يبرز طريقه على هذا الأساس.

على مستوى الاعتبار الثالث:

الاعتبار الثالث هو اعتباره زعيماً للكتلة التي بذر بذورها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ونمّاها الإمام عليعليه‌السلام . هذه الكتلة التي تمثّل الجزء الواعي من الأُمّة الإسلامية التي تسمّى اليوم بالشيعة، والتي كانت من المفروض أن تكون طليعة الأُمّة الإسلامية على مرّ التأريخ، تحمل للأجيال الإسلام بكامل صيغه ومضمونه، هذا الاعتبار الثالث أيضاً لا بدّ من إدخاله في الحساب حينما يبرز أفضل الطريقين، أفضلية الأوّل أو الثاني، وفي هذا المجال كان يبدو حينما تدرس المسألة على هذا الضوء الجديد أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الإمام الحسن والحسينعليهما‌السلام ، الإمام الحسينعليه‌السلام كان مشاركاً للإمام الحسنعليه‌السلام في هذا الاعتبار؛ لأنّ الإمام الحسين كان هو الزعيم الثالث لهذه الكتلة، كان هو


الأمين على هذه الكتلة في مرحلته كما كان الإمام الحسنعليه‌السلام هو الأمين على هذه الكتلة في مرحلته، إلاّ أنّ بينهما فرقاً، وحاصل هذا الفرق أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام كان يستقطب كلّ هذه الكتلة، بينما الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن يستقطب كلّ هذه الكتلة، الإمام الحسنعليه‌السلام كان يحارب، وكانت هذه الكتلة داخلةً ضمن إطار دولته، ولم يكن من المعقول أن يحارب رئيس دولةٍ وأن يواصل الحرب إلاّ بأن تستنفد كلّ قواه وطاقاته، وكلّ رصيده الشعبي الموجود في هذه الدولة حتّى يخرّ صريعاً.

الإمام الحسينعليه‌السلام لم يخرّ صريعاً إلاّ بعد أن استنفدت كلّ قواه الصغيرة المتمثّلة في تلك المجموعة الطاهرة حتّى خرّ الأبطال صرعى، ثمّ خرّ الإمام الحسينعليه‌السلام صريعاً.

وكيف برئيس دولة يريد أن يواصل الحرب إلى الموت ؟ كان لا بدّ لكي يواصل الحرب إلى الموت من أن يستنفد كلّ طاقاته من قواعده الشعبية، وكلّ ما يملك من هذه القواعد الشعبية، وكان معنى هذا أنّه سوف لن يبقى هناك وجود إسلامي قادر على أن يسترجع ذلك الاقتناع الذي فقد، ذلك الاقتناع بالأُطروحة عند حجر بن عدي وأمثاله، هؤلاء أوّل من يقنع بعد أن شكّ لو قلنا بأنّ حِجراً شكّ(١) .

هؤلاء الأشخاص الذين عاشوا ضدّ معاوية وقتلوا بسيف معاوية، هؤلاء هم أوّل جزءٍ من القواعد الشعبيّة التي رجع إليهم الاقتناع، وعن طريق دمهم وعن طريق إيمانهم وعن طريق اقتناعهم سرى هذا الاقتناع إلى الأكثرين، وسرى هذا

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤: ٥٧، تاريخ الإمام الحسنعليه‌السلام ، الباب ١٩، باب كيفيّة مصالحة الحسنعليه‌السلام معاوية، الحديث٦.


الاقتناع عبر الأجيال، وسرى إلينا، فكلّنا يفضّل هذا الاقتناع ويفضّل هذه الدماء ويفضّل هذا الإصرار المستميت من هؤلاء الأمناء على أُطروحتهم وعقيدتهم، غير أنّ هذا الجزء الذي كان فيه استعداد لأن يرجع إلى الاقتناع بنحوٍ أفضل، غير أنّّ هذا الجزء الأكثر ضماناً والذي كان لا يزال مقتنعاً بالفعل إلى حدٍّ ما، غير أنّ هذه الأجزاء الصغيرة التي كانت مقتنعةً بالفعل بدرجاتٍ ضئيلةٍ، لو أنّ الإمام الحسن كان قد أهدر كلّ هذه الأجزاء، قد أعطى كلّ هذه الأجزاء، إذن بهذا كان يعطي كلّ إمكانيات استرجاع هذا الاقتناع إلى الأُمّة الإسلامية. فكان لا بدّ [ من الحفاظ ] على قاعدة يمكن أن يرجع على أساسها اقتناع الأُمّة بالأُطروحة في يوم ما، ويمكن أن تسترجع اعتقادها الراسخ بأنّ خطّ عليٍّعليه‌السلام هو خطّ الإسلام استرجاعاً يدفعها إلى بذل الدم واسترخاص الروح في هذا السبيل، كان لا بدّ للإمام الحسنعليه‌السلام من أن يفكّر في حفظ أجزاء وقطاعاتٍ من هذه القاعدة الشعبية، هذا هو الذي كان يعبّر عنه بحقن الدماء، وكان يعبّر عنه بحفظ الشيعة ونحو ذلك من التعابير.

الإمام الحسين أُخذ في معزلٍ من صفوةٍ من خيرة خلق الله. إنّ هذه الصفوة لم تكن تستوعب كلّ القواعد الشعبية الواعية، ولهذا عقيب شهادته بدأت ثورة التوّابين، ثمّ بدأت الثورات الأخرى من قبل أناس كانوا يتزعّمون لعددٍ كبيرٍ من الشيعة الواعين والمؤمنين بأهداف الحسينعليه‌السلام .

ملخّص القول: إنّه كان لا بدّ للإمام الحسنعليه‌السلام أن يدرس تجربته على أساس هذه الاعتبارات الثلاثة، أو كان لا بدّ أن لا يدخل في حسابه أيّ اعتبارٍ غير هذه الاعتبارات، وقد رأينا أنّ هذه الاعتبارات الثلاثة بمجموعها ككلٍّ تشير إلى تعيين الطريق الثاني، ولا يشير شيء منها إلى تعيين الطريق الأوّل ،


فكان لا بدّ من اختيار الطريق الثاني بدلاً عن الأوّل مهما كان هذا الطريق قاسياً أو صعباً، ومهما كان فيه ألوان التحدّي للنفس البشرية الاعتيادية التي لم تعتد سلوك الحقّ في كلّ سلوكها وتصوّراتها وأفكارها ومشاعرها، إلاّ أنّ هذا الشاب العظيم الذي كان يمثّل دور الحقّ في كلّ آناته وخلجاته لم يتردّد لحظةً ولم يتأمّل لحظةً في أن يتحمّل هذا الأذى وكلّ هذا الضيم في سبيل أن يحقّق أقصى درجةٍ ممكنةٍ من المكاسب للاعتبارات الثلاثة، أو أن يبعد عن أقصى درجةٍ ممكنةٍ من الضرر.

ولهذا وعلى هذا الأساس تمّ نوع من إيقاف العمل. جسّده ذلك الموقف المشئوم في مسجد الكوفة حينما دخل معاوية إلى مسجد الإمام عليّعليه‌السلام وصعد على هذا المنبر الذي كان يجسّد آمال المسلمين وحكم الإسلام، إلى هذا المنبر الذي كان يصعده محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بوجوده الثاني، وهو عليّعليه‌السلام ، صعد عليه معاوية ليستهين بمثل هذا المنبر، وشرف هذا المنبر، وليقل صريحاً ومكشوفاً من [ بعد ] الشخص الذي كان يعيش فوق هذا المنبر كلّ هموم المسلمين وكلّ آمال المسلمين، الذي كان يعيش من فوق هذا المنبر كلّ قضيّةٍ من قضايا الرسالة، وكلّ اعتبارٍ من اعتباراتها، هذا الشخص صعد إلى هذا المنبر ليقول لكلّ الناس بكلّ وقاحة وجرأة وصراحة: إنّي حاربتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم لذلك كارهون(١) ، وكان من منطق هذه الجلسة أن يخطب كلّ الطرفين المتنازعين في هذا المسجد، لكن بِمَ يخطب الإمام الحسنعليه‌السلام في مقابل هذا النوع من الاستهتار ؟

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤: ٥٣، تاريخ الإمام الحسنعليه‌السلام ، الباب ١٩، باب مصالحة الحسنعليه‌السلام معاوية، الحديث ٥.


في مقابل ضيعة الآمال، في مقابل تهدّم كلّ ما كان يفترضه الإنسان المسلم من قيمٍ ومثلٍ واعتبارات.

ماذا يقول الإمام الحسنعليه‌السلام ؟ وبِمَ يجيب هذا الاعتداء ؟ حينما انتهى معاوية من خطابه قام فقال: يا معاوية، أنت معاوية وأنا الحسن، وأنت ابن أبي سفيان وأنا ابن علي، وأنت حفيد حرب وأنا حفيد رسول الله محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنت ابن هند وأنا ابن فاطمة، وأنت حفيد فلانة وأنا حفيد خديجة ! اللهمّ فالعن ألأمنا حسباً.

فقال الناس: آمّين(١) .

____________________

(١) الاحتجاج ٢: ٥٣ - ٥٤، وكشف الغمّة ١: ٥٧٣.


طمس معالم النظرية الإسلاميّة

وتمييع الأُمّة

وموقف الإمام الحسينعليه‌السلام من ذلك



بسم الله الرحمن الرحيم*

في استعراض حياة الأئمّةعليهم‌السلام أشرنا إلى دور سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام بعد أن عشنا محنة الهدنة التي مارسها الإمام الحسنعليه‌السلام مع خصومه من أعداء الإسلام.

الثورة على الحكم أو الحاكم التي هي: أساس موقف الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام تجاه معاصريه من أعداء الإسلام، هذه الثورة ترتبط بمفهوم الإسلام عن درجات حكم الإسلام بمعارضة الحاكم، وحكمه الشرعي الذي يتفاوت من حكمٍ إلى حكم ومن وضع حاكمٍ إلى وضع حاكمٍ آخر.

أقسام الحكم:

فإنّ الحكم الذي يعاش:

إمّا أن يكون حكماً قائماً على أساس قاعدةٍ هي الإسلام، ومعنى قيام الحكم على أساس قاعدة هي الإسلام: أنّ هذا الحكم يتبنّى الإسلام كنظريةٍ للحياة، وكأساسٍ للتشريع والتقنين، وكرسالةٍ يحملها في كلّ مجالات نشاطه

____________________

(*) ألقيت في ٢٥ شهر شوّال المكرّم ١٣٨٨ ه-.


ووجوده.

وأخرى يقوم الحكم على أساس قاعدةٍ أخرى غير الإسلام، يُقصى الإسلام عن مركزه كأساسٍ للحكم، ويفترض أنّ الإسلام لا دخل له ولا شأن له بالقيمومة على حياة الناس وتنظيمها وتدبير شؤونها، وأنّ هذه القيمومة يجب أن تعطى لقاعدةٍ فكريّةٍ أخرى من القواعد التي صنعتها الأرض، فيكون الحكم قائماً على أساس قاعدةٍ فكريةٍ كافرة؛ لأنّ أيّ قاعدةٍ فكريةٍ غير الإسلام كفر، فيكون الحكم القائم على أساس تلك القاعدة الفكرية حكماً كافراً، سواءٌ كان الإنسان الممارس للحكم مسلماً أو كافراً، إذ لا يوجد ارتباط بين إسلام الحاكم وإسلام الحكم، إسلام الحاكم بأن يشهد: أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن لا يبدو منه ما يتعارض مع إيمانه القلبي بهاتين الشهادتين. وأمّا الحكم بوصفه شخصيّةً معنويّةً فإسلامه عبارة عن ارتباطه بالإسلام، وقيامه على أساس قاعدةٍ هي الإسلام، فقد يكون الحكم كافراً وإن كان شخص الحاكم مسلماً.

إذن فبصورةٍ رئيسيةٍ يمكن تقسيم الحكم إلى قسمين:

إلى حكمٍ يقوم على أساس قاعدة قيمومة الله على الناس وخضوع الأرض لشريعة السماء، أي لقاعدةٍ هي الإسلام، فيكون الحكم حكماً مؤمناً مسلماً متعبّداً بين يدي الله تعالى.

وأُخرى يقوم الحكم على أساس قاعدةٍ أُخرى غير الإسلام، فيكون الحكم كافراً.

أقسام الحاكم في ظرف الحكم الإسلامي:

ثمّ ذلك القسم الأوّل الذي يقوم على أساس قاعدةٍ هي الإسلام يفترض فيه:


تارةً: أنّ الشخص الذي يمارس هذا الحكم يمثّل هذه القاعدة ويتبنّى هذه الرسالة. وتارةً: نفترض أنّ هذا الشخص معصوم في منطق تلك القاعدة لا يشذّ عنها في سلوكٍ أو قولٍ أو فعل، كما هو الحال في الإمام علي وأولاده المعصومينعليهم‌السلام الذين لا يشذّون عن القرآن حتّى يردوا عليه الحوض، كما شهد بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وأخرى : يمكن أن نفترض أنّ الشخص الذي يمثّل القاعدة إنساناً غير معصوم، إلاّ أنّه يستمدّ صلاحيّته هنا من وضعٍ شرعيٍّ صحيح، كما إذا افترضنا أنّ هذا الإنسان كان نائباً عن الإمام المعصومعليه‌السلام ومنسجماً مع نظرية الحكم في الإسلام.

وثالثةً : يفترض أنّ هذا الشخص الذي يمثّل القاعدة ويتزعّم التجربة ليس إنساناً معصوماً ولا إنساناً متشرّعاً، بل هو إنسان يحمل نفسه على القاعدة من دون أن تقرّه مقاييس القاعدة عن الحكم.

إذن فنحن نواجه ثلاث حالاتٍ في القسم الأوّل:

حالة يكون الحاكم فيها معصوماً بمقاييس القاعدة الإسلامية.

حالةً يكون الحاكم فيها منسجماً مع قاعدة المقاييس الإسلاميّة وإن لم يكن معصوماً، كنائب المعصومعليه‌السلام .

وثالثةً يفترض أنّ الحاكم غير منسجمٍ مع مقاييس القاعدة، إنسان لا معصوم ولا مشروع يتولّى زعامة وتمثيل القاعدة وتطبيقها، فهنا حالات ثلاث:

____________________

(١) انظر: الغدير ١: ٧٨، ٨٣، ٨٤، و ٣: ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٥، وينابيع المودّة ١: ١٢٤، ٢٦٩، و ٢: ٩٦، ٣٩٦، ٤٠٣.


أمّا الحالة الأولى : أن يقوم الحكم في المجتمع على أساس قاعدةٍ هي الإسلام، وهذه القاعدة الإسلامية تكون أساساً لحكمٍ يمارسه شخص معصوم، فمتى وقع من هذا القبيل لا يمكن افتراض الانحراف والخطر؛ لأنّ المفروض أنّ شخص الحاكم الذي تسلّم مسؤوليات قيادة المجتمع، وتطبيق النظرية الإسلامية عليه، المفروض في شخص هذا الحاكم أنّه معصوم، أي أنّه متفاعل مع الرسالة والإسلام إلى أبعد حدٍّ ممكنٍ في سلوكه وقوله وفعله، ولا يفترض فيه خطأ ولا انحراف، وبالنتيجة لا يكون لدى الأُمّة تجاه الحاكم من هذا القبيل إلاّ المواكبة لخطّه ولحركته، ولتصعيد العمل في سبيل الإسلام.

وأمّا الحالة الثانية : أن يكون الحاكم الذي يمارس حكماً قائماً على أساس القاعدة الإسلامية حاكماً مشروعاً بمقاييس تلك القاعدة، إلاّ أنّه غير معصوم كما إذا فرض أنّه كان من نوّاب المعصوم، ففي مثل ذلك هذا الحاكم ما دام ملتزماً بمقاييس تلك القاعدة لا يمكن أن نفترض فيه الانحراف؛ لأنّ الانحراف يسلب عنه صفة المشروعيّة، وإنّما يمكن أن نفترض في حاكمٍ من هذا القبيل أن يخطئ، وأن يقدّر المصلحة الإسلامية على خلاف ما هي في الواقع، أن يجتهد في موضعٍ إسلامي ولا يكون اجتهاده مصيباً للواقع.

في مثل هذه الحالة حينما يصدر الخطأ في حاكمٍ من هذا القبيل ما هو موقف من يكشف منه الخطأ من الأُمّة ؟ من يرتكب هذا الخطأ من الأُمّة لا بدّ له أن ينبّه الحاكم قدر الإمكان على خطئه، ويوضّح وجهة النظر الأخرى التي يؤمن بأنّها أكثر تمثيلاً للإسلام، وأصدق تعبرياً عن حاجات الرسالة والأُمّة في ذلك الوقت، فإن أمكن تنبيه الجهاز الحاكم إلى ذلك الخطأ فهو، وإن لم يمكن تنبيهه إلى ذلك، أي بقي الجهاز مصرّاً على وجهة نظره ففي مثل ذلك لا بدّ للأمّة من اتّباعه ،


من اعتقد منهم خطأه، ومن اعتقد منهم صوابه، ما لم يتغيّر الحاكم بظروفٍ أخرى؛ وذلك لأنّ معنى الحاكمية والولاية هو إنفاذ تقديره للأمور، وكون تقديره للأمور هو التقدير المحكم على الأُمّة من دون أن يسمح لكلّ فردٍ من أفراد الأُمّة أن يعمل بتقديره، ويتصرّف حسب تقديره للموقف.

وأمّا الحالة الثالثة وهي: أن يكون الحاكم قائماً على أساس قاعدةٍ هي الإسلام ولكن شخص الحاكم منحرف، كما هو الحال في الخلفاء الذين اغتصبوا الخلافة من الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وإلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ فإنّ الحكم الذي كان هؤلاء يمارسونه كان حكماً قائماً على أساس قاعدةٍ إسلامية، إلاّ أنّ هؤلاء الأشخاص الممارسين لهذا الحكم كانوا متحدِّين بوصفهم، بوجودهم في أكثر الحكم لمقاييس تلك القاعدة ولاعتبارتها في تعيين الحاكم.

فهنا الانحراف في شخص الحاكم ولا انحراف في القاعدة.

ظروف انحراف الحاكم:

وفي هذه الحالة يوجد ظرفان:

الظرف الأوّل : أن يشكّل هذا الانحراف الموجود عند الحاكم خطراً على القاعدة، وأنّها بالرغم من أنّ الحكم قائم على أساس القاعدة إلاّ أنّ بعض ألوان الانحراف وأشكاله وبعض مؤامرات المنحرفين تشكّل خطراً على كيان القاعدة ذاتها.

وأخرى : يفرض أنّ هذا الانحراف بالرغم من كونه خروجاً جزئياً على القاعدة إلاّ أنّه لا يشكّل خطراً على القاعدة وعلى المعالم الرئيسية للمجتمع الإسلامي.


فإن كان هذا الانحراف الذي يمارسه الحاكم ممّا لا يشكّل خطراً رئيسياً على القاعدة ومعالم المجتمع الإسلامي ففي مثل ذلك يتحقّق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بدّ للأمّة أن تمارس حقّها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه، وأيضاً من ناحيةٍ أخرى تمارس حقّها في الدفاع عن حقوقها، لو افترضنا أنّ انحراف الحاكم كان يمسّ حقوق الأُمّة حينئذٍ من حقّ الأُمّة ككلٍّ أن تمارس حقّها الشرعي في الدفاع عن حقوقها، كما أنّ أيّ شخصٍ يتعرّض لظلمٍ من شخصٍ آخر، محاولة سرقة من شخص آخر مثلاً فمن حقّه أن يدافع عن نفسه وعن ماله وعن كرامته في مقابل ذلك، في حدود هذين الحكمين: الحكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم بجواز دفع الظلم عن الإنسان.

أمّا إذا افترضنا أنّ هذا الانحراف كان يشكّل خطراً على القاعدة ذاتها وعلى المعالم الرئيسية للشخصية الإسلامية للمجتمع ففي مثل ذلك يصبح الحكم حكماً جهادياً؛ لأنّ الرسالة - في ظلّ انحرافٍ من هذا القبيل - افترضنا أنّها في خطر، وكونها في خطر يعني لزوم الحفاظ عليها مهما كلّف الأمر، فلا بدّ في مثل هذه الحالة من مقاومة انحراف هذا الحاكم في الحدود التي لا بدّ لإيقافه ولتخليص القاعدة الإسلامية من خطر هذا الانحراف.

هذه هي أحكام الحالات الثلاثة التي صنّفها إليها القسم الأوّل.

الإسلام في ضوء الحكم الكافر:

وأمّا القسم الثاني: وهو ما إذا كان الحكم قائماً على أساس قاعدةٍ كافرةٍ، من البدء لم يكن الحاكم يمارس حكمه على أساس الإسلام سواء كان محقّاً أو


مبطلاً، بل كان يمارس الحكم على أساس نظريةٍ من نظريات الجاهلية البشرية التي وضعها إنسان الأرض، في مثل ذلك يصبح الحكم كافراً، ويصبح الخطر على الإسلام مخيفاً حتماً، ولا يمكن في مثل هذه الحالة أن نفترض ظرفين: أن نفترض ظرفاً يكون الانحراف مهدّداً للإسلام. وظرفاً آخر يكون الإسلام في منجىً من الانحراف. هذا غير ممكنٍ هنا؛ لأنّ معنى أنّ الحكم يقوم على أساس قاعدةٍ من قواعد الجاهلية البشرية، معنى هذا الحكم: أنّه يتبنى هذه القاعدة، ويدافع عن مفاهيمها وأفكارها، ويبشّر بأطروحتها وصيغتها في الحياة، وهذا تعبير آخر عن أنّ هذا الحكم يجنّد كلّ طاقاته وإمكانياته كحكمٍ لإبعاد الأُمّة عن رسالتها الحقيقية، والفصل بينها وبين مفاهيم دينها، وهذا هو الخطر الماحق الذي يهدّد الإسلام، ففي مثل هذا القسم يكون الحكم دائماً مشابهاً للظرف الثاني الذي وجدناه في الحالة الثالثة من القسم السابق.

انسحاب خطّ الإمام عليّعليه‌السلام مؤقّتاً عن الميدان:

على ضوء هذا الفهرست العامّ للأحكام لا بدّ أن نعيش الآن لحظاتٍ مع سيرة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، وقد تركنا في المحاضرات السابقة خطّ الحسن وخطّ عليٍّعليه‌السلام ، وقد انسحب عن الميدان وعن المعترك السياسي مؤقّتاً في هدنةٍ أعلنها الإمام الحسنعليه‌السلام ومعاوية، وقد تبيّنا في المحاضرات السابقة أنّه هذه الهدنة كانت نتيجة عجزٍ كاملٍ من قيادة خطّ الإمام عليعليه‌السلام على مواصلة تجربتها وأطروحتها نتيجةً لأسباب متعدّدة، ولتفاقم وتضاعف الشكّ، الشكّ الذاتي لدى الأُمّة الإسلامية والقواعد الشعبية التي كانت تعتمد عليها تجربة الإمام


عليعليه‌السلام ، هذه القواعد تضاعف باستمرارٍ - ووفق ظروفٍ شرحناها - تضاعف شكّها في هذه القيادة، حتّى أصبحت هذه القيادة غير قادرةٍ على مواصلة خطّ جهادها قبل أن تكشف أعداءها.

ولهذا كان من المحتوم أن يتوقّف العمل السياسي والعسكري الواضح الصريح مدّةً من الزمن لكي تسترجع قيادة الإمام عليعليه‌السلام ثقة الجماهير بها وإيمانها، وأنّها تدافع عن أُطروحة الله في الأرض، تدافع عن رسالة السماء، كان لا بدّ لكي تعبّأ الجماهير، هذه الجماهير التي لم تكن تُعبّأ إلاّ على مستوى الحبّ كان لا بدّ أن تعيش على مستوى الحسّ الأُطروحة المقابلة.

وهكذا كان، وخلال المدّة التي حكم فيها معاوية تكشّفت فيها أُطروحة معاوية، تكشّف فيها أُطروحة هذه الجاهلية التي تزعّمها معاوية بن أبي سفيان، حتّى أنّه في يوم مات فيه معاوية، حينما صعد الضحّاك على المنبر لينعى للمسلمين خليفتهم، وكان يزيد مسافراً، وحينما صعد يزيد نفسه على المنبر ليعلن نبأ وفاة أبيه لم يستطع لا الضحّاك - ولا يزيد بنفسه - أن يمدح معاوية بكلمة واحدة، قال: إنّ معاوية قد مات قد مات ذهب هو وعمله(١) ، يزيد بن معاوية يقول هذا الكلام.

خطّة معاوية لتثبيت حكمه:

معاوية بن أبي سفيان فقد كلّ رصيده الروحي وكلّ المبرّرات الاصطناعية التي كان يحاول تزييفها في نفوس المسلمين، حتّى أنّ وليّ عهده لم يستطع أن

____________________

(١) وقعة الطفّ: ٧٠.


يترحّم عليه أو أن يشايع عهده بكلمة ثناءٍ واحدة.

معاوية حينما سيطر على العالم الإسلامي نتيجةً للهدنة التي شرحناها، بدأ يعمل من أجل تثبيت أطروحته وخطّه وقيادته؛ قام بعملين:

أحدهما : على مستوى النظرية لطمس معالم النظرية الإسلامية الحقيقية.

وبعملٍ آخر : على مستوى الأُمّة لتمييع الأُمّة وجعلها تتعوّد على التنازل عن وجودها وكرامتها وإراداتها في مقابل الحاكم.

أمّا العمل على المستوى الأوّل ، على مستوى النظريّة، والقضاء على النظرية الإسلامية الحقّة التي كان يمثّلها جناح الإمام عليعليه‌السلام والقواعد الواعية من أبنائه النسبيّين أو الروحيين في الأُمّة الإسلامية، كان يحاول أن يقضي على هذه النظرية عن طريق شراء الأكاذيب من الأشخاص الذين كانوا على استعداد للكذب في الحديث على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن ناحية أخرى: بممارسة ضغطٍ على الآخرين ليسكتوا عن المفاهيم والأفكار التي هي تعبير عن شعار هذه النظرية في الحكم، وعن أسلوبها في القيادة. بعث معاوية إلى ولاته وحكّامه في مختلف أقطار العالم الإسلامي: أنّه برئت الذمّة ممّن يتكلّم بشيء عن خطّ الإمام عليعليه‌السلام (١) .

ومن ناحيةٍ أخرى وضع كلّ وسائل الإغراء والترغيب في سبيل أن يتبارى الكذبة في النقل عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في تبريكات رسول الله للوضع المنحرف وللسقيفة ولتبعات السقيفة ولمضاعفات هذه السقيفة، كلّ هذا كان يحاول فيه أن يطمس النظرية ذاتها، لا أن يكون حاكماً فقط، بل أن يشلّ من الأُمّة الإسلامية

____________________

(١) شرح نهج البلاغة ٣: ١٥ عن كتاب الأحداث للمؤرّخ المدائني.


آخر أملٍ في أن ترتبط بأُطروحة صحيحةٍ عن الإسلام، في أن يجعلها تعيش الإسلام في هذا الثوب أو البرقع الذي برقع فيه معاوية جاهليّته والراسب الجاهلي. هذا على مستوى النظريّة.

وأمّا على مستوى الأُمّة فإنّه أيضاً مارس ألواناً كثيرةً من الإذلال للأمّة وتمييع شخصيّتها وصناعة الضغائن والأحقاد القومية والإقليمية والقبلية في داخل العالم الإسلامي، فأشغل هذه الأُمّة القائدة الرائدة التي من المفروض أن تحمل هموم البشرية على وجه الأرض، هذه الأُمّة أشغلها بأرخص الهموم وأتفه الهموم، بأضيق النزاعات والخلافات فيما بينها لكي يواصل حكمه، ولكي يعيش على النحو الذي يحلو له.

وإذا بابن الأُمّة الإسلامية الذي كان يزحف إلى طاغوت كسرى ليقول له: نحن لم نأتِ إليك طمعاً في غنمك ولا في دراهمك ودنانيرك، وإنّما جئنا لأنّ مظلوماً في بلادك نريد أن نخلّصه من الظالم، ولأنّ انحرافاً في بلادك نريد أن نعيده إلى طبيعة التوحيد.

ابن الأُمّة الإسلامية الذي كان يعيش هموم المظلوم في أقصى بلدٍ لم يعرفه ولم يره بعينه هذا ينقلب بين عشيّة وضحاها بفعل هذه المؤامرة إلى شخصٍ لا تهمّه إلاّ الدراهم التي يقبضها في نهاية الشهر أو في السنة ثلاث مرّات، تحوّل رؤساء العشائر في الكوفة ذاتها إلى عيونٍ ورقباء على خطّ الإمام عليعليه‌السلام ، كانوا يشون بشبابهم وأولادهم الذين ينفتحون على خطّ الإمام عليعليه‌السلام فيقادون قسراً إلى القتل والسجن.

هذه هي مؤامرة معاوية بن أبي سفيان على مستوى النظرية وعلى مستوى الأُمّة.


وكان لا بدّ للإمام الحسينعليه‌السلام أن يتّخذ موقفاً تجاه هاتين المؤامرتين.

موقف الإمام الحسينعليه‌السلام تجاه تآمر معاوية:

موقفهعليه‌السلام على مستوى النظريّة:

أمّا الموقف الذي اتّخذه تجاه المؤامرة الأولى على النظرية: فقد جمع الإمام الحسينعليه‌السلام في أحرج اللحظات وأشدّ الظروف من تبقّى من المهاجرين والأنصار في موقف عرفات، في ذلك الموقف الذي يتورّع فيه أيّ إنسانٍ مسلمٍ اعتياديٍّ عن أن يكذب على الله أو على رسوله، أو أن لا يؤدّي الأمانة كما هي، جمع البقيّة الباقية من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم من حملة تراث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ووقف فيهم خطيباً، وقال ما مضمونه: إنّ تراث النبيّ وإنّ مفهوم الإمام عليّ يعيش الآن في خطر، وعليكم أن تنقذوا هذا التراث وهذا المفهوم من الخطر، وإنقاذهم ذلك بأن تشهدوا بكلّ ما سمعتم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الخطّ، ولو تحمّلتم في هذا السبيل كلّ ما تحمّلتم من وسائل الإخافة والتهديد والحرمان من قبل طاغوت هذا الزمان(١) .

هؤلاء البقية الباقية من المهاجرين والأنصار الذين استجابوا لدعوة الإمام الحسينعليه‌السلام هدّدهم الإمام الحسينعليه‌السلام وحدّثهم عن هذه المظلومية التي يعيشها خطّ الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهزّهم في موقف عرفات ويوم عرفة الزمان والمكان والشخص، فثار هؤلاء، وانطلقت ألسنتهم بالحديث مع المسلمين، فكان يقف كلّ واحدٍ منهم تلو الآخر وينقل ما يتذكّره وقتئذٍ من أحاديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

(١) الاحتجاج ٢: ٨٧ - ٨٨.


وكلّ حديثٍ من هذه الأحاديث كانت قيمته الواقعية والنفسية وقيمته الموضوعية أكير بكثيرٍ من مئاتٍ من الروايات التي تنقل في الحالة الاعتيادية؛ لأنّ هذا حديث يتحدّث به إنسان وأمامه جبروت معاوية وسيف معاوية وسيف معاوية وظلم معاوية بن أبي سفيان، بهذا استطاع الإمام الحسينعليه‌السلام أن يثبت معالم النظرية، وأن يرسّخ في أذهان الأُمّة الإسلامية أنّه لا يزال هناك بقية من تراث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله . يعبّرون عن الخطّ الصالح، ويتحدّون بذلك سيف الحاكم وجبروت هذا الحاكم. هذا على مستوى النظرية.

موقفهعليه‌السلام على مستوى الأُمّة:

موقفه على مستوى الأُمّة: هذه الأُمّة التي شفيت من مرضها الأوّل، أو بدأت تشفى، ولكنّها مُنيت بمرضٍ آخر، مرض الشكّ شفيت منه أو كادت أن تشفى، استطاع الإمام الحسنعليه‌السلام بذلك المعترك السياسي مؤقّتاً أن يعطيها فرصةً لتجد بأمّ أعينها أبعاد المؤامرة وحدودها، وواقع معاوية وما يمثّله معاوية من أفكارٍ ومفاهيم، استطاعت أن تعرف ذلك، فأصبحت الأُمّة الإسلامية تلعن معاوية، وأصبحت تعيش علي بن أبي طالب، ثبت من أعلى(١) كأملٍ، كحكمٍ، كرجلٍ قد مرّ في تأريخ هذه الأُمّة، ثمّ وقعت بعده في أشدّ المصائب والنكبات والويلات، أصبحت تعيش هذه الأزمة تجاه واقعها، وهذه العاطفة تجاه ماضيها، هذا شفيت منه، لم يبق هناك إلاّ أغبياء ممّن في ظنّه أنّ عليّ بن أبي طالب كان يعمل لنفسه، كان يعمل لزعامته، كان يعمل لقبيلته، فأصبح واضحاً أنّ

____________________

(١) كذا في الأصل.


معركة عليعليه‌السلام مع معاوية كانت معركة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع الجاهلية التي اضطرّت أن تلبس الإسلام ثوباً لها لكي تبرز من جديد على المعترك السياسي. هذا أصبح واضحاً.

إلاّ أنّ الأُمّة نتيجة لمؤامرة ابن أبي سفيان - بعد أن نجحت هذه المؤامرة وبعد أن تنازلت الأُمّة عبر هذه المؤامرة عن وجودها وعن شخصيّتها - مُنيت بمرضٍ آخر، وهذا المرض الذي هو أدهى وأمرّ، هو أنّها فقدت إرادتها وفقدت بذلك أن تقول كلمتها، أصبحت تدرك لكنّها لا تستطيع أن تتخلّص، أصبحت تتألّم لكنّها لا تستطيع أن تنبثق؛ لأنّ هذه الأُمّة رخص عندها كلّ شيء إلاّ حياتها المحسوسة، إلاّ هذه الأنفاس التي تعلو وتهبط، في ذلٍّ وفي عبوديةٍ وفي حرمان، غاية همّ إنسانٍ من هؤلاء أن يحافظ على هذه الأنفاس لكي يصل إلى نهاية الشهر ثمّ يقبض عطاءً عن يدٍ وهو صاغر من عاملٍ من عمّال بني أميّة، ماتت الأُمّة، وماتت الإرادة، وماتت تلك الأُمّة الشامخة التي أعدّها لكي تمثّل خلافة الله في الأرض.

مظاهر موت الضمير وفقدان الإرادة:

وسير وقعة سيّد الشهداء، وسير قصّة الشهداء فيه مئات الشواهد على هذا الموت، على فقدان الأُمّة بفقدان الإرادة، فسيّد الشهداء يعتزم أن يتحرّك، يعتزم أن يسافر من المدينة إلى مكّة، ثمّ يعتزم بعد هذا أن يسافر من مكّة إلى العراق فيتبارى الأشخاص يأتون إليه من كلّ جانب، يأتي إليه عبد الله بن عبّاس(١) ،

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٤٨ - ١٥٠.


يأتي إليه عبد الله بن جعفر(١) ، يأتي إليه عبد الله بن عمر(٢) ، يأتي إليه نساء بني هاشم(٣) ، يأتي إليه عبد الله بن الزبير(٤) ، يأتي إليه مختلف الأشخاص من مختلف الطبقات يقولون له: الله الله في دمك لا تخرج إنّك تقتل، أصبح القتل شيئاً مخيفاً مرعباً مذهلاً لا يمكن التصوّر فيه.

عبد الله بن جعفر ابن عمّ الحسين من قبيلة الحسين يبعث برسالةٍ إلى الإمام الحسينعليه‌السلام مع ولديه: أرجوك أن تمسك عن الحركة حتّى آتيك، فإنّي آتيك قريباً.

يأتي عبد الله بن جعفر بكتاب أمانٍ من والي يزيد على مكّة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام يستأمنه، يقول للإمام: ما دمت في أمانٍ هنا فلماذا تسافر ؟ !

أصبح الشخص لا يفكّر إلاّ في أن يكون في أمان، أن يكون دمه في أمان وأن يكون ماله المحدود في أمان، ثمّ ماذا عليه ؟! ماذا عليه من الأُمّة ؟! من الإسلام ؟! من الأهداف الكبيرة ؟! من الهموم العظيمة ؟! ما دام هو في أمان، ما دام يعيش في أمانها في ظلّ السلاطين، وهؤلاء الطغاة الجبابرة.

قالعليه‌السلام : أنا لا أعيش في أمانٍ من أمر هذه الأمّة يا عبد الله، فقال: يا سيّدي، أخاف أن تقتل إذا خرجت، قالعليه‌السلام : وإنّي أعلم سوف أُقتل. سكت عبد الله بن جعفر(٥) .

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٥٤.

(٢) أمالي الصدوق، المجلس ٣٠، والملهوف على قتلى الطفوف: ١٧.

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام للمقرّم: ١٥٢.

(٤) وقعة الطفّ: ١٤٧.

(٥) راجع: وقعة الطفّ: ١٥٤ - ١٥٥.


قصّة مسلم شاهد آخر لموت إرادة الأُمّة. مسلم بن عقيل حينما اضطّر إلى مراجعة الأحداث، حينما يجيء عبيد الله بن زياد ويخطّط للاشتباك في معركةٍ مع مسلم ويقضي على مسلم، مسلم خرج إلى الجامع يريد أن يصلّي مع شيعته، تقول الرواية: بأنّ واحداً تلو الآخر من هؤلاء كان ينسحب، يأتي إليه أخوه أو أبوه أو أُمّه أو أُخته تقول: أنت ما عليك وشغل السلاطين ؟! هذا شغل السلاطين، أنت ذاهب إلى عملك، إلى شغلك، إلى كسبك، إلى متجرك، هؤلاء - مسلم وعبيد الله بن زياد - سلاطين فيما بينهم يتعاركون ويتخالفون، أنت ذاهب إلى حظّك(١) .

أصبح الإنسان لا يعيش إلاّ هذا الوضع المحدود، لا يعيش الإنسان إلاّ مصالحه الخاصّة، فكان لا بدّ في وضع من هذا القبيل، ماتت فيه الإرادة، كان لا بدّ فيه من هزّ ضمير الأُمّة وإحياء هذه الإرادة وإعادتها من جديد.

هزّ الضمير وإحياء الإرادة:

وهكذا قرّر الإمام الحسينعليه‌السلام أن يخرج لمواجهة هذه المؤامرة على شخصيّة الأُمّة محاولاً بذلك، لا أن يقضي على السلطان السياسي لبني أُميّة، فإنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان يحتمل أن يوفّق للقضاء على السلطان السياسي لبني أُميّة على ما يبدو من الروايات لمجرّد احتمالٍ بدا لا أكثر، وإلاّ كانت الأخبار العامّة توضّح له بأنّه سوف يقتل، والظروف الموضوعية كانت كلّها توضّح له أنّه سوف يقتل، وكيف يمكنه أن يتغلّب على السلطان السياسي لبني أُميّة وهو يعيش

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٢٥.


في أمّة ميّتة ؟

كان لا بدّ لشخصٍ هو أبعد هؤلاء الناس عن الظلم وعن الغبن في مصالحه الشخصيّة، كان لشخصٍ من هذا القبيل أن يثأر لظلم المظلومين؛ لكي يحسّ هؤلاء المظلومين بأنّ هناك هدفاً أكبر من هذه الحدود الصغيرة، الحسينعليه‌السلام لم يعش هذا الظلم الفردي الذي عاشه كلّ مسلمٍ ومسلمة؛ لأنّ الحسينعليه‌السلام كان أعزّ الناس جاهاً وأمنعهم جانباً، ومن أكثرهم مالاً وأوسعهم حياةً، كلّ الدنيا كانت متوفّرةً للحسينعليه‌السلام وكلّ المسلمين كانوا يحوطون الحسينعليه‌السلام بكلّ تجليلٍ وتقديسٍ وتكريم، لم يكن بحاجةٍ إلى جاه وإلى مالٍ وإلى تكريم، لم يكن يعيش أيّ ظلمٍ من بني أُميّة، كان خلفاء بني أُميّة يجاملونه ويدارونه ويخشونه ويخافونه. لكنّه بالرغم من هذا تحرّك ولم يتحرّك أولئك الذين التهبت السياط فوق ظهورهم، تحرّك لكي يحسّ أولئك الذين التهبت السياط فوق ظهورهم أنّهم لا بدّ أن يتحرّكوا.

وقد استطاع الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحاول أن يُشعر الأُمّة باستمرارٍ أنّه يتحرّك وهو يعلم أنّه مقتول، يتحرّك وهو يعلم أنّه يستشهد، في المدينة قال للمحتجّين عليه بأنّه سوف يقتل في مكّة، وقف خطيباً يودّع بيت الله الحرام وقال بأنّه سوف يقتل؛ لكي يجعل الأُمّة تعيش هذه الأسطورة، أسطورة أنّ شخصاً يتقدّم نحو الموت وهو ثابت الجأش، قوي القلب، واضح اليقين في أنّ هذه الطريق يريدها الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

إذن فالموت ليس خطراً إذا كان هذا الموت هو طريق إنقاذ المسلمين، هو طريق تخليص الأُمّة من مؤامرة الجبابرة والطواغيت، كان يشيع في نفوس المسلمين أنّ الموت شيء هيّن في سبيل هذه الأهداف الكبيرة، نعم


أنا سوف أموت، نعم أنا سوف اُقتل على أيّ حال، سوف اُقتل لأنّ هذا طريق واجب، لا بدّ لي أن أسلك هذا الطريق لكي أستطيع بذلك أن أُؤدّي الأمانة. هذا من ناحية.

ومن ناحيةٍ أحكم كلّ ظروف حركته بشكلٍ لا يبعث في ذهن هذه الأُمّة المسلمة المائعة أي نقدٍ في أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام استعجل الظروف، أو أنّه استبق أوانه، تحرّك بحركةٍ ابتدائية بدون مبرّر، حشّد كلّ المبرّرات المنطقية والمعقولة لحركته، لم يكن هناك إنسان يمكنه أن يقول: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قد استعجل الموقف قبل أن يتأكّد من الظروف.

كيف يقال: إنّه استعجل الموقف قبل أن يتأكّد من الظروف وقد بقي في مكّة طويلاً والكتب تأتي ولا يجب عليها، إلى أن اجتمعت عنده آلاف من الكتب، وبعد هذا أيضاً لا يجيب جواباً قاطعاً، يبعث ابن عمّه مسلم بن عقيل، لا يوصيه بقتالٍ، ولا بحرب، وإنّما يوصيه أن يذهب إلى الكوفة ليرى أنّ أهل الكوفة هل هم مزمعون حقيقةً على أن يبايعوا خطّ الإمام عليّعليه‌السلام ، وعلى أي يضحّوا في سبيل خطّ الإمامعليه‌السلام ؟

يذهب مسلم بن عقيل إلى الكوفة، يبقى الإمام الحسينعليه‌السلام في مكّة، حتّى يبعث إليه مسلم بن عقيل مؤكّداً أنّ جميع أهل الكوفة وشيوخ أهل الكوفة قد اتّفقوا على زعامتك وإمامتك وقيادتك وهم لك منتظرون(١) ، كلّ هذه الظروف هيّأها الإمام الحسينعليه‌السلام وصبر حتّى يتهيّأ؛ لكي لا يبقى هناك نقد لمنتقدٍ، لكي لا يقول شخص يريد أن يخلق المبرّرات بأنّ الحسينعليه‌السلام استعجل.

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١١٣.


الحسين لم يستعجل.

من ناحية ثالثة: أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام حشّد كلّ الظروف العاطفيّة في حركته أيضاً؛ كي يستعين بهذه الظروف العاطفيّة في سبيل أن يهزّ ضمير الأُمّة. لعلّ ذاك الشخص لم يفهم، لعلّ عبد الله بن عمر(١) لم يفهم حينما قال له الإمام الحسينعليه‌السلام : إنّي أعلم سوف اُقتل. قال له عبد الله بن عمر يا سيّدي ما بال النسوة ؟ لماذا تأخذ معك حريم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ قال: لأنّ الله أراد أن يراهنّ سبايا(٢) .

ولم تكن هذه الإرادة إرادةً تكوينيّة، وإنّما كانت إرادةً تشريعية، يعني أراد أن يصحب معه النسوة من حريم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى يشاركن في المحنة، ويشاركن في اعتداء طواغيت بني أُميّة؛ لكي يكون هذا عاملاً مساعداً في هزّ ضمير الأُمّة، هذه الظروف العاطفيّة أيضاً حشّدها باستمرار، وكان يحاول باستمرار أن يستثير كلّ من يجده، حتّى عبد الله بن عمر، حتّى أعداءه وخصومه بعد أن قال:

يا عبد الله بن عمر لا تترك نصرتي(٣) ، يعني: ليست نصرتي بأن تقبّلني(٤) وأن تكرمني، وإنّما نصرتي بأن تمشي في خطّي، بأن تبذل دمك في الخطّ الذي أبذل فيه دمي، أمّا التقبيل، أمّا هذا النوع من التكريم الرخيص هذا ليس له قيمة عند

____________________

(١) الظاهر أنّ هذا الحوار جرى بين الإمام ومحمّد بن الحنفيّة، لا عبد الله بن عمر.

(٢) بحار الأنوار ٤٤: ٣٦٤، تاريخ الحسين بن عليّعليه‌السلام ، الباب ٣٧، باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس الناس ليزيد.

(٣) الملهوف على قتلى الطفوف لابن طاووس: ١٧، وفيه: يا أبا عبد الرحمن اتّقِ الله ولا تدعنّ نصرتي !

(٤) أمالي الصدوق، المجلس ٣٠.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يحاول أن يهزّ ضمير الأُمّة، يهزّ ضمير كلّ فردٍ من أفراد الأُمّة، لكنّ الأُمّة كانت في سبات، هذه الأُمّة التي ماتت إرادتها.

عبيد الله بن الحرّ الجعفي الذي وصل إلى منزلٍ من المنازل وكان الإمام الحسينعليه‌السلام في ذلك المنزل، واطّلع الإمام الحسينعليه‌السلام على أنّ عبيد الله بن الحرّ الجعفي، وعبيد الله بن الحرّ الجعفي له سوء سابقة في تأريخ جهاد الإمام عليعليه‌السلام ، لكنّ الإمام الحسينعليه‌السلام حاول أن يهزّ ضميره، بعث إليه برسول. ذهب رسول الإمام الحسينعليه‌السلام إلى عبيد الله بن الحرّ الجعفي قال له: جئتك بالكرامة، جئتك بكرامة لا يوجد فوقها كرامة بأن تستشهد بين يدي ابن رسول الله، إنّ الحسين يدعوك لنصرته، والاستشهاد بين يديه فظهر الغضب في وجه عبيد الله ابن الحرّ الجعفي والضيق وقال: إنّي خرجت من الكوفة خوفاً من أن يأتي الحسين وأن تقوم المعركة، ويتأزّم حينئذٍ موقعي، خرجت فراراً من أن أعيش هذه اللحظة التي جعلتني أعيشها الآن، ثمّ اعتذر من الاستجابة للإمام الحسينعليه‌السلام .

الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكتفِ بهذا، قام بنفسه وجاء إلى عبيد الله بن الحرّ الجعفي يستصرخه ويطلب منه، ويحاول أن ينفذ إلى أعماقه، أن يحرّك ضميره ووجدانه، أن ينبّهه إلى الأخطار التي تكتنف الرسالة والإسلام، يقول الناقل: ما رقّ قلبي كما رقّ يومئذٍ والحسينعليه‌السلام حوله الصبية من أطفاله يطوفون به، ويمشي إلى عبيد الله بن الحرّ الجعفي يستصرخه ويناديه، فيعتذر عبيد الله بن الحرّ يقول له: هذه فرسي خذها بدلاً عنّي.

يقولعليه‌السلام إنّي لست بحاجةٍ إلى فرسك، إن كنت قد بخلت بدمك على الإسلام فلا حاجة في فرسك، لكن عندي وصيّة قال: وما الوصيّة ؟


قال: إن قدرت على أن لا تسمع واعيتنا فافعل؛ لأنّه ما سمع واعيتنا شخص ثمّ لم ينصرنا إلاّ أكبّه الله على وجهه يوم القيامة في جنّهم(١) .

وهذه الواعية واعية الإمام الحسين، واعية الإسلام، لأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام استشهد في سبيل الإسلام، ولم يكن يعيش تلك اللحظة إلاّ للإسلام، فواعية الإمام الحسينعليه‌السلام هي واعية الإسلام، والأخطار التي كان من أجلها يضحّي الإمام الحسينعليه‌السلام وقتئذٍ هي الأخطار التي تعيشها الأُمّة الإسلامية عبر كلّ هذه القرون إلى يومنا هذا.

قتل الإمام الحسينعليه‌السلام واستشهد في سبيل الحيلولة دون الأخطار التي عاشها المسلمون ويعيشونها إلى يومنا هذا.

إنّ واعية الحسينعليه‌السلام لم تنقطع يوم عاشوراء، إنّ واعية الحسينعليه‌السلام حيث إنّها واعية رسالية، وليست واعية شيخ عشيرةٍ أو قبيلة، فواعية الرسالة لا تنقطع ما دامت الأخطار تكتنف هذه الرسالة، وقد قال هذا الإمام الشهيد الصادق: إنّه ما سمع واعيتنا شخص ولم ينصرنا إلاّ أكبّه الله على وجهه يوم القيامة.

نحن يجب علينا أن نعرف أنّ هذه الواعية نواجهها اليوم كما واجهها عبيد الله بن الحرّ الجعفي. إن لم نواجهها من فم الحسينعليه‌السلام فنواجهها من دم الحسين، ومن تأريخ الحسين ومن بطولة الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء ومواقفه المتعدّدة. نواجه هذه الواعية من كلّ الأخطار التي تكتنف الرسالة، وتكتنف الإسلام، وتكتنف الأُمّة الإسلامية من كلّ صوبٍ وحدب، كلّ هذا

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٧٦.


الضياع في القيم والأخلاق في المبادئ والمثل، كلّ هذا التمييع كلّ هذا هو واعية الإسلام.

نحن نواجه هذه الواعية في كلّ مكان، في كلّ زمانٍ من كلّ صوب وحدب.

إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام حينما ثار حينما بدأ يبذل دمه في سبيل الإسلام لأن يواجه بداية خطٍّ من الانحراف، هذا الخطّ نحن الآن نعيش قمّته، نعيش أمّته، نعيش كلّ تصوّراته، كلّ أبعاده.

إذن فواعية الإسلام اليوم أوسع وأكبر، ونحن وأيّ فردٍ من المسلمين لا يزال اليوم مدعوّاً كما كان عبيد الله بن الحرّ الجعفي مدعوّاً أنّ يغضّ النظر عن مصالحه عن وجوده، عن كيانه، عن شهواته، عن رغباته الشخصية في سبيل أن يساهم في إنقاذ الإسلام، في إنقاذ المسلمين، في إعادة الإسلام إلى الحياة، في رفع هذا الوهن عن وجود المسلمين وعن كرامات المسلمين.

إنّ كلّ مسلمٍ قادر على أن يساهم في هذه العلمية بقليلٍ أو كثيرٍ في حدود إمكانيّاته وقابلياته.. المساهمة ليس شكلها الوحيد حمل السيف، وحمل السيف لا يمكن أن يكون إلاّ بعد مساهمات طويلة الأمد.

إذن فهناك نوع من المساهمة قبل حمل السيف، ولو أنّ كلّ واحد منّا يقول بأنّي لا أستطيع أن أحمل السيف إذن فأنا لا تكليف عليَّ، ولا مسئولية عليّ، فمعنى هذا أنّه سوف لن يمكن حمل السيف في يوم من الأيام، إنّ حمل السيف هو شكل من أشكال المساهمة، وهو شكل أعلى من أشكال المساهمة، ولا يمكن أن يوجد هذا الشكل فجأة، لا بدّ لكلّ واحد مسلم أو مسلمة أن يساهم بقدر إمكانه وظروفه الفكرية العلمية والاجتماعية في جواب هذه الواعية، في الردّ على هذه الواعية، في إنقاذ هذا الجرح الذي يضرب في كلّ يوم


ويستهزأ منه في كلّ يوم، وتتحدّى أحكامه في كلّ يوم وتضرب تشريعاته عرض الحائط في كلّ يوم.

اللهمّ اجعلنا من شيعة الإمام الحسين والسائرين في خطّه والمجيبين لواعيته.


التخطيط الحسيني

لتغيير أخلاقيّة الهزيمة



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

بسم الله الرحمن الرحيم*

وأفضل الصلوات على سيّد الخلق وخلفائه المعصومين من الميامين. كان الحديث عن الإمام سيّد الشهداء عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد ذكرنا في المحاضرات السابقة أنّ الإمام الحسين وقف ليعالج مرضاً من أمراض الأمّة، كما وقف من قبله أخوه الإمام الحسن - عليه أفضل الصلاة والسلام - ليعالج مرضاً آخر من أمراض الأُمّة، بينما قدّر للإمام الحسن أن يعالج مرض الشكّ في الأُمّة الإسلاميّة التي بدأت في عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام تشكّ في الخطّ الرسالي الذي سار عليه قادة أهل البيتعليهم‌السلام ، واستفحل لديها هذا الشكّ حتّى تحوّل إلى حالة مرضيّة في عهد الإمام الحسنعليه‌السلام ، هذه الحالة المرضيّة التي لم يكن بالإمكان علاجها حتّى بالتضحية. عالج الإمام الحسينعليه‌السلام حالةً مرضيّةً أخرى هي حالة انعدام الإرادة مع وضوح الطريق، فالأُمّة الإسلاميّة كانت تشكّ ( أو التي بدأت تشكّ ) في واقع المعركة القائمة داخل الإطار الإسلامي بين الجناحين

____________________

(*) أُلقيت في اليوم ١٦ من شهر صفر سنة ١٣٨٩ ه-.


المتصارعين اتّضح لها بعد هذا الطريق، لكنّ هذا الطريق اتّضحت معالمه لها بعد أن فقدت إرادتها، وبعد أن نامت واستطاع الذين اغتصبوها وسرقوا شخصيّتها وزوّروا إرادتها وأباحوا كرامتها، واستطاعوا أن يخدّروها وأن يجعلوها غير قادرة على مجابهة موقف من هذا القبيل، هذه الحالة المرضية الثانية عالجها الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - بالموقف الذي شرحناه، وقلنا: إنّه كان بالإمكان عدّة بدائل للموقف الذي اتّخذه الإمام الحسين، إلاّ أنّ كلّ البدائل الممكنة والمتصوّرة لم تكن تحقّق الهدف في علاج هذه الحالة المرضيّة، وكان الطريق الوحيد لعلاج هذه الحالة المرضيّة هو الخطّ الذي سار عليه سيّد الشهداء عليه أفضل الصلاة والسلام.

مشاهد موت الإرادة في المجتمع الحسيني:

نحاول الآن أن نستعرض عمق هذا المرض في جسم الأُمّة الإسلاميّة؛ حتّى نعرف أنّه بقدر عمق هذا المرض في جسم الأُمّة الإسلاميّة لا بدّ وأن يفكّر في العلاج أيضاً بتلك الدرجة من العمق، وإذا كان من المقدّر أنّ العلاج الوحيد للحالة المرضيّة الثانية هذه هي التضحية، فبقدر ما يكون هذا المرض عميقاً في جسم الأُمّة يجب أن تكون التضحية أيضاً عميقةً مكافئةً لدرجة عمق هذا المرض في جسم الأُمّة، وهذا المرض كان يشمل كلّ قطّاعات الأُمّة عدا بصيصٍ هنا وهناك تجمّع مع الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام.

المشهد الأوّل - التخويف بالموت من عقلاء المسلمين:

خلال خطّ عمله وحركته لاحظنا كيف أنّ الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - حينما قرّر السفر من المدينة إلى مكّة، أو في النهاية حينما قرّر الهجرة


من الحجاز متّجهاً إلى العراق، إلى تسلّم مسئوليّاته كشخص ثائر حاكم على طواغيت بني أُمية كان يتلقّى من كلّ صوب وحدب النصائح من عقلاء المسلمين، أو مَن يسمّون يومئذٍ بعقلاء المسلمين، الذين يؤثرون التعقّل على التهوّر، كيف أنّ هؤلاء العقلاء أجمعت كلمتهم على أنّ هذا التصرّف من الإمام الحسين ليس تصرّفاً طبيعيّاً، كانوا يخوّفونه بالموت، كانوا يقولون له: كيف تثور على بني أُميّة وبنو أُميّة بيدهم السلطان، والرجال، والمال، وكلّ وسائل الإغراء والترغيب والترهيب؟!

كانوا يحدّثونه عن النتائج التي وصل إليها الإمام عليّعليه‌السلام في صراعه مع بني أُميّة، والتي وصل إليها الإمام الحسنعليه‌السلام في صراعه معهم. كانوا يمنّونه السلامة، كانوا لا يتصوّرون أنّ التضحية يمكن أن تكون بديلاً لحياة بالإمكان الاحتفاظ بأنفاسها مهما كانت هذه الأنفاس، ومهما كانت كانت ملابسات هذه الأنفاس، هذه النصائح لم يتلقّها الإمام الحسينعليه‌السلام من رعاع أو من عوام، وإنّما تلقّاها من سادة المسلمين، من الأشخاص الذين كان بيدهم الحلّ والعقد في المجتمع الإسلامي، تلقّاها من أشخاصٍ من قبيل: عبد الله بن عبّاس(١) ، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب(٢) ، وعبد الله بن جعفر الطيّار(٣) ، ومن قبل أخيه محمّد بن الحنفيّة(٤) ، ومن قبل غيرهم من سادة الرأي في المجتمع الإسلامي، حتّى أنّ عبد الله بن جعفر الذي هو ابن عمّه، ( الذي هو ابن أخي عليّ بن أبي طالب ) ،

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٥٠.

(٢) مقتل الحسين للمقرّم: ١٥٥.

(٣) وقعة الطفّ: ١٥٤.

(٤) المصدر السابق: ١٨٣ - ١٨٥.


بالرغم من ارتباطه النسبي الوثيق بالخطّ كان منهاراً نفسياً إلى الدرجة التي أرسل فيها رسالة إلى الإمام الحسين حينما سمع بعزمه على سرعة الخروج من مكّة: أن انتظر حتّى ألحق بك، وماذا كان يريد من هذا الانتظار ؟ الإمام الحسين لم ينتظره، فحينما وصل عبد الله بن جعفر إلى مكّة كان الإمام الشهيد قد خرج منها، فذهب عبد الله بن جفعر رأساً إلى والي بني أُميّة في مكّة وأخذ منه كتاب الأمان للحسين، وذهب بالكتاب إلى الحسين وهو يرى أنّه قد استطاع بهذا أن يقضي على كلّ مبرّرات خروج الحسين، لماذا يخرج الحسين من مكّة ؟ لأنّه خائف فيها وقد جاء الأمان له من سلاطين بني أُميّة.

هذه النصائح كانت تعبّر عن نوعٍ من الانهيار النفسي الكامل الذي شمل زعماء وسادة المسلمين فضلاً عن الجماهير التي كانت تعيش هذا الانهيار مضاعفاً في أخلاقها وسلوكها وأطماعها ورغباتها، هذه السلبيّة والبرود المطلق الذي كان يواجهه الإمام الحسينعليه‌السلام ، أو تواجهه حركة الإمام الحسينعليه‌السلام بالرغم من قوّة المثيرات، هذا البرود المطلق في لحظات ترقّب العطاء الحقيقي كان يعبّر عن ذلك الانهيار النفسي على مختلف المستويات.

المشهد الثاني - موقف عبيد الله بن الحرّ الجعفي:

الحسين - عليه الصلاة والسلام - بنفسه يقصد عبيد الله بن الحرّ الجعفي إلى خيمته ويتوسّل به إلى أن يرتبط بهذا الخطّ، ويتّصل به وهو أعرف الناس بصحّة هذا الخطّ وصوابه، فيعزّ عليه أن يقدّم قطرةً من دمه، ويعزّ عليه أن يقدّم شيئاً سوى الفرس(١) فقط، لم يستطع أن يذوق طعم التضحية إلاّ على مستوى تقديم

____________________

(١) وقعة الطف، منزل قصر بني مقاتل: ١٧٦.


فرس واحدة فقط.

المشهد الثالث - موقف زعماء البصرة:

الإمام الحسينعليه‌السلام يكتب إلى ستّة من زعماء البصرة يختارهم من أولئك الذين لهم ارتباطات مع خطّ الإمام عليّعليه‌السلام ، فإنّ زعماء البصرة على قسمين: زعماء مرتبطون مع خطّ بني أُميّة وخطّ عائشة وطلحة والزبير، وزعماء يرتبطون مع خطّ الإمام عليّ ومدرسته، فيختار الإمام الشهيد ستّةً من الأشخاص الذين يرتبطون بمدرسة الإمام عليّعليه‌السلام ويشعرون بالولاء لمفاهيم هذه المدرسة وشعاراتها وأهدافها، ويكتب إليهم يستنصرهم ويستصرخهم ويشعرهم بالخطر الداهم الذي تواجهه الأُمّة الإسلاميّة ممثّلاً في كسرويّة وقيصريّة يزيد بن معاوية.

فماذا يكون ردّ الفعل لهذه الرسالة ؟ يكون ردّ الفعل - إذا استثنينا شخصاً واحداً وهو عبد الله بن مسعود النهشلي الذي كتب مستجيباً - هو البرود المطلق أو الخيانة، إذ يبعث أحدهم برسول الحسين إلى عبيد الله بن زياد وكان وقتئذٍ والياً على البصرة ( صدّقوا: أنّ هذا الشخص الذي قام بهذا العمل هو من شيعة عليّ بن أبي طالب، ولم يكن عثمانيّاً، بل كان علويّاً، ولكنّه علويّ فقد كلّ مضمونه، فقد كلّ معناه، فقد كلّ إرادته ).

أخذ الرسول مع الرسالة إلى عبيد الله بن زياد لكن لا حبّاً لعبيد الله بن زياد، ولا إيماناً بخطّ عبيد الله بن زياد، بل حفاظاً على نفسه، وابتعاداً بنفسه عن أقلّ مواطن الخطر، خشية أن يطلّلع في يومٍ مّا عبيد الله بن زياد على أنّ ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كتب إليه يستصرخه وهو لم يكشف هذه الورقة للسلطة


الحاكمة وقتئذٍ، فيُتّخذ هذا نقطة ضعف عليه، فلكي يبتعد عن أقلّ نقاط الضعف، ولكي يوفّر له كلّ عوامل السلامة، وكلّ ضمانات البقاء الذليل أخذ رسول الإمام والرسالة وقدّمها بين يدي عبيد الله بن زياد، فأمر عبيد الله بن زياد بالرسول فقتل(١) رضوان الله عليه.

شخص آخر من هؤلاء الزعماء، الأحنف بن قيس الذي عاش مع خطّ جهاد الإمام عليّ وعاش مع حياة الإمام عليّ عن قرب، وتربّى على يديه، ماذا كان جوابه لابن الإمام عليّعليه‌السلام ؟ أمره بالتصبّر والتريّث وقال له في رسالة أجاب بها على رسالته:( وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) (٢) ، معرّضاً بالطلبات التي كان الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - يتلقّاها من شيعته.

وفي الواقع كانت رسالة الأحنف تعبّر عن أخلاقيّة الأُمّة المهزومة، فإنّ الأُمّة في حالة تعرّضها للهزيمة النفسيّة، وفي حالة فقدانها لإرادتها وعدم شعورها بوجودها كأمّة تنشأ لديها بالتدريج أخلاقيّة معيّنة هي أخلاقية هذه الهزيمة. وأخلاقيّة هذه الهزيمة تصبح قوّة كبيرة جدّاً بيد صانعي هذه الهزيمة لإبقاء هذه الهزيمة وإمرارها، وتعميقها وتوسيعها، ويصبح العمل الشجاع تهوّراً، والتفكير في شؤون المسلمين استعجالاً، ويصبح الاهتمام بما يقع على الإسلام والمسلمين من مصائب وكوارث نوعاً من الخفّة واللا تعقّل، نوعاً من العجلة وقلّة الأناة، نوعاً من التسرّع في العمل أو التفكير.

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٠٣ - ١٠٧، وبحار الأنوار ٤٤: ٣٣٩، تاريخ الحسينعليه‌السلام ، الباب ٣٧، باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد، ومقتل الحسين للمقرّم: ١٥٩، ١٦٠.

(٢) بحار الأنوار ٤٤: ٣٤٠، تاريخ الإمام الحسينعليه‌السلام ، الباب ٣٧، باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد، راجع ترجمته في هوامش وقعة الطفّ: ١٠٤ و ١٠٥.


هذه الأخلاقيّة هي أخلاقيّة الهزيمة التي تصطنعها الأُمّة؛ لكي تبرّر هذه الهزيمة حينما تُهزم وتشعر بأنّها قد انتهت مقاومتها، فتنسج بالتدريج مفاهيم غير مفاهيمها الأولى، وقيماً وأهدافاً ومُثُلاً غير القيم والمثل والأهداف التي كانت تتبنّاها في الأوّل، لكي تبرّر أخلاقيّاً ومنطقيّاً وفكريّاً الموقف الذي تقفه.

فالإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - كان يريد في الواقع أن يبدّل هذه الأخلاقيّة ويصنع أخلاقيةً جديدةً لهذه الأُمّة تنسجم مع القدرة على التحرّك والإرادة حينما كان يقول: ( لا أرى... والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )(١) ، لم يكن هذا مجرّد شكوى، وإنّما كان عمليّة تغيير لأجل إيجاد أو - في الواقع - إرجاع هذه الأخلاقيّة الأخرى التي فقدها الأحنف بن قيس، وفقدها كلّ الناس الذين مشوا مع الأحنف بن قيس.

المشهد الرابع - مغادرة بني أسد محلّ سكناهم:

حبيب بن مظاهر يستأذن من الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - أن يذهب ويدعو عشيرته للالتحاق بخطّ سيّد الشهداء، وكلّ المسلمين يعرفون من هو حبيب بن مظاهر في مواقفه وجهاده، وفي بياض تأريخه وصفاء سيرته، وفي ورعه وتقواه. يذهب حبيب بن مظاهر لطلب العون والمدد من عشيرة بني أسد للإمام عليه الصلاة والسلام، وتكون النتيجة لذلك أن تغادر عشيرة بني أسد بأجمعها تلك الليلة المنطقة، وتنسحب هذه العشيرة انسحاباً جماعيّاً، ويرجع

____________________

(١) وقعة الطف: ٢٠٩.


حبيب بن مظاهر ليبلّغ الإمام الحسين هذه النتيجة الغريبة، هي: أنّ عشيرته تخشى أن تبقى بعد اليوم، تخشى أن تبقى حتّى حياديّة، لأنّه قد لا يكتفي عمر بن سعد بهذا الحياد، فتغادر المنطقة نهائيّاً، ولم يكن جواب سيّد الشهداء على ذلك إلاّ أن قال: ( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم )(١) .

هذا البرود والسكون، هذه الهزيمة النفسيّة قبل الهزيمة الخارجيّة هي مرض الأُمّة الذي كان يعالجه الإمام الحسينعليه‌السلام .

المشهد الخامس - موقف أهل الكوفة من مقتل رسول الحسينعليه‌السلام :

الصيداوي - وأظنّه قيس بن مسهر - الذي أرسله الإمام الحسينعليه‌السلام لكي يبلّغ رسالته إلى أهل الكوفة يعطي لهم إشعاراً بأنّه في الطريق، وأنّه على الأبواب... هذا الرسول يدخل الكوفة بعد أن انقلبت، وبعد أن تغيّرت الكوفة غير الكوفة، وسيطر عبيد الله بن زياد على كلّ القطّاعات العسكريّة في الكوفة، يؤخذ ( قيس بن مسهر ) أسيراً إلى عبيد الله بن زياد وقبل أن يصل إليه يمزّق الكتاب، ويقف بين يدي عبيد الله بن زياد يقول له: لماذا مزّقت الكتاب ؟ يقول: لأنّي لا أريد أن تطلّع عليه، يقول له: وماذا كان فيه ؟ فيقول: لو كنت أريد أن أخبرك لما مزّقت الكتاب، يقول له: إنّي أقتلك إلاّ إذا صعدت على هذا المنبر وقلت بالصراحة شيئاً في سبّ عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين، هذا الرسول الأمين يغتنمها فرصة، ويصعد على المنبر في هذه اللحظة الحاسمة، في آخر لحظة من حياته، في هذا الإطار العظيم

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام : ٢٥٤.


من البطولة والشجاعة والتضحية أمام عبيد الله بن زياد وشرطته وجيشه يوجّه خطابه إلى أهل الكوفة ويقول: أنا رسول الحسين إليكم، إنّ الحسين على الأبواب، فيؤدّي هذه الرسالة بكلّ بطولة، وبكلّ شجاعة، فيأمر عبيد الله بن زياد به فيقتل(١) .

وماذا يكون الصدى لمثل هذه الدفعة المثيرة القويّة ! الآن رسول الإمام الحسين - الذي كتبوا له أهل الكوفة يطلبونه - على المنبر بهذا الشكل غير الاعتيادي والسيف فوق رقبته وهو يودّع الحياة في آخر لحظة من اللحظات، وهو يبلّغهم الرسالة بكلّ أمانة وشجاعة، ويضحّي في سبيل تقديمها بدمه وروحه، فماذا يكون أثر ذلك ؟ يكون أثر ذلك: أنّه حينما يأمر عبيد الله بن زياد به أن يُقتل يأتي شخص من أهل الكوفة فيقطع رأسه، فيقال له: لماذا قطعت رأسه ؟ فيقول: لكي أريحه بذلك(٢) .

هذه الأُمّة لا تفكّر إلاّ على هذا المستوى من الشفقة في حياتها، الشفقة التي تشعر بها هي الشفقة على هذا المستوى، أمّا الشفقة على الوجود الكلّي، الشفقة على الكيان، الشفقة على العقيدة قد انتزعت من قلوبها؛ لأنّها تكلّف ثمناً غالياً، الشفقة التي لا تكلّف ثمناً هي أن تقطع رقبة هذا الشخص، وأن يريحه من هذه الحياة في ظلّ عبيد الله بن زياد.

هذه المظاهر من البرود والسكون بالرغم من قوّة الإثارة هي دليل على عمق ما وصلت إليه الأُمّة من انحلال.

____________________

(١) مقتل الحسين: ٢١٩ - ٢٢٠.

(٢) انظر: وقعة الطف: ١٦٠، وقصّة ابن يقطر الحميري، وهو الذي أراحه عبد الملك بن عمير اللخمي بذبحه: ١٦٣.


المشهد السادس - الاندفاع نحو خطّ السلطة:

إلى جانب ذلك - أو في عكس ذلك - يوجد الاندفاع المحموم نحو خطّ السلطان، نحو خطّ الحكم القائم، استطاع عبيد الله بن زياد خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع - على أكثر تقدير - بعد مقتل مسلم بن عقيل إلى أوّل المحرّم أن يجنّد عشرات الألوف من أبناء هذا البلد الذي كان وما زال - إلى ذلك الوقت - يحمل رسالة عليّعليه‌السلام ، والولاء له، جنّد من هذا البلد عشرات الآلاف، واستجاب له مئات من الأشخاص الذين كانوا قد حاربوا مع الإمام عليّ في صفّين، وحاربوا مع الإمام عليّ في سائر مراحل جهاده، استجاب له شخص من قبيل عمرو بن الحجّاج.

ومن هو عمرو بن الحجّاج ؟ هو من أولئك الذين اضطهدوا في سبيل الإمام عليّعليه‌السلام ، من أولئك الذين عاشوا المحنة أيّام زياد، ولكنّه لم يستطع أن يواصل المحنة، طلّق عقيدته قبل أن يصل إلى آخر الشوط، لأنّه شعر أنّ هذه العقيدة تكلّف ثمناً غالياً، وأنّه إذا طلّقها أمكنه أن يشتري بدلاً عنها دنياً واسعة. هذا الشخص الذي رافق الإمام علياًعليه‌السلام في جهاده انهار أخيراً وانتهت إرادته، انتهت شخصيّته كإنسان مسلم يفكّر في الإسلام. عمرو بن الحجّاج نفسه كلّفه عمر بن سعد بأسوأ عملٍ يمكن أن يُكلّف به إنسان، كلّفه بالحيلولة دون سيّد الشهداءعليه‌السلام والماء، بقي واقفاً على الماء يمنع ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والبقيّة من ثقل النبوّة عن أن يشربوا من الماء(١) .

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٩٠ - ١٩٢.


واستجاب لذلك شبث بن ربعي.

ومن هو شبث من ربعي ؟ هو الرجل الذي عاش مع جهاد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الرجل الذي كان يعي مدلول حرب صفّين، وكان يدرك أنّ الإمام عليّاً في حرب صفّين يمثّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غزوة بدر، ولكنّ الدنيا، الانهيار النفسي، ولكنّ النفس القصير خنقه في النهاية، فذاب وتميّع، واشتدّ تميّعه بالتدريج إلى أن وصل إلى حدّ أنّ عبيد الله بن زياد يبعث إليه ليقاتل الحسين ابن رسول الله، فماذا يكون العذر ؟ ماذا يكون الجواب ؟ لا يملك أن يعتذر بعذرٍ من الأعذار إلاّ أن يقول: ( أنا مريض )، كلمة باردة جداً على مستوى بروده النفسي، عبيد الله بن زياد يبعث إليه الرسول مرّة أخرى ليقول له: المسألة حدّية، لا مرض في هذه الحالة، إمّا أن تكون معنا، وإمّا أن تكون عدوّنا، وبمجرّد أن يتلقّى هذه الرسالة - ويعرف أنّ المسألة حدّية - يقوم شبث بن ربعي ويلبس ما كان يلبسه، ثمّ يخرج متّجهاً إلى عبيد الله بن زياد وهو يقول: لبّيك(١) ... هذه الاستجابات من هذا الطرف، وذاك البرود، وتلك السلبّية من ذلك الطرف لهو أكبر دليل على هذا المرض.

المشهد السابع - محنة مسلم وهاني:

والدليل الذي هو أكبر من هذا محنةُ مسلم وهاني التي يقلّ نظيرها في التاريخ، هذه المحنة تصوّر هذا المرض وهو في قمّته، وهو في شدّته بأروع تصوير، أو بأفضع تصوير، قد يذهب وهم الإنسان إلى أنّ مسلم بن عقيل كيف

____________________

(١) وقعة الطفّ: ٩٣.


اتّفق له أن يفرّط بكلّ هذه القوى الضخمة التي كانت بين يديه ؟! كيف فرّط بهذه القوى الشعبيّة التي بين يديه بين عشيّة وضحاها وبقي وحيداً فريداً يتسكّع في الطرقات ؟ ! كيف لم يستثمر هذه القوى في معركته مع عبيد الله بن زياد ؟!

في الواقع أنّ هذه القوى لم تكن قوىً إلاّ على الورق، لم تكن هذه القوى قوىً إلاّ في سجّل تسجيل الأسماء حينما سجّل الأسماء فبلغت ثمانية عشر ألف(١) ، أو بلغت عشرين ألف، أو بلغت ثلاثين ألف(٢) ، كانت قوىً على الورق؛ وذلك لأنّ هؤلاء الثمانية عشر أو العشرين ألف كانوا جزءاً من هذه الأُمّة الميّتة، من هذه الأُمّة المنهارة، هذا الانهيار العجيب المفاجئ في لحظة، هذا الانهيار العجيب المفاجئ يعكس تلك الهزيمة المسبقة، هزيمة النفس، هزيمة الوجدان، هزيمة الضمير، وتلك الهزيمة - أي هزيمة النفس والوجدان والضمير - هي أساس هذه الهزيمة(٣) .

عبيد الله بن زياد يبعث إلى هاني بن عروة يقول له: تعالَ زر الأمير، الأمراء لا يطيقون الجفاء، لماذا أنت منقطع عن الأمير ؟ هذا في الوقت الذي كان مسلم بن عقيل في بيت لهاني بن عروة، والشيعة يذهبون إليه متستّرين، هاني بن عروة يؤتى به إلى عبيد الله بن زياد فيتّهمه بأنّ مسلماً موجود عندك، وأنّك تفكّر في

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١١١، ١١٢.

(٢) إنّما جاء ثلاثون ألف في أعداد أعداء الإمام الحسينعليه‌السلام على لسان أخيه الإمام الحسنعليه‌السلام في المجلس ٢٤ من أمالي الصدوق وعلى لسان ابنه عليّ بن الحسينعليه‌السلام في المجلس السبعين.

(٣) أي: هزيمة تلك القوى الشعبيّة الضخمة التي كانت بين يدي مسلمعليه‌السلام وتشتّتها بن عشيّة وضحاها.


الخروج وشقّ عصا الطاعة، هاني بن عروة ويصطدم مع عبيد الله بن زياد ويقول له بأنّي لا أدري أين مسلم، يقول عبيد الله: لا بدّ لك أن تجده. فيقول هاني: لو أنّ مسلماً كان تحت قدمي لما رفعت قدمي، ثمّ يقدّم هاني له نصيحة بكلّ قوّة، وبكلّ شجاعة - هو من الأفراد القلائل الذين استطاعت حركة الحسينعليه‌السلام أن تكشفهم في مجموع هذه الأُمّة الميّتة - فقال: لي نصيحة لك، قال عبيد الله: وما هي هذه النصيحة ؟ قال النصيحة أن تذهب أنت وأهل بيتك، وتحمل معك كلّ ما لديك من أموال إلى الشام سالماً صحيحاً، لا شغل لنا بك.

كان هاني بن عروة يتكلّم وهو يتخيّل أنّ له رصيداً، وأنّ عشرات الآلاف من خلفه سوف تنفّذ إرادته إذا أصبحت هذه الإرادة بحاجة إلى النتفيذ حينما اشتدّ غضب عبيد الله بن زياد، وحينما غضب هاني، حينما أمر بأن يحبس هاني انعكس الخبر في الكوفة بأنّ هانياً قتل أو في معرض القتل، جاء عمرو بن الحجّاج وجاء معه أربعة آلاف شخصٍ من عشيرته لكي يتفقّدوا أحوال هاني بن عروة، ووقفوا بباب القصر يطالبون بحياة هاني بن عروة، عبيد الله بن زياد يبعث على شريح القاضي باعتباره قاضياً لا بدّ أن تتوفّر فيه شرائط، فهو يعتبر شاهداً ثقة إذا استعمل شهادة، فقال له: تعال ادخل إلى الغرفة التي سجن فيها هاني، اُنظر إليه حيّاً، واشهد أمام هؤلاء بأنّ هانياً حيّ، فدخل شريح القاضي إلى الغرفة فرأى أنّ هانياً حيّ، يقول شريح القاضي - لعنة الله عليه - بمجرّد أن دخلت إلى الغرفة ورأيت هاني بن عروة صاح في وجهي: أين ذهب المسلمون ؟! لو أنّ عشيرةً يهجمون على القصر الآن لأنقذوني، لأنّ القصر ليس فيه جيش، يعني لو أنّ عشرة فقط كانوا مستعدّين لأن يموتوا في سبيل الله لتغيّر وجه الكوفة يومئذٍ؛ لأنّ البيت ليست فيه شرطة، ولكنّ الشرطة


كانت أوهام هذه الأُمّة التي فقدت شجاعتها وإرادتها. هذه الأُمّة التي فقدت شخصيّتها خيّل لها أنّ هذا القصر هو جبروت، هذا القصر هو المعقل الذي لا يمكن اجتيازه، بينما هذا القصر كان أجوف لم يكن فيه جيش، ولم يكن فيه سلاح بالقدر الكافي الذي يمكن أن يصمد أمام عشرة فقط، لذا قال هاني: أين ذهب المسلمون ؟ عشرة فقط يكفون لإنقاذي، يكفون للقضاء على هذا القصر، يكفون لاحتلال هذا القصر.

شريح القاضي يقول: أنا رجعت إلى عمرو بن الحجّاج وأنا مكلّف بأن أؤدي الشهادة الشرعيّة بأنّ هاني بن عروة حيّ حتّى يرجع عمرو بن الحجّاج، لأنّ عمرو بن الحجّاج والأربعة آلاف الذين جاؤوا معه قصارى همّهم أن يكون هذا حيّاً، ليس لهم همّ وراء أن يكون هذا حيّاً، يقول: رجعت فهممت أن اُبلّغ عبارة هاني بن عروة لعمرو بن الحجّاج، أن أقول له: إنّ هانياً يطلب عشرة فقط، يقول: لو أنّ عشرةً يهجمون على هذا ( البُعبُع )(١) ، على هذا الشبح الضئيل الذي يكمن فيه عبيد الله بن زياد لتمزّق هذا الشبح وتحطّم هذا ( البُعبُع )، يقول: هممت ثمّ التفتّ إلى أنّ شرطي عبيد الله بن زياد واقف إلى جنبي فسكتّ ! وأدّى الشهادة المطلوبة منه رسميّاً وحكوميّاً بأنّ هانياً حيّ، ورجع عمرو بن الحجّاج، وقتل هاني في اليوم الثاني(٢) .

مسلم بن عقيل بنفسه يخرج مع أربعة آلاف شخصٍ يطوّقون قصر الإمارة وعبيد الله بن زياد ليس معه إلاّ ثلاثون على ما تقول الرواية، وعشرون من

____________________

(١) يراد بها الأمر المخيف والمرعب.

(٢) وقعة الطف ّ: ١٢١ - ١٢٣.


أشراف الكوفة. مسلم بن عقيل معه أربعة آلاف لكن أربعة آلاف ليس لهم قلوب، ليس لهم أيدي، ليس لهم إرادة، اقرؤوا أسماء قادة مسلم بن عقيل في هذه المعركة، هؤلاء الأربعة آلاف فيهم جماعة من كبار يوم عاشوراء لكنّهم انهزموا جميعاً، لم يبقَ مع مسلم واحداً أبداً، يعني أنّ حركة الحسين هي بنفسها صنعت هؤلاء، هي بنفسها صعّدت هؤلاء، حتّى هؤلاء السبعون الذين استشهدوا مع الحسينعليه‌السلام كان عدد منهم نتاج محنة حركة سيّد الشهداء، وإلاّ فلماذا انهزموا ؟ على الأقلّ يبقى مع مسلم هذا الشخص الذي يعرف الطريق. صلّى في المسجد وتفرّق الناس.

يقول التاريخ: كانت تأتي المرأة فتنتزع زوجها وأباها وأخاها وتقول: ما لك وعمل السلاطين(١) . هذا نهاية فقدان الإرادة، إنّ الرجل يذوب ويتميّع لأنّ امرأةً واحدةً تأتي وتنتزعه انتزاعاً. هذه المرأة هي نفسها تلك المرأة التي وقفت بعد الإمام الحسينعليه‌السلام الوقفات العظيمة على طول الخطّ، هذه المرأة هي نفس تلك المرأة التي أحبطت مؤامرة إمارة عمر بن سعد، حينما مات يزيد بن معاوية، وبويع من قبل الاُمويّين في الكوفة لعمر بن سعد مؤقّتاً، فأصبح أميراً على الكوفة، من الذي أسقط إمارته ؟ أسقطته تلك المرأة التي كانت تذهب إلى زوجها وأبيها وأخيها تنتزعهم انتزاعاً، وتقول لهم: لا شغل لك مع السلاطين، هذه المرأة بنفسها قامت بمظاهرة وقفت أمام عمر بن سعد تندب الحسين وتصيح: إنّ قاتل الحسين لا يمكن أن يكون أميراً في الكوفة حتّى سقط عمر بن سعد(٢) .

____________________

(١) المصدر السابق: ١١١ - ١٢٥.

(٢) راجع مروج الذهب ٣: ٨٥.


المشهد الثامن - التناقض بين عمل الأُمّة وعواطفها:

وأعجب مظهر من مظاهر هذا الانهيار هو التناقض الذي كان يوجد بين قلب الأُمّة وعواطف الأُمّة وعملها، هذا التناقض الذي عبّر عنه الفرزدق بقوله للإمام الحسين عليه الصلاة والسلام: إنّ قلوبهم معك وسيوفهم عليك(١) ، لا أنّ جماعةً قلوبهم معك وجماعة أخرى سيوفهم عليك، بل الوحدات الثمانية في التناقض كلّها محفوظة، ولكن مع هذا لا تناقض؛ لأنّ هذا الشخص الذي لا يملك إرادته يمكن أن تتحرّك يده على خلاف قلبه وعاطفته، ولهذا كنّا نراهم يبكون ويقتلون الإمام الحسين، لأنّهم يشعرون بأنّهم بقتلهم للإمام الحسينعليه‌السلام يقتلون مجدهم، يقتلون آخر آمالهم، يقتلون البقيّة الباقية من تراث الإمام عليّعليه‌السلام ، هذه البقيّة التي كان يعقد عليها كلّ الواعين من المسلمين الأمل في إعادة حياة الإسلام، في إعادة الحياة إلى الإسلام، كانوا يشعرون بأنّهم يقتلون بهذا الأمل الوحيد الباقي للتخلّص من الظلم القائم، ولكنّهم مع هذا الشعور لم يكونوا يستطيعون إلاّ أن يقفوا هذا الموقف ويقتلوا الإمام الحسين. قتلوا الإمام الحسين وهم يبكون.

وأسأل الله أن لا يجعلنا نقتل الإمام الحسين ونحن نبكي، أن لا يجعلنا نقتل أهداف الحسينعليه‌السلام ونحن نبكي. الإمام الحسين ليس إنساناً محدوداً عاش من سنة كذا ومات في سنة كذا، الإمام الحسينعليه‌السلام هو الإسلام ككلّ، الإمام الحسين هو كلّ هذه الأهداف التي ضحّى من أجلها هذا الإمام العظيم، هذه الأهداف هي

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٥٨.


الإمام الحسين؛ لأنّها هي روحه، وهي فكره، وهي قلبه وهي عواطفه، كلّ مضمون الإمام الحسينعليه‌السلام هي هذه الأهداف، هي هذه القيم المتمثّلة في الإسلام.

فكما أنّ أهل الكوفة كانوا يقتلون الحسين وهم يبكون فهناك خطر كبير في أن نُمنى نحن بنفس المحنة، أن نقتل الحسين ونحن نبكي. يجب أن نشعر بأنّنا يجب أن لا نكون على الأقلّ قتلةً للحسين ونحن باكون، البكاء لا يعني أنّنا غير قاتلين للحسين؛ لأنّ البكاء لو كان وحده يعني أنّ الإنسان غير قاتل للحسين إذن لما كان عمر بن سعد قاتلاً للحسين، لأنّ عمر بن سعد بنفسه بكى حينما مرّت زينب - عليها الصلاة والسلام - في موكب السبايا، في الضحايا، حينما التفتت إلى أخيها، حينما اتّجهت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تستنجده وتستصرخه، أو تخيره عن جثّة الإمام الحسين وهي بالعراء، عن السبايا وهم مشتّتون، عن الأطفال وهم مقيّدون، حينما أخبرت جدّهاصلى‌الله‌عليه‌وآله بكلّ ذلك ضجّ القتلة كلّهم بالبكاء(١) ، بكى السفّاكون، بكى هؤلاء الذين أوقعوا هذه المجازر، بكوا بأنفسهم، إذن فالبكاء وحده ليس ضماناً، العاطفة وحدها ليست ضماناً لإثبات أنّ هذا صاحب العاطفة هو لا يقف موقفاً يقتل فيه الإمام ا لحسين ، أو يقتل فيه أهداف الإمام الحسين.

لا بدّ من امتحان، لا بدّ من تأمّل، لا بدّ من تدبّر لا بدّ من تعقّل لكي نتأكّد من أنّنا لسنا قتلةً للإمام الحسين، ومجرّد أنّنا نحبّ الإمام الحسين، مجرّد أنّنا نزور الإمام الحسين، مجرّد أنّنا نبكي على الإمام الحسين، مجرّد أنّنا نمشي إلى زيارة الإمام الحسين، كلّ هذا عظيم، شيء جيّد، شيء ممتاز، شيء راجح ،

____________________

(١) وقعة الطفّ: ٢٥٩.


لكنّ هذا الشيء الراجح لا يكفي ضماناً ودليلاً لكي يثبت أنّنا لا نساهم في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، لأنّ بإمكان إنسانٍ أن يقوم بكلّ هذا عاطفيّاً وفي نفس الوقت يساهم في قتل الإمام الحسين.

يجب أن نحاسب أنفسنا، يجب أن نتأمّل في سلوكنا، يجب أن نعيش موقفنا بدرجة أكبر من التدبّر والعمق والإحاطة والانفتاح على كلّ المضاعفات والملابسات، لكي نتأكّد من أنّنا لا نمارس من قريبٍ أو بعيدٍ بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غير مباشرٍ قتل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام.


التحوّل من أخلاقيّة الهزيمة

إلى أخلاقيّة الإرادة



بسم الله الرحمن الرحيم*

الأُمّة حينما تنهزم ويُنتزع منها شخصيّتها وتموت إرادتها تنسج بالتدريج - كما قلنا - أخلاقيةً معيّنةً تنسجم مع الهزيمة النفسيّة التي تعيشها بوصفها اُمّة بدون إرادة، اُمّة لا تشعر بكرامتها وشخصيّتها. بالرغم من وضوح الطريق وجلاء الأهداف وقدرتها على التمييز المنطقي بين الحقّ والباطل، وبالرغم من أنّ أُطروحة معاوية قد تكشّفت كأُطروحةٍ جاهليّةٍ في ثوب الإسلام، وأنّ أُطروحة عليّ -عليه‌السلام - قد اتّضحت أنّها التعبير الأصيل عن الإسلام في معركة ثانية مع الجاهليّة، بالرغم من وضوح كلّ ذلك بعد الهدنة التي أعلنها الإمام الحسنعليه‌السلام بدأت الأُمّة نتيجةً لفقدان إرادتها تنسج أخلاقيّةً معيّنةً تنسجم مع هزيمتها النفسيّة والروحيّة والأخلاقيّة.

الإمام الحسينعليه‌السلام بين أخلاقيتين:

وبهذا كان الإمام الحسينعليه‌السلام بين أخلاقيّتين: بين أخلاقيّة الهزيمة التي

____________________

(*) ألقيت في اليوم ١٧ من شهر صفر سنة ١٣٨٩ ه-.


تعيشها الأُمّة الإسلاميّة قبل أن تُهزم فعليّاً يوم عاشوراء، والأخلاقيّة الأخرى التي كان يريد أن يبثّها وينشرها في الأُمّة الإسلاميّة هي أخلاقيّة الإرادة والتضحية والعزيمة والكرامة. كان الإمام الحسينعليه‌السلام يواجه تلك الأخلاقيّة التي ترسّخت، ورسّخت من المفاهيم عن العمل، والسلب والإيجاب، والإثبات والنفي ما يشلّ طاقات التحرّك، وكان يريد أن يغيّر تلك الأخلاقيّة دون أن يستفزّها.

كان يواجه الأخلاقية التي تمثّلت في كلام للأحنف بن قيس حينما وصف المتحرّكين في ركاب الإمام الحسينعليه‌السلام بأنّهم أولئك الذين لا يوقنون. وأولئك الأشخاص الذين يتسرّعون قبل أن يثبّتوا من وضوح الطريق، هذا المفهوم من الأحنف بن قيس كان يعبّر عن موقف أخلاقيّة الهزيمة من التضحية...

إنّ التضحية والإقدام على طريق قد يؤدّي إلى الموت نوع من التسرّع وقلّة الأناة، والخروج عن العرف المنطقي للسلوك. هذا المفهوم هو معطى أخلاقيّة الهزيمة. هذا المفهوم الذي تبدّد بعد حركة الحسين - عليه الصلاة والسلام - واحتلّ بديله مفهوم التضحية الذي على أساسه قامت حركة التوّابين، حركة أربعة آلاف لا يرون لهم هدفاً في طريقهم إلاّ التضحية، لكي يكفّروا بذلك عن سيّئاتهم وموقفهم السلبي تجاه الإمام الحسينعليه‌السلام .

أخلاقيّة الهزيمة هي هذه الأخلاقيّة التي انعكست في كلام لأخي الحسين، عمر الأطراف حينما قال للإمام الحسينعليه‌السلام : إن تبايع يزيد خيرٌ لك من أن تُقتل(١) ، من أن تموت. هذه أخلاقيّة الهزيمة التي تبدّلت بعد هذا خلال خطّ حركة الحسينعليه‌السلام ، وانعكست في مفهوم لعليّ بن الحسينعليه‌السلام حينما قال لأبيه:

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام : ١٤٨ - ١٤٩.


أَوَلسنا على الحق ؟ قال: بلى، قال: إذن، لا نبالي أوَقعنا على الموت أو وقع الموت علينا(١) ...

أخلاقيّة الهزيمة التي كان يواجهها الإمام الحسينعليه‌السلام هي الأخلاقية التي انعكست في كلامٍ لمحمّد بن الحنفيّة حينما كان ينصح الإمام الحسين ويقول له: إنّ أخشى ما أخشى أن تدخل إلى مصر وبلدٍ من بلاد المسلمين فيختلف عليك المسلمون، فبعض يقفون معك وبعض يقفون ضدّك، ويقع القتال بين أنصارك وأعدائك فتكون أضيع الناس دماً، الأفضل من ذلك أن تقف بعيداً عن المعترك، ثمّ تبثّ رسُلك وعيونك في الناس، فإن استجابوا فهو، وإلاّ كنت في أمن من عقلك ودينك وفضلك ورجاحتك(٢) . هذه هي أخلاقية الهزيمة التي تحوّلت فيما بعد، حيث أصبح دم الحسينعليه‌السلام - هذا الدم الذي كان يتصوّره محمّد بن الحنفيّة أنّه سوف يكون أضيع دم - مفتاح تحريك الأُمّة حينما قال المختار في سجن عبيد الله بن زياد: إنّي أعرف كلمةً أستطيع بها أن أملك العرب(٣) . هذا الدم الذي كان يتصوّره أنّ أضيع دمٍ أصبح هو مفتاح السلطات والسيطرة على المنطقة كلّها.

أخلاقيّة الهزيمة هي الأخلاقيّة التي عبّر عنها الأمير الاُموي يزيد بن معاوية في رسالةٍ له إلى عبيد الله بن زياد، يقول في الرسالة: إنّ آل أبي طالب هؤلاء أسرع ما يكونون إلى سفك الدماء(٤) . هذا التعبير في الواقع هو ظاهرة من

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٧٦ - ١٧٧.

(٢) وقعة الطفّ: ٨٣ - ٨٥، ومقتل الحسين: ١٤٩ - ١٥٠.

(٣) راجع مروج الذهب ٣: ٧٣.

(٤) راجع مقتل الحسين للمقرّم: ١٣٩ - ١٤٠، وفيه أنّ الرسالة إلى الوليد بن عتبة عامل يزيد على المدينة وليس لعبيد الله بن زياد.


ظواهر أخلاقيّة الهزيمة، حينما تبرز أخلاقيّة الهزيمة وتترسّخ وتتعمّق تتحوّل كلّ محاولة جدّيّة لمقابلة الظلم والظالمين إلى نوع من السفك والقتل في نظر المثبّطين والمجمّدين. هذه الأخلاقيّة التي يريد الإمام الحسينعليه‌السلام أن يحوّلها إلى أخلاقيّة التضحية والإرادة، إلى الأخلاقيّة الإسلاميّة الصحيحة التي تمكّن الإنسان المسلم من أن يقف موقفه الإيجابي والسلبي وفقاً لما تقرّره الشريعة الإسلاميّة إيجاباً وسلباً.

دقّة التحرّك في عمليّة التحويل:

وفي عمليّة التحويل هذه كان الإمام الحسينعليه‌السلام يواجه أدقّ مراحل عمله؛ وذلك لأنّه في نفس الوقت الذي يريد أن يبثّ في جسم الأُمّة وفي ضميرها ووجدانها أخلاقيّةً جديدةً كان يحافظ في نفس الوقت على أن لا يخرج خروجاً واضحاً عن الأخلاقيّة التقليديّة التي عاشتها الأُمّة نتيجةً لهزيمتها الروحيّة، كان يحرص على أن لا يخرج بشكلٍ واضحٍ ومثيرٍ عن تلك الأخلاقيّة الجديدة عن طريق هزّ ضمير الأُمّة الإسلاميّة، ولم يكن بإمكانه أن يهزّ ضمير الأُمّة الإسلاميّة إلاّ إذا قام بعملٍ مشروعٍ في نظر هذه الأُمّة الإسلاميّة التي ماتت إرادتها وتغيّرت أخلاقيّتها، والتي أصبحت تعيش هذه المفاهيم التي انعكست في كلمات هؤلاء الذين تحدّثنا عنهم. كان لا بدّ أن يراعي الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - في سيره وتخطيطه هذه الأخلاقيّة، وأن لا يستفزّها لكي يبقى محتفظاً لعمله بطابع المشروعيّة في نظر المسلمين الذين ماتت أخلاقيّتهم الحقيقيّة وتبدّلت مفاهيمهم عن العمل والسلب والإيجاب.


الإمام الحسينعليه‌السلام يخطّط لعمليّة التحويل:

الإمام الحسينعليه‌السلام في الواقع قد اتّخذ منذ البدء موقفاً إيجابيّاً واضحاً صريحاً بينه وبين ربّه، كان قد صمّم منذ اللحظة الأولى على أن يخوض المعركة مهما كلّفة الأمر، وعلى جميع الأحوال والتقادير، وأن يخوضها إلى آخر الشوط، وإلى أن يضحّي بآخر قطرةٍ من دمه، كان يفكّر تفكيراً إيجابيّاً مستقلاًّ في ذلك، لم يكن يتحرّك نتيجةً لردود فعلٍ من الأُمّة، بل كان هو يحاول أن يخلق ردود الفعل المناسبة لكي يتحرّك.

ومن أدلّة ذلك : أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام بدأ بنفسه الكتابة إلى زعماء قواعده الشعبيّة في البصرة. نعم، لم يروِ لنا التاريخ أنّه كتب ابتداءً بشكلٍ مكشوفٍ واضح إلى زعماء قواعده الشعبيّة في الكوفة، ولكنّ التاريخ حدّث بأنّه كتب وابتدأ بالحديث والتحريك لقواعده الشعبيّة في البصرة، وأعلن في رسالته لهم أنّه قد قرّر الخروج على سلطان بني أُميّة. قال لهم بأنّ هذا الخطّ الذي يمثّله هو يمثّله أخوه وأبوهعليهما‌السلام هو الحقّ، إلاّ أنّه سكت وسكت أبوه وأخوه حينما كان الكتاب والسنّة تراعى حرمتهما. أمّا حينما انتهكت حرمة الكتاب وحرمة السنّة، حينما أُميتت السنّة، حينما أُحييت البدع، حينما انتشر الظلم لا بدّ لي أن أتحرّك، ولا بدّ لي أن أغيّر، ولا بدّ لكم أن تحقّقوا في هذا الموقف درجة تفاعلكم مع رسالتكم. قال ذلك بوضوح، وطلب منهم بشكلٍ ابتدائيٍّ الالتفاف حول حركته(١) .

وهذا يعني أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن في موقفه يعبّر عن مجرّد

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٠٣ - ١٠٧.


استجابةٍ لردود فعلٍ عاطفيّةٍ أو منطقيّةٍ في الأُمّة، بل كان هو قد بدأ منذ اللحظة الأولى في تحريك الأُمّة نحو خطّته وخطّ عمله.

موقفه من والي المدينة أيضاً واضح في ذلك، حينما استدعي من قبل والي المدينة وعرض عليه الوالي في نصف الليل أن يبايع يزيد بن معاوية، وحينما تكشّف لوالي المدينة أنّ امتناع الحسينعليه‌السلام عن البيعة هو بحسب الحقيقة لون من ألوان الرفض، صرّح بعد هذا الإمام الحسين بكلّ وضوح عن إيمانه بحقّه في الخلافة، وقال: نصبح وتصبحون، وننظر وت-نظرون أيّنا أحقّ بالخلافة(١) .

وكان هذا واضحاً في إعلانه العزم والتصميم على حركة مسلّحة ضدّ السلطان القائم وقتئذٍ. هذا التهديد وتلك الرسالة الابتدائيّة لزعماء قواعده الشعبيّة في البصرة - إلى غير هذا وذاك من القرائن والدلائل - يعبّر عن أنّ الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - كان يخطّط تخطيطاً ابتدائيّاً لتحريك الأُمّة، وكان قد صمّم على أن يتحرّك مهما كانت الظروف والأحوال. هذا واقع التخطيط.

شعارات الإمام الحسينعليه‌السلام في تبرير مخطّطه:

ولكنّ الإمام الحسينعليه‌السلام حينما كان يُلقي شعارات هذا التخطيط على هذه الأُمّة الإسلاميّة المهزومة أخلاقيّاً، المهزومة روحيّاً، المتميّعة نفسيّاً، الفاقدة لإرادتها، حينما كان يلقي شعارات هذا التحرّك على هذه الأُمّة لم يكن في كلّ إلقاءاته صريحاً واضحاً محدّداً، وذلك لأنّه كان يجامل تلك الأخلاقيّة التي عاشتها الأُمّة الإسلاميّة، وكانت هذه المجاملة جزءاً ضروريّاً من إنجاح الحسين

____________________

(١) مقتل الحسين للخوارزمي عن ابن الأعثم الكوفي: ١٨٤.


في هدفه؛ لأنّه إذا خرج عن هذه الأخلاقيّة فسوف يفقد بذلك عمله طابع المشروعيّة في نظر أولئك المسلمين، وبذلك يصبح هذا العمل غير قادر على أن يهزّ ضمير إنسان الأُمّة الإسلاميّة كما كان من المفروض أن يهزّه.

الشعار الأوّل - حتميّة القتل:

كان الإمام الحسينعليه‌السلام يُعترض عليه، ويقال: لِمَ تخرج ؟ يعترض عليه عبد الله بن الزبير وغيره، فيقول له: بأنّي أنا اُقتل على كلّ حال سواء خرجت أو لم أخرج، إنّ بني أُميّة لا يتركونني، ولو كنت في هامة من هذه الهوام لأخرجوني وقتلوني، إنّ بني أُميّة يتعقبّوني أينما كنت، فأنا ميّت على أيّ حال سواء بقيت في مكّة أو خرجت منها، ومن الأفضل أن لا اُقتل في مكّة لكي لا تنتهك بذلك حرمة هذا الحرم الشريف(١) .

فتراه طرح هذا الشعار، وهذا الشعار بالرغم من واقعيّته منسجم مع أخلاقيّة الأُمّة المعاشة أيضاً، فأخلاقيّة الهزيمة التي تعيشها الأُمّة الإسلاميّة لا تجد منطقاً تنفذ منه للتعبير عن نقد مثل هذا التحرّك من الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، فهوعليه‌السلام يقول: أنا مقتول على كلّ حال، والظواهر كلّها تشهد بذلك، الدلائل والأمارات والملابسات تشهد بأنّ بني أُميّة قد صمّموا على قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولو عن طريق الاغتيال، ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، إذن فطرح مثل هذا الشعار لأجل تفسير هذا الموقف كان مناسباً جدّاً مع إقناع أخلاقيّة الهزيمة، مع كونه شعاراً واقعيّاً في نفس الوقت.

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٥٢.


الشعار الثاني - غيبيّة قرار التحرّك:

بأتي أشخاص آخرون إليه يعترضون عليه، يقولون: لِمَ تتحرّك ؟ يأتي محمّد بن الحنفيّة ينصحه في أوّل الليل بنصائح عديدة فيقول له: أنظرُ، أُفكر فيما تقول، فيذهب محمّد بن الحنفيّة وفي آخر الليل يسمع بأنّ الإمام الحسين قد تحرّك، فيسرع إليه ويأتي ويأخذ براحلته ويقول له: يا أخي قد وعدتني أن تفكّر، قال: نعم، ولكنّي بِتُّ في هذه الليلة فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: إنّك مقتول(١) . فتراهعليه‌السلام يجيب بهذا الجواب، يجيب بقرار غيبي [ صادر ] من أعلى، وهذا القرار الغيبي من أعلى لا يمكن لأخلاقيّة الهزيمة أن تنكره ما دام صاحب هذه الأخلاقيّة مؤمناً بالحسين، ومؤمناً برؤيا الحسين. طبعاً هو لم يحدّث بهذه الرؤيا عبد الله بن الزبير(٢) الذي لم يكن مؤمناً برؤيا الحسين. بل حدّث بذلك محمّد بن الحنفيّة وأمثال محمّد بن الحنفيّة، فهذا شعار آخر كان يطرحه، وهو شعار حتميّة الموت من أعلى، وأنّ هناك قراراً من أعلى يفرض عليه أن يموت، أن يضحّي، أن يغامر، أن يقدم على هذه السفرة التي قد تؤدّي إلى القتل، وهذا الشعار أيضاً كان بالرغم من واقعيّته ينسجم مع أخلاقيّة الهزيمة، وهو في نفس الوقت شعار واقعي.

الشعار الثالث - ضرورة إجابة دعوات أهل الكوفة:

وكان في مرّةٍ ثالثةٍ يطرح شعاراً ثالثاً، كان يقول للأشخاص الذين يمرّ بهم في طريقه من مكّة إلى العراق، في منازله المتعدّدة حينما كانوا ينصحونه بعدم

____________________

(١) انظر: وقعة الطفّ: ١٨٣ - ١٨٥، وقارن: ١٥٥، ١٥٦.

(٢) انظر: وقعة الطفّ: ١٥٥، ١٥٦.


التوجّه إلى العراق، كان يقول لهم: إنّي قد تلقّيت من أهالي الكوفة دعوةً للذهاب إليهم، وقد تهيّأت الظروف الموضوعيّة في الكوفة لكي أذهب، ولكي أُقيم حقّاً وأُزيل باطلاً(١) ، فكان يعكس ويفسّر سفرته على أساس أنّها استجابة وأنّها ردّ فعل، وأنّها تعبير عن إجابة طلب أنّ الأُمّة تحرّكت وأرادت، وأنّه قد تمّت الحجّة عليه، ولا بدّ أن يتحرّك.

الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن في واقعه يقتصر في مرحلته الجهاديّة هذه على أن تطلب منه الأُمّة فيتحرّك، وإلاّ لما راسل ابتداءً زعماء قواعده الشعبيّة بالبصرة ويطلب منهم التحرّك، ولكنّه في نفس الوقت كان يعكس هذا الجانب أكثر ممّا يعكس ذلك الجانب؛ لأنّ هذا الجانب أقرب انسجاماً مع أخلاقيّة الهزيمة، ماذا تقول أخلاقيّة الهزيمة أمام شخص يقول لها بأنّي قد تلقّيت دعوة، وإنّ ظروف هذه الدعوة ملائمة للجواب والتحرّك نحو الداعي.

وبطبيعة الحال هناك فرق كبير بين إنسان يتحرّك تحرّكاً ابتدائيّاً وإنسان آخر يتحرّك إجابةً لجماهير آمنت به وبقيادته وزعامته، فهناك قول أخلاقيّة الهزيمة: إنّ هذا متسرّع، وإنّ هذا لا يفكّر في العواقب، وإنّه ألقى بنفسه في المخاطر. أمّا حينما يكون العمل إجابةً لدعوةٍ من جماهير قد هيّأت كلّ الأجواء اللازمة لهذه الدعوة، فهذه الأخلاقيّة المهزومة لا تقول عن هذا العمل وهذا التحرّك: إنّه عمل طائش، إنّه عمل صبياني، إنّه عمل غير مدروس.

هذه الشعارات التي طرحها الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - كانت كلّها واقعيّة، وفي نفس الوقت كانت منسجمةً مع أخلاقيّة الأُمّة المهزومة

____________________

(١) انظر: وقعة الطفّ: ١٥٨ - ١٧٦، ١٨٤ - ١٨٥.


روحيّاً وفكريّاً ونفسيّاً.

الشعار الرابع - ضرورة الثورة ضدّ السلطان الجائر:

وكان يطرح أيضاً إلى جانب كلّ هذه الشعارات الشعار الواقعي حينما كان يؤكّد على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ( من رأى سلطاناً جائراً يحكم بغير ما أنزل الله فلم يغيّر من ذلك السلطان بفعل أو قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله )(١) . فكان إلى جانب تلك الشعارات التي يسبغ عليها طابع المشروعيّة على عمله في مستوى أخلاقيّة الأُمّة كان يعطي أيضاً باستمرار ودائماً الشعار الواقعي الحيّ الذي لا بدّ وأن يكون هو الأساس للأخلاقيّة الجديدة التي كان يبنيها في كيان هذه الأُمّة الإسلاميّة.

أساليب كسب أخلاقيّة الهزيمة:

الأسلوب الأوّل - طرح الشعارات المنسجمة مع أخلاقيّة الهزيمة:

من جملة الأساليب التي اصطنعها - عليه أفضل الصلاة والسلام - للتوفيق بين الأخلاقيّتين، لمجاملة أخلاقيّة الهزيمة لكي يحولّها بالتدريج إلى أخلاقيّة التضحية أنّه طرح شعار: أن لا يبدأ الآخرين بقتال(٢) . هذا الشعار كان قد طرحه أمير المؤمنين عليّ عليه الصلاة والسلام، ولكنّ فرقاً كبيراً بين الشعار الذي طرحه الإمام عليّعليه‌السلام والشعار الذي طرحه الإمام الحسينعليه‌السلام . الإمام عليّعليه‌السلام كان رئيس دولة، ورئيس الدولة من المفروض أن لا يبدأ أحداً من المواطنين بقتال إلاّ

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٧٢.

(٢) وقعة الطفّ: ١٧٩ و ٢٠٥.


إذا بدأه المواطن بشقّ عصا الطاعة والتمرّد عليه والقتال، فكان من المفروض أنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لا يبدأ عائشة مثلاً بقتال، لا يبدأ الزبير أو طلحة بقتال؛ لأنّهم مواطنون في دولة هو رئيسها، ما لم يخرجوا عن الخطّ، يحاربوا الوضع الشرعي الحاكم في تلك الدولة، فكان شعار: أن لا يبدأ أحداً من المواطنين بقتال مفهوماً وواضحاً.

أمّا على مستوى حركة الحسينعليه‌السلام الذي خرج ثائراً على دولة قائمة وسلطان قائم فليس من المنطقي أن يقال: إنّ شخصاً يثور على سلطان قائم لا يبدأ هذا السلطان القائم بقتال، ولكنّ هذا الشعار قد طرحه - عليه أفضل الصلاة والسلام - لكي يكون منسجماً مع أخلاقيّة الهزيمة التي عاشتها الأُمّة الإسلاميّة أيضاً، لكي يسبغ على عمله طابع المشروعيّة على مستوى هذه الأخلاقيّة.

حينما التقى - عليه أفضل الصلاة والسلام - مع طليعة جيش عبيد الله بن زياد بقيادة الحرّ، وكانت الطليعة عبارة عن ألف جندي اقترح عليه زهير بن القين ( على ما أظنّ ) أن يبدأهم بقتال، وقال: إنّ هؤلاء أوهن علينا ممّن يجئ بعدهم، فلنبدأ بقتال هؤلاء، ولنفتح الطريق إلى الكوفة، قال عليه الصلاة والسلام: إنّي لا أبدأهم بقتال(١) .

ومن مصاديق تطبيق هذا الشعار كان وضع مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، فإنّ مسلم بن عقيل قد ذهب إلى الكوفة رسولاً من قبل الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، إلاّ أنّه ذهب في إطار هذا الشعار، وهذا هو الذي يفسّر لنا عدم قيام مسلم بن عقيل بأيّ عمل إيجابي سريع خلال الأحداث التي مرّت به في الكوفة.

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٧٩.


قد يخطر على ذهن البعض أنّ مسلم بن عقيل لم يستطع أن يزن الأحداث أو أن يقدّر الظروف تقديرها اللازم، وأنّ مسلم بن عقيل كان مدعوّاً إلى نوع من المبادرة لكي يستلم زمام الموقف. إلاّ أنّ هذا التصوّر إنّما ينتج عن تخيّل أنّ مسلم بن عقيل قد ذهب من قبل الإمام الحسين إلى الكوفة والياً، حاكماً سلطاناً، وليس في نصوص التاريخ أيّ دلالة على ذلك، الإمام الحسين حينما أرسل مسلم بن عقيل وكتب معه كتاباً لم يكن هناك في الكتاب أدنى إشارة إلى إعطاء مسلم بن عقيل صفة الولاية والحاكميّة والسلطان، وإنّما قال لأهل الكوفة: إنّي أرسلت إليكم ثقتي من أهل بيتي لكي يستطلع أحوالكم ويتأكّد من إخلاصكم، ويكتب إليّ بذلك، فإن كتب إليّ بما جاءت به كتبكم ورسلكم استجبت لدعوتكم وجئتكم(١) .

مسلم بن عقيل كان مكلّفاً في نصّ هذا الكتاب باستطلاع أحوال تلك القواعد الشعبيّة التي راسلت الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولم يكن مكلّفاً بأزيد من ذلك، وبالفعل لم يقم مسلم بأزيدَ من ذلك، دخل الكوفة ونزل ضيفاً في بيت المختار رحمة الله عليه، وبقي في بيت المختار مكشوف الحال تزوره الشيعة ويتجمّعون عنده، فيتحدّث إليهم، ويؤكّد لهم أهداف الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويؤكّدون له إخلاصهم واستعدادهم للعمل في تلك الأهداف، حتّى يدخل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فيتوتّر الجوّ ويغيّر الموقف بشكلٍ عامّ.

مسلم بن عقيل يرى أنّ من المصلحة أن ينتقل إلى بيتٍ آخر ويكون مكثه في الكوفة سرّيّاً؛ لأنّ عبيد الله بن زياد بدأ عمليّة التعقيب والتفتيش عن مسلم بن

____________________

(١) وقعة الطفّ: ٩٦.


عقيل، فبينما الوالي السابق كان سلبيّاً أصبح عبيد الله بن زياد يفكّر في مجابهة هذا التجمّع وبذرة هذا التجمّع، حينئذٍ انتقل مسلم بن عقيل من بيت المختار إلى بيت هاني بن عروة رضوان الله عليه، وبقي هناك متكتّماً بمكثه، وأخذ الشيعة يزورونه متكتّمين، وكان ظهور مسلم بن عقيل في اليوم المشهود مع أربعة آلاف، وكان العمل الذي مارسه حينما ذهب إلى قصر الإمارة مع هذا العدد من الشيعة وحاول أن يحتلّ قصر الإمارة وأن يسيطر على مقاليد الموقف خارج نطاق التخطيط المتّفق عليه بين مسلم والحسينعليه‌السلام ، كان هذا العمل بملاك الدفاع؛ لأنّ مسلم بن عقيل - رضوان الله عليه - وقع في موقع الدفاع، عبيد الله بن زياد بدأ بالهجوم، أخذ يحاول أن يتعقّب مسلم بن عقيل وأن يقضي على هذه البذرة، فكان مسلم بن عقيل في حالة دفاع، ولم يكن في حالة غزو أو هجوم، يعني أنّ الظروف اضطرّته إلى أن يقف موقف المدافع، ولو لم يبدأ بهذه العمليّة إذن لهجم عليه عبيد الله بن زياد وهجم على شيعته وهم في البيوت، فكان على مسلم بن عقيل لا بمنطق رسالته من قبل الحسين، لا بمنطق الحاكميّة والسلطان والولاية، بل بمنطق الدفاع أن يبدأ بمثل هذه العمليّة كدفاع عن نفسه وعن قواعده التي التفّت حوله حينما يحاول عبيد الله بن زياد أن يبدأ بالهجوم.

اقرؤوا رسالة الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - التي بعثها مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى الكوفة، كان في الرسالة يقول: ( إنّي سوف أرد إليكم قريباً، فانكمشوا على أمركم حتّى آتي)(١) . الرسالة واضحة في أنّ الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - لم يكن قد خطّط لمسلم بن عقيل أن يملك الكوفة، وأن يسيطر

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٦٠.


على الكوفة كحاكم ووالٍ وسلطان، يقول: انكمشوا في أمركم، يعني حاولوا أن تحفظوا هذا التجمّع إلى أن آتي، فكان تحويل هذا التجمّع إلى مجتمع، إلى سلطان، إلى دولة، كان كلّ هذا موقوفاً على دخول الحسين عليه الصلاة والسلام، ولهذا أوصى بأن ينكمشوا في أمرهم.

إذن فرسالة مسلم بن عقيل لم تكن إلاّ عبارةً عن استطلاع أحوال تلك القواعد الشعبيّة، وتزويد الإمام الحسينعليه‌السلام بالمعلومات الواضحة المؤكّدة عن تلك القواعد الشعبيّة، ولم يكن مسلم بن عقيل مكلّفاً بحرب، وإنّما قام بما قام به في اللحظة الأخيرة كدفاع عن النفس، حيث لم يكن هناك طريق آخر للاستمراريّة غير أنّ يتّخذ هذا الموقف الدفاعي. كلّ هذا يعبّر في الواقع عن شعار عدم الابتداء بالقتال، هذا الشعار الذي كان من المفروض على الإمام الحسين - عليه الصلاة والسلام - أن يطرحه لكي يشعر الناس جميعاً بأنّ العمليّة عمليّة فوق الشكّ، وأنّها مشروعة حتّى على مستوى تصوّرات الإنسان المسلم المهزوم روحيّاً وأخلاقيّاً.

ونحن إذا لاحظنا الإمام الحسينعليه‌السلام في مسيره من مكّة إلى العراق نرى أنّه كان باستمرارٍ يؤكّد على ضرورة مواصلة السير والسفر لأنّه مدعوّ، ولا بدّ له أن يجيب هذه الدعوة.

بلغه في الطريق أنّ مسلم بن عقيل قُتل ولم يغيّر من موقفه، أي يسقط هذا الشعار، بل بقي هذا الشعار مرفوعاً، وهو شعار أنّه مدعوّ من قبل الكوفة، ولا بدّ له أن يجيب بالرغم من أنّه اطّلع على أنّ مسلم بن عقيل وهاني بن عروة قد قتلا، بعد هذا اطّلع على أنّ قيس بن مسهر الصيداوي قد قتل من قِبَل عبيد الله بن زياد، مع هذا لم يغيّر هذا الشعار، بل بقي يؤكّد أنّه مدعوّ من قِبَل أهل الكوفة ولا بدّ له أن


يجيب هذه الدعوة، حتّى التقى مع الحرّ بن يزيد الرياحي، جاءه الطرمّاح قال له: الحقْ بالجبل الفلاني، وأنا أجمع لك عشرين ألف نفر من العشيرة الفلانيّة يلتفّون حولك، والله يغنيك بذلك عن الكوفة، قالعليه‌السلام : بيننا وبين القوم عهد، ولا بدّ لي أن أسير إليهم(١) .

بعد كلّ هذه الدلائل من أهالي الكوفة على نكث العهد، مع هذا بقي الإمام الحسينعليه‌السلام يواصل تأكيده على هذا الشعار، إذن القصّة في الواقع لم تكن قصّة أن يقتنع الحسين، ولم يكن تحرّكهعليه‌السلام بينه وبين نفسه كنتيجةٍ لردّ فعلٍ لطلب قواعده الشعبيّة في الكوفة؛ لأنّه اطّلع في أثناء الطريق على أنّ القواعد الشعبيّة في الكوفة قد خانته، قد قتلت رسوله، قد قتلت ثقته من أهل بيته، ومع هذا كان يواصل السفر إليها، كان هذا الشعار شعاراً منسجماً مع الأخلاقيّة التي تعيشها الأُمّة الإسلاميّة، وكان لا بدّ له أن يطرح هذا الشعار لكي يسبغ على العمليّة طابع المشروعيّة في نظر أولئك الذين يحبّون السلامة، أولئك الذين يرون في التضحية لوناً من ألوان التهوّر واللا معقوليّة وقلّة الأناة.

الأسلوب الثاني - حشد كلّ المثيرات العاطفيّة في المعركة:

وكان من الأساليب التي اتّخذها أيضاً - عليه أفضل الصلاة والسلام - لكسب هذه الأخلاقيّة ومجاملتها أنّه حشّد في المعركة كلّ القوى والإمكانيّات، لم يكتفِ - عليه أفضل الصلاة والسلام - بأن يعرّض نفسه للقتل، عسى أن تقول أخلاقيّة الهزيمة: إنّ شخصاً حاول أن يطلب سلطاناً فقتل، بل أراد أن يعرّض

____________________

(١) راجع مقتل الحسين للمقرّم: ٢٢٢، وتاريخ الطبري ٤: ٣٠٦، وبحار الأنوار ٤٤: ٣٦٩، تاريخ الحسين بن عليّعليه‌السلام ، الباب ٣٧، باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد.


أولاده وأهله للقتل، ونساءه للسبي، أراد أن يجمع على نفسه كلّ ما يمكن أن يجتمع على إنسان من مصائب وتضحيات وآلام؛ لأنّ أخلاقيّة الهزيمة مهما شكّكت في مشروعيّة أن يخرج إنسان للقتل فهي لا تشكّك في أنّ هذا العمل الفظيع الذي قامت به جيوش بني أُميّة، قامت به جيوش الانحراف ضدّ بقيّة النبوّة لم يكن عملاً صحيحاً على كلّ المقاييس وبكلّ الاعتبارات.

كان لا بدّ للإمام الحسينعليه‌السلام أن يُدخِل في المعركة دمه وأولاده وأطفاله ونساءه وحريمه وكلّ الاعتبارات العاطفيّة والاعتبارات التاريخيّة، حتّى الآثار التي كانت قد تبقّت له من عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى العمامة، حتّى السيف، لبس عمامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تقلّد سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أدخل كلّ هذه المثيرات التاريخيّة والعاطفيّة إلى المعركة؛ وذلك لكي يسدّ على أخلاقيّة الهزيمة كلّ منفذٍ وكلّ طريقٍ إلى التعبير عن هزيمتها، وعن نوعٍ من أنواع الاحتجاج على هذا العمل؛ لكي يهزّ بذلك ضمير ذلك الإنسان المسلم المهزوم الذي تميّعت إرادته، وهكذا كان... قد استطاع - عليه الصلاة والسلام - بهذا التخطيط الدقيق الرائع أن يهزّ ضمير ذلك الإنسان المسلم.

الدرس الذي نستفيده من التخطيط الحسيني:

ومن هذا التخطيط يمكننا أن نستفيد درساً عامّاً، وحاصل هذا الدرس: أنّ عمليّة التغيير في أخلاقيّة الأُمّة لا يجوز أن تقوم بأيّ مجابهةٍ واضحةٍ للأخلاقيّة الفاسدة الموجودة في الأُمّة؛ لأنّ المجابهة الواضحة الصريحة للأخلاقيّة الفاسدة الموجودة في الأُمّة يكون معناها الانعزال عن هذه الأُمّة والانكماش، وعدم القدرة على القيام بعمل مشروع في نظر هذه الأُمّة.


حينما نريد أن ننفذ إلى ضمير الأُمّة التي ماعت أخلاقيّاً لا بدّ لنا أيضاً في نفس الوقت الذي نفكّر في إنشاء أخلاقيّتها من جديد أن نفكّر في عدم مجابهة الأخلاقيّة القائمة بالشكل الذي يعزل هذا الشخص الذي يريد أن يغيّر أخلاقيّة الأُمّة، فلا بدّ له أن يفكّر في انتهاج طريقٍ في التغيير يستطيع به أن ينفذ إلى ضمير الأُمّة، وهو لا يمكنه أن ينفذ إلى ضمير الأُمّة إلاّ إذا حافظ باستمرارٍ على معقوليّة ومشروعيّة عمله في نظر الأُمّة، كما عمل الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام.

لم يبقَ لدى شخصٍ من أبناء الأُمّة الإسلاميّة أيّ شكّ في أنّ عمل الإمام الحسينعليه‌السلام كان عملاً مشروعاً صحيحاً، وأنّ عمل بني أُميّة كان عملاً ظالماً عاتياً جبّاراً.

وهذا الوضوح في الرؤية هو الذي جعل المسلمين يدخلون بالتدريج إلى آفاقٍ جديدةٍ من الأخلاقيّة تختلف عن أخلاقيّة الهزيمة، هذا الوضوح هو الذي هزّ ضمير الإنسان المسلم، وهو الذي يهزّه الى يومنا هذا.

فليس دم الإمام الحسينعليه‌السلام رخيصاً بدرجة يُكتفى في ثمنه بأن يهتزّ ضمير الإنسان المسلم في عصر واحد، أو في جيل واحد، لا يمكن أن يكون ثمن دم الإمام الحسينعليه‌السلام أن تتزلزل قواعد بني أُميّة، أو أن يكشف عن حقيقة بني أُميّة، أو أن تنتعش ضمائر جيل من اُمّة الإسلام... هذا لا يكفي ثمناً لدم الإمام الحسين الطاهر، بل إنّ ثمن دم الحسين - الذي هو أغلى دم سفك في سبيل الإسلام - أن يبقى محرّكاً منوّراً، دافعاً، مطهّراً، منقّياً على مرّ التاريخ لكلّ أجيال الأُمّة الإسلاميّة، لا بدّ وأن يهزّ ضميرنا وضمير كلّ واحدٍ منّا اليوم كما كان يهزّ ضمير المسلمين قبل ثلاثة عشر قرناً، لا بدّ أن يهزّ ضمير كلّ واحدٍ منّا حينما نجابه أيّ موقفٍ من مواقف الإغراء، أو الترغيب أو الترهيب، لا بدّ وأن نستشعر


تلك التضحية العظيمة حينما نلتفت إلى أنّنا مدعوّون إلى تضحيّةٍ جزئيّة بسيطة، حينما يتطّلب منّا الإسلام من التضحية وقدراً بسيطاً وضئيلاً من التضحية، لا بدّ وأن نلتفت دائماً إلى ذلك القدر العظيم غير المحدود من التضحية الذي قام به الإمام الحسينعليه‌السلام لكي نستصغر ولكي يتضائل أمامنا أيّ قدرٍ نواجهه في حياتنا ونكلّف أنفسنا به في سبيل الإسلام.

إنّ الإسلام اليوم يتطلّب منك قدراً قليلاً من التضحية بوقتك، براحتك، بمصالحك الشخصيّة، برغباتك بشهواتك، في سبيل تعبئة كلّ طاقاتك وإمكانيّاتك وأوقاتك لأجل الرسالة. أين هذه التضحية من تلك التضحية العظيمة التي قام بها الإمام الحسينعليه‌السلام ؟ من تضحيته بآخر قطرةٍ من دمه، بآخر شخصٍ من ذريّته، بآخر كرامةٍ من كراماته بحسب مقاييس الإنسان الدنيوي ؟! لا بدّ أن نعيش دائماً هذه التضحية، ونعيش دائماً مدلول هذا الدم الطاهر لكي يكون ثمن دم الإمام الحسينعليه‌السلام حيّاً على مرّ التاريخ.

وغفر الله لنا ولكم.


دروس

من تاريخ حياة الإمام الباقرعليه‌السلام



البحث في حياة الإمام الباقرعليه‌السلام ، الإمام الخامس، محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.

الإمام الباقر يشكّل تقريباً شبه بدايةٍ للدور الثاني من الأدوار التي قام بها الأئمّة، فإنّ حياة الأئمّة عليهم الصلاة والسلام يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أدوار:

الدور الأوّل من حياة الأئمّةعليهم‌السلام :

هو الدور الذي ركّزت فيه الجهود وصرفت فيه الأتعاب والطاقات في سبيل تحصين الإسلام بالقدر الممكن ضدّ صدمة الانحراف التي حصلت بعد وفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

صدمة الانحراف التي حصلت بعد وفاة القائد الأعظم كان من الممكن أن تأتي على الإسلام كلّه، وفي هذه المرحلة التي حدثت هذه الصدمة، كان من المهمّ قبل كلّ شيءٍ أن يحصّن الإسلام ولو بالقدر الذي يجعل منه شريعةً باقيةً إن لم يجعل منه مجتمعاً باقياً، أو دستوراً باقياً، أو دولةً باقية.

وهذا الدور بحسب الحقيقة هو الدور الذي مارسه أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهم‌السلام حتّى انتهى إلى الإمام السجّادعليه‌السلام . وكان من أواخر ملامح هذا


الدور هو الدم الطاهر الذي أراقه السفّاكون في يوم عاشوراء، دم سيّد الشهداء وأهل بيته الطيّبين الطاهرين.

المركز الرئيسي للنشاط في هذا الدور كان هو أخذ احتياطاتٍ تحصّن وتحمي الإسلام ضدّ هذه الصدمة غير المترقَّبة وغير المخطّطة بعد أن حصّن الإسلام ولو كشريعةٍ ضدّ هذه الصدمة، واطمأنّ من هذه الناحية، بتفاصيل تذكر تباعاً لأحوال هؤلاء الأئمّة الأربعة.

الدور الثاني من حياة الأئمّةعليهم‌السلام :

بعد هذا انتهى العمل عند الأئمّة إلى الدور الثاني، وتحوّل المركز الرئيس للنشاط من تلك الناحية بعد الاطمئنان إليها إلى ناحيةٍ أخرى، والمركز الرئيس للنشاط الذي يكون مميّزاً للدور الثاني من الأدوار التي مرّ بها الأئمّة هو دور إعطاء الإطار التفصيلي الخاصّ للشيعة بوصفهم النخبة المؤمنة المحافظة على التراث الحقيقي للإسلام وللشريعة ولأحكام القرآن. هذا الإطار التفصيلي والخطوط التفصيليّة لهذه الكتلة - يعني للفرقة الناجية - لم يكن قد أُعطي بشكلٍ واضحٍ محدّدٍ في أيام الأئمّة الأربعة، لأنّ الخطّ الرئيسي لم يكن هذا في أيامهم، بل كان الخطّ الرئيسي هو حماية الإسلام كشريعةٍ وإنعاش معنويات هذا المجتمع الإسلامي بعد أن انهار من أثر الصدمة التي خطّطها الانحراف بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولهذا يرى أنّ في الخط الشيعي الخاصّ الواضح أخذ ينمو أسرع فأسرع في كلمات الأئمّة في الدور الثاني ممّا يتجلّى في كلمات الأئمّة من الدور الأوّل، وليس هذا في الحقيقة عبارةً عن التدرّج في التكوّن في نفس التشيّع كما قد يتخيّل للسالكين غير المرتبطين باُصول هذه الاُسرة، لم ينشأ التشيّع بالتدريج ولم يتدرّج، لأنّ هذا الشيء الذي أُعطي أخيراً هو الذي أُعطي أوّلاً لكن على


المستوى الخاصّ والضيّق جداً، هذا الشيء الذي كان يعطيه الإمام الباقرعليه‌السلام على مستوىً عامٍّ للكتلة كان يعطيه أمير المؤمنينعليه‌السلام بالنصوص الثابتة عنه لكن على مستوىً خاصٍّ جداً من الكتلة، على مستوى سلمان وأبي ذرّ ونحوهما. فالتشيّع هو التشيّع، ولكنّ التخطيط الذي مارسه الأئمّة كان يختلف اتّجاهه العامّ وتركيبه وتكوينه وفقاً لمتطلّبات القضيّة الإسلاميّة في كلّ مرحلة.

فالإمام الباقر يبدأ بحسب الحقيقة شبه بدايةٍ لهذا الدور الثاني الذي هو دور إعطاء الإطار التفصيلي للفرقة الناجية، وهذا الدور ينتهي بالإمام الرضا، لأنّه من خلال أتعاب وجهود هؤلاء الأئمّة: الإمام الباقر ثمّ الإمام الصادق ثمّ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، من خلال أتعابهم، خلال إعطاء الإطار بأروع ما يمكن، وفي أدقّ ظرفٍ يتصوّر بالنسبة إلى الداعية والدعاة، عظم هذا الإطار، واتّضح هذا الإطار وأصبح واضحاً إنّ المسألة ليست مسألة شخصٍ غيورٍ على الإسلام فحسب، بل هي مسألة عقيدةٍ وكتلةٍ وطريقةٍ خاصّةٍ في تفسير الإسلام، وإنّ هذه الطريقة هي الطريقة التي يجب أن تقود المجتمع الإسلامي كلّه.

الدور الثالث من حياة الأئمّةعليه‌السلام :

بعد هذا ننتقل إلى الدور الثالث الذي قرأنا في المجلس السابق شيئاً من مراحله المتوسّطة أو شبه الأوّليّة من حياة الإمام الجواد؛ لأنّ المرحلة الثالثة تبدأ من الإمام الرضا، وفي هذه المرحلة أصبحت الشيعة في مستوىً يقربّهم إلى التسلّم لزمام الحكم، وأصبحت لهم من القواعد الشعبيّة ما يشكّل خطراً سياسيّاً حقيقيّاً على الخلفاء، وهذا هو الذي جعل هناك تغيّراً أساسيّاً في وجه سياسية الخلفاء مع هؤلاء الأئمّة، بدءاً من الإمام الرضا على النحو الذي أشرنا إليه في حياة الإمام الجوادعليه‌السلام ، وسوف نتكلّم عنه أكثر في حياة الرضاعليه‌السلام


وبقية أئمة ذلك الدور.

الإمام الباقرعليه‌السلام في مطلع الدور الثاني:

الآن نحن نتكلّم عن إمامٍ هو في مطلع الدور الثاني من هذه الأدوار الثلاثة، وهو الإمام الباقرعليه‌السلام الذي جاء بعد انتهاء الدور الأوّل، وعرف المسلمون جميعاً أنّ آباء هذا الرجل هم الأشخاص الذين ضحّوا بأرواحهم ودمائهم وأقاربهم، هم الأشخاص الذين ضحّوا بنعيم الدنيا وبانفتاحها وأبعادها، كلّ ذلك في سبيل أن يقفوا في وجه هذا الانحراف، ويكون للناس على أقلّّ تقديرٍ أنّ هذا ليس هو الإسلام، بل هذا غير الإسلام. التطبيق غير النظريّة، الواقع الخارجي غير المدّعى، المفهوم المعطى في الكتاب والسنّة غير هذا الذي تجسّد في كيان هؤلاء الزعماء المنحرفين، هذا المطلب بعد أن أُنجز خلال الدور الأوّل جاء الإمام الباقر يقول: إنّ هذا الدور الذي أُنجز لم يكن مجرّد أعمالٍ شخصيّةٍ يقوم بها أشخاص متفرّقون لأجل مصلحة الإسلام تجمعهم الغيرة على الإسلام فحسب، بل هذا في الحقيقة هو وجه ومظهر لتكتّلٍ واعٍ يؤمن بالإسلام إيماناً صحيحاً واعياً، وأنّ هذا التكتّل وهذه الفرقة هي الفرقة الناجية التي ذكرها رسول الله(١) ، ولها معالمها الخاصّة، وإطارها الخاصّ، وشروطها الخاصّة، وموقعها الخاصّ تجاه مختلف الشؤون للمعرفة الإسلامية التي كانت رائجةً وقتئذٍ؛ بحكم تكفّله للمسؤوليات في نهاية الدور الأوّل هو بطبيعة الحال سوف يبني على ما بنى عليه آباؤه السابقون، وطبعاً سوف يستفيد من المكاسب الكبيرة التي حقّقها آباؤه السابقون.

____________________

(١) راجع: بحار الأنوار ٢٨: ٤ - ٣٦، الباب الأوّل، باب افتراق الأُمّة بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على ثلاث وسبعين فرقة...


منزلة الإمام الباقرعليه‌السلام في نفوس الأُمّة:

الخطّ التأريخي الممتدّ هذا أعطى للإمام الباقر مقاماً كبيراً في نفوس الأُمّة الإسلاميّة، هذا المقام الكبير قرّره كونه وريث أولئك الذين وقفوا في وجه الانحراف، وصانوا الإسلام في مقابل تلك الصدمة التي سبّبها ذلك الانحراف. هذا المقام الكبير هنا يتجلّى في نصوصٍ تأريخيّةٍ كثيرةٍ عديدةٍ وافرةٍ يمكن الاطّلاع عليها في تراجم الإمام الباقرعليه‌السلام .

الإمام الباقر يعبّر عنه في سؤال ابن هشام حينما يراه في الحجّ يقول: من هذا ؟ فيقال له: هذا من افتتن به أهل العراق(١) ، أو هذا إمام أهل العراق(٢) ، وبتعبير فقيةٍ سنّيٍّ آخر في مقام استهزاءٍ يقول: هذا نبيّ أهل الكوفة(٣) ، على أساس أنّ الناس غَلَوْا في هذا الشخص إلى هذه الدرجة.

تصوير حياته الدينية في موسم الحجّ، وكيف أنّ الآلاف من مختلف الجهات كانوا يأتون إليه ويستفتونه، من العراق، ومن خراسان، ومن غيرها(٤) ، ويعطي في المقام الامتداد الروحي الشعبي الواسع النطاق الذي كان يتمتّع به الإمام الباقر، محاولات الأسئلة ومحاولات الامتحان من قبل كبار فقهاء

____________________

(١) كشف الغمّة: ١٢٦.

(٢) بحار الأنوار ٤٦: ٣٥٨، تاريخ الإمام الصادقعليه‌السلام ، باب مناظراته مع المخالفين، الباب ٩، الحديث ١٢.

(٣) المصدر السابق: ٣٥٥، الحديث ٩.

(٤) المصدر السابق: ٢٥٨ - ٢٥٩، تاريخ الإمام الباقرعليه‌السلام ، الباب ٥، باب معجزاته ومعالي أمورهعليه‌السلام ، الحديث ٥٩٦٠و، الباب ٦، الحديث ١٧، ٢٠.


المسلمين الذين بدأوا ذلك الوقت مدارسهم الفقهيّة، محاولة تحدّي الإمام الباقر، والسفر من بلدٍ إلى بلدٍ لأجل أن يحاجّوه بسؤالٍ، أو لأجل أن يحرجوه في مسألة(١) ، هذا يدلّ على الصيت الذائع وعلى الفكر الواسع الذي أوجد مثل هذه الردود الفعليّة المختلفة أنحاء العالم الإسلامي.

والذي يبدو في هذه النصوص أنّ هذه الزعامة الشعبيّة الروحيّة كانت فوق الحدود والانقسامات، فلم يكن زعيم شعبٍ دون شعب، بل كانت الشعوب الجديدة الداخلية في الإسلام أيضاً تعترف به وتؤمن به وترتبط به على حدّ ارتباط أهل الكوفة والبصرة من أبناء الشعب العربي، وكذلك في داخل الشعب العربي لم يكن هناك فَرق من حيث الارتباط الروحي بالرغم من التناقض العنصري أو القبلي الذي كان موجوداً في حياة العرب في أيام الخلافة الأموية بين المضريّين والحميريّين، مع هذا نرى في غرّة أصحاب الإمام الباقر من هؤلاء وأولئك بالرغم من العداء الشديد المستمرّ الذي امتلأت به صفحات تأريخ بني أُميّة بين الحميريين والمضريين حتّى أصبح الشعراء الشيعة الرسميّون للإمام من هذين الطرفين، ولا ننسى بهذه المناسبة الفرزدق التميمي المضري(٢) والكميت الأسدي

____________________

(١) كشف الغمّة ٢: ١٢٦ - ١٢٧.

(٢) وهو همام بن غالب بن صعصعة التميمي المعروف بأبي فراس، ( ت ١١٠ ه- )، شاعر مشهور، لولا شعره لذهب ثلث لغة العرب، أشار عليه الإمام عليعليه‌السلام بحفظ القرآن ففعل، وقد فاز بحبّ أهل البيتعليهم‌السلام ، وله الأبيات المشهورة في الإمام زين العابدينعليه‌السلام التي أوّلها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم

قالها بمسمع هشام بن عبد الملك، له ديوان مطبوع ونقائض معروفة مع جرير ومجموعة من الشعراء، نسمة السحر ٣: ٣١١ - ٣٢٣.


الحميري(١) ، بالرغم من اتّجاههما القبليين المتعاديين، اتّفقا على الولاء للإمام الباقر ولأهل البيت؛ كلّ هذا رصيد ورثه الإمام الباقر من تلك الجهود والأتعاب التي تجسّدت في الدور الأوّل من الأدوار الثلاثة، ورثها حينما بدأ الدور الثاني من هذه الأدوار الثلاثة.

وقلنا: إنّ الطابع العامّ لهذا الدور الذي دشّنه الباقر وابتدأه هو [إعطاء] طابع إطارٍ تفصيليٍّ للتشيّع، يعني وضع النقاط على الحروف لإعطاء الإطار الواضح الحدود والمعالم.

مسئوليات الإمام الباقرعليه‌السلام :

في هذا المقام كان يواجه الإمام مسئولياتٍ كبيرةً جدّاً ومهمّةً جدّاً. أوّلاً وقبل كلّ شيء وهي المسألة الرئيسيّة في هذا الدور: مسألة إعطاء هذا الإطار وإعطاء هذه الملامح المحدّدة التفصيليّة للتشيّع، وإخراج العمل من كونه عملاً يقوم به شخص أو شخصين أو ثلاثة إلى عملٍ يمثّل فرقةً تمثّل الإسلام بوجهه الحقيقي.

هذا المطلب كان الإمام الباقر يمارسه تارةً عن طريق التثقيف الموسّع المتنوّع داخل مدرسته، وأخرى عن طريق مجابهة الأُمّة بهذا الإطار لأوّل مرّةٍ تقريباً في حياة الأئمّة. الإمام الباقر كان يجابه الأُمّة بهذا الإطار، ويتحدّى ذهنيّة

____________________

(١) أبو المستهل الكميت بن زيد بن حبيش الأسدي ( ٦٠ - ١٢٦ ه- ) شاعر سبق في القريض والبيت، دان لله بحبّه لأهل البيت ونصرهم بلسانه ودمه. أوّل شعره الهاشميات. وأوّلها:

وما لي إلاّ آل أحمَدَ شيعةٌ وما لي إلاّ مذهبَ الحقّ مذهبُ

دعا له الإمام الباقر والصادقعليهما‌السلام . نسمة السحر ٢: ٥٤٥ - ٥٥٥.


أكثر أفراد ا لأُمّة الذين لم يكونوا يؤمنون بهذا الإطار بالرغم من أنّهم كانوا يؤمنون بالإمام كشخص، وأنّه رجل عظيم، لكن لم يكونوا يؤمنون بهذا الإطار. الإمام كان يعطي الشعار على مستوى الأُمّة إعطاءً واضحاً صريحاً، بنحوٍ غير مألوفٍ بالنسبة إلى آبائه.

ففي الرواية: أنّ الإمام الباقر حجّ بيت الله الحرام ومعه ولده الإمام الصادق، حتّى إذا بلغا المسجد يقف الإمام الصادق في قبال أبيه ويعلن ويقول: نحن ونحن ونحن، فيعطي المفهوم الشيعي عن أهل البيت بشكلٍ واضحٍ محدّد، ويبيّن أمام هذا الملأ، ملأ هشام بن عبد الملك، ويعلن نحن نتمتّع بهذه الخصوصيّات وبهذه الصفات التي مرجعها إلى أنّ أهل البيت هم أصحاب الزعامة الروحيّة والاجتماعيّة في مجتمع الإسلام ونحن ورّاث الإسلام الحقيقيّون(١) .

هذا الإعلان على هذا المستوى الجماهيري وتكييف ساعةٍ له يكون فيها هشام حاضراً هذا ليس مجازفةً، وإنّما هو وفق متطلّبات هذا الدور، لأنّه في هذا الدور يجب أن يسمع المسلمون أنّ المسألة ليست مسألة الإمام الحسين بن عليّعليهم‌السلام حارب مخلصاً للإسلام وقتل، أو مسألة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام حارب وقتل، وإنّما هي مسألة اتّجاهٍ عامّ، وزعامةٍ لها تخطيط واضح المعالم، وأنّ هذه الزعامة هي التي برزت في عليٍّعليه‌السلام تارة وفي الحسينعليه‌السلام أخرى، وسوف تبرز وتبقى تبرز على مختلف العصور والأجيال، هذا المطلب كان لا بدّ من تنبيه الأُمّة إليه تنبيهاً يهزّها هزّاً عميقاً.

____________________

(١) دلائل الإمامة: ١٠٤، وبحار الأنوار ٤٦: ٣٠٦، تاريخ الإمام الباقرعليه‌السلام ، باب خروجه إلى الشام، الباب ٧، الحديث الأوّل.


نظير هذا وقع أيضاً حينما أُشخص الإمام الباقرعليه‌السلام إلى الخليفة الأموي، وأشكل على الخليفة والخليفة سأله قال له: هل أنت من ولد أبي تراب ؟ أنت ترابي ؟ ثمّ شرع في كلام يعاب به والاستخفاف بالإمام، بعد هذا وقف الإمام خطيباً في وجه الخليفة وأعلن نفس هذا المفهوم، المفهوم الشيعي الواضح أعلنه هناك(١) . والحسينعليه‌السلام لم يعلن هذا المفهوم مع أنّه ثار على يزيد، مع هذا لم يعلن هذا المفهوم في مجلس والي يزيد، لم يقل له نحن، وإنّما قال له: إنّ يزيد شارب الخمر ومثلي لا يبيايع مثله(٢) ، لماذا ؟ لأنّ الحسين كان يعيش مسئوليات الدور الأوّل الذي قلناه، والدور الأوّل كان لا بدّ فيه قبل كلّ شيءٍ من الحفاظ على أصل الإسلام، من إنقاذ سمعة الإسلام من شارب الخمر، كان هذا هو الواجب واللازم قبل كلّ شيء، إنّ الإسلام يُنقى ويبعد عن مستوى شارب الخمر، وهذا هو الذي قاله الحسينعليه‌السلام .

أمّا الإمام الباقرعليه‌السلام بالرغم من أنّه لم يكن قد حمل السيف في تلك الساعة كما حمله الحسين قال بالمفهوم الشيعي الخالص عن زعامة أهل البيتعليهم‌السلام ، هذا كلّه يعطي أنّ الدور دورٌ جديد، وعلى أبواب دورٍ جديدٍ له تخطيط جديد، وله هدف رئيسي جديد يختلف عن الهدف الرئيسي في الدور السابق، وليس معناه أنّ الهدف السابق عطّل في هذا الدور، وإنّما معناه أنّ العناية أُوليت بهذا الهدف أوّلاً مع الحفاظ على سائر الأهداف الأخرى، إذن فهكذا كانت هي المسألة الرئيسيّة في هذا الدور.

والإمام الباقر في مقام إعطاء هذه الملامح التفصيليّة وهذا الإطار المحدّد

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٦: ٣١٧، نفس الباب، الحديث ٣.

(٢) مقتل الحسين للخوارزمي: ١٨٤.


المعالم للفرقة الناجية كان يصطدم من الخارج بعقبة، وكان يصطدم من الداخل بعقبة.

العقبات التي كان يواجهها الإمام الباقرعليه‌السلام من الخارج:

أمّا العقبات التي كان يصطدم بها من الخارج فهي: أنّ الحياة الإسلاميّة كانت وقتئذٍ تتمخّض عن إعطاء إطارٍ آخر ومبدأٍ آخر محدّد المعالم معاكسٍ مع هذا المبدأ الذي حاول الإمام الباقر أن يعطيه. الإمام عاصر حالة تمخّض مبدأ جديدٍ فكريٍّ تجسّد فيه الانحراف السياسي، أليس الدور الأوّل عاش الانحراف السياسي ؟ هذا الانحراف السياسي كان قد بدأ يتمخّض عن مبدأ فكري، كما أنّ العمل السياسي في الدور الأوّل لأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام بدأ من الدور الثاني في إعطاء ملامح تفصيليةٍ للفرقة الناجية.

ما هو ذلك المبدأ ؟ مبدأ مرجعية الصحابة، أو مرجعية الصحابة والتابعين. تعلمون بأنّ الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى المرجعية السياسية والمرجعية الفكرية لعليّ بن أبي طالب ولخلفاء عليعليهم‌السلام ، وتعلمون أنّ المرجعية السياسيّة انتزعت من أمير المؤمنينعليه‌السلام إثر وفاة النبيّ، وأمّا المرجعية الفكرية كمرجعيةٍ رسميةٍ فهذه بقيت شاغرةً ومعطّلة، ولم يكن هناك تخطيط واضح لملء هذا الفراغ في عهد الخلفاء الثلاثة، وهذا ما نبحثه في ترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وبعد انتهاء عصر الصحابة وبدء عصر التابعين، وانقراض كثيرٍ من الناس التابعين وبدء تابعي التابعين في هذا العصر واجهت الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي ضرورة ملء هذا الفراغ؛ وذلك لأنّهم ابتعدوا عن مصادر الإسلام، ابتعدوا عن الكتاب والسنّة وعن عصر النبيّ، ابتعدوا عن لغة الكتاب ومناسباته وظروف الكتاب، وأصبح الكتاب لا يخلو عن غموضٍ في نظرهم باعتبار البعد


الزمني، وكذلك النبيّعليه‌السلام لم يبقَ لهم شخصٌ ينقل لهم النصوص عن النبيّ مباشرةً، واتّسعت الحياة الإسلامية، واستجدّت في الحياة الإسلامية أنواع وأحداث وملابسات وتعقيدات، وفتحت الأبواب على مجالاتٍ جديدةٍ لم تكن بحسبان، في كلّ ذلك كان يحتاج إلى مرجعٍ فكري، ما هو المرجع الفكري هناك ؟

بطبيعة الحال لم يكن من الممكن للخلفاء أن تقرّر المرجعية الفكرية لأهل البيت؛ لأنّهم وإن كان لا شغل لهم بالمرجعية الفكرية ولكن المرجعية الفكرية كانت تمهيداً للمرجعية السياسية، ولو أنّهم أعطوا المرجعية الفكرية لأهل البيت لأعطوهم أقوى سلاحٍ يمكن أن يصلوا به إلى الحكم، وأن يرجعوا من جديدٍ في المرجعية السياسية.

فكان لا بدّ من تسليط الأضواء إلى جهةٍ أُخرى، وكان لا بدّ إذن من إشغال الرأي العام عن أهل البيت مهما أمكن، وكان لا بدّ إذن من تجميد منابع الصلة بين أهل البيت وبين المسلمين لكي لا يفكّر هؤلاء في استرجاع الحكم بعد ذلك هناك.

كان يتمخّض الفكر المنحرف في حياة الأُمّة الإسلامية عن وضع مبدأ، وهو مبدأ مرجعية الصحابة، وأن يكون قول الصحابي حجّة، وأن يكون أصيلاً برأسه باعتبار أنّ الصحابي يعرف ذوق الإسلام وقد فهم الإسلام وعاش قضايا الإسلام، فلا بدّ وأن لا يكون في أقواله وانطباعاته مخالفاً مع الإسلام، وكان مثل هذا المبدأ مقبولاً من الناحية الذوقية بحسب الظاهر.

وحيث إنّ المبدأ بنفسه أيضاً لم يكن يملأ كلّ الفراغ؛ لأنّ الصحابة أنفسهم في معالجاتهم للمشاكل وفي أحكامهم وقضاياهم لم يكونوا يستوعبون الفراغ هذا أيضاً، كانت الحياة الإسلامية، الفكر المنحرف في الحياة الإسلامية كان يتمخّض عن وضع متمّم الجعل لمرجعية الصحابة، ومتمّم الجعل كان هو الاجتهاد


والرأي، هذا المبدأ الذي قامت على أساسه بعد هذا مدارس القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، ونحو ذلك من المدارس التي استحدثها فقهاء المسلمين من السنّة.

هذا كان يتمخّض حينما كان الإمام الباقرعليه‌السلام يعلن عن المبدأ الصحيح، حينما كان يواجه المسلمين بالإطار الحقّ للفرقة الناجية، ويعطي هذا الإطار المعالم المحدّدة، وهذا الإمام كان يواجه صعوبةً كثيرةً من هذا الناحية، وفي الروايات الواردة عن مناقشة الإمام الباقرعليه‌السلام بأنّك ترسل عن رسول الله، وكيف يصحّ هذا الإرسال ؟ هذه المناقشة استبطان لمرجعيّة الصحابة، بالآخرة المرجع هو الصحابة، ولا بدّ أن نستفيد من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبالرغم من أنّ الإمام الباقرعليه‌السلام تحدّى الفكرة العامة، وأعطى فكرة مرجعية أهل البيت بشكلٍ واضح، وصرّح بذلك في أقصى المجالس من وجهةٍ سياسيّةٍ في حالاته الاعتيادية، هو ومن جاء بعده كانوا في تقيّةٍ شديدةٍ من ناحية هذا المبدأ بالذات.

تقيّة الأئمّةعليهم‌السلام من ذهنيّة الرأي العامّ:

وأنا أعتقد أنّ الأئمّة كانوا في تقيّةٍ من ذهنية الرأي العام أكثر ممّا كانوا في تقيّةٍ من ناحية خلفاء الجور والظلم، لم يكونوا - الأئمّة - في تقيّةٍ من ناحية خلفاء الجور بتلك الدرجة التي نراها في الروايات والأخبار، ولا أظنّ أنّها بتمامها كانت مستندةً إلى اتّقاء خطر خلفاء الجور، وماذا يهمّ خلفاء الجور أن تكون الفتوى هكذا أو هكذا في مسائل الطهارة والصلاة والصوم وغير ذلك من الأمور التي لا ترتبط بلهوهم وأُنسهم وسياستهم وشهواتهم التي تهمّهم، لم يكونوا يهتمّون بهذه الناحية بالمقدار الذي يجعل الإمام يتّقي هذا الاتّقاء الذي يبدو من الروايات.


الإمام كان يتّقي في الموارد التي لا ترتبط لا من قريب ولا من بعيد بمسألةٍ سياسية، حتّى في هذه المواضع الإمام كان يتّقي، لماذا كان يتّقي ؟ الإمام كان في نظر المسلمين أجمع رجلاً عالماً كاملاً عاملاً عادلاً متديّناً، وكان لا يشكّ أنّه في طليعة أهل العلم والورع والتقوى، إذن لماذا لم يكن يقول في مسألةٍ: إنّ هذا حرام أو إنّ حلال، ولا يهمّ ذلك الخليفة الجالس في قصره أن يكون هذا حراماً أو أن يكون ذلك حلالاً ما دام الخراج بيده وما دام الأمر أمره ونهيه ؟

الذي أرى أنّ ذهنيّة المسلمين التي غرسها الانحراف السياسي المستمرّ المتدرّج نشأت بنحوٍ تستغرب مرجعية أهل البيت، وتستنكر هذه الفكرة بالرغم من إعظامهم لأشخاص أهل البيتعليهم‌السلام ، ولكنّها تستغرب فكرة أنّ الإسلام قد أعطي أمانةً بيد هذه الأسرة الخاصّة، أو بيد أشخاصٍ متسلسلين من هذه الأسرة الخاصّة، هذه الفكرة أصبحت بعد وفاة النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بأربعين أو بخمسين سنة، أصبحت فكرةً تبدو غريبة، وعمق غرابتها في شذوذ معاوية وخلفاء معاوية بقطعهم الصلة بين المسلمين وبين كثيرٍ من الروايات المأثورة عن النبيّ، وفكرة أنّ الإسلام أُعطي أمانةً بيد أهل البيت، وأنّ أهل البيت أُمناء بصورةٍ مباشرةٍ على الإسلام، وعلماء بصورةٍ مباشرةٍ للإسلام. هذا المطلب أصبح شيئاً غريباً، بل أصبح شيئاً تمجّه الطباع وتضيق به.

الإمام الباقرعليه‌السلام أمام طريقين:

الإمام الباقر الذي عاش محنة هذا الدور الثاني الذي نتكلّم عنه، كان له طريقان: إمّا أن ينصب له مدرسةً فقيهةً كما ينصب غيره من الفقهاء مدرسةً فقهية، وبعدئذٍ يفتي على أساس الرواية المسندة عن النبيّ تارةً، وعلى أساس الاجتهاد والمصالح أخرى، غاية الأمر بطبيعة الحال أنّه لا يفتي بخلاف الواقع، يفتي


بالواقع، لكن يُلبِس الواقع هذه الأثواب المعترف بها بحسب الذهنية العامة، فحينئذٍ هل كان يحقّق خطراً من هذه الناحية، أو كان يحقّق من هذه الناحية شيئاً يستفزّ الخليفة بمجرّد أن خالف فلان الفقيه، مع أنّه نهج نفس المنهج، واتّبع نفس الإطار العامّ الذي اتّبعه الفقيه الآخر ؟ لو كان سلك هذا السلوك لما استفزّ الخليفة، ولما استفزّ السياسة الحاكمة، ولكان هذا يجعله في مصاف بقيّة الفقهاء، بل يجعله أكبر من بقيّة الفقهاء الآخرين، كلّهم كانوا بالنظر العامّ أهبط من مستوى الأُمّة، يقول ذلك الشخص: ما رأيت العلماء أمام شخصٍ هم أصغر وأحقر منهم أمام محمّد الباقرعليه‌السلام (١) . لو كان ينهج نفس المنهج ويتّخذ نفس الإطار، ويلبس الفتوى الواقعية هذه الأثواب، إذاً لنجح ولما وجد هناك تقيّة بهذا المعنى الذي نقول. المهمّ توجد تقيّة في مجالاتٍ خاصةٍ ترتبط بمصالح الحاكم لا أكثر من ذلك.

لكن هذا كان يتنافى مع طبيعة الذات؛ لأنّ هذا إمضاء ضمني لهذه الأثواب، إمضاء ضمني لهذا الإطار، إمضاء ضمني لهذه الذهنية العامة المنحرفة عند المسلمين وتعطيل ضمني لمبدأ مرجعية أهل البيتعليهم‌السلام . المسألة الجهادية وقتئذٍ لم تكن هي مسألة أن ينقل الفتوى الواقعية في هذه القضية أو في تلك القضية، وإنّما تعطى في إطار مرجعية أهل البيت، هذه هي كانت المسألة الجهادية، وهذه المسألة الجهادية هي التي تستفزّ السلطان، وتستفزّ الذهنيّة العامة عند المسلمين؛ لأنّ الذهنية العامة للمسلمين غير مستعدّةٍ أن تسمع مثل هذا، نعم مستعدّة أن تسمع من الإمام على قدر ما تسمعه من مالك وأبي حنيفة وغيرهم، ولكن على نحوٍ غيبيٍّ إلهيٍّ حينئذٍ غير مستعدّةٍ أن تسمع ذلك، وإنّما تقول حينئذٍ: إنّ هذا ساحر، إنّ

____________________

(١) تذكرة الأُمّة بخصائص الأئمّة لسبط ابن الجوزي، عن عطاء: ٣٣٦.


هذا كذّاب، كما قال الجاهليّون عن جدّه !

إذن فكان الإمام في نفس الوقت الذي يجاهد بإعطاء هذا الإطار، في نفس الوقت كان يتّقي عن الإعطاء ضمن هذا الإطار إلاّ في حدودٍ يمكن أن تحقّق مكسباً جديداً للفرقة من دون أن يستفزّ أذواق الآخرين بما يعود على الفرقة من الوبال وبالخسارة، وكثير من الإفتاءات الفقهية أنا أُفكّرها على هذا الأساس؛ لأنّ الأساس كان يدور أمره بين أن يُظهر الواقع لكن في إطارهم، وبين أن لا يُظهر الواقع، في المقامين لم يظهر الواقع وتابعهم بحسب الصورة، بل كان إمّا أن يعطي الواقع بثوبه الإلهي، وإمّا أن يتظاهر بالتبعية المطلقة للفقهاء الآخرين وأنّه ليس له كلام إلاّ كلامهم، كلّ هذا كان لأجل دقّة الموقف بكلا قسميه.

هذه هي المشكلة التي كان يواجهها الإمام الباقر بحسب الخارج، مشكلة تمخّض الانحراف في الحياة الإسلامية عن وضع مبدأً آخر في مقابل هذا المبدأ، وهذا المبدأ عاصره الإمام الباقرعليه‌السلام في حياة مخاض، ثمّ يعاصره الإمام الصادق، وهو في حالة عنفوانه، ويواجهه بعد أن اشتدّ فاعله ونما وأصبح شيئاً رسمياً مقهراً مفروغاً عنه، على ما يأتي في حياة الإمام الصادقعليه‌السلام .

العقبة التي كان يواجهها الإمام الباقرعليه‌السلام من الداخل:

وأمّا المشكلة التي كان يواجهها من الداخل: هي المشكلة التي كان يواجهها من داخل الإطار الشيعي حينما بدأ إعطاء المناهج التفصيلية وإعطاء الخطوط التفصيلية للتشيّع بوصفه الوريث الحقيقي للإسلام ومعبّراً حقيقيّاً للإسلام، في هذا المقام كان من الطبيعي أن يواجه شيئاً من التشويش والاضطراب في داخل كيان الشيعة؛ لأنّ هذه الحدود وهذه المعالم لم تكن تعطى


بصورةٍ مخصوصةٍ واضحةٍ منشورةٍ بلا خوفٍ ولا تقيّةٍ ولا وجلٍ مع التخطيط اللازم والشرح اللازم، وإنّما كانت تعطى في ظروفٍ جهاديةٍ معقّدةٍ ومحتفّةٍ بالمشاكل التي شرحناها والتي لم نشرحها.

إذن فمن الطبيعي هذا أنّ مثل هذه المعطيات سوف يدخل عليها كثير من التغيير والتبديل والتطوير في داخل الجهاد، في داخل الكتلة، هذا المفهوم حينما ينطلق من عند الإمام لا يسمعه الكلّ على مستوىً واحدٍ وبدرجةٍ واحدة، وإنّما يبقى يمشي من إنسانٍ إلى إنسانٍ في تُؤَدَةٍ وببطءٍ إلى أن يستوعب كلّ الكتلة، هذا المفهوم حينما يمشي شأنه [ شأن ] الماء حينما يمشي على الأرض يأخذ من تراب الأرض ومن أوساخها، وهكذا حتّى يخرج من كونه ماءً مطلقاً إلى كونه ماءً مضافاً أو ماءً متغيّراً، هذه المفاهيم كان حالها هكذا.

في مثل هذا الجوّ وجدت هناك فرصٌ وإمكانيات في داخل جبهة الفرقة الناجية للتحريف والانحراف، ولبناءاتٍ باطلةٍ ضالّةٍ في داخل هذه الفرقة الناجية. والتأريخ يقول بأنّ اتّجاهات جديدةً للغلوّ نشأت في فترةٍ مقارنةٍ مع حياة الإمام الباقرعليه‌السلام وفي حياة الإمام الباقرعليه‌السلام .

وكان من جملة المعمّقين لهذه الاتجاهات في داخل الفرقة هم الأشخاص الذين اكتسبوا بعد ذلك اسم الحنفيّين أو المذهب الحنفي أو نحو ذلك، يعني الأشخاص الذين انتسبوا إلى دعوى إمامة محمّد بن الحنفيّة وبعده أبو هاشم، نفس محمّد بن الحنفية لم يثبت بوجهٍ من الوجوه أنّه ادّعى الإمامة، وإنّما شُوّش عنه بهذا المفهوم في عملٍ قام بهالمختار في الكوفة.

وبعد محمّد بن الحنفية جاء ابنهأبو هاشم ، ويبدو أنّ أبا هاشم كان رجلاً غير واضح وغير منسجمِ مع خطّ أهل البيتعليه‌السلام ، فقولب هذه الأمور بشكل


مذهب، ثمّ أخذ يضيف إلى هذا المذهب من المعطيات التي كان يعطيها الأئمّة بعد تحريفها وتشويشها. فالأئمّة كانوا يعطون الحدود الواقعيّة لمرجعيّة أهل البيت، وهو كان يأخذ هذه الحدود ويتفاعل معها ويشوّهها، ثمّ بعد هذا تنعكس في إطارٍ عقائديٍّ بشكلٍ غير صحيحٍ.

والنوبختي في ( فرق الشيعة ) يذكر هناك اضطرار الإمام الباقر عدّة مرّاتٍ أن يصدر قراراً بالكفر والتكفير أو بشيءٍ من هذا القبيل على بعض دعاة الشيعة داخل الإطار الشيعي من أتباع محمّد بن الحنفية، ومن غير أتباع محمّد بن الحنفية(١) ، هؤلاء الذين رأوا في هذه المفاهيم وسيلةً للتشويه والانحراف والجهد من جديد، فأخذوا يدّعون النبوّة تارةً، والإلوهية أخرى، وينسبون الإلوهية له أو لشخصٍ ميّتٍ أو للإمام الحيّ الذي هو يعطي المفاهيم الصحيحة ثالثة، وهكذا حتّى اضطّر الإمام أن يطرد بعض أصحابه ويلعن ويكرّر لعنهم، من قبيل مغيرة بن سعيد. هذا الشخص أخذ المفاهيم وكدّرها وأضاف إليها من عنديّاته، ثمّ انحرف وأخذ يعطي المفهوم الشيعي مع شيءٍ كثيرٍ من الغلوّ، حتّى جعل الإمام يتألّم ويتأثّر ويلعنه(٢) . وكذلك الإمام الصادق فيما بعده(٣) وكان يقول الإمام الباقرعليه‌السلام : ما لهؤلاء يقولون عنّا، ونحن أشخاص ورثنا من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! لكن ما صحبنا معنا براءةً من النار، ونحن نخاف من الله ونهتزّ خوفاً منه كما تهتزّ الورقة من الريح، ونحن إن أطعنا الله أدخلنا الجنّة، ونحن إن عصينا الله أدخلنا النار ،

____________________

(١) انظر: فرق الشيعة: ٢٨.

(٢) رجال الكشّي، ح ٤٠٥ و ٤٠٦، ط مشهد.

(٣) رجال الكشّي، أحاديث: ٣٣٦ و ٣٣٩ و ٤٠٠ - ٤٠٤، ٤٠٧، ٤٠٨، ٥١١، ٥٤٢ - ٥٤٤، ٥٤٩، ٩٠٩.


ولا براءة من الله تعالى إلاّ على أساس عملنا(١) ، كلّ هذا كان من قبله كعلاجٍ للمشاكل الداخليّة.

قدّروا موقف شخصٍ داعيةٍ يريد أن يعطي الأُمّة مفهوماً، هذا المفهوم يقيم به الدنيا والآخرة، يعارض في هذا المفهوم السلطة الحاكمة، ويعارض الذهنيّة العامّة للمسلمين، التي يريد الإمام أن يبقى محتفظاً بمكانته فيها لأجل أن يحتلّها بالتدريج، فهو يعطي هذا المفهوم في مثل هذا الحدّ، ويعطيه كتلةً متشتّتةً غير مجتمعةٍ، متفرّقةً مكاناً ووضعاً وحالاً، ولا بدّ له أيضاً من الحفاظ على صحّة هذه المفاهيم التي يعطيها، ومن مقاومة الانحرافات التي تنشأ من محاولة حلّ هذه المفاهيم. هذه المهمّة مهمّة من أدقّ المهمّات وأصعبها في التأريخ على الدعاة العقائديّين قد قام بها الإمام الباقرعليه‌السلام .

هذا كلّه في ما يرتبط بالخطّ الرئيسي في هذا الدور الثاني، وهو خطّ إعطاء معالم الحدود والإطار المحدّد للفرقة الناجية ومجابهة المصائب والمشاكل من الخارج والداخل في سبيل إعطاء هذا الإطار. ثمّ هناك نشاطات أخرى متفرقّة ومهمّة قام بها الإمام الباقرعليه‌السلام .

____________________

(١) راجع: أصول الكافي ٢: ٧٤ - ٧٥، كتاب الإيمان والكفر، الحديث ٣ و ٦، وبحار الأنوار ٢٥: ٢٨٩، كتاب الإمامة، باب نفي الغلوّ في النبيّ والأئمّةعليهم‌السلام ، الحديث ٤٦، الصفحة ٣٠٣ و، الحديث ٦٩، الصفحة ٣٠٧و، الحديث ٧٣، الصفحة ٣١٧ و، الحديث ٨٢.


الإمام الرضاعليه‌السلام

المنعطف التاريخي في حياة الأئمّةعليهم‌السلام



بسم الله الرحمن الرحيم

مراحل حياة الأئمّةعليهم‌السلام :

نجتمع اليوم بمناسبة وفاة الإمام الثامنعليه‌السلام ، وقد ذكرنا مرّةً سابقة: أنّ هذا الإمام العظيمعليه‌السلام يمكن أن يعتبر منعطفاً تأريخياً في حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، يعني أنّه بداية المرحلة الثالثة من المراحل التي قسّمنا بها تأريخ حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، فإنّنا صنفّنا تأريخ الأئمّة إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى : هي المرحلة التي عاش فيها قادرة الرسالة لمجابهة ومواجهة صدمة الانحراف التي وقعت في الأُمّة الإسلامية عقيب وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان أئمّة هذه المرحلة يشرعون بشكلٍ رئيسيٍّ لمواجهة ومجابهة هذه الصدمة وتحصين الأُمّة ضدّها. وهذه المرحلة تنتهي عند الإمام السجّادعليه‌السلام .

والمرحلة الثانية التي تبدأ منذ ذلك الحين هي مرحلة مواصلة خطّ المرحلة الأولى زائداً على ذلك: التصدّي لتنمية الكتلة الواعية التي عرفت في التأريخ باسم الشيعة، هذه الكتلة التي كانت هذه القاعدة الشعبيّة المؤمنة بمدرسة الإمام عليعليه‌السلام في الشريعة، وفي الحكم، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الأخلاق، وفي السلوك، وفي كلّ الميادين التي أعطى فيها الإمام عليعليه‌السلام أروع تمثيلٍ للنظرية الإسلامية. أئمّة هذه المرحلة أتوا للتطبيق ببناء هذه الكتلة ورفعها


وتوسيع قواعدها الشعبيّة، وإعطائها إطارها ومعالمها الخاصّة، الفكرية والاجتماعية في مجموع العالم الإسلامي.

وتنتهي هذه المرحلة عند الإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام لكي تبدأ المرحلة الثالثة التي بدأ فيها رسول الإمام عليعليه‌السلام (١) وورثة الإمام عليعليه‌السلام . بدأ هذا الرصيد ضخماً قوياً ناتجاً على مستوى تسلّم زمام الحكم، فعاش الإمام الرضاعليه‌السلام هذه المرحلة التي بلغ رسول مدرسة الإمام أمير المؤمنين العظمة والاتّساع، نتيجة لجهود أئمّة المرحلة الثانية، إنّه كان يهيّئ لتسلّم زمام الحكم بحسب بادئ الأمر والنظر على ما سوف أبحثه بعد هذا. وكان هذا الارتفاع في الرصيد الصحيح الصالح وقتئذٍ كان يحدّد ملامح هذه الكتلة في جميع جوانبها الفكريّة والاجتماعية، كان هذا نتيجة جهدين متوازيين.

عاشت المرحلة الثانية هذين الجهدين بأشكالهما المختلفة، أحد هذين الجهدين هو جهد التثقيف الفكري والتوعية العقائدية التي كان يمارسها قادة أهل البيت من الأئمّة المعصومينعليه‌السلام ممارسةً مباشرةً واضحة، فكانت هذه الممارسة المباشرة لعلميّة التوعية والتثقيف الرسالي والعقائدي، كانت هذه العملية قد أعطت خلال المرحلة الثانية لكتلة الشعبيّة خصائصها الفكرية ومزاجها الروحي ومعالمها ومفاهيمها في كلّ جوانب الإسلام.

وكان هناك جهدٌ يمشي موازياً مع هذا الجهد، هذا الجهد الآخر هو الجهد الذي انطلق من دم الحسينعليه‌السلام هو جهد الجناح من أبناء الإمام عليعليه‌السلام ، هذا البناء الذي تسلّم زمام الثورة والمقابلة السياسية للوضع الحاكم وقتئذٍ، منذ أن أعطى الإمام السجّادعليه‌السلام - بوصفه ممثّلاً حقيقياً وقتئذٍ للإسلام - بيانه العامّ

____________________

(١) كذا في الأصل.


وإسماعه العامّ لكلّ مسلمٍ بأن يمارس عمله ضدّ الطواغيت الحاكمين، حينما ذهب إليه محمّد بن الحنفيّة مع رسول المختار ليستشيره في ما عليه طلب المختار فأعطى وقتئذٍ بياناً، لم يكن هذا البيان يخصّ المختار، بل كان بحسب ما تدلّ عليه الملابسات والظروف العامّة أنّه بداية تخطيطٍ للمرحلة كلّها(١) ، يعني أنّ أئمّة المرحلة الثانية لم يكن بإمكانهم على ما سوف نتحدّث عنه عندما نتكلّم عن الإمام السجّاد، لم يكن بإمكانهم مواصلة العمل على أساس دم الحسينعليه‌السلام ، لم يكن بإمكانهم تزعّم المعركة لتحريك الضمير الثوري عند الأُمّة الإسلامية، فكان من الضروري إعطاء هذه الصلاحيات إلى سائر المسلمين، مع التزام الأئمّةعليهم‌السلام بالتوجيه والمراقبة والمساندة.

والمساندة واضحة كلّ الوضوح خلال المرحلة الثانية، مساندة قادة الرسالة الحقيقييّن لهذا الخطّ الثاني واضحة في عدّة وثائق تأريخيّة.

لعلّ من أهمّ هذه الوثائق التأريخية ذلك الكتاب الباكي المفجوع الذي كتبه الإمام الصادقعليه‌السلام إلى بني عمّه، إلى عبد الله بن الحسن المحض وصاحب النفس الزكية، وإلى أهله وذويه الذين نكبهم طاغية عصره المنصور، وسجنهم، وقتل منهم من قتل، ثمّ نفى منهم من نفى، كتب الإمام الصادق إليهم كتاباً في السجن، هذا الكتاب سوف نتعرّض له حينما نتكلّم عن الإمام الصادق، هذا الكتاب واضح في أنّ الإمام كان يعيش آلام هؤلاء، ويبارك عمل هؤلاء، ويكتوي في سجن هؤلاء حينما سجنوا، وبعذابهم حينما عذّبوا، وبقتلهم حينما قتلوا(٢) .

____________________

(١) راجع: بحار الأنوار ٤٥: ٣٦٥، باب أحوال المختار وما جرى على يديه، الباب ٤٩، الحديث ٢.

(٢) راجع: بحار الأنوار ٤٧: ٢٩٨ - ٣٠١، باب أحوال أقربائه وعشائرهعليه‌السلام ، الباب ٣١، الحديث ٢٥، و ٨٢: ١٤٥ - ١٤٨، باب فضل التعزّي والصبر، الباب ٦١، الحديث ٣٢.


إذن فكان هناك خطّان ممتدّان في المرحلة الثانية، أحد الخطّين خطّ التوعية والتثقيف الرسالي الذي مارسه الأئمّةعليه‌السلام ، والآخر خطّ مواصلة تحريك الضمير الثوري للأمّة الإسلامية لإعطاء الشيعة طابعهم الجهادي في المعترك الاجتماعي، هذا الخطّ الذي مارسه أشخاص آخرون من طلاب مدرسة الإمام أمير المؤمنين بإشرافٍ وتوجيهٍ ومساندةٍ من الأئمّةعليه‌السلام على ما يبدو من قرائن الأحوال، وسوف نشرح هذا - إن شاء الله - عندما نتكلّم عن المرحلة الثانية.

أريد أن أستطرد لأصور فكرةً عن المرحلة الثالثة التي نحن الآن بصدد الكلام عن أوّل أئمّتها، وهو الإمام الثامنعليه‌السلام ، ففي استمرار هذين الخطّين المتوازيين في المرحلة الثانية أمكن لمدرسة الإمام عليٍّعليه‌السلام أن تكتسب رصيداً ضخماً ممتدّاً في كلّ أرجاء العالم الإسلامي، وأن تنمو أرصدة شعار الإمام عليعليه‌السلام ، ولا أدلّ على هذا من المظاهر العديدة الفكرية والروحية والاجتماعية التي كانت تكتنف الأُمّة الإسلامية في بداية المرحلة الثالثة، يعني في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام .

الحركات الثورية في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام :

لاحظوا أنّ عصر الإمام الثامن الرضاعليه‌السلام سادته عدّة مناوراتٍ قام بها قادة من آل عليٍّ وطلاب مدرسة الإمام عليعليه‌السلام ، هؤلاء القادة ملأوا العالم الإسلامي من الكوفة إلى البصرة، إلى مكّة والمدينة، إلى اليمن، أينما كنت تذهب كنت ترى هناك قائداً يحكم باسم الإمام علي بن أبي طالب، ويحمل شعارات الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، بالرغم من أنّ بغداد بقيت تحت تبعية الخلافة العباسية إلاّ أنّ بغداد طوّقت بهذه التحرّكات. وكان أهمّ هذه الحركّات: تحرّك


ذاك الرجل العظيم محمّد بن إبراهيم طباطبا(١) ، هذا الرجل الذي خرج من المدينة إلى الكوفة وأعلن عن نفسه بالكوفة، وطرح شعار الاعتدادية(٢) (*) التي كان يطرحها ثوّار آل محمّد، وهو البيعة للرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذا الشعار كان من خصائص ثوّار آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، استبدلت البيعة بالشخص بعنوانه إلى البيعة إلى هذا العنوان الإجمالي منذ ثار زيد بن عليعليه‌السلام إلى أن تتابع الثوّار من آله ومن آل الإمام الحسنعليه‌السلام ، وكان الشعار الذي يطرح هو الرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لكي يكون الشعار منسجماً مع مضمون القضيّة الإسلامية من دون إحراجٍ للشخص الواقعي الذي يمثّل القضيّة في كلّ حين، فطُرح الشعار بهذا العنوان.

فهناك رواية لا أدري صحيحة أو لا عن الإمام الباقرعليه‌السلام :( سوف يقف على منبر الكوفة في سنة مئتين للهجرة شخص يباهي الله به ملائكة السماء ) (٣) . وهذا الشخص الذي عُني في هذه الرواية - إن صحّت - هو محمّد بن إبراهيم.

محمّد بن إبراهيم خرج من المدينة، في طريقه إلى الكوفة مرّ بكربلاء، قبّل الضريح، وعاهد الإمام الحسينعليه‌السلام على أن يواصل خطّه، وعلى أن يستمدّ من دمه وشعاراته، ثمّ ذهب إلى الكوفة وهناك أعلن الشعارات، وأعلن البيعة للرضا من آل محمّد(٤) ، على أن يكون الحكم لكتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الإمام عليعليه‌السلام ، مقصودي أن أستشهد على نموّ الرصيد والقاعدة التي كانت تملكها

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٣٤٤ - ٣٥٤، وتأريخ الطبري ٧: ١١٧ - ١١٨.

(٢) كذا في الأصل.

(*) هكذا في النسخ المطبوعة ولم نجد لها معنى، وقد أبقتها اللجنة العلمية التي حققت النسخة المطبوعة على ما هي عليه، ونظنُّ أنّها خطأ مطبعي المراد منه ( شعاراته الاعتيادية ) أي: المتعارفة آنذاك بين الثوار، أو ربّما المراد ( شعاراته الإعدادية ) أي: التي تُعدّ الثوار.[ لجنة التقويم العلمي في شبكة الحسنينعليهما‌السلام للفكر والتراث الإسلامي ]

(٣) مقاتل الطالبيين: ٢٤٨، وفيه: سنة مئةٍ وتسعة وتسعين.

(٤) مقاتل الطالبيين: ٣٤٧ - ٣٤٨.


مدرسة الإمام عليعليه‌السلام .

هذا النموّ المتزايد نعرفه عن طريق ردود فعل هذه الثورات في العالم الإسلامي، كان ردّ الفعل لثورة محمّد بن إبراهيم أن وقفت الكوفة معه أربعة سنين، وقاوموا جيوش العباسيين جيشاً بعد جيشٍ فتنهزم الجيوش من أمامه.

الكوفة هذه هي الكوفة التي خانت الحسينعليه‌السلام ، هذه الكوفة التي تركت زيداً وحفنةً من الأصحاب، هذه الكوفة بعد مئةٍ وخمسين من وقعة الحسين، وبعد أقلّ من مئة سنةٍ من وقعة زيدٍ وقفت تدافع عن شخصٍ آخر صار في خطّ الإمام الحسين وخطّ زيد، وقفت تدافع عنه أربع سنين.

هذه الاستجابة دليل على نموّ القاعدة الشعبية. سوف أستعرض فيما بعد أنّه حينما أرسل الفضل بن سهل رسله إلى الكوفة ليأخذ البيعة بولاية العهد لعليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام امتنعت الكوفة عن ذلك، قالوا: لا نبايع علي بن موسى الرضا بولاية العهد، نبايعه بالخلافة، وإلاّ فلن نبايعه بولاية العهد(١) . وكان هذا منتهى الحماسة والحرارة في خطّ مدرسة الإمام عليعليه‌السلام ، يعني لو لم يقبلوا أن يبايعوا علي بن موسى الرضاعليه‌السلام بولاية العهد، ويقبلون أن يبايعوه خليفة.

اتّساع القواعد الشعبية للإمام الرضاعليه‌السلام :

وهناك شواهد أُخرى كثيرة على نموّ هذه القواعد الشعبيّة، مثلاً ما سوف يأتي من أنّ المأمون كان يستجير بالإمام الرضاعليه‌السلام في المصاعب التي كانت تعصف بدولته.

مرّةً من المرّات قال له - على ما سوف أتحدّث إليكم -: إنّ شيعتك في

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري ٧: ١٤٣ - ١٤٤.


مكانٍ انتفضوا علينا، هلاّ كتب إليهم فإنّهم يسمعون لو كتبت، اكتب إليهم أن يسكتوا عنّا(١) ؟

ومرّةً أخرى حينما اغتيل الفضل بن سهل، وحينما تسامع الناس باغتياله، وحينما فسّر أهالي خراسان أنّ اغتيال الفضل بن سهل كان على يد المأمون، قامت جماهير من الناس وقفت على باب قصر المأمون تنتظر خروج المأمون لتصبّ عليه جام غضبها وانتقامها، المأمون يخرج من الباب الخلفي يدخل إلى بيت الإمام الذي كان مجاوراً، يستجير بالإمامعليه‌السلام . يخرج الإمامعليه‌السلام فيفرّق الجماهير بأمرٍ واحد(٢) . يعني: الإمام كان رصيده الشعبي والاجتماعي في نفس البلد الذي حكمه المأمون والذي حكّم المأمون وأمّر المأمون بالقوّة وبالجيوش، كان رصيده الشعبي والاجتماعي قد بلغ إلى هذا المستوى، إضافةً إلى رصيده العلمي والفكري وزعامته العلميّة والفكريّة التي تعرفون من شواهده الشيء الكثير.

ومنها: ما يتبادر إلى أذهانكم جميعاً قصّة مروره نيشابور وتسابق العلماء على الاستفادة منهعليه‌السلام ، كلّ هذا يثبت أنّ القاعدة الشعبيّة من الناحية العلمية والاجتماعية لمدرسة الإمام علي كانت قد بلغت درجةً كبيرةً من الارتفاع والنموّ.

الإمام الرضاعليه‌السلام وقيادة الأُمّة:

في هذه المرحلة سُلّم الإمام الرضاعليه‌السلام زمام الإمامة والمسئولية، ويبدو أنّ الإمام الرضاعليه‌السلام حينما تسلّم زمام المسئولية والإمامة في مثل هذه المرحلة، قام بنشاطٍ له لم يكن اعتيادياً على مستوى الشيعة، ولهذا تعرّض

____________________

(١) و (٢) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢: ١٦١ - ١٦٦، الحديث ٢٣ - ٢٩.


لاعتراضاتٍ من قبل الشيعة.

جاءه جماعة من الشيعة قالوا له: ماذا تصنع ؟ قد فضحت نفسك وهارون الرشيد يقطر سيفه دماً، ألا تخاف من سيف هارون الرشيد ؟(١) .

جاءه أيضاً أصحاب آخرون قالوا له: إنّك بما تعمل قد أقدمت على الهلكة(٢) .

قال له أشخاص آخرون: لو سكتّ كما سكت أبوك وجدّك.

الروايات هكذا تقول، لكنّ هذه الرواية في نفسها لا تقول: إنّ الإمام الرضا ماذا كان يصنع، بحيث إنّه استفزّ هؤلاء.

بعض الأشخاص جاؤوا إليه وقالوا: خالفت التقية، التقية دين جعفر بن محمّد الصادق. إلى غير ذلك من المضامين.

لكن هناك روايات أخرى قد تلقي ضوءاً على ذلك، تقول الروايات الأخرى: إنّ الإمام الرضا لمّا تسلّم زمام المسئولية بعد وفاة أبيه قام بجولة في العالم الإسلامي، سافر من المدينة جاء إلى البصرة، اجتمع مع قواعده الشعبية في البصرة، قبل هذا أرسل رسولاً إلى البصرة أنّه انتظر خلال ثلاثة أيامٍ سوف يأتي الإمام الرضا، ثمّ يأتي علي بن موسى الرضاعليه‌السلام بعد ثلاثة أيامٍ في الوقت الذي يكون الشيعة في البصرة متهيّئين تهيّؤاً كاملاً لاستقباله والاجتماع حوله والاحتفاء به، فيجتمع بهم ويقيم الحجّة عليهم في إمامته، ثمّ بعد هذا يقول لهم بأنّه سلوني، فيدير معهم الأسئلة والأجوبة عن مختلف جوانب المعرفة الإسلامية.

ثمّ بعد هذا يطلب منهم جمع بقيّة الطوائف أيضاً، فيجمعون له بقية الطوائف ،

____________________

(١) روضة الكافي: ١٧٥، الحديث ٢.

(٢) الأصول من الكافي ١: ٥٥٣، الحديث ٢.


بقية العلماء من المجادلين الكلاميين من علماء غير إسلاميين، فيعقد عدّة اجتماعاتٍ مع هؤلاء في البصرة يفحمهم ويسيطر علي الموقف.

بعد هذا يرسل رسولاً آخر إلى الكوفة يقول: أخبروا أهل الكوفة بأنّه خلال أيام سأجيء إلى الكوفة. بعد هذا يسافر إلى الكوفة، وهناك يقيم عليهم الحجّة بصورةٍ مباشرة، يعني على إمامته بعد أبيه، ثمّ بعد هذا يدير مناقشاتٍ واسعة النطاق وأسئلة وأجوبة متنوّعة ومتكفّلة(١) .

وأيضاً يتّصل مع مجادلين ومتكلّمين ويهود ومسيحيّين(٢) ممّن كانوا وقتئذٍ يشكّلون بداية خطرٍ فكريٍّ على العالم الإسلامي؛ لأنّ حركة الترجمة والجدل الكلامي كانت وقتئذٍ قد بدأت تستقطب العالم الإسلامي، وبهذا كان الإمام الرضاعليه‌السلام يولي هذه الناحية أيضاً درجةً كبيرةً من الأهمية، مثل هذا النشاط الملحوظ لم يكن يمارسه آباء الإمام الرضا، آباء الإمام الرضاعليه‌السلام لم يكونوا بأنفسهم يسافرون للاتصال المباشر مع قواعدهم الشعبيّة وتثبيت إمامتهم على تلك القواعد بالشكل المباشر، ثمّ محاولة الاتّصال المباشر مع قواعدهم الشعبيّة بهذا الشكل الواسع النطاق. هذا في الواقع كان من مظاهر طبيعة المرحلة، كانت طبيعة المرحلة وطبيعة اتّساع هذه القواعد وازدياد نفوذ مدرسة الإمامعليه‌السلام الروحي والفكري والاجتماعي في نفوس المسلمين تقتضي هذا النوع من النشاط من الإمام الرضاعليه‌السلام ، إلاّ أنّ أصحاب موسى بن جعفرعليه‌السلام لم يربطوا بين هذا التحوّل المظهري في تصرّفات الإمام الرضاعليه‌السلام عن خطّ آبائه وبين السلوك الموضوعي للمرحلة، ولهذا حاولوا الاعتراض عليه من هذه الناحية.

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٩: ٧٣ - ٨١، باب ورودهعليه‌السلام البصرة والكوفة...

(٢) عيون أخبار الرضا ١: ١٤٥، باب ١٢، ذكر مجلس الرضاعليه‌السلام مع أهل الأديان و....


تقويم المرحلة السياسية في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام :

فحينئذٍ هنا الإمام الرضاعليه‌السلام منذ بداية تسلّمه زمام المسئولية نفّذ خصائص هذه المرحلة من حيث كونها مرحلة ارتفاع هذه القواعد الشعبيّة. ولكن يجب أن يعلم - كما كرّرنا ذلك أيضاً في بعض المحاضرات السابقة - أنّ نموّ هذه القواعد الشعبيّة لم يكن يعني حقيقةً أنّ مرحلة عمل الإمام كانت مرحلة تسلّم زمام الحكم، بل بالرغم من كلّ هذا النموّ المتزايد في القواعد الشعبيّة كان الإمام يعلم، وكان كلّ شخصٍ عميقٍ - بملاحظة الظروف الموضوعية - يعلم بأنّ الإمام ليس على مستوى تسلّم زمام الحكم؛ لأنّ الحكم الذي يريد أن يتسلّمه الإمام غير هذا الحكم الذي يملك مثل هذه القواعد الشعبية، يعني هذه القواعد الشعبية التي كانت موجودةً في العالم الإسلامي كانت تهيّئ الإمامعليه‌السلام لأن يتسلّم زمام الحكم على مستوى ما يتسلّمه أيّ زعيمٍ آخر. فبإمكان الإمام الرضاعليه‌السلام أن يتسلّم زمام الحكم على النحو الذي تسلّمه المنصور، أو على النحو الذي يتسلّمه أبو السرايا، أو على النحو الذي يتسلّمه الأمين أو المأمون، هذا كان بالإمكان؛ لأنّ هناك قواعد ضخمة، وهذه القواعد الضخمة يمكن أن تمدّه بالجيوش الكبيرة، ويمكن أن تمدّه بأموالٍ كبيرةٍ أيضاً.

ولكن مثل هذه القواعد لم تكن تصلح قاعدةً للحكم الذي يريده الإمام الرضاعليه‌السلام ؛ لأنّ هذه القواعد كانت مرتبطةً بمدرسة الإمام عليعليه‌السلام ارتباطاً فكريّاً غامضاً عاماً، وارتباطاً عاطفياً حرارياً قوياً. هذه الحرارة كان يشعلها في كلّ لحظةٍ الدم الطاهر المراق على ساحة الجهاد من ناحية، ومن ناحية أخرى يسعّرها ظلم الظالمين وجبروت الحكّام الذين كانوا قد اعتدوا على أمر هذه الأُمّة وهتكوا حرمتها وهدروا كرامتها، فهذه القواعد التي كانت ترتبط بمدرسة الإمام


عليعليه‌السلام كانت ترتبط بمدرسة الإمام عليعليه‌السلام إلى هذا المستوى، وهذا المستوى من القواعد قد يمهِّد لحكمٍ راسخٍ قويٍّ عتيدٍ كما مهَّد لحكم العباسيين، فإنّ العباسيين لم يمهّد لحكمهم إلاّ هذه القواعد وأمثال هذه القواعد، ولكن لم يمهّد هذا الوضع من القواعد لحكم الإمام عليعليه‌السلام الذي هو أُطروحة أولاده المعصومينعليهم‌السلام .

ولهذا نرى أنّ الثورات الأخرى التي عاشها المسلمون من المخلصين للإمام كانت تُمنى كثيراً من الأحيان بالتناقضات الداخلية حتّى من قبل قواعدهم الشعبية، وكان يحصل فيها انحراف بين حينٍ وحين؛ وذلك لأنّ القاعدة لم تكن واعيةً للأُطروحة، كانت حارّةً ولم تكن واعية، والحرارة لا تنتج بناءً حقيقياً للإسلام، وإنّما البناء الحقيقي للإسلام يقوم على أساس الوعي.

فمثلاً محمّد بن إبراهيم هذا الرجل العظيم هذا الرجل كان قائده أبو السرايا، أبو السرايا كان كمالك الأشتر بالنسبة إليه. أبو السرايا ارتبط به ارتباطاً عاطفيّاً(١) ، رآه في طريقه متّجهاً من المدينة إلى مكّة لمّا كان مسافراً من المدينة إلى مكّة واجه شخصين أحدهما - لا أذكر اسمه بل أذكر القصّة - واجهه وقال له: إنّك رجل مهيّأ وبإمكانك أن ترفع الراية، وأن تعرض على المسلمين البيعة على الرضا من آل محمّد، وأن أكون جنديّك وحامل هذه الراية. يقتنع محمّد بن إبراهيم بهذا ويقول له: أعطني الفرصة في التفكير. ثمّ يذهب هذا الشيخ إلى أهله وذويه وأهل البصيرة من ذويه فيستشيرهم في الموضوع، فيقال له: ماذا صنعت ؟ هذا يمثّل شعار عليعليه‌السلام ونحن مؤمنون بالإمام عليعليه‌السلام . إذن يجب أن نعينه ويجب أن نبرز على المسرح. يقول: كيف ؟ يقال له: لأنّ هذا الشخص حينما

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٣٤٤ - ٣٤٥ وما بعدها.


يتقدّم في الميدان إلى المسرح وتقع المعركة بينه وبين خلفاء بني العباس إمّا أن ينتصر خلفاء بني العباس وإمّا هو ينتصر، وعلى كلّ حالٍ أنت سوف تفقد كيانك، قال: كيف ؟ قيل له: إذا انتصر خلفاء بني العباس فحسابك واضح؛ لأنّك الشخص الذي هيّجت على هذه الأُطروحة، وإذا انتصر هذا، فإن كان هذا هو السائر في خطّ الإمام عليعليه‌السلام حقيقة إذن فهو سوف يعاملك كما يعامل سائر المسلمين، على أساس أنّك كسائر المسلمين، ولا يعطي ولا يشبع من طموحك وآمالك إلاّ في حدود مصلحة الإسلام، وإذا افترضنا أنّه مستعدّ أن يشبع طموحك خارج نطاق مصلحة الإسلام إذاً ما هو الفرق بينه وبين الخليفة العباسي ؟!

هذا لمّا رأى هذا الكلام منطقياً ذهب إلى محمّد بن إبراهيم اعتذر منه فقال: أنا أعتذر وأنا أعطيك كذا مقداراً من المال تستعين به على أمرك، فقال له: أغناني الله من مالك، واتّجه في طريقه إلى الكوفة. في طريقه إلى الكوفة اجتمع مع أبي السرايا، أبو السرايا استجاب له في الموضوع. أبو السرايا قائد حركة بالنسبة إلى محمّد بن إبراهيم الطباطبائي، مع أنّ هذا الرجل يمارس انحرافاً كبيراً في عملياته، حتّى أنّه في الوقعة الحربية الحاكمة التي انتصر فيها على الجيش الذي أرسل من قبل الحسن بن سهل من بغداد - وكان الحسن بن سهل والي المأمون في بغداد - انتصر عليهم بالغدر. فذهب إلى محمّد بن إبراهيم يريد أن يذكّره، وكان محمّد بن إبراهيم على فراش الموت، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، فيذكّره بأنّنا انتصرنا على أكبر جيشٍ أرسله الحين بن سهل، كانت قد وصلت الأخبار إلى محمّد بن إبراهيم قال له: إنّي لا أعتبر هذا نصراً؛ لأنّ النصر لا يكون إلاّ بوسائله النظيفة، أمّا إذا كان بوسائل أخرى لا يكون نصراً. إنّ الإمام عليّاًعليه‌السلام جدّي الذي أحرز النصر لم يباغت قوماً، ولم يبدأ قوماً بقتال، ولم يهتك أموال أولئك حين سيطر، فإذا كنت تريد أن تكون صادق البيعة للرضا من آل محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستغفر


لنفسك، وارجع، وليُرجع جميع جنودك ما غنموا من أموالٍ إلى هؤلاء، فإنّهم مسلمون بغاة والباغي لا يجوز أخذ المال منه. وبعد هذا بأيامٍ مات محمّد بن إبراهيم(١) ، يقول الطبري بأنّه أرسل إليه أمير المؤمنين المأمون سمّاً فقتله(٢) .

إذن نعرف من هذا بأنّ القواعد والأرض التي كان يعتمد عليها أمثال هؤلاء كانوا يعيشون المرحلة الحرارية، لا المرحلة الواعية للحركة، ولهذا حينما يتسلّم زمام الحكم حينئذٍ يتساءل كثير من أصحابه، فيفكّرون هل بالإمكان أن نقذف بهم إلى تحقيق أغراضهم ومصالحهم ؟ إذن فهذه المرحلة بالرغم من أنّها كانت مرحلة تهيّؤٍ لتسلّم زمام الحكم على مستوى الحكم الذي يعرفه الناس لكنّها لم تكن على مستوى تسلّم زمام الحكم بالشكل الذي كان يطرقه الإمام؛ ولهذا امتنع الإمامعليه‌السلام عن قبول الخلافة حينما عرضها عليه المأمون، وعن قبول ولاية العهد حينما عرض عليه المأمون ولاية العهد.

الدوافع الحقيقية للمأمون في تنصيبه الإمام وليّاً للعهد:

وكان هذا الموقف الذي قام به المأمون من الإمام الرضاعليه‌السلام كان بالإمكان تفكيره على أساس الدوافع المنفعيّة والإيمانية عند المأمون بخطّ الإمام عليعليه‌السلام ؛ لأنّ المأمون كان ينطوي في نفسه على الإيمان بخطّ الإمامعليه‌السلام ، لكنّه ليس معنى تفكيره بهذا أنّ هذا كان هو الدافع المطلق الحقيقي الذي يعيش كلّ أبعاد نفس المأمون، بالإمكان أنّه كان هناك زاوية في خطّ المأمون تكشف بين حينٍ وحينٍ آخر عن تأثّره بخطّ الإمام عليعليه‌السلام .

____________________

(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٤٩ - ٣٥٤.

(٢) تأريخ الطبري ٨: ٥٢٩، وفيه: أنّ أبا السرايا سمّه.


لكنّه كانت هناك زوايا أخرى أكبر وأوسع في نفس المأمون، هذه الزوايا الأخرى تمثّل المصالح السياسية، والأغراض الوقتيّة، وبناء صرح لدولته، تلك الزوايا الأخرى يمكن أن نعبّر عنها في أربع نقاط:

النقطة الأولى : هي أنّ المأمون كان يريد أن يُلبس خلافته الثوب الشرعي، وكان يزعم أنّ خلافته بحاجةٍ إلى ثوبٍ شرعيٍّ على أساس أنّ القواعد الشعبيّة المؤمنة بالخلافة العباسية كانت تنظر بريبٍ إلى خلافة المأمون التي لم تنتهِ إليه إلاّ بقتل الخليفة الشرعي السابق الذي هو الأمين، فانتقال الخلافة عن طريق حكم الخليفة الشرعي هذا كان فيه نوع من الريب والتردّد عند القواعد الشعبية المؤمنة ببني العبّاس وخلفاء بني العبّاس والقواعد الشعبيّة الأخرى، أي التي لا تؤمن بخطّ بني العبّاس وإنّما تدور في فلك الإمام عليّعليه‌السلام بمستوىً وآخر، بمختلف المستويات. هذه القواعد الشعبيّة الأخرى لم تكن تنظر إلى الخطّ الذي يعيّن المشروعيّة، لا إلى خلافة المأمون ولا الأمين ولا الرسول ولا آباء الرسول(١) ، منهم من كان يشعر بأنّ الخلافة التي اغتصبها أو التي سيطر عليها بالقوّة وبقتل أخيه مثل هذه الخلافة تحتاج إلى ثوبٍ شرعيٍّ تعتمد عليه قواعده في العالم الإسلامي، وتقدّر في العالم الإسلامي(٢) .

من هنا كان إلباس هذه الخلافة الثوب الشرعي عن طريق استدعاء الإمام الثامنعليه‌السلام الذي كانت الخلافة حقّاً شرعيّاً له بدرجةٍ وأخرى على مستوى إيمان كثير من جماهير العالم الإسلامي، إمّا على مستوى أنّه أفضل أولاد الإمام عليعليه‌السلام ، أو على مستوى من هذه المستويات يوجد هناك إرشاد واضح النقاط بأنّ الإمام الرضاعليه‌السلام يتمتّع بحقٍّ شرعيٍّ للخلافة. فحينما يبعث على الإمام

____________________

(١) و(٢) كذا في الأصل.


الرضاعليه‌السلام ويقول له: إنّي أنزع الخلافة وأعطيها لك، أوّل الأمر لم يطلب منه ولاية العهد، وإنّما قال: أنا أنزع الخلافة وأعطيها لك لكي يردّها عليه الإمام الرضاعليه‌السلام ، ويكون هذا الردّ من الإمام الرضاعليه‌السلام للخلافة عليه كسباً للثوب الشرعي لهذه الخلافة.

لكنّ الإمام الرضا لم يوافق؛ ولهذا حينما قام المأمون بهذه المناورة قال له بأنّ الخلافة هل هي ثوب ألبسك الله إيّاه، أو لا ؟ فإن كانت ثوباً ألبسك الله إيّاه فلا يكون بإمكانك أن تنزعه لي وتلبسني إيّاه، وإن لم يكن شيئاً أعطاك الله إيّاه إذن فكيف تعطني ما لا تملك(١) .

فأكّد في هذا النصّ الصريح أنّه هو لا يؤمن بشرعيّة الخلافة للمأمون، وأنّ رفض قبول الخلافة ليس معناه إرجاع الخلافة إليه، بل معناه أنّه لا يرى أنّ مثل هذا الإعطاء له مدد(٢) ، بعد أن كانت الخلافة أجنبيّةً عن هذا الشخص المعطي. وبهذا سجّل النصر الذي كان له أثره الكبير في الحاضر وقتئذٍ وفي المستقبل في نزع ثوب المشروعيّة عن خلافة المأمون.

النقطة الأخرى : التي كان بالإمكان افتراض أنّها تمثّل زاويةً أخرى من زوايا نفس المأمون - كما قلنا - كان يعيش مشاكل تلك القواعد الشعبيّة للإمام الرضاعليه‌السلام ومدرسة الإمام عليعليه‌السلام في كلّ أرجاء العالم الإسلامي، كان يريد أن يثبّت هذه القواعد الشعبيّة، كان يريد أن يشتري رضاءها واستسلامها ومواكبتها للوضع الحاكم عن طريق ضمّ قائدها الأمثل، ضمّ إمامها الفكري، بضمّ أمثولتها العليا إلى جانبه، إلى وضعه.

____________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢: ١٣٩.

(٢) كذا في الأصل.


وهذا الموضوع أيضاً التفت إليه الإمام الرضاعليه‌السلام وأحبطه؛ وذلك أن سجّل منذ اليوم الأوّل أنّه لم ينضمّ إلى جهاز المأمون، وإنّما هو مجرّد قبولٍ على أساس إصرارٍ من قبل الخليفة المأمون لا أكثر ولا أقلّ؛ ولهذا اشترط في الوثيقة التأريخية التي كتبها الإمام الرضاعليه‌السلام : أنّي لا أمارس أيّ نوعٍ من أنواع السلطة في جهاز الدولة الإسلامية(١) . وهذا معناه بالفهم العامّ الإسلامي وقتئذٍ وإلى يومنا هذا معناه أنّه غير راضٍ، إعلان عن عدم رضاه عن الوضع الحاكم كلّه، وأنّ هذا الوضع الحاكم لا أمارس فيه عملاً، وأنّه يحتاج كلّه إلى تغيير، يحتاج كلّه إلى هدمٍ ثمّ البناء من جديد، فأنا ماذا أصنع في قِبال هذا الوضع الحاكم الذي يحتاج كلّه إلى تغييرٍ ويحتاج إلى تبديل ؟!

ولهذا أشرنا فيما سبق إلى أنّ الفضل بن سهل بعث شخصاً بمئة ألف دينارٍ أو درهم - لا أتذكّر - قال له: اذهب بالمال إلى الكوفة وخذ البيعة في الكوفة للمأمون بالخلافة ولعليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام بولاية العهد. يأتي هذا الرجل إلى الكوفة ليأخذ البيعة للمأمون، إلى ذلك الوقت لم يكن قد بويع بيعة رسميّة في كلّ العالم الإسلامي.

الصحيح في الكوفة لم تكن قد أُخذت له البيعة الرسميّة في العالم الإسلامي ولهذا كان يفتّش المأمون عن ثوب المشروعيّة لخلافته. فجاء مع مئة ألف درهمٍ أو دينارٍ إلى الكوفة ليأخذ البيعة للمأمون ولولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، الكوفة من أضخم القواعد الشعبيّة للإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام لكن هذه القاعدة لم تبايع الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام بولاية العهد، وإنّما

____________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢: ١٤٠.


تبايعه بالخلافة(١) .

إذن فمن هذا يعرف بأنّ ولاية العهد للإمام الرضا ليس معناها أنّه أصبح جزءاً من الجهاز الحاكم للمأمون، فلم يستطع المأمون من هذا الطريق أن يشتري هذه القواعد الشعبيّة، أن يرتبط ولائياً وروحياً بمدرسة الإمام عليعليه‌السلام .

في مرّةٍ من المرّات التجأ إلى الإمام الرضاعليه‌السلام قال له: لو كنت تكتب إلى شيعتك الذي أخذ كلّ أرجاء العالم الإسلامي أن يسكتوا عنّي، قال: أنا لا أكتب. امتنععليه‌السلام عن الكتابة إلى قواعده الشعبيّة بأن يسكتوا عن هذا الشخص الذي هو يعبِّر عن نفسه بأنّه وليّ العهد بالنسبة إليه(٢) .

النقطة الثانية : هي أنّه...(٣) خطر الإمام على المأمون كان يشعر بأنّ مجيء الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام إلى هذا الجهاز الحاكم سوف لن يغيّر هذا الجهاز؛ لأنّ هذا الجهاز الحاكم كان قدراً أكبر من هذا الفرد بالذات، هذا الجهاز الحاكم كان مستمداً من انحراف كبيرٍ وتعرفه الأُمّة الإسلامية كلّها، وهذا الانحراف الكبير لن يتغيّر بيومٍ أو بيومين، كان يشعر بهذا، وحينما يأتي الإمام الرضاعليه‌السلام حينئذٍ يمكن للخليفة المأمون ويمكن للمنطق الحاكم أن يقول وقتئذٍ بأنّ هؤلاء تجّار أُطروحة لا أنّهم أصحاب أُطروحة حقيقية، هؤلاء يتاجرون بأُطروحة يهزّون بها آمال المسلمين وآلام المسلمين، وليسوا أصحاب أُطروحة حقيقية؛ ولهذا حينما فتحتُ أمامه أبواب الدنيا، أبواب خلافة على البلاد، أعطيناه أبواب خلافة على طريقتنا تركوا أطروحتهم وجاءوا إلينا.

____________________

(١) راجع: تاريخ الطبري ٧: ١٤٣ - ١٤٤. وفيه: مئة ألف درهم.

(٢) عيون أخبار الرضا ٢: ١٦٦.

(٣) كلمات غير مفهومة.


والنقطة الأخيرة : التي كانت ذات دورٍ كبيرٍ في هذه العملية هي محاولة عزل الإمام الرضاعليه‌السلام عن قواعده الشعبية ووضعه في سياجٍ يحكم بعزله عن الاتّصال بشيعته، وفي الواقع أنّ عملية العزل بين الإمامعليه‌السلام وبين القواعد الشعبية كانت من الخصائص العامة للمرحلة الثالثة، المرحلة الثالثة التي بدأت بالإمام الرضاعليه‌السلام ، كان من خصائصها العامّة هذا العزل،...(١) والتعذيب، ووُضِعوا تحت الرقابة المستمرّة. والروايات عندنا تدلّ على أنّ الإمام الرضاعليه‌السلام حينما انسحب من المدينة إلى إيران كان معه حاجبه، وهذا الحاجب كان من خواصّ الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكانت تجمع الأموال للإمام الرضاعليه‌السلام من مختلف أرجاء العالم الإسلامي على يد هذا الحاجب، إلاّ أنّ هذا الحاجب كان يبدو أنّه من أولئك الأشخاص الذين يبيعون ضميرهم، يبيعون بطونهم للدنيا، تعامل مع المأمون، اشتراه المأمون، أصبح جاسوساً وعيناً على الإمام الرضا لحساب المأمون ولحساب الفضل بن سهل، كان لا ينطق الإمام الرضاعليه‌السلام بكلام ولا يتحرّك ويتصّل بأحد إلاّ وتأتي الأخبار للمأمون(٢) .

____________________

(١) هنا جملات ساقطة من الأصل.

(٢) عيون أخبار الرضا ٢: ١٥٣.


الإمامة المبكّرة



بسم الله الرحمن الرحيم*

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وأفضل الصلوات على أفضل النبيّين وآله الطيّبين الطاهرين.

الظاهرة الجديدة في خطّ الإمامة:

اليوم نجتمع بمناسبة وفاة الإمام التاسع عليه الصلاة والسلام، الإمام الجواد الذي قدّر الله سبحانه وتعالى أن يكون نفس وجود هذا الإمام على خطّ حياة أهل البيتعليهم‌السلام دليلاً وبرهاناً على صحّة العقيدة التي نؤمن بها نحن بالنسبة إلى أهل البيت ( عليهم الصلاة والسلام )، لأنّ الظاهرة التي وجدت مع هذا الإمام، وهي ظاهرة تولّي الشخص للإمامة وهو بعد في سنّ الطفولة على أساس أنّ التأريخ يتّفق ويجمع على أنّ الإمام الجوادعليه‌السلام توفّي أبوه وعمره لا يزيد عن سبع سنين(١) ، ومعنى هذا أنّه تولّى زعامة الطائفة الشيعية روحياً ودينياً، وعلمياً

____________________

(*) ألقيت في ٢٩ من ذي القعدة الحرام سنة ١٣٨٨ ه-.

(١) تاريخ الأئمّة لابن أبي الثلج البغدادي: ١٢ و ١٣، وتاج المواليد للطبرسي: ١٢٨، =


وفكرياً، وهو لا يزيد عن سبع سنين.

افتراضات لتفسير الظاهرة:

هذه الظاهرة التي ظهرت لأوّل مرّةٍ في حياة الأئمّة في الإمام الجواد (عليه الصلاة والسلام)، لو درسنا بحساب الاحتمالات لوجدنا أنّها وحدها كافية للاقتناع بحقّانية هذا الخطّ الذي كان يمثّله الإمام الجواد عليه الصلاة والسلام، إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخراً غير فرض الإمامة الواقعية في شخصٍ لا يزيد عمره عن سبع سنين، ويتولّى زعامة هذه الطائفة في كلّ المجالات الروحية والفكرية والفقهية والدينية ؟

في هذا الموضوع لا مجال لافتراض أنّ الطائفة لم يتكشّف لديها بوضوح هذا الصبي؛ لأنّ زعامة الإمام في أهل البيتعليه‌السلام لم تكن زعامةً محوطةً بالشرطة، والجيش، واُبّهة المُلك، والسلطان الذي يحجب بين الزعيم ورعيّته، ولم تكن زعامة دعوةٍ سرّيةٍ من قبيل الدعوات الصوفية أو الفاطمية التي تحجب بين رأس الدعوة وبين قواعد هذه الدعوة لكي يفترض أنّ هذا الرأس كان محجوباً عن رعيّته مع إيمان الرعيّة به.

إمام أهل البيتعليهم‌السلام كان مكشوفاً أمام الطائفة، وكانت الطائفة بكلّ طبقاتها تتفاعل معه مباشرةً في مسائلها الدينية، وفي قضاياها الروحية والأخلاقية، والإمام الجواد (عليه الصلاة والسلام) نفسه أصرّ على المأمون

____________________

= وفي توضيح المقاصد للشيخ بهاء الدين العاملي: ٥٤١، كان مع أبيه ثماني سنين، وبحار الأنوار ٥٠: ٧، تاريخ الإمام الجوادعليه‌السلام ، الباب الأوّل، باب مولده ووفاتهعليه‌السلام ، الحديث ٨.


حينما استقدمه إلى بغداد في أن يسمح له بالرجوع إلى المدينة، وسمح له بالرجوع إلى المدينة، ورجع إلى المدينة، وقضى بقيّة عمره أو أكثر عمره في المدينة(١) .

إذن قد قضى الإمام الجواد (عليه الصلاة والسلام) أكثر عمره، أو كلّ عمره وهو على المسرح، وهو مكشوف أمام المسلمين، أمام مختلف طبقات المسلمين بما فيهم الشيعة المؤمنون بزعامته وإمامته، فافتراض أنّه لم يكن الإمام الجوادعليه‌السلام مكشوفاً أمام المسلمين وأمام طائفته بالخصوص خلاف طبيعة العلاقة التي أنشئت منذ البداية بين أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام وقواعدهم الشعبية في المسلمين، خصوصاً إذا أضفنا إلى ذلك أنّ الإمام الجوادعليه‌السلام قد سلّطت عليه أضواء خاصّة من قبل الخليفة المأمون في القصّة التي تعرفونها.

يبقى افتراض آخر، وهو افتراض أنّ المستوى العلمي والفكري للطائفة وقتئذٍ كان يَعبُر عليه هذا الموضوع، كان بالإمكان على المستوى الفكري والعقلي والروحيّ للطائفة أن تصدّق هذه الطائفة بإمامة طفلٍ وهو ليس بإمام، هذا أيضاً ممّا يكذّبه الواقع التأريخي لهذه الطائفة وما وصلت إليه من مستوى علميّ وفقهي، فإنّ هذه الطائفة قد خلّفها الإمام الباقر والإمام الصادقعليهما‌السلام وفيها أكبر مدرسةٍ للفكر الإسلامي في العالم الإسلامي على الإطلاق. المدرسة التي كانت تتكوّن من الجيلين المتعاقبين: جيل تلامذة الإمام الصادق والكاظمعليهما‌السلام ، وجيل تلامذة تلامذة الإمام الصادق والكاظمعليهما‌السلام ، هذان الجيلان كانا على رأس هذه الطائفة في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق، وكلّ

____________________

(١) المستجاد من الإرشاد للمفيد: ٤٥٨ - ٤٥٩، وتاج المواليد للطبرسي: ١٢٩، من المجموعة النفيسة.


جوانب المعرفة الإسلامية.

إذن فليس من الممكن أن نفترض أنّ المستوى الفكري والعلمي لهذه الطائفة كان يَعْبُر عليه مثل هذا، لا يمكن أن يعبُر على طائفةٍ فيها هذه المدرسة التي كانت هي قبلة الفكر الإسلامي في كلّ ميادين المعرفة، أن يعبر عليها مثل هذا التصوّر وتتصوّر أنّ شخصاً طفلاً هو إمام وهو ليس بإمام.

إن أمكن لشخصٍ أن يتصوّر أنّ رجلاً عالماً كبيراً محيطاً مطّلعاً بلغ الخمسين أو الستّين يستطيع أن يقنع مجموعةً من الناس بإمامته وهو ليس بإمام، لأنّه يتّصف بدرجةٍ كبيرةٍ من العلم والمعرفة والذكاء والاطّلاع، فليس بالإمكان أن نفترض ذلك في شخصٍ لم يبلغ العاشرة من عمره. وكيف يستطيع أن يقنع بإمامته كذباً طائفةً وهو مكشوف أمامها ؟ وهذه الطائفة تشتمل على مدرسةٍ فكريةٍ من أضخم المدارس الفكرية التي وجدت في العالم الإسلامي يومئذٍ، مدرسة كان يوجد بعض قطّاعها في الكوفة، وبعض قطّاعها في قم وبعض قطاعاتها في المدينة، هذه المدرسة التي كانت موزّعةً في حواضر العالم الإسلامي، والتي كانت كلّها على صلةٍ مباشرةٍ بالإمام الجوادعليه‌السلام تستفتيه وتسأله، وتنقل إليه الأموال من مختلف الأطراف من شيعته(١) ، مثل هذه المدرسة لا يمكن أن نتصوّر فيها أن تغفل عن حقيقة طفل لا يكون إماماً.

يبقى افتراض آخر، وهو: أنّ الطائفة لم يكن عندها مفهوم الإمام والإمامة، كانت تتصوّر أنّ الإمامة مجرّد تسلسلٍ نسبيٍّ ووراثيٍّ ولم تكن تعرف ما هو الإمام ؟ وما هي قيمة الإمام ؟ وما هي شروط الإمام ؟ هذا الافتراض أيضاً يكذّبه

____________________

(١) راجع: بحار الأنوار ٥٠: ٨٥ - ١٠٩، الباب ٣ و ٤ و ٥ من حياة الإمام الجوادعليه‌السلام .


واقع التراث المتواتر المستفيض من أمير المؤمنين إلى الإمام الرضا ( عليهما الصلاة والسلام ) عن شروط الإمام، ومحصول الإمام، وعلامات الإمام.

التشيّع قام بصورةٍ أساسيةٍ على المفهوم الإلهي المعمّق للإمامة، هذا هو أوضح وأبده وأوّل مفهومٍ من مفاهيم التشيّع، وهو: أنّ الإمام إنسان فذّ فريد في معارفه وأخلاقه وقوله وعمله، هذا هو المفهوم الأساسي للتشيّع الذي بشّرت به آلاف النصوص من عهد أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) إلى عهد الإمام الرضا ( عليه الصلاة والسلام )، كلّ الخصوصيات وكلّ التفاصيل أصبحت بالتدريج واضحةً في ارتكاز الطائفة وذهنيّتها حتّى بعض التفاصيل الثانوية.

يقول الراوي في مناسبة قصّة الإمام الجواد ( عليه الصلاة والسلام ):

دخلت المدينة بعد وفاة الرضا أسأل عن الخليفة بعد الإمام الرضاعليه‌السلام ، فقيل: إنّ الخليفة في قريةٍ قريبةٍ من المدينة، فخرجت إلى تلك القرية، ودخلت داخل القرية وكأنّ فيها بيت للإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام انتقل بالوراثة إلى أولاده وأحفاده، يقول: فرأيت البيت غاصّاً بالناس، ورأيت أحد إخوة الإمام الرضاعليه‌السلام كان جالساً يتصّدر المجلس، إلاّ إنّ الناس يقولون فيما بينهم: إنّ هذا ليس هو الإمام بعد الإمام الرضا؛ لأنّنا سمعنا من الأئمّةعليهم‌السلام أنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن الحسين(١) . كلّ التفاصيل وكلّ الخصوصيات النسبية والمعنوية كانت واضحةً ومحدّدةً عندهم، إذن فهذا الافتراض أيضاً يكذّبه واقع التراث المتواتر الثابت عن الأئمّة السابقين عليهم الصلاة والسلام.

يبقى افتراض أخير، وهو أن يكون هذا تبانياً على الزور والباطل

____________________

(١) بحار الأنوار ٢٥: ٢٥٠ - ٢٥١، كتاب الإمامة، الباب ٨.


من قبل هذه الطائفة، وهذا أيضاً ممّا لا يكذّبه إيماننا الشخصي فقط بورع هذه الطائفة وقدسيّتها، وإنّما يكذّبه - إضافةً إلى إيماننا الشخصي بذلك - الظرف الموضوعي لهذه الطائفة، لم يكن التشيّع في يومٍ من الأيام في حياة هذه الطائفة طريقاً إلى الأمجاد، إلى المال، إلى الجاه، إلى السلطان، إلى المقامات العالية.

التشيّع طيلة هذه المدّة كان طريقاً إلى التعذيب، إلى السجون، إلى الحرمان، إلى الويل، إلى الدمار. كان طريقاً إلى أن يعيش الإنسان حياة الخوف والذلّ والتقيّة في كلّ حركاته وسكناته، لم يكن التشيّع في يومٍ من الأيام طريقاً إلى مالٍ، أو جاهٍ، أو ثراءٍ حتّى يكون هذا التباني من قبل هذه الطائفة على ذلك في سبيل مطمع، لماذا يتبانى عقلاء هذه الطائفة ووجهاؤها وعلماؤها على إمامةٍ باطلةٍ، مع أنّ تباينهم على هذه الإمامة الباطلة يكلّفهم كثيراً من ألوان الحرمان ؟ ولو أنّ هؤلاء الوجهاء والعلماء والأعلام تركوا هذه الطريقة واتّبعوا الطريق الرسمي المكشوف وقتئذٍ المتّبع من قبل سائر المسلمين لكانوا في طليعة سائر المسلمين، فالظروف الموضوعية للطائفة كانت بنفسها تشهد على أنّ هذا التباني على إمامةٍ يكلّفهم الاعتقاد بها ألوان العذاب، وألوان الحرمان لا يمكن أن يكون ناشئاً إلاّ عن اعتقادٍ حقٍّ بهذه الإمامة.

إذن فكل هذه الافتراضات الأخرى لا يمكن أن تكون مقبولةً عند أيّ إنسانٍ يطّلع على تأريخ الطائفة، وتأريخ الإسلام وقتئذٍ، وعلى الظروف الموضوعية التي تكتنف إمامة الجوادعليه‌السلام ، ولا يبقى إلاّ الفرض الوحيد المطابق للواقع، وهو: أن يكون الإمام الجواد إماماً حقّاً.

نحن اليوم نجتمع بمناسبة هذا الإمام عليه الصلاة والسلام، فأردت أن أذكر هذا بمناسبة كون اليوم يوم الإمام الجواد (عليه الصلاة والسلام).


ثمّ ننتقل إلى حديثنا المتسلسل عن الأئمّةعليهم‌السلام من حيث انتهينا.

المواقف والخيارات أمام الحسينعليه‌السلام :

نحن كنّا نتكلّم عن الإمام الحسينعليه‌السلام ، الإمام الحسينعليه‌السلام كان أمامه عدّة مواقف عمليّة، كان بإمكانه أن يتّخذ أيّ واحدٍ منها بعد أن هلك معاوية وبويع يزيد وطلب منه أن يبايع يزيد بن معاوية:

الموقف الأوّل : هو أن يبايع يزيد بن معاوية كما بايع أمير المؤمنينعليه‌السلام أبا بكر وعمر وعثمان.

الموقف الثاني : أن يرفض بيعة يزيد بن معاوية لكن يبقى في مكّة أو في المدينة في أحد الحرمين: في حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو في حرم الله، ينتقل إلى مكّة ويبقى هناك مستجيراً بحرم الله تعالى حتّى يقضي الله بما هو قاضٍ.

الموقف الثالث : هو أن يلجأ إلى أحد أطراف العالم الإسلامي، يلجأ إلى بلدٍ من بلاد العالم الإسلامي كما اقترح عليه أخوه محمّد بن الحنفيّة، قال: اذهب إلى اليمن، أو إلى ثغرٍ آخر من ثغور المسلمين(١) . يذهب إلى اليمن أو إلى ثغرٍ آخر من ثغور المسلمين ويكوّن هناك جماعةً له ومجتمعاً، وينفصل عن المجتمع الأكبر الذي يضمّ سائر بلاد المسلمين، حتّى إذا استطاع أن يحكم أمره حاول أن يتقدّم ويضمّ بقيّة البلاد إلى بلده.

الموقف الرابع : هو أن يرفض، وأن يتحرّك، وأن يذهب إلى الكوفة مستجيباً للرسائل التي وردته من أهل الكوفة، ثمّ يقتل ويستشهد بالطريقة التي وقعت.

____________________

(١) انظر: وقعة الطفّ: ٨٣ - ٨٥، وفي الصفحة ١٥٠ كلام ابن عبّاس وموقفه مع الحسينعليه‌السلام .


هذه هي المواقف الأربعة التي كانت بالإمكان للإمام الحسينعليه‌السلام أن يختار أي واحدٍ منها.

الموقف السديد وعلاج الأمّة:

وكان اختياره للموقف الرابع من هذه المواقف الأربعة قائماً على أساس إدراكه لطبيعة الظروف التي يعيشها، فقد كانت هناك عدّة نقاطٍ دخلت في تكوين موقفه، أيّ أنّه كان يقف موقفاً يعالج به عدّة أقسامٍ من أفراد الأمّة الإسلامية:

القسم الأوّل كان يشكّل جزءاً كبيراً من الأُمّة، فإنّ جزءاً كبيراً من الأُمّة كان قد فقد خلال عهد معاوية بن أبي سفيان - كما قلنا فيما سبق - إرادته وقدرته على مواجهة الوضع القائم وقتئذٍ، وكان قد استشعر الذلّ والاستكانة والتبعيّة في نفس الوقت الذي هو يشعر بأنّ خسارةً كبيرةً تحيق بالأُمّة الإسلامية، هي خسارة تحويل الخلافة إلى كسروية وهرقلية، في نفس هذا الوقت لم يكن يقدر على أن يتحرّك؛ لأنّ يده ولسانه كان ملك شهواته ولم يكن ملك عقله وقلبه وعقيدته، هذا القسم الذي عبّر عنه الفرزدق في كلامه مع الإمام الحسينعليه‌السلام حينما قال:سيوفهم عليك وقلوبهم معك (١) ، فهم يؤمنون بأنّ الإسلام يُنتهك على أيدي بني أُميّة ولكنّهم لا يستطيعون أن يتحرّكوا، فيتحرّكون إلى جانب بني أُميّة ويحملون السيوف على الإمام الحسينعليه‌السلام .

القسم الآخر : في الأُمّة ( وطبعاً أنا حينما اُقسّم لا أقصد من ذلك التقسيم الحدّي بحيث لا ينطبق قسمان منهما على فردٍ واحدٍ، فهناك عناوين أربعة ،

____________________

(١) وقعة الطفّ: ١٥٨.


ويمكن أن يتصادق عنوانان من هذه العناوين على فردٍ أو أفراد في الأُمّة الإسلامية ) الذي يمكن أن يشمل عدداً كبيراً أيضاً ممّن سمّيناهم القسم الأوّل هو ذاك القسم الذي هان عليه الإسلام، لا هانت عليه نفسه، بل هان عليه نفس الإسلام والرسالة فلم يعد يهتمّ بالرسالة بقدر اهتمامه بمصالحه الشخصية، تضاءلت أمامه الرسالة وكبر أمامه وجوده ومصلحته واعتباراته ودراهمه.

هذا القسم فرقه عن القسم الأوّل: أنّ القسم الأوّل كان يشعر بالمصيبة لكن لم يستطع الحلّ، من قبيل المدخّن الذي يشعر بأنّ الدخان ضرر عليه لكنّه لا يستطيع أن يتركه. وأمّا القسم الثاني من قبيل المدخّن الذي لا يعرف أنّ الدخان يضرّه.

القسم الثالث : هو قسم من أفراد الأُمّة المغفّلين الذين كان بالإمكان أن تنطلي عليهم حيلة بني أُميّة لو سكت صحابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأجمعوا على السكوت عن تحويل الخلافة إلى كسروية وقيصرية. الخلافة منذ توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انحرفت عن خطّها المستقيم، لكن بقي مفهوم الخلافة هو الخلافة، غاية ما في الأمر اغتصب هذا المفهوم أبو بكر واغتصبه عمر واغتصبه عثمان، إلاّ أن مفهوم الخلافة لم يطرأ عليه تغيير أساسي، بينما في عهد معاوية بن أبي سفيان طرأ على نفس المفهوم ( بقطع النظر عن الشخص الذي يتقمّص هذا الثوب وأنّه محقّ أو معتدٍ ) تغيّر أساسي، ولم تعد الخلافة حكماً للأمّة، وإنّما هي كسروية وقيصرية بلغة صَحابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما كانوا يقولون: إنّ معاوية حوّل الخلافة إلى حكم كسروي وقيصري(١) ، هذا التحويل أدّى إلى تحويلٍ في المفهوم بهذه الدرجة

____________________

(١) راجع: مروج الذهب ٣: ٢٨، وتاريخ الخلفاء: ٢٠٣.


الخطيرة الذي كان يمارسه معاوية، وكان يحاول أن يلبسه الثوب الشرعي لو أنّه تمّ هذا التحويل دون مجابهةٍ من قبل الصحابة، ومع سكوتٍ من قبلهم لأمكن أن تنطلي حيلة معاوية على كثيرٍ من السذّج والبسطاء وأنصاف البسطاء الذين يقولون بأنّ هذا التحويل شرعي بدليل إمضاء الصحابة لذلك.

وهناك قسم رابع، أو بالإمكان أن نفترض قسماً رابعاً يرتبط بمسألة تنازل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فإنّ تنازل الإمام الحسينعليه‌السلام عن المعركة مع معاوية وإعلانه الهدنة مع معاوية، الذي قد شرحنا سابقاً ظرفه ومبرّراته، وعرفنا أنّه هو الأسلوب الوحيد الذي كان يحتّمه على الإمام الحسنعليه‌السلام موقفه ومركزه كزعيمٍ للطائفة وكأمينٍ على الإسلام والمسلمين، لكنّ هذا الواقع لم يكن في أكبر الظنّ مكشوفاً بالدرجة الكافية الواضحة إلاّ داخل دائرة الجماهير الكبرى في العالم الإسلامي، التي كانت تعيش المأساة عن قربٍ من قبيل الكوفة أو من قبيل بلاد العراق بشكلٍ عام، التي كان بيدها خيوط الحكم في العالم الإسلامي. وأمّا ذاك الإنسان الواقع في آخر حدود العالم الإسلامي في أقاصي خراسان - مثلاً - ولم يكن يعيش المحنة يوماً بعد يوم، ولم يكن يكتوي بالنار التي اكتوى بها الإمام الحسينعليه‌السلام في الكوفة من قواعده وشيعته وطائفته وأعدائه، وإنّما تجيئه الأخبار عبر المسافة ما بين الكوفة وأطراف خراسان مثلاً، ذاك الإنسان لم يعرف بشكلٍ واضحٍ شيئاً محدّداً عن هذا التنازل، وأنّ هذا اعتراف بشرعيّة الأُطروحة الأمويّة، أو هو تصرّف اقتضته الضرورة والظروف الموضوعيّة التي كان يعيشها الإمام الحسنعليه‌السلام ؟

فكان لا بدّ للإمام الحسينعليه‌السلام أن يختار موقفاً يعالج فيه هذه الأقسام الأربعة من الأُمّة الإسلاميّة.


كان لا بدّ وأن يختار الموقف الذي يستطيع به أن يرجع للقسم الأوّل إرادتهم التي فقدوها بالتميّع الأموي.

وأن يختار الموقف الذي يحاول به أن يرجع إلى القسم الثاني إيمانهم بالرسالة وشعورهم بأهميّة الإسلام.

وأن يختار الموقف الذي يحاول فيه أن لا يجعل هناك دليلاً لمعاوية على شرعيّة تحويل الخلافة إلى كسروية وقيصرية، وذلك عن طريق معارضة الصحابة والتابعين المتمثّلة فيه وفي البقيّة الباقية من الصحابة.

وأن يختار الموقف الذي يشرح فيه حتماً لمن كان بعيداً عن الأحداث أنّ تنازل الإمام الحسنعليه‌السلام لم يكن معناه أنّ أهل البيتعليهم‌السلام أمضوا عملية التحويل، وأنّهم باركوا آمرية معاوية، وحكم معاوية، وأُطروحة معاوية، وإنّما كان موقفاً تحكمه الظروف الموضوعية وقتئذٍ.

كان لا بدّ له أن يختار الموقف الذي يشرح فيه كلّ هذا، ويردّ فيه على كلّ هذا، ويعالج هؤلاء الأقسام الأربعة من الأمة الإسلامية، ولم يكن بإمكان أيّ موقفٍ أن يحقّق كلّ هذا إلاّ الموقف الأخير.

مناقشة المواقف:

الموقف الأوّل : هو أن يبايع يزيد بن معاوية كما بايع أمير المؤمنينعليه‌السلام أبا بكر وعمر وعثمان، مع أنّهم لا يستحقّون الخلافة، هذا لم يكن بالإمكان أن يحقّق أيّ مكسبٍ على مستوى هؤلاء الأقسام الأربعة، ولم تكن قصّة يزيد قصّة أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأنّ التحويل هنا كان تحويلاً على مستوى المفهوم، كان المفهوم يتحوّل، لا أنّ مجرّد الشخص يتحوّل، وهذه العمليّة - عمليّة التحويل


المفهومي - التي أصبحت هي الأساس بعد هذا لتأريخ المسلمين لم يكن بالإمكان أن تمضي دون أن يقف الصحابة الممثّلون لرسول الله وأهل البيتعليهم‌السلام الذين هم القادة الحقيقيون للصحابة الموقف الديني الواضح المحدّد من عملية التحويل هذه.

الموقف الثاني : أن يظلّ الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة أو في مكّة ويرفض البيعة، حينما يرفض البيعة يبيّن بذلك شجبه لعملية التحويل، ولكنّه يظلّ باقياً في مكّة أو المدينة حتّى يقضي الله بما هو قاضٍ، والإمام الحسينعليه‌السلام نفسه كان يؤكّد، والظروف الموضوعيّة كلّها كانت تشهد على طبق تأكيده - بقطع النظر عن إمامته وعصمته - أنّه لو بقي في المدينة أو في مكّة لقتل من قبل بني أُميّة.

إنّ بني أُميّة لا يدعونه حتّى يقتلوه ويغتالوه ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة(١) ، وهذا القتل الضائع لم يكن يحقّق ذلك المكسب الذي يريده على مستوى هذه الأقسام الأربعة.

صحيح أنّه يُقتل في سبيل امتناعه عن مبايعة يزيد بن معاوية لكن أين هذا من ذاك القتل الذي استطاع أن يحرّك البقيّة الباقية من عواطف المسلمين تجاه نبيّهم ورسالتهم وقرآنهم ؟!

الناس حينما يفتقدون إيمانهم بالدين أو إيمانهم بأيّ عقيدةٍ تبقى عندهم مجموعة من العواطف بعد انطفاء العقيدة، ولكي يمكن إرجاعهم إلى تلك العقيدة لا بدّ من تحريك هذه العواطف، وهذه العواطف لم يكن بالإمكان تحريكها في قتلٍ عابرٍ سهلٍ من هذا القبيل، وإنّما كان لا بدّ لكي تتحرّك هذه العواطف من أن تحشّد كلّ المثيرات، وكلّ المحرّكات، وكلّ المنبّهات لهذه العواطف إلى درجة

____________________

(١) راجع: مقتل الحسين للمقرّم: ١٩٨.


أنّ عمر بن سعد بنفسه يبكي ويُصدر الأوامر بالسبي والنهب في تركة الإمام الحسينعليه‌السلام .

الموقف الثالث : أن يذهب إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين، يذهب إلى اليمن - مثلاً - وله شيعة في اليمن على ما شهد أخوه محمّد بن الحنفيّة ويبقى هناك، ولعلّ هذا كان أنفع أو أسلم على الخطّ القصير؛ لأنّه يمكنه في اليمن أن يعتصم من يزيد بن معاوية إلى برهةٍ من الزمن، ولكنّه سوف لن يحقّق بذلك المكسب المقصود؛ لأنّه بهذا سوف ينعزل ويحيط نفسه بإطارٍ مغلق، بينما مسرح الأحداث وقتئذٍ كان هو الشام والعراق والمدينة ومكّة في كلّ العالم الإسلامي.

كان لا بدّ أن يباشر عمليّته على مسرح الأحداث حتّى يمكن لهذه العملية أن تنعكس على كلّ العالم الإسلامي، ويمكن لهذه العلمية أن تؤثّر تربويّاً وروحياً وأخلاقياً ودينياً في كلّ العالم الإسلامي.

ولماذا يذهب إلى زاويةٍ من الزوايا فيعيش هناك ؟ لأجل أن يُنشئ مجتمعاً إسلامياً ؟! هذا هو الشيء الذي لم يكن بالإمكان على عهد أبيهعليه‌السلام في الكوفة التي كان فيها عدد كبير من البقية الصالحة من الصحابة والتابعين، كانت الظروف الموضوعية لا تسمح بذلك في الكوفة لعليّعليه‌السلام فكيف تسمح بذلك للحسينعليه‌السلام في اليمن، أو يذهب لليمن لكي يمدّد عمره برهة أطول سنّاً ؟! هذا لا يتّفق مع مقصودهعليه‌السلام ، هو يريد أن يعيش على مسرح الأحداث لكي يستطيع بذلك أن يساهم في التغيير الذهني والروحي والنفسي للأمّة الإسلامية؛ ولهذا كان لا بدّ لهعليه‌السلام أن يختار الموقف الرابع الذي استطاع به أن يهزّ ضمير الأُمّة من ناحية. وأن يشعر الأُمّة من ناحيةٍ أخرى بأهميّة الإسلام وكرامة هذا الدين الذي


ضحّى هو - صلوات الله عليه - بنفسه وبالصفوة من أولاده وأهله وكلّ كراماته واعتباراته في سبيله.

واستطاع من ناحيةٍ ثالثةٍ أن يدفع عملية التحويل، تحويل الخلافة إلى كسرويةٍ وقيصريةٍ بدليلٍ على البطلان لا يمكن أن ينطفئ إلى يوم القيامة(١) .

ومن ناحية رابعةٍ أوضح لكلّ المسلمين مفهوم التنازل عند الإمام الحسنعليه‌السلام ، وأنّ تنازل الإمام الحسنعليه‌السلام لم يكن إمضاءً، وإنمّا كان أسلوبا تمهيدياً لموقف الإمام الحسينعليه‌السلام .

اللهمّ اكتبنا مع شيعته، واحشرنا معه ومع المتولّين له بجاه محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.

____________________

(١) كذا في الأصل.


الفهرس

أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية الشهيد محمد باقر الصدر قدس‌سره ١

أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية محاضرات سماحة آية العظمى الإمام الشهيد محمد باقر الصدر قدس‌سره المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر قدس‌سره ٤

كلمة المؤتمر: ٧

النبوة الخاتمة ١٥

أسباب التجديد والتغيير في النبوّة: ١٨

ملامح فكرة التطوّر: ٢٤

فكرة موجزة عن الوحي ٣٣

انقطاع الوحي: ٣٥

الاتجاه الشمولي في دراسة حياة الأئمّة عليهم‌السلام ٥١

النظرة الكّليّة والتجزيئيّة لحياة الأئمّة عليهم‌السلام : ٥٣

الدور المشترك للأئمّة عليهم‌السلام : ٥٦

الأئمّة عليهم‌السلام ومسألة تسلّم الحكم: ٦٣

الأُمّة الإسلاميّة: طاقة حراريّة أم وعي مستنير ؟ ٦٧

الفرق بين الوعي والطاقة الحراريّة: ٧٠

الأُمّة الإسلامية كانت تحمل الطاقة الحراريّة لا الوعي المستنير: ٧٢

لماذا لم تُستأصل الرواسب الجاهليّة في عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ ٧٧

صراع الأئمّة عليهم‌السلام مع الانحراف والخلفاء المنحرفين: ٨٥

بداية الانحراف ٩٣


دور الأئمّة عليه‌السلام في صيانة التجربة الإسلامية: ٩٥

مخلّفات انحراف القيادة: ١٠١

عدم كفاءة قيادة التجربة الإسلاميّة: ١٠٣

موقف الإمام علي عليه‌السلام السياسي بعد تسلّمه زمام الحكم ١١٣

الإمام علي عليه‌السلام أمل الإسلام والأمّة بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : ١١٥

أسباب رفض الإمام عليه‌السلام المساومات: ١١٩

هل كان عليّ عليه‌السلام أسعد إنسانٍ في آخر لحظةٍ من حياته ؟ ١٢٧

موقف الإمام علي عليه‌السلام السياسي بعد تسلّمه زمام الحكم ١٣٣

حرْص الإمام عليه‌السلام على الصيغة الإسلامية للحياة: ١٣٥

الصعوبة التي واجهها الإمام علي عليه‌السلام بعد البيعة ١٤٩

الخليفة هو القيّم والأمين على الرسالة: رفض الإمام عليّ عليه‌السلام الخلافة أوّل الأمر: ١٥١

انشقاق معاوية: ١٥٢

الفوارق بين وضع الإمام عليٍّ عليه‌السلام ومعاوية: ١٥٣

ذهنيّة المسلمين ونظرتهم إلى الخلاف: ١٥٩

تذرّع معاوية بشعار دم عثمان: ١٦٢

كيف تمّ التشكيك في الإمام عليّ عليه‌السلام : ١٦٣

الامتحان العصيب: ١٦٥

انحراف التجربة الإسلامية وتخطيط الأئمة عليهم‌السلام لمواجهة الانحراف ١٦٧

القائد يجب أن يكون معصوماً: ١٦٩

تخطيط الأئمّة عليهم‌السلام لمواجهة الانحراف: ١٧٦

بعض موانع تزعّم عليّ عليه‌السلام : ١٨١

بداية الانحراف ودور علي عليه‌السلام في مواجهته ١٨٧

انهيار الأُمّة بانحراف القيادة: ١٨٩

موقف الأئمّة عليهم‌السلام من انحراف الزعامة وانهيار التجربة والأُمّة: ١٩١


ماذا واجهت عمليّة التصحيح ؟ ١٩٣

معالجة العامل الكمّي: ٢٠٢

المرحلة الأولى من حياة الأئمّة عليهم‌السلام ٢٠٩

مراحل تاريخ الأئمّة عليهم‌السلام : ٢١١

التربية الإسلاميّة: ٢١٩

عناصر التجربة الإسلاميّة وآثار انهدامها: ٢٢٢

ماذا يعني انحراف الحاكم ؟ ٢٢٥

مواجهة أئمّة المرحلة الأولى للانحراف ٢٢٧

الإمام السجّاد عليه‌السلام ومواجهة قمّة الانحراف: ٢٢٩

ظروف خلافة الإمام الحسن عليه‌السلام : ٢٤١

المقارنة بين عصرنا وعصر سيّد الشهداء عليه‌السلام : ٢٤٨

خلافة الإمام الحسن عليه‌السلام وظروفها ٢٥١

بذرة الشكّ: ٢٥٣

ظروف بيعة الإمام الحسن عليه‌السلام : ٢٦٢

خروج معاوية لقتال الإمام عليه‌السلام : ٢٦٥

الخيانات والتراجعات في جيش الإمام عليه‌السلام : ٢٦٦

ضرورة انحسار الإمام عن المعركة: ٢٦٩

خلافة الإمام الحسن عليه‌السلام وظروفها ٢٧١

طريقان بين يدي الإمام الحسن عليه‌السلام : ٢٧٣

هل قدّر على كلّ نظريّة صالحة أن تفقد قواعدها الشعبيّة بعد التطبيق ؟ ٢٧٧

لماذا لم يختر الإمام الحسن عليه‌السلام طريق الجهاد ؟ ٢٧٩

طمس معالم النظرية الإسلاميّة وتمييع الأُمّة وموقف الإمام الحسين عليه‌السلام من ذلك ٢٩٥

أقسام الحكم: ٢٩٧

انسحاب خطّ الإمام عليّ عليه‌السلام مؤقّتاً عن الميدان: ٣٠٣


خطّة معاوية لتثبيت حكمه: ٣٠٤

مظاهر موت الضمير وفقدان الإرادة: ٣٠٩

هزّ الضمير وإحياء الإرادة: ٣١١

التخطيط الحسيني لتغيير أخلاقيّة الهزيمة ٣١٩

مشاهد موت الإرادة في المجتمع الحسيني: ٣٢٢

التحوّل من أخلاقيّة الهزيمة إلى أخلاقيّة الإرادة ٣٣٩

الإمام الحسين عليه‌السلام بين أخلاقيتين: ٣٤١

دقّة التحرّك في عمليّة التحويل: ٣٤٤

الإمام الحسين عليه‌السلام يخطّط لعمليّة التحويل: ٣٤٥

شعارات الإمام الحسين عليه‌السلام في تبرير مخطّطه: ٣٤٦

أساليب كسب أخلاقيّة الهزيمة: ٣٥٠

الدرس الذي نستفيده من التخطيط الحسيني: ٣٥٦

دروس من تاريخ حياة الإمام الباقر عليه‌السلام ٣٥٩

البحث في حياة الإمام الباقر عليه‌السلام ، الإمام الخامس، محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الدور الأوّل من حياة الأئمّة عليهم‌السلام : ٣٦١

الدور الثاني من حياة الأئمّة عليهم‌السلام : ٣٦٢

الدور الثالث من حياة الأئمّة عليه‌السلام : ٣٦٣

الإمام الباقر عليه‌السلام في مطلع الدور الثاني: ٣٦٤

منزلة الإمام الباقر عليه‌السلام في نفوس الأُمّة: ٣٦٥

مسئوليات الإمام الباقر عليه‌السلام : ٣٦٧

العقبات التي كان يواجهها الإمام الباقر عليه‌السلام من الخارج: ٣٧٠

تقيّة الأئمّة عليهم‌السلام من ذهنيّة الرأي العامّ: ٣٧٢

الإمام الباقر عليه‌السلام أمام طريقين: ٣٧٣

العقبة التي كان يواجهها الإمام الباقر عليه‌السلام من الداخل: ٣٧٥


الإمام الرضا عليه‌السلام المنعطف التاريخي في حياة الأئمّة عليهم‌السلام ٣٧٩

مراحل حياة الأئمّة عليهم‌السلام : ٣٨١

الحركات الثورية في عصر الإمام الرضا عليه‌السلام : ٣٨٤

اتّساع القواعد الشعبية للإمام الرضا عليه‌السلام : ٣٨٦

الإمام الرضا عليه‌السلام وقيادة الأُمّة: ٣٨٧

تقويم المرحلة السياسية في عصر الإمام الرضا عليه‌السلام : ٣٩٠

الدوافع الحقيقية للمأمون في تنصيبه الإمام وليّاً للعهد: ٣٩٣

الإمامة المبكّرة ٣٩٩

افتراضات لتفسير الظاهرة: ٤٠٢

المواقف والخيارات أمام الحسين عليه‌السلام : ٤٠٧

الموقف السديد وعلاج الأمّة: ٤٠٨

مناقشة المواقف: ٤١١

الفهرس ٤١٥