الصفحة ٤٠٤

الموضع الثاني في الشك في المكلف به

مع العلم بنوع التكليف بأن يعلم الحرمة أو الوجوب ويشتبه الحرام أو الواجب ومطالبه أيضا ثلاثة

المطلب الاول: دوران الامر بين الحرام وغير الواجب

ومسائله أربع

[ المسألة ] الاولى: لو علم التحريم وشك في الحرام من جهة إشتباه الموضوع الخارجي وإنما قدمنا الشبهة الموضوعية هنا، لاشتهار عنوانها في كلام العلماء، بخلاف عنوان الشبهة الحكمية.

ثم الحرام المشتبه بغيره إما مشتبه في أمور محصورة، كما لو دار الامر بين أمرين أو أمور محصورة، و يسمى بالشبهة المحصورة، وإما مشتبه في أمور غير محصورة.

أما [ المقام ] الاول [ الشبهة المحصورة ] فالكلام فيه يقع في مقامين أحدهما جواز إرتكاب كلا الامرين أو الامور وطرح العلم الاجمالي وعدمه، وبعبارة أخرى حرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم وعدمها.

الثاني وجوب إجتناب الكل وعدمه، وبعبارة أخرى وجوب الموافقة القطعية للتكليف المعلوم وعدمه.


الصفحة ٤٠٤

أما المقام الاول [ وهو جواز إرتكاب الامرين أو عدمه ] فالحق فيه عدم الجواز وحرمة المخالفة القطعية، وحكي عن ظاهر بعض جوازه.لنا على ذلك وجود المقتضي للحرمة وعدم المانع عنها.

أما ثبوت المقتضي فلعموم دليل تحريم ذلك العنوان المشتبه، فإن قول الشارع: (إجتنب عن الخمر)، يشمل الخمر الموجود المعلوم المشتبه بين الانائين أو أزيد.ولا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلا.

مع أنه لو خص الدليل بالمعلوم تفصيلا خرج الفرد المعلوم إجمالا عن كونه خمرا واقعيا و كان حلالا واقعيا.

ولا أظن أحدا يلتزم بذلك حتى من يقول بكون الالفاظ أسامي للامور المعلومة.فإن الظاهر إرادتهم الاعم من المعلوم إجمالا.

وأما عدم المانع فلان العقل لا يمنع من التكليف عموما أو خصوصا بالاجتناب عن عنوان الحرام المشتبه في أمرين أو أمور والعقاب على مخالفة هذا التكليف.

وأما الشرع فلم يرد فيه ما يصلح للمنع عدا ما ورد من قولهم عليهم السلام: (كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه).

و (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه)، وغير ذلك.

بناء على أن هذه الاخبار كما دلت على حلية المشتبه مع عدم العلم الاجمالي وإن كان محرما في علم الله سبحانه، كذلك دلت على حلية المشتبه مع العلم الاجمالي.

ويؤيده إطلاق الامثلة المذكورة في بعض هذه الروايات، مثل الثوب المحتمل للسرقة والمملوك المحتمل للحرية والمرأة المحتملة للرضيعة.فإن إطلاقها يشمل الاشتباه مع العلم الاجمالي، بل الغالب ثبوت العلم الاجمالي.

لكن مع كون الشبهة غير محصورة.

ولكن هذه الاخبار لا تصلح للمنع، لانها كما تدل على حلية كل واحد من المشتبهين، كذلك تدل على حرمة ذلك المعلوم إجمالا، لانه أيضا شئ علم حرمته.


الصفحة ٤٠٥

فإن قلت: إن غاية الحل معرفة الحرام بشخصه ولم يتحقق في المعلوم الاجمالي.

قلت: أما قوله عليه السلام: (كل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه)، فلا يدل على ما ذكرت، لانه قوله عليه السلام (بعينه) تأكيد للضمير جئ به للاهتمام في إعتبار العلم.

كما يقال: (رأيت زيدا نفسه بعينه)، لدفع توهم وقوع الاشتباه في الرؤية.وإلا فكل شئ علم حرمته فقد علم حرمة نفسه.

فإذا علم نجاسة إناء زيد وطهارة إناء عمرو فاشتبه الاناء‌ان، فاناء زيد شئ علم حرمته بعينه.

نعم يتصف هذا المعلوم المعين بكونه لا بعينه إذا أطلق عليه عنوان أحدهما فيقال أحدهما لا بعينه في مقابل أحدهما المعين عند القائل.

وأما قوله عليه السلام: (فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه)، فله ظهور في ما ذكر، حيث أن قوله (بعينه) قيد للمعرفه، فمؤداه إعتبار معرفة الحرام بشخصه.

ولا يتحقق ذلك إلا إذا أمكنت الاشارة الحسية إليه.

وأما إناء زيد المشتبه باناء عمرو في المثال وإن كان معلوما بهذا العنوان إلا أنه مجهول بإعتبار الامور المميزة له في الخارج عن إناء عمرو، فليس معروفا بشخصه.

إلا أن بقاء الصحيحة على هذا الظهور يوجب المنافاة لما دل على حرمة ذلك العنوان المشتبه، مثل قوله: (إجتنب عن الخمر).

لان الاذن في كلا المشتبهين ينافي المنع عن عنوان مردد بينهما يوجب الحكم بعدم حرمة الخمر المعلوم إجمالا في متن الواقع.

وهو مما يشهد الاتفاق والنص على خلافه حتى نفس هذه الاخبار حيث أن مؤداها ثبوت الحرمة الواقعية للامر المشتبه.

فإن قلت: مخالفة الحكم الظاهري للحكم الواقعي لا يوجب إرتفاع [ الحكم ] الواقعي، كما في الشبهة المجردة عن العلم الاجمالي.

مثلا قول الشارع (إجتنب عن الخمر) شامل للخمر الواقعي الذي لم يعلم به المكلف ولو إجمالا، وحليته في الظاهر لا يوجب خروجه عن العموم المذكور حتى لا يكون حراما واقعيا فلا ضير في إلتزام ذلك في الخمر الواقعي المعلوم إجمالا.

قلت: الحكم الظاهري لا يقدح مخالفته للحكم الواقعي في نظر الحاكم مع جهل المحكوم بالمخالفة، لرجوع ذلك إلى معذورية المحكوم الجاهل، كما في أصالة البراء‌ة، وإلى بدلية الحكم الظاهري عن الواقع أو كونه طريقا مجعولا إليه على الوجهين في الطرق الظاهرية المجعولة.

وأما مع علم المحكوم بالمخالفة فيقبح من الجاعل جعل كلا الحكمين، لان العلم بالتحرين يقتضي وجوب الامتثال بالاجتناب عن ذلك المحرم.فإذن الشارع في فعله ينافي حكم العقل بوجوب الاطاعة.

فإن قلت: إذن الشارع في فعل المحرم مع علم المكلف بتحريمه إنما ينافي حكم العقل من حيث أنه إذن في المعصية والمخالفة.وهو إنما يقبح مع علم المكلف بتحقق المعصية حين إرتكابها حينئذ.


الصفحة ٤٠٦

والاذن في إرتكاب المشتبهين ليس كذلك إذا كان على التدريج، بل هو إذن في المخالفة مع عدم علم المكلف بها إلا بعدها.

وليس في العقل ما يقبح ذلك وإلا لقبح الاذن في إرتكاب جميع المشتبهات بالشبهة الغير المحصورة أو في إرتكاب مقدار يعلم عادة بكون الحرام فيها وفي إرتكاب الشبهة المجردة التي يعلم المولى إطلاع العبد بعد الفعل على كونه معصية، وفي الحكم بالتخيير الاستمراري بين الخبرين أو فتوى المجتهدين.

قلت: إذن الشارع في أحد المشتبهين ينافي أيضا حكم العقل بوجوب إمتثال التكليف المعلوم المتعلق بالمصداق المشتبه لايجاب العقل حينئذ الاجتناب عن كلا المشتبهين.

نعم لو أذن الشارع في إرتكاب أحدهما مع جعل الاخر بدلا عن الواقع في الاجتزاء بالاجتناب عنه جاز.

فإذن الشارع في أحدهما لا يحسن إلا بعد الامر بالاجتناب عن الاخر بدلا ظاهريا عن الحرام الواقعي، فيكون المحرم الظاهري هو أحدهما على التخيير.وكذا المحلل الظاهري، ويثبت المطلوب، وهو حرمة المخالفة القطعية بفعل المشتبهين.

[ وحاصل معنى تلك الصحيحة (أن كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف أن في إرتكابه فقط أو في إرتكابه المقرون مع إرتكاب غيره إرتكابا للحرام)، والاول في العلم التفصيلي والثاني في العلم الاجمالي ].

فإن قلت: إذا فرضنا المشتبهين مما لا يمكن إرتكابهما إلا تدريجا، ففي زمان إرتكاب أحدهما يتحقق الاجتناب عن الاخر قهرا.

فالمقصود من التخيير وهو ترك أحدهما حاصل مع الاذن في إرتكاب كليهما، إذ لا يعتبر في ترك الحرام القصد، فضلا عن قصد الامتثال.

قلت: الاذن في فعلهما في هذه الصورة أيضا ينافي الامر بالاجتناب عن العنوان الواقعي المحرم، لما تقدم من أنه، مع وجود دليل حرمة ذلك العنوان المعلوم وجوده في المشتبهين، لا يصح الاذن في أحدهما إلا بعد المنع عن الاخر بدلا عن المحرم الواقعي.

ومعناه المنع عن فعله بعده، لان هذا هو الذي يمكن أن يجعله الشارع بدلا عن الحرام الواقعي حتى لا ينافي أمره بالاجتناب عنه، إذ تركه في زمان فعل الاخر لا يصلح أن يكون بدلا [ عن حرمته ].

وحنيئذ فإن منع في هذه الصورة عن واحد من الامرين المتدرجين في الوجود لم يجز إرتكاب الثاني بعد إرتكاب الاول وإلا لغى المنع المذكور.

فإن قلت: الاذن في أحدهما يتوقف على المنع عن الاخر في نفس تلك الواقعة بأن يرتكبهما دفعة والمفروض إمتناع ذلك في ما نحن فيه من غير حاجة إلى المنع المذكور ولا يتوقف على المنع عن الاخر بعد إرتكاب الاول، كما في التخيير الظاهري الاستمراري.


الصفحة ٤٠٧

قلت: تجويز إرتكابهما من أول الامر ولو تدريجا طرح لدليل حرمة الحرام الواقعي والتخيير الاستمراري في مثل ذلك ممنوع.

والمسلم منه ما إذا لم يسبق التكليف بمعين أو يسبق التكليف بالفعل حتى يكون المأتي به في كل دفعة بدلا عن المتروك على تقدير وجوبه دون العكس بأن يكون المتروك في زمان الاتيان بالاخر بدلا عن المأتي به على تقدير حرمته، وسيأتي تتمة ذلك في الشبهة الغير المحصورة.

فإن قلت: إن المخالفة القطعية للعلم الاجمالي فوق حد الاحصاء في الشرعيات، كما في الشبهة الغير المحصورة، وكما لو قال القائل في مقام الاقرار: هذا لزيد بل لعمرو، فإن الحاكم يأخذ المال لزيد وقيمته لعمرو، مع أن أحدهما أخذ للمال بالباطل.

وكذا يجوز للثالث أن يأخذ المال من يد زيد وقيمته من يد عمرو، مع علمه بأن أحد الاخذين تصرف في مال الغير بغير إذنه.

ولو قال: هذا لزيد بل لعمرو بل لخالد، حيث أنه يغرم لكل من عمور وخالد تمام القيمة، مع أن حكم الحاكم بإشتغال ذمته بقيمتين مخالف للواقع قطعا.

وأي فرق بين قوله عليه السلام: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)، وبين أدلة حل ما لم يعرف كونه حراما، حتى أن الاول يعم الاقرارين المعلوم مخالفة أحدهما للواقع، والثاني لا يعم الشيئين المعلوم حرمة أحدهما.

وكذلك لو تداعيا عينا في موضوع يحكم يتنصيفها بينهما مع العلم بأنها ليست إلا لاحدهما.

وذكروا ايضا في باب الصلح أنه لو كان لاحد الودعيين درهم وللاخر درهمان، فتلف عند الودعي أحد الدراهم، فإنه يقسم أحد الدرهمين الباقيين بين المالكين، مع العلم الاجمالي بأن دفع أحد النصفين دفع للمال إلى غير صاحبه.

وكذا لو إختلف المتبايعان في المبيع والثمن وحكم بالتحالف وإنفساخ البيع، فإنه يلزم مخالفة العلم الاجمالي بل الفصيلي في بعض الفروض، كما لا يخفى.

قلت: أما الشبهة الغير المحصورة فسيجئ وجه جواز المخالفة فيها.

وأما الحاكم فوظيفته أخذ ما يستحقه المحكوم له على المحكوم عليه بالاسباب الظاهرية، كالاقرار والحلف والبينة وغيرها.فهو قائم مقام المستحق في أخذ حقه.ولا عبرة بعلمه الاجمالي.

نظير ذلك ما إذا أذن المفتي لكل واحد من واجدي المني في الثوب المشترك في دخول المسجد، فإنه إنما يأذن كلا منهما بملاحظة تكليفه في نفسه.فلا يقال إنه يلزم من ذلك إذن الجنب في دخول المسجد وهو حرام.

وأما غير الحاكم ممن إتفق له أخذ المالين من الشخصين المقر لهما في مسألة الاقرار، فلا نسلم


الصفحة ٤٠٨

جواز أخذه لهما، بل ولا لشئ منهما إلا إذا قلنا بأن ما يؤخذه منهما يعامل [ معه ] معاملة الملك الواقعي، نظير ما يملكه ظاهرا بتقليد أو إجتهاد يخالف لمذهب من يريد ترتيب الاثار، بناء على أن العبرة في ترتيب آثار الموضوعات الثابتة في الشريعة، كالملكية والزوجية وغيرهما، بصحتهما عند المتلبس بهما، كالمالك والزوجين، ما لم يعلم تفصيلا من يريد ترتيب الاثر خلاف ذلك، ولذلك قيل بجواز الاقتداء في الظهرين بواجدي المني في صلاة واحدة، بناء على أن المناط في صحة الاقتداء الصحة عند المصلي ما لم يعلم تفصيلا فساده.

وأما مسألة الصلح فالحكم فيها تعبدي، وكأنه صلح قهري بين المالكين أو يحمل على حصول الشركة بالاختلاط.

وقد ذكر بعض الاصحاب أن مقتضى القاعدة الرجوع إلى القرعة.

وبالجملة فلا بد من التوجيه في جميع ما يوهم جواز المخالفة القطعية الراجعة إلى طرح دليل شرعي، لانها كما عرفت ممنا يمنع عنها العقل والنقل، خصوصا إذا قصد من إرتكاب المشتبهين التوصل إلى الحرام، هذا مما لا تأمل فيه، ومن يظهر منه جواز الارتكاب فالظاهر أنه قصد غير هذه الصورة.

ومنه يظهر أن إلزام القائل بالجواز بأن تجويز ذلك يفضي إلى إمكان التوصل إلى فعل جميع المحرمات على وجه مباح، بأن يجمع بين الحلال والحرام المعلومين تفصيلا، كالخمر والخل، على وجه يوجب الاشتباه فيرتكبهما محل نظر، خصوصا على ما مثل به من الجمع بين الاجنبية والزوجة.هذا كله فيما إذا كان الحرام المشتبه عنوانا واحدا مرددا بين أمرين.وأما إذا كان مرددا بين عنوانين.كما مثلنا سابقا بالعلم الاجمالي بأن أحد المايعين إما خمر أو الاخر مغصوب.

فالظاهر أن حكمه كذلك، إذ لا فرق في عدم جواز المخالفة للدليل الشرعي بين كون ذلك الدليل معلوما بالتفصيل وكونه معلوما بالاجمال، فإن من إرتكب الانائين في المثال يعلم بأنه خالف دليل حرمة الخمر أو دليل حرمة المغصوب، ولذا لو كان إناء واحد مرددا بين الخمر والمغصوب لم يجز إرتكابه، مع أنه لا يلزم منه إلا مخالفة أحد الدليلين لا بعينه.

وليس ذلك إلا من جهة أن مخالفة الدليل الشرعي محرم عقلا وشرعا، سواء تعين للمكلف أو تردد بين دليلين.

ويظهر من صاحب الحدائق التفصيل في باب الشبهة المحصورة بين كون المردد بين المشتبهين فردا من عنوان فيجب الاجتناب عنه وبين كونه مرددا بين عنوانين فلا يجب.

فإن أراد عدم وجوب الاجتناب عن شئ منهما في الثاني وجواز إرتكابهما معا فظهر ضعفه بما ذكرنا، وإن أراد عدم وجوب الاحتياط فيه فسيجئ ما فيه.


الصفحة ٤٠٩

وأما المقام الثاني: [ وهو وجوب إجتناب الكل وعمدمه ] فالحق فيه وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين وفاقا للمشهور، وفي المدارك أنه مقطوع به في كلام الاصحاب، ونسبه المحقق البهبهاني في فوائده إلى الاصحاب، وعن المحقق المقدس الكاظمي في شرح الوافية دعوى الاجماع صريحا، وذهب جماعة إلى عدم وجوبه، وحكي عن بعض القرعة.

لنا على ما ذكرنا أنه إذا ثبت كون أدلة تحريم المحرمات شاملة للمعلوم إجمالا ولم يكن هنا مانع عقلي أو شرعي من تنجز التكليف به، لزم بحكم العقل الاحتراز عن إرتكاب ذلك المحرم بالاجتناب عن كلا المشتبهين.

وبعبارة أخرى: التكليف بذلك المعلوم إجمالا إن لم يكن ثابتا جازت المخالفة القطعية، والمفروض في هذا المقام التسالم على حرمتها، وإن كان ثابتا وجب الاحتياط فيه بحكم العقل، إذ يحتمل أن يكون ما يرتكبه من المشتبهين هو الحرام الواقعي، فيعاقب عليه، لان المفروض لما كان ثبوت التكليف بذلك المحرم لم يقبح العقاب عليه إذا إتفق إرتكابه ولو لم يعلم به حين الارتكاب واختبر ذلك من حال العبد إذا قال له المولى: (إجتنب، وتحرز عن الخمر المردد بين هذين الانائين)، فإنك لا تكاد ترتاب في وجوب الاحتياط.

ولا فرق بين هذا الخطاب وبين الادلة المحرمات الثابتة في الشريعة إلا العموم والخصوص.

فإن قلت: أصالة الحل في كلا المشتبهين جارية في نفسها ومعتبرة لولا المعارض.

وغاية ما يلزم في المقام تعارض الاصلين، فتخيير في العمل في أحد المشتبهين، ولا وجه لطرح كليهما.

قلت: أصالة الحل غير جارية هنا بعد فرض كون المحرم الواقعي مكلفا بالاجتناب عنه منجزا على ما هو مقتضى الخطاب بالاجتناب عنه لان مقتضى العقل في الاشتغال اليقيني بترك الحرام الواقعي هو الاحتياط والتحرز عن كلا المشتبهين حتى لا يقع في محذور فعل الحرام.وهو معنى


الصفحة ٤١٠

المرسل المروي في بعض كتب الفتاوى: (أترك ما لا بأس به حذرا عما به البأس).فلا يبقى مجال للاذن في فعل أحدهما.

وسيجئ في باب الاستصحاب أيضا أن الحكم في تعارض كل أصلين إذا لم يكن أحدهما حاكما على الاخر هو التساقط، لا التخيير.

فإن قلت: قوله: (كل شئ لك حلال حتى تعرف أنه حرام) ونحوه، يستفاد منه حلية المشتبهات بالشبهة المجردة عن العلم الاجمالي جميعا، وحلية الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي على البدل، لان الرخصة في كل شبهة مجردة لا تنافي الرخصة في غيرها، لاحتمال كون الجميع حلالا في الواقع.فالبناء على كون هذا المشتبه بالخمر خلا، لا ينافي البناء على كون المشتبه الاخر خلا.

وأما الرخصة في شبهة مقرونة بالعلم الاجمالي والبناء على كونه خلا لما تستلزم وجوب البناء على كون المحرم هو المشتبه الاخر، فلا يجوز الرخصة فيه جميعا نعم يجوز الرخصة فيه بمعنى جواز إرتكابه والبناء على أن المحرم غيره، مثلا الرخصة في إرتكاب أحد المشتبهين بالخمر مع العلم بكون أحدهما خمرا، فإنه لما علم من الادلة تحريم الخمر الواقعي ولو تردد بين الامرين كان معنى الرخصة في إرتكاب أحدهما الاذن في البناء على عدم كونه هو الخمر المحرم عليه وأن المحرم غيره، فكل منهما حلال، بمعنى جواز البناء على كون المحرم غيره.

والحاصل أن مقصود الشارع من هذه الاخبار أن يلغى من طرفي الشك في حرمة الشئ و حلية إحتمل الحرمة ويجعل الحلية في حكم متيقنها.

ولما كان في المشتبهين بالشبهة المحصورة شك واحد ولم يكن فيه إلا إحتمال كونه هذا حلالا وذاك حراما واحتمال العكس، كان إلغاء إحتمال الحرمة في أحدهما إعمالا له في الاخر وبالعكس، وكان الحكم الظاهري في احدهما بالحل حكما ظاهريا بالحرمة في الاخر، وليس في معنى حلية كل منهما إلا الاذن في إرتكابه وإلغاء إحتمال الحرمة فيه المستلزم لاعماله في الاخر.

فتأمل حتى لا تتوهم أن إستعمال قوله: (كل شئ لك حلال)، بالنسبة إلى الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي والشبهات المجردة إستعمال في معنيين.

قلت: الظاهر من الاخبار المذكورة البناء على حلية محتمل التحريم والرخصة فيه، لا وجوب البناء على كونه هو الموضوع المحلل.ولو سلم فظاهرها البناء على كون كل مشتبه كذلك.وليس الامر بالبناء على كون أحد المشتبهين هو الخل أمرا بالبناء على كون الاخر هو الخمر، فليس في الروايات من البدلية عين ولا أثر، فتدبر.


الصفحة ٤١١

احتج من جوز إرتكاب ما عدا مقدار الحرام ومنع عنه بوجهين الاول: الاخبار الدالة على حل ما لم يعلم حرمته التي تقدم بعضها.

وإنما منع من إرتكاب مقدار الحرام إما لاستلزامه لعلم بارتكاب الحرام وهو حرام، وإما لما ذكره بعضهم من أن إرتكاب مجموع المشتبهين حرام لاشتماله على الحرام.

قال في توضيح ذلك: (إن الشارع منع عن إستعمال الحرام المعلوم وجوز إستعمال ما لم يعلم حرمته والمجموع من حيث المجموع معلوم الحرمة ولو بإعتبار جزئه وكذا كل منهما بشرط الاجتماع مع الاخر فيجب إجتنابه، وكل منهما بشرط الانفراد مجهول الحرمة فيكون حلالا).

والجواب عن ذلك أن أخبار المتقدمة على ما عرفت إما أن لا تشمل شيئا من المشتبهين وإما أن تشملهما جميعا.

وما ذكر من الوجهين لعدم جواز إرتكاب الاخير بعد إرتكاب الاول فغير صالح للمنع.

أما (الاول)، فلانه إن أريد أن مجرد تحصيل العلم بإرتكاب الحرام حرام، فلم يدل دليل عليه، نعم تحصيل العلم بإرتكاب الغير للحرام حرام من حيث التجسس المنهي عنه وإن لم يحصل له العلم.

وإن أريد أن الممنوع عنه عقلا من مخالفة أحكام الشرع بل مطلق الموالي هي المخالفة العلمية، دون الاحتمالية فإنها لا تعد عصايانا في العرف، فعصيان الخطاب بإجتناب الخمر المشتبه هو إرتكاب المجموع المحرم الواقعي وإن لم يعرف حين الارتكاب.وحاصله منع وجوب المقدمة العلمية.

ففيه، مع إطباق العلماء بل العقلاء، كما حكي، على وجوب المقدمة العلمية، أنه إن أريد من حرمة المخالفة العلمية المخالفة المعلومة حين المخالفة، فهذا إعتراف بجواز إرتكاب المجموع تدريجا، إذ


الصفحة ٤١٢

لا يحصل معه مخالفة معلومة تفصيلا، وإن أريد منها حرمة المخالفة التي تعلق العلم بها ولو بعدها، فمرجعها إلى حرمة تحصيل العلم الذي به يصير المخالفة المعلومة، وقد عرفت منع حرمتها جدا.

مما ذكرنا يظهر فساد (الوجه الثاني)، فإن حرمة المجموع إذا كان بإعتبار جزئه الغير المعين فضم الجزء الاخر لا دخل له في حرمته.

نعم له دخل في كون الحرام معلوم التحقق، فهي مقدمة للعلم بإرتكاب الحرام لا لنفسه، فلا وجه لحرمتها بعد عدم حرمة العلم بإرتكاب الحرام.

ومن ذلك يظهر فساد جعل الحرام كلا منهما بشرط الاجتماع مع الاخر، فإن حرمته وإن كانت معلومة إلا أن الشرط شرط لوصف كونه معلوم التحقق لا لذات الحرام، فلا يحرم إيجاد الاجتماع إلا إذا حرم جعل ذات الحرام معلومة التحقق ومرجعه إلى حرمة تحصيل العلم بالحرام.

الثاني: ما دل بنفسه أو بضميمة ما دل على المنع عن إرتكاب الحرام الواقعي على جواز تناول الشبهة المحصورة، فيجمع بينه على تقدير ظهوره في جواز تناول الجميع وبين ما دل على تحريم العنوان الواقعي بأن الشارع جعل بعض المحتملات بدلا عن الحرام الواقعي فيكفي تركه في الامتثال الظاهري.

كما لو إكتفى بفعل الصلاة إلى بعض الجهات المشتبهة ورخص في ترك الصلاة إلى بعضها، وهذه الاخبار كثيرة: منها: موثقة سماعة.

قال: (سألت أبا عبدالله، عليه السلام، عن رجل أصاب مالا من عمال بني أمية، وهو يتصدق منه ويصل قرابته ويحج ليغفر له ما اكتسب، ويقول: إن الحسنات يذهبن السيئات.

فقال عليه السلام: إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة وإن الحسنة تحط الخطيئه.

ثم قال: إن كان خلط الحرام حلالا فاختلطا جميعا فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس)(١).

فإن ظاهره نفي البأس عن التصدق والصلة والحج من المال المختلط وحصول الاجر في ذلك.وليس فيه دلالة على جواز التصرف في الجميع.

ولو فرض ظهوره فيه صرف عنه بما دل على وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي، وهو مقتضى بنفس لحرمة التصرف في الكل، فلا يجوز ورود الدليل على خلافها ومن جهة حكم العقل بلزوم الاحتياط لحرمة التصرف في البعض المحتمل أيضا.

لكن عرفت أنه يجوز الاذن في ترك بعض المقدمات العلمية بجعل بعضها الاخر بدلا ظاهريا عن ذي المقدمة.

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج ٨، ١٠٤


الصفحة ٤١٣

والجواب عن هذا الخبر: أن ظاهره جواز التصرف في الجميع، لانه يتصدق ويصل ويحج بالبعض ويمسك الباقي، فقد تصرف في الجميع بصرف البعض وإمساك البعض الاخر، فلا بد إما من الاخذ به وتجويز المخالفة القطعية وإما من صرفه عن ظاهره وحينئذ فحمله على إرادة نفي البأس عن التصرف في البعض وإن حرم عليه إمساك مقدار الحرام ليس بأولى من حمل الحرام على حرام خاص يعذر فيه الجاهل، كالربا، بناء على ما ورد في عدة أخبار من حلية الربا الذي أخذ جهلا ثم لم يعرف بعينه في المال المخلوط.

وبالجملة فالاخبار الواردة في حلية ما لم يعلم حرمته على أصناف.

منها: ما كان من قبيل قوله عليه السلام (كل شئ لك حلالا حتى تعرف أنه حرام)(١).

وهذا الصنف لا يجوز الاستدلال به لمن لا يرى جواز إرتكاب المشتبهين، لان حمل تلك الاخبار على الواحد لا بعينه في الشبهة المحصورة والآحاد المعينه في المجردة من العلم الاجمالي، والشبهة الغير المحصورة متعسر بل متعذر، فيجب حملها على صورة عدم التكليف الفعلي بالحرام الواقعي.

ومنها: ما دل ارتكاب كلا المشتبهين في خصوص الشبهة المحصورة مثل الخبر المتقدم.

وهذا أيضا لا يلتزم المستدل بمضمونه ولا يجوز حمله على غير الشبهة المحصورة، لان موردها فيها، فيجب حملها على أقرب المحتملين من إرتكاب البعض مع إبقاء ما عدا المقدار ومن وروده في مورد خاص، كالربا ونحوه، مما يمكن إلتزام خروجه عن قاعدة الشبهة المحصورة.ومن ذلك يعلم حال ما ورد في الربا من حل جميع المال المختلط به.

ومنها: ما دل على جواز أخذ ما علم فيه الحرام إجمالا، كأخبار جواز الاخذ من العامل والسارق والسلطان.

وسيجئ حمل جلها أو كلها على كون الحكم بالحل مستندا إلى كون الشئ مأخوذا من يد المسلم ومتفرعا على تصرفه المحمول على الصحة عند الشك.

فالخروج، بهذه الاصناف من الاخبار، عن القاعدة العقلية الناشية عما دل من الادلة القطعية على وجوب الاجتناب عن العناوين المحرمة الواقعية، وهي وجوب دفع الضرر المقطوع به بين المشتبهين ووجوب إطاعة التكاليف المعلومة المتوقفة على الاجتناب عن كلا المشتبهين، مشكل

____________________

(١) الكافي، ج ٥، ص ٣١٣ وسائل الشيعة، ح ١٢، ص ٦٠، ح ٢٢٠٥٠


الصفحة ٤١٤

حدا، خصوصا مع إعتضاد القاعدة بوجهين آخرين، هما كالدليل على المطلب.

أحدهما الاخبار الدالة على هذا المعنى: منها: قوله عليه السلام: (ما إجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال)(١)، والمرسل المتقدم: (أتركوا ما لا بأس به حذرا عما به الباس)،(٢) وضعفها ينجبر بالشهرة المحققة والاجماع المدعى في كلام من تقدم.

ومنها: رواية ضريس عن السمن والجبن في أرض المشركين: (قال أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكل، وأما ما لم تعلم فكل)، فإن الخلط يصدق مع الاشتباه.

ورواية إبن سنان: (كل شئ حلال حتى يجيئك شاهدان أن فيه الميتة)، فإنه يصدق على مجموع قطعات اللحم أن فيه الميتة.

ومنها: قوله، صلى الله عليه وآله، في حديث التثليث: (وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم)، بناء على أن المراد بالهلاكة ما هو أثر للحرام.

فإن كان الحرام لم يتنجز التكليف به فالهلاك المترتب عليه منقصته الذاتية، وإن كان مما يتنجز التكليف به، كما في ما نحن فيه، كان المترتب عليه هو العقاب الاخروي.

وحيث أن دفع العقاب المحتمل واجب بحكم العقل وجب الاجتناب عن كل مشتبه بالشبهة المحصورة.

وما كان دفع الضرر غير العقاب غير لازم إجماع كان الاجتناب عن الشبهة المجردة غير واجب بل مستحبا.

وفائدء‌ة الاستدلال بمثل هذا الخبر معارضته لما يفرض من الدليل على جواز إرتكاب أحد المشتبهين مخيرا وجعل الاخر بدلا عن الحرام الواقعي، فإن مثل هذا الدليل لو فرض وجوده حاكم على الادلة الدالة على الاجتناب عن عنوان المحرم الواقعي، لكنه معارض بمثل خبر التثليث و بالنبويين، بل مخصص بهما.

[ لو فرض عمومه للشبهة الابتدائية، فيسلم ] تلك الادلة، [ فتأمل ].

الثاني ما يستفاد من أخبار كثيرة من كون الاجتناب عن كل واحد من المشتبهين أمرا مسلما مفروغا عنه بين الائمة عليهم السلام والشيعة بل العامة أيضا، بل استدل صاحب الحدائق على أصل القاعدة باستقراء مواردها في الشريعة.

لكن الانصاف عدم بلوغ ذلك حدا يمكن الاعتماد عليه مستقلا، وإن كان ما يستشم منها قولا وتقريرا من الروايات كثيرة:

____________________

(١) عوالي اللئالي، ج ٢، ص ١٣٢.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ٩، ص ٧٩.

وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ٤٩٤.


الصفحة ٤١٥

منها: ما ورد في المائين المشتبهين، خصوصا مع فتوى الاصحاب بلا خلاف بينهم على وجوب الاجتناب عن إستعمالهما مطلقا.

ومنها: ما ورد في الصلاة في الثوبين المشتبهين.

ومنها: ما ورد في وجوب غسل الثوب من الناحية التي يعلم باصابة بعضها للنجاسة معللا بقوله: (حتى يكون على يقين من طهارته)، فإن وجوب تحصيل اليقين بالطهارة على ما يستفاد عن التعليل يدل على عدم جريان أصالة الطهارة بعد العلم الاجمالي بالنجاسة.

وهو الذي بنينا عليه وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة وعدم جواز الرجوع فيها إلى أصالة الحل، فإنه لو جرى أصالة الطهارة وأصالة حل الطهارة والصلاة في بعض المشتبهين لم يكن للاحكام المذكورة وجه ولا للتعليل في الحكم الاخير لوجوب تحصيل اليقين بالطهارة بعد اليقين بالنجاسة.

و [ منها ]: ما دل على بيع الذبائح المختلط ميتتها بمذكيها [ ممن يستحل الميتة ] من أهل الكتاب، بناء على حملها على ما لا يخالف عمومات حرمة بيع المشتبه بأن يقصد بيع المذكى خاصة أو مع مالا تحله الحياة من الميتة.

وقد يستأنس له مما ورد من وجوب القرعة في قطيع الغنم المعلوم وجود الموطوء في بعضها.

و هي الرواية المحكية في جواب الامام الجواد، عليه السلام، لسؤال يحيى بن أكثم عن قطيع غنم نزى الراعي على واحدة منها ثم أرسلها في الغنم، حيث قال عليه السلام: (يقسم الغنم نصفين ثم يقرع بينهما.

فكل ما وقع السهم عليه قسم غيره قسمين.وهكذا حتى يبقى واحد ونجى الباقي)(١).

وهو حجة القول بوجوب القرعة، لكنها لا تنهض لاثبات حكم مخالف للاصول.نعم هي دالة على عدم جواز إرتكاب شئ منها قبل القرعة.

فإن التكليف بالاجتناب عن الموطوء‌ة الواقعية واجب بالاجتناب عن الكل حتى يتميز الحلال ولو بطريق شرعي، هذا.

ولكن الانصاف أن الرواية أدل على مطلب الخصم بناء على حمل القرعة على الاستحباب، إذ على قول المشهور لا بد من طرح الرواية أو العمل بها في خصوص موردها.

____________________

(١) تحف العقول، ص ٤٨٠ وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ٤٣٦، ح ٣٠٢٦٩.


الصفحة ٤١٦

وينبغي التنبيه على أمور الاول إنه لا فرق في وجوب الاجتناب عن المشتبه الحرام بين كون المشتبهين مندرجين تحت حقيقة واحدة وغير ذلك، لعموم ما تقدم من الادلة.

ويظهر من كلام صاحب الحدائق التفصيل، فإنه ذكر كلام صاحب المدارك في مقام تأييد ما قواه من عدم وجوب الاجتناب من المشتبهين.

وهو: (أن المستفاد من قواعد الاصحاب أنه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الاناء وخارجه لم يمنع من إستعماله.

وهو مؤيد لما ذكرناه.

قال مجيبا عن ذلك: أولا بأنه من باب الشبهة الغير المحصورة.

وثانيا أن القاعدة المذكورة إنما تتعلق بالافراد المندرجة تحت ماهية واحدة والجزئيات التي تحويها حقيقة واحدة إذا إشتبه طاهرها بنجسها وحلالها بحرامها، فيفرق بين المحصور وغير المحصور بما تضمنه تلك الاخبار، لا وقوع الاشتباه كيف إتفق)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.

وفيه بعد منع كون ما حكاه صاحب المدارك عن الاصحاب مختصا بغير المحصور، بل لو شك في وقوع النجاسة في الاناء، فظاهرهم الحكم بطهارة الماء.

كما يدل عليه تأويلهم لصحيحة علي بن جعفر الواردة في الدم الغير المستبين في الماء بذلك أنه لا وجه لما ذكره من إختصاص القاعدة.

أما أولا، فلعموم المذكورة خصوصا عمدتها، وهي أدلة الاجتناب من العناوين المحرمة الواقعية، كالنجس والخمر ومال الغير وغير ذلك [ بضميمة حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ].

وأما ثانيا، فلانه لا ضابطة لما ذكره من الاندارج تحت ماهية واحدة، ولم يعلم الفرق بين تردد

____________________

(١) الحدائق الناضرة، ١، ص ٥١٧.


الصفحة ٤١٧

النجس بين ظاهر الاناء وباطنه أو بين الماء وقطعة من الارض أو بين الماء ومايع آخر، أو بين مائعين مختلفي الحقيقة وبين تردده ما بين مائين أو ثوبين أو مائعين متحدي الحقيقة.

نعم هنا شئ آخر: وهو أنه هل يشترط في العنوان المحرم الواقعي والنجس الواقعي المردد بين المشتبهين أن يكون على كل تقدير متعلقا لحكم واحد أم لا.مثلا، إذا كان أحد المشتبهين ثوبا و الآخر مسجدا.حيث أن المحرم في أحدهما اللبس وفي الآخر السجدة.

فليس هنا خطاب جامع للجنس الواقعي، بل العلم بالتكليف مستفاد من مجموع قول الشارع: (لا تلبس النجس في الصلاة ولا تسجد على النجس).وأولى من ذلك بالاشكال ما لو كان المحرم على كل تقدير عنوانا غيره على التقدير الآخر.

كما لو دار الامر بين كون أحد المائعين نجسا وكون الآخر مال الغير لامكان تكليف إدراج الفرض الاول تحت خطاب الاجتناب عن النجس بخلاف الثاني.وأولى من ذلك ما لو تردد الامر بين كون هذه المرأة أجنبية أو كون هذا المايع خمرا.

وتوهم إدراج ذلك كله في وجوب الاجتناب عن الحرام مدفوع بأنالاجتناب عن الحرام عنوان منتزع من الادلة المتعلقة بالعناوين الواقعية.فالاعتبار بها لا به، كما لا يخفى.والاقوى أن المخالفة القطعية في جميع ذلك غير جائز، ولا فرق عقلا وعرفا في مخالفة نواهي الشارع بين العلم التفصيلي بخصوص ما خالفه وبين العلم الاجمالي بمخالفة أحد النهيين.

ألا ترى أنه لو إرتكب مايعا واحد يعلم أنه مال الغير أو نجس لم يعذر لجهله التفصيلي بما خالفه، فكذا حال من ارتكب النظر إلى المرأة وشرب المايع في المثال الاخير.

والحاصل أن النواهي الشرعية بعد الاطلاع عليها بمنزلة نهي واحد عن عدة أمور.

فكما تقدم أنه لا يجتمع نهي الشارع عن أمر واقعي واحد، كالخمر مع الاذن في إرتكاب المائعين المردد بينهما الخمر، فكذا لا يجتمع النهي عن عدة أمور مع الاذن في إرتكاب كلا الامرين المعلوم وجودا أحد تلك الامور فيهما.

وأما الموافقة القطعية فالاقوى أيضا وجوبها، لعدم جريان أدلة الحلية ولا أدلة البراء‌ة عقليها و نقليها.

أما النقلية، فلما تقدم من إستوائها بالنسبة إلى كل من المشتبهين وإبقاؤهما يوجب التنافي مع أدلة تحريم العناوين الواقعية، وإبقاء واحد على سبيل البدل غير جائز، إذ بعد خروج كل منهما بالخصوص ليس الواحد لا بعينه فردا ثالثا يبقى تحت أصالة العموم.


الصفحة ٤١٨

وأما العقلية، فلمنع إستقلاله في المقام بقبح مؤاخذة من إرتكب الحرام المردد بين الامرين، بل الظاهر إستقلال العقل في المقام بعد عدم القبح المذكور بوجوب دفع الضرر، أعني العقاب المحتمل في إرتكاب احدهما.

وبالجملة فالظاهر عدم التفكيك في هذا المقام بين المخالفة القطعية والمخالفة الاحتمالية.

فإما أن يجوز الاولى وإما أن يمنع الثانية.

الثاني: أن وجوب الاجتناب عن كل من المشتبهين هل هو بمعنى لزوم الاحتراز عنه حذرا من الوقوع في المؤاخذة بمصادفة ما إرتكبه للحرام الواقعي، فلا مؤاخذه إلا على تقدير الوقوع في الحرام، أو هو بمعنى لزوم الاحتراز عنه من حيث أنه مشتبه فيستحق المؤاخذة بإرتكاب احدهما، ولو لم يصادف الحرام.

ولو إرتكبهما إستحق عقابين فيه وجهان بل قولان، أقواهما الاول، لان حكم العقل بوجوب دفع الضرر هو بمعنى العقاب المحتمل، بل المقطوع حكم إرشادي.

وكذا لو فرض أمر الشارع بالاجتناب عن عقاب محتمل أو مقطوع بقوله (تحرز عن الوقوع في معصية النهي عن الزنا)، لم يكن إلا إرشاديا، ولم يترتب على موافقته ومخالفته سوى خاصية نفس المأمور به وتركه، كما هو شأن الطلب الارشادي.

وإلى هذا المعنى أشار، صلوات الله عليه، بقوله: (أتركوا ما لا بأس به حذرا ما به البأس)، وقوله: (من إرتكب الشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم).

ومن هنا ظهر أنه لا فرق في ذلك بين الاستناد في وجوب الاجتناب إلى حكم العقل وبين الاستناد فيه إلى حكم الشرع بوجوب الاحتياط.

وأما حكمهم بوجوب دفع الضرر المظنون شرعا و إستحقاق العقاب على تركه وإن لم يصادف الواقع فهو خارج عما نحن فيه، لان الضرر الدنيوي إرتكابه مع العلم حراما شرعا.والمفروض أن الظن في باب الضرر طريق شرعي.

فالمقدم مع الظن كالمقدم مع القطع مستحق للعقاب.كما لو ظن سائر المحرمات بالظن المعتبر.

نعم لو شك في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الاباحة وعدم الضرر إستحالة ترخيص الشارع في الاقدام على الضرر الدنيوي المقطوع إذا كان في الترخيص مصلحة أخروية فيجوز ترخيصه بالاقدام على المحتمل لمصلحة ولو كانت تسهيل الامر على المكلف بوكول الاقدام على إرادته.

وهذا بخلاف الضرر الاخروي، فإنه على تقدير ثبوته يقبح من الشارع الترخيص فيه.


الصفحة ٤١٩

نعم وجوب دفعه عقلي ولو مع الشك، لكن لا يترتب على ترك دفعه إلا نفسه على تقدير ثبوته واقعا حتى أنه لو قطع به ثم لم يدفعه واتفق عدمه واقعا لم يعاقب عليه إلا من باب التجري، وقد تقدم في المقصد الاول المتكفل لبيان مسائل حجية القطع الكلام فيه وسيجئ أيضا.

فإن قلت: قد ذكر العدلية في الاستدلال بوجوب دفع الضرر على وجوب شكر المنعم بأن في تركه إحتمال المضرة وجعلوا ثمرة وجوب شكر المنعم وعدم وجوبه إستحقاق العقاب على ترك الشكر لمن لم يبلغه دعوة نبي، فيدل ذلك على إستحقاق العقاب بمجرد ترك دفع الضرر الاخروي المحتمل.

قلت: حكمهم بإستحقاق العقاب على ترك الشكر بمجرد إحتمال الضرر في تركه لاجل مصادفة الاحتمال للواقع، فإنا لما علمنا بوجوبه عند الشارع وترتب العقاب على تركه.

فإذا احتمل العاقل العقاب على تركه، فإن قلنا بحكومة العقل في مسألة دفع الضرر المحتمل صح عقاب تارك الشكر من أجل إتمام الحجة عليه بمخالفة عقله، وإلا فلا.

فغرضهم أن ثمرة حكومة العقل بدفع الضرر المحتمل إنما يظهر في الضرر الثابت شرعا مع عدم العلم به من طريق الشرع، لان الشخص بمخالفة العقل وإن لم يكن ضرر في الواقع، وقد تقدم في بعض مسائل الشبهة التحريمية شطر من الكلام في ذلك.

وقد يتمسك لاثبات الحرمة في المقام بكونه تجريا فيكون قبيحا عقلا فيحرم شرعا، وقد تقدم في فروع حجيه العلم الكلام في حرمة التجري حتى مع القطع بالحرمة إذا كان مخالفا للواقع.

كما أفتى به في التذكره فيما إذا اعتقد ضيق الوقت فأخر وانكشف بقاء الوقت وإن تردد في النهاية.

وأضعف من ذلك التمسك بالادلة الشرعيه الدالة على الاحتياط، لما تقدم من أن الظاهر من مادة الاحتياط التحرز عن الوقوع في الحرام، كما يوضح ذلك النبويان السابقان وقولهم صلوات الله عليهم: (إن الوقوف عند الشبهة اولى من الاقتحام في الهلكة).

(١) الثالث: إن وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين إنما هو مع تنجز التكليف بالحرام الواقعي على كل

____________________

(١) المحاسن، ص ٢١٥ بحار الانوار، ج ٢، ص ٢٥٩.


الصفحة ٤٢٠

تقدير بأن يكون كل منهما بحيث لو فرض القطع بكونه الحرام كان التكليف بالاجتناب منجزا.

فلو لم يكن كذلك بأن لم يكلف به أصلا.

كما لو علم بوقوع قطرة من البول في أحد الانائين أحدهما بول أو متنجس بالبول أو كثير لا ينفعل بالنجاسة أو أحد ثوبين أحدهما نجس بتمامه لم يجب الاجتناب عن الاخر.لعدم العلم بحدوث التكليف بالاجتناب عن ملاقي هذه القطرة.

إذ لو كان ملاقيها هو الاناء النجس لم يحدث بسببه تكليف بالاجتناب أصلا.فالشك في التكليف بالاجتناب عن الاخر شك في أصل التكليف، لا المكلف به.

وكذا لو كان التكليف في أحدهما معلوما، لكن لا على وجه التنجز، بل معلقا على تمكن المكلف منه، فإن ما لا يمكن المكلف من إرتكابه لا يكلف منجزا بالاجتناب عنه، كما لو علم وقوع النجاسة في أحد شيئين لا يتمكن المكلف من إرتكاب واحد معين منهما، فلا يجب الاجتناب عن الاخر، لان الشك في أصل تنجز التكليف، لا في المكلف به تكليفا منجزا.

وكذا لو كان إرتكاب الواحد المعين ممكنا عقلا، لكن المكلف أجنبي عنه وغير مبتلى به بحسب حاله، كما إذا تردد النجس بين إنائه وإناء لا دخل للمكلف فيه أصلا، فإن التكليف بالاجتناب عن هذا الاناء الاخر الممكن عقلا غير منجز عرفا.

ولهذا لا يحسن التكليف المنجز بالاجتناب عن الطعام او الثوب الذي ليس من شأن المكلف الابتلاء به.

نعم يحسن الامر بالاجتناب عنه مقيدا بقوله: إذا إتفق لك الابتلاء بذلك العارة أو بملك أو إباحة فاجتنب عنه.

والحاصل: أن النواهي المطلوب فيها حمل المكلف على الترك مختصة بحكم العقل والعرف بمن يعد مبتلى بالواقعة المنهي عنها.ولذا يعد خطاب غيره بالترك مستهجنا إلا على وجه التقييد بصورة الابتلاء.

ولعل السر في ذلك ان غير المبتلى تارك للمنهي عنه بنفس عدم الابتلاء، فلا حاجة إلى نهيه، فعند الاشتباه لا يعلم المكلف تنجز التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي.

وهذا باب واسع ينحل به الاشكال عما علم من عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة في مواق، مثل ما إذا علم إجمالا بوقوع النجاسة في إنائه أو في موضع من الارض التي لا يبتلى به المكلف عادة أو بوقوع النجاسة في ثوبه او ثوب غيره، فإن الثوبين لكل منهما من باب الشبهة المحصورة مع عدم وجوب إجتنابهما.

فإذا جرى أحدهما في ثوبه أصالة الحل والطهارة لم يعارض بجريانها في ثوب غيره، إذ لا يترتب على هذا المعارض ثمرة عملية للمكلف يلزم من ترتبها مع العمل


الصفحة ٤٢١

بذلك الاصل طرح التكليف المنجز بالامر المعلوم إجمالا.

ألا ترى أن زوجة شخص لو شكت في أنها هي المطلقة أوغيرها من ضراتها جاز لها ترتيب أحكام الزوجية على نفسها، ولو شك الزوج هذا الشك لم يجز له النظر إلى إحداهما.

وليس ذلك إلا لان أصالة عدم تطليقة كل منهما متعارضان في حق الزوج بخلاف الزوجة، فإن أصالة عدم تطلق ضرتها لا تثمر لها ثمرة عملية.

نعم لو إتفق ترتب تكليف على زوجية ضرتها دخلت في الشبهة المحصورة، ومثل ذلك كثر في الغاية.

ومما ذكرنا يندفع ما تقدم من صاحب المدارك، رحمه الله، من الاستنهاض على ما اختاره من عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة بما يستفاد من الاصحاب من عدم وجوب الاجتناب عن الاناء الذي علم بوقوع النجاسة فيه أو في خارجه، إذ لا يخفى أن خارج الاناء، سواء كان ظهره أو الارض القريبة منه، ليس مما يبتلى به المكلف عادة، ولو فرض كون الخارج مما يسجد عليه المكلف إلتزمنا وجوب الاجتناب عنهما، للعلم الاجمالي بالتكليف المردد بين حرمة الوضوء بالماء النجس وحرمة السجدة على الارض النجسة.

ويؤيد ما ذكرنا صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام فيمن رعف فامتخط فصار الدم قطعا صغارا فأصاب إناء‌ه، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال عليه السلام: (إن لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس به، وإن كان شيئا بينا فلا)(١).

حيث إستدل به الشيخ، قدس سره، على العفو عما لا يدركه الطرف من الدم، وحملها المشهور على أن إصابة الاناء لا يستلزم إصابة الماء.فالمراد أنه مع عدم تبين شئ في الماء يحكم بطهارته.

و معلوم أن ظهر الاناء وباطنه الحاوي للماء من الشبهة المحصورة.وما ذكرنا واضح لمن تدبر.

إلا أن الانصاف: أن تشخيص موارد الابتلاء لكل من المشتبهين وعدم الابتلاء بواحد معين منهما كثيرا ما يخفى.

ألا ترى أنه لو دار الامبر بين وقوع النجاسة على الثوب ووقوعها على ظهر طائر أو حيوان قريب منه لا يتفق عادة إبتلاؤه بالموضع النجس منه لم يشك أحد في عدم وجوب الاجتناب عن الثوب.

أما لو كان الطرف الاخر أرضا لا يبعد إبتلاء المكلف به في السجود و التيمم وإن لم يحتج إلى ذلك فعلا، ففيه تأمل.

____________________

(١) الكافي، ج ٣، ص ٧٤ وسائل الشيعة، ج ١، ص ١١٢، ح ٣٧٥.


الصفحة ٤٢٢

والمعيار في ذلك وإن كان صحة التكليف بالاجتناب عنه على تقدير العلم بنجاسته وحسن ذلك من غير تقييد التكليف بصورة الابتلاء وإتفاق صيرورته واقعة له، إلا أن تشخيص ذلك مشكل جدا.

نعم يمكن أن يقال عند الشك في حسن التكليف التنجيزي عرفا بالاجتناب وعدم حسنه إلا معلقا لاصل البراء‌ة من التكليف المنجز، كما هو المقرر في كل ما شك فيه في كون التكليف منجزا او معلقا على أمر محقق العدم او علم التعليق على أمر.لكن شك في تحققه أو كون المتحقق من أفراده، كما في المقام.

إلا أن هذا ليس بأولى من أن يقال إن الخطابات بالاجتناب عن المحرمات مطلقة غير معلقة والمعلوم تقييدها بالابتلاء في موضع العلم بتقبيح العرف توجيهها من غير تعلق بالابتلاء.

كما لو قال: (اجتنب عن ذلك الطعام النجس الموضوع قدام أمير البلد)، مع عرم جريان العادة بإبتلاء المكلف به، أو: (لا تصرف في اللباس المغصوب الذي لبسه ذلك الملك أو الجارية التي غصبها الملك وجعلها من خواص نسوانه)، مع عدم إستحالة إبتلاء الملكف بذلك كله عقلا ولا عادة، إلا أنه بعيد الاتفاق.وأما لو شك في قبح التنجيز فيرجع إلى الاطلاقات.

فمرجع المسألة إلى أن المطلق المقيد بقيد مشكوك التحقق في بعض الموارد لتعذر ضبط مفهومه على وجه لا يخفى مصداق من مصاديقه، كما هو شأن أغلب المفاهيم العرفية، هل يجوز التمسك به أولا.والاقوى الجواز.

فيصير الاصل في المسألة وجوب الاجتناب، إلا ما علم عدم تنجز التكليف بأحد المشتبهين على تقدير العلم بكونه الحرام، إلا أن يقال: إن المستفاد من صحيحة علي بن جعفر المتقدمه كون الماء وظاهر الاناء من قبيل عدم تنجز التكليف، فيكون ذلك ضابطا في الابتلاء و عدمه، إذ يبعد حملها على خروج ذلك عن قاعدة الشبهة لاجل النص فافهم.

الرابع: أن الثابت في كل المشتبهين لاجل العلم الاجمالي بوجوبد الحرام الواقعى فيهما هو وجوب الاجتناب، لانه اللازم من باب المقدمة من التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي.

أما سائر الاثار الشرعيه المترتبة على ذلك الحرام، فلا تترتب عليهما، لعدم جريان باب المقدمة فيها فيرجع فيها إلى الاصول الجارية في كل المشتبهين بالخصوص، فإرتكاب أحد المشتبهين لا يوجب حد الخمر على المرتكب، بل يجري أصالة عدم موجب الحد ووجوبه.وهل يحكم بتنجس ملاقيه وجهان بل قولان مبنيان على أن تنجس الملاقي إنما جاء من


الصفحة ٤٢٣

وجوب الاجتناب عن ذلك النجس، بناء على أن الاجتناب عن النجس يراد به ما يعم الاجتناب عن ملاقيه ولو بوسائط.

ولذا استدل السيد أبوالمكارم في الغنية على تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة بما دل على وجوب هجر النجاسات في قوله تعالى: (والرجز فاهجر)، ويدل عليه أيضا ما في بعض الاخبار من إستدلاله، عليه السلام، على حرمة الطعام الذي مات فيه فارة ب‍: (أن الله سبحانه حرم الميتة)، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر كل واحد من المشتبهين فقد حكم بوجوب هجر كل ما لاقاه.

وهذا معنى ما استدل به العلامة، رحمه الله في المنتهى على ذلك: بأن الشارع أعطاهما حكم النجس.

وإلا فلم يقل أحد أن كلا من المشتبهين بحكم النجس في جميع آثاره وأن الاجتناب عن النجس لا يراد به إلا الاجتناب عن العين، وتنجس الملاقي للنجس حكم وضعي سببي يترتب للعنوان الواقعي من النجاسات، نظير وجوب الحد للخمر.فإذا شك في ثبوته للملاقي جرى فيه أصل الطهارة وأصل الاباحة.والاقوى هو الثاني.

أما أولا، فلما ذكر، وحاصله منع ما في الغنية من دلالة وجوب هجر النجس على وجوب الاجتناب عن ملاقي الرجز إذا لم يكن عليه أثر من ذلك الرجز، فتنجيسه حينئذ ليس إلا مجرد تعبد خاص.

فإذا حكم الشارع بوجوب هجر المشتبه في الشبهة المحصورة، فلا يدل على وجوب هجر ما يلاقيه.

نعم قد يدل بواسطة بعض الامارات الخارجية، كما أستفيد نجاسة البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء من أمر الشارع بالطهارة عقيبه من جهة إستظهار أن الشارع جعل هذا المورد من موارد تقديم الظاهر على الاصل، فحكم بكون الخارج بولا، لا أنه أوجب خصوص الوضوء بخروجه.

وبه يندفع تعجب صاحب الحدائق، رحمه الله، من حكمهم بعدم النجاسة فيما نحن فيه وحكمهم بها في البلل، مع كون كل منهما مشتبها حكم عليه ببعض أحكام النجاسة.

وأما الرواية فهي رواية عمر بن شمر، عن جابر الجعفي، عن ابي جعفر، عليه السلام: (إنه أتاه رجل فقال له: وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ فقال أبوجعفر، عليه السلام: لا تأكله، فقال الرجل: الفأرة أهون علي من أن أترك طعامى لاجلها.

فقال أبوجعفر، عليه السلام: إنك لم تستخف بالفأرة وإنما إستخففت بدينك، إن الله حرم الميتة من كل شئ)(١).

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ١١٩ وسائل الشيعة، ج ١، ص ١٤٩.


الصفحة ٤٢٤

وجه الدلالة أنه، عليه السلام، جعل ترك الاجتناب عن الطعام إستخفافا بتحريم الميتة.ولولا إستلزامه لتحريم ملاقيه لم يكن أكل الطعام إستخفاف بتحريم الميتة.فوجوب الاجتناب عن شئ يستلزم وجوب الاجتناب عن ملاقيه.

لكن الرواية ضعيفة سندا، مع أن الظاهر من الحرمة فيها النجاسة، لان مجرد التحريم لا يدل على النجاسة فضلا عن تنجس الملاقي وإرتكاب التخصيص في الروايه بإخراج ما عدا النجاسات من المحرمات كما ترى، فالملازمة بين نجاسة الشئ وتنجس ملاقيه، لا حرمة الشئ وحرمة ملاقيه.

فإن قلت: وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه وإن لم يكن من حيث ملاقاته له إلا انه يصير كملاقيه في العلم الاجمالي بنجاسته أو نجاسة المشتبه الاخر، فلا فرق بين الملاقيين في كون كل منها أحد طرفي الشبهة، فهو نظير ما إذا قسم أحد المشتبهين قسمين وجعل كل قسم في إناء.

قلت: ليس الامر كذلك، لان أصالة الطهارة والحل في الملاقي، بالكسر سليم عن معارضة أصالة الطهارة للمشتبه الاخر، بخلاف أصالة الطهارة والحل في الملاقي، بالفتح، فإنها معارضة بها في المشتبه الاخر.

والسر في ذلك أن الشك في الملاقي، بالكسر ناش عن الشبهه المتقومة بالمشتبهين، فالاصل فيهما أصل في الشك السببي والاصل فيه أصل في الشك المسبب.

وقد تقرر في محله أن الاصل في الشك السببي حاكم ووارد على الاصل في الشك المسبب، سواء كان مخالفا له، كما في أصالة طهارة الماء الحاكمه على أصالة نجاسة الثوب النجس المغسول به، أم موافقا، كما في أصالة طهارة الماء الحاكمة على أصالة إباحة الشرب.

فما دام الاصل الحاكم الموافق أو المخالف جاريا لم يجر الاصل المحكوم، لان الاول رافع شرعي للشك المسبب ومنزلة الدليل بالنسبة إليه.

وإذا لم يجر الاصل الحاكم لمعارضته بمثله زال المانع عن جريان الاصل في الشك المسبب ووجب الرجوع إليه، لانه كالاصل بالنسبة إلى المتعارضين.

ألا ترى أنه يجب الرجوع عند تعارض أصالة الطهارة والنجاسة عند تتميم الماء النجس كرا بطاهر، وعند غسل المحل النجس بمائين مشتبهين بالنجس إلى قاعدة الطهارة، ولا تجعل القاعدة كأحد المتعارضين.

نعم ربما تجعل معاضدا لاحدهما الموافق لها بزعم كونهما في مرتبة واحدة.

لكنه توهم فاسد، ولذا لم يقل أحد في مسألة الشبهة الحصورة بتقديم أصالة الطهارة في المشتبه


الصفحة ٤٢٥

الملاقي، بالفتح، لاعتضادها بأصالة طهارة الملاقي، بالكسر.

فالتحقيق في تعارض الاصلين مع إتحاد مرتبتهما لاتحاد الشبهة الموجبة لهما الرجوع إلى ما ورائهما من الاصول التي لو كان أحدهما سليما عن المعارض لم يرجع إليه، سواء كان هذا الاصل مجانسا لهما أو من غير جنسهما، كقاعدة الطهارة في المثالين، فافهم واغتنم.وتمام الكلام في تعارض الاستصحابين إن شاء الله تعالى.

نعم لو حصل للاصل في هذا الملاقي، بالكسر، أصل أخر في مرتبته، كما لو وجد معه ملاقي المشتبه الاخر كانا من الشبهة المحصورة ولو كان ملاقاة شئ لاحد المشتبهين قبل العلم الاجمالي وفقد الملاقي، بالفتح، ثم حصل العلم الاجمالي بنجاسة المشتبه الباقي أو المفقود قام ملاقيه مقامه في وجوب الاجتناب عنه وعن الباقي، لان أصالة الطهارة في الملاقي، بالكسر، معارضة بأصالة الطهارة في المشتبه الاخر، لعدم جريان الاصل في المفقود حتى يعارضه، لما أشرنا إليه في الامر الثالث من عدم جريان الاصل فيما لا يبتلى به المكلف ولا أثر له بالنسبة إليه.

فمحصل ما ذكرنا: أن العبرة في حكم الملاقي بكون أصالة الطهارة سليمة أو معارضة.

[ ولو كان العلم الاجمالي قبل فقد الملاقي والملاقاة ففقد، فالظاهر طهارة الملاقي ووجوب الاجتناب عن صاحب الملاقي، ولا يخفى وجهه، فتأمل جيدا ].

الخامس: لو إضطر إلى إرتكاب بعض المحتملات، فإن كان بعضها معينا فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الباقي إن كان الاضطرار قبل العلم أو معه، لرجوعه إلى عدم تنجز التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي، لاحتمال كون المحرم هو المضطر إليه، وقد عرفت توضحيه في الامر المتقدم.

وإن كان بعده فالظاهر وجوب الاجتناب عن الآخر، لان الاذن في ترك بعض المقدمات العلمية بعد ملاحظة وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي يرجع إلى إكتفاء الشارع في إمتثال ذلك التكليف بالاجتناب عن بعض المشتبهات.

ولو كان المضطر إليه بعضا غير معين وجب الاجتناب عن الباقي وإن كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي، لان العلم حاصل بحرمة واحد من أمور لو علم حرمته تفصيلا وجب الاجتناب عنه، وترخيص بعضها على البدل موجب لاكتفاء الامر بالاجتناب عن الباقي.

فإن قلت: ترخيص ترك بعض المقدمات دليل على عدم إرادة الحرام الواقعي ولا تكليف بما عداه، فلا مقتضي لوجوب الاجتناب عن الباقي.


الصفحة ٤٢٦

قلت: المقدمة العلمية مقدمة للعلم، واللازم من الترخيص فيها عدم وجوب تحصيل العلم، لا عدم وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي رأسا.

وحيث أن الحاكم بوجوب تحصيل العلم هو العقل بملاحظة تعلق الطلب الموجب للعقاب على المخالفة الحاصلة من ترك هذا المحتمل كان الترخيص المذكور موجبا للامن من العقاب على المخالفة الحاصلة من ترك هذا الذي رخص في تركه، فيثبت من ذلك تكليف متوسط بين نفي التكليف رأسا وثبوته معلقا بالواقع على ما هو عليه.

وحاصله ثبوت التكليف بالواقع من الطريق الذي رخص الشارع، في إمتثاله منه، وهو ترك باقي المحتملات.

وهذا نظير جميع الطرق الشرعية المجعولة للتكاليف الواقعية ومرجعة إلى القناعة عن الواقع ببعض محتملاته معينا كما في الاخذ بالحالة السابقة في الاستصحاب، أو مخيرا كما في موارد التخيير.

ومما ذكرنا تبين أن مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم التفصيلي بالاحكام الشرعية وعدم وجوب تحصيل العلم الاجمالي فيها بالاحتياط، لمكان الجرح أو قيام الاجماع على عدم وجوبه، أن يرجع في ما عدا البعض المرخص في ترك الاحتياط فيه، أعني موارد الظن مطلقا أو في الجملة، إلى الاحتياط.

مع أن بناء أهل الاستدلال بدليل الانسداد بعد إبطال الاحتياط ووجوب العمل بالظن مطلقا أو في الجملة على الخلاف بينهم على الرجوع في غير موارد الظن المعتبر إلى الاصول الموجودة في تلك الموارد دون الاحتياط.

نعم لو قام بعد بطلان وجوب الاحتياط دليل عقلي أو إجماع على كون الظن مطلقا أو في الجملة حجة وطريقا في الاحكام الشرعية أو منعوا أصاله وجوب الاحتياط عند الشك في المكلف به، صح ما جروا عليه من الرجوع في موارد عدم وجود هذا الطريق إلى الاصول الجارية في مواردها.

لكنك خبير بأنه لم يقم ولم يقيموا على وجوب إتباع المظنونات إلا بطلان الاحتياط، مع إعتراف أكثرهم بأنه الاصل في المسألة وعدم جواز ترجيح المرجوح.

ومن المعلوم أن هذا لا يفيد إلا مخالفة الاحتياط بموافقة الطرف الراجح في المظنون دون الموهوم.

ومقتضى هذا لزوم الاحتياط في غير المظنونات.

السادس لو كان المشتبهات مما يوجد تدريجا، كما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها بأن تنسى وقتها وإن حفظت عددها، فيعلم إجمالا انها حائض في الشهر ثلاثة أيام مثلا، فهل يجب


الصفحة ٤٢٧

على الزوج الاجتناب عنها تمام الشهر ويجب على الزوجه أيضا الامساك عن دخول المسجد وقراء‌ة العزيمة تمام الشهر أم لا.

وكما إذا علم التاجر إجمالا بابتلائه في يومه أو شهره بمعاملة ربوية، فهل يجب عليه الامساك عما لا يعرف حكمه من المعاملات في يومه وشهره أم لا.

التحقيق أن يقال: إنه لا فرق بين الموجودات فعلا والموجودات تدريجا في وجوب الاجتناب عن الحرام المردد بينها إذا كان الابتلاء دفعة، وعدمه لاتحاد المناط في وجوب الاجتناب.

نعم قد يمنع الابتلاء دفعة في التدريجات، كما في مثال الحيض، فإن تنجز تكليف الزوج بترك وطي الحائض قبل زمان حيضها ممنوع، فإن قول الشارع: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن)، ظاهر في وجوب الكف عن الابتلاء بالخائص، إذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فلا يطلب.

فهذا الخطاب، كما أنه مختص بذوي الازواج ولا يشمل العزاب إلا على وجه التعليق، فكذلك من لم يبتل بالمرأة الحائض.

ويشكل الفرق بين هذا وبين ما إذا نذر أو حلف في ترك الوطي في ليلة خاصة، ثم اشتبهت بين ليلتين أو أزيد.

لكن الاظهر هنا وجوب الاحتياط، وكذا في المثال الثاني من المثالين المتقدمين.

وحيث قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشبهه التدريجية، فالظاهر جواز المخالفة القطعية، لان المفروض عدم تنجز التكليف الواقعي بالنسبة إليه، فالواجب الرجوع في كل مشتبه إلى الاصل الجاري في خصوص ذلك المشتبه إباحة وتحريما.

فيرجع في المثال الاول إلى إستصحاب الطهر إلى أن يبقى مقدار الحيض، فيرجع فيه إلى أصالة الاباحة، لعدم جريان الاستصحاب، وفي المثال الثاني إلى أصاله الاباحة والفساد، فيحكم في كل معاملة يشك في كونه ربوية بعدم إستحقاق العقاب على إيقاع عقدها وعدم ترتب الاثر عليها، لان فساد الربا ليس دائرا مدار الحكم التكليفي، ولذا يفسد في حق القاصر بالجهل والنسيان والصغر على وجه.

وليس هنا مورد التمسك بعموم صحة العقود وإن قلنا بجواز التمسك بالعام عند الشك في مصداق ما خرج عنه بخروج بعض الشبهات التدريجية عن العموم لفرض العلم بفساد بعضها، فيسقط العام عن الظهور بالنسبة إليها ويجب الرجوع إلى أصالة الفساد.

اللهم إلا أن يقال: إن العلم الاجمالي بين المشتبهات التدريجية، كما لا يقدح في إجراء الاصول العملية فيها، لا يقدح في الاصول اللفظية، فيمكن التمسك فيما نحن فيه بصحة كل واحد من المشتبهات بأصالة العموم، لكن الظاهر الفرق بين الاصول اللفظية والعملية، فتأمل.


الصفحة ٤٢٨

السابع: قد عرفت أن المانع من إجراء الاصل في كل من المشتبهين بالشبهة المحصورة هو العلم الاجمالي [ بالتكليف] المتعلق بالمكلف.

وهذا العلم قد ينشأ عن إشتباه المكلف به، كما في المشتبه بالخمر أو النجس أو غيرهما، وقد يكون من جهة إشتباه المكلف، كما في الخنثى العالم إجمالا بحرمة إحدى لباسي الرجل والمرأه عليه.وهذا من قبيل ما لو علم أن هذا الاناء خمر أو أن هذا الثوب مغصوب.

وقد عرفت في الامر الاول أنه لا فرق بين الخطاب الواحد المعلوم وجود موضوعه بين المشتبهين وبين الخطابين المعلوم وجود موضوع أحدهما بين المشتبهين.

وعلى هذا فيحرم على الخنثى كشف كل من قبيله، لان أحدهما عورة قطعا، والتكلم مع الرجال والنساء إلا لضرورة، وكذا إستماع صوتها وإن جاز للرجال والنساء إستماع صوتها بل النظر إليها، لاصالة الحل، بناء على عدم العموم في آية الغض للرجال وعدم جواز التمسك بعموم آية حرمة إبداء الزينه على النساء، لاشتباه مصداق المخصص.

وكذا يحرم عليه التزويج والتزوج، لوجوب إحراز الرجولية في الزوج والانوثية في الزوجة، إذ الاصل عدم تأثير العقد ووجوب حفظ الفرج.

ويمكن أن يقال بعدم توجه الخطابات التلكيفية المختصة إليها، إما لانصرافها إلى غيرها، خصوصا في حكم اللباس المستنبط مما دل على حرمة تشبه كل من الرجل والمرأه على الاخر، وإما لاشتراط التكليف بعلم المكلف بتوجه الخطاب إليه تفصيلا، وإن كان مرددا بين خطابين متوجهين إليه تفصيلا، لان الخطابين بشخص واحد بمنزلة خطاب واحد لشيئين، إذ لا فرق بين قوله: (إجتنب عن الخمر) و: (إجتنب عن مال الغير)، وبين قوله: (إجتنب عن كليهما)، بخلاف الخطابين الموجهين إلى صنفين يعلم المكلف دخوله تحت أحدهما.

لكن كل من الدعويين خصوصا الاخيرة ضعيفة، فإن دعوى عدم شمول ما دل على وجوب حفظ الفرج عن الزنا أو العورة عن النظر للخنثى كما ترى.

وكذا دعوى إشتراط التكليف بالعلم بتوجه خطاب تفصيلي، فإن المناط في وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة عدم جواز إجراء أصل البراء‌ه في المشتبهين، وهو ثابت في ما نحن فيه، ضرورة عدم جواز جريان أصالة الحل في كشف كل من قبلي الخنثى، للعلم بوجوب حفظ الفرج من النظر


الصفحة ٤٢٩

والزنا على كل أحد.

فمسألة الخنثى نظير المكلف المردد بين كونه مسافرا أو حاضرا، لبعض الاشتباهات، فلا يجوز له ترك العمل بخطابيهما.

الثامن: أن ظاهر كلام الاصحاب التسوية بين كون الاصل في كل واحد من المشتبهين في نفسه هو الحل أو الحرمة، لان المفروض عدم جريان الاصل فيهما، لاجل معارضته بالمثل، فوجوده كعدمه.

ويمكن الفرق بين المجوزين لارتكاب ما عدا مقدار الحرام وتخصيص الجواز بالصورة الاولى، ويحكمون في الثانية بعدم جواز الارتكاب، بناء على العمل بالاصل فيهما، ولا يلزم ههنا مخالفة قطعية في العمل، ولا دليل على حرمتها إذا لم تتعلق بالعمل، إذا وافق الاحتياط.

إلا أن إستدلال بعض المجوزين للارتكاب بالاخبار الدالة على حلية المال المختلط بالحرام، ربما يظهر منه التعميم، وعلى التخصيص، فيخرج عن محل النزاع.

كما لو علم بكون إحدى المرأتين أجنبية أو إحدى الذبيحتين ميتة أو أحد المالين مال الغير أو أحد الاسيرين محقون الدم أو كان الاناء‌ان معلومي النجاسة سابقا فعلم طهارة أحدهما.

وربما يقال: إن الظاهر أن محل الكلام في المحرمات المالية ونحوها، كالنجس، لا في الانفس والاعراض.

فيستظهر أنه لم يقل أحد فيها بجواز الارتكاب، لان المنع في مثل ذلك ضروري.

وفيه نظر.

التاسع: أن المشتبه بأحد المشتبهين حكمه حمكهما، لان مقدمة المقدمة مقدمة.وهو ظاهر.


الصفحة ٤٣٠

المقام الثاني في الشبهة الغير المحصورة والمعروف فيها عدم وجوب الاجتناب، ويدل [ عليه ] وجوه:

الاول: الاجماع الظاهر المصرح به في الروض وعن جامع المقاصد وادعاه صريحا المحقق البهبهاني، رحمه الله، في فوائده وزاد عليه نفي الريب فيه وأن مدار المسلمين في الاعصار والامصار عليه.وتبعه في دعوى الاجماع غير واحد ممن تأخر عنه.وزاد بعضهم دعوى الضرورة عليه في الجملة.وبالجملة فنقل الاجماع مستفيض، وهو كاف في المسألة.

الثاني: ما استدل به جماعة من لزوم المشقة في الاجتناب ولعل المراد لزومه به في أغلب أفراد هذه الشبهة لاغلب أفراد المكلفين، فيشمله عموم قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(١)، وقوله تعالى: (ما جعل الله عليكم في الدين من حرج)(٢) بناء على أن المراد ما كان الغالب فيه الحرج، فهو مرتفع عن جميع المكلفين، حتى من لا حرج بالنسبة إليه.

وهذا المعنى وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنه يتعين الحمل عليه، بمعونة ما ورد من إناطة الاحكام الشرعية الكلية وجودا وعدما بالعسر واليسر الغالبين.

وفي هذا الاستدلال نظر، لان أدلة نفي العسر والحرج من الآيات والروايات لا تدل إلا على

____________________

(١) البقرة: ١٨٥.

(٢) الحج: ٧٨.


الصفحة ٤٣١

أن ما كان فيه ضيق على مكلف فهو مرتفع عنه.

وأما إرتفاع ما كان ضيقا على الاكثر عمن هو عليه في غاية السهولة فليس فيه إمتنان على أحد، بل فيه تفويت مصلحة التكليف من غير تداركها بالتسهيل.

وأما ما ورد من دوران الاحكام مدار السهولة على الاغلب، فلا ينتفع فيما نحن فيه، لان الشبهة الغير المحصورة ليست واقعة واحدة حكم فيها بحكم حتى يدعى أن الحكم بالاحتياط في أغلب مواردها عسر على أغلب الناس، فيرتفع حكم الاحتياط فيها مطلقا، بل هي عنوان لموضوعات متعددة لاحكام متعددة.

والمتقضي للاحتياط في كل موضوع هو نفس الدليل الخاص التحريمي الموجود في ذلك الموضوع.

والمفروض أن ثبوت التحريم لذلك الموضوع مسلم، ولا يرد منه حرج على الاغلب وأن الاجتناب في صورة إشتباهه أيضا في غاية اليسر.فأي مدخل للاخبار الواردة في أن الحكم الشرعي يتبع الاغلب في اليسر والعسر.

وكأن المستدل بذلك جعل الشبهة الغير المحصورة واقعة واحدة، مقتضى الدليل فيها وجوب الاحتياط لولا العسر، لكن لما تعسر الاحتياط في أغلب الموارد على أغلب الناس حكم بعدم وجوب الاحتياط كلية.

وفيه: أن دليل الاحتياط في كل فرد من الشبهة ليس إلا دليل حرمة ذلك الموضوع.

نعم لو لزم الحرج من جريان حكم العنوان المحرم الواقعي في خصوص مشتبهاته الغير المحصورة على أغلب المكلفين في أغلب الاوقات كأن يدعى أن الحكم بوجوب الاحتياط عن النجس كالواقعي مع إشتباهه في أمور غير محصورة يوجب الحرج الغالبي أمكن إلتزام إرتقاع وجوب الاحتياط في خصوص النجاسة المشتبهة، لكن لا يتوهم من ذلك إطراد الحكم بإرتفاع التحريم في الخمر المشتبه بين مايعات غير محصورة والمرأة المحرمة المشتبهة في ناحية مخصوصة إلى غير ذلك من المحرمات.

ولعل كثيرا ممن تمسك في هذا المقام بلزوم المشقة أراد المورد الخاص كما ذكروا ذلك في الطهارة والنجاسة.

هذا كله، مع أن لزوم الحرج في الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة التي يقتضي الدليل المتقدم وجوب الاحتياط فيها ممنوع.

ووجهه أن كثيرا من الشبهات الغير المحصورة لا يكون جميع المحتملات مورد إبتلاء الملكف، ولا يجب الاحتياط في هذه الشبهة وإن كانت محصورة كما أوضحناه سابقا.

وبعد إخراج هذا عن محل الكلام فالانصاف منع غلبة التعسر في الاجتناب.

* * *


الصفحة ٤٣٢

الثالث الاخبار الدالة على حلية كل ما لم يعلم حرمته

فإنها بظاهرها وإن عمت الشبهة المحصورة إلا أن مقتضى الجمع بينها وبين ما دلت على وجوب الاجتناب بقول مطلق هو حمل أخبار الرخصة على غير المحصورة وحمل أخبار المنع على المحصور.

وفيه: أولا أن المستند في وجوب الاجتناب في المحصور هو إقتضاء دليل نفس الحرام المشتبه لذلك بضميمة حكم العقل، وقد تقدم بما لا مزيد عليها أن أخبار حل الشبهة لا تشمل صورة العلم الاجمالي بالحرام.

وثانيا لو سلمنا شمولها لصورة العلم الاجمالي حتى يشمل الصورة الغير المحصورة لكنها تشمل الحصورة أيضا وأخبار وجوب الاجتناب مختصة بغير الشبهة الابتدائيه إجماعا، فهي على عمومها للشبة الغير المحصورة أيضا أخص مطلقا من أخبار الرخصة.

والحاصل: أن أخبار الحل نص في الشبهة الابتدائية وأخبار الاجتناب نص في الشبهة المحصورة، وكلا الطرفين ظاهران في الشبهة الغير المحصورة.

فإخراجها عن أحدهما وإدخالها في الاخر ليس جمعا بل ترجيحا بلا مرجح.

إلا أن يقال: إن أكثر أفراد الشبهة الابتدائية ترجع بالاخرة إلى الشبهة الغير المحصورة، لانا نعلم إجمالا بوجود النجس والحرام في الوقايع المجهولة بغير المحصورة.

فلو اخرجت هذه الشبهة عن أخبار الحل لم يبق تحتها من الافراد إلا النادر، وهو لا يناسب مساق هذا الاخبار، فتدبر.

الرابع بعض الاخبار الدالة على أن: مجرد العلم بوجود الحرام بين المشتبهات لا يوجب الاجتناب عن جميع ما يحتمل كونه حراما.

مثل ما في محاسن البرقي عن أبي الجارود قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقلت: أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة.

فقال: أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الارض ! فما علمت فيه ميتة فلا تأكله، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل.

والله إني لاعترض السوق فأشتري اللحم والسمن والجبن.

والله ما أظن كلهم يسمون، هذه البربر وهذه السودان)(١)، الخبر.

____________________

(١) المحاسن، ص ٤٩٥، ح ٥٩٧ وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ٩١.


الصفحة ٤٣٣

فإن قوله: (أمن أجل مكان واحد)، الخبر، ظاهر في أن مجرد العلم بوجود الحرام لا يوجب الاجتناب عن محتملاته.

وكذا قوله عليه السلام: (والله ما أظن كلهم يسمون)، فإن الظاهر منه إرادة العلم بعدم تسمية جماعة حين الذبح، كالبربر والسودان.

إلا أن يدعى أن المراد أن جعل الميتة في الجبن في مكان واحد لا يوجب الاجتناب عن جبن غيره من الاماكن.

ولا كلام في ذلك، لا أنه لا يوجب الاجتناب عن كل جبن يحتمل أن يكون من ذلك المكان، فلا دخل له بالمدعى.

وأما قوله: (ما أظن كلهم يسمون)، فالمراد منه عدم وجوب الظن أو القطع بالحلية، بل يكفي أخذها من سوق المسلمين، بناء على أن السوق أمارة شرعية لحل الجبن المأخوذ منه ولو من يد مجهول الاسلام.

إلا أن يقال: إن سوق المسلمين غير معتبر مع العلم الاجمالي بوجود الحرام، فلا مسوغ للارتكاب إلا كون الشبهة غير محصورة، فتأمل.

الخامس أصالة البراء‌ة بناء على أن المانع من إجرائها ليس إلا العلم الاجمالي بوجود الحرام، لكنه إنما يوجب الاجتناب عن محتملاته من باب المقدمة العلمية التي لا يجب إلا لاجل وجوب دفع الضرر، وهو العقاب المحتمل في فعل كل واحد من المحتملات الغير المحصورة [ وهذا لا يجري في المحتملات الغير المحصورة ]، ضرورة أن كثرة الاحتمال توجب عدم الاعتناء بالضرر المعلوم وجوده بين المحتملات.

ألا ترى الفرق الواضح بين العلم بوجود السم في أحد إنائين وواحد من ألفي إناء.

وكذلك بين قدف أحد الشخصين لا بعينه وبين قذف واحد من أهل بلد، فإن الشخصين كلاهما يتأثران بالاول ولا يتأثر أحد من أهل البلد بالثاني.

وكذا الحال لو أخبر شخص بموت الشخص المردد بين ولده وشخص آخر، وبموت المردد بين ولده وبين كل واحد من أهل بلده، فإنه لا يضطرب خاطره في الثاني أصلا.

وإن شئت قلت: إن إرتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء، إلا كإرتكاب الشبهة الغير المقرونة بالعلم الاجمالي.

وكأن ما ذكره الامام عليه السلام في الرواية المتقدمة من قوله: (أمن أجل مكان واحد)، الخبر، بناء على أن الاستدلال به إشارة إلى هذا المعنى، حيث جعل كون حرمة الجبن في مكان


الصفحة ٤٣٤

واحد، منشاء لحرمة جميع محتملاته الغير المحصورة من المنكرات المعلومة عند العقلاء التي لا ينبغي للمخاطب أن يقبلها.

كما يشهد بذلك كلمة الاستفهام الانكاري، لكن عرفت أن فيه إحتمالا آخر يتم معه الاستفهام الانكاري أيضا.

وحاصل هذا الوجه أن العقل إذا لم يستقل دفع العقاب المحتمل عند كثرة المحتملات.

فليس ما يوجب على المكلف الاجتناب من كل محتمل، فيكون عقابه حينئذ عقابا من دون برهان.

فعلم من ذلك أن الامر إكتفى في المحرم المعلوم إجمالا بين المحتملات بعدم العلم التفصيلي بإتيانه ولم يعتبر العلم بعدم إتيانه، فتأمل.

السادس [ عدم الابتلاء ] أن الغالب عدم إبتلاء المكلف إلا ببعض معين من محتملات الشبهة الغير المحصورة ويكون الباقي خارجا عن محل إبتلائه، وقد تقدم عدم وجوب الاجتناب في مثله مع حصر الشبهة فضلا عن غير المحصورة * * *


الصفحة ٤٣٥

[ ضابط المحصور والارتكاب والنسبة وبقية المسائل ] هذا غاية ما يمكن أن يستدل به على حكم الشبهة الغير المحصورة، وقد عرفت أن أكثرها لا يخلو من منع أو قصور، لكن المجموع منها لعله يفيد القطع أو الظن بعدم وجوب الاحتياط في الجملة والمسألة فرعية يكتفى فيها بالظن.

إلا أن الكلام يقع في موارد: الاول في أنه هل يجوز إرتكاب جميع المشتبهات في غير المحصور بحيث يلزم العلم الفصيلي أم يجب إبقاء مقدار الحرام؟ ظاهر إطلاق القول بعدم وجوب الاجتناب هو الاول، لكن يحتمل أن يكون مرادهم عدم وجوب الاحتياط فيه في مقابلة الشبهة المحصورة التي قالوا فيها بوجوب الاجتناب.

وهذا غير بعيد عن سياق كلامهم.

فحينئذ لا يعم معقد إجماعهم بحكم إرتكاب الكل، إلا أن الاخبار لو عمت المقام دلت على الجواز.

وأما الوجه الخامس فالظاهر دلالته على جواز الارتكاب، لكن مع عدم العزم على ذلك من أول الامر.

وأما معه فالظاهر صدق المعصية عند مصادفة الحرام فيستحق العقاب.

فالاقوى في المسألة عدم جوز الارتكاب إذا قصد ذلك من أول الامر، فإن قصده المخالفة والمعصية، فيستحق العقاب بمصادفة الحرام.

والتحقيق عدم جواز إرتكاب الكل، لاستلزامه طرح الدليل الواقعي الدال على وجوب الاجتناب عن المحرم الواقعي، كالخمر في قوله: (إجتنب عن الخمر)، لان هذا التكليف لا يسقط


الصفحة ٤٣٦

من المكلف مع علمه بوجود الخمر بين المشبهات.

غاية ما ثبت في غير المحصور الاكتفاء في إمتثاله بترك بعض المحتملات، فيكون البعض المتروك بدلا ظاهريا عن الحرام الواقعي، وإلا فإخراج الخمر الموجود يقينا بين المشتبهات عن عموم قوله: (إجتنب عن كل خمر)، إعتراف بعدم حرمته واقعا وهو معلوم البطلان.هذا إذا قصد الجميع من أول الامر لانفسها.

ولو قصد نفس الحرام من إرتكاب الجميع فارتكب الكل مقدمة فالظاهر إستحقاق العقاب للحرمة من أول الارتكاب بناء على حرمة التجري.فصور إرتكاب الكل ثلاثة عرفت كلها.

الثاني اختلف عبارات الاصحاب في بيان ضابط المحصور وغيره.

فعن الشهيد والمحقق الثانيين والميسي وصاحب المدارك أن المرجع فيه إلى العرف.

فما كان غير محصور في العادة بمعنى أنه يعسر عده، لا ما إمتنع عده، لان كل ما يوجد من الاعداد قابل للعد والحصر.

وفيه مضافا إلى أنه إنما يتجه إذا كان الاعتماد في عدم وجود الاجتناب على الاجماع المنقول على جواز الارتكاب في غير المحصور أو على تحصيل الاجماع من إتفاق من عبر بهذه العبارة الكاشف عن إناطة الحكم في كلام المعصوم بها أن تعسر العد غير متحقق فيما مثلوا به لغير المحصور، كالالف مثلا، فإن عد الالف لا يعد عسرا.

وربما قيد المحقق الثاني عسر العد بزمان قصير.

قال في فوائد الشرائع كما عن حاشية الارشاد، بعد أن ذكر أن غير المحصور من الحقائق العرفية.

(إن طريق ضبطه أن يقال: لا ريب أنه إذا أخذ مرتبة عليا من مراتب العدد كألف مثلا، قطع بأنه مما لا يحصر ولا يعد عادة، لعسر ذلك في الزمان القصير، فيجعل طرفا، ويوجد مرتبة أخرى دنيا جدا كالثلاثة نقطع بأنها محصورة، لسهولة عدها في الزمان اليسير.

وما بينهما من الوسائط كلما جرى مجرى الطرف الاول ألحق به، وكذا ما جرى مجرى الطرف الثاني ألحق به، وما يفرض فيه الشك يعرض على القوانين والنظائر ويراجع فيه إلى الغالب.فإن غلب على الظن إلحاقه باحد الطرفين، وإلا عمل فيه بالاستصحاب إلى أن يعلم الناقل.وبهذا ينضبط كل ما ليس


الصفحة ٤٣٧

بمحصور شرعا في أبواب الطهارة والنكاح وغيرهما)(١).

أقول: وللنظر فيما ذكر قدس سره مجال.

أما أولا، فلان جعل الالف من غير المحصور مناف لما عللوا عدم وجوب الاجتناب به من لزوم العسر في الاجتناب.

فإنا إذا فرضنا بيتا عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وعلم بنجاسة جزء يسير منه يصح السجود عليه نسبته إلى البيت الواحد إلى الالف، فأي عسر في الاجتناب عن هذا البيت والصلاة في بيت آخر، وأي فرق بين هذا الفرض وبين أن يعلم بنجاسة ذراع منه أو ذراعين مما يوجب حصر الشبهة، فإن سهولة الاجتناب وعسره لا يتفاوت بكون المعلوم إجمالا، قليلا أو كثيرا، وكذا لو فرضنا أوقية من الطعام يبلغ ألف حبة بل أزيد يعلم بنجاسة أو غصبية حبة منها، فإن جعل هذا من غير المحصور ينافي تعليل الرخصة فيه بتعسر الاجتناب.

وأما ثانيا، فلان ظن الفقيه بكون العدد المعين جاريا مجرى المحصور في سهولة الحصر أو مجرى غيره ولا دليل عليه.

وأما ثالثا، فلعدم إستقامة الرجوع في موارد الشك إلى الاستصحاب حتى يعلم الناقل، لانه إن أريد إستصحاب الحل والجواز، كما هو الظاهر من كلامه.

ففيه: أن الوجه المقتضي لوجوب الاجتناب في المحصور وهو وجوب المقدمة العلمية بعد العلم بحرمة الامر الواقعي المردد بين المشتبهات قائم بعينه في غير المحصور، والمانع غير معلوم، فلا وجه للرجوع إلى الاستصحاب إلا أن يكون نظره إلى ما ذكرنا في الدليل الخامس من أدلة عدم وجوب الاجتناب، من أن المقتضي لوجوب الاجتناب في الشبهة الغير المحصورة هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل غير موجود.

وحينئذ فمرجع الشك في كون الشبهة محصورة أو غيرها إلى الشك في وجود المقتضي للاجتناب، ومعه يرجع إلى أصالة الجواز، لكنك عرفت التأمل في ذلك الدليل.

فالاقوى وجوب الرجوع مع الشك إلى أصالة الاحتياط لوجود المقتضي وعدم المانع.

وكيف كان، فما ذكروه من أصالة إحالة غير المحصور وتمييزه عن غيره إلى العرف لا يوجب إلا زيادة التحير في موارد الشك.

وقال كاشف اللثام في مسألة المكان المشتبه بالنجس: (لعل الضابط أن ما يؤدي إجتنابه إلى ترك الصلاة غالبا فهو غير محصور، كما أن إجتناب شاة أو إمرأة

____________________

(١) فوائد الشرائع، ص


الصفحة ٤٣٨

مشتبهة في صقع من الارض يؤدي إلى الترك غالبا)(١)، إنتهى.واستصوبه في مفتاح الكرامة(٢).وفيه ما لا يخفى من عدم الضبط.

ويمكن أن يقال بملاحظة ما ذكرنا في الوجه الخامس: إن غير المحصور ما بلغ كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى حيث لا يعتني العقلاء بالعلم الاجمالي الحاصل فيها.

ألا ترى أنه لو نهى المولى عبده عن المعاملة مع زيد، فعامل العبد مع واحد من أهل القرية كبيرة يعلم بوجود زيد فيها لم يكن ملوما وإن صادف زيدا.

وقد ذكرنا أن المعلوم بالاجمال قد يؤثر مع قلة الاحتمل ما لا يؤثر مع الانتشار وكثرة الاحتمال، كما قلناه في سب واحد مردد بين إثنين أو ثلاثة ومردد بين أهل بلدة.

ونحوه ما إذا علم إجمالا بوجود بعض القرائن الصارفة المختفية لبعض ظواهر الكتاب والسنة أو حصول النقل في بعض الالفاظ، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يعتنى فيها بالعلوم الاجمالية المترتب عليها الاثار المتعلقه بالمعاش والمعاد في كل مقام.

وليعلم أن العبرة في المحتملات كثرة وقلة بالوقائع التي يقع موردا للحكم بوجوب الاجتناب مع العلم التفصيلي بالحرام.

فإذا علم حبة أرز محرمة أو نجسة في ألف حبة، والمفروض أن تناول ألف حبة من الارز في العادة بعشر لقمات، فالحرام مردد بين عشرة محتملات، لا ألف محتمل، لان كل لقمة يكون فيها الحبة حرام أخذها لاشتمالها على مال الغير أو مضغها لكونه مضغا للنجس، فكأنه علم إجمالا بحرمة واحدة من عشر لقمات.

نعم لو إتفق تناول الحبوب في مقام يكون تناول كل حبة واقعة مستقلة كان له حكم غير المحصور.

وهذا غاية ما ذكروا أو يمكن أن يذكر في ضابط المحصور وغيره.ومع ذلك فلم يحصل للنفس وثوق بشئ منها.

فالاولى الرجوع في موارد الشك إلى حكم العقلاء بوجوب مراعاة العلم الاجمالي الموجود في ذلك المورد، فإن قوله (إجتنب عن الخمر) لا فرق في دلالته على تنجز التكليف بالاجتناب عن الخمر بين الخمر المعلوم المردد بين أمور محصورة وبين الموجود المردد بين أمور غير محصورة.

غاية الامر قيام الدليل في غير المحصورة على إكتفاء الشارع على الحرام الواقعي ببعض محتملاته، كما تقدم سابقا.

____________________

(١) كشف اللثام، ج، ص.

(٢) مفتاح الكرامة، ج، ص.


الصفحة ٤٣٩

فإذا شك في كون الشبهة محصورة أو غير محصورة شك في قيام الدليل على قيام بعض المحتملات مقام الحرام الواقعي في الاكتفاء عن إمتثاله بترك ذلك البعض فيجب ترك جميع المحتملات لعدم الامن من الوقوع في العقاب بإرتكاب البعض.

الثالث إذا كان المردد بين الامور الغير المحصورة أفرادا كثيرة، نسبة مجموعها إلى المشتبهات كنسبة الشئ إلى الامور المحصورة.

كما إذا علم بوجود خمس مأة شاة محرمة في ألف وخمس مأة شاة، فإن نسبة مجموع المحرمات إلى المشتبهات كنسبة الواحد إلى الثلاثة.

فالظاهر أنه ملحق بالشبهة المحصورة، لان الامر متعلق بالاجتناب عن مجموع الخمس مأة في المثال.

ومحتملات هذا الحرام المتبائنة ثلاثة، فهو كإشتباه الواحد في الثلاثة.

وأما ما عدا هذه الثلاثه من الاحتمالات فهي إحتمالات لا تنفك عن الاشتمال على الحرام.

الرابع أنا ذكرنا في (المطلب الاول) المتكفل لبيان حكم أقسام الشك في الحرام مع العلم بالحرمة: (أن مسائله: أربع منها الشبهة الموضوعية).


الصفحة ٤٤٠

وأما [ المسائل ] الثلاث الاخر وهي ما إذا إشتبه الحرام بغير الواجب، لاشتباه الحكم من جهة عدم النصر أو إجمال النص أو تعارض النصين.فحكمهما يظهر مما ذكرنا في الشبهة المحصورة.لكن أكثر ما يوجد من هذه الاقسام الثلاثة هو القسم الثاني.كما إذا تردد الغناء المحرم بين مفهومين بينهما عموم من وجه، فإن مادتي الافتراق من هذا القسم.

ومثل ما إذا ثبت بالدليل حرمة الاذان الثالث يوم الجمعة واختلف في تعيينه.

مثل قوله، صلى الله عليه وآله: (من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام)(١) ، حيث قرء: جدد بالجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، وقرء جدث بالجيم والثاء المثلثة.

____________________

(١) المحاسن، ص ٦١٢ ومسائل الشيعة، ج ٢، ص ٨٦٨.


الصفحة ٤٤١

المطلب الثاني: إشتباه الواجب بغير الحرام

وهو على قسمين: لان الواجب إما مردد بين أمرين متباينين، كما إذا تردد الامر بين وجوب الظهر والجمعة في يوم الجمعه، وبين القصر والاتمام في بعض المسائل.

وإما مردد بين الاقل والاكثر، كما إذا ترددت الصلاة الواجبة بين ذات السورة وفاقدتها، للشك في كون السورة جزء‌ا.

وليس المثالان الاولان من الاقل والاكثر، كما لا يخفى.

واعلم أنا لم نذكر في الشبهة التحريمية من الشك في المكلف به صور دوران الامر بين الاقل والاكثر، لان مرجع الدوران بينهما في تلك الشبهة، إلى الشك في أصل التكليف، لان الاقل حينئذ معلوم الحرمة والشك في حرمة الاكثر.

اما

____________________

(١) المطلب الثاني في إشتباه الواجب بغير الحرام ومسائله أيضا أربع الاولى ما إذا كان الاشتباه في الحكم الشرعي وهو على قسمين، لان الواجب أما مردد بين أمرين متباينين، كما إذا تردد بين وجوب الظهر والجمعة في يوم الجمعة، وبين القصر والاتمام في بعض المسائل، وإما مردد بين الاقل والاكثر، كما إذا ترددت الصلاة الواجبة بين ذات السورة وفاقدتها، للشك في كون السورة جزء‌ا.

وليس المثالان الاولان من الاقل والاكثر، كما لا يخفى.

واعلم أنا لم نذكر في الشبهة التحريمية من الشك في التكليف صور دوران الامر بين الاقل والاكثر، لان مرجع الدوران بينهما في تلك الشهبة إلى الشك في أصل التكليف، لان الاكثر حينئذ معلوم الحرمة والشك في حرمة الاقل.


الصفحة ٤٤٢

القسم الاول: فيما إذا دار الامر في الواجب بين أمرين متباينين

فالكلام فيه يقع في أربعة مسائل، على ما ذكرنا في أول الباب، لانه إما أن يشتبه الواجب بغير الحرام من جهة عدم النص المعتبر أو إجماله أو تعارض النصين أو من جهة إشتباه الموضوع.

أما القسم الاول فالكلام فيه إما في جواز المخالفة القطعية في غير ما علم، بإجماع أو ضرورة، حرمتها (كذا في الاصل) ].

أما [ المسألة ] الاولى [ ما إذا اشتبه الواجب في الشريعة بغير الحرام من جهة عدم النص المعتبر ]

فالكلام فيها: إما في جواز المخالفة القطعية في غير ما علم بإجماع أو ضرورة حرمتها، كما في المثالين السابقين، فإن ترك الصلاتين فيهما رأسا مخالف للاجماع بل الضرورة، وإما في وجوب الموافقة القطعية.

أما الاول: فالظاهر حرمة المخالفة القطعية، لانها عند العقلاء معصية، فإنهم لا يفرقون بين الخطاب المعلوم تفصيلا او إجمالا في حرمة مخالفته وفي عدها معصية.

ويظهر من المحقق الخوانساري دوران حرمة المخالفة مدار الاجماع وأن الحرمة في مثل الظهر والجمعة من جهته.

ويظهر من الفاضل القمي، رحمه الله الميل إليه.والاقوى ما عرفت.

وأما الثاني، ففيه قولان، أقواهما الوجوب، لوجود المقتضي وعدم المانع.

أما الاول، فلان وجوب الامر المردد ثابت في الواقع، والامر به على وجه يعم العالم والجاهل صادر من الشارع وأصل إلى من علم به تفصيلا، إذ ليس موضوع الوجوب في الاوامر مختصا بالعالم بها وإلالزم الدور، كما ذكره العلامة، رحمه الله، في التحرير، لان العلم بالوجوب موقوف على الوجوب، فكيف يتوقف الوجوب عليه.

وأما المانع، فلان المتصور منه ليس إلا الجهل التفصيلي بالواجب، وهو غير مانع عقلا ولا نقلا.

أما العقل، فلان حكمه بالعذر إن كان من جهة عجز الجاهل عن الاتيان بالواقع حتى يرجع الجهل إلى فقد شرط من شروط وجود المأمور به، فلا إستقلال للعقل بذلك، كما يشهد به جواز التكليف بالمجمل في الجملة، كما اعترف به غير واحد ممن قال بالبراء‌ة فيما نحن فيه، كما سيأتي، وإن كان من جهة كونه غير قابل لتوجه التكليف إليه فهو أشد منعا، وإلا جاز إهمال المعلوم إجمالا


الصفحة ٤٤٣

رأسا بالمخالفة القطعية.

فلا وجه لالتزام حرمة المخالفة القطعية ويقبح عقاب الجاهل المقصر على ترك الواجبات الواقعية وفعل المحرمات، كما هو المشهور.

ودعوى: (أن مرادهم تكليف الجاهل في حال الجهل برفع الجهل والاتيان بالواقع.نظير تكليف الجنب بالصلاة حال الجنابة، لا التكليف بإتيانه مع وصف الجهل.فلا تنافي بين كون الجهل مانعا والتكليف في حاله.

وإنما الكلام في تكليف الجاهل مع وصف الجهل، لان المفروض فيما نحن فيه عجزه عن تحصيل العلم)، مدفوعة برجوعها حينئذ إلى ما تقدم من دعوى كون عدم الجهل من شروط وجود المأمور به نظير الجنابة، وقد تقدم بطلانها.

وأما النقل، فليس فيه ما يدل على العذر، لان أدلة البراء‌ة غير جارية في المقام، لاستلزام إجرائها جواز المخالفة القطعية، والكلام بعد فرض جرمتها.

بل في بعض الاخبار ما يدل على وجوب الاحتياط.

مثل صحيحة عبدالرحمن المتقدمة في جزاء الصيد: (إذا أصبتم مثل هذا ولم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا)(١)، وغيرها.

فإن قلت: إن تجويز الشارع لترك أحد المحتملين والاكتفاء بالاخر يكشف عن عدم كون العلم الاجمالي علية تامة لوجوب الاطاعة حينئذ، كما عن عدم تجويز الشارع للمخالفة مع العلم التفصيلي دليل على كون العلم التفصيلي علة تامة لوجوب الاطاعة.

وحينئذ فلا ملازمة بين العلم الاجمالي ووجوب الاطاعة، فيحتاج إثبات الوجوب إلى دليل آخر غير العلم الاجمالي.

وحيث كان مفقودا فأصل البراء‌ة يقتضي عدم وجوب الجميع وقبح العقاب على تركه لعدم البيان.

نعم لما كان ترك الكل معصية عند العقلاء حكم بتحريمها، ولا تدل حرمة المخالفة القطعية على وجوب الموافقة القطعية.

قلت: العلم الاجمالي كالتفصيلي علية تامة لتنجز التكليف بالمعلوم، إلا أن المعلوم إجمالا يصلح لان يجعل أحد محتمليه بدلا عنه في الظاهر.

فكل مورد حكم الشارع بكفاية أحد المحتملين للواقع إما تعيينا كحكمه [ بالاخذ ] بالاحتمال المطابق للحالة السابقة، وأما تخييرا كما في موارد التخيير بين الاحتمالين، فهو من باب الاكتفاء عن الواقع بذلك المحتمل، لا الترخيص لترك الواقع بلا بدل في الجملة.

فإن الواقع إذا علم به إرادة المولى بشئ وصدور الخطاب عنه إلى العبد وإن لم يصل

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ٥، ص ٤٦٦ الكافي، ج ٤، ص ٣٩١ بحار الانوار، ج ٢، ص ٢٥٩.


الصفحة ٤٤٤

إليهم، لم يكن بد عن موافقته، إما حقيقة بالاحتياط وإما حكما بفعل ما جعله الشارع بدلا عنه، وقد تقدم الاشارة إلى ذلك في الشبهة المحصورة.

ومما ذكرنا يظهر عدم جواز التمسك في المقام بأدلة البراء‌ة، مثل رواية الحجب والتوسعة ونحوهما، لان العمل بها في كل من الموردين بخصوصه يوجب طرحها بالنسبة إلى أحدهما المعين عند الله تعالى المعلوم وجوبه، فإن وجوب واحدة من الظهر والجمعة أو من القصر والاتمام مما لم يحجب الله علمه عنا، فليس موضوعا عنا ولسنا في سعة منه.

فلا بد إما من الحكم بعدم جريان هذه الاخبار في مثل المقام مما علم وجوب شئ إجمالا، وإما من الحكم بأن شمولها للواحد المعين المعلوم وجوبه ودلالتها بالمفهوم على عدم كونه موضوعا عن العباد وكونه محمولا عليهم ومأخوذين به و ملزمين عليه دليل علمي بضميمة حكم العقل بوجود المقدمة العلمية على وجوب الاتيان بكل من الخصوصيتين.

فالعلم بوجوب كل منهما لنفسه وإن كان محجوبا عنا إلا أن العلم بوجوبه من باب المقدمة ليس محجوبا عنا.

ولا منافاة بين عدم وجوب الشئ ظاهرا لذاته ووجوبه ظاهرا من باب المقدمة.

كما لا تنافي بين عدم الوجوب النفسي واقعا وثبوت الوجوب الغيري كذلك.

واعلم أن المحقق القمي، رحمه الله وبعد ما حكى عن المحقق الخوانساري الميل إلى وجوب الاحتياط في مثل الظهر والجمعة والقصر والاتمام قال: (إن دقيق النظر يقتضي خلافه، فإن التكليف بالمجمل المحتمل لافراد متعددة بإرادة فرد معين عند الشارع مجهول عند المخاطب مستلزم لتأخير البيان عن وقت الحاجة الذي اتفق أهل العدل على إستحالته.

وكل ما يدعى كونه من هذا القبيل فيمكن منع، إذ غاية ما يسلم في القصر والاتمام والظهر والجمعه وأمثالها أن الاجماع وقع على أن من ترك الامرين بأن لا يفعل شيئا منهما يستحق العقاب، لا أن من ترك أحدهما المعين عند الشارع المبهم عندنا بأن ترك فعلهما مجتمعين يستحق العقاب.

ونظير ذلك مطلق التكليف بالاحكام الشرعية، سيما في أمثال زماننا على مذهب اهل الحق من التخطئة، فإن التحقيق أن الذي ثبت علينا بالدليل هو تحصيل ما يمكننا تحصيله من الادلة الظنية، لا تحصيل الحكم النفس الامري في كل واقعة.ولذا لم نقل بوجوب الاحتياط وترك العمل بالظن الاجتهادي من أول الامر.


الصفحة ٤٤٥

نعم لو فرض حصول الاجماع أو ورود النص على وجوب شئ معين عند الله تعالى مردد عندنا بين أمور من دون إشتراط بالعلم به المستلزم ذلك الفرض لاسقاط قصد التعيين في الطاعة لتم ذلك.

ولكن لا يحسن حينئذ قوله - يعني المحقق الخوانساري -، فلا يبعد القول بوجوب الاحتياط حينئذ، بل لا بد من القول باليقين والجزم بالوجوب.ولكن من أين هذا الفرض وأنى يمكن إثباته)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.

وما ذكره، قدس الله سرة، قد وافق فيه بعض كلمات ذلك المحقق التي ذكرها في مسألة الاستنجاء بالاحجار.

حيث قال بعد كلام له: والحاصل: إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ معين معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معلومة عندنا، فلا بد من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظن بوجود ذلك الشئ المعلوم حتى يتحقق الامتثال إلى أن قال: - وكذا إذا ورد نصر أو إجماع على وجوب شئ معين في الواقع مردد في نظرنا بين أمور، وعلم أن ذلك التكليف غير مشروط بشئ من العلم بذلك الشئ مثلا أو على ثبوت حكم إلى غاية معينة في الواقع مرددة عندنا بين أشياء، وعلم أيضا عدم إشتراطه بالعلم وجب الحكم بوجوب تلك الاشياء المردد فيها في نظرنا وبقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الاشياء.

ولا يكفي الاتيان بواحد منها في سقوط التكليف وكذا حصول شئ واحد من الاشياء في إرتفاع الحكم المعين إلى أن قال: - وأما إذا لم يكن كذلك، بل ورد نص مثلا على أن الواجب الشئ الفلاني، ونص آخر على أن هذا الواجب شئ آخر، أو ذهب بعض الامة إلى وجوب شئ وبعض آخر إلى وجوب شئ آخر دونه، وظهر بالنص والاجماع في الصورتين أن ترك ذينك الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب، فحينئذ لم يظهر وجوب الاتيان بهما حتى يتحقق الامتثال، بل الظاهر الاكتفاء بواحد منهما، سواء إشتركا في أمر أو تباينا بالكلية.وكذا

____________________

(١) القوانين المحكمة، ص ٢٦٧.


الصفحة ٤٤٦

الكلام في ثبوت الحكم إلى غايه معينة)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.وأنت خبير بما في هذه الكلمات من النظر.

أما ما ذكره الفاضل القمي، رحمه الله، من حديث التكليف المجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة فلا دخل له في المقام، إذ لا إجمال في الخطاب أصلا.

إنما طرء الاشتباه في المكلف به من جهة تردد ذلك الخطاب المبين بين أمرين وإزالة هذا التردد العارض من جهة أسباب إختفاء الاحكام غير واجبة على الحكيم تعالى حتى يقبح تأخيره عن وقت الحاجة، بل يجب عند هذا الاختفاء الرجوع إلى ما قرره الشارع كلية في الوقائع المختفية، وإلا فما يقتضيه العقل من البراء‌ة والاحتياط.

ونحن ندعي أن العقل حاكم بعد العلم بالوجوب والشك في الواجب وعدم الدليل من الشارع على الاخذ بأحد الاحتمالين المعين أو المخير والاكتفاء به من الواقع بوجوب الاحتياط حذرا من ترك الواجب الواقعي، وأين ذلك من مسألة التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة، مع أن التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت العمل لا دليل على قبحه إذا تمكن المكلف من الاطاعة ولو بالاحتياط.

وأما ما ذكره تبعا للمحقق المذكور: (من تسليم وجوب الاحتياط إذا قام الدليل على وجوب شئ معين في الواقع غير مشروط بالعلم به).

ففيه: أنه إذا كان التكليف بالشئ قابلا لان يقع مشروطا بالعلم ولان يقع منجزا غير مشروط بالعلم بالشئ، كان ذلك إعترافا بعدم قبح التكليف بالشئ المعين المجهول، فلا يكون العلم شرطا عقليا.

وأما إشتراط التكليف به شرعا فهو غير معقول بالنسبة إلى الخطاب الواقعي، فإن الخطاب الواقعي في يوم الجمعة، سواء فرض قوله: (صل الظهر) أم فرض قوله) (صل الجمعة)، لا يعقل أن يشترط بالعلم بهذا الحكم التفصيلي.

نعم بعد إختفاء هذا الخطاب المطلق يصح أن يرد خطاب مطلق.

كقوله: (اعمل بذلك الخطاب ولو كان عندك مجهولا، وائت بما فيه ولو كان غير معلوم)، كما يصح أن يرد خطاب مشروط وأنه لا يجب عليك ما اختفى عليك من التكليف في يوم الجمعة وأن وجوب إمتثاله عليك مشروط بعلمك به تفصيلا.

ومرجع الاول إلى الامر بالاحتياط، ومرجع الثاني إلى البراء‌ة عن الكل إن أفاد نفي وجوب الواقع رأسا المستلزم لجوازم المخالفة القعطية، وإلى نفي ما علم إجمالا بوجوبه وإن أفاد نفي

____________________

(١) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ٧٧.


الصفحة ٤٤٧

وجوب القطع بإتيانه وكفاية إتيان بعض ما يحتمل.

فمرجعه إلى جعل البدل للواقع والبراء‌ة عن إتيان الواقع على ما هو عليه.

لكن دليل البراء‌ة على الوجه الاول ينافي العلم الاجمالي المعتبر بنفس أدلة البراء‌ة المغياة بالعلم، وعلى الوجه الثاني غير موجود، فيلزم من هذين الامرين أعني وجوب مراعاة العلم الاجمالي وعدم وجود دليل على قيام أحد المحتملين مقام المعلوم إجمالا حكم العقل بوجوب الاحتياط، إذ لا ثالث لذينك الامرين، فلا حاجة إلى أمر الشارع بالاحتياط.

ووجوب الاتيان بالواقع غير مشروط بالعلم التفصيلي به، مضافا إلى ورود الامر بالاحتياط في كثير من الموارد.

وأما ما ذكره: (من إستلزام ذلك الفرض أعني تنجز التكليف بالامر المردد من دون إشتراط بالعلم به لاسقاط قصد التعيين في الطاعة).

ففيه: أن سقوط قصد التعيين إنما حصل بمجرد التردد والاجمال في الواجب، سواء قلنا فيه بالبراء‌ة والاحتياط، وليس لازما لتنجز التكليف بالواقع وعدم إشتراطه بالعلم.

فإن قلت: إذا سقط قصد التعيين لعدم التمكن فبأيهما ينوي الوجوب والقربة.

قلت: له في ذلك طريقان: أحدهما أن ينوي بكل منهما الوجوب والقربة لكونه بحكم العقل مامورا بالاتيان بكل منهما.

وثانيهما أن ينوي بكل منهما حصول الواجب به أو بصاحبه تقربا إلى الله تعالى، فيفعل كلا منهما، لتحصيل الواجب الواقعي وتحصيله لوجوبه والتقرب به إلى الله تعالى، فملخص ذلك أني أصلي الظهر، لاجل تحقق الفريضة الواقعية به أو بالجملة التي أفعل بعدها أو فعلت قبلها قربة إلى الله تعالى، وملخص ذلك أني أصلي الظهر إحتياطا قربة إلى الله تعالى.وهذا الوجه هو الذي ينبغي أن يقصد.

ولا يرد: أن المعتبر في العبادة قصد التقرب والتعبد بها بالخصوص، ولا ريب أن كلا من الصلاتين عبادة، فلا معنى لكون الداعي في كل منهما التقرب المردد بين تحققه به أو بصاحبه.لان القصد المذكور إنما هو معتبر في العبادات الواقعية دون المقدمية.

وأما الوجه الاول، فيرد عليه: أن المقوصد إحراز الوجه الواقعي، وهو الوجوب الثابت في أحدهما المعين.

ولا يلزم من نية الوجوب المقدمي قصده.

وأيضا فالقربة غير حاصلة بنفس فعل أحدهما ولو بملاحظة وجوبه الظاهري، لان هذا الوجوب مقدمي، ومرجعه إلى وجوب تحصيل العلم بفراغ الذمة ودفع إحتمال ترتب ضرر العقاب بترك بعض منهما.وهذا الوجوب إرشادي، لا تقرب فيه أصلا.


الصفحة ٤٤٨

نظير أوامر الاطاعة، فإن إمتثالها لا يوجب تقربا.

وإنما المقرب نفس الاطاعة، والقرب هنا أيضا نفس الاطاعة الواقعية المرددة بين الفعلين، فافهم، فإنه لا يخلو عن دقة.

ومما ذكرنا يندفع توهم أن الجميع بين المحتملين مستلزم لاتيان غير الواجب على جهة العبادة، لان قصد القربة المعتبر في الواجب الواقعي لازم المراعاة في كلا المحتملين ليقطع بإحرازه في الواجب الواقعي.

ومن المعلوم أن الاتيان بكل من المحتملين بوصف أنها عبادة مقربة يوجب التشريع بالنسبة إلى ما عدا الواجب الواقعي فيكون محرما.فالاحتياط غير ممكن في العبادات.

وإنما يمكن في غيرها من جهة أن الاتيان بالمحتملين لا يعتبر فيهما قصد التعيين والتقرب، لعدم إعتباره في الواجب الواقعي المردد، فيأتي بكل منهما لاحتمال وجوبه.

ووجه إندفاع هذا التوهم مضافا إلى أن غاية ما يلزم من ذلك عدم التمكن من تمام الاحتياط في العبادات، حتى من حيث مراعاة قصد التقرب المعتبر في الواجب الواقعي من جهة إستلزامه للتشريع المحرم.

فيدور الامر بين الاقتصار على أحد المحتملين وبين الاتيان بهما مهملا، لقصد التقرب في الكل فرارا عن التشريع.

ولا شك أن الثاني أولى، لوجوب الموافقة القطعية بقدر الامكان.

فإذا لم يمكن الموافقة بمراعاة جميع ما يعتبر في الواقعي في كل من المحتملين اكتفي بتحقق ذات الواجب في ضمنها أن إعتبار قصد التقرب والتعبد في العبادة الواجبة واقعا لا يقتضي بقصده في كل مهما.

كيف وهو غير ممكن، وإنما يقتضي بوجوب قصد التقرب والتعبد في الواجب المردد بينهما بأن يقد في كل منهما أني أفعله ليتحقق به أو بصاحبه التعبد بإتيان الواجب الواقعي.

وهذا الكلام بعينه جار في قصد الوجه المعتبر في الواجب، فإنه لا يعتبر قصد ذلك الوجه خاصة في خصوص كل منهما بأن يقصد أني أصلي الظهر لوجوبه، ثم يقصد أني أصلي الجمعة لوجوبها، بل يقصد أني أصلي الظهر، لوجوب الامر الواقعي المردد بينه وبين الجمعة التي أصليها بعد ذلك او صليتها قبل ذلك.

والحاصل: أن نية الفعل هو قصده على الصفة التى هو عليها التي بإعتبارها صار واجبا، فلا بد من ملاحظة ذلك في كل من المحتملين.

فإذا لاحظنا ذلك فيه وجدنا الصفة التي هو عليها الموجبة للحكم بوجوبه هو إحتمال تحقق الواجب المتعبد به والمتقرب به إلى الله تعالى في ضمنه، فيقصد هذا المعنى.

والزائد على هذا المعنى غير موجود فيه، فلا معنى لقصد التقرب في كل منهما بخصوصه، حتى يرد أن التقرب والتعبد بما لم يتعبد به الشارع تشريع محرم.


الصفحة ٤٤٩

نعم هذا الايراد متوجه على ظاهر من اعتبر في كل من المحتملين قصد التقرب والتعبد به بالخصوص، لكنه مبني أيضا على لزوم ذلك من الامر الظاهري بإتيان كل منهما عبادة، فيكون كل منهما واجبة في مرحلة الظاهر.

كما إذا شك في الوقت أنه صلى الظهر أم لا، فإنه يجب عليه فعلها فينوي الوجوب والقربة وإن احتمل كونها في الواقع لغوا غير مشروع.

فلا يرد عليه ايراد التشريع إذ التشريع إنما يلزم لو قصد بكل منهما، أنه الواجب واقعا المتعبد به في نفس الامر.

ولكنك عرفت أن مقتضى النظر الدقيق خلاف هذا البناء، وأن الامر المقدمي خصوصا الموجود في المقدمة العلمية التي لا يكون الامر بها إرشاديا، لا يوجب موافقة التقرب ولا يصير منشأ لصيرورة الشئ من العبادات إذا لم يكن في نفسه [ منها ].

وقد تقدم في مسألة (التسامح في أدلة السنن) ما يوضح حال الامر بالاحتياط.

كما أنه قد إستوفينا في بحث (مقدمة الواجب) حال الامر المقدمي وعدم صيرورة المقدمة بسببه عبادة، وذكرنا ورود الاشكال من هذه الجهة على كون التيمم من العبادات على تقدير عدم القول برجحانه في نفسه كالوضوء، فإنه لا منشأ حنيئذ لكونه منها إلا الامر المقدمي به من الشارع.

فإن قلت: يمكن إثبات الوجوب الشرعي المصحح لنية الوجه والقربة [ في المحتملين ]، لان الاول منهما واجب بالاجماع ولو فرارا عن المخالفة القطعية، والثاني واجب بحكم الاستصحاب المثبت للوجوب الشرعي الظاهري، فإن مقضتى الاستصحاب بقاء الاشتغال وعدم الاتيان بالواجب الواقعي وبقاء وجوبه.

قلت: أما المحتمل المأتي به أولا فليس واجبا في الشرع لخصوص كونه ظهرا أو جمعة.

وإنما وجب لاحتمال تحقق الواجب به الموجب للفرار عن المخالفة أو للقطع بالموافقة إذا أتى معه بالمحتمل الآخر.

وعلى أي تقدير فمرجعه إلى الامر باحراز الواقع ولو إحتمالا.

وأما المحتمل الثاني فهو أيضا ليس إلا بحكم العقل من باب المقدمة.

وما ذكر من (الاستصحاب)، فيه بعد منع جريان الاستصحاب في هذا المقام من جهة حكم العقل من أول الامر بوجوب الجميه إذ بعد الاتيان بأحدهما يكون حكم العقل باقيا قطعا، وإلا لم يكن حاكما بوجوب الجميع وهو خلاف الفرض -: أن مقتضى الاستصحاب وجوب البناء على بقاء الاشتغال حتى يحصل اليقين بإرتفاعه.

أما وجوب تحصيل اليقين بإرتفاعه فلا يدل عليه الاستصحاب.وإنما يدل عليه العقل المستقل بوجوب القطع بتفريغ الذمة عند إشتغالها.وهذا معنى الاحتياط، فمرجع الامر إليه.


الصفحة ٤٥٠

وأما إستصحاب وجوب ما وجب سابقا في الواقع أو إستصحاب عدم الاتيان بالواجب الواقعي، فشئ منهما لا يثبت وجوب المحتمل الثاني حتى يكون وجوبه شرعيا إلا على تقدير القول بالاصول المثبتة وهي منفية، كما قرر في محله.

ومن هنا ظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين إستصحاب عدم فعل الظهر وبقاء وجوبه على من شك في فعل، فإن الاستصحاب بنفسه مقتض هناك لوجوب الاتيان بالظهر الواجب في الشرع على الوجه الموظف من قصد لوجوب والقربة وغيرهما.

ثم إن تتمة الكلام فيما يتعلق بفروع هذه المسألة تأتي في الشبهة الموضوعية إن شاء الله تعالى.


الصفحة ٤٥١

المسألة الثانية ما إذا إشتبه الواجب في الشريعة بغيره من جهة إجمال النص بأن يتعلق التكليف الوجوبي بامر مجمل.

كقوله: (أئتني بعين)، وقوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)، بناء على تردد الصلاة الوسطى بين صلاة الجمعة كما في بعض الروايات، وغيرها كما في بعض آخر.

والظاهر أن الخلاف هنا بعينه الخلاف في المسألة الاولى، والمختار فيها هو المختار هناك، بل هنا أولى، لان الخطاب هنا تفصيلا متوجه إلى المكلفين، فتأمل.

وخروج الجاهل لا دليل عليه، لعدم قبح تكليف الجاهل بالمراد من المأمور به إذا كان قادرا على إستعلامه من دليل منفصل.فمجرد الجهل لا يقبح توجه الخطاب.

ودعوى: (قبح توجهه إلى العاجز عن إستعلامه تفصيلا القادر على الاحتياط فيه بإتيان المحتملات)، أيضا ممنوعة، لعدم القبح فيه أصلا.

وما تقدم من البعض من منع التكليف بالمجمل، لاتفاق (العدلية) على إستحالة تأخير البيان، قد عرفت منع قبحه أولا، وكون الكلام فيما عرض له الاجمال ثانيا.

ثم إن المخالف في المسألة ممن عثرنا عليه هو الفاضل القمي، رحمه الله، والمحقق الخوانساري في ظارهر بعض كلماته، لكنه، قدس سره، وافق المختار في ظاهر بعضها الاخر.

قال - في مسألة التوضي بالماء المتشبه بالنجس، بعد كلام له في منع التكليف في العبادات إلا بما ثبت من أجزائها وشرائطها ما لفظه: (نعم لو حصل يقين المكلف بأمر ولم يظهر معنى ذلك الامر، بل يكون مرددا بين أمور، فلا يبعد القول بوجوب تلك الامور جميعا حتى يحصل اليقين بالبراء‌ة)(١)، إنتهى.

____________________

(١) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ٢٨٢.


الصفحة ٤٥٢

ولكن التأمل في كلامه يعطي عدم ظهور كلامه في الموافقة، لان الخطاب المجمل الواصل إلينا لا يكون مجملا للمخاطبين.فتكليف المخاطبين بما هو مبين.وأما نحن معاشر الغائبين فلم يثبت اليقين بل ولا الظن بتلكليفنا بذلك الخطاب.

فمن كلف به لا إجمال فيه عنهده، ومن عرض له الاجمال لا دليل على تكليفه بالواقع المردد، لان إشتراك غير المخاطبين معهم فيما لم يتمكنوا من العلم به عين الدعوى.

فالتحقيق أن هنا مسألتين: إحداهما إذا خوطب شخص بمجمل هل يجب عليه الاحتياط أو لا؟ الثانية أنه إذا علم تكليف الحاضرين بامر معلوم لهم تفصيلا وفهموه من خطاب هو مجمل بالنسبة إلينا معاشر الغائبين، فهل يجب علينا تحصيل القطع بالاحتياط بإتيان ذلك الامر أم لا.والمحقق حكم بوجوب الاحتياط في الاول دون الثاني.

فظهر من ذلك أن مسألة إجمال النص إنما يغاير المسألة السابقة، أعني عدم النص فيما فرض خطاب مجمل متوجه إلى المكلف، إما لكونه حاضرا عند صدور الخطاب وإما للقول بإشتراك الغائبين مع الحاضرين في الخطاب.

أما إذا كان الخطاب للحاضرين وعرض له الاجمال بالنسبة إلى الغائبين، فالمسألة من قبيل عدم النص لا إجمال النص، إلا أنك عرفت أن المختار فيهما وجوب الاحتياط.

[ المسألة ] الثالثة ما إذا إشتبه الواجب بغيره لتكافؤ النصين كما في بعض مسائل القصر والاتمام.

فالمشهور فيه التخيير، لاخبار التخيير السليمة عن المعارض حتى ما دل على الاخد بما فيه الاحتياط، لان المفروض عدم موافقة شئ منهما للاحتياط، إلا أن يستظهر من تلك الادلة مطلوبية الاحتياط عند تصادم الادلة.

لكن قد عرفت فيما تقدم أن أخبار الاحتياط لا تقاوم سندا ولا دلالة لاخبار التخيير.


الصفحة ٤٥٣

[ المسألة ] الرابعة ما إذا اشبه الواجب بغير الحرام من جهة إشتباه الموضوع كما في صورة إشتباه الفائتة أو القبلة أو الماء المطلق.

والاقوى هنا أيضا وجوب الاحتياط، كما في الشبهة المحصورة، لعين ما مر فيها من تعلق الخطاب بالفائتة واقعا مثلا، وإن لم يعلم تفصيلا.ومقتضاه ترتب العقاب على تركها ولو مع الجهل.

وقضية حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل وجوب المقدمة العلمية والاحتياط بفعل جميع المحتملات.

وقد خالف في ذلك الفاضل القمي، رحمه الله، فمنع وجوب الزائد على واحدة من المحتملات مستندا في ظاهر كلامه إلى ما زعمه جامعا لجميع صور الشك في المكلف به من قبح التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة.

وأنت خبير بأن الاشتباه في الموضوع ليس من التكليف بالمجمل في شئ، لان المكلف به مفهوم معين طرأ الاشتباه في مصداقه لبعض العوارض الخارجية، كالنسيان ونحوه، والخطاب الصادر لقضاء الفائتة عام في المعلومة تفصيلا والجهولة.

ولا مخصص له بالمعلومة لا من العقل ولا من النقل، فيجب قضاؤها، ويعاقب على تركها مع الجهل كما يعاقب مع العلم.

ويؤيد ما ذكرنا ما ورد من وجوب قضاء ثلاث صلوات على من فاتته فريضة معللا ذلك ببراء‌ة الذمة على كل تقدير، فإن ظاره التعليل يفيد عموم مراعاة ذلك في كل مقام إشتبه عليه الواجب.

ولذا تعدى المشهور عن مورد النص وهو تردد الفائتة بين رباعية وثلاثية وثنائية - إلى الفريضة الفائتة من المسافر المرددة بين ثنائية وثلاثية، فاكتفوا فيها بصلاتين.


الصفحة ٤٥٤

وينبغي التنبيه على أمور الاول: أنه يمكن القول بعدم وجوب الاحتياط في مسألة إشتباه القبلة ونحوها مما كان الاشتباه الموضوعي في شرط من شروط الواجب، كالقبلة واللباس وما يصح السجود عليه وشبهها، بناء على دعوى سقوط هذه الشروط عند الاشتباه ولذا أسقط الحلي وجوب الستر عند إشتباه الساتر الطاهر بالنجس وحكم بالصلاة عاريا بل النزاع فيما كان من هذا القبيل ينبغي أن يكون على هذا الوجه، فإن القائل بعدم وجوب الاحتياط ينبغي أن يقول بسقوط الشروط عند الجهل، لا بكفاية الفعل مع إحتمال الشرط، كالصلاة المحتمل وقوعها إلى القبلة بدلا عن القبلة الواقعية.

ثم الوجه في دعوى سقوط الشرط الجهول إما إنصراف أدلته إلى صورة العلم به تفصيلا.

كما في بعض الشروط، نظير إشتراط الترتب بين الفوائت، وإما دوران الامر بين إهمال هذا الشرط المجهول وإهمال شرط آخر، وهو وجود مقارنة العمل لوجهه بحيث يعلم بوجوب الواجب وندب المندوب حين فعله.

وهذا يتحقق مع القول بسقوط الشرط المجهول.وهذا هو الذي يظهر من كلام الحلي.وكلا الوجهين ضعيفان.

أما الاول، فلان مفروض الكلام ما إذا ثبت الوجوب الواقعي للفعل بهذا الشرط وإلا لم يكن من الشك في المكلف به، للعلم حينئذ بعدم وجوب الصلاة إلى القبلة الواقعية المجهولة بالنسبة إلى الجاهل.

وأما الثاني، فلان ما دل على وجوب مقارنة العمل بقصد وجهه والجزم مع النية إنما يدل عليه مع التمكن.

ومعنى التمكن القدرة على الاتيان به مستجمعا للشرائط جازما بوجه من الوجوب والندب حين الفعل.

أما مع العجز عن ذلك فهو المتعين للسقوط دون الشرط المجهول الذي اوجب العجز عن الجزم بالنية.

والسر في تعيينه للسقوط هو أنه إنما لوحظ إعتباره في الفعل المستجمع


الصفحة ٤٥٥

للشرائط، وليس إشتراطه في مرتبة سائر الشرائط، بل متأخرا عنه.

فإذا قيد إعتباره بحال التمكن سقط حال العجز، يعني العجز عن إتيان الفعل الجامع للشرائط مجزوما به.

الثاني: إن النية في كل من الصلوات المتعددة على الوجه المتقدم في مسألة الظهر والجمعة.

وحاصله: أنه ينوي في كل منهما فعلهما إحتياطا لاحراز الواجب الواقعي المردد بينها وبين صاحبها تقربا إلى الله على أن يكون التقرب علة للاحراز الذي جعل غاية للفعل.ويترتب على هذا أنه لا بد من أن يكون حين فعل أحدهما عازما على فعل الاخر.

إذ النية المذكورة لا تتحقق بدون ذلك، فإن من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصدا لامتثال الواجب الواقعي على كل تقدير، نعم هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقا.وهذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبد بها.

نعم لو احتمل كون الشئ عبادة كغسل الجنابة إن احتمل الجنابة اكتفى به بقصد الامتثال على تقدير تحقق الامر به.

لكن ليس هنا تقدير آخر يراد منه التعبد على ذلك التقدير.فغاية ما يمكن قصده هنا هو التعبد على طريق الاحتمال.

فهذا غاية ما يمكن قصده هنا، بخلاف ما نحن فيه مما علم فيه ثبوت التعبد باحد الامرين، فإن لا بد فيه من الجزم بالتعبد.

الثالث: إن الظاهر أن وجوب كل من المحتملات عقلي لا شرعي، لان الحاكم بوجوبه ليس إلا العقل من باب وجوب دفع العقاب المحتمل على تقدير ترك أحد المحتملين، حتى أنه لو قلنا بدلالة أخبار الاحتياط أو الخبر المتقدم في الفائتة على وجوب ذلك كان وجوبه من باب الارشاد.

وقد تقدم الكلام من ذلك من فروع للاحتياط في الشك في التكليف.

وأما إثبات وجوب التكرار شرعا في ما نحن فيه بالاستصحاب وحرمة نقض اليقين بغير اليقين شرعا فقد تقدم في المسألة الاولى عدم دلالة الاستصحاب على ذلك إلا بناء على أن المتسصحب يترتب عليه الامور الاتفاقية المقارنة معه.وقد تقدم إجمالا ضعفه وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلا.

وعلى ما ذكرنا، فلو ترك المصلي المتحير في القبلة أو الناسي لفائتة جميع المحتملات لم يستحق إلا عقابا واحدا، وكذا لو ترك أحد المحتملات واتفق مصادفته للواجب الواقعي، ولو لم يصادف لم


الصفحة ٤٥٦

يستحق عقابا من جهة مخالفة الامر به.نعم قد يقال بإستحقاقه العقاب من جهة التجري.وتمام الكلام فيه قد تقدم.

الرابع: لو إنكشف مطابقة ما أتى به للواقع قبل فعل الباقي أجزأ عنها، لانه صلى الصلاة الواقعية قاصدا للتقرب بها إلى الله تعالى وإن لم يعلم حين الفعل أن المقرب هو هذا الفعل، إذ لا فرق بين أن يكون الجزم بالعمل ناشيا عن تكرار الفعل أو ناشيا عن إنكشاف الحال.

الخامس: لو فرض محتملات الواجب غير محصورة لم يسقط الامتثال في الواجب المردد بإعتبار شرطه كالصلاة إلى القبلة المجهولة وشبهها قطعا، إذ غاية الامر سقوط الشرط، فلا وجه لترك المشروط رأسا.

وأما في غيره مما كان نفس الواجب مرددا، فالظاهر أيضا عدم سقوطه ولو قلنا بجواز إرتكاب الكل في الشبهة الغير المحصورة، لان فعل الحرام لا يعلم هناك به إلا بعد الارتكاب، بخلاف ترك الكل هنا، فإنه يعلم به مخالفة الواجب الواقعي حين المخالفة.

وهل يجوز الاقتصار على واحد، إذ به يندفع محذور المخالفة أم يجب الاتيان بما تيسر من المحتملات؟ وجهان، من أن التكليف بإتيان الواقع ساقط، فلا مقتضي لايجاب مقدماته العلمية، وإنما وجب الاتيان بواحد فرارا من المخالفة القطعية، ومن أن اللازم، بعد الالتزم بحرمة مخالفة الواقع، مراعاته مهما أمكن.

وعليه بناء العقلاء في أوامرهم العرفية.

والاكتفاء بالواحد التخييري عن الواقع إنما يكون منع نص الشارع عليه.

وأما مع عدمه وفرض حكم العقل بوجوب مراعاة الواقع فيجب حتى يقطع بعدم العقاب، إما لحصول الواجب وإما لسقوطه بعدم تيسر الفعل، وهذا لا يحصل إلا بعد الاتيان بما تيسر.وهذا هو الاقوى.

وهذا الحكم مطرد في كل مورد وجد المانع من الاتيان ببعض غير معين من المحتملات ولو طرأ المانع من بعض معين منها.

ففي الوجوب كما هو المشهور إشكال من عدم العلم بوجود الواجب بين الباقي، والاصل البراء‌ة.


الصفحة ٤٥٧

السادس: هل تشرط في تحصيل العلم الاجمالي بالبراء‌ة بالجمع بين المشتبهين عدم التمكن من الامتثال التفصيلي بإزالة الشبهة أو إختياره ما يعلم به البراء‌ة تفصيلا، أم يجوز الاكتفاء به وإن تمكن من ذلك، فلا يجوز إن قدر على تحصيل العلم بالقبلة أو تعيين الواجب الواقعي من القصر والاتمام أو الظهر والجمعة الامتثال بالجمع بين المشتبهات وجهان بل قولان.ظاهر الاكثر الاول، لوجوب إقتران الفعل المأمور به عندهم بوجه الامر.

وسيأتي الكلام في ذلك عند التعرض بشروط الطهارة والاحتياط إن شاء الله تعالى.

ويتفرع على ذلك أنه لو قدر على العلم التفصيلي من بعض الجهات وعجز عنه من جهة أخرى، فالواجب مراعاة العلم التفصيلي من تلك الجهة فلا يجوز إن قدر على الثوب الطاهر المتيقن وعجز عن تعيين القبلة تكرار الصلاة في الثوبين إلى أربع جهات، لتمكنه من العلم التفصيلي بالمأمور به من حيث طهارة الثوب إن لم يحصل مراعاة ذلك العلم التفصيلي على الاطلاق.

السابع: لو كان الواجب المشتبه أمرين مترتبين شرعا، كالظهر والعصر المرددين بين القصر والاتمام أو بين الجهات الاربع، فهل يعتبر في صحة الدخول في محتملات الواجب اللاحق الفراغ اليقيني من الاول بإتيان جميع محتملاته، كما صرح به في الموجز وشرحه والمسالك والروض والمقاصد العلية، أم يكفي فيه فعل بعض محتملات الاول، بحيث يقطع بحصول الترتيب بعد الاتيان بمجموع محتملات المشتبهين، ما عن نهاية الاحكام والمدارك فيأتي بظهر وعصر قصرا، ثم بهما تماما قولان، متفرعان على القول المقدم في الامر السادس، من وجوب مراعاة العلم التفصيلي مع الامكان، مبنيان على أنه هل يجب مراعاة ذلك من جهة نفس الواجب.

فلا يجب إلا إذا أوجب إهماله ترددا في أصل الواجب، كتكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين على أربع جهات فإنه يوجب ترددا في الواجب زائدا على التردد الحاص من جهة إشتباه القبلة.

فكما


الصفحة ٤٥٨

يجب رفع التردد مع الامكان كذلك يجب تقليله.

أما إذا لم يوجب إهماله ترددا زائدا في الواجب، فلا يجب، كما في ما نحن فيه، فإن الاتيان بالعصر المقصورة بعد الظهر المقصورة لا يوجب ترددا زائدا على التردد الحاصل من جهة القصر والاتمام، لان العصر المقصورة إن كانت مطابقة للواقع كانت واجدة لشرطها، وهو الترتب على الظهر، وإن كانت مخالفة للواقع لم ينفع وقوعها مترتبة على الظهر الواقعية، لان الترتب إنما هو بين الواجبين واقعا.

ومن ذلك يظهر عدم جواز التمسك بأصالة بقاء الاشتغال بالظهر وعدم فعل الواجب الواقعي.

وذلك لان المترتب على بقاء الاشتغال وعدم فعل الواجب عدم جواز الاتيان بالعصر الواقعي، وهو مسلم، ولذا لا يجوز الاتيان حينئذ بجميع محتملات العصر، وهذا المحتمل غير معلوم أنه العصر الواقعي.

والمصحح للاتيان به هو المصحح لاتيان محتمل الظهر المشترك معه في الشك وجريان الاصلين فيه أو أن الواجب مراعاة العلم التفصيلي من جهة نفس الخصومة المشكوكة في العبادة وإن لم يوجب إهماله ترددا في الواجب، فيجب على المكلف [ العمل التفصيلي ] عند الاتيان بكون ما يأتي به هو نفس الواجب الواقعي.

فإذا تعذر ذلك من بعض الجهات لم يعذر في إهماله من الجهة المتمكنة.

فالواجب على العاجز عن تعيين كون صلاة العصر قصرا أو تماما العلم الفصيلي بكون المأتي به مترتبا على الظهر، ولا يكفي العلم بترتبه على تقدير صحته.هذا كله مع تنجز الامر بالظهر والعصر دفعة واحدة في الوقت المشترك.

أما إذا تحقق الامر بالظهر فقط في الوقت المختص ففعل بعض محتملاته، فيمكن أن يقال بعدم الجواز نظرا إلى الشك في تحقق الامر بالعصر، فكيف يقدم على محتملاتها التي لا تجب إلا مقدمة لها، بل الاصل عدم الامر، فلا يشرع الدخول في مقدمات الفعل.

ويمكن أن يقال: إن أصالة عدم الامر إنما يقتضي عدم مشروعية الدخول في المأمور به و محتملاته التي تحتمله على تقدير عدم الامر واقعا.كما إذا صلى العصر إلى غير الجهة التي صلى الظهر.أما ما لا يحتمله إلا على تقدير الامر، فلا يقتضي الاصل المنع عنه، كما لا يخفى.


الصفحة ٤٥٩

القسم الثاني: فيما إذا دار الامر في الواجب بين الاقل والاكثر

ومرجعه إلى الشك في جزئية شئ للمأمور به وعدمها.

وهو على قسمين، لان الجزء المشكوك إما جزء خارجي، أو جزء ذهني وهو القيد وهو على قسمين، لان القيد إما منتزع من أمر خارجي مغاير للمأمور به في الوجود الخارجي فيرجع إعتبار ذلك القيد إلى إيجاب ذلك الامر الخارجي كالوضوء الذي يصير منشأ للطهارة المقيد بها الصلاة، وإما خصوصية متحدة في الوجود مع المأمور به، كما إذا دار الامر بين وجوب مطلق الرقبة أو رقبة خاصة، ومن ذلك دوران الامر بين إحدى الخصال وبين واحدة معينة منها.

والكلام في كل من القسمين في أربع مسائل.

أما مسائل القسم الاول وهو الشك في الجزء الخارجي ف‍

[ المسألة ] الاولى منها أن يكون ذلك مع عدم النص المعتبر في المسألة

فيكون ناشيا من ذهاب جماعة إلى جزئية الامر الفلاني، كالاستعاذة قبل القراء‌ة في الركعة الاولى مثلا، على ما ذهب إليه بعض فقهائنا.

وقد إختلف في وجوب الاحتياط هنا، فصرح بعض متأخري المتأخرين بوجوبه، وربما يظهر من كلام بعض القدماء كالسيد، رحمه الله، والشيخ، لكن لم يعلم كونه مذهبا لهما، بل ظاهر كلماتهم الاخر


الصفحة ٤٦٠

خلافه.

وصريح جماعة إجراء أصالة البراء‌ة وعدم وجوب الاحتياط.

والظاهر أنه المشهور بين العامة والخاصة المتقدمين منهم والمتأخرين، كما يظهر من تتبع كتب القوم، كالخلاف والسرائر وكتب الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني ومن تأخر عنهم.

بل الانصاف: أنه لم أعثر، في كلمات من تقدم على المحقق السبزوارى، على من يلتزم بوجوب الاحتياط في الاجزاء والشرائط، وإن كان فيهم من يختلف كلامه في ذلك، كالسيد والشيخ الشهيد، قدس سره.وكيف كان فالمختار جريان اصل البراء‌ة.

لنا على ذلك حكم العقل وما ورد من النقل أما العقل فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلف بمركب لم يعلم من أجزائه إلا عدة أجزاء ويشك في أنه هو هذا أو له جزء آخر، وهو الشئ الفلاني، ثم بذل جهده في طلب الدليل على جزئية ذلك الامر فلم يقتدر، فأتى بما علم وترك المشكوك خصوصا مع إعتراف المولى بأنه ما نصبت لك عليه دلالة، فإن القائل بوجوب الاحتياط لا ينبغي أن يفرق في وجوبه بين أن يكون الامر لم ينصب دليلا أو نصب واختفى.

غاية الامر أن ترك النصب من الامر قبيح.وهذا لا يرفع التكليف بالاحتياط عن المكلف.

فإن قلت: إن بناء العقلاء على وجوب الاحتياط في الاوامر العرفية الصادرة من الاطباء أو الموالي، فإن الطبيب إذا أمر المريض بتركيب معجون فشك في جزئية شئ له مع العلم بأنه غير ضار له فتركه المريض مع قدرته عليه إستحق اللوم.وكذا المولى إذا أمر عبده بذلك.

قلت: أما أوامر الطبيب بهي إرشادية، ليس المطلوب فيها إلا إحراز الخاصية المترتبة على ذات المأمور به، ولا يتكلم فيها من حيث إلاطاعة والمعصية، ولذا لو كان بيان ذلك الدواء بجملة خبرية غير طلبية كان اللازم مراعاة الاحتياط فيها وإن لم يترتب على مخالفته وموافقته ثواب أو عقاب.

والكلام في المسألة من حيث قبح عقاب الامر على مخالفة المجهول وعدمه.

وأما أوامر الموالي الصادرة بقصد الاطاعة، فنلتزم فيها بقبح المؤاخذة إذا عجز العبد عن تحصيل العلم بجزء فاطلع عليه المولى وقدر على رفع جهله ولو على بعض الوجوه الغير المتعارفة إلا أنه إكتفى بالبيان المتعارف فأختفى على العبد لبعض العوارض.


الصفحة ٤٦١

نعم قد يأمر المولى بمركب يعلم أن المقصود منه تحصيل عنوان يشك في حصوله إذا أتى بذلك المركب بدون ذلك الجزء المشكوك.

كما إذا أمر بمعجون وعلم أن المقصورد منه إسبال الصفراء بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة أو علم أنه الغرض من المأمور به.فإن تحصيل العلم بإتيان المأمور به لازم كما سيجئ في المسألة الرابعة.

فإن قلت: إن الاوامر الشرعية كلها من هذا القبيل لابتنائها على مصالح في المأمور به، فالمصلحة فيها إما من قبيل العنوان في المأمور به أو من قبيل الغرض.

وبتقرير آخر: المشهور بين العدلية أن الواجبات الشرعية إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقلية.

فاللطف إما هو المأمور به حقيقة أو غرض للامر، فيجب تحصيل العلم بحصول اللطف ولا يحصل إلا بإتيان كل ما شك في مدخليته.

قلت: أولا مسألة البراء‌ة والاحتياط غير مبنية على كون كل واجب فيه مصلحة وهو لطف في غيره، فنحن نتكلم فيها على مذهب الاشاعرة المنكرين للحسن والقبح رأسا، أو مذهب بعض العدلية المكتفين بوجود المصلحة في الامر وإن لم يكن في المأمور به.

وثانيا إن نفس الفعل من حيث هو ليس لطفا، ولذا لو أتي به [ لا ] على وجه الامتثال لم يصح ولم يترتب عليه لطف ولا أثر آخر من آثار العبادة الصحيحة.بل اللطف إنما هو في الاتيان به على وجه الامتثال.

وحينئذ فيحتمل أن يكون اللطف منحصرا في إمتثاله التفصيلي مع معرفة وجه الفعل ليوقع الفعل على وجه.

فإن من صرح من العدلية بكون العبادات السمعية إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقلية قد صرح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب إقترانه به.وهذا متعذر فيما نحن فيه، لان الاتي بالاكثر لا يعلم أنه الواجب أو الاقل المتحقق من ضمنه.ولذا صرح بعضهم كالعلامة، رحمه الله.

ويظهر من آخر منهم وجوب تميز الاجزاء الواجبة من المستحبات لنوقع كلا على وجهه.

وبالجملة، فحصول اللطف بالفعل المأتي به من الجاهل فيما نحن فيه غير معلوم [ وإن أحرز الواقع ] بل ظاهرهم عدمه، فلم يبق عليه إلا التخلص من تبعة مخالفة الامر الموجه عليه، فإن هذا واجب عقلي في مقام الاطاعة والمعصية، ولا دخل له بمسألة اللطف، بل هو جار على فرض عدم اللطف وعدم المصلحة في المأمور به رأسا.

وهذا التخلص يحصل بالاتيان بما يعلم أن مع تركه يستحق العقاب والمؤاخذة وأما الزائد فيقبح المؤاخذة عليه مع عدم البيان.

فإن قلت: إن ما ذكر في وجوب الاحتياط في المتبائنين بعينه موجود هنا.وهو أن المقتضي وهو


الصفحة ٤٦٢

تعلق الوجوب الواقعي بالامر الواقعي المردد بين الاقل والاكثر موجود، والجهل التفصيلي به لا يصلح مانعا لا عن لا عن المأمور به ولا عن توجه الامر كما تقدم في المتباينين حرفا بحرف.

قلت: نختار هنا أن الجهل مانع عقلي عن توجه التكليف بالمجهول إلى المكلف، لحكم العقل بقبح المؤاخذة على ترك الاكثر المسبب عن ترك الجزء المشكوك من دون بيان، ولا يعارض بقبح المؤاخذة على ترك الاقل من حيث هو من دون بيان، إذ يكفي في البيان المسوغ للمؤاخذة عليه العلم التفصيلي بأنه مطلوب للشارع بالاستقلال أو في ضمن الاكثر، ومع هذا العلم لا يقبح المؤاخذة.

وما ذكر في المتبائنين سندا لمنع كون الجهل مانعا من إستلزامه لجواز المخالفة القطعية وقبح خطاب الجاهل المقصر، وكونه معذورا بالنسبة إلى الواقع، مع أنه خلاف المشهور أو المتفق عليه غير جار فيما نحن فيه.

أما الاول، فلان عدم جواز المخالفة القطعية لكونها مخالفة معلومة بالتفصيل، فإن وجوب الاقل بمعنى إستحقاق العقاب بتركه معلوم تفصيلا وإن لم يعلم أن العقاب لاجل ترك نفسه أو لترك ما هو سبب في تركه وهو الاكثر.

فإن هذا العلم غير معتبر في إلزام العقل بوجوب الاتيان، إذ مناط تحريك العقل إلى فعل الواجبات وترك المحرمات دفع العقاب.ولا يفرق في تحريكه بين علمه بأن العقاب لاجل هذا الشئ أو لما هو مستند إليه.

وأما عدم معذورية الجاهل المقصر، فهو للوجه الذي لا يعذر من أجله الجاهل بنفس التكليف المستقل، وهو العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات كثيرة في الشريعة، وأنه لولاه لزم إخلال الشريعة، لا العلم الاجمالي الموجود في المقام، إذ الموجود في المقام علم تفصيلي، وهو وجوب الاقل، بمعنى ترتب العقاب على تركه وشك في أصل وجوب الزائد ولو مقدمة.

وبالجملة، فالعلم الاجمالي فيما نحن فيه غير مؤثر في وجوب الاحتياطن لكون أحد طرفيه معلومخ الالزام تفصيلا والاخر مشكوك الالزام رأسا.

ودوران الالزام في الاقل بين كونه مقدمة أو نفسيا لا يقدح في كونه معلوما بالتفصيل، لما ذكرنامن أن العقل يحكم بوجوب القيام بما علم إجمالا أو تفصيلا إلزام المولى به على أي وجه كان، ويحكم بقبح المؤاخذة على ما شك في إلزامه.

والمعلوم إلزامه تفصيلا هو الاقل والمشكوك إلزامه رأسا هو الزائد، والمعلوم إلزامه إجمالا هو الواجب النفسي المردد بين الاقل والاكثر.

ولا عبرة به بعد إنحلاله إلى معلوم تفصيلي ومشكوك كما في كل معلوم إجمالي كان كذلك.

كما لو علم إجمالا بكون أحد الانائين اللذين أحدهما المعين نجس خمرا، فإنه يحكم بحلية الطاهر منهما.

والعلم الاجمالي لا يؤثر في وجوب الاجتناب عنه.


الصفحة ٤٦٣

ومما ذركنا يظهر أنه يمكن التمسك في عدم وجوب الاكثر بأصالة عدم وجوبه، فإنها سليمة في هذا المقام عن المعارضة بأصالة عدم وجوب الاقل، لان وجوب الاقل معلوم تفصيلا فلا يجري فيه الاصل.

وتردد وجوبه بين الوجوب النفسي والغيري مع العلم التفصيلي لورود الخطاب التفصيلي بوجوبه بقوله: (وربك فكبر)، وقوله: (وقوموا لله قانتين)، وقوله: (فاقرء‌وا ما تيسر منه)، وقوله: (واركعوا واسجدوا)، وغير ذلك من الخطابات المتضمنة للامر بالاجزاء لا يوجب جريان أصالة عدم الوجوب وأصالة البراء‌ة.

لكن الانصاف أن التمسك بأصالة عدم وجوب الاكثر لا ينفع في المقام بل هو قليل الفائدة، لانه إن قصد به نفي أثر الوجوب الذي هو إستحقاق العقاب بتركه فهو، وإن كان غير معارض بأصالة عدم وجوب الاقل كما ذكرنا، إلا أنك قد عرفت فيما تقدم في الشك في التكليف المستقل أن إستصحاب عدم التكليف المستقل وجوبا أو تحريما لا ينفع في رفع إستحقا العقاب على الترك أو الفعل، لان عدم إستحقاق العقاب ليس من آثار عدم الوجوب والحرمة والواقعيين حتى يحتاج إلى إحرازهما بالاستصحاب، بل يكفي فيه عدم العلم بهما.

فمجرد الشك فيهما كاف في عدم إستحقاق العقاب القاطع، وقد أشرنا إلى ذلك عند التمسك في حرمة العمل بالظن باصالة عدم حجيته، وقلنا إن الشك في حجيته كاف في التحريم فلا يحتاج إلى إحراز عدمها بالاصل.

وإن قصد به نفي الاثار المترتبة على الوجوب النفسي المستقل.فاصالة عدم هذا الوجوب في الاكثر معارضة بأصالة عدمه في الاقل.

فلا يبقى لهذا الاصل فائدة إلا في نفي ما عدى العقاب من الاثار المترتبة على مطلق الوجوب الشامل للنفسي والغيري.

ثم بما ذكرنا، في منع جريان الدليل العقلي المتقدم في المتباينين فيما نحن فيه، يقدر على منع سائر يتمسك به لوجوب الاحتياط في هذا المقام: مثل إستصحاب الاشتغال بعد الاتيان بالاقل، وأن الاشتغال اليقيني يقتضي وجوب تحصيل اليقين بالبراء‌ة.

ومثل أدلة إشتراك الغائبين مع الحاضرين في الاحكام المقتضية لاشتراكنا معاشر الغائبين مع الحاضرين العالمين بالمكلف به تفصيلا.

ومثل وجوب دفع الضرر وهو العقاب المحتمل قطعا، وبعبارة أخرى، وجوب المقدمة العلمية للواجب.

ومثل أن قصد القربة غير ممكن بالاتيان بالاقل لعدم العلم بمطلوبيته في ذاته، فلا يجوز الاقتصار عليه


الصفحة ٤٦٤

في العبادات، بل لا بد من الاتيان بالجزء المشكوك.

فإن الاول مندفع مضافا إلى منع جريانه على الاقل في مورد الاحتياط، كما تقدم في المتبائنين بأن بقاء وجوب الامر المردد بين الاقل والاكثر بالاستصحاب لا يجدي بعد فرض كون وجود المتيقن قبل الشك غير مجد في الاحتياط.

نعم لو قلنا بالاصل المثبت وأن الاستصحاب الاشتغال بعد الاتيان بالاقل يثبت كون الواجب هو الاكثر فيجب الاتيان به، أمكن الاستدلال بالاستصحاب، لكن يمكن أن يقال: إنا نفينا في الزمان السابق وجوب الاكثر لقبح المؤاخذة من دون بيان، فتعين الاشتغال بالاقل، فهو منفي في الزمان السابق [ فكيف يثبت في الزمان اللاحق ].

وأما الثاني، فهو حاصل الدليل المتقدم في المتباينين المتوهم جريانه في المقام، وقد عرفت الجواب وأن الاشتغال اليقيني إنما هو بالاقل وغيره مشكوك فيه.

وأما الثالث، ففيه أن مقتضى الاشتراك كون الغائبين والحاضرين على نهج واحد مع كونهما في العلم والجهل على صفة واحدة.

ولا ريب أن وجوب الاحتياط على الجاهل من الحاضرين فيما نحن فيه عين الدعوى.

وأما الرابع، فلانه يكفي قصد القربة الاتيان بما علم من الشارع الالزام به وأداء تركه إلى إستحقاق العقاب لاجل التخلص عن العقاب، فإن هذا المقدار كاف في نية القربة المعتبرة في العبادات حتى لو علم باجزائها تفصيلا.

وأما الخامس، فلان وجوب المقدمة فرع وجوب ذي المقدمة، وهو الامر المتردد بين الاقل والاكثر، وقد تقدم أن وجوب المعلوم إجمالا مع كون أحد طرفيه متيقن الالزام من الشارع ولو بالالزام المقدمي، غير مؤثر في وجوب الاحتياط، لكون الطرف الغير المتيقن وهو الاكثر فيما نحن فيه موردا لقاعدة البراء‌ة.كما مثلنا له بالخمر المردد بين إنائين أحدهما المعين نجس.

نعم لو ثبت أن ذلك، أعني تيقن أحد طرفي المعلوم بالاجمال تفصيلا وترتب أثره عليه، لا يقدح في وجوب العمل بما يقتضيه من الاحتياط، فيقال في المثال: إن التكليف بالاجتناب عن هذا الخمر المردد بين الانائين يقتضي إستحقاق العقاب على تناوله بتناول أي الانائين اتفق كونه خمرا فيجب الاحتياط بالاجتناب عنهما، فكذلك فيما نحن فيه.

والدليل العقلي على البراء‌ة من هذه الجهة يحتاج إلى مزيد تأمل.

بقي الكلام في أنه كيف يقصد القربة بإتيان الاقل مع عدم العلم بكونه مقربا لتردده بين الواجب النفسي المقرب الغير المقرب.

فنقول: يكفي في قصد القربة قصد التخلص من العقاب


الصفحة ٤٦٥

فإنها إحدى الغايات المذكورة في العبادات.وأما الدليل النقلي فهو الاخبار الدالة على البراء‌ة الواضحة سندا ودلالة.

ولذا عول عليها في المسألة من جعل مقتضى العقل فيها وجوب الاحتياط بناء على مراعاة العلم الاجمالي، وإن كان اللازم في احد طرفيه معلوما بالتفصيل، وقد تقدم أكثر تلك الاخبار في الشك في التكليف التحريمي والوجوبي: منها: قوله عليه السلام: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم)(١).فإن وجوب الجزء المشكوك محجوب علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.فدل على أن الجزء المشكوك وجوبه غير واجب على الجاهل.كما دل على أن الشئ المشكوك وجوبه النفسي غير واجب في الظاهر على الجاهل.ويمكن تقريب الاستدلال بأن وجوب الاكثر مما حجب علمه فهو موضوع.

ولا يعارض بأن وجوب الاقل كذلك، لان العلم بوجوبه المردد بين النفسي والغيري غير محجوب، فهو غير موضوع.

و [ منها ] قوله صلى الله عليه وآله: (رفع عن أمتي..ما لا يعلمون)(٢).

فان وجوب الجزء المشكوك مما لم يعلم فهو مرفوع عن المكلفين، أو إن العقاب والمؤاخذة المترتبة على تعمد ترك الجزء المشكوك الذي هو سبب لترك الكل مرفوع عن الجاهل.

إلى غير ذلك من أخبار البراء‌ة الجارية في الشبهة الوجوبية.

وكان بعض مشايخنا، رحمه الله، يدعي ظهورها في نفي الوجوب النفسي المشكوك وعدم جريانها في الشك في الوجوب الغيري.

ولا يخفى على المتأمل عدم الفرق بين الوجوبين في نفي ما يترتب على من إستحقاق العقاب، لان ترك الواجب الغيري منشأ لاستحقاق العقاب ولو من جهة كونه منشأ لترك الواجب النفسي.

نعم لو كان الظاهر من الاخبار نفي العقاب المترتب على ترك الشئ من حيث خصوص ذاته

____________________

(١) التوحيد، ص ٤١٣.

(٢) التوحيد، ص ٣٥٣.


الصفحة ٤٦٦

أمكن دعوى ظهورها في ما ادعى.

مع إمكان أن يقال إن العقاب على ترك الجزء أيضا من حيث خصوص ذاته، لان ترك الجزء عين ترك الكل، فافهم.

هذا كله إن جعلنا المرفوع والموضوع في الروايات خصوص المؤاخذة.

وأما لو عممناه لمطلق الاثار الشرعية المترتبة على الشئ المجهول كانت الدلالة اوضح، لكن سيأتي ما في ذلك.

ثم إنه لو فرضنا عدم تمامية الدليل العقلي المتقدم، بل كون العقل حاكما بوجوب الاحتياط ومراعاة حال العلم الاجمالى بالتكليف المردد بين الاقل والاكثر كانت هذه الاخبار كافية في المطلب حاكمة على ذلك الدليل العقلي، لان الشارع أخبر بنفي العقاب على ترك الاكثر لو كان واجبا في الواقع، فلا يقتضي العقل وجوبه من باب الاحتياط الراجح إلى وجوب دفع العقاب المحتمل.

وقد توهم بعض المعاصرين عكس ذلك وحكومة أدلة الاحتياط على هذه الاخبار فقال: (لا نسلم حجب العلم في المقام لوجود الدليل في المقام وهي أصالة الاشتغال في الاجزاء والشرائط المشكوكة.

ثم قال: لان ما كان لنا طريق إليه في الظاهر لا يصدق في حقه الحجب إلا لدلت هذه الاخبار على عدم حجية الادلة الظنية، كخبر الواحد وشهادة العدلين وغيرهما.

قال: ولو التزم تخصيصها بما دل على حجية تلك الطرق تعين تخصيصها أيضا بما دل على حجية أصالة الاشتغال من عمومات أدلة الاستصحاب ووجوب المقدمة العلمية.

ثم قال: والتحقيق بهذه الاخبار على نفي الحكم الوضعي وهي الجزئية والشرطية)(١)، إنتهى.

أقول: قد ذكرنا في المتبائنين وفيما نحن فيه أن إستصحاب الاشتغال لا يثبت لزوم الاحتياط، إلا على القول بإعتبار الاصل المثبت الذي لا نقول به وفاقا لهذا الفاضل، وأن العمدة في وجوب الاحتياط هو حكم العقل بوجوب إحراز محتملات الواجب الواقعي بعد إثبات تنجز التكليف وأنه المؤاخذ به والمعاقب على تركه ولو حين الجهل به وتردده بين متباينيين أو الاقل أو الاكثر.

ولا ريب

____________________

(١) الفصول الغرويه، ص ٥٠ بحر الفوائد، ج ٢ ص ١٦١.


الصفحة ٤٦٧

أن ذلك الحكم مبناه وجوب دفع العقاب المحتمل على ترك ما يتركه المكلف.

وحينئذ فإذا أخبر الشارع في قوله (ما حجب الله) وقوله (رفع عن أمتي) وغيرهما بأن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب على ترك ما لم يعلم جزئيته، فقد إرتفع إحتمال العقاب في ترك ذلك المشكوك وحصل الامن منه، فلا يجري فيه حكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل.

نظير ما إذا أخبر الشارع بعدم المؤاخذة على ترك الصلاة إلى جهة خاصة من الجهات لو فرض كونها القبلة الواقعية، فإنه يخرج بذلك عن باب المقدمة، لان المفروض تركها لا يفضي إلى العقاب.

نعم لو كان مستند الاحتياط أخبار الاحتياط كان لحكومة تلك الاخبار على أخبار البراء‌ة وجه أشرنا إليه في الشبهة التحريمية من أقسام الشك في التكليف.

ومما ذكرنا يظهر حكومة هذه الاخبار على إستصحاب الاشتغال على تقدير القول بالاصل المثبت أيضا، كما اشرنا إليه سابقا، لانه إذا أخبر الشارع بعدم المؤاخذة على ترك الاكثر الذي حجب العلم بوجوبه كان المستصحب، وهو الاشتغال المعلوم سابقا، غير متيقن إلا بالنسبة إلى الاقل وقد إرتفع بإتيانه.واحتمال بقاء الاشتغال حينئذ من جهة الاكثر ملقى بحكم هذه الاخبار.

وبالجملة، فما ذكره من حكومة أدلة الاشتغال على هذه الاخبار ضعيف جدا، نظرا إلى ما تقدم.

وأضعف من ذلك أنه، رحمه الله، عدل، من أجل هذه الحكومة التي زعمها لادلة الاحتياط على هذه الاخبار، عن الاستدلال بها لمذهب المشهور من حيث نفي الحكم التكليفي إلى التمسك بها في نفي الحكم الوضعي، أعني جزئية الشئ المشكوك أو شرطيته، وزعم أن ماهية المأمور به تبين ظاهرا كونها للاقل بضميمة نفي جزئية المشكوك ويحكم بذلك على أصالة الاشتغال.

قال في توضيح ذلك: (إن مقتضي هذه الروايات أن ماهيات العبادات عبارة عن الاجزاء المعلومة بشرائطها المعلومة، فيتبين مورد التكليف ويرتفع منها الاجمال والابهام)(١).

ثم أيد هذا المعنى، بل استدل عليه بفهم العلماء منها ذلك حيث قال: (إن من الاصول المعروفة عندهم أصالة العدم، وعدم الدليل دليل العدم،

____________________

(١) الفصول الغرويه، ص ٥٠


الصفحة ٤٦٨

ويستعملونه في نفي الحكم التكليفي والوضعي.

ونحن قد تفحصنا، فلم نجد لهذا الاصل مستندا يمكن التمسك له غير عموم هذه الاخبار، فتعين تعميمها للحكم الوضعي ولو بمساعدة افهامهم، فيتناول الجزئية المبحوث عنها في المقام)(١)، إنتهى.

أقول: أما ما ادعاه، من عموم تلك الاخبار لنفي غير الحكم الالزامي التكليفي، فلولا عدوله عنه في باب البراء‌ة والاحتياط من الادلة العقلية، لذكرنا بعض ما فيه من منع العموم أولا، ومنع كون الجزئية أمرا مجعولا شرعيا غير الحكم التكليفي وهو إيجاب المركب المشتمل على ذلك الجزء ثانيا.

وأما ما استشهد به، من فهم الاصحاب وما ظهر بالتفحص، ففيه: أن: أول ما يظهر للمتفحص في هذا المقام أن العلماء لم يستندوا في الاصلين المذكورين إلى هذه الاخبار.

أما أصل العدم، فهو الجاري عندهم في غير الاحكام الشرعية [ أيضا من الاحكام اللفظية، كأصالة عدم القرينة وغيرها ] فكيف يستند فيه بالاخبارالمتقدمة.

وأما عدم الدليل دليل العدم، فالمستند فيه عندهم شئ أخر، ذكره كل من تعرض لهذه القاعدة، كالشيخ وإبن زهرة [ والفاضلين ] والشهيد وغيرهم، ولا إختصاص له بالحكم التكليفي والوضعي.

وبالجملة فلم نعثر على من يستدل بهذه الاخبار في هذين الاصلين: أما رواية الحجب ونظائرها فظاهر.

وأما النبوي المتضمن لرفع الخطأ والنسيان وما لا يعلمون، فأصبحنا بين من يدعي ظهورها في رفع المؤاخذة ولا ينفي به غير الحكم التكليفي، كأخواته من رواية الحجب وغيرها، وهو المحكي عن أكثر الاصوليين، وبين من يتعدى عن ذلك إلى الاحكام الغير التكليفية، لكن في موارد وجود الدليل على ذلك الحكم وعدم جريان الاصلين المذكورين، بحيث لولا النبوي لقالوا بثبوت ذلك الحكم.

ونظرهم في ذلك أن النبوي، بناء على عمومه لنفي الحكم الوضعي، حاكم على تلك الادلة المثبتة لذلك الحكم الوضعي.

ومع ما عرفت كيف يدعي أن مستند الاصلين المذكورين المتفق عليهما هو هذه الروايات التي ذهب الاكثر إلى إختصاصها بنفي المؤاخذة.

____________________

(١) الفصول الفروية، ص ٥٠


الصفحة ٤٦٩

نعم يمكن التمسك به أيضا في مورد جريان الاصلين المذكورين، بناء على أن صدق رفع أثر هذه الامور، أعني الخطأ والنسيان وأخواتهما، كما يحصل بوجود المقتضي لذلك الاثر تحقيقا، كما في موارد ثبوت الدليل المثبت لذلك الاثر الشامل لصورة الخطأ والنسيان، كذلك يحصل بتوهم ثبوت المقتضي، ولو لم يكن عليه دليل ولا له مقتض محقق، لكن تصادق بعض موارد الاصلين والرواية مع تباينهما الجزئي لا يدل على الاستناد لهما بها، بل يدل على العدم.

ثم إن في الملازمة التي صرح بها في قوله: (وإلا لدلت هذه الاخبار على نفي حجية الطريق الظنية كخبر الواحد وغيره)، منعا واضحا، ليس هنا محل ذكره، فافهم.

* * *

واعلم أن هنا أصولا ربما يتمسك بها على المختار: منها: أصالة عدم وجوب الاكثر.وقد عرفت سابقا حالها.

ومنها: أصالة عدم وجوب الشئ المشكوك في جزئية.

حاله حال سابقه بل أردء، لان الحادث المجعول هو وجوب المركب المشتمل عليه، فوجوب الجزء في ضمن الكل عين وجوب الكل ووجوبه المقدمي بمعنى.

اللابدية لازم له غير حادث بحدوث مغاير كزوجية الاربعة، وبمعنى الطلب الغيري حادث مغير، لكن لا يترتب عليه أثر يجدي فيما نحن فيه إلا على القول بإعتبار الاصل المثبت ليثبت بذلك كون الماهية هي الاقل.

ومنها: أصالة عدم جزئية الشئ المشكوك.

وفيه: أن جزئية الشئ المشكوك، كالسورة للمركب الواقعي وعدمها، ليست أمرا حادثا مسبوقا بالعدم.

وإن أريد أصالة عدم صيرورة السورة جزء لمركب مأمور به، ليثبت بذلك خلو المركب المأمور به منه، ومرجعه إلى أصالة عدم الامر بما يكون هذا جزء منه، ففيه: ما مر من أنه أصل مثبت.

وإن اريد أصالة عدم دخل هذه المشكوك في المركب عند إختراعه له الذي هو عبارة عن ملاحظة عدة أجزاء غير مرتبطة في نفسها شيئا واحدا، ومرجعها إلى أصالة عدم ملاحظة هذا الشئ مع المركب المأمور به شيئا واحدا، فإن الماهيات المركبة لما كان تركبها جعليا حاصلا بالاعتبار وإلا فهي أجزاء لا إرتباط بينها في أنفسها ولا وحدة تجمعها إلا بإعتبار معتبر توقف جزئية شئ لها على ملاحظته معها واعتبارها مع هذا الشئ أمرا واحدا.

فمعنى جزئية السورة للصلاة ملاحظة السورة مع


الصفحة ٤٧٠

باقي الاجزاء شيئا واحدا، وهذا معنى إختراع الماهيات وكونها مجعولة.

فالجعل والاختراع فيها من حيث التصور والملاحظة لا من حيث الحكم حتى يكون الجزئية حكما شرعيا وضعيا في مقابل الحكم التكليفي، كما إشتهر في ألسنة جماعة إلا أن يريدوا بالحكم الوضعي هذا المعنى.

وتمام الكلام يأتي في باب الاستصحاب إن شاء الله تعالى عند ذكر التفصيل بين الاحكام الوضعية والاحكام التكليفية.

ثم إنه إذا شك في الجزئية بالمعنى المذكور فالاصل عدمها.

فإذا ثبت عدمها في الظاهر يترتب عليه كون الماهية المأمور بها هي الاقل، لان تعين الماهية في الاقل يحتاج إلى جنس وجودى وهي الاجزاء المعلومة، وفصل عدمي هو عدم جزئية غيرها وعدم ملاحظته معها، والجنس موجود بالفرض والفصل ثابت بالاصل.فتعين المأمور به فله وجه.

إلا أن يقال: إن جزئية الشئ مرجعها إلى ملاحظة المركب منه ومن الباقي شيئا واحدا.

كما أن عدم جزئيته راجع إلى ملاحظة غيره من الاجزاء شيئا واحدا.

فجزئية الشئ وكلية المركب المشتمل عليه مجعول بجعل واحد، فالشك في جزئية الشئ شك في كلية الاكثر ونفي جزئية الشئ نفي لكليته، فإثبات كلية الاقل بذلك إثبات لاحد الضدين بنفي الآخر وليس أولى من العكس.

ومنه يظهر عدم جواز التمسك بأصالة عدم إلتفات الامر حين تصور المركب إلى هذا الجزء حتى يكون بملاحظته شيئا واحدا مركبا من ذلك ومن باقي الاجزاء، لان هذا أيضا لا يثبت أنه اعتبر بالتركيب بالنسبة إلى باقي الاجزاء.

هذا، مع أن أصالة عدم الالتفات لا تجري بالنسبة إلى الشارع المنزه عن الغفلة، بل لا يجري مطلقا في ما دار أمر الجزء بين كونه جزء‌ا واجبا أو جزء‌ا مستحبا لحصول الالتفات فيه قطعا، فتأمل.


الصفحة ٤٧١

المسألة الثانية ما إذا كان الشك في الجزئية ناشيا من إجمال الدليل كما إذا علق الوجوب في الدليل اللفظي بلفظ مردد بأحد أسباب الاجمال بين مركبين يدخل أقلهما جزء‌ا تحت الاكثر بحيث يكون الاتي بالاكثر آتيا بالاقل.

والاجمال قد يكون في المعنى العرفي، كأن وجب غسل ظاهر البدن، فيشك في أن الجزء الفلاني، كباطن الاذن أو عكرة؟ البطن، من الظاهر أو الباطن، وقد يكون في المعنى الشرعي كالاوامر المتعلقة، في الكتاب والسنة بالصلاة وأمثالها، بناء على أن هذه الالفاظ موضوعة للماهية الصحيحة يعني الجامعة لجميع الاجزاء الواقعية.

والاقوى هنا أيضا جريان أصالة البراء‌ة، لعين ما أسلفناه في سابقه من العقل والنقل.

وربما يتخيل جريان قاعده ألاشتغال هنا، وإن جرت أصالة البراء‌ة في المسألة المتقدمة، لفقد الخطاب التفصيلي المتعلق بالامر المجمل في تلك المسألة ووجوده هنا، فيجب الاحتياط بالجمع بين محتملات الواجب المجمل، كما هو الشأن في كل خطاب تعلق بأمر مجمل.

ولذا فرعوا على القول بوضع الالفاظ للصحيح، كما هو المشهور، وجوب الاحتياط في أجزاء العبادات وعدم جواز إجراء أصل البراء‌ة فيها.

وفيه: ان وجوب الاحتياط في المحتمل المردد بين الاقل والاكثر ممنوع، لان المتيقن من مدلول هذا الخطاب وجوب الاقل بالوجوب المردد بين النفسي والمقدمي، فلا محيص عن الاتيان به، لان تركه مستلزم للعقاب.

واما وجوب الاكثر فلم يعلم من هذا الخطاب فيبقى مشكوكا، فسيجئ فيه ما مر من الدليل العقلي والنقلي.

والحاصل: أن مناط وجوب الاحتياط عدم جريان أدلة البراء‌ة في واحد معين من المحتملين، لمعارضته بجريانها في المحتمل الاخر حتى يخرج المسألة بذلك عن مورد البراء‌ة ويجب الاحتياط فيها،


الصفحة ٤٧٢

لاجل تردد الواجب المستحق على تركه العقاب بين أمرين لا معين لاحدهما، من غير فرق في ذلك بين وجود خطاب تفصيلي في المسألة متعلق بالمجمل وبين وجود خطاب مردد بين خطابين.

وإذا فقد المناط المذكور وأمكن البراء‌ة في واحد معين لم يجب الاحتياط من غير فرق في ذلك بين الخطاب التفصيلي وغيره.

فإن قلت: إذا كان متعلق الخطاب مجملا فقد تنجز التكليف بمراد الشارع من اللفظ، فيجب القطع بالاتيان بمراده واستحق العقاب على تركه مع وصف كونه مجملا وعدم القناعة باحتمال تحصيل المراد واحتمال الخروج عن إستحقاق العقاب.

قلت: التكليف ليس متعلقا بمفهوم المراد من اللفظ ومدلوله حتى يكون من قبيل التكليف بالمفهوم المبين المشتبه مصداقه بين أمرين حتى يجب الاحتياط فيه ولو كان المصداق مرددا بين الاقل والاكثر نظرا إلى وجوب القطع بحصول المفهوم المعين المطلوب من العبد، كما سيجئ في المسألة الرابعة.

وإنما هو متعلق بمصداق المراد والمدلول، لانه الموضوع له اللفظ والمستعمل فيه و إتصافه بمفهوم المراد والمدلول بعد الوضع والاستعمال.

فنفس متعلق التكليف مردد بين الاقل والاكثر لا مصداقه.

ونظير هذا التوهم: أنه إذا كان اللفظ في العبادات موضوعا للصحيح، والصحيح مردد مصداقه بين الاقل والاكثر، فيجب فيه الاحتياط.

ويندفع: بأنه خلط بين الوضع للمفهوم والمصداق، فافهم.

وأما ما ذكره بعض متأخري المتأخرين من (الثمرة بين القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيح وبين وضعها للاعم)، فغرضه بيان الثمرة على مختاره من وجوب الاحتياط في الشك في الجزئية، لا أن كل من قال بوضع الالفاظ للصحيحة فهو قائل بوجوب الاحتياط وعدم جواز إجراء أصل البراء‌ة في أجزاء العبادات.

كيف ! والمشهور، مع قولهم بالوضع للصحيحة، قد ملاوا طواميرهم من إجراء الاصل عند الشك في الجزئية والشرطية بحيث لا يتوهم من كلامهم أن مرادهم بالاصل غير أصالة البراء‌ة.

والتحقيق: أن ما ذكروه ثمرة للقولين من وجوب الاحتياط على القول بوضع الالفاظ للصحيح و عدمه على القول بوضعها للاعم محل نظر.

أما الاول، فلما عرفت من أن غاية ما يلزم من القول بالوضع للصحيح كون هذه الالفاظ مجملة، وقد عرفت أن المختار والمشهور في المجمل المردد بين الاقل والاكثر عدم وجوب الاحتياط.


الصفحة ٤٧٣

وأما الثاني، فوجه النظر موقوف على توضيح ما ذكروه من وجه ترتب تلك الثمرة، أعني عدم لزوم الاحتياط على القول بوضع اللفظ للاعم.

وهو أنه إذا قلنا بأن المعنى الموضوع له اللفظ هو الصحيح، كان كل جزء من أجزاء العبادة مقوما لصدق حقيقة معنى لفظ الصلاة.فالشك في حزئيته شئ شك في صدق الصلاة.

فلا إطلاق للفظ الصلاة على هذا القول بالنسبة إلى واجدة الاجزاء وفاقدة بعضها، لانه الفاقدة ليست بصلاة.

فالشك في كون المأتي به فاقدا أو واجدا شك في كونها صلاة أو ليست بها.

وأما إذا قلنا بأن الموضوع له هو القدر المشترك بين الواجدة لجميع الاجزاء والفاقدة لبعضها نظير السرير الموضوع للاعم من جامع أجزائه ومن فاقد بعضها الغير المقوم لحقيقته بحيث لا يخل فقده، لصدق إسم السرير على الباقي كان لفظ الصلاة من الالفاظ المطلقة الصادقة على الصحيحة والفاسدة.

فإذا أريد بقوله: (أقيموا الصلاة)، فرد مشتمل على جزء زائد على مسمى الصلاة، كالصلاة مع السورة، كان ذلك تقييداللمطلق، وهكذا إذا أريد المشتملة على جزء آخر، كالقيام، كان ذلك تقييدا آخر للمطلق.

فإرادة الصلاة الجامعة لجميع الاجزاء تحتاج إلى تقييدات بعدد الاجزاء الزائدة على ما يتوقف عليها صدق مسمى الصلاة.

أما القدر الذي يتوقف عليه صدق الصلاة، فهي من مقومات معنى المطلق، لا من القيود المقسمة له.

وحينئذ فإذا شك في جزئية شئ للصلاه، فإن شك في كونه جزء‌ا مقوما لنفس المطلق، فالشك فيه راجع إلى الشك في صدق إسم الصلاة.

ولا يجوز فيه إجراء البراء‌ة، لوجوب القطع بتحقق مفهوم الصلاة كما أشرنا إليه فيما سبق ولا إجراء أصالة إطلاق اللفظ وعدم تقييده، لانه فرع صدق المطلق على الخالي من ذلك المشكوك.

فحكم هذا المشكوك عند القائل بالاعم حكم جميع الاجزاء عند القائل بالصحيح.

وأما إن علم أنه ليس من مقومات حقيقة الصلاة، بل هو على تقدير إعتباره وكونه جزء‌ا في الواقع ليس إلا من الاجزاء التى يقيد معنى اللفظ بها، لكون اللفظ موضوعا للاعم من واجده وفاقده.

وحينئذ فالشك في إعتباره وجزئيته راجع إلى الشك في تقييد إطلاق الصلاة في (أقيموا الصلاة) بهذا الشئ، بأن يراد منه مثلا أقيموا الصلاة المشتملة على جلسة الاستراحة.

ومن المعلوم: أن الشك في التقييد يرجع فيه إلى أصالة الاطلاق وعدم التقييد، فيحكم بأن مطلوب الامر غير مقيد بوجود هذا المشكوك، وبأن الامتثال يحصل بدونه، وأن هذا المشكوك غير


الصفحة ٤٧٤

معتبر في الامتثال.وهذا معنى نفي جزئيته بمقتضى الاطلاق.نعم هنا توهم، نظير ما ذكرناه سابقا، من الخلط بين المفهوم والمصداق.

وهو توهم: (أنه إذا قام الاجماع بل الضرورة على أن الشارع لا يأمر بالفاسدة، لان الفاسد ما خالف المأمور به، فكيف يكون مأمورا به، فقد ثبت تقييد الصلاة دفعة واحدة بكونها صحيحة جامعة لجميع الاجزاء.

فكلما شك في جزئية شئ كان راجعا إلى الشك في تحقق العنوان المقيد للمأمور به، فيجب الاحتياط ليقطع بتحقق ذلك العنوان على تقييده.

لانه كما يجب القطع بحصول نفس العنوان وهو الصلاة، فلا بد من إتيان كل ما يحتمل دخله في تحققها كما أشرنا إليه، كذلك يجب القطع بتحصيل القيد المعلوم الذي قيد به العنوان.

كما لو قال: (أعتق مملوكا مؤمنا)، فإنه يجب القطع بحصول الايمان، كالقطع بكونه مملوكا).

ودفعه: يظهر مما ذكرناه، من أن الصلاة لم تقيد بمفهوم الصحيحة وهو الجامع الاجزاء، وإنما قيدت بما علم من الادلة الخارجية إعتباره.

فالعلم بعدم إرادة الفاسدة يراد به العلم بعدم إرادة هذه المصاديق الفاقدة للامور التي دل الدليل على تقييد الصلاة بها، لا أن مفهوم الفاسدة خرج عن المطلق وبقي مفهوم الصحيحة.

فكلما شك في صدق الصحيحة والفاسدة وجب الرجوع إلى الاحتياط لاحراز مفهوم الصحيحة.

وهذه المغالطة جارية في جميع المطلقات بأن يقال: إن المراد بالمأمور به في قوله: (أعتق رقبة) ليس إلا الجامع لشروط الصحة، لان الفاقد للشرط غير مراد قطعا.

فكلما شك في شرطية شئ كان شكا في تحقق العنوان الجامع للشرائط، فيجب الاحتياط، للقطع بإحرازه.

وبالجملة، فاندفاع هذا التوهم غير خفي بأدنى إلتفات، فلنرجع إلى المقصود ونقول: إذا عرفت أن ألفاظ العبادات على القول بوضعها للاعم كغريها من المطلقات كان لها حكمها، ومن المعلوم أن المطلق ليس يجوز دائما التمسك به بإطلاقه، بل له شروط، كأن لا يكون واردا في مقام حكم القضية المهملة بحيث لا يكون المقام مقام بيان.

ألا ترى أنه لو راجع المريض الطبيب فقال له في غير وقت الحاجة: (لا بد لك من شرب الدواء والمسهل)، فهل يجوز للمريض أن يأخذ بإطلاق الدواء والمسهل.

وكذا لو قال المولى لعبده: (يجب عليك المسافرة غدا).

وبالجملة، فحيث لا يقبح من المتكلم ذكر اللفظ المجمل لعدم كونه إلا في مقام هذا المقدار من البيان، لا يجوز أن يدفع القيود المحتملة للمطلق بالاصل، لان جريان الاصل لا يثبت الاطلاق و عدم إرادة المقيد، إلا بضميمة أنه إذا فرض ولو بحكم الاصل عدم ذكر القيد وجب إرادة الاعم من


الصفحة ٤٧٥

المقيد وإلا قبح التكليف، لعدم البيان.

فإذا فرض العلم بعدم كونه في مقام البيان لم يقبح الاخلال بذكر القيد مع إرادته في الواقع.

والذي يقتضيه التدبر في جميع المطلقات الواردة في الكتاب في مقام الامر بالعبادة كونها في غير مقام بيان كيفية العبادة، فإن قوله تعالى: (أقيموا الصلاة)، إنما هو في مقام بيان تأكيد الامر بالصلاة والمحافظة عليها، نظير قوله: (من ترك الصلاة فهو كذا وكذا).

و (أن صلاة الفريضة خير من عشرين أو ألف حجة)، نظير تأكيد الطبيب على المريض في شرب الدواء‌ن إما قبل بيانه له حتى يكون إشارة إلى ما يفصله له حين العمل، وإما بعد البيان له حتى يكون إشارة إلى المعهود المبين له في غير هذا الخطاب.

والاوامر الواردة بالعبادات فيه، كالصلاة والصوم والحج، كلها على أحد الوجهين، والغالب فيها الثاني.

وقد ذكر موانع أخر لسقوط إطلاقات العبادات عن قابلية التمسك فيها بأصالة الاطلاق وعدم التقييد، لكنها قابلة للدفع أو غير مطردة في جميع المقامات، وعمدة الموهن لها ما ذكرناه.

فحينئذ إذا شك في جزئية شئ لعبادة لم يكن هنا ما يثبت به عدم الجزئية من أصالة عدم التقييد، بل الحكم هنا هو الحكم على مذهب القائل بالوضع للصحيح في رجوعه إلى وجوب الاحتياط أو إلى أصالة ألبراء‌ة، على الخلاف في المسألة.

فالذي ينبغي أن يقال في ثمرة الخلاف بين الصحيحي والاعمي هو لزوم الاجمال على القول بالصحيح وحكم المجمل مبني على الخلاف في وجوب الاحتياط أو جريان أصالة البراء‌ة وإمكان البيان والحكم بعدم الجزئية، لاصالة عدم التقييد على القول بالاعم، فافهم.


الصفحة ٤٧٦

المسألة الثالثة فيما إذا تعارض نصان متكافئان في جزئية شئ لشئ وعدمها كأن يدل أحدهما على جزئية السورة والاخر على عدمها.

ومقتضى إطلاق أكثر الاصحاب القول بالخيير بعد التكافؤ ثبوت التخيير هنا.لكن ينبغي أن يحمل هذا الحكم منهم على ما إذا لم يكن هناك إطلاق يقتضي أصالة عدم تقييده عدم جزئية المشكوك، كان يكون هنا إطلاق معتبر للامر بالصلاة بقول مطلق.

وإلا فالمرجع بعد التكافؤ إلى هذا المطلق، لسلامته عن المقيد بعد إبتلاء ما يصلح لتقييده بمعارض مكافئ.

وهذا الفرض خارج عن موضوع المسألة، لانها كأمثالها من مسائل هذه المقصد مفروضة فيما إذا لم يكن هناك دليل إجتهادي سليم عن المعارض متكفلا لحكم المسألة حتى تكون موردا للاصول العلمية.

فإن قلت: فأي الفريقين بين وجود هذا المطلق وعدمه، وما المانع من الحكم بالتخيير هنا؟ كما لو لم يكن مطلق.

فإن حكم المتكافئين إن كان هو التساقط، حتى أن المقيد المبتلى بمثله بمنزلة العدم فيبقى المطلق سالما، كان اللازم في صورة عدم وجود المطلق التي حكم فيها بالتخيير هو التساقط والرجوع إلى الاصل المؤسس فيما لا نص فيه من البراء‌ة والاحتياط على الخلاف.

وإن كان حكمهما التخيير، كما هو المشهور نصا وفتوى، كان اللازم عند تعارض المقيد للمطلق الموجود بمثله الحكم بالتخيير ههنا، لا تعيين الرجوع إلى المطلق الذي هو بمنزلة تعيين العمل بالخبر المعارض للقيد.

قلت: أما لو قلنا بأن المتعارضين مع وجود المطلق غير متكافئين، لان موافقة احدهما للمطلق الموجود مرجح له فيؤخذ به ويطرح الاخر، فلا إشكال في الحكم وفي خروج مورده عن محل الكلام.

وإن قلنا: إنهما متكافئان، والمطلق مرجح، لا مرجح، نظرا إلى كون أصالة عدم التقييد


الصفحة ٤٧٧

تعبديا، لا من باب الظهور النوعي، فوجه عدم شمول أخبار التخيير لهذا القسم من المتكافئين دعوى ظهور إختصاص تلك الاخبار بصورة عدم وجود الدليل الشرعي في تلك الواقعة وأنها مسوقة لبيان عدم جواز طرح قول الشارع في تلك الواقعة والرجوع إلى الاصول العقلية والنقلية المقررة لحكم صورة فقدان قول الشارع فيها، والمفروض وجود قول الشارع هنا ولو بضميمة أصالة الاطلاق المتعبد بها عند الشك في المقيد.

والفرق بين هذا الاصل وبين تلك الاصول الممنوع في هذه الاخبار عن الرجوع إليها وترك المتكافئين، هو ان تلك الاصول عملية فرعية مقررة لبيان العمل في المسألة الفرعية عند فقد الدليل الشرعي فيها.

وهذا الاصل، مقرر لاثبات كون الشئ وهو المطلق دليلا وحجة عند فقد ما يدل على عدم ذلك.

فالتخيير مع جريان هذا الاصل تخيير مع وجود الدليل الشرعي المعين لحكم المسألة المتعارض فيها النصان.

بخلاف التخيير مع جريان تلك الاصول، فإنه تخيير بين المتكافئين عند فقد دليل ثالث في موردهما، هذا.

ولكن الانصاف: أن أخبار التخيير حاكمة على هذا الاصل وإن كان جاريا في المسألة الاصولية، كما أنها حاكمة على تلك الاصول الجارية في المسألة الفرعية، لان مؤداها بيان حجية أحد المعارضين كمؤدى أدلة حجية الاخبار، ومن المعلوم حكومتها على مثل هذا الاصل.فهي دالة على مسألة أصولية، وليس مضمونها حكما عمليا صرفا.

فلا فرق بين أن يرد في مورد هذا الدليل المطلق: (إعمل بالخبر الفلاني المقيد لهذا المطلق)، وبين قوله: (إعمل بأحد هذين المقيد أحدهما له).

فالظاهر أن حكم المشهور في المقام بالرجوع إلى المطلق وعدم التخيير مبني على ما هو المشهور فتوى ونصا من ترجيح أحد المتعارضين بالمطلق أو العام الموجود في تلك المسألة، كما يظهر من ملاحظة النصوص والفتاوى.

وسيأتي توضيح ما هو الحق من المسلكين في باب التعادل والتراجيح إن شاء الله تعالى.


الصفحة ٤٧٨

المسألة الرابعة فيما إذا شك في جزئية شئ للمأمور به من جهة الشبهة في الموضوع الخارجي

كما إذا أمر بمفهوم مبين مردد مصداقه بين الاقل والاكثر.ومنه ما إذا وجوب صوم شهر هلالى وهو ما بين الهلالين فشك في أنه ثلاثون أو ناقص.

ومثل ما أمر بالطهور لاجل الصلاة، أعني الفعل الرافع للحدث أو المبيح للصلاة، فشك في جزئية شئ للوضوء أو الغسل الرافعين.

واللازم في المقام الاحتياط، لان المفروض تنجز التكليف بمفهوم مبين معلوم تفصيلا وإنما الشك في تحققه بالاقل.

فمقتضى أصالة عدم تحققه وبقاء الاشتغال عدم الاكتفاء به ولزوم الاتيان بالاكثر.

ولا يجري هنا ما تقدم من الدليل العقلي والنقلي الدال على البراء‌ة، لان البيان الذي لا بد منه في التكليف قد وصل من الشارع، فلا يقبح المؤاخذة على ترك ما بينه تفصيلا.فإذا شك في تحققه في الخارج فالاصل عدمه.

والعقل أيضا يحكم بوجوب القطع بإحراز ما علم وجوبه تفصيلا، أعني المفهوم المعين المبين المأمور به.

ألا ترى أنه لو شك في وجود باقي الاجزاء المعلومة، كأن لم يعلم أنه أتى بها أم لا، كان مقتضى العقل والاستصحاب وجوب الاتيان بها.

والفارق بين ما نحن فيه وبين الشبهة الحكمية من المسائل المتقدمة التي حكمنا فيها بالبراء‌ة، هو أن نفس متعلق التكليف مردد بين إختصاصه بالمعلوم وجوبه تفصيلا وبين تعلقه بالمشكوك.

وهذا الترديد لا حكم له بمقتضى العقل، لان مرجعه إلى المؤخذة على ترك المشكوك، وهي قبيحة بحكم العقل.

فالعقل والنقل الدالان على البراء‌ة مبينان لمتعلق التكليف من أول الامر في مرحلة الظاهر.

وأما ما نحن فيه فمتعلق التكليف فيه مبين معين معلوم تفصيلا، لاتصرف للعقل والنقل فيه.

وإنما يشك في تحققه في الخارج بإتيان الاجزاء المعلومة.

والعقل والنقل المذكوران لا يثبتان تحققه في الخارج، بل الاصل عدم تحققه، والعقل أيضا مستقل بوجوب الاحتياط مع الشك في التحقق.


الصفحة ٤٧٩

القسم الثاني وهو الشك في كون الشئ قيدا للمأمور به

فقد عرفت أنه على قسمين، لان القيد قد يكون منشاؤه فعلا خارجيا مغايرا للمقيد في الوجود الخارجي، كالطهارة الناشية من الوضوء، وقد يكون قيدا متحدا معه في الوجود الخارجي.

أما الاول، فالكلام فيه هو الكلام فيما تقدم، فلا نطيل بالاعادة، وأما الثاني فالظاهر إتحاد حكمهما.

وقد يفرق بينهما بإلحاق الاول بالشك في الجزئية دون الثاني، نظرا إلى جريانت العقل والنقل الدالين؟ على عدم المؤاخذة على ما لم يعلم من الشارع المؤاخذة عليه في الاول، فإن وجوب الوضوء إذا لم يعلم المؤاخذة عليه كان التكليف به ولو مقدمة منفيا بحكم العقل والنقل، والمفروض أن الشرط الشرعي إنما انتزع من الامر بالوضوع في الشريعة فينتفي بإنتفاء إنتزاعه في الظاهر.

وأما ما كان متحدا من القيد في الوجود الخارجي، كالايمان في الرقبة المؤمنة.

فليس مما يتعلق به وجوب وإلزام مغاير لوجوب أصل الفعل ولو مقدمة، فلا يندرج فيما حجب الله علمه عن العباد.

والحاصل: أن أدلة البراء‌ة ولو مقدمة، فلا يندرج فيما حجب الله علمه عن العباد.

والحاصل: أن أدلة البراء‌ة من العقل والنقل إنما تنفي الكلفة الزائدة الحاصلة من فعل المشكوك والعقاب المترتب على تركه مع إتيان ما هو معلوم الوجوب تفصيلا، فإن الاتي بالصلاة بدون التسليم المشكوك في وجوبه معذور في ترك التسليم لجهله.

وأما الاتي بالرقبة الكافرة فلم يأت في الخارج بما هو معلوم له تفصيلا حتى يكون معذورا في الزائد المجهول، بل هو تارك للمأمور به رأسا.وبالجملة فالمطلق والمقيد من قبيل المتبائنين، لا الاقل والاكثر.

وكان هذا هو السر فيما ذكره بعض القائلين بالبراء‌ة عند الشك في الشرطية والجزئية كالمحقق القمي، رحمه الله، في باب المطلق والمقيد، من تأييد استدلال العلمة، رحمه الله، في النهاية على


الصفحة ٤٨٠

وجوب حمل المطلق على المقيد بقاعدة الاشتغال، ورد ما اعترض عليه، بعدم العلم بالشغل حتى يستدعي العلم بالبراء‌ة بقوله: (وفيه: أن المكلف به حينئذ هو المردد بين كونه نفس المقيد أو المطلق، ونعلم أنا مكلفون بأحدهما، لاشتغال الذمة بالمجمل، ولا يحصل البراء‌ه إلا بالمقيد إلى أن قال: - وليس هنا قدر مشترك يقيني يحكم بنفي الزائد عنه بالاصل، لان الجنس الموجود في ضمن المقيد لا ينفك عن الفصل، ولا تفارق لهما، فليتأمل)(١) إنتهى، هذا.

ولكن الانصاف: عدم خلو المذكور عن النظر، فإنه لا بأس بنفي القيود المشكوكة للمأمور به بأدلة البراء‌ة من العقل والنقل، لان المنفي فيها الالزام بما لا يعلم ورفع كلفته.

ولا ريب أن التكليف بالمقيد مشتمل على كلفة زائدة وإلزام زائد على ما في التكليف بالمطلق وإن لم يزد المقيد الموجود في الخارج على المطلق الموجود في الخارج.

ولا فرق عند المتأمل بين إتيان الرقبة الكافرة وإتيان الصلاة بدون الوضوء.

مع أن ما ذكره - من تغاير وجود منشأ حصول الشرط مع وجود المشروط في الوضوء واتحادهما في الرقبة المؤمنة كلام ظاهري، فإن الصلاة حال الطهارة بمنزلة الرقبة المؤمنة في كون كل منهما أمرا واحدا في مقابل الفرد الفاقد للشرط.

وأما وجوب إيجاد مقدمة لتحصيل ذلك المقيد في الخارج، فهو أمر يتفق بالنسبة إلى الفاقد للطهارة.

ونظيره قد يتفق في الرقبة المؤمنة يحث أنه قد يجب بعض المقدمات لتحصيلها في الخارج، بل قد يجب السعي في هداية الرقبة الكافرة إلى الايمان مع التمكن إذا لم يوجد غيرها وانحصر الواجب في العتق.

وبالجملة، فالامر بالمشروط بشئ لا يقتضي بنفسه إيجاد أمر زائد مغائر له في الوجود الخارجي، بل قد يتفق وقد لا يتفق.

وأما الواجد للشرط فهو لا يزيد في الوجود الخارجي على الفاقد له، فالفرق بين الشروط فاسد جدا.

فالتحقيق أن حكم الشرط بجميع أقسامه واحد، سواء ألحقناه بالجزء أم بالمتبائنين.

وأما ما ذكره القمي، رحمه الله، فلا ينطبق على ما ذكره، في باب البراء‌ة والاحتياط، من إجراء البراء‌ة حتى في المتبائنين فضلا عن غيره، فراجع.

____________________

(١) القوانين المحكمة، ص ١٥٧.


الصفحة ٤٨١

ومما ذكرنا يظهر الكلام في ما لو دار الامر بين التخيير والتعيين، كما لو دار الواجب في كفارة رمضان بين خصوص العتق للقادر عليه وبين إحدى الخصال الثلاث.

فإن في إلحاق ذلك بالاقل والاكثر، فيكون نظير دوران الامر بين المطلق والمقيد أو المتبائنين، وجهين بل قولين: من عدم جريان أدلة البراء‌ة في المعين، لانه معارض بجريانها في الواحد المخير، وليس بينهما قدر مشترك خارجي أو ذهني يعلم تفصيلا وجوبه فيشك في جزء زائد خارجي أو ذهني، ومن أن الالزام بخصوص أحدهما كلفة زائدة على الالزام باحدهما في الجملة، وهو ضيق على المكلف.

وحيث لم يعلم المكلف بتلك الكلفة فهي موضوعة عن المكلف بحكم (ما حجب الله علمه عن العباد)(١)، وحيث لم يعلم بذلك الضيق فهو في سعة منه، بحكم: (الناس في سعة ما لم يعلموا)(٢).

وأما وجوب الواحد المردد بين المخير والمعين فيه فهو معلوم، فليس موضوعا عنه ولا هو في سعة من جهته.

والمسألة في غاية الاشكال، لعدم الجزم بإستقلال العقل بالبراء‌ة عن التعيين بعد العلم الاجمالي وعدم كون المعين المشكوك فيه أمرا خارجا عن المكلف به مأخوذ فيه على وجه الشطرية أو الشرطية، بل هو على تقديره عين المكلف به.

والاخبار غير منصرفة إلى نفي التعيين، لانه في معنى نفي الواحد المعين، فيعارض بنفي الواحد المخير.

فلعل الحكم بوجوب الاحتياط وإلحاقه بالمتبائنين لا يخلو عن قوة، بل الحكم في الشرط وإلحاقه بالجزء لا يخلو عن إشكال، لكن الاقوى فيه الالحاق.

فالمسائل الاربع في الشرط حكمها حكم مسائل الجزء، فراجع.ثم إن مرجع الشك في المانعية إلى الشك في الشرطية وعدمه.

وأما الشك في القاطعية - بأن يعلم أن عدم الشئ لا مدخل له في العبادة إلا من جهة قطعه للهيئة الاتصالية المعتبرة في نظر الشارع فالحكم فيه إستصحاب الهيئة الاتصالية وعدم خروج الاجزاء السابقة عن قابلية صيرورتها أجزاء فعلية، وسيتضح ذلك بعد ذلك إن شاء الله.

ثم إن الشك في الجزئية أو الشرطية قد ينشأ عن الشك في حكم تكليفي نفسي، فيصير أصالة البراء‌ة في ذلك الحكم التكليفي حاكما على الاصل في الشرطية والجزئية، فيخرج عن موضوع مسألة الاحتياط والبراء‌ة، فيحكم بما يقتضيه الاصل الحاكم من جوب ذلك المشكوك في شرطيته أو عدم وجوبه.

____________________

(١) التوحيد، ص ٤١٣.

(٢) المحاسن، ص ٤٥٢.


الصفحة ٤٨٢

وينبغي التنبيه على أمور متعلقة بالجزء والشرط [ الامر ] الاول إذا ثبت جزئية شئ وشك في ركنيته، فهل الاصل كونه ركنا أو عدم كونه كذلك أو مبني على مسألة البراء‌ة والاحتياط في الشك في الجزئية أو التبعيض بين أحكام الركن فيحكم ببعضها و نفي بعضها الاخر؟ وجوه، لا يعرف الحق منها إلا بعد معرفة معنى الركن، فنقول: إن الركن في اللغة والعرف معروف، وليس له في الاخبار ذكر حتى يتعرض لمعناه في زمان صدور تلك الاخبار، بل هو إصطلاح خاص للفقهاء.

وقد إختلفوا في تعريفه بين من قال بأنه ما تبطل العبادة بنقصه عمدا وسهوا، وبين من عطف على النقص زيادته.

والاول أوفق بالمعنى اللغوي والعرفي.

وحينئذ فكل جزء ثبت في الشرع بطلان العبادة بالاخلال في طرف النقيصة أو فيه وفي طرف الزيادة، فهو ركن.

فالمهم بيان حكم الاخلال بالجزء في طرف النقيصة أو الزيادة، وأنه إذا ثبت جزئية، فهل الاصل يقتضي بطلان المركب بنقصه سهوا كما يبطل بنقصه عمدا وإلا لم يكن جزء‌ا.

فهنا مسائل ثلاث: بطلان العبادة بتركه سهوا.وبطلانها بزيادته عمدا.وبطلانها بزيادته سهوا.


الصفحة ٤٨٣

أما [ المسألة ] الاولى [ وهي بطلان العبادة بترك الجزء سهو ]

فالاقوى فيها أصالة بطلان العبادة بنقص الجزء سهوا إلا أن يقوم دليل عام أو خاص على الصحة، لان ما كان جزء‌ا في حال العمد كان جزء‌ا في حال الغفلة.فإذا إنتفى ينتفي المركب، فلم يكن المأتي به موافقا للمأمور به.وهو معنى فساده.

أما عموم جزئيته لحال الغفلة، فلان الغفلة لا توجب تغير المأمور به، فإن المخاطب بالصلاة مع السورة إذا غفل عن السورة في الاثناء لم يتغير الامر المتوجه إليه قبل الغفلة ولم يحدث بالنسبة إليه من الشارع أمر آخر حين الغفلة، لانه غافل عن غفلته.فالصلاة المتأتي بها من غير سورة غير مأمور بها بامر أصلا.غاية الامر عدم توجه الامر الفعلي بالصلاة مع السورة إليه، لاستحالة تكليف الغافل.فالتكليف ساقط عنه ما دام الغفلة.نظير من غفل عن الصلاة رأسا أو نام عنها.

فإذا إلتفت إليه والوقت باق وجب عليها الاتيان به بمقتضى الامر الاول.

فإن قلت: عموم جزئية الجزء لحال النسيان يتم فيما لو ثبت الجزئية بمثل قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، دون ما لو قام الاجماع مثلا على جزئية شئ في الجملة واحتمل إختصاصها بحال الذكر، كما إنكشف ذلك بالدليل في الموارد التي حكم الشارع فيها بصحة الصلاة المنسي فيها بعض الاجزاء على وجه يظهر من الدليل كون صلاته تامة.

مثل قوله عليه السلام: (تمت صلاته، ولا يعيد).

وحينئذ فمرجع الشك إلى الشك في الجزئية حال النسيان فيرجع فيها إلى البراء‌ة والاحتياط على الخلاف.

وكذا لو كان الدال على الجزئية حكما تكليفيا مختصا بحال الذكر وكان الامر بأصل العبادة مطلقا، فإن يقتصر في تقييده على مقدار قابلية دليل التقييد، أعني حال الذكر، إذ لا تكليف حال الغفلة، فالجزء المنتزع من الحكم التكليفي نظير الشرط المنتزع منه في إختصاصه بحال الذكر، كلبس الحرير ونحوه.


الصفحة ٤٨٤

قلت إن أريد بعدم جزئية ما ثبت جزئيته في الجملة في حق الناسي إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء عليه، فهو غير قابل لتوجه الخطاب إليه بالنسبة إلى المغفول عنه إيجابا وإسقاطا.

وإن اريد به إمضاء الخالي عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن العبادة الواقعية، فهو حسن، لانه حكم في حقه بعد زوال غفلته، لكن عدم الجزئية بهذا المعنى عند الشك مما لم يقل به أحد من المختلفين في مسألة البراء‌ة والاحتياط، لان هذا المعنى حكم وضعي لا يجري فيه أدلة البراء‌ة، بل الاصل فيه العدم بالاتفاق.

وهذا معنى ما اخترناه من فساد العبادة الفاقدة للجزء نسيانا بمعنى عدم كونها مأموارا بها ولا مسقطا عنه.

ومما ذكرناه ظهر أنه ليس هذه المسألة من مسألة إقتضاء الامر للاجزاء في شئ، لان تلك المسألة مفروضة فيما إذا كان المأتي به مأمورا بأمر شرعي، كالصلاة مع التيمم أو بالطهارة المظنونة.وليس في المقام أمر بما أتى به الناسي أصلا.

وقد يتوهم: (أن في المقام أمرا عقليا، لاستقلال العقل بأن الواجب في حق الناسي هو هذا المأتي به، فيندرج لذلك في إتيان المأمور به بالامر العقلي).

وهو فاسد جدا، لان العقل ينفي تكليفه بالمنسي ولا يثبت له تكليفا بما عداه من الاجزاء، وإنما يأتي بها بداعي الامر بالعبادة الواقعية غفلة عن عدم كونه إياها.كيف والتكليف، عقليا كان أو شرعيا، يحتاج إلى الالتفات.

وهذا الشخص غير ملتفت إلى أن ناس عن الجزء حتى يكلف بما عداه.

ونظير هذا التوهم توهم [ أن ] ما أتى به الجاهل المركب بإعتقاده أنه مأمور به [ من باب إتيان المامور به ] بالامر العقلي.وفساده يظهر مما ذكرنا بعينه.

وأما ما ذكره: من: (أن دلالة الجزء قد يكون من قبيل التكليف، وهو لاختصاصه بغير الغافل لا يفيد إطلاق الامر بالكل إلا بقدر مورده، وهو غير غافل.

فإطلاق الامر بالكلي المقتضي لعدم جزئية هذا الجزء له بالنسبة إلى الغافل بحاله).

ففيه: أن التكليف المذكور إن كان تكليفا نفسيا فلا يدل على كون متعلقه جزء‌ا للمأمور به حتى يقيد به الامر بالكل، وإن كان تكليفا غيريا، فهو كاشف عن كونه متعلقه جزء‌ا، لان الامر الغيري إنما يتعلق بالمقدمة، وإنتفاؤه بالنسبة إلى الغافل لا يدل على نفي جزئيته في حقه، لان الجزئية


الصفحة ٤٨٥

غير مسببة عنه، بل هو مسبب عنها.

ومن ذلك يعلم الفرق بين ما نحن فيه وبين ما ثبت إشتراطه من الحكم التكليفي، كلبس الحرير، فإن الشرطية مسببة عن التكليف، عكس ما نحن فيه، فينتفي بإنتفائه.

والحاصل: أن الامر الغيري بشئ، لكونه جزء‌ا، وإن إنتفى في حق الغافل عنه من حيث إنتفاء الامر بالكل في حقه إلا أن الجزئية لا تنتفي بذلك.

وقد يتخيل: أن أصالة العدم على الوجه المتقدم وإن إقتضت ما ذكر، إلا أن إستصحاب الصحة حاكم عليها.

وفيه: ما سيجئ في المسأله الاتية من فساد التمسك به في هذه المقامات.وكذا التمسك بغيره مما سيذكر هناك.

فإن قلت: إن الاصل الاولي وإن كان ما ذكرت إلا أن هنا أصلا ثانويا يقتضي إمضاء ما يفعله الناسي خاليا عن الجزء والشرط المنسي عنه.

وهو قوله صلى الله عليه وآله: (رفع عن أمتي تسعة: الخطأ والنسيان..)، بناء على أن المقدر ليس خصوص المؤاخذة، بل جميع الاثانر الشرعية المترتبة على الشئ المنسي لولا النسيان، فإنه لو ترك الصورة لا للنسيان يترتب حكم الشارع عليه بالفساد ووجوب الاعادة.وهذا مرفوع مع ترك السورة نسيانا.

وإن شئت قلت: إن جزئية السورة مرتفعة حال النسيان.

قلت: بعد تسليم إرادة رفع جميع الاثار إن جزئية السورة ليست من الاحكام المجعولة لها شرعا، بل هي ككلية الكل.

وإنما المجعول الشرعي وجوب الكل، والوجوب مرتفع حال النسيان بحكم الرواية، ووجوب الاعادة بعد التذكر مترتب على الامر الاول لا على ترك السورة.

ودعوى: (أن ترك السورة سبب لترك الكل الذي هو سبب وجود الامر الاول، لان عدم الرافع من أسباب البقاء، وهو من المجعولات القابلة للارتفاع في الزمان الثاني.

فمعنى رفع النسيان رفع ما يترتب عليه وهو ترك الجزء.

ومعنى رفعه رفع ما يترتب عليه وهو ترك الكل، ومعنى رفعه رفع ما يترتب عليه وهو وجود الامر في الزمان الثاني).

مدفوعة: بما تقدم، في بيان معنى الرواية في الشبهة التحريمية في الشك في أصل التكليف، من أن المرفوع في الرواية الاثار الشرعية الثابتة لولا النسيان، لا الاثار الغير الشرعية ولا ما يترتب على هذه الاثار من الاثار الشرعية.

فالاثار المرفوعة في هذه الرواية نظير الاثار الثابتة للمستصحب بحكم أخبار الاستصحاب في أنها هي خصوص الاثار الشرعية المجعولة للشارع دون الاثار العقلية والعادية،


الصفحة ٤٨٦

ومن دون ما يترتب عليها من الاثار الشرعية.

نعم لو صرح الشارع بأن حكم نسيان الجزء الفلاني مرفوع، أو أن نسيانه كعدم نسيانه، أو أنه لا حكم لنسيان السورة مثلا، وجب حمله، تصحيحا للكلام، على رفع الاعادة وإن لم يكن أثرا شرعيا، فافهم.

وزعم بعض المعاصرين الفرق بين أصالة عدم الجزئية ومضمون النبوي حيث حكم في مسألة البراء‌ة والاشتغال في الشك في الجزئية بأن أصالة عدم الجزئية لا يثبت بها ما يترتب عليه من كون المأمور به هو الاقل، لانه لزم غير شرعي.أما رفع الجزئية الثابتة بالنبوي فيثبت به كون المأمور به هو الاقل.

وذكر في وجه الفرق ما لا يصلح له من إرادة راجعة فيما ذكره في أصالة العدم.

وكيف كان، فالقاعدة الثانوية في النسيان غير ثابتة.

نعم يمكن دعوى القاعدة الثانوية في خصوص الصلاة من جهة قوله عليه السلام: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة، الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود)(١).

وقوله عليه السلام في مرسلة سفيان: (يسجد سجدتي السهو في كل زيادة ونقيصة)(٢).

وقوله عليه السلام في من نسي الفاتحة: (اليس قد أتممت الركوع والسجود)(٣)، وغيره.

ثم إن الكلام في الشرط كالكلام في الجزء.والاصل الاولي والثانوي المزيف والمقبول، وهو غاية المسئول.

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج ٤، ص ٦٨٣ الخصال، ص ٢٨٤.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ١، ص.

(٣) الكافي، ج ٤، ص ٣٤٨.


الصفحة ٤٨٧

المسألة الثانية في زيادة الجزء عمدا

وإنما يتحقق في الجزء الذي لم يعتبر فيه إشتراط عدم الزيادة.

فلو أخذ بشرطه فالزيادة عليه موجب لاختلاله من حيث النقيصة، لان فاقد الشرط كالمتروك.كما أنه لو أخذ في الشرع لا بشرط الوحدة والتعدد فلا إشكال في عدم الفساد.ويشترط في صدق الزيادة قصد كونه من الاجزاء.

أما زيادة صورة الجزء لا بقصدها، كما لو سجد للعزيمة في الصلاة، لم تعد زيادة في الجزء.

نعم ورد في بعض الاخبار: (أنها زيادة في المكتوبة)(١).وسيأتي الكلام في معنى الزيادة في الصلاة.ثم الزيادة العمدية تتصور على وجوده.

أحدها: أن يزيد جزء‌ا من أجزاء الصلاة بقصد كون الزائد جزء‌ا مستقلا.كما لو اعتقد شرعا أو تشريعا أن الواجب في كل ركعة ركوعان، كالسجود.

الثاني: أن يقصد كون مجموع الزائد والمزيد عليه جزء‌ا واحدا.كما لو إعتقد أن الواجب في الركوع الجنس الصادق على الواحد والمتعدد.

الثالث: أن يأتي بالزائد بدلا عن المزيد بعد رفع اليد عنه إما إقتراحا.كما لو قرأ سورة.

ثم بدا له في الاثناء أو بعد الفراغ وقرأ أخرى لغرض ديني كالفضلية أو دنيوي كالاستعجال، وإما لايقاع الاول على وجه فاسد بفقد بعض الشروط، كأن يأتي ببعض الاجزاء رياء أو مع عدم الطمأنينة المعتبرة فيها ثم يبدو له في إعادته على وجه صحيح.

أما الزيادة على الوجه الاول، فلا إشكال في فساد العبادة إذا نوى ذلك قبل الدخول في الصلاة أو في الاثناء، لان ما أتى به وقصد الامتثال به وهو المجموع المشتمل على الزيادة غير مأمور به، وما أمر به وهو ما عدا تلك الزيادة لم يقصد الامتثال به.

____________________

(١) الكافي (الفروع)، ج ٣، ص ٣١٨ تهذيب الاحكام، ج، ص


الصفحة ٤٨٨

وأما الاخيران فمقتضى الاصل عدم بطلان العبادة فيهما، لان مرجع الشك إلى الشك في مانعية الزيادة، ومرجعها إلى شرطية عدمها، وقد تقدم أن مقتضى الاصل فيه البراء‌ة.

وقد يستدل على البطلان بأن الزيادة تغيير لهيئة العبادة الموظفة فتكون مبطلة.

وقد إحتج به في المعتبر على بطلان الصلاة بالزيادة.

وفيه نظر، لانه إن أريد تغيير الهيئة المعتبرة في الصلاة فالصغرى ممنوعة، لان إعتبار الهيئة الحاصلة من عدم الزيادة أول الدعوى.فإذا شك فيه فالاصل البراء‌ة.

وإن أريد أنه تغيير للهيئة المتعارفة المعهودة للصلاة فالكبرى ممنوعة، لمنع كون تغيير الهيئة المتعارفة مبطلا.

ونظير الاستدلال بهذا البطلان في الضعف الاستدلال للصحة بإسصحابها، بناء على أن العبادة قبل هذه الزيادة كانت صحيحة والاصل بقاؤها وعدم عروض البطلان لها.

وفيه: أن المستصحب إن كان صحة مجموع الصلاة فلم يتحقق بعد، وإن كان صحة الاجزاء السابقة منها فهي غير مجدية، لان صحة الاجزاء إما عبارة عن مطابقتها للامر المتعلق بها وإما ترتب الاثر عليها.

والمراد بالاثر المترتب عليها حصول المركب بها منضمة مع باقي الاجزاء والشرائط.

إذ ليس أثر الجزء المنوط به صحته إلا حصول الكل به منضما إلى تمام غيره مما يعتبر في الكل.

ولا يخفى أن الصحة بكلا المعنيين باقية للاجزاء السابقة، لانها بعد وقوعها مطابقة للامر بها لا تنقلب عما وقعت عليه، وهي بعد على وجه لو إنضم إليها تمام ما يعتبر في الكل حصل الكل.

فعدم حصول الكل لعدم إنضمام تمام ما يعتبر في الكل إلى تلك الاجزاء لا يخل بصحتها.

ألا ترى أن صحة الخل من حيث كونه جزء‌ا للسكنجبين لا يراد بها إلا كونه على صفة لو إنضم إليه تمام ما يعتبر في تحقق السكنجبين لحصل الكل.

فلو لم ينضم إليه تمام ما يعتبر فلم يحصل لذلك الكل لم يقدح ذلك في إتصاف الخل بالصحة في مرتبة جزئيته.

فإذا كان عدم حصول الكل يقينا لعدم حصول تمام ما يعتبر في الكل غير قادح في صحة الجزء، فكيف إذا شك في حصول الكل من جهة الشك في إنضمام تمام ما يعتبر، كما فيما نحن فيه.

فإن الشك في صحة الصلاة بعد تحقق الزيادة المذكورة من جهة الشك في إنضمام تمام ما يعتبر إلى الاجزاء، لعدم كون عدم الزيادة شرطا وعدم إنضمامه، لكون عدم الزيادة أحد الشرائط المعتبرة ولم يتحقق فلا يتحقق الكل.

ومن المعلوم أن هذا الشك لا ينافي القطع بصحة الاجزاء السابقة، فإستصحاب صحة تلك


الصفحة ٤٨٩

الاجزاء غير محتاج إليه، لانا نقطع ببقاء صحتها، لكنه لا يجدي في صحة الصلاة بمعنى إستجماعها لما عداها من الاجزاء والشرائط الباقية.

فإن قلت: فعلى ما ذكرته فلا يفرض البطلان للاجزاء السابقة أبدا، بل هي باقية على الصحة بالمعنى المذكور إلى أبد الدهر وإن وقع بعدها ما وقع من الموانع من أن من الشائع في النصوص والفتاوى إطلاق المبطل والناقض على مثل الحدث وغيره من قواطع الصلاة.

قلت: نعم ولا ضير في إلتزام ذلك.

ومعنى بطلانها عدم الاعتداد بها في حصول الكل، لعدمالتمكن من ضم تمام الباقي إليها، فيجب إستيناف الصلاة إمتثالا للامر.

نعم إن حكم الشارع على بعض الاشياء بكونه قطعا للصلاة أو ناقضا يكشف عن أن لاجزاء الصلاة في نظر الشارع هيئة إتصالية ترتفع ببعض الاشياء دون بعض، فإن الحدث يقطع ذلك الاتصال والتجشأ لا يقطعه، والقطع يوجب الانفصال القائم بالمنفصلين وهما في ما نحن فيه الاجزاء السابقة والاجزاء التي تلحقها بعد تخلل ذلك القاطع.

فكل من السابق واللاحق يسقط عن قابلية ضمه إلى الاخر وضم الاخر إليه.

ومن المعلوم أن الاجزاء السابقة كانت قابلة للضم إليها وصيرورتها أجزاء فعلية للمركب، والاصل بقاء تلك القابلية وتلك الهيئة الاتصالية بينها وبين ما يلحقها، فيصح الاستصحاب في كل ما شك في قاطعية الموجود، ولكن هذا مختص بما إذا شك في القاطعية وليس مطلق الشك في مانعية الشئ، كالزيادة فيما نحن فيه، شكا في القاطعية.

وحاصل الفرق بينهما أن عدم الشئ في جميع آنات الصلاة قد يكون بنفسه من جملة الشروط، فإذا وجد آنا ما فقد إنتفى الشرط على وجه لا يمكن تداركه، فلا يتحقق المركب من هذه الجهة.

وهذا لا يجدي فيه القطع بصحة الاجزاء السابقة فضلا عن إستصحابها.

وقد يكون إعتباره من حيث كونه وجوده قاطعا ورافعا للهيئة الاتصالية والارتباطية في نظر الشارع بين الاجزاء.

فإذا شك في رافعية شئ لها حكم ببقاء تلك الهئية وإستمرارها وعدم إنفصال الاجزاء السابقة عما يلحقها من سائر الاجزاء.

وربما يرد إستصحاب الصحة بأنه: (إن أريد صحة الاجزاء المأتي بها بعد طرو المانع الاجمالي فغير مجد، لان البراء‌ة إنما يتحقق بفعل الكل دون البعض.

وإن أريد إثبات عدم مانعية الطاري أو صحة بقية الاجزاء فساقط، لعدم التعويل على


الصفحة ٤٩٠

الاصول المثبتة)، إنتهى.وفيه نظر يظهر مما ذطكرنا.

وحاصله: ان الشك إن كان في مانعية شئ وشرطية عدمه للصلاة، فصحة الاجزاء السابقة لا يستلزم عدمها ظاهرا ولا واقعا، حتى يكون الاستصحاب بالنسبة إليها من الاصول المثبتة، وإن كان في قاطعية الشئ ورفعه للاتصال والاستمرار الموجود للعبادة في نظر الشارع.فإستصحاب بقاء الاتصال كاف.إذ لا يقصد في المقام سوى بقاء تلك الهيئة الاتصالية.

والشك إنما هو فيه، لا في ثبوت شرط أو مانع آخر حتى يقصد بالاستصحاب دفعة ولا في صحة بقية الاجزاء من غير جهة زوال الهيئة الاتصالية بينها وبين الاجزاء السابقة، والمفروض إحراز عدم زوالها بالاستصحاب.

ولكن يمكن الخدشة فيما إخترناه من الاستصحاب: بأن المراد بالاتصال والهيئة الاتصالية إن كان ما بين الاجزاء السابقة بعضها مع بعض فهو باق لا ينفع، وإن كان ما بينها وبين ما لحقها من الاجزاء الاتية فالشك في وجودها لا بقائها.

وأما أصالة بقاء الاجزاء السابقة على قابلية إلحاق الباقي بها فلا يبعد كونها من الاصول المثبتة.

اللهم إلا أن يقال: إن إستصحاب الهيئة الاتصالية من الاستصحابات العرفية الغير المبنية على التدقيق، نظير إستصحاب الكرية في الماء المسبوق بالكرية.

ويقال في بقاء الاجزاء السابقة على قابلية الاتصال: إنه لما كان المقصود الاصلي من القطع وعدمه هو لزوم إستيناف الاجزاء السابقة وعدمه وكان الحكم بقابليتها لالحاق الباقي بها في قوة الحكم بعدم وجوب إستينافها خرج من الاصول المثبتة التي ذكر في محله عدم الاعتداد بها في الاثبات، فافهم.

وبما ذكرنا يظهر سر ما أشرنا إليه في المسألة السابقة من عدم الجدوى في إستصحاب الصحة لاثبات صحة العبادة المنسي فيها بعض الاجزاء، عند الشك في جزئية المنسي حال النسيان.

وقد يتمسك لاثبات صحة العبادة عند الشك في طرو المانع بقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم)، فإن حرمة الابطال إيجاب للمضي فيها، وهو مسلتزم لصحتها ولو بالاجماع المركب أو عدم القول بالتفكيك بينهما في غير الصوم والحج.

وقد استدل بهذه الاية غير واحد تبعا للشيخ، قدس سره.

وهو لا يخلو عن نظر يتوقف على بيان ما يحتمله الاية الشريفة من المعاني، فنقول: إن حقيقة


الصفحة ٤٩١

الابطال، بمقضتى رضع باب الافعال، إحداث البطلان في العمل الصحيح وجعله باطلا.

نظير قولك: أقمت زيدا أو أجلسته أو أغنيته.

والاية بهذا المعنى راجعة إلى النهي عن جعل العمل لغوا لا يترتب عليه أثر كالمعدوم، بعد أن لم يكن كذلك.

فالابطال هنا نظير [ الابطا في ] قوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى)(١)، بناء على أن النهي عن تعقيبها بهما، بشهادة قوله تعالى: (ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى)(٢)، الاية.

الثاني: أن يراد به إيجاد العمل على وجه باطل.

من قبيل قوله: (ضيق فم الركية)، يعني أحدثه ضيقا.

لا أحدث فيه الضيق بعد السعة.

والاية بهذا المعنى نهي عن إتيان الاعمال مقارنة للوجوه المانعة عن صحتها أو فاقدة للامور المقتضية للصحة.

والنهي عن هذين الوجهين ظاهره الارشاد، إذ لا يترتب على إحداث البطلن في العمل أو إيجاده باطلا عدا فوت مصلحة العمل الصحيح.

الثالث: أن يراد من إبطال العمل قطعه ورفع اليد عنه، كقطع الصلاة والصوم والحج، وقد إشتهر التمسك بحرمة قطع العمل بها.

ويمكن إرجاع هذا إلى المعنى الاول، بأ، يراد من الاعمال ما يعم الجزء المتقدم من العمل، لانه أيضا عمل لغة، وقد وجد على وجه قابل لترتب الاثر وصيرورته جزء‌ا فعليا للمركب، فلا يجوز جعله باطلا ساقطا عن قابلية كونه جزء‌ا فعليا.

فجعل هذا المعنى مغايرا للاول مبني على كون المراد من العمل مجموع المركب الذي وقع الابطال في أثنائه.

وكيف كان فالمعنى الاول أظهر، لكونه المعنى.

الحقيقي، ولموافقته لمعنى الابطال في الاية الاخرى المتقدمة ومناسبته لما قبله من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم)(٣)، فإن تعقيب إطاعة الله وإطاعة الرسول بالنهي عن الابطال يناسب الاحباط، لا إتيان العمل على الوجه الباطل، لانها مخالفة لله والرسول.

هذا كله معه ظهور الاية في حرمة إبطال الجميع فيناسب الاحباط بمثل الكفر، لا إبطال شئ من الاعمال الذي هو المطلب.

ويشهد لما ذكرنا - مضافا إلى ما ذكرنا ما ورد من تفسير الاية بالمعنى الاول: فعن الامالي وثواب الاعمال عن الباقر، عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من قال: سبحان الله، غرس له الله بها شجرة في الجنة، ومن قال: الحمد لله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: لا إله إلا الله، غرس

____________________

(١) البقرة: ٢٦٤.

(٢) البقرة: ٢٦٢.

(٣) محمد: ٣٣.


الصفحة ٤٩٢

الله له بها شجرة في الجنة.

فقال له رجل من قريش: إن شجرتنا في الجنة لكثير.(١) قال " ص ": نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا إليها نارا فتحرقوها.

إن الله عزوجل يقول: يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم)(٢).

هذا إن قلنا بالاحباط مطلقا أو بالنسبة إلى بعض المعاصي.

وإن لم نقل به وطرحنا الخبر، لعدم إعتبار مثله في مثل المسألة، كان المراد في الاية الابطال بالكفر، لان الاحباط به إتفاقي.

وببالي أني وجدت أو سمعت ورود الرواية في تفسير الاية: (ولا تبطلوا أعمالكم) بالشرك.

هذا كله، مع أن إرادة المعنى الثالث الذي يمكن الاستدلال به موجب لتخصيص الاكثر، فإن ما يحرم قطعه من الاعمال بالنسبة إلى ما لا يحرم في غاية القلة.فإذا ثبت ترجيح المعنى الاول.

فإن كان المراد بالاعمال ما يعم بعض العمل المتقدم كان دليلا أيضا على حرمة قطع العمل في الاثناء، إلا أنه لا ينفع فيما نحن فيه.

لان المدعي فيما نحن فيه هو إنقطاع العمل بسبب الزيادة الواقعة، كإنقطاعه بالحدث الواقع فيه لا عن إختيار.

فرفع اليد عنه بعد ذلك لا يعلم كونه قطعا له وإبطالا.فلا معنى لقطع المنقطع وإبطال الباطل.ومما ذكرنا يظهر ضعف.

الاستدلال على الصحة فيما نحن فيه بإستصحاب حرمة القطع لمنع كون رفع اليد بعد وقوع الزيادة قطعا لاحتمال حصول الانقطاع.فلم يثبت في الان اللاحق موضوع القطع، حتى يحكم عليه بالحرمة.

وأضعف منه إستصحاب وجوب إتمام العمل للشك في الزمان اللاحق في القدرة على إتمامه وفي أن مجرد إلحاق باقي الاجزاء إتمام له.

فلعل عدم الزيادة من الشروط والاتيان بما عداه من الاجزاء والشرائط تحصيل لعبض الباقي لا تمامه حتى يصدق إتمام العمل.

ألا ترى أنه إذا شك بعد الفراغ عن الحمد في وجوب السورة وعدمه لم يحكم على إلحاق ما عداها إلى الاجزاء السابقة أنه إتمام العمل.

وربما يجاب عن حرمة الابطال ووجوب الاتمام الثابتين بالاصل بأنهما لا يدلان على صحة العمل، فيجمع بينهما وبين أصالة الاشتغال بوجوب إتمام العمل ثم إعادته، للشك في أن التكليف هو إتمام هذا العمل او عمل آخر مستأنف.

وفيه نظر، فإن البراء‌ة اليقينية على تقدير العمل بإستصحاب وجوب التمام يحصل بالتمام، وأن

____________________

(١) ثواب الاعمال، ص ٢٦.

(٢) محمد: ٣٣.


الصفحة ٤٩٣

هذا الوجوب يرجع إلى إيجاب امتثال الامر بكلي الصلاة في ضمن هذا الفرد، وعلى تقدير عدم العمل به تحصل بالاعادة من دون الاتمام.

واحتمال وجوبه وحرمة القطع مدفوع بالاصل، لان الشبهة في أصل التكليف الوجوبي أو التحريمي، بل لا إحتياط مستحبا في الاتمام مراعاة لاحتمال وجوبه وحرمة القطع، لانه موجب لالغاء الاحتياط من جهة أخرى، وهي مراعاة نية الوجه التفصيلي في العبادة، فإنه لو قطع العمل المشكوك فيه واستأنفه نوى الوجوب على وجه الجزم.

وإن أتمه ثم أعاد فاتت منه نية الوجوب في ما هو الواجب عليه.

ولا شك أن هذا الاحتياط على تقدير عدم وجوبه أولى من الاحتياط المتقدم، لانه كان الشك فيه في أصل التكليف.

وهذا شك في المكلف به.

والحاصل: أن الفقيه إذا كان مترددا بين الاتمام والاستيناف، فالاولى له الحكم بالقطع، والامر بالاعادة بنية الوجوب.

ثم إن ما ذكرناه من حكم الزيادة وأن مقتضى أصل البراء‌ة عدم مانعيتها إنما هو بالنظر إلى الاصل الاولي، وإلا فقد يقتضي الدليل في خصوص بعض المركبات البطلان، كما في الصلاة، حيث دلت الاخبار المستفيضة على بطلان الفريضة بالزيادة فيها.

مثل قوله صلى الله عليه وآله: (من زاد في صلاته فعليه الاعادة)(١).

وقوله عليه السلام: (وإذا إستيقن أنه زاد في المكتوبةفليستقبل صلاته)(٢).

وقوله صلى الله عليه وآله فيما حكي عن تفسير العياشي في من أتم في السفر: (إنه يعيده).

قال: (لانه زاد في فرض الله عزوجل)(٣)، دل بعموم التعليل على وجوب الاعادة لكل زيادة في فرض الله عزوجل.

وما ورد في النهي عن قراء‌ة العزيمة في الصلاة من التعليل بقوله عليه السلام: (لان السجود زيادة في المكتوبة)(٤).

وما ورد في الطواف: (لانه مثل الصلاة المفروضة في أن الزيادة مبطلة له)(٥).

ولبيان معنى الزيادة وأن سجود العزيمة كيف يكون زيادة في المكتوبة مقام آخر، وإن كان ذكره هنا لا يخلو عن مناسبة، إلا أن الاشتغال بالواجب ذكره بمقضتى وضع الرسالة أهم من ذكر ما يناسب.

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج ٥ ص ٣٣٢.

(٢) وسائل الشيعة، ج ٥، ص ٣٣٢، مع تفاوت.

(٣) تفسير العياشي، ص ٥٠.

(٤) الكافي (الفروع)، ج ٣، ص ٣١٨.

(٥) وسائل الشيعة، ج ٩، ص ٥٢٧.


الصفحة ٤٩٤

المسألة الثالثة في ذكر الزيادة سهوا التي تقدح عمدا

وإلا فما لا يقدح عمدا فسهوها أولى بعدم القدح والكلام هنا كما في النقص نسيانا، لان مرجعه إلى الاختلال بالشرط نسيانا، وقد عرفت أن حكمه البطلان ووجوب الاعادة.

* * *

فثبت من جميع المسائل الثلاث أن الاصل في الجزء أن يكون نقصه مخلا ومفسدا دون زيادته.

نعم لو دل دليل على قدح زيادته عمدا كان مقتضى القاعدة البطلان بها سهوا، إلا أن يدل دليل على خلافه.

مثل قوله عليه السلام: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة)(١)، بناء على شموله لمطلق الاختلال الشامل للزيادة.

وقوله عليه السلام في المرسلة: (تسجد سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة تدخل عليك)(٢).

فتلخص من جميع ماذكرنا: أن الاصل الاولي فيما ثبت جزئيته الركنية إن فسر الركن بما يبطل الصلاة بنقصه.

وإن عطف على النقص الزيادة عمدا وسهوا، فالاصل يقتضي التفصيل بين النقص والزيادة عمدا وسهوا.

لكن التفصيل بينهما غير موجود في الصلاة، إذ كل ما تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا يبطل بزيادته عمدا وسهوا.

فأصالة البراء‌ه الحاكمة بعدم البأس بالزيادة معارضة، بضميمة عدم الاشتغال الحاكمة ببطلان العبادة بالنقص سهوا.

فإن جوزنا القول بالفصل في الحكم الظاهري الذي يقتضيه الاصول العملية فيما لا فصل فيه من حيث الحكم الواقعي، فيعمل بكل من الاصلين، وإلا فاللازم ترجيح قاعدة الاشتغال على البراء‌ة، كما لا يخفى.

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ١ ص.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ١، ص الوافي، ج ٢، ص ١٤٩.


الصفحة ٤٩٥

هذا كله مع قطع النظر عن القواعد الحاكمة على الاصول.

وأما بملاحظتها فمقتضى: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة)، والمرسلة المذكورة، عدم قدح الزيادة والنقص سهوا، ومقتضى عموم أخبار الزيادة المتقدمة قدح الزيادة عمدا وسهوا.

وبينهما تعارض العموم من وجه في الزيادة السهوية، بناء على إختصاص (لا تعاد) بالسهو.

والظاهر حكومة قوله (لا تعاد) على أخبار الزيادة، لانها كأدلة سائر ما يخل فعله أو تركه بالصلاة، كالحدث والتكلم وترك الفاتحة.

وقوله: (لا تعاد) يفيد أن الاخلال بما دل الدليل على عدم جواز الاخلال به إذا وقع سهوا لا يوجب الاعادة إن كان من حقه أن يوجبها.

والحاصل: أن هذه الصحيحة مسوقة لبيان عدم قدح الاخلال سهوا بما ثبت قدح الاخلال به في الجملة.

ثم لو دل دليل على قدح الاخلال بشئ سهوا كان أخص من الصحيحة إن إختصت بالنسيان وعممت بالزيادة والنقصان.والظاهر أن بعض أدلة الزيادة مختصة بالسهو.

مثل قوله: (إذا إستيقن أنه زاد في المكتوبة إستقبل الصلاة).

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج ٥، ص ٣٣٢.


الصفحة ٤٩٦

الامر الثاني إذا ثبت جزئية شئ أو شرطيته في الجملة، فهل يقتضي الاصل جزئيته وشرطيته المطلقتين حتى إذا تعذر سقط التكليف بالكل أو المشروط أو إختصاص إعتبارها بحال التمكن.فلو تعذر لم يسقط التكليف؟ وجهان بل قولان.

للاول: أصالة من الفاقد وعدم ما يصلح لاثبات التكليف، كما سنبين.

ولا يعارضها إستصحاب وجوب الباقي، لان وجوبه كان مقدمة لوجوب الكل فينتفي بإنتفائه، وثبوت الوجوب النفسي له مفروض الانتفاء.

نعم إذا ورد الامر بالصلاة مثلا وقلنا بكونها إسما للاعم كان ما دل على إعتبار الاجزاء الغير المقومة فيه من قبيل التقييد.

فإذا لم يكن للمقيد إطلاق بأن قام الاجماع على جزئيته في الجملة أو على وجوب المركب من هذا الجزء في حق القادر عليه، كان القادر المتيقن منه ثبوت مضمونه بالنسبة إلى القادر.

أما العاجز فيبقى إطلاق الصلاة بالنسبة إليه سليما عن القيد.ومثل ذلك الكلام في الشروط.

نعم لو ثبت الجزء والشرط بنفس الامر بالكل والمشروط، كما لو قلنا بكون الالفاظ أسامي للصحيح، لزم من إنتفائهما إنتفاء الامر ولا أمر آخر بالعاري عن المفقود.

وكذلك لو ثبت أجزاء المركب من أوامر متعددة، فإن كلا منها أمر غيري إذا إرتفع بسبب العجز إرتفع الامر بذي المقدمة أعني الكل فينحصر الحكم بعدم سقوط الباقي في الفرض الاول كما ذكرنا.

ولا يلزم فيه من ذلك إستعمال لفظ المطلق في المعنيين.

أعني المجرد عن ذلك الجزء بالنسبة إلى العاجز، والمشتمل على ذلك الجزء بالنسبة إلى القادر، لان المطلق، كما بين في موضعه، موضوع للماهية المهملة الصادقة على المجرد عن القيد والمقيد.كيف ولو كان كذلك كان كثير من المطلقات مستعملا كذلك.فإن الخطاب


الصفحة ٤٩٧

الوارد بالصلاة قد خوطب به جميع المكلفين الموجودين أو مطلقا، مع كونهم مختلفين في التمكن من الماء وعدمه في الحضر والسفر والصحة والمرض وغير ذلك.

وكذا غير الصلاة من الواجبات.

وللقول الثاني: إستصحاب وجوب الباقي إذا كان المكلف مسبوقا بالقدرة، بناء على أن المستصحب هو مطلق الوجوب، بمعنى لزوم الفعل، من غير إلتفات إلى كونه لنفسه أو لغيره، أو الوجوب النفسي المعلق بالموضوع الاعم من الجامع لجميع الاجزاء والفاقد لبعضها، ودعوى صدق الموضوع عرفا على هذا المعنى الاعم الموجود في اللاحق ولو مسامحة، فإن أهل العرف يطلقون على من عجز عن السورة بعد قدرته عليها أن الصلاة كانت واجبة عليه حال القدرة على السوره، ولا يعلم بقاء وجوبها بعد العجز عنها، ولو لم يكف هذا المقدار في الاستصحاب لاختل جريانه في كثير من الاستصحابات: مثل إستصحاب كثرة الماء وقلته، فإن الماء المعين الذي أخذ بعضه أو زيد عليه يقال إنه كان كثيرا أو قليلا، والاصل بقاء ما كان، مع أن هذا الماء الموجود لم يكن متيقن الكثرة أو القلة، وإلا لم يعقل الشك فيه.

فليس الموضوع فيه إلا هذا الماء مسامحة في مدخلية الجزء الناقص أو الزائد في المشار إليه.

ولذا يقال في العرف: هذا الماء كان كذا وشك في صيرورته كذا من غير ملاحظه زيادته ونقيصه.

ويدل على المطلب أيضا النبوي والعلويان المرويان في عوالي اللئالي.

فعن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم)(١).

وعن علي عليه السلام: (الميسور لا يسقط بالمعسور)(٢).

وما (ما لا يدرك كله لا يترك كله)(٣).

وضعف إسنادها مجبور بإشتهار التمسك بها بين الاصحاب في أبواب العبادات، كما لا يخفى على المتتبع.

نعم قد يناقش في دلالتها: أما الاولى، فلاحتمال كون (من) بمعنى الباء أو بيانيا، و (ما) مصدرية زمانية.

وفيه: أن كون (من) بمعنى الباء مطلقا وبيانية في خصوص المقام مخالف للظاهر بعيد، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.

والعجب معارضة هذا الظاهر بلزوم تقييد الشئ بناء على المعنى المشهور بما كان له أجزاء حتى يصح الامر بإتيان ما أستطيع منه ثم تقييده بصورة تعذر إتيان جميعه، ثم إرتكاب التخصيص فيه بإخراج ما لا يجري فيه هذه القاعدة إتفاقا، كما في كثير

____________________

(١) عوالي اللئالي، ج ٤، ص ٥٨.

(٢) عوالي اللئالي، ج ٤، ص ٥٨.

(٣) عوالي اللئالي، ج ٤، ص ٥٨.


الصفحة ٤٩٨

من المواضع، إذ لا يخفى أن التقييدين الاولين يستفادان من قوله: (فأتوا منه)، إلخ، وظهوره حاكم عليهما.

نعم، إخراج كثير من الموارد لازم ولا بأس به في مقابل ذلك المجاز البعيد.

والحاصل أن المناقشة في ظهور الرواية، من إعوجاج الطريقة في فهم الخطابات العرفية.

وأما الثانية، فلما قيل من أن معناه أن الحكم الثابت للميسور لا يسقط بسبب سقوط المعسور.ولا كلام في ذلك.

لان سقوط حكم شئ لا يوجب بنفسه سقوط الحكم الثابت للاخر.

[ فتحمل الرواية على دفع توهم السقوط في الاحكام المستقلة التي يجمعها دليل واحد، كما في أكرم العلماء.

] وفيه: أولا، أن عدم السقوط محمول على نفس الميسور لا على حكمه.

فالمراد به عدم سقوط الفعل الميسور بسبب سقوط المعسور، يعني أن الفعل الميسور إذ لم يسقط عند عدم تعسر شئ فلا يسقط بسبب تعسره.وبعبارة أخرى ما وجب عند التمكن من شئ آخر فلا يسقط عند تعذره.

وهذا الكلام إنما يقال في مقام يكون إرتباط وجوب الشئ بالتمكن من ذلك الشئ الاخر محققا ثابتا من دليله، كما في الامر بالكل، أو متوهما كما في الامر بما له عموم أفرادي.

وثانيا، أن ما ذكر من عدم سقوط الحكم الثابت للميسور بسبب سقوط الحكم الثابت للمعسور، كاف في إثبات المطلوب، بناء على ما ذكرنا في توجيه الاستصحاب، من أن اهل العرف يتسامحون فيعبرون عن وجوب باقي الاجزاء بعد تعذر غيرها من الاجزاء ببقاء وجوبها، وعن عدم وجوبها بإرتفاع وجوبها وسقوطه، لعدم مداقتهم في كون الوجوب الثابت سابقا غيريا.

وهذا الوجوب الذي يتكلم في ثبوته وعدمه نفسي، فلا يصدق على ثبوته البقاء ولا على عدمه السقوط والارتفاع.

فكما يصدق هذا الرواية لو شك بعد ورود الامر باكرام العلماء بالاستغراق الافرادي في ثبوت حكم إكرام البعض الممكن الاكرام وسقوطه بسقوط حكم إكرام من يتعذر إكرامه، كذلك يصدق لو شك بعد الامر بالمركب في وجوب [ باقي ] الاجزاء بعد تعذر بعضه، كما لا يخفى.

[ وبمثل ذلك يقال في دفع دعوى جريان الايراد المذكور على تقدير تعلق السقوط بنفس الميسور لا بحكمه، بان يقال: إن سقوط المقدمة لما كان لازما لسقوط فيها فالحكم بعدم الملازمة في الخبر لا بد أن يحمل على الافعال المستقلة في الوجوب، لدفع توهم السقوط الناشي عن إيجابها بخطاب واحد.].

وأما الثالثة، فبما قيل، من أنجملة (لا يترك خبرية لا تفيد إلا الرجحان، مع أنه لو أريد منها الحرمة لزم مخالفة الظاهر فيها، إما بحمل الجملة على مطلق المرجوحية أو إخراج المندوبات، ولا رجحان للتخصيص.

مع أنه قد يمنع كون الجملة إنشاء، لا مكان كونه إخبارا عن طريقة الناس وأنهم لا يتركون الشئ بمجرد عدم إدراك بعضه، مع إحتمال كون لفظ الكل للعموم الافرادي،


الصفحة ٤٩٩

لعدم ثبوت كونه حقيقة في الكل المجموعي، ولا مشتركا معنويا بينه وبين الافرادي.

فلعله مشترك لفظي أو حقيقة خاصة في الافراي، فيدل على أن الحكم الثابت لموضوع عام بالعموم الافرادي إذا لم يمكن الاتيان به على وجه العموم لا يترك موافقته في ما أمكن من الافراد.

ويرد على [ الاول ] ظهور الجملة في الانشاء الالزامي، كما ثبت في محله، مع أنه إذا ثبت الرجحان في الواجبات ثبت الوجوب، لعدم القول بالفصل في المسألة الفرعية.

وأما دوران الامر بين تخصيص الموصول والتجوز في الجملة، فممنوع، لان المراد بالموصول في نفسه ليس هو العموم قطعا، لشموله للافعال المباحة، بل المحرمة، فكما يتعين حمله على الافعال الراجحة بقرينة قوله (لا يترك)، كذلك حمله على الواجبات بنفس هذه القرينة، الظاهرة في الوجوب.

وأما إحتمال كونه إخبارا عن طريقة الناس، فمدفوع بلزوم الكذب أو إخراج أكثر وقائعهم.

وأما إحتمال كون لفظ الكل للعموم الافرادي، فلا وجه له، لان المراد بالموصول هو فعل المكلف.وكله عبارة عن مجموعه.

نعم لو قام قرينة على إرادة المتعدد من الموصول بأن أريد أن الافعال التي لا يدرك كلها، كإكرام زيد وإكرام عمرو وإكرام بكر، لا يترك كلها كان لما احتمله وجه.

لكن لفظ الكل حينئذ أيضا مجموعي لا إفرادي، إذ لو حمل على الافرادي كان المراد: (ما لا يدرك شئ منها لا يترك شئ منها)، ولا معنى له، فما إرتكبه في إحتمال العموم الافرادي مما لا ينبغي له، لم ينفعه في شئ.

فثبت مما ذكرنا: أن مقتضى الانصاف تمامية الاستدلال بهذه الروايات.

ولذا شاع بين العلماء بل جميع الناس الاستدلال بها في المطالب، حتى أنه يعرفه العوام بل النسوان والاطفال.

ثم إن الرواية الاولى والثالثة وإن كانتا ظاهرتين في الواجبات إلا أنه يعلم جريانها في المستحبات بتنقيح المناط العرفي مع كفاية الرواية الثانية في ذلك.

وأما الكلام في المشروط فنقول: إن الاصل فيها ما مر في الاجزاء من كون دليل الشرط إذا لم يكن فيه إطلاق عام بصورة التعذر وكان لدليل المشروط إطلاق، فاللازم الاقتصار في التقييد على حصول التمكن من الشرط.


الصفحة ٥٠٠

وأما القاعدة المستفادة من الروايات المتقدمة، فالظاهر عدم جريانها.

أما الاولى والثالثة، فإختصاصهما بالمركب الخارجي واضح.

وأما الثانية، فلاختصاصهما، كما عرفت سابقا، بالميسور الذي كان له مقتض للثبوت حتى ينفي كون المعسور سببا لسقوطه.

ومن المعلوم أن العمل الفاقد للشرط، كالرقبة الكافرة مثلا، لم يكن المقتضي للثبوت فيه موجودا حتى لا يسقط بتعسر الشرط، وهو الايمان، هذا.

ولكن الانصاف جريانها في بعض الشروط التي يحكم العرف، ولو مسامحة بإتحاد المشروط الفاقد لها مع الواجد لها.

ألا ترى أن الصلاة المشروطة بالقبلة أو الستر أو الطهارة إذ لم يكن فيها هذه الشروط كانت عند العرف هي التي فيها هذه الشروط.فإذا تعذر أحد هذه صدق الميسور على الفاقد لها.ولولا هذه المسامحة لم يجر الاستصحاب بالتقرير المتقدم.

نعم لو كان بين واجد الشرط وفاقده تغاير كلي في العرف، نظير الرقبة الكافرة بالنسبة إلى المؤمنة، أو الحيوان الناهق بالنسبة إلى الناطق، وكذا ماء غير الرمان بالنسبة إلى ماء الرمان، لم تجر القاعدة المذكورة.

ومما ذكرنا يظهر ما في كلام صاحب الرياض، حيث بنى وجوب غسل الميت بالماء القراح، بدل ماء السدر، على أن ليس الموجود في الرواية الامر بالغسل بماء السدر على وجه التقييد، وإنما الموجود: (وليكن في الماء شئ من السدر)(١).

توضيح ما فيه: أنه لا فرق بين العبارتين، فإنه إن جعلنا ماء السدر من القيد والمقيد، كان قوله (وليكن فيه شئ من السدر) كذلك، وإن كان من إضافة الشئ إلى بعض أجزائه كان الحكم فيهما واحدا.

ودعوى: (أنه من المقيد، لكن لما كان الامر الوارد بالمقيد مستقلا فيختص بحال التمكن ويسقط حال الضرورة ويبقى المطلقات غير مقيدة بالنسبة إلى الفاقد)، مدفوعة: بأن الامر في هذا المقيد للارشاد وبيان الاشتراط فلا يسقط بالتعذر، وليس مسوقا لبيان التكليف، إذ التكليف المتصور هنا هو التكليف المقدمي، [ لان جعل السدر في الماء مقدمة للغسل بماء السدر المفروض فيه عدم التركيب الخارجي، لا جزء خارجي له حتى يسقط عنه التعذر.] وتقييده بحال التمكن ناش من تقييد وجوب ذيها، فلا معنى لاطلاق أحدهما وتقييد الاخر، كما لا يخفى على المتأمل.

____________________

(١) الكافي (الفروع)، ج ٣، ص ١٣٩.

(اغسله بماء وسدر).


الصفحة ٥٠١

ويمكن أن يستدل على عدم سقوط المشروط بتعذر شرطه برواية عبدالاعلى مولى آل سام، قال: (قلت لابي عبدالله عليه السلام: عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، إمسح عليه)(١).

فإن معرفة حكم المسألة، أعني المسح على المرارة من آية نفي الحرج، متوقفة على كون تعسر الشرط غير موجب لسقوط المشروط، بأن يكون المنفي بسبب الحرج مباشرة اليد الماسحة للرجل الممسوحة، ولا ينتفي بإنتفائه أصل المسح المستفاد وجوبه من آية الوضوء، إذ لو كان سقوط المعسور، وهي المباشرة، موجبا لسقوط أصل المسح، لم يمكن معرفة وجوب المسح على المرارة من مجرد نفي الحرج، لان نفي الحرج يدل على سقوط المسح في هذا الوضوء رأسا، فيحتاج وجوب المسح على المرارة إلى دليل خاص.

فرعان الاول: لو دار الامر بين ترك الجزء وترك الشرط كما في ما إذا لم يتمكن من الاتيان بزيارة عاشوراء بجميع أجزائها في مجلس واحد، على القول بإشتراط إتحاد المجلس فيها فالظاهر تقديم ترك الشرط، فيأتي بالاجزاء تامة في غير المجلس، لان فوات الوصف أولى من فوت الموصوف، ويحتمل التخيير.

الثاني: لو جعل الشارع للكل بدلا إضطراريا، كالتيمم ففي تقديمه على الناقص وجهان، من أن مقتضى البدلية كونه بدلا عن التام فيقدم على الناقص كالمبدل، ومن أن الناقص حال الاضطرار تام، لانتفاء جزئية المفقود، فيقدم على البدل كالتام ويدل عليه رواية عبدالاعلى المتقدمة.

____________________

(١) الكافي (الفروع)، ج ٣، ص ٣٣ تهذيب الاحكام، ج ١، ص ٣٦٣، ح ١٠٩٧.


الصفحة ٥٠٢

الامر الثالث لو دار الامر بين الشرطية والجزئية، فليس في المقام أصل كلى يتعين به أحدهما، فلا بد من ملاحظة كل حكم يترتب على أحدهما وأنه موافق للاصل أو مخالف.

الامر الرابع لو دار الامر بين كون الشئ شرطا أو مانعا أو بين كونه جزء‌ا أو كونه زيادة مبطلة، ففي التخيير هنا، لانه من دوران الامر في ذلك الشئ بين الوجوب والتحريم أو وجوب الاحتياط بتكرار العبادة وفعلها مرة مع ذلك الشئ وأخرى بدونه، وجهان.

مثاله الجهر بالقراء‌ة في ظهر الجمعة حيث قيل بوجوبه وقيل بوجوب الاخفات وإبطال الجهر، وكالجهر بالبسملة في الركعتين الاخيرتين، وكتدارك الحمد عند الشك فيه بعد الدخول في السورة.

فقد يرجح الاول: أما، بناء على ما اخترناه، من أصالة البراء‌ة مع الشك في الشرطية و الجزئية، فلان المانع من إجراء البراء‌ة عن اللزوم الغيري في كل من الفعل والترك، ليس إلا لزوم المخالفة القطعية.

وهي غير قادحة، لانها لا تتعلق بالعمل، لان واحدا من فعل ذلك الشئ و تركه ضروري مع العبادة، فلا يلزم من العمل بالاصل في كليهما معصية متيقنة.كما كان يلزم في طرح المتبائنين كالظهر والجمعة.

وبتقرير آخر: إذا أتى بالعبادة مع واحد منهما قبح العقاب من جهة إعتبار الاخر في الواقع لو كان معتبرا، لعدم الدليل عليه وقبح المؤاخذة من دون بيان.فالاجزاء المعلومة مما يعلم كون تركها منشأ للعقاب.وأما هذا المردد بين الفعل والترك فلا يصح إستناد العقاب إليه لعدم لعلم به.

وتركهما جميعا غير ممكن، حتى يقال: إن العقاب على تركهما معا ثابت، فلا وجه لنفيه عن كل منهما.


الصفحة ٥٠٣

وأما بناء على وجوب الاحتياط عند الشك في الشرطية والجزئية، فلان وجوب الاحتياط فرع بقاء وجوب الشرط الواقعي المردد بين الفعل والترك، وإيجابه مع الجهل مستلزم لالقاء شرطية الجزم بالنية واقتران الواجب الواقعي بنية الاطاعة به بالخصوص مع التمكن، فيدور الامر بين مراعاة ذلك الشرط المردد وبين مراعاة شرط الجزم بالنية.

وبالجملة، فعدم وجوب الاحتياط في المقام [ يكون ] لمنع إعتبار ذلك الامر المردد بين الفعل والترك في العبادة واقعا في المقام.

نظير القول بعدم وجوب الاحتياط بالصلاة مع إشتباه القبلة، لمنع شرطية الاستقبال مع الجهل، لا لعدم وجوب الاحتياط في الشك في المكلف به.

وقد يرجح الثاني، وإن قلنا بعدم وجوبه في الشك في الشرطية والجزئية، لان مرجع الشك هنا إلى المتبائنين، لمنع جريان أدلة نفي الجزئية والشرطية عند الشك في المقام من العقل والنقل.

وما ذكر من (أن إيجاب الامر الواقعي المردد بين الفعل والترك مستلزم لالغاء الجزم بالنية) مدفوع بإلتزام ذلك، ولا ضير فيه.

ولذا وجب تكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين، وإلى الجهات الاربع، وتكرار الوضوء بالمائين عند إشتباه المطلق والمضاف مع وجودهما، والجمع بين الوضوء والتيمم إذا فقد أحدهما، مع أن ما ذكرنا في نفي كل من الشرطية والمانعية بالاصل إنما يستقيم لو كان كل من الفعل والترك توصليا على تقدير الاعتبار، وإلا فيلزم من العمل بالاصلين مخالفة عملية، كما لا يخفى.

والتحقيق أنه إن قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشك في الشرطية والجزئية وعدم حرمة المخالفة القطعية للواقع إذ لم تكن عملية، فالاقوى التخيير هنا وإلا تعين الجمع بتكرار العبادة، ووجهه يظهر مما ذكرنا.

* * *


الصفحة ٥٠٤


الصفحة ٥٠٥

المطلب الثالث في إشتباه الواجب بالحرام

بأن يعلم أن أحد الفعلين واجب والاخر محرم واشتبه أحدهما بالاخر.

وأما لو علم أن واحدا من الفعل والترك واجب والاخر محرم، فهو خارج عن هذا المطلب.

لانه من دوران الامر بين الوجوب والحرمة الذي تقدم حكمه في (المطلب الثالث) من مطالب الشك في التكليف.

والحكم فيما نحن فيه وجوب الاتيان بأحدهما وترك الاخر مخيرا في ذلك لان الموافقة الاحتمالية في كلا التكليفين أولى من الموافقة القطعية في أحدهما مع المخالفة القطعية في الاخر.

ومنشأ ذلك أن الاحتياط لدفع الضرر المحتمل لا يحسن بإرتكاب الضرر المقطوع، والله العالم.


الصفحة ٥٠٦

خاتمة فيما يعتبر في العمل بالاصل

والكلام، تارة في الاحتياط، وأخرى في البراء‌ة أما الاحتياط فالظاهر أنه لا يعتبر في العمل به أمر زائد على تحقق موضوعه، ويكفي في موضوعه إحراز الواقع المشكوك فيه به ولو كان على خلافه دليل إجتهادي بالنسبة إليه، فإن قيام الخبر الصحيح على عدم وجوب شئ لا يمنع من الاحتياط فيه، لعموم أدلة رجحان الاحتياط، غاية الامر عدم وجوب الاحتياط وهذا مما لا خلاف فيه ولا إشكال.

إنما الكلام يقع في بعض الموارد من جهة تحقق موضوع الاحتياط وإحراز الواقع، كما في العبادات المتوقفة صحتها على نية الوجه، فإن المشهور أن الاحتياط فيها غير متحقق إلا بعد فحص المجتهد عن الطرق الشرعية المثبتة لوجه الفعل وعدم عثوره على طريق منها، لان نية الوجه حينئذ ساقطة قطعا.

فإذا شك في وجوب غسل الجمعة وإستحبابه أو في وجوب السورة وإستحبابها، فلا يصح له الاحتياط بإتيان الفعل قبل الفحص عن الطرق الشرعية، لانه لا يتمكن من الفعل بنية الوجه.

والفعل بدونها غير مجد، بناء على إعتبار نية الوجه لفقد الشرط، فلا يتحقق قبل الفحص إحراز الواقع.

فإذا تفحص: فإن عثر على دليل الوجوب أو الاستحباب أتي بالفعل ناويا لوجوبه أو إستحبابه، وإن لم يعثر عليه فله أن يعمل بالاحتياط، لان المفروض سقوط نية الوجه، لعدم تمكنه منها.

وكذا لا يجوز للمقلد الاحتياط قبل الفحص عن مذهب مجتهده، نعم يجوز له بعد الفحص.

ومن هنا إشتهر بين أصحابنا: (أن عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد غير صحيحة إن علم إجمالا بمطابقتها للواقع، بل يجب أخذ أحكام العبادات عن إجتهاد أو تقليد).


الصفحة ٥٠٧

ثم إن هذه المسألة، أعنى بطلان عبادة تارك الطريقين، يقع الكلام فيها في مقامين، لان العامل التارك في عمله لطريقي الاجتهاد والتقليد، إما أن يكون حين العمل بانيا على الاحتياط وإحراز الواقع، وإما أن لا يكون كذلك.

فالمتعلق بما نحن فيه هو الاول، وأما الثاني فسيجئ الكلام فيه في شروط البراء‌ة.

فنقول: إن الجاهل التارك للطريقين الباقي على الاحتياط على قسمين، لان إحرازه للواقع تارة لا يحتاج إلى تكرار العمل، كالاتي بالسورة في صلاته إحتياطا وغير ذلك من موارد الشك في الشرطية والجزئية، وأخرى يحتاج إلى التكرار، كما في المتبائنين، كالجاهل بوجوب القصر والاتمام في مسيرة أربع فراسخ والجاهل بوجوب الظهر أو الجمعة عليه.

أما الاول، فالاقوى فيه الصحة، بناء على عدم إعتبار نية الوجه في العمل.

والكلام في ذلك قد حررناه في (الفقه) في نية الوضوء.

نعم لو شك في إعتبارها ولم يقلم دليل معتبر من شرع أو عرف حاكم بتحقق الاطاعة بدونها، كان مقتضي الاحتياط اللازم الحكم بعدم الاكتفاء بعبادة الجاهل، حتى على المختار من إجراء البراء‌ة في الشك في الشرطية.

لان هذا الشرط ليس على حد سائر الشروط المأخوذة في المأمور به الواقعة في حيز الامر، حتى إذا شك تعلق الالزام به من الشارع حكم العقل بقبح المؤاخذة المسببة عن تركه والنقل بكونه مرفوعا عن المكلف، بل هو على تقدير إعتباره شرط لتحقق الاطاعة وسقوط المأمور به وخروج المكلف عن العهدة.

ومن المعلوم أن مع الشك في ذلك لا بد من الاحتياط وإتيان المأمور به على وجه يقطع معه بالخروج عن العهدة.

وبالجملة، فحكم الشك في تحقق الاطاعة والخروج عن العهدة بدون الشئ غير حكم الشك في أن أمر المولى متعلق بنفس الفعل لا بشرط أو به بشرط كذا.

والمختار في الثاني البراء‌ة والمتعين في الاول الاحتياط.

لكن الانصاف: أن الشك في تحقق الاطاعة بدون نية الوجه غير متحقق، لقطع العرف بتحققها وعدهم الاتى بالمأمور به بنية الوجه الثابت عليه في الواقع مطيعا وإن لم يعرفه تفصيلاء، بل لا بأس بالاتيان به بقصد القربة المشتركة بين الوجوب والندب من غير أن يقصد الوجه الواقعي المعلوم للفعل إجمالا.

وتفصيل ذلك في (الفقه).

إلا أن الاحوط عدم إكتفاء الجاهل عن الاجتهاد أو التقليد بالاحتياط، لشهرة القول بذلك بين الاصحاب ونقل غير واحد إتفاق المتكلمين على وجوب إتيان الواجب والمندوب لوجوبه أو ندبه


الصفحة ٥٠٨

أو لوجههما.

ونقل السيد الرضي، قدس سره، إجماع أصحابنا على بطلان صلاة من صلى صلاة لا يعلم أحكامها، وتقرير أخيه الاجل علم الهدى، قدس سره، له على ذلك في مسألة الجاهل بالقصر.

بل يمكن أن يجعل هذان الاتفاقان المحكيان من أهل المعقول والمنقول المعتضدان بالشهرة العظيمة دليلا في المسألة فضلا عن كونهما منشأ للشك الملزم للاحتياط، كما ذكرنا.

وأما الثاني، وهو ما يتوقف الاحتياط فيه على تكرار العبادة، فقد يقوى في النظر أيضا جواز ترك الطريقين فيه إلى الاحتياط بتكرار العبادة، بناء على عدم إعتبار نية الوجه.

لكن الانصاف عدم العلم بكفاية هذا النحو من الاطاعة الاحتمالية وقوة إحتمال إعتبار الاطاعة التفصيلية في العبادة بأن يعلم المكلف حين الاشتغال بما يجب عليه أنه هو الواجب عليه.

ولذا يعد تكرار العبادة لاحراز الواقع مع التمكن من العلم التفصيلي به أجنبيا عن سيرة المتشرعة، بل من أتى بصلوات غير محصورة لاحراز شروط صلاة واحدة بأن صلى في موضع تردد فيه القبلة بين أربع جهات في خمسة أثواب، أحدها طاهر، ساجدا على خمسة أشياء: أحدها ما يصح السجود عليه، مائة صلاة مع التمكن من صلاة واحدة يعلم فيها تفصيلا إجتماع الشروط الثلاثة يعد في الشرع والعرف لاعبا بأمر المولى.

والفرق بين الصلاة الكثيرة وصلاتين لا يرجع إلى محصل.

نعم لو كان ممن لا يتمكن من العلم التفصيلي، كان ذلك منه محمودا مشكورا.

وببالي أن صاحب الحدائق، قدس سره، قد يظهر منه دعوى الاتفاق على عدم مشروعية التكرار مع التمكن من العلم التفصيلي.

ولقد بالغ الحلي في السرائر حتى اسقط إعتبار الشرط المجهول تفصيلا ولم يجوز التكرار المحرز له، فأوجب الصلاة عاريا على من عنده ثوبان مشتبهان ولم يجوز تكرار الصلاة فيها مع ورود النص به، لكن من طريق الآحاد، مستندا في ذلك إلى وجوب مقارنة الفعل الواجب لوجهه.

وكما لا يجوز الدخول في العمل بانيا على إحراز الواقع بالتكرار، وكذا لا يجوز بانيا على الفحص بعد الفراغ، فإن طابق الواقع وإلا أعاده.

ولو دخل في العبادة بنية الجزم، ثم إتفق له ما يوجب تردده في الصحة ووجوب الاتمام وفي البطلان ووجوب الاستيناف، ففي جواز الاتمام بانيا على الفحص بعد الفراغ والاعادة مع المخالفة وعدمه وجهان: من إشتراط العلم بالصحة حين العمل كما ذكرنا، ولذا لم يجوز هذا من أول الامر.


الصفحة ٥٠٩

وبعبارة أخرى الجزم بالنية معتبر في الاستدامة كالابتداء، ومن أن المضي في العمل ولو مترددا بانيا على إستكشاف حاله بعد الفراغ، محافظة على عدم إبطال العمل المحتمل حرمته واقعا على تقدير صحته، ليس بأدون من الاطاعة التفصيلية ولا يأباه العرف ولا سيرة المشترعة.

وبالجملة فما اعتمد عليه في عدم جواز الدخول في العمل مترددا من السيرة العرفية والشرعية غير جار في المقام.

ويمكن التفصيل بين كون الحادث الموجب للتردد في الصحة مما وجب على المكلف تعلم حكمه قبل الدخول في الصلاة لعموم البلوى، كأحكام الخلل الشائع وقوعها وإبتلاء المكلف بها.

فلا يجوز لتارك معرفتها إذا حصل له التردد في الاثناء المضي والبناء على الاستكشاف بعد الفراغ، لان التردد حصل من سوء إختياره.

فهو في مقام الاطاعة كالداخل في العمل مترددا، وبين كونه مما لا يتفق إلا نادرا.ولاجل ذلك لا يجب تعلم حكمه قبل الدخول للوثوق بعدم الابتلاء غالبا.فيجوز هنا المضي في العمل على الوجه المذكور.هذا بعض الكلام في الاحتياط.


الصفحة ٥١٠

وأما البراء‌ة فإن كان الشك الموجب للرجوع إليها من جهة الشبهة في الموضوع، فقد تقدم أنها غير مشروطة بالفحص عن الدليل المزيل لها، وإن كان من جهة الشبهة في الحكم الشرعي، فالتحقيق أن ليس لها إلا شرط واحد، وهو الفحص عن الادلة الشرعية.والكلام يقع تارة في اصل الفحص وأخرى في مقداره.

أما وجوب أصل الفحص وحاصله عدم معذورية الجاهل المقصر في التعلم فيدل عليه وجوه:

الاول: الاجماع القطعي على عدم جواز العمل بأصل البراء‌ه قبل إستفراغ الوسع في الادلة.

الثاني: الادلة الدالة على وجوب تحصيل العلم، مثل آيتي النفر للتفقه وسؤال أهل الذكر والاخبار الدالة على وجوب تحصيل العلم وتحصيل التفقه والذم على ترك السؤال.

الثالث: ما دل على مؤاخذة الجهال بفعل المعاصي المجهولة المستلزم لوجوب تحصيل العلم، لحكم العقل بوجوب التحرز عن مضرة العقاب.

مثل قوله صلى الله عليه وآله، فيمن غسل مجدورا أصابته جنابة، فكز، فمات: (قتلوه، قتلهم الله.

ألا سألوا، ألا يمموه)(١).

وقوله صلى الله عليه وآله لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لاستماع الغناء: (ما كان اسوء حالك لو مت على هذه الحالة)(٢)، ثم أمره بالتوبة وغسلها.

____________________

(١) الكافي (الفروع)، ج ٣، ص ٦٨.

(٢) مستدرك الوسائل، ج ٢ ص ٤٥٩.


الصفحة ٥١١

وما ورد في تفسير قوله تعالى: (فلله الحجة البالغة) من أنه: (يقال للعبد يوم القيامة: (هل علمت.

فإن قال: نعم، قيل: فهلا عملت.

وإن قال لا، قيل له: هلا تعلمت حتى تعمل)(١).

وما رواه القمي في تفسير قوله تعالى: (الذين تتوفهم الملائكة ظالمي أنفسهم): (نزلت فيمن اعتزل عن أمير المؤمنين عليه السلام ولم يقاتل معه.

(قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض) أي لم نعلم من الحق فقال الله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)، أي دين الله وكتابه واضحا متسعا، فتنظروا فيه، فترشدوا وتهتدوا به سبيل الحق)(٢).

الرابع: أن العقل لا يعذر الجاهل القادر على الاستعلام في المقام الذي نظيره في العرفيات ما إذا ورد من يدعي الرسالة من المولى وأتى بطومار يدعي أن الناظر فيه يطلع على صدق دعويه أو كذبها، فتأمل.

والنقل الدال على البراء‌ة في الشبهة الحكمية معارض بما تقدم من الاخبار الدالة على وجوب الاحتياط حتى يسأل عن الواقعة.

كما في صحيحة عبدالرحمن المتقدمة، وما دل على وجوب التوقف بناء على الجمع بينها وبين أدلة البراء‌ه بحملها على صورة التمكن من إزالة الشبهة.

الخامس: حصول العلم الاجمالي لكل أحد قبل الاخذ في إستعلام المسائل بوجود واجبات ومحرمات كثيرةفي الشريعة ومعه لا يصح التمسك بأصل البراء‌ة، لما تقدم من أن مجراه للشك في أصل التكليف لا في المكلف به مع العلم بالتكليف.

فإن قلت: إذا علم المكلف تفصيلا بعدة أمور من الواجبات والمحرمات يحتمل إنحصار التكاليف فيها كان الشك بالنسبة إلى مجهولاته شكا في أصل التكليف.

وبتقرير آخر: إن كان إستعلام جملة من الواجبات والمحرمات تفصيلا موجبا لكون الشك في الباقي شكا في أصل التكليف، فلا مقتضي لوجوب الفحص وعدم الرجوع إلى البراء‌ة وإلا لم يجز الرجوع إلى البراء‌ة ولو بعد الفحص، إذ الشك في المكلف به فلا يرجع فيه إلى البراء‌ة ولو بذل الجهد في الفحص وطلب الحكم الواقعي.

[ فإن قلت: هذا يقتضي عدم جواز الرجوع إلى البراء‌ة في أول الامر ولو بعد الفحصن لان الفحص لا يوجب جريان البراء‌ة مع العلم الاجمالي.].

قلت: المعلوم إجمالا وجود التكاليف الواقية في الوقائع التي يقدر على الوصول إلى مداركها.

وإذا تفحص وعجز عن الوصول إلى مدارك الواقعة خرجت تلك الواقعة عن الوقائع التي علم إجمالا بوجود التكاليف فيها فيرجع إلى البراء‌ة، هذا.

ولكن لا يخلو عن نظر، لان العلم الاجمالي إنما هو بين

____________________

(١) الامالي، ص ٩ الصافي، ص ٥٥٥. (٢) تفسير القمى الصافي، ص ٣٨٧.


الصفحة ٥١٢

جميع الوقايع من غير مداخلية تمكن المكلف من الوصول إلى مدارك التكليف وعجزه عن ذلك.فدعوى إختصاص أطراف العلم الاجمالي بالوقايع المتمكن من الوصول إلى مداركها مجازفة.مع أن هذا الدليل إنما يوجب الفحص قبل إستعلام جملة من التكاليف يحتمل إنحصار المعلوم إجمالا فيها.فتأمل، وراجع ما ذكرنا في رد إستدلال الاخباريين على وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية بالعلم الاجمالي.وكيف كان.

فالاولى ما ذكر في (الوجه الرابع) من أن العقل لا يعذر الجاهل القادر على الفحص، كما لا يعذر الجاهل بالمكلف به العالم به إجمالا.ومناط عدم المعذورية في المقامين هو عدم قبح مؤاخذة الجاهل فيهما.فإحتمال الضرر بإرتكاب الشبهة غير مندفع بما يأمن معه من ترتب الضرر.ألا ترى أنهم حكموا بإستقلال العقل، بوجوب النظر في معجزة مدعي النبوة وعدم معذوريته في تركه مستندين في ذلك إلى وجوب دفع الضرر المحتمل، لا إلى أنه شك في المكلف به.

هذا كله، مع أن في الوجه الاول وهو الاجماع القطعي كفاية.ثم إن في حكم أصل البراء‌ة كل أصل عملي خالف الاحتياط.

بقي الكلام في حكم الاخذ بالبراء‌ة مع ترك الفحص والكلام فيه إما في إستحقاقه العقاب وإما في صحة العمل الذي أخذ فيه بالبراء‌ة.أما العقاب فالمشهور أنه على مخالفة الواقع لو إتفقت.

فإذا شرب العصير العنبي من غير فحص عن حكمه، فإن لم يتفق كونه حراما واقعا فلا عقاب، ولو إتفقت حرمته كان العقاب على شرب العصير، لا على ترك التعلم.

أما الاول، فلعدم المقتضي للمؤاخذة عدا ما يتخيل من ظهور أدلة وجوب الفحص وطلب تحصيل العلم في الوجوب النفسي.

وهو مدفوع: بأن المستفاد من أدلته بعد التأمل إنما هو وجوب الفحص لئلا يقع في مخالفة الواقع، كما لا يخفى، أو ما يتخيل من قبح التجري بناء على أن الاقدام على ما لا يؤمن كونه مضرة، كالاقدام على ما يعلم كونه كذلك.

كما صرح به جماعة، منهم الشيخ في العدة وأبوالمكارم في الغنية.لكنه قد أسلفنا في صغرى وكبرى هذا الدليل.

وأما الثاني، فلوجود المقضتي، وهو الخطاب الواقعي الدال على وجوب الشئ أو تحريمه.ولا مانع


الصفحة ٥١٣

منه عدا ما يتخيل من جهل المكلف به.

وهو غير قابل للمنع عقلا ولا شرعا: أما العقل، فلا يقبح مؤاخذة الجاهل التارك للواجب إذا علم أن بناء الشارع على تبليغ الاحكام على النحو المعتاد المستلزم لاختفاء بعضها لبعض الدواعي وكان قادرا على إزالة الجهل عن نفسه.

وأما النقل، فقد تقدم عدم دلالته على ذلك، وأن الظاهر منها، ولو بعد ملاحظة ما تقدم من أدلة الاحتياط، الاختصاص بالعاجز، مضافا إلى ما تقدم في بعض الاخبار المتقدمة في (الوجه الثالث) المؤيدة بغيرها.

مثل رواية تيمم عمار المتضمنة لتوبيخ النبي، صلى الله عليه وآله، إياه بقوله: (افلا صنعت هكذا)(١).

وقد يستدل أيضا بالاجماع على مؤاخذة الكفار على الفروع معهم مع أنهم جاهلون بها.

وفيه: أن معقد الاجماع تساوي الكفار والمسلمين في التكليف بالفروع كالاصول ومؤاخذتهم عليها بالشروط المقررة للتكليف.وهذا لا ينفي دعوى إشتراط العلم بالتكليف في حق المسلم والكافر.وقد خالف فيما ذكرنا صاحب المدارك تبعا لشيخه المحقق الاردبيلي، حيث جعلا عقاب الجاهل على ترك التعلم بقبح تكليف الغافل.وفهم منه بعض المدققين أنه قول بالعقاب على ترك المقدمه دون ذي المقدمة.

ويمكن توجيه كلامه بإرادة إستحقاق عقاب ذي المقدمه حين ترك المقدمة، فإن من شرب العصير العنبي غير ملتفت حين الشرب إلى إحتمال كونه حراما قبح توجه النهي إليه في هذا الزمان، لغفلته، وإنما يعاقب على النهي الموجه إليه قبل ذلك حين إلتفت إلى أن في الشريعة تكاليف لا يمكن إمتثالها إلا بعد معرفتها.فإذا ترك المعرفة عوقب عليه من حيث إفضائه إلى مخالفة تلك التكاليف.ففي زمان الارتكاب لا تكليف، لانقطاع التكاليف حتى ترك المقدمة وهي المعرفة.

ونظيره من ترك قطع المسافة في آخر أزمنة الامكان، حيث أنه يستحق أن يعاقب عليه، لافضائه إلى ترك أفعال الحج في أيامها، ولا يتوقف إستحقاق عقابه على حضور زمان أيام الحج وأفعاله.وحينئذ.

فإن أراد المشهور توجه النهي إلى الغافل حين غفلته، فلا ريب في قبحه، وإن أرادوا إستحقاق العقاب على المخالفة وإن لم يتوجه إليه نهي وقت المخالفة: فإن أرادوا أن الاستحقاق على

____________________

(١) الكافي (الفروع)، ج ٣، ص ٦٢: (يا عمار، تمعكت كما تتمعك الدابة).


الصفحة ٥١٤

المخالفة وقت المخالفة لا قبلها لعدم تحقق معصيته.

ففيه أنه لا وجه لترقب حضور زمان المخالفة لصيرورة الفعل مستحيل الوقوع لاجل تكر المقدمة مضافا إلى شهادة العقلاء قاطبة بحسن مؤاخذة من رمى سهما لا يصيب زيدا ولا يقتله إلا بعد مدة مديدة بمجرد الرمي، وإن أرادوا إستحقاق العقاب في زمان ترك المعرفة على ما يحصل بعد من المخالفة، فهو حسن لا محيص عنه، هذا.

ولكن بعض كلماتهم ظاهرة في الوجه الاول، وهو توجه النهي إلى الجاهل حين عدم التفاته، فانهم يحكمون بفساد الصلاة في المغصوب جاهلا بالحكم، لان الجاهل كالعامد وأن التحريم لا يتوقف على العلم به، ولو لا توجه النهي إليه حين المخالفة لم يكن وجه للبطلان، بل كان كناسي الغصبية.

والاعتذار عن ذلك بأنه يكفي في البطلان إجتماع الصلاة المأمور بها مع ما هو مبغوض في الواقع ومعاقب عليه ولو لم يكن منهيا عنه بالفعل مدفوع، مضافا إلى عدم صحته في نفسه، بأنهم صرحوا بصحة صلاة من توسط أرضا مغصوبة في حال الخروج عنها لعدم النهي عنه وإن كان آثما بالخروج.

[ إلا أن يفرق بين المتوسط للارض المغصوبة وبين الغافل بتحقق المبغوضية في الغافل وإمكان تعلق الكراهة الواقعية بالفعل المغفول عن حرمته مع بقاء الحكم الواقعي بالنسبة إليه، لبقاء الاختيار فيه وعدم ترخيص الشارع للفعل في مرحلة الظاهر بخلاف المتوسط، فإنه يقبح منه تعلق الكراهة الواقعية بالخروج، كالطلب الفعلي لتركه، لعدم التمكن من ترك الغصب.

ومما ذكرنا من عدم الترخيص يظهر الفرق بين جاهل الحكم وجاهل الموضوع المحكوم بصحة عبادته مع الغصب وإن فرض فيه الحرمة الواقعية.نعم يبقى الاشكال في ناسي الحكم خصوصا المقصر.

وللتأمل في حكم عبادته مجال، بل تأمل بعضهم في ناسي الموضوع، لعدم ترخيص الشرعي من جهة الغفلة، فافهم ].

ومما يؤيد إرادة المشهور للوجه الاول دون الاخير أنه يلزم حينئذ عدم العقاب في التكاليف الموقتة التي لا تتنجز على المكلف إلا بعد دخول أوقاتها.

فإذا فرض غفلة المكلف عند الاستطاعة عن تكليف الحج، والمفروض أن لا تكليف قبلها، فلا سبب هنا لاستحقاق العقاب راسا.

أما حين الاتفات إلى إمتثال تكليف الحج، فلعدم التكليف به لفقد الاستطاعة، وأما بعد الاستطاعة فلفقد الالتفات وحصول الغفلة.وكذلك الصلاة والصيام بالنسبة إلى أوقاتها.ومن هنا قد يلجأ إلى ما يأباه كلام صاحب المدارك ومن تبعه، من أن العلم واجب نفسي


الصفحة ٥١٥

والعقاب على تركه من حيث هو، لا من حيث إفضائه إلى المعصية، أعني ترك الواجبات وفعل المحرمات المجهولة تفصيلا.

وما دل بظاهره من الادلة المتقدمة على كون وجوب تحصيل العلم من باب المقدمة محمول على بيان الحكمة في وجوبه وأن الحكمه في إيجابه لنفسه صيرورة المكلف قابلا للتكليف بالواجبات والمحرمات حتى لا يفوته منفعة التكليف بها ولا تناله مضرة إهماله عنها.فإنه قد يكون الحكمة في وجوب الشئ لنفسه صيرورة المكلف قابلا للخطاب.

بل الحكمة الظاهرة في الارشاد وتبليغ الانبياء والحجج ليست إلا صيرورة الناس عالمين قابلين للتكاليف.

لكن الانصاف: ظهور أدلة وجوب العلم في كونه واجبا غيريا، مضافا إلى ما عرفت من الاخبار في الوجه الثالث الظاهرة في المؤاخذة على نفس المخالفة.

ويمكن أن يلتزم حينئذ بإستحقاق العقاب على ترك تعلم التكاليف الواجب مقدمة وإن كانت مشروطة بشروط مفقودة حين الالتفات إلى ما يعلمه إجمالا من الواجبات المطلقة و المشروطة، لاستقرار بناء العقلاء في مثال الطومار المتقدم على عدم الفرق في المذمة على ترك التكاليف المسطورة فيه بين المطلقة والمشروطة، فتأمل.

هذا خلاصة الكلام بالنسبة إلى عقاب الجاهل التارك للفحص العالم بما يطابق البراء‌ة.

وأما الكلام في الحكم الوضعي وهي صحة العمل الصادر من الجاهل وفساده فيقع الكلام فيه تارة في المعاملات، وأخرى في العبادات.

أما المعاملات: فالمشهور فيها أن العبرة فيها بمطابقة الواقع ومخالفته، سواء وقعت عن أحد الطريقين أعني الاجتهاد والتقليد أم لا عنهما.فاتفقت مطابقته للواقع، لانها من قبيل الاسباب لامور شرعية.فالعلم والجهل لا مدخل له في تأثيرها وترتب المسببات عليها.فمن عقد على إمرأة لا يعرف تأثيره في حلية الوطئ فانكشف بعد ذلك صحته، كفى في صحته من حين وقوع.وكذا لو إنكشف فساده رتب عليه حكم الفاسد من حين الوقوع.وكذا من


الصفحة ٥١٦

ذبح ذبيحة بفري ودجيه، فانكشف كونه صحيحا أو فاسدا، ولو رتب عليه أثر قبل الانكشاف، فحكمه في العقاب ما تقدم من كونه مراعى بمخالفة الواقع كما إذا وطئها، فإن العقاب عليه مراعى.

وأما حكمه الوضعي كما لو باع لحم تلك الذبيحة فكما ذكرنا هنا من مراعاته حتى ينكشف الحال.

* * *

ولا إشكال فيما ذكرنا بعد ملاحظة أدله سببية تلك المعاملات، ولا خلاف ظاهرا في ذلك أيضا إلا من بعض مشايخنا المعاصرين، قدس سره، حيث أطال الكلام هنا في تفصيل ذكره بعد مقدمة هي: أن العقود والايقاعات، بل كل ما جعله الشارع سببا، لهما حقائق واقعية هي ما قرره الشارع أولا، وحقائق ظاهرية هي ما يظنه المجتهد أنه ما وضعه الشارع، وهي قد تطابق الواقعية وقد تخالفها.

ولما لم يكن لنا سبيل في المسائل الاجتهادية إلى الواقعية فالسبب والشرط والمانع في حقنا هي الحقائق الظاهرية ومن البديهيات التي إنعقد عليها الاجماع بل الضرورة أن ترتب الآثار على الحقائق الظاهرية يختلف بالنسبة إلى الاشخاص.فإن ملاقاة الماء القليل للنجاسة سبب لتنجسه عند واحد دون غيره.وكذا قطع الحلقوم للتذكية والعقد الفارسي للتمليك أو الزوجية.

وحاصل ما ذكره من الفصيل: أن غير المجتهد والمقلد على ثلاثة أقسام، لانه إما غافل عن إحتمال كون ما أتى به من المعاملة مخالفا للواقع، وإما أن يكون غير غافل، بل يترك التقليد مسامحة.

فالاول: في حكم المجتهد أو المقلد، لانه يتعبد بإعتقاده كتعبد المجتهد بإجتهاده والمقلد بتقليده ما دام غافلا.

فإذا تنبه فإن وافق إعتقاده قول من يقلده فهو، وإلا كان كالمجتهد المتبدل رأيه، وقد مر حكمه في باب رجوع المجهتد.

وأما الثاني وهو المتفطن لاحتمال مخالفة ما أوقعه من المعاملة للواقع فإما أن يكون ما صدر عنه موافقا أو مخالفا للحكم القطعي الصادر من الشارع وإما أن لا يكون كذلك، بل كان حكم المعاملة ثابتا بالظنون الاجتهادية.


الصفحة ٥١٧

أنه ثبت من الشارع قطعا أن المعاملة الفلانية سبب لكذا وليس معتقدا لخلافه حتى يتعبد بخلافه ولا دليل على التقييد في مثله بعلم وإعتقاد، ولا يقدح كونه محتملا للخلاف أو ظانا به، لانه مأمور بالفحص والسؤال.

كما أن من إعتقد حلية الخمر مع إحتمال الخلاف يحرم عليه الخمر وإن لم يسأل، لانه مأمور بالسؤال.

وأما الثاني: فالحق عدم ترتب الاثر في حقه ما دام باقيا على عدم التقليد، بل وجود المعاملة كعدمها سواء طابقت على أحد الاقوال أم لا.

إذ المفروض عدم القطع بالوضع الواقعي من الشارع بل هو مظنون للمجتهد فترتب الاثر إنما هو في حقه.

ثم إن قلد بعد صدور المعاملة المجتهد القائل بالفساد، فلا إشكال فيه، وإن قلد من يقول بترتب الاثر فالتحقيق فيه التفصيل بما مر في نقض الفتوى [ بالمعنى الثالث، فيقال ] من أن ما لم يختص أثره بمعين أو بمعينين كالطهارة والنجاسة والحلية والحرمة وأمثالها يترتب عليه الاثر.

فإذا غسل ثوبه من البول مرة بدون تقليد أو اكتفى في الذبيحة بقطع الحلقوم مثلا كذلك، ثم قلد من يقول بكفاية الاول في الطهارة والثاني في التذكية، ترتب الاثر على فعله السابق، إذ المغسول يصير طاهرا بالنسبة إلى كل من يرى ذلك.وكذا المذبوح حلالا بالنسبة إليه كل من يرى ذلك ولا يشترط كونه مقلدا حين الغسل والذبح.

وأما ما يختص أثره بمعين أو معينين، كالعقود والايقاعات وأسباب شغل الذمة وأمثالها، فلا يترتب عليه الاثر، إذ آثار هذه الامور لا بد أن تتعلق بالمعين، إذ لا معنى لسببية عقد صادر عن رجل خاص على إمرأة خاصة لحليتها على كل من يرى جواز هذا العقد ومقلديه.

وهذا الشخص حال العقد لم يكن مقلدا فلم يترتب في حقه الاثر كما تقدم، وأما بعده وإن دخل في مقلديه لكن لا يفيد لترتب الاثر في حقه، إذ المظنون لمجتهده سببية هذا العقد متصلا بصدوره للاثر ولم يصر هذا سببا كذلك.

وأما السببية المنفصلة فلا دليل عليها، إذ ليس هو مظنون المجتهد ولا دليل على كون الدخول في التقليد كإجازة المالك، والاصل في المعاملات الفساد.

مع أن عدم ترتب الاثر كان ثابتا قبل التقليد فيستصحب)(١)، إنتهى كلامه ملخصا.

____________________

(١) النراقي، مناهج الاحكام، ص ٣١١.


الصفحة ٥١٨

والمهم في المقام بيان ما ذكره في المقدمة، من أن كل ما جعله الشارع من الاسباب لها حقائق واقعية وحقائق ظاهرية، فنقول بعد الاغماض عما هو التحقيق عندنا تبعا للمحققين، من أن التسبيبات الشرعية راجعة إلى تكاليف شرعية: - إن الاحكام الوضعية على القول بتأصلها هي الامور الواقعية المجعولة للشارع، نظير الامور الخارجية الغير المجعولة كحياة زيد وموت عمرو، ولكن الطريق إلى تلك المجعولات كغيرها قد يكون هو العلم وقد يكون هو الظن الاجتهادي أو التقليد، وكل واحد من الطرق قد يحصل قبل وجود ذي الاثر وقد يحصل معه وقد يحصل بعده.

ولا فرق بينهما في أنه بعد حصول الطريق يجب ترتيب الاثر على ذي الاثر من حين حصوله.

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كان العقد الصادر من الجاهل سببا للزوجية، فكل من حصل له إلى سببية هذا العقد عقلي أعني العلم أو جعلي بالظن الاجتهادي أو التقليد يترتب في حقه أحكام تلك الزوجية من غير فرق بين نفس الزوجين وغيرهما.

فإن أحكام زوجية هند لزيد ليست مختصة بهما، فقد يتعلق بثالث حكم مترتب على هذه الزوجية كأحكام المصاهرة وتوريثها منه والانفاق عليها من ماله وحرمة العقد عليها حال حياته.ولا فرق بين حصول هذا الطريق حال العقد أو قبله أو بعده.ثم إنه إذا اعتقد سببيته وهو في الواقع غير سبب فلا يترتب عليه شئ في الواقع.نعم لا يكون مكلفا بالواقع ما دام معتقدا.فإذا زال الاعتقاد رجع الامر إلى الواقع وعمل على مقتضاه.وبالجملة فحال الاسباب الشرعية حال الامور الخارجية كحياة زيد وموت عمرو.

فكما أنه لا فرق بين العلم بموت زيد بعد مضي مدة من موته وبين قيام الطريق الشرعي في وجوب ترتيب آثار الموت من حينه، فكذلك لا فرق بين حصول العلم بسببية العقد لاثر بعد صدوره وبين الظن الاجتهادي به بعد الصدور، فإن مؤدى الظن الاجتهادي الذي يكون حجة له وحكما ظاهريا في حقه هو كون هذا العقد المذكور حين صدوره محدثا لعلاقة الزوجية بين زيد وهند.والمفروض أن دليل حجية هذا الظن لا يفيد سوى كونه طريقا إلى الواقع.فأي فرق بين صدور العقد ظانا بكونه سببا وبين الظن به بعد صدوره.وإذا تأملت في ما ذكرنا عرفت مواقع النظر في كلامه المتقدم فلا نطيل بتفصيلها.

ومحصل ما ذكرنا: أن الفعل الصادر من الجاهل باق على حكمه الواقعي التكليفي والوضعي.فإذا لحقه العلم أو الظن الاجتهادي أو القليد كان هذا الطريق كاشفا حقيقيا أو جعليا عن حاله


الصفحة ٥١٩

حين الصدور، فيعمل بمقتضى ما إنكشف.

بل حققنا في مباحث الاجتهاد والتقليد أن الفعل الصادر من المجتهد أو المقلد أيضا باق على حكمه الواقعي.

فإذا لحقه إجتهاد مخالف للسابق كانت كاشفا عن حاله حين الصدور، فيعمل بمقتضى ما انكشف خلافا لجماعة، حيث تخيلوا أن الفعل الصادر عن إجتهاد أو تقليد إذا كان مبنيا على الدوام وإستمرار الاثار، كالزوجية والملكية، لا يؤثر فيه الاجتهاد اللاحق، وتمام الكلام في محله.

وربما يتوهم: الفساد في معاملة الجاهل من حيث الشك في ترتب الاثر على ما يوقعه، فلا يتأتى منه قصد الانشاء في العقود والايقاعات.

وفيه: أن قصد الانشاء إنما يحصل بقصد تحقق مضمون الصيغة وهو الانتقال في البيع والزوجية في النكاح.

وهذا يحصل مع القطع بالفساد شرعا، فضلا عن الشك فيه.ألا ترى أن الناس يقصدون التمليك في القمار وبيع المغصوب وغيرهما من البيوع الفاسدة.

ومما ذكرنا يظهر أنه لا فرق في صحة معاملة الجاهل مع إنكشافها بعد العقد بين شكه في الصحة حين صدورها وبين قطعه بفسادها، فافهم، هذا كله حال المعاملات.

وأما العبادات: فملخص الكلام فيها: أنه إذا أوقع الجاهل عبادة عمل فيها بما يقتضيه البراء‌ة، كأن صلى بدون السورة، فإن كان حين العمل متزلزلا في صحة عمله بانيا على الاقتصار عليه في الامتثال، فلا إشكال في الفساد وإن إنكشف الصحة بعد ذلك بلا خلاف في ذلك ظاهرا، لعدم تحقق نية القربة، لان الشاك في كون المأتي به موافقا للمأمور به كيف يتقرب به وما يرى من الحكم بالصحة فيما شك في صدور الامر به على تقدير صدوره، كبعض الصلوات والاغسال التي لم يرد بها نص معتبر وإعادة بعض العبادات الصحيحة ظاهرا من باب الاحتياط فلا يشبه ما نحن فيه، لان الامر على تقدير وجوده هناك لا يمكن قصد إمتثاله إلا بهذا النحون فهو أقصى ما يمكن هناك من الامتثال، بخلاف ما نحن فيه حيث يقطع بوجود أمر من الشارع، فإن إمتثاله لا يكون إلا بإتيان ما يعلم مطابقته له وإتيان ما يحتمله لاحتمال مطابقته له لا يعد إطاعة عرفا.

وبالجملة فقصد التقرب شرط في صحة العبادة إجماعا، نصا وفتوى، وهو لا يتحقق مع الشك في كون العمل مقربا.

وأما قصد التقرب في الموارد المذكوره من الاحتياط فهو غير ممكن على وجه الجزم، والجزم فيه


الصفحة ٥٢٠

غير معتبر إجماعا، إذ لولاه لم يتحقق إحتياط في كثير من الموارد مع رجحان الاحتياط فيها إجماعا.

وكيف كان فالعامل بما يقتضيه البراء‌ة مع الشك حين العمل لا يصح عبادته وإن انكشف مطابقته للواقع.

أما لو غفل عن ذلك أو سكن إلى قول من يسكن إليه من أبويه وأمثالهما، فعمل بإعتقاد التقرب، فهو خارج عن محل كلامنا الذي هو في عمل الجاهل الشاك قبل الفحص بما يقتضيه البراء‌ة، إذ مجرى البراء‌ة في الشاك دون الغافل او معتقد الخلاف.

وعلى أي حال، فالاقوى صحته إذا انكشف مطابقته للواقع، إذ لا يعتبر في العبادة إلا إتيان المأمور به على قصد التقرب والمفروض حصوله والعلم بمطابقته للواقع أو الظن بها من طريق معتبر غير معتبر في صحة العبادة لعدم الدليل، فإن أدلة وجوب رجوع المجتهد إلى الادلة ورجوع المقلد إلى المجتهد إنما هي لبيان الطرق الشرعية التي لا يقدح مع موافقتها مخالفة الواقع، لا لبيان إشتراط كون الواقع مأخوذا من هذه الطرق، كما لا يخفى على من لاحظها.

ثم إن مراة مطابقة العمل الصادر للواقع العلم بها أو الطريق الذي يرجع إليه المجتهد أو المقلد.

وتوهم: (أن ظن المجتهد أو فتواه لا يؤثر في الواقعة السابقة)، غلط، لان مؤدى ظنه نفس الحكم الشرعي الثابت للاعمال الماضية والمستقبلة.

وأما ترتيب الاثر على الفعل الماضي فهو بعد الرجوع، فإن فتوى المجتهد بعدم وجوب السورة كالعلم، في أن أثرها قبل العمل عدم وجوب السورة في الصلاة وبعد العمل عدم وجوب إعادة الصلاة الواقعة من غير سورة، كما تقدم نظير ذلك في المعاملات.


الصفحة ٥٢١

ولنختم الكلام في الجاهل العامل قبل الفحص بامور الاول هل العبرة في باب المؤاخذة والعدم لموافقة الواقع الذي يعتبر مطابقة العمل له ومخالفته، وهو الواقع الاولي الثابت في كل واقعة عند المخطئة، فإذا فرضنا العصير العنبي الذي تناوله الجاهل حراما في الواقع وفرض وجود خبر معتبر يعثر عليه بعد الفحص على الحلية فيعاقب ولو عكس الامر لم يعاقب أو العبرة بالطريق الشرعي المعثور عليه بعد الفحص فيعاقب في صورة العكس دون الاصل أو يكفي مخالفة أحدهما فيعاقب في الصورتين أم يكفي في عدم المؤاخذة موافقة أحدهما فلا عقاب في الصورتين وجوه: من أن التكليف الاولي إنما هو بالواقع وليس التكليف بالطرق الظاهرية إلا من عثر عليها.

ومن أن الواقع إذا كان في علم الله سبحانه غير ممكن الوصول إليه وكان هنا طريق مجعول مؤداه بدلا عنه.

فالمكلف به هو مؤدى الطريق دون الواقع على ما هو عليه، فكيف يعاقب الله سبحانه على شرب العصير من يعلم أنه لم يعثر بعد الفحص على دليل حرمته.ومن أن كلا من الواقع ومؤدى الطريق تكليف واقعي.

أما إذا كان التكليف ثابتا في الواقع، فلانه كان قادرا على موافقة الواقع بالاحتياط وعلى إسقاطه عن نفسه بالرجوع إلى الطريق الشرعي المفروض دلالته على نفي التكليف.فإذا لم يفعل شيئا منهما فلا مانع من مؤاخذته.

وأما إذا كان التكليف ثابتا بالطريق الشرعي فلانه قد ترك موافقة خطاب مقدور على العلم به، فإن أدلة وجوب الرجوع إلى خبر العادل أو فتوى المجتهد يشمل العالم والجاهل القادر على المعرفة.

ومن عدم التكليف بالواقع لعدم القدره، وبالطريق الشرعي لكونه ثابتا في حق من اطلق عليه من باب حرمة التجري.

فالمكلف به فعلا المؤاخذ على مخالفته الواجب والحرام الواقعيان المنصوب عليهما طريق.فإذا لم يكن وجوب أو تحريم فلا مؤاخذة.نعم لو إطلع على ما يدل ظاهرا على الوجوب


الصفحة ٥٢٢

أو التحريم الواقعي مع كونه مخالفا للواقع بالفرض.فالموافقة له لازمة من باب الانقياد وتركها تجر.وإذا لم يطلع على ذلك لتركه الفحص فلا تجري أيضا.

وأما إذا كان وجوب واقعي وكان الطريق الظاهري نافيا، فلان المفروض عدم التمكن من الوصول إلى الواقع.

فالمتضمن للتكليف متعذر الوصول إليه، والذي يمكن الوصول إليه ناف للتكليف.والاقوى هو الاول، ويظهر وجهه بالتأمل في الوجوه الاربعة.

وحاصله أن التكليف الثابت في الواقع وإن فرض تعذر الوصول إليه تفصيلا، إلا أنه لا مانع من العقاب بعد كون المكلف محتملا له قادرا عليه غير مطلع على طريق شرعي ينفيه ولا واجدا لدليل يؤمن من العقاب عليه مع بقاء تردده، وهو العقل والنقل الدالان على براء‌ة الذمة بعد الفحص والعجز عن الوصول إليه، وإن احتمل التكليف وتردد فيه.

أما إذا لم يكن التكليف ثابتا في الواقع، فلا مقتضي للعقاب من حيث الخطابات الواقعية.

ولو فرض هنا طريق ظاهري مثبت للتكليف لم يعثر عليه المكلف، لم يعاقب عليه، لان مؤدى الطريق الظاهري غير مجعول منحيث هو هو في مقابل الواقع، وإنما هو مجعول بعنوان كونه طريقا إليه.فإذا أخطأ لم يترتب عليه شئ.

ولذا لو أدى عبادة بهذا الطريق فتبين مخالفتها للواقع، لم يسقط الامر ووجب إعادتها.

نعم إذا عثر عليه المكلف لم يجز مخالفته، لان المفروض عدم العلم بمخالفته للواقع، فيكون معصية ظاهرية من حيث فرض كون دليله طريقا شرعيا إلى الواقع.فهو في الحقيقة نوع من التجري.وهذا المعنى مفقود مع عدم الاطلاع على هذا الطريق.

ووجوب رجوع العامي إلى المفتي لاجل إحراز الواجبات الواقعية، فإذا رجع وصادف الواقع وجب من حيث الواقع، وإن لم يصادف الواقع لم يكن الرجوع إليه في هذه الواقعة واجبا في الواقع ويترتب عليه آثار الوجوب ظاهرا مشروطة بعدم إنكشاف الخلاف إلا إستحقاق العقاب على الترك، فإنه يثبت واقعا من باب التجري.

ومن هنا يظهر أنه لا يتعدد العقاب مع مصادفة الواقع من جهة تعدد التكليف.

نعم لو قلنا بأن مؤديات الطرق الشرعية أحكام واقعية ثانوية لزم من ذلك إنقلاب التكليف إلى مؤديات تلك الطرق.

وكان أوجه الاحتمالات حنيئذ الثاني منها.


الصفحة ٥٢٣

معذور، لا من حيث العقاب ولا من جهة سائر الاثار، بمعنى أن شيئا من آثار الشئ المجهول عقابا أو غيره من الاثار المترتبة على ذلك الشئ في حق العالم لا يرتفع عن الجاهل لاجل جهله.

وقد إستثنى الاصحاب من ذلك القصر والاتمام والجهر والاخفات، فحكموا بمعذورية الجاهل في هذين الموضعين.

وظاهر كلامهم إرادتهم العذر من حيث الحكم الوضعي، وهي الصحة بمعنى سقوط الفعل ثانيا دون المؤاخذة.

وهو الذي يقتضيه دليل المعذورية في الموضعين أيضا.

فحينئذ يقع الاشكال في أنه إذا لم يكن معذورا من حيث الحكم التكليفي كسائر الاحكام المجهولة للمكلف المقصر، فيكون تكليفه بالواقع وهو القصر بالنسبة إلى المسافر باقيا.

وما يأتي به من الاتمام المحكوم بكونه مسقطا، إن لم يكن مأمورا به فكيف يسقط الواجب، وإن كان مأمورا به فكيف يجتمع الامر به مع فرض وجود الامر بالقصر.

ودفع هذا الاشكال، إما بمنع تعلق التكليف فعلا بالواقعي المتروك، وإما بمنع تعلقه بالمأتي به، وإما بمنع التنافي بينهما.

فالاول: إما بدعوى كون القصر مثلا واجبا على المسافر العالم، وكذا الجهر والاخفات.

وإما بمعنى معذوريته فيه، بمعنى كون الجهل بهذه المسألة كالجهل بالموضوع، يعذر صاحبه ويحكم عليه ظاهرا، بخلاف الحكم الواقعي.

وهذا الجاهل وإن لم يتوجه إليه خطاب مشتمل على حكم ظاهري، كما في الجاهل بالموضوع، إلا أن مستغنى عنه بإعتقاده لوجوب هذا الشئ عليه في الواقع.

وإما من جهة القول بعدم تكليف الغافل بالواقع وكونه مؤاخذا على ترك التعلم، فلا يجب عليه القصر، لغفلته عنه.

نعم يعاقب على عدم إزالة الغفلة، كما تقدم إستظهاره من صاحب المدارك و من تبعه.

وإما من جهة تسليم تكليفه بالواقع، إلا أن الخطاب بالواقع ينقطع عند الغفلة لقبح خطاب العاجز.

وان كان العجز بسوء إختياره فهو معاقب حين الغفلة على ترك القصر، لكنه ليس مأمورا به حتى يجتمع مع فرض وجود الامر بالاتمام.

لكن هذا كله خلاف ظاهر المشهور، حيث أن الظاهر منهم كما تقدم بقاء التكليف بالواقع المجهول بالنسبة إلى الجاهل.

ولذا يبطلون صلاة الجاهل بحرمة الغصب، إذ لولا النهي حين الصلاة لم يكن وجه للبطلان.

والثاني: منع تعلق الامر بالمأتي به وإلتزام أن غير الواجب مسقط عن الواجب، فإن قيام ما


الصفحة ٥٢٤

اعتقد وجوبه مقام الواجب الواقعي غير ممتنع.

نعم قد يوجب إتيان غير الواجب فوات الواجب فيحرم، بناء على دلالة الامر بالشئ على النهي عن الضد، كما في آخر الوقت، حيث يستلزم فعل التمام فوت القصر.ويرد هذا الوجه أن الظاهر من الادلة كون المأتي به مأمورا به في حقه.

مثل قوله عليه السلام في الجهر والاخفات: (تمت صلاته)، ونحو ذلك.

والموارد التي قام فيها غير الواجب مقام الواجب نمنع عدم وجوب البدل، بل الظاهر في تلك الموارد سقوط الامر الواقعي وثبوت الامر بالبدل، فتأمل.

والثالث: بما ذكره كاشف الغطاء، رحمه الله، من أن التكليف بالاتمام مرتب على معصية الشارع بترك القصر، فقد كلفه بالقصر والاتمام على تقدير معصية في التكليف بالقصر.

وسلك هذا الطريق في مسألة الضد في تصحيح فعل غير الاهم من الواجبين المضيقين، إذا ترك المكلف الامتثال بالاهم.

ويرده: أنا لا نعقل الترتب في المقامين، وإنما يفعل ذلك فيما إذا حدث التكليف الثاني بعد تحقق معصية الاول.

كمن عصى بترك الصلاة مع الطهارة الترابية فكلف لضيق الوقت بالبراء‌ة.

الثالث إن وجوب الفحص إنما هو في إجراء الاصل في الشبهة الحكمية الناشية من عدم النص أو إجمال بعض ألفاظه او تعارض النصوص.

أما إجراء الاصل في الشبهة الموضوعية: فإن كانت الشبهة في التحريم، فلا إشكال ولا خلاف ظاهرا في عدم وجوب الفحص.

ويدل عليه إطلاق الاخبار، مثل قوله عليه السلام: (كل شئ لك حلال حتى تعلم)(١)، وقوله: (حتى يستبين لك غير هذا او تقوم به البينة)(٢)، وقوله: (حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه الميتة)(٣)، وغير ذلك، السالم عما يصلح لتقييدها.

وإن كانت الشبهة وجوبية، فمقتضى أدلة البراء‌ة حتى العقل كبعض كلمات العلماء عدم وجوب الفحص أيضا وهو مقتضى حكم العقلاء في بعض الموارد.

مثل قول المولى لعبده: (أكرم العلماء أو المؤمنين)، فإنه لا يجب الفحص في المشكوك حاله في المثالين، إلا أنه قد يترا اى أن بناء

____________________

(١) الكافي (الفروع) ج ٦، ص ٣٣٩.

(٢) الكافي، ج ٥، ص ٣١٣.

(٣) الكافي (الفروع)، ج ٦، ص ٣٣٩: (كل شئ كل حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة).

ص ٢٢٤.


الصفحة ٥٢٥

العقلاء في بعض الموارد على الفحص والاحتياط.

كما إذا أمر المولى بإحضار علماء البلد أو أطبائها أو إضافتهم أو إعطاء كل واحد منهم دينارا.

فإنه قد يدعى أن بناء‌هم على الفحص عن أولئك وعدم الاقتصار على المعلوم إبتداء مع إحتمال وجود غيرهم في البلد.

قال في المعالم، في مقام الاستدلال على وجوب التبين في خبر مجهول الحال بآية التثبت في خبر الفاسق: (إن وجوب التثبت فيها متعلق بنفس الوصف، لا بما تقدم العلم به منه.

ومقتضى ذلك إرادة الفحص والبحث عن حصوله وعدمه.

ألا ترى أن قول القائل: (أعط كل بالغ رشيد من هذه الجماعة مثلا درهما)، يقتضي إرادة السؤال والفحص عمن جمع الوصفين، لا الاقتصار على من سبق العلم بإجتماعهما فيه)(١)، إنتهى.

وأيد ذلك المحقق القمي، رحمه الله، في القوانين ب‍ (أن الواجبات المشروطة بوجود شئ إنما يتوقف وجوبها على وجود الشرط لا على العلم بوجوده.فبالنسبة إلى العلم مطلق لا مشروط.مثل أن من شك في كون ماله بمقدار إستطاعة الحج، لعدم علمه بمقدار المال.

لا يمكنه أن يقول: إني لا أعلم أني مستطيع ولا يجب علي شئ، بل يجب عليه محاسبة ماله ليعلم أنه واجد للاستطاعة أو فاقد لها.

نعم لو شك بعد المحاسبة في أن هذا المال هل يكفيه في الاستطاعة أم لا، فالاصل عدم الوجوب حنيئذ)(١).

ثم ذكر المثال المذكور في المعالم بالتقريب المتقدم عنه(٢).

وأما كلمات الفقهاء فمختلفة في فروع هذه المسألة: فقد أفتى جماعة منهم، كالشيخ والفاضلين وغيرهم، بأنه لو كان له فضة مغشوشة بغيرها وعلم بلوغ الخالص نصابا وشك في مقداره وجب التصفية، ليحصل العلم بالمقدار أو الاحتياط بمقدار ما تيقن معه البراء‌ة.

نعم إستشكل في التحرير في وجوب ذلك، وصرح غير واحد من هؤلاء، مع عدم العلم ببلوغ الخالص النصاب، بأنه لا يجب التصفية، والفرق بين المسألتين مفقود إلا ما ربما يتوهم من أن العلم بالتكليف ثابت مع العلم ببلوغ النصاب، بخلاف ما لم يعلم به.

وفيه: أن العلم بالنصاب لا يوجب الاحتياط مع القدرة المتيقن ودوران الامر بين الاقل والاكثر مع كون الزائد على تقدير وجوبه تكليفا مستقلا.ألا ترى أنه لو علم بالدين وشك في قدره، لم

____________________

(١) معالم الدين، ص ٢٠١.

(٢) القوانين المحكمة، ص ٢٢٤.


الصفحة ٥٢٦

يوجب ذلك الاحتياط والفحص، مع أنه لو كان هذا المقدار يمنع من إجراء البراء‌ة قبل الفحص لمنع منها بعده، إذ العلم الاجمالي لا يجوز معه الرجوع إلى البراء‌ة ولو بعد الفحص.

وقال في التحرير في باب نصاب الغلات: (ولو شك في البلوغ، ولا مكيال هنا ولا ميزان، ولم يوجد، سقط الوجوب دون الاستحباب)(١) إنتهى.وظاهره جريان الاصل مع تعذر الفحص وتحصيل العلم.

وبالجملة فما ذكروه من إيجاب تحصيل العلم بالواقع مع التمكن في بعض افراد الاشتباه في الموضوع مشكل.

وأشكل منه فرقهم بين الموارد، مع ما تقرر عندهم من أصالة نفي الزائد عند دوران الامر بين الاقل والاكثر.

وما ما ذكره صاحب المعالم، رحمه الله، وتبعه عليه المحقق القمي، رحمه الله، من تقريب الاستدلال بآية التثبت على رد خبر مجهول الحال من جهة إقتضاء تعلق الامر بالموضوع الواقعي المقتضي وجوب الفحص عن مصاديقه وعدم الاقتصار على القدر المعلوم(٢) فلا يخفي ما فيه، لان رد خبر مجهول الحال ليس مبنيا على وجوب الفحص عند الشك وإلا لجاز الاخذ به ولم يجب التبين فيه بعد الفحص واليأس عند العلم بحاله، كما لا يجب الاعطاء في المثال المذكور بعد الفحص عن حال المشكوك وعدم العلم بإجتماع الوصفين فيه، بل وجه رده قبل الفحص وبعده أن وجوب التبين شرطي، ومرجعه إلى إشتراط قبول الخبر في نفسه من دون إشتراط التبين فيه بعدالة المخبر.

فإذا شك في عدالته شك في قبول خبره في نفسه، والمرجع في هذا الشك والمتعين فيه عدم قبول، لان عدم العلم بحجية شئ كاف في عدم حجيته.

ثم الذي يمكن أن يقال في وجوب الفحص أنه إذا كان العلم بالموضوع المنوط به التكليف يتوقف كثيرا على الفحص بحيث لو أهمل الفحص لزم الوقوع في مخالفة التكليف كثيرا تعين هنا بحكم العقلاء إعتبار الفحص ثم العمل بالبراء‌ة، كبعض الامثلة المتقدمة.فإن إضافة جميع علماء البلد أو أطبائهم لا يمكن للشخص الجاهل إلا بالفحص.

فإذا حصل العلم ببعض، واقتصر على ذلك نافيا لوجوب إضافة من عداه بأصالة البراء‌ة من غير تفحص زائد على ما حصل به المعلومين عد مستحقا للعقاب والملامة عند إنكشاف ترك إضافة من يتمكن من تحصيل العلم به بفحص زائد.ومن هنا يمكن أن يقال في مثال الحج المتقدم: إن العلم بالاستطاعة في أول ازمنة حصولها

____________________

(١) تحرير الاحكام، ص ٦٢.

(٢) معالم الدين، ص ٢٠١.


الصفحة ٥٢٧

يتوقف غالبا على المحاسبة.فلو بنى الامر على تركها ونفي وجوب الحج بأصالة البراء‌ة لزم تأخير الحج عن أول سنة الاستطاعة بالنسبة إلى كثير من الاشخاص، لكن الشأن في صدق هذه الدعوى.

وأما ما استند إليه المحقق المتقدم من أن الواجبات المشروطة يتوقف وجوبها على وجود الشرط لا العلم بوجوده ففيه: أنه مسلم، ولا يجدي، لان الشك في وجود الشرط يوجب الشك في وجوب المشروط وثبوت التكليف والاصل عدمه.

غاية الامر الفرق بين إشتراط التكليف بوجود الشئ وإشتراطه بالعلم به، إذ مع عدم العلم في الصورة الثانية نقطع بإنتفاء التكليف من دون حاجة إلى الاصل وفي الصورة الاولى يشك فيه، فينفى بالاصل.


الصفحة ٥٢٨

وأما الكلام في مقدار الفحص

فملخصه أن حد الفحص هو اليأس عن وجدان الدليل فما بأيدينا من الادلة ويختلف ذلك بإختلاف الاعصار.

فإن في زماننا هذا إذا ظن المجتهد بعدم وجود دليل التكليف في الكتب الاربعة وغيرها من الكتب المعتبرة في الحديث التي يسهل تناولها على نوع أهل العصر، على وجه صار مأيوسا، كفى ذلك منه في إجراء البراء‌ة.

أما عدم وجوب الزائد، فللزوم الحرج وتعطيل إستعلام سائر التكاليف، لان إنتهاء الفحص في واقعة إلى حد يحصل العلم بعدم وجود دليل التكليف يوجب الحرمان من الاطلاع على دليل التكليف في غيرها من الوقائع.

فيجب فيها إما الاحتياط، وهو يؤدي إلى العسر، وإما لزوم التقليد لمن بذل فيها جهده على وجه علم بعدم دليل التكليف فيها.

وجوازه ممنوع، لان هذا المجتهد المتفحص ربما يخطئ ذلك المجتهد في كثير من مقدمات إستنباطه للمسألة.

نعم لو كان جميع مقدماته مما يرتضيها هذا المجتهد وكان التفاوت بينهما أنه أطلع على ما لم يطلع هذا، أمكن أن يكون قوله حجة في حقه.

لكن اللازم حينئذ أن يتفحص في جميع المسائل إلى حيث يحصل الظن بعدم وجود دليل التكليف، ثم الرجوع إلى هذا المجتهد.فإن كان مذهبه مطابقا للبراء‌ة كان مؤيدا لما ظنه من عدم الدليل.وإن كان مذهبه مخالفا للبراء‌ة كان شاهد عدل على وجود دليل التكليف.

فإن لم يحتمل في حقه الاعتماد على الاستنباطات الحدسية أو العقلية من الاخبار، أخذ بقوله في وجود دليل وجعل فتواه كروايته.

ومن هذا القبيل ما حكاه غير واحد، من أن القدماء كانوا يعملون برسالة الشيخ أبي الحسن علي بن بابويه عن إعواز النصوص.

والتقييد بإعواز النصوص مبني على ترجيح النص المنقول بلفظه على الفتوى التي يحتمل الخطأ في النقل بالمعنى.

وإن احتمل في حقه إبتناء فتواه على الحدس والعقل، لم يكن دليل على إعتباره في حقه وتعين العمل بالبراء‌ة.


الصفحة ٥٢٩

تذنيب ذكر الفاضل التوني لاصل البراء‌ة شروطا أخر الاول: أن لا يكون إعمال الاصل موجبا لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى، مثل أن يقال، في أحد الانائين المشتبهين: الاصل عدم وجوب الاجتناب عنه، فإنه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الاخر أو عدم بلوغ الملاقي للنجاسة كرا و عدم تقدم الكرية حيث يعلم بحدوثها على ملاقاة النجاسة، فإن إعمال الاصول يوجب الاجتناب عن الاناء الاخر أو الملاقي أو الماء.

أقول: توضيح الكلام في هذا المقام أن إيجاب العمل بالاصل لثبوت حكم آخر إما بإثبات الاصل المعمول به لموضوع أنيط به حكم شرعي، كأن يثبت بالاصل براء‌ة ذمة الشخص الواجد لمقدار الدين مانع عن الاستطاعة، فيدفع بالاصل ويحكم بوجوب الحج بذلك المال.

ومنه المثال الثاني، فإن أصالة عدم بلوغ الماء الملاقي للنجاسة كرا يوجب الحكم بقلته التي أنيط بها الانفعال.

وإما لاستلزام نفي الحكم به حكما يستلزم عقلا أو شرعا أو عادة ولو في هذه القضية الشخصية لثبوت حكم تكليفي في ذلك المورد أو في مورد آخر، كنفي وجوب الاجتناب عن أحد الانائين.

فإن كان إيجابه للحكم على الوجه الاول، كالمثال الثاني، فلا يكون ذلك مانعا عن جريان الاصل، لجريان أدلته من العقل والنقل من غير مانع.ومجرد إيجابه حكما وجوديا آخر لا يكون مانعا عن جريان أدلته.كما لا يخفى على من تتبع الاحكام الشرعية والعرفية.ومرجعه في الحقيقة إلى رفع المانع.

فإذا إنحصر الطهور في ماء مشكوك الاباحه بحيث لو كان محرم الاستعمال لم يجب الصلاة لفقد الطهورين.

فلا مانع من إجراء أصالة الحل وإثبات كونه واجدا للطهور فيجب عليه الصلاة.


الصفحة ٥٣٠

ومثاله العرفي ما إذا قال المولى لعبده: (إذا لم يكن عليك شغل واجب من قبلي فاشتغل بكذا).

فإن العقلاء يوجبون عليه الاشتغال بكذا إذا لم يعلم بوجوب شئ على نفسه من قبل المولى.

وإن كان على الوجه الثاني الراجح إلى وجود العلم الاجمالي بثبوت حكم مردد بين حكمين: فإن أريد بإعمال الاصل في نفي أحدهما إثبات الاخر، ففيه: أن مفاد أدلة أصل البراء‌ة مجرد نفي التكليف دون إثباته وإن كان الاثبات لازما واقعيا لذلك النفي.

فإن الاحكام الظاهرية إنما تثبت بمقدار مدلول أدلتها ولا يتعدى إلى أزيد منه بمجرد ثبوت الملازمة الواقعية بينه وبين ما ثبت، إلا أن يكون الحكم الظاهري الثابت بالاصل موضوعا لذلك الحكم الاخر، كما ذكرنا في مثال براء‌ة الذمة عن الدين والحج، وسيجئ توضيح ذلك في باب تعارض الاستصحابين.

وإن أريد بإعماله في أحدهما مجرد نفيه دون الاثبات، فهو جار، إلا أنه معارض بجريانه في الاخر.

فاللازم إما إجراؤه فيهما، فيلزم طرح ذلك العلم الاجمالي لاجل العمل بالاصل، وإما إهماله فيهما، فهو المطلوب، وإما إعمال أحدهما بالخصوص، فترجيح بلا مرجح.نعم لو لم يكن العلم الاجمالي في المقام مما يضر طرحه لزم العمل بهما.كما تقدم أنه أحد الوجهين فيما إذا دار الامر بين الوجوب والتحريم.

وكيف كان، فسقوط العمل بالاصل في المقام لاجل المعارض، ولا إختصاص لهذا الشرط بأصل البراء‌ة، بل يجري في غيره من الاصول والادلة.

ولعل مقصوده صاحب الوافية ذلك، وقد عبر هو، رحمه الله، [ عن هذا الشرط ] في باب الاستصحاب بعدم المعارض.

وأما أصالة عدم بلوغ الماء الملاقي للنجاسة كرا، فقد عرفت أنه لا مانع من إستلزام جريانها الحكم بنجاسة الملاقي، فإنه نظير أصالة البراء‌ه من الدين المستلزم لوجوب الحج.

وقد فرق بينهما المحقق القمي، رحمه الله، حيث إعترف بأنه لا مانع من إجراء البراء‌ة في الدين وإن إستلزم وجوب الحج، ولم يحكم بنجاسة الماء مع جريان أصالة عدم الكرية، جمعا بينها وبين أصالة طهارة الماء.

ولم يعرف وجه فرق بينهما أصلا.(١)

____________________

(١) القوانين المحكمة، ص ٢٧٢


الصفحة ٥٣١

ثم إن مورد الشك في البلوغ كرا الماء المسبوق بعدم الكرية.وأما المسبوق بالكرية، فالشك في نقصانه من الكرية والاصل هنا بقاؤها.

ولو لم يكن مسبوقا بحال، ففي الرجوع إلى طهارة الماء، للشك في كون ملاقاته مؤثرة في الانفعال، فالشك في رافعيتها للطهارة، أو إلى النجاسة، لان الملاقاة مقتضية للنجاسة والكرية مانعة عنها بمقتضى قوله عليه السلام: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ)، ونحوه، مما دل على سببية الكرية، لعدم الانفعال المستلزمة لكونها مانعة عنه، والشك في المانع في حكم العلم بعدمه، وجهان.

وأما أصالة عدم تقدم الكرية على الملاقاة، فهو في نفسه ليس من الحوادث المسبوقة بالعدم حتى يجري فيه الاصل، نعم نفس الكرية حادثة، فإذا شك في تحققها حين الملاقاة حكم بأصالة عدمها.وهذا معنى عدم تقدم الكرية على الملاقاة.

لكن هنا أصالة عدم حدوث الملاقاة حين حدوث الكرية، وهو معنى عدم تقدم الملاقاة على الكرية فيتعارضان.

ولا وجه لما ذكره من الاصل.

وقد يفصل فيها بين ما كان تاريخ واحد من الكرية والملاقاة معلوما، فإنه يحكم بأصالة تأخر المجهول بمعنى عدم ثبوته في زمان يشك في ثبوته فيه فيلحقه حكمه من الطهارة والنجاسة، وقد يجهل التأريجاه بالكلية.

وقضية الاصل في ذلك التقارن، ومرجعه إلى نفي وقوع كل منهما في زمان يحتمل وقوعه فيه، وهو مقتضى ورود النجاسة على ما وكر حال الملاقاة فلا يتنجس به)(١)، إنتهى.

وفيه: أن تقارن ورود النجاسة والكرية موجب لانفعال الماء، لان الكرية مانعة عن الانفعال بما يلاقيه بعد الكرية على ما هو مقتضى قوله عليه السلام: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ)، فإن الضمير المنصوب راجع إلى الكر المفروض كريته، فإذا حصلت الكرية حال الملاقاة كان المفروض الملاقاة غير كر، فهو نظير ما إذا حصلت الكرية بنفس الملاقاة فيما إذا تمم الماء النجس كرا بطاهر والحكم فيه النجاسة، إلا أن ظاهر المشهور فيما نحن فيه الحكم بالطهارة.

بل إدعى المرتضى، قدس سره، عليه الاجماع حيث استدل بالاجماع على طهارة كر رأى فيه نجاسة لم يعلم تقدم وقوعها على الكرية على كفاية تتميم النجس كرا في زوال نجاسته.

ورده الفاضلان وغيرهما بأن الحكم بالطهارة هنا لاجل الشك في حدوث سبب النجس، لان الشك مرجعه إلى الشك في كون الملاقاة مؤثرة لوقوعها قبل الكرية أو غير مؤثرة، لكنه يشكل، بناء

____________________

(١) الفصول الغروية، ص ٣٥٤.


الصفحة ٥٣٢

على أن الملاقاة سبب للانفعال والكرية مانعة.

فإذا علم بوقوع السبب في زمان لم يعلم فيه وجود المانع، وجب الحكم بالمسبب، إلا أن الاكتفاء بوجود السبب من دون إحراز عدم المانع ولو بالاصل محل تأمل، فتأمل.

الثاني: أن لا يتضرر بأعمالها مسلم.كما لو فتح قفس طائر فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو أمسك رجلا فهرب دابته.

فإن إعمال البراء‌ة فيها يوجب تضرر المالك، فيحتمل إندراجه في قاعدة الاتلاف وعموم قوله: (لا ضرر و لا ضرار).

فإن المراد نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع، وإلا فالضرر غير منفي، فلا علم حينئذ ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصه، فلا يتحقق شرط التمسك بالاصل من فقدان النص، بل يحصل القطع بتعلق حكم شرعي بالضار، ولكن لا يعلم أنه مجرد التغزير أو الضمان أو هما معا، فينبغي له تحصيل العلم بالبراء‌ة ولو بالصلح(١).

ويرد عليه: أنه إن كان قاعدة نفي الضرر معتبرة في مورد الاصل، كان دليلا، كسائر الادلة الاجتهادية الحاكمة على البراء‌ة، وإلا فلا معنى للتوقف في الواقعة وترك العمل بالبراء‌ة، ومجرد إحتمال إندراج الواقعة في قاعدة الاتلاف أو الضرر لا يوجب رفع اليد عن الاصل.

والمعلوم تعلقه بالضار فيما نحن فيه هو الاثم والتعزير إن كان متعمدا، وإلا فلا يعلم وجوب شئ عليه، فلا وجه لوجوب تحصيل العلم بالبراء‌ة ولو بالصلح.

وبالجملة، فلا يعلم وجه صحيح لما ذكره في خصوص أدلة الضرر، كما لا وجه لما ذكره في تخصيص مجرى الاصل بما إذا لم يكن جزء عبادة، بناء على أن المثبت لاجراء العبادة هو النص، لان النص قد يصير مجملا وقد لا يكون نص في المسألة.

فإن قلنا بجريان أصل عدم العبرة بالعلم بثبوت التكليف المردد بين الاقل والاكثر فلا مانع منه، وإلا فلا مقتضي له، وقد قدمنا ما عندنا في المسألة.

____________________

(١) الوافية، ص، مخطوط.


الصفحة ٥٣٣

[ قاعدة لا ضرر ] وحيث جرى ذكر حديث نفي الضرر والضرار ناسب بسط الكلام في ذلك في الجملة فنقول: قد إدعى فخرالدين في الايضاح، في باب الرهن، تواتر الاخبار على نفي الضرر والضرار.

فلا نتعرض من الاخبار الواردة في ذلك إلا لما هو أصح ما في الباب سندا وأوضحه دلالة.وهي الرواية المتضمنة لقصة سمرة بن جندب مع الانصاري.

وهي ما رواه غير واحد عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: (إن سمرة بن جندب كان له عذق، وكان طريقه إليه في جوف منزل لرجل من الانصار، وكان يجئ إلى عذقه بغير إذن من الانصاري.

فقال الانصاري: يا سمرة ! لا تزال تفجأنا على حال لا نحب أن تفجأنا عليها، وإذا دخلت فاستأذن.

فقال: لا أستأذن في طريقي إلى عذقي.

فشكاه الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.

فأتاه، فقال: إن فلانا قد شكاك وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل.

فقال: يا رسول الله ! أستأذن في طريقي إلى عذقي؟ فقال له رسول الله " ص ": خل عنه ولك عذق في مكان كذا.

قال: لا.

قال: فلك إثنان.

فقال: لا أريد.

فجعل " ص " يزيد حتى بلغ عشر أعذق.

فقال " ص ": خل عنه ولك عشر أعذق في مكان كذا، فأبى، فقال: خل عنه ولك بها عذق في الجنة.

فقال: لا أريد.

فقال له روسول الله " ص ": إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن.

قال عليه السلام: ثم أمر بها رسول الله " ص " فقلعت، ثم رمي بها إليه.

وقال له رسول الله " ص " إنطلق


الصفحة ٥٣٤

فاغرسها حيث شئت)(١)، الخبر.

وفي رواية أخرى موثقة: (إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الانصار وكان منزل الانصاري بباب البستان وفي آخرها -: قال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار)(٢)، الخبر.

وأما معنى اللفظين، فقال في الصحاح: (الضر خلاف النفع.وقد ضره وضاره بمعنى.والاسم الضرر ثم قال: والضرار المضارة)(٣).

وعن النهاية الاثيرية: (في الحديث: (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).الضر ضد النفع.

ضره يضره ضرا وضرار. وأضر به يضره إضرار. فمعنى قوله: لا ضرر: لا يضر الرجل أخاه بنقصه شيئا من حقه. والضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، والضرر إبتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه. وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به. والضرار أن تضره بغير أن تنفع. وقيل: هما بمعنى. والتكرار للتأكيد)(٤) إنتهى.

وعن المصباح: (ضره يضره)، من باب قتل: إذا فعل به مكروها، وأضر به. يتعدى بنفسه ثلاثيا وبالباء رباعيا.

والاسم الضرر.

وقد يطلق على نقص في الاعيان.

وضاره مضارة وضرارا بمعنى ضره)(٥)، إنتهى.

وفي القاموس: (الضر ضد النفع، وضاره يضاره ضرارا.

ثم قال: والضرر سوء الحال ثم قال: الضرار الضيق)(٦) إنتهى.

إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أن المعنى بعد تعذر إرادة الحقيقة عدم تشريع الضرر.

بمعنى أن الشارع لم يشرع حكما يلزم منه ضرر على أحد، تلكيفيا كان أو وضعيا.

فلزوم البيع مع الغبن حكم يلزم منه ضرر على المغبون فينتفي بالخبر.

وكذلك لزوم البيع من غير شفعة للشريك.وكذلك وجوب

____________________

(١) الكافي، ج ٥، ص ٢٩٤.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ٧، ص ١٤٦.

(٣) الصحاح، ج ٢، ص ٧١٩.

(٤) النهاية، ج ٣، ص ٨٢.

(٥) المصباح، ج ٢، ص ٤٩٢.

(٦) القاموس، ج ٢، ص ٧٧


الصفحة ٥٣٥

الوضوء على من لا يجد الماء إلا بثمن كثير.وكذلك سلطنة المالك على الدخول إلى عذقه وإباحته له من دون إستيذان من الانصاري.وكذلك حرمة الترافع عند حكام الجور إذا توقف أخذ الحق عليه.ومنه براء‌ة ذمة الضار من تدارك ما أدخله من الضرر.

إذ كما أنه تشريع حكم يحدث معه الضرر منفي بالخبر، كذلك تشريع ما يبقى معه الضرر الحادث، بل يجب أن يكون الحكم المشروع في تلك الواقعة على وجه يتدارك ذلك الضرر كأن لم يحدث.

إلا أنه قد ينافي هذا قوله (لا ضرار)، بناء على أن معنى الضرار المجازاة على الضرر.

وكذا لو كان بمعنى المضارة التي هي من فعل الاثنين، لان فعل البادي منهما ضرر قد نفي بالفقرة الاولى فالضرار المنفي بالفقرة الثانية إنما يحصل بفعل الثاني.

وكأن من فسره بالجزاء على الضرر أخذه من هذا المعنى، لا على أنه معنى مستقل.

ويحتمل أن يراد من النفي النهي عن إضرار النفس أو الغير إبتداء أو مجازاة.

لكن لا بد أن يراد بالنهي زائدا على التحريم الفساد وعدم المضي، للاستدلال به في كثير من رواياته على الحكم الوضعي دون محض التكليف.فالنهي نظير الامر بالوفاء في الشروط والعقود.فكل إضرار بالنفس أو الغير محرم غير ماض على من أضره.وهذا المعنى قريب من الاول، بل راجع إليه.

والاظهر بملاحظة نفس الفقرة ونظائرها وموارد ذكرها في الروايات وفهم العلماء هو المعنى الاول.

ثم إن هذه القاعدة حاكمة على جميع المعلومات الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضرري، كأدلة لزوم العقود، وسلطنة الناس على أموالهم، ووجوب الوضوء على واجدإ الماء، وحرمة الترافع إلى حكام الجور، وغير ذلك.

وما يظهر من غير واحد من التعارض بين العمومات المثبتة للتكليف وهذه القاعدة، ثم ترجيح هذه، إما بعمل الاصحاب وإما بالاصول، كالبراء‌ة في مقام التكليف وغيرها في غيره، فهو خلاف ما يقتضيه التدبر في نظائرها، من أدله رفع الحرج، ورفع الخطأ والنسيان، ونفي السهو على كثير السهو، ونفي السبيل على المحسنين، ونفي قدرة العبد على شئ، ونحوها.مع أن وقوعها في مقام الامتنان يكفي في تقديمها على العمومات.

والمراد بالحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضا لحال دليل آخر من حيث إثبات حكم لشئ أو نفيه عنه.

فالاول مثل ما دل على الطهارة بالاستصحاب أو بشهادة العدلين، فإنه حاكم على ما دل على أنه لا صلاة إلا بطهور، فإنه يفيد بمدلوله اللفظي على أن ما


الصفحة ٥٣٦

ثبت من الاحكام للطهارة، في مثل لا صلاة إلا بطهور وغيرها، ثابت للمتطهر بالاستصحاب أو بالبينة.

والثاني مثل الامثلة المذكورة.

وأما المتعارضان فليس في أحدهما دلالة لفظية على حال الاخر من حيث العموم خصوص، وإنما يفيد حكما منافيا لحكم الاخر.

وبملاحظة تنافيهما وعدم جواز تحققهما واقعا يحكم بإرادة خلاف الظاهر في أحدهما المعين إن كان الاخر أقوى منه.

فهذا الاخر الاقوى قرينة عقلية على المراد من الاخر.وليس في مدلوله اللفظي تعرض لبيان المراد منه.

ومن هنا ملاحظة الترجيح في القرينة، لان قرينيته بحكم العقل بضميمة المرجح.

أما إذا كان الدليل بمدلوله اللفظي كاشفا عن حال الاخر، فلا يحتاج إلى ملاحظة مرجح له بل هو متعين للقرينة بمدلوله له، وسيأتي لذلك توضيح في تعارض الاستحصابين، إن شاء الله تعالى.

ثم إنه يظهر مما ذكرنا من حكومة الرواية وورودها في مقام الامتنان نظير أدلة نفي الحرج والاكراه أن مصلحة الحكم الضرري المجعول بالادلة العامة لا تصلح أن تكون تداركا للضرر، حتى يقال إن الضرر يتدارك بالمصلحة العائدة إلى المتضرر وإن الضرر المقابل بمنفعة راجحة عليه ليس بمنفي، بل ليس ضررا.

توضيح الفساد: أن هذه القاعدة تدل على عدم جعل الاحكام الضررية وإختصاص ادلة الاحكام بغير موارد الضرر.

نعم لولا الحكومة ومقام الامتنان كان للتوهم المذكور مجال.

وقد يدفع: بأن العمومات الجاعلة للاحكام إنما تكشف عن المصلحة في نفس الحكم ولو في غير مورد الضرر.

وهذه المصلحة لا يتدارك بها الضرر الموجود في مورده، فإن الامر بالحج والصلاة مثلا يدل على عوض ولو مع عدم الضرر.

ففي مورد الضرر لا علم بوجود ما يقابل الضرر.

وهذا الدفع أشنع من أصل التوهم، لانه إن سلم عموم الامر بصورة الضرر كشف عن وجود مصلحة يتدارك بها الضرر في هذا المورد.

مع أنه يكفي حينئذ في تدارك الضرر الاجر المستفاد من قوله صلى الله عليه وآله: (أفضل الاعمال أحمزها)(١)، وما اشتهر في الالسن وارتكز في العقول من: (أن الاجر على قدر المشقة)، فالتحقيق في دفع التوهم المذكور ما ذكرناه من (الحكومة) و (الورود) في مقام الامتنان.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكم ٢٤٩: (أفضل الاعمال ما أكرهت نفسك عليه).


الصفحة ٥٣٧

ثم إنك قد عرفت بما ذكرنا أنه لا قصور في القاعدة المذكورة من حيث مدركها سندا أو دلالة.

إلا أن الذي يوهن فيها هي كثيرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي.كما لا يخفى على المتتبع.

خصوصا على تفسير الضرر بإدخال المكروه، كما تقدم، بل لوبني عى العمل بعموم هذه القاعدة حصل منه فقه جديد.

ومع ذلك فقد إستقرت سيرة الفريقين على الاستدلال بها في مقابل العمومات المثبتة للاحكام وعدم رفع اليد عنها إلا بمخصص قوي في غاية الاعتبار، بحيث يعلم منهم إنحصار مدرك الحكم في عموم هذه القاعدة.

ولعل هذا كاف في جبر الوهن المذكور وإن كان في كفايته نظر، بناء على أن لزوم تخصيص الاكثر على تقدير العموم قرينة على إرادة معنى لا يلزم منه ذلك.

غاية الامر تردد بين العموم وإرادة ذلك المعنى، وإستدلال العلماء لا يصلح معينا خصوصا لهذا المعنى المرجوح المنافي لمقام الامتنان وضرب القاعدة إلا أن يقال مضافا إلى منع أكثرية الخارج وإن سلمت كثرته -: إن الموارد الكثيرة الخارجة عن العام إنما خرجت بعنوان واحد جامع لها وإن لم نعرفه على وجه التفصيل.

وقد تقرر أن تخصيص الاكثر لا إستهجان فيه إذا كان بعنوان واحد جامع لافراد هي أكثر من الباقي.

كما إذا قيل: (أكرم الناس)، ودل دليل على إعتبار العدالة، خصوصا إذا كان المخصص مما يعلم به المخاطب حال الخطاب.ومن هنا ظهر وجه صحة التمسك بكثير من العمومات مع خروج أكثر أفرادها.

كما في قوله عليه السلام: (المؤمنون عن شروطهم)(١) وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود)(٢)، بناء على إرادة العهود، كما في الصحيح.

ثم إنه يشكل الامر من حيث أن ظاهرهم في الضرر المنفي الضرر النوعي لا الشخصي، فحكموا بشرعية الخيار للمغبون نظرا إلى ملاحظة نوع البيع المغبون وإن فرض عدم تضرره في خصوص مقام.

كما إذا لم يوجد راغب في المبيع وكان بقاؤه ضررا على البائع، لكونه في معرض الاباق أو التلف أو الغصب.

وكما إذا لم يترتب على ترك الشفعة ضرر على الشفيع، بل كان له فيه نفع.

وبالجملة، فالضرر عندهم في بعض الاحكام حكمة لا يعتبر إطرادها، وفي بعض المقامات يعتبرون إطرادها، مع أن ظاهر الرواية إعتبار الضرر الشخصي، إلا أن يستظهر منها إنتفاء الحكم

____________________

(١) الكافي (الفروع)، ج ٥، ص ٤٠٤ وسائل الشيعة، ج ٦ ص ٣٢٥.

(٢) المائدة: ١


الصفحة ٥٣٨

رأسا إذا كان موجبا للضرر غالبا وإن لم يوجب دائما، كما قد يدعى نظير ذلك في أدلة نفي الحرج.

ولو قلنا بأن التسلط على ملك الغير بإخراجه عن ملكه قهرا عليه بخيار أو شفعة ضرر أيضا، صار الامر أشكل.

إلا أن يقال: إن الضرر أوجب وقوع العقد على وجه متزلزل يدخل فيه الخيار، فتأمل.

ثم إنه قد يتعارض الضرران بالنسبة إلى شخص واحد أو شخصين، فمع فقد المرجح يرجع إلى الاصول والقواعد الاخر.

كما أنه إذا أكره على الولاية من قبل الجائر المستلزمة للاضرار على الناس، فإنه يرجع إلى قاعدة نفي الحرج، لا إلزام الشخص تحمل الضرر لدفع الضرر عن غيره حرج.وقد ذكرنا توضيح ذلك في مسألة التولي من قبل الجائر من كتاب المكاسب.

ومثله: إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره وتركه موجبا لتضرر نفسه، فإنه يرجع إلى عموم: (الناس مسلطون على أموالهم)(١)، ولو عد مطلق حجره عن التصرف في ملكه ضررا، لم يعتبر في ترجيح المالك ضرر زائد على ترك التصرف فيه، فيرجع إلى عموم التسلط.

ويمكن الرجوع إلى قاعدة نفي الحرج، لان منع المالك لدفع الضرر الغير حرج وضيق عليه، إما لحكومته إبتداء على نفي الضرر وإما لتعارضهما والرجوع إلى الاصل.

ولعل هذا أو بعضه منشأ إطلاق جماعة وتصريح آخرين بجواز تصرف المالك في ملكه وإن تضرر الجار: بأن يبني داره مدبغة أو حماما أو بيت القصارة أو الحدادة بل حكي عن الشيخ والحلبي وإبن زهرة دعوى الوفاق عليه.

ولعله أيضا منشأ ما في التذكرة من: (الفرق بين تصرف الانسان في الشارع المباح بإخراج روشن أو جناح وبين تصرفه في ملكه) حيث اعتبر في الاول عدم تضرر الجار بخلاف الثاني، فإن المنع من التصرف في المباح لا يعد ضررا بل فوات إنتفاع.

نعم ناقش في ذلك صاحب الكفاية - مع الاعتراف بأنه المعروف بين الاصحاب بمعارضة عموم التسلط لعموم نفي الضرر، قال في الكفاية: (ويشكل جواز ذلك فيما إذا تضرر الجار تضررا فاحشا.

كما إذا حفر في ملكه بالوعة ففسد بها بئر الغير، أو جعل حانوته في صف العطارين حانوت حداد، أو جعل داره مدبغة أو مطبخة)(٣)، إنتهى.

واعترض عليه تبعا للرياض بما حاصله: (إنه لا معنى للتأمل بعد إطباق

____________________

(١) عوالي اللئالي، ج ٣، ص ٢٠٨.

(٢) تذكرة الفقهاء، ج ٢، ص ١٨٢.

(٣) كفاية الاحكام، ص ٢٤١.


الصفحة ٥٣٩

الاصحاب نقلا وتحصيلا والخبر المعمول عليه بل المتواتر من: (أن الناس مسلطون على أموالهم)، وأخبار الاضرار على ضعف بعضها وعدم تكافؤها لتلك الادلة محمولة على ما إذا لم يكن له غرض إلا الاضرار، بل فيها كخبر سمرة إيماء إلى ذلك.

سلمنا، لكن التعارض بين الخبرين بالعموم من وجه، والترجيح للمشهور للاصل والاجماع)(١)، إنتهى.

ثم فصل المعترض بين أقسام التصرف بأنه إن قصد به الاضرار من دون ان يترتب عليه جلب نفع أو دفع ضرر، فلا ريب في أنه يمنع.

كما دل عليه خبر سمرة بن جندب، حيث قال له النبي صلى الله عليه وآله: (إنك رجل مضار) وإذا ترتب عليه نفع أو دفع ضرر وعلى جاره ضرر يسير، فإنه جائز قطعا.وعليه بنوا جواز رفع الجدار على سطح الجار.وأما إذا كان ضرر الجار كثيرا يتحمل عادة، فإنه جائز على كراهية شديدة.وعليه بنوا كراهة التولي من قبل الجائز لدفع ضرر يصيبه.وأما إذا كان ضرر الجار كثيرا لا يتحمل عادة لنفع يصيبه، فإنه لا يجوز له ذلك.وعليه بنوا حرمة الاحتكار في مثل ذلك.وعليه بنى جماعة كالفاضل في التحرير والشهيد في اللمعة الضمان إذا أجج نارا بقدر حاجته مع ظنه التعدي إلى الغير.

وأما إذا كان ضرره كثيرا وضرر جاره كذلك، فإنه يجوز له دفع ضرره وإن تضرر جاره أو أخوه المسلم.

وعليه بنوا جواز الولاية من قبل الجائر إلى أن قال والحاصل: أن أخبار الاضرار فيما يعد إضرار معتدا به عرفا، والحال أنه لا ضرر بذلك على المضر، لان الضرر لا يزال بالضرر)(٢)، إنتهى.

أقول: الاوفق بالقواعد تقديم المالك، لان حجر المالك عن التصرف في ماله ضرر يعارض ضرر الغير، فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة ونفي الحرج، نعم في الصورة الاولى التي يقصد المالك مجرد الاضرار من غير غرض في التصرف يعتد به لا يعد فواته ضررا.

والظاهر عدم الفرق بين كون ضرر المالك بترك التصرف أشد من ضرر الغير أو أقل، إما لعدم ثبوت الترجيح بقلة الضرر كما سيجئ، وإما لحكومة نفي الحرج على نفي الضرر.

فإن تحمل الغير على الضرر ولو يسيرا، لاجل دفع الضرر عن الغير ولو كثيرا، حرج وضيق.

ولذا إتفقوا على أنه يجوز للمكره الاضرار على الغير بما دون


الصفحة ٥٤٠

القتل، دفع الضرر عن نفسه، ولو كان أقل من ضرر الغير.هذا كله في تعارض ضرر المالك و ضرر الغير.

وأما في غير ذلك فهل يرجع إبتداء إلى القواعد الاخر أو بعد الترجيح بقلة الضرر؟ وجهان بل قولان.

يظهر الترجيح من بعض الكلمات المحكية عن التذكرة وبعض موارد الدروس ورجحه غير واحد من المعاصرين.

ويمكن أن ينزل عليه ما عن المشهور، من أنه لو أدخلت الدابة رأسها في القدر بغير تفريط من أحد المالكين كسر القدر وضمن قيمته صاحب الدابة، معللا بأن الكسر لمصلحته، فيحمل إطلاق كلامهم على الغالب، من أن ما يدخل من الضرر على مالك الدابة، إذا حكم عليه بتلف الدابة وأخذ قيمتها، أكثر مما يدخل على صاحب القدر بتلفه وأخذ قيمته.

وبعبارة أخرى: تلف إحدى العينين وتبدلها بالقيمة أهون من تلف الاخرى.

وحينئذ فلا يبقى مجال للاعتراض على تعليل الحكم بكونه لمصلحة صاحب الدابة، بما في المسالك من (أنه قد يكون المصلحة لصاحب القدر فقط يكون المصلحة مشتركة بينها).

وكذلك حكمهم بضمان صاحب الدابة إذا دخلت في دار لا تخرج إلا بهدمها، معللا بأنه لمصلحة صاحب الدابة.

فإن الغالب أن تدارك المهدوم أهون من تدراك الدابة.

والله العالم.

قد تمت الكتاب بعون الملك الوهاب وباعانة جناب المستطاب ميرزا محمد هادي سلمه الله طالقاني الاصل وطهراني المسكن بيد أقل الطلاب [..] تحريرا في شهر ذي حجة الحرام سنة ١٢٦٧.

[ وقد كتب المصنف، عليه الرحمة، في الهامش: ](بسم الله الرحمن الرحيم) (قد قوبل بنسخة صححها بيده الجانية العبد الاحقر مرتضى الانصاري) [ وفي أدناه نقش خاتمة الشريف: ] (لا إله إلا الله الملك الحق المبين، عبده مرتضى الانصاري)


الصفحة ٥٤١

المقام الثاني في الاستصحاب وهو، لغة، أخذ الشئ مصاحبا.

ومنه: إستصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة.

وعند الاصوليين عرف بتعاريف، أسدها وأخضرها: (إبقاء ما كان).

والمراد بالابقاء الحكم بالبقاء.ودخل الوصف في الموضوع مشعر بعليته للحكم.

فعلة الابقاء هو أنه كان، فيخرج إبقاء الحكم لاجل وجود علته او دليله.

وإلى ما ذكرنا يرجع تعريفه في الزبدة ب‍ (أنه إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الاول)(١).

بل نسبه شارح الدروس إلى القوم، فقال: (إن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه)(٢).

وأزيف التعاريف تعريفه ب‍ (أنه كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الان السابق مشكوك البقاء في الان اللاحق)(٣).

إذ لا يخفى أن كون حكم أو وصف كذلك هو محقق مورد الاستصحاب ومحله، لا نفسه.

ولذا صرح في المعالم كما عن غاية المأمول ب‍ (أن أستصحاب الحال، محله أن يثبت حكم في وقت ثم يجئ وقت آخر ولا يقوم دليل على إنتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على ما كان، وهو الاستصحاب)(٤)، إنتهى.

ويمكن توجيه التعريف المذكور: بأن المحدود هو الاستصحاب المعدود من الادلة.

وليس الدليل إلا ما أفاد العلم أو الظن بالحكم، والمفيد للظن الحكم في الان اللاحق ليس إلا

____________________

(١) زبدة الاصول، ص ٧٢.

(٢) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ٧٦.

(٣) القوانين المحكمة، ص ٢٧٥.

(٤) معالم الدين، ص ٢٣١


الصفحة ٥٤٢

كونه يقيني الحصول في الان السابق مشكوك البقاء في الان ا للاحق، فلا مناص عن تعريف الاستصحاب المعدود من الامارات إلا بما ذكره، قدس سره.

لكن فيه: أن الاستصحاب كما صرح به هو، قدس سره، في أول كتابه -: (إن أخد من العقل كان داخلا في الدليل العقلي، وإن أخذ من الاخبار فيدخل في السنة)(١).

وعلى كل تقدير فلا يستقيم تعريفه بما ذكره، لان دليل العقل هو حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي.

وليس هنا إلا حكم العقل ببقاء ما كان على ما كان.

والمأخوذ من السنة ليس إلا وجوب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، فكون الشئ معلوما سابقا مشكوكا فيه لا ينطبق على الاستصحاب بأحد الوجهين.

نعم ذكر المختصر: (أن معنى إستصحاب الحال أن الحكم الفلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء)(٢).

فإن كان الحد هو خصوص الصغرى على التعريف المذكور، وإن جعل خصوص الكبرى إنطبق على تعاريف المشهور.

وكأن صاحب الوافية إستظهر منه كون التعريف مجموع المقدمتين، فوافقه في ذلك، فقال: (إن الاستصحاب هو التمسك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت أو في غير تلك الحال، فيقال: إن الامر الفلاني قد كان ولم يعلم عدمه، وكل ما كان كذلك فهو باق)(٣)، إنتهى.ولا ثمرة مهمة في ذلك.

____________________

(١) القوانين المحكمة، ج ٢ ص ١٣.

(٢) شرح مختصر الاصول، ج ٢، ص ٢٨٤.

(٣) الوافية، ص مخطوط


الصفحة ٥٤٣

بقي الكلام في أمور الاول إن عد الاستصحاب من الاحكام الظاهرية الثابتة للشئ بوصف كونه مشكوك الحكم، نظير أصل البراء‌ة وقاعدة الاشتغال، مبني على إستفادته من الاخبار، وأما بناء على كونه من احكام العقل فهو دليل ظني إجتهادي، نظير القياس والاستقراء على القول بهما.

وحيث أن المختار عندنا هو الاول، ذكرناه في الاصول العملية المقررة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم.

لكن ظاهر كلمات الاكثر، كالشيخ والسيدين والفاضلين والشهيدين وصاحب المعالم، كونه حكما عقليا، ولذا لم يتمسك أحد هؤلاء فيه بخبر من الاخبار.

نعم ذكر في العدة، إنتصارا للقائل بحجيته، ما روي عن النبي، صلى الله عليه وآله، من: (أن الشيطان ينفخ بين إليتي المصلي فلا ينصرفن أحدكم إلا بعد أن يسمع صوتا أو يجد ريحا)(١).

ومن العجب أنه إنتصر بهذا الخبر الضعيف المختص بمورد خاص ولم يتمسك بالاخبار الصحيحة العامة المعدودة في حديث الاربعمائة من أبواب العلوم.

وأول من تمسك بهذه الاخبار فيما وجدته والد الشيخ البهائي، فيما حكي عنه، في العقد الطهماسبي، وتبعه صاحب الذخيرة وشارح الدروس، وشاع بين من تأخر عنهم.

نعم ربما يظهر من الحلي في السرائر الاعتماد على هذه الاخبار، حيث عبر عن إستصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره من قبل نفسه ب‍ (نقض اليقين باليقين)، وهذه العبارة ظاهر أنها مأخوذة من الاخبار.

الثاني إن عد الاستصحاب على تقدير إعتباره من باب إفادة الظن من الادلة العقلية، كما فعله غير

____________________

(١) عدة الاصول، ص ٣٠٤ الكافي، ج ٣، ص ٣٦ من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٦٢.


الصفحة ٥٤٤

واحد منهم، بإعتبار أنه حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي بواسطة خطاب الشارع.

فنقول: إن الحكم الشرعي الفلاني ثبت سابقا ولم يعلم إرتفاعه، وكل ما كان كذلك فهو باقل.

فالصغرى شرعية والكبرى عقلية ظنية.

فهو والقياس والاستحسان والاستقراء، نظير المفاهيم والاستلزامات، من العقليات الغير المستقلة.

الثالث إن مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الاحكام العقلية مسألة أصولية يبحث فيها عن كون الشئ دليلا على الحكم الشرعي، نظير حجية القياس والاستقراء.

نعم يشكل ذلك بما ذكره المحقق القمي، قدس سره، في القوانين، وحاشيته، من أن مسائل الاصول ما يبحث فيها عن حال الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا، لا عن دليلية الدليل.

وعلى ما ذكره، قدس سره، فيكون مسألة الاستصحاب كمسائل حجية الادلة الظنية، كظاهر الكتاب وخبر الواحد ونحوهما، من المبادي التصديقية للمسائل الاصولية.

وحيث لم يتبين في علم آخر أحتيج إلى بيانها في نفس العلم، كأكثر المبادي التصورية.

نعم ذكر بعضهم: (أن موضوع الاصول ذوات الادلة من حيث يبحث عن دليليتها أو عما يعرض لها بعد الدليلية)(١).

ولعله موافق لتعريف الاصول ب‍ (أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الفرعية عن أدلتها)(٢).

أما على القول بكونه من الاصول العملية، ففي كونه من المسائل الاصولية غموض، من حيث أن الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنة.

وليس التكلم فيه تكلما في أحوال السنة، بل هو نظير سائر القواعد المستفادة من الكتاب والسنة.

والمسألة الاصولية هي التي بمعونتها يستنبط هذه القاعدة من قولهم عليه السلام: (لا تنقص اليقين بالشك).

وهي المسائل الباحثة عن أحوال طريق الخبر وعن أحوال الالفاظ الواقعة فيه.

فهذه القاعدة كقاعدة البراء‌ة والاشتغال، نظير قاعدة نفي الضرر والحرج، من القواعد الفرعية المتعلقة بعمل المكلف.

نعم يندرج تحت هذه القاعدة مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب.

كما

____________________

(١) الفصول الغروية، ص ١١.

(٢) القوانين المحكمة، ص ٣.


الصفحة ٥٤٥

يندرج المسألة الاصولية أحيانا تحت أدلة نفي الحرج، كما ينفى الفحص عن المعارض حتى يقطع بعدمه بنفي الحرج.

نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية: بأن إجراء‌ها في موردها أعني صورة الشك في بقاء الحكم الشرعي السابق، كنجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره مختص بالمجتهد وليس وظيفة للمقلد.

فهي مما يحتاج إليه المجتهد فقط ولا ينفع للمقلد.

وهذا من خواص المسألة الاصولية، فإن المسائل الاصولية لما مهدت للاجتهاد وإستنباط الاحكام من الادلة اختص التكلم فيها بالمتسنبط، ولا حظ لغيره فيها.

فإن قلت: إن إختصاص هذه المسألة بالمجتهد، لاجل أن موضوعها وهو الشك في الحكم الشرعي وعدم قيام الدليل الاجتهادي عليه ولا يتشخص إلا للمجتهد، وإلا فمضمونه، وهو العمل على طبق الحالة السابقة وترتيب آثارها، مشترك بين المجتهد والمقلد.

قلت: جميع المسائل الاصولية كذلك، لان وجوب العمل بخبر الواحد وترتيب آثار الصدق عليه ليس مختصا بالمجتهد.

نعم تشخيص مجرى خبر الواحد وتعيين مدلوله وتحصيل شروط العمل به مختص بالمجتهد، لتمكنه من ذلك وعجز المقلد عنه.

فكأن المجتهد نائب عن المقلد في تحصيل مقدمات العمل بالادلة الاجتهادية وتشخيص مجاري الاصول العملية، إلا فحكم الله الشرعي في الاصول والفروع مشترك بين المجتهد والمقلد، هذا.

وقد جعل بعض السادة الفحول الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده، وجعل قولهم عليهم السلام: (لا تنقض اليقين بالشك)، دليلا على الدليل، نظير آية النبأ بالنسبة إلى خبر الواحدن حيث قال: (إن إستصحاب الحكم المخالف للاصل في شئ دليل شرعى رافع لحكم الاصل ومخصص لعمومات الحل إلى ان قال في آخر كلام له سيأتي نقله: - وليس عموم قولهم عليهم السلام: (لا تنقض اليقين بالشك) بالقياس إلى أفراد الاستصحاب وجزئياته إلا كعموم آية النبأ بالقياس إلى آحاد الاخبار المعتبرة)(١)، إنتهى.

أقول: معنى الاستصحاب الجزئي في المورد الخاص، كإستصحاب نجاسة الماء المتغير، ليس إلا

____________________

(١) بحر العلوم، الفوائد، الفائدة ٣٥، ص ١١٦.


الصفحة ٥٤٦

الحكم بثبوت النجاسة في ذلك الماء النجس سابقا.

وهل هذا إلا نفس الحكم الشرعي وهل الدليل عليه إلا قولهم عليهم السلام: (لا تنقض اليقين بالشك).

وبالجملة فلا فرق بين الاستصحاب وسائر القواعد المستفادة من العمومات.

هذا كله في الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية المثبت للحكم الظاهري الكلي.

أما الجاري في الشبهة الموضوعية، كعدالة زيد ونجاسة ثوبه وفسق عمرو وطهارة بدنه، فلا إشكال في كونه حكما فرعيا، سواء كان التكلم فيه من باب الظن أم كان من باب كونها قاعدة تبعدية مستفادة من الاخبار، لان التكلم فيه على الاول نظير التكلم في إعتبار سائر الامارات، كيد المسلمين وسوقهم والبينة والغلبة ونحوها، في الشبهات الخارجية، وعلى الثاني من باب أصالة الطهارة وعدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ ونحو ذلك.

الرابع إن المناط في إعتبار الاستصحاب، على القول بكونه من باب التعبد الظاهري، هو مجرد عدم العلم بزوال الحالة السابقة.

وأما على القول من باب الظن المعهود من طريقة الفقهاء عدم إعتبار إفادة الظن في خصوص المقام.

كما يعلم ذلك من حكمهم بمقتضيات الاصول كلية مع عدم إعتبارهم أن يكون العامل بها ظانا ببقاء الحالة السابقة.

ويظهر من ذلك لادنى متتبع في احكام العبادات والمعاملات والمرافعات والسياسات.

نعم ذكر شيخنا البهائي، قدس سره، في الحبل المتين، في باب الشك في الحدث بعد الطهارة، ما يظهر منه إعتبار الظن الشخصي، حيث قال: (لا يخفى أن الظن الحاصل بالاستصحاب في من تيقن الطهارة وشك في الحدث لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا، بل قد يزول الرجحان ويتساوى الطرفان، بل ربما يصير الراجح مرجوحا.

كما إذا توضأ عند عادته البقاء وذهل عن التحفظ ثم شك عند المغرب في صدور الحدث منه ولم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت.

والحاصل أن المدار على الظن، فما دام باقيا فالعمل عليه وإن ضعف)(١)، إنتهى كلامه، رفع في الخلد مقامه.

____________________

(١) الحبل المتين، ص ٣٧.


الصفحة ٥٤٧

ويظهر من شارح الدروس إرتضاؤه، حيث قال بعد حكاية هذا الكلام: (ولا يخفى أن هذا إنما يصح لو بنى المسألة على أن ما تيقن بحصوله في وقت ولم يعلم أو يظن طرو ما يزيله يحصل الظن ببقائه، والشك في نقيضه لا يعارضه، إذ الضعيف لا يعارض القوي.

لكن هذا البناء ضعيف جدا، بل بناؤها على الروايات مؤيدة بأصالة البراء‌ة في بعض الموارد، وهي تشمل الشك والظن معا، فإخراج الظن منه مما لا وجه له أصلا)(١)، إنتهى كلامه.

ويمكن إستظهار ذلك من الشهيد، قدس سره، في الذكرى حيث ذكر: (أن قولنا: (اليقين لا ينقضه الشك)، لا نعني به إجتماع اليقين والشك، بل المراد أن اليقين الذي كان في الزمن الاول ل يخرج عن حكمه بالشك في الزمان الثاني لاصالة بقاء ما كان، فؤول إلى إجتماع الظن والشك في الزمان الواحد فيرجح إ الظن عليه، كما هو مطرد في العبادات)(٢)، إنتهى كلامه.

ومراده من الشك مجرد الاحتمال، بل ظاهر كلامه أن المناط في إعتبار الاستصحاب من باب أخبار عدم نقض اليقين بالشك هو الظن أيضا، فتأمل.

الخامس إن المستفاد، من تعريفنا السابق الظاهر في إستناد الحكم بالبقاء إلى مجرد الوجود السابق، أن الاستصحاب يتقوم بأمرين: أحدهما: وجود الشئ في زمان، سواء علم به في زمان وجوده أم لا، نعم لا بد من إحراز ذلك حين إرادة الحكم بالبقاء بالعلم أو الظن المعتبر.

وأما مجرد الاعتقاد بوجود شئ في زمان مع زوال ذلك الاعتقاد في زمان آخر، فلا يتحقق معه الاستصحاب الاصطلاحي، وإن توهم بعضهم جريان عموم (لا تنقض) فيه، كما سننبه عليه.

والثاني: الشك في وجوده في زمان لا حق عليه، فو شك في زمان سابق عليه فلا إستصحاب، وقد يطلق عليه الاستصحاب القهقرى مجازا.

ثم المعتبر هو الشك الفعلي الموجود حال الالتفات إليه.

أما لو لم يلتفت فلا إستصحاب وإن

____________________

(١) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ١٤٢.

(٢) ذكرى الشيعة، ص ٩٨.


الصفحة ٥٤٨

فرض الشك فيه على فرض الالتفات.

فالمتيقن للحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق فشك جرى الاستصحاب في حقه.

فلو غفل عن ذلك وصلى بطلت صلاته، لسبق الامر بالطهارة، ولا يجري في حقه حكم الشك في الصحة بعد الفراغ عن العمل، لان مجراه الشك الحادث بعد الفراغ، لا الموجود من قبل.

نعم لو غفل عن حاله بعد اليقين بالحدث وصلى ثم إلتفت وشك في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهرا جرى في حقه قاعدة الشك بعد الفراغ، لحدوث الشك بعد العمل وعدم وجوده قبله حتى يوجب الامر بالطهارة والنهي عن الدخول فيه بدونها.

نعم هذا الشك اللاحق يوجب الاعادة بحكم إستصحاب عدم الطهارة لولا حكومة قاعدة الشك بعد الفراغ عليه، فافهم.


الصفحة ٥٤٩

السادس في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام ليعرف أن الخلاف في مسألة الاستصحاب في كلها أو بعضها، فنقول: إن له تقسيما بإعتبار المستصحب، وآخر بإعتبار الدليل الدال عليه، وثالثا بإعتبار الشك المأخذوذ فيه.

أما بالاعتبار الاول فمن وجوه الوجه الاول من حيث أن المستصحب قد يكون أمرا وجوديا، كوجوب شئ أو طهارة شئ أو رطوبة ثوب أو نحو ذلك.

وقد يكون عدميا، وهو على قمسين:

أحدهما عدم إشتغال الذمة بتكليف شرعي.

ويسمى عند بعضهم بالبراء‌ة الاصلية وأصالة النفي.

والثاني غيره، كعدم نقل اللفظ من معناه وعدم القرينة وعدم موت زيد ورطوبة الثوب وحدوث موجب الوضوء أو الغسل ونحو ذلك.ولا خلاف في كون الوجودي محل النزاع.

وأما العدمي فقد مال الاستاد، قدس سره، إلى عدم الخلاف فيه، تبعا لما حكاه عن استاده السيد صاحب الرياض، رحمه الله، من دعوى الاجماع على إعتباره في العدميات.

واستشهد على ذلك، بعد نقل الاجماع المذكور، بإستقرار سيرة العلماء على التمسك بالاصول العدمية، مثل اصالة عدم القرينة والنقل والاشتراك وغير ذلك، وببنائهم هذه المسألة على كفاية العلة المحدثه للابقاء.

أقول: ما إستظهره، قدس سره، لا يخلو عن تأمل: أما دعوى الاجماع فلا مسرح لها في المقام، مع ما سيمر بك من تصريحات كثير بخلافه، وإن كان يشهد لها ظاهر التفتازاني في شرح الشرح، حيث قال:


الصفحة ٥٥٠

(إن خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنماهو في الاثبات دون النفي الاصلي)(١) .

وأما سيرة العلماء فقد إستقرت في باب الالفاظ على التمسك بالاصول الوجودية والعدمية كلتيهما.

قال الوحيد البهبهاني في رسالته الاستصحابية، بعد نقل القول بإنكار إعتبار الاستصحاب مطلقا عن بعض وإثباته عن بعض والتفصيل عن بعض آخر، ما هذا لفظه: (لكن الذي نجد من الجميع حتى من المنكر مطلقا أنه يستدلون بأصالة عدم النقل فيقولون: الامر حقيقة في الوجوب عرفا، فكذا لغة، لاصالة عدم النقل.

ويستدلون بأصالة بقاء المعنى اللغوي فينكرون الحقيقة الشرعية إلى غير ذلك، كما لا يخفى على المتتبع)(٢) ، إنتهى.

وحينئذ فلا شهادة في السيرة الجارية في باب الالفاظ على خروج العدميات.

وأما إستدلالهم على إثبات الاستصحاب بإستغناء الباقي عن المؤثر الظاهر الاختصاص بالوجودي فمع أنه معارض بإختصاص بعض أدلتهم الاتي بالعدمي وبأنه يقتضي أن يكون النزاع مختصا بالشك من حيث المقتضي لا من حيث الرافع يمكن توجيهه بأن الغرض الاصلي هنا لما كان هو التكلم في الاستصحاب الذي هو من أدلة الاحكام الشرعية اكتفوا بذكر ما بثبت الاستصحاب الوجودي، مع أنه يمكن أن يكون الغرض تتميم المطلب في العدمي بالاجماع المركب بل الاولوية، لان الموجود إذا لم يحتج في بقائه إلى المؤثر، فالمعدوم كذلك بالطريق الاولى.

نعم ظاهر عنوانهم للمسألة بإستصحاب الحال وتعريفهم له ظاهر الاختصاص بالوجودي، إلا أن الوجه فيه بيان الاستصحاب الذي هو من الادلة الشرعية للاحكام.

ولذا عنونه بعضهم بل الاكثر بإستصحاب حال الشرع.

ومما ذكرنا يظهر عدم جواز الاستشهاد على إختصاص محل النزاع بظهور قولهم في عنوان المسألة (إستصحاب الحال) في الوجودي، وإلا لدل تقييد كثير منهم العنوان ب‍ (إستصحاب حال الشرع) على إختصاص النزاع بغير الامور الخارجية.

____________________

(١) تعليقة شرح مختصر الاصول، ص ٢٨٤.

(٢) الرسالة الاستصحابية، ص، مخطوط.


الصفحة ٥٥١

وممن يظهر منه دخول العدميات في محل الخلاف الوحيد البهبهاني فيما تقدم عنه، بل لعله صريح في ذلك، بملاحظة ما ذكره قبل ذلك في تقسم الاستصحاب.

وأصرح من ذلك في عموم محل النزاع إستدلال النافين في كتب الخاصة والعامة بأنه لو كان الاستصحاب معتبرا لزم ترجيح بينة النافي، لاعتضاده بالاستصحاب، وإستدلال المثبتين كما في المنية بأنه لو لم يعتبر الاستصحاب لانسد باب إستنباط الاحكام من الادلة، لتطرق إحتمالات فيها لا تندفع إلا بالاستصحاب(١).

وممن أنكر الاستصحاب في العدميات صاحب المدارك، حيث أنكر إعتبار إستصحاب عدم التذكية الذي تمسك به الاكثر لنجاسة الجلد المطروح.

وبالجملة، فالظاهر أن التتبع يشهد بأن العدميات ليست خارجة عن محل النزاع، بل سيجئ عند بيان أدلة الاقوال -: أن القول بالتفصيل بين العدمي والوجودى بناء على إعتبار الاستصحاب من باب الظن وجوده بين العلماء لا يخلو من إشكال، فضلا عن إتفاق النافين عليه، إذ ما من إستصحاب وجودي إلا ويمكن معه فرض إستصحاب عدمي يلزم من الظن به الظن بذلك المستصحب الوجودي، فيسقط فائدة نفي إعتبار الاستصحابات الوجودية.

وانتظر لتمام الكلام.

ومما يشهد بعدم الاتفاق في العدميات إختلافهم في أن المنافي يحتاج إلى دليل ام لا.فلاحظ ذلك العنوان تجده شاهد صدق على ما إدعيناه.

نعم ربما يظهر من بعضهم خروج بعض الاقسام من العدميات من محل النزاع، كإستصحاب النفي المسمى بالبراء‌ة الاصلية، فإن المصرح به في كلام جماعة، كالمحقق والعلامة والفاضل الجواد، الاطباق على العمل عليه، وكإستصحاب عدم النسخ، فإن المصرح به في كلام غير واحد، كالمحدث الاسترابادي والمحدث البحراني، عدم الخلاف فيه.

بل مال الاول إلى كونه من ضروريات الدين، وألحق الثاني بذلك إستصحاب عدم التخصيص والتقييد.

والتحقيق: أن إعتبار الاستصحاب بمعنى التعويل في تحقق شئ في الزمان الثاني على تحققه في الزمان السابق عليه مختلف فيه من غير فرق بين الوجودي والعدمي.

نعم قد يتحقق في بعض الموارد قاعدة أخرى توجب الاخذ بمقتضى الحالة السابقة، كقاعدة قبح التكليف من غير بيان، أو

____________________

(١) المنية، ص، مخطوط.


الصفحة ٥٥٢

عدم الدليل دليل العدم، أو ظهور الدليل الدال على الحكم في إستمراره أو عمومه أو إطلاقه أو غير ذلك.

وهذا لا ربط له بإعتبار الاستصحاب.ثم إنا لم نجد في أصحابنا من فرق بين الوجودي والعدمي.نعم حكى شارح الشرح هذا التفصيل عن الحنفية.

الثاني إن المستصحب قد يكون حكما شرعيا، كالطهارة المستصحبة بعد خروج المذي، والنجاسة المستصحبة بعد زوال تغير المتغير بنفسه، وقد يكون غيره، كإستصحاب الكرية والرطوبة، والوضع الاول عند الشك في حدوث النقل أو في تأريخه.والظاهر بل صريح جماعة وقوع الخلاف في كلا القسمين.

نعم نسب إلى بعض التفصيل بينهما بإنكار الاول والاعتراف بالثاني، ونسب إلى آخر العكس، حكاهما الفاضل القمي في القوانين(١).

وفيه نظر يظهر بتوضيح المراد من الحكم الشرعي وغيره، فنقول: الحكم الشرعي يراد به تارة الحكم الكلي الذي من شأنه أن يؤخذ من الشارع، كطهارة من خرج منه المذي أو نجاسة ما زال تغيره بنفسه، وأخرى يراد به ما يعم الحكم الجزئي الخاص في الموضوع، كطهارة هذا الثوب ونجاسته، فإن الحكم بهما من جهة عدم ملاقاته للنجس أو ملاقاته ليس وظيفة للشارع.نعم وظيفته إثبات الطهارة كلية لكل شئ شك في ملاقاته للنجس وعدمها.

وعلى الاطلاق الاول جرى الاخباريون، حيث أنكروا إعتبار الاستصحاب في نفس أحكام الله تعالى.

وجعله الاسترابادي من أغلاط من تأخر عن المفيد، مع إعترافه بإعتبار الاستصحاب في مثل طهارة الثوب ونجاسته وغيرهما مما شك فيه من الاحكام الجزئية لاجل الاشتباه في الامور الخارجية(٢).

وصرح المحدث الحر العاملي بأن أخبار الاستصحاب لا تدل على إعتباره في نفس الحكم الشرعي وإنما تدل على إعتباره في موضوعاته ومتعلقاته.والاصل في ذلك عندهم أن الشبهة في الحكم الكلي لا مرجع فيها إلا الاحتياط دون البراء‌ة

____________________

(١) القوانين، ص ٢٨٣.

(٢) الفوائد المدنية، ص ١٤١:


الصفحة ٥٥٣

أو الاستصحاب، فإنهما عندهم مختصان بالشبهة في الموضوع.وعلى الاطلاق الثاني جرى بعض آخر.

قال المحقق الخوانساري في مسألة الاستنجاء بالاحجار: (وينقسم إلى قسمين بإعتبار الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي وغيره ومثل للاول بنجاسة الثوب أو البدن، وللثاني برطوبته.

ثم قال: - ذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه وبعضهم إلى حجية القسم الاول فقط)(١)، إنتهى.

إذا عرفت ما ذكرناه، ظهر أن عد القول بالتفصيل بين الاحكام الشرعية والامور الخارجية قولين متعاكسين، ليس على مكا ينبغي.

لان المراد بالحكم الشرعي إن كان هو الحكم الكلي الذي أنكره الخباريون، فليس هنا من يقول بإعتبار الاستصحاب فيه ونفيه في غيره.

فإن ما حكاه المحقق الخوانساري واستظهره السبزواري هو إعتباره في الحكم الشرعي بالاطلاق الثاني الذي هو أعم من الاول.وإن أريد بالحكم الشرعي الاطلاق الثاني الاعم.

فلم يقل أحد بإعتباره في غير الحكم الشرعي وعدمه في الحكم الشرعي، لان الاخباريين لا ينكرون الاستصحاب في الاحكام الجزئية.

ثم إن المحصل من القول بالتفصيل بين القسمين المذكورين في هذا التقسيم ثلاثة:

الاول: إعتبار الاستصحاب في الحكم الشرعي مطلقا، جزيئا كان كنجاسة الثوب أو كليا كنجاسة الماء المتغير بعد زوال التغير.وهو الظاهر مما حكاه المحقق الخوانساري.

الثاني: إعتباره في ما عدى الحكم الشرعي الكلي وإن كان حكما جزئيا.وهو الذي حكاه في الرسالة الاستصحابية عن الاخباريين.

الثالث: إعتباره في الحكم الجزئي دون الكلي ودون الامور الخارجية.

وهو الذي ربما يستظهر مما حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد، قدس سره، في تحريم إستعمال الماء النجس والمشتبه.

الثالث من حيث أن المستصحب قد يكون حكما تكليفيا وقد يكون وضعيا شرعيا، كالاسباب

____________________

(١) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ٧٦.


الصفحة ٥٥٤

والشروط والموانع.

وقد وقع الخلاف من هذه الجهة: ففصل صاحب الوافية بين التكليفي وغيره، بالانكار في الاول دون الثاني.

وإنما لم ندرج هذا التقسيم في التقسيم الثاني، مع أنه تقسيم لاحد قسميه، لان الظاهر كلام المفصل المذكرو وإن كان هو التفصيل بين الحكم التكليفي والوضعي، إلا أن آخر كلامه ظاهر في إجراء الاستصحاب في نفس الاسباب والشروط والموانع دون السببية والشرطية والمانعية.وسيتضح ذلك عند نقل عبارته عند التعرض لادلة الاقوال.

وأما الاعتبار الثاني فمن وجوه أيضا أحدها: من حيث أن الدليل المثبت للمستصحب إما أن يكون هو الاجماع وإما أن يكون غيره.وقد فصل بين هذين القسمين الغزالي فأنكر الاستصحاب في الاول.

وربما يظهر من صاحب الحدائق فيما حكي عنه في الدرر النجفية: أن محل النزاع في الاستصحاب منحصر في إستصحاب حال الاجماع.وسيأتي تفصيل ذلك عند نقل أدلة الاقوال إن شاء الله.

الثاني: من حيث انه قد يثبت بالدليل الشرعي وقد يثبت بالدليل القطعي.ولم أجد من فصل بينهما.

إلا أن في تحقق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي، وهو الحكم العقلي المتوصل به إلى حكم شرعي، تأملا، نظرا إلى أن الاحكام العقلية كلها مبنية مفصلة من حيث مناط الحكم.

والشك في بقاء المستصحب وعدمه لا بد وأن يرجع إلى الشك في موضوع الحكم، لان الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن والقبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف الذي هو الموضوع.

فالشك في حكم العقل حتى لاجل وجود الرافع لا يكون إلا للشك في موضوعه، والموضوع لا بد أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب، كما سيجئ.

ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الشك من جهة الشك في وجود الرافع وبين أن يكون لاجل الشك في إستعداد الحكم، لان إرتفاع الحكم العقلي لا يكون إلا بإرتفاع موضوعه، فيرجع الامر بالاخرة إلى تبدل العنوان.

ألا ترى أن العقل إذا حكم بقبح الصدق الضار، فحكمه يرجع إلى أن الضار من حيث أنه ضار حرام.

ومعلوم أن هذه القضية غير قابلة للاستصحاب عند الشك في الضرر، مع العلم بتحققه سابقا، لان قولنا: (المضر قبيح) حكم دائمي لا يحتمل إرتفاعه أبدا، ولا


الصفحة ٥٥٥

ينفع في إثبات القبح عند الشك في بقاء.

ولا يجوز أن يقال: إن هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه، لان الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضر، والحكم له مقطوع البقاء.

وهذا بخلاف الاحكام الشرعية، فإنه قد يحكم الشارع على صدق بكونه حراما، ولا يعلم أن المناط الحقيقي فيه باق في زمان الشك أو مرتفع، [ إما من جهة المناط أو من جهة الجهل ببقائه مع معرفته، ] فيستصحب الحكم الشرعي.

فإن قلت: على القول بكون الاحكام الشرعية تابعة للاحكام العقلية، فما هو مناط الحكم وموضوعه في الحكم العقلي بقبح هذا الصدق فهو المناط والموضوع في حكم الشرع بحرمته.

إذ المفروض، بقاعدة التطابق، أن موضوع الحرمة ومناطه هو بعينه موضوع القبح ومناطه.

قلت: هذا مسلم، لكنه مانع عن الفرق بين الحكم الشرعي والعقلي من حيث الظن بالبقاء في الان اللاحق، لا من حيث جريان أخبار الاستصحاب وعدمه.

فإنه تابع لتحقق موضوع المستصحب ومعروضه بحكم العرف.

فإذا حكم الشارع بحرمة شئ في زمان وشك في الزمان الثاني، ولم يعلم أن المناط الحقيقي واقعا الذي هو المناط والموضوع في حكم العقل باق هنا أم لا، فيصدق هنا أن الحكم الشرعي الثابت لما هو الموضوع له في الادلة الشرعية كان موجودا سابقا وشك في بقائه ويجري فيه أخبار الاستصحاب.

نعم لو علم مناط هذا الحكم وموضوعه المعلق عليه في حكم العقل لم يجر الاستصحاب، لما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع.

ومما ذكرنا يظهر أن الاستصحاب لا يجري في الاحكام العقلية ولا في الاحكام الشرعية المستندة إليها، سواء كانت وجودية أو عدمية، إذا كان العدم مستندا إلى القضية العقلية، كعدم وجوب الصلاة مع السورة على ناسيها، فإنه لا يجوز إستصحابه بعد الالتفات، كما صدر من بعض من مال إلى الحكم بالاجزاء في هذه الصورة وأمثالها من موارد الاعذار العقلية الرافعة للتكليف مع قيام مقتضيه.

وأما إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضية العقلية، بل كان لعدم المقتضي وإن كان القضية العقلية موجودة أيضا، فلا بأس بإستصحاب العدم المطلق بعد إرتفاع القضية العقلية.

ومن هذا الباب إستصحاب حال العقل المراد به في إصطلاحهم إستصحاب البراء‌ة والنفي.

فالمراد إستصحاب الحال التي يحكم العقل على طبقها، وهو عدم التكليف، لا الحال المستندة إلى العقل، حتى يقال إن مقتضى ما تقدم هو عدم جواز إستصحاب عدم التكليف عند إرتفاع القضية العقلية وهي قبح تكليف غير المميز أو المعدوم.


الصفحة ٥٥٦

ومما ذكرنا ظهر أنه لا وجه للاعتراض على القوم في تخصيص إستصحاب حال العقل بإستصحاب النفي والبراء‌ة بأن الثابت بالعقل قد يكون عدميا وقد يكون وجوديا، فلا وجه للتخصيص.

وذلك لما عرفت من أن الحال المستند إلى العقل المنوط بالقضيه العقلية لا يجري فيه الاستصحاب وجوديا كان أو عدميا.وما ذكره من الامثلة يظهر الحال فيها مما تقدم.

الثالث: إن دليل المستصحب إما أن يدل على إستمرار الحكم إلى حصول رافع أو غاية وإما أن لا يدل.

وقد فصل بين هذين القسمين المحقق في المعارج والمحقق الخوانساري في شرح الدروس، فأنكرا الحجية في الثاني واعترفا بها في الاول، مطلقا، كما يظهر من المعارج، أو بشرط كون الشك في وجود الغاية كما يأتي من شارح الدروس.

وتخيل بعضهم، تبعا لصاحب المعالم، أن قول المحقق، قدس سره، موافق للمنكرين، لا محل النزاع ما لم يكن الدليل مقتضيا للحكم في الان اللاحق لولا الشك في الرافع.

وهو غير بعيد بالنظر إلى كلام السيد والشيخ وإبن زهرة وغيرهم، حيث أن المفروض في كلامهم هو كون دليل الحكم في الزمان الاول قضية مهملة ساكتة عن حكم الزمان الثاني، ولو مع فرض عدم الرافع إلا أن الذي يقضتيه التدبر في بعض كلماتهم مثل إنكار السيد لاستصحاب البلد المبني على ساحل البحر، مع كون الشك فيه نظير الشك في وجود الرافع للحكم الشرعي، وغير ذلك مما يظهر للمتأمل ويقتضيه الجمع بين كلماتهم وبين ما يظهر من بعض إستدلال المثبتين والنافين هو عموم النزاع لما ذكر المحقق.

فما ذكره في المعارج أخيرا ليس رجوعا عما ذكره أولا، بل لعله بيان لمورد تلك الادلة التي ذكرها لاعتبار الاستصحاب وأنها لا تقتضي إعتبارا أزيد من مورد يكون الدليل فيه مقتضيا للحكم مطلقا ويشك في رافعه.

وأما بإعتبار الشك في البقاء فمن وجوه أيضا أحدها: من جهة أن الشك قد ينشأ من إشتباه الامر الخارجي، مثل الشك في حدوث البول أو كون


الصفحة ٥٥٧

كالطهارة في المثالين، أم موضوعا كالرطوبة، والكرية، وعدم نقل اللفظ عن معناه الاصلي، وشبه ذلك.

وقد ينشأ من إشتباه الحكم الشرعي الصادر من الشارع، كالشك في بقاء نجاسة المتغير بعد زوال تغيره وطهارة المكلف بعد حدوث المذي منه، ونحو ذلك.

والظاهر دخول القسمين في محل النزاع، كما يظهر من كلام المنكرين حيث ينكرون إستصحاب حياة زيد بعد غيبته عن النظر والبلد المبني على ساحل البحر، ومن كلام المثبتين حيث يستدلون بتوقف نظام معاش الناس ومعادهم على الاستصحاب.ويحكى عن الاخباريين إختصاص الخلاف بالثاني.

وهو الذي صرح به المحدث البحراني، ويظهر من كلام المحدث الاسترابادي، حيث قال في فوائده.

(اعلم أن للاستصحاب صورتين معتبرتين بإتفاق الامة، بل أقول إعتبارهما من ضروريات الدين.

إحدهما: أن الصحابة وغيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبينا، صلى الله عليه وآله، إلى أن يجئ ناسخه، الثانية: أنا نستصحب كل أمر من الامور الشرعية، مثل كون الرجل مالك أرض وكونه زوج إمرأة، وكونه عبد رجل، وكونه على ضوء، وكون الثوب طاهرا أو نجسا، وكون الليل أو النهار باقيا، وكون ذمة الانسان مشغولة بصلاة أو طواف، إلى أن يقطع بوجود شي ء جعله الشارع سببا مزيلا لنقض تلك الامور.

ثم ذلك الشئ قد يكون شهادة العدلين، وقد يكون قول الحجام المسلم ومن في حكمه، وقد يكون قول القصار ومن في حكمه، وقد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح والغسل في سوق المسلمين، وأشباه ذلك من الامور الحسية)(١)، إنتهى.

ولولا تمثيله بإستصحاب الليل والنهار، لاحتمل أن يكون معقد إجماعه الشك من حيث المانع وجودا أو منعا.

إلا أن الجامع بين جميع أمثلة الصورة الثانية ليس إلا الشبهة الموضوعية، فكأنه إستثني من محل الخلاف صورة واحدة من الشبهة الحكمية، أعني الشك في النسخ وجميع صور الشبهة الموضوعية.

وأصرح من العبارة المذكورة في إختصاص محل الخلاف بالشبهة الحكمية ما حكي عنه في الفوائد أنه قال في جملة كلام له:

____________________

(١) الفوائد المدنية، ص ١٤٣.


الصفحة ٥٥٨

(إن صورة الاستصحاب المختلف فيه راجعة إلى أنه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه.

ومن المعلوم أنه إذا تبدل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد إختلف موضوع المسألتين.

فالذي سموه إستصحابا راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم لموضوع إلى موضوع آخر متحد معه بالذات مختلف بالقيد والصفات)(١)، إنتهى.

الثاني: من حيث أن الشك بالمعنى الاعم الذي هو المأخوذ في تعريف الاستصحاب، قد يكون مع تساوي الطرفين، وقد يكون مع رجحان البقاء أو الارتفاع، فلا إشكال في دخول الاولين في محل النزاع.

وأما الثالث، فقد يتراء‌ى من بعض كلماتهم عدم وقوع الخلاف فيه.

قال شارح المختصر: (معنى إستصحاب الحال أن الحكم الفلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.

وقد اختلف في صحة حجية الاستدلال به لافادته الظن، وعدمها لعدم إفادته)(٢)، إنتهى.

والتحقيق: أن محل الخلاف إن كان في إعتبار الاستصحاب من باب التعبد والطريق الظاهري عم صورة الظن الغير المعتبر بالخلاف.

وإن كان من باب إفادة الظن، كما صرح به شارح المختصر، فإن كان من باب الظن الشخصي، كما يظهر من كلمات بعضهم، كشيخنا البهائي في حبل المتين وبعض من تأخر عنه، كان محل الخلاف في غير صورة الظن بالخلاف، إذ مع وجوده لا يعقل ظن البقاء، وإن كان من باب إفادة نوعه الظن لو خلي وطبعه وإن عرض لبعض أفراده ما يسقطه عن إفادة الظن، عم الخلاف صورة شالظن بالخلاف أيضا.

ويمكن أن يحمل كلام العضدي على إرادة أن الاستصحاب من شأنه بالنوع أن يفيد الظن عند فرض عدم الظن بالخلاف، وسيجئ زيادة توضيح لذلك إن شاء الله.

الثالث: من حيث أن الشك في بقاء المستصحب، قد يكون من جهة المقتضي، والمراد به الشك من

____________________

(١) الفوائد المدنية، ص ١٤٣.

(٢) شرح مختصر الاصول، ج ٢، ص ٢٨٤.


الصفحة ٥٥٩

حيث إستعداده وقابليته في ذاته للبقاء، كالشك في بقاء الليل والنهار، وخيار الغبن بعد الزمان الاول، وقد يكون من جهة طرو الرافع مع القطع بإستعداده للبقاء.

وهذا على أقسام، لان الشك إما في وئجود الرافع، كالشك في حدوث البول، وإما أن يكون في رافعية الموجود، إما لعدم تعين المستصحب وتردده بين ما يكون الموجود رافعا وبين ما لا يكون، كفعل الظهر المشكوك كونه رافعا لشغل الذمة بالصلاة المكلف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردده بين الظهر والجمعة، وإما للجهل بصفة الموجود من كونه رافعا، كالمذي، أو مصداقا لرافع معلوم المفهوم، كالرطوبة المرددة بين البول والودي، أو مجهول المفهوم.

ولا إشكال في كون ما عدا الشك في وجود الرافع محلا للخلاف.

وإن كان يشعر ظاهر إستدلال بعض المثبتين بأن المقتضي للحكم الاول موجود، إلى آخره، يوهم الخلاف.

وأما هو فالظاهر أيضا ووقع الخلاف فيه، كما يظهر من إنكار السيد، قدس سره، للاستصحاب في البلد المبني على ساحل البحر، وزيد الغائب عن النظر، وأن الاستصحاب لو كان حجة لكان بينة النافي أولى، لاعتضاده بالاستصحاب.

وكيف كان فقد يفصل بين كون الشك من جهة المقتضي وبين كونه من جهة الرافع فينكر الاستصحاب في الاول، وقد يفصل في الرافع بين الشك في وجوده والشك في رافعيته فينكر الثاني مطلقا أو إذا لم يكن الشك في المصداق الخارجي

* * *


الصفحة ٥٦٠

هذه جملة ما حضرني من كلمات الاصحاب والمتحصل منها في بادي النظر أحد عشر قولا:

الاول: القول بالحجية مطلقا.

الثاني: عدمها مطلقا الثالث: التفصيل بين العدمي والوجودي.

الرابع: التفصيل بين الامور الخارجية وبين الحكم الشرعي مطلقا، فلا يعتبر في الاول.

الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي وغيره، فلا يعتبر إلا في عدم النسخ.

السادس: التفصيل بين الحكم الجزئي وغيره، فلا يعتبر في غير الاول وهذا هو الذي تقدم أنه ربما يستظهر من كلام المحقق الخوانساري في حاشية شرح الدروس، على ما حكاه السيد في شرح الوافية.

السابع: التفصيل بين الكلي التكليفي الغير التابع للحكم الوضعي وغيره، فلا يعتبر في الاول.

[ التفصيل بين الاحكام الوضعية، يعني نفس الاسباب والشروط والموانع، والاحكام التكليفية التابعة لها وبين غيرها من الاحكام الشرعية فيجري في الاول دون الثاني ].

الثامن: التفصيل بين ما ثبت بالاجماع وغيره، فلا يعتبر في الاول.

التاسع: التفصيل بين كون المستصحب مما ثبت بدليله أو من الخارج إستمراره، فشك في الغاية الرافعة وبين غيره، فيعتبر في الاول دون الثاي، كما هو ظاهر المعارج.

العاشر: هذا التفصيل مع إختصاص الشك بوجود الغاية، كما هو الظاهر من المحقق السبزواري فيما سيجئ من كلامه.

الحادي عشر: زيادة الشك في مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقي دون المفهومي، كما هو ظاهر ما سيجئ من المحقق الخوانساري.

ثم إنه لو بني على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرض لهذه المسألة في الاصول والفروع لزادت الاقوال على العدد المذكور بكثيرن بل يحصل لعالم واحد قولان أو أزيد في المسألة.إلا أن صرف الوقت في هذا مما لا ينبغي.


الصفحة ٥٦١

والاقوى هو القول التاسع وهو الذي اختاره المحقق، فإن المحكي عنه في المعارج أنه قال: (إذا ثبت حكم في وقت، ثم جاء وقت آخر ولم يقم دليل على إنتفاء ذلك الحكم، هل يحكم ببقائه على ما كان؟ أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دلالة؟ كما يفتقر نفيه إلى الدلالة.حكي عن المفيد، رحمه الله، أنه يحكم ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه.

وهو المختار.وقال المرتضى، قدس سره،لا يحكم.ثم مثل بالمتيمم الواجد للماء في أثناء الصلاة.

ثم احتج للحجية بوجوه منها: أن المقتضي للحكم الاول موجود، ثم ذكر أدلة المانعين وأجاب عنها، ثم قال: - (والذي نختاره: أن ننظر في دليل ذلك الحكم، إن كان يقتضيه مطلقا، وجب الحكم بإستمرار الحكم، كعقد النكاح، فإنه يوجب حل الوطئ مطلقا.

فإذا وقع الخلاف في الالفاظ التي يقع بها الطلاق، فالمستدل على أن الطلاق لا يقع بها لو قال: حل الوطئ ثابت قبل النطق بهذه الالفاظ، فكذا بعده، كان صحيحا، لان المقتضي للتحليل وهو العقد إقتضاه مطلقا، ولا يعلم أن الالفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيثبت الحكم عملا بالمقضتي.

(لا يقال: إن المقتضي هو العقد، ولم يثبت أنه باق).

(لانا نقول: وقوع العقد إقتضى حل الوطئ لا مقيدا بوقت، فيلزم دوام الحل نظرا إلى وقوع المقتضي لا إلى دوامه.

فيجب أن يثبت الحل حتى يثبت الرافع ثم قال: - (فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس هذا عملا بغير دليل، وإن كان يعني أمرا آخر وراء هذا فنحن مضربون عنه)(١)، إنتهى.

ويظهر من صاحب المعالم إختياره، حيث جعل هذا القول من المحقق نفيا بحجية الاستصحاب.

فيظهر أن الاستصحاب المختلف فيه غيره.

____________________

(١) معارج الاصول، ص ٢٠٦.


الصفحة ٥٦٢

لنا على ذلك وجوه

الاول: ظاهر كلمات جماعة الاتفاق عليه

فمنها: ما عن المبادي حيث قال: (الاستصحاب حجة، لاجماع الفقهاء على أنه متى حصل حكم، ثم وقع الشك في أنه ما يزيله أم لا، وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا.

ولولا القول بأن الاستصحاب حجة، لكان ترجيحا لاحد طرفي الممكن من غير مرجح)(١)، إنتهى.

ومراده، وإن كان الاستدلال به على حجية مطلق الاستصحاب، بناء على ما ادعاه، من أن الوجه في الاجماع على الاستصحاب مع الشك في طرو المزيل، هو إعتباره الحالة السابقة مطلقا، لكنه ممنوع، لعدم الملازمة، كما سيجئ.

ونظير هذا ما عن النهاية، من: (أن الفقهاء بأسرهم على كثرة إختلافهم إتفقوا على أنا متى تيقنا حصول شئ وشككنا في حدوث المزيل له، أخذنا بالمتيقن).

وهو عين الاستصحاب، لانهم رجحوا إبقاء الثابت على حدوث الحادث.

ومنها: تصريح صاحب المعالم والفاضل الجواد بأن ما ذكره المحقق أخيرا في المعارج راجع إلى قول السيد المرتضى المنكر للاستصحاب.

فإن هذا شهادة منهما على خروج ما ذكره المحقق عن مورد النزاع وكونه موضع وفاق.

إلا أن في صحة هذه الشهادة نظرا، لان ما مثل في المعارج من الشك في الرافعية من مثال النكاح هو بعينه ما أنكره الغزالي.

ومثل له بالخارج من غير السبيلين، فإن الطهارة كالنكاح، في أن سببها مقتض لتحققه دائما إلى أن يثبت الرافع.

____________________

(١) مبادى الاصول إلى علم الاصول، ص ٢٥٠.


الصفحة ٥٦٣

الثاني [ حكم الشارع بالبقاء ]

انا تتبعنا موارد الشك في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من أول الفقه إلى آخره موردا إلا حكم الشارع فيه بالبقاء، إلا مع أمارة توجب الظن بالخلاف، كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء، فإن الحكم بها ليس لعدم إعتبار الحالة السابقة وإلا لوجب الحكم بالطهارة، لقاعدة الطهارة بل لغلبة بقاء جزء من البول أو المني في المخرج، فرجح هذا الظاهر على الاصل، كما في غسالة الحمام عند بعض، والبناء على الصحة المستند إلى ظهور فعل المسلم.

والانصاف: أن هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع.

وهو أولى من الاستقراء الذي ذكره غير واحد، كالمحقق البهبهاني وصاحب الرياض، أنه المستند في حجية شهادة العدلين على الاطلاق.

الثالث الاخبار المستفيضة

منها: صحيحة زرارة ولا يضرها الاضمار -: (قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ قال: يا زرارة ! قد تنام القلب والاذن.فإذا نامت العين والاذن فقد وجب الوضوء.

قلت: فإن حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم؟ قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر)(١).

وتقرير الاستدلال: أن جواب الشرط في قوله عليه السلام: (وإلا فإنه على يقين)، محذوف قامت العلة مقامه، لدلالة ما عليه، وجعله نفس الجزاء يحتاج إلى تكلف.

وإقامة العلة مقام الجزاء لا تحصى كثرة في القرآن وغيره، مثل قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول بإنه يعلم السر وأخفى.

وإن تكفروا فإن الله غني عنكم.

ومن كفر فإن ربي غني كريم.

ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

وإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين.

وإن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.

وإن

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ٨.


الصفحة ٥٦٤

يكذبوك فقد كذبت)، إلى غير ذلك.

فمعنى الرواية: إن لم يستيقن أنه قد نام، فلا يجب عليه الوضوء، لانه على يقين من وضوء في السابق.

وبعد إهمال تقييد اليقين بالوضوء وجعل العلة نفس اليقين يكون قوله عليه السلام: (ولا ينقض اليقين)، بمنزلة كبرى كلية للصغرى المزبورة، هذا.

ولكن مبنى الاستدلال على كون اللام في اليقين للجنس، إذ لو كان للعهد لكانت الكبرى المنضمة إلى الصغيرى: (ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشك)، فيفيد قاعدة كلية في باب الوضوء وأنه لا ينقض إلا باليقين بالحدث.

واللام وإن كان ظاهرا في الجنس إلا أن سبق يقين الوضوء ربما يوهن الظهور المذكور، بحيث لو فرض إرادة خصوص يقين الوضوء لم يكن بعيدا عن اللفظ من إحتمال أن لا يكون قوله عليه السلام: (فإنه على يقين)، علة قائمة مقام الجزاء، بل يكون الجزاء مستفادا من قوله (ولا تنقض)، وقوله: (فإنه على يقين) توطئة له.

والمعنى: أنه إن لم يستيقن النوم فهو مستيقن لوضوئه السابق ويثبت على مقتضى يقينه ولاينقضه، فيخرج قوله (ولا ينقض) عن كونه بمنزلة الكبرى، فيصير عموم اليقين وإرادة الجنس منه أوهن.

لكن الانصاف: أن الكلام مع ذلك لا يخلو عن ظهور، خصوصا بضميمة الاخبار الاخر الاتية المتضمنة لعدم نقض اليقين بالشك.

وربما يورد على إرادة العموم من اليقين أن النفي الوارد على العموم لا يدل على السلب الكلي.

وفيه: أن العموم مستفاد من الجنس في حيز النفي.

فالعموم بملاحظة النفي، كما في (لا رجل في الدار)، لا في حيزه، كما في: (لم آخذ كل الدراهم).

ولو كان اللاز لاستغراق الافراد كان الظاهر، بقرينة المقام والتعليل وقوله (أبدا)، هو إرادة عموم النفي، لا نفي العموم.

وقد أورد على الاستدلال بالصحيحة بما لا يخفى جوابه على الفطن.

والمهم في هذا الاستدلال إثبات إرادة الجنس من اليقين.

ومنها: صحيحة أخرى لزرارة مضمرة أيضا: (قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني، فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك؟ قال عليه السلام: تعيد الصلاة وتغسله.

قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنه أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما


الصفحة ٥٦٥

صليت وجدته؟ قال عليه السلام: تغسله وتعيد.

قلت: فإن ظننت أنه أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت ولم أر شيئا فصليت فيه فرأيت ما فيه؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة.

قلت: لم ذلك؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا.

قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله.

قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك.

قلت: فهل علي إن شككت أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع من نفسك.

قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته.

وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لانك لا تدري لعله شئ أوقع عليك فليس ينبغي.

لك أن تنقض اليقين بالشك)(١)، بالحديث.والتقريب كما تقدم في الصحيحة الاولى، وإرادة الجنس من اليقين لعله أظهر هنا.

وأما فقه الحديث، فبيانه: أن مورد الاستدلال يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون مورد السؤال فيه أن يرى بعد الصلاة نجاسة يعلم أنها هي التي خفيت عليه قبل الصلاة.وحينئذ فالمراد اليقين بالطهارة قبل ظن الاصابة والشك حين إرادة الدخول في الصلاة.

لكن عدم نقض اليقين بذلك الشك إنما يصلح علة لمشروعية الدخول في العبادة المشروطة بالطهارة مع الشك فيها وأن الامتناع عن الدخول فيها نقض لاثار تلك الطهارة المتيقنة، لا لعدم

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ٤٢١ وسائل الشيعة، ج ٢، ص ١٠٠٦


الصفحة ٥٦٦

وجوب الاعادة على من تيقن أنه صلى في النجاسة، كما جزم به السيد الشارح للوافية، إذ الاعادة ليست نقضا لاثر الطهارة المتيقنة بالشك، بل هو نقض باليقين، بناء على أن من آثار حصول اليقين بنجاسة الثوب حين الصلاة ولو بعدها وجوب إعادتها.

وربما يتخيل حسن التعليل لعدم الاعادة بملاحظة إقتضاء إمتثال الامر الظاهري للاجزاء، فيكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلا على تلك القاعدة وكاشفة عنها.

وفيه: أن ظاهر قوله: (فليس ينبغي) يعني: ليس ينبغي لك الاعادة لكونه نقضا.

كما أن قوله عليه السلام في الصحيحة: (لا ينقض اليقين بالشك أبدا) عدم إيجاب إعادة الوضوء، فافهم، فإنه لا يخلو عن دقة.

ودعوى: (أن من آثار الطهارة السابقة إجزاء الصلاة معها عدمها وعدم وجوب الاعادة لها.

فوجوب الاعادة نقض لاثار الطهارة السابقة) مدفوعة: بأن الصحة الواقعية وعدم الاعادة للصلاة مع الطهارة المتحققة سابقا من الاثار العقلية الغير المجعولة للطهارة المتحققة لعدم معقولية عدم الاجزاء فيها، مع أنه يوجب الفرق بين وقوع تمام الصلاة مع النجاسة فلا يعيد وبين وقوع بعضها معها فيعيد.

كما هو ظاهر قوله عليه السلام بعد ذلك: (وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته)، إلا أن يحمل هذه الفقره، كما إستظهره شارح الوافية، على ما لو علم الاصابة وشك في موضعها ولم يغسلها نسيانا.

وهو مخالف لظاهر الكلام وظاهر قوله بعد ذلك: (وإن لم تشك ثم رأيته)(١)، إلخ.

والثاني: أن يكون مورد السؤال رؤية النجاسة بعد الصلاه مع إحتمال وقوعها بعدها.

فالمراد: أنه ليس ينبغي أن تنقض يقين الطهارة بمجرد إحتمال وجودالنجاسه حال الصلاة.وهذا الوجه سالم مما يرد على الاول، إلا أنه خلاف ظاهر السؤال.

نعم مورد قوله عليه السلام أخيرا: (فليس ينبغي لك)، إلخ، هو الشك في وقوعه أول الصلاة او حين الرؤية، ويكون المراد من قطع الصلاة الاشتغال عنها بغسل الثوب مع عدم تخلل المنافي لا إبطالها، ثم البناء عليها الذي هو خلاف الاجماع.

لكن تغريع عدم نقض اليقين على إحتمال تأخر الموضوع يأبى عن حمل اللام على الجنس، فافهم.

ومنها: صحيحة ثالثة لزرارة: (وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ٤٢١ وسائل الشيعة، ج ١، ص ١٠٠٦


الصفحة ٥٦٧

أخرى، ولا شئ عليه.

ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحده‍ بالاخر، ولكنه ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات)(١).وقد تمسك بها في الوافية وقرره الشارح وتبعه جماعة ممن تأخر عنه.

وفيه تأمل، لانه إن كان المراد بقوله عليه السلام: (قام فأضاف إليها أخرى)، القيام للركعة الرابعة من دون تسليم في الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة حتى يكون حاصل الجواب هو البناء على الاقل، فهو مخالف للمذهب وموافق لقول العامة ومخالف لظاهر الفقرة الولى من قوله: (يركع ركعتين بفاتحة الكتاب)، فإن ظاهره بقرينة تعيين الفاتحخة إرادة ركعتين منفصلتين، أعني صلاة الاحتياط.

فتعين أن يكون المراد به القيام بعد التسليم في الركعة المرددة إلى ركعة مستقلة، كما هو مذهب الامامية.

فالمراد باليقين كما في اليقين الوارد في الموثقة الاتية، على ما صرح به السيد المرتضى واستفيد من قوله، عليه السلام، في أخبار الاحتياط: (إن كنت قد نقصت فكذا، وإن كنت قد أتممت فكذا) هو اليقين بالبراء‌ة.

فيكون المراد وجوب الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراء‌ة، بالبناء على الاكثر وفعل الصلاة مستقلة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه.

وقد اريد من اليقين والاحتياط في غير واحد من الاخبار هذا النحو من العمل، منها قوله، عليه السلام، في الموثقة الاتية: (إذا شككت فابن على اليقين).

فهذه الاخبار الآمرة بالبناء على اليقين وعدم نقضه، يراد منها البناء على ما هو المتيقن من العدد والتسليم عليه مع جبره بصلاة الاحتياط.

ولهذا ذكر في غير واحد من الاخبار ما يدل على أن العمل محرز للواقع، مثل قوله عليه السلام: (ألا أعلمك شيئا إذا فعلته، ثم ذكرت أنك نقصت أن أتممت لم يكن عليك شئ)(٢)، وقد تصدى جماعة، تبعا للسيد المرتضى، لبيان أن هذا العمل هو الاخذ باليقين الاحتياط دون مايقوله العامة من البناء على الاقل.

ومبالغة الامام، عليه السلام، في هذه الصحيحة بتكرار عدم الاعتناء بالشك وتسمية ذلك في غيرها بالبناء على اليقين والاحتياط تشعر بكونه في مقابل العامة زاعمين بكون مقتضى البناء على اليقين هو البناء على الاقل وضم الركعة المشكوكة.

____________________

(١) الكافي ج ٣، ص ٣٥٢ بحبر الانوار، ج ٢، ص ٢٨١.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ٢، ص ٣٤٩.


الصفحة ٥٦٨

ثم لو سلم ظهور الصحيحة في البناء على الاقل المطابق للاستصحاب كان هناك صوارف عن هذا الظاهر، مثل تعين حملها حينئذ على التقية، وهو مخالف للاصل.

ثم إرتكاب الحمل على التقية في مورد الرواية، وحمل القاعدة المستشهد بها لهذا الحكم المخالف للواقع على بيان الواقع، ليكون التقية في إجراء القاعدة في المورد، لا في نفسها، مخالفة أخرى للظاهر وإن كان ممكنا في نفسه.

مع أن هذا المعنى مخالف لظاهر صدر الرواية الابي عن الحمل على التقية.

مع أن العلماء لم يفهموا منها إلا البناء على الاكثر، إلى غير ذلك مما يوهن إرادة البناء على الاقل.

وأما إحتمال: (كون المراد من عدم نقض اليقين بالشك عدم جواز البناء على وقوع المشكوك بمجرد الشك، كما هو مقتضى الاستصحاب، فيكون مفاده عدم جواز الاقتصار على الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة، وقوله: (لا يدخل الشك في اليقين)، يراد به أن الركعة المشكوك فيها المبني على عدم وقوعها لايضمها إلى اليقين، أعني القدر المتيقن من الصلاة، بل يأتي بها مستقلة على ما هو مذهب الخاصة).

ففيه: من المخالفة لظاهر الفقرات الست أو السبع ما لا يخفى على المتأمل.

فإن مقتضى التدبر في الخبر أحد معنيين، إما الحمل على التقية، وقد عرفت مخالفته للاصول والظواهر، وإما حمله على وجوب تحصيل اليقين بعدد الركعات على الوجه الاحوط.

وهذا الوجه وإن كان بعيدا في نفسه، لكنه منحصر بعد عدم إمكان الحمل على ما يطابق الاستصحاب، ولا أقل من مساواته ما ذكره هذا القائل.فيسقط الاستدلال بالصحيحة، خصوصا على مثل هذه القاعدة.

وأضعف من هذا دعوى: (أن حملها على وجوب تحصيل اليقين في الصلاة بالعمل على الاكثر والعمل على الاحتياط بعد الصلاه على ما هو فتوى الخاصة.

وصريح أخبارهم الاخر لا ينافي إرادة العموم من القاعدة لهذا وللعمل على اليقين السابق في الموارد الاخر).

ويظهر إندفاعها، بما سيجئ في الاخبار الاتية، من عدم إمكان الجمع بين هذين المعنيين في المراد من العمل على اليقين وعدم نقضه.

ومما ذكرنا ظهر عدم صحة الاستدلال بموثقة عمار عن أبي الحسن عليه السلام: (قال: إذا شككت فابن على اليقين.

قلت:) هذا أصل؟ قال: نعم).

فإن جعل البناء على الاقل ينافي ما جعله الشارع أصلا في غير من الاخبار: مثل قوله عليه السلام: (أجمع لك السهو كله في كلمتين: متى شككت فابن على الاكثر)، وقوله عليه السلام فيما تقدم: (ألا أعلمك شيئا)، إلى آخر ما تقدم.


الصفحة ٥٦٩

فالوجه فيه: إما الحمل على التقيه وإما ما ذكره بعض الاصحاب في معنى الرواية، بإرادة البناء على الاكثر ثم الاحتياط بفعل ما ينفع لاجل الصلاه على تقدير الحاجة ولا يضر بها على تقدير الاستغناء.

نعم يمكن أن يقال بعدم الدليل على إختصاص الموثقة بشكوك الصلاه فضلا عن الشك في ركعاتها، فهو أصل كلي خرج منه الشك في عدد الركعات، وهو غير قادح.

لكن يرد عليه عدم الدلالة على إرادة اليقين السابق على الشك ولا المتيقن السابق على المشكوك اللاحق.

فهو أضعف دلالة من الرواية الاتية الصريحة في اليقين السابق، لاحتمالها لارادة إيجاب العمل بالاحتياط، فافهم.

ومنها: ما عن الخصال بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (من كان على يقين فشك فليمض على يقينه، فإن الشك لا ينقض اليقين)(١).

وفي روايه أخرى عنه عليه السلام: (من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه، فإن اليقين لا يدفع بالشك).

وعدها المجلسي في البحار في سلك الاخبار التي يستفاد منها القواعد الكلية.

أقول: لا يخفى أن الشك واليقين لا يجتمعان حتى ينقض أحدهما الاخر.

بل لا بد من إختلافهما، إما في زمان نفس الوصفين، كأن يقطع يوم الجمعة بعدالة زيد في زمان ثم يشك يوم السبت في عدالته في ذلك الزمان، وإما في زمان متعلقهما وإن اتحد زمانهما، كأن يقطع يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة ويشك في زمان هذا القطع بعدالته في يوم السبت.

وهذا هو الاستصحاب، وليس منوطا بتعدد زمان الشك واليقينن كما عرفت في المثال، فضل عن تأخر الاول عن الثاني.

وحيث أن صريح الرواية إختلاف زمان الوصفين وظاهرها إتحاد زمان متعلقيهما، تعين حملها على القاعدة الاولى.

وحاصلها عدم العبرة بطرو الشك في شئ بعد اليقين بذلك الشئ.

ويؤيده أن النقض حينئذ محمول على حقيقته، لانه رفع اليد عن نفس الاثار التي رتبها سابقا على المتيقن بخلاف الاستصحاب، فإن المراد بنقض اليقين فيه رفع اليد عن ترتب الاثار في غير زمان اليقين.

وهذا ليس نقضا لليقين السابق إلا إذا أخذ متعلقه مجردا عن التقييد بالزمان الاول.

وبالجملة، فمن تأمل في الرواية وأغمض عن ذكر بعض أدله الاستصحاب جزم بما ذكرناه في

____________________

(١) الخصال، ص ٦١٩.

(٢) الارشاد، ص ١٥٩ بحار الانوار، ج ٢، ص ٢٧٢.


الصفحة ٥٧٠

معنى الرواية.

اللهم إلا أن يقال بعد ظهور كون الزمان الماضي في الرواية ظرفا لليقين: إن الظاهر تجريد متعلق اليقين عن التقييد بالزمان، فإن قوله القائل: (كنت متيقنا أمس بعدالة زيد) ظاهر في إرادة اصل العدالة، لا العدالة المتقيدة بالزمان الماضي وإن كان ظرفه في الواقع ظرف اليقين.

لكن لم يلاحظه على وجه التقييد، فيكون الشك فيما بعد هذا الزمان بنفس ذلك المتيقن مجردا عن ذلك التقييد ظاهرا في تحقق أصل العدالة في زمان الشك فينطبق على الاستصحاب، فافهم.

ثم لو سلم أن هذه القاعدة بإطلاقها مخالفة للاجماع أمكن تقييدها بعدم نقض اليقين السابق بالنسبة إلى الاعمال التي رتبها حال اليقين به، كالاقتداء في مثال العدالة بذلك الشخص.

والعمل بفتواه او شهادته أو تقييد الحكم بصورة عدم التذكر لمستند القطع السابق وإخراج صورة تذكره والتفطن لفساده وعدم قابليته لافادة القطع.

فالانصاف: أن قوله عليه السلام: (فإن اليقين لا ينقض بالشك)، بملاحظة ما سبق في الصحاح من قوله: (لا ينقض اليقين بالشك)، ظاهره مساوقته لها.ويبعد حمله على المعنى الذي ذكرنا.

لكن سند الرواية ضعيف بالقاسم بن يحيى، لتضعيف العلامة له في الخلاصة، وإن ضعف ذلك بعض بإستناده إلى تضعيف إبن الغضايري المعروف عدم قدحه، فتأمل.

ومنها: مكاتبة علي بن محمد القاساني: (قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب عليه السلام: اليقين لا يدخله الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية)(١).

فإن تفريع تحديد كل من الصوم والافطار على رؤية هلالى رمضان وشوال لا يستقيم إلا بإراده عدم جعل اليقين السابق مدخولا بالشك، أي مزاحما به.

والانصاف: أن هذه الرواية أظهر ما في هذا الباب من أخبار الاستصحاب، إلا أن سندها غير سليم.

هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المستدل بها للاستصحاب، وقد عرفت عدم ظهور الصحيح منها وعدم صحة الظاهر منها.فلعل الاستدلال بالمجموع بإعتبار التجابر والتعاضد.

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ٤، ص ١٥٩.


الصفحة ٥٧١

وربما يؤيد ذلك بالاخبار الواردة في الموارد الخاصة مثل رواية عبدالله بن سنان الواردة: (فيمن يعير ثوبه الذمي، وهو يعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير.

قال: فهل علي أن أغسله؟ فقال: لا، لانه أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه)(١).

وفيها دلالة واضحة على أن وجه البناء على الطهارة وعدم وجوب غسله هو سبق طهارته وعدم العلم بإرتفاعها.

ولو كان المستند قاعدة الطهارة لم يكن معنى لتعليل الحكم بسبق الظهارة ن إذ الحكم في القاعدة مستند إلى نفس عدم العلم بالطهارة والنجاسة.

نعم الرواية مختصة بإستصحاب الطهارة دون غيرها، ولا يبعد عدم القول بالفصل بينها وبين غيرها مما يشك في إرتفاعها بالرافع.

ومثل قوله عليه السلام في موثقة عمار: (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر)(٢).

بناء على أنه مسقو لبيان إستمرار طهارة كل شئ إلى أن يعلم حدوث قذارته، لا ثبوتها له ظاهرا وإستمرار هذا الثبوت إلى أن يعلم عدمها.

فالغاية، وهي العلم بالقذارة، على الاول غاية للطهاره رافعة لاستمرارها.

فكل شئ محكوم ظاهرا بإستمرار طهارته إلى حصول العلم بالقذارة فغاية الحكم غير مذكورة ولا مقصودة، وعلى الثاني غاية للحكم بثبوتها، والغاية وهي العلم بعدم الطهارة رافعة للحكم.

فكل شئ يستمر الحكم بطهارته إلى كذا.

فإذا حصلت الغاية إنقطع الحكم بطهارته، لانفسها.

والاصل في ذلك أن القضية المغياة - سواء كانت إخبارا عن الواقع وكانت الغاية قيدا للمحمول، كما في قولنا: الثوب ظاهر إلى أن يلاقي نجسا، أم كانت ظاهرية مغياة بالعلم بعدم المحمول، كما في ما نحن فيه - قد يقصد المتكلم مجرد ثبوت المحمول للموضوع ظاهرا أو واقعا من غير

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ٢، ص ٣٦١ وسائل الشيعة، ج ٢، ص ١٠٩٥.

(٢) المقنع، ص ٥ مستدرك الوسائل، ج ١، ص ١٦٤


الصفحة ٥٧٢

ملاحظة كونه مسبوقا بثبوته له، وقد يقصد المتكلم به مجرد الاستمرار، لا أصل الثبوت، بحيث يكون أصل الثبوت مفروغا عنه.والاول أعم من الثاني من حيث المورد.

إذا عرفت هذا فنقول: إن معنى الرواية إما أن يكون خصوص المعنى الثاني، وهو القصد إلى بيان الاستمرار بعد الفراغ من ثبوت أصل الطهارة، فيكون دليلا على إستصحاب الطهارة، لكنه خلاف الظاهرن وإما خصوص المعنى الاول الاعم منه، وحينئذ لم يكن فيه دلالة على إستصحاب الطهارة وإن شمل مورده.

لان الحكم فيما علم طهارته ولم يعلم طرو القذارة له ليس من حيث سبق طهارته، بل بإعتبار مجرد كونه مشكوك الطهارة.

فالرواية تفيد قاعدة الطهارة حتى في مسبوق الطهارة، لا إستصحابها، بل يجري في مسبوق النجاسة على أقوى الوجهين الاتيين في باب معارضة الاستصحاب للقاعدة.

ثم لا فرق في مفاد الرواية بين الموضوع الخارجي الذي يشك في طهارته من حيث الشبهة في حكم نوعه وبين الموضوع الخارجي المشكوك طهارته من حيث إشتباه الموضوع الخارجي.

فعلم مما ذكرنا أنه لا وجه لما ذكره صاحب القوانين، من إمتناع إرادة المعاني الثلاثة من الرواية، أعني قاعدة الطهارة في الشبهة الحكمية وفي الشبهة الحكمية وفي الشبهة الموضوعية وإستصحاب الطهارة، إذ لا مانع عن إرادة الجامع بين الاولين، أعني قاعدة الطهارة في الشهبة الحكمية الموضوعية.

نعم إرادة القاعدة والاستصحاب معا يوجب إستعمال اللفظ في معنيين، لما عرفت أن المقصود في القاعدة مجرد إثبات الطهارة في المشكوك، وفي الاستصحاب خصوص إبقائها في معلوم الطهارة سابقا، والجامع بينهما غير موجود، فيلزم ما ذكرنا.

والفرق بينهما ظاهر، نظير الفرق بين قاعدة البراء‌ة وإستصحابها، ولا جامع بينهما.

وقد خفي ذلك على بعض المعاصرين، فزعم جواز إرادة القاعدة والاستصحاب معا، وأنكر ذلك على صاحب القوانين فقال: (إن الرواية تدل على أصلين: احدهما أن الحكم الاولي للاشياء ظاهرا هي الطهارة مع عدم العلم بالنجاسة.

وهذا لا تعلق له بمسألة الاستصحاب.

الثاني أن هذا الحكم مستمر إلى زمن العلم بالنجاسة.

وهذا من موارد الاستصحاب وحزئياته)(١) ، إنتهى.

____________________

(١) الفصول الغروية، ص ٣٦١.


الصفحة ٥٧٣

أقول: ليث شعري ما المشار إليه بقوله: (هذا الحكم مستمر إلى زمن العلم بالنجاسة)، فإن كان هو الحكم المستفاد من الاصل الاولي، فليس إستمراره ظاهرا ولا واقعا مغيا بزمان العلم بالنجاسة، بل هو مستمر إلى زمن نسخ هذا الحكم في الشريعة.

مع أن قوله: (حتى يعلم)، إذا جعل من توابع الحكم الاولى الذي هو الموضوع للحكم الثاني، فمن أين يصير الثاني مغيا به، إذ لا يعقل كون شئ في إستعمال واحد غاية لحكم والحكم آخر يكون الحكم الاول المغيا موضوعا له، وإن كان هو الحكم الواقعي المعلوم، يعني أن الطهارة إذا ثبت واقعا في زمان فهو مستمر في الظاهر إلى زمن العلم بالنجاسة.فيكون الكلام مسوقا لبيان الاستمرار الظاهري فيما علم ثبوت طهاره له واقعا في زمان.

فأين هذا من بيان قاعدة الطهارة من حيث هي، للشئ المشكوك من حيث هو مشكوك.

ومنشأ الاشتباه في هذا المقام ملاحظة عموم القاعدة لمورد الاستصحاب، فيتخيل أن الرواية تدل على الاستصحاب.

وقد عرفت أن دلالة الرواية على طهارة مستصحب الطهارة غير دلالتها على إعتبار إستصحاب الطهارة، وإلا فقد أشرنا إلى أن القاعدة تشمل مستصحب النجاسة أيضا، كما سيجئ.

ونظير ذلك ما صنعه صاحب الوافية ن حيث ذكر روايات أصالة الحل الواردة في مشتبه الحكم أو الموضوع في هذا المقام.

ثم على هذا كان ينبغي ذكر أدلة أصالة البراء‌ة، لانها أيضا متصادقة مع الاستصحاب من حيث المورد.

فالتحقيق أن الاستصحاب من حيث مخالف للقواعد الثلاثن البراء‌ة والحل والطهارة وإن تصادقت مواردها.

فثبت من جميع ما ذكرنا: أن المتعين حمل الرواية المذكورة على أحد المعينين والظاهر إرادة القاعدة.

نظير قوله: (كل شئ لك حلال)، لان حمله على الاستصحاب وحمل الكلام على إرادة خصوص الاستمرار فيما علم طهارته سابقا خلاف الظاهر، إذ ظاهر الجملة الخبرية إثبات اصل المحمول للموضوع، لا إثبات إستمراره في مورد الفراغ عن ثبوت أصله.

نعم قوله: (حتى تعلم) يدل على إستمرار المغيا لكن المغيا به الحكم المنشأ للطهارة، يعني هذا الحكم الظاهري مستمر له إلى كذا، لا أن الطهارة الواقعية المفروغ عنها مستمرة ظاهرا إلى زمن العلم.

ومنها: قوله عليه السلام: (الماء كله طاهر حتى تعلم أنه نجس)(١).

____________________

(١) الكافي، ج ٣ ص ١: (الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر).


الصفحة ٥٧٤

وهو إن كان متحدا مع الخبر السابق من حيث الحكم والغاية إلا أن الاشتباه في الماء من غير جهة عروض النجاسة للماء غير متحقق غالبا.

فالاولى حملها على إرادة الاستصحاب.

والمعنى: (أن الماء المعلوم طهارته بحسب أصل الخلقة طاهر، حتى تعلم..) أي: مستمر طهارته المفروضة إلى حين العلم بعروض القذارة له، سواء كان الاشتباه وعدم العلم من جهة الاشتباه في الحكم، كالقليل الملاقي للنجس والبئر، أم كان من جهة الاشتباه في الامر الخارجي، كالشك في ملاقاته للنجاسة أو نجاسة ملاقيه.

ومنها: قوله عليه السلام: (إذا إستيقنت أنك توضأت، فإياك أن تحدث وضوء، حتى تستيقن أنك أحدثت)(١).

ودلالته على إستصحاب الطهارة ظاهرة.

ثم إن إختصاص ما عدى الاخبار العامة بالقول المختار واضح.

وأما الاخبار العامة، فالمعروف بين المتأخرين الاستدلال بها على حجية الاستصحاب في جميع الموارد.

وفيه تأمل قد فتح بابه المحقق الخوانساري في شرح الدروس.

توضيحه: أن حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتصالية، كما في نقض الحبل، والاقرب إليه على تقدير مجازيته هو رفع الامر الثابت، وقد يطلق على مطلق رفع اليد عن الشئ ولو لعدم المقتضي له بعد أن كان أخذا به.

فالمراد من النقض عدم الاستمرار عليه والبناء على عدمه بعد وجوده.

إذا عرفت هذا، فنقول: إن الامر يدور بين أن يراد بالنقض مطلق الترك العمل وترتيب الاثر، وهو المعنى الثالث، ويبقى المنقوض عاما لكل يقين، وبين أن يراد من النقض ظاهره، وهو المعنى الثاني، فيختص متعلقه بما من شأنه الاستمرار المختص بالموارد التي يوجد فيها هذا المعنى.

ولا يخفى رجحان هذا على الاول، لان الفعل الخاص يصير مخصصا لمتعلقه العام، كما في قول القائل: لا تضرب أحدا، فإن الضرب قرينة على إختصاص العام بالاحياء، ولا يكون عمومه للاموات قرينة على إرادة مطلق الضرب عليه كسائر الجمادات.

ثم لا يتوهم الاحتياج حينئذ إلى تصرف في اليقين بإرادة المتيقن منه، لان التصرف لازم على كل حال.

فإن النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه لا يتعلق بنفس اليقين على كل تقدير.

بل المراد نقض ما كان على يقين منه، وهو الطهارة السابقة أو أحكام اليقين.

____________________

(١) الكافي، ج ٣، ص ٣٣.


الصفحة ٥٧٥

والمراد بأحكام اليقين ليس أحكام نفس وصف اليقين، إذ لو فرضنا حكما شرعيا محمولا على نفس صفة اليقين إرتفع بالشك قطعا، كمن نذر فعلا في مدة اليقين بحياة زيد.بل المراد أحكام المتيقن المثبتة له من جهة اليقين.

وهذه الاحكام كنفس المتيقن أيضا لها إستمرار شأني لا يرتفع إلا بالرافع.فإن جواز الدخول في الصلاه بالطهارة أمر مستقر إلى أن يحدث ناقضها.

وكيف كان، فالمراد إما نقض المتيقن والمراد بالنقض رفع اليد عن مقتضاه وإما نقض أحكام اليقين، أي الثابتة للمتيقن من جهة اليقين به، والمراد حينئذ رفع اليد عنها.ويمكن أن يستفاد من بعض الامارات إرادة المعنى الثالث.

مثل قوله عليه السلام: (بل ينقض الشك باليقين)، وقوله: (ولا يعتد بالشك في حال من الحالات)، وقوله في الرواية الاربعمائة: (من كان على يقين فشك فليمض على يقينه، فان اليقين لا يدفع بالشك)، وقوله: (إذا شككت فابن على اليقين).

فإن المستفاد من هذه وأمثالها أن المراد بعدم النقض عدم الاعتناء بالاحتمال المخالف لليقين السابق.

نظير قوله عليه السلام: (إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ).

وقوله: (اليقين لا يدخله الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية)، فإن مورده إستصحاب بقاء رمضان.

والشك فيه ليس شكا في الرافع، كما لا يخفى.

ولكن الانصاف: أن شيئا من ذلك لا يصلح لصرف لفظ النقض عن ظاهرهن لان قوله: (بل ينقض الشك باليقين)، معناه رفع الشك، لان الشك مما إذا حصل لا يرتفع إلا برافع.

وأما قوله: (من كان على يقين فشك)، فقد عرفت أنه كقوله: (إذا شككت فابن على اليقين) غير ظاهر في الاستصحاب.

مع إمكان أن يجعل قوله: (فإن اليقين لا ينقض بالشك، أو لا يدفع به)، قرينة على إختصاص صدر الرواية بموارد النقض.مع أن الظاهر من المضي الجري على مقتضى الداعي السابق وعدم الوقف إلا لصارف.

نظير قوله: (إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك) ونحوه.فهو أيضا مختص بما ذكرنا.

وأما قوله: (اليقين لا يدخله الشك) فتفرع الافطار للرؤية عليه من جهة إستصحاب الاشتغال بصوم رمضان إلى أن يحصل الرافع.

وبالجملة، فالمتأمل المنصف يجد أن هذه الاخبار لا تدل على أزيد من إعتبار اليقين السابق عند الشك في الارتفاع برافع.


الصفحة ٥٧٦

احتج للقول الاول بوجوه: منها: أنه لو لم يكن الاستصحاب حجة لم يستقم إستفادة الاحكام من الادله اللفظية، لتوقفها على أصالة عدم القرينة والمعارض والمخصص والمقيد والناسخ وغير ذلك.

وفيه: أن تلك الاصول قواعد لفظية مجمع عليها بين العلماء وجميع أهل اللسان في باب الاستفادة، مع أنها أصول عدميه لا يستلزم القول بها القول بإعتبار الاستصحاب مطلقا، إما لكونها مجمعا عليها بالخصوص وإما لرجوعها إلى الشك في الرافع.

ومنها: ما ذكره في المعارج.

وهو: (أن المقتضي للحكم الاول ثابت، والعارض لا يصلح رافعا، فيجب الحكم بثبوته في الان الثاني.أما أن المقتضي ثابت، فلانا نتكلم على هذا التقدير.

وأما أن العغارض لا يصلح رافعا، فلان العارض إحتمال تجدد ما يوجب زوال الحكم، لكن إحتمال ذلك معارض بإحتمال عدمه، فيكون كل منهما مدفوعا بمقابله، فيبقى الحكم الثابت سليما عن الرافع)(١)، إنتهى.

وفيه: أن المراد بالمقتضي إما العلة التامة للحكم أو للعلم به، أعنى الدليل أو المقتضي بالمعنى الاخص.

وعلى التقدير الاول، فلا بد من أن يراد من ثبوته ثبوته في الزمان الاول.ومن المعلوم عدم إقتضاء ذلك لثبوت المعلول أو المدلول في الزمان الثاني أصلا.وعلى الثاني، فلا بد من أن يراد ثبوته في الزمان الثاني مقتضيا للحكم.

وفيه مع انه أخص من المدعي أن مجرد إحتمال عدم الرافع لا يثبت العلم ولا الظن بثبوت المقتضى، بالفتح.

والمراد من معارضة إحتمال الرافع بإحتمال عدمه الموجبة للتساقط إن كان سقوط الاحتمالين

____________________

(١) معارج الاصول، ص ٢٠٦.


الصفحة ٥٧٧

فلا معنى له، وإن كان سقوط المحتملين عن الاعتبار حتى لا يحكم بالرفع ولا بعدمه، فمعنى ذلك التوقف عن الحكم بثبوت المقتضى بالفتح، لا ثبوته.

وربما يحكى إبدال قوله: (فيجب الحكم بثبوته)، بقوله (فيظن ثبوته).ويتخيل أن هذا أبعد عن الايراد.ومرجعه إلى دليل آخر ذكره العضدي وغيره.وهو أن ما ثبت في وقت ولم يظن عدمه فهو مظنون البقاء.وسيجئ ما فيه.

ثم إن ظاهر هذا الدليل دعوى القطع ببقاء الحالة السابقة واقعا، ولم يعرف هذا الدعوى من أحد، واعترف بعدمه في المعارج في أجوبة النافين وصرح بدعوى رجحان البقاء.

ويمكن أن يريد به إثبات البناء على الحالة السابقة ولو مع عدم رجحانه.

وهو في غاية البعد عن عمل العقلاء بالاستصحاب في أمورهم.

والظاهر: أن مرجع هذا الدليل إلى أنه إذا أحرز المقتضى وشك في المانع، بعد تحقق المقتضي وعدم المانع في السابق، بني على عدمه ووجود المقتضي.

ويمكن أن يستفاد من كلامه السابق في قوله: (والذي نختاره)، أن مراده بالمقتضي للحكم دليله، وأن المراد بالعارض إحتمال طرو المخصص لذلك الدليل.فمرجعه إلى أن الشك في تخصيص العام أو تقييد المطلق لا عبرة به.كما يظهر من تمثيله بالنكاح والشك في حصول الطلاق ببعض الالفاظ.

فإنه إذا دل الدليل على أن عقد النكاح يحدث علاقة الزوجية، وعلم من الدليل دوامها، ووجد في الشرع ما ثبت كونه رافعا لها، وشك في شئ آخر أنه رافع مستقل أو فرد من ذلك الرافع أم لا، وجب العمل بدوام الزوجية، عملا بالعموم، إلى أن يثبت المخصص.وهذا حق، وعليه عمل العلماء كافة.نعم لو شك في صدق الرافع على موجود خارجى لشبهة كظلمة أو عدم الخبرة، ففي العمل بالعموم حينئذ وعدمه كما إذا قيل (أكرم العلماء إلا زيدا) وشك في إنسان أنه زيد أو عمرو قولان في باب العام المخصص، أصحهما عدم الاعتبار بذلك العام.

لكن كلام المحقق، قدس سره، في الشبهة الحكمية بل مفروض كلام القوم أيضا عدم إعتبار الاستصحاب المعدود من أدلة الاحكام فيها دون مطلق الشبهة الشامل للشبهة الخارجية.هذا غايه ما أمكنا من توجيه الدليل المذكور.

لكن الذي يظهر بالتأمل عدم إستقامته في نفسه وعدم إنطباقه على قوله المتقدم: (والذي نختاره) وإخراجه للمدعى على عنوان الاستصحاب، كما نبه عليه في المعالم وتبعه غيره، فتأمل.


الصفحة ٥٧٨

ومنها: أن الثابت في الزمان الاول ممكن الثبوت في الان الثاني، وإلا لم يحتمل البقاء فيثبت بقاؤه ما لم يتجدد مؤثر العدم، لاستحالة خروج الممكن عما عليه بلا مؤثر.

فإذا كان التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثر، فالراجح بقاؤه فيجب العمل عليه.

وفيه: منع إستلزام عدم العلم بالمؤثر رجحان عدمه المستلزم لرجحان البقاء.

مع أن مرجع هذا الوجه إلى ما ذكره العضدي وغيره، من أن ما تحقق وجوده ولم يظن أو لم يعلم عدمه فهو مظنون البقاء.

ومحصل الجواب عن هذا وأمثاله من ادلتهم الراجعه إلى دعوى حصول ظن البقاء، منع كون مجرد وجود الشئ سابقا مقتضيا لظن بقائه، كما يشهد له تتبع موارد الاستصحاب.

مع أنه إن أريد إعتبار الاستصحاب من باب الظن النوعي، يعني لمجرد كونه لو خلي وطبعه، يفيد الظن بالبقاء وإن لم يفده فعلا لمانع.

ففيه: أنه لا دليل على إعتباره أصلا.وإن أريد إعتباره عند حصول الظن فعلا منه.

فهو وإن إستقام على ما يظهر من بعض من قارب عصرنا من أصالة حجية الظن، إلا أن القول بإعتبار الاستصحاب بشرط حصول الظن الشخصي منه، حتى أنه في المورد الواحد يختلف الحكم بإختلاف الاشخاص والازمان وغيرها، لم يقل به أحد فيما أعلم.عدا ما يظهر من شيخنا البهائي، قدس سره، في عبارته المتقدمة.

وما ذكره، قدس سره، مخالف للاجماع ظاهرا، لان بناء العلماء في العمل بالاستصحاب، في الاحكام الجزئية والكلية والموضوعات خصوصا العدميات، على عدم مراعاة الظن الفعلي.

ثم إن ظاهر كلام العضدي حيث أخذ في إفادته الظن بالبقاء عدم الظن بالارتفاع - أن الاستصحاب أمارة حيث لا أمارة، وليس في الامارات ما يكون كذلك.

نعم لا يبعد أن يكون الغلبة كذلك.

وكيف كان، فقد عرفت منع إفادة مجرد اليقين بوجود الشئ للظن ببقائه.

وقد إستظهر بعض، تبعا لبعض، بعد الاعتراف بذلك، أن المنشأ في حصول الظن غلبة البقاء في الامور القارة.

قال السيد الشارح للوافية، بعد دعوى رجحان البقاء: (إن الرجحان لا بد له من موجب، لان وجود كل معلول يدل على وجود علية له إجمالا.

وليست هي اليقين المتقدم بنفسه، لان ما ثبت جاز أن يدوم وجاز أن لا يدوم.

ويشبه أن يكون هي كون الاغلب في أفراد الممكن القار أن يستمر وجوده بعد التحقق، فيكون رجحان وجود هذا الممكن الخاص للالحاق بالاعم الاغلب.

هذا إذا لم


الصفحة ٥٧٩

يكن رجحان الدوام مؤيدا بعادة أو أمارة، وإلا فيقوى بهما.

وقس على وجود حال العدم إذا كان يقينيا)(١)، إنتهى كلامه، رفع مقامه.

وفيه: أن المراد بغلبة البقاء ليس غلبة البقاء أبد الآباد، بل المراد بالبقاء على مقدار خاص من الزمان.

ولا ريب أن ذلك المقدار الخاص ليس أمرا مضبوطا في الممكنات ولا في المستحبات، والقدر المشترك بين الكل أو الاغلب منه معلوم التحقق في موارد الاستصحاب، وإنما الشك في الزائد.

وإن أريد بقاء الاغلب إلى زمان الشك: فإن أريد: أغلب الموجودات السابقة بقول مطلق.

ففيه: أولا أنا لا نعلم بقاء الاغلب في زمان الشك، وثانيا لا ينفع بقاء الاغلب في إلحاق المشكوك، للعلم بعدم الرابط بينها عدم إستناد البقاء فيها إلى جامع، كما لا يخفى.

بل البقاء في كل واحد منها مستند إلى ما هو مفقود في غيره.

نعمه بعضها مشترك في مناط البقاء.

وبالجملة، فمن الواضح أن بقاء الموجودات المشاركة مع نجاسة الماء المتغير في الوجود من الجوهر والاعراض في زمان الشك في النجاسة، لذهاب التغير المشكوك مدخليته في بقاء النجاسة، لا يوجب الظن ببقائها وعدم مدخلية التغير فيها.

وهكذا الكلام في كل ما شك في بقائه لاجل الشك في إستعداده للبقاء.

وإن أريد: به ما وجه به، كلام السيد المتقدم، صاحب القوانين، بعدما تبعه في الاعتراف بأن هذا الظن ليس منشأه محض الحصول في الان السابق، لان ما ثبت جاز أن يدوم وجاز ان لا يدوم.

قال: (بل لانا لما فتشنا الامور الخارجية من الاعدام والموجودات، وجدناها مستمرة بوجودها الاول على حسب إستعداداتها وتفاوتها في مراتبها، فنحكم فيما لم نعلم حاله بما وجدناه في الغالب إلحاقا له بالاعم الاغلب.

ثم إن كل نوع من أنواع الممكنات يلاحظ زمان الحكم ببقائه بحسب ما غلب في أفراد ذلك النوع.

فالاستعداد الحصال للجدران القويمة يقتضي مقدارا من البقاء بحسب العادة، والاستعداد الحاصل للانسان يقتضي مقدارا منه، وللفرس

____________________

(١) شرح الوافية، ص مخطوط


الصفحة ٥٨٠

مقدارا آخر، وللحشرات مقدارا آخر، ولدود القز والبق والذباب مقدارا آخر.وكذلك الرطوبة في الصيف والشتاء.

فههنا مرحلتان، الاولى إثبات الاستمرار في الجملة.

الثانية إثبات مقدار الاستمرار.ففيما جهل حاله من الممكنات القارة، يثبت ظن الاستمرار في الجملة بملاحظة حال أغلب الممكنات مع قطع النظر عن تفاوت أنواعها، وظن مقدار خاص من الاستمرار بملاحظة حال النوع الذي هو من جملتها.

فالحكم الشرعي، مثلا، نوع من الممكنات قد يلاحظ من جهة ملاحظة مطلق الممكن، وقد يلاحظ من جهة الاحكام الصادرة من الموالي إلى العبيد، وقد يلاحظ من جهة ملاحظة سائر الاحكام الشرعية.

فإذا أردنا التكلم في إثبات الحكم الشرعي فنأخذ الظن الذي إدعيناه من ملاحظة أغلب الاحكام الشرعية، لانه الانسب له والاقرب إليه وإن أمكن ذلك بملاحظة أحكام سائر الموالي وعزائم سائر العباد.

ثم إن الظن الحاصل من الغلبة في الاحكام الشرعية، محصله أنا نرى أغلب الاحكام الشرعية مستمرة بحسب دليله الاول، بمعنى أنها ليست أحكاما آنية مختصة بآن الصدور، بل يفهم من حاله من جهة أمر خارجي عن الدليل أنه يريد إستمرار ذلك الحكم الاول من دون دلالة الحكم الاول على الاستمرار.

فإذا رأينا منه في مواضع عديدة أنه اكتفى، في إبداء الحكم، بالامر المطلق القابل للاستمرار وعدمه، ثم علمنا أن مراده من الامر الاول الاستمرار، نحكم فيما لم يظهر مراده بالاستمرار إلحاقا بالاغلب، فقد حصل الظن بالدليل، وهو قول الشارع بالاستمرار.

وكذلك الكلام في موضوعات الاحكام من الامور الخارجية، فإن غلبة البقاء تورث الظن القوي، بالبقاء)(١)، إنتهى.

فيظهر: وجه ضعف هذا التوجيه مما أشرنا إليه.

توضحيه: أن الشك في الحكم الشرعي، قد يكون من جهة الشك في مقدار إستعداده وقد يكون من جهة الشك في تحقق الرافع.

أما الاول، فليس فيه نوع ولا صنف مضبوط من حيث مقدار الاستعداد.مثلا، إذا شككنا في

____________________

(١) القوانين، ج ٢، ص ٥٧.


الصفحة ٥٨١

مدخلية التغيير في النجاسة حدوثا وإرتفاعا وعدمها، فهل ينفع في حصول الظن بعدم المدخلية تتبع الاحكام الشرعية الاخر، مثل أحكام الطهارات والنجاسات، فضلا عن أحكام المعاملات والسياسات، فضلا عن أحكام الموالي إلى العبيد.

وبالجملة، فكل حكم شرعي أو غيره تابع لخصوص ما في نفس الحاكم من الاغراض والمصالح، ومتعلق بما هو موضوع له وله دخل في تحققه، ولا دخل لغيره من الحكم المغاير له.

ولو اتفق موافقته له كان بمجرد الاتفاق من دون ربط.

ومن هنا لو شك واحد من العبيد في مدخلية شئ في حكم مولاه حدوثا وإرتفاعا، فتتبع لاجل الظن بعدم المدخلية وبقاء الحكم بعد إرتفاع ذلك الشئ، أحكام سائر الموالي بل أحكام هذا المولى المغايرة للحكم المشكوك موضوعا ومحمولا، عد من أسفه السفهاء.

وأما الثاني، وهو الشك في الرافع، فإن كان الشك في رافعية الشئ للحكم، فهو أيضا لا دخل له بسائر الاحكام.

ألا ترى أن الشك في رافعية المذي للطهارة لا ينفع فيه تتبع موارد الشك في الرافعية.

مثل إرتفاع النجاسة بالغسل مرة أو نجاسة الماء بالاتمام كرا، او إرتفاع طهارة الثوب والبدن بعصير العنب أو الزبيب أو التمر.

وأما الشك في وجود الرافع وعدمه، فالكلام فيه هو الكلام في الامور الخارجية.

ومحصل الكلام: أنه إن أريد أنه يحصل الظن بالبقاء إذا فرض له صنف أو نوع يكون الغالب في أفراده البقاء، فلا ننكره، ولذا يحكم بظن عدم النسخ عند الشك فيه.

لكنه يحتاج إلى ملاحظة الصنف والتأمل حتى لا يحصل التغير، فإن المتطهر في الصبح إذا شك في وقت الضحى في بقاء طهارته وأراد إثبات ذلك بالغلبة، فلا ينفعه تتبع الموجودات الخارجية، مثل بياض ثوبه وطهارته وحياة زيد وقعوده.وعدم ولادة الحمل الفلاني ونحو ذلك.نعم لو لوحظ صنف هذا المتطهر في وقت الصبح المتحد أو المتقارب فيما له دخل في بقاء الطهاره ووجد الاغلب متطهرا في هذا الزمان، حصل الظن ببقاء طهارته.

وبالجملة، فما ذكره من ملاحظة أغلب الصنف فحصول الظن به حق، إلا أن البناء على هذا في الاستصحاب يسقطه عن الاعتبار في أكثر موارده.

وإن بنى على ملاحظة الانواع البعيدة والجنس البعيد أو الابعد، وهو الممكن القار، كما هو ظاهر كلام السيد المتقدم.

ففيه: ما تقدم من القطع بعدم جامع بين مورد الشك وموارد الاستقراء يصلح لاستناد البقاء إليه.

وفي مثله لا يحصل الظن بالالحاق، لانه لا بد في الظن بلحوق المشكوك


الصفحة ٥٨٢

بالاغلب من الظن أولا بثبوت الحكم أو الوصف الجامع، فيحصل الظن بثبوته في الفرد المشكوك.

ومما يشهد بعدم حصول الظن بالبقاء إعتبار الاستصحاب في موردين يعلم بمخالفة أحدهما للواقع، فإن المتطهر بمائع شك في كونه بولا أو ماء، يحكم بإستصحاب طهارة بدنه وبقاء حدثه.مع ان الظن بهما محال.

وكذا الحوض الواحد إذا صب فيه الماء تدريجا فبلغ إلى موضع شك في بلوغ مائه كرا، م فإنه يحكم حينئذ ببقاء قلته.

فإذا إمتلا وأخذ منه الماء تدريجا إلى ذلك الموضع فيشك حينئذ في نقصه عن الكر، فيحكم ببقاء كريته، مع أن الظن بالقلة في الاول وبالكرية في الثاني محال.ثم إن إثبات حجية الظن المذكور على تقدير تسليمه دونه خرط القتاد.

خصوصا في الشبهة الخارجية التي لا يعتبر فيها الغلبة إتفاقا، فإن إعتبار إستصحاب طهارة الماء من جهة الظن الحاصل من الغلبة وعدم إعتبار الظن بنجاسته من غلبة أخرى، كطين الطريق مثلا، مما لا يجتمعان، وكذا إعتبار قول المنكر من باب الاستصحاب مع الظن بصدق المدعي لاجل الغلبة.

ومنها: بناء العقلاء على ذلك في جميع أمورهم، كما ادعاه العلامة في النهاية واكثر من تأخر عنه.

وزاد بعضهم: أنه لولا ذلك لاختل نظام العالم وأساس عيش بني آدم.

وزاد آخر: أن العمل على الحالة السابقة أمر مركوز في النفوس حتى الحيوانات.

ألا ترى أن الحيوانات تطلب عند الحاجة المواضع التى عهدت فيها الماء والكلاء، والطيور تعود من الاماكن البعيدة إلى أوكارها.ولو لا البناء على (إبقاء ما كان على ما كان)، لم يكن وجه لذلك.

والجواب: أن بناء العقلاء إنما يسلم في موضع يحصل لهم الظن بالبقاء، لاجل الغلبة، فإنهم في أمورهم عاملون بالغلبة، سواء وافقت الحالة السابقة أو خالفتها.

ألا ترى أنهم لا يكاتبون من عهودهم في حال لا يغلب فيه السلامة، فضلا عن المهالك، إلا على سبيل الاحتياط لاحتمال الحياة، ولا يرسلون إليه البضايع للتجاره، ولا يجعلونه وصيا في الاموال أو قيما على الاطفال، ولا يقلدونه في هذا الحال إذا كان من أهل الاستدلال.

وتراهم لو شكوا في بقاء الحكم الشرعي أو نسخه يبنون على البقاء، ولو شكوا في رافعيه المذي شرعا للطهارة فلا يبنون على عدمها.

وبالجملة فالذي أظن أنهم غير بانين في الشك في الحكم الشرعي من غير جهة النسخ على الاستصحاب.

نعم، الانصاف: أنهم لو شكوا في بقاء حكم شرعي، فليس عندهم كالشك في حدوثه في البناء على العدم.

ولعل هذا جهة عدم وجدان الدليل بعد الفحص، فإنها أمارة على العدم، لما علم من بناء الشارع على التبليغ.

فظن عدم الورود يستلزم الظن بعدم الوجود.والكلام في إعتبار


الصفحة ٥٨٣

هذا الظن بمجرده من غير ضم حكم العقل بقبح التعبد بما لا يعلم في باب أصل البراء‌ة.

قال في العدة، بعدما اختار عدم إعتبار الاستصحاب في مثل المتيمم الداخل في الصلاة: (والذي يمكن أن ينتصر به طريقة إستصحاب الحال ما أومأنا إليه من أن يقال: لو كانت الحالة الثانية مغيرة للحكم الاول، لكان عليه دليل.

وإذا تتبعنا جميع الادلة فلم نجد فيها ما يدل على أن الحالة الثانية مخالفة للحالة الاولى، دل على أن حكم الحالة الاولى باق على ما كان.

فإن قيل: هذا رجوع إلى الاستدلال بطريق آخر، وذلك خارج عن إستصحاب الحال.

قيل: إن الذي نريد بإستصحاب الحال هذا الذي ذكرناه.

وأما غير ذلك فلار يكاد يحصل غرض القائل به)(١)، إنتهى.

____________________

(١) عدة الاصول، ص ٣٠٤.


الصفحة ٥٨٤

احتج النافون بوجوه: منها: ما عن الذريعة وفي الغنية من: (أن المتعلق بالاستصحاب يثبت الحكم عند التحقيق من غير دليل.

توضيح ذلك أنهم يقولون: قد ثبت بالاجماع على من شرع في الصلاة بالتيمم وجوب المضي فيها قبل مشاهدة الماء، فيجب ان يكون على هذا الحال بعد المشاهدة.

وهذا منهم جمع بين الحالتين في حكم من غير دليل يقتضي الجمع بينهم.

لان إختلاف الحالتين لا شبهة فيه، لان المصلي غير واجد للماء في إحداهما وواجد له في الاخرى، فلا يجوز التسوية بينهما من غير دلالة.

فإذا كان الدليل لا يتناول إلا الحالة الاولى وكانت الحالة الاخرى عارية منه، لم يجز أن يثبت فيها مثل الحكم)(١)، إنتهى.

أقول: إن كان محل الكلام فيها كان الشك لتخلف وصف وجودي أو عدمي متحقق سابقا يشك في مدخليته في أصل الحكم أو بقائه، فالاستدلال المذكور متين جدا، لان المفروض عدم دلالة دليل الحكم الاول وفقد دليل عام يدل على إنسحاب كل حكم ثبت في الحالة الاولى في الحالة الثانية، لان عمدة ما ذكروه من الدليل هي الاخبار المذكورة، وقد عرفت إختصاصها بمورد يتحقق معنى النقض، وهو الشك من جهة الرافع.

نعم قد يتخيل: كون مثال التيمم من قبيل الشك من جهة الرافع، لان الشك في إنتقاض التيمم بوجدان الماء في الصلاة كانتقاضه بوجدانه قبلها، سواء قلنا بان التيمم رافع للحدث أم قلنا إنه مبيح، لان الاباحة أيضا مستمرة إلى أن تنتقض بالحدث أو يوجد الماء.ولكنه فاسد، من حيث أن وجدان الماء ليس من الروافع والنواقض.بل الفقدان الذي هو

____________________

(١) الذريعة إلى اصول الشريعة، ج ٢، ص ٨٣.


الصفحة ٥٨٥

وصف المكلف لما كان مأخوذا في صحة التيمم حدوثا وبقاء في الجملة، كان الوجدان رافعا لوصف الموضوع الذي هو المكلف، فهو نظير الذي يشك في زوال النجاسة بزواله.

فوجدان الماء ليس كالحدث، وإن قرن به في قوله عليه السلام، حين سئل عن جواز الصلوات المتعددة بتيمم واحد: (نعم، ما لم يحدث أو يجد ماء)، لان المراد من ذلك تحديد الحكم بزوال المقتضي أو طرو الرافع.

وكيف كان، فإن كان محل الكلام في الاستصحاب ما كان من قبيل هذا المثال، فالحق من المنكرين لما ذكروه.

وإن شمل ما كان من قبيل تمثيلهم الاخر، وهو الشك في ناقضية الخارج من غير السبيلين، قلنا إن إثبات الحكم بعد خروج الخارج ليس من غير دليل.

بل الدليل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة، مضافا إلى إمكان التمسك بما ذكرنا في توجيه كلام المحقق في المعارج، لكن عرفت ما فيه من التأمل.

ثم إنه اجأب في المعارج عن الدليل المذكور: ب‍ (أن قوله: (عمل بغير دليل)، غير مستقيم، لان الدليل دل على ان الثابت لا يرتفع إلا برافع.

فإذا كان التقدير تقدير عدمه كان بقاء الثابت راجحا في نظر المجتهد والعمل بالراجح لازم)(١)، إنتهى.

وكأن مراده بتقدير عدم الرافع عدم العلم به، وقد عرفت ما في دعوى حصول الظن بالبقاء بمجرد ذلك، إلا أن يرجع إلى عدم الدليل بعد الفحص الموجب للظن بالعدم.

ومنها: أنه لو كان الاستصحاب حجة، لوجب فيمن علم زيدا في الدار ولم يعلم بخروجه منها أن يقطع ببقائه فيها.

وكذا كان يلزم إذا علم بأنه حي ثم انقضت مدة لم يعلم فيها بموته أن يقطع ببقائه.

وهو باطل.

وقال في محكي الذريعة: (قد ثبت في القول أن من شاهد زيدا في الدار ثم غاب عنه، لم يحسن اعتقاد إستمرار كونه في الدار إلا بدليل متجدد.

ولا يجوز إستصحاب الحالة الاولى وقد صار كونه في الدار في الزمان الثاني وقد زالت الرؤية بمنزلة كون عمرو فيها)(٢).

وأجاب في المعارج عن ذلك: ب (أنا لا ندعي القطع، لكن ندعي رجحان

____________________

(١) معارج الاصول، ص ٢٠٩.

(٢) الذريعة، ج ٢، ص ٨٣٠.


الصفحة ٥٨٦

الاعتقاد ببقائه.وهذا يكفي في العمل به)(١).

أقول: قد عرفت مما سبق منع حصول الظن كلية ومنع حجيته.

ومنها: أنه لو كان حجة لزم التناقض، إذا كما يقال: كان للمصلي قبل وجدان الماء المضي في صلاته، فكذا بعد الوجدان، كذلك يقال: إن وجدان الماء قبل الدخول في الصلاه كان ناقضا للتيمم فكذا بعد الدخول، أو يقال: الاشتغال بصلاة متيقنة ثابت قبل فعل هذه الصلاة، فيستصحب.

قال في المعتبر: (إستصحاب الحال ليس حجة، لان شرعية الصلاه بشرط عدم الماء لا يستلزم الشرعية معه.

ثم مثل هذا لا يسلم عن المعارض، لانك تقول: الذمة مشغولة بالصلاة قبل الاتمام فكذا بعده)(٢)، إنتهى.

وأجاب عن ذلك في المعارج بمنع وجود المعارض في كل مقام.

ووجود المعارض في الادلة المظنونة لا يوجب سقوطها، حيث يسلم عن المعارض.

أقول: لو بني على معارضة الاستصحاب بمثل إستصحاب الاشتغال لم يسلم الاستصحاب [ في أغلب الموارد، خ ل ] عن المعارض، إذا قلما ينفك مستصحب عن اثر حادث يراد ترتبه على بقائه، فيقال: الاصل عدم ذلك الاثر.

والاولى في الجواب: أنا إذا قلنا بإعتبار الاستصحاب لافادته الظن بالبقاء، فإذا ثبت ظن البقاء في شئ لزمه عقلا ظن إرتفاع كل أمر فرض كون بقاء المستصحب رافعا له أو جزء‌ا أخيرا له.فلا يعقل الظن ببقائه.

فإن الظن طهارة ماء غسل به ثوب نجس أو توضأ به محدث مستلزم عقلا لطهارة ثوبه وبدنه وبراء‌ه ذمته بالصلاه بعد تلك الطهارة، وكذا الظن بوجوب المضي في الصلاة يستلزم الظن بإرتفاع إشتغال الذمة بمجرد إتمام تلك الصلاة.

وتوهم إمكان العكس مدفوع بما سيجئ توضيحه من عدم إمكانه.

وكذا إذا قلنا بإعتباره من باب التبعد بالنسبة إلى الاثار الشرعية المترتبة على وجود المستصحب او عدمه، لما ستعرف من عدم إمكان شمول الروايات إلا للشك السببي.

ومنه يظهر حال معارضة إستصحاب وجوب المضي بإستصحاب إنتقاض التيمم بوجدان الماء.

ومنها: أنه لو كان الاستصحاب حجة لكان بينة النفي أولى وأرجح من بينة الاثبات،

____________________

(١) معارج الاصول، ص ٢٠٩.

(٢) المعتبر، ص ٢٠٩.


الصفحة ٥٨٧

لاعتضادها بإستصحاب النفي.

والجواب عنه: أولا إشتراك هذا الايراد بناء على ما صرح به جماعة من كون إستصحاب النفي المسمى بالبراء‌ة الاصلية معتبرا إجماعا.

اللهم إلا أن يقال: إن إعتبارها ليس لاجل الظن، أو يقال إن الاجماع إنما هو على البراء‌ة الاصلية في الاحكام الكلية.

فلو كان أحد الدليلين معتضدا بالاستصحاب أخذ به، لا في باب الشك في إشتغال ذمة الناس، فإنه من محل الخلاف في باب الاستصحاب.

وثانيا، بما ذكره جماعة، من أن تقديم بينة الاثبات لقوتها على بينة النفي وإن اعتضد بالاستصحاب.

إذ رب دليل أقوى من دليلين.

نعم لو تكافأ دليلان رجح موافق الاصل به، لكن بينة النفي لا تكافئ بينة الاثبات، إلا أن يرجع أيضا إلى نوع من الاثبات، فيتكافئان.

وحينئذ فالوجه تقديم بينة النفي لو كان الترجيح في البينات كالترجيح في الادلة منوطا بقوة الظن مطلقا أو في غير الموارد المنصوصة على الخلاف، كتقديم بينة الخارج.

وربما إستمسكوا بوجوه أخر، يظهر حالها بملاحظة ما ذكرنا في ما ذكرنا من أدلتهم، هذا ملخص الكلام في أدلة المثبتين والنافين مطلقا.


الصفحة ٥٨٨

بقي الكلام في حجج المفصلين

فنقول: أما التفصيل بين العدمي والوجودي بالاعتبار في الاول وعدمه في الثاني، فهو الذي ربما يستظهر من كلام التفتازاني، حيث إستظهر من عبارة العضدي في نقل الخلاف: (إن خلاف منكري الاستصحاب إنما هو في الاثبات دون النفي)(١).

وما استظهره التفتازاني لا يخلو ظهوره عن تأمل.

مع أن هنا إشكالا آخر قد اشرنا إليه في تقسيم الاستصحاب في تحرير محل النزاع، وهو أن القول بإعتبار الاستصحاب في العدميات يغني عن التكلم في إعتباره في الوجوديات، إذ ما من مستصحب وجودى إلا وفي مورده إستصحاب عدمي يلزم من الظن ببقائه الظن المستصحب الوجودي.

وأقل ما يكون عدم ضده، فإن الطهارة لا تنفك عن عدم النجاسة، والحياة لا تنفك عن عدم الموت، والوجوب أو غيره من الاحكام لا ينفك عن عدم ما عداه من أضداده، والظن ببقاء هذه الاعدام لا ينفك عن الظن ببقاء تلك الوجودات.

فلا بد من القول بإعتباره، خصوصا بناء على ما هو الظاهر المصرح به في كلام العضدي وغيره، من أن إنكار الاستصحاب لعدم إفادته الظن بالبقاء، وإن كان ظاهر بعض النافين كالسيد، قدس سره وغيره إستنادهم إلى عدم إفادته للعلم، بناء على أن عدم إعتبار الظن عندهم مفروع عنه في أخبار الآحاد، فضلا عن الظن الاستصحابي.

وبالجملة، فإنكار الاستصحاب في الوجوديات والاعتراف به في العدميات لا يستقيم بناء على إعتبار الاستصحاب من باب الظن.

نعم لو قلنا بإعتباره من باب التعبد من جهة الاخبار صح أن يقال إن ثبوت العدم بالاستصحاب لا يوجب ثبوت ما قارنه من الوجودات.فإستصحاب عدم أضداد الوجوب لايثبت

____________________

(١) تعليقة شرح مختصر الاصول (شرح الشرح)، ص ٢٨٤.


الصفحة ٥٨٩

الوجوب في الزمان اللاحق.

كما أن عدم ما عدا زيد من أفراد الانسان في الدار لا يثبت بإستصحابه ثبوت زيد فيها، كما سيجئ تفصيله إن شاء الله تعالى.

لكن المتكلم في الاستصحاب من باب التعبد والاخبار بين العلماء في غاية القلة إلى زمان متأخري المتأخرين مع أن بعض هؤلاء وجدناهم لا يفرقون في مقارنات المستصحب بين أفرادها ويثبتون بالاستصحاب جميع ما لا ينفك عن المستصحب على خلاف التحقيق الاتي في التنبيهات الاتية إن شاء الله.

ودعوى: (أن إعتبار الاستصحابات العدمية لعله ليس لاجل الظن حتى يسري إلى الوجوديات المقارنة معها، بل لبناء العقلاء عليها في أمورهم بمقتضى جبلتهم)، مدفوعة: بأن عمل العقلاء في معاشهم على ما لا يفيد الظن بمقصادهم والمضي في أمورهم بمحض الشك والتردد في غاية البعد، بل خلاف ما نجده من أنفسنا معاشر العقلاء.

وأضعف من ذلك أن يدعى أن المعتبر عند العقلاء من الظن الاستصحابي هو الحاصل بالشئ الوجود المحقق سابقا، فإنه لا يحصل الظن ببقائه لمجرد تحققه السابق.

والظن الحاصل ببقائه من الظن الاستصحابي المتعلق بالعدمي المقارن له غير معتبر إما مطلقا أو إذا لم يكن ذلك الوجودي من آثار العدمي المترتبة عليه من جهة الاستصحاب.

[ ولعله المراد بما حكاه التفتازاني عن الحنفية، من أن حياة الغائب بالاستصحاب إنما يصلح عندهم من جهة الاستصحاب لعدم إنتقال إرثه إلى وارثه، لا إنتقال إرث مورثه إليه.

فإن معنى ذلك أنه يعتبرون ظن عدم إنتقال مال الغائب إلى وارثه، لا إنتقال مال مورثه إليه وإن كان أحد الظنين لا ينفك عن الاخر.

خ ] ثم إن معنى عدم إعتبار الاستصحاب في الوجودي، إما عدم الحكم ببقاء المستصحب الوجودي وإن كان لترتب أمر عدمي عليه، كترتب عدم جواز تزويج إمرأة المفقود زوجها المترتب على حياته، وإما عدم ثبوت الامر الوجودي لاجل الاستصحاب وإن كان المستصحب عدميا، فلا يترتب إنتقال مال قريب الغائب إليه وإن كان مترتبا على إستصحاب عدم موته.

ولعل هذا هو المراد بما حكاه التفتازاني عن الحنفية: من أن الاستصحاب حجة في النفي دون الاثبات.


الصفحة ٥٩٠

الاثبات واعتباره في النفي من باب الظن.نعم قد أشرنا فيما مضى إلى أنه لو قيل بإعتباره في النفي من باب التعبد، لم يغن ذلك عن التكلم في الاستصحاب الوجودي، بناء على ما سنحققه: من أنه لا يثبت بالاستصحاب إلا آثار المستصحب المترتبة عليه شرعا.

لكن يرد على هذا: أن هذا التفصيل مساو للتفصيل المختار المتقدم ولا يفترقان فيغني أحدهما عن الاخر، إذ الشك في بقاء الاعدام السابقة من جهة الشك في تحقق الرافع لها وهي علة الوجود والشك في بقاء الامر الوجودي من جهة الشك في الرافع لا ينفك عن الشك في تحقق الرافع، فيستصحب عدمه ويترتب عليه بقاء ذلك الامر الوجودي.

وتخيل: (أن الامر الوجودي قد لا يكون من الاثار الشرعية الرافع فلا يغني العدمي عن الوجودي)، مدفوع: بأن الشك إذا فرض من جهة الرافع فيكون الاحكام الشرعية المترتبة على ذلك الامر الوجودي مستمر إلى تحقق ذلك الرافع.

فإذا حكم بعدمه عند الشك يترتب عليه شرعا جميع تلك الاحكام، فيغني ذلك عن الاستصحاب الوجودي.

وحنيئذ فيمكن أن يحتج لهذا القول: أما على عدم الحجية في الوجوديات فبما تقدم في أدلة النافين، وأما على الحجية في العدميات فبما تقدمن في أدلة المختار، من الاجماع والاستقراء والاخبار، بناء على أن الشئ المشكوك في بقائه من جهة الرافع إنما يحكم ببقائه لترتبه على إستصحاب عدم وجود الرافع، لا لاستصحابه في نفسه، فإن الشاك في بقاء الطهارة من جهة الشك في وجود الرافع يحكم بعدم الرافع، فيحكم من أجله ببقاء الطهارة.

وحينئذ فقوله عليه السلام: - (وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك)، وقوله: (لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين)، وغيرهما، مما دل على أن اليقين لا ينقض أو لا يدفع بالشك يراد منه أن إحتمال طرو الرافع لا يعتنى به ولا يترتب عليه أثر النقض، فيكون وجوده كالعدم.

فالحكم ببقاء الطهارة السابقة من جهة إستصحاب العدم، لا من جهة إستصحابها.

والاصل في ذلك: أن الشك في بقاء الشئ إذا كان مسببا عن الشك في شئ آخر، فلا يجتمع معه في الدخول تحت عموم (لا تنقض)، سواء تعارض مقتضى اليقين السابق فيهما أم تعاضدا، بل الداخل هو الشك السببي.

ومعنى عدم الاعتناء به زوال الشك المسبب به.وسيجئ


الصفحة ٥٩١

ولكن يرد عليه: أنه قد يكون الامر الوجودي أمرا خارجيا كالرطوبة يترتب عليها آثار شرعية.

فإذا شك في وجود الرافع لها لم يثبت به الرطوبة حتى يترتب عليه أحكامها، لما سيجئ من أن الستصحب لا يترتب عليه إلا آثار الشرعية المترتبة عليه بلا واسطة أمر عقلي أو عادي، فيتعين حينئذ إستصحاب نفس الرطوبة.

وأصالة عدم الرافع: إن أريد بها أصالة عدم ذات الرافع، كالريح المجفف للطروبة مثلا، لم ينفع في الاحكام المترتبة شرعا على نفس الرطوبة، بناء على عدم إعتبار الاصل المثبت، كما سيجئ.

وإن أريد بها أصالة عدمه من حيث وصف الرافعية، ومرجعها إلى أصالة عدم إرتفاع الرطوبة، فهي وإن لم يكن يترتب عليها إلا الاحكام الشرعية للرطوبة، لكنها عبارة أخرى عن إستصحاب نفس الرطوبة.

فالانصاف: إفتراق القولين في هذا القسم.


الصفحة ٥٩٢

حجة من أنكر إعتبار الاستصحاب في الامور الخارجية ما ذكره المحقق الخوانساري في شرح الدروس وحكاه في حاشية له عند كلام الشهيد: (ويحرم إستعمال الماء النجس والمشتبه)، على ما حكاه شارح الوافية واستظهره المحقق القمي، قدس سره، من السبزواري.

من: (أن الاخبار لا يظهر شمولها للامور الخارجية، مثل رطوبة الثوب ونحوها، إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الامور الذي ليس حكما شرعيا وإن كان يمكن أن يصير منشأ لحكم شرعي، وهذا ما يقال: إن الاستصحاب في الامور الخارجية لا عبرة به)(١)، إنتهى.

وفيه: أما أولا، فبالنقص بالاحكام الجزئيه، مثل طهارة الثوب من حيث عدم ملاقاته للنجاسة ونجاسته من حيث ملاقاته لها، فإن بيانها أيضا ليس من وظيفة الامام، عليه السلام، كما أنه ليس من وظيفة المجتهد ولا يجوز التقليد فيها، وإنما وظيفته من حيث كونه مبينا للشرع، بيان الاحكام الكلية المشتبهة على الرعية.

وأما ثانيا، فبالحل، توضيحه: أن بيان الحكم الجزئي في المشتبهات الخارجية ليس وظيفة للشارع ولا لاحد من قبله.

نعم حكم المشتبه حكمه الجزئي، كمشكوك النجاسة أو الحرمة، حكم شرعي كلي ليس بيانه إلا وظيفة للشارع.

وكذلك الموضوع الخارجي كرطوبة الثوب.فإن بيان ثبوتها وإنتفائها في الواقع ليس وظيفة للشارع.

نعم حكم الموضوع المشتبه في الخارج، كالمايع المردد بين الخل والخمر حكم كلي ليس بيانه وظيفة إلا للشارع، وقد قال الصادق عليه السلام: (كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام، وذلك مثل الثوب يكون عليك)، إلى آخره.

وقوله في خبر

____________________

(١) القوانين المحكمة، ج ٢، ص ٦٦ مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ٢٨١.


الصفحة ٥٩٣

آخر: (سأخبرك عن الجبن)، وغيره.

ولعل التوهم نشأ من تخيل أن ظاهر (لا تنقض) إبقاء نفس المتيقن السابق، وليس إبقاء الرطوبة مما يقبل حكم الشارع بوجوبه.

ويدفعه بعد النقض بالطهارة المتيقنة سابقا، فإن إبقاء‌ها ليس من الافعال الاختيارية القابلة للايجاب -: أن المراد من الابقاء وعدم النقض هو ترتيب الاثار الشرعية المترتبة على الميتقن.

فمعنى إستصحاب الرطوبة ترتيب آثارها الشرعية في زمان الشك، نظير إستصحاب الطهارة.

فطهارة الثوب ورطوبته سيان في عدم قابلية الحكم بإبقائهما عند الشك وفي قابلية الحكم بترتيب آثارهما الشرعية في زمان الشك.

فالتفصيل بين كون المستصحب من قبيل رطوبة الثوب وكونه من قبيل طهارته، لعدم شمول أدلة (لا تنقض) للاول، في غاية الضعف.

نعم يبقى في المقام أن إستصحاب الامور الخارجية إذا كان معناه ترتيب آثارها الشرعية لا يظهر له فائده، لان تلك الاثار المترتبة عليه كانت مشاركة معه في اليقين السابق.

فإستصحابها يغني عن إستصحاب نفس الموضوع، فإن إستصحاب حرمة مال زيد الغائب وزوجته يغني عن إستصحاب حياته إذا فرض أن معنى إبقاء الحياة ترتيب آثارها الشرعية.

نعم قد يحتاج إجراء الاستصحاب في آثاره إلى أدنى تدبر، كما في الاثار الغير المشاركة معه في اليقين السابق، مثل توريث الغائب من قريبه المتوفى في زمان الشك في حياة الغائب، فإن توريث غير متحقق حال اليقينبحياة الغائب، لعدم موت قريبه بعد.

لكن مقتضى التدبر إجراء الاستصحاب على وجه التعليق، بأن يقال: لو مات قريبه قبل الشك في حياته لورث منه، وبعبارة أخرى: موت قريبه قبل ذلك كان ملازما لارثه منه ولم يعلم إنتفاء الملازمة فيستصحب.

وبالجملة، الاثار المرتبة على الموضوع الخارجي، منها ما يجتمع معه في زمان اليقين به، ومنها ما لا يجتمع معه في ذلك الزمان.

لكن عدم الترتب فعلا في ذلك الرمان، مع فرض كونه من آثاره شرعا، ليس إلا لمانع في ذلك الزمان أو لعدم شرط، فيصدق في ذلك الزمان أنه لولا ذلك المانع أو عدم الشرط لترتب الاثار.

فإذا فقد المانع الموجود، أو وجد الشرط المفقود، وشك في الترتب من جهة الشك في بقاء ذلك الامر الخارجي، حكم بإستصحاب ذلك الترتب الشأني، وسيأتي لذلك مزيد توضيح في بعض التنبيهات الاتية، هذا.

ولكن التحقيق أن في موضع جريان الاستصحاب في الامر الخارجي لا يجري إستصحاب


الصفحة ٥٩٤

الاثر المترتب عليه.فإذا شك في بقاء حياة زيد فلا سبيل إلى إثبات آثار حياته إلا بحكم الشارع بعدم جواز نقض حياته بمعنى وجوب ترتيب الاثار الشرعيه المترتبة على الشخص الحي، لا يغني عن ذلك إجراء الاستصحاب في نفس الاثار، بأن يقال بان حرمة ماله وزوجته كانت متيقنة.

فيحرم نقض اليقين بالشك، لان حرمة المال والزوجة إنما تترتبان في السابق على الشخص الحي بوصف أنه حي.

فالحياة داخل في موضوع المستصحب، ولا أقل من الشك في ذلك، فالموضوع مشكوك في الزمن اللاحق وسيجئ إشتراط القطع ببقاء الموضوع في الاستصحاب.

وإستصحاب الحياة لاحراز الموضوع في إستصحاب الاثار غلط، لان معنى إستصحاب الموضوع ترتيب آثاره الشرعية.

فتحقق أن إستصحاب الاثار نفسها غير صحيح لعدم إحراز الموضوع، وإستصحاب الموضوع كاف في إثبات الاثار.

وقد مر في مستند التفصيل السابق وسيجئ في إشتراط بقاء الموضوع وفي تعارض الاستصحابين أن الشك المسبب عن شك آخر لا يجامع معه في الدخول تحت عموم (لا تنقض)، بل الداخل هو الشك السببي.

ومعنى عدم الاعتناء به وعدم جعله ناقضا لليقين زوال الشك المسبب به، فافهم.


الصفحة ٥٩٥

وأما القول الخامس وهو التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي وبين غيره.

فلا يعتبر في الاول، فهو المصرح به في كلام المحدث الاسترابادي، لكنه صرح بإستثناء إستصحاب عدم النسخ مدعيا الاجماع بل الضرورة على إعتباره.

قال في محكي فوائده المكية بعد ذكر أخبار الاستصحاب ما لفظه: (لا يقال: هذه القاعدة تقتضي جواز العمل بالاستصحاب في أحكام الله تعالى، كما ذهب إليه المفيد والعلامة من أصحابنا والشافعية قاطبة.

وتقتضي بطلان قول أكثر علمائنا والحنفية بعدم جواز العمل به.

لانا نقول: هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من فحول الاوصوليين والفقهاء.

وقد أجبنا عنها في الفوائد المدنية تارة، بما ملخصه: إن صور الاستصحاب المختلف فيها عند النظر الدقيق والتحقيق راجعة إلى أنه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه.

ومن المعلوم أنه إذا تبدل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد إختلف موضوع المسألتين.

فالذي سموه إستصحابا راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر متحد معه في الذات مختلف معه في الصفات.

ومن المعلوم عند الحكيم أن هذا المعنى غير معتبر شرعا وأن القاعدة الشريفة المذكورة غير شاملة له.

وتارة، بأن إستصحاب الحكم الشرعي، وكذا الاصل أي الحالة السابقة التي إذا خلي الشئ ونفسه كان عليها إنما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما.

وقد


الصفحة ٥٩٦

ظهر في محل النزاع لتواتر الاخبار بأن كل ما يحتاج إليه الامة ورد فيه خطاب وحكم حتى أرض الخدش، كثير مما ورد مخزون عند أهل الذكر، عليهم السلام، فعلم أنه ورد في محل النزاع أحكام لا نعلمها بعينها وتواتر الاخبار بحصر المسائل في ثلاث بين رشده وبين غيه، أي مقطوع فيه ذلك لا ريب فيه، وما ليس هذا ولا ذاك، وبوجوب التوقف في الثالث)(١)، إنتهى.

أقول: لا يخفى أن ما ذكره أولا قد إستدل به كل من نفى الاستصحاب من أصحابنا وأوضحوا ذلك غاية الايضاح، كما يظهر لمن راجع الذريعة والعدة والغنية وغيرها.

إلا أنهم منعوا عن إثبات الحكم الثابت لموضوع في زمان له بعينه في زمان آخر من دون تغيير وإختلاف في صفة الموضوع سابقا ولاحقا.

كما يشهدإ له تمثيلهم بعدم الاعتماد على حياة زيد أو بقاء البلد على ساحل البحر بعد الغيبة عنهم.

وأهملوا قاعدة البناء على اليقين السابق، لعدم دلالة العقل عليه ولا النقل، بناء على عدم إلتفاتهم إلى الاخبار المذكورة، لقصور دلالتها عندهم ببعض ما أشرنا إليه سابقا، أو لغفلتهم عنها على أبعد الاحتمالات من ساحة من هو دونهم في الفضل.

وهذا المحدث قد سلم دلالة الاخبار على وجوب البناء على اليقين السابق وحرمة نقضه مع إتحاد الموضوع.

إلا أنه ادعى تغاير موضوع المسأله المتيقنة والمسألة المشكوكة، فالحكم فيها بالحكم السابق ليس بناء على اليقين السابق، وعدم الحكم به ليس نقضا له.

فيرد عليه، أولا، النقض بالموارد التي ادعي الاجماع والضرورة على إعتبار الاستصحاب فيها، كما حكيناها عنه سابقا.

فإن منها إستصحاب الليل والنهار، فإن كون الزمان المشكوك ليلا أو نهارا أشد تغايرا وإختلافا، مع كون الزمان السابق كذلك من ثبوت خيار الغبن أو الشفعة في الزمان المشكوك وثبوتهما في الزمان السابق.

ولو أريد من الليل والنهار طلوع الفجر وغروب الشمس لا نفس الزمان، كان الامر كذلك وإن كان دون الاول في الظهور، لان مرجع الطلوع والغروب إلى الحركة الحادثة شيئا فشيئا.

ولو أريد إستصحاب أحكامهما، مثل جواز الاكل والشرب وحرمتهما، ففيه: أن ثبوتهما في تحقق السابق كان منوطا ومتعلقا في الادلة الشرعية بزماني الليل والنها.

فاجراؤهما مع الشك في تحقق

____________________

(١) الفوائد المكية، ص، مخطوط.


الصفحة ٥٩٧

الموضوع بمنزلة ما أنكره على القائلين بالاستصحاب من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر.

وبما ذكرنا يظهر ورود النقض المذكور عليه في سائر الامثلة.

فأي فرق بين الشك في تحقق الحدث أو الخبث بعد الطهارة، الذي جعل الاستصحاب فيه من ضروريات الدين وبين الشك في كون المذي محكوما شرعا برافعية الطهارة، فإن الطهارة السابقة في كل منهما كان منوطا بعدم تحقق الرافع.وهذا المناط في زمان الشك غير متحقق.فكيد يسري حكم حالة وجود المناط إليه.

وثانيا، بالحل: بأن إتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة الذي يتوقف صدق البناء على اليقين ونقضه بالشك عليه أمر راجع إلى العرف، لانه المحكم في باب الالفاظ.

ومن المعلوم أن الخيار أو الشفعة إذا ثبت في الزمان الاول وشك في ثبوتهما في الزمان الثاني يصدق عرفا أن القضية المتيقنة في الزمان الاول بعينها مشكوكة في الزمان الثاني.

نعم قد يتحقق في بعض الموارد الشك في إحراز الموضوع للشك في مدخلية الحالة المتبدلة فيه.فلا بد من التأمل التام، فإنه من أعظم المزال في هذا المقام.وأما ما ذكره ثانيا، من معارضة قاعدة اليقين والاصل بما دل على التوقف.

ففيه مضافا إلى ما ذكرنا من ضعف دلالة الاخبار على وجوب الاحتياط.

وإنما يدل على وجوب التحرز عن موارد الهلكة الدنيوية أو الاخروية، والاخيرة مختصة بموارد حكم العقل بوجوب الاحتياط من جهة القطع الاحتياط على تقدير دلالة الاخبار عليه أيضا، كما سيجئ في مسألة تعارض الاستصحاب مع سائ‍ الاصول إن شاء الله.

ثم إن ما ذكره من أنه شبهة عجز عن جوابها الفحول مما لا يخفى ما فيه إذ أي أصولي أو فقيه تعرض لهذه الاخبار وورود هذه الشبهة فعجز عن جوابها؟ مع أن لم يذكر في الجواب الاول عنها إلا ما اشتهر بين النافين للاستصحاب، ولا في الجواب الثاني إلا ما اشتهر بين الاخباريين من وجوب التوقف والاحتياط في الشبهة الحكمية.


الصفحة ٥٩٨

حجة القول السادس على تقدير وجود القائل به، على ما سبق التأمل فيه، تظهر مع جوابها مما تقدم في القولين السابقين.

حجية القول السابع الذي نسبه الفاضل التوني، قدس سره، إلى نفسه وإن لم يلزم مما حققه في كلامه ما ذكره في كلام طويل له، فإنه بعد الاشارة إلى الخلاف في المسألة قال: (ولتحقيق المقام لا بد من إيراد كلام يتضح به حقيقة الحال.

فنقول: الاحكام الشرعيه تنقسم إلى ستة أقسام: الاول والثاني الاحكام الاقتضائية المطلوب فيها الفعل وهي الواجب والمندوب.

والثالث والرابع الاحكام الاقتضائية المطلوب فيها الترك وهي الحرام والمكروه.

والخامس الاحكام التخييرية الدالة على الاباحة.

والسادس الاحكام الوضعية، كالحكم على الشئ بأنه سبب لامر أو شرط له أو مانع له.

والمضايقة بمنع أن الخطاب الوضعي داخل في الحكم الشرعي مما لا يضر فيما نحن بصدده.

إذا عرفت هذا، فإذا فورد أمر بطلب شئ فلا يخلو إما أن يكون موقتا أم لا.

وعلى الاول يكون وجوب ذلك الشئ أو ندبه في كل جزء من أجزاء الوقت ثابتا بذلك الامر.

فالتمسك في ثبوت ذلك الحكم في الزمان الثاني بالنص، لا بالثبوت في الزمان الاول حتى يكون إستصحابا، وهو ظاهر.

وعلى الثاني أيضا كذلك إن قلنا بإفادة المر التكرار وإلا فذمة المكلف


الصفحة ٥٩٩

مشغولة حتى يأتي به في أي زمان كان، ونسبة أجزاء الزمان إليه نسبة واحدة في كونه أداء في كل جزء منها، سواء قلنا بأن الامر للفوارم لا.

والتوهم، بأن الامر إذا كان للفور يكون من قبيل الموقت المضيق، إشتباه غير خفى على المتأمل.

فهذا أيضا ليس من الاستصحاب في شئ.

ولا يمكن أن يقال: إثبات الحكم في القسم الاول فيما بعد وقته من الاستصحاب، فإن هذا لم يقل به أحد ولا يجوز إجماعا.

وكذا الكلام في النهي، بل هو الولى بعدم توهم الاستصحاب فيه، لان مطلقه يفيد التكرار، والتخييري أيضا كذلك.

فالاحكام التكليفية الخمسة المجردة عن الاحكام الوضعية لا يتصور فيها الاستدلال بالاستصحاب.

وأما الاحكام الوضعية، فإذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الاحكام الخمسة كالدلوك لوجوب الظهر، والكسوف لوجوب صلاته، والزلزلة لصلاتها، والايجاب والقبول لاباحة التصرفات والاستمتاعات في الملك والنكاح، وفيه لتحريم أم الزوجة، والحيض والنفاس لتحريم الصوم والصلاه، إلى غير ذلك فينبغي أن ينظر إلى كيفية سببية السبب: هل هي على الاطلاق، كما في الايجاب والقبول، فإن سببيته على نحو خاص، وهو الدوام إلى أن يتحقق المزيل، وكذا الزلزلة، أو في وقت معين، كالدلوك ونحوه مما لم يكن السبب وقتا، وكالكسوف والحيض ونحوهما مما يكون السبب وقتا للحكم.

فإن السببية في هذه الاشياء على نحو آخر، فإنها أسباب للحكم في أوقات معينة.

وجميع ذلك ليس من الاستصحاب في شئ، فإن ثبوت الحكم في شئ من أجزاء الزمان الثابت فيه الحكم ليس تابعا للثبوت في جزء آخر، بل نسبة السبب في محل إقتضاء الحكم في كل جزء نسبة واحدة.وكذلك الكلام في الشرط والمانع.

فظهر مما ذكرناه: أن الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلا في الاحكام الوضعية، اعني الاسباب والشرائط والموانع للاحكام الخمسة من حيث أنها كذلك، ووقوعه في الاحكام الخمسة إنما هو بتبعيتها.

كما يقال في الماء الكر المتغير بالجناسة إذا زال تغيره من قبل نفسه، فأنه يجب


الصفحة ٦٠٠

الاجتناب عنه في الصلاة، لوجوبه قيل زوال تغيره، فإن مرجعه إلى النجاسة كانت ثابتة قبل زوال تغيره، فكذلك يكون بعده.

ويقال في المتيمم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: إن صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان.

فكذا بعده، أي كان مكلفا ومأمورا بالصلاة بتيممه قبله، فكذا بعده، فإن مرجعه إلى أنه كان متطهرا قبل وجدان الماء فكذا بعده، والطهارة من الشروط.

فالحق مع قطع النظر عن الروايات عدم حجية الاستصحاب، لان العلم بوجود السبب أو الشرط أو المانع في وقت لا يقتضي العلم بل ولا الظن بوجوده في غير ذلك الوقت، كما لا يخفى فكيف يكون الحكم المعلق عليه ثابتا في غير ذلك الوقت.

فالذي يقتضيه النظر، دون ملاحظة الروايات، أنه إذا علم تحقق العلاقة الوضعية تعلق الحكم بالمكلف.

وإذا زال ذلك العلم بطرو الشك بل الظن أيضا يتوقف عن الحكم بثبوت ذلك الحكم الثابت أولا، إلا أن الظاهر من الاخبار أنه إذا علم وجود شئ، فإنه يحكم به حتى يعلم زواله)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.

* * *

وفي كلامه أنظار يتوقف بيانها على ذكر كل فقرة هي مورد للنظر، ثم توضيح النظر فيه بما يخطر في الذهن القاصر، فنقول: قوله أولا: (والمضايقة بمنع أن الخطاب الوضعي داخل في الحكم الشرعي لا يضر فيما نحن بصدده).

فيه: أن المنع المذكور لا يضر فيما يلزم من تحقيقه الذي ذكره، وهو إعتبار الاستصحاب في موضوعات الاحكام الوضعية، أعني نفس السبب والشرط والمانع، لا في التفصيل بين الاحكام الوضعية، أعني سببية السبب وشرطية الشرط والاحكام التكليفية.

وكيف لا يضر في هذا التفصيل منع كون الحكم الوضعي حكما مستقلا، وتسليم أنه أمر إعتباري منتزع من التكليف تابع له حدوثا وبقاء، وهل يعقل التفصيل مع هذا المنع؟

____________________

(١) الوافية، ص، مخطوط.


الصفحة ٦٠١

[ الحكم الوضعي حم مستقل أو مرجعه إلى الحكم التكليفي ] ثم إنه لا بأس بصرف الكلام إلى بيان أن الحكم الوضعي حكم مستقل مجعول كما إشتهر في ألسنة جماعة أولا وإنما مرجعه إلى الحكم التكليفي، فنقول: إن المشهور: كما في شرح الزبده، بل الذي إستقر عليه رأي المحققين، كما في شرح الوافية للسيد صدر الدين أن الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي وأن كون الشئ سببا لواجب هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشئ.

فمعنى قولنا: (إتلاف الصبي سبب لضمانه)، أنه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا إجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ والعقل واليسار وغيرها.

فاذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله: (إغرم ما أتلفته في حال صغرك)، أنتزع من هذا الخطاب معنى يعبر عنه بسببية الاتلاف للضمان.

ويقال: إنه ضامن، بمعنى أنه يجب عليه الغرامة عند إجتماع شرائط التكليف.

ولم يدع أحد إرجاع الحكم الوضعي إلى التكليف الفعلي المنجز حال إستناد الحكم الوضعي إلى الشخص، حتى يدفع ذلك بما ذكره بعض من غفل عن مراد النافين، من أنه قد يتحقق الحكم الوضعي في مورد غير قابل للحكم التكليفي، كالصبي والنائم وشبههما.

وكذا الكلام في غير السبب، فإن شرطية الطهارة للصلاة ليست مجعولة بجعل مغير لانشاء وجوب الصلاة الواقعة حال الطهارة.

وكذا مانعية النجاسة ليست إلا منتزعة من المنع عن الصلاة في النجس، وكذا الجزئية منزعة من الامر بالمركب.

والعجب ممن إدعى بداهة بطلان ما ذكرنا مع ما عرفت من أنه المشهور والذي إستقر عليه رأي المحققين فقال، قدس سره، في شرحه على الوافية، تعريضا على السيد الصدر: (وأما من زعم أن الحكم الوضعي عين الحكم التكليفي، على ما هو ظاهر قولهم (إن كون الشئ سببا لواجب هو الحكم بوجوب عند حصول ذلك الشئ)، فبطلانه غني عن البيان، إذ الفرق بين الوضع التكليف مما لا يخفى على من له أدنى مسكة، والتكاليف المبنية على الوضع غير الوضع.

والكلام إنما هو في نفس الوضع والجعل والتقيرير.

وبالجملة، فنقول الشارع: (دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة والحيض مانع منها)، خطاب وضعي وإن استتبع


الصفحة ٦٠٢

تكليفا وهو إيجاب الصلاة عند الزوال وتحريمها عند الحيض.

كما أن قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس)، [ وقوله صلى الله عليه وآله ]: (دعي الصلاة أيام أقرائك)، خطاب تكليفي وإن إستتبع وضعا.وهو كون الدلوك سببا والاقراء مانعا.

والحاصل أن هناك أمرين متباينين، كل منهما فرد للحكم، فلا يغني إستتباع أحدهما للاخر عن مراعاته وإحتسابه في عداد الاحكام)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: لو فرض نفسه حاكما بحكم تكليفي ووضعي بالنسبة إلى عبده لوجد من نفسه صدق ما ذكرنا، فإنه إذا قال لعبده: (أكرم زيدا إن جاء‌ك)، فهل يجد المولى من نفسه أنه أنشأ إنشائين وجعل أمرين، أحدهما وجوب إكرام زيد عند مجيئه والاخر كون مجيئه سببا لوجوب إكرامه، أو أن الثاني مفهوم منتزع من الاول لا يحتاج إلى جعل مغير لجعله ولا إلى بيان مخالف لبيانه.

ولهذا إشتهر في ألسنة الفقهاء سببية الدلوك ومانعية الحيض، ولم يرد من الشارع إلا إنشاء طلب الصلاة عند الاول وطلب تركها عند الثاني.

فإن أراد تباينها مفهوما فهو أظهر من أن يخفى.

كيف وهما محمولان مختلفا الموضوع، وإن أراد كونهما مجعولين بجعلين فالحوالة على الوجدان لا البرهان، وكذا لو أراد كونهما مجعولين بجعل واحد، فإن الوجدان شاهد على أن السببية والمانعية في المثالين إعتباران منتزعان، كالمسببية والمشروطية والممنوعية، مع أن قول الشارع: (دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة)، ليس جعلا للايجاب إستتباعا، كما ذكره، بل هو إخبار عن تحقق الوجوب عند الدلوك.

هذا كله، مضافا إلى أنه لا معنى لكون السببيه مجعولة فيما نحن فيه حتى يتكلم أنه بجعل مستقل أو لا.

فأنا لا نعقل من جعل الدلوك سببا للوجوب، خصوصا عند من لا يرى، كالاشاعرة، الاحكام منوطة بالمصالح والمفاسد الموجودة في أفعال، إلا إنشاء الوجوب عند الدلوك.

وإلا فالسببية القائمة بالدلوك ليست من لواز ذاته، بأن يكون فيه معنى يقتضي إيجاب الشارع فعلا عند حصوله، ولو كانت لم تكن مجعولة من الشارع ولا نعقلها أيضا صفة أوجدها الشارع فيه بإعتبار الفصول المنوعه ولا الخصوصيات المصنفة أو المشخصة.

هذا كله في السبب والشرط والمانع والجزء.

____________________

(١) شرح الوافيه، ص، مخطوط.


الصفحة ٦٠٣

وأما الصحة والفساد، فهما في العبادات موافقة الفعل المأتى به للفعل المأمور به أو مخالفته له، ومن المعلوم أن هاتين الموافقة والمخالفة ليستا بجعل جاعل.

وأما في المعاملات فهما ترتب الاثر عليها وعدمه، فمرجع ذلك إلى سببية هذه المعاملة لاثرها وعدم سببية تلك.

فإن لوحظت المعاملة سببا لحكم تكليفي كالبيع لاباحة التصرفات، والنكاح لاباحة الاستمتاعات فالكلام فيها يعرف مما سبق في السببية وأخواتها.

وإن لوحظت سببا لامر أخر كسببية البيع للملكية، والنكاح للزوجية، والعتق للحرية، وسببية الغسل للطهارة، فهذه الامور بنفسها ليست أحكاما شرعية، نعم الحكم بثبوتها شرعي.

وحقائقها إما امور إعتبارية منتزعة من الاحكام التكليفية، كما يقال: الملكية كون الشئ بحيث يجوز الانتفاع به وبعوضه، والطهارة كون الشئ بحيث يجوز إستعماله في الاكل والشرب والصلاة نقيض النجاسة، وإما أمور واقعية كشف عنها الشارع.

فأسبابها على الاول في الحقيقة أسباب للتكاليف، فيصير سببية تلك الاسباب كمسبباتها أمورا إنتزاعية، على الثاني يكون أسبابها كنفس المسببات أمورا واقعية مكشوفا عنها ببيان الشارع.

وعلى التقديرين فلا جعل في سببية هذه الاسباب.

ومما ذكرنا تعرف الحال في غير المعاملت من أسباب هذه الامور كسببية الغليان في العصير للنجاسة، وكالملاقاة لها، والسبي للرقية، والتنكيل للحرية، والرضاع لانفساخ الزوجية، وغير ذلك.

فافهم وتأمل في المقام، فإنه من مزال الاقدام.

* * *

قوله: (وعلى الاول يكون وجوب ذلك الشئ أو ندبه في كل جزء من أجزاء ذلك الوقت ثابتا بذلك الامر.

فالتمسك في ثبوت الحكم في الزمان الثاني بالنص، لا بثبوته في الزمان الاول حتى يكون إستصحابا).

أقول: فيه: أن الموقف قد يتردد وقته بين زمان وما بعد فيجري الاستصحاب.

وأورد عليه: تارة بأن الشك قد يكون في النسخ، وأخرى بأن الشك قد يحصل في التكليف، كمن شك في وجوب إتمام الصوم لحصول مرض يشك في كونه مبيحا للافطار، وثالثة بأنه قد يكون أول الوقت وآخره معلوما ولكنه يشك في حدوث الاخر والغاية، فيحتاج المجتهد في الحكم بالوجوب أو الندب أو الحكم بعدمهما عند عروض ذلك الشك إلى دليل عقلي أو نقلي غير ذلك الامر، هذا.


الصفحة ٦٠٤

ولكن الانصاف: عدم ورود شئ من ذلك عليه: أما الشك في النسخ فهو خارج عما نحن فيه، لان كلامه في الموقت من حيث الشك في بعض أجزاء الوقت، كما إذا شك في جزء مما بين الظهر والعصر في الحكم المستفاد من قوله: (اجلس في المسجد من الظهر إلى العصر).وهو الذي ادعي أن وجوبه في الجزء المشكوك ثابت بنفس الدليل.

وأما الشك في ثبوت هذا الحكم الموقت لكل يوم أو نسخه في هذا اليوم، فهو شك، لا من حيث توقيت للحكم، بل من حيث نسخ الموقت، فإن وقع الشك في النسخ الاصطلاحي لم يكن إستصحاب عدمه من الاستصحاب المختلف فيه، لان إثبات الحكم في الزمان الثاني لعموم الامر الاول للازمانولو كان فهم هذا العموم من إستمرار طريقة الشارع بل كل شارع على إرادة دوام الحكم ما دامت تلك الشريعة، لا من عموم لفظي زماني.

وكيف كان، فإستصحاب عدم النسخ لدفع إحتمال حصول التخصيص في الازمان، كإستصحاب عدم التخصيص لدفع إحتمال التخصيص في الافراد وإستصحاب عدم التقييد لدفع إرادة المقيد من المطلق.

والظاهر: أن مثل هذا ليس محلا لانكاره، وليس إثباتا لحكم في الزمان الثاني لوجوده في الزمان الاول، بل لعموم دليله الاول، كما لا يخفى.

وبالجملة، فقد صرح هذا المفصل: بأن الاستصحاب المختلف فيه لا يجري في التكليفيات، ومثل هذا الاستصحاب مما إنعقد على إعتباره الاجماع بل الضرورة، كما تقدم في كلام المحدث الاسترابادي.

ولو فرض الشك في النسخ في إرتفاع حكم لم يثبت له من دليله ولا من الخارج عموم زماني، فهو خارج عن النسخ الاصطلاحي داخل فيما ذكره من أن الامر إذا لم يكن للتكرار، إلخ يكفي فيه المرة.

ولا وجه للنقض به في مسألة الموقت، فتأمل.

وأما الشك في تحقق المانع كالمرض المبيح للافطار، والسفر الموجب له وللقصر، والضرر المبيح لتناول المحرمات فهو الذي ذكره المفصل في آخر كلامه بجريان الاستصحاب في الحكم التكليفي تبعا للحكم الوضعي.

فإن السلامة من المرض الذي يضر به الصوم شرط في وجوبه، وكذا الحضر، وكذا الامن من الضرر في ترك المحرم.

فإذا شك في وجود شئ من ذلك أستصحب الحالة السابقة له وجودا او عدما ويتبعه بقاء الحكم التكليفي السابق.

بل قد عرفت، فيما مر، عدم جريان الاستصحاب في الحكم التكليفي إلا مع قطع النظر عن إستصحاب موضوعه، وهو الحكم الوضعي في المقام.


الصفحة ٦٠٥

مثلا، إذا أوجب الشارع الصوم إلى الليل على المكلف بشرط سلامته من المرض الذي يتضرر بالصوم، فإذا شك في بقائها وحدوث المرض المذكور وأحرز الشرط بالاستصحاب، أغنى عن إستصحاب المشروط.

بل لم يبق مجرى له، لان معنى إستصحاب الشرط ترتيب أثار وجوده، وهو ثبوت المشروط مع فرض وجود باقي العلل الناقصة.

وحينئذ في يبقى الشك في بقاء المشروط.

وبعبارة أخرى: الشك في بقاء المشروط مسبب عن الشك في بقاء المشرط، والاستصحاب في الشرط وجودا أو عدما مبين لبقاء المشروط أو إرتفاعه، فلا يجري فيه الاستصحاب، لا معارضا لاستصحاب الشرط، لانه مزيل له، ولا معاضدا، كما فيما نحن فيه.

وسيتضح ذلك في مسألة الاستصحاب في الامور الخارجية وفي بيان إشتراط الاستصحاب ببقاء الموضوع إن شاء الله.

ومما ذكرنا يظهر الجواب عن النقض الثالث عليه: بما إذا كان الشك في بقاء الوقت المضروب للحكم التكليفي، فإنه إن جرى معه إستصحاب الوقت أغنى عن إستصحاب الحكم التكليفي، كما عرفت في الشرط، فإن الوقت شرط أو سبب، وإلا لم يجر إستصحاب الحكم التكليفي، لا كان متحققا بقيد ذلك الوقت.

فالصوم المقيد وجوبه بكونه في النهار لا ينفع إستصحاب وجوبه في الزمان المشكوك كونه عن النهار.

وأصالة بقاء الحكم المقيد بالنهار في هذه الزمان لا يثبت كون هذا الزمان نهارا، كما سيجئ توضيحه في نفي الاصول المثبتة إن شاء الله.

اللهم إلا أن يقال: إنه يكفي في الاستصحاب تنجز التكليف سابقا وإن كان لتعليقه على أمر حاصل.

فيقال عرفا إذا ارتفع الاستطاعة المعلق عليها وجوب الحج: إن الوجوب إرتفع.

فإذا شك في إرتفاعها يكون شكا في إرتفاع الحكم المنجز وبقائه وإن كان الحكم المعلق لا يرتفع بإرتفاع المعلق عليه، لان إرتفاع الشرط لا يوجب إرتفاع الشرطية، إلا أن إستصحاب وجود ذلك الامر المعلق عليه كاف في عدم جريان الاستصحاب المذكور، فإنه حاكم عليه، كما ستعرف.

نعم لو فرض في مقام عدم جريان الاستصحاب في الشك في الوقت كما لو كان الوقت مرددا بين أمرين، كذهاب الحمرة وإستتار القرص إنحصر الامر حينئذ في إجراء إستصحاب التكليف، فتأمل.

والحاصل: أن النقض عليه بالنسبة إلى الحكم التكليفي المشكوك بإبقائه من جهة الشك في سببه أو شرطه أو مانعه غير متجه، لان مجرى الاستصحاب في هذه الموارد أولا وبالذات هو نفس السبب والشرط والمانع ويتبعه إبقاء الحكم التكليفي، ولا يجوز إجراء الاستصحاب في الحكم


الصفحة ٦٠٦

التكليفي إبتداء، إلا إذا فرض إنتفاء إستصحاب الامر الوضعي.

قوله: (وعلى الثاني أيضا كذلك إن قلنا بإفادة الامر التكرار، إلخ).

قد يكون التكرار مرددا بين وجهين.

كما إذا علمنا بأنه ليس للتكرار الدائمي، ولكن العدد المتكرر كان مرددا بين الزائد والناقص.

وهذا الايراد لا يندفع بما ذكره، قدس سره، من أن الحكم في التكرار كالامر الموقت، كما لا يخفى.

فالصواب أن يقال: إذا ثبت وجوب التكرار، فالشك في بقاء ذلك الحكم من هذه الجهة مرجعه إلى الشك في مقدار التكرار، لتردده بين الزائد والناقص.

ولا يجري فيه الاستصحاب، لان كل واحد من المكرر إن كان تكليفا مستقلا فالشك في الزائد شك في التكليف المستقل، وحكمه النفي بأصالة البراء‌ة، لا الاثبات بالاستصحاب، كما لا يخفى.

وإن كان الزائد على تقدير وجوبه جزء‌ا من المأمور به، بأن يكون الامر بمجموع العدد المتكرر، من حيث أنه مركب واحد، فمرجعه إلى الشك في جزئية شئ للمأمور به وعدمها، ولا يجري فيه أيضا الاستصحاب، لان ثبوت الوجوب لباقي الاجزاء لا يثبت وجوب هذا الشئ المشكوك في جزئيته، بل لا بد من الرجوع إلى البراء‌ة أو قاعدة الاحتياط.

قوله: (وإلا فذمة المكلف مشغولة حتى يأتي بها في أي زمان كان).

قد يورد عليه النقض بما عرفت حاله في العبارة الاولى.

ثم إنه لو شك في كون الامر للتكرار أو المرة كان الحكم، كما ذكرنا، في تردد التكرار بين الزائد والناقص.

وكذا لو أمر المولى بفعل له إستمرار في الجملة، كالجلوس في المسجد، ولم يعلم مقدار إستمراره، فإن الشك بين الزائد والناقص يرجع مع فرض كون الزائد المشكوك واجابا مستقلا على تقدير وجوبه إلى أصالة البراء‌ة.

ومع فرض كونه جزء‌ا يرجع إلى مسألة الشك في الجزئية والعدم.فإن فيها البراء‌ة أو وجوب الاحتياط.

قوله: وتوهم، أن الامر إذا كان للفور يكون من قبيل الموقت المضيق، إشتباه غير خفي على المتأمل).

الظاهر أنه دفع إعتراض على تسويته في ثبوت الوجوب في كل جزء من الوقت بنفس الامر بين كونه للفور وعدمه، ولا دخل له بمطلبه وهو عدم جريان الاستصحاب في الامر الفوري، لان كونه من قبيل الموقت المضيق لا يوجب جريان الاستصحاب فيه.


الصفحة ٦٠٧

لان الفور المنزل عند المتوهم منزلة الموقت المضيق، إما، يراد به المسارعة في أول أزمنة الامكان، وإن لم يسارع ففي ثانيها، وهكذا، وإما أن يراد به خصوص الزمان الاول.

فإذا فات لم يثبت بالامر وجوب الفعل في الان الثاني لا فورا ولا متراخيا، وإما أن يراد به ثبوته في الان الثاني متراخيا.

وعلى الفور فهو في كل جزء من الوقت من قبيل الموقت المضيق، وعلى الثاني فلا معنى للاستصحاب بناء على ما سيذكره من أن الاستصحاب لم يقل به أحد فيما بعد الوقت، وعلى الثالث يكون في الوقت الاول كالمضيق وفيما بعده كالامر المطلق.

وقد ذكر بعض شراح هذا الكتاب: (أن دفع التوهم لاجل إستلزامه الاحتياج إلى الاستصحاب لاثبات الوجووب في ما بعد الوقت الاول)(١).ولم أعرف له وجها.

قوله: (وكذا النهي).

لا يخفى أنه، قدس سره، لم يستوف أقسام الامر، لان منها ما يتردد الامر بين الموقت بوقت، فيرتفع الامر بفواته، وبين المطلق الذي يجوز إمتثاله بعد ذلك الوقت.

كما إذا شككنا في أن الامر بالغسل في يوم الجمعة مطلق، فيجوز الاتيان به في كل جزء من النهار أو موقت إلى الزوال، وكذا وجوب الفطرة بالنسبة إلى يوم العيد، فإن الظاهر أنه لا مانع من إستصحاب الحكم التكليفي هنا قوله: (بل هو أولى، لان مطلقه، إلخ).

كأنه، قدس سره، لم يلاحظ إلا الاوامر والنواهي اللفظية البينة المدلول، وإلا فإذا قام الاجماع أو دليل لفظي مجمل على حرمة شئ في زمان ولم يعلم بقاؤها بعده، كحرمة الوطي للحايض المرددة بين إختصاصها بأيام رؤية الدم فيرتفع بعد النقاء وشمولها لزمان بقاء حدث الحيض فلا يرتفع إلا بالاغتسال، وكحرمة العصير العنبي بعد ذهاب ثلثيه بغير النار، وحلية عصير الزبيب والتمر بعد غليانهما، إلى غير ذلك مما لا يحصى.

فلا مانع في ذلك كله من الاستصحاب.

قوله: (فينبغي أن ينظر إلى كيفية سببية السبب هل هي على الاطلاق، إلخ)، الظاهر أن مراده من سببية السبب تأثيره، لا كون سببا في الشرع.وهو الحكم الوضعي، لان

____________________

(١) شرح لبوافيه مخطوط.


الصفحة ٦٠٨

هذا لا ينقسم إلى ما ذكره من الاقسام، لكنه دائميا في جميع الاسباب إلى أن ينسخ.

فإن أراد من النظر في كيفية سببية السبب تحصيل مورد يشك في كيفية السببية، ليكون موردا للاستصحاب في المسبب، فهو مناف لما ذكره من عدم جريان الاستصحاب في التكليفيات إلا تبعا لجريانه للوضعيات.

وإن أراد من ذلك نفي مورد يشك في كيفية سببية السبب ليجري الاستصحاب في المسبب، فأنت خبير بأن موارد الشك كثيرة.

فإن المسبب قد يتردد بين الدائم والموقت، كالخيار المسبب عن الغبن المتردد بين كونه دائما لولا المسقط وبين كونه فوراى، وكالشفعة المرددة بين كونه مستمرا إلى الصبح لو علم به ليلا أم لا، وهكذا.

والموقت قد يتردد بين موقتين، كالكسوف الذي هو سبب لوجوب الصلاة المردد وقتها بين الاخذ في الانجلاء وتمامه.

قوله: (وكذا الكلام في الشرط والمانع، اه).

لم أعرف المراد من إلحاق الشرط والمانع بالسبب، فإن شيئا من الاقسام المذكورة في السبب لا يجري في الشرط والمانع وإن جرى كلها أو بعضها في المانع إن لوحظ كونه سببا للعدم، لكن المانع بهذا الاعتبار يدخل في السبب، وكذا عدم الشرط إذا لوحظ كونه سببا لعدم الحكم.

وكذا ما ذكره في وجه عدم جريان الاستصحاب بقوله: (فإن ثبوت الحكم، إلخ).

فإن الحاصل من النظر في كيفية شرطية الشرط أنه قد يكون نفس الشئ شرطا لشئ على الاطلاق، كالطهارة من الحدث الاصغر للمس، ومن الاكبر للمكث في المساجد، ومن الحيض للوطي ووجوب العبادة.

وقد يكون شرطا في حال دون حال، كإشتراط الطهارة من الخبث في الصلاة مع التمكن لا مع عدمه.

وقد يكون حدوثه في زمان ما شرطا للشئ، فيبقى المشروط ولو بعد إرتفاع الشرط، كالاستطاعة للحج.

وقد يكون تأثير الشرط بالنسبة إلى فعل دون آخر، كالوضوء العذري الموثر فيما يأتى به حال العذر.

فإذا شككنا في مسألة الحج في بقاء وجوبه بعد إرتفاع الاستطاعة، فلا مانع من إستصحابه.

وكذا لو شككنا في إختصاص الاشتراط بحال التمكن من الشرط، كما إذا إرتفع التمكن من إزالة النجاسة في أثناء الوقت، فإنه لا مانع من إستصحاب الوجوب.

[ وكذا لو شككنا في أن الشرط في إباحة الوطي الطهارة بمعنى النقاء من الحيض أو إرتفاع حدث الحيض.

وكذا لو شككنا في بقاء إباحة الصلاة أو المس بعد الوضوء العذري إذا كان الفعل المشروط به بعد زوال العذر ]


الصفحة ٦٠٩

وبالجملة فلا أجد كيفية شرطية الشرط مانعة عن إجراء الاستصحاب في المشروط بل قد يوجب إجراء‌ه فيه.

قوله: (فظهر مما ذكرنا أن الاستصحاب المختلف فيه لا يجري إلا في الاحكام الوضعية، أعني نفس الاسباب والشروط والموانع).

لا يخفى ما في هذا التفريع، فإنه لم يظهر من كلامه جريان الاستصحاب في الاحكام الوضعية، بمعنى نفس الاسباب والشروط والموانع، ولا عدمه فيها بالمعنى المعروف.

نعم علم من كلامه عدم الجريان أيضا في المسببات أيضا، لزعمه إنحصارها في المؤبد والموقت بوقت محدود معلوم.

فبقي أمران:

أحدهما نفس الحكم الوضعي، وهو جعل الشئ سببا لشئ أو شرطا، واللازم عدم جريان الاستصحاب فيها، لعين ما ذكره في الاحكام التكليفية.

والثاني نفس الاسباب والشروط.

ويرد عليه: أن نفس السبب والشرط والمانع إن كان أمرا غير شرعي، فظاهر كلامه، حيث جعل محل الكلام في الاستصحاب المختلف فيه هي الامور الشرعية خروج مثل هذا عنه، كحياة زيد ورطوبة ثوبه، وإن كان أمرا شرعيا كالطهارة والنجاسة فلا يخفى أن هذه الامور الشرعية مسببة عن أسباب، فإن النجاسة التي مثل بها في الماء المتغير مسببة عن التغير والطهارة التي مثل بها في مسألة المتيمم مسببة عن التيمم، فالشك في بقائهما لا يكون إلا للشك في كيفية سببية السبب الموجب لاجراء الاستصحاب في المسبب، أعني النجاسة والطهارة.

وقد سبق منه المنع عن جريان الاستصحاب في المسبب.

ودعوى: (أن الممنوع في كلامه جريان الاستصحاب في الحكم التكليفي المسبب عن الاسباب إلا تبعا لجريانه في نفس الاسباب).

مدفوعة: بأن النجاسة، كما حكاه المفصل عن الشهيد، ليست إلا عبارة عن وجوب الاجتناب، والطهر الحاصل من التيمم إلا إباحة الدخول في الصلاة المستلزمة لوجوب المضي فيها بعد الدخول.

فهما إعتباران منتزعان من الحكم التكليفي.

قوله: (ووقوعه في الاحكام الخمسة إنما هو بتبعيتها، إلخ).

قد عرفت وستعرف أيضا أنه لا خفاء في أن إستصحاب النجاسة لا يعقل له معنى إلا ترتيب أثرها، أعني وجوب الاجتناب في الصلاة والاكل والشرب.فليس هنا إستصحاب للحكم التكليفي، لا إبتداء ولا تبعا.

وهذا كاسستصحاب حياة زيد، فإن حقيقة ذلك هو الحكم بتحريم


الصفحة ٦١٠

عقد زوجته التصرف في ماله.وليس هذا إستصحابا لهذا التحريم.

بل التحقيق كما سيجئ عدم جواز إجراء الاستصحاب بملاحظة إستصحاب النجاسة، فقد عرفت أنه لا يبقى لهذا الملاحظة شك في وجوب الاجتناب، لما عرفت من أن حقيقة حكم الشارع باستصحاب النجاسة هو حكمه بوجوب الاجتناب حتى يحصل اليقين بالطهارة.

وإن كان مع قطع النظر عن إستصحابها، فلا يجوز الاستصحاب.

فإن وجوب الاجتناب سابقا عن الماء المذكور إنما كان من حيث كونه نجسا، لان النجس هو الموضوع لوجوب الاجتناب.

فما لم يحرز الموضوع في حال الشك لم يجر الاستصحاب، كما سيجئ في مسألة إشتراط القطع ببقاء الموضوع في الاستصحاب.

ثم اعلم أنه بقي هنا شبهة أخرى في منع جريان الاستصحاب في الاحكام التكليفية مطلقا.

و هي: أن الموضوع للحكم التكليفي ليس إلا فعل المكلف.

ولا ريب أن الشارع بل كل حاكم إنما يلاحظ الموضوع بجميع مشخصاته التي لها دخل في ذلك ثم يحكم عليه.

وحينئذ فإذا أمر الشارع بفعل كالجلوس في المسجد مثلا فإن كان الموضوع فيه هو مطلق الجلوس فيه الغير المقيد بشئ أصلا، فلا إشكال في عدم إرتفاع وجوبه إلا بالاتيان به، إذ لو إرتفع الوجوب بغيره كان ذلك الرافع من قيود الفعل وكان الفعل المطلوب مقيدا بعدم هذا القيد من اول الامر، والمفروض خلافه.

وإن كان الموضوع فيه الجلوس المقيد بقيد، كان عدم ذلك القيد موجبا لانعدام الموضوع.

فعدم مطلوبيته ليس بإرتفاع الطلب عنه، بل لم يكن مطلوبا من أول الامر.

وحينئذ فإذا شك في الزمان المتاخر في وجوب الجلوس يرجع الشك إلى الشك في كون الموضوع للوجوب هو الفعل المقيد أو الفعل المعرى عن هذا القيد.

ومن المعلوم عدم جريان الاستصحاب هنا، لان معناه إثبات حكم كان متيقنا لموضوع معين عند الشك في إرتفاعه عن ذلك الموضوع.وهذا غير متحقق فيما نحن فيه.

وكذا الكلام في غير الوجوب من الاحكام الاربعة الاخر، لاشتراك الجميع في كون الموضوع لها هوالفعل المكلف الملحوظ للحاكم، خصوصا الحكيم بجميع مشخصاته، خصوصا عند القائل


الصفحة ٦١١

بالتحسين والقبيح، لمدخلية المشخصات في الحسن والقبح حتى الزمان.

وبه يندفع ما يقال: (إنه كما يمكن أن يجعل الزمان ظرفا للفعل، بأن يقال: إن التبريد في زمان الصيف مطلوب، فلا يجري الاستصحاب إذا شك في مطلوبيته في زمان آخر، أمكن أن يقال: إن التبريد مطلوب في الصيف على أن يكون الموضوع نفس التبريد والزمان قيدا للطلب.

وحينئذ فيجوز إستصحاب الطلب إذا شك في بقائه بعد الصيف، إذ الموضوع باق على حاله في الحالتين).

توضحيح الاندفاع: أن القيد في الحقيقة راجع إلى الموضوع وتقييد الطلب به أحيانا في الكلام مسامحة في التعبير، كما لا يخفى، فافهم.

وبالجملة، فينحصر مجرى الاستصحاب في الامور القابلة للاستمرار في موضوع وللارتفاع عن ذلك الموضوع بعينه، كالطهارة والحدث والنجاسة والملكية والزوجية والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك.

ومن ذلك يظهر عدم جريان الاستصحاب في الحكم الوضعي أيضا إذا تعلق بفعل الشخص، هذا.

والجواب عن ذلك: أن مبنى الاستصحاب خصوصا إذا استند فيه إلى الاخبار على القضايا العرفية المتحققة في الزمان السابق التي ينتزعها العرف من الادلة الشرعيه، فإنهم لا يرتابون في أنه إذا ثبت تحريم فعل في زمان ثم شك في بقائه بعده، فإن الشك في هذه المسألة في إستمرار الحرمة لهذا الفعل وإرتفاعها، وإن كان مقتضى المداقة العقلية كون الزمان قيدا للفعل.وكذلك الاباحة والكراهة والاستحباب.

نعم قد يتحقق في بعض الواجبات مورد لا يحكم العرف بكون الشك في الاستمرار.

مثلا إذا ثبت في يوم وجوب فعل عند الزوال ثم شككنا في الغد أنه واجب اليوم عند الزوال، فلا يحكمون بإستصحاب ذلك ولا يبنون على كونه مما لا شك في إستمراره وإرتفاعه، بل يحكمون في الغد بأصالة عدم الوجوب قبل الزوال.

أما لو ثبت ذلك مرارا ثم شك فيه بعد أيام، فالظاهر حكمهم بأن هذا الحكم كان مستمرا وشك في إرتفاعه فيستصحب.

ومن هنا ترى الاصحاب يتمسكون بإستصحاب وجوب التمام عند الشك في حدوث التكليف بالقصر، وبإستصحاب وجوب العبادة عند شك المراة في حدوث الحيض، لا من جهة أصالة عدم السفر الموجب للقصر وعدم الحيض المقتضي لوجوب العبادة حتى يحكم بوجوب التمام، لانه من آثار عدم السفر الشرعي الموجب للقصر، وبوجوب العبادة، لانه من آثار عدم الحيض، بل من جهة


الصفحة ٦١٢

كون التكليف بالاتمام وبالعبادة عند زوال كل يوم أمرا مستمرا عندهم وإن كان التكليف يتجدد يوما فيوما، فهو في كل يوم مسبوق بالعدم.فينبغي أن يرجع إلى إستصحاب عدمه، لا إلى إستصحاب وجوده.

والحاصل: أن المعيار حكم العرف بأن الشئ الفلاني كان مستمرا فارتفع وانقطع وأنه مشكوك الانقطاع.

ولولا ملاحظة هذا التخيل لم يصدق على النسخ أنه رفع للحكم الثابت أو لمثله، فإن عدم التكليف في وقت الصلاة بالصلاة إلى القبلة المنسوخة دفع في الحقيقة للتكليف لا رفع.

ونظير ذلك في غير الاحكام الشرعية ما سيجئ من إجراء الاستصحاب في مثل الكرية وعدمها، وفي الامور التدريجية المتجددة شيئا فشيئا، وفي مثل وجوب الناقص بعد تعذر بعض الاجزاء فيما لا يكون الموضوع فيه باقيا إلا بالمسامحة العرفية، كما سيجئ إن شاء الله تعالى.


الصفحة ٦١٣

حجية القول الثامن وجوابها يظهر بعد بيانه وتوضيح القول فيه، فنقول قد نسب جماعة إلى الغزالي القول بحجية الاستصحاب وإنكارها في إستصحاب حال الاجماع.وظاهر ذلك كونه مفصلا في المسألة.

وقد ذكر في النهاية مسألة الاستصحاب، ونسب إلى جماعة منهم الغزالي حجيته.ثم أطال الكلام في أدلة النافين والمثبيت.

ثم ذكر عنوانا آخر لاستصحاب حال الاجماع ومثل له بالمتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة، وبالخارج من غير السبيلين من المتطهر.ونسب إلى الاكثر ومنهم الغزالي عدم حجيته.

إلا أن الذي يظهر بالتدبر في كلامه المحكي في النهاية هو إنكار الاستصحاب المتنازع فيه رأسا و إن ثبت المستصحب بغير الاجماع من الادلة المختصة دلالتها بالحال الاول المعلوم إنتفاؤها في الحال الثاني، فإنه قد يعبر عن جميع ذلك بإستصحاب حال الاجماع، كما ستعرف في كلام الشهيد، وإنما المسلم عنده إستصحاب عموم النص أو إطلاقه الخارج عن محل النزاع بل عن حقيقة الاستصحاب حقيقة.

فمنشأ نسبة التفصيل إطلاق الغزالي الاستصحاب على إستصحاب عموم النص أو إطلاقه وتخصيص عنوان ما أنكره بإستصحاب حال الاجماع، وإن صرح في أثناء كلامه بإلحاق غيره مما يشبهه في إختصاص مدلوله بالحالة الاولى به في منع جريان الاستصحاب فيما ثبت بهما، كما ستعرف في كلام الشهيد.

قال في الذكرى بعد تقسيم حكم العقل الغير المتوقف على خمسة أقسام: ما يستقل به العقل، كحسن العدل، والتمسك بأصل البراء‌ه، وعدم الدليل دليل العدم، والاخذ بالاقل عند فقد دليل على الاكثر -: (الخامس أصالة بقاء ما كان، ويسمى إستصحاب حال الشرع وحال


الصفحة ٦١٤

الاجماع في محل الخلاف.مثاله المتيمم، إلخ.واختلف الاصحاب في حجيته.وهو مقرر في الاصول)(١)، إنتهى.

ونحوه ما حكي عن الشهيد الثاني في مسألة أن الخارج من غير السبيلين ناقض أم لا، وفي مسألة المتيمم، إلخ.

وصاحب الحدائق في الدرر النجفية.

بل استظهر من كل من مثل لمحل النزاع بمسألة المتيمم، كالمعتبر والمعالم وغيرهما.

ولا بد من نقل عبارة الغزالي المحكية في النهاية، حتى يتضح حقيقة الحال.

قال الغزالي على ما حكاه في النهاية: - (المستصحب إن أقر بأنه لم يقم دليلا في المسألة، بل قال: أنا ناف، ولا دليل على النافي، فسيأتي بيان وجوب الدليل على النافي، وإن ظن إقامة الدليل فقد أخطأ، فإنا نقول: إنما يستدام الحكم الذي دل الدليل على دوامه، فإن كان لفظ الشارع فلا بد من بيانه.فلعله يدل على دوامها عند عدم الخروج من غير السبيلين لا عند وجوده.

فإن دل بعمومه على دوامها عند العدم والوجود معا كان ذلك تمسكا بالعموم، فيجب إظهار دليل التخصيص، وإن كان بالاجماع فالاجماع إنما انعقد على دوام الصلاة عند العمد دون الوجود.ولو كان الاجماع شاملا حال الوجود، كان المخالف خارقا للاجماع.

كما أن المخالف في إنقطاع الصلاة عند هبوب الرياح وطلوع الشمس خارق للاجماع، لان الاجماع لم ينعقد مشروطا بعدم الهبوب وانعقد مشروطا بعدم الخروج وعدم الماء.

فإذا وجد فلا إجماع، فيجب أن يقاس حال الوجود على حال العدم المجمع عليه لعلة جامعة.

فإما أن يستصحب الاجماع عند إنتفاء الجامع فهو محال.

وهذا كما أن العقل دل على البراء‌ة الاصلية بشرط عدم دليل السمع فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، فكذا هنا انعقد الاجماع بشرط العدم، فانتفى الاجماع عند الوجود.

وهنا دقيقة وهو أن كل دليل يضاد نفس الخلاف، فلا يمكن إستصحابه مع الخلاف، والاجماع يضاده نفس الخلاف، إذ لا إجماع مع الخلاف، بخلاف العموم والنص

____________________

(١) ذكرى آل ش ى ع د، ص ٥


الصفحة ٦١٥

ودليل العقل، فإن الخلاف لا يضاده، فإن المخالف مقر بأن العموم تناول بصيغته محل الخلاف، ف‍ قوله، عليه وآله الصلاة والسلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)، شامل بصيغة صوم رمضان.

مع خلاف الخصم فيه، فيقول: أسلم شمول الصيغة، لكني أخصصه بدليل، فعليه الدليل.

وههنا، المخالف لا يسلم شمول الاجماع لمحل الخلاف، لاستحالة الاجماع مع الخلاف، ولا يستحيل شمول الصيغة مع الخلاف، فهذه دقيقة يجب التنبه لها.

ثم قال: فإن قيل: الاجماع يحرم الخلاف، فكيف يرتفع بالخلاف.للاجماع، لان الاجماع إنما انعقد على حالة العدم، لا على حالة الوجود.فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه الدليل.

لا يقال: دليل صحة الشروع دال على الدوام إلى أن يقوم دليل على الانقطاع.

لانا نقول: ذلك الدليل ليس هو الاجماع، لانه مشروط بالعدم، فلا يكون دليلا عند العدم.

وإن كان نصا فبينه حتى ننظر هل يتناول حال الوجود أم لا.

ولا يقال: بم تنكرون على من يقول: الاصل أن ما ثبت دام إلى وجود قاطع، فلا يحتاج الدوام إلى الدوام إلى دليل في نفسه، بل الثبوت هو المحتاج.كما إذا ثبت موت زيد أو بناء دار كان دوامه بنفسه لا بسبب.

لانا نقول: هذا وهم باطل، لان كل ما ثبت يجوز دوامه وعدمه، فلا بد لدوامه من سبب ودليل سوى دليل الثبوت.

ولو لا دليل العادة على أن الميت لا يحيى والدار لا تنهدم إلا بهادم أو طول الزمان، لما عرفنا دوامه بمجرد ثبوته.

كما لو أخبر عن قعود الامير وأكله ودخوله الدار ولم يدل العادة على دوام هذه الاحوال، فإنا لا نقضي بدوامها.

وكذا خبر الشارع على دوام الصلاه مع عدم الماء ليس خبار عن دوامها مع وجوده، فيفتقر إلى دليل آخر)(١)، إنتهى.

ولا يخفى أن كثيرا من لكماته، خصوصا قوله أخيرا: (خبر الشارع عن دوامها)، صريح في أن هذا الحكم غير مختص بالاجماع، بل يشمل كل دليل يدل على قضية مهملة من حيث الزمان

____________________

(١) المسصفى، ج ١، ص ١٢٩ مع تفاوت يسير.


الصفحة ٦١٦

بحيث يقطع بإنحصار مدلوله في الزمان الاول.

والعجب من شارح المختصر، حيث أنه نسب القول بحجية الاستصحاب إلى جماعة منهم الغزالي.

ثم قال: (ولا فرق عند من يرى صحة الاستدلال به بين أن يكون الثابت به نفيا أصليا، كما يقال فيما اختلف كونه نصابا: لم تكن الزكاة واجبة عليه والاصل بقاؤه، أو حكما شرعيا، مثل قول الشافعية في الخارج من أحد السبيلين أنه كان قبل خروج الخارج منه متطهرا إجماعا، والاصل البقاء حتى يثبت معارض والاصل عدمهم)(١)، إنتهى.

ولا يخفى أن المثال الثاني مما نسب إلى الغزالي إنكار الاستصحاب فيه، كما عرفت من النهاية ومن عبارته المحكية فيها.

ثم إن السيد صدر الدين جمع في شرح الوافية: (بين قولي الغزالي، تارة بأن قوله بحجية الاستصحاب ليس مبنيا على ما جعله القوم دليلا من حصول الظن، بل هو مبني على دلالة الروايات عليها، والروايات لا تدل على حجية إستصحاب حال الاجماع، وأخرى بأن غرضه من دلالة الدليل على الدوام كونه بحيث لو علم أو ظن وجود المدلول في الزمان الثاني أو الحالة الثانية لاجل موجب لكان حمل الدليل على الدوام ممكنا.

والاجماع ليس كذلك، لانه يضاد الخلاف، فكيف يدل على كون المختلف فيه مجمعا عليه، كما يرشد إليه قوله: (والاجماع يضاده نفس الخلاف، إذ لا إجماع مع الخلاف، بخلاف النص والعموم ودليل العقل، فإن الخلاف لا يضاده).

ويكون غرضه من قوله: (فلا بد لدوامه من سبب)، الرد على من ادعى أن علة الدوام هو مجرد تحقق الشئ في الواقع، وأن الاذعان به يحصل من مجرد العلم بالتحقق.

فرد عليه بأنه ليس الامر كذلك، وأن الاذعان والظن بالبقاء لا بد له من أمر أيضا، كعادة أو أمارة أو غيرهما)(٢)، إنتهى.

أقول: أما الوجه الاول، فهو كما ترى، فإن التمسك بالروايات ليس له أثر في كلام الخاصة الذين هم الاصل في تدوينها في كتبهم، فضلا عن العامة.

____________________

(١) شرح مختصر الاصول، ج ٢ ص ٢٨٤.

(٢) شرح الوافية، ص.مخطوط.


الصفحة ٦١٧

وأما الوجه الثاني، ففيه: أن منشأ العجب من تناول قوليه، حيث أن ما ذكره في إستصحاب حال الاجماع، من إختصاص دليل الحكم بالحالة الاولى بعينه، موجود في بعض صور إستصحاب حال غير الاجماع.

فإنه إذا ورد النص على وجه يكون ساكتا بالنسبة إلى ما بعد الحالة الاولى كما إذا ورد أن الماء ينجس بالتغير، مع فرض عدم إشعار فيه بحكم ما بعد زوال التغير فإن وجود هذا الدليل بوصف كونه دليلا مقطوع العدم في الحالة الثانية، كما في الاجماع.

وأما قوله: (وغرضه من دلالة الدليل على الدوام كونه بحيث لو علم أو ظن بوجود المدلول في الان الثاني، إلى آخر ما ذكره).

ففيه: أنه إذا علم لدليل أو ظن لامارة، بوجود مضمون هذا الدليل الساكت، أعني النجاسة في المثال المذكور، فإمكان حمل هذا الدليل على الدوام، إن أريد به إمكان كونه دليلا على الدوام، فهو ممنوع، لامتناع دلالته على ذلك، لان دلالة اللفظ لا بد له من سبب وإقتضاء، والمفروض عدمه.

وإن أريد إمكان كونه مرادا في الواقع من الدليل، وإن لم يكن الدليل مفيدا له، ففيه مع إختصاصه بالاجماع، عند العامة، الذي هو نفس مستند الحكم، لا كاشف عن مستنده الراجع إلى النص وجريان مثله في المستصحب الثابت بالفعل او التقرير، فإنه لو ثبت دوام الحكم لو يمكن حمل الدليل على الدوام أن هذا المقدار من الفرق لا يؤثر فيما ذكره الغزالي في نفي إستصحاب حال الاجماع، لان مناط نفيه لذلك كما عرفت من تمثيله بموت زيد وبناء دار احتياج الحكم في الزمان الثاني إلى دليل أو أمارة، هذا.

وعلى كل حال، فلو فرض كون الغزالي مفصلا في المسألة بين ثبوت المستصحب بالاجماع وثبوته لغيره، فيظهر رده مما ظهر من تضاعيف ما تقدم، من أن أدلة الاثبات لا يفرق فيها بين الاجماع وغيره، خصوصا ما كان نظير الاجماع في السكوت عن حكم الحالة الثانية، خصوصا إذا علم عدم إرادة الدوام منه في الواقع، كالفعل والتقرير، وأدلة النفي كذلك لا يفرق فيها بينهما أيضا.

وقد يفرق بينهما: بأن الموضوع في النص مبين يمكن العلم بتحققه وعدم تحققه في الان اللاحق.

كما إذا قال: الماء إذ تغير نجس، فإن الماء موضوع والتغير قيد للنجاسة.

فإذا زال التغير أمكن إستصحاب النجاسة للماء.

وإذا قال: المتغير نجس، فظاهره ثبوت النجاسة للماء المتلبس بالتغير، فإذا التغير لم يمكن الاستصحاب، لان الموضوع هو المتلبس بالتغير وهو غير موجود.

وكما إذا قال: الكلى نجس، فإنه لا يمكن إستصحاب النجاسة بعد إستحالته ملحا.فإذا


الصفحة ٦١٨

فرضنا إنعقاد الاجماع على نجاسة الماء المتصف بالتغير، فالاجماع أمر لبي ليس فيه تعرض لبيان كون الماء موضوعا والتغير قيدا للنجاسة أو أن الموضوع هو المتلبس بوصف التغير.

وكذلك إذا إنعقد الاجماع على جواز تقليد المجتهد في حال حياته ثم مات، فإنه لا يتعين الموضوع حتى يحرز عند إرادة الاستصحاب.لكن هذا الكلام جار في جميع الادلة الغير اللفظية.

نعم ما سيجئ وتقدم، من أن تعيين الموضوع في الاستصحاب بالعرف لا بالمداقة ولا بمراجعة الادلة الشرعية، يكفي في دفع الفرق المذكور، فتراهم يجرون الاستصحاب فيما لا يساعد دليل المستصحب على بقاء الموضوع فيه في الزمان اللاحق، كما سيجئ في مسألة إشتراط بقاء الموضوع إنشاء الله.


الصفحة ٦١٩

حجة القول التاسع وهو التفصيل بين ما ثبت إستمرار المستصحب واحتياجه في الارتفاع إلى الرافع وبين غيره ما يظهر من آخر كلام المحقق في المعارج، كما تقدم في نقل الاقوال، حيث قال: (والذي نختاره أن ننظر في دليل ذلك الحكم، فإن كان يقتضيه مطلقا وجب الحكم بإستمرار الحكم، كعقد النكاح، فإنه يوجب حل الوطي مطلقا.

فإذا وجد الخلاف في الالفاظ التي يقع بها الطلاق، فالمستدل على أن الطلاق لا يقع بها لو قال: (حل الوطي ثابت قيل النطق بها فكذا بعده)، كان صحيحا، فإن المقتضي للتحليل وهو العقد إقتضاه مطلقا، ولا يعلم أن الالفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيثبت الحكم عملا بالمقتضي.

لا يقال: إن المقتضي هو العقد، ولم يثبت أنه باق.

(لانا نقول: وقوع العقد إقتضى حل الوطي لا مقيدا، فيلزم دوام الحل، نظرا إلى وقوع المقتضي لا دوامه، فيجب أن يثبت الحل حتى يثبت الرافع.

فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه، لم يكن ذلك عملا بغير دليل، وإن كان يعني أمرا آخر وراء هذا، فنحن مضربون عنه)(١)، إنتهى.

وحاصل هذا الاستدلال يرجع إلى كفاية وجود المقتضي وعدم العلم بالرافع لوجود المقتضي.

وفيه: أن الحكم بوجود الشئ لا يكون إلا مع العلم بوجود علته التامة التي من أجزائها عدم الرافع.

فعدم العلم به يوجب عدم العلم بتحقق العلة التامة، إلا أن يثبت التعبد من الشارع بالحكم بالعدم عند عدم العلم به.

وهو عين الكلام في إعتبار الاستصحاب.

____________________

(١) معارج الاصول، ص ٢٠٩


الصفحة ٦٢٠

والاولى: الاستدلال له بما إستظهرناه من الروايات السابقة بعد نقلها من أن النقض رفع الامر المستمر في نفسه وقطع الشئ المتصل كذلك.

فلا بد أن يكون متعلقه ما يكون له إستمرار وإتصال.

وليس ذلك نفس اليقين، لانتقاضه بغير إختيار المكلف، فلا يقع في حيز التحريم، ولا أحكام اليقين من حيث هو وصف من الاوصاف، لارتفاعها بإرتفاعه قطعا.

بل المراد به، بدلالة الاقتضاء، الاحكام الثابتة للمتيقن بواسطة اليقين، لان نقض اليقين بعد إرتفاعه لا يعقل له معنى سوى هذا.

وحينئذ لا بد أن يكون أحكام المتيقن كنفسه مما يكون مستمرا لولا الناقض، هذا.

ولكن لا بد من التأمل في أن هذا المعنى جار في المستصحب العدمي أم لا، ولا يبعد تحققه، فتأمل.

ثم إن نسبة القول المذكور إلى المحقق، قدس سره، مبني على أن مراده من دليل الحكم في كلامه بقرينة تمثيله بعقد النكاح في المثال المذكور هو المقتضي، وعلى أن يكون حكم الشك في وجود الرافع حكم الشك في رافعية الشئ، إما لدلالة دليله المذكور على ذلك، وإما لعدم القول بالاثبات في الشك في الرافعية والانكار في الشك في وجودإ الرافع وإن كان العكس موجودا، كما سيجئ من المحقق السبزواري.

لكن في كلا الوجهين نظر:

أما الاول، فلامكان الفرق في الدليل الذي ذكره، لان مرجع ما ذكره في الاستدلال إلى جعل المقتضي والرافع من قبيل العام والمخصص.

فإذا ثبت عموم المقتضي وهو عقد النكاح لحل الوطي في جميع الاوقات فلا يجوز رفع اليد عنه بالالفاظ التي وقع الشك في كونها مزيلة لقيد النكاح، إذ من المعلوم أن العموم لا يرفع اليد عنه بمجرد الشك في التخصيص.

أما لو ثبت تخصيص العام وهو المقتضي لحل الوطي، أعني عقد النكاح بمخصص، وهو اللفظ الذي اتفق على كونه مزيلا لقيد النكاح، فإذا شك في تحققه وعدمه فيمكن منع التمسك بالعموم حينئذ، إذ الشك ليس في طرو التخصيص على العام، بل في وجود ما خصص به العام يقينا، فيحتاج إثبات عدمه المتمم للتمسك بالعام إلى إجراء الاستصحاب.

بخلاف ما لو شك في أصل التخصيص، فإن العام يكفي لاثبات حكمه في مورد الشك.

وأما أصالة عدم التخصيص فهي من الاصول اللفظية المتفق عليها، كما هو ظاهر.

وبالجملة، فالفرق بينهما: أن الشك في الرافعية، في ما نحن فيه، من قبيل الشك في تخصيص العام زائدا على ما علم تخصيصه.

نظير ما إذا ثبت تخصيص العلماء في: (أكرم العلماء) بمرتكبي الكبائر وشك في تخصيصه بمرتكب الصغائر، فإنه يجب التمسك بالعموم.


الصفحة ٦٢١

والشك في وجود الرافع فيما نحن فيه شك في وجود ما خصص العام به يقينا، نظير ما إذا علم تخصيصه بمرتكبي الكبائر وشك في تحقق الارتكاب وعدمه، فإنه لولا إحراز عدم الارتكاب بأصالة العدم التي مرجعها إلى الاستصحاب المختلف فيه لم ينفع العام في إيجاب إكرام ذلك المشكوك، هذا.

ولكن يمكن أن يقال: إن مبنى كلام المحقق، قدس سره، لما كان على وجود المقتضي حال الشك وكفاية ذلك في الحكم بالمقتضي، فلا فرق في كون الشك في وجود الرافع أو رافعية الموجود.

والفرق بين الشك في الخروج والشك في تحقق الخارج في مثال العموم والخصوص من جهة إحراز المقتضي للحكم بالعموم ظاهرا في المثال الاول من جهة أصالة الحقيقة، وعدم إحرازه في المثال الثاني لعدم جريان ذلك الاصل، لا لاحراز المقتضي لنفس الحكم، وهو وجوب الاكرام في الاول دون الثاني.فظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين المثالين.

وأما دعوى عدم الفصل بين الشكين على الوجه المذكور فهو مما لم يثبت.

نعم يمكن أن يقال: أن المحقق، قدس سره، لم يتعرض لحكم الشك في وجود الرافع، لان ما كان من الشبهة الحكمية من هذا القبيل ليس إلا النسخ، وإجراء الاستصحاب فيه إجماعي بل ضروري، كما تقدم.

وأما الشبهة الموضوعية، فقد تقدم خروجها في كلام القدماء عن معقد مسألة الاستصحاب المعدود في أدلة الاحكام.

فالتكلم فيها إنما يقع تبعا للشبهة الحكمية ومن باب تمثيل جريان الاستصحاب في الاحكام وعدم جريانه بالاستصحاب في الموضوعات الخارجية.

فترى المنكرين يمثلون بما إذا غبنا عن بلد في ساحل البحر لم يجر العادة ببقائه، فإنه لا يحكم ببقائه بمجرد إحتماله، والمثبتين بما إذا غاب زيد عن أهله وماله، فإنه يحرم التصرف فيهما بمجرد إحتمال الموت.

ثم إن ظاهر عبارة المحقق وإن أوهم إختصاص مورد كلامه بصورة دلالة المقتضي على تأبيد الحكم، فلا يشمل ما لو كان الحكم موقتا، حتى جعل بعض هذا من وجوه الفرق بين قول المحقق والمختار، بعدما ذكر وجوها أخر ضعيفة غير فارقة، لكن مقتضى دليله شموله لذلك إذا كان الشك في رافعية شئ للحكم قبل مجئ الوقت.


الصفحة ٦٢٢

حجية القول العاشر ما حكي عن المحقق السبزواري في الذخيرة، فإنه إستدل على نجاسة الماء الكثير المطلق الذي سلب عنه الاطلاق بممازجته مع المضاف النجس بالاستصحاب، ثم رده بأن إستمرار الحكم تابع لدلالة الدليل، والاجماع إنما دل على النجاسة قبل الممازجة.

ثم قال: لا يقال: قول أبي جعفر، عليه السلام، في صحيحة زرارة: (ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا، ولكن تنقضه بيقين آخر)، يدل على إستمرار أحكام اليقين، ما لم يثبت الرافع.

لانا نقول: التحقيق أن الحكم الشرعي الذي تعلق به اليقين إما أن يكون مستمرا، بمعنى أن له دليلا دالا على الاستمرار بظاهره، أم لا.وعلى الاول فالشك في رفعه يكون على أقسام.

ثم ذكر الشك في وجود الرافع والشك في رافعية الشئ من جهة إجمال معنى ذلك الشئ والشك في كون الشئ مصداقا للرافع المبين مفهوما، والشك في كون الشئ رافعا مستقلا.

ثم قال: (إن الخبر المذكور إنما يدل على النهي عن النقض اليقين بالشك.

وذلك إنما يعقل في القسم الاول من تلك الاقسام الاربعة دون غيره، لان غيره لو نقض الحكم بوجود الامر الذي شك في كونه رافعا لم يكن النقض بالشك، بل إنما يحصل النقض باليقين بوجود ما شك في كونه رافعا أو باليقين ما يشك في إستمرار الحكم معه، لا بالشك، فإن الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل ولم يكن بسببه نقض.

وإنما يعقل النقض حين اليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا للحكم


الصفحة ٦٢٣

بسببه، لان الشئ إنما يستند إلى العلة التامة أو الجزء الاخير منها.

فلا يكون في تلك الصور نقض اليقين بالشك، وإنما يكون ذلك في صورة خاصة دون غيرها)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: ظاهره تسليم صدق النقض في صورة الشك في إستمرار الحكم فيما عدا القسم الاول أيضا.

وإنما المانع عدم صدق النقض بالشك فيها.

ويرد عليه:

أولا، أن الشك واليقين قد يلاحظان بالنسبة إلى الطهارة مقيدة بكونها قبل حدوث ما يشك في كونه رافعا ومقيدة بكونها بعده، فيتعلق اليقين بالاولى والشك بالثانية.

واليقين والشك بهذه الملاحظة يجتمعان في زمان واحد، سواء كان قبل حدوث ذلك الشئ أو بعده.

فهذا الشك كان حاصلا من قبل.كما أن اليقين باق من بعد، وقد يلاحظان بالنسبة إلى الطهارة المطلقة.

وهما بهذا الاعتبار لا يجتمعان في زمان واحد، بل الشك متأخر عن اليقين.

ولا ريب أن المراد باليقين والشك في قوله، عليه السلام، في صدر الصحيحة المذكورة: (لانك كنت على يقين من طهارتك وشككت)، وغيرها من أخبار الاستصحاب، هو اليقين والشك المتعلقان بشئ واحد، أعني الطهارة المطلقة.

وحينئذ فالنقض المنهي عنه هو نقض اليقين بالطهارة بهذا الشك المتأخر المتعلق بنفس ما تعلق به اليقين.

وأما وجود الشئ المشكوك الرافعية، فهو بوصف الشك في كونه رافعا الحاصل من قبل، سبب لهذا الشك.

فإن كل شك لا بد له من سبب ميتقن الوجود حتى الشك في وجود الرافع.فوجود الشئ المشكوك في رافعيته جزء اخير للعلة التامة للشك المتأخر الناقض، لا للنقض.

وثانيا، أن رفع اليد عن أحكام اليقين عند الشك في بقائه وإرتفاعه ولا يعقل إلا أن يكون مسببا عن نفس الشك، لان التوقف في الزمان اللاحق عن الحكم السابق أوالعمل بالاصول المخالفة له لا يكون إلا لاجل الشك.

غاية الامر كون الشئ المشكوك كونه رافعا منشأ للشك.والفرق بين الوجهين أن الاول ناظر إلى عدم الوقوع والثاني إلى عدم الامكان.

وثالثا، سلمنا أن النقض في هذه الصور ليس بالشك، لكنه ليس نقضا باليقين بالخلاف.

ولا يخفى أن ظاهر ما ذكره في ذيل الصحيحة: (ولكن تنقضه بيقين آخر)، حصر الناقض لليقين السابق باليقين بخلافه، وحرمة النقض بغيره، شكا كان أم يقينا، بوجود ما شك في كونه

____________________

(١) ذخيرة المعاد، ص ١١٥.


الصفحة ٦٢٤

رافعا.

ألا ترى أنه لو قيل في صورة الشك في وجود الرافع أن النقض بما هو متيقن من سبب الشك لا بنفسه لا يسمع.

وبالجملة، بهذا القول ضعيف في الغاية، بل يمكن دعوى الاجماع المركب بل البسيط على خلافه.

وقد يتوهم: أن مورد صحيحة زرارة الاولى مما أنكر المحقق المذكور الاستصحاب فيه، لان السؤال فيها عن الخفقة والخفقيتن من نقضهما للوضوء.

وفيه: ما لا يخفى، فأن حكم الخفقة والخفقتين قد علم من قوله، عليه السلام: (قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن)، وإنما سئل فيها بعد ذلك عن حكم ما إذا وجدت أمارة على النوم، مثل تحريك شئ إلى جنبه وهو لا يعلم، فأجاب بعدم إعتبار ما عدى اليقين بقوله، عليه السلام: (لا، حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين وإلا فإنه على يقين، إلخ) نعم يمكن أن يلزم المحقق المذكور، كما ذكرنا سابقا، بأن الشك في أصل النوم في مورد الرواية مسبب عن وجود ما يوجب الشك في تحقق النوم، فالنقض به، لا بالشك، فتأمل.


الصفحة ٦٢٥

حجية القول الحادي عشر ما ذكره المحقق الخوانساري، قدس سره، في شرح الدروس بما قال عند قول الشهيد قدس سره: (ويجزي ذو الجهات الثلاثة) ما لفظه: (حجة القول بعدم الاجزاء الروايات الواردة بالمسح بثلاثة أحجار، والحجر الواحد لا يسمى بذلك، وإستصحاب حكم النجاسة حتى يعلم لها مطهر شرعي، وبدون الثلاثة لا يعلم المطهر الشرعي.

وحسنة إبن المغيرة وموثقة إبن يعقوب لا يخرجان عن الاصل، لعدم صحة مستندهما، خصوصا مع معارضتهما، بالروايات الواردة بالمسح بثلاثة أحجار.

وأصل البراء‌ة بعد ثبوت النجاسة ووجوب إزالتها لا يبقى بحاله)، إلى أن قال، بعد منع حجية الاستصحاب.

(اعلم أن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه.

وهو ينقسم على قسمين، بإعتبار الحكم المأخوذ فيه، إلى شرعي وغيره.

فالاول: مثل ما إذا ثبت نجاسة ثوب أو بدن في زمان.فيقولون بعد ذلك الزمان: يجب الحكم بنجاسته إذا لم يحصل العلم برفعهما.

والثاني: مثل ما ذإا ثبت رطوبة ثوب في زمان.ففي ما بعد ذلك الزما يجب البحكم برطوبته ما لم يعلم الجفاف.

فذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه، وذهب بعضهم إلى حجية القسم الاول.

واستدل كل من الفريقين بدلائل مذكورة في محلها، كلها قاصرة عن إفادة المرام، كما يظهر بالتأمل فيها.

ولم نتعرض لذكرها هنا، بل إلى ما هو الظاهر عندنا في


الصفحة ٦٢٦

هذا الباب فنقول: أن الاستصحاب بهذا المعنى لا حجية فيه أصلا بكلا قسميه، إذ لا دليل عليه تاما، لا عقلا ولا نقلا.

نعم الظاهر حجية الاستصحاب بمعنى آخر: وهو أن يكون دليل شرعي على أن الحكم الفلاني بعد تحققه ثابت إلى زمان حدوث حال كذا أو وقت كذا، مثلا، معين في الواقع بلا إشتراطه بشئ أصلا.

فحينئذ إذا حصل ذلك الحكم فيلزم الحكم بإستمراره إلى أن يعلم وجود ما جعل مزيلا له ولا يحكم بنفيه بمجرد الشك في وجوده.والدليل على حجيته أمران.

أحدهما أن هذا الحكم إما وضعي أو إقتضائي أو تخييري.

ولما كان الاول عند التحقيق يرجع إليهما فينحصر في الاخيرين، وعلى التقديرين فيثبت ما رمناه.

أما على الاول، فلانه إذا كان أمر أو نهي بفعل إلى غاية معينة مثلا، فعند الشك في حدوث تلك الغاية لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظن بالامتثال والخروج عن؟ العهدة، وما لم يحصل الظن لم يحصل الامتثال.

فلا بد من بقاء التكليف حال الشك أيضا، وهو المطلوب.وأما على الثاني فالامر أظهر، كما لا يخفى.

وثانيهما ما ورد في الروايات من أن اليقين لا ينقض بالشك.

فإن قلت: هذا كما يدل على المعنى الذي ذكرته، كذلك يدل على المعنى الذي ذكره القوم، لانه إذا حصل اليقين في زمان فلا ينبغي أن ينقض في زمان آخر بالشك نظرا إلى الروايات.

وهو بعينه ما ذكروه.

قلت: الظاهر أن المراد من عدم نقض اليقين بالشك أنه عند التعارض لا ينقض، والمراد بالتعارض أن يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك.

وفيما ذكروه ليس كذلك، لان اليقين بحكم في زمان ليس مما يوجب حصوله في زمان آخر لو لا عروض الشك، وهو ظاهر.

فإن قلت: هل الشك في كون الشئ مزيلا للحكم مع العلم بوجوده كالشك في وجود المزيل أو لا؟ قلت: فيه تفصيل، لانه إن ثبت بالدليل أن ذلك الحكم مستمر إلى غاية معينة في الواقع، ثم علمنا صدق تلك الغاية على شئ.

وشككنا في صدقها على


الصفحة ٦٢٧

شئ آخر، فحينئذ لا ينقض اليقين بالشك.

وأما إذا لم يثبت ذلك، بل ثبت ان ذلك الحكم مستمر في الجملة ومزيله الشئ الفلاني وشككنا في أن الشئ الاخر مزيل له أم لا، فحينئذ لا ظهور في عدم نقض الحكم وثبوت إستمراره.

إذ الدليل الاول غير جار فيه، فيه ثبوت حكم العقل في هذه الصورة، خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالة على عدم المؤاخذة بما لا يعلم.

والدليل الثاني، الحق أنه لا يخلو عن إجمال.

وغاية ما يسلم منها ثبوت الحكم في الصورتين اللتين ذكرناهما وإن كان فيه أيضا بعض المناقشات، لكنه لا يخلو عن تأييد للدليل الاول، فتأمل.

فإن قلت: الاستصحاب الذي يدعونه فيما نحن فيه وأنت منعته، الظاهر أنه من قبيل ما اعترفت به، لان حكم النجاسة ثابت ما لم يحصل مطهر شرعي إجماعا.

وهنا لم يحصل الظن المعتبر شرعا بوجود المطهر، لان حسنة إبن المغيرة وموثقة إبن يعقوب ليستا حجة شرعية، خصوصا مع معارضتهما بالروايات المتقدمة.

فغاية الامر حصول الشك بوجود المطهر، وهو (لا ينقض اليقين).

قلت: كونه من قبيل الثاني ممنوع، إذ لا دليل على أن النجاسة باقية ما لم يحصل مطهر شرعي.

وما ذكر من الاجماع غير معلوم، لان غاية ما أجمعوا عليه أن التغوط إذا حصل لا يصح الصلاة بدون الماء والتمسح رأسا، لا بالثلاثة ولا بشعب الحجر الواحد.

فهذا الاجماع لا يستلزم الاجماع على ثبوت حكم النجاسة حتى يحدث شئ معين في الواقع مجهول عندنا قد إعتبره الشارع مطهرا فلا يكون من قبيل ما ذكرنا.

فإن قلت: هب أنه ليس داخلا تحت الاستصحاب المذكور، لكن نقول: قد ثبت بالاجماع وجوب شئ على المتغوط في الواقع.

وهو مردد بين أن يكون المسح بثلاثة أحجار أو الاعم منه ومن المسح بجهات حجر واحد.

فما لم يأت بالاول لم يحصل اليقين بالامتثال والخروج عن العهدة فيكون الاتيان به واجبا.

قلت: نمنع الاجماع على وجوب شئ معين في الواقع مبهم في نظر المكلف بحيث لو لم يأت بذلك الشئ المعين لاستحق العقاب، بل الاجماع على أن ترك الامرين معا سبب لاستحقاق العقاب، فيجب أن لا يتركهما.


الصفحة ٦٢٨

والحاصل: أنه إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ معين مثلا معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معينة عندنا، فلا بد من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظن بوجود ذلك الشئ المعلوم حتى يتحقق الامتثال.

ولا يكفي الشك في وجوده، وكذا يلزم الحكم ببقاء ذلك الحكم إلى أن يحصل العلم أو الظن بوجود تلك الغاية المعلومة، ولا يكفي الشك في وجودها في إرتفاع ذلك الحكم.

وكذا إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ معين في الواقع مردد في نظرنا بين أمور، ونعلم أن ذلك التكليف غير مشروط بشئ من العلم بذلك الشئ مثلا، أو على ثبوت حكم إلى غاية معينة في الواقع مرددة عندنا بين أشياء، ويعلم أيضا عدم إشتراطه بالعمل مثلا، وعلى ثبوت حكم إلى غاية معينة في الواقع مرددة عندنا بين أشياء ويعلم أيضا عدم إشتراطه بالعلم مثلا يجب الحكم بوجوب تلك الاشياء المرددة في نظرنا وبقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الاشياء أيضا، ولا يكفي الاتيان بشئ واحد منها في سقوط التكليف، وكذا حصول شئ واحد في إرتفاع الحكم.

وسواء في ذلك كون الواجب شيئا معينا في الواقع مجهولا عندنا أو أشياء كذلك أو غاية معينة في الواقع مجهولة عندنا أو غايات كذلك، وسواء أيضا تحقق قدر مشتركإ بين تلك الاشياء والغايات أو تباينها بالكلية.

وأما إذا لم يكن الامر كذلك، بل ورد نص، مثلا، على أن الواجب الشئ الفلاني ونص آخر على أن ذلك الواجب شئ آخر، أو ذهب بعض الامة إلى وجوب شئ وبعض آخر إلى وجوب شئ آخر، فالظاهر بالنص والاجماع في الصورتين أن ترك ذينك الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب.فحينئذ لم يظهر وجوب الاتيان بهما معا حتى يتحقق به الامتثال.بل الظاهر الاكتفاء بواحد منهما، سواء إشتركا في أمر أم تباينا كلية.وكذلك الحكم في ثبوت الحكم الكلي إلى الغاية.هذا مجمل القول في هذا المقام.

وعليك بالتأمل في خصوصيات الموارد وإستنباط أحكامها عن هذا الاصل ورعاية جميع ما يجب رعايته عند تعارض المعارضات، والله الهادي إلى سواء الطريق)(١) إنتهى كلامه رفع مقامه.

مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ٧٥ ٧٧.


الصفحة ٦٢٩

وحكى عنه السيد الصدر في شرح الوافية عنه، قدس سره، حاشية أخرى له عند قول الشهيد رحمه الله: (ويحرم إستعمال الماء النجس والمشتبه، إلخ)، ما لفظه: (وتوضيح الكلام: أن الاستصحاب لا دليل على حجيته عقلا، وما تمسكوا لها ضعيف.

وغاية ما تمسكوا فيها ما ورد في بعض الروايات الصحيحة: (أن اليقين لا ينقض بالشك)، وعلى تقدير تسليم صحة الاحتجاج بالخبر في مثل هذا الحكم وعدم منعها، بناء على أن هذا الحكم الظاهر أنه من الاصول، ويشكل التمسك بالخبر في الاصول إن سلم التمسك به في الفروع، نقول: أولا أنه لا يظهر شموله للامور الخارجية، مثل رطوبة الثوب ونحوها، إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الامور التي ليست أحكاما شرعية، وإن أمكن أن يصير منشأ لحكم شرعي.وهذا ما يقال إن الاستصحاب في الامور الخارجية لا عبرة به.

ثم بعد تخصيصه بالاحكام الشرعية فنقول: الامر على وجهين، أحدهما أن يثبت حكم شرعي في مورد خاص بإعتبار حال يعلم من الخارج أن زوال تلك الحال لا يستلزم زوال ذلك الحكم.

والاخر أن يثبت بإعتبار حال لا يعلم فيه ذلك.

مثال الاول: إن ثبت نجاسة ثوب بإعتبار ملاقاته للبول فإنه علم من إجماع أو ضرورة أن النجاسة لاتزول بزوال الملاقاة.

ومثال الثاني: ما نحن فيه، فإنه ثبت وجوب الاجتناب عن الاناء بإعتبار أنه شئ يعلم وقوع النجاسة فيه بعينه، وكل شئ كذلك يجب الاجتناب عنه، ولم يعلم بدليل من الخارج أن زوال ذلك الوصف الذي يحصل بإعتبار زوال المعلومية بعينه لا دخل.له في زوال ذلك الحكم.

وعلى هذا شمول الخبر للقسم الاول ظاهر، فيمكن التمسك بالاستصحاب فيه.

وأما القسم الثاني فالتمسك فيه مشكل.

فإن قلت: بعدما علم في القسم الاول أنه لا يزول الحكم بزوال الوصف، فأي حاجة إلى التمسك بالاستصحاب، وأي فايدة فيما ورد في الاخبار من: أن اليقين لا ينقض بالشك؟


الصفحة ٦٣٠

قلت: القسم الاول على وجهين:

أحدهما أن يثبت أن الحكم، أعني النجاسة بعد الملاقاة، حاصل ما لم يرد عليه الماء على الوجه المعتبر، وحينئذ فائدته أن عند حصول الشك في ورود الماء لا يحكم بزوال النجاسة، والاخر أن يعلم ثبوت الحكم في الجملة بعد زوال الوصف.لكن لم يعلم أنه ثابت دائما أو في بعض الاوقات إلى غاية معينة محدودة أم لا.

وفائدته أنه إذا ثبت الحكم في الجملة فيستصحب إلى أن يعلم المزيل.

ثم لا يخفى أن الفرق الذي ذكرنا من أن إثبات مثل هذا بمجرد الخبر مشكل مع إنضمام أن الظهور في القسم الثاني لم يبلغ مبلغه في القسم الاول وأن اليقين لا ينقض بالشك قد يقال إن ظاهره أن يكون اليقين حاصلا لولا الشك بإعتبار دليل دال على الحكم في غير صورة ما شك فيه.

إذ لو فرض عدم دليل عليه لكان نقض اليقين حقيقة بإعتبار عدم الدليل الذي هو دليل العدم، لا الشك كأنه يصير قريبا.

ومع ذلك ينبغي رعاية الاحتياط في كل من القسمين، بل في الامور الخارجية أيضا)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: لقد أجاد فيما أفاد وجاء بما فوق المراد.

إلا أن في كلامه مواقع للتأمل، فلنذكر مواقعه ونشير إلى وجهه فنقول: قوله: (وذهب بعضهم إلى حجيته في القسم الاول).

ظاهره، كصريح ما تقدم منه في حاشيته الاخرى، وجود القائل بحجية الاستصحاب في الاحكام الشرعية الجزئية كطهارة هذا الثوب، والكلية كنجاسة المتغير بعد زوال التغير، وعدم الحجية في الامور الخارجية كرطوبة الثوب وحياة زيد.

وفيه نظر، يعرف بالتتبع في كلمات القائلين بججية الاستصحاب وعدمها والنظر في أدلتهم.

مع أن ما ذكره في الحاشية الاخيرة دليلا لعدم الجريان في الموضوع جار في الحكم الجزئي.

فإن بيان وصول النجاسة إلى هذا الثوب الخاص واقعا وعدم وصولها، وبيان نجاسته المسببة عن هذا الوصول وعدمها لعدم الوصول، كلاهما خارج عن شأن الشارع.

كما أن بيان طهارة الثوب المذكور ظاهرا وبيان عدم وصول النجاسة إلى ظاهرا الراجع في الحقيقة إلى الحكم بالطهارة ظاهرا، ليس

____________________

(١) شرح الوافية، ص مخطوط.


الصفحة ٦٣١

إلا أن الشارع.كما نبهنا عليه فيما تقدم.

قوله: (والظاهر حجية الاستصحاب بمعنى آخر، إلخ).

وجه مغايرة ما ذكره لما ذكره المشهور، هو أن الاعتماد في البقاء عند المشهور على الوجود السابق، كما هو ظاهر قوله (لوجوده في زمان سابق عليه).

وصريح قول شيخنا البهائي إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمن الاول.

وليس الامر كذلك على طريقة الشارح الدروس.

قوله، قدس سره: (إن الحكم الفلاني بعد تحققه ثابت إلى حدوث حال كذا أو وقت كذا، إلخ).

أقول: بقاء الكم إلى زمان كذا يتصور على وجهين.

الاول: أن يلاحظ الفعل إلى زمان كذا موضوعا واحدا تعلق به الحكم الواحد.

كأن يلاحظ الجلوس في المسجد إلى وقت الزوال فعلا واحدا تعلق به احد الاحكام الخمسة.

ومن أمثلته الامساك المستمر إلى الليل، حيث أنه ملحوظ فعلا واحدا تعلق به الوجوب أو الندب أو غيرهما من أحكام الصوم.

الثاني: أن يلاحظ الفعل في كل جزء يسعه من الزمان المغيا موضوعا مستقلا تعلق به حكم، فيحدث في المقام أحكام متعددة لموضوعات متعددة.

ومن أمثلته وجوب الصوم عند رؤية هلال رمضان إلى أن يرى هلال شوال، فإن صوم كل يوم إلى إنقضاء الشهر فعل مستقل تعلق به حكم مستقل.

أما الاول، فالحكم التكليفي إما أمر وإما نهي وإما تخيير: فإن كان أمرا، كان اللازم عند الشك في وجود الغاية ما ذكره من وجوب الاتيان بالفعل تحصيلا لليقين بالبراء‌ة من التكليف المعلوم.

لكن يجب تقييده بما إذا لم يعارضه تكليف آخر محدود بما بعد الغاية.

كما إذا وجب الجلوس في المسجد إلى الزوال ووجب الخروج منه من الزوال إلى الغروب، فإن وجوب الاحتياط للتكليف بالجلوس عند الشك في الزوال معارض بوجوب الاحتياط للتكليف بالخروج بعد الزوال.

فلا بد من الرجوع في وجوب الجلوس عند الشك في الزوال إلى أصل آخر غير الاحتياط.

مثل أصالة عدم الزوال أو عدم الخروج عن عهدة التكليف بالجلوس أو عدم حدوث التكليف بالخروج أو غير ذلك.

وإن كان نهيا، كما إذا حرم الامساك المحدود بالغاية المذكورة أو الجلوس المذكور، فإن قلنا


الصفحة ٦٣٢

بتحريم الاشتغال كما هو الظاهر كان المتيقن التحريم قبل الشك في وجود الغاية.

وأما التحريم بعده فلا يثبت بما ذكره في الامر، بل يحتاج إلى الاستصحاب المشهور، وإلا فالاصل الاباحة في صورة الشك.

وإن قلنا إنه لا يتحقق الحرام ولا إستحقاق العقاب إلا بعد تمام الامساك والجلوس المذكورين، فيرجع إلى مقتضى أصالة عدم إستحقاق العقاب وعدم تحقق المعصية، ولا دخل له بما ذكره في الامر.

وإن كان تخييرا، فالاصل فيه وإن إقتضى عدم حدوث حكم ما بعد الغاية للفعل عند الشك فيها، إلا أنه قد يكون حكم ما بعد الغاية تكليفا منجزا يجب فيه الاحتياط.

كما إذا أباح الاكل إلى طلوع الفجر مع تنجز وجوب الامساك من طلوع الفجر إلى الغروب عليه.

فإن الظاهر لزوم الكف من الاكل عند الشك.

هذاه كله إذا لوحظ الفعل المحكوم عليه بالحكم الاقتضائي أو التخييري أمرا واحدا مستمرا.

وأما الثاني.

وهو ما لوحظ فيه الفعل أمورا متعددة، كل واحد منها متصف بذلك الحكم غير مربوط بالاخر.

فإن كان أمرا أو نهيا، فأصالة الاباحة والبراء‌ة قاضية بعدم الوجوب والحرمة في زمان الشك.

وكذلك أصالة الاباحة في الحكم التخييري إلا إذا كان الحكم فيما بعد الغاية تكليفا منجزا يجب فيه الاحتياط.

فعلم مما ذكرنا أن ما ذكره من الوجه الاول الراجع إلى وجوب تحصيل الامتثال لا يجري إلا في قليل من الصور المتصورة في المسألة.

ومع ذلك في يخفى أن إثبات الحكم في زمان الشك، بقاعدة الاحتياط كما في الاقتضائي، أو قاعدة الاباحة والبراء‌ة كما في الحكم التخييري، ليس قولا بالاستصحاب المختلف فيه أصلا، لان مرجعه إلى أن إثبات الحكم في الزمان الثاني يحتاج إلى دليل يدل عليه ولو كان أصالة الاحتياط أو البراء‌ة.وهذه عين إنكار الاستصحاب.لان المنكر يرجع إلى أصول أخر.فلا حاجة إلى تطويل الكلام وتغيير اسلوب كلام المنكرين في هذا المقام.


الصفحة ٦٣٣

بقي الكلام في توجيه ما ذكره من أن الامر في الحكم التخييري أظهر ولعل الوجه فيه: أن الحكم بالتخيير في زمان الشك في وجود الغاية مطابق لاصالة الاباحة الثابتة بالعقل والنقل.

كما أن الحكم بالبقاء في الحكم الاقتضائي كان مطابقا لاصالة الاحتياط الثابتة في المقام بالعقل والنقل.

وقد وجه القمي، قدس سره، إلحاق الحكم التخييري بالاقتضائي بأن مقتضى التخيير إلى غاية وجوب الاعتقاد بثوبته في كل جزء مما قبل الغاية، ولا يحصل اليقين بالبراء‌ة من التكليف بإعتقاد التخيير عند الشك في حدوث الغاية إلا بالحكم بالاباحة واعتقادها في هذا الزمان أيضا.

وفيه: أنه إن أريد وجوب الاعتقاد بكون الحكم المذكور ثابتا إلى الغاية المعينة، فهذا الاعتقاد موجود ولو بعد القطع بتحقق الغاية فضلا عن صورة الشك فيه، فإن هذا اعتقاد بالحكم الشرعي الكلي ووجوبه غير مغيا بغاية، فإن الغاية للمعتقد لا لوجوب الاعتقاد.

وإن أري د وجوب الاعتقاد بذلك الحكم التخييري في كل جزء من الزمان الذي يكون في الواقع مما قبل الغاية وإن لم يكن معلوما عندنا، ففيه: أن وجوب الاعتقاد في هذا الجزء المشكوك بكون الحكم فيه هو الحكم الاولي أو غيره ممنوع جدا.

بل الكلام في جوازه، لانه معارض بوجوب الاعتقاد بالحكم الاخر الذي ثبت فيما بعد الغاية واقعا وإن لم يكن معلوما، بل لا يعقل وجوب الاعتقاد مع الشك في الموضوع، كما لا يخفى.

ولعل هذا الموجه قدس سره، قد وجد عبارة شرح الدروس في نسخته، كما وجدته في بعض نسخ شرح الوافيه.

وأما على الثاني فالامر كذلك، كما لا يخفى، لكني راجعت بعض نسخ الشرح


الصفحة ٦٣٤

الدروس فوجدت لفظ (أظهر) بدل (كذلك) وحينئذ فظاهره مقابلة وجه الحكم بالبقاء في التخيير بوجه الحكم بالبقاء في الاقتضاء، فلا وجه لارجاع أحدهما بالاخر.

والعجب من بعض المعاصرين، حيث أخذ التوجيه المذكور عن القوانين ونسبه إلى المحقق الخوانساري فقال: (حجة المحقق الخوانساري أمران، الاخبار وأصالة الاشتغال)، ثم أخذ في إجراء أصالة الاشتغال في الحكم التخييري بما وجهه في القوانين، ثم أخذ في الطعن عليه.وأنت خبير بأن الطعن في التوجيه، لا في حجية المحقق.

بل لا طعن في التوجيه أيضا، لان غلط النسخة ألجأه إليه، هذا.

وقد أورد عليه السيد الشارح بجريان ما ذكره من قاعدة وجوب تحصيل الامتثال في إستصحاب القوم قال: (بيانه أنا كما نجزم في الصورة التي فرضنا بتحقق الحكم في قطعة من الزمان.

ونشك أيضا حين القطع في تحققه في زمان يكون حدوث الغاية فيه وعدمه متساويين عندنا.

فكذلك نجزم بتحقق الحكم في زمان لا يمكن تحققه إلا فيه، ونشك حين القطع في تقققه في زمان متصل بذلك الزمان لاحتمال وجود رافع لجزء من أجزاء علية الوجود.

وكما أن في الصورة الاولى يكون الدليل محتملا لان يراد منه وجود الحكم في زمان الشك وأن يراد عدم وجوده، فكذلك الدليل في الصورة التي فرضناها.

وحينئذ فنقول: لو لم يمتثل المكلف لم يحصل الظن بالامتثال، إلى آخر ما ذكره)(١)، إنتهى.

أقول: وهذا الايراد ساقط عن المحقق، لعدم جريان قاعدة الاشتغال في غير الصورة التي فرضها المحقق.

مثلا إذا ثبت وجوب اصوم في الجملة وشككنا في أن غايته سقوط القرص أو ميل الحمرة المشرقية، فاللازم حينئذ، على ما صرح به المحقق المذكور في عدة مواضع من كلماته، الرجوع في نفي الزائد، وهو وجوب الامساك بعد سقوط القرص، إلى أصالة البراء‌ه، لعدم ثبوت التكليف بإمساكك أزيد من المقدار المعلوم، فيرجع إلى مسألة الشك في الجزئية.

فلا يمكن أن يقال: إنه لو لم يمتثل التكليف لم يحصل الظن بالامتثال، لانه إن أريد إمتثال التكليف المعلوم فقد حصل قطعا، وإن أريد إمتثال التكليف المحتمل فتحصيله غير لازم.

____________________

(١) شرح الوافية، ص مخطوط.


الصفحة ٦٣٥

وهذا بخلاف فرض المحقق، فإن التكليف بالامساك إلى السقوط على القول به أو ميل الحمرة على القول الاخر معلوم مبين.وإنما الشك في الاتيان عند الشك في حدوث الغاية.

فالفرق بين مورد إستصحابه ومورد إستصحاب القوم، كالفرق بين الشك في إتيان الجزء المعلوم الجزئية والشك في جزئية شئ.وقد تقرر في محله جريان أصالة الاحتياط في الاول دون الثاني.وقس على ذلك سائر موارد إستصحاب القوم.

كما لو ثبت أن للحكم غاية وشككنا في كون شئ آخر أيضا غاية له، فإن المرجع في الشك في ثبوت الحكم بعد تحقق ما شك في كونه غايه عند المحقق الخوانساري، قدس سره، هي أصالة البراء‌ة دون الاحتياط.

قوله: (الظاهر أن المراد من عدم نقض اليقين بالشك أنه عند التعارض لا ينقض، ومعنى التعارض أن يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك).

أقول: ظاهر هذا الكلام جعل تعارض اليقين والشك بإعتبار تعارض المقتضي لليقين ونفس الشك على أن يكون الشك مانعا عن اليقين.فيكون من قبيل تعارض المقتضي للشئ والمانع عنه.

والظاهر أن المراد بالموجب في كلامه دليل اليقين السابق، وهو الدال على إستمرار حكم إلى غاية معينة.

وحينئذ فيرد عليه - مضافا إلى أن التعارض الذي إستظهره من لفظ النقض لا بد أن يلاحظ بالنسبة إلى الناقص ونفس المنقوص، لا مقتضيه الموجب له لولا الناقض أن نقض اليقين بالشك بعد صرفه عن ظاهره، وهو نقض صفة اليقين أو أحكامها الثابتة لها من حيث هي صفة من الصفات لارتفاع اليقين وأحكامه الثابتة له من حيث هو حين الشك قطعا، ظاهر في نقض أحكام اليقين، يعني الاحكام الثابتة بإعتباره للمتيقن أعني المستصحب.

فيلاحظ التعارض حينئذ بين المنقوض والناقض.

واللازم من ذكل إختصاص الاخبار بما يكون المتيقن وأحكامه مما يقتضي بنفسه الاستمرار لولا الرافع.

فلا ينقض تلك الاحكام بمجرد الشك في الرافع، سواء كان الشك في وجود الرافع والشك في رافعية الموجود.

وبين هذا وما ذكره المحقق تباين جزئي.

ثم إن تعارض المقتضي لليقين ونفس الشك لم يكد يتصور فيما نحن فيه، لان اليقين بالمستصحب، كوجوب الامساك في الزمان السابق، كان حاصلا من اليقين بمقدمتين صغرى وجدانية، وهي أن الان لم يدخل الليل، وكبرى مستفادة من دليل إستمرار الحكم إلى غاية معينة، وهي وجوب الامساك قبل أن يدخل الليل.

[ ومعلوم أن شيئا من المقدمتين لا إقتضاء فيه لوجوب الامساك في زمان الشك لو خلي وطبعه حتى كون الشك من قبيل المانع عنه.] مع أن


الصفحة ٦٣٦

المراد بالشك زوال اليقين بالصغرى.

وهو ليس من قبيل المانع عن اليقن والكبرى من قبيل المقتضي له حتى يكونا من قبيل المتعارضين، بل نسبة اليقين إلى المقدمتين على نهج سواء، كل منهما من قبيل جزء المقتضي له.

والحاصل: أن مقتضى ملاحظة النقض بالنسبة إلى الشك وأحكام المتيقن الثابتة لاجل اليقين أولى من ملاحظته بالنسبة إلى الشك ودليل اليقين.

وأما توجيه كلام المحقق: ب‍ (أن يراد من موجب اليقين دليل المستصحب وهو عموم الحكم المغيا، ومن الشك إحتمال الغاية التي من مخصصات العام.

فالمراد عدم نقض عموم دليل المستصحب بمجرد الشك في المخصص)، فمدفوع: بأن نقض العام باحتمال التخصيص إنما يتصور في الشك في أصل التخصيص ومعه يتمسك بعموم الدليل لا بالاستصحاب.

وأما مع اليقين بالتخصيص والشك في تحقق المخصص المتيقن، كما في ما نحن فيه، فلا مقتضي للحكم العام حتى يتصور نقضه، لان العام المخصص لا اقتضاء فيه لثبوت الحكم في مورد الشك في تحقق المخصص، خصوصا في مثل التخصيص بالغاية.

ولحاصل: أن المقتضي والمانع في باب العام والخاص هو لفظ العام والمخصص.

فإذا أحرز المقتضي وشك في وجود المخصص يحكم بعدمه عملا بظاهر العام.

وإذا علم بالتخصيص وخروج اللفظ عن ظاهر العموم ثم شك في صدق المخصص على شئ، فنسبة دليلي العموم والتخصيص إليه على السواء من حيث الاقتضاء.

هذا كله، مع أن ما ذكره في معنى النقض لا يستقيم في قوله، عليه السلام، في ذيل الصحيحة: (٠ ولكن تنقضه بيقين آخر)، وقوله، عليه السلام، في الصحيحة المتقدمة الواردة في الشك بين الثلاث والاربع: (ولكن ينقض الشك باليقين)، بل ولا في صدرها المصرح بعدم نقض اليقين بالشك، فإن المستصحب في موردها إما عدم فعل الزائد وإما عدم براء‌ة الذمة من الصلاة، كما تقدم.

ومن المعلوم إنه ليس في شئ منهما دليل يوجب اليقين لولا الشك.

قوله في جواب السؤال: (قلت: فيه تفصيل، إلى آخر الجواب).

أقول: إن النجاسة فيما ذكره من الفرض أعني الغائط مستمرة وثبت أن التمسح بثلاثة مزيل لها وشك أن التمسح بالحجر الواحد ذي الجهات مزيل أيضا أم لا.

فإذا ثبت وجوب إزالة النجاسة، والمفروض الشك في تحقق الازالة بالتمسح بالحجر الواحد ذي الجهات، فمقتضى دليله هو وجوب تحصيل اليقين أو الظن المعتبر بالزوال.وفي مثل هذا المقام لا يجري أصالة البراء‌ة


الصفحة ٦٣٧

ولا أدلتها، لعدم وجود القدر المتيقن في المأمور به وهي الازالة وإن كان ما يتحقق به مرددا بين الاقل والاكثر.

لكن هذا الترديد ليس في نفس المأمور به، كما لا يخفى.

نعم لو فرض أنه لم يثبت الامر بنفس الازالة، وإنما ثبت بالتمسح بثلاثة أحجار أو بالاعم منه ومن التمسح بذي الجهات، أمكن بل لم يبعد إجراء أصالة البراء‌ة عما عدى الاعم.

والحاصل: أنه فرق بين الامر بإزالة النجاسة من الثوب المرددة بين غسله مرة أو مرتين وبين الامر بنفس الغسل المردد بين المرة والمرتين.

والذي يعين كون مسألة التمسح من قبيل الاول دون الثاني هو ما استفيد من أدلة وجوب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن للصلاة، مثل قوله: (وثيابك فطهر)، وقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: (لا صلاة إلا بطهور)، بناء على شمول الطهور ولو بقرينة ذيله الدال على كفاية الاحجار من الاستنجاء للطهارة الخبثية، ومثل الاجماعات المنقولة على وجوب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن للصلاة.

وهذا المعنى وإن لم يدل عليه دليل صحيح السند والدلالة على وجه يرتضيه المحقق المذكور [ بعد رد روايتي إبن المغيرة وإبن يعقوب ]، بل ظاهر أكثر الاخبار الامر بنفس الغسل، إلا أن الانصاف وجوب دليل على وجوب نفس الازالة، وأن الامر بالغسل في الاخبار ليس بإعتباره بنفسه في الصلاه وإنما هو أمر مقدمي لازالة النجاسة.

مع أن كلام المحقق المذكور لا يختص بالمثال الذي ذكره حتى يناقش فيه.

وبما ذكرنا يظهر ما في قوله في جواب الاعتراض الثاني بأن مسألة الاستنجاء من قبيل ما نحن فيه، ما لفظه: (غاية ما أجمعوا عليه أن التغوط متى حصل لا يصح الصلاه بدون الماء والتمسح رأسا، لا بالثلاث ولا بشعب الحجر الواحد.

وهذا لا يستلزم الاجماع على ثبوت النجاسة حتى يحصل شئ معين في الواقع مجهول عندنا قد إعتبره الشارع مطهرا)(١).

ويظهر ما في قوله جوابا عن الاعتراض الاخير: (أنه لم يثبت الاجماع على وجوب شئ معين بحيث لو لم يأت بذلك الشئ لاستحق العقاب، إلخ)، وما في كلامه المحكي في حاشية شرحه على قول الشهيد، قدس سره، (ويحرم إستعمال الماء النجس والمشتبه، اه).

وأنت إذا أحطت خبرا بما ذكرنا في أدله الاقوال علمت أن الاقوى منها القول التاسع، وبعده القول المشهور، والله العالم بحقائق الامور.

____________________

(١) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص ٧٦.


الصفحة ٦٣٨

وينبغي التنبيه على أمور وهي بين ما يتعلق بالمتيقن السابق، وما يتعلق بدليله الدال عليه، وما يتعلق بالشك اللاحق في بقائه.

[ الامر ] الاول إن المتيقن السابق إذا كان كليا في ضمن فرد وشك في بقائه، فإما أن يكون الشك من جهة الشك في بقاء ذلك الفرد.

وإما أن يكون من جهة الشك في تعيين ذلك الفرد وتردده بين ما هو باق جزما وبين ما هو مرتفع، وإما أن يكون من جهة الشك في قيام فرد آخر مقامه مع الجزم بإرتفاع ذلك الفرد.

أما الاول، فلا إشكال في جواز إستصحاب الكلي ونفس الفرد وترتيب أحكام كل منهما عليه.

وأما الثاني، فالظاهر جواز الاستصحاب في الكلي مطلقا على المشهور.

نعم لا يتعين بذلك أحكام الفرد الباقي، سواء كان الشك من جهة الرافع، كما إذا علم بحدوث البول أو المني ولم يعلم الحالة السابقة وجب الجمع بين الطهارتين، فإذا فعل إحداهما وشك في رفع الحدث فالاصل بقاؤة وإن كان الاصل عدم تحقق الجنابة فيجوز له ما يحرم على الجنب، أم كان الشك من جهة المقتضي، كما لو تردد من في الدار بين كونه حيوانا لا يعيش إلا سنة، وكونه حيوانا يعيش مائة سنة.

فيجوز بعد السنة الاولى إستصحاب الكلي المشترك بين الحيوانين ويترتب عليه آثاره الشرعية الثابتة دون آثار شئ من الخصوصيتين، بل يحكم بعدم كل منهما لو لم يكن مانع عن إجراء الاصلين، كما في الشبهة المحصورة.


الصفحة ٦٣٩

وتوهم: (عدم جريان الاصل في القدر المشترك من حيث دورانه بين ما هو مقطوع الانتفاء وما هو مشكوك الحدوث، وهو محكوم الانتفاء بحكم الاصل)، مدفوع، بأنه لا يقدح ذلك في إستصحابه بعد فرض الشك في بقائه ورتفاعه، كإندفاع توهم كون الشك في بقائه مسببا عن الشك في حدوث ذلك المشكوك الحدوث.

فإذا حكم بأصاله عدم حدوثه لزمه إرتفاع القدر المشترك، لانه من آثاره، فإن إرتفاع القدر المشترك من لوازم كون الحادث ذلك الامر المقطوع الارتفاع، لا من لوازم عدم حدوث الامر الاخر.

نعم اللازم من عدم حدوثه هو عدم وجود ما هو في ضمنه من القدر المشترك في الزمان الثاني، لا إرتفاع القدر المشترك بين الامرين.

وبينهما فرق واضح، ولذا ذكرنا أنه تترتب عليه أحكام عدم وجود الجنابة في المثال المتقدم.

ويظهر من المحقق القمي، رحمه الله، في القوانين، مع قوله بحجية الاستصحاب على الاطلاق، عدم جواز إجراء الاستصحاب في هذا القسم، ولم أتحقق وجهه.

قال: (إن الاستصحاب يتبع الموضوع وحكمه في مقدار قابلية الامتداد وملاحظة الغلبة.

فلا بد من التأمل في أنه كلي أو جزئي، فقد يكون الموضوع الثابت حكمه أولا مفهوما كليا مرددا بين أمور، وقد يكون جزئيا حقيقيا معينا.وبذلك يتفاوت الحال، إذ قد يختلف أفراد الكلي في قابلية الامتداد ومقداره.

فالاستصحاب حينئذ ينصرف إلى أقلها إستعدادا للامتداد.

ثم ذكر حكاية تمسك بعض أهل الكتاب لاثبات نبوة نبيه بالاستصحاب ورد بعض معاصريه له بما لم يرتضه الكتابي، ثم رده بما ادعى إبتناء‌ه على ما ذكره وملاحظة مقدار القابلية، ثم أوضح ذلك بمثال، وهو: أنا إذا علمنا أن في الدار حيوانا، لكن لانعلم أنه أي نوع هو من الطيور أو بالهائم أو الحشار أو الديدان، ثم غبنا عن ذلك مدة، فلا يمكن لنا الحكم ببقائه في مدة يعيش فيها أطول الحيوان عمرا.

فإذا احتمل كون الحيوان الخاص في البيت عصفورا أو فارة أو دودة قز، فكيف يحكم بسبب العلم بالقدر المشترك باستصحابها إلى حصول زمان ظن بقاء اطول الحيوانات عمرا.

- قال: - وبذلك بطل تمسك الكتابي)(١).

____________________

(١) القوانين المحكمة، ج ٢، ص ٦٩ ٧٣.


الصفحة ٦٤٠

أقول: إن ملاحظة إستعداد المستصحب وإعتباره في الاستصحاب مع أنه مستلزم لاختصاص إعتبار الاستصحاب بالشك في الرافع موجب عدم إنضباط الاستصحاب، لعدم إستقامة إرادة إستعداده من حيث تشخصه ولا أبعد الاجناس ولا أقرب الاصناف.ولا ضابط لتعيين المتوسط والاحالة على الظن الشخصي.

قد عرفت ما فيه سابقا، مع أن إعتبار الاستصحاب عند هذا المحقق لا يختص دليله بالظن، كما اعترف به سابقا.

فلا مانع من إستصحاب وجود الحيوان في الدار إذا ترتب أثر شرعي على جود مطلق الحيوان فيها.

ثم إن ما ذكره من إبتناء جواب الكتابي على ما ذكره سيجئ ما فيه مفصلا إن شاء الله تعالى.

[ ثم ما ذكره من إبتناء الكتابي على ما ذكره ممنوع، لان النبوة نظير سائر الامور الشرعية التي اعترف سابقا بجريان الاستصحاب فيها.

وليس لها أنواع مختلفة الاستعداد، وإنما المختلف في الاستعداد أشخاص ].

وأما الثالث وهو ما إذا كان الشك في بقاء الكلي مستندا إلى إحتمال وجود فرد آخر غير الفرد المعلوم حدوثه وإرتفاعه فهو على قسمين، لان الفرد الاخر، إما أن يحتمل وجوده مع ذلك الفرد المعلوم حاله، وإما يحتمل حدوثه بعده إما بتبدله إليه وإما بمجرد حدوثه مقارنا لارتفاع ذلك الفرد.

وفي جريان إستصحاب الكلي في كلا القسمين نظرا إلى تيقنه سابقا وعدم العلم بإرتفاعه وإن علم بإتفاع بعض وجوداته وشك في حدوث ما عداه، لان ذلك مانع من إجراء الاستصحاب في الافراد دون الكلي، كما تقدم نظيره في القسم الثاني.

أو عدم جريانه فيهما، لان بقاء الكلي في الخارج عبارة عن إستمرار وجوده الخارجي المتيقن سابقا وهو معلوم العدم.

وهذا هو الفارق بين ما نحن فيه والقسم الثاني، حيث أن الباقي في الان اللاحق بالاستصحاب هو عين الوجود المتيقن سابقا.

أو التفصيل بين القسمين، فيجري في الاول، لاحتمال كون الثابت في الان اللاحق هو عين الموجود سابقا، فيتردد الكلي المعلوم سابقا بين أن يكون وجوده الخارجي على نحو لا يرتفع بإرتفاع الفرد المعلوم إرتفاعه وأن يكون على نحو يرتفع بإرتفاع ذلك الفرد، فالشك حقيقة إنما هو في مقدار إستعداد ذلك الكلي.

وإستصحاب عدم حدوث الفرد المشكوك لا يثبت تعيين إستعداد الكلي وجوه، أقواها الاخير.

ويستثنى من عدم الجريان في القسم الثاني ما يتسامح فيه العرف، فيعدون الفرد اللاحق مع الفرد السابق كالمستمر الواحد.مثل ما لو علم السواد الشديد في محل وشك في تبدله بالبياض أو


الصفحة ٦٤١

بسواد أضعف من الاول، فإنه يتسصحب السواد.

إ وكذا لو كان الشخص في مرتبة من كثرة الشك ثم شك من جهة إشتباه المفهوم أو المصداق في زوالها أو تبدلها إلى مرتبة دونها، أو علم إضافة المايع ثم شك في زوالها أو تبدلها إلى فرد آخر من المضاف.

وبالجملة، فالعبرة في جريان الاستصحاب عد الموجود سابقا السابق مستمرا إلى اللاحق ولو كان الامر اللاحق على تقدير وجوده مغيرا بحسب الدقة للفرد السابق.ولذا لا إشكال في إستصحاب الاغراض، حتى على القول فيها بتجدد الامثال.وسيأتي ما يوضح عدم إبتناء الاستصحاب على المداقة العقلية.

ثم إن للفاضل التوني كلاما يناسب المقام مؤيدا لبعض ما ذكرنا، وإن لم يخل بعضه عن النظر بل المنع.

قال في رد تمسك المشهور في نجاسة الجلد المطروح بإستصحاب عدم التذكية: (إن عدم المذبوحية لازم لامرين، الحياة والموت حتف الانف والموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو، بل ملزومه الثاني أعني الموت حتف الانف.فعدم المذبوحية لازم أعم لموجب النجاسة.فعدم المذبوحية اللازم للحياة مغاير لعدم المذبوحية العارض للموت حتف أنفه.

والمعلوم ثبوته في الزمان السابق هو الاول لا الثاني ن وظاهر أنه غير باق في الزمان الثاني.

ففي الحقيقة يخرج مثل هذه الصورة من الاستصحاب، إذ شرطه بقاء الموضوع، وعدمه هنا معلوم.

- قال: - وليس مثل المتمسك بهذا الاستصحاب إلا مثل من يتمسك على وجود عمر في الدار بإستصحاب بقاء الضاحك المتحقق بوجود زيد في الدار في الوقت الاول.وفساده غني عن البيان)(١)، إنتهى.

أقول: ولقد أجاد فيما أفاد من عدم جواز الاستصحاب في المثال المذكور ونظيره.

إلا أن نظر المشهور، في تمسكهم على النجاسة، إلى أن النجاسة إنما رتبت في الشرع على مجرد عدم التذكية.

كما يرشد إليه قوله تعالى: (إلا ما ذكيتم)، الظاهر في أن المحرم إنما هو لحم الحيوان الذي لم يقع عليه التذكية واقعا أو بطريق شرعي ولو كان أصلا، وقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، وقوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه)، وقوله عليه السلام في ذيل موثقة إبن بكير: (إذا كان ذكيا ذكاه الذابح)، وبعض الاخبار المعللة لحرمة الصيد الذي أرسل إليه الكلاب ولم

____________________

(١) الوافية، ص، مخطوط.


الصفحة ٦٤٢

يعلم أنه مات بأخذ المعلم معللا بالشك في إستناد موته إلى المعلم.

إلى غير ذلك مما اشترط فيه العلم بإستناد القتل إلى الرمي، والنهي عن الاكل مع الشك.

ولا ينافي ذلك ما دل على كون حكم النجاسة مرتبا على موضوع الميتة، بمقتضى أدلة نجاسة الميتة، لان الميتة عبارة عن كل ما لم يذك، لان التذكية أمر شرعي توقيفي.فما عدى المذكى ميتة ولذا حكم بنجاستها.

والحاصل: أن التذكية سبب للحل والطهارة.

فكل ما شك فيه أو في مدخلية شئ فيه، فأصالة عدم تحقق السبب الشرعي حاكمة على أصالة الحل والطهارة.

ثم إن الموضوع للحل والطهارة ومقابليهما هو اللحم أو المأكول.فمجرد تحقق عدم التذكية في اللحم يكفي في الحرمة والنجاسة.

لكن الانصاف: أنه لو علق حكم النجاسة على من مات حتف الانف، لكون الميتة عبارة عن هذا المعنى كما يراه بعض أشكل إثبات الموضوع بمجرد أصالة عدم التذكية الثابتة حال الحياة، لان عدم التذكيه السابق حال الحياة المستصحب إلى زمان خروج الروح لا يثبت كون الخروج حتف الانف.

فيبقى أصالة عدم حدوث سبب نجاسة اللحم، وهو الموت حتف الانف، سليمة عن المعارض وإن لم يثبت به التذكية.

كما زعمه السيد الشارح للوافية، فذكر أن أصالة عدم التذكية تثبت الموت حتف الانف، وأصالة عدم حتف الانف تثبت التذكية.

فيكون وجه الحاجة إلى إحراز التذكية مع أن الاباحة والطهارة لا تتوقفان عليه بل يكفي إستصحابهما أن إستصحاب عدم التذكية حاكم على إستصحابهما.

فلو لا ثبوت التذكية بأصالة عدم الموت حتف الانف لم يكن مستند للاباحة والطهارة.

وكأن السيد، قدس سره، ذكر هذا، لزعمه أن مبنى تمسك المشهور على إثبات الموت حتف الانف بأصالة عدم التذكية.

فيستقيم حينئذ معارضتهم بما ذكره السيد، قدس سره، فيرجع بعد التعارض إلى قاعدة الحل والطهارة وإستصحابهما.

لكن هذا كله مبني على ما فرضناه من تعلق الحكم على الميتة والقول بأنها ما زهق روحه بحتف الانف.

أما إذا قلنا - بتعلق الحكم على لحكم لم يذك حيوانه أو لم يذكر اسم الله عليه أو تعلق الحل على ذبيحة المسلم أو ما ذكر اسم الله عليه المستلزم لانتفائه بإنتفاء أحد الامرين ولو بحكم الاصل، ولا ينافي ذلك تعلق الحكم في بعض الادلة الاخر بالميتة ولا ما علق فيه الحل على ما لم يكن ميتة، كما


الصفحة ٦٤٣

في آية: (قل لا أجد..)، أو قلنا: إن الميتة هو ما زهق روحه مطلقا، خرج منه ما ذكي.

فإذا شك في عنوان المخرج فالاصل عدمه فلا محيص عن قول المشهور.

ثم إن ما ذكره الفاضل التوني من عدم جواز إثبات عمرو بإستصحاب الضاحك المحقق في ضمن زيد صحيح.

وقد عرفت أن عدم جواز إستصحاب نفس الكلي وإن لم يثبت خصوصيته لا يخلو عن وجه، وإن كان الحق فيه التفصيل، كما عرفت.

إلا أن كون عدم المذبوحية من قبيل الضاحك محل نظر، من حيث أن العدم الازلي مستمر مع حياة الحيوان وموته حتف الانف.

فلا مانع من إستصحابه وترتيب أحكامه عليه عند الشك وإن قطع بتبادل الوجودات المقارنة له.

بل لو قلنا بعدم جريان الاستصحاب في القسمين الاولين من الكلي، كان الاستصحاب في المر العدمي المقارن للوجودات خاليا عن الاشكال إذا لم يرد به إثبات الموجود المتأخر المقارن له، نظير إثبات الموت حتف الانف بعدم التذكية أو إرتباط الموجود المقارن له به.

كما إذا فرض الدليل على أن كل ما تقذفه المرأة من الدم إذا لم يكن حيضا فهي إستحاضة، فإن إستصحاب عدم الحيض في زمان خروج الدم المشكوك لا يوجب إنطباق هذا السلب على ذلك الدم وصدقه عليه حتى يصدق (ليس بحيض) على هذا الدم فيحكم عليه بالاستحاضة.

إذ فرق بين الدم المقارن لعدم الحيض وبين الدم المنفي عنه الحيضية.

وسيجئ نظير هذا الاستصحاب في الفرق بين الماء المقارن لوجود الكر وبين الماء المتصف بالكرية.

والمعيار عدم الخلط بين التصف بوصف عنواني وبين قيام ذلك الوصف بمحل، فإن إستصحاب وجود المتصف أو عدمه لا يثبت كون المحل موردا لذلك الوصف العنواني، فافهم.


الصفحة ٦٤٤

الامر الثاني أنه قد علم من تعريف الاستصحاب وأدلته أن مورده الشك في البقاء

وهو وجود ما كان موجودا في الزمان السابق، ويترتب عليه عدم جريان الاستصحاب في نفس الزمان، ولا في الزماني الذي لا إستقرار لوجوده بل يتجدد شيئا فشيئا على التدريج، وكذا في المستقر الذي يؤخذ قيدا له.

إلا أنه يظهر من كلمات جماعة جريان الاستصحاب في الزمان، فيجري في القسمين الاخيرين بطريق أولى، بل تقدم من بعض الاخباريين أن إستصحاب الليل والنهار من الضروريات.

والتحقيق: أن هنا أقساما ثلاثة.

أما نفس الزمان، فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب فيه، لتشخيص كون الجزء المشكوك فيه من أجزاء الليل أو النهار، لان نفس الجزء لم يتحقق في السابق، فضلا عن وصف كونه نهارا أو ليلا.

نعم لو أخذ المستصحب مجموع الليل مثلا أو النهار ولوحظ كونه أمرا خارجيا واحدا وجعل بقاؤه وإرتفاعه عبارة عن عدم تحقق جزئه الاخير وتجدده أو عن عدم تجدد جزء مقابله وتجدده [ أمكن القول بالاستصحاب بهذا المعنى فيه أيضا ]، لان بقاء كل شئ في العرف بحسب ما يتصور فيه العرف من الوجود.

فيصدق أن الشخص كان على يقين من وجود الليل فشك فيه، فالعبرة بالشك في وجوده العلم بتحققه قبل زمان الشك وإن كان تحققه بنفس تحقق زمان الشك.

وإنما وقع التعبير بالبقاء في تعريف الاستصحاب بملاحظة هذا المعنى في الزمانيات، حيث جعلوا الكلام في إستصحاب الحال أو لتعميم لمثل هذا مسامحة.

إلا أن هذا المعنى على تقدير صحته الاغماض عما فيه لا يكاد يجدي في إثبات كون الجزء


الصفحة ٦٤٥

المشكوك فيه متصفا بكونه من النهار أو من الليل، حتى يصدق على الفعل الواقع فيه أنه واقع في الليل أو النهار.

إلا على القول بالاصل المثبت مطلقا أو على بعض الوجوه الاتية.

ولو بنينا على ذلك أغنانا عما ذكر من التوجيه.

ثم إن هنا إستصحابات أخر وأمورا متلازمة مع الزمان، كطلوع الفجر وغروب الشمس وذهاب الحمرة وعدم وصول القمر إلى درجة يمكن رؤيته فيها.

فالاول التمسك في هذا المقام بإستصحاب الحكم المترتب على الزمان لو كان جاريا فيه، كعدم تحقق حكم الصوم والافطار عند الشك في هلال رمضان أو شوال.ولعله.

المراد بقوله، عليه السلام، في المكاتبة المتقدمة في أدلة الاستصحاب: (اليقين لا يدخله الشك.

صم للرؤية وأفطر اللرؤية)، إلا أن جواز الافطار للرؤية لا يتفرع على الاستصحاب الحكمي إلا بناء على جريان إستصحاب الاشتغال والتكليف بصوم رمضان.

مع أن الحق في مثله التمسك بالبراء‌ة لكون صوم كل يوم واجبا مستقلا.

وأما القسم الثاني، أعني الامور التدريجية الغير القارة، كالتكلم والكتابة والمشي ونبع الماء من العين وسيلان دم الحيض من الرحم، فالظاهر جوإز إجراء الاستصحاب فيما يمكن أن يفرض فيها أمرا واحدا مستمرا، نظير ما ذكرناه في نفس الزمان، فيفرض التكلم، مثلا، مجموع أجزائه أمرا واحدا، والشك في بقائه لاجل الشك في قلة أجزاء ذلك الفرد الموجود منه في الخارج وكثرتها.فيستصحب القدر المشترك المردد بين قليل الاجزاء وكثيرها.

ودعوى: (أن الشك في بقاء القدر المشترك ناش عن حدوث جزء آخر من الكلام والاصل عدمه المستلزم لارتفاع القدر المشترك، فهو من قبيل القسم الثالث من الاقسام الثلاثة المذكورة في الامر السابق)، مدوفوعة: بأن الظاهر كونه من قبيل الاول من تلك الاقسام الثلاثة، لان المفروض في توجيه الاستصحاب جعل كل فرد من التكلم مجموع ما يقع في الخارج من الاجزاء التي يجمعها رابطة توجب عدها شيئا واحدا وفردا من الطبيعة، لا جعل كل قطعة من الكلام الواحد فردا واحدا حتى يكون بقاء الطبيعة بتبادل أفراده.

غاية الامر كون المراد بالبقاء هنا وجود المجموع في الزمان الاول بوجود فرد منه ووجوده في الزمان الثاني بوجود جزء آخر منه.

والحاصل: أن المفروض كون كل قطعة جزء‌ا من الكل، لا جزئيا من الكلي.

هذا، مع ما عرفت في الامر السابق من جريان الاستصحاب فيما كان من القسم الثالث فيما إذا لم يعد الفرد اللاحق على تقدير وجوده موجودا آخر مغايرا للموجود الاول، كما في السواد الضعيف الباقي بعد


الصفحة ٦٤٦

إرتفاع القوي، وما نحن فيه من هذا القبيل، فافهم.

ثم إن الرابطة الموجبة لعد المجموع أمرا واحدا موكولة إلى العرف، فإن المشتغل بقراء‌ة القرآن لداع يعد جميع ما يحصل منه في الخارج بذلك الداعي أمرا واحدا.

فإذا شك في بقاء إشتغاله بها في زمان لاجل الشك في حدوث الصارف أو لاجل الشك في مقدار إقتضاء الداعي، فالاصل بقاؤه.

أما لو تكلم لداع أو لدواع ثم شك في بقائه على صفة التكلم لداع آخر، فالاصل عدم حدوث الزائد على المتيقن.

وكذا لو شك بعد إنقطاع دم الحيض في عوده في زمان يحكم عليه بالحيضية أم لا، فيمكن إجراء الاستصحاب نظرا إلى أن الشك في إقتضاء طبيعة الرحكم لقذف الدم في أي مقدار من الزمان.فالاصل عدم إنقطاعه.

وكذا لو شك في اليأس فرأت الدم، فإنه قد يقال بإستصحاب الحيض نظرا إلى كون الشك في إنقضاء ما اقتضته الطبيعة من قذف الحيض في كل شهر.

وحاصل وجه الاستصحاب ملاحظة كون الشك في إستمرار الامر الواحد الذي اقتضاه السبب الواحد.

وإذا لوحظ كل واحد من أجزاء هذا الامر حادثا مستقلا، فالاصل عدم الزائد على المتيقن وعدم حودث سببه.

ومنشأ إختلاف بعض العلماء في إجراء الاستصحاب في هذه الموارد إختلاف أنظارهم في ملاحظة ذلك المستمر حادثا واحدا أو حوادث متعددة.

والانصاف: وضوح الوحدة في بعض المورد وعدمها في بعض والتباس الامر في ثالث، والله الهادي إلى سواء السبيل، فتدبر.

وأما القسم الثالث، وهو ما كان مقيدا بالزمان، فينبغي القطع بعدم جريان الاستصحاب فيه.

ووجهه: أن الشئ المقيد بزمان خاص لا يعقل فيه البقاء، لان البقاء وجود الموجود الاول في الان الثاني.

وقد تقدم الاستشكال في جريان الاستصحاب في الاحكام التكليفية لكون متعلقاتها هي الافعال المتشخصة بالمشخصات التي لها دخل وجودا وعدما في تعلق الحكم، ومن جملتها الزمان.

* * *

ومما ذكرنا يظهر فساد ما وقع لبعض المعاصرين، من تخيل جريان إستصحاب عدم الامر الوجودي المتيقن سابقا ومعارضته مع إستصحاب وجوده، بزعم أن المتيقن وجود ذلك الامر في القطعة الاولى من الزمان والاصل بقاؤه عند الشك على العدم الازلي الذي لم يعلم إنقلابه إلى الوجود إلا في القطعة السابقة من الزمان.

قال في تقريب ما ذكره من تعارض الاستصحابين:


الصفحة ٦٤٧

(إنه إذا علم أن الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة وعلم أنه واجب إلى الزوال ولم يعلم وجوبه فيما بعده، فنقول: كان عدم التلكيف بالجلوس قبل يوم الجمعة وفيه إلى الزوال وبعده معلوما قبل ورود أمر الشارع، وعلم بقاء ذلك العدم قبل يوم الجمعة، وعلم إرتفاعه والتكليف بالجلوس فيه قبل الزوال، وصار بعده موضع الشك.

فهنا شك ويقينان، وليس إبقاء حكم أحد اليقينين أولى من إبقاء حكم الاخر.

فإن قلت: يحكم ببقاء اليقين المتصل بالشك، وهو اليقين بالجلوس قلنا: إن الشك في تكليف ما بعد الزوال حاصل قبل مجئ يوم الجمعة وقت ملاحظة أمر الشارع.

فشك في يوم الخميس، مثلا، حال ورود الامر في أن الجلوس غدا هل هو مكلف به بعد الزوال أيضا أم لا.

واليقين المتصل به هو عدم التكليف فيستصحب ويستمر ذلك إلى وقت الزوال)(١)، إنتهى.

ثم أجرى ما ذكره من تعارض إستصحابي الوجود والعدم في مثل وجوب الصوم إذا عرض مرض يشك في بقاء الصوم معه وفي الطهارة إذا حصل الشك فيها لاجل المذي وفي طهارة الثوب النجس إذا غسل مرة.

فحكم في الاول بتعارض إستصحاب وجوب الصوم قبل عروض الحمى وإستصحاب عدمه الاصلي قبل وجوب الصوم.

وفي الثاني بتعارض إستصحاب الطهارة قبل المذي وإستصحاب عدم جعل الشارع الوضوء سببا للطهارة بعد المذي.

وفي الثالث حكم بتعارض إستصحاب النجاسة قبل الغسل وإستصحاب عدم كون ملاقاة البول سببا للنجاسة بعد الغسل مرة، فيتساقط الاستصحابان في هذه الصور.

إلا أن يرجع إلى إستصحاب آخر حاكم على إستصحاب العدم، وهو عدم الرافع وعدم جعل الشارع مشكوك الرافعية رافعا.

قال: (ولو لم يعلم أن الطهارة مما لا يرتفع إلا برافع، لم نقل فيه بإستصحاب الوجود).

ثم قال: (هذا في الامور الشرعية.

وأما الامور الخارجية، كاليوم والليل والحياة والرطوبة والجفاف ونحوها مما لا دخل لجعل الشارع في وجودها،

____________________

(١) النراقي، مناهج الاحكام لاضرر، ص ٢٣٩.


الصفحة ٦٤٨

فإستصحاب الوجود فيها حجة بلا معارض، لعدم تحقق إستصحاب حال عقل معارض بإستصحاب وجودها)(١)، إنتهى.

أقول: الظاهر إلتباس الامر عليه: أما أولا، الامر الوجودى المجعول إن لوحظ الزمان قيدا له أو لمتعلقه، بأن لوحظ وجوب الجلوس المقيد بكونه إلى الزوال شيئا والمقيد بكونه بعد الزوال شيئا آخر متعلقا للوجوب، فلا مجال لاستصحاب الوجوب للقطع بإرتفاع ما علم وجوده والشك في حدوث ما عداه، ولذا لا يجوز الاستصحاب في مثل: (صم يوم الخميس) إذا شك في وجوب صوم يوم الجمعة، وإن لوحظ الزمان ظرفا لوجوب الجلوس، فلا مجال لاستصحاب العدم، لانه إذا انقلب العدم إلى الوجود المردد بين كونه في قطعة خاصة من الزمان وكونه أزيد.

والمفروض تسليم حكم الشارع بأن المتيقن في زمان لا بد من إبقائء‌ه، فلا وجه لاعتبار العدم السابق.

وما ذكر، قدس سره من أن الشك في وجوب الجلوس بعد الزوال كان ثابتا حال اليقين بالعدم يوم الخميس مدفوع بأن ذلك أيضا حيث كان مفروضا بعد اليقين بوجوب الجلوس إلى الزوال مهمل بحكم الشارع بإبقاء كل حادث لا يعلم مدة بقائه.كما لو شك قبل حدوث حادث في مدة بقائه.

والحاصل: أن الموجود في الزمان الاول، إن لوحظ مغايرا من حيث القيود المأخوذة فيه للموجود الثاني، فيكون الموجود الثاني حادثا مغايرا للحادث الاول، فلا مجال لاستصحاب الموجود، إذ لا يتصور البقاء لذلك الموجود بعد فرض كون الزمان الاول من مقوماته، وإن لوحظ متحدا مع الثاني لا مغايرا له إلا من حيث ظرفه الزماني، فلا معنى لاستصحاب عدم ذلك الموجود، لانه إنقلب إلى الموجود.

وكأن المتوهم ينظر في دعوى جريان إستصحاب الوجود إلى كون الموجود أمرا واحدا قابلا للاستمرار بعد زمان الشك، وفي دعوى جريان إستصحاب العدم إلى تقطيع وجودات ذلك الموجود وجعل كل واحد منها بملاحظة تحققه في زمان مغير للاخر، فيؤخذ بالمتيقن منها ويحكم على المشكوك منها بالعدم.

وملخص الكلام في دفعه: أن الزمان إن أخذ ظرفا للشئ فلا يجري إلا إستصحاب وجوده،

____________________

(١) النراقي، مناهج الاحكام، ٢٤٠


الصفحة ٦٤٩

لان العدم انتقض بالوجود المطلق وقد حكم عليه بالاستمرار بمقتضى أدلة الاستصحاب، وإن أخذ قيدا له فلا يجري إلا إستصحاب العدم، لان إنتقاض عدم وجود المقيد لا يستلزم إنتقاض المطلق، والاصل عدم الانتقاض.

كما إذا ثبت وجوب صوم يوم الجمعة ولم يثبت غيره.

وأما ثانيا، فلان ما ذكره من إستصحاب عدم الجعل والسببية في صورة الشك في الرافع غير مستقيم، لانا إذا علمنا أن الشارع جعل الوضوء علية تامة لوجود الطهارة وشككنا في أن المذي رافع لهذه الطهارة الموجودة المستمرة بمقتضى إستعدادها، فليس الشك متعلقا بمقدار سببية السبب.وكذا الكلام في سببية ملاقاة البول للنجاسة عند الشك في إرتفاعها بالغسل مرة.

فإن قلت: إنا نعلم أن الطهارة بعد الوضوء قبل الشع لم تكن مجعولة أصلا، وعملنا بخدوث هذا الامر الشرعي قبل المذي، وشككنا في الحكم بوجودها بعده، والاصل عدم ثبوتها بالشرع.

قلت: لا بد من أن يلاحظ أن منشأ الشك في ثبوت الطهارة بعد المذي الشك في مقدار تأثير المؤثر وهو الوضوء وأن المتيقن تأثيره مع عدم المذي لا مع وجوده، أو أنا نعلم قطعا تأثير الوضوء في إحداث أمر مستمر لولا ما جعله الشارع رافعا.

فعلى الاول: لا معنى لاستصحاب عدم جعل الشئ رافعا لان المتيقن تأثير السبب مع عدم ذلك الشئ والاصل عدم التأثير مع وجوده، إلا أن يتمسك بإستصحاب وجود المسبب.

فهو نظير ما لو شك في بقاء تأثير الوضوء المبيح، كوضوء التقية بعد زوالها، لا من قبيل الشك في ناقضية المذي.

وعلى الثاني: لا معنى لاستصحاب العدم، إذ لا شك في مقدار تأثير المؤثر حتى يؤخذ بالمتيقن.

وأما ثالثا فلو سلم جريان إستصحاب العدم حينئذ، لكن ليس إستصحاب عدم جعل الشئ رافعا، حاكما على هذا الاستصحاب، لان الشك في أحدهما ليس مسببا عن الشك في الاخر، بل مرجع الشك فيهما إلى شئ واحد.

وهو أن المجعول في حق المكلف في هذه الحالة هو الحدث أو الطهارة.

نعم يستقيم ذلك فيما إذا كان الشك في الموضوع الخارجي، أعني وجود المزيل أو عدمه، لان الشك في كون المكلف حال الشك مجعولا في حقه الطهارة أو الحدث مسبب عن الشك في تحقق الرافع، إلا أن الاستصحاب مع هذا العلم الاجمالي بجعل أحد الامرين في حق المكلف غير جار.


الصفحة ٦٥٠

الامر الثالث أن المتيقن السابق إذا كان مما يستقل به العقل،

كحرمة الظلم وقبح التكليف بما لا يطاق و نحوهما من المحسنات والمقبحات العقلية، فلا يجوز إستصحابه، لان الاستصحاب إبقاء ما كان، والحكم العقلي موضوعه معلوم تفصيلا للعقل الحاكم به.

فإن أدرك العقل بقاء المضوع في الان الثاني حكم به حكما قطعيا كما حكم أولا، وإن ادرك إرتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم، ولو ثبث مثله بدليل لكان حكما جديدا حادثا في موضوع جديد.

وأما الشك في بقاء الموضوع، فإن كان الاشتباه خارجي، كالشك في بقاء الاضرار في السم الذي حكم العقل بقبح شربه، فذلك خارج عما نحن فيه، وسيأتي الكلام فيه.

وإن كان لعدم تعيين الموضوع تفصيلا واحتمال مدخلية موجود مرتفع او معدوم حادث في موضوعية الموضوع، فهذا غير متصور في المستقلات العقلية، لان العقل لا يستقل بالحكم إلا بعد إحراز الموضوع ومعرفته تفصيلا، لان القضايا العقلية إما ضرورية لا يحتاج العقل في حكمه إلى أزيد من تصور الموضوع بجميع ما له دخل في موضوعيته من قيوده، وإما نظرية تنتهي إلى ضرورية كذلك، فلا يعقل إجمال الموضوع في حكم العقل، مع إنك ستعرف في مسألة إشتراط بقاء الموضوع أن الشك في الموضوع خصوصا.

لاجل مدخلية شئ مانع عن إجراء الاستصحاب.

فإن قلت: فكيف يستصحب الحكم الشرعي مع أنه كاشف عن حكم عقلي مستقل.

فإنه إذا ثبت حكم العقل برد الوديعة وحكم الشارع على وجوب الرد ثم عرض ما يوجب الشك مثل الاضطرار والخوف فيستصحب الحكم مع أنه كان تابعا للحكم العقلي.

قلت: أما الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي، فحاله حال الحكم العقلي في عدم جريان الاستصحاب.

نعم لو ورد في مورد حكم العقل حكم شرعي من غير جهة العقل وحصل التغير في


الصفحة ٦٥١

حال من أحوال موضوعه مما يحتمل مدخليته وجودا أو عدما في الحكم جرى الاستصحاب وحكم بأن موضوعه أعم من موضوع حكم العقل، ومن هنا يجري إستصحاب عدم التكليف في حال يستقل العقل بقبح التكليف فيه، لكن العدم الازلي ليس مستندا إلى القبح وإن كان موردا للقبح.هذا حال نفس الحكم العقلي.

وأما موضوعه كالضرر المشكوك بقاؤه في المثال المتقدم، فالذي ينبغي أن يقال فيه: أن الاستصحاب إن اعتبر من باب الظن عمل به هنا، لانه يظن الضرر بالاستصحاب فيحمل عليه الحكم العقلي إن كان موضوعه أعم من القطع والظن.

كما في مثال الضرر، وإن اعتبر من باب التعبد لاجل الاخبار فلا يجوز العمل به، للقطع بإنتفاء حكم العقل مع الشك في الموضوع الذي كان يحكم عليه مع القطع.

فلايثبت إلا الاثار الشرعية المجعولة القابلة للجعل الظاهري، وتعبد الشارع بالحكم العقلي يخرجه عن كونه حكما عقليا.

[ غاية ما في الباب كون الحكم العقلي في مورد الشك المذكور ظنيا بإعتبار ظنية الصغرى.

وإن اعتبر من باب التعبد لاجل الاخبار لم يجز العمل به، لما سيجئ من أن الثابت بالاخبار هي الاثار الشرعية المجعولة القابلة للجعل الظاهري دون الاحكام العقلية والعادية الغير القابلة للجعل ].

مثلا إذا ثبت بقاء الضرر في السم في المثال المتقدم بالاستصحاب.فمعنى ذلك ترتيب الاثار الشرعية المجعولة للضرر على مورد الشك.وأما حكم العقل بالقبح والحرمة فلا يثبت إلا مع إحراز الضرر.

نعم يثبت الحرمة الشرعية بمعنى نهي الشارع ظاهرا [ لثبوتها سابقا ولو بواسطة الحكم العقلي ].

ولا منافاة بين إنتفاء الحكم العقلي وثبوت الحكم الشرعي، لان عدم حكم العقل مع الشك إنما هو لاشتباه الموضوع عنده، وبإشتباهه يشتبه الحكم الشرعي الواقعي أيضا.

إلا أن الشارع حكم على هذا المشتبه الواقعي بحكم ظاهري هي الحرمة ومما ذكرنا، من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي، يظهر ما في تمسك بعضهم لاجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة او شرطها بإستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان، وما في إعتراض بعض المعاصرين، على من خص من القدماء والمتأخرين إستصحاب حال العقل بإستصحاب العدم، بأنه لا وجه للتخصيص، فإن حكم العقل المستصحب قد يكون وجوديا تكليفيا، كإستصحاب تحريم التصرف في مال الغير ووجوب رد الامانة إذا عرض هناك ما يحتمل معه زوالهما، كالاضرار والخوف، أو وضعيا، كشرطية العلم للتكليف إذا عرض ما يوجب الشك في بقائها.


الصفحة ٦٥٢

ويظهر حال المثالين الاولين مما ذكرنا سابقا.

وأما المثال الثالث فلم يتصور فيه الشك في بقاء شرطية العلم للتكليف في زمان.

نعم ربما يستصحب التكليف فيما كان المكلف به معلوما بالتفصيل ثم اشتبه وصار معلوما بالاجمال.

لكنه خارج عما نحن فيه، مع عدم جريان الاستصحاب فيه، كما سننبه عليه.

ويظهر أيضا فساد التمسك بإستصحاب البراء‌ة والاشتغال الثابتين بقاعدتي البراء‌ة والاشتغال.

مثال الاول: ما إذا قطع بالبراء‌ة عن وجوب غسل الجمعة والدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع أو العثور عليه.

فإن مجرد الشك في حصول الاشتغال كاف في حكم العقل بالبراء‌ة ولا حاجة إلى إبقاء البراء‌ة السابقة والحكم بعدم إرتفاعها ظاهرا.

فلا فرق بين الحالة السابقة واللاحقة في إستقلال العقل بقبح التكليف فيهما، لكون المناط في القبح عدم العلم.

نعم لو أريد إثبات عدم الحكم أمكن إثباته بإستصحاب عدمه.

لكن المقصود من إستصحابه ليس إلا ترتيب آثار عدم الحكم ليس إلا عدم الاشتغال الذي يحكم به العقل في زمان الشك، فهو من آثار الشك لا المشكوك.

ومثال الثاني: إذا حكم العقل عند إشتباه المكلف به بوجوب السورة في الصلاه ووجوب الصلاة إلى أربع جهات ووجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة، ففعل ما يحتمل معه بقاء التكليف الواقعي وسقوطه، كأن صلى بلا سورة أو إلى بعض الجهات أو إجتنب أحدهما.

فربما يتمسك حينئذ بإستصحاب الاشتغال المتيقن سابقا.

وفيه: أن الحكم السابق لم يكن إلا بحكم العقل الحاكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراء‌ة عن التكليف المعلوم في زمان هو بعينه موجود في هذا الزمان.

نعم الفرق بين هذا الزمان والزمان السابق حصول العلم بوجود التكليف فعلا بالواقع في السابق وعدم العلم به في هذا الزمان.وهذا لا يؤثر في حكم العقل المذكور، إذ يكفي فيه العلم بالتكليف الواقعي آنا ما.

نعم يجري إستصحاب عدم فعل الواجب الواقعي وعدم سقوطه عنه، لكنه لا يقضي بوجوب الاتيان بالصلاة مع السورة الصلاة إلى الجهة الباقية وإجتناب المشتبه الباقي، بل يقضي بوجوب تحصيل البراء‌ة من الواقع.

لكن مجرد ذلك لا يثبت وجوب الاتيان بما يقتضي اليقين بالبراء‌ة إلا على القول بالاصل المثبت أو بضميمة حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين.

والاول لا نقول به، والثاني بعينه موجود في محل الشك من دون الاستصحاب.


الصفحة ٦٥٣

الامر الرابع قد يطلق على بعض الاستصحابات الاستصحاب التقديري تارة والتعليقي أخرى

بإعتبار كون القضية المستصحبة قضية تعليقية حكم فيها بوجود حكم على تقدير وجود آخر.

فربما يتوهم لاجل ذلك الاشكال في إعتباره بل منعه والرجوع فيسه إلى إستصحاب مخالف له.

توضيح ذلك: أن المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السابق بالفعل، كما إذا وجب الصلاة فعلا أو حرم العصير العنبي بالفعل في زمان ثم شك في بقائه وإرتفاعه، وهذا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

وقد يكون أمرا موجودا على تقدير وجود أمر، فالمستصحب هو وجوده التقليقي، مثل أن العنب كان حرمة مائه معلقة على غليانه، فالحرمة ثابتة على تقدير الغليان.

فإذا جف و صار زبيبا فهل يبقى بالاستصحاب حرمة مائه المعلقة على الغليان، فيحرم عند تحققه أم لا، بل يستصحب الاباحة السابقة لماء الزبيب قبل الغليان.

ظاهر سيد مشايخنا في المناهل، وفاقا لما حكاه عن والده، قدس سره، في (الدرس) عدم إعتبار الاستصحاب الاول الرجوع إلى الاستصحاب الثاني.

قال في المناهل في رد تمسك السيد العلاقة الطباطبائي على حرمة العصير من الزبيب إذا غلا بالاستصحاب: (ودعوى تقديمة على إستصحاب الاباحة أنه يشترط في حجية الاستصحاب ثبوت أمر أو حكم وضعي أو تكليفي في زمان من الازمنة قطعا، ثم يحصل الشك في إرتفاعه في الاسباب، ولا يكفي مجرد قابلية الثبوت بإعتبار من الاعتبارات، فالاستصحاب التقديري باطل.

وقد صرح بذلك الوالد العلامة في أثناء (الدرس)، فلا وجه للتمسك بإستصحاب التحريم في المسألة)(١)، إنتهى كلامه

____________________

(١) المناهل، ج ١، ص، مخطوط.


الصفحة ٦٥٤

رفع مقامه.

أقول: لا إشكال في انه يعتبر في الاستصحاب تحقق المستصحب سابقا، والشك في إرتفاع ذلك المحقق.

ولا إشكال أيضا في عدم إعتبار أزيد من ذلك.

ومن المعلوم أن تحقق كل شئ بحسبه.

فإذا قلنا: العنب يحرك ماؤه إذا غلا أو بسبب الغليان، فهناك لازم وملزوم وملازمة.

أما الملازمة، وبعبارة أخرى، سببية الغليان، لتحريم ماء العصير، فهي متحققة بالفعل من دون تلعيق.

وأما اللازم وهي الحرمة فله وجود مقيد بكونه على تقدير الملزوم.

وهذا الوجود التقديري أمر متحقق في نفسه في مقابل عدمه.

وحينئذ فإذا شككنا في أن وصف العنبية له مدخل في تأثير الغليان في حرمه مائه.

فلا أثر للغليان في التحريم بعد جفاف العنب وصيرورته زبيبا.

فأي فرق بين هذا وبين سائر الاحكام الثابتة للعنب إذا شك في بقائها بعد صيرورته زبيبا.

نعم ربما يناقش في الاستصحاب المذكوره تارة بإنتفاء الموضوع وهو العنب واخرى بمعارضته بإستصحاب الاباحة قبل الغليان، بل ترجيحه عليه بمثل الشهرة والعمومات.

لكن الاول لا دخل له في فرق بين الاثار الثابتة للعنب بالفعل والثابتة له على تقدير آخر، والثاني فاسد لحكومة إستصحاب الحرمة على تقدير الغليان على إستصحاب الاباحة قبل الغليان.

فالتحقيق: أنه لا يعقل في جريان الاستصحاب ولا في إعتباره من حيث الاخبار أو من حيث العقل بين أنحاء تنحقق المستصحب.

فكل نحو من التحقق ثبت للمستصحب وشك في إرتفاعه، فالاصل بقاؤه.

مع أنك عرفت أن الملازمة وسببية الملزوم للازم موجود بالفعل، وجد اللازم أم لم يوجد، لان صدق الشرطية لا يتوقف على صدق الشرط.وهذا الاستصحاب غير متوقف على وجود الملزوم.

نعم لو أريد إثبات وجود الحكم فعلا في الزمان الثاني اعتبر إحراز الملزوم فيه ليترتب عليه بحكم الاستصحاب لازمه.

وقد يقع الشك في وجود الملزوم في الان اللاحق، لعدم تعينه واحتمال مدخلية شئ في تأثير ما يتراء‌ى أنه ملزوم.


الصفحة ٦٥٥

الامر الخامس إنه لا فرق في المستصحب بين أن يكون حكما ثابتا في هذه الشريعة أم حكما من أحكام الشريعة السابقة

إذ المقتضي موجود، وهو جريان دليل الاستصحاب وعدم ما يصلح مانعا، عدى أمور.

منها: ما ذكره بعض المعاصرين، من: (أن الحكم الثابت في حكم جماعة لا يمكن إثباته في حق آخرين، لتغاير الموضوع، فإن ما ثبت في حقهم مثله لا نفسه.

ولذا يتمسك في تسريه الاحكام الثابتة للحاضرين او الموجودين إلى الغائبين أو المعدومين بالاجماع والاخبار الدالة على الشركه لا بالاستصحاب)(١).وفيه:

أولا، أنا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين.

فإذا حرم في حقه شئ سابقا وشك في بقاء الحرمة في الشريعة اللاحقة، فلا مانع عن الاستصحاب أصلا.

وفرض إنقراض جميع أهل الشريعة السابقة عند تجدد اللاحقة نادر بل غير واقع.

وثانيا، أن إختلاف الاشخاص لا يمنع عن الاستصحاب وإلا لم يجر إستصحاب عدم النسخ.

وحله: أن المستصحب هو الحكم الكلي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لاشخاصهم فيه، إذ لو فرض وجود اللاحقين في السابق عمهم الحكم قطعا، فإن الشريعة اللاحقة لا تحدث عند إنقراض أهل الشريعة الاولى، غاية الامر إحتمال مدخلية بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم.

ومثل هذا لو أثر في الاستصحاب لقدح في أكثر الاستصحابات بل في جميع موارد الشك من غير جهة الرافع.

وثانيا، أن إختلاف الاشخاص لا يمنع عن الاستصحاب وإلا لم يجر إستصحاب عدم النسخ.

وحله: أن المستصحب هو الحكم الكلي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لاشخاصهم فيه، إذ لو فرض وجود اللاحقين في السابق عمهم الحكم قطعا، فإن الشريعة اللاحقة لا تحدث عند إنقراض أهل الشريعة الاولى، غاية الامر إحتمال مدخلية بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم.

ومثل هذا لو أثر في الاستصحاب بل في جميع موارد الشك من غير جهة الرافع.

واما التمسك في تسرية الحكم من الحاضرين إلى الغائبين فليس مجرى للاستصحاب حتى يتمسك به، لان تغاير الحاضرين المشافهين للغائبين ليس بالزمان.ولعله سهو من قلمه، قدس سره،

____________________

(١) النراقي، مناهج الاحكام، ص.


الصفحة ٦٥٦

وأما التسرية من الموجدين إلى المعدومين فيمكن التمسك فيها بالاستصحاب بالتقريب المتقدم أو بإجرائه فيمن بقي من الموجودين إلى زمان وجود المعدومين ويتم الحكم في المعدومين بقيام الضرورة على إشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة.

ومنها: ما إشتهر من أن هذه الشريعة ناسخة لغيرها من الشرائع فلا يجوز الحكم بالبقاء.

وفيه: أنه إن أريد نسخ كل حكم إلهي من أحكام الشريعة السابقة فهو ممنوع، وإن أريد نسخ البعض فالمتيقن من المنسوخ ما علم بالدليل، فيبقى غيره على ما كان عليه ولو بحكم الاستصحاب.

فإن قلت: إنا نعلم قطعا بنسخ كثير من الاحكام السابقة، والمعلوم تفصيلا منها قليل في الغاية، فيعلم بوجود المنسوخ في غيره.

قلت: لو سلم ذلك لم يقدح في إجراء أصالة عدم النسخ في المشكوكات، لان الاحكام المعلومة في شرعنا بالادلة واجبة العمل، سواء كانت من موارد النسخ أم لا، فأصالة عدم النسخ فيها غير محتاج إليها.

فيبقى أصالة عدم النسخ في محل الحاجة سليمة عن المعارضن لما تقرر في الشبهة المحصورة، من أن الاصل في بعض أطراف الشبهة إذا لم يكن جاريا أو لم يحتج إليه، فلا ضير في إجراء الاصل في البعض الاخر.

ولاجل ما ذكرنا إستمر بناء المسلمين في أول البعثة على الاستمرار على ما كانوا عليه حتى يطلعوا على الخلاف.

إلا أن يقال: إن ذلك كان قبل إكمال شريعتنا.

وأما بعد فقد جاء النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، بجيمع ما يحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة، سواء خالف الشريعة السابقة أم وافقها.

فنحن مكلفون بتحصيل ذلك الحكم موافقا أم مخالفا، لانه مقتضى التدين بهذا الدين.

ولكن يدفعه: أن المفروض حصول الظن المعتبر من الاستصحاب ببقاء حخكم الله السابق في هذه الشريعة فيظن بكونه مما جاء به النبي، صلى الله عليه وآله.

ولو بنينا على الاستصحاب تعبدا فالامر أوضح، لكونه حكما كليا في شريعتنا بإبقاء ما ثبت في السابق.

ومنها: ما ذكره في القوانين، من: (أن جريان الاستصحاب مبني على القول بكون حسن الاشياء ذاتيا.

وهو ممنوع، بل التحقيق أنه بالوجوه والاعتبار)(١) .

____________________

(١) القوانين المحكمة، ج ٢، ص ٥٣.


الصفحة ٦٥٧

وفيه: أنه إن أريد ب‍ (الذاتي) المعنى الذي ينافيه النسخ، وهو الذي أبطلوه بوقوع النسخ، فهذا المعنى ليس مبنى الاستصحاب.بل هو مانع عنه للقطع بعدم النسخ حينئذ، فلا يحتمل الارتفاع.

وإن أريد غيره، فلا فرق بين القول به والقول بالوجوه والاعتبارات، فإن القول بالوجوه لو كان مانعا عن الاستصحاب لم يجر الاستصحاب في هذه الشريعة.

* * *

ثم إن جماعة رتبوا على إبقاء الشرع السابق في مورد الشك تبعا لتمهيد القواعد ثمرات.

منها: إثبات وجوب نية الاخلاص في العبادة، بقوله تعالى، حكاية عن تكليف أهل الكتاب: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمه)(١).

ويرد عليه بعد الاغماض عن عدم دلالة الاية على وجوب الاخلاص بمعنى القربة في كل واجب، وإنما تدل على وجوب عبادة الله خالصة عن الشرك، وبعبارة أخرى وجوب التوحيد، كما أوضحنا ذلك في باب النية من الفقه أن الاية إنما تدل على إعتبار الاخلاص، لا على الوجوب الاخلاص عليهم في كل واجب.

وفرق بين وجوب كل شئ عليهم لغاية الاخلاص وبين وجوب قصد الاخلاص عليهم في كل واجب.وظاهر الاية هو الاول.

ومقتضاه أن تشريع الواجبات لاجل تحقق العبادة على وجه الاخلاص، ومرجع ذلك إلى كونها لطفا.

ولا ينافي ذلك كون بعضها بل كلها توصليا لا يعتبر في سقوط قصد القربة.

ومقتضى الثاني كون الاخلاص واجبا شرطيا في كل واجب، وهو المطلوب، فتأمل.

هذا كله مع أنه يكفي في ثبوت الحكم في شرعنا قوله تعالى: (وذلك دين القيمة)، بناء على تقسيرها بالثابتة التي لا تنسخ.

ومنها: قوله تعالى، حكاية عن مؤذن يوسف عليه السلام: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم)(٢) فدل على جواز الجهالة في مال الجعالة وعلى جواز ضمان ما لم يجب.

وفيه: أن حمل البعير لعله كان معلوم المقدار عندهم، مع إحتمال كونه مجرد وعد، لا جعالة، مع أنه لم يثبت الشرع بمجرد فعل المؤذن، لانه غير حجة، ولم يثبت إذن يوسف عليه السلام في ذلك ولا

____________________

(١) البينة: ٥.

(٢) يوسف: ٧٢


الصفحة ٦٥٨

تقريره.

ومنه يظهر عدم ثبوت شرعية الضمان المذكور خصوصا مع كحون كل من الجعالة والضمان صوريا قصد بهما تلبيس الامر على إخوة يوسف.

ولا بأس بذكر معاملة فاسدة يحصل به الغرض مع إحتمال إرادة أن الحمل في ماله وأنه ملتزم به، فإن الزعيم هوالكفيل والضامن، وهما لغة مطلق الالتزام، ولم يثبت كونهما في ذلك الزمان حقيقة في الالتزام عن الغير.

فيكون الفقرة الثانية تأكيدا لظاهر الاولى ودفعا لتوهم كونه من الملك فيصعب تحصيله.

ومنها: قوله تعالى حكاية عن أحوال يحيى على نبينا وعليه السلام: (وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)(١).

فإن ظاهره يدل على مدح يحيى بكونه حصورا، أي ممتنعا عن مباشرة النسوان.

فيمكن أن يرجح في شريعتنا التعفف على التزويج.

وفيه: أن الاية لا تدل إلا على حسن هذه الصفة لما فيه من المصالح والتخلص عما يترتب عليه.

ولا دليل فيه على رجحان هذه الصفة على صفة أخرى، أعني المباشرة لبعض المصالح الاخروية، فإن مدح زيد بكونه صائم النهار متهجد لا يدل على رجحان هاتين الصفتين على الافطار في النهار وترك التهجد في الليل للاشتغال بما هو أهم منها.

ومنها: قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به) الاية(٢)، دل على جواز بر اليمين على ضرب المستحق مائة بالضرب بالضغث.

وفيه: ما لا يخفى.

ومنها: قوله تعالى: (أن النفس بالنفس والعين بالعين)، إلى آخر الاية(٣)، استدل بها في حكم من قلع عين ذي العين الواحدة.

ومنهاش: قوله تعالى حكاية عن شعيب: (إني أريد أن أنكحك إحدى إبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك)(٤).

وفيه: أن حكم المسألة قد علم من العومات والخصوصات الواردة فيها فلا ثمرة في الاستصحاب.

نعم في بعض تلك الاخبار إشعار بجواز العمل بالحكم الثابت في الشرع السابق لولا المنع عنه، فراجع وتأمل.

____________________

(١) آل عمران: ٣٩.

(٢) ص: ٤٤.

(٣) المائدة: ٤٥.

(٤) القصص: ٢٧.


الصفحة ٦٥٩

الامر السادس قد عرفت أن معنى عدم نقض اليقين والمضي عليه

هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بوسطته للمتيقن ووجوب ترتيب تلك الاثار من جانب الشارع لا يعقل إلا في الاثار الشرعية المجعولة من الشارع لذلك الشئ، لانها القابلة للجعل دون غيرها من الاثار العقلية والعادية.

فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد وإيجابه ترتيب آثار الحياة في زمان الشك هو حكمه بحرمة تزويج زوجته والتصرف في ماله، لا حكمه بنموه ونبات لحيته، لان هذه غير قابلة لجعل الشارع.

نعم لو وقع نفس النمو ونبات اللحية موردا للاستصحاب أو غيره من التنزيلات أو غيره من التنزيلات الشرعية أفاد ذلك جعل آثارهما الشرعية دون العقلية والعادية.لكن المفروض ورود الحياة موردا للاستصحاب.

والحاصل: أن تنزيل الشارع المشكوك منزلة المتيقن كسائر التنزيلات إنما يفيد ترتيب الاحكام والاثار الشرعية المحمولة على المتيقن السابق.

فلا دلالة فيها على جعل غيرها من الاثار العقلية والعادية لعدم قابليتها للجعل، ولا على جعل الاثار الشرعية المترتبة على تلك الاثار، لانها ليست أثار نفس المتيقن ولم يقع ذوها موردا لتنزيل الشارع حتى يترتب هي عليه.

إذا عرفت هذا فنقول: إن المستصحب إما أن يكون حكما من الاحكام الشرعية المجعولة كالوجوب والتحريم والاباحة وغيرها، وإما أن يكون من غير المجعولات كالموضوعات الخارجية واللغوية.

فإن كان من الاحكام الشرعية فالمجعول في زمان الشك حكم ظاهري مساو للمتيقن السابق في جميع ما يترتب عليه، لانه مفاد وجوب ترتيب آثار المتيقن السابق ووجوب المضي عليه والعمل به، وإن كان من غيرها فالمجعول في زمان الشك هي لوازمه الشرعية دون العقلية والعادية، ودون ملزومه شرعيا كان أو غيره، ودون ما هو ملازم معه لملزوم ثالث.ولعل هذا هو المراد بما إشتهر على ألسنة أهل العصر من نفي الاصول المثبتة.فيريدون به أن


الصفحة ٦٦٠

الاصل لا يثبت أمرا في الخارج حتى يترتب عليه حكمه الشرعي، بل مؤداه أمر الشارع بالعمل على طبق مجراه شرعا.

فإن قلت: الظاهر من الاخبار وجوب أن يعمل الشاك عمل المتيقن بأن يفرض نفسه متيقنا ويعمل كل عمل ينشأ من تيقنه بذلك المشكوك، سواء كان ترتبه عليه بلا واسطة أو بواسطة أمر عادي أو عقلي مترتب على ذلك المتيقن.

قلت: الواجب على الشاك عمل المتيقن بالمستصحب من حيث تيقنه به، وأما ما يجب عليه من حيث تيقنه بأمر يلازم ذلك المتيقن عقلا أو عادة، فلا يجب عليه، لان وجوبه عليه يتوقف على وجود واقعي إ لذلك الامر العقلي أو العادي أو وجود جعلي بأن يقع موردا لجعل الشارع حتى يرجع جعله الغير المعقول إلى جعل أحكامه الشرعية.

وحيث فرض عدم الوجود الواقعي والجعلي لذلك الامر، كان الاصل عدم وجوده وعدم ترتب آثاره.

وهذه المسألة تشبه ما هو المشهور في باب الرضاع من: أنه إذا ثبت بالرضاع عنوان ملازم لعنوان محرم من المحرمات لم يوجب التحريم، لان الحكم تابع لذلك العنوان الحاصل بالنسبة أو بالرضاع، فلا يترتب على غيره المتحد معه وجودا.

ومن هنا يعلم أنه لا فرق في الامر العادي بين كونه متحدا الوجود مع المستصحب بحيث لا يتغايران إلا مفهوما، كإستصحاب بقاء الكر في الحوض عند الشك في كرية الماء الباقي فيه وبين تغايرهما في الوجود.

كما علم بوجود المقتضي لحادث على وجه لولا المانع حدث وشك في وجود المانع.

وكذا لا فرق بين أن يكون اللزوم بينه وبين المستصحب كليا لعلاقه وبين أن يكون إتفاقيا في قضيه جزئية.

كما إذا علم، لاجل العلم الاجمالي الحاصل بموت زيد أو عمرو، أن بقاء حياة زيد ملازم لموت عمرو، وكذا بقاء عمرو، ففي الحقيقة عدم الانفكاك إتفاقي من دون ملازمة.

وكذا لا فرق بين أن يثبت بالمستصحب تمام ذلك الامر العادي كالمثالين، أو قيد له عدمي أو وجودي، كإستصحاب الحياة للمقطوع نصفين، فيثبت به القتل الذي هو إزهاق الحياة، وكإستصحاب عدم الاستحاضة المثبت لكون الدم الموجود حيضا، بناء على أن كل دم ليس بإستحاضة حيض شرعا، وكإستحاب عدم الفصل الطويل المثبت لا تصاف الاجزاء المتفاصلة بما لا يعلم معه فوات الموالاة بالتوالي.

وربما إستدل بعض، تبعا لكاشسف الغطاء، على نفي الاصل المثبت بتعارض الاصل في جانب الثابت والمثبت.

فكما أن الاصل بقاء الاول كذلك الاصل عدم


الصفحة ٦٦١

الثاني، قال: (وليس في أخبار ما يدل على حجيته بالنسبة إلى ذلك، لانها مسوقة لتفريع الاحكام الشرعية دون العادية وإن استتبعت أحكاما شرعية)(١)، إنتهى.

أقول: لا ريب في أنه لو بني على أن الاصل في الملزوم قابل لاثبات اللازم العادي لم يكن وجه لاجراء اصالة عدم اللازم، لانه حاكم عليها.

فلا معنى للتعارض على ما هو الحق واعترف به هذا المستدل من حكومة الاصل في الملزوم على الاصل في اللازم، فلا تعارض أصالة الطهارة أصالة عدم التذكية.

فلو بني على المعارضة لم يكن فرق بين اللوازم الشرعية والعادية، لان الكل أحكام للمستصحب مسبوقه بالعدم.

وأما قوله: (ليس في أخبار الباب، إلخ)، إن أراد بذلك عدم دلالة الاخبار على ترتب اللوازم الغير الشرعية.

فهو مناف لما ذكره من التعارض، إذ يبقى حنيئذ أصالة عدم اللازم الغير الشرعي سليما عن المعارض.

وإن أراد تتميم الدليل الاول بأن يقال: إن دليل الاستصحاب إن كان غير الاخبار فالاصل يتعارض من الجانبين وإن كانت الاخبار فلا دلالة فيها.

ففيه: أن الاصل إذا كان مدركه غير الاخبار، وهو الظن النوعي الحاصل ببقاء ما كان على ما كان، لم يكن إشكال في أن الظن بالملزوم يوجب الظن باللازم ولو كان عاديا.

ولا يمكن حصول الظن بعدم اللازم بعد حصول الظن بوجود ملزومه، كيف ولو حصل الظن بعدم اللازم إقتضى الظن بعدم الملزوم فلا يؤثر في ترتب اللوازم الشرعية أيضا.

ومن هنا يعلم أنه لو قلنا بإعتبار الاستصحاب من باب الظن لم يكن مناص عن الالتزام بالاصول المثبتة لعدم إنفكاك الظن بالملزوم عن الظن باللازم، شرعيا كان أو غيره.

إلا أن يقال: إن الظن الحاصل من الحالة السابقة حجه في لوازمه الشرعية دون غيرها.

لكنه إنما يتم إذا كان دليل إعتبار الظن مقتصرافيه على ترتب بعض اللوازم دون آخر، كما إذا دل الدليل على أنه يجب الصوم عند الشك في هلال رمضان بشهادة عدل، فلا يلزم منه جواز الافطار بعد مضي ثلاثين من ذلك اليوم أو كان بعض الاثار مما لا يعتبر فيه مجرد الظن، إمامطلقا، كما إذا حصل من الخبر

____________________

(١) الفصول الغروية، ص ٣٦٥.


الصفحة ٦٦٢

الوارد في المسألة الفرعية ظن بمسألة اصولية، فإنه لا يعمل فيه بذلك الظن بناء على عدم العمل بالظن في الاصول وإما في خصوص المقام، كما إذا ظن بالقبلة مع تعذر العلم بها فلزم منه الظن بدخول الوقت مع عدم العذر المسوغ للعمل بالظن في الوقت.

* * *

ولعل ما ذكرنا هو الوجه في عمل جماعة من القدماء والمتأخرين بالاصول المثبتة في كثير من الموارد: منها: ما ذكره جماعة، منهم المحقق في الشرائع وجماعة ممن تقدم عليه وتأخر عنه، من أنه لو اتفق الوارثان على إسلام أحدهما المعين في أول شعبان والاخر في غرة رمضان واختلفا.

فإدعى أحدهما موت المورث في شعبان والاخر موته في أثناء رمضان، كان المال بينهما نصفين، لاصالة بقاء حياة المورث(١).

ولا يخفى: أن الارث مترتب على موت المورث عن وارث مسلم وبقاء حياة المورث إلى غرة رمضان لا يستلزم بنفسه موت المورث في حال إسلام الوارث.

نعم لما علم باسلام الوارث في غره رمضان لم ينفك بقاء حياته حال الاسلام عن موته بعد الاسلام الذي هو سبب الارث.

إلا أن يوجه بأن المقصود في المقام إحراز إسلام الوارث في حياة أبيه.

كما يعلم من الفرع الذي ذكره قبل هذا الفرع في الشرائع ويكفي في ثبوت الاسلم حال الحياة المستصحبة في تحقق سبب الارث وحدوث علاقة الوارثية بين الولد ووالده في حال الحياة.

ومنها: ما ذكره جماعة، تبعا للمحقق في كر وجد فيه نجاسة لا يعلم سبقها على الكرية وتأخرها فإنهم حكموا بأن إستصحاب عدم الكرية قبل الملاقاة الراجع إلى إستصحاب عدم المانع عن الانفعال حين وجود المقتضي له معارض بإستصحاب عدم الملاقاة قبل الكرية.ولا يخفى أن الملاقاة معلومة.

فإن كان اللازم في الحكم بالنجاسة إحراز وقوعها في زمان القلة، وإلا فالاصل عدم التأثير، لم يكن وجه لمعارضة الاستصحاب الثاني بالاستصحاب الاول، لان اصالة عدم الكرية قبل الملاقاة لا يثبت كون الملاقاة حين الكرية وفي زمان القلة حتى يثبت النجاسة إلا من باب عدم إنفكاك عدم الكرية حين الملاقاة عن وقوع الملاقاة حين القلة.

نظير عدم

____________________

(١) شرائع الاسلام، ج ٤، ص ١٢٠ تحرير الاحكام، ج ٢، ص ٢٠٠.


الصفحة ٦٦٣

إنفكاك عدم الموت حين الاسلام لوقوع الموت بعد الاسلام، فافهم.

ومنها: ما في الشرائع والتحرير، تبعا للمحكي عن المبسوط، من: أنه لو ادعى الجاني أن المجني عليه شرب سما فمات بالسم وادعى الولي أنه مات بالسراية فالاحتمالان فيه سواء، وكذا الملفوف في الكساء إذا قده بنصفين فادعى الولي أنه كان حيا والجانى أنه كان ميتا فالاحتمالن متساويان.ثم حكي عن المبسوط التردد.

وفي الشرائع رجح قول الجاني، لان الاصل عدم الضمان، وفيه إحتمال آخر ضعيف.

وفي التحيرير: (أن الاصل عدم الضمان من جانبه وإستمرار الحياة من جانب الملفوف فيرجع قول الجاني.

وفيه نظر)(١).

والظاهر أن مراده النظر في عدم الضمان، من حيث أن بقاء الحياة بالاستصحاب إلى زمان القد سبب في الضمان، فلا يجري أصالة عدمه.وهو الذي ضعفه المحقق، لكن قواه بعض محشيه.

والمستفاد من الكل نهوض إستصحاب الحياة لاثبات القتل الذي هو سبب الضمان.

لكنه مقدم على ما عداه عند العلامة وبعض من تأخر عنه ومكافئ لاصالة عدم الضمان من غير ترجيح عند الشيخ في المبسوط.ويرجح عليه أصالة عدم الضمان عند المحقق والشهيد في المسالك.

ومنها: ما في التحرير بعد هذا الفرع: (ولو ادعى الجاني نقصان يد المجني عليه بإصبع، احتمل تقديم قوله عملا بأصالة عدم القصاص وتقديم قول المجني عليه، إذ الاصل السلامة.هذا إن إدعى الجاني نفي السلامة أصلا.

وأما لو إدعى زوالها طاريا، فالاقرب أن القول قول المجني عليه)(٢)، إنتهى.

ولا يخفى صراحته في العمل بأصالة عدم زوال الاصبع في إثبات الجناية على اليد التامة.

والظاهر أن مقابل الاقرب ما يظهر من الشيخ، رحمه الله، في الخلاف في نظير المسألة.

وهو ما إذا إختلف الجاني والمجني عليه في صحة العضو المقطوع وعيبه.فإنه قوى عدم ضمان الصحيح.

ومنها: ما ذكره جماعة، تبعا للمبسوط والشرائع، في إختلاف الجاني والولي في موت المجني عليه بعد الاندمال او قبله.

إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في كتب الفقه، خصوصا كتب الشيخ والفاضلين والشهيدين.

____________________

(١) شرايع الاسلام، ص ١٠١٤.

(٢) تحرير الاحكام ج ٢، ص ٢٦١.


الصفحة ٦٦٤

لكن المعلوم منهم ومن غيرهم من الاصحاب عدم العمل بكل اصل مثبت.

فإذا تسالم الخصمان في بعض الفروع المتقدمة على ضرب اللفاف بالسيف على وجه لو كان زيد الملفوف به سابقا باقيا على اللفاف لقلته، إلا أنهما إختلفا في بقائه ملفوفا او خروجه عن اللف، فهل تجد من نفسك رمي أحد من الاصحاب بالحكم بأن الاصل بقاء لفه فيثبت القتل، إلا أن يثبت الاخر خروجه، أو تجد فرقا بين بقاء زيد على اللف وبقائه على الحياة لتوقف تحقق عنوان القتل عليهما.

وكذا لو وقع الثوب النجس في حوض كان فيه الماء سابقا، ثم شك في بقائه فيه، فهل يحكم أحد بطهاره الثوب بثبوت إنغساله بأصالة بقاء الماء.

وكذا لو رمى صيدا او شخصا على وجه لو لم يطرأ حائل لاصابه، فهل يحكم بقتل الصيد أو الشخص بأصالة عدم الحائل.

إلى غير ذلك مما لا يحصى من الامثلة التي نقطع بعدم جريان الاصل لاثبات الموضوعات الخارجية التى يترتب عليها الاحكام الشرعية.وكيف كان، فالمتبع هو الدليل.

وقد عرفت أن الاستصحاب إن قلنا به من باب الظن النوعي، كما هو ظاهر أكثر القدماء، فهو كإحدى الامارات الاجتهادية يثبت به كل موضوع يكون نظير المستصحب في جواز العمل فيه بالظن الاستصحابي.

وأما على المختار من إعتباره من باب الاخبار.فلا يثبت به ما عدا الاثار الشرعية المترتبة على نفس المستصحب.

نعم هنا شئ.

وهو أن بعض الموضوعات الخارجية المتوسطة بين المستصحب وبين الحكم الشرعي من الوسائط الخفية بحيث يعد في العرف الاحكام الشرعية المترتبه عليها أحكاما لنفس المستصحب.

و هذا المعنى يختلف وضوحا وخفاء بإختلاف مراتب خفاء الوسائط عن أنظار العرف.

منها: ما إذا إستصحب رطوبة النجس من التلاقين مع جفاف الاخر، فإنه لا يبعد الحكم بنجاسته، مع أن تنجسه ليس من أحكام ملاقاته للنجس رطبا، بل من أحكام سراية رطوبة النجاسة إليه وتأثره بها بحيث يوجد في الثوب رطوبة متنجسة.

ومن المعلوم أن إستصحاب رطوبة النجس الراجع إلى بقاء جزء مائي قابل للتأثير لا يثبت تأثر الثوب وتنجسه بها.

فهو أشبه مثال بمسألة بقاء الماء في الحوض المثبت لانغسال الثوب به.

وحكى في الذكرى عن المحقق تعليل الحكم بطهارة الثوب الذي طارت الذبابة عن النجاسة


الصفحة ٦٦٥

إليه بعدم الجزم ببقاء رطوبة الذبابة وارتضاه.

فيحتمل أن يكون لعدم إثبات الاستصحاب لوصول الرطوبة إلى الثوب كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون لمعارضته بإستصحاب طهارة الثوب إغماضا عن قاعدة حكومة بعض الاستصحابات على بعض، كما يظهر من المحقق، حيث عارض إستصحاب طهارة الشاك في الحدث بإستصحاب إشتغال ذمته بالعبادة.

ومنها: أصالة عدم دخول هلال في يوم الشك المثبت لكون غده يوم العيد، فيترتب عليه أحكام العيد من الصلاة والغسل وغيرهما.

فإن مجرد عدم الهلال في يوم لا يثبت آخريه ولا أولية غده للشهر اللاحق.

لكن العرف لا يفهمون من وجوب ترتيب آثار عدم إنقضاء رمضان وعدم دخول شوال إلا ترتيب أحكام آخرية ذلك اليوم لشهر وأولية غده لشهر آخر، فالاول عندهم ما لم يسبق بمثله والاخر ما إتصل بزمان حكم بكونه أول الشهر الاخر.

وكيف كان، فالمعيار خفاء توسط الامر العادي والعقلي بحيث يعد آثاره آثارا لنفس المستصحب.

وربما يتمسك في بعض موارد الاصول المثبتة بجريان السيرة والاجماع على إعتباره هناك، مثل إجراء أصالة عدم الحاجب عند الشك في وجوده على محل الغسل أو المسح لاثبات غسل البشرة ومسحها المأمور بهما في الوضوء والغسل.وفيه نظر.


الصفحة ٦٦٦

الامر السابع لا فرق في المستصحب بين أن يكون مشكوك الارتفاع في الزمان اللاحق راسا وبين أن يكون مشكوك الارتفاع في جزء من الزمان اللاحق مع القطع بإرتفاعه بعد ذلك الجزء.

فإذا شك في بقاء حياة زيد في جزء من الزمان اللاحق فلا يوثر في جريان إستصحاب حياته علمنا بموته بعد ذلك الجزء من الزمان وعدمه.وهذا هو الذي يعبر عنه بأصالة تأخر الحادث.

يريدون به أنه إذا علم بوجود حادث في زمان في وجوده قبل ذلك الزمان فيحكم بإستصحاب عدمه قبل ذلك ويلزمه عقلا تأخر حدوث ذلك الحادث.

فإذا شك في مبدأ موت زيد مع القطع بكونه يوم الجمعة ميتا فحياته قبل الجمعة الثابتة بالاستصحاب مستلزمة عقلا لكون مبدأ موته يوم الجمعة.

وحيث تقدم في الامر السابق أنه لا يثبت بالاستصحاب بناء على العمل به من باب الاخبار لوازمه العقلية، فلو ترتب على حدوث موت زيد في يوم الجمعة لا على مجرد حياته قبل الجمعة حكم شرعي لم يترتب على ذلك.

نعم لو قلنا بإعتبار الاستصحاب من باب الظن أو كان اللازم العقلي من اللوازم الخفية جرى فيه ما تقدم ذكره آنفا.

وتحقيق المقام وتوضيح: أن تأخر الحادث قد يلاحظ بالقياس إلى ما قبله من أجزاء الزمان، كالمثال المتقدم.

فيقال: الاصل عدم موت زيد قبل الجمعة فيترتب عليه جمكيع أحكام ذلك العدم لا أحكام حدوثه يوم الجمعة، إذ المتيقن بالوجدان تحقق يوم الجمعة لا حدوثه، إلا أن يقال: إن الحدوث هو الوجود المسبوق بالعدم.

وإذا ثبت بالاصل عدم شئ سابقا وعلم بوجوده بعد ذلك.

فوجوده المطلق في الزمان اللاحق إذا إنضم إلى عدمه قبل ذلك الثابت بالاصل تحقق مفهوم الحدوث، وقد عرفت حال الموضوع الخارجي الثابت أحد جزئي مفهومه بالاصل.


الصفحة ٦٦٧

ومما ذكرنا يعلم انه لو كان الحادث مما نعلم بإرتفاعه بعد حدوثه فلا يترتب عليه أحكام الوجود في الزمان المتأخر أيضا، لان وجوده مساو لحدوثه.نعم يترتب عليه أحكام وجوده المطلق فيزمان من الزمانين.

كما إذا علمنا أن الم‌ء لم يكن كرا قبل الخميس، فعلم أنه صار كرا بعده و ارتفع كرتيه بعد ذلك، فنقول.

الاصل عدم كريته في يوم الخميس، ولا يثبت بذلك كريته يوم الجمعة، فلا يحكم بطهارة ثوب نجس وقع فيه في أحد اليومين، لاصالة بقاء نجاسته وعدم أصل حاكم عليه.

نعم لو وقع فيه في كل من اليومين حكم بطهارته من باب إنغسال الثوب بمائين مشتبهين.

وقد يلاحظ تأخر الحادث بالقياس إلى حادث آخر، كما إذا علم بحدوث حادثين وشك في تقدم أحدهما على الاخر فإما أن يجهل تأريخهما أو يعلم تأريخ أحدهما.

فإن جهل تأريخهما فلا يحكم بتأخر أحدهما المعين عن الاخر، لان التأخر في نفسه ليس مجرى الاستصحاب، لعدم مسبوقية باليقين: وأما أصالة عدم أحدهما في زمان حدوث الاخر فهي معارضة بالمثل وحكمه التساقط مع ترتب الاثر على كل واحد من الاصلين، وسيجئ تحقيقه إن شاء الله.

وهل يحكم بتقارنهما في مقام يتصور التقارن، لاصالة عدم كل منهما قبل وجود الاخر؟ وجهان، من كون التقارن أمرا وجوديا لازما لعدم كون منهما قبل الاخر، ومن كونه من اللوازم الخفية حتى كاد يتوهم انه عبارة عن عدم تقدم أحدهما على الاخر في الوجود، وإن كان أحدهما معلوم التأريخ، فلا يحكم على مجهول التأريخ إلا بأصالة عدم وجوده في تأريخ ذلك، لا تأخر وجوده عنه بمعنى حدوثه بعده.نعم يثبت ذلك على القول بالاصل المثبت.

فإذا علم تأريخ ملاقاة الثوب للحوض وجهل تأريخ صيرورته كرا، فيقال: الاصل بقاء قلته وعدم كريته في زمان الملاقاة.

وإذا علم تأريخ الكرية حكم أيضا بأصالة عدم الملاقاة في زمان الكرية، وهكذا.

وربما يتوهم: جريان الاصل في طرف المعلوم بأن يقال: الاصل عدم وجوده في الزمان الواقعي للاخر.

ويندفع: بأن نفس وجوده غير مشكوك في زمان، وأما وجوده في زمان الاخر فليس مسبوقا بالعدم.

* * *

ثم إنه يظهر من الاصحاب هنا قولان آخران:


الصفحة ٦٦٨

أحدهما: جريان هذا الاصل في طرف مجهول التأريخ وإثبات تأخره عن معلوم التأريخ بذلك، و هو ظاهر المشهور، وقد صرح بالعمل به الشيخ وإبن حمزة والمحقق والعلامة والشهيدان وغيرهم في بعض الموارد.

منها مسألة إتفاق الوارثين على إسلام أحدهما في غرة رمضان وإختلافهما في موت المورث قبل الغره أو بعدها.

فإنهم حكموا بأن القول قول مدعي تأخر الموت.

نعم، ربما يظهر من إطلاقهم التوقف في بعض المقامات من غير تفصيل بين العلم بتأريخ أحد الحادثين وبين الجهل بهما عدم العمل بالاصل في المجهول مع علم تأريخ الاخر، كمسألة إشتباه تقدم الطهارة أو الحدث ومسألة إشتباه الجمعتين وإشتباه موت المتوارثين ومسألة إشتباه تقدم رجوع المرتهن عن الاذن في البيع على وقوع البيع أو تأخره عنه وغيره ذلك.

لكن الانصاف: عدم الوثوق بهذا الاطلاق، بل هو إما محمول على صورة الجهل بتأريخهما وأحالوا صورة العلم بتأريخ احدهما على ما صرحوا به في مقام آخر وعلى محامل أخر.

وكيف كان، فحكمهم في مسألة الاختلاف في تقدم الموت على الاسلام وتأخره مع إطلاقهم في تلك الموارد من قبيل النص والظاهر.

مع أن جماعة منهم نصوا على تقييد هذا الاطلاق في موارد، كالشهيدين في الدروس والمسالك في مسألة الاختلاف في تقدم الرجوع عن الاذن في بيع الرهن على بيعه وتأخره، والعلامة الطباطبائي في مسألة إشتباه السابق من الحدث والطهارة.

هذا مع أنه لا يخفى على متتبع موارد هذه المسائل وشببها مما يرجع في حكمها إلى الاصول أن غفلة بعضهم بل أكثرهم عن مجاري الاصول في بعض شقوق المسألة غير عزيزة.

الثاني: عدم العمل بالاصل وإلحاق صورة جهل تأريخ أحدهما بصورة جهل تأريخهما.

وقد صرح به بعض المعاصرين، تبعا لبعض الاساطين، مستشهدا على ذلك بعدم تفصيل الجماعة في مسألة الجمعتين والطهارة والحدث وموت المتوارثين مستدلا على ذلك بأن التأخر ليس أمرا مطابقا للاصل(١).

وظاهر إستدلاله إرادة ما ذكرنا، من عدم ترتيب أحكام صفة التأخر وكون المجهول متحققا بعد المعلوم.

لكن ظاهر إستشهاده بعدم تفصيل الاصحاب في المسائل المذكورة إرادة عدم ثمرة مترتبة على العلم بتأريخ أحدهما أصلا.

فإذا فرضنا العلم بموت زيد في يوم الجمعة وشككنا في حياة ولده في ذلك الزمان، فالاصل بقاء حياة ولده فيحكم له بإرث أبيه.وظاهر هذه القائل عدم

____________________

(١) راجع: جواهر الكلام، ج ٢، ٣٤٧.


الصفحة ٦٦٩

الحكم بذلك وكون حكمه حكم الجهل بتأريخ موت زيد أيضا في عدم التوارث بينهما.

وكيف كان فإن أراد القائل ترتيب آثار تأخر ذلك الحادث، كما هو المشهور، فإنكاره في محله، وإن أراد عدم جواز التمسك بإستصحاب عدم ذلك الحادث ووجود ضده وترتيب جميع آثاره الشرعية في زمان الشك، فلا وجه لانكاره، إذ لا يعقل الفرق بين مستصحب علم بإرتفاعه في زمان وما لم يعلم.

وأما ما ذكره من عدم تفصيل الاصحاب في مسألة الجمعتين وأخواتها فقد عرفت ما فيه.

فالحاصل: أن المعتبر في مورد الشك في تأخر حادث آخر إستصحاب عدم الحادث في زمان حدوث الاخر: فإن كان زمان حدوثه معلوما فيجري أحكام بقاء المستصحب في زمان الحادث المعلوم لا غيرها.

فإذا علم بتطهره في الساعه الولى من النهار وشك في تحقق الحدث قبل تلك الساعه أو بعدها، فالاصل عدم الحدث فيما قبل الساعة.

لكن لا يلزم من ذلك إرتفاع الطهارة التحققة في الساعة الاولى، كما تخيله بعض الفحول.

وإن كان مجهولا كان حكمه حكم احد الحادثين المعلوم حدوث احدهما إجمالا.وسيجئ توضيحه.

واعلم: أنه قد يوجد شئ في زمان ويشك في مبدئه، ويحكم بتقدمه، لان تأخره لازم لحدوث حادث آخر قبله والاصل عدمه وقد يسمى ذلك بالاستصحاب القهقرى.

مثاله: أنه إذا ثبت أن صيغة الامر حقيقة في الوجوب في عرفنا وشك في كونها كذلك قبل ذلك حتى يحمل خطابات الشارع على ذلك، فيقال: مقتضى الاصل كون الصيغة حقيقة فيه في ذلك الزمان بل قبله، إذ لو كان في ذلك الزمان حقيقة في غيره لزم النقل وتعدد الوضع، والاصل عدمه.وهذا إنما يصح بناء على الاصل المثبت.

وقد إستظهرنا سابقا أنه متفق عليه في الاصول اللفظية.ومورده صورة الشك في وحدة المعنى وتعدده.

أما إذا علم التعدد وشك في بمدأ حدوث الوضع المعلوم في زماننا فمقتضى الاصل عدم ثبوته قبل الزمان المعلوم.

ولذا اتفقوا في مسألة الحقيقة الشرعية على أن الاصل فيها عدم الثبوت.


الصفحة ٦٧٠

الامر الثامن قد يستصحب صحة العبادة عند الشك في طرو مفسد، كفقد ما يشك في إعتبار وجوده في العبادة أو وجود ما يشك في إعتبار عدمه.

وقد إشتهر التمسك بها بين الاصحاب، كالشيخ والحلي والمحقق والعلامة وغيرهم.

وتحقيقه وتوضيح مورد جريانه: أنه لا شك ولا ريب في أن المراد بالصحه المستصحبة ليس صحة مجموع العمل، لان الفرض التمسك به عند الشك في الاثناء.

وأما صحة الاجزاء السابقة فالمراد بها إما موافتقها للامر المتعلق بها وإما ترتيب الاثر عليها.

أما موافقتها للامر المتعلق بها فالمفروض أنها متيقنة، سواء فسد العمل أم لا، لان فساد العمل لا يوجب خروج الاجزاء المأتي بها على طبق الامر المتعلق بها عن كونها كذلك، ضرورة عدم إنقلاب الشئ عما وجد عليه.

وأما ترتيب الاثر، فليس الثابت منه للجزء من حيث أنه جزء إلا كونه بحيث لو ضم إليه الاجزاء الباقية مع الشرائط المعتبرة لالتأم الكل في مقابل الجزء الفاسد.وهو الذي لا يلزم من ضم باقي الاجزاء والشرائط إليه وجود الكل.

ومن المعلوم: أن هذا الاثر موجود في الجزء دائما، سواء قطع بضم الاجزاء الباقية أم قطع بعدمه، أم شك في ذلك.

فإذا شك في حصول الفساد من غير جهة تلك الاجزاء فالقطع ببقاء صحة تلك الاجزاء لا ينفع في تحقق الكل مع وصف هذا الشك فضلا عن إستصحاب الصحة.

مع ما عرفت من أنه ليس الشك في بقاء صحة تلك الاجزاء بأي معنى اعتبر من معاني الصحة.

ومن هنا رد هذا الاستصحاب جماعة من المعاصرين ممن يرى حجيه الاستصحاب مطلقا.

لكن التحقيق: التفصيل بين موارد التمسك.

بيانه: أنه قد يكون الشك في الفساد من جهة


الصفحة ٦٧١

احتمال فقد أمر معتبر أو وجود أمر مانع.

وهذا هو الذي لا يعتنى فيه نفيه بإستصحاب الصحة، لما عرفت من أن فقد بعض ما يعتبر من الامور اللاحقة لا يقدح في صحة الاجزاء السابقة، وقد يكون من جهة عروض ما ينقطع معه الهيئة الاتصالية المعتبرة في الصلاة.

فإنا استكشفنا من تعبير الشارع عن بعض ما يعتبر عدمه في الصلاة بالقواطع أن للصلاة هيئة إتصالية ينافيها توسط بعض الاشياء في خلال أجزائها الموجب لخروج الاجزاء اللاحقة عن قابلية الانضمام والاجزاء السابقة عن قابلية الانضمام إليها، فإذا شك في شئ من ذلك وجودا أو صفة، جرى إستصحاب صحة الاجزاء، بمعنى بقائها على القابلية المذكورة: فيتفرع على ذلك عدم وجوب إستينافها أو إستصحاب الاتصال الملحوظ بين الاجزاء السابقة وما يلحقها من الاجزاء الباقية فيتفرع عليه بقاء الامر بالاتمام.

وهذا الكلام وإن كان قابلا للنقض والابرام، إلا أن الاظهر بحسب المسامحة العرفية في كثير من الاستصحابات جريان الاستصحاب في المقام.

وربما يتمسك في مطلق الشك في الفساد بإستصحاب حرمة القطع ووجوب المضي.

وفيه: أن الموضوع في هذا المستصحب هوالفعل الصحيح لا محالة، والمفروض الشك في الصحة.

وربما يتمسك في إثبات الصحة في محل الشك بقوله تعالى، (ولا تبطلوا أعمالكم)(١)، وقد بينا عدم دلالة الاية على هذا المطلب في أصل البراء‌ة عند الكلام في مسألة الشك في الشرطية، وكذلك التمسك بما عداها من العمومات المقتضية للصحة.

____________________

(١) محمد: ٣٣.


الصفحة ٦٧٢

الامر التاسع لا فرق في المستصحب بين أن يكون من الموضوعات الخارجية أو اللغوية أو الاحكام الشرعية العملية، أصولية كانت أو فرعية.

وأما الشرعية الاعتقادية، فلا يعتبر الاستصحاب فيها، لانه إن كان من باب الاخبار فليس مؤداها إلا الحكم على ما كان معمولا به على تقدير اليقين به، والمفروض أن وجوب الاعتقاد بشئ على تقدير اليقين به لا يمكن الحكم به عند الشك لزوال الاعتقاد فلا يعقل التكليف، وإن كان من باب الظن فهو مبني على إعتبار الظن في أصول الدين، بل الظن غير حاصل فيما كان المستصحب من العقائد الثابتة بالعقل أو النقل القطعي، لان الشك إنما ينشأ من تغير بعض ما يحتمل مدخليته وجودا أو عدما في المستصحب.

نعم لو شك في نسخه أمكن دعوى الظن لو لم يكن إحتمال النسخ ناشيا عن إحتمال نسخ أصل الشريعة، لا نسخ الحكم في تنلك الشريعة.

أما الاحتمال الناشي عن إحتمال نسخ الشريعة فلا يحصل الظن بعدمه، لان نسخ الشرايع، بخلاف نسخ الحكم في شريعة واحدة، فإن الغالب بقاء الاحكام.

ومما ذكرنا يظهر أنه لو شك في نسخ اصل الشريعة لم يجز التمسك بالاستصحاب لاثبات بقائها.

مع أنه لو سلمنا حصول الظن فلا دليل على حجيته حينئذ لعدم مساعدة العقل عليه وإن انسد باب العلم لامكان الاحتياط إلا فيما لا يمكن.

والدليل النقلي الدال عليه لا يجدي، لعدم ثبوت الشريعة السابقة ولا اللاحقة.

فعلم مما ذكرنا أن ما يحكى من تمسك بعض أهل الكتاب في مناظرة بعض الفضلاء السادة بإستصحاب شرعه، مما لا وجه له.

إلا أن يريد جعل البينة على المسلمين في دعوى الشريعة الناسخة، إما لدفع كلفة الاستدلال عن نفسه، وإما لابطال دعوى المدعى، بناء على أن مدعي


الصفحة ٦٧٣

الدين الجديد كمدعي النبوة يحتاج إلى برهان قاطع.

فعدم الدليل القاطع للعذر على الدين الجديد كالنبي الجديد دليل قطعي على عدمه بحكم العادة، بل العقل، فغرض الكتابي إثبات حقيقة دينه بأسهل الوجهين.

* * *

ثم إنه قد أجيب عن إستصحاب الكتابي المذكور بأجوبة.

منها: ما حكي عن بعض الفضلاء المناظرين له، وهو أنا نؤمن ونعترف بنبوة كل موسى و عيسى أقر بنبوة نبينا، صلى الله عليه وآله، وكافر بنبوة كل من لم يقر ذلك.وهذا مضمون ما ذكره مولانا الرضا، عليه السلام، في جواب الجاثليق.

وهذا الجواب بظاهره مخدوش بما عن الكتابي، من أن موسى بن عمران أوعيسى بن مريم شخص واحد وجزئي حقيقي اعترف المسلمون وأهل الكتاب بنبوته، فعلى المسلمين نسخها.

وأما ما ذكره الامام، عليه السلام، فلعله أراد به غير ظاهره بقرينة ظاهرة بينه وبين الجاثليق، وسيأتي ما يمكن أن يؤول به.

ومنها: ما ذكره بعض المعاصرين، من: (أن إستصحاب النبوة معارض بإستصحاب عدمها الثابت قبل حدوث اصل النبوة) بناء على أصل فاسد تقدم حكايته عنه وهو أن الحكم الشرعي الموجود يقتصر فيه على القدر المتيقن وبعده يتعارض إستصحاب وجوده وإستصحاب عدمه.وقد أوضحنا فساده بما لا مزيد عليه.

ومنها: ما ذكره في القوانين، بانيا له على ما تقدم منه في الامر الاول من: (أن الاستصحاب مشروط بمعرفة إستعداد المستصحب، فلا يجوز إستصحاب حياة الحيوان المردد بين حيوانين مختلفين في الاستعداد بعد إنقضاء مدة إستعداد أقلهما إستعداد.

- قال: - إن موضوع الاستصحاب لا بد أن يكون متعينا حتى يجري على منواله، ولم يتعين هنا إلا النبوة في الجملة، وهي كلي من حيث أنها قابلة للنبوة إلى آخر الابد، بأن يقول الله، جل ذكره، لموسى عليه السلام: (أنت نبي وصاحب دين إلى آخر الابد)، ولان يكون إلى زمان محمد، صلى الله عليه وآله، وأن يكون غيره مغيا بغاية، بأن يقول: (أنت نبي) بدون أحد القيدين فعلى

____________________

(١) السيد باقر القزويني (بحر الفوائد، ج ٣، ص ١٥٠).

(٢) مناهج الاحكام، ص ٢٣٩


الصفحة ٦٧٤

الخصم أن يثبت إما التصريح بالامتداد إلى آخر الابد أو الاطلاق.

ولا سبيل إلى الاول، مع أنه يخرج عن الاستصحاب، ولا إلى الثاني، لان الاطلاق في معنى القيد، فلا بد من إثباته.

ومن المعلوم أن مطلق النبوة غير النبوة المطلقة.

والذي يمككن إستصحابه هو الثاني دون الاول، إذ الكلي لا يمكن إستصحابه إلا بما يمكن من بقاء أقل افراده)(١)، إنتهى موضع الحاجة.

وفيه: أولا، ما تقدم من عدم توقف جريان الاستصحاب على إحراز إستعداد المستصحب وثانيا، أن ما ذكره من أن الاطلاق غير ثابت، لانه في معنى القيد غير صحيح، لان عدم التقييد مطابق للاصل.

نعم المخالف للاصل الاطلاق بمعنى المعموم الراجع إلى الدوام.

والحاصل، أن هنا في الواقع ونفس الامر نبوة مستدامة إلى آخر الابد ونبوة مغياة إلى وقت خاص، ولا ثالث لهما في الواقع.

فالنبوة المطلقة بمعنى غير المقيدة ومطلق النبوة سيان في التردد بين الاستمرار والتوقيت.

فلا وجه لاجراء الاستصحاب على أحدهما دون الاخر، إلا أن يريد بقرينة ما ذكره بعد ذلك من أن المراد من مطلقات كل شريعة بحكم الاستقراء الدوام والاستمرار إلى أن يثبت الرافع -: أن المطلق في حكم الاستمرار.

فالشك فيه شك في الرافع.

بخلاف مطلق النبوة، فإن إستعداده غير محرز عند الشك، فهو من قبيل الحيوان المردد بين مختلفي الاستعداد.

وثالثا، أن ما ذكره منقوض بالاستصحاب في الاحكام الشرعية لجريان ما ذكره في كثير منها بل في أكثرها.

وقد تفطن لورود هذا عليه ودفعه بما لا يندفع به فقال: (إن التتبع والاستقراء يحكمان بأن غالب الاحكامإ الشرعية في غير ما ثبت له حد ليس بآنية ولا محدودة إلى حد معين وأن الشارع إكتفى فيما ورد عنه مطلقا في إستمراره.

فإن من تتبع أكثر الموارد وإستقرأها يحصل الظن القوي بأن مراده من تلك المطلقات هو الاستمرار ويظهر من الخارج أنه أراد الاستمرار إلى أن يثبت الرافع من دليل عقلي أو نقلي)(٢)، إنتهى.

ولا يخفى ما فيه: أما أولا، فلان مورد النقض لا يختص بما شك في رفع الحكم الشرعي الكلي، بل قد يكون الشك لتبدل ما يحتمل مدخليته في بقاء الحكم، كتغير الماء للنجاسة.

____________________

(١) القوانين المحكمة، ج ٢، ص ٧٠.

(٢) القوانين المحكمة، ج ٢، ص ٧٣.


الصفحة ٦٧٥

وأما ثانيا، فلان الشك في رفع الحكم الشرعي إنما هو بحسب ظاهر دليله الظاهر في الاستمرار بنفسه أو بمعونة القرائن، مثل الاستقراء الذي ذكره في المطلقات.

لكن الحكم الشرعي الكلي في الحقيقة إنما يرتفع بتمام إستعداده حتى في النسخ فضلا عن نحو الخيار المردد بين كونه على الفور أو التراخي.والنسخ أيضا رفع صوري وحقيقة إنتهاء إستعداد الحكم.

فالشك في بقاء الحكم الشرعي لا يكون إلا من جهة الشك في مقدار إستعداده، نظير الحيوان المجهول إستعداده.

وأما ثالثا، فلان ما ذكره من حصول الظن بإرادة الاستمرار من الاطلاق لم تم يكون دليلا إجتهاديا مغنيا في نفسه عن التمسك بالاستصحاب.

فإن التحقيق: أن الشك في نسخ الحكم المدلول عليه بدليل ظاهر في نفسه أو بمعونة دليل خارجي في الاستمرار ليس موردا للاستصحاب، لوجود الدليل الاجتهادي في مورد الشك وهو ظن الاستمرار.

نعم هو من قبيل إستصحاب حكم العامة إلى أن يرد المخصص، وهوليس إستصحابا في حكم شرعي، كما لا يخفى.

ثم إنه، قدس سره، أورد على ما ذكره من قضاء التتبع بغلبة الاستمرار في ما ظاهره الاطلاق -: بأن النبوة أيضا من تلك الاحكام.

ثم أجاب: بأن غالب النبوات محدودة.والذي ثبت علينا إستمراره نبوة نبينا، صلى الله عليه وآله.

ولا يخفى: ما في هذا الجواب.

أما أولا، فلان نسخ أكثر النبوات لا يستلزم تحديدها.فللخصم أن يدعي ظهور أدلتها في أنفسها أو بمعونة الاستقراء في الاستمرار.فانكشف نسخ ما نسخ وبقي ما لم يثبت نسخه.

وأما ثانيا، فلان غلبة التحديد في النبوات غير مجدية، للقطع بكون إحداهما مستمرة.

فليس ما وقع الكلام في إستمراره أمرا ثالثا يتردد بين إلحاقه بالغالب، وإلحاقه بالنادر، بل يشك في أنه الفرد إ النادر أو النادر غيره، فيكون هذا محلقا بالغالب.والحاصل أن هنا أفرادا وفردا نادرا.

وليس هنا مشكوك قابل اللحوق بأحدهما، بل الامر يدور بين كونه هذا الفرد النادر أو ما قبله الغالب، بل قد يثبت بأصالة عدم ما عداه كون هذا هو الاخير المغاير للباقي.

ثم أورد، قدس سره، على نفسه بجواز إستصحاب أحكام الشريعة السابقة المطلقة.

وأجاب: بأن إطلاق الاحكام مع إقترانها ببشارة مجئ بنينا، صلى الله عليه وآله.

وربما يود عليه: أن الكتابي لا يسلم البشارة المذكورة حتى يضره في التمسك بالاستصحاب


الصفحة ٦٧٦

ولا ينفعه.

ويمكن توجيه كلامه: بأن المراد أنه إذا لم ينفع الاطلاق مع إقترانها بالبشارة، فإذا فرض قضية نبوته مهملة غير دالة إل على مطلق النبوة، فلا ينفع الاطلاق بعد العلم بتبعية تلك الاحكام لمدة النبوة، فإنها تصير أيضا حينئذ مهملة.

ثم إنه يمكن الجواب عن الاستصحاب المذكور بوجوه: الاول: أن المقصود من التمسك به إن كان الاقتناع به في العمل عند الشك، فهو مع مخالفته للمحكي عنه من قوله: (فعليكم كذا وكذا)، فإنه ظاهر في أن غرضه الاسكات والالزام فاسد جدا، لان العمل به على تقدير تسليم جوازه غير جائز إلا بعد الفحص والبحث.

وحينئذ يحصل العلم بأحد الطرفين بناء على ما ثبت من إنفتاح باب العلم في مثل هذه المسألة.

كما يدل عليه النص الدال على تعذيب الكفار والاجماع المدعى على عدم معذورية الجاهل، خصوصا في هذه المسألة، خصوصا من مثل هذا الشخص الناشي في بلاد الاسلام.وكيف كان فلا يبقى مجال للتسمك بالاستصحاب.

وإن اراد به الاسكات والالزام، ففيه: أن الاستصحاب ليس دليلا إسكاتيا، لانه فرع الشك وهو أمر وجداني كالقطع لا يلتزم له أحد.

وإن أراد بيان أن مدعي إرتفاع الشريعة السابقة ونسخها محتاج إلى الاستدلال، فهو غلط، لا مدعي البقاء في مثل المسألة أيضا يحتاج إلى الاستدلال عليه.

الثاني: أن إعتبار الاستصحاب إن كان من باب الاخبار، فلا ينفع.

الكتابي التمسك به، لان ثبوته في شرعنا مانع عن إستصحاب النبوة، وثبوته في شرعهم غير معلوم.

نعم لو ثبت ذلك من شريعتهم أمكن التمسك به، لصيرورته حكما إلهيا غير منسوخ يجب تعبد الفريقين به.

وإن كان من باب الظن، فقد عرفت في صدر البحث أن حصول الظن ببقاء الحكم الشرعي الكلي ممنوع جدا.

وعلى تقديره فالعمل بهذا الظن في مسألة النبوة ممنوع.

وإرجاع الظن بها إلى الظن بالاحكام الكلية الثابتة في تلك الشريعة أيضا لا يجدي لمنع الدليل على العمل بالظن، عدا دليل الانسداد الغير الجاري في المقام مع التمكن من التوقف والاحتياط في العمل، ونفي الحرج لا دليل عليه في الشريعة السابقة، خصوصا بالنسبة إلى قليل من الناس ممن لم يحصل له العلم بعد الفحص والبحث.

ودعوى (قيام الدليل الخاص على إعتبار هذا الظن، بالتقريب الذي ذكره بعض المعارصرين،


الصفحة ٦٧٧

من أن شرائع الانبياء السلف وإن كانت لم تثبت على سبيل الاستمرار، لكنها في الظاهر لم تكن محدودة بزمن معين، بل بمجئ النبي اللاحق.ولا ريب أنها تستصحب ما لم تثبت نبوة اللاحق.

ولولا ذلك لاختل على الامم السابقة نظام شرائعهم من حيث تجويزهم في كل زمان ظهور نبي ولو في الاماكن البعيدة، فلا يستقر لهم البناء على أحكامهم).

مدفوعة: بأن إستقرار الشرائع لم يكن بالاستصحاب قطعا، وإلا لزم كونهم شاكين في حقية شريعتهم ونبوة نبيهم في أكثر الاوقات، لما تقدم، من أن الاستصحاب بناء على كونه من باب الظن لا يفيد الظن الشخصي في كل مورد.

وغاية ما يستفاد من بناء العقلاء في الاستصحاب هي ترتيب الاعمال المترتبة على الدين السابق دون حقيقة دينهم ونبوة نبيهم التي هي من أصول الدين.

فالاظهر أن يقال: إنهم كانوا قاطعين بحقيقة دينهم من جهة بعض العلامات التي أخبرهم بها النبي السابق، نعم بعد ظهور النبي الجديد الظاهر كونهم شاكين في دينهم مع بقائهم على الاعمال.

وحينئذ فللمسلمين أيضا أن يطالبوا اليهود بإثبات حقية دينهم لعدم الدليل لهم عليها وإن كان لهم الدليل على البقاء على الاعمال في الظاهر، فتأمل.

الثالث: أنا لم نجزم بالمستصحب وهي نبوة موسى أو عيسى إلا بأخبار نبينا، صلى الله عليه وآله وسلم، ونص القرآن.

وحينئذ فلا معنى للاستصحاب.

ودعوى: (أن النبوة موقوفة على صدق نبينا " ص " لا على نبوته)، مدفوعة: بأنا لم نعرف صدقه إلا من حيث نبوته.

والحاصل، أن الاستصحاب موقوف على تسالم المسلمين وغيرهم عليه، لا من جهة النص عليه في هذه الشريعة.

وهو مشكل، خصوصا بالنسبة إلى عيسى، عليه السلام، لامكان معارضة قول النصارى بتكذيب اليهود.

الرابع: أن مرجع النبوة المستصحبة ليس إلا وجوب التدين بجميع ما جاء به ذلك النبي.

وإلا فأصل صفة النبوة أمر قائم بنفس النبي صلى الله عليه وآله، لا معنى لاستصحابه لعدم قابليته للارتفاع أبدا.

ولا ريب أنا قاطعون بأن من أعظم ما جاء به النبي السابق الاخبار بنبوة بنينا " ص "، كما يشهد به الاهتمام بشأنه في قوله تعالى حكاية عن عيسى: (إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين


الصفحة ٦٧٨

يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)(١)، فيكون كل ما جاء به من الاحكام فهو في الحقيقة مغيا بمجئ نبينا " ص " فدين عيسى عليه السلام المختص به عبارة عن مجموع أحكام مغياة إجمالا بمجئ نبينا " ص".

ومن المعلوم: أن الاعتراف ببقاء ذلك الدين لا يضر المسلمين فضلا عن إستصحابه.فإن أراد الكتابي دينا غير هذه الجملة المغياة إجمالا بالبشارة المذكورة، فنحن منكرون له.وإن أراد هذه الجملة فهو عين مذهب المسلمين، وفي الحقيقة بعد كون أحكامهم مغياة لا رفع حقيقة.ومعنى النسخ إنتهاء مدة الحكم المعلومة إجمالا.

فإن قلت: لعل مناظرة الكتابي في تحقق الغاية المعلومة وأن الشخص الجائي هو المبشر به أم لا فيصح تمسكه بالاستصحاب.

قلت: المسلم هو الدين المغيا بمجئ هذا الشخص الخاص، لا بمجئ موصوف كلي حتى يتكلم في إنطباقه على هذا الشخص ويتمسك بالاستصحاب.

الخامس: أن يقال: إنا، معاشر المسلمين، لما علمنا أن النبي السالف أخبر بمجئ نبينا، وأن ذلك كان واجبا عليه، ووجوب الاقرار به والايمان به متوقف على تبليغ ذلك إلى رعيته، صح لنا أن نقول: إن المسلم نبوة النبي السالف على تقدير تبيلغ نبوة نبينا " ص " والنبوة القديرية لا تضرنا ولا تنفعهم في بقاء شريعتهم.

ولعل هذا الجواب يرجع إلى ما ذكره الامام أبوالحسن الرضا، صلوات الله عليه، في جواب الجاثليق، حيث قال له عليه السلام: (ما تقول في نبوة عيسى وكتابه، هل تنكر منهما شيئا؟ قال عليه السلام: أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقر به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد " ص " وكتابه ولم يبشر به أمته.

ثم قال الجاثليق: أليس تقطع الاحكام بشاهدي عدل، قال عليه السلام: بلى.

قال الجاثليق: فأقم شاهدين عدلين من غير أهل ملتك على نبوة محمد " ص " ممن لا ينكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.

قال عليه السلام: (الآن جئت بالنصفة يا نصراني !).

ثم ذكر، عليه السلام، أخبار خواص عيسى " ع " بنبوة محمد " ص "(٢).

____________________

(١) الصف: ٦.

(٢) عيون أخبار الرضا، ص ١٢٨.


الصفحة ٦٧٩

ولا يخفى: أن الاقرار بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته لا يكون حاسما لكلام الجاثليق، إلا إذا أريد المجموع من حيث المجموع بجعل الاقرار بعيسى " ع " مرتبطا بتقدير بشارته المذكورة.

ويشهد له قوله، عليه السلام، بعد ذلك: (كافر بنبوة كل عيسى لم يقر ولم يبشر).

فإن هذا في قوة مفهوم التعليق المستفاد من الكلام السابق.

وأما إلتزامه، عليه السلام، بالبينة على دعواه فلا يدل على تسليمه الاستصحاب وصيرورته مثبتا بمجرد ذلك.

بل لانه، عليه السلام، من أول المناظرة ملتزم بالاثبات.

وإلا فالظاهر المؤيد بقول الجاثليق (وسلمنا مثل ذلك) كون كل منهما مدعيا، إلا أن يريد الجاثليق ببينته نفس الامام وغيره من المسلمين المعترفين بنبوة عيسى " ع " إذ لا بينة له ممن لا ينكره المسلمون سوى ذلك، فافهم.


الصفحة ٦٨٠

الامر العاشر إن الدليل الدال على الحكم في الزمان السابق،، وكقوله: (لا تهن فقيرا)، حيث أن النهي للدوام، وإما أن يكون مبينا لعدمه، نحو قوله: (أكرم العلماء إلى أن يفسقوا)، بناء على مفهوم الغاية، وإما أن يكون غير مبين لحال الحكم في الزمان الثاني نفيا وإثباتا إما لاجماله، كما إذا أمر بالجلوس إلى الليل، مع تردد الليل بين إستتار القرص وذهاب الحمرة، وإما لقصور دلالته، كما إذا قال: (إذا تغير الماء نجس)، فإنه لا يدل على أزيد من حدوث النجاسة في الماء، ومثل الاجماع المنعقد على حكم في زمان، فإن الاجماع لا يشمل ما بعد ذلك الزمان.

ولا إشكال في جريان الاستصحاب في هذا القسم الثالث.

وأما القسم الثاني، فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب فيه، لوجود الدليل على إرتفاع الحكم في الزمان الثاني.

وكذلك القسم الاول، لان عموم اللفظ للزمان اللاحق كاف ومغن عن الاستصحاب، بل مانع عنه، إذ المعتبر في الاستصحاب عدم الدليل ولو على طبق الحالة السابقة.

فإذا فرض خروج بعض الافراد في بعض الازمنة عن هذا العموم فشك فيما بعد ذلك الزمان المخرج بالنسبة إلى ذلك الفرد هل هو ملحق به في الحكم أو ملحق بما قبله؟ الحق هو التفصيل في المقام، بأن يقال: إن أخذ فيه عموم الازمان أفراديا، بأن أخذ كل زمان موضوعا مستقلا لحكم مستقل، لينحل المعموم إلى أحكام متعددة بتعدد الازما،، كقوله: (أكرم العلماء كل يوم)، فقام الاجماع على حرمة إكرام زيد العالم يوم الجمعة.

ومثله: ما لو قال: (أكرم العلماء)، ثم قال: (لا تكرم زيدا يوم الجمعة)، إذا فرض الاستثناء قرينة على أخذ كل زمان فردا مستقلان فحينئذ يعمل عند الشك


الصفحة ٦٨١

بالعموم ولا يجري الاستصحاب، بل لو لم يكن عموم وجب الرجوع إلى سائر الاصول، لعدم قابلية المورد للاستصحاب.

وإن أخذ لبيان الاستمرار، كقوله: (أكرم العلماء دائما)، ثم خرج فرد في زمان وشك في حكم ذلك الفرد بعد ذلك الزمان، فالظاهر جريان الاستصحاب، إذ لا يلزم من ثبوت ذلك الحكم للرد بعد ذلك الزمان تخصيص زائد على التخصيص المعلوم، لان مورد التخصيص الافراد دون الازمنة، بخلاف القسم الاول.

بل لو لم يكن هنا إستصحاب لم يرجع إلى العموم، بل إلى الاصول الاخر.

ولا فرق بين إستفادة الاستمرار من اللفظ، كالمثال المتقدم، أو من الاطلاق، كقوله: (تواضع للناس)، بناء على إستفادة الاستمرار منه.

فإنه إذا خرج منه التواضع، في بعض الازمنة على وجه لا يفهم من التخصيص ملاحظة المتكلم كل زمان فردا مستقلا لمتعلق الحكم، إستصحب حكمه بعد الخروج.وليس هذا من باب تخصيص العام بالاستصحاب.

وقد صدر خلاف ما ذكرنا، من أن مثل هذا من مورد الاستصحاب وأن هذا ليس من تخصيص العام به، في موضعين:

أحدهما، ما ذكره المحقق في مسألة خيار الغبن في باب تلقي الركبان، من أنه فوري، لان عموم الوفاء بالعقود من حيث الافراد يستتبع عموم الازمان.

وحاصله: منع جريان الاستصحاب، لاجل عموم وجوب الوفاء، خرج منه أول زمان الاطلاع على الغبن وبقي الباقي.

وظاهر الشهيد الثاني في المسالك إجراء الاستصحاب في هذا الخيار.

وهو الاقوى، بناء على أنه لا يستفاد من إطلاق وجوب الوفاء إلا كون الحكم مستمرا، إلا أن الوفاء في كل زمان موضوع مستقل محكوم بوجوب مستقل، حتى يقتصر في تخصيصه على ما ثبت من جواز نقض العقد في جزء من الزمان وبقي الباقي.

نعم لو استظهر من وجوب الوفاء بالعقد عموم لا ينتفض، بجواز نقضه في زمان بالاضافة إلى غيره من الازمنة، صح ما ادعاه المحقق، قدس سره، لكنه بعيد.ولهذا يرجع إلى الاستصحاب في المسألة جماعة من متأخري المتأخرين تبعا للمسالك.

إلا أن بعضهم قيده بكون مدرك الخيار في الزمان الاول هو الاجماع، لا أدلة نفي الضرر، لاندفاع الضرر بثبوت الخيار في الزمن الاول.

ولا أجد وجها لهذا التفصيل، لان نفي الضرر إنما نفي لزوم العقد ولم يحدد زمان الجواز.

فإن كان عموم أزمنة وجوب الوفاء يقتصر في تخصيصه على ما يندفع به الضرر ويرجع في الزائد عليه إلى العموم، فالاجماع ايضا كذلك، يقتصر فيه على مقعده.

وثانيهما ما ذكره بعض من قارب عصرنا من الفحول، من: (أن الاستصحاب


الصفحة ٦٨٢

المخالف للاصل دليل شرعي مخصص للعمومات، ولا ينافيه عموم أدلة حجيته من أخبار الباب الدالة على عدم جواز نقض اليقين بغيراليقين، إذ ليس العبرة في العموم والخصوص بدليل الدليل وإلا لم يتحقق لنا في الادلة دليل خاص، لانتهاء كل دليل إلى أدلة عامة، بل العبرة بنفس الدليل.

ولا ريب أن الاستصحاب الجاري في كل مورد خاص لا يتعداه إلى غيره، فيقدم على العام، كما يقدم على غيره من الادلة.

ولذا ترى الفقهاء يستدلون على الشغل والنجاسة والتحريم بالاستصحاب في مقابلة ما دل على البراء‌ة الاصلية وطهارة الاشياء وحليتها.

ومن ذلك إستنادهم إلى إستصحاب النجاسة والتحريم في صورة الشك في ذهاب ثلثي العصير، وفي كون التحديد تحقيقيا أو تقريبيا، وفي صيرورته قبل ذهاب الثلثين دبسا إلى غير ذلك)(١)، إنتهى كلامه، على ما لخصه بعض المعاصرين.

ولا يخفى ما في ظاهره، لما عرفتمن أن مورد جريان العموم لا يجري الاستصحاب حتى لو لم يكن عموم، ومورد جريان الاستصحاب لايرجع إلى العموم ولو لم يكن إستصحاب.

ثم ما ذكره من الامثلة خارج عن مسألة تخصيص الاستصحاب للعمومات، لان الاصول المذكورة بالنسبة إلى الاستصحاب ليست من قبيل العام بالنسبة إلى الخاص، كما سيجئ في تعارض الاستصحاب مع غيره من الاصول.

نعم لو فرض الاستناد في أصالة الحلية إلى عموم حل الطيبات وحل الانتفاع بما في الارض، كان إستصحاب حرمة العصير في المثالين الاخرين مثالا لمطلبه، دون المثال الاول، لانه من قبيل الشك في موضوع الحكم الشرعي، لا في نفسه.ففي الاول يستصحب عنوان الخاص، وفي الثاني يستصحب حكمه.وهو الذي يتوهم كونه مخصصا للعموم دون الاول.

ويمكن توجيه كلامه، قدس سره: بأن مراده من العمومات بقرينة تخصيصه الكلام بالاستصحاب المخالف هي عمومات الاصول.

ومراده بالتخصيص للعمومات ما يعم الحكومة.

كما ذكرنا في أول أصالة البراء‌ة، أو غرضه أن مؤدى الاستصحاب في كل مستصحب إجراء حكم دليل المستصحب في صورة الشك.فلما كان دليل المستصحب أخص من الاصول سمي تقدمه

____________________

(١) الفصول الغروية، القول في العام والخاص، ص ٢١٣، عن بعض أفاضل متأخري المتأخرين (بحر العلوم).


الصفحة ٦٨٣

عليها تخصيصا، فالاستصحاب في ذلك متمم لحكم ذلك الدليل ومجريه في الزمان اللاحق.

فكذلك الاستصحاب بالنسبة إلى العمومات الاجتهادية، فإنه إذا خرج المستصحب من العموم بدليله، والمفروض أن الاستصحاب مجر لحكم ذلك الدليل في اللاحق، فكأنه أيضا مخصص، يعني موجب للخروج عن حكم العام، فافهم.


الصفحة ٦٨٤

الامر الحادي عشر قد أجرى بعضهم الاستصحاب في ما إذا تعذر بعض أجزاء المركب فيستصحب وجوب الباقي الممكن.

وهو بظاهره، كما صرح به بعض المحققين، غير صحيح، لان الثابت سابقا قبل تعذر بعض الاجزاء وجوب هذه الاجزاء الباقية تبعا لوجوب الكل ومن باب المقدمة، وهو مرتفع قطعا.

والذي يراد ثبوته بعد تعذر البعض هو الوجوب النفسي الاستقلالي، وهو معلوم الانتفاء سابقا.

ويمكن توجيهه، بناء على ما عرفت من جواز إبقاء القدر المشترك في بعض الموارد ولو علم بإنتفاء الفرد المشخص له سابقا، بأن المستصحب هو مطلق المطلوبية المتحققة سابقا لهذا الجزء ولو في ضمن مطلوبية الكل.

إلا أن العرف لا يرونها مغايرة في الخارج لمطلوبية الجزء في نفسه.

ويمكن توجيهه بوجه آخر، يستصحب معه الوجوب النفسي، بأن يقال: إن معروض الوجوب سابقا والمشار إليه بقولنا: (هذا الفعل كان واجبا) هو الباقي، إلا أنه يشك في مدخلية الجزء المفقود في إتصافه بالوجوب النفسي مطلقا أو في إختصاص المدخلية بحال الاختيار، فيكون محل الوجوب النفسي هو الباقي.

ووجود ذلك الجزء المفقود وعدمه عند العرف في حكم الحالات المتبادلة لذلك الواجب المشكوك في مدخلتيها.

وهذا نظير إستصحاب الكرية في ماء نقص منه مقدار فشك في بقاسه على الكرية، فيقال: هذا الماء كان كرا، والاصل بقاء كريته، مع أن هذا الشخص الموجود الباقي لم يعلم بكريته.وكذا إستصحاب القلة في ماء زيد عليه مقدار.

وهنا توجيه ثالث، وهو إستصحاب الوجوب النفسي المردد بين تعلقه سابقا بالمركب على أن يكون المفقود جزء له مطلقا فيسقط الوجوب بتعذره، وبين تعلقه بالمركب على أن يكون الجزء جزء إختياريا يبقى التكليف بعد تعذره، والاصل بقاؤه، فيثبت به تعلقه بالمركب على الوجه الثاني.


الصفحة ٦٨٥

وهذا نظير إجراء إستصحاب وجود الكر في هذا الاناء لاثبات كرية الباقي فيه.

ويظهر من فائدة مخالفة التوجيهات فيما إذا لم يبق إلا قليل من أجزاء المركبن فإنه يجري التوجيه الاول والثالث دون الثاني، لان العرف لا يساعد على فرض الموضوع بين هذا الموجود وبين جامع الكل ولو مسامحة، لان هذه المسامحة مختصة بمعظم الاجزاء الفاقد لما لا يقدح في إثبات الاسم والحكم له وفي ما لو كان المفقود شرطا، فإنه لا يجري الاستصحاب على الاول ويجري على الاخرين.

[ وحيث أن بناء العرف على الظاهر على عدم إجراء الاستصحاب في فاقد الشرط لفاقد الجزء في هذا الحكم أمكن جعله كاشفا عن عدم إستقامة التوجيه الاول.] وحيث أن بناء العرف على عدم إجراء الاستصحاب في فاقد معظم الاجزاء وإجرائه في فاقد الشرط كشف عن فساد التوجيه الاول، وحيث أن بناء‌هم على إستصحاب نفس الكرية دون الذات المتصفة بها كشف عن صحه الاول من الاخيرين وقد عرفت أنه لولا المسامحة العرفية في المستصحب وموضوعه لم يتم شئ من الوجهين.

وأما الوجه الثالث فهو مبني على الاصل المثبت وستعرف بطلانه، فتعين الوجه الثاني.

لكن الاشكال بعد في الاعتماد على هذه المسامحة العرفية المذكورة.إلا أن الظاهر أن إستصحاب الكرية من المسلمات عند القائلين بالاستصحاب.والظاهر عدم الفرق.

ثم إنه لا فرق، بناء على جريان الاستصحاب، بين تعذر الجزء بعد تنجز التلكيف، كما إذا زالت الشمس، متمكنا من جميع الاجزاء ففقد بعضها، وبين ما إذا فقده قبل الزوال، لان المستصحب هو الوجوب النوعي المنجز على تقدير إجتماع شرائطه، لا الشخصي المتوقف على تحقق الشرائط فعلا، نعم هنا اوضح.

وكذا لا فرق، بناء على عدم الجريان، بين ثبوت جزئية المفقود بالدليل الاجتهادي وبين ثبوتها بقاعدة الاشتغال.

وربما يتخيل: أنه لا إشكال في الاستصحاب في القسم الثاني، لان وجوب الاتيان بذلك الجزء لم يكن إلا لوجوب الخروج عن عهدة التكليف.وهذا بعينه مقتض لوجوب الاتيان بالباقي بعدذ تعذر الجزء.

وفيه: ما تقدم، من أن وجوب الخروج عن عهدة التكليف بالمجمل إنما هو بحكم العقل لا بالاستصحاب، والاستصحاب لا ينفع إلا بناء على الاصل المثبت.

ولو قلنا به لم يفرق بين ثبوت الجزء بالدليل أو بالاصل، لما عرفت من جريان إستصحاب بقاء أصل التكليف وإن كان بينهما


الصفحة ٦٨٦

فرق من حيث أن إستصحاب التكليف في المقام من قبيل إستصحاب الكلي المتحقق سابقا في ضمن فرد معين بعد العلم بإرتفاع ذلك الفرد المعين وفي إستصحاب الاشتغال من قبيل إستصحاب الكلي المتحقق في ضمن المردد بين المرتفع والباقي، وقد عرفت عدم جريان الاستصحاب في الصورة الاولى، إلا في بعض مواردها بمساعدة العرف.

ثم اعلم أنه نسب إلى الفاضلين، قدس سرهما، التمسك بالاستصحاب في هذه المسألة وفي مسأله الاقطع.

والمذكور في المعتبر والمنتهى: (الاستدلال على وجوب الغسل غسل ما بقي من اليد المقطوعة مما دون المرفق أن غسل الجميع بتقدير وجود ذلك البعض واجب.

فإذا زال البعض لم يسقط الاخر)(١)، إنتهى.

وهذا الاستدلال يحتمل أن يراد منه مفاد قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور)، ولذا أبدله في الذكرى بنفس القاعدة، ويحتمل أن يراد منه الاستصحاب، بأن يراد منه هذا الموجود بتقدير وجود المفقود في زمان سابق واجب.

فإذا زال البعض لم يعلم سقوط الباقي والاصل عدمه أو لم يسقط بحكم الاستصحاب، ويحتمل أن يراد به التمسك بعموم ما دل على وجوب كل من الاجزاء من غيره مخصص له بصورة التمكن من الجميع، لكنه ضعيف إحتمالا ومحتملا.

____________________

(١) المعتبر، ص ٣٩.


الصفحة ٦٨٧

الامر الثاني عشر إنه لا فرق في إحتمال خلاف الحالة السابقة بين أن يكون مساويا لاحتمال بقائه أو راجحا عليه بأمارة غير معتبرة.

ويدل عليه وجوه:

الاول: الاجماع القطعي على تقدير إعتبار الاستصحاب من باب الاخبار.

الثاني: (أن المراد بالشك في الروايات معناه اللغوي، وهو خلاف اليقين، كما في الصحاح.

ولا خلاف فيه ظاهرا.

ودعوى: (إنصراف المطلق في الروايات إلى معناه الاخص، وهو الاحتمال.

المساوي)، لا شاهد لها.

بل يشهد بخلافها مضافا إلى تعارف إطلاق الشك في الاخبار على المعنى الاعم موارد من الاخبار: منها: مقابلة الشك باليقين في جميع الاخبار.

ومنها: قوله في صحيحة زرارة الاولى: (فإن حرك إلى جنبه شئ وهو لا يعلم به)، فإن ظاهره فرض السؤال فيما كان معه أمارة النوم.

ومنها: قوله عليه السلام: (لا، حتى يستيقن)، حيث جعل غاية وجوب الوضوء الاستيقان بالنوم ومجئ أمر بين منه.

ومنها: قوله عليه السلام: (ولكن ينقضه بيقين آخر)، فإن الظاهر سوقه في مقام بيان حصر ناقض اليقين باليقين.

ومنها قوله عليه السلام في صحيحة زرارة الثانية: (فلعله شئ أوقع عليك، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك)، فإن كلمة (لعل) ظاهرة في مجرد الاحتمال، خصوصا مع وروده في


الصفحة ٦٨٨

مقام إبداء ذلك، كما في المقام، فيكون الحكم متفرعا عليه.

ومنها: تفريع قوله عليه السلام: (صم للرؤية وأفطر للرؤية)، على قوله عليه السلام: (اليقين لا يدخله الشك).

الثالث: أن الظن الغير المعتبر إن علم بعدم إعتباره بالدليل، فمعناه أن وجوده كعدمه عند الشارع، وأن كل ما يترتب شرعا على تقدير عدمه فهو المترتب على تقدير وجوده، وإن كان مما شك في إعتباره.

فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه إلى نقض اليقين بالشك، فتأمل جدا.

هذا كله على تقدير إعتبار الاستصحاب من باب التعبد المستنبط من الاخبار.

وأما على تقدير إعتباره من باب الظن الحاصل من تحقق المستصحب في السابق، فظاهر كلماتهم أنه لا يقدح فيه أيضا وجوده الامارة الغير المعتبرة، فيكون العبرة فيه عندهم بالظن النوعي وإن كان الظن الشخصي على خلافه.

ولذا تمسكوا به في مقامات غير محصورة على الوجه الكلي من غير إلتفات إلى وجود الامارات الغير المعتبرة في خصوصيات الموارد.

واعلم: أن الشهيد، قدس سره، في الذكرى، بعدما ذكر مسألة الشك في تقدم الحدث على الطهارة، قال: (تنبيه: قولنا (اليقين لا يرفعه الشك)، لا نعني به إجتماع اليقين والشك في زمان واحد، لامتناع ذلك.

ضرورة أن الشك في أحد النقيضين يرفع يقين الاخر.

بل المعني به أن اليقين الذي كان في الزمن الاول لا يخرج عن حكمه بالشك في الزمان الثاني، لاصالة بقاء ما كان على ما كان، فيؤول إلى إجتماع الظن والشك في الزمان الواحد، فيرجح الظن عليه، كما هو مطرد في العبادات وغيرها)(١)، إنتهى.

ومراده من الشك معناه اللغوي، وهو مجرد الاحتمال المنافي لليقين، فلا ينافي ثبوت الظن الحاصل من أصالة بقاء ما كان.فلا يرد ما أورد عليه من أن الظن كاليقين في عدم الاجتماع مع الشك.

نعم يرد، على ما ذكرنا من التوجيه، أن الشهيد قدس سره، في مقام دفع ما يتوهم من التناقض المتوهم في قولهم: (اليقين لا يرفعه الشك).ولا ريب أن الشك الذي حكم بأنه لا يرفع

____________________

(١) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص ٩٨.


الصفحة ٦٨٩

اليقين، ليس المراد منه الاحتمال الموهوم، لانه إنما يصير موهوما بعد ملاحظة بقاء أصالة بقاء ما كان.

نظير المشكوك الذي يراد إلحاقه بالغالب، فإنه يصير مظنونا بعد ملاحظة الغلبة وعلى تقدير إرادة الاحتمال الموهوم، كما ذكره المدقق الخوانساري.

فلا يندفع به توهم إجتماع الوهم واليقين المستفاد من عدم رفع الاول للثاي وإرادة اليقين السابق.

والشك اللاحق يغني عن إرادة خصوص الوهم من الشك.

وكيف كان، فما ذكره المورد من إشتراك الظن واليقين في عدم الاجتماع مع الشك مطلقا في محله.

فالاولى أن يقال: إن قولهم: (اليقين لا يرفعه الشك)، لا دلالة فيه على إجتماعهما في زمان واحد إلا من حيث الحكم في تلك القضية بعدم الرفع.

ولا ريب أن هذا ليس إخبارا عن الواقع، لانه كذب، وليس حكما شرعيا بإبقاء نفس اليقين أيضا، لانه غير معقول، وإنما هو حكم شرعي، لعدم رفع آثار اليقين السابق بالشك اللاحق، سواء كان إحتمالا متساويا أو مرجوحا.


الصفحة ٦٩٠

خاتمة

ذكر بعضهم للعمل بالاستصحاب شروطا، كبقاء الموضوع وعدم المعارض ووجوب الفحص.

والتحقيق رجوع الكل إلى شروط جريان الاستصحاب.

وتوضيح ذلك: أنك قد عرفت أن الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما شك في بقائه.

وهذا لا يتحقق إلا مع الشك في بقاء القضية المحققة في السابق بعينها في الزمان اللاحق، والشك على هذا الوجه لا يتحقق إلا بأمور.الاول بقاء الموضوع في الزمان اللاحق.والمراد به معروض المستصحب.

فإذا أريد إستصحاب قيام زيد او وجوده فلا بد من تحقق زيد في الزمان اللاحق على النحو الذي كان معروضا في السابق، سواء كان تحققه في السابق بتقرره ذهنا او بوجوده خارجا.

فزيد معروض للقيام في السابق بوصف وجوده الخارجي وللوجود بوصف تقرره ذهنا، لا وجوده الخارجي.

وبهذا إندفع ما إستشكله بعض في أمر كلية إعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب، بانتقاضها بإستصحاب وجود الموجدات عند الشك في بقائها، زعما منه أن المراد ببقائه وجوده الخارجي الثانوي، وغفلة عن أن المراد وجوده الثانوي على نحو وجوده الاولي الصالح لان يحكم عليه بالمستصحب وبنقيضه، وإلا لم يجز أن يحمل عليه المستصحب في الزمان السابق.

فالموضوع في إستصحاب حياة زيد هو زيد القابل لان يحكم عليه بالحياة تارة وبالموت أخرى.

وهذا المعنى لا شك في تحققه عند الشك في بقاء حياته.


الصفحة ٦٩١

ثم الدليل على إعتبار هذا الشرط في جريان الاستصحاب واضح، لانه لو لم يعلم تحققه لاحقا، فإذا أريد إبقاء المستصحب العارض له المقوم به، فإما أن يبقى في غير محل وموضوع، وهو محال، وإما أن يبقى في موضوع غير الموضوع.السابق.ومن المعلوم أن هذا ليس إبقاء لنفس ذلك العارض.

وإنما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد فيخرج عن الاستصحاب، بل حدوثه للموضوع الجديد كان مسبوقا بالعدم، فهو المستصحب دون وجوده.

وبعبارة أخرى: بقاء المستصحب لا في موضوع محال، وكذا في موضوع آخر، إما لاستحاله إنتقال العرض، وإما لان المتيقن سابقا وجوده في الموضوع السابق، والحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد ليس نقضا للمتيقن السابق.

ومما ذكرنا يعلم أن المعتبر هو العلم ببقاء الموضوع، ولا يكفي إحتمال البقاء، إذ لا بد من العلم بكون الحكم بوجود المستصحب إبقاء والحكم بعدمه نقضا.

فإن قلت: إذا كان الموضوع محتمل البقاء فيجوز إحرازه في الزمان اللاحق بالاستصحاب.

قلت: لا مضايقه من جواز إستصحابه في بعض الامور، إلا أنه لا ينفع في إستصحاب الحكم المحمول عليه.

بيان ذلك: أن الشك في بقاء الحكم الذي يراد إستصحابه، إما أن يكون مسببا من سبب غير الشك في بقاء ذلك الموضوع المشكوك البقاء، مثل أن يشك في عدالة مجتهده مع الشك في حياته، وإما أن يكون مسببا عنه.

فان كان الاول، فلا إشكال في إستصحاب الموضوع عند الشك، لكن إستصحاب الحكم كالعدالة مثلا لا يحتاج إلى إبقاء حياة زيد، لان موضوع العدالة زيد على تقدير الحياة، إذ لا شك فيها إلا على فرض الحياة.

فالذي يراد إستصحابه هو عدالته على تقدير الحياة.

وبالجملة فهنا مستصحبان، لكل منهما موضوع على حدة، حياة زيد وعدالته على تقدير الحياة، ولا يعتبر في الثاني إثبات الحياة.وعلى الثاني، فالموضوع إما أن يكون معلوما معينا شك في بقائه.

كما إذا علم أن الموضوع لنجاسة الماء هو الماء بوصف التغير، وللمطهرية هو الماء بوصف الكرية والاطلاق، ثم شك في بقاء تغير الماء الاول وكرية الماء الثاني أو إطلاقه، وإما أن يكون غير معين، بل مرددا بين أمر معلوم البقاء وآخر معلوم الارتفاع.

كما إذا لم يعلم أن الموضوع للنجاسة هو الماء الذي حدث فيه التغير آنا ما او الماء المتلبس بالتغير.

وكما إذا شككنا في أن النجاسه محمولة على الكلب بوصف أنه كلب


الصفحة ٦٩٢

أو المشترك بين الكلب وبين ما يستحال إليه من الملح أوغيره.

أما الاول، فلا إشكال في إستصحاب الموضوع، وقد عرفت في مسألة الاستصحاب في الامور الخارجية أن إستصحاب الموضوع حقيقة ترتيب الاحكام الشرعية المحمولة على ذلك الموضوع الموجود واقعا.

فحقيقة إستصحاب التغير والكرية والاطلاق في الماء ترتيب أحكامها المحمولة عليها، كالنجاسة في الاول والمطهرية في الاخرين.

فمجرد إستصحاب الموضوع يوجب إجراء الاحكام لا فلا مجال لاستصحاب الاحكام حينئذ، لارتفاع الشك.

بل لو أريد إستصحابها لم يجز، لان صحة إستصحاب النجاسة مثلا ليس من أحكام التغير الواقعي حتى يثبت بإستصحابه، لان أثر التغير الواقعي هي النجاسة الواقعية، لا إستصحابها، إذ مع فرض التغير لا شك في النجاسة.

مع أن قضية ما ذكرنا من الدليل على إشتراط بقاء الموضوع في الاستصحاب حكم العقل بإشتراط بقائه فيه.

فالتغير الواقعي إنما يجوز إستصحاب النجاسة له بحكم العقل.

فهذا الحكم، أعني ترتب الاستصحاب على بقاء الموضوع، ليس أمرا جعليا حتى يترتب على وجوده الاستصحابي، فتأمل.وعلى الثاني، فلا مجال لاستصحاب الموضوع ولا الحكم.

أما الاول، فلان أصالة بقاء الموضوع لا يثبت كون هذا الامر الباقي متصفا بالموضوعية إلا بناء على القول بالاصل المثبت، كما تقدم في أصالة بقاء الكر المثبتة الكرية المشكوك بقاؤه على الكرية.

وعلى هذا القول فحكم هذا القسم حكم القسم الاول.

وأما أصالة بقاء الموضوع بوصف كونه موضوعا فهو في معنى إستصحاب الحكم، لان صفة الموضوعية للموضوع ملازم لانشاء الحكم من الشارع بإستصحابه.

وأما إستصحاب الحكم، فلانه كان ثابتا لامر لا يعلم بقاؤه، وبقاؤه قائما بهذا الموجود الباقي ليس قياما بنفس ما قام به أولا حتى يكون إثباته إبقاء ونفيه نقضا.

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم انه كثيرا ما يقع الشك في الحكم من جهة الشك في أن موضوعه ومحله هو الامر الزائل ولو بزوال قيده المأخوذ في موضوعيته حتى يكون الحكم مرتفعا، أو هو الامر الباقي والزائل ليس موضوعا ولا مأخوذا فيه؟ فلو فرض شك في الحكم كان من جهة أخرى غير الموضوع.

كما يقال: إن حكم النجاسة في الماء المتغير موضوعه نفس الماء، والتغير علة محدثة للحكم فيشك في عليته للبقاء.


الصفحة ٦٩٣

فلا بد من ميزان يميز به القيود المأخوذة في الموضوع عن غيرها، وهو أحد أمور: الاول: العقل، فيقال: إن مقتضاه كون جميع القيود قيودا للموضوع مأخذوة فيه، فيكون الحكم ثابتا لامر واحد ليجمعها.

وذلك لان كل قضية وإن كثرت قيودها المأخوذة فيها راجعة في الحقيقة إلى موضوع واحد ومحمول واحد.

فإذا شك في ثبوت الحكم السابق بعد زوال بعد تلك القيود، سواء علم كونه قيدا للموضوع أو للمحمول أو لم يعمل أحدهما، فلا يجوز الاستصحاب.لانه إثبات عين الحكم السابق لعين الموضوع السابق.ولا يصدق هذا مع الشك في أحدهما.

نعم لو شك بسبب تغير الزمان المجعول ظرفا للحكم، كالخيار، لم يقدح في جريان الاستصحاب، لان الاستصحاب مبني على إلغاء خصوصية الزمان الاول.

فالاستصحاب في الحكم الشرعي لا يجري إلا في الشك من جهة الرافع ذاتا أو وصفا.

وفيما كان من جهة مدخلية الزمان.نعم يجري في الموضوعات الخارجية بأسرها.

ثم لو لم يعلم مدخلية القيود في الموضوع كفى في عدم جريان الاستصحاب الشك في بقاء الموضوع، على ما عرفت مفصلا.

الثاني: أن يرجع في معرفة الموضوع للاحكام إلى الادلة، ويفرق بين قوله: (الماء المتغير نجس)، وبين قوله: (الماء يتنجس إذا تغير)، فيجعل الموضوع في الاول الماء المتلبس بالتغير، فيزول الحكم بزواله، وفي الثاني نفس الماء فيستصحب النجاسة لو شك في مدخلية التغير في بقائها، وهكذا.

وعلى هذا فلا يجري الاستصحاب فيما كان الشك من غير جهة الرافع إذا كان الدليل غير لفظي لا يتميز فيه الموضوع، لاحتمال مدخلية القيد الزائل فيه.

الثالث: أن يرجع في ذلك إلى العرف.

فكل مورد يصدق عرفا أن هذا كان كذا سابقا جرى فيه الاستصحاب، وإن كان المشار إليه لا يعلم بالتدقيق أو بملاحظة الادلة كونه موضوعا، بل علم عدمه.مثلا قد ثبت بالادلة أن الانسان طاهر والكلب نجس.

فإذا ماتا واطلع أهل العرف على حكم الشارع عليهما بعد الموت فيحكمون بإرتفاع طهارة الاول وبقاء نجاسة الثاني، مع عدم صدق الارتفاع والبقاء فيهما بحسب التدقيق، لان الطهارة والنجاسة كانتا محمولتين على الحيوانين المذكورين، وقد إرتفعت الحيوانية بعد صيرورته جمادا.

ونحوه حكم العرف بإستصحاب بقاء الزوجية بعد موت أحد الزوجين، وقد تقدم حكم العرف ببقاء كرية ما كان كرا سابقا ووجوب الاجزاء الواجبة سابقا قبل تعذر بعضها وإستصحاب السواد فيما علم زوال مرتبة معينة منه ويشك في تبدله بالبياض أو بسواد خفيف، إلى


الصفحة ٦٩٤

غير ذلك.

وبذا الوجه يصح للفاضلين، قدس سرهما، في المعتبر والمنتهى: (الاستدلال على بقاء نجاسة الاعيان النجسة بعد الاستحالة بأن النجاسة قائمة بالاعيان النجسة، لا بأوصاف الاجزاء، فلا تزوال بتغير أوصاف محلها.

وتلك الاجزاء باقية، فتكون النجاسة باقية، لانتقاء ما يقتضي إرتفاعها)(١)، إنتهى كلام المعتبر، واحتج فخر الدين: (للنجاسة بأصالة بقائهما وبأن الاسم أمارة ومعرف، فلا يزول الحكم بزواله)(٢)، إنتهى.

وهذه الكلمات وإن كانت محل الايراد، لعدم ثبوت قيام حكم الشارع بالنجاسة بجسم الكلب المشترك بين الحيوان والجماد، بل ظاهر عدمه، لان ظاهر الادلة تبعية الاحكام للاسماء، كما اعترف به في المنتهى في إستحالة الاعيان النجسة، إلا أنه شاهد على إمكان إعتبار موضوعية الذات المشتركة بين واجد الوصف العنوانى وفاقده.

كما ذكرنا في نجاسة الكلب بالموت، وحيث أن أهل العرف لا يفهمون نجاسة أخرى حاصلة بالموت، ويفهمون إرتفاع طهارة الانسان، إلى غير ذلك مما يفهمون الموضوع فيه مشتركا بين الواجد للوصف العنوانى والفاقد.

ثم إن بعض المتأخرين فرق بين إستحالة نجس العين والمتنجس، فحكم بطهارة الاول لزوال الموضوع دون الثاني، لان موضوع النجاسة ليس عنوان المستحيل، أعني الخشب مثلا، وإنما هو الجسم ولم يزل بالاستحالة.

وهو حسن في بادي النظر، إلا أن دقيق النظر يقتضي خلافه، إذ لم يعلم أن النجاسة في المتنجسات محمولة على صورة الجنسية وهي الجسم، وإن إشتهر في الفتاوى ومعاقد الاجماعات: أن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما فهو نجس.

إلا أنه لا يخفى على المتأمل أن التعبير بالجسم لاداء عموم الحكم لجميع الاجسام الملاقيه من حيث سببية الملاقاة للنجس، لا لبيان إناطة الحكم بالجسمية.

وبتقرير آخر: الحكم ثابت لاشخاص الجسم، فلا ينافي ثبوته لكل واحد منها من حيث نوعه وصنفه المتقوم به عند الملاقاة.

فقولهم: (كل جسم لاقى نجسا هو نجس)، لبيان حدوث النجاسة في الجسم بسبب الملاقاة من غير تعرض للمحل الذي يتقوم به.

كما إذا قال القائل: (إن كل جسم له خاصية وتأثير)، مع

____________________

(١) المعتبر، ص ١٢٥.

(٢) ايضاح الفرائد في شرح القواعد، ج ١، ص ٣١.


الصفحة ٦٩٥

كون الخواص والتأثيرات من عوارض الانواع.

وإن أبيت إلا عن ظهور معقد الاجماع في تقوم النجاسة بالجسم، فنقول: لا إشكال أن مستند هذا العموم هي الادلة الخاصة الواردة في الاشخاص الخاصة، مثل الثوب والبدن والماء وغير ذلك.

فإستنباط القضية الكلية المذكورة منها ليس إلا من حيث عنوان حدوث النجاسة، لا ما يتقوم به، وإلا فاللازم إناطة النجاسة في كل مورد بالعنوان المذكور في دليله.

ودعوى: (أن ثبوت الحكم لكل عنوان خاص من حيث كونه جسما)، ليست بأولى من دعوى كون التعبير بالجسم في القضية العامة من حيث عموم ما يحدث فيه النجاسة بالملاقاة، لا من حيث تقوم النجاسة بالجسم.

نعم الفرق بين المتنجس والنجس أن الموضوع في النجس معلوم الانتفاء في طاهر الدليل وفي المتنجس محتمل البقاء.

لكن هذا المقدار لا يوجب الفرق بين تبين أن العرف هو المحكم في موضوع الاستصحاب.

أرأيت أنه لو حكم على الحنطة أو العنب بالحلية أو الحرمة أو النجاسة أو الطهارة، هل يتأمل العرف في إجراء تلك الاحكام على الدقيق والزبيب.

كما لا يتأملون في عدم جريان الاستصحاب في إستحالة الخشب دخانا والماء المتنجس بولا لمأكول اللحم، خصوصا إذا اطلعوا على زوال النجاسة بالاستحالة.

كما أن العلماء أيضا لم يفرقوا في الاستحالة بين النجس والمتنجس، كما لا يخفى على المتتبع.

بل جعل بعضهم الاستحالة مطهرة للمتنجس بالاولوية الجلية حتى تمسك بها في المقام من لا يقول بحجية مطلق الظن.

ومما ذكرنا ظهر وجه النظر فيما ذكره جماعة، تبعا للفاضل الهندي، قدس سره، من أن الحكم في المتنجسات ليس دائرا مدار الاسم حتى يطهر بالاستحالة.

فالتحقيق أن مراتب تغير الصورة في الاجسام مختلفة بل الاحكام أيضا مختلفة.

ففي بعض مراتب التغير يحكم بجريان دليل العنوان من غير حاجة إلى الاستصحاب.

وفي بعض آخر، لا يحكمون بذلك وثبتون الحكم بالاستصحاب.

وفي ثالث، لا يجرون الاستصحاب أيضا من غير فرق في حكم النجاسة بين النجس والمتنجس.

فمن الاول: ما لو حكم على الرطب أو العنب بالحلية أو الطهارة أو النجاسة.فإن ظاهر جريان عموم أدلة هذه الاحكام للتمر والزبيب.فكأنهم يفهمون من الرطب والعنب الاعم مما جف منهما


الصفحة ٦٩٦

فصار تمرا أز زبيبا.مع أن الظاهر تغاير الاسمين.ولهذا لو حلف على ترك أحدهما لم يحنث بأكل الاخر.

والظاهر أنهم لا يحتاجون في إجراء الاحكام المذكورة إلى الاستصحاب.

ومن الثاني: إجراء حكم بول غير المأكول إذا صار بولا لمأكول وبالعكس.

وكذا صيرورة الخمر خلا وصيرورة الكلب أو الانسان جمادا بالموت، إلا أن الشارع حكم في بعض هذه الموارد بإرتفاع الحكم السابق، إما للنص، كما في الخمر المستحيل خلا، وإما لعموم دليل ما دل على حكم المنتقل إلهى، فإن الظاهر أن إستفادة طهارة المستحال إليه إذا كان بولا لمأكول ليس من أصالة الطهارة بعد عدم جريان الاستصحاب، بل هو من الدليل.نظير إستفادة نجاسة بول المأكول إذا صار بولا لغير المأكول.

ومن الثالث: إستحالة العذرة أو الدهن المتنجس دخانا والمني حيوانا.

ولو نوقش في بعض الامثلة المذكورة، فالمثال غير عزيز على المتتبع المتأمل.

ومما ذكرنا: يظهر أن معنى قولهم (الاحكام تدور مدار الاسماء)، أنها تدور مدار أسماء موضوعاتها التي هي المعيار في وجودها وعدمها.

فإذا قال الشارع: (العنب حلال)، فإذ ثبت كون الموضوع هو مسمى هذا الاسم دار الحكم مداره، فينتفي عند صيرورته زبيبا.

أما إذا علم من العرف أو غيره أن الموضوع هو الكلي الموجود في العنب المشترك بينه وبين الزبيب أو بينهما وبين العصير دار الحكم مداره أيضا.

نعم يبقى دعوى (أن ظاهر اللفظ في مثل القضية المذكوره كون الموضوع هو العنوان وتقوم الحكم به المستلزم لانتفائه بإنتفائه.لكنك عرفت أن العناوين مختلفة والاحكام أيضا مختلفة.

وقد تقدم حكاية بقاء نجاسة الخنزير المستحيل ملحا عن أكثر أهل العلم وإختيار الفاضلين له.

ودعوى: (إحتياج إستفادة غير ما ذكر من ظاهر اللفظ إلى القرينة الخارجية، وإلا فظاهر اللفظ كون القضية ما دام الوصف العنواني)، لا تضرنا فميا نحن بصدده، لان المقصود مراعاة العرف في تشخيص الموضوع وعدم الاقتصار في ذلك على ما يقتضيه العقل على وجه الدقة ولا على ما يقتضيه الدليل اللفظي إذا كان العرف بالنسبة إلى القضية الخاصة على خلافه.

وحينئذ فيستقيم أن يراد من قولهم: (إن الاحكام تدور مدار الاسماء) أن مقتضى ظاهر دليل الحكم تبعية ذلك الحكم لاسم الموضوع الذى علق عليه الحكم في ظاهر الدليل، فيراد من لهذه القضية تأسيس أصل قد يعدل عنه بقرينة فهم العرف او غيره، فافهم.


الصفحة ٦٩٧

الامر الثاني مما يعتبر في تحقق الاستصحاب أن يكون في حال الشك متيقنا بوجود المستصحب في السابق، حيى يكون شكه في البقاء.

فلو كان الشك في تحقق نفس ما تيقنه سابقا كأن تيقن عدالة زيد في زمان كيوم الجمعة مثلا ثم شك في نفس هذا المتيقن، وهو عدالته يوم الجمعة، بان زال مدرك إعتقاده السابق فشك في مطابقته للواقع أو كونه جهلا مركبا لم يكن هذا من مورد الاستصحاب لغة ولا اصطلاحا، أما الاول، فلان الاستصحاب في اللغه أخذ الشئ مصاحبا، فلا بد من احراز ذلك يأخذه مصاحبا.فإذا شك في حدوثه من أصله فلا إستصحاب.

وأما إصطلاحا، فلانهم اتقفوا على أخذ الشك في البقاء أو ما يؤدي هذا المعنى في معنى الاستصحاب.

نعم وأن الشك بعد اليقين بهذا المعنى ملغى في نظر الشارع، فهي قاعدة أخرى مباينة للاستصحاب، سنتكم فيها، بعد دفع توهم من توهم أن أدلة الاستصحاب تشملها وأن مدلولها لا يختص بالشك في البقاء، بل الشك بعد اليقين ملغى مطلقا، سواء تعلق بنفس ما تيقنه ساباق أم ببقائه.

وأول من صرح بذلك الفاضل السبزوارى في الذخيرة في مسألة من شك في بعض أفعال الوضوء حيث قال: (والتحقيق: أنه فرغ من الوضوء متيقنا للاكمال، ثم عرض له الشك، فالظاهر عدم وجوب إعادة شئ، لصحيحة زرارة: (ولا تنقض اليقين أبدا بالشك)(١)، إنتهى.

____________________

(١) ذخيرة المعاد، ص ٤٤


الصفحة ٦٩٨

ولعله قدس سره، تفطن له من كلام الحلي في السرائر، حيث إستدل على المسألة المذكورة ب (أنه لا يخرج عن حال الطهارة إلا على يقين من كمالها.وليس ينقض الشك اليقين)(١)، إنتهى.لكن هذا التعبير من الحلي لا يلزم أن يكون إستفاد من أخبار عدم نقض اليقين بالشك.ويقرب من هذا التعبير عبارة جماعة من القدماء.

لكن التعبير لا يلزم دعوى شمول الاخبار للقاعدتين، على ما توهمه غير واحد من المعاصرين، وإن إختلفوا بين مدع لانصرافها إلى خصوص الاستصحاب وبين منكر له عامل بعمومه.

وتوضيح دفعه: أن المناط في القاعدتين مختلف بحيث لا يجمعهما مناط واحد، فإن مناط الاستصحاب هو إتحاد متعلق الشك واليقين مع قطع النظر عن الزمان، لتعلق الشك ببقاء ما تيقن سابقا، ولازمه كون القضية المتيقنة، أعني عدالة زيد يوم الجمعة متيقنة حين الشك أيضا من غير جهة الزمان.ومناط هذه القاعدة إتحاد معلقيهما من جهة الزمان.

ومعناه كونه في الزمان اللاحق شاكا فيما يتقنه سابقا بوصف وجوده في السابق.

فإلغاء الشك في القاعدة الاولى عبارة عن الحكم ببقاء المتيقن سابقا من غير تعرض لحال حدوثه حيث أنه متيقن.

وفي القاعدة الثانية هو الحكم بحدوث ما يتقن حدوثه من غير تعرض لحكم بقائه، فقد يكون بقاؤه معلومنا أو معلوم العدم أو مشكوكا.

وإختلاف مؤدى القاعدتين وإن لم يمنع من إرادتها من كلام واحد، بأن يقول الشارع إذا حصل شك بعد يقين فلا عبرة به، سواء تعلق ببقائه أو بحدوثه وأحكم بالبقاء في الاول وبالحدوث في الثاني، إلا أنه مانع عن إرادتها في هذا المقام، من قوله عليه السلام: (فليمض على يقينه)، فإن المضي على اليقين السابق المفروض تحققه في القاعدتين أتني عدالة زيد يوم الجمعة بمعنى الحكم بعدالته في ذلك اليوم من غير تعرض لعدالته فيما بعد، كما هو مفاد القاعدة الثانية يغاير المضي على بمعنى عدالته بعد يوم الجمعة من غير تعرض لحال يوم الجمعة، كما هو مفاد قاعدة الاستصحاب، فلا يصح إرادة المعنيين منه.

فإن قلت: إن معنى المضي على اليقين عدم التوقف من أجل الشك العارض وفرض الشك كعدمه.

وهذا يختلف بإختلاف متعلق الشك.فالمضي مع الشك في الحدوث بمعنى الحكم

____________________

(١) السرائر، ص ١٨


الصفحة ٦٩٩

بالحدوث ومع الشك في البقاء بمعنى الحكم به.

قلت: لا ريب في إتحاد متعلقي الشك واليقين وكون المراد المضى على ذلك اليقين المتعلق بما تعلق به الشك.

والمفروض أن ليس في السابق إلا يقين واحد، وهو اليقين بعدالة زيد.

والشك فيها ليس له هنا فردان يتعلق أحدهما بالحدوث والاخر بالبقاء.

[ وبعبارة أخرى: عموم أفراد اليقين بإعتبار الامور الواقعية بعدالة زيد وفسق عمرو، لا بإعتبار ملاحظة اليقين بشئ واحد حتى ينحل اليقين بعدالة زيد إلى فردين يتعلق بكل منهما شك.] بل المراد الشك في نفس ما تيقن.

وحينئذ فإن اعتبر المتكلم في كلمه الشك في هذا المتيقن من دون تقييده بيوم الجمعة، فالمضي على هذا اليقين عبارة عن الحكم بإستمرار هذا المتيقن، وإن اعتبر الشك فيه مقيدا بذلك اليوم، فالمضي على ذلك المتيقن الذي تعلق به الشك عبارة عن الحكم بحدوثها من غير تعرض للبقاء كأنه قال: من كان على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة فشك فيها فليمض على يقينه السابق يعني يرتب آثار عدالة زيد فيه فالمضي على عدالة زيد وترتيب آثاره يكون تارة بالحكم بعدالته في الزمان اللاحق والاخرى بعدالته في ذلك الزمان المتيقن وهذان لا يجتمعان في الارادة.

[ وإن أردت توضيح الحال، فافرض أنه قال: من كان على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة فشك فيها فليمض على يقينه السابق.

والمعنى: أن من كان على يقين من شئ وشك في ذلك الشئ فليمض على يقينه بذلك الشئ.

فإن اعتبر اليقين السابق متعلقا بعدالة زيد من دون تقييدها بيوم الجمعة، فالشك اللاحق فيه بهذا الاعتبار شك في بقائها.

وإن اعتبر متعلقا بعدالة زيد مقيدة بيوم الجمعة، فالشك فيها بهذه الملاحظة شك في حدوثها ].

وقس على هذا سائر الاخبار الدالة على عدم نقض اليقين بالشك، فإن الظاهر إتحاد متعلق الشك واليقين، فلا بد أن يلاحظ المتيقن والمشكوك غير مقيدين بالزمان وإلا لم يجزو إستصحابه، كما تقدم في رد شبهة من قال بتعارض الوجود والعدم في شئ واحد.

والمفروض في القاعدة الثانية كون الشك متعلقا بالمتيقن السابق بوصف وجوده في الزمان السابق.

ومن المعلوم عدم جواز إرادة الاعتبارين من اليقين والشك في تلك الاخبار.

[ والمفروض في القاعدة الثانية أن المتيقن السابق كعدالة زيد يوم الجمعة إن أخذت مقيدة بيوم الجمعة فمعنى عدم نقضه بالشك عدم نقضه بالشك بذلك اليوم، وإن أخذت مطلقة عارضها الشك في وجودها في الزمان اللاحق ].

ودعوى: (أن اليقين بكل من الاعتبارين فرد من اليقين، وكذلك الشك المتعلق فرد من الشك، فكل فرد لا ينقض بشكه)، مدفوعة، بأن تعدد اللحاظ والاعتبار في المتيقن به السابق،


الصفحة ٧٠٠

بأخذه تارة مقيدا بالزمان السابق وأخرى باخذه مطلقا، لا يوجب تعدد أفراد اليقين.

وليس اليقين بتحقق مطلق العدالة في يوم الجمعة واليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعه فردين من اليقين تحت عموم الخبر.

بل الخبر بمثابة أن يقال: (من كان على يقين من عدالة زيد أو فسقه أو غيرهما من حالاته فشك فيه فليمض على يقينه بذلك)، فافهم.فإنه لا يخلو عن دقة.

ثم إذا ثبت عدم جواز إرادة المعنيين فلا بد أن يخص مدلولها بقاعدة الاستصحاب، لورودها في موارد تلك القاعدة، كالشك في الطهارة من الحدث والخبث ودخول هلال شهر رمضان أو شوال.

هذا كله، لو أريد من القاعدة الثانية إثبات نفس المتيقن عند الشك، وهي عدالة زيد في يوم الجمعة مثلا.

أما لو أريد منها إثبات عدالته من يوم الجمعة مستمرة إلى زمان الشك وما بعده إلى اليقين بطرو الفسق، فيلزم إستعمال الكلام في معنيين أيضا.لان الشك في عدالته زيد يوم الجمعة غير الشك في إستمرارها إلى الزمان اللاحق.

وقد تقدم نظير ذلك في قوله عليه السلام: (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر).

ثم لو سلمنا دلالة الروايات على ما يشمل القاعدتين لزم حوصل التعارض في مدلول الرواية المسقط له عن الاستدلال به على القاعدة الثانية، لانه إذا شك في ما تيقن سابقا، أعني عدالة زيد في يوم الجمعة، فهذا الشك معارض لفردين من اليقين، أحدهما اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة، الثاني اليقين بعدم عدالته المطلقة قبل يوم الجمعة.

فتدل بمقتضى القاعدة الثانية على عدم نقض اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة بإحتمال إنتفائها في ذلك الزمان، وبمقتضى قاعدة الاستصحاب على عدم نقض اليقين بعدم عدالته قبل الجمعة بإحتمال حدوثها في الجمعة.

فكل من طرفي الشك معارض لفرد من اليقين.

ودعوى: (أن اليقين السابق على الجمعة قد انتقض باليقين في الجمعة، والقاعدة الثانية تثبت وجوب إعتبار هذا اليقين الناقض لليقين السابق)، مدفوعة: بأن الشك الطاري في عدالة زيد يوم الجمعة وعدمخا عين الشك في إنتقاض ذلك اليقين السابق.

وإحتمال إنتقاضه وعدمه معارضان لليقين بالعدالة وعدمها، فلا يوز لنا الحكم بالانتقاض ولا بعدمه.

ثم إن هذا من باب التنزل والمماشاة، وإلا فالتحقيق ما ذكرناه من منع الشمول بالتقريب المتقدم، مضافا إلى ما ربما يدعى من ظهور الاخبار في الشك في البقاء.بقي الكلام في وجود مدرك للقاعدة الثانية غير هذه الاخبار فنقول:


الصفحة ٧٠١

إن المطلوب من تلك القاعدة إما أن يكون إثبات حدوث المشكوك فيه وبقائه مستمرا إلى اليقين بإرتفاعه، وإما أن يكون مجرد حدوثه في الزمان السابق بدون إثباته بعده بأن يراد إثبات عدالة زيد في يوم الجمعة فقط، وإما أن يراد مجرد إمضاء الاثار التي ترتبت عليها سابقا وصحة الاعمال الماضية المتفرعة عليه.

فإذا تيقن الطهارة سابقا وصلى بها ثم شك في طهارته في ذلك الزمان فصلاته ماضية.

فإن أريد الاول، فالظاهر عدم دليل يدل عليه، إذ قد عرفت أنه لو سلم إختصاص الاخبار المعتبرة لليقين السابق بهذه القاعدة، لم يمكن أن يراد منه إثبات حدوث العدالة وبقائها، لان لكل من الحدوث والبقاء شكا مستقلا.

نعم لو فرض القطع ببقائها على تقدير الحدوث، أمكن أن يقال: إنه إذا ثبت حدوث العدالة بهذه القاعدة ثبت بقاؤها، للعلم ببقائها على تقدير الحدوث، لكنه لا يتم إلا على الاصل المثبت، فهو تقدير على تقدير.

وربما يتوهم الاستدلال لاثبات هذا المطلب بما دل على عدم الاعتناء بالشك في الشئ بعد تجاوز محله.

لكنه فاسد، لانه على تقدير الدلالة لا يدل على إستمرار المشكوك، لان الشك في الاستمرار ليس شكا بعد تجاوز المحل.

وأضعف منه الاستدلال له بما سيجئ من دعوى أصالة الصحة في إعتقاد المسلم، مع أنه كالاول في عدم إثباته الاستمرار.وكيف كان، فلا مدرك لهذه القاعدة بهذا المعنى.

وربما فصل بعض الاساطين بين ما إذا علم مدرك الاعتقاد بعد زواله وأنه غير قابل للاستناد إليه وبين ما إذا لم يذكره.

كما إذا علم أنه اعتقد في زمان بطهارة ثوبه أو نجاسته ثم غاب المستند وغفل زمانا، فشك في طهارته ونجاسته فيبنى على معتقده هنا، لا في الصورة الاولى.وهو وإن كان أجود من الاطلاق، لكن إتمامه بالدليل مشكل.

وإن أريد بها الثاني، فلا مدرك له بعد عدم دلالة أخبار الاستصحاب إلا ما تقدم من أخبار عدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز المحل.لكنها لو تمت فإنما تنفع في الاثار المرتبة عليه سابقا.فلا يثبت بها إلا صحة ما ترتبت عليها.

وأما إثبات نفس ما اعتقده سابقا حتى يترتب عليه بعد ذلك الاثار المترتبة على عدالة زيد يوم الجمعة وطهارة ثوبه في الوقت السابق فلا، فضلا عن إثبا مقارناته الغير الشرعية، مثل كونها على تقدير الحدوث باقية.

وإن أريد بها الثالث، فله وجه، بناء على تمامية قاعدة الشك بعد الفراغ وتجاوز المحل.

فإذا صلى بالطهارة المعتقدة، ثم شك في صحة إعتقاده وكونه متطهرا في ذلك الزمان، بنى على صحة


الصفحة ٧٠٢

الصلاة، لكنه ليس من جهة إعتبار الاعتقاد السابق.

ولذا لو فرض في السابق غافلا غير معتقد لشئ من الطهارة والحدث بنى على الصحة ايضا، من جهة أن الشك في الصلاة بعد الفراغ منها لا إعتبار به على المشهور بين الاصحاب.

خلافا لجماعة من متأخري المتأخرين، كصاحب المدارك وكاشف اللثام، حيث منعا البناء على صحة الطواف إذا شك بعد الفراغ في كونه مع الطهارة.

والظاهر، كما يظهر من الاخير، أنهم يمنعون القاعدة المذكورة في غير أجزاء العمل.

ولعل بعض الكلام في ذلك سيجئ في مسألة أصالة الصحة في الافعال إن شاء الله.

وحصل الكلام في هذا المقام هو أنه إذا اعتقد المكلف قصورا أو تقصيرا بشئ في زمان، موضوعا كان أو حكما، إجتهاديا أو تقليديا، ثم زال إعتقاده، فلا ينفع إعتقاده السابق في ترتب آثار المعتقد، بل يرجع بعد زوال الاعتقاد إلى ما يقتضيه الاصول بالنسبة إلى نفس المعتقد وإلى الاثار المترتبة عليه سابقا أو لاحقا.


الصفحة ٧٠٣

الثالث أن يكون كل من بقاء ما أحرز حدوثه سابقا وإرتفاعه غير معلوم.فلو علم أحدهما فلا إستصحاب.

وهذا مع العلم بالبقاء أو الارتفاع واقعا من دليل قطعي واقعي واضح.وإنما الكلام فيما أقامه الشارع مقام العلم بالواقع.

فإن الشك الواقعي في البقاء والارتفاع لا يزول معه، ولا ريب في العمل به دون الحالة السابقة.

لكن الشأن في أن العمل به من باب تخصيص أدلة الاستصحاب أو من باب التخصص.

الظاهر أنه من باب حكومة أدلة تلك الامور على أدلة الاستصحاب، وليس تخصيصا بمعنى رفع اليد عن عموم أدلة الاستصحاب في بعض الموارد، كما ترفع اليد عنها في مسألة الشك بين الثلاث والاربع ونحوها بما دل على وجوب البناء على الاكثر، ولا تخصصا بمعنى خروج المورد بمجرد وجود الدليل عن مورد الاستصحاب، لان هذا مختص بالدليل العلمي المزيل وجوده للشك المأخوذ في مجرى الاستصحاب.

ومعنى الحكومة على ما سيجئ في باب التعارض والتراجيح أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب اليد عما يقتضيه الدليل الاخر لولا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لولا الدليل الحاكم وسيجئ توضيحه إن شاء الله تعالى.

وحاصله تنزيل شئ خارج عن موضوع دليل منزلة ذلك الموضوع في ترتيب أحكامه عليه، أو داخل في موضوع منزلة الخارج منه في عدم ترتيب أحكامه عليه.

[ وقد إجتمع كلا الاعتبارين في حكومة الادلة الغير العلمية على الاستصحاب مثلا ].

ففي ما نحن فيه إذا قال الشارع: (اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك) والمفروض أن الشك موجود مع قيام البينة على نجاسة الثوب، فإن الشارع جعل الاحتمال المخالف للبينة كالعدم فكأنه قال:


الصفحة ٧٠٤

لا تحكم على هذا الشك بحكمه المقرر في قاعدة الاستصحاب وافرضه كالمعدوم.

وربما يجعل العمل بالادلة في مقابل الاستصحاب من باب التخصيص، بناء على أن المراد من الشك عدم الدليل والطريق والتحير في العمل، ومع قيام الدليل الاجتهادي لا حيرة.

وإن شئت قلت: إن المفروض دليلا قطعي الاعتبار، فنقض الحالة السابقة به نقض باليقين.

وفيه: أنه لا يرتفع التحير ولا يصير الدليل الاجتهادي قطعي الاعتبار في خصوص مورد الاستصحاب إلا بعد إثبات كون موداه حاكما على مؤدى الاستصحاب، وإلا أمكن أن يقال: إن مؤدى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة مع عدم اليقين بإرتفاعها، سواء كان هناك الامارة الفلانية أم لا.ومؤدى دليل تلك الامارة وجوب العمل بمؤداه، خالف الحالة السابقة أم لا.ولا يندفع مغالطة هذا الكلام إلا بما ذكرنا من طريق الحكومة، كما لا يخفى.

وكيف كان، فجعل بعضهم عدم الدليل الاجتهادي على خلاف الحالة السابقة من شرائط العمل بالاستصحاب لا يخلو عن مسامحة، لان مرجع ذلك بظاهره إلى عدم المعارض لعموم (لا تنقض)، كما في مسألة البناء على الاكثر، لكنه ليس مراد هذا المشترط قطعا، بل مراده عدم الدليل على إرتفاع الحالة السابقة.

ولعل ما أورده عليه المحقق القمي، قدس سره، من: (أن الاستصحاب أيضا أحد من الادلة، فقد يرجح عليه الدليل وقد يرجح على الدليل، وقد لا يرجح أحدهما على الاخر.

قال قدس سره: (ولذا ذكر بعضهم في مال المفقود أنه في حكم ما له حتى يحصل العلم العادي بموته إستصحابا لحايته، مع وجود الروايات المعتبرة، المعمول بها عند بعضهم بل عند جمع من المحققين، الدالة على وجوب الفحص أربع سنين)، مبني على ظاهر كلامه، من إرادة العمل بعموم (لا تنقض).

وأما على ما جزمنا به من أن مراده عدم ما يدل علما أو ظنا على إرتفاع الحالة السابقة فلا وجه لورود ذلك، لان الاستصحاب إن أخذ من باب التعبد فقد عرفت حكومة أدلة جميع الامارات الاجتهادية على دليله، وإن أخذ من باب التعبد فقد عرفت حكومة أدلة جميع الامارات الاجتهادية على دليله، وإن أخذ من باب الظن فالظاهر أنه لا تأمل لاحد في أن المأخوذ في إفادته للظن عدم وجود أمارة في مورده على خلافه.

ولذا ذكر العضدي في دليله: (أن ما كان سابقا ولم يظن عدمه فهو مظنون البقاء)(١).

____________________

شرح مختصر الاصول، ج ٢، ص ٢٨٤


الصفحة ٧٠٥

ولما ذكرنا لم نر أحدا من العلماء قد الاستصحاب على أمارة مخالفة له بعد إعترافه بحجيتها لولا الاستصحاب، لا في الاحكام ولا في الموضوعات.

وأما ما استشهد به، قدس سره، من عمل بعض الاصحاب بالاستصحاب في مال (المفقود) وطرح ما دل على وجوب الفحص أربع سنين والحكم بموته بعده فلا دخل له بما نحن فيه، لان تلك الاخبار ليست أدلة في مقابل إستصحاب حياة المفقود.وإنما المقابل له قيام دليل معتبر على موته.

وهذه الاخابر على تقدير تماميتها مخصصة لعموم أدلة الاستصحاب دالة على وجوب البناء على موت المفقود بعد الفحص، نظير ما دل عل يوجوب البناء على الاكثر مع الشك في عدد الركعات.

فمن عمل بها خصص بها عمومات الاستصحاب، ومن طرحها لقصور فيها بقي أدلة الاستصحاب عنده على عمومها.

ثم المراد بالدليل الاجتهادي كل أمارة إعتبرها الشارع من حيث أنها تحكي عن الواقع وتكشف عنه بالقوة وتسمى في نفس الاحكام أدلة إجتهادية وفي الموضوعات أمارات معتبرة.

فما كان مما نصبه الشارع غير ناظر إلى الواقع أو كان ناظرا، لكن فرض أن الشارع اعتبره لا من هذه الحيثية، بل من حيث مجرد إحتمال مطابقته للواقع، فليس إجتهاديا، بل هو من الاصول، وإن كان مقدما على بعض الاصول الاخر.والظاهر أن الاستصحاب والقرعة من هذا القبيل.

ومصاديق الادلة والامارات في الاحكام والموضوعات واضحة غالبا، وقد تختفي، فيتردد الشئ بين كونه دليلا وبين كونه أصلا، لاختفاء كون إعتباره من حيث كونه ناظرا إلى الواقع أو من حيث هو، كما في كون اليد المنصوبة دليلا على الملك، وكذلك أصالة الصحة عند الشك في عمل نفسه بعد الفراغ، وأصالة الصحة في عمل الغير.

وقد يعلم عدم كونه ناظرا إلى الواقع وكاشفا عنه وأنه من القواعد التعبدية، لكن يختفي حكومته مع ذلك على الاستصحاب، لانا قد ذكرنا أنه قد يكون الشئ الغير الكاشف منصوبا من حيث تنزيل الشارع الاحتمال المطابق له منزلة الواقع، إلا أن الاختفاء في تقديم أحد التنزيلين على الاخر وحكومته عليه.


الصفحة ٧٠٦

تقديم الاستصحاب على الاصول الثلاثة

ثم إنه لا ريب في تقديم الاستصحاب على الاصول الثلاثة، أعني البراء‌ة والاحتياط والتخيير، إلا أنه قد يختفي وجهه على المبتدي.

فلا بد من التكلم هنا في مقامات:

الاول في عدم معارضة الاستصحاب لبعض الامارات التي يتراء‌ى كونها من الاصول، كاليد ونحوها.

الثاني في حكم معارضة الاستصحاب للقرعة ونحوها.

الثالث في عدم معارضة سائر الاصول للاستصحاب.

أما الكلام في المقام الاول [ وهو عدم معارضة الاستصحاب لبعض الامارات ] فيقع في مسائل:

[ المسألة ] الاولى أن اليد مما لا يعارضها الاستصحاب بل هي حاكمة عليه بيان ذلك أن اليد، إن قلنا بكونها من الامارات المنصوبة دليلا على الملكية من حيث كون الغالب في مواردها كون صاحب اليد مالكا او نائبا عنه وأن اليد المستقلة الغير المالكية قليلة بالنسبة إليها وأن الشارع إنما اعتبر هذه الغلبة تسهيلا على العباد، فلا إشكال في تقديمها على الاستصحاب، على ما عرفت من حكومة أدلة الامارات على أدلة الاستصحاب.


الصفحة ٧٠٧

وإن قلنا بأنها غير كاشفة بنفسها عن الملكية أو أنها كاشفة لكن إعتبار الشارع له ليس من هذه الحيثية، بل جعلها في محل الشك تعبدا، لتوقف إستقامة نطام معاملت العباد على إعتبارها، نظير أصالة الطهارة، كما يشير قوله، عليه السلام، في ذيل رواية حفص بن غياث الدالة على الحكم بالملكية على ما في يد المسلمين: (ولو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق) - فالاظهر أيضا تقديمها على الاستصحاب، إذ لولا هذا لم يجز التمسك بها في أكثر المقامات، فيلزم المحذور المنصوص، وهو إختلال السوق وبطلان الحقوق، إذ الغالب العلم بكون ما في اليد مسبوقا بكونه ملكا للغير، كما لا يخفى.

وأما حكم المشهور بأنه لو إعترف ذو اليد بكونه سابقا ملكا للمدعي إنتزع عنه العين، إلا أن يقيم البينة على إنتقالها إليه فليس من تقديم الاستصحاب، بل لاجل أن دعواه الملكية في الحال إذا انضمت إلى إقراره بكونه قبل ذلك للمدعي ترجع إلى دعوى إنتقالها إليه فينقلب مدعيا والمدعي منكرا ولذا لو لم يكن في مقابله مدع، لم يقدح هذا الدعوى منه في الحكم بملكيته أو كان في مقابله مدع، لكن اسند الملك السابق إلى غيره‌ء، كما لو قال في جواب زيد المدعي: إشتريته من عمرو.

بل يظهر مما ورد في محاجه علي، عليه السلام، مع أبي بكر في أمر فدك المروية في الاحتجاج أنه لم يقدح في تشبث فاطمة، عليها السلام، باليد دعواها، عليها السلام، تلقي الملك من رسول الله، صلى الله عليه وآله، مع أنه قد يقال إنها حينئذ صارت مدعية لا تنفعها اليد.

وكيف كان، فاليد على تقدير كونها من الاصول التعبدية أيضا مقدمة على الاستصحاب وإن جعلناها من الامارات الظنية، لان الشارع نصبها في مورد الاستصحاب.

وإن شئت قلت: إن دليله أخص من عمومات الاستصحاب.

هذا مع أن الظاهر من الفتوى والنص الوراد في اليد، مثل رواية حفص بن غياث، أن اعتبار اليد أمر كان مبني عمل الناس في امورهم وقد أمضاه الشارع.ولا يخفى أن عمل العرف عليه من باب الامارة، لا من باب الاصل التعبدي.

وأما تقديمه البينة على اليد وعدم ملاحظة التعارض بينهما أصلا، فلا يكشف عن كونها من الاصول، لان اليد إنما جعلت أمارة على الملك عند الجهل بسببها والبينة مبينة لسببها.

والسر في ذلك أن مستند الكشف في اليد هي الغلبة، والغلبة أنما توجب إلحاق المشكوك بالاعم الاغلب.

فإذا كان في مورد الشك إمارة معتبرة تزيل الشك، فلا يبقى مورد للالحاق.

وحال اليد مع البينة حال اصالة الحقيقة في الاستعمال على مذهب السيد مع أمارات المجاز، بل حال مطلق الظاهر والنص، فافهم.


الصفحة ٧٠٨

المسألة الثانية: في أن أصالة الصحة في العمل بعد الفراغ عنه لا يعرض بها الاستصحاب إما لكونها من الامارات، كما يشعر به قوله، صلى الله عليه وآله، في بعض روايات الاصل: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك)(١)، وإما لانها وإن كانت من الاصول إلا أن الامر بالاخذ بها في مورد الاستصحاب يدل على تقديمها عليه، وهي خاصة بالنسبة إليه يخصص بأدلتها أدلته، ولا إشكال في شئ من ذلك.

إنما الاشكال في تعيين مورد ذلك الاصل من وجهين:

أحدهما: من جهة تعيين معنى الفراغ والتجاوز المعتبر في الحكم بالصحة، وأنه هل يكتفي به أو يعتبر الدخول في غيره، وأن المراد بالغير ما هو.

الثاني: من جهة أن الشك في وصف الصحة للشئ ملحق بالشك في أصل الشئ أم لا.

وتوضيح الاشكال من الوجهين موقوف على ذكر الاخبار الواردة في هذه القاعدة، ليزول ببركة تلك الاخبار كل شبهة حدثت أو تحدث في هذا المضمار.

فنقول مستعينا بالله: روى زرارة في الصحيح عن أبي عبدالله، عليه السلام، قال: (إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ)(٢).

وروى إسماعيل بن جابر عن أبي عبدالله، عليه السلام، قال: (إن شك في الركوع بعدما سجد فليمض، وإن شك في السجود بعدما قام فليمض.كل شئ شك فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه)(٣).

وهاتان الروايتان ظاهرتان في إعتبار الدخول في غير المشكوك.

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ١٠١.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ١٠١.

(٣) تهذيب الاحكام، ج ص.


الصفحة ٧٠٩

وفي الموثقة: (كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو)(١).

وهذه الموثقة ظاهرة في عدم إعتبار الدخول في الغير.

وفي موثقة إبن أبي يعفور: (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فشكك ليس بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه)(٢).وظاهر صدر هذه الموثقة كالاوليين وظاهر عجزها كالثالثة.هذا تمام ما وصل إلينا من الاخبار العامة.وربما يستفاد، عليه السلام، في الشك في فعل الصلاة بعد خروج الوقت من قوله، عليه السلام: (وإن كان بعدما خرج وقتها فقد دخل حائل فلا إعادة)(٣).

وقوله، عليه السلام: (كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه كما هو)(٤).

وقوله، عليه السلام، فيمن شك في الوضوء بعدما فرغ: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك)(٥).

ولعل المتتبع يعثر على أزيد من ذلك.

وحيث أن مضمونها لا يختص بالطهارة والصلاة، بل يجري في غيرهما، كالحج، فالمناسب الاهتمام في تنقيح مضامينها دفع ما يتراء‌ى من التعارض بينها، فنقول مستعينا بالله، فإنه ولي التوفيق: إن الكلام يقع في مواضع.

[ الموضع ] الاول: إن الشك في الشئ ظاهر، لغة وعرفا، في الشك في وجوده، إلا أن تقييد ذلك في الروايات بالخروج عنه ومضيه والتجاوز عنه ربما يصير قرينة على إرادة كون وجود أصل الشئ مفروعا عنه وكون الشك فيه بإعتبار الشك في بعض ما يعتبر فيه شرطا أو شطرا.

نعم لو أريد الخروج والتجاوز عن محله، أمكن إرادة المعنى الظاهر من الشك في الشئ.وهذا

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ٢، ص ٣٤٤.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ١٠١.

(٤) تهذيب الاحكام، ج، ص.

(٥) تهذيب الاحكام، ج ١، ص ١٠١.


الصفحة ٧١٠

هو المتعين، لان إرادة الاعم من الشك في وجود الشئ والشك الواقع في الشئ الموجود في إستعمال واحد غير صحيح.وكذا إرادة خصوص الثاني، لان مورد غير واحد من تلك الاخبار هو الاول.

ولكن يبعد ذلك في ظاهر موثقة محمد بن مسلم، من جهة قوله: (فامضه كما هو)، بل لا يصح ذلك في موثقة إبن أبي يعفور، كما لا يخفى.

لكن الانصاف: إمكان تطبيق موثقة بن مسلم على ما في الروايات.

وأما هذه الموثقة فسيأتي توجيهها على وجه لا يعارض الروايات إن شاء الله.

[ الموضع ] الثاني إن المراد بمحل الفعل المشكوك في وجوده هو الموضوع الذي لو أتي به فيه لم يلزم منه إختلاف في الترتيب المقرر.

وبعبارة أخرى: محل الشئ هي المرتبة المقررة له بحكم العقل أو بوضع الشارع أو غيره ولو كان نفس المكلف من جهة إعتياده بإتيان ذلك المشكوك في ذلك المحل.

فمحل تكبيرة الاحرام قبل الشروع في الاستعادة لاجل القراء‌ة بحكم الشارع، ومحل [ كلمة ] (أكبر) قبل تحلل الفصل الطويل بينه وبين لفظ الجلالة بحكم الطريقة المألوفة في نظم الكلام، ومحل الراء من (أكبر) قبل أدنى فصل يوجب الابتداء بالساكن بحكم العقل، ومحل غسل الجانب الايسر أو بعضه في غسل الجنابة لمن إعتاد الموالاة فيه قبل تخلل فصل يخل بما اعتاده من المولاة.هذا كله مما لا إشكال فيه، إلا الاخير، فإنه ربما يتخيل إنصراف إطلاق الاخبار إلى غيره.مع أن فتح هذا الباب بالنسبة إلى العادة يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة.فمن إعتاد الصلاة في أول وقتها أو مع الجماعة فشك في فعلها بعد ذلك فلا يجب عليه الفعل.وكذا من اعتاد فعل شئ بعد الفراغ من الصلاة فرأى نفسه فيه وشك في فعل الصلاة.

وكذا من إعتاد الوضوء بعد الحدث بلا فصل يعتد به أو قبل دخول وقت للتهيؤ، فشك بعد ذلك في الوضوء.

إلى غير ذلك من الفروع التي يبعد إلتزام الفقيه بها.

نعم ذكر جماعة من الاصحاب مسألة معتاد المولاة في غسل الجنابة إذا شك في الجزء الاخير، كالعلامة وولده والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم، قدس الله أسرارهم.

واستدل فخر الدين على مختاره في المسألة، بعد صحيحه زرارة المتقدمة بأن خرق العادة على خلاف الاصل.

ولكن لا يحضرني كلام منهم في غير هذا المقام، فلا بد من التتبع والتأمل.


الصفحة ٧١١

والذي يقرب في نفسي عاجلا هو الاتلفات إلى الشك، وإن كان الظاهر من قوله عليه السلام فيما تقدم: - (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك) - أن هذه القاعدة من باب تقديم الظاهر على الاصل.

فهو دائر مدار الظهور النوعي ولو كان من العادة.لكن العمل بعموم ما يستفاد من الرواية ايضا مشكل، فتأمل.

والاحوط ما ذكرنا.

الموضع الثالث: الدخول في غير المشكوك إن كان محققا للتجاوز عن المحل، فلا إشكال في إعتباره، وإلا فظاهر الصحيحتين الاوليين إعتباره، وظاهر إطلاق موثقة إبن مسلم عدم إعتباره.

ويمكن حمل التقييد في الصحيحتين على الغالب خصوصا في أفعال الصلاة، فإن الخروج من أفعالها يتحقق غالبا بالدخول في الغير، وحينئذ فليغو القيد.ويحتمل ورود المطلق على الغالب، فلا يحكم بالاطلاق.ويؤيد الاول ظاهر التعليل المستفاد من قوله: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك).

وقوله عليه السلام: (إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه)، بناء على ما سيجئ من التقريب.

وقوله عليه السلام: (كل ما مضى من صلاتك وطهورك، الخبر).

لكن الذي يبعده أن الظاهر من الغير - في صحيحة إسماعيل بن جابر: (إن شك في الركوع بعدما سجدوا إن شك في السجود بعدما قام فليمض)، بملاحظة مقام التحديد ومقام التوطئة للقاعدة المقررة بقوله بعد ذلك: (كل شئ فيه، الخبر) -، كون السجود والقيام حدا للغير الذي يعتبر الدخول فيه وأنه، لا غير، أقرب من الاول بالنسبة إلى الركوع ومن الثاني بالنسبة إلى السجود، إذ لو كان الهوي للسجود كافيا عند الشك في الركوع والنهوض للقيام كافيا عند الشك في السجود، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الاتية التحديد بالسجود والقيام ولم يكن وجه لجزم المشهور بوجوب الالتفات إذا شك قبل الاستواء قائما.

ومما ذكرنا يظهر ان ما إرتكبه بعض من تأخر، - من إلتزام عموم الغير وإخراج الشك في السجود قبل تمام القيام بمفهوم الرواية - ضعيف جدا، لان الظاهر أن القيد وارد في مقام التحديد.

والظاهر أن التحديد بذلك توطئة للقاعدة، وهي بمنزلة ضابطة كلية، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام.فكيف يجعل فردا خارجا بمفهوم الغير عن عموم القاعدة.فالاولى أن يجعل هذا كاشفا عن خروج مقدمات أفعال الصلاة عن عموم الغير.فلا يكفي في


الصفحة ٧١٢

الصلاة مجرد الدخول ولو في فعل غير أصلي، فضلا عن كفاية مجرد الفراغ.

والاقوى إعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرد الفراغ، إلا أنه قد يكون الفراغ عن الشئ ملازما للدخول في غيره.كما لو فرغ عن الصلاه والوضوء.

فإن حالة عدم الاشتغال بها تعد مغايره لحالها وإن لم يشتغل بفعل وجودي، فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما.

وأما التفصيل بين الصلاة والوضوء، بإلتزام كفاية مجرد الفراغ من الوضوء ولو مع الشك في الجزء الاخير منه، فيرده إتحاد الدليل في البابين، لان ما ورد من قوله، عليه السلام، فيمن شك في الوضوء بعدما فرغ من الوضوء: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك)، عام بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا.

ولذا أستفيد منه حكم الغسل والصلاة أيضا.

وكذلك موثقة إبن أبي يعفور المتقدمة، صدرها دال على إعتبار الدخول في الغير في الوضوء، وذيلها يدل على عدم العبرة بالشك بمجرد التجاوز مطلقا من غير تقييد بالوضوء، بل ظاهرها يأبى عن التقيد.

وكذلك روايتا زرارة وأبي بصير المتقدمتان آبيتان عن التقييد.

وأصرح من جميع ذلك في الاباء عن الفصيل بين الوضوء والصلاة قوله، عليه السلام، في الرواية المتقدمة: (كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه).

الموضع الرابع: قد خرج من الكلية المذكورة افعال الطهارات الثلاث، فانهم أجمعوا على ان الشاك في فعل من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يأتي به وإن دخل في فعل آخر.

وأما الغسل والتيمم فقد صرح بذلك فيهما بعضهم على وجه يظهر منه كونه من المسلمات، وقد نص على الحكم في الغسل جمع ممن تأخر عن المحقق، كالعلامة وولده والشهيدين والمحقق الثاني، ونص غير واحد من هؤلاء على كون التيمم كذلك.وكيف كان، فمستند الخروج قبل الاجماع الاخبار الكثيرة المخصصة للقاعدة المتقدمة.

إلا أنه يظهر من رواية إبن أبي يعفور المتقدمة، وهي قوله: إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فشكك ليس بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه)، أن حكم الوضوء من باب القاعدة لا خارج عنها، بناء على عود ضمير (غيره) إلى الوضوء، لئلا يخالف الاجماع على وجوب الالتفات إذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء.وحينئذ فقوله، عليه السلام: (إنما الشك)


الصفحة ٧١٣

مسوق لبيان قاعدة الشك المتعلق بجزء من أجزاء عمل، وأنه إنما يعتبر إذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه.

هذا.

ولكن الاعتماد على ظاهر ذيل الرواية مشكل من جهة أنه يقتضي بظاهر الحصر أن الشك الواقع في غسل اليد بإعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به إذا جاوز غسل اليد مضافا إلى أنه معارض للاخبار السابقة فيما إذا شك في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه، لانه بإعتبار أنه شك في وجود شئ بعد تجاوز محله يدخل في الاخبار السابقة ومن حيث أنه شك في أجزاء عمل قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر.

ويمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الاشكال: إن الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد بإعتبار وحدة مسببه، وهي الطهارة فلا يلاحظ كل فعل منه بحياله حتى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الاخبار السابقة، ولا يلاحظ بعض أجزائه، كغسل اليد مثلا، شيئا مستقلا يشك في بعض أجزائه قبل تجاوزه او بعده ليوجب ذلك الاشكال في الحصر المستفاد من الذيل.

وبالجملة، إذا فرض الوضوء فعلا واحدا لم يلاحظ الشارع أجزاء‌ه أفعالا مستقلة يجري فيها حكم الشك بعد تجاوز المحل لم يتوجه شئ من الاشكالين في الاعتماد على الخبر ولم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة، إذ الشك في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلا شكا واقعا في الشئ قبل التجاوز عنه، والقرينة على هذا الاعتبار جعل القاعدة ضابطة لحكم الشك في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه أو بعده.

ثم إن فرض الوضوء فعلا واحدا لا يلاحظ حكم الشك بالنسبة إلى أجزائه ليس أمرا غريبا، فقد إرتكب المشهور مثله في الاخبار السابقة بالنسبة إلى أفعال الصلاة حيث لم يجروا حكم الشك بعد التجاوز في كل جزء من أجزاء القراء‌ة حتى الكلمات والحروف.بل الاظهر عندهم كون الفاتحة فعلا واحدا، بل جعل بعضهم القراء‌ة فعلا واحدا.

وقد عرفت النص في الروايات على عدم إعتبار الهوي للسجود والنهوض للقيام.

ومما يشهد لهذا التوجيه إلحاق المشهور الغسل والتيمم بالوضوء في هذا الحكم، إذ لا وجه له ظاهريا إلا ملاحظة كون الوضوء أمرا واحدا يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض، أعني الطهارة.


الصفحة ٧١٤

الموضع الخامس: ذكر بعض الاساطين: (أن حكم الشك في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط، بل الدخول فيه، بل الكون على هيئة الداخل، حكم الاجزاء في عدم الالتفات.

فلا إعتبار بالشك في الوقت والقبلة واللباس والطهارة بأقسامها والاستقرار ونحوها بعد الدخول في الغاية.

ولا فرق بين الوضوء وغيره)، إنتهى.

وتبعه بعض من تأخر عنه واستقرب في مقام آخر إلغاء الشرط في الشك بالنسبة إلى غير ما دخل فيه من الغايات.

وما أبعد ما بينه وبين ما ذكره بعض الاصحاب من إعتبار الشك في الشرط حتى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجب إعادة المشروط.

والاقوى التفصيل بين الفراغ عن المشروط فليغو الشك في الشرط بالنسبة إليه، لعموم لغوية الشك في الشئ بعد التجاوز عنه.

أما بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الاشكال في إعتبار الشك فيه، لان الشرط المذكور من حيث شرطا لهذا المشروط لم يتجاوز عنه، بل محله باق فالشك في تحقق شرط هذا المشروط شك في الشئ قبل تجاوز محله.

وربما بنى بعضهم ذلك على أن معنى عدم العبرة بالشك في الشئ بعد تجاوز المحل هو البناء على الحصول أو يختص بالمدخول.

أقول: لا إشكال في أن معناه البناء على حصول المشكوك فيه، لكن بعنوانه الذي يتحقق معه تجاوز المحل، لا مطلقا.

فلو شك في أثناء العصر في فعل الظهر بنى على تحقق الظهر بعنوان أنه شرط للعصر ولعدم وجوب العدول إليه، لا على تحققه مطلقا حتى لا يحتاج إلى إعادتها بعد فعل العصر.

فالوضوء المشكوك فيما نحن فيه إنما فات محله من حيث كونه شرطا للمشروط المتحقق، لا من حيث كونه شرطا للمشروط المستقبل.

ومن هنا يظهر أن الدخول في المشروط أيضا لا يكفي في إلغاء الشك في الشرط، بل لا بد من الفراغ عنه، لا ن نسبة الشرط إلى جميع أجزاء المشروط نسبة واحدة وتجاوز محله بإعتبار كونه شرطا للاجزاء الماضية، فلا بد من إحرازه للاجزاء المستقبلة.

نعم ربما يدعى في مثل الوضوء أن محل إحرازه لجميع أجزاء الصلاة قبل الصلاة لا عند كل جزء.


الصفحة ٧١٥

ومن هنا قد يفصل بين ما كان من قبيل الوضوء مما يكون محل إحرازه قبل الدخول في العبادة وبين غيره مما لا ليس كذلك، كالاستقبال والستر، فإن إحرازهما ممكن في كل جزء، وليس المحل الموظف لاحرازهما قبل الصلاة بالخصوص، بخلاف الوضوء.

وحينئذ فلو شك في أثناء الصلاة في الستر أو الساتر وجب عليه إحرازه في أثناء الصلاة للاجزاء المستقبلة.

والمسألة لا تخلو عن إشكال، إلا أنه ربما يشهد لما ذكرنا من التفصيل بين الشك في الوضوء في أثناء الصلاة، وفيه بعده صحيحة علي بن جعفر عن أخيره عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل يكون على وضوء ثم يشك، على وضوء هو أم لا؟ قال: إذا ذكرها وهو في صلاته إنصرف وأعادها، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك).

بناء على أن مورد السؤال الكون على الوضوء بإعتقاده ثم شك في ذلك.

الموضع السادس: أن الشك في صحة الشئ المتأتي به حكمه حكم الشك في الاتيان، بل هو هو، لان مرجعه إلى الشك في وجود الشئ الصحيح.

ومحل الكلام ما لا يرجع فيه الشك إلى الشك في ترك بعض ما يعتبر في الصحة.كما لو شك في تحقق المولاة المعتبرة في حروف الكلمة أو كلمات الاية.

لكن الانصاف: أن الالحاق لا يخلو عن إشكال، لان الظاهر من أخبار الشك في الشئ أنه مختص بغير هذه الصورة، إلا أن يدعى تنقيح المناط، أو يستند فيه إلى بعض ما يستفاد منه العموم، مثل موثقة إبن أبي يعفور، أو يجعل أصالة الصحة في فعل الفاعل المريد للصحيح اصلا برأسه.ومدركه ظهور حال المسلم.

قال فخر الدين في الايضاح في مسألة الشك في بعض أفعال الطهارة: (إن الاصل في فعل العاقل المكلف الذي يقصد براء‌ة ذمته بفعل صحيح وهو يعلم الكيفية والكمية الصحة)(١)، إنتهى.

ويمكن إستفادة إعتباره من عموم التعليل المتقدم في قوله: (هوحين يتوضأ أذكر منه حين يشك).

فإنه بمنزلة صغرى لقوله.فإذا كان أذكر فلا يترك ما يعتبر في صحة عمله الذي يريد به

____________________

(١) إيضاح الفوائد في شرح القواعد، ج ١، ص


الصفحة ٧١٦

إبراء ذمته، لان الترك سهوا خلاف فرض الذكر، وعمدا خلاف إرادة الابراء.

الموضع السادس: الظاهر أن المراد بالشك في موضع هذا الاصل هو الشك الطاري بسبب الغفلة عن صورة العمل.

فلو علم كيفية غسل اليد وأنه كان بإرتماسها في الماء، لكن شك في أن ما تحت خاتمه ينغسل بالارتماس أم لا، ففي الحكم بعدم الالتفات؟ وجهان، من إطلاق بعض الاخبار، ومن التعليل بقوله: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك).

فإن التعليل يدل على تخصيصالحكم بمورده مع عموم السؤال.فيدل على نفيه عن غير مورد العلة.

نعم لا فرق بين أن يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا او تركه تعمدا، والتعليل المذكور بضميمة الكبرى المتقدمة يدل على نفي الاحتمالين.ولو كان الشك من جهة إحتمال وجود الحائل على البدن ففي شمول الاخبار له الوجهان.

نعم قد يجري هنا أصالة عدم الحائل فيحكم بعدمه حتى لو لم يفرغ عن الوضوء، بل لم يشرع في غسل موضع إحتمال الحائل.

لكنه من الاصول المثتبة، وقد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في بعض الامور المتقدمة.


الصفحة ٧١٧

المسألة الثالثة: في أصالة الصحة في فعل الغير وهي في الجملة من الاصول المجمع عيها فتوى وعملا بين المسلمين، فلا عبرة في موردها بأصالة الفساد المتفق عليها عند الشك.

إلا أن معرفة مواردها ومقدار ما يترتب عليها من الاثار ومعرفة حالها عند مقابلتها لما عدا أصالة الفساد من الاصول يتوقف على بيان مدركها من الادلة الاربعة.

ولا بد من تقديم ما فيه إشارة إلى هذه القاعدة في الجملة من الكتاب والسنة: أما الكتاب فمنه آيات منها: قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنا)(١)، بناء على تفسيره بما في الكافي من قوله عليه السلام: (لا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو).ولعل مبناه على إرادة الظن والاعتقاد من القول.

ومنها: قوله تعالى: (إجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم)(٣).

فإن ظن السوء إثم، وإلا لم يكن شئ من الظن إثما.

ومنها: قوله تعالى: (أوفوا بالعقود)(٤)، بناء على أن الخارج من عمومه ليس إلا ما علم فساده، لانه المتيقن.

وكذا قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض)(٥).

والاستدلال به يظهر من المحقق الثاني، حيث تمسك في مسألة بين الراهن مدعيا بسبق إذن المرتهن، وأنكر المرتهن بأن الاصل صحة البيع ولزومه ووجوب الوفاء بالعقد.لكن لا يخفى ما فيه من الضعف.وأضعف منه دعوى دلالة الايتين الاوليين.

____________________

(١) البقرة: ٨٣.

(٢) الكافي، ج ٢، ص ١٦٤.

(٣) الحجرات: ١٢.

(٤) المائدة: ١.

(٥) النساء: ٢٩.


الصفحة ٧١٨

وأما السنة فمنها: ما في الكفاي عن أمير المؤمنين عليه السلام: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير سبيلا)(١).

ومنها: قول الصادق، عليه السلام، لمحمد بن الفضل: (يا محمد ! كذب سمعك وبصرك عن أخيك.

فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال، وقال: لم أقل، فصدقه وكذبهم)(٢) ومنها: ما ورد مستفيضا: (إن المؤمن لا يتهم أخاه.وأنه إذا إتهم أخاه إنماث الايمان في قلبه كإنمياث الملح في الماء.وأن من إتهم أخاه فلا حرمة بينهما.

وأن من إتهم أخاه فهو ملعون ملعون).إلى غير ذلك من الاخبار المشتملة على هذه المضامين أو ما يقرب منها، هذا.

ولكن الانصفاف: عدم دلالة هذه الاخبار، إلا على أنه لا بد من أن يحمل ما يصدر عن الفاعل على الوجه الحسن عند الفاعل ولا يحمله على الوجه القبيح عنده.وهذه غير ما نحن بصدده.

فإنه إذا فرض دوران العقد الصادر منه بين كونه صحيحا أو فاسدا لا على وجه قبيح، بل فرضنا الامرين في حقه مباحا، كبيع الرهن بعد رجوع المرتهن عن الاذن واقعا أو قبله، فإن الحكم بأصالة عدم ترتب الاثر على البيع مثلا لا يوجب خروجا عن الاخبار المتقدمة الآمرة بحس الظن بالمؤمن في المقام، خصوصا إذا كان المشكوك فعل غير المؤمن أو فعل المؤمن الذي يعتقد بصحة ما هو الفاسد عند الحامل.

ثم لو فرضنا أنه يلزم من الحسن ترتيب الاثار ومن القبيح عدم التريب، كالمعاملة المرددة بين الربوية وغيرها، لم يلزم من الحمل على الحسن بمقتضى تلك الاخبار الحكم بترتب الاثار، لان مفادها الحكم بصفة الحسن في فعل المؤمن بمعنى عدم الجرح في فعله، لا ترتيب جميع آثار ذلك الفعل الحسن.

ألا ترى أنه لو دار الامر بين كون الكلام المسموع من مؤمن بعيد سلاما أو تحية أو شتما، لم يلزم من الحمل على الحسن وجوب رد السلام.

ومما يؤيد ما ذكرنا جمع الامام، عليه السلام، في رواية محمد بن الفضل بين تكذيب خمسين قسامة، أعني البينة العادلة، وتصديق الاخ المؤمن.فإنه مما لا يمكن إلا بحمل تصديق المؤمن على

____________________

(١) الكافي (الاصول)، ج ٢، ص ٣٦١ ٣٦٢.

(٢) ثواب الاعمال وعقاب الاعمال، ص ٢٩٥.


الصفحة ٧١٩

الحكم بمطابقة الواقع المستلزم لتكذيب القسامة بمعنى المخالفة للواقع مع الحكم بصدقهم في إعتقادهم، لانهم أولى بحسن الظن بهم من المؤمن الواحد.

فالمراد من تكذيب السمع والبصر تكذيبهما فيما يفهمان من ظواهر بعض الافعال من القبح، كما إذا ترى شخصا ظاهر الصحة يشرب الخمر في مجلس يظن أنه مجلس الشرب.

وكيف كان فعدم وفاء الاخبار بما نحن بصدده أوضح من أن يحتاج إلى البيان حتى المرسل الاول، بقرينة ذكر الاخر وقوله: (ولا تظنن، الخبر).

ومما يؤيد ما ذكرنا ايضا ما ورد في غير واحد من الروايات من عدم جواز الوثوق بالمؤمن كل الوثوق: مثل رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله عليه السلام قال: (ولا تثقن بأخيك كل الثقة، فإن صرعة الاسترسال لا تستقال)(١).

وما في نهج البلاغة: (إذا إستولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء رجل الظن برجل لم يظهر منه خزية فقد ظلم.

وإذا إستولى الفساد على الزمان وأهله ثم أحسن رجل الظن برجل فقد غرر)(٢).

وفي معناه قول أبي أبي الحسن، عليه السلام، في رواية محمد بن هارون الجلاب: (إذا كان الجور أغلب من الحق لا يحل لاحد أن يظن بأحد خيرا، حتى يعرف ذلك منه)(٣).

إلى غير ذلك مما يجده المتتبع، فإن الجمع بينها وبين الاخبار المتقدمة يحصل بأن يراد من الاخبار ترك ترتيب آثار التهمة والحمل على الوجه الحسن من حيث مجرد الحسن والتوقف فيه من حيث ترتيب سائر الاثار.

ويشهد له ما ورد من (أن المؤمن لا يخلو عن ثلاثة، الظن والحسد والطيرة.

فإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض)(٤).

الثالث الاجماع القولاى والعملي أما القولي، فهو مستفاد من تتبع فتاوى الفقهاء في موارد كثيرة، فإنهم لا يختلفون في أن قول مدعي الصحة في الجملة مطابق للاصل وإن إختلفوا في ترجيحه على سائر الاصول، كا ستعرف.

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٥٠١.

(٢) نهج البلاغة، قصار الحكم: ١١٤.

(٣) وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٢٦٣.

(٤) وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٢٦٣.


الصفحة ٧٢٠

وأما العملي، فلا يخفى على أحد أن سيرة المسلمين في جميع الاعصار على حمل الاعمال على الصحيح وترتيب آثار الصحة في عباداتهم ومعاملاتهم.

ولا أظن أحدا ينكر ذلك إلا مكابرة.

الرابع [ العقل المستقل ]: العقل المستقل الحاكم بأنه لو لم يبن على هذا الاصل لزم إختلال نظام المعاد والمعاش، بل الاختلال الحاصل من ترك العمل بهذا الاصل أزيد من الاختلال الحاصل من ترك العمل بيد المسلمين.

مع أن الامام، عليه السلام، قال لحفص بن غياث بعد الحكم بأن اليد دليل الملك ويجوز الشهادة بالملك بمجرد اليد -: (إنه لولا ذلك لما قام للمسلمين سوق).

فيدل بفحواه على إعتبار أصالة الصحة في أعمال المسلمين، مضافا إلى دلالته بظاهر اللفظ، إن الظاهر أن كل ما لولاه لزم الاختلالا فهو حق، لان الاختلال باطل، والمستلزم للباطل باطل، فنقيضه حق، وهو إعتبار أصالة الصحة عند الشك في صحة ما صدر عن الغير.

ويشير إليه أيشا ما ورد من نفي الحرج وتوسعة الدين وذم من ضيقوا على أنفسهم بجالتهم.


الصفحة ٧٢١

وينبغي التنبيه على أمور الاول إن المحمول عليه فعل المسلم هل الصحة بإعتقاد الفاعل أو الصحة الواقعية؟ فلو علم أن معتقد الفاعل، إعتقادا يعذر فيه، صحة البيع أو النكاح بالفارسي فشك فيما صدر عنه مع إعتقاد الشاك إعتبار العربية، فهل يحمل على كونه واقعا بالعربي، حتى إذا ادعي عليه أنه أوقعه بالفارسي وادعى هو أنه أوقعه بالعربي، فهل يحكم الحاكم لفساد الفراسي بوقوعه بالعربي أم لا؟ وجهان، بل قولان.

ظاهر المشهور الحمل على الصحة الواقعية.

فإذا شك المأموم في أن الامام المعتقد لعدم وجوب السورة قرأها أم لا، جاز له الائتمام به وإن لم يكن له ذلك إذا علم بتركها.ويظهر من بعض المتأخرين خلافه.

قال في المدارك في شرح قول المحقق: (ولو إختلف الزوجان فادعى أحدهما وقوع العقد في حال الاحرام وأنكر الاخر، فالقول قول من يدعي الاحلال ترجيحا لجانب الصحة)، قال: - (إن الحمل على الصحة إنما يتم إذا كان المدعي لوقوع الفعل في حال الاحرام عالما بفساد ذلك.

أما مع إعترافه بالجهل فلا وجه للحمل على الصحة)، إنتهى.

ويظهر ذلك من بعض من عاصرناه، في أصوله وفروعه، حيث تمسك في هذا الاصل بالغلبة، بل ويمكن إسناد هذا القول إلى كل من إستند في هذا الاصل إلى ظاهر حال المسلم، كالعلامة وجماعة ممن تأخر عنه، فإنه لا يشمل صورة إعتقاد الصحة، خصوصا إذا كان قد أمضاه الشارع لاجتهاد أو تقليد أو قيام بينة أو غير ذلك.

____________________

(١) مدارك الاحكام، ص ٤٥٣.


الصفحة ٧٢٢

والمسألة محل إشكال، من إطلاق الاصحاب ومن عدم مساعدة أدلتهم، فإن العمدة الاجماع ولزوم الاختلال.

والاجماع الفتوئي مع ما عرفت مشكل، والعملي في مورد العلم بإعتقاد الفاعل للصحة ايضا مشكل.

والاختلال يندفع بالحمل على الصحة في غير المورد المذكور.

وتفصيل المسألة: أن الشاك في الفعل الصادر من غيره إما أن يكون عالما بعلم الفاعل بصحيح الفعل وفاسده، وإما أن يكون عالما بجهله، وإما أن يكون جاهلا بحاله.

فإن علم بعلمه بالصحيح والفاسد، فإما أن يعلم بمطابقة إعتقاده لاعتقاد الشكاك، أو يعلم مخالفته، أو يجهل الحال.

لا إشكال في الحمل في الصورة الاولى.

وأما الثانية، فإن لم يتصادق إعتقادهما بالصحة في فعل كأن اعتقد أحدهما وجوب الجهر بالقراء‌ة يوم الجمعة والاخر وجوب الاخفات فلا إشكال في وجوب الحمل على الصحيح بإعتقاد الفاعل، وإن تصادقا كما في العقد بالعربي والفارسي فإن قلنا إن العقد بالفارسي منه سبب لترتب الاثار عليه من كل أحد حتى المعتقد بفساده، فلا ثمرة في الحمل على معتقد الحامل أو الفاعل.

وإن قلنا بالعدم، كما هو الاقوى، ففيه الاشكال المتقدم من تعميم الاستصحاب في فتاويهم وفي بعض معاقد إجماعاتهم على تقديم قول مدعي الصحة، ومن إختصاص الادلة بغير هذه الصورة.

وإن جهل الحال، فالظاهر الحمل لجريان الادله، بل يمكن جريان الحمل على الصحة في إعتقاده فيحمل على كونه مطابقا لاعتقاد الحامل، لانه الصحيح، وسيجئ الكلام.

وإن كان عالما بجهله بالحال وعدم علمه بالصحيح والفاسد، ففيه أيضا الاشكال المتقدم، خصوصا إذا كان جهله مجامعا لتكليفه بالاجتناب.

كما إذا علمنا أنه أقدم على بيع أحد المشتبهين بالنجس، إلا أنه يحتمل أن يكون قد إتفق المبيع غير نجس.وكذا إذا كان جاهلا بحاله.إلا أن الاشكال في بعض هذه الصور أهون منه في بضع، فلا بد من التتبع والتأمل.

الامر الثاني إن الظاهر من المحقق الثاني أن أصالة الصحة إنما تجري في العقود بعد إستكمال العقد للاركان.

قال في جامع المقاصد، فيما لو إختلف الضامن والمضمون له، فقال الضامن: ضمنت وأنا صبي بعد


الصفحة ٧٢٣

ما رجح تقديم قول الضامن ما هذا لفظه: (فإن قلت: للمضمون له أصالة الصحة في العقود وظاهر حال البالغ أنه لا يتصرف باطلا.

قلنا: إن الاصل في العقود الصحة بعد إستكمال أركانها لتحقق وجود العقد، أما قبله فلا وجود له، فلو اختلفا في كون المعقود عليه هو الحر أو العبد، حلف منكر وقوع العقد على العبد، وكذا الظاهر إنما يتم مع الاستكمال المذكور، لا مطلقا)، إنتهى.

وقال في باب الاجازة، ما هذا لفظه: (لا شك في أنه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الامور المعتبرة في العقد من الايجاب والقبول من الكاملين وجريانهما على العوضين المعتبرين ووقوع الاختلاف في شرط مفسد، فالقول قول مدعي الصحة بيمينه، لانه الموافق للاصل، لان الاصل عدم ذلك المفسدذ والاصل في فعل المسلم الصحة.

أما إذا حصل شك في الصحة والفساد في بعض الامور المعتبرة وعدمه، فإن الاصل لا يثمر هنا، فإن الاصل عدم السبب الناقل.ومن ذلك ما لو ادعى أني إشتريت العبد فقال بعتك الحر)(١)، إنتهى.

ويظهر هذا من بعض كلمات العلامة، رحمه الله، قال في القواعد: (لا يصح ضمان الصبي ولو أذن له الولي.

فإن إختلفا قدم قول الضامن، لاصالة براء‌ة الذمة وعدم البلوغ، وليس لمدعي الصحة أصل يستند إليه ولا ظاهر يرجع إليه.

بخلاف ما لو ادعى شرطا فاسدا، لان الظاهر أنهما لا يتصرفان باطلا، وكذا البحث في من عرف له حالة جنون)(٢)، إنتهى.

وقال في التذكرة: (لو ادعى المضمون له أن الضامن ضمن بعد البلوغ وقال الضامن: بل ضمنت لك قبله.

فإن عينا له وقتا لا يحتمل بلوغه فيه قدم قول الصبي إلى أن قال وإن لم يعينا وقتا له، فالقول قول الضامن بيمينه، وبه قال الشافعي، لاصالة عدم البلوغ.

وقال أحمد: القول قول المضمون له، لان الاصل صحة الفعل وسلامته، كما لو إختلفا في شرط مبطل.

والفرق أن المختلفين في الشرط

____________________

(١) جامع المقاصد، ج،، ص.

(٢) قواعد الاحكام، ص ١٧٧.


الصفحة ٧٢٤

المفسد يقدم فيه قول مدعي الصحة، لاتفاقهما على أهلية التصرف، إذ من له أهلية التصرف لا يتصرف إلا تصرفا صحيحا.فكان القول قول مدعي الصحة، لانه مدع للظاهر.وهنا إختلفا في أهلية التصرف.

فليس مع من يدعي الاهلية ظاهر يستند إليه ولا أصل يرجع إليه.وكذا لو ادعى أنه ضمن بعد البلوغ وقبل الرشد)(١)، إنتهى موضع الحاجة.

ولكن لم يعلم الفرق بين دعوى الضامن الصغر وبين دعوى البائع إياه، حيث صرح العلامة والمحقق الثاني بجريان أصالة الصحة وإن إختلفا بين من عارضها بأصالة عدم البلوغ وبين من ضعف هذه المعارضة.

وقد حكي عن قطب الدين أنه إعترض على شيخه العلامة في مسألة الضمان بأصالة الصحة فعارضها بأصالة عدم البلوغ، وبقي أصالة البراء‌ة سليمة عن المعارض.

أقول: والاقوى بالنظر إلى الادلة السابقة من السيرة ولزوم الاختلال هو التعميم.

ولذ لو شك المكلف أن هذا الذي إشتراه هل إشتراه في حال صغره بنى على الصحة.

ولو قيل: إن ذلك من حيث الشك في تمليك البائغ البالغ وأنه كان في محله أم كان فاسدا جرى مثل ذلك في مسألة التداعي أيضا.

ثم إن ما ذكره جامع المقاصد من أنه لا وجود للعقد قبل إستكمال اركانها إن أراد الوجود الشرعي فهو عين الصحة، وإن أراد الوحود العرفي فهو يتحقق مع الشك، بل مع القطع بالعدم.وأما ما ذكره من الاختلاف في كون المعقود عليه هو الحر أو العبد.

[ فأراد به حرا معينا، كزيد، وعبدا معينا، كسعيد، فإن كان الدعوى على مجرد تمليك أحدهما، بأن قال أحدهما لمولى العبد: ملكتني عبدك، وقال المولى: ملكتك زيدا الحر، فلا إشكال في كون القول قول منكر تمليك العبد، لان صاحبه يدعي عليه تمليك عبده، فيحلف على عدمه واما هو فلا يدعي على صاحبه شيئا، لان دعوى تمليك الحر لا يتضمن مطالبة المدعي بشئ، وإن أراد به التداعي في كون أحد العوضين للاخر المملوك حرا أو عبدا ] فهو في المسألة المعنونة في كلام القدماء والمتأخرين.

وهي ما لو قال: بعتك بعبد، فقال: بر بحر.فراجع الفاضلين والشهيدين، [ وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.] وأما ما ذكره من أن الظاهر إنما يتم مع الاستكمال المذكور، لا مطلقا، فهو إنما يتم إذا كان

____________________

(١) تذكرة الفقهاء ج ١، ص ٨٧.


الصفحة ٧٢٥

الشك من جهة بلوغ الفاعل ولم يكن هناك طرف آخر معلوم البلوغ يستلزم صحة فعله صحة فعل هذا الفاعل.

كما لو شك في أن الابراء أو الوصية هل صدر منه حال البلوغ أم قبله.

أما إذا كان الشك في ركن آخر من العقد، كأحد العوضين، أو في أهلية أحد طرفي العقد، فيمكن أن يقال: إن الظاهر من الفاعل في الاول ومن الطرف الاخر في الثاني أنه لا يتصرف فاسدا.

نعم مسألة الضمان يمكن أن يكون من الاول إذا فرض وقوعه بغير إذن من المديون ولا قبول من الغريم.

فإن الضمان حينئذ فعل واحد شك في صدوره من بالغ أو غيره وليس له طرف آخر، فلا ظهور في عدم كون تصرفه فاسدا.

لكن الظاهر: أن المحقق لم يرد خصوص ما كان من هذا القبيل، بل يشمل كلامه الصورتين الاخيرتين، فراجع.

نعم يحتمل ذلك في عبارة التذكرة.

ثم إن تقديم قول منكر الشرط المفسد ليس لتقديم قول مدعي الصحة، بل لان القول قول منكر الشرط، صحيحا كان أو فاسدا، لاصالة عدم الاشتراط.

ولا دخل لهذا بحديث أصالة الصحة وإن كان مؤداه صحة العقد فيما كان الشرط المدعى مفسدا.

هذا، ولا بد من التأمل والتتبع.

الثالث إن هذا الاصل إنما يثبت صحة الفعل إذا وقع الشك في بعض الامور المعتبرة شرعا في صحته بمعنى ترتب الاثر المقصود منه عليه، فصحة كل شئ بحسبه.

مثلا صحة الايجاب عبارة عن كونه بحيث لو تعقبه قبول صحيح لحصل أثر العقد في مقابل فاسده الذي لا يكون كذلك، كالايجاب بالفارسي، بناء على القول بإعتبار العربية.فلو تجرد الايجاب عن القبول لم يوجب ذلك فساد الايجاب.

فإذا شك في تحقق القبول من المشتري بعد العلم بصدور الايجاب من البائع فلا يقضي أصالة الصحة في الايجاب بوجود القبول، لان القبول معتبر في العقد لا في الايجاب.

وكذا لو شك في تحقق القبض في الهبة أو في الصرف او المسلم بعد العلم بتحقق الايجاب والقبول لم يحكم بتحققه من حيث أصالة صحة العقد.وكذا لو شك في إجازة المالك لبيع الفضولي لم يصح إحرازها بأصالة الصحة.

وأولى بعدم الجريان ما لو كان العقد في نفسه لو خلي وطبعه مبنيا على الفساد بحيث يكون المصحح طاريا


الصفحة ٧٢٦

عليه.

كما لو إدعى بائع الوقف وجود المصحح له، وكذا الراهن أو المشتري من الفضولي إجازة المرتهن والمالك.

ومما يتفرع على ذلك أنه لو إختلف المرتهن الآذن في بيع الرهن والراهن البائع له بعد إتفاقهما على رجوع المرتهن عن إذنه في تقديم الرجوع على البيع فيفسد أو تأخره فيصح فلا يمكن ان يقال، كما قيل، من أن أصالة صحة الاذن تقضي بوقوع البيع صحيحا، ولا أن أصالة صحة الرجوع تقضي بكون البيع فاسدا، لان الاذن والرجوع كلاهما قد فرض وقوعهما على الوجه الصحيح، وهو صدوره عمن له أهلية ذلك والتسلط عليه.

فمعنى ترتب الاثر عليهما أنه لو وقع فعل المأذون عقيب الاذن ترتب عليه الاثر، ولو وقع فعله بعد الرجوع كان فاسدا.

أما لو لم يقع عقيب الاول فعل، بل وقع في زمان إرتفاعه، ففساد هذا الواقع لا يخل بصحة الاذن.

وكذا لو فرض عدم وقوع الفعل عقيب الرجوع فانعقد صحيحا، فليس هذا من جهة فساد الرجوع، كما لا يخفى.

نعم بقاء الاذن إلى أن يقع البيع قد يقضي بصحته، وكذا أصالة عدم البيع قبل الرجوع ربما يقال إنها تقضي بفساده.

لكنهما لو تما لم يكونا من أصالة صحة الاذن بناء على أن عدم وقوع البيع بعده يوجب لغويته ولا من أصالة صحة الرجوع التي تمسك بهما بعض المعاصرين تبعا لبعض.

والحق في المسألة ما هو المشهور من الحكم بفساد البيع وعدم جريان أصالة الصحة في المقام، لا في البيع، كما إستظهره الكركي، ولا في الاذن، ولا في الرجوع.

أما في البيع، فلان الشك إنما وقع في رضاء من له الحق وهو المرتهن، وقد تقدم أن صحة الايجاب والقبول لا يقضي بتحقق الرضا ممن يعتبر رضاه، سواء كان مالكا كما في البيع الفضولي أم كان له حق في المبيع كالمرتهن.

وأما في الاذن، فلما عرفت من أن صحته تقضي بصحة البيع إذا فرض وقوعه عقيبه ولا بوقوعه عقيبه، كما أن صحة الرجوع تقضي بفساد ما يفرض وقوعه بعده، لا أن البيع وقع بعده.

والمسألة بعد محتاجة إلى التأمل بعد التتبع في كلمات الاصحاب.

الرابع إن مقتضى الاصل ترتيب الشاك جميع ما هو من آثار الفعل الصحيح عنده.

فلو صلى شخص على ميت سقط عنه، ولو غسل ثوبا بعنوان التطهير حكم بطهارته.وإن شك في شروط الغسل من


الصفحة ٧٢٧

إطلاق الماء، ووروده على النجاسة، لا إن علم بمجرد غسله، فإن الغسل من حيث هو ليس فيه صحيح وفاسد.

ولذا لو شوهد من يأتي بصورة عمل من صلاة أو طهارة أن نسك حج ولم يعلم قصده تحقق هذه العبادات لم يحمل على ذلك.

نعم لو أخبر بأنه كان بعنوان تحققه أمكن قبوله قوله من حيث أنه مخبر عادل أو من حيثية أخرى.

وقد يشكل الفرق بين ما ذكر من الاكتفاء بصلاة الغير على الميت بحمله على الصحيح وبين الصلاة عن الميت تبرعا أو بالاجارة، فإن المشهور عدم الاكتفاء بها، إلا أن يكون عادلا.

ولو فرق بينهما بأنا لا نعلم وقوع الصلاة من النائب على مقام إبراء الذمة وإتيان الصلاة على أنها صلاة، لاحتمال تركه لها بالمرة أو إتيانه بمجرد الصورة، لا بعنوان انها صلاة عنه، اختص الاشكال بما إذا علم من حاله كونه في مقام الصلاة وإبراء ذمة الميت، إلا أنه يحتمل عدم مبالاته بما يخل بالصلاة، كما يحتمل ذلك في الصلاة على الميت، إلا أن يلتزم بالعمل على الصحة في هذه الصورة.

ولهذا يجب عليه مراعاة الاجزاء والشروط المعتبره في المباشر.

ولهذا الاعتبار قد حكم بعضهم بإشتراط العدالة فيمن توضأ العاجز عن الوضوء إذا لم يعلم العاجز، لصدور الفعل عن المتوضئ صحيحا.

ولعله لعدم إحراز كونه في مقام إبراء ذمة العاجز، لا لمجرد إحتمال عدم مبالاته في الاجزاء والشرائط، كما قد لا يبالي في وضوء نفسه.

ويمكن أن يقال فيما إذا كان الفعل الصادر من المسلم على وجه النيابة عن الغير، المكلف بالعمل أولا وبالذات، كالعاجز عن الحج -: إن لعف النائب عنوانين.

أحدهما: من حيث أنه فعل من أفعال النائب، ولهذا يجب عليه مراعاة الاجزاء والشروط.

وبهذا الاعتبار يترتب عليه جميع آثار صدور الفعل الصحيح منه، مثل إستحقاق الاجرة وجواز إستيجاره ثانيا، بناء على إشتراط فراغ ذمة الاجير في صحة إستيجاره ثانيا.

والثاني: من حيث أنه فعل للمنوب عنه، حيث أنه بمنزلة الفاعل بالتسبيب أو الالة وكان الفعل بعد قصد النيابة والبدلية قائما بالمنوب عنه.

وبهذا الاعتبار يراعى فيه القصر والاتمام في الصلاة، والتمتع والقران في الحج، والترتيب في الفوائت.

والصحة من الحيثية الاولى لا تثبت الصحة من هذه الحيثية الثانية، بل لا بد من إحراز صدور الفعل الصحيح عنه على وجه التسبيب وبعبارة أخرى: إن كان فعل الغير يسقط التكليف عنه، من حيث إنه فعل الغير، كفت أصالة الصحة في السقوط، كما في الصلاة على الميت.[ وكما في فعل الوكيل والاجير الذي لا يعتبر فيه قصد النيابة ].


الصفحة ٧٢٨

وإن كان إنما يسقط التكليف عنه من حيث إعتبار كونه فعلا له ولو على وجهه التسبيب كما إذا كلف بتحصيل فعل بنفسه أوببدل غيره.كما في إستنابة العاجز.

للحج لم تنفع أصالة الصحة في سقوطه، بل يجب التفكيك بين أثري الفعل من الحيثيتين، فيحكم بإستحقاق النائب الاجرة وعدم براء‌ة ذمة المنوب عنه من الفعل، وكما في إستيجار الولي للعمل عن الميت.

[ لكن يبقى الاشكال في إستيجار الولي للعمل عن الميت، إذ لا يعتبر فيه قصد النيابة عن الولي وبراء‌ة ذمة الميت من آثار صحة فعل الغير من حيث هو فعله، لا من حيث إعتباره فعلا للولي.

فلا بد أن يكتفي فيه بإحراز إتيان صورة الفعل بقصد إبراء ذمة الميت، ويحمل على الصحيح من حيث الاحتمالات الاخر ].ولا بد من التأمل في هذا المقام أيضا بعد التتبع التام في كلمات الاعلام.

الخامس إن الثابت من القاعدة المذكورة الحكم بوقوع الفعل بحيث يترتب عليه الاثار الشرعية المترتبة على العمل الصحيح.

أما ما يلازم الصحة من الامور الخارجة عن حقيقة الصحيح فلا دليل على ترتبها عليه.

فلو شك في الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك، كالخمر والخنزير، أو بعين من أعيان ما له فلا يحكم بخروج تلك العين من تركته، بل يحكم بصحة الشراء وعدم إنتقال شئ من تركته إلى البائع لاصالة عدمه.

وهذا نظير ما ذكرنا سابقا، من أنه لو شك في صلاة العصر أنه صلى الظهر ام لا، يحكم يفعل الظهر من حيث كونه شرطا لصلاة العصر، لا فعل الظهر من حيث هو حتى لا يجب إتيانه ثانيا، إلا أن يجري قاعدة الشك في الشئ بعد التجاوز عنه.

قال العلامة في القواعد، في آخر كتاب الاجارة: (ولو قال: آجرتك كل شهر درهم.

فقال: بل سنة بدينار، ففي تقديم قول المستأجر نظر، فإن قدمنا قول المالك فالاقوى صحة العقد في الشهر الاول.

وكذا الاشكال في تقديم قول المستأجر لو أدعى أجرة مدة معلومة أو عوضا معينا.

وأنكر المالك التعيين فيهما.

والاقوى التقديم فيما لم يتضمن دعوى)(١) ، إنتهى.

____________________

(١) قواعد الاحكام، ص ٢٣٦.


الصفحة ٧٢٩

السادس في بيان ورود هذا الاصل على الاستصحاب فنقول: أما تقديمه على إستصحاب الفساد ونحوه فواضح، لان الشك في بقاء الحاله السابقة على الفعل المشكوك أو إرتفاعها ناش عن الشك في سببية هذا الفعل وتأثيره، فإذا حكم بتأثيره فلا حكم لذلك الشك، خصوصا إذا جعلنا هذا الاصل من الظواهر المعتبرة، فيكون نظير حكم الشارع بكون الخارج قبل الاستبراء بولا الحاكم على أصالة بقاء الطهارة.

لان هذا الاصل إن كان من الظواهر المعتبرة فهو كاليد دليل إجتهادي لا يقاومه الاستصحاب، وإن كان أصلا تعبديا فهو حاكم على أصالة الفساد، لانه مرجعهما إلى إستصحاب عدم تحقق الاثر عقيب الفعل المشكوك في تأثيره، وإذا ثبت التأثير شرعا بهذا الاصل فيترك العدم السابق وأما تقديمه على الاستصحاب الموضوعية المترتب عليها الفساد، كأصالة عدم البلوغ وعدم إختبار المبيع بالرؤيه أو الكيل أو الوزن، فقد إضطرب فيه كلمات الاصحاب، خصوصا العلامة وبعض من تأخر عنه.

والتحقيق أنه إن جعلنا هذا الاصل من الظواهر، كما هو ظاهر كلمات جماعة بل الاكثر، فلا إشكال في تقديمه على تلك الاستصحابات، وإن جعلناه من الاصول، فإن أريد بالصحة، في قولهم: (إن الاصل الصحة) نفس ترتب الاثر، فلا إشكال في تقديم الاستصحاب الموضوعي عليها، لانه مزيل بالنسبة إليها، وإن أريد بها كون الفعل على وجه يترتب عليه الاثر، فيكون الاصل مشخصا للموضوع من حيث ثبوت الصحة له، لا مطلقا.

ففي تقديمه على الاستصحاب الموضوعي نظر، لانه إذا شك في بلوغ البائع، فالشك في كون الواقع البيع الصحيح بمعنى كونه بحيث يترتب عليه الاثر شك في كون البيع صادرا من بالغ أو غيره.

وهذا مرجعه إلى الشك في بلوغ البائع، فالشك في كون البيع الصادر من شخص صادرا نم بالغ الذي هو مجرى أصالة الصحة والشك في بلوغ الشخص الصادر منه العقد الذي هو مجرى الاستصحاب مرجعهما إلى أمر واحد، وليس الاول مسببا عن الثاني، فإن الشك في المقيد بإعتبار القيد شك في القيد.

فمقتضى الاستصحاب ترتب احكام العقد الصادر من غير بالغ، ومقتضى هذا الاصل ترتب الحكم الصادر من بالغ.

فكما أن هذا الاصل معين ظاهري للموضوع وطريق جعلي إليه، فكذلك إستصحاب عدم البلوغ طريق ظاهري للموضوع، فإن أحكام العقد الصادر من غير البالغ لا تترتب


الصفحة ٧٣٠

عند الشك في البلوغ إلا بوسطة ثبوت موضوعها بحكم الاستصحاب.نعم لو قيل بتقديم المثبت على الثاني عند تعارض الاصلين تعين ترجيع أصالة الحصة، لكنه محل تأمل.

ويمكن أن يقال هنا: إن أصالة عدم البلوغ يوجب الفساد، لا من حيث الحكم شرعا بصدور العقد من غير بالغ، بل من حيث الحكم بعدم صدور عقد من بالغ.

فإن بقاء الاثار السابقة للعوضين مستند إلى عدم السبب الشرعي، لا إلى عدم السببية شرعا في ما وقع.

نعم لما كان المفروض إنحصار الواقع في ما حكم شرعا بعدم سببية تحقق البقاء، فعدم سببية هذا العقد للاثر الذي هو مقتضى الاستصحاب لايترتب عليه عدم الاثر.

وإنما يترتب على عدم وقوع السبب المقارن لهذا العقد، فلا أثر لاصالة عدم البلوغ المقتضية لعدم سببية العقد المذكور حتى تعارض أصالة الصحة المقتضية لسببيته، وأصالة الصحة تثبت تحقق العقد الصادر عن بالغ.

ولا معارضة في الظاهر بين عدم سببية هذا العقد الذي هو مقتضى الاستصحاب وبين وقوع العقد الصادر عن بالغ الذي يقتضيه أصالة الصحة، لان وجود السبب ظاهرا لا يعارضه عدم سببية شئ وإن إمتنع إجتماعهما في الواقع من حيث أن الصادر شئ واحد.

لكن يدفع هذا أن مقتضى أصالة ليس وقوع فعل صحيح في الواقع، بل يقتضي كون الواقع هو الفرد الصحيح.

فإذا فرض نفي السببية عن هذا الواقع بحكم الاستصحاب حصل التنافي.

وإن قيل: إن الاستصحاب لا يقتضي نفي السببية، لان السببية ليست من المجعولات، بل يثبت بقاء الاثار السابقة.

قلنا: كذلك أصالة الصحة لا تثبت وقوع السبب، وإنما تثبت حدوث آثار السبب.

وكيف كان فدفع التنافي بين الاصلين وإثبات حكومة أحدهما على الاخر في غاية الاشكال ].(١)

____________________

(١) (ثم لا يخفى أن نسخ الفرائد في هذا المقام مختلفة مضطربة غاية الاضطراب.

وقد حكي أن عبارة الشيخ قده كانت في الاصل مختصرة تقرب من خمسة أسطر، وللمرحوم السيد الكبير الشيرازي قده حاشية مفصلة تقرب من صفحة.

وفي بعض نسخ الفرائد حاشية السيد، ره، رقمت في المتن وعبارة الشيخ قده كتبت في الهامش، وفي بعض النسخ، عبارة الشيخ رقمت في المتن وحاشية السيد ره رقمت في الهامش، مع ما فيها من التكرار والاضطراب المخل بالمقصود.

وفي بعض النسخ رقم كلام الشيخ والسيد قدهما معا في المتن وصار خلط بين الكلامين بحيث لا يتميز كلام أحدهما عن الاخر.

وأحسن من رأيناه من نسخ الفرائد النسخة المعروفة بطبع محمد علي، فإنها موافقة للنسخة المصححة.

وفي هذه السنخة رقم كلام الشيخ قده في الهامش وعبارة السيد - ره - في المتن.

والاولى نقل العبارة قبل بيان المقصود منها.قال قده: وأما تقديمه على الاستصحابات الموضوعية..على الاخر في غاية الاشكال).(فوائد الاصول، ج ٤، ص: ٢٥١.تقريرات بحث الميرزا محمد حسين النائيني).


الصفحة ٧٣١

بقي الكلام في أصالة الصحة في الاقوال والاعتقادات

أما الاقوال، فالصحة فيها تكون من وجوه:

الاول: من حيث كونه حركة من حركات المكلف، فيكون الشك من حيث كونه مباحا أو محرما.ولا إشكال في الحمل على الصحة من هذه الحيثية.

الثاني: من حيث كونه كاشفا عن مقصود المتكلم.والشك من هذه الحيثية يكون من وجوه:

أحدها: من جهة أن المتكلم بذلك القول قصد الكشف بذلك عن معنى أم لم يقصد، بل تكلم به من غير قصد لمعنى.

ولا إشكال في أصالة الصحة من هذه الجهة بحيث لو إدعى كون المتكلم لغوا او غلطا لم يسمه منه.

الثاني: من جهة أن المتكلم صادق في إعتقاده ومعتقد لمؤدى ما يقوله أم هو كاذب في هذا التكلم في إعتقاده.

ولا إشكال في اصالة الصحة هنا أيضا.

فإذا أخبر بشئ جاز نسبة إعتقاد مضمون الخبر إليه، ولا يسمع دعوى أنه غير معتقد لما يقوله.

وكذا إذا قال (إفعل كذا) جاز أن يسند إليه أنه طالبه في الواقع، لا أنه مظهر للطلب صورة لمصلحة كالتوطين أو لمفسدة.

وهذان الاصلان مما قامت عليهما السيرة القطعية مع إمكان إجراء ما سلف من أدلة تنزيه فعل المسلم عن القبيح في المقام.لكن المستند فيه ليس تلك الادلة.

الثالث: من جهة كونه صادقا في الواقع أو كاذبا.وهذا معنى حجية خبر المسلم لغيره.فمعنى حجية خبره صدقه.

والظاهر عدم الدليل على وجوب الحمل على الصحيح.

والظاهر عدم الخلاف في ذلك، إذ لم يقل أحد بحجية كل خبر صدر من مسلم، ولا دليل يفي بعموم عليه حتى ترتكب.

دعوى خروج ما خرج بالدليل من الداخل.


الصفحة ٧٣٢

وربما يتوهم وجود الدليل العام من مثل الاخبار المتقدمة الآمرة بوجوب حمل أمر المسلم على أحسنه، وما دل على وجوب تصديق المؤمن وعدم إتهامه عموما، وخصوصا قوله عليه السلام: (إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم)، وغير ذلك مما ذكرنا في بحث حجية خبر الواحد وذكرنا عدم دلالتها.

مع أنه لو فرض دليل عام على حجية خبر كل مسلم كان الخارج منه أكثر من الداخل، لقيام الاجماع على عدم إعتباره في الشهادات ولا في الروايات إلا مع شروط خاصة ولا في الحدسيات والنظريات إلا في موارد خاصة، مثل الفتوى وشببها.

نعم يمكن أن يدعى أن الاصل في خبر العدل الحجية، لجملة مما ذكرناه في أخبار الآحاد وذكرنا ما يوجب تضعيف ذلك، فراجع.

وأما الاعتقادات، فنقول: إذا كان الشك في أن إعتقاده ناش عن مدرك صحيح من دون تقصير عنه في مقدماته أو من مدرك فاسد لتقصير منه في مقدماته، فالظاهر وجوب الحمل على الصحيح، لظاهر بعض ما مر من وجوب حمل امور المسلمين على الحسن دون القبيح.

وأما إذا شك في صحته بمعنى المطابقة للواقع، فلا دليل على وجوب الحمل على ذلك.

ولو ثبت ذلك أوجب حجية كل خبر أخبر به المسلم، لما عرفت من أن الاصل في الخبر كونه كاشفا عن إعتقاد المخبر.

أما لو ثبت حجية خبره فقد يعلم أن العبرة بإعتقاده بالمخبر به، كما في المفتي وغيره ممن يعتبر نظره في المطلب، فيكون خبره كاشفا عن الحجة لا نفسها، وقد يعلم من الدليل حجية خصوص أخباره بالواقع حتى لا يقبل منه قوله (اعتقد بكذا) ويدل الدليل على حجية خصوص شهادته المتحققة تارة بالاخبار عن الواقع واخرى بالاخبار بعلمه به.

والمتبع، في كل مورد، ما دل عليه الدليل.وقد يشتبه مقدار دلالة الدليل.

ويترتب على ما ذكرنا قبول تعديلات أهل الرجال المكتوبة في كتبهم وصحة التعويل في العدالة على إقتداء العدلين.


الصفحة ٧٣٣

المقام الثاني: في بيان تعارض الاستصحاب مع القرعة وتفصيل القول فيها يحتاج إلى بسط لا يسعه الوقت.

ومجمل القول فيها: أن ظاهر أخبارها أعم من جميع أدلة الاستصحاب، فلا بد من تخصيصها بها.

فيختص القرعة بموارد لا يجري فيها الاستصحاب.

نعم القرعة واردة على أصالة التخيير وأصالتي الاباحة والاحتياط إذا كان مدركهما العقل، وإن كان مدركهما تعبد الشارع بهما في مواردهما فدليل القرعة حاكمة عليهما، كما لا يخفى.

لكن ذكر في محله أن أدلة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الاصحاب أو جماعة منهم، والله العالم.

المقام الثالث في تعارض الاستصحاب مع ما عداه من الاصول العملية أعني البراء‌ة والاشتغال والتخيير

[ الاول تعارض البراء‌ة مع الاستصحاب ] أما أصالة البراء‌ة فلا تعارض الاستصحاب ولا غيره من الاصول والادلة، سواء كان مدركها العقل أو النقل.

أما العقل، فواضح، لان العقل لا يحكم بقبح العقاب إلا مع عدم الدليل على التكليف واقعا أو ظاهرا.

واما النقل، فما كان منه مساوقا لحكم العقل فقد إتضح أمره والاستصحاب وارد عليه.

وأما مثل قوله، عليه السلام: (كل شئ، مطلق حتى يرد فيه نهي)، فقد يقال: إن مورد


الصفحة ٧٣٤

الاستصحاب خارج منه لورود النهي في المستصحب ولو بالنسبة إلى الزمان السابق.

وفيه: أن الشئ المشكوك في بقاء حرمته لم يرد نهي عن إرتكابه في هذا الزمان، فلا بد من أن يكون مرخصا فيه.

فعصير العنب بعد ذهاب ثلثيه بالهواء لم يرد فيه نهي، وورود النهى عن شربه قبل ذهاب الثلثين لا يوجب المنع عنه بعده.

كما أن وروده في مطلق العصير بإعتبار وروده في بعض أفراده لو كفى في الدخول في ما بعد الغاية لدل على المنع عن كل كلي ورد المنع عن بعض أفراده.

والفرق في الافراد بين ما كان تغايرها بتبدل الاحوال والزمان دون غيرها شطط من الكلام.

ولهذا لا إشكال في الرجوع إلى البراء‌ة مع عدم القول بإعتبار الاستصحاب.

ويتلوه في الضعف ما يقال: من أن النهي الثابت بالاستصحاب عن نقض اليقين نهي وارد في رفع الرخصة.

وجه الضعف أن الظاهر من الرواية بيان الرخصة في الشئ الذي لم يرد فيه نهي من حيث عنوانه الخاص، لا من حيث انه مشكوك الحكم.

وإلا فيمكن العكس بأن يقال: إن النهي عن النقض في مورد عدم ثبوت الرخصة بأصالة الاباحة فيختص الاستصحاب بما لا يجري فيه أصالة البراء‌ة، فتأمل.

فالاولى في الجواب أن يقال: إن دليل الاستصحاب بمنزلة معمم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق.

فقوله: (لا تنقض اليقين بالشك)، يدل على أن النهي الوارد لا بد من إبقائه وفرض عمومه وفرض الشئ في الزمان اللاحق مما ورد فيه النهي أيضا.

فمجموع الرواية المذكورة ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول: (كل شئ مطلق حتى يرد فيه النهي).

وكل نهي ورد في شئ فلا بد من تعميمه لجميع أزمنة إحتماله، فيكون الرخصة في الشئ وإطلاقه مغيا بورود النهي المحكوم عليه بالدوام وعموم الازمان.فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقضتيه الاصل الاخر في مورد الشك لولا النهي.

وهذا معنى الحكومة، كما سيجئ في باب التعارض.ولا فرق فيما ذكرنا بين الشهبة الحكمية والموضوعية.

بل الامر في الشبهة الموضوعية أوضح، لان الاستصحاب الجاري فيها جار في الموضوع، فيدخل في الموضوع المعلوم الحرمة.

مثلا إستصحاب عدم ذهاب ثلثي العصير عند الشك في بقاء حرمته لاجل الشك في الذهاب، يدخله في العصير قبل ذهاب ثلثيه المعلوم حرمته بالادلة، فيخرج عن قوله: (كل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام).

نعم هنا إشكال في بعض اخبار أصالة البراء‌ة في الشبهة الموضوعية.

وهو قوله عليه السلام في الموثقة: (كل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك.

وذلك مثل الثوب عليك ولعله سرقة، والمملوك عند ولعله حر قد باع نفسه أو قهر


الصفحة ٧٣٥

فبيع، أو إمرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك.والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غيره أو تقوم بيه البينة).

فإنه قد إستدل بها جماعة، كالعلامة في التذكرة، وغيره، على أصالة الاباحة مع أن أصالة الاباحة هنا معارضة بإستصحاب حرمة التصرف في هذه الاشياء المذكورة في الرواية، كاصالة عدم التملك في الثوب والحرية في المملوك وعدم تأثير العقد في الامرأة.

ولو أريد بالحلية في الرواية ما يترتب على أصالة الصحة في شراء الثوب والمملوك وأصالة عدم تحقق الحل والرضاع في المرأة كان خروجا عن الاباحة الثابتة بأصالة الاباحة، كما هو ظاهر الرواية.

وقد ذكرنا في مسألة أصالة البراء‌ة بعض الكلام في هذه الرواية، فراجع، والله الهادي، هذا كله حال قاعدة البراء‌ة.

وأما إستصحاب البراء‌ة فهو لا يجامع إستصحاب التكليف، لان الحالة السابقة إما وجود التكليف أو عدمه إلا على ما عرفت سابقا من ذهاب بعض المعاصرين إلى إمكان تعارض إستصحابي الوجود والعدم في موضوع واحد، وتمثيله لذلك بمثل: (صم يوم الخميس).

الثاني تعارض قاعدة الاشتغال مع الاستصحاب ولا إشكال بعد التأمل في ورود الاستصحاب عليها، لان المأخوذ في موردها بحكم العقل الشك في براء‌ة الذمة بدون الاحتياط.فإذا قطع بها بحكم الاستصحاب فلا مورد للقاعدة.

كما لو أجرينا إستصحاب وجوب التمام أو القصر في بعض الموارد التي يقتضي الاحتياط الجمع فيها بين القصر والاتمام، فإن إستصحاب وجوب أحدهما وعدم وجوب الاخر مبرء قطعي لذمة المكلف عند الاقتصار على مستصحب الوجود، هذا حال القاعدة.

وأما إستصحاب الاشتغال في مورد القاعدة على تقدير الاغماض عما ذكرنا سابقا، من أنه غير مجد في مورد القاعدة لاثبات ما يثبته القاعدة، فسيأتي حكمها في تعارض الاستصحابين.

وحاصله أن الاستصحاب الوارد على قاعدة الاشتغال حاكم على إستصحابه.

الثالث [ تعارض قاعدة ] التخيير [ مع الاستصحاب ] ولا يخفى ورود الاستصحاب عليه، إذ لا يبقى معه التحير الموجب للتخيير، فلا يحكم بالتخيير بين الصوم والافطار في اليوم المحتمل كونه من شوال مع إستصحاب عدم الهلال.

ولذا فرع الامام عليه السلام قوله: (صم للرؤية وأفطر للرؤية) على قوله: (اليقين لا يدخله الشك).


الصفحة ٧٣٦

وأما الكلام في تعارض الاستصحابين وهي المسألة المهمة في باب تعارض الاصول التي إختلف فيها كلمات العلماء في الاصول والفروع، كما يظهر بالتتبع.

فاعلم أن الاستصحابين المتعارضين ينقسمان إلى أقسام كثيرة من حيث كونهما موضوعيين أو حكميين أو مختلفين وجوديين أو عدميين أو مختلفين، وكونهما في موضوع واحد أو موضوعين، وكون تعارضهما بأنفسهما أو بواسطة أمر خارج.إلى غير ذلك.إلا أن الظاهر أن إختلاف هذه الاقسام لا يؤثر في حكم المتعارضين إلا من جهة واحدة.

وهي أن الشك في أحد الاستصحابين إما أن يكون مسببا عن الشك في الاخر من غير عكس، واما أن يكون الشك فيهما مسببا عن ثالث.وأما كون الشك في كل منهما مسببا عن الشك في الاخر فغير معقول.

وما توهم له: (من التمثيل بالعامين من وجه وأن الشك في أصالة العموم في كل منهما مسبب عن الشك في أصالة العموم في الاخر)، مندفع: بأن الشك في الاصلين مسبب عن العلم الاجمالي بتخصيص أحدهما.

وكيف كان، فالاستصحابان المتعارضان على قسمين:


الصفحة ٧٣٧

القسم الاول ما إذا كان الشك في مستصحب أحدهما مسببا عن الشك في الاخر فإن كان الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الاخر فاللازم تقديم الشك السببي وإجراء الاستصحاب فيه ورفع اليد عن الحالة السابقة للمستصحب الاخر.

مثاله: إستصحاب طهارة الماء المغسول به ثوب نجس، فإن الشك في بقاء نجاسة الثوب وإرتفاعها مسبب عن الشك في بقاء طهارة الماء وإرتفاعها، فيستصحب طهارته ويحكم بإرتفاع نجاسة الثوب، خلافا لجماعة.

ويدل على المختار أمور:

الاول: الاجماع على ذلك في موارد لا تحصى، فإنه لا يحتمل الخلاف في تقديم الاستصحاب في الملزومات الشرعية كالطهارة من الحدث والخبث، وكرية الماء وإطلاقه، وحياة المفقود، وبراء‌ة الذمة من الحققوق المزاحمة للحج ونحو ذلك على إستصحاب عدم لوازمها الشرعية، كما لا يخفى على الفطن المتتبع.

نعم بعض العلماء في بعض المقامات يعارض أحدهما بالاخر، كما سيجئ.

ويؤيده السيرة المستمرة بين الناس على ذلك بعد الاطلاع على حجية الاستصحاب، كما هو كذلك في الاستصحابات العرفية.

الثاني: أن قوله، عليه السلام: (لا تنقض اليقين بالشك)، بإعتبار دلالته على جريان الاستصحاب في الشك السببي مانع للعام عن قابلية شموله لجريان الاستصحاب في الشك المسببي.يعني أن نقض اليقين له يصير نقضا له بالدليل لا بالشك، فلا يشمله النهي في (لا تنقض).

واللازم من شمول (لا تنقض) للشك المسببي نقض اليقين في مورد الشك السببي، لا لدليل شرعي يدل على إرتفاع الحالة السابقة فيه، فيلزم من إهمال الاستصحاب في الشك


الصفحة ٧٣٨

السببي طرح عموم (لا تنقض) من غير مخصص، وهو باطل.

واللازم من إهماله في الشك المسببي عدم قابلية العموم لشمول المورد، وهو غير منكر.

وتبيان ذلك: أن مقتضى عدم نقض اليقين رفع اليد عن الامور السابقة المضادة لاثار ذلك المتيقن.فعدم نقض طهارة الماء لا معنى له إلا رفع اليد عن النجاسة السابقة المعلومة في الثوب، إذ الحكم بنجاسته نقض لليقين بالطهارة المذكورة بلا حكم من الشارع بطرو النجاسة، وهو طرح لعموم (لا تنقض) من غير مخصص.أما الحكم بزوال النجاسة فليس نقضا لليقين بالنجاسة إلا بحكم الشارع بطرو الطهارة على الثوب.والحاصل أن مقتضى عموم (لا تنقض) للشك السببي نقض الحالة السابقة لمورد الشك المسببي.

ودعوى: (أن اليقين بالنجاسة أيضا من أفراد العام، فلا وجه لطرحه وإدخال اليقين بطهارة الماء)، مدفوعة: أولا بأن معنى عدم نقض يقين النجاسة بالدليل الدال على أن كل نجس غسل بماء طاهر فقد طهر، وفائدة إستصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهرا به بخلاف نقض يقين الطهارة بحكم الشارع بعدم نقض يقين النجاسة.

بيان ذلك أنه لو عملنا بإستصحاب النجاسة كنا قد طرحنا اليقين بطهارة الماء من غير ورود دليل شرعي على نجاسته، لان بقاء النجاسة في الثوب لا يوجب زوال الطهارة عن الماء.

بخلاف ما لو عملنا إستصحاب طهارة الماء، فإنه يوجب زوال نجاسة الثوب بالدليل الشرعي، وهو ما دل على أن الثوب المغسول بالماء الطاهر يطهر، فطرح اليقين بنجاسة الثوب لقيام الدليل على طهارته، هذا.

وقد يشكل بأن اليقين بطهارة الماء واليقين بنجاسة الثوب المغسول به كل منهما يقين سابق شك في بقائه وإرتفاعه وحكم الشارع بعدم النقض نسبته إليهما على حد سواء، لان نسبة حكم العام إلى أفراده على حد سواء.

فكيف يلاحظ ثبوت هذا الحكم لليقين بالطهاره أولا حتى يجب نقض اليقين بالنجاسة، لانه مدلوله ومقتضاه.

والحاصل أن جعل شمول حكم العام لبعض الافراد سببا لخروج بعض الافراد عن الحكم أو


الصفحة ٧٣٩

عن الموضوع، كما في ما نحن فيه، فاسد بعد فرض تساوي الفردين في الفردية مع قطع النظر عن ثبوت الحكم.

[ ويدفع بأن فردية أحد الشيئين إذا توقف على خروج الاخر المفروض الفردية عن العموم وجب الحكم بعدم فرديته ولم يجز رفع اليد عن العموم، لان رفع اليد حينئذ عنه يتوقف على شمول العام لذلك الشئ المفروض توقف فرديته على رفع اليد عن العموم، وهو دور محال.

وإن شئت قلت: إن حكم العام من قبيل لازم الوجود للشك السببي، كما هو شأن الحكم الشرعي وموضوعه، فلا يوجد في الخارج إلا محكوما.

والمفروض أن الشك المسببي أيضا من لوازم وجود ذلك الشك، فيكون حكم العام وهذا الشك لازمان لملزوم ثالث في مرتبة واحدة، فلا يجوز أن يكون أحدهما موضوعا للاخر، لتقدم الموضوع طبعا ].

فالاولى أن يقال: إن ثبوت الحكم لكل يقين سابق ينحل إلى رفع اليد عن اليقين السابق بما يضاد لوازمه، لان الشئ إذا توقف منعه على عدم ثبوت المقتضي للمقتضي بالكسر لم يصلح أن يكون مانعا له للزوم الدور.

الثالث: أنه لو لم يبن على تقديم الاستصحاب في الشك السببي كان الاستصحاب قليل الفائدة جدا، لان المقصود من الاستصحاب غالبا ترتيب الاثار الثابتة لمستصحب.وتلك الاثار إن كان موجودة سابقا أغنى إستصحابها عن إستصحاب ملزومها.فينحصر الفائدة في الاثار التي كانت معدومة.

فإذا فرض معارضة الاستصحاب في الملزوم بإستصحاب عدم تلك اللوازم والمعاملة معها على ما يأتي في الاستصحابين المتعارضين لغى الاستصحاب في الملزوم وانحصرت الفائدة في إستصحاب الاحكام التكليفية التي يراد بالاستصحاب إبقاء أنفسها في الزمان اللاحق.

ويرد عليه: منع عدم الحاجة إلى الاستصحاب في الاثار السابقة، بناء على أن إجراء الاستصحاب في نفس تلك الاثار موقوف على إحراز الموضوع لها وهو مشكوك فيه.

فلا بد من إستصحاب الموضوع، إما ليترتب عليه تلك الاثار، فلا يحتاج إلى إستصحاب أنفسها المتوقفة على بقاء الموضوع يقينا، كما حققنا سابقا في مسألة إشتراط بقاء الموضوع، وإما لتحصيل شرط الاستصحاب في نفس تلك الاثار، كما توهمه بعض فيما قدمناه سابقا، من أن بعضهم تخيل أن موضوع المستصحب يحرز بالاستصحاب فيستصحب.والحاصل أن الاستصحاب في الملزومات محتاج إليه على كل تقدير.


الصفحة ٧٤٠

الرابع: أن المستفاد من الاخبار عدم الاعتبار باليقين السابق في مورد الشك المسببي.

بيان ذلك أن الامام، عليه السلام، علل وجوب البناء على الوضوء السابق في صحيحة زرارة بمجرد كونه متيقنا سابقا غير متيقن الارتفاع في اللاحق.

وبعبارة أخرى: علل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرد الاستصحاب.

ومن المعلوم أن مقتضى إستصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براء‌ة الذمة بهذا الصلاة.

حتى أن بعضهم جعل إستصحاب الطهارة وهذا الاستصحاب من الاستصحابين المتعارضين.

فلولا عدم جريان هذا الاستصحاب وإنحصار الاستصحاب في المقام بإستصحاب الطهارة لم يصح تعليل المضي على الطهارة بنفس الاستصحاب، لان تعليل تقديم أحد الشيئين على الاخر بأمر مشترك بينهما قبيح، بل أقبح من الترجيح بلا مرجح.

وبالجملة، فأرى المسألة غير محتاجة إلى إتعاب النظر، ولذا لا يتأمل العامي بعد إفتائه بإستصحاب الطهارة في الماء المشكوك في رفع الحدث والخبث به وبيعه وشرائه وترتيب الاثار المسبوقة بالعدم عليه.

هذا كله إذا عملنا بالاستصحاب من باب الاخبار.

وأما لو عملنا به من باب الظن، فلا ينبغي الارتياب فيما ذكرنا، لان الظن بعدم اللازم مع فرض الظن بالملزوم محال عقلا.فإذا فرض حصول الظن بطهارة الماء عند الشك فيلزمه عقلا الظن بزوال النجاسة عن الثوب.

والشك في طهارة الماء ونجاسة الثوب وإن كان في زمان واحد، إلا أن الاول لما كان سببا للثاني كان حال الذهن في الثاني تابعا لحاله بالنسبة إلى الاول، فلا بد من حصول الظن بعدم النجاسة في المثال، فاختص الاستصحاب المفيد للظن بما كان الشك فيه غير تابع لشك آخر يوجب الظن، فافهم فإنه لا يخلو عن دقة.

ويشهد لما ذكرنا أن العقلاء البانين على الاستصحاب في أمور معاشهم بل معادهم لا يلتفتون في تلك المقامات إلى هذا الاستصحاب أبدا.

ولو نبههم أحد لم يعتنوا فيعزلون حصة الغائب من الميراث ويصححون معاملة وكلائه ويؤدون عنه فطرته إذا كان عيالهم، إلى غير ذلك من موارد ترتيب الاثار الحادثة على المستصحب.

ثم إنه يظهر الخلاف في المسالة من جماعة، منهم الشيخ، والمحقق، والعلامة في بعض اقواله، وجماعة من متأخري المتأخرين.فقد ذهب الشيخ في المبسوط إلى عدم وجوب فطرة العبد إذا لم يعلم خبره.

واستحستنه المحقق في المعتبر مجيبا عن الاستدلال للوجوب بأصالة البقاء بأنها معارضة بأصالة عدم الوجوب، وعن تنظير وجوب الفطرة عنه بجواز عتقه في الكفارة، بالمنع عن الاصل تارة والفرق


الصفحة ٧٤١

بينهما أخرى.

وقد صرح في أصول المعتبر بأن إستصحاب الطهارة عند الشك في الحدث معارض بإستصحاب عدم براء‌ة الذمة بالصلاة بالطهارة المستصحبة.

وقد عرفت أن المنصوص في صحيحة زرارة العمل بإستصحاب الطهارة على وجه يظهر منه خلوه عن المعارض وعدم جريان إستصحاب الاشتغال.

وحكي عن العلامة في بعض كتبه الحكم بطهارة الماء القليل الواقع فيه صيد مرمي لم يعلم إستناد موته إلى الرمي.

لكنه اختار في غير واحد من كتبه بنجاسة الماء.

وتبعه عليه الشهيدان أو غيرهما.

وهو المختار، بناء على ما عرفت تحقيقه وأنه إذا ثبت بأصالة عدم التذكية موت الصيد جرى عليه جميع أحكام الميتة التي منها إنفعال الماء الملاقي له.

نعم ربما قيل: إن تحريم الصيد إن كان لعدم العلم بالتذكية فلا يوجب تنجيس الملاقي ن وإن كان للحكم عليه شرعا بعدمها إتجه الحكم بالتنجيس.

ومرجع الاول إلى كون حرمة الصيد مع الشك في التذكية للتعبد من جهة الاخبار المعللة لحرمة أكل الميتة بعدم العلم بالتذكية.وهو حسن لو لم يترتب عليه من أحكام الميتة إلا حرمة الاكل.ولا أظن أحدا يلتزمه.

مع أن المستفاد من حرمة الاكل كونها ميتة، لا التحريم تعبدا وإن أستفيد بعض ما يعتبر في التذكية من النهي عن الاكل بدونه.

ثم إن بعض ما يرى التعارض بين الاستصحابين في المقام صرح بالجمع بينهما، فحكم في مسألة الصيد بكونه ميتة والماء طاهر.

ويرد عليه: أنه لا وجه للجمع في مثل هذين الاستصحابين.

فإن الحكم بطهارة الماء إن كان بمعنى ترتب آثار من رفع الحدث والخبث به، فلا ريب أن نسبة إستصحاب بقاء الحدث والخبث إلى إستصحاب طهارة الماء بعينها نسبة إستصحاب طهارة الماء إلى إستصحاب عدم التذكية.

وكذا الحكم بموت الصيد، فإنه إن كان بمعنى إنفعال الملاقي له بعد ذلك والمنع عن إستصحابه في الصلاة، فلا ريب أن إستصحاب طهارة الملاقي وإستصحاب جواز الصلاة معه قبل زهاق روحه، نسبتها إليه كنسبة إستصحاب طهارة الماء إليه.

ومما ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره في الايضاح تقريبا للجمع بين الاصلين في الصيد الواقع في الماء القليل، من: (أن لاصالة الطهارة حكمين طهارة الماء وحل الصيد، ولاصالة الموت حكمان، لحوق أحكام الميتة للصيد ونجاسة الماء، فيعمل بكل من الاصلين في نفسه لاصالته دون الاخر لفرعيته فيه)(١)، إنتهى.

____________________

(١) إيضاح الفوائد في شرح القواعد، ج ١، ص ٢٤.


الصفحة ٧٤٢

وليت شعري ! هل نجاسة الماء إلا من أحكام الميتة؟ فأين الاصالة والفرعية؟ وتبعه في ذلك بعض من عاصرناه، فحكم بطهارة الجلد المطروح بأصالة الطهارة وحرمة الصلاة فيه.ويظهر ضعف ذلك مما تقدم.

وأضعف من ذلك حكمه في الثوب الرطب المستصحب النجاسة المنشور على الارض بطهارة الارض، إذ لا دليل على أن النجس بالاستصحاب منجس.

وليت شعري إذا لم يكن النجس بالاستصحاب منجسا ولا الطاهر به مطهرا، فكان كل ما يثبت بالاستصحاب لا دليل على ترتيب آثار الشئ الواقعي عليه، لان الاصل عدم تلك الاثار، فأي فائدة في الاستصحاب؟ قال في الوافية في شرائط الاستصحاب: (الخامس: أن لا يكون هناك إستصحاب في أمر ملزوم له بخلاف ذلك المستصحب.

مثلا إذا ثبت في الشرع أن الحكم بكون الحيوان ميتة يستلزم الحكم بنجاسة الماء القليل الواقع ذلك الحيوان فيه، فلا يجوز الحكم بنجاسة الماء القليل ولا بطهارة الحيوان في مسألة الصيد المرمي الواقع في الماء وأنكر بعض الاصحاب ثبوت هذا التلازم وحكم بنجاسة الصيد وطهارة الماء)(١)، إنتهى.

ثم اعلم أنه قد حكى بعض مشايخنا المعاصرين عن الشيخ علي في حاشية الروضة: (دعوى الاجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعي على الحكمي).ولعلها مستنبطة حدسا من بناء العلماء وإستمرار السيرة على ذلك.

فلا يعارض أحد إستصحاب كرية الماء بإستصحاب النجاسة فيما يغسل به، ولا إستصحاب القلة بإستصحاب طهارة الماء الملاقي للنجس، ولا إستصحاب حياة الموكل بإستصحاب فساد تصرفات وكيله.

لكنك قد عرفت فيما تقدم من الشيخ والمحقق خلاف ذلك، هذا.

مع أن الاستصحاب في الشك السببي دائما من قبيل الموضوعي بالنسبة إلى الاخر، لان زوال المستصحب بالاستصحاب الاخر من أحكام بقاء المستصحب بالاستصحاب السببي، فهو له من قبيل الموضوع للحكم، فإن طهارة الماء من أحكام الموضوع الذي حمل عليه زوال النجاسة عن المغسول به.وأي فرق بين إستصحاب طهارة الماء وإستصحاب كريته.هذا كله فيما إذا كان الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الاخر.

____________________

(١) الوافية، ص، مخطوط.


الصفحة ٧٤٣

وأما القسم الثاني وهو ماإذا كان الشك في كليهما مسببا عن أمر ثالث فمورده ما إذا علم إرتفاع الحادثين لا بعينه وشك في تعيينه.فإما أن يكون العمل.

بالاستصحابين مسلتزما لمخالفة قعطعية لذلك العلم الاجمالي، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الطاهرين، وإما أن لا يكون.

وعلى الثاني فإما أن يقوم دليل عقلي أو نقلي على عدم الجمع، كما في الماء النجس المتمم كرا بماء طاهر، حيث قام الاجماع على إتحاد حكم المائين أولا.

وعلى الثاني إما أن يترتب أثر شرعي على كل من المستصحبين في الزمان اللاحق، كما في إستصحاب بقاء الحدث وطهارة البدن في من توضأ غافلا بمايع مردد بين الماء والبول.

ومثله إستصحاب طهارة المحل في كل واحد من واجدي المني في الثوب المشترك، وإما أن يترتب الاثر على أحدهما دون الاخر، كما في دعوى الموكل التوكيل في شراء العبد ودعوى الوكيل التوكيل في شراء الجارية.

فهناك صور اربع: [ الصورة الاولى والصورة الثانية ] أما الاوليان، فيحكم فيهما بالتساقط، دون الترجيح والتخيير فهنا دعويان.

إحداهما: عدم الترجيح بما يوجد مع أحدهما من المرجحات خلافا لجماعة.

قال في محكي تمهيد القواعد: (إذا تعارض أصلان عمل بالارجح منهما، لاعتضاده بمايرجحه، فإن تساويا خرج في المسألة وجهان غالبا.

ثم مثل له بأمثلة، منها الصيد الواقع في الماء)، إلى


الصفحة ٧٤٤

آخر ماذكره(١).وصرح بذلك جماعة من متأخري المتأخرين.والحق على المختار، من إعتبار الاستصحاب من باب التعبد، هو عدم الترجيح بالمرجحات الاجتهادية، لان مؤدى الاستصحاب هو الحكم الظاهري، فالمرجح الكاشف عن الحكم الواقعي لا يجدي في تقوية الدليل الدال على الحكم الظاهري لعدم موافقة المرجح لمدلوله، حتى يوجب إعتضاده.وبالجملة فالمرجحات الاجتهادية غير موافقة في المضمون للاصول حتى تعاضدها.

وكذا الحال بالنسبة إلى الادلة الاجتهادية، فلا يرجح بعضها على بعض لموافقة الاصول التعبدية.

نعم لو كان إعتبار الاستصحاب من باب الظن النوعي أمكن الترجيح بالمرجحات الاجتهادية، بناء على ما يظهر من عدم الخلاف في إعمال التراجيح بين الادلة الاجتهادية، كما ادعاه صريحا بعضهم.

لكنك عرفت فيما مضى عدم الدليل على الاستصحاب من غير جهة الاخبار الدالة على كونه حكما ظاهريا، فلا ينفع ولا يقدح فيه موافقة الامارات الواقعية ومخالفتها.

هذا كله مع الاغماض عما سيجئ من عدم شمول (لا تنقض) للمتعارضين وفرض شمولها لهما من حيث الذاتية، نظير شمول آية النبأ من حيث الذات للخبرين المتعارضين وإن لم يجب العمل بهما فعلا، لامتناع ذلك، بناء على المختار في إثبات الدعوى الثانية.

فلا وجه لاعتبار الراجح أصلا، لانه إنما يكون مع التعارض وقابلية المتعارضين في أنفسهما للعمل.

الدعوى الثانية: إنه إذا لم يكن مرجح فالحق التساقط دون التخيير لا لما ذكره بعض المعاصرين، من: (أن الاصل في تعارض الدليلين التساقط، لعدم تناول دليل حجيتها لصورة التعارض، لما تقرر في باب التعارض، من أن الاصل في المتعارضين التخيير إذا كان إعتبارهما من باب التعبد لا من باب الطريقية) بل لان العلم الاجمالي هنا بإنتقاض أحد الضدين يوجب خروجهما عن مدلول (لا تنقض)، لان قوله: (لا تنقض بالشك ولكن تنقضه بيقين مثله)، يدل على حرمة النقض بالشك ووجوب النقض باليقين.فإذا فرض اليقين بإرتفاع الحالة السابقة

____________________

(١) تمهيد القواعد، ص ٤٠.


الصفحة ٧٤٥

في أحد المستصحبين، فلا يجوز إبقاء كل منهما تحت عموم حرمة النقض بالشك لانه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله، ولا إبقاء أحدهما المعين لاشتراك الاخر معه في الدخول من غير مرجح.

وأما أحدهما المخير فليس من أفراد العام، إذا ليس فردا ثالثا غير الفردين المتشخصين في الخارج، فإذا خرجا لم يبق شئ.

وقد تقدم نظير ذلك في الشبهة المحصورة، وأن قوله، عليه السلام: (كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام)، لا يشمل شيئا من المشتبهين.

وربما يتوهم أن عموم دليل الاستصحاب، نظير قوله: أكرم العلما، وأنقذ كل غريق، واعمل بكل خير، في أنه إذا تعذر العمل بالعام في فردين متنافيين لم يجز طرح كلهما، بل لا بد من العمل بالممكن وهو أحدهما تخييرا وطرح الاخر، لان هذا غاية المقدور.

ولذا ذكرنا في باب التعارض أن الاصل في الدليلين المتعارضين مع فقد الترجيح التخيير بالشرط المتقدم لا التساقط.

والاستصحاب أيضا أحد الادلة، فالواجب بالعمل باليقين السابق بقدر الامكان.

فإذا تعذر العمل باليقين من جهة تنافيهما وجب العمل بأحدهما ولا يجوز طرحهما.

ويندفع هذا التوهم بأن عدم التمكن من العمل بكلا الفردين إن كان لعدم القدرة على ذلك مع قيام المقتضي للعمل فيهما فالخارج هو غير المقدرو، وهو العمل بكل منهما مجامعا مع العمل بالاخر.وأما فعل أحدهما المنفرد عن الاخر فهو مقدور فلا يجوز تركه.

وفي ما نحن فيه ليس كذلك، إذ بعد العلم الاجمالي لا يكون المقتضي لحرمة نقض كلا اليقينين موجودا منع عنهما عدم القدرة.

نعم مثال هذا في الاستصحاب أن يكون هناك إستصحابان بشكين مستقلين إمتنع شرعا أو عقلا العمل بكليهما من دون علم إجمالي بإنتقاض أحد المستصحبين بيقين الارتفاع، فإنه يجب حينئذ العمل بأحدهما المخير وطرح المخير، فيكون الحكم الظاهري مؤدى أحدهما.

وإنما لم نذكر هذا القسم في أقسام تعارض الاستصحابين، لعدم العثور على مصداق له، فإن الاستصحابات المتعارضة يكون التنافي بينها من جهة اليقين بإرتفاع أحد المستصحبين، وقد عرفت أن عدم العمل بكلا الاستصحابين ليس مخالفة لدليل الاستصحاب سوغها العجز، لانه نقض اليقين باليقين، فلم يخرج عن عموم عن عموم (لا تنقض) عنوان ينطبق على الواحد التخييري.

وأيضا فليس المقام من قبيل ما كان الخارج من العام فردا معينا في الواقع غير معين عندنا ليكون الفرد الاخر الغير المعين باقيا تحت العام.كما إذا قال أكرم العلماء وخرج فرد واحد غير معين عندنا.

فيمكن هنا أيضا الحكم بالتخيير العقلي في الافراد، إذ لا إستصحاب في الواقع حتى يعلم بخروج فرد منه وبقاء فرد آخر، لان الواقع بقاء إحدى الحاليتن وإرتفاع الاخرى.


الصفحة ٧٤٦

نعم نظيره في الاستصحاب ما لو علمنا بوجوب العمل بأحد الاستصحابين المذكورين ووجوب طرح الاخر بأن حرم نقض أحد اليقينين بالشك ووجب نقض الاخر به.

ومعلوم أن ما نحن فيه ليس كذلك، لان المعلوم إجمالا في ما نحن فيه بقاء أحد المستصحبين لا بوصف زائد وإرتفاع الاخر، لا إعتبار الشارع لاحد الاستصحابين وإلقاء الاخر.

فتبين أن الخارج من عموم (لا تنقض) ليس واحدا من المتعارضين، لا معينا ولا مخيرا، بل لما وجب نقض اليقين باليقين وجب ترتيب آثار الارتفاع على المرتفع الواقعي وترتيب آثار البقاء على الباقي الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة فيهما، فيرجع إلى قواعد أخر غير الاستصحاب.

كما لو لم يكونا مسبوقين بحالة سابقة.

ولذا لا نفرق في حكم الشبهة المحصورة بين كون الحالة السابقة في المشتبهين هي الطهارة أو النجاسة وبين عدم حالة سابقة معلومة.

فإن مقتضى الاحتياط فهيما، وفيما تقدم من مسألة الماء النجس المتمم كرا الرجوع إلى قاعدة الطهارة.وهكذا.

ومما ذكرنا يظهر أنه في التساقط بين أن يكون في كل من الطرفين أصل واحد وبين أن يكون في أحدهما أزيد من أصل واحد.

فالترجيح بكثرة الاصول بناء على إعتبارها من باب التعبد لا وجه له، لان المفروض أن العلم الاجمالي يوجب خروج جيمع مجاري الاصول عن مدلول (لا تنقض)، على ما عرفت.

نعم الترجيح بناء على إعتبار الاصول من باب الظن النوعي.

وأما الصورة الثالثة وهو ما يعمل فيه بالاستصحابين فهو ما كان العلم الاجمالي بإرتفاع أحد المستصحبين فيه غير مؤثر شيئا، فمخالفته لا توجب مخالفة عملية لحكم شرعي.

كما لو توضأ إشتباها بمائع مردد بين البول والماء، فإنه يحكم ببقاء الحدث وطهارة الاعضاء إستصحابا لهما.

وليس العلم الاجمالي بزوال أحدهما مانعا من ذلك، إذ الواحد المردد بين الحدث وطهارة اليد لا يترتب على حكم شرعي حتى يكون ترتيبه مانعا عن العمل بالاستصحابين، ولا يلزم من الحكم بوجوب الوضوء وعدم غسل الاعضاء، مخالفة عملية لحكم شرعي أيضا.

نعم ربما يستشكل ذلك في الشبهة الحكمية.

وقد ذكرنا ما عندنا في المسألة في مقدمات حجية الظن عند التكلم في حجية العلم.


الصفحة ٧٤٧

وأما الصورة الرابعة وهي ما يعمل فيه بأحد الاستصحابين فهو ما كان أحد المستصحبين المعلوم إرتفاع أحدهما مما يكون موردا لابتلاء المكلف دون الاخر، بحيث لا يتوجه على المكلف تكليف منجز يترتب أثر شرعي عليه.

وفي الحقيقة هذا خارج عن تعارض الاستصحابين، إذ قوله: (لا تنقض اليقين)، لا يشمل اليقين الذي لا يترتب عليه في حق المكلف أثر شرعي بحيث لا تعلق له به أصلا.

كما إذا علم إجمالا بطرو الجناية عليه أو على غيره، وقد تقدم أمثلة ذلك.

ونظير هذا كثير، مثل أنه علم إجمالا بحصول التوكيل من الموكل، إلا أن الوكيل يدعي وكالته في شئ، والموكل ينكر توكيله في ذلك الشئ، فإنه لا خلاف في تقديم قول الموكل لاصالة عدم توكيله فيما يدعيه الوكيل، ولم يعارضه أحد بأن الاصل عدم توكيله فيما يدعيه الموكل أيضا.

وكذا لو تداعيا في كون النكاح دائما أو منقطعا، فإن الاصل عدم النكاح الدائم من حيث أنه سبب للارث ووجوب النفقة والقسم.

ويتضح ذلك بتتبع كثير من فروع التنارع في أبواب الفقه.

ولك أن تقول بتساقط الاصلين في هذه المقامات والرجوع إلى الاصول الاخر الجارية في لوازم المشتبهين.

إلا أن ذلك إن ذلك إنما يتمشى في إستصحاب الامور الخارجية.

أما مثل أصالة الطهارة في كل من واجدي المني، فإنه لا وجه للتساقط هنا.

ثم لو فرض في هذه الامثلة أثر لذلك الاستصحاب الاخر، دخل في القسم الاول، إن كان الجمع بينه وبين الاستصحاب مستلزما لطرح علم إجمالي معتبر في العمل ولا عبرة بغير المعتبر، كما في الشبهة الغير المحصورة، وفي القسم الثاني إن لم يكن هناك مخالفة عملية لعلم إجمالي معتبر.

فعليك بالتأمل في موارد إجتماعين سابقين مع العلم الاجمالي من عقل أو شرع أو غيرهما بإرتفاع أحدهما وبقاء الاخر.

والعلماء وإن كان ظاهرهم الاتفاق على عدم وجوب الفحص في إجراء الاصول في الشبهات الموضوعية، ولازمه جواز إجراء المقلد لها بعد أخذ فتوى جواز الاخذ بها من المجتهد، إلا أن تشخيص سلامتها من الاصول الحاكمة عليها ليس وظيفه كل أحد.

فلا بد إما من قدرة المقلد على تشخيص الحاكم من الاصول على غيره منها وإما من أخذ خصوصيات الاصول السليمة عن الحاكم من المجتهد.

وإلا فربما يلتفت إلى الاستصحاب المحكوم من دون إلتفات إلى الاستصحاب الحاكم.وهذا


الصفحة ٧٤٨

يرجع في الحقيقة إلى تشخيص الحكم الشرعي.نظير تشخيص حجية أصل الاستصحاب وعدمها.

عصمنا الله وإخواننا من الزلل في القول والعمل بحق محمد وآله المعصومين صلوات الله عليهم إجمعين إلى يوم الدين.

كتب في النجف الاشرف على مشرفها آلاف التحية والسلام، على يد أحقر عباد الله وأقل الطلاب محمد صالح بن محمد قاسم الخراساني مشهدي المسكن ودولابي المولد من قراء‌ه بلوك الدر داب في شهر ربيع الثاني في ١٢٦٩.

اللهم اغفر لنا ولوالديه بجاه محمد وآله.


الصفحة ٧٤٩


الصفحة ٧٥٠

خاتمة في التعادل والترجيح

وحيث أن موردهما الدليلان المتعارضان، فلا بد من تعريف التعارض وبيانه.

وهو، لغة من العرض بمعنى الاظهار، وغلب في الاصطلاح على تنافي الدليلين وتمانعهما بإعتبار ملدولهما.

ولذا ذكروا أن التعارض تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضاد.

وكيف كان، فلا يتحقق إلا بعد إتحاد الموضوع وإلا لم يمتنع إجتماعهما.

ومنه يعلم أنه لا تعارض بين الاصول وما يحصله المجتهد من الادلة الاجتهادية، لان موضوع الحكم، في الاصول، الشي بوصف أنه مجهول الحكم.

والدليل المفروض إن كان بنفسه يفيد العلم صار المحصل له عالما بحكم العصير فلا يقتضي الاصل حليته، لانه إنما إقتضى حلية مجهول الحكم.

فالحكم بالحرمة ليس طرحا للاصلن بل هو بنفسه غير جار وغير مقتض، لان موضوعه مجهول الحكم وإن كان بنفسه لا يفيد العلم، بل هو محتمل الخلاف، لكن ثبت إعتباره بدليل علمي.

فإن كان الاصل مما كان مؤداه بحكم العقل، لان موضوع البراء‌ة العقلية والاحتياط والتخيير العقليين، فالدليل أيضا وارد عليه ورافع لموضوعه، لان موضوع الاول عدم البيان، وموضوع الثاني إحتمال العقاب، ومورد الثالث عدم الترجيح لاحد طرفي التخيير.وكل ذلك مرتفع بالدليل العلمي المذكور.

وإن كان مؤداه من المجعولات الشرعية، كالاستصحاب ونحوه، كان ذلك الدليل حاكما على الاصل، بمعنى أنه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الاصل.

فالدليل العلمي المذكور وإن لم يرفع موضوعه، أعني الشك، إلا أنه يرفع حكم الشك، أعني الاستصحاب.

وضابط الحكومة: أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضا لحال الدليل الاخر ورافعا


الصفحة ٧٥١

للحكم الثابت بالدليل الاخر عن بعض أفراد موضوعه.فيكون مبينا لمقدار مدلوله، مسوقا لبيان حاله، عليه.

نظير الدليل الدال على أنه لا حكم للشك في النافلة او مع كثرة الشك أو مع حفظ الامام أو المأموم أو بعد الفراغ من العمل، فإنه حاكم على الادلة المتكلفة لاحكام هذه الشكوك.

فلو فرض أنه لم يرد من الشارع حكم الشكوك لا عموما ولا خصوصا، لم يكن مورد للادلة النافية لحكم الشك في هذه الصور.

والفرق بينه وبين التخصيص: أن كون التخصيص بيانا للعام بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع القرينة الصارفة، وهذا بيان بلفظه للمراد ومفسر للمراد من العام فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير.

ثم الخاص إن كان قطعيا تعين طرح عموم العام، وإن كان ظنيا دار الامر بين طرحه وطرح العموم.

ويصلح كل منهما لرفع اليد بمضمونه على تقدير مطابقته للواقع عن الاخر، فلا بد من الترجيح، بخلاف الحاكم، فإنه يكتفي به في صرف المحكوم عن ظاهره، فلا يكتفي بالمحكوم وصرف الحاكم عن ظاهره، بل يحتاج إلى قرينة أخرى، كما يتضح ذلك بملاحظة الامثلة المذكورة.

فالثمرة بين التخصيص والحكومة تظهر في الظاهرين حيث لا يقدم المحكوم ولو كان الحاكم أضعف منه، لانه صرفه عن ظاهره لا يحسن بلا قرينة أخرى هي مدفوعة بالاصل.

وأما الحكم بالتخصيص فيتوقف على ترجيح ظهور الخاص وإلا أمكن رفع اليد عن ظهوره وإخراجه عن الخصوص بقرينة صاحبه.

فلنرجع إلى ما نحن بصدده من ترجيح حكومة الادلة الظنية من الاصول، فنقول: قد جعل الشارع للشئ المحتمل للحل والحرمة حكما شرعيا أعني الحل، ثم حكم بأن الامارة الفلانية، كخبر العادل الدال على حرمة العصير، حجة، بمعنى أنه لا يعبأ بإحتمال مخالفة مؤداه للواقع.

فإحتمال حلية العصير المخالف للامارة بمنزلة العدم لا يترتب عليه حكم شرعي، كأن يترتب عليه لولا هذه الامارة.

وهو ما ذكرنا من الحكم بالحلية الظاهرية.فمؤدى الامارات بحكم الشارع كالمعلوم لا يترتب عليه الاحكام الشرعية المجعولة للمجهولات.ثم إن ما ذكرنا من الورود والحكومة جار في الاصول اللفظية أيضا.فإن أصالة الحقيقة أو العموم معتبرة إذا لم يكن هناك قرينة على المجاز.فإن كان المخصصن مثلا، دليلا علميا، كان واردا على الاصل المذكور.فالعمل بالنصل


الصفحة ٧٥٢

القطعي في مقابل الظاهر كالعمل بالدليل العلمي في مقابل الاصل العملي، وإن كان المخصص ظنيا معتبرا كان حاكما على الاصل، لان معنى حجية الظن جعل إحتمال مخالفة مؤداه للواقع بمنزلة العدم في عدم ترتب ما كان يترتب عليه من الاثر لولا حجية هذه الامارة، وهو وجوب العمل بالعموم، فإن الواجب عرفا وشرعا العمل بالعموم عند إحتمال وجود المخصص وعدمه.فعدم العبرة بإحتمال عدم التخصيص إلغاء للعمل بالعموم.

فثبت: أن النص وارد على أصالة الحقيقة في الظاهر إذا كان قطعيا من جميع الجهات وحاكم عليه إذا كان ظنيا في الجملة، كالخاص الظني السند مثلا.

ويحتمل أن يكون الظن أيضا واردا، بناء على كون العمل بالظاهر عرفا وشرعا معلقا على عدم التعبد بالتخصيص.

فحالها حال الاصول العقلية، فتأمل.هذا كله على تقدير كون أصالة الظهور من حيث أصالة عدم القرينة.

وأما إذا كان من جهة الظن النوعي الحاصل بإرادة الحقيقة الحاصلة من الغلبة أو من غيرها، فالظاهر أن النص وارد عليها مطلقا وإن كان النص ظنيا، لان الظاهر أن دليل حجية الظن الحاصل بإرادة الحقيقة الذي هو مستند أصالة الظهور مقثد بصورة عدم وجود ظن معتبر على خلافه.فإذا وجد ارتفع موضوع ذلك الدليل.نظير إرتفاع موضوع الاصل بالدليل.

ويكشف عما ذكرنا: أنا لم نجد ولا نجد من أنفسنا موردا يقدم فيه العام من حيث هو على الخاص وإن فرض كونه اضعف الظنون المعتبرة.

فلو كان حجية ظهور العام غير معلق على عدم الظن المعتبر على خلافه لوجد مورد نفرض فيه أضعفيه مرتبة الظن الخاص من الظن العام حتى يقدم عليه، أو مكافئته له حتى يتوقف.

مع أنا لم نسمع موردا يتوقف في مقابلة العام من حيث هو والخاص، فضلا على أن يرجح عليه.

نعم لو فرض الخاص ظاهرا أيضا خرج عن النص وصارا من باب التعارض الظاهرين وربما يقدم العام.

وهذا نظير الاستصحاب على القول به، فإنه لم يسمع مورد يقدم الاستصحاب على الامارة المعتبرة المخالفة له، فيكشف على أن إفادته للظن أو إعتبار ظنه النوعي مقيد بعدم [ قيام ] ظن آخر على خلافه، فافهم.

ثم إن التعارض، على ما عرفت من تعريفه، لا يكون في الادلة القطعية، لان حجيتها إنما هي من حيث صفة القطع، والقطع بالمتنافيين أو بأحدهما مع الظن بالاخر غير ممكن.

ومنه يعلم عدم وقوع التعارض بين الدليلين يكون حجيتهما بإعتبار صفة الظن الفعلي، لان


الصفحة ٧٥٣

إجتماع الظنين بالمتنافيين محال.فإذا تعارض سببان للظن الفعلي، فإن بقى الظن في أحدهما فهو المعتبر، وإلا تساقطا.

وقولهم: (إن التعارض لا يكون إلا في الظنين)، يريدون به الدليلين المعتبرين من حيث إفادة نوعهما الظن.

وإنما أطلقوا في ذلك، لان أغلب الامارات بل جميعا عند جل العلماء، بل ما عدا جمع ممن قارب عصرنا معتبرة من هذه الحيثية، لا لافادة الظن الفعلي بحيث يناط الاعتبار به.

ومثل هذا في القطعيات غير موجودة، إذ ليس هنا ما يكون إعتباره من باب إفادة نوعه للقطع، لان هذا يحتاج إلى جعل الشارع، فيدخل حينئذ في الادلة الغير القطعية، لان الاعتبار في الادلة القطعية من حيث صفة القطع.

فهي في المقام منتفية، فيدخل في الادلة الغير القطعية.لا أن المراد من الدليل هو ما يكون إعتباره بجعل الشارع وإعتباره.

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أن الكلام في أحكام التعارض يقع في مقامين، لان المتعارضين إما أن يكون لاحدهما مرجح على الاخر، وإما أن لا يكون، بل يكونان متعادلين متكافئين.وقبل الشروع في بيان حكمهما لا بد من الكلام في القضيه المشهورة.

وهي: أن الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح والمراد من الكلام في القضية المصرح به في كلام بعضهم وفي معقد إجماع بعض آخر أعم من طرح أحدهما لمرجح في الاخر فيكون الجمع من التعادل أولى من التخيير ومع وجود المرجح اولى من الترجيح.

قال الشيخ إبن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللئالي، على ما حكي عنه: (إن كل حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك أولا البحث عن معناهما وكيفية دلالة ألفاظهما.

فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل والدلالات، فاحرص عليه واجتهد في تحصيله، فإن العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما وتعطيله بإجماع العلماء.فإذا لم تتمكن من ذلك أو لم يظهر لك وجهه، فارجع إلى العمل بهذا الحديث.واشار بهذا إلى مقبولة عمر بن حنظلة)(١)، إنتهى.

واستدل عليه، تارة، بأن الاصل في الدليلين الاعمال، فيجب الجمع بينهما مهما أمكن،

____________________

(١) عوالي اللئالي، ج ٤، ص ١٣٦.


الصفحة ٧٥٤

لاستحالة الترجيح من غير مرجح.وأخرى، بأن دلالة اللفظ على تمام معناه أصلية وعلى جزئه تبعية.

وعلى تقدير الجمع يلزم إهمال دلالة تبعية، وهو أولى مما يلزم على تقدير عدمه، وهو إهمال دلالة أصلية.

ولا يخفى: أن العمل بهذه القضية على ظاهرها يوجب سد باب الترجيح والهرج في الفقه، كما لا يخفى.

ولا دليل عليه، بل الدليل على خلافه من الاجماع والنص.

أما عدم الدليل عليه، فلان ما ذكر من أن الاصل في الدليل الاعمال مسلم، لكن المفروض عدم إمكانه في المقام، فإن العمل بقوله، عليه السلام: (ثمن العذرة سحت)(١)، وقوله: (لا بأس ببيع العذرة)(٢)، على ظاهرهما غير ممكن، وإلا لم يكونا متعارضين.

وإخراجهما عن ظاهرهما بحمل الاول على عذرة غير مأكول اللحم والثاني على عذرة مأكول اللحم ليس عملا بهما، إذ كما يجب مراعادة السند في الرواية والتعبد بصدورها إذا اجتمعت شرائط الحجية، كذلك يجب التعبد بإرادة المتكلم ظاهر الكلام المفروض وجوب التعبد بصدوره إذا لم يكن هنا قرينة صارفة.

ولا ريب أن التعبد، بصدور أحدهما المعين إذا كا هناك مرجح والمخير إذا لم يكن، ثابت على تقدير الجمع وعدمه، فالتعبد بظاهره واجب.كما أن التعبد بصدور الاخر أيضا واجب.

فيدور الامر بين عدم التعبد بصودر ما عدى الواحد المتفق على التعبد به وبين عدم التعبد بظاهر الواحد المتفق على التعبد به، ولا أولوية للثاني.

بل قد يتخيل العكس فيه من حيث أن في الجمع ترك التعبد بظاهرين وفي طرح أحدهما ترك التعبد بسند واحد.

لكنه فاسد، من حيث ترك التعبد بظاهر ما لم يثبت التعبد بصدوره ولم يحرز كونه صادرا عن المتكلم وهو ما عدى الواحد المتيقن العمل به ليس مخالفا للاصل، بل التعبد غير معقول، إذ لا ظاهر حتى يتعبد به، فليس مخالفا للاصل تركا للتعبد بما يجب التعبد به.

ومما ذكرنا يظهر فساد توهم أنه إذا عملنا بدليل حجية الامارة فيهما وقلنا بأن الخبرين معتبران سندا، فيصيران كمقوطعي الصدور.

ولا إشكال ولا خلاف في أنه إذا وقع التعارض بين ظاهري مقوطوعي الصدور، كآيتين أو متواترين، وجب تأويلهما والعمل بخلاف ظاهرهما، فيكون

____________________

(١) تهذيب الاحكام، ج ٦، ص ٣٧٢.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ٦، ص ٣٧٣.


الصفحة ٧٥٥

القطع بصدورهما عن المعصوم، عليه السلام، قرينة صارفة لتأويل كل من الظاهرين.

وتوضيح الفرق وفساد القياس: أن وجوب التعبد بالظواهر لا يزاحم القطع بالصدور.بل القطع بالصدور قرينة على إرادة خلاف الظاهر.وفيما نحن فيه يكون وجوب التعبد بالظاهر مزاحما لوجوب التعبد بالسند.

وبعبارة أخرى: العمل بمقتضى أدلة إعتبار السند والظاهر بمعنى الحكم بصدورهما وإرادة ظاهرهما غير ممكن، والممكن من هذه الامور الاربعة إثنان لا غير: إما الاخذ بالسندين وما الاخذ بظاهر وسند من أحدهما.

فالسند الواحد منهما متيقن الاخذ به.

وطرح أحد الظاهرين وهو ظاهر الاخر الغير المتيقن الاخذ بسنده ليس مخالفا للاصل، لان المخالف للاصل إرتكاب التأويل في الكلام بعد الفراغ عن التعبد بصدوره، فيدور الامر بين مخالفة أحد الاصلين: إما مخالفة دليل التعبد بالصدور في غير المتيقن التعبد، وإما مخالفة الظاهر في متيقن التعبد.

وأحدهما ليس حاكما على الاخرن لان الشك فيهما مسبب عن ثالث، فيتعارضان.

ومنه يظهر فساد قياس ذلك بالنص الظني السند مع الظاهر حيث يوجب الجمع بينهما بطرح ظهور الظاهر، لا سند النص.

توضيحه: أن سند الظاهر لا يزاحم دلالته ولا سند النص ولا دلالته: أما دلالته فواضح، إذ لا يبقى مع طرح السند مراعاة للظاهر، وأما سند النص ودلالته، فإنما يزاحمان ظاهره لا سنده.

وهما حاكمان على ظهوره، لان من آثار التعبد به رفع اليد عن ذلك الظهور، لان الشك فيه مسبب عن الشك في التعبد بالنص.

وأضعف مما ذكمر توهم قياس ذلك بما إذا كان خبر بلا معارض، لكن ظاهره مخالف للاجماع، فإنه يحكم بمقتضى إعتبار سنده بإرادة خلاف الظاهر من مدلوله.

لكن لا دوران هناك بين طرح السند والعمل بالظاهر وبين العكس، إذ لو طرحنا سند ذلك الخبر لم يبق مورد للعمل بظاهره.

بخلاف ما نحن فيه، فإنا إذا طرحنا سند أحد الخبرين أمكننا العمل بظاهر الاخر، ولا مرجح لعكس ذلك.

بل الظاهر هو الطرح، لان المرجح والمحكم في الامكان الذي قيد به وجوب العمل بالخبرين هو العرف، ولا شك في حكم العرف وأهل اللسان بعدم إمكان العمل بقوله: (أكرم العلماء، ولا تكرم العلماء)، نعم لو فرض علمهم بصدور كليهما حملوا أمر الامر بالعمل بهما على إرادة ما يعم العمل بخلاف ما يقتضيانه بحسب اللغة والعرف.

ولاجل ما ذكرنا وقع من جماعة من أجلاء الرواة السؤال عن حكم الخبرين المتعارضين، مع


الصفحة ٧٥٦

ما هو مركوز في ذهن كل واحد.من أن كل دليل شرعي يجب العمل به مهما أمكن.فلو لم يفهموا عدم الامكان في المتعارضين لم يبق وجه للتحير الموجب للسؤال.مع أنه لم يقع الجواب في شئ من تلك الاخبار العلاجية بوجوب الجمع بتأويهما معا.

وحمل مورد السؤال على صورة تعذر تأويلهما ولو بعيدا تقييد بفرد غير واقع في الاخبار المتعارضة.

وهذا دليل آخر على عدم كلية هذه القاعدة.

هذا كله مضافا إلى مخالفتها للاجماع، فإن علماء الاسلام من زمن الصحابة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجحات في الاخبار المتعارضة بظواهرها ثم إختيار أحدهما وطرح الاخر من دون تأويلهما معا، لاجل الجمع.

وأما ما تقدم من عوالي اللئالي فليس نصا بل ولا ظاهرا في دعوى تقديم الجمع بهذا النحو على التخيير والترجيح، فإن الظاهر من الامكان في قوله: (فإن أمكنك التوفيق بينهما)، هو الامكان العرفي في مقابل الامتناع العرفي بحكم أهل اللسان، فإن حمل اللفظ على خلاف ظاهره بلا قرينة غير ممكن عند أهل اللسان، بخلاف حمل العام والمطلق على الخاص والمقيد.

ويؤيده قوله أخيرا: (فإذا لم تتمكن من ذلك ولم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث)، فإن مورد عدم التمكن نادر جدا.

وبالجملة، فلا يظن بصاحب العوالي ولا بمن هو دونه أن يقتصر في الترجيح على موارد لا يمكن تأويل كليهما، فضلا عن دعواه الاجماع على ذلك.

والتحقيق الذي عليه أهله: أن الجمع بين الخبرين المتنافيين بظاهرهما على أقسام ثلاثة:

أحدهما ما يكون متوقفا على تأويلهما معا.

والثاني ما يتوقف على تأويل أحدهما المعين.

والثالث ما يتوقف على تأويل أحدهما لا بعينه.

أما الاول، فهو الذي تقدم أنه مخالف للدليل والنص والاجماع.

وأما الثاني، فهو تعارض النص والظاهر الذي تقدم أنه ليس بتعارض في الحقيقة.

وأما الثالث، فمن أمثلته العام والخاص من وجه، حيث يحصل الجمع بتخصيص أحدهما مع بقاء الاخر على ظاهره.

وثمل قوله: (إغتسل يوم الجمعة)، بناء على أن ظاهر الصيغة الوجوب.

وقوله: (ينبغي غسل الجمعة)، بناء على ظهور هذه المادة في الاستحباب فإن الجمع يحصل برفع اليد عن ظاهر أحدهما.

وحينئذ، فإن كان لاحد الظاهرين مزية وقوة على الاخر بحيث لو إجتمعا في كلام واحد، نحو


الصفحة ٧٥٧

رأيت أسدا يرمي، أو إتصلا في كلامين لمتكلم واحد تعين العمل بالاظهر وصرف الظاهر إلى ما لا يخالفه كان حكم هذا حكم القسم الثاني في أنه إذا تعبد بصدور الاظهر يصير قرينة صارفة للظاهر من دون عكس.

نعم الفرق بينه وبين القسم الثاني أن التعبد بصدور النص لا يمكن إلا بكونه صارفا عن الظاهر، ولا معنى له غير ذلك.ولذا ذكرنا دوران الامر فيه بين طرح دلالة الظاهر وطرح سند النص.

وفيما نحن فيه يمكن التعبد بصدور الاظهر وإبقاء الظاهر على حاله وصرف الاظهر، لان كلا من الظهورين مستند إلى أصالة الحقيقة.إلا أن العرف يرجحون أحد الظهورين على الاخر.

فالتعارض موجود والترجيح بالعرف بخلاف النص والظاهر.

وأما لو لم يكن لاحد الظاهرين مزية على الاخر، فالظاهر أن الدليل المتقدم في الجمع وهو ترجيح التعبد بالصدور على أصالة الظهور غير جار هنا، إذ لو جمع بينهما وحكم بإعتبار سندهما وبأن أحدهما لا بعينه مؤول لم يترتب على ذلك أزيد من الاخذ بظاهر أحدهما، إما من باب عروض الاجمال لهما بتساقط أصالتي الحقيقة في كل منهما لاجل التعارض فيعمل بالاصل الموافق لاحدهما، وإما من باب التخيير في الاخذ بواحد من أصالتي الحقيقة على أضعف الوجهين في حكم تعارض الاحوال إذا تكافئت.وعلى كل تقدير يجب طرح أحدهما.

نعم يظهر الثمرة في إعمال المرجحات السندية في هذا القسم، إذ على العمل بقاعدة الجمع يجب أن يحكم بصدورهما وإجمالهما، كمقطوعي الصدور، بخلف ما إذا أدرجناه فيما لا يمكن الجمع، فإنه يرجع فيه إلى المرجحات.

وقد عرفت أن هذا هو الاقوى وأنه لا محصل للعمل بهما على أن يكونا مجملين ويرجع إلى الاصل الموافق لاحدهما، [ ليكون حاصل الامر بالتعبد بهما ترك الجمع بينهما والاخذ بالاصل المطابق لاحدهما ].

ويؤيد ذلك بل يدل عليه: أن الظاهر من العرف دخول هذا القسم في الاخبار العلاجية الآمرة بالرجوع إلى المرجحات.

لكن يوهنه: أن اللازم حينئذ بعد فقد المرجحات التخيير بينهما، كما هو صريح تلك الاخبار.

مع أن الظاهر من سيرة العلماء عدا ما سيجئ من الشيخ، رحمه الله، في النهاية والاستبصار في مقام الاستنباط التوقف والرجوع إلى الاصل المطابق لاحدهما.

إلا أن يقال: إن هذا من باب الترجيح بالاصل فيعملون بمطابق الاصل منهما لا بالاصل


الصفحة ٧٥٨

المطابق لاحدهما.ومع مخالفتهما للاصل فاللازم التخيير على كل تقدير.

غاية الامر ان التخيير شرعي إن قلنا بدخولهما في عموم الاخبار، وعقلي على القول به في مخالفي الاصل إن لم نقل.

وقد يفصل: بين ما إذا في كل منهما سليم عن المعاض، وبين غيره، كقوله: إغتسل للجمعة، وينبغي غسل الجمعة.

فيرجح الجمع على الطرح في الاول، لوجوب العمل بكل منهما في الجملة، فيستبعد الطرح في مادة الاجتماع بخلاف الثاني، وسيجئ تتمة الكلام إن شاء الله تعالى.

بقي في المقام: أن شيخنا الشهيد الثاني، رحمه الله، فرع في تمهيده: (على قضية أولوية الجمع الحكم يتنصيف دار تداعياها وهي في يدهما أو لا يد لاحدهما وأقاما بينة)، إنتهى المحكي عنه.

ولو خص المثال بالصورة الثانية لم يرد عليه ما ذكره المحقق القمي، رحمه الله، وإن كان ذلك أيضا لا يخلو عن مناقشة يظهر بالتأمل.

وكيف كان فالاولى التمثيل بها وبما أشبهها، مثل حكمهم بوجوب العمل بالبينات في تقويم المعيب والصحيح.

وكيف كان، فالكلام في مستند أولوية الجمع بهذا النحو، أعنى العمل بكل من الدليلين في بعض مدلولهما المستلزم للمخالفة القطعية لمقتضي الدليلين، لان الدليل الواحد لا يتبعض في الصدق والكذب.ومثل هذا غير جار في أدلة الاحكام الشرعية.

والتحقيق: أن العمل بالدليلين، بمعنى الحركة والسكون، على طبق مدلولهما غير ممكن مطلقا.

فلا بد، على القول بعموم القضية المشهورة، من العمل على وجه يكون فيه جمع بينهما من جهة وإن كان طرحا من جهة أخرى في مقابل طرح أحدهما رأسا.

والجمع في أدلة الاحكام عندهم بالعمل بهما من حيث الحكم بصدقهما وإن كان فيه طرح لهما من حيث ظاهرهما.

وفي مثل تعارض البينات، لما لم يمكن ذلك، لعدم تأتي التأويل في ظاهرها كلمات الشهود، فهي بمنزلة النصين المتعارضين، إنحصر وجه الجمع في التبعيض فيهما من حيث التصديق بأن يصدق كل من المتعارضين في بعض ما يخبر به.فمن أخبر بأن هذا كله لزيد فصدقه في نصف الدار.

وكذا من شهد بأن قيمة هذا الشئ صحيحا كذا ومعيبا كذا فصدقه في أن قيمة كل نصف منه منضما إلى نصفه الاخر نصف القيمة.

وهذا النحو غير ممكن في الاخبار، لان مضمون خبر العادل، أعني صدور هذا القول الخاص من الامام، عليه السلام، غير قابل للتبعيض، بل هو نظير تعارض البينات في الزوجه أو النسب.


الصفحة ٧٥٩

نعم قد يتصور التبعيض في ترتيب الاثار على تصديق العادل إذا كان كل من الدليلين عاما ذا أفراد، فيؤخذ بقوله في بعضها وبقول الاخر في بعضها، فيكرم بعض العلماء ويهين بعضهم فيما إذا ورد: (أكرم العلماء)، وورد أيضا: (أهن العلماء)، سواء كانا نصين بحيث لا يمكن التجوز في أحدهما، أو ظاهرين، فيمكن الجمع بينهما على وجه التجوز وعلى طريق التبعيض.

إلا أن المخالفة القطعية في الاحكام الشرعية لا ترتكب في واقعة واحدة، لان الحق فيها للشارع ولا يرضى بالمعصية القطعية مقدمة للعلم بالاطاعة، فيجب إختيار أحدهما وطرح الاخر.

بخلاف حقوق الناس، فإن الحق فيها لمتعدد، فالعمل بالبعض في كل منهما جمع بين الحقين من غير ترجيح لاحدهما على الاخر بالدواعي النفسانية.

فهو أولى من الاهمال الكلي لاحدهما وتفويض تعيين ذلك إلى إختيار الحاكم ودواعين النفسانية الغير المنضبطة في الموارد.

ولاجل هذا يعد الجمع بهذا النحو مصالحة بين الخصمين عند العرف، وقد وقع التعبد به في بعض النصوص أيضا.

فظهر مما ذكرنا: أن الجمع في أدلة الاحكام النحو المتقدم من تأويل كليهما لا أولوية له أصلا على طرح أحدهما والاخذ بالاخر، بل الامر بالعكس.

وأما الجمع بين البينات في حقوق الناس، فهو وإن كان لا أولوية فيه على طرح أحدهما بحسب أدلة حجية البينة، لانها تدل على وجوب الاخذ بكل منهما في تمام مضمونه، فلا فرق في مخالفتها بين الاخذ لا بكل منهما، بل بأحدهما أو بكل منهما، لا في تمم مضمونه بل في بعضه.

إلا أن ما ذكره من الاعتبار لعله يكون مرجحا للثاني على الاول.

ويؤيده ورود الامر بالجمع بين الحقين بهذا النحو في رواية السكوني المعمول بها فيمن أودعه رجل درهمين وآخر درهما فامتزجا بغير تفريط وتلف أحدهما، هذا.

ولكن الانصاف: أن الاصل في موارد تعارض البينات وشبهها هي القرعة.نعم يبقى الكلام في كون القرعة مرجحة للبينة المطابقة لها أو مرجعا بعد تساقط البينتين.

وكذا الكلام في عموم موارد القرعة أو إختصاصها بما لا يكون هناك أصل عملي كأصالة الطهارة مع إحدى البينتين، وللكلام مورد آخر.

فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: حيث تبين عدم تقدم الجمع على الترجيح ولا على التخيير، فلا بد من الكلام في المقامين اللذين ذكرنا أن الكلام في أحكام التعارض يقع فيهما، فنقول: [ إن المتعارضين، إما أن لا يكون مع أحدهما مرجح فيكونان متكافئين متعادلين، وإما أن يكون مع أحدهما مرجح ].


الصفحة ٧٦٠

المقام الاول في المتكافئين

والكلام فيه، أولا، في أن الاصل في المتكافئين التساقط وفرضهما كأن لم يكونا أولا.

ثم اللازم بعد عدم التساقط الاحتياط أو التخيير أو التوقف والرجوع إلى الاصل المطابق لاحدهما دون المخالف لهما، لانه معنى تساقطهما.

فنقول، وبالله المستعان: قد يقال، بل قيل: إن الاصل في المتعارضين عدم حجية أحدهما، لان دليل الحجية مختص بغير صورة التعارض، أما إذا كان إجماعا، فلاختصاصه بغير المتعارضين وليس فيه عموم او إطلاق لفظي يفيد العموم [ ليكون مدعي الاختصاص محتاجا إلى المخصص والمقيد ] وأما إذا كان لفظا، فلعدم إمكان إرادة المتعارضين من عموم ذلك اللفظ، لانه يدل على وجوب العمل عينا بكل خبر مثلا.

ولا ريب أن وجوب العمل عينا بكل من المتعارضين ممتنع.

والعمل بكل منهما تخييرا لا دليل عليه، إذ لا يجوز إرادة الوجوب العيني بالنسبة إلى غير المتعارضين، والتخييري بالنسبة إلى المتعارضين من لفظ واحد.

وأما العمل بأحدهما الكلي عينا فليس من أفراد العام، لان أفراده هي المشخصات الخارجية، وليس الواحد على البدل فردا آخر، بل هو عنوان منتزع منها غير محكوم عليه بحكم نفس المشخصات بعد الحكم بوجوب العمل بها عينا، هذا.

لكن ما ذكره من الفرق بين الاجماع والدليل اللفظي لا محصل ولا ثمرة له فيما نحن فيه، لان المفروض قيام الاجماع على أن كلا منهما واجب العمل لولا المانع الشرعي، وهو وجوب العمل بالاخر، إذ لا نعني بالمتعاضين إلا ما كان كذلك.

وأما ما كان وجود أحدهما مانعا عن وجوب العمل بالاخر فهو خارج عن موضوع التعارض، لان الامارة الممنوعة لا وجوب للعمل بها.

والامارة المانعة إن كانت واجبة العمل تعين العمل بها


الصفحة ٧٦١

لسلامتها عن معارضة الاخرى.

فهي بوجودها تمنع وجوب العمل بتلك، وتلك لا تمنع وجوب العمل بهذه، لا بوجودها ولا بوجوبها، فافهم.

والغرض من هذا التطويل حسم مادة الشبهة التي توهمها بعضهم: من أن القدر المتيقن من أدلة الامارات التي ليس لها عموم لفظي هو حجيتها مع الخلو عن المعارض.

وحيث إتضح عدم الفرق في المقام بين كون أدلة الامارات من العمومات او من قبيل الاجماع، فنقول: إن الحكم بوجوب الاخذ بأحد المتعارضين في الجملة وعدم تساقطهما ليس لاجل شمول العموم اللفظي لاحدهما على البدل من حيث هذا المفهوم المنتزع، لان ذلك غير ممك، كما تقدم وجهه في بيان الشبهة، وإنما هو حكم عقلي يحكم به العقل بعد ملاحظة وجوب كل منهما في حد نفسه بحيث لو أمكن الجمع بينهما وجب كلاهما، لبقاء المصلحة في كل منهما.

غاية الامر أنه يفوته إحدى المصلحتين ويدرك الاخرى.

ولكن، لما كان إمتثال التكليف [ بالعم بكل ] منهما كسائر التكاليف الشرعية والعرفية مشروطا بالقدرة، والمفروض أن كلا منهما مقدور في حال ترك الاخر وغير مقدور مع إيجاد الاخر، فكل منهما مع ترك الاخر مقدور يحرم تركه ويتعين فعله.ومع إيجاد الاخر يجوز تركه ولا يقاقب عليه.

فوجوب الاخذ بأحدهما نتيجة أدلة وجوب الامتثال [ والعمل ] بكل منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة.

وهذا مما لا يحكم به بديهة العقل.

كما في كل واجبين إجتمعا على المكلف، ولا مانع من تعيين كل منهما على المكلف بمقتضى دليله إلا تعيين الاخر عليه كذلك.

والسر في ذلك: أنا لو حكمنا بسقوط كليهما مع إمكان أحدهما على البدل، لم يكن وجوب كل واحد منهما ثابتا بمجرد الامكان ولزم كون وجوب كل منهما مشروطا بعد إنضمامه مع الآخر.

وهذا خلاف ما فرضنا من عدم تقييد كل منها في مقام الامتثال بأزيد من الامكان، سواء كان وجوب كل واحد منهما بأمرين أو كان بأمر واحد يشمل واجبين، وليس التخيير في القسم الاول لاستعمامل الامر في التخيير.

والحاصل: أنه إذا أمر الشارع بشئ إستقل العقل بوجوب إطاعته في ذلك الامر بشرط عدم المانع العقلي والشرعي.

وإذا أمر بشيئين واتفق إمتناع إيجادهما في الخارج إستقل العقل بوجو إطاعته في أحدهما لا بعينه، لانها ممكنة، فيقبح تركها.

لكن هذا كله على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببية بأن يكون قيام الخبر على


الصفحة ٧٦٢

وجوب فعل واقعا سببا شرعيا لوجوبه ظاهرا على المكلف، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببية فيه لاعمال الاخر، كما في كل واجبين متزاحمين.

أما لو جعلناه من باب الطريقيه، كما هو ظاهر أدلة حجية الاخبار بل غيرها من الامارات، بمعنى أن الشارع لاحظ الواقع وأمر بالتوصل إليه من هذا الطريق، لغلبة إيصاله له إلى الواقع.

فالمتعارضان لا يصيران من قبيل الواجبين المتزاحمين، للعلم بعدم إرادة الشارع سلوك الطريقين معا، لان أحدهما مخالف للواقع قطعا، فلا يكونان طريقين إلى الواقع ولو فرض محالا إمكان العمل بهما.

كما يعلم إرادته لكل من المتزاحمين في نفسه على تقدير إمكان الجمع.

مثلا، لو فرضنا أن الشارع لاحظ كون الخبر غالب الايصال إلى الواقع فأمر بالعمل به في جميع الموارد، لعدم المايز بين الفرد الموصل منه وغيره.

فإذا تعارض خبران جامعان لشرائط الحجية لم يعقل بقاء تلك المصلحة في كل منهما، بحيث لو أمكن الجميع بينهما أراد الشارع إدراك المصلحتين، بل وجود تلك المصلحة في كل منهما بخصوصه مقيد بعدم معارضته بمثله.

ومن هنا يتجه الحكم حنيئذ بالتوقف، لا بمعنى أن أحدهما المعين واقعا طريق ولا نعلمه بعينهن كما لو اشتبه خبر صحيح بين خبرين، بل بمعنى أن شيئا منهما ليس طريقا في مؤداه بالخصوص.

ومقتضاه الرجوع إلى الاصول العملية إن لم يرجح بالاصل بالخبر المطابق له [ خ: وإلا فيكون مورد الكلام غير التكافؤ مختصا بما إذا لم يكن أحدهما مطابقا للاصل.فيتساقطان من..] وإن قلنا بأنه مرجح خرج عن مورد الكلام، أعني التكافؤ، فلا بد من فرض الكلام فيما لم يكن هناك أصل مع أحدهما، فيتساقطان من حيث جواز العمل بكل منهما، لعدم كونهما طريقين.كما أن التخيير مرجعه إلى التساقط من حيث وجوب العمل.

هذا ما يقتضيه القاعدة في مقتضى وجوب العمل بالاخبار من حيث الطريقية، إلا أن الاخبار المستفيضة بل المتواترة قد دلت على عدم التساقط مع فقد المرجح.

وحينئذ فهل يحكم بالتخيير أو العمل بما طابق منهما الاحتياط، أو بالاحتياط ولو كان مخالفا لهما، كالجمع بين الظهر والجمعة مع تصادم أدلتهما، وكذا بين القصر والاتمام؟ وجوه: المشهور، وهو الذي عليه جمهول المجتهدين، الاول، للاخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة عليه ولا يعارضها عدا ما في مرفوعه زرارة الاتية المحكية عن عوالي اللئالي الدالة على الوجه الثانى من الوجوه الثلاثة.


الصفحة ٧٦٣

وهي ضعيفة جدا.وقد طعن في ذلك التأليف وفي مؤلفه المحدث البحراني، قدس سره، في مقدمات الحدائق.

وأما أخبار التوقف الدالة على الوجه الثالث من حيث أن التوقف في الفتوى يستلزم الاحتياط في العمل، كما في ما لا نص فيه فهي محمولة على صورة التمكن من الوصول إلى الامام عليه السلام.

كما يظهر من بعضها، فيظهر منها: أن المراد ترك العمل وإرجاء الواقعة إلى لقاء الامام، عليه السلام، لا العمل فيها بالاحتياط.

ثم إن حكم الشارع في تلك الاخبار بالتخيير في تكافؤ الخبرين لا يدل على كون حجية الاخبار من باب السببية، يتوهم أنه لولا ذلك لاوجب التوقف، لقوة إحتمال أن يكون التخيير حكما ظاهريا عمليا في مورد التوقف، لا حكما واقعيا من تزاحم الواجبين، بل الاخبار المشتملة على الترجيحات وتعليلاتها أصدق شاهد على ما استظهرناه، من كون حجية الاخبار من باب الطريقية، بل هو أمر واضح.

ومراد من جعلها من باب الاسباب عدم إناطتها بالظن الشخصي، كما يظهر من صاحب المعالم، رحمه الله، في تقرير دليل الانسداد.

ثم المحكي عن جماعة، بل قيل إنه مما لا خلاف فيه، أن التعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه كان مخيرا في عمل نفسه، وإن وقع للمفتي لاجل الافتاء فحكمه أن يخير المستفتي فيتخير في العمل كالمفتي.ووجه الاول واضح.

وأما وجه الثاني، فلان نصب الشارع للامارات وطريقيتها يشمل المجتهد والمقلد، إلا أن المقلد عاجز عن القيام بشروط العمل بالادلة من حيث تشخيص مقتضاها ودفع موانعها.

فإذا أثبت ذلك المجتهد جواز العمل بكل من الخبرين المتكافئين المشترك بين المقلد والمجتهد، تخير المقلد كالمجتهد، ولان إيجاب مضمون أحد الخبرين على المقلد لم يقم عليه دليل، فهو تشريع، ويحتمل أن يكون التخيير للمفتي، فيفتي بما اختار، لانه حكم للمتحير، وهو المجتهد.

ولا يقاس هذا بالشك الحاصل للمجتهد في بقاء الحكم الشرعي، مع أن حكمه وهو البناء على الحالة السابقة مشترك بينه وبين المقلد، لان الشك هناك في نفس الحكم الفرعي المشترك وله حكم مشترك.والتحير هنا في الطريق إلى الحكم.فعلاجه بالتخيير مختصر بمن يتصدى لتعيين الطريق.كما ان العلاج بالترجيح مختص به.

فلو فرضنا أن راوي أحد الخبرين عند المقلد أعدل وأوثق من الاخر، لانه أخبر واعرف به، مع تساويهما عند المجتهد أو إنعكاس الامر عنده، فلا عبرة بنظر المقلد.وكذا لو فرضنا تكافؤ قول اللغويين في معنى لفظ الرواية.فالعبرة بتحير المجتهد، لا تحير


الصفحة ٧٦٤

المقلد بين حكم يتفرع على أحد القولين وآخر يتفرع على آخر.والمسألة محتاجة إلى التأمل، وإن كان وجه المشهور.

هذا حكم المفتي.

وأما الحاكم والقاضي، فالظاهر، كما عن جماعة، أنه يتخير أحدهما فيقضي به، لان القضاء والحكم عمل له لا للغير فهو المخير، ولما عن البعض: من أن تخير المتخاصمين لا يرفع معه الخصومة.

ولو حكم على طبق إحدى الامارتين في واقعة، فهل له الحكم على طبق الاخرى في واقعة أخرى؟ المحكي عن العلامة، رحمه الله، وغيره، الجواز، بل حكي نسبته إلى المحققين، لما عن النهاية، من: (أنه ليس في العقل ما يدل على خلاف ذلك.

ولا يستبعد وقوعه، كما لو تغير إجتهاده، إلا أن يدل دليل شرعي خارج على عدم جوازه.

كما روي أن النبي، صلى الله عليه وآله، قال لابي بكر: لا تقض في الشئ الواحد بحكمين مختلفين)(١).

أقول: يشكل الجواز، لعدم الدليل عليه، لان دليل التخيير إن كان الاخبار الدالة عليه، فالظاهر أنها مسوقة لبيان وظيفة المتحير في إبتداء الامر، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال المتحير بعد الالتزام بأحدهما.

وأما العقل الحاكم بعدم جواز طرح كليهما فهو ساكت من هذه الجهة، والاصل عدم حجية الاخر بعد الالتزام بأحدهما.

كما تقرر في دليل عدم جواز العدول عن فتوى مجتهد إلى مثله.

نعم لو كان الحكم بالتخيير في المقام من باب تزاحم الواجبين كان الاقوى إستمراره، لان المقتضي له في السابق موجود بعينه.

بخلاف التخيير الظاهري في تعارض الطريقين، فإن إحتمال تعيين ما التزمه قائم، بخلاف التخيير الواقعي، فتأمل.

وإستصحاب التخيير غير جار، لان الثابت سابقا ثبوت الاختيار لمن لم يتخير، فإثباته لمن اختار والتزم إثبات للحكم في غير موضوعه الاول.

وبعض المعاصرين، رحمه الله، استجود هنا كلام العلامة، رحمه الله، مع أنه منع عن العدول عن أمارة إلى أخرى وعن مجتهد إلى آخر، فتدبر.

ثم إن حكم التعادل في الامارات المنصوبة في غير الاحكام، كما في أقوال أهل اللغة وأهل الرجال، يوجب التوقف، لان الظاهر إعتبار من حيث الطريقية إلى الواقع، لا السببية المختصة وإن لم يكن منوطا بالظن الفعلي.

وقد عرفت أن اللازم في تعادل ما هو من هذا القبيل التوقف


الصفحة ٧٦٥

والرجوع إلى ما يقتضيه الاصل في ذلك المقامم.

إلا أنه إن جعلنا الاصل من المرجحات، كما هو المشهور وسيجئ، لم يتحقق التعادل بين الامارتين إلا بعد عدم موافقة شئ منهما للاصل، والمفروض عدم جواز الرجوع إلى الثالث، لانه طرح للامارتين.

فالاصل الذي يرجع إليه هو الاصل في المسألة المتفرعة على مورد التعارض.

كما لو فرضنا تعادل أقوال أهل اللغة في معنى الغناء أو الصعيد أو الجذع من الشاة في الاضحية، فإنه يرجع إلى الاصل في المسألة الفرعية.بقي هنا ما يجب التنبيه عليه خاتمة للتخيير ومقدمة للترجيح.

وهو أن الرجوع إلى التخيير غير جائز إلا بعد الفحص التام عن المرجحات، لان مأخذ التخيير إن كان هو العقل الحاكم بأن عدم إمكان الجمع في العمل لا يوجب الا طرح البعض، فهو لا يستقل بالتخيير في المأخوذ والمطروح إلابعد عدم مزية في أحدهما اعتبرها الشارع في العمل.

والحكم بعدمها لا يمكن إلا بعد القطع بالعدم أو الظن المعتبر أو إجراء أصالة العدم التي لا تعتبر فيها له دخل في الاحكام الشرعية الكلية إلا بعد الفحص التام، مع أن أصالة العدم لا تجدي في إستقلال العقل بالتخيير، كما لا يخفى.

وإن كان مأخذه الاخبار، فالمتراء‌ى منها من حيث سكوت بعضها عن جميع المرجحات وإن كان جواز الاخذ بالتخيير إبتداء، إلا أنه يكفي في تقييدها دلالة بعضها على الاخر على وجوب الترجيح ببعض المرجحات المذكورة فيها المتوقف على الفحص عنها المتممة فيما لم يذكر فيها من المرجحات المعتبرة بعدم القول بالفصل بينها منها.

هذا، مضافا إلى لزوم الهرج والمرج، نظير ما يلزم من العمل بالاصول العملية واللفظية قبل الفحص.

هذا، مضافا إلى الاجمامع القطعي، بل الضروررة، من كل من يرى وجوب العمل بالراجح من الامارتين، فإن الخلاف وإن وقع من جماعة في وجوب العمل بالراجح من الامارتين وعدم وجوبه، لعدم إعتبار الظن في أحد الطرفين، إلا أن من أوجب العمل بالراجح اوجب الفحص عنه ولم يجعله واجبا مشروطا بالاطلاع عليه.

وحينئذ فيجب على المجتهد الفحص التام عن وجود المرجح لاحدى الامارتين.


الصفحة ٧٦٦

المقام الثاني في التراجيح

الترجيح تقديم إحدى الامارتين على الاخرى في العمل، لمزية لها عليها بوجه من الوجوه.

وفيه مقامات:

الاول في وجوب ترجيح لاحد الخبرين بالمزية الداخلية أو الخارجية الموجودة فيه.

الثاني في ذكر المزايا المنصوصة والاخبار الواردة.

الثالث في وجوب الاقتصار عليها أو التعدي إلى غيرها.

الرابع في بيان المرجحات من الداخلية والخارجية.

أما المقام الاول [ وهو ترجيح أحد الخبرين بالمزية الداخلية أو الخارجية ] فالمشهور فيه وجوب الترجيح.

وحكي عن جماعة منهم الباقلاني والجبائيان، عدم الاعتبار بالمزية وجريان حكم التعادل.

ويدل على المشهور مضافا إلى الاجماع المحقق والسيرة القطعية والمحكية عن الخلف والسلف وتواتر الاخبار بذلك أن حكم المتعارضين من الادلة على ما عرفت بعد عدم جواز طرحهما معا إما التخيير لو كانت الحجية من باب الموضوعية والسببية، وإما التوقف لو كانت حجيتها من باب الطريقية.

ومرجع التوقف أيضا إلى التخيير إذا لم نجعل الاصل من المرجحات أو فرضنا الكلام في مخالفي الاصل، إذ على تقدير الترجيح بالاصل يخرج صورة مطابقة أحدهما للاصل عن مورد التعادل.

فالحكم بالتخيير على تقدير فقده أو كونه مرجعا، بناء على أن الحكم في المتعادلين مطلقا التخيير، لا الاصل المطابق لاحدهما.


الصفحة ٧٦٧

والتخيير إما بالنقل وإما بالعقل.أما النقل فقد قيد فيه التخيير بفقد المرجح، وبه يقيد ما اطلق فيه التخيير.

وأما العقل في يدل على التخيير بعد إحتمال اعتبار الشارع للمزية وتعيين العمل بذيها.

ولا يندفع هذا الاحتمال بإطلاق أدلة العمل بالاخبار لانها في مقام تعيين العمل بكل من المتعارضين مع الامكان.

لكن صورة التعارض ليست من موارد إمكان العمل بكل منهما وإلا لتعين العلمل بكليهما.

والعقل إنما يستفيد من ذلك الحكم المعلق بالامكان عدم جواز طرح كليهما، لا التخيير بينهما.

وإنما يحكم بالتخيير بضميمة أن تعيين أحدهمام ترجيح بلا مرجح.

فإن إستقل بعدم المرجح حكم بالتخيير، لانه نتيجة عدم إمكان الجمع وعدم جواز الطرح وعدم وجود المرجح لاحدهما.

وإن لم يستقل بالمقدمة الثالثة توقف عن التخيير، فيكون العمل بالراجح معلوم الجواز والعمل بالمرجوح مشكوكه.

فإن قلت: أولا إن كون الشئ مرجحا، مثل كون الشئ دليلا، يحتاج إلى دليل، لان التعبد بخصوص الراجح إذا لم يعلم من الشارع كان الاصل عدمه، بل العمل به مع الشك يكون تشريعا، كالتعبد بما لم يعلم حجيته.

وثانيا إذا دار الامر بين وجوب احدهما على التعين وأحدهما على البدل، فالاصل براء‌ة الذمة عن خصوص الواحد المعين، كما هو مذهب جماعة في مسألة دوران الامر بين التخيير والتعيين.

قلت: أما كون الترجيح كالحجية أمرا يجب ورود التعبد به الشارع فمسلم.

إلا أن الالتزام بالعمل بما علم جواز العمل به من الشارع من دون إستناد الالتزام إلى إلزام الشارع إحتياط لا يجري فيه ما تقرر في وجه حرمة العمل بما وراء العلم، فراجع.

نظير الاحتياط بإلتزام ما دل أمارة غير معتبرة على وجوبه مع إحتمامل الحرمة أو العكس.

وأما إدراج المسألة في مسألة دوران المكلف به بين أحدهما المعين وأحدهما على البدل، ففيه: أنه لا ينفع بعدما اخترنا في تلك المسألة وجوب الاحتياط وعدم جريان قاعدة البراء‌ة.

والاولى منع إدراجها في تلك المسألة، لان مرجع الشك في المقام إلى الشك في جواز العمل بالمرجوح.

ولا ريب أن مقتضى القاعدة المنع عما لم يعلم جواز العمل به من الامارات.

وهي ليست مختصة بما إذا شك في أصل الحجية إبتداء، بل تشمل ما إذا شك في الحجية الفعلية مع إحراز الحجية الشأنية، فان المرجوح وإن كان حجة في نفسه إلا أن حجيته فعلا مع معارضة الراجح بمعنى جواز العمل به فعلا غير معلوم.فالاخذ به والفتوى بمؤداه تشريع محرم بالادلة الاربعة، هذا.

والتحقيق: أنا إن قلنا بأن العمل بأحد المتعارضين في الجملة مستفاد من حكم الشارع به


الصفحة ٧٦٨

بدليل الاجماع والاخبار العلاجية، كان اللازم بالراجح وطرح المرجوح وإن قلنا بأصالة البراء‌ه عند دوران الامر في المكلف به بين التعيين والتخيير، لما عرفت من أن الشك في جواز العمل بالمرجوح فعلا، ولا ينفع العمل به عينا في نفسه مع قطع النظر عن المعارض، فهو كأمارة لم يثبت حجيتها أصلا.

وإن لم نقل بذلك، بل قلنا بإستفادة العمل بأحد المتعارضين من نفس أدلة العمل بالاخبار: فإن قلنا بما اخترناه من أن الاصل التوقف، بناء على إعتبار الاخبار من باب الطريقية والكشف الغالبي عن الواقع، فلا دليل على وجوب الترجيح بمجرد قوة في أحد الخبرين، لان كلا منهما جامع لشرائط الطريقية، والتمانع يحصل بمجرد ذلك، فيجب الرجوع إلى الاصول الموجودة في تلك المسألة إذا لم يخالف كلا المتعارضين، فرفع اليد عن مقتضى الاصل المحكم في كل ما لم يكن طريق فعلي على خلافه بمجرد مزية لم يعلم إعتبارها لا وجه له، لان المعارض المخالف بمجرده ليس طريقا فعليا، لابتلائه بالمعارض الموافق للاصل والمزية الموجودة لم يثبت تأثيرها في دفع المعارض.

وتوهم: (إستقلال العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إلى الواقع وهو الراجح)، مدفوع: بأن ذلك إنما هو فيما كان بنفسه طريقا، كالامارات المعتبرة لمجرد إفادة الظن.

وأما الطرق المعتبرة شرعا من حيث إفادة نوعها الظن وليس إعتبارها منوطا بالظن، فالمتعارضان المفيدان منها بالنوع للظن في نظر الشارع سواء.

وما نحن فيه من هذا القبيل، لان المفروض أن المعارض المرجوح لم يسقط من الحجية الشأنية كما يخرج الامارة المعتبرة بوصف الظن عن الحجية إذا كان ممعارضها أقوى.

وبالجملة، فإعتبار قوة الظن في الترجيح في تعارض ما لم ينط إعتباره بإفادة الظن أو بعدم الظن على الخلاف لا دليل عليه.

وإن قلنا بالتخيير، بناء على إعتبار الاخبار من باب السببية والموضوعية، فالمستفاد بحكم العقل من دليل وجوب العمل بكل من المتعارضين مع الامكان كون وجوب العمل بكل منهما عينا مانعا عن وجوب العمل بالاخر كذلك.

ولا تفاوت بين الوجوبين في المانعية قطعا.

ومجرد مزية أحدهما على الاخر بما يرجع إلى أقربيته إلى الواقع لا يوجب كون وجوب العمل بالراجح مانعا عن وجوب العمل بالمرجوح دون العكس، لان المانع بحكم العقل هو مجرد الوجوب والمفروض وجوده في المرجوح.

وليس في هذا الحكم العقلي إهمال وإجمال وواقع مجهول حتى يحتمل تعيين الراجح ووجوب طرح المرجوح.

وبالجملة، فحكم العقل بالتخيير نتيجة وجوب العمل بكل منهمام في حد ذاته، وهذا الكلام


الصفحة ٧٦٩

مطرد في كل واجبين متزاحمين.

نعم لو كان الوجوب في أحدهما آكد والمطلوبية فيه أشد استقل العقل عند التزاحم بوجوب ترك غيره وكون وجوب الاهمم مزاحما لوجوب غيره من دون عكس.وكذا لو احتمل الاهمية في أحدهما دون الاخر.

وما نحن فيه ليس كذلك قطعا، فإن وجوب العمل بالراجح من الخبرين ليس آكد من وجوب العمل بغيره، هذا.

وقد عرفت فيما تقدم أنا لا نقول بأصالة التخيير في تعارض الاخبار، بل ولا غيرها من الادلة، بناء على أن الظاهر من أدلتها وأدلة حكم تعارضها كونها من باب الطريقية، ولازمه التوقف والرجوع إلى الاصل المطابق لاحدهما أو أحدهما المطابق للاصل، إلا أن الدليل الشرعي دل على وجوب العمل بأحد المتعارضين في الجملة.

وحيث كان ذلك بحكم الشرع فالمتيقن من التخيير هو صورة تكافؤ الخبرين.

أما مع مزية أحدهما على الاخر من بعض الجهات فالمتيقن هو جواز العمل بالراجح.

وأما العمل بالمرجوح فلم يثبت، فلا يجوز الالتزام، فصار الاصل وجوب العمل بالمرجح، وهو أصل ثانوي، بل الاصل فيما يحتمل كونه مرجحا الترجيح به، إلا أن يرد عليه إطلاقات التخيير، بناء على وجوب الاقتصار في تقييدها على ما علم كونه مرجحا.

وقد يستدل على وجوب الترجيح: بأنه لولا ذلك لاختل نظم الاجتهاد، بل نظام الفقه، من حيث لزوم التخيير بين الخاص والعام والمطلق والمقيد وغيرهمام من الظاهر والنص المتعارضين.

وفيه: أن الظاهر خروج مثل هذه المعارضات عن محل النزاع، فإن الظاهر لا يعد معارضا للنص، إما لان العمل به لاصالة عدم الصارف المندفعة بوجود النص، وإما لان ذلك لا يعد تعارضا في العرف.

ومحل النزاع في غير ذلك.

وكيف كان، فقد ظهر ضعف القول المزبور وضعف دليله المذكور له، وهو عدم الدليل على الترجيح بقوة الظن.

وأضعف من ذلك ما حكي عن النهاية: (من إحتجاجه بأنه لو وجوب الترجيح بين الامارات في الاحكام لوجب عند تعارض البينات.والتالي باطل، لعدم تقديم شهادة الاربعة على الاثنين).

وأجاب عنه، في محكي النهاية والمنية: (بمنع بطلان التالي وأنه يقدم شهادة الاربعة على الاثنين.

سلمنا، لكن عدم الترجيح في الشهادة ربما كان مذهب أكثر


الصفحة ٧٧٠

الصحابة والترجيح هنا مذهب الجميع)(١)، إنتهى.

ومرجع الاخير إلى أنه لولا الاجماع حكمنا بالترجيح في البينات أيضا.ويظهر ما فيه مما ذكرنا سابقا.

فإنا لو بنينا على أن حجية البينة من باب الطريقية، فاللازم مع التعارض التوقف والرجوع إلى ما يقتضيه الاصول في ذلك المورد من التحالف أو القرعة أو غير ذلك.

ولو بني على حجيتها من باب السببية الموضوعية، فقد ذكرنا أنه لا وجه للترجيح بمجرد أقربية أحدهما إلى الواقع، لعدم تفاوت الراجح والمرجوح في الدخول فيما دل على كون البينة سببا للحكم على طبقها.

وتمانعهما مستند إلى مجرد سببية كل منهما، كما هو المفروض، فجعل أحدهما مانعا دون الاخر لا يحتمله العقل.

ثم إنه يظهر من السيد الصدر الشارح للوافية الرجوع في المتعارضين من الاخبار إلى التخيير أو التوقف والاحتياط وحمل أخبار الترجيح على الاستحباب.

حيث قال، بعد إيراد إشكالات على العمل بظاهر الاخبار: (إن الجواب عن الكل ما أشرنا إليه، من أن الاصل التوقف في الفتوى والتخيير في العمل إن لم يحصل من دليل آخر العلم بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع، وأن الترجيح هو الافضل والاولى)(٢).ولا يخفى بعده عن مدلول أخبار الترجيح.

وكيف يحمل الامر بالاخذ بمخالف العامة وطرح ما وافقهم على الاستحباب، خصوصا مع التعليل بأن الرشد في خلافهم، وأن قولهم في المسائل مبني على مخالفة أمير المؤمنين، عليه السلام، فيما يسمعونه منه.

وكذا الامر بطرح الشاذ النادر وبعدم الاعتناء والالتفات إلى حكم غير الاعدل والافقه من الحكمين.

مع أن في سياق تلك المرجحات موافقة الكتاب والسنة ومخالفتهما، ولا يمكن حمله على الاستحباب.

فلو حمل غيره عليه لزم التفكيك، فتأممل.

وكيف كان، فلا شك أن التفصي عن الاشكالات الداعية له إلى ذلك أهون من هذا الحمل، لما عرفت من عدم جواز الحمل على الاستحاب.

ثم لو سلمنا الامر بين تقييد أخبار التخيير وبين حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، فلو لم يكن الاول أقوى وجب التوقف.

فيجب العمل بالترجيح، لما عرفت: من أن حكم الشارع بأحد المتعارضين إذا كان مرددا بين التخيير والتعيين وجب إلتزام ما احتمل تعيينه.

____________________

(١) النهاية، ص..، مخطوط.

(٢) شرح الوافية، ص..، مخطوط.


الصفحة ٧٧١

المقام الثاني في ذكر الاخبار الواردة في أحكام المتعارضين وهي أخبار

الاول: ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن عمر بن حنظلة: (قال: سألت أبا عبدالله، عليه السلام، عن رجلين من أصحابنا، يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أيحل ذلك؟.

قال عليه السلام: من تحاكم اليهم في حق أو باطل، فإنما تحاكم إلى الطاغوت.

وما يحكم له فإنما ياخذه سحتا وإن كان حقه ثابتا، لانه أخذ بحكم الطاغوت وإنما أمر الله أن يكفر به.

قال الله تعالى: (ويتحاكمون إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به).

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما.

فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما بحكم الله استخف وعلينا قد رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله.

قلت: فإن كان كل رجل يختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، فاختلفا في ما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟.

قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما.ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر.

قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الاخر؟ قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه


الصفحة ٧٧٢

بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمهما ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه.

وإنما الامور ثلاثة، أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك.

فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم.

قال: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف الكتاب والسنة ووافق العامة.

قلت: جعلت فداك ! أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والاخر مخالفا، بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.

فقلت: جعلت فداك ! فإن وافقهم الخبران جميعا.

قال: ينظر إلى ما هم أميل إليه حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالاخر.

قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا.

قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك.

فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات)(١).

وهذه الرواية الشريفة وإن لم تخل عن الاشكال بل الاشكالات، من حيث ظهور صدرها في التحكيم لاجل فصل الخصومة وقطع المنازعة، فلا يناسبها التعدد ولا غفلة الحكمين عن التعارض الواضح لمدرك حكمه، ولا إجتهاد المترافعين وتحريهما في ترجيح مستند احد الحكمين على الاخر، ولا جواز الحكم من أحدهما بعد حكم الاخر مع بعد فرض وقوعهما دفعة، معه أن الظاهر حنيئذ تساقطهما، والحاجة إلى حكم ثالث ظاهرة بل صريحة في وجوب الترجيح بهذه المرجحات بين المتعارضين، فإن تلك الاشكالات لا تدفع هذا الظهور بل الصراحة.

نعم يرد عليه بعض الاشكالات في ترتب المرجحات، فإن الظاهر الرواية تقديم الترجيح من

____________________

(١) الكافي (الاصول)، ج ١، ص ٦٧.


الصفحة ٧٧٣

حيث صفات الراوي على الترجيح بالشهرة والشذوذ.

مع ان عمل العلماء قديما وحديثنا على العكس على ما يدل عليه المرفوعة الاتية، فإن العلماء لا ينظرون عند تعارض المشهور والشاذ إلى صفات الراوي أصلا.

اللهم إلا أن يمنع ذلك، فإن الراوي إذا فرض كونه أفقه وأصدق وأورع، لم يبعد ترجيح روايته وإن انفرد بها على الرواية المشهورة بين الرواة، لكشف إختياره إياها مع فهمه وورعه عن إطلاعه على قدح في الرواية المشهورة، مثل صدورها عن تقية أو تأويل لم يطلع على غيره، لكمال فقاهته وتنبهه لدقائق الامور وجهات الصدور.

نعم مجرد أصدقية الراوي وأورعيته لا يوجب ذلك، ما لم ينضم إليه الافقهية، هذا.

ولكن الرواية مطلقة، فتشمل الخبر المشهور روايته بين الاصحاب حتى بين من هو أفقه من هذا المتفرد برواية الشاذ وإن كان هو افقه من صاحبه المرضي بحكومته.مع أن أفقهية الحاكم بإحدى الروايتين لا تستلزم أفقهية جميع رواتها.

فقد يكون من عداه مفضولا بالنسبة إلى رواة الاخرى، إلا أن ينزل الرواية على غيرها هاتين الصورتين.

وبالجملة، فهذا الاشكال أيضا لا يقدح في ظهور الرواية بل صراحتها في وجوب الترجيح بصفات الراوي وبالشهرة من حيث الرواية وبموافقة الكتاب ومخالفة العامة.نعم المذكور في الرواية الترجيح بإجتماع صفات الراوي من العدالة والفقاهة والصداقة والورع.لكن الظاهر إرادة بيان جواز الترجيح بكل منها.ولذا لم يسأل الراوي عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض أو تعارض الصفات بعضها مع بعض، بل ذكر في السؤال أنهما، معا، عدلان مرضيان لا يفضل أحدهما على صاحبه.فقد فهم أن الترجيح بمطلق التفاضل.وكذا يوجه الجمع بين موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة مع كفاية واحدة منها إجماعا.

الثاني: ما رواه إبن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللئالي عن العلامة مرفوعا إلى زرارة: (قال: سألت أبا جعفر، عليه السلام، فقلت: جعلت فداك ! ياتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال عليه السلام: يا زرارة! خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.

فقلت: يا سيدي ! إنهما معا مشهوران مأثوران عنكم.

فقال: خذ بمام يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك.

فقلت: إنهما معا عدلان مرضيان موثقان.


الصفحة ٧٧٤

فقال: إنظر ما وافق منهما العامة فاتركه وخذ بما خالف، فإن الحق فيما خالفهم.

قلت: ربما كان موافقين لهم أو مخالفين: فكيف أصنع؟ قال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك الاخر.

قلت: فإنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟ فقال: إذن فتخير أحدهما وتأخذ به ودع الاخر)(١).

الثالث: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الحسن الرضا، عليه السلام، في حديث طويل: قال فيه: (فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله.

فما كان في كتاب الله موجودا حلالا او حراما، فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوهما على سنن رسول الله، صلى الله عليه وآله.

فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام او مأمورا به عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، أمر إلزام، فاتبعوا ما وافق نهي النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره.

وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر خلافه فذلك رخصة في ما عافه رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكرهه ولم يحرمه.

فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعا وبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم.

وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا)(٢).

الرابع: ما عن رسالة القطب الراوندي بسنده الصحيح عن الصادق عليه السلام: (إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فذروه.

فإن لم تجدوه في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة.فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه).

الخامس: ما بسنده أيضا عن الحسين السري قال: أبوعبدالله عليه السلام:

____________________

(١) عوالي اللئالي، ج ٤، ص ١٣٣.

(٢) عيون اخبار الرضا، ج ١، ص ٢٠، ح ٤٥.

(٣) وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٨٤.


الصفحة ٧٧٥

إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم)(١).

السادس: ما بسنده أيضا عن الحسن بن الجهم في حديث: (قلت له يعني العبد الصالح، عليه السلام -: يروى عن أبي عبدالله، عليه السلام، شئ ويروى عنه أيضا خلاف ذلك.

فبأيهما نأخذ؟ قال: خذ بما خالف القوم.وما وافق القوم فاجتنبه).

السابع: ما بسنده أيضا عن محمد بن عبدالله: (قال: قلت للرضا عليه السلام: كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ قال: إذا ورد عليكم خبران مختلفان، فانظروا ما خالف منهما العامة فخذوه، وانظروا ما يوافق أخبارهم فذروه).

الثامن: ما عن الاحتجاج بسنده عن سماعة بن مهران: (قال قلت لابي عبدالله عليه السلام: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالاخذ به والآخر ينهانا.

قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأل.

قلت: لا بد أن نعمل بواحد منهما.

قال: خذ بما خالف العامة).

التاسع: ما عن الكافي بسنده عن المعلى بن خنيس: (قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بأيهما نأخذ؟ قال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله.

قال: ثم قال أبوعبدالله عليه السلام: إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم).

العاشر: ما عنه بسنده إلى الحسين بن المختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله عليه السلام: (قال: يا أبا عمرو ! أرأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئت بعد ذلك تسألني عنه، فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك، بأيهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما وأدع الآخر.

قال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبى الله إلا أن يعبد سرا.

أما والله، لئن فعلتم ذلك، إنه لخير لي ولكم.أبى الله لنا في

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج ، ص ٨٥.

(٢) وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٨٥.

(٣) وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٨٦.

(٤) الاحتجاج، ص ١٩٥.

(٥) الكافي، (الاصول)، ج ١، ص ٦٧.

(٦) الكافي (الاصول)، ج ١، ص ٢١٨.


الصفحة ٧٧٦

دينه إلا التقية).

الثاني عشر: ما عنه بسنده الموثق عن محمد بن مسلم: (قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: ما بال أقوام يروون عن فلان عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لا يتهمون بالكذب، فيجئ منكم خلافه.

قال: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن).

الثالث عشر: ما بسنده الحسن عن أبي حيون مولى الرضا عليه السلام: (إن في أخبارنا محكما كمحكم القرآن ومتشابها كمتشابه القرآن.

فردوا متشابهها إلى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا).

الرابع عشر: ما عن معاني الاخبار بسنده عن داود بن قرقد: (قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: أنتم افقه الناس إذا عرفتم معانى كلامنا.إن الكلمه لتنصرف على وجوه.فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب).

وفي هاتين الروايتن الاخيرتين دلالة على وجوب الترجيح بحسب قوة الدلالة.هذا ما وقفنا عليه من الاخبار الدالة على التراجيح.إذا عرفت ما تلوناه عليك من الاخبار، فلا يخفى عليك أن ظواهرها متعاضة، فلا بد من علاج ذلك.

والكلام في ذلك يقع في مواضع.

الاول: في علاج تعارض مقبولة إبن حنظلة ومرفوعا زرارة.

حيث أن الاولى صريحة في تقديم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بالشهرة، والثانية بالعكس.

هي وإن كانت ضعيفة السند إلا أنها موافقة لسيرة العلماء في باب الترجيح، فإن طريقتهم مستمرة على تقديم المشهور على الشاذ.

والمقبولة وإن كانت مشهورة بين العلماء حتى سميت مقبولة، إلا أن عملهم على طبق المرفوعة وإن كانت شاذة من حيث الرواية، حيث لم توجد مرويه في شئ من جوامع الاخبار المعروفة، ولم يحكها إلا إبن أبي جمهور عن العلامة مرفوعا إلى زرارة.

إلا أن يقال: إن المرفوعة تدل على تقديم المشهور رواية على غيره، وهي هنا المقبولة، ولا دليل على الترجيح بالشهرة العملية.

مع أنا نمنع أن عمل المشهور على تقديم الخبر المشهور رواية على غيره إذا كان الغير أصح منه من حيث صفات الراوي، خصوصا صفة الافقهية.

____________________

(١) الكافي (الاصول)، ج ١، ص ٦٤.

(٢) عيون اخبار الرضا، ج ١، ص ٢٩٠.

(٣) معاني الاخبار، ص ١.


الصفحة ٧٧٧

ويمكن أن يقال: إن السؤال لما كان عن الحكمين كان الترجيح فيهما من حيث الصفات.

فقال عليه السلام: (الحكم ما حكم به أعدلهما.إلخ)، مع أن السائل ذكر: (انهما اختلفا في حديثكم).

ومن هنا اتفق الفقهاء على عدم الترجيح بين الحكام إلا بالفقاهة والورع.

فالمقبولة نظير رواية داود بن الحصين الواردة في إختلاف الحكمين من دون تعرض الراوي، لكون منشأ إختلافهما الاختلاف في الروايات.

حيث قال عليه السلام: (ينظر إلى أفقههما وأعلمهما وأوروعهما فينفذ حكمه).وحينئذ فيكون الصفات من مرجحات الحكمين.

نعم لمام فرض الراوي تساويهما أرجعه الامام، عليه السلام، إلى ملاحظة الترجيح في مستنديهما وأمره بالاجتهاد والعمل في الواقعة على طبق الراجح من الخبرين مع إلغاء حكومة الحكمين كلاهما.

فأول المرجحات الخبرية هي الشهرة بين الاصحاب فينطبق على المرفوعة.

نعم قد يوررد على هذا الوجه: أن اللازم على قواعسد الفقهاء الرجوع مع تساوي الحاكمين إلى اختيار المدعي.

ويمكن التفضي عنه بمنع جريان هذشا الحكم في قاضي التحكيم.وكيف كان فهذا التوجيه غير بعيد.

الثاني ان الحديث الثامن، وهي رواية الاحتجاج عن سماعة، يدل على وجوب التوقف أولا، ثم مع عدم إمكانه يرجع إلى الترجيح بموافقة العامة ومخالفتهم.

وأخبار التوقف على ما عرفت وستعرف محمولة على صورة التمكن من العلم، فتدل الرواية على أن الترجيح بمخالفة العامة بل غيرها من المرجحات إنما يرجع اليها تعد العجز عن تحصيل العلم فغى الواقعة بالرجوع إلى الامام، عليه السلام، كما ذهب إليه بعض.

وهذا خلاف ظاهر الاخبار الامرة بالرجوع إلى المرجحات ابتداء بقول مطلق، بل بعضها صريح في ذلك حتى مع التمكن من العلم، كالمقبولة الامرة بالرجوع إلى المرجحات ثم بالارجاء حتى يلقى الامام، فيكون وجوب الرجوع إلى الامام بعد فقد المرجحات.

والظاهر لزوم طرحها، لمعارضتها بالمقبولة الراجحة عليها، فيبقى إطلاقات الترجيح سليمة.

الثالث ان مقتضى القاعدة تقييد إطلاق ما اقتصر فيها على بعض المرجحات بالمقبولة، إلا انه قد يستبعد ذلك لورود تلك المطلقات في مقام الحاجة، فلابد جعل المقبولة كاشفة عن قرينة متصلة فهم منها الامام، عليه السلام، أن مراد الراوي تساوي الروايتين من سائر الجهات، كما


الصفحة ٧٧٨

يحمل إطلاق أخبار التخيير على ذلك.

الرابع ان الحديث الثانى عشر الدال على نسخ الحديث بالحديث، على تقدير شموله للروايات الامامية، بناء على القول بكشفهم، عليهم السلام، عن الناسخ الذى أودعه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، عندهم، هل هو مقدم على باقي الترجيحات او مؤخر؟ وجهان، من أن النسخ من جهات التصرف (في الظاهر)، لانه من قبيل تخصييص الازمان، ولذا ذكروه في تعارض الاحوال، وقد مر وسيجئ تقديم الجمع بهذا النحو على الترجيهات الاخر، ومن أن النسخ على فرض ثبوته في غاية القلة، فلا يعتنى به في مقام الجمع ولايحكم به العرف.

فلابد من الرجوع إلى المرجحات الاخر، كما إذا امتنع الجمع.

وسيجئ بعض الكلام في ذلك.

الخامس: ان الروايتين الاخيرين ظاهرتان في وجوب الجمع بين الاقوال عن الائمة، صلوات الله عليهم، برد المتشابه إلى المحكم.

والمراد بالمتشابه بقرينة قوله (ولاتتبعوا متشابهها فتضلوا)، هو الظاهر الذى اريد منه خلافه، اذ المتشابه اما المجمل واما المؤول.ولا معنى للنهي عن اتباع المجمل.فالمراد إرجاع الظاهر إلى النص او إلى الاظهر.

وهذا المعنى لما كان مركوزا في أذهان أهل اللسان ولم يحتج إلى البيان في الكلام المعلوم الصدور عنهم، فلا يبعد إرادة ما يقع من ذلك في الكلمات، المحكميه عنهم باسناد الثقات، التي نزلت منزله المعلوم الصدور.

فالمراد أنه لا يجوز المبادرة إلى طرح الخبر المنافي لخبر آخر أرجح منه إذا أمكن رد المتشابه منها إلى المحكم، وأنت فقيه من تأمل في أطراف الكلمات المحكية عنهم ولم يبادر إلى طرحها، لمعارضتها بما هو أرجح منها.

والغرض من الروايتين الحث على الاجتهاد واستفراغ الوسع في معاني الروايات وعدم المبادرة إلى طرح الخبر بمجرد مرجح لغيره عليه.


الصفحة ٧٧٩

المقام الثالث في عدم جواز الاقتصار على المرجحات المنصوصة فنقول: اعلم أن حاصل ما يستفاد من مجموع الاخبار بعد الفراغ عن تقديم الجمع المقبول على الطرح، وبعد ما ذكرنا من أن الترجيح بالاعدلية وأخواتها إنما هو بين الحكمين مع قطع النظر عن ملاحظة مستندهما هو أن الترجيح أولا بالشهرة والشذوذ ثم بالاعدليه والاوثقيه ثم بخالفة العامه ثم بخالفة ميل الحكام.

واما الترجيح بموافقة الكتاب والسنة فهو من باب اعتضاد أحد الخبرين بدليل قطعي الصدور ولا أشكال في وجوب الاخذ به، وكذا الترجيح بموافقة الاصل.

ولاجل ما ذكر لم يذكر ثقة الاسلام ن رضوان الله عليه، في مقام الترجيح ن في ديباجة الكافي سوى ما ذكر، فقال: (اعلم يا أخي أرشدك الله، أنه لا يسع أحدا تمييز شئ مما اختلفت الرواية فيه من العلماء، عليهم السلام، برأيه إلا على ما أطلقه العالم، عليه السلام، بقوله (اعرضوهما على كتاب الله عزوجل.

فما وافق كتاب الله عزوجل فخذوه، وما خالف كتاب ابقبه عزوجل فذروه)، وقوله عليه السلام: (دعوا ما وافق القوم، فان الرشد في خلافهم)، وقوله عليه يالسلام (خذوا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه مما ريب فيه).

ونحن لانعرف من جميع ذلك إلا أقله ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم، عليه السلام، وقبول ما وسع من الامر فيه بقوله (بأيهما أخذتهم من باب التسليم وسعكم)(١)، انتهى.

ولعله ترك الترجيح بالاعدلية والاوثقية، لان الترجيح بذلك مركوز في أذهان الناس غير محتاج إلى التوقيف.

____________________

(١) الكافي (الاصول)، ج ١، ص ٨.


الصفحة ٧٨٠

وحكى عن بعض الاخباريين: أن وجه إهمال هذا المرجح كون أخبار كتابه كلها صحيحة.

وقوله: (ولا نعلم من ذلك إلا أقله)، إشارة إلى أن العلم بمخالفة الرواية للعامة في زمن صدورها او كونها مجمعا عليها (قليل).والتعويل على الظن بذلك عار عن الدليل.

وقوله: (لانجد شيئا أحوط ولاأوسع، الخ)، أما أوسعية التخيير فواضح.

وأما وجه كونه أحوط مع أن الاحوط التوقف والاحتياط في العمل فلا يبعد ان يكون من جهة أن في ذلك ترك العمل بالظنون التي لم يثبت الترجيح بها والافتاء بكون مضمونها هو حكم الله لاغير، وتقييد إطلاقات التخيير والتوسعة من دون نص مقيد.

ولذا طعن غير واحد من الاخباريين على رؤساء المذهب ن مثل المحقق والعلامة، بأنهم يعتمدون في الترجيحات على امور اعتمدها العامة في كتبهم مما ليس في النصوص منه عين ولا أثر.

قال المحدث البحراني، قدس سره، في هذا المقام من مقدمات الحدائق: (إنه قد ذكر علماء الاصول من الترجيحات في هذا المقام ما لا برجع أكثرها إلى محصول.

والمعتمد عندنا ما ورد من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله، من الاخبار المشتمله على وجوه الترجيحات)(١)، انتهى.

اقول: قد عرفت أن الاصل بعد ورود التكليف الشرعي بالعمل بأحد المتعارضين هو العمل بما يحتمل أن يكون مرجحا في نظر الشارع، لان جواز العمل بالمرجوح مشكوك حينئذ.

نعم لو كان المشرجع بعد التكافؤ هو التوقف والاحتياط، كان الاصل عدم الترجيح إل بما علم كونه مرجحا.

لكن عرفت أن المختار مع التكافؤ هو التخيير.

فالاصل هو العمل بالراجح، إلا أن يقال: إن إطلاقات التخيير حاكمة على هذا الاصل.

فلا بد للمعتدي من المرجحات الخاصة المنصوصة من أحد أمرين، إما أن يستنبط من النصوص ولو بمعونة الفتاوى وجوب العمل بكل مزية توجب اقربية ذيها إلى الواقع، وإما أن يستظهر من إطلاقات التخيير الاختصاص بصورة التكافؤ من جميع الوجوه.

والحق: أن تدقيق النظر في أخبار الترجيح يقتضي التزام الاول.

كما أن التأمل الصادق في أخبار التخيير يقتضي التزام الثاني.

ولذا ذهب جمهور المجتهدين إلى عدم الاقتصار على المرجحات الخاصة، بل ادعى بعضهم ظهور الاجماع وعدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من

____________________

(١) الحدائق الناضرة، ج ١، ص ٩٠.


الصفحة ٧٨١

الدليلين بعد أن حكى الاجماع عليه من جماعة.

وكيف كان، فما يمكن استفادة هذا المطلب منه فقرات من الروايات: منها: الترجيح بالاصدقية في المقبولة وبالاوثقية في المرفوعة.

فان اعتبار هاتين الصفتين ليس إلا لترجيح الاقرب إلى مطابقة الواقع في الناظر في المتعارضين من حيث انه أقرب من غير مدخلية خصوصية سبب، وليستا كالاعدلية والافقهية تحتملان لاعتبار الاقربية الحاصلة من السبب الخاص وحينئذ، فنقول: إذا كان أحد الراويين أضبط من الاخر او أعرف بنقل الحديث بالمعنى او شبه ذلك.

فيكون أصدق وأوثق من الواري الاخر، ونتعدى من صفات الراوي المرجحة إلى صفات يارواية الموجبة لاقربية صدورها، لان أصدقية الراوي وأوثقيته لم تعتبر في الراوي إلا من حيث حصول صفة الصدق والوثاقة في الروايه.

فاذا كان أحد الخبرين منقولا باللفظ والاخر منقولا بالمعنى كان الاول أقرب إلى الصدق وأولى بالوثوق.

ويؤيد ما ذكرنا: ان الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن صورة وجود بعضها وتخالفها في الروايتين.

وإنما سأل عن حكم صورة تساوي الراويين في الصفات المذكورة وغيرها حتى قال: (لا يفضل أحدهما على صاحبه)، يعني بمزيه من المزايا أصلا.

فلولا فهمه: - أن كل واحد من هذه الصفات وما يشبهها مزية لم يكن وقع للسؤال عن صورة عدم مزية فيهما رأسا، بل ناسبه السؤال عن حكم عدم إجتماع الصفات، فافهم.

ومنها: تعليله، عليه السلام، الاخذ بالمشهور بقوله: (فإن المجمع عليه لا ريب فيه).

توضحى ذلك: أن معنى كون الرواية مشهورة كونها معروفة عند الكل، كما يدل عليه فرض السائل كليهما مشهورين.

والمراد بالشاذ مما لا يعرفه إلا القليل.

ولا ريب أن المشهور بهذا المعنى ليس قطعي المتن والدلالة حتى يصير مما لا ريب فيه.

وإلا لم يمكن فرضهما مشهورين ولا الرجوع إلى صفات الراوي قبل ملاحظة الشهرة ولا الحكم بالرجوع مع شهرتهما إلى المرجحات الاخر.فالمراد بنفي الريب نفيه بالاضافة إلى الشاذ.

ومعناه: أن الريب المحتمل في الشاذ غير محتمل فيه.

فيصير حاصل التعليل ترجيح المشهور على الشاذ بأن في الشاذ إحتمالا لا يوجد في المشهور، ومقتضى التعدي عن مورد النص في العلة وجوب الترجيح بكل ما يوجب كون أحد الخبرين أقل إحتمالا لمخالفة الواقع.

ومنها: تعليلهم، عليهم السلام، لتقديم الخبر المخالف للعامة بأن الحق والرشد في خلافهم، وأن ما وافقهم فيه التقية، فإن هذا كلها قضايا غالبية لا دائمية.فيدل بحكم التعليل على وجوب ترجيح


الصفحة ٧٨٢

كل ما كان معه أمارة الحق والرشد وترك ما فيه مظنة خلاف الحق والصواب.

بل الانصاف: أن مقتضى هذا التعليل كسابقه وجوب الترجيح بما هو أبعد عن الباطل من الاخر، وإن لم يكن عليه أمارة المطابقة، كما يدل عليه قوله عليه السلام: (ما جاء‌كم عنا من حديثين مختلفين فقسمهما على كتاب الله وأحاديثنا، فإن أشبههما فو حق، وإن لم يشبههما فهو باطل)، فإنه لا توجيه لهاتين القضيتين إلا ما ذكرنا من إرادة الابعدية عن الباطل والاقربية إليه.

ومنها: قوله عليه السلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، دل على أنه إذا دار الامر بين أمرين في أحدهما ريب ليس في الاخر ذلك الريب يجب الاخذ به، وليس المراد نفي مطلق الريب، كما لا يخفى.

وحينئذ فإذا فرض أحد المتعارضين منقولا بلفظه والاخر منقولا بالمعنى وجب الخذ بالاول، لان إحتمال الخطأ في النقل بالمعنى منفي فيه.وكذا إذا كان أحدهما أعلى سندا لقلة الوسائط.

إلى غير ذلك من المرجحات النافية للاحتمال الغير المنفي في طرف المرجوح.

____________________

(١) تفسير العياشي، ج ١، ص ٩، ح ٧ وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٨٩، ح ٣٣٣٦٥.


الصفحة ٧٨٣

المقام الرابع في بيان المرجحات

وهي على قسمين:

أحدهما: ما يكون داخليا، وهي كل مزية غير مستقلة في نفسه بل متقومة بما فيه.

وثانيهما: ما يكون خارجيا بأن يكون أمرا مستقلا بنفسه ولو لم يكن هناك خبر، سواء كان معتبرا كالاصل والكتاب أو غير معتبر في نفسه كالشهرة ونحوها.

ثم المعتبر إما أن يكون مؤثرا في أقربية أحد الخبرين إلى الواقع كالكتاب والاصل، بناء على إفادة الظن، أو غير مؤثر ككون الحرمة أولى بالاخذ من الوجوب والاصل، بناء على كونه من باب التعبد الظاهري.

وجعل المستقل المعتبر مطلقا، خصوصا ما لا يؤثر في الخبر، من المرجحات لا يخلو عن مسامحة.

أما [ المرجح ] الداخلي، فهو على أقسام لانه إما أن يكون راجعا إلى الصدور، فيفيد المرجح كونه الخبر أقرب إلى الصدور وأبعد عن الكذب، سواء كان راجعا إلى سنده كصفات الراوى، أو إلى متنه كالافصحية، وهذا لا يكون إلا في أخبار الآحاد، وإما أن يكون راجعا إلى وجه الصدور، ككون أحدهما مخالفا للعامة أو لعمل سلطان الجور أو قاضي الجور، بناء على إحتمال كون مثل هذا الخبر صادرا لاجل التقية ن وإما أن يكون راجعا إلى مضمونه، كالمنقول باللفظ بالنسبة إلى المنقول بالمعنى، إذ يحتمل الاشتباه في التعبير، فيكون مضمون المنقول باللفظ أقرب إلى الواقع، وكمخالفة العامة بناء على أن الوجه في الترجيح بها في أكثر الروايات من أن خلافهم أقرب إلى الحق.

وكالترجيح بشهرة الرواية ونحوها.


الصفحة ٧٨٤

[ ترجيح الرواية بإعتبار قوة الدلالة ] وهذه الانواع الثلاثة كلها متأخرة عن الترجيح بإعتبار قوة الدلالة، فإن الاقوى دلالة مقدم على ما كان أصح سندا وموافقا للكتاب ومشهور الرواية بين الاصحاب، لان صفات الرواية لا تزيده على المتواتر، وموافقة الكتاب لا تجعله أعلى من الكتاب.

وقد تقرر في محله تخصيص الكتاب والمتواتر بأخبار الآحاد.

فكل ما يرجع التعارض إلى تعارض الظاهر والاظهر، فلا ينبغي الارتياب في عدم ملاحظة المرجحات الاخر.

والسر في ذلك ما أشرنا إليه سابقا من أن مصب الترجيح بها هو إذا لم يمكن الجمع بوجه عرفي يجري في كلامين مقطوعي الصدور على غير جهة التقية بل في جرئي كلام واحد.

وبتقرير آخر: إذا أمكن فرض صدور الكلامين على غير جهة التقية وصيرورتهما، كالكلام الواحد على ما هو مقتضى دليل وجوب التعبد بصدور الخبرين، فيدخل في قوله عليه السلام: (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا)، إلى آخر الرواية المتقدمة، وقوله عليه السلام: (إن في كلامنا محكما ومتشابها فردوا متشابهها إلى محكمها).

ولا يدخل ذلك في مورد السؤال عن علاج المتعارضين، بل موارد السؤال عن العلاج مختص بما إذا كان المتعارضان لو فرض صدورهما بل إقترانهما تحير السائل فيهما ولم يظهر المراد منهما إلا ببيان آخر لاحدهما أو لكليهما.

نعم يقع الكلام في ترجيح بعض الظواهر على بعض وتعيين الاظهر.وهذا خارج عما نحن فيه.

ومما ذكرناه مما لا خلاف فيه، كما استظهر بعض مشايخنا المعاصرين ويشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الاصول وطريقتهم في الفروع.

نعم قد يظهر من عبارة الشيخ، قدس سره، في الاستبصار خلف ذلك، بل يظهر منه أن الترجيح بالمرجحات يلاحظ بين النص والظاهر، فضلا من الظاهر والاظهر، فإنه، قدس سره، بعد ذكر حكم الخبر الخالي عما يعارضه قال: (وإن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين فيعمل على أعدل الرواة في الطريق.

وإن كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة عددا.

وإن كانا متساويين في العدالة والعدد وكانا عاريين عن القرائن التي ذكرناها، ينظر، فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالاخر على بعض الوجوه


الصفحة ٧٨٥

وضرب من التأويل، كان العمل به أولى من العمل بالاخر الذي يحتاج مع العمل به إلى طرح الخبر الاخر، لانه يكون العامل به عاملا بالخبرين معا.

وإن كان الخبران يمكن العمل بكل منهما، كما في العموم من وجه، وحمل الاخر على بعض الوجوه من التأويل، وكان لاحد التأويلين خبر يعضده أو يشهد به على بعض الوجوه صريحا لفظا أو دليل الخطاب، وكان الاخر عاريا عن ذلك، كان العمل به أولى من العمل بما لا يشهد له شئ من الاخبار.

وإذا لم يشهد لاحد التأويلين خبر آخر وكانا متحاذيين كان العامل مخيرا في العمل بأيهما شاء)(١)، إنتهى موضع الحاجة.

وقوال في العدة: (وأما الاخبار إذا تعارضت وتقابلت، فإنه يحتاج في العمل ببعضها إلى ترجيح.

والترجيح يكون بأشياء، منها: أن يكون أحد الخبرين موافقا للكتاب أو السنة المقطوع بها والاخر مخالفا، فإنه يجب العمل بما وافقهما وترك ما خالفهما.

وكذلك إن وافق أحدهما إجماع الفرقة المحة والاخر يخالفه وجب العمل بما يوافقه وترك ما يخالفهم.

فإن لم يكن مع أحد الخبرين شئ من ذلك وكانت فتيا الطائفة مختلفة نظر في حال رواتهما، فإن كان رواته عدلا وجب العمل به وترك غير العدل.وسنبين القول في العدالة المرعية في هذا الباب.

فإن كان رواتهما جميعا عدلين نظر في أكثرهما رواة وعمل به وترك العمل بقليل الرواة، فإن كان رواتهما متساويين في العدد والعدالة عمل بأبعدهما من قول العامة وترك العمل بما يوافقهم.

وإن كان الخبران موافقين للعامة أو مخالفين لهم نظر في حالهما، فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على وجه من الوجوه وضرب من التأويل، وإذا عمل بالخبر الآخر لا يمكن العمل بهذا الخبر الاخر وجب العمل بالخبر الذي يمكن مع العمل به العمل بالخبر الآخر، لان الخبرين جميعا منقولان مجمع على نقلهمما.

وليس هنا قرينة تدل على صحة أحدهما ولا ما يرجح أحدهما على الآخر، فينبغي أن يعمل بهما إذا أمكن ولا يعمل بالخبر الذي إذا عمل به وجب إطراح العمل بالآخر، وإن لم يمكن العمل بهما جميعا

____________________

(١) الاستبصار ج ١، ص ٤.


الصفحة ٧٨٦

لتضادهما وتنافيهما او أمكن حمل كل واحد منهما على ما يوافق الاخر على وجه كان الانسان مخيرا في العمل بأيهما شاء)(١)، انتهى.

وهذا كله، يشمل حتى تعارض العام والخاص مع الاتفاق فيه على الاخذ بانص.

وقد صرح في العدة في باب بناء العام على الخاص بأن الرجوع إلى الترجيح والتخيير إنما هو في تعارض العامين دون العام والخاص، بل يجعلهما من المتعارضين أصلا.

واستدل على العمل بالخاص، بما حاصله: وأن العمل بالترجيح والتخيير فرع التعارض الذي لايجري فيه الجمع.

وهو مناقض صريح لما ذكره هنا من أن الجمع من جهة عدم ما يرجح أحدهما على الاخر.

وقد يظهرما في العدة من كلام بعض المحدثين، حيث أنكر حمل الخبر الظاهر في الوجوب او التحريم على الاستحباب او الكراهة، لمعارضة خبر الرخصة زاعما أنه طريق جمع لا إشارة إليه في أخبار الباب، بل ظاهرها تعين الرجوع إلى المرجحات المقررة.

ربما يلوح هذا أيضا من كلام المحقق القمي، في باب بناء العام على الخاص، فانه بعدما حكم بوجوب البناء قال: (وقد يستشكل بأن الاخبار قد وردت في تقديم ما هو مخالف للعامة او موفق للكتاب او نحو ذلك.

وهذا يقتضي تقديم العام لو كان هو الموافق للكتاب او المخالف للعامة او نحو ذلك.

وفيه: أن البحث منعقد لملاحظة العام والخاص من حيث العموم والخصوص، لا (بالنظر) إلى المرجحات الخارجية، إذ قد يصير التجوز في الخاص أولى من التخصيص في العام من جهة مرجح خارجي وهو خارج عن المتنازع)(٢)، انتهى.

والتحقيق: أن هذا كله خلاف ما يقتضيه الدليل، لان الاصل في الخبرين الصدق والحكم بصدورهما فيفرضان كالمتواترين، ولا مانع عن فرض صدورهما حتى يحصل التعارض.

ولهذا لا يطرح الخبر الواحد الخاص بمعارضة العام المتواتر.

وإن شئت قلت: إن مرجع التعارض بين النص والظاهر إلى التعارض بين أصالة الحقيقة في الظاهر ودليل حجية النص.ومن المعلوم ارتفاع الاصل بالدليل.وكذا الكلام في الظاهر والاظهر،

____________________

(١) عدة الاصول، ص ٦٠.

(٢) القوانين المحكمة، ج ١، ص ٣١٥


الصفحة ٧٨٧

فان دليل حجية الاظهر يجعل قرينة صارفة عن إرادة الظاهر.

ولايمكن طرحه لاجل أصالة الظهور ولاطرح ظهوره لظهورالظاهر، فتعين العمل بهه وتأويل الظاهر منهما.

وقد تقدم في إبطال الجمع بين الدليلين ما يوضح ذلك.

نعم يبقى الاشكال في الظاهرين اللذين يمكن التصرف في كل واحد منهما بما يرفع منافاته لظاهر الاخر، فيدور الامر بين الترجيح من حيث السند وطرح المرجوح وبين الحكم بصدورهما وإرادة خلاف الظاهر في أحدهما.

فعلى ما ذكرنا من أن دليل حجية المعارض لايجوز طرحه لاجل أصالة الظهور في صاحبه، بل الامر بالعكس، لان الاصل لايزاحم الدليل يجب الحكم بالاجمال، لتكافؤ أصالتي الحقيقة في كل منهما، مع العلم إجمالا بارادة خلاف الظاهر من أحدهما، فيتساقط الظهوران من الطرفين، فيصيران مجملين بالنسبة إلى مورد التعارض.

فهما كظاهري مقطوعي الصدور او ككلام واحد تصادم فيه ظاهران.

ويشكل بصدق التعارض بينهما عرفا ودخولهما في الاخبار العلاجية، إذ تخصيصها بخصوص المتعارضين اللذين لايمكن الجمع بينهما إلا باخراج كليهما عن ظاهريهما خلاف الظاهر.

مع أنه لا محصل للحكم بصدور الخبرين والتعبد بكليهما، لاجل أن يكون منهما مسببا لاجمال الاخر، فيتوقف في العمل بهما فيرجع إلى الاصل، إذ لايترتب حينئذ ثمرة على الامر بالعمل بهما.

نعم كلاهما دليل واحد على نفي الثالث كما في المتباينين.

وهذا هو المتعين، ولذا استقرت طريقة العلماء على ملاحظة المرجحات السندية في مثل ذلك، إلا أن اللازم من ذلك وجوب التخيير بينهما عند فقد المرجحات، كما هو ظاهر آخر عبارتي العدة والاستبصار المتقدمتين.

كما أن اللازم على الاول التوقف من أول الامر والرجوع إلى الاصل إن يكن مخالفا لهما، وإلا فالتخيير من جهة العقل، بناء على القول به في دوران الامر بين احتمالين مخالفين للاصل، كالوجوب والحرمة.

وقد أشرنا سابقا إلى أنه قد يفصل في المسألة بين ما إذا كان لكل من المتعارضين مورد سليم عن التعارض، كما في العامين من وجه، حيث ان الرجوع إلى المرجحات السندية فيها على الاطلاق يوجب طرح الخبر المرجوح في مادة، ولا وجه له، والاقتصار في الترجيح بها في خصوص مادة الاجتماع التي هي محل المعارضة وطرح المرجوح بالنسبة إليها مع العمل به في مادة الافتراق بعيد عن ظاهر الاخبار العلاجية، وبين ما إذا لم يكن لهما مورد سليم.

مثل قوله: اغتسل للجمعة، الظاهر في الوجوب.

وقوله: ينبغي غسل الجمعة، الظاهر في الاستحباب، فيطرح المرجوح رأسا،


الصفحة ٧٨٨

لاجل بعض المرجحات.

لكن الاستبعاد المذكور في الاخبار العلاجية إنما هو من جهة أن بناء العرف في العمل بأخبارهم من حيث الظن بالصدور، فلا يمكن التبعض في صدور العامين من وجه من حيث مادتي الافتراق ومادة الاجتماع، كما أشرنا سابقا إلى أن الخبرين المتعارضين من هذا القبيل.

وأما إذا تعبدنا الشارع بصدور الخبر الجامع للشرائط، فلا مانع من تعبده ببعض مضمون الخبر دون بعض.

وكيف كان فترك التفصيل اوجه منه، وهو أوجه من إطلاق إهمال المرجحات.

وأما ما ذكرنا في وجهه، من عدم جواز طرح دليل حجية احد الخبرين لاصالة ظهورالآخر، فهو إنما يحسن إذا كان ذلك الخبر بنفسه قرينة على خلاف الظاهر في الآخر.

وأما إذا كان محتاجا إلى دليل ثالث يوجب صرف أحدهما، فحكمهما حكم الظاهرين المحتاجين في الجمع بينهما إلى شاهدين في أن العمل بكليهما مع تعارض ظاهريهما يعد غير ممكن، فلابد من طرح أحدهما معينا للترجيح او غير معين للتخيير، ولا يقاس حالهما على حال مقطوعي الصدور في الالتجاء إلى الجمع بينهما.

كما اشرنا إلى دفع ذلك عند الكلام في أولوية الجمع على الطرح، والمسألة محل الاشكال.

وقد تلخص مما ذكرنا: أن تقديم النص على الظاهر خارج عن مسالة الترجيح بحسب الدلالة، إذ الظاهر لا يعارض النص حتى يرجح النص عليه.

نعم النص الظني السند يعارض دليل سنده لدليل حجية الظهور، لكنه حاكم على دليل اعتبار الظاهر، فينحصر الترجيح بحسب الدلالة في تعارض الظاهر والاظهر، نظرا إلى احتمال خلاف الظاهر في كل منهما بملاحظه نفسه.

غاية الامر ترجيح الاظهر.

ولا فرق في الظاهر والنص بين العام والخاص المطلقين إذا فرض عدم احتمال في الخاص يبقى معه ظهور العام لئلا يدخل في تعارض الظاهرين او تعارض الظاهر والاظهر، وبين ما يكون التوجيه فيه قريبا، وبين ما يكون التوجيه فيه بعيدا، مثل صيغة الوجوب مع دليل نفي البأس عن الترك، لان العبرة بوجود احتمال في أحد الدليلين لا يحتمل ذلك في الآخر وإن كان ذلك الاحتمال بعيدا في الغاية، لان مقتضى الجمع بين العام والخاص بعينه موجود فيه.

وقد يظهر خلاف ما ذكرنا في حكم النص والظاهر من بعض الاصحاب في كتبهم الاستدلالية، مثل حمل الخاص المطلق على التقية، لموافقته لمذهب العامة.

منها: ما يظهر من الشيخ، رحمه الله، في مسألة: (من زاد في صلاته ركعة) حيث حمل ما ورد في


الصفحة ٧٨٩

صحة صلاة من جلس في الرابعة بقدر التشهد على التقية وعمل على عمومات إبطال الزيادة.

وتبعه بعض متأخري المتأخرين.

لكن الشيخ، رحمه الله، كأنه بنى على ما تقدم عن العدة والاستبصار، من ملاحظة المرجحات قبل حمل أحد الخبرين على الآخر او على إستفادة التقية من قرائن أخر غير موافقة مذهب العامة.

ومنها: ما تقدم عن بعض المحدثين، من مؤاخذة حمل الامر والنهي على الاستحباب والكراهة.

وقد يظهر من بعض الفرق بين العام والخاص والظهار في الوجوب والنص الصريح في الاستحباب وما يتلوهما في قرب التوجيه وبين غيرهما مما كان تأويل الظاهر فيه بعيدا، حيث قال، بعد نفي الاشكال عن الجمع بين العام والخاص والظاهر في الوجوب والصريح في الاستحباب.

(استشكل الجمع في مثل ما إذا دل الدليل على أن القبلة أو مس باطن الفرج لا ينقض الوضوء، ودل دليل آخر على أن الوضوء يعاد منها وقال: - إن الحكم بعدم وجوب الوضوء في المقام مستند إلى النص المذكور.

وأما الحكم بإستحباب الوضوء فليس له مستند طاهر، لان تأويل كلامهم لم يثبت حجيته إلا إذا فهم من الخارج إرادته، والفتوى والعمل به محتاج إلى مستند شرعي، ومجرد أولوية الجمع غير صالح)(١).

أقول: بعدما ذكرنا من الدليل الدال على وجوب الجمع بين العام والخاص وشبهه بعينه جار فيما نحن فيه.

وليس الوجه في الجمع شيوع التخصيص، بل المدار على احتمال موجود في أحد الدليلين مفقود في الاخر، مع أن حمل ظاهر وجوب إعادة الوضوء على الاستحباب أيضا شايع على ما اعترف به سابقا.

وليت شعري: ما الذي أراد بقوله: (تأويل كلامهم لم يثبت حجيته إلا إذا فهم من الخارج إرادته).

فإن بنى على طرح ما دل على وجوب إعادة الوضوء وعدم البناء على أنه كلامهم، عليه السلام، فأين كلامهم حتى يمنع من تأويله إلا بدليل، وليس.

وهل هو إلا طرح السند لاجل الفرار عن تأويله وهو غير معقول.

وإن بنى على عدم طرحه وعلى التعبد بصدوره ثم حمله على التقية، فهذا أيضا قريب من الاول، إذ لا دليل على وجوب التعبد بخبر يتعين حمله على التقية على تقدير الصدور، بل لا معنى


الصفحة ٧٩٠

لوجوب التعبد به، إذ لا أثر في العمل يترتب عليه.

وبالجملة، إن الخبر الظني إذا دار الامر بين طرح سنده وحمله وتأويله فلا ينبغي التأمل في أن المتعين تأويله ووجوب العمل على طبق التأويل، ولا معنى لطرحه أو الحكم بصدوره تقية فرار عن تأويله.

وسيجئ زيادة توضيح ذلك إن شاء الله.

* * *

فلنرجع إلى ما كنا فيه من بيان المرجحات في الدلالة، ومرجعها إلى ترجيح الاظهر على الظاهر.

والاظهرية قد تكون بملاحظة خصوص المتعارضين من جهة القرائن الشخصية، وهذا لا يدخل تحت ضابطة، وقد تكون بملاحظة نوع المتعارضين، كأن يكون أحدهما ظاهرا في العموم والاخر جملة شرطية ظاهرة في المفهوم.

فيتعارضان، كتعارض مفهوم: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ)، ومنطوق عموم (خلق الله الماء طهورا)، فيقع الكلام في ترجيح المفهوم على العموم، وكتعارض التخصيص والنسخ في بعض أفراد العام والخاص والتخصيص والتقييد، وقد تكون بإعتبار الصنف، كترجيح أحد العامين أو المطلقين على الاخر لبعد التخصيص والقييد فيه.

ولنشر إلى جملة من هذه المرجحات النوعية لظاهر أحد المتعارضين في مسائل: منها: لا إشكال في تقديم ظهور الحكم الملقى من الشارع في مقام التشريع في إستمراره بإستمرار الشريعة على ظهور العام في العموم الافرادي.

ويعبر عن ذلك بأن التخصيص أولى من النسخ، من غير فرق بين أن يكون احتمال المنسوخية في العام أو في الخاص.والمعروف تعليل ذلك بشيوع التخصيص وندرة النسخ، وقد وقع الخلاف في بعض الصور.

وتمام ذلك في بحث العام والخاص من مباحث الافاظ.وكيف كان، فلا إشكال في أن إحتمال التخصيص مشروط بعدم ورود الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام.كما أن احتمال النسخ مشروط بورود الناسخ بعد الحضور.فالخاص الوارد بعد حضور وقت العمل بالعام يتعين فيه النسخ.وأما إرتكاب كون الخاص كاشفا عن قرينة كانت مع العام واختفيت فهو خلاف الاصل، والكلام في علاج المتعارضين من دون إلتزام وجود شئ زائد عليهما.

نعم لو كان هناك دليل على إمتناع النسخ وجب المصير إلى التخصيص مع إلتزام إختفاء القرينة حين العمل أو جواز إرادة خلاف الظاهر من المخاطبين واقعا مع مخاطبتهم بالظاهر الموجبة لعملهم بظهوره.

وبعبارة أخرى تكليفهم ظاهرا هو العمل بالعموم.


الصفحة ٧٩١

ومن هنا يقع الاشكال في تخصيص العمومات المتقدمة في كلام النبي او الوصي أو بعض الائمة، عليهم السلام، بالمخصصات الواردة بعد ذلك بمدة عن باقي الائمة عليهم السلام، فإنه لا بد أن يرتكب فيه النسخ، أو كشف الخاص عن قرينة مع العام مختفية، او كون المخاطبين بالعام تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعا.

أما النسخ فبعد توجيه وقوعه بعد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، بارادة كشف ما بينه النبي " ص " للوصي، عن غاية الحكم الاول وإبتداء الحكم الثاني مدفوع: بأن غلبة هذا النحو من التخصيصات يأبى عن حملها على ذلك.

مع أن الحمل على النسخ يوجب طرح ظهور كلا الخبرين في كون مضمونهما حكما مستمرا من أول الشريعة إلى آخرها، إلا أن يفرض المتقدم ظاهرا في الاستمرار والمتأخر غير ظاهر بالنسبة إلى ما قبل صدوره، فحينئذ يوجب طرح ظهور المتقدم لا المتأخر، كما لا يخفى.وهذا لا يحصل في كثير من الموارد بل أكثرها.

وأما إختفاء المخصصات، فيبعده بل يحيله عاده عموم البلوى بها من حيث العلم والعمل، مع إمكان دعوى العلم بعدم علم أهل العصل المتقدم وعملهم بها، بل المعلوم جهلهم بها.فالاوجه هو الاحتمال الثالث.

فكما أن رفع مقتضى البراء‌ة العقلية ببيان التكليف كان على التدريج، كما يظهر من الاخبار والاثار، مع إشتراك الكل في الاحكام الواقعية، فكذلك ورود التقييد والتخصيص للعمومات والمطلقات.

فيجووز أن يكون الحكم الظاهري للسابقين الترخيص في ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات الذي يقتضيه العمل بالعمومات وإن كان المراد منها الخصوص الذي هو الحكم المشترك.

ودعوى: (الفرق بين إخفاء التكليف الفعلي وإبقاء المكلف على ما كان عليه من الفعل والترك بمقتضى البراء‌ة العقلية، وبين إنشاء الرخصة له في فعل الحرام وترك الواجب) ممنوعة.

غاية الامر: أن الاول من قبيل عدم البيان، والثانى من قبيل بيان العدم، ولا قبح فيه بعد فرض المصلحة.

مع أن بيان العدم قد يدعى وجوده في الكل، بمثل قوله، صلى الله عليه وآله، في خطبة الغدير في حجة الوداع: (معاشر الناس ما من شئ يقربكم إلى الجنة ويباعدكم عن النار إلا وقد أمرتكم به، وما من شئ يباعدكم من الجنة ويقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه)(١).

____________________

(١) المحاسن، ص ٢٧٨، مع اختصار بحار الانوار، ج ٢، ص ١٧١ الكافي، ج ٢، ص ٧٤.


الصفحة ٧٩٢

بل يجوز أن يكون مضمون العموم والاطلاق هو الحكم الالزامي وإختفاء القرينة المتضمنة لنفي الالزام، فيكون التكليف حينئذ لمصلحة فيه لا في المكلف به.

فالحاصل أن المستفاد من التتبع في الاخبار والظاهر من خلو العمومات والمطلقات عن القرينة أن النبي، صلى الله عليه وآله، جعل الوصي عليه السلام مبينا لجميع ما أطلقه وأطلق في الكتاب الكريم وأودعه علم ذلك وغيره.

وكذلك الوصي بالنسبة إلى من بعده من الاوصياء، صلوات الله عليهم أجمعين، فبينوا ما رأوا فيه المصلحة وأخفوا ما رأوا المصلحة في إخفائه.

فإن قلت: اللازم من ذلك عدم جواز التمسك بأصالة عدم التخصيص في العمومات بناء على إختصاص الخطاب بالمشافهين أو فرض الخطاب في غير الكتاب، إذ لا يلزم من عدم المخصص لها في الواقع إرادة العموم، لان المفروض حينئذ جواز تأخير المخصص عن وقت العمل بالخطاب.

قلت: المستند في إثبات أصالة الحقيقة بأصالة عدم القرينة قبح الخطاب بالظاهر المجرد وإرادة خلافه، بضميمة أن الاصل الذي استقر عليه طريقة التخاطب هو أن المتكلم لا يلقي الكلام إلا لاجل إرادة تفهيم معناه الحقيقي أو المجازي.

فإذا لم ينصب قرينة على إراده تفهيم المجاز تعين إرادة الحقيقة فعلا.

وحينئذ فإن اطلعنا على التخصيص المتأخر كان هذا كاشفا عن مخالفة المتكلم لهذا الاصل لنكتة.

وأما إذا لم نطلع عليه ونفيناه بالاصل فاللازم الحكم بإرادة تفهيم الظاهر من المخاطبين، فيشترك الغائبون معهم.

ومنها: تعارض الاطلاق والعموم، فيتعارض تقييد المطلق وتخصيص العام، ولا إشكال في ترجيح التقييد على ما حققه سلطان العلماء من كونه حقيقة، لان الحكم بالاطلاق من حيث عدم البيان، والعام بيان.

فعدم البيان للتقييد جزء من مقتضى الاطلاق، والبيان للتخصيص مانع عن إقتضاء العام للعموم.

فإذا دفعنا المانع عن العموم بالاصل والمفروض وجود المقتضي له، ثبت بيان التقييد وارتفع المقتضي للاطلاق فالمطلق دليل تعليقي والعام دليل تنجيزي والعمل بالتعليقي موقوف على طرح التنجيزي، لتوقف موضوعه على عدمه.

فلو كان طرح التنجيزي متوقفا على العمل بالتعليقي ومسببا عنه لزم الدور، بل هو يتوقف على حجة أخرى راجحة عليه.فالطلق دليل تعليقي والعام دليل تنجيزي.

وأما على القول بكونه مجازا، فالمعروف في وجه تقديم التقييد كونه أغلب من التخصيص.

وفيه تأمل.

نعم إذا استفيد العموم الشمولي من دليل الحكمة كانت الافادة غير مستندة إلى الوضع، كمذهب السلطان في العموم البدلي.ومما ذكرنا يظهر حال التقييد مع سائر المجازات.


الصفحة ٧٩٣

ومنها: تعارض العموم مع غير الاطلاق من الظواهر.

والظاهر المعروف تقديم التخصيص لغلبة شيوعه.

وقد يتأمل في بعضها، مثل ظهور الصيغة في الوجوب، فإن إستعمالها في الاستحباب شايع أيضا، بل قيل بكونه مجازا مشهورا، ولم يقل ذلك في العام المخصص، فتأمل.

ومنها: تعارض ظهور بعض ذوات المفهوم من الجمل مع بعض.

والظاهر تقديم الجملة الغائية على الشرطية، والشرطية على الوصفية.

ومنها: تعارض ظهور الكلام في إستمرار الحكم مع غيره من الظهورات، فيدور الامر بين النسخ وإرتكاب خلاف ظاهر آخر، والمعروف ترجيح الكل على النسخ، لغلبتها بالنسبة إليه.

وقد يستدل على ذلك بقولهم عليهم السلام: (حلال محمد، صلى الله عليه وآله، حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(١).

وفيه: أن الظاهر سوقه لبيان إستمرار أحكام محمد، صلى الله عليه وآله، نوعا من قبل الله، جل ذكره، إلى يوم القيامة في مقابل نسخها بدين آخر، لا بيان إستمرار أحكامه الشخصية إلا ما خرج بالدليل.

فالمراد أن حلاله، صلى الله عليه وآله، حلال من قبل الله جل ذكره إلى يوم القيامة، لا أن الحلال من قبله " ص " حلال من قبله إلى يوم القيامة، ليكون المراد إستمرار حليته.

وأضعف من ذلك التمسك بإستصحاب عدم النسخ في المقام، لان الكلام في قوة أحد الظاهرين وضعف الاخر، فلا وجه لملاحظة الاصول العملية في هذا المقام.مع أنا إذا فرضنا عاما متقدما وخاصا متأخرا.فالشك في تكليف المتقدمين بالعام وعدم تكليفهم.

فإستصحاب الحكم السابق لا معنى له فيبقى ظهور الكلام في عدم النسخ معارضا بظهوره في العموم.

ثم إن هذا التعارض إنما هو مع عدم ظهور الخاص في ثبوت حكمه في الشريعة إبتداء وإلا تعين التخصيص.

نعم لا يجري في مثل العام المتأخر عن الخاص.

ومنها: ظهور اللفظ في المعنى الحقيقي مع ظهوره مع القرينة في المعنى المجازي، وعبروا عنه بتقديم الحقيقة على المجاز ورجحوها عليه.

فإن أرادوا أنه دار الامر بين طرح الوضع اللفظي بإرادة المعنى المجازي وبين طرح مقتضى القرينة في الظهورو المجازي بإرادة المعنى الحقيقي، فلا أعرف له وجها.

لان ظهور اللفظ في المعنى المجازي إن كان مستندا إلى قرينة لفظية فظهوره مستند إلى الوضع، وإن استند إلى حال أو قرينة

____________________

(١) الكافي (الاصول)، ج ١، ص ٥٨.


الصفحة ٧٩٤

منفصلة فلا يقصر عن الوضع، وإن كان ظنا معتبرا فينبغي تقديمه على الظهور اللفظي المعارض، كما يقدم على ظهور اللفظ المقرون به، إلا أن يفرض ظهوره ضعيفا يقوى عليه بخلاف ظهور الدليل المعارض، فيدور الامر بين ظاهرين أحدهما أقوى من الاخر.

وإن أرادوا به معنى آخر، فلا بد من التأمل فيه هذا بعض الكلام في تعارض النوعين المتخلفين من الظهور.

أما الصنفان المختلفان من نوع واحد، فالمجاز الراجح الشائع مقدم على غيره.

ولذا يحمل الاسد في (أسد يرمي) على الرجل الشجاع دون الرجل الابخر ويحمل الامر المصروف عن الوجوب على الاستحباب دون الاباحة.

وأما تقديم بعض أفراد التخصيص على بعض، فقد يكون بقوة عموم أحد العامين على الاخر، إما لنفسه، كتقديم الجمع المحلى باللام على المفرد المعرف ونحو ذلك، وإما بملاحظة المقام، فإن العام المسوق لبيان الضابط أقوى من غيره ونحو ذلك، وقد يكون لقرب أحد التخصيصين وبعد الاخر، كما يقال: إن تخصيص الاقل أفرادا مقدم على غيره، فإن العرف يقدم عموم (يجوز أكل كل رمان) على عموم النهي عن أكل كل حامض، لانه أقل فردا.

فيكون أشبه بالنص، وكما إذا كان التخصيص في أحدهما تخصيصا لكثير من الافراد، بخلاف الاخر.

بقي في المقام شئ وهو أن ما ذكرنا من حكم التعارض من أن النص يحكم على الظاهر، والاظهر على الاظاهر لا إشكال في تحصيله في المتعارضين.وأما إذا كان التعارض بين أزيد من دليلين، فقد يصعب تحصيل ذلك.

إذ قد يختلف حال التعارض بين إثنين منها بملاحظة أحدهما مع الثالث.

مثلا، قد يكون النسبة بين الاثنين العموم والخصوص من وجه، وينقلب بعد تلك الملاحظة إلى العموم المطلق أو بالعكس أو إلى التباين.

وقد وقع التوهم في بعض المقامات، فنقول توضيحا لذلك: إن النسبة بين المتعارضات المذكورة إن كانت نسبة واحدة فحكمها حكم المتعارضين.

فإن كانت النسبة العموم من وجه وجب الرجوع إلى المرجحات، مثل قوله: يجب إكرام العلماء، ويحرم إكرام الفساق، ويستحب إكرام الشعراء، فيعارض الكل في مادة الاجتماع.

وإن كانت النسبة عموما مطلقا، فإن لم يلزم محذور من تخصيص العام بهما خصص بهما، مثل


الصفحة ٧٩٥

المثال الاتي.

وإن لزم محذور، مثل قوله: يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء، وورد: ويكره إكرام عدول العلماء، فإن اللازم من تخصيص العام بهما بقاؤه بلا مورد، فحكم ذلك كالمتباينين، لان مجموع الخاصين مباين للعام.

وقد توهم بعض من عاصرناه، فلاحظ العام بعد تخصيصه ببعض الافراد بإجماع ونحوه مع الخاص المطلق الاخر.

فإذا ورد أكرم العلماء، ودل من الخارج دليل على عدم وجوب إكرام فساق العلماء، وورد أيضا: لا تكرم النحويين، كانت النسبة على هذا بينه وبين العام، بعد إخراج الفساق، عموما من وجه.

ولا أظن يلتزم بذلك فيما إذا كان الخاصان دليلين لفظيين، إذ لا وجه لسبق ملاحظة العام مع أحدهما على ملاحظته مع العام الاخر.

وإنما يتوهم ذلك في العام المخصص بالاجماع أو العقل، لزعم أن المخصص المذكور يكون كالمتصل.

فكان العام استعمل فيما عدا ذلك الفرد المخرج.

والتعارض إنما يلاحظ بين ما استعمل فيه لفظ كل من الدليلين، لا بين ما وضع اللفظ له، وإن علم عدم إستعماله.

فكان المراد بالعلماء في المثال المذكور عدولهم، والنسبة بينه وبين النحويين عموم من وجه.

ويندفع: بأن التنافي في المتعارضين إنما يكون بين ظاهري الدليلين.

وظهور الظاهر إما أن يستند إلى وضعه وإما أن يستند إلى قرينة المراد.

وكيف كان، فلا بد من إحرازه حين التعارض وقبل علاجه، إذ العلاج راجع إلى دفع المانع، لا إلى إحراز المقتضي.

والعام المذكور بعد ملاحظة تخصيصه بذلك الدليل العقلي إن لوحظ بالنسبة إلى وضعه للعموم مع قطع النظر عن تخصيصه بذلك الدليل، فالدليل المذكور والمخصص اللفظي سواء في المانعية عن ظهوره في العموم، فيرفع اليد عن الموضوع له بهما، وإن لوحظ بالنسبة إلى المراد منه بعد التخصيص بذلك الدليل، فلا ظهور له في إرادة العموم بإستثناء ما خرج بذلك الدليل إلا بعد إثبات كونه تمام المراد، وهو غير معلوم، إلا بعد نفي إحتمال مخصص آخر ولو بأصالة عدمه، وإلا فهو مجمل مردد بين تمام الباقي وبعضه، لان الدليل المذكور قرينة صارفة عن العموم لا معينة لتمام الباقي.

وأصالة عدم المخصص الاخر في المقام غير جارية مع وجود المخصص اللفظي، فلا ظهور له في تمام الباقي حتى يكون النسبة بينه وبين المخصص اللفظي عموما من وجه.

وبعبارة أوضح: تعارض العلماء بعد إخراج فساقهم مع النحويين، إن كان قبل علاج دليل النحويين ورفع مانعيته، فلا ظهور له حتى يلاحظ النسبة بين ظاهرين، لان ظهوره يتوقف على علاجه ورفع تخصيصه ب‍ (لا تكرم النحويين)، وإن كان بعد علاجه ودفعه فلا دافع له.بل هو


الصفحة ٧٩٦

كالدليل الخارجي المذكور دافع عن مقتضى وضع العموم.

نعم لو كان المخصص متصلا بالعام من قبيل الصفة والشرط وبدل البعض، كما في (إكرام العلماء العدولن أو إن كانوا عدولا، أو عدولهم)، صحت ملاحظة النسبة بين هذا التركيب الظاهر في تمام الباقي وبين المخصص اللفظي المذكور وإن قلنا بكون العام التخصص المتصل مجازا، إلا أنه يصير حينئذ من قبيل (أسد يرمي).

فلو ورد مخصص منفصل آخر كان مانعا لهذا الظهور.

وهذا بخلاف العام المخصص بالمنفصل، فإنه لا يحكم بمجرد وجدان مخصص منفصل بظهوره في تمان الباقي إلا بعد إحراز عدم مخصص آخر.

فالعام المخصص بالمنفصل لا ظهور له في المراد منه، بل هو قبل إحراز جميع المخصصات مجمل مردد بين تمام الباقي وبعضه، وبعده يتعين إرادة الباقي بعد جميع ما ورد عليه من التخصيص.

وأما المخصص بالمتصل، فلما كان ظهوره مستندا إلى وضع الكلام التركيبي على القول بكونه حقيقة أو بوضع لفظ القرينة بناء على كون لفظ العام مجازا، صح إتصاف الكلام بالظهور، لاحتمال إرادة خلاف ما وضع له التركيب أو لفظ القرينة.

والظاهر أن التخصيص بالاستثناء من قبيل المتصل، لان مجموع الكلام ظاهر في تمام الباقي.

ولذا يفيد الحصر.

فإذا قال: (لا تكرم العلماء إلا العدول)، ثم قال: (أكرم النحويين ٩)، فالنسبة عموم من وجه، لان إخراج غير العادل من النحويين مخالف لظاهر الكلام الاول.

ومن هنا صح أن يقال: إن النسبة بين قوله: (ليس في العارية ضمان إلا الدينار أو الدرهم)، وبين ما دل على ضمان الذهب والفضة وعموم من وجه.

كما قواه غير واحد من متأخري المتأخرين، فيرجح الاول، لان دلالته بالعموم ودلالة الثاني بالاطلاق أو يرجع إلى عمومات نفي الضمان، خلافا لما ذكره بعضهم، من أن تخصيص العموم بالدرهم أو الدينار لا ينافي تخصيصه أيضا بمطلق الذهب والفضة.

وذكره صاحب المسالك وأطال الكلام في توضيح ذلك، فقال ما لفظه: (لا خلاف في ضمانها يعني الدراهم والدنانير، وإنما الخلاف في غيرهما من الذهب و الفضه كالحلي المصوغة، فإن مقتضى الخبر الاول ونحوه دخولهما، ومقتضى تخصيص الثاني بالدراهم والدنانير خروجهما.

ومن الاصحاب من نظر إلى أن الذهب والفضة مخصصان من عدم الضمان مطلقا، ولا منافاة بينهما وبين الدراهم والدنانير، لانهما بعض أفرادهما، ويستثنى


الصفحة ٧٩٧

الجميع ويثبت الضمامن في مطلق الجنسين.

ومنهم من إلتفت إلى أن الذهب والفضة مطلقان أو عامان بحسب إفادة الجنس المعرف العموم وعدمه، والدراهم والدنانير مقيدان أو مخصصان، فيجمع بين النصوص بحمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص.

والتحقيق في ذلك أن نقول: إن هنا نصوصا على ثلاثة أضرب،

أحدهما عام في عدم الضمان من غير تقييد، كصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: (ليس على مستعير عارية ضمان.

وصاحب العارية والوديعة مؤتمن).وقريب منها صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام.

وثانيها بحكمها، إلا أنه إستثنى مطلق الذهب والفضة.

وثالثها بحكمها، إلا أنه إستثنى الدنانير والدراهم.وحينئذ فلا بد من الجمع.فإخراج الدراهم والدنانير لازم لخروجهما عن الوجهين الاخيرين.فإذا خرجا من العموم بقي العموم فيما عداهما بحاله.

وقد عارضه التخصيص بمطلق الجنسين، فلا بد من الجمع بينهما بحمل العام على الخاص.

فإن قيل: لما كان الدراهم والدنانير أخص من الذهب والفضة وجب تخصيصهما بهما عملا بالقاعدة، فلا يبقى المعارضة بين العام الاول والخاص الاخر.

قلنا: لا شك أن كلا منهما مخصص لذلك العام، لان كلا منهما مستثنى.وليس هنا إلا أن أحد المخصصين أعم من الاخر مطلقا.

وذلك غير مانع، فيخصص العام الاول بكل منهما أو يقيد مطلقه، لا أن أحدهما يخصص بالاخر، لعدم المنافاة بين إخراج الذهب والفضة في لفظ والدراهم والدنانير فيلفظ، حتى يوجب الجمع بينهما بالتخصيص أو التقييد.

وأيضا، فإن العمل بالخبرين الاخصين لا يمكن، لان أحدهما لم يخصص إلا الدنانير وأبقي الباقي على حكم عدم الضمان صريحا، والاخر لم يستثن إلا الدراهم وأبقي الباقي على حكم عدم المضان كذلك.

فدلالتهما قاصرة، والعمل بظاهر كل منهما لم يقل به أحد، بخلاف الخبر المخصص بالذهب والفضة.

فإن قيل: التخصيص إنما جعلناه بهما معا، لا بكل واحد منهما، فلا يضر عدم دلالة أحدهما على الحكم المطلوب منه.

قلنا: هذا أيضا لا يمنع قصور كل واحد من الدلالة، لان كل واحد مع قطع


الصفحة ٧٩٨

النظر عن صاحبه قاصر، وقد وقعا في وقتين في حالتين مختلفين.

فظهر أن إرادة الحصر من كل منهما غير مقصود.

وإنما المستثنى فيهما من جملة المستثناة.

وعلى تقدير الجمع بينهما بجعل المستثنى مجموع ما استفيد منهما لا يخرجان عن القصور في الدلالة على المطلوب، إذ لا يعلم منهما إلا أن الاستثناء ليس مقصورا على ما ذكر في كل واحد.

فإن قيل: إخراج الدراهم والدنانير خاصة ينافي إخراج جملة الذهب والفضة، فلا بد من الجمع بينهما بحممل الذهب والفضة على الدراهم والدنانير، كما يجب الجمع بين عدم الضمان لمطلق العارية والضمان لهذين النوعين لتحقق المنافاة بين الامرين.

قلنا: نمنع تحقق المنافاة بين الامرين، فإن إستثناء الدراهم والدنانير إقتضى بقاء العموم في حكم عدم الضمان في ما عداهما وقد عارضه الاستثناء الاخر فوجب تخصيصه به أيضا.

فلا وجه لتخصيص احد المخصصين بالاخر.

وأيضا، فإن حممل العام على الخاص إستعمال مجازي وإبقاء‌ه على عمومه حقيقة، ولا يجوز العدول إلى المجاز مع إمكان الاستعمال على وجه الحقيقة.

وهو هنا ممكن في عموم الذهب والفضة فيتعين.

وإما صرنا إلى التخصيص في الاول لتعينه على كل تقدير.

فإن قيل: إذا كان التخصيص يوجب المجاز وجب تقليله ما أمكن، لان كل فرد يخرج يوجب زيادة المجاز في الاستعمال، حيث كان حقه أن يطلق على جميع الافراد.

وحينئذ فنقول: قد تعارض هنا مجازان، أحدهما في تخصيص الذهب والفضة بالدنانير والدراهم، والثاني في زيادة تخصيص العام الاول بمطلق الذهب والفضه على تقدير عدم تخصيصهما بالدنانير والدراهم.

فترجيح أحد المجازين على الاخر ترجيح من غير مرجح، بل يمكن ترجيح تخصيص الذهب والفضة، لان فيه مراعاة قوانين التعارض بينه وبين ما هو أخص منه.

قلنا: لا نسلم التعارض بين الامرين، لان إستعمال العام الاول على وجه المجاز حاصل على كل تقدير إجماعا، وزيادة التجوز في الاستعمال لا يعارض به أصل التجوز في المعنى الاخر، فإن إبقاء الذهب والفضه على عمومهما إستعمال حقيقي،


الصفحة ٧٩٩

فكيف يكافيه مجرد تقليل التجوز مع ثبوت أصله.

وبذلك يظهر بطلان الترجيح بغير مرجح، لان المرجح حاصل في جانب الحقيقة.

هذا ما يقتضيه الحال من الكلام على هذين الوجهين، وبقي فيه مواضع تحتاج إلى تنقيح)(١)، إنتى.

أقول: الذي يقتضيه النظر ان النسبة بين روايتي الدرهم والدينار بعد جعلهما كرواية واحدة، وبين ما دل على إستثناء الذهب والفضة من قبيل العموم من وجه، لان التعارض بين العقد السلبي من الاولى والعقد الايجابي من الثانية، إلا أن الاول عام والثاني مطلق، والتقييد أولى من التخصيص.

وبعبارة أخرى: يدور الامر بين رفع اليد عن ظاهر الحصر في الدرهم والدينار ورفع اليد عن إطلاق الذهب والفضة، وتقييدهما أولى.

إلا أن يقال: إن الحصر في كل من روايتي الدرهم والدينار موهون من حيث إختصاصهما بأحدهما، فيجب إخراج الاخر عن عمومه.

فإن ذلك يوجب الوهن في الحصر وإن لم يكن الامر كذلك في مطلق العام.

ويؤيد ذلك أن تقييد الذهب والفضة بالنقدين مع غلبة إستعارة المصوغ بعيد جدا.

ومما ذكرنا يظهر النظر في مواضع مما ذكره صاحب المسالك في تحرير وجهي المسألة.

وإن كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة.

فإن كان فيها ما يقدم على بعض آخر منها إما لاجل الدلالة كما في النصر والظاهر أو الظاهر والاظهر، وإما لاجل مرجح آخر، قدمم ما حقه التقديم ثم لوحظ النسبة ما باقي المعارضات.

فقد تنقلب النسبة وقد يحدث الترجيح، كما إذا ورد: (أكرم العلماء، ولا تكرم فساقهم، ويستحب إكرام العدول)، فإنه إذا اخص العلماء بعدولهم يصير أخص مطلقا من العدول فيخصص العدول بغير علمائهم.

والسر في ذلك واضح، إذ لولا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص أو طرح الظاهر المنافي له رأسا.

وكلاهما باطل.

وقد لا تنقلب النسبة فيحدث الترجيح في المتعارضات بنسبة واحدة، كما لو ورد: (أكرم العلماء، ولا تكرم الفساق، ويستحب إكرام الشعراء).

فإذا فرضنا أن الفساق أكثر فردا من العلماء خص بغير العلماء، فيخرج العالم الفاسق عن الحرمة ويبقى الفرد الشاعر من العلماء الفساق مرددا بين الوجوب والاستحباب.

____________________

(١) مسالك الافهام، ج ١، كتاب العارية، ص ٣١٧.


الصفحة ٨٠٠

ثم إذا فرض أن الفساق بعد إخراج العلماء أقل فردا من الشعراء خص الشعراء به، فالفاسق الشاعر غير مستحب الاكرام.

فإذا فرض صيرورة الشعراء بعد التخصيص بالفساق أقل موردا من العلماء خص دليل العلماء بدليله، فيحكم بأن مادة الاجتماع بين الكل، أعني العالم الشاعر الفاسق مستحب الاكرام.

وقس على ذلك ما ذكرنا وجود المرجح من غير جهة الدلالة لبعضها على بعض.

والغرض من إطالة الكلام في ذلك التنبيه على وجوب التأمل في علاج الدلالة عند التعارض، لانا قد عثرنا في كتب الاستدلال على بعض الزلات، والله مقيل العثرات.


الصفحة ٨٠١

[ مرجحات الرواية من الجهات الاخر ]

وحيث فرغنا عن بعض الكلام في المرجحات من حيث الدلالة التي هي مقدمة على غيرها، فلنشرع في مرجحات الرواية من الجهات الاخر، فنقول ومن الله التوفيق للاهتداء: قد عرفت: (أن الترجيح: إما من حيث الصدور، بمعنى جعل صدور أحد الخبرين أقرب من صدور غيره، بحيث لو دار الامر بين الحكم بصدوره وصدور غيره لحكمنا بصدوره.

ومورد هذا المرجح قد يكون في السند كأعدلية الراوي وقد يكون في المتن ككونه أفصح.

وإما أن يكون من حيث جهة الصدور، فإن صدور الرواية قد يكون لجهة بيان الحكم الواقعي وقد يكون لبيان خلافه، لتقية أو غيرها من مصالح إظهار خلاف الواقع، فيكون أحدهما بحسب المرجح أقرب إلى الصدور لاجل بيان الواقع.

وإما أن يكون من حيث المضمون، بأن يكون مضمون أحدهما أقرب في النظر إلى الواقع).

وأما تقسيم الاصوليين المرجحات إلى السندية والمتنية، فهو بإعتبار مورد الترجح، لا بإعتبار مورد الرجحان.

ولذا يذكرون في المرجحات المتنية مثل الفصيح والافصح والنقل باللفظ والمعنى، بل يذكرون المنطوق والمفهوم والخصوص والعموم إشتباه ذلك.

ونحن نذكر إن شاء الله نبذا من القسمين، لان إستيفاء الجميع تطويل لا حاجة إليه بعد معرفة أن المناط كون أحدهما أقرب من حيث الصدور عن الامام، عليه السلام، لبيان الحكم الواقعي.

أما الترجيح بالسند فبأمور: منها: كون أحد الراويين عدلا والاخر غير عدل مع كونه مقبول الرواية من حيث كونه متحرزا


الصفحة ٨٠٢

عن الكذب.

ومنها: كونه أعدل.وتعرف الاعدلية إما بالنص عليها وإما بذكر فضائل فيه لم تذكر في الاخر.

ومنها: كونه أصدق مع عدالة كليهما، ويدخل في ذلك كونه أضبط.

وفي حكم الترجيح بهذه الامور أن يكون طريق ثبوت مناط القبول في أحدهما أوضح من الاخر وأقرب إلى الواقع من جهة تعدد المزكي أو رجحان أحد المزكيين على الاخر، ويلحق بذلك إلتباس اسم المزكي بغيره من الجروحين وضعف ما يميز المشترك به.

ومنها: علو الاسناد، لانه كلما قلت الواسطة كان احتمال الكذب أقل.

وقد يعارض في بعض الموارد بندرة ذلك وإستبعاد الاسناد لتباعد أزمنة الرواة، فيكون مظنة الارسال والحوالة على نظر المجتهد.

ومنها: أن يرسل أحد الراويين فيحذف الواسطة ويسند الاخر روايته، فإن المحذوف يحتمل أن يكون توثيق المرسل له معارضا بجرح جارح.وهذا الاحتمال منفي في الاخر.وهذا إذا كان المرسل ممن تقبل مراسيله، وإلا فلا يعارض المسند رأسا.وإلا فلا يعارض المسند رأسا.وظاهر الشيخ في العدة تكافؤ المرسل المقبول والمسند.

ولم يعلم وجهه.

ومنها: أن يكون الراوى لاحدى الروايتين متعددا وراوي الاخرى واحدا أو يكون رواة إحداهما أكثر، فإن المتعدد يرجح على الواحد والاكثر على الاقل، كما هو واضح.

وحكي عن بعض العامة عدم الترجيح قياسا على الشهادة والفتوى.ولازم هذا القول عدم الترجيح بسائر المرجحات أيضا.وهو ضعيف.

ومنها: أن يكون طريق تحمل احد الراويين أعلى من طريق تحمل الاخر، كأن يكون أحدهما بقراء‌ته على الشيخ والاخر بقراء‌ة الشيخ عليه، وهكذا غيرهما من أنحاء التحمل.

هذه نبذة من المرجحات السندية التي توجب القوة من حيث الصدور، وعرفت أن معنى القوة كون أحدهما أقرب إلى الواقع من حيث إشتماله على مزية غير موجودة في الاخر، بحيث لو فرضنا العلم بكذب أحدهما ومخالفته للواقع كان إحتمال مطابقة ذي المزية للواقع أرجح وأقوى من مطابقته الاخر، وإلا فقد لا يوجب المرجح الظن بكذب الخبر المرجوح، لكنه من جهة إحتمال صدق كل الخبرين، فإن الخبرين المتعارضين لا يعلم غالبا كذب أحدهما.

وإنما التجأنا إلى طرح أحدهما، بناء على تنافي ظاهريهما وعدم إمكان الجمع بينهما لعدم الشاهد، فيصيران في حكم ما لو وجب طرح أحدهما لكونه كاذبا فيؤخذ بما هو أقرب إلى الصدق من الاخر.


الصفحة ٨٠٣

والغرض من إطالة الكلام هنا أن بعضهم تخيل: أن المرجحات المذكوره في كلماتهم للخبر من حيث السند او المتن، بعضها يفيد الظن القوي، وبعضها يفيد الظن الضعيف، وبعضها لا يفيد الظن أصلا.

فحكم بحجية الاوليين واستشكل في الثالث، من حيث أن الاحوط الاخذ بما فيه المرجح، ومن إطلاق أدلة التخييرن وقوى ذلك بناء على أنه لا دليل على الترجيح بالامور التعبدية في مقابل إطلاقات التخيير.

وأنت خبير بأن جميع المرجحات المذكورة مفيدة للظن الشأني بالمعنى الذي ذكرنا.

وهو أنه لو فرض القطع بكذب أحد الخبرين كان إحتمال كذب المرجوح أرجح من صدقه.

وإذا لم يفرض العلم بكذب أحد الخبرين فليس في المرجحات المذكورة ما يوجب الظن بكذب أحد الخبرين، ولو فرض أن شيئا منها كان في نفسه موجبا للظن بكذب الخبر كان مسقطا للخبر عن درجة الحجية ومخرجا للمسأله عن التعارض، فيعد ذلك الشئ موهنا لا مرجحا، إذ فرق واضح عند التأمل بين ما يوجب في نفسه مرجوحية الخبر وبين ما يوجب مرجوحيته بملاحظة التعارض وفرض عدم الاجتماع.

وأما ما يرجع إلى المتن فهي أمور: منها: الفصاحة، فيقدم الفصيح على غيره، لان الركيك أبعد من كلام المعصوم، عليه السلام، إلا أن يكون منقولا بالمعنى.

ومنها: الافصحية، ذكره جماعة خلافا للاخرين.

وفيه تأمل، لعدم كون الفصيح بعيدا عن كلام المعصوم الامام، ولا الافصح أقرب إليه في مقام بيان الاحكام الشرعية.

ومنها: إضطراب المتن، كما في بعض روايات عمار.

ومنها كون أحدهما منقولا باللفظ والاخر منقولا بالمعنى، إذ يحتمل في المنقول بالمعنى أن يكون المسموع من الامام، عليه السلام، لفظا مغايرا لهذا اللفظ المنقول إليه.ومرجع الترجيح بهذه إلى كون متن أحد الخبرين أقرب صدورا من متن الاخر.

وعلل بعض المعاصرين الترجيح لمرجحات المتن بعد أن عد هذه منها بأن مرجع ذلك إلى الظن بالدلالة.

وهو مما لم يختلف فيه علماء الاسلام وليس مبنيا على حجية مطلق الظن المختلف فيه.

ثم ذكر في المرجحات المتن النقل باللفظ والفصاحة والركاكة، والمسموع من الشيخ بالنسبة إلى


الصفحة ٨٠٤

المقروء عليه، والجزم بالسماع من المعصوم، عليه السلام، على غيره، وكثيرا من أقسام مرجحات الدلالة، كالمنطوق والمفهوم والخصوص والعموم ونحو ذلك.

وأنت خبير بأن مرجع الترجيح بالفصاحة والنقل باللفظ إلى رجحان صدور أحد المتنين بالنسبة إلى الاخر.

فالدليل عليه هو الدليل على إعتبار رجحان الصدور، وليس راجعا إلى الظن في الدلالة المتفق عليه بين علماء الاسلام.

وأما مرجحات الدلالة، فهي من هذا الظن المتفق عليه، وقد عدها من مرجحات المتن جماعة كصاحب الزبذة وغيره.

والاولى ما عرفت، من أن هذه من قبيل النص الظاهر والظاهر والاظهر، ولا تعارض بينهما ولا ترجيح في الحقيقة، بل هي من موارد الجمع المقبول، فراجع.

وأما الترجيح من حيث وجه الصدور بأن يكون احد الخبرين مقرونا بشئ يحتمل من أجله أن يكون الخبر صادرا على وجه المصلحة المقتضية لبيان خلاف حكم الله الواقعي من تقية أو نحوها من المصالح.

وهي وإن كانت غير محصورة في الواقع إلا أن الذي بأيدينا أمارة التقية، وهي مطابقة ظاهر الخبر لمذهب أهل الخلاف، فيحتمل صدور الخبر تقية عنهم احتمالا غير موجود في الخبر الاخر.

قال في العدة: (إذا كان رواة الخبرين متساويين في العدد عمل بأبعدهما من قول العامة وترك العمل بما يوافقه)(١)، إنتهى.

وقال المحقق في المعارج، بعد نقل العبارة المتقدمة عن الشيخ: (والظاهر أن احتجاجه في ذلك برواية رويت عن الصادق، عليه السلامن وهو إثبات مسالة علمية بخبر الواحد.

ولا يخفى عليك ما فيه، مع أنه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالممفيد وغيره.

فإن احتج بأن الابعد لا يحتمل إلا التقوى، والموافق للعامة يحتمل التقية، فوجب الرجوع إلى ما لا يحتمل.

____________________

(١) عدة الاصول ص ٦٠.


الصفحة ٨٠٥

قلنا: لا نسلم أنه لا يحتمل إلا الفتوى، لانه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الامام، عليه السلام، كذلك يجوز الفتوى بما يحتمل التأويل لمصلحة يعلمها الامام، عليه السلام، وإن كنا لا نعلم ذلك.

فإن قال: إن ذلك يسد باب العمل بالحديث.

قلنا: إنما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض وحصول مانع يمنع من العمل لا مطلقا فلا يلزمم سد باب العمل)(١)، إنتهى كلامه رفع مقامه.

* * *

أقول: توضيح المرام في هذا المقام أن ترجيح أحد الخبرين بمخالفة العامة يمكن أن يكون بوجوه:

أحدها: مجرد التعبد، كما هو ظاهر كثير من أخباره، ويظهر من المحقق إستظهاره من الشيخ قدس سرهما.

الثاني: كون الرشد في خلافهمم، كما صرح به في غير واحد من الاخبار المتقدمة ورواية علي بن أسباط: (قال: قلت للرضا عليه السلام: يحدث الامر، لا أجد بدا من معرفته، وليس في البلد الذي انا فيه أحد أستفتيه من مواليك.

فقال: إئت فقيه البلد واستفته في أمرك.فإذا افتاك بشئ فخذ بخلافه.فإن الحق فيه)(٢).

وأصرح من ذلك كله خبر أبي إسحاق الارجاني: (قال: قال أبوعبدالله، عليه السلام: أتدري لم أمرتم بالاخذ بخلاف ما يقوله العامة؟ فقلت: لا أدري.

فقال: إن عليا، صلوات الله عليه، لم يكن يدين الله بشئ إلا خالف عليه العامة، إرادة لابطال أمره، وكانوا يسألونه، صلوات الله عليه، عن الشئ الذي لا يعلمونه.فإذا أفتاهم بشئ جعلوا له ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس)(٣).

الثالث: حسن مجرد المخالفة لهم.

فمرجع هذا المرجح ليس الاقربية إلى الواقع، بل هو نظير ترجيح دليل الحرمة على الوجوب، ودليل الحكم الاسهل على غيره.

ويشهد لهذا الاحتمال بعض الروايات، مثل قوله عليه السلام في مرسلة داود بن الحصين: (إن من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منه)(٤).

____________________

(١) معارج الاصول، ص ١٥٦.

(٢) عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٧٥.

(٣) علل الشرائع، ج ٢، ص ٢١٨.

(٤)


الصفحة ٨٠٦

ورواية الحسين بن خالد: (شيعتنا: المسلمون لامرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لاعدائنا.

فمن لم يكن ذلك فليس منا.

فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله صلى الله عليه وآله: خالفوهم ما استطعتم)(١).

الرابع: الحكم بصدور الموافق تقية.

ويدل عليه قوله عليه السلام في رواية: (ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقية، وما سمعته مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه)(٢).

بناء على أن المحكي عنه، عليه السلام، مع عدالة الحاكي كالمسموع منه، وأن الرواية مسوقة لحكم المتعارضين، وأن القضية غالبية، لكذب الدائمة.

أما (الوجه الاول)، فمع بعده عن مقام ترجيح أحد الخبرين المبني اعتبارهما على الكشف النوعي، ينافيه التعليل المذكور في الاخبار المستفيضة المتقدمة.

ومنه يظهر ضعف (الوجه الثالث)، مضافا إلى صريح رواية أبي بصير عن ابي عبدالله عليه السلام، قال: (ما أنتم والله على شئ مما هو فيه، ولا هم على شئ مما أنتم فيه، فخالفوهم، فإنهم ليسوا من الحنفية على شئ)(٣) فقد فرع الامر بمخالفتهم على مخالفة أحكامهم للواقع، لا مجرد حسن المخالفة.

فتعين (الوجه الثاني)، لكثرة ما يدل عليه من الاخبار.

أو (الوجه الرابع)، للخبر المذكور وذهاب المشهور.

إلا أنه يشكل (الوجه الثاني): بأن التعليل المذكور في الاخبار بظاهره غير مستقيم، لان خلافهم ليس حكما واحدا حتى يكون هو الحق.وكون الحق والرشد فيه بمعنى وجوده في محتملاته لا ينفع في الكشف عن الحق.

نعم ينفع في الابعديه عن الباطل لو علم أو احتمل غلبة الباطل على أحكامهم وكون الحق فيها نادرا.ولكنه خلاف الوجدان.ورواية أبي بصير المتقدمة وإن تأكد مضمونها بالحلف.

لكن لا بد من توجيهها، فيرجع الامر إلى التعبد بعلة الحكم، وهو أبعد من التعبد بنفس الحكم.

و (الوجه الرابع): بأن دلالة الخبر المذكور عليه لا يخلو عن خفاء، لاحتمال أن يكون المراد من شباهة أحد الخبرين بقول الناس كونه متفرعا على قواعدهم الباطلة.

مثل تجويز الخطأ على المعصومين من الانبياء والائمة، عليهم السلام، عمدا أو سهوا والجبر والتفويض ونحو ذلك.

وقد أطلق

____________________

(١) صفات الشيعة، ص ٤٥.

(٢) تهذيب الاحكام، ج ٨، ص ٩٨.

(٣) وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٨٥.


الصفحة ٨٠٧

الشباهة على هذا المعنى في بعض أخبار العرض على الكتاب والسنة، حيث قال: (فإن أشبههما فهو حق، وإن لم يشبههما فهو باطل) وهذا الحمل أولى من حمل القضيه على الغلبة لا الدوام بعد تسليم الغلبة.

ويمكن دفع الاشكال في (الوجه الثاني) عن التعليل في الاخبار: بوروده على الغالب من إنحصار الفتوى في المسألة على الوجهين، لان الغالب أن الوجوه في المسألة إذا كثرت كانت العامة مختلفين، ومع إتفاقهم لا يكون في المسألة وجوه متعددة.

ويمكن أيضا الالتزام بما ذكرنا سابقا، من غلبة الباطل في أقوالهم، على ما صرح به في رواية الارجاني المتقدمة.

وأصرح منها ما حكي عن أبي حنيفة من قوله: (خالفت جعفرا في كل ما يقول إلا أني لا أدري أنه يغمض عينيه في الركوع والسجود او يفتحهما).وحينئذ فيكون خلافهم أبعد من الباطل.

ويكن توجبه (الوجه الرابع): بعدم إنحصار دليله في الرواية المذكوره، بل الوجه فيه هو ما تقرر في باب التراجيح واستفيد من النصوص والفتاوى من حصول الترجيح بكل مزية في احد الخبرين يوجب كونه أقل أو أبعد إحتمالا لمخالفة الواقع من الاخر.

ومعلوم أن الخبر المخالف لا يحتمل فيه التقية، كما يحتمل في الموافق، على ما تقدم من المحقق قدس سره، فمراد المشهور من حمل الخبر الموافق على التقية ليس كون الموافقة أمارة على صدور الخبر تقية، بل المراد أن الخبرين لما إشتركا في جميع الجهات المحتملة لخلف الواقع عدى إحتمال الصدور تقية المختص بالخبر الموافق تعين العمل بالمخالف وانحصر محمل الخبر الموافق المطروح في التقية.

وأما ما أورده المحقق من معارضة إحتمال التقية بإحتمال الفتوى على التأويل ففيه: أن الكلام فيما إذا إشترك الخبران في جميع الاحتمالات المتطرقة في السند والمتن والدلالة، فإحتمال الفتوى على التأويل مشترك.

كيف ولو فرض إختصاص الخبر المخالف بإحتمال التأويل وعدم تطرقه في الخبر الموافق، كان اللازم إرتكاب التأويل في الخبر المخالف، لما عرفت من أن النص والظاهر لا يرجع فيهما إلى المرجحات.

وأما ما أجاب به صاحب المعالم عن الايراد بأن إحتمال التقية في كلامهم أقرب وأغلب ففيه، مع إشعاره بتسليم ما ذكره المحقق من معارضة إحتمامل التقية في الموافق بإحتمال التأويل،

____________________

(١) تفسير العياشي، ج ١، ص ٩، ح ٧، وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٨٩، ح ٣٣٣٦٥.


الصفحة ٨٠٨

مع ما عرفت من خروج ذلك عن محل الكلام، منع أغلبية التقية في الاخبار من التأويل.

ومن هنا يظهر: أنا ما ذكرنا من الوجه في رجحان الخبر المخالف مختص بالمتباينين.

وأما في ما كان من قبيل العامين من وجه بأن كان لكل واحد منهما ظاهر يمكن الجمع بينهما بصرفه عن ظاهره دون الاخر.فيدور الامر بين حمل الموافق منهما على التقية والحكم بتأويل أحدهما ليجتمع مع الاخر.

مثلا إذا ورد الامر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه، وورد كل شئ يطير لا بأس بخرئه وبوله، فدار الامر بين حمل الثاني على التقية وبين الحكم بتخصيص أحدهما لا بعينه، فلا وجه لترجيح التقية، لكونها في كلام الائمة ن عليهم السلام، أغلب من التخصيص.

فالعمدة في الترجيح بمخالفه العام، بناء على ما تقدم من جريان هذا المرجح.

وشبهه في هذا القسم من المتعارضين هو ما تقدم من وجوب الترجيح، لكون مزية في أحد المتعارضين.

وهذا موجود فيما نحن فيه، لان إحتمال مخالفة الظاهر قائم في كل منهما والمخالفة للعامة مختص بمزية مفقودة في الاخر، وهو عدم إحتمال الصدور.

فتلخص مما ذكرنا: أن الترجيح بالمخالفة من أحد وجهين، على ما يظهر من الاخبار.

أحدهما: كونه أبعد عن الباطل وأقرب إلى الواقع، فيكون مخالفة الجمهور نظير موافقه المشهور من المرجحات المضمونية، على ما يظهر من أكثر أخبار هذا الباب.

والثاني: من جهة كون المخالف ذا مزية، لعدم إحتمال التقية.ويدل عليه ما دل على الترجيح بشهرة الرواية معللا بأنه لا ريب فيه بالتقريب المتقدم سابقا.ولعل الثمرة بين هذين الوجهين يظهر لك في ما يأتي إن شاء الله تعالى.


الصفحة ٨٠٩

بقي في هذا المقام أمور:

الاول: أن الخبر الصادر تقية، يحتمل أن يراد به ظاهره فيكون من الكذب المجوز لمصلحة، ويحتمل أن يراد منه تأويل مختف على المخاطب فيكون من قبيل التورية.

وهذا أليق بالامام، عليه السلام، بل هو اللائق له، إذا قلنا بحرمة الكذب مع التمكن من التورية.

الثاني: أن بعض المحدثين، كصاحب الحدائقن وإن لم يشترط في التقيه موافقة الخبر لمذهب العامة، لاخبار تخيلها دالة على مدعاه سليمة عما هو صريح في خلاف ما ادعاه، إلا أن الحمل على التقية في مقام الترجيح لا يكون إلا مع موافقة أحدهما، إذ لا يعقل حمل أحدهما بالخصوص على التقية، إذا كانا مخالفين لهم.

فمراد المحدث المذكور ليس الحمل على التقية مع عدم الموافقة في مقام الترجيح.

كما أورده عليه بعض الاساطين في جملة المطاعن على ما ذهب إليه من عدم إشتراط الموافقة في الحمل على التقية.

بل المحدث المذكور لما أثبت في المقدمة الاولى من مقدمات الحدائق خلو الاخبار عن الاخبار المكذوبة، لتنقيحها وتصحيحها في الازمنة المتأخره، بعد أن كانت مغشوشة مدسوسة، صح للقائل ان يقول: فما بال هذه الاخبار المتعارضة التي لا تكاد تجتمع.

فبين في المقدمة الثانية دفع هذا السؤال بأن معظم الاختلاف من جهة إختلاف كلمات الائمه، عليهم السلام، مع المخاطبين، وأن الاختلاف إنما هو منهم، عليهم السلام، واستشهد على ذلك بأخبرا زعمها دالة على أن التقية كما تحصل ببيان ما يوافق العامة، كذلك تحصل بمجرد إلقاء الخلاف بين الشيعة كيلا يعرفوا فيؤخذ برقابهم.

وهذا الكلام ضعيف، لان الغالب إندفاع الخوف بإظهار الموافقه مع الاعداء.

وأما الاندفاع بمجرد رؤية الشيعة مختلفين منع إتفاقهم على مخالفتهم فهو وإن أمكن حصوله أحيانا لكنه نادر جدا، فلا يصار إليه في جل الاخبار المختلفة، مضافا إلى مخالفته لظاهر قوله، عليه السلام، في الرواية


الصفحة ٨١٠

المتقدمة: (ما سمعت مني يشبه قول الناس ففيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه).

فالذي يقتضيه النظر على تقدير القطع بصدور جميع الاخبار التي بأيدينا على ما توهمه بعض الاخباريين، والظن بصدور جميعها إلا قليل في غاية القلة، يقتضيه الانصاف ممن إطلع على كيفية تنقيح الاخبار وضبطها في الكتب وهو أن يقال: إن عمدة الاختلاف إنما هي كثره إرادة خلاف الظواهر في الاخبار إما بقرائن متصلة اختفت علينا من جهة تقطيع الاخبار او نقلها بالمعنى أو منفصلة مختفية من جهة كونها حالية معلومة للمخاطبين أو مقالية إختفت بالانطماس، وإما بغير القرينة لمصلحة يراها الامام، عليه السلام، من تقية، على ما اخترناه من أن التقيه، على وجه التورية أو غير التقية من المصالح الاخر.

وإلى ما ذكرنا ينظر ما فعله الشيخ، قدس سره، في الاستبصار من إظهار إمكان الجمع بين متعارضات الاخبار بإخراج أحد المتعارضين أو كليهما عن ظاهره إلى معنى بعيد.

* * *

وربما يظهر من الاخبار محامل وتأويلات أبعد بمراتب مما ذكره الشيخ تشهد بأن ما ذكره الشيخ من المحامل غير بعيد عن مراد الامام، عليه السلام، وإن بعدت عن ظاهر الكلام إلا أن يظهر فيه قرينة عليها: فمنها: ما روي عن بعضهم صلوات الله عليهم: (لما سأله بعض أهل العراق وقال: كم آية تقرأ في صلاة الزوال؟ فقال عليه السلام: ثمانون.ولم يعد السائل.

فقال عليه السلام: هذا يظن أنه من أهل الادراك.

فقيل له عليه السلام: ما أردت بذلك ومان هذه الايات؟ فقال: أردت منها ما يقرأ في نافلة الزوال، فإن الحمد والتوحيد لا يزيد على عشر آيات، ونافله الزوال ثمان ركعات)(١).

ومنها: ما روي من: (أن الوتر واجب)، فلما فرغ السائل واستفسر، قال عليه السلام: (إنما عنيت وجوبها على النبي، صلى الله عليه وآله وسلم)(٢).

ومنها: تفسير قولهم عليهم السلام: (لا يعيد الصلاة ففيه بخصوص الشك بين الثلاث والاربع)(٣).

ومثله تفسير وقت الفريضة في قولهم، عليهم السلام: (لا تطوع في وقت الفريضة)(٤)،

____________________

(١) الكافي (الفروع)، ج ٣، ص ٣١٤.مع اختلاف.

(٢) راجع: تهذيب الاحكام، ج ٢، ص ١٢١ و ٢٤٣.

(٣) تهذيب الاحكام، ج ٢، ص ١٩٣.المقنع، ص ٩.

(٤) تهذيب الاحكام، ج ٢ ص ٣٤٠.


الصفحة ٨١١

بزمان قول المؤذن: (قد قامت الصلاة)، إلى غير ذلك مما يطلع عليه المتتبع.

ويؤيد ما ذكرنا من أن عمدة تنافي الاخبار ليس لاجل التقيه ما ورد مستفيضا من عدم جواز رد الخبر وإن كان مما ينكر ظاهره، حتى إذا قال للنهار إنه ليل ولليل إنه نهار، معللا ذلك بأنه يمكن أن يكون له محمل لم يتفطن السامع له فينكره فيكفر من حيث لا يشعر، فلو كان عمدة التنافي من جهة صدور الاخبار المنافية بظاهرها لما في أيدينا في الادلة تقيه، لم يكن في إنكار كونها من الامام عليه السلام مفسدة، فضلا عن كفر الراد.

الثالث: إن التقية قد تكون من فتوى العامة، وهو الظاهر من إطلاق موافقة العامة في الاخبار.

وأخرى من حيث أخبارهم التي رووها.

وهو المصرح به في بعض الاخبار.لكن الظاهر أن ذلك محمول على الغالب من كون الخبر مستندا للفتوى.

وثالثة من حيث علمهم.

ويشير إليه قوله، عليه السلام، في المقبولة المتقدمة: (ما هو إليه أميل قضاتهم وحكامهم).

ورابعة بكونه أشبه بقواعدهم وأصول دينهم وفروعه، كما يدل عليه الخبر المتقدم، وعرفت سابقا قوة إحتمال التفرع على قواعدهم الفاسدة ويخرج الخبر حنيئذ عن الحجية ولو مع عدم المعارض، كما يدل عليه عموم الموصول.

الرابع: أن ظاهر الاخبار كون المرجح موافقة جميع الموجودين في زمان الصدور او معظمهم على وجه يصدق الاستغراق العرفي.

فلو وافق بعضهمم بلا مخالفة الباقين فالترجيح به مستند إلى الكلية المستفادة من الاخبار من الترجيح بكل مزية.

وربما يستفاد من قول السائل في المقبولة: (قلت: يا سيدي ! هما معا موافقان للعامة)، أن المراد بما وافق العاممة أو خالفهمم في المرجح السابق يعم ما وافق البعض أو خالفه.

ويرده أن ظهور الفقرة الاولى في إعتبار الكل أقوى من ظهور هذه الفقره في كفاية موافقة البعض، فيحمل على إرادة صورة عدم وجود هذا المرجح في شئ منهما وتساويهما من هذه الجهة، لا صورة وجود المرجح في كليهما وتكافؤهما من هذه الجهة.

وكيف كان، فلو كان كل واحد موافقا لبعضهم مخالفا لاخرين منهم وجب الرجوع إلى ما يرجح في النظر ملاحظة التقية منه.

وربما يستفاد ذلك من أشهرية فتوى أحد البعضين في زمان الصدور ويعلم ذلك بمراجعة أهل


الصفحة ٨١٢

النقل والتأريخ.

فقد حكي عن تواريخهمم: (إن عامة أهل الكوفة كان عملهم على فتاوى أبي حنيفة وسفيان الثوري ورجل آخر، وأهل مكة على فتاوى إبن جريح، وأهل المدينة على فتاوى مالك، وأهل البصرة على فتاوى عثمان وسوار وأهل الشام على فتاوى الاوزاعي والوليد، وأهل مصر على فتاوى الليث بن سعيد، وأهل خراسان على فتاوى عبدالله بن المبارك الزهري.

وكان فيهم أهل الفتاوى من غير هؤلاء، كسعيد بن المسيب وعكرمة وربيعة الرأي ومحمد بن شهاب الزهري.

إلى أن استقر رأيهم بحصر المذاهب في الاربعة سنة خمس وستين وثلاثمائة)، كما حكي(١).

وقد يستفاد ذلك من الامارات الخاصة، مثل قول الصادق، عليه السلام، حين حكي له فتوى إبن أبي ليلى في بعض مسائل الوصية: (أما قول إبن أبي ليلى فلا أستطيع رده)(٢).

وقد يستفاد من ملاحظة أخبارهم المروية في كتبهم.

ولذا أنيط الحكم في بعض الروايات بموافقة أخبارهم.

الخامس: قد عرفت أن الرجحان بحسب الدلالة لا يزاحمه الرجحان بحسب الصدور، وكذا لا يزاحمه هذا الرجحان، أي الرجحان من حيث جهة الصدور.

فإذا كان الخبر الاقوى دلالة موافقا للعامة قدم على الاضعف المخالف، لما عرفت من أن الترجيح بقوة الدلالكة من الجمع المقبول الذي هو مقدم على الطرح.

أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور بأن كان الارجح صدورا موافقا للعامة، فالظاهر تقديمه على غيره وإن كان مخالفا للعامة، بناء على تعليل الترجيح بمخالفة العامة بإحتمال التقية في الموافق، لان هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا، كما في المتواترين، أو تعبدا كما في الخبرين بعد عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما وترك التعبد بصدور الاخر.وفيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى أدلة الترجيح من حيث الصدور.

فإن قلت: إن الاصل في الخبرين الصدور، فإذا تعبدنا بصدورهما إقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقية، كما يقتضي ذلك الحكم بإرادة خلاف الظاهر في أضعفهما دلالة ن فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدما على الترجيح بحسب الصدور.

____________________

(١) الوحيد البهبهاني، الفوائد القديمة، ص ١٢١.

(٢) الكافي (الفروع)، ج ٧، ص ٦٢.


الصفحة ٨١٣

قلت: لا ممعنى للتعبد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية لانه إلقاء لاحدهما في الحقيقة.

ولذا لو تعين حمل خير غير معارض على التقية على تقدير الصدور لم يشمله أدلة التعبد بخبر العادل.

نعم لو علم بصدور خبرين لم يكن بد من حمل الموافق على التقية وإلغائه.

وأما إذا لم يعلم بصدورهما، كما في ما نحن فيه من المتعارضين، فيجب الرجوع إلى المرجحات الصدورية.

فإن أمكن ترجيح أحدهما وتعينه من حيث التعبد بالصدور دون الاخر تعين، وإن قصرت اليد عن هذا الترجيح كان عدم احتمال التقية في أحدهما مرجحا.

فمورد هذا المرجح تساوي الخبرين من حيث الصدور، إما علما كما في المتواترين، أو تعبدا كما في المتكافئين من الآحاد.

وأما ما وجب فيه التعبد بصدور أحدهما المعين دون الآخر، فلا وجه لاعمال هذا المرجح فيه، لان جهة الصدور متفرع على أصل الصدور.

والفرق بين هذا الترجيح في الدلالة المتقدم على الترجيح بالسند أن التعبد بصدور الخبرين على أن يعمل بظاهر أحدهما وبتأويل الآخر بقرينة ذلك الظاهر ممكن غير موجب لطرح دليل أو أصل، بخلاف التعبد بصدورهما.

ثم حمل أحدهما على التقية الذي هو في معنى الغايه وترك التعبد به.

هذا كله على تقدير توجيه الترجيح بالمخالفة بإحتمال التقية.

أما لو قلنا بأن الوجه في ذلك كون المخالف أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل، كما يدل عليه جملة من الاخبار، فهي من المرجحات المضمونية، وسيجئ حالها مع غيرها.


الصفحة ٨١٤

المرجحات الخارجية... القسم الاول: ما يكون غير معتبر في نفسه

فمن الاول شهرة أحد الخبرين، إما من حيث رواته، بأن إشتهر روايته بين الرواة، بناء على كشفها عن شهرة العمل أو إشتهار الفتوى به ولو مع العلم بعدم إستناد المفتين إليه.

ومنه كون الراوي له أفقه من رواي أخر في جميع الطبقات أو في بعضها، بناء على أن الظاهر عمل الافقه به.

ومنه مخالفة أحد الخبرين للعامة، بناء على ظاهر الاخبار المستفيضة الواردة في وجه الترجيح بها.

ومنه كل أمارة مستقلة غير معتبرة وافقت مضمون أحد الخبرين إذاكان عدم إعتبارها لعدم الدليل، لا لوجود الدليل على العدم، كالقياس.

ثم الدليل على الترجيح بهذا النحو من المرجح ما يستفاد من الاخبار من الترجيح بكل ما يوجب أقربية أحدهما إلى الواقع وإن كان خارجا عن الخبرين، بل يرجع هذا النوع إلى المرجح الدخلي، فإن أحد الخبرين إذا طابق أمارة ظنية فلازمه الظن بوجود خلل في الآخر إما من حيث الصدور أو من حيث جهة الصدور، فيدخل الراجح فيما لا ريب فيه والمرجوح فيما فيه الريب، وقد عرفت أن المزية الداخلية قد تكون موجبة لانتفاء إحتمال في ذيها موجود في الآخر، كقلة الوسائط ومخالفة العامة، بناء على الوجه السابق، وقد توجب بعد الاحتمال الموجود في ذيها بالنسبة إلى

____________________

(١) جاء في بعض النسخ: المقام الثالث في المرجحات الخارجية وقد أشرنا.


الصفحة ٨١٥

الاحتمال الموجود في الآخر، كالاعدلية والاوثقية.والمرجح الخارجي من هذا القبيل.

غاية الامر عدم العلم تفصيلا بالاحتمال القريب في أحدهما البعيد في الآخر، بل ذون المزية داخل في الاوثق المنصوص عليه في الاخبار.

ومن هنا يمكن أن يستدل على المطلب بالاجماع المدعى في كلام جماعة على وجوب العمل بأقوى الدليلين، بناء على عدم شمولها للمقام، من حيث أن الظاهر من أقواهما أقواهما في نفسه ومن حيث هو، لا مجرد كون مضمونه أقرب إلى الواقع لموافقة أمارة خارجية.

فيقال في تقريب الاستدلال: إن الامارة موجبة لظن خلل في المرجوح مفقود في الراجح، فيكون الراجح أقوى إجمالا من حيث نفسه.

فإن قلت: إن المتيقن من النص ومعاقد الاجماع إعتبار المزية الداخلية القائمة بنفس الدليل.

وأما الامارة الخارجية التي دل الدليل على عدم العبرة بها من حيث دخولها في ما لا يعلم، فلا إعتبار بكشفها عن الخلل في المرجوح.

ولا فرق بينه وبين القياس في عدم العبرة بها في مقام الترجيح كمقام الحجية، هذا.

مع أنه لا معنى لكشف الامارة عن خلل في المرجوح، لان الخلل في الدليل من حيث أنه دليل قصور في طريقيته والمفروض تساويهما في جميع ماله مدخل في الطيقية.

ومجرد الظن بمخالفة خبر للواقع لا يوجب خللا في ذلك، لان الطريقية ليست منوطة بمطابقة الواقع.

قلت: أما النص، فلا ريب في عموم التعليل في قوله عليه السلام: (لان المجمع عليه لا ريب فيه)، وقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، لما نحن فيه.

بل قوله: (فإن الرشد فيما خالفهم)، وكذا التعليل في رواية الارجاني: (لم أمرتم بالاخذ بخلاف ما عليه العامة)، وارد في المرجح الخارجي، لان مخالفه العامة نظير موافقة المشهور.

وأما معقد الاجماعات، فالظاهر أن المراد منه: الاقرب إلى الواقع والارجح مدلولا، ولو بقرينة ما يظهر من العلماء قديما وحديثا من إناطة الترجيح بمجرد الاقربية إلى الواقع.كإستدلالهم على الترجيحات بمجرد الاقربية إلى الواقع.

مثل ما سيجئ من كلماتهم في الترجيح بالقياس.

ومثل الاستدلال على الترجيح بموافقة الاصل بأن الظن في الخبر الموافق له أقوى، وعلى الترجيح بمخالفة الاصل بأن الغالب تعرض الشارع لبيان ما يحتاج إلى البيان.

وإستدلال المحقق على ترجيح أحد المتعارضين بعمل أكثر الطايفة بأن الكثرة أمارة الرجحان والعمل بالراجح واجب.

وغير ذلك مما يجده المتتبع في كلماتهم.

مع أنه يمكن دعوى حكم العقل بوجب العمل بالاقرب إلى الواقع في ما كان حجيتها من حيث الطريقية، فتأمل.


الصفحة ٨١٦

بقي في المقام أمران أحدهما: أن الامارة التي قام الدليل على المنع عنها بالخصوص، كالقياس، هل هي من المرجحات أم لا؟ ظاهر المعظم العدم، كما يظهر من طريقتهم في كتبهم الاستدلالية في الفقه.

وحكى المحقق في المعارج عن بعض القول بكون القياس مرجحا، قال: (وذهب ذاهب إلى أن الخبرين إذا تعارضا وكان القياس موافقا لما تضمنه أحدهما، كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر.

ويمكن أن يحتج لذلك بأن الحق في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما ولا طرحهما فتعين العمل.

وإذا كان التقدير تقدير التعارض، فلا بد في العمل بأحدهما من مرجح، والقياس يصلح أن يكون مرجحا لحصول الظن به، فتعين العمل بما طابقه.

لا يقال: أجمعنا على أن القياس مطروح في الشريعة.

لانا نقول: بمعنى أنه ليس بدليل، لا بمعنى أنه لا يكون مرجحا لاحد الخبرين.

وهذا، لان فائدة كونه مرجحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض، فيكون العمل به لا بذلك القياس.وفيه نظر)(١)، إنتهى.وما إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين.

والحق خلافه، لان رفع الخبر المرجوح بالقياس عمل به حقيقة، كرفع العمل بالخبر السليم عن المعارض والرجوع معه إلى الاوصول.

وأي فرق بين رفع القياس لوجوب العمل بالخبر السليم عن المعارض وجعله كالمعدوم حتى يرجع إلى الاصل وبين رفعه لجواز العمل بالخبر المكافئ لخبر آخر وجعله كالمعدوم حتى يتعين العمل بالخبر الاخر.

ثم إن الممنوع هو الاعتناء بالقياس مطلقا.

ولذا إستقرت طريقة اصحابنا على هجره في باب الترجيح، ولم نجد موضعا منهم يرجحونه به.

ولولا ذلك لوجب تدوين شروط القياس في الاوصول ليرجح به في الفروغ.

____________________

(١) معارج الاصول، ص ١٨٦.


الصفحة ٨١٧

الثاني: في مرتبة هذا المرجح بالنسبة إلى المرجحات السابقة.

فنقول: أما الرجحان من حيث الدلالة، فقد عرفت غير مرة تقدمه على جميع المرجحات.

نعم لو بلغ المرجح الخارجي إلى حيث يوهن الارجح دلالة فهو يسقطه عن الحجية ويخرج الفرص عن تعارض الدليلين.ومن هنا قد يقدم العام المشهور والمعتضد بالامور الخارجية على الخاص.

وأما الترجيح من حيث السند، فظاهر مقبولة إبن حنظلة تقديمه على المرجح الخارجي.

لكن الظاهر أن الامر بالعكس، لان رجحان السند إنما اعتبر لتحصيل الاقرب إلى الواقع، فإن الاعدل أقرب إلى الصدق من غيره، بمعنى أنه لو فرض العلم بكذب أحد الخبرين كان المظنون صدق الاعدل وكذب العادل.

فإذا فرض كون خبر العادل مظنون المطابقة للواقع وخبر الاعدل مظنون المخالفة، فلا وجه لترجيحه بالاعدلية.

وكذلك الكلام في الترجيح بمخالفة العامة بناء على أن الوجه فيه هو نفي إحتمال التقية.


الصفحة ٨١٨

القسم الثاني: ما يكون معتبرا في نفسه

وأما القسم الثاني، وهو ما كان مستقلا بإعتبار ولو خلي المورد عن الخبرين، فقد أشرنا إلى أنه على قسمين، الاول ما يكون معاضدا لمضمون أحد الخبرين، والثاني ما لا يكون كذلك.

فمن [ القسم ] الاول الكتاب والسنة، والترجيح بموافقتهما مما تواتر به الاخبار واستدل في المعارج على ذلك بوجهين: (أحدهما أن الكتاب دليل مستقل فيكون دليلا على صدق مضمون الخبر.

ثانيهما أن الخبر المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض فما ظنك به معه)(١)، إنتهى.

وغرضه الاستدلال على طرح الخبر المنافي، سواء قلنا بحجيته مع معارضته لظاهر الكتاب أم قلنا بعدم حجيته، فلا يتوهم التنافي بين دليليه.

ثم إن توضيح الامر في هذا المقام يحتاج إلى تفصيل اقسام ظاهر الكتاب أو السنة المطابق لاحد المتعارضين.

فنقول: إن ظاهر الكتاب إذا لوحظ مع الخبر المخالف فلا يخلو عن صور ثلاث: الاولى: أن يكون على وجه لو خلي الخبر المخالف له عن معارضة المطابق له كان مقدما عليه، لكونه نصا بالنسبة إليه، لكونه أخص منه أو غير ذلك، بناء على تخصيص الكتاب بخبر الواحد، فالمانع عن التخصيص حينئذ أخصل منه أو غير ذلك، بناء على تخصيص الكتاب بالخبر الواحد، فالمانع عن التخصيص حينئذ إبتلاء الخاص بمعارضة مثله.

كما إذا تعارض: أكررم زيدا العالم، ولا تكرم زيدا العالم.

وكان في الكتاب عموم يدل على وجوب إكرام العلماء.

ومقتضى القاعدة في هذا المقام أن يلاحظ أولا جميع ما يمكن أن يرجع به الخبر المخالف

____________________

(١) معارج الاصول ص ١٤٥.


الصفحة ٨١٩

للكتاب على المطابق له.

فإن وجد شئ منها رجح المخالف به وخصص به الكتاب، لان المفروض إنحصار المانع عن تخصيصه به في إبتلائه بمزاحمة الخبر المطابق للكتاب، لانه مع الكتاب من قبيل النص والظاهر، وقد عرفت أن العمل بالنص ليس من باب الترجيح، بل من باب العمل بالدليل والقرينة في مقابلة أصالة الحقيقة، حتى لو قلنا بكونها من باب الظهور النوعي.

فإذا عولجت المزاحمة بالترجيح صار المخالف كالسليم عن المعارض، فيصرف ظاهر الكتاب بقرينة الخبر السليم ولو لم يكن هناك مرجح.

فإن حكما في الخبرين المتكافئين بالتخيير، إما لانه الاصل في المتعارضين، وإما لورود الاخبار بالتخيير، كان اللازم التخيير، وأن له أن يأخذ أن يأخذ بالمطابق وأن يأخذ بالمخالف، فيخصص به عموم الكتاب، لما سيجئ من أن موافقة أحد الخبرين للاصل لا يوجب رفع التخيير، وإن قلنا بالتساقط او التوقف كان المرجح هو ظاهر الكتاب.

فتلخص أن الترجيح بظاهر الكتاب لا يتحقق [ بمقتضى القاعدة ] في شي ء من فروض هذه الصورة.

الثانية: أن يكون على وجه لو خلي الخبر المخالف له عن معارضه لكان مطروحا لمخالفة الكتاب.

كما إذا تباين مضمونهما كلية.

كما لو كان ظاهر الكتاب في المثال المتقدم وجوب إكرام زيد العالم.

واللازم في هذه الصورة خروج الخبر المخالف عن الحجية رأسا، لتواتر الاخبار ببطلان الخبر المخالف للكتاب والسنة والمتيقن من المخالفة هذا الفرد، فيخرج الفرض عن تعارض الخبرين، فلا مورد للترجيح في هذه الصورة أيضا، لان المراد به تقديم أحد الخبرين لمزية فيه، لا لما يسقط الاخر عن الحجية.

وهذه الصورة عديمة المورد فيما بأيدينا من الاخبار المتعارضة.

الثالثة: أن يكون على وجه لو خلي المخالف له عن المعاررض لخالف الكتاب، لكن لا عن وجه التباين الكلي، بل يمكن الجمع بينهما بصرف أحدهما عن ظاهره.

وحينئذ، فإن قلنا بسقوط الخبر المخالف بهذه المخالفة عن الحجية كان حكمها حكم الصورة الثانية، وإلا كان الكتاب مع الخبر المطابق بمنزلة دليل عارض الخبر المخالف، والترجيح حينئذ بالتعاضد وقطعية سند الكتاب.

فالترجيح بموافقة الكتاب منحصر في هذه الصورة الاخيرة.

لكن هذا الترجيح مقدم على الترجيح بالسند، لان أعدلية الراوي في الخبر المخالف لا تقاوم قطعية سند الكتاب الموافق للخبر الاخر، وعلى الترجيح بمخالفة العامة، لان التقية غير متصورة في الكتاب الموافق للخبر الموافق للعامة، وعلى المرجحات الخارجية، لان الامارة المستقلة المطابقة للخبر الغير المعتبرة لا تقاوم الكتاب المقطوع الاعتبار.

ولو فرضنا الامامرة المذكورة مسقطة لدلالة الخبر


الصفحة ٨٢٠

والكتاب المخالفين لها عن الحجية، لاجل القول بتقييد إعتبار الظواهر بصورة عدم قيام الظن الشخصي على خلافها خرج المورد عن فرض التعارض.

ولعل ما ذكرنا هو الداعي للشخ، قدس سره، في تقديم الترجيح بهذا المرجح على جميع ما سواه من المرجحات وذكر الترجيح بها بعد فقد هذا المرجح.

إذا عرفت ما ذكرنا علمت توجه الاشكال فيما دل من الاخبار العلاجية على تقديم بعض المرجحات على موافقة الكتاب، كمقبولة إبن حنظلة.

بل وفي غيرها مما اطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب والسنة، من حيث أن الصورة الثالثة قليلة الوجود في الاخبار المتعارضة.

والصورة الثانية أقل وجودا بل معدومة، فلا يتوهم حمل تلك الاخبار عليها وإن لم تكن من باب ترجيح أحد المتعارضين بسقوط المخالف عن الحجية مع قطع النظر عن التعارض.

ويمكن إلتزام دخول الصورة الاولى في الاخبار التي اطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب، فلا يقل موردها.

وما ذكر من ملاحظة الترجيح بين الخبرين المخصص أحدهما لظاهر الكتاب ممنوع.

بل نقول: إن ظاهر تلك الاخبار ولو بقرينة لزوم قلة المورد بل عدمه، وبقرينة بعض الروايات الدالة على رد بعض ما ورد في الجبر والتفويض بمخالفة الكتاب مع كونه ظاهرا في نفيهما أن الخبر المعتضد بظاهر الكتاب لا يعارضه الخبر الاخر وإن كان لو إنفرد رفع اليد به عن ظاهر الكتاب.وأما الاشكال المختص بالمقبولة من حيث تقديم بعض المرجحات على موافقة الكتاب.فيندفع بما أشرنا إلى سابقا من أن الترجيح بصفات الراوي منها من حيث كونه حاكما.

وأول المرجحات الخبرية فيه هي شهرة إحدى الروايتين وشذوذ الاخرى.

ولا بعد في تقديمه على موافقة الكتاب ثم إن الدليل المستقل المعاضد لاحد الخبرين حكمه حكم الكتاب والسنة في الصورة الاولى.

وأما في الصورتين الاخيرتين فالخبر المخالف له يعارض مجموع الخبر الاخر والدليل المطابق له، والترجيح هنا بالتعاضد لا غير.

وأما القسم الثاني، وهو ما لا يكون معاضدا لاحد الخبرين، فهي عدة أمور: منها: الاصل، بناء على كون مضمونه حكم الله الظاهري، إذ لو بني على إفادة الظن بحكم الله الواقعي كان من القسم الاول.

ولا فرق في ذلك بين الاصول الثلاثة، أعني أصالة البراء‌ة


الصفحة ٨٢١

والاحتياط والاستصحاب.

لكن يشكل الترجيح بها، من حيث أن مورد الاصول ما إذا فقد الدليل الاجتهادي المطابق أو المخالف.

فلا مورد لها إلا بعد فرض تساقط المتعارضين لاجل التكافؤ، والمفروض أن الاخبار الستفيضة دلت على التخيير مع فقد المرجح.فلا مورد للاصل في تعارض الخبرين رأسا، فلا بد من التزام عدم الترجيح بها.

وإن الفقهاء إنما رجحوا بأصالة والاستصحاب في الكتب الاستدلالية من حيث بنائهم على حصول الظن النوعي بمطابقة الاصل.

وأما الاحتياط، فلم يعلم منهمم الاعتماد عليه، لا في المقام الاسناد ولا في مقام الترجيح.

وقد يتوهم أن ما دل على ترجيح التخيير مع تكافؤ الخبرين معارض بما دل على الاصول الثلاثة، فإن مورد الاستصحاب عدم اليقين، بخلاف الحالة السابقة، وهو حاصل مع تكافؤ الخبرين.

ويندفع:: بان ما دلك على الاصل، فإن مؤداه جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة والالتزام بإرتفاعها.

فكما أن ما دل على تعيين العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة مع سلامته عن المعارض حاكم على دليل الاستصحاب، كذلك يكون الدليل الدال على جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة المكافئ لمعارضه حاكما عليه من غير فرق أصلاة، مع أنه لو فرض التعارض المتوهمم كان اخبار التخيير أولى بالترجيح وإن كانت النسبة عموما من وجه، لانها أقل موردا، فيتعين تخصيص أدلة الاصول، مع أن التخصيص في أخبار التخيير يوجب إخراج كثير مواردها بل أكثرها، بخلاف تخصيص أدلة الاصول.

مع أن بعض اخبار التخيير ورد في مورد جريان الاصول، مثل مكاتبة عبدالله بن محمد الواردة في فعل ركعتي الفجر في المحمل، ومكاتبة الحميري المروية في الاحجاج الواردة في التكبير في كل إنتقال من حال إلى حال من أحوال الصلاة.

ومما ذكرنا ظهر فساد ما ذكره بعض من عاصرناه في تقديم الموافق للاصل على المخالف، من أن العمل بالموافق موجب للتخصيص فيما دل على حجية المخالف، والعمل بالمخالف مستلزم للتخصيص فيما دل على حجية الموافق وتخصيص الاخر فيما دل على حجية الاصول، وأن الخبر الموافق يفيد ظنا بالحكم الواقعي، والعمل بالاصل يفيد الظن بالحكم الظاهري فيتقوى به الخبر الموافق، وأن الخبرين يتعارضان ويتساقطان، فيبقى الاصل سليما عن المعارض.


الصفحة ٨٢٢

بفي هنا شئ وهو أنهم إختلفوا في تقديم المقرر وهو الموافق للاصل على الناقل وهو الخبر المخالف له.

والاكثر من الاصوليين، منهم العلامة، قدس سره، وغيره، على تقديم الناقل.

بل حكي هذا القول عن جمهور الاصوليين، معللين ذلك بأن الغالب فيما يصدر من الشارع الحكم بما يحتاج إلى البيان ولا يستغنى عنه بحكم العقل.

مع أن الذي عثرنا عليه في الكتب الاستدلالية الفرعية الترجيح بالاعتضاد بالاصل، لكن لا يحضرني الان مورد لما نحن فيه، أعني المتعارضرين الموافق أحدهما للاصل.فلا بد من التتبع.

ومن ذلك كون أحد الخبرين متضمنا للاباحة والاخر مفيدا للحظر، فإن المشهور تقديم الحاظر على المبيح.

بل يظهر من محكي عن بعضهم عدم الخلاف فيه، وذكروا في وجهه ما لا يبلغ حد الوجوب، ككونه متيقنا في العمل، إستنادا إلى قوله صلى الله عليه وآله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(١)، وقوله: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال)(٢).

وفيه: أنه لو تم هذا الترجيح لزم الحكم بأصالة الحرمة عند دوران الامر بينها وبين الاباحة، لان وجود الخبرين لا مدخل له في هذا الترجيح، فإنه من مرجحات أحد الاحتمالين، مع أن المشهور تقدم الاباحة على الحظر.

فالمتجه ما ذكره الشيخ، قدس سره، في العدة من إبتناء المسألة على أن الاصل في الاشياء الاباحة أو الحظر أو التوقف.

حيث قال: (وأما ترجيح أحد الخبرين على الاخر من حيث أن أحدهما يتضمن الحظر والاخر الاباحة والاخذ بما يقتضي الحظر أو الاباحة.

فلا يمكن الاعتماد عليه على ما نذهب إليه من الوقف، لان الحظر والاباحة جميعا عندنا مستفادان من الشرع، ولا ترجيح بذلك، وينبغي لنا الوقف بينهما جميعا أو يكون الانسان مخيرا في العمل بأيهما شاء)(٣)، إنتهى.

ويمكن الاستدلال لترجيح الحظر بما دل على وجوب الاخذ بما فيه الاحتياط من الخبرين وإرجاع ما ذكروه من الدليل في ذلك.

فالاحتياط وإن لم يجب الاخذ به في الاحتمالين المجردين عن الخبر إلا أنه يجب الترجيح به عند تعارض الخبرين.

____________________

(١) عوالي اللئالي، ج ٣، ص ٣٣٠.

(٢) عوالي اللئالي، ج ٢، ص ١٣١.

(٣) عدة الاصول، ص ٦٢


الصفحة ٨٢٣

وما ذكره الشيخ، قدس سره، إنما يتم لو أراد الترجيح بما يقتضيه الاصل، لا بما ورد التعبد به من الاخذ بأحوط الخبرين.

مع أن ما ذكره من إستفادة الحظر أو الاباحة من الشرع لا ينافي ترجيح أحد الخبرين بما دل من الشرع على أصالة الاباحة، مثل قوله، عليه السلام: (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي)(١).

أو على أصالة الحظر، مثل قوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

مع أن مقتضى التوقف على ما اختاره لما كان وجوب الكف عن الفعل، على ما صرح به هو ووغيره كان اللازم بناء على التوقف العمل بما يقيتضيه الحظر.ولو أدعي ورود أخبار التخيير على ما يقتضيه التوقف جرى مثله على القول بأصالة الحظر.

ثم إنه يشكل الفرق بين ما ذكروه من الخلاف في تقدم المقرر على الناقل وإن حكي عن الاكثر تقدم الناقل وعدم ظهور الخلاف في تقدم الحاظر على المبيع.ويمكن الفرق بتخصيص المسألة الاولى بدوران الامر بين الوجوب وعدمه.ولذا رجح بعضهم الوجوب على الاباحة والندب لاجل الاحتياط.

لكن فيه مع جريان بعض أدلة تقديم الحظر فيها إطلاق كلامهم فيها وعدم ظهور التخصيص في كلماتهم.

ولذا اختار بعض سادة مشايخنا المعاصرين تقديم الاباحة على الحظر، لرجوعه إلى تقديم المقرر على الناقل الذي اختاره في تلك المسألة، هذا.مع أن الاتفاق على تقديم الحظر غير ثابت وإن ادعاه بعضهم.

والتحقيق هو ذهاب الاكثر، وقد ذهبوا إلى تقديم الناقل أيضا في المسألة الاولى، بل حكي عن بعضهم تفريغ تقديم الحاظر على تقديم الناقل.ومن جملة هذه المرجحات تقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب عند تعارضهما.

واستدلوا عليه بما ذكرناه مفصلا في مسائل أصالة البراء‌ة عند تعارض إحتمالي الوجوب والتحريم.

والحق هنا التخيير، وإن لم نقل به في الاحتمالين، لان المستفاد من الروايات الواردة في تعارض الاخبار على وجه لا يرتاب فيه هو لزوم التخيير مع تكافؤ الخبرين وتساويهما من جميع الوجوه التي لها مدخل في رجحان أحد الخبرين، خصوصا مع عدم التمكن من الرجوع إلى الامام، عليه السلام، الذي يحمل عليه أخبار التوقف والارجاء.

بل لو بنينا على طرح أخبار التخيير في هذا المقام أيضا بعد الترجيح بموافقة الاصل لم يبق لها مورد يصلح لحمل الاخبار الكثيرة الدالة على التخيير عليه، كما لا يخفى على المتأمل الدقيق.

فالمعتمد وجوب الحكم بالتخيير إذا تساوى الخبران من حيث القوة ولم يرجح أحدهما بما يوجب أقربيته إلى الواقع.

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٣١٧ عوالي اللئالي، ج ٣، ص ١٦٦


الصفحة ٨٢٤

ولا يلتفت إلى المرجحات الثلاث الاخيرة الراجعة إلى ترجيح مضمون أحد الخبرين، مع قطع النظر عن كونه مدلولا له، لحكومة أخبار التخيير على جميعها، وإن قلنا بها في تكافؤ الاحتمالين.

نعم يجب الرجوع إليها في تعارض غير الخبرين من الادلة الظنية إذا قلنا بحجيتها من حيث الطريقية المستلزمة للتوقف عند التعارض.لكن ليس هذا من الترجيح في شئ.نعم لو قيل بالتخيير في تعارضها من باب تنقيح المناط كان حكمها حكم الخبرين.

كما في إجراء التراجيح المتقدمة في تعارض الاخبار وإن كان الظاهر من بعضهم عدم التأمل في جريان جميع أحكام الخبرين من الترجيح فيها بأقسام المرجحات مستظهرا عدم الخلاف في ذلك.

فإن ثبت الاجماع على ذلك أو أجرينا ذلك في الاجماع المنقول من حيث أنه خبر فيشمله حكمه فهو، وإلا ففيه تأمل.

لكن التكلم في ذلك قليل الفائدة، لان الطرق الظنية غير الخبر ليس فيها ما يصح للفقيه دعوى حجيته، من حيث أنه ظن مخصوص، سوى الاجماع المنقول بخبر الواحد.فإن قيل بحجيتها، فإنما هي من باب مطلق الظن.

ولا ريب أن المرجع في تعارض الامارات المعتبرة على هذا الوجه إلى تساقط المتعارضين إن إرتفع الظن من كليهما أو سقوط أحدهما عن الحجية وبقاء الاخر بلا معارض إن إرتفع الظن عنه.

وأما الاجماع المنقول، فالترجيح بحسب الدلالة من حيث الظهور والنصوصية جار فيه لا محالة.

وأما الترجيح من حيث الصدور أو جهة الصدور فالظاهر أنه كذلك، وإن قلنا بخروجه عن الخبر عرفا، فلا يشمله أخبار علاج تعارض الاخبار وإن شمله لفظ النبأ من آية النبأ، لعموم التعليل المستفاد من قوله: (فإن المجمع عليه لا ريب فيه)، وقوله: (لان الرشد في خلافهمم)، فإن خصوص المورد لا يخصصه.

ومن هنا يصح إجراء جميع التراجيح المقررة في الخبرين في الاجماعين المنقولين، بل غيرهما من الامارات التي يفرض حجيتها من باب الظن الخاص.

ومما ذكرنا يظهر حال الخبر مع الاجماع المنقول أو غيره من الظنون الخاصة لو وجد.

والحمد لله على ما تيسر من تحرير ما إستفدناه بالفهم القاصر من الاخبار وكلمات علمائنا الابرار في باب التراجيح.

رجح الله ما نرجوا لتوفيق له من الحسنات على ما مضى من السيئات، بجاه محمد وآله السادة السادات، عليهم أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وعلى أعدائهم أشد اللعنات وأسوء العقوبات، آمين آمين آمين.

إلى هنا كتبه سلمه الله عن الآفات والعاهات بحق محمد وآله أشرف السادات، قد فرغت من تحريرها يوم الثلثاء الثامن من شهر الرجب سنة ألف ومائتين وسبعين وأربعة من الهجرة ١٢٧٤


الصفحة ٨٢٥

- * (لاحظ التصدير في مجلد الاول من الكتاب) *

- ج - بسم الله الرحمن الرحيم تصدير

١ - تطور علم أصول الفقه أصول الفقه هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية التي هي الكتاب العزيز والسنة الشريفة وإجماع أهل الحل والعقد ودليل العقل، وله أدوار ومراحل.

١ عصر النبوة والائمة، قد وجدت في الاحاديث النبوية وفي أخبار أئمة أهل البيت كثير من القواعد العامة الاصولية وكتب بعض أصحاب الائمة تأليفات في بعض الابحاث الاصولية.

٢ وبعد ذلك كتب العلماء والفقهاء في أصول الفقه، كإبن عقيل وإبن جنيد والشيخ المفيد والشريف المرتضى، وبقي من المفيد مختصر في أصول الفقه ذكره تلميده الكراچكي في كنز الفوائد ومن المرتضى الذريعة إلى أصول الشريعة ورسائل عديدة في مسائل أصولية.

٣ والعصر الذي إختمرت فيه تلك البذور وأثمرت وتحددت معالم الفكر الاصولي وانعكست على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع هز عصر شيخ الطائفة الامامية الطوسي ومن بعده الرجالات الكبار، كإبن إدريس الحلي، وسديد الدين محمود الحمصي صاحب المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد والمصادر في أصول الفقه، وأبوالقاسم المحقق الحلي، والعلامة الحلي، والشهيد الاول والشهيد الثاني والشيخ حسين العاملي صاحب العقد الطهماسبي وإبنه الشيخ بهاء‌الدين العاملي صاحب زبدة الاصول والحسن بن زين الدين صاحب معالم الدين والآقا حسين الخوانساري وجمال الدين الخوانساري والملا صالح المازندراني والملا ميرزا الشيرواني وسلطان العلماء والفاضل التوني صاحب الوافية وصدر الدين الرضوي شارح الوافية وغيرهم من أعلام الاصوليين.

٤ عصر الكمال العلمي، ظهرت فيه مدرسة جديدة على يد الاستاد الاكبر الوحيد البهبهاني وبدأت تبني للعمل عصر الكمال بما قدمته من جهود متضافرة في الميدانين الاصولي والفقهي وقد تمثلت في أفكار وبحوث رائد المدرسة الاستاد الوحيد وأقطاب مدرسته حوالي قرن حتى إستكمل هذا العصرخصائصه العامة ووصل إلى القمة، وفي هذه المدة تعاقبت أجيال ثلاثة من رجال هذه المدرسة: الجيل الاول، السيد بحر العلوم الطباطبائي، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والميرزا أبوالقاسم القمي، والسيد علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل، والشيخ أسد الله التستري صاحب مقابس الانوار


الصفحة ٨٢٦

د - وكشف القناع عن حجية الاجماع.

الجيل الثاني، الذين تخرجوا على الاساتذة المذكورين، كالشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب هداية المسترشدين، والشيخ موسى والشيخ علي أبناء كاشف الغطاء، والسيد محمد المجاهد الطباطبائي صاحب مفاتيح الاصول، وشريف العلماء الماندراني، والسيد محسن الاعرجي الكاظمي والشيخ محمد حسين صاحب الفصول الغروية، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر النجفي، والملا أحمد النراقي الكاشاني.

الجيل الثالث، فعلى رأسه آل كاشف الغطاء والمجاهد والنراقي وشريف العلماء أعني شيخ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الانصاري وقدر له أن يرتفع بالعلم إلى الذروة التي كانت المدرسة الجديدة في طريقها إليها.

ولا يزال علم الاصول والفكر العلمي السائد في الحوزات العلمية الامامية يعيش في العصر الذي إفتتحه مدرسة الوحيد البهبهاني وعلى هذا الاساس يعتبر الانصاري رائدا لارقى مرحلة يتمثل فيها الفكر الاسلامي منذ أكثر من مئة سنة حتى اليوم.

٢ الشيخ مرتضى الانصاري ولد الشيخ مرتضى الانصاري في سنة ١٢١٤ في دزفول وأخذ الدروس الاولية ثم في الفقه والاصول عن عمه الشيخ حسين حتى نال مرتبة سامية.

وسافر مع والده إلى كربلاء وحضر عند السيد المجاهد وشريف العلماء أربعة أعوام، ثم رجع إلى بلده وبقي هناك سنتين وعاد إلى كربلاء واستفاد من الشريف، وعزم على درس الشيخ موسى كاشف الغطاء في النجف ثم إلى وطنه وجال في البلدان بروجرد واصفهان وتعلم في كاشان عند النراقي سنوات وأجازه، ثم زار مشهد الرضا عليه السلام وعاد إلى مسقط راسه واجتمع عنده أهل الفضل واستفادوا من علمه وبعد مدة غادر وطنه لمجاورة مرقد الامام أمير المؤمنين واستفاض من مجلس بحث الشيخ علي كاشف الغطاء وحضر درس صاحب الجواهر تبركا وإحتراما، ثم استقل بالتدريس، وبعد وفاة صاحب الجواهر صارالزعيم الديني للطائفة والمدرس الاوحد في الحوزة العلمية وتخرج عليه من العلماء والطلاب من يبلغ عددهم المآت، منهم الميرزا محمد حسن الشيرازي والميرزا محمد حسن الآشتياني وأبوالقاسم كلانتر وحسن النجم آبادي والميرزا حبيب الله الرشتي والآخوند الملا حسنقلي الهمداني والشيخ عبدالحسين التستري والميرزا محمد حسين النوري والشيخ محمد حسن المامقاني والفاضل الشربياني والآخونذ الملا كاظم الخراساني قدس الله تعالى أسرارهم.

٣ جمل الثناء على الانصاري أثنى على الشيخ الانصاري وأطراه الكثير من معاصريه والذين جاؤوا بعده، وهاك نماذج مما قالوا فيه:


الصفحة ٨٢٧

ه‍ - قال الملا أحمد النراقي رضوان الله عليه: " ومن كان ممن جد في الطلب وبذل الجهد في هذا المطلب وفاز بالحظ الاوفر الاسنى وحظي بالنصيب المتكاثر الاهنى مع ذهن ثاقب وفهم صائب وتدقيق ودرك غائر رشيق والورع التقوى والتمسك بتلك العروة الوثقى، العالم النبيل، الفاضل الكامل، والعالم العامل، حاوي المكارم والمناقب، والفائز بأسنى المواهب، الالمعي المؤيد، والسالك من طرق الكمال للاسد، ذو الفضل والنهى، والعلم والحجى، الشيخ مرتضى إبن الشيخ محمد أمين الانصاري التستري - أيده الله بتأييده وجعله من كمل عبيده وزاد في علمه وتقاه وحباه بما يرضيه ويرضاه ".

وقال السيد حسن الصدر قدس سره: " حتى إجتمع [ الميرزا محمد حسن الشيرازي ] مع الشيخ الانصاري، فرآه من أهل الانظار العالية والتحقيقات الجيدة، فعزم على المقام في النجف لاجله وعدل عن الرجوع إلى إصفهان، وأخذ بالخوض في مطالب الشيخ بغاية جهده وكده، والغوص فيها بقاطع ضرسه.

حتى إغتنم كنوزها وحقق حقائقها وزاد عليها بكامل نفسه فانكب عليه الفضلاء في درسه، وصار آية في التحقيق والتدقيق لنفسه، وتقدم في الفضل على كل أبناء جنسه.

حدثني السيد الوالد قدس الله روحه قال: كان الميرزا قليل التكلم في بحث الشيخ، لا يتكلم إلا نادرا، وإذا تكلم لا يجهر بصوته، فينحني الشيخ لسماع كلامه ويشير إلى أهل الدرس الدرس بالسكوت ويقول لهم: إن جناب الميرزا يتكلم، فإذا فرغ من كلامه رفع الشيخ رأسه وتوجه إلى أهل البحث وقرر لهم كلام الميرزا، وهذا من الشيخ تعظيم عظيم لمن عرف وضع الشيخ.

ورأيت عنده كراريس أخرجها إلي قدس سره فيها مسائل تكلم فيها هو، تتعلق ببعض تحقيقات الشيخ وتحتها خط الشيخ جواب وتحقيق وتحته بخطه قدس سره جواب عن تحقيق الشيخ كل الكراريس بخطهما على هذا النحو.

وحدثني في هذا المجلس الذي أراني فيه الكراريس: أن الشيخ في آخر أمره إلتمس أن أجدد النظر في الرسائل الاربع وأن أنقحها وأهذبها، وكرر ذلك علي مرارا، فلم أفعل إحتراما للشيخ.

وكان قدس سره في غاية التعظيم للشيخ إذا جاء ذكره في مجلسه ".

وقال الميرزا محمد حسن النوري: إذا عرفت ذلك فاعلم أن لنا طرقا متعددة إلى أصحابنا الاخيار، نروي بها ما ألفوا في الاحاديث والفقه والتفسير وسائر العلوم الدينية


الصفحة ٨٢٨

و - فمنها ما أخبرني به، إجازة خاتم الفقهاء والمجتهدين وأكمل الربانيين من العلماء الراسخين التجلي من أنوار درر أفكاره مدلهمات غياهب الظلم من ليالي الجهالة والمستضئ من ضياء شموس أنظاره خفايا زوايا طرق الرشد والدلالة، المنتهي إليه رياسة الامامية في العلم والورع والتقى، الشيخ المرتضى بن المرحوم السعيد محمد أمين الانصاري، لانتهاء نسبه الشريف إلى جابر بن عبدالله بن حزام الانصاري من خواص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر صلوات الله عليهم.

ومن آثار إخلاص إيمانه وعلائم صدق ولائه أن تفضل الله تعالى عليه وأخرج من صلبه من نصر الملة والدين بالعلم والتحقيق والدقة والزهد والورع والعبادة والكياسة بما لم يبلغه من تقدم عليه ولا يحوم حوله من تأخر عنه.

وقد عكف على كتبه ومؤلفاته وتحقيقاته كل من نشأ بعده من العلماء الاعلام والفقهاء الكرام وصرفوا هممهم وبذلوا مجهودهم وحبسوا أفكارهم وأنظارهم فيها وعليها وهم بعد ذلك معترفون بالعجز عن بلوغ مرامه فضلا عن الوصول إلى مقامه، جزاه الله تعالى عن الاسلام والمسلمين خير جزاء المحسنين.

تولد رحمه الله تعالى في سنة أربعة عشر بعد المأتين والالف، وتوفي في ليلة السبت الثامنة عشر من شهر جمادي الثانية من سنة إحدى وثمانين بعد المأتين في النجف الاشرف، ودفن في حجرة الصحن الشريف في جوار عديله في الصلاح والزهد والعبادة الشيخ حسين نجف طاب ثراه.

وقال السيد محمد باقر الموسوي الخوانساري: ومن جملة أعاظم تلاميذه الذي إنتهت إليه رياسة الامامية في زمانه وصار مسلما للكل في كمال فضله وجلالة شأنه رشاقة جميع ما كتبه في الفقه والاصول وخصوصا ما يتعلق من أصوله بأدلة العقول هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين التستري الدسفولي المتوطن حيا وميتا في النجف الغري السري على مشرفها السلام العبقري والمتوفي بها أيضا في أواخر جمادى الآخرة من شهور السنة الحادية والثمانين بعد الالف والمأتين عن سن سبع وستين حشره الله تعالى مع الائمة المعصومين، وله الرواية أيضا عنه، عن أبيه المولى مهدي، عن الشيخ يوسف البحراني، عن المولى محمد رفيع الجيلاني المتوطن بالمشهد المقدس الرضوي، عن العلامة المجلسي صاحب بحارالانوار، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.

وكذلك كلي المرتضى العالم من غير سلسلة السادات الاكارم منحصر في فرد شيخنا المعاصر وعمادنا الفقيه الماهر المائر، قدوة المحققين والمتعرفين، وأسوة المدققين والمتطرفين، الشيخ مرتضى بن محمد أمين الدسفولي ثم النجفي حيا وميتا، المشتهر بالانصاري، صاحب كتاب الفرائد في المسائل الاربع الاصولية والمقاصد العمد من الادلة العقلية، وكتاب المتاجر المبسوط الذي لم يؤلف مثله في جميع كتبنا الاستدلالية، وغير ذلك من الرسائل الفاخرة الفائقة والتعليقات الرفيعة الرائقة.وقد مرت الاشارة إلى نبذة


الصفحة ٨٢٩

ز - من سماته وصفاته والانباء على خصوص طبقته وتأريخ وفاته، في ذيل ترجمة أستاده المحقق النراقي، رفع الله منهما المراتب والمراقي وجعل ما أسبغناه لك من الصالح الباقي إلى موعد يوم التلاقي ".

وقال الميرزا حبيب الله الرشتي: " كأنه من جودة النظر يأتي بما يقرب من شق القمر..فضلا عمن هو تالي العصمة علما وعملا ".

وقال الميرزا محمد حسن الآشتياني: " فإن ما ذكرنا من التحقيق رشحة من رشحات تحقيقاته وذرة من ذرات قيوضاته، أدام الله إفضاله واظلاله.

فلا تحسبنه غير خبير بهذه المطالب الواضحة، كيف وهو مبتكر في الفن بما لم يسبقه فيه سابق ".

" وهذا لا يظن صدوره عن جاهل فضلا عن مثله، قدس سره، الذي صرف عمره في علم الشريعة، مع ما هو عليه من التفرد في دقة النظر وإستقامة الرأي والاطلاع على فتاوى الفقهاء، رضوان الله عليهم، في عصره.

فجزاه الله عن الاسلام خيرا وحشره في حظيرة قدسه مع نبيه وآله الطيبين الطاهرين، سلام الله عليهم أجمعين ".

وقال السيد محسن أمين المعاملي: الشيخ مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الانصاري النجفي: ينتهي نسبه إلى جابر بن عبدالله الانصاري.

ولد في دزفول سنة ١٢١٤، وتوفي في جمادي الآخرة سنة ١٢٨١، ودفن في المشهد الغروي على يمين الخارج من الباب.

الاستاذ الامام المؤسس، شيخ مشايخ الامامية، قرأ أوائل أمره على عمه الشيخ حسين من وجوه علماء تلك البلدة، ثم خرج مع والده إلى مشاهد العراق وهو في العشرين من عمره، فورد كربلاء، وكانت الاستاذية والرياسة العلمية فيها لكل من السيد محمد المجاهد وشريف العلماء، فرغب الاول إلى والده أن يتركه في كربلاء للتحصيل على أثر مذاكرته وظهور قابليته، فبقي آخذا عن الاستاذين المشار إليهما أربع سنوات، إلى أن حوصرت كربلا بجنود داود باشا، فتركها العلماء والطلاب وبعض المجاورين وهو في الجملة إلى مشهد الكاظمين عليهما السلام، وعاد منها إلى وطنه حيث أمضى زهاء سنتين لا يكاد يقر له قرار، حرصا على نيل حاجته وإرواء غليله من العلم، فإنه كان عازما على الطواف في البلاد للقاء العلماء والائمة، لعل أحدهم يحقق قصده، إذ قلما أعجبه من اختاره أو ملا عينيه أحد.

فعاد وأقام فيها سنة يختلف إلى شريف العلماء، ثم خرج إلى النجف.

فأخذ عن الشيخ موسى الجعفري سنتين، إلى أن خرج عنه عازما على زيادة مشهد خراسان، مارا في طريقه على كاشان حيث فاز بلقاء أستاذه النراقي صاحب المناهج مما دعاه إلى الاقامة فيها نحو ثلاث سنين مظطلعا بالدرس والتأليف حتى كان النراقي لا يمل من


الصفحة ٨٣٠

ح - مذاكرته ومباحثته.

وحكي عنه أنه قال: لقيت خمسين مجتهدا لم يكن أحدهم مثل الشيخ مرتضى.

ثم خرج إلى خراسان حيث أقام عدة شهور ثم عاد إلى بلاده مارا باصفهان أيام رياسة صاحبي المطالع والاشارات وأصر الاول عليه بالاقامة فامتنع وخرج إلى وطنه دزفول فوردها سنة ١٢٤٤، فأقام خمس سنوات، ثم خرج إلى العراق وورد النجف سنة ١٢٤٩ أيام رياسة الشيخ علي بن إبن الشيخ جعفر وصاحب الجواهر، والاول أوجههما فاختلف إلى مدرسته عدة أشهر ثم إنفرد واستقل بالتدريس والتأليف، واختلف إليه الطلاب ووضع أساس علم الاصول الحديث عند الشيعة وطريقته الشهيرة المعروفة، إلى أن انتهت إليه رياسة الامامية العامة في شرق الارض وغربها بعد وفاة الشيخين السابقين، وصار على كتبه ودراستها معول أهل العلم لم يبق أحد لم يستفد منها، وإليها يعود الفضل في تكوين النهضة العلمية الاخيرة في النجف الاشرف.

وكان يملي دروسه في الفقه والاصول صباح كل يوم وأصيله في الجامع الهندي حيث يغص فضاؤه بما ينيف على الاربعمائة من العلماء والطلاب، وقد تخرج به أكثر الفحول مع بعده مثل الميرزا الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي والسيد حسين الترك والشربياني والمامقاني والميرزا أبوالقاسم الكلانتري صاحب الهداية وانتشرت تلاميذه وذاعت آثاره في الآفاق. وكان من الحفاظ، جمع بين قوة الذاكرة وقوة الفكر والذهن وجودة الرأي، حاضر الجواب، ولا يعييه حل مشكلة ولا جواب مسألة.

وعاش مع ذلك عيشة الفقراء المعدمين، متهالكا في إنفاق كل ما يجلب إليه على المحاويج من الامامية في السر خصوصا، غير مريد للظهور والمباهاة بجميع ذلك، حتى لم يبق لوارثه ما له ذكر قط.

وكان طويلا صبيح الوجه على ما فيه من أثر الجدري، يخضب بالحناء، ضعيف البصر، لم يعقب إلا بنتين توفيتا بعده بيسير، وأقيمت له المآتم في ديار الامامية كلها، ورثي بالعربية والفارسية.

وفي نظم اللال: انتهت إليه رئاسة الامامية بعد مشائخنا الماضين، وهو بها حقيق، إذ لا يباريه أحد في التقى وكثرة الصلاة والصلات والعلم أصولا وفروعا والعمل وحسن الاخلاق.

له كتب في الاصول والفقه، لا يسع الواقف عليها وعلى ما فيها من الدقائق العجيبة والتحقيقات الغريبة مع لزوم الجادة المستقيمة والسليقة المعتدلة إلا الالتزام لما يرى بالموافقة والتسليم حتى يرى المجتهد الناظر في ذلك نفسه كالمقلد.

وذلك أقل شئ يقال في حقه، فقد إشتهر أمره في الآفاق وذكره على المنابر عن وضع لم يتفق قبله لغيره، وكان مرجعا للشيعة قاطبة في دينهم وديناهم، جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء وأدام ظله عليهم، أه‍.

كان إذا سافر للزيارة يعادله في المحمل خادمه الشيخ رحمة الله وتحت كل منهما لحاف بطانية من الكرباس الاخضر بلا ظهارة، ومعهما قدر صغير موضوع في وسط المحمل لطبخ غذائهما.

وعرضت على فلوس الهند المعروفة فأبى أن يقبلها.

وهي أموال عظيمة موضوعة في بنك الانكليز أصلها من مال إمرأة هندية يصرف ريعها في كربلاء والنجف برأي المجتهدين، ويقال إن قنصل الانكليز طلب منه أن يقتطع من ريعها شيئا ويعطيه وصولا بالتمام، فأبى، فسلمت لغيره ممن قبل بذلك.


الصفحة ٨٣١

ط - أما مؤلفاته، فمحتاجه إلى التهذيب والتنقيح كثيرا، خصوصا رسائله التي عليها مدار تدريس الاصول، ففيها من الايجاز في مكان لزوم التطويل، ومن التطويل في آخر كمثل دليل الانسداد مع لزوم الايجاز.

وما قيل إنه كان لا يحب إخراج شئ إلا بعد إعادة النظر والتنقيح فهو كذلك، ولكن متى يتسع المتأخر لهذا المحبوب، مع أن مطالبه أكثرها بمتكرات، وهذا أمر لا يستغني فيه عن المساعدة أو تهذيب المتأخر لما صنفه المتقدم.

والمساعدة يتعود علماء الامامية عليها، فمن فيه القابلية لا يشتغل بمساعدة غيره بل يريد أن يعمل لنفسه، وغير القابل لا يمكنه المساعدة، والفرد يقصر عمره عن الابتكار والتهذيب.

وكذلك تهذيب المتأخر عمل المتقدم ليس مألوفا في علمائنا، للعلة السابقة ولان الكتاب يأخذ حظا من شهرة مؤلفه ورجوع الناس عنه إلى تهذيبه أمر صعب.

ولقد اكتسبت مصنفاته حظا عظيما، فرسائله ومكاسبه، مضافا إلى أن عليها مدار التدريس، شذ من لم يعلق عليها من مشاهير العلماء بعده.

فممن علق على الرسائل الميرزا موسى التبريزي والميرزا حسن الآشتياني والشيخ حسن المامقاني والشيخ ملا كاظم الخراساني والشخ آغا رضا الهمداني، وكل حواشيهم مشهورة مطبوعة، وممن علق على المكاسب السيد كاظم اليزدي والشيخ آغا رضا الهمداني.

يروي عن أستاذه النراقي وأبيه ملا مهدي، عن الشيخ يوسف البحراني، عن المولى محمد رفيع الجيلاني، عن المجلسي، عن مشائخه.

كان لا يحب إخراج شئ إلا بعد التنقيح وإعادة النظر مرارا، هذا مضافا إلى ضعف بصره، مما جعل كثيرا من آثاره في الفقه غير مرتبة.

صنف المكاسب وهو عند بعض تلاميذه أحسن ما صنف (راجع: غاية الآمال للمامقاني)، كتاب الطهارة ويعرف بطهارة الشيخ من كتب القراء‌ة كأكثر كتبه، كتاب الصوم والزكاة والخمس على جهة البسط والتحقيق، ورسائله الخمس المشهورة التي عليها معول الاصوليين من الامامية في كل مكان، ١ رسالة حجية الظن ٢ أصل البراء‌ة ٣ الاستصحاب ٤ التعادل والتراجيح ٥ رسالة الاجماع.

وقد طبعت مرارا في مجموع سمي الفرائد.

وله أيضا رسالة في الرضاع، رسالة في التقية، رسالة في العدالة، رسالة في القضاء عن الميت، رسالة في المواسعة والمضايقة، رسالة في قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، ورسالة في نفي الضرر والضرار، طبعت كلها، وله كتاب الغصب، وكتاب في الرجال، تام، منه نسخة مخطوطة في المكتبة الرضوية كتبت عن نسخة الاصل سنة ١٢٨١، وهي سنة وفاته ".

وقال الشيخ محمد حزر الدين: الشيخ مرتضى بن الشيخ محمد أمين بن الشيخ مرتضى بن الشيخ بن الشيخ شمس الدين إبن أحمد بن نور الدين بن محمد صادق الانصاري التستري النجفي، ولد في دزفول ١٢١٤ ه‍، كان فقيها أصوليا متبحرا في الاصول لم يسمح الدهر بمثله، صار رئيس الشيعة الامامية وكان يضرب به المثل أهل زمانه، في زهده وتقواه وعبادته


الصفحة ٨٣٢

ي - وقداسته، وقد أدركت زمانه وشاهدت طلعته ونظرت إلى مجلس بحثه، ورأيته يوما ورجل يمشي إلى جنبه وأتذكر أنه أبيض اللون، نحيف الجسم، خضب كريمته بالحناء، يلبس لباس الفقراء، وعليه عباء‌ة صوف غليظة كدرة.

وكان مدرسا بارعا تتلمذ عليه عيون العلماء والاساتذة، وحدثوا أنه كان متقنا للنحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان، وسمع أنه استطرق كتاب المطول للتفتازاني أربعين مرة ما بين بحث ودرس وتدريس، وله في التدريس طريق خاص وأسلوب فقده معاصروه من طلاقة في القول وفصاحة في النطق وحسن تقريب آراء المحققين وبيان رأي المحتكر من المبتكر، وإبراز المآرب والاستدلال عليها بأحسن بيان وأقطع برهان، فربما خالف الجمهور واتبع الندور لوقوع نظره عليه وإنتهاء فكره إليه، ولم يلتزم بنقل الاقوال إلا نادرا إن رآه محل الحاجة.

وقد جمع بين الحفظ وسرعة الانتقال وإستقامة الذهن وقوة الغلبة على من يحاوره حدث ذلك من كنا ملحوظين في زمانه ومن الله علينا بمشاهدة عنوانه، وترجمه الاستاذ الشيخ محمد طه النجف وقال: إلى أن صار إبن عشرين سنة ثم عزم مع والده على زيارة أئمة العراق عليهم السلام حتى وصلا كربلا ويومئذ كانت الرئاسة العلمية فيها لرجلين، السيد محمد المجاهد صاحب المناهل المتوفي سنة ١٢٤٢، وشريف العلماء المازندراني المتوفي سنة ١٢٤٦، وفي ذات يوم زار المترجم له ووالده السيد المجاهد وكان مجلسه مشغولا ببعض المسائل العلمية واشترك الشيخ المرتضى معهم، فأعجب السيد المجاهد وقال السيد: من هذا الشاب؟ فأجابه والده الشيخ محمد أمين: هو إبني، فقال له المجاهد: إمض لشأنك بعد ما تقضي وطرا من زيارتك ودعه هنا يشتغل بطلب العلم، فإن له مستقبلا باهرا، لتفرسه فيه النبوغ، فامتثل أمر السيد وأبقاه في كربلا ولم يزل يحضر عنده وشريف العلماء إلى أربع سنين حتى محاصرة أهل كربلا من قبل داود باشا العثماني سنة ١٢٤١ ه‍ لاخضاعهم للسلطة التركية، فخرج العلماء وأهل العلم وجملة من المجاورين العزل إلى بلد الكاظمية ومعهم المترجم له، وبعد مضي أيام من وصوله إليها عاد إلى دزفول وأقام هناك ما يقرب من سنتين ثم رجع إلى العراق مهبط العلوم والحضارات لتكميل دروسه وأقام في كربلا سنة يحضر على أستاذه شريف العلماء حيث أن المجاهد توفي، وبعد قليل هاجر إلى بلد العلم والاجتهاد النجف وحضر فيها على الفقيه الشيخ موسى بن الشيخ جعفر الغروي صاحب كشف الغطاء حدود السنتين، ثم سافر إلى خراسان لزيارة الامام الرضا عليه السلام وجعل طريقه على بلدة كاشان في أيام رئاسة الملا أحمد النراقي صاحب المناهج ثم أقام بها حدود الثلاث سنين مشغولا بالبحث والتصنيف وكان النراقي يحب المذاكرة معه لانه وثيق بفضله الجم حتى حكي عن النراقي قدس سره أنه قال: لقيت في أسفاري إلى الاقطار خصوصا في سفري إلى مجاهدة بني الاصفر خمسين عالما مجتهدا لم يكن أحدهم مثل الشيخ المرتضى، وكانت له مع النراقي صحبة ويروى أنه حضر عنده وحصل بينهما جدال في مسألة وطال النزاع بينهما وبالوقت كان يكرمه ويحترم مقامه، ثم سافر إلى خراسان وأقام بها أشهرا، ثم رجع إلى أصفهان وأقام بها خمسة وعشرين يوما أيام رئاسة السيد محمد باقر الرشتي صاحب مطالع الانوار والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي صاحب الاشارات، وقيل: إن الكلباسي ألح عليه بالمقام فأجابه بأن له ضالة في عراق العرب، فإن لم أظفر بها رجعت لبلدكم هذا، وضالته تحصيل الاجتهاد على علماء النجف.

وحدث جماعة من الثقات المعاصرين أنه حضر على


الصفحة ٨٣٣

ك - السيد محمد باقر وطلب الاجازه منه وامتنع الرشتي لعدم إحاطته بعلم الرجال يومئذ، ثم خرج من اصفهان مدة، قيل وعاد إليها لذلك، ولم يذكر الراوي أنه أجازه بعد رجوعه إنتهى.

ورجع إلى وطنه وبقي خمس سنين ثم عزم على الخروج منه مختفيا من أهله لئلا يمنعوه فقدم العراق سنة ١٢٤٩ ه‍ وأقام في النجف الاشرف، وكانت الرياسة العلمية لرجلين، الفقيه الشيخ علي نجل كاشف الغطاء وصاحب الجواهر وكان أولهما أشخصهما، وأخذ المترجم له يتردد إلى مدرستهم للحضور ثم ترك الحضور واستقل للتدريس والتأليف، وفي سنة ١٢٥٣ ه‍ توفي أولهما وأصبح للمترجم له ظهور علمي، وفي سنة ١٢٦٦ ه‍ توفي ثانيهما وانتهت إليه رياسة الامامية على الاطلاق وأطبقت الشيعة الامامية على تقليده في شرق الارض وغربها إلا نادرا. وكان عالي الهمة أبيا، ومن علو همته أنه كان يعيش عيشة الفقراء ويبسط البذل على الفقراء والمحتاجين سرا، وقال له بعض أصحابه، إنك مبالغ في إيصال الحقوق إلى أهلها فأجابه: ليس لي بذلك فخر ولا كرامة، إذ من شأن كل عامي وسوقة أن يؤدي الامانات إلى أهلها، وهذه حقوق الفقراء أمانة عندي.

وحدث أيضا بعض تلاميذه أنه كان يأنف من التناول من حقوق الفقراء في شئ مع كونه مصداقا، وكان أقل ما يجلب إليه من الحقوق في كل سنة عشرون ألف تومانا في زمان قلة النقد ومع هذا توفي فقيرا، وقام بنفقة عياله ومصرف فاتحته ستة أيام رجل نجفي من أهل المجد والشرف والدين.

وحدثنا الاستاذ الميرزا حسين الخليلي عن تركته المنقولة وأنها بيعت في الصحن بسبعين قرانا ناصرية وفي بعض تعداد تركته المبيعة في وصيته قال رحمه الله: القدر وقف والرقعة لنا. وحدث الاستاذ الشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي تلميذه إنها خمسة وسبعون قرانا، وآخر: إنها خمسة وعشرون، والصواب الاول لعثورنا على القائمة.

تلامذته الاكابر: تتلمذ عليه عيون أهل الفضل ومعظمهم صاروا مراجع تقليد ورؤساء، منهم السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي، والسيد حسين الكوهكمري، والاساتذة الميرزا حبيب الله الجيلاني، والملا محمد الايرواني، والشيخ محمد طه النجف، والشيخ محمد الشرابياني، والشيخ حسن المامقاني، وحضر عليه السيد محمد بن السيد هاشم الهندي، والشيخ محمد بن الميرزا موسى اللاهيجي، والميرزا أبوالقاسم الگيلاني، والشيخ محمد تقي الگلپايگاني، والشيخ منصور الشميسي.

مؤلفاته: ألف كتاب المكاسب، وكتاب الطهارة، وكتاب الصوم، وكتاب الزكاة والخمس على وجه البسط، وكتاب الصلاة، وكتاب الفرائد في علم الاصول، وكتاب أصول الفقه، وله عدة رسائل، رسالة في الرضاع، والتقية والعدالة، والقضاء عن الميت، وفي المواسعة والمضايقة، وقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، ونفي الضرر والضرار، ورسالة في حجية الظن والقطع والبراء‌ة والاستصحاب والتعادل والتراجيح وغير ذلك، وقد أصبحت مصنفاته مدار حركة التدريس في حال حياته.

وفاته: توفي في النجف بداره في محلة الحويش في منتصف ليلة السبت ١٨ جمادي الثانية سنة ١٢٨١ ه‍، وغسل على ساحل بحر النجف غربي البلد.

نصبت له خيمة هناك، وهي أول خيمة رأيناها نصبت في هذا الشأن، وهاج الناس بجميع طبقاتهم من كل جانب ومكان لتشييع جثمانه حتى إتصل السواد من سور النجف


الصفحة ٨٣٤

ل - إلى ساحل البحر، ولم يكن له قدس سره قرابة وجيه في البلد سوى تقاه وعلمه الجم الذي كان يضئ.

لمثل هذا فليعمل العاملون، وكان عقبه بنتين لا ولد له.

ودفن يوم السبت في دكة الحجرة التي دفن بها الشيخ حسين نجف والشيخ محسن خنفر العفكاوي على يسار الداخل إلى الصحن من الباب القبلي المعروفة بباب السوق الصغير ورثته الشعراء وأهل الفضل، ورثاه وأرخ عام وفاته بعض من حاز مرتبتي الفضيلة والادب بقوله:

رعاك الهدى أيها المرتضى *** وقل بأني أقول رعاك

أقمت على باب صنو النبي *** وجبريل قد خط فيه ثراك

فأصبح بابا لعلم الوصي *** وهل باب علم الوصي سواك

كأنك موسى على طوره *** تناجي به الله لما دعاك

وليس كطورك طور الكليم *** ووادي طوى منه وادي طواك

طوى الشرع من يوم تأريخه *** " حوى الدين قبرك إذ قد حواك "

سنة ١٢٨١ ه‍ سيرته: كان متعبدا جم الفضائل والكرامات وعاش عيشة الفقراء على كثرة ما يجبى إليه من الاموال والهدايا، مقتصدا في مأكله ومشربه وملبسه وبسط يده على الفقراء والمحتاجين وكان يرسل من خالص ماله إلى خراسان في فكاك من يأسره التركمان في طريق خراسان من الزائرين، ولا يأنس بالعطاء إلا سرا ولا يرى لنفسه فضلا ولا فخرا في إيصال الحقوق إلى أهلها، وكان ممتنعا من التصرف في حقوق الفقراء لابائه وعفته وتناهيه في الكمال وترفعه عن الدناء‌ة والخساسة، حتى أنه يوم وفاته لم يكن عنده مصرف لعزائه ولا ما يقوم بكفالة بنتيه اللتين خلفهما بعده.

ولم يترك شيئا من المستحب ماليا كان أو عمليا صفاته وحسن خلقه: كان رجلا إلى الطول أقرب منه إلى القصر، أحمر اللون، نحيف الجسم، ضعيف العينين، بين عينيه سجادة، يخضب كريمته بالحناء، على رأسه عمامته كرباس أبيض كبيرة، وعليه قباء كرباس أبيض وعباء‌ة صوف أحمر - كما عن التكملة للعلامة السيد حسن الصدر رحمه الله - فإنه شاهده عند زيارته الكاظمين عليهما السلام سنة ١٢٨٠ ه‍ قبل وفاته بسنة.

له كرامات ومقامات تذكر.

وقال الشيخ عباس القمي: وقد يطلق الشيخ - في عصرنا هذا وقبيله - على الشيخ الاجل الاعظم الاعلم، خاتم الفقهاء العظام ومعلم علماء الاسلام، رئيس الشيعة من عصره إلى يومنا هذا بلا مدافع والمنتهي إليه رياسة الامامية في العلم والعمل والورع والاجتهاد بغير منازع، مالك أزمة التحرير والتأسيس، ومربي أكابر أهل التصنيف والتدريس، المضروب بزهده الامثال، والمضروب إلى عمله آباط الآمال، الخاضع لديه كل شريف، واللائذ إلى ظله كل عالم عريف آية الله الباري، الحاج الشيخ مرتضى إبن محمد أمين التستري النجفي


الصفحة ٨٣٥

م - الانصاري، الذي عكف على كتبه ومصنفاته وتحقيقاته كل من نشأ بعده من العلماء الاعلام والفقهاء الكرام.

كانت ولادته بسنة ١٣١٤ ووفاته في النجف الاشرف سنة ١٢٨١.

قيل في تأريخه " غدير سال ولادت فراغ سال وفات "، وأيضا بالفارسية " سال عمر شيخ وتأريخ وفاتش شصت وهفت ١٢٨١ ".

ودفن في الصحن الشريف، عند باب القبلة، قرب قبر عديله في العبادة والزهد والصلاح، آية الله الشيخ حسين نجف - رضوان الله تعالى عليه - الذي كان العلامة بحر العلوم يتمنى أن يصلي الشيخ حسين على جنازته.

يروي العلامة الانصاري عن شيخه الفقيه الامام ومستنده في مناهج الاحكام، المولى الاجل مولانا أحمد النراقي رحمه الله تعالى، وعن السيد الاجل صدرالدين العاملي رحمه الله تعالى.

وقال الشيخ آقا بزرك الطهراني: العلامة الانصاري: الشيخ المرتضى بن المولى محمد أمين بن الشيخ مرتضى بن الشيخ شمس الدين بن الشيخ أحمد بن الشيخ نورالدين بن الشيخ محمد صادق الانصاري المعروف بالتستري النجفي، المولود سنة ١٢١٤ والمتوفي سنة ١٢٨١، بعد مضي ست ساعات من ليلة السبت، الثامخن عشر من جمادي الثانية، ودفن بمقبرته على يسار الداخل من يليله القبلة المحاذي لميزاب الرحمة في الصحن الشريف المرتضوي.

وغسله على حسب وصيته تلميذاه العالمان العاملان الحاج مولى عليمحمد الخوئي والآخوند المولى عليمحمد الطالقاني الطهراني، وصلى عليه العلامة الاوحد السيد السند المعتمد الحاج سيد علي التستري.

ورثاه الشيخ جواد بن الشيخ علي بن الحسين آل محيي الدين والشيخ أحمد القفطان والعالم الجليل عمدة العلماء العظام الحاج ميرزا يوسف الدهخوارقاني.

والحاج مولى علي آقا العلياري التبريزي ذكر جميع ما مر مع القصيدة التي أنشأها في الرثاء في كتابه " بهجة الآمال في الرجال " في المجلد الثاني في باب العليين.

وللشيخ أحمد بن صالح آل طعان البحراني رسالة مستقلة في ترجمة العلامة الانصاري.

وذكر سيدنا الحسن صدرالدين في " التكملة " ما ملخصه: أنه طاب ثراه إشتغل على جده الامي حتى كمل، فرحل مع والده إلى الحائر سنة ١٢٣٤، فحضر على السيد المجاهد سنتين ثم على شريف العلماء، ثم [ سافر ] إلى كاشان وحضر على المولى العلامة المولى أحمد النراقي مدة، وله الرواية عنه وعن العلامة السيد صدرالدين الاصفهاني.

وحضر على السيد حجة الاسلام الرشتي في إصفان أيضا، ثم رجع إلى النجف فحضر بحث الشيخ علي بن العلامة الافخر الشيخ الاكبر مدة، ثم بحث صاحب الجواهر إحتراما، وبعده إستقل برياسة العلم والدين.

وهو من المؤسسين، لم يسبقه أحد من المتقدمين والمتأخرين، يراه كل


الصفحة ٨٣٦

ن - ذي عين مما طبع له من الرسائل والمكاسب والطهارة وملحقاتهما، وله أيضا حاشية القوانين من بحث حجية الخبر إلى آخر الادلة العقلية، وكتاب القضاء، ومباحث الالفاظ، ورسائل متفرقة، وكتاب الرجال.

وقد رأيت الاخير، والبواقي رآه سيدنا الحسن بخطه الشريف، كماذكره في " التكملة ".

والمطبوعات منها المكاسب والرسائل والشهادات والطهارة وملحقاتها توجد عند كل طلبة مشتغل.

وقد كتب المولى المعاصر الشيخ أسد الله بن أبي القاسم بن محمد باقر بن عبدالرضا بن الشيخ شمس الدين الذي هو الجد الاعلى لصاحب الترجمة كتابه حدائق الادب في مجلدين، ذكر في أولهما حالات صاحب الترجمة وحالات آبائه إلى جابر بن عبدالله كما وجده بخط صاحب الترجمة ثم حالات آباء جابر إلى قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم، على نبينا وآله وعليه السلام.

ونسخة الحدائق عنده اليوم في طهران، زرقنا الله زيارتها.

وذكر الحاج مولى باقر التستري في تذكرته: أن الشيخ توفي عن بنتين وقومت تركته بأربعة عشر تومانا قسمت بينهما نصفين.

إحداهما زوجة الشيخ محمد حسن بن الشيخ منصور إبن أخ الشيخ، والاخرى زوجة السيد محمد طاهر رزق منها السيد أحمد السبط.

وحكي عن الشيخ محمد حسن المامقاني أنه ذكر أن الشيخ قضى صلوات عمره ثلاث مرات.

وبخط الشيخ عبدالحسين بن الشيخ نعمة الطريحي تأريخ وفاة صاحب الترجمة بعد النصف من ليلة السبت الثامن عشر من جمادي الثانية، سنة إحدى وثمانين ومأتين وألف، كما في هامش الرسائل المطبوع سنة ١٢٦٨، وعليه حواش كثيرة بخطه.

ومن متعلقيه أخوه محمد صادق بن محمد أمين الانصاري كتب بخطه وصيت نامه ذكر: " أن وصيي سركار خداوندگاري شيخ سلمه الله ".

وتأريخ الوصية: " ١٢٦٦ " على ظهر بعض الكتب في مكتبة الطريحي، وذكر في إجازته للشيخ محمد حسن شريعتمدار الاسترابادي أول مشايخه والد المجاز، الثاني الشيخ علي بن كاشف الغطاء، والثالث النراقي المذكور آنفا".

قال الشيخ محمد جواد مغنية رحمه الله: " وختاما فإن الغرض الاول من هذه الصفحات أن تكون تبصرة وتذكرة للمنتهي، فإن بلغت هذه الغاية فمن توفيق الله وفضله وإلا فهي جهد العاجز، فقد بذلت أقصى ما أملك من جهد بخاصة من أجل تفهم أقوال الشيخ الانصاري، وتفهيمها بأوضع عبارة، وبصورة أخص الاصول العملية، فقد قضيت مع هذا الشيخ العظيم السنوات، وانتفعت بعلمه كما انتفع بها الكبار والصغار على مدى الاجيال، وأعانني كثيرا على حل طلاسمه تلميذه الكبير الجليل الآشتياني، رضوان الله عليه وعلى أستاذه، وضاعف لهما الاحسان والثواب.


الصفحة ٨٣٧

س - وكان الانصاري في نفسي وما زال عملاق الاقطاب ومصباحهم، ولكن الصورة التي إنعكست عنه في ذهني قد ربت وعلت، وأنا منصرف بكل كياني إلى أقواله أتتبعها وأمعن فيها الفكر والنظر كمصدر لكتابي هذا، وهي أن هذا العملاق المتواضع لو أتى بأعجب العجب لا يراه وافيا بما يبحثه ويحلله ويغربله ! وهكذا الكبير كلما إتسعت آفاقه صغرت في نفسه أشياؤه وآلاؤه.

وأعوذ بالله من حبائل الغرور.

وأيضا ظهر لي جليا من الاستقرار والاستيفاء أن كل من كتب في الاصول اللفظية من الاقطاب بعد صاحب الحاشية الكبرى على المعالم فهو عيال عليه، وأن كل من كتب في الاصول العملية منهم بعد الشيخ الانصاري فقد إغترف من بحره الزاخر، والحمد لله على ما أنعم، والصلاة على محمد وآله الاظهار ".

٤ من توجيهاته المباركة " إن النظر والاستدلال بالبراهين العقلية للشخص المتفطن لوجوب النظر في الاصول لا يفيد بنفسه الجزم، لكثرة الشبه الحادثة في النفس والمدونة في الكتب، حتى أنه ذكروا شبها يصعب الجواب عنها للمحققين الصارفين لاعمارهم في فن الكلام، فكيف حال المشتغل به مقدارا من الزمان لاجل تصحيح عقائده، ليشتغل بعد ذلك بأمور معاشه ومعاده، خصوصا، والشيطان يغتنم الفرصة لالقاء الشبهات والتشكيك في البديهيات، وقد شاهدنا جماعة قد صرفوا أعمارهم ولم يحصلوا منها شيئا إلا القليل ".

" فلا تغتر حينئذ بما قصر إستعداده أو همته عن تحصيل مقدمات إستنباط المطالب الاعتقادية الاوصولية والعملية عن الادلة العقلية والنقلية، فيتركها مبغضا لها، لان الناس أعداء ما جهلوا، ويشتغل بمعرفة صفات الرب جل ذكره وأوصاف حججه - صلوات الله عليهم بنظر في الاخبار لا يعرف به من ألفاظها الفاعل من المفعول، فضلا عن معرفة الخاص من العام، وبنظر في المطالب العقلية لا يعرف به البديهيات منها ويشتغل في خلال ذلك بالتشنيع على حملة الشريعة العملية وإستهزائهم بقصور الفهم وسوء النية، فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ".

" وفقنا الله للاجتهاد الذي هو أشد من طول الجهاد بحق محمد وآله الامجاد ".

٥ فرائد الاصول فرائد الاصول المشهور بالرسائل للشيخ مرتضى الانصاري كتاب مشهور متداول لم يكتب مثله في الاواخر والاوائل، يحتوي على رسائل في القطع والظن والبراء‌ة والاشتغال والاستصحاب والعادل والتراجيح، أسس في هذه المباحث تأسيسا أنسى به كثيرا من المباحث الاصولية التي كانت قبله ونسج على منواله الذين


الصفحة ٨٣٨

ع - جاؤوا بعده حتى صار عند بعض الفخر في فهم مراده، وكتب الاصوليون عليه شروحا وتعليقات وحواشي أكثر من مائة.

وطبع الكتاب في حياة المؤلف وكان التدريس والبحث والنظر فيه من عصر المؤلف إلى زماننا هذا.

ولكن كما أشار مؤلف أوثق الوسائل في ص ٢٠٩ وص ٢٣٤ منه والآشتياني في بحر الفوائد، ص ٢٢٧، كان المؤلف غير بعض عبارات الكتاب وكان بانيا على تغيير بعض آخر في كثير من مواضعه وقد دعي إلى ربه فأجاب قبله، جزاه الله عن الدين وأهله خير الجزاء، فصارت النسخ المخطوطة والمطبوعة مختلفة.

ولما كان فرائد الاصول المطبوع في سنة ١٢٦٩ بتصحيح محمد علي الخراساني للنسخ المصححة - كما نقل عن الميرزا النائيني في فوائد الاصول، ج ٣، ص ٢٥١ - جعلنا تحقيق الكتاب على منواله وقابلناه على النسخ التالية: ١ نسخة مخطوطة في " كتابخانه مركزي دانشگاه تهران " رقم ٧٥٥ مصححة على نسخة صححها بيده مؤلفها الشيخ مرتضى الانصاري.

وهي المقصد الثاني في الشك من أول مبحث البراء‌ة إلى آخر مبحث الاشتغال بتأريخ سنة ١٢٦٧.

وعليه إمضاؤه ونقش خاتمه المبارك.

٢ نسخة مخطوطة في " كتابخانه آستان قدس رضوي " - رقم ٢٨٤ أصول فقه - فقد نسخت بالخط النسخ الجميل، من نسخة مصححة بيد الكاشاني في سنة ١٢٦٧.

وهي المقصد الاول في القطع والمقصد الثاني في الظن.

واستفدنا في التصحيح من صورة هذه النسخة المخطوطة، وعدد أوراقها ١٤٤ ورقة.

٣ نسخة مصورة من نسخة مخطوطة في " كتابخانه آستان قدس رضوي ".

بخط محمد صالح الخراساني المشهدي الدولابي مكتوبة في شهر ربيع الثاني سنة ١٢٦٩.

وهي في المقام الثاني من المقصد الثالث في الاستصحاب من أوله إلى آخره في مائة وإحدى عشرة ورقة.

٤ نسخة مصورة من مخطوط في " كتابخانه آستان قدس رضوي "، في المشهد المقدس بالخط المعروف ب‍ " شكسته نستعليق "، وهي من أول المقصد الثالث من الكتاب إلى آخر مبحث الاشتغال وقعت بين الاوراق الاولى والتاسعة والثمانين، المورخة سنة ١٢٧٢، ومبحث التعادل والترجيح منها واقع بين الورقة السادسة والعشرين والمائة والثالثة والخمسين والمائة المؤرخة سنة ١٢٧٤ الهجرية.


والذي كان في بعض النسخ دون بعض ميزناه في حاصرين.

وكتب المؤلف بعض أسماء الكتب برموز فأرجعاها إلى ألفاظها الاصلية، وزدنا بعض عناوين توضيحية وجعلناها بين معقوفين.

وها نحن أولاء ننشر النص المحقق لكتاب فرائد الاصول للشيخ مرتضى الانصاري، وفقا للنسخ التي أتينا على وصفها من قبل وزودنا النشر بإحالات إلى الكتب التي نقلت عنها، وفهرسنا الكتاب بفهارس متعددة.

ونرجوا أن يكون في تحقيق هذا الكتاب ونشره المحقق إسهام بالغ الاهمية سواء بالنسبة إلى تأريخ علم أصول الفقه ودرس هذا العلم في الحوزة العلمية.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

عبدالله النوراني * طهران - ٨ / صفرالخير / ١٤٠٧ الهجرية


الفهرس

الموضع الثاني في الشك في المكلف به ١

المطلب الاول: دوران الامر بين الحرام وغير الواجب ١

المطلب الثاني: إشتباه الواجب بغير الحرام ٣٩

القسم الاول: فيما إذا دار الامر في الواجب بين أمرين متباينين ٤٠

القسم الثاني: فيما إذا دار الامر في الواجب بين الاقل والاكثر ٥٧

القسم الثاني وهو الشك في كون الشئ قيدا للمأمور به ٧٧

المطلب الثالث في إشتباه الواجب بالحرام ١٠٣

خاتمة فيما يعتبر في العمل بالاصل ١٠٤

وأما الكلام في مقدار الفحص ١٢٦

بقي الكلام في حجج المفصلين ١٨٦

خاتمة ٢٨٨

تقديم الاستصحاب على الاصول الثلاثة ٣٠٤

خاتمة في التعادل والترجيح ٣٤٨

المقام الاول في المتكافئين ٣٥٨

المقام الثاني في التراجيح ٣٦٤

المرجحات الخارجية... القسم الاول: ما يكون غير معتبر في نفسه ٤١٢

القسم الثاني: ما يكون معتبرا في نفسه ٤١٦