قضاء الاشتياني
الحاج ميرزا محمد الاشتياني
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى
قريبة إنشاء الله تعالى.
قضاء الاشتياني (كتاب القضاء)
بسم الله الرحمن الرحيم
من مؤلفات الاستاذ الاكبر العلامة المحقق شيخ الفقهاء والمجتهدينالحاج ميرزا محمد حسن الاشتياني قدسسره الشريف بسمه تعالى شأنه هذه النسخة الشريفة النفيسة اعني " كتاب القضاء والشهادات " المحتوية لمهمات احكام التقاص المتضمنة لمباحث القسمة والافراز من جملة مؤلفات النحرير المدقق والعلامة المحقق حجة الاسلام وآية الله الملك العلام المستغرق في بحار رحمة الباري المولى الحاج ميرزا محمد حسن الاشتياني طاب الله ثراه هي الدرة الثمينة التي اشتاقت اليها نفوس طلاب العلم والكوكبة الدرية التي انتظرت عيون اهل التحقيق والفقاهة طلوعها على سطوح الحلم وطالما تذاكر في امر انتشارها جمع من الافاضل والاشراف حتى سبق إلى هذا الخير ونال ذلك الشرف السابق إلى الخيرات والمقدم في نشر اسفار العلم وكتب الادعية والزيارات نجله المعظم والقبلة المكرم ناصر الملة والدين ظهير الاسلام وركن المسلمين حضرة الحاج ميرزا هاشم الاشتياني ادام الله ظله العالي ولا يخفى انه لما كانت نسخة الاصل متشتتة والنسخ الخطية المستنسخة منها مختلفة مغلوطة قد بذل غاية الجهد في تصحيحها ومقابلتها كرة بعد مرة العالم الفاضل والحبر الكامل حجة الاسلام الاقا ميرزا محمود نجل آية الله الحاج شيخ مرتضى الغروي الاشتيانيقدسسره الشريف فانه دامت بركاته قد سعى وافيا وجد كافيا مستغرق الاوقات في تنقيحها وتصحيحها إلى ان تمت النعمة وكملت الدولة ثم اعلموا أيها الاخوان وان صنف في هذا الباب قبل الزمان تصانيف كثيرة الا ان غالبها حجما رهين جمع الاقوال ونقل القضايا والاخبار ولكن هذا السفر الكبير والقطر المنور لعين الضرير لما جمعت اوراقه من بساتين الاساطين الاخيار وشيدت اركانه بالاساس الذي بناه الاستاد العلامة المحقق الشيخ المرتضى من بيت الانصار ورويت اثماره من تلك العروق والاشجار يكون محتويا لتحقيقات وافية وتدقيقات كافية لا يصل اليها الا من كان حاويا لاس الاصول وفارغا عن المعقول والمنقول والحق بالحق اقول لا يألفه الا جم من العلماء الفحول.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين كتاب القضاء بالمد والقصر وهو لغة لمعان كثيرة منها الخلق ومنه قوله تعالى فقضيهن سبع سماوات اي خلقهن ومنها الحكم ومنه قوله تعالى والله يقضي بالحق اي يحكم ومنها الاتمام ومنه قوله تعالى فاذا قضيتم مناسككم اي اتممتم ومنها الامر كقوله عزوجل وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي أمر إلى غير ذلك وفي المسالك انه سمى القضاء قضاء لان القاضي يتم الامر بالفصل ويمضيه ويفرغ عنه وسمى كما لما فيه من منع الظالم عن ظلمه انتهى وعرفا على ما في الدروس ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامة من قبل الامامعليهالسلام وعن جماعة منهم الشهيد في المسالك انه ولاية الحكم شرعا لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينة من البرية باثبات الحقوق واستيفائها للمستحق ولا يبعد كون الاول أولى من الثاني لاعمية مورده من خصوص اثبات الحقوق كالحكم بالهلال ونحوه وكيف كان أصل ثبوته وتشريعه في الجملة مما لا إشكال فيه بل الادلة الثلاثة من الكتاب والسنة والاجماع دالة عليه بل ربما قيل كما هو الحق بدلالة العقل عليه أيضا من حيث توقف النظام عليه بل لا يبعد دعوى الضرورة عليه فأصل ثبوته مما لا ينبغى أن يرتاب فيه إلا انا نذكر جملة من الآيات والاخبار تيمنا.
فنقول أما الآيات الواردة في باب الحكومة فكثيرة قال الله تبارك وتعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل وقال تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى وقال تعالى إنا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله وقال تعالى فإذا تنازعتم في شئ فروده إلى الله ورسوله إلى غير ذلك.
وأما الروايات فقد تجاوزت حد الاستفاضة بل التواتر مثل قول الصادقعليهالسلام في خبر أبي خديجة إياكم ان يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه الخ وقولهعليهالسلام القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة رجل قضى بجوز وهو يعلم فهو في النار ورجل قضى بجوز وهو لا يعلم انه قضى بجور فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة وقول أمير المؤمنين وإمام المتقينعليهالسلام لشريح يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي وقول الصادقعليهالسلام اتقوا الحكومة نما هي للامام العالم بالقضاء العادل بين المسلمين كنبي أو وصي إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ذلك ثم ان دلالة جملة من تلك الروايات على كون القضاء من مناصب النبي واوصيائهعليهمالسلام مما لا إشكال فيه وإنما الاشكال في دلالة الآيات على ذلك وأظهر منها دلالة حسب ما صرح به جماعة أيضا قوله تعالى يا داود إنا جعلناك الآية وقد استشهد بها على كون القضاء منصبا من مناصب النبوة والامامة وغصنا من شجرة الرياسة العامة وجه الدلالة انه فرع عزوجل جواز الحكومة على كونه خليفة فينتفي بانتفائها وهو المطلوب وفيه أولا نمنع من تفريعه تعالى الجواز على كونه خليفة بل إنما فرع وجوبها على الخلافة حسبما هو قضية ظاهر الامر فلا يدل على انتفاء الجواز لغيرها وثانيا نمنع من دلالتها على وجوبه عليهما فضلا عن دلالتها على انتفاء الجواز للغير لاحتمال أن يكون المتفرع على الخلافة وجوب الحكومة بالحق فيكون المتفرع عليها وجوب الحكومة باعتبار القيد أي بمعنى انك انما (لما خ) جعلناك خليفة فيجب عليك الحكم بالحق فيكون في سياق قوله تعالى إن الله يامركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل فيكون الحكم في الآية ناظرا إلى القيد لا القيد والمقيد معا فلا دلالة للآية على أصل وجوبه على الخليفة لكونه واردة في مقام بيان حكم آخر هذا ولكن يمكن أن يجاب عنه بان هنا معنا ثالثا دقيقا يتم بملاحظته الاستدلال وهو أن يكون المتفرع على الخلافة الجواز نظرا إلى ورود الامر مقام رفع الحظر فلا يدل إلا على الجواز على ما هو المحقق في مثله لان الحكم بمعنى إلزام الناس سلطنة عليهم فالاصل عدم جوازه فتدل الاية بمقتضى قضية التفريع المتضمن لمعنى الشرطية في المقام على انتفاء الرخصة في حق غير الخليفة والحاصل ان في الآية احتمالات ثلاثة احدها أن يكون المتفرع على الخلافة وجوب الحكم بالحق أعني القيد والمقيد فلا دلالة لها على هذا التقدير على انتفاء الرخصة لغير الخليفة ثانيها أن يكون المراد منها تفريع وجوب الحكم بالحق باعتبار القيد فلا دلالة لها على هذا التقدير أيضا على المطلوب ثالثها أن يكون المراد تفريع الجواز على الخلافة بملاحظة كون الاصل في الحكم الحرمة وورود الامر في مقام رفع الحظر فيدل على انتفاء الجواز في حق غير الخليفة إذا عرفت ان في الآية احتمالات ثلاثة فإن لم يكن احدها ظاهرا أو كان ولكن الاحتمالين الاولين فلا دلالة لها على ما رامه الجماعة من دلالتها على اختصاص القضاء بالنبي ووصيه وكونه من مناصبهما وإن كان الثالث أظهر فيدل على المطلوب والانصاف انه اظهر من الاولين فالآية بذلك البيان من الادلة على اختصاص الحكم بالخليفة نبيا كان أو وصيا هذا ويمكن أن يستفاد كون الحكم من مناصب الخليفة من لفظها من غير احتياج إلى البيان المذكور بأن يقال ان مقتضى جعل الله شخصا خليفة هو ثبوت جميع ما يجوز له لهذا الشخص فتدل الآية بالنظر إلى لفظة الخليفة بمعونة الاصل المتقدم على كون الحكم من مناصب الخليفة فافهم. قوله وكذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى ولا يكفيه فتوى العلماء الخ.
أقول إنك بعدما عرفت من دلالة جملة من الروايات بل بعض من الآيات أيضا حسبما مر على كون القضاء
من مناصب النبي والامام فاعلم ان الاذن عن الائمة في القضاء لمن جامع شرايط الافتاء معلوم بحيث لا يعتريه ريب ويدل عليه مضافا إلى الاخبار الكثيرة المتقدمة إلى بعض منها الاشارة الاجماع بقسميه محققا منقولا فهذا مما لا اشكال فيه إنما الكلام فيما قد نقل عن بعض أفاضل المتأخرين ومال إليه بعض مشايخنا من جواز القضاء للمقلد فنقول ان الكلام في قضاء المقلد في ثلاث مقامات أحدها فيما لو استقل بالحكم والقضاء ثانيها فيما لو صار منصوبا من المجتهد وبعبارة أخرى في جواز نصب المجتهد كما ينصب الامام ثالثها فيما لو صار وكيلا عن المجتهد والفرق بين هذا المعنى وسابقه مما لا يكاد إن يخفى ثم ان كلامنا في تلك المقامات إنما هو في زمان غيبة الامامعليهالسلام وأما زمان حضوره فنصب القضاة منه وكلما فعله فهو حق لانه معصوم عن الخطأ فلا ثمرة مهمه(١) لنا في البحث عنه.
أما المقام الاول فالحق فيه عدم الجواز لنا مضافا إلى الاجماع المدعى في كلام جماعة منهم ثاني الشهيدين في المسالك البالغ حد الاستفاضة المعتضد بالشهرة المحققة بل عدم الخلاف في المسألة الاصل وتقريره ان القضاء وهو الالزام بغير ما يقتضيه التكليف سلطنة على الملزم غير مجوزة إلا بدليل توضيح ذلك ان الزام المكلف يكون تارة بما يقتضيه تكليفه كما في موارد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخرى يكون بما لا يقتضيه تكليفه إن صار تكليفه بعد اثبات وجوب التزامه بالالزام المذكور.
أما الاول فلا إشكال في جوازه لكل من يتأتى عنه مجتهدا كان أو مقلدا وإن كان مقتضى الاصل الاولي عدم جوازه لكن قد دل العقل والنقل على حسنه كذلك وإن خالف فيه بعضه فذهب إلى اختصاصه بالامام وعدم جوازه لغيره حتى المجتهد لكنه موهون جدا حسبما قرر في محله فلا نزاع لنا فيه فما يظهر من بعض الاعلام من التمسك في المقام بما دل على جواز الالزام بالمعروف والحق لكل آحاد الانام خروج عن محل الكلام.
وأما الثاني فلما لم يعتبر فيه جهة اقتضاء التكليف فيحتاج في الخروج عن مقتضى الاصل فيه إلى دليل غير ما دل على جواز الالزام بالمعروف.
فنقول مايمكن أن يصير دليلا للخصم في المقام ومخرجا عن الاصل المزبور ليس إلا أحد أمور ثلاثة على سبيل منع (مانعة خ) الخلو احدها الآيات الدالة على أصل تشريع الحكم وفصل الخصومة كقوله تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الخ وقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله (اه) وغيرهما فإنها باطلاقها شاملة للمجتهد والمقلد كليهما ثانيها ما دل بظاهره على انحصار رفع الخصومة والقضاء بين الناس إذا كانت الشبهة موضوعية بالبينة والايمان لانه باطلاقه أيضا شامل للمجتهد والمقلد كليهما ثالثها ما دل على نصب القضاة عموما أو خصوصا أما الامر الاول فالحق عدم دلالته على المطلب أصلا أما قولك انها بمقتضى الاطلاق شاملة للمجتهد والمقلد ففيه أولا انا نمنع من شمولها للمجتهد والمقلد وكونها مسوقة لبيان حال الحاكم من انه أي صنف من الاصناف لما قد عرفت من ان جل تلك الآيات بل كلها مسوقة لبيان وجوب كون الحكم حقا لا لبيان أصل أصل وجوب الحكم فالاطلاق وارد لبيان حكم القيد أي وجوب كون الحكم حقا وعدلا وبما أنزل الله لا لبيان حكم القيد وقد تقرر في محله ان الشرط في التمسك بالاطلاق عدم وروده لبيان حكم آخر وكون المتكلم في مقام البيان فافهم وثانيا نسلم كون الآيات دالة على جواز الحكم بالحق لكل من عرف الحق من المجتهد والمقلد لكن نقول
____________________
(١) أي في جواز نصب المقلد وعدمه لانه تكليف الامامعليهالسلام وأما الكلام في انه هل اذن ونصب خصوص المجتهد أو الاعم فربما ينفعنا (منهقدسسره )
المراد من الحق هنا هو الحق الواقعي الذي كان معلوما حقيقته عند الحاكم والمحكوم عليه معا وبعبارة أخرى كان الطريق إليه اعتقاد الحاكم والمحكوم عليه لا ما كان حقا عند الحاكم باطلا عند المحكوم عليه الدليل على ما قلنا مع ان مقتضى القاعدة هو مراعات اعتقاد الحاكم فقط حيث ان الطريق إلى متعلق الخطاب هو اعتقاد من خوطب به أما انصراف الآيات إلى ذلك وظهورها فيما إذا كانت حقيقة المحكوم به معلومة محققة معروفة عند الحاكم والمحكوم عليه فتامل أو انه لو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد ظاهره أي الحق عند الحاكم لما وجب قبوله على المحكوم عليه حيث انه مخاطب أيضا بعدم قبول الحكم الباطل وحكم الجاهلية والشيطان والمفروض انه بعدما كان اعتقاده مخالفا لاعتقاد الحاكم يعتقد كون حكمه باطلا يجب رده فلا بد من أن يكون المراد من الحق في المقام هو ما ثبت حقيته عند الطرفين أي ما كان مقتضى تكليف المحكوم عليه أيضا فان شئت قلت انه كما يجب على الحكام الحكم بالحق ويكون الطريق لهم إليه اعتقادهم كذلك يجب على غيرهم الالتزام بالحكم بالحق وعدم قبول ما كان باطلا ومن المعلوم ان الطريق إلى احراز الحق في هذا الخطاب اعتقاد المترافعين فإنهم مأمورون بالرجوع إلى من كان عارفا بأحكام الله وعالما بها ولا يتنجز هذا الخطاب في حقهم إلا بعد علمهم بكون المرجع حقا.
فان قلت انه لا داعي إلى صرف الآيات عن ظاهرها بعدما كانت قضية ظاهرها هي كفاية الحقية عند الحاكم نظرا إلى القاعدة المذكورة وما ذكر من ان الداعي اليه هو لزوم التعارض فممنوع فانه بعدما وجب على الحاكم الحكم بالحق عنده لزم قبوله على المحكوم عليه وإلا لزم لغويته وهذا باب واسع يدخلونه في كثير من المقامات كما ذكروه في آية الكتمان والنفر وغيرهما.
قلت ما ذكر من انه لو وجب على شخص بيان شئ للغير لوجب على الغير قبوله وإلا لزم اللغوية فإنما هو فيما لم يجب على هذا الغير عدم قبول ما لم يكن حقا عنده وإلا لوقع التعارض فكما أنت تقول إن وجوب الالزام بالحق علي يدل على وجوب الالتزام لما ذكر من اللغوية فنحن نقول أيضا ان وجوب رد الباطل أيضا علينا الذي طريق ثبوته اعتقادنا يدل على قبول قولنا وإلا لزم اللغوية فتأمل. فان قلت هب ان المراد من الحق في المقام هو ما ثبت حقيقته لكل من الحاكم والمحكوم لكنا نثبت حقية المحكوم به بأدلة البينة والايمان. قلت أولا إن ظاهر الآيات هو الحق في الحكم الكلي لا الموضوع الخارجي وبعبارة أخرى المراد من الآيات الالزام بحكم الله في مقابل حكم الجاهلية فادلة البينة غريبة (عرية خ) عن المقام حيث ان الحكم بالبينة والايمان إنما هو في الموضوعات الخارجية دون الاحكام الكلية والمراد من الآيات هو الحكم بالحق في الشبهة الحكمية أي الحكم بما أنزل الله وجاء به ومعلوم ان ملكية زيد وعدمها التي هي مدلول البينة لم يكن مما أنزل الله ه. فان قلت: ان وجوب الحكم بمقتضى البينة أيضا حكم كلي قد ثبتت حقيته بادلة حجيتها والحكم بخلاف مقتضاها حكم باطل فكيف يقال بعدم تصور الحقية في الحكم الكلي بالنظر إلى البينة.
قلت قد التبس عليك الامر فانه فرق واضح بين كون الحكم في الواقعة حقا الذي هو المحكوم به للحاكم وبين كون أصل حكمه بمقتضى البينة الذي هو فعل الحاكم حقا والذي ينفع في المقام إنما هو الاول دون لثاني كما لا يخفى وثانيا ان المراد من الحق في المقام هو ما ثبت حقيته مع قطع النظر عن حكم الحاكم وأما ما ثبت حقيته بملاحظة حكم الحاكم من جهة قيام البينة فليس مشمولا للآيات كما لا يخفى فالاستدلال بما دل على حجية البينة في مقام القضاء موهون جدا مضافا إلى ما سيجئ من عدم عموم وإطلاق له بحيث يشمل المجتهد والمقلد.
فان قلت سلمنا ان المراد من الآيات الآمرة بالحكم بالحق هو ما ثبت حقيته عند كل من الحاكم والمحكوم عليه لكن هذا المقدار أيضا يكفينا لانا نفرض الكلام فيما لو كان الحاكم والمحكوم مقلدين لمجتهد واحد فيجوز له من الحكم بالحق كما يجوز للمجتهد.
قلت بعد تسليم كون المراد من الآيات المعنى المذكور يكون مساقها مساق أدلة الامر بالمعروف فقد عرفت انه يجوز لكل من يتأتى عنه ذلك مجتهدا كان أو مقلدا وهذا مما لا إشكال فيه بل يمكن دعوى لاجماع عليه إنما الكلام في تأثير الزام المقلد في وجوب الالتزام على الملتزم من غير أن يقتضي تكليفه ذلك كما في المجتهد والحاصل انه قد يجب الزام الشخص على شئ من جهة اقتضاء تكليفه الالتزام به مع قطع النظر عن الالزام فيكون وجوب الالزام حينئذ متفرعا على وجوب الالتزام وهذا مما يشترك فيه المجتهد والمقلد بل يجب على كل أحد من باب الامر بالمعروف والالزام بالحق وقد يجب الزامه بشئ من غير ملاحظة اقتضاء تكليفه ذلك فيكون وجوب التزامه متفرعا على وجوب الالزام المذكور وهذا هو محل النزاع في المقلد فكل من يقول بجواز حكم المقلد فلا بد من أن يثبث وجوب الالتزام بإلزامه وإن لم يقتضه تكليف الملزم (الملتزم خ) ومعلوم انه لا يكفيه تلك الآيات لان مفادها وجوب الالزام فيما اقتضى تكليف الملتزم الالتزام به مع قطع النظر عن الالزام المذكور حسبما رفت من كون المراد بالحق منها هو ما كان حقا عند المحكوم عليه أيضا.
نعم لو صدر هذا الالزام عن التزام (الالزام خ) بماثبت حقيته عند المحكوم عليه من المجتهد كان حكما أي لا بد من أن يترتب عليه آثار الحكم لما قد دل من جوب الالتزام بإلزامه مطلقا سواء اقتضاه تكليف الملتزم أم لا فالالتزام بالالزام المذكور وان اقتضاه نفس تكليف الملتزم أيضا إلا ان هذه الجهة غير ملحوظة إذا كان الملزم هو المجتهد لما قد دل على وجوب الالتزام بالزامه مطلقا فالحيثيتان وإن اجتمعتا في محل واحد إلا ان المناط فيهما مختلف وأما لو صدر من المقلد فلا يكون حكما بمعنى ان يجب عليه ترتيب آثار الحكم لعدم دليل يدل على وجوب الالتزام بإلزامه مع قطع النظر عن اقتضاء التكليف وإن شئت قلت ان هنا شيئين أحدهما جواز الالزام والحكم للمقلد ثانيهما وجوب ترتيب الاثر عليه وصحته ونفوذه أما الاول فلا يجوز له إلا إذا كان الملتزم به حقا أي اقتضاه تكليف الملتزم مع قطع النظر عن الزامه ولا يجوز في غيره وأما الثاني فيتوقف على اثبات كون الزام المقلد بمجرده وإن لم يقتضه تكليف الملزم (الملتزم خ) مؤثرا في وجوب الالتزام وقد عرفت ان الآيات قاصرة عن إفادة ذلك حيث ان قضية ظاهرها كما عرفت هو وجوب الالزام فيما لو كان الملزم به حقا عند المحكوم عليه وما نحن بصدد اثباته ونفيه في المقام هو الثاني وأما الاول فيدل على جوازه للمقلد فيما لو كان الملزم به حقا عند الملتزم كل ما دل على حسن الامر بالمعروف من الادلة الاربعة هذا وثالثا نسلم دلالتها على وجوب الالزام بالحق وإن لم يكن ثابتا عند المحكوم عليه لكن نقول بلزوم تقييدها بما دل من الآيات والاخبار التي قد تقدم إلى شطر منها الاشارة على كون القضاء من مناصب الخليفة وغصنا من شجرة رياستها العامة وبعبارة إخرى مقتضى التمسك بتلك الآيات هو كون القضاء حكما شرعيا واجبا على كل أحد ومقتضى غيرها من الآيات والاخبار هو كونه من المناصب العامة للامامعليهالسلام محتاجا إلى الاذن منه فبينهما تناف فلا بد من ان يرجع إذا إلى ما دل على الاذن في زمان الغيبة من قبل الامامعليهالسلام وانه هل يشمل المقلد أو يختص بالمجتهد فيرجع إلى الامر الثالث وسيجئ ما عليه من الكلام فلا مناص للاستدلال بالآيات أصلا كما لا يخفى ثم انه يظهر بما ذكرنا في الآيات حال التمسك بالاخبار الواردة بهذا المضمون فلا نحتاج إلى تطويل في
____________________
(١) حيث انه لا يجري في الشبهة الحكمية إلا ان يتمسك بالاجماع المركب (منهقدسسره )
المقال وأما الامر الثاني ففيه مضافا إلى أخصية تلك الادلة من المدعى كما لا يخفى عدم كونها في مقام بيان الحاكم وانه من أي صنف من الاصناف بل غاية ما دلت عليه هو انه لا بد من الحكم والفصل بالبينة والايمان وأما الحاكم من أي صنف من الاصناف فتلك الادلة غير ناظرة إلى بيانه ومهملة بالنسبة إليه فلا إطلاق لها من تلك الجهة حتى يتمسك بها (به خ) وقد يتمسك أيضا بأدلة وجوب العمل بالبينة كقولهعليهالسلام لابنه اسماعيل إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم إلى غير ذلك فإنها بعمومها شاملة للمقلد أيضا وفيه ان تلك الادلة وإن تشمل المقلد أيضا إلا انها في مقام التمسك بالبينة في عمل نفس الشخص واما إلزام الغير بمقتضاها كما هو محل الكلام فلا دلالة فيها على ذلك أصلا كما لا يخفى فلم يبق في المقام ما ينفعنا إلا الامر الثالث وهو ادعاء شمول الاذن الواصل من ائمة الانام لمثل هذا العوام فبالحري أن نذكر جملة من الاخبار الموهمة (المتوهمه خ) دلالتها على الاذن للمقلد حتى يتضح لك الحال ويرتفع الغبار. فنقول منها قول الصادقعليهالسلام في خبر أبي خديجة إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم (قاضيا خ) فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه. ومنها مقبولة عمر بن حنظلة قال سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك فقالعليهالسلام من تحاكم اليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذه سحتا وإن كان حقه ثابتا (حقا ثابتا له خ) لانه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله تعالى أن يكفر به قلت فكيف يصنعان قال ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حاكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله الخبر ومنها ما رواه الحلبي قال قلت لابي عبداللهعليهالسلام ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشئ فيتراضيان برجل منا فقال ليس هو ذاك إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط الخبر إلى غير ذلك ثم ان جل المستدلين بالروايات إنما استدلوا برواية أبي خديجة وبعضهم تمسك برواية الحلبي أيضا ولكن لم أر أحدا تمسك بمقبولة عمر بن حنظلة إلا الفاضل القميرحمهالله والحق عدم إمكان التمسك بها بل ي من وجوه الرد عليهم كما سنشير اليه وكيف كان وجه الاستدلال انه أمر في رواية أبي خديجة بالتحاكم إلى من علم شيئا من قضاياهم ومن المعلوم إن المراد من العلم ليس هو خصوص الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع وإلا لزم عدم جواز التحاكم إلى المجتهد أيضا لكون أكثر أحكامه ظنية نظرا إلى ظنية مباديها ومداركها فلا بد أن يكون المراد منه هو الاعتقاد الاعم من الجازم وما ثبت اعتباره بالدليل وإن لم يكن جازما وهذا نظير ما ذكروه في تعريف الفقه بأنه العلم بالاحكام الشرعية الخ من ان المراد منه الاعتقاد الاعم من العلم والظن ومعلوم ان هذه القضية صادقة في حق المقلد فإنه بعدما قلد مجتهده في كون عشر رضعات محرما وحصل له الظن بالتحريم يكون هذا الاعتقاد معتبرا في حقه فيجب على الغير التحاكم إليه بمقتضى الرواية وكذا قوله في رواية الحلبي فيتراضيان برجل منا غاية الامر خروج من لم يعرف الاحكام أصلا لا باجتهاده ولا بالتقليد منه بقيام الاجماع على اشتراط المعرفة في الجملة فبقى المجتهد والمقلد داخلين فيه هذا غاية ما يمكن أن يوجه به الروايتان للدلالة على المقصود لكن الحق عدم دلالتهما على ذلك أما أولا فلان إطلاقهما وارد في مورد حكم آخر أي في مقام عدم جواز التحاكم إلى الطاغوت كما هو صريح الثانية بل الاولى أيضا فالمقصود منهما انه لا بد من المرافعة من ان يرجع إلى الشيعة دون الطاغوت واما ان المرجع من الشيعة هو كل من يعرف الحكم أو خصوص المجتهد فهما ساكتتان عنه غير واردتين لبيانه.
فان قلت اليس شيوخكم تمسكوا برواية أبي خديجة في اشتراط الفقاهة والاجتهاد في القاضي وهذا الذي ذكرته مناف لما فهموه من الرواية. قلت نمنع من تمسك الشيوخ بالرواية على اشتراط الاجتهاد في القاضي وإنما تمسكوا بها لاثبات أصل الاذن من الامام لشيعتهم في زمان الغيبة وأما اشتراط الاجتهاد فإنما جاؤا به من مقبولة عمر بن حنظلة كما يظهر من المراجعة إلى كتبهم.
نعم ربما يتمسك بها بعض المتأخرين لاثبات اشتراط الاجتهاد أيضا وأما ثانيا فلان المراد من المعتقد بحكم الله حسبما هو المراد من العالم على ما بنى عليه المستدل هو من يعتقد بحكم الله باعتقاد الناظرين على ما عرفت من أن مقتضى القاعدة كون الطريق إلى الموضوع في القضية المأمور بها هو اعتقاد المأمور والمخاطب لا من اعتقد بكون معتقده حكم الله وإن لم يكن حكم الله باعتقاد الناظرين إلا إذا كانا شريكين في الاعتقاد. نعم هو في اعتقاد الناظر معتقده حكم الله لا كون معتقده حكم الله لانه لا يكون معتقدا بحكم الله عند الناظر إلا إذا اعتقد بكون معتقده حكم الله ولهذا قد فرض بعض المحققين القائل بالجواز الحكومة للمقلد فيما لو كان المتداعيان والمقلد الحاكم مقلدين لمجتهد واحد وقال في بعض كلام له بعد استدلاله برواية أبي خديجة حسبما عرفته من كون المراد من العلم فيها الاعم من الاعتقاد الجازم وما ثبت اعتباره من الاعتقاد الغير الجازم ما حاصله انه كما يجوز للمترافعين والمتداعيين كالزوج والزوجة في ان عشر رضعات محرم مثلا الالتزام بالحرمة فيما إذا كانا مقلدين لمجتهد يعتقد ذلك من دون أن يتحاكما إلى أحد كذا يجوز تحاكمهما إلى مقلد كان شريكا معهما في التقليد أي مقلدا لمن يقلدانه فيحكم بينهما بما قلده من المجتهد من نفوذه للحرمة فالرواية تدل إذا على جواز الرجوع إليه لكونه أيضا عالما بشئ من قضاياهم بالمعنى المتقدم انتهى ملخص كلامه وحاصل مرادهقدسسره ولقد أجاد فيما أفاد وجاء بما فوق المراد ولكن يرد عليه بعد تسليم دلالة الرواية على جواز الرجوع إلى المقلد في الفرض المزبور انه لا دلالة لها على كون الرجوع في تلك الصورة من جهة كون الزامه مؤثرا في وجوب الالتزام بالملتزم به مع قطع النظر عن كون مقتضى تكليف المحكوم عليه الالتزام بالملتزم به كما هو محل النزاع فلعله كان من اقتضاء تكليفه ذلك مع قطع النظر عن الالزام المذكور فيكون التكليف بالرجوع إليه من جهة وجوب اتباع الحق والمعروف وهو خارج عن الفرض.
فإن قلت انا نثبت وجوب الالتزام بالالزام المذكور مع قطع النظر عن شئ آخر في هذا الفرض ويتم القول في الباقي بالاجماع المركب وطريق اثبات المدعى هنا ان مقتضى جعل الامام شخصا قاضيا على ما هو مقتضى الرواية هو وجوب الالتزام بإلزامه مع قطع النظر عن اقتضاء تكليف الملتزم وإلا لما احتاج إلى جعله قاضيا حيث ن الالزام بالمعروف غير محتاج إلى جعل من الامام فيكون قولهعليهالسلام في الرواية فإني قد جعلته قاضيا دليلا على وجوب الالتزام بإلزامه وإن لم يقتضه تكليف الملتزم وهذا نظير التوقيع الشريف عن الامام عجل الله فرجه وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله فإن التعليل بأنهم حجته يدل على وجوب قبول قولهم مع قطع النظر عن اقتضاء التكليف ذلك كما لا يخفى.
قلت الظاهر من التعليل بالجعل والحجة وان كان ما ذكر ابتداء الا انه بملاحظة كون المعهود عند اهل الزمان والمركوز في اذهانهم انه لا بد من كون القاضى منصوبا من جانب السلطان وانه لا يسمع بمقالته من دون النصب وان قال حقا يصير الظاهر من التعليل ان السلطان العالم العادل بين المسلمين قد اوجب الرجوع إلى
هؤلاء وجعلهم منصوبين منه فلا بد من ان يسمع مقالتهم لان الجعل قد حصل فلا دلالة للتعليل المذكور على كون وجوب الالتزام بالزامهم من جهة تأثير الالزام مع قطع النظر عن حقية الملتزم به عند المحكوم عليه فتأمل واما ثالثا فلان جعل العلم بمعنى مطلق الاعتقاد الشامل للظن خلاف الظاهر فلا داعي إلى ارتكابه بل قد يمكن أن يدعى دم استعماله فيه ابدا واوهن منه ما ذكره الفاضل القمي من ان المراد من العلم الظن بعلاقة وجوب العمل فان استعمال العلم في خصوص الظن مما لم يعهد بينهم (منهم خ) هذا واما رابعا فلانه بعد تسليم صحة الاستعمال المذكور لا يكفي المستدل ذلك ولا يغنيه من جوع لعدم اشتراط حصول الظن من فتوى المجتهد ظنا شخصيا للمقلد بالاجماع بل لا بد من ان يرجع اليه وان لم يحصل له ظن بل وان حصل الظن على الخلاف فلا بد من ان يقولوا بتعميم اخر وهو كون المراد من العلم الاعم من الاحتمال الواجب العمل وفساده غني عن البيان واما ما تخليه من انه لو أبقى العلم على ظاهره لخرج المجتهد ايضا منه فخيال فاسد لانا نقول ان المراد من العلم في مثل هذه القضايا هو العلم العرفي ولا ريب في صدقه على من علم وعرف كثيرا من الاحكام وان كان ظانا في الباقي بعدما كان مقصوده الاولى حصيل العلم بالواقعة ومعلوم ان المجتهد ليس جميع مستنبطاته ظنية بل كثير منها قطعية علمية يعلم بموافقة جملة منها للواقع وان لم يعرفها بعينها فقوله (ع) يعلم شيئا من قضايانا صادق في حقه قطعا بخلاف المقلد فانه لا يطلق عليه العالم عند العرف فصدق العالم على المجتهد لا يتوقف على حصول العلم بمعنى الاعتقاد او خصوص الظن بعد ما عرفت من أن المراد من العالم هو العالم العرفي وهذا امر ظاهر بعد المراجعة إلى العرف الا ترى انهم يقولون فلان عالم بالنحو او الصرف او غيرهما مع انه لم يكن جازما باكثر مسائله (مسائلها خ) فان شئت قلت ان التصرف انما وقع في النسبة لا في الكلمة فبعد ما كان هذا النحو من الاطلاق شايعا عند العرف لا احتياج لنا إلى صرف الكلمة عن ظاهرها فادعاء كون المراد من العلم هو الظن الواجب العمل ضعيف جدا نعم لو قال احد بان المراد من الحكم الاعم من الظاهري والواقعي والمقلد وان لم يكن عالما بالحكم الواقعي لكنه عالم بالحكم الظاهري كالمجتهد في مظنوناته لم يكن في الضعف كسابقه وان كان هو ايضا ضعيفا فافهم واما خامسا فلانه بعد تسليم ذلك كله و كون الرواية شاملة باطلاقها للمقلد والمجتهد كليهما نقول انه لا بد من تقييد اطلاقها بمقبولة عمر بن حنظلة لكونها اخص منها لان الظاهر من فقراتها الثلاث وهو قوله روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا هو اعتبار العلم كما لا يخفى فادعاء كونها اعم ايضا نظرا إلى صدق المعرفة والنظر في حق المقلد كما صدر عن بعض الافاضل مما لا يصغى اليه بعد ماعرفت من الظهور على خلافه. فان قلت بعد تسليم كون المقبولة ظاهرة في اعتبار العلم وعدم كفاية التقليد نمنع من دلالتها على اعتبار الاجتهاد حيث انه اعم منه والعام لا يدل على الخاص مضافا إلىحصول العلم الضروري لكل احد بان المنصوبين من قبل الائمة (ع) في زمان حضورهم الذاهبين إلى البلدان البعيدة والقريبة بل الموجودين في بلدهم (ع) لم يكونوا كلهم مجتهدين عالمين بالاحكام باعتبار ملكة الاستنباط بل انما كانوا سئلوا الامام من الاحكام و علموا بها من جهة جوابه (ع) وهذا مما لا يحتاج فيه إلى قوة الاستنباط بل لا مدخل لها فيه فالقول باعتبار الاجتهاد كما هو المطلوب مما يدل عليه المقبولة بل تدل على عدمه سيما بملاحظة ما ذكرنا اخيرا. قلت لسنا قائلين بدلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد في الحاكم وانما نقول بدلالتها على اعتبار العلم فيه ولكنا نقول أنه لا يمكن تحصيل العلم بالاحكام الشرعية في زماننا هذا الا بملكة الاجتهاد فاعتبار الاجتهاد ليس من جهة دلالة المقبولة عليه بل من جهة عدم حصول العلم في زماننا هذا واشباهه الا به فاعتبار الملكة انما هو من
جهة عدم تحقق الموضوع في هذه الازمنة الا به واين هذا من اعتبار الاجتهاد في القاضي مطلقا فنصب الائمة (ع) من لا يعلم بالحكم الا من قولهم لا ينافي مانقول به في زماننا ومن هنا يعلم فساد ما تمسك به بعض الذاهبين إلى كفاية التقليد في الحاكم من انا نعلم ضرورة بعدم الاجتهاد لكل من نصبه الامام (ع) في زمان حضوره فيدل على كفاية التقليد وعدم اعتبار الاجتهاد هذا كله مضافا إلى ربما يدعى من دلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد لمكان قوله (ع) نظر في حلالنا وحرامنا لان الظاهر منه اعتبار النظر والاجتهاد في الحلال والحرام مضافا إلى ان العالمين بالاحكام من قول الامامعليهالسلام كان لهم عام وخاص ومطلق ومقيد ومعارض وسليم عن المعارض وامر ونهي ومجمل مبين و محكم ومتشابه إلى غير ذلك كزماننا هذا فالقول بعدم الاجتهاد لهم فاسد جدا غاية الامر سهولة الخطب في ذلك الزمان وصعوبته في زماننا هذا لكنك خبير بفساد هذه الدعوى حيث ان استنباط الحكم من الطرق المتعارفة عند اهل اللسان بحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد والمجمل على المبين إلى غير ذلك لا يكون اجتهادا قطعا نعم انكار وجود الاجتهاد في زمان الائمةعليهمالسلام مطلقا حتى للغائبين عن حضورهعليهالسلام خلاف الانصاف مضافا إلى دلالة بعض الروايات عليه فالاولى في الجواب ما ذكرنا من ان اعتبار الاجتهاد في زماننا من جهة عدم امكان تحصيل العلم بدونه واما دعوى دلالة لفظ نظر عليه فضعيفة جدا للمنع عن كونه بمعنى الاجتهاد كما لا يخفى.
فان قلت ان المراد من الاحكام ان كان هو الكل كما هو مقتضى الجمع المضاف حيث لا عهد فيخرج المجتهد ايضا لعدم وجود مجتهد كان عالما بجميع الاحكام بل ظانا بها. ولازمه عدم جواز الحكم له وهو مخالف للاجماع بل الضرورة فلا بد من طرح الرواية وان كان البعض فيشمل اطلاقها المقلد ايضا فانا نفرض حصول العلم للمقلد في بعض المسائل من قول مجتهده. قلت بعد تسليم كون الجمع المضاف مفيدا للعموم اما اولا فلا بد من ان يخرج عن هذا الظاهر و صرفه إلى غيره بقرينة فهم الاصحاب فنقول ان المراد منه ليس الجميع ولا البعض بل الجنس ولا شك في عدم صدقه في حق المقلد وصدقه في حق المجتهد واما ثانيا فبان نقول ان العموم بحاله الا ان المراد منه العموم العرفي لا الحقيقي ولا ريب في صدقه في حق من علم كثيرا من الاحكام وان لم يعلم كلها. فان قلت ان ما ذكرته في رواية ابي خديجة في مقام الرد على المستدل بها لجواز الحكومة من ان الامر بالرجوع إلى العالم بالحكم يقتضي اعتبار اعتقاد المخاطب في ذلك فلا يدل على وجوب الرجوع الا بالنسبة إلى من علم المخاطب بكونه عالما بحكم الله فيخرج عن محل الفرض يجئ بعينه فيما نحن فيه ايضا فنقول ان الامر بالرجوع إلى من جمع فيه الصفات المذكورة في المقبولة انما يقضي بوجوب الرجوع إلى من جمع فيه الصفات باعتقاد المأمور لقضية ما ذكر في المشهورة فيخرج عن محل الفرض لكونها داخلة حينئذ في عداد لامر بالمعروف.
قلت بعد الغض عما ذكرنا اخيرا في المشهورة من ان المراد من العلم فيها هو العلم العرفي ولا ريب في صدقه في حق المجتهد ان في مقام قرينة على كون المراد من العلم والمعرفة هو العلم باعتقاد الحاكم دون المحكوم عليه وهي فرض الراوي تعارض الحكمين (الحاكمين خ) في الحكم لان التعارض لا يمكن الا بان يكون المراد من المعرفة هي المعرفة باعتقادهما والا فلا يمكن تعارض الحاكمين العارفين بالحكم في نظر المحكوم عليه لانه مسلتزم للتناقض في اعتقاده وكذا جواب الامامعليهالسلام بالرجوع إلى الافقه والاعدل مطلقا من غير تقييد له بصورة التوافق في الاعتقاد يصير قرينة على كون المراد من العارف في المقام من كان عارفا بالحق باعتقاد نفسه فافهم وتأمل.
فان قلت ان ظاهر الرواية حسبما هو قضية العطف بالواو هو اعتبار جميع الاوصاف الثلاثة فلا بد بناء عليه بناء عليه ان نقول باشتراط كون الحاكم راويا ايضا وهذا الشرط خلاف الاجماع في زماننا واشباهه فلا بد من ان نقول بكونها واردة في حق الرواة فلا تدل على جواز حكومة المجتهد ايضا.
قلت اولا ان المراد من راوي الحديث كونه محتملا له وان لم ينقله لغيره ومعلوم ان المجتهدين في زماننا ايضا متحملون للاحاديث وثانيا ان ذكر وصف الرواية (روى خ) ليس من جهة اعتباره في الحاكم بل من جهة عدم تحقق العالم بالحكم في تلك الازمنة الا بهذا الوصف فاعتباره من جهة عدم الانفكاك بينه وبين العالم دائما او غالبا فيكون القيد واردا مورد الغالب.
فان قلت هب ان المراد بالعارف بالحكم في المقبولة هو من عرفه بالاجتهاد لكنه لا يدل على نفيه من غيره لعدم المفهوم للقيد واللقب فيكون المقبولة مع المشهورة من قبيل المطلق والمقيد المثبتين فلا داعي لحمل المشهورة على المقبولة والقول بان المراد منها هو المجتهد لما تقرر في مسألة المطلق والمقيد من ان الشرط في حمل المطلق على المقيد هو ثبوت التنافي بينهما ولا تنافي في المثبتين كما لا يخفى فبقى المشهورة باطلاقها شاملة للمجتهد والمقلد فتعين الرجوع اليها.
قلت ما ذكرته من ان القيد لا مفهوم له كلام متين لكنه من المقرر في محله ايضا انه لو كان القيد واللقب في مقام التحديد يكون له مفهوم قطعا لان القيود في التحديدات لا بد ان تكون احترازية والا لما صح الطرد والمنع فوقوعه في مقام التحديد قرينة على كون المراد منه المفهوم والا لاختل الغرض المسوق له القيد ومعلوم ان الامامعليهالسلام في مقام تحديد من يجب الرجوع اليه من الشيعة فلا يمكن ان يق بان ما يذكره من القيد لا مفهوم له بل لا بد من ان يق ما ان ما يذكره من القيود احترازية فظهر بما ذكرنا فساد ما توهمه بعض من ان المقبولة مع المشهورة من المثبتين فلا قاضي بحمل احديهما على الاخرى وان كانتا من المطلق والمقيد وجه الفساد انه قد تقرر في محله وجوب حمل المطلق على المقيد فيما ثبت فيه اتحاد المكلف به وقد عرفت مما ذكرنا من كون الامامعليهالسلام في مقام تحديد المرجع ان المرجع اما مطلق العالم على ما هو مدلول المشهورة او خصوص المجتهد كما هو مدلول المقبولة ولا يمكن ان يكون المعين للمرجعية هو مطلق العالم باطلاقه وخصوص فرد منه بخصوصه فلا بد من حمل المطلق على المقيد حسبما هو المقرر في محله فكما انه لو علم باتحاد التكليف في قوله اعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة لا بد من حمل المطلق على المقيد لان وجوب عتق الرقبة المؤمنة تعيينا حسبما هو ظاهر الامر به ينافي وجوب عتق الرقبة مطلقا فكذا في ما نحن فيه بعد العلم بان الامامعليهالسلام في مقام تحديد المرجع فبعد العلم باتحاد المرجع لا بد من حمل المطلق في المشهورة على المقيد في المقبولة كما لا يخفى.
ثم ان في المقبولة دلالة واضحة على ما انعقد عليه الاجماع من عدم جواز نقض حكم الحاكم ووجوب الامضاء عليه من جهات عديدة احديها ايجاب الرجوع إلى من كان جامعا للصفات المذكورة في الرواية فانه يدل على حكومة الزام الحاكم على ما هو مقتضى تكليف المحكوم عليه ثانيتها قولهعليهالسلام بعد ذلك فليرضوا به حاكما فاني قد جعلته عليكم حاكما وفيه دلالة ظاهرة على عدم جواز النقض سيما بملاحظة التعليل ولفظة عليكم ثالثتها تصريح الامامعليهالسلام بعد حكمه بعم جواز النقض بان الراد على الخ هذا.
وهنا دقيقة يجب التنبيه عليها وهي ان مقتضى نفس القضاء والحكم بعدما جعله الامامعليهالسلام حاكما مع قطع النظر عن شئ آخر هو عدم جواز نقضه لانه بعدما انفصل الامر بفصل الحاكم كيف يجوز الوصل بل لا
يعقل الوصل بعده وهذا نظير ما ذكرنا في قوله اوفوا بالعقود من ان بعدما انعقد العقد لا يعقل حله فاذا كان مقتضى القضاء والحكم فصل الشئ والفراغ منه لا يعقل وصله ومما يؤيد ما ذكرنا من كون عدم النقض من مقتضيات نفس الحكم والقضاء بل يدل عليه تفريع الامامعليهالسلام على الرد لحكمه الاستخفاف بحكم الله والرد عليهمعليهمالسلام ففيه اقوى دلالة على كون حرمة النقض من مقتضى اصل الحكم هذا ولكن فيه احتمال اخر لا يتم معه لاستشهاد المذكور وهو تفريع الامرين المذكورين على الجعل لا المجعول اي لما كان مجعولا من قبلنا وكان حكمه بامضائنا فعدم قبوله استخفاف بحكم الله ورد علينا ايضا يؤيد ما ذكرنا لكنه مع ذلك كله الاول اظهر.
ثم ان دلالة المقبولة بعدم جواز النقض في الاحكام الكلية اي فيما اذا كان نزاع المتحاكمين راجعا إلى الحكم الشرعي الكلي كثبوت حق الشفعة في اكثر من الشريكين مثلا مما لا اشكال فيه انما الا اشكال في انها هل تدل على عدم جواز نقض حكم الحاكم في الموضوعات الخارجية كما ثبت بالاجماع بل الضرورة عدم جواز نقض حكمه فيها ايضا ام لا قد يق بدلالتها على ذلك نظرا إلى لفظة في دين فان الظاهر منه كون النزاع فيه راجعا إلى النزاع في الموضوع ولفظة وان كان حقه ثابتا في صدر الرواية فانها ايضا ظاهرة في الموضوع الخارجي فتكون المقبولة شاملة للحكم في الاحكام الكلية والموضوعات الخارجية لكن الانصاف ان التأمل في الرواية يعطى عدم شمولها للموضوعات الخارجية واما ظهور الدين فيما ذكر فممنوع بل الظاهر من قوله او ميراث الفراغ عن اصل وجودالدين وانما النزاع في حكمه ببعض الوجوه ومنه يظهر منع الظهور في الفقرة الاولى ايضا هذا لكن المصلحة الملحوظة في اصل تشريع القضاء وهي رفع الخصومة بين الناس تاتي الاجماع في المقام ايضا هذا تمام الكلام في المقام الاول وهو جواز حكم المقلد مستقلا عن فتوى مجتهده وعدمه واما المقام الثاني وهو جواز نصب المجتهد له وحكمه بعد نصبه فتقول ان الحق فيه ايضا عدم الجواز.
لنا مضافا إلى الاصل اي اصالة عدم تأثير نصب المجتهد والاجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة المحققة بين الاصحاب ما عرفته من دلالة المقبولة على اشتراط الاجتهاد في القاضي ولهم على الجواز عموم ادلة ولاية المجتهد كقولهصلىاللهعليهوآله علماء امتي كانبياء بني اسرائيل وقولهعليهالسلام العلماء ورثة الانبياء وقولهصلىاللهعليهوآله ثلثا اللهم ارحم خلفائي قيل ومن خلفائك يا رسول الله قال الذين ياتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي وقول - الامام عجل الله فرجه في التوقيع الشريف واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله وقولهعليهالسلام مجاري الامور بيد العلماء إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في باب ولاية المجتهد المذكورة في محله فانها بعمومها تدل على ثبوت كل ماللامام للمجتهد ايضا وفيه ان الاستدلال بالمعلومات لا يتم الا بعد اثبات صغرى وهي قولك ان نصب الامامعليهالسلام للمقلد كان جايز او كبرى وهي قولك كلما يجوز للامام يجوز للمجتهد وكلتاهما ممنوعتان اما الصغرى فللمنع من جوازه للامام بعد ما عرفت من كون الاجتهاد شرطا مشروطا فبعد اثبات كون اشتراط الاجتهاد في القاضي حكما الهيا نقول بعدم جواز تغييره للامام نعم لو فعل لكشف عن جوازه وفيما لم يثبت فعله نقول بعدم جوازه فالصغرى غير ثابتة.
فان قلت ان غاية ما تدل عليه المقبولة هو عدم الاذن من الامامعليهالسلام الا في حق المجتهد لاعدم جوازه الا في حقه وشتان ما بينهما وبعبارة أخرى ان دلت على كون اشتراط الاجتهاد في القاضي حكما الهيا لدلت على عدم جواز نصب الامام للمقلد لما قد تقرر من عدم جواز تغييره لاحكام الله لكن المقبولة لا تدل على ذلك
بل انما دلت على ان الاذن الحاصل من الامام (عليه الاسلام) انما هو مقصور في حق المجتهد ولا يكون في حق المقلد واين هذا من عدم جواز الاذن للمقلد والحاصل ان هناك شيئين احدهما جواز نصبه للمقلد واذنه للقضاء بين الناس وعدمه ثانيهما ان الاذن ونصبه الواصل الينا الحاصل في الخارج هل يشمل المقلد ام لا وما ينفع في المقام هو الاول وما يدل عليه المقبولة على فرض تسسليمه هو الثاني. قلت بعد الغض عن دلالة المقبولة على كون اشتراط الاجتهاد حكما الهيا وتسليم عدم دلالتها على ما ذكر من اختصاص الاذن من الامام على المجتهد نتمسك في منع الصفرى حينئذ بالاصل لان الاصل الاولى فيما شك كونه حكما شرعيا الهيا عدم جواز تبديله للامامعليهالسلام وفيه تأمل واما الكبرى فاولا نمنع عموم ادلة الولاية حتى تدل على ان كل ما يجوز للامامعليهالسلام يجوز للمجتهد لان المنصف بعد التأمل في سياقها وصدرها وذيلها يقطع بانها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الاحكام الشرعية والقضاء بين الناس واما كونهم كالنبيصلىاللهعليهوآله والائمةعليهمالسلام في ونهم اولى بالناس في اموالهم وانفسهم فيجوز لهم التصرف بنصب مسلط عليهم فلا دلالة لها على ذلك اصلا وثانيا نسلم ان فيها عموما يدل على ثبوت جميع ما للامام للمجتهد لكن نقول انه يجب حملها على ارادة العموم من الجهة المعهودة المتعارفة من وظيفة من حيث كونه رسولا وواسطة بين الله وبين الناس وحجة عليهم وهي ما ذكرنا من بيان - الاحكام الشرعية للناس والقضاء بينهم والالزام تخصيص اكثر افراد العام لعدم ثبوت اكثر ما للنبي والامام من التصرف في الناس نفسا ومالا للمجتهد.
وان شئت قلت ان العام اذا خرج منه اكثر افراده يصير موهونا لا يجوز التمسك به في مورد الشك الا بملاحظة تمسك جماعة معتد بها من الاصحاب به بحيث يرتفع الوهن المذكور حسبما ذكرناه في عمومات نفي العسر والحرج ونفي الضرر والضرار في الاسلام وغيرهما من انها عمومات قد دخل فيها الوهن بملاحظة خروج اكثر افرادها لا يجوز التمسك بها الا بعد انجبارها بتمسك جماعة من الاصحاب ففيما نحن فيه ايضا نقول انه بعد ما لم يثبت اكثر ما للنبي والامام للمجتهد فلا يجوز التمسك بعمومات ادلة الولاية الا بعد تمسك جماعة معتد بها من الاصحاب ومعلوم انه لم يتمسك بتلك العمومات في المقام الا بعض متاخري المتاخرين من اصحابنا رضوان الله عليهم ولا يبعد كونهم مسوقين بتقدم الاجماع على خلافهم كما عرفت من الاصحاب مثل ثاني الشهيدين في مسالك الافهام هذا غاية ما يمكن ان يقال في المقام الثاني. واما المقام الثالث وهو جواز القضاء للمقلد فيما لو صار وكيلا عن المجتهد فالحق فيه ايضا عدم الجواز ومرجع النزاع في المقام إلى انه هل يوجد في عمومات الوكالة ما يمكن التمسك به في المقام ام لا فبالحري قبل الخوض في المقصود ان نذكر مقدمة ربما تنفعنا في المقام وهي انه لا شك ولا ريب في ان ما لا يدخله الاستنابة لعدم قابليته لها من حيث عدم ترتب الاثر على الفعل الا من حيث قيامه بفاعل خاص ومباشر معين لا تأتي فيه ادلة الوكالة وعموماتها لعدم تحقق موضوعها حيث انها مختصة بما يقبل النيابة وغير جارية فيما لا يقبل فقابلية الفعل للاستنابة فيه مأخوذة في موضوع ادلة الوكالة بحيث لو لم يكن هناك قابلية لم يتحقق مفهوم الوكالة ومعناها فعدم الحكم بالوكالة فيما كان مختصا بمباشر خاص ليس تخصيصا في عموماتها بل هي بنفسها مختصة بصورة عدم الاختصاص بالمباشر الخاص فيلزمه انه فرض الشك في اختصاص الفعل بمباشر خاص او أنه يقبل النيابة ان لا يجوز التمسك بالعموم للشك في تحقق الموضوع حيث ان التمسك بالعموم انما هو فيما شك في التخصيص بعد القطع بتحقق الموضوع فيه واما لو شك في كون زيد عالما او جاهلا فلا يجوز التمسك باكرم العلماء في
وجوب اكرامه حيث ان جريانه يتوقف على تحقق الموضوع فكيف يمكن اثبات الموضوع به فعدم الاكرام في مشكوك العلم ليس تخصيصا في قوله اكرم العلماء لعدم العلم بتحقق موضوعه هو العلم (هو العالم خ) فلا يجوز التمسك بالعام في الشبهات الموضوعية والمصداقية الا فيما اذا فرض الشك في اندراجه في العام او المخصص المفروغ عن كونه مخصصا كما لو ورد دليل بوجوب اكرام العلما ثم دليل اخر بعدم وجوب اكرام فساقهم فشك في زيد العالم انه فاسق او ليس بفاسق فانه لا يبعد حينئذ اختيار التمسك بالعام مطلقا او اذا كان هناك اصل موضوعي يتمسك به في رفع المانعية كاصالة عدم الفسق فيما نحن فيه او فيما اذا لم يكن العام مخصصا بتخصيص متصل كقوله اكرم العلماء العدول وفرض الشك في كون زيد العالم عادلا وان كان الحق هو الاوسط ثم الاخير لرجوع الشك في المخصص المتصل حقيقة إلى الشك في المقتضي فكيف كان اذا عرفت هذه فنقول ان الحق عدم جواز التمسك بادلة الوكالة فيما نحن فيه اما اولا فلما قد عرفت من دلالة الاخبار من الائمة الاطهار والاجماعات المنقولة من العلماء الاخيار على كون القضاء في زمان الغيبة من خصائص المجتهد ومناصبه بحيث لا يترتب عليه الاثر الا بملاحظة قيامه بفاعل خاص ومباشر معين و المجتهد فقابلية النيابة غير محرزة حتى نتمسك بعمومات الوكالة بل مقتضى الدليل حسبما عرفت عدم القابلية واما ثانيا فلانا لو لم نقل بدلالة الدليل على الاختصاص فيما نحن فيه فلا اقل من الشك في الاختصاص بمباشر معين هو المجتهد من حيث ملاحظة الخلاف وذهاب المعظم إلى الاختصاص فقد عرفت ان الشك فيه راجع إلى الشك في تحقق الموضوع وان العمومات غير جارية فيه.
توضيح المقام على وجه يتضح المطلوب ويرتفع الغبار عن وجه المقصود ان من الافعال ما لا يترتب عليه الاثر المقصود منه الا بملاحظة قيامه بفاعل خاص فالمباشرة لشخص معين مأخوذة في الفعل من حيث رتب الاثر عليه ومنها ما يترتب عليه الاثر المقصود منه بملاحظة اصل وجوده في الخارج من غير خصوصية للفاعل اصلا بل من اي فاعل صدر يترتب عليه الاثر ومنها ما لا يترتب عليه الاثر المقصود منه الا بملاحظة قيامه بفاعل خاص او اذن منه تسبيبا او نيابة ومنها ما يشك كونه مما يختص بمباشر خاص او لا بل يكون من احد الامرين بمعنى انه مردد امره بين كونه من القسم الاول او احد القسمين الاخيرين فان كان من القسم الاول فلا يتحقق فيه الوكالة حسبما عرفت سابقا من كون قابلية النيابة مأخوذة في اصل تحقق مفهوم الوكالة فكل فعل علم كونه من هذا القبيل كالمضاجعة والطلاق على القول بعدم تحقق الوكالة فيه واليمين والنذر وغيرها لم ينفع فيه عمومات الوكالة قطعا وان كان من القسم الثاني كالاحتشاش والاحتطاب والالتقاط وغيرها مما يكون اثر الفعل مترتبا عليه من اي فاعل صدر فلا يتحقق فيه الوكالة ايضا لعدم قابليته لان يقع نيابة عن الغير حتى يجري فيه لوكالة لان المفروض ترتب الاثر المقصود منه عليه بمجرد وجوده من اي شخص كان فيختص به فالعمومات غير مثمرة في تلك الصورة ايضا وان كان من القسم الثالث فلا اشكال في جريان الوكالة فيه في الجملة لفرض احراز قابليته للنيابة فان حصل الاذن منه على وجه التسبيب لحقه ما يلحقه من الاحكام وان حصل على وجه النيابة لحقه ما يلحقه من الاحكام ايضا فان بينهما فرقا من حيث الحكم قطعا حيث ان في الاول لا يعتبر اجتماع شروط الفعل في السبب فيحصل ممن لا يقع عنه الفعل مستقلا كالصبي والمجنون وغيرهما بل المناط فيه هو اجتماع الشروط في المسبب بالمبنى للفاعل ومن نا حكموا بان من يوضئو العاجز لا يشترط اجتماع شروط التكليف فيه من البلوغ والعقل وغيرهما وهذا بخلاف الثاني حيث ان اجتماع الشروط معتبر في النائب دون المنوب عنه هذا فيما يقع على كل من الوجهين واما ما يختص باحدهما فيختص به فيلحقه حكمه
كيف كان ففي هذا القسم لا اشكال في لتمسك بالعمومات لدفع ما شك في شرطيته كما هو الشأن في جميع موارد التمسك بالعموم وان كان من القسم الرابع فقد عرفت ان الحق عدم صحة التوكيل فيه وفساد التمسك بالعمومات للشك في تحقق الموضوع وهذا كله لا اشكال فيه ولا شبهة تعتريه انما الكلام في انه هل هنا اصل يرجع اليه لاحراز القابلية للنيابة في كل فعل شك في قابليته لها او لا فنقول ان الظاهر من كلمات الاعلام عدم اصل في المقام حتى يرجع اليه لاحراز القابلية في الافعال بل قضية ظاهر كلماتهم ان الاصل عندهم في كلما شك في قابليته هو البناء على عدم القابلية حتى تعلم القابلية لكن يظهر من كلمات بعض مشايخنا اعلى الله مقامه ان الاصل في المقام حسب ما يستفاد من التأمل في كلام الاصحاب ايضا هو لبناء على القابلية حتى يعلم عدمها والمستفاد من كلامه في مستند هذا الاصل امران احدهما ان مرجع الشك في صحة الوكالة وعدمها فيما كان مسببا عن الشك في قابلية الفعل للنيابة إلى الشك في اشتراط المباشرة وعدمه والاصل عدمه ثانيهما ان مقتضى العمومات هو صحة الوكالة والنيابة في كل شئ حتى يعلم اشتراط المباشرة.
وانت خبير بضعف كلا الامرين ووهن كل من المستندين اما الاول فلان اجراء الاصل المذكور اي اصالة عدم اشتراط المباشرة اما ان يكون فيما كان هناك امر لفظي بالفعل كقوله إغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه أو فيما لا يكون هناك أمر لفظي بالفعل بل انما ثبت مطلوبيته ومشروعيته من اللب فأن كان في - الصورة الولى فلا ريب ان الاصل هو المباشرة لقضية ظاهر الامر حيث ان الظاهر من طلب شئ عن شخص حسب ما ذكرنا مفصلا في الاصول موافقا لجماعة من الفحول هو قيامه به بنفسه وعدم كفاية غيره وان كان في الصورة الثانية فالاصل ايضا عدم ترتب الاثر عليه حتى يقوم المكلف به بنفسه فصار الاصل المباشرة في تلك الصورة ايضا حتى قوم دليل من الخارج على الاكتفاء بقيام غيره غاية الامر عدم اصل من الطرفين فاين اصالة عدم اشتراط المباشرة حتى يرجع اليها في مقام الشك واما الثاني فلان ما يتصور من العمومات في المقام لا يخلو عن ثلاثة احدها ان يدل دليل على ان كل فعل من الافعال قابل للنيابة والوكالة ثانيها أن يدل دليل على المضي في كل نيابة وصحة كل وكالة ثالثها ان يدل دليل على ان كل وكالة صحيحة يجب المضي عليها حتى يعلم رافعها نظير ادلة الاستصحاب وهذه العمومات متدرجة بحسب المرتبة بحيث لا يمكن تعلق سابقها بلاحقها وبالعكس لكونها مختلفة المفاد تعرض كل منها لغير ما تعرض له الآخر فلا يمكن التمسك بالاول لنفي ما شك في شرطيته في صحة الوكالة من اللفظ والعربية وغيرهما لكونه مسوقا لبيان اصل القابلية وكذا لا يمكن التمسك به لاثبات وجوب المضي على الوكالة حتى يعلم العزل مثلا كما هو مفاد الثالث لما عرفت من الوجه وهكذا لا يمكن التمسك بالثاني لاثبات أصل القابلية فيما ك في كونه قابلا للنيابة لعدم كونه مسوقا إلا لاثبات الصحة والمضي فيما كان قابلا للنيابة فالقابلية مأخوذة في موضوعها نعم يصح التمسك به لنفي ما شك في اشتراط الصحة به وكذا لا يمكن التمسك به لاثبات ما تعرض له الثالث لعدم كونه ناظرا إليه اصلا وكذا الامر في الثالث فلا يمكن التمسك به لاثبات اصل القابلية والصحة فيما شك في شرطيته لما قد عرفت في اخويه. اذا عرفت هذا فاعلم ان العام الذي يريد المستدل التمسك به لاثبات الاصل المذكور ان كان يريد به الاول فحسن متين الا انه يرد عليه انه ما ورد في باب الوكالة نص كذلك اي يدل بعمومه على كل فعل قابل للنيابة حتى يصير مستندا للاصل المذكور وان كان يريد به الثاني او الثالث فقد علمت انه لا يمكن التمسك بهما لاحراز اصل القابلية لكونهما متفرعين عليها فلا يعقل احرازها بهما والاجاء الدور كما لا يخفى فما تمسك به لشيخ المتقدم ذكره مستندا للاصل المذكور من الاخبار الواردة في ثبوت الوكالة حتى يعلم الوكيل بالعزل مثل
قول الصادقعليهالسلام في صحيحة ابن سالم ان الوكيل اذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض ابدا والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل فمما لا دلالة له على الاصل المذكور ابدا حسبما عرفت تفصيل القول فيه.
فتلخص مما ذكرنا ان الاصل الاولى في المقام هو ما يستفاد من كلام جمع من الاعلام من البناء على عدم القابلية حتى يعلم بها وعدم جواز التمسك بالعمومات الواردة في باب الوكالة للشك في موضوعها ومن هنا يعرف النظر فيما ذكره جماعة في باب الصلح من انه اذا شك في كون شئ حكما أو حقا الاصل جواز صلحه للعمومات توضيح النظر ان الشك المذكور مستلزم للشك في موضوع الصلح لكون الحق ماخوذا في موضوعه كما لا يخفى فلا يعقل احرازه بالعمومات الدالة على صحة الصلح حسب ما عرفت من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية الا ان يقال ان قولهعليهالسلام ان الصلح جايز بين المسلمين ناظر إلى اثبات جريان الصلح في كل شئ اية الامر انه خرج منه ما علم بكونه حكما فالاصل بقائه على عمومه في مشكوك الحكم والحق هذا مثل ما ذكرنا في قوله اكرم العلماء ولا تكرم فساقهم فيما شك في فرد من العلماء انه فاسق او عادل لكن فيه نظر من وجوه تعلم بالتأمل في النبوي فتامل هذا فقد تحقق مما ذكرنا في المقامات الثلاثة ان الحق ما ذهب اليه المعظم من عدم جواز حكومة المقلد هذا كله فيما اذا كان الترافع والتحاكم إلى المجتهد ممكنا. واما اذا لم يمكن الترافع اليه فهل يجوز القضاء للمقلد ام لا وبعبارة اخرى ان الذي ذكرنا كله في حال الاختيار واما في حال الاضطرار فهل يحكم بجواز القضاء للمقلد ام لا يحكم بجوازه له كما ي حالة - الاختيار ومرجع الكلام فيه إلى ان الاجتهاد هل هو شرط اختياري حتى يحكم باسقاطه في صورة الاضطرار كما في الطهارة الخبثية بالنسبة إلى الصلوة او شرط مطلقا حتى يحكم باسقاط المشروط في حال الاضطرار وعدم امكان تحصيل الشرط كما في الطهارة الحدثية بالنسبة اليها حسبما عليه المشهور بل المدعى عليه الاجماع من عدم وجوب الصلوة على فاقد الطهورين ظاهر جماعة منهم ثاني الشهيدين في مسالك الافهام عدم الفرق بين الحالتين وكون الاجتهاد شرطا مطلقا بل قد يستفاد من كلامه دعوى الاجماع على ذلك لكن التحقيق ان يقال ان ترافع المترافعين اما ان يكون في الشبهات الموضوعية كملكية الدار المعينة مثلا او يكون في الشبهات الحكمية كثبوت حق الشفعة في الاكثر (لاكثر خ) من الشريكين مثلا وعلى كل من التقديرين اما يكون الرجوع في نصب المقلد إلى المجتهد ممكنا او لا يمكن ذلك وفي حكم صورة عدم امكان النصب عدم وجود مجتهد اصلا. فان كان في الشبهات الموضوعية مع امكان نصب المجتهد للمقلد فالحق جواز حكمه بعد نصب المجتهد اياه ولا يجوز نصب الناس له في تلك الصورة للقضاء من دون ان يرجعوا في ذلك إلى المجتهد فلنا في المقام دعويان احديهما جواز قضاء المقلد في تلك الصورة ثانيتهما عدم جواز نصب الناس له للقضاء اي دم جواز رجوعهم اليه الا بعد نصب المجتهد له للقضاء بينهم.
لنا على اوليهما انه لولا ذلك للزم الالتزام بامور (باحد امور خ) كلها باطلة بالادلة الثلاثة بل الاربعة احدها ان يقال بلزوم اتفاق الناس على منعهما عن المخاصمة فيلزم ابطال الحقوق وهو باطل ثانيها ان يقال بلزوم بقائهما على المخاصمة حتى يقبل احدهما فيلزم اختلال النظام وهو باطل ثالثها ان يقال بلزوم الرجوع إلى الطاغوت واهل الظلم وحكام العرف حتى يحكموا بينهم وهو ايضا باطل رابعها ان يقال بلزوم رفع الامر إلى الحاكم الشرعي البعيد المتعسر الوصول اليه للمترافعين فيلزم العسر الشديد والحرج الاكيد لعدم فصل الامر بذهابهما
اليه ايضا بل يحتاج إلى ذهاب الشهود والجارح والمعدل والمعدل لهم وهكذا فيلزم الحرج بحد يقرب حكم العقل مضافا إلى حكم - الشرع بنفيه وهذه الامور كلها باطلة فتعين ما ذكرنا والحاصل انه كما ان من الواجب في الحكمة الالهية والمصلحة الربانية تبليغ النبي ونصب الوصي لارشادهما الناس إلى الحق وحكمهما بينهم بالقسط والحق لئلا يلزم اختلال نظامهم وسد باب معاشهم واذا غاب الولي نصب المجتهد للقضاء للعلة المذكورة كذا يجب عليه بحكم العقل من جهة هذه العلة ان يوجب على المقلد القضاء بين الناس في صورة عدم امكان رفع الامر إلى المجتهد او عسره بحيث لا يتحمل عادة وان يوجب على الناس الترافع اليه والالتزام بالزامه لئلا يلزم اختلال نظامهم فينتفي لغرض من الخلقة فالعقل الحاكم بوجوب قضاء المجتهد في حالة الامكان والاختيار من حيث توقف النظام عليه يحكم بوجوبه على المقلد في حالة الاضطرار بملاحظة العلة المذكورة وهذا مما لا اشكال فيه بعد ملاحظة حكم العقل بمطلوبية بقاء النظام في كل زمان وتوقفه على قضاء المقلد.
لنا على الثانية انها القدر المتيقن فلا يستقل العقل باستقلال المقلد للقضاء بعد احتماله تعيين نصب المجتهد ومدخليته وامكانه لانه المفروض وبعبارة اخرى ان حكم العقل بجواز قضاء المقلد في الصورة المفروضة جواز رجوع الناس اليه انما كان بملاحظة توقف النظام عليه والمفروض انه لا يختلف الامر في ذلك بين ان ينصبه - المجتهد لذلك او يقضي من قبل نفسه لحصول الغرض وهو حفظ النظام بكل منهما فبعد احتمال مدخلية نصب المجتهد لا يحكم العقل بجواز قضائه من دون النصب مضافا إلى احتمال كونه من الحوادث الواقعة إلى امر الامام عجل الله تعالى فرجه وسهل مخرجه بوجوب الرجوع فيها إلى المجتهد فافهم هذا كله فيما اذا امكن الرجوع إلى المجتهد في نصب المقلد واما اذا لم يمكن الرجوع اليه في نصبه اما لفقده او لعدم امكان الوصول اليه فيجب على الناس الترافع إلى المقلد والالتزام بحكمه لما ذكرناه من لزوم اختلال النظام لولاه هذا كله في الشبهات الموضوعية. اما في الشبهات الحكمية فالحق عدم جواز القضاء للمقلد في كلتا الصورتين وعدم وجوب رجوع الناس اليه لعدم لزوم احد المحاذير السابقة لولاه اما في صورة تمكن الوصول إلى المجتهد ولو بعد مدة مديدة فظاهر لانه يجب على الناس حينئذ منع المدعى عن الادعاء والخصومة إلى اوان امكان رفع الامر إلى المجتهد ولو بان كتبوا اليه صورة الواقعة فيبين لهم حكمه ويلزم على الناس الزام المتخاصمين به لو لم يلتزموا به من قبل انفسهم ولا يلزم من ذلك عسر ولا حرج كما كان يلزم في الشبهات الموضوعية للاكتفاء في رفع المخاصمة هنا ببيان الحكم وهو يحصل بالمكاتبة والمراسلة وبذهاب المدعي إلى المجتهد وحده كما لا يخفى وهذا بخلاف الشبهات الموضوعية لانك قد عرفت لزوم الحرج فيه غايته ولا يلزم ايضا ابطال الحقوق في زمان التلبث (التربص خ) والانتظار لعدم العلم بثبوت الحق للمدعي ولو اجمالا في الوقايع. والحاصل انه لا يلزم من منعهما عن المرافعة ابطال حق في البين لان منعهما عن المرافعة مع حكم المجتهد بثبوت الحق للمدعي او بعدمه كلها سواء من حيث ابطال الحق وعدمه لعدم كشف نفس الامر للمجتهد ايضا.
واما في صورة عدم امكان الوصول إلى المجتهد اما لتعسره او لتعذره مع وجود المجتهد او من جهة عدم وجوده فيلزم على الناس منعهما عن المخاصمة والزامهما بما ذكرنا في باب التقليد في صورة عدم وجود المجتهد الحي من الرجوع إلى الشهرة ان كانت اوالى اعلم الاموات ان كان والى الاورع منهم ان تساووا في العلم والى التخيير ان تساووا في الورع ايضا فتامل حتى لا يختلط عليك الامر.
وينبغي التنبيه على امور الاول ان ما ذكرنا من جواز القضاء للمقلد بنصب المجتهد في ما يلزم العسر
والحرج من الرجوع اليه هل المدار فيه على العسر الاغلبي بمعنى انه يكتفى بلزوم العسر غالبا في الحكم بجواز الرجوع إلى المقلد ولو في مورد لم يلزم من الرجوع إلى المجتهد فيه عسر حسبما هو ظاهر قضية كلماتهم في غير المقام من - الموارد التي يحكمون فيها بنفي الحكم بملاحظة الحرج والعسر او العسر الشخصي بمعنى ان في كل مورد شخصي يلزم من الرجوع فيه إلى المجتهد عسر يرجع إلى المقلد المنصوب وفي كل مورد لم يلزم من الرجوع إلى المجتهد فيه عسر ولو لزم في اغلب الموارد لم يرجع إلى المقلد وجهان اوجههما الثاني نظرا إلى ما ذكرنا غير رة من ان ادلة نفي العسر والحرج لا تنفي الا العسر والحرج الشخصيين الا ان يدعى ان في تشخيص ما يلزم منه العسر عن غيره ايضا عسرا منفيا بادلة نفي الحرج فيلزم الحكم باطراد جواز الرجوع إلى المقلد وعليه لا ضير في التزام هذا المعنى الا ان الشان في ثبوته فتامل الثاني انه هل يجب مراعات ساير شرايط القاضي في المقلد فيما يجوز الرجوع اليه من تقديم الافضل والاورع فيما كان متعدد او غيرهما ام لا وجهان من عدم الدليل على اعتبارها الا في المجتهد ومن كونها القدر المتيقن فيتعين بحكم العقل اوجههما ثانيهما الثالث ان ما ذكرنا من جواز الحكم للمقلد في بعض صور الاضطرار ووجوب الالتزام بالزامه انما هو بالنسبة إلى بعض آثار الحكم وهو وجوب الاطاعة وحرمة المخالفة لحكمه ما داموا ملتزمين به واما حرمة تقضه فيما حصل التمكن من الرجوع إلى المجتهد المطلق وتجديد - المرافعة اليه فليس عليها دليل اصلا الا ما قد يتخيل من استصحاب الحرمة الثانية في صورة عدم الامكان وفيه ما لا يخفى من الفساد من وجوه تظهر بالتامل بل قد يقال بوجوب النقض وبطلان حكم المقلد بمجرد وجود المجتهد وان تراضى الخصمان ببقائه نظير انتقاض التيمم بوجدان الماء ولكن فيه نظر يظهر وجهه بتامل فتامل ثم انه يمكن بملاحظة ما ذكرنا في هذا الامر توجيه الاجماع الظاهر من بعض على عدم الفرق في عدم جواز القضاء للمقلد بين حالة الاختيار والاضطرار وكون التفصيل بينهما من العامة بحمله على القضاء المصطلح اي الذي لا يجوز نقضه ابدا فافهم.
فان قلت ان ما ذكرت في عدم جواز نقض حكم المجتهد من كونه مقتضى القاعدة بعد تحقق القضاء والحكم لان الوصل بعد تحقق الفصل محال ياتي بعينه في قضاء المقلد ايضا فلا وجه للتفرقة بينهما في - الحكم المذكور.
قلت ما ذكرنا من ان الوصل بعد الفصل محال انما كان بملاحظة ما ورد من الاخبار المتضمنة للفظ القضاء والحكم كقولهعليهالسلام فاني قد جعلته قاضيا كما في بعض الروايات او حاكما كما في بعضها الاخر واما حكم المقلد في الصورة المفروضة فليس الا من جهة حكم العقل لئلا يلزم اختلال نظام العالم واساس عيش بني آدم ومعلوم ان هذا لا يقتضي الا وجوب اطاعة حكمه ما لم يحصل التمكن من الترافع إلى المجتهد وليس هنا لفظ حتى يقال ان مقتضى ظاهره الفراق والفصل فلا يمكن الوصل بعد تحققه حسبما ذكرنا في قضاء المجتهد وهذا نظير ما ذكروا في باب التيمم من انه لمحض الدخول في المشروط بالطهارة واما رفع الحدث به فلا فلهذا ينتقض بوجود الماء بخلاف ما لو قيل بكونه رافعا للحدث كالوضوء فانه لا يعقل حينئذ انتقاضه بوجدان الماء فافهم الرابع انه هل يجب على المقلد المنصوب من قبل المجتهد فيما قلنا بجوازه الحكم على طبق تقليد هذا المجتهد الناصب ام جوز له تقليد غيره في ذلك وبعبارة اخرى ان الرجوع إلى المجتهد في نصب المقلد فيما قلنا بجوازه انما هو في اصل النصب وان كان المنصوب مقلدا لغيره او في النصب لان يحكم على مقتضى تقليده وجهان اوجههما عدم جواز حكمه الا بتقليد هذا المجتهد الناصب ووجهه بعد التامل ظاهر الخامس انه بعدما قلنا
بوجوب القضاء على المقلد ووجوب الزام الناس بتقليده (بتنفيذه خ) فيما لم يتمكن من الرجوع إلى المجتهد حتى في مسألة النصب فهل يتعين على المقلد القضاء حسبما قلده عن مجتهده من احكام القضاء او يرجع في ذلك إلى اخذ الاجماع المنقول والشهرة ان امكن تحصيلهما والا فالى فتوى الاعلم من الاموات إلى غير ذلك من الامارات المتفاوتة بحسب القرب إلى الواقع وجهان اوجههما الاول نظرا إلى عدم تكليف المقلد بتحري الواقع بعد التمكن من اخذ الاحكام بالتقليد كما قرر في محله.
قوله ولا بد ان يكون عالما بجميع ما وليه الخ اي مجتهدا مطلقا على ما في مسالك فلا يكفي اجتهاده في بعض الاحكام دون بعض على القول بتجزى الاجتهاد اقول تحقيق القول في المقام وان كان موكولا إلى علم الاصول وقد ذكرنا ايضا في سالف الزمان شطرا من الكلام في احكام المتجزي في ذلك العلم الا ان بالحري هيهنا ان نذكر جملة مما يتعلق من الكلام بحكمه فنقول بعون الملك الودود ان المشهور بين اصحابنا عدم جواز القضاء للمتجزي ويظهر من بعض افاضل المتاخرين وشيخنا طيب الله رمسه في شرحه على الكتاب جواز قضائه فيما اجتهد فيه من الاحكام وليعلم اولا ان الكلام في المسألة كساير مسائل الاجتهاد والتقليد انما هو بالنظر إلى حكم المتجزي في نفس الامر بالنظر إلى نظر المجتهدين لان يفتوا بالمتجزى بما فهموه بعد رجوعه اليهم في سؤال تلك المسألة واما حكم المتجزي في عمل نفسه فهو تابع لاعتقاده فان علم بجواز قضائه فيما اجتهد فهو والا فعقله مستقل بعدم الجواز حتى يرجع إلى المجتهد فالبحث في المقام انما هو عن حكمه الواقعي في نظر المجتهد. فتفصيل القول في المقام ان المتجزي لا يخلو اما ان يكون عالما بما اجتهد فيه من الاحكام علما جزميا لا يحتمل خلافه او ظانا به من الطرق المتعارفة الموجبة للظن للمجتهد وعلى التقدير الاول فاما ان يكون اعتقاد المحكوم عليه موافقا لاعتقاد المتجزي او مخالفا فهذه ثلاث صور قد عرفت فيما ذكر في مسألة قضاء لمقلد خروج صورة توافقهما في الاعتقاد عن محل البحث لكون داخلا حينئذ في عنوان الامر بالمعروف الذي قد دل العقل والنقل على حسنه لكل من يتاتى عنه فما استدل به بعض مشايخنا لجواز قضاء المتجزي من ادلة الامر بالمعروف فمما لا دخل له بالمقام فبعدما عرفت من خروج هذا الفرض عن محل البحث فاعلم ان الحق في كلا المقامين ما ذهب اليه المشهور. لنا على ما صرنا اليه من عدم الجواز فيهما مضافا إلى الاصل بتقريره المتقدم في قضاء المقلد الاخبار المتقدمة الدالة بظاهرها على اعتبار معرفة جملة من الاحكام معتد بها في القاضي مثل مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها فتدل على عدم الجواز للمتجزي.
وللخصم مضافا إلى الايات والاخبار الدالة على وجوب الحكم بالحق والقسط المتقدم إلى شطر منها الاشارة وجهان احدهما قولهعليهالسلام في رواية ابي خديجة انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فاني قد جعلته قاضيا وجه الاستدلال ان الرواية باطلاقها شاملة للمتجزي ايضا فانه يعلم ايضا شيئا من قضاياهم ثانيهما نصب الائمةعليهمالسلام للقضاة في زمان حضورهم مع حصول العلم الضروري لكل احد بعدم كونهم جميعا مجتهدين مطلقا بل عدم كون كلهم مجتهدين في بعض الاحكام فضلا عن حصول الملكة لهم في جميع الاحكام.
وانت خبير بما في هذه الوجوه من الضعف والفساد اما الاول فلما قد عرفت في قضاء المقلد من عدم دلالته على جواز القضاء وكونه اجنبيا عنه لكون مساقه مساق ادلة الامر بالمعروف فراجع واما الثاني فالجواب عنه من وجوه احدها المنع من كون المراد من الشئ هنا هو النكرة الصادقة في حق المتجزي ايضا بل المراد
منه بملاحظة كونه في مقام النصب هو الجنس المتحقق في ضمن الكثير سيما بملاحظة كون اطلاقه وارد البيان حكم آخر وهو الرد على من يرجع إلى الطاغوت لانه ايضا مما يوجب الوهن في الاطلاق المذكور ثانيها تسليم كون المراد من الشئ مطلقا يشمل المتجزي ايضا لكنا نقول انها مقيدة بملاحظة المقبولة وغيرها الظاهرتين في المجتهد المطلق ولا يخفى ان ظهورهما في معرفة جميع الاحكام اقوى من ظهور الرواية في الاكتفاء بمطلق المعرفة سلمنا التسوية في الظهور بينهما لكنهما اصح سندا منهما بملاحظة عمل الاكثر ثالثها تسليم كون المراد منه ما يشمل المتجزي ايضا وكونها اقوى دلالة من الروايات المعارضة لها لكنا نقول انه لا يتم ذلك في صورة ظن المتجزي بالواقعة كما هو الاغلب لعدم صدق العلم عليه.
فان قلت انه بعدما قام الدليل على اعتبار ظن المتجزي فيصير علما كالظن الحاصل للمجتهد المطلق بعد بذل جهده في الادلة.
قلت اولا لا دليل على اعتبار ظنه حسبما حققناه في الاصول لان اعتبار ظنه في حقه يتوقف على اثبات حجية الظن بعدم المعارض في حقه والمفروض ان الديل على اعتبار الظن بعدم المعارض من الاجماع ولزوم تعطيل الاحكام لولاه منحصر في حق المجتهد المطلق فيكون ظن المتجزي داخلا في عموم حرمة العمل بالظن الا ان يفرض قطعه بعدم المعارض وعليه لا ورود لهذا الجواب فلا بد من الرجوع إلى الاجوبة الاخر وثانيا سلمنا الدليل على اعتبار الظن في حقه لكن قولك بعد قيام الدليل على اعتباره يصير علما ان اريد منه العلم حقيقة فهو فاسد جدا ودعواه مكابرة ظاهرة لان قيام الدليل على اعتبار الظن لا يخرجه عن حقيقته وان اريد منه العلم مجازا بعلاقة وجوب العمل كما قد يستفاد من كلام بعض الاواخر فقد عرفت فساد هذا الكلام لعدم ثبوت استعمال العلم في خصوص الظن بعلاقة وجوب واما الثالث فالجواب عنه بعد تسليمه بثبوت الفرق الظاهر بين المتفاوتين في العلم في زماننا هذا واشباهه وزمان الحضور حيث ان العالم ببعض الاحكام في تلك الازمنة لا يتفاوت مع العالم بجملة من الاحكام بالنسبة إلى هذا البعض غاية الامر اطلاع الاخر ببعض ما لم يطلع عليه هذا العالم بالبعض و اما بالنسبة إلى ما علمه فلا فرق بينهما من جهة الاستنباط اصلا قوة وضعفا والحاصل ان خطب الامر في الاجتهاد في تلك الازمنة وصعوبته في زماننا هذا قد حملنا على الفرق بين الزمانين في المعنى المزبور فتامل حتى لا يختلط عليك الامر.
قوله فلو عدل إلى قضاة الجور والحال هذه كان مخطأ الخ اقول حرمة الترافع إلى حكام الجور والطاغوت مما لا اشكال فيها في الجملة والادلة الثلاثة بل الاربعة تدل على حرمته كما لا يخفى على من له ادنى خبرة و بصيرة بل لا يبعد الحكم بكونه كبيرة موبقة كما صرح به بعض الاجلة لقوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وقوله تبارك وتعالى الم تر إلى الذين يزعمون انهم امنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به الاية بناء على ان يكون التعجب من الجمع بين زعم الايمان وارادة التحاكم إلى الطاغوت فيكون اشد من توعيد النار فيدخل في الكبيرة بناء على تفسيرها بانها مما توعد الله عزوجل عليها النار او ما يكون بحكم العقل والنقل اشد منها ولكن في الاية احتمال اخر وهو ان يكون التعجب من ارادة التحاكم إلى الطاغوت مع امر الله عزو وجل بان يكفروا به فتدل على التعجب من ارادة عصيانهم فعليه لا يدل على المقصود لا ان الاحتمال الاول أظهر انما الاشكال في المقام في امرين احدهما ان هذا الحكم
هل هو ثابت مطلقا حتى فيما لا يتمكن من التحاكم إلى اهل الحق واخذ الحق بحكمهم او انه في مقام الاختيار والتمكن من الرجوع إلى اهل الحق الحق واما اذا توقف اخذ الحق بالتحاكم اليهم فلا باس به كما يجوز الاستعانة بهم على تحصيل الحق المتوقف على ذلك في ساير الموارد وجهان أوجههما كما هو المعروف المشهور بينهم الثاني لقاعدة نفي الضرر والضرار في الشريعة وهي حاكمة على جميع ما دل من الاصول والادلة على عدم الجواز عموما او اطلاقا مضافا إلى استظهار القيد (التقييد خ) المذكور من جملة من النصوص مثل قول أبي عبداللهعليهالسلام في خبر ابي بصير ايما رجل كان بينه وبين اخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من اخوانه ليحكم بينه وبينه فابى الا ان يرافعه إلى هؤلاء كان منزلة الذين قال الله عزوجل الم تر إلى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به الخبر ومثل خبر علي بن محمد قال سئلته هل ناخذ في احكام المخالفين ما ياخذون منا في احكامهم فكتب يجوز لكم ذلك انشاء الله اذا كان مذهبكم (هذا منكم خ) فيه التقية منهم والمدارة لهم بناء على ما في الوافي من ان المراد هل يجوز لنا ان ناخذ حقوقنا منهم بحكم قضاتهم يعني اذا اضطروا اليه كما اذا قدمه الخصم اليهم ومثل خبر ابن فضال قال قرات في كتاب ابي الاسد إلى ابي الحسن الثانيعليهالسلام وقراته خطه سئلته ما تفسير قوله ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام فكتب بخطهعليهالسلام الحكام القضاة قال ثم كتبعليهالسلام تحته هو ان يعلم الرجل انه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في اخذ ذلك الذي حكم به اذا كان قد علم انه ظالم هذا. وقد استشكل في الكفاية في ذلك بل مال إلى الحكم بالحرمة مطلقا نظرا إلى ما دل على حرمة المعاونة على الاثم حيث قال بعد نقل كلام الشهيد في مسالك الافهام الموافق لما ذكرنا ما هذا لفظه وفيه اشكال لان حكم الجاير بينهما فعل محرم والترافع اليه يقتضي ذلك فيكون اعانة على الاثم وهي منهي عنها انتهى كلامه رفع في لخلد مقامه - وفيه اولا المنع عن كونه اعانة بعد كون القصد هو تحصيل الحق كما لا يخفى وثانيا نسلم كونه اعانة لكن نمنع من حرمته لما قد عرفت من قيام الدليل على جواز التحاكم اليهم في تلك الصورة فما دل على حرمة الاعانة على المحرم ليس باقوى مما دل على حرمة التحاكم إلى الطاغوت من الايات والاخبار بل هو اقوى منه فاذا رفعنا اليد عن تلك الادلة من جهة حكومة قاعدة لا ضرر فالادلة الدالة على حرمة المعاونة على الاثم اولى برفع اليد عنها كما لا يخفى. ثم ان لعبض السادة الفحول هنا كلما لا يخلو ايراده عن فائدة وهو انه قال بعد نقله الاستشكال المتقدم من الكفاية ورده ببعض ما سمعته وانما جعلت ادلة نفي الحرج مخصصة للادلة المانعة بنوعيها مع كون التعارض بينهما تعارض العموم من وجه فيحتمل العكس لاوفقيتها باصالة البرائة التي هي حجة مستقلة لو فرض تساقط الادلة بعد تعارضها من كل جهة انتهى كلامه طاب ثراه وفي كلامه انظار يقف عليها المتأمل فيما ذكرنا سابقا اما اولا فلانه لا معنى لملاحظة التعارض بين قاعدة نفي الضرر والعمومات المثبة للتكليف بعد كونها حاكمة عليها ومبينة لهما حسبما عرفته واما ثانيا فلانه لا معنى للترجيح المذكور في كلامه بعد فرض كون النسبة العموم من وجه من وجهين احدهما عدم قابلية اصالة البرائة لترجيح بعض الادلة على بعض حسبما فصلنا القول فيه في باب التراجيح بل الحق كونها مرجعا بعد التساوي والتساقط ثانيهما تسليم ذلك لكن لا دليل على الترجيح المذكور في العامين من وجه واما ثالثا فللمنع من كون الاصل هي البرائة مطلقا بل انما هو فيما اذا رضى المنكر بالرجوع إلى حكام الجور مضافا إلى انه لو سلم كون الاصل بالنظر إلى الحكم التكليفي هي البرائة مطلقا لكنه
لا يترتب عليه ثمرة من حيث ترتب الاثار على الحكم المذكور لكون الاصل بالنسبة إلى الحكم الوضعي الفساد وعدم ترتب الاثر فالاصل المذكور على تقدير ثبوته مطلقا لا ينفع الا في اصل جواز الرجوع إلى حكام الجور وعدم العقاب عليه واما اثبات ترتيب الاثر على الحكم المذكور وجواز الاخذ بمقتضاه فالاصل عدمه فافهم فانه لا يخلو عن دقة ثانيهما انه فيما قلنا بحرمة الرجوع إلى حكام الجور فهل يكون ما ياخذ بحكمهم في تلك الصورة اذا كان حقا ايضا حراما وسحتا مطلقا او لا يكون حراما مطلقا وانما المحرم هو اصل الرجوع كما يظهر عن بعض مشايخنا او فيه تفصيل بين الدين والعين فان كان الماخوذ بحكمهم دينا فهو حرام وان كان عينا فلا حرمة فيه وجوه والاصل في ذلك كله قولهعليهالسلام في مقبولة عمر بن حنظلة من تحاكم اليهم فقد تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فانما ياخذه سحتا وان كان حقه ثابتا قال في الكفاية بعد نقله الاخبار الدالة على حرمة التحاكم إلى الطاغوت ويستفاد من الخبرين عدم جواز اخذ شئ بحكمهم وان كان له حق وهو في الدين ظاهر وفي العين لا يخلو عن اشكال لكن مقتضى الخبرين التعميم انتهى كلامه.
وقال بعض مشايخنا بعد نقله ما عرفته من الكفاية ما هذا لفظه وكان فرقه بين الدين والعين باحتياج الاول إلى تراض في التشخيص والفرض جبر المديون بحكمهم بخلاف العين وفيه ان الجبر وان كان اثما منه (فيه خ) لكن لا ينافي في تشخيص الدين بعد كونه حقا انتهى كلامه وهذا كما ترى يدل بظاهره على عدم حرمة المأخوذ وان كان اصل الرجوع وجبر الحاكم حراما.
اقول ظاهر السحت حسبما هو المتبادر منه وصرح اهل اللغة به هو مال الغير المحرم ومعلوم عدم صدق هذا فيما اذا كان الحق علينا لعدم صدق مال الغير عليه غاية الامر حرمة التصرف فيه ظاهرا فيما لم يعلم به المدعى فاذا قلد مجتهدا في ذلك ترتب عليه الاثار من اول الامر حسبما قرر في محله من ان صحة المعاملة لا تتوقف على العلم بها حين الايقاع بل تتحقق وان لم يعلم بها المكلف اصلا غاية الامر حرمة التصرف ظاهرا ما لم يعلم بالصحة باجتهاد صحيح او تقليد كذلك فالرواية غير شاملة للعين اصلا فلا وجه للاشكال المذكور في الكفاية هذا مضافا إلى ان في قولهعليهالسلام وان كان حقه ثابتا ظهورا في كون الماخوذ دينا كما لا يخفى على من تامل فيه نعم صدقه فيما لو كان الماخوذ دينا ظاهرا حيث انه لما لم يكن المعطي راضيا بالاعطاء فلا يتعين ما في الذمة ولا يتشخص في المدفوع لعدم وجود التراضي بالدفع والتعيين ولا يجوز تملكه من باب التقاص ايضا حيث ان المفروض عدم وجود شرائطه بتمامها التي منها امتناع المديون فيكون المأخوذ حينئذ سحتا حراما وهذا بخلاف ما لو امتنع عن الترافع إلى سلطان الحق وتوقف اخذ الحق على التحاكم إلى حكام الجور فان تملكه حينئذ جايز من باب المقاصة فظهر بذلك ضعف ما ذكره الشيخ المتقدم ذكره من ان الجبر وان كان اثما لكن لا ينافي تشخيص الدين بعد كونه حقا وجه الضعف انه لا معنى لتشخيص ما في الذمة في الخارج من دون رضاء المديون حسبما هو المفروض والله العالم.
قوله اذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة معه استكمال الشرائط المعتبرة الخ اقول الكلام في قضاء المفضول مع وجود الفاضل اما في زمان الحضور او في زمان الغيبة اما الكلام في الاول فلا ثمرة مهمة لنا فيه لان القضاء في زمان الامامعليهالسلام من مناصبه العامة فالنزاع في قضاء المفضول مع وجود الفاضل في ذلك الزمان رجع إلى جواز نصب الامامعليهالسلام للمفضول وعدمه ومن المعلوم لكل اهل المذهب انه اعلم بما يفعل وانه معصوم من الخطأ والزلل فلا ثمرة في التكلم فيه بالنسبة الينا هذا لكن تعليل المصنف الجواز في المتن
وغيره في غيره بان خلله ان كان ينجبر بنظر الامامعليهالسلام قد يناقش في اطلاقه حيث انه يتم مع قربه منهعليهالسلام واطلاعه على احكامه لا مع بعده عنه على وجه لا يعلم شيئا من وقايعه (دقائقه خ) وكيف كان لا ثمرة لنا في التكلم في هذا المقام وانما المثمر والمهم لنا التكلم في المقام الثاني.
وقبل الخوض في الاقوال وبيان ادلتها من ان ناسس الاصل الذي عليه المعول بعد عدم تمامية ما اقاموا من الادلة فنقول ان الاصل مع من قال بعدم جواز قضاء المفضول وعدم تاثيره لانه اذا شك في الجواز فالاصل يقتضي عدمه وكذلك اذا شك في كونه منصوبا او في كون حكمه مؤثرا في حق المتخاصمين وغيرهما او في تحريم نقضه لحاكم اخر وغيرها من الاحكام الوضعية فالاصل يقتضي عدم ذلك كله فعلم ان مقتضى الاصل بالنسبة إلى الحكم التكليفي والوضعي مع النافين.
اذا عرفت ذلك فنقول انه لا يخلو اما ان يكون القضاء في الموضوعات او في الاحكام وعلى التقدير الثاني لا يخلو ايضا اما ان يكون الفاضل والمفضول مختلفين في الحكم او متفقين فالمقامات ثلاثة لا بد من التكلم في كل منها فان كان القضاء في الموضوعات فلا اشكال بل ولا ريب في عدم الفرق فيها بين الفاضل والمفضول بل يجوز التحاكم إلى المفضول مع وجود الفاضل ايضا لاطلاق ما دل على الرجوع إلى العارف بالاحكام والعالم بها وعدم ما يقتضي تقييده اذا ليس ما يصلح له الا الاجماع المنقول والمقبولة الناطقة بوجوب تقديم الافقه والاعلم ومعلوم عدم صلاحيتهما له اما الاجماع فلان القدر المتيقن منه بل المعلوم انما هو نقله بالنسبة إلى الاحكام وان كان ربما يظهر من كلام بعض التعميم لكن يزول بالتامل واما المقبولة فلان ظاهرها بل صريحها هو الحكم بتقديم الاعلم في الشبهات الحكمية اما الشبهات الموضوعية فلا هذا كله في القضاء في الشبهات الموضوعية هذا ما يقتضيه النظر الجلي وسمعته من الاستاد العلامة دام ظله ولكن مقتضى النظر الدقيق والذهن الرشيق هو تقييد الجواز بما لا يكون هناك اختلاف بين الفاضل والمفضول يرجع إلى النظر والا فلا بد من الرجوع إلى الفاضل وترك الرجوع إلى المفضول لما يستفاد من الادلة ان كلما يكون للاجتهاد والنظر مدخل فيه فقول - الاعلم مقدم فيه فتأمل.
واما في الاحكام فقد عرفت ان الكلام فيه في المقامين احدهما في جواز الرجوع إلى المفضول فيما اذا اختلف رايه راي الفاضل ثانيهما فيما اذا توافقا في الراي اما الكلام في المقام الاول فالحق انه لا يجوز الرجوع إلى المفضول مع التمكن من الفاضل ولنا على ذلك مضافا إلى الاصل اي اصالة الاشتغال فيما دار الامر بين التعيين والتخيير وجهان أحدهما الاجماعات المنقولة في كلام جماعة من الاجلة المعتضدة بالشهرة العظيمة المحققة فان مثلها كافية في المسألة قطعا سيما بعد ملاحظة كونها فرعية وتوهم كون الاجماعات انما هي بالنظر إلى تقليد الاعلم والافضل لا بالنسبة إلى قضائه فاسد جدا ثانيهما الروايات الواردة في ذلك مثل مقبولة عمر بن حنظلة المتقدم ليها الاشارة وغيرها مثل رواية داود بن الحصين عن ابي عبداللهعليهالسلام في رجلين اتفقا على رجلين عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما خلاف فرضيا بالعدلين واختلف العدلان بينهما عن قول ايهما يمضي الحكم فقال ينظر إلى افقههما واعلمهما باحاديثنا واورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الاخر إلى غير ذلك من الروايات وضعف اسانيدها ان كان مجبور بالشهرة المحققة هذا.
احتج من قال بجواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الفاضل بوجوه احدها اطلاق (١) ما دل من - (هامش.
(١) اقول لا يخفى على من تأمل الروايات التي دلت على نصب القضاة من المرفوعة والمقبولة ورواية اود
وغيرها من الاخبار المدونة في كتب الاصحاب في باب التقليد انه يجدها ظاهرة في جواز قضاء المفضول مع وجود الفاضل لا يقال انا لا ننكر دلالة الاخبار على اصل الجواز لكنا نقول ان جواز قضاء المفضول مع وجود الفاضل شاني ولا يكون قضائه حجة فعلية يعارض مع قضاء الفاضل لكونه اقوى منه كما انه اذا دار الامر بين تقليد الاعلم وتقليد غيره كان تقليد الاعلم متعينا عند المشهور قوة قوله بالنسبة إلى غيره لانا نقول المستفاد من الاخبار المذكورة كون القضاء منصبا وولاية وسببا لفصل الخصومة ثابتا لمن كان عارفا بالاحكام ناظرا في الحلال والحرام لا كونه طريقا إلى الواقع كالفتوى وحجية الاخبار ان قلنا بكونها من حيث الطريقية لا السببية حتى يلزم منه سقوط قضاء المفضول عن الاعتبار فعلا كما في صورة تعارض الخبرين مع كون احدهما ذا مزية او اختلاف راي المجتهدين مع كون احدهما اعلم فانه حينئذ يسقط غير ذي المزية وقول غير الاعلم عن الاعتبار فعلا الامر في القضاء ليس كذلك كما لا يخفى على من نظر في الاخبار وتامل فيها حق التامل بل يظهر لمن تامل فيها ما ذكرنا من كونه ولاية ومنصبا و سببا لفصل الخصومة هذا ملخص ما افادهقدسسره في بعض الحواشي على ما حكى هذا واغتنم ].
الاخبار على وجوب الرجوع إلى العارف والعالم به بل في مشهورة ابي خديجة الاكتفاء بمعرفة البعض فتدل على جواز قضاء المتجزي فضلا عن المجتهد المطلق ثانيها ما اشتهر من ان الصحابة كانوا يفتون مع اشتهارهم بالاختلاف في الافضلية ومع تكرر الافتاء لم ينكر عليهم احد من الصحابة فيكون اجماعا منهم على جواز تقليد المفضول مع وجود الافضل ثالثها ما اعتمد عليه بعض مشايخنا المتأخرين من السيرة المستمرة من زمان الائمة إلى زماننا هذا في الافتاء والاستفتاء مع تفاوتهم في الفضيلة رابعها ما يظهر من كلام بعض الافاضل من ان في تكليف العامي بذلك عسرا وحرجا لعدم تاهله لمعرفة الافضل عن غيره وهما منفيان بالكتاب والسنة هذه تمام ما ذكروه في المقام لاثبات جواز القضاء للمفضول مع وجود الافضل. وانت خبير بفساد جميعها اما الاول فلانه بعد تسليم اطلاق في الروايات ينفعنا في المقام لا بد من تقييده بما ذكرنا من الاجماعات المحكية والاخبار المستفيضة واما الثاني فلوجوه احدها المنع من اجماع الصحابة على ذلك سيما فيما اذا اختلف ارائهم كما هو محل البحث ثانيها تسليم الاتفاق على العمل المذكور الا انا نقول بالفرق بين المتفاوتين في العلم في ذلك الزمان وزماننا هذا واشباهه حسبما عرفت تفصيل القول فيه ي قضاء المتجزي فراجع ثالثها ان فعل الصحابة بعد اعتراضهم عن الامامعليهالسلام ليس حجة عندنا واما الثالث فلوجوه ايضا احدها المنع من تحقق السيرة المستمرة كيف والمشهور بين العلماء المدعى عليه الاجماع وجوب تقليد الاعلم ومعلوم ان الامامية كانوا مقلدين للعلماء في تلك المسألة فكيف يقال باستقرار طريقتهم على الرجوع بغير الاعلم ثانيها تسليم ذلك لكن نمنع من كشفها عن تقرير الحجةعليهالسلام لكونها ناشئة عن عدم المبالات في الدين حيث ان اكثر العلماء حسبما عرفت قائلون بوجوب تقليد الاعلم فعدولهم عنه إلى غير الاعلم ليس الا من جهة عدم مبالاتهم ومسامحاتهم في الدين حفظنا الله وجميع اخواننا عن ذلك ثالثها الغمض عن ذلك ايضا لكن نقول ان من المحقق في محله ان من شرائط حجية السيرة عدم ردع الامامعليهالسلام وقد عرفت ردعه بالمقبولة وغيرها واما الرابع للمنع من صعوبة معرفة الاعلم للعامي فان معرفته ممكنة بشهادة اهل الخبرة كمعرفة اصل الاهلية والاجتهاد فيمن يرجع اليه هذا تمام الكلام في المقام الاول من المقام الثاني. واما المقام الثاني منه فالحق فيه عدم جوب الرجوع فيه إلى الفاضل وجواز الرجوع إلى المفضول ايضا لاطلاق بعض الادلة وعدم ما يصلح للتقييد لان المقبولة وغيرها من الروايات والاجماعات انما هي في مقام لاختلاف في الحكم والراي كما لا يخفى. وينبغي هنا بيان امور الاول ان ما ذكرنا من وجوب الرجوع في التحاكم إلى الاعلم والافضل انما هو مع الامكان والتيسر واما اذا كان الرجوع اليه حرجيا كما هو موجود بالنسبة إلى اكثر اهل البلاد لو - كلفوا بالرجوع إلى البلد الذي فيه الاعلم فلا اشكال في اسقاط (سقوط خ) وجوبه لما قد دل من الكتاب والسنة على نفي الاحكام الحرجيه.
ثم ان المدار في العسر والحرج اللازمين هما الشخصيان لا الغالبيان فلو فرض سهولة الترافع إلى الاعلم في قضية يجب الترافع اليه وان كان العسر في اغلب القضايا والوقايع موجودا بحسب اغلب الناس حسبما ذكرنا غير مرة من ان ادلة نفي الجرج والعسر لا ترفع الا العسر الشخصي فظهر بما ذكرنا فساد ما ربما يتوهم من ان الحكم بالرجوع إلى الاعلم في القضاء موجب للعسر في الاغلب فيكونان منفيين بادلتهما فلا يجب الترافع إلى الاعلم مطلقا وان كان مقتضى الادلة ذلك لما عرفت من لزوم العسر الاغلبي.
الثاني ان ما ذكرنا في الاعلم يأتي بعينه في الاورع ايضا فلو كان هناك مجتهدان احدهما اورع من الاخر فان كان الترافع في الشبهات الموضوعية يجوز الرجوع إلى غير الاورع وان كان في الشبهات الحكمية فان كانا مختلفين في الراي يجب الرجوع إلى الاورع لدلالة المقبولة وغيرها على ذلك وان لم يكونا مختلفين فيه يجوز الرجوع إلى اي منهما لما عرفت من الاطلاق السليم عن التقييد الثالث انه لو وجد مجتهدان احدهما اورع من الاخر والاخر اعلم منه يجب اختيار الاعلم الا اذا كان الاورع اوثق ايضا فان في تقديم أحدهما على الاخر حينئذ اشكالا والله العالم.
قوله اذا ولى من لا يتعين عليه القضاء فان كان له كفاية من ماله فالافضل ان لا يطلب الرزق من بيت المال ولو طلب جاز لانه من المصالح وكذا ان تعين عليه القضاء ولم يكن له كفاية جاز له اخذ الرزق الخ اقول تفصيل - القول فيما يأخذه القاضي ويعود عليه من جهة قضائه في مقامات ستة احدها في جواز ارتزاقه من بيت المال ثانيها في جواز اخذ الاجرة من المتخاصمين على القضاء ثالثها في جواز اخذ حق الجعالة منهما عليه رابعها في جواز اخذ الرشوة منهما خامسها في جواز اخذ الهداياء والتحف سادسها في جواز قبول التعارفات كتقبيل اليد والجلوس في صدر المجلس والخدمات وغيرها.
اما المقام الاول فتحقيق القول فيه انه لا يخلو اما ان يكون القاضي فقيرا او غنيا وعلى التقديرين اما ان يتعين عليه القضاء بان لم يكن من يقوم به الا هو او لا يتعين بل يجب عليه كفاية كما في صورة وجود غيره وهذه اربع صور لا بد من تحقيق القول في كل منها.
ولنبين قبل الخوض في بيان احكام الصور المراد من بيت المال الواقع في كلماتهم فنقول ان المراد منه حسبما يظهر منهم بيت يجمع فيه ما يصرف في مصالح المسلمين كبناء المسجد والقنطرة والخان وشق الانهار وغيرها مثل الجزية وخراج المقاسمة وما اوصى في صرفه (لصرفه خ) في وجوه البر وما يصرف من الزكاة في سبيل الله إلى غير ذلك مما يشترك فيه جميع المسلمين واما ما يجمع فيه الزكاة والخمس والصدقات ووجوه المظالم وغيرها مما يكون مختصا بالفقراء فلا يكون من بيت المال في شئ ولا يجوز صرف ما يجمع فيه في مصالح المسلمين بل لا بد ان يعطى بمستحقيه من الفقراء كما انه لا يجوز صرف ما يشترك فيه جميع المسلمين في سبيل الفقراء ايضا فما يظهر من بعض من ان المراد من بيت المال اعم ما يجمع فيه ما يشترك فيه جميع المسلمين ولا بد ان يصرف في مصالحهم وما يختص بطائفة منهم كالفقراء والسادات بحيث لا يجوز التعدي عنهم ليس على ما ينبغي لان التأمل الصادق في كلماتهم يشهد بان مرادهم من بيت المال ليس الا ما ذكرنا.
وكيف كان فلنرجع إلى بيان حكم الارتزاق في الصور المذكورة فنقول ان الكلام فيها في مقامين احدهما في تكليف والي بيت المال وانه هل يجوز له اعطاء الرزق في جميع الصور الاربع او لا يجوز الا في بعضها
ثانيهما في تكليف الاخذ وهو القاضي.
اما الكلام في المقام الاول فملخصه انه لا اشكال في جواز اعطائه فيما اذا تعين عليه القضاء بان لا يوجد من يقوم به سواه سواء كان القاضي غنيا او فقيرا لكون تكليفه صرف المال في مصالح المسلمين ومعلوم ان لقضاء ايضا من مصالحهم لصيرورته سببا لاستنقاذ حقوقهم ودفع الظلم عنهم وكذا فيما لم يتعين عليه القضاء بل يقوم به كفاية فيما اذا لم يكن هناك متبرع بالقضاء سواء كان القاضي فقيرا او غنيا.
انما الاشكال فيما اذا كان هناك متبرع بالقضاء فهل يجوز له اعطاء الرزق حينئذ او لا وجهان مبنيان على ن بيت المال هل هو معد لتحصيل مصالح المسلمين فلا يجوز صرفه الا فيما اذا توقف تحصيل المصلحة على صرفه فيحرم بدونه او معد لصرفه على من يقوم بمصالح المسلمين وان لم يتوقف تحصيل المصلحة بقيامه اوجههما الثاني نظرا إلى كون تحصيل المصلحة حكمة لجعل بيت المال لا علة يدور الحكم مداره ثم انه على تقدير اختيار الاول كما يظهر من بعض مشايخنا فهل يقتصر فيه على صورة العلم بوجود المتبرع فيجوز الاعطاء في غيرها على غير المتبرع وان احتمل وجود المتبرع بعد الفحص او لا يجوز الاعطاء الا بعد الفحص في طلبه والياس عن وجوده وجهان اظهرهما بالنظر إلى ما ذكر من العلة وهي صرفه فيما يتوقف تحصيل المصلحة عليه وعدم الجواز في غيره هو الثاني هذا كله في تكليف الوالي.
واما تكليف القاضي فالظاهر جواز ارتزاقه مع الفقر مطلقا سواء تعين عليه القضاء ام لا نظرا إلى كونه من القائمين بمصالح المسلمين كالمترجم والمؤذن وصاحب الديوان ومن يكيل للناس ويزن (يوزن خ) ويعلم القرآن وامثالهم ممن يكون قائما بمصالح المسلمين وبيت المال قد اعد للصرف في مصالحهم هذا مضافا إلى ان حكم الشارع في تلك الصورة بعدم الجواز مستلزم للضيق والحرج المنفيين في الشريعة بل لا يبعد ان يقال ان حكمه بعدم الجواز في تلك الصورة مخالف للطف من حيث كونه موقعا للمكلف في معصية الواقع غالبا فيجب على الحكيم من باب اللطف الترخيص في الارتزاق حتى لا يقع في المعصية هذا مع ما في المكاتبة المشهورة من امير المؤمنينعليهالسلام إلى الاشتر من امره بتوسيع الرزق للقضاة.
واما مع الغناء فهل يجوز ارتزاقه مطلقا او لا يجوز كذلك او لا يجوز فيما يتعين عليه ويجوز فيما لا يتعين وجوه بل اقوال المشهور كما في المسالك عدم الجواز مطلقا لانه يؤدي فرضا وفيه انه لا تنافي بين الارتزاق واداء الفرض والا لما جاز في صورة الفقر الا ان يقال في قول امير المؤمنينعليهالسلام في مكاتبته لمالك الاشتر التوسعة على القضاة وبذل ما يزيح علتهم وتقل معه حاجتهم دلالة على جواز الاعطاء للوالي والارتزاق للقاضي فيما لو كان فقيرا فيخرج به عن الدليل المذكور فتأمل او يقال بخروجه مع قطع النظر عن المكاتبة نظرا إلى ما ذكرنا من الدليلين على الجواز في تلك الصورة فتأمل وكيف كان فلا ريب في افضلية ترك الارتزاق فيما لو كان له كفاية هذا الذي ذكرنا كله فيما لم يكن ارتزاقه عوضا عن القضاء بل من حيث كونه قائما بمصالح المسلمين وكون بيت المال معدا للصرف فيها.
واما لو اراد به العوضية عن القضاء او قيل بعدم انفكاك الارتزاق عن عنوان العوضية مطلقا ففي جوازه طلقا او عدمه كذلك او الجواز فيما لم يتعين عليه وعدمه فيما لو تعين عليه وجوه بل اقوال مبنية على ما ذكروه في باب التكسب بالواجبات ثم ان هذا الذي ذكرنا من ابتناء المسألة على الاقوال في اخذ العوض على الواجبات انما هو مع قطع النظر عما ورد في خصوص القضاء والا فيمكن ان يقال بملاحظته على عدم جواز الارتزاق وان
قلنا بجواز اخذ الاجرة والعوض على الواجبات مطلقا فانتظر لما يتلى عليك من الكلام في خصوص ما ورد في باب القضاء بعد الفراغ عن تحقيق القول بالنظر إلى اخذ العوض في مطلق الواجبات.
وتحقيق القول في المسألة من تلك الجهة لما كان متوقفا على تحقيقه في مسألة جواز اخذ العوض على مطلق الواجبات لكونه جزئيا من جزئياتها فبالحري ان نذكر شطرا من الكلام فيها ليتضح الحال فيما نحن فيه ايضا فنقول انه لا بد للقول بجواز اخذ الاجرة والعوض على الواجبات من احراز امور ثلاثة احدها كون العمل الواجب مما يترتب عليه نفع لباذل بان يعود اليه او بمن غرضه العقلائي الاعادة اليه كما لو كان كفائيا واراد سقوطه منه فاستاجر غيره مثل الجهاد والصلاة على الميت وغيرهما او كان عينيا ورجع منه نفع إلى باذل المال كالقضاء والشهادة للمدعى اذا وجبا عينيا فما لا يترتب عليه نفع لباذل المال لا يجوز بذل العوض بازائه واخذ الاجرة عليه فمثل فعل الشخص صلاة الظهر عن نفسه لا يجوز اخذ الاجرة عليه والحاصل انه لا بد في المعاوضة من شئ يعود إلى الباذل بازاء المبذول والا لما تحقق عنوان المعاوضة والمبادلة فالوجه ي اعتبار هذا الشرط توقف تحقق اصل عنوان المعاوضة عليه بحيث لولاه لم يكن متحققا فلا يجوز اخذ العوض حينئذ لانه اكل للمال بالباطل.
ثانيها كون العمل الواجب بحيث لم يؤخذ فيه ما ينافي اخذ الاجرة والعوض عليه فالواجب الذي اخذ فيه ما ينافي اخذ الاجرة عليه لا يجوز اخذ الاجرة عليه فمثل الصلاة وغيرها من الواجبات التي اخذ قصد القربة فيها ولو كانت كفائية لا يجوز اخذ الاجرة عليها لمنافيات القربة المأخوذة فيها لاخذ الاجرة عليها لان معنى اعتبار القربة في العمل عدم الداعي اليه الا هي ومن المعلوم ان اخذ الاجرة عليه مناف للتقرب به لكون الداعي اليه حينئذ هو الاجرة والعوض فلا يترتب عليه ما كان ماخوذا فيه من القربة لمكان التنافي بين الامرين.
فان قلت ان الداعي للفعل ليس الا التقرب به غاية الامر كون الداعي إلى التقرب بالفعل واتيانه بهذا الداعي هو اخذ العوض فما صار العوض داعيا لاصل الاتيان بالفعل حتى ينافي لما اخذ فيه من قصد التقرب و انما صار داعيا للاقدام بهذا الفعل المتقرب به.
قلت لا شك انه اذا صار العوض داعيا إلى التقرب بالفعل فقد صار داعيا إلى الاقدام بنفس الفعل فلا يكون الداعي فيه هو مجرد التقرب وبعبارة اخرى انه لا بد ان يكون غاية الغايات في العبادات هو التقرب بها فلا يعقل حصولها مع صيرورة بذل المال غاية.
فان قلت يمكن للاجير ان يأتي بالفعل مخلصا لله تعالى بحيث لا يكون للاجارة دخل في اتيانه فيستحق الاجرة فالاجارة غير مانعة من قصد الاخلاص.
قلت الكلام في ان مورد الاجارة لا بد ان يكون عملا قابلا لان يوفى به بعقد الاجارة ويؤتى به لاجل استحقاق المستأجر اياه من باب تسليم مال الغير اليه وما كان من قبيل العبادات غير قابل ذلك.
فان قلت لو كان تناف بين ملاحظة العوض على الفعل وبين كون الغاية فيه هو التقرب به إلى الله تعالى لكان تلك المنافاة موجودة فيما لو اراد العوض على الفعل من الله تعالى كما لو اتى بالفعل تقربا إلى الله تعالى ويقصد منه حصول المطالب الدنيوية كاداء الدين وسعة الرزق وغيرهما والتالي باطل اتفاقا لجواز الاقدام بالعبادة بهذا العنوان باتفاق من الكل بل في كثير من الروايات دلالة عليه ايضا فلو كان هناك منافات بين الامرين بحسب العقل فلم جاز وقوعه في الشرع.
قلت فرق ظاهر بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرب اليه بالعمل وبين الغرض الحاصل من غيره وهو استحقاق الاجرة فان الاول مما لا ينافي التقرب اليه اصلا بل يؤكده كما لا يخفى بخلاف الثاني فالقياس المذكور ليس محله اصلا لكونه مع الفارق جزما.
فان قلت ان مقتضى ادلة الاجارة هو جوب العمل على طبق ما استاجره المستاجر فبعد مجيئها فيما نحن فيه يقصد التقرب بالفعل المستاجر عليه المأخوذ فيه قصد التقرب بملاحظتها فتضاعف الوجوب بادلة لاجارة مما يؤكد الاخلاص فلا يعقل ان ينافيه.
قلت هذا الكلام فاسد جدا اما اولا فلان الوجوب الحاصل بالاجارة ليس وجوبا تعبديا يقصد منه التقرب حتى يؤكد الاخلاص المعتبر في العبادة المستاجر عليها بل انما هو وجوب توصلي لا يقصد منه الا التوصل إلى الاتيان بالمستأجر عليه فحديث تأكيد الاخلاص لا دخل له بما نحن فيه اصلا وثانيا سلمنا كون الوجوب الحاصل من الاجارة هو الوجوب التعبدي لكن نقول انه لا يمكن مجئ ادلة الاجارة هنا للقطع بانتفاء موضوعها حسبما عرفت من كون القربة منافية لاخذ الاجرة فلا يترتب الاثر المقصود من هذا الفعل عليه حتى يجئ (يجري خ) حديث العوضية وبعبارة اخرى المانع يدعي المنافات بين اخذ العوض وحصول الاثر لمقصود من الفعل فلا يمكن ان يتحقق هناك عنوان معاوضة حتى يجري ادلة الاجارة.
فان قلت كيف يمكن دعوى التنافي بين اخذ الاجرة وقصد القربة مع انه قد ثبت بالنص والاجماع جواز اخذ الاجرة على بعض الواجبات التعبدية كالحج نيابة عن الميت او الحي العاجز على ما هو المشهور وكالنيابة عن سائر الواجبات التعبدية البدنية كالصلاة والصوم عن الميت على ما هو المعروف بينهم وكالتوكل في اعطاء الزكاة والخمس إلى غير ذلك والحاصل انه لا ريب في جواز اخذ الاجرة على النيابة في الواجبات التعبدية في الجملة فلو كان ثمة منافات لاخذ الاجرة مع قصد التقرب لما جاز ذلك في باب النيابة.
قلت فرق واضح بين اخذ الاجرة على الواجبات التعبدية وبين اخذها على النيابة فيها فان الاول ينافي قصد التقرب المعتبر فيها بخلاف الثاني والوجه في ذلك ان الاجرة على الواجبات النيابتية انما هي على نفس النيابة والتنزيل لا على اصل الفعل المتقرب به بخلاف الحال فيما نحن فيه فان الاجرة فيه على نفس الصلاة المتقرب بها وهو ينافي التقرب المعتبر فيها.
فان قلت الموجود في الخارج من الاجير ليس الا الصلاة عن الميت مثلا وهذه هي متعلقة للاجارة والنيابة كلتيهما فان لم يمكن الاخلاص في متعلق الاجارة لم يترتب على تلك الصلاة نفع للميت وان امكن لم يناف الاخلاص لاخذ الاجرة كما ادعيت وليست النيابة عن الميت في الصلاة المتقرب بها إلى الله تعالى شيئا ونفس الصلاة يئا اخر حتى يكون الاول موردا للاجارة والثاني موردا للاخلاص ليرفع المنافات بينهما باختلاف موردهما ومتعلقهما.
قلت القربة المانع اعتبارها من تعلق الاجارة هي المعتبرة في نفس متعلق الاجارة لا فيما اتحد خارجا مع متعلقها توضيح ذلك ان الصلاة الموجودة في الخارج على جهة النيابة فعل للنائب من حيث انها نيابة عن الغير وبهذا الاعتبار ينقسم في حقه إلى المباح والراجح وفعل للمنوب عنه بعد نيابة النائب يعني تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه في هذه الافعال وبهذا الاعتبار يترتب عليه الاثار الدنيوية والاخروية لفعل المنوب عنه الذي لم يشترط فيه المباشرة والاجارة تتعلق به بالاعتبار الاول والتقرب بالاعتبار الثاني فالموجود في ضمن الصلاة الخارجية فعلان نيابة صادرة عن الاجير النائب فيقال ناب عن فلان وفعل كانه صادر عن المنوب
عنه فيمكن ان يقال على سبيل المجاز صلى فلان ولا يمكن ان يقال ناب فلان فكما(١) جاز اختلاف هذين - الفعلين في الاثار فلا ينافي اعتبار القربة في الثاني جواز الاستيجار على الاول الذي لا يعتبر فيه القربة.
والحاصل انا لا نجد فرقا اصلا بين النيابة في العبادات والمعاملات فكما ان النائب في البيع بعد تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه يقصد الانشاء والتمليك لنفسه فيقع عن المنوب عنه من حيث كونه هو بالتنزيل فكذا النائب في الصلاة بعد تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه يقصد التقرب في فعله فيقع عن المنوب عنه من حيث - التنزيل المذكور فاصل النيابة مع قطع النظر عن حكمها وكونها مستحبة في حق النائب معاملة مع المنوب عنه يقصد منها وصول الاثر المقصود من فعل النايب اليه مثل ما لو فعله ولو فرض عدم الالتفات إلى حكمه اصلا كما ترى ان اكثر العوام يعملون الخيرات لامواتهم كالزيارة ونحوها مع انهم لا يعلمون ثبوت الثواب لانفسهم في هذه النيابة بل يعتقدون (يقصدون خ) انها مجرد احسان وصلة إلى الميت لا يعود نفع منه إلى انفسهم اصلا فالتقرب الذي يقصده النائب بعد جعل نفسه منزلة المنوب عنه هو تقرب المنوب عنه في الحقيقة لا تقرب النائب فيجوز ان ينوب لاجل مجرد استحقاق الاجرة عن فلان بان نزل نفسه منزلته في اتيان الفعل قربة إلى الله تعالى ثم اذا عرض هذا النيابة الوجوب بسبب الاجارة فالاجير غير متقرب في اصل نيابته لان المفروض عدم علمه بكون النيابة راجحة شرعا يحصل بها التقرب لكنه متقرب بعد جعل نفسه نايبا عن غيره فهو متقرب بوصف كونه بدلا ونائبا عن لغير فالتقرب يحصل للغير.
فتلخص مما ذكرنا ان النيابة بنفسها مع قطع النظر عن حكمها لها صحة معاملية وحكم وضعي لا دخل له بحكمها التكليفي اصلا بل قد تكون مباحة كما اذا زار عن اخيه تبرعا من غير التفات إلى استحباب النيابة في الشريعة اصلا فان هذا الفعل وان كان له ثواب للمنوب عنه بعد نيابته عنه فيه الا ان اصل النيابة ليس لها ثواب للنائب لعدم التفاته إلى حكمها حتى ياتي بها امتثالا لامرها الاستحبابي الا على القول باستحقاق الثواب على المستقلات العقلية كالاحسان ونحوه قهرا وان لم يقصد بها الامتثال نعم قد يكون للنائب ايضا ثواب كما اذا ناب عن اخيه مثلا في عمل ملتفتا إلى كون اصل النيابة راجحا في الشريعة فيقصد بها التقرب إلى الله تعالى وقد لا يكون له الا الاجرة والعوض كما اذا اخذ عن اخيه العوض في نيابته عنه في العمل الكذائي كالزيارة مثلا فان - الثواب حينئذ للمستاجر والاجرة للاجير فلا اجر للاجير من حيث الاستحقاق الا الاجرة الا انه قد ورد (في خ) عض الاخبار بترتب (تشريك خ) الثواب تفضلا للاجير لان يرغب الناس في العمل الاستيجاري فراجع.
والحاصل انه كما يكون للبيع مثلا اثر عند العرف معهود بينهم وكذا لغيره من المعاملات قد امضاه الشارع بشروطه المقررة فكذا النيابة لها اثر عند العرف مع قطع النظر عن امضاء الشارع الا ترى انه قد تعارف بينهم يكتبون في المكاتبات قبل يد فلان عني او عينه عني إلى غير ذلك وليس هذا الا من اجل كون اصل النيابة مع قطع النظر عن ورود الشرع بها لها اثر عندهم لكن قد امضاها الشارع في بعض الاعمال مما لا يكون المباشرة مأخوذة فيها كما امضى البيع مثلا فلا مانع من اخذ الاجرة على هذا الامر المعاملي بخلاف اخذ الاجرة على - الواجبات فانه مناف للتقرب المأخوذ غاية فيها فقد ظهر مما ذكرنا فساد ما يظهر عن جماعة من الاستدلال على عدم التنافي بين اخذ الاجرة وكون الداعي هو قصد التقرب في الواجبات باخذ الاجرة على النيابة فيما امضاها الشارع ثم انه قد يحكى عن بعض افاضل المتاخرين تبعا لما حكاه عن جماعة من المتقدمين عدم صحة النيابة في العبادات كالصلاة والصوم ونحوهما الا تبرعا وحرمة اخذ الاجرة عليها فان اراد المنافات بينهما عقلا سبما ذكرناه.
____________________ __
[ هامش]
(١) فكما (فإذا خ) ]
في اخذ الاجرة على الواجبات من حيث منافاته لقصد التقرب المعتبر فيها ففيه اولا انه لا منافات بينهما في المقام حسبما عرفت فيه تفصيل الكلام وثانيا انه منقوض بما ثبت فيه النيابة مع الاجرة بالاجماع والنصوص المستفيضة كالحج وان اراد عدم امضاء الشارع لها في تلك العبادات الا في صورة التبرع نظرا إلى اختصاص ما ورد فيها من - الاخبار بصورة الصلة والاحسان والتبرع وعدم ورود خبر يدل على حكمها الوضعي وكونها مما يترتب عليها الاثر مع قطع النظر عن التبرع بها فيقتصر فيها بما قد ورد فيه الامضاء الشرعي ولا يجوز التعدي عنه إلى غيره نظرا إلى كون جواز النيابة بمعناها الوضعي خلاف الاصل فيقتصر في الخروج عنه بصورة وجود المخرج ففيه اولا ثبوت الاخبار الدالة على حكمها الوضعي مع قطع النظر عن حكمها التكليفي والتبرع بها كما هو ظاهر لمن تتبع الاخبار وشاهد الاثار الماثورة من الائمة الاطهار عليهم سلام الله الملك القهار فمنها رواية حماد بن عثمان قال قال ابو عبداللهعليهالسلام ان الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح تنفع الميت حتى ان الميت يكون في ضيق فيوسع عليه ويقال ان هذا عمل ابنك فلان وبعمل اخيك فلان اخوك في الدين إلى غير ذلك مضافا إلى كفاية ماورد في الحج من التعليل بقوله ان دين الله احق بالقضاء لذلك كما لا يخفى وثانيا سلمنا اختصاص ما ورد فيها من الاخبار بصورة الاحسان والتبرع بها وعدم ورودها في مقام بيان حكمها الوضعي اصلا واختصاصها ببيان حكمها التكليفي وكونها مستحبة فيما لو تبرع بها لكن نقول انه لما كان الحكم التكليفي في المقام متفرعا على الحكم الوضعي حيث انه لا يعقل استحباب النيابة من باب الاحسان والصلة مع عدم وصول شئ إلى المنوب عنه فلا محالة يكون كاشفا عن الحكم الوضعي وكون النيابة من حيث هي هي مع قطع النظر عن التبرع بها صحيحة ممضاة في نظر الشارع والا لزم ثبوت الحكم التكليفي وهو استحباب النيابة من دون الوضعي وهو صحة النيابة وهو محال.
والحاصل انه كما قد يكون الحكم الوضعي كاشفا عن الحكم التكليفي من حيث فرعيته له وعدم تحققه بدونه كذلك قد يكون الحكم التكليفي كاشفا عن الحكم الوضعي من حيث الوجه المذكور فثبوته كاشف عن الحكم الوضعي قبله كما ان ثبوت الحكم الوضعي في الصورة المفروضة كاشف عن ثبوت الحكم التكليفي قبله.
فان قلت هب ثبوت الملازمة فيما نحن فيه بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي بملاحظة ما ذكرت من الوجه من الاستحالة بين استحباب الاحسان إلى الغير وعدم وصوله اليه ابدا لكن نقول انه لا امتناع في ان يجعل الشارع الحكم التكليفي والوضعي معا بجعل واحد في صورة الملازمة من غير ان يكون احدهما كاشفا عن ثبوت الاخر قبله فليكن فيما نحن فيه ايضا كذلك فمن الجايز ان نقول انه قد جعل الشارع الحكم الوضعي للنيابة بجعل الحكم التكليفي لها فلا يتعدى عن مورده وهو صورة التبرع بها فلا يمكن ان يقال حينئذ بثبوت الحكم الوضعي لها في غير الصورة المذكورة نظرا إلى كونه خلاف الاصل محتاجا في الخروج عنه إلى دليل.
قلت بعد تسليمك كون الحكم التكليفي في المقام متفرعا على الحكم الوضعي لا يمكنك القول بامكان جعلهما بجعل واحد لامتناع جعل المحمول والموضوع بجعل واحد بل لا بد ان يكون جعل الموضوع مقدما على جعل المحمول وجعل المحمول متاخرا عنه حسبما يقضي به العقل البديهي من كون ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له فلا بد ان يكون جعل المحمول كاشفا عن جعل الموضوع قبله حسبما هو قضية البرهان المذكور فتامل حتى لا يختلط عليك الامر هذه خلاصة ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله في مجلس البحث.
ولكن للاحقر فيه نظر حيث ان فرعية ثبوت المحمول لثبوت الموضوع لا تقتضي ثبوت الموضوع بقول طلق حتى يعرضه محمول اخر بل غاية ما هناك لقضية حكم العقل بالفرعية هو كشف وجود المحمول عن وجود الموضوع من حيث هو موضوع له واما كشفه عنه بقول مطلق فلا دليل عليه بل لا يعقل كما لا يخفى على المتامل فنقول فيما نحن فيه ان غاية ما يقتضيه العقل المستقل هو كشف استحباب التبرع بالنيابة عن صحة النيابة في تلك الصورة اي صورة التبرع واما كشفه عن امضاء الشارع النيابة بقول مطلق حتى يصح الاجرة عليها فلا.
فان قلت كما ان ثبوت المحمول فرع ثبوت الموضوع من حيث كونه عارضا له كذلك ما هو قيد للمحمول ومتفرع عليه فرع ثبوت الموضوع لانه متاخر عن وجود المحمول ولو بالطبع فكيف عن وجود الموضوع المتفرع عليه وجود المحمول فما يكون قيدا للمحمول لا يعقل ان يصير قيدا لوجود الموضوع فيعلم من ذلك ان التبرع الذي هو قيد للاستحباب لا يعقل ان يصير قيدا لصحة النيابة لما قد عرفت من قاعدة الفرعية.
قلت نمنع من كون التبرع قيدا للمحمول بل هو مجرد دعوى لا شاهد لها فلنا ان نعتبره قيدا للموضوع فنقول ان النيابة التبرعية مستحبة فتامل.
فان قلت سلمنا الفرق بين اخذ الاجرة على النيابة في العبادات واخذها على الواجبات وعدم جواز التمسك بثبوته في النيابة على ثبوته في الواجبات لكن نقول انه قد ثبت جواز اخذ الاجرة على الهدية في الصلاة ونحوها من العبادات فلو كان بين اخذ الاجرة على فعل العبادات والتقرب بها منافاة لما ثبت في الاهداء بالصلاة ونحوها على الميت.
قلت اخذالاجرة على الاهداء بالصلاة مثلا لا يخلو اما ان يكون قبل العمل او بعده فان كان قبله فان قلنا بكون الاهداء كالنيابة معاملة مستقلة مع قطع النظر عن حكمه التكليفي فياخذ الاجرة عليه الاهداء وياتي بالعمل على قصد التقرب فلا ريب في ثبوت الفرق بينه وبين ما نحن فيه كالنيابة فلا يجوز القول باشتراكهما في الحكم المذكور وان قلنا بعدم كونه عنوانا مستقلا مع قطع النظر عن الفعل المهدى به كالواجبات التعبدية فلا نقول بجواز اخذ الاجرة عليه كالواجبات والمسألة ليست بمحل وفاق بينهم بل المخالف فيها جماعة من الاعلام من الاوائل والاواخر فلا نابى عن القول بعدم جواز اخذ الاجرة على الاهداء بالصلاة ونحوها نعم لو ثبت كونه مثل النيابة تعين المصير فيه إلى الجواز لكنه لم يثبت عندنا والله العالم هذا كله اذا اريد اخذ الاجرة على الاهداء قبل العمل.
واما اذا اريد بعده حسبما يظهر من الاخبار الواردة في باب صلاة الليل من ان بفعلها يثبت للفاعل ثواب يجوز ان يهدى به فان قلنا بان المعاملة بالثواب مع قطع النظر عن انضمام عمل اليه داخل في الصناعات الفقهية فلا ضير في الالتزام بجوازه والا كما لا يبعد القول به فلا فافهم وتامل. ثالثها ان لا يكون العمل الواجب حقا للغير على الاجير كاداء الشهادة مثلا لان المملوك لا يملك ثانيا وبعبارة اخرى لا بد ان يكون العمل مملوكا للاجير حتى يجوز اخذ الاجرة بازائه فما يكون مملوكا ومستحقا عليه سواء كان من المستاجر او غيره لا يجوز اخذ الاجرة عليه لانه لا يمكنه في هذا الفرض ان يدفع شيئا بازاء العوض فيكون اخذ العوض اكلا للمال بالباطل فبناء المسجد الذي صار واجبا على البناء من حيث اخذ الاجرة عليه من شخص لا يجوز له اخذ الاجرة عليه من شخص اخر لخروج زمام عمله عن يده من حيث كونه مملوكا للغير فلا يجوز اخذ الاجرة عليه.
والحاصل انه لا بد في المعاوضات من كون كل من العوضين مملوكا لمالكه حتى يصح جعله عوضا عن الاخر والا لم يتحقق مفهوم المعاوضة والمبادلة كما لا يخفى فما لا يكون العوض فيه مملوكا للمالك بل مستحقا عليه من غيره لا يجوز اخذ الاجرة عليه لاستلزامه اكل المال بالباطل فان شئت ارجعت كلا من الشرطين الاخيرين إلى الاول لان مرجع كل منهما إلى عدم وصول نفع إلى باذل المال بازاء ما بذله فيكون المعاملة سفهية فمرجع الشروط الثلاثة إلى اشتراط عدم كون المعاوضة سفهية.
اذا عرفت انه لا بد في صحة اخذ الاجرة على الواجبات من احراز شروط ثلاثة مضافا إلى احراز ما يعتبر في مطلق المعاوضات فالمانع يدعي اختلال واحد من الشروط الثلاثة على سبيل منع الخلو والمجوز يدعى اجتماعها وعدم اختلال واحد منها فهل الحق اجتماع الشروط في الواجبات بقول مطلق او عدم اجتماعها بقول مطلق او فيه تفصيل بين الكفائية والعينية وجوه بل اقوال فالكلام في مقامين احدهما بالنسبة إلى الواجبات الكفائية تعبدية كانت او توصلية ثانيهما بالنسبة إلى الواجبات العينية كذلك.
فنقول اما الشرط الاول فالظاهر تحققه في الواجبات الكفائية مطلقا تعبدية كانت او توصلية لعود النفع فيها إلى غير الفاعل ايضا لعمومية مطلوبيتها بالنسبة إلى الجميع واسقاطها (سقوطها خ) بفعل البعض فبذل العوض عليها من حيث كونها مسقطة عن الباذل ايضا ليس بذلا سفهيا وان كان بذل العوض عليها من حيث وجوبها على الاجير بذلا سفهيا حيث انها بتلك الملاحظة لا تنفع للباذل اصلا الا انها لا تنفك عن عنوان يعود إلى الباذل ايضا فبهذا اللحاظ يجوز بذل العوض بازائها واخذه عن الباذل.
فان قلت ان الاتي بالواجبات الكفائية اذا اتى بها يسقط العقاب والوجوب عن الجميع قهرا فالاثر المقصود من فعله للباذل يترتب عليه قهرا فكيف يجوز بذل المال بازائه للباذل واخذه للفاعل.
قلت الاثر المقصود من فعله وان ترتب عليه بعد الايجاد قهرا الا انه ليس الفاعل مقهورا على الفعل فله ان لا يوجده من دون اخذ العوض حتى يترتب عليه الاثر القهري فيتسبب الباذل بالبذل لفعله المترتب عليه الاثر المقصود فالمجاهد لا يقدم على الجهاد فيما كان كفائيا الا باخذ الاجرة عليه من المستاجر نعم لا يكون للاجير حينئذ الا العوض الذي اخذه من المستاجر واما الثواب عليه فانما هو للباذل باعتبار تسببه وان كان العقاب بعد فعله عنه يسقط عنهما جميعا الا ان الثواب مختص بالمستاجر ومن هنا ينقدح جواب اخر لهذا الايراد وهو ان اسقاط العقاب وان كان من اللوازم القهرية لفعل الواجب بالنسبة إلى الجميع الا ان الثواب عليه مختص بالفاعل لا يتعداه إلى غيره فالمستاجر يبذل المال لتحصيل هذا الثواب بالتسبب.
واما الشرط الثاني فالحق عدم تحققه بالنسبة إلى التعبدي من الكفائي حسبما عرفت تفصيلا من منافات اخذ الاجرة لقصد التقرب المعتبر في الواجبات التعبدية واما التوصلي منه فلا شئ يقضي بمنافات اخذ الاجرة عليه من هذه الجهة.
فان قلت ان ما ذكرت من قضية المنافات بين قصد التقرب واخذ الاجرة يجري بعينه في المستحبات الكفائية التعبدية ايضا فبناء عليه لا بد من ان نلتزم بعدم جواز اخذ الاجرة عليها ايضا وهو خلاف ما يظهر منهم من ثبوت الاتفاق على جواز اخذ الاجرة عليها ودعوى خروجها بالاجماع فاسدة جدا لكون المنافات بينهما حسبما يقتضيه الاستدلال المذكور عقلية ومن المعلوم عدم تطرق التخصيص إلى القضايا العقلية.
قلت نسلم ثبوت المنافات بين الامرين في المستحبات المذكورة ايضا ونقول فيها بما قلنا في الواجبات
من عدم جواز اخذ الاجرة عليها لكن قولك وهو خلاف ما يظهر منهم الخ ممنوع لوجود الخلاف فيه في الجملة عم هذا الايراد وارد على ما يذهب إلى عدم جواز اخذ الاجرة على الواجبات نظرا إلى منافاته لقصد القربة مع تجويزه اخذها على المستحبات بقول مطلق فان منافاته لقصد القربة لا يفرق فيها بين الواجب والمستحب فافهم.
واما الشرط الثالث فقد ذهب المحقق الثانيرحمهالله في جامع المقاصد إلى انتفائه في الواجبات الكفائية مطلقا مدعيا على عدم جواز اخذ الاجرة في الواجبات بقول مطلق اجماع الفرقة وتبعه في ذلك جمع من افاضل المتاخرين منهم شيخنا الشيخ جعفر اعلى الله مقامه في شرحه على القواعد حيث قال في محكيه بعد ادعاء ثبوت المنافات الذاتية بين اخذ - الاجرة والوجوب بقول مطلق ما هذا لفظه لان المملوك والمستحق لا يملك ولا يستحق ثانيا ولان الاجارة لو تعلقت به كان للمستأجر سلطان عليه في الايجاد والعدم على نحو سلطان الملاك وكان له الابراء والاقالة والتاجيل كان للاجير قدرة على التسليم وفي الواجب يمتنع ذلك وهو في العيني بالاصل والعارض واضح واما الكفائي فلانه بفعله يتعين له فلا يدخل في ملك اخر ولعدم نفع المستاجر فيما يملكه او يستحقه غيره لانه بمنزلة قوله استاجرتك لتملك منفعتك المملوكة لك او لغيرك ولان الظاهر عدم الدخول في عمومات المعاملات في الكتاب والسنة فيبقى على اصل عدم الانتقال عن الحالة الاولى انتهى ما اردنا حكايته.
وقال في جامع المقاصد في شرح قول المصنف وهل يجوز على تعليم الفقه الخ ما هذا لفظه لا ريب ان الفقه قد يراد به المسائل المدونة في الكتب وقد يراد به الملكة التي يكون العلم معها بجميع المسائل بالقوة القريبة من الفعل وقد يراد به التصديقات وعلى كل حال فتعليم الفقه ان كان واجبا على المعلم او المتعلم عينا او كفاية لم يجز اخذ الاجرة عليه لان المعلم ماخوذ بالتعليم ومؤد به واجبا فيمتنع اخذ الاجرة عليه والمراد بكونه واجبا اعم من الوجوب العيني كاحكام الصلاة بالنسبة إلى المكلف بفعلها والكفائي كجميع الفقه ثم قال بعد نقل كلام - الفخررحمهالله من التفصيل في الواجبات الكفائية بين ما اريد على وجه القربة فلا يجوز له اخذ الاجرة عليه وما لا اريد على وجه القربة فيجوز وفيه نظر فان الوجوب مطلقا مانع من جواز اخذ الاجرة كما سبق في كتاب البيع وهو صريح كلام المصنف وما ذكره من الجواز اذا لم يكن الواجب مشروطا بالنية مخالف لما عليه الاصحاب انتهى ما اردنا نقله.
وصريح كلامهما كما ترى كون المانع من اخذ الاجرة على مطلق الواجب كونه مستحقا من الله على الاجير وماخذوا به فلا يجوز اخذ الاجرة عليه لخروجه عن ملكه واختياره فلا سلطنة له في هذا الفعل حتى ياخذ عليه العوض فيكون اخذ العوض اكلا للمال بالباطل. وتحقيق ذلك بتوضيح منا هو ان الفعل في الواجب الكفائي لما كان مطلوبا من الفاعل ولو على سبيل - الكفاية فايجاده في الخارج ايجاد لما وجب واستحق عليه فكلما تحقق هذا الفعل منه في الخارج فقد تحقق مملوكا لله عزوجل فلا يجوز ان ياخذ الاجرة عليه لاشتراط جواز اخذها بامكان دفع شئ بازائها حتى يتحقق عنوان المعاوضة والمبادلة ليخرج اكلها به عن اكل المال بالباطل وبعبارة اخرى انما يجوز اخذ الاجرة على عمل محترم من العامل واما ما يجب عليه بذله فلا يجوز اخذ الاجرة عليه.
فان قلت: كيف تقول بخروج الفعل عن اختيار الفاعل وعدم تسلطه عليه والمفروض جواز تركه له شرعا والا لخرج عن كونه كفائيا وما نعني بالفعل المسلط عليه فاعله الا ما يجوز له تركه وفعله وكان زمامه بيده وهذا المعنى متحقق فيما نحن فيه ايضا فلا مانع من اخذ الاجرة عليه من هذه الجهة.
قلت جواز ترك الفعل للفاعل قبل الايجاد مع انطباق الواجب عليه بعده لا يثمر في كونه ملكا له و مختارا فيه توضيح ذلك انه وان جاز ترك الفعل في الواجب الكفائي من الفاعل الخاص في الجملة الا ان ما يوجده في الخارج على تقدير اختياره ايجاده هو عين الامر الوحداني الذي يجب على الكل ايجاده فالموجود منه في الخارج ليس الا الامر الذي طلبه الله تعالى من الكل واستحقه منهم من غير رضائه بتركه فهو مملوك له تعالى من اي شخص تحقق فلا يجوز له اخذ الاجرة عليه لخروجه عن ملكه بعد الوجود وهذا نظير ما ذكرناه في مسألة تعلق الامر بالطبيعة من انه اذا تعلق الامر بطبيعة وجوبا لا يجوز ان يامر ببعض افرادها استحباب وان جاز للمكلف تركها في ضمنه في الجملة نظرا إلى انطباق الطبيعة الواجبة عليه بعد اختيار ايجادها في ضمنه فيكون واجبا فيستحيل عروض صفة الاستحباب له الا ان يلاحظ في الامر الاسحبابي التقييد (المقيد خ) بمفهوم الاخر فيرجع إلى استحباب التكرار ومطلوبية الاثنينية في الوجود فيخرج عن محل الفرض.
فان قلت لو لم يكن منافات بين جواز الترك وكون الفعل مملوكا لله عزوجل حيثما وجد لكونه مطلوبا له في الجملة فليكن الامر في المستحبات ايضا كذلك لوجود الطلب بالنسبة اليها فحيثما تحققت في الخارج تحققت مطلوبة ومملوكة لله عزوجل مع قيام الاجماع بقسميه على جواز اخذ الاجرة عليها في الجملة والشيخان المذكوران قائلان بالجواز فيها مصرحان بنفي الريب عنه فما تقول به في الجواب عن المستحبات نقول به في الجواب عن الواجبات لاتحاد المناط فيهما وهو جواز الترك ووجود الطلب في الجملة.
قلت لسنا ندعي الملازمة بين المملوكية والطلب اينما تحقق بقول مطلق وانما المدعى هو ثبوت الملازمة بينهما فيما اذا تحقق الطلب في ضمن الوجوب لا مطلقا حتى في ضمن الاستحباب والفرق بينهما بالنسبة إلى المعنى المذكور لا يكاد ان يخفى على ذي مسكة فان الطلب وان كان موجودا في الاستحباب ايضا الا ان - المملوك هو الفعل الذي لا يرضى بتركه الامر ولو كان باعتبار انطباق الواجب عليه والحاصل ان الطلب الذي قد رخص في مخالفته بقول مطلق لا يمكن ان يصير مورثا للاستحقاق فافهم هذا غايه ما يمكن ان يقال ي توجيه - الوجه المذكور.
لكن الانصاف امكان المناقشة فيه لانه ان اريد من كون الفعل مملوكا لله تعالى في الواجب الكفائي وخارجا عن سلطنة العبد كونه مملوكا بملاحظة الايجاد ففيه منع ظاهر لفرض ترخيصه في تركه قبل الفعل فكيف يمكن ان يقال بخروجه عن سلطانه واختياره وان اريد منه كونه مستحقا عليه لله تعالى وخارجا عن سلطانه بملاحظة الوجود من حيث انطباق الامر الواجب الوحداني عليه كما هو الظاهر من كلام المستدل ففيه منع كون الموجود الخارجي حقا لله تعالى على خصوص الاجير وانما هو حق له على قاطبة المكلفين وانما المانع من اخذ الاجرة هو الاول لا الثاني كما لا يخفى نعم هذا الكلام في الواجبات العينية لا يخلو عن قرب كما سياتي تفصيل القول فيه واما الواجبات الكفائية فما كان حقا لله تعالى فقد عرفت عدم المنافات فيه واما ما كان حقا للناس كالشهادة اذا وجب على جماعة كفاية فلا يجوز اخذ الاجرة عليه لخروج العمل عن ملكه بتعلق حق الناس عليه فكلما يوجد في الخارج يوجد مستحقا للغير فلا يجوز اخذ الاجرة عليه فالحال في الواجب الكفائي اذا كان حقا للناس كالواجب العيني بخلاف ما كان حقا لله تعالى فانه يمكن ان يمنع من كون الطلب من الله تعالى بقول مطلق منافيا لاخذ الاجرة كما عرفته في الواجب الكفائي نعم لا بد من ان يستثنى من الواجبات الكفائية ما يكون ذا منفعة مع قطع النظر عن الوجوب ولو قلنا بمانعية الوجوب بقول مطلق لاخذ الاجرة.
توضيح ذلك ان من الواجبات ما لا يتصور له منفعة مقصودة مع قطع النظر عن وجوبه وبملاحظة ذاته سواء كان كفائيا كدفن الميت وكفنه فيما كان من قام به الكفاية متعددا او عينيا وانما يتصور المنفعة المقصودة له بملاحظة وجوبه كما في المثال المذكور فان المنفعة المقصودة له وهي اسقاط العقاب وحصول الثواب انما جائت من قبل الوجوب من حيث كونها من لوازمه بحيث لو فرض عدم وجوبه لم يكن له منفعة مقصودة بملاحظة ذاته وهذا هو الذي مر الكلام في جواز اخذ الاجرة عليه وعدمه ومنها ما يتصور له منفعة مقصودة مع قطع النظر عن الوجوب وملاحظته بل هي ثابتة له بالنظر إلى ذاته من غير مدخلية للوجوب فيها بل يكون الوجوب متفرعا عليه كما في جميع الحرف والصنايع الواجبة من حيث توقف النظام عليها فان لها منفعة مقصودة محتاجا اليها الناس مع قطع النظر عن وجوبها.
وبعبارة اخرى قد يكون المنفعة المقصودة للفعل الواجب ما يكون من لوازم الوجوب ومتفرعا عليه كجلب الثواب ودفع العقاب فانهما من لوازم الواجب من حيث الاطاعة كما ان ضدهما من لوازمه من حيث المخالفة بحيث لو لم يكن هناك وجوب لم يتحقق هذه المنفعة يقطعا وهذا هو الذي قد مر الكلام في مانعية الوجوب فيه لاخذ الاجرة وعدمها وقد تكون ثابتة له مع قطع النظر عن وجوبه كما في الحرف والصنايع وهذا مما يجوز اخذ الاجرة عليه وان قلنا بمانعية الوجوب لاخذ الاجرة في القسم الاول بقول مطلق.
والدليل عليه امران احدهما ان الفعل فيما نحن فيه لما كان ذا منفعة مع قطع النظر عن وجوبه فيصلح لان (فيصح ان خ) يتعلق الامر به مقيدا بالتبرع وباخذ الاجرة وبذاته مع قطع النظر عن القيدين وهذا بخلاف القسم الاول فانه لا يجوز ان يتعلق الامر به الا بالعنوان الاخير اي بملاحظة ذاته فان قابليته للتبرع والاجرة انما هي بعد الوجوب حسبما فرض من انحصار المنفعة فيه في جلب الثواب ودفع العقاب فلا يمكن ان يقيد الوجوب بهما في هذا القسم الاول فهما اعتباران حاصلان بعد الوجوب فلا يعقل تقييد الوجوب باحدهما وهذا بخلاف ما نحن فيه فانه لمكان وجود المنفعة له قبل الوجوب ومع قطع النظر عنه يمكن ان يقيد الوجوب فيه باحد الاعتبارين وحيث كان الوجوب فيه قابلا لان يقيد باحد القيدين المذكورين فان دل دليل على كون الوجوب متعلقا به باحد العناوين الثلاثة فيتبع ويراعى حكمه وان لم يدل دليل على ذلك ودار امره بين الامور الثلاثة كما هو المفروض في المقام فلابد من ان ياخذ بالقدر المتيقن وهو الوجوب مع الاجرة فيكون الواجب في الحقيقة هو التكسب بالعمل فيبقى الادلة الدالة على احترام عمل المسلم سليمة عن المقيد والمخصص فقضية الجمع بين ادلة وجوب الحرف والصنايع وادلة حرمة عمل المسلم وانه كما له هو (هي خ) الاخذ بالقدر المتيقن وهو الوجوب مع الاجرة والمفروض حصول الغرض وهو حفظ النظام بذلك ايضا.
ثانيهما ان ما دل على وجوب الفعل في هذا القسم وهو حفظ النظام واختلال النظم لولاه لما كان مشتركا بين العامل والمعمول له فيدل على كون الواجب هو خصوص التكسب والا لخرج عن دلالته على الاشتراك بينهما فالواجب على الطبيب مثلا هو الطبابة اذا بذل له الاجرة والواجب على المريض هو بذل الاجرة لوجوب حفظ النفس عليه ايضا والفرق بين هذا الدليل وسابقه مع اشتراكهما في الدلالة على كون الواجب هو التكسب بالعمل هو كون الدلالة في الاول حاصلة من الدوران والاخذ بالقدر المتيقن وفي الثاني حاصلة من نفس الدليل الدال على وجوب هذا الفعل.
والحاصل انه كما يجب على ذوي الحرف والصنايع بذل عملهم وعدم الامتناع منه لحفظ النظام كذلك
يجمع على المعمول له بذل المال والا لاختل النظام من حيث عدم اقدام الناس بالاعمال تبرعا فادلة وجوب حفظ النظام تدل على وجوبه على كل من يقدر على حفظه فكما ان الطبيب يقدر على حفظ النظام كذلك المريض ايضا يقدر على حفظه ببذل المال فيكون الواجب مشتركا بينهما فلو قلنا حينئد بوجوب العمل تبرعا للزم خلاف الفرض لاقتضائه اختصاص الوجوب بالعامل فحينئذ يمكن ان يقال انه لو امتنع المريض مثلا من بذل المال في اخر ازمنة الامكان يحكم على الطبيب بالطبابة وعلى المريض بالبذل ولو امتنع تعلق بذمته قهرا كما في بذل المال في المخمصة فيما اذا امتنع المشرف على الهلاك من فكها بعوض فانه يحكم بوجوب البذل على صاحب المال وتعلق العوض على الاكل حسبما فصل القول فيه في محله هذا تمام الكلام في الواجبات الكفائية.
واما الواجبات العينية فالظاهر بل المقطوع تحقق الشرط الاول والثاني فيها في الجملة كما في التوصليات العينية التي لها نفع يعود إلى غير الفاعل كما في الشهادة والقضا اذا كان القائم بهما منحصرا واما الشرط الثالث فالظاهر عدم تحققه بالنسبة اليها لان مقتضى الطلب العيني المتعلق بالفعل كونه حقا للطالب ومملوكا له فكلما يوجد في الخارج لا بد ان يوجد بهذا العنوان فلا يصح اخذ الاجرة عليه لعدم ما يبذل بازائها فيكون اكلا للمال بالباطل فافهم وتامل حتى لا يختلط عليك الامر.
ومحصل الكلام من اول المسألة إلى هنا ان ما تعلق به الطلب من الشارع لا يخلو اما ان يكون مستحبا او واجبا وكل منهما اما ان يكون تعبديا او توصليا وعلى التقادير اما ان يكون كفائيا او عينيا وعلى تقدير كونه توصليا سواء كان كفائيا او عينيا لا يخلو اما ان يكون حقا لله تعالى او حقا للناس فان كان تعبديا مشروطا بقصد التقرب لا يجوز اخذ الاجرة عليه سواء كان مستحبا او واجبا كفائيا او عينيا لما قد عرفت من منافات التقرب لاخذ الاجرة وان لم يكن تعبديا فان كان من حقوق الناس فلا يجوز اخذ الاجرة عليه مطلقا كفائيا كان او عينيا لما قد عرفت من اقتضاء كونه حقا للناس بقول مطلق خروجه عن سلطنة الفاعل وبكونه؟ مملوكا للادمي سواء كان ذلك مستفادا من خطاب الشرع كما في امره بالشهادة للناس فانه يستفاد منه كونها حقا لهم على الشاهد او من غيره كما لو استاجر شخصا في يوم معين لعمل معين فانه لا يجوز ان ياخذ الاجرة من غير المستاجر ايضا على ذلك العمل وان لم يكن تعبديا ولا حقا للادمي فان كان عينيا لا يجوز اخذ الاجرة عليه في الواجب لخروجه بوجوبه على ذلك الوجه عن ملك الفاعل حسبما عرفت تفصيل القول فيه ويجوز في المستحب لما قد عرفت من عدم منافات الطلب الندبي في نفسه لاخذ الاجرة الا بملاحظة قصد التقرب او عدم المنفعة للمستاجر في فعله وان كان كفائيا يجوز اخذ الاجرة عليه بمقتضى القاعدة في الواجب والمستحب كما مر تفصيل القول فيه.
ثم ان هذا الذي ذكرنا كله انما هو في الواجب النفسي واما الواجب الغيري اي ما وجب بوجوب ما يتوقف عليه من الغير فلا يجوز اخذ الاجرة عليه ايضا الا اذا كان ما يتوقف عليه من حقوق الناس وتوقف الاتيان به على بذل المال فانه يمكن ان يقال حينئذ بعدم وجوب بذل المال عليه نظرا إلى ان الواجب عليه انما هو العمل دون بذل المال فاداء الشهادة اذا توقف على بذل المال كالمسير من بلد إلى بلد اخر لا يجب عليه بذل المال بل يجوز له اخذ مؤنته من المدعى وفي الحقيقة هو خارج عن اخذ العوض على الواجب وايضا ما ذكرنا من جواز اخذ العوض على الواجبات الكفائية التوصلية انما هو فيما اذا لم يدل دليل وجوبه على المجانية فلو دل دليل وجوبه على كونه مطلوبا من المكلف مجانا لا يجوز اخذ الاجرة عليه كما قد يقال ذلك بالنسبة إلى جملة من الواجبات الكفائية كدفن الموتى وتعليم الناس مسائلهم الدينية حيث انه قد ورد في بعض الروايات انه قد اخذ الله تعالى
الميثاق من العالم قبل ان يجب التعلم على الجاهل فان وجوب التعلم على العالم قبل وجوب التعلم على الجاهل يدل بظاهره على كونه مطلوبا منه مجانا لا يجوز له الامتناع الا بان ياخذ الاجرة عليه فافهم وتأمل حتى لا يختلط عليك الامر ولا يلتبس عليك الحال.
اذا عرفت ذلك فنرجع إلى ما كنا فيه من جواز اخذ الاجرة والعوض على القضاء فنقول ان قلنا بكون القضاء من التعبديات حسبما يظهر من بعضهم وان كان مقتضى التحقيق خلافه فلا اشكال في عدم جواز اخذ الاجرة عليه مطلقا سواء كان القاضي فقيرا او غنيا عين عليه القضاء او لا لما قد عرفت من منافات خذ الاجرة للتقرب مطلقا وان لم نقل بكونه من التعبديات وقلنا بكونه من التوصليات على ما هو الحق عندنا فان تعين عليه القضاء اما لعدم وجود صالح سواه او لتعيينه الامامعليهالسلام للقضاء لا يجوز له اخذ الاجرة عليه ايضا سواء مع الفقر او الغناء لما عرفت من عدم جواز اخذ العوض على الواجب العيني مطلقا وان لم يتعين عليه فان قلنا بكون القضاء من حقوق الناس كما في الشهادة ونحوها فلا يجوز اخذ الاجرة عليه ايضا مطلقا لما قد عرفت من عموم المنع في حقوق الناس الكفائي والعيني وان لم نقل بكونه حقا للناس فان قلنا بانه يستفاد من ادلته المجانية كما قد يستفاد ذلك من ادلة بعض الواجبات الكفائية فلا يجوز اخذ الاجرة عليه ايضا مطلقا وان لم نقل بذلك فيجوز اخذ العوض ليه بمقتضى ما ذكرنا فيما تقدم من انه لا مانع من اخذ الاجرة على الواجبات الكفائية اذا كانت حقا لله تعالى هذا كله بالنظر إلى ما يقتضيه القاعدة في المقام مع قطع النظر عن الدليل الوارد فيه.
واما الكلام بالنظر إلى الدليل الوارد فنقول انه قد يستدل على الحرمة بصحيحة ابن سنان قال سئل ابوعبداللهعليهالسلام عن قاض بين فريقين ياخذ على القضاء الرزق من السلطان قالعليهالسلام ذلك السحت فيه ان ظاهر الرواية كون القاضي منصوبا من قبل سلطان الجور اذ ما يؤخذ من السلطان العادل لا يكون سحتا قطعا ولا شك ان هذا المنصوب غير قابل للقضاء فما يأخذه سحت من هذا الوجه ولو فرض كونه قابلا للقضاء فالرواية غير ظاهرة في كون اخذ الرزق من بيت المال ثم لو سلم ظهورها في الرزق من بيت المال فالظاهر منه بقرينة قوله على القضاء كون اخذه بعنوان العوضية والمقابلة فلا تدل على حرمة الارتزاق بغير هذا العنوان بل من حيث كونه قائما بمصالح المسلمين كما قد عرفت ترجيح الجواز بهذا العنوان سابقا فالرواية بعد تسليم دلالتها انما تدل على حرمة الارتزاق بعنوان العوضية حسبما هو محل الكلام لا مطلقا كما لا يخفى هذا ويمكن الاستدلال على الحرمة بما ورد في غير واحد من الاخبار من حرمة اخذ الاجرة على القضاء فان الظاهر شموله لمطلق العوض لا خصوص الاجرة التي يذكرونها في باب الاجارة.
وقد يستدل ايضا بما ورد في كثير من الاخبار من حرمة اخذ الرشوة على القضاء والحكم بالحق بين الناس بادعاء شمول الرشوة لمطلق العوض وفيه ما سيجيئ من منع كون الرشوة شاملة لمطق العوض هذا تمام الكلام في المقام الاول اي جواز الارتزاق من بيت المال وعدمه. واما الكلام في المقام الثاني والثالث اي جواز اخذ الاجرة من المتخاصمين او الجعل منهما على القضاء فبالنظر إلى ما يقتضيه القاعدة العامة في مطلق جواز اخذ العوض على الواجب فقد عرفت مشروحا في المقام الاول واما بالنظر إلى الادلة الخاصة فيمكن التمسك للقول بالحرمة بجملة من الروايات الدالة على كون الاجر على القضا سحتا مثل الصحيح عن عمار بن مروان قال كل شيئ غل من الامامعليهالسلام فهو سحت والسحت انواع كثيرة منها ما اصبت من عمال الولاة الظلمة ومنها اجور القضاة اجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ المسكر الخبر
إلى غير ذلك من الروايات ثم ان شمولها للاجرة واضح وأما الجعل فالظاهر شمولها له أيضا بناء على أن لاجر في العرف يشمل الجعل وإن كان بينهما فرق عند المتشرعة هذا كله إذا كان القاضي غنيا أو لم يتعين عليه القضاء.
وأما إذا تعين عليه القضاء وكان فقيرا فربما يقال بجواز أخذ الاجرة من المتحاكمين نظرا إلى أن منعه من الاخذ يؤدي إلى العسر الشديد والضرر المنفيين بل ربما يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق لكن يمكن منعه بأن الواجب حينئذ على جميع المسلمين ان يتكفلوا مؤنته من غير أن يجوز له أخذ الاجرة والجعل من - المتخاصمين فتأمل ثم انه قد فصل في لف فجوز أخذ الجعل والاجرة مع حاجة القاضي وعدم تعين القضاء عليه ومنع منه في غير تلك الصورة وأما اعتبار عدم الغناء فلظهور الاخبار الواردة في المنع بصورة الغناء وأما عدم التعين فلما تقرر عندهم من عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات العينية وقد يستدل ايضا على الحرمة في المقام بما ورد في باب الرشوة بناء على الدعوى المتقدمة وقد عرفت منع شمولها لمطلق العوض على القضاء هذا كله في أخذ الاجرة والجعل من المتخاصمين.
وأما المقام الرابع وهو أخذ الرشوة على القضاء فالظاهر عدم الريب في حرمتها وفي جامع المقاصد ولك ان على تحريم الرشوة اجماع المسلمين ويدل عليه مضافا إلى الاجماع بقسميه ما ورد في الاخبار المستفيضة من كونه كفرا بالله أو شركا مثل قوله في رواية العمار المتقدمة وأما الرشاء في الاحكام يا عمار فهو الكفر بالله العظيم ومثلها رواية سماعة عن أبي عبداللهعليهالسلام وفي رواية يوسف بن جابر لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله من نظر إلى فرج مرأة لا تحل له ورجلا خان أخاه في امرأته ورجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسئلهم الرشوة وفي بعض الروايات انه لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله الراشي والمرتشي إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ذلك البالغة حد التواتر ولو لم يكن في المسألة إلا الاجماع من المسلمين والضرورة من الدين لكفى في المسألة دليلا مع ما عرفت من دلالة الروايات عليه أيضا فلا إشكال إذا في حرمة الرشوة على القضاء سواء حكم للراشي أو عليه لاطلاق ما عرفت من الروايات.
إنما الاشكال في بيان حقيقة الرشوة والمراد منها حيث ان كلمات الاصحاب بل اللغويين مضطربة فيه قال في جامع المقاصد ان الجعل من المتحاكمين رشوة وقال في حاشيته له على ما حكي عنه الرشوة ما يبذله المتحاكمان وهو صريح الحلي أيضا في مسألة تحريم أخذ الرشوة وظاهر بعض مشايخنا عدم الارتياب في شمولها لمطلق ما يبذله المتحاكمان ولو بعنوان الجعالة والاجرة وحكى عن القاموس تفسير الرشوة بالجعل لكن عن مجمع البحرين قلما يستعمل الرشوة إلا فيما يتوصل به إلى إبطال حق أن تمشية باطل وعن المصباح هي ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد وعن النهاية انها الوصلة إلى الحاجة بالمضايقة والراشي الذي يعطي ما يعينه على الباطل والمرتشي الاخذ والراشي هو الذي يسعى بينهما ليزيد لهذا أو ينقص لهذا وقال بعض الشيوخ في شرحه على القواعد على ما حكي عنه في الجواهر انها ليست مطلق الجعل كما في القاموس بل بينها وبين الاجر والجعل عموم من وجه ولا البذل على خصوص الباطل كما في النهاية والمجمع ولا مطلق البذل ولو على خصوص الحق بل هو البذل على الباطل أو على الحكم له حقا أو باطلا مع التسمية (التهمة خ) وبدونها انتهى كلامه وهذه الكلمات كما ترى تنادي باختلافهم في موضوع الرشوة ومعناها.
والذي يقتضيه النظر الدقيق ويساعد عليه العرف عدم عموم للرشوة بحيث يشمل الجعل والاجرة
ولو قلنا بشمولها لهما بحسب اللغة لكن المنصرف إليه عرفا هو غيرهما ومما يدل على عدم عموم الرشاء لمطلق الجعل على الحكم ما تقدم في رواية عمار بن مروان من جعل الرشاء في الحكم مقابلا لاجور القضاة خصوصا بملاحظة كلمة اما نعم ينبغي القطع بعدم اختصاصه بما يبذل على خصوص الباطل بل يعم ما يبذل لحصول غرضه وهو الحكم له حقا كان أو باطلا فافهم وتأمل حتى لا يختلط عليك الامر.
ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها أحدها انه كما يحرم أخذ الرشوة على المرتشي كذلك يحرم اعطائها على الراشي أيضا سواء حكم له أو عليه لكونه إعانة على الاثم والعدوان والظلم والطغيان مضافا إلى دلالة بعض الاخبار المتقدمة عليه أيضا معتضدا بعدم الخلاف في المسألة نعم لا بد من استثناء ما يتوقف تحصيل لحق عليه حسبما صرح به جماعة من الاعلام فإنه يجوز للراشي اعطائها حينئذ وإن حرم على المرتشي أخذها ويدل عليه مضافا إلى الاجماع الظاهر المصرح به في كلام بعض الافاضل عموم ما دل على نفي الحرج والضرر في الاسلام المعتضد بالشهرة المحققة بل عدم الخلاف في المسألة فما يظهر من بعض المشايخ من عدم جواز اعطاء الرشوة مطلقا ولو فيما توقف تحصيل الحق عليه ضعيف جدا لا يصار إليه ولا يلتفت به.
ثانيها انه كما تحرم الرشوة على الحكم فهل تحرم في غيره أيضا بناء على صدقها كأن يبذل له مالا على أن يصلح أمره عند الامير أم لا وجهان من اطلاق بعض الروايات ومن انصرافه إلى الرشوة في الحكم والتحقيق أن يقال انه إن كان أمره منحصرا في المحرم أو مشتركا بينه وبين المحلل لكن بذل على اصلاحه حراما فالظاهر حرمته لا لما ذكر من الاطلاق بل لانه أكل للمال بالباطل فيكون الحرمة هنا لاجل الفساد فلا يحرم القبض في نفسه وإنما يحرم التصرف لانه باق على ملك الغير فتأمل هذا وأما بذل المال على وجه الهدية الموجبة لقضاء الحاجة المباحة فلا ضير فيه أصلا كما لا يخفى.
ثالثها انه كلما حكمنا بحرمة اخذ الرشوة وجب على الاخذ ردها ورد بدلها من المثل أو القيمة مع التلف لانها حقيقة جعل على الباطل فلم يقصد بها المجانية نعم لو لم يقصد بها المقابلة بل اعطى مجانا ليكون داعيا على الحكم فالظاهر عدم ضمانه بعد التلف لان مرجعها إلى هبة مجانية فاسدة إذا لداعي لا يعد عوضا وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده وكونها من السحت إنما يدل على حرمة الاخذ لا على الضمان وعموم على اليد مختص بغير اليد المتفرعة (المتصرفة خ) على التسليط المجاني ولذا لا يضمن بالهبة الفاسدة في غير هذا المقام هذا وفي كلام بعض مشايخنا نور الله مرقده ان احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقا غير بعد معللا بتسليط المالك عليها مجانا ولانها تشبه المعاوضة وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ولا يخفى ما بين تعليله من التنافي فافهم وتأمل حتى لا يختلط عليك الامر هذا تمام الكلام في أخذ الرشوة على القضاء.
وأما أخذ الهدية عليه وهي ما يبذله على وجه الهبة ليورث المودة الموجبة للحكم له حقا كان او باطلا فيكون الفرق بينها وبين الرشوة ان الرشوة تبذل لاجل الحكم والهدية تبذل لايراث الحب المحرك له على الحكم على وفق مطلبه فالظاهر حرمتها لانها رشوة أو بحكمها بتنقيح المناط مضافا إلى دلالة جملة من الروايات على حرمتها منها رواية اصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال أيما وال احتجب عن وائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة عن حوائجه وإن أخذ هدية كان غلولا الخبر ومنها ما ورد من أن هدايا العمال غلول كما في بعض أو سحت كما في آخر ومنها ما عن عيون الاخبار عن مولانا أبي الحسن الرضا (ء)؟؟ عن أمير المؤمنينعليهالسلام في تفسير قوله تعالى أكالون للسحت قال هو الرجل يقضي لاخيه حاجته ثم يقبل هديته
إلى غير ذلك من الروايات التي يقف عليها المتتبع في كتب الاخبار وبعض تلك الروايات وإن كان شاملا لغير الحكم أيضا إلا أنه لا بد من حمله عليه لما قد دل من بعض الروايات المعتبرة على جوازها في غير الحكم فتأمل هذا تمام الكلام في الهدية.
وأما ساير التعارفات الفعلية والقولية كمدح القاضي والثناء عليه والمبادرة إلى حوائجه وإظهار تبجيله وتعظيمه ونحو ذلك فالحق هو جواز قبولها للاصل مضافا إلى السيرة المستمرة إلى زمان الائمة بل النبيصلىاللهعليهوآله الكاشفة عن تقرير الحجة عليها آلاف الثناء والتحية وإن كان لشيخنا الاستاد العلامة دام ظله اشكال في بعض صور المسألة فيما صنفه في البيع على ما هو ببالي الفاتر ونظري القاصر وعليك بإمعان النظر فيما ذكرنا في المقامات السبعة حتى لا يلتبس عليك الامر والله الهادي إلى الصواب وهو الموصل عباده إلى طريق السداد اللهم اهدنا بهدايتك التي لا نضل بعدها ابدا بحق خير خلقك وخاتم رسلك وآله الذين بهم تنجى العباد وتوصلهم إلى سبيل السداد صلواتك عليهم أجمعين إلى يوم الدين آمين رب العالمين. قولهقدسسره السادسة تثبت ولاية القاضي الخ أقول تثبت ولاية القاضي بأمور أحدها العلم وثبوتها به مما لا إشكال فيه بل لا خلاف لان طريقيته غير محتاجة إلى جعل الشارع بل هو بنفسه طريق إلى متعلقه من غير احتياج إلى الجعل بل الجعل بالنسبة إليه غير معقول كما قرر في محله بل اطلاق المثبت عليه مسامحة كاطلاق الحجة عليه لانه كاشف عن متعلقه لا مثبت له وكيف كان ثبوت الولاية بالعلم مما لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه وأما عدم ذكر الاكثر له في عداد مثبتات الولاية فإنما هو من جهة وضوح الامر وظهوره لا من جهة إشكال في المسألة كما لا يخفى على من له أدنى دراية ثانيها البينة العادلة وهي تثبت بها كغيرها من الحقوق المالية و غيرها من غير اشكال فيه بل ثبوتها بها محل اجماع بينهم فضلا عن عدم الخلاف فيه ثالثها سماع التولية من الامامعليهالسلام أو من نصبه للنصب وثبوتها به أيضا مما لا إشكال فيه لان قولهعليهالسلام إن ان مفيدا للعلم ولو بضميمة الامارات الخارجية كما قد يتفق كثيرا في مقام التحاور فلا إشكال فيه بل هو يدخل حينئذ في الامر الاول وإن لم يكن مفيدا للعلم بل كان مفيدا للظن شخصا أو نوعا فلان اعتبار الظن في باب الالفاظ وكونه من الظنون الخاصة مما اتفقت عليه كلمة الكل سيما في حق المقصود بالخطاب رابعها اقرار الامامعليهالسلام بها والفرق بين هذا وسماع التولية ظاهر كما ان ثبوت الولاية به أظهر(١) خامسها حكم الحاكم بها وثبوت الولاية به وإن كان فيه في الجملة اشكال في بادى النظر نظرا إلى عدم دليل على اعتبار حكم الحاكم ونفوذه بالنسبة إلى الموضوعات التي منها ولاية القاضي إلا أن مقتضى دقيق النظر هو ثبوتها به من غير إشكال فيه ولا شك يعتريه لان الموضوعات التي لا ينفذ فيها حكم الحاكم هي التي لم ينسد فيها باب العلم غالبا أو الطرق الشرعية المقررة لاحراز الموضوعات او انسد واغمض الشارع من حكمها لمصلحة من المصالح وإن كان ذلك في غاية القلة وأما ما لم يكن كذلك كما في الهلال وما نحن فيه فلا دليل على عدم نفوذ حكم الحاكم فيه بل ما دل على نفوذ حكم الحاكم في - الاحكام يدل على نفوذه في هذا القسم من الموضوعات ايضا وهذا نظير ما ذكرنا في مسألة حجية الظن من انه على فرض القول بحجية الظن المطلق وبتمامية مقدمات برهان الانسداد المنتجة لها لا نقول ولم يقل أحد أيضا بحجيته مطلق الظن في الموضوعات لكن يوجد في الموضوعات ما لا بد من القول بحجية مطلق الظن فيه و هو كل موضوع لو بنينا على عدم اعتبار الظن في تشخيصه لزم
____________________
(١) - لان من ملك شيئا ملك الاقرار به (منهقدسسره )
منه طرح الحكم المجعول لهذا الموضوع في غالب افراده نظرا إلى انسداد باب العلم في غالبها كما في الضرر ونحوه وإن شئت قلت ان اعتبار حكم الحاكم فيما نحن فيه وما ضاهاه كالهلال ونحوه محل اجماع بينهم سادسها الاستفاضة والكلام فيها في مقامين أحدهما في بيان موضوعها وان المراد منها ما هو ثانيهما في بيان حكمها وانه هل يثبت بها الولاية أم لا.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انها في اللغة على ما ذكره الاستاد دام ظله وصرح به جمع من اللغويين كما في المصباح المنير والمجمع بمعنى السيلان والانتشار والشياع كما يقال أفاض السيل يفيض فيضا أي كثير وسال من شفا الوادي واستفاض الحديث أي شاع وانتشر وعند الاصوليين عرفت بأنها خبر ثلاثة وما فوقها إلى حد لتواتر كما عن بعض أو خبر ما فوق الثلاثة إلى حد التواتر كما عن آخر أو إلى الخمسة كما عن ثالث وأما عند الفقهاء فقد اضطربت فيه كلماتهم فلما لم يقع هذا اللفظ أي لفظ الاستفاضة في نص أو معقد اجماع بينهم حتى يرجع في تشخيصه إلى العرف بل إنما وقع في كلمات الفقهاء فلا بد في تشخيصه من الرجوع إلى كلماتهم ففي بعضها هي أخبار جماعة لا يجمعهم (لا يمنعهم خ) التواطى على الكذب عادة بحيث يحصل بقولهم العلم على ما في مسلك الافهام على ما نسب إلى ظاهر كلام الماتن وإن كان في النسبة نظر على ما سيأتي تفصيل القول فيه وفي بعضها تفسيرها بالشياع ونحوه لكن لا بد أن يعلم ان هذا التفسير غير موضح لمعناها لان الشياع ايضا مثل الاستفاضة لا يعلم أقل ما يحصل به وفي بعضها أخبار ثلاثة وما فوقها إلى غير ذلك من التعاريف التي يقف عليها المتتبع في كلماتهم هذا.
ولكن الانصاف انه لم يعلم منها أقل ما يحصل به الاستفاضة من الثلاثة أو الاربعة وإن علم منها عدم حصولها بالاثنين لان ذكرهم البينة الشرعية من مثبتات الولاية لا يجامع ذكرهم الاستفاضة من المثبتات لها إذا كان مرادهم منها الاثنين لان الاستفاضة عندهم ليست مشروطة بما شرط في البينة من الذكورية والعدالة والبلوغ و الكمال والايمان بل الاستفاضة تحصل عندهم باخبار كل احد من الذكور والاناث والعادل والفاسق والمسلم والمؤمن بل الكافر فذكرهم البينة الشرعية من المثبتات لها مع اشتراطها بالشروط المذكورة مناقض لذكرهم الاستفاضة من المثبتات لها مع عدم اشتراطها بتلك الشروط على هذا الفرض كما لا يخفى. وكيف كان فهل اختلاف الفقهاء والاصوليين في الاستفاضة اختلاف فيما اصطلحوا عليه أو فيما يتحقق به المعنى اللغوي مع اتفاقهم على عدم النقل عنه ظاهر ما يترا اى من كلماتهم في بادى النظر هو الاول ولكن مقتضى تدقيق النظر في كلماتهم هو الثاني هذا كما ذكرناه في لفظ الصحيح (لفظة الصحيحة خ) في العبادة من ان اختلاف الفقهاء والمتكلمين فيه (فيها خ) ليس من جهة اصطلاح كل له معنى غير ما اصطلح عليه الآخر بل الظاهر نهم الاتفاق على بقاء الصحة على معناها اللغوي الذي يعبر عنه بالفارسية بدرست بودن لكن الفقهاء لما كان المقصود الاصلي لهم في العبادة هو رفع التكليف قالوا صحة العبادة هي كونها مسقطة للاعادة والقضاء والمتكلمين لما كان نظرهم إلى جهة العبودية والاطاعة قالوا صحة العبادة ما كان موافقا للامر والامتثال وليس هذا إلا من جهة اختلافهم في النظر كما يجري مثل ذلك في الامور الخارجية أيضا مثل صحيح الرمان فإنه عند بعض كونه حامضا وعند آخر كونه حلوا وعند ثالث كونه حلوا أو حامضا وليس هذا من جهة نقل كل منهم لفظ الصحيح في صحيح الرمان من معناه اللغوي إلى ما عبر عنه بل إنما هو من جهة اختلافهم في الميل وهذا باب واسع يجري في كثير من الالفاظ التي يتخيل قلها من معناها اللغوي عند الاوصوليين والفقهاء أو أهل الرجال كما في لفظ الثقة فإنه قد يتخيل ان ما ذكره أهل الرجال من ان كلما يذكر لفظ الثقة بقول مطلق المراد منه العدل الامامي انه اصطلاح منهم وليس كذالك بل مرادهم من ذلك ان الوثوق بالمعنى اللغوي بقول مطلق لا يحصل إلا
بذلك فافهم والخبر الصحيح ونحوه فإنه قد يتخيل ان تفسير القدماء الخبر الصحيح بما يركن إليه النفس وتثق به وتفسير المتأخرين له بما كان جميع سلسلة رواته عادلا إماميا إنما هو اختلاف في الاصطلاح وليس كذلك بل المتأخرون أيضا قد تسالموا مع القدماء في كون الخبر الصحيح بمعنى ما يركن إلى النفس لكنهم يقولون ان ركون النفس لا يحصل إلا بما كان بهذه الصفة ففيما نحن فيه من يقول بأنها أخبار خمسة وما فوقها مثلا يقول ان المعنى اللغوي لا يحصل إلا بذلك ومن يقول انها أخبار ثلاثة وما وقها يدعى انه يحصل بذلك إلى غير ذلك ولهذا ترى بعضهم عبر عنها بالشياع الذي هو معناها اللغوي فافهم وتأمل هذا تمام الكلام في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول انه لا يخلو إما أن يكون المعتبر منها ما كان مفيدا للعلم أو الظن المتاخم له أو مطلق الظن فإن كان مرادهم منها هو الاول فلا إشكال في اعتبارها في المقام من غير احتياج إلى دليل من حيث كون العلم في المقام طريقا إلى ثبوت الولاية غير مأخوذ في موضوعها حتى يحتمل اختصاصها ببعض الاسباب كما يحتمل ذلك فيما يكون مستندا للشاهد أو القاضي فإنه يمكن أن يقال هناك من حيث كون العلم فيه موضوعا ان اعتبار العلم الحاصل من الاستفاضة يحتاج إلى دليل حسبما سيأتي تفصيل القول فيه.
لكن المظنون بل المقطوع عدم كون مرادهم منها في المقام ولا غير هو الاول وإلا لما اختصوها بما ذكروه من الاشياء الخاصة من النسب والولادة والوقف والملك المطلق وأمثالها وأما ما يقال في وجه الاختصاص انه من جهة غلبة تحقق الاستفاضة في هذه الامور وكون تحققها في غيرها قليلا فليس بالحري أن يصغى إليه يما في تقييد الملك بالمطلق فإنه مضر بالمقصود بعدما كان ثبوت كل ملك بها سواء كان بالبيع أو الهبة أو الصلح أو غيرها وما يقال ان التقييد في المقام نظير التقييد في قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم وارد مورد الغالب وقد تقرر في الاصول ان القيد إذا ورد مورد الغالب لا مفهوم له فاسدجدا فإنه فيما إذا كان المقيد غالب وجوده مع القيد وليس الامر في المقام كذلك فإنه ليس أغلب أفراد الملك هو المطلق بل أغلب أفراده يحصل بالاسباب الخاصة بل قد يقال بل قيل انه لا وجود للملك المطلق وإنما المسلم في المقام غلبة وجود الاستفاضة في الملك المطلق واين هذا مما ذكروه في هذا المقام.
والحاصل حصول القطع لنا بعدم كون مرادهم منها هي ما يفيد القطع مع قلة وجوده وأما ما نسبه ثاني الشهيدينقدسسره ما في المسالك إلى المحقق في المتن وتبعه جمع ممن تأخر عنه من ان المعتبر من الاستفاضة عنده هي ما يفيد العلم فليس بصحيح لان عبارته كما لا يخفى على من تأمل فيها هنيئة لا دلالة لها على ذلك أصلا وإنما استفادقدسسره ما نسب إليه على ما صرح به من قول الماتن بعد ذلك فلا يجب على أهل الولاية قبول دعواه مع عدم البينة وإن شهدت له الامارات ما لم يحصل اليقين فإنه يخيل ان مراده من الامارات ما يعم الاستفاضة وفساده غني عن البيان كما لا يخفى على ذوي الاذهان فإن مراده من الامارات غير الاستفاضة بل ذكره الاستفاضة سابقا مستقلا وتخصيصها بالاشياء المذكورة أقوى شاهد على كون الاستفاضة عنده مثل البينة من الطرق الشرعية لاثبات الولاية فكان المراد من العبارة مع عدم البينة والاستفاضة كما شرحها كذلك بعض مشايخناقدسسره .
وأما الثالث فليس مرادهم أيضا قطعا كما لا يخفى على من تأمل في كلماتهم إلا فيما ينسب إلى الشيخ في بعض كتبه على أنه لا دليل على اعتبارها على هذا الفرض قطعا سيما مع ملاحظة كونها ظنا في الموضوعات الصرفة لم يقم برهان على اعتبار الظن فيها وإن قيل بأصالة حجية الظن في الاحكام.
فتعين أن يكون مرادهم منها هو الثاني على ما صرح به جمع منهم فنقول استدلوا على اعتبارها بهذا الوجه
بوجوه بعضها صحيحة وأكثرها سقيمة.
أحدها السيرة المستمرة من زمن النبيصلىاللهعليهوآله إلى زمان من يكون اعتبار السيرة من حيث كشفها عن تقريره وهو إمام العصر عجل الله فرجه وسهل مخرجه فإنها استقرت في تلك الازمنة على تعيين الولاية واثباتها بها من غير توقف فيه ولا شبهة تعتريه ولم يكن دأب النبي والائمةعليهمالسلام أو من نصبوه لنصب القاضي ارسال لبينة العادلة عند كل أحد مع القاضي المنصوب حتى تشهد بولايته والقول بأن قبولهم الاستفاضة في باب الولاية لعله كان من جهة حصول العلم لهم منها بها ضعيف جدا فانا نعلم بعدم حصول العلم لهم غالبا فتأمل. ثانيها عسر اقامة البينة عليها فيجب سماع الاستفاضة فيها اما الصغرى فواضحة غير محتاجة إلى البيان حيث ان اقامة البينة العادلة عند كل من يحتاج للرجوع إليه مشكلة جدا بل تكاد أن تكون محالا بحسب العادة وأما الكبرى فلما يستفاد من النصوص الكثيرة الواردة في أبواب الفقه من أنه كلما تعسر اقامة البينة يقوم غيرها مقامها ولا يبعد دعوى الاجماع على ذلك المطلب أيضا حيث انه يستفاد من مطاوي كلماتهم ان هذه القاعدة من المسلمات عندهم هكذا يستفاد من كلماتهم في وجه الاستدلال وفيه ان عسر اقامة البينة على الولاية لا يوجب الانتقال إلى خصوص الاستفاضة لانه قد يوجب سقوط البينة رأسا من غير أن يقوم مقامها شئ بل قول المدعي مسموع وإن لم يكن عادلا كما فيما لا يعلم إلا من قبله وقد يوجب سقوط بعض شروط البينة مثل الذكورة كما في شهادة النساء على الحمل وغيره مع اعتبار ساير الشروط مثل العدالة والتعدد وقد يوجب سقوط العدالة كما في بعض الموارد مثل الوصية عند تعذر اشهاد العادل فإذا كان الامر كذلك فمن أين يمكن تعيين الانتقال إلى خصوص الاستفاضة لم لا ينتقل إلى شهادة رجلين وإن لم يعلم بعدالتهما أو إلى سماع قوله من غير مطالبة شئ اللهم إلا أن يقال انه قد انعقد الاجماع على الانتقال إلى خصوص الاستفاضة في المقام وعدم كفاية غيرها فبضميمة الاجماع يتم المراد فتأمل هذا ويمكن الخدشة في هذا الدليل ولو بضميمة الاجماع أيضا بأن قيامه على الانتقال إلى خصوص الاستفاضة لا يدل على ما نحن بصدده من اثبات حجية الاستفاضة من حيث كونها مفيدة للظن الاطميناني لانه لم يعلم من اتفاقهم الانتقال إلى الاستفاضة وإن لم يفد العلم بل المعلوم من حال بعضهم هو القول بكون اعتبارها من حيث افادتها العلم. ثالثها ما يستفاد من كلام بعض الاعلام من أن ما دل على اعتبار البينة في المقام يدل على اعتبار الاستفاضة بالاولوية القطعية لان أدنى مراتب البينة الشرعية لا يحصل بها الظن الغالب المتاخم للعلم فيكون ما أفاده أقوى مما وقع النص والاجماع على ثبوتها به فكان أولى وإن كان مساويا لبعض مراتب البينة أو قاصرا عن بعضها وبهذا الاعتبار يتعدى عما جرت السيرة على اعتبارها فيه إلى غيره هذه خلاصة ما ذكره في وجه الاستدلال وفيه أولا انه لم يعلم ان اعتبار الشارع للبينة إنما كان من جهة كونها مفيدة للظن بل المعلوم كما عند المشهور كون الوجه في اعتبارها هو مجرد التعبد وثانيا سلمنا كون الوجه في اعتبارها هو الظن لم لا يكون هو خصوص الظن الحاصل منها دون الظن من حيث هو ظن حتى يتعدى عن البينة إلى غيرها وإلا لدل كل ما يدل على اعتبار بعض الظنون الخاصة على اعتبار ما هو أقوى منها في إفادة الظن وفساده غير محتاج إلى البيان والحاصل ان الاولوية الظنية أوهن بمراتب من الاستفاضة فكيف يمكن التمسك بها لاثبات حجيتها والعجب من تسمية المستدل ذلك بالمفهوم الموافقة وأعجب من ذلك استدلاله بذلك على اعتبار الظن في الموضوع مع أنه من أشد المنكرين لحجية الظن الحاصل من الشهرة في الاحكام مع أن جريان ما ذكره في المقام بالنسبة إليها أولى(١) بعد ملاحظة أدلة حجية بعض الظنون الخاصة كخبر العادل مثلا.
____________________
(١) وجه الاولوية ان اعتبار الظن في الحكم أولى من اعتبار الظن في الموضوع (منهقدسسره )
رابعها ظهور الاجماع بل القطع حاصل بتحققه في المقام وما ضاهاه هذا ولكن يمكن الخدشة فيه بما ذكرنا في الاجماع المنضم إلى عسر البينة المعين للانتقال إلى خصوص الاستفاضة فراجع إليه.
خامسها صحيحة حريز قال كانت لاسماعيل بن أبي عبداللهعليهالسلام دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن فقال إسماعيل يا أبه إن فلانا يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينارا أفترى أن أدفعها بتاع لي بها بضاعة من اليمن فقال له أبوعبداللهعليهالسلام يا بني أما بلغك أنه يشرب الخمر فقال إسماعيل هكذا يقول الناس فقال يا بني لا تفعل فعصى أباه ودفع إليه دنانيره فاستهلكها ولم يأت بشئ منها فخرج إسماعيل وقضى ان أبا عبداللهعليهالسلام حج وحج إسماعيل تلك السنة فجعل يطوف بالبيت وهو يقول اللهم اجرني واخلف علي فلحقه أبوعبدالله فهزه بيده من خلفه وقالعليهالسلام يا بني فلا والله مالك على الله هذا ولا لك أن يوجرك ولايخلف عليك وقد بلغك انه يشرب الخمر فائتمنته فقال إسماعيل يا أبه إني لم أره يشرب الخمر إنما سمعت الناس يقولون فقال أبوعبداللهعليهالسلام ا بني إن الله عزوجل يقول في كتابه يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين يقول يصدق الله ويصدق المؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم ولا تأتمن شارب الخمر فإن الله تعالى يقول ولا تؤتوا السفهاء أموالكم فأي سفيه أسفه من شارب الخمر إن شارب الخمر لا يتزوج إذا خطب ولا يشفع إذا اشتفع ولا يؤتمن على أمانة فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على الله أن يوجره ولا يخلف عليه الخبر وجه الدلالة انها صريحة في اعتبار قول الناس أو المؤمنين الذي أعلى أفراده الاستفاضة والشياع وبعبارة أخرى انهعليهالسلام أوجب على إسماعيل تصديق المؤمنين وترتيب الاثر على قولهم وليس هذا إلا باعتبار كون قولهم حجة مطلقا إلا ما خرج بالدليل هذه خلاصة ما يستفاد من لماتهم في وجه الاستدلال بالرواية.
وفيه أنه ليس المراد من التصديق والمؤمنين هو المعنى الظاهر منها حتى يدل على اعتبار الاستفاضة وإلا لزم خروج المورد لقيام الاجماع ظاهرا على عدم اعتبار الاستفاضة في شرب الخمر بل المراد منهما ما هو المراد في قوله تعالى يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين وهو التصديق المخبري وجنس الفرد بمعنى عدم تكذيبهم لا ترتيب الاثر على قولهم وإلا لم يكن الرسولصلىاللهعليهوآله أذن خير لجميع المؤمنين وإن شئت قلت إن تمامية الاستدلال بالرواية موقوفة على مقدمتين احديهما كون المراد من التصديق هو جعل المخبر به واقعا وترتيب الاثر عليه بحسب الواقع لا جعل المخبر صادقا وعدم اتهامه بالكذب ثانيتهما كون المراد من المؤمنين هو المعنى لجمعي لا الجنس الانفرادي وكلتاهما غير ثابتتين أما الاولى فللقطع بكون المراد من التصديق هو التصديق المخبري لا الخبري وإلا لم يناسب الاستشهاد بالآية التي يكون المراد من التصديق فيها هو المخبري قطعا وأما الثانية فللقطع أيضا بعدم كون المراد من المؤمنين هو المعنى الجمعي بل المراد منه في الخبر هو المراد منه في الآية ضرورة تصديقهعليهالسلام كل واحد من المؤمنين وإن كان منفردا كما يشهد له مورد نزول الآية فهو من قبيل قوله تعالى ان الناس قد جمعوا لكم الذي يكون المراد منه هو نعيم بن مسعود.
فإن قلت كيف ينكر كون المراد من التصديق في الرواية هو المعنى الظاهر منه مع ان الامامعليهالسلام ذم إسماعيل على عدم ترتيب الاثر على اخبار المؤمنين لا على تكذيبهم وعدم الاعتناء بقولهم.
قلت نهي الامامعليهالسلام إسماعيل عن اعطاء الدنانير لم يكن من جهة لزوم ترتيب أثر الصدق على اخبار المؤمنين بل إنما كان من جهة الاحتياط فإن أبيت إلا عن ظهور الرواية في التصديق الخبري فلا بد من حمل
المؤمنين على غير معناه الظاهر لما قد ذكر من الوجه فيكون الرواية حينئذ من الادلة على حجية خبر العادل بضميمة ما دل على عدم الاعتناء بقول الفاسق وإن كان مؤمنا حسبما ذكرنا تفصيل القول فيه في الاصول وأين هذا من الدلالة على ما رامه المستدل من اعتبار الاستفاضة وإلى ما ذكرنا أخيرا نظر العلامة المجلسيرحمهالله حيث ذكر الرواية في المجلد الاول من البحار في عداد ما يستفاد منه القاعدة العامة لما يستفاد منه عموم حجية قول العادل فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر.
سادسها مرسلة يونس عن أبي عبداللهعليهالسلام قال سئلته عن البينة إذا أقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم قال فقال خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم الولايات والمناكح والذبايح والشهادات والمواريث فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسئل عن باطنه الخبر وفي الفقيه الانساب مكان المواريث كما ان في المحكي عن بعض نسخ التهذيب الحال بدل الحكم بل هو المحكي عما روى في الوافي والوسائل أيضا.
وجه الدلالة ان المراد بالحكم في المقام هو نسبة المحمول إلى الموضوع والمراد بظهوره وضوحه عند الناس من غير اشكال فيه بمعنى نسبتهم المحمول إلى الموضوع جازمين بها من غير ترديد فيها كما يقال ان زيدا ابن عمرو ودار زيد وقف فتدل الرواية بذلك البيان على أن تلك الامور الخمسة إذا وصلت بتلك المثابة بالاستفاضة بين الناس يجب الاخذ بها والحكم بثبوتها وترتيب الاثر عليها ومن جملة تلك الخمسة الولايات فإذا استفاضت ولاية شخص وكونه منصوبا من جانب الامامعليهالسلام بحيث يقول الناس في حقه انه ولي الامامعليهالسلام ومنصوبه وجب الحاكم بكونه منصوبا من غير تفتيش عن باطن الامر فتدل الرواية على أن الاستفاضة طريق شرعي لاحراز تلك الامور مثل البينة العادلة وهذا (وهذه خ) غاية ما يمكن أن يقرر به وجه الدلالة.
وفيه ان المراد بظاهر الحكم في المقام ليس هو واضحه في مقابل خفيه حتى تدل على المراد بل المراد بظاهر الحكم في المقام في مقابل الباطن أي الواقع فيصير معنى الرواية انه خمسة أشياء يجب الاخذ فيها بالظهور النوعي وعدم تفتيش الواقع فيها فالرواية بهذا البيان دليل على اعتبار الظهور في تلك الامور ولا دخل لهذا المعنى بالاستفاضة أصلا ومما يدل على كون المراد من الرواية ما ذكرنا هو تفريع الامامعليهالسلام في ذيل الرواية على الاخذ في الامور الخمسة بالظاهر بقوله فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا فإنه ينادي بأعلى صوت ان المراد من الظهور ما ذكرنا وإلا لم يكن معنى لهذا التفريع أصلا كما لا يخفى بل صدر الرواية أيضا من الشواهد على ما ذكرنا كما لا خفى فالرواية صدرا وذيلا قرينة على كون المراد من الظاهر فيها هو ما ذكرنا والحاصل ان المتأمل في الرواية يقطع بأن المراد بظاهر الحكم في المقام هو المروي في بعض نسخ الوافي من ظاهر الحال ولا تفاوت بينهما أصلا هذا مضافا إلى أن المعنى المذكور أولا لا يجامع مع قوله والشهادات إلا بتأويل ركيك ارتكبه بعض مشايخنا طاب ثراه لا داعي إليه أصلا وهو كون المراد من الاخذ في الشهادات بظاهر الحكم هو الاخذ به في المشهود عليه فيدل الرواية بذلك البيان على جواز استناد الشاهد في شهادته بالاستفاضة كما هو مذهب جماعة حسبما سيأتي تفصيل القول فيه وهذا كما ترى مخالف لصريح كلام الامامعليهالسلام وكان الموجهقدسسره لم يلتفت إلى صدر الرواية وذيلها أصلا وإلا لم يتفوه بهذا الكلام قطعا.
فإن قلت ما معنى الاخذ بظاهر الحكم بالمعنى الذي ذكرت في الولايات وهل هو إلا الاخذ فيها بالولاية المستفيضة من حيث عدم تحقق ظهور في الولاية إلا بالاستفاضة وهل هذا إلا ما هو مقصودنا غاية الامر
اختلاف التعبيرين وهذا لا يضر بعدما كان المفاد متحدا.
قلت لا دخل لهذا المعنى بالاستفاضة أصلا لان المراد من الولاية في المقام هو التصرف والمراد من الظهور الذي يجب الاخذ به في الولاية هو الظهور الناشى عن التصرف ممن يدعي الولاية مثلا إذا رأيت من يتصرف في مال اليتيم مدعيا كونه وليا عليه يجب الاخذ بقوله وكذا إذا رأيت من يتصدى أمر الحكومة مدعيا الولاية يجب عليك حمل فعله على الصحيح ونحو ذلك شراء ما حكم بملكيته لزيد مثلا ولا يجب عليك الفحص عن باطن الامر فالرواية بهذا المعنى أولى بالدلالة على ما ذكره بعض من ثبوت الولاية بكون الشخص منتصبا للفتوى والقضاء بين الناس وإن كان في دلالتها على ذلك أيضا نظر فتأمل.
فإن قلت سلمنا كون معنى ظاهر الحكم في الرواية ما ذكرت لكن الرواية بذلك البيان أيضا تدل على اعتبار الاستفاضة حيث ان ظاهر حال المخبرين بالولاية الصدق وعدم التواطو على الكذب لان الظاهر من حال المسلم أنه لا يتعمد في الكذب فيجب الاخذ بهذا الظهور ولا يجب الفحص عن باطن الامر.
قلت أولا لا دلالة للرواية بالبيان الذي ذكرنا على اعتبار ظهور حال المسلم في مقام الاخبار اصلا لان المراد من الولايات حسبما عرفت هو التصرفات الناشية من التسلطات ولا دخل لهذا المعنى باعتبار الظهور القولي أصلا كما لا يخفى وثانيا سلمنا دلالة الرواية بالمعنى الذي ذكرنا على اعتبار ظهور قول المسلم لكن نقول انه لا دخل لهذا المعنى بحجية الاستفاضة من حيث هي استفاضة كما هو المقصود أصلا. فإن قلت نحن نعين خصوص الاستفاضة بضميمة الاجماع على عدم اعتبار قول المسلم في تشخيص الولاية ما لم يبلغ إلى حد الاستفاضة فالرواية بملاحظة تلك الضميمة من الادلة على المدعى.
قلت ما ذكرت من تخصيص غير الاستفاضة بالاجماع مستلزم لتخصيص الاكثر وهو باطل عندنا فلا بد من أن يحمل الرواية على ما ذكرنا من التصرفات الفعلية أوالا عم منه ومما يسمع فيه قول المسلم وإن كان واحدا وأما مثل المقام وأشباهه فهو خارج عن مدلول الرواية على هذا البيان فتأمل هذا مضافا إلى كون الرواية بهذا البيان أخص من المدعى كما لا يخفى هذا نعم يمكن أن يقال ان للاستفاضة من حيث هي ظهورا لا دخل له بمسألة ظهور حال المسلم وهو من جهة بعد تواطئى المخبرين على الكذب يمكن أن يقال باعتبارها من تلك الحيثية على تقدير تمامية الرواية سندا ودلالة ثم ان ما ذكرنا كله هو تحقيق ما وصل إليه نظرنا القاصر في معنى الرواية وهو الذي ينبغي أن يفسر به الرواية لانك قد عرفت فساد غيره وأما القول بمضمونها واعتبارها بهذا لمعنى فليس عليه دليل ولسنا قائلين به لضعفها سندا من حيث الارسال مضافا إلى ما عرفت من لزوم تخصيص الاكثر وإلى اشتمالها على ما لا يقول به الاصحاب عدا ما يظهر من بعض كلمات الشيخ من كفاية المأمونية بحسب الظاهر في الشاهد فتلك الرواية بعض ما ورد من الروايات على اعتبار قول المسلم في باب الشهادة من حيث كونه بحسب الظاهر مأمونا فتأمل نعم يمكن أن يقال بدلالة الرواية على كفاية حسن الظاهر في احراز العدالة وكونه طريقا اليها من غير أن يجب الفحص فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر والله الهادي.
قوله المسألة التاسعة إذا مات الامام قال الشيخ الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة أجمع وقال في المبسوط لا تنعزلون الخ أقول تحقيق القول في المسألة في مقامين أحدهما في النائب الخاص ثانيهما في النائب العام وليعلم قبل الخوض في تفصيل القول فيهما ان المقصود الاصلي من التكلم في تلك المسأله ليس هو ترتب ثمرة لنا بالنظر إلى نفسها لرجوع الامر فيه إلى التكلم في تكليف الامام ونوابه نعم يمكن القول بترتب الثمرة بالنسبة إلى
النائب العام في زماننا أي الفقيه الجامع للشرائط بل المقصود الاصلي من التكلم فيها هو وضوح الحال من جهتها في لمسألة الآتية.
وكيف كان فلنرجع إلى ما كنا بصدد بيانه فنقول أما المقام الاول وهو انعزال النائب الخاص وعدمه والمراد به هو الذي نصبه الامامعليهالسلام بعنوان الخصوص فالخاص صفة للنائب لا للمنوب عنه كما توهم فالحق فيه الانعزال لا لما ذكره بعض من أنه ليس لامام كل عصر إلا التصرف في عصره والتسلط عليه وليس له أن يتصرف في عصر الامام الثاني لقيام ضرورة مذهبنا على تسلط إمام كل عصر على عصره وما بعده إلى يوم القيامة حتى أنه لو قال لاحد مثلا أنت وذريتك وأولادك قاض إلى يوم القيامة لا إشكال في عدم انعزالهم بموته لانه معصوم من الخطأ لا ينطق عن الهوى بل هو وحي يوحى ولهذا لا اختصاص لهذا الذي ذكرنا بأئمتناعليهمالسلام بل يجري في كل معصوم من الآدم إلى الخاتم فلو فرضنا ان آدم على نبينا وآله وعليهالسلام تصرف تصرفا كان مقتضاه الدوام والاستمرار بعد عصره لنحكم بدوامه و عدم رفعه بموته وهذا مما لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه ولا لما ذكره آخر من الشك في مقدار استعداد مصلحة المقتضية لنصب القاضي فيرجع إلى اصالة عدم جواز التصرف بعد اختيار عدم جريان الاستصحاب في المقام بل لوجهين أحدهما ان جواز تصرف النائب والقاضي إنما جاء من قبل الاذن من الامامعليهالسلام من حيث كونه كاشفا عن معنى قائم بنفسه ضرورة ارتفاع الاذن بارتفاع اللفظ الدال عليه وإنما المناط هو المعنى الكاشف عنه الاذن فبقاء جواز تصرفه منوط ببقاء هذا المعنى فإذا مات فقد ارتفع فيرتفع ما كان منوطا به وهذا نظير ما ذكروه في مسألة الاوامر ان الداعي على الزام العقل المكلف على الامتثال هو المعنى المنكشف بالامر القائم بنفس الامر وهو الطلب النفساني و لهذا يستصحب فيما لو شك في بقائه لا الطلب الحاصل من اللفظ فإنه تابع لللفظ فينعدم بانعدامه والحاصل ان الامر فيما نحن فيه نظر توكيل الامامعليهالسلام بل ساير عقوده الاذنية كالعارية والوديعة ونحوهما فإنه لا إشكال ي بطلانها بموت الامامعليهالسلام .
فإن قلت سلمنا كون بقاء جواز تصرف النائب منوطا ببقاء الاذن وليس الشرط حدوثه فقط بل لبقائه ايضا مدخلية لكن نقول ان ذهاب المعنى الكاشف عنه الاذن القائم بنفس الامامعليهالسلام أول الكلام من حيث كون ارتفاعه موقوفا على ارتفاع محله ونحن نمنع ارتفاع محله في خصوص الامامعليهالسلام . قلت بعد تسليمك كون المناط في بقاء النيابة هو بقاء الاذن لا يمكنك القول ببقائه مع موت الامامعليهالسلام لان القول ببقائه من حيث بقاء نفس الامام وعدم ارتفاعها كلام شعري أترى أحدا فصل في مسألة الوكالة في انعزال الوكيل بموت الموكل من حيث ارتفاع الاذن أو في غيرها من العقود الاذنية بين ما كان الموكل الامام وغيره والقول بخروج الوكالة ونحوها بالاجماع مما يضحك منه الثكلى فليس الوجه فيه إلا ارتفاع الاذن بموت الامامعليهالسلام . فإن قلت سلمنا كون الامر فيما نحن فيه نظير مسألة الوكالة وأشباهها إلا أنا نقول انه من يقول (إلا أن القول خ) بأن مسألة الوكالة بقائها موقوف على بقاء المعنى الكاشف عنه الاذن (ممنوع خ) كيف وهم ذكروا أنه لا ينعزل الوكيل بعزل الموكل من دون اعلام مع القطع بارتفاع المعنى القائم بنفسه بالعزل فيكشف هذا عن كون المعتبر في أمثال المقام هو حدوث الاذن في الجملة واما بقائه فليس بشرط في بقائها.
قلت لولا النص والاجماع على عدم انعزال الوكيل بالعزل من غير اعلام لقلنا به من دون اشكال وإنما لم نقل به من جهة دلالة النص والاجماع وإلا فمقتضى القاعدة هو انعزاله بمجرد العزل وإن لم يعلمه ولهذا نقول به في صورة الاعلام فالحاصل انه قد ثبت في مسألة الوكالة حكم على خلاف القواعد بالنص والاجماع وهذا لا يضرنا في شئ ولا ينفعك في شئ ولاجل كون ما ثبت في مسألة الوكالة على خلاف القاعدة لا نقول بمثله في المقام بل
نقول بانعزال النائب بعزل الامام وإن لم يعلمه اللهم إلا أن يقال من جهة لزوم الاختلال والهرج والمرج بل والضرر بعدم الانعزال في المقام أيضا وليس ببعيد وعلى تقديره لا يضر بما نحن في صدده من كون الانعزال هو مقتضى القواعد.
فإن قلت من أين ثبت ان نصب القاضي والنائب مثل التوكيل حتى يجري فيه ما يجري في الوكيل من انعزاله بموت الموكل من حيث ذهاب الاذن المشروط في بقاء الوكالة لم لا يكون من قبيل التصرف واعطاء المنصب حتى يحكم بدوامه وعدم ارتفاعه بموت الامام كساير تصرفاته المقتضية للدوام بل الظاهر كونه من قبيل الثاني لا الاول.
قلنا لسنا ندعي كون نصب القضاة والنواب من قبيل التوكيل على سبيل اليقين حتى يقدح فيه احتمال كونه من قبيل التصرف بل إنما حكمنا به من جهة كونه القدر المتيقن من النصب حيث ان أقل مرتبته الاذن المطلق المجامع لكل مراتب النصب ومعلوم أنه لا يضر في ذلك احتمال كونه من قبيل التصرف المقتضي للدوام فافهم وتأمل.
ثانيهما ما ذكره في مسالك الافهام ويستفاد من كلام غيره أيضا وهو ان ولاية القاضي متفرعة على ولاية الامامعليهالسلام ) ومعلوم ان ولاية الامام تزول بالموت فيزول ولاية القاضي أيضا من حيث استلزام زوال الاصل زوال الفرع هذا محصل ما ذكره في المسالك وليس الوجه في زوال الاصل وهو ولايتهعليهالسلام بالموت هو اختصاص ولايته بعصره كما توهمه بعض واستوجه به ما في المسالك حتى يرد عليه ايراد بعض المحققين من قيام الاجماع والضرورة من مذهبنا على ولاية الامامعليهالسلام على (في خ) جميع الاعصار بل الوجه فيه هو ان ولاية القاضي إنما هي متفرعة على ولاية الامام لقائمة بالحياة الصورية نظير ولايته على أطفاله وأمواله إذ لا إشكال في زوال تلك الولاية بالموت وقيامها بحياته الصورية إذ لا يعقل أن يقول أحد انه إذا مات الامام يبقى ولايته فلا يورث عنه أحد وكذلك يبقى ولايته على أطفاله و الاوقاف والصدقات إلى غير ذلك بل من المعلوم بديهة زوال تلك الولاية بالموت من حيث قيامها بحياته الصورية فالمقصود ان الولاية التي يتفرع عليها ولاية القاضي هي من تلك القبيل ونظير هذا ما ذكروه في مسألة الوكالة في انعزال الوكيل بموت الموكل مع قطع النظر عن ذهاب الاذن وهو فوات متعلق الوكالة من حيث خروج الموكل فيه عن سلطنة الموكل فارتفاع ولاية القاضي في المقام إنما هو من جهة فوات متعلقها وهو ولاية الامام القائمة بحياته الصورية فمسألة انعزال نائب الامامعليهالسلام بموته مثل مسألة انعزال الوكيل بموته من تلك لحيثية أيضا هذه خلاصة ما ينبغي أن يذكر في انعزال النائب بموت الامام في هذا المقام.
واستدلوا على عدم الانعزال بوجوه كلها ضعيفة.
احدها الاستصحاب من حيث ثبوت الولاية وجواز التصرف قبل الموت ولم يعلم زواله بالموت فيستصحب لما دل على عدم جواز نقض اليقين بالشك وفيه أولا عدم جريان الاستصحاب في المقام من حيث رجوع الشك فيه إلى الشك في المقتضي حيث لم يعلم ان ولايته من جهة الاذن المرتفع بالموت أو التصرف الباقي بعده فيرجع إلى أصالة عدم جواز الحكم والتصرف فالاصل في المسألة هو عدم البقاء لا البقاء كما لا يخفى وثانيا ثبوت الدليل على ارتفاعها بالموت فليس هنا شك حتى يجري معه الاستصحاب.
ثانيها لزوم الضرر العام من القول بالانعزال لخلو البلدان من الحكام إلى أن يجدد الامام اللاحق نوابا فيعطل المصالح وفيه منع لزوم الضرر العام الذي يجب دفعه بحكم العقل والنقل بمجرد الانعزال وعلى فرض لزومه لا يلزم منه تعين بقاء القاضي على ولايته بل يمكن الفرار منه بالتزام شئ آخر مثل الزام المتخاصمين بالرضاء
على الرجوع إلى ما كان قابلا للحكم وفصل الخصومة إلى غير ذلك.
ثالثها ما فهم مما ذكرنا في مبنى الخلاف في المسألة ويستفاد من كلام بعض الاعلام أيضا من أن نصبه القاضي تصرف منهعليهالسلام يقتضي الدوام كساير تصرفاته القولية الباقية بعد موته فيه أولا منع كونه تصرفا بل هو مجرد اذن كالوكالة وثانيا عدم ثبوت كونه من أحدهما وقد عرفت ان مقتضى الاصل بعد عدم الدليل على عيين كون نصب القاضي من قبيل التصرف أو الوكالة هو عدم واز التصرف هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول إن الحق فيه عدم الانعزال لنا على ذلك وجوه أحدها الاجماع المنقول في كلام جماعة المعتضد بالشهرة المحققة بل عدم لخلاف في المسألة وقد ذكرنا غير مرة في الفقه والاصول ان الحق حجية الاجماع المنقول المعتضد بمثل ما ذكر من باب الخصوص وإن لم نقل بحجية مطلقه على ذلك الوجه ثانيها ما يظهر من بعض يضا من كون نصبه النائب العام اخبارا باستحقاقه الحكومة والقضاء نظير اخباره واعلامه باعتبار البينة ونحوها من الامارات المعتبرة شرعا فلا مدخلية لاذنه في ذلك أصلا حتى يرتفع بارتفاعه وفيه نع ظاهر ثالثها ما يظهر من جماعة من كون أصل الحكم بين الناس مشتركا بين الامام وغيره ممن يعلم بالحكم غاية الامر ثبوت الدليل على كون جواز قيام غيره مشروطا بإذنه كما في صلاة الميت يث انها واجبة على جميع الناس لكن جواز اتيانها وصحتها موقوف على اذن الولي فلا تنافي بين كونه حكما شرعيا (فرعيا خ) مشتركا بين لامام وغيره وكونه مشروطا بإذن الامام كما ذكرنا في سألة الصلاة على الميت لا أن يكون أصل الحكم بين الناس حقا للامام ومنصبا له وكان جواز ارتكاب غيره من جهة اذنه وكونه نائبا عنه فإذا كان أصل أدلة وجوب الحكم بين الناس مشتركا بين الامام غيره على ما هو المفروض فلا معنى لارتفاعه بموت الامام وفيه أيضا تأمل بل منع يعرف وجهه مما ذكرنا سابقا في ابتداء المسألة فراجع إليه وتأمل فيه حتى يظهر لك حقيقة الامر رابعها ظهور ما رد من الاخبار في باب نصب الامام للنائب العام في كونه من قبيل التصرف وإعطاء السلطنة فلا يرتفع بموت الامامعليهالسلام حسبما عرفت تفصيل القول فيه مثل قوله في رواية أبي خديجة فإني د جعلته قاضيا فإن هذا اللفظ ظاهر فيما ذكرنا كما لا يخفى فتأمل خامسها ما يظهر من بعض مشايخنا أيضا من أنا لا نحتاج في اثبات بقاء ولاية الفقيه في زماننا وأشباهه إلى دليل من حيث وصول الاذن لعام من إمام العصر عجل الله فرجه في التوقيع الشريف وهو حي لا يزول إذنه حتى يرتفع ما يتوقف عليه هذا ولكن في زماننا هذا وأشباهه مما لا يمكن فيه الرجوع إلى الامامعليهالسلام لا حتاج إلى هذا أيضا لانعقاد الاجماع على نفوذ حكم من كان أهلا للفتوى هذا كله في القاضي المنصوب من قبل الامام.
وأما النائب عن المجتهد في زمان الغيبة فهل ينعزل بموته أم لا والكلام فيه أيضا في مقامين أحدهما النائب الخاص أي من نصبه لامر مخصوص ثانيهما النائب العام أي من صبه لامور عامة كالمتولي للاوقاف أو الايتام أما الكلام في الاول فلا إشكال في انعزاله بموته لما عرفت في النائب الخاص عن الامام بل الامر فيه أوضح كما لا يخفى وأما الكلام في المقام الثاني الحق فيه أيضا الانعزال لعدم ما يدل على بقائه هنا كما دل في النائب العام عن الامام وقد عرفت ان مقتضى الاصل بعد عدم الدليل على البقاء هو الانعزال وعدم جواز التصرف وما يمكن أن يقال وجها لبقاء وعدم العزل هو أن مقتضى عموم ما دل من الاخبار على نفوذ تصرف الحاكم ولو بعد الموت هو بقاء النيابة وعدم ارتفاعها بالموت لكن ضعفه ظاهر لعدم دليل يدل بعمومه على نفوذ جميع صرفات الحاكم ولو بعد الموت إذ ليس هو كالامام مالكا لجميع الاعصار كما لا يخفى.
قوله الاولى الامام يقضي بعلمه مطلقا أقول اعلم ان الكلام في مسئلتنا هذه والمسألة الآتية إنما هو في لشبهات الموضوعية وهي التي يفصل الامر فيها بالبينة والايمان وأما الشبهات الحكمية فلا إشكال بل لا خلاف بل لا يعقل الخلاف في جواز الحكم فيها بالعلم أما في مسئلتنا هذه فظاهر لان ما يحكم به لامامعليهالسلام هو حكم الله في حق جميع الناس وأما في المسألة الآتية وهو حكم المجتهد فلانه بعدما وجب عليه الحكم في الشبهة الحكمية فلا شئ أقرب له من العمل بعلمه لانه إما أن يعمل بالظن و العلم والمترافعان وإن لم يجب عليهما تقليد الحاكم ولو في معلوماته إذا كان هناك مجتهد آخر يجوز لهما تقليده إلا أنه في مقام الحكومة يجب عليهما الرضاء بحكمه وإن كان عن ظن فضلا عن أن يكون ن علم.
وكيف كان فالحق في المسألة هو قضاء الامام بعلمه مطلقا سواء كان في حقوق الله أو حقوق الناس لنا على ذلك وجوه الاول كونه مقتضى الاصل بعد ثبوت وجوب الحكم بالواقع بين الناس لانه ا يحتاج إلى جعل ودليل على اعتباره كالامارات الظنية الكاشفة عن الواقع ظنا بعد الفرض المزبور هذا مما لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه الثاني الاجماعات المنقولة عن جماعة كما في محكي الانتصار الغنية والايضاح ونهج الحق وغيرها البالغة حد الاستفاضة المعتضدة بالشهرة العظيمة بل عدم الخلاف في المسألة وقد عرفت اعتبار هذه القسم من الاجماع من باب الظن الخاص غير مرة فلا حتياج إلى الاعادة.
الثالث قول عليعليهالسلام لشريح لعنه الله لما تخاصم مع من عنده درع طلحة ويلك أو ويحك إمام المسلمين يؤتمن في أمورهم على ما هو أعظم من هذا وقد تمسك به جماعة لى جواز قضاء الامام بعلمه في الموضوعات الخارجية لكن في دلالته على ذلك تأمل حيث أنه ليس كلامنا في أنه إذا حكم الامام بعلمه هل فعل جايزا أم لا فإنه ليس من محل النزاع في شئ فإن إمامته عصمته تدلان على أنه كان ما فعل يكون له جايزا بحسب الشرع وإلا لم يكن معصوما وإنما الكلام في المقام هو أن الحكم الشرعي من جانب الله تعالى في حقه ما هو وهكذا الكلام في جميع ما يتعلق البحث عن تكليف الامامعليهالسلام ومن هنا تعرف النظر فيما في كلام بعض من الاستدلال على جواز الحكم بالعلم في المقام بعصمة الامامعليهالسلام الرابع الآيات والاخبار الدالة على وجوب لحكم بالحق مثل قوله تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق وقوله وأن تحكموا بين الناس بالعدل إلى غير ذلك وفي الحقيقة تلك الآيات والاخبار مبينة لصغرى ما ذكرنا في لوجه الاول فتأمل هذا.
ويستدل على المنع بوجوه أيضا بعضها مختص بحقوق الناس وبعضها مشترك بين حقوق الله وحقوق الناس أحدها الاخبار الواردة في الحكم بالبينة والايمان فإن ظاهرها بل ريحها انحصار فصل الخصومة بين الناس بهما وعدم جواز الحكم بغيرهما منها صحيحة هشام عن أبي عبداللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله نما اقضي بينكم بالبينات والايمان منها خبر إسماعيل بن إدريس قال أمير المؤمنينعليهالسلام جميع أحكام المسلمين على ثلاثة شهادة عادلة أو يمين قاطعة أو سنة جارية مع أئمة هدى ومنها الخبر المروي عنهعليهالسلام لمرادف لما ذكر بحسب المعنى ومنها ما ورد عنهمعليهمالسلام من أنا نحكم بالظاهر إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في الحصر المذكور.
والجواب عنه ان تلك الاخبار لا تدل على الحصر حتى بالنسبة إلى العلم بل غاية ما تدل عليه الاخبار المذكورة هو الحصر بالاضافة إلى غير العلم أما ن جهة ملاحظة ما نزل في أصل الحكم بالبينة والايمان في حق النبيصلىاللهعليهوآله فإنه قد روى عنهصلىاللهعليهوآله انه سئل الله تبارك وتعالى بأي شئ حكم فيما لم أره ببصري ولم سمعه بأذني فقال تعالى احكم بالبينات والايمان هذا مضمون ما رواه الاستاد العلامة في مجلس المباحثة ولم أر الخبر بلفظه وجه الدلالة أن المراد بقوله فيما لم أره ببصري ولم أسمعه باذني هو لسؤال عن
صورة عدم حصول العلم له وكأنه قال فيما لم أعلمه وإنما عبر عنه بذلك القول من حيث غلبة حصوله بهما كما في كثير من التعبيرات كما تقول لا أبرح من هذا المكان حتى يؤذن المؤذن ومرادك دخول وقت الظهر مثلا وإنما عبرت نه بذلك القول من حيث كون أذان المؤذن امارة غالبية لدخوله هذا مضافا إلى أنه لا قول بالتفصيل في لمسألة بين العلم الحاصل له من الحواس الظاهرة وغيره وأما من جهة ان جعل البينة أو اليمين والحكم باعتبارهما في مقابل العلم بكذبهما مما لا معنى له بل لا يعقل أما على وجه الطريقية فواضح أما على وجه التعبد والموضوعية فلان جعل الظن ولو على وجه التعبد في مقابل العلم بالخلاف غير معقول غاية الامر عدم ملاحظة الشارع في جعله على ذلك التقدير كونه موصلا إلى الواقع وأما لحكم باعتباره مع العلم بخلافه فمما لا يعقل لان الاحكام الظاهرية سواء كانت من الطرق الظنية أو لامارات التعبدية قد أخذ في موضوعها الجهل بالواقع وأما من جهة كون الحصر فيها بملاحظة الغالب من حيث عدم حصول الظن غالبا على خلافهما وأما من جهة كون المراد منها انا لا نتفحص ن الواقع ولا يجب علينا الفحص عن الواقع بل نحكم بالبينة والايمان لا أنه إذا حصل العلم لنا لا نعمل به بل نأخذ بالظاهر فافهم.
ثانيها قول الصادقعليهالسلام في خبر الحسين بن خالد الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب خمرا أن يقيم عليه الحد ولا يحتاج إلى بينة مع نظره انه أمين الله في خلقه وإذا نظر إلى رجل يسرق الواجب عليه أن يزجره وينهاه ويمضي ويدعه قال قلت كيف ذلك فقال لان الحق إذا كان لله تعالى فالواجب على الامامعليهالسلام اقامته وإذا كان لناس فهو للناس وبمضمونه بعض الاخبار الاخر أيضا.
وفيه أن هذه الرواية لا تدل على عدم جواز القضاء بالعلم فيما إذا كان المطلوب الواقع وإنما تدل على كون مطالبة ذي الحق في حق الناس شرطا اقامة الحدود وهو لا ينافي ما ذكرنا فالقضاء بالعلم في حقوق الناس كالقضاء بالبينة والاقرار فيها موقوف على مطالبتهم وهو لا ينافي ما نحن بصدده وقد ادعى جماعة الاجماع على توقف القضاء في قوق الناس على مطالبة ذي الحق وهو كذلك إلا أن العلم وغيره سواء في ذلك يقضى بهما في الجملة ولا يقضى بهما كذلك نعم خالف في ذلك الشيخ في المبسوط وبعض اخر فحكموا بجواز القضاء الاقرار لبعض الروايات ولكنه ضعيف.
ثالثها ما حكاه السيد عن أبي علي من أن الله تعالى أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا أبطلها فيما بينهم وبين الكفار والمرتدين كالمواريث والمناكح وأكل الذبايح وجدنا الله تعالى قد اطلع رسولهصلىاللهعليهوآله على من كان يبطن الكفر ويظهر الاسلام فكان يعلمه ولم يبين أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحهم وأكل ذبايحهم انتهى ماحكى عنه وقد قال في توجيه هذا الوجه انه لو بني على جواز حكم الامام بعلمه لاختل نظام جميع الناس وارتفعت المصلحة الموجبة لاختفاء أمور الناس وأحوالهم في الدنيا من حيث علم الامام بجميع جزئيات ما صدر عنهم قولا وفعلا وأيضا لو حكم بعلمه لشاع وذاع بل المعلوم من حال النبيصلىاللهعليهوآله والائمةعليهمالسلام عدم الحكم بعلمهم في كثير من الموارد ومن راجع الاخبار وشاهد الآثار جدها منادية بأعلى صوتها بما ذكرنا.
وفيه أولا المنع من علم المعصوم بجميع جزيئات أفعال المكلفين واقوالهم فعلا غاية الامر أنهم قادرون على العلم بهما إن شائوا علموا وأين هذا من محل لبحث في شئ ولا دلالة له على أنهم فيما علموا لم يحكموا بعلمهم مع كون الحكم به موافقا للاصل والقاعدة الاولية حسبما عرفت سابقا وثانيا سلمنا علمه بجميع جزئيات الافعال حضورا كما هو مذهب عض أهل الضلالة لكن نقول انه لم يثبت لنا عدم حكمه بعلمه فيما لو كان البينة واليمين على خلاف الحق بل المعلوم من حالهم في كثير من الموارد هو حكمهم على مقتضى ما علموا كما هو
معلوم لكل متتبع في الاخبار الواردة عنهم وأما عدم حكمه بعلمه في حق من يظهر الاسلام ويبطن الكفر في الاحكام المذكورة وغيرها مثل عدم حكمه بنجاستهم وبعدم معاشرتهم فمسلم لكن لا دلالة فيه لى عدم جواز الحكم فيما نحن بصدده أما أولا فلاحتمال أن يكون الموضوع فيها في صدر الاسلام هو مجرد اظهار الاسلام وإن علم كونه مخالفا للاعتقاد لا الاظهار المعلوم موافقته للباطن أو المحتمل ما في المتأخر عنه وهذان الجوابان يظهران من كلام السيد أيضا فيما ذكره في الجواب عن المستدل وأما ثانيا فلاحتمال كون عدم حكمه بعلمه في الموارد المذكورة وأشباهها مما ثبت فيها عدم حكمه علمه فيها لاجل مراعات مصلحة عامة غالبة على مصلحة الواقع فيرتفع الحكم الواقعي فعلا من حيث مزاحمة مصلحته بما هي أقوى منها فلانا لا ندعي استحالة عدم الحكم بالعلم بأن يرفع اليد عن الواقع كن في نسبة (تسمية خ) هذا العلم بالحكم من حيث ملاحظته شأنا لا فعلا ولا يكاد يخفى عليك الفرق بين هذا وسابقه لان ذلك مبني على عدم الحكم في الواقع لان الموضوع فيه بحسب الواقع هو إظهار لاسلام وإن تجرد عن الاعتقاد بالجنان وهذا مبني على وجوده بحسب الواقع لكنه ارتفعت فعليته لمصلحة من المصالح العامة الغالبة على مصلحة الواقع والفرق بينهما بين غايته وواضح نهايته.
وبهذا الذي ذكرنا هنا تعرف النظر فيما استدل به جماعة على اسلام العامة العمياء خذلهم الله منهم لمحقققدسسره على ما حكى عنه الاستاد العلامة دام ظله العالي من أنا نعلم بمعاشرة الائمةعليهمالسلام معهم وعدم حكمهم بنجاستهم فيعلم من ذلك بعدم كفرهم فإن عدم حكم الائمة بنجاستهم لا يدل لى عدم كفرهم لاحتمال كفرهم بحسب الواقع لكنهم لم يحكموا بنجاستهم لمصلحة من المصالح العامة كيف وإنا نعلم بمعاشرتهمعليهمالسلام مع الصابئين مع الاتفاق على كفرهم حتى ممن لا يرى كفر لعامة فلا بد من الجواب بما ذكرنا ثم لا يخفى عليك ان ذا الدليل الذي ذكره المستدل لعدم الجواز أخص من المدعى حيث انه لا يمنع من عمل الامام بعلمه فيما لو كان حاصلا من الاسباب المتعارفة لا أن يتمسك بالاجماع على عدم الفرق هذا مجمل القول في قضاء الامامعليهالسلام بعلمه. قوله وغيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس قطعا وفي حقوق الله على قولين أصحهما القضاء لخ أقول تحقيق القول في هذا الفرع يعلم مما ذكرنا في الفرع السابق جوازا ومنعا لكن نزيد هيهنا وضيحا وتنقيحا ونقول انه بعد ما ثبت أحكام مختلفة للموضوعات الواقعية بالخطابات التفصيلية قد خوطب بها الحكام على ما هو - المفروض كقوله تعالى السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله عالى الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما ماة جلدة إلى غير ذلك وفرض علمهم بتحقق تلك الموضوعات على ما هو المفروض يجب عليهم ترتيب آثار تلك لموضوعات وإلا لم يكن الآثار آثارا تلك الموضوعات هذا خلف وأما قيام البينة مثلا على عدم كون من علم بكونه شارب الخمر شاربا للخمر فلا يوجب خروجه عن ذلك الوصف العنواني لان البينة لا تأثير لها في الموضوعات الواقعية اية الامر وجوب ترتيب آثار الواقع عليها ما لم يعلم خطئها أو كذبها كساير الطرق الشرعية المقررة في الموضوعات والمجعولة في الاحكام لان غير العلم لا يعقل أن يجعل في مقابل العلم بالخلاف وهذا حصل ما ذكرنا في بيان الاصل في الفرع السابق هذا مضافا إلى انعقاد الاجماع على الجواز في المقام أيضا على ما نقل عن جماعة المعتضد بما ذكرنا من الشهرة المحققة وهو الحجة في المسألة إلى ما ذكره جماعة من استلزام عدم القضاء فيه فسق الحاكم أو يقاف (انقلاب خ) الحكم وهما معا باطلان وذلك لانه إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا مثلا ثم جحد كان القول قوله مع يمينه فإن حكم بغير لمه وهو استحلافه وتسليمها إليه لزم الاول وإلا لزم الثاني لا لموجب يوجبه واستلزامه أيضا عدم وجوب انكار المنكر وعدم وجوب اظهار الحق مع امكانه وهو أيضا باطل فتعين العمل بعلمه أما زومه فواضح وأما بطلانه فأوضح هذه خلاصة ما قالوا أو يقال في المقام وعليك بالتأمل التام فلا تغتر بكلمات بعض الاعلام فإن الحق أولى بالاتباع وأحرى بالقبول.
قوله لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال وأمر بحبسه الخ أقول وينبغي أن يفصل القول في المرام في ضمن مقامين أحدهما في جواز نقض الفتوى بالفتوى ثانيهما في جواز قض الحكم بالحكم أما الكلام في المقام الاول فيقع في مقامات أحدها في جواز نقض الفتوى بالفتوى بالنسبة إلى مجتهدين بأن يفتي أحدهما على خلاف ما أفتى به الآخر وهذا لا إشكال في جوازه بل لا لاف فيه بل الاجماع منعقد عليه وإلا لزم سد باب الافتاء بالنسبة إلى غير مجتهد واحد وهذا مما يشهد الضرورة على بطلانه هذا كله بالنسبة إلى الافتاء وأما الكلام في ترتيب الاثر في حق مجتهد بالنسبة لى مجتهد آخر فمجمل القول فيه أنه لا يخلو إما أن يكون الصحة عنده كافية في ترتب الاثر على عمله بمعنى أنه علم من الادلة كون الصحة عنده موضوعا في ترتب الاثر بالنسبة إلى عمل الغير كما ذا صلى مجتهد صلاة بدون السورة بالاستيجار وأخذ الاجرة عليها فإنه يجوز لمجتهد آخر اكلها والتصرف فيها أو لا يكون كذلك أي لم يعلم كون الصحة عنده كافية سواء علم عدمه كما في مسألة لاقتداء فإنه لا يجوز لمجتهد أن يقتدي بمن يعلم أنه يترك السورة في الصلاة مع اعتقاده وجوب السورة أو لم يعلم الامران كما إذا أراد أن يوجر للصلاة عن أبيه مثلا ويعلم أنه لا يقرء السورة في الصلاة ن حيث أداء نظره إلى عدم وجوبها فإن في جواز استيجاره إشكالا مقتضى أصالة الاشتغال عدمه ثانيها ي جواز نقض الفتوى بالفتوى في حق مقلد واحد بالنسبة إلى مجتهدين ومرجعه إلى جواز العدول عن تقليد مجتهد إلى آخر فيما قلد فيه ومجمل القول فيه أنه لا يخلو إما أن يكون المجتهدان متساويين في لعلم والورع أو لا فإن كان الاول فلا يجوز العدول لقاعدة الاشتغال من حيث رجوع الامر إلى مسألة الدوران بين التعيين والتخيير ولا يعارضها استصحاب التخيير الثابت في الابتداء من حيث الشك في قاء موضوعه بل التحقيق عدم جواز العدول وإن قلنا بالبرائة في تلك المسألة لرجوع الشك إلى الشك في حجية قول من يعدل إليه هذا ولكن خالف فيه جماعة منهم ثاني المحققين والشهيدين وحجتهم عيفة وتفصيل القول فيه في الاصول وإن كان الثاني فالحق فيه الجواز بل الوجوب لما قد دل عليه في ابتداء لامر لان ما دل على وجوب تقليد الاعلم والاورع لا يفرق فيه بين الابتداء والاستدامة وبعبارة أخرى كلما يوجب التقديم في ابتداء الامر يوجبه فيما نحن فيه وكلما لا يوجبه في ابتداء الامر لا يجوز معه لعدول فيما نحن فيه وقد ذكرنا شطرا من الكلام في تفصيل المقام فيما كتبنا في الاصول في مسألة الاجتهاد والتقليد ثالثها في جواز نقض الفتوى بالفتوى بالنسبة إلى مجتهد واحد ومقلده فيما لو تبدل أيه فنقول لا يخلو إما أن يقطع بفساد اجتهاده الاول أو يظن بظن معتبر وعلى التقديرين إما أن يكون لمورد من العبادات أو المعاملات بالمعنى الاعم من العقود والايقاعات أي كل ما يحتاج إلى الانشاء أو الاحكام فإن كان الاول فلا إشكال في وجوب النقض مطلقا بل الظاهر أنه لا خلاف فيه وقد ادعى ليه - الاجماع جماعة من المتقدمين والمتأخرين وإن كان الثاني فالحق فيه أيضا بالنظر إلى القاعدة الاولية هو وجوب النقض مطلقا سواء كان في العبادات أو المعاملات أو الاحكام بالنسبة إلى الآثار لسابقة واللاحقة لان مقتضى كون الظن طريقا هو ترتب آثار الواقع عليه في صورة الانكشاف من أول الامر وإن كان الانكشاف ظنيا بظن معتبر لانه لا تفاوت في العلم والظن المعتبر من تلك الحيثية يث ان مفاد أدلة حجية الظن هو ترتب آثار الواقع عليه في كل زمان فإذا أدى إلى وجوب السورة في الصلاة مثلا يجب الحكم بكون المجعولة عند الشارع المعروضة للوجوب هي الصلاة مع السورة كلما فعله المكلف من الصلاة بدون السورة ففاسد جدا إذ لم يأت بما هو الواجب عليه وإن كان الباعث على تيانها بدون السورة هو أداء ظنه إلى عدم وجوبها غاية الامر انه معذور من جهة ذلك هذا بالنظر
إلى القاعدة الاولية وأما بالنظر إلى الدليل الوارد فالظاهر فيه قيام الاجماع على عدم وجوب النقض بالنسبة إلى الآثار السابقة في العبادات في الفرض وأما المعاملات ففي الحكم بوجوب النقض يها بالنظر إلى الآثار السابقة أيضا إشكال ينشأ من ملاحظة الاصل المذكور ومن لزوم الحرج أو الضرر والهرج فتأمل وأما الاحكام فاللازم فيها هو البناء على وجوب النقض مطلقا نعم لو لزم من لحكم بالنقض عسر في حق شخص فالمتعين هو الحكم بعدم النقص فتأمل هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما المقام الثاني وهو جواز نقض الحكم بالحكم فيقع الكلام فيه في مقامين أحدهما في الموضوعات ثانيهما في الاحكام والكلام في كل منهما يقع أيضا في مقامين أحدهما بالنسبة إلى لمترافعين ثانيهما بالنسبة إلى حاكم آخر.
والكلام في المقام الثاني من المقامين الاولين يقع في مقامات أحدها فيما لو علم بفساد اجتهاده كما لو علم أنه حكم في المسألة الفلانية من جهة تخليه انعقاد الاجماع ليها ولم يكن المسألة اجماعية أو اعتقد صحة كتاب من كتب الاخبار وحكم بمضمون الخبر المذكور فيه وكان الكتاب غلطا إلى غير ذلك ثانيها أن يعلم بكون ما حكم به مخالفا للحكم الواقعي النفس لامري والفرق بين هذا وسابقه ظاهر إذ لا ملازمة بينهما من الطرفين كما لا يخفى ثالثها ما لو علم بكون حكمه مخالفا للدليل المعتبر عند الكل وإن كان ظنيا كظاهر الكتاب والسنة المتواترة رابعها ما لو لم بمخالفة حكمه للدليل المعتبر عند الحاكم أو المترافعين أو عند جماعة مع مخالفة اخرين.
وفي المقام الاول منهما أيضا يقع الكلام في مقامين أحدهما ما لو علم المحكوم عليه بمخالفة حكمه للواقع ما لو حكم بالبينة واليمين باشتغال ذمته وعلم كذب البينة أو المدعى ثانيهما ما لو لم يعلم ذلك هذا جمل القول في تصوير المقامات المتصورة في المقام المبحوثة عنها في كلماتهم ونحن نفصل القول في يان حكم كل منها حسبما يقتضيه المجال بعون الملك المتعال.
وبالحري أن نقدم الكلام في بيان حكم المقام الرابع من المقام الثاني وهو ما لو علم بمخالفة حكمه للدليل المعتبر في الجملة من حيث كثرة وقوع لمكالمة فيه ومقدميته لتوضيح الامر في باقي الصور في الجملة فنقول إن المشهور المعروف بل لا يبعد دعوى الاجماع عليه هو عدم النقض مطلقا سواء كان الحاكم أو المترافعين أو غيرهما بل يجب لى الجميع ترتيب آثار الواقع على حكمه والمترائى من كلام بعض بل جماعة هو وازه وربما يجري على لسان بعض مشايخنا المتأخرين طاب ثراه التفصيل بين تراضي الخصمين فيجوز وإلا فلا يجوز الحق ما ذهب إليه المشهور من عدم جواز النقض مطلقا.
لنا وجوه من الادلة الاول الاصل وتقريره ان الحكم الذي هو عبارة عن الالزام على خلاف ما يقتضيه التكليف وإن كان مخالفا للقاعدة الاولية سبما عرفت تفصيل القول فيه في صدر الكتاب لكنه بعدما ورد الدليل على جوازه ونفوذه من جانب الشارع وفصل الامر به يكون مقتضى القاعدة هو عدم جواز نقضه وعدم رتب الاثر على حكم حاكم خر لانه بعدما مضى الامر وانفصلت الخصومة يكون وصلها واعادتها محتاجا إلى دليل وبعبارة أخرى انه بمجرد حكم الحاكم بعد فرض الدليل على جوازه لا يبقى موضوع الخصومة حتى يترتب ليها أحكامها وهذا أمر ظاهر قد أشرنا إليه في صدر البحث الثاني الاجماع المنقول البالغ حد الاستفاضة المعتضد بالشهرة العظيمة المحققة والمنقولة بل عدم الخلاف في المسألة وهو الحجة في لمسألة من حيث كونه من الظنون الخاصة كما اشرنا إليه غير مرة الثالث دلالة ما دل على جواز الحكم من الكتاب والسنة عليه سيما قولهعليهالسلام
فارضوا به حكما فإنى قد جعلته حاكما فإن مقتضى ما دل على جوازه هو حكومته على جميع تكاليف المترافعين وغيرهما وإلا زم عدم جوازه رأسا لان الالزام بمقتضى تكليف المتخاصمين ليس من الحكم في شئ إنما هو أمر بالمعروف الذي يجب على كل من يقدر عليه من المكلفين من المقلد والمجتهد والحر والعبد فيعلم من ذلك ان الحكم الذي هو عبارة عن الالزام بخلاف ما يقتضيه التكليف الذي يكون ختصا بالمجتهد إذا صار جايزا يكون حاكما على تكليف المرافعين وغيرهما وإلا لزم الخلف وهو محال وقد مر بيان لذلك أيضا في صدر المبحث فليراجع إليه الرابع قولهعليهالسلام فإذا حكم حكمنا فلم يقبل منه فبحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا راد على الله وهو على حد الشرك بالله الخبر وقد مر بيان دلالته في صدر الكتاب فليراجع إليه الخامس لزوم الهرج والمرج وهو باطل أما للزوم فظاهر وأما البطلان فأظهر إلى غير ذلك مما يمكن استفادة المدعى منه ومن ذلك يظهر ضعف تفصيل بعض مشايخنا في المقام بين التراضي وعدمه إذ لا مدخلية لتراضي الخصمين في تغيير الحكم لشرعي ولا في اعادة الخصومة بعدما ارتفعت كما هو الفرض هذا مجمل القول فيما لو علم بمخالفة حكمه للدليل المختلف في اعتباره وعدمه.
وأما الكلام في المقام الاول من تلك المقامات أي ما لو علم بمخالفة حكمه للحكم الواقعي النفس الامري فنقول ان الحق فيه جواز النقض بل وجوبه بالنسبة إلى لمترافعين والحاكم سواء كان المترافعان مجتهدين أو مقلدين أو مختلفين والوجه فيه عدم قابلية تحكيم الحكم على العلم بالخلاف وهذا بخلاف الامارات الظنية فإنها قابلة لتحكيم بعضها على بعض وبعبارة خرى إنما حكمنا بتقديم الحكم على تكليف المترافعين وغيرهما في الصورة السابقة من جهة ما استفدنا من الادلة من كون حكم الحاكم طريقا شرعيا للمترافعين وغيرهما حاكما على ساير الطرق الشرعية معلوم إن هذا لا يجري في صورة العلم بالخلاف لعدم قابلية حكومة الظن على القطع بالخلاف اللهم إلا أن يرفع اليد عن الواقع بأن يجعل حكم الحاكم في عرض الواقع من غير أن يكون طريقا إليه فإنه مكن حينئذ أن يقال بتقديم الحكم على العلم لكنه لم يقم دليل على ذلك بل المعلوم عندنا خلافه.
فإن قلت ان قضية جواز حكم الحاكم في الفرض كما هو المفروض فصل الخصومة به حسبما ذكرت في لصورة السابقة فإذا انفصل الامر فما الدليل على كون علم المترافعين أو الحاكم بالخلاف سببا لوصله.
قلت العلم بكون الحكم مخالفا للواقع يكشف عن عدم امضاء الشارع إياه من أول الامر فلم يفصل الامر حتى يحتاج وصله إلى دليل. فإن قلت ان قولهعليهالسلام فإذا حكم بحكمنا إلى آخره دال على أن مجرد الحكم سبب تام لوجوب ترتيب الاثر على المحكوم به سواء علم بالخلاف أم لم يعلم من أين جاء التقييد بعدم العلم على الخلاف.
قلت نمنع صدق قوله فإذا حكم بحكمنا في صورة العلم بالخلاف كيف وأنا نعلم انه لم يحكم بحكمهم غاية الامر الحمل على الواقع فيما لم يعلم الامر ان لموافقة والمخالفة وأما إذا علم المخالفة كما هو المفروض فنمنع من الحمل عليه بل لا يمكن كما لا يخفى.
فإن قلت ان المراد بقوله فإذا حكم بحكمنا حسبما ذكرت في صدر الكتاب كون حكمه حكما بحكمهم في نظر الحاكم لا غيره فإذا اعتقد كون حكمه من أحكامهم يحرم نقضه وإن علم مخالفته لواقع قلت ما ذكرت في صدر الكتاب من أن المراد بقوله فإذا حكم بحكمنا ما ذكر انما هو في مقابل عدم اشتراط العلم بموافقة حكمه للواقع لا في مقابل العلم بالخلاف فإنك قد عرفت عدم تمامية هذه إلا رفع اليد عن - الواقع وهو خلاف المفروض هذا كله في المقام الاول.
وأما المقام الثاني وهو ما لو علم بفساد حكمه من حيث فساد اجتهاده سواء كان بتقصير منه كما لو لم يتفحص أصلا حتى علم بصحة الكتاب الذي يأخذ منه الخبر أو يظن أو بدونه كما لو تفحص ولم يجد فالحق فيه جواز النقص بل وجوبه بالنسبة إلى المترافعين والحاكم لما قد عرفت في المقام الاول من كشف ذلك من دم كون ذلك الحكم متعلقا لامضاء الشارع بل كان من أول الامر فاسدا كحكم العامي فلا يجري ما ذكرنا ن الادلة على عدم جواز نقض الحكم من حيث اختصاصها بالاجتهاد الصحيح.
وأما المقام الثالث وهو ما لو علم بمخالفة حكمه للدليل المعتبر عند الكل أو المعظم فلا يخلو إما أن يكشف ذلك عن تقصيره ي الاجتهاد أو قصوره أو لا يكشف عن ذلك فإن كشف عن ذلك فيرجع إلى المقام الثاني فالحكم هو الحكم وإلا ففيه إشكال من حيث عموم الادلة الدالة على حرمة النقض وشمولها بالنسبة إلى المقام ومن يث العلم بكون التكليف الظاهري لكل أحد هو مؤدى الدليل الفلاني حتى لهذا الحاكم فيرجع إلى العلم بمخالفة حكمه للتكليف الظاهري حتى في حق الحاكم فلا أثر في حكمه كما لو خالف الدليل العلمي من هنا تعرف النظر فيما ذكره الشهيدقدسسره في الدروس من الحكم بجواز النقض فيما لو علم مخالفة كمه للخبر الصحيح الذي لا يعارضه دليل آخر أو للمفهوم الموافقة وجه النظر انه يمكن منع كون ما كره من الدليل المعتبر عند الكل سيما في جميع المقامات والموارد مع أنه لو كان من ذلك لامكن المناقشة فيه وفيما ذكره جماعة من الحكم بالنقض مطلقا هذا مجمل القول في الاحكام.
وأما الموضوعات فإن لم يعلم بمخالفة حكمه فيها للواقع فلا إشكال في عدم جواز النقض لما قد دل على دم الجواز في الشبهات الحكمية وإن علم بذلك فإن علم المحكوم عليه بمخالفة حكمه للواقع بينه و بين الله يجب الزامه ظاهرا على الالتزام بالحكم حتى من الحاكم الآخر ما لم يعلم صدقه في الادعاء وإلا لزم نقض جميع الاحكام من حيث ادعاء المحكوم عليه دائما كذب الشهود أو المدعى لكن يجوز له انقاذ اله من المحكوم له بينه وبين الله ولو بالسرقة وإن علم بذلك الحاكم فيجب عليه ظاهرا ترتيب الاثر على حكمه بأن يأمر لمحكوم عليه بالالتزام به وإن علما به فيجوز نقضه حينئذ هذا.
وينبغي التنبيه على أمور الاول ان كلما حكمنا بجواز نقض الحكم بالحكم معناه هو الحكم ببطلانه وعدم تأثيره من ول الامر بمعنى كون وجوده كعدمه لا رفع اليد عن استمراره مع الحكم بتأثيره حتى يصير كمسألة النسخ في الجملة فإذا فرض الشك في جواز النقض وعدمه فمرجعه إلى الشك في أصل تأثير الحكم ين وقوعه وعدمه لا إلى الشك في وجود المانع عن استمراره وعدمه فيعلم من ذلك ان ما تمسك به بعض مشايخنا في بعض صور المسألة من الاستصحاب لا أثر له في المقام ولا مدخل له في المرام للهم إلا أن يتمسك أن الاصل عدم تأثير حكم الثاني وعدم نفوذه بعد حكم الاول لكن هذا لا دخل له باستصحاب حكم الاول مع أنه يمكن منع صحة هذا الاصل أيضا بالنسبة إلى اثبات التأثير للحكم لاول وإن أمكن أن يثبت به عدم التأثر للحكم الثاني ومن هنا تبين ان اطلاق النقض في المقام والمقام الاول ي نقض الفتوى بالفتوى مسامحة في التعبير وإلا ليس هنا ولا هناك نقض حقيقة بل الموجود في المقامين هو رفع اليد من أول الامر.
الثاني ان كلما حكمنا بعدم جواز النقض هل معناه هو الحكم بكون حكم الحاكم طريقا إلى المحكوم به بقول مطلق بحيث يترتب عليه جميع آثاره كالافتاء حتى حرم الحكم على خلافه ولوفي واقعة أخرى وفرد آخر من ذلك المحكوم به كما يحرم العدول عن تقليد مجتهد إلى آخر فيما لو قلده في فرد من كلي ولو في فرد آخر
فيكون حكم الحاكم طريقا شرعيا حاكما على جميع تكاليف المترافعين والحاكم بالنسبة إلى جميع أفراد المحكوم به في جميع آثارها أو الحكم بكون حكمه طريقا إلى المحكوم به في الفرد الذي وقع لخصومة فيه لكن بالنسبة إلى جميع آثاره فيجوز الحكم على خلافه في فرد آخر كما يظهر من بعض مشايخنا طاب ثراه أو الحكم بكونه طريقا إليه بالنسبة إلى الجهة التي وقعت الخصومة لاجلها فلا ترتب عليه من آثاره إلا الاثر الذي هو مورد الخصومة بمعنى عدم كونه حاكما على جميع تكاليف المترافعين بالنسبة إلى المحكوم عليه وإنما هو حاكم بالنسبة إلى لاثر الذي هو مناط الخصومة أو فصيل (يفصل خ) بين الموارد والاحكام ففي بعضها يحكم بالثاني وفي بعضها بالثالث وجوه أوجهها ثالثها مثلا إذا تنازع البايع والمشتري في صحة بيع العصير العنبي مثلا بعد الغليان فيدعي المشتري طلانه ووجوب رد الثمن من حيث كون فتواه أو تقليده على النجاسة والبايع صحته من حيث كون تكليفه على الطهارة فترافعا عند مجتهد فحكم بطهارته فعلى الاول لا بد من الحكم بكون العصير لعنبي حكمه الطهارة بالنسبة إلى جميع أفراده وجميع آثاره (ها خ) فكان حكمه دليل معتبر على طهارة العصير يجب اتباعه على الكل حتى في غير مورد الخصومة والظاهر ان هذا الاحتمال لا قائل ه معتدا به وعلى الثاني يحكم بخروج هذا الفرد من حكم العصير العنبي بالنسبة إلى جميع اثاره مثل شربه واستعماله وأخذ الثمن عليه إلى غير ذلك وإن كان فتوى المشتري مثلا على نجاسة العصير على الثالث يحكم بخروج هذا الفرد من العصير من حيث جواز اعادة الثمن والحكم ببطلان البيع لكن لا يحكم بخروج هذا الفرد من العصير مطلقا حتى لا يجب الاجتناب عنه لانه لم يكن من مورد لخصومة في شئ وإنما الخصومة في استرداد الثمن فيحكم بالنفوذ والورود من جهته وعلى الرابع يفرق بين ما إذا حكم بالطهارة أو بالصحة فعلى الاول كالثاني وعلى الثاني كالثالث ويفرق أيضا بين ا حكم بالنجاسة في الصورة المفروضة أو الطهارة فعلى الاول كالاول وعلى الثاني الثاني وببالي أنه لا ائل بهذا التفصيل أيضا وإن كان أوجه من غير الثالث.
وكيف كان لنا على ما صرنا إليه ظهور أدلة انفاذ الحكم والالزام به في الجهة التي وقعت المخاصمة لاجلها وصدر الالزام من الحاكم من جهتها معلوم أنه لانزاع في المثال بين المشتري والبايع في جواز الصلاة فيما لاقى لعصير وعدمه أو في جواز شربه وعدمه وإنما التنازع بينهما من جهة استرداد الثمن وعدمه فإذا حكم بالطهارة أو الصحة حكم بحكومته على تكليف المشتري من حيث عدم صحة بيع العصير وجواز استرداد ثمنه وأما الحكم بطهارته في حقه حتى لا يلزم عليه الاجتناب عنه فلم يقع موردا للخصومة أصلا حتى حكم بورود لحكم على تكليف المشتري من جهته أيضا وهذا أمر ظاهر بعد التأمل في أدلة نفوذ حكم الحاكم.
وهذا الذي ذكرنا هنا نظير ما ذكرناه في اصالة الصحة من أنه إذا شك بعد الدخول في فعل العصر في فعل لظهر يحكم بالبناء على فعل الظهر من حيث توقف صحة فعل العصر عليه لا البناء على فعله بقول مطلق حتى لا يحتاج إلى اعادتها بعد صلاة الظهر وما ذكرناه في قاعدة الشك بعد الفراغ من أنه إذا ك في طهارته بعد الفراغ عن العمل الموقوف صحته عليها يحكم بالبناء على الطهارة من حيث توقف صحة العمل المفروض عليها لا البناء على وجودها بقول مطلق حتى يحكم بجواز الدخول في باقي لاعمال الموقوفة عليها بل يحكم بالنسبة إليها على البناء على العدم ووجوب التطهير. وأردء الاحتمالات الباقية الاحتمال الاول حيث انه ليس هنا دليل على نفوذ حكم الحاكم ووروده على جميع دلة التكاليف مطلقا ولو في مورد غير الخصومة بل قد يناقش في تسميته في غير مورد المنازعة حكما حيث انه أخذ في موضوعه فصل الامر نعم يمكن الاستدلال له بناء على تمامية الوجه الثاني كون الحكم نظير
الافتاء طريقا إلى متعلقه بقول مطلق بعدم القول بالفصل بين أفراده فإنه لم يفصل أحد بين أفراد العصير بأن يحكم بنجاسة بعضها طهارة الباقي فإذا حكمنا بالنجاسة مثلا في البعض بمقتضى حكم الحاكم نحكم بنجاسة الباقي بعدم القول بالفصل اللهم إلا أن يقال ان عدم التفكيك بين أفراد الخمر بحسب الواقع لايستلزم عدمه بحسب لظاهر أيضا فتأمل نعم إذا دل دليل على نفوذ حكم الحاكم مطلقا ولو في غير مورد الخصومة كما ثبت في بعض الموارد الجزئية كمسألة ثبوت الهلال ونحوه نقول به وإلا فلا هذا.
واحتج للوجه الثاني بأن مقتضى اطلاق أدلة نفوذ حكم الحاكم هو نفوذه مطلقا ولو بالنسبة إلى غير جهة الخصومة وبعبارة خرى أوضح ان الادلة إنما دلت على طريقية حكم الحاكم بالنسبة إلى المحكوم عليه بحيث كان حكما على جميع الامارات والادلة ومعلوم ان ما حكم به في المثال المذكور هو الطهارة فيجب - الحكم ثبوتها بمقتضى طريقيته إليها لا عدم جواز استرداد الثمن حتى يقتصر عليه ولا يتعداه إلى غيره من الآثار.
والجواب عنه ما عرفت من أن من تأمل في أدلة نفوذ حكم الحاكم يعلم علما يقينا بحيث لا يدخله شك ان مقتضاها هو النفوذ من حيث رفع الخصومة هذا كله بالنسبة إلى المترافعين والحاكم أما غيرهم (هما خ) فجريان ما ذكرنا في حقه أوضحثم ان اللازم على الاحتمال الثاني (الاول خ) هو دم جواز الحكم من حاكم آخر على لاف ما حكم به الاول بالنسبة إلى هذا الفرد من العصير مثلا ولو في اقعة أخرى وفرد آخر من البيع أو غيره لان المفروض خروج هذا الفرد من العصير من حكمه من جهة حكم الحاكم وعلى الثالث يجوز للحاكم الحكم على خلاف ما حكم به الاول في واقعة أخرى وفرد خر من البيع على إشكال فيه.
الثالث انك قد عرفت من تضاعيف ما ذكرنا في حكم نقض الحكم بالحكم حكم نقض الحكم بالفتوى و نقض الفتوى بالحكم وحاصله انه ينتقض به إذا كان وقوعه على جه صحيح بأن لا يعلم خطأ الحاكم في اجتهاده إما من قصور أو تقصير ولم يحصل القطع على خلافه وإلا فلا ينتقض الفتوى بالحكم بل الامر بالعكس فإنه يعمل حينئذ بالفتوى ويطرح الحكم.
وأما نقض الحكم بالفتوى بالنسبة إلى نفس الحاكم كأن يحكم في واقعة بحكم كنجاسة أو طهارة أو غيرهما م أدى نظره في ثاني الزمان إلى خلاف ما حكم به في الواقعة الفلانية فلا يخلو إما أن يحصل له القطع بكون حكمه مخالفا للحكم النفس الامري أو يحصل له القطع بفساد اجتهاده الاول الذي كان دركا لحكمه إما بقصور منه أو تقصير أو لا يحصل له القطع بشئ منهما وعلى الثاني لا يخلو أيضا إما أن يحصل له القطع بمخالفة اجتهاده الاول لدليل مسلم الاعتبار عند الكل أو لا يعلم ذلك أيضا بل ظن بظن معتبر كون حكم الله هو ما دى إليه نظره ثانيا.
والظاهر أن الحكم في جميع الصور هو الحكم فيما ذكرنا من جواز نقض الحكم بالحكم فراجع إليه وتأمل فيه حتى يظهر لك حقيقة الحال إلا ي الصورة الاخيرة فإنه قد يتأمل في شمول أدلة حرمة نقض الحكم بالنسبة إلى نفس الحاكم فيما لو تبين فساد حكمه ولو بالظن الاجتهادي بل يكون حكمه في حقه كفتواه فيراعى فيه ما روعي فيها من جوب النقض مطلقا من حيث انكشاف الخلاف حسبما هو قضية الطريقية بقول مطلق وحرمته بالنسبة إلى بعض الآثار في بعض الموراد من حيث قيام الدليل من الخارج على التفصيل الذي عرفته سابقا.
وقد تمسك بعض مشايخناقدسسره لعدم الجواز باستصحاب اثر الحكم وباطلاق الادلة وظهورها
بالنسبة إلى الحاكم أيضا وقد عرفت المنع عن جريان الاستصحاب في المقام من حيث رجوع الشك في المقام إلى الشك في أصل السببية والتأثير من أول الامر لا في ارتفاعها برافع بعد القطع ثبوتها واقتضائها الدوام لو لم يمنع مانع وعن شمول الادلة بالنسبة إلى نفس الحاكم وما يقال في توجيه الاستصحاب من أن شك في المقام نظير لشك في النسخ للحكم الشرعي فإن الطرق الظاهرية ثبتة للتكليف فالشك فيه يرجع إلى الشك في رفع الاستمرار فاسد جدا لظهور الفرق بين ما نحن فيه وبين مسألة النسخ فإن مؤدى جعل الطرق هو البناء عليها لما لم ينكشف الخلاف فإذا انكشف الخلاف ا بد من البناء على عدمها من أول الامر حسبما هو قضية الطريقية فما نحن فيه نظير فسخ العقد من أول الامر لا فسخه من حين وقوع الموجب له كما هو في بعض الموارد هذا مجمل القول في حكم ور المسلئة وقد فصلنا القول في بعضها فيما كتبنا في الاصول في مسألة الاجتهاد والتقليد وعليك بالتأمل فيما أجملنا هنا لعلك تظفر على ما وقع من الخلط والاشتباه من جماعة والله العالم وهو لهادي.
قوله الرابعة ليس على الحاكم تتبع حكم من قبله الخ أقول الكلام في المسألة يقع في ثلاث مقامات الاول انه لا يجب على الحاكم تتبع حكم من كان قبله الثاني انه لا يحرم عليه التتبع وإن لم زعم المحكوم عليه انه حكم الحاكم عليه بجور الثالث في وجوب النظر عليه إذا ادعى المحكوم عليه ان الحاكم حكم عليه بجور من دون تكليفه بالبينة.
أما الكلام في المقامين الاولين فيدل على الجواز فيهما مضافا إلى ظهور الاجماع أصالة البرائة عن الوجوب والحرمة مضافا إلى أصالة حمل فعل لمسلم على الصحة في الاول هذا ولكن قد يتوهم حرمة النظر من دون ادعاء المحكوم عليه الحكم بالجور من حيث استلزامه الفحص والتفتيش عن عيون الناس وجه الملازمة انه مستلزم للتفتيش عن سق الحاكم وهو محرم بالكتاب والسنة لكنك خبير بفساد هذه التوهم أما أولا فللمنع من كون مجرد التفتيش عن الواقع فحصا عن عيب أحد وثانيا سلمنا كونه مستلزما للفحص عن خطأ الحاكم في جتهاده لكنه ليس الخطأ في الاجتهاد عيبا بعد فرض معذورية المجتهد فيه وإن سمى مجرد الخطأ في الاجتهاد عيبا نمنع كون الفحص عن كل عيب حراما حتى مثل هذا العيب فإن قيل نفرض الكلام فيما ذا اطلع بعد الفحص على فسق الحاكم بتقصير في اجتهاده قلنا أولا ان مجرد الاطلاع على الفسق أحيانا لا يسمى فحصا عن الفسق كما لايخفى إذا لفحص عن شئ لا يطلق إلا إذا كان غرض الشخص ن أول الامر بالفحص الوصول إليه وثانيا سلمنا كونه فحصا عن العيب لكن نمنع من كون الفحص عنه في المقام حراما بل هو نظير الفحص عن أحوال الرجال والشهود وغيرهما.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو وجوب النظر عليه من دون مطالبة البينة من المدعي فقد استدل له مضافا إلى هور الاجماع وعدم الخلاف بأن دعواه الجور دعوى لا دليل على عدم سماعها فيشملها اطلاق ما دل على قبول كل دعوى من مدعيها فحيث لا يجب عليه اقامة البينة فتوقف على النظر فيجب عليه فيقبله ن كان حقا و يرده ان كان باطلا على التفصيل الذي سمعته اما عدم وجوب إقامة البينة عليه فاما من هة ان المورد مما لا يطالب فيه البينة من حيث اختصاصها بالشبهة الموضوعية ومفروض الكلام في لشبهة الحكمية كما هو الظاهر ممن تعرض لحكم المسألة واما من جهة عدم سماع البينة فيه وإن أقيمت من حيث رجوع الشهادة على الجور إلى الشهادة على الحكم كما في الشهادة على تحقق لرضاع المحرم وغيره وقد ذكرنا في غير مورد عدم سماع الشهادة إذا أقيمت لى ما يتضمن الحكم لان من شأن الشاهد الشهادة على تحقق الموضوع وأما الحكم فهو شأن الحاكم ويمكن أن يقال في
وجه عدم سماع البينة وجه آخر غير الوجه المذكور وهو أنه لا إشكال في اختلاف الجور بنظر الاشخاص كما في مسألة الجرح فلا تسمع فيه البينة مطلقة من دون ذكر السبب لما سيجئ من عدم ماع البينة في مثل المقام إلا ببيان السبب هذا ولكن هذا الوجه لا ينفي عدم سماع البينة بقول مطلق وإنما ينفيه إذا شهدت على الجور مطلقا من دون ذكر السبب ويمكن ارجاع هذا الوجه إلى الوجه لسابق فتأمل.
قوله السادسة إذا افتقر الحاكم إلى مترجم الخ أقول أما اشتراط التكليف والعدالة فالظاهر أنه متفق عليه بيننا ومخالفينا وأما اشتراط التعدد فقد اختلفوا في اعتباره لكن الظاهر من مقالة صحابنا اعتباره اما من جهة أن الترجمة هي الشهادة كما هو ظاهر جماعة واما من جهة الشك في اندراجها حت الخبر أو الشهادة فيؤخذ بالقدر المتيقن كفايته وهو التعدد كما هو ظاهر آخرين منهم المصنف نعم حكي عن بعض العامة القول بكفاية الواحد نظرا إلى أنه خبر والاصل في خبر العادل القبول.
والتحقيق أن يقال انه إن قلنا بكون الترجمة شهادة كما هو الظاهر مما ذكره الاستاذ العلامة دام ظله العالي في تعريفها من انها اخبار عن ثبوت الشئ في مظان انكاره فلا إشكال في اعتبار التعدد لعموم ا دل على اعتباره فيها وإن لم نقل بكونها شهادة فإن قلنا بكون الاصل في خبر العادل القبول كما هو المعروف المشهور فلا إشكال في عدم اعتبار التعدد على المختار سواء قلنا بكونها ليست بشهادة أو ككنا فيه أما على الاول فواضح وأما على الثاني فلما حققنا في محله من وجوب الرجوع إلى العام فيما إذا شك في صدق المخصص والمخرج على بعض أفراد العام المسمى بالشبهة المصداقية نظرا لى رجوع الشك (الامر خ) في الحقيقة إلى الشك في التخصيص الزايد على لقدر - المعلوم فيتمسك بظهور العام في عدمه خلافا لمن خالف ذلك وتوهم عدم رجوعه إلى الشك في التخصيص الزائد لكن لمشهور المعروف بينهم هو ما اخترناه من التمسك بالعام ومن هنا يمكنك الايراد عليهم بأنه بعدما فرض الشك في صدق الشهادة على الترجمة المقتضية للتعدد مع القطع بصدق الخبر المقتضي لكفاية لواحد ولو عند الشك في صدق الشهادة من جهة ملاحظة عموم أدلة اعتباره على ما هو المعروف كيف يمكن القول باعتبار التعدد من جهة انه القدر المتيقن ضرورة كون اعتباره من هذه الجهة من اب الاحتياط ومعلوم أنه لا يعارض عموم ما دل على حجية قول العادل بعد فرض جريانه كما هو المفروض نعم لو قيل بعدم كون الاصل في خبر العادل القبول كما هو المقبول حسبما حققنا في محله و قيل بعدم جواز الرجوع إلى العام عند الشك في المصداق كما هو مختار بعض فاضل المتأخرين لتوجه ما ذكروه لعدم معارضة الاحتياط حينئذ بشئ فلا بد من أن يؤخذ به ومن هنا تعرف حكم الشق لثاني من شقي الترديد فلا نحتاج إلى ذكره هذا.
وقد ذكر بعض مشايخنا هنا كلاما لتوجيه الحكم بالرجوع إلى الاحتياط والاخذ بالقدر المتيقن في - المقام وإن قيل بكون الاصل في كل خبر عادل لقبول ووجوب الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية لا بأس بالاشارة إليه وإلى ما فيه حيث قال بعدما ذكر كون اعتبار التعدد هو المتيقن ما هذا لفظه ودعوى ان الاصل الرواية لان الشهادة قسم من لخبر ولكن اعتبر الشارع في بعض أفرادها التعدد فما لم يثبت فيه يبقى على عموم ما دل لى قبول خبر العادل يدفعها وضوح التباين بين الرواية والشهادة في العرف الذي هو المرجع في أمثالهما بعد علومية عدم الوضع الشرعي فيهما وعدم الاجمال واعتبار التعدد في موضوع الشهادة لانه هو المميز لها عن الرواية وكون جنسهما الخبر لا يقتضي أنهما قسم منه بل هما نوعان متمايزان في العرف لذي يمكن أن يقال ان الترجمة فيه قد تكون من الشهادة وقد تكون من الرواية لا أنها مطلقا شهادة أو رواية فحيث يراد بها اثبات ما يترتب عليه الحكم
كشهادة الشاهد احتيجت إلى التعدد ضرورة انها حينئذ بمنزلة شهادة الفرع التي لا بد فيها من التعدد لانها حينئذ شهادة وحيث يراد بها بيان المراد في غير ذلك كانت رواية ويكفي فيها الواحد نتهى ما أردنا ذكره.
وفيه ان ما دل بعمومه على حجية خبر العادل ليس فيه لفظ الرواية حتى يقال بكونها متباينة مع الشهادة فإن عمدة ما تمسكوا به على حجية خبر العادل آية النبأ ومعلوم ترادفه مع الخبر يدل بعمومهعلى حجية أخبار كل عادل سواء كان شهادة أو رواية غاية الامر قيام الدليل من الخارج على اشتراط التعدد في بعض افراده وهذا ا يخرجه عن الفردية حسبما اعترف به شيخنا المتقدم ذكره ن كون كل من الشهادة والرواية قسما من الخبر فما لم يثبت الخصوصية الموجبة للتعدد يحكم بمقضتى العموم بكفاية خبر العدل الواحد نعم لو كان مقتضى العمومات وجوب سماع الرواية المقابلة لشهادة وشك في بعض المصاديق انها شهادة أو رواية كان الحق ما ذكرهقدسسره ولكنك قد عرفت ان عمدة ما تمسكوا به لاثبات حجية قول العادل هو آية النبأ الشاملة للرواية والشهادة شمول الكلي افراده ولذا تراهم يتمسكون لاثبات حجية قول العادل في الشهادة بآية النبأ هذا.
وأضعف مما ذكره من كلامه الذي عرفته ما ذكره بعده بقليل فصل وهو قوله وقد يقال انه يمكن استفادة اعتبار التعدد في كل ا كان له مدخلية في القضاء ولو في موضوع المدعى وتزكية الشاهد وجرحه وغير ذلك من قوله انما اقضي بينكم بالبينات إلى آخره وقوله استخراج الحقوق بأربعة إلى آخره انتهى ما أردنا نقله وأنت بير بعدم دلالة ما ذكره من الادلة ونحوها على ما رامه أبدا بل ولا اشعار فيها أصلا ولولا نسبته ذلك إلى قال ويمكن لذكرنا بعض ما فيه فتدبر.
ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها أحدها ان محل الكلام في المسألة انما هو إذا لم يحصل من قول المترجم العلم وإلا كما يتفق في كثير من الاحيان فلا إشكال في عتباره وإن كان صبيا أو فاسقا بل كافرا فضلا عن أن يكون عادلا واحدا وليس هذا الكلام مختصا بالمقام بل هو جار في كل ما يكون العلم فيه طريقا فإنه لا يفرق فيه بين أسبابه ثانيها انه قد صرح لفاضل كما حكى عنه وغيره بعدم اعتبار الحرية في المترجم وقد اشكل فيه بعض مشايخنا بأن قاعدة اليقين المزبورة تقتضي اعتبارها بل بناء على أنها من الشهادة يتجه اعتبارها أيضا إن كان الحرية عتبرة فيها انتهى كلامه وفيه انه لا وجه للتمسك بقاعدة اليقين بعد ما فرض من كون الاصل في خبر العادل القبول حسبما هو المعروف بينهم ويستفاد من كلامه أيضا في بعض المقامات نعم لو قيل بكون لترجمة من الشهادة اعتبار الحرية فيها لتوجه اشتراط الحرية لكنه لا دخل له بقاعدة اليقين ثم اني كلما تأملت ما فهمت المقتضي للاضطراب الذي في كلامه بل ببالي انه فاسد والوجه فيه ان سبب الشك في شتراط الحرية هو كون الترجمة الشهادة فلا معنى لهذا الاضطراب نعم لو قيل بعدم كون الاصل في قول العادل السماع لتوجه ما ذكره لكنه خلاف المعروف بينهم فتأمل ثالثها إن ما ذكرنا كله في لمترجم يجري في مسمع القاضي أيضا لو كان أصم فعليك باستخراج حكمه منه باستعانة الله وتوفيقه وهو حسبنا.
قوله الثامنة الحاكم ان عرف عدالة الشاهدين حكم أقول تحقيق القول في المقام يقع في موضعين أحدهما في بيان موضوع العدالة وبيان المراد منها ثانيها في بيان الحكم في الصور الثلاث.
أما الكلام في الموضع الاول فنقول انها في اللغة الاستواء حسبما حكى عن ظاهر ط وير والاستقامة ما عن محكي جامع المقاصد ومجمع الفائدة والظاهر رجوعهما إلى معنى واحد ولذا عبر جماعة كثاني الشهيدين في الروض والمسالك والسيد في المدارك والفاضل الاصفهاني في كشف اللثام عنها هما فقالوا انها لاستواء
والاستقامة وقد اختلف كلمات الاصحاب في بيان المراد من لفظها الوارد في كلام المتشرعة أو الشارع فقد نقل فيه أقوال لاول وهو المشهور بين من تأخر بل بين العلامة ومن تأخر عنه حسبما صرح به الاستاد العلامة دام ظله انها كيفية نفسانية باعثة على ملازمة التقوى مع المروة وإن اختلفوا في التعبير عنها بلفظ الكيفية و الهيئة أو الحالة أو الملكة ونسب الاخير بعضهم إلى العلماء وفي محكي كنز العرفان إلى الفقهاء وفي محكي مجمع الفائدة إلى الموافق والمخالف وكيف كان فهي عندهم كيفية نفسانية ملازمة على عل التقوى الثاني انها عبارة عن مجرد ترك المعاصي أو خصوص الكباير وهو الظاهر من ابن إدريس في السرائر حيث قال العدل هو الذي لا يخل بواجب ولا يرتكب قبيحا ومن محكي بعض حيث نه ذكر ان العدالة في الدين الاجتناب عن الكباير وعن الاصرار على الصغاير ومن محكي أبي الصلاح بل ظاهر جماعة كونه المشهور في تفسيرها فعن العلامة المجلسي والمحقق السبزواري ان لاشهر في معناها أن لا يكون مرتكبا للكباير ولا مصرا على الصغاير ومرجع هذا القول إلى أنهاعبارة عن الاستقامة في أفعاله وتروكه من دون اعتبار أن يكون ذلك عن ملكة نفسانية الثالث انها بارة عن الاستقامة الفعلية لكن عن ملكة فلا يصدق على هذا القول العدل على من لم يتفق له فعل كبير مع عدم الملكة وقد نسبه الاستاد في الرسالة التي صنفها في العدالة إلى جماعة منهم والد لصدوق والمفيد في المقنعة والشيخ في النهاية الرابع انها عبارة عن الاسلام مع عدم ظهور الفسق وقد نسب هذا إلى الشيخ مدعيا عليه الاجماع في الخلاف بل اشتهر حكايته عنه وإلى ابن الجنيد والمفيد ي كتاب الاشراف الخامس انها عبارة عن حسن الظاهر وقد نسب إلى جماعة بل إلى أكثر القدماء هذا.
ولكن الحق انه لا يمكن أن يجعل هذان الاخيران قولين في العدالة في عرض الاقوال السابقة غاية لامر كونهما طريقين إليها وأما نسبتهما إلى من عرفته من الاصحاب فهو خطأ محض لا قايل لهما أبدا ولا يظهر من كلامهم أصلا وإنما جعلوهما طريقين إلى العدالة فلنا في المقام دعويان.
أما أنه لا يمكن أن يجعلا قولين في العدالة فلظهور اجتماعهما مع الفسق واقعا وفي علم الله ومن المعلوم بداهة جود التضاد بين العدالة والفسق بحسب الواقع وانكاره للبديهي والحال ان مقتضاهما جواز الاجتماع كما لا يخفى فأمر القايل بهما داير بين أن يقول اما بأمر محال وهو جواز اجتماع الضدين أو ينكر مرا بديهيا ومما يلزم على هذين القولين من المفسدة انه لو علم في زمان بارتكاب شخص من المعاصي ما لا يحصى قبله مع عدم ظهور فسقه بين الزمانين أو كونه حسنه الظاهر بينهما ان يقول لقايل بهما بكون العلم من المفسقات وبطلانه أيضا مما لا يخفى.
فإن قلت ما ذكرت من لزوم اجتماع الضدين على القولين إنما هو إذا جعل الفسق نفس ارتكاب المعاصي واقعا وفي علم الله وأما إذا جعل لى الاول عبارة عن ظهور الفسق وعلى الثاني عبارة عن التجاهر المعاصي كما هو لازم القول بهما فلا يلزم اجتماع الضدين أبدا.
قلت كون الفسق عبارة عن نفس الاخلال بالواجبات وترك المحرمات مما لم يخالف فيه أحد.
وأما أنه لا يظهر من كلام من نسب إليه القولان بهما بل الظاهر منه خلافه فلما يظهر من الرجوع إلى كلماتهم فمنها ما حكي عن الشيخ في الخلاف بعد القول بأن الاصل في لاسلام العدالة من أن البحث عن عدالة الشهود ما كان في زمان النبيصلىاللهعليهوآله ولا أيام الصحابة ولا أيام التابعين وإنما هو شي أحدثه شريك بن عبدالله لقاضي ولو كان شرطا لما جمع أهل لامصار على تركه انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وأنت إذا
تأملت فيه حق التأمل وجدته غير ظاهر فيما نسبوا إليه أصلا بل ظاهرا في خلافه فإن الظاهر من كلامه انه لا يجب البحث عن العدالة التي هي غير الاسلام وعدم ظهور الفسق عند احراز الاسلام وعدم ظهور الفسق ن حيث كونهما طريقين إليها ومن العجب من بعض الشيوخ المتأخرين حيث ادعى على ما هو ببالي صراحة كلام الشيخ في الخلاف في كون العدالة عنده عبارة عن نفس ظهور الاسلام وعدم ظهور لفسق ومنها ما حكي عن ابن الجنيد من أن كل المسلمين على العدالة حتى يظهر خلافها ولا يخفى ظهورها أيضا في كون الاسلام طريقا إلى العدالة لا نفسها إلى غير ذلك من كلماتهم لتي يقف عليها لمتتبع فيها فتتبع هذا مضافا إلى ظهور الاخبار التي ركن إليها هؤلاء فيما ذكرنا كما سيجئ الاشارة إليه فكيف يمكن أن ينسب إليهم القول بخلافها.
والحاصل ان من المعلوم لكل منصف متتبع ان العدالة عند هؤلاء ليست نفس ما نسب إليهم من الاسلام وعدم ظهور الفسق وحسن الظاهر وإنما هما طريقان ندهم إليها ولذا ذكر جماعة من الاصحاب كالشهيد في الذكرى والدروس والمحقق الثاني في الجعفرية وغيرهما هذين القولين في عنوان ما تثبت به العدالة فإن أبيت إلا عن ظهور كلماتهم في كونها نفس لعدالة فلا بد أن يحمل كلماتهم عى أنهما مما يكتفى شرعا بهما في احكام العدالة بحيث لا يسئل بعد عن باطن الامر فهما عندهم معنيان للعدالة التي اكتفى بها الشارع في مسألة الشهادة وغيرها ولم يأمر علا بتحصيل غيرهما (ها خ) فتأمل.
ثم إنك إذا عرفت عدم كون العدالة عند الشيخ ومن يحذو حذوه نفس الاسلام وعدم ظهور الفسق بل إنما هما طريقان عندهم إليها ولا عند من عبر بحسن الظاهر ونه نفسها بل هو طريق إليها فيقع الكلام في تعيين ما هما طريقان إليه عندهم.
فنقول أما عند الشيخ ومن عبر بتعبيره فيتعين أن يكون أحد أشياء ثلاثة أحدها الاسلام مع عدم - الفسق واقعا لكن الطريق إلى حراز عدم الفسق بحسب الواقع ظهور عدمه ثانيا نفس عدم الفسق واقعا لكن الطريق إليه ظهور عدمه فيكون الاسلام حينئذ مقسما وموردا للعدالة والفسق لا أن يكون له دخل فيها فالكافر بهذا البيان لا كون عادلا ولا فاسقا بخلاف الاحتمال الاول فحال الاسلام حينئذ كحال البلوغ والعقل وغيرهما من الشرائط لتي يذكرونها في العدالة فإن الصبي لا يسمى فاسقا ولا عادلا وكذا المجنون وهذا هو القول الثاني في العدالة الذي ذكرنا انه يظهر من جماعة ثالثها الملكة مع عدم الفسق واقعا التي يعبر عنها بالملكة لرادعة لكن الطريق إلى احراز نفس الملكة الاسلام كما هو طريق إلى صحة أفعال المسلم فتأمل فإن الظاهر من حال المسلم بل كان من تدين بدين انه لا يتجاوز عن هذا الدين وإلى احراز وصفها ظهور دم الفسق فهذان طريقان ظاهريان لاحراز أمرين واقعيين وهذا هو الذي يتعين القول بكونه المراد لهم لان الظاهر من عبارة الشيخ المحكية في الخلاف و غيره من أن الاصل في الاسلام العدالة كونه ريقا لا موضوعا وإلى الملكة لا إلى عدم الفسق واقعا وإلا لما احتاج إلى انضمام عدم ظهور الفسق نعم لو انت العبارة الاصل في المسلم العدالة كما هو المحكي في بعض النسخ لاحتمل أن يكون المسلم موردا للاصل وكان الطريق إلى العدالة بالاحتمال الثاني هو عدم ظهور الفسق لكنه أيضا خلاف الظاهر لى هذا الفرض فتبين من جميع ما ذكرنا أن العدالة عند الشيخ ومن عبر بتعبيره كابن الجنيد هي الملكة ع عدم الفسق واقعا التي يعبر عنها بالملكة الرادعة أو الكافة.
وأما عند من عبر بحسن الظاهر فيتعين أن يكون أحد شيئين أحدهما الملكة الرادعة فيكون حسن - الظاهر طريقا إليها حسبما هو قضية ظاهر لماتهم ثانيهما عدم الفسق واقعا فيكون الطريق إليه حسن الظاهر
وهذا خلاف الظاهر منهم كما ستقف عليه.
إذا عرفت ذلك كله فاعلم أن الحق في المقام هو أن يقال ان العدالة عبارة عن الملكة الرادعة وليست عبارة عن الملكة التي من شأنها الردع وإن لم تصف به فعلا لانها أيضا لا تنافى مع الاخلال بالواجب أو الحرام واقعا الذي هو الفسق على جميع التقادير والاحتمالات ولا عبارة عن نفس عدم الاخلال بفعل الواجب وترك الحرام وإن لم يكن عن لكة لظهور كونها من الصفات النفسانية لا الافعال والتروك بل يمكن أن يقال ان مراد من عبر بذلك التعبير هو عدم الاخلال المستند إلى الملكة لا عدم الاخلال ولو اتفاقا لعدم الملازمة بينه وبين العدالة صلا كما لا يخفى بل لك أن ترجع كلام من عبر بالملكة المطلقة إلى ما ذكرنا.
فتحصل مما ذكرنا كون العلماء باسرهم متفقين على كون العدالة هي الملكة الرادعة بل يمكن أن يقال انها لم تنقل عن عناها اللغوي أصلا وإنما هي باقية عليه فإن الاستقامة في كل شئ بحسبه فاستقامة الشخص في الواجبات الشرعية ومحرماتها بقول مطلق هي عبارة عن عدم الاخلال بهما الذي نشأ عن ملكة وحالة طنية فأخذ الملكة ليس من جهة كونها قيدا زائدا بل من جهة عدم تحقق الاستقامة المطلقة فيما ذكر بدونها فيظهر من ذلك كلة فساد ما ادعاه بعض مشايخنا طاب ثراه من ثبوت الحقيقة الشرعية في لعدالة والعجب انه قد ادعى الضرورة عليه هذا كله في بيان المراد من موضوع العدالة.
وأما الكلام في طريق ثبوتها فهل هو نفس الاسلام مع عدم ظهور الفسق كما هو ظاهر كلام الشيخ ومن يحذو ذوه فيصير الاصل في المسلم العدالة إلى أن يعلم الخلاف أو حسن الظاهر كما هو ظاهر جماعة ثيرة أو لا يكتفى بهما بل لا بد من العلم أو البينة ونحوهما مما ثبت شرعا اعتباره كما هو ظاهر المصنف ي المسألة الآتية و صريح الشهيد في الدروس في مسألة الجماعة أقوال.
للاول الاصل حيث ان الظاهر من حال المسلم من حيث هو مسلم عدم ارتكابه للمعاصي وهو المدرك في حمل افعاله على لصحة وطائفة من الاخبار التي يظهر منها ذلك منها صحيحة حريز عن أبي عبداللهعليهالسلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران قال فقال إذا كانوا أربعة من مسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا وأقيم الحد على الذي شهدوا عليه انما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا به وعلموا وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم إلا أن يكونوامعروفين بالفسق منها رواية العلا بن سبابه قال سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن شهادة من يلعب بالحمام فقال لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق ومنها ما روى الكليني باسناده إلى سلمة بن كحبل قال سمعت علياعليهالسلام يقول لشريح لعنه الله في حديث طويل واعلم ان المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مجلود في حد لم يتب منه أو معروف بشهادة زور أو ظنين إلى غير ذلك من الروايات التي يقف عليها لمتتبع في كتب الاخبار.
وللثاني أيضا طائفة من الروايات منها رواية يونس عن بعض رجاله عن أبي عبداللهعليهالسلام قال سئلته عن البينة إذا أقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من ير مسألة إذا لم يعرفهم قال خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم الولايات والمناكح (والتناكح خ) والمواريث والذبايح والشهادات فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسئل ن باطنه ومنها رواية عبدالله بن مغيرة عن الرضاعليهالسلام قال كل من ولد على الفطرة وعرف بصلاح في نفسه جازت شهادته ومنها رواية عبدالله بن أبي پعفور قال قلت لابي عبداللهعليهالسلام ) بما تعرف عدالة الرجل من المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم فقال أن يعرفوه بالستر والعفاف الكف عن البطن والفرج واليد واللسان إلى آخر الرواية إلى غير ذلك من الروايات.
وللثالث عدم الدليل على اعتبارهما في أثبات العدالة التي هي بمعنى الملكة المانعة فإن ما ورد فيه من الاخبار بين ضعيفة السند وقاصرة الدلالة مضافا إلى عارضتها بما يدل على خلافها فيجب الاقتصار على العلم أو ما قام مقامه بالادلة القطعية كالبينة.
ثم ان أقوى هذه الوجوه وأوجهها هو الثاني لما عرفته من الاخبار الدالة على الاكتفاء بحسن الظاهر ضافا إلى الاجماع المحكي في المقام عن بعض الاعلام وضعف ما يستدل به للاول والثالث أما الاول فلعدم الدليل على اعتبار الاصل المذكور وجواز الاكتفاء به في مسألة الافعال لما ورد فيه من لنصوص لا يدل على اعتباره فيما نحن فيه كما لا يخفى ولقوة ما ذكرنا من الاخبار بالنسبة إلى ما دل على الاكتفاء بالاسلام مع عدم ظهور الفسق سندا ودلالة مضافا إلى اعتضادها بالشهرة المحققة الاجماع المنقول في المسألة عن بعض بل عن جماعة وأما الثالث فلما عرفت من دلالة الاخبار المعتبرة على كفاية حسن الظاهر في ثبوت العدالة وهذه الاخبار وإن كان بعضها ضعيفا لكنه مجبور العمل مضافا إلى كفاية البعض الآخر فيصير حسن الظاهر حينئذ البينة مما قامت الادلة القطعية على اعتباره هذا مضافا إلى أنه لو بنى على عدم اعتبار حسن الظاهر فيها للزم طرح أكثر الاحكام لمتفرعة عليها لانسداد باب العلم والظن الخاص فيها غالبا فتعين الاخذ فيها بحسن الظاهر هذا كله مما لا إشكال فيه وإنما الاشكال في أن حسن الظاهر على القول بكونه طريقا هل هو من باب التعبد أو لظن النوعي أو الظن - الشخصي مطلقا أو خصوص الاطميناني منه وجوه يمكن استظهار كل منها من الاخبار ومما يمكن أن يستظهر منه الاول قوله في مرسلة يونس جازت شهادته ولا يسئل عن اطنه فإن الظاهر منه عدم ملاحظة الواقع فيه أصلا فيدل على كون اعتباره من باب التعبد نظير الاصول العملية على القول باعتبارها من باب الاخبار ومما يستظهر منه الثاني أو الثالث ما ورد في عض الاخبار من قبول شهادة من تثق به فإنه يمكن حمله على مطلق الظن أو خصوص الاطميناني منه لكن الاخير أظهر وقد قوى الاستاد العلامة في الرسالة الاقتصار على الظن الاطميناني وعدم لاكتفاء به إذا أفاد مطلق الظن نظرا إلى ظهور بعض الاخبار فيما ذكره لكنه عدل عنه في مجلس المباحثة وقال باعتبار مطلق الظن وهو الاظهر في النظر وفاقا لاهل النظر فإن ملاحظة قاعدة لتعارض بين الاخبار والاخذ بالقدر المتيقن وإن كانت تقتضي المصير إلى القول باعتبار خصوص الاطميناني من حيث رجوع ما دل عليه مع ما دل على كفاية مطلق الظن إلى العموم والخصوص كن مقتضى ما ذكرنا من بعض الجوه للاكتفاء بحسن الظاهر وهو لزوم طرح أكثر الاحكام المتفرعة على لعدالة لولاه جواز الاقتصار على مطلق الظن.
ثم إن هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها الاول ان كلما يكون العدالة معتبرة فيه فإنما هي شرط فيه لا أن يكون الفسق مانعا واعتبرت العدالة من حيث رتفاعه بها وهذا الذي ذكرنا الظاهر أنه مما انعقد الاتفاق عليه وأما ما تداول في لسان بعض الاعلام من ابتناء بعض الفروع على كون العدالة شرطا أو الفسق مانعا ناسبا له إلى الشيخ وغيره فمما لا وجه ه أصلا والذي أوقعه في ذلك هو ما يظهر من كلام الشيخ من الاكتفاء بالاسلام وعدم ظهور الفسق فيما يعتبر فيه العدالة من الشاهد وغيره فتخيل من ذلك انه من جهة ذهابه إلى كون الفسق مانعا فيدفع الاصل لا كون العدالة شرطا حتى يحتاج إلى إحرازها وقد عرفت أنه تخيل فاسد وإنما الوجه في اكتفائه بذلك مع القطع باشتراط العدالة هو اما كون العدالة عنده عبارة عن نفس الاسلام مع عدم لفسق واقعا فيؤخذ فيه بظاهر - الاسلام لكونه طريقا إليه أو كونها الملكة الراسخة لكن يكتفى في احرازها بالاسلام وعدم ظهور الفسق
من حيث كونهما طريقا إليها اما من جهة الاصل أو من جهة الاخبار حسبما عرفت تفصيل القول فيه في كلامه وهذا مما لا دخل له بكون الفسق مانعا أصلا كيف ولو كان كذلك لوجب ذهابه إلى سماع قول الشاهد ثلا مع الشك في اسلامه وهو مما اتفق الاجماع على خلافه ثم ان الثمرة بين القولين تظهر في مجهول الحال والواسطة الواقعية فإنه على لاول لا بد من إحرازها ولا يجوز الرجوع إلى الاصل على الثاني لا يجب احرازها بل يكتفى باحراز عدم الفسق إما بالاصل كما في المثال الاول أو بالوجدان كما في الثاني ومن هنا تبين لك أيضا فساد القول بل واحتمال كون الفسق مانعا لانهم اتفقوا لى وجوب التوقف في مجهول الحال ولم يظهر منهم خلاف في ذلك حتى من الشيخ غاية الامر انه يذهب إلى عدم كون معلوم الاسلام غير ظاهر الفسق مجهول الحال بل هو معلوم الحال لكونهما ريقا إلى العدالة فالمجهول الحال عنده هو مجهول الاسلام فهل ترى من نفسك نسبة القول بكونه مقبول لشهادة إلى الشيخ نظرا إلى عدم كون العدالة عنده شرطا بل الفسق مانعا حاشاك ثم حاشك كيف وهو مصرح في جميع كتبه على عدم سماع شهادته.
الثاني انه على القول بكون العدالة شرطا في الشاهد هل هي شرط واقعي لكل من امر بإنفاذ الحكم فيحوز نقض الحكم لكل من اطلع على فسق البينة وإن انت عادلة عند الحاكم أو شرط واقعي للحاكم بمعنى انه يكفي احرازه عدالة الشهود باعتقاده لوجوب الانفاذ على غيره وإن اعتقد فسق البينة غاية الامر انه إذا علم - الحاكم بفسق البينة ينقض حكمه من يث انكشاف الواقع له أو شرط واقعي للحكام وكل من هو مأمور بالقضاء فيجوز النقض لكل حاكم اطلع على فسق الشهود وإن لم يجوز لغيره نقضه وإن اطلع على فسق الشهود وإن شئت قلت هل لعدالة فيما نحن فيه شرط واقعي أو علمي يكفي العلم بتحققها عند الحاكم وإن انكشف فسق الشاهد عند غيره وجوه.
ومبنى هذه الوجوه على أن المكلف بالعمل بالبينة العادلة هل هو خصوص الحاكم ومن قامت البينة عنده على الحق أو جميع من شأنه القضاء وفصل الخصومة بالبينة أو جميع المكلفين غاية لامر كون القاضي مكلفا بالزام المتخاصمين على العمل بقول البينة العادلة التي يجب عليهم الاخذ بها فبعد ملاحظة أدلة البينة يصير لزام الحاكم الزاما بمقتضى تكليفهم فيصير القاضي حينئذ آلة لحمل لمكلف على مقتضى تكليفه وهو العمل بقول البينة العادلة فحال حكم الحاكم فيما نحن فيه حال مدرك فتوى المجتهد بالنسبة إلى مقلده في الاحكام الشرعية فإن المأمور بالعمل بخبر العادل مثلا جميع لمكلفين غاية الامر كون بعض منهم عاجزا عن تحصيل هذا العنوان كالعامي مثلا فيقوم تحصيل المجتهد مقام تحصيله فكأنه نائب عنه في احراز شروط العمل بالادلة فمعنى قول المجتهد لمقلده يجب لسورة في الصلاة هو انه يجب عليك العمل بمضمون خبر العادل الذي أخبر بوجوب السورة فإذا اعتقد مجتهد صحة خبر وأفتى بمضمونه وعلم المقلد كونه غير صحيح بحيث لو علم المجتهد به لما كم لا يجوز له تقليده بالنسبة إلى تلك الفتوى لانه إنما أفتى بعنوان لم يكن موجودا في نظر المقلد بحيث لو اطلع عليه لقال بعدم جواز العمل بقوله ففي الحقيقة هو لم يفت في تلك المسألة وإنما أفتى ي موضوع غير موجود.
توضيح ذلك على وجه الاجمال ان الحكم الظاهري الذي يكون المجتهد قاطعا به ويجب على المقلد متابعته فيه إنما الموضوع فيه هوالادلة والامارات التي اعتبرها الشارع فوجوب لاة الجمعة التي أخبر العادل بوجوبها إنما يكون قطعيا من حيث اخبار العادل بوجوبها فتحصيل القطع بالحكم الظاهري إنما هو من صغرى وجدانية وهو قوله هذا مما أخبر العادل بوجوبه وكبرى برهانية هو قوله وكلما أخبر العادل بوجوبه فهو واجب
لما دل على وجوب العمل به فيستنتج من هاتين المقدمتين وجوب ما أخبر العادل بوجوبه كصلاة الجمعة مثلا فعروض الوجوب لذلك الموضوع إنما هو باعتبار اندراجه في العنوان الكلي وهو المخبر ه بخبر العادل فإذا انكشف انتفاء هذا العنوان الكلي في الواقع من جهة العلم بفسق المخبر له يحصل عروض وجوب لذلك الموضوع والمفروض اشتراك المجتهد والمقلد في العمل بقول العادل غاية لامر كون المجتهد نائبا عنه في احرازه من حيث عجزه عن ذلك وقدرته عليه فإذا علم المقلد ان المخبر وجوب صلاة الجمعة مثلا غير عادل بل هو فاسق فاجر ويكون اعتقاد - المجتهد بعدالته جهلا مركبا كيف يجوز له الاخذ بفتواه مع كونه مأمورا بالاخذ بفتواه التي يكون المدرك لها خبر العادل فإذا كان لامر فيما نحن فيه كذلك حسبما هو المفروض فلا يعقل أن يقال بوجوب الالتزام بإلزام الحاكم بعد ما كان المستند فيه البينة الفاسقة باعتقاد الغير وإن كان معتقدا بعدالتها لانه ما صدر عنه الزام في لحقيقة بل إنما صدر عنه الزام على تقدير وعنوان غير موجود حتى انه لو علم أيضا بذلك لما الزم ولما وز - الالتزام به وهذا أمر واضح لا خفاء فيه على هذا التقدير.
فإن قلت إن مقتضى عموم ما دل على عدم جواز نقض الحكم هو عدم جوازه وإن كانت البينة فاسقة عند غير - الحاكم بعد فرض كونها ادلة عنده ولا مخرج عنه حتى يقضى بجوازه.
قلت نمنع من كون مقتضى عموم مادل على عدم جواز نقض الحكم هو عدم جوازه فيما نحن فيه حيث انه بعد تبين فسق الشاهد يتبين انه ليس هذا لحكم مما أمضاه الشارع بل قد عرفت انه يمكن أن يقال انه ما در الزام من الحاكم في هذا الموضوع وإنما صدر عنه الزام في موضوع منتف بالفرض.
فإن قلت انه بناء على ما ذكرت من كون كل أحد مكلفا بالعمل بالبينة العادلة فإذا انتفى العدالة التي هي الشرط عنده لا يجب عليه العمل بها وإن وجب لى من اعتقد عدالتها من حيث وجود الشرط عنده يلزم جواز نقض حكم الحاكم في صورة الجهل بعدالة الشهود أو التوقف عن امضائه وترتيب الاثر عليه وإن كان الحاكم معتقدا عدالتهم والظاهر بل لمقطوع انه مخالف للاجماع فيكشف ذلك عن كون المأمور بالعمل بالبينة العادلة هو خصوص الحاكم لا غيره.
قلت عدم جواز النقض والتوقف في الفرض المذكور ليس من جهة كون المأمور بالعمل بالبينة العادلة هو خصوص الحاكم بل من جهة ما ذكرنا من كون الحاكم نائبا عن غيره في احراز رط العمل بالبينة نظير كونه نائبا عن غيره في احراز شرط العمل بخبر العادل في الاحكام الشرعية ولازمه كفاية احرازه عن احراز الغير ولكنا انما ذهبنا إلى جواز النقض وعدم الكفاية في صورة العلم الفسق من حيث عدم قابلية كون احرازه بدلا حينئذ كما لو تبين عند العامي فسق المخبر في الاحكام الشرعية وإن كان عادلا عند المجتهد حسبما عرفت تفصيل القول فيه وأقوى هذه الوجوه هو هذا لوجه لما قد عرفت من الوجه وإن كان المتيقن من كلماتهم هو الاول ثم ان الذي ذكرنا هنا لا اختصاص له المقام بل يجري في غيره أيضا كما في مثل الطلاق مثلا فانهم قد اختلفوا فيه بعد الاتفاق على اشتراط حضور العدلين انه هل يكفي احراز عدالتهما باعتقاد المطلق لصوري وهو من يجري الصيغة لترتيب لاثر على الطلاق ولو عند من يعتقد فسقهما أو يكفي احرازها عند المطلق الحقيقي وهو الزوج بالمعنى الذي ذكرنا أو يشترط احرازها لكل من يريد ان يرتب الاثر على الطلاق فلو علم اجنبي كونهما فاسقين لايجوز له نكاح المرئة مثلا غاية الامر انه ما لم يعلم ذلك يجب عليه حمل فعل المطلق على الصحيح وهذا هو - الاقوى في تلك المسألة أيضا وإن أمكن الفرق بينهما وبين المقام أن يقال ان العدالة في مسألة الطلاق إنما هيشرط لصحة الصيغة وترتب الاثر عليها فالمكلف باحرازها ليس الا من يجري الصيغة فإذا احرزها اعتقاده وإن لم تكن محرزة عند الغير تكون الصيغة صحيحة في الواقع فيترتب عليها جميع الآثار الشرعية.
الامر الثالث انه بعدما عرفت من جواز نقض حكم الحاكم بعد تبين فسق الشاهد ولو عند غير حاكم - لشرع فاعلم ان المعتبر من التبين هو التبين في زمان الشهادة بمعنى انه علم بكون البينة فاسقة حين الشهادة أما لو علم بصيرورتها فاسقة بعد الشهادة فلا اعتبار به بل يجب حينئذ امضاء الحكم وترتيب لاثر عليه وهذاواضح لا سترة فيه نعم لو تبين فسق الشاهد بعد الاقامة قبل الحكم يكون فيه اشكال نتعرض له انشاء الله تعالى فيما سيأتي هذا تمام الكلام في الموضع الاول.
وأما الكلام في الموضع الثاني فنقول انه لا إشكال في جواز الحكم فيما إذا عرف عدالة البينة ولا في عدم جوازه فيما إذا رف فسقها لما دل على جواز الحكم بالبينة العادلة وعدم جوازه بالبينة الفاسقة مضافا إلى قيام الاجماع في لصورتين إنما الكلام فيما إذا جهل الحال من عدالة أو فسق بعد القطع باسلامها فحكم الشيخ بجواز الحكم وقبول الشهادة لا لان الفسق مانع فيندفع بالاصل كما توهم ولا لان نفس الاسلام وعدم ظهور لفسق عدالة عنده كما تخيل بل لما قد عرفت من كون الاسلام وعدم ظهور الفسق طريقا عنده لاحراز العدالة لواقعية والمشهور عدم جوازه ووجوب التوقف من حيث عدم الدليل على كون نفس الاسلام ريقا إلى العدالة حسبما عرفت تفصيل القول فيه وهذا هو الاقوى نعم لو علم من الشاهد حسن الظاهر حكم لا لان حسن الظاهر نفس العدالة كما قد يقال بل لما قد عرفت من كونه طريقا إلى العدالة فهذا لفرض في الحقيقة خارج عما نحن فيه لان الكلام فيما جهل العدالة ولم يكن طريق شرعي لاحرازها.
ثم ان لشيخنا الشهيد الثانيقدسسره هنا كلاما لا يخلو ايراده عن فايدة حيث قال بعد نقل القول بالتوقف عن المشهور وعدم الكفاية بظاهر الاسلام في ذكر الاستدلال له ما هذا لفظه لقوله تعالى استشهدوا ذوي دل منكم مع قوله تعالى واستشهدو شهيدين من رجالكم فيجب حمل هذا المطلق على المقيد ولا بد من اشتمال - الوصف بالعدالة على أمر زايد على الاسلام لان الاسلام داخل في قوله ن رجالكم فإنه خطاب للمسلمين ولان العدالة شرط قبول الشهادة كما يقتضيه الآية والجهل بالشرط ستلزم الجهل بالمشروط إلى أن قال وفي هذه الادلة نظر أما الآية الدالة على العدالة فليس فيها ان المراد منها هو زائد على الاكتفاء بظاهر الاسلام إذا لم يظهر الفسق نقول ان ذلك هو العدالة وانها لاصل في المسلم بمعنى ان حاله يحمل على القيام بالواجبات وترك المحرمات إلى أن قال سلمنا ان العدالة أمر آخر غير الاسلام وهي الملكة الابية لكن لا يشترط العلم بوجودها بل يكفي عدم العلم انتفائها من المسلم والعدالة ي الآية ما جائت شرطا حتى يقال انه يلزم من الجهل بالشرط الجهل بالمشروط وإنما جائت وصفا ومفهوم الوصف ليس بحجة بحيث يلزم من عدمه العلم بالعدم بخلاف لشرط انتهى ما أردنا ذكره.
وفي كلامه انظار لا تخفى على كل من نظر إليه وتأمل فيه أما أولا فلانا قد ذكرنا ان العدالة ليست هي الاسلام نفسه ولا هو طريق إليها فقوله فليس الخ مما لا وجه له أصلا أما ثانيا فلانه لا معنى لقوله بعد تسليم كون العدالة هي الملكة لكن لا يشترط العلم بوجودها ضرورة انه إذا علق قبول الشهادة على العدالة لا بد من احرازها ولا يكفي عدم العلم بانتفائها وأما ثالثا فلانا ا فهمنا معنى قوله والعدالة في الآية ما جائت شرطا فإن كان مراده من ذلك ان في مسألة حمل المطلق لى المقيد لا بد أن يكون المقيد شرطا ولا يكفي كونه وصفا من حيث عدم
المفهوم له ففيه انما المحقق في محله انه لا يشترط في حمل المطلق على المقيد مما له مفهوم بل الوجه فيه شئ آخر ذكره الاصوليون في تلك المسألة يطول بذكره وإن كان قد ذكر بعض لاصحاب كون الوجه فيه ان له مفهوم وإن كان وصفا نظرا إلى قيام الاجماع على افادته الانتفاء عند الانتفاء فيما إذا كان قيدا للمطلق لكنه فاسد جدا لما قد ذكر في محله وإن كان مراده ان في الحكم الانتفاء عند الانتفاء بحسب الواقع يشترط كون المقيد مما له مفهوم وإن لم يكن شرطا في مسألة حمل المطلق عليه نظرا إلى عدم ابتنائه على ذلك بل على مجرد الحكم باختصاص الحكم المستفاد من لمطلق على المقيد وإن لم يكن دالا على اختصاص سنخ لحكم عليه حسبما ذكر في محله ففيه ان هذا مسلم لكن الحكم بالتوقف أو عدم القبول من حيث عدم ثبوت العدالة ليس متوقفا على ذلك بل يكفى فيه دم الدليل على ثبوت طريق إلى احراز العدالة في صورة الشك لما قد عرفت من كفاية ذلك فافهم واغتنم والله العالم.
قوله وتثبت مطلقة الخ أقول قد عرفت سابقا الكلام في معنى العدالة والفسق وما يثبتان به في الجملة إنما الكلام في المقام في كيفية ثبوتهما بالبينة والتكلم فيها أيضا يقع في مقامين حدهما في الاحتياج إلى ذكر السبب وعدمه فيهما على التفصيل الذي سيأتي الاشارة إليه ثانيهما في العبارة التي يقع التزكية بها من قوله عدل أو عدل لي وعلي أو غيرهما مما ستقف عليه.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انهم قد اختلفوا فيه على أقوال أحدها وهو المشهور بينهم كفاية الاطلاق في لتعديل والجرح ثانيها عدم كفايته فيهما بل لا بد من ذكر السبب والتفسير ثالثها كفايته في التعديل دون الجرح وهذا هو المشهور بينهم رابعها عكس ذلك وهو كفايته في الجرح دون التعديل وهو المحكي ن العلامة في بعض كتبه خامسها التفصيل بين كون المزكي والجارح عالمين بالسبب وعدمه فيكفي لاطلاق في - الاول دون الثاني سادسها التفصيل بين ما لو كان الشاهد والحاكم موافقين في المذهب أو مخالفين فيكفي الاطلاق في الاول دون الثاني ولك أن لا تجعل هذا قولا في المسألة من حيث جوعه إلى القول المشهور.
وقبل التعرض لذكر أدلة الاقوال وبيان صحتها وسقمها ينبغي الاشارة إلى ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله في المقام من الاشكال على القوم في مبنى المسألة وهو انهم قد كروا في وجه وجوب ذكر السبب في الجرح أو فيه وفي التعديل كون المذاهب فيما يوجب الجرح والتعديل ختلفة فلعل الجارح مثلا قد اتكل في الحكم بفسق الشاهد على شئ لا يوجبه عند الحاكم فلا بد من البيان ليعمل القاضي على اجتهاده ولهذا ذكروا انه لا يحتاج إلى ذكر السبب فيما لو كان الجارح الحاكم متفقين في الرأي هذاكلامهم وهو كما ترى إذ لا مدخل ولا أثر لمذهب الجارح والحاكم في الحكم بالجرح مثلا أصلا سواء كانا متفقين في الرأي أو مختلفين وإنما المناط فيه هو مذهب المجروح و المزكى سواء كان الحاكم والمزكي موافقين له في المذهب أو مخالفين ضرورة كون الموجب لفسق المكلف هو مخالفته لمقتضى تكليفه بحسب ما أدى إليه رأيه أو تقليده ولعدالته عدم مخالفته لمقتضى كليفه كذلك سواء كان بمقتضى تكليف الغير غير عاص في الاول وعاصيا في الثاني أو لا مثلا إذا أدى رأي مجتهد إلى حرمة العصير العنبي فشربه يكون فاسقا واقعا لخروجه عن طاعة الله سواء ان مذهب غيره على الحلية أو الحرمة وإذا أدى رأيه إلى الحلية فشربه لا يضر في عدالته سواء كان عند يره حلالا أو حراما لانه ما عصى الله بحسب ما أدى إليه ظنه لواجب العمل والا صح أن يحكم كل مجتهد بفسق مجتهد آخر مخالف له في الرأي وهذا مما يشهد الضرورة ببطلانه فإذا فرضنا
في المقام كون مذهب المجروح مثلا على حلية العصير أو الغناء في الرثاء مثلا وكان مذهب الجارح والحاكم على حرمتهما لا يجوز لهما الحكم بفسقه كيف وهو لم يعص الله بالنسبة إليه أبدا كونه مأذونا شرعا في ارتكابه غاية الامر كونه مخطأ في نظرهما وهو مما لا يوجب الفسق بعد كونه معذورا نعم لو لم يكن معذورا في خطئه كما لو قصر في الاجتهاد لكان في الحكم بفسقه وجه لكنه ارج عما نحن فيه والحاصل ان الطريق إلى فسق المكلف وعدالته هو مخالفة ما أدى إليه تكليفه وعدمها ولا مدخل فيهما لتكليف الغير أبدا.
فإن قلت كلامهم هذا إنما هو في صورة الجهل بمذهب المجروح أو المزكى لا في صورة العلم بمذهبه وانه ما خالف تكليفه فإنه إذا جهل تكليفه لا بد من أن عمل كل مكلف في احراز الفسق والعدالة الواقعيين على ما هو مقتضى تكليفه غاية الامر انه إذا علم تكليفه يكون هو طريقا إلى الواقع فيجب على الجارح ذكر السبب حتى يعمل القاضي على ما هو ذهبه.
قلت أولا انه لا دلالة في كلامهم على اختصاصه بالصورة المذكورة وثانيا سلمنا اختصاصه بها لكن نقول ان مقتضى الوجه الذي ذكرنا هو وجوب التوقف في الصورة المذكورة وعدم الحكم بشئ تى يعلم مذهبه أو الحكم بعدم فسقه من حيث حمل فعله على الصحة ولا وجه للحكم بفسقه بعد كون مذهب الحاكم مقتضيا للفسق مع الجهل بمذهبه لان الحرمة بمذهب الحاكم لا تجدي في الحرمة بمذهبه لا إذا فرض كونه مقلدا له فيخرج عن الفرض فهل ترى من نفسك أو من أحد الحكم بفسق شخص إذا رأيته يشرب ما اختلف في حرمته إذا كان مذهبك على الحرمة مع الجهل بمذهب الشارب واحتمال ونه على الحلية حاشاك ثم حاشاك وأنت برئ من ذلك.
فإن قلت ما ذكرته من الحكم بالفسق فيما لو كان مذهب المجروح على حرمة ما شربه مثلا وإن كان مذهب الحاكم والجارح على الحلية انما ستقيم على القول بحرمة التجري وكونه مؤثرا في جعل غير الواقع كالواقع في الحكم كما هو مختار بعض أما لو قلنا بعدم حرمته وتأثيره في ذلك كما هو المختار فلا دليل على كون مجرد اقدامه على مخالفة ماأدى إليه ظنه أو تقليده معصية ما لم يعلم موافقتها للواقع كما هو المفروض.
قلت أولا القول بكون مخالفة الحكم الظاهري معصية لا توقف له على القول بحرمة التجري بل يتم على القول بعدمها أيضا إن مخالفة الحكم الظاهري كالواقعي معصية توجب استحقاق العقاب وثانيا سلمنا لك لكن نقول ان التجري وإن لم نقل بكونه مؤثرا في تحريم الفعل لكنه مؤثر في ارتفاع الملكة المانعة عن التجري طعا فإن المفروض كون الفعل المتجرى به في اعتقاده حراما وإن لم يكن كذلك في اعتقاد غيره هذا.
وقد يجاب عن هذا الاشكال في طرق الجرح بأن مذهبهم في الكبيرة الموجبة للفسق كونها كبيرة عند الحاكم الاعم من الجارح والقاضي لا عند الفاعل فلا يكفي كونها كبيرة عنده في الحكم بفسقه ارتكابها بعد كون اعتقاد الحاكم على خلافه ولا يؤثر اعتقاده بعدم كونها كبيرة في الحكم بعدم الفسق بعد كون الفعل كبيرة عند الحاكم لان الكبيرة من احكام الوضع لا يؤثر فيها اعتقاد الفاعل كما في لساير الموارد فهنا شيئان أحدهما كون الفعل معصية وهو دائما دائر مدار اعتقاد الفاعل ولا أثر لاعتقاد يره فيه أصلا ثانيهما كون المعصية كبيرة فهذا من أحكام الوضع لا دخل لاعتقاد الفاعل فيه أبدا وإنما لطريق إليه اعتقاد كل من يريد ترتيب الاثر عليه فذات
المعصية وإن كانت دائرة مدار اعتقاد الفاعل لكن وصفها وهو كونها كبيرة أو صغيرة ليس تابعا لاعتقاد الفاعل بل هو من أحكام الوضع يرتب الاثر عليه كل من يعتقد وجوده وإن لم يعتقد لفاعل فإذا اعتقد الشاهد كون لمعصية الفلانية كبيرة موجبة لفسق فاعلها يشهد بفسقه ولو لم تكن كبيرة باعتقاده واعتقاد الحاكم وإذا اعتقد كونها صغيرة لا يجوز له الشهادة على الفسق وإن كانت كبيرة اعتقاد الفاعل والحاكم وهكذا إذا اعتقد الحاكم كونها كبيرة يحكم بفسق فاعلها سواء اعتقد كونها كبيرة أو لا والحاصل ان أصل المعصية وجودها الواقعي إنما هو بفعليتها عند الفاعل فإذا اعتقد كون شئ عصية وارتكبه كان فاعلا للمعصية عند كل أحد واقعا لان المعصية ليس لها وجود واقعي غير فعليتها باعتقاد الفاعل فإذا تحققت المعصية عنده تحققت عند كل أحد ولا أثر لاعتقاد غيره فيها أصلا إذا لم يعتقد كون شئ معصية وارتكبه لم يكن فاعلا للمعصية واقعا عند كل أحد وإن اعتقد بتحريمه غيره وهذه بخلاف الكبيرة والصغيرة فإنهما من أحكام الوضع التي لها وجود واقعي يرتب الاثر ليها كل من علم بها ولا يرتب إذا لم يعلم وإن علم غيرها بها.
إذا عرفت ذلك فنقول في توضيح هذا الاجمال وتحقيق هذا المقال ان اختلاف الفاعل وغيره ممن يريد ترتيب الاثر على فعله في الكبيرة لا خلو إما أن يكون من جهة اختلافهما في مفهوم الكبيرة بحسب الشرع بأن كان كل معصية كبيرة عند الفاعل وكان خصوص ما اوعد عليه في الكتاب كبيرة عند غيره أو بالعكس أو كان خصوص ما وعد عليه في الكتاب مطلقا كبيرة عند الفاعل ولم يكن هذا كبيرة عند غيره بل خصوص ما اوعد عليه في لكتاب بالنار أو كان الامر بالعكس أو يكون من جهة اختلافهما في المصداق وهذا على قسمين أحدهما أن يكون اختلافهما في المصداق ناشيا من الاختلاف في الموضوع المستنبط كما إذا اتفقا على كون لكبيرة هي خصوص ما اوعد عليه في الكتاب بالنار لكن اختلفا في أن المعصية الفلانية هل تدل الآية الفلانية على كونها وجبة لاستحقاق النار مطلقا أو في بعض أفرادها أولا ومرجع هذا أيضا إلى لاختلاف في أصل الحكم الشرعي وإن كان منشأه الاختلاف في الموضوع المستنبط ثانيهما أن يكون اختلافهما فيه ناشيا من الامور الخارجية بحيث لا مدخل للفظ فيه أصلا كما إذا اعتقد الفاعل كون لمايع الفلاني عصيرا عنبيا فشربه واعتقاد غيره كونه خمرا موجبا لفسق شاربه أو كان الامر بالعكس.
أما إذا كان اختلافهما في مفهوم الكبيرة فالظاهر كون الحكم بالتفسيق دايرا مدار اعتقاد الحاكم سواء كان الشاهد أو القاضي فإذا اعتقد كون كل معصية كبيرة كما هو مذهب جمع من صحابنا منهم الحلي في السراير يحكم بفسق فاعلها وإن اعتقد كون الكبيرة خصوص ما اوعد عليه في الكتاب مطلقا أو بالنار وإذا اعتقد كون الكبيرة خصوص ما اوعد عليه في الكتاب بالنار مثلا لا جوز لهما تفسيق فاعل غيره بل يحكمون بعدالته ما لم يصر عليه وان اعتقد كونه كبيرة والدليل على ذلك هو ما عرفت من كون الكبيرة من أحكام الوضع لا يؤثر فيها اعتقاد الفاعل أصلا.
فإن قلت إذا اعتقد الفاعل كون مطلق المعصية كبيرة وارتكبها يكون لا أقل متجريا بالكبيرة من حيث اعتقاده وإن م يكن فاعلا للكبيرة بحسب الواقع وباعتقاد الغير فعلى القول بكون التجري مؤثرا في جعل غير الواقع بمنزلة الواقع يصير هذا الشخص فاسقا باعتقاد الغير أيضا فإنه وإن لم يفعل كبيرة باعتقاد لغير إلا أنه فعل ما هو بمنزلتها في الآثار الشرعية فجعل الكبيرة تابعة لاعتقاد الغير بقول مطلق مما لا جه له.
قلت نمنع من ثبوت التجري في الفرض المزبور لان اختلاف الفاعل وغيره إن كان بالنسبة إلى المصداق
بقسميه فثبوت التجري فيما لو اعتقد الفاعل كون الفعل كبيرة مما لا إشكال فيه كما سيجئ الاشارة إليه وإن لم يكن اختلافهما راجعا لى المصداق بل إلى المفهوم حسبما هو محل الكلام فنمنع من ثبوت التجري بالنسبة إليه غاية الامر ان الفاعل اطلق لفظ الكبيرة على جميع المعاصي واعتقد كونه (كونها خ) كبيرة وهذا لا دخل له مسألة التجري وإنما هو خطأ في التسمية والاجتهاد.
توضيح ذلك ان تأثير التجري على القول به اما في جعل ما لا عقاب له ولا أثر له بمنزلة ما هو كذلك واقعا من حيث تعلق الاعتقاد بكونه ذلك كما ذا اعتقد خمرية مايع كان في الواقع ماء وأما في جعل ما هو ضعيف واقعا بحسب المرتبة بمنزلة القوى حسبها من حيث تعلق الاعتقاد كما إذا اعتقد خمرية مايع كان في الواقع عصيرا عنبيا ومعلوم ان كليهما غير موجودين في المقام أما الاول فظاهر وأما الثاني فلان المفروض عدم تعلق عتقاده بكبيرية عصية من حيث اعتقاده بكونها الكبيرة المفروغ عن كونها كبيرة وإنما تعلق اعتقاده بكون الكبيرة اسما لمطلق المعصية أو قسم خاص منها ويكون قد اخطأ في هذا الاعتقاد باعتقاد غيره وهذا مما لا خل له بحديث التجري أصلا كما لا يخفى هذا كله فيما لو كان الاختلاف راجعا إلى الاختلاف في المفهوم.
وأما الكلام في القسمين الاخيرين وهما ما إذا كان اختلافهما ناشيا من الاختلاف في المصداق سواء كان راجعا إلى الموضوع المستنبط أو إلى الموضوع الخارجي فنقول ان مقتضى ما كرنا في القسم الاول هو كون الكبيرة فيهما أيضا تابعة لاعتقاد من يريد ترتيب الاثر مطلقا سواء كان الحاكم أو الشاهد لقضية كونها من أحكام الوضع التي تكون تابعة لاعتقاد من يعتقد وجودها من غير أثير لاعتقاد غيره فيها فإذا اعتقد الفاعل كون الغناء بجميع أقسامه حتى ما كان منه عاريا عن اللهو مما اوعد عليه في الكتاب بالنار واعتقد غيره خلاف ذلك وكون ما اوعد عليه النار منه خصوص ما ان مع اللهو لم يجز له تفسيقه بمجرد فعله ما لم يكون لاهيا به وإذا كان الامر بالعكس يجوز له تفسيقه هذا إذا كان الاختلاف ناشيا من الموضوع المستنبط وهكذا الكلام إذا كان اختلافهما ناشيا من لموضوع الخارجي فإذا اعتقد الفاعل كون المايع الفلاني خمرا فشربه واعتقد غيره كونه عصيرا عنبيا ا يجوز له تفسيقه وإن كان عكس ذلك يجوز له تفسيقه هذا مقتضى ما أدى إليه النظر الدقيق.
لكن يمكن أن يقال بناء على تأثير التجري في جعل غير الواقع بمنزلة الواقع بجواز التفسيق في الصورة اولى منهما بأن يقال ان علة جعل الشارع فعل الكبيرة مفسقا كونها كاشفة عن قلة المبالات والاكتراث في الدين فإذا صار هذا المعنى مكشوفا بالتجري يجب الحكم بفسق المتجري وإن لم يكن اعلا للكبيرة بحسب الواقع فيجوز للغير حينئذ تفسيقه وإن لم يكن فاعلا للكبيرة باعتقاده ويمكن أن يقال بناء على هذا بعدم جواز التفسيق في الصورة الثانية منهما حيث ان الفاعل لما اعتقد كونها غيرة يفعلها برجاء كونها مكفرة بالاجتناب عن الكبيرة فلا قلة مبالات فيه حتى يحكم بفسق فاعله فيصير لحكم بالتفسيق على هذا تابعا لاعتقاد الفاعل مطلقا لكن هذا المبنى غير ثابت عندنا فإنا لا نقول بتأثير التجري في فعل المتجرى به بأن يجعله كالواقع فلا بد أن يراعى حينئذ ما ذكرنا من مقتضى لقاعدة ن كون الحكم بالتفسيق دايرا مدار اعتقاد الحاكم اللغوي الاعم من القاضي والشاهد هذه خلاصة ما ذكره لاستاد العلامة في التفصي عن الاشكال الذي أورده على الجماعة وقد استقر به أيضا دامت افادته ولا يخلو عن قرب.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول ان الحق موافقا للمشهور هو عدم كفاية الاطلاق في الجرح بل يشترط فيه ذكر السبب لنا على ذلك عدم قيام الدليل على وجوب تصديق لشاهد في المقام بقول مطلق وجعل ما أخبر به واقعا وترتيب آثار الواقع عليه ونفي احتمال الكذب عنه كذلك من حيث رجوع اخباره إلى
الاخبار عن امر اجتهادي حدسي من حيث اختلاف المذاهب فيما يوجب الفسق ولا دليل لنا يدل على وجوب صديق العادل في هذا النحو من الاخبار.
توضيح ذلك ان العادل إذا أخبر عن شئ إما أن يخبر عنه عن حس وهذا مما دلت الادلة الدالة على حجية خبر العادل على وجوب تصديقه في ذلك وجعل ما خبر به كالواقع وهذا مما لا إشكال فيه وإما أن يخبر عنه عن حدس واجتهاد ورأي وهذا على قسمين احدهما أن يكون ما أخبر عنه نفس الحكم الشرعي كالاخبار عن الحرمة والوجوب وغيرهما من لاحكام كأخبار المجتهد عما أدى إليه رأيه في الاحكام الشرعية وهذا مما قام الاجماع على عدم وجوب تصديق العادل فيه إلا في حق من كان مقلدا له ومن هذا القسم الشهادة على وقوع الرضاع لمحرم فإنه لا يجوز تصديق الشاهد فيه لاحد إلا من كان يقلده لو كان مجتهدا ثانيهما أن يكون ما أخبر به الموضوع الذي تعلق به الحكم الشرعي ولكن كان طريق ثبوته مختلفا فيه بحسب اعتقاد لمجتهدين كما فيما نحن فيه وهذا هو محل الكلام الذي ذهب المشهور فيه إلى عدم وجوب التصديق.
فنقول تنقيحا للمقام وتوضيحا للمرام ان معنى وجوب تصديق العادل في قضية هو جعله صادقا في اصل نسبة المحمول إلى الموضوع وجعل اخباره عن وقوع النسبة بين الموضوع والمحمول بمنزلة لواقع كما لو علمنا بوقوع النسبة فإذا أخبر عن موت زيد نصدقه في نسبة ما أراد من الموت إلى ما أراد من لفظ زيد ونحكم بما أراد من لفظ موت محمول على ما أراد من لفظ زيد واقعا وأما تصديقه ي أطراف القضية وان الذي أراد من لفظ يد أو الموت مثلا هو كذلك واقعا فلا يدل عليه ما دل على وجوب تصديقه في قضية مات زيد لان معنى تصديقه في تلك القضية حسبما عرفت هو الحكم بكون ا أراد من لفظ المحمول واعتقد ثابتا لما أراد من لفظ الموضوع وهذا ليس من جهة كون الاعتقاد له مدخلا في وضع اللفظ كما توهم ولا من جهة كون المخبر إنما يخبر عن معتقده بأن يكون الاعتقاد زء للمخبر به كما توهم لما قد حققنا في محله من كون الالفاظ أسامي للمعاني النفس الامرية وكون الاعتقاد بالنسبة إليها طريقا محضا وظرفا للنسبة ومرآتا لها من غير أن يكون له مدخل في أصل طراف - القضية بل لما قد عرفت من عدم دلالة ما دل على تصديق العادل على أزيد من ذلك بل لو حمل لفظ الموضوع والمحمول على خلاف ما أراد منهما لكان تكذيبا له وافتراء عليه لا تصديقا مثلا ذا أخبر عادل بأنه قتل زيد وعلمنا بأن مراده من القتل الضرب فلا يجوز لنا حمله على القتل بمعنى ازهاق الروح لانه ليس من مقتضى ما دل على تصديق العادل في شئ بل هو خلاف مقتضاه.
وإن أريد إثبات وجوب تصديقه في اطراف القضية من جهة انحلالها إلى قضاياء متعددة وأخبار متكثرة إن الاخبار عن موت زيد يلزمه الاخبار عن الموت وعن زيد فيلاحظ أدلة التصديق بالنسبة إلى القضايا لموجودة فيها بالالتزام لا من جهة ما دل على تصديق المخبر عن وقوع النسبة في القضية فإذا يلزم حمل ما أراده من اللفظ على الواقع وترتيب آثار الواقع عليه.
ففيه ان الدليل على وجوب تصديقه في ذلك لا يخلو إما أن يكون ما دل على نفي احتمال الكذب الواقع عن العادل وجعل ما أخبر به بمنزلة لواقع وإما أن يكون ما دل على وجوب حمل كلام كل متكلم على معناه - الحقيقي ما لم يثبت خلافه.
أما الاول فقد عرفت أنه لا دليل يدل على وجوب تصديق العادل ونفي احتمال الكذب عنه في اخباره الحدسية والاجتهادية لما قد عرفت من أن مفاد أدلة وجوب تصديق العادل هو نفي الكذب عنه من
حيث تعمده فيه وأما نفيه من جهة خطئه واجتهاده فلم يدل عليه ما دل على نفي احتمال الكذب عنه فإن كان هناك ما يدل على نفي هذا الاحتمال عنه نأخذ بخبره كما في الحسيات فإن بناء العقلاء لى عدم الاعتناء باحتمال الخطأ والاشتباه فيها من حيث ملاحظة قلة وقوع الخطأ فيها وإن لم يكن هناك ما ينفي هذا الاحتمال كما في الحدسيات حيث ان بناء العقلاء على عدم التمسك فيها بأصالة عدم لخطأ والاشتباه فلا نأخذ به.
وأما الثاني فمن المعلوم ان من استعمل لفظا في معنى باعتقاده كونه هو الموضوع له أو مصداقه وإن علم بخطئه في هذا الاعتقاد لم يكن هذا الاستعمال استعمالا مجازيا حتى دفع بأصالة الحقيقة وأصالة عدم القرينة فإنه إذا استعمل أحد لفظ زيد في عمر وبإعتقاد كونه هو الموضوع له لم يكن هذا الاستعمال مجازيا فيه (منه خ) فإنه إنما استعمل اللفظ فيما وضع له غاية لامر انه اخطأ في كون هذا هو ومن المعلوم ان هذا لا يوجب تجوزا في اللفظ بل قد ذكرنا في الاصول ان استعمال اللفظ في الحقيقة الادعائية مع القطع بكونها غير الموضوع له حقيقة فضلا عن لحقيقة الاعتقادية وهذا أمر واضح لا سترة فيه بعد التأمل في الاستعمالات.
فإن قلت لو كان البناء على وجوب التفسير في المقام وأشباهه ولم يقبل الشهادة إلا مفصلة من حيث رجوعها إلى الاخبار ن الحدس والاجتهاد فلا يجوز قبولها إلا مع ذكر المستند حتى يعلم الموافقة فيعمل بها لوجب التفسير في ثير من الموارد كما في الشهادة على الملكية والزوجية والنجاسة وأشباهها حيث انها أيضا مما اختلف المذاهب في اسبابها وموجباتها ومن المعلوم لكل جاهل فضلا عن عالم انه لم يقل أحد بوجوب التفسير يها بل بنائهم على سماع الشهادة فيها مطلقة فكيشف هذا كله عن ان ما دل على وجوب تصديق العادل لا يفرق فيه بين ما إذا أخبر عن حس أو حدس فيدل على وجوب حمل اخبار العادل عن هذه لاشياء على ما هو كذلك في الواقع حتى يثمر في حق غيره أيضا.
قلت أما مسألة الملكية والزوجية وأمثالهما فليس بنائهم على قبول الشهادة فيها مطلقة من جهة مجرد الامر بتصديق العادل حتى ستكشف منه كون أدلة تصديق العادل عامة من حيث اخباره عن الحس والحدس بل إنما هو بانضمام أصالة الصحة في تلك الامور وهذا خارج عن محل الفرض فإن كلامنا فيما إذا لم يكن هناك أصل حرز الواقع به ومعلوم ان أصالة الصحة في الامور المذكورة من الاصول التي يحرز بها الصحة الواقعية حتى عند الحامل حسبما هو عليه بناء المشهور المنصور خلافا لبعض المتأخرين حيث انه هب إلى أن غاية ما دل على اعتبار أصالة الصحة هي الصحة عند الفاعل لا عند الحامل فبأصالة الصحة في المشهور يحرز الحاكم كون السبب الواقع في الخارج كالبيع والنكاح هو السبب الواقعي تى عنده أو كون المسبب وهي الملكية مثلا هو المسبب الواقعي الذي يكون جميع الناس مأمورا بترتيب الاثر عليه فيصير حال هذا الاصل في المقام حال أصالة عدم الخطأ الجارية في الاخبار عن لمحسوسات والحاصل ان كلامنا في المقام في أنه هل يجوز التمسك بما دل على وجوب تصديق العادل لوجوب تصديقه في الحدسيات والاجتهاديات ونفي احتمال الكذب عن خبره بها أم لا وهذا لا خل له بما لو كان هناك أصل موضوعي تعبدي أمرنا بالاخذ به.
ومما ذكرنا تعرف فساد ما ذكره جمع من الاعلام دليلا للقول بكفاية الاطلاق في الجرح من وجوب حمل أخبار العادل على الواقع وإن ان رأيه مخالفا لرأي الحامل ما لم يعلم الاستناد إليه وإلا لوجب القول بعدم كفاية الاطلاق واشتراط التفصيل في كثير من الموارد كما في الملكية والزوجية ونحوهما مما اختلف لاصحاب في أسبابها مع ن بناء المشهور بل الكل على عدم وجوب التفسير فيها فهذا يدل على أن ما دل على وجوب تصديق
العادل وحمل ما أخبر عنه على الواقع لا يفرق فيه بين الحسيات والحدسيات نعم لو علم انه استند في اخباره إلى ما لا يعلم غيره سببا لم يجب على الغير تصديقه في ذلك.
توضيح الفساد ان بناء المشهور على قبول الشهادة في الامور المذكورة على الاطلاق ليس مبنيا على شمول ما دل على جوب تصديق العادل للحدسيات حتى يرد عليهم بعدم الفرق بينها وبين الشهادة على الجرح بل انما هو مبني على ما ذكرنا من أصالة الصحة.
فإن قلت سلمنا كون المدرك في حكمهم بالقبول في الامور المذكورة على الاطلاق هي أصالة الصحة لا مجرد اخبار العادل لكن نقول انه ما المانع من اجرائها ي المقام فإنه كما انا مأمورون بحمل أفعال المسلمين على الصحة كذلك مأمورون بحمل أقوالهم واعتقاداتهم على الصحة ما لم يعلم خلافها فإذا أخبر العادل بأن زيدا اسق و شككنا في أن إخباره هذا ل هو مستند إلى اعتقاد فاسد مخالف لاعتقاد المخبر له أو مستند إلى اعتقاد صحيح موافق لاعتقاد المخبر له فبحكم أصالة الصحة نحكم بكون اعتقاده صحيحا موافقا للواقع فنأخذ بخبره فلم يبق فرق ين المقامين من هذه الجهة أيضا.
قلت انه لم يقم ولم يقيموا دليلا على اعتبار أصالة الصحة بالمعنى النافع في المقام في الاقوال والاعتقادات حتى ينفى الفرق بين المقامين لان عمدة ما دل على اعتبار صالة الصحة بالمعنى المذكور هو الاجماع والسيرة و معلوم انتفائهما في المقام وأما الآيات والاخبار التي استدل بهما على الاصل المزبور فقد ذكرنا في محله انه لا دلالة لهما على وجه ينفع في المقام إن الظاهر من جميعها هو اثبات الصحة عند الفاعل وعدم سوء الظن به وهذا لا دخل له بحديث الصحة الواقعية التي كلامنا فيها هذا كله في الشهادة على الملكية ونحوها من مسببات العقود.
وأما الشهادة على النجاسة ونحوها من الاحكام المقابلة للعبادات والعقود التي ادعي الاجماع على قبول لشهادة فيها مطلقة ففيه أولا منع قيام الاجماع على ذلك كيف وجمع من الاعلام كالشهيدقدسسره على ما يظهر منه في بعض كتبه وغيره على المنع من قبول الشهادة فيها مطلقة وثانيا سلمنا قيام لاجماع والسيرة على ذلك لكنه لا يجوز التعدي منه إلى غيره لاحتمال بل ظهور أن يكون الوجه في القبول مطلقة ثمة من جهة قلة الاختلاف في النجاسات وكون الشهادة على النجاسة غالبا بل دائما إلا ا شذ وندر من جهة إحدى النجاسات العشر فتصير كأنها مما لا اختلاف فيها فلا يمكن التعدي منها إلى ا لا يكون بهذه المثابة والمرتبة هذا الذي ذكرنا كله إنما هو في الشهادة على الجرح.
وأما الشهادة على التعديل فهل تكفي مطلقة أو تحتاج إلى ذكر السبب ظاهر المشهور هو الاول وصريح ابن الجنيد و الثاني وهو أيضا مقتضى ما ذكرنا من الوجه في احتياج الشهادة على الجرح إلى ذكرالسبب لان الاختلاف فيما يوجب الفسق يسلتزم الاختلاف فيما تحصل به العدالة وترتفع به فإنه قد يرى الشاهد عل شئ معصية صغيرة فلا يضر عنده عدم ملكة تركه في حصول ملكة العدالة وفعله في رفع ملكة العدالة ويراه الحاكم كبيرة قادحة في أصل تحصيل الملكة في التقدير الاول وفي بقائها على التقدير لثاني فيجب الشهادة على التفصيل حتى يعلم الحال نعم لو شهد ان له ملكة ترك جميع المعاصي ولم يرتكب معصية أصلا لامكن القول بالكفاية إلا إذا فرض اختلافهما في أصل المعصية بحيث يرجع لى الاختلاف في الكبيرة فإنه يجب حينئذ الشهادة على التفصيل أيضا هذا.
ولم يعلم وجه فرق للمشهور يعتد به عدا ما ذكره بعض الاجلة من أن العدالة تحصل بالتحرز عن أسباب الفسق وهي ثيرة يعسر ضبطها وعدها فلا بد من سماع البينة فيها مطلقا وهذا بخلاف الفسق فإنه حصل بارتكاب كبيرة واحدة وما ذكره بعض أخذا من بعض الشافعية من أنه لو اكتفى بالاطلاق في الجرح كان تقليدا لجارح في الجرح لوقوع الخلاف في أسبابه بخلاف العدالة فإنه أمر وجداني لا يقبل الاختلاف بحسب الانظار هذا.
وأنت خبير بفساد هذا الوجه وشناعته أذ قد عرفت ان الاختلاف فيما يوجب الفسق يستلزم الاختلاف فيما تحصل به العدالة وترتفع به بحيث لا يعقل الانفكاك بينهما عقلا وأما الوجه لاول فإن لزم مقدار من العسر ينهض دليلا على رفع اليد عن مقتضى القواعد العامة فهو وإلا فلا يمكن الحكم به أيضا وأما أدلة ساير الاقوال فبعضها يعلم مع أجوبتها مما ذكرنا وبعضها الآخر ذكور في كتب القوم ويعلم الجواب منه ايضا عند التأمل فيما ذكرنا فلا نحتاج إلى ذكره والنقض والابرام يه هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما المقام الثاني وهو تعيين ما يعتبر من العبارة في التعديل من الاكتفاء بقوله عدل أو الاحتياج إلى انضمام لي وعلي أو أحدهما مع مقبول الشهادة فالظاهر جواز لاقتصار والاكتفاء بقوله عدل من غير احتياج إلى انضمام ما ذكر لاطلاق الادلة مع عدم الدليل على التقييد وسيجئ تمام القول في ذلك في مسألة الشهادات فانتظر لما سيتلى عليك.
قوله ولو اختلف الشهود في الجرح والتعديل الخ اقول ينبغي التعرض أولا لما أهملنا ذكره فيما سبق من بيان ما هو لمستند في الشهادة على الجرح والتعديل ثم نعقبه بالتعرض لحكم صورة اختلافهما فنقول انه لا إشكال في جواز الشهادة على الفسق والعدالة بعد العلم بهما مضافا إلى أنه لا خلاف فيه أيضا بل الاجماع نعقد عليه مع أنه لا يعقل القول بعدم اعتباره بعد قيام الدليل على جواز الشهادة على الفسق والعدالة فهل يقتصر عليه أو يتعداه إلى غيره من الظن المطلق أو المتاخم بالعلم الذي يقتضيه القاعدة الاولية ي المقامين هو الاول إلا أن الظاهر بل المقطوع لزوم العسر واختلال الاحكام وإبطال الحقوق من لزوم الاقتصار في الشهادة على العدالة على العلم لان أقوى طرق الاطلاع على ملكة العدالة هي لمعاشرة التامة ومعلوم أنها لا تفيد العلم بها غالبا بل دائما لان غاية ما يحصل منها العلم بعدم المعصية من حيث أفعال الجوارج وأما حصول العلم منها على عدم المعصية من حيث أفعال القلب لا فيلزم من الاقتصار على العلم سد باب الشهادات كما لا يخفى مضافا إلى قيام الاجماع اهرا على عدم جوب الاقتصار عليه وجواز التعدي إلى الظن وأما ما يترائى من كلماتهم من عدم جواز الاكتفاء في الشهادة على حسن الظاهر كما يظهر من عبارة المصنف أيضا فإنما مرادهم منه عدم جواز الاكتفاء ه تعبدا مع قطع النظر عن حصول الظن منه بالعدالة وبعبارة أخرى مرادهم من منع ذلك هو عدم كون سن الظاهر من الطرق التعبدية وأما عدم الاكتفاء فيما حصل الظن منه مطلقا أو الاطميناني فلم يظهر منهم ذلك.
هذا مضافا إلى دلالة كثير من الروايات على ذلك فإنها وإن وردت أكثرها في جواز العمل بالظن في العدالة في مقام العمل إلا أن جملة منها ظاهرة في جواز الاستناد إليه في مقام الشهادة أيضا راجع إليها مضافا إلى إمكان أن يقال انه بعدما ثبت جواز الاكتفاء في مقام العمل يجوز الاكتفاء به في مقام الشهادة أيضا نظرا إلى ما يستفاد من بعض الاخبار من أن كلما يجوز الاستناد إليه في مقام لعمل يجوز الاستناد إليه في مقام الشهادة كما في رواية الحفص فإنها وإن وردت في خصوص الشهادة من جهة اليد وإثبات الملازمة بين حجيتها في مقام العمل وحجيتها في مقام لشهادة لكن
يمكن استفادة الملازمة منها بين هذين المعنيين بقول مطلق وفي جميع المقامات هذا كله في الشهادة على العدالة وأما الشهادة على الفسق فلا بد من استناد الشاهد فيها على العلم ولا يكفي فيها لظن مطلقا لعدم وجود ما يخرج به عن مقتضى القاعدة الاولية فيها كما لا يخفى.
ثم انه هل يكفي الاستناد إلى مطلق الظن في الشهادة على العدالة أو لا يكفي إلا الاطميناني منه وجهان من كون الثاني و القدر المتيقن بعد التنزل عن العلم وكونه مقتضى جملة من الروايات الواردة بلفظ المأمون والثقة المقيدة لما دل باطلاقه على جواز الاكتفاء بالظن مطلقا ومن استلزام الاقتصار عليه أيضا العسر الحرج وإبطال الحقوق كثير أما المنفية بالادلة مضافا إلى إطلاق كثير من الروايات فإن ثبت ما ذكر من لزوم الحرج وإبطال الحقوق فهو وإلا فلا بد من الاقتصار على خصوص الظن الاطميناني لما قد رفت من عدم معارضة ما دل على الاكتفاء بالظن المطلق لما دل على لزوم الاقتصار بخصوص الاطميناني.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما كنا فيه من بيان حكم صور اختلاف البينتين في الجرح والتعديل فنقول ان الكلام فيها في مقامين أحدهما في بيان حكمها إذا لوحظتا مطلقتين مع قطع النظر ن انضمام الزيادة والخصوصية ثانيهما في بيان حكمها بملاحظة انضمام الزيادة.
أما المقام الاول فالحق فيه وفاقا للاكثر هو لزوم تقديم بينة الجرح لانها تدعي ما لا ينفيه بينة التعديل ولا تعرض لها نفيه أصلا بل هي ساكتة عنه ويجب تقديمها لانه لا تعارض بينهما حقيقة.
توضيح ذلك ان كلا من بينة الجرح والتعديل ناطق بشئ وساكت عما نطق به الاخرى فيجب أخذ كل منهما وتصديقه فيما نطق ه ورفع اليد عما سكت بما نطق به الاخرى تصديقا لهما وعملا بهما من دون تصرف فيهما بيان ذلك ان قول بينة المعدل فلان عادل ناطق في أن له مكلة اجتناب الكباير وساكت عن عدم صدور الكبيرة نه فيكون طريقه إلى عدم صدور المعصية الاصل أي أصالة عدم صدور المعصية أو علمه بعدم دور المعصية عنه أو علمه بصدورها عنه وعلمه بتوبته أيضا فيكون كل من هذه محتملا من كلامه من ير دلالته على خصوص أحدها وقول بينة المفسق فلان فاسق ناطق بالنسبة إلى صدور الكبيرة عنه وساكت عن علمه بعدم الملكة له و عن عدم علمه بالتوبة أو علمه بعدمها فنأخذ بكل منهما بالنسبة إلى ا نطقت به فنقول ان له ملكة وصدر الكبيرة عنه أيضا.
فإن قلت كما تقول يرفع اليد عن قوله عدل من جهة احتمال اتكاله في ذلك على احراز الملكة و أصالة عدم الفسق بقوله فلان فاسق من حيث راحته في الاطلاع على المعصية فيكون قوله دليلا بالنسبة إلى قول المعدل وهو أصل بالنسبة إليه فيرفع اليد عنه به كذلك نقول يرفع اليد عن قول الجارح فلان فاسق من جهة احتمال اتكاله في ذلك لى احراز المعصية واصالة عدم التوبة مع عدم العلم بها بقوله فلان عادل من حيث كونه دليلا النسبة إليه فلا دليل على ترجيح احدهما على الآخر.
قلت لا يمكن رفع اليد عن أصالة عدم التوبة التي تكون مستندة لقوله فلان فاسق بقول المعدل فلان عادل لعدم صراحته بل ولا ظهوره حسبما هو المفروض ي الاطلاع على الفسق والتوبة حتى يصير دليلا بالنسبة إلى أصالة عدم التوبة التي هي المستندة للجارح لانه كما يحتمل أن يكون مستنده ذلك يحتمل أن يكون هو الاطلاع على الملكة مع عدم لاطلاع بالمعصية وهذا بخلاف قول الجارح فإنه صريح فيما هو الرافع لاصالة
عدم المعصية والحاصل ان مقتضى أدلة وجوب تصديق البينة العادلة مطلقا هو العمل بما ذكرنا.
فإن قلت العمل بأدلة وجوب تصديق العادل في كل من البينتين إن كان منحصرا فيما ذكرته لوجوب المصير إليه بمقتضى عموم الادلة لكنا نقول انه كما يمكن تصديقهما على النحو المذكور ذلك يمكن تصديقهما بتقديم بينة التعديل بأن يحمل قوله فلان فاسق على العلم بالمعصية وعدم العلم بالتوبة يحمل قوله فلان عادل على الاطلاع على التوبة فما وجه تعين ما ذكرته.
قلت ليس الوجه فيما ذكرنا هو حصول تصديق البينتين به كيف ما اتفق حتى يعارض بحصوله في عكسه أيضا بل الوجه فيه صوله مع قابلية الكلام له فإن المفروض ان قوله فلان فاسق صريح في صدور الكبيرة منه فيصح رافعا لما هو المستند لبينة التعديل بخلاف قوله فلان عدل فإنه ليس صريحا في حصول التوبة منه بعد لمعصية كما هو المفروض والحاصل ان الحاصل من قوله فلان عادل هي العدالة الظاهرية والحاصل من قوله فلان اسق هو كونه غير عادل بحسب الواقع ومعلوم أنه لا تنافي بين العدالة الظاهرية الفسق الواقعي كما انه لا تنافي بين الطهارة الظاهرية والنجاسة الواقعية فيما إذا قامت البينة عليهما بحيث لمنا كون البينة على الطهارة من باب الاصل فيصير قول الجارح هو فاسق حينئذ بالنسبة إلى قول المعدل هو عادل من قبيل الدليل بالنسبة إلى الاصل فيظهر مما ذكرنا ان هذا ليس طرحا لقول المعدل واسطة الاخذ بقول الجارح لان رفع اليد عن الاصل بعد قيام الدليل على خلافه ليس طرحا له كما لا يخفى ويظهر منه أيضا ان الجمع فيما نحن فيه ليس من قبيل الجمع بين الروايتين المتعارضتين بجعل ل واحدة منهما قرينة للتصرف في دلالة الاخرى وبيان المراد منها حتى يقال انه لا دليل على هذا الجمع فيما نحن فيه بل لا يعقل من حيث عدم إمكان أن يصير كلام متكلم قرينة للمراد من كلام متكلم خر لان مرجع الجمع فيما نحن فيه حسبما عرفته إلى العمل بأدلة حجية البينة في كل منهما.
فإن قلت ان ما ذكرته من كون قول الجارح من قبيل الدليل بالنسبة إلى قول المعدل إنما هو فيما إذا علم كون ستند المعدل في التعديل هو الاصل إما بالتنصيص عليه أو من جهة كونه القدر المتيقن مع الاطلاق ومعلوم ان الامر فيما نحن فيه ليس كذلك أما عدم التنصيص عليه فلانه المفروض وأما عدم كونه لقدر المتيقن من كلام المعدل فلعدم كونه مع باقي الاحتمالات من قبيل الاقل والاكثر بل هو متباين مع كل نهما فكما يحتمل استناد المعدل إلى الاصل كذلك يحتمل استناده إلى الاطلاع على التوبة مع العلم بالفسق فلم يعلم كون مستند المعدل هو الاصل حتى يقال ان قول الجارح دليل بالنسبة إليه.
قلت لسنا ندعي كون مستند المعدل هو خصوص الاصل حتى يرد علينا ما ذكرت بل ندعي كون أدلة التصديق النسبة إلى قول الجارح غير معارضة بشئ فيجب العمل بها لاحتمال استناد المعدل إلى الاصل لا الاطلاع على لتوبة وكونها بالنسبة إلى بينة المعدل معارضة ببينة الجارح فلا يجب العمل عليها تأمل.
وإلى ما ذكرنا يرجع ما ذكره الاصحاب وجها لتقديم بينة الجرح من كونها مثبتة وبينة التعديل نافية أو كونها تدعي شيئا خفي على بينة التعديل أو كون مستندها الاحساس وكون مستند بينة التعديل لاصل إلى غير ذلك وهذا أيضا مراد من ادعى الاجماع على تقديم بينة الجرح كما حكاه الاستاد العلامة دام ظله عن بعض فإن مراده من قيام الاجماع على التقديم هو ما إذا لوحظتا مجردتين عن لزيادة فلا يرد عليه إيراد من أورد عليه بأنه قد تقدم بينة التعديل كما إذا ادعت خصوصية مخفية على بينة الجرح فتلخص مما ذكرنا انه لا تعارض ولا تكاذب بين البينتين في تلك الصورة أصلا بل قابلهما من قبيل تقابل الاصل والدليل الذي ليس بتقابل أيضا حقيقة.
لكنه قد يستفاد من بعض الاصحاب ثبوت التعارض والتكاذب بينهما في تلك الصورة لكنه رجح بينة الجرح على بينة التعديل من حيث كون مستند الاولى قطعيا والثانية ظنيا كما رجح الرواية المعلوم صدورها عن الامام إما بالسماع أو بغيره على غيرها في صوره التعارض.
وفيه أولا انه لا دليل على الترجيح في المقام بعد فرض التعارض أصلا كما سيجئ مفصلا وقياسه على تعارض الاخبار قياس محض وثانيا سلمنا ثبوت الترجيح في المقام أيضا لكنه إنما يصح إذا قلنا كون اعتبار الاصل من باب الظن لان الظان بأن فلانا لم يزن مثلا مكذب من يدعي أنه زنى فيرجع إلى التعارض وأما إذا قلنا بكون اعتباره من باب التعبد كما هو الحق فليس هنا تعارض ولا ظن حتى رجح القطع به لانك قد عرفت أن العدالة الظاهرية الحاصلة من التعبد (التعديل خ) بالاصل لا يعارض الفسق الواقعي وثالثا سلمنا كون اعتباره من باب الظن أيضا وكون مستند بينة التعديل ظنيا كن نقول ان هذا القسم من الظن أيضا كالاصل لا يقاوم الدليل الآخر ان كل ما يعتبر من باب الظن ليس مما يقبل المعارضة مع غيره من الادلة الاجتهادية.
بيان ذلك على سبيل الاجمال ان الامارات المعتبرة من باب الظن على ثلاثة أقسام أحدها ما أخذ في افادته للظن عدم قيام الدليل على خلافه كما ي الاستصحاب والغلبة وأشباههما ولهذا أخذ العضدى في افادة لاستصحاب للظن عدم قيام الدليل على خلافه ثانيها ما اعتبر في أصل تحقق ذاته وموضوعه عدم قيام الدليل على خلافه كما في عدم الدليل ليل العدم وعدم الوجدان دليل عدم الوجود ثالثها ما لا يعتبر في إفادته الظن ولا في موضوعه عدم قيام الدليل على خلافه ولازم الاولين خصوصا الثاني عدم المعارضة مع ما لم يكن من جنسهما يكون حكمهما بالنسبة إليه حكم الاصل بالنسبة إلى الدليل وما نحن فيه من قبيل الثاني لان مستند المعدل هو لظن الناشئ من عدم الوجدان مع المعاشرة ومعلوم انه مما لا يمكن أن يعارض الدليل فتبين مما ذكرنا انه لا فرق في عدم معارضة قول المعدل مع قول الجارح بين أن نقول بكون مستنده ظنا أو صلا تعبديا نعم لو قيل ان مستند المعدل هو الظن الناشئ عن الملكة لامكن الفرق بينهما لكنه فاسد جدا لان الملكة بنفسها ليس مما توجب الظن بل إنما توجبه بضميمة أصالة عدم الفسق فتأمل.
نعم هنا إشكال يرد على ما ذكرنا ينبغي التعرض له ولدفعه وهو ان ما ذكرنا من كون الدليل مقدما على لاصل إنما هو إذا لوحظا ووجدا في حق شخص واحد وأما إذا لوحظا في حق شخصين فلا وجه لما ذكر من التقديم فمستند المعدل وإن كان أصلا إلا أنه لا يعقل دفعه بالدليل الموجود عند الجارح هذه النسبة إلى المعدل والجارح وأما بالنسبة إلى غيرهما المأمور بتصديقهما فإنما هو مأمور بتصديقهما وترتيب آثار الواقع على خبرهما لانك قد عرفت ان معنى تصديق العادل في خبره هو ترتيب آثار لواقع على خبره وفرض المخبر به واقعا لا الحكم بتصديق المخبر وعدم تكذيبه حتى لا ينافي في عدم ترتيب آثار الواقع على خبره ومعلوم انه لا يمكن الجمع بين آثار العدالة على قول المعدل فلان دل وآثار الفسق وعدم العدالة على قول الجارح هو فاسق فهما متكاذبان في حق الحاكم بعد ملاحظة أدلة تصديقهما إذ لا دخل لها بملاحظة مستند المخبر والسلوك على منواله حتى يقال بعدم التنافي بين لقولين في المقام بل إنما المفهوم منها هو ترتيب آثار الواقع على اخبار العادل وإن كان مستنده أصلا فمسألة حديث المستند لا دخل لها في المقام فالحاكم بحكم أدلة تصديق المعدل محكوم بالحكم بالعدالة لظاهرية وترتيب الآثار عليها ومعلوم انه لا يجامع كونه محكوما بترتيب آثار الفسق على قول الجارح فيتكذبان و
يتعارضان لا أنه محكوم بالحكم ظاهرا بالعدالة حتى لا ينافي كونه محكوما بالحكم واقعا على الفسق وبينهما فرق واضح وأدلة لتصديق إنما تدل على الاول لا على الثاني.
والحاصل ان العدالة الظاهرية بنفسها وإن لم تكن منافية للفسق الواقعي كالطهارة الظاهرية مع النجاسة الواقعية إلا أن الحكم على طبق العدالة الظاهرية ترتيب الاثر عليها الذي هو مقتضى أدلة تصديق المخبر بها ينافي قطعا الحكم بمقتضى الفسق الواقعي وترتيب الاثر عليه كما هو مقتضى ما دل على تصديق الجارح في جرحه نعم لو كان مفاد أدلة صديق المخبر بالعدالة ظاهرا الحكم ظاهرا بالعدالة على حسب اخباره لارتفع بمجرد قيام الدليل على الحكم واقعا بالفسق لكن ليس هذا مفاد ما دل على تصديق المخبر بالحكم الظاهري بل مفاده هو رتيب الاثر الشرعي واقعا على هذا الامر الظاهري فالمخبر به وإن كان أمرا ظاهريا إلا أن الحكم بثبوته و ترتيب الاثر عليه ليس ظاهريا وبعبارة أوضح ان التكاذب الذي يتصور في المقام ويدعى لمدعى انما هو بالنسبة إلى الحاكم من جهة عدم إمكان جمعه بين ما دل على تصديق المعدل وما دل على صديق الجارح وقد عرفت انه لا يمكن الجمع بين مقتضاهما فيتكاذبان بالنسبة إليه هذا محصل ما أفاده الاستاد العلامة دام ظله من الاشكال على ما ذكروه من كون مستند المعدل أمرا ظاهريا فلا عارض قوله قول الجارح لكون مستنده دليلا بالنسبة إليه.
ويمكن الجواب عنه حسبما ذكره الاستاد أيضا بأن مفاد ما دل على تصديق المخبر هو الحكم بثبوت ما أخبر عنه على حسب ثبوته عنده معنى فرض المخبر له نفسه المخبر فالمعدل إذا أخبر عن العدالة الظاهرية فمعنى تصديقه في ذلك الاخبار و الحكم ظاهرا بثبوت العدالة لا الحكم بثبوتها واقعا لان المفروض انه لم يخبر بها كذلك فصغرى ما دل على وجوب تصديق المخبر غير موجودة بالنسبة إلى العدالة الواقعية فإذا كان مفاد أدلة تصديق لمعدل هو ما ذكرنا فكما أنه إذا قام دليل عنده على صدور الفسق والكبيرة عمن اخبر بعدالته يجب عليه رفع اليد عن مقتضى مستنده وترتيب آثار الفسق عليه من حيث ارتفاع موضوع مستنده بقيام لدليل على خلافه فكذا من أمر بتصديقه في ذلك الاخبار يجب عليه رفع اليد عن مقتضاه بعد قيام الدليل على خلافه والحاصل ان ما دل على وجوب تصديق المخبر لا يجعل المخبر له أولى من لمخبر وأقوى منه في العمل بخبره واعتقاده وإلا زم زيادة الفرع على الاصل فالحاكم مأمور بان يجعل مستند كل من المخبر بالعدالة والفسق مستندة فيعامل معهما معاملة ما لو اطلع عليهما فكما انه ذا اعتقد بعدالة شخص من جهة علمه بثبوت الملكة له وعدم علمه بفسقه فينتفي بالاصل ثم علم بصدور الكبيرة عنه يرفع اليد عن الاصل من حيث ارتفاع موضوعه فكذا ما لو صار مأمورا تصديق المخبر عن العدالة على النحو المذكور والمخبر عن الفسق على النحو المزبور فالاصل والدليل وإن م يوجدا في حق الحاكم حقيقة إلا أنه (انهما خ) وجدا عنده حكما هذا ملخص ما ذكره الاستاد في لتفصي عن الاشكال المذكور وعليك بالتأمل فيه وفي دقته وجودته فإنه حقيق بأن يكتب بالنور على جباه لحور فجزاه الله عنا وعن الاسلام خيرا هذا.
ثم انك بما ذكرنا تقدر على رد من أورد على الشهيد في المسالك وغيره في غيره حيث ذهبا إلى تقديم بينة الجرح في صورة الاطلاق بما يرجع حاصله إلى ا ذكرنا بان كلا من المعدل والجارح يخبر عن أمر اقعي مناف لما يخبر به الآخر فيتكاذبان فيجب اما لحكم بالتوقف مطلقا أو بعد فقد المرجحات لانك قد عرفت ان المخبر عن العدالة لم يخبر إلا عن العدالة الظاهرية التي لا يمكن أن تعارض الفسق الواقعي وعلى رد ما ذكره
شيخنا الاستاد أعلى الله مقامه من أن الوجه في تقديم بينة الجرح على التعديل من جهة قوة الظن في طرف بينة الجرح من جهة الغلبة في أغلب الموارد يكون مستند المعدل الاصل لانه لا يمكن لاطلاع غالبا على عدم المعصية فإنه لا دليل على اعتبار الغلبة المذكورة بعد ما كان الوجه في التقديم هو استناد بينة التعديل على الاصل نعم يمكن ان يدعى عدم إمكان العلم بعدم المعصية حتى بالنسبة لى المعاصي الباطنة الخفية فلا أقل من احراز عدم بعض المعاصي بالاصل وهذا يكفى فتأمل هذا مجمل القول فيما ذكره الاستاد في تلك الصورة دليلا وإيرادا وجوابا.
ولكن للقاصر فيه إشكال قد عرفت الاشارة إليه في طي بعض ما ذكرنا من ان قلت قلت ومحصله ان هذا الكلام كله إنما يصح إذا لم استناد المعدل في نفي المعصية بالاصل كما إذا صرح به وأما إذا لم يعلم ذلك بل كان احتمال استناده إلى الاصل مثل احتمال استناده إلى العلم بعدم المعصية أو العلم بها مع العلم بالتوبة غير اهر من اللفظ فلا يصح ما ذكروه في وجه التقديم لانه لم يعلم استناده إلى الاصل حتى يقال بكون قول لمعدل أصلا و قول الجارح دليلا بالنسبة إليه ودعوى كون الاستناد إليه معلوما على كل تقدير وقدرا متيقنا على أي فرض مجازفة بينة لان حتمال الاستناد إلى الاصل مع ساير الاحتمالات ليسا من قبيل لاقل والاكثر بل من قبيل المتباينين كما لا يخفى ومن هنا التجاء شخينا المتقدم ذكره طيب الله رمسه إلى ما ذكره من الغلبة في صورة الاطلاق وفرض ما ذكره القوم من كون مستند المعدل الاصل في ورة التصريح به.
فالاولى أن يقال في وجه تقديم بينة الجرح على التعديل بما عرفت في طي كلماتنا من كون أدلة التصديق بالنسبة إلى بينة الجرح خالية عن المعارض لانه ليس في المقام إلا بينة لتعديل والمفروض انها إنما يعارضها أو يرفعها على تقدير والمفروض الجهل به بخلاف بينة المعدل فإن لمعارض لها والمانع عن قبولها وهي بينة الجارح موجود فإن المفروض انها تدعي ما يرفع العدالة الواقعية فلا يمكن اجراء أدلة التصديق بالنسبة إليها.
ثم إن ما ذكرنا في المقام يجري في كل ما علم استناد أحد الشاهدين بالاصل والآخر بالدليل كما في - الشهادة على انحصار الوارث او عدم الولد أو لطهارة إذا علم استناد الشاهد فيها إلى الاصل إلى غير ذلك فإنه حكم في جميع الموارد بتقديم قول من يدعي خلاف الاصل من جهة ما ذكر لكن الامر في بعض الموارد أوضح وهو كل مورد كان نفس لشك فيه موجبا لاجراء الاصل من غير احتياج إلى أمر زائد عليه كما في مسألة الشهادة على الطهارة فإنه إذا علم استناد الشاهد فيه إلى الاصل لاريب في تقديم قول من يدعي النجاسة فإنه لم حدث من قول الشاهد للمخبر له شئ يعارض قول المخبر بالنجاسة بل يمكن أن يقال انه لا معنى لاجراء أدلة التصديق في المقام لان المفروض انه ليس للشاهد مزية على غيره فليس للمخبر له إلا لاصل الذي يجب عليه رفع اليد عنه بمقتضى قول من يخبر بالنجاسة وهذا بخلاف مسألة الشهادة على العدالة والانحصار فإنها محتاجة إلى أمر زائد عن الاصل من احراز ملكة كما في الاول أو حص كما في الثاني فإنه لا بد فيها من التمسك بما ذكرنا هذه فذلكة الكلام في المقام لاول وقد عرفت ما ينبغي اختياره في هذا المقام مطلبا ودليلا.
وأما المقام الثاني وهو ما لو لم يكن شهادتهما على الجرح والتعديل مطلقتين فالكلام فيه أيضا يقع في مقامين.
أحدهما ما لو لم يرجع شهادتهما بهما إلى التكاذب والتعارض كما لو شهد الجارح بصدور الكبيرة عن زيد
مثلا مع اعترافه بعدم علمه بالتوبة عنها وشهد المعدل بعدالته مدعيا بالتوبة عنها أو شهد المعدل بعدالته مع اعترافه بعدم علمه بصدور المعصية عنه وعدمه وشهد الجارح بفسقه مدعيا علمه بصدور لمعصية عنه إلى غير ذلك من الامثلة وضابطه ادعاء أحدهما زيادة لا ينفيها الآخر والحكم فيه تقديم مدعي الزيادة لان شهادته بالنسبة إليها خالية عن المعارض فإن المفروض ان الآخر معترف بجهله ها ومعه لا يعقل التكذيب حتى يتحقق التنافي والتعارض فحينئذ قد يؤخذ بالتعديل كما في الصورة الاولى وقد يؤخذ بالجرح كما في الصورة الثانية وهذا كله مما لا إشكال فيه.
وإنما الاشكال فيما ذكره شيخ الطائفة ورئيس الفرقة الناجية مثالا لصورة تقديم التعديل على الجرح من حيث ادعاء مدعيه يادة مخفية على مدعي الجرح وهو ما لو شهد اثنان من أهل بلده بالجرح واثنان من البلد الذي انتقل إليه العدالة أو شهد اثنان ممن معه في الحضر على الجرح واثنان ممن معه في السفر على العدالة مع كونهما من بلد واحد فإنه يقدم حينئذ بينة التعديل قال وأصله النظر إلى الزيادة فيعمل عليها.
وجه الاشكال انه إن كان نصوصية كلام المعدل فيما ذكره من المثالين واشتماله على الزيادة بالنسبة إلى لام الجارح من جهة قرينة التأخر ففيه المنع من صلاحية قرينيته لما ذكر وإلا لحكم بالتوقف في صورة التقارن من حيث تساوي ظهورهما لانا قد ذكرنا في محله إن كل دليلين صار تأخر أحدهما ببا لاظهريته بالنسبة إلى لآخر لا بد من مساواتهما في الظهور في صورة التقارن وقد ذكرنا ان في ورة التقارن تقدم بينة الجرح من حيث أظهريتها ونصوصيتها بالنسبة إلى بينة التعديل وقد نقل شخينا لاستاد دام ظله العالي عنهقدسسره في المبسوط القول بترجيح بينة الجرح في صورة التقارن وإن كان من جهة اطلاع بينة البلد المنتقل إليه أو السفر على التوبة منه لم يطلع عليها بينة الجرح ففيه يضا المنع من ذلك لاحتمال كون استنادها في الشهادة على الظن بالملكة وعدم العلم بالمعصية كمايحتمل ذلك في صورة التقارن فالحق في المثالين هو الحكم بتقديم بينة الجرح لما ذكرنا في صورة الاطلاق فراجع وتأمل هذا كله في المقام الاول.
وأما المقام الثاني وهو ما لو شهد الجارح والمعدل بما يرجع إلى التكاذب كما لو شهد الجارح اني علمت بصدور الزناء من زيد مثلا في الوقت الفلاني شهد المعدل بعدم صدور الزناء منه في ذلك الوقت بل شهد انه كان مشغولا بالطاعة دون المعصية أو شهد الجارح بعدم الملكة له والمعدل بوجودها له إلى غير ذلك وضابطه ما لو شهد أحدهما بما يسلتزم في ما شهد به الآخر فيقع الكلام فيه أيضا في مقامين أحدهما في جواز الرجوع إلى المرجحات حسبما يظهر من جماعة وعدمه وثانيهما في بيان الحكم بعدما قلنا بعدم جواز الرجوع إلى المرجحات أو رض فقدها على القول بجواز الرجوع إليها.
أما المقام الاول فالحق فيه وفاقا للمحققين عدم جواز الرجوع إلى المرجحات لان الترجيح بالظن كحجيته فكما ان مقتضى الاصل الاولى عدم الثاني كذلك قتضاه عدم الاول أيضا.
وبعبارة أخرى الاتكال بالظن في ترجيح إحدى الامارتين على الاخرى وتعيين مقتضاها كالاتكال به في استنباط الحكم الشرعي منه مستقلا فكما أن مقتضى الاصل الاولى دم حجية الظن كذلك مقتضاه عدم الترجيح به لانه أيضا نوع عمل به يحكم العقل والنقل بعدم جوازه ما لم يرد الدليل به هذا فقد استوفينا الكلام في بيان الاصل المذكور في المقامين واتقانه في الاصول ي مسألة حجية الظن والتراجيح فراجع والمفروض انه لم يرد دليل على خلاف مقتضى هذا الاصل في المقام لان ما ورد من الاخبار على الترجيح بمطلق الظن أو ببعض الظنون فإنما هو في صوص الروايات المتعارضة دون مطلق لمتعارضين كما لا يخفى على من له أدنى دراية.
وأما المقام الثاني فالحق فيه هو الحكم بالتوقف والرجوع إلى الاصول بحسب المقامات دون التخيير لان ما ورد فيه من الاخبار مختص بالخبرين المتعارضين يبقى غيرهما تحت الاصل الاولى وهو التوقف نعم لو قلنا بان اعتبار البينة في المقام من باب مجرد السببية لامكن القول بأن مقتضى الاصل التخيير دون التوقف وذكرنا شطرا من الكلام في هذا المقام يضا في مسألة التعادل وعلى أي حال إذا بنينا على التوقف والرجوع إلى لاصول فإن كان مرجع تعارضهما إلى أصل الملكة وعدمها فالمرجع فيه أصالة عدمها وإن كان مرجعه إلى وجود الرافع لها هو المعصية فالمرجع فيه أصالة عدمه واستصحاب الملكة وهذا كله مما لا إشكال فيه إنما الاشكال في أنه إذا بنينا على عدم ملكة العدالة كما في الصورة الاولى فهل يقف الدعوى كما يظهر من بعض أو رجع إلى ميزان آخر كاليمين مثلا ان كان وإلا فيقف وجهان ظاهر كلماتهم هو الثاني لان مرادهم من الوقف هو التوقف من حيث الحكم بمقتضى البينة كما لو لم تكن بينة أصلا لا الوقف بقول مطلق وهذا و الحق ويظهر من كلمات بعض مشايخنا ترجيح الاول مدعيا ظهور ما دل على الحكم بغير البينة عند فقدانها في غير تلك الصورة وهو ما لم يكن هناك بينة أصلا وفيه منع الظهور كما لا يخفى.
قوله المقصد الثاني في مسائل متعلقة بالدعوى وهي خمس الاولى قال الشيخ لا تسمع الدعوى إذا انت مجهولة مثل ان يدعى فرسا أو ثوبا الخ أقول قد حكى هذا القول عن بني حمزة وزهرة وادريس الفاضل في المحكي عن تحريره وإقرار تذكرته والشهيد في الدروس ويظهر من غيرهم أيضا والمعروف بين المتأخرين هو سماعها كما في الاقرار المجهول حسبما هو ظاهر كلمة الكل.
واستدل الاولون على عدم السماع بانتفاء فائدته وهي حكم الحاكم بها لو أجاب المدعى عليه بنعم ثم اعترض لشيخ في المبسوط على نفسه بصحة الاقرار بالمجهول فلو كانت الجهالة مانعة لما سمع الاقرار معها وأجاب بالفرق بينهما فإنا لو كلفنا المقر بالتفصيل ربما رجع بخلاف المدعى فإنه لا يرجع عن لدعوى بمطالبته بالتفصيل وحاصل الفرق ان الاقرار إنما هو للغير على المقر فلو الزمناه بتفصيل ولم يسمع لاقرار منه مطلقا لادى ذلك إلى الرجوع عن الاقرار الذي اقتضى تعلق حق الغير بالمقر بمقتضى اقرار العقلاء على أنفسهم جايز وهذا بخلاف الدعوى فإن الزام المدعي بالتفصيل لا يسلتزم ذلك لكون لحق له.
واستدل المتأخرون على السماع بعموم ما دل على الحكم بالحق بالبينة والايمان وبأن المدعي ربما يعلم حقه بوجه ما كما يعلم ان له عنده فرسا أو ثوبا ولا يعلم صفتهما فلو لم يجعل الحاكم له إلى لدعوى ذريعة لبطل حقه وبمنع انتفاء فائدة السماع فإن من فائدته اقرار المدعى عليه بالمدعى فيلزم بتفسيره أو قيام البينة على التعيين أو الحكم بالقدر المتيقن إلى غير ذلك من الفوائد فإن شئت قلت ان ماع الدعوى شئ وتعيينها شئ آخر والحكم إنما يتبع الدعوى وأما تعيين الحق فهو أمر آخر هذا مجمل القول من الطرفين.
لكن تحقيق القول في المرام يقتضي بسطا في الكلام حتى يرتفع به غواشي الاوهام وينجلي به أبصار الافهام فنقول ان لنا في المقام أمورا خمسة الوصية بالمجهول والاقرار به دعوى الاول ودعوى الثاني ودعوى المجهول وعلى الاخير لا يخلو إما أن يكون المجهول كليا أو جزئيا خارجيا وعلى الاخير لا يخلو إما أن يكون باقيا أو تالفا لا إشكال بل ولا خلاف في صحة غير لاخير من الامور الخمسة لعموم أدلتها وعدم المانع منه وإنما الاشكال والخلاف في القسم الاخير منها حسبما عرفت وجود الخلاف فيه ومرجع (يرجع حاصل خ) الخلاف في
المسألة سبما ذكر الاستاد العلامة دام ظله إلى أن وجوب سماع الدعوى على الحاكم هل هو مقدمة لانقاذ حق المدعي والحكم والالزام على طرق دعواه فحيث انه تعذر في المقام لان الالزام بالمجهول من حيث و مجهول غير ممكن حسبما يعترف به الخصم أيضا فلا يجب سماعها حينئذ لارتفاع وجوب المقدمة تعذر ذيها وان ترتب عليها ثمرة أخرى أو هو مقدمة لترتب فائدة على الدعوى وإن لم تكن هو الحكم على طبقها بل فائدة أخرى غيره كالاقرار من المدعى عليه أو الاخذ بالقدر المتيقن إلى غير ذلك يجب سماعها حينئذ من حيث امكان حصول تلك الفائدة.
وحيث كان مبنى القولين في المسألة على ما ذكر فلا يبعد ترجيح الاول والذهاب إليه لان الظاهر من ادلة نصب القضاة هو كونها منصوبة لاجل فصل لخصومة بين الناس والحكم على طبق دعوى المدعى وإلزام - المدعى عليه بالخروج عن عهدة حق المدعي وأما إقرار المدعى عليه بالحق فهو ليس مما شرع له القضاء والحكم وليس سماع الدعوى اجبا على الحاكم من جهة احتمال حصوله من المدعى عليه لان المقر بنفس اقراره رفع - الخصومة ويفصل الامر وليس هو مما شرع القضاء له وأما ما يذكرونه كثيرا في كلماتهم من أن جواب المدعى ليه إما اقرار أو انكار فإن كان الاول فعليه كذا وإن كان الثاني فكذا فإنما هو تسامح منهم في المقام ليس في محله لان الاقرار من حيث اقرار ليس مما شرع له الحكم بل هو بنفسه رافع لموضوع الحكم في صورة الاقرار لا يتصور دعوى حتى يتكلم عن حكم الحاكم فيها نعم لو ادعى المقر بعد الاقرار اداء الحق وامتنع عنه وانكره المقر له فيرجع إلى دعوى أخرى لا دخل لها بدعوى أصل الحق الحاصل ان الحكم الذي هو شأن القاضي ووجب السماع مقدمة له لا بد من أن يكون فيما كان هناك دعوى وخصومة بين الشخصين أمكن الحكم والالزام على طبق الدعوى وأما مجرد ترتب فائدة على لسماع وإن لم تكن هو الالزام على طبق الدعوى فمما لم يشرع له نصب لقضاة أصلا وبعبارة أخرى أوضح وظيفة الحاكم ليست إلا استعداء المواعد ورفع الظلم والعدوان عنه بإلزام خصمه بالخروج عن قه ولهذا عنون جماعة منهم العلامة في القواعد هذا الكتاب بكتاب الاعداء والاستعداء فالذي صار سماع الدعوى واجبا لاجله هو هذا وليس وظيفته الجلوس في مجلس القضاء ليقرأ المنكر أو يسمع لدعوى لاجل أن يترتب عليه فايدة غير الزام المنكر على طبق الدعوى ومنه يظهر فساد ما ذكره شيخنا الشهيد في مسالك الافهام بعد ترجيح القول بالسماع من أن الحكم يتبع الدعوى وأما تعيين لدعوى فهو امر آخر وراء الحكم على ثبوت المدعى به توضيح الفساد انك قد عرفت ان وظيفة الحاكم ليست إلا الزام المدعى عليه بالحق واستنقاذ حق المدعى عنه والمفروض انه غير ممكن في لمقام باعتراف الخصم وأما الحكم على ثبوت الدعوى على ما هي عليه مع عدم امكان لزام - المدعى عليه بها فلم يدل عليه دليل أصلا وان احتمل اقرار المدعى عليه بالحق أو قيام البينة على التعيين انك قد عرفت ان ذلك ليس من غاية الحكم وإنما هو من فوايده الغير الموجبة لتشريعه.
ثم انك بالتأمل فيما ذكرنا تقدر الوقوف بفساد أدلة المثبتين لكن لا بأس بأن نشير إليه إجمالا حتى يصير سببا لتوضيح لمرام وتنقيح المقام وموجبا لعدم وقوع غيرهم في تلك الشهبة فنقول أما الجواب عما دل على الحكم بالبينة والايمان الشامل باطلاقه للمقام حسبما يدعيه الخصم أو الحكم بالحق بين الناس المدعى دلالته لى وجوب السماع فيما نحن فيه فهو انها (فبأنها خ) إطلاقات واردة في مقام بيان قضية مهملة لم يقصد منها إلا بيان ان البينة واليمين شرعتا لاحقاق الحق بهما في الجملة وليست هي في مقام بيان انهما في ي مورد أو في أي شئ أو في حق أي شخص فهي بالنسبة إلى الخصوصيات مجملة مهملة لا دلالة لها فيها أبدا فتأمل.
وأما الجواب عما ذكر ثانيا من أن عدم سماع الدعوى المجهولة يوجب ابطال الحقوق الواقعية كثيرا ما الذي شرع لرفعه القضاء بين الناس فبالمنع من لزوم ذلك لامكان أن جعل المدعي النزاع في المعين ولو في القدر المتيقن من دعواه ولو بأن يلقنه الحاكم ذلك لانه لا دليل على منع ذلك وحرمته على الحاكم هذا كله فيما إذا كان هناك قد متيقن وأما لو لم يكن قدر متيقن في لبين كما لو ادعى عليه عينا موجودا مرددا بين متباينين فيلاحظ القدر المتيقن بالنسبة إلى قيمة كل منهما فالمتيقن ولو من حيث القيمة في كل مورد موجود فيدعيه المدعي ويحكم عليه الحاكم ودعوى ن حق المدعي لعله كان أزيد من القدر المتيقن بحسب الواقع فيلزم ابطاله أيضا مدفوعة بأن إبطال الحقوق الواقعية أحيانا مع عدم الدليل الشرعي على احرازها حسبما هو المفروض من اختصاص أدلة لحكم بما أمكن الالزام على طبق الدعوى مما لا ضير فيه أصلا كما لايخفى.
فإن قلت ما المانع من السماع على الحاكم بعد وجود قدر متيقن يمكن الزام المنكر به وأي فرق حينئذ بين أن يعلم ادعاء لقدر المتيقن صريحا أو ضمنا.
قلت لا مانع من حكم الحاكم بالقدر المتيقن المعلوم دعواه في ضمن الدعوى المجهولة لان مرجع - الدعوى بالنسبة إليه إلى دعوى معلومة لا مانع من سماعها والحكم لى طبقها لكنه لا دخل له بسماع الدعوى المجهولة من حيث هي مجهولة كما هو محل البحث وان أريد من سماع الدعوى المجهولة هو ذلك باعتبار صيرورتها سببا لدعواه فنحن نلتزم بذلك ولم يظهر ن المنكرين انكاره أيضا هذا.
ثم ان بما ذكرنا يظهر أيضا فساد ما أورده جماعة على المنكرين من النقض بالاقرار بالمجهول أو الوصية بالمجهول أو ادعاء احدهما وقياس ما نحن فيه بتلك الموارد انك قد عرفت ان المانع من السماع في المقام هو عدم امكان الحكم على طبق المدعى فلا يجري أدلة جوب الحكم وسماع الدعوى بخلاف الامور المذكورة فإنه لا مانع من جريان أدلتها أما في الاقرار بالمجهول والوصية به فظاهر وأما في ادعاء أحدهما فلانه لا دخل له بالدعوى المجهولة لان متعلق لدعوى فيهما أمر معلوم لا جهل فيه أصلا وإنما الجهل في متعلق تعلقها كما لا يخفى فلا مانع من سماعه وثبوته بالبينة والحكم على طبقه وترتب ثمرة نفس الاقرار بالمجهول والوصية به عليه فتبين ما ذكرنا كله ان الدعوى المجهولة بما هي لما لم يمكن الحكم عليها فلا دليل على وجوب سماعها والقول بأنه يجب سماعها مقدمة للحكم بالقدر المتيقن فمع ما عرفت من أن وجوب السماع إنما هو اجل الالزام بالمدعى من حيث هو والمفروض عدم امكانه فيه انه اشبه شئ بالاكل من القفاء لانه إذا فرض ثمرة سماع الدعوى المجهولة هي الحكم بالقدر المتيقن فليجعل المدعى مورد الدعوى أولا هو لقدر المتيقن هذا كله بالنسبة إلى وجوب السماع.
وأما جوازه فلا دليل على المنع منه فمقتضى الاصل جوازه بل لا يبعد القول برجحانه من حيث موافقته للاحتياط والخروج عما افتى جماعة بوجوبه رجاء ان يترتب عليه فائدة للمدعي ولو بإقرار المدعى عليه أو قيام البينة على التعيين إلى غير ذلك من الفوائد.
فإن قلت كيف يذهب إلى جواز الاحتياط بل رجحانه في الفرض المزبور مع انه مستلزم للالزام على المدعى عليه وهو إيذاء وظلم يحرم بحكم العقل والنقل والمفروض عدم قيام الدليل على وازه فمقتضى الاصل في المقام هو الحكم بعدم جواز السماع ما لم يقم دليل عليه لا جوازه إلا إذا قام دليل على المنع حسبما هو قضية الاستدلال المذكور.
قلت قولنا بجواز السماع إنما هو فيما إذا لم يتوقف على الزام المدعى عليه وأما إذا توقف عليه فلا نقول بجوازه أيضا لما قد ذكر من الوجه القول بأن السماع مطلقا مستلزم للالزام على المدعى عليه فاسد جدا لعدم الملازمة بينهما كما لا يخفى بل في أغلب الموارد لا يتوقف عليه أصلا.
فإن قلت قولكم بعدم وجوب سماع الدعوى المجهولة في المقام ينافي ما ذكروه في المسألة السابقة من انه لو ادعى شخص ان لي على فلان دعوى ومخاصمة كان المدعى عليه حاضرا والتمس من الحاكم احضاره انه عليه احضاره وإن لم يحرر الدعوى وجه المنافات انه مع عدم تحرير الدعوى يكون الدعوى مجهولة فما وجه امتيازها عما نحن فيه.
قلت أما أولا فقد انعقد الاجماع على الحكم المذكور في المسألة السابقة بخلاف ما نحن فيه فيمكن الفرق بينهما ن تلك الجهة وأما ثانيا فنمنع كون المسألة السابقة من قبيل ما نحن فيه لان قول المدعى ان لي على فلان دعوى ليس هو بنفسه ادعاء على أحد حتى يقال بكونه مجهولا أو معلوما وإنما هو اخبار عن ن لي (له خ) دعوى على فلان غاية الامر احتمال كون هذه الدعوى المخبر بها مع عدم تحريرها كما و المفروض مجهولة وأين هذا من كون الدعوى مجهولة وأي دخل له بما نحن فيه فافهم واغتنم.
قوله ولا بد من إيراد الدعوى بصورة الجزم أقول الكلام في المسألة يقع في مقامين احدهما في تكليف لمدعى بالنسبة إلى ايراد الصيغة وانه أي شئ ثانيهما في تكليف الحاكم بالنسبة إلى الحكم وانه هل يشترط في وجوب السماع والحكم عليه أن يكون الدعوى واردة بصورة الجزم أم يكفي غيرها أيضا.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه لا إشكال بل لا خلاف بل لا يعقل الخلاف في انه يجوز للمدعي يراد الدعوى بصورة الجزم إذا كان قاطعا بثبوت المدعى وفي انه لا يجوز إذا كان قاطعا بعدم ثبوته لانه كذب وافتراء وإنما الاشكال والخلاف فيما إذا لم يكن قاطعا باحدهما لا بثبوت المدعى ولا بعدمه واء كان ظانا بأحدهما أو كان شاكا فيهما فإن المستفاد من كلام جماعة من الاصحاب هو عدم الجواز لانه كذب وتدليس وظاهر بعض جوازه أيضا والحق أن يقال انه لو قلنا بأن قول المخبر اطلب من لان مع عدم علمه بذلك بل شكه فيه كذب أو تدليس محرم كما هو ظاهر جماعة فبالحري أن نفصل في المسألة بين ما إذا كان عند المدعي امارة شرعية على الحق كاقرار من المدعى عليه أو قيام البينة نده وتوقف احرازه على ايرادها بصورة الجزم أو كان فيما يعسر الاطلاع عليه غالبا وكان في مظان وجوده بحيث لو لم يبرزها بصورة الجزم بطل حقه كثيرا ما وبين غير هاتين الصورتين فيحكم الجواز في الصورتين الاوليين من حيث وجود مصلحة مجوزة وبعدم الجواز في الصورة الاخيرة من حيث عدم وجود مصلحة مجوزة وإن لم نقل بذلك كما هو ظاهر بعض من حيث عدم علمه بكون خباره هذا مخالفا للواقع حتى يكون كذبا وعدم ترتب شئ على هذا التدليس لو كان تدليسا وعدم دليل أيضا على حرمة التدليس بقول مطلق فيحكم بالجواز حينئذ مطلقا هذا ولكن في تعيين أحد المسلكين شكال وعليك بالتأمل في تعيينه وإن كان القول الاخير لا يخلو من قوة هذا كله فيما إذا قال اطلب عن فلان الظاهر في الجزم مع عدم جزمه بحسب الواقع وأما لو قال اني أعلم أو أقطع بان لي على فلان ذا وكذا فلا إشكال في كونه كذبا لا دليل على جوازه بل الادلة لاربعة متطابقة على منعه هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما المقام الثاني وهو بيان تكليف الحاكم من حيث وجوب السماع وعدمه فتقول ان الكلام فيه يقع في موضعين احدهما في تكليفه فيما إذا أورد الدعوى بصورة الجزم ثانيهما يما إذا أوردها
على صورة غير الجزم.
أما الكلام في الموضع الاول فملخصه انه إذا أورد المدعي الدعوى بصورة الجزم فلا يخلو إما أن يكون لحاكم عالما بكونه جازما أو عالما بكونه غير جازم أو شاكا فيهما أما إن كان عالما بجزمه فلا ريب في وجوب السماع عليه وأما إن كان عالما بعدم جزمه فإن علم باتكاله على طريق شرعي مثل اقرار ن المدعى عليه أو غيره فلا ريب أيضا في وجوب السماع وإن علم بعدم استناده إلى طريق شرعى فلا إشكال في عدم جوب السماع وإن جهل الامرين فيلحق بالاخير لعدم دليل على وجوب السماع في لك الفرض وأما إن كان شاكا فيهما فيؤخذ بظاهر اللفظ ويحكم بكونه جازما فيجب عليه السماع.
وأما الكلام في الموضع الثاني فيقع في مقامين أحدهما فيما إذا علم الحاكم استناد المدعى في ذلك إلى ريق شرعي كأصل من الاصول أو اقرار أو بينة اطلع عليها إلى غير ذلك ثانيهما فيما لم يعلم ذلك سواء لم عدم استناده إليها أو جهل الامران.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه لا إشكال في وجوب السماع في تلك الصورة لاجتماع شرايط الحكم وفقد موانعه حيث انه لما كان المدعى جايزا له أخذ المال رعا فيمكن الالزام على المدعى عليه حينئذ إذ لا مانع منه أصلا لا عقلا كما في الدعوى المجهولة لفرض عينها فيما نحن فيه غاية الامر عدم جزم المدعى بها ولا شرعا لفرض جواز تصرفه في المدعى به كما لا يخفى.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول ان الحكم بوجوب السماع فيه وعدمه مبني على ما ذكرنا في - المسألة السابقة من أن الغاية لوجوب السماع هل هو رجاء ترتب فائدة عليه كاقرار من لمدعى عليه أو نحو ذلك أو غايته هو التمكن من الزام المدعى عليه على المدعى به وإيصاله إلى المدعي فإن قلنا بالاول حسبما عرفت انه ظاهر جماعة بل المعروف بين متأخري أصحابنا ولهذا ستدلوا به على وجوبه في المسألة السابقة فلا بد من القول بوجوبه فيما نحن فيه ووجهه ظاهر وإن قلنا بالثاني حسبما اخترناه على ما عرفته سابقا فلا يحكم بوجوبه في المقام كما لم يحكم بجوبه في لمسألة السابقة أيضا ووجه ذلك على تقدير ثبوت الابتناء المذكور هو انتفاء شرط الالزام على المدعى عليه بحكم الشرع وإن لم يحكم العقل بامتناعه حيث انه بعدما فرض عدم جواز تصرف المدعى في لمدعى به بحسب تكليفه الشرعي كيف يجوز شرعا إيصاله إلى المدعى وإلزام المدعى عليه على رفع ليد عنه وتسليمه بالمدعى فالمانع في الفرض وإن لم يكن موجودا عقلا إلا أنه موجود شرعا ومعلوم ن المانع الشرعي كالمانع العقلي في عدم تحقق الممنوع مع فرض وجوده فإذا فرضنا انتفاء جواز الحكم حينئذ ينتفي وجوب السماع لارتفاع وجوب المقدمة برفع وجوب ذيها لقضية التبعية المفروضة المعروفة خ) وبعبارة أخرى اخصر الحاكم انما وظيفته الزام المدعى عليه بحق المدعي وإيصاله إليه فإذا لم يجز بحسب الشرع تصرف المدعي فيما يدعيه لعدم علمه بحقيته له ولا له طريق شرعي إليه سبما هو المفروض كيف يحكم على الحاكم بوجوب السماع الذي هو مقدمة للحكم الذي هو غير واجب في المقام فالحاكم وظيفته الالزام ودفع الخصومة لا غير فلا بد من أن يجوز للمدعي أخذ لمدعى به لو فرض تسليم الخصم له والمفروض انتفائه في المقام فينتفي الحكم أيضا.
فإن قلت إذا فرضنا علم الحاكم بوجود البينة للمدعي وفرض عدم علمه بها فهل يحكم بوجوب السماع أم لا فإن لت انه يجب عليه السماع حينئذ قلنا لماذا وجب عليه السماع مع عدم جواز التصرف للمدعي بحسب لكيفه كما هو المفروض وإن قلت ان حكم الحاكم طريق للمدعي فيجوز له التصرف بعد حكمه فمع نه خلاف -
المفروض حيث انك فرضت كون حكمه تابعا لجواز تصرفه قلنا به فيما لم يكن هناك بينة وفرضنا جواز حكم الحاكم بالنكول وإن قلت نه لم يجب عليه السماع قلنا كيف لا يجب عليه مع أنه مستلزم لابطال حقه المعلوم.
قلت مرادنا بجواز تصرف المدعي وثبوت حقه هو كونه كذلك بحسب الواقع وإن لم يعلم به بحسب - الظاهر فلا قاس عليه ما لا يجوز له التصرف في المدعى به أصلا إلا بعد حكم الحاكم المتوقف عليه هذا.
وقد يستدل على اشتراط الجزم في الصيغة بوجهين آخرين أحدهما ما ذكره في مسالك الافهام من أن كل ورد يسمع فيه الدعوى لا بد من أن يترتب عليها جميع آثارها من يمين المدعي أو القضاء بالنكول وهما غير ممكنين لعدم العلم بأصل الحق وانت خبير بأن هذا الوجه لو تم فإنما هو فيما لم يكن لمدعي طريق شرعي إلى الحق ثانيهما ما ذكره في مسالك الافهام أيضا ويستفاد من كلام الماتن أيضا من أن المعهود من الدعوى هو القول الجازم فلا طابقها (يكفي خ) الظن ونحوه.
وقد يستدل أيضا على الاشتراط بعدم صدق الدعوى بدون الجزم وسيأتي ضعف ذلك إنشاء الله وقد يستدل أيضا ببعض لوجوه الضعيفة الغير الناهضة المذكورة في كتب الاصحاب الواقف عليها من نظر إليها فلا نحتاج إلى ذكرها وذكر ما فيها هذا.
وقد يستدل على عدم الاشتراط ووجوب السماع على الحاكم بما قد عرفت في المسألة السابقة من اطلاق ما دل على الحكم بالحق أو الموازين الشرعية وإن الغاية وجوب السماع ليس هو التمكن من الزام الحكم بالمدعى فعلا بل الغاية فيه هو ترتب ثمرة عليه إلى غير ذلك ما عرفت في المسألة السابقة وفيه ما عرفت من نع الاطلاق أو العموم بحيث ينفع للمقام ومن منع كون الغاية ما ذكر بل قد عرفت ان الغاية في وجوب السماع هو ما نفاه.
ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من جوب السماع فيما كان هناك طريق شرعي للمدعى وعدمه فيما لم يكن بين موارد التهمة وعدمه وغيرها خ) ولا بين ما يعسر الاطلاع عليه وعدمه (وغيره خ) والمراد بموارد التهمة ما كان هناك امارة تفيد الظن نوعا على ثبوت المدعى.
وقد فصل بعض مشايخنا في المقام بين موارد التهمة وغيرها فحكم بوجوب السماع وعدم الاشتراط في الاول وبعدم جوبه والاشتراط في الثاني حيث قال عد جملة كلام له في المقام ما هذا لفظه والتحقيق لرجوع إلى العرف في صدق الدعوى المقبولة وعدمه ولا ريب في قبولها عرفا في مقام التهمة بجميع أفرادها ثم أيد ذلك بما ورد من النصوص في حليف الامين مع التهمة وهي كثيرة منها خبر بكر بن حبيب قلت لابي عبداللهعليهالسلام اعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمه قال ان اتهمته فاستحلفه وإن لم تتهمه فليس عليه شئ منها ايضا خبره نهعليهالسلام لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه وإن اتهمته أحلفته منها خبر أبي بصير عنهعليهالسلام أيضا لا يضمن الصايغ ولا القصار ولا الحائك إلا أن يكونوا متهمين فيخوف بالبينة يستحلف لعله يستخرج منه شيئا ثم قال بعد كلام له بل قد يؤيده أيضا عمومات الامر بالحكم كتابا وسنة في ميع أفراد المنازعة والمشاجرة التي لا ريب في أن ذلك من أفرادها إلى آخر ما ذكره.
وأنت خبير بضعف ما ذكرهقدسسره من المؤيد والمؤيد أما المؤيد بالفتح فلانا ما فهمنا معنى قولهرحمهالله والتحقيق لى آخره فإن أريد من ذلك تشخيص موضوع الدعوى بالعرف ليتمسك بعده بالعمومات ففيه أولا
انه لم يرد أكثر العمومات بلفظ الدعوى وثانيا انه لا ينفع كما سيجئ وإن أريد بذلك احراز مقبولية الدعوى بالعرف ففيه انه لا ربط للعرف في مثل هذه الاشياء كما لا يخفى وأما المؤيد فأما ولا فبمغايرة ما نحن فيه لمورد تلك الاخبار فإن موردها اتهام المدعي عند المنكر وهو صاحب المال وما حن فيه هو اتهام المنكر عند المدعي وأما ثانيا فلانا لو بنينا على التعدي من مورد تلك الاخبار فإنما هو فيما إذا كان هناك طريق شرعي لثبوت المدعى عند المدعي كما في مورد تلك الاخبار فإن ميعها فيما إذا كان هناك طريق لثبوت المال ولو كان هو الاستصحاب فلو بنينا على التعدي فإنما ينفع فيما كرنا لا فيما ذكرهقدسسره .
فإن قلت إن مورد تلك الاخبار وإن كان على خلاف ما نحن فيه من الجهتين إلا أن الظاهر من قوله في رواية أبي بصير لعله تستخرج منه شيئا التعليل للحكم المذكور هو بمنزلة كبرى كلية جارية في جميع المقامات.
قلت الظاهر من الاستخراج هو طلب خروج ما كان ثابتا لا طلب خروج ما يحتمل ثبوته بحسب الواقع فهو بمنزلة كبرى كلية في موارد ثبوت الحق الطريق الشرعي فينطبق على ما ذكرناه لا على ما ذكره هذا مجمل القول في الجواب عن مؤيده الاول وأما الجواب عن مؤيده الثاني فبما قد عرفت غير مرة من أن تلك العمومات واردة في مقام يان قضية مهملة لا دلالة لها لمثل المقام أصلا هذا.
وقد يفصل أيضا بين ما يعسر الاطلاع عليه كالقتل والسرقة وغيرهما وغيره فتسمع في الاول دون الثاني وأول من ذهب إلى هذا التفصيل على ما رح به استادنا العلامة دام ظله المحقق الثاني ثم تبعه على ذلك جماعة ممن تأخر عنه والدليل على هذا لتفصيل على ما ذكره الاستاد دام ظله ويستفاد من كلامهم أيضا اما على النفي في غير ما يعسر الاطلاع عليه فبأدلة النافين وأما على الاثبات فيما يعسر الاطلاع عليه فبأن عدم السماع فيه يوجب بطال الحقوق كثيرا كما لا يخفى فيدل على وجوب السماع فيه ما دل على وجوب السماع في الدعوى الجزمية.
وفيه انه إن كان للمدعي فيما يعسر الاطلاع عليه طريق شرعي إلى ثبوت المدعى فهو وإلا فلا دليل على وجوب السماع فيه كما لم يكن في غيره ومجرد لزوم ابطال الحق كثيرا لا يدل على جوب السماع بعد عدم جريان أدلة الحكم وأما القول بكون العلة في أصل تشريع الحكم بين الناس هو عدم لزوم ابطال حقوقهم فما يستلزم فيه ذلك يجري فيه دليل الحكم ففاسد لانا نمنع من كون عدم لزوم بطال الحقوق علة للحكم يدور مداره وجودا وعدما بل غاية ما سلمنا هو كونه حكمة غير مستتبعة للحكم في موارد وجودها ولا مقتضية لعدمه في موارد فقدها هكذا ذكره الاستاد في الجواب عن هذا لدليل بعد ميله أولا إلى هذا القول ولكن لي في دم تمامية هذا التفصيل تأمل يظهر وجهه مما ذكرنا من النقض والابرام والله العالم بحقايق الامور.
وينبغي التنبيه على أمور أحدها ان ما ذكرنا كله في الدعوى الغير الجزمية إنما هو بالنسبة إلى لزوم السماع وعدمه وأما الجواز فلا إشكال فيه بل مقتضى لاحتياط الغير اللازم عدم تركها حسبما عرفت تفصيل القول فيه في الدعوى المجهولة ثانيها ان ما ذكرنا من وجوب السماع في الدعوى الغير الجزمية فيما كان للمدعى طريق إلى الحق فإنما هو فيما ذا وجد هناك مطالبة من المدعي حتى يصدق معها الدعوى فإن صدقها عرفا موقوف على تحت عنوان المطالبة والمشاجرة فلو لم يكن هناك مطالبة من المدعى بل الموجود منه مجرد الاخبار ظنا ثبوت الحق كما قال أظن اني أطلب من زيد فلا إشكال في عدم سماعه لخروجه عن الدعوى فلا بد من أن يكون مراد من يحكم بوجوب السماع مطلقا أيضا هو ما ذكرنا أي في مورد يكون هناك عنوان لمطالبة
فمنه تعرف فساد ما أورد عليه بعض مشايخنا من عدم صدق الدعوى في صورة غير الجزم نعم لو كان مرادهم هو الاعم مما ذكرنا لكان ورود هذا الايراد عليهم وجه فتأمل.
ثالثها انه يستفاد من كلماتهم في بعض فروع المسألة ما ينافي في اختلافهم فيها في المقام فإنهم ذكروا فيما إذا ادعى الوارث على شخص كونه مديونا لمورثه من جهة ا وجده في دفتره من غير خلاف بينهم انه يسمع منه ذلك وإن اختلفوا في حبسه بعد النكول على القول عد الحكم به أو اطلاقه ورفع اليد عنه فقضية اتفاقهم في هذا الفرع من غير ابتنائه على سماع الدعوى الغير الجازمة تنافي قضية اختلافهم في تلك المسألة وذكروا مثل هذا فيما إذا لم يكن للميت ارث فوجد حاكم الشرع في دفتره ما يدل على كونه مطالبا من شخص فإنه يدعي على هذا الشخص ويسمع دعواه كالوارث نعم لو كان الدفتر من الامام ووجد فيه ذلك يحكم بوجوب سماع الدعوى لمستندة إليه وسيأتي تفصيل القول في جميع ذلك إنشاء الله.
رابعا لا إشكال بل لا خلاف ظاهرا في أنه يجب سماع الدعوى الغير الجزمية بعد ما رجع المدعي عنها إلى الجزم وادعاها جازما بها لعدم لمانع منه اصلا لان عدم سماعها منه في زمان من جهة فقط شرط من شروطه لا يوجب عدمه فيما إذا كان واجدا لهذا الشرط حسبما هو المفروض.
قوله المقصد الثالث في جواب المدعى عليه وهو إما إقرار أو انكار أو سكون أما الاقرار فيلزمه إذا كان جائز التصرف الخ.
أقول بعدما كان دعوى المدعي جامعة للشرايط المذكورة المعتبره في سماعها فيسمعها الحاكم من - المدعي فيطالب المدعى ليه بالجواب فلا يخلو إما أن يعترف بثبوت المدعى به بقوله نعم ونحوه أو ينكره بقوله لا ونحوه أو يسكت عنهما وجعل الاخير جوابا لا يخلو عن مسامحة فإن التوجيهات التي ذكروها له من كونه في كم الانكار إذا أصر عليه أو غير ذلك لا تخرجه عن المسامحة كما لا يخفى وكيف كان هذا مما لا إشكال فيه وإنما الاشكال فيما ذكره شيخنا الاستاد دام ظله وفاقا لجمع من متأخري الاصحاب من أن ناك جوابا آخر للمدعى عليه لم يتعرض له الاصحاب بل ظاهرهم الحصر في المذكورات وهو قوله لا أدري فهل ادخلوه وأدرجوه في المذكورات أو غفلوا عنه وادراجه في المذكورات مشكل ونسبة لغفلة إليهم أشكل ويمكن ادراجه في السكوت بأن يجعل المراد منه السكوت عن الاقرار والانكار سواء تكلم بشئ آخر غيرهما كلا أدري أو لم يتكلم أصلا وهذا كما ترى خلاف ظاهر كلماتهم بل صريح عضها وقد ذكر الاستاد دام ظله كونه داخلا في الانكار عندهم وإن لم يترتب عليه بعض أحكامه من توجه اليمين وغيره فإن المجيب بلا أدري بحسب الواقع ينكر ثبوت الحق ظاهرا ويبني على عدمه في لظاهر ويمتنع عن ادائه إلى المدعي وفيه أيضا تأمل لمنع بناء المدعى عليه المجيب بلا أدري دائما على إنكار الحق في الظاهر لامكان وكوله الاداء وعدمه بحسب تكليفه الظاهري إلى المسألة من - لحاكم من غير أن يبني على أحدهما فتأمل هذا.
وقد ينقدح في النفس ويخطر بالبال جواب آخر عن هذا الاشكال غير الجوابين المذكورين وهو ان عدم ذكرهم له في عداد جواب المدعى عليه مع كونه نه ليس من جهة غفلتهم عنه بل من جهة عدم ترتب ثمرة الجواب عليه من حيث هو أصلا فهو وإن كان داخلا في الجواب موضوعا إلا أنه خارج عنه حكما فتأمل.
ثم ان ما ذكرنا كله من كونه خارجا عن أحد المذكورات أو داخلا فيه إنما هو فيما إذا لم يدع عليه العلم وأما
إذا ادعى عليه العلم فقال لا أعلم كما في الادعاء على الميت مع ادعاء علم الوارث بالمدعى به فلا إشكال في كونه انكارا حقيقة جاريا عليه جميع أحكام الانكار وتعرضوا له فيما سيأتي في مسألة لادعاء على الميت.
وكيف كان فلنرجع إلى بيان الحكم للاجوبة المذكورة فنقول أما الاقرار فالظاهر منهم اتفاقهم على انه سبب لالزام المقر بما أقر به إذا كان جامعا لشرايطه المذكورة في بابه لقولهصلىاللهعليهوآله ) أقرار لعقلاء على أنفسهم جايز بل المشهور بينهم انه يلزمه ذلك سواء حكم الحاكمية أم لم يحكم وهذا بخلاف البينة فإنها لا يثبت الحق بمجرد اقامتها بل لا بد معها من حكم لحاكم وعلل الفرق بينهما في المسالك وغيره بأن البينة منوطة باجتهاد الحاكم في قبولها إذا كانت جامعة للشرايط وردها إذا كانت فاقدة لها وهو غير معلوم بخلاف الاقرار وقد يقال بل قيل بعدم الفرق ينهما من حيث جواز العمل بكل منهما وإن لم يحكم به الحاكم فإنه كما ان أدلة الاقرار عامة للحاكم وغيره كذلك أدلة البينة عامة لهما والقول بكون المخاطب بالعمل بالبينات خصوص الحاكم أو لمخاطب به جميع الناس لكن حكم الحاكم شرط له تخصيص وتقييد لم يثبت والاصل عدمه على أنه يجري في أدلة الاقرار أيضا حرفا بحرف.
وأما الفرق بينهما بما ذكره في المسالك الراجع حاصله إلى عدم قدرة غير الحاكم على العمل بالبينة من حيث عدم إمكان احراز شرايطها له بخلاف الاقرار فاسد جدا أما أولا فبالنقض بالبينة في غير مقام الخصومة ورفع المنازعة كالبينة على الطهارة والنجاسة غيرهما فإن ظاهرهم الاتفاق على جواز العمل بها فيه لكل من قامت عنده وإن لم يحكم به (بها خ) الحاكم ومعلوم ان شرايط العمل بالبينة وموانعها لا تتفاوت بالنسبة إلى المقامين وأما ثانيا فبالنقض الاقرار فإنه أيضا مثل البينة في أن له شرايط وموانع يحتاج إلى الاجتهاد في احرازها ورفعها وأما ثالثا فبأنا نفرض الكلام كما هو المفروض في البينة التي علم قبولها عند الحاكم باجتماعها شرايط لقبول عنده فلا فرق بين البينة والاقرار في كون كل منهما جايز العمل لكل أحد وإنما الحاكم يحكم أيضا بمقتضاهما فيترتب على حكمه ثمراته من عدم سماع الدعوى بعده ونحوه لا أن أصل تناول لمدعى بعد قيام البينة والعلم بقبولها عند الحاكم وإن لم ينشأ الحكم به متوقف على حكمه هذا.
وقد ذكر الاستاد العلامة في مجلس المباحثة وجها للفرق بينهما لا يخلو عن دقة وهو ان المقر بنفس اقراره رفع الخصومة فالعمل بالاقرار ليس رفعا للخصومة والدعوى حتى يقال بأنه مختص بالحاكم بل الخصومة بنفسها تنفصل وترتفع عند اقرار المنكر واعترافه بثبوت ما ادعى عليه وهذا بخلاف البينة إنها إنما قامت على ثبوت الحق وأما رفع الخصومة والفصل بين المدعي والمنكر فهو شئ آخر غير ملازم لقيام البينة.
وتفصيل القول في ذلك بحيث يوضح به المقام ويرتفع الغواشي عن وجوه المرام ان العمل بالبينة قد يكون في غير مقام المرافعات والخصومات كما إذا قامت على طهارة أو نجاسة أو لكية أو زوجية أو غيرها ن غير أن يكون محلا للنزاع والمرافعة وهذا مما لا إشكال بل لا خلاف في كونه غير مختص بالحاكم ولا مشروط بحكمه أيضا وإنما ذهب من ذهب إلى الاختصاص أو لاشتراط في مقام فصل الخصومة وقد يكون في مقام المرافعات و هذا على ثلاثة أقسام أحدها أن يريد من العمل بها الحكم بين المتخاصمين بالحكومة الاصطلاحية بأن يلزم المنكر بأداء الحق على ما جوز للمجتهد من أنحاء الالزام وهذا أيضا مما لا إشكال بل لا خلاف في اختصاصه بالحاكم بل العمل الاقرار بهذا المعنى أيضا مختص به ولا يجوز لغيره ثانيها أن يريد من العمل بها محض ترتيب الاثر عليها الغير المستلزم لفصل الامر ورفع الدعوى بينهما ولو كان بغير الفصل الاصطلاحي بأن كان
صلا لبيا كما إذا أريد لصلاة في الدار التي في يد عمرو وشهدت البينة العادلة بأنها لزيد مع اذنه في الصلاة إلى غير ذلك من الاعمال التي لا ستلزم رفع الخصومة بينها ولو بحسب اللب فإن الصلاة في الدار المتنازع فيها ليست بفصل خصومة إيصال للمال إلى صاحبه أصلا كما لا يخفى وهذا أيضا مما لا إشكال في جوازه لغير الحاكم وإن كان ظاهرا عض عدم جوازه إلا بحكم الحاكم لعموم ما دل على جواز العمل بالبينة والمفروض انه ليس بحكم ولا قضاء حتى يمنع عنه ما دل على اختصاص القضاء بالبينة بالحاكم ثالثها أن يريد من العمل بها صل الامر بينهما بغير حكومة اصطلاحية كان سرق المال الذي شهدت البينة بكونه لزيد واعطاه إياه أو باعه عن المدعي ودفع الثمن إليه فإن اعطاء المال لزيد في المثال الاول أو ثمنه كما في المثال لثاني يرفع الخصومة لوصول المال أو بدله إليه إلى غير ذلك مما كون فصلا للخصومة بحسب اللب من غير ان يكون حكومة اصطلاحية ولا محض ترتيب الاثر كما في القسم الثاني وهذا هو الذي كون محلا للاشكال ومورد الخلاف وبالجملة فهناك ثلاثة أشياء محض ترتيب الاثر من غير أن يسلتزم لزاما واخراج حق أصلا لا واقعا ولا ظاهرا وإلزام واقعي للمنكر على أداء الحق وإن لم يعلم به وهذا هو الذي ذكرنا انه فصل لبي وإلزام ظاهري للمنكر على أداء الحق بالحكومة المتعارفة والاول ليس شكال في جوازه إذا قامت البينة على الحق لعدم معارضته بشئ كما ان الثالث لا إشكال في عدم جوازه إلا للحاكم كما في الاقرار أيضا وإنما الاشكال في الثاني.
إذا عرفت ذلك فنقول ان المتسفاد من أدلة الحكم والفصل بالموازين الشرعية كونهما مختصين بحاكم الشرع ولا يجوز لغيره التصدي التعرض لهما سواء رجعا إلى الحكومة الاصطلاحية أم لم يرجعا إليها كما فيما نحن فيه فإنه أيضا نوع فصل بين المتخاصمين وإن لم يكن داخلا في الحكومة الاصطلاحية ويمكن ارجاع كلام صاحب لمسالك وغيره إلى ما ذكرنا فتأمل.
ثم ان ما ذكرنا كله إنما هو بالنسبة إلى غير المدعي والمنكر وأما هما فأما المدعي فلا إشكال في جواز أخذه المال وإخراجه عن يد المنكر إذا علم بصدقه كما ان لا شكال في عدم جوازه له إذا علم بكذبه وإنما الاشكال فيماإذا كان شاكا بحسب الواقع فإن في الحاقه بثالث خارج عنهما في عدم جواز اخراجه للحق لكونه فصلا اقعيا وإلزاما حقيقيا للمنكر أو عدم الحاقه ه لعدم شمول ما دل على الاختصاص لنفس المدعى وجهان اوجههما الاول وأما المنكر فإن كان عالما بصدق دعوى المدعي فلا إشكال في وجوب الاداء عليه بينه وبين الله كما ان لا إشكال في عدم جوبه عليه إذا كان عالما بكذبه وإن كان شاكا فيهما فيجب عليه الاداء أيضا بمقتضى العمل بالبينة فإنه لا انع عنه في حقه والحاصل ان المدعي وغيره سواء في العلم بالبينة فيما نحن فيه بخلاف المنكر.
فإن قلت إذا علم المدعي أو ثالث بحقية مدعاه وصدقه فيه فقد علم مما ذكرت جواز الالزام الواقعي اخراج الحق لهما فإن كان هذا فصلا دل الدليل على اختصاصه بالحاكم فلا يجوز لغيره كما في الالزام لظاهري المتضمن للقهر والغلبة على المنكر وإن لم يكن فصلا فأي فرق بين العمل بالعلم والبينة.
قلت ما ذكرنا من اختصاص هذا النوع من الفصل بالحاكم أيضا فإنما هو في الفصل بالموازين الشرعية لما استفدنا من أدلتها من كون الفصل بها مطلقا مختصا بحاكم الشرع وأما العمل بالعلم بهذا لمعنى فهو أمر قهري يترتب عليه ولا يجوز للشارع النهي إلا بتخصيص أدلة معلومه مثلا إذا علمنا ان المال المتنازع فيه يكون حقا للمدعي وأردنا شرائه منه فالقول بعدم جوازه حينئذ لانه اخراج قيقي وفصل واقعي للخصومة بينهما مستلزم لتخصيص ما دل على جواز شراء مال الغير وهذا بخلاف لعمل بالبينة فإن القول بعدم جواز العمل بها في الفرض
ليس مستلزما إلا تخصيصا لادلتها وهو ليس أمرا غريبا لانها من العمومات التي تقبل التخصيص بل خصصت في كثير من المقامات فقياس لعمل بالبينة بالعمل بالعلم قياس فاسد هذا مقتضى تفصيل القول في البينة.
وأما تفصيل القول في الاقرار فهو انه في الالزام الظاهري والقهري على المقر مثل البينة بمعنى انه كما لا يجوز لغير لحاكم حمل المنكر بخلاف مقتضى تكليفه بمقتضى البينة فكذا لا يجوز لغيره حمل المقر على خلاف مقتضى تكليفه والزامه به بمقتضى اقراره بل هو أمر مختص بالحكاكم لاحظ لغيره فيه لما قد دل لى ان الزام الناس على خلاف مقتضى تكليفهم لا يجوز لغير الحاكم فالاقرار من تلك الجهة مثل البينة لا جوز العمل به وجعله حاكما على مقتضى تكليف المقر حتى انه لو علم بكون اعتقاده على خلاف ما أقر به يلزم به كما في حكم الحاكم حسبما عرفت من كونه حاكما على تكليف المترافعين فالاقرار من لك الجهة ليس مثل حكم الحاكم حاكما على مقتضى تكليف المقر بل مثل البينة في الالزام الظاهري وفي الالزام الواقعي وإيصال الحق إلى المقر له والمدعى ليس كالبينة لعدم ما يدل على تخصيص أدلة لاقرار من هذه الجهة في مقام المخاصمات بالحاكم بل ظاهر أدلة الاقرار كقوله اقرار العقلاء على أنفسهم جايز وغيره نفوذه على المقر وإلزامه وإن لم يحكم به الحاكم غاية ما دل عليه الدليل هو كون لالزام الظاهري مختصا بحاكم الشرع وأما غيره فليس شئ يقتضي اختصاصه به لان ما دل على اختصاص الحكم بالموازين بالحاكم فإنه هو بالنسبة إلى غير الاقرار وأما هو فليس شئ يقتضي خصيصه به.
ومن هنا يعرف فساد ما ذكره جماعة من عدم الفرق بين البينة والاقرار في جواز الالزام الواقعي بهما وإن لم يجز الالزام الظاهري بهما من جهة عدم ما يدل على تخصيص هذا لمعنى بالحاكم فيؤخذ بعموم أدلتها إذ قد عرفت ان أدلة البينة مخصصة بما دل على عدم جواز الفصل والدخول بين المترافعين مطلقا لغير الحاكم وفساد ما ذكره جماعة أخرى منهم الاردبيلي والاستاد لبهبهاني على ما حكي عنهما من عدم الفرق بينهما في دم جواز الالزام الواقعي بهما أيضا على عكس ما عرفته من الجماعة الاولى لما قد دل بقول مطلق على أن الفصل بين الناس مطلقا سواء كان البينة أو الاقرار مختص بالحاكم لما قد عرفت من عدم ما يدل على ذلك المعنى بالنسبة إلى الاقرار هذا.
ويمكن تقرير الفرق بين البينة والاقرار بوجه آخر مرجعه إلى اباء أدلة الاقرار من التخصيص بالنسبة إلى الالزام الواقعي دون أدلة البينة وهو أن يقال ان مقتضى قولهصلىاللهعليهوآله اقرار لعقلاء على أنفهسم جايز كون ما التزم المكلف على نفسه ماضيا عليه وملزما به فمورد أدلة الاقرار هو الزام المقر بما أقر على نفسه فيستفاد منه ان اقراره علة تامة لالزامه بما التزم به من دون احتياج لى شئ آخر من حكم حاكم أو غيره فنقول بمقتضى هذا الحديث الشريف ان اقراره لنفسه لا يسمع ولغيره أيضا لا يسمع وعلى غيره أيضا لا يسمع وعلى نفسه يسمع ومعنى سماعه على نفسه على ما ستفاد من لفظ جايز بعد ملاحظة سبق قوله على أنفسهم هو ما عرفت من أن ما التزم عليه بإقراره ماض عليه وملزم به فلا معنى لتخصيصه بأدلة الحكم بالنسبة إلى الزام المقر بما أقر به بحسب لواقع.
فإن قلت ان مقتضى الرواية على ما ذكرت في معناها هو جواز الزام المقر بحسب الظاهر وقهره على ما أقر به فيكون اقراره على هذا واردا على مقتضى تكليفه فيكون من قبيل حكم الحاكم ما وجه تخصيص هذا المعنى بالحاكم.
قلت نحن لو خلينا وأنفسنا لحكمنا بجواز الزام المقر ظاهرا بما أقر به بمقتضى اقراره على ما هو قضية ظاهر الرواية حسبما جرت عليه عادة العوام من لزامهم المقر ظاهرا بما أقر به من دون الرجوع إلى الحاكم لكن إنما منعنا من هذا الالزام من جهة ما دل لى ان هذه الرياسة مختصة بالحاكم ولا يجوز لغيره ان تصداها فمقتضى الرواية بالنسبة إلى ما هو لمراد منه صريحا حجة يجب الاخذ بها نعم لو ورد انه يجب تصديق المقر أو يجب الاخذ على اقراره أو قراره حجة إلى غير ذلك من القضاياء الظاهرة في ترتيب الاثر على اقراره من دون أن يكون فيها حكاية الالزام والالتزام لقلنا بالنسبة إليه بما نقول بالنسبة إلى البينة لعدم قابلية الدليل حينئذ للتفكيك النسبة إلى الآثار الغير المستتبعة للفصل الواقعي والمستتبعة له حسبما بنينا عليه بالنسبة إلى البينة لكن المفروض خلاف ذلك.
هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة من الفرق بين البينة والاقرار لكن يمكن الخدشة فيه أيضا بعد فرض قبول العموم في أدلة البينة بالنسبة إلى جميع الآثار حسبما هو المفروض أن غاية ما يستفاد من أدله الحكم بالموازين الشرعية هو كون الحكومة المتعارفة المستلزمة للقهر والغلبة والالزام ظاهرا على المدعى عليه من جهتها مختصة بالحاكم وأما غيرها من الالزام الواقعي لمستتبع للفصل واقعا فلا دليل على تخصيص أدلة البينة بالنسبة إليه أيضا فإن ما دل على اختصاص الحكم بالبينة بالحاكم ليس بظاهر في اختصاص هذا المعنى به بل ولا يستفاد منه ذلك أيضا حسبما هو راد شيخنا الاستاد لانه قد صرح دام ظله في أثناء المباحثة بأن ما ندعيه من - التخصيص ليس من جهة ظهور أدلة الحكم بالبينة في ذلك بل من جهة ما يستفاد منها بعد التأمل فيها وعليك بالتأمل في دلة الاقوال ثم الاخذ بما أدى إليه نظرك مراعيا في ذلك جانب الانصاف مجتنبا فيه طريق الاعتساف غير خائف عن مخالفة المشهور بعد مساعدة الدليل على خلافهم فإن الحق أحق بأن يتبع وأحرى بأن ؤخذ.
وينبغي التنبيه على أمور أحدها انه على القول بجواز العمل بالبينة في المقام كالاقرار وإن استتبع فصلا واقعيا فهل يعتبر فيه ما يعتبر في بينة الحكم للحاكم من قيامها بعد تحرير الدعوى وبقاء دالتها وحياتها حين إرادة الحكم إلى غير ذلك من الشرايط المعتبرة في البينة للحكم دون العمل أو لا يعتبر ذلك فيه فيجوز العمل عليها بعد شهادتها وإن صارت فاسقة بعد ذلك أو لم يحرر الدعوى بعد اهر ما استدل عليه القائل بجواز العمل عليها في المقام من عموم أدلة البينة هو الثاني وإن كان مقتضى كلمات بعضهم هو الاول.
ثانيها انه بعد القول بجواز العمل بالبينة بالنسبة إلى الالزام الواقعي كالاقرار فلو تعارضت مع حكم الحاكم فهل يؤخذ بها أو بالحكم مثلا لو قامت البينة العادلة قبل تحرير لدعوى أو بعدها مع موت البينة قبل حكم الحاكم على كون الحق للمدعي ثم حكم الحاكم بمقتضى يمين المنكر على كونه له فهل يجوز أخذ - المال واقعا عن المنكر واعطائه المدعى عملا بمقتضى لبينة أو لا يجوز عملا بمقتضى الحكم وجهان من عموم أدلة البينة ومن ورود حكم الحاكم على جميع الامارات حتى البينة ظاهر الاصحاب هو الثاني وهو الحق.
ثالثها ان ما ذكرنا كله في البينة والاقرار من جواز الالزام الواقعي بالنسبة إليها أو عدمه كذلك أو التفصيل بينهما حسبما عرفت إنما هو في لشبهات الموضوعية التي هي مورد إعمال البينة والاقرار وأما الشبهات الحكمية فهل يجوز للمدعي أو الثالث أن يعمل بمقتضى تكليفه من اجتهاد أو تقليد قبل حكم الحاكم وإن استتبع فصلا للدعوى حسب الواقع فيصير كالاقرار أو لا يجوز ذلك إلا بعد حكم الحاكم فيصير كالبينة في الموضوعات أو يفصل
بين ما كان مقتضى تكليف المنكر على طبق تكليفهما أو لم يكن له تكليف ظاهري أصلا بأن لا يكون مقلدا ولا مجتهدا وبين غير هما فيجوز ي الاول دون الثاني وجوه من أن كل شخص مكلف بما يؤدي إليه نظره ما لم يحكم الحاكم على خلافه فيعمل به وان استتبع الزاما بحسب الواقع على الغير ومن انه لا دليل على جواز الزام الغير مقتضى تكليف النفس غاية الامر جواز العمل عليه بالنسبة إلى الآثار الغير المستتبعة لالزام الغير ومن أن عدم جواز إلزام الغير إنما هو فيما إذا كان مقتضى تكليفه خلاف ما اقتضاه تكليف الغير واما ا مع ذلك فلا دليل على منعه أقواها ثانيها على ما ذكره الاستاد من عدم جواز الفصل مطلقا بالطرق الشرعية لغير الحاكم غير الاقرار ثم انه لو قلنا بعدم الجواز مطلقا لا بد من القول بالجواز فيما إذا كان قتضى تكليفه على وفق مقتضى تكليف الغير لانه حينئذ يدخل في الامر بالمعروف الذي قد عرفت جوازه لكل من يقدر عليه سواء الحاكم وغيره.
رابعها ان ما ذكرنا من جواز الالزام الواقعي بمقتضى الاقرار لغير الحاكم انما هو فيما إذا أقر فعلا باشتغال ذمته للمقر له بحيث قطعنا بما هو المراد له من للفظ وعدم خطئه وعدم سهوه في الاقرار ولا اكراهه فيه إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يمكن معها القطع بالاقرار الواقعي المشروط المذكورة في محله.
وأما إذا أقر لسبب كما لو أقر بأنه استقرض من زيد أو باشتغال ذمته سابقا مع احتمال الاداء من المقر أو الابراء من المقر له بحيث لو ادعاهما لم كن منافيا لاقراره أو أقر بشئ لم نقطع بمراده منه بل ظننا به من باب أصالة الحقيقة أو أصالة عدم القرينة أو احتملنا في حقه الاكراه أو السهو أو الخطأ إلى غير ذلك من الاحتمالات الموجبة لعدم القطع الواقع المندفعة بالاصل المعتبر عند أهل اللسان والعقلاء فهل يحكم بجواز الزامه بإقراره لغير الحاكم بحسب الواقع كما يجوز له أو لا يجوز وجهان.
من أن مقتضى أدلة الاقرار هو نفي احتمال الكذب عن المقر وترتيب آثار الصدق عليه وأما ساير الاحتمالات فلا يكفي في دفعها أدلة الاقرار بل لا بد فيه من لرجوع إلى دليل آخر غير ما دل على الزام المقر بما التزمه فإنه في مقام جواز الزامه بعد احراز عنوان الاقرار وليس هو في مقام ان أي شئ اقرار وأي شئ ليس بإقرار.
وحاصل الكلام ان ما دل على ثبوت الحكم لموضوع لا يجوز احراز نفس الموضوع به بل لا يعقل وهذا واضح سيما في لفرض الاول فإن فيه جهة أخرى يمكن المنع باعتبارها وهي ان الحكم بلزوم الاداء من جهة أصالة عدم الوفاء واستصحاب الاشتغال لا دخل له بأدلة الاقرار والاخذ به بل إنما هو أخذ بالاستصحاب فإن لاقرار إنما هو بثبوت الحق سابقا وأما ثبوته في الحال فإنما جاء من الاستصحاب فهو عمل بالاستصحاب لا بالاقرار وهذا نظير ما ذكرنا في رد من تمسك بحديث الثقلين لحجية ظواهر الكتاب و بالاجماع على وجوب الاخذ بقول الله تبارك وتعالى من أن الحديث الشريف إنما يدل على وجوب متابعة الكتاب فيما علم انه مراد من الله تعالى وليس في مقام اثبات حجية الظن بالمراد أصلا وهكذا لكلام في الاجماع فحينئذ لا بد في دفع الاحتمالات المذكورة من الرجوع إلى دليل آخر اما في دفع احتمال الوفاء والابراء فإلى ما دل على حجية أصالة عدم الوفاء والابراء من أخبار الاستصحاب أو يرها واما في دفع احتمال إرادة المجاز أو خلاف الظاهر فإلى ما دل على وجوب الاخذ بأصالة الحقيقة وأصالة عدم القرينة عند عدم ما يدل على خلافهما وأما في دفع ساير الاحتمالات فإلى ما دل ى اعتبار أصالة عدم الخطأ والسهو الاكراه من بناء العقلاء فيصير حال تلك الاصول حينئذ حال البينة وغيرها من - الطرق الشرعية فنقول باختصاص العمل بها في مقام رفع الخصومة والالزام ولو حسب
الواقع بالحاكم على ما ذكره شيخنا الاستاد دام ظله من أن العمل بالطرق الشرعية في مقام الزام الناس مختص بالحاكم ولا يجوز لغيره ليس العمل بالاصول المذكورة أولى من العمل بالبينة إن لم يكن أضعف كما لا يخفى.
ومن ان مقتضى أدلة الاقرار وإن كان ما ذكر من اثبات الحكم وهو جواز الالزام لموضوع الاقرار فلا بد من حراز الموضوع بشئ آخر لكن نقول انه قد قام الدليل على احرازه في الموارد المذكورة بحيث لا نفرق فيه بين المجتهد والمقلد أما فيما إذا كان الشك في الاقرار ناشيا من الشك في ارادة المعنى لمجازى أو خلاف الظاهر أو ما شابههما من احتمال السهو والخطا فلقيام بناء العقلا وأهل اللسان على التمسك بالاصول اللفظية وما شابهها من أصالة عدم الخطأ والسهو الاكراه من غير فرق بين الحاكم غيره فيحكم بمقتضى بناء العرف والعقلاء بأن ما شك في ارادة معناه الحقيقي أو الخطأ فيه انه اقرار واقعي صدر عن قصد وعمد فيترتب عليه أحكامه من الزام المقر بمضمونه وهذا كما في ساير لمقامات فإن ما دل على اثبات الحكم لموضوع عرفي لا يدل على ثبوت الموضوع لكن يرجع في احرازه إلى أهل العرف فإذا قالوا ان هذا الموضوع هو الموضوع في القضية الفلانة يحكم بترتب لحكم عليه من غير اشكال فيه ولا يجب القطع باحراز الموضوع وإلا لانسد باب الاستنباط والعمل بالقواعد لعامة في أكثر الموارد بل في جميعها إلا أقل قليل كما لا يخفى وأما إذا كان الشك فيه ناشيا من الشك في الابراء والاداء فلقيام بناء العقلاء أيضا على تنزيل الشك في الوفاء مع سبق الاشتغال بمقتضى لاقرار منزلة القطع بعدمه فيحكمون بمجرد اقراره بالاشتغال السابق مع عدم ادعاء الابراء أو الوفاء بانه مقر فعلا هذا ويمكن تفصيل في المقام بين الاصول العملية كاصالة عدم الوفاء واللفظية باختيار لاختصاص بالحاكم في الاول دون الثاني ويظهر وجهه بالتأمل فيما ذكرنا فتأمل.
خامسها ان ما ذكرنا كله إنما هو في البينة والاقرار وأما اليمين التي من أحد الموازين الشرعية فهل هي مثل البينة أو لاقرار وجهان من أن المستفاد من أدلة الحكم اختصاص الالزام بالموازين الشرعية بالحاكم وهي منها ومن أن الظاهر من أدلتها كما هو الظاهر لمن راجع إليها هو كونها مثل الاقرار مزيلة للدعوى مثل ولهعليهالسلام فيما سيجئ من روايات اليمين وذهبت اليمين بما فيه وغيره مما يدل على هذا المعنى هذا كله في يمين المنكر وأما اليمين المردودة وغيرها من موازين الحكم كالنكول والشاهد اليمين فهل هي مثل البينة أو مثل الاقرار وجهان ظاهر بعض مشايخنا كونها كالاقرار كما ان البينة أيضا مثله ومقتضى ما تقدم من شيخنا الاستاد وصرح به في مجلس البحث كونها كالبينة مستدلا لذلك ما قد عرفت غير مرة من أن المستفاد من أدلة جميع لموازين عدا ما عرفت كونها مختصة بالحاكم بالنسبة إلى الآثار المستلزمة لفصل الامر وقطع الخصومة ولو بحسب الواقع لكن قد عرفت أيضا منا لاشكال في ذلك وان غاية ما يستفاد منها كون الحكومة المصطلحة بها مختصة بالحاكم وأما غيرها فليس فيها ما يدل على ذلك فراجع إليها وتأملا فيها.
قوله وهل يحكم به من دون مسألة المدعي قيل لا يجوز لانه حق له فلا يستوفى إلا بمسئلته أقول المستفاد من كلام الاكثرين ابتناء الخلاف في المسألة لى كون الحكم من الحاكم حقا للمدعى من حيث كونه سببا لايصال حقه فلا يستوفى لا بمسئلته كما في جواب المدعى عليه أو حقا للحاكم من حيث كونه مأمورا بقطع المنازعة والمشاجرة بين لخصمين بعد حضورهما مجلس الخصومة فالحكم وتحصيل جميع مقدماته له ولا مدخل لغيره فيه فيجوز له لحكم من دون مسألة والحق كما ذكره الاستاد العلامة دام افادته فساد هذا الابتناء ضرورة فساد القول بكون الحكم حقا محضا للحاكم من دون تعلق له بالمدعى أصلا وإن قلنا
بكون وجوبه عليه من باب الامر بالمعروف فإنه على هذا التقدير تصير حاله كحال غيره من الامر بالمعروف الذي يتعلق باداء حقوق الناس فإنه لا اشكال في كونه حقا لذي الحق.
فالحق أن يقال في مبنى الخلاف في المسألة بعد تسليم كونه حقا للمدعي انه إن كان الحكم وتركه كلاهما حقا للمدعي لا يستوفى إلا بإذنه فإنه كما ان فعله حق له كذلك تركه حق له أيضا فلعل غرضه تعلق بتركه فاختيار فعله ليس بأولى من اختيار تركه فلا بد من مسألة المدعي في ادائه وهذا كما في الدين لمؤجل فإن قرار الاجل فيه وإن كان غالبا من جهة مراعات المديون إلا أن له تعلقا بالداين أيضا فله الامتناع ن أخذ المال قبل حلول الاجل فإنه كما يكون ادائه حقا له كذلك ابقائه حق له أيضا فلا ترجيح لاحدهما على الآخر وإن كان الحكم من الحاكم حقا للمدعي من دون أن يكون تركه حقا له فيجوز له ادائه من ون مسئلته وإن لم يعلم منه الاذن في ذلك ولو بشاهد الحال نعم لو منع منه لجرى فيه الوجهان الجواز من حيث كونه مديونا فيجوز له الاداء وإن لم يأذن فيه الداين بل منع منه كما في الحقوق المالية لمتعلقة بذمة الشخص لغيره فإنه يجوز له الاداء وإن منع منه الداين وعدمه من حيث ان تركه وإن لم يكن حقا له إلا ان منعه من الفعل بمنزلة رفع يده عنه فلا يجوز الاداء حينئذ والاوفق بالقواعد كون عله حقا له من دون تعلق حق له بتركه وعدم كون منعه على هذا التقدير مؤثرا في جواز أدائه فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر فإن كلماتهم مضطربة في بيان مبنى الخلاف منتهى الاضطراب ومشوشة اية التشويش.
ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها أحدها انه قد يتخيل في المقام من تعليل بعضهم للحكم بعدم الاحتياج إلى المسألة بحصول الاذن من شاهد الحال حصول الاتفاق من الجميع على عتبار الاذن وإنما الخلاف في الاجتزاء عنها بشاهد الحال وعدمه لكنه تخيل فاسد فإن مقتضى صريح بعض جواز الحكم له وإن لم يعمل بالاذن منه أصلا كما هو المعلوم لمن تتبع كلماتهم ثانيها انه قد نقل ن المختلف الاستدلال لعدم الاحتياج إلى المسألة بعد الاعتراف بكون الحكم حقا للمدعي بأنه ربما يجهل المدعي بكون حقا له فيضيع حقه وهو فاسد لما ذكره بعض مشايخنا طيب الله رمسه من ان غاية ما لزم منه تنبيه الحاكم له وأما الحكم بدون اذنه بعد الاعتراف بكونه حقا له فلا يقتضيه الجهل منه بذلك كما لا يخفى ثالثها انه قد يستفاد من كلمات بعض مشايخنا في المقام القول بوجوب الحكم على الحاكم ضلا عن جوازه من دون مسألة المدعي لان مقتضى أدلة وجوب الفصل على الحاكم بين المترافعين هو وجوبه عليه ما لم يرفعا اليد عن المرافعة وهذا البناء منه من جهة ما بنى عليه في أصل المسألة ن كون الحكم حقا للحاكم بمقتضى اطلاق أدلته من غير تعلق حق للمدعي به أصلا وقد عرفت فساد هذه الدعوى وكونها غير مستفادة من الادلة أصلا رابعها انه على القول بالاحتياج إلى الاذن والسؤال ل هو شرط لتأثير الحكم فيقع بدونه لغوا أو شرط في جوازه وإن أثر ان وقع من دون إذن أيضا وجهان ظاهر كلماتهم يقتضي الثاني وإن لم نقف على التصريح به في كلام أحد لكن نفى الاستاد دام له الاشكال عنه وهو كذلك فتأمل.
قوله ولو أدعى الاعسار كشف عن حاله فإن استبان فقره انظره الخ أقول أي بعد ما ثبت عليه الحق بإقراره سواء كان قبل حكم الحاكم أو بعده وطولب بالاداء فإن ادعى لاعسار كشف الخ وقد أورد الاستاد العلامة دام ظله على ظاهر العبارة هنا إشكالا لا بد من التعرض له وهو ان ظاهرها انه يجب على الحاكم الفحص البحث أولا من حال المدعي وصدقه في دعواه ثم ن لم ينكشف له يراعى ما لا بد منه مراعاته في ساير الدعاوى من
الحكم بالبينة أو اليمين وهذا كما ترى مخالف لما دل عليه الدليل وتقرر في باب الدعاوى من الحكم بالبينة أو اليمين من غير فحص عن حال المدعى أصلا وأي خصوصية لدعوى الاعسار خرجتها عن قضية ما تقرر في باب الدعاوى بقول مطلق.
فإن قيل ان مراده من قوله كشف هو الكشف بالبينة أو اقرار الخصم لا كشف الحاكم عن الصدق و الكذب أولا بغيرهما ثم مراعات ما قرر في باب الدعاوى حتى يرد عليه ما ذكر قلنا مضافا إلى أنه يرد عليه أنه مخالف لظاهر العبارة انه لو ان المراد من الكشف الكشف بالبينة أو بإقرار الخصم يلزمه تكرار في المقام حيث ان قوله وهل يحبس حتى يتبين حاله فيه تفصيل ذكر في باب المفلس كان دالا عليه وكافيا في اثبات الانظار في صورة شف حاله بالبينة لانه قد ذكر في باب المفلس ما هذا لفظه انه إن لم يكن له مال ظاهر وادعى الاعسار فإن وجد البينة قضى بها وإن عدمها وكان له أصل مال أو كان أصل الدعوى مالا حبس تى يثبت اعساره فإن شهدت البينة بتلف أمواله قضى بها ولم يكلف اليمين ولو لم يكن البينة مطلعة على اطن امره أما لو شهدت بالاعسار مطلقا لم تقبل حتى تكون مطلعة على باطن أمره بالصحبة المؤكدة وللغرماء احلافه دفعا للاحتمال الخفي وإن لم يعلم له أصل مال وادعى الاعسار فثبت دعواه ولا كلف بالبينة وللغرماء مطالبته باليمين انتهى كلامه.
وإن قيل ان مراده منه هو مطلق الكشف الشامل للفحص عن حاله بغير البينة وبها فيلزم المحذوران إذ لا دليل على الكشف بغير البينة ويكفي في لكشف بالبينة قوله الاخير هذا حاصل ما أورده الاستاد العلامة دام ظله على ظاهر العبارة من الاشكال.
لكنه أجاب دام ظله عن الاشكال المذكور بجوابين أحدهما أن يقال ان مراده من الكشف هو الكشف بالبينة لا البحث عن حاله بغيرها حتى يعلم صدقه وكذبه فمقصوده هنا التعرض لحكم الثبوت البينة ولا يلزم عليه تكرار أصلا لان المقصود من قوله فيه تفصيل ذكر في باب المفلس الاشارة إلى ما ذكره هناك في صورة عدم وجوب البينة من قوله وإن عدمها وكان له أصل مال الخ فلا يلزم عليه ئ من المحذورين لا التكرار ولا المحذور الاول وهو كون ما ذكره مخالفا لما تقرر في باب الدعاوى وهذا التوجيه وإن كان بعيدا عن ظاهر العبارة ابتداء إلا أنه غير بعيد بعد التأمل فيها وكلمات لشارحين وكلمات الاصحاب قال الفاضل في القواعد على ما حكى عنه فإن ادعى الاعسار وثبت صدقه إما بالبينة المطلعة على حاله أو بتصديق الخصم لم يحل حبسه وانظر إلى أن يوسر فإن مات قيرا سقط وإن عرف كذبه حبس حتى يخرج من الحق وإن جهله بحث الحاكم فإن ثبت اعساره انظر ولم يجب دفعه إلى غرمائه ليستعملوه وإن اشتبه فإن عرف ذا مال أو كان أصل الدعوى مالا بس حتى ثبت اعساره وإلا حلف على الفقر انتهى ما حكي عنهقدسسره وكلامه هذا وإن كان يرد عليه أيضا إشكال بحسب ظاهره من حيث اشتماله على التكرار لكنه صريح في أن المراد بالبحث هو البحث البينة.
ثانيهما أن يقال ان المراد من الكشف هو كشف الحاكم ابتداء بغير البينة حسبما يترائى من العبارة في بادى النظر إلا أن المقصود منه ارشاد الحاكم إلى سقوط كلفة البينة عنه لانه كثيرا ما إذا شف ينكشف له الحال ولا يحتاج إلى كلفة البينة وملاحظة شرايطها وليس المقصود منه انه يجب على الحاكم في خصوص المقام البحث عن حال المدعي أولا بحيث كان هو الوظيفة المقررة له قبل البينة اليمين في الشرع حتى يرد عليه ما ذكر من كونه مخالفا لما تقرر في باب الدعاوى هذا.
وقد يختلج بالبال جواب ثالث عن هذا الاشكال لم يتعرض له أحد فيما اعلم وهو أن يقال ان المراد من لكشف هنا هو الكشف بغير البينة وليس هو جهة الارشاد إلى ما ذكر بل هو واجب على الحاكم قبل مراعات البينة واليمين لكن الدليل على وجوبه في المقام وخصوصيته من بين ساير الدعاوى هو انه و بنى على عدم البحث (الفحص خ) في دعوى الاعسار لادى إلى إبطال الحقوق كثيرا بل إلى اختلال النظام لانه لو بنى على عدم الفحص لانجر إلى ادعاء كثير من المديونين الاعسار فتأمل.
ثم ان هنا إشكالا اخر أورده الاستاد العلامة دام ظله وجماعة من الاصحاب كصاحب المسالك وغيره لى ما كره المصنف في باب المفلس من التفصيل فيما إذا كان الدعوى مسبوقة بمال في الاحتياج إلى اليمين مع لبينة بين ما إذا شهدت على التلف أو الاعسار يأتي التعرض له تفصيلا إنشاء الله في طي كلماته الآتيه.
فلنصرف عنان القلم إلى بيان الحكم في المقام على حسبما يقتضيه المجال (الحال خ) بعون الملك المتعال فنقول ان الكلام فيه يقع في مقامين احدهما فيما لم يكن الدعوى مسبوقة بمال أي دعوى لاعسار مسبوقة بمال عرف للمدعى ولم تكن الدعوى أيضا مالا أي دعوى المدعي على المقر المدعي للاعسار مثل دعوى الدين ونحوها وهذا في الحقيقة راجع إلى الشق الاول كما لو كانت الدعوى جناية و صداقا أو نفقة زوجة أو قريب إلى غير ذلك ثانيها فيما لو كانت الدعوى مسبوقة بمال.
أما الكلام في المقام الاول فملخصه ان المشهور بين الاصحاب بل لم يعرف فيه خلاف بل ادعى - الاجماع ليه جماعة منهم شيخنا الاستاد دام ظله ان القول قوله مع يمينه فالاكتفاء باليمين منه في تلك الصورة مما ا إشكال فيه عندهم وإنما الاشكال في وجه الاكتفاء باليمين هل هو من جهة كونه منكرا من حيث كون قوله موافقا للاصل كما هو المعروف بينهم حسبما يظهر من استدلالاتهم في المقام أو من جهة كونه دعيا يكتفى منه باليمين كما يكتفى منه في كثير من المقامات فنقول انك قد عرفت ان المعروف بينهم ان الوجه في الاكتفاء باليمين هو كونه منكرا من حيث كون قوله موافقا للاصل وقد اعترض عليهم عض مشايخنا طاب ثراه بما حاصله ان المراد من الاصل إن كان أصالة كونه الشخص معسرا أي الاصل في طرف الاعسار فهو متوقف على كون المعسر أمرا عدميا حتى يكون موافقا للاصل وهو ير ثابت بل الثابت عندنا كونه أمرا وجوديا كاليسر فالعسر واليسر ضدان لا نقيضان وإن كان المراد منه أصالة عدم المال أو اليسار فيثبت بها كونه معسرا ففيه ان هذا مبني على اعتبار الاصول المثبتة ي الاحكام الشرعية والثابت عندنا عدم اعتبارها مع امكان أن يقال بعدم اجراء أصالة عدم المال للعلم بانقطاعها لان حالة عدم المال التي كانت للشخص قبل الولادة أو حينها ارتفعت قطعا للعلم عادة بثبوت لمال له بعد ذلك فعدم المال ثانيا أمر جديد يحتاج إلى الاثبات انتهى حاصل ما أردنا نقله.
وقد نقل الاستاد العلامة دام ظله كلاما لبعض المتأخرين في المقام قد أشار إليه شيخنا المتقدم في طي كلماته حاصله بعد ادعاء كون العسر أمرا وجوديا يرجع إلى أن اثبات كون قول المدعي للاعسار موافقا للاصل وعدمه يتوقف على تحقيق ان الشرط في الانظار وترك المطالبة هل هو العسر فلا يحكم به ع الشك فيه أو الشرط في جواز المطالبة هو اليسار فلا تجوز مع الشك فيه وحيث ان ظاهر قوله تعالى إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة هو كون العسر شرطا للانظار فلا يحكم عند الشك فيه بكون قول مدعي الاعسار موافقا للاصل انتهى حاصل ما نقل عنه الاستاد العلامة
فبالحري أن نتكلم في ذا الامر في مقامين حتى يرتفع غواشي الاوهام في البين أحدهما في كون العسر أمرا وجوديا كاليسر أو عدميا كالعجز الذي هو نقيض القدرة ثانيهما في أنه بعد فرض كونه وجوديا هل المستفاد من الادلة ون الشرط في الانظار هو العسر أو الشرط في جواز المطالبة هو اليسر.
فنقول أما الكلام في المقام الاول فمحصله ان الظاهر منهم فيه قولان أحدهما كونه أمرا عدميا كالعجز وهو الظاهر من الشيخ حمه الله حيث استدل على كون القول قوله بانه خلق معسرا وجماعة ممن تأخر عنه بل استظهر الاستاد انه الظاهر من كل من استدل على جواز الاكتفاء منه باليمين بكون قوله موافقا للاصل ثانيهما ونه أمرا وجوديا وهو صريح جماعة.
والتحقيق أن يقال في بيان مفهوم العسر انه أمر وجودي باعتبار أمر عدمي وهو فقدانه لمرتبة اليسر بحيث يكون هذا الاعتبار مأخوذا في مفهومه بحسب اللغة العرف الذي يعبر عنه بالفارسية تنگى واليسر أمر وجودي باعتبار وجدانه لما هو معدوم من المرتبة في العسر فالعسر واليسر فردان من القدرة العقلية وليس العسر نقيضا لليسر كالعجز بالنسبة إلى لقدرة بل هما ضدان لكن الموضوع له في طرف العسر ليس هو الامر الوجودي بقول مطلق بل هو لموضوع له باعتبار أمر عدمي بحيث يكون هو المناط حقيقة في تسميته عسرا فإن من المعلوم ان العسر لا يسمى عسرا باعتبار وجدانه لذلك الامر الوجودي فإنه بذلك الاعتبار ليس عسرا قطعا بل اعتبار فقدانه وانعدامه لما هو موجود في طرف اليسر من المرتبة فالعسر واليسر أمران إضافيان لكن اضافة العسر بالنسبة إلى فقدانه لما هو موجود في اليسر وإضافة اليسر بالنسبة إلى وجدانه لما هو فقود في العسر لا بالنسبة إلى فقدانه لما ليس في العسر كما لا يخفى فتحقق ان الموضوع له العسر هو المرتبة من القدرة العقلية وهي الامر الوجودي الخاص الملحوظ فيه أمر عدمي لا أن يكون هو لوجودي بقول مطلق ولا العدمي بقول مطلق.
وهذا الذي ذكرنا في العسر من كونه موضوعا لامر وجودي باعتبار عدمي ليس مختصا به بل هو جار في كثير من الالفاظ بالنسبة إلى مفاهيمها مثل لفظ لضيق والحرج والاول والاخر والحد والالزام والشرط وأمثالها من الالفاظ فإن تسمية الاول أولا إنما هو باعتبار أمر عدمي وهو عدم كونه مسبوقا بشئ آخر والآخر خرا باعتبار عدم كونه ملحوقا بشئ خر فلهذا ذكرنا في الاصول أنه يمكن توجيه القول بإجراء الاستصحاب في يوم الشك لاثبات كون يوم ما بعده من أول الشهر فيجري أحكام أول الشهر عليه من استحباب صومه على الخصوص إذا ان الصوم فيه مستحبا كذلك كما في أول الرجب والشعبان والغسل فيه إلى غير ذلك من الاحكام المعلقة على أول الشهر بأن المراد من أول الشهر هو اليوم منه الغير المسبوق بيوم من هذا الشهر إذا شك في يوم انه من أول الشهر أو ثانيه فلا مانع من اجراء أصالة عدم كونه مسبوقا بيوم من هذا لشهر وعدم كون يوم الشك منه لاثبات كونه أولا فيترتب أحكام أول الشهر عليه ولا يرد عليه حينئذ كونه من الاصول المثبتة الغير المعتبرة عند - المحققين لانا لم نرد من اجراء هذا الاصل إلا اثبات ورده وهو الامر العدمي المذكور من غير أن يكون المقصود من اثباته اثبات أمر وجودي تعلق الاحكام الشرعية عليه حتى يصير مثبتا ولنا وإن كان إشكال في صحة جراء الاصل المذكور ذكرناه في الاصول إلا أنه بهذا التوجيه يقرب إلى القبول ويبعد عن مرتبة المعزول وهو المسؤل لكل الامور وهكذا الكلام في الحد فإن الجزء إنما يسمى حدا باعتبار عدم كون جزء ما ورائه كما لا يخفى.
وهكذا تسمية الطلب الزاما إنما هو باعتبار عدم الرضاء بالترك وإلا لا يسمى الزاما فعدم الرضاء بالترك أخوذ في مفهوم الالزام وضعا وهكذا تسمية الشئ شرطا باعتبار أمر عدمي هو انتفاء المشروط بانتفائه وانعدامه بانعدامه
باعتبار الملازمة في طرف الوجود فهذا الامر العدمي مأخوذ في معنى الشرط وضعا بحيث يكون دلالته عليه بالمنطوق لا بالمفهوم كما في الالزام وغيره مما عرفت وهذا بخلاف الجملة الشرطية فإن دلالتها على هذا الامر العدمي على القول بها انما هو بالمفهوم لا بالمنطوق ومن هنا أورد بعضهم على من استدل لدلالة الجملة الشرطية على المفهوم بأن قولنا إن جائك زيد فأكرمه بمنزلة قولنا الشرط في اكرامك زيدا مجيئه إياك بأن الانتفاء عند الانتفاء مأخود في مادة الشرط منطوقا فكيف يقاس الصيغة عليها (عليه خ) وإن كان هذا الايراد فاسدا لما ذكرنا في الاصول من أن مقصود المستدل بذلك هو تنزيل الصيغة منزلة المادة عرفا من حيث الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء لا في جهة الدلالة حتى يرد عليه بما ذكر.
ثم انه يمكن ارجاع كلام الشيخ وكلمات الباقين الظاهرة في كونه أمرا عدميا محضا إلى ما ذكرنا فإن مقصودهم من هذه الكلمات ليس اثبات كون المعسر أمرا عدميا بل هم مطبقون على كونه أمرا وجوديا بالمعنى الذي ذكرنا لكن لما تعلق الحكم عندهم في الشريعة بخصوص الامر العدمي الملحوظ فيه كما ستطلع عليه عبروا عنه به إذا عرفت ذلك علمت اندفاع الايراد الذي أورده شيخنا المتقدم ذكره على القول من أن العسر إذا كان أمرا وجوديا كيف يقال انه موافق للاصل أو يثبت بالاصل باجرائه في طرف العدم مع عدم الاعتبار بالاصول المثبتة توضيح الاندفاع أن العسر وإن قلنا بكونه أمرا وجوديا لكنه ليس هو الوجودي بقول مطلق بل هو أمر وجودي باعتبار أمر عدمي حسبما عرفت تفصيل القول فيه فإن قلنا ان المناط في الاحكام الشرعية المترتبة على - الاعسار هو الامر الوجودي محضا أو مع الامر العدمي لاستقام ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره لكن هذا خلاف التحقيق بل التحقيق عندنا وعند الاصحاب حسبما سيأتي تفصيل القول في المقام الثاني هو كون المناط في الاحكام لشرعية هو الامر العدمي المعتبر في ذلك الامر الوجودي فلا مانع حينئذ من اجراء الاصل في الاعسار عند الشك في هذا الامر - العدمي إذ لا يرد عليه شئ مما ذكرهقدسسره كما لا يخفى والعجب مما ذكره أخيرا من العلم بانقطاع العدم الثابت أولا فإن غاية ما يمكن ادعاء العلم بالنسبة إليه هو انقلاب العدم إلى الوجود بقول مطلق وأما انقلاب تلك المرتبة الخاصة من العدم المعتبرة في العسر الملحوظة بالنسبة إلى المرتبة الواجد لها اليسر إلى الوجود بحسب العادة فكلا هذا مجمل القول بالنسبة إلى المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول بعد الاعتراف بكون العسر واليسر ضدين انه ليس الشرط في وجوب الانظار وحرمة المطالبة بحسب الشرع هو العسر باعتبار الامر الوجودي الملحوظ فيه حتى لا يمكن الحكم بوجوب الانظار عند الشك فيه من حيث الشك في تحقق شرطه حينئذ بل الحق ان اليسار شرط في جواز المطالبة فيحكم عند الشك فيه بعدم الجواز نظرا إلى أصالة عدم تحقق شرطه وهو اليسار والدليل على ما صرنا إليه بعد القطع بعدم ترتب الاحكام الشرعية على ذلك الامر الوجودي حسبما عرفت الاشارة إليه بل على العسر باعتبار أمر عدمي هو عدم الشرط الذي هواليسار قوله تبارك وتعالى فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة توضيح الدلالة ان صدر الآية هو قوله وإن كان ذو عسرة ظاهر في كون الاعسار شرطا بل سببا بمقتضى القضية الشرطية لوجوب الانظار والامهال وحرمة المطالبة لكن يحتمل أن يكون شرطيته لذلك باعتبار الامر الوجودي المعتبر فيه فيدل على مطلب الخصم أو باعتبار الامر العدمي المعتبر فيه فلا يدل على مطلبه بل يدل حينئد على مطلبنا ولكن ذيل الآية وهو قوله تعالى فنظرة إلى ميسرة كالصريح في كون الشرط في جواز المطالبة هو اليسار بمقتضى الغاية فهو معين لاحد الاحتمالين في جانب الصدر فيكون الآية حينئذ دليلا على كون الشرط في جواز المطالبة هو اليسار المستلزم
لكون عدمه المعتبر في العسر سببا لحرمة المطالبة ووجوب الامهال هذا كله إن لم نقل بظهور صدر الآية في كون الشرط في وجوب الانظار هو العسر باعتبار الامر الوجودي المعتبر فيه بل قلنا بكونه محتملا له كما يحتمل لما ذكرنا على السوية.
وأما لو قلنا بكونه ظاهرا فيما ذكره الخصم فلا ريب ان ظهور ذيل الآية الشريفة مع ذلك حاكم على هذا الظهور كما لا يخفى على ذوي الشعور وعليك بالتأمل في كلمات الاصحاب تجدها منادية بما ذكرنا هذا مجمل القول في الآية الشريفة وأما دلالة الاخبار الواردة في الباب على ماذ كرنا فغنية من أن تحتاج إلى البيان كما لا يخفى لمن اطلع عليها وتأمل فيها فتبين مما ذكرنا فساد ما توهمه بعض المتأخرين من أن المستفاد من قوله تبارك وتعالى وإن كان ذو عسرة الآية كون العسر شرطا في حرمة المطالبة ووجوب الانظار ثم ان ما ذكرنا وإن كان أمرا واضحا لكل أحد إلا أنه لما قد ناقش فيه بعض الاجلة أردنا الاشارة إليه حتى لا يقع غيره في خلافه.
ثم ان هنا إشكالين أوردهما شيخنا الاستاد العلامة دام ظله على جملة من الاصحاب لا بأس بالاشارة إليهما وإلى ما ذكره دام ظله في دفعهما.
أحدهما ان الظاهر من جماعة بل نسب إلى الشهرة سماع البينة من المعسر في المقام كما يكتفى منه باليمين اتفاقا حسبما عرفت القول فيه وهو الظاهر من المصنف أيضا فيما عرفت من عبارته في كتاب المفلس فإن قوله فإن وجد البينة قضى بها مع ملاحظة ما ذكره من التفصيل هنا صريح أو ظاهر في الاكتفاء بالبينة في الصورتين صورة سبق المال وصورة عدم سبقه لان الاطلاق في مقام البيان يفيد العموم في الكلام حسبما صرح عليه الاعلام في علم الاصول والفروع ومن الشهيدين في اللمعة وشرحها قال الشهيد الاول في اللمعة في كتاب القضاء فإذا ادعى الاعسار وثبت صدقه ببينة مطلعة على باطن أمره أو بتصديق خصمه له أو كان أصل الدعوى بغير مال وحلف ترك انتهى كلامه وهو كما ترى ظاهر في الاكتفاء بالبينة مطلقا سواء كان الدعوى مسبوقة بمال أو لا فإنه وإن قيل ان المنفصلة ظاهرة في الحقيقة إلا أنها في خصوص المقام ظاهرة في منع الخلو كما لا يخفى على من تأمل فيها مضافا إلى القطع بعدم الفرق بينهم في كفاية تصديق الخصم بين الصورتين والقول بكونها منفصلة حقيقة بالنسبة إلى البينة ومانعة الخلو بالنسبة إلى تصديق الخصم فاسد جدا كما لا يخفى.
وبالجملة لا إشكال في ظهور كلمات جمع منهم في سماع البينة في المقام أيضا إن لم ندع صراحتها وهو مخالف ومناقض لما يظهر منهم في الاستدلال بكفاية اليمين بكون قوله موافقا للاصل وكونه منكرا فإنه إن كان منكرا حسبما هو الظاهر من الاكثر فما وجه سماع البينة منه مع أنه لم نقف على منكر يسمع منه البينة في مورد من الموارد في الشرع وإن وقفنا على سماع اليمين من المدعي في موارد عديدة وإن كان مدعيا مع أنه خلاف الظاهر منهم فما وجه الاكتفاء باليمين مع ان شأن المدعي ووظيفته بحسب اصل الشرع إقامة البينة.
ثانيهما ان الظاهر ممن يقول بسماع البينة في المقام هو القول بسماع البينة مستقلا من غير احتياج إلى انضمام اليمين إليها والالزام لغوية البينة لقيام الاجماع حسبما عرفت على الاكتفاء باليمين مستقلا والظاهر من جماعة منهم المصنف على ما سيجئ توقف سماعها على انضمام اليمين معها في المقام الثاني فيما لو شهدت على الاعسار لا على التلف معللا ذلك باحتمال تجدد حدوث المال بحسب الواقع بحيث لم تعلم به البينة فإن كان
هذا الاحتمال مؤثرا في الاحتياج إلى اليمين فما الفرق بين المقامين فإن هذا الاحتمال كما هو موجود في لمسبوق بالمال كذلك موجود في غير المسبوق به وإن لم يكن هذا الاحتمال موثرا في ذلك فما وجه القول بالاحتياج نعم لو كان لو كان مستند الاحتياج إلى اليمين هو احتمال عدم التلف في المقام الثاني م يكن وجه للنقض عليهم بما ذكر لعدم وجود هذا الاحتمال في المقام حسبما هو المفروض في المسألة هذا حاصل ما ذكره الاستاد العلامة في تقرير الاشكالين.
وأما ما ذكره في التفصي عنهما فحاصل ما ذكره في التفصي عن الاشكال الاول يرجع إلى وجوه أربعة.
أحدها عدم الالتزام بسماع البينة في المقام كما هو ظاهر جماعة لعدم دليل على ذلك بل ظاهر الادلة هو عدم الاكتفاء بها فيه فإن الظاهر من قوله البينة على المدعي واليمين على انكر هو عدم سماع البينة من المنكر من وجوه ثلاثة أحدها تعريف البينة باللام فإنه يدل على انحصار سماع البينة في حق المدعي وكونها وظيفة له أما من جهة دلالته على الاستغراق وأما من جهة ما ذكره علماء النحو والبيان والاصول من أن المستند إليه إذا كان معرفا باللام يفيد حصره على الخبر وإن قلنا بكون لام التعريف حقيقة في تعريف الجنس فيصير حاصل معنى الرواية على التقدير الاول ان كل فرد من أفراد البينة على المدعي لا يتعداه إلى غيره فلو كان فرد من أفراد البينة ثابتا لغير المدعي لكانت القضية كاذبة وعلى التقدير الثاني إن طبيعة البينة منحصرة في حق المدعي ومعلوم دلالته على عدم سماع البينة من المنكر كما ان قوله واليمين على من أنكر أيضا يدل على عدم الاكتفاء من غير المنكر باليمين هذا.
ولكن يمكن المناقشة في دلالة لفظ البينة على الحصر بناء على كون اللام للجنس فإن الظاهر من كثير ممن ذكر ان المسند إليه إذا كان معرفا باللام يفيد الحصر هو ما إذا كان المسند إليه وصفا كما في قولك الامير زيدا والشجاع عمروا والكرم في العرب أو المنطلق زيد إلى غير ذلكوهو الذي يساعد عليه العرف أيضا وأما القول بدلالته على الحصر مطلقا فلم يظهر منهم ولا يساعد عليه العرف أيضا كما يعلم من الرجوع إلى موارد الاستعمالات وإن كان يظهر من بعض إطلاق القول بدلالته على الحصر الشامل للمقام إلا انه خلاف مقتضى التحقيق لكن يمكن أن يقال مع ذلك بإفادته العموم من جهة الحكمة كما في قوله تعالى أحل الله البيع وهذا وإن لم يكن عموما لفظيا إلا أنه يكفي فيما نحن بصدده ثانيها تعريف المدعي والمنكر باللام فإنه يدل من جهة أحد الوجهين المذكورين في الوجه السابق بانحصار البينة للمدعي واليمين للمنكر فيصير الحاصل ان كل مدع عليه البينة و كل منكر عليه اليمين فلو كان هناك منكر عليه البينة أيضا لكذبت هذه القضية كما لا يخفى فلا بد أن لا يكون هناك منكر يسمع منه البينة وهذا هو الذي مطلوبنا من دلالة الرواية على الاختصاص ثالثها تفصيلهصلىاللهعليهوآله بين المدعي والمنكر باثبات البينة عليه واليمين على المنكر فإنه يدل على عدم سماع البينة من المنكر لما تقرر في الاصول من أن التفصيل قاطع للشركة.
فإن قلت انا نسلم دلالة الرواية على حصر البينة على المدعي حسبما ذكرته إلا انا نقول ان المحصور ليس أصل تشريع البينة بل الزامها وطلبها بمعنى انه لا يلزم بالبينة إلا المدعي لا انه لا يسمع البينة إلا من المدعي فحديث الدلالة على الحصر أجنبي عما نحن فيه وإنما المهم تعيين المحصور حتى ينفعك.
قلت ان من المعلوم لكل أحد ان إلزام المدعي بالبينة والمنكر باليمين ليس إلزاما نفسيا مستقلا ولا
غيريا مقدميا بالمعنى المعروف بل هو إلزام شرطي وإرشادي بمعنى انه لو أراد المدعي اثبات ما يدعيه فطريق اثباته هذا لا غير وإن أراد المنكر اثبات ما يدعيه فطريق اثباته اليمين لا غير فيطلب منه اليمين من جهة كونها مثبتا لما يدعيه فلو كانت البينة أيضا مثبتة له لكان الزامه بخصوص اليمين غير جائز بل لا بد حينئذ من الزامه باحديهما تخييرا كما لا يخفى فتدل الرواية على أن أصل سماعها مختص بالمدعي فظهر مما ذكرنا فساد ما ذكره بعض المحققين من أن التفصيل قاطع للشركة من حيث اللزوم لا من حيث الجواز هذا مجمل القول بالنسبة إلى قولهصلىاللهعليهوآله البينة على المدعي واليمين على من أنكر وكذلك الكلام بالنسبة إلى ساير ما ورد في ذا الباب فإنه أيضا ظاهر فيما ذكرنا كما لا يخفى لمن راجع إليه بل بعضه صريح فيما ذكرنا مثل خبر منصور عن الصادقعليهالسلام قلت له رجل في يده شاة فجاء رجل فادعاها وأقام البينة العدول انها ولدت عنده لم يبع ولم يهب وجاء الذي في يده بالبينة مثلهم عدول انها ولدت عنده لم يبع ولم يهب قال أبوعبداللهعليهالسلام حقا للمدعي ولا أقبل من الذي هي في يده بينة لان الله عزوجل أمر ان يطلب البينة من المدعي فإن كانت له بينة وإلا فيمين الذي هي في يده هكذا أمر الله عزوجل وصراحته فيما ذكر واضح وقد يستدل أيضا بما روي ما حاصله أنه قد اوحى إلى نبي من الانبياء فاحكم بينهم بالحق واضفهم إلى اسمى هذا لمن لم يكن له بينة الحديث هذا حاصل ما يذكر في الوجه الاول لكن فيه مضافا إلى ما سيجئ من عدم دلالة ما ذكر على ما ذكر انه ليس دفعا للاشكال عمن يقول بسماع البينة من المنكر بل هو التزام بورود الاشكال عليه ثانيها القول بأن مدعي الاعسار مدع ليس منكرا حسبما حكاه الاستاد دام ظله عن بعض المحققين في تعليقاته على الروضة فيكون سماع لبينة منه على وفق الاصل والاكتفاء باليمين على خلافه ثابتا بالدليل من إجماع وغيره وهذا أيضا مثل سابقه فإنه أيضا لا يدفع الاشكال الوارد على الجماعة فإن الظاهر منهم حسبما عرفت كونه منكرا بل هو التزام بورود الاشكال عليهم ثالثها القول بكونه مدعيا ومنكرا نظرا إلى ما عرفت من اعتبار أمرين في مفهوم الاعسار الوجودي والعدمي فبالاعتبار الاول يكون مدعيا وبالاعتبار الثاني منكرا فيراعي في كل وظيفته بحسب الشرع وهذا الوجه أضعف الوجوه وأردئها كما لا يخفى رابعها وهو الذي ينبغي أن يعتمد عليه واختاره الاستاد العلامة دام ظله العالي أيضا المنع من عدم سماع البينة من المنكر ودلالة ما ذكر من قوله البينة على المدعي الرواية وخبر منصور على المنع ممنوعة بل ظاهر الادلة سماعها منه أما عدم دلالة قوله البينة على المدعي فلانه وإن كان ظاهرا في عدم سماع البينة من المنكر بحسب ما يترائى ويظهر منه في بادى النظر من جهة أحد الاسباب المذكورة من تعريف البينة واليمين والمدعي والمنكر وملاحظة التفصيل إلا أن المستفاد منه بالتأمل في خصوص المقام هو كون سماع اليمين من المنكر من جهة التخفيف بعدم الزامه بإقامة البينة لا أنه إذا أقام البينة لا تسمع منه فيكون قوله اليمين على من أنكر بعد قوله البينة على المدعي الظاهر في التشديد نظير الامر الوارد قيب الحظر أو الحظر الوارد في مقام توهم الوجوب فيكون ظاهرا في أنه يكتفى منه باليمين أيضا لا أنه لا تسمع منه إلا البينة كما في المدعي فيكون معنى قوله البينة على المدعي أي لا يسمع منه غيرها ومعنى قوله واليمين على من أنكر أي يكتفى منه بما لا يكتفى من المدعي وهو اليمين لا أنه لا يسمع منه ما يسمع من المدعي وهو البينة وهذه الاستفادة إنما هي من جهة شدة الامر في طرف البينة وسهولته في طرف اليمين فيكون اثباته بعدها كاشفا عن كونه من جهة الترخيص لا العزيمة.
وأما الدليل على كون اليمين مبنية على التخفيف فأمور أحدها ملاحظتها مع البينة مع قطع النظر عن
شئ آخر فإنه لا إشكال في كون الاقدام على اليمين للشخص أسهل من إقامة البينة.
لا يقال كيف تقول ان الاقدام باليمين أسهل للناس مع أنا نرى بالوجدان ان الاقدام باليمين لكثير منهم أصعب من كل شئ.
لانا نقول أولا كون الاقدام بها مشكلا أو أشكل من البينة لبعض الناس لا ينافي كونها بالنوع أسهل من البينة لاكثر الناس ألا ترى ان كثيرا من الناس يحلفون بمجرد الادعاء عليهم من دون طلب اليمين منهم أصلا وثانيا نمنع أصعبية الامر بالنسبة إلى اليمين بقول مطلق لجميع الناس نظرا إلى ملاحظة اليمين مع قطع النظر عن الشرع وأما ما يترائى من صعوبة الاقدام عليها فإنما هو من جهة عظم الحلف بالله واحترامه في الشرع لا بالنظر إلى ذات اليمين وإلا فالقاطع بصدق ما يدعيه لا يتابى عن اليمين أصلا وكلامنا إنما هو في إثبات التخفيف والتشديد مع قطع النظر عن ملاحظة الشرع ثانيها ملاحظة تعليلات الاصحاب في الموارد التي يكتفى من المدعي باليمين بأنه لو لم يكتف منه لزم إبطال دعواه في أكثر الاوقات من جهة عسر إقامة البينة عليه أو انسداد باب قبول الامانات لو كلف الامين المدعي للتلف بالبينة إلى غير ذلك.
فإن من لاحظها وتأمل فيها يقطع بكون اليمين عندهم مبنية على التخفيف ثالثها ملاحظة الاخبار الواردة في سماع اليمين من المدعي في المواضع المخصوصة كما إذا كان أمينا فأن أكثرها معللة بما ذكره الاصحاب رابعها الاخبار الواردة في القسامة فإن من احظها يقطع بكون الاكتفاء باليمين في كل مورد يكتفى بها من جهة التخفيف وهي كثيرة جدا معلومة لمن راجع ذلك الباب إلا أنا نذكر بعضها لتوضيح الامر وهو رواية زرارة ان الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم حكم في أموالكم ان البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وحكم في دمائكم ان البينة على من ادعى عليه واليمين على من ادعى لكيلا يطل دم امرإ مسلم ولا يخفى عليك ان فيها دلالة ظاهرة على كون الاكتفاء باليمين من جهة التخفيف من جهتين احديهما التعليل الذي في ذيلها وهو قوله لكيلا يطل دم امرإ مسلم وهو موجود في كثير من اخبار الباب ثانيتها قيام الاجماع على سماع البينة من المدعي في المقام أيضا فتدل على كون الاكتفاء باليمين من جهة التخفيف وأنت إذا تأملت هذه الرواية حق التأمل تجدها دالة على سماع البينة من المنكر أيضا سيما بملاحظة الاجماع المذكور فإنه إذا كان الاكتفاء باليمين من المدعي في المقام من جهة الرخصة لا العزيمة وانحصار وظيفته فيها كان الاكتفاء بها في عكسه أيضا وهو ما نحن فيه كذلك لقضية التعاكس فيندفع به ظهور المدعى من قوله البينة على المدعي الحديث من جهة التعريف أو التفصيل في عدم سماع البينة من المنكر وهذا الذي ذكرنا أمر واضح لمن له أدنى تدبر فتدبر.
ثم ان هنا أيضا روايات تؤيد ما ذكرنا من كون الاكتفاء باليمين من المنكر من جهة الرخصة والتخفيف لا العزيمة والتعيين لا بأس بالاشارة إلى جملة منها.
منها ما رواه في الوسائل عن العيون من تعليل الامامعليهالسلام الاكتفاء باليمين من المنكر بأنه جاحد ولا يمكنه إقامة البينة فإن هذا كما ترى صريح في كون الاكتفاء منه باليمين من جهة رفع الصعوبة عنه ثم أقول ان من التأمل في الرواية ينفتح باب آخر للجواب عن قوله البينة على المدعي من غير أن يستلزم تصرفا في ظهوره أصلا بل يكون عملا بحسب ما يظهر منه من الحصر توضحيه ان الظاهر من التعليل بقوله لانه جاحد ان المنكر من حيث انكاره وجحوده يكتفى منه باليمين فلو كان لانكاره ثبوتية تسمع البينة بالنسبة إليها لانه في الحقيقة بالنسبة إليها يكون مدعيا فإذا اختلف المؤجر والمستأجر في إجارة الدار مثلا فقال المؤجر انها عشرة
دنانير والمستأجر انها خمسة وأقام المستأجر بينة على كونها خمسة تسمع منه لان سماع البينة منه من هذه الحيثية ليس من حيث انكاره بل من حيث اثباته وان استلزم نفيا يكون منكرا بملاحظته فحينئذ نقول ان معنى قوله البينة على المدعي الرواية أن المنكر من حيث انكاره لا تسمع منه البينة أصلا ولا يكتفى منه إلا باليمين ولكن لو كان لما يدعيه جهة ثبوتية كما فيما ذكر من المثال وما نحن فيه حيث انك قد عرفت ان الاعسار ركب من أمر وجودي وعدمي لا مانع من سماع البينة منه بالنسبة إليها بل الرواية حينئذ تدل على سماع البينة منه بالنسبة إليها لما قد عرفت من كونه من هذه الحيثية مدعيا فالرواية حينئذ من الادلة على ما اخترنا من سماع البينة من المنكر فإنا لا نقول بل لم يقل أحد يعتد به بسماع البينة من المنكر إذا كان نافيا محضا بل المراد من سماع البينة منه هو ما إذا كان مثبتا في الجملة وإن كان نافيا في الجملة أيضا هذا.
ولكن يرد على ما ذكرنا من البيان إشكالان أحدهما ان هذا البيان مناف لما ذكرته في معنى الرواية مستشهدا بالامارات المذكورة من كون ايجاب اليمين على المنكر من جهة التخفيف لا التعيين لانه يقتضي سماع البينة من المنكر ولو من حيث انكاره ثانيهما ان لازم ما ذكرنا من البيان الاحتياج إلى اليمين أيضا فيما لو كان للانكار جهتان وجودية وعدمية فعلى المنكر البينة من الجهة الاولى واليمين من الجهة الثانيه والمقصود اثبات البينة للمنكر بحيث تغني عن اليمين وإلا لزم كون البينة لغوا لدلالة الاجماع والاخبار على كفاية اليمين من المنكر مستقلا فانضمام البينة إليها كالحجر الموضوع في جنب الانسان فالمقصود من القول بسماع البينة منه سقوط اليمين عنه معها كما لا يخفى وقد عرفت ان الرواية بالبيان المذكور لا تدل على ذلك بل تدل على خلافه فالقول بحمل الرواية على ظاهرها وعدم التصرف فيها أصلا مع القول بسماع البينة من المنكر بالمعنى المتنازع فيه لا يصغى إليه هذا.
ولكن يمكن الجواب عن الاشكالين أما عن الاول فبأن ما ذكرنا من الجواب والبيان ثانيا من حمل الرواية على ظاهرها إنما هو مع قطع النظر عما ذكرنا أولا من كون الامر في طرف المنكر مبنيا على لتخفيف وأما عن الثاني فبأن جميع أقسام الانكار يرجع إلى أربعة انكار يرجع إلى وجودي فقط كما في قول ذي اليد في مقام الدعوى حسبما صرح به جماعة من كونه منكرا وبينته بينة الداخل وانكار يرجع إلى عدمي كذلك كما في كثير من الموارد وانكار يرجع إلى وجودي مسبب من العدم في الخارج كما في ادعاء الاعسار فإن تحقق الاعسار في الخارج من جهة عدم المال واليسار المعتبر فيه مفهوما وإنكار يرجع إلى أمر وجودي وعدمي غير منفك احدهما عن الآخر اما من جهة اللزوم أو التقارن ومعلوم ان ما يرد عليه الاشكال المذكور هو القسمان الاخيران من الانكار وأما الاولان فلا يرد عليهما إشكال أصلا إذ نحكم في الاول بسماع البينة على ما اخترناه من سماع البينة من المنكر بالبيان المذكور وفي الثاني باليمين على ما ذكرنا من عدم سماع البينة من المنكر إذا كان الانكار نفيا فقط فنقول في التفصي عن الاشكال بالنسبة إلى القسمين الاخيرين أما عن الاول فبأن معنى الحكم بثبوت الامر الوجودي في هذا القسم هو الحكم بتحقق ما هو سبب له وهو الامر العدمي لان معنى الحكم بتحقق المسبب هو الحكم بتحقق السبب فهو يتحقق باثبات مسببه من غير احتياج إلى اثباته باليمين كما ان معنى الحكم بتحقق العدم بمقتضى اليمين هو الحكم بتحقق الوجود المسبب عنه من غير احتياج إلى إقامة البينة في طرفه وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا وأما عن الثاني فبأن عدم الانفكاك بينهما إن كان من جهة المقارنة الاتفاقية فلا إشكال في الاحتياج إلى اليمين في طرف العدم لو أريد اثباته ونحن نلتزم بذلك أيضا
وإن كان من جهة الملازمة بينهما فيمكن أن يقال فيه بما قلنا في القسم الاول فنقول ان الحكم بتحقق الملزوم معناه الحكم بتحقق لازمه وكذا الحكم بتحقق اللازم معناه الحكم بتحقق ملزومه ويمكن أن يلتزم فيه بالاحتياج إلى اليمين أيضا لكن يرد عليه حينئذ ما ذكر من الاشكال من لزوم كون البينة حينئذ لغوا فتأمل.
ومنها ما روي انه لو ادعى الحمال انه انخرق الزقاق وذهب منه الزيت لا يسمع منه تلك الدعوى و يجب عليه إقامة البينة عليها معللا بما حاصله انه لو لم يكلف بالبينة واكتفى منه باليمين لانجر إلى تلف أموال الناس كثيرا لانه يدعي كل حمال حينئذ انه انخرق الزقاق ودلالته على كون الامر في طرف البينة مبنيا على التشديد وفي اليمين على التخفيف واضحة لانه يدل على أن عدم الاكتفاء باليمين منه مع كونه أمينا من جهة تشديد الامر عليه بتكليفه بإقامة البينة حتى لا ينجر إلى تلف أموال الناس كثيرا إلى غير ذلك من الروايات الواقف عليها المتتبع في كتب الاخبار هذا كله بالنظر إلى عدم دلالة البينة على المدعي واليمين على من أنكر على الحصر المذكور.
وأما عدم دلالة خبر منصور على ما ذكرنا من الحصر وعدم سماع البينة من المنكر واليمين من - المدعي مضافا إلى عدم صحة سنده وموافقته لما نقل عن ابن حنبل فبأن المراد من قولهعليهالسلام لا أقبل ن الذي هي في يده بينة انه لا يقبل منه عند التعارض وإقامة المدعي البينة على طبق ما يدعيه لا أنه لا يقبل منه البينة و إن لم يكن هناك بينة من المدعي أصلا فالرواية دليل على تقديم بينة الخارج على الداخل كما هو المشهور لا على عدم سماع بينة الداخل وإن لم يكن في مقابلها بينة الخارج هذا ولكن الانصاف ظهورها في المدعى سيما بملاحظة التعليل والتفريع بقوله فإن كانت له بينة الخ فالاولى رده بالقدح في سنده كما صنعه جماعة هذا بالنسبة إلى خبر منصور وأما ما ذكر من الخبر أخيرا فمعلوم أنه لا دلالة له أصلا هذا.
فالانصاف ان القول بسماع البينة من المنكر لا يخلو عن وجه بالنظر إلى ما ذكرنا سيما بملاحظة فتوى جمع من الاصحاب في كثير من الفروع بسماعها منه من غير إشكال فيه لا يخفى لمن راجع إلى كتبهم قال الشهيد الثاني في هامشه على قول المصنف فيما سيأتي إذا اتفقا على استيجار دار معينة الخ ما هذا لفظه اذا اتفق الموجر والمستأجر على استيجار الدار المعينة مثلا ومدة الاجارة واختلفا في قدر الاجرة فادعى الموجر انها عشرة دنانير مثلا وادعى المستأجر انها خمسة فلا يخلو اما ان لا يقيم كل واحد بينة على مدعاه أو يقيماها أو يقيمها أحدهما خاصة إلى أن قال وأما الاخيرة فحكمها واضح لان من أقام البينة حكم له دون الآخر انتهى وهذا كما ترى صريح في سماع البينة من المنكر لان مدعي الخمسة في المثال منكر قطعا بل صريح في وضوح الامر في سماعها من المنكر وهذا الكلام ليس مختصا به بل ذكره غيره أيضا فراجع إلى كلماتهم في هذا الفرع وراجع إلى ما ذكروا أيضا في كتاب الغصب من أنه لو ادعى الغاصب تلف المال المغصوب فإن جماعة ذكروا نه يسمع قوله مع يمينه معللا ذلك بأنه لو لم يكتف منه باليمين لزم خلوده في الحبس وأورد عليهم جماعة أخرى بالنقض بما لو أقام المالك بنية على البقاء فإن لازمه أيضا الخلود في الحبس وأجابوا عنه بأن البينة مثبتة للبقاء كما لو علم ببقائه فلا يضر معها الالزام بحبسه حتى يخرج من الحق فإن في هذا الايراد والجواب دلالة ظاهرة على ما ذكرنا من سماع البينة من المنكر بل يدل هذا الفرع على كون السماع من المسلمات بينهم وإلا لما أوردوا بالايراد المذكور ولما أجابوا عنه بالجواب المزبور لان الجواب بعدم سماع البينة من المالك لكونه منكرا
أولى بل المتعين بالنسبة إلى الجواب المذكور كما لا يخفى وأنت إذا تتبعت كلماتهم في الفروع الفقهية تجدها ناطقة بسماع البينة عندهم من المنكر في الجملة فراجع وتتبع.
ثم انه قد يتمسك لما قويناه من سماع البينة من المنكر بحسب القاعدة بوجهين آخرين أحدهما العمومات والاطلاقات الدالة على حجية البينة والحكم بها مطلقا وفيه انه على تقدير تسليمها لا تنفع في مقام المقاومة لما أقامه الخصم نعم لو تعارض الادلة من الطرفين وتكافئت لتعين الرجوع إليها على فرض تسليمها اما لكونها مرجحة لما وافقها أو مرجعا بعد تساقطها ولعل مراد المستدل بها أيضا يكون ذلك ثانيهما الاخبار - الواردة من الائمة المدعى دلالتها على المدعى وهي طائفتان احديهما ما ورد في تقديم بينة الداخل إذا تعارضت مع بينة الخارج وهي اخبار سيأتي ذكرها في تعارض البينتين والجواب عنها ثانيتهما ما ورد في غير ذلك وهي أيضا اخبار إلا انا نقتصر على ذكر بعضها فمنها ما رواه الكليني في الصحيح عن حماد بن عثمان قال بينما عيسى بن موسى في داره التي بالمسعى تشرف على المسعى إذ رأى أبا الحسن موسىعليهالسلام مقبلا من لمروة على بغلة فأمر ابن صباح رجلا من همدان منقطعا عليه أن يتعلق بلجامه ويدعى البغلة فأتاه فتعلق باللجام وادعى البلغة فثنى ابوالحسن رجله وتنزل عنها وقالعليهالسلام لغلمانه خذوا سرجها وادفعوها إليه فقال والسرج أيضا لي فقالعليهالسلام كذبت عندنا البينة بأنه سرج محمد بن عليعليهالسلام وأما البغلة اشتريناها منذ قريب وأنت أعلم وما قلت الحديث وجه الدلالة ان تكذيب الامامعليهالسلام لمدعي السرج بأن عندنا البينة مع كونهعليهالسلام منكرا يدل على سماع البينة من - المنكر وإلا معنى لما ذكره وهذا وإن لم يكن في مقام المرافعة إلا أنه مع ذلك يدل على سماع البينة من المنكر.
ومنها ما روي عن أبي عبداللهعليهالسلام في حديث فدك ان أمير المؤمنينعليهالسلام قال لابي بكر أتحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين قال لا قال فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه ثم ادعيت أنا فيه ممن تسئل - البينة قال إياك كنت أسئل البينة على ما تدعيه على المسلمين قالعليهالسلام فإذا كان في يدي شئ فادعى فيه المسلمون سئلني فيه البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعده ولم تسئل المؤمنين على ما ادعوا كما سئلتني البينة على ما ادعيت عليهم إلى أن قال وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله البينة على من ادعى اليمين على من أنكر ورواه الطبرسي في الاحتجاج وجه الدلالة انه لو كان إقامة البينة للمنكر بلا فائدة وغير مجوزة أصلا لكان ينبغي له أن يجادل به مع أبي بكر فإن المقام مقام ذلك بل هو المتعين كما لا يخفى وقد يستدل برواية صفى بن غياث ورواية العلل أيضا.
وأنت إذا تأملت في هذه الروايات علمت عدم دلالتها على المدعى سيما رواية فدك بل يظهر للمتأمل فيها باعتقادي القاصر كون دلالتها على خلاف المدعى أظهر فإن الظاهر من قولهعليهالسلام اتحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين الخ انه لا يجوز طلب البينة من المنكر بل محله اليمين ليس إلا سيما بملاحظة قولهعليهالسلام خيرا وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله البينة على من ادعى الخ هذا ولكن يمكن أن يقال ان مرادهعليهالسلام من الرد عليه انما هو من جهة تعيينه البينة عليهعليهالسلام والحال ان للمنكر الحلف بالله لكنه أيضا خلاف الظاهر فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر فإن كلماتهم مضطربة في المسألة غاية الاضطراب هذا محصل ما ذكره الاستاد العلامة من الجواب عن - الاشكال الاول.
وأما ما ذكره في الجواب عن الاشكال الثاني فوجهان أحدهما أن يقال بعدم الاحتياج إلى اليمين في
المسبوق بالمال أيضا مطلقا سواء كانت الشهادة بالاعسار أو التلف كما هو مختار جماعة حسبما سيأتي تفصيل لقول فيه هذا ولكن قد عرفت ان مثل هذا الجواب ليس دفعا للاشكال عمن يفصل بين المقامين ثانيهما أن يقال بأن الوجه في الاحتياج إلى اليمين فيما لو شهدت البينة على الاعسار في المسبوق بالمال غير جار فيما نحن فيه فإنه من جهة احتمال بقاء اليسار الموجود سابقا ومعلوم ان هذا غير ات فيما لم يسبق بالمال أصلا كما لا يخفى وانتظر لتمام الكلام فيما ذكرنا من الجوابين في المقام الثاني هذا محصل الكلام فيما لم يكن دعوى الاعسار مسبوقة بيسار ولم تكن مالية أيضا.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو ما إذا كانت دعوى الاعسار مسبوقة بمال ويسار من المدعي بأن كان تاجرا كثير المال فيدعي الاعسار وتلف المال أو كانت الدعوى مالية كادعاء الدين والبيع ونحوهما مما يتضمن المال مع اعتراف المنكر (المدعي خ) بإعساره من غير جهة هذا المال فيرجع دعويهما إلى تلف هذا المال لمخصوص وعدمه وهذا هو الذي ذكره الاستاد العلامة في بيان المراد من كون الدعوى مالية وببالي انه يظهر من بعضهم في تفسيره ما يخالف ما ذكره دام ظله وكيف كان فيقع الكلام فيه في موضعين احدهما فيما لو شهدت البينة على التلف ثانيهما فيما لو شهدت على الاعسار ولا خلاف في سماع البينة من المدعي في الموضعين في الجملة لكونه مدعيا وعليه البينة بالاجماع والاخبار وإنما الخلاف في الاحتياج إلى انضمام اليمين وعدمه إلا من ثاني المحققين فإن الظاهر من كلامه عدم سماع البينة على الاعسار لكونه أمرا عدميا لا تقبل فيه البينة اتفاقا وقد يوجه به كلام من فصل بين الشهادة على الاعسار وبين الشهادة على التلف في الاحتياج إلى اليمين ولكن قد عرفت فساده سابقا فيما ذكرنا في معنى الاعسار من عدم كونه أمرا عدميا بل هو أمر وجودي باعتبار أمر عدمي نعم لو شهدت البينة على النفي الصرف كعدم اليسار أو عدم المال لم تسمع منه اتفاقا ولهذا اتفقت كلمتهم على أنها لو شهدت على الاعسار لا بد من أن تشهد على أمر وجودي حسبما هو ظاهر لمن تتبعها وسبرها سبرا إجماليا فإنه يظهر له ان هذا من المسلمات بينهم قال الشهيد الثاني في الروضة في شرح قول المصنف ويثبت صدقه فيه الخ ما هذا لفظه مراقبة له في خلواته واجدة صبره على ما لا يصبر عليه واجد المال عادة حتى ظهر لها قراين الفقر و مخايل الاضاقة مع شهادتها على نحو ذلك مما يتضمن الاثبات لا على النفي الصرف انتهى كلامه وذكر ما يؤدي هذا المعنى في المسالك أيضا ومثله ذكر غيره في غيره فراجع.
أما الكلام في الموضع الاول فيقع في مقامات أحدها ما لو شهدت على تلف المال الخاص كما في صورة ما لو كانت الدعوى مالية وشهدت البينة على تلفها ثانيها ما لو شهدت على تلف جميع الاموال في المسبوق باليسار ثالثها ما لو شهدت على تلف أمواله الظاهرة.
أما القول في المقام الاول فتحقيقه انه إذا شهدت البينة على ذلك يسمع منه ولا يحتاج إلى اليمين أصلا إلا فيما إذا ادعى المنكر عليه مالا آخر فإنه لا بد حينئذ من اليمين لرفع هذه الدعوى.
وأما القول في المقام الثاني فتحقيقه انه لا يخلو إما أن تشهد البينة على تلف جميع أمواله عن حس بحيث علم ذلك كما لو شهدت على هبة جميع أمواله أو صلحها أو بيعها أو صدقتها إلى غير ذلك أو تشهد على تلفها عن حدس واعتقاد بحيث علم كون شهادته على تلف الجميع من حيث الجميع مستندة إلى الحدس أو تشهد على لفها من غير أن يعلم بأحد الامرين أما الصورة الاولى فلا إشكال في عدم الاحتياج إلى اليمين أصلا كما لا يخفى وأما الصورة الثانية ففي عدم الاحتياج إلى انضمام اليمين إشكال قد عرفت وجهه فيما ذكرنا في بعض المسائل السابقة
من عدم الدليل على سماع الشهادة عن حدس فإنما تقبل فيما رجع الشاهد فيها إلى الحس.
فإن قلت بعد القول بانضمام اليمين فما الاحتياج إلى البينة وما يترتب عليها من الثمرة.
قلت بعد سماع البينة في الفرض فيما أمكن رجوعها إليه عن حس وانضمام اليمين لرفع الدعوى عما بقى ثمرة البينة رفع الحبس عن المدعى والخلود فيه كما لو لم يكن هناك بينة وهذا بخلاف المقام الاول فإن اليمين فيه علة تامة لرفع الدعوى من حيث كون مدعي الاعسار فيه منكرا فصار انضمامها موجبا للغوية البينة بخلاف ما نحن فيه فإنه فيه يكون مدعيا وعليه البينة فإن تمت من حيث الوفاء على تمام المدعى لم يحتج إلى اليمين أصلا بل وجودها كعدمها فيلزم لغويتها وإن لم تتم احتاج في اتمامها بحيث يرفع عن المدعي الخلود في الحبس إلى انضمام اليمين وأما الصورة الثالثة فإن قلنا بسماع البينة في الصورة الثانية فلا إشكال فيها وإن لم نقل بذلك حسبما عرفت فسماعها فيها وعدمه مبنيان على ما ذكرنا سابقا من أنه لو ترددت الشهادة أو مطلق اخبار العادل بين الحسن والحدس هل يحمل على الاول أو يتوقف وقد عرفت ان مقتضى القاعدة الاولية هو التوقف لعدم الدليل على الحمل على الاول فراجع وتأمل.
وأما القول في المقام الثالث فالظاهر الاحتياج إلى انضمام اليمين معها من حيث عدم شهادتها على تمام - المدعى كما هو المفروض وهو الظاهر أيضا من كلام بعض الاجلة هذا ملخص القول في الموضع الاول.
وأما الكلام في الموضع الثاني وهو الشهادة على الاعسار فلما لم ترجع إلى تلف جميع الاموال عن حس وعدم اليسار واقعا فإن ادعى المنكر وجود مال خفى على الشاهد فلا إشكال في الاحتياج إلى اليمين وإن لم يدع ذلك ففي الاحتياج إلى انضمامها وعدمه وجهان من انه لم يدعه المنكر والاصل عدمه ومن أن الشهادة لما لم ترجع إلى عدم اليسار واقعا فلم تتم في الدلالة على تمام الدعوى لانها الامر الوجودي المسبب عن عدم اليسار واقعا هذا ملخص ما ذكره الاستاد من التفصيل في الصور المذكورة.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المنقول من العلامةرحمهالله في التذكرة التفصيل بين الموضعين باحتياج الانضمام في الاول وهو ما لو شهدت البينة على التلف وعدمه في الثاني وهو ما لو شهدت على الاعسار وقد ذهب المصنف وجماعة إلى عكس ذلك وأثبتوا الاحتياج في الثاني دون الاول ووافقهم العلامة أيضا في غير التذكرة وذهب في موضع من التذكرة حسبما حكى عنه إلى عدم الاحتياج إلى اليمين أصلا كما هو مذهب جماعة محتجا بأن فيه كذيبا للشهود وبقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر والتفصيل قاطع للشركة انتهى.
فتلخص ان المنقول منهقدسسره في المقام أقوال ثلاثة ولا بد أن يكون مرادهرحمهالله من الاحتياج إلى انضمام اليمين فيما لو شهدت على التلف هو القول بالاحتياج في غير المقام الاول والصورة من صور المقام الثاني وإلا لم يكن له وجه أصلا كما لا يخفى فهو وإن أطلق القول بالانضمام إلا أن اطلاقه منزل على صورة الغالب وهو عدم شهادة البينة على تلف جميع الاموال عن حس وفي استدلاله الآتي إشارة إلى ذلك ويمكن أن يوجه ما ذكره حينئذ بما ذكرنا فراجع ويمكن أن يرجع إليه ما نقل عنه من الاحتجاج لما ذهب إليه بأن البينة إذا شهدت بالتلف كان كمن ثبت له أصل مال واعترف الغريم بتلفه وادعى مالا غيره فإنه يلزمه اليمين انتهى.
وأما نظر المصنف والجماعة القائلين بعكس العلامة في التذكرة فيمكن أن يكون في حكمهم بالاحتياج إلى الانضمام فيما لو شهدت على الاعسار إلى ما ذكرنا من أن البينة لا تنفي وجود المال بحسب الواقع فلا بد من انضمام اليمين ليكمل البينة وفي حكمهم بعدم الاحتياج فيما لو شهدت على التلف إلى أن الظاهر منها هو تلف الاموال جميعا
فلا يعتنى مع هذا الظهور باحتمال البقاء في الواقع ولكن يمكن الخدشة في هذا الوجه على اطلاقه بملاحظة ما ذكرنا سابقا من التفصيل وقد أورد عليهم جماعة أيضا بعدم استقامة هذا التفصيل لان مع قيام البينة ان جاز الاعتناء باحتمال وجود المال في الواقع لوجب الحكم بانضمام اليمين في المقامين وإلا كما هو مقتضى قول جماعة لا وجه للقول بالانضمام في المقامين أيضا هذا وقد ذكر بعض وجها لما ذكره المصنف والجماعة من التفصيل مدعيا ان مرادهم ذلك لا بأس بالاشارة إليه وهو انه بعدما شهدت البينة على الاعسار يصير قول المدعي ظاهرا والظاهر معه فينقلب منكرا وعليه اليمين بمقتضى العمومات والاطلاقات.
وفيه أولا انه مبني على تفسير المنكر بأنه من يدعي الظاهر والمدعي من يدعي خلافه وثانيا سلمنا كون المراد من المدعي والمنكر ما ذكره إلا أن من المعلوم لكل أحد ان مرادهم من الظهور والخلاف إنما هو بالنسبة إلى نفس الدعوى مع قطع النظر عن شئ خارج بمعنى ان من يكون نفس دعواه مخالفا للظاهر فهو المدعي كما في دعوى الزوج عدم المهر أصلا أو أقل من مهر المثل بناء على كونه مخالفا للظاهر ودعوى المشتري نقص الكيل أو الوزن مع كونه حاضرا حين الكيل والوزن ومن يكون نفس دعواه موافقا للظاهر فهو المنكر كالزوجة والبايع في المثالين المذكورين وثالثا انه لو بنى على ذلك لجرى بعينه في الشهادة على التلف لان بعد إقامة البينة يصير مدعي التلف قوله موافقا للظاهر ومنكره مخالفا له كما لا يخفى فهذا التوجيه مما لا ينبغي أن يصغى إلى أصلا وقد يوجه أيضا بوجه آخر يقف عليه المراجع إلى كلماتهم فأحسن التوجيه هو ما ذكرنا هذا آخر ما أردنا ذكره في المسألة وهو العامل بحقايق الاشياء.
ثم انه بقى هنا أمرو ينبغي التنبيه عليها.
الاول انه بعد ما ثبت اعسار المدعي له اما بالبينة أو اليمين فلا إشكال بل لا خلاف ظاهرا في عدم جواز حبسه للاصل والآية والرواية إلا عن الصدوق حيث انه اثبت الحبس فيما إذا صرف ما استدانه في المعصية ومستنده ضعيف لا يليق بالذكر.
الثاني انه بعد ما قلنا بعدم جواز الحبس فهل يسلم إلى الغرماء ليستعملوه أو يواجروه أم لا وجوه بل أقوال مقتضى الاصل والآية وأشهر الروايتين عدم التسليم وذهب الشيخ في النهاية إلى الاول استنادا إلى رواية السكوني عن الصادقعليهالسلام ان علياعليهالسلام كان يحبس في الدين ثم ينظر إن كان له مال اعطى الغرماء وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم اصنعوا به ما شئتم إن شئتم أجروه وإن شئتم استعملوه وهذه الرواية مع ضعفها معارضة بالآية ورواية غياث ورواية الاصبغ ورواية داود المذكورة في التهذيب في باب القضاء الدالة صريحة على خلافها فراجع وفصل ابن حمزة فقال إذا ثبت اعساره خلى سبيله إن لم يكن ذا حرقة يكسب بها وإلا دفعه إليهم ليستعملوه فيها وتمسك في ذلك برواية السكوني المتقدمة وهي مع ما فيها أعم من مدعاه.
الثالث انه بعدما قلنا بعدم جواز التسليم يجب عليه التكسب في قضاء الدين أو لا يجب عليه ذلك بل إذا تكسب وفضل معه من المؤنة وجب صرفه في قضاء الدين قولان ذهب جماعة منهم المصنف إلى لثاني والاكثر إلى الاول وهو الحق لكونه قادرا على وفاء الدين فيجب عليه واستدل المصنف والجماعة بظاهر الآية وهي غير ظاهرة كما لا يخفى على ذوي البصيرة لان غاية ما تدل عليه هو عدم جواز مطالبة الداين إلا بعد
اليسار وهو لا مدخل له بتكليف المديون والله العالم.
قوله فإذا حلف سقطت الدعوى ولو ظفر المدعي بعد ذلك بمال الغريم لم يحل له المقاصة الخ أقول الكلام في المسألة يقع في موضعين أحدهما في الدين وثانيهما في العين ثم الكلام في الموضع الاول يقع في مقامات أحدها في عدم جواز مطالبة المدعى وعدم سماع دعواه بعد الحلف فيما لم يقم المدعي بينة بما حلف عليه المنكر ثانيها في عدم سماع البينة بعد الحلف ثالثها في عدم جواز المقاصة له من مال الحالف لو كان الحالف كاذبا رابعها في انه بعدما قلنا بعدم جواز المقاصة وتقاص المدعي حراما وتلف المال فهل يقع التهاتر في البين أو لا بل يجب عليه أداء عوض ما تلف من مال الحالف وهل له ان يرتب على ما في ذمة الحالف ساير آثار المال غير التقاص كالاحتساب من الزكاة والخمس والصدقات أو لا يجوز له ذلك أيضا فيصير هذا المال مما لا أثر له في الدنيا أصلا ثم ان كلامنا في تلك المقامات في تكليف المدعي والحاكم وأما الحالف فيجب عليه التخلص عن الحق فيما بينه وبين ربه لو كان كاذبا بلا خلاف في ذلك.
فنقول أما الكلام في المقام الاول فالحق فيه سقوط الدعوى وعدم الجواز بالنسبة إلى المطالبة والسماع ويدل عليه مضافا إلى الاجماع بقسميه ما ستسمعه من النصوص الكثيرة.
وأما الكلام في المقام الثاني فالحق فيه أيضا عدم السماع مطلقا للاجماع المحكي عن الشيخ في الخلاف والغنية المعتضد بالشهرة المحققة مضافا إلى دلالة ما ستسمعه من النصوص المتظافرة عموما وإطلاقا وخصوص رواية ابن أبي يعفور هذا.
ولكن في المسألة أقوال أخر لا بأس بالاشارة إليها أحدها القول بسماعها مطلقا وهو المحكي عن الشيخ في موضع من المبسوط ومستنده غير معلوم ولعله عموم أدلة البينة المخصصة بما عرفته من الادلة ثانيها التفصيل بين ما إذا اشترط المنكر سقوط الحق باليمين وبين ما إذا لم يشترط ذلك فلا تسمع في الاول وتسمع في الثاني وهو خيرة جماعة كالمفيد وابن حمزة والقاضي على ما حكي عنهم محتجا بأن كل حالة يجب عليه - الحق بإقراره فيجب عليه بالبينة كما قبل اليمين وفيه أولا انه قياس وجمع بينهما في الحكم من غير دليل يقتضيه وثانيا ان الفارق في المقام موجود وهو قيام الاجماع ودلالة النص في الاقرار على السماع ودلالة النص على عدمه في البينة مضافا إلى كون الاقرار أقوى من البينة لما ذكرنا سابقا من كون المقر يلزم بإقراره ولو لم يكن عند الحاكم بخلاف البينة هكذا أجيب عن الاحتجاج المذكور ولكن في المقام جواب آخر يأتي تحقيقه في مسألة سماع الاقرار من المنكر الحالف وحاصله يرجع إلى أن المقر بإقراره يخرج عن موضوع ما دل على عدم جواز ترتيب أثر الحق على المحلوف عليه كذبا بخلاف البينة فإن في صورة قيامها الموضوع باق بحاله فلا يجوز سماعها وترتيب الاثر عليها وسيأتي توضيح ذلك إنشاء الله فانتظر هذا وذكر في المسالك بعد ذكر الجواب عن الاحتجاج المذكور بثبوت الفرق من جهة ثبوت القوة في الاقرار وعدمها في البينة ما هذا لفظه والحق ان الرواية إن صحت كانت هي الحجة والفارق وإلا فلا انتهى ومراده من الرواية هو رواية ابن أبي يعفور الآتية وأنت عرفت ثبوت الفرق بينهما لولا الرواية أيضا ثالثها التفصيل بين ما إذا لم يعلم بها أو علم ونسيها وبين غيره بالسماع في الاول وعدمه في الثاني وهو خيرة ابن إدريس حسبما حكى عنه ولم يظهر له مستند هذا مجمل القول في المقام الثاني.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو جواز المقاصة وعدمه فالحق فيه عدم الجواز للاجماع المحكي عن جماعة المعتضد بالشهرة المحققة القديمة والحديثة بل عدم الخلاف في المسألة ومثله حجة شرعية سبما
أثبتناه في الاصول مضافا إلى الروايات الواردة في المسألة من أهل العصمة والطهارة البالغة حد الاستفاضة عموما وخصوصا فمنها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللهعليهالسلام إذا أرضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقه واستحلف فحلف لا حق له عليه وذهبت اليمين بحق المدعي فلا حق له قلت وإن كانت له عليه بينة عادلة قال نعم وإن أقام بعدما استحلفه خمسين قسامة ما كان له وكان اليمين قد أبطل كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه ومنها قولهصلىاللهعليهوآله من حلف لكم بالله فصدقوه ومن سئلكم بالله فاعطوه وفي بعض النسخ استشهاد الامامعليهالسلام في الرواية المتقدمة بهذا الحديث بقوله في آخر الرواية قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من حلف لكم بالله فصدقوه الحديث مع انضمام وذهبت اليمين بحق المدعي ولا دعوى له ومنها ما في رواية أخرى عنهعليهالسلام في الرجل يكون له على الرجل المال فجحده قال ان استحلفه فليس له أن يأخذ منه شيئا وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه ومنها ما رواه الشيخ عن عبدالله بن وضاح قال قد كان بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم فقدمته إلى الوالي فاحتلفه فحلف وقد علمت انه حلف يمينا فاجرة فوقع له بعد ذلك أرباح ودراهم كثيرة فأردت أن أقبض الالف درهم التي كانت لي عنده واحلف عليها فكتبت إلى أبي الحسنعليهالسلام فأخبرته بالقضية فكتب إلي لاتأخذ منه شيئا إن كان قد ظلمك فلا تظلمه ولولا انك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذ منه من تحت يدك ولكنك رضيت بيمينه قد مضت اليمين بما فيها إلى غير ذلك من النصوص ودلالتها على عدم جواز التقاص ظاهرة صوصا الرواية الاخيرة فإنها صريحة فيه.
وأما الكلام في المقام الرابع وهو جواز ترتيب الآثار الاخر غير التقاص على المال الذي هو في ذمة - الحالف وعدمه فيكون هذا المال مما سلب أثره في الدنيا بالنسبة إلى المدعى فالحق فيه بالنظر إلى ما يظهر من النظر الاولى في الروايات المتقدمة عدمه فإن الظاهر منها بالظهور البدوي هو فرض المال الذي في ذمة المنكر الحالف كالمعدوم في عدم ترتب أثر عليه فإن الظاهر من قوله ذهبت اليمين بحق المدعي واليمين أبطل كل ما ادعاه قبله ومضت اليمين بما فيها بعد امتناع ارادة ذهاب أصل المال أو ابطاله ومضيه هو ارادة ذهاب جميع آثاره وابطال كلها ومضيها وكذلك قوله من حلف لكم بالله فصدقوه فإن الظاهر منه ترتيب جميع آثار لصدق عليه هذا ما يقتضيه النظر الجلي في الروايات.
وأما ما يقتضيه النظر الخفي والدقيق هو عدم صحة هذا المعنى والحكم بعدم التعميم بالنسبة إلى جميع الآثار بيان ذلك ان تقدير جميع الآثار في الرواية الاولى بعد امتناع ارادة ذهاب أصل المال وإن كان أقرب اعتبار إلى المعنى الحقيقي إلا أن الاقرب عرفا ليس هو ذلك بل الاثر الذي يلزمه التعرض لماله أو نفسه جهرا أو خفاء كالتقاص من ماله وبعبارة أخرى الآثار التي تسلتزم هتك حرمة اليمين والحلف بالله وأما الاثر الذي لا يلزمه التعرض لهما ولا يهتك به حرمة الحلف بالله كالاحتساب من الزكاة والصدقات والابراء إلى غير ذلك فلا يكون تلك الروايات ظاهرة عرفا في عدم ترتبه فلا يحكم بمقتضى تلك الروايات على نفيه وإن كان هو مقتضى أقربيته للاعتبار لانه قد ثبت في محله انه إذا دار أمر اللفظ بعد صرفه عن معناه الحقيقي بين حمله على معنى مجازي أقرب إلى المعنى الحقيقي عرفا وبين حمله على معنى مجازي يكون أقرب عليه اعتبارا يحمل على الاول وهذا نظير ماذكرنا في رد من تمسك بحديث الرفع على رفع جميع آثار التسعة المذكورة فيه بأقربيتها إلى المعنى الحقيقي من أن رفع جميع الآثار وإن كان أقرب اعتبار إلى رفع نفس تلك الاشياء إلا أن الاقرب عرفا هو خصوص رفع المؤاخذة عليها فلا بد من حمل اللفظ عليه بل يمكن أن يدعى ان عدم جواز التقاص أيضا لا يظهر منها أصلا
بل الظاهر منها خصوص عدم التعرض لها جهرا كمطالبته بالحق وتجديد الخصومة والمرافعة إلى غير ذلك من الآثار التي تترتب على الحق في مقام المرافعة فيكون الظاهر منها نفي الاثر الذي يطلب في مقام المرافعة لا ير فتلك الروايات العامة لا تدل على عدم جواز المقاصة أيضا إلا أنه قد ثبت بالاجماع والاخبار الخاصة عدم جوازها بعد حلف المنكر.
والحاصل ان الظاهر من الروايات بعد التأمل فيها هو سقوط خصوص المرافعة واحكامها وأما ساير - الاحكام التي تترتب على وجود المال واقعا فلا دلالة فيها على نفيها ولا عموم فيها بالنسبة إليها أصلا فإن كان هناك دليل آخر يدل على رفع غيرها من الآثار كما في باب المقاصة نحكم بمقتضاه وإلا فيرجع إلى ما يقتضيه القواعد المحكمة الثابتة مثل الناس مسلطون على أموالهم وغيره فنحكم بجواز ترتيب ساير الآثار كما قبل الحلف وهكذا الكلام بالنسبة إلى قوله من حلف لكم بالله فصدقوه فإن الظاهر منه ابتداء وإن كان ترتيب جميع الاحكام إلا أن مقتضى التأمل فيه هو ظهور إرادة خصوص الاثر الذي ذكرنا مضافا إلى أنه لو قلنا بظهوره وعمومه بالنسبة إلى جميع الآثار إلا أنه لا بد من تخصيصه بما ذكرنا لانه لولاه لزم تخصيص الاكثر فتأمل.
وبالجملة رفع اليد عن القواعد المحكمة الثابتة في الشريعة بمجرد وجود دليل يترائى منه خلافها مشكل جدا بل لا يجوز قطعا سيما مع عدم العلم بعمل الاصحاب به فإنا لم نر تمسك أحد من العلماء بتلك الروايات على عدم جواز ترتيب الآثار مطلقا بل كلما رأينا منهم هو التمسك بها على خصوص عدم جواز لتقاص وتجديد المرافعة وسماع الدعوى بل لم نقف إلى الآن على فتوى لهم كذلك إلا ما ظهر من بعض مشايخنا المتأخرين طاب ثراه من الميل إليه.
وبالجملة اخبار الباب بين طائفتين احديهما ما تدل على سقوط حق المدعي من حيث انه مدع وإن يمين المنكر مبطل لما ادعاه من حيث انه كذلك كرواية ابن أبي يعفور المتقدمة وما شابهها وهذه الطائفة لا دلالة لها على عدم جواز التقاص فضلا عن ساير الآثار الغير المستلزمة للتعرض للمنكر وماله أصلا ثانيتها ما يظهر منه عدم جواز التصرف (التعرض خ) والاخذ منه ولو كان باطنا كما في رواية عبدالله بن وضاح وما قبلها ومعلوم ان هذه الطائفة أيضا لا دلالة لها على عدم جواز ترتيب الاثر الغير المستلزم للتصرف في مال الحالف ولو باطنا كما في - الاحتساب من الزكاة والابراء ونحوهما فظهر مما ذكرنا ان الاخبار بين ما ورد لبيان وظيفة الحكم وما ورد للدلالة على عدم جواز التعرض لمال (التصرف في مال خ) المنكر ومعلوم انه لا دلالة لشئ منهما على نفي مطلق الآثار هذا مجمل القول في الموضع الاول وهو الدين.
وأما الكلام في الموضع الثاني وهو العين فيقع في ثلاث مقامات احدها في جواز تجديد المرافعة و مطالبة العين من المنكر وسماع الدعوى للحاكم إلى غير ذلك من الاحكام الثابتة بالنسبة إلى المدعى والحاكم قبل الحلف من حيث الدعوى ثانيها في جواز أخذ العين سرا وساير التصرفات فيها بحسب الواقع كعتقها مثلا إذا كان عبدا ثالثها في جواز تقاصه كأخذ بدل الحيلولة منه إلى غير ذلك من الآثار المستلزمة للتصرف السلطنة على مال المنكر ولو سرا.
أما الكلام في المقام الاول فالحق فيه مساوات العين للدين في الحكم للاجماع مضافا إلى دلالة جملة من روايات الباب لانها ليست مختصة بخصوص الدين فالقول بأن العين خارجة عن مورد جميع الروايات
وإنما الحكم فيها قد ثبت بالاجماع ضعيف جدا لانا نعلم ان جميع المجمعين ليس مستندهم في الحكم بعدم الجواز إلا الروايات فهي عامة لها أيضا.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول ان فيه وجهين أحدهما القول بعدم جواز ترتيب الآثار مطلقا نظرا إلى القول بعمومية دلالة الاخبار بالنسبة إلى جميع الآثار بعد القول بشمولها للعين أيضا حسبما مرت لاشارة إليه ثانيهما القول بالجواز نظرا إلى ما ذكرنا في معنى الروايات من منع العموم فيها لمطلق الآثار غاية الامر دلالتها على عدم جواز التعرض لمال المنكر بنحو من الانحاء ومن المعلوم ان أخذ العين سرا وساير التصرفات فيها ليس تعرضا لمال المنكر أصلا بل هو تصرف في مال نفسه فعموم الناس مسلطون على أموالهم باق على حاله بل يمكن القول بجواز أخذ العين والتصرف فيها وإن قلنا بدلالة الروايات على نفي جميع الآثار بيان ذلك ان حكم الشارع بنفي جميع الآثار كاشف عن ذهاب المالية عن مال المدعي بالحلف وإن كانت ملكيته باقية فكل أثر يترتب على مالية الشئ فهو منفي بمقتضى الروايات فالاحتساب من الزكاة والصدقات والابراء إنما هي من آثار المال فيرتفع بذهابه.
وأما الآثار المترتبة على ملكية الشئ كأخذ العين فيما نحن فيه والتصرف فيها فليس مما يمنع - الروايات منه لان اليمين لم ينقل العين إلى الحالف حتى يقال بذهاب ملكيتها وإنما منع من ترتب الآثار من حيث ذهاب المالية بمقتضى تصديق اليمين نعم إن أريد ترتيب آثار المال عليها كبيعها ومصالحتها وإجارتها وغير ذلك من الآثار المترتبة على المال لا نقول بجوازه وهذا بخلاف الدين فإن أخذه غير ممكن إلا بالتصرف في مال الحالف وهو تكذيب لليمين وتعرض لمال الحالف وقد منع منه الروايات السابقة فتأمل هذا مجمل القول في المقام الثاني.
وأما الكلام في المقام الثالث فالحق فيه عدم الجواز لا لانه بحسب اللب يرجع إلى التقاص وقد منع منه رواية عبدالله بن وضاح وسابقتها لانهما ظاهرتان في الدين أما الاولى فظاهرة وأما الثانية فلقوله على الرجل المال فإن لفظ المال وإن كان أعم من الدين والعين إلا أن لفظة على تصرفه إلى الدين لانها لا تطلق إلا في مورد ثبوت المال في الذمة بل لدلالة ساير الروايات مثل رواية سليمان بن خالد قال سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه ثم حلف ثم وقع له عندي مال اخذه مكان مالي الذي أخذه وجحده وحلف عليه قال إن خانك فلا تخنه ولا تدخل عليه هذه خلاصة ما فهمت مما ذكره الاستاد العلامة في الموضعين وعليك بالتأمل فيه والاخذ بما يؤدي إليه نظرك فإن الجواد قد يكبو والحق أحق أن يتبع.
وينبغي التنبيه على أمور أحدها ان ما ذكرنا في اليمين في الدين والعين فإنما هو في يمين المنكر وأما يمين المدعي المردودة عليه فهل يجري فيها ما ذكرنا في يمين المنكر أو لا وجهان من عموم بعض - الروايات السابقة كقولهصلىاللهعليهوآله من حلف لكم بالله فصدقوه فكما أن المدعي مأمور بتصديق المنكر لحالف بمقتضى النبوي فكذا المنكر أيضا مأمور بتصديق المدعي إذا كان حالفا بمقتضاه فيحرم عليه التقاص من ماله إذا كان كاذبا في حلفه وكذا ترتيب ساير الآثار على القول بالتعميم ومن منع دلالة النبوي على وجوب تصديق الحالف بمعنى ترتيب الاثر على حلفه حتى في يمين المنكر أيضا وإلا لزم تخصيص الاكثر بل المراد منه هو تصديق الحالف بمعنى عدم تكذيبه واتهامه نظير التصديق في قوله تعالى يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين فسياق قوله من حلف لكم بالله فصدقوه سياق قوله من سئلكم بالله فاعطوه في وروده للوعظ والنصيحة وعدم الدلالة
في ساير الروايات أيضا فإن الظاهر من جميعها هو اليمين التي جعلت في أصل الشرع ميزانا لرفع الخصومة وهي يمين المنكر ولا دلالة فيها بالنسبة إلى يمين المدعي اصلا فيبقى عموم ما دل على جواز التقاص وتسلط الناس على أموالهم سالما عن حكومة شئ عليه فتدبر ثم ان هذا الذي ذكرنا في يمين المدعي من عدم كونها كيمين المنكر إنما هو بالنسبة إلى غير سقوط الدعوى والمطالبة ظاهرا وغيرهما من أحكام بقاء الدعوى وأما بالنسبة ليها فلا إشكال في كونها كيمين المنكر للنص والاجماع.
ثانيها ان ما ذكرنا من أحكام اليمين فإنما هو إذا وقعت عند حاكم الشرع وأما إذا لم تقع عنده بل حلف بنفسه أو أحلفه حاكم الجور فلا أثر لها أصلا لاختصاص ما دل على ثبوت الاحكام لها بما إذا وقعت عند حاكم الشرع مضافا إلى قيام الاجماع ونقله ودلالة جملة من الروايات على عدم التأثير لها عند غير حاكم الشرع ولا شئ في المقام يدل على خلافها إلا إطلاق بعض الروايات كقولهصلىاللهعليهوآله من حلف لكم الحديث ونحوه الموهون بما ذكرنا وبكونه واردا في مقام قضية مهملة وبيان حكم اليمين من حيث هي وخصوص رواية عبدالله بن وضاح المتقدمة حيث فرض فيها وقوع الحلف عند حاكم الجور وأمضاه الامامعليهالسلام ورتب الاحكام عليه المحمولة أما على كون المراد من الوالي هو الوالي من جانب الامامعليهالسلام أو على أن مراد الامامعليهالسلام هو بيان الحكم لليمين المعتبرة شرعا حتى يعلم السائل بذلك وعدم تعرضه لبيان عدم تأثير اليمين المذكورة إنما هو من جهة التقية إلى غير ذلك من الوجوه وهذه المحامل التي ذكرنا وإن كانت بعيدة غير ظاهرة من اللفظ بل ظاهره يدل على خلافها إلا أنه لا بد من الالتزام بها في مقابل الادلة القطعية فافهم.
ثالثها انه على القول باشتراط وقوع اليمين عند حاكم الشرع وإن الواقعة عند غيره لا أثر لها أصلا فهل يكفي وقوعها عند الحاكم في ترتيب الاحكام المذكورة وإن لم يحكم على طبقها أو لا يكفي إلا بعد حكمه على طبقها فمجرد احلافه المنكر قبل حكمه لا أثر له وجهان بل قولان تقدم الاشارة إليهما سابقا وقد عرفت ان المختار هو عدم الاشتراط والكفاية مطلقا نظرا إلى ظهور اخبار الباب.
رابعها انه قد يتوهم التناقض بين ما ذكروه هنا من عدم جواز التقاص بعد يمين المنكر قولا واحدا وبين ما ذكره جماعة فيما إذا اختلف البايع والمشتري في الثمن بحيث يرجع إلى المتباينين كما إذا قال البايع بعتك الجارية بماة دينار مثلا وقال المشتري بعتني بماة درهم أو المثمن كما إذا قال البايع بعتك العبد بماة دينار وقال المشتري اشتريت منك الجارية بماة دينار من أنه يتحالفان وينفسخ العقد ظاهرا ويأخذ كل من البايع والمشتري المثمن والثمن تقاصا فإن أخذ البايع العبد في المثال المذكور عوضا عما يدعيه من ماة دينار تقاصا مناف لحكمهم قولا واحدا بعدم جواز التقاص بعد الحلف وكذا أخذ المشتري للثمن الذي يعتقد كونه مالا للمدعي تقاصا مناف لما دل عليه الاخبار وقام عليه الاجماع من عدم جواز التقاص بعد الحلف نعم لو قيل بالانفساخ واقعا قهرا كما هو قول بعض أو قيل بأنه يجبرهما الحاكم بعد التحالف على - الفسخ أو يفسخ العقد بعد التحالف كما هو قول آخر لم يرد إشكال أصلا كما لا يخفى لرجوع كل من الثمن والمثمن على هذين التقديرين إلى صاحبه فيكون تصرفه في ماله لا في مال غيره من باب التقاص وهذا بخلاف الانفساخ الظاهري لان معناه بقاء الثمن على ملك البايع والمثمن على ملك المشتري لكن يتصرف كل منهما في ملك صاحبه تقاصا وهذا كما ترى مناف لما اجمعوا عليه من عدم جواز التقاص من مال المنكر بعد الحلف والمفروض ان كلا من المشتري والبايع في المثال المذكور منكر لما يدعيه الآخر هذه خلاصة ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله
من الاشكال.
وقد ذكر في دفعه ما يرجع حاصله إلى أن الحكم بجواز التقاص في المسألة المفروضة لا ينافي ما اجمعوا عليه ودل عليه الاخبار من عدم جواز التقاص بعد الحلف ولو كان حلفا فاجرا لان ما ذكروه من عدم جواز التقاص بعد يمين المنكر إنما هو فيما إذا كان التقاص تكذيبا ليمين المنكر ورفعا لليد عنه بحسب الواقع من حيث كونه منافيا لاحترام اليمين الذي صار سببا لرفع اليد عن عموم ما دل على جواز التقاص والذي دل - الاخبار على عدم جوازه أيضا هو هذا لا غير ومعلوم ان أخذ البايع العبد الذي انكر المشتري وقوع البيع عليه في صورة الاختلاف في المثمن ليس تكذيبا ليمينه على عدم وقوع العقد عليه بل هو عين العمل بها وتصديقا لان مقتضى تصديق المشتري الذي يحلف على عدم وقوع العقد على العبد وكونه باقيا على ملك البايع هو أخذه والتصرف فيه وإن كان يعتقد كونه مالا للمشتري وكذا أخذ المشتري ماة دينار في الصورة المفروضة يس تكذيبا ليمين البايع على عدم وقوع بيع الجارية عليها بل هو عين العمل بها وإن كان تكذيبا لدعواه وهو كونه مالا له عوضا عن العبد لكنه ليس تكذيبا لانكاره الذي وقع عليه اليمين وهو عدم كونها مالا له عوضا عن الجارية بل أخذه بهذا الاعتبار عين العمل بيمينه وهكذا الامر فيما إذا كان اختلافهما في الثمن فإن تصرف المشتري في ماة درهم وأخذها تقاصا لا يكون تكذيبا ليمين البايع بل هو عين العمل بها لحلفه على عدم وقوع العقد عليها وبقائها على ملك المشتري وكذا تصرف البايع في الجارية ليس تكذيبا ليمين المشتري لحلفه على عدم شرائها بماة دينار بل مقتضى هذه اليمين ان الجارية لم تنتقل إليه بهذا الثمن أصلا فالتصرف فيها ليس تكذيبا ليمينه وإن كان تكذيبا لدعواه انها انتقلت إليه عوضا عن ماة درهم لكنه لم يحلف على هذه الدعوى بل حلف على انكاره انتقالها إليه بماة دينار.
والحاصل ان الموجود في المقام من كل من المدعي والمنكر شيئان ادعاء وانكار وأخذ كل منهما لمال الآخر وإن كانت تكذيبا لدعواه في بعض الصور إلا أنه ليس تكذيبا ليمينه والحال فيما نحن فيه نظير ما لو اختلفا في أصل وقوع البيع على جارية مثلا فكما ان تصرف البايع في الجارية تقاصا بعد حلف المشتري على عدم شرائها ليس تكذيبا ليمين المشتري بل عين العمل عليها فكذا الحال فيما نحن فيه فإن انكار كل منهما للبيع الخاص في الفرض كانكار المشتري البيع في الفرض المذكور فيبقى عموم ما دل على جواز التقاص باقيا على حاله لان الذي قد خصص بالنسبة إليه بالنص والاجماع إنما هو التقاص الذي كان منافيا لليمين وتكذيبا لها وأما التقاص الذي لم يكن تكذيبا ليمين المنكر بل كان تصديقا لها فلم يخصص بالنسبة إليه أصلا وهو باق بالنسبة إليه جزما بل قد ذكر شيخنا الاستاد دام ظله انه لو لم يكن هناك مادل على جواز التقاص عموما وكان باقيا على حسب الاصل الاولى من أصالة الحرمة لامكن القول بجوازه بل وجوبه فيما نحن فيه من جهة ما دل على تصديق اليمين ولي فيه تأمل خصوصا في بعض الصور فتأمل.
ثم انه إن كان كل من الثمن والمثمن مساويا للآخر فلا إشكال وأما إذا كانا مختلفين فهل يجب على من عنده الزيادة دفعها على القول بالانفساخ الظاهري أو لا يجب وجهان بل قولان أوجههما أولهما للاصل بعد عدم جريان أدلة التقاص بالنسبة إلى الزايد حسبما هو المفروض ومستند الثاني كونها مالا لا يدعيه أحد فيجوز التصرف فيه لاصالة الاباحة.
وفيه أن مجرد عدم الادعاء لا يصير دليلا على الجواز بعد القطع بكونه مالا للمنكر بل الاصل حينئذ
الحرمة لعموم ما دل على حرمة التصرف في مال الغير من غير اذنه ورضاه من العقل والنقل والاجماع نعم لو قيل بكون المستند في جواز التصرف هو كونه تصديقا ليمين المنكر حسبما مال إليه الاستاد العلامة لكان للقول بالجواز وجه فتدبر.
خامسها انه قد بقى هنا فرع تعرض له الاستاد العلامة دام ظله في طي المسألة ولم أر أحدا تعرض له غيره لا بد من الاشارة إليه وهو انه لو أخذ المدعي مالا من المنكر إما بدون اذنه أو معه فتلف المال بيده فهل يحكم بتحقق التهاتر بين الذمتين أو لا يحكم به وجهان من كون التهاتر قهريا عقليا لا يؤثر فيه منع الشارع لان اشتغال ذمة الشخص لغيره بمثل ما اشتغل ذمته لها محال عقلا فالاخبار الواردة في عدم جواز التصرف في مال المنكر إنما يراد بها التصرفات الاختيارية وأما التصرفات الخارجة عن اختيار المدعي كالتهاتر في الفرض فليست بمرادة من الاخبار قطعا بل لا يعقل ارادتها لخروجها عن تحت القدرة ومن أن التهاتر وإن كان قهريا إلا أن نع - الشارع عن التصرف فيما يكون في ذمة المنكر يستلزم وجود منقصة فيه فيخرج عن المماثلة التي اقتضت التهاتر عقلا أوجههما عند شيخنا الاستاد دام ظله الاول لما ذكر فتأمل.
ثم انه قد ذكر دام افادته انه لو قلنا بوقوع التهاتر في الفرض لكن نقول بوجوب رد العوض على المدعي وبنائه على عدم التهاتر واشتغال ذمته للمنكر لان التهاتر وإن كان قهريا إلا أنه لا يستحيل أن يحكم الشارع بعدم ترتب الاثر عليه وفرضه كأن لم يكن وبعدما لم يكن ذلك مستحيلا عقلا فنقول ان مقتضى الاخبار المتقدمة هو البناء على عدمه حيث ان المستفاد منها بمقتضى احترام اليمين هو عدم وصول مال من المنكر إلى المدعي لان المراد من تلك الاخبار ليس هو مجردا لحكم التكليفي بل المقصود منها بيان الحكم الوضعي أيضا فتأمل.
قوله أما لوكذب الحالف نفسه جاز مطالبته وحل مقاصته أقول هذا الحكم مما لا إشكال فيه بل لا خلاف أجده فيه حسبما صرح به جمع بل عن محكي المهذب والصيمري الاجماع عليه مضافا إلى بعض الاخبار الواردة في المسألة إنما الاشكال فيما ذكره بعض مشايخنا طيب الله رمسه مستندا للحكم المذكور من قوله لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جايز المقتضي كون ذلك سببا مثبتا جديدا للاستحقاق غيرما سقط باليمين المرجح على تلك النصوص بعد فرض تسليم اندراج الفرض فيها ضرورة كون التعارض بينهما عموما من وجه بما سمعت من - الاجماع المعتضد بنفي الخلاف وبخصوص المعتبر اني كنت استودعت رجلا مالا فجحد فيه فحلف لي ثم انه جاء بعد ذلك بسنتين بالمال الذي كنت استودعته إياه فقال هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحها في مالك فهي لك مع مالك فاجعلني في حل فأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح منه وأوقفت المال الذي كنت استودعته حتى استطلع رأيك فما ترى قال فقالعليهالسلام فخذ نصف الربح واعطه النصف وحلله ان هذا رجل تائب والله يحب التوابين وأخصية المورد يندفع بعدم القائل بالفرق انتهى ما أردنا ذكره من كلامه.
وفيه أولا ان بعد تسليم اندراج الفرض في النصوص المذكورة لا معنى لملاحظة التعارض بين عموم اقرار العقلاء وتلك النصوص وترجيحها بما ذكرهقدسسره لان النسبة بينهما على هذا الفرض وإن كانت عموما من وجه إلا ان تلك النصوص على فرض جريانها حسبما هو المفروض حاكمة على العموم المذكور بل واردة عليه لا معارضة له حيث ان تلك النصوص ناطقة بعدم وجود أثر للمقر به ورافعة للاثر عنه والعموم المزبور انما يجري فيما لو ترتب على المقر به أثر شرعا كما لا يخفى فالاقرار بما لا أثر له شرعا لا يقتضي عموم المذكور
نفوذه على المقر بل لا معنى لاقتضائه ذلك كما لا يخفى فالاولى أن نلتزم بعدم جريان تلك النصوص بنفسها و تقييد موضوعها بما لو كان المنكر باقيا على انكاره لان المستفاد منها كون الوجه في عدم جواز التعرض بالمنكر هو احترام يمينه والرضاء بها فإذا كذب الحالف نفسه فقد أذهب احترام يمينه وهذا واضح لكل من تأمل فيها فالاقرار بهذا البيان رافع لموضوع تلك النصوص وثانيها انا لا نفهم معنى قوله المقتضي كون ذلك سببا مثبتا جديدا للاستحقاق غير ما سقط باليمين حيث ان الظاهر من هذا الكلام كما ترى ذهاب المال باليمين وكون الاقرار ناقلا له عن ملك المقر إلى المدعي وأنت خبير بعدم دلالة العموم المذكور على كون الاقرار من النواقل - الشرعية كعقد البيع ونحوه غاية الامر دلالته على كونه من الامارات المعتبرة شرعا إلى المقر به كالبينة ونحوها وقد عرفت سابقا المنع من دلالة النصوص الواردة في اليمين على خروج المال عن ملك المدعي بها ودخوله في ملك الحالف وقد اعترف بهذاقدسسره فيما سبق من كلامه في المسألة السابقة هذا.
لكن يمكن توجيه كلامه بان مراده من ذلك انه لما أمرنا بمقتضى ما دل على تصديق اليمين بعدم تريب آثار المال على المحلوف عليه فقد سقطت بمقتضى تصديقها فإذا أقر الحالف بالمال وقلنا بتقديم عموم اقرار العقلاء فيقتضي ذلك جواز ترتيب الآثار على المال المحلوف عليه التي كانت منفية قبله فاقتضى أمرا جديدا لم يكن قبله لا أن يكون مراده من الكلام المزبور كون الاقرار وكذا اليمين من النواقل الشرعية للمال كالبيع هذا غاية ما يمكن به توجيه كلامهقدسسره ولكنك خبير بفساد هذا الكلام أيضا لان تصرف المدعي في المال بعد تكذيب الحالف نفسه ليس من جهة العموم المذكور أصلا بل إنما هو من جهة العمل بما دل على تسلط الناس على أموالهم وجواز التقاص لاجلها بعد ارتفاع موضوع الاخبار المانعة بالتكذيب فالمالك إنما يعمل بعلمه بعد ارتفاع المنع المذكور ولا دخل له بعموم اقرار العقلاء اصلا لانه لو لم يكن من هذا العموم أثر في الشرع لحكمنا بجواز التصرف بل قد عرفت أن الحكم بترتيب الاثر بمقتضى العموم المذكور غير معقول لفرض العلم بالمقر به والعموم المذكور كنظايره مما يدل على الاحكام الظاهرية إنما هو في حق الجاهل بالواقعة لا العالم بها نعم لو فرض جهل المدعي بالحال لجاز له ذلك بالعموم المذكور لكنه خروج عن محل الفرض فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر.
قوله إن رد اليمين على المدعي لزمه الحلف الخ أقول المراد باللزوم هنا على الظاهر بل المقطوع المصرح به في كلام جمع من الاجلة هو اللزوم الشرطي بمعنى انه لو أراد اثبات حقه لزمه الحلف لا أنه يجب عليه الحلف وإن لم يرد اثبات حقه وهذا مما لا كلام فيه إنما الكلام في المسألة يقع في مقامات احدها في ثبوت الحق باليمين المردودة في الجملة ثانيها في تحقيق ما ذكروه من أن اليمين كالبينة أو كالاقرار ثالثها في سقوط الدعوى بنكول المدعي في الجملة أو مطلقا.
فنقول أما الكلام في المقام الاول فلا إشكال في ثبوت الحق بعد اليمين ويدل عليه مضافا إلى الاجماع عليه محققا ومنقولا من جماعة ممن تقدم وتأخر حسبما يقف عليه المتتبع في كلماتهم النصوص البالغة حد الاستفاضة بل التواتر حسبما هو مقتضى كلام بعض الاجلة منها خبر البصري قلت للشيخ يعني موسى بن جعفرعليهالسلام أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له بينة بماله قال فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له وإن لم يحلف فعليه وإن رد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق له إلى أن قال ولو كان المدعى عليه حيا لالزم باليمين أو الحق أو رد اليمين عليه.
ومنها صحيحة ابن مسلم عن أحدهماعليهالسلام في الرجل يدعي ولا بينة له قالعليهالسلام يستحلفه فإن رد - اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له ومنها صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللهعليهالسلام في الرجل يدعى عليه الحق ولا بينة للمدعي قال يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له ومنها مرسلة يونس المضمرة قال استخراج الحقوق بأربعة وجوه بشهادة رجلين عدلين فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي وإن لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه وإن لم يحلف و رد اليمين على المدعي فهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقه فإن أبى أن يحلف فلا شئ له إلى غير ذلك من - النصوص المذكورة في كتب الروايات التي يقف عليها المتتبع فيها وليس المراد من الرابع في المرسلة هو يمين المنكر كما توهمه بعض حسبما حكى عنه الاستاد العلامة دام ظله لفساد هذا الكلام في الغاية لان يمين المنكر ليس مستخرجا للحق بل هو رافع للخصومة وإبطال لحق المدعي وإنما ذكر يمين المنكر توطئة ليمين المدعي من حيث كونها مردودة وإلا فليس المراد كون يمين المنكر من الاربعة لما قد عرفت فمعنى الرواية انه إن كان للمدعي شاهد بالتفصيل المذكور فهو وإلا فلا شئ له يثبت به حقه بل الامر حينئذ إلى المنكر فعليه اليمين لرفع الخصومة عنه وإن رد اليمين فيوجد بعد رده مثبت جديد للمدعي وعدم صحة بعضها بالارسال أو الاضمار لا يضر في التمسك بها من حيث انجبارها بعمل الاصحاب مضافا إلى كفاية الصحاح فالمسألة لا إشكال فيها من هذه الجهة إنشاء الله.
وأما الكلام في المقام الثاني فيقع في مقامين أحدهما في وجه ما ذكروه من كون اليمين مثل البينة أو الاقرار وعدم كونها شيئا ثالثا لا دخل لها بأحدهما أصلا حسبما صرح به بعض الاجلة من مشايخنا قدس الله أسرارهم وبعبارة أخرى في وجه لزوم ارجاعها إلى أحدهما وعدم جعلها مثبتا آخر غير ملحق بأحدهما وإن شارك كلا منهما في بعض الاحكام ثانيهما في تحقيق ما ينبغي المصير إليه بعد تمامية المقام الاول.
أما الكلام في المقام الاول من هذين المقامين فقد ذكر في وجهه شيخنا الاستاد ادام الله بقائه ما خلاصته انهم لما استفادوا من الادلة انحصار الوظيفة بحسب أصل الشرع في بينة المدعي ويمين المنكر كقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقوله إنما اقضي بينكم بالبينات والايمان وغيرهما من الروايات التجئوا إلى ذلك فحينئذ إن جعلناها بمنزلة البينة أو الاقرار لما رفعنا اليد عن مقتضى الادلة وإلا فيلزم عدم الاخذ بمقتضى الادلة من غير ما يقتضي ذلك أما عدم لزوم رفع اليد عنها على تقدير جعلها كالبينة فظاهر وأما عدم لزوم ذلك على تقدير جعلها كالاقرار فمن جهة ان مقتضى الروايات ان ميزان الفصل منحصر فيما ذكر والاقرار ليس ميزانا للفصل بل المقر بنفس اقراره يرفع الخصومة فالاقرار رافع لموضوع تلك الاخبار لانها إنما تدل على الحصر في موضوع الخصومة فما هو بمنزلته بمنزلته في الحكم المذكور فنقول اما ان المنكر يخرج عن موضوع الانكار برده اليمين لان يمين المدعي بمنزلة إقرار المنكر أو نقول ان الخصومة والانكار باق لكن الحكم في المقام أيضا بما هو بمنزلة البينة فبالالتزام بأحدهما يسلم تلك الادلة عن ارتكاب خلاف الظاهر فيها وهذا الذي ذكروه هنا نظير ما ذكروه في مسألة التحليل في باب النكاح انه تزويج أو ملك يمين من جهة قوله تعالى يحفظون فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنها تدل على أن المحلل ليس إلا ملاحظة (علاقة خ) الزوجية أو الملكية فالتجئوا من جهتها إلى الحاقه إما بالتزويج أو بملك اليمين هذا.
ولكن يمكن أن يورد عليه بأن مقتضى الحصر في الادلة وإن كان عدم الحكم باليمين المردودة وانحصار الحجة للمدعي في البينة إلا أنا نخرج عن ذلك الحصر بما دل على الاكتفاء باليمين المردودة ونخصصه به وبعبارة أخرى مقتضى التأمل في أدلة الباب وإن كان عمومها لكل مورد وانه ليس مورد يكتفى عن المدعي بغير البينة إلا أن ما دل على الاكتفاء باليمين في صورة رد المدعي أخص من تلك الادلة فجيب تخصيصها به على ما هو الشأن في تعارض العام والخاص ولا داعي إلى ارجاعه إلى التنزيل والحكومة حتى يخرج عن التعارض ويبقى الحصر على حاله وإلا لوجب المصير إلى ذلك في جميع صور تعارض العموم والخصوص هذا مضافا إلى أن الخروج عن هذا الحصر لازم عليهم على كل تقدير لانه قد ثبت باتفاق منهم في يمين المدعي فيما يكتفى منه بها وحدها كما فيما لا يعلم إلا من قبله وكما إذا كان أمينا إلى غير ذلك وفي نكول المنكر على القول به وفي نكول المدعي على تقدير مع أنه لم يذكر أحد منهم في شئ من المذكورات أنها كالبينة أو كالاقرار مع ان ما ذكره الاستاد من الوجه جار في الكل والقول باتفاقهم على كون المذكورات ملحقة بالبينة كما ترى وأما قياس ما ذكرنا على مسألة التحليل فليس في محله أصلا كما لا يخفى.
لا يقال ان المصير إلى الحكومة والتنزيل ليس بمجرد ملاحظة العموم والحصر بل من جهته مع ملاحظة مادل على الاكتفاء باليمين المردودة مثل قوله استخراج الحقوق بأربعة الحديث فإن ظاهره سيما بملاحظة كون ثلاثة منها تفصيلا للبينة حسبما صرح به في الرواية كونها واردة في بيان تفصيل ما على المدعي من البينة وإن كان على وجه الحكومة وبعبارة أخرى منافات تلك الرواية لما دل على انحصار الحجة في حق - المدعي في البينة إنما هي بملاحظة تضمنها للفظ الاربعة وبعد تسليم كون ثلاثة منها بيانا لها لا بد من حملها على التنزيل بالنسبة إلى اليمين أيضا.
لانا نقول أما أولا فلانه ليس مايدل على الاكتفاء باليمين منحصرا فيما ذكر بل عمدة ما في المقام غيره ولا يخفى عدم جريان ما ذكر في الرواية في غيرها وأما ثانيا فبمنع ما ذكره على ما ذكره أيضا وما استشهد به من دلالته على ما ذكر لا دلالة له أصلا بل دلالته على خلافه أظهر لان ذكر اليمين بعد كون ذكر ما تقدمها تفصيلا للبينة يدل على عدم كونها تفصيلا للبينة فالاستدلال بما دل بظاهره على الحصر ضعيف للزوم رفع ليد عنه بما دل على الاكتفاء باليمين المردودة.
لا يقال كيف تصير إلى رفع اليد عن ظهور اللفظ بعد إمكان عدم رفع اليد عنه وإبقائه على حاله بتنزيل اليمين منزلة البينة أو الاقرار.
لانا نقول حمل ما دل على الاكتفاء باليمين المردودة في قبال ما دل على حصر الحجية في حق المدعي بالبينة على التنزيل الموضوعي أيضا خلاف الظاهر بل ظهوره حاكم على ظهور ما دل على الحصر ومقدم عليه فيجب الاخذ به وطرح ما دل بعمومه على الحصر ولولا ذلك لزم سد باب التخصيص في جميع الموارد فإنه ذا ورد مثلا لا تكرم أحدا إلا العالم وورد دليل آخر أكرم زيدا الجاهل نقول ان ظهور قوله لا تكرم أحدا إلا العالم في الحصر يصير قرينة وسببا لرفع اليد عن ظهور قوله أكرم زيدا الجاهل وتنزيله منزلة العالم حتى لا يلزم خروج عن الحصر إلى غير ذلك من الامثلة التي لا اظن ان يلتزم أحد بما ذكر فيها نعم لو ورد عام وورد دليل آخر يحتمل كونه مخصصا له وعدمه كما في قوله أكرم العلماء ولا تكرم زيدا وفرض اشتراكه بين العالم والجاهل نلتزم من جهة الاخذ بعموم أكرم العلماء وابقائه على ظاهره بكون المراد من قوله لا تكرم زيدا هو الجاهل
وإلا لزم المصير إلى التخصيص من غير ما يوجبه وهذا الذي ذكرناه قاعدة مطردة في جميع الموارد ومنه يمكن أن يجاب عن القياس بمسألة التحليل فإن التحليل لم يعلم كونه خارجا عن التمليك والتزويج حتى نلتزم بالتخصيص هذا.
وقد يختلج بالبال في وجه ما ذكره الاكثر من ترديد الامر في اليمين بين كونها كالبينة أو الاقرار غير ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله وأنت إذا تأملت فيه تجده حقيقا بالقبول إنشاء الله تعالى وهو أن يقال ان مرادهم من الترديد المذكور ليس من جهة تسالمهم بمقتضى الحصر في عدم جواز خروج اليمين عن أحد الامرين للزوم التخصيص في العموم لكنهم اختلفوا في تعيين أي منهما حسبما هو مقتضى الوجه الذي ذكره الاستاد دام ظله بل القائل بكونها كالبينة يسلم لزوم الخروج عن مقتضى الحصر وتخصيص العموم بما دل على الاكتفاء باليمين المردودة ومراده من الالحاق بالبينة هو التنزيل الحكمي لا الموضوعي من جهة ما أدى إليه نظره من كونها كالبينة في الاحكام والقائل بكونها كالاقرار إنما استند في ذلك إلى أن الرد لما جاء من قبله فيكون كإقراره وإن لزمه الالتزام حينئذ بكون المنكر كالمقر من باب الاتفاق لا أن الالتزام بأحد التنزيلين حتى لا يلزم الخروج عن الحصر المذكور ألجأه إلى ذلك من جهة المستند المذكور وشتان بينهما وبعبارة أخرى فرق بين أن يلتزم - الشخص بشئ ويلزمه شئ آخر اتفاقا من غير أن يكون مقصوده من الالتزام بذلك الشئ هذا الشئ وأن يلتزم بشئ لملازمته مع شئ آخر هو المقصود بالذات.
وهذا الذي ذكرنا هنا نظير ما ذكرناه في الاصول في مبحث الاجماع المركب والتواتر المعنوي من أنه قد يقصد الشخص من الافتاء بشئ أو الاخبار به تعيين ما هو المسلم والمفروغ عنه بينه وبين غيره فاختار - الخصوصية من جهة كونها هي القدر المشترك المسلم وجوده باعتقاده بحيث لو سئل عنه فرض خطائه في ذلك الاخبار وتعيين الخصوصية لالتزم بوجود القدر المشترك في ضمن ما عليه صاحبه وقد لا يقصد به ذلك أصلا بل إنما يفتي به ويخبر عنه من جهة اعتقاده ذلك من غير نظر إلى تعيين الامر القدر المشترك وإن لزمه الالتزام به من جهة الالتزام بما يلازمه وهذا الذي ذكرنا هناك من أن اجتماع أمثاله لا ينفع في تحقق الاجماع المركب والتواتر المعنوي.
ففيما نحن فيه قد يقصد المختلفون في كون اليمين كالبينة أو الاقرار تعيين ما اتفقوا عليه من التزام ما لا يلزم معه تخصيص في أدلة البينة حسبما ذكره شيخنا الاستاد وقد يقصدون به اظهار ما أدى إليه نظرهم في - أمر اليمين المردودة بمقتضى الادلة وإن لزم على أحد القولين خروج المورد عن تحت عموم انما أقضي بينكم بالبينات على سبيل الحكومة إلا أنه ليس مقصود القايل به اثبات هذا اللازم.
وأما الوجه في عنوان جماعة بل أكثر المتأخرين المسألة بما يوهم ما ذكر الاستاد العلامة دام افادته فببالي انه من جهة انهم لما رأوا قدماء الاصحاب رضوان الله عليهم حكم بعضهم بكون اليمين المردودة كالاقرار في الاحكام من جهة ما أدى إليه نظره وبعض آخر منهم بكونها كالبينة في الاحكام من غير أن يكون مقصوده من ذلك إلا بيان ما أدى إليه فكره فعنونوا المسألة بأن اليمين هل هي كالبينة أو كالاقرار حتى يختاروا أحد الطرفين بمقتضى نظرهم ولذا قد خالفهم في ذلك بعض مشايخنارحمهالله واختار كونها خارجة عنهما جاريا عليها أحكام البينة في بعض المقامات وأحكام الاقرار في البعض الآخر حسبما اقتضته الاصول والقواعد وبهذا البيان يندفع جميع ما أوردنا عليهم على بيان الاستاد دام ظله ولكن الاستاد العلامة أيضا قد رجع عما ذكره من
كون الوجه فيما ذكروه هو ملاحظة دلالة الادلة اللفظية على الحصر لما قد عرفت من أن دلالة الادلة على الحصر لا تنافي الخروج عنه بالدليل.
ولكنه قد ذكر وجها آخر للترديد المذكور غير ما ذكره اولا وهو الذي يستفاد من كلام جماعة أيضا وحاصله انا لا ندعي دلالة الادلة اللفظية على ذلك إلا أنا نقول ان اليمين المردودة بحسب اللب والواقع قد اجتمع فيها جهتان جهة اثبات لحق المدعي كالبينة وجهة التزام من المنكر بالحق على تقديرها كالاقرار فإن لوحظت باعتبار الجهة الاولى فتصير كالبينة فيجب ترتيب أحكامها عليها التي رتب عليها من حيث كونها حجة للمدعي وإن لاحظها الشارع باعتبار الجهة الثانية فيجب الحكم بترتيب آثار الاقرار عليها من حيث كونها التزاما بالحق فوجه الترديد فيها وجود الجهتين فيما بحسب الواقع اللتين يصلح كل منهما ملاحظة الشارع الحكم باعتبار اليمين بملاحظته وإليه ينظر كلام الشهيد الثاني في المسالك في بيان وجه كونها ملحقة بهما فراجع وتأمل.
وبعبارة أخرى أوضح ان لكل من البينة والاقرار جهة يترتب كثير من الاحكام عليهما بملاحظة تلك الجهة قد وجدت في اليمين المردودة فهي قابلة لان يعتبرها الشارع بأي من الجهتين فإن اعتبرها من حيث كونها حجة ومثبتا لحق المدعي كالبينة يترتب عليها ما يترتب على البينة من الاحكام من حيث كونها حجة وإن لم يترتب عليها الاحكام التي رتبت على البينة من حيث كونها بينة وإن اعتبرها الشارع من حيث كونها التزاما من المنكر بالحق على تقديرها من حيث انه بنكوله ورده قد تسبب لها يترتب عليها ما يترتب على الاقرار من الاحكام التي رتبها الشارع عليه من حيث كونه التزاما بحق الغير على النفس.
فإن قلت بعد تسليمك اجتماع الجهتين في اليمين المردودة فلم لا تحكم بترتيب أحكام كل منهما عليها وما معنى قولهم انها هل هي كالبينة أو كالاقرار.
قلت مجرد اجتماع الجهتين فيها لا يوجب الحكم بما ذكر أصلا بل نقول بعدم امكان اعتبار الشارع لها كذلك لان كلا من الجهتين يقتضي ما ينافي ما اقتضته الاخرى فلا يمكن الحكم باعتبارها من حيث اشتمالها على الجهتين كلتيهما كما لا يخفى فتأمل هذا مضافا إلى أن مجرد اشتمالها على الجهتين لا يقتضي اعتبار الشارع لها بلحاظ كل منهما لانه قد يعتبرها بملاحظة واحدة منهما فمجرد اشتمالها على الحيثيتين لا يوجب الحكم بما ذكرته قطعا هذا ملخص ما ذكره الاستاد دام ظله ثانيا وأنت إذا لاحظته بعين التأمل والانصاف تجده موافقا لكلماتهم وكاشفا عن مرادهم فهو أحسن مما ذكره الحسن هذا مجمل الكلام في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فملخصه انه ذهب بعض إلى أن اليمين كالبينة وقد نسب هذا القول الفخر في الايضاح حسبما حكي عنه إلى الاكثر وإن استبعده بعض من تأخر عنه وذهب جماعة إلى كونها كالاقرار منهم الشهيدانقدسسره ما واستدل في المسالك للقول بكونها كالبينة بأن الحجة اليمين واليمين وجدت منه وللقول بكونها كالاقرار بأن الوصول إلى الحق جاء من قبل رده أو نكوله وأنت خبير بضعف كلا الوجهين فلا يجوز الاتكال بهما فيما رتبوا على القولين من الاحكام نعم من دأبه التمسك بالاعتبارات يصح له الاتكال بهما ولكن اصحابنا رضوان الله عليهم برئاء من ذلك وذهب جماعة من المتأخرين إلى كونها شيئا ثالثا غير ملحقة باحديهما وإن شاركت كلا منهما في بعض الاحكام في بعض الصور وعلى (ثم على خ) تقدير القول بكونها كالبينة هل هي كالبينة على الاطلاق حتى بالنسبة إلى الثالث حسبما يظهر من كلام الفاضل في القواعد والشهيد في الدروس من أن المراد من القول بكونها كالبينة كونها مثلها حتى بالنسبة إلى الثالث فإنه ذكر العلامة في القواعد في فروع
المسألة انه لو ادعى اثنان زوجية امرأة فصدقت أحدهما وكذبت الآخر وردت اليمين عليه فحلف قال فإن قلنا بكونها كالبينة انتزعها من الاول وإلا فإن قلنا بالتغريم فتغرم للثاني على القول به وإلا فلا انتهى حاصل ما ذكره فإن ظاهر هذا بل صريحه ان القائل بكونها كالبينة يقول به حتى بالنسبة إلى الثالث وقال الشهيد في الدروس حسبما حكى عنه شيخنا الاستاد العلامة دام ظله انها كالاقرار فلا يتعدى في حق الغير وقيل بكونها كالبينة وهو بعيد وهو كما ترى يدل على كون المراد من القول بكونها كالبينة كونها مثلها حتى بالنسبة إلى الغير من وجهين أحدهما تفريعه على القول بكونه كالاقرار عدم نفوذها في حق الغير فإن ظاهرها بقرينة المقابلة انه على القول بكونها كالبينة يتعدى في حق الغير أيضا حسبما صرح به العلامة ثانيهما استبعاده القول بكونها كالبينة فإن القول بكونها كالبينة في حق المدعى عليه لا بعد فيه أصلا كما لا يخفى أو كالبينة بالنسبة إلى المدعى عليه لا غير حسبما يظهر من جماعة انه المراد من القول بكونها كالبينة.
ويمكن أن يقال على تقدير تسليم المقام الاول وهو عدم خروجها من البينة والاقرار بكونها كالبينة بالنسبة إلى المدعى عليه فلنا في المقام دعويان احديهما كونها كالبينة لا كالاقرار ثانيتهما كونها كالبينة في الجملة وبالنسبة إلى المدعى عليه لا مطلقا لنا على اوليهما قوله في المرسلة المنجبرة استخراج الحقوق بأربعة فإن ظاهر هذا كونها كالبينة من وجهين احدهما لفظ الاستخراج فإنه لا يطلق على أخذ الحق بالاقرار انه استخراج لانه ظاهر في مقام الانكار والخفاء ثانيهما مقتضى سياق الرواية فإن مقتضاه كون اليمين كالثلاثة السابقة عليها لكنك قد عرفت الاشكال في هذا الوجه سابقا وقولهصلىاللهعليهوآله من حلف لكم بالله فصدقوه بناء على تسليم دلالته و شموله لما نحن فيه فإن ظاهر التصديق يأبى من كونها كالاقرار لانه بنفسه الزام بالحق لا يحتاج إلى التصديق أصلا ولكنك قد عرفت الاشكال في صحة الاستدلال بالرواية ولنا على الثانية عدم دليل على الاطلاق وكونها القدر المتيقن ولا إطلاق في المرسلة حتى يتمسك به على الاطلاق بل يمكن ادعاء ظهورها فيما ذكرنا لان ظاهرها كون اعتبار اليمين من حيث استخراجها الحق ممن عليه الحق ولا يعارض هذا بأن مقتضى ظهور السياق كونها كالثلاثة في الحجية مطلقا أما أولا فلانه أقوى منه وأما ثانيا فبمنع دلالة هذا الحديث على كون البينة أيضا حجة مطلقا وإنما ثبت اطلاق اعتبارها من دليل آخر.
وإن شئت قررت الدليل على المدعى في المقامين بوجه أوفى وأخصر أما في اثبات عدم كون اليمين المردودة كالاقرار وكونها كالبينة في الجملة فبأن نقول انه مقتضى الاعتبار والاخبار الواردة من الائمة الاطهارعليهمالسلام أما كونه مقتضى الاخبار فلما قد عرفت تفصيل القول فيه أما كونه قضية الاعتبار فلانها أقرب بحسب اللب والمعنى إلى البينة من الاقرار لانه كما ان البينة تشهد على ثبوت الحق للمدعي وتخبر بذلك في الواقع و ان لزم من ذلك التزام المدعى عليه بدفعه كذلك اليمين أيضا اخبار من المدعى بثبوت الحق له في الواقع مقرونا بلفظ الجلالة فهي اخبار عن ثبوت الحق مقرونا بالاستشهاد من الله تعالى وإن لزمها أيضا أخذ الحق من المدعى عليه فالبينة واليمين لا تفاوت بينهما أصلا إلا أن البينة إخبار عن الشاهد واليمين إخبار عن المدعي مقرونا بالاستشهاد من الله تعالى فحيثية كل من البينة واليمين أولا حيثية نفع راجع إلى المدعي وإن لزم منه ضرر على المدعى عليه وهذا بخلاف الاقرار فإنه التزام بالضرر أولا على نفس المقر وإن لزم منه ايصال نفع إلى المقر له فهو إخبار بثبوت الحق على نفسه وهذا المعنى غير موجود في اليمين المردودة قطعا.
وأما ما ذكرنا سابقا في وجه كونها كالاقرار من أن في رد اليمين التزاما بالحق على تقدير اليمين
فهو فاسد جدا أما أولا فللمنع من أن في رد اليمين التزاما بالحق وإنما فيه التزام بالاداء والخروج عن الحق مع الاعتراف بعدم استحقاق المدعى عليه شيئا وأين هذا من الاقرار في شئ وثانيا ان كلامنا في اليمين لمردودة ليس مختصا بصورة رد المنكر بل أعم منه ومما إذا رد الحاكم بعد نكوله على القول بعدم القضاء بالنكول حسبما سيجئ انه لحق في المسألة ومعلوم ان في صورة النكول ليس هنا التزام من المنكر أصلا كما لا يخفى فالوجه في كونها كالاقرار ليس إلا ما ذكره جماعه من أن المنكر من جهة رده أو نكوله صار سببا لتعلق حق عليه من المدعى بعد اليمين كما انه في صورة اقراره صار سببا لتعلق حق للمقر له عليه وأنت خبير بأن هذا الوجه على تقدير تماميته لا يقتضي الحاقها بالاقرار بعد ملاحظة ما ذكر في وجه كونها ملحقة بالبينة لان ما ذكرنا من وجه كونها ملحقة بالبينة بحسب اللب أقرب من هذا الوجه بمراتب كما لا يخفى (لا تخفى خ) لان هذا الوجه مجرد اعتبار بعيد لا ينصرف الذهن إليه أصلا ومنه يظهر ان القول بالحاقها بالاقرار كما عن جماعة من جهة ما عرفت من جهة المشاركة في السببية بعيد عن الصواب جدا لانك قد عرفت ان هذا الوجه ليس إلا مجرد اعتبار عقلي لا دليل على اعتباره و صيرورته منشأ لترتيب الاحكام الكثير فإذا القول بكونها كالاقرار ضعيف جدا.
وأما في اثبات كونها كالبينة الخاصة لا المطلقة فبأن نقول انه لا إطلاق فيما دل على كونها كالبينة حتى يحكم بكونها كالبينة المطلقة غاية الامر دلالتها على كونها معتبرة ومثبتة لحق المدعي من حيث انه مدع وهذا لا ينافي عدم اعتبارها في حق غير المدعى عليه فهي تدل على كونها معتبرة وحجة في الجملة فإن أراد القائل بكونها كالاقرار اثبات عدم حجيتها في حق غير المدعى عليه لا غير فنعم الوفاق ولا نزاع بيننا إلا في اللفظ وإن أراد غير ذلك فنحن مضربون عنه لما قد عرفت من عدم دليل عليه بل الدليل على خلافه فإن أراد القائل بكونها أمرا ثالثا ما ذكرنا أيضا كما هو غير بعيد عن كلامهم فلا مشاحة بيننا وبينهم أيضا وإلا فقد عرفت قيام الدليل على بطلانه.
إذا عرفت تحقيق القول في أصل الاقوال فنقول في بيان الثمرة انه لا يخلو أما أن يكون المورد مما يسمع فيه الاقرار والبينة كلاهما أو يسمع البينة دون الاقرار أو بالعكس أما إذا كان من القسم الاول فلا إشكال في سماع اليمين على كل من القولين فلا ثمرة بينهما حينئذ وأما إذا كان من القسم الثاني فتسمع اليمين وإن لم نجعلها كالبينة المطلقة لاطلاق ما دل على اعتبارها نعم لازم من قال بكونها كالاقرار عدم الحكم بالسماع ينئذ و ان عرفت انه لا دليل له على تقييد الاطلاقات أصلا وأما إذا كان من القسم الثالث فإن وجد له مورد نلتزم بتقييد ما دل على اعتبارها ونحكم بعدم سماعها بخلاف القول بكونها كالاقرار لكنا لم نجد له موردا وقد ذكر جماعة من الاصحاب له مثالا ليس بصحيح عندنا.
وتوضيح الفساد يظهر ببيان ما ذكروا له من المثال والاشارة إلى رده وهو انه لو أقر البايع في بيع - المرابحة ان رأس المال عشرة دينار مثلا ثم ادعى بعده انه عشرين فانكره المشتري ورد اليمين على البايع فإن قلنا ان اليمين المردودة كالبينة فلا ترد عليه ولا تسمع منه لانه لو أقام بينة بعد الاقرار السابق لم تسمع منه لكونها مكذوبة باقراره فكذا ما يكون بمنزلتها وإن قلنا انها كالاقرار من المدعى عليه فتسمع منه لعدم تكذيب في البين هذا ملخص ما ذكروه من الثمرة في هذه الصورة بين كون اليمين كالبينة أو كالاقرار وأنت خبير بفساد هذه الثمرة.
توضيح الفساد ان ادعائه ثانيا ان رأس المال عشرون مثلا لا يخلو إما أن يكون مقرونا بادعاء اشتباه
أو غلط أو نسيان أو غير ذلك أو لا يكون مقرونا بشئ منها وعلى الثاني لا يخلو أيضا إما أن يكون مقرونا بادعاء علم المشتري أيضا بذلك أو لا يكون كذلك فإن أرادوا من عدم السماع على تقدير أن يكون كالبينة والسماع على تقدير أن يكون كالاقرار في الصورة الاولى وهي ما إذا كانت دعواه الزيادة مقرونة بادعاء اشتباه في الحساب ونحوه مثلا فنمنع من عدم سماع البينة في تلك الصورة لعدم كون اقراره السابق مكذبا لها كما لا يخفى وإن أرادوا مما ذكروا في الصورة الثانية وهي ما إذا اقترنت دعواه الزيادة بادعاء علم المشتري بذلك أيضا فنمنع أيضا عدم سماع البينة (بينته خ) لعدم رجوعه إلى التكاذب وإن أرادوا مما ذكروا من التفرقة في الصورة الثالثة هي ما إذا لم تقترن دعواه بشئ مما ذكر فنمنع من سماع يمينه وإن قلنا بكونها كالاقرار لرجوع الامر إلى التكاذب إذ لا يخفى ان ادعائه الزيادة على الوجه المذكور ينافي مع اقراره السابق سواء حلف عليه أو أقام البينة عليه.
فإن قلت أما (انا خ) إذا جعلناها كالاقرار يرتفع التكاذب من البين لانها بمنزلة اقرار المنكر ومعلوم انه لا تكاذب بين الاقرارين بعد الملاحظة المذكورة أصلا بخلاف ما إذا جعلناها كالبينة فإنه لا إشكال في وجود التكاذب حينئذ.
قلت قد ذكرنا غير مرة ان مراد من يجعلها كالاقرار أو كالبينة هو ترتب أحكامهما عليها التي رتبت عليهما مع قطع النظر عن هذين الموضوعين وأما ما رتبت عليهما بملاحظة موضوع البينة والاقرار فلا إشكال في عدم ترتبها عليها إذ لم يقل أحد بأنها نفس البينة والاقرار وحينئذ نقول ان عدم التكاذب في صورة إقرار المنكر إنما جاء من نفس الاقرار وخصوصيته وإلا فلا إشكال في أن ادعاء الزيادة في الصورة المفروضة بنفسه مناف للاقرار السابق سواء انضمت إليه البينة أو اليمين والحاصل ان كل مورد لا تسمع فيه البينة لا تسمع فيه اليمين أيضا سواء جعلت كالاقرار أو كالبينة فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر.
ثم انه قد ذكر الاصحاب رضوان الله عليهم فروعا لكون اليمين كالبينة أو كالاقرار يقف عليها الناظر إلى كتبهم وقد ذكر أكثرها الشهيد في القواعد فراجع إليه وتأمل في تماميتها فإن كثيرا منها غير تام مايزا بين الاحكام التي تترتب على البينة والاقرار من حيث الحجية والتسبيب إلى الحق وبين ما تترتب عليهما من حيث كونهما بينة وإقرارا فإنه قد يمنع من بعض الفروع من أجل ذلك كالاحتياج إلى حكم الحاكم إن جعلناها كالبينة وعدم الاحتياج إليه إن جعلناها كالاقرار فإنه يمكن أن يقال ان عدم الاحتياج إلى حكم الحاكم في الاقرار من جهة ما دل على أنه نافذ على المقر ويلزم به مطلقا فهو من أحكام نفس هذا الموضوع هذا مجمل القول في المقام الثاني وهو حلف المدعي بعد رد اليمين عليه (إليه خ).
وأما الكلام في المقام الثالث وهو نكوله عن اليمين فقد قيل فيه أيضا انه هل هو كالاسقاط والابراء أو كيمين المنكر من حيث وجود جهة من كل منهما فيه بحسب اللب كما في اليمين بالنسبة إلى البينة والاقرار والحق انه لا وجه لهذا النزاع لان مجرد كونه قريبا بأحدهما بحسب اللب لا يوجب ترتب آثاره عليه أصلا بل لا بد في ترتب كل حكم يريد ترتيبه من الرجوع إلى الادلة ثم الحكم بما يقتضيها فالاولى صرف العنان إلى لتكلم فيما يقتضيه الادلة من الحكم بسقوط الحق مطلقا أو في ذلك المجلس أو بعد السؤال وعدم الاعتذار بشئ أو في صورة عدم إقامة البينة أو في صورة حكم الحاكم إلى غير ذلك من التفاصيل التي في المسألة.
وقبل التكلم فيه لا بد من تأسيس الاصل الذي هو المعول بعد العجز عن إقامة الدليل على تعيين
أحد الاقوال.
فنقول انه قد يقال ان مقتضى الاصل في المقام هو السقوط مطلقا عملا بالاستصحاب لان سقوط الحق بعد النكول وقبل الرجوع إلى اليمين أو إقامة البينة كان ثابتا فالاصل بقائه بعدهما وفيه ان السقوط سابقا إنما هو من جهة عدم الحجة وهو لا يقتضي بقائه بعدها واثباته بالاستصحاب اثبات للحكم في غير موضوعه وفي الحقيقة ليس هذا سقوطا حقيقة وتسميته به مسامحة وبعبارة أخرى سقوط الحق كان ثابتا سابقا في حق الناكل فلا يمكن اجرائه بالاصل في حق غيره فالاقوى بالنظر كون مقتضى الاصل بقاء الحق وعدم سقوطه مطلقا نعم لو تم ما ادعاه جماعة من قيام الاجماع على السقوط في المجلس ولو بعد إقامة البينة لامكن أن يقال ان مقتضى الاصل هو السقوط مطلقا لكن سيأتي ما فيه من دعوى جماعة عدم قبوله.
إذا عرفت ما يقتضيه الاصل مع قطع النظر عن قضية الادلة فلنرجع إلى التكلم فيها فنقول انه قد ذهب جماعة إلى سقوط الحق مطلقا بل مقتضى المحكي عن بعض الاجلة الاجماع عليه نظرا إلى روايات ادعوا دلالتها عليه قد عرفت جملة منها في القضاء باليمين المردودة ومنها خبر أبي العباس عن أبي عبداللهعليهالسلام إذا أقام الرجل البينة على حقه فليس عليه يمين فإن لم يقم البينة فرد الذي ادعى عليه اليمين فإن أبى أن يحلف فلا حق له لى غير ذلك من الاخبار التي تدل على أنه إذا لم يحلف المدعى بعد رد اليمين إليه فلا حق له.
والجواب عن تلك الاخبار انه لا إطلاق فيها حتى يشمل صورة إقامة البينة بعد النكول وإنما المقصود منها عدم ثبوت الحق له من حيث عدم الحجة له فلا تعرض لها لحكم صورة اقامة الحجة فهذه الاخبار نظير ما ورد في الادعاء على الميت من أنه إذا ادعى عليه ولا بينة للمدعي فلا حق له فإنه لا يتوهم أحد انه يدل على سقوط حقه ولو بعد اقامة البينة ففيما نحن فيه للمدعي أيضا أن يقيم البينة على حقه بعد النكول فيأخذه من المنكر نعم قد عرفت انه لو كان هناك اجماع على سقوط الحق ولو في المجلس كما ادعاه بعض لامكن استصحابه فلا يبقى مورد للحكم بالبينة لكن هذه الدعوى ايضا لم تثبت فالاقوى بالنظر إلى القاعدة هو عدم سقوط الحق فتأمل وأما ساير التفاصيل فلا مستند لها يعتد به خصوصا التفصيل بين حكم الحاكم وعدمه لان هذا التفصيل مما لا معنى له أصلا لان حكم الحاكم تابع لكيفية دلالة الادلة على السقوط فإن دلت على أن النكول ميزان للقضاء بالسقوط مطلقا فيقضى به كذلك وإن دلت على أنه ميزان له في الجملة فيقضى به كذلك.
قوله وإن نكل المنكر بمعنى انه لم يحلف ولم يرد قال الحاكم ان حلفت وإلا جعلتك ناكلا وتكرر ذلك ثلاثا استظهارا لا فرضا فإن أصر قيل يقضى عليه بالنكول وقيل بل يرد اليمين على المدعي الخ أقول قد كثر الخلاف والتشاجر بينهم في تلك المسألة فذهب الصدوقان والشيخان واتباعهم بل أكثر القدماء على ما حكي عنهم الاستاد دام ظله العالي إلى القضاء بمجرد النكول وذهب جماعة منهم الشيخ والقاضي وابنا حمزة وإدريس على ما حكي عنهم إلى عدم القضاء به بل يحكم بعد رد اليمين على المدعي وحلفه وهو المشهور بينهم حسبما ذكره الاستاد العلامة بل عن محكي الخلاف والغنية الاجماع عليه وكيف كان فالاقوال من الطرفين في غاية الكثرة.
فبالحري قبل الخوض في المسألة أن نأسس الاصل الذي عليه المعول بعد عدم تمامية ما أقاموا من الادلة فنقول ان الاصل مع من ذهب إلى عدم القضاء بمجرد النكول لان الاصل عدم جواز القضاء بمجرده لانه قد عرفت انه خلاف الاصل وأيضا الاصل عدم تأثيره وترتب الاثر عليه لانك قد عرفت ان للقضاء حكما من حيث
الوضع غير ما ثبت له من الحكم التكليفي فالاصل عدم كل منهما في صورة الشك فثبت ان مقتضى الاصل بالنسبة إلى الحكم التكليفي والوضعي مع من ذهب إلى عدم القضاء بمجرد النكول هذا وقد يعارض هذا الاصل بكلا المعنيين (معنييه خ) بالاصل في القضاء بالرد بعد نكول المنكر وحلف المدعي فإنه كما أن الاصل عدم جواز القضاء بالنكول وعدم تأثيره كذلك الاصل عدم جواز القضاء بالحلف بعد الرد وعدم تأثيره ولكنك خبير بفساد هذه المعارضة وكونها مجرد المغالطة لان القضاء في صورة الرد بعد الحلف يقيني فلا أصل هنا حتى يقتضي نفيه.
لا يقال من أين علم القضاء بالرد والحلف مع أن القائل بالقضاء بمجرد النكول ينكره فإن ما ثبت هناك تسليمه بين الفريقين هو القضاء بالرد والحلف إذا جاء الرد من قبل المنكر وأما إذا جاء من قبل الحاكم فلا نسلم كون القضاء به يقينيا.
لانا نقول لسنا ندعي تيقن القضاء من جهة خصوص الرد والحلف حتى تورد علينا بما ذكرت من ذهاب القائلين بالقضاء بالنكول إلى نفيه بل ندعي ان القضاء في صورة النكول والرد يقيني وليس علينا تعيين جهته حتى تقول انها غير مسلمة بين الفريقين وليس هذا الذي ذكرنا مختصا بما نحن فيه بل يجري في جميع صور الشك بين الزائد والناقص في أبواب العبادات والمعاملات فإنه في صورة الاختلاف في شرطية شئ للمعاملة نقول ان مقتضى الاصل الاولي فساد هذه المعاملة بدون هذا الشرط المختلف فيه لان القدر المتيقن من صحتها هي صورة اشتمالها على الشرط وإن لم يعلم ان صحتها من جهة وجود هذا الشرط فلا يقال ان القائل بعدم شرطيته ينكر الصحة من جهة هذا الشرط فلا نعلم كون الصحة في صورة وجوده يقينية فيندفع بالاصل وهكذا الامر في العبادات أيضا فانا لو شككنا في شرطية شئ للعبادة كالاستطاعة للحج مثلا فنقول ان وجوبه في صورة وجود الاستطاعة يقينيوفي صورة عدمه مشكوك فيندفع بالاصل ولا يعارض هذا بأن الوجوب من جهة الاستطاعة لم نعلم كونه ثابتا فيندفع بالاصل أيضا والسر في ذلك كله ان المتمسك بالاصل العملي لا يريد به تعيين الجهة لعدم اقتضاء الاصول العملية إلا اثبات مجرد الحكم وأما تعيين جهة الثبوت فلا فلا معنى لمعارضته حينئذ بتردد الجهة بين الامرين هذا.
ثم ان هناك اصلين آخرين يتمسك بهما للقولين أحدهما أصالة برائة ذمة المدعي من الحلف للقول بالقضاء بمجرد النكول ثانيهما برائة ذمة المنكر من الحق بمجرد النكول للقول بعدم القضاء به وأنت خبير بفساد كلا الاصلين وعدم تمامية كلا الطريقين أما الاول فيرد عليه أولا بعدم جريان الاصل المذكور في المقام لان الوجوب المشكوك فيه ليس وجوبا نفسيا يعاقب على مخالفته حتى يجري أدلة البرائة بل إنما هو وجوب ارشادي شرطي لا يترتب على مخالفته إلا عدم ثبوت الحق فلا مسرح لادلة البرائة في المقام أصلا كما لا يخفى وثانيا بعدم جدوى للاصل المذكور بعد تسليم جريانه لاثبات القضاء بالنكول حسبما هو المأمول والمقصود إلا أن يتمسك فيه بعدم القول بالفصل وأما الثاني فيرد عليه بأنه إن أريد من برائة ذمة المنكر من الحق لحق - الواقعي ففيه أنها تابعة للواقع ولا دخل للنكول وعدمه بل وحكم الحاكم وعدمه فيها أصلا فإن كان في الواقع وفي علمه برئ الذمة من الحق كان بريئا سواء حكم الحاكم على برائة ذمته أو اشتغالها وإن كان في الواقع مشغول الذمة بالحق يجب عليه التخلص عن الحق سواء حكم الحاكم على برائة ذمته او اشتغالها وإن أريد البرائة من الحق ظاهرا ففيه انها تابعة لحكم الحاكم ومسببة عنه فلا بد من أن يجري الاصل بالنسبة إليه حسبما عرفت منا فتبين من جميع ما ذكرنا ان الاصل الذي ينبغي أن يعول عليه ويتمسك به بعد عدم تمامية الادلة
من الطرفين هو ما ذكرنا.
فلنرجع إلى تحقيق القول في أصل المسألة ونقول ان الحق هو جواز القضاء بالنكول لما ستعرف مما يدل عليه فلنتعرض أولا لذكر أدلة الخصم والجواب عنها ثم نعقبه بأدلة المختار فنقول قد تمسك للقول بعدم جواز القضاء بالنكول بالاصل المزبور والاخبار الدالة بعمومها على حصر ميزان القضاء بما يكون النكول خارجا عنه (عنها خ) كقولهصلىاللهعليهوآله انما اقضي بينكم بالبينات والايمان وقوله استخراج الحقوق بأربعة وأحكام المسلمين على ثلاثة بينة عادلة ويمين قاطعة وسنة جارية من أئمة الهدى والبينة على المدعي واليمين على من أنكر إلى غير ذلك من العمومات الدالة بعمومها على نفي القضاء بالنكول مضافا إلى اعتضادها بذهاب المشهور بل نقل الاجماع في المسألة حسبما حكى عن جماعة هذا وقد يتمسك له أيضا بخصوص ما ورد من بعض الاخبار مثل رواية عبدالله بن زرارة عن الصادقعليهالسلام في الرجل يدعى عليه الحق ولا بينة للمدعي قال يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له وحسنة هشام عن الصادقعليهالسلام قال يرد اليمين على المدعي وهو عام قد يتمسك بوجوه آخر ضعيفة لا جدوى في ذكرها والجواب عنها وأقوى ما تمسكوا به هو ما ذكرنا.
ولكنك خبير بتطرق المناقشة في كلها أما الاصل فإنه وإن كان مقتضاه ما ذكر إلا أنه لا معارضة بينه وبين أدلة المختار كما لا يخفى وأما الجواب عن الاخبار العامة مضافا إلى ما يرد على كثير منها من أنه وارد في مقام بيان وظيفة الحكم في أول الامر ولا تعرض لها لثاني الحال فبأنها عمومات قابلة للتخصيص بما نذكره مما يدل على القضاء بالنكول فلا بد من تخصيصها به كما خصصت بغيره وأما الجواب عما استدل به أخيرا من - الخبرين أما عن الاول مضافا إلى ما أوردوا عليه من عدم صحة سنده من جهة قسم بن سليمان فبأن الاستدلال به مبني على قرائة يرد مبنيا للمفعول حتى يكون الراد هو الحاكم فيدل على عدم جواز القضاء بدون الرد على - المدعي فيثبت عدم القضاء بمجرد النكول وأما على قرائة يرد مبنيا للفاعل فلا دلالة له على المدعي أصلا إن لم يدل على خلافه إذ المراد منه حينئذ ان وظيفة المدعى عليه وما يكون له بعد عدم وظيفة المدعي أحد شيئين إما الحلف أورده على المدعي ضرروة ان المراد من الاستحلاف في المقام ليس هو مجرد الطلب وإن لم يحلف - المدعى عليه بل المراد هو الطلب الذي يعقبه المطلوب فمعنى الحديث والله أعلم انه يستحلف المدعى عليه فيحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق ومعلوم انه على هذا المعنى لا دلالة له على المدعى أصلا فإذا تردد الامر في الرواية بين وجهين تدل على أحدهما على المطلوب ولا تدل على الآخر عليه فنقول أولا ان قرائة يرد مبنيا للفاعل أقرب وأظهر من وجهين احدهما وحدة مرجع الضمير في يستحلف ويرد لان عوده إلى ما هو المرجع في يستحلف أولى من عوده إلى غيره لكونه أقرب إليه ثانيهما قضاء السياق فإنه في مقام بيان وظيفة المدعى عليه بعد فقدان ما هو الوظيفة للمدعي وثانيا سلمنا عدم كون إحدى القرائتين أرجح من الاخرى لكن نقول انه إذا تردد الامر بينهما يسقط الرواية عن صلاحيتها للاستدلال لصيرورتها مجملة هذا.
وقد يجعل الرواية دليلا على القضاء بالنكول بناء على قرائة يرد مبنيا للفاعل بجعل المرجع في - الفعل المنفي في ذيل الرواية هو المنكر فيصير المعنى حينئذ انه لا بد للمنكر من الالتزام بأحد شيئين إما الحلف أورد اليمين على المدعي وإن لم يرد فلا حق له فيلزم باداء الحق وهو معنى القضاء بالنكول وأنت خبير بفساد هذا الكلام لان جعل المرجع في الفعل المنفي هو صاحب الحق أولى لانه أقرب إليه من المنكر هذا مضافا إلى الاحتياج بارتكاب تجشم في قوله فلاحق له على تقدير عدم عود الضمير إلى المدعي هذا كله بالنظر إلى الخبر
الاول وأما عن الثاني فبما ذكرنا في الجواب الثاني عن الاول من كونه مرددا بين ما يدل على المدعى وبين مالا يدل عليه فيكون مجملا ساقطا عن درجة الاستدلال والاعتبار وأما الاستدلال بالاجماع المنقول في المقام كما وقع عن سيد مشايخنا فلامسرح له أصلا بعد ذهاب جماعة من الاجلاء بل أكثر القدماء على خلافه هذا مجمل القول فيما استدلوا به على عدم الجواز.
وأما مااستدلوا به على الجواز وهو المختار فهو الاخبار الواردة في الباب من الائمة الاطهارعليهمالسلام عموما وخصوصا وهي كثيرة بل حكى شيخنا الاستاد العلامة عن بعض الاعلام في تعليقته على التهذيب ان جواز القضاء بالنكول مقتضى أكثر الاقوال وأكثر الاخبار.
منها قوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر أو البينة على من ادعى واليمين على من ادعى عليه وجه الدلالة انك قد عرفت سابقا ان مقتضى كل من القضيتين حصر مبتدائها في خبرها وبالعكس فيصير المعنى انه لا بينة إلا على المدعي ولا مدعى إلا عليه البينة ولا يمين إلا على من أنكر ولا منكر إلا عليه اليمين فيدل كل من القضيتين بمقتضى الحصر على جواز القضاء بالنكول لانه لو لم يقض به لوجب رد اليمين على المدعي وهو مكذب عكس القضية الاولى وهو قوله لا مدعي إلا عليه البينة وأصل القضية الثانية وهو قوله ولا يمين إلى على من أنكر فيصير قضية كل من القضيتين هو جواز القضاء بالنكول هذا.
وقد يجاب عن الاستدلال به بالمعارضة بيانها انه كما ينفى عكس القضية الاولى القضاء باليمين المردودة كذلك ينفى القضاء بالنكول أيضا لانه غير البينة فلا يثبت حق المدعي به بل قد قيل ان دلالة القضيتين على عدم جواز القضاء بالنكول أقوى وأتم من دلالتهما على جواز القضاء به ولهذا استدل جماعة بالرواية على عدم جواز القضاء بالنكول.
بيان ذلك ان الرواية بمقتضى الحصر المفروض دلالتها عليه تنفى القضاء بغير البينة للمدعي وبغير اليمين للمنكر فمقتضاها عدم جواز القضاء في صورة اليمين المردودة مطلقا وفي صورة النكول وغيرهما خرج منه القضاء باليمين المردودة من المنكر بالاجماع والاخبار والقضاء في صورة اليمين المردودة من الحاكم بعد عدم حلف المنكر وامتناعه من الرد مطلقا (أيضا خ) لان القضاء فيها أيضا يقيني وإن تردد في كونه من جهة النكول أو اليمين فيبقى صورة مجرد النكول من غير رد مشكوكة فيتمسك بالحصر المستفاد من الرواية على عدم خروجها فلا يجوز القضاء فيها هذا.
وقد يجاب عن الاتمية والمعارضة أما عن الاولى فبأن القضاء في صورة الرد بعد النكول وإن كان يقينيا إلا أنه لا ينفع في إثبات القضاء باليمين المردودة وعدم جواز القضاء بالنكول لكون نسبته إلى كل منهما على السواء ولا أولوية لاستناده إلى أحدهما ونفيه عن الآخر هذا مجمل ما يقال في الجواب وأنت تقدر على الجواب عنه بما عرفته في تأسيس الاصل فراجع وتأمل وأما عن الثانية فبما عرفته في بعض كلماتنا السابقة من أن - الرواية في مقام حصر مايلزم به المدعي في اثبات الحق وحصر ما يلزم به المنكر في التخلص عن الدعوى من جهة لفظة على وأما النكول فليس مما يلزم به المدعي حتى ينفيه قوله لا مدعي إلا عليه البينة بل هو شئ يحكم به الحاكم من غير أن يكون له مدخل فيه أصلا بل الزام المدعي بالنسبة إليه غير معقول وأنت خبير بفساد هذا الجواب أيضا لانك قد عرفت ان المراد من الالزام في المقام ليس هو الالزام النفسي بل الالزام الشرطي - الارشادي وهو كاشف عن ارتباط بين المقصود والملزم به فوجه الزام المدعي بالبينة وعدم الزامه بغيرها هو عدم
كون غيرها مثبتا لحق المدعي وهكذا الامر بالنسبة إلى اليمين في طرف المنكر فيصير المعنى انه لا يثبت ق المدعي إلا بالبينة ومعلوم ان الثبوت بالنكول ثبوت بغير البينة.
فالاولى في الجواب أن يقال بعد تسليم كون القضاء بالنكول موجبا لرفع اليد عن حصر قضية البينة على المدعي وكون القضاء في صورة الرد متيقنا أما أولا فبأنه على تقدير عدم القضاء به ورد اليمين على المدعي يلزم رفع اليد عن حصر كلتا القضيتين بخلاف تقدير القضاء به فإنه لا يوجب تصرفا إلا في ظاهر عكس القضية - الاولى ولا إشكال في أنه إذا دار الامر بين رفع اليد عن ظاهر أو عن ظاهرين يكون الالتزام بالاول أولى كما لا يخفى وأما ثانيا فبأنه على تقدير رد اليمين أيضا يلزم منه القاء الحصر بالنسبة إلى عكس القضية الثانية لان مقتضى قولنا لا منكر إلا عليه اليمين انحصار رفع الخصومة عنه باليمين والمفروض انه إذا رد اليمين على المدعي وأبى من الحلف يحكم عليه بسقوط حقه على ما هو المعروف بينهم فيوجب ارتكاب خلاف ظاهر في عكس القضية مضافا إلى ما يلزم في أصله على تقدير الحلف ومنها قوله إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان بناء على أن يكون المراد من الايمان هو خصوص يمين المنكر ووجه دلالته على المدعي مثل ما عرفته في الخبر السابق وما ذكر فيه من الرد والجواب يأتي فيه أيضا.
ولكن قد أجاب شيخنا الاستاد عنهما بأنهما واردان في مقام حصر وظيفة المدعي والمنكر في ابتداء الامر ولا تعرض لهما لحكم ثاني الحال وثالثها أصلا ولكنك خبير بتطرق المنع إلى هذا الادعاء وكونهما واردين في مقام حصر الوظيفة مطلقا.
ومنها موثقة عبدالرحمن التي رواها المحدثون الثلاثة قال قلت للشيخ يعني موسى بن جعفرعليهالسلام أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له البينة بماله قال فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له و إن لم يحلف فعليه كما في الكافي والتهذيب وأبدل في الفقيه قوله وإن لم يحلف الخ بقوله وإن رد اليمين على لمدعي فلم يحلف فلا حق له فإن كان المطلوب بالحق قدمات وأقيمت (وجب خ) عليه البينة إلى أن قال وإن ادعى ولا بينة فلا حق له لان المدعى عليه ليس بحي ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو برد اليمين عليه فمن ثم لم يثبت له عليه حق الحديث ولا يضر وجود ياسين الضرير في سنده لكونه متلقيا بالقبول عند الاصحاب به يستدلون على جملة من الفروع مضافا إلى ان الرواية حسبما يظهر من التهذيب والكافي حسبما حكاه الاستاد دام ظله قد أخذت من كتاب أحمد بن محمد بن عيسى الذي قد أخرج جماعة من الروات عن القم منهم البرقي من جهة روايتهم عن الضعفاء والمراسيل وكيف كان لا شبهة في كون الرواية معتبرة عندهم معمولا بها لديهم ولا يضر حينئذ عدم كونها صحيحة باصطلاح المتأخرين لما قد حققنا في الاصول من أن المعتبر في سند الروايات هو الوثوق والاطمينان من أي شئ حصل.
ثم ان دلالة الرواية على المدعى حسبما عن الكافي والتهذيب من وجهين صدرا وذيلا أما دلالتها عليه صدرا فمن حيث انه رتب فيه على عدم حلف المنكر الزامه بالحق وهو وإن كان مطلقا إلا أنا نقيده بالاجماع على عدم جواز الالزام بالحق بمجرد عدم الحلف بعدم الرد فيثبت المطلوب وهو القضاء بالنكول وأما دلالتها عليه ذيلا فمن حيث انه رتب الامامعليهالسلام على عدم البينة للمدعي مع حياة المدعى عليه أحد أمور ثلاثة إما الزامه باليمين أو الحق أورد اليمين على المدعي فإذا انتفى اليمين والرد فيلزم بالحق وهو معنى القضاء بالنكول هذا.
وقد أورد على الاستدلال بكل من صدر الرواية وذيلها بوجهين أما ما اورد من الوجهين على الاستدلال بصدرها فأولهما ما ذكره جماعة من أنه إذا كان ظاهر الرواية خلاف الاجماع فمن أين المعين لتقدير عدم الرد فليقدر حلف المدعي حتى يصير دليلا للقائل بعدم القضاء بالنكول غاية الامر تردد الامر بينهما من غير ترجيح فيسقط الاستدلال بالرواية لصيرورتها مجملة وثانيهما ما ذكره بعض من معارضته بما رواه الفقيه فيسقط عن درجة الاعتبار.
وأنت خبير بعدم ورود شئ من الايرادين عليه أما عدم ورود الاول فبما قد يقال من أن تقدير عدم الرد لازم على كل تقدير إذ على القول بالقضاء بيمين المدعي أيضا لا بد من امتناع المنكر من الحلف والرد ولا يكفي الامتناع من الاول إجماعا فيبقى تقدير الحلف مشكوكا والاصل عدمه وبعبارة أخرى الامر في المقام دائر بين الاقل والاكثر فالاخذ بالاقل يقيني ويدفع الاكثر بالاصل لكن فيه ما لا يخفى.
فالاولى في الجواب أن يقال ان مقتضى إطلاق قوله وإن لم يحلف فعليه انه بمجرد عدم الحلف يلزم بالحق والقدر المتيقن من تقييده والمسلم منه صورة عدم الرد فيقتصر عليه ولا يرفع اليد عن ظاهره بمجرد احتمال تقييد آخر فيحكم حينئذ على عدم مدخلية المدعي أصلا فيلزم بالحق بمجرد الامتناع من الحلف والرد وهذا هو معنى القضاء بالنكول.
وأما عدم ورود الثاني فبأن المراد من المعارضة ان كان ان كلا مما ذكره في الفقيه والتهذيب والكافي رواية مستقلة بأن لم يطلع الشيخان بما رواه الشيخ في الفقيه وكذا العكس فيكون كلا منهما رواية بنفسها فيتعارضان ففيه انه لا تعارض بينهما أصلا لان في احديهما تعرض لحكم صورة عدم حلف المدعى عليه ورده ليمين على المدعي وفى الاخرى تعرض لحكم صورة عدم حلفه فقط فيعمل بكل منهما لعدم التنافي بينهما أصلا وإن كان المراد منها وقوع الاختلاف في متن الرواية مع كونها واحدة فيرجح حينئذ ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب لكونه أرجح كما لا يخفى ولا دليل على الجمع بينهما لا كما جمع بينهما شيخنا الاستاد أعلى الله مقامه في الجواهر ولا كما جمع بينهما في الوسائل من تقديم قوله وإن رد اليمين وتأخير فإن حلف وإن كان الجمع الاول أصح وبالجملة هذا الاختلاف الذي وقع في الرواية لا يضر ما نحن بصدده من الاستدلال بها على جواز القضاء بالنكول أصلا كما لا يخفى.
وأما ما اورد من الوجهين على الاستدلال بذيلها فأولهما ما أورده بعض سادة الفحول من أن الاستدلال بذيل الرواية إنما يتم على تقدير قرائة يرد مبنيا للفاعل وأما على تقدير قرائته مبنيا للمفعول كما هو مقتضى بعض النسخ الصحيحة فلا دلالة له على المدعى أصلا كما لا يخفى وثانيهما ما حكاه الاستاد العلامة عن عض الاجلة من أن التمسك به إنما يستقيم على تقدير أن يكون المراد من الالزام بالحق هو القضاء بالنكول لم لا يكون - المراد منه هو الزامه به بمقتضى (عقيب خ) اقراره والتزامه بالحق فإذا تردد الامر بينهما فتسقط الرواية عن قابلية التمسك بذيلها وأنت خبير بعدم ورود شئ من هذين الايرادين أيضا أما الاول فلان تقابل الثلاثة يمنع من كون المراد من الرد هو رد الحاكم على ما هو مقتضى قرائة يرد مبنيا للمفعول لانه يصير حينئذ المراد من الالزام بالحق هو الالزام به بعد رد اليمين إلى المدعي وحلفه فيخرج عن تقابله مع رد اليمين ويصير مورده منحصرا بصورة الرد وهذا كما ترى مخالف لظاهر الرواية في التقابل وكون مورد الالتزام بالحق غير مورد كل من الحلف والرد مضافا إلى كونه في مقام بيان ما يتوجه على المنكر وما يكون وظيفة له لو كان حيا وهذه قرينة أخرى
لقرائة يرد مبنيا للفاعل حتى يرجع ضميره إلى المنكر وأما الثاني فلانه خلاف ظاهر الرواية لان ظاهرها الزام المنكر بالحق من حيث كونه منكرا وناكلا والمقر بإقراره يخرج عن موضوع المنكر ويرتفع الخصومة بنفسه مضافا إلى كونه مخالفا لظاهر الفقرة الاخيرة من الرواية وهي قوله فمن ثم لم يثبت له عليه حق فإن المثبت لا يطلق على الاقرار فتأمل.
وقد ذكر الاستاد العلامة دام ظله صحة الاستدلال بذيل الرواية على تقدير أن يكون المراد من الالزام هو الالزام بمقتضى اقراره فتأمل فيه لعلك تجده حقيقا بالقبول هذا لكن يمكن أن يورد عليه بأن دلالته على المدعى انما يتم على تقدير أن يكون في مقام البيان والاطلاق بمعنى أن يكون المراد منه انه بمجرد عدم حلفه ورده يلزم بالحق فتدل على القضاء بالنكول وأما إذا كان في مقام الاهمال والاجمال بمعنى أن يكون المراد منه انه بعد عدم حلفه ورده يلزم بالحق في الجملة وهذا لا ينافي القول بإلزامه بالحق بعد رد اليمين إلى المدعي لانه أيضا الزام بالحق في الجملة والمفروض انه لا إطلاق له حتى يكون هذا موجبا لتقييده فيدفع بالاصل وأنت خبير بكون هذا أيضا مخالفا لظاهر الرواية فسلمت الرواية بحمد الله عن جميع الايرادات والمناقشات فلا بد من التمسك بها في اثبات المدعى.
ومنها صحيحة محمد بن مسلم سئل الصادقعليهالسلام عن الاخرس كيف يحلف قال ان أمير المؤمنينعليهالسلام كتب له اليمين وغسلها وأمره بشربها فامتنع فألزمه بالدين وجه الدلالة ان ظاهره عدم رد اليمين وإلا لنقل وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب بل الحاجة فاندفع به ما يقال انه نقل فعل فلا اطلاق في قوله فامتنع حتى ينفى به تقييده برد اليمين على المدعي مضافا إلى أن قوله فامتنع فألزمه يدل على تعقب الالزام للامتناع بغير مهلة لمكان الفاء هذا.
وقد أجيب عن الاستدلال بها على المدعى بوجوه كلها ضعيفة أحدها انها قضية في واقعة لا عموم فيها حتى يصير مدركا للقاعدة وفيه ان من المعلوم لكل مبتدء في الاصول فضلا عن المنتهى فيه فساد هذا الكلام لان ما فرع سمع المجيب من ان قضاياء الافعال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الاجمال ولا عموم فيها حتى يمكن بها الاستدلال إنما هو فيما إذا لم تكن مسبوقة بالسؤال وواقعة في مقام الجواب وأما إذا كانت واردة في مقام الجواب عن السؤال كما فيما نحن فيه فتنزل منزلة العموم في المقال بلا ارتياب فيه ولا إشكال ثانيها ما يستفاد من كلمات بعض مشايخنا أيضا من أن الحاجة التي دعت إلى السؤال إنما هي تعلم كيفية حلف الاخرس لا كيفية الحكم في الدعوى مطلقا حتى يقال انه لو توقف الزام المنكر بالحق بعد امتناعه على يمين المدعي فلا بد من إيرادها فعدمه يدل على عدم توقف القضاء عليه وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا الجواب وإن لم يكن بمكان الوهن كسابقه إلا أن من تأمل في الرواية يقطع بأن المقصود هو تعلم حكم ما إذا كان المنكر أخرسا في كل من تقديري الحلف وعدمه ثالثها ما سمعته في موثقة عبدالرحمن من أن الحكم بمجرد الامتناع خلاف الاجماع فلا بد إما من تقدير عدم الرد أو حلف المدعي ولا مرجح لاحد التقديرين على الآخر.
والجواب عنه ما عرفته في التفصي عما اورد على الموثقة وحاصله انا نقول ان مقتضى اطلاق الصحيحة كون مجرد الامتناع علة تامة للحكم بالحق والقدر المتيقن تقييده بصورة عدم الرد لان التقييد بها لازم على كل من القولين ويبقى اطلاقه بالنسبة إلى حلف المدعي سليما عن القيد فيؤخذ به هذا.
ولكن يمكن الخدشة في هذا الجواب بأنه ليس هنا لفظ يفيد العموم أو الاطلاق حتى يجري بالنسبة إليه ما ذكر وإنما الموجود في المقام نقل فعل ينزل منزلة اللفظ المطلق من حيث وقوعه مقام الجواب وأنه لو كان هناك شئ آخر لاورده الامامعليهالسلام وإلا لزم تأخيرالبيان عن وقت الحاجة فإذا فرض عدم صحة الحكم بمجرد الامتناع حسبما هو قضية الاجماع المسلم تحققه فلا بد إما من الحكم بعدم كون الحاجة إلا تعليم كيفية حلف الاخرس فقط حتى يكون القضية بالنسبة إلى امتناعه عن الحلف مهملة أو بتعليم الامامعليهالسلام ما يتوقف عليه القضاء بعد الامتناع من الخارج لو كان كل من التقديرين موردا للحاجة حتى لا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا معين لكون ما علمه خصوص الرد أو هو مع حلف المدعي فيكون الرواية حينئذ غير وافية للدلالة لى المدعى كما لا يخفى.
فتحصل مما ذكرنا ان الاولى الايراد على الاستدلال بالصحيحة بعد قيام الاجماع على عدم جواز القضاء بمجرد الامتناع بما قد عرفته من عدم وجود اطلاق لفظي في المقام حتى يتمسك به في دفع الزايد وإنما الموجود فيه نقل فعل ينزل منزلة الاطلاق من حيث اقتضاء الحكمة فإذا فرض قيام الاجماع على عدم جواز القضاء بما نقله الامامعليهالسلام فلا بد من التزام أحد شيئين لا دلالة بشئ منهما على المدعي أصلا كما لا يخفى هذا ما خطر ببالي الفاتر ونظري القاصر وأنت بعد التأمل تجده حقيقا بالقبول إنشاء الله هذا.
ولكن قد أجاب بعض أفاضل المتأخرين على ما حكي عنه عما أوردوا على الرواية والموثقة المتقدمة من لزوم التقدير وعدم تعيين المقدر بانا لا نحتاج إلى التقدير أصلا بل نعمل بمقتضى ظاهر الروايتين من كون الامتناع عن الحلف سببا لالزام المنكر بالحق ولا نسلم قيام الاجماع على اعتبار شئ آخر حتى يقال انه لا يعلم انه عدم الرد أو الحلف لان غاية ما انعقد عليه الاجماع كون رد اليمين من المنكر مانعا من الزامه بالحق بمجرد عدم حلفه فإذا لم يتحقق المانع فيؤخذ بالمقتضي وهذا هو القدر الخارج من الروايتين بالاجماع ولا قاضي لتقدير أمر آخر حتى يشكل الامر لان عدم الرد حينئذ لا ينفك عن الامتناع المجامع لانتفاء رد اليمين من لمنكر هذا ملخص ما حكي عنه فإن رجع إلى ما ذكرنا من حديث الاطلاق والتقييد فهو وإن لم يرجع إليه حسبما هو ظاهر كلامه فلا معنى له ويظهر وجهه بالتأمل فتأمل.
وقد سمعت من الاستاد افادته كلاما لا يخلو ايراده عن فائدة وهو انه قال انه يمكن تقييد - الاطلاقات المذكورة على تقدير تسليمها بما دل على القضاء باليمين المردودة من المنكر بأن يقال ان المستفاد منه هو انه لا من رد اليمين إلى المدعي على تقدير عدم حلف المنكر ولا خصوصية لرد المنكر بنفسه وأنت خبير بتطرق المنع إلى هذه الاستفادة فتدبر.
ثم ان هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما أحدهما انه ذكر جمع ممن مال إلى القضاء بالنكول منهم - الشهيد الثانيرحمهالله أن الاحوط والاولى رد اليمين إلى المدعي خروجا عن شبهة من خالف وأنت خبير بأن هذا الكلام إنما يصح فيما إذا علم الحاكم بحلف المدعي بعد الرد وإلا فلا احتياط في الرد لتعارضه مع احتمال نكول المدعي فيلزم الحكم عليه ثانيهما ان ما ذكر هنا من أنه يحكم بنكول المنكر بعد امتناعه عن الحلف والرد أو ترد اليمين إلى المدعي ثم يحكم بعد حلفه وما ذكرنا سابقا في مسألة تخيير المنكر بين الحلف والرد إنما هو إذا تمكن من رد اليمين إلى المدعي وأما إذا لم يتمكن من ذلك وضابطه أن لا يجوز للمدعي الحلف كما في
دعوى التهمة والدعوى الغير الجزمية بناء على سماعها ودعوى الوصي لليتيم مالا على آخر بل مطلق الولي له إلى غير ذلك من الموارد التي لا يتوجه فيها على المدعي اليمين فهل يلزم المنكر بالحلف وإلا فيلزم بالحق قضاء بالنكول حسبما هو المختار عند القائلين به أو يحبس حتى يقر أو يحلف كما هو المحكي عن جماعة أيضا أو تقف الدعوى بعد نكوله عن الحلف وجوه بل وأقوال حسبما يظهر من بعضهم أقواها الاول لما قد عرفت من جواز القضاء بالنكول بل لا حاجة في المقام إلى تقييد في اطلاق ما دل على القضاء بالنكول بالامتناع عن الرد كما لا يخفى هذا.
ولكن ذكر شيخنا الاستاد العلامة دام افادته انه يمكن القول فيما نحن فيه بالقضاء بالنكول وإن لم نقل به في صورة التمكن من الرد. واستدل له بوجوه احدها انه لو لم نقل به لزم القول بعدم سماع الدعوى في المقام وهو باطل بالاجماع بيان الملازمة ان سماع الدعوى إنما هو فيما إذا أمكن الزام المنكر بالحلف أو بغيره فلو قلنا بإيقاف الدعوى بعد نكوله عن اليمين فلا معنى لسماع الدعوى إذ لا يترتب عليه الزام أصلا.
وفيه أولا انا نمنع الملازمة المذكورة إذ لا دليل على كون سماع الدعوى منحصرا فيما إذا توجه هناك الزام على المنكر بل احتمال الحلف أو الاقرار كاف عندهم في سماع الدعوى وإن كان عند الاستاد العلامة محل نظر لكنه بعد مصيرهم إلى ذلك لا يمكن دعوى الاجماع المذكور في كلام الاستاد كما لا يخفى وثانيا انا نقول انه لا إلزام بالنسبة إلى المنكر في صورة سماع الدعوى في مورد من الموارد عند القائلين بعدم لقضاء بالنكول حسبما هو مقتضى ميل الاستاد وعليه أكثر من تأخر لانه لا الزام عندهم بالنسبة إلى المنكر لانه إما يحلف وإلا لرد الحاكم اليمين على المدعي فإن حلف فهو وإلا سقطت دعواه ومعلوم ان هذا ليس بالزام المنكر في شئ وثالثا ان ما ذكره على فرض تسليمه إنما يصح ردا على القائل بالايقاف لا القائل بالحبس كما لا يخفى فلا يثبت خصوص القضاء بالنكول ثانيها ان مقتضى العمومات حصر تخلص المنكر باليمين وإلا فيلزم بالحق غاية ما ثبت من الدليل الخارجي انه لو رد المنكر أو الحاكم اليمين إلى المدعي فلا يلزم بالحق بمجرد الامتناع وليس مقتضى هذا الدليل كون الرد مسقطا مطلقا وإنما هو فيما إذا جاز للمدعي الحلف لان ظاهر قولهعليهالسلام بل صريحه في الاخبار يرد اليمين إلى المدعي فإن أبى كما في جملة من الروايات أو امتنع كما في بعضها الاخر وكذلك قوله فإن ذلك واجب على صاحب الحق أن يحلف ويأخذ ماله إلى غير ذلك ان الرد المسقط مختص بصورة جواز لحلف للمدعي ففيما لا يجوز الحلف على المدعي لا دليل على رفع اليد عن ظهور العمومات.
وفيه أولا ان هذا مخالف لماذكره دام ظله سابقا من عدم دلالة العمومات على حصر تخلص المنكر باليمين بل دلالتها على سماعها من المنكر إنما هي من باب التخفيف فتأمل(١) وثانيا ان دلالة العمومات على لحصر المذكور على فرض تسليمها معارضة بدلالتها أيضا على حصر اخراج حق المدعي بالبينة وعدم ثبوته بغيرها والقول باختصاصها بأول الامر وابتداء الحال مع إمكان المعارضة باليمين أيضا فتأمل قد عرفت فساده منا سابقا وان ذكره الاستاد دام ظله العالي وثالثا انا نمنع من اختصاص جميع تلك الاخبار بصورة جواز الحلف له لان قوله في كثير منها فإن لم يحلف مطلق ولا منافات له مع الباقي حتى يلتزم بالحمل هذا وإن كان ذكره بعض مشايخنا طيب الله رمسه إلا أن للنظر فيه مجالا لان ما ذكره من الاخبار وإن كان ظاهرا في بادى النظر فيما ذكره إلا أن مقتضى التأمل فيها عدم ظهورها فيما ذكره واختصاصها بصورة التمكن من الرد كما لا يخفى لمن أعطى حق النظر فيها
____________________
(١) وجه التأمل انه يمكن أن يقال ان ما ذكره سابقا من عدم الدلالة على الحصر إنما هو بالنسبة إلى سماع البينة منه لا مطلقا (منهقدسسره )
ثالثها ما مر سابقا من الاخبار الظاهرة في جواز القضاء بالنكول وإنما لم نحكم بمقتضاها في صورة التمكن من - الرد لمعارضتها بما دل على عدم جواز القضاء به ممامر وأما في المقام فهي سليمة عن المعارض لاختصاصه حسبما عرفت بصورة التمكن من الرد.
وفيه انه لو سلم دلالة الاخبار فلاوجه للمعارضة بمامر من الادلة لانها كما عرفت عمومات لا بد من تخصيصها بمادل على جواز القضاء بالنكول نعم لو كانت النسبة التباين الكلي لاستقام ما ذكره رابعها ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله ولم أر ذكره في كلام غيره ممن تقدم عليه وعاصره وهو ان اعتبار الشارع لموازين القضاء من جهة كونها ظنونا نوعية وامارات غالبية على صدق المدعي وكذب المنكر أو بالعكس كالبينة من المدعي أو اليمين منه بعد رد المنكر أو الحاكم بعد امتناعه عن الحلف والرد فانه امارة على كذب المنكر وصدق المدعي والمراد بالظهور النوعي في طرف الحلف إنما هو بالنسبة إلى حال الحالف بالنظر إلى اسلامه فلا يرد انا نرى كثيرا ما يقدمون الناس على اليمين الفاجرة فكيف يكون اليمين امارة على صدق الحالف ونكول المدعي عن الحلف بعد رد المنكر أو الحاكم إليه فانه امارة على كذب المدعى كما ان رد المنكر امارة على صدقه هذا إذا تمكن المدعي عن الحلف واما إذا لم يتمكن منه كما هو محل البحث فليس نكوله امارة على كذبه كما ان رد المنكر حينئذ ليس امارة على صدقه بل امتناعه عن الحلف في الصورة المفروضة مارة على كذبه فيؤخذ بالحق.
وفيه مضافا إلى كونه وجها اعتباريا لا يمكن أن يصير دليلا في المسألة حسبما صرح به الاستاد دام افادته أيضا ان هذا منقوض بامتناعه عن الحلف والرد في صورة جواز الحلف للمدعي فإنه أيضا امارة على كذبه فلم لا يجوز القضاء بالنكول مع جريان هذا الوجه فيه أيضا والقول بأن المنكر لما يعلم بأن الحاكم يرد اليمين بعد نكوله إلى المدعي فلا يكون نكوله دليلا على كذب انكاره فيه ما لا يخفى فساده على أحد.
ثم ان ما ذكره الاستاد العلامة قد يظهر من غيره ممن تقدم عليه مثل الشهيدرحمهالله في المسالك حسبما هو ظاهر كلامه وغيره في غيره لكنك قد عرفت ان مقتضى التحقيق خلافه وانه لا فرق على تقدير المصير إلى عدم القضاء بالنكول بين الصورتين ولكن الاستاد العلامة قد رجع عما ذكره فراجع هذا ولكن قد يقال بإمكان المصير إلى القول المذكور من جهة بعض الاخبار الواردة في خصوص المقامات كما في دعوى التهمة مثل قوله فان اتهمته فاستحلفه لعله يستخرج منه شئ فإنه يدل على الزامه باليمين حتى يخرج منه الحق وإلا فلا معنى لقوله لعله يستخرج منه شئ وفي دلالته على المدعى تأمل فتأمل.
ثم ان بما ذكرنا يظهر لك فساد القول بالحبس أيضا فإنه لا دليل على جوازه بعد عدم القول بالقضاء بالنكول فلا بد من إيقاف الدعوى حينئذ إذ لا دليل على منعه وقد يذكر في المسألة وجوه أخر للاقوال مع نقضها مذكورة في كتب الاصحاب رضوان الله عليهم فليرجع إليها.
قوله فلو بذل المنكر يمينه لم يلتفت الخ أقول بذل المنكر يمينه لا يخلو إما أن يكون بعد حكم الحاكم بالنكول على القول به أو بالرد بعد الحلف أو قبله فإن كان في الاول فلا ينبغي الاشكال في عدم الالتفات إليه حسبما هو المشهور بينهم على ما ينادي به كلماتهم بل مقتضى كلام بعض مشايخنا عدم الخلاف فيه عندهم لارتفاع الخصومة وحصول الفصل بعد الحكم قهرا فلا يبقى مورد للبذل من غير فرق في ذلك بين عرض الحكم عليه وعدمه وادعائه جهل الحكم لان مجرد نكوله صار سببا لحكم الحاكم عليه من غير مدخلية لجهله في
ذلك وعلمه لانه من قبيل أحكام الوضع فلا دليل على نقض الحكم حينئذ وإن كان في الثاني فمقتضى الاستصحاب جواز البذل له قبل حلف المدعي في صورة الرد فتأمل من غير فرق في ذلك بين صورة النكول أو رده ليمين إلى المدعي أو الحاكم لما قد عرفت.
وقد يقال بان ذلك مقتض لاسقاط حقه من اليمين فالاصل عدم عوده وفيه ما لا يخفى هذا ولكن في الرياض ان المستفاد من عباير الجماعة عدا الماتن في النافع عدم الالتفات إلى اليمين المبذولة بعد النكول وقبل - الحكم وهذا كما ترى وفي كلام جماعة منهم الشهيد في المسالك الاستدلال على عدم الالتفات بعد النكول في الصورة بتحقق سبب الحكومة وحصول ميزانها المقرر شرعا عند القايل به نحو نكول المدعي عن اليمين المردودة.
وأنت خبير بأن مجرد تحقق ما يقتضي الحكم ما لم يلحقه الحكومة لادليل على كونه رافعا للاصل المزبور فتامل هذا إذا كان قبل حلف المدعي بعد الرد واما اذا كان بعده وقبل الحكم فمقتضى الاصل المزبور أيضا جواز البذل له وان كان الامر فيه أصعب من الصورة السابقة سيما بعد ما اذا كان الرد من - المنكر فتامل.
قوله فان قال نعم وسئل الانظار في اثباته انظره ثلاثا الخ أقول هذا الحكم معروف بين الاصحاب مشهور عندهم بل لم أعرف فيه خلافا وبه رواية عن مولانا أمير المؤمنين وهي قوله لشريح واجعل لمن ادعى شهودا أمدا بينهما فإن أحضرهم أخذت له بحقه وإن لم يحضرهم أوجبت عليه القضية لكن لم أجد دليلا على تعيين هذا الانظار وتحديده بما ذكروه من ثلاثة أيام فإن كان اجماعا فهو وإلا فللنظر فيه مجال ظاهر لان ما دل من لزوم الضرر وغيره حتى الرواية حسبما هو الظاهر منها عدم تقديره إلا بما يتمكن المدعى (المدعى خ) من وصوله إلى البينة وإقامتها سواء زاد عن الثلاثة أو نقص.
قوله ولا يستحلف المدعي مع البينة الخ أقول هذا الحكم في البينة القابلة لاثبات الحق حسبما هو قضية ظاهر كلماتهم مما لا إشكال فيه بل لا خلاف فيه عندنا بل لا يبعد دعوى الاجماع عليه كما ادعاه جماعة مضافا إلى ما عرفت من أن الاصل في المدعي ان لا يكلف باليمين خصوصا بعد قيام البينة الكاملة التامة للتفصيل لقاطع للاشتراك وغيره في الحديث المشهور ومضافا إلى روايتين كل منهما كاف في اثبات المدعى احديهما رواية محمد بن مسلم قال سئلت أبا جعفرعليهالسلام عن الرجل يقيم البينة على حقه هل عليه أن يستحلف قال لا ثانيتهما رواية أبي العباس عن أبي عبداللهعليهالسلام قال إذا أقام الرجل البينة على حقه فليس عليه يمين ولا يعارضها ماورد في الرواية - المتضمنة لوصية أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام لشريح ورد اليمين على المدعي مع بينته فإن ذلك أجلى للعمى وأثبت للقضاء لضعف سندها واعتضادهما بما قد عرفت فلا بد من طرحها أو حملها بما لا ينافيهما مثل ما لو ادعى المنكر الابراء أو الايفاء والتمس حلف المدعي فإنه يجب أجابته لرجوعه إلى دعوى أخرى وانقلاب المنكر مدعيا والمدعي منكرا هذا ولكن في القواعد ولوالتمس المنكر بعد اقامة البينة عليه احلاف المدعي على الاستحقاق أجيب إليه ولو التمس المنكر يمين المدعي مع الشهادة لم يلزم اجابته انتهى كلامه.
وأنت خبير بوجود التنافي بين الكلامين بحسب ما يظهر منهما وقد ذكروا في وجه رفع التنافي بينهما أمرين أحدهما ما حكي عن جامع المقاصد وتبعه جماعة من أن المراد من الكلام الاول هو ما إذاادعى المنكر الابراء أو الاداء أو غيرهما بحيث يرجع إلى دعوى جديدة من المنكر وهذا الوجه وإن كان بعيدا إلا أنه
لا بد من حمل كلامه عليه إذا أريد رفع التناقض بوجه صحيح ثانيهما ما حكي عن بعض وذكره بعض مشايخنا المتأخرين من أن المراد من الكلام الثاني هو ما إذا شهدت البينة على الاستحقاق فعلا فإنه لا معنى لاجابة المنكر حينئد لانه (لانها خ) تكذيب للبينة والمراد من الكلام الاول هو ما إذا شهدت البينة على السبب دون اشتغال الذمة فعلا كما لو قامت البينة في صورة ادعاء القرض على التسليم لا على الثبوت في الذمة فالتمس المنكر الحلف على الاستحقاق والثبوت فعلا الذي شهدت البينة على أصله نحو اليمين الاستظهاري وإن كان بينهما فرق من جهة وهي احتياج الحلف في المقام إلى سؤال المنكر بخلاف الاستظهاري فإنها يتوجه على المدعي مطلقا هذا غاية ما يذكر في توضيح هذا الوجه.
ولكنك خبير بفساده لان الشهادة على السبب إن لم تكن كافية في الحكم بالاستحقاق فعلا فلا معنى لقبولها وإن كانت كافية ولو بانضمام الاستصحاب من الحاكم فلا معنى لانضمام اليمين بها وسماع دعوى المنكر بعدها والقول بكفايتها إن لم يكن هناك سؤال من المنكر (المدعي خ) منفردة وعدم كفايتها إلا منضمة باليمين فيما لو سئل المنكر لا دليل عليه أصلا بل لا معنى له جزما مضافا إلى أن ما ذكره من الوجه لعدم الاجابة في الصورة الاولى من تكذيب البينة لا يجري في جميع الفروض بل لا يجري الا في الفرض النادر لان شهادة البينة على الاستحقاق الفعلي ا تكون غالبا بل نادرا إلا بانضمام الاستصحاب فالمدرك حقيقة هو الاستصحاب ولا يتفاوت بين أن يجريه الحاكم بعد شهادة البينة على السبب أو الشاهد وبالجملة هذا الوجه مما لا يصغى إليه فلا بد في توجيه العبارة بالالتزام بالوجه الاول فتدبر.
قوله إلا أن يكون الشهادة على ميت فيستحلف على بقاء الحق أقول هذا الحكم في أصل المسألة مما لا إشكال بل لا خلاف فيه ظاهرا بل ادعى الاجماع عليه صريحا في كلام جماعة منهم الشهيد الثاني في الروضة مضافا إلى ماورد في بيان حكم المسألة من الائمة الطاهرة والسادات الطيبة سلام الله عليهم أجمعين من موثقة عبدالرحمن التي رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم قال قلت للشيخ يعني موسى بن جعفر سلام الله عليهما كما عن الفقيه أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له البينة بماله قال فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له وإن لم يحلف فعليه كما في الكافي والتهذيب وأبدل في الفقيه قوله وإن لم يحلف اه بقوله وإن رد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق فإن كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقد مات فلان وان حقه لعليه فإن حلف وإلا فلا حق له لانا لا ندري لعله قد وفاه ببينة لا نعلم موضعها أو بغير بينة قبل الموت فمن ثم صارت عليه مع اليمين البينة وان ادعى ولا بينة فلا حق له لان المدعى عليه ليس بحي ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه فمن ثم لم يثبت له عليه حق.
وقد عرفت انه لا يضر في العمل بها وجود ياسين الضرير في سندها لما عرفت من كونها مأخوذة عن كتاب أحمد بن عيسى القمي الذي لا يروي عمن يروي المراسيل مع ان روايته لا تدل على عمله بالمراسيل مع ان العمل بها لا يقدح في عدالة العامل بعد اعتقاده جواز العمل بها فكيف بغير الثقة مضافا إلى اعتضادها بما عرفت فلا إشكال في العمل بها حينئذ لكونها موثقة بالوثوق الداخلي والخارجي معا على ما بينا في الاصول من اعتبار كل خبر موثوق له لم يخالف لعمل الاصحاب وصحيح الصفار الذي رواه الثلاثة أيضا كتب محمد بن الحسن لصفار إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهماالسلام هل يقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل فوقععليهالسلام إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدعي اليمين وكتب إليه أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت
صغيرا أو كبيرا بحق له على الميت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير وليس للكبير بقابض فوقععليهالسلام نعم وينبغي للوصي أن يشهد بالحق ولا يكتم شهادته وكتب إليه أو يقبل شهادة الوصي على الميت بدين مع شاهد آخر فوقععليهالسلام نعم من بعد يمين ودلالته أيضا ظاهرة وإن كان بعض فقراته غير معمول به بين الاصحاب لعدم قدحه فيما كان معمولا به بينهم حسبما تقرر في الاصول ولا يعارضها إلا اطلاق الروايتين السابقتين في لمسألة السابقة ولا بد من حمله عليهما وبعض الروايات المذكورة في بعض كتب الاصحاب ومعلوم انه لا يقاومهما وبالجملة الحكم بانضمام اليمين في الدعوى على الميت في الجملة وفي الصورة التي تضمنت الروايتان حكمها مما لا إشكال فيه إنما الاشكال الذي ينبغي بل يجب أن يقع الكلام لرفعه في التعدي عن مورد النص إلى غيره.
فنقول ان التعدي عنه على وجوه لا بد من التكلم في كل واحد منها أحدها التعدي من الدعوى التقديرية المذكورة في النص وهو احتمال ايفاء الميت قبل الموت ببينة أو بغير بينة إلى غيره وهو احتمال الابراء أو (اداء)؟؟ الغير أو الوصية بايفاء الورثة مع وفائهم إلى غير ذلك من الاحتمالات ثانيها التعدي من المدعي المذكور في النص وهو صاحب الحق إلى وارثه إذا كان كبيرا وإلى وليه إذا كان صغيرا ثالثها من جهة المدعى عليه وانه هل يقتصر في الحكم المذكور على الميت أو يتعدى عنه إلى غيره ممن هو في منزلته كالصغير والمجنون والغائب رابعها من جهة المدعى به وانه هل يقتصر على الدين حسبما هو مورد الرواية أو يتعدى عنه إلى العين والحق خامسها من جهة المثبت للحق وانه هل يقتصر على الشاهدين أو يتعدى عنه إلى الشاهد واليمين ثم انه قبل الخوص في المطلب لا بد أن يعلم ان التعدي مما اشتملت عليه الرواية من الخصوصيات لا بد أن ستند إما إلى تنقيح المناط القطعي أو الظني المستند إلى اللفظ ومن هنا يعلم انه لو انتفى أحد الامرين لا معنى للتعدي وإن ظن بالعلة لرجوعه إلى العمل بالقياس المنهي عنه في الشريعة فمقتضى الاصل الاولي هو عدم جواز التعدي إلا إذا ثبت المناط بما ذكرنا.
إذا عرفت ذلك فنقول اما التعدي من الجهة الاولى وهي إيفاء الميت إلى احتمال حصول البرائة قبل الموت وبعده فالظاهر انه بالنسبة إلى احتمال البرائة قبل الموت مما لا إشكال فيه بل لم أجد فيه مخالفا وذكر خصوص وفاء الميت ليس إلا من جهة حصول البرائة به غالبا وإلا فليس له مدخلية فيشمل احتمال حصول - البرائة بإيفاء الوكيل للميت وصديقه وغيرهما وبابراء المدعي حال الحياة إلى غير ذلك مما يوجب برائة ذمة الميت حال حياته مع احتمال عدم التعدي في بعض الصور وأما بالنسبة إلى احتمال برائة ذمة الميت بعد الموت سواء كان بإيفاء الغير أو بإبراء المدعي ففيه وجهان بل قولان ظاهر شيخنا الشهيد في المسالك لا للاصل بعد هور - الرواية في الوفاء حال الحياة وظاهر بعض مشايخنا المتأخرين نعم لاطلاق صحيح الصفار وظهور كون ذكر وفاء الميت في الرواية من باب التمثيل لا التقييد.
توضيح ذلك ان المستفاد من الرواية صدرا وذيلا هو ان الشارع لم يكتف بالبينة منضمة إلى الاستصحاب إذا كان المدعى عليه ميتا بل جعل المثبت للحق عليه البينة مع اليمين فيكون اليمين جزء للبينة في حقه مطلقا فيكون اختصاص ذكر وفاء الميت حينئذ لاحد وجهين احدهما غلبة حصول البرائه به كما في حجوركم في فيكون اختصاص ذكر وفاء الميت حينئذ لاحد وجهين أحدهما غلبة حصول البرائة به كما في ذكر حجوركم ي قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم فيكون النكتة في ذكر وفاء الميت هي الغلبة لا اختصاص الحكم المذكور في الرواية به ثانيهما عدم اطلاق الذمة بالنسبة إلى الميت فجعل احتمال وفائه قبل الموت كناية عن مطلق
احتمال البرائة هذا غاية ما يمكن أن يقال وجها للتعدي.
ولكن يمكن الخدشة في الكل اما في اطلاق صحيح الصفار فبكونه واردا في مقام بين القضية المهملة والاحتياج إلى اليمين في الجملة فتأمل وأما في ما ذكر ثانيا من ظهور ما في الرواية من ذكر وفاء الميت في - التمثيل لا التقييد فبالمنع من ذلك لاناإن لم ندع ظهوره في التقييد فلا أقل من عدم ظهوره في التمثيل فيرجع إلى الاصل المستفاد من الروايات عموما وخصوصا من عدم الاحتياج إلى اليمين بعد البينة وأما ما ذكر ثالثا من أن المستفاد من الرواية صدرا وذيلا هو عدم قناعة الشارع بالبينة المنضمة إلى الاستصحاب إذا كان المدعى عليه ميتا بل جعل اليمين من المدعي جزء لها ففيه المنع من ذلك أيضا بل نقول ان المستفاد من الرواية هو دفع الدعوى التقديرية من الميت لو كان حيا فيكون الاحتياج إلى اليمين من جهة ذلك لا من جهة عدم اعتناء الشارع بالاصل (اكتفاء الشارع بالبينة المنضمة إلى الاصل خ) في المقام وبعبارة أخرى المستفاد من الرواية هو جعل الشارع الدعوى المحتملة من الميت لو كان حيا بمنزلة المحققة فيكون اليمين من المدعي من جهة كونه منكرا لا لكونها جزء من البينة إذا كان المدعى عليه ميتا.
لا يقال سلمنا كون المستفاد من الرواية ما ذكرت إلا انا ندعي كون المستفاد منها هو جعل اليمين جوابا لدعواه البرائة مطلقا سواء كانت قبل الحياة أو بعدها فلا وجه لاختصاصه بالدعوى التقديرية منه قبل الموت.
لانا نقول دعوى الميت البرائة من الحق بعد الموت مما لا يعقل له معنى أصلا لفرض كونه ميتا نعم لو فرض حياته بعد الموت ورجعته لكان للكلام المذكور وجه لكنه خلاف المستفاد من الرواية لان معناها والله أعلم انه لو كان حيا ولم يمت لا أنه لو صار حيا.
فإن قلت سلمنا كون المستفاد منها ما ذكرت لكنا ندعي دلالتها على المدعى على هذا الفرض أيضا بأن نقول ان الميت لو لم يمت وكان حيا إلى الزمان الذي ادعى عليه لاحتمل دعويه البرائة من الحق في ذا الزمان فيتوجه اليمين إلى المدعي من هذه الجهة ولسنا ندعي احتمال دعواه البرائة بعد الموت قبل الموت حتى يقال بعدم معقوليته بل ندعي احتمال دعواه البرائة في زمان موته لو كان حيا في ذلك الزمان.
قلت ليست العلة للحكم المذكور فرض الحياة حتى يتكلم فيه بل العلة هي احتمال الوفاء قبل - الموت والقول بأن وجه اختصاصه بالذكر هو غلبة حصول البرائة به وإلا فالمناط هو مطلق الاحتمال ليس بأولى من القول بأن وجه اختصاصه بالذكر كونه المناط في الحكم من حيث بناء الشارع على الاعتناء بما يحصل به برائة ذمة الميت غالبا وعدم اعتنائه بما يحصل برائة ذمته به نادرا لان من عدم الاعتناء به لا يلزم تلف المال كثيرا وأضعف منه القول بأن وجه الاختصاص عدم اطلاق الذمة بالنسبة إلى الميت فاحتمال وفائه كناية عن مطلق احتمال البرائة للمنع من ذلك فتأمل هذه خلاصة ما يقال للتعدي من الجهة الاولى.
وأما التعدي من الجهة الثانية فهو مبني على ما ذكرنا في التعدي من الجهة الاولى فإن قنا بالتعدي منها نظراإلى عدم اعتبار الشارع فيما لو كان المدعى عليه ميتا للشهادة الاستصحابية وحكمه بانضمام اليمين إليها مطلقا فلا نقول بالتعدي في المقام لان الوارث إما أن يحلف على نفي العلم أو على عدم البرائة واقعا أما الحلف على الوجه الاول فهو موقوف على دعوى العلم عليه حسبما هو المختار والمفروض انتفائها في المقام وأما الحلف على الوجه الثاني فلا يتمكن الوارث منه عادة إلا بالاتكال على الاستصحاب والمفروض عدم الاعتبار به
في المقام فيكون ما هو مستند إليه مثله في عدم الاعتبار هذا مضافا إلى إمكان أن يقال بعدم جواز الحلف الجزمي استنادا إلى الاستصحاب في غير المقام أيضا والحاصل ان الشارع قد اعتبره في البينة القائمة على الميت انضمام اليمين إليها وهي غير ممكنة فيما لو كان المدعي وارثا لان ما اعتبره الشارع من من اليمين البتي لجزمي لا يمكن للوارث الحلف بها لرجوعها إلى الحلف على فعل الغير وما يمكن الوارث الحلف به وهي اليمين النفي العلمي غير معتبر في المقام لان اليمين المنضمة إلى البينة هي اليمين الجزمي هذا كله إن قلنا بالتعدي من الجهة الاولى بالنظر إلى الوجه المذكور وإن لم نقل بالتعدي منهانظرا إلى ما عرفت من أن حكم الشارع على المدعي باليمين ليس من جهة كونها متممة للبينة القائمة على الحق بل من جهة كونها جوابا للدعوى التقديرية من الميت لو كان حيا فنقول بالتعدي في المقام لانه لو كان الميت حيا لاحتمل دعواه علم الوارث بالوفاء فيحلف على نفي العلم جوابا للدعوى التقديرية على تقدير الحياة.
لا يقال لو كان المورث حيا لحلف على الواقع لا على نفي العلم والمفروض عدم تمكن الوارث منه فما وجه التعدي إلى اليمين النفي العلمي مع عدم توجهها إلى المورث والحاصل انه لو بنى على التعدي من صاحب الحق إلى غيره فلا بد أن يكون مع اتحاد اليمين لان غاية مايدل عليه الدليل هو قيام الوارث مقامه فلا معنى لان يتوجه عليه غير ما يتوجه عليه.
لانا نقول لا ملازمة بين يمين الوارث والمورث أصلا لان الحكم باليمين ليس من جهة كونها متممة للبينة حتى يقال بأنها لا بد أن تكون على الواقع بل من جهة دفع الدعوى التقديرية من الميت لو كان حيا فإن لم يحتمل دعواه علم الوارث بالوفاء لو كان حيا لم يحكم بتوجه الحلف عليه أصلا لتعذر حلفه على الواقع بالفرض لكنه لما احتمل دعويه علم الوارث بالوفاء على تقدير الحياة فحكمنا بتوجه اليمين النفي العلمي إليه من هذه لجهة فصار حاصل الكلام في المقام على عكس ما ذكرنا في المقام الاول فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر هذا كله بالنظر إلى الوارث وأما الوصي والولي فيمكن أن يقال بعدم توجه الحلف إليهما وإن قلنا بتوجه الحلف إلى الوارث ولعلنا نتكلم فيه تفصيلا فيما سيأتي إنشاء الله.
ثم ان ما ذكرنا من الكلام في المسألة من الجهتين إنما هو ملخص ما ينبغي أن يتكلم وإن أردت توضيح الكلام وتفصيله في المقام فاستمع لما يتلى عليك.
فنقول ان حكم الشارع بالاحتياج إلى اليمين في المقام لا يخلو إما أن يكون من جهة كونها دفعا لدعوى تقديرية من الميت على فرض حياته واما من جهة كونها متممة للبينة وعدم الاعتبار بالاصل في المقام وعلى كل من التقديرين إما أن يختص بالاحتمال قبل الموت أو يعممه والاحتمال بعده أما تصوره بعد الموت بناء على أن يكون اليمين من جهة احتمال البرائة وعدم لاعتناء بالاصل فظاهر وأما تصوره بناء على أن يكون اليمين من جهة انها جواب للدعوى التقديرية من الميت فيظهر مما ذكرنا في بعض كلماتنا السابقة فراجع.
ثم ان المراد من الدعوى المحتملة من الميت على تقدير الحياة هي المحتملة بحسب الامكان والقوة لا الفعلية الوقوع فلو فرضنا العلم بعدم ادعائه على تقدير الحياة لحكمنا باليمين أيضا لما ذكر.
ثم ان الثمرة بين هذه التقادير كثيرة ظاهرة نشير إليها إنشاء الله فلا بد من تعيين أحد التقادير بما ذكرنا سابقا من القطع أو الظن المستند إلى اللفظ حتى نقتفي آثاره (أثره خ) إذ قد عرفت ان غيره مما لا دليل عن اعتباره
في المقام بل قد عرفت قيام الدليل على حرمته من حيث دخوله في القياس المنهي عنه بالاجماع والاخبار بل - الضرورة من المذهب.
فنقول ان مقتضى التأمل في الرواية هو كون الحكم باليمين في المقام من جهة كونها دفعا للجواب التقديري من الميت قبل الموت لا غيره ويدل عليه فقرات من الرواية احديها التعليل بقوله لانا لا ندري لان ظاهره ان اعتبار اليمين من جهة مراعات الدعوى التقديرية لا لمراعات البرائة الواقعية إذ الحكم باليمين في - المقام انما هو من جهة الاحتياط ومعلوم ان الاحتياط في الشئ إنما هو بعد اقتضائه على تقدير وجوده واقعا وما يقتضي اليمين في المقام على تقدير وجوده واقعا ليس إلا الدعوى من المدعى عليه لانها التي لا جواب لها بحسب الشرع إلا اليمين وهذه بخلاف البرائة الواقعية لانها ليست بمقتضية لليمين في شئ وبعبارة أخرى ان الاصل في التعليل أن يكون هناك رابطة بين العلة والمعلول في نظر المخاطب لان التعليل التعبدي على خلاف الاصل بل هو خارج عن حقيقة التعليل حقيقة فقول القايل الفاعل مرفوع لكونه فاعلا ليس تعليلا حقيقيا بل هو بيان لاندراجه في ضمن كبرى ثابت لها الحكم المذكور بدليل فإذا دارالامر في المقام بين جعل قوله لانا لا ندري علة للدعوى المحتملة الموجبة لليمين على تقدير ثبوتها وبين جعله علة لاحتمال البرائة الواقعية الغير المقتضية لليمين أصلا فجعله علة للاول أولى لوجود الرابطة بينهما بخلاف الثاني هذا.
فإن قلت ان اليمين وإن جعلت بحسب أصل الشرع جوابا للدعوى إلا أن الحكمة في جعلها هي مراعات الحقوق الواقعية وعدم ابطالها فيحسن الاحتياط من أجلها كما يحسن لمراعات ميزان القضاء.
قلت بعد تسليم صحة ما ذكرت لا شك في أظهرية ما ذكرنا في مقام التعليل كما لا يخفى هذا مضافا إلى أن جعله علة للثاني موجب لتخصيص الاكثر مع اباء سوق الكلام عن التخصيص فتأمل فإن قلت ان ما ذكرته من لزوم التخصيص يجري بعينه على ما ذكرته أيضا لانك فيما لو كان المدعى عليه حيا لا تلتزم بالاحتياج إلى اليمين مع احتمال الدعوى التقديرية منه أيضا.
قلت نمنع من جريان التخصيص فيما ذكرنا لان الحي إن كان غائبا فنحكم بالاحتياج إلى اليمين حسبما سيجئ وإن كان حاضرا فنمنع من جريان العلة في حقه كما لا يخفى فالعلة مختصة بغير الحاضر لا مخصصة به لان ظاهرها في صورة العجز عن المدعى عليه والحاصل ان المقصود من الرواية هو الحكم بلزوم - الاحتياط في ميزان القضاء لا الاحتياط في الحق الواقعي والبرائة الواقعية ومنها (ناينتها خ) قولهعليهالسلام لعله قد وفاه ببينة لا نعلم موضوعها أو غير بينة قبل الموت وهذا الترديد كما ترى ظاهر غاية الظهور في كون اليمين في لمقام من جهة الدعوى التقديرية لان معناه لعله وفاه ببينة لو كان حيا لاقامها وحكما بها أو بغير بينة لو كان حيا لادعى عليه (على خ) المدعى الايفاء فحلفه وإلا فلا معنى لذكر هذا الترديد بل لا بد أن يذكر حينئذ لا ندري لعله قد وفاه.
فإن قلت ان ذكر هذه الترديد لعله كان من جهة عدم خلو الوفاء بحسب الواقع والخارج من هذين القسمين وإلا فأصل اليمين إنما هو من جهة احتمال الوفاء والابراء.
قلت لا معنى لما ذكرته لانه إذا لم يكن للترديد المذكور مدخل في الحكم أصلا فلا داعي إلى ذكره بل يعد ذكره لغوا هذا مضافا إلى أنه لو كان ذكره من باب مجرد بيان الواقع فما وجه التخصيص به مع ن انحاء الايفاء غير
مختصة به وتزيد عليه فتأمل ومنها قوله فمن ثم صارت عليه مع اليمين البينة فإنه أيضا ظاهر في كون اعتبار اليمين من جهة دفع الدعوى التقديرية من الميت على فرض الحياة فتأمل ومنها قولهعليهالسلام في ذيل الرواية ولو كان حيا فإن ظاهره أيضا كون اعتبار اليمين لما ذكرنا وهذا وإن ذكره الاستاد العلامة لكن كلما تأملت لم أعرف وجه دلالته فتأمل فيه لعلك تظفر على وجهها فصار حاصل ما ذكرنا ان الرواية تدل على تنزيل جميع ما يتصور دعويه من الميت على تقدير الحياة منزلة المحقق والجواب عنه بما يجاب عنه في صورة دعوى المدعى حال الحياة.
ثم انه يظهر الثمرة بين ما ذكرنا وبين الاحتمال الآخر في صور احديها فيما إذا كان المدعى غير صاحب الحق كوارثه او وصيه أو وليه فإنه بناء على ما ذكرنا يتوجه اليمين على الوارث وعلى الوصي والولي أيضا على أحد الوجهين الآتيين لانه لو كان الميت حيا لاحتمل دعواه علم الوارث مثلا بالبرائة فجعل تلك الدعوى المقدرة بمنزلة المحققة فيستحلف الوارث على نفي العلم وعلى القول الآخر لا يتوجه عليه اليمين لرجوعها إلى فعل الغير الذي لا يمكن عادة حصول العلم به خصوصا في المثل المقام.
فإن قلت لو سلم ما ذكرت من كون اعتبار اليمين مع البينة في المقام من جهة كونه جوبا للدعوى المحتملة من الميت على تقدير الحياة لا لمراعات البرائة الواقعية لكن المسلم منه دعوى البرائة المحتملة لا مطلق الدعوى حتى يشمل دعوى العلم أيضا.
قلت قد عرفت ان حاصل ما ذكرنا يرجع إلى فرض الميت حيا بتنزيل جميع ما يمكن منه من الدعاوى منزلة المحقق من غير فرق بين دعوى العلم وغيرها ثانيتها فيما إذا (لو خ) شهدت البينة بموت المدعى عليه مشغولا ذمته بحق المدعي من غير جهة الاستصحاب واحتمل برائة ذمته بعد الموت أو أقر الميت باشتغال الذمة ثم مات من دون مهلة واحتمل برائة ذمته بعد الموت أو أقر الوارث باشتغال ذمته إلى حين الموت إلى غير ذلك من - الموارد التي حدث احتمال البرائة فيها بعد الموت فإنه على ما قلنا لا وجه لانضمام اليمين إلا على تعميم الدعوى التقديرية إلى بعد الموت أيضا بالبيان الذي عرفته سابقا بخلاف القول الآخر فإنه لا مناص من انضمام اليمين بناء عليه.
نعم لو ادعى الوارث البرائة بعد الموت توجه اليمين إلى المدعي على كل تقدير لكنه خارج عن - الفرض لان كلامنا في الحكم بانضمام اليمين من دون فرض دعوى من وارث المدعى عليه ومنها فيما إذا لم يتوجه اليمين إلى المدعي كما إذا كان وصيا أو وكيلا ولم نقل بتوجه اليمين إليهم بحيث لو فرض المدعى عليه حيا لم يتوجه عليهم من جهة دعويه شئ فإنه على المختار نحكم بالبينة بخلاف القول الآخر فإن لازمه حينئذ القول بإيقاف الدعوى لعدم ميزان للقضاء وكذا إن قلنا بتوجه اليمين النفي العلمي إليهم فإنه على هذا القول لا بد من المصير إلى إيقاف الدعوى كما لايخفى والقول بأن من يقول بكون اليمين جزء للبينة إنما قول به في مورد التمكن منها فيبقى اطلاق مادل على القضاء بالبينة على حاله في صورة عدم التمكن منها جزاف واضح لان مقتضى دليله انكار عدم اعتبار الشارع البينة المنضمة إلى الاستصحاب في حق الميت مطلقا فتأمل منها فيما إذا كانت الورثة متعددة فإنه على المختار يتوجه اليمين إلى كل واحد منهم لامكان دعوى الميت علم كل واحد منهم على تقدير الحياة بخلاف القول الآخر فإن لازمه إما سقوط الدعوى حينئذ فيما لم يكن الورثة عالمة (عالمين خ) بالحق أو الاكتفاء باليمين الواحدة فيما لو كانوا عالمين
بالحق إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتأمل هذا مجمل القول في التعدي بالنسبة إلى الجهتين الاوليين.
وأما الكلام في التعدي من الجهة الثالثة وهي ما إذا كان المدعى عليه غير الميت كالصبي والمجنون والغائب فيجئ تحقيق القول فيها عند تعرض المصنف له إنشاء الله.
وأما الكلام في التعدي من الجهة الرابعة وهي الدين إلى غيره كالعين والحق فقد يقال بعدم جواز - التدعي وإن قلنا بالتعدي من احتمال الايفاء إلى مطلق احتمال البرائة لانه لا ملازمة بينهما كما لا يخفى.
توضيح ذلك ان الايفاء له جهة ظهور في الدين وجهة ظهور في ايفاء الميت في مقابل مطلق حصول برائة ذمته بأي سبب من الاسباب كالاحتساب من الزكاة والصدقات وغيرهما ورفع اليد عن ظهوره بالاعتبار لثاني بالاجماع وغيره لا يستلزم رفع اليد عنه باعتبار الاول كما لا يخفى.
فإن قلت نمنع عن كون الايفاء ظاهرا في الدين بل يعمه والعين والحق أيضا سلمنا ظهوره في الدين لكن نمنع من كون المراد منه في خصوص المقام هو خصوص الدين لذكر لفظ الحق سابقا الذي هو المفعول الثاني لقوله لعله وفاه وهو أعم من الدين والعين والحق.
قلت منع ظهور مادة الوفاء في خصوص توفية الدين مكابرة صرفه وأما ادعاء ظهوره في خصوص المقام في الاعم بقرينة ذكر لفظ الحق ففيه أولا منع ظهور الحق في الاعم أيضا سلمنا لكن المستفاد من الرواية صدرا وذيلا هو كون المراد هو خصوص الدين وبالجملة منع ظهور التوفية في المقام في خصوص الدين لا شاهد له أصلا ولا يصغى إليه قطعا فمن هنا ظهر فساد ما يقال بل قيل في وجه التعدي من كون المراد من التوفية هو الاعم من الدين والعين فالاولى أن يقال ان لفظ التوفية وإن كان ظاهرا عرفا في خصوص الدين إلا أنا نعلم أنه لا خصوصية له في الحكم بانضمام اليمين بل المقصود من الرواية هو جعل جميع الدعاوى المتصورة من المدعى عليه إذا كان ميتا بمنزلة المحققة سواء كان المدعى به دينا أو عينا أو حقا فكما يتعدى عن احتمال الايفاء إلى مطلق احتمال البرائة كذلك يتعدى عن ظهوره في الدين إلى مطلق احتمال الاداء والخروج عن الحق من غير فرق في ذلك بين العين والدين والحق فالتعدي إلى غير الدين منوط بالحدس القطعي من الفقيه فلو احتمل اختصاص الحكم بالدين فلا يجوز له التعدي منه لعدم ظهور لفظي في المقام حتى يكتفى به مع قيام الاحتمال بل قد عرفت ان الظاهر من الرواية هو خصوص الدين فتأمل في المقام فإن المسألة لا تخلو عن إشكال.
وأما الكلام في التعدي من الجهة الخامسة وهي البينة العادلة إلى غيرها من موازين القضاء فيقع الكلام تارة في الشاهد واليمين وأخرى في اليمين المردودة من المدعى عليه أو الحاكم ثم ان الكلام فيهما ليس من حيث كونهما كالبينة في ثبوت الحق بهما فإنه مما لا إشكال فيه وإنما الكلام فيهما من حيث الاحتياج إلى يمينين أو كفاية يمين واحدة.
فنقول أما الكلام في الاول فقد يقال بلزوم تعدد اليمين نظرا إلى تعدد موجبها والاصل عدم التداخل وقد يقال بكفاية اليمين الواحدة نظرا إلى تأتي المقصود منها بهما بها فلا داعي للتعدد وقد يفصل في المسألة بين ما إذا شهد الشاهد بالحق الفعلي وباشتغال الذمة فعلا وبين ماإذا شهد باشتغال الذمة سابقا كما إذا شهد على سبب الاشتغال فيحكم في الثاني بالتعدد وفي الاول بكفاية الواحدة.
فكيف كان فقد يستدل على عدم كفاية الواحدة مطلقا بوجوه أحدها ما عرفت من حديث تعدد
الموجب وأصالة عدم التداخل ثانيها ما ذكره شيخنا الاستاد العلامة دام ظله من أن اليمين التي اعتبرها الشارع في الدعوى على الميت بحسب المرتبة متأخرة عن المثبت للحق اما على ماصرنا إليه من كون اليمين من جهة دفع دعوى مقدرة من الميت فظاهر لترتب دعوى البرائة التي أوجبت لدفعها اليمين على ثبوت الحق بالبينة أو غيرها فتكون اليمين أيضا مترتبة على ثبوت الحق بما ثبت به فلا بد أن يكون وجودها بعد ثبوت الحق بما جعله الشارع ثبتا وأما على ما يظهر من بعض مشايخنا طيب الله رمسه من كونها جزء لمثبت الحق في الدعوى على الميت فكذلك لانها إنما يكون جزء لما يكتفى به على تقدير الحياة وحده من غير ضميمة ومعلوم أن ما يكتفى به في حق الحي ليس هو الشاهد بل هو مع اليمين فيكون اليمين المنضمة متأخرة عن الشاهد واليمين فلا يعقل الاكتفاء باليمين الواحدة الجامعة بينهما لان في زمان توجه احديهما لا توجه للاخرى كما لا يخفى ثالثها ما مر في الصحيح من قوله مع شاهد من بعد يمين الظاهر في جعله مستقلا منضما إلى الحجة هذا ولكن الحق الاكتفاء باليمين الواحدة الجامعة لحصول المقصود بها.
وأما ما تمسك به سندا للمنع من الوجوه الثلاثة فأنت خبير بعدم نهوضها لاثبات المدعى أصلا أما الاول فلانا وإن سلمنا ان الاصل عدم التداخل إلا أن من المقرر في محله انه إذا علم كون المطلوب من لاسباب شيئا يحصل بفعل واحد يحكم بالتداخل والاكتفاء بالفعل الواحد كما في الوضوء للغايات المتعددة المطلوب فيها التطهير الحاصل بوضوء واحد وأما الثاني فإن اليمين وإن كانت متأخرة عن دعوى البرائة في الحي إلا أن هذا التأخير والترتيب من لوازم نفس الدعوى المحققة فلا معنى لقياس الدعوى المقدرة عليها وبعبارة أخرى تنزيل الدعوى المقدرة من الميت بمنزلة المحققة إنما هو في غير الاحكام التي رتبت في الشريعة على الدعوى المحققة من حيث الخصومة (الخصوصية خ) وإلا فلا معنى للتعدي وقد عرفت ان الحكم باليمين في المقام ليس إلا من جهة مراعات الاحتياط في ميزان القضاء وفرض الدعاوى المقدرة بمنزلة المحققة لا من حيث هي هي فالدعوى في المقام ليست محققة حتى يحكم بتحقق اليمين بعدها وإنما هو مجرد فرض غير منفك في المقام عن الدعوى على الميت فليس بينها وبين المثبت للحق ترتب حتى يحكم بتأخر اليمين عنه وأما الثالث فعدم دلالته على - المدعى واضح لاسترة فيه أصلا كما لا يخفى هذا كله بالنسبة إلى الشاهد واليمين.
وأما الكلام في الثاني وهي اليمين المردودة بأن نكل عن الحلف ورده إلى المدعي فمات قبل حلفه فيما يمكن حصول البرائة فيه فقد يقال فيه أيضا بالاحتياج إلى التعدد نظرا إلى ماعرفت من الادلة الثالثة ولكن الحق فيه أيضا الاكتفاء بالواحدة لما قد عرفت.
ثم انه على القول بالاكتفاء بالواحدة لا بد أن يكون بحيث كانت وافية لما هو المقصود من اليمين فلو شهد الشاهد على اشتغال الذمة سابقا فمجرد الحلف عليه لا يوجب الاستيفاء مطلقا بل لا بد أن يحلف على حدوث الحق وبقائه جامعا لهما نعم لو شهدت البينة على الحق الفعلي لحلف على بقاء الحق فقط ولا يبعد ان يقال بكفاية اليمين على الحق الفعلي مطلقا سواء شهد الشاهد على الاشتغال السابق أو الفعلي فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر هذا كله بالنسبة إلى صاحب الحق وأما غيره فلا يفرض في حقه الشاهد واليمين أو اليمين المردودة وإن فرض فحاله مثل ما ذكرنا.
ثم ان ما ذكرنا كله من أول المسألة إلى هنا إنما هو بالنسبة إلى احتمال البرائة من حيث وجود - الرافع للاشتغال الثابت وأما احتمال البرائة المستند إلى احتمال عدم ثبوت الاشتغال من أول الامر كما إذا ثبت
اشتغال الميت بإقراره واحتمل ادعائه السهو أو الاكراه على الاقرار على تقدير الحياة أو غير ذلك من الاحتمالات الموجبة للشك في ثبوت الحق من أول الامر فهل يتعدى إليه فيحكم بالاحتياج إلى اليمين لاحتمال دعواه على تقدير الحياة أو لا يتعدى إليه لظهور النص في احتمال البرائة المستند إلى الرافع لا إلى عدم المقتضى أو مبني على الوجهين في اعتبار اليمين من كونها لاجل دفع الدعوى التقديرية أو الجزء المكمل للبينة فعلى الاول يتعدى وعلى الثاني لا وهذا ليس ببعيد فهذه ثمرة أخرى بين الوجهين لم أشر إليها سابقا فاحفظها لعلها ينفعك في بعض المقامات.
قوله ولو شهدت البينة على صبي أو مجنون أو غائب أقول وقد طال التشاجر والخلاف بينهم في التعدي عن الميت إلى المذكورين واشباههم فنسب إلى الاكثر التعدي والالحاق بل قد نسب إلى الشهرة القديمة الحديثة بين الطائفة منهم الشيخ في المبسوط والفاضل والشهيد قدس الله اسرارهم بل قد يظهر من عبارة الدروس نسبته إلى الاصحاب فراجع وذهب جماعة من متأخري المتأخرين تبعا للشهيد في المسالك إلى العدم والحق هو الاول لظهور العلة المنصوصة إذ لا عبرة بالمورد عندنا فقوله لانا لا ندري في قوة كبرى كلية فحاصل المعنى ان كلما لا ندري برائة المدعى عليه من الحق فيجب فيه اليمين وهذا نظير قوله حرمت الخمر لانه مسكر وقال في - المسالك وذهب الاكثر إلى تعدي الحكم إلى ما ذكر لمشاركتهم للميت في العلة المومى إليها في النص وهي انه ليس للمدعى عليه لسان يجيب به فيكون من باب منصوص العلة أو من باب اتحاد طريق المسئلتين إلى أن قال وفيه نظر لان العلة الظاهرة في الخبر على تقدير تسليمه هي كون المدعى عليه ليس بحي وهذه العلة منتفية عن المذكورين وأيضا فإن مورد النص وهو الميت أقوى من الملحق به لان جوابه قد انتفى مطلقا ويئس منه في الدار الدنيا والصبي والمجنون والغائب لهم لسان يرتقب جوابه وهم باقون على حجتهم انتهى كلامه وفيه نظر ظاهر إذ ليس في الرواية كما ترى تعليل الحكم بعدم الحياة أصلا وكان هذا سهو من قلمهرحمهالله ويمكن أن يكون الوجه فيه تخيل تمسك المشهور بما يستفاد من ذيل الرواية من قوله ولو كان حيا وهو أيضا كما ترى للمنع من كون المستند عندهم ما ذكر بل هو ما عرفت من ظهور العلة المنصوصة ومعه لا مجال للاعتناء بساير الاحتمالات ومنه يعلم فساد ما احتمله بعض الاصحاب من كون العلة هو عدم الدراية مع اليأس عن إقامة الحجة فلا معنى للتعدي حينئذ عن الميت لان مجرد هذا الاحتمال ما لم ينته إلى القطع لا ينفع في رفع اليد عن الظهور المذكور لان ظاهر النص كون نفس عدم دراية الوفاء علة للحكم المذكور من غير مدخل لليأس وعدمه.
نعم مورد النص هو الميت وهو لا يصير مخصصا وإلا لا نسد التعدي عن العلة المنصوصة في جميع المقامات وهو خلاف ما عليه المحققون بل المشهور من اعتبار العلة المنصوصة.
فإن قلت فعلى ما ذكرت يلزم الحكم بلزوم اليمين مع البينة في الدعوى على الحي أيضا لقيام الاحتمال وعدم دراية التوفية وهو خلاف ما أطبق عليه الكل من عدم لزوم اليمين فيما إذا كان المدعى عليه حيا.
قلت لا يلزم مما ذكرنا الالتزام بما ذكرته اما أولا فلمنع شمول التعليل للدعوى على الحي حسبما قد عرفت من أن ظاهره فيما إذا عجز الوصول إلى صاحب الحق في الجملة وثانيا سلمنا شموله لكنه ليس بعلة حقيقية (عقلية خ) حتى لا يقبل التخصيص بل غاية ما يستفاد من الحديث ظهوره في العموم فيخرج عنه بالاجماع المذكور فقيام
الاجماع على التخصيص لا يوجب نفي العموم رأسا هذا.
وقد استدل بعض مشايخنا وفاقا لبعض الافاضل على عدم التعدي عن مورد النص إلى الغائب والصبي والمجنون ومن يحذو حذوهم بعد تسليم العلة المنصوصة وظهورها في العموم بما ورد في القضاء على الغائب مثل مرسل جميل بن دراج عن جماعة عن الصادقعليهالسلام قال الغايب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة ويباع ماله ويقضى منه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجته إذا قدم ولا يدفع المال إلى لذي أقام البينة إلا بكفلاء ونحوه قول الباقرعليهالسلام في خبر محمد بن مسلم إلا أن فيه إذا لم يكن مليا وهذا النص وإن ورد في خصوص الغايب إلا أنه يتم الكلام في غيره بالاجماع المركب.
وقد ذكر شيخنا المتقدم ذكره بعد ايراد الروايتين ما هذا لفظه إذ لا ريب في ظهورهما ولو للاطلاق في عدم اعتبار اليمين معها ومعارضتهما بمنصوص العلة على فرض تسليم جريانه في المقام من وجه ولا ترجيح فيرجع إلى عموم مادل على حجية البينة بدونها السالم حينئذ عن معارضة المنصوص العلة بعد معارضته الخبرين المزبورين انتهى كلامهرحمهالله .
وأنت خبير بما في هذا الكلام من النظر وما في الدليل المذكور من عدم الدلالة أما أولا فللمنع من ظهوره في عدم الاحتياج إلى اليمين لانه ليس في مقام البيان من هذه الجهة بل المقصود منه بيان كون - الغائب كالحاضر في سماع البينة عليه وبيع ماله وقضاء ديونه في مقام دفع توهم الفرق بينهما في سماع البينة و عدمه وليس في مقام بيان جميع ما يعتبر في القضاء على الغائب حتى يكون ظاهرا في نفي اليمين وثانيا سلمنا ظهوره فيما ذكر نظرا إلى كونه في مقام الحاجة وبيان جميع ما يعتبر في القضاء على الغائب سيما بملاحظة قولهعليهالسلام إذا قامت عليه البينة الظاهر في السببية لكن نقول مع ذلك ان ظهور العلة المنصوصة في العموم اقوى ن ظهوره في نفي اليمين لان ظهوره إما ظهور إطلاقي أو ما في حكمه ومعلوم انهما لا يعارضان ظهور العلة المنصوصة في العموم فيرجع المسألة بالاخرة إلى تعارض الاظهر والظاهر والترجيح للاول كما لا يخفى.
فإن قلت كيف تقول بأن ظهور العلة المنصوصة في العموم آكد وأقوى من ظهور الروايتين المذكورتين مع كونهما أخص منه مطلقا.
وقد تقرر في محله انه إذا تعارض العام والخاص المطلق يقدم الخاص من حيث كونه أقوى من العام فيكون ارتكاب خلاف الظاهر فيه أهون.
قلت نسلم كون النسبة بينهما عموما مطلقا وليس كما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من كون النسبة عموما من وجه إلا أن يوجه كلامه بأن مراده ليس العموم من وجه حقيقة بل هو ما في حكمه مسامحة في حصول الجمع بالتصرف في أحدهما من غير أن يكون أحدهما أظهر من الآخر كما يطلق كثيرا ما في باب - التراجيح على هذا المعنى كالعموم مطلقا فإنه قد يطلق على دليلين كان النسبة بينهما التباين بحسب الحقيقة لكن كان أحدهما أظهر من الآخر.
إلا انا نقول انه قد تقرر في محله أيضا ان حكمهم بتقديم بعض أحوالات اللفظ على بعض إنما هو بالنظر إلى النوع من غير ملاحظة خصوص المقام فلا بد في اعماله في المقامات الخاصة ومراعاته في الموارد المخصوصة من عدم وجود ما يصادمه فيها من الظهورات الخاصة الغير المنصوصة (المضبوطة خ) فنقول حينئد ان الخاص وإن كان بالنوع اظهر من العام إلا أن في خصوص ما إذا جاء ظهور الخاص من ألاطلاق
وعدم البيان يكون العام أظهر منه في العموم سيما إذا كان مستند العموم من جهة التعليل فإنه بيان بالنسبة إلى المطلق فظهوره حاكم بل وارد عليه فتأمل وهذا نظير ما ذكرنا في تعارض تعليل آية النبأ مع مفهومها في تصديق خبر العادل المجرد عن القرينة في دفع توهم من حكم بتقديم جانب المفهوم على ظهور التعليل بكون النسبة عموما مطلقا من ان النسبة وإن كانت عموما مطلقا إلا أنا نمنع ظهور القضية الشرطية في المفهوم فيما إذا كان العموم المستفاد من التعليل على خلافه.
والحاصل ان الحكم بتقديم الخاص على العام ليس منوطا بالخصوص والعموم من حيث همابل تابع للاظهرية وقد عرفت ان ظهور العلة المنصوصة في العموم أقوى من ظهور الخبرين في عدم الاحتياج إلى اليمين وثالثا سلمنا تسويتهما في الظهور وعدم كون العموم المستفاد من العلة أقوى لكن نقول انه يتعين حينئذ الرجوع إلى المرجحات السندية وغيرها ومعلوم ان الرواية المشتملة على التعليل المذكور أرجح من حيث مطابقتها لعمل المعظم وضعف ما دل على خلافها بالارسال فتأمل(١) .
قوله ويدفع الحاكم من مال الغائب قدر الحق الخ أقول هذا الحكم أي دفع الحاكم قدر الحق من مال الغائب إلى المدعي بعد يمينه مما لا إشكال فيه بل لا خلاف فيه في الجملة على ما اطلعت عليه من كلماتهم إلا مما حكى عن المحقق الاردبيلي من مناقشته إنما الكلام في المسألة في مقامين أحدهما في جواز الدفع قبل تكفيل القابض ثانيهما في أنه على القول باشتراط التكفيل في الغائب هل هذا الحكم مختص بما إذا كان المدعي صاحب الحق والمدعى عليه غائبا أو يتعدى عنهما إلى من يكون في حكمهما كالوكيل والوصي والوارث وغيرهم ممن يكون في حكم صاحب المال والصبي والمجنون وغيرهما ممن يكون في حكم الغائب فالكلام في المقام الثاني أيضا يقع في مقامين.
أما الكلام في المقام الاول وهو جواز الدفع قبل تكفيل القابض وعدمه فنقول ان الحق فيه عدم الجواز واشتراط الدفع بالتكفيل لما قد عرفت من الروايتين الظاهرتين في المدعى غاية الظهور المجبور ضعف سندهما إن كان بالعمل فيجمع بينهما وبين ما دل على لزوم اليمين كالرواية المعللة المتقدمة ولا نطيل بالاعادة هذا وذكر صاحب مسالك الافهام ان من قال بلزوم اليمين لم يقل بلزوم التكفيل وبالعكس فيكون أحدهما بدلا عن الآخر حيث قال ما هذا لفظه وإنما اعتبر المصنف التكفيل لانه لم يوجب عليه اليمين مع البينة فجعل الكفيل عوضا عنها لاحتمال برائة الغائب عن الحق على وجه لا يعلمه البينة ومن أوجب عليه اليمين لم يعتبر التكفيل إلا على تقدير تعذرها كما لو كان المدعى على الغائب وكيل المستحق فإنه لا يجوز احلافه فيستظهر بالكفيل ولا شك في أن الكفالة واليمين احتياط واستظهار إلا أن ثبوتهما يحتاج إلى دليل انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وأنت خبير بما فيه أما أولا فلان قوله ومن أوجب عليه اليمين لم يعتبر الكفيل مخالف لما نشاهد من جماعة من الاصحاب من ايجابهم اليمين مع التزامهم باعتبار الكفيل منهم العلامة في القواعد على ما حكي عنه وأما ثانيا فلان قوله ولا شك الخ لا دليل عليه أصلا إذ من المحتمل بل الظاهر أن يكون اعتبار الكفيل من جهة وف تعذر استيفاء الحق بموت المدعي أو فقره على ما ترشد إليه الرواية الثانيه من قوله إلا إذا كان مليا وأما ثالثا
____________________
(١) وجهه ان ما ورد في حق الغائب مطلقا مجبور بالعمل من حيث ذهاب المعظم إلى القضاء على الغائب استنادا إليه مضافا إلى أن الرواية قد ارسلت من الجميل وهو من أصحاب الاجماع (منه قده)
فلانه لا معنى لقوله إلا أن ثبوتهما الخ إذ الظاهر منه التوقف في الثبوت بل المنع منه وقد عرفت قيام الدليل على ثبوت كل منهما فراجع فالمسألة مما لا إشكال فيها بحمد الله إلا أن هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما احدهما ان الظاهر من الروايتين في بادى النظر كما ترى وإن كان اعتبار تعدد الكفيل إلا أن مقتضى التأمل فيهما كفاية الواحد لظهور كون المراد من الجمع هنا هو الجنس كقوله إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم المراد منه عموم الجنس ولذا لم يقل أحد في المقام بمراعات التعدد بل ظاهر هم الاكتفاء بالواحد ثانيهما ان المراد بالكفالة في المقام ليس هو فالة الدين بل كفالة المال على تقدير استحقاق المدعى عليه به وهل هو من أفراد ضمان ما لم يجب كما قد يتوهم أو من غيره والحق الثاني للفرق الواضح بين ضمان ما لم يجب الذي ادعى حكم العقل باستحالته وضمان ما لم يتبين وجوبه كما في ضمان المبيع إذا كان ملكا لغير البايع لان الاول ما علم بعدم ثبوته حين عقد الضمان والثاني ما لم يعلم بثبوته وإن كان ثابتا في الواقع حين العقد فالضمان فيما نحن فيه من ضمان الاعيان فإن قيل هذا النوع من الضمان أيضا مخالف للقاعدة قلنا بعد تسليم كونه مخالفا للقواعد المقررة في باب الضمان لا ضير في الالتزام به بعد دلالة النص عليه فافهم هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما المقام الثاني فقد عرفت ان الكلام فيه أيضا يقع في مقامين أحدهما في التعدي عن المدعي والثاني في التعدي عن المدعى عليه أما الكلام في الاول فيقع أيضا في مقامين أحدهما في توجه اليمين إلى غير صاحب الحق كوليه ووكيله مثلا ثانيهما في اشتراط دفع المال إليه بتكفيله أما القول في المقام الاول فملخصه انه لا إشكال في عدم توجه يمين بقاء الحق وعدم البرائة بحسب الواقع إليه لتعلقها بفعل الغير وأما اليمين على نفي العلم وعدم اداء المال إليه فالظاهر توجهها إليه لو كان وارثا لما مر في الدعوى على الميت وأما لو كان وكيلا أو وليا فالظاهر عدم توجه اليمين لى نفي العلم إليهما لانه لو كان الغايب حاضرا وادعى عليه وادعى علم الوكيل مثلا لم يكن دليل على توجه اليمين عليه لعدم دليل على وجوب سماع هذه الدعوى ولان يمين الغير لا تصير منشأ لحق الغير (مثبتا للحق للغير خ) فتأمل وأما اليمين على عدم أداء المال إليه فالظاهر توجهها لانه لو كان الغائب حاضرا وادعى على الوكيل مثلا أخذه للمال وأدائه إليه لتوجه عليه اليمين.
فإن قلت ما الفرق بين هذه اليمين واليمين لنفي العلم فإن لم يكن دليل على صيرورة اليمين من الغير مثبتة للحق لجرى فيهما وإن كان هناك دليل على ذلك لكان في المقامين.
قلت توجه اليمين المذكورة ليس من جهة توقف ثبوت الحق للموكل مثلا عليها بل من جهة دفع الغرم من نفس المدعى وليس هنا ما يوجب اليمين على نفي العلم أصلا كما لا يخفى فتأمل وبالجملة لا بد من فرض الغائب حاضرا وجميع الدعاوى المقدرة محققة حسبما ذكرنا في الدعوى على الميت فكل دعوى من الغائب تقتضي اليمين على فرض حضوره ودعواها يحكم باليمين من جهة احتمالها في صورة الغيبة وكل دعوى لا تقتضي اليمين على الفرض المزبور لم يحكم باليمين من جهة احتمالها ثم انه لو قلنا بتوجه اليمين على نفي العلم إلى الوكيل أيضا فربما يتوجه إليه ايمان متعددة كما لو احتمل كذبه في دعوى الوكالة بحيث لو كان الغائب حاضرا لاحتمل دعوى عدم وكالته فيتوجه عليه اليمين لنفي العلم وثبوت الوكالة وعدم اداء المال إليه فهل يكفي يمين واحدة جامعة أو لا بد من ايمان متعددة والحق هو الاول وأما القول في المقام الثاني فقد يقوى في النظر الحكم بالتعدي نظرا إلى اطلاق ما دل على عدم جواز الدفع إلى القابض إلا بعد تكفيله الشامل لصاحب الحق ووكيله وغيرهما فتأمل هذا وقد يظهر من بعض مشايخنا عدم سماع الدعوى من الوكيل وعدم جواز دفع المال إليه ولو
بعد تكفيله على القول بالتعدي عن الدعوى على الميت إلى الدعوى على الغائب في الحكم بلزوم اليمين نظرا إلى عدم تمامية السبب على هذا التقدير بدون اليمين والمفروض عدم توجهها إلى الوكيل ولكنك خبير بضعفه لما قد عرفت ان اليمين في الدعوى على الميت الذي يكون موردا للنص إنما هي من جهة دفع الدعاوى المقدرة هذا مضافا إلى أنه لو بنى على ذلك لزم سد اثبات الحقوق بالتوكيل ولعلنا نتكلم في هذا زيادة على هذا إنشاء الله.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو التعدي عن الغائب إلى الصبي والمجنون وأمثالهما في اشتراط الدفع بالتكفيل فالمظنون بالظن القوي وإن كان هو التعدي لكنه مما لم يقم دليل قطعي على اعتباره إن لم ندع قيام الدليل على عدمه لدخوله في القياس المنهي عنه فالحكم بعدم التعدي عنه هو المتعين والله العالم.
قوله وأما السكوت فإن اعتمده الزم بالجواب الخ أقول قد عرفت سابقا ان بعد تقرير الدعوى من المدعي المدعى عليه لا يخلو إما أن يجيب أو يسكت أو يجيب بما يكون في حكم السكوت كلا اقر ولا انكر وعلى لتقدير الاول أيضا لا يخلو إما أن يجيب بالاقرار أو الانكار أو بلا أدري ولا أعلم وقد عرفت حكم الجواب بالاقرار والانكار وبقي حكم السكوت والجواب بلا أدري وشبهه فلا بد من التعرض له وتفصيل القول فيه حسبما يقتضيه المجال بعون الملك المتعال.
فنقول أما السكوت فلا يخلو إما أن يكون من آفة من طرش أو خرس أو من عناد فإن كان الاول توصل الحاكم إلى معرفة جوابه بإشارته إما بنفسه كما إذا تمكن من معرفتها بحيث يحصل له القطع منها بكونه مقرا أو منكرا أو الظن على القول بكفايته في المقام أو بمترجمين عدلين على الاقوى ولا يجوز له الحكم بالنكول وغيره من دون التوصل إلى معرفة الجواب في الصورة المفروضة بلا إشكال ولا خلاف عملا بالميزان المقرر في لشرع بالقدر الممكن وإن كان الثاني فالمعروف فيه بين الاصحاب رضوان الله عليهم ثلاثة أقوال أحدها الحبس حتى يجيب وهو المحكي عن جمع كثير منهم الشيخان والديلمي وابنا حمزة وسعيد والفاضل وولده بل في مسالك الافهام نسبته إلى المتأخرين ثانيها الضرب حتى يجيب حكاه المصنف وجماعة قولا في المسألة لكن صرح بعض مشايخنا بعدم وجدان القائل به ثالثها القضاء عليه بعد قول الحاكم له أجب وإلا جعلتك ناكلا وهو صريح كلام الشيخ في المبسوط حيث قال فأما القسم الثالث وهو ما إذا سكت أو قال لا أقر ولا أنكر قال له الحاكم ثلاثا اما أجبت عن الدعوى وإلا جعلتك ناكلا ورددنا اليمين على خصمك وقال قوم بحبسه حتى يجيبه بإقرار أو إنكار إلى أن قال والاول يقتضيه مذهبنا الثاني أيضا قوي انتهى كلامه وهو المحكي عن الحلي في السراير قائلا بأنه الصحيح من مذهبنا وأقوال أصحابنا وعن العلامة في موضع من قواعده وعن القاضي قائلا بأنه ظاهر المذهب.
ثم بالحري أن يعلم قبل الخوض في أدلة الاقوال وتحقيق الحق منها ان نزاعهم في المقام هل هو بعد سؤال المدعي عن البينة وعدم إقامتها كما إذا كان مجيبا بالانكار مع قبوله الحلف أو الرد أو مع امتناعه عنهما ضرورة ان أحكام الانكار إنما تترتب عليه مع سؤال المدعي عن البينة وعدم إقامتها أو يجري في أول الامر من دون سؤال المدعي عن البينة بمعنى انه بعد تحرير الدعوى من المدعي يسئل الجواب من المدعى عليه فإن سكت ولم يجب يعامل بأحد الاقوال المذكورة على حسب مذهب القائل من دون سؤال من المدعى بل وهو أقام البينة أيضا لم تسمع منه وجهان ظاهر ما يترآى من كلماتهم في بادى النظر هو الثاني كما لا يخفى للناظر إليها وقد يؤيد بل يستدل عليه بأن سماع البينة إنما هو بعد الجواب من المدعى عليه والمفروض انه لم يحصل في الفرض فليس المقام موضع الحكم بالبينة ولكن مقتضى التأمل في كلماتهم واستدلالاتهم هو الاول لظهور انها
ليست في مقام بيان اجراء الاحكام المذكورة عليه ولو بعد إقامة البينة بل ظاهرها في مقام بيان انه يعامل معه بأحد الوجوه السابقة بعد فرض عدم قيام الحجة من المدعي على الحق فانظر إلى كلام الشيخ المتقدم تجده شاهد صدق على ما ذكرنا فإن قوله وإلا جعلتك ناكلا ليس إلا في مقام بيان ادخاله في موضوع الناكل وحكم الناكل معلوم مقرر في محله والحاصل ان اختلافهم في المقام ليس بما يوجب مخالفته لما تقرر عندهم من ميزان القضاء من الحكم بالبينة أولا إن وجدت وإلا فيعامل مع المدعى عليه ما هو المقرر في الشرع وأما ما استدل عليه من حديث تأخر سماع البينة من الجواب ففاسد جدا لعدم قيام برهان عليه أصلا كما لا يخفى فاستمع لما يتلى عليك من تحرير الادلة للاقوال لعله يظهر لك بالتأمل فيها ما يكون شاهدا على ما ذكرنا وبينة على ما ادعينا.
فنقول أما القول الاول المنسوب إلى أكثر المتأخرين فقد استدل له بوجوه أحدها ان الجواب حق للمدعي من (على خ) المدعى عليه فيجب التوصل إلى تحصيله بالحبس كماإذا أثبت الحق عليه باقراره أو إقامة البينة عليه مع انكاره أو بغيرهما من موازين القضاء وامتنع من ادائه فإنه يحبس حتى يؤدي ثانيها النبوي المشهور لي الواجد يحل عقوبته وعرضه المعتضد بالنصوص الكثيرة الدالة على حبس أمير المؤمنينعليهالسلام باللى والمطل من دون ضرب وإهانة ونحوهما ثالثها ان ما دل من الادلة على الحكم بالنكول أو الرد أو غيرهما من موازين القضاء إنما هو بعد تحقق موضوع المنكر لا قبله فيجب التوصل إلى تحصيله من حيث كونه مقدمة لاعمال موازين القضاء واستخراج الحقوق رابعها ان الواجب عليه الجواب وهو كما يحتمل الاقرار المثبت للحق كذلك يحتمل الانكار النافي للحق وغيره ليس بواجب عليه وجعله كالناكل يحتاج إلى دليل هذه غاية ما يمكن الاستدلال به للقول المذكور.
وانت خبير بعدم تمامية شئ منها أما الاول فللمنع من كون الجواب في نفسه حقا للمدعى مع قطع النظر عن المدعى به وإنما هو حق له باعتبار كونه وصلة إليه فإذا أمكن تحصيل الحق بدونه بمقتضى أدلة القضاء بل لزوم مراعاته لابطاله أو تأخيره كثيرا ما فلا معنى للتوصل إلى تحصيله بالحبس وغيره حتى يلزم ما ذكر نعم لو ثبت ان الجواب من المدعى عليه حق للمدعي بحياله لتعيين الالتزام بالقول المذكور ولكن دون اثباته خرط القتاد وأما الثاني فلان المنساق من الاخبار المذكورة كما لا يخفى على من أعطى حق النظر فيها هو خصوص الحقوق المالية فلا تشمل المقام أصلا مضافا إلى ما عرفت من منع كون الجواب حقا للمدعي وأما الثالث فبمنع كون الاحكام مترتبة في الادلة على المنكر من حيث هو منكر بل أكثر أخبار الباب خالية عن لفظ المنكر وإنما الموجود فيها المدعى عليه وهو كما ترى أعم من المجيب والساكت ولا تعارض بينه وبين ما فيه لفظ المنكر أصلا كما لا يخفى وأما الرابع فلان سكوته بعد اصراره عليه بمنزلة نكوله وسيجئ قيام الدليل عليه وأما القول الثاني فيمكن أن يستدل له ببعض الوجوه للقول الاول وقد عرفت الجواب عنها وقد استدل له أيضا بما دل على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أولا ان أدلة الامر بالمعروف لا تقتضي الالزام بما ذكر في أول الامر كما لا يخفى لان مراتبه كما قرر في محله متدرجة وثانيا ان الجواب ليس بواجب عليه بالوجوب النفسي الذاتي وإنما وجوبه عليه من حيث كونه واسطة لوصول الحق إلى المدعي فلا معنى لمراعاته مع ايفائه وثالثا لو سلم وجوبه عليه بالوجوب لنفسي لكنه معارض بتضييع حق المدعي في مراعاته الذي قد وجب القضاء على الحاكم لاجل استخراجه فافهم فتبين مما ذكرنا كله ان الحق هو ما ذهب إليه الشيخقدسسره ومن عرفتهم وأنت تقدر على استفادة ما يدل على صحة ما صرنا إليه مما ذكرنا في رد القولين الاولين إلا أن بالحري أن نتعرض لما استدل أو يمكن الاستدلال به لما ذكرنا حتى يتضح المرام ويرتفع غواشي الاوهام.
فنقول ان الدليل على ما ذكرنا وجوه الاول العمومات الدالة على القضاء بمجرد امتناع المدعى عليه من الحلف والرد أو بعد رد اليمين إلى المدعي ولا داعي إلى تخصيصها بالمجيب وقد تقدمت الاشارة إليها وأتمها دلالة على المطلب قولهعليهالسلام في ذيل موثقة عبدالرحمن ولو كان حيا لالزم بالحلف أو الحق أو - برد اليمين فإنه يدل على أن كل مدعى عليه إذا كان حيا لا بد أن يلزم بأحد الامور الثلاثة سواء كان مجيبا أو ساكتا بحيث ينحصر أمره فيه.
فإن قلت ان الرواية وأمثالها إنما تدل على المدعى لو كان المراد منها الالتزام (الالزام خ) بالمذكورات على كل تقدير وعلى كل حال لم لا يكون المراد منها الالتزام (الالزام خ) بها في الجملة ولو بعد الزامه بالجواب فلا تدل الرواية على وجوب الزامه بالمذكورات قبل الزامه بالجواب فنقول فيما إذا كان المدعي عليه ساكتا انه لا بد من لزامه بجواب يترتب عليه أحد المذكورات.
قلت لا تأمل لمن تأمل في الرواية انها تدل على وجوب الزام المدعى عليه بأحد المذكورات لو كان حيا على كل تقدير إذ الظاهر منها انه يلزم بمجرد الادعاء عليه بعد عدم البينة بنفس أحد المذكورات لا أنه يلزم بشئ يترتب عليه أحد المذكورات كما لا يخفى.
فإن قلت ان الظاهر منها بدوا بمقتضى النظر إلى الاطلاق وإن كان الشمول إلا أن مقتضى النظر إلى ندرة سكوت المدعى عليه هو عدمه لما هو المقرر في محله من انصراف المطلق إلى الافراد الشايعة الغالبة فلا يشمل الرواية صورة سكوت المدعى عليه.
قلت ما قرع سمعك من انصراف المطلق إلى الافراد الغالبة ليس قضية دائمية كلية تجري في جميع الموراد وإنما هي قضية غالبية نوعية تجري فيما إذا لم يكن في المقامات الخاصة ظهور أقوى منه يقتضي الشمول وقد عرفت ان مقتضى الرواية بالنظر إلى ظهورها في الحصر عدم خروج فرد منها فهي آبية عن عدم الشمول للافراد النادرة بمقتضى الحصر المذكور.
فإن قلت ان ما تضمنه الحبر من الترتيب ليس معمولا به بين الاصحاب قطعا لان الالزام بالحق إنما هو بعد امتناع المدعى عليه عن اليمين لا قبله فلا بد من أن يحمل على وروده في مقام بيان الزام المدعى عليه بأحد المذكورات في الجملة فليس في مقام بيان ان الالتزام (الالزام خ) بها في أي صورة بل البيان من هذه الجهة موكول إلى ما تقرر في مقام آخر ومن المعلوم أن من شرط التمسك بالمطلقات عدم ورودها في مقام بيان القضية المهملة فنقول ان الرواية ساكتة عن أن الالتزام (الالزام خ) بها بعد الجواب أو قبله.
قلت القاء ظهور الخبر من جهة الترتيب المشتمل عليه لا يلزم رفع اليد عن ظهوره في حكم الساكت وعدم الاحتياج إلى التزامه (الزامه خ) بالجواب لانه لا ملازمة بينهما أصلا كما لا يخفى.
فإن قلت ان ما يدل عليه تلك العمومات خلاف ما يقتضيه كلامكم من الزام المدعى عليه بالحق بعد عرض الحلف عليه لان ظاهرها الزامه بالحق بعد امتناعه عن الحلف والرد معا.
قلت لسنا ندعي الزامه بالحق بعد عرض اليمين عليه بل ندعي الزامه به بعد عرضها وعرض الرد عليه وكلام بعض من وافقنا كالشيخرحمهالله وغيره وإن كان له ظهور فيما ذكرت إلا انا لا نلتزم به.
فإن قلت ان المستفاد من روايات الباب كون الحكم بالموازين المذكورة فيها مختصا في حق المنكر فلا يجري في حق الساكت.
قلت نمنع مما ذكرت لانه ليس في روايات القضاء بالنكول أو الرد عين ولا اثر من لفظ المنكر وعلى فرض تسليم وجوده في بعض الروايات لا منافات بينه وبين ما اشتمل على لفظ المدعى عليه لانهما ليسا من قبيل المثبت والنافي هذا.
وقد يقال بكون الساكت منكرا لان معناه من لا يلتزم بدعوى فيشمل الساكت أيضا وفيه ما لا يخفى لمنع كون المراد من المنكر ما ذكر فتدبر الثاني ما يستفاد من كلام جمع وذكره الاستاد العلامة دام ظله أيضا من أن الساكت لا يخلو إما أن يكون في الواقع منكرا أو مقرا فإن كان مقرا فلا إشكال في جواز الزامه بالحق وإن كان منكرا فلا إشكال أيضا لامتناعه عن الحلف والرد فيلزم بالحق قبل رد اليمين إلى المدعي على القول بالقضاء بالنكول أو بعده على القول بعدمه وفيه المنع من كونه منكرا أو مقرا بل هو واسطة بينهما لان مجرد الامتناع القلبي والقبول القلبي ليسا بإنكار وإقرار قطعا لعدم صدقهما قطعا بل واقعية الانكار والاقرار إنما هي باللفظ الدال عليهما فليست لهما واقعية مع قطع النظر عنه فلو رتب في الشرع حكم على المنكر أو المقر لا يترتب على الساكت إلا أن يقال ان لاحكام المترتبة على المقر والمنكر في الشرع إنما تترتب على المعترف واقعا والممتنع كذلك وليس لهذين العنوانين مدخل فيهما أصلا لكنه في حيز المنع فالاولى منع ترتب الاحكام في الشريعة إلا على لفظ من ادعى عليه أو ما قاربه ومعلوم صدقهما على الساكت وبالجملة لا إشكال عندنا في عدم تمامية هذا الاستدلال وسقوطه عن درجة الاعتبار وبالحري أن يكون كذلك عند ذوي الابصار هذا.
وقد أجاب عنه بعض مشايخنارحمهالله بأن الدعوى المقابلة بالسكوت لو اقتضت رد اليمين على المدعي لعدم خروجه عن أحد الاحتمالين لاقتضت ذلك في الدعوى على الميت وعلى الممتنع عن مجلس الحضور وعلى الغائب والصبي والمجنون ونحوهم ممن لم يتحقق منهم جواب وهو معلوم العدم انتهى كلامه.
وأنت خبير بضعف هذا الكلام إذ مصيرهم إلى الحكم المذكور في الساكت لا يقتضي التعدي إلى الميت وأشباهه ممن لا لسان له للفرق بينهما لعدم قدرة الميت ومثله للتكلم حين الدعوى أصلا وقدرة الساكت عليه فلعل الميت مثلا أوفى الحق في حال حياته أو برء ذمته ولا لسان له أن يدعيهما بخلاف الساكت هذا مضافا إلى قيام الدليل على الفرق بين المذكورين في الحكمالمزبور حسبما عرفت في الدعوى على الميت فتدبر الثالث ما أشرنا إليه سابقا في طي كلماتنا السابقة من أن الجواب ليس حقا للمدعى من حيث هو هو بل إنما هو مقدمة لوصول حقه إليه فإذا تمكن التوصل إليه بدونه فلا داعي لمراعاته وتحصيله إلى غير ذلك من الوجوه التي يستدل بها على المدعى المذكورة في كلمات الاصحاب مثل أن في الضرب والحبس للجواب اضرار بالمدعى عليه من غير موجب وان فيه تضييعا لحق المدعي من دون سبب يقتضيه إلى غير ذلك.
وأنت تقدر على المناقشة فيها وإن لم يرجع إلى ما ذكرنا من الوجوه فراجع وتأمل حتى لا يختلط عليك الامر هذا ملخص الكلام في حكم السكوت وما في حكمه.
وأما الكلام في حكم الجواب بلا أدري ولا أعلم وشبههما فنقول انه قد اختلف فيه مقالتهم وكلمتهم وقبل الخوض في بيان الاقوال وأدلتها لا بد من تقديم أمر به يبين محل النزاع وهو ان في صورة الجواب بلا أعلم وشبهه لا يخلو إما أن يقترن (يقرن خ) المدعى دعواه بعلم المدعى عليه بالحال كأن يقول له مثلا لي عليك كذا وأنت تعلم به أو لا يقترنها (يقرنها خ) بما يدل على عدم (باعترافه بعدم خ) علم المدعى عليه بالحال كأن يقول
له مثلا أتلفت مالي في نومك وأنت لا تعلم أو لا يقترن (يقرن خ) بشئ منهما كأن يقول له لي عليك كذا فأجاب بأني لا أعلم به.
وقد يقال بخروج الصورة الاولى عن محل النزاع واتفاقهم فيها على الاكتفاء باليمين على عدم العلم وإن لم يحلف المدعى عليه فيجب عليه رد اليمين إلى المدعي وإلا فيلزم بالحق أو بعد رد اليمين إلى المدعي لى القولين في مسألة القضاء بالنكول هذا ولكن صرح شيخنا الاستاد العلامة دامت افادته في مجلس المباحثة بتعميم النزاع وشموله للصورة المذكورة وظاهر كلمات جماعة يشهد بما ذكره فراجع إليها وتأمل فيها حتى تعلم بحقيقة الامر.
وأما الصورتان الاخيرتان فالظاهر دخولهما في محل النزاع لكن ذكر الاستاد العلامة دام ظله ان بعض الاقوال في المسألة لا يجري في الصورة الثانية وهو القضاء بالنكول على القول به لان ظاهرا القايل به ان قال به في المقام لا يقول به في الصورة الثانية وإن قيل به فهو من أردء الاقوال وأضعفها لا يلتفت إليه أصلا وعليك بالتأمل حتى تظفر على الفرق في القضاء بالنكول بين الصورتين ولم يذكر هو دام ظله في وجهه إلا أن القضاء بالنكول إنما هو من جهة امتناع المنكر عما يتوجه عليه بادعاء المدعي من اليمين والمفروض ان المدعي مصدق للمدعى عليه في دعواه فيكون اليمين عليها لغوا فلا يمكن الحكم بنكوله عنها وفيه تأمل لا يخفى عليك وجهه.
إذا عرفت ما قدمنا من الامر فاعلم انهم اختلفوا في المسألة على أقوال أحدها وهو الذي يظهر من الاكثرين حتى من كثير ممن يقول بالقضاء بالنكول القضاء عليه بعد رد اليمين إلى المدعي إما من المدعى عليه واما من الحاكم بعد امتناعه من الرد من غير أن يكتفى عنه بالحلف على نفي العلم من دون ادعاء العلم ليه ويشهد على ما ذكرنا ملاحظة كلماتهم قال في محكي مجمع البرهان انه لو قال المنكر اني ما أحلف على عدمه فاني ما أعلم بل احلف على عدم علمي بثبوت حقك في ذمتي لا يكفي بل يؤخذ بالحق بمجرد ذلك حينئذ إن قيل بالقضاء بالنكول وبعد رد اليمين إلى المدعي إن لم يقل به ويحتمل قويا هنا عدم القضاء بالنكول وإن قيل به في غيره بل يجب الرد حينئذ انتهى كلامه وقد صرح بذلك أيضا بعض المتأخن ريولكن يظهر من جماعة من القائلين بالقضاء بالنكول الحكم عليه من دون رد قال في الكفاية مقتضى ظاهر كلامهم انه إذا ادعى عليه بمال في ذمته ولم يكن المدعى عليه عالما بثبوته ولا نفيه لم يكف حلف المنكر بنفي العلم وانه لا يجوز له حينئذ الحلف بنفي الاستحقاق لعدم علمه بذلك بل لا بد من رد اليمين وإن لم يرد يقضى عليه بالنكول أو بعد رد اليمين على المدعى إن لم نقل به انتهى كلامه ثانيها الاكتفاء منه باليمين على نفي العلم وإن لم يدع عليه العلم وإن لم يحلف فيجب عليه رد اليمين إلى المدعي وإلا فيقضى عليه أو بعد رد اليمين على القولين في القضاء بالنكول وهو الذي احتمله في مجمع البرهان (حيث قال بعد الكلام الذي سمعته منه ويحتمل الاكتفاء في الاسقاط بيمينه على عدم علمه بذلك للاصل وعدم ثبوت ما تقدم والتأمل فيه فتأمل انتهى خ) واحتمله صاحب الكفاية أيضا بعد الكلام الذي سمعته منه قال لكن في اثبات ذلك إشكال إذ لا يبعد الاكتفاء حينئذ بالحلف على نفي العلم ولا دليل على نفيه انتهى ما أردنا نقله وقد صرح به شيخنا وقد صرح به شيخنا الاستاد أعلى الله مقامه في شرحه الكبير منزلا كلامهم في اشتراط الجزم في اليمين على الغالب مدعيا اكتفائهم في المقام باليمين على نفي العلم لكنه كما ترى إذ كلماتهم تنادي بأعلى صوتها على خلاف ما ذكره حسبما يأتي إليه الاشارة ثالثها ما نسب إلى بعض الاصحاب من الحكم بايقاف الدعوى إن لم يدع عليه العلم وإلا فيجب عليه اليمين على نفي العلم
بمثل ما حكموا في الدعوى على فعل الغير كما في الدعوى على الوارث وغيره ولكنه كما ترى خلاف ظاهر كلماتهم بل ادعى بعض المشايخ عدم الخلاف بينهم في فساد الحكم بالايقاف رابعها ما نسب إلى بعض واحتمله في الكفاية من انه يحلف على نفي الاستحقاق لا على نفي علمه به نظرا إلى الاصل هذا ولكن ظاهر كلماتهم ما ذكرنا من عدم كون الحكم اليمين على نفي العلم قبل ادعائه وعدم أيقاف الدعوى وعدم جواز الحلف على نفي الاستحقاق فعلا و يكفيك في هذا ما سمعته من الكفاية وغيرها ويشهد على ما ذكرنا عن عدم كون الحكم عندهم في المقام إيقاف لدعوى واليمين على نفي العلم قبل ادعائه قراين من كلماتهم أحدها ما ذكروه في مسألة اليمين من نقل خلاف العامة من أن اليمين على البت مطلقا أو على نفي العلم مطلقا أو فيه تفصيل ثانيها ما ذكره الاصحاب من غير خلاف يعرف بينهم في تلك المسألة من أن اليمين أما على فعل النفس أو نفيه أو فعل الغير أو نفيه فحكموا في الصور الثلاث بلزوم كون اليمين على البت والجزم وعدم الاكتفاء بغيرها وفي الصورة الاخيرة باليمين على نفي العلم.
لا يقال ان كلامهم هذا منزل على الصورة الغالبة من وجود العلم بالواقع غالبا في الصور الثلاث التي اشترطوا فيها الجزم وعدم وجوده في الصورة الاخيرة لا أنه لو لم يكن هناك علم فيما حكموا فيه باشتراط الجزم والبت وكان علم فيما لم يشترطوا فيه الجزم لكانوا ملتزمين بالاول في الاول وبالثاني في الثاني حاشاهم ثم حاشاهم من ذلك ويكفيك رادعا عن هذا الاحتمال ملاحظة تعليلاتهم في المقامين.
لانا نقول اما تنزيل كلماتهم على ما ذكر ففاسد جدا لعدم وجود غلبة في البين حتى ينصرف الكلام إليها لعدم كون الجواب بلا أدري ولا أعلم قليلا في غاية القلة حتى يحكم بكون الغالب في الجواب هو الجواب على سبيل البت غاية الامر كون الجواب الجزمي في الدعوى على فعل النفس أكثر من الجواب بلا أدري وشبهه ومجرد الاكثرية لا يوجب الانصراف أصلا كما لا يخفى وبالجملة الذي يوجب الانصراف هو الغلبة والندرة لا الاكثرية والكثرة وأما الاستشهاد بتعليلاتهم على ما ذكر فأضعف من التنزيل المذكور لان ما ذكروه من العلة ليست بعلة حقيقة عندهم بل إنما هي حكمة ولهذا صرح جماعة بأنه لو علم الوارث مثلا بالنفي واقعا يكفيه الحلف على نفي العلم فراجع وتأمل وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعض مشايخنا طيب الله رمسه من تنزيل لماتهم في اشتراطهم البت والجزم على الصورة الغالبة مضافا إلى أن هناك قرينة أخرى نمنع من حمل كلامهم على ما ذكره سنشير إليها فانتظر.
فإن قيل لو كان الامر عندهم كما ذكرت من عدم صحة اليمين على نفي العلم في دعوى الواقع مجردا وعدم كفايتها فما معنى لتوجه اليمين على نفي الواقع عليه مع عدم جوازها عليه شرعا ودعم كفايتها لو حلف بها مع أن عدم صحة اليمين يستلزم عدم سماع الدعوى.
قلنا لا ضير في الالتزام بتوجه اليمين على الواقع عليه بالنظر إلى الادلة مع عدم جواز فعلها عليه شرعا كما فيما لو نذر أن لا يحلف مع نفيه ما ادعى عليه جزما فإنه لا يوجب سقوط الدعوى عنه بل يجب عليه الرد حينئذ ففيما نحن فيه أيضا إذا لم يجز له شرعا الحلف على نفي الواقع من حيث جهله به لا يوجب عدم كون اليمين وظيفة له بحسب الوضع والوجه في ذلك أن المراد بتوجه اليمين عليه ليس هو انه يجب عليه ذلك حتى يقال لانه لا يجتمع مع عدم الجواز بل المراد كونها شرطا في تخلصه إن لم يرد اليمين على المدعي فهذا المعنى حكم وضعي لا دخل له بحال دون حال.
وبعبارة أخرى عدم تخلص المدعى عليه إلا باليمين على ما ادعى عليه بالنظر إلى مقتضى الادلة لا يوجب
سقوط الدعوى بل يجب عليه الرد حينئذ وإن لم يحلف ولم يرد يحكم عليه بعد الرد أو قبله على القولين فتبين مما ذكرنا الوجه في عدم صحة اليمين وسماع الدعوى من حيث التمكن من القضاء بالرد نعم لو أراد المدعي حلف المدعى عليه فلا بد من ادعاء العلم عليه لا أنه لو لم يدع العلم عليه لم يسمع دعواه وبالجملة فرق بين دعوى العلم فيما نحن فيه وبين دعواه على نفي فعل الغير من حيث انها في المقام جائت بمقتضى ارادة المدعي بحيث لا دخل لها في سماع دعواه أصلا وفي الادعاء على فعل الغير جائت بمقتضى أصل الشرع بحيث لو ادعى المدعي من دون علم في صورة عدم البينة لم يسمع عنه أصلا فاليمين هنا أوجبت لاجل دعوى العلم بحيث لو لم تكن لم يتوجه على لمدعى عليه يمين أصلا وفي المقام أوجبت الدعوى لاجل اليمين بحيث لو لم يكن دعوى العلم لسمعت الدعوى على الواقع أيضا ومما ذكرنا يظهر فساد ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من أنه لو بنى على اشتراط التطابق في الدعوى مع اليمين للزم الحكم بعدم سماع دعوى الواقع من دون اقترانها بدعوى العلم فافهم وتأمل.
فإن قلت بعد اعتبار دعوى العلم في تعلق اليمين على نفي فعل الغير تصير اليمين على البت كما لا يخفى فما معنى التفصيل الذي ذكروه في اليمين على ما يرجع إلى النفس وما يرجع إلى الغير.
قلت معنى اعتبارهم اليمين على البت والجزم في الدعوى على النفس هو عدم كفاية اليمين إلا على الواقع فاليمين على نفي العلم ليست بمثمرة وإن وقعت بعد دعوى العلم في المقام فاشتراطهم اليمين على البت في المقام وكفايتهم باليمين على نفي العلم في الدعوى على الغير من ذهابهم إلى عدم تعلقها إلا بعد دعوى العلم عليه كاشف عن ان مرادهم باليمين على البت والجزم في المقام ما يكون في مقابلة اليمين على نفي العلم ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض سادة الفحول بعد ذكر اشتراطه دعوى العلم في اليمين على نفي فعل الغير من أن اليمين على هذا على البت مطلقا فيرتفع التفصيل من البين ويظهر أيضا صحة ما ذكره الاستاد العلامةقدسسره من عموم نزاعهم في المقام لما إذا ادعى العلم على المدعى عليه فأجاب بلا أعلم ونحوه فتأمل ثالثها اشكالاتهم واختلافاتهم في فروع كثيرة في أن اليمين على البت أو على نفي العلم كما في الدعوى على تلف البهيمة في بعض الصور أو جناية العبد و الاخوة إلى غير ذلك فذهب بعض إلى أن اليمين على البت معللا بأن هذه الامور مستندة إلى نفس المدعى فلا بد أن يحلف على البت وآخر إلى كفاية اليمين على نفي العلم معللا باستناد تلك الامور إلى الغير فهذا كما ترى دليل واضح على أن اليمين عندهم في الدعوى على النفس على البت مطلقا.
ثم ان من المعلوم ضرورة نزاعهم في الفروع المذكورة ليس في الاشخاص المختلفة بحسب الجواب بالنفي ولا أدري فلا يمكن تنزيل كلام من يقول بأن اليمين على البت على ما إذا أجاب صاحب الدابة مثلا لى عدم التلف واقعا وتنزيل كلام من يقول بان اليمين على نفي العلم على ما إذا أجاب بلا اعلم.
ومن هنا يظهر فساد ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من حمل كلامهم في اشتراط اليمين على البت في - الدعوى على النفس واليمين على نفي العلم في الدعوى على فعل الغير على الغالب لان اختلافهم في الفروع لمذكورة معللين بما ذكر من أقوى الشواهد على فساد الحمل المذكور ضرورة عدم تأتي الحمل على الغلبة في الفروع المزبورة لان في الدعوى على تلف البهيمة مثلا لا يمكن قيام الغلبة على الطرفين أي على علم صاحبها بعدم التلف وعلى عدم علمه وبالجملة من تأمل كلماتهم يقطع بأن مرادهم فيما ذكروه في المقامين ليس مبنيا على الغالب.
إذا عرفت ما تلونا عليك من الاقوال فاستمع لما نتلو عليك من أدلتها ناظرا إليها بعين الانصاف مجتنبا عن التعصب والاعتساف.
فنقول بعون الملك المسؤل ان الحق هو ما عليه المشهور من القضاء على المجيب بلا أدري بعد امتناعه عن الرد أما بعد رد اليمين إلى المدعي أو قبله على القولين في مسألة القضاء بالنكول وفساد الاقوال الاخر يدل عليه وجوه من الاخبار.
منها قولهصلىاللهعليهوآله البينة على المدعي واليمين على من ادعى عليه بالتقريب الذي عرفته غير مرة من انه يدل على حصر تخلص المدعى عليه باليمين غاية الامر قيام ردها مقامها لقضية الاجماع والادلة فيحكم عليه بعد امتناعه عنها.
لا يقال ان قضية قولهعليهالسلام واليمين على من ادعى عليه بمقتضى اشتمالها على التكليف مختصة بمن يتمكن من الحلف شرعا فما نحن فيه غير داخل فيها.
لانا نقول مضافا إلى ما سيجئ ان قوله واليمين على من ادعى عليه (أنكر خ) حسبما عرفت مرارا ليس في مقام بيان الحكم التكليفي وإنماهو في بيان الحكم الوضعي وإن شرط تخلص المدعى عليه هو الحلف وأين هذا من عدم جواز الحلف له شرعا فهو نظير من نذر او حلف أن لا يحلف بالله في شئ فإنه يتوجه عليه اليمين بمقتضى الوضع والوظيفة وإن لم يجز له أن يحلف ولا تعارض له مع ما أرسل في بعض كتب القوم من قولهصلىاللهعليهوآله البينة على المدعي واليمين على من أنكر أما أولا فبأن المراد منه في خصوص الاستعمال هو المدعى عليه قطعا لا خصوص النافي وأما ثانيا فبعدم تعارض بينه وبين ما دل على أن اليمين على مطلق من ادعى عليه لشامل للمقام ولا يمكن أن يقال انه منصرف إلى المجيب بالنفي من حيث غلبة وجوده لما عرفت من منع الغلبة.
ومنها قولهعليهالسلام في ذيل موثقة عبدالرحمن ولو كان حيا لالزم باليمين أو الحق أو الرد توضيح الدلالة مضافا إلى ما عرفت سابقا ان قوله ولو كان حيا لصلاحية قولهعليهالسلام في سابقه لان المدعى عليه ليس بحي لصيرورته عليه لعدم الحق في صورة عدم البينة فلو كان هناك حي لم يلزم بأحد الثلاثة لم يصلح عدم الحياة للعلية لرجوعه إلى التعليل بالعلة المشتركة وهو مما لا معنى له ولا يرد عليه النقض بالصبي والمجنون وأمثالهما لدخولهم في العلة لان عدم الحياة كناية عن عدم القدرة بالثلاثة المذكورة لا يقال ان أريد بعدم القدرة العقلية فيمنع عدمها في المذكورين وإن أريد الشرعية فهي غير موجودة في المقام أيضا فلا بد من الالتزام بخروجه من تحت الرواية.
لانا نقول أما أولا فليس كلامنا مختصا بما إذا لم يجز شرعا اليمين للمجيب بلا أدري حسبما سيجئ تفصيل القول فيه وأما ثانيا فبأن المراد من عدم القدرة الذي ذكرنا ليس هو عدمها عن أحد الثلاثة بل المراد منه عدم القدرة عن اليمين والرد كليهما ومعلوم ان الصبي وأشباهه غير قادرين شرعا عنهما بخلاف المجيب لا أدري لتمكنه من الرد كما هو المفروض لا يقال ان ظاهر الالزام هو التكليف فتختص الرواية بملاحظته بمن جاز له شرعا الحلف.
لانا نقول قد عرفت سابقا ان المراد من الالزام في أمثال المقام ليس هو التكليف المختص بمن كان جامعا لشرايطه بل المراد به هو اللزوم الشرطي الوضعي الشامل للفرض أيضا وظاهر الالزام وإن كان مقتضيا
لما ذكر الا من تأمل في الرواية وأمثالها يعلم بأنها إنما وردت في مقام بيان الوظيفة والميزان لا التكليف والالزام فتأمل.
وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا في الرواية السابقة تقدر على دفع جميع ما يرد على الرواية أيضا فلا يحتاج إلى الاعادة.
ومنها قولهعليهالسلام في الرواية المعروفة المشهورة استخراج الحقوق بأربعة وجوه إلى أن قال وإن لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه وإن لم يحلف ورد اليمين على المدعى فهي واجبة عليه الخبر وجه لاستدلال ان عدم الحلف أعم من أن يكون من جهة عدم جوازه له شرعا أو جوازه وعدم اقدامه عليه من جهة بعض الدواعي لا يقال ان الرواية إنما تدل عى أنه رد المدعى عليه اليمين باختياره وحلف المدعي يطلب بالحق وهذا غير منكر في المقام إنما الكلام في أنه إذا امتنع عن الرد يلزم به ويطلب عنه وإن لم يرد فيحكم عليه بمجرده أو بعد الرد أم لا والرواية إنما تدل على الاول وأين هذا من الثاني.
لانا نقول إذا ثبت ترتيب الاثر على رده بالاختيار فلا بد أن يلزم به في صورة الامتناع بالاجماع المركب وعدم القول بالفصل فتأمل.
ومنها قولهعليهالسلام في خبر البصري بعد فرض السائل عدم البينة على المال فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له وإلا فعليه وهذا كما ترى أظهر دلالة من جميع ما في المقام من الروايات لعدم تضمنه لما يدل على اختصاصه بما إذا جازت اليمين شرعا للمدعى عليه بل هو ممحض في بيان الوظيفة والحكم الوضعي.
ومنها صحيح هشام عن أبي عبداللهعليهالسلام ترد اليمين على المدعي وهذا أوضح الاخبار دلالة وبه يندفع ما ربما يتوهم من ورود الاخبار بأسرها بملاحظة اشتمالها على التخيير بين الحلف والرد في حق من أمكن له كلاهما فاحفظه لعله ينفعك أيضا فيما بعد إنشاء الله.
ومنها رواية عبيد بن زرارة عن الصادقعليهالسلام في الرجل يدعى عليه الحق ولا بينة للمدعي قال يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق الخبر وجه الدلالة انه إما أن يكون المراد من الفعل وهو يستحلف في - المقام هو الطلب المتعقب للمبدء كما هو أحد استعمالي الاستفعال حسبما رجحناه سابقا انه المراد في المقام أو - الطلب فقط كما هو مقتضى أكثر استعمالات الاستفعال فعلى الاول لا بد من أن يكون الترديد بالنظر إلى شخصين ضرورة عدم تأتي التخيير بين فعلين في الوجود الخارجي وإنما التخيير بحسب الاختيار وهذا غير مخفي على ذوي الافهام المستقيمة بل من القضاياء الاولية ففيما نحن فيه لما لم يمكن الاستحلاف بالمعنى المذكور فلا بد من أن يجعل الوظيفة فيه هو مخصوص الرد وعلى الثاني يأتي الترديد بين الفعلين في حق جميع الاشخاص.
فنقول للمدعى عليه المجيب بلا أدري إما أن يحلف أو يرد ولا يلزم(١) هذا المعنى لتأتي الفعلين منه بحسب الشرع بل جواز أحدهما يكفي لعرضهما عليه فقد يتمكن من الحلف دون الرد كما فيما لا يجوز رد اليمين على المدعى مثل ما لو كان وكيلا أو وصيا أو غيرهما وقد يتمكن من الرد دون الحلف كما في المقام والقول بظهوره فيما إذا جاز للمدعى عليه شرعا فعل كل منهما ففيما لا يجوز له أحدهما لا تسمع الدعوى يرده ما عرفته غير مرة في الروايات السابقة من ورودها في مقام بيان الحكم الوضعي وطريق تخلص المدعى عليه لا التكليفي فراجع و تأمل فيها واتبع ما يؤدي إليه نظرك بعد التأمل والدقة.
____________________
(١) ولا يلزم (يستلزم خ)
هذا مع ان هنا شيئا قد ذكره الاستاد العلامة دامت افادته على فرض تماميته يرد هذا القول من وجه آخر وهو ان كلامنا في حكم المجيب بلا أعلم الاشتغال وهو لا ينافي جواز الحلف له شرعا لان عدم العلم بالاشتغال أعم من عدم العلم بالبرائة فقد يجيب بلا أعلم وهو يعلم البرائة فليس عرض الحلف عليه عرضه على من لا يجوز له شرعا الحلف بالله حتى يقال بانصراف الادلة إلى غيره ولهذا نقول حسبما سيجئ انه لو حلف على نفي الاستحقاق واقعا ولم يعلم باستناده إلى الاصل يقبل منه ويحكم له هذا مع انه يمكن أن يقال ان - القول بإيقاف الدعوى في الفرض مخالف لاتفاق العلماء الماضين والباقين مضافا إلى مخالفته لما شرع له القضاء من حفظ الحقوق وعدم ابطالها.
فإن قلت ما تمسكت به في المقام من العمومات يجري بعينه في اليمين على نفي فعل الغير أيضا فإن كان مقتضى ما ذكرته اليمين على الواقع وعدم كفاية غيرها في مقام الحكم فلا فرق فيه بين المقامين وإن كان مقتضاه الاكتفاء باليمين على ما يدعيه المدعى عليه فلا فرق فيه أيضا فما وجه التفصيل الذي ذكرته بين - المقامين مع أن الدليل واحد ومقتضاه أيضا واحد.
قلت سيجئ وجه الفرق بينهما مضافا إلى قيام الاجماع فيما بعد انشاء الله فانتظر هذه خلاصة ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله من الاستدلال للقول الاول لكنه على فرض تماميته كما ترى لا يعين القضاء بعد رد اليمين إلى المدعى بل يعمه والقضاء بالنكول فما يستفاد من كلام جماعة من أنه على القول بالقضاء بالنكول لا نقول به في المقام لم نعرف وجهه فإن كان الوجه فيه انصراف أدلته إلى غيره فبذا نقول في أدلة القضاء بالرد أيضا فلا بد من أن نقول بإيقاف الدعوى وإن كان الوجه فيه التمسك بأن القضاء بالرد هو المتيقن حسبما عرفت تفصيل القول فيه فيرده ان مقتضى العمومات الاولية حسبما عرفت سابقا هو الحكم عليه بمجرد عدم حلفه فلا معنى للرجوع إلى الاصل العملي.
والحاصل اني كلما تأملت لم أجد فرقا في القول بالقضاء بالنكول بين المقام وغيره وقد اعترف بذلك شيخنا الاستاد أيضا فعليه لا بد من القضاء بالنكول في المقام حسبما عرفت انه الحق الحقيق بالاختيار وإن كنت متأملا فيه فراجع إلى ما ذكرنا فيه سابقا حتى يتضح لك الامر.
بقى الكلام في أدلة ساير الاقوال أما الدليل على إيقاف الدعوى في المقام فليس إلا الاصل أعنى أصالة عدم جواز القضاء وضعا وتكليفا حسبما ذكر في صدر الكتاب انها الاصل الاصيل وانصراف أدلة القضاء بالنكول والرد فيما إذا جاز شرعا الحلف على المدعي وقد عرفت الجواب عنه والاصل مرتفع بما ذكرنا من الادلة أما الدليل على ما ذهب إليه بعض مشايخنا من الاكتفاء باليمين على نفي العلم فليس إلا ما ذكره في جواهره من أعمية العمومات من اليمين على البت بل فيها ان اليمين على من أنكر أو المدعى عليه وهي أعم من اليمين على البت أو على نفي العلم وخصوص جملة من الروايات الدالة على عدم حلف الرجل إلا على علمه وقد ادعى استفاضة الاخبار على هذا المعنى.
منها قول الصادقعليهالسلام في خبر هشام بن سالم لا يستحلف الرجل إلا على علمه ومنها خبر أبي بصير و ومرسل يونس لا يستحلف الرجل إلا على علمه مع زيادة ولا يقع اليمين إلا على العلم استحلف او لم يستحلف.
وأنت خبير بضعف كلا الدليلين وفساد كل من المستندين اما التمسك بأعمية العمومات ففيه ان الظاهر منها لكل من نظر إليها هو اليمين على طبق دعوى المدعي وهذا أمر بين واضح لا يعتريه ريب أصلا ضافا إلى
ما في بعض الروايات الواردة في بيان اليمين من الدلالة على أنها على البت فراجع الاخبار وشاهد الآثار حتى يظهر لك حقيقة الحال.
وأما الجواب عن التمسك بالروايات الخاصة فملخصه انها واردة في مقام بيان الحكم التكليفي وانه لا يجوز للرجل الحلف كاذبا ومن غير علم وهذا غير منكر في المقام ويدل على ما ذكرنا من ورودها في بيان الحكم التكليفي دون الوضعي إلى ظهورها بأنفسها كما لا يخفى لمن له أدنى ذوق قولهعليهالسلام في ذيل الرواية ولا يقع اليمين الخ فإنه من أقوى القراين على ما ذكرنا فلا تنافي تلك الروايات لما ذكرنا من كون الوظيفة للرجل بحسب الوضع في صورة الادعاء عليه هي اليمين على البت لا يقال ان الروايات ليست مختصة ببيان حكم الحالف حتى يقال فيها ما ذكرت بل نقول انها واردة في مقام بيان حكم غيره أيضا وانه لا يجوز ستحلاف الرجل إلا على ما يعلمه.
لانا نقول نحن لا ننكر ما ذكرته إلا أن المراد من الاستحلاف في المقام وفي نظايره هو الطلب المتعقب بالمبدء ونحن لا ننكر أيضا عدم جوازه في صورة عدم علم المدعى عليه بل يلزم برد اليمين على المدعي حسبما عرفته فظهر مما ذكرنا ان تلك الروايات ليست في مقام بيان الحكم الوضعي أصلا.
وأما الدليل على ما يظهر من بعض المتأخرين من جواز الحلف على نفي الاستحقاق فليس إلا ما يستفاد من كلام بعض المحققين من أن ما يجوز أن يصير مستندا للشهادة يجوز أن يصير مستندا للحلف فكما يجوز للشاهد الاستناد إلى الاصل فكذا يجوز للحالف الاستناد إليه في الحلف.
وأنت خبير بضعفه أيضا لانا إن علمنا باستناد الحلف إلى الاصل فيصير كاليمين على نفي العلم فقد عرفت عدم كفايته مضافا إلى ما سيجئ من الفرق بين مستند الشهادة والحلف وان الملازمة المدعاة ممنوعة وان لم نعلم به بل علمنا باستناده في الحلف إلى العلم أو احتملنا ذلك حسبما عرفت من كلام الاستاد من أن الجواب بلا أدري أعم من عدم العلم بالبرائة وإن كلام القوم أيضا أعم وإن كان لنا تأمل فيه فلا ريب في كفايتها وهو الكافي للمهمات.
ثم ان هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما الاول انه لا فرق فيما ذكر في حكم المجيب بلا أدري بين العين والدين فلو ادعى على أحد بعين في يده فأجاب بلا أدري فحكمه ما ذكرنا من القضاء عليه بعد عرض اليمين عليه قبل ردها على المدعي أو بعده على القولين في المسألة.
فإن قلت قد ورد في بعض الروايات كرواية الحفص جواز اليمين لذي اليد على البت على ما في يده فتدل على مخالفة حكم العين للدين وانه يجوز فيها الاستناد في اليمين على النفي باصل.
قلت ما ورد في رواية الحفص من الاكتفاء باليمين على البت فإنما هو بالنسبة إلى اليد السابقة على يد المدعى عليه كما إذا ادعى عليه ان ما اشتريته من زيد فهو سرقة مثلا فجعل الشارع اليد للغير امارة للملك بحيث يجوز الاستناد إليها في الحلف كما يجوز الاستناد إليها في الشهادة كما في الرواية لا يدل على مخالفة حكم العين للدين وسيجئ تمام الكلام في ذلك في مستند اليمين في بابها إنشاء الله فانتظر واغتنم الثاني ان ما ذكرنا في حكم المجيب بلا أدري يجري في المجيب بالانكار والنفي إذا علم بعدم كونه عالما لما ينفيه واقعا و كونه شاكا فيه فيلزم برد اليمين والا قضى عليه أما بعد الرد أو قبله وهذا الذي ذكرنا وإن لم يصرح به أحد في ما أعلم إلا أنه يعلم حكمه مما ذكروه في المجيب بلا أدري بعد التأمل والنظر وهو أيضا مقتضى ما ذكرنا من الادلة ان
حلفه حينئذ على البت ليس إلا من جهة الاستناد إلى الاصل وقد عرفت انه في حكم الحلف على نفي العلم الغير الكافي في المقام فراجع وتأمل.
قوله يقضى على من غاب عن مجلس مطلقا مسافرا كان أو حاضرا الخ أقول الحكم على الغائب في الجملة مما لا إشكال بل لا خلاف فيه عندنا بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى روايتي محمد بن مسلم وجميل المتقدمتين فيما سبق فراجع.
وقد يستدل بروايات أخر مذكورة في كتب الاصحاب كالنبوي المستفيض في حكاية هند زوجة أبي سفيان لعنهما الله والمروي عن أبي موسى الاشعري لعنه الله وغيرهما لا دلالة لها(١) على المدعى عندنا كنا لسنا محتاجين إليها لما قد عرفت من دلالة غيرها من الادلة وانه لا إشكال في المسألة في الجملة إنما الاشكال في شرايط ذكرها الاصحاب أو بعضهم يرجع بعضها إلى الدعوى وبعضها إلى المدعي وبعضها إلى المدعى عليه وبعضها إلى المدعى به.
فنقول ان الكلام في المسألة يقع في مواضع الاول في الدعوى الثاني في المدعى والثالث في - المدعى عليه والرابع في المدعى به وقبل الخوض في التكلم في المواضع الاربعة لا بد من التكلم في أن القضاء على الغائب هل هو موافق للاصل الثانوي المستفاد من الاطلاقات الواردة في باب القضاء من الآيات والاخبار أو لا فنقول انه قد يقال بل قيل كما عن جماعة بكونه موافقا له لشمولها للغائب كشمولها للحاضر ولكن التحقيق الذي عليه بعض المحققين كونه مخالفا له لعدم اطلاق فيها ينفع المقام كما سيجئ الاشارة إليه في طي المسألة مضافا إلى ظهورها في القضاء والفصل المنجز الغير الموجود في الغائب لان الفصل فيه يكون مراعى كما لا يخفى فاحفظ هذا لعله ينفعك فيما بعد إنشاء الله فلنرجع إلى التكلم في اصل المسألة.
فنقول اما الكلام في الموضع الاول فقد ذكر الفاضل في بعض كتبه انه يشترط في سماع الدعوى على الغائب ان تكون معلومة وإن قيل بسماع الدعوى المجهولة على الحاضر والوجه في هذا الاشتراط حسبما ذكره الاستاد العلامة دام ظله هو ان سماع الدعوى انما يكون في موضع امكن الحكم فيه عادة بحصول الموازين الشرعية وترتب على سماعها فائدة وهذا في الحاضر ممكن عندهم حسبما عرفت سابقا من تعليلهم سماع لدعوى باحتمال الاقرار من المدعى عليه أو إنكار منه مع حلفه أو رده اليمين على المدعي أو غيرهما من القواعد ومعلوم ان هذا غير ممكن في الغائب أما الحكم بالبينة فلما قد عرفت من عدم دليل على سماعها في الحاضر أيضا فضلا عن الغائب وإن كنت طالبا للاطلاع على تفصيل القول فيه فراجع إلى ما ذكرنا سابقا في تلك المسألة وأما احتمال حصول الاقرار أو الانكار فهو منفي في المقام لفرض كون المدعى عليه غائبا لا يقال قد يمكن حصولها منه أيضا بعد حضوره فالقول باطلاق عدم السماع غير وجيه.
لانا نقول الكلام في سماع الدعوى على الغائب مع كونه غائبا فما ذكر لا ربط له بالمقام هذه خلاصة ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله في توجيه كلام الفاضل ولم أر من ذكر له وجها من الاصحاب لكنك تقدر على المناقشه فيما ذكره الاستاد العلامة دام ظله بالتأمل فيما ذكرنا من الكلام في الدعوى المجهولة فراجع إليه.
____________________
(١) اما عدم دلالة رواية هند عليها ما عليها فبأنه ليس فيها دلالة على مسألة قضاء النبيصلىاللهعليهوآله على ابي سفيان بل ظاهرها بيان حكم أصل المسألة أو جواز المقاصة لهند ولهذا ذكر بعض الاصحاب ان الرواية مرددة بين الفتوى والحكم التقاص وأما عدم دلالة المروي عن ابي موسى فبأنه ظاهر فيما إذا امتنع المدعى عليه عن الحضور والحكم فيه اجماعي كما سيجئ ولا دخل له بالغايب من حيث هو غايب بل هو عنوان آخر فتأمل (منه قده)
وأما الكلام في الموضع الثاني وهو المدعى فقد ذكر بعض الاصحاب انه يشترط فيه ان يذكر جحود المدعى عليه وإلا فلا تسمع دعواه نظرا إلى ظهور الادلة كقولهصلىاللهعليهوآله انما اقضي بينكم الخبر واقض بين الناس في اختصاص القضا بصورة تحقق الخصومة والتشاجر هذا ولكن الحق الذي عليه المحققون بل لا يبعد دعوى الاجماع عليه كما ادعاه بعض الاساطين عدم اشتراط ذلك لنا عليه اطلاق ما دل على القضاء على الغائب ولا يعارضه قوله انما أقضي بينكم بالبينات والايمان واشباهه.
أما أولا فبمنع دلالته على وجود الخصومة لان لفظة بينكم وإن كان له ظهور فيما ذكر ابتداء الا أنه بعد التأمل يعلم ان المراد منه هو الحكم فيما كان هناك دعوى من المدعي والقول بعدم صدق الدعوى إلا فيما علم الجحود من المدعى عليه فاسد جدا ويشهد لما ذكرنا بل يدل عليه تحقق الحكم والقضاء في موارد لم يتحقق فيها الخصومة من المدعى عليه كما في الدعوى على الصغير والمجنون والميت مع عدم من يكون منكرا وجاحدا من قبلهم بل يمكن القول بعدم تحقق الخصومة في القضاء على الساكت والمجيب بلا أدري أيضا.
وأما ثانيا فبأنه على فرض تسليم دلالته لا يعارض ما ذكرنا من اطلاق ما دل على القضاء على الغائب كالخبرين وغيرهما لعدم وجود التنافي بينهما كما لا يخفى لكونهما مثبتين فلا دليل على حمل المطلق على المقيد هنا فيؤخذ بالاطلاق.
وأما ثالثا فبأنه على فرض تسليم دلالته على الاشتراط فلا بد من العلم بالجحود والانكار حسبما هو قضية الاشتراط فلا دليل على كفاية ذكر المدعي والقول باعتبار قوله في ذلك من حيث انه لو بنى على عدمه لافضى إلى تضييع الحقوق غالبا ليس بأولى من عدم اعتبار وجود المخاصمة للوجه المذكور فتأمل هذا وقد يقال بان اشتراطهم ذكر المدعي من حيث حصول العلم غالبا من ذكره من حيث عدم الداعي لكذبه في ذلك وفيه نظر لا يخفى على الناظر فيه وكيف كان لا إشكال في الحكم والقضاء ما لم يعلم باعترافه وإقراره بما يدعيه المدعي حسبما ذكرنا وإن علم باعترافه ففي تحقق القضاء هنا وجهان التكليف ليس قضاء بل هو من الامر بالمعروف فراجع وتأمل هذا مجمل القول في الموضع الثاني.
وأما الكلام في الموضع الثالث فتفصيل القول فيه ان المدعى عليه الغائب لا يخلو اما أن يكون مسافرا بحد المسافة الشرعية أو ما دونه أو غير مسافر سواء كان غائبا عن مجلس القضاء أو البلد الذي يقضي فيه القاضي المشهور بين الاصحاب المدعى عليه الاجماع جواز القضاء على الغائب في جميع الصور والمحكي عن يحيى بن سعيد اختصاص الحكم بالقسم الاول أي من كان مسافرا بحد المسافة الشرعية والمحكي عن الشيخ في المبسوط و الشهيد في تعليق الارشاد عدم جواز القضاء على الغائب عن مجلس القضاء إلا بعد تعذر الحضور فيكون حكمه حكم الحاضر في مجلس الحكم وهذا هو الحق فبالحري قبل الخوض في أدلة الاقوال ان نقدم أمرا به يتضح محل النزاع ويرتفع حجاب الاجمال وهو ان المدعى عليه لا يخلو إما أن يكون حاضرا في مجلس القضاء أو غائبا عنه وعلى الثاني ينقسم إلى الاقسام الاربعة المتقدمة وعلى جميع تقادير القسم الثاني لا يخلو إما أن يتعذر عليه الحضور أو لا يتعذر فإن كان حاضرا في مجلس القضاء فلا إشكال في عدم جواز القضاء عليه إلا بعد السؤال عنه بل لم أجد من خالف فيه يعتد به وقد ورد به الاخبار المستفيضة من الائمة الاطهار منها رواية محمد بن مسلم عن أبي عبداللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا تقاض إليك رجلان فلا تقض للاول حتى تسمع من الآخر فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء ومثله المروي عن الصادقعليهالسلام أيضا إلا ان فيه بعد الحكم بعدم السماع إلا بعد السؤال
عن المدعى عليه التعليل باني إذا فعلت ذلك ما شككت فيه أبدا وبالجملة الحكم في الفرض مما لا إشكال فيه أصلا بل قد نقل الاجماع عليه وإن لم يكن حاضرا فيه فإن تعذر عليه الحضور أو امتنع منه فلا إشكال في الحكم عليه وإن كان حاضرا في البلد ويدل عليه قبل الاجماع حسبما حكاه الاستاد العلامة دام ظله أدلة نفي الضرر والضرار في الشريعة النبوية المحمدية المحمودة على صاحبها ألف التحية مضافا إلى انه لو بنى على عدم السماع فيه لافضى إلى تضييع الحقوق كثيرا الذي شرع لرفعه القضاء والحكم وإن لم يكن حاضرا في مجلس القضاء ولم يتعذر عليه الحضور أيضا فإن كان مسافرا بحد المسافة الشرعية فهو أيضا خارج عن محل النزاع لكونه المتيقن من الغائب الذي انعقد الاجماع على القضاء عليه في الجملة وإن لم يكن مسافرا كذلك ففيه الاقوال فعلم مما ذكرنا ان عنوان الممتنع من الحضور أو المتعذر عليه ذلك غير عنوان الغائب وإن اجتمعا في بعض المصاديق ومنه يظهر ما في كلام بعض من الخلط بينهما فراجع.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ذكر الادلة للاقوال في المسألة فنقول احتج للقول المشهور بوجوه منها طوائف من الاطلاقات أحدها اطلاق ما دل على الحكم بالحق والقسط الشامل للحاضر والغائب بأقسامه خرج منه الحاضر قبل السؤال بالاجماع والاخبار المستفيضة وبقي الباقي ثانيها اطلاق ما دل على القضاء بالبينات من الاخبار البالغة حد الاستفاضة القريبة بحد التواتر ثالثها اطلاق ما دل على القضاء على الغائب من الاخبار المتقدمة منها رواية هند زوجة أبي سفيان بناء على ما نقل من حضوره في بلدة مكة ومنها لزوم الضرر كثيرا ما لو لم يحكم عليه وهو منفي بأدلة الضرر وأيضا يلزم منه ابطال الحقوق فيجب حفظها بتجويز القضاء هذا مجمل ما يتمسك به للمشهور.
وأنت خبير بضعفه وعدم نهوضه للدلالة على المدعي أما اطلاقات ما دل من الاخبار على الحكم بالقسط والعدل وبالبينات والايمان فبأنه لا إطلاق فيها ينفع المقام لانها واردة في مقام بيان القضية المهملة وتشريع القضاء والحكم في الجملة على شروطه المقررة في الشريعة حسبما مرت الاشارة إليه غير مرة فكما ان ما دل من الاجماع والاخبار على اشتراط العدالة في البينة وغيرها من الشروط لا يعد معارضا ومقيدا لهذه الاخبار بل مبينا لما اهمل فيها كذلك القول باشتراط القضاء بالبينة في الغائب عن مجلس القضاء بالسؤال عنه ليس منافيا لها.
والحاصل ان تلك الاخبار واردة في مقام بيان القضاء بالبينة وأمثالها في الجملة وفي مورد ثبت جواز القضاء فيه من الخارج وليست في مقام بيان ان في أي مورد يجوز القضاء بها وفي أي مورد لا يجوز وما ذكرنا ليس بمخفي على الاصاغر بعد البحث عن القضية فضلا عن الاكابر والاعاظم بل لنا أن نقول ان عمومات القضاء والحكم بين الناس غير شاملة للقضاء على الغائب أصلا حتى في الغايب الذي انعقد الاجماع على جواز الحكم عليه ان ظاهرها القضاء والفصل المنجز الغير المراعى وهذا غير جار في الغائب وهذا معنى ما ذكرنا في أول المسألة من أن القضاء على الغائب مخالف للقاعدة المستفادة من عمومات القضاء هذا كله في الاخبار الواردة في باب القضاء بقول مطلق وأما ما ورد في القضاء على الغائب فبأنه منصرف إلى غير الحاضر في البلد فلا إطلاق له يشمله.
توضيح ذلك ان الغيبة والحضور وإن كانا من الامور الاضافية فيمكن أن يلاحظا بالنسبة إلى المجلس والبلد وغيرهما إلا أن لفظ الغائب بقول مطلق ينصرف إلى الغائب عن البلد وهذا واضح لكل من شاهد الوجدان وراجع إلى الاستعمالات العرفية.
هذا مضافا إلى أن في أخبار القضاء على الغائب ما يوجب ظهورها فيما ذكرنا كقولهعليهالسلام يباع ماله ويقضى دينه والغائب على حجته إذا قدم فإن في هذه الفقرات دلالة على ما ذكرنا بما لا يخفى على المتأمل ومن له ذوق سلمنا عدم انصرافه إليه وشموله للحاضر في البلد الغائب عن مجلس الحكم لكن ما نذكره من الاخبار الدالة على عدم القضاء إلا بعد السؤال عن المدعى عليه فيما أمكن بحسب العادة مقيدة لاطلاقه فيجب رفع اليد عنه بناء على ما تقرر في الاصول من وجوب حمل المطلق على المقيد وأما رواية هند زوجة أبي سفيان فقد عرفت عدم دلالتها على أصل القضاء على الغائب فضلا عن المقام وأما حديث لزوم الضرر وإبطال الحقوق فللمنع من لزومها أولا وثانيا سلمنا لزومهما في بعض الموارد ولكن لا دليل على ايجابه جواز القضاء بعد كونه مخالفا للاصل لانه مبني على لزوم الضرر وإبطال الحق غالبا وفي أكثر الموارد وثالثا سلمنا قيام الدليل على ايجابه الحكم في مورد وجوده لكنه لا يلزم منه الاطراد كما هو المدعى لان الضرر في المقام على تقدير تسليم لزومه ليس غالبيا حتى يوجب الاطراد بناء على القول بايجاب الضرر الغالبي لذلك حسبما هو المعروف بينهم.
هذا ملخص القول في أدلة ما ذهب إليه الاكثر والجواب عنه وأما ما ذهب إليه يحيى بن سعيد فلم نقف على من ذكر مستندا له في قوله ويمكن أن يكون دعوى انصراف لفظ الغائب إليه بملاحظة ان الشارع رتب كثيرا من الاحكام عليه وفيها ما لا يخفى على الجاهل فضلا عن العالم وأما ما يدل على المختار مضافا إلى الاصل الذي قد عرفت الاصل له تعليلهعليهالسلام فيما ورد في عدم جواز القضاء على الحاضر في مجلس القضاء إلا بعد السؤال بقوله فإنك إذا فعلت ذلك كما في بعضها أو ما يقرب منه كما في بعضها الآخر فإن المستفاد منه مطلوبية عدم القضاء إلا بعد السؤال في كل مقام أمكن عادة وعرفا وان هذا هو طريق قطع المنازعات ودفع المرافعات لا يجوز التعدي (التخطي خ) عنه في كل مورد أمكن فالعلة بعمومها تدل على الحكم في المقام.
والحاصل ان تلك الروايات تدل بملاحظة العلة المنصوصة على ان ميزان القضاء في كل مورد أمكن سؤال الخصم هو وجوب السؤال وعدم الحكم قبله.
لا يقال ان العلة المذكورة في الروايات ظاهرة في الاستحباب فلا بد من حملها على الحكمة فلا يجوز التعدي عن موردها وهو القضاء على الحاضر لانا نقول لا مقتضى لحمل العلة على الحكمة لان ظهور اللفظ في الاستحباب بعد قيام الاجماع على عدم ارادته منه وان المراد منه الوجوب لا يقتضيه أصلا كما لا يخفى فتأمل في المقام هذا.
ثم اني وقفت بعدما كتبت ما ترى إلى (على خ) دليل آخر تمسك به بعض الاساطين للقول المشهور وهو الاجماع المنقول المعتضد بالشهرة المحققة بل عدم الخلاف في المسألة وهو كما ترى لانا لم نقف على من نقل الاجماع في المسألة بحيث يشمل المقام ممن يعتد بنقله وعلى فرض تسليم النقل يمكن القول بعدم اعتباره في المقام بملاحظة ما ذكرنا من تفصيل القول في اعتباره في الاصول فراجع وتأمل هذا مجمل القول في الموضع الثالث.
وأما الكلام في الموضع الرابع وهو المدعى به فنقول انه لا يخلو إما أن يكون من حقوق الناس كالديون والعقود والايقاعات والاحكام أو من حقوق الله تعالى كالزنا واللواط ونحوهما مما يترتب عليه حق الله تعالى أو منهما كالسرقة المترتبة عليها العزم والقطع فإن كان من الاول فلا إشكال بل لا خلاف في كونه مورد المسألة القضاء على الغائب بل الاجماع عليه من الفريقين لانه متيقن الدخول فيها وإن كان من الثاني في إشكال بل لا
خلاف أيضا في عدم ثبوت الحكم فيه بل يمكن أن يقال بانصراف ما دل على القضاء على الغائب إلى غيره وقد يعلل بابتنائه على التخفيف لاستغنائه تعالى عنه والمقصود من هذا الكلام ان الحكم على الغائب لما كان على خلاف الاصل فيقتصر فيه على ما لو لم يحكم فيه لزم ابطال الحقوق والضرر كثيرا على المحكوم له وهو ليس إلا حق الناس وأما حق الله فلا بد أن يراعى فيه الاحتياط من جانب المحكوم عليه لعدم ضرر على صاحب الحق فيه لاستغنائه عن جميع ما سواه وإن كان من الثالث فلا إشكال فيه أيضا في ثبوت الحكم بالنسبة إلى حق الناس وعدم ثبوته بالنسبة إلى حق الله جمعا بين الاحتياطين وإعمالا للاصلين هذا وقد اشكل المصنف في المتن في الحكم بعدم القطع في الشهادة على السرقة مع الحكم بالغرم لكونهما معلولي علة واحدة فإن ثبتت السرقة بالبينة لا بد من الحكم بهما وإلا فلا داعي للحكم في الآخر أيضا وفيه نظر لا يخفى وجهه على المتأمل وفي مسالك الافهام ان باقي الاصحاب قطعوا بالغرم وانتفاء القطع نظرا إلى وجود المانع من الحكم في أحدهما دون الآخر وتخلف أحد المعلولين لمانع واقع كثيرا ومنه ما في هذا المثال لو أقر بالسرقة مرة فإنه يثبت عليه المال دون القطع ولو كان المقر محجورا عليه في المال يثبت الحكم في القطع دون المال والاصل فيه ان هذه ليست علة حقيقية وإنما هي معرفات الاحكام انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وقد أجاد فيما أفاد وجاء على طبق المراد فجزاه الله عنا وعن الاسلام خيرا.
وينبغي التنبيه على أمور الاول انك قد عرفت من تضاعيف ما ذكرنا في القضاء على الميت الحاق الغائب به بملاحظة العلة المنصوصة في عدم سماع البينة عليه إلا بعد انضمام الحلف اليها ففي كل مورد يقضى ليه لا بد من انضمام اليمين وهذا مما لا إشكال فيه بناء على ما أسلفنا وهكذا الكلام في القضاء على الممتنع من الحضور أو المتعذر عليه لعين ما ذكرنا في الغائب فراجع.
الامر الثاني انه لا إشكال في كون الحكم على الغائب كالحكم على الحاضر في نفوذه على غير المدعى عليه أيضا في الجملة وهل ينفذ على من ادعى ما ادعاه المدعي على الغائب وأقام البينة عليه بمعنى انه لا يحتاج إلى اعادة البينة فيكون هو بمنزلة الغائب أو لا ينفذ فيكون بمنزلة الدعوى الجديدة مع المدعي أو فيه تفصيل بين من يكون مدعيا فعلا من المدعي كما لو تداعى رجلان في زوجية امرأة غايبة وأقام أحدهما البينة عليها أو مدعيا شأنا كما لو ادعى شخص ملكية شئ على الغائب وأقام البينة عليها ثم جاء شخص آخر وادعى لكيته أيضا فيكون على الاول كالاول أي في حكم الغائب المدعى عليه وإن كان حاضرا وعلى الثاني كالثاني وهذا هو الوجه الوجيه الاحرى بالاتباع والاولى في الاعتبار ويظهر وجهه بالتأمل.
الثالث ان فيما يقوم البينة عليه ويحكم فيه للشخص هل حكمه حكم القضاء على الغايب في كونه مراعى أو حكمه حكم القضاء على الحاضر في عدم كونه مراعى وجهان أوجههما الاخير ويظهر وجهه بالتأمل فتأمل.
الرابع ان كل مورد حكم فيه على الغايب بالبينة واليمين فهل يعاد اليمين بعد حضوره وادعاء الابراء مع عدم البينة كما هو ظاهر الشهيدين في الدروس والروضة أو لا تعاد كما هو ظاهر جماعه منهم لشيخ في المبسوط حيث ذكر انه لو قال الغائب بعد حضوره فاحلفوه لي انه ما قبض قلنا قد استحلفناه الاقوى لا وقد تقدم تفصيل الكلام فيه فيما ذكرنا سابقا فراجع.
قوله لو كان صاحب الحق غائبا وله وكيل فطالب الوكيل الغريم بما عليه الخ اقول قد ذكرنا بعض الكلام في
المسألة سابقا ونتعرض هنا للتكلم فيها في الجملة توضيحا.
فنقول ان الكلام في المسألة تارة في ايقاف الدعوى وعدمه وأخرى في أنه بعد القول بعدم الايقاف هل يشترط في دفع المال إلى الوكيل تكفيله أم لا أما الكلام من الجهة الاولى فالحق فيها عدم الايقاف وفاقا للمحققين لا لما ذكره المصنف من أن التوقيف يؤدي إلى تعذر طلب الحقوق بالوكلاء حتى يورد عليه ما أورده بعض المدققين بما هذا لفظه وتعذر المطالبة بالوكلاء ممنوع بل له أن يوكل في رد اليمين أيضا فيتم الحكم مع انه إن أراد تعذر تعجيل استيفاء الحق بالوكلاء فبطلان التالي ممنوع وإن أراد مطلقه فاللزوم ممنوع ومعارض بأنه يلزم على هذا ان يتمكن كل من استوفى حقا ثابتا بالاقرار والبينة من استيفائه ثانيا بالوكيل واختيار الغيبة ويسقط عن نفسه كلفة اليمين وفيه ما لا يخفى انتهى كلامه بل لما قد عرفته من تضاعيف ما ذكرنا في مسألة القضاء على الغائب من ان الادعاء على الغائب من دون بينة كالادعاء على الميت لا دليل على سماعها بل قد عرفت قيام الدليل على عدم السماع وعليه لا ورود لما أورده المدقق المتقدم ذكره كما لا يخفى هذا ويمكن أن يستدل للقول بالايقاف بأن الدعوى الغير المسموعة إنما هي إذا كانت مستقلة ودعوى الابراء أو التسليم في الفرض ليست بدعوى مستقلة وإنما هي متممة للدعوى التي ادعيت على المدعى عليه.
وبعبارة أخرى قد تقرر في محله ان دعوى الابراء من المدعى عليه موجبة للتزلزل في دعوى صاحب الحق بمعنى انه لا يجوز دفع المال إليه قبل الفراغ عن هذه الدعوى فيكون رفعها متمما وجزء لتأثير بينة المدعى في الاشتغال الفعلي بحيث يؤخذ المدعى عليه بما قامت عليه ففي صورة دعوى الغريم ابراء الموكل الغايب لم يتم حجة الوكيل على الاشتغال حتى يدفع المال إليه وهذا لا دخل له بحديث عدم سماع الدعوى على الغائب هذه غاية ما يمكن أن يوجه بها القول بالايقاف.
ولكنك خبير بضعا فهفإنا وإن سلمنا كما هو المشهور بينهم من غير خلاف يعرف كون رفع دعوى - الابراء من المدعى عليه شرطا في تمامية حجة المدعي وانه لا يدفع المال إليه قبله حسبما ربما يتوهمه بعض القاصرين من جواز الدفع إليه لتمامية الحجة على الحق وكون دعوى الابراء دعوى مستقلة جديدة ان أثبتها المدعى استعيد المال من المدعى عليه وإلا فيحلف على عدم الابراء ولا شئ عليه.
إلا أنا نقول ان ذلك إنما هو فيما إذا سمعت دعوى الابراء من المدعى عليه كما إذا كان المدعى حاضرا وأما فيما لم يكن هناك دليل على سماعها بل دل الدليل على عدمه فلا وجه لتوهم عدم جواز الدفع وأيقاف لدعوى.
وبعبارة أخرى إيجاب دعوى الابراء من المدعى عليه للتزلزل في دعوى المدعى بالمعنى المتقدم إنما هو فيما إذا سمعت دعوى الابراء وأما إذا لم تسمع فلا أثر لها أصلا هذا مجمل القول في التكلم من - الحيثية الاولى.
وأما الكلام في الحيثية الاخرى والجهة الثانية وهي اشتراط الدفع بتكفل الوكيل فقد رجح الاستاد العلامة هنا عدم الاشتراط وإن كان مقتضى ما ذكرنا في السابق الاشتراط من حيث ان المفروض تمامية دعوى الوكيل وتنجزها وعدم تزلزلها أصلا واحتمال دعوى المدعى عليه الابراء في صورة حضور الموكل لا يلتفت إليه بعد عدم تأثيرها في غيبته وإلا لوجب التكفيل في دعوى الحاضر على الحاضر بعد إقامة البينة لاحتمال دعواه الابراء بعد الدفع وسيجئ زيادة توضيح لما ذكره دام ظله عن قريب.
بقي هنا فرع لم يتعرضه المصنف قد أشرنا إليه سابقا وتعرضه شيخنا الاستاد أيضا وهو انه لو ادعى
وكيل الغائب على غائب وأقام البينة على ما ادعاه فهل يحكم عليه أم لا وعلى التقدير الاول فهل يحكم بالتكفيل أم لا الحق هو الحكم عليه واشتراط الدفع إلى التكفيل.
أما الدليل على الاول فهو الادلة الدالة على القضاء بالبينة بعد اقامتها عموما وخصوصا قد تقدم الكلام فيها سابقا.
لا يقال قد تقدم أيضا انه لو كان المدعى عليه غائبا لا بد من انضمام اليمين إلى البينة فلا يجوز القضاء بها بدونها والمفروض ان اليمين هنا متعذرة فيجب الحكم بإيقاف الدعوى.
لانا نقول قد تقدم ان انضمام اليمين إلى البينة إنما هو من جهة دفع الدعوى المحتملة من الغائب والمفروض انه لو كان المدعى عليه حاضرا وادعى الابراء لم تسمع لكونها دعوى على الغايب فلا أثر لاحتمالها في حال الغيبة نعم على قول من يجعل اليمين جزء للبينة في الدعوى على الغائب وأمثاله لتوجه عليه الايراد - المذكور لكنا ما بنينا عليه حسبما عرفت تفصيل القول فيه سابقا.
وأما الدليل على الثاني وهو اشتراط الدفع بالتكفل من الوكيل فهو عموم ما دل على نفي الحكم الضرري في الشريعة لان دفع المال إلى الوكيل من غير تكفيله ضرر على الغائب لاحتمال ان يحضر الموكل وامتنع عن الحلف مع وجوبه عليه بمقتضى احتمال دعوى الابراء عليه أو التسليم إليه من الغائب المدعى عليه فيكون دفع المال إليه متزلزلا وفي كل دفع متزلزل يجب فيه التكفل بمقتضى عموم لا ضرر ولا ضرار وهذه قاعدة يجب الجري عليها إلا في مورد قام الدليل على خلافها.
فإن قلت لو كان احتمال امتناع المدعي الغائب عن الحلف بعد حضوره موجبا لاشتراط دفع المال إلى الوكيل بتكفيله في صورة غيبة المدعى عليه لكان موجبا له في صورة حضوره أيضا لوجود الاحتمال المذكور فيها أيضا وقد بنيت على عدم لزوم التكفيل فيه.
قلت لا ملازمة بين القول باشتراط الدفع بالتكفيل في المقام وبين القول به في صورة حضور المدعى عليه لوجود الفرق بينهما لان دفع المال إلى الوكيل فيما نحن فيه متزلزل بحلف المدعي بعد حضوره بخلاف الدفع في صورة حضور المدعى عليه لانه لا تزلزل فيه والوجه فيه ان دعوى الابراء الموجودة فعلا من المدعى عليه لما كانت على الغائب لا تسمع منه فبعد حضور المدعي لو لم يدع عليه الابراء أو التسليم لا يتوجه عليه شئ أصلا وهذا بخلاف المقام فإنه بعد حضور المدعى يتوجه إليه الحلف بمقتضى احتمال الدعوى الموجودة سابقا النازلة منزلة المحققة فهذا الاحتمال يقتضي ايجاب اليمين على المدعي بعد حضوره بخلاف الدعوى المحققة من المدعى عليه في الفرض.
وبعبارة أخرى وجود احتمال الدعوى فيما نحن فيه مقتض وسبب لالزام الموكل بالحلف بعد حضوره فيكون دفع المال إلى الوكيل متزلزلا بخلاف الدعوى المحققة من المدعى عليه في صورة حضوره فإنها لا تقتضي إيجاب شئ على المدعي أصلا فإنها في زمان وجودها لا تسمع لكونها دعوى على الغائب وليس لها استمرار أيضا حتى يقال باقتضائها الزام المدعي باليمين بعد حضوره أيضا وهذه بخلاف الدعوى المحتملة فيما نحن فيه فإنه وإن لم تقتض فعلا ايجاب شئ على المدعى لكنها مقتضية عند حضوره لثبوت استمرار لها في جميع الانات فظهر مما ذكرنا وضوح الفرق بين المقامين وحصول الفارق بين الصورتين فلا يمكن أن يقاس احديهما على الاخرى كما لا يخفى.
وينبغي التنبيه على أمور الاول ان ما ذكرنا في دعوى وكيل الغايب على الغايب يجري في دعواه على غيره ممن هو في حكمه كما إذا ادعى على ميت أو صبي أو مجنون وكذا يجري في دعوى وصي صبي أو وليه أو ولي المجنون على الغايب أيضا ويظهر وجهه بالتأمل فيما ذكرنا فراجع وتأمل.
الثاني ان المستفاد مما دل على اشتراط الدفع بالتكفيل في كل مورد اعتبر انما هو من جهة حصول الاطمينان به فلو اطمئن بالقابض فلا يحتاج إلى التكفيل وإلا فيلزم التسلسل لان الكفيل أيضا يحتاج إلى كفيل وعليه يحمل ما ورد في بعض النصوص من قوله إلا إذا كان مليا فإنه من جهة حصول الاطمينان بالقابض إذا كان مليا غالبا فيحمل على ما هو الغالب من حصول الاطمينان بالقابض إذا كان مليا لا أنه يجوز الدفع إليه في هذه الصورة وإن لم يحصل منه الاطمينان.
وبعبارة أخرى لزوم أخذ الكفيل على الحاكم إنما هو من جهة مراعات الاحتياط للمدعى عليه المأخوذ منه ومعلوم انه لا يقتضي التكفيل إذا اطمئن بالقابض بل ربما يكون أخذ الكفيل منافيا للاحتياط كما إذا كان المكفول له أمينا والكفيل خائنا هكذا ذكر الاستاد العلامة دام ظله حتى فيما ورد النص بالتكفيل فيكتفى فيه أيضا بالاطمينان الحاصل من القابض وعليك بالتأمل ومتابعة ما يؤدي إليه نظرك بعده والله العالم.
الثالث ان فيما يحكم بانضمام اليمين إلى البينة في القضاء على الغايب فلو نكل المدعي عن الحلف المتوجه إليه من جهة دفع الدعوى المحتملة فهل حكمه حكم النكول عن الحلف المتوجه إليه من جهة دعوى الابراء المحققة في حكم الحاكم ببرائة ذمة المدعى عليه أو حكمه حكم النكول عن الحلف المتوجه إلى المدعي من غير جهة دعوى البرائة بل من جهة الرد أو تكميل الشاهد في عدم الحكم بثبوت الحق لا الحكم بسقوطه وجهان من أن الدعوى المحتملة لما نزلت شرعا منزلة المحققة في إيجابها الحلف على المدعي فيكون حكم النكول عن الحلف المسبب عنها حكم النكول عن الحلف المسبب عن الدعوى المحققة ومن انها وإن نزلت شرعا منزلة الدعوى المحققة إلا أنه ليس دليل هنا يدل على تنزيلها منزلتها في جميع الاحكام والآثار و إنما القدر المتيقن منه هو تنزيلها منزلتها في انضمام اليمين إلى البينة وإن شئت قلت ان الحكم ببرائة الذمة وسقوط الدعوى ليس من آثار دعوى البرائة وإنما هو من آثار النكول عن الحلف المتوجه بها والدعوى المحتملة إنما نزلت منزلتها في ايجابها اليمين وأما حكم النكول فهو حكم آخر لا دخل له باعتبار اصل اليمين وعليك بالتأمل في جميع ما تلونا عليك لانه لا يخلو عن الغموض والاشكال وهو العالم بحقيقة الحال.
قوله الاول في اليمين ولا يستحلف أحد إلا بالله ولو كان كافرا الخ اقول الكلام في المسألة يقع في مقامين أحدهما في حكم الحلف بغير الله تكليفا ثانيهما في حكم الحلف بغيره وضعا سواء كان في مقام - الدعاوى أو غيره مما رتب أثر على اليمين في الشريعة كما في موارد الالتزامات الفعلية أو التركية على النفس من الكفارة وغيرها وبالحري قبل الخوض في المسألة أن نذكر برهة من الاخبار وجملة من الآثار الواردة من - النبيصلىاللهعليهوآله والائمة الاطهار حتى تزول ببركتها كل شبهة حدثت أو تحدث في هذه المسألة منها ما عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا تحلفوا إلا بالله ومنها صحيحة ابن مسلم قلت لابي جعفرعليهالسلام قول الله عزوجل والليل إذا يغشى والنجم إذا هوى وما أشبه ذلك فقال ان لله عزوجل ان يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلا به ومنها صحيحة الحلبي عن الصادقعليهالسلام لا أرى أن يحلف الرجل إلا بالله ومنها ما عن النبيصلىاللهعليهوآله من حلف بغير الله فقد اشرك وفي خر
فقد كفر ومنها صحيحة سليمان بن خالد عن الصادقعليهالسلام أهل الملل من اليهود والنصارى والمجوس لا يحلفون إلا بالله ومنها خبر سماعة سئلته هل يصلح لاحد أن يحلف أحدا من اليهود والنصارى والمجوس بآلهتهم قال لا يصلح لاحد أن يحلف إلا بالله ومنها ما روي عنهعليهالسلام لا تحلفوا اليهود والنصارى والمجوس بغير الله عزوجل ان الله عزوجل يقول فاحكم بينهم بما أنزل الله إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في كتب الاصحاب.
إذا عرفت ذلك فنقول أما الكلام في المقام الاول فقد حكي عن بعض الاصحاب عدم جواز الحلف بغير الله تبارك وتعالى مطلقا في الدعاوى وغيرها استنادا إلى ظواهر الاخبار المتقدمة وعن جماعة منهم الشهيد ان في الدروس والروضة التوقف فيه ولكن المشهور هو الجواز وهو الحق ويدل عليه ما ورد في كثير من الاخبار من الحلف بغير الله من الائمة كالحلف بالبيت فيحمل ما دام بظاهره على عدم جواز على الكراهة جمعا وفيه تأمل(١) ويشهد عليه قوله في بعض الروايات لا أرى أن يحلف الرجل إلا بالله فإنه ظاهر في الكراهة كما لا يخفى.
وقد يستدل على الجواز بالسيرة المستمرة من زماننا إلى زمان الائمةعليهمالسلام والنبيصلىاللهعليهوآله وفي هذا الاستدلال نظر لا يخفى وجهه(٢) على المتأمل ولا يجوز الاستدلال له أيضا بما ورد في الادعية من تحليف الله بالنبي والائمةعليهمالسلام وغيرهم لان كلامنا في الحلف لا في التحليف وأين أحدهما من الآخر.
لا يقال كيف تحمل تلك الاخبار على الكراهة من حلف الامامعليهالسلام بغير الله كما ورد في بعض الاخبار مع ان من مذهبنا عدم صدور فعل المكروه من الامامعليهالسلام . لانا نقول يحمل فعل الامامعليهالسلام على أحد شيئين اما على بيان الجواز والتشريع على أبعد الاحتمالين أو على مصلحة أخرى لا نعلمها.
فإن قلت إذا حملت تلك الاخبار على الكراهة فبأي شئ تقول في المقام الثاني بعدم الكفاية لان - الحكم التكليفي لا دخل له بالحكم الوضعي.
قلنا لسنا حاملين لجميع الاخبار الواردة في الباب على الكراهة وإنما نحمل عليها ما كان ظاهرا في بيان الحكم التكليفي ولسنا محتاجين إليه أصلا لان أكثر الاخبار ظاهر في بيان الحكم الوضعي بحيث لا دخل له بالتكليفي أصلا كما هو غير مخفي على الناظر إليها مضافا إلى ما سنذكره من قيام الاجماع على عدم ترتب الاثر شرعا على الحلف بغير الله هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو عدم كفاية الحلف بغير الله بالنسبة إلى الحكم الوضعي سواء كان لرفع الخصومة أو لزوم الكفارة وغيرها من الآثار المترتبة على الحلف فالحق فيه ذلك ويدل عليه مضافا إلى الاخبار التي قد عرفت منها الاجماع المنقول المعتضد بالشهرة المحققة بل الاجماع المحقق المعتضد في المسألة في الجملة ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الحالف رجلا وامرأة ولا بين أن يكون حرا وعبدا ولا بين أن يكون مسلما وكافرا ولا بين الكافر ان يكون ملحد أو غيره ولا بين أن يكون ذميا وغيره من أقسام الكفار ولا بين أن يكون المحلوف به مما له احترام في الشريعة كاسماء الانبياء والاوصياء والكتب المنزلة من السماء و
____________________
(١) لاباء قولهصلىاللهعليهوآله في بعض الاخبار الناهية فقد أشرك وفي بعضها فقد كفر وفي بعضها فاحكم بما أنزل الله عن الحمل على الكراهة.
(٢) والوجه فيه ان اعتبار السيرة إنما هو من حيث كشفها عن تقرير الحجةعليهالسلام بعد ما لم يردع وقد ردع بما قد عرفته من الاخبار فلا بد من نقل الكلام في دلالة تلك الاخبار (منه قده).
غيرها كل ذلك لاطلاق جملة مما عرفت من الاخبار وخصوص جملة منها فراجع اليها هذا ولكن يظهر من جماعة منهم المصنف في المتن جواز الحلف الذمي بما يقتضيه دينه إذا رآه الحاكم أردع مطلقا كما هو ظاهر المتن أو إذا لم يشتمل على محرم كما في اللمعة والروضة كالحلف على الاب والابن تعالى الله عن ذلك.
وقد يستدل له بروايات منها خبر السكوني ان أمير المؤمنينعليهالسلام استحلف يهوديا بالتوراة التي أنزلت على موسى وهو مع ضعفه كما ترى واحتمال اختصاصه بالامامعليهالسلام كما عن الشيخ في التهذيب أو واقعة خاصة أو الحلف بمن أنزلها عليه لا يصلح للمعارضة مع ما عرفت من النصوص الصريحة في خلافه وأضف منه غيره مما يستدل عليه من الروايات فراجع إليها في كتب الاصحاب حتى تذعن صدق ما ادعينا.
ثم ان ما ذكرنا كله إنما هو في طرف النفي وأما الاثبات فالحق الاكتفاء بكل ما يدل على ذاته تبارك وتعالى من أسمائه كالله والرحمن والرحيم والخالق والرازق والمحيى والمميت إلى غير ذلك من أسمائه وهذا مما لا إشكال فيه لما عرفت من اطلاق الاخبار فإن المقصود من الله الوارد فيها ليس هو خصوص هذه اللفظة قطعا بل المراد منه هو الذات والحلف بكل ما يدل عليها انما الاشكال في انه إذا كان الحالف المجوسي فهل يكتفى بلفظة الله إذا كان الحلف بها من دون ضم شئ إليها كما هو المعروف المشهور بين الاصحاب أو لا يكتفي بها مجردة بل لا بد من انضمام خالق الظلمة والنور ونحوه لانه سمى النور إلها فيحتمل ارادته من لفظة الله فلا يكون حالفا بالله كما ذهب إليه الشيخ في المبسوط حيث قال بعد تقسيم الحالف إلى أقسام وذكر أحكامها ما هذا لفظه وإن كان مجوسيا حلف والله الذي خلقني ورزقني لئلا يتناول بالله وحده النور فإنه يعتقد النور إلها فإذا قال خلقني ورزقني زال الابهام والاحتمال انتهى كلامه.
وقد حكى عن الشيخ فخر الدين الميل إليه محتجا بأنه يجب الجزم بأنه حلف ولا يحصل الجزم بذلك وعن الشهيد في اللمعة والدروس الجزم به وهذا هو الحق ووجهه وإن كان ما اشاروا إليه في الجملة إلا أنه يحتاج إلى توضيح منا.
فنقول انه لا إشكال ولا ريب عند ذوي الافهام المستقيمة ان المستفاد من الاخبار المتقدمة هو عدم كفاية الحلف بغير الله تبارك وتعالى وان المراد من الحلف بالله الوارد فيها هو الحلف بذات الله المقدسة فيجب بمقتضاها احراز وقوع الحلف بها إما بالعلم أو بظن قام مقامه شرعا كظواهر الالفاظ فالذي يحلف بالخالق والرازق وان احتمل ارادته من هذين اللفظين أمير المؤمنينعليهالسلام بتوجيه إلا أن ظاهر اللفظ خلافه فيؤخذ به ويعلم منه شرعا انه حلف بالله وهكذا في ساير الموارد التي احتملنا ارادة الحالف غير المعنى الحقيقي من اللفظ بتورية أو غيرها نأخذ بظاهره ونحكم بأنه حلف بالله تعالى وإن فقد الامران بان لا يكون هنا علم بما ذكرنا ولا ظن معتبر مستفاد من ظاهر اللفظ بأن يكون اللفظ المحلوف به مشتركا عند المتكلم والمخاطب بين الذات المقدسة وغيرها كلفظ الموجود مثلا أو كان عند المتكلم الحالف له معنى غير الذات المقدسة التي وضع اللفظ لها كلفظ الله الموضوع عند المجوس للنور فلا يكفي الحلف به ما لم ينضم إليه ما يصرفه ولو بحسب الظاهر إلى الذات المقدسة ضرورة ان المستفاد من الاخبار ليس كفاية الحلف بلفظة الله وإن لم يقصد بها معنى الواجب الوجود ومن هنا يعرف الوجه فيما ذكره بعض المحققين من الاصحاب بل جماعة منهم من عدم كفاية الحلف بالالفاظ المشتركة كلفظة موجود ونحوها ومنه ظهر أيضا الوجه فيما ذكرنا من عدم كفاية حلف المجوس بلفظة الله إلا إذا انضم إليه ما يعلم به أو يظن منه بالظن المعتبر كون المراد منه هو الواجب الوجود باعتقادنا أو علم ان مراده من لفظة الله مجردا هو ما نقول
به من الذات المقدسة.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان هنا شكوكا وشبهات اوردوها على المختار لا بد من ذكرها ودفعها أحدها انه مخالف لظاهر ما ورد من الاخبار الواردة في الباب عموما وخصوصا فإن ما دل منها على حلف المجوسي بالله لم يقيده بانضمام شئ آخر إليه حتى يزيل احتمال ارادة النور منه وفيه انك قد عرفت ان المراد من الاخبار ليس الحلف بلفظة الله وإن أراد منها غير الذات المقدسة بل المراد منها الحلف بالذات المقدسة بأي اسم من أسمائها فيجب احراز وقوع الحلف بها وإلا لم يصدق الحلف بالله وهذا أمر واضح لا سترة فيه بعد التأمل أصلا وأين هذا من حكاية الاطلاق والتقييد ثانيها ان المناط في ترتب الاثر على الحلف هو قصد المحلف لا الحالف فقصده غيره لا ينافي في ترتب الاثر على حلفه إذا كان المحلف قاصدا للحلف بالله ولهذا اكتفى بالحلف بالله عمن لا يعتقد إلها أصلا وفيه انك قد عرفت ان المستفاد من الاخبار عدم كفاية الحلف الواقع بغير ذات الجلالة في أثر من الآثار ومعلوم ان قصد المحلف لا يحرز كون الحلف الواقع من الحالف بالله تبارك وتعالى نعم المناط في لحكم التكليفي والمعصية أينما تحققت على قصد المحلف وأين هذا من كفاية قصده في الحكم الوضعي وبالجملة حديث قصد المحلف والحالف أجنبي عما نحن فيه بل لا بد من احراز وقوع الحلف من الحالف على الله تعالى وأما النقض بحلف من لا يعتقد بإله وخالق أصلا فلا ورود له جزما لان المراد من وقوع الحلف بالله الذي قد ورد في حق - الوثني أيضا هو الحلف بمن نعتقده إلها فالوثني وإن لم يمكنه الحلف بالله باعتقاده إلا أنه يتمكن من الحلف بالله الذي نعتقده إلها وهذا هو المعتبر في الحلف ثالثها ان اضافة خالق الظلمة والنور لا تجدي بعد عدم اعتقاده كونهما مخلوقين له وفيه ان اضافته وأمثاله ليس من جهة دلالتها على اعتقاده بذلك بل من جهة دلالتها على انه حلف بمن نعتقده خالقا وإلها ومن المعلوم ان الاضافة المذكورة مجدية في احراز حلفه بالله الذي نعتقده إلها وهذا لا ينافي في عدم اعتقاده بكونه خالقا للظلمة والنور كما لا يخفى.
وبالجملة العبرة في اليمين العلم أو الظن القائم مقامه بأن الحالف قد أحلف بالله ولو بحسب اعتقادنا وهو المستفاد أيضا مما تقدم من الاخبار وليس المراد منها احراز الحلف بلفظة الله ولو علم كون مراد الحالف منه غير الذات المقدسة.
فالعجب من بعض مشايخنا حيث ذهب إلى كفاية الحلف بلفظة الجلالة ولو علم كون مراد الحالف منها غير ذات الواجب الوجود فهذا كما ترى التزام منه بكفاية الحلف بغير الله تبارك الله وتعالى وهو كما ترى أعجب منه ما حكي عن بعض الاصحاب من جواز الحلف بغير الله تبارك وتعالى تكليفا ووضعا إذا صالح المدعي حقه عليه او شرطاه في عقد لازم وإن لم نقل بجوازه في غير الصورتين بناء منه على ان ما دل على جواز الصلح بين المسلمين و على وجوب الوفاء بالشرط يدل على جوازه وترتيب الاثر عليه شرعا وفيه ما لا يخفى على جاهل فضلا عن عالم لان أدلة الصلح والشرط وغيرهما من العقود والايقاعات لا تعارض ما دل على حرمة متعلقاتها بل الجواز مأخوذ فيها شرعا ولعلنا نتكلم بعض التكلم في تحقيق ذلك عن قريب فانتظر وكذا ما دل من الاخبار المتقدمة على عدم وقوع الحلف المؤثر شرعا بغير الله تبارك وتعالى لا يمكن تخصيصه بما دل على جواز الصلح بين المسلمين ووجوب لوفاء بالشرط والنذر لان تلك الاخبار حاكمة على الدليل المذكور لان مفادها عدم ترتب الاثر على الحلف بغير الله تبارك وتعالى فشرطه شرط لامر غير مؤثر وكذلك الصلح عليه.
وبعبارة أخرى أدلة صحة الصلح والنذر والشرط وأمثالها ليست في مقام رفع الحكم عن الموضوعات
الاولية التي عرضت لها الاحكام مما تزاحمها من الوجوب والحرمة وكذلك ليست في مقام اثبات التأثير لما عل بحسب الشرع غير مؤثر ودل الدليل على عدم تأثيره ولو بنى على هذا لامكن اثبات حلية كل شئ وترتيب الاثر على كل شئ بحسب الوضع في صورة الشك بعمومات أدلة الصلح والشرط والنذر واشباهها وهذا مما يرغب أهل العلم عنه والالتزام بخروج جميع الموارد التي لا يمكن الاستدلال بها من دليل خارج من اجماع وغيره مما يضحك به الثكلى وسيجئ زيادة توضيح لذلك إنشاء الله.
قوله ويكفي أن يقول والله ما له علي حق وقد يغلظ اليمين بالقول الخ.
أقول لا ريب بل لا خلاف عندنا في الاكتفاء في اليمين بقوله والله الخ ويدل عليه جملة من الاخبار أيضا مثل قوله من حلف بالله فليصدق من حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله وقوله تعالى في جواب سؤال النبي عنه عن الحكم بين الناس واضفهم إلى اسمي يحلفون به إلى غير ذلك مما يدل على هذا المعنى.
وأما التغليظ فليس بواجب عندنا ولكن لا إشكال في استحبابه للحاكم للاجماع المنقول المحكي عن الخلاف المعتضد بالشهرة القديمة والحديثة بل عدم الخلاف في المسألة مضافا إلى استفادته من مجموع الاخبار والآثار مثل ما كتبه أمير المؤمنينعليهالسلام في حلف الاخرس ومثل ما ورد عنهعليهالسلام من قوله حلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنه برئ من حول الله وقوته فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو لا يعاجل لانه وحد الله سبحانه وتعالى ومثل ماورد عن بعض الائمةعليهمالسلام انه حلفت عنده امرأة بالله الرحمن فقال لا انك قد ذكرت الله بالرحمة فاذكري الله بالغضب ومثل خبر الحسين بن علوان المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه ان علياعليهالسلام كان يستحلف اليهود والنصارى في بيعهم وكنايسهم والمجوس في بيوت نيرانهم ويقول شددوا عليهم احتياطا للمسلمين ومثل الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عنهعليهالسلام لا يحلف أحد عند قبر لنبي على أقل مما يجب فيه القطع وبالجملة لا إشكال في استفادة استحباب التغليظ من الاخبار فما في المسالك من أني لم اقف على الرواية به محمول على عدم الوقوف على نص خاص يدل على استحباب التغليظ عموما لا انه لا يمكن استفادته من مجموع الاخبار.
ثم ان استحباب التغليظ للحاكم حسبما صرح به جماعة انما هو للاستظهار ووجهه انه مظنة رجوع الحالف إلى الحق خوفا من عقوبة العظيم وعلى تقدير جرئته عليه كاذبا مظنة مؤاخذته حيث أقدم على الحلف به مع احضاره عظمته وجلالته والتغليظ يحصل بالقول والزمان والمكان ويختلف ذلك بحسب اختلاف الاشخاص من الرجل والمرئة والمسلم والكافر ثم في الكافر يختلف أيضا بحسب اختلاف أقسامه فعلى الحاكم أن يراعي في جميع ذلك ما يحصل به التغليظ بحسبه وهذا كله مما لا كلام فيه أصلا.
وإنما الكلام يقع في أمور الاول انه لا إشكال في حصول التغليظ في القول بالالفاظ المخوفة كالطالب الغالب الضار النافع المدرك المهلك الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية إلى غير ذلك وهل يحصل بما لا يدل على التخويف أو يدل على الرحمة كالرحمن والرحيم ونحوهما أو لا وجهان من أن المقصود من التغليظ هو حصول العظمة في نظر الحالف وهي تحصل بالثاني كما تحصل بالاول ولهذا قد ورد في بعض الروايات التغليظ بلفظ الرحمن والرحيم ومن دلالة بعض الاخبار السابقة حيث ان الظاهر منه عدم حصول التغليظ بما لا يدل على التخويف بل على الرحمة أوجههما الاول فتأمل.
الثاني انه لا ريب في عدم استحباب اليمين المغلظة للحالف عندنا لعدم الدليل عليه بل قد يقال بكراهتها له ولا ملازمة بين استحبابه للحاكم واستحبابه له لحصول الاستظهار كثير إما بتلقين الحاكم اليمين المغلظة فليس هذا من قبيل حرمة الكتمان على النساء المستلزمة لوجوب القبول على الرجال وليس أيضا من قبيل وجوب السؤال من أهل العلم المستلزم لوجوب قبول قولهم وهل يستحب بالتماس الخصم أو الحاكم أو لا وجهان أوجههما الاول لما دل على رجحان الاجابة وهل يستحب بالالتماس على القول بكراهته أم لا وجهان لا يبعد القول بالاول أيضا وعن بعض العامة وجوب التغليظ إذا التمسه المدعي اجابة له وهو ضعيف لا يعبأ به.
الامر الثالث انه هل يجبر الحالف على الاجابة إلى التغليظ إذا امتنع عنها وهل يحكم في صورة امتناعه بالنكول الذي يقتضيه المذهب لا لما قد عرفت ان الواجب عليه ولو بعد الاجابة هو الحلف بالله لا غير وعن بعض العامة الحكم بالنكول في صورة الامتناع عن الاجابة نظرا إلى وجوب التغليظ عليه بعد الاجابة وهو كما ترى ضعيف - لابتنائه على ضعف.
الامر الرابع انه لا إشكال في عدم انعقاد حلف الحالف مثلا على عدم الاجابة إلى التغليظ اما على القول بوجوبها فظاهر وأما على القول باستحبابها حسبما عرفت انه المختار فلما تقرر في محله من اشتراط عدم المرجوحية في متعلق النذر وشبهه.
وقد عرفت ان الاجابة إلى التغليظ مستحبة فلا ينعقد النذر على تركها وبهذا يظهر ما في المسالك من الحكم بالانعقاد لانه مرجوح ولا إشكال أيضا في انعقاد حلفه على عدم التغليظ لما قد عرفت ان قضية المذهب عدم وجوب التغليظ على الحالف بل ولا استحبابه أيضا وعليك بالتأمل والمراجعة إلى كلماتهم حتى تشاهد ما وقع من الخلط من بعض الاصحاب بين الحلف على عدم الاجابة والحلف على عدم التغليظ إنما الاشكال في أنه بعد الانعقاد هل ينحل بالاجابة أم لا قال في المسالك على القول بوجوب الاجابة لزم انحلال اليمين لان اليمين على ترك الواجب لا تنعقد والحق عدم انحلاله على القول بالوجوب والاستحباب لصيرورته محرما عليه بالحلف على تركه فلا يؤثر فيه ما دل على رجحان الاجابة وجوبا أو استحبابا لتأخره عنه هذا مضافا إلى ما ورد من عدم اطاعة المخلوق في معصية الخالق وبهذا يظهر ما في المسالك من التعليل بقوله لانا نمنع من كون الاجابة لى تقدير الحلف واجبا وهو نظير ما إذا حلف على ترك اليمين رأسا فإنه لا ينحل ولو بعد الاجابة وفي النظير نظر لا يخفى وجهه على الناظر.
لا يقال انه بواسطة ما دل على رجحان الاجابة تصير طاعة للخالق فلا دخل لحديث لا يطاع المخلوق في معصية الله فيما نحن فيه.
لانا نقول المراد من اطاعة المخلوق المنفي اطاعته في الحديث إنما هي الاطاعة التي ورد الامر بها من الله كإطاعة الاب والام والمولى والزوج فلو بنى على خروجها من الحديث لزم خلوه عن المورد فالمراد من معصية الله هي معصيته في غير أمره بإطاعة المخلوقين فالمعنى انه لا يطاع الله في أمره بإطاعة المخلوقين إذا استلزمت اطاعته معصية أوامره التي تعلقت بالاشياء من غير جهة اطاعة المخلوق.
فإن قلت كيف تقول بعدم انحلال الحلف بالاجابة وقد ورد في بعض الاخبار المعتبرة إذا وجدت خيرا من يمينك فاتركها وانه حلف بعض الائمة على ضرب بعض غلمانه فعفاه معللا بان العفو خير من الضرب فيدل
هذا على انحلال الحلف بعد دخول المحلوف عليه في عنوان مطلوب شرعا.
قلت نمنع من كون الاجابة فيما نحن فيه خيرا من ترك التغليظ المحلوف عيه لاقتضاء تعلق الحلف به كونه خيرا كما يقتضي ما دل على رجحان الاجابة كونها خيرا نعم لو عرض على المحلوف عليه ما يقتضي مرجوحيته بالذات كما إذا صار شرب ما حلف على تركه راجحا من حيث توقف اصلاح المزاج به أو من جهة امر آخر اقتضى رجحان معروضه في نفسه تعين القول بانحلال اليمين وبهذا يحمل ما ورد عن بعض الائمةعليهمالسلام من عفو العبد المحلوف على ضربه فإن عفو الضرب في نفسه راجح فينحل اليمين به والحاصل ان ما كان له تقدم بالذات على الحلف كما ان وجوده أولا وبالذات قبل الحلف يمنع من انعقاد الحلف كذلك وجوده ثانيا يصير سببا لانحلاله وما لم يكن له تقدم على الحلف بالذات وجوده أو لا يمنع من انعقاد الحلف لكن وجوده ثانيا لا يصير سببا لانحلاله بعد انعقاده.
توضيح ذلك على ما يقتضيه المجال على وجه ينفعك في كل مقام قد جرى فيه القيل والقال يتوقف على رسم مقدمة بها ينكشف حجاب الاجمال عن وجه المرام وهي انه قد يعرض الحكم على الموضوع أولا و بالذات مع عدم ملاحظة عدم كونه معروضا لحكم آخر كما في أكثر الاحكام العارضة للموضوعات في مقام - التشريع أولا وهذا يسمى حكما أوليا عارضا للموضوع بملاحظة ذاته وعنوانه الاولي وقد يعرض عليه بعد كونه معروضا لحكم من الاحكام كما في الوجوب العارض للفعل الذي صار مقدمة لواجب أو وجوب اتيان المنذور الذي عرض عليه من جهة الوفاء بالنذر إلى غير ذلك من الاحكام العارضة للموضوعات بملاحظة العناوين العارضة لها فإن هذه الاحكام إنما عرضت لهذه الموضوعات بعد كونها معروضة لاحكام مع قطع النظر عنها مثلا مقدمة الواجب مع قطع النظر عن عروض الوجوب لها بسبب عنوان المقدمية لها حكم في الشريعة بالنظر إلى ذاتها فقد يكون حرمة وقد يكون وجوبا وقد يكون استحبابا وقد يكون كراهة وقد يكون إباحة فالفعل الذي صار مقدمة لواجب مع قطع النظر عن عروض هذا العنوان له له حكم في الشريعة من أحد الاحكام الخمسة و هكذا متعلق النذر والحلف وغيرهما وهذا الحكم يسمى ثانويا عارضا للموضوع بسبب ما عرض له من العنوان ثم ان هذا ان وجد موردا قابلا مثل أن يكون مباحا أو مكروها أو مستحبا أثر تأثيره إلا إذا قام الدليل الخارجي على خلافه وإلا كما إذا كان حراما أو واجبا فلا لتقيده بعدم كون المحل مشغولا بالذات بما يمنع عنه.
ثم ان كل دليل دل على ثبوت الحرمة أو الوجوب للفعل أولا وبالذات فإن قابله ما يدل على ثبوت حكم للفعل مغاير لهما كذلك أي ثبوتا أوليا فيتعارضان فإن كان أحدهما أخص من الآخر فيؤخذ به وإلا فيرجع إلى المرجحات وإن قابله ما يدل على عروض حكم للفعل مغاير لهما على الوجه الثاني أي عروضا ثانويا فلا يمكن أن يعارضه لما فرضناه من أخذ عدم الحكم المنافي للموضوع على الوجه الاول لعروض الحكم له على - الوجه الثاني فما يدل على ذلك حاكم على ما يدل على هذا كما لا يخفى من غير فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الحكم العارض للموضوع اولا وبالذات عارضا له قبل عروض الحكم له على الوجه الثاني فيمنع من عروضه أو يعرضه بعد عروضه له فيرفعه.
ثم ان هذا كله فيما إذا دل الدليل على عروض الحكم للموضوع على الوجه الاول وإن دل على عروضه له على الوجه الثاني فقد عرفت حكم ما إذا عارضه ما يدل على ثبوت الحكم له على الوجه الاول فإن عارضه
ما يدل على عروض الحكم للموضوع على الوجه الثاني فلا محالة يقع التعارض بينهما فيرجع إلى ما تقرر في حكم التعارض هذا إذا لم يسبق أحدهما وأما إذا سبق أحدهما وكان المحل مشغولا به فهو مختص به ولا يعارضه ما يماثله في العروض وهذا الذي ذكرنا لا إشكال فيه مفهوما إنما الاشكال في تميز الصغريات وان أي حكم عرض للموضوع أولا وبالذات وأي حكم عرض له ثانيا وبالعرض.
ثم ان الاشكال الذي في المقام ويقع التكلم لاجله إنما هو في تشخيصها من نفس أدلة الاحكام وأما تمييزها من الدليل الخارجي فهو تابع لوجود الدليل وهو موجود في كثير من الموارد مثل ما دل على انه لا يطاع المخلوق في معصية الخالق فإن المستفاد منه قاعدة كلية جارية في جميع موارد اطاعة المخلوق ومعصية الخالق كأمر الوالد أو الوالدة ولدهما أو المولى عبده أو الزوج زوجته بترك واجب أو فعل حرام فلا يجب اطاعتهم عليهم بمقتضى النص المذكور فيحكم بما يقتضيه نفس دليل ذلك الموضوع من الوجوب والحرمة ومثل ما ورد من قوله كل شرط جايز إلا ما حرم حلالا أو حلل حراما أو كل شرط جايز إلا ما خالف كتاب الله فإن المستفاد من أمثالهما أيضا قاعدة كلية جارية في جميع الالتزامات من الحلف والنذر والعهد والصلح إلى غير ذلك من العقود والايقاعات فإن المراد من الشرط فيها معناه اللغوي وهو مطلق الالزام والالتزام حسبما صرح به في كثر من كتب اللغة كالقاموس والصحاح وغيرهما ومثل قوله لا نذر في معصية إلى غير ذلك مما يقف عليه الناظر في لاخبار وكتب أصحابنا الاخيار رضوان الله عليهم فلنرجع إلى ما كنا فيه من تمييز الاحكام من حيث عروضها للموضوعات من أدلتها.
فنقول انه لا ريب ولا إشكال في إمكان التمييز في موارد كثيرة منها ما دل على وجوب الوفاء بالنذر والحلف بل ما دل على حكم جميع العقود والايقاعات من البيع والاجارة والصلح والوكالة والهبة والعتق والطلاق إلى غير ذلك فإنه ليس في مقام تشريع حكم متعلق هذه الامور أولا وبالذات بل إنما هو في مقام بيان سببية هذه الامور للالتزام وتأثيرها فيه إن وجد محلا قابلا غير مشغول بما يمنع من تأثيرها فتلك الادلة في مقام بيان كون هذه الامور مقتضية للزوم في متعلقاتها لا في مقام بيان كونها علة تامة وهذه بخلاف ما دل على حرمة الخمر والرباء ووجوب الصلاة والصوم فإنه في مقام بيان تشريع الحكم لهذه الموضوعات أولا وبالذات مع قطع النظر عن عدم عروض حكم لها فما دل على حرمة الخمر مثلا إنما يدل على كون حكم هذا الموضوع أولا وبالذات هي الحرمة فهو يثبت حكما أوليا لها فهو بعمومه يدل على أن كل خمر علة تامة في اقتضاء لحرمة سواء نذر شربه أم لا فلا يمكن أن يعرضه الوجوب بالنذر لفرض كونه مقتضيا للتأثير في المحل القابل الغير المشغول المانع.
فإن قلت أي فرق بين قوله حرمت عليكم الخمر وأبيحت لكم السكر مثلا فإن قلت ان الاول يدل على أن الخمر علة تامة في اقتضاء الحرمة قلنا ان الثاني ايضا يدل على كون السكر علة تامة في اقتضاء الاباحة فإن قلت ان الحرمة تضاد الوجوب العارض بالنذر فيمنع منه قلنا ان الاباحة أيضا ضد الوجوب العارض به ضرورة تضاد الاحكام بأسرها فإن قلت ان قوله حرمت عليكم الخمر في مقام بيان الحكم الاولي والتشريع الذاتي قلنا إن قوله أبيحت لكم السكر أيضا كذلك فالحاصل انه لا فرق بينهما في جميع الجهات فما وجه قولك بأن الحرمة مثلا مانعة من تأثير النذر لكن الاباحة مثلا غير مانعة منه.
قلت ما ذكرته من كون الاباحة فعلية كالحرمة وكونها ضدا للوجوب المسبب عن النذر كالحرمة
وكونها حكما أوليا للاشياء العارضة عليها كالحرمة مسلم لكنه لا يمنع من التفصيل الذي ذكرنا بينهما وكذا بين الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة لكون مناط التفصيل والفرق بينهما من جهة أخرى بيان ذلك ان - الحرمة إنما تعرض موردها من جهة صفة وجودية فيه مقتضية لها فالمقتضي لها إنما هو نفس موردها مع قطع النظر عن مدخلية شئ آخر فيه وهذه بخلاف الاباحة مثلا فإنها إنما تعرض موردها بملاحظة عدم وجود صفة تقتضي تعيين أحد طرفي موردها من الفعل والترك فالتسوية الملحوظة في الاباحة إنما هي باعتبار أمر عدمي وهو عدم عروض ما يقتضي ترجيح الفعل أو الترك.
وهكذا الكلام في الاستحباب والكراهة ايضا فإنه عروض الاستحباب على الفعل إنما هو باعتبار عدم وجود صفة في موردها تقتضي المنع من الترك كما هي موجودة في مورد الوجوب وكذا الكراهة إنما تعرض موردها باعتبار عدم وجود صفة فيه تقتضي المنع من فعله كما هي موجودة في الحرمة فالاحكام الثلاثة إنما تكون فعليتها باعتبار عدم عروض ما يقتضي تعيين أحد طرفي موردها من الفعل والترك وهذا بخلاف الوجوب والحرمة فإن عروضهما للمورد باعتبار وجود صفة فيه مقتضية لهما وهذا الذي ذكرنا في الاحكام الثلاثة ليس مختصا بها بل يجري في غيرها كما في الوجوب التخييري مثلا فإن عروضه لمورده أيضا إنما هو باعتبار أمر دمي وهو عدم وجود صفة فيه تقتضي تعيين أحد طرفي الفعل فحينئذ إذا وجد سبب يقتضي تعيين أحد من طرفي الفعل أو الترك في مورد الاباحة مثلا أثر تأثيره لكون المحل قابلا لعروض ما يقتضي التعيين وليست الاباحة مزاحمة له فإن عروضها له إنما هو باعتبار عدم صفة في نفسه تقتضى التعيين وإذا وجد في مورد الحرمة مثلا لا يؤثر فيه شيئا لعدم قابليته بحسب الذات لعروض ما يقتضي خلاف الحرمة.
فإن قلت فعلى ماذكرت إذا ورد دليل دال على الاباحة مثلا في مورد وورد دليل آخر فيه يقتضي - الحرمة مثلا لا بد من أن يحكم بعدم التعارض بينهما وتقديم دليل الحرمة لحكومته بالنسبة إلى دليل الاباحة ومن المعلوم ضرورة عند كل من له أدنى دراية بالاصول والفقه ووقوع التعارض بينهما.
قلت ان ورد دليل يقتضي ان الفعل بذاته يقتضي الوجوب أو الحرمه وانهما من الاحكام العارضة للفعل أولا وبالذات فلا محالة يعارض دليل الاباحة لانه يدل على ان الفعل بالذات ما يقتضي شيئا فهو مناف لما يدل على كونه بحسب الذات مقتضيا للوجوب أو الحرمة وإن ورد دليل يقتضي ان السبب الخارجي يقتضي الوجوب أو الحرمة في الفعل فلا تعارض له مع ما يدل على أن الفعل بالنظر إلى ذاته لا يقتضي احدهما وهذا بخلاف ما إذا ورد هذا الدليل في مقابل ما يدل على حرمة الفعل وكونه بالذات غير قابلة لغير التحريم نعم لو ورد دليل يقتضي ان الفعل بالذات يقتضي الوجوب فلا محالة يعارض ما دل على أنه يقتضي الحرمة فإن كان أخص من دليل الحرمة يخصصه وينوع الفعل على نوعين وإن لم يكن أخصية بينهما فيقع التعارض ويرجع إلى المرجحات الخارجية.
فإن قلت انك كما تأخذ بعموم قوله الخمر حرام وتحكم بأن كل فرد من أفراد الخمر علة تامة لاقتضاء - الحرمة فتمنع من عروض الوجوب لفرد منه من جهة العارض لعدم قابلية المحل لتأثيره فيه كذلك نحن نأخذ بعموم قوله يجب الوفاء بكل نذر ونحكم من جهة الملازمة بأن كل مورد قابل للوفاء بالنذر فيه وإلا لما أمر بعموم الوفاء حسبما هو قضية سلوك المحققين في قوله أوفوا بالعقود حيث انهم يستدلون بعموم وجوب الوفاء على صحة كل عقد لانه لو كان فاسدا لم يأمر به الشارع بل هذا مقتضى سلوكهم في كثير من العمومات.
قلت لسنا في مقام اثبات استحالة استخراج الحكم الوضعي واستكشافه من الحكم التكليفي حتى تورد علينا بمسألة أوفوا بالعقود وأمثالها وإنما نحن في صدد اثبات ان أدلة تلك الامور ليست إلا في مقام بيان سببيتها للتأثير أن وجد لها محل قابل وليست في مقام بيان قابلية المحل بل بيانها موكول لما دل على الحكم الاولي لمعروض تلك الاسباب فإن دل على الاباحة مثلا دل على قابلية المحل وإن دل على الحرمة مثلا دل على عدم قابلية المحل وليس هذا تخصيصا في أدلة تلك الاسباب حتى نأخذ بعمومها وكفاك شاهدا لما ذكرنا من عدم كون أدلة تلك الامور في مقام تشريع الحكم الاولي لمتعلقاتها بل في مقام بيان كونها أسباب للاحكام الثانوية في المحال القابلة استقباح ان يتمسك بتلك الادلة في كل فعل فرض الشك في حكمه الاولى مثلا إذا شككنا في أن العصير العنبي بعد الغليان حلال أو حرام فيفرض وصية شخص به أو نذر شخص إياه أو عقد صلح عليه فيحكم بجواز ربه وهكذا في ساير الاشياء المشكوكة الحكم وهذا حد يرغب أهل العلم عنه لا يحسن مكالمة من صار إليه بل هو مضحكة مسخرة تعالى أهل العلم عن الالتزام بما يوجب ذلك ويفضى إلى هذا علوا كبيرا حاشاهم ثم حاشاهم.
فإن قلت إن مرجع ما ذكرت إلى عدم ورود أدلة الاسباب الشرعية في بيان قابلية المورد فلا بد أن يحرز من الخارج فهذا إنما يصح لو كانت تلك الادلة مطلقات وليست كذلك لانها عمومات فلا يصح القول بورودها موردا لحكم الآخر.
قلت ما ذكرنا مبني على ما هو التحقيق عندنا من جريان ما ذكروه في المطلقات في العمومات أيضا كما عليه جمع من المحققين فإنه لو ورد كل ما يأخذه الكلب المعلم حلال لا يمكن الاستدلال به على عدم وجوب الغسل كما انه لو ورد ما يأخذه الكلب المعلم حلال لا يمكن أن يتمسك به على عدم الوجوب.
فإن قلت مقتضى بعض ما ورد في مورد تلك الاحكام من الادلة الخارجية المقتضية لحكومة أدلة الاحكام الواقعية على الاسباب الشرعية مثل قوله لا نذر في معصية وشبهه هو شمول الاسباب لمورد أدلة الاحكام الواقعية وانه خرج عنها بهذا الدليل الوارد فيكشف هذا عن شمول ما دل على تأثير الاسباب لما يوجد منها في مورد أدلة الاحكام الواقعية فما حملك على القول بعدم شمولها لمورد الاحكام أولا وبالذات وإن خروجه عنها ليس من التخصيص بل من التخصص لورودها أولا على المحل القابل.
قلت أولا يكفي لورود الادلة الخارجية على الحكومة توهم الشمول ولا يشترط فيه الشمول بحسب اللفظ والحقيقة وان ابيت الا عن ظهور هذه الادلة في الشمول اللفظي نقول ثانيا أنه يدور الامر بين ابقائها على ظاهرها واخراج أكثر الافراد من الواجبات والمحرمات عن أدلة تلك الاسباب بما قام من الادلة الخارجية - الناطقة بالخروج أو حمل أدلة تلك الاسباب على عدم كونها واردة في مقام بيان قابلية المحل فلا بد من أن تحرز من الخارج وصرف تلك الادلة الخارجية عن ظاهرها وحملها على الشمول التوهمي ولا ريب ان الثاني أولى كما لا يخفى فتامل.
ثم ان هذا الذي ذكرنا من قابلية مورد الاباحة وأشاباهها لتأثير الاسباب الشرعية فيه وعدم قابلية مورد الحرمة لتأثيرها فيه إنما هو بالنظر إلى أصل القاعدة ولكن قد يدل دليل خارجي على عدم القابلية في مورد الاباحة أيضا مثل ما دل من الاخبار على فساد اشتراط الزوجة عدم تزويج الزوج بزوجة أخرى في ضمن عقد النكاح معللا بأن هذا الشرط مخالف لمقتضى الكتاب المقتضي لجواز تزويج مثنا وثلاث ورباع من النساء هذه جملة
الكلام فيما دل على حكم الاسباب الشرعية بالاضافة إلى ما دل على حكم الموضوعات أولا وبالذات ومنها ما دل على حكم المقدمة الواجبة والمحرمة فإنه يدل على عروض الوجوب مثلا للفعل الذي يكون مقدمة بهذا العنوان مع كون الفعل مع قطع النظر عن عنوان المقدمية متصفا بحكم من الاحكام الخمسة حسبما أشرنا إليه سابقا أيضا فوجوب المأمور به المقتضى لوجوب مقدماته كعقد النذر المقتضى لوجوب الوفاء بالنذر واتيان المنذور فلكل منهما سببية لهذا الوجوب فإن وجد محلا قابلا يؤثر فيه وإلا فلا ففيما نحن فيه إن كانت المقدمة قابلة لعروض الوجوب لها كما إذا كانت مباحة بالذات مثلا عرض لها الوجوب وإن كانت محرمة فلا يؤثر فيها فإن كانت منحصرة تعارض ١ حرمتها وجوب ذي المقدمة فيحكم بما هو الاهم والارجح وإن لم تكن منحصرة فيسلم ما يدل على حرمتها عن المعارض ٢ لان ما يدل على وجوب المقدمة لا يقبل المعارضة معه وما يدل على وجوب ذي المقدمة أيضا لا يعارضه لعدم أداء تركها إلى ترك ذي المقدمة لفرض وجود المقدمة المباحة فإن شئت قلت ان الامر يدور في المقام بين الوجوب التخييري والحرمة التعيينية ولا ريب في كون الثاني مقدما ومنها ما دل على استحباب - التعزية والرثاء للامام الثالث خامس أهل الكساء سيد الشهداء عليه وعلى أولاده آلاف التحية والثناء وما دل لى استحباب اجابة المؤمن وادخال السرور في قلبه فإنه المستفاد من أدلة هذه الامور وأشباهها كونها مستحبة لو خليت وطبعها خالية عما يوجب لزوم أحد طرفيها فلا يعارض ما دل على استحباب التعزية لما دل على حرمة الغناء فلا يمكن الحكم بجوازها في المرائي بل ما دل على حرمة الغناء حاكم عليه فإن مرجع استحباب التعزية إلى استحباب ايجادها بالسبب المباح.
نعم لو كان نفس الابكاء مستحبا كما هو المستفاد من كثير من الروايات أمكن الحكم بالتعارض ان لم يفهم من دليله استحبابه بحيث لا يعارض الحرام إذا عرفت ما رسمنا لك من المقدمة الدقيقة الشريفة عرفت حكم المقام من غير احتياج إلى البيان وطول الكلام وعليك بالتأمل فيها واتفاقها فإن ببركتها وحفظها ينفتح لك أبواب من الفروع المغلقة وينحل لك الاشكال في كثير من المسائل المشكلة وهو العالم بحقايق الاشياء والهادي عباده إلى حقايقها ممن يشاء وهو الحكيم الخبير.
قوله وحلف الاخرس بالاشارة أقول هذا هو المشهور بين الاصحاب بل قد قيل بعدم خلاف فيه لان من يسند إليه الخلاف كلامه غير طاهر فيه ومستنده على ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله الاستقراء القطعي في جميع ما يصدر منه من العقود والايقاعات والعبادات القولية كالتكبير والتلبية والقرائة وغيرها فإن الشارع اكتفى من الاخرس في جميعها بالاشارة المفهمة ونزلها منزلة الكلام والقول وفحوى(١) ما ورد في كفاية اشارته في باب الطلاق فتأمل وبالجملة لا إشكال في أن الشارع اعطى اشارة الاخرس حكم الكلام ونزله منزلته ومن كان له علم بطريقة الشارع يصدق ما ذكرنا بل ادعى بعض مشايخنا دخول الاشارة من الاخرس في الكلام وضوعا وصدقه عليها حقيقة لان الكلام من كل شخص بحسبه فمن الصبي نوع ومن الاخرس نوع ومن غيرهما نوع آخر وإن كان فيه ما فيه من كونه مخالفا للضرورة والوجدان من استعمال العرف نعم لا ريب في صدق الكلام بمعنى الكلام والجرح عليه لكنه ليس بمعنى عرفي للكلام كما لا يخفى هذا.
ولكن ذكر المصنف في ظاهر كلامه كما ترى قولين آخرين والاول وهو وضع يده على اسم الله تعالى هو - المحكي عن الشيخ في النهاية ولكن كلامه المحكي عنه غير ظاهر فيما نسبه المصنف إليه من اختصاص اليمين
____________________
(١) وجه الاولوية ان اهتمام الشارع في أمر الفروج والانساب أكثر من غيرها (منه قده) ١ منحصرة تعارض (تزاحم خ) ٢ عن المعارض (المزاحم خ)
عنده بما ذكره كما صرح به في مسالك الافهام وغيره والمحكي عنه هو هذا إذا أراد الحاكم أن يحلف الاخرس حلفه بالاشارة والايماء إلى أسماء الله تعالى وبوضع يده على اسم الله في المصحف ويعرف يمينه على الانكار كما يعرف اقراره وانكاره وإن لم يحضر المصحف وكتب اسم الله ووضعت يده عليه جاز وينبغي أن يحضر معه من له عادة بفهم أغراضه وايمائه واشاراته انتهى كلامه وهذا كما ترى غير ظاهر فيما نسب إليه المصنف وقد فهم صاحب المسالك منه اعتبار الامرين وحمل كلام المصنف في النسبة عليه وفيه بعد وفهم بعض مشايخنا منه ان ما ذكره من باب أحد الافراد لا أن يكون هو المناط شطرا أو مستقلا حيث قال بعد نقل كلامه ما هذا لفظه وهو كالصريح في عدم اختصاص ذلك وان المدار على الاشارة التي أحد أفرادها ذلك انتهى كلامه أقول ويشهد لما فهمه قوله ويعرف يمينه على الانكار كما يعرف اقراره وانكاره لكنه مع ذلك بعيد فتأمل والثاني هو كتب اليمين في لوح ثم غسلها وجمع الماء في شئ وأمر الاخرس بشربه محكي عن ابن حمزة في الوسيلة لكن لمحكي عنه لا يدل على اعتبار خصوص هذا فإنه قال والاخرس يتوصل الحاكم إلى معرفة اقراره وانكاره وإلى تعريفه حكم الحادثة بالاشارة واحضر في مجلس الحكم من يفهم اغراضه وأمكنه افهامه وإذا أراد تحليفه إذا توجه عليه وضع يده على المصحف وعرفه حكمها وحلفه بالايماء إلى أسماء الله تعالى وإن كتب اليمين على لوح ثم غسلها وجمع الماء في شئ وأمره بشربه جاز فإن شرب فقد حلف وإن أبى الزمه الحق انتهى كلامه وهذا الكلام كما ترى ظاهر في التخيير بينهما وكيف كان لم نجد مستندا للقول الاول إلا أن يقال ان مراد القايل به هو الجمع من باب التغليظ والاستظهار لا اللزوم.
وأما مستند القول الثاني فهو صحيحة محمد بن مسلم قال سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن الاخرس كيف يحلف إذا ادعى عليه دين فأنكر فقال ان أمير المؤمنينعليهالسلام أتى بأخرس فادعى عليه دين فأنكر ولم يكن للمدعي بينة فقال أمير المؤمنينعليهالسلام الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للامة جميع ما تحتاج إليه ثم قالعليهالسلام ايتوني بمصحف فاتى به فقال للاخرس ما هذا فرفع برأسه إلى السماء فأشار إلى أنه كتاب الله تعالى ثم قال ايتوني بوليه فأتى بأخ له فاقعده إلى جنبه ثم قال يا قنبر علي بدواة وصحيفة فأتاه فهما ثم قالعليهالسلام لاخ الاخرس قل لاخيك هذا بينك وبين الله تعالى انه على فتقدم إليه بذلك ثم كتب أمير المؤمنينعليهالسلام والله الذي لا إله إلا و عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك الذي يعلم السر والعلانية ان فلان بن فلان المدعي ليس له قبل فلان بن فلان يعني الاخرس حق ولا طلبة بوجه من الوجوه ولا سبب من الاسباب ثم غسله وأمر الاخرس أن يشربه فامتنع وألزمه بالدين وهذه الرواية وإن كانت صحيحة إلا أن الاخذ بها في مقابل القواعد المتقنة المعمول بها في جميع الموارد مع اعراض المشهور عنها الكاشف عن خلل فيها مشكل جدا وحملها الحلي في السراير على أخرس لا يكون له اشارة مفهمه ورد بمنافاته لما في الرواية من فهمه اشارة عليعليهالسلام إليه بالاستفهام على المصحف وحملها بعض مشايخنا على قضية في واقعة تبعا لما حكاه عن التحرير وفيه ما فيه لان في الرواية مواضع تدل على خلاف هذا الحمل وكذا حملها على التغليظ أو على التقية والتحقيق ان طرحها لما ذكرنا أولى من التمحلات التي ذكروها وإن كان فيما ذكرنا أيضا تأمل فتأمل.
قوله ولا يستحلف الحاكم أحدا إلا الخ أقول الكلمة من المشهورات بينهم وهي تحتمل معنيين أحدهما ما جزم به بعض مشايخنا طاب ثراه من جوب مباشرة الحاكم الاستحلاف وعدم جواز الاستنابة فيه إلا في صورة التعذر فيستنيب حينئذ كما ربما يومى إليه قولهم فحينئذ يستنيب الحاكم الخ فيكون الكلام حينئذ
مسوقة لبيان تكليف الحاكم ثانيهما ما جزم به الاستاد العلامة دام ظله العالي كما هو الظاهر من عدم كفاية - اليمين الواقعة من المدعى عليه في غير مجلس الحكم الذي أراد الحاكم الحكم فيه سواء كان معدا له أو لا بأن يقول له احلف فيقول اني أروح في بيتي فاحلف هنا أو مكان آخر فاحلف فيه سواء كان من الامكنة الشريفة أو غيرها فالكلام مسوق بناء عليه لبيان حكم اليمين الواقعة من المنكر ولا ينافيه أيضا قولهم فيستنيب اه كما لا يخفى هذا ولكن في السراير ما يظهر منه كونه تكليفا للحاكم ووظيفة له فإنه قال وينبغي للحاكم أن لا يحلف أحدا إلا في مجلس الحكم انتهى فإن هذه العبارة كما ترى ظاهرة في بيان وظيفة الحاكم ويمكن أن يقال أيضا ان العبارة ظاهرة في بيان الاستحباب وإن تركه مرجوح لا أن يكون حراما أو لم ينعقد اليمين بدونه فتأمل وكيف كان يدل على الشرط المذكور مضافا إلى نقل الاجماع عليه المعتضد بالشهرة المحققة القديمة والحديثة بل عدم الخلاف بين من تعرض للمسألة كما اعترف به جماعة كونه القدر المتيقن المتعارف وليس فيما ورد في باب القضاء من الاطلاقات بأقسامها ما ينفع للمقام لعدم كونها بأسرها في مقام بيان كيفية اليمين وانها في أي مجلس تكون كما لا يخفى لكل من راجع اليها وتأمل فيها ويدل على المستثنى أيضا كونه المتعارف الممكن من اليمين الذي لو لم يكتف به لزم ضرر عظيم على المدعى عليه فتأمل في المستثنى والمستثنى منه م من العجب من صاحب المسالك حيث حمل عبارة المصنف في المتن على الكراهة وأنت خبير بأنه ليس في المقام قرينة تدل عليه أصلا كالذكر في باب الآداب ونحوه بل العبارة كغيرها ظاهرة بل صريحة في ورودها في أصل بيان الوظيفة وان اليمين إلى غير المجلس لغو كاليمين بدون اذن الحاكم واستحلافه هذا ولكنك قد عرفت انه يمكن ان يقال ان ظاهر الحلي في السرائر موافق لما ذكره في المسالك ولكنك عرفت التأمل فيه فتأمل.
ثم ان هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما الاول ان ظاهر جماعة ممن تعرض للمسألة وجوب استنابة الحاكم عند التعذر في الاستحلاف والمراد حسبما ذكره شيخنا الاستاد دام ظله عرض الحلف على المنكر وقد يوجه بأن الاستحلاف لما كان واجبا على الحاكم فإذا تعذر فيستنيب فيه من يستحلف تحصيلا للاستحلاف وفيه مضافا إلى انه مختص بما إذا تعذر الحاكم من الحضور عند المتعذر مطلقا أو من غير كلفة وخلاف شأن انه لا دليل على وجوب الاستنابة أصلا فتأمل هذا ولكن في السراير ما يظهر منه عدم وجوب الاستنابة على الحاكم في - الفرض بل جوازه فراجع.
الثاني ان صريح جماعة ان في صورة تعذر الحضور الحكم على المدعى عليه مختص بالحاكم وإن كان المستحلف غيره ولكن ظاهر جماعة منهم الشيخ في المبسوط جواز الاستنابة في الحكم حيث قال وإن كانت مخدرة استخلف الحاكم من يقضى بينها وبين خصمها انتهى وهو كما ترى ضعيف في غاية الضعف لكونه مخالفا للقواعد العامة المتقنة الآبية عن التخصيص وليس له دليل أيضا عدا ما يتوهم من عمومات النيابة وقد عرفت ضعف التمسك بها وأمثالها في مثل المقام ولعلنا نتكلم فيه برهة من الكلام فيما بعد إنشاء الله هذا ولكن قد يحمل كلامهم بما إذا كان النايب قابلا للحكم جامعا لجميع شرايطه وفرضه في زمان الحضور فتأمل قوله البحث الثاني في يمين المنكر والمدعي اليمين يتوجه على المنكر أقول لما فرع المصنف من بيان مادة اليمين وانها لا تكون إلا بالله ومحلها وانها لا تكون إلا في مجلس الحكم في صورة عدم التعذر و التعسر شرع في بيان من عليه اليمين فقال اليمين يتوجه على المنكر وقال بمقالته كثير ممن تقدم عليه و عاصره وتأخر عنه فقالوا ان الاصل في اليمين والقاعدة فيها أن تكون على المنكر بحيث يكون الحاكم بالاكتفاء
من المدعى باليمين محتاجا إلى الدليل الخاص الخارجي.
ثم انهم ذكروا مستند هذا الاصل وجهين أحدهما ما ورد في الخبر من قولهعليهالسلام البينة على المدعي واليمين على من أنكر أو البينة على من ادعى واليمين على من ادعى عليه بالبيان الذي تقدم غير مرة ثانيها أصالة البرائة في طرف المنكر فانها تقتضى كون اليمين عليه بعد العلم الاجمالي بأن الشارع جعل اليمين من ميزان القضاء بين الناس بيان ذلك على وجه الاجمال انه بعدما علمنا بأن الشارع جعل اليمين ميزانا للقضاء في الجملة لقولهصلىاللهعليهوآله إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان ولم نعلم انها وظيفة للمدعي أو المنكر فنقول ان كونها ميزانا لمدعي يحتاج إلى دليل لان الاصل يقتضي عدم كونها حجة للمدعي في مقابله وعدم جواز الحكم بالاشتغال والزام - المنكر بالاداء بحلف المدعي ما لم يقم دليل عليه وهذا بخلاف ما لو حكمنا بأنها وظيفة للمنكر فإنه ليس أصل هنا يقتضي خلافه.
والحاصل ان المدعي لما كان مدعيا خلاف الاصل فلا يرفع اليد عنه بأي شئ أقام المدعى إلا بعد الدليل على اعتباره والبينة لما كان معتبرة لعموم ما دل على اعتبارها وبناء العقلاء في مقام الترافع فيحكم بها واليمين ما لم يقم دليل على اعتبارها وكونها حجة في حق المدعي فلا يحكم باعتبارها وهذا بخلاف المنكر فإن - الحكم له بمقتضى اليمين ليس على خلاف الاصل بل الاصل معه وبتقرير آخر لما كان للبينة عمومات تدل على حجيتها واعتبارها في جميع المقامات يحكم بكونها معتبرة في حق المدعي والمدعى عليه بعد انضمامها بما دل على الفصل والقضاء بالبينة في الجملة فيحكم بكونها واردة على أصالة برائة ذمة المدعى عليه لو أقامها لمدعي وأما اليمين فلما لم يكن لها ما دل على اعتبارها في مقام العمل وكونها حجة شرعية واردة على الاصول غاية ما هناك انه ورد انه يجب الفصل بها كالبينة فلو لم يرد هذا لحكمنا بمجرد عدم البينة للمدعي بأنه لا حق له على - المدعى عليه من جهة الاصل ولكن لما ورد ان فصل الخصومة لا يكون إلا بالبينة واليمين فلما كانت البينة حجة شرعية بقول مطلق فلا يمكن معارضة الاصل لها ولما لم يثبت اعتبار اليمين كذلك يحكم بأنه لو أقامها المدعي لا يرفع اليد عن الاصل بها لعدم ثبوت كونها معتبرة في حقه بالخصوص ولو أقامها المدعى عليه يحكم بها له لعدم معارضة الاصل معها.
هذا محصل ما ذكره شيخنا الاستاد العلامة دام ظله في بيان صيرورة الاصل مستند لهذا الاصل ولكنه كما ترى بمكان من الضعف.
أما أولا فلانه ليس لنا عموم يقتضي اعتبار البينة في جميع المقامات حسبما سمعنا منه أيضا غير مرة وما ورد بالعمل بها في الحقوق كقوله استخراج الحقوق الخ ونحوه ورد بالقضاء باليمين أيضا ولو بنى على - التمسك بما ورد في البينة مما لا يدل على اعتبارها عندنا كقوله إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم ونحوه مما تمسكوا به على اعتبار شهادة العدلين فنتمسك بجملة من الروايات الدالة على وجوب تصديق الحالف كقوله من حلف لكم بالله فصدقوه وغيره.
وأما ثانيا فبأن ما ورد في اعتبار البينة في مقام العمل عموما لا يمكن أن يصير مبينا لما ورد من فصل الخصومة بها في الجملة فمن المحتمل أن يكون الفصل بالبينة في خصوص المدعى عليه.
وأما ثالثا فبأن نفي الاصل اعتبار اليمين في حق المدعي لا يمكن أن يصير معينا لاعتبارها والقضاء بها في حق المدعى عليه كما لا يخفى وبالجملة مع قطع النظر عما ورد من الروايات الدالة على كون اليمين
وظيفة للمدعى عليه والبينة وظيفة له وللمدعي لا يمكن تعيين ما ورد من القضاء بهما في الجملة وكيف كان لا اشكال ان مقتضى الاصل المستفاد من الاخبار حسبما عرفت تفصيل القول فيه في بعض كلماتنا السابقة كون اليمين وظيفة للمنكر عموما والبينة مسموعة منه ومن المدعي لكن لا يطالب منهما بالبينة إلا المدعي فراجع وعليك بالتأمل فيما ذكرنا بعين الانصاف والاخذ بما يؤدي إليه نظرك من الصواب ولا تتبع ما ذكره الاستاد - العلامة وغيره تعبدا وتقليدا فإن الحق أحق أن يتبع وأحرى باختياره ولا تغمض عينك عما هو كالمثل السائر من أن الجواد قد يكبو.
ثم ان ما ذكرنا من أن مقتضى الاصل سماع اليمين من المنكر وعدم سماعها من المدعي إنما هو بالنظر إلى القاعدة الاولية المستفادة من العمومات الواردة في الباب ولكنه قد يخرج عنها ويحكم بكفايتها من المدعي أيضا في موارد كثيرة منها ما إذا رد المدعى عليه اليمين إلى المدعي أوردها الحاكم بعد نكوله عن الحلف والرد بناء على عدم جواز القضاء بالنكول ومنها ما إذا لم يكن للمدعي إلا شاهد واحد فإنه يحلف على المدعي ويحكم له ومنها فيما لا يعلم إلا من قبل المدعي ومنها في دعوى الدم مع اللوث ومنها في دعوى الامناء ومنها في دعوى الغاصب التلف إلى غير ذلك من الموارد التي حكم فيها بكفاية اليمين من المدعي ولا تكون منحصرة فيما ذكره في المسالك من المواضع الثلاثة أو الاربعة كما لا يخفى ومرجع جميع ما حكم فيه بكفاية اليمين من المدعي على خلاف القاعدة اما إلى عدم المقتضي للعمل بالاصل في طرف المنكر كما في الموارد التي قامت الظهورات النوعية أو الشخصية كما في دعوى الدم مع اللوث وكما في دعوى الحق مع شاهد واحد فإنه من جهة قيام الشاهد يضعف جانب الاصل على خلاف مقتضى الاصل في طرف المنكر فإنه إنما اعتبر من جهة افادته بالنوع الظن بخلو ذمة المنكر فتأمل.
وإما إلى وجود المانع عنه كإبطال الحقوق كثيرا كما فيما لا يعلم إلا من قبله وسد باب الامانات و لزوم الخلود في الحبس إلى غير ذلك من الموانع ثم ان ما ذكرنا من الوجه للخروج عن الاصل بعضه مما يصلح بنفسه ان يصير دليلا على الخروج كلزوم ابطال الحقوق وسد باب الامانات وبعضه مما لا يصلح له بنفسه بل يحتاج إلى دليل يدل على كفايته في مقام الخروج والرجوع عما اقتضاه الاصل فارجع إليه وتأمل فيه.
قوله ومن توجهها يلزمه الحلف على القطع مطردا إلا على نفي فعل الغير الخ أقول هذا هو المشهور بين الاصحاب شهرة محققة وصرح به جماعة ممن تقدم وتأخر كالشيخ والعلامة والشهيدين وغيرهم في كتبهم كما يطلع عليه كل من راجع إليها بل لم يوجد من خالف أو تأمل فيه إلا المحقق الاردبيلي وتلميذه المحقق - السبزواري فإنهما احتملا الاكتفاء باليمين على نفي العلم في المجيب بل أعلم ثم جاء بعض من تأخر عنهم من مشايخنا وجزم بالاكتفاء باليمين على نفي العلم في الجملة ولكنه بمكان من الضعف لما قد عرفت سابقا من أن قضية الادلة كون اليمين على البت مطلقا وانه لا يكفي اليمين على نفي العلم وإن الاصل فيها ذلك بيان ذلك ان المدعي لا يخلو إما أن يدعي الواقع من دون تعرض للعلم أصلا أو يدعيه مع التعرض له أو يدعي العلم من دون تعرض للواقع أصلا فإن ادعى الاول فلا إشكال في أن اليمين على نفي العلم لا ينفع في مقابلها لانها لم تقع على نفيها وظاهر الادلة بل صريحها اشتراط تطابق البينة واليمين مع الدعوى اثباتا ونفيا وإلا فيلزم الفصل من دون بينة ويمين لانه إذا فرض قيام البينة أو وقوع الحلف على غير الدعوى فحكم الحاكم فيلزمه ما ذكرنا فاليمين على نفي العلم مع كون الدعوى متعلقة بالواقع كاليمين على نفي استحقاق الثوب مع كون الدعوى
متعلقة بالفرس مثلا وإن ادعى على الوجه الثاني فالظاهر بل المقطوع عدم الكفاية أيضا لعدم تطابق اليمين مع تمام الدعوى وإن كانت مطابقة لجزئها وان ادعى على الوجه الثالث فلا إشكال في عدم سماعها لان علم المنكر باستحقاق المدعي لا يلازم استحقاقه واقعا.
ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من عدم كفاية اليمين على غير البت بين يمين المدعي والمدعى عليه فإذا حلف المدعى إما من جهة الرد أو من جهة تعلقها به أصالة كما فيما لا يعلم إلا من قبله وكما في اليمين مع - الشاهد الواحد فلا بد من أن يحلف على الواقع فلا يكفي حلفه على العلم وهذا كله لا إشكال فيه وقد ذكرنا جملة من الكلام فيه أيضا سابقا في حكم الجواب بلا أدري إنما الاشكال الذي ينبغي أن يقع لرفعه الكلام ويصرف إليه العنان في بيان ما يصلح أن يصير مستندا للحالف في حلفه على الواقع والبت وما لا يصلح له.
فنقول انه لا إشكال بل لا يعقل الاشكال في جواز استناد الحالف في حلفه على الواقع إلى العلم من غير فرق فيه بين أسبابه وخصوصياته إنما الاشكال في أنه هل له أن يستند فيه إلى الامارات الشرعية مطلقا أو في الجملة كما يجوز الشهادة عليها في الجملة أو ليس له إلا الاستناد إلى العلم.
ثم ان الكلام هنا يقع في المقامين أحدهما في جواز الحكم باليمين على البت إذا علم استنادها إلى الامارات ثانيهما في جواز حلفه بالنظر إلى تكليفه مستندا إلى الامارات الشرعية وبعبارة أخرى الكلام يقع تارة في الحكم الوضعي لليمين المستندة إلى الامارات وأخرى في الحكم التكليفي للحالف.
ثم ان كلامنا في المقام مع القطع بالاستناد واما في صورة الشك فلا نتحاشى من حمل حلف الحالف على كونه مستندا إلى العلم من حيث ظهور كلامه في الجزم.
أما الكلام في المقام الاول فقد حكي عن جماعة منهم الشهيد في القواعد والمحقق الثاني في جامع - المقاصد ان كلما يصلح أن يصير مستندا للشهادة يصلح أن يصير مستندا لليمين حتى الاصل بل ذكر الاول ان أمر اليمين أوسع ولكن هذه الملازمة غير ثابتة عند المشهور ولنذكر أولا جملة من الكلام في صلوح الاصل للاستناد ثم نعقبها بالكلام في حكم ساير الامارات.
ثم ان مورد الكلام وإن كان في مستند اليمين إلا أنا نذكر ضابطة كلية تنفعك في كثير من المقامات مثل مستند الشهادة والدعوى وغيرهما فاستمع لما نقول واستعد لضبطه وحفظه - فنقول ان مقتضى الاصل والقاعدة الاولية عدم جواز الاستناد إلى الاصل ولا إلى غيره من الاسباب الشرعية والامارات الظنية في اليمين وغيرها من الشهادة والدعوى لان الحالف إذا استند إلى الاصل أو الامارة - الشرعية فلا يخلو إما أن يحلف على مقتضى الاصل يعني (وخ) الحكم الظاهري أو يحلف على الواقع من جهة قيام الاصل أو غيره من الامارات فإن حلف على مقتضى الاصل والحكم الظاهري فهو خارج عن محل الفرض لانه كالحلف على نفي العلم في عدم مطابقتها للدعوى لان الحكم الظاهري مما لا يتعدى الحالف إلى غيره فكيف يكون نافعا في مقابل الدعوى على الواقع.
توضيح ذلك ان لنا أحكاما واقعية وأحكاما ظاهرية بالبداهة أما الاحكام الواقعية الاعم من التكليفية والوضعية فلما كانت غير متغيرة بتغير أحوال المكلفين بالعلم والجهل ولم تكن واقعيتها متوقفة على العلم بها أو الجهل فالاخبار بها والحلف عليها ينفع جميع المكلفين من العالمين والجاهلين وأما الاحكام الظاهرية
فلما كانت متغيرة بتغير أحوال المكلفين وكانت واقعيتها منوطة بجهل المكلف بالاحكام الواقعية فالاخبار بها والحلف عليها لا ينفعان إلا في حق المخبر والحالف فالحالف على البرائة الظاهرية من جهة الاصل لا ينفع حلفه في مقابل دعوى المدعي الاشتغال الواقعي إذ كثيرا ما يصدق المدعي المنكر في شكه في الاشتغال وعدم علمه به وكون حكمه الظاهري من حيث شكه هو البرائة كما لو ادعى عليه انك أتلفت مالي في حال نومك وأنت لا تعلم به لكنه لا ينفع في مقابل دعواه لان الحكم الظاهري المستند إلى الشك مختص بالشاك فتصديقه فيه لا ينفعه في الجواب عن دعوى الواقع أصلا وهذا مما لا إشكال فيه بعدما عرفت من عدم كفاية اليمين لى نفي - العلم إذ مرجعهما إلى شئ واحد وإن حلف على الواقع مستندا إلى الاصل أو الامارة فنقول أولا بعدم صدق الحلف والشهادة مثلا على الواقع في صورة شك الحالف والشاهد حقيقة فالشاك بما يحلفه ليس حالفا به حقيقة وإن كان حالفا به صورة فالحلف الصوري وإن كان موجودا لكنه غير نافع.
توضيح ذلك ان المخبر عن الشئ الواقعي سواء كان حالفا أو شاهدا أو غيرهما لا يصدق عليه انه مخبر عنه فيما لو علم شكه فيه واقعا نعم يصدق عليه المخبر مسامحة بحسب الصورة كما لو علم بكونه كاذبا في اخباره مع كونه عالما به أيضا فإن صدق المخبر عليه إنما هو باعتبار تنزيله نفسه منزلة الصادق العالم بصدقه فيطلق عليه المخبر بهذا الاعتبار مسامحة هذا مقتضى ما ربما يفضى إليه ميل الاستاد العلامة في مجلس البحث ولكن لي فيه نظر يظهر وجهه بالتأمل فتأمل وثانيا سلمنا صدق الحالف عليه لكن نقول ان ما دل على اعتبار الحلف أو الشهادة بل كل أخبار من أي مخبر كان إنما هو فيما إذا لم يكونوا شاكين في الحلف والشهادة والاخبار لان معنى تصديق المخبر جعل ما يخبر به باعتقاده منزلة الواقع وترتيب آثار الواقع عليه والحكم بكونه صادقا ومن المعلوم ضرورة عدم امكان التصديق بهذا المعنى في صورة شك المخبر فيما يخبر عنه.
وبعبارة أخرى معنى تصديق المخبر في اخباره هو الحكم بكون ما يخبر به عن اعتقاده انه الواقع هو الواقع وترتيب آثاره عليه فالاعتقاد وإن لم يكن متعلقا للاخبار في القضية التصديقية الخبرية إلا أنه جهة فيه على وجه الطريق.
وبعبارة ثالثةمعنى تصديق المخبر جعله صادقا في اخباره فكيف يجعل صادقا مع شكه بنفسه في صدقه وإن هذا إلا القول بأن أدلة التصديق يجعل غير المخبر أولى من المخبر وهذا معنى ما يقال بالفارسية (كاسه گرم تر از آش نميشود) وبالجملة لا إشكال في ان أدلة تصديق المخبرين لا تشمل من كان شاكا في اخباره فضلا عن أن يكون قاطعا بخلافه فخروجهما منها ليس من باب التخصيص بل من باب التخصص ومن المعلوم ضرورة أن أدلة اعتبار الاصل والامارات لا تخرج المكلف عن كونه شاكا في الواقعة غاية ما يثبت بها وجوب ترتيب أثر الواقع عليها من الاعمال وهذا المقدار لا يثبت دخول اخبار العامل بها عن الواقع مع الشك فيه في تحت ما دل على وجوب تصديق المخبر في اخباره عن الواقع هذا كله بالنظر إلى الحكم الوضعي لليمين الواقعة عن الشاك.
وأما الكلام في الحكم التكليفي للحالف فلا يخو إما أن يحلف على البرائة والملكية الظاهريتين اللتين قضى الاصل أو الامارة بهما أو على البرائة الواقعية والملكية الواقعية فإن حلف على الوجه الاول فلا إشكال في جوازه لكونه صادقا في حلفه واخباره عالما بما يحلف عليه وإن حلف على الوجه الثاني فالذي اختاره الاستاد العلامة وجماعة هو عدم الجواز لانه لا يعلم بما يحلف عليه ويخبر عنه فيدخل في القول بغير العلم هذا مضافا
إلى جملة من الروايات الدالة على عدم جواز الحلف إلا على العلم قد ذكرناها سابقا في حكم المجيب بلا دري كقوله لا يحلف أحد إلا على علمه وفي رواية لا يستحلف وظاهرها عدم جواز الحلف للحالف على ما لا يعلمه بل يمكن الاستدلال بها على الحكم الوضعي أيضا فيقال ان المستفاد منها أخذ العلم في موضوع الحلف كما ان في بعض الروايات ما يدل على اعتبار القطع في موضوع الشهادة وهذا دليل آخر على عدم جواز الشهادة والحلف من الشاك وغير القاطع لا نحتاج معه إلى التمسك بما قدمناه.
ثم انه كيف يمكن القول بكفاية اليمين المستندة إلى الاصل أو الامارة الشرعية مع انه مخالف لما اتفقوا عليه من اشتراط الجزم والبت في اليمين على غير نفي فعل الغير إذ لو كان المراد البت بمقتضى لامارة الشرعية لما كان وجه للتفصيل بين أفراد اليمين إذ اليمين على الواقع استنادا إلى الاصل كما يمكن في اليمين على غير نفي فعل الغير كذلك يمكن في اليمين على نفي فعل الغير أيضا لوجود الاصل فيه أيضا مع أن كلماتهم تنادي بأعلى صوت ان الوجه في الاكتفاء باليمين على نفي العلم في اليمين على نفي فعل الغير من جهة تعذر اليمين على البت والواقع ولو كان بنائهم على الاكتفاء باليمين المستندة إلى الاصل لما كان وجه لهذا التعليل أصلا كما لا يخفى ثم ان هذا الذي ذكرنا من عدم جواز الحلف والشهادة من الشاك وإن استند إلى أصل أو امارة شرعية إنما هو بالنظر إلى أصل القاعدة حسبما يترائى في جلي النظر ولكنه يشكل بأنه لو بنى عليه لزم عدم سماع دعوى ولا شهادة ولا حلف من أحد في مورد من الموارد أو في أكثرها لانه ما من مدع ولا شاهد ولا حالف إلا ويستند في دعواه وشهادته ويمينه إلى أصل من الاصول أو امارة من الامارات في الجملة أي ولو بالنسبة إلى بعض لجهات مما يكون له مدخل فيها وتكون منوطة به مثلا من يدعي زوجية امرئة ولو كان قاطعا بايقاع العقد عليها لكنه لا يخلو عن احتمال به يرفع القطع بالزوجية ولا أقل من احتمال فساد العقد بحسب الواقع وإن كان عنده صحيحا بحسب تكليفه اجتهادا أو تقليدا أو احتمال عروض ما يوجب رفع الزوجية أو وجود ما يمنع من تحقق الزوجية قبل العقد كحصول رضاع محرم أو غيره من الاسباب وربما يحصل بينهما رضاع لكنه ينفي كونه محرما باجتهاد أو تقليد فيدعى زوجيتها إلى غير ذلك من الاحتمالات الغير المحصورة التي لا مدفع لها إلا التمسك بالاصول والامارات وأيضا من يدعي اشتغال ذمة شخص بسبب خاص كالقرض مثلا وإن علم بتحقق - القرض لكنه لا يعلم مع ذلك باشتغال ذمة المدعى عليه واقعا لاحتمال فساد في القرض دفعه المدعى باجتهاد أو تقليد أو احتمال حصول برائة ذمة المنكر بسبب من الاسباب قهرا لا أقل من أن يحتمل اتلاف ماله في النوم ونحوه أو احتمال كون الدرهم والدينار مال المنكر واقعا قد أخذه من يد شخص من جهة البيع أو اداء دين أو احتمال حصول سبب التهاتر قبل القرض بأن يكون مشغول الذمة للمنكر بسبب من الاسباب بقدر ما دعيه عليه إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا تنفك عادة من الدعوى في مورد من الموارد هذا بالنسبة إلى المدعي وهكذا حال الشاهد فإنه في المثال المذكور أخيرا إذا شهد على اشتغال الذمة أي على المسبب من أين يعلم اشتغال ذمة المقترض واقعا مع احتماله فساد العقد أو حصول التواتر في البين إلى غير ذلك من الاحتمالات وهكذا في ساير الموارد كالشهادة على الاملاك وغيرها فإنها لا تنفك عن احتمال يرفع القطع بحصول الملك الواقعي وهكذا حال الحلف أيضا فلو بنى على اعتبار الجزم والقطع في الامور المذكورة لزم سد باب سماع الدعاوى والشهادات والايمان وهو مخالف لسيرة العلماء في كل زمان من سماع الدعوى والشهادة والحلف مع وجود العلم
الاجمالي بعدم خلو المذكورات من احتمال دفع بالاصل أو بامارة أخرى بل الحكم بعدم سماع المذكورات في الصورة المفروضة مخالف لبناء جميع المتشرعة إلى زمان النبيصلىاللهعليهوآله .
فإن قلت سلمنا عدم خلو أكثر الموارد عن الاحتمال لكنه ليس بحيث يوجب الشك أن التزلزل بل هو احتمال عقلي لا يمنع من حصول العلم العادي أو الاطمينان الملحق به بل أكثر الاوقات لا يلتفتون إلى هذه الاحتمالات فاستقرار سيرتهم على سماع المذكورات في أكثر الموارد إنما هو من جهة البناء على ما ذكر فهو لا يدل على سماعها في صورة فرض فيها الشك والتردد.
قلت أما دعوى حصول العلم العادي في أكثر الموارد فمجازفة جدا يكذبها العيان والوجدان وأما دعوى حصول الظن الاطميناني في أغلب الموارد فمع انها أيضا مخالفة لما يشاهد بالضرورة فيه انه لا ينفع بعد قيام الدليل على اعتبار العلم في المذكورات فتأمل هذا مضافا إلى ان ما ادعيناه من استقرار السيرة من المتشرعة على سماع الدعوى والشهادة والحلف والقبول من الحكام والقضاة يجري في صورة التفات الشاهد أو الحالف مثلا مع تردده بحسب الواقع فدعوى انهم غافلون عن تلك الاحتمالات غير ملتفتين إليها لا تنفع بعد قيام السيرة على الحاق صورة الالتفات والشك بعد وجود المستند الشرعي بصورة الغفلة.
وبالجملة القول بأن اعتمادهم في أكثر الموارد من جهة حصول الاطمينان يكذبه ما عرفت مضافا إلى انه لو كان من الجهة المذكورة فلا بد أن يلتزموا به ولو كان الدعوى على خلاف الاصل ومعلوم انهم لا يلتزمون به وحاصل ما ذكرنا من الاشكال من أوله إلى هنا ان الحكم بوجوب الاستناد في الحلف والشهادة مثلا إلى العلم وعدم كفاية اليمين الواقعة عن الشاك وإن كان له طريق شرعي في احراز الواقع مخالف لما نشاهد من قيام السيرة من العلماء في جميع الامصار والاعصار على كفاية اليمين على الواقع والشهادة عليه من الشاك فيما إذا كان له طريق شرعي في احراز الواقع ويدل على استقرار سيرتهم حصول العلم لكل أحد من الجهال فضلا عن العلماء بعدم خلو الاخبار المذكورة عن الاستناد إلى الامارة الشرعية فإذا الحق جواز الاستناد إلى الاصل وغيره من - الامارات في الدعوى والشهادة والحلف في الجملة بتفصيل يأتي إليه الاشارة فيما بعد إنشاء الله.
وتحقيق القول في المقام بحيث يرتفع جميع غواشي الاوهام ولم يبق إشكال بعده لاحد من الانام بعون الملك العلام يقتضي التكلم في مقامات المقام الاول في أصل تصوير موضوع الشهادة والحلف مثلا مع الشك في صورة الاستناد إلى الطريق الشرعي.
المقام الثاني في بيان حكم المسألة بعد تحقق الموضوع وبيان تطبيق ادلة اعتبار الشهادة والحلف على الشهادة والحلف على النهج المذكور. المقام الثالث في بيان المراد من قوله اليمين على البت من غير نفي فعل الغير وفيه على نفي العلم حتى يرفع توهم منافاته للقول بجواز الاستناد إلى الامارة الشرعية في الحلف.
المقام الرابع في بيان الجمع بين ما دل من الاخبار على أخذ العلم في موضوع الشهادة أو الحلف لو كان هناك ما يدل بالنسبة إليه أيضا.
أما الكلام في المقام الاول فنقول أما التصوير في الاخبار المذكورة مع الشك فبأحد الوجهين الاول أن يقال ان مراد الشاهد أو الحالف مثلا في الشهادة والحلف على الملكية مثلا هي الملكية الظاهرية التي قضى بها الاصل أو طريق آخر فقول الشاهد هذا ملك لزيد أي ظاهرا فلم يشهد إلا على الملكية الظاهرية فالتصرف إنما وقع على التقدير في المحمول ليس إلا وأما وجه كفايته فسيجئ تفصيل القول فيه في المقام الثاني لكن هذا الوجه غير وجيه لانا نعلم بعدم استناد المخبر في اخباره إليه الثاني أن يقال ان مراد الشاهد
أو المدعى أو الحالف من الملكية مثلا إنما هي الملكية الواقعية لكن بعد تنزيل ما قام عليه الطريق منزلة الواقع وجعله من جملة أفراده ادعاء فالاخبار على هذا إنما هو عن الملكية الواقعية بناء على اقتضاء الطريق فهو جهة للقضية لا أن يكون مأخوذا في موضوعها أو محمولها فالتصرف إنما هو في النسبة وهذا هو الحق لانا نعلم ان مراد مدعي الملكية أو الشاهد عليها أو الحالف ليس الملكية الظاهرية بحيث تكون متعلقة للدعوى والشهادة والحلف بل مرادهم من الملكية في مورد الدعوى ليس إلا ما يخبرون عنه في غير الدعوى كقول المالك هذا مالي أو ذي اليد هذا مالي وكقول غير المالك هذا مال فلان.
وهكذا الكلام في الاخبار عن الزوجية والنسب وغيرهما من الاشياء فإنا نعلم ان مرادهم من الملكية مثلا في الاخبار المذكورة ليس إلا الملكية الواقعية بتنزيل مؤدى الطريق الشرعي منزلة الواقع وادعاء كونه الواقع من جهة عدم الاعتناء باحتمال الخلاف أترى أن نقول ان مرادهم من الملكية في مقام الدعوى غيرها في غيره حاشاك ثم حاشاك فالاخبار إنما يقع جزما عن الملكية الواقعية لكن بعد التنزيل المذكور ثم البحث في ان هذا الاستعمال حقيقة أو مجاز ليس من شأن المحصلين بعد العلم بأن مرادهم من الملكية وأمثالها في حيز الاخبار هو ما ذكرنا.
وبالجملة عند العرف استعمالات شايعة في مقام الدعوى وغيره بمقتضى الطرق الشرعية بعد تنزيل مؤداها منزلة الواقع بل ليس هذا مختصا بعرف المتشرعة بل أقول انها جار عند جميع ارباب الملل والنحل ممن ينكر وجود الصانع وغيره فإن عند كل قوم تسبب الموضوعات المتداولة بينهم فالدهري الذي يخبر عن الملكية في مقام الدعوى ليس مراده منها إلا ما يخر عنها في غير مقام الدعوى وان احتمل عدم مطابقتها للملكية الواقعية عنده بل ليس هذا مختصا بالموضوعات المذكورة لجريانه في غيرها أيضا كالاخبار عن الموازين كالمن والرطل وغيرها مع العلم بنقص ما يخبرون عنه عما وضع له اللفظ عندهم فإن استعمالهم ليس إلا من جهة المسامحة بتنزيل المعدوم منزلة الموجود أو العكس بل أقول انه يجري في اخبار المجتهد عن الاحكام الشرعية أيضا فإن قول المجتهد الفعل الفلاني واجب مثلا مع استنباطه وجوب الفعل من الدليل الظني المعتبر ليس مراده انه واجب ظاهرا بل لا شك ان مراده هو الوجوب الواقعي بالملاحظة التي أشرنا إليها.
وبالجملة من راجع المحاورات العرفية وتأمل فيها هنيئة يقطع بما ذكرنا من غير ان يختلج بباله اشكال أصلا فراجع وتأمل هذا مجمل القول في أصل تصوير موضوع الشهادة والحلف ونحوهما في صورة عدم العلم مع الاستناد إلى الطريق الشرعي.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو بيان حكمها وتطبيق الادلة عليها فنقول ان كان الحلف أو الشهادة على الوجه الاول من التقريرين فالظاهر كفايتهما بالشرط الذي سنذكره بعد ما كنا بصورة الجزم.
لا يقال انك ذكرت سابقا عدم الاعتبار بالحلف أو الشهادة إذا علم ان مراد الحالف أو الشاهد هو الملكية الظاهرية مثلا نظرا إلى قيام الملكية على النحو المذكور بنفس الشاك المأمور بالرجوع إلى الطرق فلا تنفع في حق غيره.
لانا نقول ما ذكرنا سابقا من عدم كفاية الحلف أو الشهادة على الوجه المذكور إنما كان من جهة اشتراط التطابق بينهما وبين الدعوى حسبما عرفت تفصيل القول فيه فإذا فرض كون دعوى المدعي أيضا هي الملكية الظاهرية لما قد عرفت من مساواتها للشهادة والحلف في الاستناد إلى الاصل أو الامارة الشرعية فيكون كل من
الشهادة والحلف أيضا مطابقا للدعوى نعم لو فرض استناد الدعوى إلى العلم كما لا يبعد تحققه في بعض الدعاوى من بعض الاشخاص لم يكف الشهادة والحلف على النهج المذكور هذا ولكن الذي يسهل الخطب القطع بعدم ارادتهم من الملكية مثلا هي الظاهرية التي قضت بها الطرق حسبما عرفت تفصيل القول فيه هذا كله إذا كان الحلف أو الشهادة على الوجه الاول وإن كان على الوجه الثاني من التقريرين فالظاهر بل المقطوع من غير - إشكال فيه لاحد كفايتهما إذا لم يكن في مقابلتهما دعوى من المدعي فإنه لا ينفع حينئذ الشهادة والحلف المستندان إلى الاصل لاستلزام كفايتهما عدم سماع الدعوى من المدعى.
توضيح القول في ذلك كله انه قد يكون الحلف والشهادة غير متقابلين بالدعوى من أحد كما إذا ادعى المدعي ملكية شئ وأنكرها المنكر وأقام البينة عليها وشهدت البينة اتكالا على الاستصحاب لا على العلم أو حلف المدعي عليها فيما إذا لم يكن له شاهدان أو لم يقم البينة أصلا ورد المدعى عليه اليمين إليه مستندا إلى الاصل لاحتمال انتقاله إليه بسبب من الاسباب لا يعلمه أصلا أو احتمال كونه ملكا له بغصب أبيه أو غصب من اشترى عنه المال إلى غير ذلك من الاحتمالات التي يدفعها بالاصل وفي هذه الصورة لا إشكال في جواز الاستناد إلى الشهادة والحلف المستندين إلى الاصل ويدل عليه وجوه الاول لزوم سد باب اثبات الحقوق بالبينات والايمان ولزوم عدم سماع الدعوى من أحد أصلا لما عرفت من قلة مورد أمكن فيه تحصيل القطع للشاهد والحالف والمدعي ولازمه إبطال الحقوق كثيرا التي شرع لحفظها القضاء بين الناس الثاني قيام السيرة من السلف والخلف إلى زمان النبيصلىاللهعليهوآله على سماع المذكورات مع العلم الاجمالي بعدم لوها عن الاصل أو امارة شرعية غيره الثالث انصراف اخبار الباب إلى الدعوى والشهادة والحلف المتعارفة بين الناس ولا يوجد بينهم غيرها أصلا أو يوجد ولكن في غاية القلة.
وبالجملة ما ذكرنا من كفاية الشهادة والحلف المستندين إلى الاصل ما لم يعارضه دعوى من المدعى مما لا إشكال فيه بل لا خلاف وقد عرفت مطابقتهما للدعوى أيضا.
فإن قلت كيف تدعي عدم معارضة الاصل في المثال المذكور مع انه معارض بإنكار المنكر ودعواه خلافه فكل شهادة وحلف لا محالة يكون معارضا بالدعوى قطعا فلا مورد للتفصيل الذي ذكرته أصلا.
قلت إنكار المنكر ليس معارضا ومقابلا للاستصحاب الذي استند إليه الشاهد مثلا بل إنما هو راجع إلى نفي ما اجرى باعتباره الاستصحاب وهو المستصحب وانكاره ملغى بعد قيام البينة عليه إذا المفروض انها قاطعة بالنسبة إلى المستصحب وإن شئت قلت ان مجرد الانكار ليس بدعوى أصلا نعم لو ادعى المنكر في الفرض ما يخالف الاصل كبرائة الذمة او اشتراء العين من المالك لم تنفع الشهادة المستندة إلى الاستصحاب أو الحلف المستند إليه في رفع دعواه كما سيجئ تحقيق القول فيه.
فإن قلت إذا بنيت على سماع الدعوى المستندة إلى الامارة أو الاصل فبأي شئ تحمل ما ذكروه من عدم سماع الدعوى الظنية والشكية.
قلت نحمل كلامهم هذا على ما إذا لم يكن الدعوى مستندة إلى مستند شرعي وإلا فيلزم ما عرفت من انسداد باب الدعوى وهم بريئون من أن يقولوا بذلك.
هذا كله إذا لم يكن الحلف والشهادة المستندان إلى الاصل معارضين بدعوى من المدعي وأما إذا عورضا بدعوى منه كما إذا ادعى المنكر حصول برائة الذمة بعد دعوى الاشتغال عليه أو ادعى انتقال المال إليه
من المدعي ومثل حلف المنكر المستند إلى برائة الذمة في مقابل دعوى الاشتغال فلا إشكال بل لا خلاف يعتد به في عدم الاكتفاء بهما لان اعتبارهما تابع لاعتبار الاصل المستند إليه ومعلوم انه ليس بمعتبر في مقابل الدعوى إذ لو بنى على اعتباره وجواز الحلف عليه لزم عدم سماع الدعوى فيما إذا قابلها أصل من - الاصول وهوخلاف الاجماع والاخبار وأيضا ربما يكون المدعي معترفا بشك المنكر ومصدقا للاصل الذي استند إليه في حلفه فكيف يكون هذا كافيا في ردعه وقد عرفت بعض الكلام فيه أيضا سابقا فراجع و تأمل فيه.
فإن قلت لو بنى على عدم الاكتفاء باليمين المستندة إلى الاصل إذا قوبلت بدعوى من المدعي لزم القول بعدم سماع اليمين من المنكر أصلا للعلم الاجمالي باستنادها إلى أصل من الاصول والمفروض معارضته دعوى - المدعي في جميع الاوقات ونتيجته عدم الاكتفاء باليمين من المنكر أصلا وهو أيضا خلاف السيرة المستمرة بين الفرقة الناجية بل الهالكة ومستلزم لوقوع المنكر في المضار الكثيرة المنفية في الشريعة السمحة فالتفصي عن اشكال الاستناد إلى الاصل في اليمين على النهج المذكور والتفصيل المزبور مما لا يسمن ولا يغني من جوع لبقاء الاشكال معه قطعا.
قلت لا يلزم مما ذكرنا القول بعدم سماع اليمين من المنكر أصلا وفي جميع الموارد بيان ذلك انه قد يدعي المدعي ملكية شئ او اشتغال ذمة المنكر بشئ بسبب خاص كبيع وهبة وقرض وأمثالها فينكر المنكر المدعى به على النهج المذكور قاطعا بعدم بيع المال مثلا بالمدعى وعدم الاقتراض منه أصلا وان احتمل كونه مالا للمدعي بسبب لا يدعيه المدعي أصلا أو احتمل اشتغال ذمته للمدعي بغير السبب الذي يدعيه فيعتمد في نفي الاحتمالين إلى الاصل ومعلوم عدم معارضته بدعوى المدعى المبتنية على السبب الخاص ففي هذه الصورة لا ريب في جواز استناده في الحلف على الاصل إذا كان عالما بنفي السبب الخاص الذي هو المبنى دعوى المدعي لعدم معارضة الاصل الذي له مدخل في اليمين بدعوى المدعي أصلا وهذا مما لا إشكال فيه ومثله في عدم الاشكال في طرف عدم الجواز الحلف في الصورة المفروضة مع الشك في وجود السبب الذي يدعيه المدعي مستندا إلى أصالة عدمه لمعارضتها بالدعوى من المدعي وإنما الاشكال فيما لو ادعى المدعي ملكية شئ أو اشتغال ذمة المنكر بشئ من غير استناد إلى السبب الخاص مثل أن يقول هذا ملكي أو أنت مشغول الذمة لي بماة دينار مثلا فهل يجوز الاستناد إلى الاصل في اليمين على نفي الدعوى أم لا فيه تفصيل.
بيان ذلك انه قد ينكر المنكر ما ادعى عليه ويحلف على البت لكن لا نعلم ان مستند حلفه هو العلم أو الاصل ففي هذه الصورة لا إشكال قد حمل كلامه على الواقع لكن الفرض نادر جدا كما ان فرض العلم باستناد حلفه إلى العلم اندر منه وقد ينكر ويحلف على ما أنكر ونعلم انه مستند إلى الاصل فحينئذ إما أن نعلم انه استند إلى الاصل في نفي فعل نفسه أو نعلم انه استند إلى الاصل في نفي فعل غيره وانضمه إلى القطع بنفي فعل نفسه وحلف على عدم الاشتغال وإما أن لا نعلم أحدهما بالخصوص فإن كان الاول فلا إشكال في الحكم بعدم كفاية اليمين منه لكون أصله مقابلا بالدعوى وإن كان الثاني فلا إشكال أيضا في الحكم بالكفاية لعدم كون الاصل في نفي فعل الغير مقابلا بالدعوى وإن كان الثالث ففيه إشكال من حصول العلم إجمالا بكون حلفه مستندا إلى الاصل وعدم وجود المعين لاستناده في نفي فعل نفسه إلى الاصل أو في نفي فعل غيره إليه ومن ان هذا الترديد لا ثمرة له بعد دورانه بين ما هو مضر وبين ما هو ليس بمضر قطعا كما تقرر في العلم الاجمالي وإن شئت قلت ان مقابلة الاصل بالدعوى مانعة عن جريانه
ولم يعلم بها فلا موجب لرفع اليد عن الاصل ولعل الثاني أقوى لما عرفت هذا مضافا إلى ما عرفت من نه لو بنى على عدم الاكتفاء بها لزم وقوع الناس في الضرر كثيرا لان أكثر صور الادعاء والانكار من هذا القبيل وسيجئ تفصيل القول فيه في المقام الثالث إنشاء الله تعالى هذا مجمل القول في المقام الثاني.
وأما الكلام في المقام الثالث فنقول ان من المشهور بينهم المذكور في كتبهم تقسيم اليمين إلى الاربعة المعروفة لانها اما على النفي أو على الاثبات وعلى كل من التقديرين اما على فعل النفس أو فعل الغير والحكم بان في غير نفي فعل الغير لا بد من أن يحلف الحالف على البت والعلم وفيه يحلف على نفي العلم.
وقبل الخوض في التكلم في المسألة وبيان وجه التفصيل الذي ذكروه لا بد من التعرض لامور بها تدفع الشبهات وترفع الاشكالات.
الاول ان مرادهم من فعل النفس وفعل الغير في كلماتهم أعم من أن يكون قائما به وبغيره بلا واسطة أو مسببا عما هو قائم بهما كذلك كاشتغال الذمة فإنه مسبب عن فعل الانسان فاليمين على عدم الاشتغال أيضا راجع إما إلى نفي فعل النفس الذي سبب له أو فعل الغير الذي سبب له وأيضا مرادهم منهما أعم من أن يكون مما صدر عن الانسان باختياره كالبيع والهبة ونحوهما اختيارا أو كان صادرا عنه بغير اختياره كالاتلاف في حال النوم أو الغفلة ونحوه وهذا مما لا إشكال فيه بعد ملاحظة كلماتهم.
الثاني ان مرادهم من اليمين على البت هي اليمين على الواقع في مقابل اليمين على نفي العلم فما ربما يستفاد من كلام بعض السادة الفحول من الايراد على القول بأنه بعد اشتراط دعوى العلم في اليمين على نفي العلم لا معنى للتفصيل الذي ذكروه في اليمين لان اليمين حينئذ على البت مطلقا كما صرح به الفاضل في بعض كتبه لا ورود له بعد ما عرفت من معنى اليمين على البت هذا مضافا إلى ما عرفت سابقا من ان اشتراطهم لدعوى العلم ليس من جهة عدم سماع دعوى الواقع في الدعوى على فعل الغير بل من جهة انه لو أراد المدعى حلف المدعى عليه يشترط ان يتعرض في دعواه الواقع لدعوى العلم ليحصل التطابق فتأمل.
الثالث انك قد عرفت ان المراد من فعل النفس وفعل الغير أعم منها ومما يرجع إليهما بالتسبب كاشتغال الذمة ونحوه وبعبارة أخرى انك قد عرفت ان المدعي قد يدعي نفس الفعل كالبيع والهبة ونحوهما و قد يدعى نتيجته كالاشتغال والملكية.
فإن ادعى نفس الفعل فالحكم ما ذكروه من انه إذا كان فعل النفس نفيا أو اثباتا يحلف فيه على البت وإذا كان فعل الغير يحلف في اثباته على البت وفي نفيه على العلم هذا إذا علم ان المنكر رجع في حلفه على فعل نفسه نفيا أو اثباتا إلى العلم أو احتمل في حقه ذلك الموجب لحمل كلامه على الواقع وأما إذا علم انه استند في نفي فعل نفسه إلى الاصل فلا يكفي حلفه على الواقع مستندا إليه حسبما عرفت تفصيل القول فيه.
وان ادعى النتيجة كالملكية والاشتغال فهذا أولا لا يخلو عن صور ثلاث لانه إما أن يعلم انه يدعي الاشتغال المسبب عن فعل النفس أو يعلم انه يدعي الاشتغال المسبب عن فعل الغير أو يجهل الامران فإن علم - الحال فالحكم كما عرفت في القسم الاول وإن جهل الحال فلا يخلو أيضا عن صور ثلاث لانه إما أن يعلم ان المنكر رجع في إنكاره وحلفه إلى العلم في نفي فعل نفسه ونفي فعل الغير المسبب منهما الاشتغال أو يحتمل ذلك أو يعلم انه رجع في نفس أحدهما إلى الاصل.
فإن كان الاولان فلا إشكال فيه في الصورة الاولى منهما وكذا في الصورة الثانية لوجوب حمل كلامه على الواقع وهذه أكثر من جميع الصور.
إنما الاشكال في الصورة الثالثة فنقول انها لاتخلو أيضا من صور ثلاث لانه إما أن يعلم انه رجع في نفي فعل نفسه إلى الاصل أو يعلم انه رجع في نفي فعل غيره إلى الاصل أو يجهل الحال بمعنى انه يعلم انه رجع إلى الاصل في نفي أحدهما لكن لا يعلم بالخصوص انه أي منهما.
فإن علم انه رجع في اليمين على نفي فعل نفسه إلى الاصل فلا يكفي يمينه المستندة إليه.
لا يقال انا لا نعلم ان يمينه هذه المستندة إلى الاصل معارضة بدعوى الخصم فلا دليل على عدم كفايتها لان المانع منها ليس إلا معارضة الدعوى والمفروض عدم العلم بها.
لانا نقول ان المدعي لما يحتمل أن يكون دعواه راجعة إلى فعل نفس المنكر وإلى فعل غيره فلا بد أن ينكر المنكر كليهما يعني ينفي الاشتغال المطلق فيجب عليه احراز وظيفة كل من النفيين لاحتمال كون دعواه متعلقة بفعل النفس وبعبارة أخرى انكار المنكر سلب كلي في مقابل دعوى المدعي فلا بد أن ينفي جميع ما تسبب عنه الاشتغال من فعل النفس وفعل الغير ويحلف على ما ينفيه بمقتضى وظيفته وبعبارة ثالثة لا بد من أن تنزل الدعوى المحتملة على فعل النفس بعد العلم الاجمالي بأن دعواه راجعة إما إليه أو إلى فعل غيره منزلة المحققة فكما انها لو كانت محققة لمنعت من الاستناد إلى الاصل في اليمين وكذا لو كانت محتملة.
وان علم انه رجع في نفي فعل غيره إلى الاصل مع رجوعه في نفي فعل نفسه إلى العلم فيكتفى منه باليمين المستندة إلى الاصل في بعض جهاته بالمعنى المذكور لان الدعوى المحتملة هنا لو كانت محققة اكتفى منه باليمين على النهج المذكور.
لا يقال ان اليمين على نفي فعل الغير لو ادعاه المدعي محققا إنما هي على نفي العلم لا بمقتضى الاصل فكيف يقال ان الدعوى لو كانت محققة لم تقبض زايدا على اليمين المستندة إلى الاصل فحكم هذه الصورة أيضا حكم لصورة الاولى من حيث عدم الاكتفاء باليمين المستندة إلى الاصل.
لانا نقول قد عرفت غير مرة ان اليمين بمقتضى الاصل كاليمين على نفي العلم من حيث الحكم بل في الحقيقة الاولى راجعة إلى الثانية فتأمل.
وإن اشتبه الحال ولم يعلم انه رجع في نفي فعل غيره إلى الاصل أو في نفي فعل نفسه إليه فهل يحكم بكفاية اليمين على النهج المذكور أم لا وجهان من حيث العلم الاجمالي بالادعاء المتعلق بأحد الفعلين فلا بد من العلم بكون اليمين جوابا له على كل تقدير وهذا لا يحصل مع العلم الاجمالي باستناد المنكر إلى الاصل في نفي أحد الفعلين المحتمل كونه فعل النفس ومن أن العلم باستناده إلى الاصل لا يضر مع الجهل بمجراه وانه فعل النفس أو فعل الغير لما قد تقرر في محله من أن العلم الاجمالي إذا كان مرددا بين ما يوجب سقوط الاصل وبين ما لا يوجبه لا يؤثر في رفع أثر الاصل وإن شئت قلت انه يجب حمل كلام المنكر على الواقع ما لم يعلم خلافه والمفروض ان العلم الاجمالي باستناد المنكر إلى الاصل في الجملة لا يمنع من حمل انكاره على الواقع بالنسبة إلى فعل نفسه لاحتمال استناده إلى الاصل في نفي فعل غيره أوجههما عند الاستاد العلامة ثانيهما لما قد عرفت من الوجه.
فإن قلت ان دوران دعوى المدعي بين فعل النفس وفعل الغير إن كان مانعا من الاكتفاء باليمين
المستندة إلى الاصل في غير ما علم الاستناد إليه في نفي فعل الغير من جهة احتمال تعلق دعواه بفعل النفس فيجب احراز اليمين على البت بالنسبة إليه فلا فرق بين الصورة الاولى والثالثة وإن لم يكن مانعا من جهة احتمال تعلق الدعوى بفعل الغير فلم يعلم ان الاصل الذي يستند إليه المنكر في نفي فعل نفسه معارض بالدعوى فلم قلت بعدم الاكتفاء بها في الصورة الاولى.
قلت المانع من الاكتفاء باليمين المستندة إلى الاصل في نفي فعل النفس كما في الصورة الاولى ليس نفس دوران دعوى المدعي بل هو مع عدم إمكان حمل كلام المنكر على الواقع لان العلم الاجمالي باستناده إلى الاصل في نفي فعل نفسه يثبتنا عن الحمل على الواقع وهذه بخلاف الصورة الثالثة فإن الدوران المذكور وإن كان موجودا فيها إلا أن المانع من حمل كلامه على الواقع بالنسبة إلى نفي فعل نفسه غير موجود لان ما يتخيل صلاحيته للمنع ليس إلا العلم باستناده في اليمين إلى الاصل في الجملة وقد عرفت ان هذا النحو من العلم الاجمالي لا اثر له وبالجملة الفرق بين ما نحن فيه والصورة الاولى لا يكاد يخفى إنشاء الله.
فإن قلت إذا بنيت على عدم ثبوت التأثير لمثل العلم الاجمالي المذكور فلم لم تقل بكفاية اليمين في الصورة الاولى وعدم تأثير للدعوى المرددة بين تعلقها بفعل النفس الموجب لسقوط اليمين عن الاعتبار و بين تعلقها بفعل الغير الغير الموجب لسقوطها عن الاعتبار مع كونه بعينه مثل العلم باستناد المنكر إلى لاصل في الجملة.
قلت الوجه لعدم القول بالكفاية في الصورة الاولى هو عدم امكان حمل كلام المنكر على الواقع بالنسبة إلى فعل نفسه الذي اشترطوه في اليمين على نفي فعل النفس وهذا بخلاف المقام فإن الحمل على الواقع فيه ممكن فلا معنى لقياس أحدهما على الآخر.
فإن قلت الموجود من المنكر في الخارج ليس إلا كلام واحد فإذا علم اجمالا باستناده إلى الاصل في الحلف على الواقع ولو بالنسبة إلى بعض الجهات فكيف يمكن حمل كلامه على الواقع مع كونه واحدا وحديث تردد العلم الاجمالي بين ماله أثر وما لا أثر له لا اثر له فيما نحن فيه لان الكلام إذا فرض واحدا وعلم بمسامحة المتكلم فيه من بعض الجهات لا محالة يسقط عن الظهور.
نعم لو كان هنا كلامان مثل ما لو حلف حلفين أحدهما بالنسبة إلى أفعال نفسه ثانيهما بالنسبة إلى أفعال غيره وعلم باستناده إلى الاصل في اليمين على نفي أحدهما لم يبعد المصير إلى ما ذكر من حمل حلفه في نفي فعل نفسه على الواقع والعلم.
قلت الموجود من المنكر في الخارج وإن كان كلاما واحدا إلا أن العلم الاجمالي بالاستناد إلى الاصل في بعض الجهات إنما يضر فيما إذا كان الاستناد إلى الاصل في كل جهة منها غير جائز ومانعا من حمل كلامه على الواقع.
وأما إذا لم يكن الاستناد إلى الاصل في جميعها غير جايز بل كان جايزا بالنسبة إلى بعضها غير جايز بالنسبة إلى بعضها الآخر فلا دليل على كون العلم الاجمالي بالاستناد إلى الاصل في بعضها المردد مانعا من حمل الكلام على الواقع فتأمل.
هذا كله مضافا إلى ما نزيد في الاستدلال وضوحا من أن الزام المنكر مطلقا فيما كان دعوى المدعي مرددة بين فعل النفس وفعل الغير باليمين على البت والعلم مع اشتمال نفيه على نفي فعل الغير أيضا الذي يكتفى
فيه باليمين على نفي العلم الزام له بأمر متعذر إذ لا فرق في تعذر اليمين البتي على نفي فعل الغير بين انضمام نفي فعل النفس إليه وعدمه كما لا يخفى فما دل على عدم الزام المنكر باليمين على البت في نفي الغير للتعذر جار بعينه فيما نحن فيه أيضا هذا ما يقتضيه جلى النظر.
وأما ما يقتضيه دقيقه فهو أن يقال بعدم كفاية اليمين المزبورة في الصورة المفروضة لما قد عرفت من مطاوي كلماتنا من أن اليمين على نفي الاشتغال أمر بسيط لا تعدد فيه أصلا فإذا علم إجمالا باستناد المنكر إلى الاصل في نفي أحد الفعلين فلا يبقى هناك ظهور نأخذ به.
وأما ما استدل به أخيرا لكفاية اليمين على النحو المذكور من حديث التعذر ففاسد جدا إذ لا نريد بإلزامه على اليمين البتي الزامه بها بالنسبة إلى نفي فعل الغير بل نحكم بعدم سماع اليمين المذكورة عنه من حيث احتمال استنادها إلى الاصل في نفي فعل النفس ورجوع دعوى المدعى إليه فلم يحصل التطابق وليس التعذر الشخصي أينما وجد مقتضيا للاكتفاء باليمين على نفي العلم حتى يقال بمثل ما ذكرته بل الثابت من الدليل الاكتفاء باليمين على نفي العلم إذا علم ان متعلق الدعوى فعل الغير من جهة التعذر النوعي الذي صار حكمة لجعل الحكم فما لم يحرز هذا العنوان لا يمكن أن يحكم بالاكتفاء باليمين على نفي العلم وبالجملة قد ذكرنا سابقا ان مقتضى الاصل الاولى المستفاد من المعمومات هو لزوم كون اليمين على البت مطلقا خرج عنه صورة العلم بكون متعلق الدعوى فعل الغير فيؤخذ به في باقي الصور حسبما بينا في الاصول تبعا لجماعة من المحققين من وجوب الرجوع إلى العام عند الشك في مصداق المخصص وهذا معنى ما ذكره في المسالك من الحاق دعوى - الغاية من الملكية والاشتغال بدعوى فعل النفس فإن مراده ليس الالحاق الموضوعي بل الالحاق الحكمي لما ذكرنا فراجع وتأمل هذا محصل ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله من حكم الصور الثلاث وعليك بالتأمل فيه فإن للنظر فيه مجالا واسعا لا سيما بالنسبة إلى ما ذكره أخيرا في حكم الصورة الثالثة.
إذا عرفت ما ذكرنا من الامور فاعلم ان الاقوال في المسألة من الخاصة والعامة خمسة.
أحدها كون اليمين على البت مطلقا وهو المحكي عن ابن أبي ليلى ويمكن الاستدلال له بأنه الاصل المستفاد من العمومات الواردة في باب القضاء حسبما عرفت ان المستفاد منها كون اليمين على البت مطلقا بالبيان الذي تقدم القول فيه غير مرة فإن تمكن المنكر من الحلف على البت كما لو كان عالما فيحلف عليه وإلا فيجب الرد عليه كما لو لم يكن عالما وأجاب باني لا أعلم ولا منافات بين عدم جواز الحلف على البت له تكليفا وكونه وظيفة له بحسب الوضع كما عرفت تفصيل القول فيه نعم لو وجد مورد لم يسمع دعوى الواقع فيه أصلا بل المسموع هو دعوى العلم كما لو ادعى أحد على من أقر لشخص بمال ان المال لي فإنه لو لم يدع علم المقر بان المال كان للمدعي فأقر للغير لم يسمع دعواه فلا بد من التزام هذا القائل بكفاية اليمين على نفي العلم هذا واحتمل بعض مشايخنا قده أن يكون مراد هذا القائل ما ذكره جماعة من أصحابنا منهم العلامة في القواعد وير بعد تقسيمهم اليمين إلى الاقسام الاربعة وحكمهم بأن اليمين على نفي العلم في اليمين على نفي فعل الغير بعد دعوى العلم من أن اليمين على هذا على البت مطلقا فيكون هذا القائل موافقا للاصحاب لكنه في غاية البعد و خلاف ما نسب إليه الاصحاب كالشيخ وغيره.
ثانيها كونها على نفي العلم مطلقا سواء في فعل النفس أو فعل الغير اثباتا أو نفيا وقد حكى هذا القول عن جماعة من العامة منهم الشعبي والنخعي.
ومرادهم من هذا الكلام حسبما بينه الاستاد العلامة انه يحلف المنكر على نفي العلم بما ادعى عليه لو لم يعلم بعدم علمه ولم يعترف المدعي أيضا بعدم علمه فاليمين حقيقة مثبتة لعدم علمه لا أنها وظيفة لقضاء حتى انه لو أقام المدعي بعد ذلك البينة لم تسمع دعواه.
وحاصله يرجع إلى انه مع عدم علم المدعى عليه بالمدعي لم تسمع الدعوى إذا لم يكن للمدعي بينة عليها لكن عدم علمه قد يعلم به وقد يعترف به المدعي وقد يدعى عليه العلم وقد يدعي الواقع مع السكوت فإن كان الاولان فلا إشكال في سقوط الحلف عنه وإن كان الثالث فلا إشكال في توجه اليمين على نفي العلم إليه ليحرز عدم علمه وإن كان الرابع فالظاهر بل المقطوع ان حكمه كالثالث ومستند هذا القول على هذا المعنى حسبما صرح به الاستاد ما اشتهر بينهم من أن النافي لا يحتاج إلى دليل لان الاصل معه وهو مع الاصل وهذا الذي ذكره الاستاد سابقا في وجه كون اليمين على المنكر بحسب القاعدة فمال هذا القول إلى أن - الحكم الظاهري في حق المنكر نافذ في حق غيره من دون احتياج إلى شئ ما لم يقم دليل على خلافه كالبينة لكن تحقق الحكم الظاهري في حقه لما كان متوقفا على عدم علمه فلا بد من أن يحرز إما باعتراف المدعي أو بيمين المدعى عليه فاليمين إنما هي طريق لاحراز موضوع الحكم الظاهري وإلا فالذي يكون نافذا في حق - الغير هو الاصل لا غير.
ثالثها ما يرجع إلى ثانيها بتفاوت يسير وهو ان اليمين في كل مورد شخصي تعذر فيه تحصيل العلم على نفي العلم سواء في فعل النفس أو فعل الغير وسواء تعرض المدعى لدعوى العلم أم لا وفي كل مورد لا يتعذر فيه تحصيل العلم فيحلف على البت مطلقا سواء في فعل النفس أو فعل الغير وهذا هو الذي قد عرفت سابقا في حكم الجواب بلا أدري انه ذهب إليه بعض مشايخناقدسسره ومال إليه بعض من تقدم عليه والفرق بينه وبين القول السابق انه في صورة امكان الحلف على البت لا يجب على القول السابق لكنه يجب على هذا القول وقد عرفت فصيل القول في مستند هذا القول ورده فراجع.
رابعها ما يستفاد من كلام الشهيدرحمهالله في القواعد حسبما حكى عنه الاستاد من ان كل مورد يتعسر الاطلاع عليه بحسب صنفه بمعنى ان صنفه يقتضي هذا يحلف على نفي العلم وإن لم يعسر الاطلاع بحسب شخص الواقعة وفي كل مورد لم يتعسر الاطلاع عليه بحسب الصنف يحلف على البت وإن تعسر الاطلاع بحسب النوع أو الشخص.
خامسها ما ذهب إليه الاصحاب رضوان الله عليهم من أن فيما يتعسر نوعا الاطلاع عليه يحلف على نفي العلم وإن لم يتعسر بحسب الصنف أو الشخص كاليمين على نفي فعل الغير وفيما لا يتعسر نوعا الاطلاع عليه يحلف على البت وإن تعسر بحسب الصنف أو شخص الواقعة كاليمين على فعل النفس اثباتا أو نفيا اليمين على اثبات فعل الغير وهذا هو الحق.
لنا على لزوم البت في غير نفي فعل الغير ما عرفت سابقا من مقتضى الاصل المستفاد من العمومات وعلى كفاية اليمين على نفي العلم في نفي فعل الغير وجوه.
أحدها ما ربما يترائى من ظواهر كلماتهم من تعذر اليمين على البت غالبا ونوعا وهو يدل على الاكتفاء باليمين على نفي العلم إما لان المراد مما نفى في الشريعة من العسر هو النوعي والغالبي وإما لان
بناء الشارع في خصوص باب القضاء على ملاحظة عدم لزوم الضرر غالبا ومعلوم ان في الالزام على اليمين العلمي ضرر.
وانت خبير بضعف هذا الوجه لفساد المستندين اما الاول فلانه لا دخل لحديث رفع العسر والحرج في المقام أصلا لا لان ما دل على نفي الحرج في الشريعة ليس مفاده الحرج النوعي بل الشخصي حسبما بنينا عليه بل لان وجود التعذر الشخصي أيضا لا ينفع في المقام لانه كان نافعا لولا قيام الدليل على وجوب الرد بعد التعذر عن الحلف ولكنك قد عرفت ان مقتضى الادلة الالتزام بأحد من الحلف والرد وأما الثاني فبمنعه أولا وبعدم صلاحيته للاستناد ثانيا.
نعم الوجهان وجيهان بحسب الاعتبار والظاهر كما صرح به الاستاد العلامة ان من ذكر هذا الوجه وعلل الحكم به لعله أراد بيان الحكمة لا العلة وهو حسن. ثانيها الاجماع المنقول المعتضد بالشهرة بل عدم الخلاف في المسألة يعتد به.
ثالثها جملة من الروايات منها رواية أبي بصير سئل الصادقعليهالسلام عن رجل يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم ويقيم البينة ويقيم الذي في يديه الدار البينة انها ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها فقال أكثرهم بينة يستحلف ويدفع إليه الخبر وهي كما ترى تدل على جواز الحلف على نفي العلم في الجملة. ومنها رواية حفص بن غياث عن الصادقعليهالسلام قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز أن أشهد انه له قال نعم قال الرجل أشهد انه في يده ولا أشهد انه له فلعله لغيره فقال أبوعبداللهعليهالسلام أفيحل الشراء منه قال نعم فقال أبوعبداللهعليهالسلام فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك وتقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ثم قال أبوعبداللهعليهالسلام و لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق الخبر وجه الدلالة انه جعل الامامعليهالسلام جواز الحلف استنادا إلى اليد مفروغا عنه. لا يقال ان الرواية إنما دلت على جواز الحلف استنادا إلى اليد بالنسبة إلى نفس المشتري وأين هذا من الدلالة على جواز الحلف استنادا إلى اليد فيما إذ كانت الدعوى على فعل البايع ومن هنا جعل بعض - المشايخ هذه الرواية دليلا على جواز الحلف مستندا إلى الامارات الشرعية بالنسبة إلى فعل النفس. لانا نقول جواز حلفه على الملكية فما ادعى عليه لنفسه يستلزم جواز حلفه على ملكية الغير فيما ادعى عليه لان صحة يده متوقفة على صحة يد البايع كما لا يخفى هذا مضافا إلى ان في قوله ولا يجوز ان تنسبه الخ دلالة على جواز الحلف على ملكية البايع لو ادعى عليه فتأمل. فإن قلت المستفاد من الرواية على تقدير الدلالة هو الحلف على ملكية البايع بطريق الجزم والبت استنادا إلى أصاله صحة اليد وأين هذا من اليمين على نفي العلم فالرواية على هذا لا دلالة لها على المدعي أصلا بل تدل على خلافه.
قلت قد عرفت سابقا وستعرف فيما بعد إنشاء الله ان اليمين المستندة إلى الامارة الشرعية كاليمين على نفي العلم تقوم احديهما مقام الاخرى فلا فرق بين أن يقول الوارث والله لا أعلم انك تطلب من مورثي أو يقول والله ليس مورثي مشغول الذمة استنادا إلى أصالة البرائة هكذا ذكره شيخنا الاستاد لكنه خلاف ظاهر كلماتهم في اليمين على نفي العلم هذا ولكن يمكن الايراد على الاستدلال بالرواية بأن غاية ما يستفاد منها حسبما يشهد له صدر الرواية هو جواز الحلف استنادا إلى اليد بالنظر إلى تكليف الحالف وهذا لا دلالة له على نفوذه وجواز القضاء به للحاكم كما هو المدعى فتأمل(١) ويمكن الايراد عليه أيضا بأن الرواية مضافا إلى كونها ضعيفة
____________________
(١) وجهه على ما جزم به الاستاد دام ظله في مجلس البحث ان كل من تأمل في الرواية حق التأمل وجدها اهرة بل صريحة في بيان الحكم الوضعي وبيان وظيفة الحاكم من جواز القضاء بها لا بيان الحكم التكليفي وعدم الحرج في أصل الحلف وإباحته (منه قده).
السند موهونة بإعراض المشهور عنها لان ظاهرهم عدم جواز الشهادة استنادا إلى اليد كما سيجئ في باب الشهادات إنشاء الله تعالى فتأمل.
ثم ان هنا إشكالا أورده الاستاد العلامة على الرواية وهو انه أي ملازمة بين حل الشراء والحلف على أن المال ملكه وبين الشهادة على انه ملك ذي اليد فإن الاولين يكفي فيهما أصالة صحة يد المتصرف ولو كان وكيلا أو وليا بخلاف الثالث وحملها على الملازمة التعبدية كما ترى فهذا موهن آخر للتمسك بالرواية هذا حاصل ما ذكره دام ظله من الاشكال ولكن يمكن الجواب عنه بان مقصود الامامعليهالسلام جعل اليد دليلا على الملك في المقامين فحاصل المعنى انه كيف يجوز (جاز خ) منه الشراء والحلف بعده على الملكية من جهة ظهور يد البايع في - الملكية ولم يجز (يجوز خ) الشهادة له بالملكية من جهة ظهور اليد فصحة اليد وإن لم تكن في نفسها ملازمة لجواز الشهادة إلا ان حل الشراء من جهة ظهور اليد في الملك المقصود في الرواية ملازم لجواز الشهادة.
ومنها قول الامامعليهالسلام في جواب ما كتبوا إليه من ان رجلا مات وله ورثة فجاء رجل فادعى عليه مالا وان عنده رهنا ان كان له على الميت مال ولا بينة له عليه فليأخذ ماله مما في يده وليرد الباقي على ورثته ومتى أقر بما عنده أخذ به وطولب بالبينة على دعواه وأوفى حقه بعد اليمين ومتى لم يقم البينة والورثة ينكرون فله عليهم يمين يحلفون بالله تعالى ما يعلمون ان له على ميتهم حقا الخبر ودلالته ظاهرة وهو وإن كان مختصا بمورد خاص إلا انه يمكن أن يلحق به غيره بضميمة عدم القول بالفصل فتأمل.
ومنها ما ورد في سقوط البينة على النفي من حيث تعذر اطلاع الشهود عليه من حيث توقفه على العلم - بانتفاء جميع أسباب الوجود مثل قوله في بعض الروايات الواردة في عدم البينة على المنكر لانه جاحد والجاحد لا يمكنه اقامة البينة على جحوده وجه الدلالة ان المستفاد من الرواية سقوط كل خبر عن كل شئ تعسر الاطلاع عليه سواء كان شهادة أو حلفا فالحلف على نفي فعل الغير أيضا مما يتعذر على الحالف بل الخلف حقيقة أيضا قسم من الشهادة غاية الامر انه مقرون بلفظ الجلالة وهذا لا يخرجه عما هو عليه فالحلف على نفي فعل الغير شهادة عليه فساقط بحكم الرواية.
فإن قلت غايه ما تدل عليه الرواية سقوط اليمين على البت على نفي فعل الغير وهذا أمر غير منكر في المقام وليس بمحل النزاع في شئ لانه لم يقل أحد بوجوب الحلف على المدعى عليه وإن لم يكن عالما حتى في اليمين على نفي فعل النفس أيضا فضلا عن اليمين على نفي فعل الغير.
وإنما الكلام في انه هل يحكم عليه بالرد وإلا فيقضى عليه بالنكول أو بعد رد اليمين إلى المدعى كالدعوى في فعل النفس إذا قال المدعى عليه لا أعلم أولا يحكم عليه وقد عرفت ان مقتضى الادلة بحسب - الحكم الوضعي انحصار تخلص المدعى عليه بأحد أمرين اما الحلف أو الرد وقد مر تفصيل القول فيها في حكم الجواب بلا أدري فراجع.
قلت ان الرواية واشباهها تخصص ما دل على انحصار تخلص المدعى عليه في أحد الامرين فإنها تدل على انه بحسب الوضع لم يتوجه اليمين على المدعى عليه في الصورة المفروضة من حيث عسر الاطلاع وليست الرواية مما تدل على نفي الحكم التكليفي حتى يقال بأنها لا دلالة لها على نفي الحكم الوضعي وما ذكرنا سابقا من انه لا منافات بين عدم الحكم التكليفي باليمين على البت وثبوتها على المدعى عليه بحسب الوضع انما هو فيما إذا كانت اليمين متوجهة إليه وقد دلت الرواية على عدم توجيهها إليه في الفرض بحسب الوضع فلا دخل لحديث
حصر التخلص وعدمه بالمقام.
فإن قلت المستفاد من الرواية على فرض تسليم دلالتها هو عدم كون اليمين على البت ميزانا للقضاء في الفرض ومقتضى هذا بملاحظة ما ذكرنا من ظهور الادلة في اليمين البتي هو انحصار ميزان القضاء في الفرض بالبينة كما في كثير من الموارد كالدعوى على الميت والغائب والمجنون وغيرهم وأين هذا من بدلية اليمين على نفي العلم وانقلاب الميزان إليها.
قلت بعد تسليم دلالة الرواية على نفي اليمين على البت ثبت المدعى وهو قيام اليمين على نفي العلم مقامها بالاجماع المركب فتأمل.
فإن قلت مقتضى الرواية ثبوت الحكم المذكور في كل مورد تعذر فيه اليمين على البت ولو في - اليمين على نفي فعل النفس وعدم ثبوته في كل مورد لم يتعذر فيه اليمين على البت ولو في نفي فعل الغير وهو خلاف ما ذكرتم من التفصيل.
قلت مقتضى الرواية كما لا يخفى لمن اعطى حق النظر فيها كون المناط هو التعذر النوعي الغالبي لان اقامة البينة على النفي ليست مما يتعذر دائما هذه خلاصة ما وقفنا عليه من الاخبار التي استدلوا بها لمذهب - المشهور وقد عرفت التأمل في دلالة كل واحد منها ولعل الاستدلال بالمجموع من باب التعاضد فتأمل.
ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها الاول انك قد عرفت ان مقتضى عمومات القضاء بالبينة واليمين انحصار الفصل بالحلف الجزمي مطلقا لكن بعد دلالة ما قدمنا من الادلة على الاكتفاء باليمين على نفي العلم في الحلف على نفي فعل الغير تصير اليمين على نفي العلم منزلة منزلة اليمين على البت في كونها ميزانا للقضاء والفصل في الصورة المفروضة وهو ظاهر الاخبار وكلمات أصحابنا الاخيار رضوان الله عليهم لان ظاهرهم قسيم اليمين الفاصلة إلى القسمين وليست اليمين على نفي العلم عندهم كاليمين على نفي العلم على ما ذهب إليه جماعة من العامة من انها لاحراز صدق المدعى عليه في انه لا يعلم حسبما وجه به الاستاد العلامة كلامهم وان كان خلاف ظاهر بعض كلماتهم هذا ولكن ظاهر المحكي عن الفاضل في كشف اللثام عدم كونها ميزانا للقضاء حيث قال في دعوى الموكل مع ادعاء المدعى عليه قبض المال إلى الوكيل بعد الحكم بحلف - الموكل على نفي علمه بقبض الوكيل ما هذا لفظه فإذا حلف الموكل اثبت المدعى قبض الوكيل أو حلف على البرائة هكذا حكى عنه بعض مشايخنا في جواهره لكنا كلما تفحصناه لم نجده في كتاب القضاء منه ولعله حكاه عن من كتاب آخر.
الثاني انه لا إشكال في انه إذا نكل المدعى عليه عن الحلف على نفي العلم فيما يتوجه إليه وعن رده إلى المدعي يقضى عليه بالنكول أو بعد رد اليمين إلى المدعي على القولين في المسألة كما إذا نكل عن الحلف على البت وأما إذا رد اليمين إلى المدعي أو ردها الحاكم إليه بعد نكول المدعى عليه فهل يحلف على البت أو على العلم ظاهر الاصحاب الاول لانه يحلف على فعل نفسه فيجب أن يحلف على البت قال في المسالك بعد تقسيم اليمين إلى الاقسام الاربعة المفروضة والحكم بأن اليمين في غير الحلف على نفي فعل الغير على البت وفيه على نفي العلم وتفريع فروع ما هذا لفظه وقد ظهر من الضابط ان حلف المدعي أبدا على البت وحلف المنكر ينقسم انتهى وظاهر بعض مشايخنا الثاني مستدلا في ظاهر كلامه على ان اليمين المردودة لما توجهت على المدعي برد المنكر فلا بد أن تكون هي التي توجهت عليه وإلا لم تكن مردودة وهو مردود بما عرفت غير مرة من أن اطلاق المردودة
على اليمين إنما هو باعتبار كون مقتضى الاصل الاولي كون اليمين على من أنكر وان توجهها إلى غيره إنما هو بعد امتناعه عنها وهذا التعذر لا يقتضي الاتحاد بينهما في السنخ فيؤخذ في جانب المدعي بما اقتضاه لاصل الاولي المستفاد من العمومات من كون اليمين على البت مطلقا ثم انه على تقدير تسليم كون اطلاق المردودة عليها مسامحة لا يوجب رفع اليد عن مقتضى العمومات والاصول الاولية وهذا مما لا إشكال فيه إنشاء الله.
الثالث انه هل يشترط دعوى العلم في صحة اليمين من المدعى عليه أم لا وجهان من ظهور كلماتهم في الاشتراط ولزوم التطابق بين اليمين والدعوى مهما أمكن ومن اطلاق الاخبار وإن شئت قلت هل دعوى العلم شرط أو الاعتراف بعدمه مانع وظاهر كلماتهم وان اقتضى الاول لكن يمكن أن يقال انها مسوقة لبيان مانعية الاعتراف وكون المدعي باقيا على ادعائه ولهذا يتفرعون على اشتراط دعوى العلم انه لو اعترف المدعي بعدمه لم يتوجه اليمين على المدعى عليه ولم تسمع دعواه بدون بينة ولو لم تكن مسوقة لبيان ما ذكر لزم التفريع عليه بأنه لو لم يدع العلم فتدبر.
الرابع انه لا إشكال في كفاية التعرض لدعوى العلم في ضمن دعوى الواقع حسبما هي قضية كلماتهم على تقدير اشتراط دعوى العلم أو على تقدير عدمه وتعرض المدعي له وهل يكفي دعوى العلم مستقلا من دون انضمامها إلى دعوى الواقع أو لا بد من انضمامها بدعوى الواقع التحقيق أن يقال انه ان علم ان مراد المدعي من قوله للوارث مثلا أنت تعلم باشتغال ذمة مورثك لي هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع بحيث لا يشمل الجهل المركب فلا إشكال في كفايته لانه متضمن لدعوى العلم والواقع معا وإن لم يعلم ذلك فإن بنينا على ان كلما ينفع الاقرار به تسمع دعواه حسبما هو قضية قول المشهور فيحكم بسماعها أيضا لان الظاهر انه لا فرق في الزام المقر باقراره بين أن يقر باشتغال الذمة أو بعلمه به فإنه يؤخذ بالثاني كما يؤخذ بالاول وإن كان المقر له في كلتا الصورتين شاكا في اشتغال ذمة المقر وإن لم نبن على ذلك حسبما قواه الاستاد العلامة وقلنا بأن سماع الدعوى إنما هو فيما إذا كان المدعى مالا أو يترتب عليه المال ففي الحكم بالسماع اشكال فإن مجرد علم المدعى عليه باشتغال الذمة بالمعنى الاعم من المطابق للواقع والجهل المركب لا يستلزم اشتغال ذمته واقعا حتى يترتب عليه أخذ المال فيما قام البينة عليه أو حلف المدعي عليه بعد رد اليمين إليه فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر.
الخامس انه بعد ما حكمنا بأن اليمين على نفي العلم كاليمين على البت في كون كل منهما ميزانا للقضاء فهل تسمع البينة بعدها أم لا وجهان من عدم التنافي بينهما لان عدم علم المدعى عليه بالاشتغال لا ينافي ثبوته في الواقع الذي قامت به البينة فلا وجه لطرح ما دل على اعتبارها ومن ان مقتضى كونها فاصلة ورافعة للخصومة عدم سماع دعوى المدعي بعدها كاليمين على البت أوجههما عند جماعة والاستاد دام ظله هو الاول وهو الحق لنا ما مر في وجهه من عدم التنافي بين البينة على الواقع واليمين على عدم علم المدعى عليه به وفي كل مورد لم يكن هناك منافات بين سماع البينة واليمين يؤخذ بعموم أدلة البينة وهذه قاعدة جارية في جميع الموارد وإن خالف فيها بعض ولهذا يحكم بسماع البينة في اليمين المردودة في الجملة وأما وجه عدم سماعها بعد حلف المنكر على البت فإنما هو من جهة منافات مفاد البينة لمفاد اليمين حسبما هو المفروض فلا بد من رفع اليد عما يقتضي اعتبار البينة وإلا لزم عدم كون اليمين فاصلة وهو خلاف المفروض هذا مضافا إلى ما دل على عدم سماع البينة من المدعي بعد رضائه بحلف المنكر لا يقال انه يشمل اليمين على نفي العلم أيضا فما جه التفصيل بينهما لانا نقول الظاهر منه اليمين على البت فراجع فافهم وتدبر.
السادس انه على القول بكون اليمين على نفي العلم ميزانا للقضاء فهل يجوز المقاصة بعدها أو لا وجهان من أن الاصل جواز المقاصة مطلقا بمقتضى ما دل عليه من الاخبار خرجنا عنه في اليمين على البت من جهة قيام الاجماع ظاهرا ودلالة الاخبار ولا مقتضى للخروج عنه في اليمين على نفي العلم ومجرد كونها اصلة لا يقتضي الخروج إذ رفع الخصومة وعدم جواز اعادتها ولو بإقامة البينة أيضا لا يقتضي عدم جواز المقاصة باطنا ومن اطلاق ما دل على عدم جواز التقاص بعد الرضاء بيمين المنكر من الاخبار المتقدمة مثل قوله في خبر ابن أبي يعفور إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقه واستحلفه فحلف لا حق له عليه وذهب اليمين بحق المدعي فلا حق له الخبر فإن المفروض ان المدعي هنا أيضا رضى بدعوى علم المدعى عليه بالحق بيمينه على نفي العلم أوجههما عند الاستاد العلامة الاول فتأمل.
السابع انه كما عرفت من تضاعيف كلماتنا انه قد يقع الشك في دعوى المدعي بين رجوعها إلى فعل النفس إو إلى فعل الغير من جهة دعوىالغاية المرددة بين كونها مسببة عن فعل النفس أو فعل الغير الراجع حقيقة إلى الشك في المصداق كذلك قد يقع الشك فيها من جهة الشك في مفهوم فعل الغير وفعل النفس كما في الفروع التي اختلف الاصحاب في ان اليمين فيها على البت أو على نفي العلم كتلف البهيمة مع التقصير في حفظها وجناية العبد ودعوى الاخوة والبنوة إلى غير ذلك.
وقبل الخوض في تعيين ما اختلفوا فيه موضوعا لا بد من تأسيس الاصل الذي هو المعول عند الشك.
فنقول انا قد ذكرنا سابقا ونذكر هنا أيضا ان الاصل الاولي المستفاد من العمومات هو لزوم كون اليمين على البت وقد مر مرارا وجه الاستفادة تفصيلا وحينئذ ففي كل مورد شك في ان الدعوى فيه راجعة إلى فعل النفس أو فعل الغير يحكم بأنها من مقولة الدعوى على فعل النفس حكما بملاحظة الاصل المذكور سواء كان منشأ الشك اشتباه المصداق أو المفهوم.
إذا عرفت ذلك فنقول ان الامر في الموارد التي اختلفوا فيها لا يخلو عن انه إما أن يعلم برجوع الدعوى فيها إلى فعل النفس أو يعلم برجوع الدعوى فيها إلى فعل الغير أو لا يعلم أحدهما بالخصوص.
فإن علم برجوع الدعوى فيها إلى فعل النفس وقد رنا على التمييز فلا إشكال في الحكم كما في دعوى تلف البهيمة مع تقصير المالك في حفظها فإن مرجع الدعوى فيه إلى كون الفعل الصادر من المالك أعني التقصير موجبا لضمانه فإن قيام الضمان بفعل الشخص لا ينافي في توقف فعلية الضمان بوجود أمر آخر فإن الضمان عند حصوله مسبب عن فعله وقائم به كحفر البئر في طريق المسلمين أو فتح باب القفس إلى غير ذلك فإذا ادعى المدعي وجود الامر المعلق عليه فقد ادعى الاثر القائم بفعل النفس كدعوى الاشتغال المسبب عن فعل النفس في دعوى الغايات.
وإن علم برجوع الدعوى فيها إلى فعل الغير فالحكم أيضا واضح كما في دعوى جناية العبد فإن نفس جناية العبد من حيث انها فعله لا دخل لها بالمولى أصلا بل هي قائمة بالعبد غير منسوبة إلى فعل لمولى أولا وبالذات ولا ثانيا وبالعرض من جهة التسبب لكن العبد لما كان ملكا للمولى يتعلق الارش المسبب عن فعله بذمة المولى من حيث عدم الذمة له فتعلق الضمان بذمة المولى إنما هو من جهة مالية الجاني له لا باعتبار مدخلية فعله ولو تسببا في الضمان وقيامه به كما في تلف البهيمة مع التقصير فالضمان إذا كان موقوفا على وجود فعل من الفاعل الذي هو في مقام الفاعلية وانتساب الفعل إليه عرفا مستقل كالضامن فدعوى هذا الضمان وسببه
راجعة إلى فعل الغير وإذا لم يكن موقوفا على وجود فعل كذلك بل على وجود أمر أو فعل مع ملاحظتهما ينسب الفعل إلى الضامن عرفا ولو من جهة التسبب فدعواه ودعوى الامر المعلق عليه فعليته راجعة إلى فعل النفس وهذا كله مما لا إشكال فيه إنشاء الله.
ومما ذكرنا يظهر فساد ما ذكره الشهيد الثاني وبعض الاساطين من ابتناء رجوع الدعوى في ادعاء جناية العبد إلى فعل النفس وإلى فعل الغير على تعلق الجناية بمحض الرقبة أم تتعلق بالرقبة والذمة جميعا حتى يتبع ما فضل بعد العتق فإن قلنا بالاول حلف على البت لانه يحلف ويخاصم لنفسه وإن قلنا بالثاني فعلى نفي العلم.
توضيح الفساد ان الحكم بتعلق أرش الجناية أولا وبالذات بذمة المولى وعدم تعلقها برقبة العبد من حيث عدم قابليته من جهة كونه مملوكا ليس من جهة تسبب المولى للجناية وعدمها حتى يرجع الدعوى في جنايته (جناية العبد خ) بنفسه إلى فعل المولى ولو بالتسبب بل من جهة كون العبد من أمواله وإن استقل في قيام الفعل به وهذا بخلاف تلف البهيمة مع تقصير المالك في حفظها وتفريطه فيه فإن التلف وإن كان من فعل البهيمة إلا ان جهة تعلق الضمان بذمة المالك ليس من حيث قيام التلف بالبهيمة من حيث انه فعلها بل من جهة فعله الذي صار سببا لتلف البهيمة فمدخلية التلف ليست إلا من جهة توقف اتصاف السبب بالسبب الفعلي عليه كساير الاشياء المتوقفة عليها تأثير الفعل وليس النزاع في تسبب التقصير بتلف البهيمة إلا كالنزاع في وجود ساير ما يتوقف عليه تأثير الفعل في الخارج أترى من نفسك الشك في رجوع دعوى فساد البيع من جهة الاختلاف في حضور المشتري إلى الدعوى على فعل النفس من أن نفس الحضور وعدمه ليسا من فعل البايع وهكذا في اير الامثلة أو ترى من نفسك الفرق بينهما وبين الدعوى في اتلاف البهيمة حاشاك ثم حاشاك.
ويظهر مما ذكرنا أيضا فساد ما ذكره بعض الاصحاب أيضا من ابتناء رجوع دعوى تلف البهيمة إلى فعل النفس أو إلى فعل الغير على أن البهيمة هل هي بمنزلة الآلة أو انها مستقلة في الفعل مختارة فيه فإن قلنا بالاول يحكم بالاول وإن قلنا بالثاني يحكم بالثاني.
توضيح الفساد ان الحكم بكون دعوى تلف البهيمة مع التقصير راجعة إلى الدعوى على فعل النفس ليس متوقفا على اثبات كون الفعل فعل المالك مباشرة وإنما البهيمة آلة في صدور الفعل كساير الآلات بل يتم على القول بكونها مختارة فيه لما قد عرفت من أن مدخلية هذا الفعل الاختياري في اشتغال ذمة المالك من جهة تقصيره ليس من حيث كونه فعلا صادرا عن غيره بل من حيث كونه جزء أخيرا لترتب الاشتغال على التقصير كساير الاشياء الخارجة عن فعل الفاعل المتوقفة عليها تأثير الفعل في الخارج فلحاظ الفعل ملغى في تلف البهيمة هذا كله إذا علمنا بأحد الامرين وقدرنا على التمييز.
وأما إذا لم نعلم بأحدهما تفصيلا كما في دعوى النسب من الاخوة والبنوة وغيرهما فيرجع فيه إلى الاصل الاولي فيحكم باشتراط البت في اليمين وعدم كفاية اليمين على نفي العلم فإن حلف المنكر على البت فهو وإن لم يحلف عليه فيحكم عليه بمجرد النكول أو بعد رد اليمين إلى المدعي على القولين في المسألة وإن كان عدم حلفه على البت من جهة تعذره وعدم قدرته عليه بناء على ما هو التحقيق وعليه المحققون من الرجوع إلى العام فيما إذا كان المخصص مجملا بحسب المفهوم.
فإن قلت مقتضى ما تمسكت به من التعليل الوارد في سقوط البينة على النفي من التعذر كما في رواية العلل
اطراد الحكم في كل مورد تعذر فيه الحلف على البت سواء علمنا انه فعل الغير أن شككنا فيه أو علمنا انه فعل النفس غاية الامر انه خرج القسم الاخير بالاجماع فيبقى الباقي فيلحق صورة الشك بملاحظة عموم التعليل بصورة ما إذا علم برجوع الدعوى إلى فعل الغير فيصير الاصل في كل متعذر كفاية اليمين على نفي العلم وبهذا يخرج عن مقتضى الاصل الاولي المستفاد من العمومات الاولية.
قلت الرجوع إلى عموم التعليل في صورة الشك في رجوع الدعوى إلى فعل النفس إو إلى فعل الغير فاسد جدا لا من جهة عدم عموم له بل من جهة وهنه باعراض الاصحاب عنه طردا وعكسا وأما تمسكنا به في ما إذا علم رجوع الدعوى إلى فعل الغير ورفع اليد عما اقتضاه العمومات المحكمة المتقنة فإنما هو ن جهة اعتضاده بأخذ المشهور وقوته بالعمل وإلا فهو في نفسه مع قطع النظر عن أخذ الاصحاب لا يكون قابلا لصرف العمومات.
والحاصل ان التعليل موهون طردا وعكسا بعدم أخذ الاصحاب بعد واعراضهم عنه ولهذا يوجبون في الدعوى على فعل النفس اليمين على البت وإن كان المنكر غير قادر عليه ولا يوجبون الحلف على البت في الدعوى على فعل الغير وإن كان المنكر عالما به كما يعلم من الرجوع إلى كلماتهم فإذا صار التعليل موهونا فلا يجوز الاخذ به إلا فيما إذا تيقنا برجوع الدعوى إلى فعل الغير وأما في صورة الشك فيرجع فيها إلى العمومات الاولية المقتضية لاشتراط البت في اليمين بقول مطلق فراجع وتأمل حتى لا يختلط عليك الحال.
الثامن انه هل يكفي اليمين على نفي العلم في الدعوى على فعل الغير إذا كان المنكر مجيبا بالنفي واقعا عالما به كما أجاب بنفي العلم أو لا يكتفى منه بذلك بل وظيفته حينئذ اليمين على البت وجهان ظاهر الاصحاب بل صريح جماعة منهم الشيخ والعلامة والشهيدان والمحققان قدس الله أرواحهم هو الاول حسبما عرفت من ان الوظيفة عندهم في اليمين على نفي فعل الغير هي اليمين على نفي العلم من جهة تعذر الحلف على البت فيه نوعا فقد جعل الشارع في الدعوى على فعل الغير اليمين الفاصلة هي اليمين على نفي العلم توسعا على المدعى ليه وظاهر بعض مشايخنا بل صريحه هو الثاني حيث حمل كلامهم في اليمين على نفي العلم في الدعوى على فعل الغير على الصورة الغالبة وهي ما إذا أجاب المنكر بلا أعلم وأما إذا أجاب بالنفي عن علم فيجب عليه اليمين على البت و كلامهم منصرف إلى غيره كما انه حمل كلامهم في اشتراط البت في اليمين على فعل النفس على الصورة الغالبة وحكم بكفاية اليمين على نفي العلم في الدعوى على فعل النفس في غير هذه الصورة فقد جعل لزوم التعذر الشخصي طردا وعكسا علة في الحكم باشتراط البت في اليمين أو كفاية اليمين على نفي العلم هذا ولكنك قد عرفت سابقا فساد الحملين بما لا مزيد عليه وان الحمل المذكور في المقامين مخالف لظاهر الاخبار وكلمات اصحابنا الاخيار إذ التعذر في النص والفتوى إنما هو حكمة للحكم لا علة فيه حتى يدور مداره فإن أبيت إلا عن ظهور كلماتهم في كون التعذر علة.
فنقول ان المستفاد منها هو كون التعذر بحسب النوع علة للحكم فلا يلزم منه دوران الحكم مداره وجودا أو عدما وهذا أمر ظاهر قد نبهنا عليه سابقا فراجع.
التاسع ان ما ذكرنا كله في حكم الاصل من انه يجوز الحلف استنادا إليه في الحكم التكليفي مطلقا وفي الحكم الوضعي في الدعوى على فعل الغير وأما في فعل النفس فلا بل يشترط فيه اليمين على البت جار بعينه في غير الاصل من الامارات الشرعية كاليد وغيرها من الامارات الشرعية فإن كانت الدعوى على فعل النفس لا يجوز
الاستناد إليها في الحلف مطلقا اثباتا كان أو نفيا وإن كانت على فعل الغير فإن كانت على النفي فلا يجوز الاستناد إليها في الحلف على الاثبات وإن كانت على الاثبات فيجوز الحلف استنادا إليها على النفي ووجه هذا التفصيل ما أشرنا إليه في جواز الاستناد إلى الاصل فراجع فظهر مما ذكرنا فساد ما ربما يجري على لسان جماعة من الاصحاب من ان كلما يجوز الاستناد إليه في الشهادة يجوز الاستناد إليه في الحلف وظهر أيضا فساد ما ربما يظهر من كلام بعض مشايخنا من التفصيل في هذه القضية بين الاصل وغيره كاليد ونحوها بعدم جواز استناد الحلف إلى الاول وجواز استناده إلى الثاني مستدلا في ظاهر كلامه برواية الحفص المتقدمة التي قد عرفت عدم دلالتها فراجع.
العاشر انه لا فرق فيما ذكرنا من حكم الاصل وغيره من الامارات بين حصول الظن منها وعدمه لاتحاد المناط ولكن حكي عن الفاضل القمي في بعض كتبه التفصيل في جواز الاستناد إلى الاصل وغيره وبين صورة حصول الظن منهما وصورة عدم حصوله فحكم في الاول بالجواز وفي الثاني بعدمه وأنت خبير بفساد هذا التفصيل لان الوجه فيه ان كان عدم دليل على اعتبارهما في غير صورة حصول الظن كما هو الظاهر من مذهبه في جميع الاصول والامارات شرعية كانت أو عقلية وإلا فهو قائل بجواز الاستناد إلى الاصول والامارات بعد اعتبارها مطلقا ففيه مضافا إلى منع كون الوجه في اعتبارها ما ذكر ان مجرد ان اعتبار الشئ في مقام العمل لا يوجب جواز الاستناد إليه في الحلف سيما بعد ملاحظة ما ورد من العمومات الدالة على اشتراط البت في الجملة وإن كان من جهة عدم مساعدة العرف لتنزيل مؤدى الاصل والامارات منزلة الواقع المجوز للاستناد في الحلف إلا في صورة الظن إن كان معتبرين في صورة الشك أيضا ففيه ان عدم مساعدة العرف للتنزيل المذكور في صورة الشك إنما هو بالنظر إلى جهة عرفيتهم مع قطع النظر عن ورود الشرع بالاخذ بالاصل وتنزيل مؤداه منزلة الواقع وأما بعد ملاحظة ورود الشرع وتنزيلهم (وتشرعهم خ) فلا فرق عندهم بين صورة حصول الظن من الاصل وعدمه كما لا يخفى.
الحادي عشر انه كما يجوز للمدعى عليه الحلف على نفي العلم في الدعوى على فعل الغير من غير إشكال فيه أصلا كذلك يجوز الحلف على الواقع استنادا إلى الاصل والامارة من غير فرق بينهما لان مرجع الحلف على الواقع بناء على قيام الامارة أو الاصل إلى الحلف على عدم العلم بالاشتغال لبا وإن كان فرق بينهما من جهة الصورة وهذا المعنى وإن لم يصرح به أحد من الاصحاب فيما أعلم غير الاستاد العلامة دام ظله إلا انه يعلم قطعا بكونهم قائلين به فافهم وتدبر.
قوله الاولى لا يتوجه اليمين على الوارث ما لم يدع عليه العلم الخ اقول لا إشكال بل لا خلاف عند الاصحاب في انه يشترط في سماع الدعوى إذا كان المدعى عليه وارثا دعوى أمور ثلاثة واقعية أحدها موت المورث ثانيها بقاء التركة منه اما في ذمة الوارث أو في يده ثالثها اشتغال ذمة المورث فعلا ووجه اشتراط هذه الامور في اصل سماع الدعوى واضح إذ لو انتفى أحدها لم تتحقق هنا دعوى ومطالبة من المدعي أصلا كما لا يخفى ومن هنا تنعرف ان جعلها من شروط سماع الدعوى مسامحة لانها شرط في الحقيقة لاصل تحقق الدعوى فلو ادعى موت المورث مع بقاء تركة له في يد الوارث مع عدم دعوى اشتغال ذمة المورث فلا إشكال في عدم تحقق دعوى هنا لا بالنسبة إلى لمورث ولا بالنسبة إلى الوارث وكذا لو ادعى الحق مع عدم ادعاء التركة أو مع عدم ادعاء الوفاة أو ادعى الوفاة مع عدم ادعاء شئ منهما فإن في جميع هذه الصور لا تسمع دعواه بحيث يلزم المنكر بالجواب أو غيره من الامور وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا بل لا يعقل الخلاف فيه جزما كما لا يخفى.
إنما الاشكال في انه هل يشترط في توجه اليمين على الوارث امر زايد على الامور الثلاثة التي كان شرط لاصل
سماع الدعوى عليه كدعوى علم الوارث بالموت والحق أم لا يشترط ذلك قولان ظاهر كلمات الاكثر منهم المصنف الاول كما لا يخفى على من راجع كتبهم وظاهر الشيخ في المبسوط الثاني حيث قال في باب اليمين ما هذا لفظه فصل أمر الحالف لا يخلو من أحد أمرين اما أن يحلف على فعل نفسه أو فعل غيره فإن حلف على فعل نفسه كانت على البت والقطع نفيا كانت أواثباتا وإن كانت على فعل غيره نظرت فإن كانت على الاثبات كانت على القطع وإن كانت على النفي كانت على العلم وإن اختصرت فقلت الايمان كلها على القطع إلا ما كانت على نفي فعل الغير فإنها على العلم إلى أن قال واما على نفي فعل الغير مثل ان يدعي ان له على أبيه ألفا فأنكر فيحلف ان لا اعلم ان لك على أبي ذلك أو يدعي ان أباه أتلف عليه كذا وكذا انتهى كلامه وهو كما ترى ظاهر في عدم اشتراط دعوى علم المدعى عليه بالحق في اليمين على نفي فعل الغير وأظهر منه ما ذكره في موضع آخر منه أيضا حيث قال إذا ادعى رجل حقا على ابن رجل ميت لم يقبل دعواه إلا ان يدعي الحق ويدعي موت الاب وانه خلف في يده تركة لانه ان لم يمت الاب فلا حق له على ابنه وإن مات ولم يخلف تركة فلا حق له عليه أيضا فلا بد من دعوى ثلاثة أشياء فإذا ادعى الموت فالقول قول الابن لان الاصل أن لا موت وإذا ادعى التركة فلا يقبل دعواه مطلقا حتى يقيد ذلك فيقول خلف في يدك تركة مبلغها كذا وكذا فإذا قدر ذلك وادعى فالقول قول المدعى عليه مع يمينه انه ما خلف شيئا فإن ثبت الموت وثبت انه خلف تركة وحينئذ تسمع دعواه بالحق عليه ويكون القول قول الابن انه لا يعلم انه له على أبيه حقا انتهى كلامه وهذا الكلام كما ترى صريح في عدم اشتراط شئ في توجه اليمين لى الوارث غير ما هو شرط في أصل سماع الدعوى وصيرورة الوارث مدعى عليه.
ثم قبل تحقيق الحق من القولين لا بد من التعرض لامرين أحدهما انه لا إشكال ولا خلاف في سماع دعوى المدعي إذا ادعى الامور الثلاثة وإن لم يدع علم الوارث بأحدها إذا كانت له بينة بما يدعيه بل ولو اعترف بعدم علمه بالحق وإنما اختلفوا في انه هل يشترط في توجه اليمين على الوارث بعد عدم البينة للمدعي أو عدم اقامتها زيادة على دعوى أمور واقعية التي هي شرط في أصل سماع الدعوى دعوى علمه أيضا أم لا يشترط ذلك فما يترائى من كلمات جماعة من انه لو لم يدع المدعي علم الوارث بالموت والحق لم يسمع دعواه أو لم يتوجه له دعوى على الوارث ليس المراد منه عدم سماع الدعوى رأسا بل المراد منه عدم سماعها بحيث يكلف المدعى عليه بالحلف أو الرد وكفاك شاهدا في هذا كلام المصنف حيث ذكر بعد اشتراط توجه اليمين بما ذكره ولو ساعده المدعي بعدم أحد هذه الامور لم تتوجه فكلامهم هذا اما أن يحمل على مورد فرض فيه عدم البينة أو يقال ان مرادهم من عدم السماع هو الذي يلزم المنكر بعده بالجواب واليمين وغير ذلك لا أن يكون مرادهم منه عدمه بحيث لا يقبل بينة لمدعي.
والحاصل انه لا ريب في انهم ليسوا بصدد اثبات اشتراط أصل سماع الدعوى من المدعى بدعوى العلم وإن وقع منهم ما وقع من المسامحة في مقام مثل ذكر بعض شروط سماع أصل الدعوى في مقام بيان شرايط اليمين كما صنعه المصنف وجماعة حيث انهم ذكروا دعوى المدعي تخلف التركة في يد الوارث من شروط اليمين مع انها من شروط أصل الدعوى ومثل ذكر بعض شروط توجه اليمين في سماع الدعوى وشرايطه كما صنعه في الدروس حيث ذكر في شروط الدعوى بعد اشتراط أن لا تكون الدعوى مجهولة ومظنونة ما هذا لفظه ولو ادعى على مورثه دينا لم تسمع حتى يدعى موته وعلمه بالحق وانه ترك مالا في يد الوارث انتهى كلامه.
وأعظم ما وقع من المسامحة في المقام ما عن العلامة في القواعد من ذكره ما ذكره المصنف في توجه اليمين من الشروط الثلاثة ثم تفريعه عليه بأنه لو اعترف المدعي بجهل الوارث بأحد هذه الامور لم تسمع دعواه
مع انه لا إشكال بل ولا خلاف في انه إذا ادعى المدعي حقا على الوارث مع اعترافه بأنك جاهل في بقاء تركة من أبيك لكني أعمل بأن له تركة في ذمتك وأقام البينة على ذلك تسمع دعواه بلا إشكال لكن هذه المسامحة لا تجرى في عبارة المصنف كما لا يخفى وجهه وبالجملة لا يخلو كلماتهم عن المسامحة قطعا من وجه بل من وجوه شتى فراجع إليها.
ثانيهما ان مراد المصنف وجماعة ممن ذكر اشتراط توجه اليمين بدعوى علم الوارث بالحق والموت ليس هو دعوى العلم بهما بمعنى الاعتقاد الجازم الاعم من أن يكون مطابقا للواقع أو لا بل مرادهم هو دعوى العلم بهما بمعنى الاعتقاد المطابق للواقع بحيث يتضمن دعويهما أيضا بحسب الواقع وإلا فلا يسمع دعواه أصلا حتى يتوجه إليه اليمين فقد اجتمع شرط أصل سماع الدعوى وتوجه اليمين في عبارة واحدة وكلام واحد وهذا مما لا غبار فيه أصلا.
إذا عرفت ذلك فنقول انه قد يذكر لاشتراط دعوى العلم وجوه.
أحدها ما يستفاد من كلام بعض السادة الفحول في مطلق اليمين على نفي فعل الغير مورثا كان أو غيره من انه لو لم يدع العلم عليه لم يكن مدعى عليه حتى يتوجه عليه اليمين بما دل على توجهها عليه فلا يمكن أن يتمسك باطلاق ما دل على كون الوظيفة للمدعى عليه اليمين وانه لا يتخلص من الدعوى الا بها على نفي اشتراط دعوى العلم هذا حاصل ما يستفاد من كلامه.
ولكنك خبير بضعفه لان صيرورة الوارث مدعيا عليه وصدق هذا العنوان عليه لا يتوقف على دعوى العلم أصلا لانه بنفس ادعاء المدعي موت المورث وتخلف تركته في يد الوارث واشتغال ذمته بحق المدعي وتكذيبه المدعي يصير مدعى عليه سواء ادعى عليه العلم أو لم يدع وبالجملة القول بعدم صدق المدعى عليه على الوارث وأمثاله من دون دعوى العلم فاسد جدا فلا يصغى إليه جزما وإنما اشترط من اشترط دعوى العلم من جهة توقف صحة اليمين من المدعى عليه وتوجهها إليه بها لا انها شرط في أصل سماع الدعوى من المدعي وانه لا يتحقق عنوان المدعى عليه حتى يدعي العلم وقد مر مرارا ان من يشترط دعوى العلم لا يجعلها دعوى مستقلة موجبة لليمين بحيث لا ربط لها بدعوى الواقع بل الموجب لليمين عنده أيضا هو دعوى الواقع وتكون جوابا لها لكن يشترط في صحة اليمين من المدعى عليه دعوى علمه بالحق فراجع وتدبر.
ثانيها ما يستفاد من كلام بعض الفحول من ان الوجه في اشتراط دعوى العلم انه لو لم يدع العلم لزم عدم مطابقة اليمين للدعوى وهو باطل لان ظاهر ما ورد في القضاء باليمين لزوم مطابقتها للدعوى وإلا لزم أن لا يكون فصل الخصومة باليمين لان اليمين على شئ لا تصير فاصلا لدعوى شئ آخر وقد مر جملة من الكلام في ذلك منافي عدم جواز الاستناد إلى الاصل في الحلف في مقابل (دعوى خ) الواقع فراجع.
ولكنك خبير بفساد هذا الدليل أيضا لانك قد عرفت ان اليمين على نفي العلم ليست ميزانا لرفع دعوى العلم حتى يتحقق المطابقة بين الدعوى واليمين وإنما هي ميزان لرفع دعوى الواقع كاليمين على البت فانضمام دعوى العلم إلى دعوى الواقع لا ينفع في صيرورة اليمين مطابقة للدعوى التي أريد فصلها باليمين على نفي العلم.
واما التمسك بظاهر ما ورد في باب القضاء باليمين ففيه ان ظاهره حسبما عرفت هو اليمين على البت وعدم كفاية اليمين على نفي العلم ولو بعد ادعاء العلم ولكن قد ثبت بما قدمنا من الادلة تسهيل الشارع لمنكر فعل الغير وترخيصه ان يحلف على نفي العلم فقد جعل الشارع اليمين الغير المطابقة للدعوى بمنزلة المطابقة في اليمين
على نفي فعل الغير فبعد هذا التنزيل لا أثر لدعوى العلم وغيرها حتى نلتزم بلزومها.
فإن قلت لو كان البناء على التنزيل المذكور فما وجه اعتبار عدم اعتراف المدعي بعدم علم المدعى عليه وإلا فيسقط عنه اليمين.
قلت وجه اعتباره انه لو اعترف بعدم علمه لزم لغوية اليمين وبعبارة أخرى انه قد مر في تضاعيف كلماتنا السابقة وسيمر بك فيما بعد إنشاء الله ان الحكمة في اعتبار اليمين حصول التشفي للمدعي وكونها امارة نوعية على صدق الحالف في حق غيره من الحاكم وغيره ومن المعلوم عدم عود نفع إلى المدعي من اليمين على نفي العلم بعد اعترافه بعدم علم الحالف وهذا بخلاف ما لو كان عالما بعلمه أو شاكا فيه فإنه يحصل له التشفي من اليمين على نفي العلم في كل من الصورتين كما لا يخفى وسيجئ الاشارة إليه إنشاء الله.
ثالثها ما قد يختلج ببالي القاصر ويسبق بذهني الفاتر من ان عمدة الدليل لتنزيل اليمين على نفي العلم منزلة اليمين على البت التي قضت باعتبارها العمومات هو الاجماع المنقول المعتضد بالشهرة العظيمة بل عدم الخلاف في المسألة وأما الاخبار فقد عرفت عدم تماميتها ونهوضها للدلالة على المدعى إلا بانضمام كلمات اصحابنا الاخيار ومن المعلوم لكل من راجع إلى كلماتهم انها ظاهرة في اشتراط دعوى العلم فلا دليل على تنزيل اليمين على نفي العلم منزلة اليمين على البت في صورة عدم ادعاء العلم على الحالف هذه غاية ما يمكن الاستدلال به للقول بالاشتراط.
وقد اختار شيخنا الاستاد العلامة دام ظله تبعا للشيخ في المبسوط وموافقا لبعض مشايخنا المتأخرين القول بعدم الاشتراط واستدل له بوجوه.
أحدها اطلاق ما دل من العمومات على انه لا يتخلص المنكر إلا باليمين من غير اشتراط لدعوى العلم في اليمين على نفي فعل الغير. فإن قلت قد ذكرت ان ظاهر العمومات لزوم كون اليمين على البت مطلقا وانه الاصل في اليمين فكيف يتمسك بها لكفاية اليمين على نفي العلم من دون دعوى العلم. قلت ما أردت التمسك بالعمومات لاصل تشريع اليمين على نفي العلم حتى يقال انها ظاهرة في اليمين على البت بل أردت التمسك بها لنفي اشتراط دعوى العلم بعد قيام الدليل من الخارج على تنزيل اليمين على نفي العلم في نفي فعل الغير منزلة اليمين على البت وبيان آخر الظاهر من العمومات ابتداء وإن كان اشتراط البت في اليمين حتى في نفي فعل الغير أيضا إلا ان بعد قيام الدليل على كفاية اليمين على نفي العلم فيه وتنزيله منزلة اليمين على البت يصير المراد منها اليمين على البت في غير نفي فعل الغير واليمين على نفي العلم في نفي فعل الغير ففي كل دعوى لا يتخلص المدعى عليه إلا باليمين لكن في كل مورد بحسبه مع انه ليس فيها اشتراط دعوى العلم في اليمين على نفي العلم في نفي فعل الغير.
فإن قلت بعدما سلمت ان ظاهر العمومات لزوم كون اليمين على البت وان قيام اليمين على نفي العلم مقامها إنما هو من الدليل الخارج فيكف يجوز التمسك بها لنفي الاشتراط بل ليس هذا لك قطعا بل لا بد لنفي ذلك من الرجوع إلى ما دل على قيام اليمين على نفي العلم مقام اليمين على البت وتنزيلها منزلتها فإن كان فيه اطلاق ينفعك في المقام فليتمسك به وإلا فلا فيصير مقتضى الاصل بعد عدم الاطلاق فيه اشتراط دعوى العلم وعدم كفاية اليمين على نفي العلم وقد عرفت عدم اطلاق في أدلة التنزيل ينفعك في المقام حيث ان
عمدتها الاجماع المنقول والاخبار لم تدل على المدعى إلا بضميمة كلمات القوم وقد عرفت بندائها بأعلى صوت باشتراط دعوى العلم.
قلت أولا انا لم نقف على الاجماع المنقول ممن يعتمد بنقله في المقام معتضدا بساير الامارات حتى نتمسك به ونجعله عمدة دليل الباب وثانيا سلمنا وجوده بالمعنى المذكور لكن الدليل لم يكن منحصرا فيه بل فيما عرفت من الاخبار غنى وكفاية وأما القول بعدم تمامية الاستدلال بجميعها إلا بضميمة كلمات القوم فضعيف جدا لوجود الاطلاق النافع في بعضها ومن هنا يمكن التمسك به مستقلا من غير احتياج إلى التمسك بالعمومات الاولية غاية الامر عدم جواز الاستدلال ببعضها إلا بضميمة وهذا لا يقدح في جواز الاستدلال بالباقي مستقلا كما لا يخفى وثالثا سلمنا عدم تماميتها إلا بضميمة كلمات القوم لكن نمنع ظهورها بعد التأمل في اشتراط دعوى العلم وإنما المقصود من كلماتهم بيان مانعية الاعتراف لااشتراط دعوى العلم ولهذا تراهم يتفرعون (يفرعون خ) على الاشتراط انه لو اعترف بعدم العلم أو سلم جهل المدعى عليه لم يكن له دعوى موجبة لليمين ولو كانت شرطا عندهم للزم أن يتفرعوا (يفرعوا خ) عليه انه لو لم يدع العلم فالتفريع بالضد دون النقيض كاشف عن ان مقصودهم من ذكر اشتراط دعوى العلم بيان مانعية الاعتراف فكلماتهم مسوقة له لا لبيان أصل الاشتراط ورابعا سلمنا جميع ذلك لكن نقول ان مقتضى ما ذكرت من عدم الاطلاق في أدلة التنزيل هو وجوب الرجوع إلى العمومات في صورة عدم دعوى لعلم فيقضى بعد عدم حلف المدعى عليه على البت وامتناعه عن الرد بالنكول أو بالرد وهو خلاف ما بنائكم عليه من الحكم بالايقاف وعدم سماع دعوى المدعي وبالجملة مقتضى العمومات ان كل مدعى عليه لا يتخلص إلا باليمين ففي صورة جهل المدعى بعلم المدعى عليه لا يمكن الحكم بأنه يتخلص من غير يمين غاية الامر انه بعد قيام الدليل على تنزيل اليمين على نفي العلم منزلة اليمين على البت يحكم بكفايتها عنها لا أنه يحكم بأنه يتخلص من دون يمين أصلا هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة في توجيه التمسك بالعمومات ولكن لي فيها انظار لا ابين وجهها خوفا من طعن بعض الجامدين وفساد بعض المفسدين ومن كان له مزيد تأمل ودقة نظر يطلع عليه بشرط مراعاته للانصاف والقائه رداء العصبية والاعتساف.
ثانيها ما ورد في لزوم اليمين الاستظهاري في الدعوى على الميت من موثقة عبدالرحمن عن أبي عبدالله الذي رواه المحمدون الثلاثة قال قلت للشيخ عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له البينة بماله قال فيمين المدعى عليه إلى أن قال فإن كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقد مات فلان وان حقه عليه فإن حلف وإلا فلا حق له إلى أن قال فإن ادعى ولا بينة فلا حق له الحديث تقريب الاستدلال ان الرواية تدل بملاحظة السياق على اتحاد تحرير الدعوى على الميت والحي وانه لا يشترط في الدعوى على الميت ادعاء العلم بل الدعوى عليه كالدعوى على الحي وإلا لزم أن يقول فإن كان المطلوب بالحق قد مات فيجب على المدعي دعوى علم الوارث بتعلق حق المدعي على ذمة الميت فعدم تعرضه له يدل على ان كل دعوى تسمع على الحي تسمع على الميت بشرط انضمام اليمين بالبينة ومن المعلوم المسلم عند الخصم ان الدعوى على الحي بدون دعوى العلم مسموعة قطعا فليكن الدعوى على الميت أيضا سموعة من دون دعوى العلم.
وأما قوله فان ادعى ولا بينة فلا حق له فهو وإن كان ظاهره منافيا لما ذكرنا بل منافيا لاصل اعتبار اليمين ولو بعد دعوى العلم لكنه لا بد من تقييده ورفع اليد عن ظاهره بما دل على ثبوت الحق له بعد عرض اليمين
على الوارث (ونكوله عنها إذا قلنا بالقضاء بالنكول أو ردها إلى المدعى إذا لم نقل به خ) ورده إلى المدعي أو نكوله عنها إذا قلنا بالقضاء بالنكول ورده إليه إذا لم نقل به وبالجملة لا بد من رفع اليد عن ظهور الرواية بما دل من الاجماع والاخبار على استحقاق المدعي لاستحلاف المنكر بعد عدم اقامته للبينة وثبوت الحق له بعد رد الوارث أو نكوله عنها فإن كان ما دل على ثبوت الحق للمدعي بعد عدم إقامة البينة مشتملا على اشتراط دعوى العلم بالحق أو كان ساكتا مهملا من هذه الجهة أمكن دعوى عدم جواز رفع اليد عن قوله فلا حق له في الرواية إلا بعد دعوى العلم ولكنك قد عرفت اطلاق ما دل من العمومات على عدم تخلص المنكر إلا باليمين.
لا يقال الرواية مختصة بما إذا لم يكن هناك وارث للميت بحيث كانت الدعوى متعلقة به فالرواية أجنبية عما نحن فيه.
لانا نقول دعوى اختصاص الرواية بما إذا لم يكن هناك وارث للميت لا شاهد لها اصلا بل الشاهد على خلافها لان حمل الرواية على صورة عدم وجود الوارث حمل لها على الفرد النادر وهو غير جايز هذا حاصل ما ذكره الاستاد العلامة في تقريب الاستدلال بالرواية.
ولكن يمكن الخدشة فيه أما أو لا فبان الظاهر من الرواية كما لا يخفى لكل من نظر اليها ورودها في بيان حكم الدعوى على الميت من حيث هو ميت من غير أن يكون لها نظر إلى بيان حكم الدعوى على الوارث أصلا فليس هذا حمل الرواية على الفرد النادر حتى يدفع باطلاقها ويشهد لما ذكرنا من عدم ورود الرواية لبيان حكم الدعوى على الوارث أصلا قوله ولو كان حيا لالزم باليمين اه لان ظاهره بل صريحه انه ليس هناك حى حتى يلزم باحد الامور الثلاثة وأيضا الدعوى على الوارث ليست دعوى على الميت وان كانت يتضمنها فتأمل.
والحاصل أن ذيل الرواية بلا يكون متضمنا إلا لبيان حكم الدعوى على الميت من حيث هو ميت وليس له دلالة لحكم الدعوى على الوارث فتأمل واما ثانيا فبانه لا اطلاق هناك يقتضي رفع اليد عن ظهور قوله وان ادعى ولا بينة فلا حق له مطلقا حتى في صورة عدم دعوى العلم على الوارث أما العمومات الاولية الدالة على عدم تخلص المنكر إلا اليمين فلما قد عرفت من انها ظاهرة في اليمين على البت فاليمين على نفي العلم خارجة عنها وما دل على تنزيلها منزلة اليمين على البت لا اطلاق فيه فيؤخذ باطلاق قوله.
فلا حق له في صورة عدم دعوى المدعى علم الوارث فتأمل.
ثالثها ما ذكره دام ظله لا للاتكال عليه مستقلا بل إنما ذكره تأييدا للوجهين الاولين من أن الحكمة في أصل جعل اليمين مع كون الاصل للمنكر هو تشفي المدعي بيمينه وحصول فائدة وغرض له ومن المعلوم ان التشفي حاصل للمدعي في صورة جهله بعلم المدعى عليه كما إذا ادعى العلم عليه غاية الامر التفاوت بينهما في الجملة وهل ترى أن يكون الوجه عندهم في الحكم بسقوط اليمين في صورة اعتراف المدعي بعدم علمه الذي هو قضية اطباق كلمتهم دليلا تعبديا وصل إليهم يقضي بما ذكر حاشاك حاشاك بل لا ترى الوجه عندهم إلا لزوم لغوية اليمين في الصورة المفروضة وعدم ترتب نفع له باليمين فلا يجري فيه أدلة اليمين أيضا مثل قوله من حلف لكم بالله فصدقوه حيث ان المفروض تصديق المدعي للحالف والامر بالحاصل محال وبالجملة ليس الامر في صورة اعتراف المدعي بجهل المدعى عليه التي تقول بتوجيه اليمين فيها عليه ويقول الاكثر بعدم توجهها إليه إلا كالامر في دعوى التهمة والظنون التي حكموا فيها بتوجه اليمين إلى المدعى عليه في كون كل منهما مبنيا على ترتب نفع للمدعي وهو حصول التشفي له على تقدير كذب المدعى عليه في الحلف.
والحاصل ان اليمين على نفي العلم في محلها نزلت منزلة اليمين على البت في جميع الآثار من حيث الرد والنكول وغيرهما وليس لكل من هذه الاحكام الثابتة في اليمين على نفي العلم دليل مستقل نعم لا بد في تكليف المدعى عليه باليمين من ترتب نفع بها للمدعي فلا محالة يحكم بأنه لو اعترف المدعي بعدم علمه لا وجه للحكم بلزوم اليمين عليه.
هذا محصل ما ذكره شيخنا الاستاد في المقام فتأمل فيه لعلك تجده جديرا بالقبول وهو غاية المسئول.
وينبغي التنبيه على أمرين أحدهما انه هل يجب على الحاكم أولا استفسار المدعي بعد جواب - المدعى عليه بلا أعلم عن علمه بعلمه أو بعدمه او جهله بهما أو لا يجب عليه ذلك بل يحكم على المنكر باليمين فإن حلف وإلا فيقضى عليه بالنكول أو بالرد وحلف المدعي وإن احتمل ان المدعي معترف في الواقع بعدم علمه وجهان أوجهها عند الاستاد العلامة الاول تحصيلا لمورد اعمال موازين القضاء وحفظ الاموال وعدم لزوم الضرر على المدعى عليه فبعد جواب المدعى عليه بعدم ثبوت الحق يسئل المدعي هل تريد أن احلف المنكر أم لا فإن قال لا وإلا فيسئله هل تدعي عليه علما بالحق أو تجهله أو تعترف بعدم علمه فإن أجاب بالاولين فيحلف المدعى عليه وإلا فلا.
ثانيهما انه هل اليمين على نفي العلم رخصة للمدعى عليه في كل مورد تتوجه إليه بحيث يجوز له الحلف على الواقع أيضا عن علم أم عزيمة بحيث لا يتخلص إلا باليمين على نفي العلم أوجهها عند الاستاد بل عند الاصحاب الاول ووجهه واضح بل قد عرفت في تضاعيف كلماتنا السابقة انه ذهب بعض إلى تعين الحلف على البت عليه فيما إذا أجاب بالنفي عن علم وإن علمت ضعفه فراجع.
قوله إذا ادعى على المملوك بالغريم مولاه الخ أقول لا إشكال في انه إذا كان للدعوى تعلق بالعبد فللمدعي أن يدعي على المولى أو على العبد مخيرا بينهما فإن ادعى على المولى كما ادعى عليه ان عبدك جنى علي أو أتلف مالي أو ان ما في يده لي فلا يخلو إما أن يقر بما ادعى أو ينكره فإن أقر فلا إشكال في الزامه بإقراره بما يرجع عليه سواء استلزم استرقاق العبد أو استقرار شئ في ذمة المولى دون ما يرجع على العبد كما إذا ادعى جنايته عمدا وأقر المولى بها إذ ليس للمولى إلا مالية العبد دون ازهاق نفسه ولهذا لا يجوز له قتله بل ضربه من دون سبب يقتضيه كالتأديب ونحوه كل ذلك لما دل على ان اقرار العقلاء على أنفسهم جايز وعلى غيرهم ليس بجايز نعم لو أقر العبد في الفرض بما يدعي المدعي تخير حينئذ بين استرقاقه ومقاصته أما الاسترقاق فلاقرار المولى وأما التقاص فلاقرار العبد الغير المستلزم للضرر على المولى بالفرض وإن أنكر فإن كان للمدعي بينة لما يدعيه فلا إشكال في الحكم بمقتضاها على المدعى عليه أي بالنسبة إلى ما يرجع إليه وأما بالنسبة إلى ما لا يرجع إليه كالتقاص فيما ادعى الجناية العمدية وقامت البينة عليها فهل هي كإقرار المولى فلا يحكم به أو كإقرار العبد من حيث عموم ما دل على اعتبار البينة بخلاف الاقرار فإن دليله مختص بما يرجع إلى النفس وجهان أوجههما الاول لان البينة القائمة على أحد لا تكون حجة على غيره ما لم يدع عليه وقامت البينة.
وبالجملة ما دل على الحكم بالبينة إنما يدل على الحكم بها في حق من ادعى عليه بالنسبة إلى ما يرجع إليه وأما في حق غير المدعى عليه فلا فإن لم تكن له بينة أو كانت ولم يقمها وأراد استحلاف المدعى عليه فليس على المولى إلا اليمين على نفي العلم على ما مر تحقيقه فإن حلف فلا يجوز له الدعوى بعده مع العبد بالنسبة إلى ما يرجع إلى المولى وإلا فإن رد اليمين على المدعي فحلف فيلزم المولى بالحق وكذا إذا امتنع عنه و
قلنا بالقضاء بالرد وكذا إن قلنا بالقضاء بالنكول فإنه يحكم في جميع هذا الصور عليه بالنسبة إلى ما يرجع إلى نفسه فإن نكل عن الحلف بعد رد اليمين إليه فليس له اعادة الدعوى مع العبد فيما يرجع إلى المولى كما لا يخفى ويجوز بالنسبة إلى ما يرجع إليه على أقوى الوجهين والحاصل ان حكم الدعوى على المولى في الفرض حكم الدعوى على فعل نفسه إلا في اليمين فإنها في الفرض على نفي العلم وفي الدعوى على نفسه على البت هذا كله ان ادعى على المولى.
وان ادعى على العبد فلا يخلو إما أن يدعى عليه بما يرجع إليه ويتعلق بذمته كدعوى الاقتراض و شبهه أو يدعى عليه بما لا يتعلق بنفسه بل يتعلق برقبته ومولاه.
فإن ادعى عليه على الوجه الاول فلا ريب ان اثباته عليه وانكاره له فإن ثبت عليه اما باقراره أو قيام البينة أو رد اليمين على المدعي في صورة الانكار أو بغير ذلك من موازين الاثبات فيتبع به بعد العتق ففي لحقيقة ليس هذه دعوى على المملوك من حيث هو مملوك بل هي دعوى عليه باعتبار حريته وإن وقعت في زمان مملوكيته ومن هنا تقدر على دفع ما أورده بعض الاعلام من الاشكال على الاصحاب في حكمهم بما ذكرنا مع ان العبد لا إقرار له ولا إنكار عبد مملوك لا يقدر على شئ فكيف يثبت عليه شئ بإقراره وإنكاره وجه الدفع ان المتبادر مما دل على نفي قدرة العبد من الآية الشريفة وغيرها إنما هو نفيها بالنسبة إلى ما يتعلق به من حيث كونه مملوكا ومالا للغير لا ما يتعلق به من حيث كونه حرا لعدم المانع منه كما هو موجود بالنسبة إلى القسم الاول وهو مملوكيته للغير فعلى هذا لو ادعى عليه بما له جهتان كالجناية عمدا فالبنسبة إلى الجهة التي تتعلق بنفسه يرجع إليه وبالنبسة إلى الجهة التي تتعلق بماليته يرجع إلى القسم الثاني فلو أقر في المثال المذكور بما ادعى عليه ينفذ اقراره عليه فيجوز مقاصته بعد العتق لكن لا ينفذ اقراره على المولى لانه اقرار على الغير فلا يجوز استرقاقه إلا إذا أقر المولى أيضا بما ادعى عليه فيجوز حينئذ استرقاقه ومقاصته فعلا لعدم المانع من التقاص بعد اقرار المولى.
وان ادعى عليه على الوجه الثاني سواء ادعى عليه بما في يده كما لو ادعى على ما في يد العبد المأذون بالتجارة أو بغيره سواء كان دعوى المال أو الجناية فالخصم حقيقة هو السيد كما صرح بذلك جماعة من الاصحاب بمعنى انه لا عبرة باقراره ولا انكاره فإن أقر فلا يمضي على المولى فليس للمدعي باقراره على المولى شئ وإن أنكر فلا يترتب أثر على انكاره لا اثباتا ولا إسقاطا بمعنى انه لو أقام المدعي البينة عليه أورد العبد اليمين إليه فحلف أو نكل عنه لا يحكم بها له بل يجب عليه لو أراد الحق تجديد المرافعة مع المولى ولو أنكر وحلف يجوز للمدعي تجديد المرافعة مع المولى هذا.
ولكن قد يلوح من عبائر جمع من الاصحاب انه لو أقام المدعي البينة على ما ادعاه يلزم المولى به وإن لم يكن حاضرا وإن حلف العبد على انكاره يسقط حق المدعي ولا يجوز له المرافعة بعده مع المولى ولكن الاحرى الاولى بالاتباع ما ذكرنا كما لا يخفى لما دل على نفي القدرة من العبد بالنسبة إلى ما يسمى شيئا المقصود منه بدلالة الاقتضاء نفي جميع الآثار المترتبة على فعل القادر شرعا من فعله ولهذا استدل الامامعليهالسلام على فساد طلاقه بأنه شئ.
ثم اني اتبعت فيما ذكرت الشيخرحمهالله في المبسوط وجماعة فإن الشيخ قد صرح بما ذكرته في أصل الكبرى وهي ان ما يرجع إلى العبد فطي الدعوى معه وما يرجع إلى المولى فطي الدعوى معه وهو الخصم حقيقة
فالاولى نقل عبارته حتى تكون على بصيرة من أمره حيث قال في المبسوط في باب الدعوى على العبد ما هذا لفظه إذا ادعى على العبد حق فإنه ينظر فإن كان حقا يتعلق ببدنه كالقصاص وغيره فالحكم فيه مع العبد دون السيد فإن أقر به لزمه عند المخالف وعندنا لا تقبل اقراره ولا يقتص منه ما دام مملوكا فإن اعتق لزمه ذلك وأما إن أنكر فالقول قوله فإن حلف سقطت الدعوى وإن نكل ردت اليمين على المدعي فيحلف ويحكم بالحق وإن كان حقا يتعلق بالمال كجناية الخطأ وغير ذلك فالخصم فيه السيد فإن أقر به لزمه وإن أنكر فالقول قوله فإن حلف سقطت الدعوى وإن نكل ردت اليمين على المدعي فيحلف ويحكم له بالحق انتهى كلامه وهو كما ترى موافق لما ذكرنا من أصل الكبرى وإن كان ظاهر كلامه حسبما صرح به بعض مشايخنا عدم سماع دعوى الجناية العمدية على المولى وقد عرفت سماعها عليه بالنسبة إلى استرقاق العبد وإن لم تسمع بالنسبة إلى قصاصه ويمكن أن يحمل كلامه على ما ذكرنا.
وبالجملة ليس الشيخ مخالفا لما ذكرنا من التفصيل والبيان فنسبة المخالفة إليه خلاف ومخالفة وقال في الدروس ولو ادعى على العبد فالغريم المولى وإن كانت الدعوى معه ولو أقر العبد به يتبع به ولو كان بجناية وأقر العبد فكذلك ولو أقر المولى خاصة لم يقتص من العبد ويملك المجنى عليه بقدرها ويلزم من هذا وجوب اليمين على العبد لو أنكر الملزوم لسماع الدعوى عليه منفردا انتهى كلامه وهو أيضا كالصريح فيما ذكرنا.
إذا عرفت ذلك فنقول إن أراد المصنف من قوله إذا ادعى على المملوك الخ ما ذكرنا كما هو الظاهر فلا إشكال فيه ولا يرد عليه أيضا ما أورده في المسالك وإن أراد ان طي الدعوى مع العبد مستلزم للغرامة الفعلية على المولى فإن أقر يلزم به المولى وإن قامت البينة على المدعى فكذلك وإن كان مما يتعلق بنفسه فيرد عليه بما أورده في المسالك لكن الظاهر ان مراده ما ذكرنا وبالجملة لا إشكال في المسألة بعون الله بل لم أجد مخالفا لما ذكرنا فالاعتراف بالاشكال واضطراب كلمات الاصحاب حسبما صرح به جماعة لم أقف على وجهه فتوجه.
قوله لا تسمع الدعوى في الحدود مجردة عن البينة الخ أقول ما ذكره المصنف مما لا إشكال فيه ويدل عليه وجوه أحدها الاجماع المنقول المعتضد بالشهرة العظيمة بل عدم الخلاف في المسألة حسبما صرح به جمع من الاجلة ثانيها ان من شرط سماع الدعوى استحقاق المدعي لها ولو بإذن صاحب الحق والحق فيما نحن فيه حسبما هو المفروض لله تبارك وتعالى ولم يأذن أيضا في الدعوى ولم يطلب الاثبات بل أمر بدرء الحدود بالشبهات وبالتوبة عن موجبها وقد ورد في بعض الاخبار نهيهصلىاللهعليهوآله من حمل رجلا على الاقرار عنده بالزناء بقوله هلا سترته بثوبك ثالثها ما عرفت من تضاعيف كلماتنا السابقة من ان شرط توجه اليمين على المنكر ترتب فايدة من توجهها للمدعي وهي تشفي قلبه وإلا لزم لغويتها والمفروض ان صاحب الحق فيما نحن فيه الله جل جلاله والتشفي مستحيل في حقه وهو ليس محتاجا بشئ وكل شئ محتاج إليه ولا ينفعه شئ وكل شئ ينتفع منه ويمكن ارجاع هذا الدليل إلى سابقه وبالجملة لا إشكال في المسألة انشاء الله وقد مر بعض الكلام منا فيها في بعض المسائل السابقة فراجع.
قوله لو ادعى صاحب النصاب ابداله في أثناء الحول قبل قوله بلا يمين الخ أقول وبالحري قبل الخوض في التكلم في الفروع التي ذكرها المصنف وغيره ان نتعرض لما يقتضيه القاعدة الاولية وانها هل تقتضي سقوط اليمين عن المدعي بعد قيام الدليل على سقوط البينة عنه فيحتاج الحكم بلزوم اليمين عليه في مورد إلى دليل
يدل عليه أو انها تقتضي لزوم اليمين عليه في كل مورد قام الدليل على سقوط البينة عنه فيحتاج الحكم بعدم لزوم اليمين عليه ولزوم تصديق قوله بدونها إلى دليل خارج يحكم به على القاعدة ويرفع به اليد عنها.
ثم ان الكلام يقع في مقامين أحدهما في انه هل يلزم المدعي باليمين بمقتضى القاعدة في كل مورد قام الدليل على سقوط البينة عنه أو لا يلزم بها ثانيهما في انه هل يلزم المنكر بالبينة بعد قيام الدليل على سقوط اليمين عنه أم لا.
فنقول أما الكلام في المقام الاول فالحق فيه بالنظر إلى القاعدة المستفادة من العمومات الاولية الواردة في باب القضاء الحاصرة ميزانه بالبينات والايمان مثل قولهصلىاللهعليهوآله انما أقضي بينكم بالبينات والايمان قوله جميع أحكام المسلمين على ثلاثة وجوه بينة عادلة ويمين فاصلة وسنة جارية من أئمة الهدى هو الزامه باليمين باللزوم الشرطي وعدم الاكتفاء بمجرد قوله إلا أن يدل دليل من خارج على كفايته كما دل في بعض الموارد لان ظاهر هذه العمومات بما فيها من أدوات الحصر حصر القضاء والفصل بين الناس بالبينة والايمان فإذا قام الدليل على عدم الزامه بالبينة في المورد الذي قضى به قوله البينة على المدعي فلا يجوز الحكم به (فيه خ) من دون يمين لانه طرح لما دل على حصر الحكم بالبينة واليمين فإن انتفاء الاولى لا يستلزم انتفاء الثانية.
وبتقرير آخر كما يحكم بعدم كفاية اليمين من المدعى ما لم يقم دليل عليه بمقتضى قوله واليمين على من أنكر وخرجنا عنه في موارد يرجع ضابطها إلى عدم المقتضي للعمل بالاصل في طرف المنكر اما بقيام الظن الشخصي على خلافه كما في اللوث او الظن النوعي على خلافه كما في الشاهد واليميم بعد قيام الدليل على اعتبارهما في مقام رفع اليد عن الميزان الكلي أو وجود المانع عن العمل به كما فيما يتعسر أو يتعذر أقامة البينة عليه بعد قيام الدليل من الخارج على مانعيته كذلك يحكم بعدم جواز الاكتفاء بقوله مجردا وتصديقه فيه من دون يمين بعد قيام الدليل على سقوط البينة عنه بمقتضى قوله انما أقضى بينكم بالبينات والايمان ونحوه فيجب الزامه بالحلف ما لم يقم دليل من الخارج على كفاية مجرد قوله.
فأن قلت قد ذكرت غير مرة انه لا عموم بل ولا أطلاق في تلك العمومات الولية والاطلاقات الابتدائية وانما وردت لبيان القضية المهملة وأما تفصيلها فهو موكول على ما فصل فيه الامر وبين فيه الحال كقوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ونحوها ورد من الاخبار الدالة على كون البينة ميزانا للمدعي واليمين ميزانا للمدعى عليه ولا عموم في هذه الاخبار أيضا حتى يتمسك به بل مقتضى قوله واليمين على على من انكر نفي اليمين في جانب المدعي وبالجملة لا عموم في العمومات الولية جتى يتمسك بها بل انما وردت في مقام الاهمال والاجمال وما ورد في بيانها وتفصيلها أيضا لا عموم فيها حتى يتمسك به أن لم يكن دالا على خلافه فاتمسك بالعمومات على كل تقدير ساقط.
قلت ما ذكرته غير مرة من أن تلك العمومات انما وردت لببيان القضية المهملة فانما هو بالنسبة إلى تعييين البينة واليمسن في حق الاشخاص وأن الولى وظيفة في حق أي شخص والثانية ميزان لاي شخص وأما بالنسبة إلى ان الفصل والقضاء بين الناس لا بد من أن يكون بأحديهما ولا يخرج عنه (عنها خ) فلا بل تلك العمويمات من هذه الجهة مبينة مفصلة لا أهمال فيها اصلا لانها وردت في بيان هذا المعنى فاذا قام دليل من الخارج على سقوط البينة من المدعى حسبما هو المفروض فلا بد من أن يلزم المدعى باليمين بمقتضى العمومات الحاصرة يزان القضاء بالبينات والايمان.
فأن قلت بعد ما وردت الاخبار في بيان القضية المهملة المستفادة من العمومات وأن البينة على المدعى واليمين على من انكر يكشف عن أن المراد بالبينات والايمان هي بينات المدعى وايمان الممنكر فأذا قام دليل من الخارج على سقوط البينة من المدعى فيكشف هذا عن سقوط ما جعل ميزانا له في قوله انما أقضي بينكم؟؟ فيسمع قوله من دون يمين.
قلت ما ذكرته من كشف الاخبار المفصلة عن حصر الميزان في حق مالمدعي بالبينة انما هو فيما اذا لم يقم دليل معتبر على سقوط البينة عنه فانه يحكم حينئذ بعدم كفاية اليمين له وعدم سماع قوله الا بالبينة واما اذا قام الدليل الخارجي على سقوط البينة عن المدعى فيخصصص قوله البينة عى المدعى ويرفع اليد عنه يرجع إلى العمومات الولية الحاصرة امر القضاء بالبينات والايمان لعدم المانع لها بعد سقوط البينة عن الممدعى.
قأن قلت بعد قيام الدليل من الخارج على سقوط البيينة من المدعى وأن لم يكن قوله البينة على المدعى منافيا للعمومات الحاصرة من حيث ارتفاعه بالفرض الا ان قوله واليمين على من انكر مناف لها حيث انه يدل حسبما ذكرته مرارا على أن كل يمين منحصر في المنكر وليست ميزانا لاحد في العالم غير المنكر فيدل على ان اليمين لم تجعل ميزانا في الشريعة للمدعي ولهذا يستدل به على عدم كفاية اليمين منه فيما لم يقم دليل من الخارج على سقوط البينة عنه فأذا قام الدليل الخارجي على سقوط البينة عنه فيحكم بضميمة قوله واليمين على من انكر بسماع قوله مجردا عن اليمين وليس الحكم بلزوم اليمين عليه في الفرض من جهة العمويمانت ورفع اليد عن قوله والليمين على من انكر اولى من الحكم بسماع قوله مجردا عملا به وبرفعا لليد عن العمومات أن لم يكن هذا اولى مما ذكرت وبالجملة رفع اليد عن العمويمات غير عزيز وليست مما تقبل التحصيص أو تكون ابية عنه فأنه قد رفع اليد عنها بما يدلعلى القضاء بالنكول فيجعل قوله واليمين على من انكر بضميمة ما دل على سقوط البينة عن المدعي دليلا على القضاء بقثول المدعي ومخصصا لما دل على حصر القضاء بالبينات والايمان.
قلت كما لا يمكن رفع اليد عن العمومات الولية بقوله البينة على المدعي بعد فرض قيام الدليل على سقوطها كما اعترفت به كذلك لا يمكن رفع اليد عنها بقوله اليمين على من انكر ولو بضميمة الدليل المذكور لانك قد عرفت مرارا أن قوله واليمين على من انكر في مقام بيان كفاية اليمين من المنمكر تسهيلا عليه وعدم كفايتها عن المدعي تشديدا عليه كما يدل عليه قوله(١) أن الله حكم في دمائكم على خلاف ما حكم به في أموالكم إلى أن قال لئلا يطل دم امرء مسلم فتدل بمقتضى عموم لفظ اليمين على أن كل يميم لا يكفي من غير المنكر بل يجب عليه اقامة البينة والمفروض ان فيما نحن فيه يكتفي من المدعى باليمين قطعا لكن لا يعلم انه من جهة كفاية قوله مجردا أو منضما مع اليمين فالكفاية باليمين أمر متيقن وثابت على كل تقدير.
نعم لو كان قوله واليمين على من انكر في مقام بيان انه لايمكن التخلص لاحد في العالم باليمين الا المنكر وانها ليست ميزانا لغيره اصلا بل هي وظيفة منحصرة في حق المنكر لوم تشرع في حق غيره ابدا حسبما كان بنائي القاصر عليه في سابق الايام لكان منافيا لقوله انما اقضي بينكم بالبينات واليمان لكن الامر ليس كما ذكر بل قوله واليمين على من انكر في مقام نفي كفاية اليمين عن المدعى في قبال البينة وانه لا بد من الزامه باثقل الوظيفتين بخلاف المنكر فانه يجوز له اقامة أية منهما فعدم سماع اليمين من المدعي انما
____________________
(١) وقد اراد الاستاد العلامةرحمهالله بالاستدلال بالحديث الشريف مستقلا على المدعي وفيه ما لا يحفى (منه قده) *)
هو فيما اذا كان مكلفا باقامة البينة.
وأما أذا قام الدليل على سقوطها عنه حسبما هو المفروض فا يدل قوله واليمين على من انكر على عدم كونها ميزانا للمدعي فيلزم (فيلتزم خ) بها بمقتضى العمومات الدالة على حصر ميزان القضاء بالبينة واليمين فالدليل الدال على سقوط البينة عن المدعي ليس مقتضيا لسقط اليمين عنه ولو بضميمة قوله واليمين على من انكر بل قيامه يمنع من التمسك به كما يمنع من التمسك بقوله البينة على المدعي.
وبالجملة الحكم في مورد بسماع قول المدعي من دون يمين وبينة مستلزم لارتكاب خلاف الظاهرين احدهما ما دل من العمومات على ان ل مدع عليه الينة ثانيهما ما دل على انحصار الفصل بين الناس بالبينة واليمين فأذا قام دليل على جوازه في الثاني لزم منه جوازه في الاول لكنه مع قيام الدليل على تصديق قول المدعي مجردا.
فأن قلت ما ذكرته من ورود قوله اليمين على من انكر في بيان نفي كفاية اليمين عن المدعي في قبال البينة وكفايتها عن الممنكرك انما هو أذا جعلنا اليمين رخصة للمنكر لا عزيمة فأنه يستقيم حينئذ التمسك العمومات لالزام المدعي باليمين بعد قيام الدليل على سقوط البينة عنه وأما أذا قلنا بانها فزيمة للمنكر حسبما عليها جمع كثير وجم قفير ييجوز التمسك بالعمومات حينئذ لان قوله اليمين على من انكر يدل على هذا التقدير على أن تركها لا يجوز للمنكر وفعلها لا يجوز لغيره.
قلت مع انا قد استوفينا الكلام سابقا في اثبات كون اليمين رخصة لللمنكر لا عزيمة ان التمسك بالعمومات لا يتوقف على جعلها رخصة للمنكر اصلا بل يتم على القول بكونها عزيمة في حقه لان كونها عزيمة في حقه لا ينافي كون الحكمة في جعلها في حقه هو تسهيل الامر عليه والتوسعة له في مقابل المدعي كما في القصر في السفر فانه مع كونه مبنيا على التخفيف عزيمة على الممسافر لا رخصة غاية الامر انه اذا جعلنا لتسهيل علة لجعل اليمين في حق المنكر وكونها رخصة له يحكم بكفاية البينة عنه بنفس ما دل على اعتبارها عموما واذا جعلناه حكمة في جعل اليمين عليه لا يمكننا الحكم بكفاية البينة عنه بنفس العمومات بل يحتاج إلى الدليل الخارج عنها وهذا المقدار لا ينافي كون عدم سماع اليمين من المدعي من جهة عدم كفايتها في قبال البينة فلا مانع اذا من التمسك بالعمومات بعد سقوط البينة من المدعي فتأمل هذا مجمل القول في المقام الاول.
واما الكلام في الكقام الثاني فالحق أن يقال انه لا يلزم المنكر باقامة البينة بعد قيام الدليل على سقوط اليمين عنه فانه يدل على سقوط البينة عنه أيضا بالاولوية لان ما ينفي الاخف ينفي الاثقل بطرريق الاولى نعم لو قام دليل على عدم كفاية اليمين عنه ولزوم اقامة البينة عليه كما ورد في بباب الدماء ئغيره يحكم به لكنه لا دخل له بما نحن فيه لان كلامنا اليمين عنه اذا قام الدليل على سقوط اليمين عن المنكر.
ثم لا فرق فيما ذكرنا في المقام أيضا بين جعل اليمين رخصه للمنكر أو عزيمة بعد ما فرض ان اكتفاء الشارع بايمين من المنكر انما هو من باب تشريع الاخف ولو كانت الخفة حكمة في جعله فالالتزام بقبول قول المنكر من دون بينة وان كان مستبزما لارتكاب مخالفة الظاهرين ورفع اليد عن الاصلين الا ان ما قام على سقوط اليمين عنه يكفي لتجويزها لما عرفت من الاولوية.
نعم لو قام دليل على كفاية البينة عن المنكر على القول بكون مقتضى الاصل كفايتها عنه حسبما قويناه سابقا تبعا لششيخنا الاستاد وجماعة من المحققين لا يستلزم سقوط اليمين عنه فيحكم بلزوم اليمين عليه
بمقتضى ما دل على حصر ميزان القضاء بالبينة واليمين وما دل بالخصوص من العمومات المفصلة على كون اليمين على المنكر.
وتوهم ان التمسك به في المقام على القول بكون اليمين رخصة للمنكر مستلزم لاستعمال اللفظ في الخيير والتعين حيث انه يراد في المقام الاستدلال به بتعيين اليمين عليه وفيما لم يقم دليل على عدم كفاية البينة يراد الاستدلال به على التخييير حسبما هو المفروض من كون اليمين رخصة.
مدفوع بانه ليس من قبيل استعمال اللففظ في التعييين والتخيير اصلا بل هو نظير تعيين احد فردي الواجب التخييري بتعذر الاخر بالتعيين في المقام انما جاء من جهة عدم كفاية البينة جسبما هو فرض قيام الدليل عليه لا من جهة دلالة قوله اليمين على من انكر فافهم وتأمل.
اذا عرفت ذلك فلنبين قبل الخوض في الفروع أيضا ضابطة قليلة المؤنة كثيرة النفع والفائدة فنقول أما أن يقوم دليل من الخارج على سقوط البينة من المدعي أو لا يقوم فأن كان الثاني فالحكم هو ألزام المدعي بالبينة بمقتضى قوله البينة على المدعى وأن كان الاول فلا يخلو أما أن يدل الدليل على سقوط البينة عنه من غير دلالة على أمر زايد كمما ورد أن القول قوله من دون أشارة إلى نفي اليمين وثبوتها ففي هذا المورد يحكم بلزوم اليمين عليه بمقتضى العمومات.
وأما أن يدل على سقوطها عنه بمعنى كونه مصدقا في قوله من غير احتياج إلى شئ في الحكم ولا اشكال حينئذ في الحكم له بمجرد دعواه كما هو احد الوجوه في القاعدة المشهورة بينهم وهي من ملك شيئا ملك الاقرار به حسبما بنى عليه بعض الاصحاب واحد المعنيين لقوله ما على المحسنين من سبيل حسبما بنى عليه جماعة من كونه دالا على نفي اليمين عن الامناء واحد القولين فيما دل على القضاء بالنكول حيث انه ذهب بعض إلى انه دليل على سماع قول المدعى وان القضاء انما هو به لا بنكول المنكر.
واما ان يدل على يصديقه وان القول من غير احتياج إلى شئ لكن لا بمعنى الحكم والقضاء به بل معنى عدم تعرضه ومخاصمته وهذا القسم في الحقيقة خارج عما نحن فيه ومن هنا يعلم ان اكثر الفروع التي ذكرها الاصحاب غير مربوط بما نحن فيه ولا يكون سماع قول المدعي فيها من دون يمين مخالفا شي من العمومات لانها انما تدل عى حصر الفصل والقضاء بين الناس بالبينة والايمان واما مجرد سماع قوله بمعنى عدم المخاصمة معه فيما لا حق لللمدعي عليه اصلا محتاج بشئ قطعا لا اذا عرفت ذلك فهنا ذكرها المصنف وغيره من الاصحاب يسمع فيها قول المدعي من دون يمين لا بأس بالاشارة إلى جملة منها.
فمنها دعوى المالك ابدال النصاب في اثناء الحول لتنفي عنه الزكوة ذكره جماعة من الاصحاب بمنهم المصنف في المتن في عداد مايسمع فيه قول المدعي من دون يمين ولكن استشكال الاستاد الععلامة دام ظله فيه بان مدعى التبدل ليس مدعيا بل هو منكر لان اصالة عدم التبديل لا يقبت بقاء الزكوة في المال الذي يريد الزكوة منه الاعلى القول بالعتبار الاصول المثبتة وهو فاسد عندنا.
ومنها دعوى المالك رفع الزكوة إلى الممستحق ذكره في المسالك ملحقا له بالفرع الاول.
ومنها دعمى نقص الحب والثمرة والزرع لينقص عنه ما قرر عليه من مقدار الزمكوة.
ومنها دعوى الذمي الاسلام قبل الحول ليتخلص من الجزية والحكم في هذه الفروع سماع دعوى المدعي
من دون يمين قد نقل عليه الاجماع من جماعة وعدم الخلاف من آخرين والظاهر انه كذلك هذا.
وذكر في المسالك بعد نفي الخلاف ما هذا لفظه والوجه في قبول قوله في هذه المواضع ان الحق بين العبد وبين الله ولا يعلم الا من قبله غالبا انتهى وهو كما ترى غير مبين المراد فإن كان المراد ان في هذه المواضع لا خصومة لغير المدعي معه لان الحق من حقوق الله تبارك وتعالى ولم يأذن في أخذه فهو وإن كان على تقدير ثبوته موجها حسبما ذكرنا من أن سماع قول المدعي من دون يمين فيما لا خصومة معه حقيقة لا يحتاج إلى دليل إلا أن الاشكال في ثبوته لامكان ان يدعى كون الزكاة حقا للناس في الجملة فتأمل وإن كان المراد ان الحق فيها وإن كان من حقوق الناس لكن لما تعسر على المدعي اقامة البينة عليه لانه لا يعلم إلا من قبله كما يشعر به قوله ولا يعلم إلا من قبله غالبا فيجب سماع قوله لذلك ففيه ان تعسر اقامة البينة لا يقتضي سقوط اليمين التي قضت بلزومها العمومات الحاصرة غاية الامر ان يقتضي سقوط البينة هذا.
ولكن يمكن أن يستدل للحكم المذكور في الفروع المذكورة غير الاخير منها بما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام من امره الجابي بالرفق والمدارا مع من يذهب إليهم ليؤخذ الزكاة منهم وسماع قولهم بأداء - الزكاة أو عدم تعلقها بمالهم فراجع إليه وتأمل فيه.
وقد أكثر في المسالك وغيره من الكتب من الفروع التي يسمع فيهاقول المدعي من دون يمين لكن لا دخل لكثير منها بما نحن في صدده من سماع قول المدعي في مورد الخصومة وجعله ميزانا للقضاء فراجع إليها حتى تشاهد صدق ما ذكرنا وبعضها منظور فيه كقبول قول - الامين في الرد وان نسبه في المسالك إلى المشهور وبعضها خارج عما نحن فيه كقبول قول المدعي مع نكول خصمه بناء على القضاء بالنكول فإنه انما هو من جهة القضاء بالنكول لامن جهة سماع قول المدعي والقضاء به من دون احتياج إلى شئ إلا أن يراد بالسماع أخذ المدعى عليه بعد الدعوى ولو كان من جهة أمر آخر فتأمل وعليك بالتدبر فيما ذكروه من الفروع وانطباقها على ما ذكرنا من الاصول وهو غاية المأمول ونهاية المسؤل والمرجو في كل أمور.
ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها وإن لم يكن لها كثير ارتباط بالمقام.
الاول انه هل يجوز للمدعي فيما لا سلطنة له على احلاف المنكر اما من جهة عدم وجود حاكم الشرع أو عدم دعوى العلم فيما يشترط فيه دعوى العلم على القول به أو من جهة فقدان غيرها من الشرايط ان يتوصل إلى حلف المنكر ويلزمه به بالمصالحة معه عليه أو اشتراطه في عقد لازم ويترتب عليه آثار الحلف أو لا يجوز له ذلك وجهان أوجههما عند الاستاد العلامة وجماعة من المحققين منهم الفاضل القمي هو الثاني وربما يجري على لسان بعض مشايخنا المتأخرين الاول والوجه هو الاول.
ونحن نورد الكلام في حكم خصوص الصلح وعليك بقياس غيره عليه واستنباط حكمه منه.
فنقول بعون الملك العلام ان تنقيح المرام في المقام يحتاج إلى بسط في الكلام وهو انه لا يخلو اما ان يصالح المدعي المدعى على حلف المنكر أو الدعوى عليه وعلى كل من التقديرين اما ان يراد من المصالح عليه حلف المنكر من حيث كونه ميزانا للقضاء ومسقطا لحق المدعي أو حلفه من حيث كونه فعلا سائغا له شرعا كما إذا صالح عليه في غير مقام الخصومة كما إذا أخبرك شخص بموت زيد مع تعلق غرض لك بموته فتصالح المخبر بشئ على أن يحلف لك بموته ليحصل لك الاطمينان بموته فالصور أربعة والحكم في جميعها ما ذكرناه.
أما الوجه في الصورة الاولى من الصور الاربع وهي أن يصالح المدعي حقه على حلف المنكر من حيث
كونه ميزانا للقضاء فلان اسقاط الدعوى وغيره من آثار اليمين الفاصلة إنما يحصل بنفس المصالحة قهرا فلا مورد للحلف بهذا المعنى كما لا يخفى.
وبعبارة أخرى حصول برائة ذمة المدعى عليه من المدعي بعد وقوع المصالحة قهري يعلم به كل أحد من المدعي والحاكم وغيرهما فلا معنى لليمين التي هي من موازين القضاء والفصل بين المتخاصمين وهي نظير ما إذا أقر المنكر بما يدعى عليه فإنه لا معنى حينئذ لتحليفه لارتفاع الخصومة بنفس أقراره ولهذا ذكرنا ان أخذ المنكر بالاقرار والزامه بمقتضاه ليس منافيا لما دل على حصر الفصل بالبينة والايمان لانه إنما هو في مورد الخصومة هذا مع انه قد يقال ان المصالحة على الوجه المذكور منافية لما دل على اختصاص اليمين الفاصلة بما إذا وقع بمحضر الحاكم وباذنه مثلا فلا دليل على صحتها بل مقتضى ما دل على انتفاء اليمين من المنكر في الموارد لتي يثبت فيها ذلك من جهة انتفاء شرطها فساد المصالحة المذكورة لانها مخالفة للكتاب والسنة ومحللة للحرام فتأمل - ومما ذكرنا كله يظهر وجه فساد المصالحة في الصورة الثانية أيضا وهي ما إذا صالح المدعي دعواه على يمين المنكر على الوجه المذكور فلا نطيل بالاعادة وبالجملة لا معنى لبقاء الخصومة بعد المصالحة حتى يحتاج في رفعها إلى اليمين وهذا مما لا إشكال فيه إنشاء الله وإن طال الكلام فيه بعض الافاضل.
فلنصرف عنان الكلام إلى بيان الوجه للمرام في باقي الصور وهو ما إذا صالح المدعي حقه على حلف المنكر من حيث كونه فعلا من أفعاله أو صالح دعواه عليه على النهج المذكور فيقع الكلام في صورتين أما الكلام في الصورة الاولى فنقول انه لا يخلو إما أن يصالح المدعي حقه ومدعاه على حلف المنكر بالبرائة وعدم استحقاق المدعى فعلا أو يصالح حقه عليه بالزامه (بالبرائة خ) قبل المصالحة أو يصالح حقه على حلف المنكر بعدم السبب الذي يدعيه المدعي فيما إذا فرض تنازعهما فيه.
أما الصورة الاولى فلا إشكال في فساد المصالحة فيها لما عرفت من حصول البرائة قهرا بعد المصالحة فالزام المدعي المنكر بالحلف على الوجه المذكور بمقتضى المصالحة لغو صرف لكونه بنفسه مصدقا اياه في انكاره البرائة الفعلية التي يريد أن يحلف عليها.
وأما الصورة الثانية والثالثة فحكمهما واحد فنقول بعون الملك المنان والقادر السبحان ان المدعي في الفرض لا يخلو إما أن يعلم بعلم المنكر بكذبه في انكاره أو يعلم بعلمه بصدقه فيه أو يعلم بجهله فيه بأحدهما أو ا يعلم شيئا منهما بل يردد انكار المنكر في نظره بين الاقسام المذكورة.
فلنقدم لتوضيح الوجه في الاقسام وما في الصور مقدمة وهي انه قد تقرر في محله انه يشترط في صحة المصالحة أمور ثلاثة أحدها جواز مطالبة المصالح شرعا بالمصالح عليه ثانيها جواز المصالح عليه للمصالح معه ثالثها ترتب نفع وفائدة عن المصالح عليه للمصالح وبالجلمة يشترط فيما يصير عوضا في عقد المصالحة ما شترط في غيره من اباحته لكل من المتعاقدين وكونه مما ينتفع به.
أما وجه اشتراط الاول والثاني فقوله كل صلح جايز بين المسلمين إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا مضافا إلى ما دل من لزوم اباحة العوض في العقود والمعاوضات بقول مطلق.
وأما وجه اشتراط الثالث فهو ما دل من الاجماع وغيره على فساد المعاملة المبنية على اللغو والهزل مضافا إلى انصراف ما دل على امضاء العقود والوفاء بها بغيرها كما لا يخفى.
إذا عرفت ما قدمنا لك من المقدمة فلنرجع إلى بيان الوجه في حكم الاقسام فنقول اما الوجه
في فساد المصالحة في القسم الاول وهو ما إذا علم المدعي بعلم المنكر بكذبه في انكاره وكونه مبنيا على العناد فهو انتفاء الشرطين الاولين لحرمة الحلف في الفرض لنفس الحالف وحرمة الزام المدعي إياه عليه أيضا لكونه الزاما على فعل الحرام ومعاونة عليه وهو حرام بالادلة الاربعة.
وأما الوجه في فسادها في القسم الثاني فهو انتفاء الشرط الثالث لفرض علم المدعي بعلم المنكر بصدقه في انكاره فالحلف عليه حلف على الحق فهو حسنة للحالف لا يترتب عليه نفع للمدعي من حصول الاطمينان والتشفي وغيرهما من الفوائد اللهم إلا أن يفرض له فائدة.
وأما الوجه في فسادها في القسم الثالث فهو انتفاء الشرطين الاولين أيضا لفرض جهل المنكر في علم المدعي فلا يجوز له الحلف ولا لغيره الزامه عليه لما تقدم.
وأما الوجه في فسادها في القسم الرابع فهو عدم احرازه جميع الشروط فيه لتردد حلفه بالفرض بين ما لا نفع فيه للمدعي وبين ما يكون حراما قطعا لانه لا يخلو إما أن يكون صادقا في اعتقاده أو كاذبا أو شاكا وعلى التقدير الاول لا نفع للمدعي في حلفه وعلى التقديرين الاخيرين يحرم حلفه فيعلم المدعي إجمالا بانتفاء شرط العوض في المصالحة فكيف يجوز الحكم بصحة هذه المصالحة التي يعلم المصالح بانتفاء شرطها.
فإن قلت حصول العلم إجمالا بكون الحالف صادقا في اعتقاده أو كاذبا بحسب الواقع لايقدح في تحقق الاباحة ظاهرا وفي نظر المدعي وحصول نفع للمدعي من حلفه وتعلق غرض منه عليه اما عدم قدحه في تحقق الاول فظاهر لان الاصل اباحة الحلف له والاصل في فعل المسلم أن يحمل على الصحة فيحكم من جهتهما بكون الحلف مباحا للحالف فيجوز لغيره الزامه عليه بمقتضى المصالحة وإنما لم يحكم بتحققه في - القسم الاول من حيث فرض العلم بكونه كاذبا فيعلم بحرمته عليه فلا بمعنى لحمل فعله على الصحة المأخوذ فيه شك الحامل في فساد فعل الفاعل وأما حصول الثاني فلاحتمال كذبه في حلفه في نظر المدعي فيحصل له التشفي الذي جعل حكمة لاصل تشريع اليمين بالنسبة إلى المدعي.
نعم لا يمكن حصول التشفي بعد العلم بصدقه فباحتمال الصدق يتحقق الاول وباحتمال الكذب يحصل الثاني فبنفس الشك وتردد حلف الحالف في نظر المدعي بين الامرين يحصل الشرطان فكيف يمكن الحكم بكونه مانعا من تحققهما وعدم تحققهما في صورة العلم بأحد الامرين إنما هو من جهة العلم فلا يمكن قياس صورة الشك عليها.
قلت نمنع من إمكان الحكم بإباحة الحلف وترتب نفع عليه في الصورة المفروضة مستندا إلى ما ذكر من الوجوده والادلة لفسادها وعدم نهوضها للدلالة أما أصالة البرائة والاباحة ففيها انه ليس هنا دليل يدل على اعتبارها في فعل الغير لا من العقل ولا من النقل كما لا يخفى لمن راجع إليها فالحكم بإباحة الحلف للمنكر من جهة أصالة البرائة لا يخلو من تأمل فتأمل وأما أصالة فعل المسلم على الصحة ففيها انها إنما تجري فيما إذا صدر فعل المسلم وشك في صحته وفساده وإباحته لا فيما إذا شك في أصل جواز الفعل له وأريد الزامه به فتأمل هذا مضافا إلى انه لو كان هناك دليل يدل على اباحة الحلف للحالف فلا يترتب نفع عليه من حصول التشفي و غيره هكذا ذكر الاستاد العلامة دام ظله ولي فيه نظر لان حصول التشفي وعدمه إنما هما مبنيان على جواز - الحلف للحالف وعدمه بالنظر إلى حال الحالف فيما بينه وبين الله فحكمنا بإباحة الحلف له من جهة حمل فعل
المسلم على الصحة لا يجوز الحلف له بالنظر إلى تكليف نفسه لو كان عالما بكذبه أو كان شاكا فيه فاحتمال الحرمة له لو كان مبطلا باق في صورة الشك فيحصل التشفي منه على تقدير كذبه في اعتقاده وبالجملة لا دخل لحديث الحكم بحلية الفعل في نظر الغير للحكم بحليته في نظر الفاعل الذي هو علم بحاله والتشفي مبني على احتمال الحرمة بالنظر إلى تكليفه فيما بينه وبين الله وهذا لا ينافي كوننا مأمورين بحمل فعله على الصحة والجواز كما لا يخفى هذا مضافا إلى إمكان أن يقال ان أدلة البرائة وإن لم يجر بالنسبة إلى الحالف لكن لا مانع من جريانها بالنسبة إلى المدعى فيحكم بإباحة الزامه للمنكر بالحلف اللهم إلا أن يقال جواز الزامه متفرع على جواز الحلف للحالف فما لم يثبت جوازه ولو بالاصل لا يمكن اثبات جواز الزامه فتأمل هذا.
ويظهر من الفاضل القميقدسسره في بعض كلام له متعلق بالمقام في اجوبة مسائله ان الوجه في عدم جواز الحكم بالجواز في صورة الشك هو عدم حصول الظن للمدعي بالجواز من الاصل بناء منه على ما بنى عليه الامر في جميع الاصول والامارات من كون اعتبارها من باب الظن الشخصي حيث قال بعد الحكم بفساد - المصالحة المفروضة مستندا إلى ما أشرنا إليه من لزوم احراز الاباحة في العوض ما هذا لفظه وحينئذ نقول إن ان المدعى عليه مشغول الذمة في الواقع فيمينه حرام فلا يجوز الصلح عليه وإن كان بريئا فهو وإن كان يجوز له حينئذ لكن لا بد في عقد الصلح من معرفة الجواز وعدم الجواز ولا علم للمدعي بالجواز لاحتمال عدمه ولا معنى لاصالة الجواز لتساوي الاحتمالين بل رجحان الحرمة لان الراجح عند المدعي هو اشتغال ذمة المدعى عليه فيكون حلفه حراما ظاهرا ومعرفة المدعى عليه جوازها لعلمه ببرائة ذمته عما يدعيه في بعض - الاحيان لا تنفع في تصحيح المصالحة مطلقا ومن جانب المدعى انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وهو كما ترى ظاهر في ان المستند في عدم جواز الحكم بالجواز عدم حصول الظن بصدق المدعى عليه فلا يحصل الظن من أصالة الجواز حينئذ حتى يحكم بجوازه ولهذا حكم بالحرمة ظاهرا كما ترى من جهة الظن بكذبه وهذان - الحكمان منه كما ترى مما لم أعلم بذهاب أحد إليهما سيما في حكمه بالحرمة من جهة رجحان كذبه في نظر المدعي فإن من يقول بحجية مطلق الظن في الفروع لا يقول بحجيته في الموضوعات الخارجية سيما في مثل المقام والفاضل المذكور وإن بنى الامر في الاصول على حجية مطلق الظن حتى في الموضوعات الخارجية أيضا كني كنت معتقدا انه لا يمشي على هذا المنوال في الفروع هذا كله بالنظر إلى عدم إمكان الحكم بالاباحة في الصورة المفروضة.
وأما عدم ترتب النفع والفائدة على الحلف في الصورة المفروضة فلانه وإن احتمل كذب المنكر في حلفه فيصيبه ما يصيبه فيحصل التشفي للمدعي إلا أن مجرد احتمال هذا لا يخرج المعاوضة عما لا يقدم عليها العقلاء ولا يترتب لهم عليها نفع مقصود معتد به إلا أن يقال ان بنائهم في خصوص الصلح على المسامحة فيتسامحون فيها بما لا يتسامحون في غيرها بل أصل وضع الصلح عندهم للمسامحة فلهذا تراهم يصالحون كثيرا من الاموال التي تبلغ قيمتها ألف دينار بدينار بل بدرهم فيجوز أن يحكم بالاكتفاء في الصلح بما لا يكتفى به في غيره من عقود المعاوضة فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر.
فإن قلت لو كان الزام المنكر بالحلف فيما حكمت بحرمته من صورة العلم بكذبه أو الشك فيه حراما لانه الزام بالقبيح واعانة عليه كذلك اذن المدعي ورضائه بحلف المنكر فيما كان كاذبا لا بد أن يكون معصية وقبيحا مع اتفاقهم على اشتراط اذن المدعي ورضائه في حلف المنكر بحيث لو استحلفه الحاكم بدون
اذنه لكان لغوا فما التفصي عن ذلك.
قلت التفصي عنه بوجوه أحدهما أن يقال ان اذن المدعي ليس شرطا في أصل حلف الحالف بل إنما هو شرط في استحلاف الحاكم من حيث ان اعماله هذا الميزان أي يمين المنكر والقضاء بها موقوف على استيذانه من حيث كونه حقا للمدعي فالمدعي إنما يأذن الحاكم في اعماله ميزان القضاء لا انه يرضى بفعل القبيح من المنكر حتى يقال ان صدور هذا الفعل القبيح لما كان موقوفا على رضائه فالرضاء به من المدعي قبيح وحرام بل ما يرضى به المدعي هو اعطائه حقه ولا يرضى بيمينه المسقطة لحقه فتأمل(١) .
ثانيها أن يقال انه لا ضير في التزام ذلك وقد دل الاخبار عليه مثل قوله إذا أرضى صاحب الحق بيمين صاحبه فحلف فلا حق له ولا مانع منه إلا كونه رضاء بالقبيح وهو قبيح وهو غير مانع إذ نمنع من قبحه يعد كونه موجبا لردع المنكرين عن الانكار كذبا وعنادا حيث ان الحلف كاذبا كما سمعنا ورأينا كثيرا ما يستعجل في هلاك الحالف فيوجب ذلك ردع من يريد إنكار الحق واخفائه ولو كان قبيحا أيضا ذاتا لا ضير في تجويزه مراعاة للمصلحة المذكورة فهو نظير الاذن من ارتكاب أقل القبيحين فتأمل.
ثالثها أن يقال انه ليس الشرط في المقام هو الرضى الباطني من المدعي بحلف المنكر حتى يقال انه رضى بالمعصية التي تتوقف على رضائه بل إنما الشرط هو اذنه من حيث كون منعه مانعا وبعبارة أخرى كما ان إقامة البينة حق للمدعي وطريق لاثبات حقه كذلك حلف المنكر أيضا طريق لتخلصه من مطالبة المدعي ودعواه فإن اذن المدعي ولم يمنع من استحلافه فهو وإن منع منه فقد حصل التخلص بنفس منعه وعدم مطالبته لانه بعد رفع يده عن الدعوى يحصل التخلص للمنكر من غير يمين ومعلوم انه لا يجب على الشخص رفع اليد عن حقه حتى لا يقع غيره في المعصية باختياره وهو نظير ما إذا جائك سارق فقال لك ارفع يدك عن جميع أموالك وإلا أحاربك وأقتلك فإنه لا يجب عليك حينئذ رفع اليد عن جميع الاموال حتى لا يقدم السارق على فعل القبيح بل يجوز لك ان لا ترفع يدك عن مالك فإن قاتلك باختياره فلك أن تقاتله وتقتله والحاصل ان الاذن فيما نحن فيه كإذن موسى على نبينا وآله وعليهالسلام السحرة بالسحر فإنه لم يكن واجبا على موسىعليهالسلام رفع اليد عن الارشاد والهداية فيما إذا أراد من يريد اهدائه فعل معصية وقبيح باختياره وهذا الجواب ذكره الاستاد العلامة دام ظله ونحن لخصناه بطوله وعليك بالتأمل فيه.
فإن قلت ان المدعي إذا صالح حقه بدراهم فيرد عليه هذا المحذور أيضا لان المدعي قد يكون مبطلا فيكون الدرهم عليه حراما فيكف يصالح عليها مع أنه لا إشكال في جواز مصالحته وصحته إذ الصحة لا تنافي الحرمة عليه.
قلت نمنع من صحة المصالحة واقعا إذا كان المدعي مبطلا في دعواه بحسب اعتقاده فيحرم عليه أكل المصالح عليه نعم لو علم بحقية دعواه اما بعلمه باشتغال ذمة المنكر بالمدعى أو قيام امارة معتبرة عليه عنده صح الصلح واقعا.
وبالجملة لا إشكال في فساد قياس الصلح على اليمين على الصلح بغيرها لانه في صورة علم المدعي بحقية المنكر يكون يمينه لغوا وفي صورة عدم علمه بها يكون الزامه بها حراما فلا مورد لصحته وهذا بخلاف الصلح بالدراهم لان المصالحة عليها لا يكون لغوا على كل تقدير والزام المنكر بها أيضا لا يكون حراما في
____________________
(١) وجه التأمل فساد هذا التوجيه اما من جهة ان الرضا باستحلاف الحاكم يستلزم الرضا بحلف المنكر أو من جهة ان ظاهر الاخبار الرضا بحلف المنكر (منه قده)
جميع التقادير فلا مانع من الحكم بصحته في الجملة هذا مجمل القول في مصالحة المدعي باليمين.
وأما الكلام في الصورة الثانية وهو ما إذا صالح المدعي دعواه على اليمين بناء على جواز مصالحتها مع قطع النظر عن المدعى به على ما هو التحقيق عندنا من جوازها من حيث كون الدعوى في نفسها مما لها أثر لا دخل لها (له خ) بنفس المدعى به فنقول ان الكلام في عدم الامكان جعل هذه اليمين ميزانا للقضاء من حيث سقوط المخاصمة والدعوى قهرا على فرض صحة المصالحة قد عرفته سابقا فلا نطيل بالاعادة وأما الكلام في جواز صيرورتها عوضا للمصالحة من حيث كونها فعلا من الافعال فنقول ان الحق عدم جوازها أيضا لما عرفت من لغويتها على تقدير العلم بصدق المنكر وعدم جواز الالزام بها بمقتضى المصالحة على تقدير العلم بكذبه أو الشك فيه فيحكم بفساد المصالحة لعدم اجتماع الشروط في عوضه فحكم الصورتين واحد من حيث فساد المصالحة فيهما وان كان بينهما فرق على فرض صحة المصالحة فيهما فإن مصالحة المدعى به تستلزم سقوطه بخلاف صلح الدعوى فإنه إنما يقتضي سقوط الدعوى وأما سقوط المدعى به فلا فيجوز له المقاصة واقعا وساير ما يترتب على الملكية الواقعية من الآثار الغير المستلزمة لمطالبة المدعى عليه ظاهرا فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر.
الثاني انه كما لا إشكال في جواز مصالحة المدعي حقه أو دعواه بمبلغ مع المدعى عليه كذلك لا إشكال في جواز مصالحة المنكر يمينه التي تكون حقا له بحسب الشرع على مبلغ معين مع المدعى فيرفع يده عن حقه ويصالحه بشئ معين مع المدعى فيسقط الدعوى بمجرد المصالحة ويعطى المصالح عليه بالمدعى من دون جواز المرافعة له بحيث يطالب المنكر باليمين وهذا مما لا إشكال فيه.
إنما الاشكال في انه هل يجوز للمدعي بعد قبول المصالحة المرافعة مع المنكر وإقامة البينة على الحق أو تقاصه من مال المنكر إذا ظفر عليه واقعا في صورة عدم اقامة البينة أم لا الاقوى وفاقا للاستاد العلامة نعم لعدم المانع منه أصلا لان قبول عدم حلف المنكر بازاء شئ لا يستلزم سقوط أصل الدعوى أو المدعى كما انا قوينا سابقا جواز التقاص فيما إذا صالح المدعي دعواه من حيث هي على دراهم مثلا مع المدعى عليه هذا.
ولكن قد يقال بل قيل بخلاف ما ذكرنا والحكم بعدم سماع الدعوى مع البينة وعدم جواز التقاص بدونها نظرا إلى ان بعد مصالحة المنكر يمينه بشئ وقبول المدعى لها يكون حكم هذا الشئ المجعول عوضا حكم اليمين شرعا بعد امضاء الشارع هذه المصالحة منهما ومن المعلوم الثابت في محله عدم جواز التقاص بعد يمين المنكر ولو كانت فاجرة لكنه لا يخفى عليك فساد ما ذكر إذ لا دليل أصلا على تنزيل العوض منزلة اليمين على النهج المذكور ومجرد امضاء الشارع لا دلالة له على ذلك كما لا يخفى نعم لو كان بناء المنكر في قصده حين المصالحة اسقاط اليمين عنه بحيث يسقط منه الحق والدعوى أيضا وقبلها المدعى بهذا العنوان أمكن القول بسقوط الدعوى رأسا وعدم جواز التقاص أيضا ولكنه ليس بلازم من مجرد مصالحة اليمين كما هو معلوم على كل أحد فتدبر.
الثالث انه قد ذكر جماعة ان العبرة في الحلف على نية المحلف والقاضي وذكر بعض ان العبرة بنية الحالف ان كان محقا وبنية المحلف ان كان مبطلا وهذه الكلمات قد تكررت كثيرا بينهم ولم يعلم المراد منها ولما وعدناك سابقا على التكلم فيها على ما يقتضيه الحال ويسعه المجال فلنوف بما وعدناك. ونحن نورد الكلام في المقام على جهة الظابطة الكلية ثم نشير بعده إلى ما هو التحقيق عندنا فيما ذكروه فنقول المنكر لا يخلو إما أن يكون كاذبا في انكاره بحسب اعتقاده أو صادقا فيه بحسب الاعتقاد أو شاكا فيهما والكلام في كل واحد من هذه الاقسام قد يقع في الحكم التكليفي لحلفه وقد يقع في حكمه الوضعي اما.
الكلام في القسم الاول وهو ما إذا كان المنكر كاذبا فيقع تارة في الحكمين إذا حلف على طبق الانكار كذبا وأخرى فيهما إذا حلف تورية لا كذبا.
فالكلام في القسم الاول في مقامين فنقول اما الكلام في المقام الاول منهما فلا إشكال ولا ريب في حرمة الحلف بالله كاذبا ويدل عليها مضافا إلى ما دل على حرمة الكذب عموما من الادلة الاربعة ما ورد في خصوص المقام من الاخبار المتظافرة بل المتواترة التي قد تقدمت إلى جملة منها الاشارة قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله انما أقضي بينكم بالبينات والايمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا يعلم انه ليس له فإنما قطعت له قطعة من النار بل لا إشكال ولا خلاف في كونه كبيرة موبقة موجبة لفسق فاعلها هذا كله في الحكم التكليفي للحلف كاذبا وأما حكمه الوضعي فالمشهور بل المدعى عليه الاجماع سقوط الدعوى بها في الجملة بل قد عرفت سابقا ذهاب الاكثر إلى عدم جواز التقاص بعدها للمدعي استنادا إلى أخبار كثيرة أوردناها سابقا هذا إذا لم يعلم الحاكم بكذبه قبل الحلف وأما إذا علم به قبله فلا إشكال حسبما عرفت سابقا في قضائه بعلمه هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فيقع أيضا في مقامين أحدهما في الحكم التكليفي ثانيهما في الحكم الوضعي.
أما الكلام في الحكم التكليفي فقد قوى الاستاد العلامة دام ظله الحرمة مدعيا في ظاهر كلامه في مجلس البحث انعقاد الاجماع عليها لا لان التورية كذب موضوعا حسبما توهمه بعض فيدل على حرمتها كل ما دل على حرمة الحلف كاذبا ولا لانها مستلزمة للظلم على المدعي بأكل ماله وبطلان حقه لان الحرمة من هذه الجهة لا دخل لها باليمين بل لان المستفاد مما دل على حرمة الحلف كاذبا هو حرمة كل يمين بالله توجب ابطال حق الناس من حيث كونه استخفافا باسم الله جل جلاله وعظم شأنه وتقدست أسمائه وذكر في أثناء كلامه مما يستفاد منه ذلك من الاخبار ما ورد في اصل تشريع اليمين في زمان داود على نبينا وآله وعليهالسلام .
وحاصل مضمون الحديث انه كان ميزان تميز (الميزان لتمييز خ) المبطل من المترافعين من المحق في زمانهعليهالسلام سلسلة من الحديد جائت من السماء فإذا رفع المنكر يده إليها فإن كان محقا وصل يده إليها وإلا ارتفعت السلسلة ولم يصل يده إليها حتى وقعت مخاصمة بين رجلين في دراهم يدعيها أحدهما على الآخر وكان المنكر واقعا مشغول الذمة وكانت الدراهم عنده فأدرجها في جوف عصاء له لم يعلم أحد به فأمر المدعي بحفظه حتى يرفع يده إلى السلسلة فرفعت فإذا ارتفعت السلسلة إلى السماء ونادت باني لست ميزانا بين الحق وبالباطل ثم أوحى الله عزوجل إلى نبيه بالحلف على اسمه تعالى وانه الميزان بين الحق والباطل ولو جوز للمنكر التورية في الحلف للزم الاحتياج أيضا إلى ميزان آخر غير اليمين والملازمة ظاهرة وأيضا مقتضى قوله ولا تجعلوا الله عرضة ايمانكم هو حرمة اليمين على النهج المذكور لان صيرورة اسم الله عرضة فيه مما لا يخفى على أحد.
هذا مجمل ما ذكره الاستاد العلامة دام مظله العالي في توجيه الاستدلال على الحرمة بل قد جزم بكون التورية في الصورة المذكورة كبيرة موبقة للحكم بفسق صاحبها ولكن لا يخفى عليك ما في الاستفادة المذكورة وفي الحكم بكون التورية في الفرض من الكبائر فتأمل هذا مجمل القول في الحكم التكليفي.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو كفاية الحلف على الوجه المذكور وعدمه في اسقاط الدعوى وساير - الآثار فنقول لا إشكال في عدم كفايته لان ما يكفي من اليمين هي التي كانت مطابقة للانكار ونافية للدعوى
وإلا لزم عدم القضاء باليمين حسبما عرفت وجه اللزوم سابقا فإن علم الحاكم بأنه ورى في حلفه فيأمره باعادته ولهذا حكى عن جماعة من الاصحاب وجوب اعادة اليمين لو عقبها بإنشاء الله وإلا فيحمل كلامه على - الواقع فهل يجوز التقاص للمدعي على القول بعم جوازه في اليمين الفاجرة إذا علم بان الحالف ورى في حلفه أو لا يجوز له ذلك وجهان أوجههما الاول لان مقتضى القاعدة المستفادة مما ورد في باب التقاص جوازه في كل مورد غاية الامر انه قام الدليل على انه لو حلف المنكر على نفي المدعى بحسب الواقع لا يجوز التقاص بعده لان المدعي قد رضى به عن حقه فيعمل في التورية بالعمومات السالمة عن المخصص والمعارض.
ثم انه هل يلحق بالحلف إذا ورى فيه في متعلقه تكليفا ووضعا الحلف الذي يورى فيه في اسم الجلالة أو لا فالحق أن يقال ان في الحكم الوضعي لا إشكال في لحوقه به وأما الحكم التكليفي فلا إشكال عندنا في عدم لحوقه به ولكن قد احتمل شيخنا الاستاد الالحاق في الحكم التكليفي أيضا بل مال إليه بعض الميل فتدبر هذا مجمل القول في المقام الاول وهو ما إذا كان المنكر كاذبا في انكاره.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو ما إذا كان صادقا فيه غير مشغول الذمة بحق المدعي أصلا فالكلام فيه أيضا يقع في مقامين أحدهما في الحكم التكليفي ثانيهما في الحكم الوضعي بالنسبة إلى الحاكم.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه لا إشكال في جواز الحلف على نفي اشتغال ذمته وما يدعى عليه في الجملة بل له ان لا يحلف أصلا ان أمكنه ذلك إنما الاشكال في انه إذا ادعى المدعى عليه سببا من أسباب الاشتغال كالبيع والصلح غيرهما من العقود وقد ادى المنكر في الواقع العوض وبرئت ذمته منه لكن يدعى المدعي السبب الذي وقع بينهما ويريد استحلافه عليه ويلزمه الحاكم أيضا أو غير ذلك من الصور التي يلزم - الحاكم المدعى عليه بالحلف كاذبا مع كونه محقا في الواقع فهل يجوز للمنكر الحلف بالله كاذبا وإن أمكنه التورية وكان ملتفتا إليها أو لا يجوز له ذلك وجهان أوجههما حسبما يظهر في النظر القاصر فعلا الاول.
وتوضيح الكلام في وجه المرام بحيث يرتفع غواشي الاوهام يحتاج إلى بسط في المقام والتعرض لكلمات علمائنا الاعلام عليهم رضوان الله الملك العلام على ما يقتضيه الحال ويسعه المجال.
فنقول انه لا إشكال ظاهرا في جواز الحلف كاذبا في حق المحق إذا فرض عدم تمكنه من التورية أو غفلته عنها لما دل من الاخبار المتواترة معنى على جوازه التي سيأتي إلى جملة منها الاشارة مضافا إلى ما دل عموما على اباحة الضرورات المحظورات والتفصيل بين ما إذا كان المال المدعى به خطيرا أو صغيرا كما ربما يدعى لا يصغى إليه أصلا وأما إذا فرض تمكنه من التورية فالمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة وجوب التورية لان التخلص من الحرام مهما أمكن واجب فيجب فعل ما يحصل به التخلص والمفروض عدم توقف تحصيل الحق عليه أيضا.
ولا بأس بذكر كلمات جماعة ممن رأينا كلامه ظاهرا في وجوب التورية حتى يظهر لك صدق ما ادعيناه من ذهاب المشهور إلى وجوب التورية قال في المقنعة على ما حكى عنها من كانت عنده أمانة فطالبها ظالم فليجحد وإن استحلفله فليحلف ويوري في نفسه بما يخرجه عن الكذب إلى أن قال فإن لم يحسن التورية وكانت نيته حفظ الامانة اجزئه النية وكان مأجورا انتهى.
وقال في محكي الغنية في هذه المسألة ويجوز له أن يحلف انه ليس عنده وديعة ويوري في يمينه بما يسلم به من الكذب بدليل اجماع الشيعة انتهى وهو كما ترى يمكن استظهار دعوى الاجماع منه على وجوب التورية في صورة الامكان وقال في السرائر في هذه المسألة أعني مطالبة الظالم الوديعة فإن قنع الظالم منه
بيمينه فله أن يحلف ويوري في ذلك انتهى وفي النافع حلف موريا وفي القواعد ويجب التورية على العارف بها وفي اللمعة يحلف عليه فيوري وقريب منه في شرحها وفي جامع المقاصد في باب المكاسب يجب التورية بما يخرجه عن الكذب وأنت إذا رجعت إلى كلماتهم تجدها منادية بما ذكرنا.
ثم ان حاصل ما يمكن أن يجعل وجها لما صاروا إليه من لزوم التورية وجهان أحدهما ما عرفت الاشارة إليه من أن الكذب حرام ولم يحصل الاضطرار إليه مع القدرة على التورية فيدخل تحت العمومات ثانيهما ماأشار إليه الاستاد العلامة في أثناء المباحثة وذكره في المكاسب من أن قبح الكذب عقلي فلا يسوغ إلا مع تحقق عنوان حسن في ضمنه يغلب حسنه على قبحه ويتوقف تحققه على الاضطرار إليه ومعلوم انه لا اظطرار مع القدرة على التورية هذا حاصل ما يذكر في المقام لتوجيه مذهب المشهور ولكن يمكن الجواب عن الوجهين بأن الدليل على جواز الكذب لو كان نفس الاضطرار إليه والاكراه به لتوجه المنع عليه بأن موضوع الاضطرار والاكراه لا يتحقق مع القدرة على التورية ولكن الامر ليس كذلك بل الدليل عليه اطلاق ما ورد من الاخبار المجوزة للحلف كاذبا إذا كان الحالف محقا و معه لا عبرة بالوجهين.
فبالحري أن نذكر برهة من تلك الاخبار حتى يزول ببركتها كل شبهة حدثت أو تحدث في هذا المضمار فمنها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن عليعليهمالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله احلف بالله كاذبا ونج أخاك من القتل.
ومنها صحيحة إسماعيل بن سعد الاشعري عن أبي الحسن الرضاءعليهالسلام سئلته عن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف له لينجو به منه قال لا بأس وسئلته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على مال نفسه قال نعم.
ومنها ما في الفقيه قال قال الصادقعليهالسلام اليمين على وجهين إلى أن قال فأما اليمين التي يوجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا ولم يلزمه الكفارة فهو أن يحلف الرجل في خلاص أمرأ مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره.
ومنها رواية سماعة عن أبي عبداللهعليهالسلام إذا حلف الرجل لا يضره إذا اكره واضطر إليه وقال ليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه.
ومنها ما ورد ان الحلف كاذبا للرجل إذا كان محقا أحلى من العسل إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا الباب ولا ريب في ظهورها فيما ذكرنا.
وحملها على صورة عدم القدرة على التورية والعجز عنها مضافا إلى انه تقييد من دون مقيد حمل على الفرد النادر وكيف يصار إليه مع انه لو كان معتبرا لاشير إليه في تلك الاخبار الكثيرة المجوزة للحلف كاذبا مع الخوف والاكراه خصوصا في قضية عمار وابويه حيث أكرهوا على الكفر فأبى أبواه وقتلا وأظهر لهم عمار ما أرادوا فجاء باكيا إلى رسول الله فنزلت الآية من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله إن عادوا عليك فعدولهم ينبهه على التوريه أصلا.
فإن قلت رفع اليد عن اطلاقات تلك الاخبار ليس من دون مقيد يقضي به بل المقيد موجود وهو حكم العقل المستقل بقبح الكذب وعدم جواز ارتكابه ما لم يضطر إليه وقد عرفت غير مرة انه مع القدرة على
التورية لا يتحقق الاكراه على الكذب.
قلت حكم العقل بقبح الكذب لا يمنع من ترخيص الشارع فعله لمصلحة ولو كانت هو التسهيل على العباد كما رخصه من جهة الاصلاح وغيره وإطلاقات الاخبار المتقدمة كاشفة عن اذن الشارع ولو كان قادرا على التورية وقد أجاب الاستاد العلامة أنه من باب الاستعفاء فتأمل(١) .
فإن قلت لا إطلاق لتلك الاخبار ينفع في المقام لانها وردت مورد الغالب وهو عدم الالتفات إلى التورية أو الجهل بها كما حملها العلامة عليه في بعض كتبه فليس في الحكم بعدم جواز الكذب في صورة الالتفات إليها مجذور ارتكاب خلاف الظاهر فيها من دون قرينة تقضي به.
قلت حمل تلك الاخبار الكثيرة على الصورة المذكورة وإن كانت غالبة خلاف ظاهرها وهي آبية على كثرتها من الحمل عليها على فرض تسليم غلبتها.
نعم هنا شئ يمكن التمسك به لمذهب المشهور وهو ان رواية سماعة الظاهرة الاختصاص بصورة الاضطرار بحيث ينتفي جواز الكذب في غيرها من جهة المفهوم أخص مطلقا من الاخبار المذكورة فيرفع بسببه اليد عنها حملا للمطلق على المقيد والعام على الخاص ولو كانت النسبة بينهما عموما من وجه أيضا حسبما سمعت من الاستاد وإن لم نعرف وجهه لكفى إذ نرجع في مورد الاجتماع إلى العمومات السالمة عن المعارض الدالة على حرمة الكذب وإلى حكم العقل المذكور هنا اللهم إلا أن يقال ان الاخبار المذكورة مع جهة كثرتها أقوى دلالة من الرواية المذكورة فتأمل فالاولى أن لا يترك الاحتياط في ترك الكذب مع القدرة على التورية.
ثم ان هنا إشكالا على المشهور أول من أورد عليهم به الاستاد العلامة دام ظله العالي على ما وقفنا عليه وهو انه ما الفرق بين الاضطرار بالكذب والاكراه على الطلاق والبيع ونحوهما من العقود والايقاعات حيث ذهبتم إلى عدم تحقق الاول من إمكان التورية وإلى تحقق الثاني مع إمكانها حسبما صرح به جماعة و يظهر من آخرين فإن الطلاق مثلا ليس مجرد التلفظ بلفظ هي طالق بل الطلاق هو المعنى الانشائي القائم باللفظ على وجه المدلولية وما أكره عليه الرجل إنما هو اللفظ لا المعنى فإذا اختار الرجل مع التمكن عن التورية معنى الطلاق باختياره فكيف يقال انه اكره عليه ويستدل على عدم صحته إذا لم يتعقبه الرضاء بقولهصلىاللهعليهوآله في الحديث المشهور وما استكرهوا عليه ولا يستدل على جواز الحلف كاذبا في صورة التمكن من التورية بقولهصلىاللهعليهوآله فيه وما اضطروا إليه مع ان كثيرا من الموارد إذا أكره على الطلاق ونحوه كما هو المشاهد في أكثر العوام يوقع الصيغة بالاختيار والرضاء زعما منهم انه إذا اكره الشخص على الطلاق مثلا يقع صحيحا في الخارج فيقصدون وقوع مضمونه في الخارج بانيا على رفع اليد عن المرئة المطلقة مع أن ظاهرهم عدم الحكم بصحته وان استشكل الاستاد العلامة فيه هذا.
وذكر الاستاد العلامة في توجيه الفرق في المكاسب ما هذا لفظه ويمكن أن يفرق بين المقامين بأن الاكراه إما يتعلق بالبيع الحقيقي أو الطلاق الحقيقي غاية الامر قدرة المكره على التفصي عنه بإيقاع الصورة من دون ارادة المعنى لكنه غير المكره عليه وحيث ان الاخبار خالية عن اعتبار العجز عن التفصي بهذا الوجه لم يعتبر ذلك في حكم الاكراه وهذا بخلاف الكذب فإنه لم يسوغ إلا عند الاضطرار إليه ولا اضطرار مع القدرة.
____________________
(١) وجه التأمل ان عفو الشارع القبيح من دون عروض ما يرفع قبحه مما لا يجوز عليه وإلا لم تكن الملازمة بين حكم العقل والشرع (منه قده)
نعم لو كان الاكراه من أفراد الاضطرار بأن كان المعتبر في تحقق موضوعه عرفا أو لغة العجز عن التفصي كما ادعاه بعض أو قلنا باختصاص رفع حكمه بصورة الاضطرار بأن كان عدم ترتب الاثر على المكره عليه من حيث انه مضطر إليه لدفع الضرر المتوعد عليه به عن النفس والمال كان ينبغي فيه اعتبار العجز عن التورية لعدم الاضطرار مع القدرة عليها انتهى كلامه من الله علينا بطول بقائه وعليك بالتأمل فيه فإنه لا يخلو عن تأمل.
ثم انه قد حكي عن بعض عدم وجوب اعتبار التورية في المقام من حيث كونها كذبا أيضا فلا ينفع التفصي بها أيضا ولكنه لا يخفى فساده للمنع من كون التورية كذبا لان الكذب هو مخالفة ما أراده المخبر من الخبر للواقع لا مخالفة ما يظهر من ظاهر اللفظ له ولو لم يكن مرادا من اللفظ أصلا ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يجعل الكذب هو مخالفة الخبر للواقع أو الاعتقاد أو كليهما معها لانه على الثاني عبارة عن مخالفة ما أراده المتكلم من الخبر لاعتقاده وعلى الثالث عبارة عن مخالفته للواقع واعتقاده وبالجملة لا إشكال كما عليه جمع من المحققين في عدم كون التورية كذبا هذا مع انه لو سلم كونها كذبا لكن يمكن أن يقال الفرق بينها في مرتبة القبح وبين الكذب فتأمل هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو الحكم الوضعي بالنسبة إلى الحاكم فنقول انه ان علم الحاكم صدق المنكر في انكاره فلا يحتاج إلى اليمين أصلا بل يقضي بمقتضى علمه حسبما عرفت تفصيل القول فيه وفي الحقيقة هذه الصورة خارجة عن محل الكلام وإن لم يعلم به فإن اطلع على تورية الحالف في حلفه فيلزمه على الحلف من غير تورية وإن كان محقا في اعتقاده فإن حلف وإلا فيقضى عليه بعد النكول أو الرد على القولين وإن لم يطلع عليها فيؤخذ بظاهر اللفظ هذا مجمل القول في المقام الثاني.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو ما إذا كان الحالف جاهلا بالحال فيقع أيضا في موضعين أحدهما في الحكم الوضعي ثانيهما في الحكم التكليفي أما الكلام في الموضع الاول فالحق عدم كفايته فيما يعتبر فيه اليمين على البت فيحكم الحاكم عليه لو اطلع على الحال بما يحكم عليه إذا لم يحلف أصلا وأما الكلام في الموضع الثاني فيقع في مقامين أحدهما فيما إذا ورى في حلفه ثانيهما فيما إذا احلف على الواقع.
أما الكلام في المقام الاول فالحق فيه الجواز لعدم الدليل على المنع عدا ما يتوهم من ظهور بعض الاخبار المتقدمة وهو وهم لانها على فرض تسليم دلالتها على حرمة التورية منصرفة إلى غير الصورة وأما الكلام في المقام الثاني فالحق فيه أيضا الجواز لعدم العلم بكونه كذبا وقد مر بعض القول في ذلك فيما تقدم فتحقق من ذلك ان حكم الحلف بالنظر إلى الاثر الوضعي في المقامين واحد.
إذا عرفت ما تلونا عليك في المقامين علمت ان الحق فيما ذكروه في المقام من أن العبرة بنية الحالف أو القاضي هو التفصيل بين الحكم التكليفي والوضعي فالعبرة في الاول بنية الاول وفي الثاني بنية الثاني والله العالم ولعل ما ذكرنا لم يكن فيه خلاف بين الاصحاب إلا من ظاهر بعض مشايخنا المتأخرين فإنه ذهب إلى أن العبرة بنية القاضي ولو علم بعدم قصد الحالف للحلف بالله تعالى وقد نقلنا كلامه فيما سبق وأوردنا عليه بما لا يخفى وروده فراجع.
ومما يوضح ما ذكرنا من ان مراد من قال من الاصحاب ان العبرة بنية القاضي انما هو في الحكم الوضعي دون التكليفي وان مرادهم من كون العبرة بها إنما هو إذا كان هناك طريق له إلى احراز الحلف المعتبر شرعا ولو كان هو ظاهر اللفظ لا ان العبرة بها ولو قطع بأن مراد الحالف غير الحلف المعتبر شرعا كلام العلامة
في القواعد حيث قال والنية نية القاضي فلا يصح تورية الحالف ولا قوله إنشاء الله في نفسه انتهى كلامه وعليك بالمراجعة إلى كلماتهم حتى تجدها موافقة لما ذكره أعلى الله مقامه.
الرابع انه لو كان نزاع المترافعين في الشبهة الحكمية كما لو تنازع المشتري مع أحد الشركاء في حق الشفعة من جهة كون مذهبه أو مذهب من يقلده عدم ثبوت الشفعة في أكثر من الشريكين ومذهب المدعي ثبوتها فهل يصح حلفه على عدم ثبوتها على ما أدى إليه اجتهاده أو تقليده إذا كان مذهب القاضي ثبوت الشفعة في اكثر من الشريكين أولا وعلى الثاني فهل يلزم على المنكر الاخذ بفتوى القاضي بالنظر إلى تكليف نفسه واقعا و ترتيب آثار الواقع عليها ورفع اليد عما اقتضاه طريقته كان لم يكن له طريقة أصلا بخلاف فتوى القاضي أولا.
فالكلام يقع في مقامين أحدهما في انه هل تنفذ اليمين من المنكر إذا كانت مبنية على اعتقاده وطريقه الظاهري المخالف لطريق القاضي أو لا ينفذ منه إلا اليمين على طبق رأي القاضي ثانيهما في انه على فرض عدم نفوذها بالنظر إلى الحكم الوضعي فهل يجب على المنكر باطنا الاخذ بفتوى القاضي بالنظر إلى حكمه التكليفي بحيث يكون فتوى القاضي في الواقعة مؤثرة في رفع مقتضى تكليف المنكر واقعا أم لا فالكلام في المقام أيضا يقع تارة في الحكم الوضعي أخرى في الحكم التكليفي بالنظر إلى تكليف الحالف.
وليعلم أولا انه لا بد من أن يفرض الكلام فيما يتمشى فيه القضاء باليمين بأن كان ترافعهما عند الحاكم غير مبني على الاختلاف في الحكم بأن قال المدعي لي عليه شفعة وقال المنكر لا يلزمني منه شفعة أصلا وإلا فلا معنى للقضاء باليمين أصلا لان موردها الموضوعات الخارجية كالبينة لا الاحكام الكلية والقضاء فيها منحصر بفتوى الحاكم لا غير.
إذا علمت ذلك فلنتكلم في حكم المقامين فنقول اما الكلام في المقام الاول فالحق فيه وفاقا للمحققين من غير ظهور مخالف من الاصحاب حسبما وقفنا عليه ان الحاكم يلزم المدعى عليه على الحلف على نفي ما ادعى عليه واقعا فلو علم في مورد استناده في نفيه إلى طريق يقتضيه مخالف لما يقتضيه الطريق المعتبر عنده فلا يكتفى منه بهذا الحلف لما مر في الحلف تورية من انه يجب أن يكون ناظرا إلى نفي ما يدعيه المدعي بحسب اعتقاد الحاكم ونظره حتى يتحقق الفصل باليمين بل يلزمه على الحلف على نفيه واقعا فإن حلف وإلا فيقضى عليه وبالجملة المعتبر في الشبهة الحكمية ليس إلا رأي الحاكم فلو علم استنادا احد المترافعين في حلفه إلى رأي يخالف رأيه فلا يكتفى منه بذلك سواء كان المدعي أو المنكر بل يحكم عليه بمقتضى رأيه فلو علم في المثال ان المنكر إنما حلف على نفي الشفعة من جهة اداء نظره أو نظر مجتهده إلى عدم ثبوتها في أكثر من الشريكين وكان مؤدى نظره ثبوتها فيه فلا يكتفى منه بذلك بل يقضى عليه بمقتضى رأيه ولو رد المنكر في الفرض اليمين إلى المدعى فحلف على ثبوتها من جهة اداء نظره إليه وكان مقتضى نظر الحاكم عدم بوتها فلا يكتفى منه أيضا بذلك بل يقضى عليه بمقتضى نظره فالعبرة بنظر القاضي لا الحالف والله العالم هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول انه قد ذهب فيه جماعة منهم الشهيد في الدروس إلى اللزوم باطنا مطلقا مجتهدا كان المحكوم عليه أو مقلدا وأخرى منهم ابن الجنيد حسبما حكى عنه الاستاد العلامة إلى عدم اللزوم كذلك بل للمحكوم عليه أن يعمل فيما بينه وبين الله على ما أدى إليه نظره وذهب العلامة في القواعد إلى التفصيل بين المجتهد والمقلد فاختار الثاني في الاول والاول في الثاني حيث قال ما هذا لفظه ولو كان القاضي
يعتقد ثبوت الشفعة مع الكثرة لم يكن لمعتقد نفيها الحلف على نفي اللزوم بتأويل اعتقاد نفيه بل إذا الزمه القاضي صار لازما ظاهرا وعليه أن يحلف وهل يلزمه باطنا اشكال أقربه اللزوم ان كان مقلدا مجتهدا انتهى كلامه وهذا الكلام كما ترى ظاهر في التفصيل المذكور.
ثم ان مبنى القولين الاولين على أن الزام الحاكم في الشبهات الحكمية دون الموضوعية فإن ظاهرهم فيها الاتفاق على عدم تأثير الزام الحاكم بالنسبة إلى الواقع هل هو ملزم واقعا ووارد على تكليف المترافعين بحسب الواقع أو ملزم ظاهري بمعنى انه يجب الالتزام به ظاهرا ويحرم رده ونفي ما يوجبه وأما اللزوم باطنا فلا بل هو تابع لتكليف المترافعين بحسب ما أدى إليه اجتهادهما أو تقليدهما فقد يستدل للاول بظهور ما دل على امضاء حكم الحاكم والالتزام بما ألزمه سيما مثل قول الامامعليهالسلام عجل الله فرجه وجعل روحي وأرواح العالمين له الفداء في التوقيع الشريف فإنهم حجتي وأنا حجة الله فإن ظاهره كون الزام الحاكم مؤثرا في حق المترافعين بحسب الواقع بحيث يجب عليهما الالتزام به كذلك وللثاني بأن مقتضى ما دل على اعتبار اجتهاد لمترافعين أو تقليدهما جواز عملهما بهما في كل مورد ظاهرا وواقعا وما دل على انفاذ حكم الحاكم لا ينافيه بتمامه فإن المستفاد منه وجوب الالتزام به من حيث كون تركه ردا له على ما يدل عليه قوله فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه الحديث ومعلوم ان هذا لا يقتضي إلا وجوب الالتزام به ظاهرا وأما الالتزام به بحسب الواقع فلا كما لا يخفى وبالجملة غاية ما يدل عليه أدلة تنفيذ الحكم هو حرمة الرد على الحاكم ومعلوم ان هذا لا يقتضي الالتزام به باطنا ورفع اليد عما اقتضاه طريق المترافعين هذا مع إمكان أن يقال انه على فرض تسليم دلالة أدلة تنفيذ الحكم على وجوب الالتزام به باطنا لا تنفع في المقام لان كلامنا مفروض قبل الحكم ومعلوم ان ما دل على وجوب الالتزام بحكم الحاكم باطنا إنما يدل عليه بعد تحققه لا قبله والمدعى إنما هو كون رأيه ملزما واقعا ولو لم يحكم على طبقه بعد واستفادته من أدلة تنفيذ الحكم في غاية الاشكال والله العالم بحقيقة الحال.
وأما وجه ما اختاره العلامة من التفصيل فيمكن أن يكون ما أشار إليه الاستاد العلامة في مجلس البحث موجها به كلامه من ان الحكم بوجوب التزام المقلد واقعا بالزام الحاكم ليس فيه إلا طرح ما دل على حرمة العدول في حقه إذا لم يكن الحاكم أعلم ممن قلده فيه وهو قابل لتخصيصه بما دل على وجوب الالتزام بحكم الحاكم واقعا بل يمكن أن يقال ان هذا ليس تخصيصا فيه وطرحا له لان ما دل على وجوب الالتزام بإلزام الحاكم واقعا يدل على أن الحكم الواقعي في حق هذا الشخص هو ما أدى إليه نظر الحاكم فيرتفع فتوى من قلده قهرا فلا معنى لبقاء حرمة العدول عنه وغيرها من الآثار بعد ارتفاعه فتأمل هذا بخلاف المجتهد فإنه لا يمكن أن يحكم عليه برفع اليد عما ادى إليه نظره بمقتضى دلالة طريقه عليه فانه مخطئ للحاكم في اجتهاده ولا أولوية له في نظره عليه إن لم يكن الامر بالعكس غاية الامر انه يجب عليه الالتزام ظاهرا بحكم الحاكم من جهة توقف رفع الخصومة عليه وإلا فما دل على اعتبار ظن المجتهد لا يفرق بين الحاكم وغيره من المجتهدين هذا.
ولكن الاقوى فساد التفصيل المذكور وضعف التوجيه المزبور لان ما دل على تنفيذ حكم الحاكم ان دل على وجوب الالتزام به باطنا فلا بد من رفع اليد عما اقتضى عمل المجتهد على رأيه وحجية ظنه في حقه كما يرفع اليد عما اقتضى حرمة العدول عن تقليد المجتهد في الواقعة المقلد فيها وإن لم يدل إلا على وجوب الالتزام ظاهرا فلا يرفع اليد عما اقتضاه ظن المجتهد باطنا كما لا يرفع اليد عما اقتضاه تقليد المقلد فالتفصيل المذكور فاسد على كل تقدير فالاولى في المقام بعدما عرفت من فساد التفصيل هو القول الثاني لما عرفت من الوجه فتوجه.
قوله لو مات وعليه دين محيط بالتركة لم تنتقل إلى الوارث الخ أقول اختلف الاصحاب بعد اتفاقهم على انتقال التركة إلى الوارث لو لم يكن هناك دين ولا وصية وعدم انتقالها إلى الديان لو كان هناك دين حسبما حكاه جماعة وإن كان ظاهر الاردبيلي في آيات الاحكام عدم انعقاد الاجماع لكن الظاهر انعقاده على ذلك وعلى تعلق الحق بها في الجملة لو كان في انه هل يشترط في انتقال جميعها إلى الورثة انتفاء الدين اما بعدمه رأسه أو بارتفاعه بعد وجوده بأحد أسباب الارتفاع من أداء الوارث اما من التركة أو غيرها أو المتبرع أو ابراء الداين إلى غير ذلك فلو لم ينتف بل كان الميت مديونا لم تنتقل بأجمعها إلى الوارث بل تكون في حكم مال الميت كلا أو بعضا أو لا يشترط في انتقالها كذلك إلى الوارث انتفاء الدين بل تنتقل إلى الورثة مع وجود الدين وإن لم يكن انتقالها إليهم انتقالا مستقلا تاما لما قد عرفت من تعلق حق الديان بها في الجملة إجماعا على قولين.
أحدهما الاشتراط وعدم الانتقال إلى الورثة مع وجود الدين ذهب إليه المصنف والشيخ في المبسوط في آخر كلام له في المسألة في هذا الباب وإن كان ظاهره في أوله الانتقال وحكى عن جماعة منهم الحلي والفاضل في الارشاد والشهيد قدس الله أسرارهم بل في المسالك ومحكي المفاتيح نسبته إلى الاكثر بل في السراير نسبته إلى الاصحاب وعدم الخلاف فيه بينهم حيث قال في كتاب الوصاياء منه إذا كان على الميت دين يحيط بالتركة فإنه بلا خلاف منا لا تدخل في ملك الغرماء ولا ملك الورثة والميت قد انقطع ملكه وزال فينبغي أن يكون موقوفة على قضاء الدين انتهى وقال في كتاب الدين ان أصول مذهبنا تقتضي ان الورثة لا يستحقون شيئا من التركة دون قضاء جميع الديون ولا يسوغ ولا يحل لهم التصرف في التركة دون القضاء إذا كانت بقدر الدين إلى آخر ما ذكره.
ثانيهما عدم الاشتراط والانتقال إلى الورثة حكى عن جماعة منهم الفاضل في التحرير والتذكرة وقضاء المختلف والقواعد والمحقق في شرحه وأول الشهيدين في الحواشي وثانيهما في المسالك والفاضل الاصفهاني في كشف اللثام بل ربما يظهر من بعض نسبته إلى الشهرة بل في التذكرة دعوى الاجماع عليه ظاهرا حيث قال الحق عندنا ان التركة تنتقل إلى الوارث انتهى هذا ولكن الانصاف انه ليس اجماع بل ولا شهرة محققة على أحد القولين بحيث يلحق الآخر بالشواذ لما قد عرفت من وجود الخلاف العظيم بينهم ونقل الاجماع من الطرفين والعجب من سيد مشايخنا في الرياض حيث ادعى اجماع الاصحاب على الانتقال وجعله عمدة الوجه له مع ما عرفت ن الخلاف.
وكيف كان فلنتكلم في تحقيق الحق من القولين ونقل الادلة من الطرفين وما وقع من الكلمات في البين مراعيا للانصاف مجتنبا عن الاعتساف فنقول ان الكلام يقع في مقامين أحدهما في الدين المستغرق للتركة والمحيط بها ثانيهما في الدين الغير المستغرق لها.
وبالحري قبل الخوض في بيان الادلة من الطرفين في المقامين أن نبين ما يقتضيه الاصل الاولي العملي من القولين وانه هل يكون أصل على طبق أحدهما حتى يؤخذ به ويرجع إليه بعد عدم قيام الدليل على التعيين أو لا أصل في البين أصلا.
فنقول انه قد يقال ان مقتضى الاصل الاولى هو القول الاول لان الاصل عدم انتقال التركة إلى الوارث لان الانتقال أمر حادث مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه هذا وقد أورد عليه الاستاد العلامة دام ظله بأن الاصل وإن كان عدم انتقال المال إلى الورثة لكنه لا يثبت كونها في حكم مال الميت لانه أيضا حادث والاصل عدمه.
توضيح ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمة وهي انه إذا مات الانسان فيرتفع الرابطة التي كانت بينه وبين
الملك قهرا لانها إما أن تقوم بالجسد المفارق عنه الروح وأما أن تقوم بالروح فإن كان الاول فهو غير معقول لان الجسد من الجمادات لا يقبل لقوام الملك به وهذا معنى قولهم ان الميت معدوم وقوام الملك الذي هو صفة وجودية به غير معقول ضرورة استحالة قيام الموجود بالمعدوم وإن كان الثاني فكذلك لانها لم تكن قائمة به في حال الحياة حتى تبقى ببقائه بل هي نظير الظن قائمة به باعتبار تعلقه بالبدن لان تلك الرابطة أمر عرفي بين الانسان وملكه من حيث تشخصه الملحوظ في حال الحياة كما لا يخفى وكذلك الاحكام العارضة لها القائمة بها لان بقاء العرض والمحمول مع ارتفاع المعروض والموضوع غير معقول ضرورة اقتضاء قضية العروض والحمل ذلك.
إذا عرفت ما مهدنا لك من المقدمة فنقول انه لا يخلو إما أن يريد الخصم بأصالة عدم انتقال التركة إلى الورثة اثبات كونها باقية في ملك الميت حقيقة أو يريد اثبات كونها في حكم ماله لو فرض كونه قابلا لقيام المال به أو فرض كونه حيا على الوجهين في توجيه الكلام من يقول بكونها في حكم مال الميت فأما الاول فمع كونه خلاف العقل كما عرفته فلم يرده قطعا لما قد عرفت من عدم قائل به بين الاصحاب وأما الثاني ففيه انه لم يكن هذا المعنى ثابتا قبل الموت حتى يستصحب لان الدين قبل الموت إنما تعلق بالذمة إجماعا ولو كان ثابتا قبل فقد ارتفع قطعا لانتفاء موضوعه فثبوته بعد الموت ليس إلا ثبوتا حدوثيا والاصل عدمه كما أن الاصل عدم الانتقال إلى الورثة فالاصل المذكور ليس له أصل ينفع في المقام.
هذه غاية ما استفدنا من كلام شيخنا الاستاد في توضيح المرام ولكن قد يختلج صحة الاستدلال بالاصل المذكور للقول المزبور وعدم ورود ما أورد عليه الاستاد.
توضيح ما ذكرنا من عدم الورود ان الاحكام المعهودة والثمرات المترتبة على القول ببقاء التركة على حكم مال الميت وإن كانت حادثة حسبما ذكره الاستاد العلامة إلا انها قد رتبت في الشرع على نفس عدم انتقال التركة إلى الوارث قبل قضاء الدين الذي يكون موافقا للاصل باعتراف الاستاد فبعد احراز الموضوع بالاصل لا معنى لنفي حكمه وإن كان حدثا.
وبالجملة الحكم فيما نحن فيه وإن كان بنفسه أمرا حادثا مخالفا للاصل إلا انه متفرع في الشرع على أمر موافق للاصل إذ لا معنى للقول ببقاء التركة في حكم مال الميت إلا عدم انتقالها إلى الورثة قبل قضاء الدين ومن المعلوم المقرر في محله انه لا معنى لتعارض الاصل في طرف الحكم مع الاصل في طرف موضوعه وإلا لارتفع اعتبار الاصل في جميع الموارد وهذا أمر واضح قد نبه عليه الاستاد العلامة في غير مورد من رسائله التي كتبها في الاصول فراجع إليها هذا ولكن ما ذكرنا لا يخلو عن تأمل فتأمل فيه حتى يظهر لك وجهه.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى التكلم في المقامين فنقول اما الكلام في المقام الاول فقد يستدل للقول بالانتقال إلى الورثة وعدم بقاء التركة في حكم مال الميت بوجوه.
الاول الاطلاقات الواردة في الكتاب والسنة الدالة على انتقال التركة إلى الورثة من دون التقييد بشئ مثل قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون الآية فإنها وإن كانت مهملة من حيث مقدار النصيب كجملة من غيرها من الآيات والاخبار إلا انها مبينة من حيث الدلالة على ثبوت النصيب للورثة في جميع الحالات سواء كان هناك دين على المورث أو لا ومثل قوله عزوجل يوصيكم الله في أولادكم الآية ومثل قولهصلىاللهعليهوآله ما ترك الميت فهو لوارثه إلى غير ذلك من آيات الارث ورواياته.
وأجيب عنه بانها معارضة بما دل من الآيات والاخبار على ان الارث بعد الوصية والدين وهي كثيرة فمن الآيات قوله تعالى ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إلى قوله فإن كان له اخوة فلامه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين وقوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم أن لم يكن لهن ولد فأن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصي بها أو دين وقوله تعالى وأن كان رجل يورث كلالة إى قوله فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عزيز حكيم إلى غير ذلك من لايات ومن الروايات خبراسمعيل بن زياد عن ابي عبدالله عن ابيهعليهماالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن أول ما يبدء به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث فأن المقصود من الرواية ليس هو بيان حال الاخراج الفعلي بل المقصود منها بيان الترتيب بين هذه الامور إلى غير ذلك من الروايات.
فاذا وقع التعارض بين تلك العمومات والاطلاقات وبين هذه المخصصات والمقيدات فيجب حملهما عليهما لما تقرر في الاصول من وجوب حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد اذا وقع التعارض بينهما فيصير حاصل المعنى بعد التقييد والحمل ان تملك الورثة موقوف على انتفاء الدين فما دام الدين يكون موجودا لا ينتقل المال إلى الورثة فهو يدل حينئذ عى خلاف المدعى.
واجاب عنه في المسالك وغيره بانه يحمل المقيدات على بيان الاستقرار جمعا بينها وبين المطلقات واجيب عنه بجوابين احدهما ان اللام في قوله ولكل واحد أو ولكم للتملك وحمله على الاستقرار خلاف لظاهره ثانيهما ان حمل المطلق على المقيد اولى من التصرف في المقيد بما يحصل به الجمع فما وجه ترجيح لعكس مع انه مرجوح هذه كلمات وقعت في البين من الطرفين.
ولكن التحقيق فساد اصل الاستدلال بالعمومات مع ما وقع من الاجوبة والايرادات لان اللام في الموضعين بمعنى الاختصاص التام فلا معنى حينئذ لاصل الاستدلال ولا للايراد والجواب.
وبيانه بحيث يرتفع حجاب الاجمال يحتاج إلى تفصيل في المقال فنقول بعون الملك المتعال انه أما أن يجعل اللام ظاهرا في الاستقرار حسبما هو المختار عندنا الثابت في محله من أن اللام ظاهر في التملك المطلق والاختصاص الخاص المستقر أما ظهورا وضعيا أو انصرافيا من جهة كثرة الاستعمال وليس مثل لفظ الملك حتى يكون ظهوره في الملك المطلق من جهة الاطلاق وعدم التقييد وأما أن يجعل ظاهرا في افادة مطلق التملك والاختصاص في الجملة.
فأن قيل بالاول كما عرفت انه الحق في معنى اللام فلا بد من أن يجعل اللام في المطلقات والمقيدات بمعنى واحد وحينئذ نقول أن المطلقات بعد حملها على المقيدات أو قبله لا دلالة لها على أحد القولين ولا يمكن أن تجعل حجة لاحد المسلكين لانها تدل حينئذ مع قطع النظر عن الحمل على أن ملكية الورثة تامة بالملكية التامة للتركة مع تعلق الدين بها ومعلوم أن هذا المعنى مما لا يقول به أحد مضافا إلى أنه لا معنى لعدم حمل المطلق على المقيد ومع ملاحظة الحمل تدل على أن ملكية الورثة للتركة تامة بالملكية التامة بعد انتفاء الدين وهذا المعنى مما لا ينفع أحد القولين لانه قضية كلمة جميعهم.
ومنه يظهر فساد ما قيل من أنه يحمل اللام في المقيدات على الاستقرار جمعا وما قيل في جوابه من الجوابين أما فساد الاول فلما عرفت من أن الحمل على الاستقرار والملكية التامة ليس خروجا عن ظاهر اللام حتى نرتكبه جمعا بل هو حمل على المعنى الحقيقي مضافا إلى أنه لا يحصل الجمع به لكون اللام
في المطلقات أيضا بهذا المعنى أما فساد الجواب الاول فبان الاستقرار حسبما هو المفروض معنى اللام فالحمل عليه ليس خروجا عن ما وضع اللفظ له وأما فساد الجواب الثاني فبان الحمل على الاستقرار ليس تصرفا في المقيدات.
وأن قيل بالثاني كما ربما يظهر من كلام من لا تحقيق له فلا بد أيضا من أن يجعل اللام في المقامين بمعنى واحد وحينئذ نقول بعد حمل المطلقات يصير المعنى انه لا ملكية رأسا للورثة بعد وجود الدين فيصير تلك المطلقات بعد ملاحظة حملها دليلا على ما ذهب إليه أكثر القدماء فيسقط الاستدلال بها لمذهب المتأخرين فالاستدلال بها على مذهبهم لا يتم الا بارتكاب خلاف ظاهر في اللام أما على القول الاول فبجعلها في المطلقات بمعنى مطلق الملكية وأما على القول الثاني فبجعلها في المقيدات بمعنى الاستقرار ومعلوم انه لا دليل على هذا التصرف في مقابل حمل المطلق على المقيد لانه جمع من دون شاهد يشهد به ويقتضيه فعلى كل تقدير لا دلالة على مذهب المتأخرين.
نعم لها دلالة على مذهب أكثر المتقدمين على تقدير الثاني لكنه خلاف التحقيق فالآيات لا دلالة لها على أحد المذهبين هذا مجمل القول في انطباق الآيات من المطلقات والمقيدات عى أحد القولين بعد فرض دلالتها على ما ذكرنا من المعنيين.
وأما الكلام في أصل معنى المقيدات وبيان المراد منها وكيفية دلالتها على أحد المعنيين فنقول أن قوله من بعد وصية أو دين أما متعلق بمتعلق الظرف أو بنفسه وهو قوله لكل واحد أو لكم بناء على تعلق المجرور به اذا كان مستقرا حسبما عليه أكثر النحاة من حيث كونه متضمنا لمعنى الفعل فيصير حاصل المعنى على هذا التقدير ان تملككم ما فرض لكم من الانصباء من جميع التركة الذي يدل عليه الموصول موقوف على عدم لوصية والدين ويشكل على هذا المعنى بأنه لا محصل له لانه ليس لجميع التركة بعنوان الجميع حالتان حالة بعد أداء الدين وحالة قبله حتى يلاحظ النسبة بين النصيب وبينه لانتفاء موضوع الجميع بعد فرض الدين أما بأجمعه كما أذا كان مستغرقا أو بوصف الجمعية كما في صورة عدم الاستغراق.
وأما متعلق بمقدر غير الظرف فيكون حالا أما من الانصباء حسبما صرح به الفاضل في شرح القواعد أو من الموصول الذي كناية عن المال والتركة فيصير حاصل المعنى على الاول أن تملككم ما فرض لكم من لانصباء أنما يكون في حالة كونها ملحوظة بعد الدين والوصية وعلى الثاني أن تملككم للانصباء من جميع التركة في حالة كونها مخرجا عنها الدين فالجميع المقيد بخروج الدين عنه وانتفائه يلاحظ فيه الانصباء فقوله من بعد على الاول قيد للمحمول وعلى الثاني قيد للموضوع.
وقد عرفت الاشكال على التقدير الاول وأما على التقدير الثاني فلا اشكال فيه أصلا وأن استشكل فيه في محكي كشف اللثام بأنه على هذا التقدير لا يدل على الانتقال إلى الورثة لكنا كلما تأملنا لم نفهم وجه الاشكال لما قد عرفت من أن دلالة الآية عى الانتقال وعدم دلالتها عليه انما هما بجعل اللام معنى مطلق التمليك أو التمليك الخاص وأما جعل الظرف متعلقا بمتعلق لكم أو متعلقا بمتعلق مقدر يكون حالا للانصباء و قيدا لها فلا يتفاوت بهما الدلالة عليها أصلا كما لا يخفى.
ثم أن المراد بالوصية في المقام هو الموصى به لا المعنى المصدرى كما هو واضح والمراد من بعدية الارث لها وللدين كونه موقوفا على عدمهما وانتفائهما فالمعنى أن كلما كان الوصية والدين موجودين ومتعلقين
بالتركة لا يتعلق الارث بها لان التسمية انما هي باعتبار ما صار المسمى به شيئا وهو الوجود لانه العنوان الذي يصير به الاشياء شيئا ويتقوم به شيئيتها لان زيدية زيد وكذا دينية الدين مثلا انما هما باعتبار الوجود فالمراد ببعدية الارث لهما كونه بعد انفسهما ولا يحتاج إلى تقدير الافراز أو الايفاء أو غيرهما اصلا فالاية مسوقة بيان توقف الارث على عدم الوصية والدين من غير احتياج إلى تقدير افراز أو ايفاء أو غيرهما لانه مضافا إلى كونه خروجا عن ظاهر اللفظ يكون خلاف الواقع لعدم توقف الارث ضرورة على خصوص الافراز أو الايفاء أو غيرهما إذ يكفي فيه عدمهما أما أولا أو ثانيا ولو بالابراء أو غيره من الاسباب غير الافراز والايفاء فالاية مسوقة لبيان تأخر الارث بحسب الرتبة عن الوصية والدين لا لتأخره عن افرازهما وايفائهما ضرورة ان الاية ليس فيها اشعار لبيان التقسيم فما اورده بعض المشايخ في مقام الرد على الا ية من ان الاية انما تدل على كون الارث بعد افراز الوصية والدين فلا دلالة لها على المدعى أصلا مما لا ورود له أصلا.
وبه يمكن أن يندفع أيضا الاشكال الذي ذكرنا سابقا على تقدير كون الظرف قيد للتمليك ومتعلقا به مع كون المراد من التركة هو الجميع من انه بعد اداء الدين لا يبقى موضوع جميع في الخارج توضيح الاندفاع أن الآية ليست مسوقة لبيان كون الارث بعد افراز الدين والوصية أو ايفائهما حتى يقال انه لا يبقى موضوع جميع بعد اداء الدين والوصية بل هي مسوقة لبيان توقفه بحسب الرتبة على عدمهما في التركة وهذا مما لا يرد عليه الاشكال السابق أصلا فتأمل(١) ثم ان كيفية تعلق الوصية والدين بالتركة مختلفة فأن تعلق الاول على سبيل الاشاعة وتعلق الثاني بها من قبيل تعلق الكلي بالافرد فلو تلف شئ من التركة فينقص شئ من الوصية ايضا بالنسبة اذا لم يف الثلث بالوصية بخلاف الدين فانه لا ينقص منه شئ ما دام يكون مقداره موجودا فهو نظير بيع صاع من صبرة في عدم ورود النقص به مادام يكون مقداره ومصداقه موجودا فيها وهذا ليس استعمالا للفظ في المعنيين حسبما يتوهم حتى يرد الاستدلال به كما قد يرد ضرورة ان الاختلاف في كيفية التعلق وانحائه لا يوجب اختلافا في معناه.
ثم ان المراد من توقف انتقال التركة إلى الوارث على انتفاء الوصية والدين انما هو انتقالها من حيث الجميع وبملاحظتهما فيصدق مع استغراق الوصية والدين لجميع المال واجازة الورثة ومع عدم استغراقهما فبه يندفع أيضا ماقد يورد من أن توقف انتقال التركة إلى الوارث بالنسبة إلى الوصية إنما هو بالنسبة إلى بعض التركة وبالنسبة إلى الدين اعم من البعض والكل فإنه قد يكون قد لا يكون مستغرقا وقد لا يكون كذلك فيلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد أو محذور اخر مثله هذا.
ثم انه أورد في محكي جامع المقاصد على الاستدلال بالايات المقيدة على عدم الانتقال بان الاستدلال بها مبنى على مفهوم المخالفة المستفاد من قوله من بعد وهو لاظهور له في المفهوم بحيث يصرف المطلقات عن ظاهرها انتهى حاصل ما حكى عنه وقد اشار اليه الاردبيلي في ايات الاحكام حيث قال وفي الاية دلالة على عدم الانتقال فأن ظاهره كما ترى عدم تسليمه للدلالة المعتبرة حسبما ذكره ثاني المحققين. وأنت خبير بضعف هذا الايراد أيضا لان منع الظهور في المقام من اعوجاج السليقة كما لا يخفى فالعمدة في رد دلالة الايات على عدم الانتقال ما ذكره سابقا من أن اللام فيها للاختصاص التام فبعد حمل
____________________
(١) وجه التأمل ان توقف الارث على عدمهما ولو بادئهما من التركة لا يبقى معه أيضا موضوع الجميع في جميع الاعيان (منه قده) ١ المال كما اذا اوصى بالجميع واجازه
مطلقاتها على المقيدات يستفاد منها مطلبان اجماعيان أحدهما حصول الملكية المطلقة والاختصاص التام بعد عدم الوصية والدين ثانيهما عدم حصولها فيما أذا وجدا أحدهما ومن المعلوم أن كلا من هذين قد انعقد الاجماع عليه وأنما الخلاف في الانتقال المتزلزل فيما إذا وجد أحدهما والآيات ساكتة عنه.
فتحصل من جميع ما ذكرنا انه لا دلالة للآيات على أحد القولين ومنه يظهر الجواب أيضا عن الاستدلال بالروايات المطلقة للقول بالانتقال وبالروايات المقيدة للقول بعدمه فان جميعها ظاهرة في نفي الاختصاص التام.
فأن قلت ليس جميع الروايات والآيات مشتملة على لفظة اللام حتى يقال بأنها ظاهرة في الاختصاص التام بل في جملة منها إثبات الارث ونفيه من دون اشتمالها على اللام أصلا كما لا يخفى لمن تتبع فيها كما في قوله يبدء بالكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الارث فيمكن الايتدلال بها حينئذ على أحد القولين.
قلت الظاهر من لفظ الارث فيها ليس هو الانتقال كما قد يتخيل بل هو الاخذ الفعلي على وجه الارث كما يقال ورثة المال أي أخذه منه على وجه الارث فهو مساوق للمعنى للفظة اللام الواردة في أكثرها.
فأن قلت لو كانت لفظة اللام ظاهرة في الاختصاص التام والملك المطلق فما معنى ما ورد في بعض الروايات كما سيجئ الاشارة إليه من أنه أن لم يمتنع الوارث من أداء الدين فله والا فللغرماء.
قلت ظهور اللام في الاختصاص التام الغير المنفك عن الملك المطلق إذا وقعت في حيز نسبته إلى الانسان (الديان خ) مدفوع بقيام الاجماع على خلافه لانك قد عرفت قيام الاجماع على عدم انتقال التركة إلى الديان فالاختصاص المراد من الرواية ليس هو الاختصاص الملكي بل الاختصاص الانتفاعي فيكون الثابت للوارث فيه أيضا ذلك فهو أيضا لا ينتفع لاحد فتبين من جميع ما ذكرنا أن الاستدلال بالعمومات بجعل اللام فيها لمطلق التملك كما صدر عن بعض المشايخ فاسد جدا.
الثاني دليل العقل وتمسك به جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم العلامة في التذكرة وقد أشرنا إليه أجمالا في طي كلماتنا وبيانه على وجه التوضيح والتفصيل أنه لا يخلو أما أن تقول في الفرض ببقاء التركة على ملك المالك أو تقول بانتقالها إلى الغرماء أو تقول بانتقالها إلى الورثة أو تقول بأنها ملك لا مالك لها فأن قلت بالاول فقد خالفت العقل المستقل الحاكم بعدم قابلية الميت لقيام الملكية به من حيث كونه داخلا في الجمادات ومالكية الجماد وتسلطه عقلا غير معقول لانه لا اولوية له على المسلط عليه فتأمل مضافا إلى انه لم يقل أحد ببقاء التركة في ملك المالك حقيقة حسبما عرفت تفصيل القول فيه في تأسيس الاصل وأن قلت بالثاني فقد خالفت الاجماع المنعقد على عدم انتقال التركة إلى الغرماء وأن قلت بالرابع فقد خالفت أيضا العقل الحاكم باستحالة كون الشئ مملوكا ولا مالك له فتعين الثالث وهو المطلوب وقد ذكر الاستاد العلامة انه لو فرضنا ظهورا فيما استدلوا به على عدم الانتقال لا مكن صرفه بهذا الدليل ولي فيه تأمل لعله يأتي الاشارة إلى وجهه.
فأن قلت أن هنا قسما خامسا وهو أن تكون التركة ملكا ومالا لكن لا بالملكية والمالية الفعلية القائمة بالملاكين التي عبارة عن السلطنة الفعلية والعلقة القائمتين بالمالك حتى يقال بامتناع كون التركة ملكا لا مالك له بل الملكية الشأنية والمالية التقديرية نظير المباحات (على تقدير الحيازة خ) غاية الامر أن الشارع هنا قدم الورثة بالنسبة إلى جميع الناس لو فرض ارتفاع الدين أما برائة من الغريم أو اداء من الوارث أو المتبرع
قلت الملكية بالمعنى المذكور وأن لم تتوقف على تملك فعلي ومالك فعلي الا أن القول بصيرورة التركة ملكا للوارث بالمعنى المذكور ودخولها في ملك الوارث بالملكية الفعلية بعد ارتفاع الدين مخالف لجميع أدلة الارث لان ظاهرها تلقي التركة من المورث إلى الوارث وانتقالها منه إليه بالارث فالوارث نايب منابه حقيقة وقائم مقامه لا دخول التركة في ملك الوارث بعد ارتفاع الدين بالسبب الجديد نظير الحيازة في المباحات.
لا يقال أن الانتقال في الفرض أيضا بالارث وأن لم تكن التركة قبل أداء الدين ملكا للوارث حقيقة لانه بسبب ارثه حق الاداء وثبوته له يملك التركة أيضا بالارث بعد الاداء فهي نظير المبيع المنتقل إلى الوارث باختيار الفسخ اذا ورث حق الخيار وكذا في سائر الحقوق المتضمنة لانتقال المال إلى الوارث فانها في الموارد المذكورة وان لم تنتقل إلى الوارث اولا وبالذات الا انها تنتقل إليه بواسطة اختيار أسبابها الموروثة وهذا المقدار يكفي في صدق الانتقال بالارث.
لانا نقول مضافا إلى ان الانتقال على الوجه المذكور أيضا مخالف لعمومات الارث فيما نحن فيه لان ظاهرها انتقال التركة بعد الدين بنفسها لا بالسبب المحدث له باختيار الوارث الذي يرجع حقيقة إلى ايجاده لملكيتها بالاختيار أن حق الاداء الثابت اللوارث هنا لم يكن ثابتا للموروث في حال حيوته كحق الخيار ونحوه حتى يقال بانتقاله إلى الوارث بالارث المصحح لاطلاق الانتقال بالنسبة إلى التركة أيضا بل الثابت للمورث في حال الحياة ملكيته المال بالملكية الحقيقية التامة.
نعم لما كانت ذمته مشغولة بدين الداين وماله فيجب عليه ابرائها واداء مال الداين فالاداء لم يكن حقا له دون المال حتى ينتقل إلى الوارث بالارث.
فأن قيل لم لا يكون اطلاق الارث فيما نحن فيه نظير اطلاقه في باب ارث دية الجناية الواقعة على الميت بعد موته أو الموجبة لموته بعد الوقوع بحيث صارت علة لموته من دون مهلة وارث الحمل بعد وضعه وارث الكافر بعد اسلامه وارث العبد بعد اشترائه من مال مورثه اذا كان الوارث منحصرا فيه إلى غير ذلك من الموارد التي ورد اطلاق الارث مع عدم الانتقال الفعلي فيكون المراد من الارث هو الانتقال إلى الوارث من حيث تعلق الموروث نحو تعلق بالمورث.
قلنا اطلاق الارث على الانتقال بالمعنى المذكور خروج عن حقيقته ومخالف لظاهره لا يصار إليه الا بقرينة معتبرة وثبوتها (ثبوته خ) في بعض الموارد لا يوجب رفع اليد عن الظاهر فيما لم تثبت فكيف يجوز رفع اليد عن الظهور في جميع الاطلاقات والعمومات الواردة في باب الارث بمجرد رفع اليد عنه في مسألة الدية وما شابهها مضافا إلى الخلاف الذي يكون في الانتقال إلى الورثة في دية الجناية بعد الموت وأمكان التقدير والتنزيل منزلة مال الميت في دية الجناية الواقعة حال الحياة الموجبة لخروج الروح فعلا بل الدخول في ملك الوارث في الامثلة المذكورة لا يسمى انتقالا اصلا كما لا يخفى.
هذا مضافا إلى أمكان ان يقال بالانتقال من حين الموت في بعض الامثلة المنقوضة بها كارث الكافر بعد اسلامه بعد موت المورث فأن جماعة من المحققين منهم العلامةرحمهالله ذهبوا إلى كشف الاسلام من الانتقال حين الموت وكذلك في مسألة ارث الحمل.
وبالجملة لو لم يقم دليل من الخارج على ثبوت الاستحقاق في الموارد المذكورة لم يمكن ان يتمسك فيها بعمومات الارث كما لا خلاف فيه ظاهرا بينهم اترى انه لو لم يقم دليل من الخارج على وجوب شراء العبد
وعتقه حتى يرث من مال مورثه هل تحكم به اواحد غيرك من جهة العمومات حاشاك وحاشاهم عن ذلك.
فتبين من جميع ما ذكرنا ان الناقض اما ان يريد بالنقض في الموارد المذكورة اثبات الملك الحقيقي للميت فهو مما قد عرفت استقلال العقل باستحالته ولم يقل به احد أيضا أو الملك الحكمي حسبما ينادي به كلماتهم فهو تابع لقيام الدليل عليه فحيث لم يقم دليل على الملك الحكمي والتنزيل الشرعي في المقام فندفعه بظهور ادلة الارث في خلافه حسبما عرفت ان ظاهرها انتقال الموروث من المورث إلى الوارث لا مجرد الدخول في ملكه بعد ارتفاع ملكية المورث فيحكم العقل بعد نفي الملك الحكمي بانتقال التركة إلى الوارث ومن هنا تعرف وجه النظر فيما ذكره الاستاد العلامة من انه لو فرض هناك قيام دليل يدل بظاهره على عدم الانتقال وكون التركة في حكم مال الميت لنصرف ظهوره بالدليل العقلي المذكور هذا.
وقد انفتح لك مما ذكرنا باب آخر للاستدلال على الانتقال بتقدير جعل اللام لمطلق التملك في الآيات واريد التصرف في لام المقيدات بجعلها للاستقرار أو للاستقرار والملكية التامة واريد التصرف في لام المطلقات بجعلها لمطلق التملك فأنا وان ذكرنا سابقا ان حمل المطلق على المقيد اولى من التصرف في - المطلق أو المقيد بغير الحمل لكن نقول هنا ان الحمل المذكور مستلزم لارتكاب خلاف ظاهر في لفظ الارث الوارد في الآيات والاخبار فتعين التصرف المذكور لا الحمل المزبور فتأمل.
الثالث انها لو لم تنتقل إلى الوارث لما شارك ابن الابن مثلا عمه لو مات ابوه بعد جده وحصل الابراء من الدين الذي كان على الجد بيان الملازمة انه في زمان حياة ابيه لم ينقل المال إليه حسبما هو المفروض وبعد موته لا يعقل الانتقال إليه فلا معنى لارث الابن فلا بد ان يكون جميع المال للعم والتالي باطل اجماعا.
وفيه ان شركة ابن الابن ونحوه انما هو لارثه الاستحقاق الذي كان لابيه الذي يرث به الوارث المال بعد ارتفاع الدين بابراء ونحوه قولا واحدا فالابن قائم مقام الاب فكما ان الاب لو كان حيا لورث المال بعد ارتفاع الدين من جهة الاستحقاق الذي يكون له كذلك الابن أيضا يرثه بعد موته اذا ارتفع الدين من جهة الاستحقاق الذي كان لابيه فكما ان العم يرث بالاستحقاق بعد ارتفاع الدين كذلك ابن الاخ أيضا يرث بالاستحقاق غاية الامر ان استحقاقه من جهة الارث فما هو المناط في وارثية العم هو المناط في وارثية ابن الاخ (الابن خ).
الرابع ان الحالف مع الشاهد الواحد انما هو الوارث المخاصم في مال الميت فلولا الانتقال إليه لما كان نفع في يمينه كيمين الغريم والملازمة ظاهرة لان اليمين من شخص لا تثبت المال لشخص آخر كما مرت الاشارة إليه غير مرة وبطلان التالي أظهر.
وفيه انه يكفي في ثبوت الفائدة في يمينه واثباتها المال على المدعى عليه ثبوت لاستحقاق له في الجملة وان لم يكن التركة ملكا له بالفعل فانا وان لم نقل بكفاية الحق مطلقا في نفع اليمين واثباتها الحق كما في حق الرهانة لان المرتهن لا يكون خصما ومدعيا ولا يتوجه إليه اليمين أصلا وكذلك غير حق الرهانة من الحقوق كحق الغرماء الا انا نقول بكفايته في المقام والفرق بينه وبين الغرماء ان الغرماء لو طالبوا عين التركة عوض الدين لم يكن لهم ذلك بخلاف الوارث فان له ان يزاحم الغرماء اجماعا لو ارادوا العين بازاء الدين وليس لهم مزاحمته لو اراد العين بثمنها هذا مجمل القول في ادلة من قال بالانتقال وأما القائلون بعدمه وبقاء التركة على حكم مال الميت فقد استدلوا له أيضا بوجوه.
احدها ما عرفت فيما سبق من قوله تعالى في جملة من الآيات من بعد وصية يوصي بها أو دين وجملة من الروايات وخصوص بعض الروايات الذي لم نذكره سابقا ولا بد من ذكره لبعض خصوصيات فيه وهو صحيحة عباد بن صهيب وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللهعليهالسلام ففي الاولى منهما رجل فرط في اخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما لزمه من الزكاة ثم أوصى به أن يخرج ذلك فيدفع إلى من تجب له قال جايز يخرج ذلك من جميع المال انما هو بمنزلة دين لو كان عليه ليس للورثة شئ حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة وفي الثانية قضى امير المؤمنينعليهالسلام في دية المقتول انه يرثها الورثة على كتاب الله اذا لم يكن على المقتول دين وهاتان في الدلالة على المدعي أظهر من الآيات والروايات السابقة كما لا يخفى لكن يرد عليهما أما في الاولى منهما فبما أوردنا في الايات وساير الروايات من كون اللام فيه للاختصاص التام والملك المستقر فلا يدل على انتفاء أصل الملكية في الصورة وجود الدين.
لا يقال فرق بين الرواية وساير الروايات لان اللام في الرواية لما كانت في حيز النفي فتدل على انتفاء الملكية مطلقا مستقرة كانت أو غيرها لما تقرر في محله ان اللفظ المنصرف إلى بعض الافراد اذا وقع في حيز النفي يدل على العموم لان النفي تعلق بأصل المهية فيرفعها فينفي جميع افرادها وهذه بخلاف ساير الروايات فأن اللام فيها في حيز الاثبات فيعد (فيفيد خ) الفرد المنصرف إليه آلة الملاحظة وهو الاختصاص التام فأن مطلق الاختصاص ظاهر في الاختصاص التام.
لانا نقول ما ذكرته من افادة العموم اذا وقعت المهية في حيز النفي مسلم لكن من المقرر في محله أيضا ان المراد من وقوعها حيز النفي كونها موضوعة لا محمولة فأن مفاد المهية اذا وقعت محمولة في الجملة السالبة مفادها في الاثبات من غير فرق بينهما أصلا.
وأما في الثانية فبما ذكرنا سابقا من انها وان لم نشتمل عى اللام الظاهرة في الاختصاص التام الا ان الظاهر من لفظ الارث فيها هو الاخذ الفعلي على وجه الارث لا مطلق الانتقال كما لا يخفى.
وبالجملة لا معنى لانكار ظهور الادلة من الآيات والاخبار في مذهب الاكثر في بادي النظر الا ان بعد التأمل فيها يعلم ان المراد منها نفي انتقال التركة إلى الوارث في صورة وجود الدين بالانتقال التام بحيث تصير ملكا طلقا لهم غير متعلق لحق احد هذا ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله في المقام ولكن مقتضى الانصاف كما لا يخفى لمن جانب الاعتساف ظهور بعضها في قول الاكثر فراجع وتأمل فيها.
ثانيها السيرة المستمرة على تبعية النماء للتركة في وفاء الدين وهو مستلزم لبقائها على حكم مال الميت لا انتقالها إلى الورثة.
والجواب عنها بوجوه احدها المنع من تحققها ثانيها المنع من كون دفع الورثة للنماء في اداء الدين على وجه الالتزام بذلك بل هو على وجه التبرع من جهة كون بنائهم على تحصيل برائة ذمة مورثهم ثالثها انه على فرض تسليم تحقق السيرة على الوجه الالتزام لكنها أعم من بقاء نماء التركة في حكم مال الميت اذ من المحتمل ان ينتقل إلى الورثة لكن يجب عليهم دفعه في اداء الدين كالاصل فتأمل.
ثالثها ما ذكره بعضهم من أنها لو انتقلت إلى الوارث في صورة وجود الدين لا عتق عليه قريبه الذي ينعتق عليه قهرا اذا دخل في ملكه كالاب اذا فرض كونه في تركة مورثه والظاهر انه لا اشكال عندهم في عدم صيرورته معتقا قهرا بل للغرماء ان يستوفوا منه حقهم بعد عدم حصول الاداء من الوارث وغيره.
وفيه ان مجرد الانتقال إلى الوارث لا يقتضي انعتاق المنعتق عليه ولو كان متعلقا لحق الغير كما لا يخفي بل لذي الحق ان يستوفي منه حقه اذا لم يحصل الوفاء بايفاء الوارث أو البرائة بابراء ذي الحق هذا مجمل لقول فيالدين المستوعب.
وأما الكلام في الدين الغير المستوعب للتركة فيقع تارة في الزايد عن الدين واخرى فيما قابله.
أما الزايد عن الدين فالظاهر انه لا اشكال بل لا خلاف في انتقاله إلى الوارث الا من الفاضل القميرحمهالله حيث ذهب إلى عدم الانتقال في الدين الغير المستوعب أيضا حتى بالنسبة إلى الزايد واحتمله الاردبيلي في آيات الاحكام ضرورة ان الدين المتعلق بالتركة لا يمنع من انتقال الزايد إلى الورثة فهو حينئذ كالوصية من هذه الجهة وان كان بينهما فرق من حيث كون تعلق الوصية بالتركة بطريق الاشاعة والدين من قبيل تعلق الكلي حسبما عرفت تفصيل القول فيه.
والقول بان قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين يدل على عدم انتقال شئ من التركة إلى الوارث ما دام الدين وجودا سخيف جدا لما قد عرفت سابقا من ان الآية انما تدل على مانعية تعلق الدين والوصية من انتقال المجموع من حيث المجموع إلى الورثة فلا ينافي انتقال ما زاد عن الدين اليهم اذا كان غير مستوعب حسبما هو المفروض هذا مضافا إلى ما عرفت وستعرف من عدم دلالة الآية على عدم الانتقال بالنسبة إلى ما قابل الدين فضلا عن غيره.
وأما الكلام فيما قابل الدين فالحق ان حكمه حكم جميع التركة على تقدير الاستيعاب فان قيل بعدم الانتقال فيه حسبما عليه أكثر القدماء فلا بد من ان يقال بعدم الانتقال في المقام أيضا وأن قيل فيه بالانتقال حسبما عليه أكثر المتأخرين وقواه الاستاد العلامة دام ظله فلا بد من ان يقال بالانتقال في المقام أيضا وهذا الاتحاد مفاد الادلة لكلا القولين في المقامين فلا معنى للتفصيل بينهما ولعل ما ذكرنا هو الظاهر من كلام الاكثرين كما لا يخفى لمن راجع إليه.
ولكن قد حكى قولان بالتفصيل بين المقام وجميع التركة على تقدير الاستيعاب لا بأس بالاشارة اليهما الاول ما حكاه بعض مشايخنا من العلامة في القواعد من اختيار الانتقال في المستوعب وعدمه في غيره حيث قال ومن الغريب ما عن الفاضل في ارث القواعد من أن التركة مع الاستيعاب للورثة وأما اذا لم يكن مستوعبا فما قابل الدين على حكم مال الميت.
ثم قال ولم يحضرني الآن ما يشهد له من آية أو رواية أو اعتبار انتهى كلامه ويظهر هذه النسبة من غيره من الاصحاب من تقدم عليه ولعله المراد أيضا من كلام الاردبيلي في آيات الاحكام حيث قال في آخر كلام له في معنى قوله تعالى ولابويه الآية ما هذا لفظه وقد فصل الاصحاب القول واختلفوا فيها حتى انه وقع الفتوى في - القواعد في ثلاث مواضع كل واحد على خلاف الآخر انتهى كلامه.
وقد صرح الاستاد العلامة دام ظله في مجلس البحث بعدم ظهور كلام العلامة فيما نسبوا إليه بل الظاهر منه في باب الارث خلافه فالاولى حينئذ نقل عبارته حتى يظهر لك ما هو الحق من النسبتين وهي هذه الثاني من مات وعليه دين مستوعب للتركة فالاقرب عندي ان التركة للورثة لكن يمنعون منها حتى يقضى الدين منها أو من غيرها وقيل تبقى على حكم مال الميت ولا تنتقل إلى الوارث وتظهر الفائدة في النماء ولو لم يكن ستوعبا انتقل إلى الورثة ما فضل عن الدين وكان ما قابله على حكم مال الميت ويكون التركة بأجمعها كالرهن
انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وهو كما ترى وإن كان يظهر منه في بادى النظر ما نسبوا إليه من التفصيل بين المستوعب وغيره نظرا إلى ظهور قوله وكان ما قابله على حكم مال الميت سيما بملاحظة قوله في المستوعب وقيل تبقى على حكم اه إلا ان مقتضى التأمل الصادق فيه هو ما فهم الاستاد العلامة لان المراد من قوله وكان ما قابله على حكم مال الميت ليس هو البقاء على حكم مال الميت حتى ينافي ما ذكره في المستوعب بل المراد منه ان ما قابل الدين على حكم مال الميت إذا تعلق به الدين أي مبنى حكمه من الانتقال وعدمه على هذه المسألة ولما اخترنا فيها القول بالانتقال فيكون حكم ما قابل الدين أيضا الانتقال ومما يدل على كون مراده منه ما ذكرنا قوله ويكون التركة بأجمعها كالرهن فإن الظاهر منه كما لا يخفى سيما بقرينة ذكره بأجمعها أيضا مع مصيره فيه إلى الانتقال كونه كالرهن في كونه ملكا للراهن مع كونه ممنوعا من التصرف والقول بأن التشبيه الرهن إنما هو باعتبار المقدار الزائد عن الدين ويكون المراد من قوله بأجمعها هو مجموع التركة بلحاظ المجموعية خلاف الظاهر منه.
وكيف كان يمكن أن يستشهد للتفصيل المذكور على تقدير ذهاب العلامة إليه حسبما توهمه جماعة بادعاء ظهور المقيدات من الآيات والاخبار بعد فرض اطلاق نافع هناك في الدين الغير المستوعب فيرجع في صورة الاستيعاب إلى الاطلاقات والعمومات الدالة على انتقال التركة إلى الوارث وإن كان هناك دين على الميت وهذا الوجه وإن كان ضعيفا لما قد عرفت من عدم الفرق في المقيدات بين المستوعب وغيره إلا انه مما يمكن أن يجعل وجها للتفصيل المذكور على تقدير القول به والعجب مما ذكره شيخنا المقدم من قوله ولم يحضرني الآن الخ مع اشارته قبل هذا إلى دفع ما توهمه بعض من اختصاص قوله من بعد وصية يوصى بها أو دين بالدين الغير المستوعب فتأمل ولا تجبر بالقبول.
الثاني ما حكاه الشيخ في المبسوط عن قوم من عكس ما نسب إلى العلامة حيث قال وقال قوم إن كان محيطا بالتركة لم تنتقل إلى الوارث وإن لم يكن محيطا بها انتقلت كلها إلى الورثة انتهى كلامه ولم أجد مستندا لهذا القول أصلا إلا أن الاستاد العلامة ذكر انه يوجد في الروايات ما يمكن أن يستدل به للقول المذكور وهو ما رواه الشيخرحمهالله عن أبي بصير عن رجل يموت ويترك عيالا وعليه دين أينفق عليهم من ماله قال ان استيقن ان الذي عليه يحيط بجميع المال فلا ينفق عليهم وإن لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال وفي دلالته تأمل ظاهر.
وربما يستدل له أيضا بالسيرة المستمرة من زماننا إلى زمان النبيصلىاللهعليهوآله فإن بناء الورثة على التصرف في التركة إذا لم يستغرق بالدين بل ربما يدعى ان الائمةعليهمالسلام كانوا يتصرفون في تركة الامام لسابق مع تعلق الدين بها في الجملة وفيها وجوه من الايرادات ما لا يخفى على المتأمل وبالجملة الفرق بين الدين المستوعب وغيره في الانتقال وعدمه بالنسبة إلى ما قابل الدين ضعيف جدا.
نعم لا إشكال في انتقال الزايد من الدين إلى الورثة لعدم المانع منه مع دلالة العمومات عليه بل قد عرفت انه لم يخالف فيه أحد من الاصحاب إلا المحقق القميرحمهالله في أجوبة مسائله والمقدس الاردبيلي في يات - الاحكام لكنه لم يجز به وسيجئ نقل كلامهما إنشاء الله.
وينبغي التنبيه على أمور الاول انه لا إشكال بل لا خلاف في جواز تصرف الورثة في التركة بعد
حصول برائة ذمة الميت من الدين بأي سبب كان أو رضاء الداين بذلك سواء في الدين المستوعب وغيره على - القول بالانتقال وعدمه.
وأما قبل حصولها فهل يجوز للوارث التصرف في التركة وينفذ تصرفه فيها مطلقا سواء استوعب الدين التركة أو لا وسواء قلنا بالانتقال أو لا بأي تصرف كان أو لا يجوز له ذلك مطلقا أو فيه تفصيل بين القول بالانتقال وعدمه أو المستوعب وغيره أو فيه تفصيل بين التصرفات أو فيه تفصيل بين الوارث بما سيجئ عن بعض المحققين وجوه بل أقوال.
فالكلام يقع في مقامات الاول في جواز التصرف فيما إذا استوعب الدين التركة على القول بعدم الانتقال في الجملة أو مطلقا الثاني في جواز التصرف فيه على القول بالانتقال كذلك الثالث في جواز التصرف في الجملة أو مطلقا فيما لم يستوعب الدين التركة على القول بعدم الانتقال الرابع في جوازه كذلك على القول بالانتقال.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه لا إشكال بل لا خلاف في جواز تصرف الورثة في التركة بدفعها في قضاء الدين وغيره مما يكون مقدمة للقضاء مطلقا ويدل عليه مضافا إلى الاجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة المحققة بل عدم الخلاف في المسألة قوله تعالى وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله كما نه لا إشكال بل لا خلاف في عدم جواز تصرفه بقصد التملك من دون أن يكون في نيته اداء الدين أصلا وهذان - القسمان من التصرف مما لا خلاف فيهما في الاثبات والنفي في جميع المقامات فلا نتكلم فيهما في ساير المقامات. أما غيرهما من التصرفات فهل يجوز أم لا فالحق أن يقال إن كان تصرف الورثة بعنوان التبديل و نحوه مما لا يستلزم تفويت مالية التركة فيجوز مطلقا سواء كان مليا أو لا وسواء كان التبديل لمصلحة ترجع إلى الغرماء أو الميت أو نفسه أو لا مصلحة فيه أصلا ما لم يكن فيه ضرر على الغرماء وإن كان بعنوان غيره مما يستلزم تفويت مالية التركة على الغرماء كما لو أراد البيع لنفسه وإن كان في قصده ضمان الدين فلا يجوز مطلقا فلنا في المقام دعويان احديهما جواز التصرف بعنوان التبديل ثانيتهما عدم جواز التصرف بغير عنوان التبديل.
لنا على اوليهما ما دل على كون الوارث أولى بالميت من جميع من عداه مثل قوله تعالى وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض فإن مقتضى اعطاء الولاية (الاولوية خ) له جواز تصرفه في التركة ما لم يعارضه تفويت حق الغرماء ليس دلالتها مختصة باثبات الاولوية في الارث كما قد يتوهم حتى يقال انه لا دلالة لها بالنسبة إلى محل النزاع ولهذا تراهم يستدلون بها على تخيير الوارث في جهات القضاء وكونه أولى من غيره في الصلاة عليه إلى غير ذلك من الاحكام.
ولنا على الثانية أي عدم جواز تصرف الوارث في التركة بما يوجب تفويت ماليتها وإن كان في قصده اداء الدين التي سنذكرها في المقام الثاني مضافا إلى ما دل على نفي الضرر والضرار فإن تصرف الورثة بما يوجب تفويت مالية التركة ضرر على الغرماء وإن كان المتصرف في قصده ضمان الدين لان انتقال حقه من العين إلى الذمة ضرر عليه إذ ربما يصير الوارث معسرا وسيوضح لك ما ذكرنا فيما نذكره في المقام الثاني ولا فرق فيما ذكرنا من عدم الجواز بين كون الوارث مليا ومعسرا لعدم الفرق في دليل المسألة وإن كان ربما يتوهم عدم تأتي دليل نفي الضرر فيما إذا كان الوارث موسرا بانيا على الاداء فظهر مما ذكرنا فساد ما ذهب إليه الفاضل القميرحمهالله من التفصيل في المقام فيما سيجئ من كلامه هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فالحق فيه أيضا جواز التصرف بما لا يوجب تفويت مالية التركة مثل التبديل
ونحوه بل لا بد فيه من القول بالجواز وإن لم نقل به في المقام الاول لما دل على تسلط الشخص على ماله مثل قوله الناس مسلطون على أموالهم ولا يعارضه (ينافيه خ) ما دل من الاخبار على حجر الوارث من التصرف في التركة فيما إذا تعلق بها الدين لان الظاهر منه كما سيجئ المنع من التصرف المستلزم لتفويت مالية التركة ولا ينافيه أيضا كلماتهم الظاهرة بالظهور الاولى (البدوي خ) في المنع من التصرف مطلقا لان المراد منها التصرف المستلزم لتفويت مالية التركة هكذا ذكره الاستاد العلامة دام ظله.
فالاولى نقل كلمات بعضهم حتى يتبين صدق ما ادعاه الاستاد العلامة وعدمه قال الشيخ في المبسوط إذا مات وخلف تركة وعليه دين انتقلت التركة إلى ورثته سواء كان الدين وفق التركة أو أكثر أو أقل منها وتعلق حق الغرماء بالتركة والدين باق في ذمة الميت وللوارث أن يقضي الدين من عين التركة ومن غيرها كما للراهن ذلك في الرهن.
وقال العلامة في باب الحجر من القواعد وديون المتوفى متعلقة بتركته وهل هو كتعلق الارش برقبة الجاني أو كتعلق الدين بالرهن احتمال ويظهر الخلاف فيما لو اعتق الوارث أو باع نفذ على الاول دون الثاني.
وقال في محكي مفتاح الكرامة اني لم أجد قايلا من الاصحاب يقول بتعلق الدين بالتركة كتعلق أرش الجناية إلا واحدا انتهى والظاهر ان بناء الاكثر عن كون التعلق كتعلق الرهن.
وقال الاستاد العلامة ان مرادهم من كون التعلق كتعلق الرهن هو المنع من التصرفات التي توجب تفويت مالية التركة كما يظهر من تفريع العلامة لا انه مثل تعلق الرهن حتى في عدم جواز التصرف أصلا حتى التصرف التبديلي فالتشبيه إنما هو في المنع من التصرف الذي يوجب تفويت المالية لا مطلقا والانصاف ان هذا التوجيه لا يتمشى في كلام الاكثرين منهم.
وقال في السراير ان أصول مذهبنا تقتضي ان الورثة لا يستحقون شيئا من التركة دون قضاء جميع الديون ولا يسوغ ولا يحل لهم التصرف في التركة دون القضاء إذا كانت بقدر الدين وظاهر هذا الكلام بقرينة الاستثناء التعميم كما لا يخفى.
وقال في المسالك في باب القضاء بعد نقل القولين أي الانتقال وعدمه ما هذا لفظه وعلى القولين يمنع من التصرف فيها إلى أن يوفى الدين إجماعا وإنما يظهر الفائدة في مثل النماء إلى أن قال وفي صحة التصرف فيها بالبيع وإن كان التصرف مراعى انتهى.
والحاصل ان مقتضى الانصاف ان من قال من الاصحاب ان تعلق الدين بالتركة كتعلق الرهن أراد المنع من مطلق التصرف وإن لم يكن ذلك إجماعيا كما يعلم من التتبع في كلماتهم بل صرح جماعة بجواز التصرف بما يوجب توفيت مالية التركة فضلا عن غيره قال في جامع المقاصد بعدما اختار ان تعلق الدين بالتركة ليس كتعلق ارش الجناية ولا كتعلق الرهن بل هو تعلق ثالث ما هذا لفظه وعلى ما اخترنا من انه تعلق برأسه يحتمل النفوذ تمسكا بأصالة الصحة أو أصالة عدم بلوغ الحجر إلى مرتبة لا يكون التصرف معتبرا ولان القول بالصحة جمع بين الحقين ويحتمل العدم لانتفاء فايدة التعلق بدونه ولاداء النفوذ إلى ضياع الدين وأيضا فإن أصل التعلق يقتضي ثبوت حق سلطنة للمدين مع اجتماع الحقين لشخصين لا ينفذ تصرف أحدهما والكل ضعيف إلى أن قال فالتحقيق ان القول بالنفوذ اقوى انتهى كلامه.
وبالجملة لا إشكال في أن مقتضى عموم قوله الناس مسلطون على أموالهم جواز التصرف بما لا يوجب تفويت مالية التركة حسبما ذهب إليه الاستاد العلامة إن لم يكن هناك ما يمنعه من الاخبار هذا كله في - التصرف الذي لا يوجب تفويت مالية التركة.
وأما الذي يوجب تفويتها فهل يجوز إذا كان بناء الوارث على اداء الدين وقبوله ضمانه في الذمة أم لا وجهان بل قولان ظاهر الاكثر الثاني وظاهر جماعة منهم ثاني المحققين فيما عرفت من كلامه هو الاول والحق ما ذهب إليه الاكثرون فلنذكر أولا ما تمسك به القائل بالجواز ثم نعقبه بذكر دليل المختار.
فنقول ان تمسكوا للجواز بأنه جمع بين الحقين وبعموم ما دل على تسلط الشخص على ماله ولا يعارضه ما دل على نفي الضرر عن الغرماء لان البيع على الوجه المذكور لا يوجب ضياع حقهم لان الوارث إن دى الدين فهو وإلا فلهم أن يختاروا فسخ البيع فيؤخذون حقهم من التركة.
وفيه أولا المنع من عدم معارضة العموم بما دل على نفى الضرر الحاكم عليه لان أصل انتقال الحق من العين إلى الذمة ضرر على صاحب الحق لانه قد يكون الوارث معسرا أو يعرضه الاعسار والانجبار باختيار - الفسخ لا معنى له لانه قد يصير المبيع تالفا في يد المشتري ويكون معسرا مضافا إلى أن الكلام ليس مختصا التصرف البيعي بل أعم منه ومن غيره من الاتلافات.
لا يقال ان التضرر بانتقال الحق إلى الذمة معارض بالتضرر ببقائه في عين التركة لانه قد يعرضها التلف من جانب الله فيكون ضررا على الغريم.
لانا نقول لا معنى لهذه المعارضة بعد تعلق الحق بالعين أولا فتأمل.
وثانيا سلمنا عدم معارضته بما دل على نفي الضرر لكنه معارض بما سنذكره من الاخبار هذا مجمل - القول في دليل الجواز وقد تمسك له ببعض ما أعرضنا عنه خوفا من التطويل مع انه لا طائل فيه.
وأما دليل المنع الذي ذهب إليه الاكثر واخترناه تبعا لهم الاخبار والآثار الواردة من الائمة الاطهار والنبي المختارصلىاللهعليهوآلهوسلم .
منها ما رواه زرارة عن الصادقعليهالسلام عن رجل مات وترك عليه دينا وترك عبدا له مال في التجارة وولدا وفي يد العبد مال ومتاع وعليه دين استدانه العبد في حياة سيده في تجارته وان الورثة وغرماء الميت اختصموا فيما في يد العبد من المال والمتاع وفي رقبة العبد فقال أرى ان ليس للورثة سبيل على رقبة العبد ولا على ما في يده من المتاع والمال إلا أن يضمنوا دين الغرماء جميعا فيكون العبد وما في يده من المال للورثة فإن ابوا كان العبد وما في يده للغرماء ويقوم العبد وما في يده من المال ثم يقسم ذلك بينهم بالحصص فإن عجز قيمة العبد وما في يده من أموال الغرماء رجعوا على الورثة فيما بقي لهم إن كان الميت ترك شيئا وإن فضل قيمة العبد وما في يده عن دين الغرماء رده على الورثة الحديث.
وفيه فقرات تدل على المدعى احديهما قولهعليهالسلام أرى ان ليس للورثة سبيل فإن نفى السبيل لهم بعد فرض القول بالانتقال لا بد من أن يكون المراد منه نفي جميع التصرفات والانتفاعات ثانيتها قولهعليهالسلام كان العبد وما في يده للغرماء فانه بعد قيام الاجماع على عدم دخول التركة في ملك الغرماء لا بد أن يكون المراد من اثبات كونها للغرماء نفى جميع التصرفات للوارث إلى غير ذلك.
ومنها ما ورد في بعض الروايات من ان الميت أحق بدينه من غيره فإن مقتضى أحقية الميت بدينه بعد فرض قيام الاجماع على عدم ملكيته عدم جواز تصرف الوارث فيها إذا كانت ذمته مشغولة.
ومنها ما تقدم من الروايات في استدلال القائلين بعدم الانتقال فإنا إن لم نقل بدلالتها على عدم الانتقال لكن نقول بدلالتها على عدم جواز التصرف بوجه من الوجوه فلا بد حينئذ من أن يخرج من عموم قوله الناس
مسلطون بواسطة هذه الروايات.
فإن قلت لو كانت هذه الروايات دالة على عدم جواز التصرف للوارث لدلت على عدم جواز التصرف مطلقا من غير فرق بين ما يوجب تفويت مالية التركة وبين ما لا يوجبه فما وجه التفصيل الذي ذكرته.
قلت نمنع ظهورها في المنع من التصرف مطلقا فإن المقصود من هذه الروايات وأمثالها عدم جواز فعل ما يوجب ضياع حق الديان وهو ليس إلا ما يوجب تفويت مالية التركة ألا ترى انهم اتفقوا على تخيير الوارث في جهات القضاء وغيره مما لا يوجب ضياع حق الغرماء لعدم معارضته بما دل على المنع من التصرف في التركة.
فإن قلت لو كان الامر كما ذكرت للزم جواز التصرف الاتلافي أيضا في الجملة فإنه إذا باع الوارث التركة لنفسه فلا يخلو إما أن يكون بنائه على اداء الدين إذا طلب الغريم أو لا فعلى الاول لا تضييع وعلى الثاني للغريم أن يرجع إلى التركة المبيعة ويأخذها فلا يلزم أيضا تضييع.
قلت قد عرفت غير مرة ان أصل انتقال الحق من العين إلى الذمة فيه نوع ضرر على الغريم فلا يقاس بمسألة التبديل ونحوها مما لا يوجب تفويت مالية التركة ألا ترى ان بناء الناس على الفرق في البيع وساير العقود العوضية بين النقد والنسية وليس هذا إلا من جهة كون الحق في الذمة في معرض الزوال والقول بأنه قد يستلزم (يلزم خ) من بقائه في العين أيضا ضرر على الغريم قد عرفت فساده نعم ذكر الاستاد العلامة انه لو فرض هناك صورة كان بقاء الحق في العين في معرض الزوال جاز اتلافها مع قصد الضمان وتعلق الحق بالذمة كما يجوز ذلك في مال اليتيم والغائب وغيرهما من المحجور عليهم.
فإن قلت مقتضى قوله إلا أن يضمنوا وقوله فإن ابوا جواز التصرف في صورة الضمان وعدم الامتناع من اداء الدين والذي يقول بالجواز أيضا لا يقول به إلا إذا كان بناء الوارث على ضمان الدين في قصده وعدم امتناعه من اداء الدين فهذه الرواية كاشفة عن ورود جميع العمومات والاطلاقات التي لها ظهور المنع من التصرف مطلقا لبيان المعين المذكور.
قلت المراد من الضمان ليس هو بناء الاداء أو التعلق بالذمة في قصد الوارث بل المراد منه جعل الحق في العهدة والذمة مع رضاء الغريم بذلك أيضا وهو خارج عما نحن فيه لقيام الاجماع على جوازه بل قد عرفت انه لو أذن المدين في التصرف من دون ضمان المتصرف لكان جايزا بلا إشكال ولا خلاف فضلا عن صورة الضمان فتأمل.
وبالجملة الروايات المتقدمة ظاهرة بعمومها واطلاقها في عدم جواز التصرف مطلقا غاية ما هناك ان نقول بانها واردة في مقام المنع من تفويت مالية التركة ومسوقة لبيان هذا المعنى وليس الاطلاق مقصودا فيها وأما القول بورودها في المنع فيما إذا لم يكن بناء المتصرف على الاداء فلا يمنع من التصرف في غير الصورة وإن كان تصرفا اتلافيا فلا شاهد له أصلا بل مقتضى التدبر في الروايات الجزم بعدم ارادة هذا المعنى فتأمل فيها حتى يظهر لك حقيقة ما بينا ومما يضحك به الثكلى ما سمعنا من بعض فضلاء مجلس البحث من كون التفصيل المذكور خرقا للاجماع المركب فإن أحدا لم يفرق بين التصرف المستلزم لتفويت مالية التركة وغيره في المنع والجواز كيف وقد نقل بعض مشايخنا عن بعض الاصحاب ان النزاع في المسألة في قيمة (مالية خ) التركة لا فيها نفسها فإن ظاهره نفي الخلاف عن التصرف بعنوان التبديل فراجع.
ثم ان ما ذكرنا ليس مختصا بالمقام بل يجري في ساير المقامات أيضا ما دل فيه اطلاق أو عموم على حجر المتصرف مثل ما دل على حجر المريض في الزائد عن الثلث وكذا ما دل على حجر الانسان في التصرف بعد الممات في الزايد عن الثلث إلى غير ذلك فإنها لا تدل إلا على الحجر بالنسبة إلى جميع المال فيما يوجب تفويت ماليته وأما التصرف الذي لا يوجب ذلك كالبيع المثل مثلا فلا منع عنه أصلا.
وبالجملة لا أرى مانعا في المقام من تصرف الوارث بما لا يوجب تفويت مالية التركة سواء على القول بالانتقال وعدمه وأما التصرف الذي يوجب تفويت ماليتها فظاهر الاخبار عدم جوازه وإن كان المتصرف في قصده ضمان المال وكونه في عهدته مطلقا ولم أجد مخالفا فيما ذكرت في القسم الثاني على القول بعدم الانتقال إلا المحقق الاردبيلي والفاضل القمي رحمهما الله حيث احتمل الاول في آية الاحكام جواز التصرف على لقول بعدم الانتقال إذا كان في قصده ضمان المال حيث قال ويحتمل جواز التصرف في الكل أيضا ما لم يبين (يعين خ) الدين والموصى به بعد ان قرر المتصرف على نفسه في ذمته الدين والوصية ويجب ادائها ويتصرف في التركة مهما شاء فإن ظاهره وإن كان في الدين الغير المستوعب إلا انه لا يفرق قطعا.
وأما الفاضل القمي فقد فصل في المقام تفصيلا يرجع حاصله إلى ان الوارث إن كان مليا أو متبرعا بالميت فيجوز تصرفه وإلا فلا فالاولى نقل عبارته بلفظها حتى يطلع الناظر على مراده وهي وإن كانت طويلة إلا انها لمزيد الفائدة فيها لا بأس في نقلها.
قالقدسسره في أجوبة مسائله في السؤال عن انتقال التركة إلى الوارث مع تعلق الدين بها وعن جواز التصرف فيها على كل من التقديرين ما هذا لفظه.
الجواب قال الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل خط الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين ظاهر الآية والله يعلم ان الله يأمركم و يعهد إليكم ويفرض عليكم في شأن ميراث أولادكم وبيان مقداره ان للذكر مثل حظ الانثيين ولابويه أي المتوفى لكل واحد منهم السدس إلى قوله من بعد وصية اه وهو ظاهر في بيان القدر والكيفية بعد ثبوت أصل الميراث وعلى هذا فالمخصص أعني قوله تعالى من بعد وصية اه لا يصلح للرجوع إلى الجملة الاولى كما لا يخفى ورجوعه إلى الجملة الاخيرة وهو قوله تعالى فلامه الثلث متيقن كما حقق في الاصول وقرينة المقام والدليل الخارجي يثبت رجوعه إلى ساير الجمل أيضا والاشكال في معنى المخصص وكيفية الرجوع والاظهر ان المراد والله يعلم ان هذه المقادير أعني ثلثي أصل المال أو نصفه أو ثلثه أو سدسه إنما تثبت لصاحبها بعد ملاحظة الوصية والدين يعني يعتبر أولا من المال بمقدار الوصية والدين ويفرض خارجا عن المال لاجل الموصى له وصاحب الدين ثم يعطى صاحب الانصباء نصيبهم المفروض أو ما يبقى منه بعد اخراج الوصية والدين وأما عدم اعطائهم شيئا إذا لم يبق شئ بعد وضع الوصية والدين فهو وإن كان كذلك في نفس الامر ولكنه يشكل استفادته من الآية فإنه إنما يناسب إذا كانت الوصية مسوقة لاجل بيان نفس الميراث وأما بعد كونه مفروغا عنه وجعل الآية مسوقة لبيان المقدار فلا فحكمه يستفاد من الخارج.
هذا إذا جعلنا قوله تعالى في أولادكم متعلقا بقوله يوصيكم بارادة في أمر ميراث أولادكم كما ذكره بعض المفسرين وإن قلنا انه ظرف مستقر من متعلقات ما بعده؟ وقلنا ان قوله للذكر متعلق بقوله يوصيكم يناسب
عطف قوله تعالى ولابويه أيضا عليه فيكون الآية مسوقة لبيان أصل الميراث ومقداره معا وحينئذ فيكون قوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين بيانا لحق الموصى له وصاحب الدين.
فالحاصل ان مال الميت يقسم على المذكورين الموصى له وصاحب الدين والاولاد والابوين ولصاحب الدين مقدار دينه وللموصى له مقدار الوصية نعم الاجماع والادلة خصه بما إذا أخرج من الثلث وللابوين لكل واحد منهما السدس وللاولاد للذكر مثل حظ الانثيين وهكذا ولكن استحقاق أولى الارحام متأخر عن الدين والموصى به فيصير ما فرض لاولي الارحام واوصى إليه به لهم بعد وضع ما فرض لهما فيصير المعنى ان هؤلاء الارحام يملكون هذه الانصباء بعد ايفاء الدين والوصية ووصول نصيبهما إليهما اما بيدهما أو يد وكيلهما أو وليهما ولو كان هو الحاكم أو المؤمنين العدول وبالجملة بعد تخلص المال عن الوفاء بهما ولا يحصل مالكيتهم إلا بعد تملكهما لنصيبهما ووصله إليهما فإذا كان كذلك فقد لا يبقى لهم شئ يملكونه وقد نقص (ينقص خ) عما فرض لهم فحينئذ فتعلق حق الدين بالمال ليس من باب تعلق الزكاة بالعين في انه إذا تلف بعض المال بدون التفريط مع وسعته للجميع قبل العزل واعطائه بالمستحق أو وكيله أو وليه وزع تلفه على الجميع بل إنما هو متعلق بذمة المالك وفي هذا المال وإذا تلف المال قبل الاداء فيبقى في ذمته في (إلى خ) القيمة وأما الموصى به فاعتبار التوزيع فيه إذا حصل النقص قبل القبض غير بعيد.
وقد يحتمل أن يكون المراد من الآية ان هذه الانصباء إنما تثبت للارحمام بعد أن يكون المال متسعا لهما ولها بأن يفضل عنهما ما يساوي هذه الانصباء فحينئذ فيكفي في التملك وجواز التصرف ان يعزل نصيبهما وإن لم يوصل بعد إليهما ولا إلى وكليهما أو وليهما ثم يتصرف فيها أو في مقدار ما فضل عنهما من انصابئهم أو يضمن نصيبهما وإن لم يعزل فيجوز التصرف فيما يفضل عنهما أو في الكل بعد الضمان وهو بعيد عن اللفظ والاعتبار ويؤيد الاول مع قربه بعض الاخبار كما سيجئ وهناك معنى ثالث وهو ان استقرار تملكهم يحصل بعد وفاء الدين أو الوصية.
إذا تقرر هذا فنقول اختلفوا في ان المتوفى إذا كان له دين مستوعب للتركة فهل ينتقل المال إلى الوارث لكنه يمنع من التصرف فيه إلى أن يوفى الدين منها أو من غيرها أو هو على حكم مال الميت على القولين الاكثر على الثاني واختار العلامةرحمهالله في كتاب الميراث من القواعد الاول وكذا الشهيد الثاني في المسالك واحتجوا عليه باستحالة بقاء الملك بغير المالك والميت لا يقبل الملك والديان لا ينقل إلى ملكهم إجماعا ولا إلى غير الوارث فتعين انتقالها إلى الوارث قالوا ويمنع الوارث من التركة كمنع الراهن من التصرف في المال المرهون إلى أن يوفى الدين منها أو من غيرها وهو مخير في جهات القضاء.
والاقوى الثاني لظاهر الآية على ما قررناه فإن ثبوت تلك الانصباء لذوي الارحام مخصص بقوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين فحينذ إن قلنا بالظهور بأن المراد منه من بعد اخراج الدين وإيفاء الوصية كما هو الاظهر فالمقصود وإن قلنا بعدم الظهور فلا أقل من عدم أظهرية غيره من الاحتمالات أيضا فيصير المخصص مجملا والمخصص بالمجمل لا حجية فيه فلم يثبت الانتقال إلى الورثة أيضا والاصل عدمه وحمل قوله من بعد وصية على ان استقرار الملك مقيد بما بعد وفاء الدين والوصية كما فعله أرباب القول الاول خروج عن الظاهر مستلزم لان يدعي ان الآية مسوقة لبيان استقرار الملك في الانصباء لا بيان اثبات أصله ومقداره وهي إنما تتم إذا ثبت تملك أصل الميراث ومقداره من الخارج وكذالك تزلزله من أصل (أجل في) الدين والوصية ويراد اثبات
الاستقرار من الآية وهو بمكان من البعد بل لا يرضى به طبع سليم وما ذكروه من ان الميت لا يقبل الملك مم لم لا يكون ذلك من باب مؤنة التجهيز والتكفين وقد رأيت هذا المنع في كلام الشيخ أحمد الجزايري في آيات الاحكام ونقله هو أيضا عن الايضاح عن بعض فقهائنا.
وكذا دعوى الاجماع على عدم الانتقال إلى الديان ممنوعة إن أريد عدم ثبوت حق الانتقال حتى مثل تعلق حق المستحق بالعين في الزكاة مع أولوية رب المال في التصرف فيها سلمنا لكن نقول انه حينئذ ملك لله يجب اداء دين عبده به كما يقال في الموقوف على المصالح العامة.
ثم استدل على ما ذهب إليه من عدم الانتقال بجملة من الروايات التي تقدمت في دليل القائلين بعدم لانتقال ثم قال وأما الكلام في التصرف في المال وعدمه على ما اخترناه من عهدم انتقال الملك إلى الوارث فالتحقيق فيه أن يقال لا نمنع جواز التصرف مطلقا بل القدر المسلم إنما هو المنع عن التصرف بعنوان الملك في الجملة.
وأما التصرف بعنوان الاولوية بناء على ان هذا مال الميت ويجب أداء الدين عنه بعينه أو بما يساويه من مثله أو قيمته فليس أحد أولى بالتصرف في ذلك من أرحامه لعموم آية أولو الارحام كتجهيزه من ماله فإن الولي كما انه يجوز له اختيار بعض الاموال للبيع والانقاد لاشتراء ما يحتاج إليه الميت في تجهيزه من الخليطين والماء والكفن وغيرها وكذا في اختيار البعض لدينه والآخر لوصيته والآخر لميراثه فإذا حصل صلاح الميت في تصرف الولي في مال خاص واداء الدين من آخر فما المانع من التصرف نعم لو تلف المال الذي أخذه لاداء الدين قبل الايفاء يجب عليه الايفاء مما أخذه لنفسه ولو أتلف ما أخذه لنفسه قبل ذلك أيضا فيثبت الضمان في ذمته كمؤنة التجهيز بعينها نعم يرد على هذا ان المسلم مما ثبت جوازه هو اختيار التصرف فيما يريد به قضاء الدين أو التجهيز واما في غيره قبل ايفاء الدين وايصاله وتجهيز الميت ودفنه فلا يثبت من ذلك وإنما هو محل الاشكال.
فالاولى أن يقال ان الوارث حينئذ يتصور على أقسام منها من يكون مليا بارا بمورثه مهتما في شأن اداء الدين عنه وتجهيزه فعدم جواز تصرفه في المال القليل الذي استوعبه دين مورثه مع كون مقصوده اداء الدين وتجهيز مورثه عن مال نفسه مما لا مسرح له في العادة ولم يثبت المنع عنه في الشريعة لعدم انصراف ما دل على حرمة التصرف في مال الغير إلى ذلك فإن غاية ما يتصور مانعا احتمال صيرورة الوارث فقيرا قبل وفاء الدين والتجهيز وهو معارض باحتمال تلف ذلك المال الخاص قبل ايفاء الدين به وكذلك الكلام في الوارث البار المهتم بشأن أمر مورثه في الشق الآتي أي الدين الغير المستوعب إذا كان المال كثيرا غاية الكثرة وإن لم يكن للوارث بنفسه مال غير التركة. ويدل على ما ذكرنا أيضا شهادة الحال برضاء الميت في مثل هذا التصرف من مثل هذا الوارث ولا استبعاد في مثل ذلك بل اعتبار مثل هذه (الشهادة خ) كثير من جملتها صرف ادوات الحمامات والمساجد الموقوفة الخربة الغير المأمول عودها إلى ما هو أقرب إلى مقصود الواقف أو مطلق سبيل الله سيما على القول بعدم انتقال الوقف عن الواقف والصلاة في الخانات والارحية الموقوفة ونحو ذلك.
ويدل عليه أيضا شهادة حال صاحب الدين بالاذن لمثل هذا الوارث الموصوف وكذلك وليه إذا كان صغيرا أو غائبا فلا مانع من جانبه أيضا ويدل عليه أيضا نفي العسر والحرج والضرر بل يمكن ادعاء لاجماع بملاحظة عمل الناس في الاعصار والامصار من دون نكير لانا لم نقف على أحد منع عن تصرف مثل الوارث الموصوف في المال من العلماء السابقين واللاحقين ويؤيده صحيحة يحيى الازرق المتقدمة أيضا والاجماع الذي
يظهر من المسالك في كتاب القضاء على عدم جواز التصرف في المستوعب وفي مقابل الدين في غيره محمول على غير الصورة المفروضة.
فالحاصل ان الصورة التي يمكن دعوى الاجماع فيها ويصح المنع هي ما لو كان الوارث معسرا وغير بار وغير معتمد في جميع المال في صورة الاستيعاب وفي ما قابل الدين أيضا في غيرها وحينئد فالدليل على الجواز في الفاضل على ما قابل الدين إنما هو الاصل ونفى الحرج والعسر وعدم منع الحاكم عن ذلك إذا كان لمدين مولى عليه لاعتماده على الباقي نعم لو لم يكن الوارث معتمدا عليه وليس هنا شاهد حال من جهة المورث والمدين كان غير جايز إذ نفس تصرف ذلك الوارث يقتضي اتلاف جميع المال لو لم يمنعه المدين أو وليه وهو على صدد الاتلاف شيئا فشيئا فربما يحصل الغفلة للمدين أو وليه ويتلف ما قابل الدين أيضا فلا إذن لمثل هذا الشخص في التصرف.
نعم إذا كان المدين مطلعا بحاله وينتظر اتلاف الفاضل وأن يأخذ مما قابل دينه أو وليه فلا يجب منعه عن التصرف في الفاضل بل لا معصية عليه بذلك وإن كان عاصيا بنيته في اتلاف الباقي.
وبالجملة فالواجب على الوارث ملاحظة المصلحة في التصرف فلا يتصرف المعسر ولا من لا يقدر على ذلك وأما غيره فلا مانع من تصرفه كما ذكرنا ولعل من أخذ الدية في الصحيحة المذكورة كان جاهلا بذلك فلا غايلة فيه وبعد العلم يجب عليه الاداء اما من نفس الدية أو عوضها إذا أتلفها.
ثم ذكر في ثمرة النزاع بين القول بالانتقال وعدمه ما هو المعروف بينهم من عدم تعلق الدين بالنماء على الاول وتعلقه بها على الثاني فقال ما هذا لفظه وأما غير المستوعب فقال في الشرايع تبعا للشيخ والاكثر انتقل إلى الورثة ما فضل وما قابل الدين باق على حكم مال الميت.
وقال في المسالك ولو لم يستوعب التركة ففي منعه من التصرف مطلقا أو فيما قابل الدين خاصة وجهان أجودهما الثاني لكن يكون التصرف مراعى بوفاء الباقي فلو قصر لتلف أو نقص لزم الوارث الاكمال فلو تعذر الاستيفاء منه ففي تسلط المدين على نقض تصرفه اللازم في الزايد وجهان أجودهما ذلك انتهى وعلى ما اختاره في غير المستوعب من الانتقال بقدر الفاضل يظهر الثمرة في تبعية النماء وتوزيعها بقدر الحصة على أي حال سواء تلف الباقي أو نقص أولا فلا يخرج الحصة عن الاشاعة بمجرد عزل الوارث.
وساق الكلام إلى ان قال وفذلكة المقام ان هنا مذاهب ثلاثة الاول قول الاكثر انه لا ينتقل في المستوعب أصلا وينتقل في غير المستوعب بقدر الفاضل عن الدين وبنائه على حمل الآية على المعنى الثاني من المعاني التي ذكرناها فهم يمنعون عن التصرف في الاول مطلقا لعدم الملك أصلا وفي الثاني فيما قابل الدين لثبوت الملك في الفاضل مع احتمال المنع المطلق للاشاعة ولكونه بمنزلة الرهن فلا يجوز للراهن التصرف فيه والثاني قول القواعد والمسالك من الانتقال في المستوعب لعدم مالكية الميت وهو مستلزم لثبوت الملك في الكل في غير المستوعب بطريق أولى وهم يجعلون معنى قوله من بعد وصية ان الملك يستقر من بعد ايفاء الدين والوصية فيكون هذا معنا ثالثا للآية كما اشرنا إليه وذكر في المسالك وجهين في المنع عن التصرف وعدمه في الفاضل عن الدين في غير المستوعب فاما في المستوعب فظاهره دعوى الاجماع على المنع كما يظهر منه في كتاب القضاء وكذلك فيما قابل الدين من غير المستوعب.
إلى أن قال والثالث هو ما اخترناه من عدم الانتقال مطلقا ولم نقف على موافق لما اخترناه إلا ظاهر
كلام الشرايع في الفطرة ويظهر وجود القول به من المسالك وظاهر كلام الاردبيلي في آيات الاحكام والشيخ أحمد الجزايري في آيات الاحكام.
فالدليل على عدم الانتقال هو ظاهر الآية والخبران وغير ذلك مما مر وأما التصرف وعدمه فقد فصلناه وبيناه انتهى ما أردنا نقله من كلامه رفع في الخلد مقامه.
وفيه مواضع للنظر لا بأس بالاشارة إلى جملة منها وإن كان الحاذق يقف عليها من ملاحظة ما ذكرنا في معنى الآية وغيره.
أحدها ما ذكرهرحمهالله في معنى قوله تعالى من بعد وصية من قوله يعني يعتبر أولا من المال بقدر الوصية والدين ويفرض خارجا عن المال الخ ووجه النظر فيه انك قد عرفت سابقا في معنى الآية من ان المراد من قوله من بعد وصية اه ليس بتقدير الافراز والاخراج ولا بتقدير الاداء والايفاء إلى غير ذلك بل المراد منه بعد عدم الدين حسبما عرفت من أن نسبة البعدية إنما هي باعتبار وجوده.
ومن هنا يظهر أيضا فساد قوله بعد ذلك وأما عدم اعطائهم شيئا إذا لم يبق شئ اه فإن الظاهر من هذا الكلام انه اختص مورد الآية ومعناها بما إذا كان هناك دين غير مستوعب للتركة فالآية غير شاملة لما لم يكن هناك دين أصلا أو كان ولكن كان مستوعبا.
توضيح الفساد انه اما أن يجعل الآية مسوقة لبيان تأخر رتبة الارث عن الدين حسبما بنينا عليه الاستدلال سابقا كما هو مضمون قوله يبدء بالكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث فهي حينئذ تجامع مع وجود الدين مستوعبا وغير مستوعب وعدمه وتشمل جميع الصور وهذا المعنى مبني على جعل قوله من بعد وصية اه بمعنى بعد عدمهما سواء كانا موجودين أو لا واما ان يجعل معنى قوله من بعد وصية اه بعد عدمهما اللاحق المسبوق بوجودهما على ما هو مقتضى التحقيق نظرا إلى ظاهر الآية فالآية على هذا التقدير تشمل ما إذا كان الدين مستوعبا أو لم يكن مستوعبا.
نعم لا تدل بالدلالة اللفظية على حكم ما إذا لم يكن هناك دين أصلا لكنه أيضا يفهم منها بعد ملاحظة كون القيد واردا مورد الغالب فإنه قل انسان مات ولم يكن عليه دين أصلا فالآية على كل تقدير تشمل ما إذا ان الدين مستوعبا ولا وجه لاخراجه إلا توهم كون الآية مسوقة للقسمة الفعلية وهو توهم فاسد بارد وبالجملة قد عرفت ان حاصل معنى الآية ان ملكية الانصباء أو استقرارها موقوفة على انتفاء الدين وعدمه وهو يجمع مع استغراق الدين وعدمه ولا وجه لتخصيصه بالثاني أصلا.
ثانيها قوله وقد يحتمل ان يكون المراد من الآية ان هذه الانصباء إنما تثبت للارحام اه وجه النظر انه اما أن يلاحظ الانصباء بالنسبة جميع المال مع قطع النظر عن ملاحظة الدين والوصية أو يلاحظ بالنسبة إلى المقدار الزايد عن الدين والوصية فعلى الاول لا يعقل اتساع المال للانصباء ضرورة ورود النقص على التركة بعد ملاحظة الدين والوصية فكيف يعقل ملاحظة الانصباء منها وعلى الثاني لا يعقل عدم اتساع المال لها عد فرض عدم استغراق الدين لانه كل ما يفرض بقائه بعد الدين والوصية يمكن أن يلاحظ الانصباء بالنسبة إليه فلا معنى لقوله بأن يفضل عنها ما يساوي الانصباء وهذا ظاهر بعد أدنى تأمل.
ثالثها قوله فيصير المخصص مجملا والمخصص بالمجمل لا حجية فيه اه وجه النظر فيه انه اما ان يكون المراد بالمخصص بالفتح في المقام صدر الآية التي فيها المخصص بالكسر واما أن يكون المراد به العمومات
الاولية الواردة في باب الارث في الآيات الاخر فإن كان المراد الاول ففيه ان مقتضى التحقيق وإن كان إجمال الآية حينئذ إلا انه لا دخل له بمسألة التخصيص بالمجمل حسبما حققنا في محله من ان اللفظ المحفوف بما يصلح أن يكون قرينة له لا يعد من الظواهر أصلا حتى يعرضه التخصيص وإن كان المراد الثاني كما هو الظاهر من كلامه ففيه انه لا وجه للقول بصيرورة العمومات الاولية حينئذ مجملة فإن أحدا من العلماء والعقلاء لا يرفع يده عن ظهور كلام بواسطة أمر خارج عنه يصلح أن يصير قرينة له بل بنائهم على العكس ورفع الاجمال مما يحتمل أن يكون قرينة للظاهر كما لو ورد من المولى أكرم العلماء ثم ورد لا تكرم زيدا وكان زيد مشتركا بين العالم والجاهل فان بنائهم على رفع الاجمال من قوله لا تكرم زيدا أو الحكم بكون المراد منه زيد الجاهل بواسطة ظهور أكرم العلماء في العموم فإن كنت في شك فيما ذكرنا فارجع إلى بناء العرف في محاوراتهم حتى تشاهد صدقه وما ذكرنا وإن خالف فيه جمع من الاصحاب إلا أن قضية التحقيق وفاقا لجمع من المحققين هو ما ذكرنا قد كتبنا في سالف الزمان تفصيل القول في ذلك في الاصول عند قرائتنا عند الاستاد العلامة دام ظله بحث العام والخاص من أراده فليراجع إليه.
رابعها قوله وحمل قوله تعالى من بعد وصية على ان استقرار الملك مقيد بما بعد وفاء الدين اه وجه النظر ان جعل اللام بمعنى الاستقرار ليس فيه خروج عن الظاهر أصلا كيف وقد عرفت انه الظاهر في معنى اللام نعم جعل اللام في المقيدات بمعنى الاستقرار وفي المطلقات لمطلق التمليك خروج عن الظاهر لكنك قد عرفت أيضا ما يجوز ارتكابه فراجع.
خامسها قوله وما ذكروه من ان الميت لا يقبل التملك مم اه وجه النظر ظاهر مما عرفت سابقا في الدليل العقلي وتاسيس الاصل من امتناع قيام الملك بالمعدوم ومنعه مكابرة وتنزيل مؤنة التجهيز والتكفين منزلة المال للميت والحكم بكونها في حكم المال له من جهة قيام الدليل عليها لا يستلزم التعدي إلى غيرها فضلا عن استلزامها للتملك الممتنع عقلا بالنسبة إلى الميت فراجع إلى ما ذكرنا سابقا حتى تتطلع على حقيقة الامر.
سادسها قوله وكذا دعوى الاجماع على عدم الانتقال إلى الديان اه وجه النظر انه إن أريد من الانتقال إلى الديان الانتقال الحقيقي فقد عرفت انه خلاف الاجماع وإن أراد منه مجرد تعلق الحق من الديان بالتركة فهو مما لا مجال لانكاره ولا ينفعه في شئ لاقتضا الملك بحكم العقل المستقل مالكا حقيقيا ومجرد تعلق الحق لا يجدي فيه نفعا أصلا.
سابعها قوله سلمنا لكن نقول انه حنيئذ ملك لله اه وجه النظر قيام الاجماع ظاهرا حسبما صرح به بعض المشايخ على عدم كونه ملكا لله تعالى هذا مضافا إلى امكان أن يقال بل قيل بل لا بد أن يقول ان قيام الملك بالله تبارك وتعالى ليس كقيامه بغيره وهذا المقدار لا يكفي في تحقق الملك الذي يقتضي من يقوم به وقد صرح بذلك شيخنا الاستاد العلامة في مجلس البحث.
ثامنها قوله وأما التصرف بعنوان الاولوية اه وجه النظر ما عرفت سابقا من عدم معارضة ما دل على أولوية الوارث بما دل على نفي الضرر والضرار في الاسلام والقياس بالامثلة المذكورة مما لا وجه له كما لا يخفى.
تاسعها قوله لعدم انصراف ما دل على حرمة التصرف في مال الغير إلى ذلك اه وجه النظر ظهور شموله لذلك التصرف كما لا يخفى ولهذا لا يقول أحد بجوازه حتى الخصم في حق غير الوارث بل قد عرفت ان مقتضى التأمل في الاخبار الواردة في الباب المنع من التصرف على القول بالانتقال أيضا فضلا عن القول بعدمه وأما معارضة
احتمال الضرر بالتصرف باحتمال الضرر بالبقاء فقد عرفت فساده غير مرة.
عاشرها قوله ويدل على ما ذكرنا أيضا شهادة الحال برضاء الميت اه وجه النظر انه أية فائدة في تحقق رضاء الميت بعد كون التركة متعلقة لحق الغير والقياس بما ذكره من الامثلة مما لا وجه له كما لا يخفى وأما ادعاء رضاء الغريم بالتصرف لمثل ذلك الوارث كما ادعاه بعد هذا ففي حيز المنع فامتنع.
حادي عشرها قوله والاجماع الذي يظهر من المسالك اه وجه النظر فساد الحمل الذي ذكره إذ من المعلوم شمول كلامهم له نعم لا يبعد دعوى خروج ما ذكره الاستاد العلامة عن الفرض من كلامهم فراجع تأمل حتى يظهر لك حقيقة الامر.
ثاني عشرها قوله وحينئذ فالدليل على الجواز في الفاضل على ما قابل الدين إنما هو الاصل اه وجه النظر فيه ان مقتضى الاصل على القول بعد انتقال الفاضل إلى الورثة على ما بنى عليه المستدل هو عدم جواز التصرف وأما التمسك بحديث نفي الحرج فلا معنى له على القول بعدم الانتقال مضافا إلى تطرق المنع إلى صغراه لدفع الحرج باداء الدين فتأمل.
ثالث عشرها قوله إلا ظاهر كلام الشرايع في الفطرة اه وجه النظر ما سيجئ من عدم ظهروه فيما ذكرهقدسسره وأما المحقق الاردبيلي فقد عرفت انه ذكر ذلك احتمالا لا جزما إلى غير ذلك مما يمكن ان يورد عليه وعليك بالتأمل فيما ذكرنا من الايرادات بعين الانصاف مجتنبا عن العصبية والاعتساف فإن الحق أحق أن يتبع ولا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال فإن الجواد قد يكبو هذا حاصل القول في جواز التصرف وعدمه في الدين المستوعب.
وأما الكلام في الدين الغير المستوعب فيقع تارة بالنظر إلى ما قابل الدين وأخرى بالنظر إلى الفاضل وأما الكلام في الجهلة الاولى فهو بعينه الكلام في الدين المستوعب على القول بالانتقال وعدمه لان حكم ما قابل الدين واحد سواء فرض جميع التركة أو بعضها.
وأما الكلام بالنسبة إلى الجهة الثانية أي الفاضل عن الدين فقد عرفت انه أيضا يقع في مقامين أحدهما ما إذا قلنا بعدم الانتقال بالنسبة إلى ما قابل الدين ثانيهما ما إذا قلنا بانتقاله إيضا مثل الفاضل.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه قد ذهب جماعة فيه إلى جواز التصرف ونفوذه قبل اداء الدين وهو مختار العلامة في باب الحجر من القواعد حيث قال بعد الحكم بعدم جواز التصرف في التركة بعد تعلق الحق بها ما هذا لفظه فهل يشترط استغراق الدين إشكال أقربه ذلك فينفذ تصرف الولي في الزائد عن الدين فإن تلف الباقي قبل القضاء ضمن انتهى وذهب جماعة أخرى إلى عدم الجواز وهو مختار العلامةرحمهالله أيضا في باب الارث حسبما عرفت من كلامه سابقا وهذا هو الاقوى.
لنا ان مقتضى بقاء ما قابل الدين على حكم مال الميت عدم جواز تصرف الورثة بالتصرف الاتلافي فيه على ما عرفت تفصيل القول فيه في الدين المستوعب ولما لم يكن ما تعلق به الدين وما قابله جزء معينامن لتركة إذ لا أولوية لبعض على بعض في اختصاص التعلق به فلا يجوز تصرفه في الكل لان كل ما يريد التصرف فيه من اجزاء التركة لا يعلم كونه هو الفاضل من التركة لاحتمال كونه هو المقابل للدين لاحتمال تلف الباقي فيكون الدين متعلقا بما وقع التصرف فيه واقعا فهذا التصرف موجب لضياع حق الغرماء أو ايقاعه في معرض الضياع وبتقرير آخر انه كما لم يجز التصرف في كل جزء من التركة في الدين المستوعب من حيث تعلق الحق به يقينا
وكون التصرف فيه موجبا لضياع الحق كذلك لا يجوز التصرف في كل جزء منها في الغير المستوعب لكونه موجبا لوقوع الحق معرض الضياع لاحتمال كون المتصرف فيه هو المتعين لتعلق الحق به لاحتمال تلف الباقي بعد التصرف بآفة من الله تعالى.
هذا مضافا إلى ما عرفت من الآية والاخبار الظاهرة في عدم جواز التصرف في التركة مطلقا إلا بعد أداء الدين سواء كان مستوعبا أو لا وادعاء اختصاصها بالاول قد عرفت فساده من حيث كونه حملا لها على الفرد النادر هذا.
وقد يستدل على الجواز بوجوه أحدها ان المقتضي للجواز موجود والمانع منه مفقود فيجب الحكم بثبوته لامتناع انفكاك المعلول عن العلة أما وجود المقتضي لجواز التصرف فيما زاد عن الدين فلانه مقتضى قضية انتقاله إلى الوارث.
وأما فقد المانع فلانه ليس ما يتصور في المقام الا بقاء ما يقابل الدين على حكم مال الميت مع عدم تعيينه وهو أيضا لا يصلح للمانعية لانه إنما يمنع من التصرف في الجميع وأما التصرف في الزايد عن الدين فلا لان المفروض ان في زمان التصرف في المقدار الزايد عن الدين المقدار المقابل للدين موجود فهذا لتصرف ليس تصرفا فيما يتعلق به حق الغرماء ولا موجبا لتعريضه معرض الضياع أيضا.
وبالجملة الامر فيما نحن فيه ليس إلا كمسألة بيع الكلي على القول بصحته كبيع الصاع من صبرة في بعض الصور فكما ان ملكية كلي الصاع من صبرة للمشتري لا يمنع من تصرف البايع في المقدار الزائد عن اع وإن لم يتلف من مال المشتري شيئا إلا بعد تلف الجميع كذلك بقاء ما قابل الدين من التركة فيما نحن فيه في حكم مال الميت لا يمنع من التصرف في الفاضل مع فرض وجود ما قابل الدين والوجه للجواز في كلا المقامين عدم كون تصرف المالك تصرفا في مال الغير لفرض وجود ما يقابله ويصدق عليه ويؤخذ (يوجد خ) في ضمنه.
هذه غاية ما يمكن أن يقال في توجيه هذا الدليل وفيه انه لا وجه لمنع صلاحية بقاء ما يقابل الدين في حكم مال الميت للمانعية لان مقتضى بقائه على حكم مال الميت عدم جواز التصرف فيما يحتمل كونه مصداقا له واقعا والفاضل وإن كان مالا له إلا انه لم يعلم ان ما يريد التصرف فيه هو الفاضل من الدين.
وأما القياس بمسألة بيع الكلي ففاسد جدا لان غير الكلي المبيع أيضا مملوك المبايع كما ان الكلي أيضا مملوك للمشتري والبايع ليس محجورا فيما يتصرف فيه لان كلما يتصرف فيه هو غير الكلي وهذا بخلاف المقام لان استقرار ملكية الوارث موقوف على عدم الدين والمفروض وجوده.
فإن قلت كما ان في مسألة بيع الكلي عنوانين أحدهما مملوك للمشتري وهو الصاع الكلي مثلا والآخر مملوك للبايع وهو عنوان غير الكلي كذلك فيما نحن فيه أيضا عنوانان أحدهما ما في حكم مال الميت وهو ما يقابل الدين والآخر داخل في ملك الورثة وهو الفاضل عن الدين وما عداه فكما تقول ان تصرف البايع في الصورة الاولى في بعض الصاع تصرف في غير الكلي وهو العنوان المملوك له لتعين التالف لصيرورته مصداقا لغير الكلي لاستحالة تلف الكلي مع فرض وجود فرد أو افراد منه كذلك نقول ان تصرف الوارث في بعض التركة تصرف فيما عدا المقابل للدين لاستحالة تحقق تلفه مع فرض وجود جملة من التركة بقدر الدين لفرض كون عنوان المقابل أيضا كليا لا يتحقق تلفه إلا بتلف جميع التركة فإن قلت انه لا بد في جواز التصرف من احراز كون ما يتصرف فيه الوارث ما عدا الكلي قبل التصرف فصيرورته ما عداه بعد التصرف والتلف مما لا ينفع في شئ بل لا يعقل جعله مناطا في
جواز التصرف فنقول بمثله في مسألة بيع الكلي بالنسبة إلى تصرف البايع.
وبالجملة لو كانت كلية ما يستحقه الغير مانعة من التصرف في الابعاض التي توجد في ضمنها لكانت مانعة في كلا المقامين من غير فرق بينهما أصلا مع انه لا إشكال في جواز التصرف في مسألة بيع الكلي.
قلت المملوك للوارث في الفرض ليس عنوانا كليا في عرض ما يبقى في حكم مال الميت وما يتعلق به حق الغرماء حتى يكون حكمه حكم بيع الكلي بل المملوك للورثة عنوان لا يستقر ملكيته لهم بحكم الآية والرواية إلا بعد عدم الدين وارتفاعه.
وبعبارة أخرى لا يجوز للورثة التصرف في شئ من التركة بالتصرف الاتلافي إلا بعد استقرار ملكية الفاضل لهم ولا يحصل الاستقرار في المقام إلا بتشخيص الفاضل ولا يتشخص إلا بعد اداء الدين لان كل جزء يتصرف فيه يحتمل كونه هو المقابل للدين فلا يجوز التصرف في شئ من التركة إلا بعد اداء الدين وهذا بخلاف بيع الكلي فإنه لا يقتضي إلا ملكيته للمشتري وأما حجر البايع في غيره إلا بعد تسليمه إلى المشتري فلا فالبايع أيضا مالك كالمشتري عنوانا في عرض ما يملكه المشتري ملكا مستقرا لا تزلزل فيه بوجه من الوجوه فله أن تصرف في المال باعتبار (باختيار خ) ما يملكه في ضمن بعض معين هذا.
وإن شئت ذكرت في وجه الفرق ان التعيين في مسألة البيع بيد البايع بخلاف المقام فإنه لا دليل عليه أصلا فلا تعيين إلا باداء الدين ويتفرع على ما ذكرنا من الفرق انه لو أتلف الوارث في الفرض بعض التركة ثم تلف الباقي بآفة من الله تعالى يحكم بضمانه لحق الغرماء لكشف تلف الباقي عن كون ما أتلفه الوارث هو المقابل حقهم والفاضل إنما هو التالف نعم لو أتلف جزء من التركة ثم أدى الدين من الباقي أومن غيره فيكشف ذلك من استقرار ماله وتعين ما أتلفه لنفسه.
وبالجملة لا بد من أن يفرض ما في الذمة بعد الاتلاف موجودا في الخارج كأنه لم يتلف أصلا فإن ادى الدين من الباقي فتعين كونه من الوارث وإلا فتعين كونه من الغرماء فعليه أن يدفعه في اداء الدين وهذا بخلاف مسألة بيع الكلي فإنه لو تصرف البايع في البعض بعد ما كان مقدار الكلي ومصداقه موجودا ثم تلف الباقي لم يحكم باشتغال ذمته على القاعدة.
فتلخص من جميع ما ذكرنا انه ليس للورثة التصرف في التركة بالتصرف الاتلافي المضيع لحق - الغرماء في الدين الغير المستوعب أيضا على القول بعدم انتقال ما قابل الدين إلى الورثة فما لم يؤد الوارث حق الغرماء لا ينتقل إليه خصوص بعض أعيان التركة ويتفرع عليه انه لو كان على الميت دين غير مستوعب لتركته وكان من جملتها مملوك وفرض موت المولى قبل الهلال لا يجب على أحد فطرته بعد الهلال وقبل اداء الدين اما الميت فلفرض موته قبل الهلال وأما الغرماء فللاجماع على عدم انتقال أعيان التركة إليهم أما الوارث فلما عرفت من عدم انتقال خصوص أعيان التركة إليه إلا بعد اداء الدين والمفروض عدم اداء الدين في الفرض.
وهذا الذي ذكرنا هو الوجه فيما أطلقه المصنف في باب زكاة الفطرة من عدم وجوب فطرة العبد على أحد إذا فرض موت المولى قبل الهلال وكانت ذمته مشغولة بالدين حيث قال الثالث لو مات المولى وعليه دين فإن كان بعد الهلال وجبت زكاة مملوكه في ماله في ماله وإن ضاقت التركة قسمت على الدين والفطرة بالحصص وإن مات قبل الهلال لم تجب على أحد إلا بتقدير ان يعوله انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وليس الوجه في اطلاق كلامه في الفرض الثاني وعدم تفصيله بين الدين المستوعب وغيره ما فهمه
الفاضل القميرحمهالله من ذهابه إلى عدم انتقال ما زاد عن الدين أيضا في غير المستوعب حسبما عرفت من كلامه ولهذا جعله موافقا لنفسه حيث ذهب إلى عدم الانتقال مطلقا والظاهر انه تبع في تلك الاستفادة ثاني الشهيدين في شرح قول المصنف وإن مات قبل الهلال اه حيث قال بناء على ان التركة قبل وفاء الدين على حكم مال الميت سواء كان مستغرقا لها أم لا ومن ثم اطلق الدين ولو قلنا بانتقالها إلى الوارث وإن منع من التصرف فيها قبل وفاء الدين كما هو الاجود كان الزكاة على الوارث انتهى.
وليس كلامه أيضا مختصا بالدين المستوعب حسبما فهمه السيد في المدارك حيث قال في شرح القول السابق الوجه في هذين الحكمين ظاهر فإن زكاة الفطرة واجبة في الذمة فيكون جارية مجرى غيرها من الديون وفي حكم المملوك الزوجة والقريب والمعال تبرعا وإنما خص المملوك بالذكر ليتفرع عليه ما بعده وهو لو مات المولى قبل الهلال فإن ذلك يختص بالمملوك بناء على القول بعدم انتقال التركة التي هو منها إلى الوارث على تقدير وجود الدين المستوعب انتهى.
بل الحق ان كلامه مطلق غير مختص بالمستوعب لكن الوجه في اطلاقه ما ذكرنا من انه ما لم يحصل اداء الدين الغير المستوعب مع القول بانتقال الفاضل إلى الورثة لم ينتقل خصوص أعيان التركة إلى الوارث وانتقال العنوان المحتمل كون العبد من مصاديقه لا يوجب الحكم بانتقال العد إليه حتى يحكم بوجوب فطرته عليه نعم على القول بانتقال جميع التركة إلى الورثة سواء في المستوعب أو غيره كما عليه ثاني الشهيدين لا بد من القول بوجوب الفطرة وإن قيل بالمنع من التصرف لان المنع من التصرف لا يمنع من تعلق الزكاة والفطرة كما لا يخفى نعم يظهر من المسالك في باب زكاة البدن في بعض الفروع احتمال عدم الزكاة في الفرض.
وبالجملة الاوجه في عبارة المصنف ما ذكرنا لا ما ذكره صاحب ك من التخصيص بالمستوعب ولا ما ذكره صاحب المسالك والفاضل القمي من الاطلاق والشمول للقسمين مع ابتناء الاطلاق على القول بعدم الانتقال طلقا حتى بالنسبة إلى الفاضل.
نعم ظاهر عبارة المصنف في باب زكاة المال عدم انتقال الفاضل إلى الوارث كما قابل الدين حيث قال الخامسة إذا مات المالك وعليه دين فظهرت الثمرة وبلغت نصابا لم يجب على الوارث زكاتها ولو قضى الدين و فضل منها النصاب لم يجب الزكاة لانها على حكم مال الميت انتهى كلامه وحمله في ك على الدين المستوعب حيث قال فاعلم ان قول المصنف إذا مات المالك وعليه دين يقتضي باطلاقه عدم الفرق في الدين بين المستوعب للتركة وغيره إلا أن الظاهر حمله على المستوعب كما ذكر في المعتبر لان الدين إذا لم يستوعب التركة ينتقل إلى الوارث ما فضل منها عن الدين عند المصنف بل وغيره أيضا ممن وصل إلينا كلامه من الاصحاب وعلى هذا فيجب زكاته على الوارث إلى أن قال وقوله ولو قضى الدين وفضل منها النصاب لم تجب الزكاة تنبيه على الفرد الاخص (الاخفى خ) والمراد انه لو اتفق زيادة قيمة أعيان التركة بحيث قضى منها الدين وفضل (حصل خ) للوارث نصاب بعد ان كان الدين محيطا بها وقت بلوغها الحد الذي يتعلق به الزكاة لم تجب على الوارث انتهى ما أردنا نقله من كلامه وظاهر الشهيد في المسالك هنا أيضا حمل العبارة على الاطلاق فراجع وتأمل في المسألة لانها لا تخلو عن الاشكال والفرق المذكور بين المقام والكلي قابل للمنع.
ثانيها السيرة المستمرة من زماننا إلى زمان الائمةعليهمالسلام والنبيصلىاللهعليهوآله على التصرف في التركة مع تعلق الدين بها في الجملة فإنه لا يكون بناء الناس على عدم التصرف في التركة الكثيرة مع وجود دين قليل على الميت
وهذا ظاهر لمن راجع إلى طريقة المسلمين في جميع الاعصار والامصار.
وفيه انه على فرض تسليم تحقق السيرة وعدم كونها من جهة عدم المبالات في الدين وشريعة سيد - المرسلين لا ينافي ما ذكرنا لان التصرف في التركة الكثيرة مع وجود الدين القليل لا يعد عادة تضييعا للدين أو ايقاعه معرض الضياع ولو فرضت التركة قليلة أو كثيرة لكن أراد الوارث التصرف في جميعها ببيع ونحوه أو أراد التصرف في البعض مع عدم بقاء الباقي عادة لم يجز التصرف له قطعا ولو فرض قيام السيرة عليه فيحكم بعدم جواز التمسك بها لعدم كشفها عن تقرير الحجة مع ما مر عليك من الاخبار الظاهرة في المنع عن التصرف بما يوجب الضياع أو ايقاع التركة معرضه.
وبالجملة مقتضى قوله ان الميت أحق بدينه من غيره بعد القاء خصوصية الدية للقطع بعدم مدخليتها من بين الاموال عدم جواز التصرف في التركة بما يوجب تفويت الدين الذي كان على الميت أو إيقاعه معرض - الضياع فكل تصرف من الورثة كان مفضيا إلى تفويت حق الغرماء أو وقوعه معرض الفوت لم يكن جايزا لانه مقتضى أحقية الميت بماله وكل تصرف لم يكن مفضيا إلى ذلك فلا دليل على منعه عن ذلك لان المنع الذي ورد في الاخبار عن التصرف في التركة مع تعلق الدين بها إنما هو من حيث كونه موجبا لضياع حق الديان لا لان التصرف في التركة في الفرض من المحرمات من حيث هو هو مع قطع النظر عن الضياع.
وبالجملة لا بد من مراعات الميت في ماله وعدم فعل ما يوجب حرمانه منه وبقاء اشتغال ذمته فكل تصرف لا يوجب ذلك فهو جايز على القاعدة فلو فرض كون تعلق حق الغرماء بذمة الوارث أولى من تعلقه أعيان التركة من حيث كونها في معرض الضياع دون الذمة فلا بد من الحكم بجواز التصرف في التركة مع بناء الوارث على ضمان حق الغرماء وانتقاله إلى ذمته فتأمل.
ثالثها ما تمسك به الفاضل القميرحمهالله فيما تقدم من كلامه ومن تقدم عليه ومن تأخر عنه من لزوم - الحرج في منعهم من التصرف في التركة مع عدم استيعاب الدين حسبما هو المفروض وفيه ما عرفت سابقا في الايراد على الفاضل القميرحمهالله ولا تطلب (فلا نطيل خ) بالاعادة.
رابعها ان منع الورثة من التصرف في التركة موجب لورود الضرر عليهم في بعض الاحيان وفيه أيضا ما لا يخفى.
خامسها ما تقدم من قوله في الرواية إذا لم يكن الدين محيطا بالتركة فلينفق عليهم أي على الصغار من وسط المال وجه الاستدلال انه يدل بظاهره على جواز التصرف في التركة في صورة عدم الاستيعاب وفيه ان المراد من وسط المال هو التصرف الذي لا يوجب ضررا على الديان أصلا وقد عرفت ان هذا النحو من لتصرف جايز قطعا هذا ما ذكره الاستاد العلامة في الجواب عن الرواية ويمكن أن يجاب أيضا بأن إذن الامامعليهالسلام في التصرف في الفرض من جهة مراعات حال الصغار فتأمل هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني أي جواز التصرف وعدمه على القول بانتقال ما قابل الدين أيضا إلى الورثة فالحق فيه أيضا عدم جواز التصرف بما يوجب تضييع حق الغرماء أو ايقاعه معرض الضياع لانا وإن قلنا بانتقال ما قابل الدين إلى الورثة لكنه محجور فيه بمقتضى الروايات المتقدمة الدالة على عدم جواز التصرف في التركة قبل اداء الدين والمفروض انه لا يعلم كون أي جزء من التركة مما قابل الدين حتى يجوز التصرف في غيره حسبما عرفت تفصيل القول فيه في المقام الاول فلا يجوز له التصرف إلا بعد استقرار ملكيته الذي لا يحصل إلا بعد رفع
الدين فحكم التصرف في التركة في صورة عدم الاستيعاب على القول بانتقال جميعها إلى الورثة حكمه في ورة الاستيعاب على القول بالانتقال وأولى بعدم الجواز ما لو قلنا بعدم انتقال التركة إلى الوارث في صورة عدم الاستيعاب حتى ما فضل من الدين على ما ذهب إليه المحقق القميرحمهالله فتلخص مما ذكرنا ان الحق في المقامات الاربعة عدم جواز التصرف بما يوجب تضييع حق الغرماء قبل اداء الدين وجواز التصرف بما لا يوجبه لما قد عرفت من عدم المانع منه مع حصول العلم عادة برضاء الديان بذلك أيضا وعليك بالتأمل في المقام فإنه من مزال الاقدام ومضطرب العلماء العظام عليهم الرضوان من الملك العلام.
الثاني انك قد عرفت من تضاعيف كلماتنا السابقة انه لا إشكال بل لا خلاف في حصول برائة ذمة الميت وجواز تصرف الوارث بعد ضمانه للغرماء بعقد الضمان لانتقال حقهم حينئذ إلى ذمة الوارث وفي حصولها وجواز تصرف الوارث بعد عزل الوصي ومثله مقدار الدين من التركة على القول بايجاب العزل للتعيين وهل يحصل برائة ذمة الميت بإذن الغرماء في تصرف الوارث أم لا فيه تفصيل بين رجوع الاذن إلى ابراء ذمة الميت من الحق و بين رجوعه إلى الاذن في جعل غير التركة بدل التركة كما هو الغالب فيه فعلى الاول لا إشكال في حصول البرائة و على الثاني لا إشكال في عدم حصولها وتعلق الحق بالبدل.
الثالث انه لا إشكال في عدم جواز تصرف الوارث في التركة وعدم نفوذه على القول به فيما لو كان الدين ظاهرا حين التصرف وأما لو لم يكن حين التصرف دين ظاهر فتصرف ثم تبين هناك دين على الميت فإن تبين ان الميت كان مشغول الذمة فعلا قبل الوفاة وان الدين كان حاصلا قبلها كما لو تبين انه اقترض من شخص مثلا فلا إشكال أيضا في أن حكمه حكم الصورة الاولى في عدم النفوذ والافتقار إلى إجازة الداين وإن خالف حكمها بالنظر إلى الحكم التكليفي فإن التصرف في الصورة الاولى كان حراما بخلاف الفرض لفرض جهل الوارث حين التصرف باشتغال ذمة الميت فلا يكون تصرفه حراما لكونه معذورا معه الجهل في الحكم التكليفي وإن لم يكن معذورا في الحكم الوضعي وإن تبين انه قد أوجد سببا للضمان في حال الحياة لكن لم يترتب المسبب عليه ما دام الحياة وترتب بعد الموت مثل ما لو سرت الجناية بعد موته أو تردى بعد الموت في بئر حفرها عدوانا فهل يلحق في - الحكم بالصورتين فيحكم بعدم نفوذ تصرفه من دون اجازة الغرماء أو يحكم فيه بالنفوذ وجهان أوجههما الاول وإن احتمل العلامة في القواعد الثاني لان الميت بإيجاده السبب فقد أوجد العلة التامة للحكم بضمانه شرعا فتكون تركته متعلقة لحق المضمون له فقد تصرف الوارث فيما كان بحسب الواقع متعلقا لحق الغير والمفروض ان الوجود الواقعي للتعلق يكفي في الحكم بعدم نفوذ تصرف الوارث ووجه النفوذ ان تصرف الوارث في الفرض لا يكون بحسب الواقع مقارنا ومجامعا للدين الموجود حال الحياة فيكون نافذا وفيه ما لا يخفى من الفساد.
الرابع ان كلما ذكرنا في الدين يأتي بعينه في الوصية أيضا لا فرق بينهما أصلا فإن قلنا بانتقال ما قابل الدين إلى الورثة فنقول به بالنسبة إلى ما قابل الوصية إذا فرض كونها كليا وإن قلنا ببقائه على حكم مال الميت فنقول به في الوصية أيضا وكذلك الكلام بالنسبة إلى جواز التصرف وعدمه على كل من القولين من غير فرق بين الوصية والدين في جميع ذلك أصلا نعم الفرق بينهما ان تعلق الوصية بمجموع التركة من قبيل لاشاعة وتعلق الدين بها من قبيل تعلق الكلي بالافراد حسبما عرفت تفصيل القول فيه سابقا وهذا الفرق لم يدل عليه الآية والروايات الدالة بعدم الانتقال بل ما قام من الخارج على انه ليس للميت إلا الثلث والثلثان مال الوارث وقد صرح بما ذكرنا جمع من المحققين منهم الاردبيلي في آيات الاحكام هذا.
وقد صرح بعض مشايخناقدسسره بالتفصيل في المسألة بين الوصية والدين حيث ذهب إلى الانتقال في الثاني من جهة العمومات بعد عدم دلالة المخصصات وإلى عدم الانتقال في الاول من جهة ما دل عى ن ثلث مال الميت للميت له أن يتصرف فيه بأي نحو شاء فيدل على بقاء الوصية على حكم مال الميت وفيه ان هذا التفصيل تفصيل ركيك لا شاهد له أصلا بل يمكن دعوى الاجماع على خلافه وما ذكر من الدليل لا يدل عليه أصلا لان المقصود مما ورد من ان ثلث مال الميت للميت هو انتفاعه به وعدم تصرف الورثة فيه إذا أوصى به ولهذا ينتقل إلى الورثة لو لم يوص به اجماعا محققا ومنقولا.
الخامس انه ذكر كل من تعرض للمسألة على ما وقفنا عليه ان الثمرة بين القول بانتقال اعيان التركة إلى الوارث وبقائها على حكم مال الميت تظهر في الثمرة والنماء فإنها على الاول توجد في ملك الوارث ولا يتعلق بها حق الغرماء أصلا وعلى الثاني يتعلق بها حق الغرماء كالاعيان ولم أقف على من منعه أو تأمل فيه إلا بعض مشايخناقدسسره في جواهره حيث منع ذلك مستندا إلى انه يمكن أن يكون النماء ملك الوارث ومع ذلك يجب دفعه في أداء الدين كالاصل ولكنك خبير بفساد هذا المنع لانه لا معنى لوجوب الدفع إليه بعد ما كان - النماء حادثا في ملكه وموجودا فيه وإن أمكن القول بوجوب دفعه إلى الغرماء أمكن القول به في ساير أموال الوارث مما لا دخل للميت فيه أصلا وأما دفع أعيان التركة في أداء الدين على القول بالانتقال فإنما هو من جهة كونها متعلقة لحق الديان فكيف يقاس عليها النماء الحادث في ملك الوارث السادس انه لا إشكال بل لا خلاف في أن للوارث المحاكمة على ما يدعيه لمورثه سواء على القول بانتقال التركة إلى الوارث مع الدين او عدمه أما على الاول فظاهر وأما على الثاني فلما دل على كونه قائما مقام الميت وانه أولى به من جميع الناس من آية أولو الارحام وغيرها مضافا إلى ثبوت الاستحقاق له على كل تقدير فإن كان هناك شاهدان وإلا فإن كان شاهد واحد فيقضي به مع يمين الوارث وإن لم يكن هناك شاهدا أصلا فله أن يحلف المدعى عليه فإن حلف أورد فهو وإلا فيقضى عليه بالنكول أو بعد الرد على الخلاف ولا - خلاف في جميع ذلك كله.
إلا انه قد يشكل في حلف الوارث مع الشاهد أو بعد الرد بملاحظة ما قرر في محله من انه لا يجوز يمين الغير للغير ولا ينفع له أصلا وإن كان له حق بالنسبة إلى ما يحلف عليه وقد مرت الاشارة منا إلى ذلك في طي كلماتنا السابقة اشكالا ودفعا لكن نقول هنا أيضا انه يمكن دفع هذا الاشكال بوجهين.
أحدهما ما أشرنا إليه سابقا من انه ليس لنا دليل يدل بعمومه على عدم جواز حلف الغير للغير بحيث يشمل المقام ومثله من المقامات مما يعود نفع المحلوف عليه إلى الحالف ويكون مستحقا له ومختارا في التصرف فيه في الجملة ولا يرد النقض عليه بعدم جواز حلف الغريم على ما هو ظاهر قضية كلماتهم وغيره ممن له حق بالنسبة إلى المدعى به في الجملة للفرق بين الحق المتعلق للغريم به والحق المتعلق للوارث به فإنه ليس للغريم إلا استيفاء ما يغرمه من التركة وليس له دخل باعيان التركة أصلا ولهذا لا يجوز له مزاحمة الوارث بالنسبة إلى مورد الاداء أصلا.
وهذا بخلاف الوارث فإن موت المورث علة لانتقال التركة إليه غاية ما هناك انه على القول بعدم الانتقال مع الدين صار الدين مانعا من الانتقال إلى الوارث فعلا حتى يؤد الدين فنفس أعيان التركة تنتقل إلى الوارث مع اداء الدين أو رفعه بابراء الغريم ولهذا يكون للوارث التخيير في جهات القضاء اجماعا.
والحاصل انه لا معنى لقياس الغريم بالوارث أصلا فإن الوارث بعد الحلف هل ان يفك المحلوف عليه بخلاف الغريم فإنه ليس له ذلك قطعا فلا يقاس أحدهما على الآخر.
ثانيهما ما اشار إليه الاستاد العلامة من قوله وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض الآية فإن مقتضى كون الوارث أولى بالميت من غيره جواز حلفه له لانه ربما ينفعه في استخلاصه من الدين وغيره من الحقوق وبالجملة مقتضى دليل الولاية كون الوارث قائما مقام الميت فكما انه جاز له الحلف كذلك يجوز للوارث الحلف أيضا بعد تنزيله منزلة المولى عليه.
فيخرج به عما دل بعمومه لو فرض له عموم على انه لا ينفع حلف الغير للغير بل ليس خروجا حقيقة بالبيان الاخير وهذا ملخص ماذكره الاستاد العلامة دام ظله.
ولكنك خبير بأنه لو فرض هناك دليل يدل بعمومه على المعنى المذكور كان عمومه حاكما على دليل الولاية فإنه يدل على ان جواز الحلف من لوازم نفسه لا يتعداه إلى غيره فهو لا يقبل النيابة فيه بل هو كالابوة والبنوة ونحوهما من الاوصاف القائمة بالميت غير قابلة للتنزيل حتى يجري فيه أدلة الولاية فالاحسن على هذا منع العموم كما صنعه الحسن وغيره ممن أحسن بأهل الاسلام ولم يذكر هذا الوجه شيخنا الاستاد أيضا متكلا عليه بل ذكره تأييدا ولا باس به هذا بالنسبة إلى الوارث.
وأما الغريم فهل له المرافعة أم لا الذي يظهر من كلام جماعة منهم العلامة في القواعد ان له هذه في الجملة كما إذا كان له بينة عادلة أو لم تكن وأراد الغريم حلف المدعى عليه لان له أيضا حقا بالنسبة إلى التركة لكن الذي يظهر من الجميع عدم جواز الحلف له فلو توقف استخراج الحق عليه وانحصر ميزان - القضاء به لم يكن له ذلك إذا عرفت ان لكل من الغريم والوارث احلاف المدعى عليه فلو أحلفه الغريم فيسقط دعواه منه قطعا.
وأما الوارث فله الدعوى قطعا لان سقوط حق أحدهما لا يوجب سقوط حق الآخر فإن أحلفه أيضا فلا أشكال وأما إن أقام البينة على الحق أو حلف عليه بعد رد اليمين عليه فإن أخذ الحق من المدعى عليه فذكروا انه لا إشكال في أن للديان الاخذ من الوارث لان ما أخذه تركة من الميت فيتعلق حق الديان به أيضا إذ لا رجيح لغيره عليه واحلافه المدعى عليه إنما اقتضى عدم جواز أخذه منه لا من الوارث أيضا وإن لم يأخذ الحق من المدعى عليه فقد استشكل في القواعد في جواز أخذ الغريم منه حيث قال بعد نقل الخلاف في انتقال التركة إلى الوارث وفي جواز تصرفه ما هذا لفظه وعلى التقديرين المحاكمة للوارث على ما يدعيه لمورثه وعليه ولو أقام شاهد أحلف هو دون الديان وان امتنع فللديان احلاف الغريم فبرء منهم لا من الوارث فإن حلف الوارث بعد ذلك كان للديان الاخذ من الوارث إن أخذ وهل يأخذون من الغريم إشكال انتهى كلامه.
وذكر الاستاد العلامة وجماعة ممن تقدم عليه وعاصره في وجه الاشكال ان الغريم باحلافه المدعى عليه قد اسقط حقه عنه بمقتضى قولهعليهالسلام وذهبت اليمين بما فيها فلا معنى لجواز مطالبته منه بعد سقوط حقه ثم أيد ذلك الاستاد بأن الذمة لما كانت من الامور الاعتبارية المنتزعة من الاحكام الشرعية فيصح أن يقال حينئذ ان المدعى عليه مشغول الذمة للوارث دون الغريم وان ما في ذمته تركة للميت بالنسبة إليه دون الغريم لاسقاط حقه بالحلف ثم أيده أيضا بما في بعض الروايات من انه إذا لم يأخذ الورثة الحق من غريم الميت يأخذه الميت منه في يوم القيامة مثل صحيحة عمر بن يزيد عن الصادقعليهالسلام قال إذا كان للرجل على الرجل دين مطله حتى مات
ثم صالح ورثته على شئ فالذي أخذ الورثة لهم وما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الاخرة وإن هو لم يصالحهم على شئ حتى مات ولم يقض عنه فهو للميت يأخذ به وجه التأييد ان الصحيحة تدل على انه ما لم يأخذ الورثة الحق من غريم الميت لا يكون تركة له فإذا لم يكن تركة لا يتعلق به حق الغرماء أيضا وهو ظاهر هذا.
وقد يرد وجه الاستشكال بأن حلفه إنما اقتضى سقوط حقه منه من حيث كونه حقا له فلا ينافي جواز مطالبته من حيث ثبوت كونه مشغول الذمة بحلف الوارث وان الميت ترك في ذمته شيئا فالمجوز لاخذه من - الوارث بعد الاخذ هو المجوز لاخذه من المدعى عليه وهو ليس في المقامين إلا كون ما في الذمة بعد ثبوته تركة للميت يتعلق به حق الغريم وإن لم يجز أخذه من المدعى عليه قبل ثبوته.
وأما ما ذكره الاستاد العلامة من التأييدين ففي اولهما انه لا معنى للقول بأن ما في الذمة تركة بالنسبة إلى الوارث وإلا لجرى هذا الكلام بعد الاخذ أيضا مضافا إلى انه لا يجري في دعوى العين والقول بأن كلام - العلامة مختص بالدين كما قال به الاستاد كما ترى وفي ثانيهما ان المراد من الحديث ليس بيان الاحكام الدنيوية قطعا وإلا فلا بد من أن يحكم بأن ما في الذمة ليس تركة للميت أصلا سواء اعترف به المديون أو انكره فلا يتعلق به دين ولا يورث عنه وهو خلاف الاجماع بل خلاف نفس الرواية كما لا يخفى.
ثم ان كلامهم هذا وإن كان مختصا باحلاف الغريم للمدعى عليه إلا انه يمكن فرضه في احلاف - الوارث كما إذا ادعى الوارث أيضا وأحلف المدعى عليه ثم ادعى الغريم وأقام البينة على الحق أو نكل من اليمين على القول بالقضاء به في أمثال المقام فتأمل.
السابع ان ما ذكرنا في حكم الدين من انتقال التركة إلى الوارث معه وعدمه وجواز تصرف الوارث فيها وعدمه وغيرهما من الاحكام ليس مختصا بخصوص القرض كما قد يتوهم بالنظر إلى ظاهر لفظ الدين ظهورا أوليا بل يجري في جميع ما في ذمة الميت من الحقوق المالية للناس سواء كان بقرض أو بغيره لان المراد من الدين في الآيات والاخبار هو ما ذكرنا قطعا ولعله يأتي توضيح لذلك فيما بعد إنشاء الله فافهم واغتنم.
قوله في اليمين مع الشاهد يقضى بالشاهد واليمين في الجملة الخ أقول الكلام في المقام يقع في مواضع أحدها في ثبوت القضاء بالشاهد واليمين في الجملة ثانيها في بيان أن أصل السبب في اثبات الحق هل هو الشاهد واليمين شرط وفرع له أو الامر بالعكس أو كل منهما جزء السبب والسبب مجموع المركب منهما لا فرعية بينهما أصلا ثالثها في بيان الترتب بينهما في مقام الاداء وانه هل يشترط تقديم الشاهد أو يكفي مع تقديم اليمين أيضا رابعها في بيان المورد الذي يحكم فيه بالشاهد واليمين وانه مطلق الحقوق أو خصوص حق الناس وعلى الثاني مطلق حقهم أو بعضه ثم المراد من البعض ما هو على تفصيل يأتي الكلام فيه انشاء الله.
أما الكلام في الموضع الاول فنقول ان مقتضى الاصل الاولي وإن كان عدم القضاء بالشاهد واليمين إلا انه قد ثبت القضاء بهما في الجملة بالاجماع المحقق الذي لا يريب في تحققه من له خبرة ويكفي للقطع بتحققه ملاحظة الاجماعات المنقولة لانها وصلت حد التواتر بل أقول ان القضاء بهما من الضروريات عند العلماء وقد وافقنا فيه أيضا المخالفون إلا أبا حنيفة وتابعيه.
ويدل على القضاء بهما قبل الاجماع الاخبار المتواترة والآثار المتكاثرة المنقولة من طرق العامة و الخاصة التي يقف عليها كل من لاحظ كتب الاخبار بل مصنفات علمائنا الاخيار ونحن أيضا نورد جملة منها في هذا المضمار حتى يزول ببركتها جميع الشبهات.
فمنها ما روي عن طرق العامة عن ابن عباس وجابر ان النبيصلىاللهعليهوآله قضى بالشاهد مع اليمين وروى عنهم أيضا ان النبيصلىاللهعليهوآله قضى بالشاهد الواحد مع يمين الطالب ورووا أيضا عن جعفر بن محمدعليهالسلام عن أبيه عن عليعليهالسلام ان النبيصلىاللهعليهوآله قضى بشاهد واحد ويمين صاحب الحق إلى غير ذلك.
ومنها ما روى عن طريق الخاصة عن منصور بن حازم في الصحيح عن أبي عبداللهعليهالسلام قال كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق وروى أيضا عن حماد بن عيسى في الحسن قال سمعت أبا عبداللهعليهالسلام يقول حدثني أبي ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قضى بشاهد يمين وروى أيضا عن عبدالرحمن بن الحجاج في الحسن قال دخل الحكم بن عتبة وسلمة بن كهل على أبي جعفر فسألاه عن شاهد ويمين فقال قضى به رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام عندكم بالكوفة فقالا هذا خلاف القرآن فقالعليهالسلام وأين وجدتموه خلاف القرآن فقالا ان الله عزوجل يقول و اشهدوا ذوي عدل منكم فقالعليهالسلام لهما فقوله واشهدوا ذوي عدل منكم هو أن لا تقبلوا شهادة واحد ويمينا.
ثم قالعليهالسلام ان عليا كان قاعدا في مسجد الكوفة فمر به عبدالله التميمي ومعه درع طلحة فقال له عليعليهالسلام هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة فقال له عبدالله فاجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين فجعل بينه وبينه شريحا لعنه الله فقال له هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة.
فقال شريح هات على ما تقول به بينة فأتاه بالحسنعليهالسلام فشهد انها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة فقال شريح هذا شاهد ولا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر قال فدعى قنبرا فشهد انها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة.
فقال شريح هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك قال فغضب عليعليهالسلام وقال خذوها فان هذا قضى بجور ثلاث مرات قال فتحول شريح في (من خ) مجلسه وقال لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات فقالعليهالسلام له ويلك أو ويحك اني لما أخبرتك انها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة قلت هات على ما تقول بينه وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيثما وجد غلول أخذ بغير بينة وقل رجل لم يسمع بهذا الحديث فهذه واحدة ثم أتيتك بالحسنعليهالسلام فشهد قلت شاهد واحد ولا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر وقد ضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بشهادة واحد ويمين فهذه اثنتان.
ثم أتيتك بقنبر فشهد انها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة فقلت هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك ولا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا.
ثم قال ويلك أو ويحك امام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا الحديث إلى غير ذلك من الروايات التي يأتي إلى جملة منها الاشارة أيضا في الموضع الرابع وفي الحديث مواضع يصعب فهمها على الناظر لا بد من بيانها ورفع اشكالاتها.
منها قوله هو أن لا تقبلوا شهادة واحد ويمينا ومرادهعليهالسلام من ذلك عدم دلالة الآية على نفي سماع شهادة الواحد اما من جهة ان الآية انما وردت في الطلاق ولا دخل لها بغيره وإنما المناسب للاستدلال به في - المقام قوله تعالى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم.
وأما من جهة ان الامر في قوله واشهدوا وقوله واستشهدوا للارشاد إلى استحكام الامر لئلا ينجر إلى الخصومة والمرافقة فهذا لا دخل له بأن ميزان دفع الخصومة أي شئ لان الآية المذكور غير واردة لبيان حكم صورة وقوع الخصومة بل واردة للارشاد إلى حفظ الامر حتى لا يحتاج بعده إلى يمين ولا إلى غيرها وهذا
واضح لكل من تأمل الآية وامثالها هكذا ذكره الاستاد العلامة والامر كما ذكره لكن جماعة من الاصحاب تسامحوا في الاستدلال بالآيتين فتعدوا عن الطلاق في الآية الاولى إلى غيره كما يظهر من تمسكهم بها في فروع كثيرة منهم عدم الحاق وطي البهيمة بالزناء في الافتقار إلى أربعة شهداء وقد استدل بها لهذا المطلب الشهيد في المسالك في باب الشهادات.
وتمسكوا بالآية الثانية بل الاولى لكفاية الشاهدين في اثبات جملة من الحقوق ولعل الاول مبني على فهمهم عدم الخصوصية للمورد فتأمل والثاني مبني على ثبوت الملازمة بين المعنى الذي كانت الآية مسوقة له وما تمسكوا بها له وثبوتها لا يخلو عن قرب وعلى أي تقدير لا دلالة للآية على مطلب الخصم.
ثانيها استشهادهعليهالسلام بالنبوي مع انه بظاهره لا دخل له بالمقام لان النزاع في اصل الغلولية وبعبارة أخرى استدلال الامامعليهالسلام بالنبوي في المقام في بادى النظر نظير التمسك بالكبرى مع النزاع في الصغرى وقد أجاب عن هذه الاشكال شيخنا الاستاد بأن استشهاده بالنبوي من جهة دلالته على ان قول مدعي الغلولة مسموع وان القول قوله بعد ثبوت ان المأخوذ من الغنيمة المشتركة بين المسلمين من دون احتياج إلى بينة أصلا ودلالته على هذا المعنى ظاهرة.
ثم ذكر الاستاد العلامة ان وجه كون القول قوله كون الاصل معه فيكون على طبق القاعدة لا على خلافها مع انه لو كان على خلافها رفع اليد عنها به هذا.
وفيه نظر من وجوه أحدها ما ذكره دام ظله العالي من ان هذا الجواب مبني على وجود الغنيمة يوم البصرة وهو غير معلوم لان مقتضى بعض الاخبار نفيه وإن كان مقتضى آخر اثباته ثانيها ما استفيد من كلامه أيضا من ان الظاهر من الحديث وقوع النزاع أيضا على كون الدرع للطلحة أو لغيره ولم يكن النزاع مختصا بالغلولة ولهذا أشهد الامام الثانيعليهالسلام وقنبر على كليهما فتأمل ثالثها ما قد يختلج بالبال وقد سمعت من لاستاد أيضا في خارج مجلس البحث من أن الاخذ بغير بينة من جهة ان القول قوله لا يثبت سماع قوله من دون يمين وليس في الرواية ذكر اليمين أصلا ويمكن دفعه بأن الكلام مع شريح إنما كان في الاحتياج إلى البينة وعدمه لا في ثبوت اليمين أو يقال ان هذا المورد من الموارد التي يسمع فيها قول المدعي بدون بينة فتأمل وللاحقر من اصل الاشكال جواب آخر يطول الكلام بذكره ولا يبعد ان يطلع المتأمل عليه.
ثالثها قوله وقد قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بشهادة واحد ويمين وجه الاشكال فيه ان الشريح لم ينف شهادة الواحد مع اليمين وإنما نفى شهادة الواحد ودفع هذا الاشكال غير خفي على كل من راجع الرواية إذ من المعلوم انه نفى ذلك بقوله لا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر لانه أعم من وجود اليمين مع الواحد وعدمه فعليه ان يأمر الامامعليهالسلام باليمين بمقتضى قول الرسول هذه جملة القول في الموضع الاول.
وأما الكلام في الموضع الثاني فنقول انه قد يقال بأن الحجة الشاهد واليمين شرط له يتقوى بها جانبه لان مقتضى العمومات كون وظيفة المدعى البينة وعدم سماع اليمين منه وليست البينة حقيقة في الاثنين حتى يقال بخروج الواحد عنها بل البينة عبارة عن الحجة سواء كانت قول واحد أو اثنين.
وقد يقال بأن الحجة والسبب اليمين والشاهد شرط لها يتقوى به جانبها والوجه فيه ان مقتضى - العمومات الاولية على ما مرت إليها الاشارة انحصار القضاء والفصل بالبينة والايمان فإذا تعذر الاولى تعين الثانية لئلا يلزم القضاء بغيرهما والقول بان الشاهد الواحد بينة حقيقة ضعيف جدا سلمنا لكن المتبادر منها كلما
اطلقت سيما في الاخبار وكلمات أصحابنا الاخيار هو خصوص الاثنين كما يشهد له ما تقدم من حكاية شريح وأما الاحتياج إلى الشاهد فلما عرفت سابقا من أن الحكم باليمين في طرف المدعى يحتاج بحسب الحكمة إلى ظهور يتقوى به جانبه حتى يضعف الاصل الذي في جانب المنكر.
وقد يقال بأن الحجة المجموع المركب منها وكل منهما جزء السبب ولعله مختار الاكثر وهو الحق ويدل عليه اطلاق الاخبار الواردة في القضاء بالشاهد واليمين فان مقتضاها كما لا يخفى لمن لا حظها كون كل منهما جزء الحجة وهي مركبة منهما هذا وقد ذكر الاصحاب لكل من هذه الوجوه وجوها ضعيفة غير ما ذكرنا يقف عليها كل من راجع إلى كتبهم.
ثم انهم ذكروا انه تظهر الثمرة بين الاقوال في الغرم ومقداره إذا رجع الشاهد عن شهادته فإنه على الاول بالتمام على الشاهد وعلى الثاني بالتمام على المدعى ولا شئ على الشاهد وعلى الثالث على كل منهما النصف هكذا ذكروه ولكنه ضعيف لان التلف في المقام إنما جاء من قبل كل منهما مع مدخليته سواء سمى شرطا أو سببا لان مجرد التسمية بالسبب والشرط لا يتفاوت به معنى الضمان فالحق على جميع الاقوال النصف على كل منهما وما ذكرنا لا يخفى على من له أدنى تأمل فتأمل هذا مجمل القول في الموضع الثاني.
وأما الكلام في الموضع الثالث فنقول انه لا إشكال بل لا خلاف بين لاصحاب في لزوم تقديم البينة ويدل عليه مضافا إلى عدم الخلاف فيه الاصل أي أصالة عدم ثبوت الحق بدون تقديم الشاهد وأما اطلاقات الاخبار الواردة في المقام فلا تنفع رافعا له لكونها واردة في بيان أصل تشريع القضاء بالشاهد واليمين فهي مهملة من جهة بيان حكم الترتيب في الاداء هذا.
وقد يتمسك له بوجوه آخر غير ناهضة أحدها ان مقتضى الاعتبار بل الاخبار كون اليمين علة لرفع الخصومة بمعنى عدم الاحتياج بعدها إلى شئ آخر بل يقضى بمجرد وجودها لانه مقتضى احترام اسم الله تبارك وتعالى وما دل على تصديق الحالف بالله ثانيها ما استدل به في محكي كشف اللثام من ان جانبه حينئذ يقوى وإنما يحلف من يقوى جانبه كما انه يحلف إذا نكل المدعى عليه لان النكول قوى جانبه انتهى وهذا ما أشرنا إليه غير مرة من ان اكتفاء الشارع من المدعي باليمين إنما هو بعد حصول ضعف في الاصل الذي في طرف المنكر بقيام ظهور شخصا أو نوعا على خلافه ثالثها ما أشار إليه شيخنا الاستاد وبعض من تقدم عليه على انه مقتضى - الترتيب الوارد في جميع النصوص رابعها ما ذكره في المسالك من ان المدعي وظيفته البينة لا اليمين بالاصالة فإذا أقام شاهدا صارت البينة التي هي وظيفته ناقصة وتتميمها باليمين بخلاف ما لو قدم اليمين فإنه ابتدء بما ليس من وظيفته ولم يقدمه ما يكون متمما له.
واما ثبوت عدالة الشاهد فلا يترتب على شهادته بل المعتبر العلم بها قبل الحلف انتهى إلى غير ذلك من الوجوه التي ذكروها وأنت خبير بعدم تمامية جميعها نعم هي وجوه اعتبارية تصلح تأييدا لما ذكرنا هذا مجمل القول في الموضع الثالث.
وأما الكلام في الموضع الرابع فنقول المدعى به لا يخلو إما أن يكون من حقوق الله محضا أو حقوق الناس كذلك أو يكون فيه جهتان والحكم في الاخير يظهر من بيانه في القسمين (الاولين خ) فما كان من حقوق الله محضا فقد أجمع الاصحاب على عدم ثبوته بالشاهد واليمين وعدم سماعهما فيه والوجه فيه مضافا إلى الاجماع أيضا ظهر من بعض كلماتنا السابقة في عدم سماع الدعوى في حقوق الله من غير بينة فراجع وأما ما كان من حقوق الناس
(والمراد بحق الناس في المقام ما يكون مقابلا لحق الله فلا ينقض بالعقود فتأمل خ) فقد اختلفت فيه مقالتهم.
وتنقيح المقام يحتاج إلى بيان ما له من الاقسام حتى يتضح به المرام ويرتفع الغبار عن كلمات علمائنا الاعلام فنقول انه على أقسام منها ما تكون مالا كالدين ونحوه ومنها ما تكون حقا ماليا كحق الخيار والشفعة ونحوهما ومنها ما يكون المقصود منه المال كما في المعاوضات ومنها ما لا يكون شيئا من الاقسام بمعنى انه لا دخل له بالمال أصلا كما في حق القصاص ونحوه.
إذا عرفت هذه الاقسام فاعلم انه قد حكى شيخنا الاستاد عن بعض القول بثبوت جميع هذه الاقسام بالبينة واليمين سواء كان مما يرجع إلى المال أو لا ولكني كلما تفحصت لم أجد قائلا به بين الاصحاب بل مقتضى ظاهر كلمات جماعة عدم القول به.
نعم قال بعض مشايخنا انه لولا اطباقهم لامكن المصير إليه وحكى عن النهاية والاستبصار والفقيه والمراسم والكافي التخصيص بالدين وحكى عن الاكثر بل عن المشهور الاكتفاء بالشاهد واليمين فيما عدا القسم الاخير.
أما القول الاول أو الوجه الاول فقد يستدل له باطلاق ما ورد في الباب من الاخبار وبخصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس فأما ما كان من حقوق الله أو رؤية الهلال فلا وأجيب عنه بأن المتبادر من حق الناس عند الاطلاق هو الحق المالي ولو سلم شموله لغير المال أيضا فيخصص بالمال لما سيجئ كما انه يقيد جميع الاطلاقات به لو فرض عدم ورودها في بيان أصل التشريع.
وأما الطايفة الثانية فقد استدلوا أيضا بأخبار منها خبر حماد بن عثمان قال سمعت الصادقعليهالسلام يقول كان عليعليهالسلام يجيز في الدين شهادة رجل ويمين المدعي.
ومنها خبر أبي بصير سئلت أبا عبدالله عن الرجل يكون له عند الرجل الحق وله شاهد واحد قال فكان رسول الله يقضي بشاهد واحد ويمين صاحب الحق وذلك في الدين.
ومنها خبر القاسم بن سليمان سمعت أبا عبدالله يقول قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بشهادة رجل مع يمين - الطالب في الدين وحدة.
ومنها خبر محمد بن مسلم عن أبي عبداللهعليهالسلام قال كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين ولم يجز في الهلال إلا شاهدي عدل إلى غير ذلك من الروايات المضبوطة في كتب لاخبار - الظاهرة في انحصار القضاء بالشاهد واليمين في الدين فلا بد من رفع اليد بها عن اطلاق ما دل على القضاء بهما مطلقا أو عموم ما دل عليه حملا للمطلق على المقيد والعام على الخاص هذا. وقد قيل في الجواب عن الاستدلال بها بوجوه أحدها ضعفها سندا فلا تقاوم ما دل بعمومه على القضاء بهما في مطلق الاموال المعتضد بعمل المشهور بل نقل الاجماع من جملة من الاجلة وفيه ما لا يخفى على المتأمل في سند الروايات المتقدمة وملاحظتها فإنه ليس كلها ضعيفة سندا فلاحظ.
ثانيها عدم معارضتها مع الاطلاقات والعمومات اما لان تلك الاخبار بأسرها إنما وردت في مقام نقل فعل النبيصلىاللهعليهوآله أو الوصي واختصاص ما وقع منهما في الخارج من القضاء بالشاهد واليمين في ضية أو في جميع القضاياء بالدين لا يقتضي اختصاص أصل الحكم به وانه لا يجوز القضاء بهما في غيره.
وبعبارة أخرى مفاد الروايات المتضمنة للفظ الدين ان النبيصلىاللهعليهوآله والوصيعليهالسلام قد قضيا في الدين بالشاهد واليمين ومعلوم انه لا يقتضي رفع اليد عما دل بعمومه على القضاء بهما في غير الدين لانه نظير ما إذا ورد
من الامامعليهالسلام ان النبيصلىاللهعليهوآله قد أكل السكر مثلا في الموضع الفلاني فإنه لا يقتضي تخصيص ما دل بالعموم على اباحته في كل موضع وهذا مما لا يخفى.
واما لانها وإن لم ترد نقلا للفعل بل وردت لبيان الحكم الشرعي ابتداء أو ببيان من الامامعليهالسلام إلا ان من المقرر في محله انه لا يحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص فيما إذا كان مثبتين إلا بعد ثبوت اتحاد الموجب والتكليف ليحصل التنافي ومعلوم انه ليس في المقام ما يدل على اتحاده.
والحاصل ان اثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عما عداه بالنظر إلى ذاته نعم لو ثبت من الخارج ما يقتضي التنافي بين اجتماعهما في الحكم لكان اثباته له دالا على نفيه لما عداه وتفصيل القول في ذلك في الاصول.
وفيه ان من الواضح لكل من اعطى حق النظر في الروايات ان ذكر الدين فيها ليس من جهة وقوع - القضاء بالشاهد واليمين في الواقعة الخاصة من النبيصلىاللهعليهوآله والوصيعليهالسلام فيه بل من جهة حصر الحكم وقصره فيه مع ان جملة منها كما هو معلوم لمن راجع إليها ليس فيها حكاية الفعل ونقله بل بيان لما جوز النبيصلىاللهعليهوآله أو الوصيعليهالسلام فيه القضاء بالشاهد واليمين.
وبالجملة حمل قولهعليهالسلام في خبر حماد بن عثمان كان عليعليهالسلام الخبر وخبر محمد بن مسلم قال كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله الخبر على ان وقع منهما في الخارج من القضاء بهما كان في قضية الدين بعيد جدا بل ا معنى له ولا يصدر إلا عن اعوجاج السليقة في فهم الكلام كما لا يخفى على الاعلام نعم لو كان لفظ الدين في الخبرين نكرة مؤخرة عن قوله شهادة رجل اه لامكن حمله على ما ذكر مع كمال البعد فيه. وأولى منهما(١) في الدلالة على الحصر قولهعليهالسلام في ذيل خبر أبي بصير وذلك في الدين لانه أقوى في - الدلالة على الحصر وجعل المشار إليه في قوله وذلك ما صدر من النبيصلىاللهعليهوآله في القضية الشخصية فيكون اخبارا عما قضى النبيصلىاللهعليهوآله فيه بالشاهد واليمين فلا دلالة له على الحصر بحسب الحكم الكلي في غاية البعد. وأولى منهما في الدلالة على الحصر قوله في خبر القاسم في الدين وحده لان القضاء بهما في القضية الشخصية يلزمه الوحدة لان الموجود الخارجي يلزمه التشخص من جميع الجهات وهو معنى وحدته فلا يمكن أن يجعل قوله وحده قيدا للفعل الخارجي للزوم اللغوية بل لا بد من أن يجعل قيدا للحكم الكلي الصادر من - المصدر الاولي وهو ما ذكرنا من الدلالة على الحصر هكذا ذكره الاستاد العلامة دام ظله العالي في بيان لاولوية وللنظر فيه مجال لا يخفى وجهه على الناظر. وبالجملة لا ريب لمن تأمل فيما ذكرنا من الروايات وما أهملنا ذكره منها انها ظاهرة في حصر القضاء بالشاهد واليمين في الدين ومنه يعلم فساد ما ذكر في وجه عدم المعارضة أخيرا من حديث المثبتين وعدم التنافي بينهما وذلك لان مقتضى قضية الحصر نفي الحكم عن غير المحصور فيه كما لا يخفى.
هذا مضافا إلى ورود جملة منها في مقام اعطاء القاعدة والميزان فهو وجه آخر لاثبات التنافي والتعارض غير ما ذكرنا أولا هذا مضافا إلى انه لو سلم عدم التعارض بينهما لامكن القول مع ذلك بعدم جواز القضاء بالشاهد واليمين في غير الدين من جهة الاصل الاولي بعد ادعاء ورود المطلقات في مقام بيان القضية المهملة وهو لا يخلو عن بعد وكيف كان لا أرى الجواب حقيقا بالقبول والعجب من جمع من أجلة الاصحاب ومشايخنا الاطياب يث اعتمدوا عليه من غير إشكال فيه والله العالم.
ثالثها ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله وجمع ممن تقدم عيه بعد تسليم دلالة الروايات على حصر القضاء
____________________
(١) في الاولوية تأمل (منه قده)
بالشاهد واليمين في الدين من ان المراد من لفظ الدين في الروايات ليس هو خصوص معناه المعروف ليكون أخص مما دل على القضاء بهما في مطلق الحقوق المالية بل المراد منه مطلق ما يتعلق بالذمة من الحقوق المالية فمعنى قوله اجاز في الدين أي في كل دعوى يتضمن مالا في ذمة المدعى عليه فيتحد مفاده مع ما دل على القضاء بهما في مطلق الاموال.
فلا تنافي الروايات ما ذهب إليه المشهور المنقول عليه الاجماع من جماعة من الفحول بل تكون دليلا لهم بل يمكن أن يقال بأن مراد من خص من الاصحاب بالدين هو يكون ذلك أيضا فيرتفع النزاع من - البين ولهذا نفى العلامة في المختلف الخلاف عما ذهب إليه الاكثر حاملا لما في النهاية من الاختصاص بالدين على ان المراد منه مطلق المال وقد تبع العلامة في ذلك جماعة ممن تأخر عنه فحملوا كلام من ظاهره الاختصاص بالدين على مطلق المال هذا مجمل ما ذكروه في هذا الجواب.
وتفصيله بتوضيح منا ان دعوى المدعي في حقوق الناس لا تخلو إما أن لا تكون متضمنة لدعوى المال أصلا وإن ترتب المال على المدعي في بعض الاحيان.
وإما أن تكون متضمنة لدعوى المال وهذا أيضا على قسمين لان الدعوى المتضمنة للمال لا يخلو إما أن يكون نفس المدعى فيها مالا كما في دعوى الدين وأشباهه أو يكون المدعى فيها شيئا يكون المقصود منه المال وهذا على أقسام منها ما يكون المقصود منه المال نوعا كدعوى البيع والخيار وأشباههما ومنها ما يكون المقصود منه المال صنفا كدعوى الزوجية بعد موت الزوجة فإن نوع دعوى الزوجية من الزوج وإن لم يكن المقصود منها المال إلا ان دعواها بعد الموت يكون المقصود منها المال ومنها ما يكون المقصود منه المال بحسب شخص المقام وإن لم يكن المقصود منه المال نوعا وصنفا.
إذا عرفت ذلك فنقول اما القسم الاول فلا إشكال في عدم شمول لفظ الدين له وخروجه عن مورد الروايات فانه وإن حكى عن بعض أهل اللغة اطلاق لفظ الدين على مطلق الحقوق لكنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه لكنك قد عرفت سابقا انه ليس بين الاصحاب ظاهرا من قال بالقضاء بالشاهد واليمين في مطلق حقوق الناس فلو كان هناك قايل به أو مائل إليه لعموم لفظ حق الناس المذكور في قولهعليهالسلام لو كان الامر إلينا لدفعناهما بظهور الروايات على خلافهما وأما القسم الثاني فلا إشكال في شمول الدين له بل لعله لا خلاف فيه.
وأما ساير الاقسام فالظاهر شمول الروايات لها أيضا فالحكم في جميعها هو القضاء بهما عند الاستاد دام ظله وظاهر بعض وإن كان ظاهرا بعض آخر تخصيص الحكم بالقسم الاول فيصير مفاد ما ورد في القضاء بالشاهد واليمين في الدين مفاد ما روي عن ابن عباس ان النبيصلىاللهعليهوآله قال استشرت جبرئيل في القضاء باليمين مع لشاهد فأشار علي بذلك في الاموال وقال لا بعد ذلك وقد تمسك بذلك جماعة على مذهب المشهور وقد أورد عليه بعض مشايخنا بما لا يسلم عن المناقشة هذا.
وربما يتوهم ان الحكم بجواز القضاء بالشاهد واليمين في القسمين الاخيرين خرق لما اتفق الكل عليه لانهم بين قائل بالاختصاص بالدين وبين قائل بالتعميم بالنسبة إلى ما يكون المقصود منه المال نوعا كالبيع مثلا وأما غيرهما فقد اتفقت كلمة الكل على عدم القضاء بهما فيه هذا.
وأنت خبير بفساد هذا التوهم لان من قال من الاصحاب بالتعميم بالنسبة إلى ما يكون المقصود منه المال لم يظهر منه التخصيص بالقسم الاول بل الظاهر منه كما لا يخفى عدم التخصيص به وشمول كلامه للقسمين الاخيرين
أيضا ولهذا ذكر في محكي كشف اللثام ان دعوى الزوجية بعد موت الزوجة ليست من دعوى النكاح التي ذهبوا إلى عدم القضاء بالشاهد واليمين فيها بل المراد منها غير الصورة وبالجملة لا يخفى فساد التوهم المذكور على من لاحظ كلماتهم.
وبتقرير آخر أوضح مما سبق في بيان المراد وأجمع منه في استقصاء الاقسام وأحكامها المدعى به لا - يخلو إما أن يكون بنفسه مالا أو لا وعلى الثاني لا يخلو إما أن يكون المقصود منه المال نوعا كالمعاوضات وإن تخلف في بعض الموارد بحسب شخص المقام كدعوى اشتراء من ينعتق عليه أو لا يكون المقصود منه المال نوعا وهذا على أقسام منها ما يكون المقصود منه بحسب النوع غير المال وإن تخلف في بعض الموارد بحسب شخص المقام بعكس القسم السابق كدعوى ما يوجب القصاص.
ومنها ما يكون المقصود منه المال غالبا ومنها ما يكون المقصود منه غير المال غالبا على عكس القسم السابق ومنها ما يساوى فيه الامران واقعا ومنها ما يشك كونه من أي الاقسام.
ثم ان الكلام في غير القسمين الاخيرين من الاقسام السابقة تارة يقع فيما لم يعلم تخلف قصد المدعي في خصوص المقام بأن يقصد خلاف ما يقصد من المدعى نوعا أو غالبا وأخرى فيما إذا علم ان قصده خلاف ما يقصد بحسب النوع والغالب اما بتصريح منه أو بقيام قرينة عليه.
أما الكلام في القسمين الاولين فالظاهر بل المقطوع انه لا إشكال في القضاء بالشاهد واليمين فيهما لشمول ما ورد في القضاء بهما لهما جزما وقد قضت به أيضا كلمة الاصحاب سلفا وخلفا كما لا يخفى لمن راجع إلى كلماتهم وأما القسم الثالث فالظاهر انه لا إشكال في عدم جواز القضاء بالشاهد واليمين فيه حسبما عرفت فصيل القول فيه وهو أيضا قضية كلماتهم حيث يفصلون بين ما يكون المقصود منه المال وبين ما لا يكون المقصود منه المال فراجع إليها حتى تجدها منادية بما ذكرنا وأما القسم الرابع فالظاهر الحاقه بالقسمين الاولين وإن كان الحكم فيه بالالحاق لا يخلو عن إشكال وأما القسم الخامس فالظاهر الحاقه بالقسم الثالث وأما القسم السادس وهو ما يساوى فيه الامران أي قصد المال وغيره فالظاهر الحاقه أيضا بالقسم الثالث لعدم الجزم بشمول الادلة له لتبعية النتيجة لاخس المقدمتين وهو أيضا مقتضى ظاهر كلماتهم حيث ان الظاهر ان مرادهم مما يكون المقصود منه المال هو ما يكون المقصود منه المال نوعا لا يقال كيف تحكم بأن ظاهر كلماتهم عدم شمول الادلة لهذا القسم وكون ملحقا بالقسم الثالث مع ان جماعة صرحوا بأن ما يكون فيه الجهتان حق الله وحق الناس كالسرقة مثلا يقضى بالشاهد واليمين في الجهة الثانية دون الاولى فليكن الامر فيما نحن فيه كذلك لاتحاد المناط واقعا فيقضى بهما بالنسبة إلى الجهة المالية دون غيرها.
لانا نقول حكمهم بالتفكيك بالنسبة إلى ما يكون فيه الجهتان حق الله وحق الناس لا دخل له بما نحن فيه لان كلامهم ثمة غير ناظر إلى ما نحن فيه ولا دخل له به أيضا فيحكم بأن ما فيه الجهتان لا بد أن يكون حق الناس هو المقصود ذاتا والمطلوب نوعا بحيث يكون حق الله تبعا للارادة كما في دعوى السرقة وأشباهها حيث ان المقصود المدعى فيهما يكون المال نوعا بل كثير من الناس لا التفات لهم إلى الجهة الاخرى وكيف كان كلامهم ثمة لا ينافي ما نحن بصدده وأما القسم السابع فالمرجع فيه إلى العمومات فيحكم بعدم القضاء بالشاهد واليمين فيه.
بقي الكلام في حكم ما لو علم في شخص المقام فيما يقصد منه المال نوعا كون مقصود المدعي غير المال وما لو علم في شخص المقام فيما لا يقصد منه المال نوعا كون مقصود المدعي المال أو صرح بدعوى غير لمال في الاول والمال في الثاني مستندا إلى السبب فنقول ان الظاهر شمول الادلة للاول وعدم شمولها للثاني لان الظاهر منها ولو بمساعدة فهم العلماء اعتبار النوع دون الاشخاص والقول بأن مقصود الاصحاب مما ذكروه في المقام من التفصيل بين ما يكون المقصود منه المال وما يكون المقصود منه غير المال ليس هو اعتبار ذلك نوعا ولو علم ان مقصود المدعي بحسب شخص المقام على خلافه خلاف ظاهر كلماتهم فعليك بالمراجعة إليها والتأمل فيها لان المسألة في غاية الاشكال والله العالم بحقيقة الاحوال.
وينبغي التنبيه على أمور الاول ان ما ذكرنا في حكم الاقسام فإنما هو بالنظر إلى المفهوم وأما تمييز المصداق وتشخيص اندراج كل شخص من الدعاوى في ضمن أي قسم من الاقسام فبنظر الفقيه لانه ليس ميزان كلي يميز به ان أي مادة مخصوصة داخلة في ضمن أي من الاقسام ولهذا ترى كلماتهم مضطربة ومختلفة غاية الاضطراب والاختلاف في الموارد الجزئية والمسائل الكثيرة حتى ان فقيها واحدا حكم في كتاب بجواز القضاء بالشاهد واليمين في مادة مخصوصة وحكم في كتاب آخر على خلاف ذلك بل في كتاب واحد حكم في موضع منه في مادة مخصوصة على خلاف ما حكم فيها في موضع آخر منه فعليك بالمراجعة إلى كلماتهم وإمعان النظر فيها.
الثاني ان ما ذكرنا كله من الكلام فإنما هو بالنسبة إلى الدين وما في حكم مما له تعلق بالذمة ولو بالواسطة وأما الكلام في العين فهل يلحق بالدين أم لا بمعنى انه لو ادعى عين في يد أحد ولا يكون هناك بينة فهل حكم بكفاية الشاهد واليمين ويقضى بهما كما يقضى بهما في الدين أم لا وجهان أوجههما الاول ويدل عليه وجوه احدها اطلاق بعض الاخبار فتأمل ثانيها ما ورد عن امير المؤمنينعليهالسلام في حكاية الدرع وقد مضى تفصيل القول فيه فراجع ثالثها عدم القول بالفصل وهو ظاهر.
الثالث لا إشكال بينهم ظاهرا في الحاق ما يكون فيه الجهتان حق الناس وحق الله بما يكون ممحضا في حق الناس من الجهة الاولى بمعنى انه يحكم فيه بثبوت الجهة المالية بالشاهد واليمين دون الجهة الاخرى وهو كذلك إذا فرض كونها المقصودة بالذات كما هو مفروض كلماتهم وقد عرفت الاشارة إليه فراجع.
الرابع انه لو كان هناك أمور غير مالية تابعة لما يكون المقصود منه المال فلا إشكال في الحكم بثبوتها بعد الحكم بثبوت متبوعها بالشاهد واليمين لانه مقتضى قضية التبعية هذا والظاهر انه مقتضى قضية كلماتهم يضا ولكن الاستاد العلامة دام ظله قد استشكل فيما ذكرنا في المجلس البحث وقال أي فرق بين كون غير المال تابعا أو مقصودا بالاصالة ولهذا يحكم بعدم ثبوت حق الله بالشاهد واليمين فيما كان تابعا لموضوع حكم بثبوته بالشاهد واليمين في الجملة وأنت خبير بما ذكره وهو أخبر مني ومنك والله أخبر من كل شئ بكل شئ.
قوله ولا يثبت دعوى الجماعة مع الشاهد إلا مع حلف الخ أقول الوجه فيما ذكره المصنف بعد عدم الخلاف فيه ظاهرا ظاهر لان دعوى الجماعة تنحل إلى دعاوى متعددة وإن كانت بحسب الصورة واحدة وقضية تعدد الدعوى تعدد اليمين وإلا لزم القضاء في بعضها بدون الميزان الشرعي لان اليمين التي جعلت ميزانا لقطع الخصومات سواء كانت منفردة أو مع الشاهد هي يمين المدعي لا يمين غيره حسبما قضت به الادلة على ما تقدمت الاشارة إليه غير مرة فيمين الغير لا تنفع الغير ولا تثبت حقه فيلزم ما ذكرنا.
وأما التمسك له بالقاعدة المشهورة بينهم من انه لا يختلف أحد عن غيره كما وقع عن بعض فقد استشكل
الاستاد العلامة فيه بأن ظاهر القاعدة انه لا يحلف أحد نيابة عن غيره وولاية عنه وهذا لا دخل له بعدم وقوع حلف الغير للغير تبعا للحلف على حقه ثم ذكر ان مدرك المسألة في المقامين وإن كان بحسب الظاهر واحدا وهو عدم ظهور أدلة الحلف إلا في تصديق الحالف فيما يدعيه لنفسه إلا انه لو كان هناك اجماع على القاعدة لم يمكننا الاستدلال بها في المقام كما لا يخفى على الاعلام.
ثم انه احتمل بعض حسبما حكى عنه كفاية اليمين الواحدة عن الجميع ويستدل له بوجوه أحدها عموم ما دل على تصديق الحالف وشموله للمقام فإن كلا منهم إنما يدعي تمام المدعى وإن كان ما يصل إليه في الواقع بعضه حسبما هو المفروض وما دل على عدم اثبات حلف الغير الحق الغير الحالف نمنع شموله للمقام لان ما دل الدليل عليه إنما هو عدم الاثبات أولا لا تبعا وبالعرض ثانيها لو لم يكتف بحلف الواحد في المقام لزم عدم الاكتفاء بالبينة الواحدة أيضا بل يجب على كل واحد منهم إقامة البينة لاثبات حقه والتالي باطل أما الملازمة فلكون كل منهما مثبتا شرعيا لما يدعيه المدعى وميزانا لاثبات حقه وطريقا لقطع الخصومة فلو اكتفى بالبينة عن أحدهم لزم القضاء للآخرين بدون ميزان شرعي على حذو ما مر في اليمين وأما بطلان التالي فلقيام اتفاقهم عليه ظاهرا ثالثها انه لو لم يكتف باليمين الواحدة في المقام لزم عدم الاكتفاء بها عن المنكر أيضا والتالي باطل والوجه في بطلان التالي وبيان الملازمة يظهر مما ذكر في الوجه الثاني مضافا في الثاني إلى ما يقال من أن يمين المدعي هي يمين المنكر جعلت له شرعا من جهة ضعفها بقيام الشاهد الواحد فهي منزلة منزلة يمين المنكر هذا.
وأنت خبير بفساد هذه الوجوه أما الوجه الاول فلما قد عرفت مرارا من منع شمول ما دل على تصديق الحالف بالنسبة إلى حق الغير سواء كان بالتبع أو بالاستقلال والدليل على عدم جواز القضاء بحلف الغير للغير ليس إلا الاصل الاولي مع عدم دليل عليه وليس هناك دليل على المنع غير ما ذكر حتى يمنع شموله للمقام فتدبر وأما الثاني فلفساد القياس أولا ووجود الفارق ثانيا من حيث ان نسبة البينة إلى جميعها (جميعهم خ) على السواء لانها تشهد على أصل الدعوى وأدلتها عامة وهذا بخلاف اليمين مضافا إلى أن القياس المذكور إنما يتم في بعض الصور واما في أكثر الصور وهو ما إذا ادعوا جميعا وأقاموا بينة على دعواهم فلا لرجوع الشهادة حينئذ إلى الشهادات المتعددة كما لا يخفى هذا وتمام الكلام يأتي في باب الشهادات إنشاء الله فاغتنم وانتظر وأما الثالث فبما مر في لثاني وأما التنزيل المدعى أخيرا ففي غاية الفساد لعدم الدليل عليه أصلا هذا وذكر الاستاد العلامة بأنه لا بعد في الالتزام بتعدد اليمين من المنكر إذا لم يكن دعواهم دفعة واحدة بل على التدريج وحلف عقيب دعوى الاول وهكذا نعم لو ادعوا دفعة واحدة أو على التدريج لكن لم يحلف للسابق جاز الاكتفاء باليمين الواحدة لحصول الغرض بها ولعلنا نتكلم زيادة على هذا فيما بعد إنشاء الله.
قوله ولو ادعى الجماعة مالا لمورثهم وحلفوا مع شاهدهم الخ أقول إذ ادعى جماعة ولم يكن لهم إلا شاهد واحد فلا يخلو إما أن يلحفوا بأجمعهم أو لا يحلف أحدهم أو يحلف بعد دون بعض آخر فإن حلفوا بأجمعهم فلا إشكال في الحكم وكذا إن لم يحلف أحدهم فإنه لا يثبت هناك شئ أصلا واما ان حلف بعض دون آخر قد عرفت في المسألة السابقة انه لا خلاف ظاهرا في انه لا يثبت حق الممتنع لان اليمين لا تثبت حق الغير واما الحالف فالظاهر أيضا انه لا إشكال بل لا خلاف في ثبوت حقه وان احتمل بعض عدم ثبوته نظرا إلى وحدة الدعوى لكنه ضعيف لا يعبأ به وهذه كلها مما لا إشكال فيها ولا خلاف.
وإنما الاشكال والخلاف في مشاركة من لم يحلف للحالف فنقول ان الكلام يقع في مقامين أحدهما
قبل الاخذ ثانيهما بعد الاخذ.
أما الكلام في المقام الاول فالذي صرح به الاستاد العلامة في مجلس المباحثة عدم الاشكال في اختصاص من حلف عليه وعدم مشاركة غيره له فلو باعه أو صالح عليه يكون العوض له بتمامه بل ادعى عدم الخلاف فيه وإلا لزم اثبات اليمين مالا للغير الذي جعلوا بطلانه دليلا لما صاروا إليه من عدم اثبات حق الكل بحلف البعض هذا ولكن ظاهر بعض مشايخنا وجود المخالف فيه.
وأما الكلام في المقام الثاني فذهب جماعة إلى عدم التشريك مطلقا سواء كان في ما في الذمة أو في - العين وبعض مشايخنا المتأخرين إلى التشريك مطلقا واستشكل شيخنا الشهيد في المسالك وقد ادعى شيخنا العلامة في مجلس البحث ان القول بالتشريك مطلقا مخالفا للاجماع لكنه محل نظر والمشهور كما نسب اليهم إلى التفصيل بينهما فحكموا بعدم التشريك بينهما في الدين وبالتشريك في العين وأول من صار إلى هذا التفصل العلامة في القواعد فالكلام يقع في مقامين أحدهما في الدين ثانيهما في العين.
أما الكلام في المقام الاول فقد عرفت انه ذهب جماعة فيه إلى عدم التشريك في المأخوذ بل صرح - الاستاد في مجلس البحث بذهاب المشهور إليه حسبما حكاه الاستاد العلامة عن الفخر في الايضاح وذكره الشهيد في المسالك أيضا وجماعة إلى التشريك واستدل للاولين بوجوه.
أحدها ما حكاه الاستاد العلامة عن الفخر في الايضاح وذكره الشهيد في المسالك من ان مقتضى تعلق حقهم بما في الذمة واشتراكهم فيه وإن كان عدم اختصاص بعضهم بما يدفع إليه من مقدار حقه لقضية الاشتراك إلا ان مقتضى الحلف تعيين نصيب الحالف وتشخيصه واخراجه عن الاشاعة فكأنه يختص مقدار نصيب لحالف مما في الذمة به بحيث لا دخل لغيره فيه أصلا وإلا لزم اثبات اليمين لحق الغير وهو خلف وإلا لزم القول باثبات اليمين من بعضهم لتمام المدعى وقد قدمنا بطلانه وهذا هو مراد الفخر في الايضاح حيث ذكر بعد القول بأن القول بالتشريك يقتضي اثبات اليمين لحق الغير وهو محال أي محال شرعا وإلا فلا معنى له كما لا يخفى.
وأجيب عنه بوجوه بعضها يرجع إلى النقض وبعضها إلى الحل اما ما يرجع إلى الاول فوجوه.
أحدها النقض بما لو أقر المدعى عليه لبعض المدعين بمقدار نصيبه فإنه لو أخذه منه يكون الباقون شركاء معه اتفاقا وأجيب بالفرق بينهما فإن نسبة الاقرار إلى جميع المدعين على السواء كالبينة ولهذا لو أقر بنصف المدعي يكون كلهم شريكا فيه فهو لا يصلح أن يصير معينا لحق المقر له في المأخوذ بعد فرض تسالمهم في الاشتراك في تمام المدعى وهذا بخلاف اليمين فإنها لا تثبت حق الغير فلا محالة تكون معينة لحق الحالف في المأخوذ وإلا لزم اثباتها حق الغير فالقياس في غير محله.
ثانيها النقض بما لو كانت جماعة شركاء في دين في ذمة أحد فدفع المديون مقدار نصيب بعضهم فاخذه فإنه لا يتعين له اتفاقا بل ذهب بعض أو مال إلى عدم ثبوت نصيبه في المأخوذ بدون رضي الباقين أصلا فضلا عن اختصاصه به.
وأجيب بالفرق بينهما فإنه لا معين هناك لحق لاخذ في المأخوذ وأن يجعله مختصا به فإنه ليس في - المقام الا نية الدافع وتعيينه ما في الذمة في الخارج ونية المدفوع إليه ومعلوم انهما لا تصلحان للتعيين بعد الفرض عدم رضاء الباقين فإن لرضائهم أيضا مدخلية قطعا لقضية الاشتراك ولهذا ذهب بعض إلى عدم تعين ما في الذمة فيه أصلا نظرا إلى قضية الاشتراك في كل جزء مما يدفع إلى البعض مع فرض عدم رضاء الباقين وإن حكم -
المشهور باختصاصه إنما يلاحظ نسبته إلى نصيبه من المدفوع نظرا إلى أن قضية الاشتراك إنما هو عدم اختصاصه بالكل الذي هو مقدار نصيبه وأما ما يلاحظ بالنسبة إليه فلا مانع عنه لاختصاصه وحصول الرضاء من الدافع والاخذ فيتعين ما في الذمة بمقداره في الخارج فتأمل وهذا بخلاف المقام فإن اليمين تصلح للتعيين بل لا بد من أن تكون معينة وإلا لزم اثباتها حق الغير فتأمل.
ثالثها النقض بالعين فإن بناء المشهور كما حكى على التشريك في العين وأجيب أيضا بالفرق بينهما بما سيجئ إنشاء الله في العين هذا مجمل القول في الاجوبة التي ترجع إلى النقض.
وأما ما يرجع إلى الثاني أي الحل فهو ما ذكره جماعة من انا نمنعه من كون مقتضي اليمين عدم - التشريك والتعيين في المدفوع.
نعم مقتضاها عدم التشريك في المحلوف عليه ما دام في الذمة وأما ما ذكر مستندا له من استلزام التشريك القول باثبات اليمين لحق الغير والمفروض البناء على عدمه ففاسد جدا لمنع الاستلزام المذكور لان التشريك إنما جاء مع فرض اشتراكهم في تمام المدعى وتسالمهم عليه لا من جهة اليمين.
وبعبارة أخرى لو أريد من لزوم اثبات الحلف لحق الغير على القول بالتشريك اثباته له ابتداء فبطلانه مسلم لكن اللزوم في المقام ممنوع وإن أريد منه اثبات الحلف لشئ يرجع نفعه (بعضه خ) بالاخرة إلى الغير ولو من جهة أمر آخر فاللزوم في المقام مسلم لكن بطلانه ممنوع لعدم دليل عليه أصلا كما لا يخفى كيف وجماعة منهم التزموا به في مسألة حلف الوارث على ما يدعيه لمورثه وحلف الراهن لما يدعيه فانهم حكموا فيهما بعود المحلوف عليه في الجملة إلى الغريم والمرتهن وان هما إلا نظير المقام وهل الدليل على الحكم فيهما بعد إطباقهم على عدم اثبات اليمين لحق الغير غير ما ذكرنا من ان المثبت في المقام ونظايره في الحقيقة شئ آخر وراء اليمين وإن كان المترائى في بادى النظر كونه اليمين وإن فرض كون المثبت في المقام واشباهه في الحقيقة هو اليمين فنمنع قيام دليل على عدم اثبات اليمين لحق الغير بهذا المعنى فتأمل هذا.
وهيهنا ايراد آخر على الوجه المذكور لم أر من تعرض له من الاصحاب رضوان الله عليهم تصريحا وإن كان ربما يستفاد من كلامهم اشارة أو تلويحا وهو ان القول بعدم اشتراك غير الحالف مع الحالف مستلزم لعدم انطباق الحلف مع المحلوف عليه لان المدعى يكون في الواقع مشتركا ومشاعا حسبما هو المفروض فيلزم القضاء على خلاف المدعى وبطلانه ضروري.
فإن قلت ان المدعى وإن كان في الواقع مشاعا إلا أن اليمين يخرجه عن الاشاعة فالمحلوف عليه قبل الحلف مشاع ولكن بالحلف يخرج عن الاشاعة.
قلت الالتزام به أفحش من الالتزام بسابقه لان لازمه أن يكون الحلف مغيرا للواقع عما هو عليه وهو باطل ضرورة كون الحلف وساير موازين القضاء كاشفين عن المدعى كالاقرار لا مثبتين له ولا مغيرين له مما هو عليه وهذا أمر ظاهر قد أشار إليه جماعة أولهم فيما أعلم ثاني الشهيدين في المسالك.
فإن قلت لا نقول ان الحلف مغير للواقع عما هو عليه ولا مثبت للمدعي بحسب الواقع لكنا نقول انه مثبت ظاهرا للمحلوف عليه للحالف من غير أن يكون أحد مشاركا معه فيه.
قلت الظاهر انما ينفع لم ينكشف الواقع والمفروض في المقام انكشاف الواقع وتسالمهم على - الشركة نعم لو فرض عدم تسالمهم عليه وتنازعهم فيه لكان الظاهر نافعا لكنه غير مختص باليمين بل يجري في غيره أيضا كالاقرار وما شابهه فتأمل.
ثانيها ما ذكره جماعة من الاصحاب وجملة من علمائنا الاطياب من ان غير الحالف قد أسقط حقه بنكوله وامتناعه عن اليمين فالحكم بتشريكه مع الحالف مناف لما دل على سقوط حق الناكل بالنكول من - الاجماع والاخبار التي تقدمت ذكرها فيما قدمنا هذا.
ويجاب عنه أيضا بوجوه الاول النقض باليمين على فرض كون المستدل به قايلا بالتشريك في العين ضرورة عدم التفرقة في مفاد الوجه المذكور بين العين والدين الثاني انه أخص من المدعى لان الكلام ليس مختصا بما إذا كان جميع الشركاء حاضرين ناكلين عن الحلف إلا بعضهم بل يعم ما إذا كان بعضهم غائبا أو حاضرا لم يتمكن من الحلف أو لم يتوجه إليه شرعا كالصبي والمجنون ونحوهما ويشهد لما ذكرنا من عمومية البحث مع وضوحه تخصيص العلامة عنوان المسألة في القواعد بالغايب وتتميم الدليل بالنسبة إلى غير مورد شموله بعدم القول بالفصل ليس أولى من العكس فتأمل الثالث الحل نظير ما مر في الجواب الحلي عن الوجه الاول وبيانه على وجه الاجمال انا نمنع من كون النكول مسقطا لحق الناكل بحسب الواقع بحيث يكون سببا لبرائة ذمة المدعى عليه وناقلا شرعيا للمدعى إليه بل غاية ما هناك كونه موجبا لرفع سلطنة المدعي من المدعى عليه ظاهرا وعدم جواز مطالبته منه كذلك وأما الآثار الواقعية فلا يرفعها قطعا إلا بالنسبة إلى بعضها حسبما مر تفصيل القول فيه في محله فحينئذ نقول ان الحكم باستحقاق الناكل لبعض المأخوذ ومشاركته مع الاخذ وجواز مطالبته منه بمقتضى الشراكة المسلمة بينهما لا ينافي أصلا مع ما دل على ان الناكل لا حق له بعد النكول بل يمكن أن يقال ان له الاخذ من المدعى عليه أيضا لان نكوله إنما اقتضى عدم جواز مطالبته منه بالنسبة إلى ما نكل عن الحلف عليه لا بالنسبة إلى ما حلف عليه شريكه فتأمل.
وبالجملة لا أرى النكول في المقام مانعا من الشركة بالنسبة إلى المأخوذ أصلا ونظير ما نحن فيه ما افتى به جماعة فيما إذا نكل الغريم عن الحلف وحلف الوارث على ما يدعيه لمورثه من انه يتعلق حق الغريم بالمأخوذ فإن أداه الوارث وإلا فيؤخذ حقه منه معللا بعدم المنافات بين عدم استحقاقه للاخذ من المدعى عليه وسقوط حقه منه وبين تعلق حقه بالمأخوذ وجواز أخذه في الجملة من جهة كونه تركة للميت بعد أخذ الوارث بل أفتى بعض الاصحاب على جواز مطالبته من المدعى عليه أيضا بعد حلف الوارث وتفصيل القول في ذلك قد تقدم سابقا فراجع.
هذا مع إمكان أن يقال انه لم يقم دليل على سقوط حق الناكل عنها في المقام بمجرد النكول لان ما دل من الاخبار على أن الناكل لا حق له بعد نكوله فإنما هي واردة في خصوص يمين الرد وأما اليمين التي تكون جزء للبينة فلم يرد نص على سقوط حق الناكل عنها فتكون حكمها حكم البينة لو لم يقمها المدعي اختيارا أو من جهة فقدانها فافهم واغتنم فإنه التفات حسن لم أر من الاصحاب من التفت إليه.
ثالثها ما ذكره الاستاد العلامة في مجلس البحث ولم أر من الاصحاب من تمسك به غيره من أنه لو قيل بالمشاركة في المقام واثبات اليمين للنصف المشاع لزم القول باثباتها لتمام المدعى بيان الملازمة انه لا يخلو إما أن نقول بأن اليمين إنما تثبت النصف الذي للحالف مثلا أو نقول بأنها تثبت نصف المال الذي فرض مشاركة لحالف مع غيره فيه فإن قلنا بالاول فلا معنى للقول باشتراك غيره معه في المأخوذ بالنسبة إلى نصيبه لان النصف المضاف إلى الحالف لا يعقل الشركة فيه وإن قلنا بالثاني أي باثبات اليمين للنصف المشاع لزم القول باثباتها للتمام لان اثباتها لنصف المال بهذا العنوان لا ينفك عن اثباتها لتمام المال كما لا يخفى فالقول بالاشتراك مبني على القول
باثبات اليمين للنصف المشاع واثباتها له بذلك العنوان في معنى اثباتها للتمام هذا.
ويجاب عنه أيضا بوجوه أحدها النقض بالعين ثانيها النقض بالاقرار وما شابهه فإن هذه الشبهة جارية فيهما أيضا كما لا يخفى ثالثها الحل وبيانه ان الحالف لا بد من أن يحلف على ما يدعيه بحسب الواقع وما يدعيه في المقام وإن كان هو النصف المشاع بينه وبين غيره الغير المنفك عن كون تمام المال لهما إلا ان الشارع لم يعتبر من هذا الحلف إلا ما يرجع إلى نفس الحالف لا ما يرجع إلى غيره فإن أريد من كون اليمين مثبتة لنصف الحالف كونه متعلقا للحلف فهو غلط ظاهر كما لا يخفى.
وإن أريد منه ان اعتبار الشارع للحلف في المقام يرجع إلى نفوذه في حقه لا في حق غيره وإن كان دالا عليه لا أن يكون متعلق الحلف هو النصف الذي للحالف فهو مسلم لكنه لا يلزم منه ما ذكر لان أحدا لم يقل بأن اليمين تثبت النصف المشاع بوصف الاشاعة حتى يرد عليه ما ذكر ولا يلزم من القول بالشركة اثبات كون اليمين مثبتة ظاهرا للنصف المشاع بوصف الاشاعة وإنما تثبته معرى عن هذه الملاحظة والحيثية فما لم يأخذ منه فهو له لا مدخل للغير فيه أصلا.
وأما إذا أخذه فلما لم يكن هناك معين لما في الذمة في العين الخارجي والمفروض تسالمهما على الشركة واقعا فلا بد من الحكم بالاشتراك حسبما عرفت تفصيل القول فيه سابقا فراجع.
رابعها ما ذكره الاستاد العلامة أيضا وهو قريب من الوجه الاول من انه لو قيل بمشاركة غير الحالف مع الحالف في المأخوذ لزم القول باثبات يمين الحالف مالا لغيره والتالي باطل بيان الملازمة انه لا إشكال سبما هو قضية الفرض ان المال المدفوع قبل الدفع إلى الحالف يكون مالا للمدعى عليه ولو صار بعد الدفع إليه لهما لزم ما ذكرنا من اثبات اليمين مالا للغير.
لا يقال انا لا نقول بأن اليمين تثبت اشتراكهما فيه حتى يلزم ما ذكر بل نقول ان تسالمهم على الاشتراك يقتضي ما ذكر.
لانا نقول تسالمهم على الاشتراك بالنسبة إلى ما في ذمة المدعى عليه لا يقتضي اشتراكهما في المدفوع إلى الحالف بمقتضى اليمين فلو حكمنا بالاشتراك فيه لزم ما ذكر لعدم تسالمهم على الاشتراك فيه بل لا معنى له بعد فرض كونه مالا للمدعى عليه قبل الاخذ منه مع فرض عدم كون الدفع منه أيضا بعنوان كونه في مقابل بعض ما في الذمة.
والحاصل ان بعد فرض كون المأخوذ قبل الاخذ مالا للمدعى عليه لا يخلو إما أن يقال انه بعد الحلف والاخذ يصير مالا محضا للحالف أو يقال انه بعدهما يصير مالا للحالف وغيره فإن قيل بالاول ثبت المدعى وإن قيل بالثاني لزم ما ذكرنا.
وحاصل هذا الوجه حسبما صرح به الاستاد العلامة في مجلس البحث أيضا يرجع إلى أن الحلف ناقل واقعا في الدين ما أخذه الحالف إليه بعد فرض كونه مالا للمدعى عليه بحسب الواقع.
ثم ان من التأمل فيما ذكرنا يظهر عدم ورود شئ من الايرادات التي أوردوها على الوجه الاول على هذا الوجه.
أما النقض بالدين المشاع فلان الدافع هنا إنما يدفع المدفوع فيه بعنوان كونه في مقابل بعض ما في الذمة فيتوقف صيرورته في مقابله بالتمام على اذنهما لفرض اشتراكهما فيه وتسالم الجميع عليه وهذا بخلاف
الفرض فإن الدافع لا يدفعه بهذا العنوان لكونه منكرا له أو يفرض الكلام فيما إذا خلى دفعه عن هذا العنوان و إنما يدفعه لان يكون للحالف من حيث حلفه فالناقل للمال إليهما في المقام منحصر في الحلف لعدم حصول دفع من الدافع ينفع في المدعى والمفروض ان اليمين لا تثبت المال للغير.
وحاصل الفرق ان الناقل في مسألة الشركة في الدين إنما هو دفع الدافع ماله بعنوان كونه في مقابل بعض ما في الذمة على نحو الاشاعة وهذا بخلاف المقام فإن الناقل فيه هو اليمين والمفروض عدم اثباتها المال لغير الحالف والكاشف عن كون الناقل في تلك المسألة هو الدفع والاخذ بعنوان الاداء لبعض ما في الذمة وفي مسئلتنا هو اليمين ليس إلا انه لو دفع المال في تلك المسألة لا بعنوان الاداء لا يحصل به الاداء بخلاف المقام.
وأما النقض بالاقرار وما شابهه فلان المقر إنما يدفع ماله اداء لما أقر لبعض الشركاء في ذمته والمفروض تسالم المقر له مع صاحبه على الاشتراك فيه فيلزمه الشركة في المأخوذ وهذا بخلاف المقام فإن الدافع لا يدفعه بالعنوان المذكور فلو قيل بانتقاله إليهما فليس سببه إلا الحلف والمفروض عدم صلاحيته له.
وأما النقض بالعين فلوضوح الفرق بينه وبين الدين لان الحلف فيه لا سببية له للنقل أصلا حتى يقال بلزوم ما ذكرنا في الدين على تقدير القول بالاشتراك والمفروض تسالمهما على كونهما شريكين فيه فيلزمه الاشتراك ظاهرا فلا أثر لليمين فيه بالنسبة إلى الانتقال والشركة أصلا.
أما بالنسبة إلى الاول فلانهما لو كانا صادقين في الواقع فيكون المدعي لهما ولو كانا كاذبين فلا ينقل إليهما ولو بعد حلفهما فضلا عن حلف أحدهما وهذا بخلاف الدين فإنهما لو كانا صادقين في الدعوى لا يقتضي صدقهما لكونهما مالكين لعين من أعيان مال المدعى عليه.
وأما بالنسبة إلى الثاني فلان المثبت للاشتراك فيه ليس اليمين وإنما هو اعترافهما به والمفروض ان - اليمين لا تغير الشئ عما هو عليه واقعا فيلزمه الاشتراك في المأخوذ. وأما الجواب الحلي فلان اعترافهما وتسالمهما على الاشتراك بما في الذمة ليس اعترافا بالاشتراك فيما يأخذه الحالف والقول بمشاركتهما فيه بالحلف مع عدم كون الدفع بعنوان الاداء عين القول باثبات اليمين مالا لغير الحالف.
وأما الايراد بأنه لو أثبت الحلف الجزء المشاع فيلزمه القول بالاشتراك وإن أثبت المختص لزم كونه مخالفا للمدعي إلى آخر ما ذكر هنا ففيه انا لا نفرق في اليمين بين العين والدين بالنسبة إلى المحلوف عليه أصلا وإنما كلامنا بالنسبة إلى المأخوذ والمفروض انه لم يقع الحلف عليه في الدين وإنما وقع على ما يدعيه في الذمة وهو لا يقتضي بنفسه الاشتراك في العين الخارجي ما لم يكن هناك سبب.
لا يقال ان السبب في المقام ايضا موجود وهو أخذ الحالف ما يدفع إليه من حيث كونه بدلا ومصداقا لما حلف عليه المفروض اشتراكهما فيه.
وهذا أيضا لا دخل له بالسبب فأخذ الحالف المأخوذ بعنوان الاستيفاء مع التسالم على الشركة يقتضي الاشتراك في المأخوذ.
لانا نقول أخذ الحالف بالعنوان المذكور مجردا عن اتصاف الدفع بكونه إيفاء لما تسلموا فيه (يستوفيه خ) لا يقتضي ما ذكر ودعواه ممنوعة ومع تسليمه نفرض الكلام فيما إذا أخذه لا بهذا العنوان بل بعنوان كونه عوضا عن حقه هذا محصل ما ذكره شيخنا الاستاد العلامة دام ظله العالي في تقريب الاستدلال ولكنك
خبير بأنه أيضا فاسد.
أما أولا فلما عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة من فساد القول بكون الحلف ناقلا كالبيع والاجارة وغيرهما من العقود ولم يذهب إليه أحد من الاصحاب أيضا بل الحلف عندهم كساير موازين القضاء طريق إلى صدق المدعى وكاشف عن حقية دعواه لا انه مثبت لها أترى يفرقون بين الحلف والبينة من هذه الجهة حاشاك ثم حاشاك.
وما ذكره الاستاد العلامة من كونه ناقلا للعين المدفوعة في غاية الغرابة وهو عجيب ممن هو دونه بمراتب فضلا عنه فالناقل في المقام للمدفوع إلى الاخذ ليس إلا دفع الدافع إياه بدلا عما ثبت في ذمته ظاهرا باليمين وأخذ الآخذ له مع صدقه في دعواه كما ان الناقل في مسألة الدين المشترك ليس إلا دفع المديون المال - الخارجي بدلا عما هو في ذمته وأخذ بعض الشركاء إياه بهذا العنوان فكما ان عنوان البدلية هنا اقتضى اشتراك الشريكين في المدفوع وتوقف تملك الاخذ لتمامه على اجازة صاحبه كذلك يقتضي في المقام أيضا اشتراكهما في المدفوع وهذا الاشتراك ماجاء من قبل اليمين بل من قبل تسالمهما قولك ان التسالم على الاشتراك فيما هو في الذمة لا يقتضي الاشتراك في المأخوذ لعدم كونه موردا للتسالم فلو حكمنا باشتراكهما حينئذ فيه لزم القول باثبات اليمين المال للغير فيه مضافا إلى النقض بالدين المشترك ان التسالم على الوجه المذكور وان لم يقتض بنفسه الاشتراك لكنه مع فرض كون المأخوذ بدلا عما هو مورد له يقتضيه قطعا والمفروض ان أخذ الآخذ إنما هو بعنوان الاستيفاء لما يدعيه في ذمة المدعى عليه ويعترف بأن غيره مشارك معه فالاشتراك في المأخوذ لا دخل له بالحلف وما جاء من قبله وإنما المثبت له اعتراف الحالف بالاشتراك فيما حلف عليه مع كون أخذه للمال بعنوان الاستيفاء فالفرق بين المقام والدين المشترك والاقرار تحكم جدا.
وأما ثانيا فلان ما ذكره من الفرق بين الدين والعين من ان المقر به في العين والمتسالم عليه فيه نفس المأخوذ فلا بد من الحكم فيه بالاشتراك وإلا لزم كون الحلف مغيرا للواقع وهو في الدين غير المأخوذ فلو قلنا باشتراك غير الحالف معه لزم اثباته بالحلف أمر ظاهر لا إشكال فيه لكن ما جزم به من ان قضية تغاير المتسالم عليه والمأخوذ عدم اشتراكهما فيه وإلا لزم المحذور قد عرفت فساده مما ذكرنا من ان الاشتراك قضية البدلية ولا دخل لليمين فيه أصلا فالفرق بين العين والدين في الحكم المذكور أيضا لا وجه له.
وأما ثالثا فلان ما ذكره من ان الدافع في المقام يدفع المال لا بدلا عما في الذمة لفرض كونه منكرا بخلاف الدين والاقرار منقوض مضافا إلى عدم احتياجنا في الحكم بالاشتراك إليه بل دفعه عوضا عما حلف عليه الحالف المقر باشتراك غيره معه يكفينا أيضا بما لو أقر المدعى عليه في الدين لبعض المدعين ثم أنكره فإن دفعه هنا أيضا ليس من جهة كون المدفوع بدلا عما في ذمته لفرض انكاره اشتغال الذمة رأسا مع ان غير المقر له يشارك معه هذا تمام القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فالحق فيه هو القول بالاشتراك وليس لنا فيه إلا عدم اثبات الحلف لمال الغير وقد عرفت ضعف التمسك به في المقام الاول فضلا عن المقام.
وبالجملة القول فيه جوابا وردا وتحقيقا قد ظهر مما ذكرنا في المقام الاول فلا نطيل بالاعادة فقد علم مما ذكرنا ان الحق في المقامين بمقتضى القواعد هو ما ذهب إليه بعض مشايخنا طاب ثراه من القول الاشتراك فيهما ولم يحصل لنا اجماع لا محققا ولا منقولا على خلافه فالمصير إليه متعين فالقول بالتفصيل وبعدم الاشتراك
مطلقا ضعيفان لا يلتفت إليهما والله العالم بحقيقة الامور.
وينبغي التنبيه على أمور الاول انه لا إشكال بل لا خلاف ظاهرا على القول بعدم الشركة في انتقال المحلوف عليه إلى غير الحالف من الورثة بالارث أو بغيره من أسباب الانتقال ولا مانع منه أصلا بل أقول انه لا يتصور هناك مانع عنه سواء في الدين أو في العين إلا توهم انه بامتناعه عن الحلف على ما يدعيه (دعواه خ) قد اثبت عدم انتقال المدعى اليه لكنك خبير بأنه أيضا في غاية الفساد.
الثاني انه لو حلف من نكل عن الحلف من المدعين أو من لم يحلف من جهة الغيبة ونحوها بعد حلف بعض اخر فهل يصير معه شريكا على القول بعدم الاشتراك كما لو حلفوا جميعا أو أقر لهم جميعا أو لا وجهان أوجههما على هذا القول عدم الاشتراك كما يظهر وجهه بالتأمل ويظهر الثمرة في النماء هذا وذكر في المسالك ان الوجهين إنما يجريان فيما إذا حلف الناكل بعد الدفع وأما إذا حلف قبل الدفع فلا كلام في الاشتراك حيث قال ولو فرض حلف الآخر بعد ذلك فإن كان قبل الدفع إلى الاول فلا كلام وإن كان عده ففي مشاركة الثاني له وجهان من وجود السبب المقتضي للشركة وسبق الحكم باختصاص الاول لما حلف عليه وقبضه ويظهر الفائدة في المشاركة في النماء الحاصل قبل يمين الثاني انتهى كلامه ولكنك خبير بعدم الفرق بين بعد الدفع وقبل الدفع إلا أن يكون مراده من الفرق هو الفرق المثمر كما ربما يظهر من قوله فلا كلام أى فلا كلام بحيث يثمر.
الثالث لو كان في جملة المدعين مولى عليه كالصبي والمجنون وغيرهما فلا إشكال في توقف ثبوت حقه على حلفه بعد الكمال ولا ينفع في حقه حلف الغير لما قد عرفت غير مرة ان الحلف لا يقع عن الغير ولا يثبت ماله فلو كمل وحلف فهل يحكم باشتراكه مع الحالف أم لا وجهان مبنيان على القولين في المسألة فراجع والله العالم.
قوله لو قال هذه الجارية مملوكتي وأم ولدي الخ أقول لا إشكال في التفكيك في الفرض الذي ذكره المصنفرحمهالله فتأمل إنما الاشكال فيما لو قال هذه أم ولدي من دون قوله مملوكتي فهل يثبت بالشاهد واليمين رقيتها مع الولد أو رقيتها وحدها وجهان مبنيان على ما ذكرنا سابقا من انه لو كان متعلق اليمين مالا بالنوع فهل يتبعه غير المال مما يكون من آثاره ولو كان مقصود الحالف في شخص المقام اثبات الامر الغير المالي نظرا إلى كون نوع الدعوى دعوى مالية أو لا يتبعه ذلك بل يحكم بالتفكيك بينهما.
وقد عرفت سابقا ان الوجه هو الاول فعليه يحكم بحرية الولد أيضا هكذا ذكره الاستاد العلامة ولكن يمكن أن يقال في خصوص الفرض بالتفكيك وإن قلنا بالاول نظرا إلى انحلال الدعوى المزبورة في العرف لى دعويين فيراعى في كل منهما حكمه ولازمه التفكيك فتأمل.
ثم ان الاشكال في المقام إنما هو من حيث ثبوت تمام دعوى المدعي بالشاهد واليمين بحيث تصيرا حجتين على المدعى عليه فيما يلزم الدعوى أيضا وأما ثبوت ما يرجع على المدعي من جهة تضمن دعواه للاقرار على نفسه فلا كلام فيه قطعا لانه لا دخل له بالشاهد واليمين أصلا كما لا يخفى.
قوله الثانية لو ادعى بعض الورثة ان الميت وقف عليهم دارا الخ أقول إذا ادعت جماعة من الورثة ان الميت.
وقف عليهم بعض أعيان التركة وأقاموا شاهدا واحدا لينضموا إليه اليمين على القول بالقضاء بهما في المقام وانكره باقي الورثة فلا يخلو إما أن يحلف المدعون جميعا أو لا يحلف أحدهم أو يحلف بعض دون بعض آخر فالكلام يقع في مقامات ثلاثة ثم ان مفروض البحث في وقف الترتيب بأن يدعوا وقف علينا وبعدنا على أولادنا أو لى الفقراء.
وأما وقف التشريك فالكلام فيه خارج عن مفروض البحث ولعلنا نتكلم فيه إنشاء الله في آخر المسألة فالكلام يقع في كل من المقامات الثلاثة في مقامين أحدهما بالنسبة إلى البطن الاول ثانيهما بالنسبة إلى البطن الثاني والكلام في البطن الثاني أيضا يقع في مقامين أحدهما ما إذا كانوا محصورين ثانيهما ما إذا كانوا غير محصورين.
فنقول اما الكلام في المقام الاول فاما بالنسبة إلى البطن الاول فلا إشكال فيه لانهم بعد حلفهم يثبت لهم الوقف ولا حق لباقي الورثة فيما يدعون وقفه.
وأما بالنسبة إلى البطن الثاني إذا كانوا محصورين فهل يأخذونه من غير يمين أو يتوقف أخذهم على اليمين كالبطن الاول وجهان بل قولان ذهب إلى كل فريق لكن الاكثرين حسبما حكى عنهم الاستاد - العلامة دام ظله إلى الاول.
وذكر في المسالك في مبنى الوجهين ما هذا لفظه ثم إذا انقرض المدعون معا أو على التعاقب فهل يأخذ البطن الثاني الدار بغير يمين أم يتوقف قبضهم (حقهم خ) على اليمين فيه وجهان مبنيان على ان البطن الثاني يتلقون الوقف من البطن الاول أو من الواقف فإن قلنا بالاول وهو الاشهر فلا حاجة إلى اليمين كما إذا أثبت الوارث ملكا بالشاهد واليمين ثم مات فإن وارثه يأخذه بغير يمين ولانه قد ثبت كونه وقفا بحجة يثبت بها الوقف فيدام كما لو ثبت بالشاهدين إلى أن قال وإن قلنا بالثاني لم يأخذ إلا باليمين كالبطن الاول انتهى ما أردنا نقله. وقد سبقه إلى ذلك بعض من تقدم عليه وتبعه فيه بعض من تأخر عنه كالفاضل في بعض كتبه والشهيد في الدروس وثاني المحققين حسبما حكى عنه في جامع المقاصد هذا. ولكن الحق عدم صحة المبنى المذكور لامكان القول بكل من القولين ونفى ما بنوا عليه واثبات ضده حسبما صرح به بعض مشايخنا طاب ثراه ويستفاد من كلام غيره أيضا.
ولنقدم على هذا كلاما تكلم به الاستاد العلامة مستشكلا على ما ذكره في المسالك من كون القول بتلقي البطن الثاني الوقف من البطن الاول هو الاشهر وهو انه كيف يجامع هذا مع ما ترى من ذهاب الاكثر إلى أن تلقى البطن الثاني من الواقف وأيضا كيف التوفيق بينه وبين ما ذكره الاكثرون في باب الاجازة حتى الشهيد في المسالك وغيره من عدم صحة اجارة البطن الاول بحيث تنفذ بدون اجازة البطن الثاني معللين بعدم تلقي - البطن الثاني من الموقوف عليهم وإن تردد فيه المصنف فيه وحكم بعض المتأخرين بالصحة أو مال إلى القول بها وأيضا كيف يجتمع بين كلامهم في باب الاجارة وما ذكروه في باب الوقف من غير خلاف يعرف بينهم من عدم الاحتياج إلى قبول البطن الثاني بعد تحقق الوقف بقبول البطن الاول وما ذكروه من المقام من القولين هذا.
وقد تفصى دام ظله مما ذكره من الاشكال بما نشير إليه إجمالا.
اما عن الاشكال نسبة القول بتلقي الوقف من الموقوف عليهم إلى الاشهر حسبما في المسالك مع ما ترى من مخالفته للواقع فبأن مراده هو الاشتهار بحسب الحكم لا الاشتهار بحسب القول بالتلقي وهذا كما ترى في غاية البعد حسبما اعترف به دام ظله أيضا فالاولى ما ذكره دام افادته من أن يقال بأن نسبته إلى الشهرة سهو نشاء من ملاحظة حكم المشهور بعدم الاحتياج إلى اليمين مع ملاحظة عدم مستند له باعتقاده إلا القول بتلقيهم الوقف من الموقوف عليه فاستنتج من هاتين المقدمتين ذهاب المشهور إلى ما اعتقده فتأمل(١) .
____________________ ______________
(١) وجه التأمل انه ذكر وجها لعدم الاحتياج إلى اليمين غير الابتناء المذكور حسبما يعلم من الرجوع إلى كلامه (منه قده)
وأما من اشكال ذهابهم في باب الاجارة إلى خلاف ما ذهبوا إليه في باب آخر فبتغاير مرادهم من - التلقي في البابين فمرادهم مما ذكروه في باب الاجارة من عدم تلقي البطن الثاني من البطن الاول هو نفي التلقي من البطن الاول بمعنى الارث لما زعموا من انحصار وجه الصحة على كون التلقي من قبل الارث وهذا مما انعقد على عدمه الاجماع ظاهرا لان أحدا لم يذهب إلى كون تلقي الوقف من قبيل تلقي الارث فإن تردد المصنف في الصحة وذهاب غيره إليها ليس من جهة الشك في كون التلقي من قبيل الارث أو القول به بل من جهة منع انحصار وجه الصحة على كون التلقي من قبيل تلقي الارث.
بل يمكن القول بالصحة مع تسليم عدم كون التلقي من قبيل تلقي الارث بل بمعنى آخر سنبينه من حيث ان تسبيل الواقف المنفعة لا يقتضي إلا عودها في زمان كل بطن إليه وهذا لا ينافي صحة الاجارة من البطن الاول بعد القول بعود المنفعة إلى البطن الثاني فمرادهم من نفي التلقي في باب الاجارة هو نفيه بمعنى الارث.
وأما مرادهم مما ذكروه في باب آخر من الحكم بتلقي البطن الثاني من البطن الاول فيكون أحد شيئين أحدهما أن يكون المراد انقطاع الملك من البطن الاول من جهة تقييده بوجوده وحصوله للبطن الثاني بعد ارتفاعه من البطن الاول لكن لا بجعل الواقف وانشائه مستقلا حتى يكون التلقي منه بل من جهة انقطاعه من البطن الاول.
توضيح ما ذكرنا انه قد يكون الملك قابلا للبقاء وله استعداد للدوام ولكن يحصل هناك قصور في المالك من جهة عدم قابليته للمالكية وقيام الملك به وهذا كأموال الانسان الغير الموقوفة عليه فإنها قابلة للبقاء إلا ان القصور في المالك بعد موته لا فيها فيقوم الوارث بحكم الشارع مقام المورث ففي الارث في الحقيقة إنما تبدل المالك والملك لم يتغير أصلا بل هو باق بمقتضى استعداده وقد يكون غير قابل للبقاء من جهة تقييده بحسب جعل الجاعل بزمان وجود المالك فيكون القصور هنا في الملك وإن كان في المالك أيضا وهذا كما في الاملاك الموقوفة.
ثم إن لاحظ الواقف تملك العين الموقوفة لكل بطن في زمان وجوده مستقلا فهو معنى الانتقال من - الواقف وإن لاحظ جميع التمليكات المقيدة بزمان الموقوف عليه شيئاواحدا وانشائها بانشاء واحد بحيث يكون كل تمليك جزء من مقصوده بحيث يكون وجود الجزء الاول موجبا لوجود باقيها فيصير ثبوت ساير التمليكات من لوازم ثبوت الجزء الاول وآثاره فهو معنى التلقي من الموقوف عليه.
ثم ان لازم القسم الاول نفوذ تصرف المالك فيه مطلقا لفرض قابليته للبقاء ولو بعد الموت فتصح اجارته وانتقاله من المالك إلى وارثه لما ذكر من فرض استعداده للبقاء ولازم القسم الثاني عدم نفوذ تصرف المالك فيه وعدم انتقاله إلى الوارث لفرض قصور فيه وعدم قابليته للبقاء والتلقي بالمعنى الاول هو الذي نفوه من البطن الاول في باب الاجارة والذي اثبتوه منه في غيره هو بالمعنى الثاني.
ثانيهما أن يكون الحاصل للبطن الاول هو الملك المطلق من جهة عدم صلاحية ملكية العين لتقييدها بزمان دون زمان كما في المنفعة فإنها قابلة للتقييد ولهذا يصح تمليكها قبل زمان وجودها كما في الاجارة لكن لما كان مقصود الواقف تحبيس الاصل وانتقاله إلى البطن الثاني فلازمه حجر المالك في التصرفات الناقلة للعين وعدم انتقاله أيضا ارثا لانه ليس مما تركه المورث بل مما لا بد أن يتركه فتأمل فالمالك محجور في جملة من التصرفات وإن كان الملك مطلقا إذ لا تنافي بينهما أصلا كما لا يخفى.
ثم ان لازم هذا أيضا خروج الملك عن يد المالك قهرا وحصوله بنحو الاطلاق للبطن الاول فيكون
التلقي من البطن الاول لانه لازم ما فرضنا من حصول الملك المطلق للبطن الاول فالبطن الثاني يتلقون الملك نه وإن كان للواقف أيضا مدخلية فيه حيث انه لو لم يكن تخليده الاصل لانتقل إلى وارث البطن الاول وبهذا الاعتبار يفرق هذا المعنى عن الارث وإن كان بينهما غايه المناسبة والمشابهة فتأمل.
ومنه يعلم أيضا ان ما ذكروه في الوقف المنقطع الآخر عن عوده ارثا إلى وارثة الواقف يكون مسامحة بناء على هذا المعنى وإن لم يكن مسامحة بناء على المعنى المذكور سابقا ببعض تقديره لانه لا معنى لاطلاق لعود حقيقة بعد فرض حصول الملك المطلق للبطن الاول.
ثم ان إلى هذا المعنى نظر من مال أو حكم بصحة اجارة الوقف في الفرض معللا بكون التلقي من البطن الاول مع اتفاقهم حسبما حكاه الاستاد على عدم كون التلقي في المقام من قبيل تلقي الارث لعدم منافات الاجازة على هذا التقدير لتخليد الاصل وتسبيل المنفعة لانها تعود إلى البطن الثاني على كل تقدير فلا مانع من صحتها وإن كان فيه نظر من جهة أن تسبيل الواقف المنفعة على كل بطن يقتضي عدم تسلط البطن الاول على التصرف في المنفعة كما لا يكونون مسلطين على التصرف في العين لان تسلطهم على التصرف في المنفعة ينافي تسلط البطن الثاني عليه المقرر بجعل الواقف فلا يحكم بصحة اجارة البطن الاول إلا في صورة اجازة - البطن الثاني لكنها خارجة عن الفرض لان الكلام في الصحة منجزا ومن جهة الوجهين تردد المصنف في - الصحة في باب الاجارة.
هذه خلاصة ما ذكره الاستاد العلامة في دفع ما أورده على القوم من الاشكال والتنافي بين كلماتهم وأنت خبير بأن ما ذكره لا يدفع جميع الاشكالات عن كلام جميعهم.
اما انه لا يدفع جميع الاشكالات فلان غاية ما يدفعه هو التنافي بين ما ذكروه في باب الاجارة والمقام واما بين ما ذكروه في المقام من الخلاف في تعيين من يتلقى منه البطن الثاني وبين ما اجمعوا عليه في باب الوقف من عدم الاحتياج إلى قبض البطن الثاني نظرا إلى تلقيهم من البطن الاول فلا كما لا يخفى لان ما ذكره الاستاد من الوجهين للتلقي من البطن الاول وإن كان مقتضيا كما لا يخفى لعدم الاحتياج إلى قبض البطن الثاني إلا ان اتفاق كلمتهم على التعليل به في باب القبض ينافي اختلافهم فيه في المقام إلا أن يدعى عدم وجود التعليل المذكور في كلام جميعهم وصحة ما حكموا به من عدم الاحتياج إلى القبض بالنسبة إلى البطن الثاني على القول بالتلقي من المالك لكنه خلاف ما حكى عنه الاستاد العلامة من التعليل به فتأمل.
واما انه لا يدفع عن كلام جميعهم فلانه قد صرح في المسالك بأنه على القول بتلقي البطن الثاني من الواقف أيضا نقول بعدم الاحتياج إلى اليمين من جهة قيامهم مقام البطن الاول حسبما عرفت مما نقلنا منه وستعرف من كلامه الذي ننقله فيما بعد فإنه كما ترى ينافي بظاهره ما ادعاه الاستاد العلامة من قيام الاجماع ظاهرا على عدم كون التلقي من البطن الاول بمعنى القيام مقامهم كما في الارث على القول به فضلا عن وجود قايل به على القول بعدمه هذا ولكن يمكن انه يقال بعدم كون مراد صاحب المسالك من القيام ما ادعى الاستاد العلامة الاجماع على نفيه في المقام واختصاصه بالارث فتأمل.
إذا عرفت ما قدمنا لك من القول فلنتكلم على ما ذكره في المسالك وغيره من البناء فيقع الكلام تارة على القول بالتلقي من الواقف وأخرى على القول بالتلقي من الموقوف عليه فنقول الظاهر انه لو قلنا بان البطن الثاني يتلقون الملك من الواقف كان الحكم بثبوت الوقف لهم محتاجا إلى اليمين ولا يكفي فيه ثبوته في
حق البطن الاول من جهة يمينهم لان البطن الثاني حينئذ في عرض الاول فلا معنى للحكم بثبوت الوقفية للبطن الثاني من جهة يمين البطن الاول هذا.
ولكن يستفاد من المسالك وغيره صحة القول بعدم الافتقار إلى اليمين مع القول بالتلقي من الواقف أيضا حيث قال بعد توجيه القول بعدم الافتقار إلى اليمين بناء على القول بالتلقي من البطن الاول حسبما عرفت حكايته ما هذا لفظه ولان البطن الثاني وإن كانوا يأخذون عن الواقف فهم خلفاء عن المستحقين اولا فلا يحتاجون إلى اليمين كما إذا أثبت الوارث للميت ملكا بشاهد ويمين وللميت غريم فإن له أن يأخذه بغير يمين انتهى.
ولكنك خبير بفساده أما اولا فلانه ينافي ما ذكره أولا من ابتناء الوجهين على القولين كما لا يخفى وليس كلامه في مقام الترجيح حتى يقال بأنه تنزل (عدول خ) عما ذكره أولا فتأمل وأما ثانيا فلما عرفت من انه على القول بتلقي البطن الثاني من الواقف يحتاج الحكم بثبوت الوقفية لهم إلى يمينهم ولا يكفي يمين البطن - الاول نظرا إلى كونهم في عرضهم وأما القياس بمسألة الغريم ففاسد من وجوه لا تخفى على المتأمل المتدبر فإن كنت شاكا فيما ذكرنا فتأمل وانظر بعين الانصاف حتى يظهر لك حقيقة ما ادعيناه هذا على القول بأن البطن الثاني يتلقون الملك من الواقف.
وأما على القول بأنهم يتلقون الملك من البطن الاول فقد يقال بصحة ما ذكره صاحب المسالك من عدم الافتقار إلى اليمين على هذا التقدير اما على المعنى الاول فلما عرفت من أن حصول الملكية للبطن الثاني من لوازم حصولها للبطن الاول فإذا ثبت حصولها للبطن الاول بالشاهد واليمين تثبت في حق البطن الثاني أيضا لما قد عرفت من ثبوت لوازم الشئ بثبوته بالشاهد واليمين واما على المعنى الثاني فلانه بعد ما ثبت حصول الملك المطلق بالشاهد واليمين في حق البطن الاول فقد ثبت خروجه عن ملك الواقف بالنحو المقرر فلا يحتاج في الحكم بثبوته للبطن الثاني إلى اليمين على القول بالتلقي من البطن الاول هذا.
ولكن الحق تبعا لجماعة من الفحول توقف الحكم بثبوت الوقف للبطن الثاني على اليمين على القول بالتلقي من البطن الاول أيضا لانا نمنع من كون حصول الملك للبطن الثاني من لوازم حصوله للبطن الاول بحيث لا يكون لجعل الواقف فيه مدخل أصلا بل من المعلوم على هذا التقدير أيضا توقف حصوله للبطن الثاني إلى جعل الواقف له فله مدخلية في التمليك قطعا واليمين إنما أثبتت جعله في حق البطن الاول فالحكم بحصوله للبطن الثاني يحتاج إلى يمينهم سلمنا كونه من لوازمه لكن نقول ان ثبوت الملزوم ظاهرا باليمين لا يلازم - الحكم بثبوت اللازم لعدم استعداد اليمين لهذا المعنى فتأمل هذا كله على تقدير كون التلقي من الموقوف عليه بالمعنى الاول وأما على تقدير كونه بالمعنى الثاني فأوضح حالا ضرورة ان لجعل الواقف وقراره مدخلا في الانتقال إلى البطن الثاني ولم يثبت بالشاهد واليمين إلا في حق البطن الاول.
ثم انك من التأمل فيما ذكرنا كله تعرف فساد الاقيسة التي ذكرها في المسالك مضافا إلى كونها قياسات يمحق الدين من التعويل عليها على ما أخبر به الصادقعليهالسلام لوجود الفارق بين المقيس عليه فيها وبين المقام اما القياس بارث الوارث ما أثبت ملكية المورث له بالشاهد واليمين من دون الاحتياج إلى يمينه فواضح للفرق بينه وبين المقام حسبما عرفت سابقا من ان الملك الثابت للوارث هو الملك الثابت لمورثه من غير غيير وتبديل فيه وإنما التبديل في المالك وبالجملة الفرق بين المقامين لا يكاد يخفى على ذي مسكة وأما القياس بالشاهدين فأوضح فرقا من أن يبين لما قد عرفت غير مرة من الفرق بين الشاهد واليمين والشاهدين فإن الثاني حجة
في حق كل أحد بخلاف الاول وأما القياس بالملك للمدعي إذا أثبته بالشاهد واليمين ثم انتقل إلى غيره بسبب من الاسباب وعدم احتياجه إلى اليمين فمما لا يحتمل اختفاء فرقه من المقام على جاهل فضلا عن عالم لان الانتقال إلى غير المالك من توابع ملكية المالك بحيث لا مدخل لغيره فيه أصلا وهذا بخلاف المقام لانك قد عرفت ان لجعل الواقف مدخلا قطعا للانتقال إلى البطن الثاني ولعمري انهقدسسره لم يذكر هذه الوجوه متكلا عليها لانه أعلى شأنا من التمسك بها والله العالم هذا مجمل القول في المبنى الذي ذكروه للوجهين.
وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا كله تعرف ان الحق الحقيق بالاتباع هو القول بالافتقار إلى اليمين اما أولا فلان الظاهر بل المقطوع ان البطن الثاني إنما يتلقون الملك من الواقف لا البطن الاول لان الواقف يوجد سببا يقتضي ملكية كل من البطنين في زمان وجوده فكل منهما في عرض الآخر إلا انه لما لم يصح الوقف على المعدوم ابتداء كان تقدم الوقف على البطن الاول من شروط صحة الوقف على البطن الثاني وهذا المقدار لا يقضتي كون تلقي الملك من البطن الاول ولم أقف على دليل على كون التلقي من البطن الاول في كلام أحد ن - الاصحاب يعتد به إلا ما ذكره شيخنا الاستاد العلامة موافقا لبعض من تقدم عليه من انه لو قيل بأنهم يتلقون الملك من الواقف لزمه القول بالتمليك القهري وهو غير معهود من الشارع إن لم ندع حكم العقل باستحالته وهذا بخلاف القول بتلقيهم من البطن الاول فإنه ليس فيه إلا لزوم التملك القهري والالتزام له لا ضير فيه نظرا إلى وقوعه كثيرا في الشرع كما في الارث وشبهه هذا ولكنك خبير بفساده أيضا لانه منقوض بالوقف على الفقراء و أشباههم ممن لا ينحصر مع ذهاب جم قفير فيه إلى عدم الاحتياج إلى القبول حتى من الحاكم الشرعي أيضا مع القول بكونه تمليكا وأما ثانيا فلانك قد عرفت انه على القول بالتلقي من الموقوف عليه أيضا يحتاج الحكم بالثبوت في حق البطن الثاني إلى اليمين فراجع وتأمل.
هذا كله لو كان الوقف على المحصورين كالاولاد مثلا وأما لو كان الوقف على غيرهم أي من لا ينحصر بحسب العنوان كالعلماء والفقراء وإن اتفق في الخارج انحصاره في منحصر وقلنا بالافتقار إلى اليمين بالنسبة إلى البطن الثاني حسبما اخترناه فلا إشكال حسبما صرح به جمع من الاصحاب منهم ثاني الشهيدين قدس سرهما في المسالك في سقوط اليمين عنهم لتعذرها منهم لان مرجع الوقف على غير المنحصر إلى الوقف على الجنس و معلوم عدم تعلق الحلف به فعلى الحاكم الشرعي حينئذ مطالبة اليمين من المنكرين يمين نفي العلم على ان مورثهم وقف عليهم فإن نكلوا فيحكم بالوقف عليهم بناء على القضاء بالنكول مطلقا حسبما عرفت منا أو في خصوص المقام وإن لم نقل به في غيره نظرا إلى تعذر الرد حسبما صرح به الاستاد العلامة وإن حلفوا فلا إشكال في الحكم بعدم ثبوت الوقفية.
فهل يحكم برجوعه إلى ورثة الواقف ارثا كما هو ظاهر جماعة أو يحكم برجوعه إلى أقرب الناس إلى الواقف كما احتمله في المسالك ملحقا له بالوقف المنقطع الآخر في الحكم وجهان أوجههما الاول كما يظهر وجهه بالتأمل والفرق بين الوجهين ان في الاول يحكم بعدم ثبوت الوقف من أول الامر غاية الامر الحكم بثبوته ظاهرا في حق البطن الاول من جهة يمينهم وفي الثاني يحكم بثبوت الوقف إلى زمان البطن الثاني و يحكم في زمانهم بعدم الثبوت ظاهرا.
ويظهر الثمرة فيما لو مات أحد المنكرين مع بقاء الآخر وكان للمنكر الميت ابن فإنه على الاول يحكم بتشريكهما في المال لقيام الابن مقام أبيه في المقام وعلى الثاني يعطى المال بالعم المنكر لكونه أقرب
إلى الواقف من ابن الابن ويحتمل أن يكون مراده من ذكر احتمال الرجوع إلى أقرب الناس كصاحب المسالك وغيره الصرف في وجوه البر كما هو أحد محتملي الشيخ في محكي المبسوط مدعيا ان مراد من حكم من الاصحاب بالرجوع إلى أقرب الناس هو الصرف إلى وجوه البر فكان هذه الكلمة اصطلاح عندهم في المعنى المزبور نعم صرح الشيخرحمهالله في محكي المبسوط أيضا بأنه لو كان الاقرب إلى الواقف جامعا للشرايط كالفقر ونحوه يدفع إليه أيضا بل هو أولى من غيره ولعل بهذا الاعتبار ذكروا انه يرجع إلى الاقرب إلى الواقف مع ان المقصود الصرف في وجوه البر لا العود ارثا كما في المعنيين المتقدمين.
ومن التأمل في جميع ما ذكرنا تعرف فساد ما أورده بعض مشايخنا طاب ثراه على ما ذكر في المسالك فيما لو كان البطن الثاني غير منحصرين فالاولى نقل عبارتهما حتى تطلع على صدق ما ادعيناه قال في المسالك تفريعا على القول بالتلقي من الواقف والاحتياج إلى اليمين وعليه فلو كان الاستحقاق بعد الورثة كالاولاد مثلا للفقراء وكانوا محصورين كفقراء قرية ومحلة فالحكم كالاول وإن لم يكونوا محصورين بطل الوقف بعدم إمكان اثباته باليمين وعادت الدار ارثا وهل تصرف اليهم بغير يمين وجهان ويحتمل عودها إلى أقرب الناس إلى الواقف بناء على انه وقف تعذر مصرفه كالوقف المنقطع ويجري فيه الخلاف الذي تقدم في الوقف انتهى ما في المسالك.
وقال في الجواهر بعد ذكر ما حكيناه عن المسالك بألفاظه بما هذا لفظه وهذا الكلام أغرب من الاول إذ ما ذكره من الاحتمال الاخير لم نعرف أحدا ذكره في الوقف المنقطع ولا وجه له فإن أقرب الناس إلى الواقف لا مدخلية له في شئ من ذلك واحتمال ارادة الارث منه كما عساه يشعر به كلامه في آخر المسألة يدفعه انه ذكره بعد ان ذكر البطلان وانه صار ارثا والبحث في كونه لورثة الواقف حين الوقف أو حين الانقطاع أوغير ذلك تقدم في محله إلى أن قال وكذا ما ذكره من الوجهين بعد الجزم ببطلان وقفه وعوده ارثا في توقف صرفه اليهم على اليمين وعدمه إذ لا استحقاق لليمين على الوارث بعد عدم مدع لكون المفروض وقفه على الفقراء وهم غير منحصرين بل ما ذكره أولا من الحلف على فرض كون الوقف على فقراء قرية أو محلة قد يناقش فيه بأنه لا وجه له مع فرض كون المراد الجنس وإن اتفق انحصار افراده في الخارج فإن ذلك لا يجعل للمخصوصين من حيث كونهم كذلك حق الدعوى على وجه لهم الحلف مع الشاهد واليمين المردودة ونحو ذلك فتأمل انتهى كلامه.
وجه الفساد أما أولا فلان ما ذكره أولا من قوله إذ ما ذكره اه قد عرفت فساده من جهة القول به على تقدير ان يكون المراد بأقرب الناس ما ذكره في محكي المبسوط وأما على تقدير أن يكون المراد به ما ذكرناه أولا فهو في الحقيقة أيضا معنى العود ارثا ولا معنى لنفي القول به وإنما ذكره في مقابل احتمال العود ارثا مع انه ارث في الحقيقة من جهة ملاحظة ما ذكرنا من الثمرة بينهما فظهر أيضا فساد قوله واحتمال ارادة الارث منه اه فتأمل وأما ثانيا فلان ما ذكره من قوله وكذا ما ذكره من الوجهين اه قد عرفت فساده أيضا مما ذكرنا من مطالبة حاكم الشرع لليمين عنهم فهو مدع نائبا عنهم ولولا تأمله في قوله بل ما ذكره أولا من الحلف على فرض كون الوقف على فقراء قرية اه لذكرنا بعض ما فيه هذا جملة الكلام في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو ما لم يحلف أحدهم وامتنعوا عن الحلف جميعا فيقع أيضا في مقامين أحدهما بالنسبة إلى البطن الاول ثانيهما بالنسبة إلى البطن الثاني أما الكلام في المقام الاول فلا إشكال بل لا خلاف في سقوط دعواهم لو لم يطالبوا اليمين من المنكرين أو طالبوا وحلفوا كما انه لا إشكال في ثبوت الدعوى لو طالبوها وامتنعوا عن الحلف ثم فيما حكم بسقوط دعواهم يقسم المدعى بينهم ميراثا ان امتنع البطن الثاني
أيضا من اليمين لكن يكون نصيب المدعين وقفا بمقتضى اقرارهم بما يرجع عليهم وأما الكلام في المقام الثاني فيقع تارة فيما لو كان البطن الثاني هم الورثة للبطن الاول وأخرى فيما لو كان الوارث غيرهم أما الكلام من الجهة الاولى فيقع أيضا في موضعين أحدهما بالنسبة إلى نصيب المورث الممتنع عن اليمين ثانيهما بالنسبة إلى تمام ماادعوا وقفيته.
أما الكلام في الموضع الاول فلا إشكال في الحكم بالانتقال النصيب إليهم وقفا سواء ادعوا وقفيته أو أنكروها لنفوذ اقرار المورث عليهم لان اقراره في حال حياته بما يرجع إلى نفسه إقرار عليهم ونافذ بلا إشكال ولا يتوقف الحكم بانتقاله إليهم على يمينهم أصلا سواء على القول بالانتقال عن الواقف أو الموقوف عليه لان نفوذ اقرار - المورث الموقوف عليه عليه وعلى أولاده مما لا إشكال فيه والمفروض ثبوت وقفية مقدار النصيب بمقتضى الاقرار ولا مدعى أيضا في مقابله وإن فرض كما لو ادعى بعض ورثته كذب المورث في اقراره فلا تسمع دعواه لانها كتكذيب اقرار نفسه.
وبالجملة الحكم مما لا إشكال فيه أصلا والعجب من الشهيد في المسالك حيث بنى الافتقار إلى اليمين وعدمه على (ما) عرفته منه سابقا من القولين في تلقي البطن الثاني لانك قد عرفت انه لا دخل للفرض الابتناء المذكور مع فساده أيضا من أصله.
وأما الكلام في الموضع الثاني فلا إشكال أيضا في الحكم بثبوت الوقفية لهم لو حلفوا جميعا سواء على القول بالتلقي من الواقف أو الموقوف عليه أما على الاول فظاهر وأما على الثاني فلان امتناعهم ونكولهم إنما اسقط حقهم اما اسقاط حق البطن الثاني فلا فهم لا يتبعونهم لا في الثبوت ولا في السقوط بل ولو قلنا بالتبعية في الاول على تقدير القول بصحة ما ذكره في المسالك من البناء على القولين لم نقل بالتبعية في الثاني لعدم الملازمة بينهما كما لا يخفى.
ومن هنا تعرف فساد ما ذكره في المسالك من البناء حيث قال وهل للاولاد أن يحلفوا ان جميع الدار وقف وجهان من كون الاولاد تبعا لآبائهم فإذا لم يحلفوا لم يحلفوا ومن انهم يتلقون الوقف من الواقف فلا تبعية انتهى وفيه ما لا يخفى من وجوه الفساد.
نعم هنا شبهة ترد على كل من القولين وهي انه لا إشكال في ان صحة الوقف على البطن الثاني موقوفة على الوقف على البطن الاول سواء على القول بالتلقي من الواقف أو الموقوف عليه فإذا لم يثبت الوقف في حق البطن الاول من جهة نكولهم لم يثبت في حق البطن الثاني أيضا للتوقف المذكور ومن هنا بنى بعضهم الخلاف هنا على لخلاف في صحة الوقف المنقطع الابتداء وعدمها وربما يدفع الشبهة بأن حلف البطن الثاني يقتضي ثبوت الوقف في حق البطن الاول وعدم ثبوته قبله ظاهرا من جهة نكولهم لا يضر فيه فلا معنى للابتناء المذكور أيضا.
قال في المسالك والحق مجيئهما وإن منعنا من الوقف المنقطع الاول لان حلف الاولاد اقتضى عدم انقطاعه في الواقع وإن انقطع بالعارض حيث لم يحلف آبائهم لان البطن الثاني كالاول لان الوقف صار إليهم بالصيغة الاولى عن الواقف ولان منع الثاني عن الحلف يؤدي إلى جواز فساد البطن الاول الوقف على الثاني وهذا لا سبيل إليه فالقول بجواز حلفهم أقوى وهو خيرة الشيخ في المبسوط والمصنف وغيرهما انتهى كلامه.
وأورد عليه بعض مشايخنا طاب ثراه بما هذا لفظه وفيه أيضا بعد الاغضاء (الاغماض خ) عما في الاول
من الوجهين ان يمين الاولاد لا تصلح لاثبات اتصال الوقف لانها حينئذ تكون يمينا للغير واحتمال الاتصال بعد كونه منقطعا في ظاهر الشرع غير مجد واطلاق الاثبات بالشاهد واليمين لا ينافي الفساد من جهة أخرى ثم قال بعد ما ذكره من الايراد فتأمل إذا الظاهر عدم مخالف محقق في ان للبطن الثاني اليمين مع نكول البطن الاول عنها بناء على تلقيهم من الواقف ويكفي في صحة الوقف في حقهم احتمال الاتصال وإن كان منقطعا في ظاهر الشرع بمعنى عدم ثبوته للبطن الاول انتهى كلامه.
وأنت خبير بفساد ما أورده من لزوم اثبات اليمين حق الغير لمنع اللزوم لانها إنما تثبت حقا لنفسه لان يمينه للوقف على البطن الاول لا يترتب عليها فائدة إلا اثبات الوقفية له ولا ينفع للمحلوف له أصلا و ان هي إلا كيمين الوارث فيما يدعيه لمورثه وان سميتها باليمين للغير فلا نتحاشى من التسمية لانك قد عرفت غير مرة المنع من قيام دليل على المنع من القضاء بمثل اليمين التي في محل النزاع فراجع ثم ان ما ذكره من عدم الخلاف في وجه التأمل ينافي ما ذكره من الابتناء كما لا يخفى والقول بأن مقصوده عدم الخلاف بين من قال بالتلقي من الواقف مع كونه خلاف ظاهر كلامه يمنع من جعله وجها للتأمل بعد قضاء الدليل على خلافه كما هو المفروض في كلامه وفيه أيضا بعض ما لا نذكره مما لا يخفى على المتأمل هذا مجمل القول في الجهة الاولى.
وأما الكلام في الجهة الثانية وهي ما لو كان الوارث للبطن الاول غير البطن الثاني كفقراء محلة فلا إشكال في عدم جواز تصرف الوارث فيما يدعون وقفيته ووجوب اعطائهم اياه البطن الثاني سواء حلفوا أو نكلوا لنفوذ اقرار المورث لوقفيته عليهم وليس لهم أيضا الدعوى مع البطن الثاني لما ذكر هذا كله فيما لو كان البطن لثاني منحصرين وأما لو كانوا غير منحصرين فقد علم حكمه مما ذكرنا في المقام الاول فلا نطيل بالاعادة وعليك بالمراجعة وهو ولي الاعانة هذا مجمل القول في المقام الثاني.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو ما إذا حلف بعض المدعين ونكل الآخر فقد عرفت انه أيضا يقع في مقامين أحدهما بالنسبة إلى البطن الاول ثانيهما بالنسبة إلى البطن الثاني.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه لا إشكال بل لا خلاف في الحكم بوقفية نصيب الحالف وأما نصيب الناكل ففيه قولان أحدهما يظهر من عبارة المصنف على ما استظهره في المسالك من كونه تركة يقضى منه الديون والوصاياء والفاضل يقسم بين جميع الورثة حتى الحالفين لاعتراف الورثة باشتراكهم معهم في تمام المال لكن ما يخص الحالف يحكم به وقفا للناكل بمقتضى اقرار الحالف لا ميرثا قال في المسالك ولو حلف بعضهم دون بعض بأن كانوا ثلاثة فحلف واحد ونكل اثنان يأخذ الحالف الثلث والباقي تركة يقضى منه الديون والوصايا وما فضل يقسم بين جميع الورثة على ما يقتضيه ظاهر العبارة فإنه حكم بأن ما فضل يكون ميراثا ومقتضاه اشتراك جميع الورثة فيه والعلامةرحمهالله تبعه على هذه العبارة وصرح بذلك بعضهم ووجهه ان الوارث الذي لم يدع الوقف وهم المستحقون لهذه الحصة يعترفون بأنها حق لجميع الورثة وإن كان بعضهم وهو مدعي الوقف قد ظلم في أخذ حقه (حصته خ) منه بيمينه ولا يحسب عليه ما أخذه من حقه (حصته خ) في الباقي لانه معين وهو الدار المفروضة لا مشاع فيؤخذون باقرارهم ويقسم على الحالف وغيره وعلى هذا فما يختص الحالف يكون وقفا على الناكلين لان الحالف يعترف لهم بذلك انتهى كلامه.
ثانيهما ما يظهر من الشيخ في محكي المبسوط من كونه مشتركا بين الناكلين والمنكرين من الورثة
دون الحالف حيث قال لو حلف واحد منهم دون الآخرين فنصيب من حلف وقف عليه والباقي ميراث بين الآخرين وبقية الورثة ثم حصة الناكلين تصير وقفا باقرارهم.
أقواهما القول الثاني لان الورثة إنما يعترفون بالاشتراك في الجميع ارثا والمفروض ان الحالف قد أخذ مقدار نصيبه ويعترف بأنه لا يستحق إلا ما أخذه فكيف يحكم باشتراكه مع الباقي وهو ظاهر لا غبار فيه أصلا والعجب مما ذكره في المسالك من قوله ولا يحسب عليه ما أخذه من حقه في الباقي لانه معين وهو الدار المفروضة لا مشاع إذ لا شاهد لما ادعاه من كونه معينا لامشاعا.
ثم ان هذا كله فيما لو كان نصيب الحالف ارثا مساويا لنصيبه وقفا وأما لو كان نصيبه ارثا زايدا على نصيبه وقفا فقد حكم جماعة من الاصحاب بكون الزايد مجهول المالك وظاهر كلامهم هذا هو كونه من المجهول (مصاديقه خ) مطلقا.
واستشكل فيه الاستاد العلامة وذكر تفصيلا في المقام على سبيل الضابطة لبيان حكم ما يرد على الشخص في مثل المقام مما ينفيه المتداعيان من أنفسهما أو ينفيه أحدهما عن نفسه في باب التداعي لا بأس في التعرض له على ما يقتضيه المجال.
وهو ان الشخص إذا نفى شيئا عن نفسه وأقر لغيره ولو من باب الالتزام فلا يخلو إما أن يكون واحدا أو متعددا كل واحد منهما ينفيه عن نفسه ويثبته لغيره فإن كان واحدا فلا يخلو إما أن يحتمل صدقه في أقراره أو لا يحتمل ذلك بل يعلم تفصيلا ان ما ينفيه يكون لنفسه فعلى الاول فلا إشكال في الحكم لان اقرار العقلاء على أنفسهم جايز وعلى الثاني فيجب على من كان في يده دسه في ماله لان التصرف في مال الغير بغير اذنه محرم عقلا ونقلا كتابا وسنة وإجماعا.
لا يقال ان قدر ما ثبت من الادلة وجوب الاعلام في الامانة الشرعية لا الايصال إلى صاحبه.
لانا نقول الاعلام والايصال إنما وجب كل منهما مقدمة للوصول فإن تمكن منهما فيكون مخيرا بينهما وإن لم يتمكن من أحدهما تعين الآخر والمفروض في المقام عدم التمكن من الاعلام فيجب الايصال فيجب الدس نعم لو فرض التمكن من الايصال بغير الدس أيضا كان مخيرا بينهما.
وإن كان متعددا فلا يخلو إما أن يحتمل أن يكون ما ينفيانه عن أنفسهما ويقران به لغيرهما لغيرهما فلا إشكال أيضا في الحكم لان جميع موارد الاقرار التي يكون الاقرار فيها نافذا على المقر يكون من هذا القبيل أي مما يحتمل أن يكون المقر به للمقر ولغيره فيؤخذ المقر به عنهما أو لا يحتمل ذلك بل يعلم إجمالا بأنه لاحدهما.
ففي هذا وجوه أحدها أن يقال بكون داخلا في مجهول المالك فيراعى فيه حكمه فيتصدق من مالكه والوجه فيه التعذر شرعا من ايصاله إلى صاحبه فيكون مثل ما لو لم يعلم بالمالك أصلا لا إجمالا ولا تفصيلا لان عمدة المناط في حكم مجهول المالك هو التعذر ولهذا يتعدى عنه إلى ما لو علم بالمالك تفصيلا ولكن تعذر إيصال المال إليه فإنه وإن ورد بعض الاخبار في خصوص مجهول المالك الظاهر في غير المقام إلا أن المستفاد من أكثرها كون المناط هو تعذر الايصال فالتصدق في الحقيقة نوع من الرد إلى المالك الذي قضى بوجوبه العقل والنقل لكنه رد يعود نفعه إليه في الاخرة ثانيها ان يقرع بينهما لان القرعة لكل أمر مشكل فيرجع الامر بعد القرعة حكما إلى ما لو علم بكذب المقر في اقراره في وجوب الدس ثالثها أن يحكم بالتنصيف بينهما لان
ايصال المال إلى صاحبه ولو في الجملة أولى من اعطائه لغيره ولو على سبيل الاحتمال كما روعي هذا الحكم في مسألة التداعي في بعض الصور.
أوجهها الاول لما عرفت من عموم المناط والثاني مردود بعدم معارضة القرعة للاقرار المكذب لها والثالث مردود بأنه وجه اعتباري لا يمكن بمقتضاه وأما الحكم بالتنصيف في مسألة التداعي فإنما هو من جهة الاخبار والاجماع وإلا فالحكم فيه بالنظر إلى القاعدة الاولية هو ما ذكرنا في المقام إذا عرفت ذلك علمت ان ما ذكروه في المقام من الحكم بكون المقدار الزايد داخلا في مجهول المالك من حيث نفي كل من - الحالف والمنكر له من نفسه لا يتم في جميع الصور هذا كله فيما لو كان كل من الحالف والناكل حيا.
وأما لو مات أحدهما فلو مات الناكل فنصيبه للحالف الحي ولا يحتاج إلى يمينه على ما تقدمت إليه الاشارة ولا دخل لورثته فيه أصلا لانقطاع يدهم عنه باقرار مورثهم ولو مات الحالف ففي المسالك ان فيه ثلاثة أوجه أحدها انه يصرف إلى الناكلين لانه قضية الوقف إذ لا يمكن جعله للبطن الثاني لبقاء البطن الاول ولانه أقرب الناس إلى الواقف وعلى هذا ففي حلفهم الخلاف السابق فإن قلنا بالحلف سقط بالنكول كالاول والثاني انه يصرف إلى البطن الثاني لانه بنكول الناكل سقط حقه وصار كالمعدوم وإذا عدم البطن الاول كان الاستحقاق للثاني وهذا هو الذي اختاره الشيخ في المبسوط والثالث وهو أضعفها انه وقف تعذر مصرفه لانه لا يمكن صرفه إلى الباقين من البطن الاول لنكولهم ولا إلى البطن الثاني لان شرط استحقاقه انقراض البطن الاول فإذا تعذر مصرف الوقف بطل كالمنقطع الآخر ورجع إلى أقرب الناس إلى الواقف انتهى ما أردنا حكايته ولا يخفى عليك ان الوجيه من هذه الوجوه هو الوجه الاول والوجه فيه ظاهر ومتمسك المخالف ضعيف لانا نمنع من كون مقتضى نكوله المنع من استحقاقه في خصوص المقام كما لا يخفى.
ثم ان هذا الذي ذكرنا كله من الكلام إنما هو في الوقف على الترتيب وأما الوقف على التشريك فلا إشكال بل لم أجد مخالفا في أنه ينحل إلى أوقاف متعددة مستقلة غير مربوط أحدهما بالآخر فلازمه ان يمين أحد المدعين لا تنفع إلا في حقه سواء كان بالنسبة إلى البطن الاول أو الثاني كما ان لازمه ان نكول أحدهم لا يوجب إلا سقوط حقه وعليك بالتأمل فيما ذكرنا في الوقف على الترتيب واستنباط حكم الصور المتصورة في المقام منه.
قوله في كتاب قاض إلى قاض أقول إذا حكم الحاكم بحكم فإن علم الحاكم الآخر بحكمه فيجب عليه امضائه وانفاذه سواء كان السبب لعلمه به قول الحاكم أو كتابته أو البينة أو غيرها من الامور لاستحالة الفرق في مقام اعتبار العلم من باب الطريقية بين أسبابه كما استقصينا الكلام فيه غير مرة وإن لم يعلم به فطريق وصوله وبلوغه وانتهائه إليه لا يخلو إما أن يكون كتابة القاضي إليه أو قوله أو قيام البينة عليه أو اقرار المحكوم عليه به وإن شئت قلت ان ابلاغ الحكم وانهائه إلى حاكم آخر لا يخلو إما أن يكون بلا واسطة أو مع الواسطة والاول لا يخلو إما أن يكون بالكتابة أو بالقول والثاني لا يخلو إما أن يكون بالبينة أو بإقرار من المحكوم عليه في جعل الاقرار طريقا لانهاء الحكم وابلاغه كما صنعه الاستاد العلامة في مجلس البحث مسامحة لا تخفى ولهذا لم يجعلوا الاقرار طريقا لانهاء الحكم وإنما ذكروه في مقام الاستدلال على اعتبار البينة على الحكم كما لا يخفى لمن راجع إلى كلماتهم ومقالتهم.
ومن هنا يظهر ان البينة التي ذكروها طريقا لانهاء الحكم وذهب المشهور إلى اعتبارها انما هي البينة التي أشهدها الحاكم على حكمه وأما البينة التي شهدت الحكم من غير اشهاد الحاكم إياها ثم شهدت عند
حاكم آخر بالحكم فلا يسمى طريقا لانهاء الحكم بل الظاهر من سيد مشايخنا في الرياض عدم الخلاف في عدم اعتبارها وإن كان لنا كلام فيه.
وكيف كان فالكلام يقع في أربعة مواضع اما الكتابة فالذي نقل الاجماع عليه جماعة ممن تقدم وتأخر منهم الشيخ في محكي الخلاف والفاضل في محكي القواعد والتحرير وابن ادريس في السراير عدم اعتبارها حتى مع البينة على الكتابة حسبما هو قضية اطلاق كلام بعضهم وتصريح آخر واستدلوا عليه ايضا بخبري السكوني وطلحة بن زيد عن أبي عبداللهعليهالسلام عن أبيه عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهم انه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد ولا غيره حتى وليت بنو امية فأجازوا بالبينات المشهورين - المستفيضين كما عن المختلف هذا.
ولكن الظاهر من أبي علي من أصحابنا الاعتبار بها مطلقا في حقوق الناس حسبما نسب إليه وتبعه بعض المتأخرين في هذا القول في الجملة والظاهر من الشيخ في المبسوط الاعتبار بها إذا شهدت البينة على انها كتابة القاضي وإن ما اتفقت الامامية عليه قبالا للعامة هي الكتابة المجردة عن البينة حيث قال فإذا ثبت حكمت (فكتب خ) قاض إلى قاض كتابا لم يجز ان يحكم بما فيه ولا يمضيه حتى يثبت عنده بالبينات انه كتاب فلان إليه سواء وصل مختوما أو غير مختوم وقال قوم إذا وصل مختوما حكم به وأمضاه فإذا ثبت انه لا يقبل ولا يعمل عليه إلا بالشهادة فالكلام في فصلين إلى آخر ما ذكره وانت إذا اعطيت حق النظر في هذا الكلام وفيما لم نذكره مما قبله وبعده لم يدخلك شك في ظهور كلامه فيما استظهرناه عنه ويمكن أن يستظهر هذا القول أيضا من كلام كل من أطلق القول بعدم اعتبار الكتابة ثم علله باحتمال التشبه والتزوير نعم من أضاف إليه احتمال عدم القصد أو غيره من الاحتمالات في عدم اعتبار الكتابة كالشهيد في المسالك وغيره في غيره الظاهر منه عدم الفرق.
وكيف كان الحكم بعدم اعتبار الكتابة ولو بعد قيام البينة على انها كتابة القاضي وانها كتبها بمحضرها الظاهر انه المشهور بين الاصحاب لما قد تقدم من الروايتين بل قد ادعى في السراير في باب نوادر القضاء الاجماع عليه صريحا كما سيأتي نقله هذا ولكن قد يناقش في الروايتين سندا ودلالة.
أما السند فبضعفه بالسكوني وطلحة والاول عامي لم يصرح أحد بوثاقته والثاني أيضا فاسد المذهب لم يصرح أحد بمدح فيه قال في المسالك في مقام القدح في الروايتين بما هذا لفظه وعن الرواية بأمرين أحدهما ضعف سندها فإن طلحة بن زيد تبري والتبرية (والتبرة خ) فرقة من الزيدية وقال الشيخ في الفهرست والنجاشي انه عامي والسكوني أيضا عامي مشهور الحال مع انه لم ينص أحد من الاصحاب فيهما على توثيق ولا مدح مضافا إلى فساد العقيدة فلا يعتد بروايتهما إلى أن قال وأجاب في المختلف عن ضعف الروايتين بأن الرواية من المشاهير فلا - يضرها الطعن في الراوي وهو يرجع إلى جبر الشهرة للضعف وقد تكلمنا عليه غير مرة انتهى كلامه.
وأما الدلالة فباحتمال أن يكون المراد منها انشاء الحكم بالكتابة لا الاخبار بها عن وقوعه وبكونها موهونة من جهة اعراض المشهور عنها حيث ان كلمتهم متفقة على وجوب اجازتها مع قيام البينة في الجملة إلى غير ذلك من الكلمات التي وقعت في البين لا يسع ذكرها هذا المضمار ومن أراد الاطلاع عليها فليطلبها من كتبهم.
أقول الظاهر ان الروايتين سالمتان عن المناقشة سندا ودلالة أما سند رواية السكوني فمن وجوه أحدها ما ذكره الشيخ في العدة حسبما حكاه الاستاد من ان الطائفة قد عملت برواية السكوني
أحدها(١) ما ذكره الشيخ في العدة حسبما حكاه الاستاد من ان الطائفة قد عملت برواية السكوني واضرابه من - العامة فإنه كما ترى كاف في توثيقه ولهذا جعله في المعتبر حسبما حكى عنه وجها لوثاقته وذكر ان ما اشتهر انه ضعيف لا أصل له ثانيها رواية ابن المغيرة وأحمد بن محمد بن عيسى عنه والاول من أصحاب الاجماع والثاني معروف في المداقة في أمر الرواية ثالثها كونها مشهورة فإنه لو كان ضعيفا لصار اشتهار الرواية بين الاصحاب جابرا لضعفه وما ذكره في المسالك من ضعف الجبر بالشهرة ضعيف قد بينا القول فيه مشروحا في الاصول وأما سند رواية طلحة فباشتهارها بين الطائفة فان فيه غنى وكفاية وأما دلالة فلان احتمال كون المراد من الروايتين هو انشاء الحكم بالكتابة ضعيف جدا لان ما يجيزه المخالفون مع البينة ليس هو انشاء الحكم بها بل الاخبار عنه بها كما لا يخفى لان انشاء الحكم بالكتابة الظاهر انه لم يجوزه أحد.
وأما ما ذكره في وجه ضعفها أخيرا من اعراض المشهور عنهما ففيه ان المراد من البينة فيهما حسبما هو ظاهرهما وصرح به جماعة من الاعلام هي البينة على الكتابة لا البينة على الحكم لان البينة على الحكم ليست حقيقة بينة على الكتابة قال في السرائر بعد نقل الروايتين ما هذا لفظه يريد بذلك ان هذا كتاب فلان القاضي لا أن - المقصود أجازوا الاحكام بالبينات وقد بينا انه لا خلاف بين أصحابنا سلفهم وخلفهم بل اجماعهم منعقد على انه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض ولا يعمل به ولا يحكم انتهى كلامه وهكذا ذكره غيره أيضا في معنى الرواية كما في المتن وغيره فإذا ما ذكروه من الايراد على الروايتين لا ورود له. فبالحري أن نذكر أو لا جميع الاحتمالات التي ذكروها في مستند منع كفاية الكتابة في ثبوت الحكم بها على القول بكفاية اخباره اللفظي لانه على القول بعدم اعتباره كما هو صريح الشيخ في بعض كتبه يكون عدم اعتباره (ها) أولى ثم نورد ما هو مقتضى التحقيق في المقام وفي معنى الرواية فنقول بعون الملك العلام ان ما قيل أو يقال ان معه لا يعتبر الكتابة أحد أمور أربعة على سبيل مانعة الخلو أحدها احتمال التزوير والتشبيه بأن كتبها غير الحاكم وهذا هو الذي علل به عدم اعتبار الكتابة جماعة من الاصحاب كالمصنف وغيره ثانيها احتمال عدم القصد بأن كتبها مثلا قاصد اللمشق وهو الذي علل به عدم اعتبارها جماعة مضافا إلى الاحتمال السابق كالشهيد في المسالك والاردبيلي ولهذا ذهب إلى انه انتفى احتمال عدم القصد تكون معتبرة ثالثها احتمال انشاء الحكم بالكتابة ذكره بعض مشايخنا المتأخرين رابعها اثبات عدم اعتبار خصوص الاخبار اللفظي في مقام الكشف عن الحكم وعدم كفاية الكتابة أيضا ذكره الاستاد العلامة مع الاحتمالات السابقة. فإذا انتفت الاحتمالات الاربعة أو ثبت شرعا عدم الاعتناء بها مع وجودها تصير الكتابة كالقول فإن قلنا باعتباره في المقام تكون الكتابة أيضا معتبرة وإلا فلا أما الاحتمال الاول فلا رافع له إلا القطع بكونها من لقاضي وأما البينة فمقتضى الروايتين عدم اعتبارها في المقام وأما الاحتمال الثاني فقضية كلمات جماعة منهم الاردبيلي عدم ارتفاعه أيضا إلا بالقطع لعدم الدليل على اعتبار الاصول في الكتابة لان الذي قام عليه الاجماع ودلت الادلة عليه هو اعتبار الاصول في الالفاظ والاقوال وأما الاصول في باب الكتابة فلا دليل على اعتبارها هذا. أقول لا يخفى عليك ان ما ذكروه من انحصار الرافع لاحتمال عدم القصد بالقطع غير مستقيم لان بناء العقلاء على الاخذ بالاصول الذي هو عمدة ما دل على اعتبار الظواهر في باب الالفاظ جار في الكتابة ايضا فارجع إلى بنائهم في المكاتيب والمراسيل فهل تجد من نفسك ان تقول بالفرق عندهم في إعمال الاصول بينها وبين الالفاظ حاشاك ثم حاشاك وأيضا ارجع إلى بناء العلماء بل كل من له سواد القرائة في الكتب المصنفة فهل تجد في
____________________
(١) أحدها إلى قوله السكوني مكرر.
بنائهم الفرق بينها وبين ظواهر الالفاظ لا يكون ذلك قطعا.
والقول بأن أكثر الاوقات يحصل القطع مما ذكر من جهة القراين وبعض الاحيان الذي لا يحصل القطع منها لا نسلم بنائهم على العمل بالظن والظهور فيها فاسد جدا لانا نجد انهم مطبقون على العمل بها ولو لم يحصل القطع ١ بالمراد ألا ترى انه لو أرسل المولى إلى عبده كتابه وفيه أوامر ونواهي فأخذ العبد بما يقطع به منها وترك اطاعة ما يظن به منها يحسن من المولى عقابه وعتابه ويذمونه العقلاء على ترك امتثال المظنون منها وليس هذا إلا من جهة عدم الفرق في اعتبار الاصول عندهم بين الالفاظ والكتابة فالحق ان وجود هذا الاحتمال لا يضر لما عرفت من الوجه وأما الاحتمال الثالث فإن حصل القطع فانتفائه فلا كلام وإلا ففي الاخذ بالظن لو حصل من الكتابة ظن بأن ظاهرها الاخبار لا الانشاء الوجهان فالحق جواز الاخذ به أيضا وأما الاحتمال الرابع فظاهرهم عدم الاعتناء به لانك قد عرفت انه لم يذكره في عداد ما يوجب منع كفاية الكتابة أحد من الاصحاب غير الاستاد العلامة دام ظله بل ذكروا أحد الاحتمالات الثلاثة. ولكن تحقيق الحق في المقام بحيث يرفع غواشي الاوهام عن وجه المرام يقتضي بسطا في الكلام.
فنقول بعون الملك العلام ان من المواضع ما نقطع باعتبار خصوص القول فيه في الكشف عن الواقع كما في الشهادة وأمثالها فإن الاجماع منعقد ظاهرا على عدم اعتبار الكتابة في باب الشهادة كما ان من الانشائات ما يعتبر فيه اللفظ ولا يكفي فيه الكتابة كما في العقود اللازمة حسبما عليه بناء أكثر الاصحاب بل كلهم عدا بعض المتأخرين حيث ذهب إلى أن المطلوب فيها نفس المعنى القائم بنفس العاقد سواء كشف عنه بالقول أو الفعل كتابة كان أو غيرها وكما في انشاء الحكم فإن بناء الاصحاب على عدم اعتبار الكتابة فيه ومن المواضع ما يقطع بعدم الفرق فيه في مرتبة الكشف بين القول والكتابة كما في الكاشف عن رأي المجتهد للعامي فإنه لا فرق فيه بين قوله و كتابته فإن الحجة في حق المقلد ليست هي فتوى المجتهد من حيث هي حتى يقول باختصاصها بالقول بل الحجة في حق المقلد هو اعتقاد المجتهد كما ان الحجة في حق نفسه هو اعتقاده سواء كان الكاشف عنه القول أو الكتابة أو غيرهما ومن هنا يعلم انه لو قطع العامي باعتقاد المجتهد يجوز العمل بمقتضاه وإن لم يظهره المجتهد أصلا وكما في الحكاية عن السنة فإنه لا فرق فيها بين القول والكتابة. وأما ما ادعاه الحلي في باب نوادر القضا من السراير من قيام الاجماع على عدم اعتبار الكتابة مطلقا حتى في باب الكشف عن رأي المجتهد والحكاية عن أحد أمناء الله تعالى في ارضه فذكر ان الحجة في حق لمقلد هو خصوص قول المجتهد لا كتابته فالظاهر انه اخطأ فيه لان كلمة الشيعة بل المسلمين مطبقة على عدم الفرق فيه ذكرنا بين اللفظ والكتب وعملهم عليه أيضا في جميع الاعصار فالاجماع عملا وقولا على خلاف ما ادعاه لا على طبقة كما ان من الانشائات ما لا يعتبر فيه اللفظ بل يكفي الكتب أيضا كما في الوكالة وأمثالها من العقود الجايزة الاذنية فإن المناط فيها اذن المالك ورضائه بأي شئ حصل ومن المواضع ما يشتبه فيه الحال ويلتبس علينا الامر فيه فلا ندري انه من أي القسمين كما ان من الانشائات ما اختلفوا في اعتبار اللفظ فيه كما في الوصية فمقتضى القاعدة فيه الرجوع إلى أصالة عدم اعتبار غير اللفظ.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان حكم خصوص المقام فنقول الظاهر انه لا فرق في مقام الكشف عن وقوع الحكم سابقا بين القول والكتابة وإن كان بينهما فرق في مقام انشاء الحكم فلو دل الدليل على اعتبار القول في الكشف عن وقوع الحكم نقول باعتبار الكتابة أيضا هذا ما يقتضيه النظر الجلي على القول باعتبار القول لكن
____________________
(١) يحصل منها القطع
يمكن أن يقال ان مقتضى اطلاق الروايتين عدم اعتبار الكتابة ولو بعد رفع الاحتمالات الاربعة وفيه انه لا اطلاق للروايتين بالنسبة إلى الفرض لانهما مسوقتان لبيان حكم الكتابة الغير المعلوم كونها من الحاكم كما يشهد عليه ذيلهما حسبما هو ظاهر لكل من اعطى حق النظر فيه لكن مع ذلك في الحاق الكتابة بالقول إشكال فتبين لك من جميع ما ذكرنا ما هو المقصود من الروايتين أيضا فلا نطيل بالبيان.
فالاولى نقل الكلام إلى الموضع الثاني فنقول أما القول فقد نسب إلى المشهور القول باعتباره وصرح الشيخ في الخلاف على ما حكاه المصنف عنه بعدمه وتردد في المتن واستدل لما ذهب إليه المشهور بوجوه.
أحدها ما ذكره في المسالك من ان ما دل على اعتبار الشهادة على الحكم في المقام يدل على اعتبار اخبار الحاكم بالاولوية حيث قال بعد نقل الخلاف في المقام ما هذا لفظه والاصح القبول لما سيأتي إنشاء الله من جوازه مع الشهادة على حكمه فمع مشافهته أولى انتهى وفيه منع الاولوية وفساد القياس وانه مع الفارق لان اعتبار الشهادة من حيث انها بينة شرعية وأين هذا من اعتبار خبر الواحد.
ثانيها ما حكاه الاستاد العلامة عن الفخر في الايضاح من ان من يكون فعله ماضيا يكون قوله ماضيا أيضا ذكره في مسألة ما لو تنازع الولي مع المولى عليه بعد ارتفاع ولايته وفيه منع الدليل على هذه لملازمة فالاصل يقتضي عدم اعتبار قوله.
ثالثها ما استدل به بعض المشايخ من ان وقوع الحكم لا يعرف إلا من قبله فيدل على سماع قوله فيه كل ما دل على سماع قول المدعى في امثال المقام وفيه ما لا يخفى لانا نمنع من ان وقوع الحكم من الحاكم لا يعرف إلا من قبله وهو أعرف به وصحة هذا المنع ظاهرة لكل من له أدنى مسكة.
رابعها ما ذكره جماعة من ان مقتضى ما دل على كون الحاكم حجة على الخلق وان الراد عليه راد على أئمة الهدي (عليهمالسلام ) اعتبار اخباره عن حكمه ووجوب سماع قوله فيه وفيه انه ليس معنى ما ذكر كون الحاكم واجب الاتباع في جميع الاشياء وانه يحرم رده فيها لان هذا مخالف للاجماع بل الضرورة وإلا لزم حجية اخباره عن كل شئ فلو أخبر بأن هذا الدار مال زيد لا من باب الحكم بل من باب الشهادة وجب تصديقه فيه وعدم الاحتياج إلى شاهد آخر بل المراد من الرواية وجوب متابعته فيما يحكم به أو يفتي به ويحرم رده فيهما وأين هذا من حجية اخباره بوقوع الحكم سابقا وهذا الذي ذكرنا أمر ظاهر لا يريب فيه كل من تأمل في الرواية بل نظر إليها من دون تأمل فإن الرواية ظاهرة فيما ذكرنا غاية الظهور.
خامسها ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله العالي من انه يدل على اعتباره القاعدة المشهورة من ملك شيئا ملك الاقرار به وهي قاعدة اجماعية مسلمة بينهم قد بنوا عليها فروعا كثيرة متفرقة في أبواب الفقه وفيه ان هذا الوجه وإن كان أحس من الوجوه السابقة عليه إلا انه لا يفي بتمام المقصود ولا يجري في جميع الصور لانه إنما يرجى فيما لو كان الحاكم مالكا للحكم حين الاخبار به وأما لو لم يكن مالكا له في زمن الاخبار سواء كان من جهة عدم قابليته بنفسه كما لو أخبر حين العزل أو بعد الفسق أو نحوهما أو من جهة عدم قابلية - المورد كما لو رجع الشاهدان قبل الاخبار عن الشهادة أو فسقا قبله فإنه ليس للحاكم إنشاء الحكم من جهة عدم الميزان الشرعي فلا تدل القاعدة على اعتبار قوله واخباره وتتميم المدعى فيما لا يجري فيه القاعدة بالاجماع المركب أو عدم القول بالفصل فيه ما لا يخفى على المتأمل فليتأمل.
والقول بأنه لا يشترط في صدق القاعدة كون المقر مالكا حين الاقرار بل يكفي في صدقها كونه مالكا
في زمان وإن زال الملك عنه حين الاخبار نظرا إلى ظهور القضية فيما ذكر فيه ما لا يخفى على المتأمل لانا لو سلمنا ان القضية ظاهرة فيما ذكر بالظهور الاولي لكنا لا نسلم ان المراد منها ما ذكر لان الحكم بأن من ملك شيئا في زمان ملك الاقرار به ولو بعد مضي ماة سنة منه الظاهر انه خلاف الاجماع كيف وهم ذكروا ان القاعدة كما تدل بالمنطوق على ان من ملك شيئا ملك الاقرار به كذلك تدل بالمفهوم على ان من لم يملك شيئا لم يملك الاقرار به وبنوا عليه فروعا كثيرة مثل ما ذكروا في العبد المأذون من انه لو أقر بشئ بعد ارتفاع الاذن لم يكن اقراره ماضيا لانه لا يملك المقر به ومثل ما ذكروا في باب الجهاد من انه لو ادعى أحد المجاهدين من المسلمين انه أمن أحد المحاربين فلو كان في زمان يصح فيه الامان قبل قوله وأما لو كان في زمان لا يصح فيه الامان ووضعت الحرب أوزارها لم يقبل قوله لانه لا يملك شيئا حين الاخبار إلى غير ذلك من الفروع التي يقف عليها المتتبع في كلماتهم ولو بنى على ما ذكر في معنى القاعدة لم يكن وجه لهذه الكلمات وهذه الفروع أصلا كما لا يخفى.
سادسها ما ذكره الاستاد العلامة أيضا وحمل عليه قول المصنف أيضا لان حكمه كما كان ماضيا كان اخباره ماضيا بعدما احتمل أن يكون مراده ما ذكره في الوجه السابق من ان ما دل على ان القضاء والفصل من شأن الحاكم يدل باللزوم على اعتبار اخباره عن خصوص الفصل والحكم الواقعي السابق بيان الدلالة انه لما م يكن وقوع الحكم من الحاكم في الواقع مؤثرا في رفع الخصومة الظاهرية بين الناس في أغلب الاوقات من حيث عدم العلم به بحيث يكون رفعها نافعا والمطلوب من تشريع الحكم بين الناس رفع الخصومة بينهم فيلزم أن يكون اخبار الحاكم بوقوعه حجة ومعتبرا لانه من حيث كونه كاشفا عن الحكم الواقعي موجب لرفع الخصومة الظاهرية ولولا اعتباره لزم بقائها وهو خلاف المقصود وإن شئت قلت انه فاصل ظاهري للخصومة فيكون معتبرا لان كل ما يكون فاصلا يدل ما دل على أن فصل الخصومات من شأن الحاكم على اعتباره وهذا الوجه لا يختص بما إذا كان الحاكم مالكا حين الاخبار بل يجري فيما لو زال الملك عنه هذا ملخص ما أفاده دام ظله في مجلس البحث.
وهو مشتبه المراد لان ما ذكره أولا من ان ما دل على تشريع القضاء وانه من شأن الحاكم يدل باللزوم على اعتبار اخباره إن أريد منه انه لما لم يمكن العلم بالحكم بدونه فيلزم نقض الغرض ففيه منع اللزوم لان من عدم اعتباره لا يلزم نقض الغرض لامكان التوصل إلى الحكم في غالب الاوقات اما بالعلم أو البينةالشرعية أو غيرهما وإن أريد انه قد يفوت فائدة الحكم الواقعي لولا اعتبار القول ففيه بعد تسليمه انه لا يقتضي اعتبار القول كما لا يخفى.
وأما ما ذكره أخيرا من انه فاصل ظاهري للخصومة اه ففيه أولا ان صيرورته فاصلا ظاهريا يتوقف على اعتباره فلو أريد اثبات اعتباره بكونه فاصلا ظاهريا لم ينفك عن لزوم الدور وإن أريد انه فاصل شأنا بمعنى انه لو اعتبره الشارع يكون فاصلا للخصومة فهذا لا ينفع لانه جار في غيره أيضا مع عدم قيام الدليل عليه
وثانيا ان ما دل على ان الفصل من شأن القاضي لم يدل على انه من شأنه بأي شئ حصل وبأي شئ
يريد بل دل على انه له الفصل بالموازين الشرعية والكلام في ان اخباره من الموازين مع ان مقتضى ظواهر ما دل على حصر الموازين انه ليس من الموازين وبعبارة أخرى إن أريد انه ميزان واقعي للفصل فهو خلاف مقتضى الادلة وإن أريد انه كاشف عن الفصل الواقعي وطريق إليه فلا بد من إقامة الدليل على اعتباره وما دل
على أن الفصل من شأن الحاكم لا دخل له باعتبار اخباره عن الفصل هذا مضافا إلى ما فيما ذكره أخيرا من أعمية هذا الوجه لجميع صور المسألة والله العالم هذا تمام القول في متمسك المثبت وأما دليل المانع فليس إلا الاصل لان الاصل عدم اعتبار غير العلم وما ذكره بعضهم من أن موازين القضاء منحصرة وليس اخبار الحاكم من أحدها فيه تأمل لا يخفى وجهه هذا مجمل القول في الموضع الثاني.
وأما الكلام في الموضع الثالث وهو اعتبار البينة القائمة على وقوع الحكم من الحاكم وصدوره عنه و عدمه فنقول ان المشهور بين الاصحاب بل لم أعرف مخالفا منهم فيه بل نقل الاتفاق عليه في محكي الايضاح هو اعتبارها في الجملة نعم نقل في المسالك عن بعض القول بعدم اعتبارها والقائل غير معلوم ومستنده معلوم وهو الاصل.
واستدل على ما ذهب إليه المشهور بوجوه أحدها ما ذكره بعض مشايخنا من انه يدل على اعتبارها عموم ما دل على وجوب قبول حكم الحاكم الذي هو من حكمهم وفيه ان اجراء العموم في المقام يتوقف على اعتبار البينة ضرورة عدم العلم بوقوع الحكم من الحاكم فلو اثبت اعتبارها به فيلزم عليه الدور الظاهر كما هو - الظاهر ثانيها ما ذكره أيضا مع بعض من تقدم عليه من عموم ما دل على اعتبار البينة وفيه انه قد بينا غير مرة في الاصول والفروع انه ليس لنا عموم يدل على اعتبار البينة في كل موضع ولهذا ترى الاصحاب لم يتمسكوا في المقام وأمثاله على اعتبار البينة بعموم من العمومات ثالثها ما ذكره في المتن وفي أكثر الكتب من ان ذلك مما تمس إليه الحاجة لان أرباب الحقوق يحتاجون كثيرا ما إلى اثباته في البلاد المتباعدة ولا يكون لهم شهود فيها على الحق ونقلهم الشهود إليها متعسر عليهم غالبا ولا يكون لهم وسيلة إلى استنقاذ الحقوق إلا برفع الاحكام إلى الحكام في البلد الذي فيه الحق فلو لم يعتبر البينة على الحكم مع ذلك لزم تعطيل الحقوق وهو مناف للحكمة التي شرع لاجلها القضاء والحكم بين الناس لا يقال يتوصل إلى ذلك بالشهادة على شهود الاصل لانا نقول قد لا تساعد شهود الفرع على النقل والشهادة الثالثة لا تسمع رابعها ما ذكره فيهما أيضا من انه لو لم يشرع انفاذ الحكم بالبينة لبطلت الحجج مع تطاول المدة والملازمة ظاهرة وعدم اللزوم على تقدير التشريع أظهر خامسها ما ذكره فيهما أيضا من أن المنع من سماع البينة في المقام يؤدي إلى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة بأن يرافعه المحكوم عليه إلى الآخر فإن لم ينفذ الثاني ما حكم به الاول بعد قيام البينة عليه اتصلت المنازعة سادسها ما ذكره فيهما أيضا من أن الغريم لو أقر عند الحاكم ان حاكم حكم عليه بالحق الزم الحاكم المقر عنده به بالحق فكذا لو قامت البينة لا بد من أن يلزمه بالحق لانها مثبتة ما لو أقر الغريم به.
هذا محصل ما ذكروه من الوجوه الدالة على اعتبار البينة وأكثرها نقية عن المناقشة فالحكم باعتبارها هو المتعين ولا معارض له أصلا لان ما اتفقت كلمة الاصحاب على عدم اعتباره ودلت الروايتان على عدمه أيضا هي البينة على الكتابة وأما البينة على الحكم فلا حسبما عرفت تفصيل القول فيه سابقا ودليل المانع ليس إلا الاصل وهو مرتفع بعد قيام ما قدمنا وما ذكره بعضهم من انحصار موازين القضاء في الشرع والبينة على الحكم ليس منها وفساده ظاهر هذا كله مما لا إشكال فيه.
وإنما الاشكال في أمور أحدها ان ما ذكرنا من اعتبار البينة هل هو مختص ما إذا أشهدها الحاكم على الحكم أو يعم ما إذا شهدت الحكم من دون اشهاد أو علمت بالحكم من دون حضور مجلس وجهان صريح سيد مشايخنا في الرياض الاختصاص مدعيا عدم الخلاف فيه مستشهدا بظهور كلمتهم فيه وصريح المحكي
عن جماعة كالفاضل في كشف اللثام والمحقق الاردبيلي في الفوائد وظاهر المحكي عن بعضهم التعميم وهو الذي اختاره بعض مشايخنا المتأخرين والاستاد دام ظله لعمومية بعض ما تقدم من الوجوه على اعتبارها و هذا هو الحق لما قد عرفت وأما ما ذكره في الرياض من عدم الخلاف في الاختصاص فهو موهون بذهاب من عرفت إلى التعميم مع انه لم يظهر ان مراد من ذكر الاشهاد هو اعتباره بل الظاهر انه ذكره استظهارا واحتياطا في المشهود به ولهذا ذكر المصنف وأتم ذلك احتياطا ما صورناه.
ثانيها ان المشهور بين الاصحاب بل لم يعرف فيه مخالف اختصاص العمل بالبينة على الحكم بحقوق الناس وأما في حقوق الله والحدود فلا يعمل بها فقد يستشكل في هذا بأنه إن كان هناك دليل على اعتبار البينة فأي خصوصية لحقوق الله فليحكم باعتبارها في المقامين وإن لم يكن هناك دليل على اعتبارها فلا وجه للحكم باعتبارها في حقوق الناس أيضا.
وقد يتفصى عنه بوجوه أحدها ما ذكره في المسالك من ان حقوق الله مبنية على التخفيف وفيه انه لو كان هناك عموم يدل على اعتبار البينة لا وجه لرفع اليد عنه من جهة ما ذكر لانه اعتبار لم يقم دليل على اعتباره ثانيها ان وجوب امضاء حكم الحاكم إنما هو من باب الامر بالمعروف والزام المدعى عليه بما صار تكليفه بمقتضى حكم الحاكم عليه ومعلوم ان هذا لا يجري في الحدود فان اقامتها من شان الحاكم الذي ثبت عنده موجبها أو من يأمره بها وأما من لم يكن كذلك فلا يجوز له اقامتها وإن كان حاكما وبعبارة أخرى البينة ليست بأولى من حضور الحاكم مجلس حكم الحاكم بأن المحكوم عليه مستحق للحد الفلاني وكذا ليس أولى من اقرار المحكوم عليه بأنه محكوم عليه وفي هاتين الصورتين نمنع من جواز إقامة الحد من باب امضاء الحكم للحاكم إذا لم يأمره الحاكم الذي ثبت عنده موجب الحد فضلا عما إذا قامت البينة عليه نعم لو أذن له أوامره بها لم يكن اشكال في جواز اقامتها كما انه لا إشكال في جواز اقامتها للعوام أيضا في هذه الصورة هذا وقد يورد عليه بأن الدليل على وجوب امضاء حكم الحاكم هو ما دل على حرمة رد حكمه ووجوب قبوله ولا دخل له بأدلة الامر بالمعروف وإن أمكن التمسك بها في بعض الصور أيضا وما ذكر لا يفرق فيهبين الحدود وغيرها هذا ويمكن الذب عنه بأنه وإن كان مقتضى الدليل هو ما ذكر إلا أن ما دل على اشتراط مباشرة الحاكم لاستيفاء الحدود أو من هو وكيله يمنع من جواز اقامتها لغيره من دون اذنه وما يقال ان المستوفي في المقام أيضا هو الحاكم لان الكلام في وجوب امضائه فاسد جدا لان الحاكم الذي يعتبر استيفائه هو الذي يثبت عنده موجب الحد فتأمل ثالثها ما خطر ببالي القاصر من عدم الدليل على اعتبار البينة على الحكم في الحدود لان الدليل عليه إن كان هو عمومات اعتبارها فقد عرفت منع العموم وإن كان غيره من الوجوه الاربعة المذكورة في كتب الجماعة فلا يشمل المقام كما لا يخفى على من تأمل فيها وسيرها سيرا إجماليا.
ثالثها ان المشهور بين الاصحاب بل نفى الخلاف عنه بعض المشايخ انه لو تغير حال الحاكم بموت أو عزل أو جنون لم يقدح ذلك في العمل بحكمه ولو تغيرت بفسق لم يعمل بحكمه وهذا التفصيل بأي معنى فرض للعمل بالحكم إن كان عليه اجماع فهو وإلا فهو خلاف مقتضى القاعدة لان مقتضى القاعدة بعد حكم الحاكم جامعا لشرايطه حينه وجوب العمل عليه سواء بقي على الشرايط أم لا فالحكم نظير الرواية لا الفتوى حتى يتوقف بقاء اعتبارها في حق المقلد على استجماعه لشرايط الفتوى في كل زمان.
فالحاصل انه إما أن يجعل الحكم من قبيل الرواية فلا معنى للفرق بين ارتفاع الشروط وعدمه وإن
جعل من قبل الفتوى فلا معنى للفرق أيضا وما ذكره بعضهم في وجه الفرق من ان عروض الفسق له يكشف عن وجود الخباثة فيه حين الحكم بخلاف ارتفاع ساير الشروط فيه ما لا يخفى على من له أدنى دراية هذا مجمل القول في الموضع الثالث.
وأما الكلام في الموضع الرابع وهو اعتبار اقرار المحكوم عليه بأنه قد حكم عليه فالظاهر بل المقطوع عدم الاشكال فيه لعموم ما دل على نفوذ اقرار العاقل على نفسه مضافا إلى قيام الاجماع عليه ظاهرا في المقام فراجع إلى كلمات الاعلام حتى تطلع على حقيقة المرام.
ثم ان هنا فروعا ومسائل قد تعرض لها في المتن وغيره من كتب الاصحاب لا إشكال فيها فبالحري صرف العنان عن التكلم فيها والاشتغال بغيرها لان الاشتغال بالاهم أولى من الاشتغال بغيره.
قوله الفصل الثاني في اللواحق من أحكام القسمة اه أقول الكلام في القسمة يقع في مقامات وقبل -
التكلم فيها ينبغي التعرض لامور.
الاول ان ذكر القسمة في باب القضاء من ان لها أحكاما برأسها كما صنعه جماعة إنما هو من جهة
احتياج الحاكم إلى القسام لقسمة المشتركات ومن أفردها كتابا برأسها نظر إلى استقلالها بالاحكام كغيرها من الكتب وكيف كان الامر فيه سهل.
الثاني انه لا إشكال ولا ريب في شرعية القسمة بل الاجماع والضرورة عليها ويدل عليها قبلهما الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى فإذا حضر القسمة الآية وقوله تعالى ونبئهم ان الماء قسمة بينهم ومن السنة ما روي ان رسول الله قسم خيبر على ثمانية عشر سهما وقال الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وعرفت الطرق فلا شفعة وما روي ان عبدالله بن يحيى كان قساما لامير المؤمنينعليهالسلام إلى غير ذلك من الروايات وكيف كان لا شبهة في تشريعها بعدما عرفت.
الثالث ان الحاجة الداعية إلى تشريع القسمة ظاهرة لتوقف حفظ النظام عليها لانه قد لا يقوم الشركاء أو بعضهم بالمشاركة أو يريدون الاستبداد بالتصرف ومن هنا يمكن التمسك على تشريعها بالعقل أيضا.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى التكلم في المقامات وهي ثلاثة الاول في بيان مفهوم القسمة فنقول قد ذكر الاستاد العلامة وجماعة انها تمييز أحد النصيبين عن الآخر أو أحد الانصباء عن غيره فعلى الاول يشمل ما لو قسم شريكان مالا بينهما وبين غيرهما على قسمين بحيث كان بعض من نصيب الغير داخلا في نصيب أحدهما و بعضه الآخر داخلا في نصيب الآخر على القول بصحة هذه القسمة حسبما نبين القول فيه مشروحا بعد هذا إنشاء الله لان نصيب كل من الشريكين في الفرض يتميز عن نصيب صاحبه وإن لم يتميز عن نصيب الثالث وعلى الثاني لا يشمله لان نصيب أحد الشريكين لم يتميز عن نصيب غيره بقول مطلق كما لا يخفى فظهر مما ذكر ان القسمة عبارة عن تمييز نصيب أحد الشركاء أو الشريكين وافرازه عن نصيب باقي الشركاء أو الشريك الآخر.
ثم ان المراد من التمييز في المقام ليس هو تعيين ما كان معينا في الواقع وعنده الله تعالى حسبما هو قضية ظاهر لفظ التمييز بل المراد منه هو جعل التعيين بعد ما لم يكن هناك تعين بحسب الواقع أصلا لان كل جزء فرض من المال فهو مشترك في الواقع بين الشريكين فلا تميز في الواقع بين نصيبهما وإنما يتميزان بالجعل العرفي بواسطة القسمة فالقسمة مميز جعلي عرفي امضاه الشارع ومن هنا يعلم انه لا قسمة في صورة الاشتباه واختلاط مال أحد الشخصين بمال الآخر إلا إذا حكم باشتراكهما في المال المختلط بحسب قيمته وماليته فالقسمة نظير
القرعة لو قلنا بجريانها فيما لم يكن هناك تميز واقعي أصلا بل كان مشكلا واقعا وظاهرا حسبما هو المختار فإنها موجبة للتعيين في الفرض ومحدثة له لا انها كاشفة عن كون ما تعلقت به هو المعين واقعا كما في صورة ما كان مشكلا ظاهرا وفي نظرنا دون الواقع لاستحالة الكشف في الفرض فهي محدثة للتعيين بجعل الجاعل فلا واقع لها إلا بالجعل كما في القسمة.
ومما ذكرنا كله يظهر انه لا دخل لمفهوم القسمة بمفهوم البيع مضافا إلى عدم الخلاف بيننا في عدم كونها بيعا فلا حاجة إلى الوجوه التي ذكرها في المسالك لعدم كونها بيعا والتعرض لما أجابوا به عنها والقدح فيه لان من تأمل فيما ذكرنا في مفهوم القسمة يعلم علما وجدانيا بحيث لا يعرضه شك بأنه لا دخل لها بالبيع.
وكذا يظهر مما ذكرنا انه لا دخل لها بمطلق المعاوضة والمبادلة وليست من أفرادها حسبما يظهر عن جماعة منهم ثاني الشهيدين في المسالك حيث قال بعد كلام له في رد الاجوية التي اجابوا بها عما تمسكوا به لعدم كونها بيعا بما هذا لفظه فالقسمة افراز ما كان له منه ومعاوضته على ما كان لصاحبه انتهى ما أردنا نقله لعدم أخذ عنوان العوضية فيها حسبما عرفت من مفهومها.
واستدل على كونها معاوضة بأن المفروض قبل القسمة كون كل جزء فرض من المال مشتركا بين الشريكين فصيرورة البعض المعين من المال المشترك بعد القسمة لاحد الشريكين وبعضه الآخر المعين للشريك الآخر لا يمكن إلا بصيرورة كل ما يستحقه أحدهما في نصيب صاحبه بمقتضى الشركة في مقابلة ما يستحقه صاحبه في نصيبه ولا نعني بالمعاوضة المطلقة إلا هذا هذا ملخص ما ذكروه في وجه كونها معاوضة مستقلة.
ولكنك خبير بفساده لانك قد عرفت ان حقيقة القسمة ليست إلا تمييز أحد النصيبين وافرازه عن الآخر وإزالة الشركة عن بين الشريكين ولا دخل لهذا بحديث المعاوضة ولا ربط له بحكاية المبادلة لان في المعاوضة يشترط أن يكون نقل أحد العوضين بازاء العوض الآخر وفي مقابله ومن المعلوم ضرورة ان في القسمة لا يلاحظ ذلك نعم لازمها عقلا حدوث نقلين مستقلين بالنسبة إلى كل من نصيب الشريكين لا أن يكون المقصود منها نقل بازاء نقل كما هو المأخوذ في مفهوم المعاوضة فهي ليست إنشاء نقل أيضا وإنما النقل من لوازم ازالة - الشركة ونظير هذا ما ذكرنا في باب الصلح حيث اختلفوا في انه بيع مطلقا أو معاوضة مستقلة أو تابع للموارد ففي صلح العين بيع وفي صلح المنفعة اجارة وهكذا من ان الصلح بحسب المفهوم الذي يعبر عنه بالفارسية سازش لا دخل له بأحد هذه المذكورات.
ثم ان الثمرة بين كون القسمة بيعا أو معاوضة مستقلة أو مجرد تفريق الحق وتمييزه من دون أن يكون شيئا منها إنما تظهر في مسألة الرباء وغيرها فعلى القول بكونها بيعا يجري فيها حكم الرباء قطعا وأما على القول بكونها معاوضة مستقلة فهل يجري فيها حكم الرباء أم لا وجهان بل قولان ظاهر الاكثرين حسبما في آيات الاحكام للمقدس الاردبيلي نعم وهو الاقوى لاطلاق الادلة بل ظاهر جماعة جريان حكم الرباء في كل ما كان فيه معنى العوضية وإن لم يكن معاوضة متعارفة قال المصنف في باب الغصب في مسألة الضمان بالقيمة بعد ما لم يكن هناك ما كان مساويا للمضمون في الوزن بما هذا لفظه وإن كان أحدهما أكثر قوم بغير جنسه ليسلم من - الرباء ولا يظن ان الرباء يختص بالبيع بل هو ثابت في كل معاوضة على روبويين متفقي الجنس انتهى كلامه ووافقه على ذلك جماعة من الاصحاب وذكر أيضا في باب الوصية ما هو صريح في عدم اختصاص الربا بالبيع حيث قال الثالثة إذا باع كرا من طعام قيمته ستة دنانير وليس له سواه بكر ردئ قيمته ثلاثة فالمحاباة هنا بنصف تركته
فيمضي في قدر الثلث فلو رددنا السدس على الورثة لكان ربا والوجه في تصحيحه أن يرد على الورثه ثلث كرهم ويرد على المشتري ثلث كره فينتفي مع الورثة ثلثا كر قيمتهما ديناران ومع المشتري ثلثا كر قيمتها أربعة فينفصل معه ديناران وهي قدر الثلث من ستة انتهى كلامه رفع رفع في الخلد مقامه وأما على القول بعدم كونها بيعا ومعاوضة فلا إشكال بل لا خلاف ظاهرا في عدم جريان حكم الرباء فيها بل الحق المنع من تحقق موضوعه بالنسبة إليها بعد البناء على عدم كونها معاوضة أصلا فلا معنى حينئذ للتمسك بما دل على حرمة الرباء عموما حسبما هو ظاهر لكل من له أدنى تأمل فتأمل.
ثم ان الرباء المنتفية في القسمة إنما هي بالنسبة إلى الزيادة الحاصلة في نفسها وأما بالنسبة إلى الزيادة الحاصلة في الشركة فهل يجري فيها حكم الرباء أم لا وجهان بل قولان صريح العلامة في التذكرة وبعض من تبعه انه لا يجري فيها وصريح شيخ الطائفة حسبما تعرف من كلامه جريانه فيها لان مرجعها إلى الزيادة في المعاوضة وهي ربا قطعا حسبما عرفت تفصيل القول فيه.
توضيح ذلك ان الزيادة قد تجئ من قبل القسمة كما إذا أعطى كرا من الحنطة من المال الموروث بأحد الولدين واعطى كرين من الشعر في مقابله بالآخر فإن زيادة أحد الجنسين قد حصلت في المقام بنفس القسمة وهذه هي التي ذكرنا انها لا رباء فيها وقد تجئ من قبل الشركة كما إذا امتزج جرة من الزيت لشخص تساوي درهمين بجرة من الزيت تساوي درهما لشخص آخر مثلا بحيث صارا بالامتزاج شيئا واحدا فإنه يحكم حينئذ باشتراكهما في المجموع لاستحالة بقاء اختصاص كل منهما بالنسبة إلى ماله عقلا أو عرفا بحسب مراتب الامتزاج لو قلنا بإمكان تحقق المزج الحقيقي وإلا فجميع مراتبه عرفي غاية الامر اختلافها ضعفا وشدة لان كل جزء فرض من المال حينئذ يكون مشتركا بينهما فلا يعقل بقاء اختصاص كل منهما بالنسبة إلى ماله فالمجموع حينئذ يصير مشتركا بينهما واقعا بمعنى ان الاختصاص الذي كان لكل منهما بالنسبة إلى ماله يرتفع عن عينه ويقوم بماليته وحصول هذا المعنى لما لا يمكن إلا بتحقق معاوضة بين بعض من مال أحدهما وبعض من مال الآخر فلو حكمنا حينئذ باشتراكهما في المجموع بحسب قيمة مالهما حسبما عليه جماعة كالعلامة وغيره بأن يحكم في الفرض بأن ثلثي من مجموع الزيت لمن يساوي جرته (زيته) درهمين وثلثه لمن يساوي جرته درهما مثلا لحصل الرباء في المعاوضة التي تحققت في البين لا محالة فلا بد إما من الحكم ببيعه وأخذ كل منهما من الثمن بحسب قيمة ماله حسبما يظهر من بعض أو الحكم ببطلان حق صاحب الادرئ من العين وانتقاله إلى القيمة من جهة لزوم الضرر على صاحب الاجود.
وذكر شيخ الطائفة ورئيس الامامية كلاما في المبسوط في باب المفلس فيما إذا امتزج مال الغريم بمال المفلس قد صرح في طيه بفساد القول باشتراكهما في العين بحسب القيمة إذا كانا مختلفين معللا باستلزامه الرباء في المعاوضة والاولى نقل عبارته بعينها حتى يقف الواقف عليها بما وقفنا عليه قال في طي فروع مسألة كل من وجد عين ماله من الغرماء في أموال الغريم فهو أولى به بما هذا لفظه إذا باع من رجل مكيالا من زيت أو شيرج أو غيره ثم أفلس المشتري بالثمن ووجد البايع عين زيته قد خلطه المشتري بزيت له فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال اما أن يختلطه بمثله أو بأردأ منه أو باجود منه إلى أن قال وإن كان الزيت الذي اختلط به أجود من زيته فهل يسقط حقه من عينه أم لا قيل فيه وجهان أحدهما انه يسقط حقه وهو الصحيح والثاني لا يسقط ووجه الاول ان عين زيته تالفة لانها ليست بموجودة من طريق المشاهدة ولا من طريق الحكم لانه ليس له أن
يطالبه بقسمته وإذا لم يكن موجودا من الوجهين كان له ذلك بمنزلة التالف ولا حق له في العين وتضرب بزيته مع الغرماء ومن قال بالقول الثاني قال يباع الزيتان معا ويؤخذ ثمنه فيقسم بينهما على قدر قيمة الزيتين وقيل انه لا يباع الزيت لكن يدفع إلى البايع الذي زيته دون زيت المفلس من جملة الزيت بقدر ما يخصه مثل ان يكون للبايع جرة تساوي دينارين واختلطت بجرة للمفلس تساوي أربعة دنانير فإن جملة الزيت تساوي ستة دنانير فيكون قيمة جرة البايع ثلث قيمة جميع الزيت فيدفع إليه ثلث جميع الزيت وهو ثلثا جرة وهذا غلط لانه يقال لهذا القائل اذا اعطيته ثلثي جرة فلا يلخو إما أن تدفعه بدلا عن جرته أو تدفع بدلا عن ثلثي جرته وتسئله أن يترك الثلث الباقي فإن دفعت الثلثين بدلا عن الجرة فهذا محض الرباء فلا يجوز وإن دفعته إليه بدلا عن ثلثي الجرة وسئلته ترك ما بقي فله ألا يجيبك لانه لا يلزمه الهبة والتبرع انتهى كلامه رفع مقامه وهو كما ترى صريح فيما حكينا عنه وذكر في المسالك بعد نقل ما حكينا عن الشيخ من تغليطه القول باشتراكهما في العين بحسب قيمة ما كان لهما ما يظهر منه ان ما ذكرهقدسسره على القول بثبوت الرباء في كل معاوضة مما لا إشكال فيه حيث قال وهو يتم على القول بثبوته في كل معاوضة ولو خصصنا بالبيع لم يكن القول بعيدا انتهى كلامه ويظهر من جماعة من المتأخرين منهم سيد مشايخنا في الرياض وشيخنا في الجواهر متابعة الشيخ فيما صار إليه من الحكم بعدم جواز الحكم باشتراكهما في العين في الفرض بحسب القيمة نظرا إلى استلزامه للرباء في المعاوضة حسبما عرفت بيانه منا فقد تبين من جميع ما ذكرنا متمسك القول بجريان حكم الرباء في الفرض.
وأما متمسك القول بعدم جريانه فيه كما عليه العلامة وبعض من تقدم عليه وتأخر عنه فهو الذي تمسك به العلامة في محكي التذكرة من عدم جريان الرباء في القسمة لانها ليست معاوضة وفساد هذا الدليل ظاهر لما قد عرفت سابقا من ان الرباء في الفرض قد حصل قبل القسمة هذا محصل ما قيل أو يقال من الطرفين والحق بحسب بادى النظر وإن كان هو قول الشيخرحمهالله وتابعيه إلا أن مقتضى عميق النظر ودقيقه هو خلافه وإن الحق مع العلامة وتابعيه لا لما ذكره في محكي التذكرة لما قد عرفت من فساده بل للمنع من كون الشركة معاوضة حتى يجري فيها حكم الرباء على القول بجريانه في كل معاوضة.
توضيح المنع وفساد ما ذكروه لا يظهر إلا ببيان ما توهمه بعض في معنى الشركة وما هو قضية التحقيق في معناها فنقول ان لها بحسب التوهم الفاسد والتحقيق ثلاثة معان.
أحدها ما توهمه بعض من انها عبارة عن اختصاص كل من الشخصين بجزء معين من المال الممزوج بحسب الواقع وعند الله مجهول عندنا فكل من الشريكين مالك لجزء معين في الواقع قد التبس علينا أمره في الظاهر لا انه يكون مالكا لما لا تعين له بحسب الواقع هذا محصل ما توهمه ولكنك خبير بفساده لاطباق اللغة والعرف على خلافه مضافا إلى عدم مصير أحد من الاصحاب بل ولا من غيرهم إليه والحاصل ان الالتباس والشركة ضدان عندهم كما يعلم من الرجوع إلى مقالتهم فكيف يمكن تفسير أحدهما بالاخر ثانيها ما يظهر من بعض مشايخنا من انها عبارة عن اختصاص كل من الشريكين بمفهوم متعلق بالعين المشاعة منتشر في افراده المتصورة انتشار الكلي في أفراده مثل النصف مثلا فإن أحد الشريكين مالك له بمعنى ان أي نصف من العين فرض يكون هو مالكا له على البدل والشريك الاخر أيضا مالك للنصف الاخر أيضا كذلك فكل منهما مالك لمفهوم صادق على الكثيرين بحسب الفرض لكن على سبيل البدل لا الاستغراق فالنصف الذي يكون مملوكا لاحد الشريكين وإن لم يكن له تعين بحسب الواقع اصلا إلا انه يصدق على كل نصف فرض تجزيته من العين بحسب العرض
أو الطول أو غيرهما على سبيل البدل فمملوكية النصف أحد الشريكين في المقام نظير مملوكية الصاع من الصبرة للمشتري في مسألة بيع الصاع من الصبرة في كون كل منهما منتشرا انتشار الكلي في الافراد هذا حاصل ما يذكر في بيان مرامه وأنت خبير أيضا بفساد جعل معنى الشركة ما ذكره ضرورة من العرف عدم اختصاص كل من الشريكين بأي جزء فرض من العين على سبيل البدل بل هما شريكان في أي جزء فرض منه ما دام يقبل القسمة كما سيأتي توضيحه.
ثالثها ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله العالي والظاهر بل المقطوع ان معناها عند الاكثرين هو ما ذكره حسبما يظهر من الرجوع إلى كلماتهم وهو الحق الحري بأن تفسر به من انها عبارة عن مالكية كل من الشريكين لجزء من أي جزء فرض من العين المشتركة في الخارج إلى أن ينتهي إلى جزء لا يقبل التجزية والتقسيم فإذا فرض جزينا العين جزئين فجزء من كل منهما لاحد الشريكين والجزء الآخر منه للشريك الآخر لا أن يكون أحد هما لاحد الشريكين على البدل والآخر للآخر كذلك وكذا إذا فرضت الجزء أيضا مجزى إلى جزئين فكل جزء منه يكون مملوكا لهما معا وهكذا إلى أن ينتهي الامر إلى جزئين غير قابلين للتجزية فكل ما فرض في الخارج جزء من العين يكون مملوكا لهما معا وهذا إذا لاحظت العين متجزية وأما إذا لاحظتها غير متجزية متصلة الاجزاء فالذي يملكه كل من الشريكين نصفهما المعبر (المعتبر خ) من انصاف الاجزاء حال التفريق بمعنى انه يلاحظ كل نصف من كل جزء قابل للتقسيم بلحاظ الاجتماع فيقال انه لاحد الشريكين ونصفه الآخر أيضا كذلك ويقال انه للشريك الآخر فإذا لاحظنا العين مجتمعة الاجزاء فيقال ان نصفه لاحدهما بالمعنى المتقدم ونصفه الآخر للشريك الآخر فهي بهذا الاعتبار لما كانت غير قابلة للتجزية في عالم اللحاظ فمعنى الشركة فيها كون كل منهما مالكا لنصفها الملحوظ من انصاف أجزائه حين التفريق فهذه الانصاف إذا لوحظت حين ملاحظة الاجزاء متفرقة فتكون كثيرة في عالم اللحاظ ولكن إذا لوحظت حين ملاحظة الاجزاء مجتمعة فلا تكون إلا واحدة فكل من الشريكين مالك حين ملاحظة الاجزاء مجتمعة ما هو مساوق لما يملكه بلحاظ التفريق لكن المملوك لكل منهما في الفرض يكون واحدا بمقتضى اللحاظ فتبين مما ذكرنا ان كل مرتبة من العين فرضت قابلة للتجزية إلى جزئين قابلين للتجزية وتعلق الملكية بهما فمعنى الشركة فيه كون كل جزء فرض مملوكا لهما معا وأما إذا انتهى الامر إلى مرتبة لا تقبل التجزية إلى جزئين قابلين للتجزية وتعلق الملكية بهما وهي آخر مرتبة التجزية فمعنى الشركة فيهما كونهما مالكين للمجموع لفرض عدم قابلية الجزئين لتعلق الملكية بهما لفرض عدم كونهما جسما وإلا لكانا قابلين للتجزية.
والحاصل انا وإن قلنا بوجود الجزء الذي لا يتجزى إلا ان من المعلوم خروجه عن مرتبة الجسمية فإذا لم يكن جسما لم يكن قابلا لتعلق الملكية والاختصاص به وإذا لم يكن قابلا لتعلق الملكية به لم يعقل تعلق الشركة به فالشركة في المرتبة الاخيرة من مراتب الجسم انما تلاحظ بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع بلحاظ الاختصاص بمعنى ان هنا اختصاصا واحدا قائما بهما فاشتراكهما انما هو بحسب الاختصاص لا المختص بمعنى كونهما شريكين في أي جزء فرض منه حسبما هو معناه في المراتب المتقدمة على المرتبة الاخيرة فإن أبيت عن ذلك وقلت ان العرض لا يقبل القيام بمحلين فقل ان لكل منهما اختصاصا ناقصا بالنسبة إلى مجموع العين لا اختصاص تام بالنسبة إلى مجموعه لعدم تعقله ولا اختصاص بالنسبة إلى كل من جزئيه مطلقا ناقصا أو تاما لفرض عدم قابليته للتجزية.
نعم يمكن أن يقال في المرتبة الاخيرة أيضا ان كلا منهما مالك لنصفه لكن لا على سبيل الحقيقة بل على سبيل المسامحة من حيث وجود مواد الجزئين في ضمن الاجزاء القابلة للتقسيم وتعلق الملكية بها في المراتب المتقدمة فالنصف المشاع بالبيان المختار عبارة عن نصف من العين ملحوظة من اجتماع بعض كل جزء فرض منها قابل للتقسيم لا أنه عبارة عن نصفه المعين عند الله المجهول عندنا ولا انه عبارة عن مفهوم كلي صادق على كل نصف فرض من العين المشاعة على سبيل الترديد كما توهمه بعض المشايخ.
ثم ان هذا الذي ذكرنا لمفهوم النصف المشاع ليس مختصا به بل يجري في جميع الكسور كالثلث والربع والخمس وغيرها وليس أيضا مختصا بالمال المشترك بل يجري في المال المختص أيضا فالثلث المشاع مثلا عبارة عن جميع إلا ثلاث من كل جزء الملحوظة بلحاظ اجتماعها من الاجزاء المتلاشية في ظرف اللحاظ وهذا الذي ذكرنا في معنى الاشاعة الظاهر انه المشهور بينهم.
نعم يشكل ما ذكرنا في معنى النصف المشاع بما ذكروه في باب الطلاق قبل الدخول حيث انه يرد فيه نصف المهر إلى الزوج ويبقى نصفه في ملك الزوجة بمقتضى الآية الشريفة وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم الآية من انه لو تلف من المهر مقدار النصف يكون الباقي بتمامه للزوجة ويجب اعطائه إياها مع ان مقتضى ما ذكرنا في معنى النصف المشاع أن يكون النصف من الباقي للزوجة لاتمامه لان مقتضى ملكيتها للنصف المشاع دخول النقص عليها أيضا بالنسبة إلى التالف لرفض تعلق حقها بالنسبة إلى كل جزء من المال حسبما هو قضية الشركة المفروضة لا ان يدخل النقص جميعه على الزوج ويبقى حق الزوجة سليما حسبما هو قضية كلماتهم هذا.
ولكنك خبير بأنه لا يرد إشكال على ما ذكرنا بما ذكروه في ذلك الباب لان ما ذكرنا في معنى الاشاعة والجزء المشاع أمر ظاهر لا يريب فيه ذو مسكة فلا يرفع اليد عما هو ظاهر مبين بما هو مشكل مشتبه فلا بد إما من حمل كلامهم على انهم فهموا من الآية الشريفة ان النصف الذي للزوجة ليس المراد منه في خصوص المقام هو ما ذكرنا في معنى النصف المشاع بل ما ذكره بعض المشايخ في معناه من كون المراد منه المفهوم الكلي الصادق على كل نصف فرض من العين على سبيل البدلية فإذا فهموا من الآية ان المراد من النصف هو ما ذكر فلا بد من أن يحكموا بأن النصف الباقي في الفرض المزبور تمامه للزوجة لانه لا معنى لتلف الكلي بعد فرض بقاء فرد منه و إنما تلف الكلي بتلف جميع أفراده فما دام فرد منه موجودا في الخارج لا يعقل الحكم بتلفه كما لا يخفى على ذوي الافهام المستقيمة ولهذا ذكروا في مسألة بيع الصاع من الصبرة انه لو تلف جميع الصياع إلا صاعا واحدا يكون للمشتري لا انهم يقولون ان معنى النصف المشاع في جميع المقامات هو ما ذكر كيف وهم لا يلتزمون بلازمه في ساير المقامات فإذا تلف بعض من المال المشترك فهل تجد في نفسك أن تقول بان بنائهم على الحكم بأن التالف من أحد الشريكين فتعينه بالقرعة حاشاك بل تجد من نفسك ومن الرجوع إلى كلماتهم ان بنائهم على الحكم بأن التالف منهما أو حمله على غير ما ذكرنا مما لا ينافي ما بيناه في معنى النصف المشاع وإلا فإن كان هناك إجماع على الحكم فنأخذ به وإن لم يكن إجماع فنحكم بمقتضى ما بيناه في معنى النصف المشاع.
إذا عرفت ذلك فنقول بيانا للمرام وتوضيحا لما هو المقصود في المقام انه إذا اختلط مالان لشخصين فلا يخلو إما أن يحصل مزج بينهما عرفا بالاختلاط أو لا وعلى الاول لا يخلو إما أن يكون المزج بينهما بما هو أقرب إلى المزج الحقيقي أو بما يكون الاقرب إلى الاقرب فهكذا فإنه لما لم يمكن حصول المزج الحقيقي بين الجسمين
لاستحالة تداخل الاجزاء بعضها في بعض فكل ما يوجد في الخارج من المزج فهو عرفي لكن لا ريب في ان مراتب المزج بحسب اختلاف الاعيان الممزوجة في شدة المناسبة وعدمها بحسب صغر اجزاء كل منهما في نظرهم مختلفة فبعضها أقرب إلى المزج الحقيقي كاختلاط المائين مثلا وبعضها أقرب إليه بعد المرتبة الاولى كاختلاط الزيتين المايعين وهكذا الامر إلى أن ينتهي إلى مرتبة يطلقون عليها المزج تسامحا ويشكل عليهم اطلاق المزج بعدها ومما ذكرنا يظهر انه لا يشترط في صدق المزج وتحققه اتحاد الممزوجين في الجنس حسبما هو قضية ظاهر كلماتهم كما يعلم من الرجوع إليها ضرورة حصول المزج بين مختلفي الجنس أيضا كما في الخل والانكبين كما يحصل في متحدي الجنس من غير تفاوت بينهما وهذا أمر ظاهر لا غبار فيه فلا بد من حمل كلامهم إما على ان المراد من الاتحاد في الجنس هو الاتحاد في الاوصاف المشتركة بمعنى انه يشترط في الممزوجين مناسبتهما ولو في بعض الاوصاف وإلا لامتنع امتزاجهما لما تقرر في العلم المعقول من استحالة اجتماع المتباينين من جميع الجهات أو على ان مرادهم مما ذكروا ليس بيان الاشتراط بل هو منزل على الغالب أو على غير ذلك من المحامل.
أما إذا كان المزج بينهما بما هو أقرب إلى المزج الحقيقي فلا اشكال في عدم حصول التعاوض والتبادل بالشركة بل لا يعقل الحكم بحصوله لان معنى المزج المذكور هو خروج كل جزء من أجزاء مال كل من الشريكين عن الاتصال الذي كان له بماله واتصاله بجزء من مال الشريك الآخر (لانه ما لم يحصل التلاشي والتفرق بين أجزاء المال لم يمكن امتزاجه من المال الآخر خ) فإذا حصل التفرق بين الاجزاء واتصل كل جزء منها بجزء من مال آخر متفرق الاجزاء حصل المزج بينهما فتحصل مما ذكرنا انه لا يمكن حصول المزج بين المالين إلا بخروج كل جزء منهما عن الاتصال الذي كان له واتصاله بجزء من مال الآخر فإذا خرج كل جزء عن الاتصال الذي كان له خرج عن قابلية تعلق اختصاص المالك به من جهة شدة حقارته الحاصلة له بالمزج نعم هو مع الجزء الآخر الذي فرض اتصالهما يكونان قابلين لتعلق الاختصاص بهما بوصف الاجتماع لكن لما كان الجزء الآخر من أجزاء مال شخص آخر حسبما هو قضية الفرض فالاختصاص المتعلق بهما بوصف الاجتماع قائم بهما فهناك اختصاص واحد قائم بشخصين تعلق بالمجموع المركب من الجزئين فتحصل الشركة بينهما قهرا فالامر فيما نحن فيه نظير الامر في المرتبة الاخيرة من تجزية العين المشتركة بغير المزج في كون الاختصاص في كل منهما متعلقا بالمجموع المركب من الجزئين القائم بشخصين لوحظا شخصا واحدا فالشركة في كل منهما إنما هو بحسب الاختصاص فلازم ما ذكرنا من ارتفاع الاختصاص الذي كان للمالك لكل من جزء ماله حين الاتصال بعد التفريق وحصول اختصاص آخر متعلق به متصلا مع جزء من مال الشريك الآخر ارتفاع ماليته وملكيته وحصول مالية وملكية جديدتين مشتركتين بين الشخصين فإذا تحقق انه يرتفع اختصاص المالك بالنسبة إلى جزء ماله بعد التفريق ويحصل اختصاص جديد بينه وبين المال الآخر متعلق بمجموع الجزئين لا بكل واحد منهما فكيف يعقل الحكم بحصول المعاوضة بالمزج والتشريك مع ان من المعلوم ضرورة انه يشترط في تحقق المعاوضة كون كل من العوضين مملوكا فإذا علم انه لا يكون هنا معاوضة فنقول انه إن كانت الاجزاء المتصلة بعد الخروج عن الاتصال الذي كان لها متساوية القيمة حينه فيحكم بحصول الشركة لهما في العين بالسوية وإن كانت مختلفة بحسب اتصالها السابق بأن يكون أحد الممزوجين أجود والآخر ادرئ فيحكم بحصول الشركة بينهما في العين بحسب قيمة مالهما قبل المزج والتفريق ولا مانع للحكم على النهج المذكور
أصلا لما قد عرفت ان المانع منه ليس إلا حصول الرباء المبني على كون الشركة الحاصلة في المقام معاوضة وقد عرفت فساد المبني ومما ذكرنا تبين فساد ما ذكره في المسالك في كتاب المفلس من القطع ببقاء الاختصاص بعد المزج وإيراده على من ذهب إلى ارتفاع الاختصاص بعد المزج ثم ان ما ذكرنا كله مبني على ما هو التحقيق من ارتفاع الاختصاص والملكية بالامتزاج في الفرض وأما لو قلنا ببقاء الملكية فلا بد من أن يحكم أيضا بعدم حصول المعاوضة في الفرض لان مصحح المعاوضة ليس مجرد ملكية كل من العوضين بل لا بد من أن يكون كل منهما مالا ومن المعلوم ضرورة ارتفاع المالية للاجزاء لو لم نقل بارتفاع الملكية وهذا الذي ذكرنا أي ارتفاع الملكية والمالية أو المالية فقط بالمزج هو مراد كل من قال بحصول التلف لو مزج الغاصب المغصوب بماله كابن ادريس في السراير لاستحالة صيرورة الموجود معدوما فالمواد باقية وماليتها تالفة وبالجملة الامر فيما نحن فيه نظير القسمة فكما ان خروج المال من الاشاعة إلى التعيين لا يستلزم معاوضة أصلا حسبما عرفت تفصيل القول فيه كذلك خروجه من التعيين إلى الاشاعة لا يستلزم معاوضة أصلا هذا كله في المزج الاقرب إلى المزج الحقيقي.
وأما المزج الابعد عنه وهو آخر مرتبة يطلقون عليه المزج كمزج رطل من الحنطة برطل من الحنطة مثلا فلولا قيام الدليل من الخارج على حصول الشركة فيه لم يكن بعيدا أن نقول ببقاء اختصاص كل جزء بحاله غاية الامر انه لما اشتبه علينا يخرج بالقرعة فإن الخروج بالقرعة ليس دليلا على حصول الشركة ورفع اختصاص المالك من كل حبة ضرورة ان مورد القرعة أعم من الشركة والعام لا يدل على الخاص لكن بعد قيام الدليل على حصول الشركة واعتبار المزج التسامحي في المقام نحكم فيه أيضا بما حكمنا في المراتب المتقدمة عليه هذا ملخص ما أفاده استادنا العلامة دام ظله.
ولكن لا يشكل عليك انه بناء على ما ذكر من بقاء الاختصاص فيلزم من الحكم بالشركة حصول معاوضة في البين فلو كان أحدهما أجود والآخر ادرئ فلا يجوز الحكم باشتراكهما في العين بحسب القيمة كما هو المدعى لانك قد عرفت في طي ما قدمنا لك من الكلمات ان مجرد الملكية والاختصاص ليس مصححا للمعاوضة بل يشترط زيادة عليه أن يكون كل من العوضين مالا فبقاء الاختصاص قبل حصول الشركة بعد المزج وإن كان مانعا في نفسه من الحكم بحصول الشركة إلا انه بعد قيام الدليل عليه لا يصير دليلا على حصول المعاوضة فتأمل.
هذا كله فيما إذا صار الاختلاط سببا لتحقق المزج عرفا وأما إذا لم يحصل من الاختلاط مزج أصلا كما إذا اشتبه فرس من مال شخص بفرس من مال شخص آخر مثلا فإنه ليس بمزج قطعا بل يشكل اطلاق الخلط عليها أيضا فإنما هو مجرد التباس واشتباه فلا إشكال في بقاء كل من المالين في ملك مالكه وعدم حصول الشركة بينهما وإن اشتركت الصورة مع ما إذا حصل الاشتراك في الاخراج بالقرعة لان المشاركة في بعض الاحكام لا تدل على اتحاد المشتركين في الموضوع حسبما عرفت تفصيل القول فيه.
ثم ان هذا الذي ذكرنا من أحكام الاقسام لا إشكال فيه إنشاء الله تعالى إنما الاشكال في تمييز ما يتحقق فيه المزج عما لا يتحقق فيه فنقول ان الحكم في التمييز والميزان فيه هو العرف من حيث الحكم باتحاد المختلطين وعدمه فكلما حكموا فيه باتحاد المختلطين وعدوهما شيئا واحدا فلا إشكال في تحقق المزج بالنسبة إليه وصدقه عليه وكلما لم يحكموا فيه بالاتحاد ولم يعدوا المختلطين شيئا واحدا فلا إشكال في عدم تحقق المزج وكلما حصل الشك فيه فيرجع إلى القواعد والاصول فيحكم بعدم حصول الشركة ثم ان حكم العرف بالوحدة وعدمها قد يختلط بالنسبة إلى شيئين بحسب قلتهما وكثرتهما كما في اختلاط رطلين من الحنطة أو حنطتين فإن في الاول
يحكمون بالاتحاد وفي الثاني لا يحكمون به بل هو من قبيل اشتباه الفرسين أو البعيرين عندهم.
ثم انك إذا عرفت مفهوم القسمة وانه لادخل لها بالمعاوضة أصلا فلا يجري فيها الرباء فالكلام يقع في المقام تتميما للمرام في أمور.
الاول في ان القسمة من العقود أو الايقاعات أو الاحكام وجوه أوجهها عندنا هو الاخير ووجهه ظاهر من حيث صدق تعريفها عليها من جهة كونها فعلا من الافعال قد رتب الشارع عليه حكما من الاحكام
ومجرد اشتراط التراضي فيها من الشريكين أو من يقوم مقامها كالوكيل وحاكم الشرع وغيرهما لا يدل على كونها عقدا من العقود كما قد يتوهم نعم من جعل القسمة بيعا أو معاوضة مستقلة فلا بد من أن يذهب إلى كونها من العقود كما لا يخفى ولكنك قد عرفت فساد القولين مشروحا.
الثاني انك قد عرفت من تضاعيف كلماتنا السابقة انه لا إشكال في تشريع القسمة وامضاء الشارع إياها في الجملة لقيام الادلة الاربعة عليه إنما الكلام هنا فيما أمضى معه الشارع القسمة فنقول ان ما يستفاد من كلمات الاصحاب في المقام قولان.
أحدهما كفاية التراضي من الشريكين بعد التعديل بأن يكون أحد السهمين لاحدهما والآخر للآخر وحصول القسمة به من دون أن يحتاج إلى القرعة بعده بل لا معنى له للزوم اللغوية نعم لو تراضيا أولا على ما عينه القرعة فلا إشكال في عدم حصول القسمة إلا بها ذهب إليه جماعة منهم الشهيدان قدس سرهما في اللمعة وشرحها والمقدس الاردبيلي والمحدث البحراني في الحدايق بل يستفاد من كلام المصنف أيضا في كتاب الشركة بل نسبه في الكفاية إلى الاكثر وان أورد عليه بعض مشايخنا بعدم التحقق قال في اللمعة في كتاب القضاء وإذا عدلت السهام واتفقا على اختصاص كل واحد لزم وإلا أقرع قال في الروضة في شرح العبارة لزم من غير قرعة لصدق القسمة مع التراضي الموجبة لتميز الحق ولا فرق بين قسمة الرد وغيرها وألا يتفقا على الاختصاص أقرع انتهى وهذان الكلامان كما ترى صريحان في عدم اعتبار القرعة في القسمة مع التراضي وقال المحدث البحراني بعد كلام له في انكار العثور على القرعة في شئ من أخبار القسمة حسبما حكي عنه ما هذا لفظه بل ليس المقام في شئ من موارد نصوص القرعة وإنما غاية ما يدل عليه بعض أخبارها كقوله ما تنازع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عزوجل لاخرج سهم المحق الرجوع إليها عند التنازع وأما مع التراضي فلا أثر في الاخبار لاعتبارها وكان الشيخ ومن تبعه من الاصحاب قد تبعوا العامة فيها وفيما ذكروه من أحكام القسمة بل ظاهر جملة من النصوص الاكتفاء بالرضاء من دون قرعة كخبر غياث عن جعفر عن أبيه عن عليعليهالسلام في رجلين بينهما مال بأيديهما ومنه غايب عنهما اقتسما ما في أيديهما وأحال كل واحد منهما نصيبه فاقتضى أحدهما ولم يقتض الآخر قال ما اقتضى أحدهما فهو بينهما وما يذهب بينهما ومثله خبر الثمالي عن أبي جعفر وخبر محمد بن مسلم عن أحدهما وصحيحا معاوية بن عمار وعبدالله بن سنان وخبر سليمان بن خالد انتهى ما حكى عنه وكيف كان استدلوا على كفاية التراضي بالمعنى الذي ذكرنا بوجوه.
أحدهما قولهصلىاللهعليهوآله الناس مسلطون على أموالهم وفيه انه لا عموم بل ولا اطلاق للحديث بالنسبة إلى أسباب التصرف وإنما يدل على انهم مسلطون على كل فرد من أفراد التصرف في المال وهذا لا دخل له بحديث عدم الاحتياج إلى الاسباب مثلا إذا شككنا انه هل يجوز التصرف في المال بالهبة والعارية وباعطائه القليل منه أو الكثير أو تمليكه بشخص مع العوض إلى غير ذلك من أفراد التصرف في المال فيجوز التمسك بالحديث لجوازه وصحته
لان الحكم بعدمه محجر للمالك في بعض أفراد التصرف وهو ينافي قضية دلالة الرواية بالعموم أو الاطلاق على سلطنته على جميع التصرفات ولكن لو شككنا بعد القطع بأنه يجوز له تمليك ماله بالغير في انه هل اعتبر فيه عند الشارع كيفية خاصة كالصيغة والعربية والماضوية مثلا فلا يصح لنا التمسك به على نفي اعتبار هذه الامور لان الحكم بعدم جواز التمليك بدون الصيغة مثلا ليس منعا للمالك عن بعض أفراد التصرف كما كان لو منعناه عن أصل التمليك لان التمليك بدون الصيغة ومعها ليسا فردين للتصرف بل هما من كيفيات التصرف فنقول له انه يجوز لك التمليك لكن مع الصيغة وبالجملة الرواية غير مسوقة لبيان كيفية التصرف في المال وليس لها اطلاق بالنسبة إليها أصلا فهي من هذه الجهة نظير قولهصلىاللهعليهوآله النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني فإنه لا يجوز التمسك به لعدم اعتبار العربية في صيغة النكاح لو شككنا فيه كما لا يخفى ففي ما نحن فيه لو قيل بالشريكين تصرفوا في مالكم بالسبب الفلاني لم يكن حجرا لهما عن التصرف في المال فتأمل.
ثانيها قوله لا يحل مال امرء لامرء إلا بطيب نفسه والمفروض تحقق طيب النفس من المالكين فيدل على عدم الاحتياج بشي آخر وفيه أيضا ان الرواية ليست مسوقة لبيان سببية طيب النفس ورضائها للحلية بل هي مسوقة لبيان ان الحلية لا تتحقق بدون الرضاء وبالجملة هي مسوقة لبيان شرطية الرضاء لا سببيته وهذا أمر ظاهر لا خفاء فيه لمن تأمل في الرواية ونظايرها كقوله لا صلاة إلا بطهور ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب و أمثالها مما يدل على مدخلية مدخول إلا لا سببيته.
ثالثها قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض وفيه منع صدق التجارة في المقام كما لا يخفى على من راجع ما أسلفناه في طي كلماتنا السابقة.
رابعها ما ذكره بعضهم من أن بالتراضي يحصل التميز الذي هو مفهوم القسمة فلا معنى للاحتياج إلى شئ آخر وفيه ما لا يخفى على المتأمل لان صيرورة مجرد التراضي مميزا ومزيلا للشركة إنما هو بعد ثبوت كفايته من الشرع فلو أريد اثبات كونه كافيا بكونه مميزا لزم عليه الدور الظاهر اللهم أن يكون المراد مما ذكره هو التمسك بالعمومات بتقريب ان بمجرد التراضي بعد التعديل يحصل التميز العرفي والقسمة العرفية فيدل ما دل على امضاء القسمة العرفية بالعموم على كفايته وعدم الاحتياج إلى شئ آخر وسيجئ التكلم عليه إنشاء الله. خامسها ما دل بعمومه على كفاية كل ما يحصل به القسمة العرفية ذكره بعضهم وفيه انا لم نجد في باب القسمة عموما يدل ما ذكر. سادسها ما ذكره المحقق الاردبيلي مع بعض الوجوه السابقة من فحوى قوله في رجلين لم يدريا كم لهما عند صاحبه فقال كل واحد لك ما عندك ولي ما عندي لا بأس إذا تراضيا وطاب أنفسهما وفيه ما لا يخفى من كونه مخالفا لفتوى الاصحاب حيث انه دل على كفاية التراضي مع جهل كل واحد منهما بما كان عند صاحبه وقد اتفقت كلمة الاصحاب على اشتراط التعديل بين السهمين في حصول القسمة.
سابعها ما تمسك به في الحدائق من الاخبار المتقدمة وفيه ان الاخبار المذكورة ساكتة عن بيان طريق القسمة وان الرجلين بأي نحو اقتسما مالهما بالقرعة أو بالتراضي فتأمل هذا محصل ما استدلوا به للقول الاول.
واستدلوا للقول الثاني بما دل على اعتبار القرعة الشامل للمقام بالعموم أو الاطلاق فلا يجوز الاكتفاء بغيرها للاصل ولظهور الاخبار في الحصر فتأمل ومن هنا يعلم انه لو كان فيما ورد في باب القسمة عموم أو اطلاق يدل على الاكتفاء بالتراضي أيضا لحكمنا عليه أخبار القرعة هكذا ذكره بعضهم وفيه نظر يظهر من بعض كلماتنا الآتية
إنشاء الله وكيف كان أجيب عنه بوجوه.
أحدها ما يستفاد من كلام بعضهم من منع العموم فيما دل على اعتبار القرعة فإن الظاهر من جميع ما ورد في اعتبارها الاختصاص بما إذا كان الحق معينا بحسب الواقع مجهولا في نظرنا وأما ما لا يكون له تعين واقعا كما في المقام فلا يشمله أخبار القرعة.
وفيه ان ظاهر أكثر أخبار القرعة وإن كان الاختصاص بما كان الحق معينا في الواقع إلا ان ظاهر بعضها التعميم مثل ما رواه في المفاتيح من ان رجلا من الانصار اعتق ستة عبيد في مرض موته ولا مال له غيرهم فلما رفعت القضية إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قسمهم (سهمهم خ) بالتعديل وأقرع بينهم وأعتق اثنين بالقرعة ومثل ما رواه الشهيد في قواعده من اقراع النبيصلىاللهعليهوآله بين أزواجه إلى غير ذلك من الروايات التي يظهر منها التعميم.
هذا مضافا إلى ما ذكره بعض الاساطين بعد الاستدلال بالرواية والآية الشريفة إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم على التعميم من قيام الاجماع على اعتبار القرعة في الموضعين وهو كذلك كما يعلم من الرجوع إلى كلماتهم في باب تزاحم الحقوق وغيرها مثل تزاحم المتعلمين والمدعيين والامامين إلى غير ذلك من الفروع فإن كلمتهم مطبقة على الرجوع إلى القرعة في الموارد المذكورة وغيرها بل الرجوع إلى القرعة في المقام أيضا في الجملة ولو في صورة التنازع الظاهر انه قد انعقد الاجماع عليه نعم يظهر من الشهيد الثاني في مواضع من الروضة الاشكال في شمول أدلة القرعة لما لم يكن الحق معلوما واقعا لكنه أيضا تسالم اعتبارها في المقام في الجملة.
هذا مضافا إلى ما ذكره الاستاد العلامة من إمكان ادراج ما لا تعين له بحسب الواقع في جميع عمومات القرعة بأن يقال ان لما أخرجه القرعة لكل من الشريكين خصوصية وتعلق به بحسب المرجحات الجزئية التي يعلمها الله تعالى وإن كانا متساويين فيه بحسب ما وصل إلينا من الضوابط والمرجحات الكلية فإن هذا لا ينفى وجود المرجحات الجزئية وهذا نظير ما ذكروه في الاستخارة من انها كاشفة عن المرجحات الجزئية فيما يتعلق (يتعين خ) بها وإن كان متساويا مع خلافه في نظرنا بحسب المرجحات الكلية الواصلة إلينا من الشرع فعدم وجود المرجح الكلي لا ينفي وجود الجزئي. فنقول ان مقتضى قولهعليهالسلام في الاخبار ان القرعة لا تخطئ أن يكون لما عينته القرعة خصوصية وتعلق بمن عينته له في نظر الله تبارك وتعالى بحسب المرجحات الجزئية هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
ويمكن أن يورد عليه بعد امكان ادعاء التسوية بين الشريكين في المال المشترك من جميع الجهات حتى بالنظر إلى المرجحات الجزئية بأن ما ذكره من التوجيه إنما هو بعد تسليم شمول الروايات لامثال المقام فإنه يمكن أن يقال حينئذ من جهة بطلان الترجيح بلا مرجح انه لا بد أن يكون هناك مرجحات جزئية في نظر الشارع والمدعى عدم شمولها للمقام لان الظاهر منها الاختصاص بصورة الالتباس والاشتباه هذا مع ان لنا ان نقول بأن جريان القرعة في المقام بعد القطع به من جانب الشرع لا يحتاج إلى مرجح أصلا لان مرجع ايجاب الشارع القرعة في الفرض إلى امضاء بناء العرف على التقسيم بها ومعلوم ان بنائهم عليها ليس من جهة وجود مرجحات جزئية لانك قد عرفت ان القسمة مميز جعلي لا واقعي فالقرعة(١) محدثة للتميز لا كاشفة عنه فتأمل
____________________
(١) ولكن لا يخفى عليك ان صريح كلام الفاضل الهنديرحمهالله في كشف اللثام في كتاب الطلاق ي مسألة تعيين المطلقة المبهمة عدم جريان القرعة فيما لا تعين له واقعا حيث نقل عن المحققرحمهالله بأنه اعتبر القرعة في تعيين المطلقة المبهمة لكون المطلقة مبهمة ثم اورد عليه بما هذا لفظه وفيه ان القرعة لما هو متعين في الواقع مشكل في الظاهر والمطلقة هنا مبهمة انتهى كلامه رفع مقامه (منهقدسسره )
حتى لا يختلط عليك الامر.
ثانيها ما يستفاد من كلام جماعة من انه لو سلم هناك عموم لما دل على اعتبار القرعة فلا ريب في كونه مرهونا لان الداخل منه أكثر من خارجه كما لا يخفى لمن له أدنى تتبع في الفقه ويكفي شاهدا لما ذكرنا عدم جواز التمسك به في الاحكام الشرعية بأسرها وفي كثير من الموضوعات بالاجماعات وقد أجيب عنه بالمنع من تخصيص الاكثر لان أكثر ما خرج كالاحكام الشرعية فهو من باب التخصص لا التخصيص فتأمل فالحق في الجواب أن يقال انا وإن سلمنا خروج الاكثر إلا ان من المحقق في الاصول عند المحققين ان خروج الاكثر لا يصير سببا لسقوط العام عن درجة الاعتبار والتمسك به مطلقا وإنما يصير سببا لوهنه فلا يجوز التمسك به إلا بعد تمسك جمع معتد به به ولا يخفى وجوده في المقام.
ثالثها ما عرفته من كلام المحدث البحراني مع بعض الوجوه السابقة من ان المستفاد مما دل على اعتبار القرعة على فرض وجوده هو الاختصاص بصورة التنازع وأما في صورة التراضي فلا دليل على اعتبار القرعة وفيه ان ما دل على اعتبار القرعة ليس منحصرا فيما ذكره من الخبر الظاهر الاختصاص بصورة التنازع بل الاخبار الظاهرة في التعميم أكثر من أن تعد وتحصى كما لا يخفى لمن راجع إلى كتب الاخبار لا يقال انه وإن لم يكن منحصرا فيما ذكره إلا انه بعد وقوع التعارض بينه وبين ما دل على التعميم يجب حمله عليه جمعا بينهما لانا نقول نمنع من وقوع التعارض بينهما حتى يجب حمل أحدهما على الآخر لما تقرر في محله انه لا تعارض بين العام والخاص المثبتين إلا بعد ثبوت اتحاد التكليف من الخارج وثبوته في المقام أول الدعوى بل ممنوع كما لا يخفى فإذا ظهر من جميع ما ذكرنا فساد ما ذكره في الحدايق هذا.
وقد ذكر بعض مشايخناقدسسره في الرد عليه كلاما لا يخلو ايراده عن فايدة فقال بعد نقل كلامه المتقدم ذكره ما هذا لفظه قلت قد يقال بمنع صدق الاقتسام شرعا بعد فرض اعتبارها فيه على المجرد عنها لا دلالة حينئذ لما في النصوص المزبورة على ما ذكره خصوصا بعد تعارف القرعة قديما وحديثا بين المتشرعة في قسمة الاموال المشتركة بل قد يقال ان تعريف القسمة بأنها تميز الحقوق بعضها عن بعض يقتضي ان حصة الشريك كلي داير بين مصاديق متعددة فمع فرض تراضي الشريكين مثلا على قسمة المال نصفين على أن يكون نصف كل واحد منهما في النصف المقسوم احتيج إلى القرعة في تشخيص كل من النصفين لكل منهما فهي حينئذ لاخراج المشتبه وهو محل القرعة لا ان القرعة ناقل أو جزء ناقل لاستحقاق كل من المالين إلى الآخر بل إن لم يكن اجماع أمكن القول بأن المراد من اشاعة الشركة دوران حق الشريك بين مصاديقه لا أن المراد منها ثبوت استحقاق الشريكين في كل جزء يفرض وإلا لاشكل تحققها في الجزء الذي لا يتجزى من المال المشترك وبذلك يتجه اعتبار القرعة في القسمة بعد تعديل السهام ورضى الشريكين مثلا في تعيين كلي مصداق استحقاق أحدهما في الخارج ضرورة كونه حينئذ من مواردها بل لا يتحقق الاقتسام بدونها لعدم كون المدار فيه رضاهما ان ما له من الحق فيما هو في يد شريكه عوض ما في يده كي يكون من قبيل المعاوضات وإلا لم يعتبر فيها تعديل السهام لتسلط الناس على أموالهم مع ان فاقده ليس من القسمة شرعا قطعا ولاشكل أيضا قسمة الوقف من الطلق وإلا لكان بعض أجزاء الوقف طلقا والطلق وقفا على ان هذا الرضاء بعد فرض عدم اندراجه في عقد من العقود المملكة كيف يكون سببا لنقل المال إلى الآخر فضلا عن لزومه وليس في القسمة عموم أو اطلاق يقتضي ذلك كي يكون حينئذ أمرا مستقلا برأسها بخلافه على ما ذكرنا فإنه غير محتاج إلى شئ من ذلك ضرورة الاكتفاء برضاهما
في تشخيص المصداق والقرعة لاستخراج خصوص ما لكل منهما من المصداق واقعا فيكشف حينئذ عن كون حقه في الواقع ذلك ولا يحتاج بعد إلى عموم أو عقد آخر يقتضي الملك أو اللزوم فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع انتهى ما أردنا نقله وهو كما ترى وإن كان موافقا لبعض ما ذكرنا إلا ان فيه مع ذلك مواضع للنظر يعلمها وجه النظر فيها كل من راجع إلى ما ذكرنا من أول القسمة إلى هنا فلا نحتاج إلى تطويل الكلام.
ثم انك بعدما عرفت ما قدمنا لك من القول فاعلم ان لشيخنا وأستادنا العلامة دام ظله العالي في المقام كلاما في ترجيح القول الاول ولغوية القرعة في صورة التراضي ذكره في أثناء البحث بعدما استظهر القول الثاني لا يخلو ايراده عن فائدة فقال دام ظله العالي ان لنا في المقام دعويين احديهما لغوية القرعة في صورة التراضي وعدم جريان ما دل على اعتبارها فيها ثانيتهما كفاية التراضي وعدم الاحتياج إلى شئ آخر فالكلام يقع في مقامين.
أما الكلام في المقام الاول فنقول ان للقرعة حسبما يقتضيه التحقيق موردين احدهما ما كان الحق فيه معلوما في الواقع وعند الله مجهولا في نظرنا ثانيهما ما لم يكن معلوما ومعينا في الواقع أيضا اما المورد الاول فلا إشكال في جريان عمومات القرعة فيه مطلقا سواء تراضى الرجلان قبلها على أن يكون أحد الشيئين لاحدهما والآخر للآخر أو لا نعم في كل مورد أريد التمسك فيه بالعمومات لا بد من احراز تمسك جماعة بها لما عرفت من كونها موهونة بخروج الاكثر عند الاكثر وأما المورد الثاني فلا إشكال في عدم جريان عمومات القرعة فيه إلا في صورة التشاح والتنازع ففي صورة التراضي لا دليل على اعتبار القرعة وهذا الذي ذكرنا يعلم من الرجوع إلى كلماتهم في أمثال المقام كما في تزاحم المتعلمين أو امامين لصلاة الجمعة والجماعة فإنه لو قدم أحدهما الآخر ورضى به فلا إشكال عندهم في عدم الاحتياج إلى القرعة نعم لو تراضى الشريكان في المقام لى ما يقتضيه القرعة في التعيين أو كان القاسم حاكم الشرع أو من نصبه لذلك فلا إشكال في الاحتياج إلى القرعة أما الاول فظاهر وأما الثاني فللزوم الترجيح بلا مرجح لو بنى على عدم الاحتياج إليها إذ لا دليل على اعتبار الدواعي النفسانية للمجتهد في مقام الترجيح هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو كفاية التراضي فلانه المتعين بعد عدم الدليل على اعتبار القرعة لان كل ما فرض زايدا عليه فهو خارج عن مفهوم القسمة فلا مدخل له فيه فلا معنى لاعتباره نعم يمكن أن يقال باعتبار اللفظ والعربية في حصول التراضي المعتبر بعد الشك في كفاية غير المشتمل عليهما من جهة الاصل وأما اعتبار الزيادة على ذلك فلا معنى له.
هذا مضافا إلى انه يدل على كفايته قوله تعالى أوفوا بالعقود بناء على أن يكون المراد منها مطلق العهود والالتزامات كما هو صريح كلام بعض أهل اللغة وقضية كلمات جمع من الاصحاب وقولهصلىاللهعليهوآله المؤمنون عند شروطهم بناء على أن يكون المراد منها مطلق الالتزامات سواء كانت في ضمن العقود أو لم تكن في ضمنها بل كنت التزامات ابتدائية حسبما عليه جماعة من الاصحاب ولهذا تراهم يستدلون بها على اللزوم في باب العقود والايقاعات كالبيع والنذور والعهد ونحوها.
نعم لو كان المراد من الآية الشريفة العقود التي جعلها الفقهاء من أحد المقاصد الاربعة في الفقه في قبال العبادات والايقاعات والاحكام كما يظهر من بعض ومن الرواية خصوص الالتزامات في ضمن العقود كما صرح به جماعة لم يجز التمسك بهما في المقام بناء على ما عرفت من عدم دخول القسمة في العقود بمعناها المعهود
لكن القول باختصاص الآية والرواية بما ذكر بمعزل عن التحقيق هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة في المقام ولكن يمكن أن يناقش فيه. أما ماذكره في المقام الاول من اختصاص أدلة القرعة في المقام الثاني بصورة التشاح والتنازع ولغويتها في صورة تراضي الخصمين ففيه ان الدليل على الاختصاص ان كان ظهور جملة من اخبار القرعة فيه فيرد عليه مضافا إلى عدم دلالتها على الاختصاص غاية الامر اختصاص موردها بصورة التنازع حسبما عرفت تفصيل القول فيه وإلى شمولها للمقام الاول أيضا بل ظاهرها الاختصاص به كما لا يخفى لمن راجع إليها ان المراد من التنازع فيها أعم من أن يكون فعليا أو شأنيا فتأمل وإن كان الدليل عليه ان بعد التراضي لا يبقى إشكال واشتباه حتى يجري فيه أدلة القرعة حسبما صرح به في أثناء البحث فيرد عليه ان ارتفاع الاشكال والاشتباه بعد التراضي من الشريكين موقوف على اثبات اعتبار التراضي في المقام وإلا فالاشكال باق قطعا لان مجرد حصول التراضي منهما لا يوجب التعين والتميز شرعا ما لم يقم دليل عليه.
وأما التمسك بظهور كلمتهم في أمثال المقام على كفاية التراضي كما في مسألة تشاح الائمة أو المتعلمين عند معلم واحد ففيه انه لا ربط له بالمقام فإن مرجع رضاء أحد المتزاحمين في باب التزاحم بتقديم صاحبه إلى رفع يده عن حقه وهذا مما لا يريب ذو مسكة في جوازه ونفوذه وهذا بخلاف المقام فإن مرجع التراضي فيه إلى إزالة الشركة وجعل تمام الحق لكل واحد من الشريكين في واحد معين من السهمين فمعنى رضاء أحد - الشريكين بأحد السهمين كون تمام حقه المشترك فيه فهذا ليس رفع اليد عن الحق في شئ فلو فرض الكلام فيما إذا تحقق التراضي على وجه يوجب يوجب رفع اليد عن الحق فهو خارج عن المقام لانه ليس من القسمة في شئ حسبما عرفت تفصيل القول فيه هذا مجمل القول على ما ذكره في المقام الاول.
وأما الكلام على ما ذكره في المقام الثاني من دلالة الآية والرواية على كفاية التراضي من الشريكين فمجمله ان المراد من العقود في الآية وإن كان هو العهود إلا انه ليس مطلق العهود بل العهود المتعارفة بين الناس حسبما هو المعروف بين الاصحاب من كون اللام فيها اشارة إلى ما هو المتداول بينهم من العقود ومن المعلوم ان بناء الناس في قسمة المشتركات إنما هو على القرعة دون مطلق التراضي فتأمل هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الآية وأما بالنسبة إلى الرواية فبأن الخارج منها على كون ١ المراد من الشروط هو مطلق الالتزامات سواء كانت في ضمن العقود أو لم تكن في ضمنها كثير جدا كما لا يخفى فالاستدلال بها موقوف على تمسك جماعة من الاصحاب بها في الموارد ومن المعلوم عدم تمسك أحد بها في المقام ومجرد ذهابهم إلى ما يوافق مضمونها ولو من جهة دليل آخر لا يجدي بل المعتبر هو تمسكهم بها كما حقق في محله فتأمل هذا وقد يقال انه لو سلمنا دلالة الآية والرواية على اعتبار التراضي أو كان للقسمة عمومات تدل على اعتبار كل ما يحصل به التميز العرفي لكانت معارضة بما دل على اعتبار القرعة في كل مشكل وإن لم يكن الترجيح للثاني فلا ترجيح للاول قطعا ولكنه فاسد لانه لو فرض هناك دليل يدل على اعتبار التراضي فلا إشكال في حكومته على أدلة القرعة لانه يدل على رفع الاشكال بعد وجود التراضي فلا موضوع لادلة القرعة ولو حكومة والله العالم بحقايق الامور.
الثالث ان ما ذكرنا من الكلام كله في الامر السابق إنما هو في أصل حصول الامضاء من الشارع بالنسبة إلى التراضي والقرعة فهل الامضاء منه على فرض حصوله بالنسبة إليهما على وجه اللزوم بمعنى عدم اشتراط - التراضي من الشريكين بعدهما في الحكم باللزوم أو على وجه الجواز بمعنى اشتراط التراضي منهما في الحكم
____________________
(١) على تقدير كون
باللزوم بعدها حيث ان امضاء الشارع لما عليه بناء الناس على قسمين أحدهما على وجه اللزوم ثانيهما على وجه الجواز فيقع الكلام في هذا الامر في مقامين أحدهما في حكم التراضي من حيث توقفه في افادته اللزوم على بقائه بعد الحصول ثانيهما في حكم القرعة.
أما الكلام في المقام الاول فملخصه ان المستفاد من كلام كل من قال باعتبار التراضي كالجماعة المتقدمة هو القول باللزوم وعدم اشتراط رضاء البعد نعم ذكر المحقق الاردبيلي كلاما فيما حكى عنه بعد ذهابه إلى اعتبار التراضي وافادته اللزوم والملكية يستفاد منه ذهابه إلى كون التراضي كالمعاطات بعد التنزل حيث قال إن لم يكن ملكا فلا كلام في جواز التصرف فيه تصرف الملاك مثل ما قيل في المعاطات والعطايا والهدايا والتحف واحتمال كونه حراما لكونه بعقد باطل عمل المسلمين على خلافه بل على الملك انتهى ما حكي عنه وهذا كما ترى لادخل له بما نحن فيه من كفاية التراضي في حصول القسمة والتميز فالمتعين على القول بكفايته هو لزومه وعدم اشتراطه بشئ لانه بعدما حصل التميز بين الحقين فلا معنى لارتفاعه بعد عدم الرضاء اللاحق هذا مضافا إلى دلالة الآية والرواية على اللزوم فلا وجه للقول باعتبار الرضاء بعد حصول التراضي.
وأما الكلام في المقام الثاني فملخصه انه ذهب جماعة كالشيخ في المبسوط والعلامة في ير وسيد مشايخنا في ض إلى وقوف اللزوم على الرضاء بعد القرعة وعدم حصوله بنفسها مطلقا اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن بعد ان لم يكن ما يقتضي ترتب الاثر مطلقا وذهب جماعة إلى عدم وقوف اللزوم على الرضاء بعد القرعة مطلقا وذهب جماعة إلى التفصيل بين القسمة المشتملة على الرد وغيرها بالوقوف في الاولى وعدمه في الثانية لانها في الصورة الاولى معارضة فلا بد فيها من الرضاء قبلها وحينها وبعدها بل الظاهر المحكي عن جماعة خروج هذه - الصورة عن محل النزاع ووقوف اللزوم فيها على التراضي بعد القرعة قولا واحدا أو استشكل المصنف في المتن هذا والحق هو القول بعدم الاشتراط واللزوم مطلقا ويدل عليه مضافا إلى الاصل بعد فرض حصول الملكية المعينة لكل من الشريكين بالقرعة ما دل على اعتبار القرعة فإن ظاهر ما دل على أن القرعة لكل أمر مشكل هو رفع الاشكال بها من دون الاحتياج إلى شئ آخر فلا بد إما من منع جريان اخبار القرعة أو القول باللزوم بعد تسليم الجريان فالتفكيك بينهما مما لا معنى له ومنه يظهر ضعف ما تمسك به في الرياض وغيره للقول بالاشتراط مطلقا تمسكا بالاصل نعم لو شككنا في انه هل يعتبر رضاء البعد في أصل حصول التميز والقسمة بالقرعة كان مقتضى الاصل الاشتراط لان الاصل في المعاملات الفساد لكنه أيضا مرتفع بقيام ما قدمنا وكذا ضعف ما ذكره المفصلون ضرورة ان مجرد كون الشئ معاوضة لا يقتضي اشتراط الرضاء بعده إذ لا دليل على كلية المدعى بل مقتضى عموم أدلة الوفاء بالعهود عدم اشتراط الرضاء بعد القرعة مضافا إلى كفاية نفس أدله القرعة كما عرفته ثم ان هذا كله فيما إذا لم يكن القاسم حاكم الشرع أو نايبه سواء اقتسما بأنفسهما أو تراضيا بشخص آخر وأما إذا كان القاسم هو حاكم الشرع فلا إشكال بل لا خلاف في عدم اشتراط الرضاء بعد القرعة ووجهه ظاهر إذا عرفت مفهوم القسمة وما قدمنا لك من الامور فاستعد لاستماع الكلام فيما وعدناك سابقا من المقامات.
قوله فيجزي القاسم الواحد إذا لم يكن في القسمة رده الخ أقول الكلام في كفاية الواحد او اشتراط التعدد يقع في مقامين أحدهما في التعديل الذي يكون مقدمة للقسمة ثانيهما في نفس القسمة.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه لا ريب ولا إشكال في توقف القسمة وافراز الحق على كون السهمين متعادلين واقعا وإلا لم يتحقق القسمة لانها افراز حق كل من الشريكين وإذا لم يعلم مقدار السهمين لم يمكن
افراز حقه كما لا يخفى والقول بعدم اشتراط احراز التعديل فيما إذا رضى الخصمان على ما لم يعلم مقداره لان الحق لهما فلا يمنعان عن المسامحة فيه فاسد جدا لانك قد عرفت سابقا انه ليس الكلام في القسمة فيما إذا رفع كل من الشريكين يده عن حقه لانه ليس بقسمة قطعا.
وبالجملة لا إشكال بل لا خلاف في توقف تحقق القسمة على التعديل بين السهام بحسب الواقع ولهذا أوردنا سابقا على من تمسك لكفاية التراضي بما دل من الروايات على كفايته مع عدم العلم بمقدار كل من السهمين بأنه مخالف لاتفاق كلمة الاصحاب على اشتراط التعديل بل عدم تحقق مفهوم القسمة (الا خ) به هذا كله مما لا إشكال فيه.
إنما الاشكال في تعيين ما هو طريق شرعا لاحراز هذا الشرط الواقعي فنقول توضيحا للمقام بعون - الملك العلام ان معدل السهام والقاسم لا يخلو إما أن يكونا الشريكين سواء قلنا بكفاية تراضيهما في القسمة أو الاحتياج إلى القرعة فانه لا تفاوت بينهما فيما ذكره من الحكم أو غيرهما وعلى الثاني لا يخلو إما أن يكون هو الحاكم أو من نصبه لذلك أو من تراضى الشريكان به لذلك فإنه لا إشكال بل لا خلاف في جوازه وعلى التقادير لا يخلو إما أن يحتاج التعديل إلى التقويم ويتضمنه أو لا أما الصورة الاولى فلا إشكال حسبما صرح به الاستاد لعلامة في مجلس المباحثة في طريقية اعتقاد الشريكين إلى التعديل سواء تضمن تقويما أم لا أما الصورة الثانية وهي ما إذا كان القاسم حاكم الشرع أو نائبه فإن تضمن التعديل تقويما فلا إشكال في عدم طريقية اعتقاد الحاكم ونائبه إليه لانه شهادة ولا يكفي فيها الواحد سواء كان الحاكم أو غيره لان أخبار الحاكم عن الموضوعات ليس حجة على الناس بل حاله كالنسبة إليه كحال ساير الناس وهل يكفي إذا انضم إلى أخباره اخبار غيره إذا كان واحدا أم لا وجهان مبنيان على انه هل يكون لنا دليل يقتضي باعتبار شهادة الاثنين في كل مورد أم لا وعلى الاول كما عليه المشهور يكفي وعلى الثاني لا يكفي إلا إذا انضم إليه أخبار ثلاثة لان اعتبار شهادة الاربعة في جميع الموارد اجماعي بل بديهي بين العلماء هذا كله فيما إذا احتاج التعديل إلى التقويم وأما إذا لم يحتج إليه فهل يكفي اعتقاد الحاكم واخباره وحده أو لا وجهان مبنيان على ان التعديل شهادة أم لا أوجههما عند الاستاد العلامة الثاني فلا يحتاج إلى الانضمان وهو مشكل جدا أما الصورة الثالثة فالظاهر ان حكمها حكم الصورة الثانية بكلا قسميها إلا انه قد يقال بالفرق بينهما في صورة عدم الاحتياج إلى التقويم بكفاية الحاكم في الاول وعدم كفاية القاسم في الثانية لكنه ضعيف كما لا يخفى هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فلا إشكال بل لا خلاف في عدم اشتراط التعدد فيه بل لا معنى له لان الغرض منه يحصل بالواحد أيضا ومن هنا ذهب المشهور إلى كفاية الواحد ولو كان فاسقا بل ذهب جماعة إلى كفايته ولو كان كافرا بل مال بعض مشايخنا بعض الميل إلى كفايته ولو كان صبيا نظرا إلى حصول الغرض لمقصود من القسمة بتقسيمه أيضا هذا مضافا إلى دلالة بعض الاخبار على ما ذكرنا ايضا وهو ما ذكرنا في أول القسمة لاثبات تشريعها من حديث نصب النبيصلىاللهعليهوآله والوصيعليهالسلام قاسما لقسمة الاموال المشتركة ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من عدم كفاية الواحد في المقام الاول فيما إذا تضمن التعديل تقويما أو لا مع ذلك على وجه بين قسمة الرد و غيرها ولا بين ما إذا تراضى الشريكان بالواحد أو لا والوجه في التعميم الاول ظاهر لان الاحتياج إلى التقويم غير منحصر في قسمة الرد وأما في الثاني فلان رضاء الشريكين لا يوجب تغييرا لحكم الشرع.
لا يقال رضائهما يكشف عن تمليك كل منهما ما يخصه من الزيادة على تقدير حصولها بصاحبه ولا مانع
عنه لان الناس مسلطون على أموالهم.
لانا نقول قد عرفت سابقا ان الكلام في القسمة غير الكلام في الهبة والتمليك وان احراز التعديل في الاول شرط وإلا فلا يحتاج إلى مقوم واحد أيضا فضلا عن أن يكون من أهل الخبرة بل يكفي تجزية المال المشترك وتقسميه وإن علم زيادة أحد السهمين من الآخر وهذه خلاف قضية كلماتهم بل قد عرفت انها خلاف قضية مفهوم القسمة فظهر مما ذكرنا ضعف ما ذكره في المتن وغيره من تخصيص الاحتياج إلى التعدد وعدم كفاية الواحد بالقسمة المشتملة على الرد لانها تتضمن تقويما ومن الحكم بسقوط الثاني مع رضاء كل من الشريكين بالواحد هذا.
لكن يمكن أن يقال ان مرادهم من التخصيص في القسمة المشتملة على الرد ليس هو التخصيص بحسب الحكم ضرورة وجود العلة المذكورة لحكمها في غيرها إذ تضمن التقويم لا ينحصر في قسمة الرد بل هو موجود في غيرها أيضا كما في قسمة الحيوانات والعقار وغيرهما من القيميات بل إنما هو تخصيص بحسب الذكر من جهة عدم انفكاكها من تضمن التقويم وانفكاك غيرها عنه هذا مضافا إلى ما ذكره الاستاد العلامة من أن مرادهم من قسمة الرد في المقام ليس هو خصوص قسمة الرد التي اتفقوا فيها على عدم جريان الاخبار فيها وهي التي يتوقف التعديل بين السهمين إلى ضم شئ من خارج المال المشترك إليه حتى يحصل التعديل بل المراد منه هي قسمة الرد بالمعنى الاعم وهي كل ما اشتمل على رد ولو من المال المشترك.
ثم ان مراد كل من اشترط التعدد في القاسم كالمصنف وغيره فيما إذا تضمنت القسمة التقويم ولم يشترطه فيما لا تتضمن التقويم إنما هو بالنسبة إلى المقام الاول لانك قد عرفت ان عدم الاحتياج إلى التعدد في المقام الثاني مما لا إشكال ولا خلاف فيه وكأنهم تسامحوا في التعبير من جهة ظهور المطلب ووضوحه أو من جهة كون القاسم في الاغلب هو المقوم أو لغير ذلك لانك قد عرفت ان ظاهره ليس بمراد قطعا.
ومن التأمل فيما ذكرنا كله تعرف فساد ما ذكره بعض مشايخنا في المقام من الرد على ما ذكروه ذاهبا إلى عدم الاحتياج إلى التعدد أصلا حتى بالنسبة إلى المقام الاول مستد لا بقضية نصب النبيصلىاللهعليهوآله والوليعليهالسلام قاسما واحدا لقسمة الاموال المشتركة وببعض الوجوه الاخر حيث قال بعد شرح كلام المصنف المتقدم ذكره ونقل ماذكره في المسالك في هذا المقام ما هذا لفظه ولكن قد ينافيه أولا ما سمعته من نصب عليعليهالسلام قاسما واحدا وإلا كان المتجه نصب الاثنين احتياطا لاحتمال حصول الرد في القسمة وثانيا ان التقويم غير منحصر في قسمة الرد فإن كثيرا من الاموال المشتركة المختلفة كالحيوانات ونحوها لا يقسم إلا بالتقويم وإن لم يكن فيها رد واحتمال ارادة كل ذلك من قسمة الرد على معنى انه قد يكون فيها رد مناف لما هو المصطلح عندهم من ان قسمة الرد هي المشتملة على دفع مال آخر من أحد الجانبين ولذا أطلقوا عدم الجبر فيها بخلاف ما في ما يقسم بالتقويم الذي لا رد فيه فإنه يجبر عليه وثالثا ان التقويم لا مدخلية له في القسمة التي هي افراز الحق وإنما هو من مقدماته والفرض ظهور كلماتهم في تعدد القاسم لا المقوم على انه يمكن القول بتولي الواحد القسمة فيها وان احتيج إلى التعدد بعدها في تقويم مازاد في أحد النصيبين إذ ذاك أمر خارج عن القسمة ومن هنا كان لعليعليهالسلام قاسم واحد فتأمل جدا انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وفيه مواضع للنظر لايخفى وجهه فيها لكل من تأمل فيما ذكرناه وسلك الانصاف وجانب الاعتساف والله العالم.
قوله فإن لم يكن امام أو كان ولا سعة في بيت المال كانت اجرته على المتقاسمين أقول الكلام في -
المقام يقع في مقامين أحدهما في تشخيص المورد الذي الاجرة عليهما أو على واحد منهما ثانيهما في تشخيص انها في الموارد التي عليهما هل هي بالحصص أو بالرؤوس.
أما الكلام في المقام الاول فيقع في صور لان الشريكين إما أن يكونا طالبين للقسمة أو لا يكون الطالب إلا أحدهما الذي يسمى القسمة فيه بالقسمة الاجبارية حيث انه يقسم حاكم الشرع المال فيه جبرا على غير الطالب وعلى التقدير الاول لا يخلو أيضا إما أن يجعلا اجرة واحدة للقاسم بعقد واحد أو يجعل كل منهما أجرة مستقلة بعقد مستقل دفعة واحدة أو مترتبا.
أما إذا لم يكن الطالب إلا أحدهما واستأجر الحاكم القاسم جبرا على الممتنع أو أذن في الاستيجار فالذي نفى الخلاف عنه في كلام بعض الاصحاب بل نقل الاجماع عليه في كلام آخر منهم كون الاجرة عليهما بل ليس المخالف فيه من العامة أيضا إلا أبا حنيفة والشافعي في أحد وجهيه فخصصاها بالطالب وعلل الحكم ماعة وأوردوا عليهما بأن العمل المحترم قد وقع لهما فيستحق العوض منهما ما لم يقصد التبرع هذا.
ولكن لم يرتض الوجه شيخنا المرتضى دام افاداته وذكر في وجهه ما حاصله ان العمل المحترم وإن عاد نفعه إليهما إلا انه لا يقع إلا بأمر أحدهما ومن المعلوم ان احترام العمل إنما هو إذا وقع بأمر من المعمول له لا مانع إذا وقع بدونه.
لا يقال ان غير الطالب وإن لم يرض ولم يأمر بالعمل المذكور إلا ان رضاء الحاكم وأمره الذي هو ولي الممتنع رضائه وأمره فتدخل فيما ذكرت لانا نقول الحاكم إنما هو ولي فيما يجب على المولى عليه الممتنع عنه ومن المعلوم ان الواجب على غير الطالب ليس إلا التخلية وعدم منع الشريك من افراز ماله لا تقسيم المال وتسليم حق الشريك به لان مقتضى ما يستدل به في المقام مما دل على تسلط الناس على أموالهم وما دل على نفي الضرر والضرار في الاسلام هو ا ذكرنا لان عدم ورود الضرر على الشريك يحصل بنفس التخلية وعدم المنع ولا يتوقف على شئ آخر وكذلك عدم إيصال الممتنع عن القسمة حق صاحبه إليه بعد التخلية بينه وبين المال المشترك وعدم منع الشريك عن القسمة ليس حجرا له عن ماله حتى يرتفع بعموم الناس مسلطون على أموالهم نعم لو قيل ان الواجب على الشريك تسليم حق الشريك إليه وافرازه من ماله لتعين المصير إلى كون الاجرة عليهما فالحكم بالنظر إلى القاعدة مبني على الوجهين إلا ان الاجماع قد انعقد ظاهرا على كونها عليهما حسبما يعلم من الرجوع إلى كلماتهم.
لا يقال انه لا إشكال في تعلق الاجرة على الشريك لو رضى بتقسيم القاسم الذي استأجره شريكه على - القسمة وكذلك لا إشكال في تعلق الاجرة على الشخص لو رضى وأذن أن يعمل أحد له عملا بالاجرة ولا يشترط فيه الامر قطعا لان احترام عمل المسلم يكفي فيه وقوعه بإذن المعمول له ففي المقام وإن لم يجب الافراز على الشريك الممتنع إلا انه يجب عليه الرضاء بالقسمة فإذا فرض عدم رضائه بها فرضاء الحاكم قائم مقام رضائه.
لانا نقول لا إشكال في تعلق الاجرة على الشخص لو رضى بفعل غيره له على القول بصحة الاجارة المعاطاتية لكن الواجب على الشريك في المقام ليس هو الرضاء بالقسمة بالاجرة بل الواجب عليه الرضاء وعدم الامتناع من افراز الشريك حقه من المال المشترك وأين هذا من وجوب الرضاء بالفعل بازاء الاجرة هذا كله إذا لم يكن الطالب إلا واحدا منهما وأما إذا كان كل واحد منهما طالبا للقسمة فإن استأجراه بعقد واحد سواء كان باجرة واحدة منهما أو متعددة فلا إشكال في المسألة ويجب عليهما الاجرة دون واحد منهما ووجهه ظاهر مضافا
إلى قيام الاجماع عليه من الطائفة المحقة بل من غيرهم وأما إذا استأجراه بعقدين مترتبين كل منهما بأجرة معينة فظاهرهم عدم الخلاف في صحة كل منهما واستحقاقه الاجرتين من الشريكين.
لكنهم ذكروا في المقام إشكالا يجب التعرض له ولما ذكروا في دفعه وليس هذا الاشكال مختصا بأصحابنا الامامية بل تعرض له ولدفعه بعض العامة أيضا وأول من تعرض لهذا الاشكال ولدفعه حسبما حكاه الاستاد العلامة الفخر في الايضاح وكلامهم في اصل بيان الاشكال مشوش غاية التشويش وكذلك جواب البعض عنه مضطرب في غايته.
فلنتعرض أولا لذكر الاشكال على ماذكروه ثم نبين ما هو الحق في تقريره وهو انه إذا استأجر القسام أحد الشريكين لافراز نصيبه فقد وجب عليه من باب المقدمة افراز نصيب الشريك الاخر لان افراز أحد النصيبين لا يمكن إلا بافراز نصيب الآخر وما يتوقف عليه الواجب واجب فإذا وجب عليه من باب المقدمة افراز نصيب الشريك الآخر فأخذ الاجرة عليه حرام فلا يصح الاجارة ثانيا هذا حاصل ما ذكروه في بيان الاشكال.
وأنت خبير بفساده لان افراز أحد النصيبين ليس متوقفا على افراز النصيب الآخر حتى يدخل في باب المقدمة بل التحقيق الذي يلتفت إليه كل من له أدنى تأمل والتفات ان افراز أحد النصيبين عين افراز النصيب - الآخر فلا يمكن أن يجعل أحدهما مقدمة للآخر ضرورة اشتراط التغاير بين المقدمة وذيها فالبيان الذي ذكروه لتقرير الاشكال فاسد جدا إلا أن يكون مراد من ذكر التوقف هو التوقف بالمعنى الذي بين المتضائفين لا التوقف الذي بين المقدمة وذيها لكنه خلاف صريح كلام جماعة منهم حيث قرروا الاشكال بالبيان الذي ذكرناه وهو صريح في ان مرادهم من التوقف هو المعنى الثاني لا الاول نعم ذكر الاستاد العلامة ان هذا التوجيه لا يأباه كلام الفخر ولم يكن عندي كتابه حين كتابة هذا الموضع حتى انظر فيه فراجع إليه لعلك تظفر على صدق ما ادعاه الاستاد.
إذا عرفت هذا فالحق في تقريره أن يقال ان افراز أحد النصيبين عين افراز النصيب الآخر كما ان فصل أحد الشيئين عن الآخر عين فصل الآخر عنه ولا تغاير في نسبة الافراز إلى الاوليين والفصل إلى الآخريين إلا بحسب الاعتبار والملاحظة كما في باب المفاعلة فقد يقول أفرزت نصيبي عن نصيبك وقد يقول افرز نصيبك عن نصيبي وإلا فهما عبارتان لمعنى واحد وليس هذا الكلام مختصا بالمقام بل يجري بالنسبة إلى جميع المتضائفين كما لا يخفى فإذا كان افراز أحد النصيبين عين افراز النصيب الآخر فاستأجره أحدهما لافراز نصيبه أولا بأجرة معينة حسبما هو قضية الفرض فقد خرج افراز نصيب الآخر عن تحت قدرته وملكه لانه عين ما ملكه بأحد الشريكين فلا يكون مالكا له ثانيا فإذا ارتفع قدرته وملكه عن افراز نصيب الآخر فكيف يأخذ الاجرة عليه مع انه ليس بمملوكه فهو أكل للمال بالباطل ولك أن تفرض الاشكال في اجارة الثالث أيضا كما ذكره جماعة إذا كان الشركاء ثلاثة بأن استأجره أحدهم لافراز نصيبه عن غيره واخر لافراز نصيبه عن نصيب الثالث فإن استأجره الثالث حينئذ لافراز نصيبه عن نصيب الثاني فقد استأجره لما لا يملكه الاجير لان افراز حقه عن حق الثاني عين افراز حق الثاني عن حقه الذي فرض استيجاره عليه أولا فيلزم عليه ما ذكر من الاشكال هذا.
وقد أجاب بعض ما لا خبرة له عن الاشكال المشهور بوجوه ركيكة فاسدة أحدها انه مبني على - القول بوجوب المقدمة ثانيها انه إنما يتم على القول بوجوب المقدمة الغير السببية ثالثها ان حرمة أخذ الاجرة لا تنافي صحة الاجارة ثانيا ووجوب عمل الاجير على طبقها لان الحرمة لا تنافي الصحة كما انها لا تنافي لوجوب
التوصلي فافراز النصيب الآخر وإن وجب على الاجير من باب المقدمة إلا انه لا ينافي أخذ الاجرة المحرم عليه لان الوجوب التوصلي يجتمع مع الحرام كما عليه صاحب لم وجماعة فهذا الاشكال مبني على قول غيرهم هذا ملخص ما حكام الاستاد عنه وأنت خبير بفساد الوجوه التي ذكرها للتفصي عن الاشكال المذكور.
أما ما ذكره أولا من ابتناء ورود الاشكال على القول بوجوب المقدمة ففيه انه غير مبني عليه أصلا بل إنما هو مبني على أصل المقدمية والتوقف فإن من اجر نفسه على عمل فلا يجوز له أخذ الاجرة على كل ما لا ينفك عنه سواء كان من اللوازم القهرية له أو من مقدماته أو غير ذلك والوجه فيه خروجه عن ملكه وقدرته فأخذ الاجرة عليه أكل للمال بالباطل فحرمة أخذ الاجرة على المقدمة غير مبتنية على القول بوجوبها هكذا ذكر الاستاد العلامة في جوابه لكن يمكن أن يوجه كلامه بأنه في قبال من تمسك لحرمة أخذ الاجرة ثانيا بأنه أخذ للاجره على فعل الواجب فإن ظاهر هذا الكلام كون الوجوب مانعا لا نفس المقدمية والتوقف فتأمل.
وأما ما ذكره من ابتناء فساد الاجارة الثانية على القول بعدم جواز اجتماع الحرمة على الوجوب التوصلي ففيه ان عدم جواز أخذ الاجرة على الواجب إنما هو من جهة خروجه عن ملك الاجير فأخذ الاجرة عليه أكل للمال بالباطل كما لا يخفى وهذا لا دخل له بحديث اجتماع الوجوب التوصلي مع الحرمة فحرمة أخذ الاجرة في المقام إنما هو من جهة فساد الاجارة لا من نفس الوجوب حتى يقال انه يجتمع مع الحرام وكيف كان قد أجيب عن الاشكال المذكور بوجهين أحدهما النقص بما لو استأجر شخص أحدا لبيع ماله واستأجره آخر لشراء هذا المال فإنه لا إشكال في استحقاقه الاجرة منها مع ان ايجاب البيع عليه يلزمه تحصيل الشراء ولو من باب القدمة هذا.
وقد أجاب الاستاد العلامة عن هذا الوجه بأنه قياس مع الفارق فان استيجاره على بيع ماله يتصور على صور ثلاثة الاولى ان يستأجره على بيع ماله بمعنى نقله مع قطع النظر عن تحصيل الشراء والانتقال إلى الآخر بعوض وعدمهما كما هو واحد معاني لفظ البيع فإنه لو قال البايع بعتك ولم يقبله المشتري لم يستعمل البايع غلطا أصلا الثانية ان يستأجره لبيع ماله إذا اتفق هناك مشتري له الثالثة ان يستأجره ماله بمعنى ايجاده النقل المتعقب بالانتقال كما هو أحد اطلاقات لفظ البيع كما يقال فلان باع ماله فلانه لا يراد منه ايجاده السبب للنقل وإن لم ينتقل منه فيصير تحصيل الشراء واجبا على الاخير ومن المعلوم ان الاوليين على تقدير صحتهما لا تكونان مقصودتين من النقض المذكور قطعا لعدم الارتباط بينهما فيكون المراد كما هو ظاهر من كلام - المجيب هو الصورة الثالثة ومن المعلوم ظهور الفرق بينها وبين المقام فإنه وإن فرض وجوب تحصيل الشراء على الاجير إلا ان من المعلوم ان القبول الواقع من قبل المشتري ليس عين البيع الواقع من قبل البايع بل هما شيئان متغايران موجودان بوجودين لا دخل لاحدهما بالآخر أصلا فهذا بخلاف المقام فإن افراز أحد النصيبين عين افراز الآخر حسبما عرفت تفصيل القول فيه فالحكم بالصحة في الصورة لا دخل له بالمقام أصلا وكان المجيب قاس المتغايرين بحسب الوجود الخارجي بالمتغايرين بحسب الذهن فاعطى حكم أحدهما بالآخر واجراه فيه وانت خبير بوضوح الفرق بينهما هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة لكن يمكن ان يقال ان هذا النقض وإن لم يكن واردا على ما ذكره الاستاد العلامة في بيان الاشكال من حديث العينية إلا انه وارد على ما ذكره المشهور في
بيان الاشكال من حديث لزوم أخذ الاجرة على الواجب فتأمل(١) .
ثانيهما ما ذكره جماعة من الاصحاب وبعض العامة من أن السؤال مبني على انه يجوز استقلال بعض الشركاء باستيجار القسام لافراز نصيبه ولا سبيل إليه لان افراز نصيبه لا يمكن إلا بالتصرف في نصيب الآخر ترددا وتقديرا ولا سبيل إليه إلا برضاهم نعم يجوز أن ينفرد واحد منهم برضى الباقين فيكون أصيلا ووكيلا ولا حاجة إلى عقد الباقين هذا وحاصله يرجع إلى منع الصغرى أي منع صحة استيجار كل من الشريكين بعقد مستقل مترتب بأجرة معينة من جهة توهم انه مع قطع النظر عن تحقق الرضاء من الشريك الآخر لا تصح الاجارة الاول مع تحقق رضائه يتحقق الاجارة فيه أيضا وكالة فليس هنا صورة فرض صحة اجارة كل من الشريكين فيها بعقد مستقل حتى يرد عليها الاشكال المزبور.
وأنت خبير بفساد هذا الوجه من وجوه أحدها ما ذكره جماعة من منع عدم إمكان افراز أحد النصيبين إلا بالتصرف في الآخر ضرورة امكان فرض صورة يستغني القاسم فيها عن التردد فيه بضبطه إياه سابقا أو باستحقاقه ذلك لاستيجار ونحوه ثانيها ما ذكره بعض الافاضل من أن مجرد رضاء الشريك بالتردد أو التخطي في ماله ليس توكيلا منه في الاستيجار على القسمة ضرورة عدم التلازم بينهما أصلا ثالثها ان هذا الجواب خروج عن الفرض الذي ذكره الاصحاب مصرحين بصحة اجارة كل منهما فيه فهذا لا يدفع الاشكال الوارد على فرض القوم بل في الحقيقة هو تسليم لورود الاشكال على الفرض الذي ذكروه هذا.
وقد يجاب عن الاشكال المذكور بوجه آخر وهو ان الشريك الاول لم يستأجره إلا على افراز حقه وافراز حقه وإن كان في الخارج عين إفراز حق الشريك الآخر لا تغاير بينهما عقلا بل هو عمل واحد في الواقع إلا ان مملوكية العمل إنما هو بحسب المنافع المترتبة على ضرورة ان نفس الفعل الذي هو عبارة عن مجموع - الحصولين من الحركة والسكون مع قطع النظر عن المنافع ليس شيئا يقابل بالمال ويملكه الشخص فإذا ترتب على عمل منفعتان فهو عند العرف بمنزلة عملين وملكين فالعمل المذكور وإن كان بسيطا عقلا بل لا يقبل التجزية حتى يتصور الشركة فيه بمعنى صيرورة نصفه لشخص ونصفه الآخر لشخص آخر الا انه منزل عرفا بمنزلة ما يقبل التجزية باعتبار المنافع المترتبة عليه التي صارت منشأ لمملوكيته فهو وإن كان غير قابل لتعلق الشركة به بالنظر إلى نفس ذاته لعدم قابليته للتجزية كما انه بهذه الملاحظة ليس مما يتعلق الملكية عليه أيضا لكنه قابل لتعلقها به عرفا بالنظر إلى المنافع المترتبة عليه فالعمل وإن كان واحدا حقيقة إلا انه متعدد عرفا فالعمل الواحد المنزل منزلة المتعدد كالعين الواحد الغير القابل للتجزية المنزل منزلة القابل لها كالعبد لهذا يتصور الشركة فيه فيمكن أن يقال في الفرض بالملاحظة المذكورة ان الشريك الاول قد ملك نصف العمل أو ملك تمامه باعتبار تعلقه بحقه والشريك الآخر أيضا ملك نصفه بالاجارة أو تمامه باعتبار تعلق حقه هذا.
ولكنك خبير بفساد هذا الجواب أيضا لانه على فرض تسليم التعدد العرفي لا يغني من جوع لانه وإن
____________________
(١) وجه التأمل ان حصول البيع بالمعنى المذكور وإن توقف على الشراء إلا ان من المعلوم ان وجوبه لا يقتضي وجوب الشراء لانه من فعل الغير ولا معنى لعروض الوجوب عليه نعم مقدمات تحصيله تكون من أفعال الاجير لكن لاجرة التي يأخذها من المشتري إنما هو بإزاء الشراء نفسه وهذا بخلاف المقام فإنا لو قلنا بأن الافرازين متعددان في الخارج فلا ريب في انهما من فعل الاجير فأخذ الاجرة على أحدهما بعد أخذ الاجرة على الآخر مما لا يجوز (على القول بعدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات فالنقض المذكور مما لا ورود له فافهم (منهقدسسره )
كان الافرازان متعددين إلا ان من المعلوم ضرورةان افراز نصيب الشريك الثاني من اللوازم القهرية لافراز نصيب الشريك الاول ضرورة عدم تعقل الانفكاك بينهما بحسب الوجود وإن لم نقل بكون أحدهما عين الآخر وقد عرفت سابقا ان ما لا ينفك عقلا عن المستأجر عليه ويترتب عليه قهرا لا يجوز للاجير أخذ الاجرة عليه لانه لا يملكه فيكون أكلا للمال بالباطل فالمناط الذي اقتضى عدم جواز أخذ الاجرة وفساد الاجارة على تقدير القول بالعينية فهو بعينه موجود على تقدير القول بعدمها فافهم فظهر مما ذكرنا كله عدم اندفاع الاشكال المذكور بالوجوه المذكورة فإن كان هناك اجماع على الحكم بصحة كلا العقدين فهو وإلا فالحكم بالصحة لا يخلو عن اشكال بل منع هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو ان كل مورد كانت الاجرة عليهما وكان نصيب أحدهما في المال المشترك أزيد من نصيب الآخر فهل هي بالحصص أو بالرؤس سواء كانت الاجرة أجرة المثل أو المسمى فالذي نفى الخلاف عنه بيننا كونها بالحصص نعم في القواعد احتمال كونها بالرؤس وقد وافقنا فيه أكثر العامة وذهب أحمد بن حنبل منهم إلى كونها بالرؤس.
وليعلم ان محل الكلام أولا حسبما صرح به الاستاد العلامة في اثناء البحث ويستفاد من كلماتهم هو ما إذا لم يكن العمل مختلفا بحسب الكم كما في المثليات التي يلاحظ القسمة فيها بحسب الكيل والوزن فإنه لا إشكال في كون الاجرة بالرؤس لتعدد العمل في الخارج حينئذ فإنما هو فيما إذا كان اختلاف العمل بحسب الكيف مع وحدته بمعنى كون النفع العايد منه لاحد الشريكين أزيد من النفع العايد للشريك الآخر لا من جهة الاختلاف في كمية نصيبهما كثرة وقلة.
إذا عرفت هذا فاعلم ان الحق ما ذهب إليه الاصحاب رضوان الله عليهم ويدل عليه ماأشرنا إليه في طي بعض كلماتنا السابقة من ان مملوكية العمل واحترامه إنما هو بحسب المنافع العايدة منه والفوائد والثمرات المرتبة عليه وإلا فنفس الفعل الذي عبارة عن مجموع الحصولين من الحركة والسكون أو الخروج من القوة إلى الفعل مع قطع النظر عن المنافع ليس شيئا يعرضه الملكية فكل من الشريكين في الفرض قد ملك العمل بقدر - المنفعة العايدة منه إليه فكل منهما يجب عليه الاجرة على العمل بحسب ما استوفى منه من المنافع فالعمل و إن كان واحدا في الخارج إلا انه غير مساو بالنسبة إليهما من حيث المنفعة والنتيجة المقصودة منه فإذا لا بد من ان توزع الاجرة على الحصص لا على الرؤس هذا.
وقد استدل للمختار بوجهين آخرين أحدهما ما حكي عن الشيخ في الخلاف من انا لو وزعناها على قدر الرؤس ربما أفضى إلى ذهاب المال كان يكون بينهما لاحدهما عشر العشر سهم من ماة سهم والباقي للآخر و يحتاج إلى أجرة عشرة دنانير على قسمتها فيلزم من له الاقل نصف العشر وربما لا يساوي سهمه دنيارا واحدا فيذهب جميع المال وهذا ضرر والقسمة وضعت لازالة الضرر فلا يزال أعظم منه انتهى المحكي عنه وفيه ان هذا مجرد اعتبار لم يدل على اعتباره لان عمل المسلم محترم وإن فرض اجرته زايدة على ما عاد إلى المعمول له من المنافع كما إذا كان في العمل مشقة كثيرة توجب زيادة الاجرة والقول بأن تلك الاجارة فاسدة من جهة كونها سفهية جدا.
أما أولا فلانا نفرض الكلام في اجرة المثل وأما ثانيا فلانا نفرض تعلق غرض عقلائي بالاقدام على تلك الاجارة بحيث يخرجها عن السفهائية هذا مضافا إلى أن الحكم بفساد الاجارة من حيث السفاهة لا دخل له
بكلام المستدل مع ان ما ذكره قد يفرض فيما إذا قلنا بكونها بالرؤس بأن تكون الاجرة المتعلقة بكل منهما زايدة على ما عاد إليه من المال وبالجملة زيادة الاجرة لا توجب رفع اليد عما دل على وجوب الوفاء بالعقد واحترام عمل المسلم.
ثانيهما ما ذكره في محكي كشف اللثام للفاضل الاصفهاني من ان الاجرة تزيد بزيادة العمل والعمل يزيد بزيادة المعمول فكل من كانت حصته أزيد فالعمل له أزيد كمن يسقى جريبين من الارض فعمله أزيد ممن يسقى جريبا وإن تحمل المشقة أكثر وكمن رد عبدا قيمته ماة فعمله أزيد ممن رد عبدا قيمته خمسون والغموض في قلة النصيب إنما جاء من كثرة نصيب الآخر انتهى ما حكي عنه ولا يخفى عليك انه يرجع إلى ما ذكرنا أيضا وإلا فتوجه الاشكال عليه جلي هذا.
واستدل لكونها بالرؤس في القواعد حسبما حكى عنه بما يرجع حاصله مع توضيح من بعض إلى التسوية في العمل فإنه ليس إلا افرازا أو حسابا أو مساحة والكل مشترك بينهما فإذا فرض العمل واحدا مساويا بالنسبة إليهما في المشقة فكيف يمكن توزيع الاجرة عليها مختلفا بحسب القلة والكثرة لانه ترجيح بلا مرجح ومناف لما دل على حرمة عمل المسلم بل قد يكون الحساب في الاقل أغمض وقلة النصيب يوجب كثرة العمل لوقوع القسمة بحسب اصل (أقل خ) الانصباء فإن لم يجب على الاقل نصيبا من الاجرة أزيد فلا اقل من التساوي انتهى.
وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا من الوجه لا يبقى لك شك في فساد هذا الدليل لان العمل وإن كان واحدا إلا ان ما ملكيته إنما هو بحسب المنفعة العايدة منه حسبما عرفت تفصيل القول فيه فهذا ليس ترجيحا بلا مرجح ولا منافيا لما دل على احترام عمل المسلم كما لا يخفى على أحد هذا مضافا إلى ما ذكره في القواعد من النقض عليه بما هو مسلم بينهم من انه لو اجر الشركاء شخصا لحفظ المال المشترك فيكون له الاجرة بالحصص مع ان - العمل الموجود منه في الخارج وهو النظر أو غيره متساوى بالنسبة إليهم فالمسألة لا إشكال فيها إنشاء الله هذا مجمل القول في المقام الاول وانتظر ما يتلى عليك من الكلام في ساير المقامات.
قوله في المقسوم وهو أما ما يساوي الاجزاء كذوات الامثال مثل الحبوب والادهان اه أقول قد ذكر في المسالك اشكالا على قوله فيقسم كيلا ووزنا متساويا وتفاضلا لا بأس بالاشارة إليه وإلا ما ذكره في دفعه قبل الخوض في ذكر مستند جواز الاجبار في الصورة المفروضة فقال وأما قوله متساويا ومتفاضلا فالاصل في القسمة أن تكون بنسبة الاستحقاق فإذا كان المشترك بينهما نصفين كان افرازه قسمين وإن كان بينهما أثلاثا كان فرازه كذلك والتفاضل في الثاني بحسب الصورة وإلا فهو متساو حقيقة لان مستحق الثلث له فيما في يد صاحب الثلثين ثلث ولصاحب الثلثين فيما في يد صاحب الثلث ثلثاه فالقسمة على هذا الوجه موجبة للتسوية بينهما بالنظر إلى أصل الحق وإن أراد بالتفاضل ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة على حقة فليس ذلك بداخل في حقيقة القسمة بل هو هبة محضة للزائد فلو ترك قوله متساويا ومتفاضلا كان أولى انتهى ما أفاده.
وتوضيح ما ذكره من الاشكال هو انه لا يلخو إما أن يكون الشريكان شركتهما متساوية بأن يكون لكل منهما نصف العين المشترك أو متفاوتة بأن يكون لاحدهما الثلث وللآخر الثلثان مثلا وعلى كلا التقديرين إما أن يعطى بكل من الشريكين مقدار نصيب كالنصف في التقدير الاول والثلثين والثلث في التقدير الثاني أو يعطى بأحدهما أزيد من نصيبه وعلى التقدير الثاني إما أن يريد به القسمة أو غيرها من الهبة ونحوها وعلى الاول
لا يعقل في القسمة تفاضل أصلا لفرض أخذ كل من الشريكين مقدار نصيبه وعلى الثاني فإن أريد به الاول فهو غير معقول لان القسمة حسبما عرفت في تعريفها عبارة عن تمييز النصيب وافرازه عن الآخر ومن المعلوم عدم حصوله في الفرض وإن أريد به الثاني أي غير القسمة فهو خروج عن محل البحث والمقصود التعميم بالنسبة إلى القسمة وقد حكى الاستاد العلامة عن العلامة في القواعد انه ذكر فيه نظير عبارة المصنف فيتوجه عليه الاشكال المزبور أيضا فتأمل وراجع إليه هذا.
وقد أجاب مولانا المرزا محمد عن الاشكال المذكور في هوامشه على المسالك هذا لفظه يمكن أن يقسم الربوي متفاضلا بأن يأخذ أحدهما الاقل لجودته والآخر الاكثر لردائته ويكون الجودة في مقابلة الاكثر فلو كان بيعا كان رباء فتأمل انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وأشار بقوله فتأمل إلى فساد ما ذكره من التوجيه لانه خروج عن قسمة الاجبار إذ هي فيما لا يشتمل على رد بالمعنى الاعم الشامل للمقام أيضا.
والعجب من بعض مشايخنا حيث اعتمد في دفع الاشكال المذكور بما ذكره مع الجزم به من غير اشارة إلى فساده حيث قال بعد نقل ما عرفت من المسالك ما هذه لفظه وفيه ان المراد بيان جواز قسمة الربويات بالتفاوت من حيث الجودة والردائة فلو كان الحب مشتركا وفرض اختلافه على وجه يكون الوزنتان من بعضه تقابل بالوزنة من غيره فعدلا السهام بذلك واقتسماه على هذا الوجه فإنه لا إشكال في صحة القسمة عندنا انتهى ما أردنا حكايته.
وفيه ما عرفته من ان ما ذكرنا إنما يجري في غير قسمة الاجبار وأما فيها فلا وإلا فلا اختصاص للفرض بالجودة والردائة بل يمكن في الزيادة الكمية أيضا كرطل من الحنطة ورطلين من الشعير وبالجملة لا إشكال ي أن التفاضل لا يجري عندهم في قسمة الاجبار هذا مع ان ما ذكره المجيب في شرح عبارة المصنف ينافي ما ذكره من فرض التفاضل في المثال المذكور فإنه اعتبر في المتساوي كون أجزائها متساوية بحسب القيمة والوصف و معلوم ان هذا المعنى لا يجامع مع الفرض المزبور وقد يجاب أيضا بأنه يمكن فرض التفاضل في الجودة والردائة على تقدير القول ببقاء كل من الجيد والردئ في ملك مالكه ولكنك خبير بفساده أيضا لان القول ببقاء الملك في الصورة يمنع من تحقق الشركة بينهما كما لا يخفى فلا معنى لتحقق القسمة هذا.
وأجاب الاستاد العلامة دام ظله العالي عن الاشكال المذكور بأن التعميم المذكور ليس من أحكام قسمة الاجبار حتى يرد عليه ما ذكر بل إنما هو من أحكام متساوي الاجزاء مستقلا كما ان جريان قسمة الجبر فيه ايضا من أحكامه لكنه تنظر في الجواب المذكور أيضا بأنه خلاف ظاهر العبارة فإن ظاهر قوله والاول يجبراه جريان الاجبار في جميع أقسام الاول لا انه يجري في بعض أقسامه فالحق ان الاشكال وارد على ظاهر العبارة.
إذا عرفت ذلك فلنصرف العنان إلى الكلام في اصل المسألة فنقول انك كما عرفت في طي بعض كلماتنا السابقة ان الاصل في القسمة من حيث كونها معاملة بالمعنى الاعم حسبما عرفت تفصيل القول فيه لكنه قد ثبت جوازها بالادلة الثلاثة بل الاربعة كذلك مقتضى الاصل بعد تشريع القسمة في الجملة فساد القسمة الاجبارية وعدم جوازها في الشريعة.
ويدل عليه وجوه من الادلة أحدها قولهصلىاللهعليهوآله الناس مسلطون على أموالهم ودلالته على المدعى ظاهرة ثانيها قوله لا يحل مال امرء مسلم لامرء إلا بطيب نفسه حيث انه ليس مسوقا لبيان الحكم التكليفي مجردا و هو حرمة التصرف في مقابل الغير بدون رضاه بل هو مسوق لبيان الحكم الوضعي أيضا وانه لا يجعل مال أحد لغيره
إلا بطيب نفسه مع أنه لو كان منه بيان مجرد الحكم التكليفي لكان دالا على المقصود أيضا كما ستسمع فتدل الرواية على أن بدون رضاء الشريك لا يصير ماله للشريك الآخر لانك قد عرفت ان القسمة يلزمها عقلا انتقال بعض من مال كل من الشريكين إلى الآخر وإن لم تكن معاوضة بل ولا إنشاء الانتقال بل هو تميز جعلي يلزمه عقلا الانتقال المذكور ثالثها قولهعليهالسلام في بعض الاخبار لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره لا بإذنه فإن عدم جواز التصرف يلزمه عدم تحقق الانتقال بالاولوية القطعية لانه مسلتزم لارتفاع أصل المالية فيدل بالاولوية على ان الشارع لم يشرع فعلا به يخرج مال الغير عن ملكه بدون رضاه وينتقل إلى غيره فتأمل لكنها أيضا قد ثبت شرعيتها في الجملة بالاجماع المحقق الذي لا يرتاب في تحققه من راجع إلى كلماتهم وهذا الذي ذكرنا كله مما لا إشكال فيه أصلا.
إنما الاشكال في المقام فيما تمسكوا به لشرعيتها من قوله الناس مسلطون على أموالهم وقوله لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وقد شاع التمسك بهما لشرعيتها بينهما بحيث ارسلوا دلالتهما عليها ارسال المسلمات من غير اشكال من احد منهم فيه ممن وقفت على كلامه.
وإلى الاستدلال بالاول يرجع قول المصنف لان الانسان له ولاية الانتفاع بماله وقول الشيخ في المبسوط فمتى دعى واحد منهم إلى القسمة وأبى الباقون أجبر الممتنع منه عليها لان من كان له ملك كان له أن يتشبث إلى ما يفيده الانتفاع الكامل والتصرف التام فيه انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
ولله در الاستاد العلامة دام ظله العالي حيث فتح باب الاشكال فيهما وسد طريق الاستدلال بهما للحكم المذكور.
أما في الاول فمن وجهين أحدهما ان الرواية إنما تدل على تسلط الناس على التصرف في أموالهم بالنسبة إلى جميع التصرفات من بيعه وهبته وإجارته إلى غير ذلك لكنها لا تدل على تسلطهم على مال الغير وقد عرفت ان القسمة يلزمها انتقال جزء من مال كل من الشريكين إلى الآخر فالشريك مسلط على التصرفات التي هي تصرف في اصل المال كبيع نصيبه وهبته إلى غير ذلك من أشابههما مما لا يستلزم التصرف في مال الغير.
فالحاصل ان المالية في الشركة غير قابلة للتصرف فيها بالتصرف المذكور لاستلزامه التصرف في ملك الغير فمنع كل من الشريكين من التصرف المذكور ليس حجرا للمالك عن التصرف في ملكه لان ملكه غير قابل للتصرف المذكور ثانيهما النقض بتسلط الشريك الممتنع عن القسمة عليه لانه ايضا مسلط على ماله واجباره على القسمة حجر له عنه فتأمل.
وأما في الثاني فبأنه إنما يدل على عدم تشريع كل ما كان فيه ضرر لا على تشريع كل ما كان فيه نفع ومن المعلوم ان منع الشريك من القسمة ليس موجبا للضرر عليه لان ماله في الاصل ناقص غير قابل الانتفاع به بجميع الانتفاعات فهذا قصور منه وإنما هو موجب لمنع حصول كمال له بالقسمة ومن المعلوم ان الحديث لا يدل على عدم جوازه مع انه لو فرض هناك ورود ضرر عليه لم يجز التمسك لرفعه باثبات جواز القسمة بما دل على نفي الضرر في الشريعة لا نه ضرر دخل عليه من جهة نقص في ماله والحاصل ان الرواية إنما تدل على نفي الضرر في الاسلام لو يمكن (أمكن خ) التخلص منه وفي المقام لا يمكن من حيث ان مالية المال غير قابلة لان يدفع منها الضرر فإن ماليته إنما هي بحسب الاشاعة والمالية بحسب التعيين ماهية مغايرة واقعا للمالية في المال المشاع فلا يجوز التمسك بالرواية على تجويز الشارع القسمة قهرا على الشريك المستلزم لاخراج جزء من ماله عن ملكه
ودخوله في ملك الشريك الآخر من جهة لزوم الضرر عليه على تقدير عدم تشريع هذا الحكم هذا ملخص ما افاده الاستاد العلامة في بيان الاشكال على الروايتين.
ولكنه قد تنظر فيه اما فيما ذكره في الرواية الاولى فبأن القسمة وإن استلزمت عقلا للتصرف في مال الغير والتسبب لانتقاله جزء منه عنه إلى غيره لكنها عند العرف ليس الاعزال الحق وافرازه عن غيره حسبما عرفت في طي كلماتنا السابقة فما يأخذه الشريك بالقسمة هو عين ما كان له قبلها عند العرف فهي عندهم تصرف في نفس المال وتسلط عليها (عليه خ) ومنعه عنها حجر له عن التصرف في ماله ولهذا تراهم يقولون إذا امتنع أحد الشريكين عن القسمة انه منع من أخذ صاحبه حقه ولا يعطيه ويقبحونه ويذمونه على ذلك ومن المعلوم ان الرواية منزلة على ما يفهمه العرف على ما هو البناء عليه في جميع الالفاظ لا على الدقة العقلية فكان الاشاعة والتعيين من أحوال المال عند العرف لا أن يكون المال المشاع والمعين طبيعتين متغايرتين بجسب الحقيقه فالتسلط على التعيين عين التسلط على المال منه ويظهر اندفاع النقص بشمول الرواية لتسلط الممتنع على الامتناع لانه أيضا مسلط على ماله لان الشريك الطالب للقسمة إنما يريد عزل نصيبه وأخذه وهو ليس منافيا لتسلط الآخر على ماله حتى يعارض بشمول الرواية له بخلاف ما لو قلنا له الامتناع عن القسمة فإن معناه جواز حجر الشريك الآخر عن التصرف في ماله بالعزل والاخذ.
وأما فيما ذكره في الرواية الاخيرة فبأنه بعد البناء على كون المال المعين بالقسمة هو المال المشاع عند العرف ولم يتغير إلا وصف من أوصافه من حيث ان القسمة ليست إلا عزل النصيب عندهم لا إشكال في دلالة الرواية على تشريع القسمة في الصورة المفروضة لان عدم تشريعها مسلتزم لورود ضرر على الطالب وليس الحكم بجوازها مستلزما لورود ضرر على الشريك الآخر حسبما هو المفروض لان قسمة الاجبار فيما لم يكن هناك ضرر على الشريك ولا رد منه هذا ملخص ما ذكره دام ظله في الجواب عما أورده على الروايتين من الاشكال.
ولكن يمكن الايراد عليه بأن القسمة وإن كانت عند العرف عبارة عن افراز الحق حسبما تقدم القول فيه لكنه قد تقدم أيضا انها ليست بافراز حقيقة وواقعا كما يتصور في صورة الالتباس والاشتباه وإنما هي افراز جعلي لا واقع له إلا بالجعل فبالقسمة يصير كل من الشريكين مالكا لمال معين لا انه كان مالكا له قبل القسمة فهي لا تنفك عن نقل جزء من مال كل منها إلى الاخر عند العرف أيضا والحاصل ان القسمة كما تكون عبارة عن عزل النصيب عند العرف كذلك المال المشاع عندهم غير المال المعين بحسب الواقع حسبما مر تفصيل القول فيه فإن ما ذكرنا في معنى المشاع سابقا لم يكن معنى له بحسب العقل بل إنما كان معناه بحسب العرف فبعد كون المال المشاع عندهم غير المال المعين وإن ملكية أحدهما غير ملكية الآخر كيف يمكن أن يقال ان القسمة عندهم غير ملازمة للنقل كيف ولو كان كذلك للزم القول بجواز القسمة من جهة الروايتين من دون اذن الشريك واطلاعه أصلا والقول بأنه مستلزم لتجويز التصرف في مال الغير فانا لا ننكر ذلك وإنما المنكر هو النقل فلا يمكن الحكم بجوازه ولهذا يقبحون العقلاء من قسم من الشريكين المال بدون اطلاع صاحبه فاسد حيث ان عدم جواز التصرف من حيث التكليف لا ينافي ثبوت الوضع كما لا يخفى عليك فتأمل في المقام فإنه من مزال الاقدام.
ثم انه ذكر الاستاد العلامة بعد رفعه الاشكال من الاستدلال بالروايتين حسبما هو المعروف بينهم وان مقتضى تمامية الاستدلال بهما كون قضية الاصل الاولي بعد تشريع القسمة في الجملة جريان قسمة لاجبار في كل
في كل مورد إلا ما أخرجه الدليل فلا يحتاج القسمة بناء عليه إلا إلى رضاء الشريك أو من يقوم مقامه لو امتنع عنه من حيث ان القسمة مستلزمة للتصرف في مال الغير قطعا وهو لا يجوز إلا بإذنه أو بإذن وليه فبطل ما ذكرنا أولا من أن الاصل الاولي المستفاد من قوله لا يحل مال امرء الحديث والناس مسلطون على أموالهم وغيرهما عدم جواز قسمة الاجبار إلا في مورد ثبت خلافه بالاجماع ضرورة ان بعد البناء على كون القسمة هو عزل النصيب وفصله عن نصيب الآخر فكأنه يلتقط ماله من بين مال الشريك كما في المحسوسات مثل ما إذا وقع ثوب منه في دار يره لا يسلتزم أصلا حلية مال الشريك أو رفع سلطنته عنه حتى يتمسك لعدم جوازها وشرعيتها بالحديثين كلاما لتوضيح الموارد التي يجري فيها قسمة الاجبار عن غيرها على القول بتمامية الاستدلال بهما لا بد من التعرض له.
فقال دام ظله العالي ان القسمة بحسب الحصر العقلي لا تخلو إما أن تكون بحسب عين المال - المشترك بمعنى تجزية عين المال إلى جزئين أو أكثر بحسب قضية الشركة كما في المثليات أو بحسب ماليته بمعنى ملاحظة قيمة المال في القسمة ويقسم بحسبها كما لو كان بينهما جريب من الارض قيمته ماة دينار و جريبان قيمتهما أيضا ماة دينار فيأخذ أحدهما الجريبين والآخر الجريب المساوي قيمته لهما فهذا تعديل في المال المشترك وتقسيم له بحسب القيمة لا بحسب العين وإلا لقسم كل من الجريب والجريبين إلى قسمين كما يقسم الحنطة مثلا ولم يلاحظ فيه القيمة أصلا وان استلزم تقسيط المالية أيضا بحسب الواقع وعلى الثاني لا يخلو إما أن يتوقف تعديل السهام وتحقق موضوع القسمة إلى وضع شئ من خارج المال المشترك من مال أحد الشريكين على أحد السهمين ليعادل السهم الآخر بحسب القيمة التي تسمى الرد في كلماتهم بالمعنى.
الاخص أو لا يحتاج إلى ذلك أصلا وعلى الثاني لا يخلو أيضا إما أن يمكن القسمة بحسب العين أو لا يمكن ذلك بل طريق القسمة منحصر في ملاحظة القيمة والتقسيم بحسبها وعلى الاول لا يخلو أيضا إما أن يكون هناك غرض عقلائي في القسمة بحسب العين أو لا يكون وعلى التقادير إما أن يكون هناك ضرر في القسمة أو لا يكون فهذه أقسام لا بد من التكلم في كل منها من حيث جريان الاجبار فيه وعدمه.
أما التقسيم بحسب العين فإن لم يكن فيه ضرر على الشريك الممتنع فلا إشكال في جريان الاجبار فيه بل هو المتيقن مما يدخل فيه الاجبار كما لا يخفى وإن كان فيه ضرر على الشريك الممتنع فلا إشكال في عدم جواز الاجبار فيه بل ينتقل إلى التقسيم بحسب المالية حسبما هو قضية صريح كلماتهم كما لا يخفى لمن راجع إليها لا يقال ان مقتضى قوله الناس مسطلون على أموالهم جواز الاجبار وإن اسلتزم ضررا لانا نقول قوله لا ضرر ولا ضرار حاكم عليه لا يقال الامر بالعكس فإن من المقرر في محله جواز تصرف المالك في اله وإن استلزم ضررا على الغير والمفروض بناء على ما مر من كون القسمة عزل النصيب كونها تصرفا في أصل المال لانا نقول نمنع من عدم استلزامها التصرف في مال الغير لان الذي ذكرنا سابقا هو عدم استلزام القسمة عرفا لنقل مال الغير لا لعدم التصرف فيه ولهذا اشترطنا فيها إذن المالك أو من يقوم مقامه لان القسمة ليست أوضح أمرا من التقاط المال المعلوم الذي وقع في دار الغير والمفروض امكان التقسيم بنحو آخر وهو التقسيم بحسب المالية الغير المستلزم للضرر على الطالب فكيف يجبر الممتنع من الشركاء على التقسيم بحسب العين المستلزم لدخول الضرر عليه.
وأما التقسم بحسب المالية والقيمة فإن توقف تعديل السهام فيه ووجود موضوع القسمة على وضع شئ من خارج المال على أحد السهمين فلا إشكال في عدم جواز اجبار الممتنع منها على القسمة لان مرجع
الاجبار فيه إلى الاجبار على احداث موضوع القسمة ولم يدل دليل على جواز الاجبار بالنسبة إليه لان ما دل على جواز الاجبار فإنما هو بالنسبة إلى الاجبار على التقسيم بعد وجود موضوعه لا إلى الاجبار بالنسبة إلى احداث موضوع القسمة وما يتوقف عليه لان افراز المال في هذه الصورة غير ممكن فلا يجري دليل السلطنة فيها وإن شئت قلت ان القسمة المذكورة لما تضمنت معاوضة حسبما تقدم تفصيل القول فيه فلا بد من حصول التراضي من الطرفين وهذا هي قسمة الرد التي قد اتفقت كلمتهم على عدم جريان الاجبار فيها حسبما يعلم من الرجوع إليها.
وإن لم يتوقف تعديل السهام فيها على وضع شئ من الخارج فإن لم يتمكن من القسمة بحسب العين ولم يكن هناك ضرر في اصل القسمة فلا إشكال في دخول الاجبار فيه بل هو المتعين لقوله الناس مسلطون على أموالهم والمفروض انحصار السلطنة على المال في الفرض وافرازه في النحو المذكور فيصير هو المتعين وإن أمكن التقسيم بحسب العين وتعلق به غرض عقلائي للتشريك الممتنع فلا إشكال في كونه هو المتعين وعدم جواز الاجبار على التقسيم بحسب القيمة لان الاصل في القسمة هو القسمة بحسب العين لتعلق الشركة بها كما هو قضية معنى الاشاعة حسبما تقدم القول فيه لا يقال مقتضى اطلاق قوله الناس مسلطون على اموالهم جواز الاجبار بحسب القيمة أيضا لكونه تسلطا على المال أيضا لانا نقول التسلط على القيمة إنما يصدق عليه السلطنة على المال في المقام عرفا بعد العجز عن القسمة بحسب العين وإلا فطريق تخلص (تخليص خ) المال عرفا بحيث لو امتنع الشريك عنه أجبر عليه منحصر في القسمة العينية كما لا يخفى ومن هنا يظهر انه لا يمكن اجبار الشريك في مسألة التعديل الذي هو مقدمة للقسمة بنحو خاص منه إذا تعلق غرض عقلائي للممتنع عنه بنحو آخر بل لا بد فيه من القرعة نعم لو لم يتعلق، غرض عقلائي بما يريده الممتنع فلا إشكال في عدم الاعتناء به لان الالتزامات الشرعية إنما ترد على ما تعلق به غرض من العقلاء وإلا لوجب في تقسيم الحبوب مثلا تقسيم كل جزء من حبة إلى ن ينتهي إلى جزء لا يقبل التقسم ولو طلبه الشريك وهذا مما يعلم ضرروة فساده هذا كله إذا تعلق بتقسيم العين غرض عقلائي وأما إذا لم يتعلق بتقسيم العين غرض عقلائي فلا إشكال في جواز الاجبار على القسمة بحسب المالية وإن لم يتعين وعليه يمكن حمل عبارة المصنف التي قد استشكل فيها صاحب المسالك بما عرفت سابقا لكن هذا مجرد فرض لم نتحقق له مثالا في الخارج وهكذا ذكر الاستاد العلامة بعدما عرضت له ما عرفت من التوجيه.
ثم ان بما ذكرنا من التفصيل لا بد من حمل كلمات القوم الظاهرة بل الصريحة في جريان الاجبار في القسمة بحسب المالية أيضا وما يظهر منها عدم جريان الاجبار في القسمة بحسب المالية.
أما الاولى فلا بد من حملها على ما إذا لم يمكن التقسيم بحسب العين أو أمكن ولم يتعلق به غرض عقلائي قال في المبسوط بعد تقسيم القسمة إلى ما فيه رد من الخارج ويسمى بقسمة التراضي وما ليس فيه رد من الخارج ويسمى بقسمة الاجبار أي التي يدخل فيها الاجبار وتقسيمها إلى أربعة أحوال ما هذا لفظه وأما إذا اتفقت السهام واختلفت القيمة مثل ان كانت الارض بينهما نصفين وقيمتها مختلفة كأنها ثلثمائة جريب قيمة ماة جريب منها ماة وقيمة ماتين منها ماة فنعدلها بالقيمة فنجعل الماة سهما والماتين سهما انتهى ما أردنا حكايته وهو صريح في جواز القسمه بحسب المالية اجبارا وكذا كلام غيره فلا بد أن يكون المراد منها ما ذكرنا من الصورة الاولى.
وأما الثانية فلا بد من حملها على ما إذا أمكن فيه قسمة العين مع تعلق غرض عقلائي به قال في المبسوط
في مسألة تقسيم الحبوب ما هذا لفظه إذا كان بينهما أنواع من الحبوب حنطة وشعير وذرة ودخن وباقلا ونحو ذلك فطلب أحدهما أن يقسم كل صنف على حدته وقال الآخر بل يقسم بعضها في بعض بالقيمة بجعل الحنطة والذرة سهما والدخن والعدس سهما بالقيمة قدمنا قول من طلب أن يقسم كل صنف على حدته وأجبرنا الآخر عليها لان القسمة افراز حق لازالة الضرر وذلك حاصل إذا قسم كل صنف على حدته وأما إذا جعل الكل واحدا وقسم لم يحصل المقصود له في كل صنف من ملكه انتهى ما أردنا نقله من كلامه وهو كما ترى ظاهر بل صريح فيما ذكرنا من الصورة وقد صرح العلامة في التحرير والقواعد حسبما حكى عنه الاستاد العلامة بأن القسمة بحسب القيمة والمالية إنما هي فيما إذا لم يمكن التقسيم بحسب العينية وإلا فلا يجبر عليها قطعا.
ثم ان المراد من الغرض العقلائي الذي ذكروه في كلماتهم كل غرض يلزم من خلافه ضرر على صاحبه لا بمعنى النقص في العين أو خروجه عن قابلية الانتفاع به كما سيجئ في معنى الضرر الذي يشترطون عدم لزومه في قسمة الاجبار وإلا فما عللوا به الحكم بعدم جواز ملاحظة القيمة بعد إمكان ملاحظة التقسيم بحسب لعين من اختلاف الاغراض باختلاف الاعيان لا دليل عليه أصلا وهل المعتبر في تعلق الغرض هو تعلقه بحسب النوع أو بحسب شخص المقام وجهان الاقرب بمقتضى الاعتبار بل الدليل هو الثاني.
ثم من اشتراط عدم تعلق الغرض بالعين في القسمة بحسب القيمة حدث أقوال ثلاثة في جريان الاجبار في متفاوت الاجزاء أحدها عدم جواز الاجبار في القسمة بحسب المالية مطلقا بل قسمة تراض ليس إلا نظرا إلى اختلاف تعلق الاغراض باختلاف قيمة الاعيان المشتركة ثانيها جواز الاجبار فيها مطلقا فيما إذا لم يتعلق غرض بالعين والقول بتعلقه به دائما مجازفة بينة ثالثها التفصيل بين ما إذا كان الاعيان المشتركة متفقة بحسب - النوع وان اختلف قيمتها وبين ما إذا كانت مختلفة كاللب (كالبيت خ) والحمام والحنطة والثوب إلى غير ذلك بجواز الاجبار في الاول دون الثاني نظرا إلى اختلاف الاغراض في الثاني غالبا وإليه ينظر كلام العلامة في القواعد في الحكم بعدم جواز قسمة العبد والجوهر وان عدلت قيمتهما هذا كله فيما إذا لم يكن في القسمة ضرر.
وأما إذا كان فيها ضرر فلا يخلو إما أن يرد عليهما أو على الطالب أو على الممتنع فإن ورد عليهما فلا اشكال في عدم جواز الاجبار بالقسمة لما دل على نفي الضرر والضرار في الشريعة ولا يعارضه قولهصلىاللهعليهوآله الناس مسلطون على أموالهم لحكومته عليه في المقام حسبما تقدم تفصيل القول فيه سابقا وإن ورد على الممتنع فلا إشكال في عدم جواز اجباره على القسمة لما تقدم من الوجه فيكون الشركة باقية بينهما إلا مع حصول لتراضي بينهما فيقسمان حينئذ وإن ورد على الطالب فلا إشكال في جواز اجباره الممتنع على القسمة لعدم مانع عنه أصلا فيرجع إلى قوله الناس مسلطون على أموالهم لا يقال إذا أورد الضرر من القسمة على الطالب لا يجوز اجبار الممتنع لانه سفه لانا نقول بعد المنع من كلية الكبرى انه قد يقدم العاقل الرشيد على الضرر من جهة تعلق غرض عقلائي به فلا يكون فيه سفاهة حينئذ هذا.
ثم ان المراد من الضرر المانع من القسمة هل هو عدم الانتفاع بالنصيب أصلا أو نقصان قيمته أو عدم الانتفاع به منفردا بما كان ينتفع به مع الشركة أو نقصان القيمة نقصانا فاحشا وجوه بل أقوال والاولان للشيخ في و ضعين من المبسوط وللعلامةرحمهالله والثاني للشيخ في ف وللمصنف في المتن والاخير للشهيد في المسالك ودليل الكل ما دل على نفي الضرر في الاسلام وإنما الاختلاف في الصغرى فالحق الرجوع في معنى الضرر إلى العرف ولا إشكال في صدقه عندهم على نقصان المال نقصانا معتدا به بحسب قيمة النصيب قلة وكثرة فالمراد من الضرر فيما نحن
فيه هو المراد منه في باب الغبن وغيره من المقامات من ورود نقص على المستضر ضررا معتدا به بحسب مالية المال وهذا مما لا إشكال فيه إنشاء الله.
وحاصل ما ذكرنا من أول المبحث إلى هنا ان القسمة على ثلاثة اقسام قسمة افراز وهي قسمة الاشياء المتساوية الصفات كذوات الامثال والعرصة الواحدة المتساوية وقسمة تعديل والمراد بها عندهم هي ما يعدل سهامها بالقيمة وهي تنقسم إلى ما يعد شيئا واحدا وإلى ما يعد شيئين فصاعدا وقسمة رد وهي ما يتوقف تعديل السهام فيها بحسب القيمة إلى ضم شئ من خارج المال إليه لا إشكال بل لا خلاف في اجبار الممتنع عن القسمة في الاول إذا لم يكن فيه ضرر كما لا إشكال بل لا خلاف في عدم اجبار الممتنع في الثالث لما عرفت سابقا.
وإنما الاشكال والخلاف في الثاني فقد مال بعض أو جزم بعدم دخول الاجبار فيه مطلقا نظرا إلى اختلاف الاغراض فيه وذهب آخر إلى دخول الاجبار فيه ما لم يتضرر بالقسمة الممتنع مطلقا وذهب ثالث إلى التفصيل بين ما يعد شيئا واحدا كالارض وبين ما لايعد شيئا واحدا كالعبد والجوهرة والبيوت المتعددة والدكاكين المتعددة بدخوله في الاول دون الثاني معللا باختلاف الاغراض فيه نسبه الاستاد العلامة إلى جم قفير والتحقيق التفصيل حسبما عرفت تفصيل القول فيه سابقا.
ومجمل الكلام فيه انه ان أمكن معه قسمة الافراز من دون ضرر فلا إشكال في جواز الاجبار عليها لانها الاصل في قسمة الاعيان المشتركة وإن لم يمكن على النهج المذكور فإن لزم على الممتنع عنه ضرر سواء كان من جهة خلاف غرضه الموجب للضرر عليه وإن لم ينقص قيمة نصيبه حيث انك قد عرفت ان خلاف - الغرض قد يعد ضررا في العرف أو من جهة ورود نقص في قيمة نصيبه فلا يجبر بالقسمة لما دل على نفي الضرر والضرار وإن لم يلزم عليه ضرر منه فيجبر عليه لقوله الناس مسلطون على أموالهم من غير فرق فيما ذكرنا كله بين ما إذا عد السهام شيئا واحدا أو متعددا فإن لزم ضرر فلا يجبر فيهما وإلا فيجبر فيهما والقول بأنه إذا كان السهام متعددا يدخل عليه الضرر دائما ولو من جهة خلاف غرضه جزاف من القول كما لا يخفى المدار على الضرر في الحكم المذكور مطلقا وأما مجرد خلاف الغرض وإن لم يرجع إليه فليس دليل على كونه مانعا من الاجبار على القسمة.
وقد صرح بما ذكرنا من كون المناط في الاجبار وعدمه في الفرض عدم لزوم الضرر ولزومه الفاضل القميرحمهالله في أجوبة مسائله حسبما حكى عنه الاستاد العلامة نعم ذكر أعلى الله مقامه فيه انه لو تعارض لزوم الضرر على الممتنع مع لزوم الضرر على الطالب كما إذا أراد بيع ماله ولا يشتري أحد منه في حال الاشاعة من جهة كون صاحبه من أهل الظلمة أو سوء خلقه أو غير ذلك وكان نصيب الممتنع قليلا بحيث لم ينتفع به في حال الانفراد أقرع في الاجبار على القسمة وعدمه وتبعه على ما ذكره من كون المناط هو لزوم الضرر وعدمه دون جرد خلاف الغرض بعض مشايخنا المتأخرين.
ولا فرق فيما ذكرنا أيضا بين أن يكون الشركة الحاصلة في الاعيان في صورة التعدد بالسبب الواحد أو الاسباب المتعددة كما إذا كان السبب في شركة بعضها الارث من الاب وفي شركة الآخر الارث من الام وفي ثالث الشراء مشتركا إلى غير ذلك لعدم الفرق في مفاد ما ذكرنا بين الصورتين كما لا يخفى هذا.
ولكن ذهب شيخنا المتقدم ذكره إلى التفصيل بينهما فحكم بجواز الاجبار في الاول دون الثاني والاولى نقل كلامه لتطلع على غايه مرامه فقالرحمهالله بعد ما ذكر من كلام صاحب المسالك المتضمن لنقل الاقوال
التي ذكرنا وأورد عليه بأنه مجرد اقتراح وإنما صدر من العامة على أصولهم الفاسدة من قياس أو استحسان أو مصالح وذكر ان الضابط فيه على أصولنا هو ما ذكره سابقا من لزوم الضرر ما هذا لفظه نعم قد يتوقف في دعوى اقتضائه عدم قسمة العقار مع تعدده بعض في بعض ولو مع الانحصار في ذلك للضرر ضرورة كونه كالدار المختلف بنائها والبستان المختلف أشجارها في عدم صدق الضرر عرفا وكذا قسمة مختلف الجنس بعضه في بعض مع الانحصار فيه اللهم إلا أن يكون في مختلف جهة الشركة فيه بمعنى عدم الشركة في مجموع احاده وإن تحققت في أفراده بأسباب مستقلة فإنه لا جبر في قسمة بعض في بعض قطعا بل الظاهر عدم مشروعية القسمة فيه بالمعنى المصطلح وإن جازت بنوع من الصلح ونحوه لكون القسمة حينئذ قسمة معاوضة لا افراز وذلك لانه معها يكون له النصف من كل منهما مثلا ولا يجب عليه معاوضة ما يستحقه في أحدهما بما لصاحبه في الآخر إذ ليست هي افراز حينئذ بخلاف ما لو كانت الشركة في مجموعة فإن له حنيئذ نصفا منه وهو يمكن انطباقه على أحدهما ومن ذلك يظهر لك اعتبار الاشاعة في مجموع الاعيان المشتركة التي يراد قسمتها بعض في بعض بل لا موضوع للقسمة في غيره مما آحاده مشتركة بأسباب مستقلة من دون شركة بمجموعه وليس المراد في الاول اعتبار نصف المجموع مثلا كي يرد حينئذ عدم جواز قسمة بعض المال المشترك دون بعض أو قسمة بعضه بالافراز والآخر بالتعديل والمعلوم خلافه نصا وسيرة وإنما المراد زيادة مصاديق النصفية بملاحظة الشركة فيالمجموع على وجه يصح قسمة بعض في بعض بحيث يكون النصف أحد المالين مثلا فتأمل فإنه دقيق انتهى كلامه.
وفيه ان وحدة مالية الاعيان المتعددة المشتركة فيها وتعددها ليسا مما لهما واقعية أصلا فإنما هما باعتبار المعتبر فإذا لاحظنا واعتبرنا الاعيان المتعددة مالا واحدا وإن كانت الملكية المشاعة الحاصلة في كل منها بسبب مستقل فيصدق انها مال واحد فكل منها بعض المال المشترك بهذا الاعتبار فيصح أن يقال فيما إذا كانت اثنين ان كلا منهما نصف المال المشترك وكلا من نصف كل منهما ربع المال المشترك وهكذا في ساير الكسور نعم كل واحد منهما مال مستقل باعتبار خصوصية المحل القائم به المالية وبهذا الاعتبار لا فرق أيضا بين أن يكون السبب واحدا أو متعددا لان المالية القائمة بالدار غير المالية بالبستان مثلا ضرورة اقتضاء تعدد المحل تعدد الخصوصية من غير فرق بين تعدد السبب ووحدته لكن هذا إذا لاحظناها مضافة إلى العين الخاص والمحل المختص بها وأردنا التعديل بالنسبة إليها.
وأما إذا لاحظناها معراة عن هذا الاعتبار وأردنا التعديل بالنسبة إلى نفس المالية القائمة بها فلا إشكال في كون كل منها بعض المال بهذا الاعتبار بالمقسوم هو المال القائم بالمجموع ليس إلا فحديث تعدد السبب و اختلافه لا دخل له بتعدد المال ووحدته كيف وكثيرا ما يحصل الشركة في الاعيان المتعددة بين الشريكين بالاسباب المتعددة كما إذا كان بينهما ثمن يعاملون معه في السنة أو السنتين على سبيل الشركة ثم يريدون في آخر المدة تقسيم الاعيان المشتركة بينهم بالاسباب المتعددة ولم يقل أحد بعدم جواز قسمة التعديل في الصورة بعد عدم امكان قسمة الافراز مع ان أصل عقدهم للقسمة وأحكامها إنما هو في ضمن كتاب الشركة وهو الاصل له وكذا لا إشكال عندهم في جواز قسمة التعديل في باب المضاربة مع ان الشركة الحاصلة هناك في الاعيان المتعددة إنما هي بالاسباب المتعددة كما لا يخفى.
والقول بخروج الفرضين عن محل كلام المفصل نظرا إلى ان وحدة مالية الثمن في الفرض الاول المشتركة فيها تقتضي وحدة مالية ما يقابله من الاعيان وإن كانت الملكية الحاصلة في كل منها بسبب مستقل
ضرورة اشتراك العوض والمعوض في الحكم فالشركة الحاصلة في الثمن تقتضي حصول الشركة في المثمن نحو وجودها فيه وإلى ان وحدة العمل من المضارب عرفا يقتضي وحدة مالية في الاعيان المشتركة فيها أيضا فهما خارجان عن محل الفرض.
وإنما الكلام فيما إذا حصل المالية المشتركة في كل منهما لسبب مستقل مع عدم وحدة الثمن كما إذا انتقل إليهما بالاشتراك عين كالدار من أبيهما وعين آخر من أمهما جزاف لا يصغى إليه أصلا مع ان المفصل في صورة تعدد الاسباب بين الصور المذكورة ولا معنى للتفصيل أيضا فهو توجيه لا يرضى به المفصل قطعا.
وبالجملة التفصيل بين تعدد الاسباب ووحدتها في جواز الاجبار في قسمة التعديل وعدمه الظاهر انه خلاف قضية كلماتهم الظاهرة بل الصريحة في عدم التفصيل فراجع إليها حتى نقف على حقيقة الامر هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة ولعل للتأمل في المقام مجالا فتأمل.
قوله وإن كان يدهما عليه ولا منازع اه أقول لا إشكال في جواز القسمة من جهة اليد بل لعله لا خلاف بيننا لان ما نسب إلى الشيخ من الخلاف قد رده بعض مشايخنا بعدم التحقق وقد وافق المشهور في الخلاف بل ي موضع من المبسوط والدليل عليه ان القسمة ليست عندنا بحكم حتى يحتاج إلى البينة وإلا فلا بد أن يكون القاسم هو الحاكم الشرعي ليس إلا بناء على ما هو المعروف الذي نقل الاتفاق عليه في كلام جماعة من عدم جواز ان يتصدى الحكم غير من يكون من أهل الفتوى فالقسمة من جهة اليد نظير ساير الآثار المترتبة عليها كالحكم بملكية ما في اليد لصاحبها ونحوها من الآثار التي الحاكم وغيره فيها سواء ثم ان فايدة البينة في الصورة التسجيل كما هو من أحد فوائدها بناء على ما ذكره جماعة منهم العلامة حسبما عرفت سابقا.
قوله أما الاول فهو أن يكتب كل نصف في رقعة اه أقول أورد في المسالك على ما ذكره المصنف وجماعة من كيفية القرعة من انه لا دليل عليه أصلا إذ ليس للقرعة كيفية خاصة بل تتأتى بما ذكروا وغيره مما عليه بناء الناس في البلاد على أنحاء مختلفة هذا.
ولكن يمكن أن يقال ان ما ذكروه ليس تقييدا في كيفية القرعة وتخصيصا لها بنحو خاص حسبما يتوهم من أول النظر في كلماتهم بل هو تعبير عما ورد في النصوص تيمنا فافهم.
قوله وأما لو كانت قسمة رد وهي المفتقرة إلى رد اه أقول قد عرفت سابقا انه لا إشكال بل لا خلاف في عدم دخول الاجبار في قسمة الرد التي هي عبارة عن ضم شئ من الخارج إلى أحد السهمين ليتعادل السهم الآخر سواء قلنا بكون مورد القسمة مجموع المنضم والمنضم إليه في مقابل السهم الآخر أو خصوص المنضم إليه النسبة إلى ما يقابله ويكون المنضم عوضا عن الجزء الزايد من مقابل المنضم إليه فيكون قسمة متضمنة لمعاوضة لما قد عرفت سابقا ان الاجبار على موضوع القسمة أو المعارضة المتحققة في ضمنها مما لم يدل دليل عليه أصلا وتوهم انه بالجعل يصير الخارج كالجزء من المال المشترك فيدخل فيه الاجبار فاسد جدا لان الاجبار على جعل الخارج بمنزلة جزء من المال المشترك بازاء جزء منه ان رجع إلى الاجبار على المعاوضة فلا دليل عليه وإن كان المراد منه مجرد فرض طالب القسمة الخارج جزء من المال المشترك فلا دليل على ان مجرد فرضه يجعله في حكم الجزء منه وهذا مما لا إشكال ولا سترة فيه أصلا.
إنما الاشكال في انه إذا أراد طالب القسمة من الشريكين قسمة التعديل في مورد قسمة الرد بمعنى
أراد قسمة الناقص قيمة بالنسبة إلى ما يقابله من الزايد قيمة يخرج أحد العينين من الاشاعة ويبقى الآخر فيها كما إذا كان بينهما عبدان قيمة أحدهما ألف دينار وقيمة الآخر خمسماة دينار فطلب قسمة الناقص قيمة بالنسبة إلى ما يقابله فيكون لمن أخرج الناقص له في الزايد ربع من القيمة على سبيل الاشاعة فهل يجبر عليه على تقدير جوازه بالتراضي من جهة قوله الناس مسلطون على أموالهم حسبما سيأتي تفصيل القول فيه إنشاء الله أم لا وجهان أوجههما عند الاستاد العلامة جازما به الثاني نظرا إلى عدم الدليل عليه فإنا وإن قلنا بجواز القسمة المذكورة في صورة التراضي وأغمضنا النظر عما قيل عليه من عدم مشروعيتها بل عدم تحقق موضوع القسمة والتميز بين السهمين فيها فلا نقول بجواز الاجبار فيه نظرا إلى عدم دلالة الناس مسلطون عليه لان ظاهره فيما إذا تراضيا به هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة.
ولكنك خبير بأنه لو دل قوله الناس مسلطون على أموالهم على جواز القسمة في صورة التراضي فثبت مشروعيتها لدل على جواز الاجبار في القسمة أيضا لعدم الفرق في مفاده بين الصورتين وبالجملة تخصيص الرواية بصورة التراضي مما لا وجه له وإلا لم يجز التمسك بها في اصل الاجبار في القسمة مطلقا وقد عرفت ذهاب لاستاد العلامة إلى دلالتها عليه في غير المقام هذا مضافا إلى ما دل على نفي الضرر والضرار لو فرض هناك ضرر على الطالب فإذا الحق جواز الاجبار في الفرض على تقدير القول بمشروعية القسمة في صورة التراضي والقول بأنه خلاف ظاهر كلماتهم من حيث اطباقها على عدم جريان الاجبار في قسمة الرد فيه ما لا يخفى على المتأمل لان الفرض ليس من قسمة الاجبار في شئ بل هو قسمة تعديل في مورد قسمة الاجبار كما هو واضح نعم لو فرض هناك ضرر على الممتنع لم يجبر على القسمة والقول بوجوده في جميع المقامات فيه مما لا يخفى على المتأمل فتأمل.
قوله إذا اتفقا على الرد وعدلت السهام فهل يلزم بنفس القرعة اه أقول قد عرفت سابقا في طي بعض كلماتنا مجمل القول في ذلك فبالحري ان نشرح القول فيه في المقام ليرتفع غواشي الاوهام عن وجه المرام فنقول بعون الملك العلام انه ذهب جماعة منهم الشيخ في المبسوط وبعض من تقدم عليه وتأخر عنه كالعلامة في التحرير والارشاد والفخر في شرحه والشهيدين في الدروس والمسالك إلى عدم كفاية القرعة في اللزوم ل يحتاج إلى الرضاء بعدها وذهب بعض إلى كفاية القرعة في اللزوم وعدم الاحتياج إلى الرضاء بعدها نظرا إلى تبانيهما ورضاهما من أول الامر على اعطاء كل من اخرج له القرعة السهم الزايد قيمة الجزء الذي يختص بالشريك الآخر فبعد القرعة لا معنى للاحتياج إلى الرضاء بعدها هذا مجمل متمسك القول بالكفاية.
وأما ما استدل به للقائلين بعدمها فوجوه من الادلة أحدها ما استدل به في المسالك ويستفاد من كلام الشيخرحمهالله من أن قسمة الرد معاوضة قطعا وصحة المعارضة شرعا تتوقف على تعيين من عليه العوض وهو غير معين قبل القرعة واقعا فإنه أحد الشريكين فالرضاء بأن يكون العوض على أحدهما الغير المعين الحاصل قبل القرعة لا ينفع في تحقق المعاوضة وهذا بخلاف بعد القرعة فإنه يعين من عليه العوض لو أرادوا المعاوضة فإن اتفقا عليها بأن تراضيا بعدها فتحقق المعاوضة المعتبرة شرعا وإلا فلا وهذا معنى كلام الشيخرحمهالله في موضع من المبسوط ان فايدة القرعة تميز البايع من المشتري فيحتاج تحقق البيع إلى تراض من المتبايعين.
وأورد عليه بأن من عليه العوض في المقام أيضا معلوم بحسب الواقع وفي علم الله وهو من أخرج باسمه الزايد قيمة وإن لم نعلمه واشتراط المعلومية زايدا على هذا في صحة المعاوضة في كل مورد لم يدل عليه دليل أصلا بل مقتضى أوفوا بالعقود وجوب الوفاء بالمعاوضة في المقام أيضا فتأمل.
ثانيها ما ذكره الاستاد العلامة من انه لا إشكال ولا ريب حسبما هي قضية كلماتهم في توقف تحقق - القسمة على سبق التعديل بين السهمين فلو قلنا بحصول القسمة في المقام بنفس القرعة لم يتحقق هناك تعديل أصلا لان قبلها لا مقابل للجزء الزايد المختص بأحد الشريكين في السهم الزايد لان ما في الذمة لا يصير قابلا بالمال إلا بعد تعين الذمة وليس هو كمالية الاعيان الخارجية حتى لا يتوقف ملاحظة التعديل بينهما إلى ملاحظة المالك أصلا كما في قسمة التعديل لان ما في الذمة ليس له تحقق بل إنما هو أمر يعتبره أهل العرف واعتبارهم إياه إنما هو فيما إذا تعين من يعتبر في ذمته.
لا يقال لو بنى على ما ذكر لم يتحقق التعديل بعدالقرعة أيضا لان المفروض ان القرعة لا توجب اللزوم حسبما هو المفروض ومالية ما في الذمة إنما هو بعد استقراره في الذمة لانا نقول نمنع من توقف اعتبار ما في - الذمة على استقراره في الذمة زايدا على تعيين من يعتبر في ذمته وإلا لوجب الحكم بعدم صحة البيع نسية لان استقرار المال في الذمة إنما هو بعد تحقق البيع لا قبله فتحقق المالية لا يتوقف على الاستقرار أصلا هذا إذا جعل بدل الزايد ما في الذمة.
وأما إذا جعل بدله العين الخارجي من كل منهما بمقدار قيمة الجزء الزايد المختص بأحدهما كما فرضنا قيمته مأة دينار وجعل كل منهما ماة دينار في الخارج بدلا عنه على تقدير خروج الزايد قيمة له فالتعديل فيه أيضا غير متحقق لان أحد العينين الغير المعين بحسب الواقع لا يقابل عند العرف بالمال فتأمل فيه فإن للنظر فيه مجالا.
ثالثها ما ذكره الاستاد العلامة أيضا من ان صيرورة الخارج جزء من السهم الناقص حتى يتحقق القسمة بالنسبة إلى المجموع تتوقف على انتقاله إلى من يخرج له الناقص بازاء الجزء الزايد وإلا فمجرد تصوره مع عدم انتقاله وبقاء ما بازائه على ملك الشريك لا يجعله جزء فالناقل له في المقام لا يخلو إما أن يكون هو التباني والتراضي الموجودين قبل القرعة أو نفس القرعة أو هما معا لا سبيل إلى شئ منها اما إلى الاول فلان مجرد التراضي والتباني في الفرض غير ناقل إجماعا حتى من القائلين بكفاية القرعة واما إلى الثاني فلان القرعة ليست من النواقل وإنما شأنها الافراز بالجعل العرفي والمفروض اثبات الانتقال بنفسها ومنه يظهر وجه عدم السبيل إلى الثالث أيضا فالقسمة هنا تحصل بالتراضي بعدها لا يقال ان القرعة في قسمة التعديل والافراز ناقلة أيضا لجزء من مال كل من الشريكين إلى الآخر فلا ضير في القول بكونها ناقلة في المقام أيضا لانا نقول القرعة وإن استلزمت النقل في الصورتين أيضا إلا أن النقل فيهما غير النقل في المقام لانه فيهما من لوازم الافراز الجعلي بالقرعة وهذا بخلاف المقام فإن النقل فيه ليس من حيث الاستلزام المذكور لعدم تحقق التعديل قبله لفرض بقاء - الخارج في ملك مالكه فالقرعة فيه على القول بكفايتها ناقلة ابتداء للخارج وهو مما لم يدل عليه دليل أصلا فإن قلت على القول بالاحتياج إلى الرضاء يكون نفس الرضاء أو هو مع القرعة مقسما وناقلا للخارج والرضاء وإن كان صالحا لتحقق النقل به إلا انه غير صالح لتحقق القسمة به في المقام بناء على ما ذكرت من توقف حصول التعديل على دخول الخارج في ملك أحد الشريكين لان هذا الدخول يحصل بنفس التراضي للاحق فلا يمكن أن يتحقق به القسمة أيضا لتوقف حصولها على تحقق التعديل أولا فإن بنى على كفاية مجرد تصور الخارج جزء في تحقق التعديل كما هو الظاهر من المتن وغيره فليبن عليها على القول بكفاية القرعة أيضا فيكون القرعة من الرضاء السابق عليها مفرزة للنصيب المستلزم افرازه لنقل الخارج أيضا كما انه مستلزم لنقل جزء
من أصل المال المشترك.
قلت نختار كون نفس الرضاء معدلا ومقسما لكن نمنع من اشتراط حصول التعديل قبل القسمة زمانا هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
وللنظر فيه مجال واسع اما أولا فلانا نختار كون الناقل هو الرضاء السابق مع القرعة كما انه اختار كون الناقل هو الرضاء اللاحق مع القرعة ومجرد سبق الرضاء ولحوقه لا يصير مناطا للفرق وأما ثانيا فلان ما ذكره أخيرا من عدم توقف حصول القسمة على تقديم التعديل مع ما فيه من فساده ضرورة يجري بعينه على القول الآخر أيضا كما لا يخفى فتأمل في المقام فإنه لا يخلو عن إشكال وإن كان القول بالكفاية لا يخلو عن قرب.
ثم ان هنا امورا ينبغي التنبيه عليها أحدها ان الملزم على تقدير القول بالاحتياج إلى الرضاء هل هو نفسه أو التصرف كالمعاطات وجهان أوجههما الاول بناء على حصول التميز والملكية المعينة به من جهة الاصل وقد مر سابقا الاشارة إليه أيضا ثانيها انه لا ريب ولا شبهة في جواز كون الخارج الذي هو بدل لجزء من المال المشترك أنقص قيمة منه بعد تراضيهما عليه لانه بعد فرض جعله بدلا له يكون حكمه حكمه فكأنه هو التعديل المعتبر بين السهام يحصل معه بالنظر إلى بدليته فظهر منه اندفاع توهم اشتراط مساواته معه في القيمة نظرا إلى عدم حصول التعادل بدونها هذا والحق أن يقال ان قسمة الرد قسمة متضمنة لمعاوضة فعليه لا يرد إشكال أصلا كما لا يخفى ثالثها انه هل يجري حكم الرباء في قسمة الرد بالنسبة إلى ما تتضمن من المعاوضة على القول بجريانه في مطلق المعاوضة كما هو الظاهر أم لا وجهان من انها معاوضة فيدخلها حكم الرباء ومن انها وإن تضمنت معاوضة إلا انه يطلق عليها القسمة باعتبار المجموع من حيث المجموع أوجههما الاول لما عرفت وقد منع بعض مشايخنا من كون قسمة الرد متضمنة لمعاوضة وإنما فيها معنى العوضية وهو غير المعاوضة كما لا يخفى وفيه ما لا يخفى فإن حقيقة المعاوضة ليست إلا مبادلة مال بمال وهي في المقام موجودة قطعا فالمنع من تحقق المعاوضة مما لا وجه له أصلا فلا يصغى إليه قطعا رابعها انه لا ريب ولا إشكال في جريان ما يترتب في الشريعة على المعاوضة من حيث هي معاوضة من الاحكام من غير مدخلية لعنوان خاص منها كالبيع ونحوه في - المقام أيضا كالغرر ونحوه فإن مادل على حكم الغرر في البيع لم يدل عليه من جهة تحققه في ضمن هذه المعاوضة الخاصة كما لا يخفى وكذا لو ظهر عيب في أحد السهمين بعد القسمة فإنه لا إشكال في جريان حكمه من التخيير بين الفسخ والارش لان ما دل على حكمه في باب البيع لم يدل عليه من حيث وجوده في المبيع كما لا يخفى نعم قد يقال بل قيل بل لا بعد في الالتزام به بفساد القسمة حينئذ لكشفه عن عدم حصول التعديل المعتبر في القسمة نعم لو حكم بصحتها أمكن القول بجريان حكم العيب فيه ولا يعارضه قوله الناس مسلطون على أموالهم لان ما دل عليه من عمومات نفي الضرر حاكم عليه فتأمل فما ذكره بعض مشايخنا من عدم جريان حكم الفسخ في القسمة فيه ما لا يخفى وأولى بعدم الاشكال ما لو تراضيا بالفسخ لعموم ما دل على ثبوت السلطنة ومنه يظهر فساد ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره.
فظهر مما ذكرنا ان موارد التمسك بقوله الناس مسلطون على أموالهم ثلاثة أحدها في مقام اثبات أصل شرعية التصرف الخاص كالبيع والهبة والقسمة وأمثالها ثانيها في مقام اثبات اللزوم كما في البيع إذا أراد أحد المتبايعين عدم الالتزام بمقتضاه وكما في القسمة بعد حصولها لان الشريك الممتنع مسلط على ماله لان المفروض حصول الملكية المعينة له فهو مسلط على عدم ارجاعها إلى الاشاعة ثالثها في مقام اثبات مشروعية
الاقالة في البيع وغيره هذا لكن يمكن أن يقال انه لا يمكن اثبات الثالث به لانه كما لا يمكن اثبات السببية لشئ به حتى يترتب عليه الاثر الشرعي حسبما تقدم تفصيل القول فيه كذلك لا يمكن اثبات سببية شئ به لرفع - السبب الشرعي ضرورة عدم الفرق بينهما كما لا يخفى وسيجئ بعض الكلام فيه.
نعم لو ترتب حكم في الشريعة على خصوص البيع لم يكن معنى لاجرائه في المقام أيضا كما في الرباء على القول باختصاصه بالبيع والله العالم.
قوله إذا ادعى بعد القسمة الغلط عليه لم يسمع دعواه الخ أقول ادعاء أحد الشريكين الغلط في القسمة لا يخلو إما أن يكون على الشريك سواء كان من جهة وقوع الغلط في التعديل أو في القسمة وسواء كان المعدل والقاسم أنفسهما أو غيرهما أو على المعدل أو على القاسم فيما إذا كانا غير الشريكين وكان المعدل غير القاسم على تقدير الدعوى على القاسم لا يخلو إما أن يكون هو المنصوب من جانب الامامعليهالسلام أو حاكم الشرع أو غيرهما ممن تراضيا على كونه قاسما فقد ادعى في جميع هذه الصور ان الاصل مع منكر وقوع الغلط لاصالة الصحة في القسمة من حيث كونها الاصل في الافعال الصادرة من المسلم هذا.
وقد تنظر فيه الاستاد العلامة بأن مرجع دعوى الغلط في القسمة إلى انكار أصل القسمة فليس هناك قسمة مسلم الوقوع بين الشريكين قد وقع النزاع في صحتها وفسادها حتى يحكم بصحتها ولا يتوهم جريان هذا الاشكال في ساير المقامات أيضا بأن يقال ان مرجع نزاع المتبايعين في صحة البيع وفساده إلى انكار أصل البيع فإن البيع العرفي هناك متحقق مسلم الوقوع بينهما وإنما يدعي أحدهما فساده من جهة عدم مراعات بعض ما اعتبر فيه شرعا وهذا بخلاف المقام فإن مرجع النزاع فيه إلى انكار أصل القسمة العرفية ضرورة ان القسمة من دون التعديل لا تسمى قسمة عرفا أيضا.
والحاصل القسمة عبارة في العرف عن التمييز والافراز حسبما عرفت سابقا فإن سلم وقوعها فلا معنى لدعوى غلط أحد الشريكين فيها وإلا فمرجع النزاع إلى أصل وقوعها هذا.
ثم أجاب دام ظله عن الاشكال المذكور بوجهين أحدهما أن يكون المراد بالقسمة هي صورتها لا القسمة الحقيقية فيقال ان الاصل صحة ما وقع من صورة القسمة المسلمة بينهم ثانيهما أن يكون المراد منها سبب القسمة أي فعل القاسم الذي سبب لتحقق التمييز فإنه قد يقع ولا يترتب عليه التميز والانعزال وقد يقع و يترتب عليه وقد يقع ويشك في ترتبه عليه فالاصل الترتب نظرا إلى أصالة الصحة في الفعل الواقع من المسلم وكيف كان فلنتعرض لبيان حكم الصور فنقول أما الصورة الاولى وهي ما إذا كان المدعى عليه الشريك فلا إشكال في سماع دعواه إذا كان له بينة على طبقها مطلقا فيحكم بفساد القسمة وبقاء الشركة بينهما في لمال وإن لم يكن له بينة فالظاهر سماع دعواه أيضا وحينئذ فلا يخلو إما أن يجيب المدعى عليه بالنفي واقعا أو بعدم العلم وعلى التقديرين لا يخلو إما أن يكون هو القاسم والمعدل أو غيره فإن كان هو القاسم والمعدل فلا إشكال في توجه اليمين التي عليه سواء أجاب بنفي الواقع أو بنفي العلم وإن كان غيره فإن أجاب بنفي الواقع فلا إشكال أيضا في توجه اليمين التي عليه وإن أجاب بنفي العلم فالذي يظهر من جماعة منهم المصنف انه لو ادعى عليه يستحلف على نفيه وإلا فلا يتوجه اليمين عليه أصلا على ما هو شأن الدعوى على فعل الغير عند الاكثر والذي صرح به الاستاد العلامة في مجلس البحث ويظهر من ثاني الشهيدين في المسالك أيضا انه يتوجه عليه اليمين على البت وإن قلنا ان اليمين على نفي فعل الغير على نفي العلم به بعد دعوى العلم به حسبما عليه جماعة أو مطلقا بناء على ما صرنا
إليه واستظهرناه من جماعة والوجه في كون اليمين في المقام على البت مع فرض رجوع الدعوى إلى فعل الغير ان فعل الغير في المقام من قبيل الآلة كالكيال مثلا ففي الحقيقة يرجع الدعوى إلى فعل النفس ومن هنا يجب عليه اليمين على البت وإن أجاب بنفي العلم بمعنى كون وظيفته ذلك فيلزم بالحلف أو الرد أو الخروج من الحق هذا ملخص ما ذكره دام ظله وعندي فيه تأمل يظهر وجهه بالتأمل فتأمل ثم فيما يتوجه عليه اليمين فإن حلف فهو وإلا فيظهر تفصيل القول في حكمه مما فصلنا فيه سابقا فراجع.
وأما الصورة الثانية فإن كان له بينة على ما يدعيه من خطئه في التعديل فلا إشكال في سماع دعواه فيحكم بفساد القسمة وإن لم يكن له بينة عليه فهل تسمع دعواه عليه أم لا وجهان مبنيان على تغريمه لو أقر بالخطأ وعدمه فإن قلنا بالاول فتسمع دعواه فيتوجه عليه اليمين على البت لرجوع الدعوى فيه إلى فعل النفس وإن قلنا بالثاني فلا يتوجه عليه اليمين هذا كله فيما لم يكن أجيرا للتعديل وإلا فلا إشكال في توجه الدعوى عليه كما لا يخفى.
وأما الصورة الثالثة فإن كان له بينة فتسمع دعواه مطلقا لعموم ما دل على اعتبارها وإن لم يكن له بينة فإن كان القاسم منصوبا من جانب الامامعليهالسلام أو كان حاكم الشرع ففي توجه الدعوى عليه وعدمه وجهان مبنيان على ما ذكر في الصورة السابقة والقول بعدم توجه الدعوى عليهما مطلقا حتى مع البينة على الغلط نظرا إلى نفوذ قسمتهما على الشريكين ووجوب الرضاء عليهما بها فيه ما لا يخفى إذ بعد فرض كون القسمة حكما حتى يجري فيها أدلة أنفاذ حكم الحاكم نمنع من قيام دليل على عدم سماع الخطأ فيها وإنما الممنوع عدم قبول قسمة المنصوب أو الحاكم اقتراحا لانه مناف لقضية النصب وأما عدم قبولها من جهة خطئه في التعديل أو في أصل التقسيم فلم يدل دليل على منعه أصلا بل هما من هذه الجهة كساير الناس.
والحاصل ان عدم الرضاء بتقسيم المنصوب مثلا إما من جهة ادعاء خطأ نظره في التعديل أو في التقسيم أو اقتراحا وقضية نصبه هو عدم جواز الثالث لا الاولين فإذا قسم المنصوب المال بالقرعة بين الشريكين فهو نافذ عليهما بمعنى عدم توقفه على رضائهما وأين هذا من عدم سماع دعوى أحدهما خطئه في القسمة وبالجملة القسمة ليست بأولى من الحكم ومن المعلوم سماع دعوى خطأ الحاكم في حكمه بالبينة هذا.
وإن كان القاسم من تراضيا عليه من دون نصب أصلا ففي توجه الدعوى عليه في صورة عدم البينة و عدمه وجهان مبنيان على الوجهين في الصورة السابقة هذا وقد يقال بعدم توجه الدعوى عليه من جهة ما دل على انه ليس على الامين فيما إذا كان منكرا يمين وفيه تأمل ولا يخفى وجهه فتأمل.
قوله إذا اقتسما ثم ظهر البعض مستحقا الخ أقول إذا اقتسم الشريكان المال ثم ظهر بعضه مستحقا للغير فلا يخلو إما أن يكون معينا أو مشاعا وعلى الاول لا يخلو إما أن يكون مع أحدهما أو يكون مع كل من النصيبين وعلى الثاني لا يخلو أيضا إما أن يكون في كل منهما بالسوية أو بالتفاوت فإن كان مع أحدهما أو مع كل منهما مع التفاوت فلا إشكال في فساد القسمة وبطلانها بل لا خلاف فيه لاستلزامه بقاء الشركة في أحد النصيبين.
ومن هنا يمكنك أن تقول بعدم تحقق موضوعها أيضا لان القسمة بدون التعديل ليست قسمة حقيقة كما انه لا إشكال ولا خلاف في عدم فسادها وبطلانها لو كان مع كل منهما بالسوية لعدم منعه عن بقاء الافراز الذي هو فايدة القسمة كما لا يخفى.
نعم ذكر بعض مشايخنا انه ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يحدث نقصا في حصة أحدهما خاصة بأخذه ولم
يظهر به تفاوت مثل أن يسد طريقه أو مجرى مائه أو وضوئه فإن القسمة حينئذ باطلة لبطلان التعديل ولا أس به بناء على ما ذكرهرحمهالله من كشفه عن عدم حصول التعديل.
إنما الاشكال فيما إذا كان مشاعا وقد نقل المصنف فيه قولين عن الشيخرحمهالله في المبسوط أحدهما لا تبطل فيما زاد عن المستحق والثاني تبطل والاولى نقل كلامه حتى يظهر صدق النسبة فقالرحمهالله بعدما ذكره حكم ما و كان الخارج بعضا معينا ما هذا لفظه وأما إن كان مشاعا في الكل تبطل في القدر المستحق ولم تبطل فيما بقى وقال قوم تبطل فيما بقى أيضا والاول مذهبنا والثاني أيضا قوي لان القسمة تميز حق كل واحد منهما عن صاحبه وقد بان انه على الاشاعة والعلة الجيدة في ذلك انهما اقتسماها نصفين وثلثها للثالث وهو غايب ومن قسم ما هو مشترك بينه وبين غيره بغير حضوره كانت القسمة باطلة انتهى كلامه وأنت خبير بأن نسبة القولين إليه ان كان مبنيا على هذا الكلام ففيها تأمل لا يخفى وجهه على المتأمل.
وكيف كان فالحق وفاقا للمشهور بطلان القسمة لما ذكر الشيخ أخيرا وهو في غاية الجودة لما عرفت سابقا ان القسمة بدون اذن أحد الشريكين أو الشركاء فاسدة ووجهه الاستاد العلامة دام ظله بأن صحة التقسيم على النحو المذكور موجب لتقليل ما كان للثالث من جهات التعيين والتعديل لان له أن يقسم المال أثلاثا فيأخذ ثلثا منها فالحكم بصحة التقسيم بدون اذنه واشتراكه مع كل شريك في ثلث مما أخذه مناف للتسلط المذكور الذي يقتضيه اشتراكه في تمام المال وهو في غاية الوجاهة.
فاندفع به ما ربما يتوهم في وجه الحكم بالصحة من أن التقسيم المذكور لا ينافي قضية اشتراكه في المجموع لانه لا يقتضي إلا وجود حصته في كل جزء فرض من العين والمفروض الحكم باشتراكه مع كل من الشريكين فيما يأخذه من النصف فالحكم بصحته غير مناف لسلطنته على حقه وليس ذلك موجبا لتكثير الشركة حتى يحكم بفساده من حيث استلزامه للضرر كما يتوهم وليس معنى الاشاعة تعلق حق الشريك بكل جزء فرض من العين على سبيل البدلية بمعنى كون تمامه له حسبما توهمه بعض المشايخ حتى يحكم بفساده كما هو لازم هذا الفرض من حيث استلزام الحكم بصحته رفع هذا المعنى.
توضيح الاندفاع ان اشتراكه في المجموع وإن لم يقتض كون تمام حقه في كل جزء فرض من العين على سبيل البدلية إلا أن من المعلوم اقتضائه تسلطه على تثليث المال في مقام التقسيم ضرورة انه ليس لاحد لشركاء فيما إذا كانوا ثلاثة إجبار الآخر على أخذ حقه من جزء معين وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا نعم لا إشكال في صحة التقسيم لو رضى الثالث وأذن بالتقسيم من أول الامر كما انه لا إشكال أيضا في صحته لو لحقه الرضاء منه بناء على ما هو المحقق في محله من ان كل شئ يؤثر فيه الرضاء سابقا يؤثر فيه الرضاء لاحقا أيضا المستفاد من التعليل في قوله لانه لم يعص الله وإنما عصى سيده لان الظاهر منه إن كلما كان المانع عن الحكم بالصحة بالنسبة إلى شئ تعلق حق الناس به فيرتفع برضائه اللاحق وإن كان غير راض أولا فهو يدل على جريان الفضولي بالنسبة إلى كل شئ وهذا بخلاف حق الله لانه يمتنع عليه الرضاء لاحقا بعد ما لم يكن راضيا أولا فظهر مما ذكرنا ان في المقام لو رضي الثالث بالتقسيم لا إشكال في الحكم بصحته والله العالم.
قوله لو قسم الورثة التركة ثم ظهر على الميت دين اه أقول الكلام في المقام قد يقع على القول بانتقال التركة إلى الوارث في صورة وجود الدين مطلقا أو فيما لم يكن مستوعبا لان الكلام في الفرض أيضا أعم من الصورتين وقد يقع على القول بعدم انتقالها إليه في صورة وجود الدين.
أما الكلام على القول فلا إشكال بل لا خلاف في صحة القسمة في صورة ظهور الدين بل مع العلم به من أول الامر سواء كان مستوعبا أو لا لما قد عرفت في طي كلماتنا السابقة من جواز كل تصرف للوارث في التركة الغير المنافي لتعلق حق الغير بها بأن لا يكون مستلزما لتفويت ماليتها كتبديلها بما يساوي قيمتها ونحوه من التصرفات الغير المتلفة للمالية لانه مقتضى الجمع بين قوله الناس مسلطون على أموالهم وتعلق حق الديان بالتركة.
أما الكلام على القول الثاني فلا إشكال فيه أيضا في صحة القسمة بناء على ما عرفت سابقا من أنا وإن لم نقل بانتقال التركة إلى الوارث في صورة وجود الدين إلا انا نقول بجواز تصرفه في التركة بما لا ينافي لتعلق حق الداين لما دل عموما على كونه اولى بالميت من غيره فقضية الجمع بينه وبين ما دل على مراعات حق الديان الحكم بجواز التصرفات الغير المنافية لتعلق الحق بها.
فظهر مما ذكرنا اندفاع الاشكال الذي أورده جماعة على المصنف منهم ثاني الشهيدينقدسسره في المسالك من ان القول منه بصحة القسمة في الفرض ينافي ما ذهب إليه من عدم انتقال التركة إلى الوارث وبقائها على حكم مال الميت هذا.
ثم انه ذكر جماعة على تقدير صحة القسمة انه لو أقام الورثة جميعا بالدين فلا تبطل القسمة وإن لم يقيموا جميعا نقضت وقضى منها الدين هكذا في المتن وغيره من بعض كتاب الاصحاب وفي الدروس وغيره انه لو امتنع بعض دون بعض نقضت بالنسبة إلى الممتنع وقضى من حصته الدين دون المقيم بالوفاء هذا ولا يخفى عليك ما فيه من الاشكال لان بعد الحكم بصحة القسمة لا معنى لعود المال إلى الاشاعة بعد الامتناع من الكل أو البعض لان غاية ما يقتضيه هو وفاء الدين من التركة لا فساد القسمة كما لا يخفى على ذوي الافهام المستقيمة اللهم إلا أن يكون مرادهم بنقض القسمة في صورة الامتناع عدم تسلط الممتنع على نصيبه تسلطا تاما بل يبيع (يباع خ) عليه قهرا ويقضى منه الدين فتأمل هذا كله فيما لو ظهر بعد القسمة دين.
أما لو ظهر بعدها وصية تقتضي التمليك فلا يخلو إما أن لا تكون متعلقة بعين التركة كما لو قال اعط فلانا فرسا ولم يكن له فرس أصلا أو مأة دينار مثلا ولم يكن في تركته الدينار أصلا وإما أن تكون متعلقة بها وعلى الثاني لا يخلو إما أن تكون متعلقة بجزء معين منها أو مشاع كما لو قال اعط فلانا مأة دينار من أموالي أو ثلث مالي وعلى الاول فلا إشكال في الحكم بصحة القسمة فهو مثل ما لو ظهر دين بعد القسمة وعلى الثاني فحكمه حكم ما لو ظهر بعض المال المشترك مستحقا للغير بالنسبة إلى كل من القسمين من المعين والمشاع فراجع إليه وهذا الذي ذكرنا لا إشكال بل لا خلاف فيه بين الاصحاب حسبما يظهر من الرجوع إلى كلماتهم والتأمل فيها والله العالم ثم ان هنا فروعا ينبغي التنبيه عليها وإن مرت الاشارة إلى بعضها في طي كلماتنا السابقة.
أحدهما ان المشهور بين الاصحاب بل حكي الاجماع عليه بعض عدم جواز قسمة الوقف كما ان المشهور بينهم جواز قسمة المال الذي بعضه وقف وبعضه طلق على سبيل الاشاعة ووجه الاول انه مناف لغرض الواقف فيدل على فساده ما دل على ان الموقوف حسبما يوقفها واقفها فتأمل هذا مضافا إلى منافاته لتعلق حق البطون المتأخرة به فإن مرجع الوقف عليهم جميعا اشتراك جميعهم في المال الموقوف عليهم وإن كان على وجه الترتيب فربما يفضي قسمته إلى ورود ضرر على بعضهم كما إذا كان ورثة أحد الشريكين من البطن الاول الذين هم البطن الثاني أكثر من ورثة الآخر والقول بأن قسمتهم نافذة في حقهم لا في حق البطون المتأخرة مما لا يعقل له معنى كما لا يخفى ثم انه
لا فرق فيما ذكرنا بين القول بتلقي البطن الثاني من الواقف أو الموقوف عليه لان معنى تلقيه من الموقوف عليه ليس كونه ارثا حتى لا ينافيه القسمة بل بمعنى آخر وذكرنا تفصيل القول فيه فيما تقدم فراجع فهو محجور في التصرف الذي يوجب تغيير المال عن الحالة المنتقلة إليه.
فظهر مما ذكرنا فساد ما توهمه بعض من الفرق في الحكم المذكور بين القولين هذا ووجه الثاني أيضا ظاهر بعد البناء على ما مر في مفهوم القسمة من انها افراز للحق في انظار العرف وإن كان لازمها النقل عقلا فتأمل ثم إن هنا صورة لقسمة الوقف لا إشكال في جوازها على تقدير القول بصحة قسمة الوقف والطلق حسبما هو المشهور المدعى عليه الاجماع وهي أن يكون المالك للمال الموقوف عليه اثنين على سبيل الاشاعة فوقف أحدهما نصيبه على زيد والآخر على عمرو فإنه لا إشكال في قسمته حينئذ ولعلها خارجة عما ذكروه من عدم جواز قسمة الوقف ذكره الاستاد العلامة.
ثانيها انه لو ظهر بعد القسمة عيب فهل يحكم بفساد القسمة كما عليه جماعة أو بصحتها وخيار من ظهر العيب في نصيبه بين الفسخ والارش كما عليه العلامة في التحرير وجهان أوجههما الاول نظرا إلى كشفه عن عدم حصول التعديل فيكون القسمة باطلة ووجه الثاني ما ذكره الاستاد العلامة من ان فوات الاوصاف ا ينافي التعديل عرفا خصوصا في القسمة العينية وفيه ما لا يخفى على المتأمل هذا مضافا إلى ما ذكره الاستاد العلامة من أن الحكم بلزوم الارش على الشريك في المقام على تقدير اختياره إياه لم يدل عليه دليل أصلا لان أصل لزوم الارش في البيع في صورة وجود العيب خلاف القاعدة والمخرج غير شامل للمقام فتأمل.
ثالثها انه هل يجري التفاسخ والاقالة في القسمة أو لا وجهان بل قولان أولهما للفاضلرحمهالله في القواعد ثانيهما لبعض المشايخ وفاقا لبعض من تقدم عليه للاول عموم أدلة الاقالة لان مفهوم الاقالة غير مختص بالبيع بل يتحقق في كل تعاهد وتبان وقوله الناس مسلطون على أموالهم فكما انه يجوز الاستدلال به لاثبات مشروعية أصل القسمة كذلك يجوز الاستدلال به لاثبات مشروعية رفعها هذا وللثاني عدم إمكان تحقق موضوع الاقالة في المقام عقلا حتى يترتب عليها حكمها لاجل ما ذكر والوجه فيه ان الاقالة عبارة عن عود الشئ إلى ما كان عليه سابقا وهذا المعنى لا يمكن تحققه في المقام لانه بعدما حصل الافراز والتعيين لا معنى للعود للاشاعة هذا وفيه منع عدم الامكان لانه كما يكون الافراز بيد العرف كذلك يكون العود إلى الاشاعة بيد العرف فلا واقعية له إلا بحكمهم ونحن نراهم حاكمين بإمكان العود بل بنائهم عليه فإن أريد من عدم إمكان العود وهو عدم الامكان بحسب العقل كما هو الظاهر فيرد عليه مضافا إلى عدم اختصاصه بالفرض بل يجري في البيع وأشباهه أيضا كما لا يخفى انه لا دخل في المقام للعقل بل المحكم فيه العرف ليس إلا وإن أريد منه الامتناع بحسب العرف فنمنع من امتناعه بالنظر إلى حكمهم ولهذا يحكمون بتحقق الاشاعة في صورة امتزاج المالين المعينين والقول بأن المزج هنا سبب لتحقق الاشاعة والخروج عن التعيين بخلاف المقام فإنه لا سبب له أصلا فيه ما لا يخفى لان السبب في المقام أيضا موجود وهو تبانيهم على العود وبالجملة لا أرى وجها للمنع من تحقق الاقالة موضوعا في المقام فالحق هو القول بجريان التفاسخ في القسمة.
رابعها ان المشهور بين الاصحاب بل المحكي عليه الاجماع في كلام جماعة عدم جريان القسمة في الدين فلو كان للمورث مالان في ذمة شخصين أو مالان في ذمة شخص واحد بحيث كانا متميزين لا يجوز للورثة تقسيمهما بالقرعة أو بغيرها واستشكل فيه الاستاد العلامة دام ظله بأنه بعد البناء على تحقق الاشاعة والاشتراك
بالنسبة إلى ما في الذمة لتنزيله عند العرف منزلة العين الخارجي لا معنى للحكم بعدم جريان القسمة فيه لانه كلما يجري فيه الاشاعة يجري فيه القسمة أيضا ما لم يقم دليل من الخارج على خلافه والقول بأنه لا يجري فيه الشركة خلاف المصرح في كلماتهم ولاجل ما ذكر استشكل فيما ذكره المحقق الاردبيلي فيما حكي عنه بل مال إلى جريان القسمة فيه كما في العين الخارجي فما ذكروه من الحكم بعدم الجريان لا يمكن أن ينطبق على القواعد فلا بد أن يكون المستند فيه أمرا تعبديا قد خرجوا به عن مقتضى القاعدة وهو موجود في المقام لدلالة بعض لاخبار عليه ثم ان محل الاشكال إنما هو قبل الاستيفاء واما بعد الاستيفاء فهو خارج عنه كما لا يخفى.
قوله في أحكام الدعاوى وهي تستدعي بيان مقدمة ومقاصد أما المقدمة فتشتمل على فصلين الاول في المدعى اه أقول لما ذكر المصنف سابقا صورة مجلس الحكم وأشار إلى ما هو وظيفة الحاكم شرع في بيان أحكام الدعاوى على سبيل الضابطة ومن أحكامها أيضا حكم تعارضها كما لا يخفى ولهذا تعرض له المصنف في المقام وأما تعريف المدعي والمنكر فإنما هو من باب المناسبة لا التوقف حسبما يتوهم من حيث ان الدعوى إنما تقوم بهما فلا بد من ذكرهما كما انه يناسب ذكرهما في ذلك المقام أيضا كما صنعه جماعة.
ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها قبل الشروع في المقصود أحدها ان وجه الاحتياج إلى بيان معنى المدعي والمنكر ظاهر بعد ذكرهما في الاخبار المستفيضة وتعلق الاحكام بهما في الشريعة على ما هو الوجه في الاحتياج إلى بيان معنى جميع الالفاظ فإن الفقيه من حيث هو فقيه لا غرض له في البحث عن معنى اللفظ إلا من حيث تعلق حكم شرعي به كما لا يخفى ثانيها ان ما ذكروه في معناهما مما سيجئ تفصيل القول فيه ليس مبنيا على ثبوت حقيقة شرعية أو متشرعية لهما كما لا يخفى على ذوي الافهام المستقيمة بل إنما هو بيان للمراد منهما عند العرف وميزان لتميز المعنى العرفي لهما فما يستفاد من كلام بعض كالشيخ في المبسوط وغيره في غيره على ما هو ببالي من ثبوت المعنى الشرعي لهما حيث قال لغة كذا وشرعا كذا ليس محمولا على ظاهره بل المراد منه ما يجب حمل اللفظ الوارد في كلام الشارع عليه من حيث كونه معنا عرفيا كذا فتأمل كيف ولا يمكن أن يقول بهذه المقالة الفاسدة من هو دون الشيخرحمهالله بمراتب فضلا عنه ثم ان اختلافهم في المقام ليس اختلافا في التعبير ونزاعا لفظيا بل اختلاف في المعنى وينفك المعاني بعضها عن بعض كما صرحوا به حسبما سيجئ تفصيل القول فيه.
ثالثها ان فيما لم يتميز المدعى عن المنكر فهل مقتضى الاصل الحكم بمقتضى البينة لو كانت لاحدهما نظرا إلى عموم ما دل على اعتبارها أو لكل منهما مع ترجيح إحدى البينتين على الاخرى ومع عدمه الرجوع القرعة في تشخيص المدعي من المنكر أو الحكم بإيقاف الدعوى وجهان لا وجه للثاني منهما قطعا كما لا يخفى ولم أر ذكره في كلام أحد أيضا وأما الوجه الاول فالمستفاد من كلام بعض مشايخنا الجزم به نظرا إلى ما عرفته من دعوى وجود العمومات لاعتبارها في كل مورد وذكر الاستاد العلامة دام ظله العالي انه لو قلنا بأن الحجة المعتبرة في حق المنكر هي اليمين ليس إلا فلا اصل للحكم باعتبار اليمين أو البينة وأما لو قلنا بكون اليمين رخصة في حق المنكر من باب التخفيف حسبما بنينا عليه سابقا فلا إشكال في كون مقتضى الاصل الحكم بمقتضى البينة لو كانت لاحدهما وأما لو لم يكن لاحدهما البينة فإنه رضى أحدهما بحلف الآخر فيحكم بمقتضاه أيضا لانه لا يخلو إما مدع أو منكر وعلى الثاني لا إشكال لانه وظيفته وعلى الاول أيضا يصير وظيفته
بعد رضاء الآخر لانه يدخل حينئذ في اليمين المردودة وإلا فلا يحكم بشئ نظرا إلى عدم الميزان الشرعي هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
ولا يخفى عليك ان هذا التفصيل أحسن مما ذكره بعض المشايخ المتقدم ذكره فإن فيه تأملا في الجملة أما أولا فلانك قد عرفت غير مرة انه ليس لنا عموم يدل على اعتبار البينة في كل مورد سواء كان في مورد التداعي أو غيره غاية الامر انه ورد جملة من الاخبار الدالة على اعتبارها في خصوص مورد التداعي كما انه وردت على اعتبار اليمين أيضا كقولهصلىاللهعليهوآله إنما أقضي بينكم الحديث وقوله أحكام المسلمين على لاثة الحديث ولكنها لا تدل على ان أي مورد فيه البينة وأي مورد فيه اليمين غاية ما تدل عليه ان القضاء بين الناس لا بد من أن يكون باحديهما والحاصل ان ما يدل على اعتبار البينة في مقام التداعي على قسمين احدهما ما يدل على اعتبارها في الجملة كما يدل على اعتبار اليمين كذلك وهذا لا ينفع المستدل أصلا كما لا ينفعنا جزما ثانيهما ما يدل على اعتبارها في حق المدعى كما يدل على اعتبار اليمين في حق المنكر ومعلوم انه لا ينفع المستدل أيضا لتوقف جريانه على احراز المدعي والمنكر.
رابعها ان الكلام في المقام في معنى المدعي عرفا في مقابل المنكر وإلا فلا إشكال في صدق المدعي بالمعنى الاعم أي الذي يخبر عن شئ بصورة الجزم على المنكر أيضا لانه أيضا يخبر عن الشئ ولو كان هو برائة الذمة ولهذا ذكر المحققون في الرد على من ذكر ان النافي لا يحتاج إلى دليل ان هذا غلط لان النافي أيضا يدعي النفي فلا بد له من إقامة الدليل وإن كان هو الاصل هكذا ذكره الاستاد العلامة وإليه يرجع ما ذكره بعض الاصحاب من ان المدعي بحسب اللغة أعم من المنكر فتأمل.
خامسها ان ما ذكروه في بيان معناهما ليس حقيقة تفسيرا لفظيا لهما بمعنى كون معنى المدعى نفس ما ذكروه بحسب العرف كما قد يتوهم بل ميزان لتميز المصاديق وانه على أي شخص يصدق المدعي بمعنى وجود مفهوم المدعي عرفا في حقه وعلى أي شخص يصدق المنكر وهذا كله واضح لا سترة فيه أصلا إذا عرفت ذلك فاعلم انهم اختلفوا في معنى المدعي والمنكر على أقوال.
أحدها ما ذكره بعضهم من ان المدعي من يخالف قوله الاصل والمنكر من يوافق قوله الاصل وذكر الاستاد العلامة ان المراد من الاصل في المقام ليس هو خصوص اصالة العدم أو أصالة البرائة بل المراد منه كل قاعدة معتبرة تجري في نفس المورد فعلا سواء كان أصلا عدميا كالاصلين المذكورين أو وجوديا وسواء كان استصحابا على الثاني أو غيره من الاصول كأصالة الصحة في العقود بل تشمل غير الاصل أيضا كقاعدة اليد فالمراد منه كل ظاهر اعتبره الشارع في المورد سواء كان من الاصول أو غيرها فذي اليد منكر بناء على ما ذكر بل وكذا مدعي التلف من الامناء إن لم نقل بكونه مدعيا اكتفى منه باليمين بل منكر من حيث موافقة قوله الظاهر على تقدير اعتباره.
وأما اطلاق المدعي على ذي اليد حسبما جعلوا من أقسام التداعي تداعي ذي اليد مع الخارج فهو مبني على المسامحة وليس مبنيا (مبتنيا خ) على المعنى الاعم الذي ذكرناه ويشهد على ما ذكرنا من كون ذي اليد منكرا استدلال الامامعليهالسلام في بعض الاخبار على كفاية اليمين منه وعدم مطالبة البينة منه بأنه إنما أمر النبيصلىاللهعليهوآله أن يطالب البينة من المدعي فإن هذا الاستدلال دليل قطعي على صدق المنكر على ذي اليد حسبما هو قضية الاستدلال لان الاستدلال بالامر التعبدي مما لا معنى له أصلا كما لا يخفى والقول بان استدلال الامامعليهالسلام
إنما يدل على كونه منكرا لا على كونه منكرا بالمعنى المذكور لم لا يكون دليلا على كونه منكرا بالمعنى الذي ذكره بعض حسبما سيأتي الاشارة إليه من انه ما وافق قوله الظاهر فيكون ذو اليد مادة الافتراق بين - التعريفين فيه ما لا يخفى على المتأمل لانا نقطع ان الكل متفقون على ان ذا اليد منكر فلا بد أن يكون معنى المنكر عندهم ما يشمله.
وبالجملة هناك موارد كثيرة اتفق الكل على كون المدعي بالمعنى الاعم فيها منكرا كذي اليد و مدعي الصحة وغيرهما فلا بد أن يكون معنى المنكر عندهم ما يتناوله قطعا والقول بأن بعضهم غفل عن ذلك فعرف المنكر بما لا يتناوله فالتعريف خاص فيقال ان معنى كون المنكر من وافق قوله الاصل هو الاصل لعدم فلا يشمل ذا اليد ومدعى الصحة مما لا ينبعي ان يصغى إليه مع كثرة الموارد المتفقة عليها فمعنى موافقة الاصل هو موافقة القاعدة المعتبرة شرعا فعلا في المورد بمعنى انه لولا التداعي لعمل عليه سواء كان أصلا عدميا أو وجوديا أوليا أو ثانويا أو ظاهرا معتبرا شرعا لولا التداعي.
ومنه يظهر فساد ما أورده بعض المشايخ على هذا التعريف بأنه لا يشمل مدع الصحة لان قوله مخالف للاصل وهو أصالة الفساد في المعاملات مع انه منكر قطعا وجه الفساد ان الاصل الذي يرجع إليه فعلا ليس هو أصالة الفساد لحكومة أصالة الصحة عليها قطعا كما لا يخفى ومنه يظهر أيضا فساد ما ذكره جمع من صور تعارض الاصول فإن أكثرها إن لم يكن كلها من قبيل الحاكم والمحكوم فراجع إليها.
ثم انه لا يخفى عليك ان ما ذكرنا في معنى موافقة الاصل من انه عبارة عن موافقة القاعدة المعتبرة فعلا في مورد الترافع قد يختلف بالنسبة إلى شخص واحد في كيفية التكلم فلو قال المدعى عليه بمأة دينار مثلا اني لست مشغول الذمة وليس على شئ فهو منكر لموافقة قوله أصالة البرائة ولو قال اني قد أديتها يصير مدعيا لانه باقراره الضمني قد أحدث موضوعا للاصل الموافق لقول المطالب وهو أصالة البقاء وكذلك الودعي يكون منكرا ومدعيا لو قال بعد مطالبة الوديعة انه ليس علي شئ أو تلف ما اودع إلي وكذلك بالنسبة إلى ذي اليد فإنه لو لم يقر بأن ما في اليد كان للمدعي يكون منكرا ولو أقر له ثم ادعى ملكيته له وادعى المقر له انه ملكه يصير مدعيا لانه باقراره قد ارتفع اعتبار يده في مقابل دعوى المقر له فالاصل الذي يرجع إليه فعلا هو أصالة البقاء الموافقة لقول المقر له فتأمل فيشمل تعريف المدعي بالمعنى المذكور من يريد اثبات الحق على الغير أو الخروج عن الحق الذي عليه للغير.
ثانيها ما ذكره أيضا بعض من ان المدعي من يخالف قوله الظاهر والمنكر من يوافق قوله الظاهر و إليه يرجع تعبيرهم عن المدعي بأنه من يدعي أمرا خفيا والمنكر في مقابله والمراد بالظاهر الذي اعتبر موافقته ومخالفته كما هو قضية صريح كلماتهم حسبما يظهر من الامثلة التي ذكروها أرباب هذا القول أعم من أن يكون معتبرا شرعا أو غير معتبر شرعا وعلى الاول أعم من أن يكون من الاصول العدمية والوجودية أو من قبيل اليد إذ القول بكون المراد منه هو خصوص الاخير موجب لخروج أكثر الموارد الاتفاقية عنه.
ثم ان المراد من الظهور كما هو الظاهر ليس هو الظهور الشخصي الحاصل من عدالة المدعي أو وثاقته أو من امارة أخرى المختلفة بحسب المقامات والموارد الخاصة بل المراد منه هو الظهور النوعي هذا كله في بيان المراد من القولين وأما النسبة بينهما فعلى ما عليه الاكثر من اعتبار الاصول سواء كانت البرائة أو الاستصحاب أو غيرهما من باب الظن النوعي تكون عموما وخصوصا مطلقا إذ يصدق المعنى الثاني على كل
ما يصدق عليه المعنى الاول ولا عكس.
وأما بناء على ما هو المختار من عدم اعتبارها من باب الظن بل من باب التعبد فيكون النسبة عموما من وجه لصدقهما على الظاهر المعتبر كاليد وعدم صدق الثاني على من كان قوله موافقا لاصالة البرائة أو الاستصحاب وعدم صدق الاول على من كان قوله موافقا للظاهر الغير المعتبر.
ثالثها ما ذكره بعض ويستفاد من كلام المصنف أيضا حسبما صرح به بعض مشايخنا من ان المدعي من كان قوله مخالفا لاحدهما على سبيل مانعة الخلو والمنكر من كان قوله موافقا لاحدهما على سبيل مانعة الخلو ويعلم النسبة بينه وبين القولين السابقين بأدنى تأمل.
رابعها ما اختاره جمع من ان المدعي من ترك لو ترك أو يخلى وسكوته فهما عبارتان عن معنى والمنكر على خلافه قال الاستاد العلامة دام ظله ان المراد منه ان المدعي هو الذي يهمل لو ترك الخصومة أي يعمل على خلاف قوله فيصير قوله متروكا والمنكر من لا يترك لو ترك أي يعمل على طبق قوله لو لم يتكلم أيضا فهذا المعنى بهذا التفسير يرجع إلى المعنى الاول.
ثم ذكر ان المراد منه ليس ما قد سبق إلى كثير من الاوهام من ان المدعي هو الذي لا يطالب بشئ لو ترك الخصومة وترك بحاله والمنكر هو الذي يطالب لو ترك الخصومة ولا يترك بسكوته لان المطالبة بالجواب وعدمها من احكام المدعي والمنكر فلا يمكن أن يعرفا به وإلالزم الدور الظاهر.
لا يقال ان المراد من هذا التعريف لو كان هو التعريف الاول فما وجه جعله تعريفا مستقلا في قباله مع ان ظاهر كثير من الاصحاب جعلهما مقابلين.
لانا نقول نفس الاختلاف في التعريف لا يدل على كون المعرف مختلفا فيه بينهم فيكون اختلافهم اختلافا معنويا بل الدال عليه دلالة نفس التعاريف على الاختلاف المعنوي وإلا فاختلافهم إنما يكون بحسب التعبير إذ الاختلاف في التعريف باللوازم لملزوم واحد من حيث ظهور اللزوم في البعض في نظر بعض المعرفين بالنسبة إلى بعض آخر وبالجملة ربما ترى اختلاف العلماء في التعريف من ان من المعلوم عدم اختلافهم بحسب المعنى فمجرد الاختلاف في التعريف لا يكشف عن شئ هذا ملخص ما ذكره دام ظله في بيان المراد عن هذا التعاريف.
ولكنه لا يخفى عليك ان الظاهر من التعريف المذكور الذي لا يرتاب فيه كل من نظر إليه ليس ما استظهره دام ظله بل المراد منه ان المدعي هو الذي لا يتعرض له لو ترك الخصومة والمنكر من يتعرض له لو تركها ولا يخلى وسكوته والمراد من التعرض وعدمه ليس هو المطالبة بالجواب شرعا وعدم المطالبة به حتى يقال انه يستلزم الدور بل المراد منه هو التعرض العرفي وعدم التعرض العرفي فلا يستلزم دورا أصلا وقد صرح بما ذكرنا في معنى التعريف جمع من الاصحاب منهم الشهيد في الدروس حيث قال في مقام بيان مادة الافتراق بين لتعريف الثاني وهذا التعريف ما هذا لفظه وتظهر الفائدة في مثل دعوى الزوج تقارن الاسلام قبل المسيس والمرئة تعاقبه فعلى الظاهر الزوج مدع وعلى التخلية هي لانها لو سكتت لم يتعرض لها الزوج واستمر النكاح انتهى كلامه وهو كما ترى صريح فيما ذكرنا وإليه يرجع أيضا كلام الشهيد في المسالك فراجع إليه.
ثم انه ذكر الاستاد العلامة انه لو لم يكن المراد من التعريف المذكور ما ذكرنا للزم الانتقاض بمدعي الصحة في البيع السلم مثلا فإنه لو ترك الخصومة ترك ولم يطالبه مدعي الفساد بشئ إذا فرض أخذه الثمن وهذا
بخلاف ما ذكرنا في المراد منه فإنه لا ينتقض به أصلا كما لا يخفى وبتداعي الرجلين في عين إذا كان بيد ثالث يصدق أحدهما هذا ويمكن أن يجاب بأن هذا من موارد الافتراق بين التعريفين فتأمل هذا.
ثم ذكر الاستاد العلامة بعد ارجاعه تعريف الاخير إلى الاول ان الحق هو التعريف به لان اطلاق أهل العرف المدعى على من كان قوله على خلاف الظاهر مطلقا والمنكر على من كان قوله على وفق الظاهر مطلقا إنما هو من جهة بنائهم على اعتبار الظهور مطلقا فبعد كشف الشارع عن عدم اعتبار بعض الظواهر لا يعتنى ببنائهم فالمدعي عندهم هو من كان يتكلم على خلاف القاعدة المعتبرة غاية الامر ان بعض القواعد معتبر عندهم ولم يعتبره الشارع فهم قد أخطأوا في الصغرى في بعض الموارد فلا معنى للرجوع اليهم فاطلاقهم لفظ المدعي على بعض الاشخاص مبني على زعم فاسد ونظير هذا ان أهل العرف لا يطلقون على الدم الخارج بعد الخمسين انه حيض ولو كان بأوصاف دم الحيض لان اعتقادهم ان الرحم ينقطع عنها الدم المذكور بعد الخمسين ولكن الشارع حكم وأخبر بأن الدم الخارج من القرشيات إذا كان بوصف دم الحيض بعد الخمسين أيضا حيض وليس لنا بعده الحكم بعدم ترتيب أحكام دم الحيض عليه من جهة عدم مساعدة العرف على اطلاق دم الحيض أو نقول بأنه ملحق بدم الحيض في الحكم بل نستكشف من بيان الشارع ان الدم الخارج بعد الخمسين أيضا يمكن أن يكون حيضا فيترتب عليه أحكامه إذا كان بأوصافه من حيث كونه هو ونظير ذلك حكم الشارع بحصول الافتراق بخطوة في باب خيار المجلس في معنى قوله البيعان بالخيار ما لم يفترقا مع عدم صدق الافتراق عرفا على الخطوة وبما ذكرنا ينطبق (ينطق خ) التعليل الوارد في جملة من الاخبار لايجاب اليمين بقوله لانه جاحد اما فيما اذا كان المنكر موافقا لاصل العدم فظاهر واما اذا كان قوله موافقا للظاهر المعتبر شرعا فلان من يدعي خلاف الظاهر المعتبر فيدعى امرا خارجا عارضا يجحده الطرف المقابل ايضا جاحد بهذا المعنى وهذا بخلاف ما لو عممنا الظاهر بالظاهر الغير المعتبر فانه يلزمه انتقاض عموم التعليل فان من يدعي امرا خلاف الظاهر الغير المعتبر لا يدعي امرا خارجا عارضا حكم شرعا بعدمه بل يدعي ما هو موافق للاصل الشرعي لمقابل للظاهر الغير المعتبر فلا يكون من يدعي على وفق الظاهر في الفرض جاحدا مع انك توجب اليمين عليه بمقتضى قوله اليمين على من انكر المساوق للجحود فالرواية من الادلة على ما ذكرنا هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله.
وهو مشتبه المراد فان اراد منه ان بعد علم اهل العرف بعدم اعتبار الظاهر عند الشارع لا يطلقون على من كان قوله مخالفا له انه مدع كما يطلقون دم الحيض على الدم الخارج بعد الخمسين اذا كان باوصافه بعد الاطلاع على قابلية صيرورة الدم حيضا بعده باخبار الشارع بها كما يطلقون الافتراق على التفرق بالخطوة بعد اخبار الشارع بحصوله بها من حيث رجوعه إلى الاخبار عن الفرد الخفي ففيه ان هذا الكلام على هذا التقدير حسن متعين (متين خ) لكن الكلام في اصل المبنى لان اطلاق اهل العرف المدعي على من كان قوله مخالفا للظاهر ليس من جهة بنائهم على اعتباره عند الشارع حتى يوجب علمهم بعدم اعتباره ردعهم عن البناء المذكور بل من جهة بنائهم على الاعتبار مع قطع النظر عن الشارع فان كثيرا من البناءات العرفية بل جميع بناءاتهم من حيث هم اهل العرف لا دخل لها بالشرع فالصدق موجود بعد ملاحظة عدم اعتبار الظهور عند الشارع ايضا.
ومنه يظهر انه لا دخل لما نحن فيه بمسألة دم الحيض ونحوها فان بناء اهل العرف على عدم اطلاق دم الحيض على الدم الخارج بعد الخمسين انما هو من جهة اعتقادهم الفاسد بان الدم الخارج بعده لا يكون
حيضا في الواقع ابدا وبعد اخبار الشارع يعلمون بخطئهم في هذا الاعتقاد وانه كان جهلا مركبا وهذا بخلاف ما نحن فيه فانه لا واقعية لمعنى المدعى عرفا الا ما يطلق عليه العرف انه المدعى ولا واقعية لاعتبار الظهور المعتبر عندهم الا بنائهم على اعتباره فاين هذا من حديث العلم بالخطأ وكشف الخطأ وان اراد منه انه وان كان يطلق عرفا على من كان قوله مخالفا للظاهر الغير المعتبر شرعا انه مدع بعد اطلاع اهل العرف على عدم الاعتبار الشرعي ولكن المتبع ليس اطلاقهم فهذا خروج عن فرض تعلق الحكم بالموضوع العرفي.
واما الاستدلال على ما صار اليه بقوله لانه جاحد ففيه انا نلتزم بصدق الجحود في كل مورد صدق المنكر عرفا ولو كان على خلافه اصل معتبر شرعا مع انه لا فرق عند التحقيق بين الظاهر المعتبر وغيره في هذا المعنى وما ذكره في بيان الفرق لا يصلح فارقا فتامل هذا مضافا إلى انتقاض ما ذكره ايضا بمدع الاعسار فان قوله مخالف للاصل لو كان مسبوقا باليسار مع انه لا يترك لو ترك كما لا يخفى ومن هنا جعله بعض المحققين من موارد افتراق التعريف الاول والرابع فتامل.
فتبين مما ذكرنا كله ان الحق ما ذكره جماعة ممن سبقنا من الاساطين من ان المرجع هو العرف فكل من اطلقوا عليه المدعي يحكم عليه بما هو وظيفته شرعا سواء كان قوله موافقا للاصل والظاهر او مخالفا لهما او موافقا لاحدهما مخالفا للاخر على ما هو الشان في ساير الالفاظ الواردة في كلام الشارع وان كان ما ذكره الاستاد العلامة في بيان الضابطة لتشخيص الصغريات العرفية مورد تخلفه في كلام القلة والله العالم.
قوله ويشترط فيه البلوغ والعقل وان يدعي لنفسه او لمن له ولاية الدعوى عنه الخ اقول المراد من الادعاء للنفس هو عود فايدة الدعوى إلى نفسه وان كان من جهة تعلق حق بالمدعى به للمدعي فيشمل دعوى - الغرماء للميت او الوارث له بناء على القول بعدم انتقال التركة مع تعلق الدين بها اليهم وكذا يشمل دعوى المرتهن ونحوه وان كانت في هذه الموارد مثبتة لمال الغير.
ومنه يظهر اندفاع ما اورد على المصنف من خروج كثير ممن تسمع دعواهم عن العبارة ولا يحتاج في ادخاله إلى ارتكاب تجشم جعل الولاية اعم ليشملها.
قوله ولا بد من كون الدعوى صحيحة لازمة فلو ادعى هبة لم تسمع حتى يدعى الاقباض الخ اقول الوجه في اشتراط اللزوم في الدعوى ظاهر كما ان الوجه في اشتراط الصحة اظهر لانه لولا اللزوم لم تتوجه إلى من يريد الدعوى معه فاشتراطه من جهة توقف تحقق مفهوم الدعوى عليه فلا تسمع دعوى شخص على شخص انه قد باعني ملك فلان فضولا وقبلت لانه لا دعوى له عليه اصلا وكذا لا تسمع دعوى الهبة والرهن والوقف بدون ادعاء القبض بناء على كونه شرطا في الصحة لما ذكر من الوجه من عدم توجه الدعاوى المزبورة على احد هذا.
وقد يقال بعدم الاحتياج إلى ادعاء القبض في سماع دعوى هذه الامور من وجوه لا تنافي اشتراط اللزوم في الدعوى اصلا بل تقتضي وجود الشرط بدون ذكر القيد.
احدها ان اطلاقها ينصرف إلى الصحيح فلا يحتاج إلى ذكر ما يعتبر في صحتها فدعوى الهبة المطلقة كدعوى الهبة الصحيحة وفيه ان دعوى الهبة الصحيحة أيضا لا تنفع ما لم يدع الاقباض لان صحة الهبة في نفسها لا تقتضي تحقق الاقباض كما سياتي الكلام فيه ومنه يظهر ما ذكره المحقق الاردبيلي من سماع دعوى الهبة الصحيحة.
ثانيها انها محمولة على الصحيح لكونه الاصل في فعل المسلم والفرق بينه والوجه السابق ظاهر وفيه ما لا يخفى على من له ادنى تأمل لان صحة بعض ما يعتبر في وقوع الشئ لا تقتضي انضمام ساير ما يعتبر فيه اليه لان الجزء في مرتبة جزئيته صحيح وان لم ينضم اليه ساير الاجزاء والشرايط المعتبرة في وقوع الشئ فالقطع بصحته يجتمع مع القطع بعدم الانضمام فلا فايدة في اصالة الصحة بالنسبة اليه بل لا تجري اصلا صحته في نفسه مع القطع بها لا تقتضي للحكم بوجود الشئ على ما هو عليه مع الشك في انضمام ساير الاجزاء واجراء اصالة الصحة في نفسه مع الشك في تحققه مما يضحك به الثكلى وهذا امر واضح لا سترة فيه اصلا قد فصلنا القول فيه غير مرة في الاصول والفروع وبه ابطلنا ما ذهب اليه جماعة في الاصول من التمسك باصالة الصحة في اثبات صحة العمل بعد الشك في مانعية الطارى وما قال به جمع في الفروع من كفاية غسل المسلم للشئ المتنجس مع الشك في ان الواقع منه هو الغسل الشرعي او غيره باصالة الصحة في فعل المسلم وجه الابطال في الاول ظاهر واما في الثاني فلان صحة ما وقع من المسلم في الخارج من الغسل لا تقتضي لوجود ما يعتبر في ارتفاع النجاسة من التعدد والعصر كما لا يخفى.
ومما ذكرنا كله يظهر فساد ما ذكره في المسالك حيث قال وقد يقال في الموضعين ان القبض اذا كان شرطا في صحة الهبة والرهن واطلاقهما محمول على الصحيح كغيرهما من العقود ثم قال وانما يتوجه التفصيل حيث يجعل القبض شرطا في اللزوم ليجعل اطلاقهما صحيحين اعم من المقبوض وغيره انتهى كلامه رفع مقامه.
وجه الفساد ان الحمل على الصحيح بل القطع بالصحة لا يقتضي سماع دعوى الهبة مثلا من دون ادعاء القبض لان صحة الهبة التي من فعل الواهب في نفسها لا تقتضي تحقق القبض كيف ولو اقتضى صحتها بالمعنى المذكور تحقق القبض لا بد من ان يحكم بان من ادعى اني وهبت مالي ولم اقبض فهو مدع لكونه مدعيا لفساد الهبة ومن يدعي خلافه فهو منكر لكونه مدعيا لصحة الهبة مع ان الخصم وغيره من الاصحاب قد صرحوا بكون الاول منكرا والثاني مدعيا ثم ان ما ذكره من توجه التفصيل على تقدير كون القبض شرطا في اللزوم لم تحقق معناه لان المراد من اللزوم في الدعوى كونها بحيث تتوجه على المدعى عليه لا ما يلتزم عليه شئ فعلا وعلى تقديره أيضا يمكن ادعاء حصوله في المقام لان دعوى سبب الملك كدعوى الملكية عرفا فتأمل.
ومن هنا يظهر فساد ما ذكره في الدروس حيث قال وكل دعوى ملزمة معلومة فهي مسموعة فلا تسمع دعوى الهبة من دون الاقباض وكذا الراهن عند من شرطه فيهما وكذا البيع من دون قوله ويلزمك تسليمه إلى جواز الفسخ بخيار المجلس انتهى كلامه فان اشتراط دعوى لزوم التسليم مما لا دليل عليه اصلا كما لا يخفى هذا مع انه ينافي في ما استقر عليه رأيه في الكتاب من عدم اشتراط دعوى عدم وجود المفسد في صحة دعوى البيع مع ان عدم اشتراط دعوى الاول اولى منها لان الفسخ على تقدير وجوده من قبيل الرافع والمفسد من قبيل الدافع هكذا ذكره الاستاد العلامة ثم ان مفروض الكلام فيما ذكره انما هو اذا حصل الافتراق واحتمل الفسخ حين عدمه واما اذا كان المجلس باقيا ولم يتفرقا منه فنفس انكار المنكر للبيع فسخ له فتأمل.
ثالثها ما ذكره الاستاد العلامة ١ من امكان ان يدعى عدم اشتراط دعوى حصول القبض في سماع دعوى الهبة ونحوها من حيث ان دعوى الهبة في العرف كدعوى البيع ليس المراد منه مجرد الايجاب الذي هو فعل الموجب بل المراد هو خروج المال عن ملك البايع والواهب كما يقال فلان باع ما له فانه ليس المراد منه مجرد ايجاده سبب النقل وان لم يحصل نقل وخروج المال عن ملكه بل المراد منه هو نقل ما له إلى غيره بحيث
____________________
(١) العلامة في خارج مجلس البحث من.
يستلزمه الخروج عن ملكه وكذا في قولهم فلان وهب ماله فيمكن ان يقال بالنظر إلى هذه الملاحظة ان سماع دعوى الهبة غير مشروط بدعوى الاقباض كيف ولو لم يكن الدعوى المذكورة منصرفة إلى ما ذكرنا بل كان معناها مجرد دعوى الايجاب او مرددة بينهما للزم دعوى(١) تحقق القبول أيضا لان مجرد صحة الايجاب في مرتبته لا توقف على تحقق القبول أيضااللهم الا ان يقال ان دعوى الهبة من المدعي متضمنة لدعوى القبول أيضا كما لا يخفى فلا يرد نقض اصلا هذا ويمكن ان يقال بالفرق بين البيع والهبة فيما ذكره بعد اطلاع العرف على اشتراط القبض في صحة الهبة فتأمل ثم انه يمكن ان يكون مراد صاحب المسالك مما ذكره هو ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله بان يكون مراده من حمل الاطلاق على الصحيح اي على الهبة المفيدة للملكية بدعوى انصراف اللفظ اليه لكنه ينافيه لفظ الحمل المذكور في كلامه.
قوله ولو ادعى المنكر فسق الحاكم والشهود ولا بينة الخ اقول الدعوى قد تتعلق اولا وبالذات بالمال كدعوى زيد ان عمروا مشغول ذمته لي بالف دينار مثلا وهذا مما لا اشكال في سماعها سواء كان هناك بينة و لا وقد تتعلق بما هو المقصود منه المال كدعوى البيع ونحوه وهذه أيضا مثل الاولى ويطلق عليها دعوى المال عرفا وقد تتعلق بما ينتفع منه المدعي لا ان يكون في نفسه دعوى المال فتارة يريد الزام الغير بما ينتفع به كما في دعوى الاقرار واخرى رفع الالزام الوارد عليه من الغير لينتفع به كما في دعوى فسق الشهود ونحوها وهذا الذي ذكرنا ضابطة هذا القسم من الدعوى.
وضابطة القسم الثاني ان يرجع الدعوى إلى نفي ميزان القضاء كدعوى فسق الشهود ونحوه فان هذه الدعوى ترجع إلى ان الحكم الواقع من الحاكم لم يكن على الوجه المعتبر من غير ان يكون له دخل بدعوى المال والمشهور بينهم حسبما حكى عدم سماع هذه الدعوى بحيث يترتب عليه جميع احكامه من القضاء بالحلف او بالنكول على القول به اذا لم يكن بينة للمدعي لان المدعى به فيه ليس حقا لازما وهو شرط في سماع الدعوى حسبما عرفت تفصيل القول فيه نعم لو كان له بينة تسمع دعواه لعموم ما دل على اعتبارها. ثم انهم ذكروا له امثلة منها دعوى المنكر فسق الحاكم او الشهود مع ادعاء علم المشهود له ومنها دعوى المنكر كذب الشهود في شهادتهم ومنها دعواه على الحاكم القضاء بالجور عليه ومنها دعوى شخص على شخص اقراره بمال له واستشكل الاستاد العلامة دام ظله في عد جميعها مثالا لما نحن فيه وذكر ان جملة منها كدعوى كذب الشهود وجور الحاكم وفسقه لا دخل بالمقام بل يكون من قبيل دعوى المال لان معنى دعوى كذب الشهود دعوى اتلافهم عليه ماله فيكون المقصود منه المال وهو التغريم فالدعوى راجعة إلى دعوى سبب المال وكذا دعوى جور الحاكم في حكمه فان مرجعها إلى دعوى اتلاف الحاكم فيريد المال اما منه او من بيت المال هذا كله اذا كان دعواه في المثال الاول على الشهود وفي المثالين الاخيرين على الحاكم واما اذا كانت على المدعى فلا معنى لسماعها في الاول لان مرجعها إلى دعوى كذب المدعى وهي معنى انكاره لدعوى المدعي فلو سمعت لزم الدور او التسلسل هكذا ذكره العلامة ودخلت في امثلة الفرض في الاخيرين وسيجئ حكمه هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
والفرق بين دعوى فسق الحاكم وفسق الشهود ان الثانية لا توجب تغريما على الشهود ولا يتوجه اليهم اصلا حتى مع البينة وانما يتوجه على المدعي من حيث رجوعها إلى دعوى الجرح وعدم وجود الميزان الشرعي للحكم ومن هنا يتوجه التفصيل في سماعها على المدعى أيضا لو قلنا بسماع الدعوى فيما يتعلق بغير المال بل بما
____________________
١- للزم اشتراط دعوى.
يعود نفعه إلى المدعي بين ما اذا كانت قبل الحكم فتسمع وبعده فلا تسمع الا اذا كان الحكم على الغايب لانه على حجته لان دعوى الجرح مع البينة لا تسمع بعد الحكم فضلا عن سماعها بدونها والوجه فيه سقوط حق الجرح بعد الحكم الا اذا كان المنكر غايبا وكلامنا في سماع الدعوى بدون البينة فيما تسمع معها هذا.
ولكن مقتضى ما ذكره المصنف وجمع فيما سيجئ في باب الشهادات سماع دعوى الجرح بعد الحكم أيضا وقد مر اليه الاشارة أيضا في طي كلماتنا السابقة وعليه لا فرق في حكم الدعوى المذكورة بين قبل لحكم وبعده لكنه بمعزل عن التحقيق لما عرفت من الوجه وسوف نتكلم فيه انشاء الله بعد هذا كله بالنسبة إلى غير دعوى الاقرار واما هي فقد صرح الاستاد العلامة بدخولها في الفرض لانها في نفسها ليست دعوى المال اصلا وسيجئ بعض الكلام عليه منا عن قريب.
اذا عرفت ذلك فنقول مقتضى كلمات جماعة سماع الدعوى في هذا القسم لما دل عموما على ان البينة على المدعي واليمين على من انكر ولكنك قد عرفت ان مقتضى كلمات آخرين عدم سماع الدعوى في الصورة بدون البينة لما عرفت من اشتراط اللزوم في الدعوى ولبعض الاخبار المخصصة لتلك العمومات كقوله استخراج الحقوق باربعة فتدل على اختصاص اليمين بما اذا كان هناك استخراج للحق ومعلوم ان المقام ليس منه فيخرج به عن العمومات ذكره الاستاد في مجلس البحث ولم ار من الاصحاب من ذكره او اشار اليه في كلامه هذا.
ولكن مقتضى التحقيق المصير إلى الاول لما عرفت من العمومات وما ذكره مخصصا لها لا يصلح له.
اما الاول فلان اللزوم في المقام أيضا متحقق حيث ان اللزوم ليس معناه كون الدعوى مالا حسبما عرفت في المراد منه كيف ولو كان عدم السماع من جهة عدم اللزوم في الدعوى لم تسمع ولو مع البينة كما لا يخفى والمفروض الاتفاق على السماع معها.
واما الثاني فاما اولا فلانك قد عرفت سابقا ان المراد من الاربعة المستخرجة بها الحق غير يمين المنكر ضرورة انها لا تخرج حقا اصلا وانما فائدتها رفع الدعوى فيه (عنه خ) فلا ربط لحديث الاستخراج وعدمه بالمقام وذكر الاستاد العلامة في خارج مجلس البحث بان الاستدلال بها يتم على تقدير كون المراد من الاربعة غير يمين المنكر أيضا لان المقصود من سماعها بدون البينة ترتيب جميع آثار السماع عليه من استحلاف المنكر او لقضاء عليه بمجرد النكول او بعد رد اليمين واليمين المردودة من المستخرجات هذا ولكن يمكن الالتزام بالتفكيك بين توجه اليمين وتوجه غيرها كما في دعوى الولي من دون بينة واشباهها فتامل.
واما ثانيا فلان الرواية غير منافية للعمومات على فرض تسليم كون يمين المنكر من الاربعة لانها تدل على ان استخراج كل حق لا بد ان يكون باربعة لا ان الاربعة لا تعتبر الا في استخراج الحق كيف ولو دلت على ذلك للزم الحكم بعد سماع الدعوى في الفرض مع البينة أيضا لانها كما تخصص عمومات اليمين كذلك تخصص عمومات البينة أيضا فلا بد من القول بعدم كون المراد منها التخصيص قيسقط الاستدلال بها على المدعى هذا مع انها اخص من المدعى لانها لا تجري في جميع صور الفرض وامثلته كما في دعوى الاقرار فانها ترجع إلى دعوى الحق عرفا لمقتضى اقرار المقر له وبعبارة اخرى الاقرار وان لم يكن سببا للمال والحق كما في البيع وشبهه الا انه طريق ظاهري للمقر له وغيره إلى ثبوت الحق فدعواه دعوى اشتغال الذمة الظاهري وكذلك دعوى فسق الشهود او الحاكم على المدعى في بعض الصور ترجع إلى دعوى الحق كما اذا فرض اخذ المدعى به من المنكر فيدعى عدم الميزان او فسق الحاكم حتى ياخذ ماله اللهم الا ان يق ان البناء على ذلك يوجب خروج ما ذكر ن الدعاوى
عن الفرض وكلامنا على فرض دخوله فيه فتأمل هذا نعم يمكن ان يق بعد تسليم الدليل عموما على اعتبار البينة غير عمومات القضاء ان ما دل على اعتبار اليمين وكونها حجة المنكر منصرف إلى غير الصورة فتأمل حتى لا يختلط عليك الامر ثم انه قد يستدل لعدم سماع دعوى فسق الشهود من غير بينة بانه لو بنى على سماعها لزم عدم اقدام اكثر الناس على الشهادة فيلزم تعطيل الحقوق منه ولا يخفى عليك ان الملازمة غير ظاهرة والله العالم بحقايق الامور.
قوله في التوصل إلى الحق فمن كان دعواه عينا في يد انسان فله انتزاعها منه اه اقول لما فرغ المصنف من تعريف المدعي والمنكر شرع في بيان ما يحتاج فيه إلى رفع دعواه إلى الحاكم وعدم استقلاله باخذ ما يدعيه وما لا يحتاج فيه إلى ذلك فمجمل القول في المقام ان الحق اما ان يكون عقوبة كالقصاص ونحوه واما ان يكون مالا وعلى الثاني لا يخلو اما ان يكون عينا او دينا وعلى الثاني لا يخلو اما ان يكون المدعى عليه منكرا او مقرا وعلى الاول لا يخلو اما ان يمكن له التوصل باثبات الحق عند الحاكم او لا يمكن له ذلك اما من جهة عدم البينة له او عدم امكان احضارها عند الحاكم او غير ذلك وعلى الثاني لا يخلو اما ان يكون باذلا او ممتنعا فهذه الاقسام لا بد من التعرض لحكمها.
فنقول اما لو كان الحق عقوبة فالذي عليه المشهور بل نفى عنه الخلاف في الكفاية انه لا يجوز له الاستقلال بالاستيفاء بل لا بد من رفع الامر فيه إلى الحاكم على ما هو قضية نصبه عموما لزجر الناس سياستهم وانه ليس لغيره التعرض لها من حيث كونها وظيفة له مضافا إلى عظم خطره والاحتياط في اثباته وتنظر فيه بعض مشايخنا المتاخرين بان مقتضى اطلاق ما دل على ان السلطان للولي وتسلط الناس على استيفاء حقوقهم هو جواز استيفائه وعدم توقفه على الرفع إلى الحاكم وانت خبير بان هذا الكلام على فرض تماميته انما يتم بالنسبة إلى خصوص القصاص واما بالنسبة إلى ما يوجب الحد فلا لما دل على كون اقامته من وظيفة الحكام هذا كله اذا كان الحق عقوبة.
واما اذا كان مالا فان كان عينا فالذي عليه المشهور ان له انتزاعها من يده اذا لم تثر فتنة ولو برفع الامر إلى حاكم الجور لانه قضية سلطنته على ماله ولا يجوز له ذلك اذا لم يكن كذلك بل يجب عليه رفع الامر إلى الحاكم لانه قضية نصبه فانه من جهة رفع ما يوجب الفتنة بين الناس وقد خالف في ذلك بعض مشايخنا المتاخرين فذهب إلى جواز انتزاعها في صورة اثارة الفتنة ما لم يؤد إلى تلف الانفس وغيره من وجوه الفساد حيث قال شرح قول المصنف ما لم تثر فتنة بل وان ثارت ما لم تصل إلى حد وجوب الكف عن الحق له لترتب تلف الانفس والاموال وغيره من الفساد الذي يمكن دعوى العلم من مذاق الشرع بعدم جواز فعل ما يترتب عليه ذلك وان كان مباحا في نفسه او مستحبا بل واجبا انتهى ما اردنا نقله.
وذكر الاستاد العلامة ان ما ذكرهقدسسره في غاية الفساد وذكر في وجهه ما حاصله ان لنا عنوانين احدهما ان من وجد عين ماله في يد انسان لا ينكر كونه مالا له اصلا بان اخذ منه غصبا او سرقة او غيرهما فله ان ينتزعها منه ولو ثارت فتنة ولو بتلف مال الاخذ او نفسه في بعض الوجوه على التفصيل المذكور ي محله ما لم تثر إلى ما لا يجوز معه ذلك من خوف تلف نفسه او ماله بما هو اعظم مما يريد انتزاعه او غير ذلك وهذا امر لا ينكره احد ولا يرتاب فيه لكنه لا دخل له بالمقام ولا ربط له بمسألة المدعى والمنكر اصلا بل هو من شقوق الدفاع عن المال الذي اتفقت كلمتهم فيه على الجواز ولو ثارت فتنة ودل عليه جملة من الاخبار من الائمة الاخيار
والنبي المختارصلىاللهعليهوآله لانه ليس مختصا بالمنع عن اخذ من يريد اخذ المال بل يشمل رفع يد الاخذ عن المال ايضا ولو سلم عدم شموله له موضوعا فلا ريب في شمول حكمه له.
ثانيهما ان من ادعى عينا في يد غيره مع انكاره كونها له فهل يجوز له انتزاعها منه ام لا ولا اشكال في ان المتعين على هذا الفرض رفع الامر إلى الحاكم لو اوجب الانتزاع من يده فتنة لكونه قضية نصبه نعم لا اشكال في جواز اخذه حقه بسرقة او غيرها لكن اخذها منه علانية وجهارا وانتزاعها من يده مشروط بعدم اثارة الفتنة فتبين من جميع ما ذكرنا ان ما ذكره لا دخل له بالمقام حيث ان ما فرضه على ما ينادي به شرحه لقول المصنف فمن كانت دعواه عينا في يد انسان بقوله معترف بها او معلوم حالها انما هو في العنوان الاول وما ذكره القوم انما هو في العنوان الثاني فما ذكره لا ورود له على احد ولا ربط له بالمقام اصلا فان كلماتهم تنادي باعلى صوت باختصاص ما ذكروه في الفرض الثاني هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة في الرد عليه.
وقد سبقه إلى ذلك الكلام ووافقه في الجملة بعض سادة الفحول فيما علقه على القواعد حيث قال بعد قول المصنف ما لم تثر فتنة ما هذا لفظه قيد بعدم اثارة الفتنة كما في الشرايع والدروس وقال في الارشاد مع انتفاء الضرر وقال في المجمع ما لم يحصل معه امر غير مشروع كنقب داره والتصرف في ماله وضربه وشتمه ثم بعد ذلك جواز التصرف في ماله بغير اذنه مثل دخول داره بشرط عدم تضرره لهتك عرضه ونحن نقول الحق ما ذكره المصنف من عدم الفتنة والمراد بالفتنة الفتنة المؤدية إلى الجناية على النفوس او الاطراف او اتلاف الاموال.
وبالجملة ما يستلزم القاء العداوة بين القبايل لا ما يكون الفرد (الضرر خ) خاصا به بل شاملا له ولغيره اما ما استلزم تمزيق ثياب او ضربا او شتما او كسر قفل او باب او نحو ذلك وان عظم ما لم يثر فتنة اما لعدم التأثير له او لعلمه بان ذلك مما لا يثير في الواقع فانه يجوز الانتزاع وان ادى إلى ذلك لانه هو الذي ادخل ذلك على نفسه ولا فرق في ذلك بين ان يكون اذن له الحاكم ام لم يأذن ولا بين ان لا يكون رفعه إليه او رفعه بت عنده او لم يثبت انتهى كلامه.
وانت خبير بان ما ذكره موافق لما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من جواز انتزاع عين المال ما لم يثر فتنة عظيمة كتلف الانفس والاموال الخطيرة وان اثار فتنة في الجملة وان خالفه في جعل المراد من الفتنة في كلام القوم هو ما ذكره فان ظاهر ما ذكره شيخنا المتقدم كما لا يخفى على من اعطيه حق النظر من جواز الانتزاع ولو في صورة اثارة الفتنة في الجملة ايراد على التقييد الذي ذكره القوم لا تفسير لما ذكروه فما ذكره السيد السند افحش عما ذكره لانه فاسد من جهتين.
وبالجملة لا ريب في ان المراد من الفتنة في كلامهم ليس هو خصوص الفتنة العظيمة مثل ما يوجب القاء العداوة بين القبايل بل يشمل اول مراتبها كالمضاربة ونحوها وأيضا لا ريب في ان كلامهم ليس في مقام بيان حكم مطلق من وجد ماله في يد غيره ولو كان غاصبا او سارقا او ناهبا حتى يرد عليهم بان التقييد بعدم اثارة مطلق الفتنة مما لا معنى له بل كلامهم في مقام بيان حكم مورد الترافع والتداعي وقد سبقهما فيما ذكراه من جعلهما كلام القوم مختصا بصورة معلومية المال او اعتراف من في يده المال بعض شراح الارشاد حسبما حكاه الاستاد العلامة عنه حيث علل جواز الانتزاع بانه امر بالمعروف والمالك اولى به هذا كله في بيان المراد مما ذكره القوم من حديث اثارة الفتنة.
واما توضيح الكلام في حكم المقام فيقتضي بسطا فنقول ان ما قيل او يقال في حكم المقام وجوه احدها ما حكاه السيد المتقدم عن الارشاد من انه يجوز الانتزاع ما لم يوجب ضررا وظاهره الضرر على الخصم فلو اوجب ضررا فلا يجوز له بل عليه رفع الامر إلى الحاكم ثانيها ما حكاه ايضا عن شارحه المولى الاردبيلي من انه يجوز ما لم يوجب فعلا محرما ولو بفعل ما لا يدخل الضرر عليه فالغاية هو لزوم الفعل المحرم ثالثها ما يظهر من ثاني المحققين في شرحه على القواعد ومن غيره في غيره من انه يجوز الانتزاع ما لم تثر فتنة وان اوجب ادخال ضرر يسير على الخصم ككسر قفله وتمزيق ثيابه ونحو ذلك رابعها ما ذهب إليه السيد المتقدم من جوازه ولو اوجب فتنة ما لم تصل إلى حد القاء العداوة بين القبايل.
وتحقيق الحق من هذه الاقوال يتوقف على تصوير ما يتصور في المقام من الصور فنقول من يريد انتزاع ماله من يد خصمه فلا يخلو إما أن يمكن له رفع الامر إلى الحاكم واثبات حقه عنده أو لا وعلى الاول إما أن يستلزم رفعه إليه تأخيرا يوجب ادخال الضرر عليه أو لا يستلزم ذلك سواء كان برفع القيد الاول أو الثاني وعلى جميع التقادير إما أن ينكر خصمه عنادا أو عن اعتقاد كونه حقا له.
ثم ان الكلام في المقام فيما إذا لم يمكن أخذ العين خفية من دون استلزام شئ من المفاسد الآتية وإلا فالمتعين هو كما لا يخفى وجهه.
فإن أمكن له رفع الامر إلى الحاكم من دون ورود ضرر عليه بالتأخير أصلا مع إمكان اثباته عنده كما هو الظاهر في فرض القوم وكان انكار خصمه من غير عناد فالذي هو قضية الاصل الاولي هو القول الثاني لعدم معارضة استنقاذ المال مع ما يقتضي الحرمة لامكان التوصل به بالمقدمة المباحة وهي رفع الامر إلى الحاكم.
وما يقتضي الخروج عنه ليس إلا قوله الناس مسلطون على أموالهم وفحوى قوله لي الواجد يحل عقوبته وعرضه الوارد في الدين وتقريب الاستدلال بالاول ان مقتضى اعطاء السلطنة بالمالك هو جواز أخذه اله عن يد الغير وان استلزم فعلا محرما كالدخول في داره بغير اذنه مثلا وبالثاني ظاهر فإنه إذا دل على حلية - العقوبة والعرض في أخذ الدين فدلالته في العين على حليتهما أولى فضلا عن دلالته على جواز فعل الحرام كالتصرف في ماله وفي الاول تأمل هذا كله فيما لا يوجب ضررا على الخصم وإلا فلا يجوز لحكومة لا ضرر على قوله الناس مسلطون وفي الثاني منع اما أولا فلان غاية ما يستفاد من الحديث حلية عقاب الواجد المماطل في الجملة لكنه لا اطلاق له بالنسبة إلى المعاقب وانه كل من تأتى منه فالقدر المتيقن منه حاكم الشرع فهو نظير ما دل على ان من زنى أو سرق وجب اقامة الحد عليه في سكوته عن المقيم.
ويمكن أن يقال ان هذا خلاف ما فهمه الاصحاب من الحديث فانهم حكموا في مسألة الدين على جواز العقوبة للمدعي أيضا فتأمل - وأما ثانيا فلانه على فرض تسليم دلالته على الاطلاق نمنع صدق اللى على الخصم في الفرض لان المفروض اعتقاده بكون ما يدعيه ماله ومما ذكرنا يمكن لك الاحاطة بأدلة ساير - الاقوال والجواب عنها.
فإن دليل القول الاول الناس مسلطون مع قوله لا ضرر ولاضرار ودليل الباقي الناس مسلطون وفحوى قوله لي الواجد يحل عقوبته وعرضه مع ملاحظة ما دل على وجوب ترك ما يوجب اختلال النظم وقد عرفت الجواب عنها.
وإن أمكن له رفع الامر إلى الحاكم لكن مع تأخير يوجب ضررا على المدعى فلا إشكال في جواز
انتزاعه عنه إذا لم يدخل ضررا عليه وإن أوجب تصرفا في ماله وأما إذا أوجب ورورد ضرر عليه ولو بكسر قفله وتمزيق ثيابه فالظاهر أيضا جوازه لعدم وجوب تحمل الضرر على النفس لدفع الضرر على الغير وهو بأخذه مال المدعي قد أدخل الضرر على نفسه فتأمل وعلى فرض القول بعدم تقدم ضرر المدعى فيبنى المسألة على مسألة تعارض الضررين فيرجع بعد التساقط إلى عموم الناس مسلطون.
وإن لم يمكن رفع الامر إلى الحاكم أو أمكن مع العجز عن اثباته ففي جواز الانتزاع وجهان أوجههما الجواز والوجه فيه ظاهر هذا ثم ان الذي ذكرنا في الصورة وسابقتها انما فيما لم يثر الانتزاع فتنة بل كان موجبا لمجرد الضرر على الخصم وأما إذا أثار فتنة فالظاهر عدم جوازه سيما في الاولى بل له استنقاذ ماله خفية ولو استلزم ضررا على الخصم لان الامر بما يوجب الفتنة بين الناس لا يجوز على الشارع فتأمل هذا كله في صورة عدم كون انكار الخصم على وجه العناد.
وأما لو كان انكاره على وجه العناد باعتقاد المدعي ففي جواز انتزاعه منه في جميع الصور وإن استلزم ضررا بل وإن استلزم فتنة مع التمكن من رفع الامر إلى الحاكم واثبات الحق عنده وعدمه وجهان من أن الزامه برفع يده عن المال حينئذ الزام على طبق مقتضى تكليفه لفرض كون انكاره مبنيا على العناد فيدخل في باب الامر بالمعروف الذي يجب على كل قادر وإن لزم ضرر على المأمور بل وأزيد منه فيصير كما لو اعترف بكونه مالا للمدعي ومن انه وإن كان انكاره على سبيل العناد واقعا وباعتقاده اعتقاد المدعى لكنه منكر صورة فيجب رفع أمره إلى الحاكم لو تمكن منه لانه منصوب لرفع الخصومة سيما فيما أثار الانتزاع فتنة.
نعم لو لم يتمكن من رفع الامر إلى الحاكم أو تمكن مع عدم إمكان اثبات الحق عنده أو تمكن من ذلك مع لزوم تأخير يوجب ضررا على المدعي كفوت غرضه توجه القول بجواز اتنزاعه منه ولو استلزم ضررا عليه بل لو استلزم فتنة في بعض الصور مع تأمل فيه وقد تبين مما ذكرنا ان الحكم في صورة انكار من في يده العين حسبما هو محل كلام القوم يختلف بحسب الصور وأما لو أقر بأنه مال المدعى أو كان كونه مالا له معلوما كما في الغاصب والسارق فحكمه موكول إلى محله والظاهر عدم الاشكال في جواز انتزاع المال عنه ولو استلزم فتنة ما لم تصل إلى أعلى مراتبها وكلمتهم على ذلك متفقة والادلة الثلاثة أيضا تدل عليه هذا كله لو كانت الدعوى عينا.
وأما لو كانت دينا فإن كان من في ذمته المال مقرا باذلا فلا إشكال في عدم جواز تقاصه من ماله بل - الاجماع عليه لان للغريم التخيير في جهات القضاء والمراد بالبذل هي الفورية العرفية التي ذكروا انها واجبة على المدين بعد مطالبة الداين وهي تختلف بحسب المقامات فهو تخلف عنها فهو ممتنع عرفا هكذا ذكره الاستاد العلامة.
ثم ان هنا إشكالا على عبارة المصنف أورده ثاني الشهيدين في المسالك وهي قوله فلا يتعين الحق في شئ اه من انه لا مدخل للحاكم في ذلك أيضا لان الفرض كونه باذلا والحاكم إنما يلي على الممتنع ومن في معناه وأجاب عنهقدسسره في حاشيته منه بأن الوجه في ذكر هذا مناسبته واشتراكه مع الممتنع في ان ليس للغريم تعيينه أصلا كانه قال ليس للغريم في هذه الصورة تعيين بل تعيينه للمقر الباذل كما ان في صورة امتناعه ليس له تعيينه بل تعيينه للحاكم انتهى كلامه وفيه تكلف ظاهر ويستفاد من كلام بعض مشايخنا جواب آخر وهو ان المراد الامتناع ليس هو الامتناع عن الاداء بل الامتناع عن تعيينه لمانع كحبس
ومرض ونحوهما فليس هذا خارجا عن الفرض هذا ولا بد أن يجعل المراد من الباذل هو الباذل الشأني وإلا فلا يستقيم كما لا يخفى.
وأجاب الاستاد العلامة عن الاشكال بأن المصنف لم يرد من هذه العبارة بيان حكم خصوص الغريم المذكور الذي فرض باذلا وإلا لقال بدل لان الغريم اه لانه بل أراد من قوله فلا يتعين اه الاشارة إلى كبرى كلية وهي انه لا يتعين ما في الذمة إذا كان للشخص غريم إلا بتعيينه أو تعيينه الحاكم مع امتناعه فلم يرد منه بيان حكم خصوص الغريم الذي في المقام حتى يقال بأن فرض الامتناع ينافي فرض البذل هذا ملخص ما ذكره دام ظله العالي.
وبنظري القاصر ان توجيه شيخنا المتقدم أوجه من جهة موافقته لقول المصنف قبل هذه العبارة فلا يستقل من دون الحاكم فإن الاشكال المذكور وارد عليه ايضا فإن أذن الحاكم لا دخل له بالفرض حسبما يستفاد من العبارة جواز أخذه بإذن الحاكم فلا بد من أن يقال ان المراد من هذا القول حسبما وجهه الاستاد أيضا انه لا يستقل بدون إذن الحاكم وإن جاز له الاخذ مع اذنه في بعض الصور كما في صورة تعذر تعيينه من جهة غيبته ونحوها والله العالم.
ولو لم يكن باذلا أو كان جاحدا يمكن اثبات الحق في ذمته برفع الامر إلى الحاكم ففي جواز الاخذ من ماله من دون إذن الحاكم ورفع الامر إليه خلاف المشهور كما قيل على الجواز وظاهر قضية جماعة منهم المصنف في النافع والفخر في الايضاح المنع وهو موافق للاصل لان قضية الاصل الاولي هو عدم جواز أخذه والتصرف فيه وعدم صيرورته ملكا له إلا بإذن الحاكم نعم لو أذن فلا إشكال فيه لانه ولي الممتنع بالنص والاجماع ومنه يظهر فساد ما ذكره بعض المشايخ من معارضة الاصل المذكور بأصالة عدم وجوب رفع الامر إلى الحاكم وهذا غريب منه لان وجوب رفع الامر إلى الحاكم المشكوك فيه ليس وجوبا نفسيا يعاقب عليه حتى يدفع بالاصل بل هو على تقدير ثبوته وجوب شرطي فالاصل فيه الاشتراط لاصالة عدم انتقال المال من ملك الغريم وعدم جواز التصرف فيه إلا بإذنه وهذا مما لا سترة فيه أصلا إنما الشأن في تحقق دلالة ما ادعوا دلالته على الجواز من الكتاب والسنة الحاكم على الاصل المذكور وعدمها.
فلنذكر أولا جملة مما ادعوا دلالتها ثم نعقبه بتحقيق ما يقتضيه النظر الصحيح وهو كثير فمن الكتاب قوله تعالى من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله تعالى والحرمات قصاص وقوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ومن السنة قولهصلىاللهعليهوآله لي الواجد يحل عقوبته وعرضه وقولهصلىاللهعليهوآله بعد سؤال هند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وخبر جميل بن دراج سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن رجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر عن ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك قال نعم وروايتا داود بن زرين وابن زربي ففي احديهما قلت لابي الحسن موسىعليهالسلام اني أخالط السلطان فيكون عندي الجارية فيأخذونها والدابة الفاره يبعثون فيأخذونها ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه فقال خذ مثل ذلك ولا تزد عليه وفي الاخرى قلت لابي الحسنعليهالسلام انا (اني خ) أعامل قوما فربما ارسلوا إلى فأخذوا مني الجارية والدابة فذهبوا بهما مني ثم يدور لهم المال عندي فأخذ منه بقدر ما أخذوا مني فقال خذه منهم بقدر ما أخذوا منك ولا تزد عليه وخبر علي بن مهزيار وصحيح أبي بكر قلت له رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها أيجوز لي ان وقع له قبلي دراهم ان اخذ منه بقدر حقي قال فقال نعم ولكن لهذا كلام قلت وما هو قال تقول اللهم اني لا آخذه ظلما ولا
جناية وإنما أخذته بمكان مالي الذي اخذ مني لم أزد عليه شيئا إلى غير ذلك من الاخبار.
وأجيب عنها بوجوه احدها ما ذكره جماعة عن جملة منها كالنبوي الوارد في حكاية هند وصحيحي داود بن زرين وابن زربي من انها اذن من النبيصلىاللهعليهوآله والوصيعليهالسلام في الاخذ ولا كلام ي جواز الاخذ مع الاذن من السلطان إنما الكلام مع عدمه وفيه ان الظاهر منها كونها جوابا عن سؤال حكم المسألة لا اذنا في الاخذ ثانيها ما ذكره بعض من انها معارضة بما دل على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بإذنه أو اذن وليه المفروض امكان تحصيله في المقام وفيه ما لا يخفى على المتأمل.
ثالثها ما ذكره الاستاد دام ظله بالنسبة إلى جملة منها من انها واردة في بيان القضية المهملة وهي ان المماطل يصح عقوبته اما ان المعاقب من هو فليست في مقام بيانه أصلا.
رابعها ما ذكره دام ظله أيضا بالنسبة أكثرها من انها واردة في مورد الغالب وهو عدم امكان رفع الامر إلى حاكم الشرع بحيث ينفع حكمه للمدعي لان مجرد رفع الامر إليه مع عدم حكمه أو حكمه مع عدم اعتناء الخصم به كما كان أكثريا في ذلك الزمان مما لا ينفع أصلا كما لا يخفى في إطلاق لتلك الاخبار حتى ينفعنا في محل البحث وهو صورة إمكان اثبات الحكم عند حاكم الشرع.
لا يقال ان رفع الامر إلى حاكم الشرع وإن لم يمكن غالبا في ذلك الزمان بمعنى المرافعة واحضار الخصم عنده لكون الزمان زمان التقية إلا ان الاستيذان منه في أخذ مقدار الحق كان ممكنا لان المبعوثين من الامامعليهالسلام كانوا موجودين في أكثر البلاد مع انه لا يتوقف حصول الاستيذان عليه أيضا.
لانا نقول الاذن من الحاكم مع جهله بالحال كما في الاغلب لا يجوز لان السلطان ولي الممتنع إذا علم بالامتناع هكذا ذكره الاستاد في مجلس البحث وفيه نظر قد أشار إليه أيضا في اثناء البحث وجه النظر انه لا مانع من اذن الحاكم بمعنى توكيله للمدعى عموما أو خصوصا لاخذ مقدار الحق عن الممتنع الواقعي إذا علم به هذا ملخص ما ذكروه في الجواب عن الاستدلال بالاخبار وللتأمل فيها مجال ولا يبعد كون القول بالجواز اشبه وإن كان الاصل للمانعين هذا كله فيما لو تمكن من الوصول إلى حاكم الشرع واثبات الحق عنده أو الاستيذان منه واما لا مع ذلك فالظاهر بل المقطوع انه لا خلاف بين الاصحاب في جواز أخذه من اله بقدر حقه ويدل عليه ما تقدم من الكتاب والسنة من دون تأمل فيه.
وينبغي التعرض لامور الاول انه قد قيل يتصور البذل في الجاحد أيضا فلا يحتاج معه إلى اذن حاكم الشرع بأن يقول للمدعي انك لا تطلب مني شيئا ولكن لو تريد الاخذ من مالي فخذه هكذا قيل وفي جريان حكم الباذل عليه تأمل.
الثاني انه قد اختلف كلماتهم في جواز التقاص لو كان المال وديعة عند المدعي بعد اتفاقهم على جوازه في غير فعن أكثر المتأخرين نعم مع كراهة جمعا بين ما دل على الجواز من الاخبار الخاصة المعتضدة بالعمومات وما دل بظاهره على المنع وعن جماعة من القدماء لا بل عن الغنية الاجماع عليه ومستندهم الاخبار لكثيرة المانعة مثل خبر ابن سليمان بن خالد سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه فحلف ثم وقع له عندي مال فأخذه لمكان مالي الذي أخذه وأجحده وأحلف عليه كما صنع قال ان خانك فلا تخنه ولا تدخل صناعته عليه وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبداللهعليهالسلام قلت له الرجل يكون لي قبله حق فجحد نيه ثم يستودعني مالا الي ان آخذه بدل ما عنده قال هذه الخيانة إلى غير ذلك من الاخبار.
وفيه ان الظاهر منها كما لا يخفى على من اعطى حق النظر فيها الكراهة لا الحرمة فلا تعارض ما دل من الاخبار على الجواز مثل صحيح البقباق ان شهابا ما راه في رجل ذهب له بالف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم قال أبوالعباس فقلت له خذها مكان الالف التي أخذ منك فأبى شهاب قال فدخل شهاب على أبي عبدالله فذكر ذلك له فقال اما أنا فأحب أن تأخذهوتحلف وخبر علي بن سلمان قال كتبت إليه رجل غصب رجلا مالا ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه أيحل له حبسه عليه أم لا فكتبعليهالسلام نعم يحل له ذلك ن كان بقدر حقه وإن كان أكثر فيأخذ منه ما كان ويسلم الباقي إليه إنشاء الله.
ويؤيد ما ذكرنا من كون النهي الوارد فيها للكراهة من جهة كونها خيانة صورة فيكون النهي عنها من جهة التأكد في حفظ الامانة وعدم الخيانة ما روى عن الصادقعليهالسلام في خبر عبدالله بن إسماعيل اد الامانة لمن ائتمنك وأراد منك النصيحة ولو انه قاتل الحسينعليهالسلام وما روى عنه في خبر عمار اعلم ان ارب عليعليهالسلام بالسيف وقاتله لو ائتمنني على سيف واستشارني ثم قبلت ذلك منه لاديت إليه أمانته إلى غير ذلك والعمدة في الجواب عن تلك الاخبار هو ما ذكرناه لا ما ذكره الاكثر من ان قضية الجمع بينها وبين ما دل على الجواز هو الحمل على الكراهة إذ لا دليل على هذا الجمع بعد تسليم دلالة الاخبار على المنع فليرجع إلى المرجحات والترجيح مع الاخبار المانعة لكثرتها مضافا إلى امكان المناقشة في بعض الاخبار المجوزة مثل الخبر الاول فإن جواز المقاصة بعد الحلف مما يكون العمل على خلافه مع دلالة اكثر الاخبار عليه أيضا نعم لو قيل ان موافقة الاخبار المجوزة للعمومات يكون من المرجحات لها لم يكن فيه بعد عن الصواب لو لم نقل بكونها مرجعا بعد التكافوء لا مرجحا لما يوافقها من المتعارضين.
الثالث لا إشكال بل لا خلاف عندنا في جواز التقاص من غير الجنس وإن لم يستأذن الحاكم فيما لا يشترط استيذانه كما انه لا خلاف عند الجميع حتى من العامة في جواز التقاص من الجنس بل أقول انه مما لا يعقل - الخلاف فيه بعد فرض مشروعية التقاص وهل يجوز له بيع ما يظفر عليه من مال المالك سواء كان وديعة عنده أو لا وأخذ مقدار حقه من ثمنه أم لا وجهان أوجههما بالنظر إلى ما يظهر في ابتداء النظر من نصوص الباب هو الثاني ولكن مقتضى التأمل والنظر الدقيق فيها هو الاول فإن المقصود منها جواز استخراج الداين دينه من مال الغريم بأي وجه أمكن ولو ببيعه وإن شئت قلت ان الشارع اقامه مقام المالك أو وليه في مورد التقاص فيجوز له بيع ماله وأخذ حقه منه كما انه يجوز للحاكم بيع ماله قهرا عليه وله في كثير من الموارد فالمقاص أيضا ولي له في الواقعة الخاصة ولهذا اعده جماعة من الاصحاب في عداد الاولياء كالشهيدين في الدروس والروضة فاندفع بذلك ما ربما يقال بل قيل من ان مقتضى القاعدة عدم صحة بيع مال الغير من دون اذنه واذن وليه المفقودين في الفرض والمفروض عدم توقف استنقاذ الحق عليه أيضا لامكانه باخذ نفس المال ثم ان الذي ذكرنا الظاهر انه المشهور بين الاصحاب كما يعلم من الرجوع إلى كتبهم فما حكي عن بعض نسخ الكفاية من نسبة عدم الجواز إلى الاصحاب مما هو معلوم فساده لمن له أدنى تتبع بكتب القوم والله العالم.
الرابع انه لو تلف المال الذي أخذه للمقاصة من ثمنه من دون تعد منه وتفريط قبل بيعه فهل يضمنه مطلقا أو لا يضمنه كذلك أو فيه تفصيل بين مقدار الحق والزايد لو كان المأخوذ زايدا على مقدار الحق أو فيه تفصيل بين ما إذا أخذه بعنوان المقاصة به ولكن لم ينشأها لارادة معرفة قيمته وغيره وجوه بل أقوال الاول لجماعة حسبما هو قضية اطلاق ما ذكروه من الحكم بعدم الضمان بل صريح بعضهم والثاني للشيخرحمهالله وتبعه الشهيدان والمولى
الاردبيلي والثالث للعلامة في محكي التحرير وعد والرابع لجماعة أيضا من الاصحاب.
للاول عمومات ما دل على ضمان ما تلف في اليد كقولهعليهالسلام على اليد ما أخذت حتى تؤدي وغيره والمخرج عنها غير موجود لان الايتمان من المالك غير موجود بالفرض والاذن من الشارع في الاخذ وإن كان موجودا إلا ان مجرده لا يصلح لرفع الضمان الثابت بمقتضى العمومات ما لم يكن على وجه الايتمان منه بل ولو كان على جه الايتمان منه إذ لم يدل دليل عموما على رفع الضمان في الامانة الشرعية كما في اللقطة وأشباهها فتأمل.
وللثاني الاصل وما دل على عدم تعقب الضمان في الامانة الشرعية مع عدم التعدي في التلف وعموم ما دل على نفي السبيل من المحسن بناء على كون المراد من الاحسان في الآية هو فعل ما لا حرج فيه حسبما صرح به ثاني الشهيدينقدسسره في محكي تمهيد القواعد ويستفاد من كلام الحلي في السراير ايضا لا ما يكون فيه رجحان ونفع عائد إلى المحسن إليه فيشمل المباح أيضا كما هو أحد اطلاقي الحسن في مقابل القبيح الذي صرح به جمع من المحققين في مسألة التحسين والتقبيح العقليين فيكون الآية حاكمة على ما دل من العمومات على ثبوت الضمان هذا مضافا إلى انه لو كان الظاهر من الاحسان هو الاطلاق الثاني كما يطلق من دون قرينة كانت قرينة المورد صارفة للظاهر المذكور لان الآية وردت في حق الفرقة المتخلفة في المدينة القاعدين عن الحرب ومعلوم ان القعود عن الحرب لم يكن راجحا والقول بأن المراد من الآية في المورد هو فعل المباح وفي غيره هو الراجح مضافا إلى انه لا معنى له موجب لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى وهو غير جايز عند المحققين.
وللثالث أيضا عموم الآية الشريفة بناء على أن يكون المراد منه هو المعنى الثاني حسبما هو المتبادر منه فإن أخذه للزايد إنما هو لاجل مصلحة المالك وهي حفظ ماله وما دل على نفي الضمان في الامانة الشرعية فإن أذن الشارع لاخذ الزايد إنما يكون من جهة الايتمان لاجل مصلحة المالك هكذا ذكره الاستاد العلامة.
وللرابع لم يعلم وجه يعتد به ويمكن ارجاعه إلى القول بعدم الضمان مطلقا في صورة عدم التعدي وادعاء كون التلف في غير الصورة لا محالة يكون على على وجه التفريط.
وأنت إذا تأملت في ادلة الاقوال علمت ان الحق هو القول الاول لان الاصل مرتفع بعد قيام ما عرفت من الدليل على الضمان.
وأما حديث الامانة الشرعية فقد عرفت فساده صغرى وكبرى لان الاخذ لمصلحة الاخذ وعلى تقدير كونه لمصلحة المالك لا دليل على عدم تعقبه للضمان عموما وأما التمسك بالآية الشريفة ففيه أولا المنع من كون الظاهر من الاحسان هو فعل ما لا حرج فيه بل الظاهر منه حسبما هو قضية التبادر وصرح به جمع من أئمة التفسير وأهل اللغة هو المعنى الثاني وأما ما ذكر أخيرا من الدليل على كون المراد منه في خصوص المقام هو المعنى الاول من حديث خروج المورد أو استعمال اللفظ في أكثر من معنى وواحد ففيه انا نمنع من كون المراد منه في المورد هو المعنى الاول لان التعليق بالنصح المذكور قبل الآيه يدل على ان المراد منه ليس المعنى الاول بل هو دليل على خلافه فما ذكر من حديث المورد لنا لا علينا هذا وذكر الاستاد العلامة ان التعليق في المقام لا مفهوم له بل المراد منه الاهتمام بأداء فرض النصح لله لا أنهم إذا لم ينصحوا لله كان المقصود عليهم حراما فتأمل هذا كله مضافا إلى ما ذكره الاستاد العلامة من كون الآية من العمومات الموهونة التي لا يجوز التمسك بها إلا ع جابر قوي فتأمل هذا مجمل القول في رد دليل القول بعدم الضمان مطلقا.
واما الجواب عن دليل ما صار اليه العلامةرحمهالله من التفصيل فاما عن الاول فقد عرفت واما عن - الثاني فبانا نمنع من كون اخذه للزايد انما هو من جهة مصلحة المالك بل انما من جهة مصلحة نفسه من حيث توقف استنقاذ حقه عليه فليس محسنا نعم الزايد في يده بعد البيع واخذ مقدار الحق لا يكون مضمونا عليه لما ذكر.
لا يقال سلمنا كونه مقدمة لاستنقاذ ماله لكن الاذن في اخذه تبعا يقتضي عدم الضمان على تلفه من غير تعد وتفرط وان هو الا نظير ما ذكروه في باب توقف استنقاذ حق المغصوب منه على كسر قفل من الغاصب او تخريب بنيان منه كما في الخشبة المستدخلة في الحايط من انه يجوز له استنقاذ ماله وان لزم ما لزم بل ذكر جماعة في مسألة العين المدعى ايضا حسبما عرفت سابقا انه لو توقف اخذها على كسر قفل من المدعى عليه فهو جايز له.
لانا نقول قد عرفت ان مجرد الاذن الشرعي لا يوجب رفع الضمان سواء كان تبعا او اصالة وقياس المقام بما ذكروه في مسألة الغصب والعين فاسد اما اولا فلان المتوقف عليه في المقام انما هو الاخذ دون الاتلاف بخلافه في المقيس عليه فان المتوقف عليه فيه هو الاتلاف فيمكن ان يقال ان الاذن فيه موجب لرفع الضمان واما ثانيا فلانا نمنع من جواز كسر القفل اذا لم يوجب عدم كسره ضررا على المدعى وعلى فرضه لا دخل للحكم بالجواز فيه بما نحن فيه اصلا كما لا يخفى واما الغصب فالحكم فيه خارج عن القاعدة من جهة ما دل على انه لا حق للعرق الظالم فلا معنى للقياس عليه اصلا.
الامر الخامس ان ما ذكرنا من الكلام كله من اول مسألة المقاصة إلى هنا انما هو في الدين واما العين فهل يجوز التقاص عنها اذا لم يمكن الوصول اليها ام لا وجهان صريح العلامة في التذكرة وثاني المحققين في صد الجواز بل ذكر الاستاد العلامة انه لا اشكال فيه عند الاصحاب فانهم وان لم يعنونوا المسألة باجمعهم الا انه يفهم من مذاقهم عدم الفرق بين العين والدين ويدل عليه بعض الروايات المتقدمة ايضا مثل خبر علي بن سلمان.
ثم على تقدير الجواز فهل هو من باب بدل الحيلولة والعوض عن السلطنة الفعلية الفائتة او عوض عن العين التي قدر العجز عن الوصول اليها وجهان اوجههما بالنظر إلى الرواية هو الثاني وليس فيه الا ما قيل عليه من لزوم تحقق المعاوضة وخروج المال عن ملك مالكه بعنوان البدلية مع عدم رضائه بل ولا اطلاعه به وهو غير معهود في باب المعاوضات وهو ليس بشئ لان بعد دلالة الرواية على جواز اخذه عوضا وبدلا عن العين يدل على حصول ولاية للمقاص كما في التقاص عن الدين ببيع المال والمقاصة من ثمنه فتامل ثم ان الثمرة بين الوجهين مما لا يكاد ان يخفى على المتامل.
قوله من ادعى مالا يد لاحد عليه قضى له اه اقول قد صرح بعض الاصحاب بان الحكم غير مختص بالعنوان المذكور بل كل من ادعى شيئا لا معارض له فدعواه مسموعة سواء كانت دعوى مالية مال او وكالة من شخص في امر او طلاق او وصاية وامثالها فيكون تعبير المصنف من باب ذكر احد افراد المسألة الكلية من حيث كون اليد من المعارض في الجملة وان لم ينحصر فيها هذا ولكن في محكي القواعد جمع بين القيدين فقال من ادعى ما لا يد لاحد عليه ولا منازع له فيه قضى له ولعلنا نشير إلى وجهه ثم بالحري قبل التعرض لتحقيق الحق في المقام ان نذكر امورا بها يحرر محل الكلام ويكشف القناع عن وجه المرام.
احدها ان محل الكلام فيما ذكروه انما هو في الدعوى المخالفة للاصل واما الدعوى الموافقة للاصل فهي خارجة عن محل كلامهم قطعا لان سماعها مما لا يتوهم انكاره من احد حتى يحتاج إلى البينة فكلامهم في مقام اثبات حكم على خلاف القواعد وهذا امر ظاهر لا سترة فيه اصلا قد صرح به غير واحد من الاصحاب.
ثانيها انه لا اشكال في انه ليس المراد من المعارض المنفي في كلامهم وكذا اليد المنفية فيه هو ما لا يوجد عقلا لعدم وجود هذه الصورة كما لا يخفى كما انه لا اشكال في اعتبار نفي المعارض الفعلي واليد الفعلية لانه متيقن المراد من كلامهم بحيث لا يرتاب فيه اصلا فهل المراد خصوصه فيعم مورد البحث ما اذا كان هناك يد سابقة او معارض شاني ويد شانية كما في دعوى مالية ما كان في يد غير المدعى مع نفي ذي اليد ماليته عن نفسه لانه لا يحتاج إلى البينة فانه وان لم يكن هناك معارض فعلي الا انه يكون ما يصلح من جهته المعارضة او الاعم منه ومما اذا كان هناك يد سابقة او شانية فلو ادعى احد ملكية ما كان في يد غيره سابقا مع عدم كونه في يده حين الدعوى ولا في يد المدعي فلا يحكم له به بخلاف التقدير الاول وكذا لو ادعى احد موت مورثه وطلب تقسيم التركة من الحاكم فانه تسمع دعواه على التقدير الاول ولا تسمع على التقدير الثاني إلى غير ذلك من الفروع وجهان اوجههما بالنظر إلى قضية ظاهر كلامهم هو الاول وان كان الالتزام ببعض فروعه مشكلا جدا كما ان الالتزام باختصاص محل كلامهم بما اذا لم يكن هناك يد سابقة اصلا ولا ملكية سابقة والا فيحتاج إلى البينة اشكل للزوم اختصاص محل كلامهم بما يستلزم خروج مورد مدرك حكمهم وهو الرواية الابية عنه مضافا إلى لزوم اختصاصه بالمباحات فيخرج عنه دعوى ملكية ما يعلم بكونه ملكا المدعى ولو قبل عشر الاف السنة والتفصيل بين الزمان والقصير مما لا يعقل له ماخذ اصلا هكذا ذكره الاستاد العلامة دام ظله وسياتي تحقيق القول فيه في طي المسألة انشاء الله ثم انه لا اشكال ان المراد على التقدير الاول انما هو فيما اذا لم يستلزم دعوى على غايب والا فلا اشكال في عدم سماعها بالمعنى المقصود في المقام.
ثالثها ان المراد من قولهم قضى له به هل هو القضاء له مراعيا بعدم المعارض فلو وجد المعارض كانا متداعيين فعلى كل منهما البينة كما لو تداعيا في عين لا يد لاحدهما عليه او القضاء له بمعنى صيرورته ملكا له كما يحكم له لو كان يده عليه فيصير حينئذ المدعى بعد القضاء له به ممن يده عليه يد ملكية فلو وجد معارض له بعد فيحكم بان البينة عليه لكونه مدعيا وجهان اوجههما الاخير كما لا يخفى هذا ويظهر من الشهيد في المسالك ان المراد منه عدم التعرض له وعدم منعه من التصرف وانت خبير بان هذا ليس مرادهم جزما.
اذا عرفت ما قدمنا لك من الامور فلنتعرض لما هو المقصود بالبحث في المقام فنقول انه استدل على ما ذكروه من القضاء للمدعى اذا لم يكن له معارض بوجوه.
أحدها ما ذكره في المسالك من انه عدم المنازع لا وجه لمنع المدعي منه ولا لطلب البينة فيه ولا لاحلافه اذ لا خصم له حتى يترتب عليه ذلك انتهى وفيه ما لا يخفى لان مجرد عدم منع المدعي عن التصرف فيما يدعيه لا يقضى بجواز القضاء له بمجرد دعواه كما هو محل البحث كما ان عدم مطالبته بالبينة لا يقتضي جواز القضاء له بدونها فيتوقف (فلتوقف خ) مضافا إلى ان المطالبة في المقام بمعنى الشرطية وعدم الحكم بدون البينة وهي لا تحتاج إلى الدليل الخاصل لو كان هناك ما يقتضي بمعمومه على اعتبار البينة وبالجملة ما كره ضعيف في الغاية.
ثانيها ما ذكره سيد مشايخنا في الرياض وتبعه شيخنا في الجواهر من أصالة حمل قول المسلم على الصحة ورده في الرياض بأنه أخص من المدعى لانه ليس خصوص سماع دعوى المسلم إذا لم يكن له معارض بل يشمله والكافر أيضا.
وأنت خبير بأن ما ذكروه غير تام في حق المسلم أيضا لان من المحقق في محله عدم قيام دليل على وجوب حمل قول المسلم على الصحة بمعنى الصدق فيكون الاصل في قول المسلم الحجية إلا ما خرج بالدليل بل ظاهر الادلة خلافه.
نعم الصحة بمعنى عدم اللغوية او المشروعية قال الدليل على وجوب حمله عليها لكن الصحة بهذا المعنى لا ربط لها بالمقام ولا تنفع المستدل أصلا كما لا يخفى هذا مضافا إلى ما أفاده الاستاد العلامة من أنه لو كان الاصل في قول المسلم الحجيه والصدق لكان واردا على اليد أيضا لو كان في مقابلة يد نظير البينة فلا يحتاج إلى اقامة البينة وهذا ما لا يذهب إليه أحد.
ثالثها ما ادعاه بعض الاصحاب من الاجماع فإنا وإن لم نقل بحجية الاجماع المنقول مطلقا لكنه في المقام معتضد بالشهرة وبغيرها من الامارات.
رابعها ما ورد في مسألة الكيس ان يونس بن عبدالرحمن روى عن منصور بن حازم قال قلت لابي عبداللهعليهالسلام عشره كانوا جلوسا ووسطهم كيس ألف درهم فسئل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس فقالوا كلهم لا فقال واحد منهم هو لي قالعليهالسلام هو للذي ادعاه.
وتنظر في الاستدلال به الاستاد العلامة دام ظله موافقا لابن إدريس في السراير بأنه لا يستفاد من الرواية ان الحكم من جهة مجرد ادعاء المدعي مع عدم المعارض له بل الظاهر منها انه من جهة اليد فيكون الحكم فيها على طبق قاعدة ضرورة انه اذا كان الكيس في وسط جماعة يحكم بكونه لهم من جهة يدهم عليه ولهذا لو ادعى أحد عليهم من غيرهم ملكيته فانكروه يحكمون من غير اشكال بأن عليه البينة لانه مدع فإذا نفى أحدهم يرتفع حكم اليد في حقه ويقوم بالباقي إلى أن ينتهي إلى الواحد فإذا نفى جميعهم إلا الواحد تقوم السلطنة به فالحكم له بعد دعواه إنما هو من جهة يده فتكون على طبق القاعدة.
والوجه فيما ذكرنا ما تقرر في محله من انه لو كان شئ بين جماعة لا يحكم بتعلقه بواحد منهم بالخصوص للزوم الترجيح بلا مرجح بل يحكم بتسويتهم فيه لا بمعنى ان هنا يد أو احدا قائما بالمجموع بحيث إذا نفى أحدهم من نفسه ينتفي رأسا ولا بمعنى كونه على الحصص بل بمعنى ان هنا سلطنة واحدة قائمة بالمجموع من جهة عدم ترجيح بعضهم على بعض بحيث يصلح أن يكون كل واحد يده عليه فيصح أن يقال بمعنى ان لكل واحد يدا نظير الشئ الموجود في الدار المشتركة بين الجماعة فإذا نفى أحدهم من نفسه السلطنة فكيشف ذلك عن قيامها بغيره وهكذا إذا نفى الجميع غير الواحد ولو سلمنا انه لا يكون يدا حقيقة لكن لا إشكال في كونه يدا حكما يحكم عليه بحكم اليد من جهة ظهور اليد والملكية كما فيما يتعلق باللقيط من البيت والفرش واللباس وغيرها فالرواية لا دخل لها بالمقام.
قال ابن ادريس في محكي السراير بعد نقل الرواية هذا الحديث صحيح وليس هذا فيمن أخذه بمجرد دعواه وإنما هو لما لم يثبت له صاحب المدينة سواه واليد على ضربين يد مشاهدة ويد حكمية فهذا يدعيه لان كل واحد منهم نفى يده عنه وبقي يد من ادعاه حكمية ولو قال كل واحد من الجماعة في دفعة واحدة أو
متفرقا هو لي لكان الحكم فيه غير ذلك وكذلك لو قبضه واحد من الجماعة ثم ادعاه غيره لم يقبل دعواه بغير بينة لان اليد المشاهدة عليه لغير ما ادعاه والخبر الوارد في الجماعة انه نفوه عن أنفسهم ولم يثبتوا لهم عليه يدا لا من طريق الحكم ولا من طريق المشاهدة ومن ادعاه له يد عليه من طريق الحكم فقبلنا فيه دعواه من غير بينة ففقهه ما حررناه وأيضا إنما قال ادعاه من حيث اللغة لان الدعوى الشرعية من ادعى في يد غيره عينا أو دينا انتهى ما حكى عنه وهو في غاية الجودة واندفع به أيضا ما ربما يتوهم من ظهور قوله فهو للذي ادعاه في كونه غير ذي اليد.
وكذا اندفع من ملاحظته وملاحظة ما ذكرنا في معنى الرواية أمور بها يتوهم ظهور الرواية في المدعي أحدها ظهور الكل في الجميع حتى من ادعى ملكية الكيس فيكون ادعاه بعد نفيه فيخرج عن حكم اليد ثانيها اطلاق الرواية وشمولها لما إذا جاء المدعي بعد الجميع أو جائوا دفعة في كل مكان فيه كيس بحيث يعلم عدم يد أحدهم عليه ثالثها عدم تفصيل الامامعليهالسلام في الحكم المذكور بين من بقي من الجماعة غيرهم ممن يكون خارجا منهم ولو كان الحكم مبنيا على اليد فلا بد من التفصيل إذ ربما يعلم النافون مساوات المدعي معهم في عدم يد أحدهم على الكيس فترك الاستفصال دليل على عموم الحكم وعدم كونه من جهة اليد.
إذ الاول مدفوع بظهور قوله فقال واحد منهم في انه بمنزلة الاستثناء من الكل والثاني والثالث مدفوعان بظهور الرواية في غير ما فرض من الصورة فلا معنى للتمسك بترك الاستفصال لانه فيما لم يكن هناك ظهور للكلام على خلاف المحتمل هذا.
ولكن ذكر الاستاد العلامة بعد ما ذكر من الاشكال الذي عرفته في الرواية انه يمكن التمسك بها على مذهب القوم ويقال بظهورها فيه بأن يدعي كما هو الظاهر بأنه وإن كان للعشرة يد على الكيس إلا انه لا ريب ان يدهم عليه ليس بمعنى ان لكل منهم صلاحية للتسلط عليه عرفا بحيث لو فرض عدم وجود كلهم إلا واحدا من أول الامر لكان له يد وسلطنة عرفا عليه بل بمعنى ان هناك يدا واحدا قائما بالاكثر بحيث لو نفى الجميع إلا واحدا لم يصدق ان له يدا عليه قطعا توضيح ذلك انه مما لا إشكال ان ثبوت السلطنة لشخص على مال عرفي لا يكون على نسق واحد قطعا بل يختلف بحسب الخصوصيات فإذا كان عشرة دايرة على مال يحكمون أهل العرف ان لهم يدا على المال بخلاف ما لو لم يكن هناك إلا واحد وكان المال بعيدا منه بمقدار الذراعين أو أكثر فإنه لا يحكمون بأن له يدا عليه فإذا عارضه شخص فيكون من باب التداعي بل يختلف الحكم بالنسبة إلى العشرة أيضا بالنسبة إلى كيفية جلوسهم كما لا يخفى فقد يحكمون باليد للثلاثة إذا كان جلوسهم على سبيل الدور والتثليث.
نعم لو كان المال واقعا في ملك احد سواء كان في بيته او فراشه او نحوهما فيحكمون بيده عليه وإن كان بعيدا منه ففي كل مورد لو كان الشخص منفردا يحكمون أهل العرف باليد له ففي صورة التعدد لو نفى غيره انحصر فيه وإلا فلا ففيما نحن فيه نقول ان حكم أهل العرف كان قائما بالمجموع فإذا نفى غير الواحد زال حكم أهل العرف فيكون الحكم بسماع دعواه على خلاف الاصل فاندفع بما ذكرنا كله ما يقال من انه أي فرق بين ما إذا كان مال في بيت مشترك بين جماعة فنفى الملكية غير واحد منهم فإنه يحكم بكونه له من جهة يده وبين ما إذا كان مال بين جماعة في غير ملكهم وجه الدفع ما عرفت من أنه إذا كان المال في الملك المشترك يصح أن يكون لكل واحد منهم يد عليه بحيث لو لم يكن إلا واحدا حكم عرفا بثبوت يده عليه و
هذا بخلاف ما نحن فيه فظهر من جميع ما ذكر دلالة الرواية على مذهب المشهور هذا ملخص ما ذكره ام ظله خامسها ما روي أيضا عن منصور بن حازم في مسائل يسئل عن أبي عبداللهعليهالسلام في غير الرواية المتقدمة وإن كان يظهر من بعض مشايخنا انه من تتمتها لكنه ليس بصحيح كما لا يخفى على من له تتبع في الروايات قال قلت له أيضا ان الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون بالله قال صدقت قلت ان من عرف له ربا فقد ينبغي له أن يعرف ان لذلك الرب رضا وسخطا وانه لا يعرف رضاه وسخطه إلا بوحي أو رسول ومن لم يأته الوحي فقد ينبغي ان يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف انهم الحجة إلى أن قال فقلت لهم من قيم (فهم خ) القرآن فقالوا ابن مسعود قد كان يعلم وعمر يعلم وحذيفة يعلم قلت كله قالوا لا فلم أجد أحدا يقول انه يعرف ذلك كله إلا عليا وإذا كان الشئئ بين القوم فقال هذا لا أدري وقال هذا لا أدري وقال هذا أنا أدري فاشهد ان عليا كان قيم (فهم) القرآن.
وفيه ما ذكره الاستاد العلامة أيضا من أنه لا دلالة له على المقصود أصلا أما أولا فلان من المعلوم الذي يعلمه كل موافق ومخالف ان بناء الامة كان على تصديق الصحابة في كل ما قالوا وكانوا مطبقين على حجية قولهم حتى ان ابن مسعود لو قال اني أعلم كل القرآن لصدقوه لا من جهة انه لا معارض له بل من جهة مفروغية تصديق الصحابة فكل من ينفي شيئا منهم فمصدق في قوله وكل من أثبته فمصدق في قوله سواء كان عليا أو غيره فلما أثبت الامير صلوات الله عليه علم جميع القرآن لنفسه ونفاه الباقون فيجب الرجوع إليه فهذا الحديث لا دخل له بحديث وجوب تصديق المدعي فيما يدعيه من حيث انه مدع مع عدم المعارض له.
وأما ثانيا فلانا لو سلمنا ان مناط التصديق هو مجرد ادعاء الدراية كما يدعي ظهوره من ذيل الحديث بحمل اللام في القول (القوم؟؟) على العموم أو الجنس وعدم كون المراد منه خصوص الصحابة فتكون اللام للعهد لكن نقول إن الظاهر من الشئ هو الامر الشرعي والعلم به لا الملكية ونحوها فلا دخل للرواية بالمقام أيضا هكذا ذكره الاستاد العلامة في مجلس البحث سادسها ما ذكره الاستاد العلامة ولم أر من تمسك به غيره من أنه يمكن الاستدلال على ما ذكروه بالقاعدة المعروفة بينهم المستدل بها في كلماتهم لكثير من الفروع وهي قاعدة من ملك فإنه لو تصرف المدعي في العين نحمله على الصحة ونرتب عليه جميع آثار ملكه من الشراء منه إذا عرضه للبيع لنفسه إلى غير ذلك من جهة الحكم بملكيته فإذا أقر بها فاقراره حجة فيها لان كل أحد له إنشاء شئ في زمان فاقراره نافذ بالنسبة إليه في ذلك الزمان فالقاعدة تدل على وجوب سماع قول المدعي في الفرض سيما على ما ذكرنا في محله من ان مدرك القاعدة هو فحوى أدلة وجوب سماع قول الامين وعدم اتهامه فيه.
لا يقال ان المقر به في الفرض وهي الملكية غير ما يكون له انشائه وهو التصرف في العين فلا دخل للقاعدة بالمقام لانا نقول المقر به وإن كان غير ماله انشائه إلا ان مجرد هذه المغايرة لا يضر بعد ما كان المنشأ بحسب الثمرة والنتيجة راجعا إليه سيما بعد ملاحظة ما استفدنا في مدرك القاعدة من فحوى ما دل على عدم اتهام الامناء وهو نظير ما ذكره العلامة في عد وقرره ثاني المحققين قدس الله سرهما في مسألة الخيار من انه لو أقر البايع ذو الخيار بأن المبيع كان مغصوبا من فلان كان اقراره حجة يحكم بفسخ البيع لان له انشاء الفسخ حين الاقرار بالغصب فيكون اقراره حجة فيما يرجع إليه هذا حاصل ما ذكره وبما ذكرنا من معنى كلامه ظهر اندفاع ما أورده عليه بعض المحققين من المتأخرين من ان ما له انشاء الفسخ واقعا وما يثبت باقراره هو الفسخ ظاهرا ثبوت المال للمقر كذلك فلم يتحد ما له انشائه مع ما أقر به هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة في تقريب الاستدلال بالقاعدة.
ويمكن المناقشة فيه من وجهين أحدهما المنع من دلالة مجرد التصرف على الملكية ما لم يكن مقارنا مع اليد كعرض العين معرض البيع مع العلم بأنه يبيعه لنفسه لو قيل بأن مجرده تصرف في العين وإلا فالتحقيق انه ليس بتصرف في العين أصلا ولهذا لا يحكم بحرمة بيع مال الغير أيضا على النحو المذكور ما لم يتعقب تصرفا في مال الغير فلو أطلق على هذا انه تصرف توسعا فنمنع من قيام دليل على دلالته على الملكية لان حمل فعل المسلم على الصحة لا يدل عليه قطعا نعم لو كانت يده عليه فيدل على الملكية لكن الصورة خارجة عن محل الفرض هكذا قيل.
ثانيهما ما تفردت به ولم أر أحد أسبقني عليه من منع صدق من ملك شيئا قبل الفعل فإن ما دل على وجوب حمل فعل المسلم على الصحة إنما يدل عليه إذا وقع منه فعل في الخارج بمعنى انه لو فعل مسلم فعلا فيجب علينا حمله على الصحة وأما قبله فلا يدل عليه أصلا فلا يصدق قبل الفعل انه مالك للفعل شرعا وانه له حتى يحكم بحجية اقراره في نتيجته.
نعم لا ينبغي الاشكال في عدم جواز الحكم بعدم جواز التصرف له ومنعه منه مع كوننا شاكين كما انه لا إشكال في عدم جواز الحكم لنا بأنه جايز له بحسب تكليفه لان المفروض عدم علمنا بأنه شاك في نفسه أو قاطع بانه ماله او قاطع بعدمه فكيف يجوز لنا الحكم بشئ مع عدم علمنا بوجود العنوان الذي هو معروض للحكم والحكم بأنه مالك للفعل وجايز له قبله من جهة أصل البرائة مع شكنا فيه واحتمال كون المدعي قاطعا بعدم جواز التصرف له دون اثباته خرط القتاد كما لا يخفى هذا ولكن عليك بالتأمل فيما ذكره الاستاد العلامة لعلك تجده حقيقا بالقبول وهو غاية المسئول وعليه التعويل في جميع الامور.
وينبغي التنبيه على أمور الاول انه لو قلنا بسماع دعوى لا معارض لها في الاعيان كما هو الظاهر المشهور بين الاصحاب مضافا إلى نقل الاجماع عليه وعدم الخلاف فيه فهل تسمع في غيرها كما ربما يظهر من بعض الاصحاب أم لا وجهان أوجههما بالنظر إلى مقتضى الاصل هو الثاني.
وتفصيل القول فيه يقتضي بسطا في المقام فنقول بعون الملك المتعال ان الدعوى الغير المتعارضة في غير الاعيان على وجوه.
أحدها أن تكون على طبق الاصل والقاعدة وهذا لا إشكال في سماعها بل قد عرفت خروجها عن محل النزاع كدعوى المرئة انه لا زوج لها وكدعوى ذي اليد الوكالة أو الامانة بناء على حمل يده على الصحة بعد عدم إمكان حملها على الصحة بمعنى كونها امارة على الملك حسبما هو قضية التحقيق المحقق في محله كدعوى المرئة عدم الزوجية مع العلم بأن لها زوجا في جملة غير محصورة بناء على القول بأن العلم الاجمالي في الشبهة الغير المحصورة لا أثر له فيرجع إلى الاصل ذكره الاستاد العلامة والذي يخطر ببالي القاصر انه لو قلنا بتلك المقالة في الشبهة الغير المحصورة لا يجوز القول بها في الفرض ويظهر وجهه بالتأمل.
ثانيها أن تكون على خلاف الاصل وكان لها تعلق بالغير كدعوى طلاق الزوج المعين أو الوكالة من شخص إلى غير ذلك والظاهر عدم الاشكال في مطالبة البينة من المدعي في هذه الصورة وعدم سماع دعواه بدونها لجريان ما دل على ان المدعي عليه البينة في الفرض لوجود المدعى عليه في مقابله وعدم ما يقضي بالخروج عنه لعدم قيام الاجماع ولا غيره عليه هكذا ذكره الاستاد العلامة.
ثالثها أن تكون على خلاف الاصل لكن لم يكن لها تعلق بحق الغير نوعا كدعوى الصبي البلوغ و
كدعوى الزوجة موت الزوج ونحوهما وقد أورد الاستاد العلامة المثال الثاني مثالا للصورة الثانية وعليك بتطبيقه على ما هو الحق في نظرك وهل تسمع الدعوى في هذه الصورة أم لا وجهان أوجههما الثاني نظرا إلى عدم قيام دليل عليه أصلا ودعوى الاجماع عليه مجازفة جدا ثم ان ما ذكرنا في القسمين الاخيرين إنما هو بالنظر إليهما من حيث عنوان سماع الدعوى التي لا معارض لها وإلا فقد توجد في بعض الموارد قواعد خاصة تقتضي لسماع الدعوى كدعوى المرئة الطهر من الحيض أو دعواها طلاق الزوج لما دل على تصديق المرئة فيما تدعيه لو قيل بدلالته في المثال الثاني فتدبر. الثاني انك قد عرفت في طي ما ذكرنا لك في الامر الاول أنه لو كانت الدعوى في غير الاعيان متعلقة بحق الغير لا إشكال في عدم سماعها بدون البينة وهل يلحق بها الدعوى في الاعيان إذا كانت متعلقة بحق (لحق خ) الغير كما إذا كانت العين المدعاة ملكيتها في يد الغير مع نفيه عن نفسه أم لا وجهان ظاهر بعض الثاني ولكن الحق هو الاول لما دل على ان اقامة البينة على المدعي إذا كان له مدعى عليه المفروض وجوده في المقام ولا مخرج عنه في الفرض والقول بأنه ليس هنا من يدعى عليه لان ادعائه ملكيته ليس دعوى على من في يده المال لانه يدعي شيئا يزول يده عنه بسببه قهرا فاسد جدا لان ذا اليد في الفرض من جهة ولايته على المال له نوع سلطنة على المال فيرجع دعوى ملكيته من المدعي إلى ادعاء زوال سلطنته فيصير مدعى عليه.
لا يقال لا نفهم معنى لولايته إلا كونه مأمورا بايصال المال إلى صاحبه والولاية بهذ المعنى لا تعارض قول من يدعي أنه صاحبه بل مقتضاه اعطائه. لانا نقول سلمنا انه ليس معنى ولايته ما ذكرته إلا أنا نقول انه مأمور بإيصال المال إلى صاحبه الواقعي فله المزاحمة لكل من لم يثبت كونه الصاحب الواقعي للمال فلا تسمع دعواه عليه إلا بعد معلومية كونه الصاحب الواقعي فلو أريد اثبات كونه الصاحب الواقعي بمجرد دعواه لم يخل من دور فتأمل.
الثالث انه لو ادعى ملكية العين بعد نفيها عن نفسه فهل تسمع دعواه أم لا وجهان أوجههما الاخير للاصل وعدم ما يقتضي الخروج عنه مضافا إلى عموم ما دل على نفوذ اقرار العقلاء على انفسهم إذ لا فرق فيها بين ان ينفي مالا عن نفسه ويثبته لغيره معينا وان ينفي عن نفسه ولم يثبته لغيره وان شئت قلت ان اقراره السابق اوجب رفع حكم دعواه اللاحقة.
فإن قلت كيف يحكم بإيجابه رفع حكمها مع انه لا معارضة بينهما إذ يمكن الجمع بينهما بحمل إقراره على النسيان أو الجهل أو غير ذلك.
قلت التدافع بينهما إنما هي مبني على الظاهر الذي تقرر حجيته إذ الاصل عدم النسيان هذا وليس للاول إلا ادعاء ظهور رواية الكيس بحمل لفظ الكل على حقيقته من دون جعل قول الآخر بمنزلة الاستثناء منه وهو فاسد لما قد عرفت سابقا من ظهور الرواية في الاستثناء فراجع.
وبالجملة لا أرى وجها للقول بسماع دعوى الشخص بعد اقراره بما ينافيها فإنه إن كان من جهة الجمع بين قوليه وحملهما على الصحة كما يظهر من بعض ففيه انه لا دليل على ذلك سيما بعد توقفه على حمل اقراره السابق بما ينافي الاصل من أصالة عدم النسيان وغيره وإن كان من جهة عدم دليل على سماع اقراره السابق من ظهور قوله اقرار العقلاء في الاثبات ففيه مضافا إلى ان مجرد عدم قيام الدليل على سماع الاقرار لا يكفي في سماع دعواه بعد كون مقتضى الاصل الاولي هو عدم السماع فتأمل المنع من الظهور المذكور وعلى فرض
تسليمه نقول بأن اقراره بعدم كون العين ماله يستلزم اثباته للغير فبهذا الاعتبار يرجع إلى الاثبات فهو مثل ما لو صرح بالاثبات للغير ضرورة عدم الفرق في أخذ القاضي (العاقل خ) بما التزم على نفسه بين دلالة كلامه عليه بالمطابقة أو الالتزام العقلي أو العرفي أو الشرعي ولو بوسايط عديدة.
ومنه يظهر فساد ما قد يتوهم من ان مجرد النفي عن النفس والاثبات للغير ما لم يكن هناك امارة على كون المقر به ملكا للمقر كاليد لا يكفي في صدق الاقرار على نفسه وجه الفساد ان اقراره بكون المال مالا لغيره يستلزم اقرارا على نفسه وهو عدم جواز تصرفه فيه بدون اذنه ونحوه وقد عرفت انه لا فرق في الدلالة بين أقسامها هذا وقد يستدل على المطلب بأن الاقرار بما ينافي الدعوى اللاحقة إذا كان موجبا لعدم سماعها مع البينة حسبما نفى الخلاف عنه فإيجابه عدم سماعها بدونها بطريق أولى فتدبر.
ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من عدم السماع بين أن يكون هناك امارة توجب شرعا الحكم بملكية المنفي بالاقرار السابق للمالك كاليد ونحوها أم لا وبعبارة أخرى لا فرق فيما ذكرنا بين الدعوى الموافقة للقاعدة أو المخالفة لها هذا ولكن قد يقال بل قيل بالفرق بينهما من حيث ان بعد تعارض القولين من المدعى وتساقطهما في الصورة الاولى توجب الرجوع إلى القاعدة فيحكم بالملكية بخلاف الصورة الثانية وهو نظير ما لو انكر الرجل زوجية امرئة في زمان ثم أقر بها مع تصديق المرئة لادعائه اللاحق هذا وأنت خبير بفساد تفصيل المذكور لان اقرار السابق كما أوجب رفع الحكم دعواه اللاحقة كذلك أوجب رفع حكم يده أيضا كما لا يخفى.
وأما قياس ما نحن فيه بمسألة ادعاء الزوجية مع تصديق المرئة بعد نفيها سابقا ففيه مضافا إلى الالتزام بعدم السماع في الصورة أيضا لعدم تأثير تصديق المرئة في رفع أثر الاقرار السابق انه قياس مع الفارق إذ يمكن أن يقال في الفرض بالسماع من حيث انه حكم الشارع بنفوذ الاقرار على نفس المقر إنما هو من جهة مراعاة حق المقر له فإذا فرض رفع المقر له يده عن حقه فيمكن أن يقال بسماع الدعوى المسبوقة بالاقرار وهذا بخلاف ما نحن فيه هكذا ذكره الاستاد العلامة دام ظله العالي.
قوله لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرجه البحر فهو لاهله وما أخرج بالغوص فهو لمخرجه اه.
أقول نسب القول في الكفاية إلى المشهور ورده بعض مشايخناقدسسره بعدم التحقق نعم حكى عن العلامة في الارشاد والتذكرة والتحرير القول به ونسبه في المسالك إلى الشيخ في النهاية بل ربما يظهر منه كونه ذهب المشهور حيث رد توقف المصنف في المسألة من جهة كون الرواية الواردة فيها ضعيفة بان ضعف الرواية لا يوجب رد حكمها على مذاق المصنف وغيره من حيث بنائهم على جبر الضعف بالشهرة ونحوها.
وكيف كان الاصل في المسألة رواية حسن بن علي بن يقطين عن امية عميرة عن الشعبة الذي هو إسماعيل بن زياد السكوني المشهور قال سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعضه بالغوص وأخرج البحر بعض ما غرق منها فقالعليهالسلام ما أخرجه البحر فهو لاهله الله تعالى أخرجه لهم وأما ما أخرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به وجه دلالته على ملكية ما خرج بالغوص للغواص بمقتضى ظاهره ظاهر واحتمال كون المراد من الضمير المجرور هو المالك كما احتمله بعض مشايخنا أو الجزم به كما عن بعض الاصحاب مخالف لظاهر الخبر من وجوه شتى لا تخفى على المتأمل فيه.
نعم لا إشكال في ضعف سنده ومخالفته للقواعد المتبعة الآبية عن التخصيص فلا بد من تأوليه إن لم نقل بطرحه نظرا إلى عدم جواز الخروج عن مقتضى القواعد الكلية المسلمة بمجرد معارض لها ولو كان صحيحا
فضلا عن أن يكون ضعيفا غير معمول به عند المعظم لان ما حكي عن الكفاية من نسبته العمل به إلى المشهور وربما يظهر من عبارة ثاني الشهيدين في المسالك المتقدمة لم يعلم له حقيقة.
ولاجل ما ذكرنا من عدم مقاومة الرواية للقواعد المسلمة من جهة ضعفها وعدم الجابر لها تمحل جماعة من الاصحاب لتطبيقها عن القواعد فعن بعض شروح الارشاد(١) ان فقه الحديث هو ان للمخرج بالغوص للغواص ان ملكه المالك وإلا فإن أذن له في الغوص فله الاجرة وإلا فلا أجرة له أيضا وعن بعض تطبيقها على القواعد من حيث حصول التلف بالغرق وزوال علاقة الملكية بينه وبين المالك فيصير كالمباحات فللغواص حيازته كساير المباحات إذ كما انه قد يخرج الملك عن ملكية المالك من جهة خروجه عن قابلية التملك كما في الاجزاء الغير القابلة للتجزية وقد يخرج عن ملكه من جهة عدم قابلية المالك لقيام الملك به كما إذا مات وصار من الجمادات كذلك قد يخرج عن الملك من جهة ارتفاع العلاقة التي كانت بينه وبين المالك عرفا وكانت مقومة لصدق وجود ملكه عندهم فإذا ارتفعت تلك العلاقة ارتفعت الملكية وصدق التلف العرفي الذي هو المناط فيه لاستحالة التلف الحقيقي للملك بعد الوجود ولهذا رتب الاصحاب على تلف المبيع قبل القبض بالغرق ونحوه حكمه وليس إلا من جهة ما ذكرنا من ترتب الاحكام المترتبة على التلف شرعا على التلف العرفي المتفاوت وضوحا وخفاء بحسب المقامات.
وعن الحليقدسسره في ير حمله على ما هو الغالب من حصول الاعراض والياس للمالك بعد الغرق و هما من أسباب الخروخ عن الملكية بمقتضى القواعد قال في محكي السراير في نوادر القضاء وجه فقه هذا الحديث ان ما أخرجه البحر فهو لاصحابه وما تركه اصحابه آيسين منه فهو لمن وجده وغاص عليه لانه صار بمنزلة المباح ومثله من ترك بعيره من جهد في غير كلاء ولا ماء فهو لمن أخذه لانه خلاه آيسا منه ورفع يده عنه فصار مباحا وليس هذا قياسا وإنما هذا على جهة المثال والمرجع فيه إلى الاجماع وتواتر النصوص دون القياس والاجتهاد انتهى كلامه وقال بعض مشايخنا بعد نقله ما عرفت من كلام الحليرحمهالله ما هذا لفظه قلت لعل هذا هو العمدة في تملك المعرض عنه مضافا إلى السيرة في حطب المسافر ونحوه انتهى كلامه إلى غير ذلك من كلماتهم.
والحق تطرق النظر إلى جميع ما ذكروه من المحامل والوجوه اما الاول وهو ما ذكره بعض شراح الارشاد ففيه انه عين القول بطرح الرواية والرجوع إلى القواعد العامة.
وأما الثاني وهو القول بحصول التلف بالغرق ففيه المنع من ذلك ودعوى الوجدان فيه من العرف مكابرة ومناقضة للوجدان أذ لو سلم تلف المالية بالغرق فلا إشكال في بقاء الملكية والاختصاص ولو سلم ارتفاع الملكية أيضا فلا إشكال أيضا في بقاء ربط بينه وبين المالك كالبيض الفاسد والخمر المهروق في وجه الارض إلى غير ذلك فالمالك أحق به ما دام يقبل الانتفاع به ولو لم يكن فعليا وهو يمنع من صيرورته كالمباح ودخوله في ملك الغواص بمجرد الغوص.
والسر فيما ذكرنا من عدم ارتفاع الملكية والعلقة المطلقة ولو لم يعبر عنها بالملكية بزوال المالية ان ارتباط الملك بالمالك إنما هو من حيث وجوه الانتفاع به فكلما كانت وجوه الانتفاع والتصرف كثيرة كانت العلقة بينهما شديدة ويسمى باعتبارها مالا وهكذا إلى أن ينتهي إلى مرتبة لا تصلح إلا للانتفاع به في بعض الوجوه
____________________
(١) حكاه الاستاد العلامة (منهقدسسره )
فكلما كانت صلاحية الانتفاع به باقية فالمالك أحق به من غيره نعم لو وصل إلى مرتبة لا يصلح للانتفاع به أصلا فيخرج عن ملكية المالك وسلطانه ويكون مع غيره في شرع سواء هذا مضافا إلى انه لو قيل بحصول التلف بمجرد الغرق للزم القول به في صورة اخراج البحر أيضا فيكون الحكم بكونه ملكا للمالك على خلاف القواعد ولم يذهب إليه أحد بل ظاهرهم الاطباق على كون الفقرة الاولى من الرواية موافقة للقواعد.
وأما الثالث وهو القول بكون الحكم في الرواية مبنيا على مقتضى الاعراض ففيه بعد توجيهه بحمل الرواية على الغالب وهو حصول الاعراض بعد الغرق سيما إذا وصل إلى قعر البحر كما هو الغالب انه لا دليل على افادة الاعراض نقل الملك ولو مع اليأس أيضا ونقل الاجماع والنصوص المتواترة عليه مما لم نحققه وجريان السيرة في بعض الموارد كما في حطب المسافر لا يصير دليلا للحكم على خلاف القواعد المتقنة كلية.
وبالجملة لا أرى دليلا على إفادة الاعراض نقل الملك وخروجه عن ملك المالك أصلا ودعوى الاجماع عليه مما لا يجوز الاتكال عليه أصلا كما لا يخفى على من راجع كلمات الاصحاب كيف وقد استشكل جماعة في حصول الاباحة بالاعراض بل رجح بعضهم العدم مع عدم العلم بإباحة المالك كما في بعض المقامات مثل نثار العرس ونحوه وأعجب من دعوى الاجماع دعوى النصوص المتواترة مع انا لم نقف على نص يدل عليه عموما.
ومما ذكرنا يظهر أيضا فساد ما ربما يقال من حمل الرواية على الملك بعد التصرف بناء على افادة - الاعراض الاباحة وإفادة التصرف الملكية ولو بالتصرف المتوقف على الملك في المعاطات بناء على القول المشهور من افادتها الاباحة وحصول النقل بالتصرف وجه الفساد مضافا إلى كونه مخالفا لظاهر الرواية انه لو سلم افادة الاعراض الاباحة فلا نسلم افادته اباحة التصرف المتوقف على الملك لعدم الدليل عليه أصلا كيف وقد نعه جماعة في المعاطات فضلا عن المقام والقول بحصول النقل بمجرد التصرف فاسد جدا لعدم الدليل عليه جزما ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من عدم افادة الاعراض الملكية بين اليسير والخطير ولا بين كونه في مهلكة وغيرها فتحصل مما ذكرنا ان الاقوال في الاعراض من حيث سببيته لخروج المعرض عنه عن ملك المعرض مطلقا أو في الجملة أو عدم سببيته لذلك مطلقا وسببيته لاباحة التصرف فيه مطلقا أو عدم سببيته لذلك إلا مع العلم بإنشاء الاباحة من المالك كثيرة وقد عرفت عدم الدليل على سببيته لخروج الملك عن الملكية مطلقا عدا ما يتمسك به ابن إدريسرحمهالله من الاجماع والنصوص المتواترة اللذين لم تحققا لنا وأما رواية البعير فلا دخل لها بالمقام وإنما هي واردة في مسألة اللقطة وأما التمسك بذيلها وهي قوله وإنما هو كالشئ المباح بناء على القول بافادة الاعراض الاباحة من حيث دلالته من جهة العموم على حصول الملك في مباح بأخذه ففاسد جدا إذ من المعلوم ان المراد من المباح فيه هو المباح الاصلي فلا عموم له يشمل المقام نعم ما جرت السيرة عليه في بعض الموارد كحطب المسافر فنقول به لكن لا يجوز التعدي منه إذ لا قياس في مذهبنا.
وأما افادته الاباحة من حيث هو فلا إشكال في عدم افادته في نفسه الاباحة المالكية المتوقفة على الانشاء منه نعم لا إشكال في افادته تلك في بعض الموارد الخاصة لا من حيث هو هو كما في نثار الاعراس حيث نعلم ان المالك إنشاء اباحة اخذه لكل أحد.
وأما افادته الاباحة الشرعية فإن قيل بعدم تفكيك الاعراض عن رضاء المعرض بتصرف كل من يأخذه وطيب نفسه بذلك كما مال إليه الاستاد العلامة فلا إشكال في حصولها به لما دل على حل التصرف في ملك الغير بعد طيب نفسه ورضائه به ومنه يظهر فساد ما ذكره بعض مشايخنا من عدم الاباحة إلا مع العلم بإنشاء
المالك إياها إلا أن يكون مراده الاباحة المالكية لكنه بعيد عن كلامه جدا.
وإن لم يقل بذلك فالذي جزم به الاستاد العلامة في مجلس البحث سببيته لها أيضا للاصل الاولي المستفاد من قوله تعالى خلق لكم الآية وغيره ولا مخرج عنه لان ما دل على حرمة التصرف في مال الغير إلا بإذنه فإنما هو من جهة كونه منافيا لاحترام المالك المنفي قطعا في صورة الاعراض فالحرمة حقيقة مستندة إلى كون التصرف منافيا للاحترام لا إلى عدم الاذن هذا محصل ما ذكره وللتأمل فيه مجال وعليه يمكن تطبيق الرواية على مقتضى القاعدة بعد رفع اليد عن ظهور اللام في الملكية.
ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها الاول انه لا إشكال في عدم حصول الملكية بالغوص إذا كان المالك في صدد اخراجه باستيجار عليه ونحوه بناء على القول به لعدم حصول الاعراض الذي لا بد من حمل - الرواية عليه بناء على كونه الغالب وكذا لا إشكال في عدم حصول الاباحة أيضا لحرمة التصرف في مال الغير المنافي لاحترامه هكذا ذكره الاستاد العلامة لكن في كلام جماعة اطلاق القول بحصول الملكية فتأمل الثاني انه لا إشكال في جريان البحث المتقدم في المسألة فيما لو أخرج الغواص المال من قعر البحر بحيث انقطع رجاء خروجه واما لا مع ذلك كما إذا كان في وسط البحر أو في قريب من سطحه ففيه وجهان الثالث انه ذكر جماعة ان حكم المال المخرج بالغوص على القول بعدم حصول الملك به هو حكم مال اللقطة والمجهول المالك وهو كذلك والله العالم.
قوله لو تنازعا عينا في يدهما ولا بينة قضى بها بينهما نصفين اه أقول اطلاق التداعي والتنازع في المقام اما من باب التغليب أو محمول على المعنى اللغوي وكيف كان إذا تداعى الشخصان في عين فلا يخلو إما أن لا يد لاحدهما عليه أو يدهما عليه أو يد أحدهما عليه وعلى جميع التقادير إما أن يكون لكل منهما بينة على ما يدعيه أو لا بينة لاحدهما أو يكون لاحدهما دون الآخر.
أما الاول فإن كان تداعيهما على وجه الترتيب والتعاقب عرفا فلا إشكال في سماع دعوى السابق منهما فيها لعدم المعارض لها بناء على ما عرفت من سماع كل دعوى لا معارض لها فيكون على اللاحق البينة لان لقول قوله السابق هذا بناء على كون المراد من قولهم قضى له هو حصول الملكية واليد للمدعي حسبما استظهرناه فلا إشكال واما بناء على كون المراد منه هو الحكم بكون المدعى به ملكا للمدعي مراعى ففيه اشكال لكن صرح الاستاد العلامة بعدم الاشكال فيه أيضا من حيث كون دعواه امارة على الملكية المعتبرة شرعا بالفرض فيكون قوله موافقا للاصل بالمعنى الذي عرفته سابقا.
وإن لم يكن على وجه التعاقب بل على الدفعة العرفية فهل يحكم بتساقطهما من حيث حصول المانع من تأثير كل منهما لان كل منهما موجب للحكم بمقتضاه لولا الآخر فنسبة التأثير إلى كل منهما مما لا معنى له وإلى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح والحكم بتأثير كل منهما في النصف خلاف مقتضاه فلا بد من الحكم بالتساقط أو الرجوع إلى القرعة من حيث كونها لكل أمر مشتبه أو الحكم بالتنصيف من حيث ان الاخذ بكل منهما ولو في الجملة أولى من طرحهما وجوه مبنية على مسألة تعارض مطلق الاسباب والمعرفات الشرعية وقد ذكرنا غير مرة ان مقتضى الاصل الاولي فيها هو التساقط والرجوع إلى القرعة يحتاج إلى جابر قوي للعمومات الدالة عليها من حيث وهنها وأما الحكم بالتنصيف فلا دليل عليه سبيل الكلية وما ذكر لا يصلح وجها له فتأمل هذا.
وقد يتوهم ان المقام مما يعمل فيه بموازين القضاء من جهة كون كل منهما مدعيا ومنكرا لما يدعيه الاخر عليه ولكنك خبير بأنه ليس كما يتوهم لمنع كون كل منهما مدعيا ومنكرا لان الدعويين منهما بمنزلة الدعوى الواحدة لا مقابل لها بل كل منهما يتعلق أولا وبالذاب بالعين المقتضى للحكم بكونها لمدعيها وهذا مما لا سترة فيه أصلا هذا ولكن ذكر الاستاد العلامة فيما سيجئ نقله ان صورة منه داخلة فيما يعمل فيه بموازين القضاء.
وأما الثاني وهو ما لو كان لكل منهما يد على العين فلا إشكال بل لا خلاف في ان الحكم التنصيف بينهما لو لم يكن هناك بينة بل الاجماع عليه محققا ومنقولا كما عن جماعة.
مضافا إلى دلالة بعض الاخبار عليه مثل ما في المرسل ان رجلين تنازعا في دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها النبيصلىاللهعليهوآله بينهما.
إنما الكلام في ان الحكم فيه بالتنصيف على خلاف القاعدة كما في القسم الاول أو على وفقها وجهان مبنيان على ان اليد من كل منهما هل هي كاشفة عن السلطنة على تمام العين وملكيته لكل منهما كما في صورة الانفراد فيكون من قبيل تعارض الاسباب الشرعية كما في الصورة السابقة أو كاشفة عن ملكية النصف والسلطنة عليه بمعنى ان يدهما بمنزلة اليد الواحدة والسلطنة الواحدة على التمام فلكل منهما يدنا قصة على التمام تكون امارة ودليلا على تملك النصف فكل منهما مدع بالنسبة إلى ما في يد الآخر ومنكر بالنسبة إلى ما في يده فيعمل بموازين القضاء ويكون مقتضاها مع حلف كل منهما وعدم البينة التنصيف ظاهر بعض مشايخنا الاول وظاهر المشهور الثاني وهو الوجه.
وتفصيل القول فيه انا ذكرنا غير مرة ان الاسباب الشرعية والامارات المعتبرة شرعا كالبينة والاقرار واليد واليمين إلى غير ذلك كلها أمور كانت معتبرة عند العرف من حيث كشفها عن مداليلها ظنا وظهورها فيها ولو نوعا وطبعا فاعتبرها الشارع أيضا بهذه الملاحظة ومعنى اعتباره امضائه ما عليه بناء العرف سوى القرعة حيث ان الوجه في اعتبارها هو التعبد لا الظهور والكشف النوعي وان احتملنا سابقا كون الوجه في اعتبارها هو ذلك أيضا فإذا كان الوجه في اعتبارها هو ذلك.
فنقول انا نمنع من كون اليد امارة عرفا على السلطنة المطلقة وتملك تمام العين في صورة الانضمام والاشتراك وإنما هي امارة على التملك في الجملة نعم هي امارة على السلطنة المطلقة بشرط التجرد فاليد بشرط شئ دليل عند العرف على تملك التمام لا لا بشرط.
وبعبارة أخرى اليد المجردة امارة على السلطنة المطلقة لا مجرد اليد وإنما هي امارة على السلطنة في الجملة فامارية اليد على تملك المجموع عند العرف انما هي من جهة تجردها وانفرادها ففي صورة الانضمام والاجتماع لا يكشف كل منهما إلا عن تملك النصف فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى ما يقتضي كل منهما وهذه بخلاف ساير الاسباب كالبينة والدعوى المجردة والاقرار فإنها مقتضية حتى في صورة التعارض لتملك تمام العين وامارة عليه نوعا فيكون كل منهما مزاحما للآخر.
والسر فيه ان قول البينة هذا المال لزيد وقول المدعي هذا لي إنما يكون مدلولهما اللفظي كون تمام المال لزيد والمدعى وهذا بخلاف اليد فإنها ليست دالة على ذلك لعدم تعلقها بالتمام على وجه التمام والكمال لاستحالة ذلك وإنما هي متعلقة به على وجه النقص فتكون امارة على تملك النصف المشاع لا ان تكون متعلقة بالنصف المشاع لان تعلقها بذلك يستلزم تعلقها بالتمام كذلك وقد فرضنا استحالته من حيث ان لكل
منهما مزاحمة الآخر.
والحاصل ان لليد معان ثلاثة أحدها الجارحة المخصوصة ولا إشكال في انه لا يعقل تعلقها بالتمام مطلقا ثانيها الاستيلاء الحسي الكاشف عن السلطنة المعنوية وهذا أيضا لا معنى لتعلقها بالتمام على وجه الكمال في الفرض لفرض وجود المزاحم ثالثها السلطنة المعنوية المعبر عنها بالملكية المستكشفة عن الاستيلاء لحسي وهي تابعة اطلاقا وتقييدا تماما ونقصا لكاشفها ولما كان الاستيلاء الحسي في المقام على التمام على وجه النقص فتكون امارة على السلطنة الناقصة المتعلقة بالتمام المعبر عنها بملكية النصف لا أن يكون متعلق اليد الحسية هو النصف المشاع إذ هو غير معقول ومنه يظهر ايراد آخر على شيخنا المتقدم ذكره حيث ذهب في بعض كلامه إلى ان لكل منهما يدا تامة على النصف المشاع وكيف كان ما ذكرنا مما لا إشكال فيه.
فهل يحتاج الحكم بالتنصيف إلى حلف كل منهما لصاحبه من حيث كون كل منهما منكرا فعليه اليمين كما عن الاكثر بل عن المشهور أو لا يحتاج إلى ذلك كما عن بعض ونسب إلى ظاهر الغنية والمصباح وجهان أوجههما عند شيخنا المتقدم كما هو قضية صريح كلامه ولازم مذهبه هو الثاني وعندنا هو الاول لما قد عرفت من الوجه سابقا.
ومما ذكرنا كله يظهر ان وجه القول بعدم الاحتياج ليس إلا كون يد كل منهما امارة على التمام كالدعوى التي لا معارض لها وكالبينة في صورة التعارض فلا معنى لاعمال موازين القضاء على هذا التقدير لعدم وجود المنكر بالفرض ثم ان نسبة المصنف القول المشهور إلى القيل يشعر بتمريضه كما لا يخفى هذا.
وربما يجمع بين القول بالاحتياج وعدمه كما عن بعض بوجهين أحدهما ما تفرد به الاستاد العلامة من ورود كلام القائل بعدم الاحتياج في مقام بيان المهملة وهي ان الحكم في الصورة هو التنصيف في الجملة على خلاف الصورة الاولى فلا يدل على كون مذهبه نفي الاحتياج إلى اليمين ثانيهما ما ذكره الفاضل الهندي في محكي شرحه وتبعه بعض أجلة السادة من تنزيل كلام من ذكر الحلف على جهة التخيير بمعنى انه لو أراد كل منهما تحليف صاحبه ورضى الآخر بذلك فله ذلك لا على جهة الشرطية والاحتياج بمعنى توقف الحكم عليه ثم استظهر الفاضل ما جمع به بين القولين من كلام المصنف في النافع قال ولذا قال في النافع بعد الحكم بكونها بينهما ولكل منهما احلاف صاحبه انتهى ما حكى عنه هذا.
ولكنك خبير ببعد الوجه الاول عن كلامهم وفساد الوجه الثاني لانه بعد البناء على سماع الدعوى فلا معنى للقضاء من الحاكم بدون اليمين فإن عدم ارادة المدعي احلاف المنكر لا يقتضي سقوط اليمين في مقام - الحكم وجوازه بدونها وإنما مقتضاه بقاء العين في يد المدعى عليه وبقاء الخصومة ومما ذكرنا يظهر انه لا لالة لكلام المصنف على ما ذكره من الجمع بوجه ضرورة ان احالة التحليف على استحلاف المدعي لا يقتضي لجواز القضاء بدونها وإنما هو نظير قولهم فيستحلف المنكر ان طلبه الخصم من حيث كون الحق له كما انه لا يلزم بإقامة البينة لو لم يرد رفع الخصومة.
ثم انه بعد البناء على ما عليه الاكثر فلا يخلو إما أن يحلف كل منهما أو لا يحلف واحد منهما أو يحلف أحدهما دون الآخر فإن حلف كل منهما فلا إشكال في كون الحكم فيه التنصيف عملا بما قضت به اليد مع عدم المانع منه فإن لم يحلف واحد منهما لا لاثبات ما يدعيه ولا لنفي ما يدعيه الخصم فلا إشكال في كون الحكم فيه التنصيف سواء على القول بالقضاء بالنكول وعدمه والوجه فيه ظاهر فإن حلف واحد منهما دون الآخر فيحكم
بالتمام للحالف فهل يكفي اليمين الجامعة أو يحتاج إلى يمينين وجهان أوجههما بالنظر إلى قضية الاصل هو الثاني وقد مضى بعض الكلام فيه في طي كلماتنا السابقة ولعلنا نتكلم فيه إنشاء الله فيما بعد.
ثم انهم ذكروا في باب الصلح فروعا بعضها مخالف للقاعدة وبعضها موافق للقاعدة وبعضها محتمل للامرين قد أورد بعض الاجلة من أفاضل المتأخرين تدافعا بين بعض ما ذكروه هناك وما ذكروه في المقام لا بأس بالاشارة إلى جملة منها حتى يتبين مورد التدافع.
أحدها انه لو كان لاحد ثوب بعشرين درهما وللآخر ثوب بثلثين ثم اشتبها فإن خير أحدهما صاحبه فقد انصفه وان تعاسرا بيعا وقسما بينهما واعطى صاحب العشرين سهمين من خمسة وللآخر ثلاثة وبه رواية عن اسحق بن عمار عن مولانا الصادقعليهالسلام وهذا وإن كان الحكم فيه على خلاف القاعدة إلا أنه لا دخل له بما حن فيه من وجهين احدهما عدم فرض الترافع فيها (فيه خ) ثانيهما عدم فرض الاشتراك واليد فيها (فيه خ) فلا ربط لها (له خ) بالمقام أصلا.
ثانيها انه لو أودعه انسان ردهمين واخر درهما وامتزجت ثم تلف أحد الدراهم بدون تعد وتفريط من الودعي فيعطى صاحب الدرهمين درهما فيقسم الاخر بينهما نصفين وبه أيضا رواية عن السكوني عن مولانا الصادقعليهالسلام وهذا وإن كان الحكم فيه على خلاف القاعدة كما لا يخفى على المتأمل إلا انه لا دخل له بالمقام
أيضا لما قد عرفت من عدم اليد والشركة وعدم فرض الخصومة فيه اما الثاني فظاهر ذكره الاستاد العلامة دام ظله لكن لا يخفى عليك ان الحكم في مورد الترافع يكون كذلك أيضا أما الاول فلانك قد عرفت في طي كلماتنا السابقة ان اختلاط الدرهمين والثلاثة لا يوجب الاشتراك والمزج العرفي وإنما هو من باب الاشتباه فلا دخل له بصورة حصول الاشتراك وإن توهم فيه أيضا حصول الاشتراك لكنه بمعزل من التحقيق. ثالثها انه لو كان مع الرجلين درهمان وادعاهما أحدهما وادعى الآخر أحدهما كان لمدعيهما درهم و نصف وللآخر الباقي وبه روايتان احديهما عن عبدالله بن المغيرة عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبداللهعليهالسلام في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما الدرهمان لي وقال الآخر هما بيني وبينك قال فقال أبو عبداللهعليهالسلام أما الذي قال هما بيني وبينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له فيه شئ وانه لصاحبه ويقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين.
وهذا كما ترى لو حمل على الاشتراك والاشاعة كما هو ظاهر صدر الحديث من حيث ظهور لفظ البين في الاشتراك فيكون منافيا للقاعدة من وجهين أحدهما ان مقتضى القاعدة كما تقرر عندهم انه لو ادعى واحد ممن في يدهما العين ان تمامها لي وادعى الآخر ان نصفها لي ونصفها لك ان الحكم فيه التنصيف بعد حلف مدعي النصف لكونه منكرا والآخر مدعيا لكون يد كل منهما على النصف ثانيهما ان مقتضى القاعدة هو الحكم بعد الحلف لكون كل منهما منكرا بالنسبة إلى أحد الدرهمين بحسب ما في يده مع انه لم يذكر الحلف اصلا.
ولو حمل على التعيين كما هو ظاهر جواب الامامعليهالسلام من حيث ظهور لفظ أحد الدرهمين في عدم الاشتراك الكاشف عن كون مراد السائل من لفظ البين ما هو خلاف ظاهره فإن حمل على صورة عدم العلم بكذب أحدهما وكون يده عادية واحتمال اشتراكهما فيه حسبما هو قضية يدهما ففيه وإن لم يكن مخالفة من حيث الوجه الاول إلا ان فيه مخالفة من حيث الوجه الثاني وان حبل على ما هو الغالب من صورة العلم بكون أحدهما كاذبا في دعواه وعدم اشتراك الدراهم بينهما فليس فيه أيضا مخالفة الا من حيث الوجه الثاني على
احتمال لكنه لا دخل له بالمقام أيضا أصلا كما لا يخفى.
فنقول دفعا للمنافات بين ما ذكروه في المقام وما ذكروه من الفرع المستفاد من الحديث ان صدر الحديث وإن كان له ظهور في صورة احتمال الاشاعة إلا ان ظهور ذيله في نفيه حاكم عليه كما لا يخفى وان احتمل كون اطلاق الاحد باعتبار كون كيفية التقسيم على هذا الوجه غالبا لكنه خلاف الظاهر وعلى فرض كون المراد منه التعيين وإن كان محتملا للوجهين اللذين عرفتهما إلا ان الظاهر منه بملاحظة العلة هو الاحتمال الثاني فلا دخل له بالمقام وإن كان فيه مخالفة للقاعدة فإن كلامنا في اثبات عدم التنافي لا في اثبات عدم كون الفروع المذكورة مخالفة للقواعد المقررة فإنه غير مقصودة في المقام ثم ان هذا كله فيما لم يكن لهما بينة وأما لو كانت هناك بينة فسيجئ حكمه إنشاء الله.
هذا كله فيما لو كانت يدهما عليه وأما لو كان في يد أحدهما وكان الآخر خارجا ففي صورة عدم البينة لا إشكال في الحكم بكون العين لمن في يده مع حلفه لكونه منكرا ومع عدم حلفه يبتنى الحكم على القضاء بالنكول وعدمه وأما لو كانت للمدعي بينة على ما يدعيه فسيجئ حكمه إنشاء الله.
قوله ولو كانت يدهما خارجة فإن صدق اه أقول ما ذكرنا سابقا من حكم ما لو لم يكن يكن العين في يدهما إنما كان في صورة عدم البينة وعدم كونها في يد ثالث وقد عرفت ان الحكم فيه بالنظر إلى الاصل الاولى في تعارض الاسباب هو التساقط من غير ان يراعى فيه أحكام التداعي.
ولكن قد ذكر الاستاد العلامة انه يتصور على صورتين احديهما ما لو ادعى كل منهما من غير أن يكون مقصوده نفي ملكية العين للآخر وفي مقام الخصومة معه بأن ادعاها مع عدم اطلاعه بدعوى الآخر وان هناك مدعيا آخر ثانيتهما ما لو ادعى كل منهما في قبال دعوى الآخر بأن تحقق هناك خصومة ففي الاولى الحكم ما ذكرنا سابقا وفي الثانية يراعى فيها أحكام التداعي لوجود الخصومة والترافع بينهما وأما لو كانت هناك بينة فستعرف حكمه.
وأما لو كانت في يد ثالث فلو صدق أحدهما المعين دون الآخر قضى للمقر له ان حلف على طبق دعواه لصيرورته مدعى عليه بعد الاقرار له من ذي اليد عرفا مضافا إلى قوله اقرار العقلاء على انفسهم جايز فإنه باقراره يجعله للمقر له فاقراره امارة على كون المقر به ملكا للمقر له هذا وقد ذكر الاستاد العلامة انا (اني خ) في سابق الزمان كنت بانيا على جعل العلة في صيرورته مدعيا عليه هو الوجه الاول وكنت متأملا في الاستدلال بالوجه الثاني وكيف كان لا إشكال في كونه مدعى عليه من أي طريق كان.
ثم انه لا فرق فيما ذكرنا بين كون اقراره لاحدهما قبل دعوى الآخر عليه أو بعدها لانه بالاقرار يخرج عن موضوع المدعى ويدخل في موضوع المنكر ومما ذكرنا يظهر التأمل فيما ذكره بعض مشايخنا من المناقشة فيما ذكرنا تبعا للاصحاب بما حاصله انه إنما يتم لو أقر لاحدهما قبل دعوى الآخر عليه وأما بعدها فلا لان الاقرار اللاحق لا يجعله منكرا بعد ما كان مدعيا.
وإن نكل عن الحلف فيقضى بها للمدعي الآخر بالنكول أو بعد الرد على القولين وللمدعي قبل أخذ العين دعوى على الثالث أيضا بأنه أتلف عليه ماله لتغريمه فإن حلف فهو وإن لم يحلف فيقضى عليه الغرامة بمجرد النكول أو بعد حلف المدعي وحينئذ فإن أخذ العين من المقر له من جهة نكوله عن الحلف وحلف المدعي فيجب عليه رد الغرامة لكونها بدلا عن التالف واحتمال عدم وجوب الرد كما عن بعض مشايخنا من جهة كونها
كسبا باليمين مما هو فاسد في الغاية كما لا يخفى على من له أدنى دراية.
ثم ان الحلف المتوجه على الثالث هل هو على البت أو على نفي العلم بعد دعوى العلم عليه وجهان بل قولان ظاهر الفاضل في كشف اللثام وجماعة الثاني وظاهر آخرين وصريح بعض مشايخنا الاول وقد استقرب الاستاد دام ظله القول الثاني لا من جهة عدم تحقق موضوع الاتلاف المتعقب للضمان في صورة عدم العلم كما قد يتوهم بل من جهة رجوع الدعوى على الثالث إلى مالية ما أتلفه للغير الذي هو المدعى فيرجع نفيه نفي فعل الغير أو ما في حكمه نظير نفي الاخوة في دعواها.
نعم لو وقع النزاع في اصل الاتلاف بحيث كان مالية ما ادعى تلفه للغير مسلما كان النزاع راجعا إلى فعل النفس فلا بد من أن يكون اليمين على البت هذا وفي عد ولو كانت في يد ثالث حكم لمن يصدقه بعد اليمين منهما وفي كشف اللثام أي الثالث ومن يصدقه وأورد عليه بعض مشايخنا بأن يمين المصدق لا دخل لها في الحكم بها لمن صدقه ثم احتمل أن يكون مرجع ضمير التثنية هو المتداعيين وضعفه ببعده هذا كله لو صدق أحدهما.
وأما لو صدقهما فإن حلفا أو نكلا فلا إشكال في كون الحكم التنصيف بينهما والوجه فيه ظاهر ولا يخفى عليك ان حكم المصنف هنا بالتنصيف بعد حلف كل منهما لصاحبه ينافي عدم حكمه بالحلف فيما لو كانت يدهما عليها بل اشعاره بتمريضه وان حلف احدهما دون الآخر فيقضى بها له ولكل منهما دعوى النصف على الثالث فيما حكم بالتنصيف بينهما وللناكل وحده دعواه في الصورة الاخيرة فإن حلف فهو وإلا فيغرم لكل منهما النصف هذا كله لو ادعيا عليه بعد انقضاء دعواهما وأما لو ادعيا عليه قبله فإن حلف فهو وإلا فيغرم لكل منهما النصف ويجب على كل من حكم بتمام العين له بعد ترافعهما كما في بعض الصور رد النصف الذي خذه إلى الثالث لما قد عرفت سابقا هذا وفي كشف اللثام للفاضل الاصفهاني وإن نكل أحدهما كان الكل للآخر وغرم الثالث النصف ان سلمه إلى الناكل وادعى الحالف عليه فاحلفه فنكل انتهى كلامه واستفاد منه بعض مشايخنا ذهابه إلى جواز أخذ الغرامة مع أخذ الكل بالحلف وقد عرفت فساده ويحتمل أن يكون فرض كلامه فيما لم يسلم الناكل النصف إلى الحالف اما باختيار الحالف أو ظلما منه من وجوده أو تلفه هذا كله فيما لو صدقهما أو صدق أحدهما المعين.
وأما لو لم يكن الامر كذلك فهنا صور احديها أن يكذبهما ويدعيه لنفسه ثانيتها ان يدفعهما عن نفسه بأن يقول ليست لكما من دون اثباتها لاحد ثالثتها أن يقول لا أعرف صاحبها أو ليست لي رابعتها أن يقول انها لاحدكما.
أما الصورة الاولى فإن حلف فهو وإلا فإن قلنا فالقضاء بالنكول أو حلفا على ما يدعيانه فيصير كما لا يد لاحد عليه وقد مضى الكلام في حكمه وإن لم نقل به ونكلا فيحكم به للثالث وان حلف أحدهما دون الآخر فيحكم بكونها له فرجع دعوى صاحبه عليه فيحلف له ويأخذ العين لصيرورته زايدا عليها.
وأما الثانية فإن حلف الثالث فهو وإلا فيأتي فيه الكلام السابق وأما الصورة الثالثة فحكمها كما لا يد لاحد عليه.
وأما الرابعة ففيها وجهان بل قولان أحدهما القرعة كما هو مختار العلامة في عد لتساويهما في الدعوى مع عدم البينة ثانيهما التنصيف كما هو مختاره في التذكره والمحكي عن الفاضل في شرحه على القواعد أوجههما
الاول كما يظهر وجه بالتأمل وعليه فهل يحتاج بعد القرعة في الحكم بها ان خرجت باسمه القرعة إلى حلفه فإن حلف كانت له وإن نكل حلف الآخر وكانت له وإن نكلا قسمت بينهما كما هو المحكي عن التحرير والفاضل في الكشف أو لا يحتاج إلى ذلك وجهان أوجههما الاول والوجه فيه ظاهر لان القرعة تكشف عن كون من خرجت باسمه هو المقر له فيصير زايدا عليها فيراعى حكمه ومما ذكرنا كله يظهر فساد ما ذكره بعض مشايخنا من الحكم بالتنصيف هنا مستندا إلى أصل لم يعلم له أصل أصلا ثم الحكم بعدم الاحتياج إلى اليمين على القول بالقرعة لكونها ميزان القضاء في الفرض والله العالم.
قوله ويتحقق التعارض في الشهادة مع تحقق التضاد مثل ان يشهد الشاهدان اه أقول لما فرغ المصنف من بيان حكم صور التداعي فيما لم يكن هناك بينة أصلا أراد أن يذكر حكم صورة وجود البينة ولما كان حكم صورة وجود البينة لاحدهما معلوما تعرض لحكم صورة وجودها لكل منهما ولها صور فبالحري قبل التعرض لها وحكمها أن نبين المراد من التعارض والفرض بينه وبين التكاذب الذي جعله بعض الاصحاب غير التعارض موضوعا وحكما.
فنقول اما التعارض فهو تفاعل من العرض وهو الورود كما في قولهم عرض الناقة على الحوض المراد من تعارض الكلامين سواء في المقام أو غيره هو تنافي مدلولهما فيشمل التضاد والتناقض فلو شهدت حدى البينتين بأنهذا مال زيد في الامس والاخرى بأنه مال عمرو في الحال لم تكونا متعارضتين بخلاف ما لو شهدت كل منهما بملكيته لكل منهما في زمان خاص أو مطلقا فإنه لا إشكال في كونهما من المتعارضين فلا بد من وحدة الموضوع فيهما نعم لو كانا في كلام متكلم واحد أو متكلمين منزلين منزلة متكلم واحد من حيث كشف كلام كل منهما عن مراد الآخر كما في تعارض الاخبار من الرسول المختار والائمة الاخيار عليهم سلام الله الملك الجبار ربما يجمع بينهما بجعل أحدهما قرينة للآخر وهذا بخلاف ما لو كانا في كلامين لمتكلمين لا دخل لاحدهما بالآخر كما في المقام فإنه لا معنى للجمع بينهما بالمعنى المذكور من جعل احدهما قرينة للآخر نعم قد يجمع بينهما بملاحظة مستندهما حسبما سيأتي تفصيل القول فيه لكنه لا دخل له للجمع بالمعنى المتقدم كما لا يخفى هذا.
وأما التكاذب فقد صرح العلامة في محكي القواعد بكونه غير التعارض وجزم بكون الحكم فيه التساقط مطلقا بخلاف التعارض ومثل له بما لو شهدت إحد البينتين بأن زيدا قتل عمروا مثلا في زمان وشهدت الاخرى التي أقامها زيد المدعى عليه بأنه لم يكن عند عمرو في الزمان المذكور بل كان في بلد اخرا وعند الشاهدين ونحوهما وقرره الفاضل في كشفه ومثل له حسبما حكى عنه بما لو شهدت إحدى البينتين بأن الولد للمرئة الخاصة وانها ولدته وشهدت الاخرى بأنه ولد من مرئة أخرى وانها ولدته وحكى عن الشيخرحمهالله في صورة التكاذب اجراء حكم التعارض من حيث كون كل منهما حجة شرعية يجب العمل به مهما أمكن فلا وجه للحكم بتساقطهما مطلقا.
فإذا نقول انه يحتمل ان يكون المراد من التكاذب أحد أمور ثلاثة أحدها ما حكاه الاستاد العلامة عن ظاهر الفخررحمهالله من كونه ما لم (لا خ) يمكن الجمع بين البينتين بتأويل قريب ثانيها أن يكون المراد منه ما لو علم بتعمد احديهما في الكذب او اشتباهها وخطئها الغير المستند إلى خطأ المستند الشرعي كالاصل واليد و نحوهما فإن في صورة تعارض البينتين يعلم إجمالا بعدم موافقة احديهما للواقع فتارة يكون السبب في وقوع الشاهد في خلاف الواقع خطأ المستند الشرعي وأخرى تعمده في الكذب أو اشتباهه في حسه أو حدسه ثالثها
أن يكون المراد منه كون إحدى البينتين ناظرة إلى نفي ما شهدت به الاخرى وتكذيبها فيما شهدت به من ير أن يكون مقصودها اثبات شئ وأمثلته كثيرة منها ما مثل به العلامة في محكي القواعد كما لا يخفى وأما ما مثل به الفاضل في شرحه فيمكن أن يكون منها أيضا بأن يكون المقصود الاصلي للبينة الثانية مجرد تكذيب البينة الاولى وان الولد ليس ممن شهدت بولادتها له من غير أن يكون المقصود اثبات الولد للمرئة الاخرى ومما ذكرنا يظهر ان خير الامور هو الاخير لانطباقه على ما فرعه (فرضه خ) العلامةرحمهالله وكون المتعين فيه التساقط حسبما ذكرهقدسسره ووجهه غير مخفي.
وأما الامران الاولان فمع كونهما خلاف الظاهر من كلام المفرق لا دليل على كون الحكم فيهما خلاف صورة مقابلهما التي تسمى بالتعارض كما لا يخفى.
إذا عرفت ما قدمنا لك فلنرجع إلى التكلم في حكم الصور المتصورة في صورة وجود البينتين فنقول انه لو لم تكونا متعارضتين بالمعنى المتقدم فلا إشكال في وجوب العمل بكل منهما لسلامته عن المانع وهذا معنى قولهم انه مهما أمكن التوفيق بينهما فيجب لوجوب العمل بما دل على اعتبار كل منهما مهما أمكن.
نعم ربما يشكل ما ذكرنا بما ورد في بعض الاخبار مثل خبر أبي بصير سئل الصادقعليهالسلام عن رجل يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم ويقيم الذي في يده الدار البينة انه ورثها من أبيه ولا ندري كيف كان أمرها فقال أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه الحديث وذكر الراوي في ذيل الحديث أرأيت ان كان الذي ادعى الدار قال ان ابا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن ولم يقم الذي هو فيها بينة إلا انه ورثها عن أبيه قالعليهالسلام ذا كان أمرها هكذا فهي للذي ادعاها وأقام البينة عليها وجه الاشكال انه حكم الامامعليهالسلام بالترجيح في مورد السؤال المتفرع على التعارض وعدم وجوب التوفيق مع انه مما يمكن التوفيق فيه بين البينتين كما لا يخفى فان مستند بينة الوارث ليس إلا أصالة الصحة وهي لا تعارض بينة المدعي.
ثم ان الاشكال منه حكم الامامعليهالسلام بتقديم بينة المدعي من دون ملاحظة ترجيح في ذيل الرواية مع ان مجرد ادعاء المدعي لا يوجب انقلاب الحكم ما لم يقم البينة عليه نعم لو كان المفروض فيه اقامة البينة على طبق ما يدعيه لا على أصل الاستحقاق لم يتوجه عليه إشكال أصلا لكنه بمكان من البعد من الرواية وسيأتي التكلم على الرواية بعد هذا إنشاء الله.
وإن كانتا متعارضتين فلا يخلو من صور ثلاث احديها ما لو كانت العين في يدهما ثانيتها ما لو كانت بيد احدهما ثالثتها ما لو لم تكن بيد أحدهما.
أما الصورة الاولى فالذي صرح به شيخنا الشهيد في المسالك انه لا إشكال في الحكم بها بينهما نصفين لكن اختلف في سببه فقيل لتساقط البينتين بسب التساوي فيبقى الحكم كما لو لم يكن بينة وقيل لان مع كل منهما مرجحا باليد على نصفها فقدمت بينته على ما في يده وقيل من جهة تقديم بينة كل منهما بالنسبة إلى ما في يد الآخر بناء على تقديم بينة الخارج ووافقه الاستاد العلامة على ذلك فقال ان السبب في الحكم بالتنصيف بعد مفروغيته اما تساقط البينتين كما هو مختار بعض أو تقديم كل من بينة الداخل على بينة الخارج من حيث كون بينة كل منهما بالنسبة إلى ما في يده بينة الداخل وبالنسبة إلى ما في يد الآخر بينة الخارج على القول بتقديم بينة الداخل أو العكس على القول بالعكس هذا ولى فيه تأمل والوجه فيه ان مفروغية التنصيف إنما
هو على فرض القول بعدم احتياج الحلف من كل منهما في الحكم بالتنصيف على القول بالتساقط وإلا فقد يصير تمامه لاحدهما كما لا يخفى فتأمل.
وقد نفى بعض مشايخنا الخلاف عن كون الحكم التنصيف حتى على القول بالرجوع إلى المرجحات في غير الصورة إلا من القديمين وكيف كان لابد من تعيين سبب الحكم به لاختلاف الثمرة.
فنقول انه قد جزم الاستاد العلامة بأن السبب فيه ما عليه المشهور من تقديم بينة الخارج لا التساقط ولا تقديم بينة الداخل وإن قلنا به في الصورة الثانية وهي ما لو كانت بيد أحدهما حسبما عليه جماعة.
فلنا في المقام دعويان لنا على اوليهما ما تمسك به الاكثرون من ان الاصل في البينة أن تكون من المدعي فلا تسمع في مقابلها بينة غيرها ولنا على الثانية اما على عدم كون السبب التساقط فلانه فرع مقاومة كل من البينتين مع الآخرى وقد عرفت عدم سماع بينة المنكر في مقابل بينة المدعي فإنا وإن رجحنا سابقا فاقا لجماعة سماع بينة المنكر إذا كان لانكاره جهة ثبوتية بمعنى كونها مغنية عن يمينه الا انا ذكرنا هناك أيضا انها انما تسمع فيما لم يكن للمدعي بينة على خلافها فبينة المنكر والمدعي من قبيل الاصل والدليل فليستا في مرتبة واحدة حتى تتعارضان فيحكم بالتساقط بينهما هذا مضافا إلى انه تعارضهما لو اقتضى الحكم بتساقطهما فلم لم يحكم به في الصورة الثانية فإن قيل ان الوجه فيه وجود المرجح فيها لبينة الداخل وهو اليد قلنا المفروض وجوده في المقام أيضا بالنسبة إلى كل منهما هكذا ذكره الاستاد العلامة وفيه تأمل(١) مضافا إلى إمكان أن يقال انه يمكن أن يكون الوجه في عدم الحكم بالتساقط في الصورة الاخيرة من جهة ورود الاخبار على تقديم بينة الداخل على الخارج وهو الفارق والمانع من الاخذ بمقتضى القاعدة وهو التساقط.
واما على عدم كون السبب تقديم بينة الداخل وإن قلنا به في الصورة الآتية فلان الوجه فيه لا يخلو من أحد أمور ثلاثة أحدها ما ورد من الاخبار التي ستمر بك فيما سيأتي الدالة على تقديم بينة الداخل ثانيها الحكم بتساقط البينتين وجعل اليد مرجعا ومعنى تقديم بينة الداخل على هذا التقدير جعل العمل على طبقها لا الاستناد إليها حسبما هو قضية ظاهره كما لا يخفى ثالثها ترجيحها على بينة الخارج من حيث اعتضادها باليد وشئ من هذه الوجوه لا يصلح وجها للحكم بتقديم بينة الداخل في المقام.
أما الاول فلاختصاص ما ورد من الاخبار حسبما ستعرف الحال فيه بما إذا كانت العين في يد أحدهما والقول بأنه وإن لم يشمل المقام من حيث اللفظ إلا انه يستفاد حكمه منه من جهة وجود حكمة التقديم في مورده فيه وهي الاعتضاد باليد فيه ما لا يخفى مضافا إلى ما ستقف عليه من عدم وجود حكمته فيه.
وأما الثاني فلما قد عرفته في فساد جعل السبب هو التساقط من عدم اتحاد المرتبة وأما الثالث فلوجهين أحدهما ان الاعتضاد باليد في المقام مستلزم للتبعيض في اعتضاد مفاد الدليل وهو مما لا معنى له وهذا بخلاف الترجيح باليد في الصورة الآتية فإنه سليم عن محذور لزوم التبعيض في المرجح (الترجيح خ) بالنسبة إلى الدليل الواحد كما لا يخفى هذا وفيه ما لا يخفى وقد اعرض الاستاد العلامة عنه أيضا بعدما تمسك به أولا في ظاهر كلامه. ثانيهما ما ذكره شيخنا الاستاد دام ظله معتمدا به غاية الاعتماد مصرا على تماميته نهاية الاصرار من أن من المعلوم ضرورة ان الترجيح بشئ يشترط أن لا يكون مفاده منافيا لما أريد ترجيحه به ومفاد كل
____________________
(١) وجه التأمل ما سيمر عليك في كلام الاستاد العلامة من عدم إمكان كون اليد هنا مرجحة وإن كان نا كلام فيه ولهذا علل التساقط في المسالك بتعارض البينتين وتساويهما (منهقدسسره )
من اليدين بعد ملاحظتهما ينافي مفاد كل من البينتين القائمتين على ملكية المجموع لكل من المدعيين لان مفاده بعد الملاحظة المذكورة ملكية النصف بشرط لا ومفاد كل من البينتين ملكية المجموع ومن المعلوم منافات الاول للثاني أما كون مفاد الثاني هو ملكية المجموع فظاهر لان المفروض كونها موردا له أما كون مفاد الاول هو ملكية النصف بشرط لا فلان لازم دلالة كل من اليدين على تملك النصف الذي هي عليه الدلالة على عدم تملكه لمن لا يكون يده عليه الذي قضى به بينته فمقتضى بينته تملكه لمجموع العين ومقتضى يده بعد فرض دلالة يد صاحبه على عدم تملكه للنصف الذي خارج عن يده تملكه للنصف بشرط لاوهذا ما ذكرنا من المحذور.
وبعبارة أخرى كل من البينتين امارة نوعا على تملك مجموع العين لمن أقامها وكل من اليدين امارة نوعا أو شخصا بعد ملاحظة مفادهما على ملكية نصفها بشرط لا لان كلا من خارج أحدهما يصير مرجوحا بداخل صاحبه ضرورة كون قضية التقابل ذلك فيرجع الامر بعد ملاحظتهما إلى قيام امارة على تملك النصف بشرط لا وقيام أخرى على تملك المجموع ومن المعلوم تنافيهما فلا يعقل ان يجعل احدهما مرجحا للآخر نعم لو كان مفاد كل من اليدين ملكية النصف لا بشرط امكن جعله مرجحا لما دل على ملكية المجموع لان لا بشرط يجامع مع ألف شرط لكن الفرض ليس كذلك وهذا كما ترى لا دخل له بحديث عدم إمكان التبعيض في الترجيح كيف وهو يفصح عن إمكانه.
هذا محصل ما ذكره الاستاد العلامة لعدم إمكان جعل اليد في المقام معاضدة ويمكن المناقشة فيه بأنا لا نفهم من ملاحظة اليدين والبينتين إلا صيرورة كل منهما معاضدة لما يوافقه من البينتين بالنسبة إلى ما تكون عليه من النصف وموهنة لما تخالفه منهما فيصير كل من البينتين معاضدة بالنسبة إلى نصف مضمونها من جهة اليد الموافقة لها وموهونة بالنسبة إلى نصفه الآخر من جهة اليد المخالفة لهما فمفاد كل من اليدين ليس إلا ملكية النصف لا بشرط.
وأما الدلالة على عدم تملك النصف الآخر فإنما هي من جهة اليد القابلة لها فرجع الامر إلى ان كلا من البينتين معاضدة في بعض مضمونها من جهة إحدى اليدين وموهونة في بعضه الآخر من جهة الاخرى وهذا مما لا إستحالة فيه أصلا إذ ليس مفاد كل من اليدين هو ملكية النصف بشرط لا وإنما هو ملكيته لا بشرط.
وإن كان لك ريب فيما ذكرنا فانظر بعين الانصاف إلى ما نمثل لك من نظير المقام فإنه يزول الريب عنك قطعا وهو انه لو كان هناك عبدان أحدهما في يد شخص والآخر في يد شخص آخر وادعى كل منهما ملكية كلا العبدين وأقام بينة عليه ثم أقام كل منهما بينة أخرى على ملكية ما في يده من العبدين فإنه لا - إشكال في صيرورة كل منهما معاضدا لما يوافقه من البينتين القائمتين على تملك المجموع لكل من المدعيين وإن صار موهنا بالنسبة إلى ما يخالفه فاليد منهما في المثال نظير البينة منهما لان كلا من اليدين لا يكون امارة الاعلى تملك النصف لا انه ينفي ملكية التمام وإن قلت انه إذا صار كل منهما راجحة من جهة وموهنة من أخرى ولو بالسببين يرجع الامر إلى التسوية فهذا غلط قطعا وإن كان لك شئ آخر يدل على استحالة تعاضد بعض مضمون البينة باليد فلتذكر حتى ننظر فيه هذا ما ادى إليه نظري القاصر وعليك بالتأمل فيه لعلك تجده حقيقا بالقبول وهو غاية المسؤل هذا تمام الكلام في تعيين السبب للتنصيف.
بقي الكلام في انه هل يتوقف الحكم بالتنصيف من جهة الاسباب المذكورة إلى انضمام الحلف من
كل منهما فإن حلف أحدهما دون الآخر حكم بالكل للحالف أو لا يحتاج إلى ذلك ظاهر جماعة الفرق بين الاسباب فيما ذكر فحكموا بالافتقار على تقدير القول بكون السبب هو التساقط دون غيره ولهذا جعل التحالف ثمرة بين القول به وبين غيره وظاهر بعض توقف الحكم بالتنصيف على التحالف مطلقا هذا.
ولكن الحق أن يقال انه على تقدير القول بكون السبب التساقط يحتاج إلى التحالف وأما على القول بكون السبب هو العمل بمقتضى بينة الداخل فإن جعل وجه تقديمها الترجيح باليد فلا إشكال في عدم الافتقار إلى الحلف وإن جعل النص فيمكن القول بالاحتياج إلى التحالف وإن جعل وجهه تساقط كل من البينتين على التمام وكون اليد مرجعا فيصير إذا معنى تقديم بينة الداخل هو العمل بمضمونها حسبما هو أحد الوجوه الذي نسب إلى بعض في وجه تقديم بينة الداخل فيحتاج إلى التحالف من حيث كون كل منهما منكرا هذا على - القول بكون اليد على النصف وأما على القول بكونها على التمام في المقام حسبما هو قضية صريح كلام بعض مشايخنا الاعلام فيحتمل الوجهان أوجههما عند الاستاد الافتقار وعنده عدمه.
وأما على القول بكون السبب هو تقديم بينة الخارج كما عليه المعظم الاقرب بالقبول فلا إشكال في عدم الافتقار إلى التحالف لان مقتضى التحالف لا يخلو عن أمور ثلاثة أحدها تساقط البينتين مع كون اليد من كل من المدعيين على النصف ثانيها تساقطهما مع تساقط اليدين أيضا على القول بكونهما على التمام كالبينتين فتتساقطان حسبما هو قضية الاصل في تساقط الاسباب ثالثها النص الوارد بالتحالف إذا كان في يدهما وأقام كل منهما بينة مثل خبر اسحاق بن عمار عن أبي عبداللهعليهالسلام ان رجلين اختصما إلى أمير المؤمنينعليهالسلام في دابة في أيديهما وأقام كل واحد منهما البينة انها نتجت عنده فأحلفهما عليعليهالسلام فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف فقضى بها للحالف فقيل له فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البينة فقال أحلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف فإن حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين قيل فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعا البينة قال اقضي بها للحالف الذي هو في يده فيجعل النص اما دليلا تعبديا على التحالف في المقام على خلاف القواعد أو كاشفا عن اسقاط بينة الداخل بينة الخارج فيرجع إلى مقتضى القاعدة ومما يدل على عدم كون التحالف من باب مجرد التعبد عدم حكمه بالتحالف فيما كان بيد أحدهما بل حكم بالحلف على من كانت في يده وجده وشئ من هذه الامور لا يصلح وجها للحكم بالتحالف في المقام.
أما الاول والثاني فظاهر لابتنائهما على سماع بينة المنكر في مقابل بينة المدعي وقد عرفت غير مرة انا وإن نرجح سماع بينة المنكر إذا كانت لها جهة ثبوتية بمعنى اسقاطها اليمين عنه تبعا لجماعة إلا انا لا نقول بسماعها في مقابل بينة المدعي.
وأما الثالث فلمعارضته بخبر المنصور الظاهر في خلافه كما سيأتي نقله والترجيح له من وجوه عديدة لا تخفى على الخبير ومع فرض التكافوء فالمرجع العمومات الدالة على التنصيف في الفرض من غير حلف من - الاخبار أو إلى ما دل من الادلة المتقدمة على انه ليس على المدعي إلى البينة من قوله البينة على المدعي وغيره ذا.
ولكن الحق أن يقال بعدم اعتبار خبر اسحق في نفسه لا من جهة المعارضة وترجيح معارضه عليه كما ذكرنا أولا لانه لو بنى على اعتباره في نفسه لم يكن معنى لترجيح معارضه عليه من حيث السند لان النسبة بينه وبين خبر المنصور هو الخصوص والعموم كما لا يخفى فيتعين الاخذ به على تقدير اعتباره لما حقق في محله من ان الرجوع إلى مرجحات السند أو جهته إنما هو بعد فقد المرجح من حيث الدلالة.
والوجه في عدم اعتباره في نفسه مضافا إلى عدم صحته وعدم حصول الوثوق منه مخالفته للقاعدة الثابتة بالاجماع والنصوص المستفيضة بل المتواترة من عدم سماع بينة المنكر في مقابل بينة المدعي والخبر وإن كان أخص منها إلا ان رفع اليد عنها بمثله لا يجوز جدا لما قد عرفت غير مرة ان رفع اليد عن القواعد المسلمة بمجرد ورود خبر على خلافها ما لم يجبر بالعمل وتمسك الاصحاب لا يجوز قطعا فضلا عن اعراض المعظم عنه في مثل المقام فلا بد من طرح الخبر.
فظهر مما ذكرنا كله ان الحق في المقام هو الحكم بالتنصيف من جهة العمل ببينة الخارج من دون الاحتياج إلى اليمين هذا.
ثم انه بقي في المقام قولان آخران أحدهما الرجوع إلى القرعة كما حكي عن بعض الاصحاب ثانيهما الرجوع إلى المرجحات كما حكي عن القديمين وغيرهما ومستند الاول عموم ما دل من الاخبار على أن المرجع في كل أمر مشكل هو القرعة وقد عرفت غير مرة انه موهون يحتاج إلى جابر قوي مفقود في المقام كما يظهر من الرجوع إلى كلمات الاعلام ومستند الثاني ليس إلا ما دل من الاخبار على الترجيح بها المدعى شمولها للمقام وسيجئ التكلم عليها على فرض شمولها للمقام في الصورة الثانية هذا مجمل القول فيما لو كانت العين بيدهما.
وأما الصورة الثانية وهي ما لو كانت العين بيد أحدهما وأقام كل منهما البينة على ما يدعيه فهل الحكم فيه تقديم بينة الداخل وهو ذو اليد كما عن بعض الاصحاب أو تقديم بينة الخارج حسبما عليه المعظم المدعى عليه الاجماع في كلام جماعة من الاصحاب في الجملة كما عن الخلاف والغنية والسراير وظاهر المبسوط.
وتفصيل القول في المقام بحيث يكون جامعا لجميع ما ذكره علمائنا الاعلام وأصحابنا الكرام عليهم رضوان الله الملك العلام ورافعا لحجب الاجمال عن وجه المرام يقتضي التكلم في ثلاثة مقامات أحدها في تقديم بينة الخارج على الداخل وعدمه وبعبارة أخرى في سماع بينة الداخل في مقابل بينة الخارج وعدمه ثانيها في الترجيح بينهما بذكر السبب في احديهما وعدمه في الاخرى الذي يسمى بالجمع في كلماتهم توسعا ثالثها في الترجيح بينهما من حيث الاوصاف كالاعدلية والاكثرية والاضبطية ونحوها وأما الترجيح بالدخول والخروج المذكور في كلماتهم فالثاني منهما كما عليه الاكثر يرجع إلى نفي سماع بينة الداخل والاول منهما يرجع إلى المقام الثاني فإن المقصود منه الترجيح بما يوجب أبعدية احديهما عن الخطأ فلا نجعله مقاما برأسه هكذا ذكره الاستاد العلامة دام ظله العالي.
وبالحري قبل الخوض في التكلم فيها ان ننبه على أمرين ذكرهما الاستاد العلامة أحدهما ان المراد من بينة الداخل والخارج في كلماتهم ليستا خصوص بينة ذي اليد ومقابله حسبما هو المرئي من أول النظر في كلماتهم بل المراد منهما كل من يدعي أمرا على وفق الاصل بالمعنى الاعم ومن يدعي خلافه سواء كان اليد أو أصالة الصحة في العقود أو أصالة البرائة أو غيرها فذكر اليد من باب المثال أو الكناية عن مطلق الحجة الشرعية وبعبارة أخرى المراد من بينة الداخل هي بينة المنكر ومن بينة الخارج هي بينة المدعي ولو سلم عدم - الشمول بحسب العنوان فلا إشكال في كون المراد الاعم بحسب الحكم وبعبارة أخرى لو لم يكن ما ذكرنا داخلا في العنوان موضوعا ولكن لا إشكال في دخوله فيه حكما ويشهد لما ذكرنا من التعميم ما سيجئ من ابتنائهم حكم التداعي في كثير من صور التداعي في العقود على تقديم بينة الداخل أو الخارج هذا ملخص ما -
ذكر دام ظله وهو لا يخلو عن إشكال سيما على التعميم لكل مدع ومنكر حتى يشمل الدعوى في غير الاعيان من - الديون وغيرها لان لخصوص اليد خصوصية من بين ساير الاصول والامارات المعتبرة من حيث ورود بعض الاخبار على تقديم بينة ذيها هذا مقتضى ما يخطر ببالي القاصر عاجلا وعليك بالتأمل في كلماتهم لعلك تجدها منطبقة على ما ذكره الاستاد العلامة.
ثانيهما ان المقامات الثلاثة مرتبة بمعنى ان التكلم في المقام الثالث بعد فرض عدم وجود المرجح بالمعنى المذكور في المقام الثاني بأن تكونا مسببتين أو مطلقتين وإلا فهو مقدم قطعا لانه نظير الجمع في الاخبار من حيث الدلالة فإنه مقدم على الترجيح بحسب السند والتكلم في المقام الثاني بعد الفراغ عن المقام الاول واثبات كون بينة الداخل حجة وإلا فلا معنى للتكلم في المقام الثاني لان ملاحظة الترجيح فرع التعارض المتوقف على حجية كل من المتعارضين وكونهما في مرتبة واحدة من الاعتبار هكذا ذكره الاستاد العلامة.
إذا عرفت هذا فنتكلم فيما كنا بصدده فنقول اما الكلام في المقام الاول فالحق بالنظر إلى الاصل الاولى المستفاد من العمومات الدالة على اعتبار البينة لو قلنا بوجودها حسبما هو قضية كلمات جماعة من الاصحاب وإن كان هو حجية بينة الداخل أيضا وسماعها في مقابل بينة الخارج لانهما متساويتان بالنظر إليها إلا ان مقتضى الاصل الثانوي المستفاد مما ورد في باب القضاء عدم سماع بينة الداخل في مقابل بينة الخارج فإنا وإن بنينا سابقا وفاقا لجماعة منهم الشهيد في الدروس على انه لا يدل على نفي سماعها مطلقا ولو لم يكن هناك بينة للمدعي بمعنى عدم اغنائها عن اليمين لما قد عرفت من ان عمدة متمسك القائلين بعدم السماع من رأس ليس إلا قولهعليهالسلام البينة على المدعى واليمين على من أنكر اما باعتبار الحصر المستفاد من اللام أو التفصيل لقاطع للشركة وهو لا يدل عليه من أحد وجهين قد عرفت فيما مضى تفصيل القول فيهما.
أحدهما ان القضية وإن كانت ظاهرة بنفسها في حصر ميزان المدعي في البينة والمنكر في اليمين خلافا لمن لم يسلم ذلك كبعض مشايخنا المتأخرين إلا انا ذكرنا ان قرينة المقام وهي ورود الالزام باليمين في حق المنكر من جهة التسهيل توجب التجوز في لفظ على وان المراد منه الكفاية لا عدم غيرها فإن شئت قلت ان الزام المنكر باليمين وارد في مقام دفع توهم عدم القناعة عنه إلا بالبينة وهو الاثقل فهو نظير الامر الوارد في مقام توهم الحظر وبيان آخر الرواية وإن كانت ظاهرة في عدم سماع البينة من المنكر إلا انا نصرفها عن هذا الظهور بإحدى القرينتين الاولى قرينة داخلية وهي ورود الالزام باليمين في حق المنكر في مقام الترخيص من جهة رفع توهم تعين البينة في حقه كما في حق المدعي الناشى من الزام المدعي بالبينة أولا الثانية قرينة خارجية وهي قوله في بعض ما ورد في الدماء ان الله حكم في دمائكم على خلاف ما حكم في أموالكم حكم فيها ان البينة على من ادعى واليمين على المدعى فإن الاجماع واقع على كفاية البينة من - المدعي في الدماء فيكون مقتضى الحكم بالمخالفة كون يمين المنكر أيضا للترخيص وأما حديث قطع التفصيل للشركة فمسلم إلا ان التفصيل هنا إنما هو بحسب الالزام والمطالبة لا السماع.
ثانيهما تسليم ظهور القضية في الحصر المذكور مطلقا إلا انا نقول انه إنما يدل على عدم سماع البينة من المنكر من حيث انه منكر حسبما ورد في بعض الروايات من ان وجه عدم الزام المنكر بالبينة كونه جاحدا وهو لا يمكنه اقامة البينة فبينته غير مسموعة في مجرد النفي والانكاء فلا تدل على عدم سماعها منه إذا كان لانكاره جهة ثبوتية حسبما هو محل الكلام إلا انه يدل على عدم سماع البينة من المنكر في مقابل بينة المدعي
ودلالته عليه بأحد وجهين.
أحدهما من جهة دلالته على كون بينة المدعي علة تامة لاثبات الحق بها وليس للحاكم بعدها حالة منتظرة للحكم بها فيدل على عدم سماع بينة المنكر في مقابلها وإلا لروعي أحكام التعارض وبعبارة أخرى مقتضى العمومات الاولية وإن كان حجية كل منهما في نفسه ولازمها وقوع التعارض في صورة الاجتماع بمعنى كون كل منهما مقتضيا للحكم بمقتضاه في صورة التعارض وإن كان علة تامة في صورة عدمه إلا ان هناك أخبارا أخص منها تدل على كون بينة المدعي علة تامة مطلقا في صورة التعارض وعدمه ولازمها عدم اعتبار بينة المنكر في مقابلها وكونها كالاصل في جنبها ضرورة ان المقتضى لا يصلح أن يقاوم العلة التامة ويمنع عن تأثيرها وهي تمنع اقتضائه وتصلح له.
ثانيهما من جهة دلالته بالصراحة أو بالظهور على عدم سماع بينة المنكر في مقابل بينة المدعي فالاخبار المانعة طائفتان.
أما ما تدل على المنع من الوجه الاول فهي كثيرة إلا انا نذكر برهة منها فمنها قولهعليهالسلام في بعض الاخبار استخراج الحقوق بأربعة وعد منها البينة فإن ظاهره كون الاربعة علة تامة لاستخراج الحق بها.
لايقال ان البينة فيه أعم فتشمل بينة المنكر أيضا لانا نقول قد عرفت سابقا ان بينة المنكر كيمينه ليست من المستخرجات بها وإنما هي تدفع مزاحمة المدعي وترفع دعواه.
ومنها ما ورد في جملة من الروايات من ان طريقة النبيصلىاللهعليهوآله إذا ترافع إليه خصمان كانت لى سؤال البينة من المدعي فإن كان له بينة أنفذ الحكم بها وإلا فيطلب اليمين من المدعى عليه بعد استحلاف المدعي ووجه دلالته على المدعى واضح فإنه لو كانت بينة المنكر أيضا حجة في مقابل بينة المدعي لم يكن وجه لانفاذ الحكم بها مطلقا وإن قال المدعى عليه ان لي بينة أيضا.
لا يقال ان الرواية من مقولة حكايات الاحوال ومن المعلوم انه إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب - الاجمال وسقطت عن قابلية الاستدلال إذ لا عموم لها في المقال.
وبعبارة أخرى قضاء النبيصلىاللهعليهوآله في واقعة على النحو المذكور قضية في واقعة لا ظهور لها في المدعى إذا لفعل أمر مشتبه قابل للوقوع على وجوه كثيرة وجهات متعددة فلعل كان حكم النبيصلىاللهعليهوآله فيها بالنهج المذكور من جهة عدم وجود البينة فيها للمدعى عليه فحكاية هذا الفعل مما لا يجدي في شئ.
لانا نقول ما قرع سمعك من ان حكايات الاحوال ونقل الافعال مما لا ظهور لها حتى يصلح للاتكال مما لا دخل له بالمقام اما اولا فلان الرواية ليست من مجرد نقل الفعل بل هي أخبار عن طريقة النبي (صلى الله عليه آله) المستمرة في فصله بين الناس ومن المعلوم ان له ظهورا كظهور الاقوال والقول بأنها لعل كانت من جهة عدم وجود البينة للمدعى عليه إنما يصح إذا كانت في واقعة أو وقايع خاصة لا فيما دام العمر وأما ثانيا فلانه فيما إذا لم تكن الحكاية على جهة الاستدلال وأما إذا كانت عليها حسبما هو في الرواية فتنزل منزلة العموم في المقال لتصير بمنزلة الكبرى الكلية فتأمل ومن هنا يمكن التمسك بالرواية على عدم وجوب سؤال الجرح من المنكر وانه هل جارح لما أقامه المدعي من البينة أو لا.
ومنها قولهعليهالسلام البينة على المدعى واليمين على من انكر أو على من ادعى عليه بضميمة قوله إنما قضي بينكم بالبينات والايمان وقوله أحكام المسلمين على ثلاثة بينة عادلة الحديث إلى غير ذلك فإنه يدل بضميمة
المذكورات على كون بينة المدعي علة تامة لاثبات حقه.
لا يقال ان قوله البينة على المدعي كما يدل على سماع بينته كذلك يدل على سماع بينة المنكر أيضا حسبما بنيت عليه الامر سابقا من كون الزام المنكر باليمين من قبيل الالزام بالاسهل فإذا دل على سماع بينة المنكر أيضا فبضميمة المذكورات يدل على كون بينة المنكر أيضا علة تامة ولازمه في صورة الاجتماع التعارض كما ذكرت في العمومات الاولية.
لانا نقول انا وإن بنينا على دلالة الرواية على سماع بينة المنكر أيضا إلا ان دلالتها على سماع بينة المنكر إنما هي في مقام توجه اليمين عليه فهي في مرتبة اليمين ومن المعلوم إجماعا وضرورة ان مرتبة اليمين متأخرة عن مرتبة بينة المدعي فكذلك بينته من حيث كونها بدلا عنها فكل من يمينه وبينته أيضا علة تامة لرفع الخصومة لكن في مرتبة فدلالتها على سماع البينة من المنكر ولو بضميمة العمومات لا تنفع لاثبات كونها حجة في مقابل بينة المدعي نعم تدل على كونها علة تامة في مورد سماعها.
لا يقال كون مرتبة اليمين متأخرة عن مرتبة بينة المدعي لا يستلزم كون بينة المنكر أيضا متأخرة بحسب الرتبة لان دلالة الرواية على سماعها من حيث كون الالزام فيها باليمين من حيث الالزام بالاسهل لا تدل على كونها بدلا عن اليمين إذ لا ملازمة بينهما أصلا.
لانا نقول هب انها لا تدل على ذلك إلا أنها لا تدل أيضا على كون مرتبتها في عرض مرتبة بينة المدعي فهي ساكتة عن الجهتين والمفروض انه لا اطلاق لقوله إنما أقضي بالنسبة إلى مورد السماع وإن دل على كون البينة علة تامة في كل مورد سمعت فثبت المطلوب أيضا للقطع بحجية بينة المدعي مطلقا والشك في حجية بينة المنكر في مقابلها.
هذا محصل ما ذكره الاستاد العلامة في تقريب الاستدلال بالرواية وأنت خبير بأن للتأمل فيه مجالا إذ لنا ان نتمسك بالعمومات الاولية على سماع بينة المنكر في كل مورد ونثبت كونها علة تامة بعده بقوله إنما أقضي فتأمل هذا.
واما ما تدل على المنع من الوجه الثاني فهي جملة من الاخبار الخاصة منها خبر منصور عن الصادقعليهالسلام قلت له رجل في يده شاة فجاء رجل وادعاها وأقام البينة العدول انها ولدت عنده لم يبع ولم يهب وجاء الذي في يده بالبينة مثلهم عدول انها ولدت عنده لم يبع ولم يهب قال أبوعبداللهعليهالسلام حقها للمدعى ولا أقبل من الذي في يده البينة لان الله عزوجل أمر أن يطلب البينة من المدعي فإن كانت له بينة وإلا فيمين الذي في يده هكذا أمر الله عزوجل والمنصور وإن كان مشتركا بين من هو مقبول الخبر ومردوده ومقتضاه الحكم بضعف الرواية إلا ان رواية القميين عنه مما يوجب وثاقته وعدم كونه من الضعاف هذا مضافا إلى كونه معمولا به عند من يرى العمل بأخبار الآحاد كابن ادريسرحمهالله هكذا ذكره الاستاد العلامة ولكن المحكي عن الحلي في ير استناده في الحكم بتقديم بينة الخارج إلى أصول المذهب والرواية وإن كانت ظاهرة في بادى النظر في عدم سماع بينة المنكر أصلا حتى مع عدم المعارضة إلا ان مقتضى التأمل فيها كون المراد منها هو عدم السماع في مقابل بينة المدعي وكيف كان لا إشكال في دلالتها على عدم سماع بينة المنكر في الفرض.
ومنها ما أرسله الفاضل الهنديرحمهالله في كشف اللثام عن أمير المؤمنينعليهالسلام وفي ذيله وإن كان في يد احدهما فالبينة فيه على المدعي واليمين على المدعى عليه ومنها قول أبي عبدالله في ذيل خبر أبي بصير المتقدم
ذكره وإن كان صدره يدل على خلاف المقصود إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في كتب الاخبار من - الائمة الاطهارعليهمالسلام .
ثم ان هنا أيضا روايات تدل على تقديم بينة الداخل فهي تكشف عن مقاومة بينة المنكر لبينة المدعي سواء حكم بتقديمها عليها مطلقا كما في بعض الروايات أو بعد الحلف كما في بعضها الآخر أو الرجوع إلى المرجحات كما في صدر خبر أبي بصير.
فمنها خبر اسحق بن عمار عن أبي عبداللهعليهالسلام المتقدم ذكره وفي ذيله فإن كانت في يد أحدهما و أقاما جميعا البينة قال اقتضى بها للحالف الذي في يده ومنها خبر غياث عن أبي عبداللهعليهالسلام ان مير المؤمنينعليهالسلام اختصم إليه رجلان في دابة كلاهما أقاما البينة انه انتجها قضى بها للذي هي في يده وقال لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين ومنها ما روته العامة عن جابر بن عبدالله الانصاري ان رجلين تداعيا دابة وأقام كل منهما بينة انها دابته فقضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله للذي في يده ومنها ما روي عن عبدالله بن سنان ان أمير المؤمنينعليهالسلام كان إذا اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما انه اشتراها وزعم الآخر انه انتجها فكان إذا أقاما البينة جميعا قضى بها للذي انتجت عنده.
وأجاب الاستاد العلامة عنها بأنه وإن لم يكن بين ما ذكرنا وبين هذه الروايات ترجيح بحسب السند إلا انه لا إشكال في كون دلالة ما ذكرنا أظهر وأقوى لان جملة منها تكون من قبيل قضية في واقعة مضافا إلى ما في خبر اسحق من الحكم بتقديم بينة ذي اليد مع الحلف المبني على تساقط البينتين مع كونه على خلاف ما دل من الاخبار على ملاحظة الترجيح هذا مضافا إلى اعتضاد ما ذكرنا بما استفيد من القواعد العامة من تقديم بينة الخارج التي قد عرفت الاشارة إليها وإلى كيفية استفادتها مما تقدم من الاخبار من النبوي والامامي ومخالفة تلك لها فتعين المصير إلى كون قضية الاصل الثانوي هل الحكم بعدم سماع بينة الداخل في مقابل بينة الخارج هكذا ذكره الاستاد العلامة فتحصل من جميع ما ذكره ان حكم بينة المنكر حكم يمينه فكما ان توجه اليمين عليه وتحليفه بها موقوف على عدم اقامة المدعي البينة على طبق دعواه كذلك سماع بينته موقوف على عدم بينة المدعي فهما من قبيل الاصل والدليل هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو الترجيح بالاطلاق والتقييد وبعبارة أخرى بذكر السبب وعدمه الذي يسمى جمعا بين البينتين باعتبار فيقع في مقامين احدهما في تقدمه على الترجيح بما سيجئ في المقام الثالث على فرض قيام الدليل على اعتبارهما ودوران الامر بينهما ثانيهما في اثبات اعتباره وانه هل لنا دليل يدل على الترجيح بالمعنى المذكور أو لا.
أما الكلام في المقام الاول فنقول قد عرفت في طي كلماتنا السابقة ان المقامات مترتبة ومقتضاه الحكم بتقديم الترجيح بالمعنى المتناع فيه على الترجيح بالاوصاف والوجه فيه حسبما مضى القول فيه سابقا أيضا ان الترجيح بهذا المعنى حقيقة تصديق لكلتا البينتين وجمع بينهما في العمل بخلاف الترجيح بالاوصاف فإنه لا ينفك عن تكذيب المرجوح وطرح دليل الحجية بالنسبة إليه فإن الحكم بتقديم البينة المقيدة على المطلقة من جهة احتمال اعتماد الثانية على ما لا ينافي ما يشهد به الاولى كالاصل واليد ونحوهما ليس تكذيبا للمطلقة بخلاف الحكم بتقديم الاعدل أو الاكثر ونحوهما فكما ان الجمع في الروايات تصديق لكلا المتعارضين واعمال لدليل الحجية بالنسبة إليهما بخلاف الترجيح فكذلك في المقام غاية الامر الفرق بينهما من جهته الاخرى و
هي ان الجمع في الروايات إنما هو بحسب الارادة وجعل إحدى الروايات قرينة لبيان المراد عن (من خ) الاخرى وفي المقام بحسب المضمون لكنهما مشتركان في إعمال أدلة الحجية بالنسبة إلى كل من المتعارضين وبالجملة ما نحن فيه نظير الحكم بتقديم بينة الجرح على التعديل من حيث استناد الثانية على الاصل والاولى على الحس لا يقال مرجع الترجيح الذي سميته بالجمع في المقام إلى تخطئة إحدى البينتين ولو من جهة خطأ مستندها فكما ان مقتضى الادلة تصديق البينة مهما أمكن كذلك مقتضاها عدم تخطئتها مهما أمكن ولا ترجيح لرفع اليد عن مقتضى أحدهما والعمل بمقتضى الآخر.
لانا نقول التخطئة من جهة خطأ المستند الشرعي ليست تخطئة دل الدليل على عدم جوازها مهما أمكن وبعبارة أخرى الخطأ الذي قضية الاصل عدمه هو خطأ المخبر في إخباره من حسه وأما خطأ المستند الشرعي الذي استند إليه في اخباره فليس حقيقة تخطئة له لان خطأ المستند له بخطأ المخبر وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند ذوي الافهام المستقيمة هذا ملخص ما أفاده الاستاد العلامة.
وأما الكلام في المقام الثاني فتحقيق القول فيه يقتضي بسطا في المقام فنقول بعون الملك المتعال ان البينتين لا يخلو أمرهما من صور أربع لانهما ان تكونا مطلقتين أو مقيدتين أو بينة الخارج مقيدة والداخل مطلقة أو العكس لا إشكال بناء على ما ذكرنا كما عليه المشهور أيضا من عدم سماع بينة الداخل في مقابل بينة الخارج في صورة التعارض في غير الصورة الاخيرة.
وأما هي فالذي عليه الاكثر كالشيخ في كتابي الاخبار والمبسوط والقاضي والطبرسي والفاضلين والشهيدين حسبما حكى عنهم والمصنف بل حكى عن الاول نفي الخلاف عنه كون بينة الداخل مقدمة على بينة الخارج سواء كان التقييد بما لا يتكرر كالنتاج ونحوه أو بما يتكرر كالبيع ونحوه والمحكي عن ابن إدريسرحمهالله في - السراير ومقتضى اطلاق بمقتضى جماعة بتقديم بينة الخارج كما عن الصدوقين والمفيد والحلبي وابن زهرة هو الحكم بتقديم بينة الخارج.
واستدل الاكثرون بوجوه أحدها ما حكي عن الشيخرحمهالله من قوة بينة الداخل في الفرض وفيه ان الترجيح بالقوة والضعف إنما هو بعض اثبات مقاومة بينة الداخل لبينة الخارج وكونهما في مرتبة واحدة من - الاعتبار وقد عرفت عدم ثبوت هذا المعنى بل الثابت خلافه هذا مضافا إلى ان الترجيح بالقوة على ذلك التقدير يحتاج إلى دليل مفقود في المقام فتأمل ثانيها ما نسب إلى بعض الاصحاب من التمسك بما في خبر عبدالله بن سنان أن أمير المؤمنينعليهالسلام كان إذا اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما انه اشتراها وزعم الآخر انه انتجها فكان إذا أقاما البينة جميعا قضى بها للذي انتجت عنده بناء على ان مبنى ذلك قوة النتاج على الشراء ورده بعض المشايخ بأنه يقتضي الترجيح في الاسباب ولم يلتزموا به ثالثها ما تمسك به بعض مشايخنا المتأخرين من اطلاق ما دل على تقديم بينة الداخل على الخارج وفيه ما فيه رابعها ما ذكره في المسالك من ان حجة القول بتقديم بينة الداخل هو الجمع بين ما دل على تقديم بينة الداخل مع ذكر السبب وما دل باطلاقه على تقديم بينة الخارج بجعله على صورة اطلاقهما أو تخصيص بينة الخارج بالسبب وفيه ما عرفت من عدم مقاومة تلك الاخبار لما دل على عدم سماع بينة الداخل في مقابلة بينة الخارج خامسها ما ذكره الاستاد العلامة في مجلس البحث وملخص ما ذكره انه ان قلنا بعدم سماع بينة الداخل أصلا كما هو الظاهر من جماعة أو قلنا بسماعها لكن فيما لم يكن هناك بينة للمدعي كما في الشاهد واليمين حيث ان اعتبارهما فيما إذا لم يكن بينة عادلة
إجماعا فلا إشكال في الحكم بتقديم بينة الخارج وإن قلنا ان غاية ما استفدنا من الادلة انه في مورد التعارض لا اعتبار ببينة الداخل فيمكن القول بتقديم بينة الداخل والعمل عليها من جهة الحكم بعدم التعارض بينهما بملاحظة ما دل على وجوب تصديق كل من البينتين مهما أمكن وعدم طرحه قمقتضاه الجمع بينهما حيثما أمكن وهو في المقام ممكن بحمل كون بينة الخارج مستندة إلى أصل أو يد سابقة بحيث لا ينافي معه ما يشهد به بينة الداخل من حيث احتماله فيها من جهة اطلاقها.
لا يقال نظير هذا الاحتمال يجري في طرف بينة الداخل ايضا لاحتمال استنادها في الحكم بالملكية من جهة الشراء إلى أصالة الصحة.
لانا نقول هذا الاحتمال أبعد من الاول أو يجري في بينة الخارج أيضا فتختص باحتمال لا يجري في بينة الداخل وبعبارة أخرى بينة الخارج ساكتة عما تنطق به بينة الداخل نظير بينة الجرح والتعديل فيجب الحكم بتقديم بينة الداخل لانه حقيقة عمل بهما.
وبعبارة ثالثة بينة الخارج تنفي ما يثبته بينة الداخل فهي أولى بالتقديم لما دل على تقديم بينة - الاثبات على النفي فما دل على عدم سماع البينة من المنكر من حيث كونه جاحدا ولا يمكنه إقامة البينة كما في بعض الاخبار يدل على عدم سماع البينة من المدعي في الفرض لوجود مناطه فيه فالحكم بتقديم بينة - الخارج في الفرض أو الداخل مبني على أن المستفاد من الادلة هل هو عدم سماع بينة الداخل بأحد من المعنيين الاولين أو الثالث فالظاهر ان المستفاد مما دل على عدم سماعها هو المعنى الثاني لما دل على كون بينة المدعي علة تامة لاثبات حقه بحيث يجب الحكم به بعد قيامها من دون التفات إلى شئ وكذلك المستفاد من رواية منصور فإنها تدل على كون الحجة في صورة الخصومة هي بينة المدعي ان وجدت لانها المأمور بالمطالبة أولا هذا لو قلنا بأن المستفاد منها هو المعنى الثاني وأما لو قلنا بأن المستفاد منها هو المعنى الثالث فالحكم هو تقديم بينة الداخل جمعا بينهما هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
وفيه ان الحق لو قلنا بأن المستفاد منها هو المعنى الثالث أيضا هو الحكم بتقديم بينة الخارج أيضا وما ذكره للحكم بتقديم بينة الداخل (الخارج خ) على هذا التقدير لا يصلح دليلا له لانا نمنع من كون العمل على الوجه المذكور جمعا في العمل بهما حتى يوجب رفع التعارض الموجود أولا لان الجمع على الوجه المذكور يتوقف على تأويل في بينة الخارج واخراجها عن ظهورها في الاستناد إلى الحس فكما ان الاصل وجوب تصديق البينة مهما أمكن كذلك الاصل وجوب العمل بظاهر كل بينة مهما أمكن ولا أولوية لترجيح أحدهما على الآخر فالجمع بدون التكذيب ولو بحسب ظاهر الكلام غير ممكن في الفرض فلا معنى لرفع التعارض.
وأما قياس ما نحن فيه بمسألة تعارض البينتين في الجرح والتعديل أو الاثبات والنفي فقياس مع الفارق أما الاولى فلان المفروض فيها العلم باستناد بينة المعدل فيها إلى الاصل بخلاف المقام فإن الاستناد إليه مجرد احتمال خلاف لظاهر كلام البينة فالجمع في الاولى لا يستلزم ارتكاب خلاف أصل أصلا بخلاف المقام فإنه مستلزم له قطعا كما لا يخفى فأين الجمع في أحدهما من الجمع في الآخر.
وأما الثانية فلان كلا من البينتين هنا مثبت حسبما هو المفروض وأما النفي اللازم من الشهادة على الاثبات فهو لازم لكل منهما وسار في جميع موارد بينة المدعي فالمقصود من بينة النفي هي ما يكون أصل موردها النفي أولا وبالذات من غير أن يكون مستلزما لمطلب ثبوتي.
والقول بأن بينة الخارج تنفي بنفيها الملكية للداخل الشراء الذي سبب لها وتثبته بينة الداخل بالمطابقة بخلاف بينة الداخل فإنها تنفي ما تثبته بينة الخارج مثل نفيها ما تثبته بينة الداخل وبعبارة أخرى كل من البينتين له جهة نفي موجودة بعينها في الاخرى وهي عدم ملكية ما يشهد بملكيته لمن قام له لخصمه وبينة الخارج مشتملة على نفي خاص زايدا تثبته بينة الداخل وهو نفي السبب وبعبارة ثالثة هما وإن كانتا متساويتين بالنسبة إلى أصل المدعى من جهة الاشتمال على نفي واثبات ولكنهما غير متساويتين بالنسبة إلى السبب فإنه تثبته احديهما وتنفيه الاخرى.
فاسد جدا لان نفي السبب الخاص في بينة الخارج إنما جاء من نفي الملكية للداخل المستلزم لنفي جميع أسبابها كما في النفي الذي في جانب بينة الداخل وليس هناك نزاع متعلق بالسبب ونفي متعلق به حتى يتوجه عليه ما ذكر فتبين لك من جميع ما ذكرنا ان الحق هو الحكم بتقديم بينة الخارج مطلقا وفي جميع الصور الاربع هذا مجمل القول في المقام الثاني.
وأما الكلام في المقام الثالث هو الترجيح بالاوصاف كالاعدلية والاكثرية ونحوهما فيقع أيضا في مقامين أحدهما في اصل ثبوته وقيام الدليل عليه ثانيهما في جواز التعدي عن المرجحات المنصوصة إلى ما يفيد مفادها كالاضبطية والاعرفية والاخبرية حيث انها توجب اقربية المشتملة عليها من البينتين إلى الواقع كالاعدلية والاكثرية المنصوصتين وعدمه وسيجئ تفصيل القول في كل من المقامين إنشاء الله في المقام الثالث وهو ما لو كانت العين خارجة عن يدهما ثم ان هنا أمورا ينبغي البينة عليها وإن مضى القول في بعضها على سبيل الاجمال في طي كلماتنا السابقة.
الاول انه لا فرق فيما مضى من الكلام بين أن يكون المنكر ذا اليد وغيره ممن يدعى أمرا ثبوتيا فالمراد من بينة الداخل في كلماتهم هي بينة كل من تشبث بالدليل المعتبر إذا كان لدعواه جهة ثبوتية وشهد لما ذكرنا من التعميم وإن كان الظاهر بحسب بادى النظر التخصيص ملاحظة كلماتهم في أبواب العقود والايقاعات وغيرها فإنك لا تزال تراهم كثيرا ما يبنون حكمتعارض البينتين في صحة العقد وفساده على تقديم بينة الداخل والخارج هذا.
إلا أن المستفاد من العلامة في بعض كتبه تبعا للمحكي عن الشيخرحمهالله في المبسوط الاشكال في اجرائه في جميع صور الفرض فإنه ذكر في مسألة ما لو كانت العين بيد ثالث وأقام كل منهما بينة وصدق أحدهما انه على القول بتقديم بينة الداخل هل يحكم بتقديم بينة المصدق بالفتح أولا اشكال هذا ملخص ما حكي عنه ولكن قد صرح في جملة من كتبه بعدم الاشكال في تقديم بينته على القول بتقديم بينة الداخل كما صنع غيره في غيره هذا.
ولكن يمكن أن يكون مبنى الاشكال الاشكال في خروجه عن كونه مدعيا بإقرار الثالث له كما تقدم عن بعض لا الاشكال في تعميم الحكم لجميع صور موارد بينة المنكر فتأمل هذا ملخص ما ذكره.
الاستاد العلامة دام ظله.
وأنت خبير بأن الحكم بالتعميم وإن كان يستفاد من بعض لكن الحكم باستفادته من كلام الجميع لا يخلو عن تأمل أو منع كيف وان بناء الجل على عدم سماع بينة المنكر عن رأس لبنائهم على كون وظيفته اليمين ليس إلا لقضية التفصيل القاطع للشركة إلا انهم من جهة ورود الاخبار الخاصة في خصوص بينة ذي اليد اختلفوا في الحكم بتقديمها مطلقا أو في بعض الصور بل قد عرفت ان بناء المشهور مع ذهابهم إلى عدم حجية بينة المنكر
على تقديم بينة الداخل فيما إذا كانت مقيدة وبينة الخارج مطلقة وليس هذا إلا من جهة العمل بالاخبار ومن هنا وجه الحكم بالتقديم من المشهور في الصورة في المسالك بالجمع بين الاخبار وإن كان الظاهر من المتن خلافه حسبما عرفت سابقا والقول بأن اليد في الاخبار كناية عن مطلق الامارة المعتبرة فيه ما لا يخفى على من راجع إليها وسيرها سيرا إجماليا.
نعم لا إشكال في ان الحكم بتقديم بينة الخارج يجري في جميع الصور لان ما تقدم من الوجه لتقديمها من جهة عدم اعتبار بينة المنكر أصلا كما عن المشهور أو في خصوص التعارض كما عرفت منا من جهة الوجهين السابقين جار في جميع الصور أما ما ذكره المشهور فواضح.
وأما ما ذكرناه فأما الوجه الاول وهو كون بينة المدعي علة تامة فجريانه أيضا واضح وأما الوجه الثاني وهو الاخبار الخاصة مثل مرسلة أمير المؤمنينعليهالسلام المروية في كشف اللثام للفاضل الاصفهاني ورواية منصور و نحوهما أما الاولى فلاطلاقها وأما الثانية فلعموم التعليل المذكور فيها فإن موردها وإن كان مختصا بصورة وجود اليد إلا ان التعليل فيها لتقديم بينة المدعي عام.
وأما ما يتوهم من اختصاص التعليل بصورة وجود اليد من جهة قوله وإلا فيمين الذي في يده ففاسد جدا توضيح الفساد ان المستفاد من الرواية أمور ستة تعليلان لمطلبين وتفريعان أما المطلبان فهما سماع ينة الخارج دون الداخل المستفادان من قوله حقها للمدعي ولا أقبل من الذي في يده بينة وأما التعليلان فهما أمر الله تبارك وتعالى بمطالبة البينة من المدعي وعدم أمره بمطالبتها من المنكر الكاشفان عن ون كل من أمر ابتداء بمطالبة البينة منه فبينته مقدمة المستفاد ان من قوله لان الله عزوجل أمر أن تطلب البينة من المدعي المقصود منه المفهوم قطعا فيدل عقده الايجابي على الاول والسلبي على الثاني وأما التفريعان فهما قوله فإن كانت له بينة وقوله وإلا فيمين الذي في يده إذا عرفت ذلك علمت ان قوله وإلا فيمين الذي في يده تفريع على العلة لا جزء لها فلا يدل على حصر العلة بصورة وجود اليد.
الثاني انه لا فرق فيما ذكر من الحكم لصورة تقييد إحدى البينتين وإطلاقها بين أن يكون بذكر السبب وعدمه وبين اطلاق السبب وتقييده بعد ذكره وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا كما لا يخفى.
الثالث لا إشكال في جريان ما ذكر في بينة الداخل والخارج من الخلاف الذي في تقديم احديهما فيما إذا أقام الداخل بينة قبل حكم الحاكم بمقتضى بينة الخارج سواء كان قبل إقامة الخارج البينة أو بعد اقامته لها وقبل ثبوت عدالتها أو بعده.
كما أنه لا إشكال ولا خلاف في سماع بينة الداخل بعد الحكم لو أقامها على حصول نقل العين إليه بعده حسبما ادعاه الاستاد العلامة في مجلس البحث تبعا لجماعة ممن تقدم عليه لانقلاب الدعوى وصيرورة المنكر مدعيا بدعواه النقل بعد الحكم كدعوى الابراء بعد الحكم باشتغال الذمة من جهة الشهادة الاستصحابية.
وأما لو أقامها بعد الحكم لا على الوجه المذكور فهناك صور ثلاث احديها ان يطلق الدعوى بحيث احتمل كونها دعوى الملكية السابقة على الحكم واللاحقة ثانيتها أن يقيدها بالملكية السابقة لكن مع ازالة يده الحسية ثالثتها الصورة مع عدم ازالة يده الحسية عن العين وإن زالت السلطنة المعنوية.
أما الصورة الاولى فالذي صرح به الشهيدرحمهالله في القواعد الاشكال في سماعها وربما يظهر من عبارة الفاضل في عد حيث قال الثاني من المرجحات اليد فيقدم الداخل على قول والاقوى العكس لما مر إلا أن يقيمها
بعد بينة الخارج على إشكال فلو ادعى عينا في يد غيره فأقام البينة فأخذها منه ثم أقام الذي كانت في يده انها له نقض الحكم وأعيدت له على إشكال انتهى كلامه.
ولكن المستفاد من كلام الفاضل الاصفهاني في كشف اللثام كون المراد منها هو الصورة الثانية حيث قال في شرح العبارة قبل التفريع في وجه الاشكال من انقلاب الداخل خارجا والعكس وهو اختيار الشيخ ولكن بناء على تقديم بينة الداخل لانكشاف بينته لذي اليد ومن اتحاد الدعوى فلا يختلف الحال بتأخير اقامة البينة وتقديمها واليد الطارية لاقامة البينة لا دلالة لها على شئ وهو الاقوى انتهى كلامه وهو صريح في حمله العبارة على الصورة الثانية سيما من ملاحظة نسبة الخلاف إلى الشيخ المخالف في المسألة الثانية وفيه بعد الغض عن استلزام حمل العبارة على ما ذكره التكرار(١) لان الصورة الثانية مذكورة في كلام الماتن بعدها صريحا ان توجيه الحكم بما ذكره من ابتناء الخلاف في المسألة على الخلاف في تقديم بينة الداخل والخارج بدعوى تحقق الخروج وعدمه مما لا معنى له حسبما ستقف عليه بل الحق ان الخلاف في الصورة الثانية مبني على القول بتقديم بينة الداخل لما ستسمعه إنشاء الله وأما الخلاف في الصورة فمبني على ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله وجمع ممن تقدم عليه.
والذي استفاده شيخنا الشهيد الثانيرحمهالله من عبارة المصنف فيما سيجئ هو عدم سماعها لكن قد صرح بعض مشايخنا بأن مراده من العبارة هو الصورة الثانية وهو ليس ببعيد لتعرض المصنف نسبة الخلاف إلى الشيخرحمهالله في العبارة.
والذي جزم به الاستاد العلامة دام ظله موافقا لجمع ممن تقدم عليه منهم الشهيد في المسالك بل ادعى عدم وجود مفت بالخلاف وإن كان المتشكل موجودا سماعها لعموم ما دل على وجوب سماع الدعوى مهما أمكن وهو ممكن في المقام لاحتمال كون مراد المدعي الملكية اللاحقة لا السابقة.
وأما مستند المستشكل فاحتمال ارادة الملكية السابقة المانعة من السماع واللاحقة الغير المانعة و المفروض أنه لا معين في البين فيتوقف وأما عموم ما دل على سماع البينة فلا يصلح معينا لانه موقوف على احراز قابلية المحل وأما مستند القائل بالمنع على فرض وجوده فيعلم مما ذكرنا هذا وخير الاقوال بالسماع لما قد عرف ومجرد احتمال كون المراد الملكية السابقة لا يصلح سببا لرفع اليد عن مقتضى العمومات وأما القول بأن اجراء العموم يتوقف على احراز قابلية المحل وهي هنا مشكوكة لاحتمال كون المراد هي الملكية السابقة ففيه انا نحرز القابلية بنفس العموم لانه بعد فرض وجود محله يكشف عن قابليته لتعلق الحكم به وكونه مرادا من العام وإلا لزم التخصيص فيه مع عدم ما يقتضيه وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا قد نبهنا عليه في ير مورد هذا مجمل الكلام في الصورة الاولى.
وأما الصورة الثانية وهي ما لو ادعى بعد القضاء الملكية السابقة عليه مع إزالة اليد الحسية فالمحكي عن الشيخرحمهالله في المبسوط الحكم بالنقض بناء على تقديم بينة الداخل حسبما بنى عليه الامر والمصرح به في كلام العلامةرحمهالله في القواعد والشهيد في القواعد وبعض آخر من الاصحاب الاشكال في النقض بناء على تقديم بينة الداخل والذي ذهب إليه جماعة من الاصحاب منهم المصنف في الكتاب عدم السماع وعدم جواز نقض الحكم ومستند لقول بالسماع ونقض الحكم وجهان.
____________________
(١) ايراد التكرار مندفع عنه بلزومه على كل تقدير لان صورة الاطلاق مذكورة أيضا فيما بعد عن قريب لكن المستفاد منه على كل تقدير الاشكال (منهقدسسره ) ]
أحدهما ما ذكره في كشف اللثام ويستفاد من كلام الشهيدرحمهالله في المسالك أيضا من صيرورته خارجا بالقضاء فيصير بينته بينة الخارج فتقدم على ما هو المشهور من تقديمها على بينة الداخل فالحكم بالسماع مبني على القول بتقديم بينة الخارج من حيث صيرورة الداخل خارجا بعد القضاء والخارج داخلا وهذا معنى ما ذكره في كشف اللثام من انقلاب الداخل خارجا وبالعكس هذا محصل ما ذكروه وفيه انه فاسد من حيث الابتناء والمبني جميعا.
أما الاول فلان من تصفح كلمات الاصحاب من زمان الشيخرحمهالله إلى زمان ثاني الشهيدين يعلم علما لا يعتريه شك أبدا ان الفرع المذكور من فروع القول بتقديم بينة الداخل كما صرح به الشهيدرحمهالله في عد حسبما ستعلم من ملاحظة كلامه الذي سيمر بك وبعض شراح الارشاد حسبما حكي عنه حيث انه ذكر في الفرع لمذكور انه لا يخلو إما أن نقول بكونه داخلا أو لا وعلى التقديرين إما نقول بتقديم بينة الداخل أو لا فإن قلنا بالاولين من شقي الترديدين فنحكم بنقض الحكم وإلا فلا.
وبالجملة من لاحظ كلماتهم لا يرتاب في كون السماع وعدمه في الفرض مبنيين على تقديم بينة الداخل كما ينادي بذلك ذكرهم اياه في طي فروع اليد بعدما جعلوها من المرجحات لا أن يكون الاول مبنيا على تقديم بينة الخارج والثاني مبنيا على تقديم بينة الداخل كما توهم.
وأما الثاني فلان الدخول والخروج اللذين يمكن أن يجعلا مناطين للحكم بتقديم بينة المتصف بهما هما الدخول والخروج المتحققان مع قطع النظر عن القضاء ونفوذه وأما المسببان منه فلا يمكن أن يجعلا مناطا للحكم المذكور وإلا لزم من نفوذ الحكم عدم نفوذه ومن وجوده عدمهوما يستلزم وجوده عدمه محال.
وبعبارة أخرى الخارج الذي يمكن القول بتقديم بينته هو الخارج مع قطع النظر عن القضاء وأما الخارج الذي صار خارجا بالقضاء فلا لانه لا يصير خارجا إلا بنفوذ الحكم ومعنى نفوذ الحكم رفع الخصومة التي وقع القضاء لرفعها ومعنى سماع بينته على الدعوى المذكورة عدم نفوذ الحكم المذكور ولغويته وهذا معنى ما ذكرنا من استلزام نفوذ القضاء عدم نفوذه.
وبعبارة ثالثة قد انعقد الاجماع على عدم جواز نقض الحكم بعد وقوعه وصحته إلا إذا كان مراعى و معلقا فإنه يجوز نقضه حينئذ بعد وجود ما علق القضاء على عدمه إلا أنه ليس هذا في الحقيقة نقضا كما لا يخفى لما كان التنجيز في الحكم والتعليق فيه بملاحظة مستنده وإلا فالقضاء منجز دائما فمعنى تعليقه في المقام كون اعتبار بينة الخارج التي وقع الحكم بمقتضاها معلقا والمفروض على القول بتقديم بينة الخارج عدم إمكان تعليق اعتبارها بعدم وجود بينة الداخل بعد الحكم لان وجودها قبل الحكم لم يكن له أثر في الفرض ففي بعده بالاولوية والذي لا بد أن يكون هو مراد الخصم تعليق اعتبارها على عدم وجود بينة الداخل في زمان كونها خارجا والخارج داخلا ولما كان تحقق هذا العنوان فرعا لتصديق بينة الخارج والقضاء بمقتضاها لان معنى القضاء بالبينة ليس إلا تصديقها فلا يعقل أن يجعل سببا لتكذيبها وإلا لزم ما عرفت من المحذور وأيضا يلزم من المعنى المذكور الحكم بمقتضى بينة الخارج لو أقام بعد القضاء للداخل في الفرض بينة على ما يدعيه وهكذا فيلزم نظير التسلسل فتأمل وأيضا هذا معنى جواز تجديد المرافعة والخصومة المستلزم لبقاء الخصومة المنافي لما دل على عدم جواز نقض القضاء من جهة منافاته لحكمة تشريعه فلا ينبغي الاشكال حينئذ في فساد التوجيه المذكور ولا التفوه به من أحد.
ثانيهما ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله بناء على القول بتقديم بينة الداخل تبعا للشهيدقدسسره في -
القواعد من انا وأن نسلم عدم جواز نقض الحكم بعد تحققه على الوجه المعتبر لما قد عرفت من قيام الاجماع عليه إلا انا نقول ان العمل ببينة الداخل في الفرض المزبور ليس نقضا بناء على القول بتقديم بينة الداخل سواء كان من باب الترجيح أو التساقط أو التعبد من جهة الاخبار لان القضاء ببينة الخارج على هذا التقدير ورفع اليد عن مقتضى اليد كان مبنيا على عدم وجود بينة الداخل فإذا فرض وجودها فقد ارتفع موضوع القضاء فعدم العمل ببينة الخارج بعد قيام بينة الداخل ليس نقضا للقضاء لان القضاء في الموضوع الذي وقع عليه لا ينقض أبدا.
وبعبارة أخرى لا يجوز رفع اليد عن مقتضى اليد إلا باليقين أو بالظن الذي أقيم مقامه والظن لا يصير قائما مقامه فعلا ومعتبرا كذلك إلا بعد دفع معارضه ولو بالاصل فاعتبار بينة المدعي في الفرض بحيث يجوز معها رفع اليد عن مقتضى اليد إنما هو بضميمة أصالة عدم المعارض فيكون الحكم بها ظاهريا فإذا كشف وجوده في الواقع تبين ان رفع اليد عن مقتضى اليد كان بما لا يجوز رفع اليد معه عنه واقعا وإن لم يعلم حين الاخذ به وهذا نظير الحكم بمقتضى البينة العادلة من جهة استصحاب عدالتها أو شهادة البينة من جهة استصحاب دالتها فإنه إذا تبين فسقها بعد الحكم وجب رفع اليد عنه على ما عليه جماعة منهم المصنف في ما سيجئ في باب الشهادات من جهة كونه مبنيا على وجود ما انكشف عدم وجوده.
وبعبارة ثالثة أوضح الحكم وإن كان منجزا دائما إلا انه يراعى حكم المعلق إذا كان مستنده معلقا بالنظر إلى ذاته كما إذا كان استصحابا أو العمل عليه معلقا كما في الامارات حيث ان العمل بها موقوف على عدم المعارض لها فإذا وجد الدليل على الخلاف في الصورة الاولى والمعارض في الصورة الثانية فقد انقلب موضوع الحكم وهذا لا دخل له بالنقض والحاصل ان كل ما كان وجوده مانعا عن الحكم إذا وجد قبل القضاء فوجوده بعده مانع عن بقاء أثر الحكم هذا محصل ما ذكره دام ظله.
قال الشهيدقدسسره في القواعد بعد ذكر مواضع للتكلم في حكم البينة ما هذا لفظه السادس اقامتها بعد الحكم والتسليم إلى الخارج فيحتمل السماع لان اليد إنما أزيلت لعدم الحجة وهي قائمة الآن ويحتمل عدمه لان القضاء لا ينقض إلا بقطعي ولان الاول صار خارجا (داخلا ظ) انتهى كلامه وهذا كما ترى صريح فيما ذكره الاستاد العلامة من حيث الابتناء ومبنى السماع هذا.
لكن؟ الحق الحقيق بالمصير إليه هو القول بعدم السماع على تقدير القول بتقديم بينة الداخل لاستلزامه نقض القضاء الذي فرض الفراغ عن اثبات عدم جوازه وأما ما ذكره دام ظله تبعا لما عرفت عن الشهيدرحمهالله بصيرورة القضاء معلقا فلا يكون على تقديره نقضا فمما لا يصلح له.
أما أولا فالبنقض بصورة خروج العين عن يدهما فإنه إذا أقام أحدهما بينة على طبق دعواه فالحكم بها انما هو مبني على عدم وجود المعارض وهي بينة صاحبه فإذا وجد المعارض بعد الحكم فيرفع اليد عن الحكم لكشفه عن وجود ما كان الحكم مبنيا على عدمه حسبما ذكرت في الداخلي والخارج فإن التعليق في الخارج في الفرض إنما جاء من ضميمة الاصل وهي بعينها موجودة في المقام أيضا مع أن أحدا لا يلتزم بهذه المقالة وبالجملة فتح هذا الباب موجب لهدم كثير من القواعد.
لا يقال فرق بين المقامين فإن في صورة وجود البينة لصاحب المدعى في الخارجين قبل الحكم قد يحكم بمقتضى بينة من حكم بمقتضاها في صورة فقدانها كما إذا كانت أرجح فلا نعلم ان مجرد وجود البينة بعد القضاء يرفع العمل بالبينة المحكوم بها وهذا بخلاف المقام.
لانا نقول الكلام فيما إذا أقام المدعي الآخر البينة الارجح فنقول حينئذ ان العمل بالبينة للمدعي الذي أقامها موقوف على عدم وجود البينة الارجح للآخر وقد فرض وجودها مع ان أحدا لا يلتزم بالنقض في هذه الصورة هذا مع ان في صورة عدم الترجيح من الطرفين أيضا يكون الحكم غير العمل بمقتضى البينة الاولى كما لا يخفى هذا.
ثم انه أجاب الاستاد العلامة عن النقض المذكور بأن مقتضى ما ذكرنا وإن كان الالتزام به إلا ان البناء عليه لما يوجب خلاف الحكمة التي شرع لا جعلها القضاء وهي عدم استمرار الخصومة لانه قد تصير البينة المرجوحة راجحة كما إذا كانت أقل عددا ثم صارت أكثر عددا وهكذا فيلزم نقض الحكم بتغيير حال البينتين من حيث العدد والعدالة ونحوهما دائما ومن المعلوم ضرورة ان هذا مناف لحكمة تشريع القضاء بين الناس فنقول ان العبرة في هذه الصورة على وجود الترجيح في زمان القضاء ولا يكفي وجوده بعده وأما إذا كانت بيد أحدهما فيحكم بالتعليق في القضاء سواء على القول بتقديم بينة الداخل حسبما عرفت أو الخارج بعد البناء على سماع بينة الداخل في غير صورة التعارض كما عرفت تفصيل القول فيه بمعنى انه لو اقام الداخل بينة وحكم بمقتضاها ثم أقام الخارج بينة على طبق دعواه فيحكم له بناء على القول بتقديم بينته وهذا ملخص ما ذكره في الجواب عن النقص وهو لا يخلو عن شوب الاشكال وهو العالم بحقايق الاحوال.
وأما ثانيا فبالحل وتوضيحه انا نمنع من كون الحكم بمقتضى البينة للخارج في الفرض مستندا إلى أصالة عدم المعارض فيكون رفع اليد عن اليد ظاهريا بمقتضى البينة المنضمة إليها أصالة عدم المعارض كما في الحكم بالبينة العادلة من جهة استصحاب العدالة وعدم الفسق بل مستند بالبينة مع القطع بعدم المعارض فإن الذي يكون معارضا لبينة الخارج هو قيام بينة الداخل وشهادتها واخبارها لان الامر بتصديق اخبارها ينافي الامر بتصديق بينة الخارج والا فنفس وجودها لا يكون معارضا لبينة الخارج ولهذا يحكم بمقتضى بينة الخارج مع القطع بوجودها في زمان الحكم مع إطلاع الداخل بها وعدم اقامتها ومعلوم ان اخبار بينة الداخل وشهادتها في زمان الحكم ببينة الخارج لم يكن موجودا قطعا وإنما صار موجودا بعد القضاء فيصدق بعد وجودها ان الحكم قد وقع بمقتضى البينة التي لم يكن لها معارض زمان الحكم واقعا وهذا بخلاف تبين الفسق أو قيام البينة على فسق الشهود بعد القضاء فإنهما يكشفان عن وقوع الحكم بمقتضى البينة الفاسقة حين الحكم بها وشتان بينهما.
فإن قلت قيام البينة بعد الحكم وإن لم يكشف عن وجود المعارض حين الحكم كما في تبين الفسق حيث انه يكشف عن وجود الفسق حين الحكم إلا ان مقتضى ما دل على تصديق بينة الداخل وإن وجدت بعد الحكم تعليقه بعدم وجودها بعده فنقول بناء على القول بتقديم بينة الداخل ان نفوذ الحكم بمقتضى بينة - الخارج موقوف على عدم وجود بينة الداخل أصلا ولو لم يكشف عن وجودها حين الحكم بل قطع بوجودها بعده قلت بعد تسليم وقوع القضاء منجزا لا يمكن جعله معلقا بما دل على سماع بينة الداخل لان ما دل على عدم جواز نقض الحكم من الاجماع وغيره حاكم على أدلة جميع الامارات والتكاليف فلا يمكن اثبات التعليق فيه بها بعد ما لم يكن مستنده معلقا فهل ما ذكرته إلا معنى القول بجواز نقض القضاء وهذا الذي ذكرنا لا سترة فيه عند ذوي الافهام المستقيمة فتبين لك من جميع ما ذكرنا ان الحق هو القول بعدم سماع بينة الداخل في الفرض لما عرفت هذا مجمل القول في الصورة الثانية.
وأما الكلام في الصورة الثالثة فالذي جزم به جماعة منهم الشيخرحمهالله والعلامة في التحرير والقواعد
بمفهوم ضعيف وصريح الفاضل في شرحه والشهيد في عد بل قيل انه المشهور سماع بينته فيها ورفع اليد عن الحكم لما قد عرفت من الوجهين في الصورة الثانية وما ذكره جماعة من بقاء اليد حسا فيشمله ما دل على تقديم بينة ذي اليد من الاخبار.
وهذه بخلاف الصورة السابقة فإنه قد ارتفعت اليد فيها ولاجل ما ذكر جزموا بسماع البينة في الفرض واستشكلوا في السابقة قال الشهيدرحمهالله في القواعد ما هذا لفظه الخامس اقامتها بعد القضاء للخارج وقبل التسليم فالظاهر انه من باب بينة ذي اليد لانها باقية حسا انتهى هذا.
ولكن الحق ان التفرقة بين الصورتين فاسدة فلا بد إما من القول بالسماع في الصورتين كما حكي عن الشيخرحمهالله واختاره في المسالك لما قد عرفت عدم تفصيله واما من القول بعدمه فيهما فالاشكال في الاولى والجزم في الثانية مستندا إلى ما عرفت مما لا معنى له.
لان المراد من بقاء اليد في الصورة الثانية وعدمه في الصورة الاولى ان كان مع قطع النظر عن نفوذ القضاء فهو مما لا معنى له لوجود اليد في المقامين لان أخذ المدعي العين في الفرض على هذا الفرض نظير أخذه بدون القضاء وإن كان بملاحظته فإن قلنا بأن نفوده معلق حسبما عرفته من شيخنا الاستاد العلامة و غيره فبوجود البينة يرتفع في الصورتين وإن قلنا بأنه منجز حسبما عرفت فلا وجه للفرق أيضا بل يحكم بعدم السماع في الصورتين.
وبعبارة أخرى المراد من اليد في الاخبار وكلمات أصحابنا الاخيار هي المعتبرة شرعا لا الحسية فبقائها وعدمه مما لا يترتب عليه أثر.
فإن قلت كيف تحكم بعدم الفرق بين الصورتين والحال انه موجود قطعا فإن مقتضى اصالة صحة اليد في الصورة الثانية كون الحكم بملكية ما عليه اليد لذيها (صحيحا خ) وهذا بخلاف الصورة الثالثة فإن مقتضى الاصل المذكور فيها سماع بينة الداخل لاحتمال وقوع القضاء فاسدا.
قلت الشك في صحة يد المدعي في الصورة الثانية وعدمها مسبب عن الشك في ان خروج العين من يد المدعى عليه هل كان على وجه صحيح أم لا فبعد البناء على كون القضاء معلقا فيكشف قيام بينة المدعى عليه عن عدم صحتها وكذلك الشك في صحة اليد في الصورة الثالثة مسبب عن الشك في التعليق والتنجيز فبعد البناء على كل من القولين يرتفع الشك المذكور وهذا الذي ذكرنا كله لا إشكال فيه إنشاء الله.
ثم ان الذي عرفته من الكلام في الصور إنما هو في صورة اعادة المرافعة عند الحاكم الذي وقعت المرافعة عنده وأما إذا أريد تجديدها عند غيره فإن علم بالحال وبأنها المرافعة المجددة فحكمه كما سمعت وإلا فتسمع على كل تقدير والله العالم وهو الحاكم.
الرابع إذا أقام ذو اليد البينة للتسجيل فهل تسمع منه أم لا وجهان الذي عليه جماعة منهم العلامة في القواعد ومحكي التحرير والفخر في محكي الايضاح والشهدرحمهالله في القواعد بل قيل انه المشهور هو الاول ولا بد ان يكون المراد من النسبة إلى الشهرة هي الشهرة بين من تأخر عن العلامة لانه قد اعترف في محكي التحرير بعدم نص من الاصحاب على السماع ويمكن القول بالثاني حسبما حكي عن بعض لما ستسمعه إنشاء الله ثم ان العبارة تحتمل معنيين أحدهما ان التسجيل هل يمكن أن يصير سببا لسماع البينة فيما لم تكن هناك خصومة فعلية أم لا ثانيهما انه هل يصير التسجيل غاية لسماع البينة والحكم بمقتضاها حتى
يترتب عليه جميع أحكام القضاء على القول بتقديم بينة الداخل فيصير القضاء ببينة الداخل قبل حضور الخصم كالقضاء ببينته بعده فبالنسبة إلى كل شئ كانت معلقة عليه في حال الحضور فتكون معلقة عليه في حال عدمه أيضا كما بالنسبة إلى البينة على الجرح وبالنسبة إلى كل شئ تكون منجزة في تلك الحال تكون منجزة بالنسبة إليه في حال عدمها.
وبالجملة يصير حال وجود الخصم وعدمه سيين في الحكم فما نحن فيه على العكس من مسألة القضاء على الغائب في الجملة فإن في تلك المسألة المدعى عليه غائب وفي المقام المدعى غائب وإن تفارقتا في ان المدعى عليه ثمة معلوم معين وفي المقام المدعى غير معلوم بل غير موجود إلا بالفرض وكيف كان الظاهر ان المراد من العبارة هو المعنى الثاني حسبما صرح به في محكي التحرير.
ثم ان هناك مسألة أخرى أعم مما ذكروه وهي انه هل تسمع البينة للتسجيل أم لا كما في كلام جماعة فإنه قد ذكر الاستاد العلامة دام افادته ان بينة التسجيل قد تتصور لغير ذي اليد أيضا كما إذا كانت العين في يد ثالث وأقام أحد المدعيين بينة للتجسيل لكن فرضه لا يخلو عن إشكال وما ذكره شيخنا الاستاد لا يخلو ن تأمل ومناقشة كما لا يخفى وكيف كان يعلم حكم المسألة مما سنذكره في بينة الداخل.
فنقول انه لا إشكال ولا خلاف في نفوذ الحكم بالبينة فيما كانت ثمة خصومة فعلية كما انه لا إشكال في عدم الدليل على نفوذه عموما وإن ادعاه بعض فيما لم يكن هناك خصومة أصلا لا فعلية ولا شأنية وإن اتفق جودها في بعض الاحيان إلا أن المورد لم يكن من مظان وجودها كما في حكم الحاكم بالموضوعات الخارجية المترتبة عليها الاحكام الشرعية في غير الاملاك كحكمه بثبوت الهلال أو نجاسة شئ أو طهارته إلى غير ذلك.
إنما الاشكال في نفوذه فيما لم يكن ثمة خصومة فعلية لكن كانت خصومة شأنية كما في دعوى الاملاك فذهب جمع إلى نفوذه وبعض آخر إلى عدمه ومبنى الاشكال ان المستفاد من عمومات القضاء بالبينة وحرمة نقضه ورده لانه موجب للرد على الله بالواسطة هل الاعم من صورة وجود الخصومة الفعلية فيشمل الشأنية أو خصوص الاولى والظاهر بمقتضى النظر الدقيق هو الثاني وإن كان ربما يظهر في بادى الرأي الاول هذا.
ولكن ربما يظهر من استدلال الفخر في محكي الايضاح على السماع بأن التسجيل من الفوايد والاغراض ان الخصم يسلم العموم إلا انه يدعى العراء عن الفائدة من جهة أن الحكم بالملكية يكفي فيه اليد هذا كله على تقدير القول بتقديم بينة الداخل وأما على القول بتقديم بينة الخارج فينحصر الثمرة في اغنائها عن اليمين في صورة وجود الخصم وعدم اقامته البينة إن قيل باغنائها عن اليمين كما سيجئ تفصيل القول فيه إنشا الله.
الخامس انه ذكر الاستاد العلامة انه على القول بتقديم بينة الداخل لا بد من أن يسئل أولا من وجود البينة عن الداخل عكس ما هو المشهور على ما هو المشهور من تقديم بينة الخارج لان مناط وجوب السؤال عن البينة عن المدعي على القول المشهور وهو كون مرتبة وجود اليمين متأخرة عن البينة يجري بعينه على هذا القول أيضا لان بينة المدعي في جنب بينة المنكر على هذا القول كيمين المنكر وبينة المدعي لا يقال ان ما ذكرته مناف لما يستفاد من الاخبار المبينة فيها سيرة النبيصلىاللهعليهوآله والوصيعليهالسلام من استقرارها على سؤال البينة من المدعي.
لانا نقول هذه اخبار تدل على عدم سماع بينة الداخل عند التعارض والكلام على تقدير القول بتقديمها
وكونها علة تامة كبينة الخارج على القول المشهور فكل ما يكون علة تامة بوجوده لا بد اولا من السؤال عنه لان معه يتم الامر هذا ملخص ما ذكره وهو كما ترى لم يصرح به أحد بل لا يظهر من كلماتهم بل الظاهر منها خلافه.
فالحق على القول بوجوب السؤال هو السؤال عن بينة المدعي ولو قلنا بتقديم بينة المنكر عند التعارض لان التقديم عند التعارض لا يدل على التقديم من حيث السؤال لان الحجة على كل من يدعي خلاف الاصل كما عليه بناء العقلا والسر فيه ما عرفت غير مرة ان الاصل في الطرف الموافق للاصل يكفي عندهم لدفع المدعي وإن لم يكتف به في مقام الحكم شرعا فالعلة في سؤال البينة عن المدعي ليست هي كون بينته علة تامة بل من جهة كون الحجة أولا على المطالب ومن بدء بالدعوى والحاصل ان تقديم بينة الداخل عند وجودها لا يدل على وجوب السؤال عنها أولا فافهم واغتنم.
ثم انه على القول بتقديم بينة الداخل سواء قلنا بوجوب السؤال عنها أو لا لو أقام الخارج بينة قبل السؤال عنه أو بعدها نسيانا فهل يجب الفحص والسؤال بعدها عن بينة الداخل أولا يجب ذلك سيما بعد فرض علم الداخل بأن له اقامة البينة وجهان أوجههما عند الاستاد العلامة الاول لما قد بنى عليه الامر سابقا من أن رفع اليد عن اليد إنما هو ببينة المدعي بضميمة اثبات عدم المعارض ولو بالاصل ولا يجوز لتمسك بالاصل في المقام بعد الشك في وجود البينة للمنكر قبل الفحص عنه.
ولكن الحق الثاني أما أولا فلما عرفت سابقا من أن المعارض لبينة المدعي هو اخبار بينة المنكر و شهادتها لا مجرد وجودها الواقعي ففي صورة نقطع بعدم المعارض وأما ثانيا فلانه بعد تسليم ان اثبات عدم المعارض في الفرض إنما هو بالاصل لا دليل على وجوب الفحص في اجراء الاصل في المقام لانه من قبيل الموضوع بل نفسه فتأمل.
ثم انه يظهر مما ذكرنا حكم جواز الحكم بمقتضى البينة العادلة من دون الفحص عن الجارح فإنه مبني على ما ذكرنا ثانيا وما ذكره الاستاد العلامة.
السادس انه لو أقام الداخل بينة فهل تغني عن يمينه أم لا الظاهر من جماعة منهم العلامة في القواعد نعم بناء على القول بالقضا ببينة الداخل وظاهر بعض لا وتحقيق الحق في المقام بحيث يكشف القناع عن وجه المرام يقتضي بسطا في الكلام.
فنقول بعون الملك العلام ودلالة أهل الذكر عليهم الصلاة والسلام انه لا يخلو إما أن نقول في صورة التعارض بتقديم بينة الخارج أو تقديم بينة الداخل فإن قلنا بالاول فإن جعلنا الوجه فيه ما عليه المشهور من عدم حجية بينة المنكر مطلقا فلا إشكال في عدم اغنائها في المقام عن اليمين وإن جعلنا الوجه فيه ما بنينا عليه من عدم حجيتها عند التعارض لا مطلقا فلا إشكال في اغنائها عن اليمين لان معنى ما ذكرنا كونها بدلا عن اليمين فتقوم مقامها وإن قلنا بالثاني فإن جعلنا وجه تقديمها عند التعارض تساقط البينتين والرجوع إلى اليد فلا إشكال في اغنائها عن اليمين في صورة عدم التعارض لان دافع الحجة لا يكون إلا حجة في نفسه ولازم الحجية النفسية كونها علة تامة عند عدم التعارض.
وبعبارة اخرى التساقط فرع التعارض وهو فرع حجية كل من المتعارضين في نفسه ولازمها كون كل منهما علة تامة في صورة عدم التعارض وهذا بخلاف الموهن والجابر فإن الاول عدمه معتبر في الحجة
الشأنية كسما ان الثاني وجوده معتبر في الحجة الشأنية فهو متمم لاصل الدليل بحسب الشأن.
وأما المعارض فعدمه وإن كان معتبرا في الحجية الفعلية إلا انه ليس معتبرا في الحجية الشأنية ولهذا لا يشترط في الاولين اعتبارهما في أنفسهما بخلاف الثالث فإن المانع عن المقتضي للحجية لا يكون إلا جة فإن المنع والمزاحمة فرع لمقاومة المانع المتفرعة على حجيته كما لا يخفى وإن جعلنا وجه تقديمها الترجيح باليد فلا إشكال في اغنائها عن اليمين في الفرض لان عدم افتقارها إلى اليمين مع التعارض يقتضي عدم افتقارها إليها في صورة عدمه بالاولية القطعية الواضحة وإن جعلنا الوجه فيه التعبد من جهة الاخبار الواردة على تقديمها فإن جعلنا المستند فيه ما دل من الاخبار على التقديم من دون يمين فلا إشكال في الاغناء عن اليمين في الفرض بالاولوية القطعية وإن جعلنا المستند فيه ما دل من الاخبار على التقديم مع انضمام اليمين حيث ان الاخبار الواردة في الباب حسبما عرفتها مختلفة فلما لم يكن الوجه في الافتقار إلى انضمام اليمين معلوما إذ يحتمل أن يكون التساقط ولازمه اغنائها عن اليمين في الصورة ويحتمل أن يكون مجرد التعبد وان بينة المنكر في كل مورد سمعت فيه فلا بد من انضمام اليمين اليها فلا بد من التوقف بحسب الاجتهاد والحكم بعدم الكفاية والاغناء بحسب الاصل العملي هذا ولكن الحق على هذا التقدير أيضا اغنائها عن اليمين لما قد عرفت في طي كلماتنا السابقة من ان الاحتمال الثاني مما لا معنى له لان انضمام اليمين إلى البينة في صورة عدم المعارضة مستلزم لللغوية كما لا يخفى.
السابع انك قد عرفت في طي كلماتنا الماضية انه لا إشكال في سماع البينة من الداخل لو أقامها بعد القضاء على حصول النقل من المدعي إليه بعده لانقلاب الدعوى وصيرورة المدعي منكرا والمنكر مدعيا فلا مانع من سماعها لانها دعوى جديدة على ما هو الشأن في جميع ما كان من أمثال الفرض كدعوى الابراء بعد حكم الحاكم بالاشتغال من جهة الاستصحاب أو الشهادة المستندة إليه وهذا لا إشكال فيه أصلا إنما الاشكال في انه لو ادعى الداخل الانتقال بعد القضاء ولم يكن له بينة على دعواه في مجلس الدعوى فهل تقف الدعوى إلى أن يحضرها مطلقا أو لا تقف كذلك أو يفصل في الامهال بين حضور البينة في البلد وغيبتها فينتزع العين من يده في الصورة الثانية ويحكم عليه معلقا ومراعى إلى أن تقوم البينة فتنزع من يد المدعي بخلاف الصورة الاولى وجوه.
ثم انه ذكر الاستاد العلامة دام ظله ان مبنى المسألة على ان الفحص عن معارض ميزان القضاء واجب على الحاكم إذا كان منضما إليه أصل عملي كما يجب الفحص عن معارض الدليل على المجتهد أم لا وبعبارة أخرى هل يجب الفحص عن المعارض في العمل بالاصل في المقام كما بجب في الاحكام أم لا ولما لم يكن الكلام مختصا بالمقام فبالحري أن يحرر البحث على وجه التفصيل لينفع في نظايره.
فنقول إن كان مستند القضاء منجزا فلا إشكال في عدم وجوب الفحص عن شئ في الحكم به وإن كان معلقا فتارة يكون اثبات أصله معلقا بمعنى ان اثبات أصل المستند قد صار بأصل من الاصول المعلقة بعدم قيام الدليل على خلافها كاثبات البينة العادلة بأصالة عدم صدور الفسق منه وأخرى يكون تطبيقه على المدعى معلقا على أصل كالشهادة على الملك الفعلي أو الاشتغال الفعلي من جهة الاستصحاب فإن تطبيق الشهادة على المدعى وهو الملكية الفعلية والاشتغال الفعلي في المثالين لا يمكن إلا بالاستصحاب إذا كان هناك حالة سابقة ولم يعلم بقائها وثالثة يكون العمل عليه معلقا على أصل كالعمل ببينة الخارج مستندا إلى أصالة عدم وجود بينة الداخل أو أصالة عدم وجود بينة الابراء والانتقال كما في المقام.
أما الصورة الاولى فقد حكموا فيها من غير نقل خلاف حسبما حكى الاستاد العلامة انه لو ادعى المدعى عليه ان له بينة على الجرح يقف الحكم ان داعى حضورها ويمهل ثلاثا أو أقل إن ادعى غيبتها وأما في الصورتين الاخيرتين فالمشهور بينهم عدم سماع دعوى البينة فيهما وإيقاف الحكم بل يحكم مراعى بعدم قيام البينة على الخلاف كما في القضاء على الغائب.
فبالحري أن نبين ما هو مقتضى القاعدة الاولية في جميع الصور ثم نتكلم في وجود المخرج عنها بالنسبة إلى كلها أو بعضها.
فنقول قد يقال ان مقتضى الاصل الاولي هو عدم وجوب الفحص في المقام لانه من الشبهة الموضوعية ومن المعلوم المقرر في محله ان اجراء الاصل فيها لا يتوقف على الفحص كما في الشبهة الحكمية من غير فرق فيما ذكر بين الصور الثلاث ولا بين صور الحضور والغيبة.
وقد يقال ان مقتضى الاصل الاولي في جميع الصور هو عدم وجوب الفحص في صورة الغيبة لا في صورة الحضور فإن البناء على اجراء الاصل فيها من دون فحص موجب للوقوع في مخالفة الواقع كثيرا يجب الفحص عن الموارد كما هو الشأن في كثير من الموضوعات كما في الضرر والشك في بلوغ المال بقدر الاستطاعة أو نصاب الزكاة إلى غير ذلك فإن أمثال هذه الموضوعات نظير الاحكام يلزم من اجراء الاصل فيها من دون فحص مخالفة كثيرة فيجب الفحص فيها كما هو أحد الادلة على وجوب الفحص من الدليل في اجراء الاصل في الاحكام الشرعية الكلية وهذا بخلاف صورة غيبة البينة فإنه لا يلزم من الرجوع إلى الاصل فيها المحذور اللازم في صورة دعوى حضورها هذا.
ولكنك خبير بأن الفرق من الجهة المذكورة بين الصورتين لا يخلو عن تأمل لا تأمل في وجهه أصلا لكل من تأمل فيه هنيئة فالحق في التقرير هو التقرير الاول لما قد عرفت مضافا إلى اطلاق ما دل على القضاء بالميزان المفروض وجوده وسلامته عن المعارض ولو بالاصل فتأمل.
وبالجملة فمقتضى الاصل الاولي بالنظر إلى ما ذكرنا في جميع الصور هو عدم الانتظار والايقاف إلا أن الظاهر من جماعة الفرق بين الحضور والغيبة كما ان الظاهر من الاصحاب بل المحكي عليه الاجماع هو الحكم بالانتظار في الجملة في صورة الغيبة في دعوى الجرح وإن اختلفوا في غيرها فذهب الاكثر.
فيه إلى عدم وجوب.
وقال الاستاد العلامة ان قضية التحقيق مع قطع النظر عن مقتضى الاصل الاولي هو التفصيل في صورة دعوى وجود البينة بين الحضور والغيبة في القسمين الاخرين كما ان قضيته التفصيل في صورة الغيبة بين دعوى الجرح وغيرها ففي صورة دعوى الحضور يمهل في جميع الاقسام الثلاثة وفي صورة دعوى الغيبة يمهل في الجملة في دعوى الجرح ولا يمهل في القسمين الاخيرين فلنا في المقام دعويان.
لنا على اوليهما وجوه من الادلة أحدها ان مقتضى تعلق حق المدعي هو وجوب الامهال في صورة دعوى وجود البينة الحاضرة وإلا لزم تفويت حقه من دون موجب له لان المفروض عدم ايجابه تفويت حق من أقام البينة وهذه بخلاف صورة الغيبة فإن مراعات حق مدعي وجود البينة فيها معارض بمراعات حق من أقام البينة على دعواه ثانيها ان مقتضى نصب الحاكم للقضاء بين الناس والنظر في أمورهم هو وجوب التأمل في أمر المرافعة ما لم يوجب تفويت حق من أحد المترافعين ثالثها ان بناء العرف بل سيرة المتشرعة بل سيرة المترافعين
على الامهال في الصورة بحيث يعدون مطالبة من أقام البينة فيها الحكم له مجرد العناد ولعل مرجع هذا الوجه إلى ان دعوى وجود البينة في الصورة توجب سقوط اعتبار الاصل قبل الفحص والانتظار هذا ملخص ما كره دام ظله على ما استفدنا من كلامه من الوجوه على وجوب الايقاف في الصورة وللتأمل فيه بعد ملاحظة اطلاق ما دل على القضاء بالميزان الشرعي المفروض وجوده مجال فتأمل.
لنا على الثانية اما على عدم الامهال في غير دعوى البينة على الجرح من القسمين الاخيرين أما فيما إذا انقلب الدعوى وصار المدعي منكرا أو المنكر مدعيا كما في دعوى الابراء والشراء فلان دعوى وجود البينة الغائبة على المدعى في الفرض كدعوى وجودها في الدعوى الابتدائية الغير المسبوقة بدعوى أخرى لاتحاد المناط فيهما ومن المقرر في محله جواز ردع المدعي عن المنكر ورفع يده عنه في الصورة الثانية مع ادعائة البينة الغائبة وعدم سؤاله احلاف المنكر لعدم وجود الرافع للعمل بالاصل في طرف المنكر بمجرد ادعائه وجود البينة من (على خ) المدعي فإذا أقر المنكر في الفرض بالاشتغال الذي هو مدعى المدعي بادعائه الابراء منه فقد جعل الاصل على خلاف قوله فيعمل الحاكم به ما لم يثبت الرافع له.
فإن قلت فرق بين الصورتين فإن الكلام في الفرض في جواز قضاء الحاكم بالاشتغال وأخذ الحق من المنكر بمجرد الشهادة الاستصحابية أو الاقرار الموجب لتحقق الاصل مع ادعاء المدعي ما يكون وجوده رافعا لميزان القضاء أم لا.
وبعبارة أخرى الكلام في المقام في تمامية ميزان الحكم والقضاء مع ادعاء المدعي البينة الغائبة على دعواه وفي الصورة السابقة في جواز العمل بالاصل في طرف المنكر مع ادعاء المدعي البينة الغائبة فليس الكلام فيه في جواز قضاء القاضي بالاصل الموافق لقول المنكر حتى يدعي المنع من تمامية ميزان القضاء مع دعوى المدعي وجود البينة له وإنما الكلام فيه في مجرد العمل بالاصل مع انه ليس أيضا متفقا عليه بينهم لمخالفة جمع فيه وحكمهم بالايقاف في الجملة.
قلت لا نعني من القضاء التعليقي في المقام إلا الزام الحاكم المدعي على العمل الذي أحدث موضوعه بادعائه فانتزاع العين أن أخذ ما في الذمة من المنكر في الفرض مثل رفع يد المدعي عن العين في الصورة السابقة في كون كل منهما من جهة ملاحظة الاصل ولا نعني بالقضاء التعليقي إلا هذا ومجرد تسمية الثاني عملا بالاصل والاول قضاء لا يوجب التفرقة بينهما مع عدم وجود ثمرة بينهما أصلا كما لا يخفى.
وأما فيما إذا لم ينقلب الدعوى بل ادعى وجود البينة على طبق ما يدعيه كدعوى الداخل البينة الغايبة على ما في يده مع اقامة الخارج البينة على دعواه بناء على القول بتقديم بينة الداخل عند التعارض فلان بينة المدعي في الفرض لا تقتصر عن الاصل في طرف المنكر فيما إذا ادعى المدعي البينة الغائبة فقد عرفت ان الحكم فيه عدم الايقاف هذا كله في عدم الايقاف في الصورتين الاخيرتين.
واما الدليل على الايقاف في الجملة في دعوى البينة الغائبة على الجرح فلان مرجع الدعوى فيها إلى دعوى عدم تمامية الميزان فهي ترجع إلى الخدشة في أصل الميزان ولا دخل لها بدعوى البينة على خلاف الدعوى ومن المعلوم ان الفحص عن أصل ميزان القضاء واجب على الحاكم.
وبعبارة أخرى مرجع دعوى وجود البينة على الجرح إلى دعوى عدم المقتضي للحكم لخلل في أصل الميزان بخلاف دعوى وجود البينة في غير دعوى الجرح فإن مرجعها إلى وجود المانع عن العمل بالمقتضي
المدفوع بالاصل وبعبارة ثالثة المدعى عليه في دعوى وجود البينة على الجرح هو نفس الحاكم من حيث رجوع دعوى الجرح إلى أن الحكم بالبينة حكم بالجور فلا يجوز له العمل بالاصل بل يجب الفحص عليه بخلاف دعواه في غير الصورة فإنها دعوى على المدعى فالحاكم يفصل بينهما بما جعل ميزانا له ولو بضميمة الاصل.
هذا ملخص ما أفاده الاستاد العلامة في وجه الفرق وأنت خبير بإمكان المناقشة فيه بأن دعوى وجود البينة من المدعي إن كان مسقطا للاصل عن الاعتبار فلا فرق بين المقاماتوإلا فلا معنى للفرق أيضا فنقول في صورة دعوى وجود البينة على الجرح ان الميزان تام ولو بضميمة الاصل المعتبر بالفرض وبالجملة ما ذكره من الوجوه اعتبارات لا تصلح للفرق والله العالم.
الثامن ذكر الفاضل في القواعد وبعض الاصحاب في غيره مسألة انه هل يكون البينة حجة على غير المدعى عليه أم لا واختار عدم الحجية ومجمل القول فيها انه إن أريد من الحجية على غير المدعى عليه انه لا يجوز له الدعوى على المدعي أصلا ولا المخاصمة مع المدعى في العين التي أقام البينة على كونها ملكا له عند الحاكم فلا دليل عليه أصلا بل مقتضى الادلة حتى الاجماع خلافه وإن أريد ان بعد حكم الحاكم بالبينة يجب على الناس انفاذه وترتيب أثر ملكية المدعي على العين التي أقام البينة على كونها ملكا له فإن أريد صورة العلم بالخلاف فلا معنى له أيضا وإن أريد صورة الجهل فلا إشكال فيه لانه معنى اعتبار البينة في مقابل انكار المنكر ووجوب انفاذ حكم الحاكم والله الحاكم بالصواب هذا بعض الكلام في الصورة الثانية وهي ما لو كانت العين بيد أحدهما.
وأما الكلام في الصورة الثالثة وهي ما لو كانت خارجة عن يدهما فإن كانت بيد ثالث صدقهما أو صدق أحدهما فتدخل في الصورة الاولى على الاول وفي الصورة الثانية على الثاني بناء على ما عرفت من ان اقرار ذي اليد يجعل المقر له ذا اليد عرفا وشرعا وإن لم تكن في يد ثالث أو كانت ولم يثبتها لاحدهما فلا يخلو إما أن يكون لاحدى البينتين مزية على الاخرى أم لا فالكلام يقع في المقامين.
أما الكلام في المقام الاول وهو ما لو كانت لاحدى البينتين مزية على الاخرى فيقع في مقامات أحدها في الترجيح بالمزية في الجملة وإن كان بالمزية المنصوصة ثانيها في التعدي عنها إلى غيرها من المزايا ثالثها في الافتقار إلى اليمين بناء على الترجيح بالمزية وعدمه.
أما الكلام في المقام الاول فيقع أيضا في مقامين أحدهما في تحقيق ما هو قضية الاصل الاولي في الترجيح ثانيهما في وجود المخرج عنه.
أما الكلام في المقام الاول فنقول ان الذي يقتضيه التحقيق المحقق مستقصى في محله بالنظر إلى الاصل الاولى هو عدم الترجيح بالمزية الغير المعتبرة كما ان الاصل عدم الحجية في الظن الغير المعلوم اعتباره من الدليل القطعي سواء كان اعتبار البينتين من باب التعبد أو الظن النوعي فالبينة الراجحة بالنظر إلى مقتضى الاصل سواء في الحكم مع البينة المرجوحة.
فبعد ما كان مقتضى الاصل الاولى عدم الترجيح بالمزية فهل مقتضاه ايقاف الدعوى لعدم وجود الميزان للقضاء لفرض تساوي البينتين من حيث الحكم أو الحكم بالتنصيف من حيث كونه جمعا بين العمل بالبينتين أو انتقال الميزان إلى اليمين وكونها الفاصلة للخصومة للفرض أو إلى القرعة بدون الاحتياج إلى انضمام اليمين
أو معها (معه خ) وجوه أوجهها عند الاستاد العلامة ثالثها لوجوه.
أحدها ما دل على كون الميزان للمدعي والفرض عليه في صورة تعذر البينة هي اليمين لا يقال ان مقتضى قاعدة التعذر هو تعذر الاقامة كما فيما لا يعلم إلا من قبله لا تعذر العمل من جهة وجود المزاحم.
لانا نقول بعد تسليم كون المراد منها ما ذكر انه لا إشكال ان مناط القاعدة وهو لزوم تضييع حق المدعي لو بنى على عدم القناعة منه باليمين الذي شرع لعدمه القضاء بين الناس موجود في الفرض أيضا فلا بد أن يكون الميزان فيه هو اليمين أيضا وإلا لزم المحذور المذكور هذا.
ثانيها ما دل من الاخبار على حصر ميزان القضاء بالبينة والايمان فإذا لم يمكن القضاء بالاولى فلا بد من القضاء بالثانية كقولهصلىاللهعليهوآله إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان ونحوه لا يقال الاخبار الحاصرة إنما وردت مورد بيان المهملة فالمرجع هي الاخبار المفصلة مثل قوله البينة على المدعي واليمين على من ادعى عليه أو على من أنكر وهي تدل على حصر اليمين في حق المنكر فلا تكفي في حق المدعي لانا نقول الاخبار نما تدل على حصر اليمين في المنكر إذا كان هناك مدع ومنكر لا في مثل الفرض فيرجع فيه إلى الاخبار الحاصرة وبمثله يجاب عما دل على حصر المستخرج بما يكون مثل اليمين في الفرض خارجة عنه كقوله استخراج الحقوق بأربعة لانه حصر في مقام الاستخراج ولازمه وجود منكر في مقابل مدع لانه مقتضى قضية ظاهر لفظ الاستخراج.
لا يقال مقتضى ما دل على كون القرعة من الموازين عدم انحصار الميزان في صورة تعذر العمل بالبينة في اليمين كقوله أحكام المسلمين على ثلاثة بناء على أن يكون المراد من السنة الجارية فيه هي القرعة وغيره فيحمل عليه اطلاق ما دل على الحصر بالبينة واليمين.
لانا نقول ما دل على كون القرعة أيضا من الموازين إنما هو في صورة عدم اليمين لا مطلقا لايقال قوله إنما أقضي الحديث إنما يدل على الحصر فيما يجب فيه القضاء والكلام في أصل وجوبه لانا نقول مقتضى اطلاق ما دل على وجوب القضاء بين الناس بالحق هو وجوب القضاء في الفرض إذ لا مانع عنه مع فرض وجود الميزان له.
ثالثها ما دل على ان كل منكر عليه اليمين فإن كلا من المدعيين في الفرض منكر بالنسبة إلى ما يدعيه الآخر وإن كان مدعيا بالنسبة إلى ما يدعيه فعليه اليمين بمقتضى ما دل على أن كل منكر عليه اليمين لا يقال المراد من الانكار هو الانكار الابتدائي لا الانكار اللازم من الادعاء إذ لو بنى على التعميم لزم عدم تخصيص اليمين بالمنكر إذ كل مدع فهو منكر باعتبار.
لانا نقول نمنع من اللزوم المذكور لان المدعي الذي نجعله منكرا إنما هو المدعي الذي كان في مقابله مدع آخر لا الذي يكون في مقابله المنكر حتى يلزم عدم تخصيص اليمين بالمنكر هذا ملخص ما ذكره دام ظله لاثبات كون الميزان في الفرض هو اليمين وللنظر فيه مجال واسع يطول المقام بذكر وجهه ولعلنا نشير إليه في بعض كلماتنا الآتية إنشاء الله.
ثم ذكر دام ظله انه إذا ثبت كون الميزان هو اليمين فحينئذ لا يخلو إما أن يحلفا أو ينكلا أو يحلف أحدهما وينكل الآخر فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فلا إشكال في القضاء على الناكل نعم يبقى الكلام في وجهه و انه هل هو من جهة القضاء ببينة الحالف من حيث كون نكول الناكل مع حلف الحالف بمنزلة الاقرار لباذل فيكون مكذبا لبينته فيبقى بينة الحالف سليمة عن المعارض فيكون القضاء بها أو القضاء بيمينه من جهة تساقط
البينتين بالتعارض فينتقل الميزان إلى اليمين حسبما هو الوجه لما قد عرفت وإن حلفا أو نكلا فالمتعين هو القرعة لما قد دل عليها من الاخبار فحينئذ إن قلنا بأنها بنفسها فاصلة وميزان للقضاء من دون الاحتياج إلى انضمام اليمين كما في البينة واليمين حسبما هو قضية كلام بعض فلا إشكال وإن قلنا بأن القضاء بها يتوقف على حلف من خرج باسمه القرعة من حيث صيرورته بالقرعة منكرا من جهة موافقة قوله للاصل المعتبر شرعا وهي القرعة كما عليه المشهور حسبما حكاه جماعة فإن حلف فلا إشكال أيضا وإن نكل فهل يترتب عليه جميع أحكام المنكر من القضاء بالنكول في نفسه أو بعد الرد فإن حلف المردود إليه فهو وإلا فيقضى عليه أو لا يترتب عليه لك بل إنما يكون حكمه حكم المنكر في مجرد توجه اليمين فكأن القرعة تعين من يحلف من المدعيين فيرجع بعد نكول من خرج باسمه القرعة إلى التنصيف فيكون على هذا للقضاء في الفرض موازين أربعة مترتبة لا يرجع إلى كل لاحق إلا بعد تعذر سابقه حسبما هو قضية الترتيب بين الشيئين وجهان أوجههما عند الاستاد العلامة ثانيهما فلعله يأتي التكلم فيه بعد هذا إنشاء الله.
فإن قلت بعد البناء على الافتقار إلى انضمام اليمين في القضاء بالقرعة فما وجه الرجوع إلى أدلة الموازين (اليمين خ) ثم إلى أدلة القرعة بعد حلفهما أو نكولهما فليرجع إلى أدلة القرعة من أول الامر ويتعين الحالف من المدعيين بعد اقامتهما البينة حسبما هو مورد البحث بالقرعة ثم الحكم بها بعد الحلف.
قلت لا وجه للرجوع إلى القرعة من أول الامر أما الاخبار الخاصة فلاختصاصها بصورة تعذر القضاء باليمين والبينة وأما الاخبار العامة الدالة على أن القرعة لكل أمر مشكل بناء على تعميمها بالنسبة إلا ما كان مشكلا واقعا وظاهرا حسبما عليه المشهور حتى تشمل المقام أيضا فلانها إنما هي فيما إذا دار الامر بين الاخذ بأحد الطرفين كما في تزاحم الحقين المعلوم وجوب مراعاتها بقدر الامكان ولو بالاخذ بأحدهما.
وأما فيما إذا لم يكن الامر دايرا بينهما كما في تعارض مطلق الامارات الشرعية حيث ان مقتضى الاصل الاولي فيه تساقط المتعارضين فيه من حيث جواز العمل بكل منهما فلا معنى للرجوع إليها فإن شئت قلت ان ما دل على وجوب الرجوع إلى اليمين يرفع الاشكال الذي يجري من جهته أدلة القرعة هذا كله مضافا لى انه لو بنى على تعيين الحالف منهما بالقرعة بعد إقامتهما البينة من جهة العمومات فليبن على تعيين من يقيم البينة منهما لاجل العلة المذكورة.
فإن قلت ان أدلة القضاء باليمين لا تجري قبل تعين من يحلف من جهة عدم التأثير في حلفهما ونكولهما قلنا بمثله بالنسبة إلى عمومات العمل بالبينة فإن العمل بالبينتين أيضا غير ممكن هذا.
ثم انه ذكر الاستاد العلامة بعدما عرفته انه يمكن الخدشة فيما ذكرنا توضيحها ان ما ذكرنا من كون الميزان بعد كون الاصل عدم ترجيح أو فرض عدم وجوده الرجوع إلى اليمين ثم إلى الحلف ثم إلى القرعة ثم إلى التنصيف كان مبنيا حسبما عرفت على مقدمات احديها تعذر الفصل بالبينة في الفرض ثانيتها ان كلما تعذر الفصل بالبينة يجب الرجوع فيه إلى اليمين إن أمكن من جهة أحد الوجوه المتقدمة ثالثتها إمكان القضاء باليمين فإن اجراء أدلتها موقوف عليه قطعا.
ولنا أن نتكلم على كل منها اما على الاول فبأنا نمنع تعذر القضاء بالبينة لامكان القضاء بها على جهة التنصيف ليكون جميعا بينهما في العمل فإنه وان استلزم طرح العلم الاجمالي بكون تمام العين لاحدهما في بعض المقامات أو أدلة العمل بالبينة في الجملة إلا انه فصل بين المتخاصمين ورفع ليد كل منهما عما يدعيه
من النصف الذي حكم لصاحبه بالميزان الشرعي وهي البينة والاول لا يضر لوقوع نظيره في الشريعة كثيرا سيما بالنسبة إلى الشخصين بعد حصول الثاني.
وبعبارة أخرى أوضح أن المقصود من القضاء بالبينة شيئان أحدهما احراز الحق الواقعي بها مهما أمكن ثانيهما رفع يد الخصم وأمره بالخروج عن عهدة ما أقامت عليه حتى يكون رفع خصومته بالميزان الشرعي والمقصود الاول وإن لم يمكن تحصيله في المقام إلا انه لا يضر بعد فرض حصول الثاني لان رفع يد كل من المتخاصمين عن النصف إنما هو من جهة بينة صاحبه فلو قال ان لي بينة على تمام العين قلنا في جوابه ان لصاحبك أيضا بينة على تمام العين هذا ملخص ما ذكره في الايراد على المقدمة الاولى وبيان منع تحققها.
لكنه تنظر فيه بانه فاسد لمنع تحقق المقصود الثاني أيضا لان القضاء بالنصف على كل منهما لصاحبه ليس قضاء بالميزان الشرعي لفرض تعارض كل من البينتين في كل من النصفين بالاخرى فلا جواب للمدعي لو قال بانك حكمت علي بالنصف بالجور لان الجواب باني قضيت عليك بالميزان الشرعي وهي بينة صاحبك لا معنى له بعد فرض تعارض بينة الصاحب ببينة المدعي فيرجع الامر إلى عدم الميزان والحكم بالتنصيف من جهته.
والحاصل ان ما يصلح أن يصير ميزانا هي البينة السليمة عن المعارض وأما البينة المعارضة بمثلها المدفوعة بها فلا تصلح له فإن شئت قلت ان صيرورة كل من البينتين ميزانا بالنسبة إلى النصف إنما هو بعد قيام الدليل على العمل بها على النحو المذكور وما دل على اعتبارها لا يدل عليه لانه ليس حقيقة عملا بالبينة بل طرح لها بالنسبة إلى مدلولها فتدبر.
وأما على الثانية(١) فبالمنع من ان مثل هذا النحو من التعذر موجب للانتقال إلى اليمين وما ادعى دلالته عليه من الوجوه الثلاثة لا يصلح وجها له أما قاعدة التعذر فإنما تجري فيما لزم من عدم اعمال اليمين تفويت حق المدعي كثيرا وهو في المقام ممنوع لان القدر المخرج باليمين في الفرض يخرج بالقرعة أيضا.
وأما الاخبار الحاصرة فلانك قد عرفت انها ليست في مقام اثبات وجوب القضاء بالبينة واليمين في كل مقام وإنما هي في مقام انه لو وجد قضاء في الخارج فلا بد أن يكون باحديهما هذا.
ولكن يمكن أن يقال ان في بعض الاخبار دلالة على وجوب القضاء بالبينة واليمين في جميع المقامات مع الحصر فيهما كقوله اقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمى وأما الاخبار المفصلة فلمنع صدق المنكر و المدعى عليه على كل منهما بالفرض سلمنا صدقه لكن نقول ان المراد من المنكر فيها هو المنكر ابتداء لا من جهة لزومه للدعوى الثبوتية فتدبر.
وأما على الثالثة فبانا نمنع من إمكان القضاء باليمين في الفرض حسبما قضت به أدلتها من كونها علة تامة لا بد من الفصل بها متى وجدت حتى لا يجوز التقاص بعدها ايضا احتراما لاسم الله تعالى ومعلوم انه لا يمكن الفصل بالمعنى المذكور في المقام لان من صور المقام أن يحلفا جميعا فيكشف هذا عن عدم كون الميزان للقضاء هو اليمين.
والحاصل ان المعهود من طريقة الشارع عدم ايقاف القضاء بعد اليمين ففي كل مورد لا يمكن الفصل بها ولو من جهة التحالف فيكشف عن عدم كونها ميزانا للقضاء وإلا لما تخلف القضاء عنها وأما التحالف الذي ثبت من الشرع كما لو كانت العين بيدهما ولم يكن لهما بينة فإنما هو فيما يقضى بحلف كل من المتحالفين.
____________________
(١) والجواب عن المقدمة الثانية لم يصرح به في مجلس البحث إلا انا استفدناه من كلامه في خارجه (منهقدسسره )
وبعبارة أخرى التداعي في الصورة ينحل إلى دعويين وانكارين فكل منهما مدع بالنسبة إلى شئ و منكر بالنسبة إلى شئ آخر فلا بد حينئذ من يمينين حتى يتم الحكم بالتنصيف وهذا بخلاف المقام فإن المفروض ان بعد التحالف لا يحكم بشئ وإنما يرجع إلى ميزان آخر فيلزمه الغاء حلف كل منهما وهو ما عرفت من كونه غير معهود من طريقة الشارع.
وبعبارة أخرى مطالبة الحلف منهما إن كانت من جهة القضاء باليمين من كل منهما فالمفروض في المقام عدم الالتزام به ورفع اليد عنهما وإن كانت من جهة تحصيل الميزان ولو في بعض الصور وهو ما لو حلف أحدهما ونكل الآخر كما في مطالبة البينة منهما حيث ان المفروض انتقال الميزان إلى غيرها في صورة التعارض ففيه انه إنما هو بعد نفع اليمين في حق الناكل وتوجهها إليه شرعا لان النكول إنما يثمر فيما إذا توجهت اليمين شرعا إلى الناكل ولا يمكن القول بتوجهها اليهما من حيث استلزامه طرح اليمينين وهذا لغو صرف لا يصدر من الحكيم تعالى وهذا بخلاف البينة فإن اقامتها ليست مشروطة بإذن الحاكم وفي صورة اذنه بأن يقول ان من كان له بينة فليقمها إن شاء لان يعلم بوجود البينة لكل منهما.
نعم لو قيل بأن اليمين كالبينة في الفرض من حيث كونها قائمة مقامها فلا يحتاج إلى أمر من الحاكم و إنما المحتاج إليه اليمين من المنكر التي هي حق للمدعي أمكن القول بتساويهما وكون اجراء دليل احديهما في الفرض مثل اجراء دليل الاخرى لكنه اثباته لا يخلو عن إشكال.
هذا ملخص ما ذكره في بيان وجه منع المقدمة الثالثة ولكنك خبير بأنه لا يخلو عن شوب إشكال ولا يعرى عن ثوب إجمال لان الفرق بين اليمين والبينة من جهة ما ذكره في غاية الاشكال والله العالم بحقيقة الحال فتبين من جميع ما ذكرنا ان مقتضى الاصل الاولي بعد تعذر القضاء بالبينة هو الرجوع إلى القرعة من غير الانتقال إلى اليمين حسبما عليه المشهور المدلول عليه بطايفة من الروايات التي ستمر بك فيتحد مقتضى الاصل الاولي والاصل الثانوي المدلول عليه بالروايات.
نعم يبقى الكلام على تقديره في مقامين احدهما في ان ما ذكرنا من كون المرجع هو القرعة هل هو جار في جميع الصور أو مختصر بما لم يرضيا بحلف أحدهما وإلا فالميزان هو نفس القرعة وجهان إلا وجه هو الثاني لان اعتبار القرعة بعد وقوع التراضي على الوجه المذكور مما يلغو بناء على ما سيجئ من اعتبار الحلف بعدها فإنها لا تخلو إما أن تخرج باسم من تراضيا على حلفه أو على اسم صاحبه فإن خرجت باسم الاول فلا تأثير لها وإن خرجت باسم الثاني فينتقل اليمين إلى الاول أيضا من جهة رضائه بحلفه المنزل منزلة رده الحلف إليه أو نكوله اللهم إلا أن يقال بوجود الثمرة على تقدير خروج القرعة باسم الاول بين الاخراج (الاقراع خ) ومجرد الرضاء من صاحبه لعدم جواز رفع اليد عن مقتضى القرعة بخلاف الثاني فإنه يجوز رفع اليد عنه إذ لا دليل على لزومه بمجرد تحققه.
ثانيهما في انه هل يحتاج القضاء بالقرعة إلى انضمان اليمين ممن خرجت باسمه أم لا وجهان أوجههما عند بعض الاصحاب الثاني ولكن الذي عليه الجمهور المحكي عليه الشهرة في كلام جماعة هو الاول ولا يبعد أن يكون هذا هو الاقرب إلى الصواب حسبما سيعلم إنشاء الله هذا كله بالنظر إلى الاصل الاولي الذي يرجع حاصله إلى أن مقتضى الاصل عدم الترجيح كما ان مقتضاه الرجوع إلى القرعة بعد تعذر القضاء والفصل بالبينة.
وأما بالنظر إلى الاصل الثانوي المستفاد من الاخبار المروية من الائمة الاطهارعليهمالسلام فتحقيق
القول فيه بحيث ترتفع غواشي الاوهام عن وجه المرام يقتضي ذكر جملة منها حتى يعلم ببركتها ان مقتضى التحقيق هل هو ما ذهب إليه المشهور من الرجوع إلى القرعة مطلقا بعد الترجيح في الجملة أو ما ذهب إليه الشيخرحمهالله من الرجوع إلى القرعة في صورة الشهادة على الملك المطلق وإلى التنصيف في صورة شهادة الشاهدين على الملك المقيد والحكم بمقتضى المقيد في صورة اختلافهما اطلاقا وتقييدا.
فيقع الكلام في مقامين أحدهما في ان مقتضى الاخبار بعد فرض عدم وجود الترجيح في صورة تعارض البينتين هل هو الرجوع إلى القرعة مع الحلف أو مطلقا أو الرجوع إلى التنصيف بعد الحلف أو مطلقا أو يختلف مقتضاها بالنسبة إلى الموارد ففي بعض الموارد تقتضي الاول وفي بعضها تقتضي الثاني ثانيهما في ان مقتضاها هل الترجيح بما يوجد مع إحدى البينتين من المزايا في الجملة أو مطلقا حتى يخرج بها عن مقتضى الاصل الاولي أو لا يكون مقتضاها ذلك الذي كان هو المقام الثاني من المقامات الثلاثة.
أما الكلام في المقام الاول فنقول ان الاخبار الواردة في الرجوع إلى القرعة فكثيرة كما ان الاخبار الدالة على التنصيف في صورة تعارض البينتين أيضا كثيرة وكل منهما على قسمين أحدهما الدالة على الرجوع إلى القرعة أو التنصيف مطلقا والثاني الدالة على الرجوع إليها أو إلى التنصيف بعد الحلف فالاخبار الواردة بأسرها بين أربعة طوايف لكن بعد حمل مطلقاتها على مقيداتها ينحصر التكلم في صنفين أحدهما ما دل على الرجوع إلى القرعة مع انضمام اليمين ثانيهما ما دل على التنصيف بعد الحلف من كل منهما فنحن نذكر أولا الاخبار الواردة في الارجاع إلى القرعة ثم نذكر الاخبار الواردة الدالة على التنصيف ثم نعقبه بذكر العلاج بينهما.
أما الاخبار الواردة في حكم القرعة فقد عرفت انها كثيرة جدا فمنها ما في خبر بصرى عن أبي عبداللهعليهالسلام قال كان عليعليهالسلام إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سواء أقرع بينهم على أيهم يصير اليمين قال وكان يقول اللهم رب السماوات السبع أيهم كان الحق له فاده إليه ثم يجعل الحق للذي يصير عليه اليمين إذا حلف.
ومنها ما في صحيح داود عن أبي عبداللهعليهالسلام في شاهدين شهدا على أمر واحد وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهد الاولان عليه واختلفوا قال يقرع بينهم فأيهم قرع عليه فعليه اليمين وهو أولى بالقضاء له ونحوه الصحيح الآخر عنه أيضا غير انه قال في ذيله أولى بالحق بدل أولى بالقضاء.
ومنها ما في موثقة سماعة عن أبي عبداللهعليهالسلام ان رجلين اختصما إلى عليعليهالسلام في دابة فزعم كل واحد منها انها نتجت على مذوده وأقام كل واحد منهما بينة سواء في العدد فأقرع بينهم سهمين فعلم السهمين كل واحد منهما بعلامة ثم قال اللهم رب السماوات السبع ورب الارضين السبع ورب العرش العظيم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أيهما كان صاحب الدابة وهو أولى فأسئلك أن يخرج سهمه فخرج سهم أحدهما فيقضى له بها ونحوه خبر عبدالله بن سنان إلا انه قال في آخره فأسئلك ان يقرع ويخرج اسمه فخرج اسم أحدهما فيقضى له بها إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في بيان القرعة وبعد حمل المطلق منها كما في الخبرين الآخرين على مقيدها كما في الثلاثة الاولية يصير المحصل عنها ان الميزان بعد تعارض البينتين هي القرعة مع حلف من خرجت باسمه هذا.
وأما ما ورد في كون الميزان هو التنصيف بعد التحالف أو مطلقا فجملة من الروايات منها ما تقدم في رواية اسحق عن أبي عبداللهعليهالسلام في حكاية قضاء أمير المؤمنينعليهالسلام إلى أن قال فقيل فلو لم يكن في يد واحد منهما و أقاما البينة قال احلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف فإن حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين الخبر
ومنها خبر غياث عن أبي عبداللهعليهالسلام ان أمير المؤمنينعليهالسلام اختصم إليه رجلان في دابة كلاهما أقاما البينة انه انتجها فقضى بها للذي هي في يده وقال لو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين.
ومنها خبر تميم بن طرفة ان رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل واحد منهما بينة فجعله أمير المؤمنينعليهالسلام بينهما إلى غير ذلك وبعد حمل مطلقها كما في الاخيرين على مقيدها كما في الاول يتحصل منها ان الميزان في الفرض هو التنصيف بعد التحالف.
وأنت بعدما عرفت ما تلونا عليك من الاخبار وكيفية الحمل فيها علمت انه لا يمكن حمل ما دل على التنصيف على ما في بعض اخبار القرعة من الحكم بالتنصيف فيما إذا انكل من خرجت بأسمه القرعة لان الحمل عليه ينافي حمله على التنصيف بعد التحالف مضافا إلى بعد هذا الحمل عن سياق الخبر غاية البعد لاستلزامه تقديرا كثيرا يأبى عنه سياق الكلام كما انك علمت انه لا يمكن الجمع بينهما بحمل أحدهما على قضية في واقعة لما قد عرفت مرارا من ان ذكر القضاء في الواقعة في مقام الاستشهاد والاستدلال دليل على ارادة العموم منه.
نعم اخبار القرعة أعم مطلقا عن بعض أخبار التنصيف من حيث شمولها للمسببتين والمطلقتين والمختلفتين واختصاصه بالمسببتين فكما انه يجب حمل ما دل على التنصيف مطلقا عليه ان ثبت هنا اتحاد تكليف كذلك يجب حمل اخبار القرعة عليه والحكم باختصاصها بالمطلقتين أو الاعم منهما ومن المختلفتين إن لم نقل بخروج هذه الصورة عن تحت أخبار القرعة لكونها من موارد الجمع المقدم على الطرح ولو في الجملة حسبما عليه بناء أكثر الاصحاب.
وما يقال ان في بعض أخبار القرعة ما يكون مباينا لذلك الخبر لاختصاصه أيضا بالمسببتين مثل موثقة سماعة من حيث كونها ظاهر الاختصاص بهذه الصورة كما يدل عليه قوله فزعم كل واحد منهما الخبر ففاسد جدا إذ لم يظهر من الخبر ان شهادة البينة أيضا على وجه التقييد إذ القول المذكور إنما هو في كلام الراوي ولم يعلم انه جزء من دعوى المدعي حتى يقال بإقامته البينة عليه.
إلا انه لا عامل بهذا الخبر من أخبار التنصيف لان القائل بالتنصيف إنما هو الشيخ وهو لا يشترط فيه الحلف مع اعتباره في الخبر فبعد طرح هذا الخبر تصير النسبة بين أخبار التنصيف والقرعة التباين الكلي فلا بد من الرجوع إلى المرجحات السندية أو المضمونية على القول به.
فإذا نقول ان الترجيح مع اخبار القرعة لكونها أصح سندا ومعمولا بها عند المشهور وموافقة للاجماع المنقول عن الغنية وأما أخبار التنصيف فلم نجد من عمل بها إلا الشيخرحمهالله في بعض الصور وهو ما إذا كانت البينتان مسببتين لكنه أيضا ليس عملا بها حق العمل لان مقتضى ما ذكرنا في أخبار التنصيف هو القول بمقتضاها على تقديره مع التحالف لا بدونه فاخبار التنصيف لا عامل بها على ما يقتضيه التحقيق.
نعم لو عمل بها مع الالتزام بالحلف كان قول الشيخرحمهالله أقرب وأنسب بالمنقول كما صرح به في المتن لانه قال في صورة اطلاق البينتين بالقرعة وفي صورة تقييدهما بالتنصيف على ما يقتضيه حمل المطلق على المقيد وفي صورة الاختلاف بالجمع على ما يقتضيه قاعدة الجمع إن قيل بها حسبما عليه المشهور الذي قد عرفت التأمل فيه لكن العامل بها على الوجه المذكور غير موجود فلا بد من طرحها والاخذ بمقتضى أخبار القرعة هذا كله لو كان الاختلاف بين الاصحاب مستندا إلى الاخذ بسند بعض الاخبار وطرح بعضها الآخر.
وأما لو كان من جهة الاختلاف في دلالة الاخبار وكون المراد منها أي شئ وإلا فليس التأمل في
سندها حسبما ذكره الاستاد العلامة دام ظله من ان أكثر الاختلافات بين الاصحاب في الروايات من جهة الدلالة فيكون الحكم بعد التكافؤ أيضا الاخذ بالقرعة لعموماتها لتعين الرجوع إليها بعد تكافوء المتعارضين من حيث الدلالة والحكم بإجمالهما فالمرجع هو عمومات القرعة إن لم نقل بالترجيح بها من حيث الاعتضاد حسبما عليه جماعة وإلا فيرجع ما دل على الرجوع إلى القرعة من المتعارضين من جهة اعتضادها بالعمومات فتعين على ل تقدير المصير إلى ما ذهب إليه المشهور هذا بعض الكلام في تعيين ميزان القضاء بعد تعذر اعمال البينة من الاخبار بعد فقد الترجيح أو فرض عدم الحكم به.
وأما الكلام في الترجيح بما يوجد مع إحدى البينتين من المزايا الداخلة من جهة الاستفادة من الاخبار وإلا فإنك قد عرفت ان قضية الاصل الاولي هو عدم الترجيح مطلقا فيقع في مقامات ثلاثة أحدها في الترجيح بالاكثرية والاعدلية الموجودتين في أخبار الباب ثانيها في التعدي عنهما إلى غيرهما ثالثها في حكم صورة تعارض الاعدلية والاكثرية.
أما الكلام في المقام الاول فملخصه انه يمكن أن يقال بالترجيح بهما في خصوص المقام كما عليه جماعة من الاعلام بل المعظم بل المشهور شهرة محققة ومحكية قد تجاوزت حد الاستفاضة لدلالة جملة من الاخبار المتقدمة عليه.
ومنها رواية البصري التي قد نقل الامامعليهالسلام فيها حكم علي أمير المؤمنينعليهالسلام بالقرعة بعد مساوات البينتين في العدد والعدالة الدالة بالمفهوم على الترجيح بهما عند التفاوت والخدشة فيها بأن الفعل لا ظهور ولا عموم لا حتى يمكن به الاستدلال قد عرفت فسادها غير مرة.
لا يقال ان المستفاد من الرواية من جهة المفهوم على تقدير القول به انتفاء القرعة في صورة عدم التسوية حسبما هو قضية المفهوم المقرر في محله من ان المستفاد منه نفي الحكم المذكور في المنطوق وأما اثبات ضده فلا وأين هذا من دلالته على الترجيح بالاعدلية والاكثرية سيما مع احتمال كون الحكم هو التنصيف بعد القرعة.
لانا نقول المستفاد من الرواية بحسب قاعدة المفهوم المقررة في محله وإن كان ما ذكرت إلا انه قد تقرر في محله أيضا انه قد يستفاد من المفهوم في خصوص بعض المقامات من جهة العرف ان المراد هو اثبات الضد فنقول ان المستفاد من الروايه عرفا الترجيح بالوصفين المذكورين لا الاخذ بالمرجوح وإلا لزم ترجيحه على الراجح ولا الحكم بالتنصيف لانا نعلم انه ليس الامامعليهالسلام في الرواية في صدد بيانه فإن شئت قلت ان الرواية وإن لم تدل بنفسها من جهة مجرد المفهوم على الترجيح إلا انها بضميمة نفي الرجوع إلى المرجوح والتنصيف لما ذكرنا تدل عليه وهذا نظير الاستدلال بآية النبأ على حجية خبر العادل بمفهوم الشرط.
ومنها موثقة سماعة وهي من جهة الدلالة أضعف من الرواية السابقة كما لا يخفى وهي مع ذلك مختصة بالاكثرية ولا تدل على الترجيح بالاعدلية ودعوى الاجماع المركب لا تخلو عن إشكال.
ومنها ما عن أمير المؤمنينعليهالسلام مرسلا المتقدم في بعض المسائل السابقة في البينتين تختلفان في لشئ الواحد يدعيه الرجلان انه يقرع بينهما فيه إذا اعتدلت بينة كل واحد منهما الرواية إلى غير ذلك من الاخبار وهذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول انه قد يقال بالتعدي منهما إلى ما يكون مثلهما كالاخبرية والاعرفية
مما تعد من المرجحات الداخلية من جهة اطلاق قول أمير المؤمنينعليهالسلام في المرسل إذا اعتدلت بحسب المفهوم وشموله لجميع المرجحات مما يتوهم الترجيح بها هذا ولكن الرواية ضعيفة ولا جابر لها في المقام لعدم وجود القول بين الاصحاب بالتعدي مع امكان أن يقال ان المراد الاعتدال بحسب المرجحات المعتبرة شرعا مضافا إلى ما في بعض النسخ بدل اعتدلت عدلت وعليه فلا تدل على المقصود أصلا كما لا يخفى هذا مع انها معارضة بما دل على سببية التسوية من حيث العدد والعدالة في الاقراع فتقيد به فتأمل وبالجملة التعدي من المزايا المنصوصة إلى غيرها في غاية الاشكال.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو ما لو تعارض الاعدلية والاكثرية بأن وجدت احديهما في إحدى البينتين والاخرى في الاخرى فنقول انه قد يقال بتقديم الاكثرية كما عليه جماعة من الاصحاب بل كلهم حسبما هو ظاهر نسبة الشيخرحمهالله والحلي في السراير لاطلاق ما دل على الترجيح بها من الاخبار مثل قوله في رواية أبي بصير المتقدمة في أخبار الداخل والخارج أكثرهم بينة يستحلف مع نقلهعليهالسلام قضاء أمير المؤمنينعليهالسلام على النهج المذكور في صورة اختلاف البينتين في العدد فإنه باطلاقه يدل على الترجيح بالاكثرية وإن كانت البينة الاخرى أعدل ومثل قولهعليهالسلام في موثقة سماعة وأقام كل واحد منهما بينة سواء في العدد فاقرع بينهم سهمين الخبر فإنه يدل بمفهومه على فقد القرعة في صورة انتفاء التسوية من هذه الجهة سواء كانتا متساويتين من حيث العدالة أم لا.
فإن قلت مفهوم الرواية معارض بمفهوم خبر البصري المتقدم في أخبار الباب الدال على اشتراط القرعة بالاستواء من حيث العدالة أيضا وهو أخص من مفهوم رواية سماعة فتخصص به حسبما هو قضية العلاج بين ما كانت النسبة بينهما عموما وخصوصا مطلقا كما تقرر في محله فتصير الرواية مثل رواية البصري ساكتة عن حكم صورة التعارض.
قلت ما ذكرت من وجوب تقييد اطلاق رواية سماعة برواية البصري مسلم لكن الحاصل من التقييد هو اشتراط الحكم المذكور في المنطوق وهو القرعة بصورة اجتماع الشرط وهو الاستواء في العدد مع الاستواء في العدالة فهو شرط في تأثير السبب في المسبب في طرف الوجود وأما في طرف الانتفاء فعدمه ليس شرطا في تأثير الانتفاء وبعبارة أخرى أوضح ان رواية البصري إنما تعارض رواية سماعة في الحكم المذكور في المنطوق وهو الاقراع لا في الحكم المذكور في (المستفاد من خ) المفهوم وهو انتفاء القرعة والترجيح مطلقا في صورة انتفاء الشرط مطلقا لان رواية البصري ساكتة عن حكم صورة التعارض فيجب الرجوع إلى اطلاق مفهوم رواية سماعة في لحكم بسببية الاكثرية لانتفاء القرعة والترجيح سواء كانت البينتان متساويتين من حيث العدالة أم لا.
فإن قلت قد تقرر في محله ان اطلاق المفهوم وتقييده وعمومه وخصوصه تابعة للمنطوق فإذا فرض تقييد المنطوق بوجود شئ فلا بد من تقييد المفهوم أيضا بعدمه وبعبارة أخرى القيد المعتبر في المنطوق معتبر في المفهوم أيضا وبعبارة ثالثة أوضح بعد تسليم تقييد اطلاق الرواية بخبر البصري يكون حكمه حكمه فكأنه جمع في الرواية أيضا بين التسوية في العدد والعدالة كما في الخبر فتصير الرواية ساكتة عن حكم صورة التعارض فيجب التوقف والرجوع إلى القرعة بناء على كونها المرجع في صورة عدم وجود المرجح.
قلت فرق واضح بين ذكر القيد في القضية الشرطية على وجه الجزئية كما في رواية البصري أو الشرطية و عدم ذكره وثبوت الاشتراط لتأثير الشرط في المنطوق من الخارج كما في المقام فإن في الاول لا بد من التوقف في صورة
انتفائهما في استناد الحكم إلى انتفاء أيهما لاستوائهما في المدخلية في الحكم فتخصيص أحدهما على التعيين ترجيح بلا مرجح وأما في الثاني فنحكم بأن انتفاء الحكم المذكور في المنطوق مستند إلى نفس الشرط الذي يعبر عنه بالسبب لوقوعه في حيز ادوات الشرط الظاهرة في سببية الشرط للجزاء لا إلى انتفاء شرطه.
والحاصل ان في المقام صورا خمسا احديها ما إذا تساوت البينتان من حيث العدد والعدالة ثانيتها ما إذا تفاوتتا من الحيثيتين جميعا لكن مع التعاضد بأن تجتمعا في إحدى البينتين ثالثتها ما إذا لم تتساويا من حيث العدد فقط رابعتها ما إذا لم تتساويا من حيث العدالة فقط خامستها ما إذا لم تتساويا من الحيثيتين على وجه التعارض بأن توجد احديهما في إحدى البينتين والاخرى في الاخرى.
لا إشكال في كون الحكم في الصورة الاولى هي القرعة بمقتضى كلتا الروايتين كما انه لا إشكال في الترجيح بالاعدلية والاكثرية في غير الصورة الاخيرة.
وأما هي فإن كان المستند في الترجيح بهما خبر البصري فلا بد من الحكم بالتوقف فيها لان ظاهره ان الحكم المذكور في المنطوق مستند إليهما معا بحيث لا يكون لاحدهما مزية في استناد الحكم إليه ولازمه الحكم بالتوقف في صورة تعارضهما لان استناد انتفاء الحكم إلى أحدهما ليس بأولى من استناده إلى الآخر لوقوع كل منهما في حيز الشرط على نهج سواء فهو نظير ما إذا قال المولى لعبده أكرم زيدا إن جائك مع عمروا وإن جائك زيد وعمر فأكرم زيدا فإن في صورة عدم مجيئهما لا معنى لاستناد الحكم إلى عدم مجيئي زيد بخصوصه.
وإن كان رواية سماعة فالمتعين هو الحكم بترجيح الاكثر لان السبب حقيقة في القرعة هو الاستواء في العدد (الاكثرية خ) الاكثرية غاية الامر انه ثبت لاقتضائه الحكم مطلقا وتأثيره فيه في جميع الاحوال رط وهو الاستواء في العدالة أيضا وفي صورةانتفائهما يكون انتفاء الحكم مستندا إلى نفس عدم السبب لانه أولى بالاستناد من عدم الشرط فيدل على ان الترجيح إنما هو بالاكثرية فمجرد اثبات الاشتراط والتقييد من الدليل الخارج لا يجعل الشرط كالجزء المذكور في الكلام لتفاوت استناد انتفاء الحكم المذكور بانتفائهما عرفا وإن لم يتفاوت في نظر العقل من حيث ان انتفاء كل من أجزاء العلة التامة علة تامة لانتفاء المعلول في نظره فاستناد انتفاء الحكم في صورة انتفاء جملة منها في زمان واحد إلى واحد بالخصوص ترجيح بلا مرجح في حكمه إلا انه لا إشكال في ان بناء العرف ليس على ذلك بل يسندون انتفاء الحكم قطعا في صورة انتفاء السبب والشرط إلى انتفاء الاول كما يسندون انتفائه في صورة عدم المقتضي ووجود المانع إلى الاول كما لا يخفى على من راجع إليهم فما هو مناط في الترجيح من استناد انتفاء الحكم في المنطوق عرفا إلى احديهما متحقق بالنسبة إلى الاكثرية دون الاعدلية فلا بد من الترجيح بها هذا محصل توجيه القول بتقديم الاكثرية.
ولكنك خبير بفساده لان رواية أبي بصير مختصة بالداخل والخارج ولا عموم لها يشمل المقام فإن كان المستند في الترجيح بالاكثرية في المقام هو قول أبي عبدالله أكثرهم بينة يستحلف فهو ظاهر بل صريح في الداخل والخارج لان مرجع الضمير فيه هو خصوص المتداعيين المفروضين والقول بأن الدعوى على القوم الذين يكون العين في أيديهم لا تسلتزم ثبوت يد جميعهم عليها فلعل كانت العين في يد من لا ينكر كونها للمدعي فيشمل المقام فاسد جدا وإن كان المستند فيه قضاء أمير المؤمنينعليهالسلام بالاكثر الذي حكاه الامامعليهالسلام فإن لوحظ مع قطع النظر عن استشهاد الامامعليهالسلام فلا يجوز الاستدلال به أصلا لكونه من قبيل قضايا الاحوال وإن
لوحظ بالنظر إلى استشهاده صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين فهو وإن دل على ارادة العموم منه حسبما عرفت غير مرة فينزل منزلة اللفظ إلا ان من المعلوم ان غاية ما يستكشف منه عمومه لمورد الاستشهاد لا مطلقا والقول بأنه لا بد أن يجعل بمنزلة الكبرى الكلية يشمل غيره فاسد جدا اللهم إلا أن يقال بدلالته على الترجيح بالاكثرية في الفرض بعد تسليم اختصاصه بالداخل والخارج بالاولية القطعية فتأمل.
وأما رواية سماعة فيمكن منع دلالتها على تقديم الاكثرية في المقام من وجهين أحدهما المنع من ترجيح استناد الانتفاء إلى انتفاء بعض اجزاء العلة التامة في صورة انتفاء جميعها في زمان واحد سيما إذا ان أحدها سببا والآخر شرطا فإن السبب بدون الشرط لا تأثير له شيئا (إلا شأنا خ) وهذا بخلاف عدم المانع فإنه شرط في الاقتضاء الفعلي دون الثاني حسبما هو قضية التحقيق المحقق في محله عند المحققين ثانيهما انا نسلم ما ذكر الا انا نمنع من كون الرواية من مقولته فإنها غير مشتملة على أدات الشرط حتى تدل على كون الاستواء في العدد سببا والاستواء في العدالة شرطا غاية ما هناك انه لا بد أن يكون له مدخل في الحكم بالقرعة لما قد عرفت مرارا من ان الخصوصيات المذكورة في نقل فعل الامام الماضيعليهالسلام لو لم يكن لها مدخلية لم يكن وجه لتخصيصها بالذكر من بين الخصوصيات الغير المتناهية فإذا الثابت من الرواية مجرد مدخلية الاستواء في العدد الاكثرية (الاكثرية خ) في الحكم بالقرعة كما ان الثابت من الخارج مدخلية الاستواء في العدالة أيضا في الحكم المذكور هذا مجمل القول في وجه القول بتقديم الاكثرية.
وأما وجه القول بتقديم الاعدلية كما نسب إلى المشهور فلم نقف على ما يعتد به إلا المرسل المروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام على تقدير قرائة عدلت أو اعتدلت بمعنى عدلت وهو كما ترى مضافا إلى انه يرد عليه ما ورد على وجه القول بتقديم الاكثرية فراجع فإذا الحق هو التوقف في مادة التعارض والرجوع إلى القرعة هذا مجمل القول في المقامين الاولين.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو الافتقار إلى انضمام الحلف على كل من تقديري القرعة والترجيح بالاكثرية والاعدلية فيقع في مقامين أحدهما في الافتقار إليها في مورد القرعة ثانيهما في الافتقار إليها في صورة الترجيح.
أما الكلام في المقام الاول فملخصه انا ان قدمنا اخبار القرعة على اخبار التنصيف من حيث ترجيح الادلة وجعلنا وجه القرعة هو الاخبار الواردة في الباب فلا إشكال في الحكم بافتقار اليمين ممن خرجت باسمه القرعة لانه قضية الجمع بين الاخبار حسبما عرفت تفصيل القول فيه وإن جعلنا الوجه في القرعة هو عموماتها بعد تعارض أخبار التنصيف وأخبار القرعة وتساقطهما وصيرورة العمومات مرجعة فقد يقال بعدم الافتقار إلى انضمام اليمين لان مقتضاها رفع الاشكال بعد القرعة فلا معنى للقول بتوقف القضاء على انضمام اليمين.
لكن الذي صرح به الاستاد العلامة دام ظله مرسلا إياه ارسال المسلمات توقف الحكم بالقرعة على التقدير المذكور أيضا على انضمام اليمين أما أولا فلان عمومات القرعة على النهج المذكور لا جابر لها في المقام وأما ثانيا فلان مقتضى الجمع بينها وبين الاخبار الحاصرة لميزان القضاء في البينة واليمين هو الحكم بالقرعة مع اليمين هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
وهو مما لا ريب فيه إن كان الاقراع على ما في بعض أخبار القرعة من انه يقرع على أيهم يصير اليمين لا بمعنى ان هنا من عليه يمين واقعا ولا نعلمه فنعينه بالقرعة حسبما قد يتوهم لانا نعلم بانتفاء هذا المعنى في
الواقع قطعا بل بمعنى انه يقرع حتى يحصل منها من قوله موافق للاصل فيصير عليه اليمين لا بمعنى انه يقرع في الحق الواقعي حتى يحكم باليمين على من خرجت القرعة بأن الحق له كما هو أحد محتملي الاخبار حسبما احتمله الاستاد العلامة.
فالمراد بأي هو من خرجت باسمه القرعة لكن لا من جهة صيرورته منكرا بالقرعة وإن كانت القرعة على نفس الواقع حسبما بنى عليه شيخنا العلامة وحكم بكونه المراد من الاخبار ففيما ذكره تأمل لا يخفى وجهه هذا وقد ذكر الحلي في السراير ما يظهر منه دعوى الاجماع في المسألة حيث قال وإن استويتا في جميع الوجوه فالحكم عند أصحابنا المحصلين القرعة على أيهما خرجت اعطى وحلف الآخذ انه يستحقه وهو له انتهى.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو الافتقار إلى اليمين في صورة وجود الترجيح فالذي صرح به في محكي التحرير هو الافتقار إلى يمين من كان أرجح بينة ونسبه في كشف اللثام للفاضل الاصبهاني إلى صريح أكثر الاصحاب وفي السراير إلى الاصحاب حيث قال ما هذا لفظه فأما إن كانت العين المتنازع فيها خارجة من يد المتداعيين وهي في يد ثالث غيرهما ثم أقام كل واحد منهما بينة بها فإن أصحابنا يرجحون بكثرة الشهود فإن استويتا في الكثرة رجحتا بالتفاضل في عدالة البينتين فيحكم في المال المتنازع فيه وتقدم (بتقديم خ) بينة صاحب الترجيح مع يمينه انتهى ونفى عنه الخلاف سيد مشايخنا في الرياض والذي يظهر من كلمات جماعة وصرح به العلامة في بعض كتبه حسبما حكى عنه عدم الافتقار إلى اليمين.
والاقرب عند الاستاد العلامة هو الاول لعموم ما دل على انحصار القضاء بالبينات والايمان لا يقال ان بعد الترجيح يكون القضاء بالبينة الراجحة فلا وجه لانضمام اليمين.
لانا نقول ما المراد من الترجيح فإن كان المراد منه ما هو عليه اصطلاح أهل الاصول من اقتران إحدى الامارتين بما يوجب مزيتها على الاخرى بحيث يسقطها عن الحجية الفعلية فتصير الامارة الموافقة لها سليمة عن المعارض فنمنع قيام الدليل على ثبوت الترجيح بهذا المعنى فإنه ليس في اخبار الباب عين وأثر من لفظ الترجيح حتى يدعى ظهوره في المعنى المذكور غاية ما فيها هو نفي القرعة عند عدم مساوات البينتين الدال على تقديم قول ذي البينة الراجحة فيصير مثل ذي اليد وإن كان المراد منه اقتران إحدى البينتين بمزية توجب تقديم قول من يكون بينته مشتملة عليها حسبما هو المستفاد من الاخبار لا الزايد عليه فهو لا يدل على تقديم البينة المشتملة عليها فصار الحاصل ان مجرد تعارض البينتين أوجب تساقطهما فإن كانتا متساويتين فالميزان القرعة بانضمام حلف كل من خرجت باسمه وإن كانتا متفاوتتين يكون الميزان هو يمين ذي البينة الراجحة فالقضاء إنما هو لارجح البينتين لا ما رجحهما وعلى هذا المعنى يمكن أن ينزل كلمات من كانت ظاهرة في نفي الافتقار إلى اليمين.
هذا مضافا إلى إمكان الاستدلال بالافتقار في المقام بخبر البصري المتقدم ذكره حيث ذكر فيه القضاء للاكثر مع استحلاف المدعي فإنه وإن كان مختصا بالخارج والداخل حسبما قد عرفت سابقا إلا انه يمكن الحاق المقام بمورده بالاجماع المركب فتأمل جيدا.
ثم ان بنينا على عدم الافتقار إلى انضمام اليمين في القرعة والترجيح فلا إشكال وإن بنينا على الافتقار إليه فإن حلف من عليه اليمين فلا إشكال أيضا وإن لم يحلف فلا إشكال في كون الميزان حينئذ يمين صاحبه
لا بمعنى كونها يمينا مردودة بل لما بنينا (بينا خ) من أدلة الحصر فحينئذ لا مصرح للقضاء بالنكول في المقام على تقدير القول به في غيره حسبما بنينا عليه الامر سابقا فإنه إنما هو في نكول المنكر أو المدعي فيما إذا ردت إليه اليمين حسبما قضت به أدلة القضاء بالنكول فإن حلف من عليه اليمين ثانيا فلا إشكال أيضا وإن لم يحلف فهل يحكم بالتنصيف بينهما من جهة حصر الامر فيه إذ المفروض عدم وجود شئ سواه والايقاف لا معنى له إذ لا أمد له حسبما نسب إلى المشهور أو ايقاف الدعوى أو القرعة وجوه أوجهها عند الاستاد العلامة دام ظله العالي تبعا للمشهور هو الاول.
واستدل عليه بأنه جمع بين البينتين وعمل على كل منهما ولو في الجملة وهو مقدم على طرح كل منهما رأسا لان مقتضى عمومات وجوب اعمال البينة بقدر الامكان فيما إذا دار الامر بين طرح البعض وطرح الكل تقديم الاول على الثاني فيكون اعطاء النصف لكل من المترافعين من جهة القضاء ببينته فلما لم يكن له بينة سليمة بالنسبة إلى النصف الآخر فيحكم بإيقاف دعواه بالنسبة إليه ومعنى إيقاف دعواه بالنسبة إلى النصف هو معنى ايقافها بالنسبة إلى الكل لو ادعاه ولم يكن له ميزان أصلا وهو الحكم برفع يده عنه لا يقال لو كان القاضي بالتنصيف نفس عمومات ادلة البينة (القرعة خ) في المقام فلم ما بنيت عليه من أول الامر ولم تجعله مقدما على ساير الموازين فإن المفروض ان القضاء بالبينة مقدم على القضاء بساير الموازين.
لانا نقول إنما لم نبن عليه الامر سابقا من جهة وجود الميزان للقضاء في الفرض السابق فلا يلزم من عدم الحكم بالتنصيف ابطال حق فلا داعي إلى طرح العلم الاجمالي فيه مع كون العمل بساير الموازين أيضا عملا بإحدى البينتين قطعا إذ لا يشترط في العمل بالبينة قصده وهذا بخلاف الفرض فإنه يلزم من عدم الحكم بالتنصيف فيه ابطال الحق إذ المفروض ان الامر داير بين الطرح رأسا والتنصيف.
وأما القرعة فلا وجه للرجوع إليها وإن كان هو مقتضى الاصل لان ما دل على الرجوع إليها من العمومات لا جابر لها في المقام حتى يجوز التمسك بها وقد عرفت مرارا ان العمومات الموهونة بواسطة خروج الاكثر لا يجوز التمسك بها ما لم تنجبر بالعمل فتعين التنصيف هذا مضافا إلى الاخبار الواردة الكثيرة التي قد عرفتها على التنصيف فإنه لا بد من ان يعمل عليها ولو في بعض الموارد وهو منحصر في الفرض لان غيره لا يصلح له حسبما عرفت تفصيل القول فيه هذا مجمل ما ذكره دام ظله في المقام وهو لا يخلو عن تأمل.
أما أولا فلان ايقاف الدعوى في النصف في الفرض مع انه ليس من الايقاف في شئ لان الايقاف لا يجامع إعطاء النصف بالخصم بل هو عين الفصل إن كان من جهة معارضة البينة بمثلها فهي موجودة بالنسبة إلى ل جزء يفرض وإن كان من جهة شئ آخر فليبين حتى ننظر فيه.
وأما ثانيا فلان ابداء الفرق بين ما نحن فيه وبين الفرض السابق الذي حكم بعدم التنصيف فيه بما ذكره لا معنى له لان مجرد وجود الميزان للقضاء لا يصلح للعدول إليه مع وجود عمومات البينة وكون القضاء بها مقدما على ساير الموازين فإن كان التنصيف من جهة القضاء بالبينة فلا معنى للحكم بعدم جوازه من جهة إمكان القضاء بما يكون القضاء به مترتبا عليه وإن كان المانع هو العلم الاجمالي الذي لا يجوز طرحه ففيه ان عدم جواز طرحه لا يدور مدار وجود الميزان وعدمه فإن كان جايزا فيجوز مطلقا وإلا فلا وأما لزوم بطال الحق في الفرض فلا يصلح مجوزا له لان البطلان إنما نشأ من جانب ذي الحق من جهة عدم حلفه.
وأما ثالثا فلان ما ذكره مناف لما قرره في بحث تعارض الادلة من ان في صورة تعارض الشيئين اللذين
يكون المناط في اعتبارهما هو الطريقية وغلبة الايصال إلى الواقع يكون مقتضى الاصل الاولي فيه هو التوقف بسمه تعالى يكون المناط في اعتبارهما هو الطريقية وغلبة الايصال إلى الواقع يكون مقتضى الاصل الاولي فيه هو التوقف لا الجمع وقد عرفت سابقا ان الوجه في اعتبار جميع الموازين هو كشفها عن الواقع نوعا وغلبة ايصالها إلى الواقع نعم لو بنى على ان الوجه في اعتبار البينة مجرد السببية والتعبد لامكن المصير إلى الثاني لكنك قد عرفت ان بناء الاستاد العلامة على خلافه.
وأما رابعا فلان التمسك بأخبار التنصيف مما لا وجه له بعدما قد عرفت سابقا من البناء على طرحها من جهة ترجيح أخبار القرعة عليها سندا وعملا واعتضادا بالعمومات فتأمل فالحق إذا هو ايقاف الدعوى لعدم الميزان له لا التنصيف الذي جعله مرتبة رابعة وأما استلزام الايقاف لابطال الحقوق فلا ضير فيه بعد عدم الميزان واقدام ذي الحق عليه بعدم الحلف هذا.
ثم انه دام ظله ذكر ان ما ذكرنا من كون مقتضى القاعدة التنصيف إنما هو في صورة وجود البينة لكل من المدعيين وأما لو تداعيا ولم يقيما بينة فإن كان هناك علم إجمالي بعدم خروج العين عن بينهما أو أقر الثالث بأنها لاحدهما على سبيل الترديد ونكلا عن الحلف فالحكم بالنظر إلى القاعدة هو التنصيف أيضا لان نكول كل منهما موجب لسقوط اختصاصه من العين لا أصل الاستحقاق فإن ضم إليه حلف صاحبه فيأخذها بتمامها وإلا فيأخذ كل منهما نصفها لقضية النكولين السببين لسقوط الاستحقاق من بعض العين وأيضا الحكم بالايقاف في الفرض موجب لابطال الحق قطعا فلا معنى للحكم به وأما القرعة فهي وان يقتضيها القاعدة إلا ان الحكم بها لعدم العامل بها في غاية الاشكال وإن لم يكن هناك علم إجمالي ولا إقرار من الثالث بكون العين لاحدهما على سبيل الترديد فالذي يقتضيه النظر الدقيق هو الحكم بالايقاف لا التنصيف لعدم الموجب له حتى النكول مع كل منهما لعدم توجه الحلف إليهما حتى يثمر نكولهما إذ ليس هناك مرافعة وخصومة حقيقة ولا القرعة لعدم انحصار الحق فيهما فيقر في يد الثالث حتى يوجد من يأخذها بطريق شرعي هذا ملخص ما ذكره دام ظله العالي وهو غير نقي عن الاشكال.
أما أولا فلانه لا وجه للحكم بالتنصيف في الصورة الاولى مع عدم ما يقتضيه وأما ما ذكره من سببية نكول كل منهما في ذلك فلم يعلم له وجه لانه إن بنى على القضاء بالنكول في الفرض فليقض به بمجرد نكول الاول وإن لم يبن عليه كما هو قضية صريح كلامه دام ظله فلا معنى لتأثيره أصلا إلا في عدم الحكم للناكل لكن لا بالنسبة إلى بعض العين بل بالنسبة إلى تمامها فنكول كل منهما موجب لسقوط حقه عن العين بالتمام وأما استلزام الايقاف لابطال الحق فقد عرفت ما فيه فالحق إذا الحكم بالقرعة إن كان هناك من عمل بها وإلا فالايقاف.
وأما ثانيا فلان الفرق بين الصورتين مما لم نجد له وجها لان في الصورة الثانية إن بنى على تعارض الدعويين فيها فيوجد هناك خصومة بين المدعيين فلا بد من رفعها باليمين بعد تعذر رفعها بالبينة وإن بنى على عدمه فالدعوى من كل منهما سبب للقضاء له لكونها دعوى لا معارض لها فإذا اجتمعتا كما في الفرض فتصيرا بمنزلة السبب الواحد للحكم بالتمام فيقضى بالتنصيف بينهما فتأمل ولاجل ما ذكر سوى جماعة بين الصورتين في الحكم منهم العلامة في محكي القواعد والتذكرة والتحرير قال في محكي القواعد لو قال ليست لي أو لا أعرف صاحبها أو هي لاحدكما ولا أعرف عينه أقرع بينهما لتساويهما في الدعوى وعدم البينة انتهى وعن التحرير فمن رجت باسمه حلف وكانت له وإن نكل حلف الآخر وإن نكلا قسمت بينهما انتهى كلامه وتفصيل القول في المسألة وتحقيقه قد تقدم فيما سبق فراجع إليه حتى تطلع على حقيقة الحال والله العالم بالحقايق وهو المطلع على السراير.
قوله ويتحقق التعارض بين الشاهدين والشاهد والمرئتين ولا يتحقق بين الشاهدين وشاهد ويمين اه أقول لما فرغ المصنف من التكلم في حكم تعارض الشاهدين أراد التكلم في حكم تعارض الشاهد والمرئتين والشاهد واليمين ونحن نفصل القول في المقام بحيث يرفع غواشي الاوهام عن وجه المرام فنقول بعون الله الملك العلام و دلالة أهل الذكرعليهمالسلام ان الكلام يقع في مقامين أحدهما في حكم تعارض كل منهما مع مثله ثانيهما في حكم تعارض كل منهما مع الشاهدين ومع الآخر.
أما الكلام في المقام الاول فنقول انه لا ريب ولا شك في تعارض كل منهما مع مثله لان مقتضى اعتبارهما بالذات ذلك فإن شئت قلت إن ما دل على اعتبارهما يشمل صورة التعارض كقوله استخراج الحقوق بأربعة الحديث ونحوه فيرجع في مادة التعارض إلى ما تقتضيه العمومات من القرعة أو الحلف أو غير ذلك مما عرفت الكلام فيه من الاحكام الموافقة للاصل المأخوذ بها في صورة تعارض مطلق الحجة الشرعية أو إلى ما ثبت لتعارض البينتين إن قلنا بصدق البينة عليهما حسبما ستعرف القول فيه إن كان هناك أحكام خاصة مخالفة للاصل قد قام الدليل على ثبوتها في البينة من حيث هي.
وأما الكلام في المقام الثاني فنقول أما الشاهد والمرئتان فالظاهر انه لا إشكال بل لا خلاف في تعارضهما ومقاومتهما للشاهدين لكونهما في مرتبة واحدة من الاعتبار اما لما دل على ان المرئتين في الشرع بمنزلة رجل واحد وعدلتا به واما لصدق البينة عليهما فيراعى فيهما جميع أحكام تعارض البينتين لو كان هناك أحكام على خلاف الاصل رتبت على خصوص تعارضهما كالترجيح بالاعدلية ونحوها وإلا فلا يحتاج إلى اثبات الصدق وبالجملة لا إشكال في مقاومة الشاهد والمرئتين للشاهدين في مقام المعارضة وقد نفى عنه الخلاف في كلام جمع من الاصحاب بل في كلام بعض دعوى الاجماع عليه.
وأما اجراء أحكام تعارض البينتين عليهما فإن كانت مما لا يترتب على موضوع تعارض البينتين بل على مطلق تعارض الحجتين فلا إشكال وإن كانت مما يترتب عليه فإن قلنا بصدق البينة على الشاهد والمرئتين حسبما بنى عليه فلا إشكال أيضا وإلا ففي اجرائها عليهما وجهان من عموم المنزلة الثابت ببعض الاخبار ومن ان التنزيل إنما هو فيما لم يعلم كونه من خواص المنزل عليه وإلا فلا يقبل للتنزيل وهذا هو الوجه هكذا ذكره الاستاد العلامة.
وأما الشاهد واليمين فالذي حكى عن الشيخرحمهالله انه يتحقق التعارض بينهما وبين الشاهدين فيقرع بينهما ناسبا له إلى مذهبنا والذي عليه المشهور عدم وقوع التعارض بينهما وبين الشاهدين وعلله بعض مشايخنا بعدم صدق البينة عليهما فلا يندرج حينئذ في النصوص وفيه ان التعليل المذكور على فرض تماميته إنما يصلح للحكم بعدم ترتب الاحكام الخاصة الثابتة لتعارض البينتين عليهما لا لاصل عدم المقاومة والتعارض وعدم ترتب مطلق الاحكام الثابتة لتعارض الحجتين عليهما هذا.
وبالحري أن نبين معنى البينة حتى يتبين صدقها على الشاهد واليمين ثم نتعرض لبيان الوجه في عدم مقاومتهما للشاهدين مع كون كل منهما من أفراد البينة فنقول ان البينة عبارة عن كل حجة معتبرة للمدعي بالمعنى الاعم خارجة عن قوله فيخرج الدعوى التي لا معارض لها واليمين سواء كان قول واحد أو أزيد وسواء كان الرجل أو المرئة فتشمل شهادة الشاهدين وأزيد والشاهد والمرئتين والشاهد واليمين والشاهد الواحد والمرئة الواحدة والدليل على كون معناها ما ذكر تبادره منها عند التأمل وأما ما يقال من ظهورها في الشاهدين فلا تشمل
باقي الحجج ففيه ان هذا الظهور على فرض تسليمه ظهور بدوي قد نشأ من انس الذهن من جهة كثرة الدوران وإلا فعند التأمل يعلم ان المتبادر منها ما ذكرنا من المعنى الاعم فعلم من ذلك كله ان البينة تشمل الشاهد واليمين أيضا هذا مضافا إلى دلالة ما دل على حصر القضاء في البينة واليمين فإنه يدل على عدم صحة سلب البينة من الشاهد واليمين وصحة اطلاقها عليهما وإلا لزم عدم صحة الحصر والمفروض ثبوته.
هذا ملخص ما ذكره الاستاد وللتأمل فيه خصوصا في الاستدلال بالاخبار الحاصرة مجال لان غاية ما يستفاد منها عدم خروجهما من البينة واليمين وأما دخولهما تحت الاولى لا الثانية فلا بل قد يقال بأولوية دخولهما تحت الثانية فتأمل هذا مجمل القول في اثبات صدق البينة على الشاهد واليمين وأما الكلام في عدم مقاومتهما للشاهدين بعد البناء على دخولهما في البينة وصدقها عليهما فملخصه انه قد استدل عليه بوجوه أحدها ما ذكره في المسالك من ان الشاهد لا يستقل بالحجية واليمين معه وإن أوجب ثبوت المال إلا انه حجة ضعيفة ومن ثمة اختلف في ثبوته بهما ثانيها ما ذكر فيه أيضا من ان الذي يحلف مع الشاهد يصدق نفسه والذي يقيم شاهدين يصدقه غيره فهو أقوى جانبا وأبعد عن التهمة هذا.
وأنت خبير بضعف كلا الوجهين أما الاول فلانه إن أريد من الضعف في الحجية ان حجيتهما موقوفة على عدم قيام حجة على خلافهما لضعفهما في مرتبة الحجية ففيه المنع من ثبوت ذلك سيما بعدما عرفت من صدق البينة عليهما فما دل على اعتبار الشاهدين فهو بعينه يدل على اعتبارهما فلا يعقل الحكم بتفاوت افراده في مرتبة الحجية وإن أريد من الضعف في الحجية عدم اعتبارهما في جميع الموارد بل في حقوق الناس في الجملة بخلاف الشاهدين فإنهما معتبران في أكثر الموارد ففيه ان عدم اعتبارهما في جميع الموارد لا يدل على تقدم الشاهدين عليهما في مورد اعتبارهما حسبما هو محل الكلام كيف ولو بنى على ذلك لجرى مثله في الشاهد والمرئتين أيضا ضرورة ضعفهما بالنسبة إلى البينة لاعتبارها فيما لا يعتبران من غير عكس حسبما يستفاد من الاخبار والحاصل ان الكبرى وهي ان كل قوي مقدم على كل ضعيف ولو بالمعنى المذكور غير مسلمة وأما وقوع الاختلاف فيه فإن أريد اختلاف العامة فهو إن لم يوجب قوته لان الرشد في خلافهم فلا يؤثر في ضعفه وإن أراد الاختلاف منا فغير موجود كما لا يخفى.
وأما الثاني فلانه ليس إلا مجرد اعتبار إذ بعد فرض قيام الدليل على اعتبار الشاهد واليمين سيما إذا كان ما دل على اعتبار البينة لا معنى للكلام المذكور إذ بعد اعتبار تصديق النفس يصير كتصديق الغير وأما مجرد الاقربية إلى التهمة والابعدية عنها لا يوجب الحكم بتقديم الاقرب على الابعد لعدم قيام دليل على تقدم كل بعد عن التهمة على أقرب إليها كما لا يخفى ولعمري ان مثل هذه الوجوه مما أوجب قدح الاخبارية في المجتهدين والطعن عليهم بأنهم يعتمدون على قواعد العامة.
ثالثها ما استدل به الاستاد العلامة دام ظله من ان ما دل على الترجيح بالكثرة كقوله في جملة من الاخبار المتقدمة أقام كل منهما شهودا سواء في العدد يدل على ترجيح الشاهدين على الشاهد واليمين بناء على أن لا يكون المراد من الاستواء في العدد الاستواء في التعدد بل الاستواء في أصل العدد وإلا فلا ينفعنا إن لم يضرنا وأن لا يكون المراد من الشهود الجمع بل الجنس لا يقال لو بنى ما ذكر لزم ترجيح الشاهد والمرئتين على الشاهدين لان الاول أكثر عددا من الثاني لانا نقول بعد تنزيل المرئتين منزلة الشاهد الواحد لا معنى لملاحظة تعددهما لا يقال لو كان مجرد التنزيل كافيا في الاستواء في العدد لقلنا بمثله في الشاهد و
اليمين أيضا لانهما نزلا أيضا منزلة الشاهدين لانا نقول لم يقم دليل على التنزيل المذكور أصلا كما لا يخفى.
هذا ملخص ما ذكره ويرد عليه بعد منع ظهور ما ذكره من الرواية انه مناف لما بنى عليه الامر سابقا من عدم دلالة اخبار الترجيح على تقديم الراجح على المرجوح في الحجية الفعلية وإنما يستفاد منها تقدم قول ذي البينة الراجحة والحاصل ان المقصود في المقام اثبات عدم كون الشاهد واليمين في مرتبة البينة و كونهما كالاصل بالنسبة إليها ومعلوم ان الاخبار المذكورة حسبما اختاره الاستاد العلامة لا تدل على المعنى المذكور أصلا وتتميم المدعى بالاجماع المركب فيه ما لا يخفى.
رابعها ما ذكره الاستاد العلامة أيضا من ان قضية ما دل على الترجيح بالعدد كقوله أكثرهم بينة يستحلف وغيره بناء على حمله على ظاهره من كون المراد من العدد التعدد هو اعتبار التعدد في البينة الشرعية لان الامر بأخذ أرجح الحجتين في شئ في مقام التعارض يدل على اعتبار هذا الشئ في اعتبارهما كأمره بترجيح أعدل الراويين فإنه يدل على اعتبار العدالة في الراوي وهذا مما لا سترة فيه أصلا فمقتضى الاخبار عدم اعتبار الشاهد واليمين مطلقا غاية الامر ثبت اعتبارهما في غير مورد المعارضة في الجملة وأما مورد المعارضة فلا ولو فرض اطلاق لما دل على اعتبارهما فيقيده بصورة عدم المعارضة هذا حاصل ما ذكره وهو لا يخلو عن تأمل.
خامسها ما ذكره أيضا من ان المستفاد من بعض الاخبار الدالة على اعتبار الشاهد بانضمام اليمين كون الاصل فيهما هو الشاهد وان الوجه في اعتباره عدم لزوم بطلان حق المؤمن واما اليمين فإنما هي شرط له جئ بها لرفع التهمة كتعليله في بعض الاخبار قبولها بقوله لئلا يبطل حق أمرإ مسلم ولا يرد شهادة مؤمن فيدل على ان الوجه في اعتباره هو لزوم بطلان الحق لولاه فتدل على عدم اعتباره فيما لو كان هناك مثبت للحق وهو - الشاهدان هذا فصار المحصل ان المستفاد من الاخبار قوة الشاهدين على الشاهد والمرئة فيقدمان عليهما في مقام التعارض وإن كان كل منهما من أفراد البينة وهذا هو مراد العلامة في تعليله تقديم الشاهدين عليهما بكونهما أقوى إذ ليس مراده ان مجرد القوة أوجب تقديمهما حتى يقال بأنه وجه اعتباري لا يصلح للاعتبار بل ان المستفاد من الاخبار تقديمهما عليهما من جهة القوة والضعف وعليه يمكن أيضا تنزيل ما قد عرفت من المسالك هذا ملخص ما ذكره دام ظله والله العالم بحقيقة الحال.
هذا كله في تعارض كل من الشاهد والمرئتين والشاهد واليمين مع البينة وأما حكم تعارض كل منهما مع الآخر فيعلم مما مر في حكم تعارضهما مع الشاهدين لان بعد تنزيل الشاهد والمرئتين منزلة الشاهدين يصير حكمهما واحدا وهذا مما لا سترة فيه إنشاء الله.
قوله وفي كل موضع قضينا فيه بالقسمة اه أقول لا إشكال بل لا خلاف بل لا يعقل الخلاف في ان القضاء بالتنصيف والقسمة إنما هو فيما كان قابلا للقسمة ولو بحسب المالية وأما فيما لا يقبلها فلا يعقل القول فيه بها لفرض عدم إمكانها فيه كما انه لا إشكال ولا خلاف في ان الميزان فيه هو القرعة لما في مرسل داود بن زيد العطار عن الصادقعليهالسلام في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود فشهدوا ان هذه المرئة امرأة فلان وجاء آخرون فشهدوا انها امرئة فلان فاعتدل الشهود وعدلوا قال يقرع بين الشهود فمن خرج اسمه فهو المحق وهو أولى بها وكونه مرسلا لا يقدح في التمسك به كما لا يخفى.
إنما الاشكال بل الخلاف في ان الحكم بها هل يتوقف على انضمام اليمين إليها وإلا فيحكم لمن لم تخرج القرعة باسمه بعد حلفه او لا يتوقف على ذلك الذي صرح به في المسالك عدم الافتقار إليه لان فائدته القضاء
للآخر مع نكوله وهو منفي هنا ويستفاد ذلك من كلام الفاضل في بعض كتبه أيضا والذي صرح به بعض مشايخنا المتأخرين الافتقار إليه لعدم المانع منه مع ان قضية الادلة ذلك لان المنفي في الفرض التنصيف لا اليمين وعدم تعرض الخبر المتقدم لليمين لا ينافي ثبوتها من غيره.
والحق هو عدم الافتقار إلى انضمام اليمين لما قد عرفت مرارا ان توجه اليمين إنما هو فيما إذا ترتب على النكول عنها ثمرة وهي هنا غير موجودة لان القضاء بالنكول في الفرض مما لا معنى له والرد إلى الآخر أيضا كذلك لنقل الكلام إليه فإن على نكوله أيضا لا يترتب ثمرة لفرض انتفاء التنصيف والحكم بتوجه اليمين إليه لعله يحلف أو يحلف صاحبه مما لا معنى له لما قد عرفت مرارا ان مجرد احتمال وجود الميزان لا يوجب الحكم بتوجه اليمين ما لم يترتب على نفس النكول ثمرة فلا بد من القضاء بنفس القرعة ولا ينافي هذا الاخبار الحاصرة لميزان القضاء في البينات والايمان لعدم امكان القضاء بهما في الفرض والله العالم وهو الحاكم.
قوله فالشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث الخ أقول هذه من احدى المرجحات التي ذكرها معظم الاصحاب كالاطلاق والتقييد والدخول والخروج والقوة والضعف فالكلام في المقام مسوق لبيان أصل كون الشهادة بالقدم من الرجحات مع قطع النظر عن اجتماعها مع ساير المرجحات فإن الشهادة بالقدم والشهادة بالحدوث قد تكونان مطلقتين وقد تكونان مقيدتين وقد تكونان مختلفتين وقد تكون العين في يد أحد المدعيين وقد تكون في يدهما وقد تكون خارجة عن يدهما إلى غير ذلك إلا ان الكلام في المقام في اثبات الترجيح بالقدم والحدوث من حيث هما كساير المرجحات فإن التكلم في جميعها من هذه الحيثية وأما حكم ورة تعارضهما مع ساير المرجحات فلعلنا نشير إليه إنشاء الله.
فليفرض الكلام فيما إذا كانت العين خارجة عن يدهما وأقام كل منهما بينة مطلقة غير مشتملة على مزية فنقول ذهب جماعة من الاصحاب حسبما نسب إليهم كالشيخ وابني ادريس وحمزة والفاضل في بعض كتبه بل في المسالك انه المشهور بينهم إلى أن الشهادة بقدم الملك أو أقدمه مقدمة على الشهادة بحادث الملك وقديمه كما إذا شهدت إحدى البينتين انها ملك زيد منذ سنة والاخرى انها ملكه في الحال أو أطلقت أو شهدت احديهما انها ملك زيد منذ سنتين والاخرى انها ملكه منذ سنة قال ابن ادريس في السرئر فان لم يكن ترجيح وهو في يد ثالث وأقام أحدهما بينة بقديم الملك والآخر بحديثه وكل منهما يدعي انه ملكي الآن وبينة كل واحد منهما تشهد بأنه ملكه الآن غير ان إحدى البينتين تشهد بالملكية الآن وبقديم الملك والاخرى بالملكية الآن وبحديث الملك مثاله ان احدى البينتين تشهد بالملك منذ سنتين والاخرى منذ سنة فالبينة بينة قديم الملك وهي المسموعة والمحكوم بها دون بينة حديث الملك انتهى ما أردنا نقله ومن نسب الترجيح إليه قد استفاده من هذه العبارة.
ولكنه قد صرح في موضع آخر من الكتاب المذكور قريب من العبارة المزبورة بأن الذي ذكره لم يكن مختارة حيث قال والذي اعتمده واعتقده عليه بعد هذه التفاصيل جميعها الا يرجح إلا بالعدد وبالتفاضل في عدالة البينتين فحسب دون الاسباب وقدم الاملاك لان القياس عندنا باطل على ما قدمناه.
وإنما فصلنا ما فصلناه على وضع شيخنا في مسائل خلافه وهي من فروع المخالفين ومذاهبهم فحكاها واختارها دون أن يكون مذهبا لنا ولبعض مشيختنا ولاوردت به أخبارنا ولم يذهب إليه أحد من أصحابنا انتهى ما أردنا حكايته وهذه العبارة كما ترى صريحة في عدم قوله بالترجيح المذكور بل صريحة في عدم ذهاب أحد
من الاصحاب إليه غير الشيخرحمهالله وذهب بعض بل جماعة منهم الحلي مما عرفت من كلامه إلى مساواتهما.
استدل للمشهور في المشهور بأن الزائدة تثبت الملك في وقت لا تعارضها الاخرى فيه وإنما تتساقطان في محل التعارض دون السابق الذي لا معارض لها فيه والاصل في الثابت دوامه ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان ممن تصرف فيه لانه ملك لا معارض له فيه فيجب استدامته وأن لا يثبت لغيره ملك إلا من جهته هذا ملخص ما ذكروه.
وحاصله يرجع إلى ان المرجح بعد تعارض البينتين في مورده استصحاب بقاء الملكية للذي شهدت بينته بالقدم الذي وجد من البينة التي لا معارض لها فإن التي تشهد بالقدم سليمة عن معارضة التي شهدت بالحال بالنسبة إلى الزمان الزائد فيكون القضاء حينئذ حقيقة بالبينة بضميمة الاستصحاب لا أن يكون المرجع الاصل كما قد يتوهم في معنى كلام المشهور بمعنى كون القضاء به مستقلا مع تساقط البينتين عن رأس فيكون هو الميزان للقضاء في الفرض حتى يقال بأنه لا دليل على جواز القضاء بالاصل بل مقتضى العمومات الحاصرة عدمه والمفروض ان أحدا لم يلتزم باليمين في الفرض حتى يقال بأن القضاء بها إذ لا معنى لاجراء الاصل بعد الحكم بتساقط - البينتين حتى في غير مورد التعارض لما قد عرفت من أن تحقق الاصل إنما هو من البينة القديمة من جهة سلامتها عن المعارض بالنسبة إلى الزمان الزائد فلا معنى للحكم بوجوده مع انتفائها.
ومن هنا يظهر فساد ما قد يتوهم من كون الوجه لتقديم البينة القديمة عندهم الترجيح بالاصل لا الرجوع إليه بعد التساقط في مادة التعارض وجه الفساد ما عرفت من عدم وجود الاصل في المقام مع قطع النظر عن البينة القديمة حتى ترجح به هذا.
وأورد عليه بوجوه أحدها ما قد يستفاد من كلام بعض مشايخنا طيب الله رمسه ويختلج ببالي الفاتر ونظري القاصر من ان ما ذكروه مبني على التبعيض في البينة القديمة بالنسبة إلى الزمانين وهو مما لا يدل عليه أدلة تصديق البينة بل قد يقال ان مقتضاها عدم جوازه وفيه ان التبعيض الذي دل الدليل على عدم جوازه هو التبعيض في مورد التعارض بأن يعمل بإحدى البينتين في بعضه وبالاخرى في بعضه الآخر كالتنصيف في العين التي تداعياها رجلان أقام كل منهما بينة سواء على كونها ملكه لان هذا النحو من التبعيض لا يجامع القول باعتبار البينة من باب الطريقية حسبما قد عرفت تفصيل القول فيه وأما التبعيض بالمعنى المقصود في المقام وهو عدم الاخذ بالبينة في مورد التعارض والاخذ بها في غير مورده من جهة سلامته عن المعارضة فليس فيه ما يشينه بل هو قضية ما دل على وجوب تصديق البينة بقدر الامكان فتأمل.
ثانيها ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله ويستفاد من كلام غيره ممن تقدم عليه من الاصحاب من ان مقتضى وجوب الجمع والتوفيق بين البينتين وتصديقهما مهما أمكن هو القضاء بالبينة التي تشهد بالحدوث والحال وتقديمها على التي تشهد بالقدم.
لاحتمال استناد الثانية إلى ما اطلع الاولى بزواله ووجود الرافع له كالاستناد إلى الاستصحاب من جهة اليد السابقة أو غيرها فتصدق البينتين بحمل كون شهادة احديهما من جهة الاستناد إلى الاصل وشهادة الاخرى من جهة الاستناد إلى ما يزيله كالبيع والهبة والاقرار ونحوها من الاسباب الناقلة والكاشفة.
وأما القول بإمكان الجمع بينهما بحمل استناد الاولى إلى أصل وهو أصالة الصحة في البيع ونحوه واطلاع الثانية إلى ما يزيله لان هذا أيضا محتمل كالاحتمال السابق ففيه ان هذا الاحتمال موجود بعينه في الثانية أيضا
بالنسبة إلى السبب السابق لاحتمال استنادها فيه إلى أصالة الصحة فهو مما لا ينفع أصلا وقد عرفت مرارا في طي كلماتنا السابقة ان الاحتمال الذي يصلح لحمل إحدى البينتين عليه ويجمع به بينهما هو الاحتمال المتطرق في احديهما الغير المتطرق في الاخرى وأما الذي متطرق فيهما فلا يعقل ان يجعل مستندا للجمع بينهما للزوم الترجيح بلا مرجح وإن شئت توضيح ذلك فارجع إلى ما فصلناه في وجه تقديم المشتملة على السبب على غيرها وبالجملة كلما احتمل في إحدى البينتين ما لا يحتمل في الاخرى بل احتمل فيها الاطلاع على ما يقتضي رفعه والاستناد عليه فيجب الجمع بينهما والحكم بتحقق الاحتمالين فيهما وهذا أصل قد بنوا عليه في كثير من مسائل تعارض البينات كما في مسألة تعارضها في الجرح والتعديل والتقييد والاطلاق والاثبات والنفي إلى غير ذلك.
فنقول في المقام ان قضية التحقيق وإن كانت ما ذكروه لو كانت البينتان في مرتبة واحدة من - القوة إلا انه لا ريب ان البينة القديمة ضعيفة بالنسبة إلى ما تشهد عليه بالحال لضعف مستندها وهو الاصل هذا ملخص ما ذكره دام ظله العالي في مجلس البحث وهو كما ترى على فرض صحته يقتضي المصير إلى عكس ما عليه المشهور.
وإلى ما ذكره اشار الفاضل في القواعد في وجه عدم التقديم ويكون هو المراد من كلامه فبالحري نقله بألفاظه حتى تطلع على حقيقة مرامه قال في مقام بيان المرجحات وتعدادها الثالث اشتمال إحدى البينتين على زيادة كزيادة التاريخ فإذا شهدت بينة على انه ملكه منذ سنة والاخرى انه ملكه منذ سنتين حكم للاقدم لان بينته أثبتت الملك له في وقت لم يعارضها فيه البينة الاخرى فثبت الملك فيه ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان وتعارضتا في الملك في الحال فسقطتا وبقي ملك السابق فيجب استدامته وان لا يثبت لغيره ملك إلا من جهته ثم قال ويحتمل التساوي لان المتأخرة لو شهدت انه اشتراه من الاول لقدمت على الاخرى فلا أقل من لتساوي انتهى كلامه رفع الله في الخلد مقامه.
وأنت بعد التأمل في كلامه تعلم ان مراده ما ذكره شيخنا الاستاد العلامة لان مقصوده من كلامه الاخير انه لو فرض اشتمال المتأخرة على ذكر السبب فلا إشكال في تقديمها فلا بد من أن يحكم في صورة اطلاقهما بالتسوية لو لم يحكم بترجيح المتأخرة من حيث لزوم الجمع بين البينتين مهما أمكن بحمل المتأخرة على الاطلاع على السبب الناقل والمتقدمة على الاستناد بالاصل حسبما عرفت من كلام الاستاد العلامة فالحكم بترجيح الثانية على الاولى مما لا وجه له هذا.
وفيه أولا انا نفرض الكلام فيما إذا علمنا باستناد كل من البينتين إلى العلم بالمشهود به وهو الملكية في الحال ومن المعلوم عدم جريان ما ذكر فيه وتوهم خروجه عن محل الكلام فيه ما لا يخفى وثانيا سلمنا عدم العلم بذلك لكن مقتضى ظاهر كلامهما هو الحمل على ذلك وإن كان الاستناد إلى الاصل أيضا جايزا لا يستلزم تجوزا في اللفظ على تقديره حسبما عرفت تفصيل القول فيه إلا انه خلاف الظاهر قطعا فلا يجوز المصير إليه إلا مع دلالة صارفة ومجرد العلم باستناد إليه في الغالب على تقديره لا يصلح صارفا كما لا يخفى.
والقول بأن مقتضى الشهادة الحالية الاطلاع على النقل من المدعى إلى من قامت له بخلاف الشهادة على القدم فيه ما فيه لانه ليس معنى الشهادة الحالية والمتأخرة كونها مصرحة بالنقل والسبب لان الشهادة على الحال لا دلالة على ذلك أصلا فضلا عن أن تكون صريحة فيه لان الشهادة في الحال إنما تثبت الملكية فيها
مع السكوت عن سببه وعما قبلها فيحتمل استناد كل منهما في الشهادة على الملك في الحال إلى الاستصحاب مع عدم اطلاع المتأخرة على ما يزيل مقتضى المتقدمة.
ومنه يظهر ان اطلاق الحادثة على المتأخرة كما في كلام بعض الاصحاب مسامحة لان الكلام ليس مفروضا فيما إذا شهدت احديهما على حدوث الملك وانتقاله عن الآخر كما انه يظهر منه فساد القول بأن البينة المتأخرة وإن لم تكن صريحة فيما ذكر إلا انها ظاهرة فيه وجه الفساد ما عرفت من عدم دلالتها على ذلك أصلا وسكوتها عنه جزما.
فنقول بناء على تسليم وجوب الجمع بين البينتين بالمعنى المذكور مهما أمكن حسبما عليه المشهور كما تقدم في مسألة الاطلاق والتقييد وإن بنينا على عدم وجوبه من حيث عدم قيام الدليل عليه ان الجمع بالمعنى المذكور غير ممكن في المقام لتطرق كل احتمال يتطرق في احديهما في الاخرى أيضا فلا يمكن الجمع بينهما فتأمل.
وثالثا ان ما ذكروه من حديث الاطلاق والتقييد أو النصوصية والظهورية من حيث الاستناد إلى الاصل وما يقتضي رفعه خروج عن محل الكلام لانه في اثبات الترجيح بنفس التقدم والتأخر مع قطع النظر عن ساير المرجحات حسبما عرفت الاشارة إليه في أول المسألة فنفرض الكلام فيما إذا كان مستند كل منهما شيئا واحدا كما إذا اعتقدت كل منهما ان الثالث الذي بيده المال وكيل عن الذي شهدت له ونحو ذلك فالترجيح بغيرهما خروج عن محل الفرض.
هذا ما ذكره شيخنا الاستاد العلامة بعد نقل كلام العلامة الذي مر بك بناء على ما ذكره الفاضل في كشف اللثام في شرح قوله فلا أقل من التساوي من قوله إن لم نقل بالرجحان أيضا لانها تدعي أيضا الاطلاع على ما لم تطلع عليه الاخرى فإنه ما لم يظهر لها ما يرجح الملك أو يعينه منذ سنة فكيف تشهد به وغاية الاخرى انها لم يظهر لها ذلك والاثبات مقدم.
ثالثها ما يستفاد من كلام الفاضل في القواعد أيضا من انا نمنع من سماع البينة بالنسبة إلى الزيادة مع قطع النظر عن سماعها في الحال لانا انما سمعنا البينة القديمة من حيث شهادتها بالملكية الحالية ولهذا لو شهدت البينة بالملكية في زمان سابق على زمان الدعوى ولم تتعرض له أصلا لا بنفي ولا اثبات مثل أن يقول اني اشهد ان الدار الفلاني ملك زيد قبل سنة لم تسمع قطعا واستصحاب الحاكم لا دليل عليه مع احتماله قطع البينة على خلاف الحالة السابقة قال في القواعد بعد كلامه الذي عرفته ما هذا لفظه وثبوت الملك في الماضي من غير معارضة إنما يثبت تبعا لثبوته في الحال ولهذا لو انفرد بادعاء الملك في الماضي لم تسمع دعواه ولا بينته وكذا البحث لو شهدت احديهما بالملك في الحال والاخرى بالقديم انتهى كلامه وورود هذا الايراد وعدمه يتضح مما سنذكره من التكلم في جواز القضاء بالبينة بضميمة الاستصحاب مع سكوت الشاهد عن الحالة الثانية فانتظر ثم ان الاستاد العلامة بعد ما ذكر جملة من الكلام على كلمة الطرفين قال فبالحري أن نفرد كل صورة مما تصور في المقام بالتكلم فيها حتى يتضح حقيقة الامر.
فنقول ان لتعارضهما صورا احديها أن نعلم باستناد البينة المتقدمة في شهادتها على البقاء والملكية الحالية إلى الاستصحاب كما هو الغالب ففي هذه الصورة تقدم المتأخرة عليها سواء اسندت إلى سبب نقل من المدعي أو اسندت إلى سبب نقل ولم يذكر المنتقل عنه أو اسندت إلى غير المدعي كما لو قالت اني اشهد انه
ملكه منذ سنة واشتراه من فلان أو اشتراه من عمرو مثلا أو أطلقت وسواء علمنا التقدير الثاني بكون استنادها في الملكية المطلقة إلى علمه بها أو لم نعلم ذلك أو علمنا باسناده إلى أمر غير علمي كاليد الظاهرة في الملك.
ووجه التقديم في غير الصورة الاخيرة واضح لانه جمع قد حققنا غيره مرة وجوبه وفصلنا القول في مسألة تعارض البينتين في الجرح والتعديل.
وأما فيها فوجه الجمع أيضا القاعدة المذكورة لان المفروض ان البينة المتأخرة من جهة استنادها إلى اليد المتقدمة على الاستصحاب الحاكمة عليه ناطقة عما يسكت عنه المتقدمة ومطلعة على ما لم تطلع عليه ومدعية للدراية بالنسبة إلى ما لا تدريه فلا بد من الجمع بينهما وتصديقهما.
فإن قلت كما يكون مستند البينة المتقدمة في الفرض الاستصحاب وعدم العلم بالفرض ولهذا تكون البينة المتأخرة مقدمة عليها كذلك يكون مستند البينة المتأخرة في الفرض الاصل وعدم العلم والدراية لفرض احتمالها كون اليد والتصرف مما يجامع عدم الملكية أيضا كاليد العارية والوديعة ونحوهما غاية الامر انها لما لم تعلم بذلك نفته بالاصل من جهة الغلبة ويحتمل اطلاع البينة المتقدمة على كونها يد غير ملك ولهذا لم تعبأ بها واجرت الاستصحاب وشهدت على خلافها.
قلت مجرد اشتمال مستند البينة المتأخرة على جهة غير علمي لا يوجب الحكم بتقدم غيرها عليها أو مساواته معها مع فرض عدم تعرضه بالعلم بذلك لان الذي تقرر في محله وقام الدليل عليه انه لو شهدت إحدى البينتين بشئ من جهة عدم العلم بما ينافيه ويرفعه وشهدت الاخرى بخلافها من جهة علمها به بحيث ادعت الدراية بالنسبة إلى ما لم تدره الاولى قدمت عليها لا انه إذا شهدت إحدى البينتين بشئ من جهة عدم العلم بما ينافيه ولم تدع الاخرى العلم به أصلا ولم يكن شهادته ظاهرة فيه أيضا تقدم عليها.
وبالجملة البينة المتأخرة من جهة استنادها باليد الحاكمة على الاستصحاب تدعي الدراية بالنسبة إلى ما لا تدري به المتقدمة والبينة المتقدمة لا تدعي الدراية بالنسبة إلى ما تدري به المتأخرة.
نعم لو فرض العلم بعلمها بكون المشهود به عارية أو وديعة ممن تشهد له عند من تشهد البينة المتأخرة له قدمت عليها لان استصحاب كون اليد عارية حاكم على اليد لانه يشخص بحكم الشارع كون اليد من القسم المجامع مع عدم الملكية لكن مجرد احتمال ذلك لا يوجب الحكم به ورفع اليد عن ظهور اليد هذا ولكنك خبير بأن الترجيح من الجهة المذكورة ليس من الترجيح بالتقدم والتأخر أصلا اللهم إلا أن يقال بمدخليتهما فيه لانه لو شهدت إحدى البينتين بالملكية في زمان كمنذ سنة والاخرى بالملكية السابقة ولم تعين الزمان لا يجوز الحكم في هذه الصورة بتقديم الاولى على الثانية لاحتمال كون زمان السابقة متأخرا عن السنة فتأمل.
ثم ان ما ذكرنا في القديم والحادث يجري في القديم وإلا قدم أيضا لان بينة القديمة وإن فرض استنادها في البقاء إلى الاستصحاب لكن التعارض بينها وبين بينة الاقدم إنما هو في الزمان الذي تشهد فيه بالحدوث وبينة الاقدم بالبقاء فإذا فرض العلم باستناد الثانية في البقاء إلى الاستصحاب والاولى إلى غيره جرى فيه جميع ما تقدم كما لا يخفى.
ثانيتها ان تشهد المتأخرة بالملك والمتقدمة به مستندة إلى التصرف واليد بحيث علم استنادها به ولم يعلم استناد الاولى به ففي هذه الصورة أيضا لا إشكال في تقديم المتأخرة لاشتمالها على زيادة لا تكون في المتقدمة و كونها ناطقة بخصوصية اثبتها المتقدمة بعدم العلم لان التصرف أعم من الملكية غاية الامر ظهوره في الملكية من جهة
الغلبة فهي لا تقاوم ما تشهد بالاخص وسيجئ بعض الكلام في ذلك بعد هذا إنشاء الله وأنت خبير بأن هذا أيضا ليس من الترجيح بالقدم والحدوث ولا دخل له بهما أصلا ولهذا لو شهدتا في الحال على النهج المذكور قدمت البينة التي تشهد بالملك على التي تشهد بالتصرف حسبما ستقف عليه إنشاء الله.
ثالثتها عكس الصورة بأن تشهد المتقدمة بالملك والمتأخرة بالتصرف ولم يعلم استناد المتقدمة على الاستصحاب فينعكس الامر على اشكال.
رابعتها ان تشهد كل منهما بسبب متحد يعلم به كما إذا كان مستند شهادة احديهما اعتقادها كون الثالث وكيلا مثلا للذي تشهد له ومستند شهادة الاخرى أيضا اعتقادها بأنه وكيل للذي تشهد له ففي هذه الصورة لو حكم بترجيح ليس إلا من جهة التقدم والتأخر فنقول انه لا إشكال في تساقطهما بالنسبة إلى الحال وأما بالنسبة إلى الزمان السابق فإن قلنا بجواز القضاء بالبينة المنضمة بالاستصحاب مع سكوت البينة عن الحالة للاحقة فنقول بترجيح البينة المتقدمة في الصورة ونقضي بها وإن لم نقل به فلا معنى للترجيح بالتقدم فتحقيق القول في الفرض مبني على هذه المسألة وسيجئ التكلم فيها إنشاء الله.
خامستها ان تشهد كل منهما بالملك المطلق من دون استناد إلى الاصل واليد والتعرض للسبب ونحوها وهذا على قسمين احدهما أن تشهد المتأخرة بالحدوث بمعنى تعيينها لزمان حدوث الملك مع كون شهادتها بالملك المطلق بحيث يرجع تعارضها مع البينة المتقدمة في جزء من الزمان من حيث الحدوث والبقاء ثانيهما أن تشهد المتأخرة بالملك المطلق في الحال من غير تعيين زمان الحدوث.
أما القسم الاول فالظاهر فيه تقديم المتأخرة من حيث جريان احتمال في المتقدمة وهو أن تكون شهادتها بالبقاء مستندة إلى الاستصحاب لا يجري في المتأخرة فهي تشتمل على زيادة معنوية وحكمية بالنسبة إلى المتقدمة وأما ساير الاحتمالات فهي احتمالات تجري في كل منهما فلا تصلح أن تصير سببا لنقص في محتملها وإلا لزم الترجيح بلا مرجح.
وأما الدليل على الترجيح بمجرد طرو احتمال في إحدى البينتين لا يطرء في الاخرى فهو ما عرفت في طي بعض كلماتنا السابقة من كونه جمعا بين البينتين وتصديقا لهما فيدل عليه عموم ما دل على اعتبارهما و تصديقهما مهما أمكن.
توضيح ذلك ان الترجيح قد يكون بالزيادة الحسية كالترجيح بتقدم الزمان وتأخره حسبما عليه المشهور كما في المسالك وقد يكون بالزيادة المعنوية وضابطها ان تشتمل إحدى البينتين على خصوصية لا تشتمل عليها الاخرى بل كانت أعم منها فيرجع النسبة بينهما إلى الاعم والاخص وهذا قد يوجد بالنسبة إلى نفس المشهود به كما في الشهادة على التصرف والملك بناء على اعتبار البينة في الاول وكفايتها عن الشهادة بالملك بحيث يحكم بها لولا المعارض وقد يوجد بالنسبة إلى مستند الشهادة كما إذا اسندت احديهما إلى الاصل والاخرى إلى غيره مما يكون أخص منه ولك أن ترجع هذا إلى القسم الاول لان الملكية المستندة إلى الاصل أعم من نفس الملكية اما اعتبار الترجيح بالمعنى الاول حيثما وجد فمبني على ما عرفت من سماع البينة المنضمة إلى الاستصحاب مع عدم تعرض الشاهد للحال الثاني أصلا وسيجئ تفصيل القول فيه وأما اعتباره بالمعنى الثاني فهو مما لا إشكال فيه بناء على ما تقرر عند الاصحاب من وجوب الجمع بين البينتين بقدر الامكان عملا بأدلة تصديقهما.
فنقول في المقام ان مقتضى ما دل على تصديق البينتين هو الجمع بينهما بحمل التي تشهد بالقدم على
كون استنادها في الشهادة على البقاء إلى الاصل وعدم العلم بالمزيل وحمل التي تشهد بالحدوث على كون استندها إلى ما يقتضي حدوث الملكية كالشراء ونحوه لاشتمالها على زيادة معنوية لا تشتمل عليها الاخرى هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
وفيه أولا ان مقتضى ما دل على تصديقهما هو تصديقهما حسب ما يقتضيه ظاهر شهادتهما وهو كونهما عن حس وقطع كما إذا لم تكونا متعارضتين وبعبارة أخرى حملهما على الواقع كما في صورة عدم التعارض فإن أمكن مع ذلك الجمع بينهما وتصديقهما كما إذا شهدت احديهما بالتصرف والاخرى بالملك أو شهدت احديهما بالملكية استنادا إلى الاصل والاخرى بها استنادا إلى الوجدان فإن واقع التصرف أعم من الملك وكذلك بالنسبة إلى الاصل والملكية فهو وإلا كما في المقام لاحتمال استناد كل منهما إلى سبب متحد كالوجدان و التصرف ونحوهما فلا وأما ما يقال من عدم إمكان الشهادة بالبقاء إلا من جهة الاستصحاب ففيه ما لا يخفى امكان الاستناد فيها إلى سبب مستمر من زمان الحدوث كاليد والتصرف على ما عرفت فرضه.
وثانيا سلمنا عدم وجوب الحمل على ذلك بل الحمل بمقتضى ما دل على تصديقهما على أقل ما يجوز للبينة الاستناد إليه وهو استصحاب بقاء الملك بالنسبة إلى البينة التي تشهد بالقدم إلا انا نقول ان أقل المستند بالنسبة إلى البينة التي تشهد بالحدوث أيضا يكون هو الاستصحاب بأن استندت إلى شرائه من مستصحب الملكية فاتحدت البينتان من هذه الجهة أيضا فلا يمكن الجمع بينهما بالحمل على أقل المستند.
توضيح ما ذكرنا انه قد نقول بوجوب حمل البينتين على الواقع والحس كما في صورة عدم المعارضة فلا يمكن الجمع بينهما بعد الحمل عليه في المقام وإن أمكن في غيره حسبما هو قضية كلام المشهور فإن حكمهم بالتساقط في محل التعارض وبقاء القديمة سليمة عن المعارض بالنسبة إلى الزايد مبني على حمل كل منهما على الواقع وقد نقول بوجوب حملهما في مورد التعارض على أقل ما يجوز لهما الاستناد إليه وإن لم نقل به في غير مورد التعارض لعدم الداعي له والمراد بأقل المستند هو ما لا يلزم مع الحمل عليه تكذيب للبينة أو تخطئة لها من غير جهة خطأ المستند حسبما هو قضية كلام الاستاد العلامة دام ظله فإن كان أقل المستند في احديهما حاكما على أقل المستند في الاخرى كما إذا كان في احديهما اليد وفي الاخرى الاستصحاب مثلا فيحكم بتقدمها عليها بعد البناء على هذا المبنى الفاسد وإن كان في كل منهما ما يكون في عرض الآخر و مساويا له فلا معنى لترجيح احديهما على الاخرى.
فإذا نقول في المقام انه يمكن استناد كل من البينتين إلى اصل مساو مع الاصل الآخر الذي هو المستند للاخرى بأن يكون مستند البينة المتقدمة استصحاب البقاء ومستند المتأخرة الشراء عن مستصحب الملكية فإنه لا تحكيم لاحد المستندين حينئذ على الآخر إن لم نقل بتحكيم استصحاب البقاء من جهة احتمال اطلاع المتقدمة على فساد الحالة السابقة للاصل الذي هو مستند المتأخرة لا يقال ان الشراء حاكم على الاستصحاب ومقدم عليه فلا معنى للحكم بالتسوية بينهما بل ترجيح الثاني لانا نقول الشراء الذي هو حاكم على الاصل الذي في مقابله هو الشراء الذي لم يعلم حاله وأما الشراء الذي علم انه عن مستصحب الملكية فلا يزيد على استصحاب الملكية فيصير المشتري حينئذ كالبايع المحكوم بكون المبيع ملكا له بالاستصحاب هذا.
وقد ذكر الاستاد العلامة بعدما ذكر أولا من كون مقتضى القاعدة تقديم بينة الحادث لما قد عرفت ان هذا الكلام ظاهري ربما يترائى في بادى النظر والذي هو قضية التحقيق بعد البناء على حمل كلتا البينتين
على الظاهر هو الحكم بالمساواة بينهما لان مرجع التعارض بين البينتين وإن كان إلى التعارض في البقاء والحدوث إلا من المحقق في محله ان البينة التي تشهد في البقاء إنما تكون مرجوحة بالنسبة إلى التي تشهد بالحدوث من حيث ظهور الاولى في الاستناد إلى عدم العلم والثانية إلى العلم وأما إذا فرض رجوع الاولى على تقدير إلى العلم بالنسبة إلى الثانية وإلى عدمه على تقدير آخر وكذلك الثانية بالنسبة إلى الاولى فلا معنى للحكم بترجيحها ليها لمساواتهما من جميع الجهات والمفروض ان الترجيح بالحدوث والبقاء ليس من جهة التعبد بل من جهة رجوع الثاني إلى عدم العلم والاول إلى العلم كما لا يخفى فالحق بعد البناء على حملهما على الظاهر هو الالتزام بالتساقط لكن هذا البناء فاسد بل الحق في صورة تعارض البينات ان يتبع الجمع سواء حصل بحملهما على الواقع أو الظاهر أو حمل احديهما على الاول والاخرى على الثاني لانه مقتضى وجوب العمل بالبينة مهما أمكن ووجوب تصديقها فعليه يمكن أن يقال في المقام بترجيح البينة على الحدوث توضيح ذلك انه قد يقال في صورة تعارض البينتين بوجوب حمل المشهود به لكل منهما على الواقع من حيث ظهور اللفظ فيه وإن كان بعيدا كما في غير صورة التعارض فإنه يجب حمله على الواقع اتفاقا و قد يقال بوجوب حمله على الظاهر من جهة العلم بعدم استناد البينة فيه إلى العلم عادة بل إلى الامارات الشرعية وقد يقال بوجوب حمله على ما يحصل معه الجمع بين البينتين بأي نحو كان وبكل وجه اتفق من غير النظر إلى الواقع والظاهر.
فإن قيل بالاول حسبما هو قضية ظاهر كلام المشهور في المقام فلا مناص من الحكم بتساقطهما في الفرض لعدم إمكان الجمع بينهما بعد حمل كل منهما على الواقع وإن رجعت شهادتهما إلى الشهادة على البقاء والحدوث ضرورة وجود المنافات بين بقاء العين واقعا في ملك أحد وحدوثه في ملك الآخر فتتساقطان في مورد التعارض وتبقى البينة القديمة بالنسبة إلى الزمان المتقدم سليمة عن المعارض فيبتنى القضاء بها بضميمة الاستصحاب وعدمه لى ما سيجئ وإن قيل بالثاني فإن أمكن حمل احديهما المعين على ظاهر حاكم على ما استند إليه الاخرى من غير إمكان العكس فيتعين الحمل عليه وإلا كما في المقام حسبما عرفت من إمكان حمل كل منهما على ما يكون حاكما على مستند الاخرى فلا بد من الحكم بالتساقط في مادة التعارض وأما بالنسبة إلى الزمان الزايد فهل يحكم ببقاء البينة المتقدمة سليمة عن المعارض بالنسبة إليه حتى يصير حكم الصورة مثل الصورة المتقدمة مبنيا على جواز القضاء بالبينة منضمة إلى الاستصحاب أو لا يحكم بذلك نظرا إلى عدم احراز الحالة السابقة للبينة المتقدمة في الصورة إذ لعلها كانت مستندة إلى استصحاب ما اطلع البينة المتأخرة على فساد مأخذه إذ المفروض احتمال استناد البينة المتقدمة إلى شراء من مستصحب الملكية كالمتأخرة فلعله اطلع البينة المتأخرة على فساد مأخذ الاستصحاب الذي هو المستند للبينة المتقدمة وبعبارة أخرى أوضح انا نعلم اجمالا بارتفاع الاستصحاب الذي هو مستند البينة المتقدمة اما باعتبار البقاء على تقدير كون الحدوث بعد الحالة السابقة أو باعتبار الحدوث لو كان قبله واطلعت البينة المتأخرة على فساد الحالة السابقة هكذا ذكر الاستاد العلامة دام ظله ولعل لنا فيه كلاما سيأتي في طي بعض كلماتنا الآتية إنشاء الله.
وإن قيل بالثالث فقد عرفت انه لا بد من أن يتبع على تقدير القول به حسبما هو الحق امكان الجمع بأي وجه اتفق بحيث يصدق كل من البينتين فإن تساوت البينتان من جميع الاحتمالات بمعنى تطرق كل احتمال في احديهما في الاخرى أيضا فلا يعقل معنى للجمع حينئذ للزوم الترجيح من غير مرجح وإن لم تتساويا من تلك
الجهة بل احتمل في احديهما المعين ما لا يحتمل في الاخرى مما يوجب كونها مستندة إلى ما يكون حاكما على ما استندت إليه الاخرى فيجب الجمع بينهما بالحمل على ما ذكر حسبما هو قضية ما دل على تصديقهما مهما أمكن ومنه يظهر فساد ما ذكره بعض مشايخنا تبعا للحلي في السراير من ان الترجيح بهذه المرجحات من القواعد العامة وأصولهم الفاسدة.
فنقول في المقام ان مقتضى ما ذكر هو القضاء بالبينة المتأخرة لاحتمال استنادها إلى شراء من الذي يشهد له البينة المتقدمة ومعلوم ان هذا الاحتمال لا يجري في البينة المتقدمة لانها لا تقبل التأخر عن زمان شهادتها وأما ساير الاحتمالات كاحتمال اطلاع البينة المتقدمة على فساد الشراء ونحوه فيجري بالنسبة إلى البينة المتقدمة بالنظر إلى سبب حدوثها فلا يصلح وجها للجمع.
وبعبارة أخرى للبينة المتقدمة حدوث وبقاء وللبينة المتأخرة حدوث فحسب فكل احتمال يجري في المتأخرة من جهة مبدء حدوثها يجري في المتقدمة أيضا وكل احتمال يجري في المتقدمة بالنسبة إلى بقائها لا يجري في المتأخرة كاحتمال ارتفاع بقائها بالبينة المتأخرة فلا بد من تصديقهما وحملهما على ذلك ليحصل الجمع بينهما وبعبارة ثالثة أخصر تصديق البينة المتقدمة مع تصديق البينة المتأخرة ممكن ولو على تقدير وأما تصديق المتأخرة مع تصديق المتقدمة والحكم بالبقاء من جهتها فغير ممكن بعد فرض عدم صلاحية الاحتمال الجاري في كل منهما للحمل عليه فيجب تصديق المتأخرة.
فإن قيل ان التعارض بين البينتين إنما هو في مبدء حدوث البينة المتأخرة وبقاء المتقدمة فيه وأما حدوث المتقدمة فلا معارض له أصلا فلا بد من تصديق البينة فيه فإذا عورض احتمال استناد المتقدمة في البقاء إلى الاستصحاب وعدم العلم بالزوال باحتمال استناد المتأخرة على شراء من مستصحب الملكية فلا معنى لمعارضته باحتمال استناد المتقدمة أيضا بالنسبة إلى زمان حدوثها إلى شراء عن مستصحب الملكية واطلاع المتأخرة على فساد الحالة السابقة له.
قلنا عدم المعارضة بين حدوث المتأخرة وحدوث المتقدمة إنما يسلم على تقدير عدم ملاحظة منشأ حدوثهما وأما مع ملاحظته فيجئ التعارض بالنسبة إلى منشأ حدوث المتقدمة.
وبعبارة أخرى إذا لوحظ الاحتمالات الجارية في المشهود به من جهة استناد البينة في منشأ حدوثه فلا معنى للتفرقة بينهما لان الاحتمال الجاري في منشأ الحدوث يسري بالنسبة إلى المشهود به سواء فرضت زمان الحدوث متقدما أو متأخرا وهذا مما لا سترة فيه عند ذوي الافهام المستقيمة هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
وأنت خبير بأن مبنى هذا الجمع على ما ذكره مرارا كثيرة من انه كلما تعارضت البينتان واحتمل في احديهما ما لا يحتمل في الاخرى يجب الجمع بينهما بالحمل على ذلك وقد عرفت أيضا فساد البناء على هذا بما لا مزيد عليه فراجع إليه حتى تقف على حقيقة الامر هذا مجمل القول في القسم الاول وهو ما إذا شهدت المتأخرة مع اطلاقها الملك على الحدوث.
وأما الكلام في القسم الثاني وهو ما إذا شهدت المتأخرة مطلقا من غير تعيين لزمان الحدوث مع الاشتمال على الزمان في الجملة بحيث احتمل تقدمه على زمان المتقدمة حسبما صرح به الاستاد العلامة وقال انه المراد من الاطلاق والتاريخ في كلامهم لا ما إذا شهدت المتأخرة على الملك من غير اشتمال على الزمان أصلا فإن مرجعها إلى الشهادة على الحدوث فإن المراد منها ليس ما ينفي الملكية قبل زمان الشهادة فإذا
شهدت البينة على الملك المطلق فقد شهدت على الملك الحالي من حيث كونه القدر المتيقن فيصير مثل ما إذا صرحت بالملكية الحالية.
والحاصل ان المذكور في كلام الاصحاب أقسام ثلاثة لتعارض البينتين في المقام احدها تعارض القديم وإلاقدم كما إذا شهدت احديهما على الملك منذ سنة والاخرى على الملك منذ سنتين.
ثانيها تعارض القديم والحادث العرفيين كما إذا شهدت احديهما على الملك منذ سنة أو الامس والاخرى على الملكية في الحال بمعنى كونها نصا في الملكية الحالية سواء كان من جهة التصريح بلفظ الحال أو ذكر لفظ كان القدر المتيقن منه هي الملكية الحالية.
ثالثها تعارض المطلق والمورخ كما إذا شهدت احديهما على الملكية المشتملة على التاريخ المعين والاخرى على الملكية المشتملة على التاريخ في الجملة ويشهد لما ذكرنا من المعنى للاطلاق والتاريخ ما سيمر بك من كلام الفاضل الاصفهاني في كشف اللثام هذا ملخص ما ذكره دام ظله العالي لتعيين المراد من الاطلاق والتاريخ وهو لا يخلو عن تأمل.
وكيف كان فالذي صرح به العلامة طيب الله رمسه في القواعد هو الحكم بالتساوي في الفرض من غير ترجيح بالتاريخ وفرق بينه وبين القسمين الاولين حيث قال ولو أطلقت احديهما وورخت الاخرى تساويا وعلله في كشف اللثام باحتمال الاطلاق سبق التاريخ فإن كان المراد من التاريخ تاريخ البينة المطلقة فيصير رينة على ما ذكره شيخنا العلامة دام ظله وإن كان المراد تاريخ البينة المورخة لم يكن له دلالة على ما ذكره إن لم يدل على خلافه.
وكيف كان حاصل ما ذكره من الدليل يرجع إلى ان الحكم بالترجيح والتقديم في القديم والاقدم والحادث والقديم إنما هو من جهة الحكم بتساقطهما في مورد التعارض وسلامة القديم أو الاقدم عن المعارض بالنسبة إلى جزء من الزمان الذي يكون تسميته بالترجيح حقيقة من باب المسامحة كما لا يخفى وهذا المناط غير موجود بالنسبة إلى المطلقة والمؤرخة لاحتمال كون تاريخ المطلقة مقدما على المؤرخة ولم أر من الاصحاب من فرق بين الصور في الحكم غير العلامةقدسسره وأما الحكم بترجيح المطلقة فقد صرح الاستاد العلامة دام ظله بأنه لا معنى له على تقدير القول به في الصورتين الاوليين لان كل احتمال يجري في المؤرخة يجري في المطلقة أيضا فلا معنى للترجيح بينهما بعد مساواتهما من جميع الاحتمالات لانه كما يحتمل تقدم المطلقة على المؤرخة كذلك يحتمل العكس هذا.
ثم انه يتوجه على ما ذكره الفاضلان في المتن وشرحه من التفصيل بين الصورة والصورتين السابقتين إشكالان أحدهما ان مقتضى أصالة تأخر الحادث الحاق الصورة بالصورتين الاوليين لانه بسببها يثبت كون تاريخ المطلقة مؤخرا من تاريخ المؤرخة ولا يمكن العكس كما في مجهولي التاريخ كما لا يخفى لا يقال ان الحكم بتاخر التاريخ من جهة الاصل ليترتب عليه أحكام المتأخر إنما هو مبني على اعتبار الاصول المثبتة وهو غير ثابت عند المحققين.
لانا نقول عدم اعتبار الاصول المثبتة إنما هو إذا بنى على اعتبار الاستصحاب من باب الاخبار لا من باب الظن حسبما عليه بناء جميع العامة والمتقدمين من الخاصة حتى العلامةقدسسره في النهاية وغيرها والسؤال إنما هو على من يذهب إلى اعتبار الاستصحاب من باب الظن ومع ذلك يفرق بين الصور هذا.
وقد أجاب الاستاد العلامة دام ظله العالي عن هذا الاشكال بأنه لا شك ولا ريب في انه يشترط في اجراء أصالة التأخر القطع بحدوث شئ والشك في زمانه فإن أريد الحادث في المقام الملك فالمفروض عدم القطع بثبوته لا واقعا ولا ظاهرا أما الاول فلانه المفروض وأما الثاني فلعدم ما يصلح له إلا البينة لقضية الفرض ومن المعلوم ضرورة ان البينة المثبتة للملك الظاهري إنما هي البينة الغير المعارضة بمثلها وإن أريد منه الشهادة فلا يعقل شك في زمانها لفرض العلم به وإن أريد منه مراد الشاهد من الزمان المجمل وإن الاصل عدم كون مراده إلا الزمان المتأخر ففيه بعد الغض عن عدم معقولية هذا المعنى انه إن أريد منه اثبات كون الزمان المتأخر هو زمان الحدوث وابتداء الشهادة كما هو المقصود فمعلوم انه لا يثبت من الاصل المذكور وإن أريد اثباته به لم يخل عن المعارضة كما لا يخفى وإن أريد منه كونه متيقن المراد للشاهد فلا يجدي للحكم بسلامة المتقدمة عن المعارض لتوقفه على اثبات كون التعارض بين بقائها وحدوث غيرها وهو لا يمكن اثباته في الفرض لاحتمال كون المراد من لزمان المجمل هو ابتداء زمان الشهادة المتقدمة هذا ملخص ما ذكره دام افادته وعليك بامعان النظر فيه وعدم المبادرة إلى رده مع مراعات الانصاف ومتابعة الحق فإنه أحق ان يتبع.
ثانيهما ان مقتضى نفس إجمال المدة في المطلقة وبيانها في المؤرخة هو الحكم بوجوب الاخذ بالثانية بالنسبة إلى مقدار من الزمان يحتمل تأخر المدة المجملة عنها لعدم ثبوت المعارض لها بالنسبة إلى هذا المقدار فلا عذر لعدم الاخذ بها بالنسبة إلى هذا الزمان فيرجع إلى الاستصحاب بعد الحكم بتساقط البينتين بالنسبة إلى الزمان المتأخر مما يكون متبين (متيقن خ) المراد للبينة المطلقة.
وبعبارة أخرى القدر الذي يكون البينة المطلقة ناطقة بالنسبة إليه هو الملكية في الزمان المتأخر فيحكم بتعارضهما وتساقطهما بالنسبة إليه وأما الزايد عليه فهو وإن كان محتملا إلا انه لا دلالة لكلام البينة عليه لفرض اجماله بالنسبة إليه ومن المعلوم عدم جواز رفع اليد عن أمر مبين بأمر مجمل فلا يجوز عدم تصديق البينة المؤرخة بالنسبة إلى الزمان السابق بواسطة البينة المطلقة فيبقى استصحاب الملكية السابقة الثابتة بالبينة المؤرخة سليما عن المعارض فيرجع إليه ويقضى به على تقدير القول بالقول بهذا القسم من الاستصحاب المنضم إلى البينة والحاصل ان مجرد احتمال كون المراد من التاريخ المجهول في البينة المطلقة هو أول تاريخ المؤرخة لا يصلح للحكم بالقائها بالنسبة إليه هذا.
وقد أجاب الاستاد العلامة دام ظله عن هذا الاشكال أيضا بأنه كما أنه لا قطع بمعارضة المطلقة لاول تاريخ المؤرخة فتبقى بالنسبة إليه سليمة عن المعارضة فيقضى بها بضميمة الاستصحاب كذلك لا قطع بمعارضة المؤرخة لاول الزمان الواقعي للمطلقة إذ يحتمل كونه مقدما على المؤرخة فيحكم بعد تساقطهما في الحال باستصحاب مقتضاها من الزمان الواقعي الذي هو مبدء شهادتها فيتعارض الاستصحابان من الطرفين والمفروض انه لا مرجح في البين فيحكم بتساقطهما.
وبعبارة أخرى أوضح كما انه يحتمل أن يكون البينة المطلقة مؤخرة عن المؤرخة فتكون معارضة مع بقائها فتبقى المؤرخة سليمة عن المعارض بالنسبة إلى جزء من الزمان كذلك يحتمل أن تكون مقدمة على المؤرخة فتكون المعارضة بينهما على العكس فيصير بالعكس أو مقارنة معها فتتساقطان عن رأس فكما انه يستصحب مقتضى البينة المؤرخة بالنسبة إلى جزء من الزمان الذي لم يثبت له معارض مع وجود ما يحتمل أن يكون معارضا معه كذلك يستصحب مقتضى البينة المطلقة بالنسبة إلى جزء من زمانها الواقعي لعدم ثبوت المعارض له بالنسبة
إلى ذلك الزمان لاحتمال تقدمه على أول زمان المؤرخة وتأخره عنه.
وما قد يتوهم من اشتراط العلم التفصيلي بابتداء زمان المستصحب وهو بالنسبة إلى المؤرخة موجود دون المطلقة فاسد جدا لعدم الدليل على اشتراطه أصلا بل مقتضاه خلافه جزما وهذا بخلاف القديم والاقدم أو القديم والحادث فإن التعارض فيهما ممحض في بقاء الاقدم وحدوث القديم أو بقاء القديم وحدوث الحادث وبعد الحكم بتساقط البينتين في مورد التعارض تبقى البينة المتقدمة بالنسبة إلى جزء من الزمان سليمة عن المعارض فيؤخذ بها ويستصحب مقتضاها هذا ملخص ماذكره دام ظله.
ثم انه ذكر بعد ما عرفته ان حاصل ما ذكرنا من أول المسألة إلى هنا ان في المسألة وجوها بل أقوالا ثلاثة أحدها ما ذهب إليه الاكثرون من تقديم أقدم القديم ثانيها ما ذهب إليه ابن إدريس ناسبا له إلى الاصحاب في ظاهر كلامه وإن لم نحققه بل المحقق خلافه وتبعه بعض من تأخر عنه من الحكم بالتساوي والتساقط عن رأس ثالثها ما جنح إليه الفاضل الاصفهاني في الكشف وجزم به المحقق جمال الدينقدسسره في تعليقاته على الروضة على ما حكي عنه من الحكم بتقديم المتأخرة.
والدليل على ما ذهب إليه الاكثرون أمران أحدهما ما ذكروه في كلماتهم من تعارض البينتين في مورده وتساقطهما فيه فتبقى البينة المتقدمة سليمة عن المعارض بالنسبة إلى الزمان الزايد فيقضى بها بضميمة الاستصحاب ثم الوجه في الحكم بتساقط البينتين اما حمل كلامهما على الواقع أو عدم تسليم قاعدة الجمع هنا على ما سيأتي وجهه وان حمل على الظاهر.
ثانيهما دلالة بعض الاخبار عليه وهو صحيحة ابن سنان عن الصادقعليهالسلام عن عليعليهالسلام انه كان ذا اختصم الخصمان في جارية فزعم احدهما انه اشتراها وزعم الآخر انه انتجها وكانا إذا أقاما البينة جميعا قضى بها للذي انتجت عنده وجه الدلالة انهعليهالسلام كان يقضي بالبينة التي تشهد بالانتاج مع كونه مقدما على الاشتراء الذي تشهد به البينة الاخرى فيكشف هذا عن كون البينة المتقدمة مقدمة على المتأخرة والقول بعدم دلالته على ذلك لاحتمال كون الشراء مقدما على الانتاج بأن يشتري الجارية في بطن امها بالبيع فاسد جدا لمخالفته لظاهر الرواية كما لا يخفى.
وأما الدليل على ما ذهب إليه ابن إدريس ومن تبعه من الحكم بالتساوي وعدم القول بالترجيح بالقدم والحدوث أصلا فهو ما ذكره العلامةرحمهالله في القواعد من عدم الدليل على القضاء بالبينة المنضمة إلى الاستصحاب في جميع التقادير.
وأما الدليل على ما مال إليه في كشف اللثام وجزم به المحقق المتقدم ذكره من الحكم بتقديم المتأخرة فهو قاعدة الجمع بين البينتين مهما أمكن بحمل المتقدمة على كون مستندها في الشهادة على البقاء هو الاستصحاب والمتأخرة على كون مستندها في الشهادة على حدوث ما يزيل الاستصحاب ويرفعه والدليل على الجمع المذكور أمران أحدهما نفس ما دل على تصديق البينتين والعمل بهما بقدر الامكان فإن مقتضاه الجمع بينهما ولو بحمل احديهما أو كلتيهما على ما لا تكون ظاهرة فيه حسبما عرفت تفصيل القول فيه غير مرة ثانيهما مقتضى تعليلهعليهالسلام سماع الشاهد في بعض أخبار الشاهد واليمين بقولهعليهالسلام لئلا يرد شهادة مؤمن فإن مقتضاه التحري لعدم الرد بقدر الامكان.
ثم ان هنا سؤالا على الاكثرين وهو انه كيف حكموا في المقام بتساقط البينتين بالنسبة إلى مورد
التعارض والرجوع إلى البينة المتقدمة فيما تكون سليمة عن المعارض بالنسبة إليه مع ان بنائهم على الجمع في غير المقام بقدر الامكان كما في المطلق والمسبب والجرح والتعديل وأشباههما فهم مسلمون قاعدة الجمع في غير المقام فأي شئ دعاهم على عدم الالتزام بمقتضاها والحكم بتقديم المتأخرة حسبما عليه جمال الملة والدين والحكم بأن الداعي لهم على عدم الالتزام به الخبر المتقدم وهو صحيحة ابن سنان فيه من البعد ما لا يخفى على المتأمل هذا.
وقد أجاب الاستاد العلامة دام افادته هن هذا السؤال بأن ما التزموا به من الجمع في غير المقام كما في مسألة تعارض البينتين في الجرح والتعديل لا دخل له بما هو المراد في المقام ولا تلازم بينهما أصلا لان لجمع الذي بنوا عليه واتفقوا عليه هو فيما إذا رجعت النسبة بين البينتين إلى العلم وعدمه بحيث كانت إحدى البينتين مزيلة للاخرى من دون ارتكاب حمل فيها كما في الجرح والتعديل والاثبات والنفي إذا كان مستند المعدل والنافي هو الاصل وعدم العلم كما في الغالب فإن التي تشهد على الزناء مثلا ترفع وتزيل البينة التي تشهد بالعدالة من جهة عدم علمها بالزناء ودفعها بالاصل فمقتضى نفس تصديقهما من دون ارتكاب حمل في مدلول كلام الجارح هو العمل بالتي تشهد على الجرح لكونه عملا بها بخلاف العكس.
وكذا الكلام في مسألة الاطلاق والتقييد فإنه بعد فرض استناد البينة المطلقة إلى الاصل أو اليد أو حملها عليه تكون البينة المقيدة التي تشهد بالسبب مزيلة لها من دون الاحتياج إلى ارتكاب تأويل فيها كما إذا شهدت المطلقة انها ملكه والمسببة انه اشتراها فإن شهدت بالشراء عن الذي شهدت المطلقة له فلا إشكال في كونها كالشهادة على العدالة والفسق وإن شهدت بالشراء عن غيره أو أطلقه فكذلك أيضا فإن مقتضى نفس كونها مشتراة لغير الذي شهدت البينة بكونها ملكه من جهة اليد أو ما هو أدون منها كون يده عليها عارية ويد غير مالك.
وهذا بخلاف الجمع في المقام فإنه يحتاج إلى ارتكاب حمل في المتأخرة بكون استنادها في الشهادة على ما يزيل مستند المتقدمة كالشراء مثلا حيث ان المتأخرة غير صريحة فيه لان احتمال استنادها إليه كاحتمال استنادها إلى غيره مما هو في عرض مستند المتقدمة أو أدون منه فنفس الشهادة في المقام غير كافية للحكم بكونها مزيلة لمقابلها إلا بارتكاب تأويل فيها.
فإن قلت ارتكاب التأويل والحمل محتاج إليه في الجمع بينهما في مسألة الجرح والتعديل وأشباهها فإنه لو لم تحمل البينة التي تشهد بالعدالة على كون مستندها فيها استصحاب الملكة وأصالة عدم موجب الفسق لم يكن معنى للحكم بكون التي تشهد بالفسق من جهة العلم بصدور المعصية مزيلة لها وكذا لو لم يحمل البينة المطلقة على كون مستندها في الشهادة على الملك هو اليد لم يكن معنى للحكم بأن البينة المثبتة مزيلة لها وكذا الامر في غيرهما من الصور التي اتفقوا على وجوب الجمع بين البينتين فيها فما الفارق بينهما بعد احتياج الجمع إلى ارتكاب التأويل في جميعها.
قلت الجمع وإن كان محتاجا إلى ارتكاب الحمل في جميع الصور في الجملة إلا ان الفارق بينهما ان في غير المقام مما اتفقت كلمتهم على الجمع فيه لا يحتاج الحكم بالجمع فيه إلا بارتكاب الحمل في إحدى البينتين معينا على ما يكون ظاهرها الاستناد إليه وفي المقام لا يمكن الجمع بينهما إلا بارتكاب تأويل في كلتا البينتين إن مجرد حمل المتقدمة على كون شهادتها بالبقاء من جهة الاستصحاب لا يوجب الجمع بينها وبين المتأخرة إلا
بحمل كون شهادتها بالحدوث من جهة استنادها إلى الشراء ونحوه مما يكون مزيلا للاستصحاب لان معنى الشهادة على الحدوث حسبما عرفت سابقا ليس هو الشهادة على الانتقال من الاول أو مطلقا كما قد يتوهم بل هو ساكت (هي ساكتة خ) عن الزمان السابق فيحتمل استنادها إلى ما يكون في عرض مستند المتقدمة في الشهادة إلا انها تحمل غير غيره مراعاة للجمع بين البينتين وشتان بينهما.
وبعبارة أخرى أوضح السر في عدم التزامهم بالجمع في المقام هو ان البقاء الناشى عن الاستصحاب على فرض استناد المتقدمة عليه إنما هو معلق عندهم على ظن الزوال والبينة المتأخرة لا يحصل منها الظن بالزوال إلا بعد ارتكاب التأويل فيها وحملها على كون استنادها إلى ما يكون مزيلا للاستصحاب لاحتمال استنادها إلى ما لا يكون مزيلا له وهذا بخلاف البينة التي تشهد بالفسق أو التي تشهد بالملك استنادا إلى السبب فإنهما بأنفسهما مزيلتان للاصل الذي استند إليه البينة التي تشهد بالعدالة أو الملك المطلق.
وبعبارة ثالثة للبينة المتقدمة حدوث وبقاء والبينة المتأخرة إنما تعارض بقائها إلا ان جهة التعارض يحتمل أن تكون هي البقاء فقط فيبقى حدوث المتقدمة سليما عن المعارض ويحتمل أن تكون هي الحدوث ولازمه رفع البقاء أيضا لان تحقق البقاء إنما هو بتحقق الحدوث فالحكم برفع المتأخرة البقاء فقط ليحصل الجمع بينهما يتوقف على حمل المتأخرة على الاستناد إلى ما يرفع البقاء فقط كالشراء بعد الزمان السابق والمفروض ان الحكم بارتفاع البقاء من جهة ارتفاع الحدوث ليس ارتكابا لخلاف أصل زايد على طرح الحدوث حتى يعين بما دل عدم جوازه كون جهة التعارض منحصرة فيه.
والحاصل انه لا ريب ولا شك في وجود الفرق المذكور بين الصور التي حكموا بالتفرقة والتفصيل فيها لكن الشأن في اثبات كون المقدار المذكور من الفرق مجديا في الحكم بالتفصيل المذكور لان الحامل على الجمع المذكور في صورة حصوله بارتكاب التأويل في احديهما المعينة ليس إلا ما دل على تصديق البينتين بقدر الامكان وهو بعينه يجري فيما يحتاج الجمع إلى ارتكاب التأويل في كلتيهما كما لا يخفى.
وبعبارة أخرى الامر دائر في المقام بين أمور أحدها تكذيب البينة المتقدمة بالنسبة إلى زمان حدوثها فيلزمها عدم الاخذ بها بالنسبة إلى البقاء أيضا لعدم تعقل التفكيك بينهما ثانيها تكذيب المتأخرة بالنسبة إلى زمان حدوثها فيلزمه طرحها رأسها.
ثالثها عدم الاخذ بالبينة المتقدمة بالنسبة إلى بقائها من جهة الحكم باستنادها فيه إلى الاستصحاب والاخذ بالبينة المتأخرة من حيث كونها رافعة لبقاء البينة المتقدمة ولو بعد الحمل فلا يلزم طرح أصلا ومعلوم ان الاخير أولى من الاولين فهو المتعين هذا ملخص ما ذكره دام ظله في المقام وقد عرفت في طي كلماتنا السابقة ما يمكن أن يورد عليه فراجع إليه.
ثم انه ذكر دام ظله كلاما على ما ذكروه من الحكم بالتساقط بقول مطلق والرجوع إلى الاصل بضميمة البينة حتى في صورة العلم باستناد المتقدمة في الشهادة على البقاء إلى الاستصحاب على ما صرح به ثاني الشهيدينرحمهالله من شمول محل الكلام له أيضا وان حكمهم بالتساقط والرجوع إلى البينة المتقدمة بالنسبة إلى الزمان المقدم يشمله قطعا.
وهو انه بعد العلم باستناد البينة المتقدمة إلى الاستصحاب والحكم بتساقطهما مع البينة المتأخرة في مورد التعارض لم يكن معنى للحكم برجوع الحاكم إلى استصحاب مقتضى البينة المتقدمة بالنسبة إلى الزمان الاول وإن فرض القول به في غير الصورة لان المفروض ان بقاء المشهود به في الزمان الثاني في اعتقاد الشاهد إنما
كان بالاستصحاب فالبينة المتأخرة التي تعارض المتقدمة من حيث البقاء المستند إلى الاستصحاب تمنع من تمسك الحاكم بالاستصحاب أيضا لوحدة المناط هذا مخلص ما ذكره دام ظله العالي.
والحق عدم توجه ما ذكره على ما ذكروه لان إستصحاب الحاكم ليس في عرض استصحاب الشاهد حتى يعارضهما البينة المتأخرة ولهذا لا يجوز للحاكم الاخذ بالاستصحاب لو لم يكن هناك بينة على البقاء مع فرض وجود البينة على الحدث وإنما يكون مرجعا بعد تساقط البينتين من جهة معارضة كل منهما بمماثله نظير الاصل في طرف الملاقي مع الاصل في طرف الملاقي وصاحبه.
والحاصل انه لا مانع من رجوع الحاكم إلى الاصل في الصورة أيضا لتحقق موضوعه بالنسبة إليه و هو اليقين السابق والشك اللاحق لان ابتلاء البينة المتأخرة بمثلها يمنع من رفعها الشك اللاحق كما لا يخفى هذا مجمل القول في الترجيح بالتقدم والتأخر.
وأما الكلام في حكم صورة تعارض هذا المرجح مع المرجحات الاخر فيقع في مقامات أربعة أحدها في تعارضه مع الكثرة والعدالة ثانيها في تعارضه مع الدخول والخروج ثالثها في تعارضه مع الاطلاق والتسبب (والتقييد خ) رابعها في تعارضه مع الشهادة على التصرف والملك ثم ان الكلام في كل من المقامات يقع في مقامين أحدهما في حكم المعارضة بناء على القول بتقديم المتقدمة ثانيهما في حكمهما بناء على القول بتقديم المتأخرة وأما بناء على القول بالتساوي حسبما هو قضية صريح كلام الحلي في ير فلا يعقل هناك ترجيح حتى يتكلم في حكم تعارضه مع ساير المرجحات كما لا يخفى.
فنقول أما الكلام في المقام الاول على القول بترجيح التقدم (المتقدمة خ) فلا إشكال في الحكم بترجيح الاكثرية والاعدلية لان معنى الترجيح بالتقدم حسب ما قضيت به كلمتهم هو تساقط البينتين في مورد التعارض وسلامة المتقدمة عن المعارض بالنسبة إلى الزمان السابق فيرجع إليها ويقضى بها بضميمة الاستصحاب وهذا بخلاف الترجيح بالاوصاف فإنه يوجب الاخذ بالراجحة من البينتين ومعلوم تقدمه على التساقط.
وبعبارة أخرى التساقط فرع التكافوء ومع فرض وجود المزية المعتبرة مع إحدى البينتين لا تكافوء بينهما كما لا يخفى وأما على القول بترجيح المتأخرة فلا إشكال في كون الحكم العكس بناء على ما عرفت من ان مبنى الترجيح بالتأخر هو قاعدة الجمع ومعلوم تقدمه على الطرح ولو بالترجيح كما لا يخفى ومن هنا يعلم ان إطلاق الترجيح على الاخذ بالمتأخرة مجاز.
وأما الكلام في المقام الثاني فيقع في أربعة مقامات أحدها في حكم تعارض التقدم مع الخروج بناء على الترجيح بهما حسب ما عليه المشهور ثانيها في حكم تعارض التأخر معه بناء على الترجيح بهما ثالثها في حكم تعارض التقدم مع الدخول بناء على القول بالترجيح بهما رابعها في حكم تعارض التأخر مع الدخول بناء على القول بالترجيح بهما.
أما الكلام في المقام الاول وهو تعارض التقدم مع الخروج بحسب الزمان بأن تكون بينة الداخل مقدمة على بينة الخارج فلا إشكال في الحكم بترجيح الخروج سواء على القول بأن الوجه في ترجيح بينة الخارج على بينة الداخل هو عدم استماع البينة من ذي اليد أصلا حتى في غير مورد التعارض حسب ما عرفته من جماعة أو قلنا بان الوجه فيه عدم مقاومة بينة الداخل لبينة الخارج عند التعارض وإن كانت مسموعة في صورة عدم المعارضة إلا انها عند المعارضة غير مسموعة والوجه فيما ذكرنا ظاهر لان التساقط والرجوع
إلى المتقدمة فرع التعارض والمقاومة وهي غير موجودة بالفرض.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو تعارض التأخر مع الخروج بأن يكون بينة الخارج مقدمة والداخل مؤخرة فلا بد من أن ينظر في وجه الترجيح بالخروج فإن قلنا بأن الوجه في تقديم الخارج على الداخل هو عدم سماع بينة الداخل رأسا حتى في غير مورد المعارضة فلا إشكال في الحكم بتقديم الخروج وترجيحه بل لا يسمى ترجيحا أصلا كما لا يخفى وإن قلنا بأن الوجه في الترجيح بالخروج هو عدم سماع بينة الداخل فيما لو وجدت هناك بينة للخارج فلا إشكال في الحكم بترجيح الخروج أيضا وإن قلنا بأن الوجه في الترجيح بينة الخارج على بينة الداخل هو عدم سماع بينة الداخل عند التعارض والتنافي لبينة الخارج أو قلنا ان الوجه فيه دلالة الاخبار عليه فيحكم بترجيح المتأخر من حيث كون الترجيح جمعا بين البينتين المقتضي لرفع التنافي بينهما هكذا ذكره الاستاد العلامة ولنا عليه بعض كلام ذكرناه في مسألة تعارض الخروج مع التقييد فراجع إليه.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو تعارض التقدم مع الدخول بناء على القول بالترجيح بهما بأن كانت بينة الخارج مقدمة والداخل مؤخرة فإن جعل الوجه في الترجيح بالدخول هو اعتضاد بينة الداخل باليد و ترجيحها بها أو دلالة الاخبار عليه فلا إشكال في الحكم بترجيح الدخول لان التساقط فرع التكافوء وعدم قيام الدليل على الاخذ بإحدى البينتين تعبدا وإن جعل الوجه فيه تساقط البينتين وكون اليد مرجعا ففيه اشكال إلا ان الحق فيه ترجيح التقدم لكونه عملا بالبينة في الجملة وهو مقدم على العمل باليد كما لا يخفى وأما الكلام في المقام الرابع فيعرف بالنظر إلى ما ذكرنا في المقامات الثلاثة والله العالم وهو الحاكم.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو تعارض التقدم والتأخر مع الاطلاق والتقييد فقد ذكر الاستاد العلامة انه لا يتعقل له فرض لانه ان صرح المتأخرة بانتقال الملك إلى من شهدت له بشراء ونحوه عمن شهدت المتقدمة له بضميمة الاستصحاب فلا تعارض بينهما حتى يلاحظ الترجيح بينهما لان المتأخرة أيضا تصدق المتقدمة في الملكية السابقة وإن شهدت المتأخرة بانتقال الملك إليه بشراء ونحوه وأطلقه أو أضافه إلى غير المدعي فهذا هو معنى الشهادة بالحدوث(١) والقدم أو القديم والاقدم لان المراد من الحدوث في كلماتهم ليس هو عدم اطلاع لبينة بالملكية قبل زمان الشهادة لان الشهادة عليه (عليها خ) بهذا المعنى ترجع إلى الشهادة المطلقة في مقابلة المؤرخة بل المراد منه حسب ما هو الظاهر من لفظ الحدوث هو انتقال الملك ووجوده بعد ما لم يكن فهذا الانتقال لا بد له من سبب ففي صورة الشهادة عليه يعلم باستناد الشاهد إلى أحد الاسباب الناقلة سواء صرح بخصوص بعض الاسباب أو لم يصرح به.
وأما الحدوث بغير الاسباب فلم يعلم له معنى محصل فلو شهدت المتأخرة بالملك في زمان من جهة قيام الطرق الشرعية عليه كاليد ونحوها فليست من الشهادة على الحدوث لان قضية الطريقية سبق ذي الطريق بحسب الوجود عليها وإلا لزم عدم كونها طريقا.
ثم لو فرض حدوث بغير الاسباب أو جعل المراد من الحدوث المعنى الاول فحكم تعارض التقدم والتأخر معه على كل من قولي تقدم المتقدمة والمتأخرة مما لا إشكال فيه لانا ان فرضنا التقييد في المتأخرة بناء على القول بترجيح التقديم فلا شبهة في تقديم المتأخرة المتقدمة من باب التساقط وكونها مرجعه بالنسبة إلى الزمان
____________________
(١) لا يخفى عليك ان ما ذكره الاستاد العلامة في معنى الشهادة على الحدوث في المقام مخالف لما ذكره في بعض كلماته السابقة فراجع (منهقدسسره ).
لان تقديم المتقدمة.
السابق والحكم بتقديم المشتملة على السبب على المطلقة إنما هو من جهة الجمع ومعلوم انه مقدم على الطرح ولو في الجملة وإن قلنا بتقديم المتأخرة وفرضنا التقييد في المتقدمة بالنسبة إلى مبدء الحدوث فلا ريب أيضا في الحكم بتقديم المتأخرة لان تقديمها على المتقدمة إنما هو من جهة الجمع وهو هنا يحصل أيضا بتقديم المتأخرة إذ لو فرضنا تقديم المتقدمة لزم طرح المتأخرة لان الاستناد إلى السبب في أصل مبدء زمان الشهادة لا ينفع في مقام التعارض فالشهادة في مورد التعارض مستندة إلى الاصل ونحوه هذا مجمل القول في المقام الثالث.
وأما الكلام في المقام الرابع وهو تعارض التقدم والتأخر مع الشهادة على الملك والتصرف فقد ذكر الاستاد العلامة انه لا يتصور اجتماعهما أيضا بناء على ما ذكره من معنى القدم والحدوث وعلى تقديره فإن شهدت المتأخرة على الملك والمتقدمة بالتصرف فلا إشكال في ترجيح المتأخرة بناء على القول بالترجيح بالملك التصرف أما على القول بتقديم المتأخرة فظاهر وأما على القول المشهور من تقديم المتقدمة فكذلك أيضا لانه بعد البناء على الترجيح بهذه الزيادة الحكمية لا معنى للحكم بتساقط البينتين وإن شهدت المتقدمة بالملك والمتأخرة باليد فإن بنى على الترجيح بالتقدم فلا إشكال وإن بنى على الترجيح بالتأخر فالظاهر على هذا القول أيضا ترجيح المتأخرة فتأمل.
ثم بالحري صرف العنان إلى التكلم فيما وعدناك سابقا من جواز القضاء بالبينة منضمة إلى الاستصحاب وعدمه فنقول ان في المسألة وجوها بل أقوالا ثلاثة.
أحدها وهو الذي اختاره المصنف حسب ما استظهر من عبارته في المسالك الجواز وإن لم تضم البينة إلى شهادتها بالملكية السابقة شيئا من قولها ولا أعلم له مزيلا أو لا أدري زال أم لا إلى غير ذلك.
ثانيها جوازها مع تعرض البينة لما يفيد شكها وعدم علمها بالملكية الحالية وزوالها من غير فرق بين ما يدل عليه من قولها لا أعلم أو لا أدري زال أم لا أو غيرهما وهذا هو الذي اختاره في المسالك حيث قال بعد ما استظهر القول الاول من المصنف وحكى عن المشهور اشتراط انضمام قول الشاهد ولا أعلم له مزيلا ما هذا لفظه الحق ان اطلاق الشهادة بالملك القديم لا تسمع لعدم التنافي بين كونه ملكا له بالامس مع تجدد انتقاله عنه اليوم وإن كان الشاهد يعلم بذلك بل لا بد من اضافة ما يفيد عدم علمه بتجدد الانتقال وذلك يتحقق بهذا السياق (بهذه الصيغ خ) وإن كان الاختصار على ما لا يشتمل على التردد أولى انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
ثالثها وهو الذي عليه المشهور حسب ما في المسالك وغيره جوازه مع اضافة قول الشاهد ولا أعلم له مزيلا وعدم جوازه فيما لم يضف إلى شهادته شيئا أصلا أو أضاف إليها ما يفيد تردده كقوله ما أدري انه زال أم لا أو قال أشهد انه كان ملكه بالامس والله أعلم بالحال إلى غير ذلك مما يظهر منه تردده في الملكية الحالية بل في محكي القواعد لو قال اعتقد انه ملكه الآن بالاستصحاب ففي قبوله إشكال وفي محكي كشف اللثام في شرح العبارة ن انه تصريح بمستند الشهادة بالملك في الحال إذ لا طريق إلى العلم فكما تسمع مع الاهمال تسمع مع التصريح وهو خيرة التحرير ومن انه ربما انضم إلى الاستصحاب أمور أخر تقوي بقاء الملك حتى يكاد يحصل العلم به و هو الاقوى انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وذكر الاستاد العلامة دام ظله العالي بعد نقل الاقوال المتقدمة ان مقتضى القاعدة الاولية عدم جواز القضاء بمجرد الشهادة بالملكية السابقة بضميمة الاستصحاب لكونه حقيقة قضاء بالاستصحاب لا بالبينة لان المدعى الملكية الحالية لا السابقة وإلا لم تسمع دعواه حسب ما قضت به كلمتهم ولا بها بإضافة ما يدل على كون الشاهد
شاكا في الملكية الحالية على ما جزم به في المسالك لان اضافته لا تقتضي صدق كونه شاهدا على الدعوى ومخبرا بالمدعى كما لا يخفى والذي قضت به الاصول والقواعد في باب القضاء هو حجية شهادة الشاهد لا مجرد اعتقاده واقتضاء تكليفه كما في بعض الموارد حيث ان نفس اعتقاد المخبر حجة فيه وإنما الاخبار اعتبر من جهة مجرد الكاشفية عنه والطريقية إليه.
وبالجملة قد ذكرنا مرارا في طي كلماتنا السابقة ان ما يعتبر فيه اخبار المخبر على ثلاثة أقسام قسم يعتبر فيه لمجرد الطريقية إلى الاعتقاد ولازمه انه لو انكشف المخبر عنه لغيره لكان معتبرا وفي الحقيقة المعتبر هو الاعتقاد لا الخبر كما في الفتوى واخبار الاجير عند جماعة من الاصحاب وقسم يعتبر فيه من باب الموضوعية بحيث لو قطعنا باعتقاده من دون الاخبار لم يكن له نفع أصلا ولم يترتب عليه أثر أصلا كما في البينة في باب القضاء فان اعتبارها فيه انما هو من باب الموضوعية ولهذا لو قطعنا بكونه معتقدا بالملكية باي نحو كان ولو من كتابه لم نحكم بمجرده فالمعتبر إنما هو شهادتها على المدعى عرفا ولو استنادا إلى الطرق العرفية الممضات عند الشارع أو الشرعية المبنية عليها عند العرف وقسم يشك فيه انه من أي القسمين فيعرض على الاصول والقواعد.
فتلخص مما ذكرنا ان مجرد العلم بكون الشاهد شاكا في الملكية اللاحقة وإن تكليفه الاخذ بالاستصحاب ولو من اخباره لا ينفع ما لم يشهد بها ولو بضميمة الاستصحاب فما ذكره في المسالك مما لا وجه له نعم لو شهد بالملكية الآنية ولو بضميمة الاستصحاب بحيث علمنا منه ذلك كانت شهادته مسموعة كافية لصدق الشهادة عرفا لانه لا يشرط في صدقها قطع الشاهد بالمشهود به أو احتمالنا قطعه وإلا لاختل أمر الشهادة في أغلب الموارد بل كلها إلا قليل منها لعدم إمكان العلم بالمشهود به عادة في كثير من الموارد.
والحاصل انه كلما شهد الشاهد بشئ فإن جوزنا كون الشهادة به من علم وجزم كالشهادة بالاقرار والاسباب فنحملها عليه بل نقول برجوعه في الشهادة إلى الحس وإن قطعه بالمشهود به إنما حصل من المبادى المحسوسة كما هو الاصل في الاخبار عن الامور الحسية أو ما هو مباديه منها حسب ما تقرر في محله وإن لم نجوز ذلك في حقه بل قطعنا باستناده في الشهادة إلى ما يجوز له الاستناد عليه من الطرق المعتبرة عند العقلاء الممضات ند الشارع أو الشرعية المبنية عليها عندهم فلا إشكال في سماعه أيضا ولو كان هو الاستصحاب.
ولا يتوهم منه انه قضاء بالاستصحاب لا بالبينة لعدم صدق الشهادة على الملكية الواقعية بعد العلم باستناد الشاهد إلى الاستصحاب لصيرورة المشهود به حينئذ الملكية الظاهرية لانك قد عرفت مرارا كثيرة في طي كلماتنا السابقة فساد هذا التوهم وان المشهود به في صورة استناد الشهادة إلى الطرق المعتبرة شرعا ولو كان اعتبارها من باب التعبد الشرعي هو الامر الواقعي والملكية الواقعيه بعد الجعل والتنزيل بمعنى ان أهل العرف ينزلون مفاد الامارة منزلة الواقع ويجعلونه من أفراده ادعاء فيخبرون عن الواقع ويشهدون به فليس الامر في شهادتهم إلا كساير اخبارهم عن الامور النفس الامرية فيما قامت الطرق عليها فإنه لا شك ولا ريب ان المخبر به في هذه المقامات ليس الامر الظاهري مع انه لو كان الامر الظاهري لم يضر في صدق البينة وجواز القضاء بها لان الذي يشترط في البينة هو مطابقتها مع دعوى المدعي ولا ريب ان دعوى المدعي فيما لا يمكن حصول العلم بواقعها عادة مبنية على الطرق الشرعية أيضا كشهادة الشاهد.
وبالجملة لا إشكال في جواز القضاء بالبينة إذا شهدت بالملكية الحالية سواء اسندت إلى الاستصحاب
أو إلى غيره من الطرق الشرعية إنما الاشكال فيما إذا شهدت بالملكية السابقة ولم يتعرض للحال أصلا أو تعرض بما يدل على تردده فيها حسب ما بنى عليه الامر في المسالك من سماع الشهادة حينئذ فإن مقتضى التحقيق على ما بنينا عليه فساد ما ذكره قده لعدم جواز ابطال انكار المنكر بمجرد الاستصحاب إذ المفروض ان البينة غير نافعة بالنسبة إلى الملكية الحالية التي هي مورد الدعوى مع انه لو بنى على جوازه لم يكن معنى لاشتراط تعرض لشاهد بما يدل على تردده في الملكية الحالية لان مجرد احتمال علمه بالزوال مع عدم التعرض لا يقتضي رفع اليد عن مقتضى الملكية السابقة بل أقول انه لو بنى الامر على جواز القضاء في المقام باستصحاب الحاكم حسب ما بنى عليه في المسالك جاز القضاء به وإن فرض القطع بعلم الشاهد بالزوال لان الشك المعتبر في الاستصحاب هو شك المستصحب لا غيره فوجود الشك لغيره وعدمه سيان في جريان الاستصحاب في حقه كما لا يخفى على ذوي الافهام المستقيمة.
فإن قلت لو كان الامر كما ذكرت من عدم جواز القضاء بالبينة بضميمة الاستصحاب من الحاكم ولو تعرض الشاهد بما يدل على شكه في الملكية الحالية فما وجه ما اتفقت عليه كلمة المشهور من جواز القضاء بالشهادة على الملكية السابقة في صورة اضافة الشاهد قوله ولا أعلم له مزيلا وأي فرق بينه وبين اضافة قوله لا أدري زال أم لا.
قلت ليس فيما ذكرنا منافات لما عليه المشهور المتفق عليه بينهم لان قول الشاهد ولا أعلم له مزيلا عبارة أخرى عندهم عن الاستصحاب فالشاهد بمقتضى الاضافة المذكورة قد شهد بالملكية الحالية استنادا إلى الاستصحاب ومنه يظهر الفرق بينه وبين قوله لا أدري زال أم لا فإنه صريح في عدم استصحابه وكونه مترددا في البقاء غير بان على الحكم به للاستصحاب ومما يدل على كون مرادهم من قوله لا أعلم له مزيلا هو الشهادة بالملكية الحالية مستندا إلى الاستصحاب ما ذكره العلامة في يه في المقام حيث قال ما هذا لفظه ولو شهدت البينة بان الملك له بالامس ولم تتعرض للحال لم تسمع إلا أن نقول وهو ملكه في الحال أو لا نعلم له مزيلا ولو قالت لا ندري زال أم لا لم تقبل ولو قال اعتقد انه ملكه بمجرد الاستصحاب ففي قبوله إشكال انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه ولا يخفى عليك ظهوره فيما ذكرناه وهكذا ذكره غيره أيضا من الاصحاب ومما ذكرنا يظهر أيضا ساد ما ذكره بعض مشايخنا المتأخرين من الاشكال في القضاء بالبينة في الصورة التي ذكرها المشهور مستندا إلى ما عرفت منا من عدم صدق البينة في صورة عدم استصحاب الشاهد.
فإن قلت لو كان الاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب جايزا فما وجه الفرق بين تصريح الشاهد باني استند في الملكية إلى الاستصحاب واعتقدها من جهته وعدم ذكره لذلك مع علمنا باستناده في الواقع إليه مع ان الفاضلين في القواعد وشرحه بنيا على التفصيل بينهما على ما عرفت من كلامهما المتقدم بل يظهر من غيرهما أيضا.
قلت وجه تفصيلهما على ما ربما يظهر من عبارة الفاضل في الشرح هو ان الشهادة بالملكية المعتقدة لاجل الاستصحاب ليست شهادة على طبق دعوى المدعي بل هو شهادة على اقتضاء الاستصحاب واخبار بأن الاستصحاب يقتضي كذا فكأنه قال الشاهد الاستصحاب يقتضي كذا لكني لا أعلم هذا مضافا إلى ان تفصيلهما لا يوجب نقضا على ما قدمنا من قضية الاصل والقاعدة فنقول بعدم التفصيل بين الصورتين ونلتزم به ولا يد عليه شئ أصلا ودعوى عدم صدق الشهادة في الصورة الاولى لا شاهد لها أصلا بل الشاهد على خلافها جزما.
فإن قلت لو كان ما ذكرت من عدم كفاية الشهادة على الزمان السابق ولو بضميمة استصحاب الحاكم صحيحا لما كان فرق بين الشهادة على الملكية السابقة أو الاسباب كالاقتراض والدين والنكاح ونحوها في دعوى الاشتغال الفعلي والزوجية الفعلية وغيرهما لان نفس الشهادة على السبب في الزمان السابق لا يقتضي الحكم بوجود المسبب في الزمان اللاحق مع احتمال ارتفاعه إلا بضميمة استصحاب الحاكم مع ان بنائهم على القضاء بالشهادة على السبب في الزمان السابق وإن لم يتعرض الشاهد للحال أصلا.
قلت الفرق بين المقامين مما لا يكاد أن يخفى على الاوائل فضلا عن الاواخر لان الشهادة على سبب الاشتغال أو غيره في زمان تقتضي بنفسها بطلان انكار المنكر ورفع الاصل الذي اعتمد عليه في انكاره والتزامه بمقتضاه بحيث لا يرفع اليد عنه إلا بدعوى خروجه عنه فينقلب مدعيا والمدعي منكرا فما لم يدع الخروج عن مقتضى السبب يلزمه الحاكم على مقتضاه وإن لم يشهد الشاهد بالمسبب في الحال أصلا بل ولو لم يتعرض لما يدل على شكه فيه في الحال بل ولو قطعنا بعلمه بزوال المسبب في الحالة الثانية وهذا بخلاف المقام فإن الشهادة على نفس الملكية في زمان سابق لا تلزم شيئا على منكره إلا بضميمة الاستصحاب فيرجع إلى ابطال الانكار بالاستصحاب لا بالبينة.
والحاصل ان نفس الشهادة في الزمان السابق قد توجب التزاما على المنكر وابطال انكاره بحيث لا يحتاج إلى شهادة الشاهد بالنسبة إلى الزمان اللاحق أصلا بل ولو كان معتقد الخلاف ما يقضى به في الزمان اللاحق وقد لا توجب نفس الشهادة في الزمان السابق الزاما على المنكر أصلا بحيث لا تنفع المدعي في ابطال انكار خصمه إلا بضميمة الشهادة على الحال ولو بالاستصحاب على القول بجواز الاتكال عليه في الشهادة وسماع الشهادة المستندة إليه حسب ما هو المفروض.
فإن كانت من القسم الاول فلا إشكال في جواز القضاء بها وإن كان الشاهد في الزمان اللاحق قاطعا بخلاف ما شهد في الزمان السابق لانه بشهادته في الزمان الاول قد أبطل انكار المنكر وامتناعه فالقضاء بها قضاء بالبينة ورفع للخصومة بها ومن هنا نقول انه تسمع دعوى المدعي السبب من دون الاحتياج إلى انضمام دعوى المسبب إليها حسب ما عليه جماعة لانها دعوى ملزمة مسموعة فالاقتصار بها كاف في اثبات المدعى من غير الاحتياج إلى انضمام دعواه.
وإن كانت من القسم الثاني فلا يجوز القضاء بها لان المفروض انها بمجرد التحقق في الزمان السابق لم تلزم شيئا على الخصم فالقضاء عليه في الزمان اللاحق وابطال انكاره لا بد أن يكون بالاستصحاب من الحاكم وقد عرفت غير مرة ان ابطال الانكار بالاصل مما لا يجوز قطعا.
فإن قلت المحذور اللازم من القضاء بالشهادة في الزمان السابق في القسم الثاني بعينه يلزم من القضاء بها في القسم الاول أيضا لان المفروض ان المدعى هو الاشتغال في الزمان اللاحق مثلا والشهادة على وجود ببه في الزمان السابق غير منطبقة عليه فيرجع القضاء بالاخرة إلى القضاء بالاستصحاب من الحاكم وبعبارة أخرى الشهادة بالسبب والمقتضى في زمان لا تثبت وجود المسبب في زمان لاحق عليه مع الشك في وجود الرافع للمقتضي والمسبب فيه إلا بضميمة الاستصحاب فيرجع الامر بالاخرة إلى القضاء به وهو المحذور اللازم في القسم الثاني.
قلت لسنا ندعي انه لا يجوز للحاكم بضميمة الاصل أصلا وكيف وكثيرا ما يحتاج إليها بل المدعى والمحذور اللازم في القسم الثاني هو لزوم ابطال امتناع الخصم وقوله بالاصل ومعلوم ان هذا غير لازم في القسم
الاول لان المفروض ان الشهادة بالاقتراض في الزمان السابق أبطلت انكار المنكر الاشتغال رأسا من حيث اقتضائها حدوث الاشتغال في الجملة وهذا بخلاف القسم الثاني لان مجرد الشهادة في الزمان السابق لا يلزم شيئا على المنكر.
وبالجملة كلما يكون المشهود به والمستصحب بحدوثه ووجوده في الزمان السابق مقتضيا لابطال انكار الخصم وامتناعه بحيث يرجع يمينه إلى يمين الاثبات أو إلى تكذيب البينة فالقضاء بالشهادة به جايز لاقتضائها بطلان انكار المنكر فالقضاء عليه قضاء بالبينة فيصير كما لو أقر باشتغال الذمة أو وقوع سببه كالاقتراض مثلا سابقا فإنه لا إشكال في القضاء عليه لو لم يدع الابراء من غير فرق فيما ذكرنا بين الشهادة على السبب كالاقتراض ونحوه أو المسبب كالاشتغال ونحوه ولا بين الحقوق والذمم والاعيان كالزوجية والانتقال والاشتغال والاشتراء من المنكر ولا بين الداخل والخارج والخارجين فإن المناط في جميع الصور ما ذكرنا من اقتضاء الشهادة في السابق الزاما على المنكر فيقضى بها وإن كان الشاهد قاطعا بالخلاف في الزمان اللاحق بل وشاهدا به في الجملة كما سيأتي الاشارة إليه.
وكلما لم يكن المشهود به حدوثه مقتضيا للالزام على المنكر ولا ابطال انكاره فلا يجوز القضاء بالشهادة السابقة وإن كان الشاهد شاكا في الزمان اللاحق بل وقاطعا فيه غير شاهد على مقتضى قطعه بل قتصرا على الشهادة في الزمان السابق أما الدليل على عدم جواز القضاء في الصورة الثانية فواضح وأما الدليل على الجواز في الصورة الاولى وإن كان يعلم من ملاحظة ما ذكرنا والتأمل فيه فهو ان الشهادة في الزمان السابق قد اقتضت بنفسها ابطال انكار المنكر وامتناعه بحيث لا يمكنه اقامة الحجة عليه وهي اليمين لان المراد من الاشتغال الذي ينكره المنكر في الزمان اللاحق مثلا إما أن يكون هو الاشتغال القديم أو الحادث.
وبعبارة أخرى المراد من دعواه البرائة في الزمان اللاحق إما أن يكون البرائة الاصلية أو الحادثة فإن كان الاولى فهو تكذيب للبينة فلا تسمع دعواه فلا تقبل يمينه ولا يجوز تصديقه بل يقضى عليه بها وإن كان الثانية فيرجع يمينه عليه إلى اليمين على الاثبات وهي غير مسموعة فالدليل على ابطال انكار المنكر و امتناعه هو نفس البينة لان حيث الانكار في إنكار الاشتغال هو البرائة القديمة وهي قد ارتفعت بالبينة وصار مقتضى الاصل على خلافها كما لا يخفى وإن كان القضاء بالاشتغال الفعلي محتاجا إلى انضمام استصحابه.
لا يقال ابطال انكار المنكر بالبينة يتوقف على سماعها وإنما تسمع إذا كانت على طبق الدعوى حسب ما بنيت عليه الامر سابقا والمفروض عدم المطابقة بينهما في المقام لان المدعى الاشتغال الفعلي والمشهود به الاشتغال السابق فإذا كانت فاقدة لشرط السماع وهي المطابقة فلا معنى لابطال الانكار بها.
لانا نقول نمنع من توقف سماع البينة على مطابقتها للدعوى وإلا لم تسمع البينة على الاقرار بالاشتغال في دعوى الاشتغال مع انه لا إشكال في سماعها عندهم مع كونها غير مطابقة للدعوى كما لا يخفى وإنما الشرط في سماعها انتفاع المدعي بها ولو في إبطال إنكار الخصم وهذا بخلاف البينة على الملكية السابقة لاحد المتداعيين في الخارجين أوالخارج في الداخل والخارج لان البينة في الصورتين لا تكون مطابقة للدعوى ولا تلزم شيئا على المدعي الآخر فإن كانت للمدعي الآخر في الصورة الاولى بينة فيقضى بها وإلا فيحكم بسقوط دعواه لعدم الميزان لا لقيام البينة كما انه يحكم بسقوط دعوى الآخر أيضا لعدم اقامته بالحجة النافعة له وبالجملة فرق بين الحكم بسقوط الدعوى لعدم الميزان أوابطال الدعوى والانكار من جهة الميزان فإن الثاني عين معنى القضاء
كما ان الاول عين معنى عدمه هذا في الخارجين.
وأما الخارج والداخل فلان نفس الشهادة على الملكية السابقة لا تقتضي ابطال انكار الداخل لان حيث انكاره إنما هو جهة تشبثه وهي موجودة بالفرض والبينة على الملكية السابقة لم يبطل حكمها أيضا لعدم المنافات بينهما فإن حلف أو قام بينة على ملكية ما في يده بناء على سماع البينة منه بمعنى اسقاطها اليمين عنه حسب ما بنينا عليه سابقا فيما لم يكن هناك بينة معتبرة للمدعي فهو وإلا فيقضى عليه بالنكول أو بحلف المدعي على القولين.
وبالجملة الحكم كما لو لم يكن هناك بينة أصلا نعم لو شهدت البينة على الشراء من الداخل في الصورة الثانية ومن أحد الخارجين فيهما كان الحكم كما ذكرنا في الشهادة على الاشتغال السابق في دعواه فإن الشهادة على السبب المذكور في الفرض (الفرضين خ) توجب الزاما على المدعى عليه وهو القيام بوظايف النقل فتأمل ثم ان ما ذكرنا من عدم اشتراط مطابقة البينة للدعوى في سماعها بل إنما الشرط فيه الانتفاع بها ولو في ابطال قول الخصم يستفاد من كلام جماعة من الاعلام منهم العلامةقدسسره في القواعد حيث قال في آخر باب القضاء منه ما هذا لفظه ولو شهد احدهما ان له عليه الفا وشهد الآخر انه قضاه ألفا لمن يثبت الالف لان شاهد القضاء لم شهد عليه بألف وإنما تضمنت شهادته انها كانت عليه والشهادة لا تقبل إلا صريحة انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وهو ظاهر في ان القادح في السماع ليس إلا عدم الصراحة وحكي عنه في التحرير الحكم بعدم ثبوت الالف في الفرض المزبور مستندا إلى تكذيب الشاهد بالقضاء لدعوى المدعي وهو كما ترى ظاهر أيضا في ان القادح ليس إلى المنافات والتكاذب بين الشهادة والدعوى.
وبالجملة الفرق بين المقامين مما لا يكاد ان يخفى على جاهل فضلا عن عالم ولهذا تراهم يفرقون في سماع الدعوى بين أن يدعي المدعي ان هذه الثمرة من شجرتي وان يعدعي ان هذا الغزل من قطني وان هذا الطحين من حنطتي فيحكمون بعدم سماع الدعوى في المثال الاول إلا بضميمة ما يدل على دعوى ملكية الثمرة كقوله هذه الثمرة من شجرتي وملكي ونحوه ويحكمون بسماعها في المثالين الاخيرين من حيث رجوعها إلى دعوى سبب الملك في تملك الحنطة مقتضى لتملك الطحين أيضا وإن تأمل بعض في الفرق بين الامثلة حيث ان تملك الشجرة أيضا مقتض لتملك الثمرة.
وأما ما علل به السماع في كلام بعض الاصحاب كثاني الشهيدين في المسالك من كون تملك الحنطة مثلا عين تملك الطحين فدعوى ملكية أحدهما عين دعوى ملكية الآخر فمما لا يرجح إلى محصل كما لا يخفى لان تملك الحنطة ليس عين تملك الطحين كيف ويجوز التفكيك بينهما كما لا يخفى وإنما سبب له.
نعم لو ادعى ان هذه الحنطة من صبرتي بمعنى التبعيض سمعت دعواه بلا إشكال وإن لم نسمعها (تسمع خ) في المثالين أيضا.
وملخص ما ذكرنا من أول المسألة إلى هنا انه في صورة دعوى الحالية لو أقام المدعي البينة على نفس المدعى في الحال فلا إشكال وإن لم يقمها عليه فهيهنا صور.
احديها أن يقيمها عليه في السابق مع استناد البينة فيه إلى سبب يردد انكار المنكر بين انكار أصله أو بقائه من حيث الاقتضاء لوجود الرافع له كما لو شهدت بالاشتغال سابقا من جهة الاقتراض أو شهدت بالملكية السابقة من جهة الاشتراء من المدعى عليه أو مع عدم الاستناد إليه مع انحصار سبببه فيما لو استندت إليه وصرحت
به في السبب المذكور كما في الشهادة على الاشتغال سابقا.
ففي هذه الصورة لا إشكال في سماع البينة والقضاء بها ما لم يدع المنكر الابراء والاداء والانتقال وإن احتاج الحاكم معه إلى انضمام أصالة عدم الرافع لان احتمال الرافع مما لا يعتنى به عند العقلاء بعد وجود المقتضي له.
فإن قلت كيف يحكم بسماع البينة في الفرض مع عدم مطابقتها للمدعى وقد صرحوا باشتراط المطابقة في سماع البينة من المدعي.
قلت هذا المقدار من المطابقة كاف عندهم في سماع البينة من المدعي ولم يعلم من كلامهم اشتراط أزيد من ذلك بل يستفاد من كلام جماعة التصريح بعدم اشتراطه منهم العلامة رحمه لله فيما عرفت من كلامه فراجع.
ثانيتها أن يقيمها عليه في السابق مستندة إلى سبب يردد انكار المنكر بين انكار اصله أو سببه أوبقائه كما إذا شهدت بالملكية السابقة مستندة إلى الشراء مع الاطلاق أو الاضافة إلى غير المدعى عليه ولو بأن تشهد باني اشهد انه ملكه بالامس اشتراه من زيد وهو مالكه او من مالكه ففي هذه الصورة لا تسمع البينة لعدم مطابقتها للدعوى ولو بالشهادة على السبب لاحتمال رجوع انكار المنكر إلى ملكية من اشترى المدعي منه فلا تسمع لما سيجئ ان البينة على نفس الملكية في السابق غير مسموعة.
فإن قلت إذا شهدت البينة على الشراء من مالكه في السابق فقد شهدت على السبب لان الشراء من المالك سبب لبقاء الملكية ما لم يوجد المانع منه كما لا يخفى وقد بنيت على كفاية هذا المقدار من المطابقة.
قلت شهادة البينة على الشراء من مالكه تنحل إلى شهادتين احديهما الشراء ثانيتهما كونه من مالكه والشهادة على الشراء إنما تكون شهادة على السبب بعد الفراغ عن مالكية المالك وتسالمهما عليها كما في الصورة السابقة وأما إذا احتمل رجوع الانكار إلى انكار الملكية للبايع فلا نسلم انها شهادة على السبب للمنع من سماعها بالنسبة إلى الملكية السابقة كما سيجئ وبعبارة أخرى نحتمل تعلق انكار المنكر في الفرض إلى أحد أمور أربعة حدوث الاشتراء وبقائه وحدوث الملكية للبايع وبقائها في ملكه ولما توقفت سببية الشراء على الملكية من البايع فكلما فرض النزاع فيها لا يمكن الحكم بثبوتها إلا بعد اثبات الملكية.
ثالثتها أن تشهد بالمسبب في الزمان السابق المردد أمره بين استناد البينة فيه إلى الامارة أو السبب الملزم النافع أوغيره كما لو شهدت في دعوى الملكية السابقة على الملكية السابقة ففي هذه الصورة أيضا لا تسمع البينة لعدم مطابقتها للدعوى ولا شهادتها على ما يقتضي المدعي في الزمان الثاني بحيث انحصر رجوع انكار المنكر بعد تصديق البينة فيما شهدت به من حيث المطالبة إلى ادعاء الرافع.
فإن قلت قد تقرر في محله انه كلما يكون الاقرار به نافعا للمقر له يكون البينة عليه مسموعة منه في صورة الانكار وظاهرهم الاطباق على القضاء باقرار المنكر انه كان ملكه سابقا.
قلت أولا انا نمنع الملازمة المذكورة لان الاقرار قبل تحرير الدعوى نافع ويلزم بمقتضاه المقر بعده بخلاف البينة فإنها لا تسمع قبله إجماعا وثانيا ان سماع الاقرار بالملكية السابقة إنما هو من حيث مطابقتها للمدعى من حيث كونه سببا.
لا يقال الملكية السابقة أيضا مما إذا وجد لا يرفع إلا برافع فلم لا تسمع البينة عليها.
لانا نقول نمنع من اقتضاء نفس الملكية في الزمان السابق الملكية في الزمان اللاحق لان كلا منهما مسبب عن شئ واحد فهما في مرتبة واحدة ليست بينهما سببية ومسببية كما لا يخفى وهذا بخلاف الاقتراض فإنه
سبب للاشتغال في البابين هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة دام ظله العالي مطلبا ودليلا واستشهادا وللتأمل في بعض ما ذكره مجال واسع لا يخفى على المتأمل وتركنا التعرض له تقليلا لاسائة الادب.
ثم ان هيهنا أمورا بالحري ان ننبه عليها الاول انه لا إشكال بل ولا خلاف ظاهرا إلا من بعض في جواز القضاء بإقرار المنكر بالملكية للمدعي في الزمان السابق ما لم يدع الشراء منه لان مقتضى قوله اقرار العقلاء على أنفسهم جايز هو أخذ المقر باقراره ما لم يثبت الخروج عن مقتضاه ولهذا يلزمه الحاكم عليه ولو كان اقراره قبل تحرير الدعوى بزمان كثير وهذا بخلاف البينة فإنه ليس له هذه المرتبة من الاعتبار ولهذا لا تسمع قبل تحرير الدعوى بل وبعده وقبل المطالبة من المدعي وإنما تسمع بشرايطها إذا كانت مطابقة للدعوى او نافعة في المدعى ولو بإبطال انكار منكره والبينة على الملكية السابقة غير مشتملة على أحد الامرين حسب ما عرفت سابقا فلمكان القوة والضعف في الاعتبار بين الاقرار والبينة المستفادين من أدلتهما جاء هذا التفصيل وإلى ما ذكرنا يرجع ما علل به الفرق في القواعد حيث قال ولو قال المدعى عليه كان ملكك بالامس انتزع من يده لانه مخبر عن تحقيق فيستصحب بخلاف الشاهد فإنه يخبر عن تخمين انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه ومن لم يتأمل فيه وإن كان يسئ الادب بالايراد عليه بأن الاخبار عن تخمين إذا فرض اعتباره كما هو المفروض فما الفرق بينه و بين الاخبار عن تحقيق إلا ان من تأمل فيه يعلم ان مراده ما أشرنا إليه من حيث القوة والضعف المستفادين من دليل اعتبارهما هكذا ذكره الاستاد العلامة دام ظله العالي ولا يخفى عليك ان ما ذكره خلاف ما يستفاد من ظاهره كلامه سيما بملاحظة قوله بعد العبارة المتقدمة وكذا تسمع من الشاهد لو قال هو ملكه بالامس اشتراه من المدعي عليه بالامس أو أقر له المدعى عليه بالامس لانه استند إلى تحقيق انتهى كلامه رفع مقامه فالظاهر ان مراده ملاحظة القوة والضعف من حيث المستند وكيف كان لا إشكال في التفرقة المذكورة إلا ان الظاهر من بعض مشايخنا المتأخرين عدم الفرق بين الاقرار بالملكية السابقة والبينة على الاقرار بها والبينة على نفس الملكية السابقة.
الثاني ان ما ذكرنا كله من الكلام في المسألة في صورة شهادة الشاهد على السبب في الزمان السابق إنما هو مع تعرضه للمسبب في ذلك الزمان وإن لم يتعرض في الزمان اللاحق كما لو قال مثلا اني أشهد انه ملك المدعي في الامس اشتراه من المدعى عليه وأما لو شهد بنفس السبب في ذلك الزمان من دون تعرض للمسبب أصلا لا فيه ولا في الزمان اللاحق فهل يقضى به على تقدير القول بالقضاء في الصورة السابقة أم لا يقضى به وجهان مبنيان على سماع البينة على نفس السبب وعدمه وربما يظهر من الشهيد في القواعد عدم السماع وربما يبني السماع وعدمه على سماع دعوى السبب مجردا وعدمه وفي هذا البناء نظر لا يخفى وجهه والله العالم.
الثالث انك قد عرفت الكلام في طي كلماتنا السابقة في تقديم الشهادة على الملك المسبب على الشهادة على الملك المطلق وان المشهور بينهم هو ذلك استنادا إلى ما عرفت منهم جامعا بين جميع صور الزيادة من الحسية والحكمية من قاعدة الجمع وإن تكلمنا عليه بعض الكلام تبعا لبعض مشايخنا الاعلام وأصحابنا الكرام وانكره الحلي في السراير ناسبا له إلى كونه من قضية أصول اهل الخلاف وأما الترجيح بشهادة إحدى البينتين على الملك والاخرى بالتصرف أو شهادة احديهما بسبب الملك والاخرى بالتصرف فالمشهور بينهم أيضا تقديم الاولى على الثانية في المقامين كما هو صريح القواعد والمتن وغيرهما والدليل عليه هو قاعدة الجمع وللتأمل فيه مجال للمتأمل في القاعدة في أمثال المقام والله العالم بحقايق الاحكام.
قوله لو ادعى شيئا فقال المدعى عليه اه أقول قد مضى بعض الكلام في هذا الفرع في بعض كلماتنا السابقة ونقول هنا أيضا انه إذا ادعى شخص ملكية ما في يد شخص فإن صدقه فيحكم له بلا إشكال وإن كذبه وأثبته لنفسه فيجري عليه أحكام المنكر بلا إشكال فيه أيضا وإن نفاه عن نفسه فلا يخلو إما أن يقتصر عليه بأن يقول ليس لي أو يضيفه إلى من يحتمل أن يكون المدعى كأن يقول هو لشخص لا اسميه أو لا أعرفه أو يضيفه إلى شخص مجهول لا يحتمل ان يكون المدعى كأن يقول هو لغيري ولغيرك أو يضيفه إلى شخص معلوم بأن يقول هو لزيد فهل تصرف عنه الخصومة في جميع هذه الصور فتبقى العين في يده ما لم يقم المدعي البينة عليه أو ينتزع من يده الحاكم إلى أن يقيم المدعي البينة أو لا تصرف في جميعها وينتزع من يده على تقدير النكول عن الحلف أو فيه تفصيل بين الصور وجوه أوجهها الاخير ثم ان المراد من صرف الخصومة عنه إنما هو بالنسبة إلى دعوى ملكية ما في يده وأما ساير الخصومات والدعاوى فلا تصرف عنه قطعا.
ثم بالحري ان نفرد كل واحدة من هذه الصورة بالكلام ليتضح المرام فنقول بعون الملك العلام اما الصورة الاولى فالذي صرح به بعض الاصحاب هو صرف الخصومة عنه لانه بنفيه المال عن نفسه يخرج عن كونه مدعى عليه فتصرف عنه الدعوى وينتزع الحاكم المال من يده والذي صرح به في المسالك وغيره عدم صرف الخصومة عنه بمجرد نفيه عن نفسه وعدم انتزاع المال من يده وعلله بما هذا لفظه لان الظاهر ان ما في يده ملكه وما صدر عنه ليس بمزيل ولم يظهر لغيره استحقاق انتهى ما أردنا نقله وفيه ما لا يخفى على المتأمل وجهه الاستاد العلامة بعد المصير إليه بأن مقتضى القاعدة عدم صرف الدعوى عنه إذ لعله يقر بعد هذا للمدعى ولا مانع من سماع دعواه حتى على قول الشيخرحمهالله كما لا يخفى.
وأنت خبير بأن ما ذكره بناء على ما عليه الاكثرون من سماع الدعوى لاحتمال الاقرار في غاية المتانة والوجاهة وأما بناء على ما بنى عليه دام ظله سابقا من عدم كون احتمال الاقرار من موجبات سماع الدعوى فالحق هو القول بصرف الخصومة عنه هذا كله بالنسبة إلى صرف الخصومة عنه.
وأما بالنسبة إلى انتزاع المال من يده وعدمه فظاهر المسالك ان الانتزاع وعدمه متفرعان على - القول بصرف الخصومة وعدمه فعلى الاول ينتزع وعلى الثاني لا ينتزع واستشكل فيه الاستاد العلامة بأن القول بصرف الخصومة عنه لا يلازم القول بالانتزاع لان مقتضى أصالة حجية اليد عدم جواز الانتزاع من يده وإن لم يمكن الحكم بملكيته من جهة نفيها عن نفسه.
وأما الصورة الثانية فيعلم تفصيل القول فيها مما ذكرنا في الصورة الاولى بل ربما قيل بكون الحكم بالسماع فيها أقوى وأولى من الحكم به في الصورة الاولى وحكم جماعة منهم الفاضل في بعض كتبه بأنه يلزم بالتفسير فراجع ولعلنا نتكلم فيه إنشاء الله.
وأما الصورة الثالثة فالذي هو قضية كلامه جماعة حسب ما حكاه شيخنا الاستاد دام افادته هو الحكم بعدم صرف الخصومة عنه كما في الصورتين الاوليين لان الاقرار للمجهول لا يوجب حقا له ولا يقتضي رفع الخصومة عن المقر فالعين باقية على حالها فكأنه لم يقر بها أصلا والذي جزم به الاستاد هو الحكم بصرف الخصومة عنه للمنع من عدم ايجاب الاقرار للمجهول احداث حق له وما ذكره لا يخلو عن تأمل فلعل الحكم بعدم الصرف على القول به في الصورتين الاوليين لم يكن بعيدا عن الصواب والله العالم بالمبدء والماب.
وأما الصورة الرابعة فلا إشكال في صرف الخصومة عن المقر بالنسبة إلى ملكية ما في يده وتوجهها
بالنسبة إلى من أقر له بل لا خلاف فيه عند أهل العلم والوجه فيه مما لا يكاد يخفى عن جاهل فضلا عن عالم فإن كان للمدعي بينة على ملكية ما يدعيه جامعة للشرايط المعتبرة فيها وأقامها وحكم الحاكم بمقتضاها وأخذه فلا كلام له على المقر سواء كان المقر له حاضرا أو غايبا ممن يمتنع مخاصمته وممن يجوز على إشكال في الثاني من الاول والاول من الثاني من حيث عدم استقرار الثابت بالبينة فيهما وتزلزله وقد مضى شطر من الكلام في ذلك في طي كلماتنا السابقة فراجع إليها وإن لم يكن الامر كما ذكر فلا إشكال في ان له الخصومة مع المقر بدعوى اتلاف ماله عليه بالاقرار فإن كان له بينة فيحكم بتغريمه من دون تأمل فيه وإن لم يكن له بينة فإن قلنا بأن المقر يلزم بالاقرار ثانيا لغير من أقر له أولا حسب ما عليه المشهور فلا إشكال أيضا في سماع دعواه الاتلاف على المقر إذ لعله يقر له ثانيا بناء على ما عليه الاكثرون من أيجاب احتمال الاقرار لسماع الدعوى وإن قلنا بأنه لا يلزم بالاقرار ثانيا حسب ما عليه الشيخرحمهالله في احد قوليه يبنى السماع وعدمه على ما في المسالك على كون اليمين المردودة بعد النكول من المدعي عليه هل هو كالاقرار أو كالبينة فعلى الاول يحكم بعدم السماع وعلى الثاني يحكم بالسماع حيث قال وحيث ينصرف الخصومة عنه وطلب المدعي احلافه انه لا يعلم ان لعين له ففي اجابته قولان مبنيان على انه لو أقر له بعدما أقر لغيره هل يغرم القيمة له أم لا فيه قولان مذكوران في محله فإن قلنا نعم وهوالاظهر فله احلافه فلعله يقر فله القيمة وإن قلنا لا وهو أحد قولي الشيخرحمهالله فإن قلنا ان النكول ورد اليمين كالاقرار لم يحلفه لانه وإن أقر أو نكل وحلف المدعي لا يستفيد شيئا وإن قلنا كالبينة فله التحليف لانه قد ينكل فيحلف المدعي فإذا حلف وكانت العين تالفة أخذ القيمة وحيث قلنا بوجوب القيمة فأخذها باقرار المدعى عليه ثانيا أو يمين المدعي بعد نكوله ثم سلمت له العين بالبينة أو بيمينه بعد نكول المقر له فعليه رد القيمة لانه إنما أخذ القيمة للحيلولة وقد زالت انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وأورد عليه بعض مشايخنا بعد نقله بما هذا لفظه وفيه بعد الاغماض عما في تقييده بتلف العين ان غاية ذلك كون اليمين المردودة كالبينة على اقراره مع علمه بكونه للمدعي والفرض عدم اقتضاء ذلك العزم لو أقر به هو وليس هو بينة على كون المال له ضرورة كون الدعوى علمه بالمال (بالحال خ) فهي تكون كالبينة على ذلك ولا تزيد على الاقرار المفروض عدم العزم به كما هو واضح ولذا حكى عن الشيخرحمهالله اطلاق عدم توجه اليمين على لتقدير المزبور فتأمل انتهى كلامه رفع مقامه.
والحق عدم ورود شئ مما ذكره من الايرادين أما الاول فبأن مقصود الشهيد من تلف العين إنما هو التلف بالاقرار الذي يوجب ضمان الحيلولة على ما صرح به في كلامة.
وبالجملة من نظر إلى ما في المسالك يقطع بعدم ورود هذا الايراد عليه فإن كلامه صريح في فرض بقاء العين وإن المراد من التلف هو التلف بالاقرار الحائل بين المالك وماله وأما الثاني فبأنا قد حققنا فيما مضى من كلماتنا قبالا لشيخنا المتقدم ان اليمين المردودة حتى فيما لا يستحق المدعي على المدعى عليه إلا الحلف على عدم العلم إنما هي على الواقع لا علم المدعى عليه به لان اليمين بالنسبة إلى المدعي يمين على فعل النفس فلا معنى لكونه على العلم فيكون بناء على القول بكونها كالبينة كالبينة على الواقع لا على العلم وذكرنا ثمة أيضا فساد ما توهمه شيخنا المذكور من كون اليمين المردودة هي يمين المدعى عليه ردت على المدعي بمقتضى دعواه فلما كانت دعواه علم المدعى عليه بالحال فلا بد من أن يكون يمينه على علمه به.
توضيح الفساد ان كونها يمينا مردودة لا يقتضي كونها على العلم لان المراد من اليمين المردودة
هي ما لا يتوجه على المدعى إلا بعد امتناع المنكر من الحلف حسب ما عرفت تفصيل القول فيه وإن كانت هي غير ما يتوجه عليه بحسب النصف.
وأما دعوى العلم فقد ذكرنا في محله انه على القول باشتراطها في توجه الحلف فيما يكون على عدم العلم ليست من مقومات أصل سماع الدعوى ولهذا تسمع في صورة وجود البينة للمدعي وإن لم يدع علم المدعى عليه بل إنما هي شرط في توجه اليمين على المدعى عليه من حيث اشتراط المطابقة وهذا لا ينافي كون اليمين المردودة على الواقع لا على العلم.
هذا على القول باشتراط دعوى العلم على ما عليه المشهور وأما على ما بنى عليه سابقا من عدم اشتراطها لعدم الدليل عليه غاية الامر كون الاعتراف بعدم العلم مانعا فالامر واضح كما هو واضح.
نعم ذكرنا سابقا انه قد يتعلق الغرض بدعوى العلم بحيث انه لا يترتب على دعوى الواقع شئ ففي هذا المورد لا مجال للقول بعدم اشتراط دعوى العلم لكن على هذا التقدير تكون البينة على العلم مجدية أيضا كما لا يخفى لانه بنفسه صار موردا للاثبات والنفي من المدعي والمنكر فتحصل ما ذكرنا ان ما ذكره شيخنا المتقدم لا ورود له على ما ذكره في المسالك أصلا.
نعم يتوجه عليه ما ذكره الاستاد العلامة من أن مجرد احتمال النكول المترتب عليه الفائدة كيف يوجب الحكم بسماع الدعوى لكنه أيضا مدفوع بناء على ما استقرت عليه طريقتهم من الحكم بسماع الدعوى في كل مورد يرجى ترتب الفائدة عليها وإن شئت توضيح ذلك فارجع إلى بعض ما أسلفناه.
قوله إذا ادعى مدع انه اجراه الدابة وادعى اخر انه أودعه إياه اه أقول لا يخفى عليك ان المسألة من جزيئات التداعي في العين مع كونها في يد الثالث فيجري فيها جميع ما تقدم في كلي المسألة من حكم صورة تصديق المتشبث لهما أو لاحدهما وحكم صورة عدم تصديقه لاحدهما وصورة وجود البينة لهما بدون الترجيح او معه أو لاحدهما وصورة عدم وجودها لاحدهما ومن هنا أورد الاستاد العلامة دام ظله العالي على انه لا وجه لذكر المسألة هنا بعد التكلم في كلي المسألة بشقوقها وأقسامها لان الكلام في المسألة فيما مضى كان أعم من صورة اطلاق الدعوى منهما أو تقييدها بالسبب منهما بأي سبب كان متحدا أو متعددا أو من أحدهما إلى غير ذلك فلا وجه لذكر الخاص بعد العام اللهم إلا أن يكون من جهة ورود النص به أو من جهة تبعية القدماء حيث انهم عنونوا المسألة أو من جهة الاشارة إلى كفاية دعوى التمليك الضمنية إلى غير ذلك.
وبالجملة العبارة ظاهرة بل صريحة في كون المسألة من الاختلاف في الاملاك لا من الاختلاف في العقود ولهذا ذكره المصنف في فصله كما صنعه غيره أيضا قال في الارشاد حسبما حكى عنه نعم لو أقام بينة ايداع ما في يد الغير منه واخر بينة باستيجار القابض منه أقرع مع التساوي ومثله حكى عن التحرير هذا.
ولكن ذكر في المسالك ان ذكر المسألة في باب الاختلاف في العقود أولى حيث قال في شرح العبارة ما هذا لفظه المراد ان الدابة في يد المدعى عليه والمدعيان خارجان فادعى أحدهما أنه اجرها من صاحب اليد و ادعى الآخر انه أودعه إياها فإن لم يقيما بينة حكم بها لمن يصدقه المتشبث وإن أقام كل منهما بينة بدعواه تحقق التعارض بين البينتين مع الاطلاق أو اتحاد التاريخين وحينئذ فيرجع إلى ترجيح إحدى البينتين بالعدالة أو العدد فإن انتفى فالقرعة ولو تقدم تاريخ احدهما بنى على الترجيح به وعدمه وقد تقدم نظيره في الملك وسيأتي مثله وقد كان ذكر هذه المسألة في المقصد الثاني أولى لان الاختلاف فيها اختلاف في العقود انتهى كلامه
رفع في الخلد مقامه وقد عرفت بأن المسألة لا دخل لها بالاختلاف في العقود.
وذكر بعض مشايخنا بعد نقل ما عرفته من المسالك ما هذا لفظه وفيه مع ان ظاهره عدم العبرة بتصديق المتشبث مع قيام البينتين انه قد جعل المسألة من الاختلاف في العقود الذي معناه الاختلاف فيها مع الاتفاق على المالك وهو غير ما ذكرناه على ان قوله أولا في يد المدعى عليه يقتضي كون الدعوى منهما عليه مع ان المسألة في الدعوى بينهما مع قطع النظر عمن في يده فتأمل انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه ودرجته.
وهو في غاية الجودة من حيث فهم المراد من العبارة إلا أن في ايراده على صاحب المسالك في أول كلامه بقوله مع ان ظاهره عدم العبرة وفي آخره بقوله على أن قوله أو لا اه فيه ما فيه لان مقصوده من قوله فإن لم يقيما بينة اه هو بيان حكم صورة عدم البينة لا بيان كون الاقرار غير مفيد مع اقامة البينة وكلامه ليس مسوقا لبيان هذا قطعا على ان المقصود من عدم الافادة في صورة وجود البينة هو عدم الحكم بمقتضاه وهو حق لا عدم ترتب فايدة عليه أصلا ولو بجعل بينة المقر له بينة الداخل أو ما في حكمه وأما ماذكره عليه أخيرا فلو ا أمر بالتأمل فيه لذكرنا بعض ما يرد عليه هذا.
وذكر الاستاد العلامة في توجيه ما ذكره صاحب المسالك من ان الاولى ذكر المسألة في المقصد الثاني ان مقصوده مما ذكره هو انه إن أراد المصنف مما ذكره بيان حكم الاختلاف في الاجارة والعارية من حيث الاختلاف في الملك كما هو ظاهر كلامه فهو مما لا يناسب لانه في قوة التكرار وإن أراد بيان حكمه من حيث الاختلاف في العقد فالمناسب ذكر حكم صورة الاختلاف في العقد في بابه لا في المقام لا أن يكون مراده أولوية ذكر هذه المسألة الخاصة في باب الاختلاف في العقود حتى يقال انها اختلاف في الملك لا في العقد هذا ملخص ما ذكره هو لا يخلو عن تأمل مع انه قد يقال بأن صاحب المسالك قد فهم من العبارة ان أصل الفرض هو الاختلاف في العقد فتدبر وبالجملة لا إشكال في أن فرض المصنف هو التداعي في الاملاك.
ولكن لا بأس في التعرض لحكم التداعي في الاجابة والعارية أو الوديعة من حيث التداعي في العقد فنقول ان التداعي فيهما قد يكون بين المالك والاجنبي بأن يكون العين في يد الاجنبي فادعى أحدهما كونها في ده من جهة العارية والآخر من جهة الاجارة أو الوديعة وقد يكون بين الاجنبيين وعلى التقدير الاول قد يكون مدعي الاجارة المالك وقد يكون الاجنبي.
فان كان مدعى الاجارة المالك ومدعي الوديعة أو العارية غيره فالظاهر ان الاصل هنا مع الاجنبي لا من جهة ما قد يتوهم من أن مقتضى يده على العين تقديم قوله ضرورة سقوط حكم اليد بعد اجتماعها مع إقرار صاحبها بكون العين من مال الغير وادعى ما يخالف دعواه وإن هو إلا نظير اختلاف المالك والاجنبي في كون ما في يد الاجنبي اجارة أو غصبا فادعى المالك الثاني والاجنبي الاول فإنه لا إشكال بل لا خلاف في انه لا يحكم بكون القول قول الاجنبي لليد.
وبالجملة لا إشكال في أن اليد المجامعة مع الاقرار لا تجعل ذا اليد منكرا بل من جهة أصالة برائة ذمته عن مال الاجارة وعدم حصول التملك فحينئذ إن لم يكن للمالك بينة فيحكم للاجنبي مع يمينه فإن كان له بينة ولم يكن هناك بينة للاجنبي فلا إشكال في الحكم للمالك وإن كانت بينة للاجنبي أيضا يبني على مسألة تعارض بينة الداخل والخارج وقد تقدم تفصيل القول فيه.
وإن كان مدعي الاجارة الاجنبي ومدعي الوديعة أو العارية المالك فالظاهر ان القول قول المالك لاصالة
عدم التملك ولا تعارض بوجود اليد للاجنبي لما قد عرفت من عدم نفع فيها ولا بأصالة عدم حصول الاذن من المالك في التصرف لان المفروض اتفاقهما عليه.
ويدل على ما ذكرنا مضافا إلى ما عرفت ما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام في الثوب يدعيه الرجل في يد رجل فيقول الذي هو في يده هو لك عندي رهن ويقول الآخر هو لي عندك وديعة قال القول قوله وعلى الذي في يده البينة انه رهن عنده فإذا كان القول قول المالك فإذا أقاما بينة فلا إشكال في أن البينة بينة الاجنبي لانها بينة المدعي وهي مقدمة على بينة المنكر حسب ما عليه المشهور هذا.
ولكن حكي عن عد وشرحه للفاضل ما ينافي ما ذكرنا وان البينة من كل منهما بينة المدعي قال في القواعد في باب الاختلاف في العقود ولو ادعى استيجار العين وادعى المالك الايداع تعارضت البينتان وحكم بالقرعة مع تساويهما انتهى قال الفاضل في شرحه ولو ادعى استيجار العين وادعى المالك الايداع فكل منهما يدعي عقدا يخالف لما يدعيه الآخر وإن تضمن الاول تسلط ذي اليد على المنافع دون الثاني فإذا أقام كل منهما بينة تعارضت البينتان وحكم بالقرعة واليمين مع تساويهما فيما عرفت ومن نكولهما يقتسمان المنافع بانقسام المدة أو العين في تمام المدة انتهى ما حكي عنه.
وأنت خبير بأنه لامعنى للحكم بالتعارض بين البينتين مع كون احديهما بينة المدعي والاخرى بينة المنكر حسب ما عليه المشهور والفاضلان أيضا ومجرد ادعاء كل منهما عقد أيخالف عقد الآخر لا يجعلهما مدعيين مع كون الاصل على طبق احدهما كما عرفت ومن هنا قال الفاضل في الشرح بعد ماعرفت والاقوى ان القول قول المالك والبينة بينة الآخر للاتفاق على ان العين والمنافع ملك له فمن يدعي الاستيجار يدعي تمليك المنافع وهو ينكره انتهى.
وأضعف من الحكم بالتعارض في الفرض الحكم بتقديم بينة المالك من حيث كون بينة الاجنبي بينة الداخل حيث ان المفروض كون العين في يده قال في الكشف بعد الحكم بتقديم بينة الاجنبي حسب ما عرفت و يحتمل العكس بعيدا بناء على انه ذو يد واليد كما ترجح ملك العين ترجح ملك المنفعة انتهى قال بعض شايخنا بعد نقل هذا الكلام عنه ما هذا لفظه فهو جيد لكن ينبغي بناء المسألة على تقديم الخارج والداخل انتهى كلامه رفعه في الخلد مقامه ولكنك خبير بأنه غير جيد لانا نمنع من ترجيح اليد ملك المنفعة مع اقرار ذيها بكون العين والمنفعة ملكا للغير الذي يدعي خلاف ما يدعيه ويريد أخذ العين عنه هذا كله لو كان التداعي في الاجارة وغيرها بين المالك والاجنبي.
وأما لو كان بين الاجنبيين بان ادعى أحدهما ان المالك قد أجرها إلى سنة مثلا والآخر ان المالك او دعنيها أو اعارنيها السنة المزبورة وكان المالك غائبا أو حاضرا مع عدم إمكان الوصول إليه واستعلام الحال منه فلا إشكال في تعارض البينتين منهما فيما لو كانت البينة لكل منهما لان كلا منهما مدع لانه يدعي خلاف الاصل فإن كان هناك ترجيح لاحدى البينتين على الاخرى فيحكم به على تقدير القول به وإلا فيحكم بالتساقط والرجوع إلى القرعة مع اليمين أو بدونها هذا كله مما لا إشكال فيه إنما الاشكال فيما قد يتوهم في المقام وفيما ذكر الفاضل في الفرض السابق على القول بتعارض البينتين فيه من الحكم بالتنصيف بعد التحالف فإنه لا دليل عليه أصلا سيما على الوجه الذي ذكره الفاضل فالحكم هو الايقاف بعد التحالف ومن هنا يمكن أن يقال ان انضمام اليمين إلى القرعة في المقام مما لا معنى له لعدم ترتب الفائدة على النكول عنها إلا على تقدير فتأمل (فتنبه خ).
قوله لو ادعى دارا في يد إنسان وأقام بينة انها كانت في يده اه أقول الكلام في المقام قد يقع في سماع البينة على الملكية السابقة وقد يقع في سماعها على اليد السابقة مع دعوى المدعي الملكية الحالية في كل منهما.
أما الكلام في سماعها في القسم الاول والقضاء بها فقد تقدم تفصيل القول فيه في مطاوي كلماتنا السابقة ونشير إليه في المقام على سبيل الاختصار والاجمال حتى يكون على ذكر منك فنقول الحق عدم سماع البينة في المقام لعدم مطابقتها للدعوى وعدم ابطالها حيث الانكار أما الاول فظاهر وأما الثاني فلانك قد عرفت سابقا ان البينة لا ترفع انكار المنكر ولا تنفع للمدعي في صورة عدم المطابقة إلا أن تشهد بشئ على المنكر في الزمان السابق بحيث كان هو نفسه مقتضيا للالزام عليه في الزمان اللاحق ما لم يتحقق الرافع له بحيث يعد القضاء بها عند العرف قضاء بالبينة من جهة عدم اعتنائهم باحتمال الرافع وهو لا يكون إلا سببا يثبت شيئا على المدعى عليه كالشراء منه إذا شهدت البينة عليه أو ما هو مسبب عن هذا السبب الذي يرجع الشهادة عليه إلى الشهادة على سببه ومنه الاشتغال على السابق كما ان من الاول الاقرار السابق إذا شهدت البينة عليهما ومن المعلوم ان الملكية السابقة لا تكون سببا لالزام شئ على المدعى عليه ولا مسببة عن سبب كذلك.
لايقال ان الملكية السابقة لا تتحقق بدون السبب فالشهادة عليها شهادة على السبب فلا بد من أن تكون مسموعة حسب ما بنيت عليه.
لانا نقول أولا ان الشهادة على الملكية السابقة لا يلزم أن تكون من جهة وجدان السبب لاحتمال استنادها إلى اليد ونحوها وثانيا سلمنا لزوم استنادها إلى السبب لكن من المعلوم الذي عرفته سابقا ان سبب الملكية السابقة للمدعى أعم من أن يثبت شيئا على المدعى عليه لاحتمال كونه هو الشراء من غير المدعى عليه فليست هي شهادة عليه فلا دليل على سماعها.
فإن قيل الشراء من غير المدعي أيضا على تقدير ثبوته سبب ومقتض لملكية المدعي ما لم يتحقق الرافع عنه فالشهادة عليه شهادة على المقتضي والسبب قلنا ان الشراء الواقعي عن مالكه الواقعى وإن كان سببا لاقتضاء الملكية في الزمان اللاحق أيضا إلا ان البينة عليه لما لم تكن بينة على المدعى عليه لم تسمع نعم لو قيل بسماعها اثبت شيئا على المدعى عليه لكن اثبات كونها بينة على المدعى عليه بسماعها دور ظاهر لان المفروض ان سماعها أيضا يتوقف على كونها على المدعى عليه.
لا يقال ان من المقرر في محله ان كلما كان الاقرار به من المدعى عليه نافعا كانت البينة عليه مسموعة ومقبولة ومن المحقق عند المحققين بل عند الجميع حسب ما حكي وإن استشكل فيه بعض ان اقرار المدعى عليه بالملكية السابقة للمدعي مما يلزم به ويؤاخذ عليه ويقضى به فليكن البينة عليها كالاقرار بها للملازمة المذكورة.
لانا نقول نمنع الكلية المذكورة أو نسلمها ونقول ان الانتفاع بالاقرار إنما هو من حيث انه اقرار فهذا النفع من لوازم موضوع الاقرار ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أصلا ان المقصود من الكلية المذكورة النسبة إلى غير هذا الانتفاع وقد أشرنا إلى ذلك في كلماتنا السابقة وتكلمنا فيه بعض الكلام فراجع عليه اما ان هذا النفع من لوازم موضوع الاقرار لانه بنفسه مقتض وسبب لالزام المقر به ولو كان في الزمان السابق فيكون كالبينة على الاشتراء من المدعى عليه بل أقوى منه ببعض الاعتبارات.
فإذا لم يبق في المقام إلا استصحاب الحاكم ولعمري انه أوهن من بيت العنكبوت اما أولا فلعدم الدليل على ثبوت المستصحب بعدما عرفت من عدم الدليل على سماع البينة وإن أريد اثبات سماعها بكونها مطابقة للدعوى بضميمة الاستصحاب لم يخل عن الدور كما لا يخفى وأما ثانيا فلعدم جواز القضاء بالاستصحاب لو فرض هناك دليل على ثبوت المستصحب كأن يدعى ان مقتضى ما دل عموما على العمل بالبينة وتصديقها جواز العلم بها للحكم في غير مقام القضاء فيستصحب مقتضاها وأما ثالثا فلعدم جواز القضاء به في مقابل اليد وإن قلنا بجواز القضاء به في الجملة ضرورة حكومة اليد على الاستصحاب.
ثم ان من التأمل فيما ذكرنا يظهر لك ضعف متمسك المصنف والشيخرحمهالله في أحد قوليه لما ذهبوا إليه من جواز القضاء بالبينة على الملكية السابقة وهو ان الملكية السابقة أولى من اليد الحالية لدلالتها على الملك في الحال مع انفرادها بالزمان السابق فيكون أرجح من اليد وأما المطابقة فموجودة بعد استصحاب الحاكم ثم ان الفرق بين المسألة وما ذكره المصنف وتقدم في مسألة القديم والاقدم الموجب للاعادة والمصحح لها هو ما ذكره في المسالك من ان الكلام في المسألة السابقة إنما كان في حكم تعارض البينة التي تشهد بالملكية السابقة والبينة التي تشهد على الملكية اللاحقة الفعلية وفي المقام في حكم تعارض البينة التي تشهد بالملكية السابقة مع اليد فالكلام في إحدى المسئلتين لا دخل له بالكلام في الاخرى كما لا يخفى قال في المسالك بعد نقله دليل المصنف لما ذهب إليه حسب ما عرفته ما هذا لفظه وقد تقدم البحث فيه والفرق بين هذه والسابقة الموجب لاعادة البحث ان المعارضة في هذه بين اليد المتحققة واليد السابقة الثابتة بالبينة أو الملك السابق كذلك والسابقة وقع فيها التعارض بين البينتين الدالة احديهما على اليد في الحال مع عدم ظهورها في غيره والاخرى على الملك السابق فلا تعرض فيها للمعارضة بين اليد السابقة والحالية انتهى كلامه.
وذكر بعض مشايخنا قده فرقا آخر بين المسئلتين فإنه قال في جملة كلام له يطعن فيها على ما ذكره في المسالك ويستغرب عنه ما هذا لفظه.
وبالجملة لا يخفى على من تأمل كلمات الجميع ما فيها من الخلط والخبط في موضوعات المسائل إذ من المعلوم ان المراد من المسألة السابقة التي قدمنا فيها بينة الملك القديم على بينة الملك الحادث كون كل من البينتين تشهد بالملك فعلا للمال الخارج عنهما وتتعارضان في ذلك ولكن احديهما تشهد مع ذلك بملك سابق لا تعارضها الاخرى فيه فترجح حينئذ أو يبقى استصحابه سالما عن المعارض وهذه غير الشهادة بالملك أمس فقط أو باليد السابقة الدالة عليه انتهى ما أردنا نقله.
وأنت خبير بأن ما ذكره من الفرق وإن كان هو الفارق بين المسألة السابقة والمقام في كلام غير المصنف من الاصحاب إلا نه لا دخل له بكلام المصنف لانك قد عرفت سابقا ان المستفاد من كلام المصنف في تلك المسألة هو كفاية قيام البينة على الملكية السابقة وإن لم تتعرض للملكية الحالة أصلا حسب ما صرح به في المسالك فالفرق بينهما على هذا التقدير ليس إلا ما ذكره في المسالك هذا مضافا إلى ان اشتراط خروج المال عن يد المدعيين في المسألة السابقة مما لم يعهد عن أحد بل الظاهر منهم خلافه ولهذا ذكروا مسألة تعارض القديم والاقدم مع الدخول والخروج كما عرفت تفصيل القول فيها فلا معنى لاخذه في بيان الفرق كما صنعه والله العالم هذا مجمل القول في المقام الاول وهو ما لو قامت البينة على الملكية السابقة.
وأما لو قامت على اليد السابقة مع كون دعوى المدعي الملكية الحالية فالذي يظهر من الشيخ في
أحد قوليه والمصنف وبعض من تبعهما سماعها أيضا ولكن الاكثرين على عدم سماعها أيضا فهذه الصورة كالصورة الاولى عندهم في الحكم إلا انه يظهر من العلامة في القواعد سماعها مع قوله بعدم السماع في الصورة الاولى حيث قال بعد الحكم بعدم السماع فيما لو شهدت بالملكية السابقة مع عدم التعرض للحال الثاني أصلا ولو شهد انه كان في يد المدعي بالامس قبل وجعل المدعي صاحب يد وقيل لا يقبل لان ظاهر اليد الآن (الانية خ) الملك فلا يدفع بالمحتمل انتهى كلامه.
وقد حكم بعض مشايخنا بعد نقله ما عرفته من القواعد بالتدافع بين الكلامين وتنافيهما واستشكل في محكي الارشاد في الحكم بالسماع في الصورة بعد جزمه في الصورة السابقة حيث قال ولو شهدت انه كان في يده أمس ثبتت اليد وانتزعت من يد الخصم على إشكال انتهى كلامه.
لا إشكال في دليل القول بالسماع على تقدير القول به في الصورة السابقة بناء على كفاية الشهادة باليد حسب ما هو قضية كلماتهم كما انه لا إشكال في دليل القول بعدم السماع كما عن الاكثرين إنما الاشكال في دليل التفصيل بين الصورتين والحكم بعدم السماع في السابقة مع الحكم به في المقام فقد يقال في وجه الفرق ان الشهادة على اليد السابقة مع قطع النظر عن استصحاب الشاهد تجعل اليد اللاحقة يد غير مالك وانه لا بد من أن يكون دعوى صاحبها راجعة إلى دعوى الانتقال أو إلى تكذيب البينة فيما تشهد به فالشهادة في هذه الصورة بنفسها ترفع حيث انكار المنكر وهذا بخلاف الشهادة على الملكية السابقة فإنها لا تلزم شيئا على المنكر ولا تبطل حيث انكاره ايضا هذا.
ولكنك خبير بفساد هذا التوهم لان الشهادة على الملكية السابقة إن لم تكن أقوى وأعلى من - الشهادة على اليد فلا أقل من التساوي ضرورة انه يحتمل في الشهادة على الملكية السابقة الاستناد إلى ما يكون أقوى من اليد في الدلالة على الملكية كالاقرار والاشتراء ونحوهما بخلاف الشهادة على اليد ومن هنا لو قيل بالعكس لكان له وجه.
والحاصل انه لا بد من الاخذ باليد اللاحقة ما لم يتحقق هناك معارض لها والبينة على اليد السابقة لا تصلح ان تعارضها لعدم مطابقتها للدعوى ولا الزامها شيئا على المدعى عليه لان مجرد كون الشئ ي يد غيره سابقا لا يلزم شيئا عليه ومن هنا يكون اثباته بالبينة ولو بضميمة استصحاب الحاكم دوريا كما لا يخفى وإلى ما ذكرنا لا بد أن يرجع ما ذكروه في دليل المنع من ان ظاهر اليد الانية الملك فلا يدفع بالمحتمل فتأمل هذا.
ولشيخنا الاستاد العلامة دام ظله العالي تحقيق في المقام وتفصيل في الكلام لا بد من التعرض له وهو ان المراد من السماع وعدمه في البينة وعدمه في البينة على اليد السابقة إن كان هو القضاء بها وعدمه كما هو ظاهر المتن وجملة من كتب الجماعة فالحق هو ما عرفت من عدم التفرقة بين المقامين وإن كان هو جعل المدعي منكرا وقلب الدعوى والحكم بكون ذي اليد الحالية مدعيا كما هو ظاهر القواعد وأظهر منه عبارة الارشاد ولا ينافيه الحكم بالانتزاع ممن ينكر اليد السابقة لان المراد من الانتزاع ليس هو القضاء بل مجرد أخذ العين من يده حتى يقيم البينة أو يحلف المنكر وبه يندفع ما أورده بعض مشايخنا على القواعد من التدافع بين الموضعين منه كما لايخفى حيث ان التدافع إنما يلزم لو كان المراد من الانتزاع هو القضاء فالحق ثبوت الفرق بين المقامين سواء شهدت البينة باليد السابقة مع انضمام قولها ولا أعلم لها مزيلا شرعيا أو بدونه لان نفس دعوى كون لشخص
منكرا دعوى ملزمة يترتب عليها فائدة مقصودة والبينة على اليد السابقة مما يلزم شيئا على ذي اليد بالنسبة إلى هذه الدعوى فلا بد من الحكم بسماعها هذا ملخص ما أفاده دام ظله من التحقيق والتفصيل.
وفيه مضافا إلى ان الظاهر من كلماتهم هو القضاء بالبينة على اليد السابقة لا قلب الدعوى حتى من كلام الفاضل في الكتابين أيضا لانه وإن كان ربما يظهر منهما في بادى النظر ما ذكره الاستاد العلامة إلى ان مقتضى التأمل فيهما موافقتهما لغيرهما في المراد من السماع في المقام ان البينة على اليد السابقة لا تنفع في شئ أصلا حتى بالنسبة إلى جعل المدعي منكرا لان المقصود إن كان هو الحكم بكونه منكرا في الزمان السابق وقبل الدعوى فمن المعلوم انه لا يترتب عليه شئ أصلا وإن كان المقصود هو الحكم به في زمان الدعوى فمن العلوم عدم مطابقتها للمدعى كما لا يخفى والتشبث بذيل استصحاب الحاكم والاتصال بحبله مما لا يجدي في شئ والقول بأن نفس البينة على اليد السابقة يلزم شيئا على المدعى عليه بخلاف البينة على الملكية مما لم يفهم له معنى لانك قد عرفت ان المنكرية قبل الدعوى مما لا يجدي في شئ أصلا نعم لا إشكال في سماع البينة على اليد السابقة بضميمة قولها ولا أعلم لها مزيلا شرعيا سواء كان المقصود القضاء بها أو غيرها لانها مطابقة لدعوى حسب ما عرفت تفصيل القول فيه فهذا الفرض خارج عن محل البحث هذا مضافا إلى انه قد يتأمل في سماع دعوى كون المدعي منكرا فتأمل.
فتلخص من جميع ما ذكرنا ان استصحاب الحاكم فيما لا يترتب الزام على مجرد البينة على الملكية السابقة مما لا يسمن ولا يغني من جوع نعم لا إشكال في سماع البينة على الملكية الانية ولو بضميمة الاستصحاب أو على الملكية السابقة مع ضميمة قولها ولا أعلم لها مزيلا التي ترجع إلى الشهادة على الملكية الانية بضميمة الاستصحاب كما تقدم تفصيل القول فيه.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان هنا إشكالا ربما يورد على ما ذكرنا لم أعلم سبق غير الاستاد العلامة إليه وهو ان الاستصحاب في مقابل اليد الفعلية إن كان معتبرا أو لم يحكم بحكومة اليد عليه فلم لا يجوز استناد الحاكم إليه وإن لم يكن معتبرا في مقابلها مستندا إلى الحكومة المذكورة فكيف تسمع شهادة من يعلم استناده إليه أو يصرح بالاستناد وكيف يجوز شهادته مع ان النسبة بين مقام العمل ومقام اداء الشهادة اما هو الاعم مطلقا كما هو الحق بمعنى ان كلما يجوز الاستناد إليه في مقام أداء الشهادة يجوز عمل الشاهد عليه ولكن لا عكس ولهذا لا تسمع الشهادة على الشهادة أو التساوي كما هو قضية كلام جماعة هذا ملخص ما ذكره الاستاد العلامة من الاشكال.
وتفصى عنه بما حاصله المنع من اعتبار اليد في مقابل الدعوى مع العلم بكون دعوى المدعي موافقة للواقع في زمان وعدم الملازمة بين جواز استناد الشاهد إلى الاستصحاب في الشهادة واستناد الحاكم إليه في القضاء.
توضيح ذلك على سبيل الاجمال والاختصار بحيث لا يورث الملال ولا يبقى في المقام بعده شبهة ولا إشكال بعون الملك المتعال هو انه لا ريب عند ذوي الافهام المستقيمة ان اعتبار اليد وكونها دليلا على الملك ليس من باب أصالة الصحة في تصرف المسلم كما توهمه جماعة وعليه كان بنائنا أيضا في سالف الزمان ولا معنى السلطنة وإلا لم يكن معنى للحكم بالملكية من جهتها فيما لا يجري فيه الصحة والفساد ولا السلطنة كما في يد اللقيط فإنها ليس لها صحة وفساد وتسلط ومع ذلك يحكمون بكونه مالكا لما احتوت عليه يده بلا إشكال بل من باب ظهورها في الملكية الناشى من الغلبة في الايدي وهذا الظهور من الظواهر المعتبرة عند أهل العرف والعقلاء قد امضاه الشارع أيضا من جهة ما يراه من المصالح كما في أكثر الطرق الشرعية في الاحكام والموضوعات.
فحينئذ نقول على سبيل الظابطة انه إذا كان مال بيد أحد وشك في ملكيته له فلا يخلو إما أن يعلم ان يده عليه قبل زمان الشك يد عارية وديعة أو غصب أو نحوها من أنحاء يد غير المالك أو لا يعلم ذلك.
فإن كان من القسم الاول فلا إشكال في عدم الحكم بالملكية له ما لم يدع الملكية ففي هذه الصورة يعمل بالاستصحاب من دون ريب ويحكم ببقاء اليد على ما كانت عليه لان هذا القسم من اليد قد خرجت من الغلبة المذكورة فيحكم ببقائها على ما كان فيشخص بالاستصحاب من باب الحكومة ان اليد في الزمان اللاحق هي اليد في الزمان الاول فهذا نظير الاخذ باستصحاب حكم المخصص بعد الشك في بقائه إذا لم يكن للمخصص عموم زماني وان ادعى الملكية ففيه تفصيل ستطلع عليه إنشاء الله.
وإن كان من القسم الثاني فلا يخلو أيضا إما أن لا يعلم بأن له مالكا غيره أصلا أو يعلم ذلك وعلى التقديرين فلا يخلو أيضا إما أن يدعي ملكيته أو لا وعلى التقديرين أيضا إما أن يدعي ملكيته غيره أو لا لا إشكال في الحكم من جهة اليد بالملكية والعمل بمقتضاها ما لم يقم هناك ما هو حاكم عليها في القسم الاول سواء ادعى الملكية أم لا وسواء لم يكن هناك من يدعي الملكية أو كان كما انه لا إشكال في الحكم بالملكية من جهة اليد وترتب آثار الملك على ما تكون عليه إذا لم يكن هناك من يدعيه غير ذي اليد أو كان ولم يكن من علم بملكيته له سابقا في القسم الثاني سواء ادعى ذو اليد الملكية أيضا أو لا على إشكال في الاخير يجري في هذا القسم من القسم الاول أيضا وأما إذا كان هناك من يدعيه وكان هو المالك الاولى فالذي يقتضيه التحقيق في المقام هو عدم جواز العمل باليد بل لا بد من العمل بالاستصحاب وجعل ذي اليد مدعيا والحكم بكون غيره منكرا.
والدليل على ما ذكرنا مضافا إلى جريان السيرة عليه عدم ظهورها في الملكية في الفرض وعدم دليل صالح على جعلها طريقا إلى الملك في الفرض لان الدليل عليه إن كان الاجماع قولا وعملا فمعلوم عدم تحققه في المقام إن لم ندع انه على الخلاف وإن كان غيره من الاخبار فالظاهر منها غير هذا الفرض فنحن نذكر جملة منها في المضمار حتى تعلم حقيقة الحال ولا يبقى بعد التأمل فيها للشبهة مجال فمنها خبر حفص بن غياث المروي في الكتب الثلاثة وفيه أرأيت إذا رأيت في يد رجل شيئا ايجوز اشهد انه له فقال نعم قلت فلعله لغيره قال ومن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه إليك من قبله ثم قال ولو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق ومنها الخبر المروي في الوسائل عن تفسير علي بن إبراهيم صحيحا وعن الاحتجاج مرسلا عن مولانا الصادقعليهالسلام في حديث فدك ان مولانا مير المؤمنينعليهالسلام قال يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين قال لا قال فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه ثم ادعيت انا فيه من تسأل البينة قال إياك كنت أسئل البينة على ما تدعيه قال له فإذا كان في يدي شي فادعى فيه المسلمون تسئلني البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعده ولم تسئل المؤمنين على ما ادعوا علي كما سئلتني البينة على ما ادعيت عليهم الخبر ومنها موثقة يونس بن يعقوب في المرئة تموت قبل الرجل أورجل يموت قبل المرئة قال له ما كان من متاع النساء فهو للمرئة وما كان من متاع الرجل والنساء فهو بينهما ومن استولى على شئ منه فهو له إلى غير ذلك من الاخبار التي ادعوا دلالتها على اعتبار اليد.
أما ظهور الاخيرين في صورة عدم المعارضة مع العلم بسبق الملك للمدعي فظاهر(١) ومن هنا يسقط الاستدلال للعموم بترك الاستفعال حيث انه فيما لم يكن هناك ظهور بالنسبة إلى بعض الصور في المقال وأما الاول
____________________
(١) فيه تأمل (منهقدسسره )
فقد يقع الكلام في دلالة ذيله وقد يقع في دلالة صدره حيث ان كلا منهما مما يدل على اعتبار اليد في الجملة و يتوهم دلالته على المدعي.
أما ذيله فالظاهر انه لا دلالة له على المدعي أصلا حيث انه في قوة التعليل لجواز الشراء والمعاملة مع ذي اليد في الجملة لا لجواز الشهادة ولا لجواز الشراء منه ولو مع العلم بكون ما في اليد للغير سابقا مع ادعاء الغير لعدم ايجاب عدم جوازهما المحذور المذكور ومن هنا قد يمنع من دلالته على اعتبار اليد مطلقا وفي نفسها وإن لم تنضم إليها دعوى الملكية من ذي اليد أو عرض ما في اليد معرض الشراء ونحوه مما هو في قوة دعوى الملكية فإن المحذور اللازم إنما هو على تقدير عدم جواز المعاملة مع ذي اليد بقول مطلق ولو مع دعوى الملكية أو ما هو بمنزلها لا مطلقا ولو في صورة عدم الدعوى والعرض معرض الشراء فالمقصود انه لولا جواز المعاملة السوقية للزم المحذور المذكور.
والقول بأن المشار إليه هو الشراء الخاص أي الشراء من جهة اليد فيدل على اعتبار اليد فيه ما لا يخفى لان استناد جواز الشراء إلى اليد المستفاد من صدر الرواية لا يوجب ظهور الذيل في اعتبار نفس اليد ضرورة ان الاستناد المذكور ليس من خصوصيات الشراء وقيوده حتى يقال بأن المشار إليه هو الشراء الخاص فإذا لم يدل الذيل على اعتبار اليد من حيث هي ولو لم ينضم إليها شئ فلا يدل على اعتبارها في صورة المعارضة والفرض بالاولوية القطعية فتأمل وأما صدره فإن كان له ظهور في ان جواز الشراء من جهة نفس اليد ولهذا حكم الامامعليهالسلام بجواز الشهادة من جهتها من جهة الملازمة المذكورة في الرواية فيدل على اعتبار اليد من غير ضميمة أصلا حسب ما هو قضية ظاهر كلماتهم والخبرين الاخرين إلا انه لا ظهور له بالنسبة إلى الفرض والتمسك بترك الاستفصال كما صدر عن بعض مما يمكن التأمل فيه فتأمل مضافا إلى انه لو كان له ظهور فيمكن صرفه بملاحظة كلماتهم الظاهرة في جواز الشهادة مستندا إلى الاستصحاب في المقام وبجريان السرة على عدم العمل بها في الفرض فالحاصل ان اليد إنما هي حجة وحاكمة على أصالة عدم تملك ذيها وأما بالنسية إلى استصحاب ملكية الغير فإن لم ينضم إليه دعوى الغير فالظاهر انه لا إشكال في حكومة اليد على الاستصحاب أيضا وإن كان ربما بتأمل فيه وإن انضمت إليه دعوى المالك السابق فالظاهر حينئذ سقوط اليد من الاعتبار فالمسقط لاعتبار اليد شرعا وعرفا هو نفس دعوى المالك السابق في الفرض فيعمل بالاستصحاب لسقوط اليد من الاعتبار بالدعوى فلا يقال حينئذ انه إن كان للاستصحاب صلاحية المعارضة مع اليد والتقديم عليها فأي فرق بين صورة وجود الدعوى من المالك السابق وعدمه وإن لم يكن له صلاحية المعارضة مع اليد من جهة حكومتها عليه كما هي قضية التحقيق فأي فرق بين الصورتين.
فإن قلت ما ذكرته من الاشكال فإنه مبني على جواز الاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب والقضاء بها وهو ممنوع لانه لا يجوز الاستناد في الشهادة إلا إلى ما يفيد العلم لاخبار كثيرة مع ان في الروايات ما يدل على عدم جواز الاتكال والاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب كما في ذيل صحيحة معاوية بن وهب قال قلت الرجل يكون له العبد والامة فيقول ابق غلامي وأبقت أمتي فيوخذ في البلد فيكلفه القاضي البينة ان هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه أفنشهد على هذا إذا كلفناه ونحن لم نعلم انه أحدث شيئا فقال كلما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به وكما في رواية أخرى عنه قلت له ابن أبي ليلى يسئلني الشهادة عن هذه الدار مات فلان وتركها ميراثا وانه ليس له وارث غير الذي شهدنا له فقال اشهد بما هو علمك قلت له انه بن أبي ليلى
يحلفنا الغموس فقال احلف إنما هو على علمك.
قلت أولا ان الخدشة في جواز الاستناد في الشهادة إلى الاستصحاب والحكم بمقتضى البينة المستندة إليه والتأمل فيه كما صدر عن بعض الاصحاب في غاية الظهور من الفساد لاتفاق كلمتهم ظاهرا على جوازه وجواز الحكم بمقتضى البينة المستصحبة كما يظهر مما ذكروه في القضاء بالشهادة على الملكية السابقة مع قول الشاهد ولا علم له مزيلا حيث ان ظاهرهم عدم الخلاف في القضاء به ومن غيره مما ذكروه في المقام وفي باب الشهادة فراجع إلى كتبهم حتى تقف على حقيقة الامر هذا مضافا إلى دلالة جملة من الروايات عليه سيأتي ذكرها إنشاء الله في محله.
وأما ما ذكر من الروايتين فشئ منهما لا يدل على عدم جواز الاستناد إلى الاستصحاب في الشهادة أما الثاني فظاهر لان المراد به ما علمت به سابقا أو تعلم العمل به هكذا ذكره الاستاد العلامة وأما الاول فلان الظاهر منه كما لا يخفى لكل من تأمل فيه هو جواز الاستناد إلى الاستصحاب في الشهادة لان المراد من قولهعليهالسلام كلما غاب من يد المرء المسلم اه ليس هو انشاء الحكم بعدم جواز الاستناد وعدم جواز الشهادة بل انشاء التعجب والتوبيخ على عدم جواز الشهادة وانه كيف يمكن أن يكون الامر كذلك سيما بملاحظة توصيف المرء بالمسلم وقوله لم تشهد لان المناسب للمعنى الاول كما لا يخفى لا تشهد فهو في معنى الاستفهام الانكاري فهو قريب من قوله في بعض روايات اليد ولولا هذا لما قام للمسلمين سوق في دلالته على الكبرى الكلية وبالجملة لا ينبغي التأمل في ظهور الرواية صدرا أو ذيلا في المدعي سيما بملاحظة بعض الاخبار الاخر الوارد بهذا المضمون الظاهر في جواز الاستناد.
وثانيا ان كلامنا في المقام إنما هو على تقدير ثبوت جواز الاستناد فالاشكال الذي ذكرنا إنما هو على تقدير القول به فلا معنى بعده لان يقال انه لا دليل على جواز الاستناد فتلخص من جميع ما ذكرنا انه لا إشكال في جواز العمل باليد في صورة عدم المعارضة مع ظهور شئ من ذي اليد يدل على ملكية ما في يده كدعوى الملكية أو التصرف فيه تصرف الملاك كما انه لا إشكال في عدم جواز الاستناد إليه في صورة المعارضة مع العلم السابق أما العمل بها مع قطع النظر عن انضمام شئ إليها ففيه إشكال عند الاستاد العلامة إلا انك قد عرفت ان الحق هو العمل باليد حينئذ أيضا.
فإن قلت لو كان الامر كما ذكرت من جواز استناد الشاهد في الشهادة إلى الاستصحاب وجواز القضاء أيضا من الحاكم لجاز للحاكم القضاء على ذي اليد فيما لو عليم بالملكية السابقة للمدعى وإن كان شاكا في الملكية الحالية لان علم الحاكم معه الاستصحاب ليس بأدون من البينة الاستصحابية قلت لا ملازمة بين جواز القضاء بالبينة الاستصحابية وبين جوازها بالعلم بالمدعى في السابق بضميمة الاستصحاب لان القضاء بالاولى قضاء بالبينة لمطابقتها مع المدعى ولو بالاستناد إلى الاستصحاب.
وهذا بخلاف الثاني فإن القضاء فيه قضاء بالاستصحاب حيث ان العلم بالمدعى في غير زمان المدعى ليس مطابقا له فهو لا ينفع أصلا والتطبيق بالاستصحاب يرجع إلى القضاء به كما لا يخفى فالقضاء بالعلم في الصورة كالقضاء بالبينة على الملكية السابقة بضميمة استصحاب الحاكم في كون كل منهما غير مطابق للدعوى ولا يلزم شيئا على المدعى عليه في زمان حتى ينفع في المدعى ضرورة ان العلم بالملكية السابقة لمدعيها كالبينة عليها في عدم الزامها شيئا على المدعى وأما ما قرع سمعك من جواز القضاء للقاضي بعلمه فإنما هو بالنسبة إلى علمه في حال الدعوى الذي هو طريق إلى الحق قهرا أو انجعالا حسب ما هو قضية عدم قابليته للجعل.
نعم لو تعلق علم الحاكم في الزمان السابق بما يكون نافعا في الدعوى وملزما على المدعى عليه كما إذا تعلق بسبب الاشتغال أو الاقرار منه أو الاشتراء منه أيضا إلى غير ذلك كان القضاء به بضميمة الاستصحاب جائزة كالقضاء بالبينة التي تشهد بهذا الامر كما عرفت تفصيل القول فيه وبالجملة علم الحاكم بالملكية السابقة كالبينة عليها فيما يجوز القضاء به وما لا يجوز به لا كالبينة على الملكية الحالية ولو كانت مستندة إلى الاستصحاب.
فإن قلت لو كان الامر كما ذكرت من عدم اعتبار اليد فيما لو علم بخلافها في السابق مع معارضة من علم بكون ما في اليد ملكه سابقا بل المعتبر حينئذ الاستصحاب فلا بد من أن يحكم الحاكم في الصورة فيما لو كان عالما بإقامة البينة على ذي اليد لا على المدعى لان المفروض ان الاصل الذي يرجع إليه في العمل هو الاستصحاب المطابق لقول المدعي لا اليد المطابقة لقول ذيها فتنقلب الدعوى بمجرد علم الحاكم مع انه لم يعهد من أحد الالتزام به.
قلت لا ملازمة بين جواز العمل بالاستصحاب في الواقع وترتيب أحكام ملك المدعى على ما يعلم بملكيته له سابقا في الصورة وبين جواز الزام ذي اليد بالبينة لان المفروض عدم حجية العلم على ذي اليد وعدم ايجابه شيئا عليه حتى يصح رفع أحكام يده بالنظر إلى ما يرد عليه فالزام ذي اليد بالبينة مع عدم قيام حجة عليه كالقضاء عليه في الفرض المزبور وإن هذا إلا كالبينة على الملكية السابقة فإنها وإن لم يجز القضا بها من حيث عدم كونها حجة على المدعى عليه إلا انه يجوز العمل بمقتضاها للحاكم وغيره أيضا لو قلنا بثبوت ما دل بالعموم على وجوب تصديق البينة في اعمال النفس وإن لم تكن مطابقة للدعوى فتعمل بها بضميمة الاستصحاب في زمان الدعوى ويحكم بأن الاصل مع المدعي إذ لا فرق في جريان الاستصحاب بين ثبوت المستصحب في الزمان السابق بالعلم أو بما هو قائم مقامه مع انك لا تحكم بقلب الدعوى فيها وإن أبيت إلا عن ثبوت الفرق بينهما أو الالتزام بالاشكال المزبور فيهما بأن تقول ان تشخيص المدعي والمنكر إنما هو بالنظر إلى نظر الحاكم من حيث كون قول أحد المتداعيين مخالفا للاصل الذي يجب العمل به باعتقاد الحاكم او موافقا له فلا نتحاشى من لالتزام بالقلب في المقام والله العالم بحقايق الاحكام.
وحاصل ما ذكرنا من أول المسألة إلى هنا انه لو لم يكن هناك علم سابق على خلاف اليد أو كان ولم يكن هناك معارضة ممن يعلم بسبق ملكه فلا إشكال في الالتزام بمقتضى اليد والعمل عليها مع دعوى ذي اليد الملك أو تصرفه فيه تصرف الملاك في الصورتين كما انه لا إشكال في عدم جواز العمل عليها لو كان هناك علم سابق على خلافها مع دعوى المالك السابق ومعارضته بل العمل حينئذ على الاستصحاب.
وأما لو لم يكن في الصورتين الاوليين دعوى الملكية من ذي اليد ولا التصرف منه تصرف الملاك بل كان مجرد اليد ففي العمل بها إشكال لعدم دليل يمكن الركون إليه لكون اليد في نفسها دليل الملك لانه ليس ما يصلح له إلا إطلاق صدر رواية الحفص وإطلاق قوله في الموثقة من استولى على شئ منه الذي هو بمنزلة القاعدة الكلية وهما لا يصلحان له ولا يجوز التمسك بهما بعد البناء على عدم جواز العمل باليد في صورة المعارضة ممن يعلم بملكيته في السابق.
أما الاول فلان الظاهر منه الاختصاص بما إذا لم يعلم سبق الملك لغير ذي اليد أصلا كما يشهد به قوله فلعله لغيره فإن الظاهر منه عدم العلم بسبق الملك للغير أصلا فلو سلم فإنما هو في الغير الغير المعين لا فيه كما لا يخفى لكل من تأمل في الرواية فلا يدل على ان مجرد اليد دليل على الملك وإن كان هناك علم سابق والقول بأن الظاهر منه عدم العلم بالمالك حال وجود اليد وإن علم به في السابق خلاف الانصاف هذا مع انه لو كان هناك
اطلاق فلا بد من رفع اليد عنه فإن مورد الرواية السؤال عن جواز الشهادة الذي يلزمه فرض التداعي فلو كان له اطلاق لصورة العلم للزم الالتزام والقول بتقديم اليد على الاستصحاب في صورة المنازعة مع العلم مع ان المفروض البناء على عدم جوازه فلا بد من الحكم بعدم الاطلاق للرواية وبعبارة أخرى المستفاد من الرواية قاعدة كلية قد أشرنا إليها غير مرة وهي انه كلما يجوز العمل به يجوز الشهادة استنادا إليه حسب ما صرح به جماعة أيضا والمفروض البناء على جواز العمل والشهادة في صورة العلم بخلاف اليد سابقا مع دعوى المالك فلو كان في الرواية اطلاق للزم التدافع فيه كما لا يخفى.
وبمثله يجاب من التمسك باطلاق الموثقة وأما رواية الفدك فغير منطبقة على القواعد بحسب ظاهرها لاعتراف الامامعليهالسلام بكونه مال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في زمان حياته وانه انتقل إليهم فيكون مدعيا فلا د من توجيهها بما يوافق القواعد هذا ملخص ما ذكره دام ظله وللتأمل فيه مجال.
ولنتم الكلام في المقام بذكر كلمات جماعة من أصحابنا الكرام وعلمائنا الاعلام مما له تعلق بالمقام فمنها ما ذكره العلامة في المختلف قال في آخر باب الشهادات ما هذا لفظه وقال أبوالصلاح وإذا كان الشاهد عالما بتملك غيره دارا أو أرضا أو غير ذلك ثم رأى غيره متصرفا فيها من غير منازعة من الاول ولا علم إذن ولا مقتض لاباحة التصرف من إجارة أو غير ذلك لم يجز له أن يشهد بتملك واحد منهما لها حتى يعلم ما يقتضي ذلك في المستقبل وليس بجيد لان العلم السابق يستصحب حكمه إلى ان يظهر المزيل والتصرف مع السكوت لا يدل على الخروج عن الملكية بخلاف ما لو شاهد غيره يتصرف في ملك بغير منازع ولم يعرف سبق ملك لاحد عنه فإن جماعة من أصحابنا جوزوا له أن يشهد له بالملك المطلق اما مع سبق العلم بالملك للغير فلا قال وإذا غاب العبد أو الامة عن مالكه لم يجز له أن يشهد بما كان يعلمه من تملكه لهما إلا أن يعلم غيبته لاباق أو اذن المالك وليس بجيد كالاول نعم ان اعترضه شك في بقاء الملك لم يجز له أن يشهد بأنه الآن ملكه بل انه كان في ملكه في الزمان الماضي وكان مقصوده ذلك وحينئذ يصح ما قالرحمهالله انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وهو كما ترى موافق لما ذكره الاستاد في الجملة ومراده مما ذكره في صورة عروض الشك كما هو ظاهر ليس مجرد الشك المعتبر في موضوع الاستصحاب بل قسم خاص منه وهو ما يوجب التحير والتزلزل بحيث ليس بناء العقلاء على الاخذ بالاستصحاب في مورده ولو بعد ملاحظة الحالة السابقة.
ويقرب منه ما ذكره في القواعد من انه لو قال الشاهد اشهد انه ملكه بالاستصحاب لم تقبل شهادته مع قوله عقيبه لو قال اشهد انه كان ملكه سابقا ولا أعلم له مزيلا سمعت شهادته كما تقدم القول فيه وفي وجيهه وهذا الكلام وإن كان يناقش فيه بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الاخبار حسب ما عليه جملة من أصحابنا الاخيار من المتأخرين إلا انه بناء على اعتباره من باب بناء العقلاء كما عليه المتقدمون منهم فغير بعيد لانه يصح أن يقال ان بنائهم في غير مورد من الموارد على عدم العمل بالاستصحاب في أمورهم كما لا يخفى ويمكن أن يقال ان مرجع هذا الكلام إلى اشتراط حصول الظن الشخصي من الحالة السابقة في اعتبار الاستصحاب فتأمل قال في الوسائل في باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد حتى يثبت خلافها وجواز الشهادة لصاحبها بعد نقله الاخبار الدالة على ذلك مما تقدم تفصيل القول فيه ما هذا لفظه أقول لا ينافي هذا ما يأتي في الشهادات من جواز الشهادة باستصحاب بقاء الملك لان المفروض هناك عدم دعوى المتصرف الملكية على انه لا منافاة بين جواز الشهادة وبين عدم قبولها لمعارضة ما هو أقوى منها ولا بين جوازها وعدم وجوب القضاء بها وتقدم ما يدل
على ذلك في ترجيح البينات وغير ذلك ويأتي ما يدل عليه انتهى كلامه.
ولا يخفى عليك وجه ما ذكره من التوجيهين الاولين سيما الاول منهما لان مرجعه إلى عدم جواز الشهادة بالاستصحاب في صورة التداعي مع انك قد عرفت ان القدر المتيقن من أدلة جواز الشهادة بالاستصحاب والقضاء بها إنما هو في صورة المعارضة فما ذكره مما لا معنى له ولا ينطبق على كلام أحد بل ظاهر كلمات الاصحاب خلافه وأما ما ذكره أخيرا فمرجعه إلى ما ذكرنا من جواز الشهادة بمقتضى الاستصحاب والقضاء بها في صورة المعارضة وعدمه في غير الصورة هكذا ذكره الاستاد العلامة فتأمل.
قال الشهيدرحمهالله في جملة كلام له ما هذا لفظه وقيل قد يكون ذكر السبب قادحا في الشهادة كما لو قال اعتقد ان هذا ملكه بالاستصحاب وإن كان في الحقيقة مستندا إلى الاستصحاب وكذا لو صرح بأن هذا ملكه علمته بالاستفاضة وهذا ضعيف لان الشرع جعل الاستفاضة من أسباب التحمل فكيف يضر ذكرها وإنما يضر ذكر الاستصحاب إن قلنا به لانه يؤذن بشكه في البقاء ولو أهمل ذكره وأتى بصورة الجزم زال الوهم ولو قيل بعدم الضرر أيضا كان قويا انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وقال في موضع آخر من الكتاب المعتبر في علم الشاهد حال التحمل ولا يشترط استمراره في كثير من الصور كالشهادة بدين أو ثمن مبيع أو ملك لوارث مع إمكان أن يكون قد دفع الدين وثمن المبيع وباع المورث وكالشهادة بعقد بيع أو إجارة مع إمكان الاقالة بعد والمعتمد في هذه الصور إنما هو الاستصحاب اما الشهادة على النسب والولاء فإنها على القطع لامتناع انتقالهما وكذا الشهادة على الاقرار فإنه اخبار عن وقوع النطق في الزمان الماضي اما الشهادة بالوقف فإن منعنا بيعه فهي من قبيل القطع انتهى كلامه.
وقال في طي قاعدة أخرى بعد كلامه الذي ذكرنا أولا ما هذا لفظه والحق الصريح ان الشاهد إذا ذكر السبب واقتصر عليه لم تسمع شهادته لان هذه الاسباب إنما تصح الشهادة بهذا إذا أفادت الشهادة القطع ولم يتعرض له الشاهد هنا وإن ذكر السبب وقال انا أشهد بصورة القطع لم يضر ذكر السبب وكذا لو صرح وقال ستند شهادتي السبب المعين الذي حصل لي منه القطع أو الذي يجوز الشهادة به وكان من أهل المعرفة فإنه يسمع الشهادة في الصورتين انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وقد يتوهم منه انه مناف لما ذكره سابقا وهو توهم فاسد يظهر وجهه بالتأمل.
قوله إذا اتفقا على استيجار دار معينة شهرا معينا واختلفا في الاجرة اه أقول إذا اختلف للمتداعيان في عقد فلا يخلو إما أن يكون لكل واحد منهما بينة على ما يدعيه أو لا يكون لاحدهما بينة عليه أو يكون لاحدهما بينته دون الآخر كما في الاختلاف في الاملاك فلا بد في المقام من التكلم في حكم كل واحد من هذه الاقسام.
وليعلم أولا انه قد يشتبه كون التداعي في العقد أو الملك من حيث كون متعلق الدعوى ذا جهتين كما في التداعي في عقد الاجارة فيما فرضه المصنف من المثال وغيره فلا بد من أن يلاحظ ان مصب الدعوى منهما هل هو العقد أو الملك فقد يعلم ان المقصود من اختلافهما هو أخذ الزائد من مال الاجارة والفرار عنه بحيث لا غرض لهما إلا ذلك كما في الاغلب وقد يعلم ان المقصود من اختلافهما هو اثبات كل منهما ما يدعيه من العقد الخاص لتلعق غرض له بحيث لا غرض لهما إلا ذلك وقد لا يعلم شئ منهما أما الاول فلا إشكال في خروجه عن حل الكلام فإن مجرد ذكر السبب في التداعي لا يخرج الفرض عن التداعي في الاملاك بعد فرض كون المقصود الاصلي هو اثبات المسبب وهذا أمر واضح قد نبهنا عليه في غير موضع من كلماتنا السابقة وأما الثاني فداخل في الفرض
وستقف على حكمه وأما الثالث فيرجع فيه إلى ظهور تحرير الدعوى منهما ويؤخذ به.
فالمقصود من اختلاف المتداعيين في الاجارة فيما فرضه المصنف ان كان هو التوصل إلى المقدار الزايد من المال ودفعه عن النفس كما هو الغالب فقد عرفت انه لا إشكال في خروجه عن الفرض ودخوله في التداعي في الاملاك فيراعى فيه حكمه فإن كان مدعى الزيادة الموجر فلا إشكال في الحكم بكونه مدعيا والمستأجر منكرا لادعاء الاول ما يخالف أصالة البرائة والثاني ما يوافقها لرجوع نزاعهما إلى اشتغال ذمة المستأجر بالمقدار الزايد وعدمه بعد اتفاقهما على اشتغالها بالاقل على ما هو قضية الاختلاف بين الاقل والاكثر في الذمة لانها تقتضي تعيين الاقل والاتفاق عليه والتداخل فيه وإنما الاختلاف في المقدار الزايد فإن لم يكن لهما بينة فالقول قول المستأجر مع يمينه على ما هو شأن المنكر وإن كان لاحدهما بينة فإن كان المؤجر فلا إشكال وإن كان المستأجر فيبنى على القضاء ببينة المنكر واغنائها عن اليمين وإن كان لكل منهما بينة فالحق هو تقديم بينة المؤجر على ما عليه المشهور المنصور من عدم اعتبار بينة المنكر في مقابلة بينة المدعي ولا وجه للتحالف ولا للقرعة ولا لتقديم بينة المستأجر وبالجملة الحكم في الفرض هو الحكم في مطلق التداعي على الاملاك وقد تقدم تفصيل القول فيه فراجع إليه وإن كان مدعي الزيادة هو المستأجر ومدعي القلة هو المؤجر فلا إشكال في صيرورة الفرض على عكس الفرض السابق إن فرض رجوع الدعوى إلى الدعوى في المال وإن كان المقصود مما ذكره هو الاختلاف والتنازع في العقد على الاقل والاكثر من حيث هو لتعلق غرض به فلا إشكال في كون كل منهما مدعيا ومنكرا لان العقد الواقع على الاقل ومباين له ضرورة ان قلة مال الاجارة وكثرته مما يتعدد العقد بهما بمعنى عدم اندراج العقد الواقع على الاقل في ضمن العقد غير الواقع على الاكثر.
وبما ذكرنا يظهر انه لو كان مراد من ذهب إلى القرعة كما عن الشيخرحمهالله في ف أو إلى التحالف كما عن الشيخ في المبسوط هو ما ذكرنا أخيرا من فرض الاختلاف في العقد من حيث هو فلا وجه لما أورد عليه في المسالك وغيره من ان المتعين كما عليه المشهور هو الرجوع إلى قواعد المدعي والمنكر وإن كان مراده ما ذكرنا أولا فما أرده عليه في المسالك مما لا محيص عنه والظاهر بل المقطوع انه حمل كلامه في المسالك على هذا لفرض كما هو الغالب في التداعي في مقدار مال الاجارة.
قال في المسالك ما هذا لفظه فهيهنا مسئلتان الاولى ان يعدما البينة والمشهور بين الاصحاب تقديم قول المستأجر مع يمينه لانه منكر للزايد الذي يدعيه المؤجر مع اتفاقهما على ثبوت ما يدعيه المستأجر فيكون الامر بمنزلة ما لو ادعى عليه عشرة دنانير مطلقا فأقر له منها بخمسة فإن القول قوله في نفي الزائد بغير إشكال لانه منكر له المؤجر مدع فيدخلان في عموم الخبر وللشيخ فيرحمهالله في المبسوط قول بالتحالف وثبوت أجرة المثل ووافقه بعض المتأخرين نظرا إلى ان كلا منهما مدع ومدعى عليه لان العقد المتشخص بالعشرة غير العقد المشتمل على الخمسة خاصة فيكون كل واحد منهم مدعيا لعقد غير العقد الذي يدعيه الآخر وهذا يوجب التحالف حيث لم يتفقا على شئ ويختلفان فيما زاد عنه ويضعف بأن العقد لا نزاع بينهما فيه ولا في استحقاق العين الموجرة للمستأجر ولا في استحقاق المقدار الذي يعترف به المستأجر وإنما النزاع في المقدار الزايد فيرجع فيه إلى عموم الخبر.
إلى أن قال والحق ان التحالف إنما يرد حيث لا يتفق الخصمان على قدر ويختلفان في الزائد عنه كما لو قال المؤجر اجرتك الدار شهرا بدينار فقال بل بثوب أو قال اجرتك هذه الدار بعشرة فقال بل تلك الدار ونحو ذلك وأما في التنازع فالقول المشهور من تقديم قول المستأجر هو الاصلح وللشيخرحمهالله في موضع من ف قول آخر بالقرعة
لانه أمر مشكل وكل أمر مشكل فيه القرعة والمقدمة الثانية مسلمة دون الاولى لانه لا إشكال مع دخوله في عموم اليمين على من أنكر انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وهذا كما ترى صريح في ان فرضه فيما إذا كان التداعي من حيث المال وقد عرفت ان ما ذكره على هذا التقدير حق ويمكن أن ينزل كلام غيره على غير الصورة فيرتفع النزاع في البين ومن هنا ذكر بعض مشايخنا ان النزاع بينهما لفظي هذا.
ولكن قد يسبق إلى الذهن مما ذكره ان المراد عنه عدم إمكان وقوع التداعي في الاختلاف في الاجارة من حيث مال الاجارة في العقد فيرد بأنه مما لا معنى له لظهور فساده لكنه يمكن أن يقال ان كلامه منزل على الغالب وعليه لا معنى للايراد عليه.
ثم انه ذكر في المسالك ان في هذا الفرض لو اقام أحدهما بينة فمما لا إشكال فيه فقد يتأمل فيه ان هذا الكلام ينافي ما عليه المشهور من عدم سماع البينة من ذي اليد أصلا فكيف جعل صورة اقامة أحدهما البينة دون الآخر الشاملة لاقامة المنكر البينة مما لا إشكال فيه هذا ولكنه مدفوع بما ذكرنا سابقا من انه مبني على جواز - القضاء ببينة المنكر عند عدم المعارضة وقد جعلنا هذا الكلام من لك فيما سبق مؤيدا لما اخترناه من جواز القضاء ببينة المنكر عند عدم المعارضة فالذي ذكره إنما هو مبني على ما بنى الامر عليه نعم لو كان هذا في كلام الاكثرين لكان منافيا لما ذهبوا إليه من عدم سماع البينة من المنكر أصلا ورأسا.
ثم ان الاختلاف في العقد يكون في الثمن مع الاتفاق على المثمن كما لو قال البايع بعتك الفرس بدينار وقال المشترى اشتريته بثوب وقد يكون في المثمن مع الاتفاق على الثمن كما لو قال البايع بعتك العبد بماة و قال المشتري بل بعتني الجارية بماة وقد يكون فيهما معا لكن مع فرض تنافي دعوى كل منهما مع دعوى الآخر وعدم إمكان الجمع بينهما كما إذا كان اختلافهما في تعيين العقد الشخصي الواقع بينهما سواء علم من الخارج تسالمهما على العقد الشخصي أو من كلامهما كما لو قال البايع بعتك العبد في أول الظهر بثوب وقال المشتري بل بعتني الجارية في هذا الوقت بفرس.
وأما لو أمكن الجمع بينهما بأن لم يعلم كون الاختلاف في تعيين العقد الشخصي واحتمل صدق كل منهما في دعواه كما لو قال البايع بعتك الدار بماة وقال المشتري اشتريت منك الجارية بفرس بحيث كان كل من الدعويين دعوى مستقلة لا ربط لها بالاخرى فلا إشكال في خروجه عن هذا الفرض فإن اقام كل منهما بينة على دعواه فيقضى بها وإن لم يقمها أحدهما فيقضى لكل منهما بعد حلفه على نفي ما يدعيه الآخر فالمناط في تحقق التنازع في العقد هو عدم إمكان تصديقهما والجمع بينهما بأن يصير مورد النزاع العقد لشخصي وأما لو أمكن تصديقهما فهو خارج عن الفرض والحكم بمقتضى يمين كل منهما في صورة عدم البينة منهما لا محذور فيه أصلا وإن كان يستفاد من كلام كل منهما وقوع عقد بينهما بعد الانضمام لان هذه الاستفادة إنما هي من باب استلزام دعوى عقد خاص لادعاء ما يصدق عليه لا من باب القصد والتسالم فلا يمكن أن يقال حينئذ انهما متفقان على وقوع أحد العقدين فكيف يحكم بعدم تحققهما في صورة عدم البينة واليمين منهما لان هذا الاتفاق انتزاعى انتزع واعتبر من دعوى الخصوصية فلا عبرة به كما لا يخفى.
ثم ان المقصود الاصلي من تعرضهم لذكر الاختلاف في العقود في المقام هو بيان حكم صورة تعارض البينتين لا صورة عدم البينة نعم نتعرض لحكمها أيضا استطرادا ومنه يظهر دفع ما قد يورد في المقام من انه أي
وجه في التعرض لحكم اختلاف العقود في المقام مع ان بنائهم على تعرض حكم الاختلاف في العقد في كل عقد في بابه فيلزم التكرار عليهم في أحد المقامين.
وحاصل الدفع ان تعرضهم لحكم الاختلاف في العقد في بابه إنما هو من جهة تشخيص من هو قوله موافق للاصل وهذا بخلاف المقام فإن مقصودهم فيه التعرض لحكم صورة الاختلاف مع البينة.
إذا علمت ما قدمنا لك من الكلام في تحرير مورد البحث فاستمع لما يتلى عليك من تحقيق القول في المقام فنقول بعون الملك العلام ودلالة أهل الذكر عليهم ألف الصلاة والسلام انك قد عرفت ان الكلام يقع في مقامات ثلاثة.
أما المقام الاول وهو ما لو أقام كل من المتداعيين في العقد بينة على ما يدعيه فإن كانت لاحدى البينتين مزية على الاخرى بالمزاياء المعتبرة التي تقدم تفصيل القول فيها فيؤخذ بالراجحة منهما ويطرح المرجوحة وإن تساويتا فيها فالذي يقتضيه الاصل الاولي بالنظر إلى أصل أدلة الموازين في المقام هو الحكم بان الميزان هو التحالف كما جزم به الشيخرحمهالله في أحد قوليه ومال إليه بعض من تأخر عنه ولا مانع من إعمال قضية الاصل في المقام كما كان يمنع من إعمالها في التداعي في الاملاك حيث انا ذكرنا هناك ان إعمال أدلة اليمين فيه غير ممكن أما الادلة الخاصة بإثبات اليمين في حق خصوص المنكر فظاهر لان المتداعيين في العين إذا لم يكن يدهما عليه وكانا خارجين لا يصدق عنوان المنكر عليهما.
وأما الادلة العامة الحاصرة لميزان القضاء بالبينة واليمين فلما قد عرفت مفصلا ان الحكم بتوجه اليمين إنما هو فيما إذا ترتب عليها وعلى النكول عنها أثر والمفروض انه لا يترتب على حلفهما وعلى نكولهما أثر في المقام لعدم إمكان القضاء بهما فلا بد من القاء هذا الميزان والرجوع إلى غيره مما هو مترتب عليه كالقرعة.
وهذا بخلاف المقام فإن إعمال أدلة اليمين فيه بكلا قسميها ممكن اما الادلة الخاصة فظاهر لان كلا من المتداعيين في المقام مدع ومنكر لان كلا منهما يدعي عقدا وينكر عقدا آخر هكذا ذكره الاستاد العلامة وجماعة.
وأما الادلة الحاصرة لميزان القضاء في البينات والايمان فلامكان القضاء بحلفهما ونكولهما في المقام بأن يحكم بعدم وقوع عقد كما يحكم به فيما إذا لم يكن لهما بينة أصلا كما سيجئ.
وهذا المعنى لم يكن معقولا في ذلك المقام لقضاء صريح العقل فيه بملاحظة أدلة اعتبار البينات و ما دل على وجوب مراعاة حق المؤمن الذي شرع لاجله القضاء بالتنصيف فيه بعد العجز عن إعمال البينة في التمام وهذا بخلاف المقام فإنه لا محذور للحكم بعدم وقوع عقد بينهما إذا حلفا أو نكلا كما حكموا به في صورة عدم البينة حيث ان ظاهرهم الاطباق على الحكم بالتفاسخ فيها عدا ما يظهر من الشيخرحمهالله في ف من الرجوع إلى القرعة في الفرض أيضا.
فإن قلت كيف يحكم بعدم المانع من إعمال أدلة الحلف والنكول في المقام بأن يحكم بمقتضاها بالتفاسخ مع انه مخالف للعلم الاجمالي بوقوع أحد العقدين وصيرورة المثمن ملكا للمشتري في مقابل أحد الثمنين أو الثمن ملكا للبايع في مقابل أحد المثمنين.
قلت مخالفة العلم الاجمالي في المقام للحاكم مما لا مانع عنها لانه مأمور بالفصل بالموازين الشرعية فيما بين الخصوم وإن لزم منه مخالفة العلم الاجمالي وإن هو إلا كحكم المجتهد بجواز الصلاة لكل من واجدي
المني في الثوب المشترك وكذا غير الصلاة مما لا يجوز على الجنب من الاعمال مع علمه إجمالا بان أحدهما جنب في الواقع وبالجملة مخالفة العلم الاجمالي في نظير المقام فوق حد الاحصاء ولا مانع عنها وتفصيل القول فيه محرر في الاصول والمتكفل له على وجه الكمال رسالة حجية الظن من مصنفات شيخنا الاستاد العلامة.
فإن قلت هب ان العلم الاجمالي لا يكون بمجرده مانعا لكن المانع موجود من غير جهته وهو ان - التفاسخ لو كان ظاهريا من حين التحالف فكيف يجامع هذا مع القول بعدم جواز المقاصة بعد الحلف كما اتفقت عليه كلمتهم واستفاضت الاخبار عليه لان معنى التفاسخ الظاهري بقاء كل من المالين في ملك مالكه وإن كان واقعيا كما هو قضية ظاهر كلمات الاكثرين فهو وإن سلم عن المحذور الوارد على التقدير الاول إلا انه خلاف مقتضى أدلة التحالف لان غاية ما تقتضيها سقوط الدعوى مع الطرفين لا خروج المال عن ملك مالكه الواقعي.
قلت ما ذكر من المحذور لا يصلح مانعا لان لنا أن نختار التفاسخ الظاهري كما عليه جماعة ونلتزم بجواز المقاصة في الفرض لعدم منافاتها لما دل على حرمتها بعد اليمين وإن كان الحالف في الواقع مبطلا لان هذه المقاصة من قضية نفس تصديق اليمين فلا يكون لها تناف مع ما دل على وجوب تصديق الحالف والتقاص الذي اقتضى هذا الدليل حرمته هو الذي كان منافيا لتصديق الحالف وقد تقدم تفصيل القول في ذلك في طي بعض كلماتنا السابقة فراجع إليه هذا كله فيما لو حلف كل منهما.
وأما لو نكلا عن اليمين فيمكن التفكيك بين المقام وهو صورة وجود البينة لهما وبين الصورة الآتية و هي ما لم يكن لاحدهما بينة فنكلا عن الحلف بأن نحكم بالتفاسخ فيما سيأتي حيث ان نكول كل منهما عن الحلف مطلقا نكول عن اليمين المردودة أيضا فيكون بمنزلة يمين المنكر فيسقط حقه حسب ما ورد في جملة من الاخبار بخلاف النكول في المقام فإنه ليس النكول عن اليمين المردودة بل هو نكول عن اليمين التي توجهت إليه بمقتضى العمومات فيمكن أن يقال بعدم إيجابه سقوط الحق الموجب للتفاسخ فيمكن الحكم فيه بعد النكول منهما بالتنصيف أو الايقاف.
هكذا ذكره الاستاد العلامة ثم أورد عليه بأنا ذكرنا سابقا ان معنى قولهم سقط حقه ليس هو السقوط رأسا بل السقوط من جهة عدم الميزان الشرعي فراجع إليه هذا وأنت خبير بالاشكال في اصل تمامية الفرق و ما ذكره من التنصيف ضرورة ان الكلام في المقام إنما هو من حيث التداعي في العقد ولا معنى للحكم بالتنصيف فيه كما لا يخفى.
ثم ان الذي ذكرنا كله من الفرق في قضية الاصل الاولي بين التداعي في الاملاك والمقام إنما هو ملخص ما ذكره الاستاد العلامة وإلا قد عرفت فيما مضى من كلماتنا انه لا مانع من إعمال الاصل الاولي بالنسبة إلى التداعي في الاملاك أيضا وان أردت الوقوف عليه فراجع إليه هذا كله بالنظر إلى قضية الاصل الاولي.
واما بالنظر إلى الدليل الوارد والاخبار الخاصة فالذي يقتضيه التحقيق تبعا لاهله هو كون الميزان بعد تعذر القضاء بالبينات في المقام القرعة لما ورد من الاخبار المستفيضة الواضحة الدلالة عليها وقد تقدم كرها في باب تعارض البينات في الاملاك فراجع إليه والمفروض عدم المعارض لها في المقام فيجب الاخذ بها والحكم بمقتضاها ودعوى اختصاصها بالتداعي في الاملاك مما يقضى قضية ظاهرها بفسادها.
ثم بعد القرعة هل يفتقر إلى انضمام اليمين ممن خرجت باسمه فإن حلف فهو وإلا فيحلف صاحبه أو لا يفتقر إلى ذلك بل يحكم بها مجردة عن اليمين وجهان من اشتمال أكثر أخبار القرعة عليها وانها جزء للميزان
فتحمل عليه مطلقاتها مضافا إلى انه قضية الجمع بين العمومات الحاصرة وأدلة القرعة من العمومات والخصوصات ومن عدم توجه اليمين في المقام لعدم ترتب فايدة على النكول عنها إذ المفروض انه لو نكل صاحبه عنها أيضا لا يقضى عليه بمجرد النكول منه إذ ليس هي نكول المنكر حتى يقضى عليه بنكوله.
لانا وإن ذكرنا ان كلا من المدعيين في المقام منكر أيضا إلا ان من المعلوم ان الحكم بتوجه الحلف عليه ليس من حيث انكاره لفرض اقامتها البينة على دعواه فلا معنى لاحلافه بل من جهة التعبد والاخبار الخاصة أو العامة بعد الجمع بينهما أو أخبار القرعة من العمومات والخصوصات والقول بأن خروج القرعة باسمه يجعله منكرا أو ان القرعة إنما هي لتعيين الحالف منهما كما تخيله بعض فلا معنى لعدم اعتبار اليمين يعلم الحال فيه مما ذكرنا سابقا.
والذي يكشف عن عدم كون اليمين في المقام من حيث الانكار الحاصل من القرعة كما قد يتوهم اتفاقهم ظاهرا على عدم كفاية الحلف على النفي في المقام واتفاقهم عليها في غيره كما في ذي اليد وغيره وإن ذكر جماعة كفاية اليمين على الاثبات في ذي اليد أيضا فالمتعين حينئذ الرجوع إلى عمومات القرعة والقضاء بها من دون احتياج إلى انضمام شئ والقول بأنه يقرع أولا ويحكم بالافتقار إلى انضمام اليمين ثم إن نكلا عن اليمين يقرع ثانيا ويقضى بالقرعة مجردة قد عرفت ما فيه فيما سبق فراجع هذا مجمل القول في المقام الاول وهو ما لو أقام كل منهما بينة على ما يدعيه وأما الكلام في المقام الثاني وهو ما لو لم يقم أحدهما بينة فالذي يقتضيه النظر وفاقا لاكثر أهل النظر هو الحكم بالتحالف في المقام لما قد عرفت من الاخبار الخاصة الدالة على ان اليمين على من أنكر والاخبار العامة الحاصرة لميزان القضاء في البينة والايمان فإن حلفا أو نكلا فيحكم بالتفاسخ وإن حلف أحدهما دون الآخر يقضى للحالف منهما على غيره وقد عرفت بعض ما يتعلق بالمقام من الكلام فيما تقدم وحكي عن الشيخرحمهالله في الخلاف القول بالقرعة في المقام أيضا لما دل عموما على ان كل مشكل فيه القرعة ويمكن النظر فيه بأنه بعد دلالة الادلة التي قدمناها على وجوب الرجوع إلى اليمين في المقام لا يبقى مجال للشبهة والاشكال حتى يحكم بالقرعة من جهة عموماتها وهذا أمر واضح لا سترة فيه إنشاء الله وأما الكلام في المقام الثالث وهو ما لو كانت لاحدهما بينة دون الآخر فالامر فيه واضح والله العالم بحقايق الاحكام.
قوله وقيل القول قول المؤجر والاول أشبه لان كلا منهما مدع اه أقول لا يخفى عليك إن ظاهر كلمات الاصحاب كما يعلم من الرجوع إليها في المقام وفي باب الاجارة عدم الفرق بين ما إذا كان الاختلاف والتنازع في مال الاجارة أو العين المستأجرة في الحكم بكون مدعي الناقص منكرا في كلتا الصورتين أو الحكم بالرجوع إلى القرعة والتحالف عدا ما يظهر من المصنف في الكتاب حيث انه تردد في الصورة السابقة واستظهر القرعة في المقام وما حكى عن العلامة في التحرير من الجزم بالفرق.
والذي يقتضيه النظر الدقيق عدم الفرق بينهما ولهذا ذكر في المسالك ان الفرق بينهما بعيد وأضاف إليه بعض مشايخنا ان تعليله هو التحالف لا القرعة لان كون كل منهما مدعيا ومنكرا في صورة عدم وجود البينة يوجب المصير إلى التحالف كما لا يخفى هذا.
ووجه الفرق الاستاد العلامة دام ظله وفاقا لبعض مشايخنا بأن الاختلاف إذا كان في العين المستأجرة يمكن أن يقال برجوع الامر إلى التنازع في المتبائنين لان تمليك البيت في ضمن الدار ليس تمليكا مستقلا
بل إنما هو تمليك تبعي نشأ من تمليك الدار وهذا بخلاف ما إذا كان الاختلاف في مال الاجارة حيث ان محله الذمة واشتغال الذمة بالزايد اشتغال مستقل غير الاشتغال بالاقل ومن هنا يمكن الفرق بينهما وفيه مضافا إلى انتقاضه بما إذا كان مال الاجارة أيضا من الاعيان ان ما ذكر من الفرق كلام صوري لا حقيقة له كما اعترف به الاستاد العلامة.
وأما ما ذكره بعض المشايخ من منافات التعليل للمدعى فقد أورد عليه شيخنا دام افادته بأن ما ذكر وإن كان مستقيما بحسب ما يرى في بادى النظر من العبارة إلا ان مقتضى التأمل كون مقصوده الحكم بالقرعة في صورة وجود البينة كما فهمه صاحب المسالك على ما هو مقتضى صريح كلامه وعليه فلا وقع للايراد المذكور كما لا يخفى والقرينة على كون مراده هو هذه الصورة لا صورة عدم وجود البينة هي ان المصنف قد تبع الشيخ حمه الله في المبسوط على ما يستفاد من ظاهر كلامه وقد صرح الشيخرحمهالله في الكتاب حسب ما حكاه الاستاد العلامة عنه بأن القرعة إنما هي في صورة وجود البينة لا مطلقا وكلام الفاضل في التحرير أيضا مفروض في الصورة.
قوله ولو أقام كل منهما بينة تحقق التعارض مع اتفاق التاريخ اه أقول إذا أقام كل منهما بينة و قلنا بتحقق التعارض بينهما من جهة كون كل منهما مدعيا على خلاف التحقيق الذي عرفته فإن كان مع احديهما مزية من المزايا المعتبرة فهو وإلا فيبنى الحكم على القولين في المسألة من التحالف أو القرعة مع يمين من خرجت فاسمه فإن حلفا أو نكلا على الاول فيحكم بتنصيف مدلول البينتين فيرجع إلى المؤجر ربع الدار مع تمام مال الاجارة حسب ما هو قضية القاعدة في التقسيم في كل ما كان هناك بينتان متعارضان وعلى الثاني فإن حلف من خرج باسمه القرعة فهو وإلا فإن حلف صاحبه فلا إشكال أيضا وإلا فيحكم بالتقسيم بينهما حسب ما عرفت في الاول هذا كله إذا كان النزاع بينهما قبل التصرف في الدار واستيفاء المستأجر المنفعة وأما إذا كان بعد مضي المدة والتصرف من المستأجر فيرجع المؤجر إليه فيما حكمنا فيه بالتقسيم بأجرة المثل للربع من الدار هذا.
ولكن في المحكي عن كشف اللثام للفاضل الاصبهاني يحكم بالقرعة مع اليمين فإن نكلا فالظاهر ان البيت لما اتفقتا على اجارته فهو في اجارته إلى أن يمضي المدة ويقتسمان الباقي نصفين ويسقط من الاجرة بالنسبة وكذا مع الاختلاف بالزمان يقتسمان شهرا من الشهرين فيكون الدار عند المستأجر شهرا ونصفا ويسقط من الاجرة ربعها وإن كان الترافع أو رفعه بعد مضي المدة وتصرف المستأجر في تمام الدار وتمام الشهرين يثبت للمالك في نصف غبر البيت أو في نصف شهر أجرة المثل انتهى ما حكي عنه زاد الله في علو مقامه.
وفيه انظار أحدها ما عرفت من مطاوي كلماتنا السابقة من انه لا معنى لسقوط الاجرة بالنسبة إلى ما يسترده المؤجر من الدار لان مقتضى التقسيم في الفرض هو تنصيف مدلول البينتين فيحكم باستيجار نصف البيت بنصف الاجرة بمقتضى بينة المؤجر التي شهدت باجارة تمام البيت بتمام الاجرة ويحكم باستيجار نصف تمام الدار أيضا بنصف تمام الاجرة فيحكم للمؤجر بنصف الباقي من غير ما صدقنا فيه بينته وهو نصف البيت وتمام الاجرة هذا ولو بنى على الاخذ بما اتفقت عليه البينتان لم يكن الحكم ما ذكره أيضا لانهما كما اتفقتا على اجارة الدار كذلك اتفقتا أيضا على الاجرة فيحكم بتنصيف ما اختلفتا فيه وهو الباقي من الدار فلا معنى لتسقيط الاجرة أيضا. ثانيها ان مقتضى ما ذكرنا من التقسيم هو كون ربع البيت أيضا من المؤجر لا أن يكون تمامه من المستأجر حيث ان الذي يرد إلى المؤجر هو الجزء المشاع من الدار لا المعين ثالثها انه لا دليل على التقسيم بحسب الزمان حسب ما ذكره وقد مر الكلام فيه فيما تقدم من كلماتنا فراجع إليها هذا.
وقد ذكر الاستاد العلامة دام ظله في توجيه كلامه دفعا للاشكال الاول بأن المقصود من تقسيط الاجرة هو تقسيط مجموع ما تشهد به البينتان فإذا كانت الاجرة عشرة مثلا فشهدت إحدى البينتين على اجارة البيت بعشرة والاخرى على اجارة الدار بعشرة فيصير المجموع عشرين فيسقط من العشرة في كل منهما نصفه فيستحق المؤجر عشرة فقد أسقطنا حينئذ نصف الاجرة من بينة المستأجر هذا ولكنه في غاية البعد من كلامه ان لم يكن خلاف صريحه.
وفي الدروس فإن اتحد التاريخ اعملتا أو اسقطتا أو اقرع مع اليمين انتهى كلامه وذكر بعض مشايخنا بعد نقل هذا الكلام من الدروس ما هذا لفظه ولعل اعمالهما بمعنى تقديم بينة الداخل أو الخارج واسقاطهما بمعنى الرجوع إلى الحكم مع عدم البينة كل على مختاره فيه.
وأما احتمال كون المراد باعمالهما بطلان الاجارة في البيت وصحتها في بقيته بالنسبة بعد تصويرها بإيقاع ذلك من الاصيلين والوكيلين فبعيد أو باطل انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وفيه ان حمل اعمالهما على القول بتقديم بينة الداخل او الخارج لا وجه له لانه ليس إعمالا لهما فيحتمل أن يكون مراده من إعمالهما هو التنصيف ابتداء بمقتضى الجمع بين البينتين فتأمل.
قوله ومع التفاوت في التاريخ يحكم للاقدم اه أقول لا إشكال في الحكم بصحة الاقدم زمانا وبطلان المتأخرة بالنسبة إليه لو فرض وحدة العقد المتنازع فيه لان الاقدم من حيث عدم معارض له يحكم بتصديقه و المفروض ان المحل ليس قابلا لوقوع اجارتين عليه في زمان فيحكم ببطلان المتأخرة.
والحاصل ان الحكم بصحة الاقدم يرفع قابلية صحة المتأخرة كما لا يخفى وهذا مما لا إشكال فيه بل لم يظهر فيه مخالف من الاصحاب هذا إذا لم يكن محل للحكم بصحة المتأخرة أصلا ولو في بعض الدار وأما لو كان له محل بأن كانت بينة البيت متقدمة وبينة الدار متأخرة فإنه يمكن الحكم حينئذ بصحة الثانية بالنسبة إلى ما عدا البيت فالذي صرح به المصنف وجماعة من غير ظهور حكم مخالف لهم فيما أعلم و الحكم بصحة المتأخرة أيضا بالنسبة إلى بقية الدار تصديقا للبينة بقدر الامكان فإذا لم يمكن في مجموع الدار من جهة سبق اجارة البيت فتصدق بالنسبة إلى ما يمكن تصديقها فيه فيثبت على المستأجر من الاجرة بالنسبة إلى القدر الذي صدقنا بينته فيه زائدا على القدر الثابت ببينة المؤجر فإذا فرض مثلا ان الاجرة التي اتفقا عليها عشرة لكن ادعى المستأجر انها أجرة مجموع الدار وادعى المؤجر انها أجرة البيت مع تقدم تاريخ بينة المؤجر حسب ما هو المفروض ثبت على المستأجر خمسة عشر في مقابلة المجموع عشرة اجرة البيت بمقتضى بينة المؤجر وخمسة في مقابلة باقي الدار بمقتضى بينة المستأجر.
وليس فيما ذكرنا إلا مخالفته لفرض وحدة العقد والعلم بأن الاجرة عشرة ليس إلا وإنما الاختلاف في تعيين مقابلها ولا ضير فيه أصلا لان الحاكم مأمور بالعمل بمقتضى البينتين والقضاء به وإن حصل له العلم إجمالا بخروج ما حكم به عن مدلولهما كما في الحكم بالتنصيف في التداعي في العين الشخصية مع اقامة البينة لكل من المدعيين.
وبالجملة مخالفة العلم الاجمالي في أمثال المقام مما لا دليل على المنع عنها فتأمل هذا كله فيما لو كان العقد المتنازع فيه واحدا.
وأما لو احتمل تعدده ووقوع الثاني بعد خلو المحل عن الاول فيمكن الحكم بتصديقهما وثبوت
الاجرتين على المستأجر هذا وفي الدروس بعد الحكم بما عرفته في الصورة السابقة ذكر ما هذا لفظه ويحتمل الحكم بصحة الاجارتين مع عدم التعارض لان الاستيجار الثاني يبطل ملك المستأجر فيما سبق انتهى كلامه فيه ان ما ذكره في صورة احتمال التعدد وجيه حسب ما عرفت لكن مفروض كلام القوم كما يظهر منه غير الصورة كما لا يخفى.
قوله ولا يقبل قول البايع اه أقول لا إشكال في قبول قول البايع لاحدهما وصيرورته باقراره له ذا اليد شرعا وعرفا فيما لم يكن هناك بينة لاحدهما أصلا كما في التداعي في الاملاك من غير فرق بين المقامين أصلا وقد تقدم تفصيل القول فيه فيما تقدم وإن استشكل فيه بعض الاصحاب.
إنما الاشكال في سماع اقراره لاحدهما بعد إقامة البينة منهما كما فيما فرضه المصنف كما يجري بعينه في هذا الفرض في التداعي في الاملاك أيضا فيجعل المقر له داخلا وغيره خارجا فيبنى على ترجيح بينة الداخل أو الخارج.
فالمحكي عن الشيخرحمهالله في المبسوط هو التردد في المسألة بل الميل إلى السماع بناء على القول بتساقط البينتين عند التعارض حتى بالنسبة إلى نفي الثالث فنزلهما منزلة البينة التي تشهد على طبق دعوى أحدهما لا بعينه فإن وجود مثل هذه البينة كعدمها وربما يستظهر من العلامة في القواعد أيضا حيث قال في باب التداعي في الاملاك مع كون العين في يد ثالث فيما لو أقام كل منهما بينة بعد بيان حكم تعارضهما ما هذا لفظه ولو أقر الثالث لاحدهما فالوجه انه كاليد تترجح البينة فيه انتهى كلامه رفع مقامه وهو مقتضى كلام الفاضل في الكشف أيضا حيث في شرح قوله فالوجه انه كاليد ما هذا لفظه تقدم على قيام البينتين أو تأخر لقيام المعنى القائم في اليد فيه وجزم به في المقصد السابع ويحتمل العدم بعد إقامة البينتين لكشفهما من أن يد المقر مستحقة للازالة فاقراره كاقرار الاجنبي انتهى كلامه رفع مقامه وهو كما ترى ظاهر في ذهابه إلى السماع بعد إقامة البينة أيضا وربما يقتضيه أيضا ظاهر كلام بعض مشايخنا طاب ثراه في المقام حيث انه اورد على ما ذكره الفاضل في الكشف في باب البيع في المسألة المفروضة في شرح قول المصنف بمثل ما قاله المصنف هنا من احتمال القبول بما هذا لفظه وفيه ان جزم المصنف وغيره بعدم قبول قول البايع مبني على كون ذلك قد كان منه بعد الحكم بمقتضى القرعة وبعد انتزاعها منه بالبينتين فلا وجه للاحتمال المزبور انتهى كلامه رفع مقامه.
والذي جزم به الاستاد العلامة هو عدم سماع الاقرار بعد إقامة البينتين وذكر ان الذي ادعى ظهوره من القواعد من ذهابه إلى السماع كما هو مقتضى شرح الفاضل في غير محله حيث ان كلامه ليس في مقام بيان حكم الاقرار بعد تعارض البينتين وإلا للزم أن يعبر عنه بأن الوجه يسمع لان معنى السماع في المقام هو عين الترجيح بل مقصوده بيان حكم الاقرار قبل تعارض البينتين ولهذا عبر عنه بما عبر حيث ان الاختلاف في الاقرار قبل إقامة البينة إنما هو في ترجيح البينة به كاليد وإلا فأصل سماعه اتفاقي وأما الذي ذكره العلامة في المقصد السابع وجزم به فإنما هو ترجيح البينة بالاقرار كاليد فيما لم يكن هناك بينة لا تعميم القول بالنسبة إلى بعد البينة.
وبالجملة لا إشكال في ان الحق في الفرض هو عدم سماع الاقرار من ذي اليد كما في التداعي في الاملاك أيضا لعدم دليل على سماعه في المقام لان الذي دل الدليل عليه هو سماعه فيما كان راجعا على نفس المقر بحيث لولا الاقرار لحكمنا به له فالاقرار الذي هو قسم من الاخبار ان كان راجعا إلى الاخبار عما على المقر بعد الاقرار وله قبل الاقرار كان مقتضى قوله إقرار العقلاء على أنفسهم جايز سماعه واعتباره وإلا فلا ففي المقام لما كان مقتضى البينتين خروج المال عن ملك البايع فإقرار البايع بعدهما ليس اخبارا عما عليه بعد الاخبار وله قبله لانه لولاه
لحكمنا بخروجه عن ملكه وسلطانه بمقتضى البينتين.
نعم لو قلنا بتساقط البينتين عند التعارض مع التساوي مطلقا حتى بالنسبة إلى نفي الثالث والرجوع إلى القرعة لم يكن بعد في الحكم بسماع الاقرار من البايع كما لو لم يكنبينة هناك أصلا كما هو مفروض كلام الشيخ الفاضل في الكشف حسب ما عرفت لكن الحكم بترتب أحكام بينة الداخل والخارج بعدها بمجرد إقامة السابق لا يخلو عن إشكال.
وكيف كان فلا بد من أن يبتنى القول بالسماع على القول بالتساقط لكن أصل القول بالتساقط ضعيف لانه لا مانع من سماع البينتين بالنسبة إلى نفي الثالث لتعاضدهما فيه وقياس المقام على البينة التي شهدت لاحدهما لا على التعيين قياس فاسد حيث ان في الصورة لا مقتضى لسماع البينة أصلا حتى ينفى بها الثالث وهذا بخلاف المقام فإن المانع من العمل إنما هو التعارض الغير الموجود بالنسبة إلى نفي الثالث والقول بأنه لا معنى لتصديق البينتين بالنسبة إلى نفي الثالث مع فرض عدم تصديقهما بالنسبة إلى ما تشهد ان عليه لقضية التنافي من حيث استلزامه للتفكيك بين التابع والمتبوع من جهة تبعيه دلالة الالتزام للمطابقة فاسد جدا حيث ان قضية التبعية هي عدم جواز الانفكاك بين دلالة الالتزام والمطابقة من حيث الوجود لا من حيث الاعتبار وهذا أمر واضح قد فصلنا القول فيه في مسألة تعارض الادلة في الاصول هذا مضافا إلى إمكان ان يقال انه على القول بالتساقط أيضا نحكم بعدم السماع من جهة ما دل على ان الحكم بعد تعارض البينتين هو القرعة وهي الميزان ليس إلا هكذا ذكر الاستاد العلامة.
وفيه تأمل من حيث ان سماع الاقرار لا ينافي اطلاق ما دل من الاخبار على ان الميزان في صورة تعارض البينتين هو القرعة حيث انه في مورد تساوي البينتين من جميع وجوه التراجيح فالاقرار يرفع موضوع القرعة لا أن يكون ما دل على سماعه معارضا ومنافيا لما دل على اعتبار القرعة وإلا حكم بعدم سماع الاقرار في صورة عدم وجود البينة أيضا من جهة ما دل على ان الميزان هو اليمين فتأمل.
لا يقال لو كان الامر كما ذكرته من عدم سماع الاقرار إلا فيما كان على المقر بعد الاقرار وله قبله للزم الحكم بعدم سماع إقرار ذي اليد في صورة عدم وجود البينة أيضا لو أقر أولا لاحدهما على سبيل الاهمال ثم أقر لاحد معين من المتداعيين أو قال أولا ليس لي ثم أقر لاحد المتداعيين أو أقر لواحد غير معين من ير المتداعيين ثم أقر لاحدهما المعين لعدم وجود المعنى الذي ذكرته في هذه الصور حيث انه باقراره أولا خرج المال عن كونه له وحكم بعدم كون يده يد مالك إلى غير ذلك مع أن قضية كلمتهم الاطباق على سماعه في جميع الصور المذكورة وأمثالها مما لم نذكره.
لانا نقول الاقرار في الصور المذكورة لواحد معين من المتداعيين بعد الاقارير المفروضة إنما هو تفصيل لما أجمله أولا فكأنهما إقرار واحد في غير الصورة الثالثة وأما فيها فالحق عدم سماع الاقرار السابق أصلا بمعنى عدم تأثير له حتى بالنسبة إلى النفي عن نفسه ولهذا يسمع اقراره ثانيا لنفسه ويحكم بكونه منكرا لو نفى ملكيته من غيره وقد تقدم تفصيل القول فيه فيما قدمنا لك من الكلمات فراجع إليها هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
ويمكن الخدشة فيه بأنه لو كان البناء على ما ذكر في ضابط الاقرار المسموع للزم الحكم بعدم سماع إقرار ذي اليد لشخص بعد اقراره لشخص آخر مع ان بناء المشهور بل الكل عدا الشيخرحمهالله في أحد وليه على سماع كلا الاقرارين فيحكم للاول بالعين وللثاني بالقيمة والقول بأن الزامه بالقيمة إنما هو بالاقرار بحيث لولاه
لم يلزم به وهذا معنى ما ذكره من الضابط من الاخبار بما له قبل الاقرار وعليه بعده فيه ما لا يخفى.
فالحق أن يقال ان كلما صدق على إقرار المقر انه إقرار على النفس يسمع الاقرار منه سواء كان المقر له له قبل الاقرار أو لا وحينئذ نقول إن كان خروج ما في اليد عن ملك ذيها بمقتضى اقراره فلا يضر في صدق هذا العنوان على اقراره ثانيا وإن كان من جهة أمر آخر كالبينة ونحوها يكون مضرا بصدق العنوان المذكور فإن شئت قلت انه كلما رجع أخبار ذي اليد إلى الاخبار عما عليه بحيث لو لم يسبق منه إقرار آخر كان له يسمع اقراره وكلما لم يرجع إلى غير ذلك لم يسمع إقراره سواء كان عدم الرجوع من جهة البينة أوغيرها هذه غاية ما قيل أو يقال ومع ذلك المسألة في غاية الاشكال.
قوله ولو نكلا عن اليمين قسمت بينهما ويرجع كل منهما بنصف الثمن أقول لا ريب ولا إشكال في انه بعد نكول من خرج باسمه القرعة من الحلف مع نكول صاحبه عنه أيضا قسمت العين بينهما حسب ما هو قضية ما قررناه في كلماتنا السابقة فيما إذا كان المقصود من التداعي هو أخذ المال لا بمعنى تقسيم البيع الواقع عليها كما قد يتوهم لعدم قابليته للتقسيم بل بمعنى تقسيم أثره ويرجع كل من المتداعيين إلى البايع بنصف الثمن حيث كان المفروض قبضه للثمنين هذا فيما إذا لم يعترفا ولم يعترف أحدهما ولم تشهد بينتهما ولا بينة أحدهما على قبض المبيع. وأما إذا اعترفا أو أحدهما أو شهدت بينتهما أو بينة أحدهما على قبضه فالمصرح به في كلام جماعة هو عدم رجوع من اعترف بالقبض أو شهدت بينته عليه إليه لانه قد تلف عليه بعد قبضه فلا معنى لرجوعه لى البايع قال في المسالك في المسألة الاخيرة ما هذا لفظه وحيث قلنا بثبوت الخيار على تقدير القسمة فذلك إذا لم يتعرض البينة لقبض المبيع ولا اعترف به المدعي وإلا فإذا جرى القبض استقر العقد وما يحدث بعده فليس على البايع عهدته انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وقال في محكي التحرير مثله وقال في محكي كشف اللثام في المسألة بعد الحكم برجوع كل منهما إلى البايع بنصف الثمن ما هذا لفظه إلا إذا اعترفا أو اعترف أحدهما أو شهدت بينتاهما أو احديهما بقبض المبيع فمن قبضه من بايعه باعترافه أو بشهادة بينته لم يكن له الرجوع عليه بشئ من الثمن لثبوت استحقاقه له بالاقرار أو بالبينة غاية الامر انه اغتصب منه نصف العين بعد ذلك انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه هذا. ولكن المصرح في كلام بعض مشايخنا جواز الرجوع في الفرض أيضا حيث ذكر بعد نقل ما عرفته من المسالك والكشف ما هذا لفظه وفيه ان الاعتراف بالقبض أو ثبوته بالبينة لا ينافي الرجوع بالثمن بعد بوت استحقاق المبيع لغير البايع بالبينة كما هو واضح اللهم إلا أن يقال ان عدم الرجوع بعد القبض لتركهما اليمين باختيارهما ولكن ذلك غير موافق لما سمعته من التعليل بل لا يتم فيما سمعته من كشف اللثام أخيرا على ان ترك اليمين لو كان مقتضيا لذلك فلا فرق فيما بين قبل القبض وبعده انتهى كلامه.
وأنت خبير بأنه لا ورود لما اعترضه عليهم أصلا لان المفروض ان كلا من المتداعيين يعتقد كذب الآخر في دعواه وان البايع إنما بايعه ليس إلا فلا ربط لهذا بحديث خروج المبيع مستحقا لغير البايع المفروض فيما إذا وقع بيعه على مال الغير بغير اطلاع من المشتري ثم انكشف خلافه فتلف بعض المبيع بالبينة على كل من المتداعيين في المقام ليس إلا كتلف المبيع بعد قبضه بآفة سماوية أو حصول الحيلولة بين المبيع والمشتري بعد قبضه مع اعتقاده بكون المبيع ماله وإن البايع إنما وقع البيع على ملك نفسه وأين هذا من مسألة خروج المبيع مستحقا للغير.
والحاصل ان المفروض في المقام اختلاف المتداعيين في العقد الشخصي الواقع بين البايع وأحدهما بحيث يكون ملكية المبيع للبايع مفروغا عنها بينهما ومع ذلك كيف يتصور مسألة خروج العين مستحقة للغير نعم لو اثبت أحدهما كون اشترائه متقدما على اشتراء الآخر مع عدم اعتقاد الآخر بكذبه كان الامر كما ذكره لكن من المعلوم ان مفروض كلماتهم كما فرضناه أولا بحيث لا يرتاب فيه ذو مسكة.
ومما ذكرنا كله يعلم الوجه في فرض المصنف وجماعة بثبوت الخيار لكل منهما في صورة التقسيم من حيث تبعض المبيع عليه وعدم مانعية الامتناع عن الحلف عنه فيما قبل القبض وإلا فلا خيار وقد صرح بعدم ثبوت الخيار بعد ثبوت القبض الفاضل في الكشف معللا بما عرفته وفساد ما أورده عليهم شيخنا المتقدم بقوله و فيه ما عرفت من عدم الفرق في ثبوت الخيار بالتبعض قبل القبض وبعده بعد ان كان ذلك بثبوت استحقاقه للغير البينة انتهى كلامه زاد الله في علو مقامه.
قوله وإن أنكرهما وكان التأريخ مختلفا أو مطلقا قضى بالثمنين جمعا اه أقول لا يخفى عليك ان القضاء بالثمنين جميعا في الصورتين كما صدر عن المصنف وجماعة إنما هو مبني على ما تقدم تفصيل القول فيه مرارا كثيرة في طي كلماتنا السابقة من قاعدة وجوب الجمع بين البينتين بقدر الامكان ومن هنا يعلم ان الحكم مختص بما إذا لم يعلم من حالهما الاتفاق على العقد الشخصي وإلا فيكون حال الصورتين كما إذا اتحد التاريخ هذا.
وقد يتأمل في الحكم المذكور فيما لو كان الظاهر من حالهما الاتفاق على عدم وقوع أزيد من عقد بحيث أقام كل منهما البينة على كون العقد الواقع الشخصي واقعا بينه وبين المشتري من حيث عدم دليل يعتد به لعموم القاعدة في المقام (للمقام خ) ولهذا احتمل في المسالك عدم القضاء بالثمنين فيما لو كانت البينتان طلقتين أو احديهما مطلقة والاخرى مؤرخة بل الحكم كمتحدي التاريخ وحكى عن الشيخرحمهالله التردد ومنه يظهر أيضا ضعف ما استدل به بعض مشايخنا للقضاء بالثمنين بقول مطلق بعد نقل التردد من الشيخرحمهالله بقوله لكن لا يخفى عليك ظهور البينة في التعدد والاصل تعدد المسبب بتعدد سببه انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
ثم ان الوجه في فرق جماعة من الاصحاب كالمصنف والفاضل وغيرهما بين المسألة والمسألة السابقة التي فرض فيها النزاع بين المشتريين حيث حكموا فيها بالرجوع إلى القرعة بعد تساوي البينتين بقول مطلق من غير فرق بين صور شهادة البينة من حيث الاطلاق والتاريخ وفي المسألة فرقوا بين الصور وحكموا في بعضها بالقضاء بالثمنين هو ما أشار إليه الفاضل في محكي القواعد بان الانسان لا يشتري مال نفسه ففرض تعدد الشراء لا يمكن إلا بتوسط النقل فيلزم تعدد الثمن وهذا بخلاف البيع فإن الانسان قد يبيع مال غيره.
وأورد عليه بعض مشايخنا طاب ثراه بان احتمال الشراء لمال نفسه فضولا عن الغير أيضا ممكن إذ كما ان الانسان قد يبيع مال غيره فضولا كذلك قد يشتري مال نفسه لغيره فضولا ففرضه في المقام بأن يشتري المال عن أحد المتداعيين بثمن معين ثم يوكل المدعي الآخر لان يبيع ما اشتراه من شخص آخر ثم يقبل هو فضولاعن هذا الشخص.
ثم قال بعد الحكم بجريان ما ذكر في المسألة السابقة في المقام فلا يصلح فارقا ما هذا لفظه فالاولى في وجه الفرق اتحاد المدعى به في المسألة السابقة وهو شراء المبيع من مالكه إلا انه لم يعلم السابق منهما ليكون الشراء اللاحق في غير محله بخلاف المقام فإن المدعى به استحقاق الثمن الذي ثبت بثبوت سببه فمع فرض قيام البينة به في وقتين مثلا وجب المسبب حتى لو كان المدعى واحدا نعم لو فرض كون الثمن معينا.
وكل منهما قد ادعاه بسبب كونه البايع لمثمنه وأقام كل منهما بينة تحقق التعارض ولو مع اطلاقهما انتهى كلامه زاد الله في علو مقامه.
وفيه ان فرض كون الشخص مشتريا لمال نفسه فضولا وإن كان ممكنا فيفرض وقوع شرائين أحدهما أصالة والآخر فضولا مع عدم تخلل الانتقال إلا ان فرضه في المقام غير ممكن حيث ان المفروض ان المتداعيين كل منهما يدعي الثمن من المشتري وإن كان نزاعهما في العقد إلا ان المقصود منه أخذ الثمن ولا معنى لمطالبة الفضولي منهما للثمن كما لا يخفى وهذا بخلاف البيع فإنه قد يبيع الانسان مال غيره مع زعم المشتري انه مال البايع هكذا ذكره الاستاد العلامة.
قوله الصغير المجهول النسب إذا كان في يد واحد وادعى رقيته قضى بذلك ظاهرا اه أقول هذا الحكم مما لم يوجد فيه مخالف بل ولم ينقل فيه خلاف أيضا في الجملة وإن اختلفت كلمتهم فيه من حيث الافتقار إلى انضمام اليمين كما ذهب إليه الشيخ في احد قوليه حسب ما حكاه الاستاد العلامة عنه وعن العلامة في التذكرة أيضا وعدمه كما عن الاخيرين.
نعم حكي عن الشيخرحمهالله في المبسوط توقف ثبوت رقية المميز إلى البينة بحيث لا أثر لدعوى ذي اليد فيه أصلا ومن حيث سماع دعوى الصبي بعد البلوغ الحرية كما جزم به في محكي الارشاد وموضع من القواعد ويظهر من المصنف أيضا أو عدم سماعها كما في المسالك ومحكي التحرير وموضع آخر من القواعد والتذكرة أيضا في الجملة.
وبالجملة الاقوال في كل من سماع دعوى ذي اليد رقية الصبي الذي في يده ودعوى الصبي الحرية بعد البلوغ ثلاثة أما في الاول فأحدها السماع مطلقا من غير احتياج إلى الحلف ولا إلى غيره وسواء كان الصبي مميزا أو غيره بحيث كان القضاء واقعا لا يسمع دعوى الصبي الحرية بعد البلوغ ولو مع البينة كما هو ظاهر جماعة نهم ثاني الشهيدين في المسالك حيث قال بعد الجزم بثبوت الحكم في المسألة ما هذا لفظه وحيث ثبت الرقية لا يلتفت إلى انكار الصغير بعد بلوغه لسبق الحكم بالرقية انتهى وظاهر هذا الكلام كما ترى عدم سماع دعوى الصبي ولو مع البينة هذا.
ولكن ذكر شيخنا دام ظله في طي افاداته في مجلس البحث ان القول بعدم السماع حتى مع إقامة البينة غير موجود وان المقصود من عدم الالتفات إلى انكاره إنما هو من حيث عدم تأثيره في توجه الحلف على ذي اليد لا سقوط قوله ولو مع البينة.
وبعبارة أخرى المقصود منه عدم سماع انكاره من حيث الانكار لا عدم سماع دعواه مع البينة هكذا ذكره وهو لا يخلو عن تأمل ثانيها السماع ظاهرا من دون ضميمة الحلف كما ذهب إليه المصنف وجماعة أو معها كما عن الشيخ والعلامة في التذكرة من غير فرق بين المميز غيره ثالثها السماع في غير المميز وعدمه في المميز إلا بضميمة البينة الذي يرجع حقيقة إلى عدم السماع من الجهة المقصودة في المقام وهذا هو المحكي عن الشيخرحمهالله في المبسوط.
وأما في الثاني فأحدها عدم السماع مطلقا كما تقدم استظهاره من جماعة وإن استظهر الاستاد العلامة خلافه وانه لم يذهب أحد إلى القضاء التنجيزي في المقام بحيث لم تسمع دعوى الصبي بعد البلوغ مع البينة أيضا حيث ان جهة السماع إما اليد أو نفس الدعوى من حيث عدم المعارض لها ومعلوم ان شيئا منهما لا يصلح
للقضاء التنجيزي ثانيها السماع مطلقا فإن كان له بينة فهو وإلا فله استحلاف ذي اليد ثالثها السماع إذا كان له بينة وعدمه فيما إذا لم تكن.
ثم ان جهة سماع دعوى ذي اليد في المقام يحتمل ان يكون دعواه حسب ما هو ظاهر جماعة حيث عللوا السماع بأن دعوى ذي اليد الرقية دعوى لا معارض لها ويحتمل أن يكون يده ويحتمل أن يكون اليد والدعوى معا لانه لو لم يكن في يده لم يسمع دعواه فيكشف ذلك عن مدخلية اليد ويظهر الثمرة فيما إذا ادعى الصبي الحرية بعد البلوغ مع إقامة البينة من كل منهما فإنه لو قيل بان جهة السماع اليد فيحكم بتقديم بينة الصبي بناء على المشهور من تقديم بينته ولو قيل بأن جهة السماع الدعوى لا اليد بحيث يكون وجودها كعدمها وإنما سمعت دعوى صاحبها الرقية على خلاف أصالة الحرية من جهة عدم وجود المعارض لدعواه فيحكم بتقديم بينة ذي اليد على القول المشهور لانه يصير خارجا والصبي داخلا من حيث موافقة قوله للاصل وإنما سمعت دعوى ذي اليد الرقية ظاهرا من جهة ما دل على سماع الدعوى التي لا معارض لها هذا كله بناء على عدم القول أن معنى سماع الدعوى ممن لا معارض له هو جعله ذا اليد وإلا فيرتفع الثمرة من البين.
ثم ان انضمام اليمين على القول بكون جهة السماع هي اليد يحتمل أن يكون من باب الاستظهار أو عموم ما دل على حصر ميزان القضاء بالبينة والايمان أو تقديم الحلف الذي يستحقه الصبي بعد دعوى الحرية مع عدم البينة كما في القضاء على الغايب وعلى القول بكون جهة السماع هي الدعوى يحتمل أحد الاخريين.
ثم ان المراد من القضاء بالرقية يحتمل أمرين احدهما ما هو الظاهر منه سواء كان معلقا أو منجزا ثانيهما هو البناء على كون الصبي رقا ويترتب آثار الرقية عليه إلى أن يبلغ وظاهرهم هو الاول وإن كان الثاني هو الاظهر بناء على احتمال كون جهة السماع هي اليد مع عدم انضمام اليمين هذا كله بناء على فرض وجود الثمرة بين القضاء التعليقي والبناء العملي وإلا كما ربما يستظهر من الاستاد العلامة فلا يفترق المعنيان.
إذا عرفت ذلك كله علمت ان تحقيق القول في المرام وتفصيل الكلام في المقام لا بد أن يقع في موضعين أحدهما في سماع دعوى ذي اليد الرقية قبل البلوغ ثانيهما في سماع دعوى الصبي الحرية بعد البلوغ.
أما الكلام في الموضع الاول فنقول ان الحق فيه سماع دعوى ذي اليد من غير فرق بين كون الصبي مميزا وعدمه من غير احتياج إلى انضمام اليمين أصلا بل ويحكم بملكيته بمعنى بناء العمل عليها وإن لم يدع الرقية إذا تصرف فيه تصرف الملاك في املاكهم كعرضه معرض البيع ونحوه من تصرف الملاك فالمناط في الحكم بالرقية هو ادعاء ذي اليد لها إما قولا أو فعلا.
ويدل على ما ذكرنا مضافا إلى ظهور عدم خلاف يعتد به بين أصحابنا الاخيار رضوان الله عليهم ما دل على اعتبار اليد والحكم بمقتضاها من السيرة والاخبار. توضيح ما ذكرنا على سبيل الاختصار بحيث لا يوجب الملال ويرفع كل شبهة حدثت أو تحدث من هذا المضمار بعون الملك المتعال هو ان موارد الحكم باليد والاستكشاف منها حسب ما يستفاد من كلماتهم في الجملة ثلاثة متدرجة من حيث العموم والخصوص. أحدها في مورد الشك في الاختصاص بحسب ما في اليد بقول مطلق فيجعل دليلا على الاختصاص الملكي وغيره فيتمسك بها للحكم بسماع دعوى ذي اليد النسب كالبنوة والاخوة وغيرهما بالنسبة إلى من في يده لا من جهة اقراره بما يرجع على نفسه فإن هذا أمر واضح لا سترة فيه ولا دخل لليد فيه أصل بل من جهة دعواه
فتثبت النسب الواقعي بينهما كما لو أقام البينة عليه.
ثانيها في مورد الشك في ثبوت الاختصاص الملكي سواء كان من جهة الشك في كون ما في اليد مما يقبل الملك أو كونه مما لا يقبله أو من جهة الشك في اختصاصه بذي اليد بعد مفروغية قابليته للتملك ففي هذا المورد يستكشف من اليد زايدا على التخصيص المالكي أصل الاختصاص وقابلية التملك أيضا. ثالثها في مورد الشك في المالك بعد الفراغ من اثبات قابلية التملك لما في اليد بحيث يكون الشك ممحضا من هذه الجهة وهو أخص من الاولين وهذا معنى ما اشتهر في السنة أهل العصر ومن قاربه من ان اليد إنما تكون معتبرة في تشخيص المالك لا في تشخيص الملك واثبات أصل قابلية التملك والاستيلاء العرفي ومن هنا قال بعض مشايخنا في جملة ما يستشكل به على ما ذكره من سماع دعوى ذي اليد ما هذا لفظه مع ان اليد مقتضاها الملك في معلوم المالية لا انها تنقح المشكوك في ماليته انه مال انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه إذا عرفت ان موارد استعمال اليد والاستكشاف بها ثلاثة.
فنقول أما المورد الاول فالحق انه لا دليل على اعتبار اليد فيه وانها امارة معتبرة بالنسبة إلى مطلق الاختصاص حتى بالنسبة إلى النسب لا من السيرة ولا من الاخبار أما الاول فواضح وأما الثاني فكذلك أيضا لان كل من راجع الاخبار الواردة في اليد يعلم علما يقينيا بحيث لا يعتريه شك بعدم دلالتها على اعتبار اليد بالنسبة إلى مطلق الاختصاص وانها مختصة بالاختصاص الملكي كما انه لا إشكال في وجود الدليل على اعتبارها في المورد الثالث مطلقا.
وأما المورد الثاني فالحق اعتبار اليد إذا كانت مجتمعة مع تصرف الملاك وبعبارة أخرى إذا كانت مقرونة بالدعوى القولية أوالفعلية من ذي اليد وأما إذا لم تكن كذلك فالحق عدم دليل على اعتبارها ففي المقام دعويان لنا على اوليهما ما دل على اعتبار اليد من السيرة والاخبار أما السيرة فواضحة لانا نرى بالوجدان ستقرار طريقة المسلمين وبنائهم على سماع دعوى ذي اليد رقية من في يده والاشتراء منه إذا عرضه معرض البيع وأما الاخبار فلاطلاقها كما لا يخفى لكل من راجعها خصوصا قولهعليهالسلام في رواية الفدك إذا كان شئ في يد المسلمين يملكونه لانك قد عرفت ان المراد من تملكهم ليس هو التملك الشرعي والا لجاء الدور بل التملك العرفي الذي يعبر عنه بالاستيلاء.
ويدل على ما ذكرنا زيادة على ما مر الاخبار الواردة في المقامات الخاصة منها رواية سعد بن صدقة كل شئ هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل ثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة أو المملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر الحديث ومنها صحيحة العيص عن مملوك ادعى انه حر ولم يأت بينة على ذلك اشتريه قال نعم ومنها رواية حمزة بن حمران أدخل السوق فأريد أن أشتري جارية تقول إني حرة فقالعليهاالسلام اشترها إلا أن تكون لها بينة.
وجه دلالة الاولى ظاهر لان المقصود من المملوك فيه هو المملوك بحسب اليد وإلا لم يحتمل الحرية إلا بالتحرير والعتق وهو خلاف ظاهر الرواية لان ظاهرها احتمال الحرية الاصلية لا العرضية وأما الاخيرتان فظاهرهما وإن كان في البالغ إلا ان المقام يثبت منهما بالاولوية وهذا مما لا إشكال فيه. إنما الاشكال في أصل دلالتهما على المدعى وظهورهما فيه لان الامر فيهما داير بين ارتكاب التأويل في أحد الظاهرين اما بحمل الجارية والمملوك فيهما على ما تكون كذلك بحسب الظاهر مع كون المراد
من الحر هو الحرية الاصلية فيدل بناء عليه على المدعى.
واما بحمل الحر على ما حصل بالعرض من التحرير مع ابقاء الجارية والمملوك على ظاهرهما ولو في الجملة فلا يدل على المدعى وإن لم نقل بكون الثاني هو الاظهر فلا أقل من التساوي فيسقط الاستدلال بهما على المدعى هذا مع انه لو كان لهما ظهور في المعنى الاول بالنظر إلى أنفسهما تعين صرفهما عنه والحكم بكون المقصود هو المعنى الثاني إذ ظاهرهما خلاف الاجماع حيث انه لم يذهب أحد إلى سماع دعوى ذي اليد الرقية بمجردها ولو كان من في يده مدعيا للحرية مع كبره فلا بد إما من حملهما على سبق تصرف من ذي اليد بحيث يكشف عن الملكية فينطبق على المدعى أيضا وأما على دعوى التحرير وكيف كان فيما قدمنا من السيرة وإطلاقات أخبار اليد غني وكفاية وإن بنى على الخدشة في إطلاقات الاخبار بأنها واردة في مقام بيان الحكم باليد في معلوم القابلية أو هي ساكتة عن ذلك وعن التعميم فيكون القدر المتيقن منها هو ذلك أيضا فلتتمسك بذيل السيرة فإنها تغنيك مؤنة التمسك بغيرها.
ثم ان ما ذكرنا من اعتبار اليد في المقام في اثبات أصل القابلية لا ينافي ما اتفقت كلمتهم عليه من باب الغصب من ان اليد لا تتعلق بالحر ولو كان صغيرا لان المقصود من نفي اليد ليس هو نفي الاستيلاء العرفي بل الاستيلاء المتعقب للضمان شرعا حيث انه لم يثبت من مجرد اليد فإن القدر الثابت منه من قولهعليهالسلام على اليد ما أخذت تى تؤدي هو القيمة على القول بثبوتها منه وأما الذمة فلا هذا.
ثم ان هنا أمورا تدل على خلاف ما ذكرنا لا بد من التعرض لها والتفصي عنها أحدها الاصل الاولي فإن الملكية أمر حادث لا توجد إلا بسبب والاصل عدمها نعم قد يحكم بكون نفس الدعوى سببا لها من حيث كشفها عن سببها كما في الكافر الحربي والمباحات الاصلية إذا ادعيت ملكيتهما مع ثبوت اليد عليهما فإن نفس الدعوى حينئذ كاشفة عن قصد الحيازة.
ثانيها ما ورد في بعض الاخبار من قولهعليهالسلام الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالرقية وهو مدرك أو شهدت البينة عليها صغيرا كان أو كبيرا وهذا مساوق للاصل الاولي لان الاستثناء المذكور فيه يكشف عن عدم كون المقصود هو الرقية الواقعية وإلا لم يعقل استثناء صورة الاقرار وقيام البينة ضرورة ان الاقرار والبينة لا يغيران الشئ عما هو عليه في الواقع بل الرقية الظاهرية على ما هو الشأن في كل حكم أخذ فيه عدم العلم أو عدم ما يقوم مقامه من الطرق مثل قولهعليهالسلام في ذيل رواية مسعد بن صدقة والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غيره و يقوم به البينة فالرواية مقررة لمقتضى الاصل الاولي وهذا معنى ما اشتهر في ألسنتهم من أن الاصل الحرية.
ثالثها خبر حمران بن أعين سئلت أبا جعفرعليهالسلام عن جارية لم تدرك بنت سبع سنين مع رجل وامرأة ادعى الرجل انها مملوكة له وادعت المرئة انها ابنتها فقالعليهالسلام قد قضى عليعليهالسلام قلت وما قضى قال كان يقول الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالرقية ومن أقام بينة على من ادعى من عبد أو أمة فإنه يدفع إليه فيكون رقا قلت فما ترى أنت قال أرى أن تسئل الذي ادعى انها مملوكة له بينة على ما ادعى فإن أحضر شهودا يشهدون انها مملوكة لا يعلمون انه باع ولا وهب دفعت الجارية إليه حتى يقيم المرئة من يشهد لها ان الجارية ابنتها حرة مثلها فلتدفع إليها وتخرج من يد الرجل قلت فإن لم يقم الرجل شهودا انها مملوكة له قال تخرج من يده فإن أقامت المرئة البينة على انها ابنتها دفعت اليها وإن لم يقم الرجل البينة على ما ادعى ولم يقم المرئة البينة على ما ادعت خلى سبيل الجارية تذهب حيث شائت هذا.
ولكنك خبير بعدم مقابلة ما ذكر لما ذكرنا اما الاول فلان الاصل وإن كان ما ذكر إلا ان ما قدمنا على اعتبار اليد والظهور المستفاد منها حاكم عليه كما في ساير الاصول والظواهر المعتبرة القائمة على خلافها وأما الثاني فلان صدره موافق للاصل المتقدم وأما ذيله فهو وإن كان له ظهور بحسب بادى النظر في الخلاف من حيث ان الاستثناء كاشف عن ان المخرج عن هذا الاصل ليس إلا الاقرار أو البينة فيحكم بمقتضى الحصر المستفاد منه بعدم سماع دعوى ذي اليد في المقام لخروجها عن المستثنى إلا ان مقتضى النظر الدقيق خلاف ما ذكر لان الحصر ليس بالنسبة إلا جميع المقامات بل إنما هو في مورد التنازع والتداعي بقرينة قوله أو شهدت البينة عليه فإنه ظاهر في مورد التداعي اما في الكبير فواضح وأما في الصغير فبأن يكون المدعي غيره فالحكم بسماع دعوى ذي اليد في المقام ليس تخصيصا في الخبر حيث ان المفروض كون الحصر الواقع فيه مختصا بمورد التنازع.
نعم لو لم يكن لنا دليل على سماع دعوى ذي اليد لحكمنا بعدم سماعها لا من جهة الحصر بل من جهة صدر الرواية المطابق للاصل الاولي هذا كله مضافا إلى انه لو فرضنا دلالة الخبر على عدم اعتبار اليد في المقام لوجب الخروج عنه بمقتضى ما قدمنا من الادلة على اعتبارها من السيرة والاخبار هذا ملخص ما ذكره دام ظله.
ويمكن الخدشة فيه بأنه كيف يحكم بالخروج عن مقتضى الخبر بالادلة المذكورة مع ان بعضها غير تام في نفسه كالاخبار الخاصة وبعضها لا يقاوم الخبر كالسيرة فان اعتبارها مشروط بعدم الردع فلا يعقل ان تعارض ما يشتمل على الردع وبعضها يصلح للمعارضة لكن يرجع التعارض بينه وبين الخبر إلى تعارض لعامين من وجه كما في اخبار اليد فيحكم في مادة الاجتماع وهي محل البحث بالتساقط والرجوع إلى الاصل الاولي وهو أصالة عدم الرقية أو ترجيح الخبر بناء على كون دلالته من باب العموم ودلالة تلك من باب الاطلاق.
وأما الثالث فيعلم الجواب عنه بملاحظة ما ذكرنا في الجواب عن الثاني مضافا إلى إمكان القول بخروج مقتضاه عن محل الفرض فإن ظاهر الحديث كون الجارية في يدهما والكلام في اليد الغير المعارضة لان اليد المعارضة ليس لها ظهور في الرقية هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو عدم اعتبار اليد في الحكم بالرقية بمجردها ما لم ينضم إليها تصرف أو دعوى فلعدم الدليل على اعتبار اليد في اثبات أصل القابلية بمجردها وإن قلنا باعتبارها في تشخيص المالك فيما ثبت مملوكية ما في اليد في الجملة لا من السيرة ولا من الاخبار هذا كله مضافا إلى النزاع في دلالة اليد بمجردها على الرقية وعدمها في المقام غير مفيد لان اليد الظاهرة في الملك لا توجد في المقام بحسب الموضوع إلا بالتصرف الظاهر في الملك أو الدعوى لان مجرد اليد على الانسان سيما إذا كان أبيض لا ظهور لها في الملكية أبدا ومن المعلوم ان من يقول باعتبار اليد بمجردها في اثبات القابلية لا يقول إلا فيما كان لها ظهور فيها واليد على الانسان أعم من اليد المالكية ومن هنا يعلم انه لا بد من أن يحمل كلامهم في المقام لو كان المقصود منه القضاء بدعوى الرقية من ذي اليد من جهة ظهور يده في الرقية مع قطع النظر عن الدعوى على ما ذكرنا نعم يمكن أن يقال بظهور اليد بمجردها في الملكية لو كان من تعلق اليد به أسود ثم انه يعلم أدلة ساير الاقوال والجواب عنها بالتأمل ذكرنا فتأمل حتى يظهر لك حقيقة الامر هذا مجمل القول في الموضع الاول.
وأما الكلام في الموضع الثاني وهو سماع دعوى الصبي الحرية بعد البلوغ وعدمه فقد عرفت اختلاف كلمتهم فيه والحق سماعها سواء كان له بينة على ما يدعيه أولا لان ما قام الدليل عليه هو القضاء بمقتضى دعوى
ذي اليد ظاهرا بل قد يتأمل في ذلك أيضا لو كان هناك ثمرة بينه وبين العمل باليد ومن المعلوم ان القضاء الظاهري المراعى بعدم البلوغ والدعوى لا يقتضي عدم السماع فإن لم يكن له بينة فله استحلاف ذي اليد ان قلنا بظهور اليد واعتباره مع دعوى الحرية وعدم تعليقها بعدم دعواه مع بلوغه وإن كان له بينة فيقضى بها ان لم يكن لذي اليد بينة وإلا فيبنى على الترجيح بالدخول أو الخروج وأدلة ساير الاقوال وأجوبتها ظاهرة فلا جدوى في تعرضها فالاعراض عنها أجدر.
وينبغي التنبيه على أمور الاول انه هل يجري ما ذكرنا في الصغير الذي لا يد عليه مع عدم معارضة دعوى المدعي بدعوى غيره أو لا وجهان من عموم ما تمسك به جماعة للحكم في الفضولي من سماع الدعوى إذا لم يكن لها معارض للمقام أيضا ومن ان القدر المتيقن من كلماتهم هو الصورة الاولى ولا دليل على سماع الدعوى التي لا معارض لها كلية وإنما الذي قام الدليل عليه هو سماعها في الاملاك وهذا هو الوجه فتوجه.
الثاني انه هل يجري ما ذكروه في الصغير المجهول النسب في المعلوم النسب أيضا إذا كان ممكن الرقية أم لا وجهان أوجههما الاول لعموم ما تقدم من الدليل في القسم الاول والتقييد الواقع في كلماتهم بمجهول النسب إنما هو لاخراج معلوم النسب الذي يمنع العلم بنسبه من الحكم بالرقية وقد صرح بما ذكرنا بعض مشايخنا طاب ثراه وقد كان الاستاد العلامة مائلا إليه.
الثالث انه هل يجري ما ذكرنا في الصغير في المجنون الكبير أو العاقل الكبير إذا كان ساكتا أم لا وجهان اوجههما الاول لعموم ما تقدم من الادلة في الصغير قال في محكي غاية المرام والصحيح الحكم برقية الكبير الساكت وهو قضية كلام الاصحاب انتهى كلامه وحكى عن المصنف التصريح به في كتبه ولكن عن العلامة في الارشاد الاشكال في الاخير لاصالة الحرية في الآدمي هذا كله فيما إذا كان العاقل الكبير ساكتا وأما إذا كان منكرا للرقية فإن تقدم على انكاره يد ظاهرة في الملكية فالقول قول مدعي الرقية ولا يلتفت إلى انكاره إلا ببينته وإلا فالقول قوله وإلى ما ذكرنا يحمل الاخبار الواردة في عدم سماع دعوى الحرية من المملوك كما تقدم إلى جملة منها الاشارة والله العالم.
قوله ولو ادعى اثنان رقيته فاعترف لهما قضى عليه أقول إذ ادعى اثنان رقية انسان فلا يخلو إما أن يعدما البينة أو يجداها أو يعدمها أحدهما ويجدها الآخر فإن عدما البينة فلا يخلو إما أن ينكرهما المدعى عليه أو يقر لهما أو يقر لاحدهما فإن أنكرهما فلا شئ لهما عليه وإن أقر لهما فيحكم به لهما على سبيل الاشاعة وإن أقر لاحدهما فيقضى به له كل ذلك لعموم ما دل على نفوذ الاقرار على النفس وخصوص ما ورد من الاخبار الكثيرة التي قد تقدم إلى جملة منها الاشارة الصريحة في نفوذ الاقرار بالرقية مع كون المقر مدركا.
والخدشة في صدق موضوع الاقرار على النفس على اقراره كما وقعت عن بعض لانه إن كان حرا فلا يملك نفسه ولا يد له على نفسه وإن كان عبدا فكذلك أيضا لانه لمالكه فاسدة جدا لانه إذا فرض كون مملوكيته لاحد ضررا عليه فإذا أقر بها فقد أقر على نفسه فيدخل في عموم ما دل على نفوذ الاقرار هذا كله مضافا لى كونها مصادمة للاخبار المصرحة بلفظ أقر على نفسه فراجع.
ومن هنا يظهر ما فيما حكى عن الشيخرحمهالله في مسألة دعوى العبد العتق والآخر الشراء في انكار كون العبد ذا يد على نفسه ما يظهر منه عدم قبول الاقرار بالرقية حيث انه علل عدم يده بأنه لو كان ذا يد لقبل إقراره بالملكية لاحد المتنازعين فيه وهذا الكلام كما ترى يظهر منه المفروغية من عدم قبول اقراره ولكنا لا نفهمه
وإن وجداها فالحكم هو ما تقدم في تعارض البينتين في الاملاك.
ولكن المحكي عن الفاضل في كشف اللثام انه لو أقر بالرقية لاحدهما لم يلتفت إلى اقراره ولا يترجح به إحدى البينتين مع ذهابه إلى الترجيح بالاقرار من ذي اليد بعد إقامة البينة من المتداعيين في الاملاك وعلله بما لا يسلم عن المناقشة حيث قال وإذا أقاما بينتين متعارضتين فصدق احديهما خاصة لم تترجح به بينته لانه لا يد له على نفسه فإنه إن كان حرا فلا يد له وإن كان مملوكا فلا يد عليه إلا لمالكه انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وهو كما ترى بظاهره فاسد لاقتضائه عدم سماع اقراره مطلقا حتى فيما لم يكن هناك بينة أصلا وهو مناف لما اعترف به سابقا من قبول اقراره في صورة عدم البينة منهما بل ظاهره المحكي الاجماع عليه هذا.
ولقد كان الاستاد العلامة في مجلس البحث ذاهبا إلى الفرق بين المقامين وموجها لما ذكره الفاضل في الكشف بما حاصله انه قد تقرر في محله ان الوجه في الترجيح باقرار ذي اليد وجهان ذهب إلى كل فريق.
احدهما صيرورة المقر له بالاقرار ذا اليد عرفا بحيث يكشف الاقرار عن كون يد المقر هي يد المقر له فكأنه نائب عنه فحينئذ أما أن يقدم بينة المقر له أو صاحبه على الخلاف في ترجيح بينة الداخل أو الخارج وقد تقدم في مطاوي كلماتنا السابقة ان هذا الوجه يظهر من جماعة من الاصحاب.
ثانيهما صيرورة مقر له بالاقرار ذا الحجة شرعا فيقدم بينته أو بينة صاحبه على الخلاف في ترجيح بينة الداخل والخارج حيث انك قد عرفت فيما سبق ان المراد من الداخل والخارج ليس هو خصوص ذي اليد وغيره بل كل متشبث بالامارة الشرعية سواء كانت أصلا أو غيره ولم توجد للآخر.
أما الوجه الاول فلا يمكن اجرائه في المقام ضرورة انه لا يد للانسان على نفسه سواء كان حرا أو رقا حتى يعطيها بمن يقر له بالرقية وهذا معنى ما ذكره الفاضل في الكشف.
لا يقال لو لم يكن يد المقر في المقام على نفسه فكيف يجعل المقر له ذا يد عليه في صورة عدم البينة حسبما اعترف به الفاضل في الكشف.
لانا نقول صيرورة المقر له ذا يد على المقر في صورة عدم البينة ليست من جهة كشف الاقرار عن بدلية يد المقر عن يد المقر له بل من جهة ان بعد قيام الحجة على ملكية المقر للمقر له وهي اقراره يحكم بكونه ملكا له فيصير ذا يد عليه فهو كما لو شهدت البينة على الملكية فإن صيرورته ذا اليد بعدها إنما هي من الحيثية التي ذكرناها.
وأما الوجه الثاني فهو وإن كان جاريا في صورة عدم البينة منهما حسب ما عرفته لكنه لا يجري في صورة إقامة البينة منهما لان البينتين اتفقتا على عدم صلاحية المقر للاقرار وخروجه عن القابلية من حيث كونه مملوكا لاحدهما وهذا بخلاف البينتين القائمتين على ملكية ما في يد الثالث للمتداعيين فإنهما لا تخرجان المقر عن قابلية الاقرار فيمكن القول بسماع الاقرار ثمة وصيرورته مرجحا لاحدى البينتين ولا نقول به في المقام نعم لو لم نقل بسماع الاقرار هناك ففي المقام لا نقول به بالاولوية وإن شئت قلت في وجه الفرق ان البينة لقائمة على خلاف المقر ويخالفها الاقرار تخرج المقر عن قابلية الاقرار في المقام وهذا بخلاف ذلك المقام فإن المقر باق على قابلية الاقرار ولو بملاحظة البينة القائمة على خلاف اقراره هذا ملخص ما ذكره دام ظله وهو كما ترى لا يخلو عن شوب الاجمال وتطرق النظر.
أما أولا فلامكان أن يقال بثبوت اليد للانسان على نفسه لان المراد من اليد ليس هو الملك حتى
يقال بعدم تعقل كون الشخص مالكا لنفسه بل هو الاستيلاء الكاشف عن الاختصاص الملكي لو وجد محلا قابلا وإلا لامكن المناقشة في صدق الاقرار على النفس على اقراره لان من لا يكون مسلطا على شئ لا يصدق على اقراره به انه إقرار على نفسه فتأمل.
وثانيا سلمنا انه لا يد له على نفسه لكن نقول انه لا يعقل الفرق بين المقامين في سماع الاقرار لانه لو بنى على ملاحظة ما اتفقت عليه البينتان واعتبارهما فيه فلا يعقل الحكم بسماع الاقرار في المقامين لانهما كما تخرجان المقر عن قابلية الاقرار في المقام كذلك تخرجان المقر به عن قابلية الاقرار به في ذلك المقام.
وبعبارة أخرى أوضح كما يتوقف صدق الاقرار على النفس الذي أمضاه الشارع على قابلية المقر كذلك يتوقف على عدم كون المقر به مالا لغير المقر بالبينة الشرعية وإلا لم يصدق على الاقرار به انه إقرار على النفس بل على الغير فالفرق على هذا التقدير غير معقول وإن لم يبن على ملاحظة ما اتفقت عليه البينتان بل ملاحظة الاقرار مع قطع النظر عن البينتين أو معه والحكم بعدم اعتبارهما حتى في القدر المتفق عليه فلا معنى للتفرقة أيضا بل لا بد من البناء على السماع في المقامين وبالجملة كلما نتأمل لا نعقل الفرق بينهما والله العالم.
قوله لو ادعى دارا في يد زيد وادعى عمرو نصفها وأقاما البينة اه أقول لا إشكال في القضاء لمدعي الكل بنصفه حسب ما عليه المشهور سواء أقر له مدعي النصف به أو سكت لتمحض النزاع على كل تقدير في لنصف من الكل فإن حلف من خرج باسمه القرعة أو حلف صاحبه على تقدير نكوله عن الحلف فهو وإلا فيقضى بينهما نصفين فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباع منه ولمدعي النصف ربع. وكذا لا إشكال في القضاء لمدعي الكل بالكل لو كان في يدهما وأقاما بينة على ما هو المشهور من تقديم بينة الخارج لخروج النصف عن يد مدعي الكل ودخوله في يد مدعي النصف فيأخذه مدعي الكل بالبينة والنصف الآخر من جهة عدم المعارضة هذا هو المشهور في المقامين ويقتضيه التحقيق. خلافا لابن الجنيد فذهب إلى تقسيم العين في المقامين أثلاثا على طريق العول والذي حكاه عنه في المسالك وإن كان فيما لو كانت العين في يدهما مع البينة منهما أو بدونهما إلا ان من التأمل في كلامه يعلم عدم فرقه بين الصور.
قال فيما حكي عنه ويقتسمان الدار مع البينة وعدمها على طريق العول فيجعل لمدعي الكل الثلثان ولمدعي النصف الثلث لان المنازعة وقعت في أجزاء غير معينة ولا مشار إليها بل كل واحد من أجزائها لا يخلو من دعوى كل منهما باعتبار الاشاعة فلا يتم ما ذكروه من خلوص النصف لمدعي الكل بغير منازع بل كل جزء يدعي مدعي النصف نصفه ومدعي الكل كله ونسبة إحدى الدعويين إلى الاخرى بالثلث فتقسم العين أثلاثا واحد لمدعي النصف واثنان لمدعي الكل فيكون كضرب الديان في مال المفلس والميت انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وهذا الكلام منه مبني على ما تقدم منا في معنى الاشاعة وانه عبارة عن تعلق حق كل من الشريكين بكل جزء يفرض من العين فإذا فرض كون النصف الذي يدعيه مدعي النصف هو النصف المشاع لا المعين حسب ما هو المفروض فيتعلق دعواه بكل جزء يفرض من العين فلم يبق هناك جزء يتسالم لمدعي الكل فإذا أردنا تصديقهما مع عدم قابلية العين لتصديقهما فيها بالنسبة إلى تمام ما يدعيانه فلا بد من أن يرد النقص على كل منهما بالنسبة إلى نصيبه بحيث تكون نسبتهما بعد ورود النقص عليهما كنسبتهما قبله مثلا نسبة النصف والكل
نسبة الثلث والثلثين فلا بد من أن يكون نسبة ما ينقص عنهما أيضا هو الثلث والثلثين وهذا معنى العول ولازمه اعطاء الثلث لمدعي النصف والثلثين لمدعي الكل كما في الغريمين للميت إذا كانت نسبة حقهما نسبه النصف و الكل نعم لو كان نزاعهما في النصف المعين من العين بحيث كان هو مورد النزاع ليس إلا لتم ما ذكره المشهور إذ وقوع النزاع في جزء معين من الدار لا يقتضي وقوعه في الجزء الآخر.
هذا ملخص ما ذكره قده وهو كما ترى يرجع إلى دعوى سببية كل من الدعويين أو البينتين بالنسبة إلى ما يتعلق به والمفروض ان مدعي الكل إنما يريد تخليص كل جزء من العين وملكيته له ومدعي النصف يريد الاخذ من كل جزء يفرض من العين ويدعي استحقاقه في الجملة فليس هنا جزء من العين متسالم ملكيته لمدعي الكل أو غير متنازع فيه لمدعي النصف بل تزاحمهما (نزاعهما خ) بالنسبة إلى الجيمع.
وفيه أولا ان هذا لا يستقيم على تقدير القول باعتبار البينة أو اليد من باب السببية وإنما يستقيم مع غمض النظر عما سيجئ على تقدير القول به من باب السببية فإن صورة الاجتماع حينئذ تصير مورد التزاحم لوجود ما هو المناط للتأثير في كل واحد منهما على ما هو شأن المتزاحمين من بقاء الجهة في كل منهما في مورد الاجتماع وإنما القصور من المحل ليس إلا وهذا بخلاف القول بالطريقية فإن جهة الاعتبار ومناطه غير موجودة في أحدهما قطعا فلا مقتضى للاخذ بكل منهما في مورد الاجتماع قطعا هذا.
ولكنك خبير بعدم ورود ما ذكر عليه لان كلامه إنما هو على المشهور الملتزمين بالتقسيم في أمثال المقام من جهة أدلة تصديق البينتين أو غيرها فاما مبنى الكلام منه ومنهم على اعتبار الامارات من باب السببية في مقام الترافع أو على اعتبارها من باب الطريقة والالزام (الالتزام خ) بالتبعيض بالنسبة إلى جهة كشفها وترتب الاثر عليها والحكم بصدقهما على ما هو معنى تبعيض الشئ بالنسبة إلى ما يقتضيه.
وثانيا ان مجرد وقوع النزاع في سبيل الاشاعة السارية في جميع الاجزاء لا يقتضي عدم سلامة جزء لمدعي الكل إذ كما يقال ان كل جزء يفرض من العين يريد مدعي النصف نصفه كذلك يقال إن كل جزء يريد مدع النصف من المجموع نصفه يبقى نصفه الآخر لمدعي الكل بلا منازع ومدعي الكل وإن كان مقصوده رفع يد مدعي النصف من كل جزء لكن بالنسبة إلى نصفه فهو إنما يقيم البينة على المجموع من حيث اشتماله على المدعى وهو النصف لا أن يكون المقصود هو اثبات الكل من البينة من حيث الكل كما قد يتوهم فالتزاحم إنما وقع حقيقة بالنسبة إلى نصف الكل فلا بد من الحكم بتقسيم البينتين بالنسبة إليه فيقسم العين أرباعا ثلاثة أرباع لمدعي الكل وواحد لمدعي النصف.
وهذا لا دخل له بمسألة العول ولا مسألة اجتماع حقوق الغرماء في مال المفلس والميت الغير الكافي بها فإن المفروض في هذه المسائل تعلق كل من الحقين الزايد والناقص بالمال واقعا وإنما القصور في العين فصاحب الحق الزايد فيها معترف بثبوت الحق الناقص لصاحبه وانه لو وفى به المال لكان له جميع حقه وكذا صاحب الحق الناقص بالنسبة إلى الزايد.
وهذا بخلاف المقام فإن الذي يدعيه مدعي النصف هو بعينه الذي يدعيه مدعي الكل ويكذب مدعي النصف بالنسبة إليه وأما مدعي الكل فلا يكذبه مدعي النصف بالنسبة إلى النصف المشاع من المال وإنما يكذبه بالنسبة إلى نصف من الكل مشاعا فيحكم بالتقسيط بينهما بالنسبة إلى مورد التداعي وهو النصف من العين في قابل النصف الآخر الذي يكون اخريته باعتبار المعتبر وبالجملة لا أرى وجها للحكم بالتقسيم على طريق العول في المقام.
ثم انه حكى تنظير ما نحن فيه عن ابن الجنيد بما لو كانت تركة الميت بمقدار الف دينار وكان لاحد الغريمين عليه ألف وللآخر عليه ألفان فكما انه في الفرض لا يحكم بتقسيم الالف أرباعا من حيث اعتراف صاحب الالف بكون نصفه لصاحب الالفين بازاء الالف بل تقسم بينهما على سبيل العول أثلاثا كذلك في المقام وأجاب عنه العلامة قده بخروجه عن محل الفرض لان الحق من كل منهما في المثال مستوعب لتمام المال فكل منهما يريد تمامه فلا جزء هنا يسلم لمريد الزيادة وهذا بخلاف المقام.
وأورد شيخنا الاستاد دام ظله العالي على ما ذكره العلامةقدسسره بأن ما ذكره من التقسيم على طريق العول جار فيما إذا كان حق أحد الغريمين في المثال أنقص من الالف فهو فرار عن الجواب والحق في الجواب ما ذكرنا من فساد المقايسة على ما عرفته.
ثم ان هذا كله فيما إذا كان التداعي بين شخصين وأما إذا كان بين أزيد من الشخصين فتارة لا يستوعب ما يدعيه غير مدع الكل الكل بأن ادعى أحدهما النصف والآخر الثلث وأخرى يستوعبه سواء ساواه كما لو دعى أحدهما الثلثين والآخر الثلث أو زاد عنه كما لو ادعى أحدهما الثلثين والآخر النصف.
أما الاول فالظاهر انه لا إشكال في مساواة حكمه للصورة السابقة فيبقى السدس سليما عن المزاحم لمدعي الكل فيقسم الباقي باعطاء اثنين لمدعي النصف وواحد لمدعي الثلث وثلاثة لمدعي الكل إذ مزاحمة مدعي الثلث إنما هو مع مدعي الكل إذ لا تعارض بينه وبين مدعي النصف أصلا فلا معنى لورود النقص لى حصته ولا فرق فيما ذكرنا بين ملاحظة المدعيين للكسرين ومدعي الكل مجتمعين أو متفرقين كما لا يخفى واحتمل في القواعد في المقام القول بالتقسيم على طريق العول على ما ذهب إليه ابن الجنيد ويحتمله عبارته في المختلف أيضا ولم يعلم وجه الفرق بينه وبين الصورة الاولى وهو ما لو كان التداعي بين النصف والكل.
وأما الثاني وهو صورة الاستيعاب سواء كان مع مساواة الكسور للكل أو زيادتها منه فالذي عليه المشهور عدم الفرق أيضا فيقسم على غير طريق العول من غير فرق بين ملاحظة المدعيين مجتمعين أو متفرقين ويظهر من العلامةرحمهالله موافقته لابن الجنيد في الصورة لعدم بقاء جزء من العين خال عن المزاحم له وكلامه وإن كان مطلقا شاملا للصورة السابقة أيضا إلا انه حمله الفاضل في الكشف على صورة الاستيعاب من حيث عدم وجه للفرق بين صور عدم الاستيعاب حيث قال بعد نقله ما ذكره الفاضل في المتخلف من قوله بعد نقل خلاف ابن الجنيد وهو الاقوى عندي لو زاد المدعون على اثنين ما هذا لفظه يعني واستوعب دعاوى غير مدعي الجميع لعين أو زادت عليها كما إذا ادعى أحد الثلاثة الجميع وآخر منهم الثلثين وآخر منهم الثلث أو النصف فإنه حينئذ لا يبقى في العين جزء لا تزاحم فيه بخلاف ما إذا ادعى أحد الجميع وكل من الاخرين الثلث انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
فتلخص مما ذكرنا ان الاقوال في المسألة ثلاثة أو أربعة والحق هو ما ذهب إليه المشهور في جميع الصور ويدل على ما ذكرنا مضافا إلى ما عرفت مرسل ابن المغيرة عن الصادقعليهالسلام في رجلين كان بينهما درهمان فقال أحدهما الدرهمان لي وقال الآخر هما بيني وبينك فقال أبو عبداللهعليهالسلام أما الذي قال هما بيني وبينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له في شئ وانه لصاحبه وأما الآخر فبينهما خلاف وكذا مرسل ابن أبي حمزة عنه أيضا وجه الدلالة انك قد عرفت في طي كلماتنا السابقة ان الرواية ظاهرة في صورة الاشاعة بملاحظة قوله بيني و بينك ولو لم تكن ظاهرة فيها يمكن القول بظهورها في المدعى أيضا بملاحظة التعليل هكذا ذكره الاستاد لعلامة وتوهم اختصاص كلام ابن الجنيد بصورة عدم الاقرار مما هو فاسد جزما هذا.
وذكر بعض مشايخنا طيب الله تربته بعد كلام له في المقام على ما ذكره ابن الجنيد ما هذا لفظه ولكن الانصاف مع ذلك عدم خلو كلام ابن الجنيد من قوة مع تزاحم الامارات الشرعية ولم يكن شئ متسالم عليه فيما بينهم انه لاحدهم ولعله ذلك أو لما يقرب منه سمعت الميل إليه في المختلف فيما فرضه فلاحظ وتأمل انتهى كلامه.
قوله إذا تداعى الزوجان متاع البيت اه أقول في المسألة ونظايرها أقوال.
أحدها ما عليه المشهور حسب ما حكي بل حكى عليه في الرياض عدم الخلاف انه لو كانت لاحدهما بينة قضى له بها وإن كانت لكل منهما بينة يدخل فيما تقدم حكمه كلية في باب تعارض البينات إذا كانت العين بيدهما وإن لم تكن هناك بينة أصلا فيقضى بينهما بالتنصيف بعد حلف كل منهما لصاحبه من غير فرق في ذلك كله بين ما يختص بالرجال مثلا كالعمائم أو النساء كالحلي والمقانع مثلا وبين أن يكون الدار لهما أو لاحدهما و سواء كانت الزوجية باقية أو زائلة بل في محكي كشف اللثام وسواء كانت يداهما عليه مشاهدة كالعمامة أو الخلخال يلبسانه أو حكما وهو الكون في بيت يسكنانه وسواء جرت العادة بجهاز مثلها بقدره أم لا انتهى واستدلوا عليه بعموم ما دل على ان البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا يخفى عليك ان هذا الدليل على فرض تماميته لا يقتضي الحكم بالتمام إذا كان لاحدهما بينة بناء على القول المشهور من عدم سماع البينة من المنكر أصلا و المفروض ان كلا منهما بالنسبة إلى نصف ما في يدهما منكر نعم بناء على ما ذكرنا من سماع البينة من المنكر إذا لم يكن بينة للمدعي كان ما ذكروه في غاية الوجاهة.
ثانيها ما حكي عن الشيخرحمهالله في ف من انه ما يصلح للرجال للرجل وما يصلح للنساء للمرئة وما يصلح لهما يقسم بينهما بعد التحالف أو النكول وقد سبقه إلى ذلك الاسكافي ولحقه جماعة بل في المسالك نسبته إلى الاكثر بل عن نكت النهاية للمصنف نسبته إلى المشهور بل عن الخلاف والسراير الاجماع عليه ومستند هذا القول صحيح النحاس عن الصادقعليهالسلام إذا طلق الرجل المرئة وفي بيتها متاع فلها ما يكون للنساء وما يكون لرجال والنساء يقسم بينهما قال وإذا طلق الرجل المرئة فادعت ان المتاع لها وادعى الرجل ان المتاع له كان له ما للرجال ولها ما للنساء وبمضمونه أيضا روايات إلا انها مختصة ببعض الاشياء وبما يصلح للمرئة إلا ان يفهم منها التعميم من الجهتين بالحمل على التمثيل والمفهوم فراجع إليها.
ثالثها انه للمرئة وأفتى بها الشيخرحمهالله في المبسوط وتبعه جماعة ومستنده صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج وخبر آخر قال عبدالرحمن بن الحجاج سئلني أبوعبدالله كيف قضاء ابن أبي ليلى قلت قد قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه في التي يتوفى عنها زوجها فيجئ أهلها وأهله في متاع البيت فقضى فيها بقول ابراهيم النخعي ما كان من متاع الرجل فللرجال وما كان من متاع النساء فللمرئة وما كان من متاع يكون للرجل والمرئة قسمت بينهما نصفين ثم ترك هذا القول فقال المرئة بمنزلة الضيف في منزل الرجل لو ان رجلا أضاف رجلا فادعى متاع بيته كلف البينة وكذلك المرئة تكلف البينة وإلا فالمتاع للرجل ورجع إلى قول آخر فقال القضاء ان المتاع للمرئة إلا أن يقيم الرجل البينة على ما أحدث في بيته ثم ترك هذا القول ورجع إلى قول إبراهيم الاول فقالعليهالسلام القضاء الاخير وإن كان رجع عنه المتاع متاع المرئة إلا أن يقيم الرجل البينة وقد علم من بين لا بيتها يعني بين جبلي منى لانه قال له ونحن يومئذ بمنى ان المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع الحديث والخبر أيضا قريب منه إلا ان فيه استثناء الميزان هذا ملخص الاقوال وملخص أدلتها.
وقد ذكر الاستاد العلامة انه لا إشكال ان مقتضى الاصل الاولي هو الحكم بخروج يد المرئة عن المتاع لو كان الدار للرجل وكذا بالعكس لو كان الامر بالعكس لان اليد على الدار في نفسها تقتضي اليد على متاعها نعم لا إشكال في كون منهما ذا اليد بالنسبة إلى ما في يده حقيقة كلباسه وهو خارج عن اطلاق المتاع ففيه يحكم بمقتضى القاعدة ويدل على ما ذكرنا ما في بعض الروايات من استولى على شئ فهو له وإن تمت الاخبار الواردة في حكم المتاع من غير فرق فيما ذكرنا من مقتضى الاصل بين ما يصلح للرجل وما يصلح للمرئة وما يصلح لهما وبين جريان العادة على حمل المتاع من بيت الرجل وبالعكس إلا انه في بعض الصور يكون مقتضى العادة الظنية والظهور على خلاف ما ذكرنا وهما لا يقتضيان الخروج عن مقتضى الاصل الاولي ما لم يقم الدليل على اعتبارهما لانك قد عرفت ان المناط في صدق المدعي والمنكر هو الظهور المعتبر لا مطلق الظهور سيما وإن المقام من الموضوعات فكيف يقال باعتبار مطلق الظهور فيه نعم ما جرى عليه الاولون يكون على طبق الاصل لو كانت الدار بينهما هذا بالنظر إلى مقتضى الاصل الاولي إلا ان مقتضى صحيحة عبدالرحمن الحجاج الحكم بكون اليد للمرئة ولا يخفى ان مقتضى التعليل المذكور فيها هو كون المناط في الحكم بتحقق اليد هو استقرار العادة بحيث أمكن الحكم بمقتضاها على سبيل الاطمينان والوضوح فلو فرض ان في بلد استقرت العادة على عكس ما في مكة يحكم بمقتضاها فيحكم باليد للرجل ولو لم تستقر عادة من الطرفين يرجع إلى الاصل الذي قررناه ويمكن أن يحمل عليه ما في جملة من الروايات من الحكم باختصاص ما يصلح للرجال بالرجل وما يصلح للنساء بالمرئة فيقال ان الرواية واردة فيما استقرت العادة على ان ما يصلح للرجال فيشتريه الرجل وما يصلح للنساء فتشتريه المرئة وتزف إلى بيت الرجل فتصير الصحيحة بمقتضى ظهور التعليل دليلا على اعتبار مثل الظهور المفروض فيه في جميع المقامات وبالجملة لو قامت حجة قاطعة على الخروج من مقتضى الاصل الاولي فهو وإلا فالمتعين الجري عليه ومما ذكرنا كله يظهر فساد ما ربما تمسك به جماعة للقول الرابع من الاعتياد ووجه الظهور ظاهر.
هذا ملخص ما أفاده دام ظله وقد سبقه إلى ما ذكره في كيفية الاستدلال بالرواية ثاني الشهيدين في المسالك وإن خالفه في تقرير الاصل الاولي وبعض أشياء أخر حيث قال ما هذا لفظه والمعتمد ان نقول انه إن كان هناك قضاء عرفي يرجع إليه ويحكم به بعد اليمين وإلا كان الحكم فيه كما في غيره من الدعاوى إلى أن قال لنا ان عادة الشرع في باب الدعاوى بعد الاعتبار والنظر راجعة إلى ما ذكرناه ولهذا حكم بقول المنكر مع اليمين ناء على الاصل وبأن المتشبث أولى من الخارج لقضاء العادة بملكية ما في يد الانسان غالبا إلى أن قال واعلم ان ما رواه الشيخرحمهالله من الاحاديث يعطي ما فصلناه نحن أولا ويدل عليه حكمهعليهالسلام بان العادة قاضية بأن المرئة تأتي بالجهاز من بيتها فيحكم لها به وإن العادة قاضية بأن ما يصلح للرجال خاصة فإنه من مقتضياته دون مقتضيات المرئة وكذا ما يصلح للمرئة خاصة يكون من مقتضياتها دون مقتضيات الرجل إلى أن قال ولو فرض خلاف هذه العادة في وقت من الاوقات أو صقع من الاصقاع لم يحكم لها ضرورة ان مبناه أولا وآخرا الرجحان الناشى من العادة إلى آخر ما ذكره قده.
أقول لا يخفى ان ما ذكره الاستاد العلامة من مقتضى الاصل الاولي لم يسبقه إليه أحد بل ظاهر كلماتهم خلافه وهو الحق لان من الواضح انه لا يحكم أهل العرف بتسلط المالك منهما للدار بالنسبة إلى ما فيها من المتاع المشترك بينهما في الاستعمال سيما مع ملاحظة استقرار السيرة على حمل المتاع إلى بيت الرجل من المرئة
ولو في الجملة ومن المعلوم ان الحكم بتحقق اليد عرفي لا يتبع مالكية الدار وعدمها فما ذكره الاولون هو مقتضى الاصل الاولي بالنسبة إلى غير ما في يدهما حقيقة كاللباس ونحوه نعم ما ذكره في استفادة المطلب من الروايات في غاية المتانة إلا ان عدم العمل بها سيما مع استثناء الميزان ونحوه في بعضها يوجب الوهن فيها فتأمل.
قوله لو مات الاب المسلم عن ابنين فتصادقا على تقدم اسلام اه أقول لا يخفى عليك ان ما ذكره من باب مجرد المثال ضرورة انه لا فرق في الحكم المذكور بين كون المورث الاب وغيره فحينئذ لا يخلو إما أن يكون اريخ اسلام المختلف في زمان اسلامه مع تاريخ موت المورث كلاهما مجهولين وإما أن يكون تاريخ الموت معلوما وتاريخ الاسلام مجهولا وإما أن يكون الامر بالعكس.
لا إشكال عندنا وعند كل من تعرض للمسألة حسب ما حكي في كون القول في الصورتين الاوليين قول المتفق على اسلامه زمان الموت لانه مقتضى أصالة عدم اسلام الآخر في زمان موت المورث فيثبت تمام الارث للمتفق على اسلامه مع حلفه على نفي علمه ان ادعى عليه العلم بناء على ما هو المشهور من اشتراط دعوى العلم فيما يكون الميزان فيه اليمين على نفي العلم ولا يعارضها في الصورة الاولى أصالة عدم تقدم الموت على الاسلام لانه لا يترتب عليها أثر إلا على القول باعتبار الاصول المثبتة الغير الثابت عندنا لان الذي يترتب عليه الاثر هو كون الموت مؤخرا عن الاسلام وبعده ومن المعلوم ان هذا لا يجوز اثباته بالاصل المذكور على ما عرفت ومثل هذا لا يجري في الاصل الجاري في الطرف المقابل لان مجرد عدم اسلام الابن في زمان موت المورث الذي هو عين المستصحب يكفي في الحكم بعدم استحقاقه للارث لانه عبارة عن استحقاق القريب من قريبه شيئا بموته وانتقال المال منه إليه بواسطة موته بشرط كونه مسلما فالسبب هو الموت عن قريب مسلم فمجرد عدم الاسلام في زمان الموت يكفي في الحكم المذكور من غير احتياج إلى شئ.
ومحصل ما ذكرنا في المقام انا قد ذكرنا في الاصول غير مرة بل في الفقه أيضا بحسب اقتضاء المقام انه كلما تعارض الاصل في حادثين شك في تقدم أحدهما على الآخر مع عدم معلومية تاريخ أحدهما فلا بد من أن يلاحظ ان الاثر الشرعي هل يترتب على عدم كل منهما في زمان وجود الآخر أو على تأخر كل منهما وجودا عن الآخر أو على عدم أحدهما في زمان وجود الآخر ففي الاول لا إشكال في وقوع التعارض وفي الثاني لا إشكال في عدم اعتبارهما بالنسبة إلى هذا الاثر إلا على القول باعتبار الاصول المثبتة فيصير كالاول وفي الثالث يؤخذ بالاصل الذي يترتب الحكم الشرعي على نفس مجريه وهو عدم وجوده في زمان وجود الآخر ولا يعارض بالاصل الذي لم يترتب الحكم الشرعي على مجريه بل على تأخره عن وجود الحادث الآخر ففي هذا المقام لا يحكم بوقوع المعارضة بينهما كما لا يخفى على الفطن هذا ملخص ما يستفاد من كلامهم في المقام.
واستشكل فيه بعض مشايخنا بان ذلك إنما يتم على تقدير كون الاسلام شرطا في الارث لا كون الكفر مانعا حيث قال ولكن قد يشكل الاول بل والثاني بناء على ان أصالة تأخر الحادث لا تفيد تأخر نفس المدعى به عن نفس الآخر المعلوم تاريخه بأن ذلك يقتضي عدم الحكم باسلامه قبل موت الاب وذلك لا يكفي في نفي الارث المقتضى له نفس الولدية والكفر والرق مانعان لا الاسلام والحرية شرطان حتى يكفي فيه عدم تحقق الشرط انتهى كلامه.
وتحقيق القول وتفصيله في المقام على وجه يرفع غواشي الاوهام عن وجه المرام يقتضي التكلم في المقامين أحدهما في توريث المختلف في زمان اسلامه وعدمه ثانيهما في اثبات كون جميع الارث للمتفق
على اسلامه بعد البناء على الحكم بعدم توريث الآخر.
فنقول اما المقام الاول فلا إشكال في ان الحق هو ما عليه المشهور من عدم توريث المختلف في بدو زمان اسلامه فيما لم يكن له بينة بناء على ما عرفت من تحقيقنا المتقدم من عدم التعارض بين الاصلين في الحادثين إذا ترتب على عدم أحدهما في زمان الآخر اثر شرعي من غير عكس.
وأما ما ذكره شيخنا المتقدم ففيه أولا ان ما ذكره إنما يكون صحيحا إذا قلنا بأن الكفر أمر وجودي فإنه حينئذ يمكن أن تردد الامر بين كونه مانعا أو كون الاسلام شرطا وأما إذا قلنا بكونه عدميا حسب ما عليه جماعة ومال إليه الاستاد العلامة في مجلس البحث فلا معنى للترديد المذكور لان المانع لا يكون إلا وجوديا فيستكشف من استلزام العدم للعدم ان الوجود شرط لان هذا هو معنى الشرط ولعمري انه وقع كثير اما هذه المغالطة في كلماتهم في جملة من المسائل كما في مسألة الموت والتذكية وغيرها وأما ذكرهم الكفر في عداد المانع فإنما هو مبني على التسامح كما في كثير من الموانع التي ذكروها فارجع إلى قواعد الشهيد حتى تعلم حقيقة الحال.
وثانيا انه على فرض تسليم كون الكفر أمرا وجوديا نقول ان الحكم الشرعي وهو الارث وعدمه إنما ترتب في الشرع على الاسلام وعدمه لا على الاسلام والكفر لانا نقطع بأن الحكم الشرعي عدم توريث غير المسلم من المسلم وإن فرض عدم تدينه بإحدى الملل الفاسدة.
وثالثا سلمنا ان الكفر مانع لكنه لا يجدي في المقام لان الرجوع إلى أصالة عدم المانع إنما هو فيما لم يكن المانع مسبوقا بالوجود وإلا فيستصحب بقائه فيرتفع الثمرة حينئذ بين كون الاسلام شرطا والكفر مانعا وهذا أمر واضح عند ذوي الافهام المستقيمة.
ثم انه ربما يستفاد من مطاوي كلمات شيخنا المتقدم التمسك في قبال المشهور بعموم ما دل على ارث القريب من القريب خرج منه معلوم الكفر فيبقى الباقي وقد وقع مثل هذا كثيرا في كلماتهم وهو أيضا فاسد لانا حققنا في محله ان التمسك بالعام في المجمل المصداقي لا يجوز إلا إذا كان هناك أصل موضوعي يشخص كونه من المخصص لا من أفراد المخصص كما إذا ورد من المولى أكرم العلماء ثم ورد لا تكرم فساقهم شككنا في فرد غير معلوم الفسق سابقا انه فاسق أو عادل فبأصالة عدم فسقه يحرز كونه غير فاسق وتمام الكلام مذكور في محله فافهم هذا كله بالنسبة إلى الكفر.
وأما الرقية فلا يخلو إما أن نقول بأن الرق غير قابل للتملك أصلا بحيث ان مقتضى التملك فيه ليس بموجود كما عليه المشهور وإما أن نقول بأن عدم تملكه من جهة المانع فعلى الاول يكون كالاول فيجري فيه جميع ما عرفته فيه وأما على الثاني وإن لم يرد عليه جميع ما تقدم في الاول إلا انه يجري فيه أيضا الايراد الثالث كما لا يخفى هكذا ذكره الاستاد العلامة.
ولكن يرد على المشهور في القسم الاول ان ما ذكروه إنما يكون وجيها بناء على ما عرفته منا من عدم جواز الاتكال على الاصول المثبتة وهذا هو الذي دعانا إلى التفصيل بين الاصلين الجاريين في الحادثين بما عرفته وأما بناء على ما عليه الاكثرون من كون اعتبار الاستصحاب من باب الظن وعدم الفرق فيه بين الاصول المثبتة وغيرها فما ذكروه لا يخلو عن إشكال لان أصالة عدم الاسلام في زمان الموت على هذا التقدير لا تسلم عن معارضة أصالة عدم تحقق الموت قبل الاسلام فثبت تحققه بعده وهذا الاشكال مما لا مدفع له عن كلام المشهور.
نعم ذكر الاستاد العلامة في وجه دفعه ان المشهور إنما يلتزمون بالاصول المثبتة فيما كان من اللوازم العقلية للمستصحب أو العادية لا فيما كان من الاتفاقيات والمقارنات وفيه على تقدير صدق النسبة انا نطالبهم بدليل هذا التفصيل بعد فرض كون اعتبار الاستصحاب من باب الظن والطريقية نعم يمكن أن يقال ان بعد تعارض الاصلين وتساقطهما يكون المرجع أصالة عدم تحقق الاستحقاق فتأمل هذا مجمل القول في المقام الاول.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو اثبات تمام الارث للمتفق على اسلامه زمان الموت فالحق فيه أيضا مع المشهور حيث ان الذي يقتضيه التحقيق المحقق في محله كون نفس القرابة مقتضيا لانتقال تمام المال إلى القريب فيقع التزاحم بين الوارثين فيكون التقسيط بينهما من جهة وجود مقتضى التمام في كل منهما فيفضي إلى التبعيض بمقتضى التزاحم بعدم بطلان التخيير فالمانع من انتقال تمام المال إلى كل من الوارثين ليس إلا وجود الوارث الآخر فإذا ثبت عدم وجوده فيرتب حكمه عليه وبعبارة أخرى المقتضى لانتقال تمام الارث إلى الابن مثلا عدم وجود ابن مسلم آخر مثلا معه فإذا ثبت عدم وجوده فلا بد من الحكم بانتقال تمام المال إليه وهذا مما لا إشكال فيه إنشاء الله هذا مجمل القول في الصورتين الاوليين.
وأما الكلام في الصورة الثالثة وهي ما إذا كان زمان الاسلام معلوما وزمان الموت مجهولا فالذي يظهر من المصنف في المتن ومن غيره في غيره ان القول قول من يدعي تأخر زمان الموت اما لاستصحاب بقاء حياة المورث إلى زمان حصول العلم بالموت كما عن جماعة واما من جهة عدم العلم بتحقق المانع من وجود مقتضى حسب ما صرح به بعض مشايخنا بناء على ما عرفت منه وعرفت ما فيه.
ولكن الذي يقتضيه التحقيق تطرق الاشكال إلى ما ذكروه بناء على ما هو المحقق عندنا من عدم الاعتبار بالاصول المثبتة لان استصحاب حياة المورث لا يثبت تأخر زمان موته عن زمان الاسلام وبدونه لا ينفع نعم ما ذكروه بناء على ما بنوا على الامر من عدم الفرق بين الاصول المثبتة وغيرها مما لا ضير فيه.
لا يقال لا حاجة إلى اثبات تأخر الموت عن زمان الاسلام حتى يقال ان اثباته بالاصل لا يجوز لانه بعدما علم من الشرع ان موت أحد القريبين مع اسلام الآخر يوجب انتقال ماله إليه فيحكم بمقتضى استصحاب الحياة التعليقي إلى زمان الاسلام وبعده بانتقال المال إلى الوارث المسلم.
لانا نقول الشرط في الارث هو الموت عن قريب مسلم وهذا العنوان لا يمكن اثباته باستصحاب الحياة لانه غير نفس الحياة إلى زمان الاسلام وبعده فتدبر هذا كله فيما إذا كان الاختلاف في زمان اسلام أحد القريبين المتيقن كفره في برهة من الزمان وأما إذا كان الاختلاف بين المتفق على اسلامه وغيره في اصل الاسلام الغير فمقتضى الاصل وإن كان ما ذكرنا من عدم الحكم بالاسلام وان القول قول المتفق على اسلامه إلا انه إذا كان هناك امارة شرعية على اسلامه فيرفع اليد عن الاصل بها كما إذا كان في دار الاسلام كما انه إذا كان مقتضى الامارة الشرعية الكفر كما إذا كان في دار الكفر لم يحكم بالارث حتى على قول من يذهب إلى الحكم بالارث بمقتضى الاصل. ثم ان هذا الذي ذكرنا كله أيضا فيما إذا كان هناك من يتفق على اسلامه قبل موت المورث وأما إذا اتفقا على عدم اسلامهما في جزء من زمان حياة الاب وادعى كل منهما اسلامه قبل زمان موته واسلام صاحبه بعده فهل يحكم لو لم يكن هناك بينة لاحدهما بالتنصيف بينهما نظرا إلى ثبوت المقتضي للتوريث وعدم ثبوت
المانع حسب ما يظهر من كلام شيخنا المتقدم ذكره أو من جهة ظهور يد كل منهما على الدار في الفرض المذكور في المتن في كونه ملكا له فيأخذ كل منهما نصفه بعد الحلف لصاحبه كما في المسالك أو لا يحكم به لشئ منهما نظرا إلى عدم ثبوت الشرط في زمان الموت لو قلنا بأن الاسلام شرط أو انتفاء المانع ولو بالاصل ولو قلنا بأن الكفر مانع لان المفروض سبق كفر كل منهما فيستصحب وجهان أوجههما الاخير حسب ما يستفاد من كلام الفاضل في كشف اللثام فراجع والوجه فيه يعلم من ملاحظة ما ذكرنا فلاحظ.
قوله دار في يد انسان وادعى آخر اه أقول لا يخفى عليك ان الامر لا يخلو في الصورة عن ان المدعي اما يقيم بينة كاملة على ما ادعاه أو لا فإن أقامت بينة كاملة فلا إشكال بل لا خلاف في انه يدفع إليه نصفه والوجه فيه واضح فالمناقشة في عدم ثبوت النصف له بعد فرض عدم تسلطه على تمام الدار بمكان من السقوط وكذا لو فرض كون المدعي غير الابن أو الحق غير النصف بأن يكون الوارث أزيد من اثنين فيدفع إليه بقدر نصيبه أيضا إن أراده وطالبه وإلا فيحكم له بثبوت الحق في العين على وجه الاشاعة بنسبة حقه فهل ينتزع النصف الآخر عن يد المنكر ويجعل في يد أمين أو يحفظه حاكم الشرع إلى حضور الغايب أو لا ينتزع منه إلا النصف الذي هو حق المدعي وأما النصف الآخر فيبقى في يده إلى زمان حضور الغايب وجهان بل قولان للشيخ في ف والمبسوط وتبعه في كل منهما جماعة ممن تأخر عنه للاول عموم ما دل على كون البينة حجة شرعية والمفروض ان الحاكم ولي الغايب فيؤخذ نصيبه ممن قام البينة عليه ولانه بانكاره سقط عن الامانة ولما في كشف اللثام على ما حكي عنه من ان الدعوى للميت والبينة له ولذا تقضى منها ديونه وللثاني عدم موجب للانتزاع لعدم صلاحية ما ذكر له أما العموم فإن كان المراد منه عموم ما دل على وجوب العمل بالبينة حسب ما هو الظاهر من كلام المستدل ففيه انه على فرض وجوده لا ينفع إلى لترتب الآثار العملية عليها لا الانتزاع من يد المنكر الذي بمعنى الحكم والقضاء بمقتضى البينة وإن كان المراد منه عموم ما دل على وجوب القضاء بالبينة ففيه انه مختص بما إذا كان هناك مدع كما قد مضى تفصيل القول فيه في طي كلماتنا السابقة مضافا إلى كونه من لامور الواضحة وإقامة البينة من أحد الوارثين لا يقتضي إلا جواز القضاء بالنسبة إلى ما يتعلق به ويصح له دعواه و تسمع فيه وأما الثاني فلان خروجه عن الامانة موقوف على حجية البينة بالنسبة إلى حق الغايب أيضا وقد عرفت ما فيها وأما ما ذكره في كشف اللثام فبعدم دلالة له على المدعى إن لم يدل على الخلاف حيث ان مقتضى كون الدعوى للميت والبينة له وإنما يدعيه الوارث من حيث كونه وليه عدم ثبوت شئ من المال بدون حضور جميع الورثة حيث ان الولاية قائمة بهم جميعا سلمنا عدم قيامها بالمجموع من حيث المجموع لكنه لا ينتج إلا ولايته بالنسبة إلى مقدار حقه في مال الميت فتدبر هذا وقد ذكر في المسالك الدليل الاخير للقول الثاني ولم يعلم له وجه أيضا ومما ذكرنا يظهر الكلام في دلالة ما ورد في بعض الروايات من ان الحق للميت والدعوى له وانه لا حق للوارث بالنسبة إلى غير نصيبه.
ثم ان المراد من البينة الكاملة حسب ما صرح به جماعة هي البينة العادلة الخبيرة التي تشهد على عدم وارث للميت غير المدعي ومن يقر به من جهة عدم علمه به.
وبعبارة أخرى هي البينة التي تشهد بانحصار الوارث في المدعي ومن يقر به من جهة عدم علمه به مع كونها من أهل الخبرة فلو شهدت بعدم الوارث عن علم لم تبطل شهادتها بذلك وإن لم يكن دعوى العلم منها صحيحة لا بمعنى كونها محرمة بل بمعنى كونها في غير محلها وجزافا لبعد حصول العلم على العدم ي أمثال
المقام فالقاطع فيه يكون قطاعا لكن لا إشكال(١) في سماع شهادته لانها ليست بأدون من الشهادة المستندة إلى عدم العلم والاصل لكن لا تعارض بينة الاثبات قطعا إلا أن تسند علمها إلى السبب المتعارف كأن تدعي علمها بكون الميت خصيا هذا ويظهر من بعض مشايخنا عدم سماع الشهادة على وجه عدم العلم واشتراط الشهادة على النفي واقعا وسيجئ ما فيه.
ثم انه لا إشكال في اشتراط الخبرة في البينة في المقام كنظايره مثل مسألة التقويم وغيرها لفحوى ما دل على وجوب التبين في خبر الفاسق لان الفسق ربما لا يقتضي الكذب لحصوله بغيره من المعاصي وهذا بخلاف عدم الخبرة في أمثال المقام فإنه يوجب الوقوع في خلاف الواقع كثيرا ما يكون مثل خبر الكذوب في كثرة مخالفة الواقع.
فمما ذكرنا يظهر فساد ما ربما يظهر عن بعض المشايخ من الحكم بعدم اشتراط الخبرة لاغناء اشتراط العدالة عنه حيث قال ودعوى المفروغية من الاجتزاء بشهادة ذي الخبرة بنفي العلم محل منع وإن جزم به في الدروس كدعوى المفروغية من عدم قبول شهادة غير ذي الخبرة بالنفي على وجه القطع بل هو في الحقيقة قدح في الشاهد العدل فالتحقيق حينئذ الاكتفاء بالشهادة بالنفي من العدل مطلقا وعدم الاكتفاء بها إذا كانت بنفي العلم كذلك إلا إذا أريد من عدم العلم النفي فيما يعلم فإنها شهادة بالنفي حينئذ انتهى كلامه.
وأنت خبير بما فيه لان ما ذكره أخيرا يرجع إلى ما تقدم منه غير مرة من الاشكال في صدق الشهادة على الشهادة على نفي العلم وقد عرفت أيضا في طي كلماتنا السابقة وجوه فساده وأما ما ذكره أولا من ان اشتراط الخبرة قدح في الشاهد العدل ففيه ان الاخبار بعدم العلم بالوارث بل وبالنفي واقعا عن علم به وإن كان في غير محله مع عدم الخبرة لا ينافي العدالة أصلا وما ذكرنا من عدم السماع بدون الخبرة إنما هو بالنسبة إلى تكليف الحاكم والقاضي ومن هنا ذكروا في شرايط قبول خبر المخبر الضبط مع اشتراطهم العدالة.
ثم انه يظهر من شيخنا الشهيد في المسالك وقوع الخلاف في معنى البينة الكاملة حيث قال واعلم انه قد اختلف عبارات الاصحاب في معنى البينة الكاملة هيهنا فمقتضى عبارة المصنف والاكثر ان المراد بها ذات الخبرة والمعرفة بأحوال الميت سواء شهدت بأنها لا تعلم وارثا غيرهما أم لا وحينئذ تنقسم إلى ما يثبت بها حق المدعي بأن تشهد بنفي وارث غيره وإلى غيره وهي التي لا تشهد بذلك ويوجد في كلام بعضهم وبه صرح في لدروس ان المراد بالكاملة ذات الخبرة كذلك مع شهادتها بنفي وارث ولو بعدم العلم بغيره فانتفاء الكمال يحصل بانتفاء الخبرة والشهادة بنفي العلم أو أحدهما ولكل وجه لان الكمال أمر اضافي فيصدق بهما وإن كان الاول أبعد حملا للكمال على ما يثبت به الحق وهو لا يثبت انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
وأنت خبير بأنه ليس هنا نزاع معنوي يترتب عليه أثر بل إنما هو نزاع على تقديره في اللحاظ والاعتبار فإن بعضهم لاحظ الكمال بالنسبة إلى شرايط قبول البينة مع قطع النظر عن المدعي وبعضهم لاحظ ان المدعي لما كان هو كونه وارثا وغيره ليس بوارث كما يشهد له ظاهر عنوانهم فالبينة الكاملة من يشهد بالجزئين والناقصة من يشهد بأحدهما فصار الامر بنظر المعتبر هذا كله فيما لو اقام المدعي بينة على ما ادعاه
____________________ ______________
(١) قد يستشكل في سماع الشهادة على نفي الوارث عن علم بناء على عدم شمول أدلة تصديق البينة والقضاء بها البينة التي تستند في شهادتها إلى الاسباب الغير المتعارفة فيحصل لها القطع فيما لا يحصل القطع فيه لمتعارف الناس مع عدم استنادها إلى الاصل المعتبر شرعا بالفرض فمستند شهادتها فاسد فلا يقبل شهادتها فتأمل (منه قده)
وأما لو لم يقم بينة عليه فلا إشكال في ان الاصل مع المدعي لان الاصل عدم كون وارث غيره لكن من الواضح الغير المحتاج إلى البيان لكل أحد ان العمل بهذا الاصل من دون فحص يوجب الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا لاستلزامه ابطال حقوق أكثر المستحقين فلا يجوز العمل به قبل الفحص وإن كان مقتضى القاعدة هو عدم وجوب الفحص في اجراء الاصل في الموضوعات إلا انا ذكرنا في غير مورد انه قد يكون بعض الموضوعات مثل الاحكام الشرعية يلزم من الرجوع إلى الاصل فيه قبل الفحص محذور يلزم من الرجوع إلى الاصل قبل الفحص في الشبهات الحكمية من المخالفة الكثيرة ففي هذا المورد لا يحوز العمل بالاصل قبل الفحص قطعا ويجب العمل به بعد الفحص لاستلزام ترك العمل به مطلقا تعطيل الحقوق أيضا وهو أيضا باطل.
وبالجملة الاشكال في وجوب الفحص والبحث عن الوارث على الحاكم في دفع المال إلى المدعي فاسد جدا وإن كان مع أخذ كفيل منه ضرورة انه قد يتعلق غرض الوارث بنفس أعيان التركة.
وينبغي البينة على أمور الاول انه لا إشكال بل لا خلاف انه لا يجب على القابض للنصف أو غيره اقامة ضمين لما قبض إذا كانت هناك بينة والوجه فيهواضح حيث ان البينة طريق إلى الواقع وكاشفة عنه فيجب العمل بمقتضاها فيدفع المال إلى المدعي من دون أخذ ضمين منه وأما لو لم يكن هناك بينة بل دفعنا المال من جهة الاصل بعد الفحص فظاهرهم عدم جواز الدفع إلا مع أخذ ضمين منه لانه جمع بين مراعات حق الوارث المحتمل والموجود.
نعم ظاهر بعض مشايخنا بل صريحه ان أخذ الضمين إنما هو من جهة الوثوق والاطمينان لعدم ورود الضرر على الوارث المحتمل فلو حصل هذا الاطمينان من دون ضمين كما إذا كان الوارث مليا غير مماطل في اداء حقوق الناس فلا يجب أخذ الضمين منه إذ ليس مبناه على النص والتعبد كما لا يخفى وظاهره في أول كلامه الاستشكال في أصل وجوب الضمين من حيث ان الاصل برائة ذمة الوارث المعلوم بعد ثبوت ما يقتضي دفع حقه إليه وأنت خبير بأنه ليس بوجه.
الثاني انه إذا تمكن المدعي من إقامة البينة على الانحصار فهل يجوز للحاكم العمل بمقتضى الاصل بعد الفحص أو لا يجوز إلا بعد تعذر إقامة البينة وجهان من انها لا مزية لها على الحاكم لانها أيضا تشهد بالانحصار من جهة الاصل فتأمل ومن ان الاصل في ميزان القضاء هو البينة والذي يقتضيه ظاهر كلمات جماعة هو الثاني ولا يبعد أن يكون هو الوجه.
الثالث ان القضاء فيما يعمل الحاكم بالاصل مع الفحص هل هو بالبينة المنضمة إلى الاصل لو كان ثبوت وراثة المدعي بالبينة أو العلم المنضم إليه لو علم بكونه وارثا أو يحتاج إلى انضمام اليمين في الصورتين أو في الصورة الاخيرة وجهان أوجههما بالنظر إلى ما يقتضيه النظر عاجلا الثاني فتدبر حتى لا يختلط عليك الامر.
قوله إذا ماتت امرئة وابنها فقال أخوها اه أقول لا يخفى عليك ان كلامهم في المقام مفروض فيما لم يعلم تاريخ موت أحدهما وإلا فيحكم بتوريث من جهل تاريخ موته من غير فرق بين أن يكون هي الامرأة أو ابنها لان على بقاء حياة كل منهما في زمان موت الآخر يترتب التريث لان الشرط فيه موت أحد القريبين في زمان حياة قريبه فيكون استصحاب حياة كل منهما نظير أصالة عدم الاسلام في ما كان زمان الموت معلوما في المسألة السابقة فلا يرجع إلى الاصل في أحدهما إلى الاصول المثبتة بل يترتب على مجرى كل منهما ثر شرعي هذا ومما ذكرنا كله يظهر ما ذكره بعض مشايخنا من ابتناء الحكم فيما علم تاريخ موت أحدهما على الحكم في المسألة السابقة وقد عرفت الفرق بينهما فافهم. وأما ما يظهر من بعض مشايخنا من تقييد كلامهم بما إذا لم يعلم سبق موت أحدهما فليس له وجه لان مجرد العلم بسبق موت أحدهما مع ان ما ذكره تقييد
لكلامهم بفرد نادر لا يوجب تغاير الحكم مع ما لم يعلم السبق هناك أصلا كما لا يخفى هذا ويمكن حمل كلامه على ما ذكرنا فتدبر وعلى ما ذكرنا يحمل أيضا ما ذكروه في مسألة الغريقين المتوارثين.
نعم يمكن القول في صورة اتفاقهما على سبق موت أحدهما واختلافهما في السباق بالقرعة لانها لكل أمر مشكل لكن القول بالرجوع إليها يحتاج إلى جبرها بعمل جماعة بها على ما هو الشأن في جميع العمومات الموهونة من حيث كثرة الخارج منها وكيف كان إذا لم يكن هناك ما يقضي بكون أحدهما مدعيا والآخر منكرا فإن أقام أحدهما بينة دون الآخر يقضى على دعواه بها فإن كان الاخ فيعطى ما يدعيه من الربع وإن كان الزوج فيعطى ما يدعيه من التمام وإن أقام كل منهما بينة فيقع التعارض بينهما فيعمل في الصورة بما قررناه سابقا في حكم التعارض وإن لم يقم أحدهما بينة فلا يقضى بالنصف المختلف فيه لاحدهما لعدم المقتضي له كما لا يخفى إلى هنا جف قلمه الشريفقدسسره .
وليعلم ان المؤلف لهذا الكتاب المستطاب قده وإن تعرض فيه لمسألة قضاء الاعلم على نحو الاختصار إلا انه قده لما أفرد هذه المسألة بالبحث عنها مفصلا في رسالة ألفها فيها قبيل سنة توفي فيها بأشهر وكانت المناسبة قاضية بنشرها منضمة إلى هذا الكتاب صدر الامر من ناحية حضرة الناشر للكتاب دام ظله بطبعها تلوه تتميما للنعمة ونسئل الله تعالى أن يوفقه دامت أيام بركاته لنشر سائر مؤلفاته النفيسة التي منها كتاب الخلل وكتاب الوقف وكتاب الاجارة وكتاب الرهن وكتاب الصيد والذباحة وكتاب احياء الموات وكتاب الخمس وغير ذلك من الكتب والرسائل التي ألفها في الفقه وجملة ن المباحث المهمة الاصولية والممتثل لهذا الامر المبارك المطاع العبد الفاني علي الاشتيانى عفى عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين مسألة اعلم ان فقهائنا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين اختلفوا في تعين قضاء الاعلم كاختلافهم في تعين تقليده ونحن وإن حررنا المسألة فيما حررناه في كتاب القضاء والشهادات ملخصا إلا ان التماس جمع من حاضري مجلس البحث في المسألة دعانا إلى تحريرها ثانيا مستقلا مفصلا.
فنقول بعون الله تعالى وتوفيقه ودلالة أهل الذكر صلوات الله عليهم أجمعين انه قد يبحث عن حكم المسألة في زمان الحضور وقد يبحث عنه بالنسبة إلى زمان الغيبة والبحث من الحيثية الاولى ليس من حيث التكلم في بيان تكليف الحجة على الخلق صلوات الله عليه حتى يقال بل قيل ان ساحة شأنه وعلو مقامه وعلم مطلقه وولايته المطلقة وعصمته ومكانته تمنعنا من ذلك مع انه لا يتعلق غرض بذلك بل من حيث جعل ما ورد منه في باب النصب خصوصا أو عموما دليلا على حكم المسألة في الزمانين وإن قيل بأن نصب المفضول بالنصب الخاص في زمان الحضور لا يصلح دليلا على الجواز لما ستقف عليه ثم ان المذكور في كلام غير واحد منهم شيخنا الافقه في جواهره كون ملاك مسئلتنا ومسألة تقليد الاعلم واحد أو كونهما من واد واحد قولا ودليلا لكنه ليس على ما ينبغي كما ستقف عليه.
وقبل الخوض في المسألة لا بد من تقديم مقدمة مشتملة على أمور توجب الاحاطة على أطراف المسألة والبصيرة بها والوقوف على مدرك القولين أو الاقوال فيها.
الاول انه لا خلاف ظاهرا في كون القضاء والحكم اللذين يراد بهما الالزام بما يقتضيه تكليف الملزم في مرحلة تكليفه ولو ظاهرا بحسب جعله الاولي من مناصب خليفة الله على خلقه ومن أغصان ولايته المطلقة العامة فلا يجوز التعرض لغيره له إلا بإذنه أو نصبه خصوصا أو عموما ويدل عليه مضافا إلى الاجماع الظاهر والمنقول المعتضد بالشهرة المحققة العظيمة الكتاب والسنة.
أما الاول فيدل عليه منه قوله تبارك وتعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق فإن التفريع في الآية الشريفة له دلالة ظاهرة على ذلك فتدبر ومثله قوله تبارك وتعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله وقوله تعالى وإذا تنازعتم في شئ الآية إلى غير ذلك.
وأما الثاني فيدل عليه منه أخبار كثيرة بالغة حدا الاستفاضة فيها الصحاح وغيرها ونحن نذكر شطرا منها مما له دلالة واضحة على ذلك بإسقاط السند اختصارا منها ما عن أمير المؤمنينعليهالسلام لشريح قد جلست جلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي ومنها ما عن الصادقعليهالسلام اتقوا الحكومة إنما هي للامام والعالم بالقضاء العادل بين المسلمين كنبي أو وصي ومنها مقبولة عمر بن حنظلة الآتية ومنها رواية أبي خديجة الآتية إلى غير ذلك من الاخبار الظاهرة في ذلك وإن كان أصل سوقها لبيان مطلب آخر كالروايتين الاخيرتين.
فبالجملة لا إشكال في كون القضاء من توابع الرياسة العامة الكلية الالهية عندهم بالنظر إلى ما عرفت وهذا بخلاف الافتاء للناس وبيان الحق لهم أو بيان ما يرجح في نظر المفتى لهم لاخذهم به في مقام العمل فإنها ليست من فروع النبوة والرياسة الكلية الالهية بل هي واجبة عليه بجعل أولي إلهي من غير توقف على نصب الولي وإن كان أصل ثبوتها في الشرع ببيانه كثبوت أكثر الاحكام والاصل فيها عدم المشروعية فيما شك فيه من جهة خصوصيات المفتي والمحل وغيرهما كما هو الشأن في القضاء أيضا على ما ستقف عليه فالافتاء نظير الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الراجعين إلى الزام الناس بما يقتضيه تكليفهم عند الخاصة القائلين بعدم كونه من توابع الرياسة العامة وخصائصها فليكن هذا في ذكر منك لينفعك فيما سنورده عليك في مطاوي الكلام في لمسألة نعم ربما يستشكل فيما ذكرنا في حكم القضاء وكونه منصبا إلهيا للولي بحيث لا يجوز التصدي لغيره له إلا بعد الرجوع إليه والاستيذان منه أو نصبه خصوصا أو عموما من وجهين.
أحدهما انه ينافي ما تسالموا عليه في ظاهر كلماتهم من ثبوت قاضي التحكيم في أزمنة الحضور في الحملة كما استظهر من جملة من الاخبار أيضا وإن كان في دلالتها نظر ظاهر وإن التجويز في زماني الحضور والغيبة بعد ورود الدليل على النصف بعنوان العموم مثل مقبولة ونحوها ضرورة ان توقف جواز تصدي القضاء على الاذن أو النصب ينافي ثبوت مشروعية قاضي التحكيم وجواز الرجوع إليه ونفوذ حكمه ولو في الجملة لدلالة مشروعيته على كونه حكما إلهيا.
والقول بأن جواز القضاء للقاضي فيما تراضى الخصمان على الرجوع إليه وفي هذه الصورة الخاصة لا ينافي كون القضاء بحسب الاصل منصبا إلهيا للنبي والوصي بحيث لا يتوقف نفوذه منهما وممن نصباه على التراضي من الخصمين أصلا شطط من الكلام.
ثانيهما ان ما ذكر ينافي ما قضت به كلماتهم ونادى به صريح مقالتهم من كون القضاء واجبا على الكفاية على ما في محكي التحرير وغيره من كتب القوم بل في الرياض نفي الخلاف فيه بيننا ضرورة منافاة وجوبه على الكفاية على جميع من اجتمع فيه شرائط القضاء من الامة لكونه منصبا إلهيا مختصا بالخليفة بل
ربما يقال بأن اتفاق كلمتهم على وجوب القضاء عقلا من حيث توقف حفظ نظام العالم المطلوب لخالقه من باب وجوب اللطف عليه تبارك وتعالى شأنه ينافي كونه منصبا للخليفة فإن الظلم من شيم النفوس البشرية وإن كان مما يستقل العقل بقبحه فلا بد من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم وما قيل من ان كونه واجبا على الكفاية لا ينافي كونه منصبا ومتوقفا على اذن خليفة الله تعالى كما في غسل الميت وتجهيزه حيث انهما مع وجوبهما على الكفاية يتوقفان على اذن ولي الميت ربما ينظر فيه بأن الخطاب في غسل الميت مثلا إنما تعلق أولا بجميع المكلفينغاية ما هناك كون الاستيذان من الولي عند التمكن شرطا لصحة العمل ممن يقوم به وإن استشكل في اعتبار اذن الولي بل منعه بعض الفقهاء مع الالتزام بالوجوب على الكفاية من جهة التنافي بينهما وهذا بخلاف المقام فإن كون القضاء منصبا للخليفة بحسب الجعل الاولي لا يجامع كونه على الكفاية وحمل كلامهم على صورة اذنه لعنوان عام أو نصبهعليهالسلام له بحيث ينطبق على الواجب الكفائي كما ترى كحمله على عدم ارادة الواجب الكفائي بالمعنى المصطلح من اطلاقه في المقام بل ما يشابههه من حيث حصول الغرض منه من السياسة بقيام من به الكفاية ممن نصبه الخليفة ودفع هذا الاشكال كما ترى في غاية الاشكال وأشكل منه دفع الاشكال الاول نعم ثبوته في حكم العقل من حيث السياسة النوعية لا ينافي كونه منصبا للولي الذي كان غاية لخلق العالم كما و ظاهر. الثاني ان لا إشكال بل لا خلاف في ان مقتضى الاصل والقاعدة الاولية على القول بكون القضاء منصبا هو البناء على عدم الثبوت عند الشك في أصله أو بعض خصوصياته وضعا بل تكليفا أيضا بل الامر كذلك على القول بعدمه أيضا بحسب الحكم الوضعي بل التكليفي أيضا لان جواز الزام الناس على ما لا يقتضيه تكليفهم نوع سلطنة عليهم ينفى بدليل نفي السلطنة لاحد على أحد إلا من كان أولى من أنفس الناس بهم.
كما انه لا إشكال بل لا خلاف أيضا في ان مقتضى الاصل الاولي عند الشك في التقليد على أحد الوجهين البناء على عدم جوازه من حيث كونه مقتضى الاصل في كل ما شك في طريقيته واعتباره شرعا بالنظر إلى الادلة الاربعة حسبما فصل حقه في محله لكنه كما ترى لا تعلق له بالاصل في المقام أصلا. الثالث انك قد عرفت في مطاوي ما ذكرنا في المراد من القضاء وللحكم في المقام عدم تعلق له أصلا بمسألة التقليد وبيان الحق للناس والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يجوز التمسك في شئ من مسائل الباب بما ورد من العمومات والاطلاقات في البابين فما في كلام بعض مشايخنا في شرحه على ئع من التمسك بما ورد في البابين في المقام لا يخلو عن المناقشة فإن الالزام بما لا يقتضيه تكليف الناس المراد بالقضاء لا تعلق له بإلزامهم بما يقتضيه تكليفهم الذي يراد من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما انه لا تعلق له بالاخبار عن الحكم الواقعي على وجه الافتاء للناس وبيان الحق لهم على وجه النقل عن المعصوم ضرورة رجوعهما إلى الاخبار عن الحكم الواقعي الذي لا ربط له بالحكم بمعنى الانشاء والالزام بالحق فافهم ولا تغفل.
الرابع انه لا إشكال في ان مقتضى عمومان نصب الحكام من الائمةعليهمالسلام فيما كان هناك عموم أو اطلاقاته فيما كان هناك اطلاق على ما ستقف على شرح القول فيه ثبوت ولاية القضاء للمفضول كثبوتها للفاضل من غير فرق بينهما حتى فيما إذا اختلفا بحسب الرأي في الشبهات الحكمية لان نصب كل منهما يجامع الاختلاف والاتفاق معا من دون تفاوت بينهما حيث ان من باب اعطاء الولاية بل الامر كذلك عند التحقيق والنظر الدقيق على القول بكون القضاء للحكام منصبا إلهيا ابتدائيا لهم من دون توسيط نصب الولي فإن ما ذكرنا من عدم الفرق بين الفاضل والمفضول مترتب على كون القضاء بمعنى الولاية الخاصة على ما قضت به كلماتهم في بيان المراد منه في أول
كتاب القضاء وإن لم يساعده استعمالات المشتقات منه سواء كان بجعل أولي إلهي أو ثانوي خلقي فلا بد لقول بالفرق من اقامة برهان عليه نعم على تقدير عدم عموم أو اطلاق لدليل النصب مع الفراغ عن الثبوت في الجملة يكون القائل بالفرق مستريحا عن كلفة اقامة الدليل لما أسمعناك من مقتضى الاصل الاولي في باب القضاء تكليفا ووضعا.
وهذا بخلاف ما يكون مبناه على الطريقية كالامارات المعتبرة الحكمية والموضوعية والفتوى فإنه لا يمكن شمول دليل اعتباره ولو كان له عموم للمتعارضين المختلفين منه ضرورة ارتفاع مناط الاعتبار عنه عند الاختلاف والتعارض بل الامر كذلك عند التحقيق على القول بالسببية المحضة في الامارات حتى على القول بالتوصيب فضلا عن التخطئة لعدم تصور التزاحم بالنسبة إلى المتعارضين حتى يقال بكون مقتضى القاعدة الحكم بالتخيير بينهما فيما لم يكن أحدهما أهم لا التوقف والتساقط بالنسبة إلى مورد التعارض هذا وإن أردت الوقوف على شرح القول في ذلك ودليله فارجع إلى ما عقلناه على ما أملاه شيخنا العلامة قده في مسألة تعارض الادلة.
فعلى هذا لا فرق بين الفاضل والمفضول في سقوط الاعتبار في باب التقليد عند اختلافهما في المسألة فالقائل بالتخيير بينهما يحتاج إلى الدليل عليه كالقائل بالترجيح من غير فرق بينهما.
نعم لو فرض هناك دليل على الحجية الفعلية ولم يكن له اطلاق ودلالة على التخيير كالاجماع كان المتيقن منه اعتبار رأي الفاضل فيرجع بالنسبة إلى رأي المفضول إلى أصالة عدم الحجية فيكون مقتضى الاصل على التقدير المزبور الترجيح ومن هنا حكموا وحكمنا بأن مقتضى الاصل لزوم تقليد الاعلم والاعدل عند اختلاف المجتهدين في الرأي وعدم ورود عمومات أدلة التقليد أو اطلاقاتها عليه.
وهذا بخلاف المقام فإن عموم دليل نصب على ما أسمعناك عن قريب يمنع من الرجوع إلى الاصل بالنسبة إلى قضاء المفضول ومن هنا حكمنا بمغائرة البابين خلافا لشيخنا المقدم ذكره قده.
إذا عرفت ما ذكرنا لك من المقدمة المشتملة على ما سمعت من الامور فاستمع لما يتلى عليك من الكلام في المسألة فنقول ان الكلام في المسألة قد يقع في الشبهات الموضوعية وقد يقع في الشبهات الحكمية والكلام في الثاني قد يقع فيما اختلف الفاضل والمفضول في حكم المسألة وقد يقع فيما يتفقان فيه والكلام في الصورة الاولى إنما هو فيما إذا لم يختلفا في ميزان القضاء وإلا فيرجع إلى الشبهة الحكمية بالنسبة إلى مورد الاختلاف.
ثم ان محل الكلام ظاهرا إنما هو فيما إذا تمكن من رفع الامر إلى الاعلم وإلا فلا خلاف ظاهرا في جواز الرجوع إلى المفضول وليس المقام من قبيل الرجوع إلى العامي العارف بحكم القضايا عن تقليد حيث انه لا يجوز الرجوع إليه مطلقا حيث ان اعتبار الاجتهاد في المرجع شرطا مطلقا عند المعظم القائلين باعتباره و ليس شرطا اختياريا يسقط بالعجز.
ثم ان ظاهر كلمات غير واحد بل صريح بعض وإن كان عدم الفرق في حكم المسألة بين الصور المذكورة كما يقتضيه ظاهر كلام جماعة في مسألة تقليد الاعلم حيث اطلقوا القول بوجوبه من غير فرق بين اختلافهما في الرأي وبين عدمه.
لكن الذي يقتضيه التحقيق كما عن بعض المحققين وعليه شيخنا العلامة قده في مجلس البحث عن المسألة والتقليد الفرق في الحكم بين صورتي الاتفاق في الرأي والاختلاف فيه في البابين كما ان مقتضاه الفرق
في المقام بين الشبهة الموضوعية والحكمية.
ونحن نورد أولا ما ذكروه وجها للقولين في المقام ثم نعقبه بذكر ما يقتضيه النظر الثاقب ولابد قبل ذكر وجوه القولين من نقل ما ورد في الباب من الاخبار وبيان ما يستفاد منها لعله تزول ببركتها الشبهات الحادثة في هذا المضمار بل في باب التقليد أيضا فنقول ما ورد في الباب مما له تعلق بالمقام ويمكن استفادة حكمه منه اخبار.
منها مقبولة عمر بن حنظلة المعروفة المروية في الاصول المعتبرة قال سئلت أبا عبداللهعليهالسلام عن جلين من أصحابنا تكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك فقالعليهالسلام من تحاكم اليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت فإذا حكم له (وما يحكم له خ) فإنما يأخذه سحتا وإن كان حقه ثابتا لانه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله تعالى أن يكفر به قلت فكيف يصنعان قالعليهالسلام ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضيا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله و هو على حد الشرك بالله قلت فإن كان كلواحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما به وكلاهما اختلفا في حديثكم فقالعليهالسلام الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر قال فقلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه قالعليهالسلام ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمهما ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه الحديث.
ومنها ما عن أبي عبداللهعليهالسلام في رواية أبي خديجة إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى حكام الجور ولكن انظروا إلى رجل يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه.
ومنها منا عن أبي خديجة أيضا قال بعثني أبوعبداللهعليهالسلام إلى أصحابنا فقالعليهالسلام قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو ترادى في شئ من الاخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا ممن قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته قاضيا وإياكم أن يتحاكم (يخاصم خ) بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر.
ومنها ما عن داود بن الحصين في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه اختلاف فرضيا بالعدلين واختلف العدلان بينهما عن قول أيهما يمضي الحكم فقالعليهالسلام ينظر إلى أفقههما أعلمهما بأحديثنا و أورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر.
ومنها ما عن النميري عن أبي عبداللهعليهالسلام قال سئل عن رجل تكون بينه وبين أخ له منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكونان بينهما حكما فاختلفا فيما حكما قالعليهالسلام وكيف يختلفان قلت حكم كل واحد منهما للذي اختاره من الخصمين فقالعليهالسلام ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيقضى حكمه إلى غير ذلك ن الروايات.
ثم انه لا تأمل ولا إشكال في دلالتها على نصب كل من كان من الامامية فقيها عدلا للقضاء بين الناس إلى يوم انقضاء التكليف سواء كان في أزمنة حضورهمعليهمالسلام أو غيبتهم فإن لهم صلوات الله عليهم ذلك وهذا معنى قولهم اعطاء الولاية يشبه اعطاء ولاية الوصاية فلا يرتفع برحلة الامامعليهالسلام كما ان لهمعليهمالسلام الاذن والتوكيل في القضاء لشخص أو أشخاص معينة فينعزلون بموت الامامعليهالسلام كما هو
الشأن في كل ما كان علته حدثا وبقاء الاذن ومن هنا قالوا إذا مات الامامعليهالسلام انعزل القضاة أجمع فمرادهم القضاة المأذونون للقضاء لا المنصوبون.
كما انه لا إشكال في دلالتها على نصب كل من الفاضل والمفضول عند عدم الاختلاف عند التأمل فإنه إنما حكم بالترجيح فيها عند الاختلاف كعدم التأمل والاشكال في دلالتها على الترجيح من حيث الاوصاف في الجملة عند اختلاف الحكام في الرأي.
إنما الكلام والاشكال في جميعها من حيث كون الترجيح المفروض فيها من جهة الحكم بالمعنى المبحوث عنه في المقام أو الحكم بالمعنى المنطبق على الفتوى فتكون دليلا على لزوم تقليد الاعلم.
ونحن نورد الكلام تارة في فقه المقبولة وأخرى في فقه غيرها مما فرض فيه تعدد الحكمين و اختلافهما والحكم بالترجيح بينهما فنقول لا إشكال في ظهور المقبولة صدرا بل صراحتها في بيان الحكم الحكومة بالمعنى المبحوث عنه في المقام فإنه الذي حكم بكون رده في حد الشرك بالله مع فرض المورد المنازعة و الاختلاف في الدين والميراث من جهة الشبهة الحكمية كما يتفق كثيرا فيهما كما لا يخفى على ما يشهد به فرض السائل استناد اختلاف الحكمين إلى اختلاف الحديث المستند لحكمهما.
إلا ان التباني من المتنازعين على الرجوع إليهما إنما هو بعنوان السؤال عن حكم الواقعة ومعرفة - الحكم الشرعي لا المرافعة المعهودة فالمراد من اختلاف الحكمين فيما حكما به هو اختلافهما في بيان حكم المسألة من حيث الرأي فلا ينطبق على الحكم بالمعنى المبحوث عنه في المقام بل ينطبق على التقليد فلا يرد عليها شئ من الاشكالات المعروفة نعم يتوجه عليه مخالفته لظاهر سياق الرواية ولزوم التفكيك في بادى النظر إلا انه لا محيص عنه بعد التأمل وإمعان النظر فيها كما لا يخفى فلا يمكن استفادة حكم المقام منها إلا دعوى عدم القول بالفصل بين القضاء والتقليد ودون اثباتها خرط القتاد ولما جاز للراوي العمل بالروايات كما جاز له التقليد على ما كان تكليف العوام في زمان الحضور بخلاف زماننا وأشباهه من زمن الغيبة وكان الحكم بالتخيير في الرجوع إلى الفقيهين مع التسوية لا يرفع الخصومة بينهما كما هو ظاهر فأرجعهما الامامعليهالسلام إلى الترجيح من حيث مستند الحكمين ومع فقده حكم بالتوقف وإرجاء الواقعة لان الحكم بالتخيير الذي هو حكم تعادل الخبرين كلية ينافي فرض الخصومة والنزاع ضرورة اختيار كلواحد ما يفيده من الخبرين فتبقى معه الخصومة فهذا هو الوجه في الحكم بالارجاء فلا تعارض ما ورد من التخيير فيما تعادل الخبران فيه ولا تنافيه أصلا حتى نحتاج إلى العلاج بينه وبين المقبولة بمثل حملها على صورة التمكن من تحصيل العلم وحمل اخبار التخيير على صورة العجز عنه ونحوه من المحامل المذكورة في كتب القوم.
وحمل المقبولة على صورة العلم باختلاف من له أهلية المرجعية من دون رجوع فعلي فيفيد تعين الرجوع إلى الفاضل من الحكمين من أول الامر عند العلم باختلافهما في الرأي قبل الرجوع للحكم بالمعنى المبحوث عنه في المقام كما ترى كالالتزام بثبوت تقديم حكم الفاضل على حكم المفضول بعد الرجوع الفعلي إليهما واختلافهما في الحكم بالمعنى المبحوث عنه في المقام وإن لم يلتزم بالترجيح عند العلم بالاختلاف من دون رجوع على ما جزم به بعض مشائخنا قده في شرحه حيث قال بعد كلام طويل في إثبات عدم الفرق بين الفاضل والمفضول ي - المقام وفي التقليد وإن الحكم التخيير في الرجوع إليهما في البابين مع العلم بالاختلاف وعدمه متمسكا بعموم أدلة النصب والتقليد ما هذا لفظه نعم لو فرض ان المتخاصمين قد حكموا رجلين فصاعدا في أمرهم فاختلف الحكم الصادر منهم في ذلك رجح بالمرجحات المذكورة ودعوى اقتضاه ذلك الترجيح في أصل المراجعة وفي التقليد
ابتداء مع الخلاف أو مطلقا فممنوعة كل المنع انتهى كلامهرحمهالله وهذا كما ترى يحتمل معنيين أحدهما ما عرفت من ثبوت الترجيح بعد الرجوع إلى شخصين في قضية جزئية وهذا غير الترجيح في كلي الواقعة من أول - الامر وابتداء ثانيهما الالتزام بالترجيح في قاضي التحكيم فيما إذا حكم الخصمان رجلين فصاعدا فاتفق الاختلاف بينهما هذا المعنى كما ترى أردأ من سابقه لانقطاع التحكيم بعد ورود المقبولة وأشباهها من عمومات النصب كما هو واضح.
وأما الاحتمال الاول فيتوجه عليه ان تعين الترجيح عند الاختلاف في كلي الواقعة أوجب الاخذ بالراجح في شخص الواقعة المختلف فيها لا ان الرجوع الفعلي صار سببا لذلك كما هو ظاهر واضح ويتوجه عليه مضافا إلى ما عرفت ان سوق التقليد مساق الحكم في الرجوع إلى عمومات البابين والحكم بالتخيير بين الفاضل والمفضول قد أسمعناك ما فيه من الفرق بين عمومات البابين وعدم إمكان التمسك بعمومات التقليد واعتبار الفتوى لاثبات التخيير بين الرأيين المختلفين في المسألة من المجتهدين بل لا بد له من التماس دليل من خارج وهذا بخلاف عمومات نصب القضاة فإن مقتضاها على ما عرفت حتى صدر المقبولة نصب كلواحد ممن اجتمع فيه شوائط النصب حتى في صورة الاختلاف في الرأي هذا.
وهنا معنى ثان للمقبولة تنطبق بملاحظته مع مرفوعة زرارة الواردة في باب تعارض الخبرين صدرا وذيلا وهو حمل الحكم فيها على نقل كل منهما الحديث المتضمن لحكم الواقعة التي اختلف فيها الرجلان وإن اعتقد كل من الفقيهين مضمون ما رواه إلا ان الرجوع إليه إنما هو من حيث كونه راويا لا مفتيا ولا حاكما ويرشد إليه الترجيح بالاصدقية فيها فإنه لا معنى له إلا مع هذا المعنى فتكون الاوصاف المذكورة فيها من مرجحات الرواية كالمرفوعة وما قيل كما لا يأبى عنه كلام شيخنا العلامة قده في الرسالة التي أملاها في التقليد من عدم منافات الترجيح بالاصدقية بمعنى شدة الملكة كشدة سائر الملكات لترجيح الفتوى المستندة إلى الروايات في تلك الازمنة ضعيف وإن كان ممكنا لعدم التزامهم به في ظاهر كلماتهم في باب التقليد فراجع و تدبر هذا بعض الكلام في فقه المقبولة.
وأما غيرها مما عرفت من أخبار الباب الظاهرة في التفصيل والترجيح عند اختلاف الحكمين في الرأي فالظاهر انطباقها مع المقبولة من حيث كون النزاع من جهة الجهل بالمسألة والرجوع إلى العدلين من جهة رفع الجهل فالمراد من الحكم الذي اختلف فيه العدلان هو المجعول للقضية المنطبق على الفتوى لا الحكم بمعنى الانشاء والالزام فلا تنطبق على المقام كالمقبولة وحمله على بيان المرجع للقضاء فيما إذا علم اختلاف المجتهدين في الرأي بالفحص قبل الرجوع أو بعده بجعله كاشفا عن تحقق الاختلاف وعدمه لا أن يكون في نفسه جائزا حتى ينافي قواعد القضاء الغير المجامعة لتعدد الحكومة كما ترى فمفاده كالمقبولة لزوم الترجيح بالاوصاف في باب التقليد لا القضاء ودعوى عدم الفصل بين البابين قد عرفت ما فيها.
هذا بعض الكلام فيما ورد من الاخبار وبيان المراد منها وإذ قد عرفت ما يستفاد منها فلنصرف العنان إلى ما عاهدنا من ذكر وجوه أقوال المسألة.
فنقول استدل للقول بتعين قضاء الاعلم بوجوه الاول الاصل حيث ان مقتضاه سيما على القول بكون القضاء منصبا حسبما يقتضيه كلامهم ودل عليه غير واحد من الاخبار على ما أسمعناك عدم جواز قضاء المفضول وعدم فوذه ولا يزاحمه استصحاب جوازه فيما فرض سبق التفاوت بالفضل بالعلم بالتسوية المتمم بعدم الفصل
في غير الفرض لعدم جريان الاستصحاب بعد فقد الموضوع فإن شئت قلت الحكم بالتخيير بين المتساوين مترتب على التساوي ولا أقل من الشك في ترتبه عليه فلا يجري استصحابه مع ارتفاع التساوي لاشتراط العلم ببقاء الموضوع في التمسك باخبار الاستصحاب الثاني قبح التسوية بين الفاضل والمفضول كقبح ترجيح المفضول على الفاضل ومن هنا تمسكوا بهذه القاعدة العقلية في مسألة الخلافة الكبرى على تقدير كون النصب من الخالق الثالث كون رأي الفاضل أقوى نوعا من رأي المفضول الرابع الاجماع المدعى في كلام غير واحد منهم السيد في محكي الذريعة وثاني المحققين في محكي حواشي الشرائع على لزوم تقديم الاعلم في المقام وفي باب التقليد الخامس ما عرفت من الاخبار المتقدمة فإنها تدل على لزوم التقديم في الجملة بلا إشكال فإن لم يكن هناك قول بالفصل استدل بها بانضمامه على تعين الرجوع إليه مطلقا هذا.
واستدل للقول بعدم تعينه والتسوية بينهما بوجوه أيضا الاول عموم ما دل من النصب مما عرفت من الاخبار فإن مقتضاه على ما عرفت جواز الرجوع إلى المفضول مع الاختلاف فضلا عن الاتفاق وبه يرفع اليد عن الاصل في المسألة وإن كان مقتضاه تعين قضاء الاعلم بالتقريب الذي عرفته ولا يخصصه ما دل الترجيح عند الاختلاف لما عرفت من اختصاص الترجيح في الحكم بالمعنى المنطبق على التقليد لا القضاء ولا علم بعدم الفصل بين المسئلتين إن لم ندع العلم بوجود الفصل بينهما وأما تخصيصه بنقل الاجماع في المسألة ممن عرفت ففيه مضافا إلى ابتنائه على حجيته مطلقا مع ما يتطرق إليه من المنع على ما فصلنا القول فيه في محله من الاصول بذهاب جمع إلى القول بخلافه فتدبر.
وأما تخصيصه بحكم العقل فيتوجه عليه مضافا إلى اقتضائه على تقدير تسليمه عدم جواز النصب من الامامعليهالسلام للرعية مطلقا بعدم تماميته في أمثال المقام حتى يوجب التخصيص ورفع اليد عن عمومات النصب وإنما يتم في مسألة الخلافة حيث ان مرجع الفرق بين الفاضل والمفضول في هذه المسألة إلى الفرق بين العالم والجاهل حيث ان الفاضل عالم بجميع ما تحتاج إليه الامة ومحيط به والمفضول جاهل ببعضه فيقبح التسوية بينهما فضلا عن ترجيح المفضول وإليه أشار في قوله تبارك وتعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وهذا بخلاف مسئلتنا هذه فإن مرجع الفرق بينهما إلى شدة الملكة العلمية بالنسبة إلى المسائل وضعفها و هذا كما ترى لا تعلق له بالعلم والجهل هذا.
وأما قوة الظن بالنسبة إلى فتوى الاعلم فيتوجه عليه على تقدير التسليم انه إنما ينفع فيما إذا دار الامر بينها وبين فتوى غيره بحيث يكون الدليل والحجة احديهما كما في مسألة التقليد لا فيما نحن فيه مما قام الدليل فيه على نصب كلواحد من العلماء هذا فإن شئت قلت ان مبنى الترجيح على التعارض بحيث يدور الامر بين كون الدليل والحجة الفعلية أحدهما على التعيين أو كلواحد على البدل والتخيير وهذا كما ترى أجنبي عما نحن فيه كما هو ظاهر ومما ذكرنا كله تعرف فساد وجوه القول بتعين قضاء الاعلم مطلقا.
الثاني لزوم الحرج الشديد من تعين قضاء الاعلم وهذا بخلاف تعين تقليده والفرق بينهما لا يكاد أن يخفى على الاوائل فلو فرض هناك ما يقتضي بظاهره تعين قضاء الاعلم فلا بد من رفع اليد عنه بهذا الوجه نعم على القول بكون المنفي بدليل نفي الحرج الحرج الشخصي لا الغالبي الاكثري النوعي لم يتم هذا الوجه باطلاقه ولا يتممه عدم القول بالفصل فتدبر.
الثالث كونه خلاف السيرة المستمرة بين العلماء بل بين أصحاب الائمةعليهمالسلام أيضا فإنه لا يكاد يرتاب
في تصدي المفضول للقضاء مع وجود الفاضل وهذا الوجه ذكره غير واحد ممن أركن إليه تمام الركون سيما بعض مشايخنا في شرحه على الشرايع لكنه كما ترى لا يخلو عن مناقشة لان استمرار سيرة المفضولين المعتقدين بكونهم كذلك فيما علم الاختلاف بينه وبين الفاضل في الشبهة الحكمية مع التمكن من رفع الامر إلى الفاضل من دون حرج أول الدعوى.
الرابع نصب النبيصلىاللهعليهوآله أو الوصيعليهالسلام للمفضول أو اذنه في القضاء مع وجود الفاضل فإنه أمر لا يرتاب فيه ولا ينكره أحد ومنه إذن النبي الاكرمصلىاللهعليهوآله لغير أمير المؤمنينعليهالسلام من الصحابة في القضاء مع كونهعليهالسلام أفضل من جميعهم باتفاق الامة فيدل على التسوية بينهما والاعتذار عنه بأن خلله في زمان الحضور كان ينجبر بنظر الامامعليهالسلام كما اعتذر عنه به غير واحد ربما يتوجه عليه بما في كلام غير واحد منهم شيخنا الافقه في شرحه بأنه إنما يتم مع قربه منهعليهالسلام واطلاعهعليهالسلام على أحكامه لا مع بعده عنه لى وجه لا يعلم شيئا من وقائعه وإن نوقش فيه بأنه أجنبي عن كلام المعتذر حيث ان مراده ليس الانجبار في القضايا الشخصية من حيث صدور الخطأ منه فيكون معتصما بنظر الامامعليهالسلام بل الانجبار الكلي والتأييد منهعليهالسلام للمأذون بحيث يكافوء شدة الملكة للفاضل وهذا لا تعلق له بقربه من الامامعليهالسلام وإطلاعهعليهالسلام على وقائعه ضرورة عدم الفرق بين الحالات في هذا المعنى.
هذا مضافا إلى ان الاعتراض المذكور راجع إلى جهل الامامعليهالسلام بما يصدر عن رعيته إذا لم يكن بمسمع ومحضر منه تعالى شأنه عن ذلك وهو خازن علم الله تبارك وتعالى ومحل مشيته بل الذي فوض أمره إليه صلوات الله وسلامه عليه.
الخامس لزوم العسر من تشخيص الاعلم حيث ان الملكة مقولة بالتشكيك في القوة والضعف بحيث يصعب تمييز مراتبها مع الاختلاف مع تقارب اللاحق نعم فيما كان الاختلاف في المرتبة بينا واضحا يسهل تشخيص الحال هذا وفيه ما لا يخفى فإن تشخيص الفضل وإن كان أصعب عند المنصف من تشخيص أصل الاجتهاد سيما مع تقارب اللاحق إلا انه ليس بحيث يبلغ مرتبة الحرج الشديد الرافع للتكليف على الاطلاق.
هذا بعض الكلام في وجوه اطلاق القولين ومن التأمل فيه يعرف وجه التفصيل بين الشبهات الموضوعية والحكمية والتفصيل في الشبهة الحكمية بين صورتي اختلاف الفاضل والمفضول في الرأي واتفاقهما في الرأي ما عن غير واحد كما ان منه يعرف ما هو الاوجه من الاقوال وهو التسوية بين الفاضل والمفضول مطلقا ووجه من عمومات النصب مما عرفتها وعدم ما يقتضي لصرفها عن العموم فلا حاجة إلى بسط القول في ذلك مع كونه تطويلا لا طائل به.
تذييل مشتمل على فروع الاول انه على القول بتعين قضاء الاعلم هل يجب الفحص عن حال القضاة لتشخيص القاضي لهم أو لا يجب الفحص عنه كما انه على القول بالتفصيل بين صورتي اختلافهما في الرأي واتفاقهما في الرأي هل يعتبر الفحص في تشخيص الاختلاف أو يكفي في الرجوع إلى المفضول عدم العلم بالاختلاف وهذا كما ترى جار في مسألة التقليد أيضا بناء على لزوم تقليد الاعلم. والاصل وإن اقتضى عدم المزية بل عدم الاختلاف أيضا والشبهة موضوعية في المقام وفي مسألة التقليد إلا ان الرجوع إليه يشبه الرجوع إلى الاصل في الشبهة الحكمية من دون فحص من حيث الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا على تقدير الرجوع إليه بدون الفحص للعلم بتفاوت العلماء في الفضل واختلافهم في الرأي كثيرا بل غالبا هذا مع
ما قيل من ان مرجع الفحص في باب التقليد إلى الفحص عن الطريق الشرعي الفعلي للعامي نظير الفحص عن المعارض للاخبار والادلة والمرجح للمتعارضين في حق المجتهد وفي باب القضاء إلى الفحص عن المرجع للحكم ومن نصبه الامامعليهالسلام للقضاء بين الناس فيجب احرازه وإلا فالاصل عدم نفوذ قضاء مشكوك الحال والمسألة غير نقية عن الاشكال من حيث ان الفرع غير مذكور في كلمات جلهم نعم تعرض له بعض مشايخنا في شرحه على سبيل الاجمال حيث قال ما هذا لفظه ثم انه بناء على تقديم الافضل فهل هو في حكم المانع أو الشرط وجهان لا تخفى الثمرة بينهما انتهى كلامه رفع مقامه والغرض من كونه في الحكم المانع عدم لزوم الفحص عنه كما ان الغرض من كونه في حكم الشرط لزوم الفحص عنه وبعد الاحاطة بما ذكرنا تعرف ما يتوجه عليه من المناقشة الثاني انه على القول بتقديم الاعلم في المقام هل يقدم الاعدل والاورع على العادل والورع أم لا وجهان ظاهر غير واحد حيث ذكروها في عنوان تقديم الفاضل والمفضول وصريح بعض التقديم وظاهر آخرين حيث اقتصروا على تقديم الاعلم عدمه والاقوى هو الاول بناء على الاستناد في تقديم الاعلم إلى الاخبار المتقدمة بعد حمل العطف على كفاية كلواحدة من الفضائل للترجيح كما عليه الفتوى ويشهد له قول السائل الذي قرره الامامعليهالسلام قلت جعلت فداك كلاهما عدلان مرضيان لا يفضل أحدهما على صاحبه فقد علم كون مدار الترجيح على مطلق الفضيلة بل إلى غيرها أيضا في الجملة كما هو ظاهر ومنه يعلم انه لا مناص عن الترجيح بالفضيلة المذكورة في باب التقليد بناء على حمل الاخبار المتقدمة على ما ينطبق عليه حسبما اخترناه.
الثالث انه على تقدير الترجيح بكل من الافقهية والاعدلية فهل تقدم الاولى عند التعارض أم لا صريح من تعرض للفرع في المقام وفي مسألة التقليد هو التقديم ولا يستفاد من أخبار الباب بناء على حملها على الحكومة بل على التقليد أيضا بل على الترجيح من حيث تعارض الاخبار أيضا حكم تعارض الفضائل وفي كلام بعض الاصحاب التعليل له بما لا يخلو عن مناقشة نعم يمكن التمسك له بعد منع التمسك باطلاق الاخبار لصورة تعارض الصفات بالاصل المحكم المرجع في المقام بل في التقليد وتعارض الاخبار أيضا بعد فرض كون الافقه متيقن الاعتبار والمرجعية الرابع انه لا إشكال في كون المراد بالاعلم في الابواب الثلاثة هو الاعلم بالفقه يعني أشد ملكة بالنسبة إليه وإن كان لتكميل المقدمات سيما علم الاصول ولمزاولة الفقه مدخل فيه ومن هنا وقع التعبير بالافقه في المقبولة والافقه بدين الله في رواية النميري وينطبق عليه الاعلم بالحديث في رواية داود بن الحصين فإن الافقهية في ذلك الزمان إنما كانت تحصل بالاعلمية بأحاديث الائمةعليهمالسلام فلا تنافي بين الاخبار.
الخامس انه لا إشكال في ثبوت سائر الولايات العامة الحسبية المختصة بالمجتهدين للمفضول كثبوتها للفاضل على القول باختصاص ولاية القضاء به بل الظاهر انه مما لا خلاف فيه لعموم ما دل عليه من الاخبار سيما التوقيع الشريف الدال على كونهم حجة من الحجة أرواحنا له الفداء على الخلق وانهم المرجع للحوادث الواقعة وانتفاء ما يقتضي تخصيصه بطائفة منهم وهو أمر ظاهر.
السادس انه على القول بتعين قضاء الفاضل هل له اذن المفضول وتوكيله أو نصبه للقضاء كما ان للامامعليهالسلام كلا من التوكيل والنصب في زمان حضوره أو ليس له ذلك وجهان أوجههما الثاني لان القضاء وإن كان قابلا للتوكيل والنصب في الجملة على ما عرفت إلا انه لما كان على خلاف الاصل والقواعد فيقتصر في حق الامامعليهالسلام وليس هنا دليل خاص يقتضي الجواز كما انه ليس هنا عموم منزلة يقضى بثبوت مالهعليهالسلام
للفقيه إلا ما خرج ونظيره الوصي فإنه ليس له إيصاء الغير إلا بتصريح الميت وكذا الوكيل من شخص في عمل ليس له توكيل الغير فيه إلا بتصريح الموكل فنصب الامامعليهالسلام الافضل في زمان الغيبة لا يقتضي اذنه في نصب غيره.
ومما ذكرنا كله يظهر الكلام في مسألة اخرى وهي انه هل يجوز للفقيه الجامع لشرائط الحكومة والفتوى المنصوب من الامامعليهالسلام في زمان الغيبة نصب العامي العارف بمسائل القضاء من رأيه للحكومة بين الناس أو توكيله في ذلك بعد البناء على عدم جوازها له ابتداء واشتراط الملكة في القاضي كما هو المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا وإن مال بعض مشائخنا في شرحه إلى الجواز بل قال به كما يظهر لمن راجع الكتاب المسطور أو لا يجوز له ذلك وجهان ظاهر الاصحاب الاول والمحكى عن المحقق القمي قده في أجوبة مسائله الميل إلى الثاني وهو صريح بعض مشائخنا في شرحه بالنسبة إلى التوكيل إن لم يكن إجماع على خلافه لعموم دليل الوكالة وجه الاول ظاهر بعد فرض اعتبار ملكة الاجتهاد في القاضي كما هو المفروض وإلا كان العامي العارف بالمسائل عن تقليد في عرض العالم عن ملكة كالفاضل والمفضول على القول بعدم الفرق بينهما فلا معنى لنصب العامي بل على القول باعتبار المعرفة النظرية لا مورد لنصب الامامعليهالسلام العامي فضلا عن نصب المجتهد مع انه على تقدير جواز النصب لهعليهالسلام يمكن منعه بالنسبة إلى المجتهد من جهة منع عموم المنزلة ما أسمعناك بالنسبة إلى جواز نصب المفضول للفاضل على القول بالترجيح بينهما هذا بالنسبة إلى النصب.
وأما التوكيل فلا مجال له بعد اعتبار الاجتهاد في القاضي كما هو المفروض لان دليل الوكالة لا يكون مشرعا هذا وإن شئت قلت أولا انه ليس في باب الوكالة ما يقتضي بعمومه كون كل فعل قابلا للنيابة والوكالة وان الوكالة تجري في كل فعل إلا ما خرج على ما يدعيه بعض مشائخنا في شرحه خلافا لما أثبتنا وأوضحناه في كتاب الوكالة وثانيا انه على تقدير ثبوت العموم فإنما هو بالنسبة إلى ما لم يقم دليل على اختصاص صدوره بطائفه خاصة فإذا دل الدليل على حصر (قصر خ) نصب الامامعليهالسلام لمن كان ناظرا في الحلال والحرام وعارفا بجميع الاحكام بمعنى كونه واجدا لملكة معرفة الجميع كما هو المفروض فكيف يجوز له توكيل العامي في القضاء والحكم بين الناس.
ثم ان محل الكلام في المسألة في قضاء العامي بأحد الوجهين وأما توكيله في مقدمات القضاء كاستماع الشهود والحلف مع كون الحكم بفعل المجتهد فقد صرح ثاني الشهيدين في المسالك بجوازه وهو الظاهر من غيره لكنه لا يخلو عن إشكال إن لم يكن إجماع عليه لعدم دليل عليه على ما أسمعناك عن قريب و الاصل في المعاملة الفساد باتفاق منهم والله الهادي وهو المصلح لمفاسد أمور عباده.
هذا آخر ما أردنا إيراده في هذه الاوراق مع اختلاف البال وتشتت الفكر والخيال والبهت الحاصل للنفس في شهر الصيام والحمد لله أولا وآخرا وله الشكر دائما سرمدا والصلاة على نبيه وآله الطيبين الطاهرين أبدا أبدية السموات والارض وقد وقع الفراغ منه في ليلة الثامن من شهر الصيام في البلد المشحون بالهموم والاحزان من سنة الثامن عشر بعد الالف وثلثمائة من الهجرة النبوية.
الفهرس
قضاء الاشتياني الحاج ميرزا محمد الاشتياني ١
قضاء الاشتياني (كتاب القضاء) ٣
الفهرس ٤٨٦