« هذا الكتاب هو في الأصل رسالة جامعية تقدّم بها صاحبها لنيل درجة الماجستير في الأدب العربي من كلية اللغات بجامعة اصفهان. وقد نوقشت صباح يوم الأربعاء ٢٤ / ٥ / ١٤١٩ ه الموافق ١٦ / ٨ / ١٩٩٨ م. وقد نال بها صاحبها وبفضل من الله وتوفيقه درجة الماجستير بمرتبة امتياز مع تقدير لجنة المناقشة والحكم ».
كلمة المكتبة الأدبيّة المختصّة
الحمد لله رب العالمين والصلاة على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.
لمدرسة النجف الأشرف في الأدب - شأنَ كل تكوينها العلمي الحضاري العتيد - حضورٌ طاغٍ يمتدُّ إلى أجيال متلاحقة ساهمت في إشادة البُنية الفارهة للكلمة الكلمة التي اعتبرت ذاتَها امتداداً لإعجاز أمير اللغة والبيان وإمام الفصاحة الفذّة علي بن ابي طالبعليهالسلام نشأ الأديبُ النجفيُّ في ظلّ وادي السلام المسكون بالعبقريّة حتى يتملّكَهُ هذا الجنوح الغريب إلى فتق المفردات ومعالجة الأفكار ربّما للمغناطيسيّة الهائلة التي أودعَها عليعليهالسلام واهبة إبداعاً ورؤيا يجذبان إليهما كلَّ رفيفِ شعورٍ ونديِّ قول..
وهكذا فالنجفيُّ مسكونٌ - أبداً - بالشعريّة في الشعر والنثر كليهما على مرّ الف عام او يزيدون ، لا سيّما في قرنها الحاضر الأخير.
ولا اراني مبالغاً لو قلت انّ مدرسة النجف أفرزت ركاماً هائلاً من النتاج الأدبي يتعدّى حتى نتاجها العلمي الشاخص في جهود علمائها الأفذاذ ، بل لصحَّ لو قرّرنا ان أيّة حاضرة علمية في التاريخ لم تتلبَّسْها هذه الروح الفريدة كالغريّين.
وما برحت أصداء النديّ الخالد تتردّد في شرق العالم وغربه وما برحت أشباح السمار تهوّم في الزمان والمكان تنأى لتقترب وتغيب لتشرق مطلعَ كلِّ مصطبَح وأوانَ كلِّ مغتبق رغم الصمت والحزن والكبرياء الجريحة في يومها المرير هذا
فلا غروَ - اذن - والحالُ هذه ان يمتدّ الجذرُ الكبير حتى دوحة عبد المنعم الفرطوسي الوارفة التي طالما تفيَّأَ ظلالَها كاتبُ هذه السطورِ المكلومةِ وغيرُه الكثيرون - من قبلُ ومن بعدُ - لتحضر النجف بكلّ خُيَلائها وزبرجها في اللفظ والمعنى
ولقد كان الشيخُ الفرطوسيُّ - فيما يمثِّلُ من صفاتِهِ الجمّة - واعيةَ الكلمة العلويّة
المقدّسة بشقشقتِهِ التي هدَرَتْ فما قرّتْ حتى نصف قرنٍ من العطاءِ والجهاد والاستبسال بين يَدَي أهدافها الكبيرة في نصرة الحقّ والانتصاف للهدى والامتياح من النبع السرمدي
وهو - ازاء ذلك - يشكّل ظاهرةً شعريّة امتلكت زمام الفرادة في ثرائها وعنفوانها حق لها - لو كان ثمّةَ نُعمى للحق - ان تُرصد ويُكتب عنها : بحثاً وتمحيصاً وتوثيقاً ، لكنّها بعد ان ادّت ما عليها من ضريبة القول والموقف لم يشأ لها زمنها الذي عاشه شاعرُها إلاّ غمطاً وظلماً على انَّ الفرطوسي كان وسيبقى حاضراً بكلّ جلالِه وحِدائه المميَّزَيْن في الذاكرة حتى عند من لم يحضرْه أو يعاصرْه وكان من اولئك الذين شهدوه بعد زمنه - بقليلٍ - فاكتَنَفَتْه روحُ الفرطوسي وإبداعُه : أحَدُ أبناء حاضرة النجف الباحث الجامعي الدؤوب الاستاذ حيدر محلاّتي ( الخفّاف ) من خلال دراسة جادّةٍ موفّقةٍ رغم ندرة المصادر والاحالات عن موضوع البحث ، شاءَ لها صبرُ صاحبها ومراسُه الفتيُّ ان تتوافر على صفات النجاح والتوفيق بما يفتح الباب مشرَعاً على ارتياد عوالم الفرطوسي الرحبة وكان خرج منها بحصيلةٍ وافرة قرّبت الصورة إلى مدياتها الحقيقية عن العالم الشاعر الفرطوسي الموهوب ، والمكتبة الادبية المختصّة إذ تبادر إلى نشر مثل هذه الدراسة الرائدة تجد نفسها معنيّةً بخدمة رموز الأدب الولائي المبارك الذين مثَّل الفقيد الكبير - موضوع هذه الدراسة - واحداً من رموزه الشاخصين ، كما تهيب بالأخوة الاُدباء والباحثين ان يرفدوا بعطائهم ونتاجهم مسيرة هذه الكلمة الأدبيّة الطيّبة حتى تؤتي اُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربها عسى أن نكون نحن جميعاً من ذوي الزاد في مسيرة العروج إلى طهر أهل البيتعليهمالسلام الدين وأتباعهم الخالدين.
مدير المكتبة الأدبية المختصة فرات الأسدي غرّة ربيع الثاني / ١٤٢٠ ه |
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
وبعد :
فلم تزل مدرسة النجف في جميع أدوارها التاريخية حافلة بمشاهير الشعراء وأكابر الأدباء والعلماء ممّن أسهموا مساهمة فعّالة في إحياء التراث العربي ، وصيانته من اللغات الدخيلة.
ولهذه المدرسة سجل حافل بأسماء تلاميذها الأذكياء والنوابغ ممن أثروا المكتبة العربية بروائع نتاجهم ، وأمدوا الثقافة والمعرفة بجلائل آثارهم وعظيم أفكارهم وآرائهم.
ومن هؤلاء الشاعر الكبير الشيخ عبد المنعم الفرطوسي الذي لم تعرف النجف على مرّ عصورها مثيلاً له من حيث غزارة الشعر ووفرة النتاج الأدبي. فقد بلغت أبياته الشعرية التي نظمها طوال مسيرته الأدبية خمسين ألف بيت ، الحدّ الذي لم ينازعه فيه شاعر لا من قديم ولا من حديث.
والغريب أنَّ شاعراً كالفرطوسي وبهذا الكم الهائل من الإبداع الأدبي لم يعن باهتمام النقاد والمعنيين بشؤون الأدب ، الأمر الذي دفعني إلى دراسة حياته ،
والتعمق في شعره على الرغم من ضآلة المصادر وقلة المراجع المعنية بهذا الموضوع.
وقد ضمت الدراسة ثلاثة أبواب ، تناول الباب الأول بيئة الشاعر أي مدينة النجف ، ومالها من معالم تاريخية ودينية ، بالاضافة إلى واقعها الاجتماعي والسياسي والثقافي. وقد كان ضرورياً بحث هذه الجوانب من بيئة الشاعر باعتبار انّ هذه البيئة لم تعد تشكل هاجساً عاطفياً لدى الشاعر لكونها مهد طفولته وموطن نشأته فحسب ، بل ولأنها أصبحت تجسد في فكره مفهوماً حضارياً راقياً وواقعاً تاريخياً هاماً كما سيتضح من خلال البحث.
أمّا الباب الثاني فقد سلط الضوء على جوانب مختلفة مما يتصل بحياة الشاعر الخاصة من قبيل مولده ونشأته ، اُسرته وقبيلته ، سيرته وخلقه ، آثاره ومؤلفاته ، وأعماله ونشاطاته في الميادين السياسية والإجتماعية والثقافيّة.
وفي الباب الثالث تركز الحديث على شعر الشاعر فضم أربعة فصول :
الفصل الأول : في بدايات الفرطوسي الشعرية ، والعوامل التي أثّرت في شعره ، بالإضافة إلى المراحل والأدوار التي مرّ بها الشاعر طيلة عمله الأدبي.
الفصل الثاني : حول الموضوعات الشعرية الرئيسية عند الشاعر ، وهي : السياسة ، والاجتماع ، والعقيدة.
الفصل الثالث : في الأغراض الشعرية المتمثلة بشعر المديح ، والرثاء ، والوصف ، والغزل ، وشعر التأريخ.
الفصل الرابع : تناول بالتفصيل ملحمة الشاعر الموسومة بملحمة أهل البيتعليهمالسلام . وفيه حديث مفصل ومطول عن أوليات الملحمة وتاريخها ، وكذلك ميزات ملحمة الشاعر ، وما يتعلق بها من أحاديث وموضوعات.
وقد اعتمدت في اعداد البحث على عدة مصادر تفاوتت من حيث الأهمية والموضوع. من أهمها : كتاب « ماضي النجف وحاضرها » للشيخ جعفر آل محبوبة ، وكتاب « شعراء الغري » لعلي الخاقاني ، وكتاب « حركة الشعر في النجف الأشرف وأطواره خلال القرن الرابع عشر الهجري » للدكتور عبد الصاحب الموسوي. واضافة إلى هذه الكتب وكتب اخرى فقد بقي ديوان الشاعر وملحمته الشعرية أهم مرجعين اعتمدتهما طوال البحث.
أمّا منهجية العمل فقد حرصت في بادئ الأمر على أن يخرج البحث بموضوعية تامة ونزاهة كاملة بعيداً عن الأحكام التعسفية والنقد اللاذع الذي من شأنه أن يُدخل البحث في متاهات لا تتماشى وروح البحث وصميم الدراسة.
وجلّ عملي في البحث قائم على تحليل النصوص الشعرية ودراستها من الناحية الموضوعية في استقصاء يهدف في الوهلة الأولى الى تعيين مواطن اهتمام الشاعر ، ثم تقييم نتاجه الأدبي تقييماً علمياً يبرز مدى قابليته وتفوقه في عالم الشعر والقريض.
ختاماً أتقدم بوافر شكري وجزيل امتناني لاُستاذي المشرف الدكتور عبدالغني ايرواني زاده على ما بذله من جهد وما اسدى من نصح خلال إعداد الرسالة. كما واشيد بالجهود والملاحظات القيمة التي أبداها الاُستاذ المساعد الدكتور نصرالله شاملي عند اطلاعه على مسودات الرسالة.
أسأل الله أن يجعل عملي هذا مما ينتفع به ، انّه وحده ولي التوفيق. والحمد لله ربّ العالمين.
حيدر محلاتي
البَابُ الأَوَّلُ
البيئة
النَّجَفُ في اللغة : « مكان مستطيل منقادٌ ولا يعلوه الماء ، والجمع نجاف. ويقال هي بطون من الأرض في أسافلها سُهولة تنقاد إلى الأرض ، لها أودية تنصبُّ إلى لينٍ من الأَرض »(١) .
وقال ياقوت الحموي : « النجف بالتحريك هو بظهر الكوفة كالمُسنّاة تمنع مسيل الماء أن يعلوَ الكوفة ومقابرها وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد ذكرته الشعراء في أشعارها فأكثرت »(٢)
وللنجف جذور تاريخية عريقة يوم كانت جزءاً من حاضرة الحيرة التي تربع على عرشها المناذرة ، وبنوا فيها منازلهم وقصورهم لما كانت تتمتع هذه البقعة بطيب المناخ ، وحسن التربة ، واعتدال الهواء. وقديماً قال فيها الشاعر(٣) :
لم يَنْزل الناسُ في سَهْلٍ ولا جَبل |
أصفى هواءً ولا أعذى من النجفِ(٤) |
__________________
١ - ابن فارس : معجم مقاييس اللغة ، ج ٥ ، ص ٣٩٥.
٢ - معجم البلدان ، ج ٥ ، ص ٣١٣.
٣ - هو اسحاق بن إبراهيم الموصلي ، توفي سنة ٢٣٥ ه.
٤ - أبو الفرج الأصفهاني : الأغاني ، ج ٥ ، ص ٣٦٧.
وقد ورد لبقعة النجف عدة أسماء ، منها :
الغري أو الغريان : وهو من الأسماء المتداولة الشائعة لبقعة النجف. وقد ورد كثيراً في معاجم الحديث وقواميس اللغة وكتب التاريخ والأدب. والغري أو الغريان : « تثنية الغري ، وهو المطلي. الغراء ممدود : وهو الغراء الذي يُطلى به والغري نُصُب(١) كان يذبح عليها العتائر(٢) والغريان : طِربالان وهما بناءان كالصومعتين بظاهر الكوفة قرب قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه »(٣) .
وادي السلام : من أسماء النجف المشهورة ، وقد ورد في بعض الأحاديث الدينية وعن لسان بعض الأئمة : وهذا الأسم يطلق اليوم على مقبرة النجف الشهيرة التي تضمّ بين ثناياها أجساداً من الأقاصي الإسلامية أمّت النجف لتنال جوار أمير المؤمنين عليعليهالسلام . وفي هذه البقعة المقدسة يقول الفرطوسي من
__________________
١ - النُّصُب : صنمٌ أو حجر ، كانت الجاهلية تنصبه ، وتذبح عنده فيحمرُّ للدم. ( لسان العرب ، ج ١٤ ، ص ١٥٦ ).
٢ - العتائر : جمع العتيرة ، وهي الذبيحة التي كانت تُذْبَح للأصنام ويُصب دَمُها على رأسها. ( لسان العرب ، ج ٩ ، ص ٣٣ ).
٣ - ياقوت الحموي : معجم البلدان ، ج ٤ ، ص ٢٢٢ ، ويستطرد ياقوت في سرد قصة الغريين فيقول : « وأن الغريين بظاهر الكوفة ، بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء ، وكان السبب في ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد ، يقال لأحدهما خالد بن نضلة ، والآخر عمرو بن مسعود ، فثملا فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتان في ظهر الكوفة ، ودفنهما حيين. فلما أصبح استدعاهما فأخبر بالذي أمضاه فيهما فغمه ذلك ، وقصد حفرتهما وأمر ببناء طربالين عليهما ، وهما صومعتان. فقال المنذر : ما أنا بملك إن خالف الناس أمري. لا يمر أحد من وفود العرب الاّ بينهما وجعل لهما في السنة يوم بؤس ، ويوم نعيم. يذبح في يوم بؤسه كل من يلقاه ، ويغري بدمه الطربالين فإن رفعت له الوحش طلبتها الخيل ، وان رفع طائر أرسل عليه الجوارح ، حتى يذبح ما يعن ويطليان بدمه. ولبث برهة من دهره ، وسمى أحد اليومين يوم البؤس وهو اليوم الذي يقتل فيه ماظهر له من إنسان وغيره ، وسمي الآخر يوم النعيم يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم ».
قصيدة بعنوان « وادي السلام » :
على الذكواتِ البيضِ من جانبِ الوادي |
قِفا ساعةً واستنطِقا الأثرَ البادي |
إلى أن يقول :
ويا تربةً وادي السلامِ قرارها |
ومن حبّها في كل قلبٍ هوىً بادي |
|
سقاكِ الحيا من تربةٍ قد ترعرعت |
على حُبِّها نفسى بساعةِ ميلادي |
|
علقتُ بها طولَ الحياةِ وإنني |
سأبعث مَقروناً بها يوم ميعادي(١) |
واكتسبت النجف أهمية وقداسة منذ أن احتضنت بين دفتيها جثمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام . فأصبحت ومنذ ذلك الحين مزاراً يُؤَمُّ من كل حدب وصوب ، وتربة يستشفى بها على حدّ قول الشاعر(٢) :
يا صاحب القبة البيضاء في النجف |
من زار قبرك واستشفى لديك شفي |
|
زوروا أبا الحسن الهادي لعلكم |
تحظون بالأجر والإقبال والزلف |
|
زوروا لمن تسمع النجوى لديه فمن |
يزره بالقبر ملهوفاً لديه كفي |
|
إذا وصلت فأحرم قبل تدخله |
ملبياً واسع سعياً حوله وطف |
|
حتى اذا طفت سبعاً حول قبته |
تأمل الباب تلقى وجهه فقف(٣) |
هذا ما كانت عليه النجف قديماً. أمّا اليوم فهي مدينة واسعة تقع في سهل رملي على حافة الهضبة الغربية من العراق ، التي عند نهايتها تقوم الحدود السعودية. يحدها من الشمال والشمال الشرقي مدينة كربلاء ، ومن الجنوب والغرب منخفض بحر النجف ، ومن الشرق مدينة الكوفة(٤) .
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٩٩.
٢ - هو الحسين بن الحجاج البغدادي ، توفي سنة ٣٩١ ه.
٣ - محمد باقر الخوانساري : روضات الجنات ، ج ٣ ، ص ١٦٢.
٤ - جعفر الدجيلي : موسوعة النجف الأشرف ، ج ١ ، ص ١١٥.
أمّا عن مناخها فيقول جعفر آل محبوبة : « هواء صيفها حار يابس وفي الشتاء بارد قارص وعندما يشتد الحر في الصيف يلتجىَ أهلها إلى سراديب منحوتة في الأرض نحتاً بديعاً »(١) ويقول في موضع آخر : « يهب الهواء الناشف الساكن الهادىَ في فضاء النجف ولم يحمل معه ما تتركه المياه المتعفنة والمستنقعات الوبيئة فتراه نسيماً خالصاً به ينتعش الحزين ويصبو الولهان ويستيقظ المستهام فيثير عواطف الوداد ويهيج هواجس الشوق فتتفجر براكين أرباب الغرام فترمي بقذائف الأفكار فتسبكها في بودقة الخيال فتنصب شعراً »(٢) .
وتعتبر النجف من أهم الحواضر الاسلامية المقدسة بعد مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، والقدس الشريف. وهي اليوم جامعة تربوية دينية ، انتهت اليها مسؤولية تدريس علوم أهل البيتعليهمالسلام واحياء أمرهم ونشر مذهبهم ، اضافة الى ريادتها التاريخية في الحفاظ على التراث الاسلامي وصونه من الضياع والتلف.
ورثت النجف طبيعة قبلية كانت قد استفحلت فيها القيم البدوية والأعراف السائدة في العشائر التي نزحت اليها. فسكان النجف ينتمي بعضهم الى أعراب البوادي الرحالة القادمين من طوائف الحجاز ، وبعضهم ينتمي إلى عشائر العراق القاطنة على ضفتي دجلة والفرات ، بالإضافة إلى بعض العناصر المختلفة كالفارسي ، والهندي ، والتركي الذين تأثروا ببيئتهم الجديدة فأصبحوا جزءاً منها في عاداتها وتقاليدها وسلوكها الاجتماعي.
__________________
١ - ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ٧.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٣٨٨.
وفي مثل هذا المزيج من العادات والتقاليد والثقافات المتباينة كان لابد أن تظهر صراعات ونزاعات بين المحلات المختلفة في المدينة الواحدة. ولعل العامل المحفز في تشديد هذه الصراعات هو روح العصبية القبلية التي ورثتها النجف منذ القدم يوم كانت تقع على حافة الصحراء وقد أصبحت موئلاً لتموين القبائل البدوية التي تتجول في الصحراء بالقرب منها. وكثيراً ما كانت المشاحنات والمنازعات تقع بين أهل النجف وتلك القبائل. وهذا يجعل أهل النجف يشعرون بضرورة وجود عصبية قوية بينهم لتساعدهم على مدافعة القبائل البدوية عند الحاجة(١) .
وفي هذا الصدد يقول علي الخاقاني : « ومعظم أهالي النجف يعيشون الى اليوم بالعقلية القبلية وبطبيعة أهل البادية. والنجف لم تتأثر بالحضارة الحديثة ولم تلتفت الى مقتضيات العصر كما يراد ، وان تجرد الفرد من المسؤولية أدى به الى فقدان مجتمع صالح يتعاون معه للقضاء على الرذيلة ومقاومة فاعلها ، لذا ترى التكتل الاجتماعي قائماً على قدم وساق ، يزيده وينميه ضعف الوازع الديني والخلقي والنظامي ، ولذا تراه ينضوي تحت راية من يدعي القوة »(٢) .
والنجف بصحرائها القاحلة وبداوتها الجافية لم تكن بلدة زراعية بطبيعة الحال ، فجفاف التربة وقلة الأمطار أعدم الزراعة فيها الاّ القليل مما كان يزرع من الخضروات وبعض المحاصيل الزراعية التي لم تكن تسد حاجة المدينة من المواد الغذائية. فلذا عمّ الفقر والجوع بين الناس الى حد كان لا يجد الشخص رغيف الخبز الذي يقتات به ، وقد يقضي اليوم أو اليومين على الطوى دون أن يأكل ما يحفظ رمقه ويقيم أوده. وللشعراء في هذا الشأن خطب جليل. فقد أكثروا من شعر
__________________
١ - علي الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، ص ١٧٩.
٢ - شعراء الغري ، ج ١٢ ، ص ٤٥٥.
الفقر وقصيد الجوع الذي كان يعبر عن بؤسهم وشقائهم وما كانوا يعانون من آلام وأسقام. من ذلك قصيدة « تنويمة الجياع » لمحمد مهدي الجواهري(١) الذي صوّر فيها حالة الجوع التي استشرت في البلاد عامة :
نامي جياع الشعب نامي |
حرستك آلهة الطعام |
|
نامي فإن لم تشبعي |
من يقظة فمن المنام |
|
نامي على زبد الوعود |
يداف في عسل الكلام |
|
نامي تزرك عرائس الأ |
حلام في جنح الظلام |
|
تتنوري قرص الرغـ |
ـيف كدورة البدر التمام |
|
وتَرَيْ زرائبك الفسـ |
ـاح مبلطات بالرخام(٢) |
أمّا الصناعة فهي الاخرى لم تكن بأحسن حالاً من الزراعة. فقد كانت قائمة على بعض الأعمال اليدوية والصناعات الخفيفة الأخرى. وفي هذا الصدد يقول جعفر آل محبوبة : « ليس في النجف إلاّ الصناعات الوطنية التي تتلقاها الأبناء عن الآباء تراثاً وأخصها نسيج العباء وقد اشتهرت النجف بنسج العباء ، وفيها معامل يدوية كثيرة منتشرة في محلات النجف وفيها النجارة والصياغة والدباغة - فيها مدبغة كبيرة خارج البلدة تدبغ الأدم على اختلافها ، ويصرف أكثرها في حاجة السكان لعمل الأحذية ، والقرب ، والدلاء الصغيرة التي تستعمل لمتح الماء من الآبار ، والدلاء الكبيرة التي تستعمل لسقي البساتين. وفيها لطرق النحاس معامل يدوية تصنع الأوعية والمراجل وسائر الأدوات والأواني البيتية - فيها سوق خاص للنحاسين ( الصفارين ) ومنه تجلب الأواني الى أكثر البلدان
__________________
١ - محمد مهدي الجواهري ( ١٩٠٢ - ١٩٩٧ م ) من أشهر شعراء العربية المعاصرين ، وأحد أعلامها المبرزين. له ديوان ضخم يقع في عدة أجزاء.
٢ - ديوان الجواهري ، ج ٤ ، ص ٧٣.
العراقية. تصنع في النجف النواعير الحديدية التي ترفع الماء من الأنهر بطريقة فنية لسقي المزارع ، وهذه تصرف في ضواحي النجف(١) .
وإن كانت النجف قد شهدت تدنياً في الزراعة والصناعة فانها ازدهرت ازدهاراً ملحوظاً في علاقاتها التجارية مع البلاد العربية ، وذلك بسبب موقعها الجغرافي ولتوسطها بين بادية الشام والجزيرة من جهة وبين بغداد والبصرة من جهة اخرى. فقديماً كان التجار القادمون من الشام والحجازيأتون ببضائعهم الى النجف ليجدوا أمامهم بضائع الهند القادمة من البصرة وبضائع البلاد الأخرى القادمة من بغداد.
وعن موقع النجف التجاري يقول الدكتور مصطفى جمال الدين : « تقع [ النجف ] بين الريف العراقي المنتشر على ضفاف الفرات ، وبين البادية الممتدة من العراق الى الحجاز ، وهي السوق المشتركة بين عشائر الريف وعشائر البادية ، فمنتوجات ( المشخاب ) و ( الشامية ) و ( العباسية ) و ( الكوفة ) وغيرها من الثمر ، والحنطة ، والشعير ، والرزّ ، تتجمع في ( خانات ) النجف لتُصدَّر بعد ذلك إلى بغداد ، والبصرة ، والموصل ، ومنتوجات البادية من ( القادسية ) و ( الحيرة ) من الغنم والصوف والوبر ، والسمن ، والجلود ، ترد الى ( مَناخة ) النجف لتصدَّر الى مناطق العراق الاخرى »(٢) .
وظلّت النجف على هذه الحال بالرغم من التطورات التي شهدتها في أوائل القرن العشرين من انهيار نظام الحكم العثماني واستبداله بالحكم البريطاني وما رافقه من تطور في شتى مرافق الحياة. فكان لابد من الاتصال بالعالم الجديد
__________________
١ - ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ٤٠٣.
٢ - مصطفى جمال الدين : الديوان ، ص ١٤.
والحضارة الجديدة ، وكان لابد من التطلع الى إنماء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية واللحاق بالركب الحضاري الجديد. الاّ أن ذلك لم يحصل في النجف ولم يلق ترحيباً من قبل أبنائها ، وذلك لأنها كانت ولا تزال مدينة شديدة المحافظة والانغلاق ، وقد ساعد على تأصيل هذه الميزة فيها محيطها الضيق ، ومناخها الصحراوي القاسي ، ومركزها الديني الهام.
ويفصّل الدكتور مصطفى جمال الدين الحياة الاجتماعية في هذه المدينة المحافظة فيصفها بأنها ؛ « مدينة متحفظة أشدّ أنواع التحفّظ ، فالتزمّت هو السِمَةُ البارزة في المجتمع النجفي ، فلا يوجد في هذه المدينة ما كان يوجد في غيرها من المدن ، كالمسارح ، والنوادي ، والسينمات وأمثال ذلك ممّا يلهي الشباب عن دراستهم ، أو يُخرجهم عن تحفّظهم ، بل حتى ( المقاهي ) الصغيرة المبثوثة في بعض أنحاء المدينة - وهي خالية من كل شيء عدا الشاي ، والقهوة ، والنرجيلة ، وبعض المرطبات - يمتنع علينا ، نحن شباب الدراسات الدينية ، الجلوس فيها. وأذكر أنه لا يوجد فينا من يملك جهاز ( راديو ) مثلاً ، لذلك كنا في الأربعينات ننزوي في صالة جمعية ( الرابطة الأدبية ) لنستمع أخبار الحرب العالمية الثانية من ( الراديو ) الذي أهداه لها الملك غازي مع المكتبة الثمينة »(١) .
وبغضّ النظر عن السلبيات التي قد تبعثها مثل هذه البيئة المقيدة ، فإنّ الجانب الايجابي قد يطغى عليها في كثير من الأحيان. فقد عرف النجفي بصفات كريمة مثل حسن الضيافة وكرم الطبع وسخاء النفس التي اصبحت جزءاً من طبيعته لا يمكن له الفكاك عنها. وهذه صفات قلّما نجدها في المدن الكبرى. وكذلك اتصف النجفي - ولكثرة احتكاكه بالآخرين - بسرعة التعرف وقوة
__________________
١ - المصدر السابق ، ص ١٧.
الامتزاج التي تحصل عادة من رحابة الصدر ، ودماثة الخلق المتصفة برقة الطبع وخفة الروح. وثمة خصيصة اخرى تجلّت وبوضوح في طبع النجفي وهي نخوته وفتوته وسرعة اجابته في النجدة. وقد انعكست هذه الظاهرة على حياته الاجتماعية وتجسدت في تعامله وسلوكه مع أبناء وطنه(١) .
والطريف أنّ مجتمعاً منغلقاً ومحافظاً كالنجف كان من أكثر المجتمعات انفتاحاً في تقبّله النقد السليم والفكرة السليمة ، ولعل ذلك يعود إلى عاملين ، كما يقول الدكتور مصطفى جمال الدين ، هما : القراءات المتنوعة للكتب والصحف والمجلات التي كانت ترد النجف من مختلف البلدان كمجلة العرفان والمقتطف والمقطم والهلال وغيرها من صحف العالم الاسلامي ، بالاضافة الى الصحف والمجلات التي كانت تنشر في النجف وثقافات الوافدين على النجف من مختلف الأقطار الاسلامية للتحصيل في مدارس النجف الدينية فقد ساعد هذان العاملان على بث روح المنطق والدرك المتقابل بالاضافة الى الجرأة والشجاعة في ابداء الرأي الصريح والنقد البنّاء مما يندر تحققه في المجتمعات المنغلقة والمتزمتة. والشواهد في هذا الصدد كثيرة ، أذكر على سبيل المثال موقف الشيخ صالح الجعفري(٢) الذي وجه نقداً لاذعاً لوفود المسلمين المجتمعين في مكة لاداء مناسك الحج ، مذكراً إيّاهم بصمود الزعيم الهندي ( غاندي ) في تحديه الاستعمار الذي قاد الى تحرير الهند. يقول مخاطباً :
قِفْ في ( مِنىً ) واهتفْ بمز |
دحم القبائلِ والوفودِ |
|
حُجّوا فلستم بالغين |
بحجّكم شَرَفَ الهنودِ ! |
__________________
١ - للتوسع ينظر شعراء الغري ، ج ١٢ ، ص ٤٥٤ - ٤٨١.
٢ - صالح الجعفري ( ١٩٠٨ - ١٩٧٩ م ) أديب معروف وشاعر شهير. له ديوان شعر. ( شعراء الغري ، ج ٤ ، ص ٢٩٦ ).
حَجُّوا الى استقلالهم |
وَحَجَجتُم خوفَ الوعيد |
|
وعبادة الأحرار أفـ |
ـضلُ من إطاعاتِ العبيد !(١) |
ولدى حديثنا عن الحياة الاجتماعية في النجف لابد أن نشير الى المرأة وموقعها الاجتماعي في هذه البيئة المحافظة. فالذي يتبادر الى الذهن للوهلة الاولى هو أنّ المرأة في المجتمع الاسلامي المحافظ ملتزمة بأحكام التشريع الاسلامي في حياتها الخاصة والعامة. ولعل المرأة النجفية اكثر نساء العراق التزاماً بأحكام الشريعة الاسلامية ، وذلك لرسوخ العقيدة الدينية في أوساط المجتمع النجفي وحرص أبنائه على توظيف الأحكام الإسلامية في شؤون الحياة كافّة.
كانت المرأة النجفية تشكل جزءاً من بيتها ، قلّما تختلط بغير ذويها الاّ في المناسبات الدينية والمآتم الحسينية التي تقيمها النساء ، أو في حفلات الأعراس. وكانت إذا أرادت الخروج من بيتها عند اقتضاء الحاجة لبست عباءة طويلة تستر تمام بدنها دون أن تُظهِر زينةً أو تحدِث إثارة. فهي تحرص على حجابها أشدّ الحرص وترى فيه سلامة دينها وكمال شخصيتها وتمام تربيتها وأخلاقها.
وحين ظهرت الدعوة إلى تعليم المرأة وإنشاء مدارس للبنات ، جوبهت في بادىء الأمر بمعارضة شديدة ورد فعلٍ عنيف من قِبَل الناس ، لأنهم كانوا يعتقدون بانّ خروج المرأة من بيتها وممارسة التعليم في الخارج يُبعدها عن القيم الأخلاقية السائدة والأعراف الاجتماعية الموروثة ممّا قد يؤدي في النهاية إلى
__________________
١ - مصطفى جمال الدين : الديوان ، ص ٢٣ ، ٢٤.
فسادها وخروجها عن طريق العفّة والحياء.
ومع مرور الزمان انشق الناس في امر تعليم المرأة الى فريقين. فريق ايّد فكرة التعليم من خلال التمسك بالشريعة الاسلامية والمحافظة على الشؤون الدينية ، وفريق دعا الى التعليم من خلال تبرّج المرأة وسفورها. وقد لعب الشعراء دوراً هاماً في قيادة الفريقين. ففي النجف اهتم شعراؤها بفكرة التعليم من خلال محافظة المرأة على سترها وحجابها ، بينما راح بعض الشعراء كالرصافي والزهاوي يدعون الى فكرة التعليم من خلال تبرج المرأة وسفورها.
والجدير بالذكر انّ بعض علماء النجف أيّدوا مسألة تعليم المرأة وتحمسوا لهذه الفكرة شريطة أن تكون ضمن اطار التعاليم الاسلامية والأعراف الاجتماعية السائدة ، ومن اولئك الشيخ محمد رضا الشبيبي(١) الذي ضجّ من تفشي الجهل والخمول بين الفتيان والفتيات :
كم فتىً في العراقِ أضحى مُقلاًّ |
من كمالٍ وكم فتاة مُقلَّه |
|
ركسا في غيابة الجهل حتى |
لم يسع جهلها المحيط وجهله |
|
قد تربّى عن النهى مستقلاًّ |
وتربت عن الحجا مستقلّه(٢) |
وكذلك فعل الشيخ صالح الجعفري حين دعا الى تعليم المرأة ومناصرتها في إحقاق حقوقها المشروعة في المجتمع. يقول من قصيدة :
هذّبوها فانها بشر |
لكمال الحياة تفتقر |
__________________
١ - محمد رضا الشبيبي ( ١٨٨٧ - ١٩٦٥ م ) عالم أديب ، وسياسي وطني ، وشاعر معروف ، له ديوان شعر ومؤلفات في الدين والتاريخ والأدب. ( معجم رجال الفكر والأدب في النجف ، ج ٢ ، ص ٧١٨ ). [ بتصرف ].
٢ - ديوان الشبيبي ، ص ٥٥.
النواميس بينكم شرع |
فهي انثى وآخر ذكر |
|
الكي تستحيل حامضة |
في زوايا البيوت تدخر |
|
كيف يعطي ثماره شجر |
في الحصى والتراب منقبر |
|
وأدوها وحقها غمطوا |
ربي رحماك انّهم كفروا |
|
زعموا انهم بها ربحوا |
لا وعينيك إنهم خسروا |
|
حواست جمع كن |
أهملوها لو أنهم شعروا(١) |
وقد تبارى غير واحد من الشعراء في هذا الشأن وطالبوا بتعليم المرأة واصلاح بعض النظم الاجتماعية. من بينهم الشاعر عبد المنعم الفرطوسي الذي راح ينتهز كل فرصة ليعلن ثورته على التقاليد السقيمة التي تجرّ البلاد والأمة الى الضياع والتهلكة :
أفيقوا يا بني وطني عجالا |
فما يجدي الرقادُ النائمينا |
|
وهبّوا فيه للاصلاح كيما |
نراكم للتمدن ناهضينا |
|
أليس ثقافة الجنسين فرضاً |
تقوم به الرجال المصلحونا |
|
وفي نور المعارف خير هادٍ |
طريق يقتفيه السالكونا |
|
جمالُ الشعب يوماً أن نراه |
يسير الى الثقافة مستبينا |
|
وانّ ثقافةَ الاحلام نورٌ |
به يُهدى الشبابُ الواثبونا(٢) |
وفي هذا الشأن أيضاً يقول الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي طالب بفتح مدرسة رسمية للبنات وذلك عام ١٩٢٩ م :
علّموها فقد كفاكم شنارا |
وكفاها أن تحسب العلم عارا |
__________________
١ - علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٤ ، ص ٣١٣.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٢٩.
وكفانا من التقهقر أنّا |
لم نعالج حتى الأمور الصغارا |
|
هذه حالنا على حين كادت |
أمم الغرب تسبق الأقدارا |
|
أنجب الشرق جامداً يحسب المر |
أة عاراً ، وأنجبت طيارا |
|
تحكم ( البرلمان ) من أمم الدنيـ |
ـا نساء تمثل الأقطارا |
|
ونساء العراق تمنع أن تر |
سم خطاً أو تقرأ الأسفارا(١) |
وهكذا استمرت الدعوات والمطالبات ردحاً من الزمن حتى أصبح تعليم المرأة أمراً أساسياً ، وحقاً من حقوقها المشروعة ، وجزءاً لا يتجزأ من بناء المجتمع المتحضر الذي يصبو إلى الكمال والحياة الفضلى.
شهد العراق منذ مطلع القرن العشرين ثلاثة من أنظمة الحكم : الحكم العثماني ، والحكم الملكي ، والحكم الجمهوري. والذي يهمنا في هذا البحث هو تسليط الضوء على الأجواء السياسية التي مرّ بها العراق في كل من العهدين الملكي والجمهوري ، حيث الفترة التي عاشها الشاعر وتأثر بأحداثها وتقلباتها السياسية. وتمهيداً للبحث لابد من الاشارة الى الخلفيات التاريخية للأحداث التي أطاحت بالنظام العثماني وأقامت على أنقاضه حكماً ملكياً في العراق.
خضع العراق منذ عام ١٥٣٤ م للهيمنة العثمانية مدة تقارب الأربعمائة سنة. وقد استمرت هذه الهيمنة حتى عام ١٩١٨ م حين اندلعت نيران الحرب العالمية الاولى ودخل الأتراك طرفاً مواجهاً للأنجليز وحلفائهم. فانجرّ العراق دون أن
__________________
١ - ديوان الجواهري ، ج ١ ، ص ٤٦٢.
يشاء الى مواجهة المستعمر الجديد الذي راح يقتطع جزءاً فجزءاً من أراضيه ليعلنها مستعمرة له. وقد انبرى علماء الشيعة في النجف لهذا الاحتلال السافر وعاضدوا الأتراك بالرغم من الاضطهاد العنصري والطائفي الذي أعمله العثمانيون بحق الشيعة ، الاّ أنّ علماء الدين رأوا في الغزو البريطاني خطراً اكبر يهدد الاسلام والأمة الاسلامية ، فافتوا بوجوب الدفاع عن بيضة الاسلام والوقوف بجانب الأتراك ضد المحتل الانجليزي(١) . فاشتركت جموع غفيرة من مجاهدي النجف مع الجيش العثماني بقيادة علماء الدين ، أمثال السيد محمد سعيد الحبوبي(٢) ؟ الذي قاد جيشاً جرّاراً الى جبهة ( الشعيبة ) بالبصرة ، حيث أبلى بلاءً حسناً في مجابهة المحتل الغاصب.
لكن الأتراك لم يحفظوا هذا الصنيع لأهل النجف ، بل راحوا يطاردون الفارّين من الخدمة العسكرية ، ويوسعون الأهالي ظلماً وتنكيلاً ، بالاضافة إلى أنّهم قرروا مصادرة محتويات « الخزائن » الموجودة في العتبة المقدسة للانفاق على شؤون الحرب ، واجبار الشباب على الخدمة في الجيش. فبدأوا بتفتيش البيوت ليلاً وتعرضوا للنساء بحجة انّ الرجال كانوا يختفون بزي النساء تهرباً من الجندية. فضاق النجفيون ذرعاً بهذه الأعمال الشنيعة ، وهبّوا غاضبين ضد الأتراك ، وقاتلوهم قتالاً عنيفاً حتى استتب لهم الحكم في نهاية الأمر(٣) .
وظل الأتراك مطاردين من قبل الناس حتى انحسر ظلهم عن العراق تماماً
__________________
١ - جعفر آل محبوبة : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ٣٤١.
٢ - محمد سعيد الحبوبي ( ١٢٦٦ - ١٣٣٣ ه ) من علماء النجف المجتهدين ومن فحول الشعراء. له ديوان شعر وكتابات في الفقه والأصول. ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ١ ، ص ٣٨٧ ).
٣ - جعفر الدجيلي : موسوعة النجف الأشرف ، ج ٤ ، ص ٢٩٤.
يوم اعلنت الهدنة في الأول من تشرين الثاني عام ١٩١٨ م(١) وهكذا تم تقويض السلطة العثمانية لتحل محلها سلطة الانجليز التي لم تكن هي الأخرى بأقل من سابقتها ظلماً وعدواناً.
وعن هذه الفترة الانتقالية التي عاشها العراق يذكر الشيخ محمد رضا الشبيبي في قصيدة له بعنوان « شكوى وعتاب » سياسة الأتراك التعسفية ضد العراق وأبنائه ، وما آلت اليه هذه السياسة من تفشي الجهل والفساد في أوساط المجتمع :
لا الجبن ثار فأطغانا ولا البخل |
الثائر الحقد بالأقوام والدخل |
|
لو كان مابهم جبناً لما انتقموا |
وفي طريق بلوغ النقمة الأجل |
|
السيف قرّب منا كل قاصية |
لا المنطق الفصل من قوم ولا الجدل |
|
ماذا نؤمل في ادراك غايتنا |
من السياسة كلاّ إنها حيل |
|
يا من يعز علينا أن نؤنبهم |
في حيث لا ينفع التأنيب والعذل |
|
جفوتمونا وقلتم : نحن ساستكم |
مُنىً مطيتها الإخفاق والفشل |
|
كم تنبذون لنا ذنباً فنعذركم |
لقد تقطعت الأعذار والعلل |
|
أما صفحنا عن الماضي لأعينكم |
أما أديلت لكم أيامنا الأول |
|
أما استجيشت كما شئتم كتائبنا |
حتى تفايض منها السهل والجبل |
|
أما مشت تذرع الدنيا أما انقطعت |
بها المتايه والغيطان والسبل |
|
أما أطاعوا أما برّوا أما عطفوا |
أما احتفوا بمواليهم أما احتفلوا |
|
بالله لا تجرحوا أكبادنا ودعوا |
جراح ( برقة ) و ( البلقان ) تندمل |
ويتابع الشاعر سرد ممارسات العثمانيين حتى يصل الى قومه فيتحدث
__________________
١ - عبد الرزاق الحسني : العراق قديماً وحديثاً ، ص ٣٠.
عنهم قائلاً :
قوم من العرب وخز النحل حظهم |
وحظ قوم سوانا الأري والعسل(١) |
|
عند المغانم لا ندعى ، ويفدحنا |
من المغارم ثقل ليس يحتمل |
|
تأبى الحوادث إلاّ أن نملكم |
ولا - ودين التآخي - ما بنا ملل |
|
أين الرهين بأموال لنا ذهبت |
ومن يُقيد بإخوان لنا قتلوا(٢) |
|
إمّا شهيد معلَّى فوق مشنقة |
أو موثق بحبال الأسر معتقل |
|
يا من بظل بني عثمان قد نشأوا |
أضحيتم ، انّ ظل القوم منتقل(٣) |
وأخذ النفوذ البريطاني يتسع شيئاً فشيئاً في ربوع العراق بعد أن سقط الجنوب وتمت السيطرة على بغداد. أمّا النجف فبقيت بأيدي أهلها سنتين كاملتين لم يتدخل البريطانيون في شؤونها. الاّ انهم عمدوا بعدها إلى ارسال ( الكابتن مارشال ) حاكماً على النجف مع عدد من الحراس والجنود. وقد كان هذا الحاكم سيّء المعاملة ، شديد التنكيل بأهالي النجف ، لم يترك اسلوباً في العنف والاضطهاد الاّ اقترفه. مما حدا بالنجفيين الى التفكير في الدفاع عن بلدهم والتخلص من أسر المحتل. فألّفوا ( جمعية سرية ) باشراف ثلة من علماء الدين على رأسهم السيد محمد علي بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائري(٤) وقد أسهمت هذه الجمعية مساهمة كبرى في إضرام نار الثورة وإشعال فتيلها ضد الغازي المحتل.
وفي ليلة يوم الثلاثاء الموافق ٦ جمادى الآخرة سنة ١٣٦٦ ه / ٩ آذار سنة ١٩١٨ م اجتمع عدد من ثوار الجمعية وقرروا القيام بعملية قتل الكابتن مارشال ،
__________________
١ - الأرْي : العسل. ( لسان العرب ، ج ١ ، ص ١٢٧ ).
٢ - يُقيد : من القَوَد بمعنى القصاص. ( لسان العرب ، ج ١١ ، ص ٣٤٢ ).
٣ - ديوان الشبيبي ، ص ٢٧.
٤ - جعفر آل محبوبه : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ٣٤٤.
وتم لهم ما ارادوا. وعلى اثر هذا الحادث تحركت حكومة بغداد فأرسلت جيشاً جراراً يضم خمساً وأربعين ألف جندي يقوده ( الكابتن بلفور ). فطوق المدينة بالجنود ، وحفر الخنادق ، وقطع عنها الماء ، وحاصرها من جميع الجهات. فدارت بين الثوار وجنود المحتلين معارك طاحنة حصدت من الطرفين نفراً كثيراً.
واستمر الحصار على البلدة أكثر من أربعين يوماً ، وأشرف الأهلون على مجاعة ، فطالبوا السلطة بفك الحصار والعفو عن الثوار ، الاّ انّ السلطة المحتلة فرضت لفك الحصار شروطاً لم يجد النجفيون بُداً من تنفيذها. وبذلك تم للبريطانيين الغلبة فقبضوا على قادة الثورة واعدموا منهم عدداً ونفوا آخرين.
وعن هذه الثورة وما ترتب عليها من معطيات ثمينة يقول جعفر آل محبوبة : « ونستطيع أن نقول بلا مجازفة إنّ ثورة النجف هذه هي الخطوة الأولى للقضية العراقية والبذرة الوحيدة لنتاج الفكرة الفراتية واتجاهها نحو استقلال العراق. إذ النجف هو المركز الروحي والعاصمة الكبرى لعموم الشيعة وقد أعطت بموقفها هذا درساً شافياً ومنهجاً واضحاً نفعها في نيل مآربها وتحقيق رغائبها في فك شعبها من رق الاستعمار. ومما ساعد على ذلك أن فكرة الحرية والاستقلال وإحياء المجد العربي قد تغلغلت في الأدمغة ونضجت وشعر بها أكثر العراقيين فلذلك نجحت نجاحاً باهراً وتقدمت تقدماً غريباً »(١) .
وقد وصف الشيخ محمد جواد الجزائري(٢) ثورة النجف بقصيدة رائعة قال فيها :
مددنا بصائرنا لا العيونا |
وفزنا غداة عشقنا المنونا |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٣٥٠.
٢ - محمد جواد الجزائري ( ١٢٩٨ - ١٣٧٨ ه ) عالم مجاهد ، وشاعر معروف. ( شعراء الغري ، ج ٧ ، ص ٣٥٠ ).
عشقنا المنون وهمنا بها |
وعفنا أباطحنا والحجونا |
|
وقمنا بها عزمات مضات |
أبت أن نسيس الردى أو نلينا |
|
هي الهمم الغر لم ترض بالسـ |
ـماكين مهما استفزت قرينا(١) |
|
رعينا بها سنة الهاشمي |
نبي الدى ، والكتاب المبينا |
|
وصنا كرامة شعب العراق |
وكان لعلياه حصناً مصونا |
|
وخضنا المعامع وهي الحمام |
ندافع عن حوزة المسلمينا(٢) |
|
وجحفل أعدائنا الانجليز |
يملأ سهل الفلا والحزونا |
إلى أن يقول :
وجزناكما شاء تلك الحزو |
ن ننتظر الفتك حيناً فحينا |
|
وأرجلنا طوع قيد الحديد |
تسيل دماً يستفز الرصينا |
|
ولم نلو للدهر جيد الذليل |
وإن يكن الدهر حرباً زبوناً(٣) |
|
وماضامنا الأسر في موقف |
أطعنا عليه الرسول الأمينا |
|
وما ضامنا ثقل ذاك الحديد |
ونحن بحسن الثنا ظافرونا |
|
ولم يُزْر بالحر غِلُّ اليدين |
إذا ما قضى للعلاء الديونا(٤) |
واستمر وهج الثورة في التأجج بالرغم من فشل ثورة النجف عام ١٩١٨. فكانت فكرة التحرر تأخذ مكانها يوماً بعد آخر في أذهان الناس. وبدأ العمل بالتمهيد لثورة عارمة تعم العراق كله ويشارك فيه الشعب بجميع شرائحه. ودائماً كانت النجف مركز انطلاق الثورة والفتيل الملتهب لجميع الانتفاضات.
__________________
١ - السماكان : نجمان نيّران. ( لسان العرب ، ج ٦ ، ص ٣٦٩ ).
٢ - المعامع : شدة الحرب. ( لسان العرب ، ج ١٣ ، ص ١٤٤ ).
٣ - حرب زَبُون : تَزْبِنُ الناس أي تصدِمُهم وتدفعهم. ( لسان العرب ، ج ٦ ، ص ١٦ ).
٤ - ديوان الجزائري ، ص ١٦.
والنجف كما وصفها المؤرخ عبد الرزاق الحسني : « كانت قذىً في عين السياسة البريطانية بسبب مركزها الديني الواسع النطاق ، وتأثير علمائها في جماهير الشعب ، فقد كانت أول بلدة أحسّت بثقل السلطة الأجنبية ، وأول مدينة عراقية فكرت بالتخلص من الاستعمار البريطاني ، بالنظر الى ما كانت قد تشبعت به من روح الحرية والنزوع الى الديمقراطية ، وبسبب ما كانت تلقاه من دروس متواصلة عن فلسفة نهضة الامام أبي عبد الله الحسين بن عليعليهماالسلام ، وبسبب كونها مهد العلماء ومركز الروحانية »(١) .
وبدأ التحرك السياسي للشعب بالمطالبة بحقوقه واستقلال بلاده وذلك عن طريق تنظيم المضابط والرسائل وارسالها الى سوريا والحجاز للنظر في الامر. الاّ أن ذلك لم يجد نفعاً ، فقررت الجهات العاملة في الحقل الوطني بمظاهرات سلمية تحت شعار الدين ، بمعنى أن تكون المناسبات الدينية وحفلات المولد النبوي اجتماعات سياسية لبحث القضية الوطنية والمطالبة بالحقوق المشروعة. واستمر هذا الغليان حتى كانت محاولة القبض على الزعماء السياسيين في بغداد في الثاني عشر من آب عام ١٩٢٠ م ، فتقرر القيام بالحركة المضادة(٢) .
وهكذا أخذ العمل السياسي ضد الانجليز يسير نحو التصعيد ، وبتوجيه من علماء الدين ، وخاصة بعد فتوى الامام محمد تقي الشيرازي التي جاء فيها : « المطالبة بالحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن ، ويجوز لهم التوسل بالقوة إذا امتنع الانجليز عن قبول مطالبهم »(٣) .
واندلعت الثورة العراقية الكبرى في الثلاثين من حزيران عام ١٩٢٠ والتي
__________________
١ - الثورة العراقية الكبرى ، ص ٦٩ ، ٧٠.
٢ - المصدر السابق ، ص ١٩٠.
٣ - عبد الصاحب الموسوي : حركة الشعر في النجف ، ص ٩٠.
عرفت فيما بعد بثورة العشرين ، يقودها علماء الدين ورؤساء العشائر والزعماء السياسيون ومن خلفهم كافة شرائح المجتمع. وقد ساهم الشعراء والادباء وخاصة شعراء النجف مساهمة فعالة في إشعال لهب الثورة في أرجاء الوطن ، وتشجيع الأمة على المضي في ثورتها حتى النصر والظفر(١) .
ويعزو المؤرخ عبد الرزاق الحسني قيام ثورة العشرين الى عوامل خارجية وداخلية : فالمشروطية في ايران ( ١٩٠٥ م ) ، والانتفاضة الدستورية في تركية ( ١٩٠٨ م ) ، والثورة الحجازية عام ١٩١٦ م ، والوثبة المصرية في عام ١٩١٩ م ، وقيام الحكومة الفيصلية في الشام عام ١٩٢٠ م ، وعبث الحلفاء قبلئذ بالعهود التي قطعوها للعرب ، كانت كل هذه من المؤثرات الخارجية في الثورة العراقية. أمّا عواملها الداخلية فتكاد تنحصر بسوء الادارة المحتلة باضطهادها الشعب ، واحتياجات الجيش المحلية من جمع الطعام واستخدام وسائل النقل وتقييد التجوال والأسفار وتشغيل عمال المزارع في الجيش ، ومعاملة الناس بالخشونة ، وتولي العسكريين مهام رجال السياسة ورجال الادارة ، وسلب ثروة البلاد المعاشية(٢) .
وأدرك الانجليز خطورة الوضع وتفاقم الأزمة ، فعمدوا الى ضرب الثورة من الداخل عن طريق أساليب الغدر والخيانة وشراء الضمائر بالمال والمناصب. ولاشك ان عدم التكافؤ بين الطرفين في النواحي الاقتصادية والتكنيكية والعسكرية أدى إلى فشل الثورة - ان جاز لنا التعبير - لأن ثورة العشرين كما عبر عنها المؤرخ عبد الرزاق الحسني : « على الرغم من فشلها عسكرياً - نظراً الى
__________________
١ - محمد بحر العلوم : حصاد الأيام ، ص ٣٣٧.
٢ - الثورة العراقية الكبرى ، ص ١٣٤.
التفوق البريطاني بما يملكه من أسلحة وجيش منظم وتجارب قتالية - اضافة الى عوامل الضعف في الحركات الوطنية العراقية ، قد نجحت سياسياً لايقاظها وعي الشعب بمختلف طبقاته وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما دفع بالانجليز الى اعطاء العراق حكماً شبه وطني بعد تأمين مصالحهم الرئيسية فيه »(١) .
وانتهت ثورة العشرين بعد مفاوضات طويلة استمرت بين الجانب الانجليزي وعلماء الدين الشيعة في النجف آلت في النهاية الى اقامة الحكم الوطني واختيار ملك عربي يحكم العراق. وقد وقع الأختيار على فيصل ابن الشريف حسين ليكون أول ملك للعراق وذلك في الثالث والعشرين من آب عام ١٩٢١ م(٢) .
الاّ ان الاضطرابات لم تخمد في عهد فيصل على الرغم من محاولاته إجراء الانتخابات وتشكيل المجلس التأسيسي ومن ثم المجلس النيابي ومجلس الوزراء بسبب الهيمنة البريطانيه على قرار العراق السياسي. فمنذ أن تسلَّم الملك الحكم وحتى وفاته في أيلول سنة ١٩٣٣ تم تشكيل عدة وزارات لم تدم سوى اشهر قلائل بسبب التدخل البريطاني في الشؤون الحكومية. وقد شهد العراق في العهد الفيصلي أحداثاً كبيرة يأتي في طليعتها انضمام العراق الى عصبة الامم سنة ١٩٣٢ م حيث انحسر ظل الانتداب - بالظاهر - ومنح العراق استقلاله(٣) .
وبعد وفاة الملك فيصل تُوّج نجله غازي ملكاً على العراق وذلك في الثامن
__________________
١ - المصدر السابق ، ص ٤٥٦.
٢ - مجلة الموسم : العددان ٩ - ١٠ ( ١٩٩١ م ) ، ص ١٨.
٣ - جعفر الدجيلي : موسوعة النجف الأشرف ، ج ٤ ، ص ٣٢٩.
من أيلول سنة ١٩٣٣ م(١) . الاّ انّ هذا التتويج لم يلق ارتياحاً من قبل البريطانيين لما كانوا يعهدون في هذا الملك الشاب من تطلع نحو تحرر العراق الكامل من النفوذ الأجنبي.
وقد أكسبت طموحات الملك الشاب الوطنية والقومية التي جاءت منسجمة مع تطلعات الرأي العام العراقي ، تأثيراً شعبياً واسع النطاق ، ولكن من جانب آخر نال جفاء الانجليز وبعض الساسة العملاء الذين تضررت مصالحهم بسبب سياسة الملك الذي أراد ممارسة سلطاته الدستورية بصورة نظرية وواقعية(٢) .
وعندما أحست بريطانيا اصطدام مصالحها بسياسة الملك الوطنية والقومية حاولت التخلص منه بشتى الوسائل. وقد تسنى لها ذلك بمصرع الملك في حادث سير مدبر وذلك في الرابع من نسيان عام ١٩٣٩ م(٣) .
وبعد رحيل الملك غازي ، تُوّج نجله فيصل الثاني فأصبح ثالث ملك على العراق. ولصغر سنه تسلّم خاله الأمير عبد الاله مقاليد الحكم بالوصاية حتى سنة ١٩٥٣ م حيث تم تفويض السلطات الدستورية الى الملك.
وفي عهد الأمير عبد الاله عاش العراق فترة عسيرة من حياته. فقد كثرت فيها الاضطرابات وعلت صيحات الغضب الشعبي من جرّاء أساليب القمع والاضطهاد التي بلغت حداً لا يطاق. واستمرت هذه الحال حتى تم القضاء على الحكم الملكي في العراق وذلك في الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨ م بالثورة التي قادها عبد الكريم قاسم(٤) .
__________________
١ - لطفي جعفر فرج : الملك غازي ، ص ٦٣.
٢ - المصدر السابق ، ص ٢٧٧.
٣ - المصدر السابق.
٤ - عبد الرزاق محمّد أسود : موسوعة العراق السياسية ، ج ٤ ، ص ٤٣٤ ، ٤٣٥.
انهى عبد الكريم قاسم بثورته سبعاً وثلاثين سنة من الحكم الملكي. وقد عوّل الشعب آمالاً كبيرة على هذه الثورة الاّ انها آلت في النهاية الى صراعات حادة واشتباكات عنيفة بين ضباط الثورة من جهة ، وبين الحركات السياسية التي ظهرت في عهد قاسم كحركة القوميين وحركة الشيوعيين من جهة اخرى. ولم يصمد عبد الكريم قاسم في سدّة الحكم سوى خمس سنين حيث تم القضاء عليه بانقلاب عسكري قام به عبد السلام عارف في الثامن من شباط عام ١٩٦٣ م(١) .
ولم يهدأ العراق بعد انقلاب عارف. فقد زج في دوامة من الانقلابات والصراعات العسكرية التي آلت في النهاية إلى مصرع عارف سنة ١٩٦٦ م وتسلّم أخيه عبد الرحمن عارف زمام السلطة. وقد بقي هذا الأخير في سدّة الحكم سنتين ثم اُجلي عن منصبه بعد أن تسلّم حزب البعث مقاليد الحكم في السابع عشر من تموز عام ١٩٦٨ م(٢) .
احتلّت النجف مكانة علمية مرموقة ، وشهدت ازدهاراً ثقافياً متمّيزاً منذ أن حلَّ بها الشيخ الطوسي(٣) - في أواسط القرن الخامس الهجري - وأسس فيها جامعته الدينية الكبرى. ومن يومها ذاك أصبحت مدينة العلم التي يَؤمُّها الطلاب
__________________
١ - جمال مصطفى مردان : عبدالكريم قاسم ، البداية والسقوط ، ص ١٤٥.
٢ - عبدالوهاب الكيالي : موسوعة السياسة ، ج ٤ ، ص ٦٢.
٣ - أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي ( ٣٨٥ - ٤٦٠ ه ). شيخ الطائفة الامامية وزعيم العلماء والمجتهدين. له مؤلفات كثيرة منها : « الاستبصار » و « التهذيب » في الحديث ، و « التبيان في تفسير القرآن » ، و « المبسوط » في الفقه ، و « العدة » في الاصول ، ومؤلفات اخرى في الرجال والكلام والعقائد. ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ص ٨٥٣ ).
من كل حدب وصوب ، ويتقاطر عليها الوافدون من شتى أقطار العالم. وهي اليوم لا تزال مركزاً هاماً للدراسات الاسلامية وخاصة في علوم الفقه ، والاصول ، والفلسفة الاسلامية ، وتفسير القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف ، وكل ما يتعلق بقضايا العقيدة الاسلامية ، وشؤون الفكر الاسلامي.
واستمرت الحركة العلمية في هذه المدينة وأخذت تنشط وتتطور بفضل الجهود التي بذلها الشيخ الطوسي في تنسيق العلوم الدينية ، وتأليف الكتب الدراسية المختصة بها ، وتهذيب رجال اكفّاء تكون لهم القدرة الكافية على تدريس هذه العلوم ونشرها في أوساط المجتمع الاسلامي. وكم حفظت هذه المدينة وعبر مسيرتها العلمية الطويلة من أسماء لعلماء ومفكرين عظام كان لهم الدور الأكبر في بث الوعي الاسلامي وإثراء المكتبة الاسلامية بجلائل الكتب والمؤلفات.
ولم تكن جامعة النجف تتقيد بمحل خاص للدراسة ، فكثيراً ما كانت العلوم الدينية تدرّس في غرف الصحن العلوي وإيواناته ، بالإضافة الى حلقات الدرس التي كانت تشكل في المساجد والجوامع الكثيرة المنتشرة هنا وهناك والتي اتخذ طلاب العلوم الدينية من بعضها مركزاً للبحث والتدريس. ومن اهم هذه المساجد : مسجد الخضراء(١) ومسجد الهندي(٢) ومسجد الشيخ الطوسي(٣) .
__________________
١ - من المساجد القديمة البعيدة العهد. موقعه شرقي الصحن بالقرب من الجهة الشمالية. لا يعرف وجه تسميته بالخضراء ويمكن أن يكون أُحدث مع الحضرة الشريفة فعرف بمسجد الحضرة ثم صحّف ، أو كانت فيه خضرة فعرف بها. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٠٢ ).
٢ - أسس هذا المسجد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري ، وهو فخم البناء واسع الساحة ، يقع في آخر سوق البزّازين قبالة الصحن الشريف. وانمّا سُمّي بالهندي لانّه كان والسوق المجاور له لعائلة ثرية هندية كانت تقطن النجف. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١١٧ ).
٣ - من المساجد القديمة ، كان داراً للشيخ الطوسي وبعد وفاته أوصى أن يدفن بها وأن تجعل مسجداً من بعده. وهو اليوم من أشهر مساجد النجف ، ويقع في محلّة « المشراق » من الجهة الشمالية من الصحن العلوي. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٠٤ ، ١٠٥ ).
ومع اتساع المدينة وازدياد الطلاب الوافدين عليها باتت الحاجة ملحة الى بناء المدارس الدينية والمعاهد العلمية فكانت اوّل مدرسة دينية تبنى في النجف هي مدرسة « المقداد السيوري(١) » التي يعود تأسيسها الى أوائل القرن التاسع الهجري. وقد تغيّر اسمها بعد ذلك واصبحت تُعرف بالمدرسة السليمية نسبةً إلى بانيها سليم خان(٢) .
وعلى مرّ السنين والأيام كثرت المدارس الدينية في النجف وأخذت تنتشر انتشاراً واسعاً في أنحاء المدينة(٣) . ومن أشهر المدارس الدينية التي حظت بشهرة واسعة ولا تزال قائمة الى يومنا هذا : مدرسة الشربياني(٤) ، ومدرسة الاخوند الخراساني(٥) ، ومدرسة السيد محمّد كاظم اليزدي(٦) ، ومدرسة السيد البروجردي(٧) .
__________________
١ - جمال الدين أبو عبد الله المقداد بن عبد الله الحلي السيوري المتوفى سنة ٨٢٦ ه فقيه متكلم ومحقق متتبع. من مؤلفاته : « تفسير مغمضات القرآن » ، و « تجويد البراعة في شرح تجريد البلاغة ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٦٩٨ ).
٢ - جعفر آل محبوبه : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٢٥ ، ١٢٦.
٣ - للتوسع ينظر المصدر السابق ، ج ١ ص ١٢٤ - ١٤٦ ، ودليل النجف ، ص ٧٠ - ٧٤.
٤ - من المدارس المشهورة في النجف ، أسسها الشيخ محمّد المعروف بالفاضل الشربياني المتوفى سنة ١٣٢٤ ه ، وهو من مشاهير علماء النجف. أختط مدرسته قبل وفاته بأربع سنين ، ولا تزال قائمة يسكنها بعض أهل العلم. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٣٣ ).
٥ - هي في الأصل مجموعة من المباني الفسيحة تمَّ بناؤها سنة ١٣٢١ ه بأمر من الشيخ محمّد كاظم الخراساني صاحب « الكفاية في الاصول » المتوفى سنة ١٣٢٩ ه. وتعد مدرسة الاخوند من أهم المدارس الدينية في النجف. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٣٦ ).
٦ - من اكبر المدارس الدينية في النجف أسسها الزعيم الديني السيد محمّد كاظم اليزدي ( ١٢٤٧ - ١٣٣٧ ). كان ابتداء تأسيسها سنة ١٣٢٥ ه ، وتم بناؤها سنة ١٣٢٧ ه. تقع في محلة « الحويش » في الشارع الذي فيه مدرسة الفاضل الشربياني. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٣٩ ).
٧ - من المدارس الفخمة التي بنيت بابداع معماري وفن هندسي رائع. أسسها المرجع الديني السيد حسين البروجردي سنة ١٣٧٣ ه وقد انشئت فيها مكتبة عامرة حافلة بالكتب العلمية والمخطوطات القديمة. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٤٣ ).
ولم تكن الدراسة الدينية حينها وكذلك هي الحال اليوم تسير وفق نظام معيّن ومنهج تعليمي منسق كما في المدارس الحديثة « اذ لم تكن لمدارسها صفوف مرتبة يتدرج فيها الطالب ولا كتب مخصوصة مقررة للتدريس يلزم التلميذ بقراءتها بل هناك كتب قديمة وحديثة من كل فن يقرأُها الطالب بحسب ما تستجيده فكرة الاساتذة البارعين وترغب اليه طباعه وطباعهم من حيث الاتقان والتدرج من سهل الى صعب(١) ».
واستعراضاً للطريقة المتبعة في التعليم بالمدارس الدينية ، فإنّ الطالب كان يمّر من خلال دراسته بثلاث مراحل هي :
١ - المقدمات : ويدرس الطالب في هذه المرحلة الصرف ، والنحو ، والبلاغة ، والمنطق ، وكذلك مقدمات الفقه واصوله. أمّا أهم المواد المقررة للتدريس في هذه المرحلة ، ففي الصرف والنحو « شرح قطر الندى » لابن هشام ، و « شرح ابن عقيل » على ألفية ابن مالك. وفي البلاغة « المختصر » و « المطول » للتفتازاني ، وكذلك « جواهر البلاغة » للسيد احمد الهاشمي. وفي المنطق « حاشية ملا عبد الله » ، و « المنطق » للشيخ محمّد رضا المظفر. وفي الفقه « تبصرة المتعلمين » للعلامة الحلي ، و « شرائع الاسلام » للمحقق الحلي. وفي اصول الفقه كتاب « المعالم » للحسن بن زين الدين المعروف بالشهيد الثاني ، وكتاب « اصول الفقه » للشيخ محمّد رضا المظفر.
والطالب في هذه المرحلة يقضي فترة غير محدودة تمتد الى عدة سنوات يهيء نفسه الى الدخول في المرحلة الثانية وهي مرحلة التخصص في الفقه والأصول.
__________________
١ - جعفر آل محبوبه : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ٣٧٩.
٢ - السطوح : وفي هذه المرحلة يدرس الطالب الكتب الموضوعة في الفقه الاستدلالي ، ومتون اصول الفقه التي تتضمن عرض الآراء الفقهية والعلمية ومناقشتها بتوسع وحرية مطلقة.
٣ - بحث الخارج : وهي آخر مراحل الدارسة الدينية ، حيث يحضر فيها الطالب دروس اعلام المجتهدين وكبار العلماء في الفقه والاصول وتمتاز هذه المرحلة بحرية الطالب المطلقة في المناقشة وابداء الرأي اثناء المحاضرة وبعدها. وفي هذه المرحلة يداوم الطالب على حضور دورة كاملة أو عدة دورات في الفقه والاصول ثم يقدم كتاباته أو تقريراته لاستاذه فاذا نالت قبوله ورضاه يمنحه شهادة يقال لها ( الاجازة ) وعندها يصبح الطالب مجازاً للاجتهاد ومؤهلاً لاستنباط الأحكام الشرعية(١) .
وبالرغم من التطور الذي شهده نظام التعليم في النصف الثاني من القرن العشرين فإنّ الاسلوب الدراسي والمنهج التعليمي في الجامعة النجفية لم يطرأ عليه من التغيير والتطور شيء يذكر اللهم الاّ بعض المحاولات الحديثة التي قام بها بعض العلماء النابهين ممن اطلعوا على أساليب الدراسة الحديثة ونالوا قسطاً وافراً من العلوم والفنون المعاصرة.
ومن هذا المنطلق بدأت فكرة التجديد في المناهج الدراسية تتفاعل وتشغل فكر المجددين من طلاب العلوم الدينية الذين حرصوا كل الحرص على أن تبقى المدرسة الدينية مواكبة لمسيرة التطور العلمي غير متخلفة عنه. وقد لعب الطلاب وخاصة الشعراء منهم دوراً ريادياً في بث الدعوة الاصلاحية والحث على التجديد والتطوير في المناهج الدراسية. ومن هؤلاء الشعراء يأتي السيد مصطفى
__________________
١ - جعفر الخليلي : موسوعة العتبات المقدسة ، ج ٧ ، ص ٩٢ - ١٠٠.
جمال الدين(١) في طليعة شعراء الاصلاح ، وكان قد سدد نقدات لاذعة وجريئة للمناهج الدراسية القديمة ، منها ما يقول من قصيدة :
هذي ( المناهج ) أطمارٌ مُهَلهَلةٌ |
مَرَّتْ على نسجها الأحداثُ والعُصُرُ |
|
وسوف يأتي زمانٌ لا ترونَ بها |
الاّ خيوطاً لهمسِ الريحِ تنتثرُ(٢) |
وما فتيء الشاعر في سورته ضد المناهج القائمة يصعّد من حملاته ويدعو علماء الدين الى مراجعتها وتعديلها وفقاً لمتطلبات العصر حتى قال قصيدته بعنوان ( صونوا مناهجكم تصونوا دينكم ) :
يا قومُ حسبكُم الخمولُ فقد مضى |
زَمنٌ بفِطْرتها تَشِبُّ الرُضَّع |
|
والعصرُ عصرٌ لا يَشِبُّ وليدُه |
إلاّ ليُعجِبَهُ المِفَنُّ المُبِدع |
|
( عصرُ المدارسِ ) عَذْبها وأُجاجها |
تبني العقول بما يضرُّ وينفع |
|
لا عصرُ ( كُتّابٍ ) قُصارى جُهده |
صُحفٌ مباركة ، وآيٌ مُمتِع(٣) |
|
صونوا ( مناهجكم ) تصونوا دينكم |
وابنوا العقولَ ، يَقُم عليها مجمع |
|
فالدين ليس يَرُبُّهُ ويسوسُه |
شيخ بمحرابِ الدجى يتضرَّع |
|
ولقد عَهِدنا الدينَ عندَ محمدٍ |
سيفاً بحالكةِ المنايا يَلمَع |
|
ومنابراً طَلَعت على آفاقها |
خُطَبٌ من الصُبحِ المنوَّر أنصَعُ |
|
ومُبشرّين سَرَوْا بِهَدي كتابِهِ |
كالريحِ تَسري بالشذى وتَضَوَّع |
|
أنّى سرى الداعي فثمةَ معهدٌ |
يَرتادُ مِنبَره اللبيبُ الأروع |
__________________
١ - مصطفى جمال الدين ( ١٩٢٧ - ١٩٩٦ م ). شاعر مرهف وأديب مبدع. من آثاره : « الديوان » ، و « الإيقاع في الشعر العربي من البيت الى التفعيلة » ، و « التدوير في القصيدة المعاصرة ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ١ ، ص ٣٦٢ ).
٢ - الديوان ، ص ٣٢.
٣ - الكُتَّاب جمعه كتاتيب : موضع التعليم. ( لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ٢٣ ).
وإذا فَخرتُم بالمساجدِ أنّكُم |
عُمّارُها ، فهُمُ السُجودُ الرُكَّعُ |
|
هذا الجهادُ ، فأينَ من عليائِهِ |
جُبَبٌ مُخرَّقَةٌ وشيخٌ مُهطِعُ(١) |
وقد لاقت هذه الدعوة قبولاً حسناً من قبل جيل الشباب على الرغم من معارضة المحافظين ومخالفتهم لتعديل النظام الدراسي. فدخلت مواد جديدة الى الدروس الدينية مثل الفلسفة الحديثة ، والفقه المقارن ، وعلم الاجتماع ، وعلم النفس ، واللغة الانجليزية واُلّفت كتب حديثة الاسلوب في مختلف العلوم الدينية ك « اصول الفقه » و « الفلسفة الاسلامية » و « المنطق » للشيخ محمّد رضا المظفر ، و « دروس في الفقه الاستدلالي » للشيخ محمّد تقي الايرواني ، وغيرها من المؤلفات الحديثة الاخرى. هذا بالنسبة الى المدارس الدينية ، أمّا المدارس الحكومية العامة التي كانت تعنى بالعلوم العصرية فقد كان في النجف قبل الاحتلال البريطاني وعلى عهد حكومة الأتراك مدرسة ابتدائية تشرف عليها الحكومة بدأ تشكيلها سنة ١٣٠٠ ه. واضافة الى هذه المدرسة فقد كان للايرانيين مدرستان في النجف مدرسة تسمى « العلوي » أُسست سنة ١٣٢٦ ه ، ومدرسة اخرى تسمى « المدرسة الرضوية »(٢) . ومع تطور الحياة وشمولية التعليم انتشرت المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية في النجف حتى ناهز عددها اليوم العشرات.
وفي معرض الحديث عن المرافق الثقافية في النجف لابد من الإشارة الى مؤسسة دينية هامة - عدا الحوزة العلمية - وهي كلية الفقه التي أسسها الشيخ محمّد رضا المظفر(٣) سنة ١٩٥٨ م ، والتي عُنيت بتخريج المختصين بالعلوم الاسلامية
__________________
١ - الديوان ، ص ٣٦٨ ، ٣٦٩.
٢ - جعفر آل محبوبة : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٤٦.
٣ - محمّد رضا المظفر ( ١٣٢٢ - ١٣٨٣ ه ). من روّاد الحركة الإصلاحية في النجف ، وأحد أبرز علماء الحوزة العلمية. من آثاره : « السقيفة » ، و « أصول الفقه » و « أحلام اليقظة ».
واللغة العربية.
ولهذه الكلية مساهمة كبرى في تطوير الدراسة الدينية في النجف من خلال ضمها العلوم الحديثة في نظام الدراسة الدينية وتطبيق النظام الاكاديمي في التعليم الديني وإدخال نظام الدراسة الصفية ، ونظام الامتحانات الدورية ، ونظام منح الشهادة الرسمية التي تؤهل الطالب الديني لمواصلة دراساته العليا.
امّا العلوم التي تدرّس فيها فهي : الفقه الامامي ، والفقه المقارن ، وأصول الفقه ، والتفسير ، والحديث ، والمنطق ، والفلسفة الاسلامية ، والفلسفة الحديثة ، والتاريخ الاسلامي ، والنحو والصرف ، والبلاغة ، والعروض ، وتاريخ الادب العربي ، وعلم الاجتماع ، وعلم النفس ، والتربية ، واصول التدريس ، واللغة الانجليزية(١) .
وقد رفدت الحركة العلمية والثقافية في النجف كثرة المكتبات العامة والخاصة فيها. فالنجف وعلى الرغم من حدودها الجغرافية الضيقة كانت غنيّة بنفائس المكتبات والخزائن الثمينة. ولم تكن للحكومة يد في إنشاء هذه المكتبات فهي من صنع العلماء ومساعيهم الفردية. ومن أشهر هذه المكتبات مكتبة الشيخ علي آل كاشف الغطاء(٢) ، ومكتبة الامام أمير المؤمنينعليهالسلام
__________________
١ - جعفر الدجيلي : موسوعة النجف الأشرف ، ج ٦ ، ص ٣٠٥ ، ٣٠٦.
٢ - من أشهر مكتبات النجف وأوسعها. قامت على مخلفات أشهر مكتبات النجف الكبرى وما تبعثر منها. جمع قماطير هذه المكتبة الثمينة الشيخ علي ابن الشيخ محمّد رضا آل كاشف الغطاء ( ١٢٦٨ - ١٣٥٠ ه ) الذي أنفق جلّ عمره في جمع الكتب واستنساخها من خلال اسفاره الكثيرة الى الهند وايران وتركيا وغيرها من البلاد. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٦٣ ، ١٦٤ ).
العامة(١) ، ومكتبة السيد الحكيم العامة(٢) .
ومن العوامل المهمة التي ساعدت على توسيع المكتبات واثرائها بانواع الكتب والمؤلفات ظهور المطابع ودور النشر. فقد اسست اول مطبعة في العراق سنة ١٨٥٦ م ثم تلتها مطبعة اخرى في سنة ١٨٦١ م(٣) امّا في النجف فكانت اول مطبعة جُلبت اليها هي « مطبعة حبل المتين » طبعت فيها بعض الكتب العربية والفارسية الدينية بالاضافة الى بعض المجلات والجرائد(٤) . وانتشرت في النجف عدة مطابع ساهمت مساهمة فعالة في إحياء التراث الاسلامي ، ونشر العلوم والمعارف ، منها المطبعة العلمية(٥) ، ومطبعة النجف(٦) ، ومطبعة النعمان(٧) .
ومع انتشار المطابع وازدياد دور النشر في النجف ازدهرت الصحافة ازدهاراً باهراً ، وأقبل الأُدباء على هذا الرافد المعرفي الهام إقبالاً منقطع النظير. ولعل ذلك يعود الى تناول الصحافة قضايا الفكر والادب والسياسة والاجتماع
__________________
١ - من امهات المكتبات في النجف. أُسست سنة ١٣٧٣ ه برعاية الشيخ عبد الحسين الأميني ( ١٣٢٢ - ١٣٩٠ ه ) بُنيت على الطراز الحديث وتضم بين دفتيها عشرات الآلآف من الكتب المطبوعة والمخطوطة بشتى اللغات والعلوم. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٧٢ ).
٢ - أُسست سنة ١٣٧٧ ه في المسجد الهندي بعناية المرجع الديني السيد محسن الحكيم وقد خصصت لها مبالغ كبيرة للانفاق عليها وتنميتها وتركيزها ، كما جلبت لها كتب نفيسة كثيرة ومخطوطات قيمة ثمينة. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٧٣ ).
٣ - عناد اسماعيل الكبيسي : الادب في صحافة العراق منذ بداية القرن العشرين ، ص ٣٨.
٤ - جعفر آل محبوبه : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٧٤.
٥ - وردت النجف سنة ١٣٥٢ ه وهي من المطابع الحجرية لصاحبها الشيخ محمّد ابراهيم الكتبي. وقد انتقلت بعد وفاته الى أولاده وقد أجريت عليها تحسينات كثيرة ، كما جلب اليها مكائن حديثة ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٧٦ ).
٦ - من المطابع المهمة الحديثة التي انشئت في النجف سنة ١٩٥٥ م ، صاحبها الشيخ هادي الاسدي ، وقد طبع فيها كثير من الكتب العلمية والفقهية. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٧٧ ).
٧ - صاحبها حسن الشيخ ابراهيم الكتبي ، وهي من المطابع الجيدة الحديثة ، وقد طبع فيها كثير من الكتب العلمية والادبية ، وقد تأسست سنة ١٣٧٦ ه ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٧٧ ).
بواقعية وموضوعية لم يألفها النجفيون آنذاك. ومن أقدم مطبوعات النجف مجلة « العلم » التي أصدرها السيد محمّد علي هبة الدين الشهرستاني(١) سنة ١٣٢٨ ه وكانت مجلة علمية دينية(٢) .
ومن المجلات التي لاقت شهرة وذيوعاً بين المثقفين مجلة « الاعتدال » لصاحبها محمّد علي البلاغي(٣) ، وكانت مجلة شهرية مصورة تبحث في العلم والأدب والأخلاق والاجتماع صدر أول عدد منها سنة ١٣٥١ ه ، وانقطعت عن الصدور بعد أن دخلت عامها السادس(٤) . وقد صدرت في النجف صحف ومجلات كثيرة لا يزال بعضها مستمراً في الصدور(٥) .
وقد اشتهر في النجف صحفيون كبار يأتي في مقدمتهم الأديب جعفر الخليلي(٦) الذي تعد صحفه من ركائز النهضة الصحافية الحديثة في العراق. واول جريدة أصدرها في النجف كانت جريدة « الفجر الصادق » وذلك في عام ١٩٣٠ م ، وكانت اسبوعية استمرت في الصدور عاماً واحداً. ثم أصدر سنة ١٩٣٤ جريدة « الراعي » لم تدم الاّ سنة واحدة حيث اغلقتها الحكومة لدوافع سياسية. وفي عام
__________________
١ - محمّد علي هبة الدين الحسيني الشهرستاني ( ١٣٠١ - ١٣٨٦ ه ) عالم مجتهد ومصلح مجدد. ولد في سامراء وهاجر الى النجف للدراسة. من مؤلفاته : « المعجزة الخالدة » ، و « توحيد أهل التوحيد » ، و « نهضة الحسينعليهالسلام ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٧٦١ ، ٧٦٢ ).
٢ - جعفر آل محبوبه : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٧٨ ، ١٧٩.
٣ - محمّد علي البلاغي ( ١٣٣١ - ١٣٩٤ ه ). كاتب كبير وشاعر وصحافي قدير. كتب واكثر في الصحافة العراقية. له ديوان شعر. ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ١ ، ص ٢٥٦ ).
٤ - جعفر آل محبوبه : ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ، ص ١٨١.
٥ - للتوسع ينظر المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٧٨ - ١٨٣ ، ودليل النجف ، ص ١٠٤ - ١٠٦.
٦ - جعفر الخليلي ( ١٩٠٢ - ١٩٨٥ م ) أديب قدير وكاتب شهير. زاول الصحافة مدة عشرين سنة. كتب والّف في حقول شتى. من مؤلفاته : « موسوعة العتبات المقدسة » ، و « مقدمة للقصة العراقية الحديثة » ، و « القصة العراقية قديماً وحديثاً ». ( هكذا عرفتهم ، ج ٤ ، ص ٢٠٣ - ٢٢٢ ).
١٩٣٥ م أصدر الخليلي جريدة « الهاتف » ثم انتقل بها الى بغداد عام ١٩٤٨ م. وقد استمرت في الصدور ما يناهز عشرين عاماً ثم اغلقت عام ١٩٥٤ م(١) .
وثمة ظاهرة ثقافية اخرى امتازت بها النجف عن سائر البلدان العراقية وهي كثرة ادبائها وشعرائها اضافة الى وفرة مفكريها وعلمائها. فقد نبغ في النجف على مرّ العصور شعراء كثيرون كانت لهم مكانة شامخة ومنزلة عليا في عالم الشعر والأدب. وإذا ما استعلمنا مؤثرات واسباب هذه الميزة الفريدة فإننا سنقف على عوامل دينية واجتماعية وسياسية دخيلة جعلت النجف بيئة فكرية وادبية مميزة لم تحظ بها سائر المدن العراقية « فالى النجف يتجه اكثر العراقيين في الحركة الفكرية ، والبورصة الفكرية لأكثر مدن العراق وقراه المهمة في النجف. فانّ للأفكار النجفية هيمنة على العراقيين ولها سعراً ولها قيمة ليست للأفكار البغدادية ، وللمقال أو العقيدة النجفية أو الرأي النجفي ميزة خاصة عند العراقيين »(٢) .
ولمركزية النجف العلمية والدينية ودورها الريادي في تعميم العلوم الاسلامية باعث هام في ازدهار الشعر والادب في هذه المدينة. فقد ظهر من علمائها نوابغ في الشعر والأدب اختط كل منهم مدرسة في عالم النظم والقصيد. ولا يعني هذا ان الشعر أصبح حكراً على طبقة خاصة من الناس بل بالعكس فان الشعر قد تفشى بين جميع الطبقات حتى أصبح من طبيعة الفرد النجفي. وفي هذا الخصوص يقول جعفر آل محبوبه : « الشعر في النجف طبيعي في نفوس أكثر أبنائه لاكسبي وغريزي ، لا تعلمي.فترى الشاعر النجفي من حين ما يشب يتغذى لبان الآداب ويرضع أخلاف النبوغ والعبقرية ولذا ترى أن الشعر فاش في أكثرهم.
__________________
١ - جعفر الخليلي : هكذا عرفتهم ، ج ٤ ، ص ٢٢٣.
٢ - علي الشرقي : موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية ، ج ٢ ص ١٥٧.
فيشترك في صوغ الشعر ونظمه الطبقتان ( العليا ) : وهم العلماء وحملة العلم ، و ( السفلى ) : وهم سائر الناس من أهل الحرف والصناعات الدارجة ممن لم يتحلّ بالعلم ولم يسلك منهجه(١) ».
أمّا عن طبيعة الأدب النجفي فقد بقي حتى مستهل القرن العشرين مقلداً أدب العصور الغابرة يحاكيها في الأسلوب والبناء والموضوع ، بعيداً كلّ البعد عن تمثيل الحياة الاجتماعية والسياسية. الاّ انّ مظاهر البعث والتجدد أخذت طريقها اليه مع إطلالة النهضة الحديثة فظهرت بوادر الأبداع تتجلى في ألفاظ الشعر ومعانيه ، وأوزانه وقوافيه ، وأساليبه واخيلته ، مما دعا الى ظهور طبقات متعددة من الشعراء يمكن تصنيفهم كالآتي :
الطبقة الأُولى : طبقة العلماء المحافظين ممن غلبت عليهم الصبغة الروحية ، والنزعة العلمية ، من مثل الشيخ جواد الشبيبي(٢) ، والسيد رضا الهندي(٣) ، والشيخ محمّد السماوي(٤) .
الطبقة الثانية : طبقة الرعيل الأول من الشعراء المجددين الذين أدخلوا التجدد الحديث في شعرهم ، وأبدعوا في موضوعاته وأساليبه ، أمثال الشيخ محمّد
__________________
١ - ماضي النجف وحاضرها ، ج ١ ص ٣٩١.
٢ - جواد الشبيبي ( ١٢٨١ - ١٣٦٣ ه ) من زعماء الحركة الفكرية وأقطاب الأدب في النجف. عرف في الأوساط الثقافية عالماً جليلاً واديباً مبدعاً. من آثاره : « الدر المنثور على صدور الدهور » ، و « ديوان شعر ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٧١٧ ).
٣ - السيد رضا الموسوي الهندي ( ١٢٩٠ - ١٣٦٢ ه ) من الشعراء النابغين ، ومن أساتذة الفقه والاصول والأدب. له : « بلغة الراحل في اصول الدين » ، و « الميزان العادل في الفرق بين الحق والباطل » ، و « ديوان شعر ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٣ ص ١٣٤٨ ).
٤ - محمّد السماوي ( ١٢٩٢ - ١٣٧٠ ه ) من المتضلعين في التاريخ واللغة والشعر والادب. من آثاره : « الكواكب السماوية » ، و « إبصار العين في معرفة أنصار الحسينعليهالسلام » ، و « عنوان الشرف في تأريخ النجف ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٦٨٦ ).
رضا الشبيبي ، والشيخ علي الشرقي(١) .
الطبقة الثالثة : وهم شعراءالتجديدالحديث ممن غلب الطابع السياسي والاجتماعي على شعرهم. من هؤلاء : محمد مهدي الجواهري ، والسيد محمد صالح بحر العلوم(٢) ، والسيد احمد الصافي النجفي(٣) .
الطبقة الرابعة : وهي طبقة الشعراء المتحررين الذين دعوا الى مواكبة المسيرة الحضارية الحديثة بأشعارهم الصريحة والجريئة. ومن شعراء هذه الطبقة : صالح الجعفري ، والدكتور عبد الرزاق محيي الدين(٤) ، والسيد محمود الحبوبي(٥) .
الطبقة الخامسة : وهي طبقة الجيل الجديد من العلماء الشعراء الذين طوروا الشعر الاسلامي وعملوا في توظيفه في شتى شؤون الحياة. ومن أعلام هذه الطبقة :
__________________
١ - علي الشرقي ( ١٣٠٩ - ١٣٨٥ ). شاعر وطني وسياسي معروف. زاول السياسة والعمل الوطني مدة طويلة. من آثاره : ديوانه « عواطف وعواصف » ، و « الأحلام » ، و « نكت القلم » ، و « الغراف والبطايح » ، ( شعراء الغري ، ج ٧ ، ص ٣ ).
٢ - السيد محمد صالح بحر العلوم ( ١٩٠٨ - ١٩٩٢ م ). شاعر وطني كافح الاستعمار ردحاً من الزمن وسجن مرات عديده. من آثاره : ديوانه « العواصف » ، و « أقباس الثورة » ، ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ١ ، ص ٢١٦ ).
٣ - السيد احمد الصافي النجفي ( ١٣١٤ - ١٣٩٧ ه ). من كبار شعراء العراق أصدر عدة دواوين ، منها : « أشعة ملونة » ، و « الأغوار » ، و « الحان اللهيب » ، و « الامواج » ، وترجم رباعيات الخيام شعراً. ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٧٩٣ ).
٤ - عبد الرزاق محيي الدين ( ١٣٢٨ - ١٤٠٤ ه ). من أساتذة الادب واللغة العربية. ترأس المجمع العلمي العراقي بعد الشيخ محمد رضا الشبيبي. من آثاره : « أبو حيان التوحيدي » ، و « أدب المرتضى من سيرته وآثاره ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٣ ، ص ١١٧٦ ).
٥ - السيد محمود الحبوبي. ( ١٣٢٣ - ١٣٨٩ ه ) من مشاهير شعراء العراق ومن أعلام الادب في النجف. له : « رباعيات الحبوبي » ، و « ديوان الحبوبي » ، و « آراء في الشعر والقصة ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ١ ، ص ٣٨٨ ).
السيد محمد جمال الدين الهاشمي(١) ، والشيخ عبد المنعم الفرطوسي ، والشيخ علي الصغير(٢) .
الطبقة السادسة : وهي الطبقة التي عُرفت آنذاك بطبقة الشباب الناهض(٣) وقد امتاز روّادها بآرائهم النهضوية وأفكارهم التجددية. وفي مقدمة هذه الطبقة : محمد صادق القاموسي(٤) ، والدكتور مصطفى جمال الدين ، والدكتور احمد الوائلي(٥) .
ويزداد الشعراء تفاعلاً بازدياد الاحتفالات والمهرجانات العامة التي كانت تقام في النجف وخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية. وقد تركت هذه الاحتفالات أثراً واضحاً في حركة الشعر النجفي بوجه خاص والشعر العراقي بوجه عام. واضافة الى هذه الاحتفالات العامة فقد كانت المجالس الخاصة والندوات الأدبية التي كانت تعقد في دور وجهاء البلد وبيوت الشخصيات السياسية والعلمية والأدبية من العوامل المؤثرة في تنشيط حركة الشعر والادب
__________________
١ - السيد محمد جمال الدين الهاشمي ( ١٣٣٢ - ١٣٩٧ ه ). من العلماء المجتهدين والشعراء المجيدين. له دواوين شعرية كثيرة لم ينشر منها الاّ ديوان « مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله : ». من مؤلفاته المطبوعة : « الادب الجديد » ، و « المرأة وحقوق الانسان ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٣ ص ١٣٢٦ ).
٢ - علي الصغير ( ١٩١٢ - ١٩٧٥ م ). مجتهد جليل وعالم فاضل. والصغير في طليعة شعراء النجف وعلمائها. نبغ شاعراً وحصل على فضيلة عالية متوسمة بالعلم الوافر والفضل الجم. من آثاره : « الديوان الخاص » ، و « محاضرات في الفقه الجعفري ». ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٧٢٧ ).
٣ - محمد بحر العلوم : حصاد الأيام ، ص ٣٣٤.
٤ - محمد صادق القاموسي ( ١٣٤١ - ١٤٠٨ ). شاعر مطبوع وأديب مرهف الحس. له : « ديوان شعر » وكتب مخطوطة لم تطبع. ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٣ ، ص ٩٦٩ ).
٥ - أحمد الوائلي ولد في النجف سنة ١٣٤٦ ه. خطيب متكلم وشاعر مجيد وأديب متضلع.عرف بجودة البيان والاطلاع الواسع والاسلوب العلمي وعذوبة المنطق. له : « ديوان الوائلي » ، و « هوية التشيع » ، ومؤلفات أخرى. ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٣ ، ص ١٣١٥ ).
في النجف. وقد عرفت النجف قديماً بندواتها ومجالسها الكثيرة ، وفي هذا الشأن يقول جعفر الخليلي : « والمجالس كانت عنوان النجف منذ كان تأريخ النجف ، وهي تمثل النجف تمثيلاً فيه الكثير من واقع البلد وحقيقته وأهدافه ، وفي هذه المجالس كانوا يتبادلون الآراء والأفكار السياسية ، وفي هذه المجالس كانت توضع الخطط ، وتعد المناهج العامة ثم هي بعد ذلك أشبه بقاعات المحاضرات ، والدرس ، والمباراة الشعرية ، بل كثيراً ما قامت هذه المجالس بمهمة المحكمة ففصلت بين المتشاكين ، وتوسطت في حل المشاكل على قدر ما لصاحب المجلس من لياقة وقابلية ، والمرتادون لهذه المجالس وإن كانوا من طبقات مختلفة ولكنهم كانوا عيون البلد ووجوههم لا يصلح غيرهم أن يمثل النجف تمثيلاً واقعياً في أفكاره وآرائه وما هي عليه من مواهب أدبيه فنية ، والى مثل هذه المجالس يعود الفضل الأول في بذرة الاستقلال ، ووضع أول خطة لكيفية المطالبة باستقلال العراق ، ومن هذه المجالس انبعثت فكرة ثورة النجف الأولى في وجه الانجليز ، والى مثل هذه المجالس يعود الفضل في تضييق دائرة الحروب القبلية(١) ».
وعن هذه المجالس نشأت جمعيات ونوادي كثيرة اهتمت في الدرجة الاولى بالشعر والادب ، وبنشر العلوم والفنون في الدرجة الثانية. ومن هذه الجمعيات ما كانت على شكل تجمعات إخوانية لم تحمل طابعاً رسمياً ك « أسرة الأدب اليقظ(٢) » ، ومنها جمعيات رسمية تأسست بإذن حكومي وبنظام داخلي
__________________
١ - هكذا عرفتهم ، ج ١ ، ص ٣١٦.
٢ - جمعية أدبية تشكلت في الخمسينات. وضع أساسها ثلة من الشعراء الشباب آنذاك منهم السيد مصطفى جمال الدين ، والشيخ جميل حيدر ، والشيخ محمد الهجري. ( مصطفى جمال الدين : الديوان ، ص ٤٢ - ٤٧ ).
مقرر كجمعية « الرابطة العلمية الادبية(١) » التي تأسست سنة ١٥٣١ ه. و « جمعية منتدى النشر(٢) » ، و « جمعية التحرير الثقافي »(٣) .
__________________
١ - سيأتي الحديث عنها لاحقاً.
٢ - أسست عام ١٣٥٤ ه وقامت بدور تطوير الحياة الدراسية والثقافية في النجف الاشرف ، ففتحت ( المجمع الثقافي ) الذي قام باعداد عدة مواسم ثقافية ، ألقيت فيها الكثير من المحاضرات العلمية والأدبية. أصدرت كتباً كثيرة منها : « حقائق التأويل » للشريف الرضي ، و « الشيعة والإمامة » للشيخ محمد حسين المظفر. ( دليل النجف ، ص ١٠٢ ).
٣ - اُسست عام ١٣٦٤ ه ، وشاركت ثقافياً بإصدار مجلة باسم ( النشاط الثقافي ) ، واجتماعياً بفتح مدرسة دينية. ( دليل النجف ، ص ١٠٣ ).
البَابُ الثَّاني
السيرة
هو الشيخ عبد المنعم ابن الشيخ حسين ابن الشيخ حسن ابن الشيخ عيسى ابن الشيخ حسن الفرطوسي المعروف بالفرطوسي الكبير(١) .
ولد سنة ١٣٣٥ ه(٢) ، في قرية تسمى « الرقاصة » من أعمال « المجر الكبير(٣) بمحافظة العمارة في جنوب العراق(٤) . وكان ذلك ابّان رحيل والده الشيخ حسين مع أفراد عائلته من النجف الى العمارة إثر الأضطرابات والحوادث التي نشبت بسبب الاحتلال البريطاني للعراق. ولم يلبث الوالد أن عاد ثانية الى النجف ومعه ابنه الصبي بعد أن قضى مدة في القرية المذكورة.
نشأ الفرطوسي في مدينة النجف المعروفة بمحيطها الديني وبيئتها المحافظة ، وقد أحبّ مدينته حبّا جمّا طالما حَنّ إليها وعبّر عن اشتياقه اليها في
__________________
١ - ينظر الملحق رقم (١).
٢ - اختلف المؤرخون في تاريخ ولادة الشاعر. فالشيخ آقا بزرك الطهراني ذكر أنّه ولد سنة ١٣٣٣ ه ( الذريعة ، ج ٩ ، ص ٧٠٠ و ج ١٦ ، ص ٢٧٥ ) ، بينما جاء في بعض المصادر انه ولد سنة ١٣٣٤ ه ( معجم رجال الفكر والادب في النجف ج ٢ ، ص ٩٣٧. ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٥ ). والصحيح ما اثبتناه حسبما اكده الشاعر في مقدمة ديوانه ( ج ١ ، ص ١٨ ).
٣ - المجر الكبير : قضاء في محافظة العمارة مركزه المجر الكبير يقع على الضفة اليسرى من نهر ( المجرية ) المتشعب من دجلة جنوبي العمارة على مسافة ٢٩ كيلو متراً منها. ( اصول أسماء المدن والمواقع العراقية ، ج ١ ، ص ٢٧٢ ).
٤ - حميد المطبعي : موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين ، ج ١ ، ص ١٣٧.
جملة من قصائده وفي اكثر من مناسبة. يقول من قصيدة:
أحنُّ لتربة بحمى ( علي ) |
يفوح بطيب نفحتها الرغام |
|
وأشتاق المرابع من ثراها |
يطيب بها لمشتاق مقام(١) |
ويقول ايضاً :
مدينة النجف الغرّاء يا أُفقا |
يوحى ويا تربة تحيي بما خصبا |
|
كم احتضنت وكم خرّجت نابغة |
فذاً وشيخاً على أسفاره حدِبا |
|
فأنت مدرسة للعلم جامعة |
تقري العقول وترويها بما عذباً(٢) |
قرأ عبد المنعم في بدايات دراسته على والده الذي عني بتربيته واهتم بتنشئته تنشئةً دينية صالحة. وقد تركت هذه العناية الأبوية آثارها في توجيه الصبي توجيها علمياً صحيحياً. الاّ انّ نعمة الأبوة لم تدم طويلاً على الصبي فقد فجع بفقد والده وهو في سن الثانية عشرة ، فكفله عمه الشيخ علي(٣) الذي أولاه من عنايته وعطفه ما أولاه ، فكان يجمع ما بقي لأخيه من نتاج الأرض الزراعي القليل ويدفعه الى والدة الصبي التي بذلت هي الأخرى جهوداً جبارة في تربية ولدها عبد المنعم وتربية أشقائه في ظروف قاسية وحياة ضيقة صعبة.
وفي الخامسة عشرة من عمره يبلغ عبد المنعم منعطفاً تاريخياً هاماً من مسيرة حياته. ففي هذه السن يلبس العمامة البيضاء ويصبح شيخاً روحانياً يشعر
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٦٥.
٢ - المصدر السابق ج ٢ ، ص ١٦١.
٣ - الشيخ علي الفرطوسي : من اعلام اسرته وهو عالم جليل على جانب عظيم من الاخلاق العالية. تخرج على العلامتين الشيخ احمد والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء وحضر عند غيرهم من اعلام عصره. توفي سنة ١٣٧١ ه عن عمر يقارب الثمانين ودفن في ايوان العلماء بجوار مرقد الامام عليعليهالسلام . ( ينظر ما ضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٧ ، وكذلك الملحق رقم ( ١ ) ).
بالمسؤولية ويدرك ثقل العبء الملقى على عاتقه. يقول عن نفسه : « وفي الخامسة عشرة لبست العمامة ( الشعار الديني ) وأصبحت اشعر بالمسؤولية في تنظيم حياة عائلتي التي يبلغ عددها خمسة أفراد فأثقلت كاهلي بعبء السفر وكانت المنطقة التي اقصدها من ريف العراق هي ( ناحية المجر الكبير ) حيث منحت قطعة من الأرض الزراعية أعيش من نتاجها الضئيل حسب صلتنا بمشايخها الموروثة من الآباء »(١) .
وهكذا بدأت حياة الفرطوسي الفتى تأخذ مسيرها صوب تحمل المسؤوليات الجسام ، والتعامل بموضوعية مع الواقع المر الذي فرض عليه وهو في سن مبكرة. ولم تنل من عزيمة الفتى الصعاب التي كانت تعترض مسيرة حياته والمشاكل التي كانت تحدق به من كل حدب وصوب. فقد واصل طريقه - بالرغم من انشغاله بتوفير لقمة العيش - في طلب العلم وتحصيل المعارف من خلال مثابرته واجتهاده في البحث والدراسة حتى بلغ القمة في التدريس واصبح في وعي المجتمع النجفي ، وفي الحوزة العلمية « الفاضل الذي يعترف الجميع بعلمه لاسيما علوم العربية التي كان مدرسها البارز الذي يتهافت عليه الطلاب هناك ليستفيدوا من إحاطته الشاملة ، ومن أسلوبه الأدبّي المشرق(٢) ».
ومع تقدمه في مجال العلم والمعرفة بدأ نجم الفرطوسي يتألق في سماء الأدب وخاصة في محافل الشعر وحلبات الأدب التي كانت تقام دائماً وبدون انقطاع في النجف. وبفضل موهبته الشعرية ونبوغه الخارق في ارتجال الشعر ونظم القصيد تصدر الشاعر مجالس الأدب وتربع على عرش حلباته حتى أصبح
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٩.
٢ - عبد المنعم الفرطوسي : ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٨ ، ص ٣.
شاعرها الأوحد بلا منازع ، واشتهر ب « شاعر الحلبات الاسلامية(١) ».
ينحدر الشيخ عبد المنعم من عشيرة ( آل فرطوس ) احدى العشائر العربية العريقة في جنوب العراق. نزحت من الحجاز الى العراق في العهد العثماني لتسكن في بداية الأمر في مناطق « الناصرية » ، وكان يرأسها أيام هجرتها الشيخ « غزي بن فضل » الذي سكن في محلة « الفضل » من بغداد وأخذت عنه اسمها الحالي. ويبدو انّ الحادث الذي راح ضحيته الشيخ « چليب » شيخ آل فرطوس ، إبّان العهد العثماني دفع آل فرطوس الى التفرق ، فاتجهت مجاميع منها الى « البصرة » واُخرى الى « العمارة » وبقي منها من بقي في « الناصرية(٢) ».
وعشيرة آل فرطوس هي من عشائر « الغزي(٣) » الطائية. وقد ذكر المؤرخ عباس العزاوي انّ آل فرطوس فخذ من « الغزي » من « بني لام » بالعراق يسكن في أراضي « العبد » في « الچبايش » ومنه في محافظة « العمارة » ، وفروعه : « آل عطاس » ، و « البوزبارة » ، و « البوارسي » ، و « العبادة » ، و « آل سلمة(٤) ».
ويشير العزاوي في موضع آخر الى انّ آل فرطوس فخذ من « آل خزيّم » من « آل شبل » بالعراق. وقد عدّ بعضهم أصله من « خفاجة » وآخرون من
__________________
١ - عبد الصاحب الموسوي : الشيخ اليعقوبي ، دراسة نقدية في شعره ، ص ٥٢.
٢ - ثامر عبد الحسن العامري : موسوعة العشائر العراقية ، ج ١ ، ص ١٢٥.
٣ - آل غزي : عشيرة متوطنة تشتغل بالزراعة والري تنتسب الى « الفضول » من عشائر « بني لام » في الضفة اليمنى من الفرات في المنطقة المحصورة بين « سوق الشيوخ » ، و « الناصرية » ، و « الدراجي ». ( العشائر العراقية ، ج ١ ص ، ١٨١. عشائر العراق ، ج ٣ ، ص ٢٢٨ ).
٤ - عشائر العراق ، ج ٣ ، ص ١٢٣.
« غزي(١) ».
ومن المؤرخين من يعزو نسب الفرطوسيين الى « الظوالم » وهي عشيرة من « فزارة » تتفرع الى : « العكش » ، و « الحسان » ، و « الهزي » ، و « الهديان » ، و « المحايطة » ، و « الحمود » ، و « الشموط » ، و « الشنشول(٢) ».
ومهما يكن من أمر فان الصحيح من نسب هذه العشيرة انّها تنتسب الى « آل غزي » حسبما اكده الشاعر في مقدمة ديوانه حيث ذكر انّه من الفرع الذي يسكن « العمارة(٣) ». والى ذلك يشير المؤرخ جعفر آل محبوبة لدى حديثه عن اسرة « آل الفرطوسي » في النجف حيث قال : « جُلّ آل فرطوس يقطنون في « العمارة » ومنها نزحوا الى بعض الانحاء الأخرى ك « الناصرية » و « الشنافية » وغيرهما من الأنحاء ولهم بيت مشهور في النجف معروف بهذه النسبة « آل الفرطوسي ». نزحوا الى النجف في أواخر القرن الثاني عشر وهم من البيوت العربية المحتفظة بمكانتها العلمية والمحافظة على سمعتها واعتبارها. أول من هاجر من هذه الاسرة الى النجف جدها الأعلى الشيخ حسن على عهد الشيخ صاحب كشف الغطاء »(٤) .
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٣ ، ص ٢٥١.
٢ - عبد الجليل الطاهر : العشائر العراقية ، ج ١ ص ، ٢٢٩.
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٧.
٤ - ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٢.
هو الشيخ حسن ابن الشيخ عيسى(١) ابن الشيخ حسن(٢) الفرطوسي. قال عنه الشيخ محمد حرز الدين : « فقيه عالم محقق ، اشتهر بالفقاهة وحسن الاستنباط بين معاصريه. جليل القدر ، رفيع المنزلة معظماً عند الأكابر. صار مرجعاً للتقليد في أواخر أيامه عند سواد العراق(٣) ».
هاجر الى النجف الأشرف ، وتلمذ للشيخ مرتضى الأنصاري ، والشيخ راضي النجفي ، والشيخ مهدي كاشف الغطاء ، والشيخ محمد حسين الكاظمي ، والسيد المجدد الشيرازي(٤) .
له « الفقه الاستدلالي » شرح فيه كتاب شرائع الاسلام للمحقق الحلي. ألّف منه تسع مجلدات ، من أول الطهارة الى آخر التيمم ، وأخرجه الى البياض ولداه الشيخ علي والشيخ حسين في ثلاث مجلدات كبار وضخام(٥) . توفي في النجف سنة ١٣٢١ ه ، ودفن بايوان العلماء خلف الحرم العلوي الشريف(٦) .
__________________
١ - الشيخ عيسى الفرطوسي : كان ورعاً فاضلاً محل ثقة واطمئنان عند الشيخ صاحب كشف الغطاء. أرسله وكيلاً عنه الى ناحية « المجرة » من سوق الشيوخ وبقي فيها مدة طويلة مشغولاً بأرشاد الناس وتعليمهم. كان له مسجد هناك يقيم فيه الجماعة. توفي في محل اقامته مع عائلته في طاعون جارف ولم يبق من عائلته حي سوى الشيخ حسن المذكور. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٧ ).
٢ - الشيخ حسن الفرطوسي : كان ورعاً تقياً فاضلاً معاصراً للشيخ صاحب كشف الغطاء وكان معروفاً باستجابة الدعاء. نزل عليه الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء ضيفاً وأمر بالصلاة خلفه ودعا له بالذرية الصالحة. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٣ ).
٣ - معارف الرجال في تراجم العلماء والادباء ، ج ١ ، ص ٢٥٥.
٤ - أقابزرك الطهراني : هدية الرازي ، ص ٨٣.
٥ - آقابزرك الطهراني : الذريعة الى تصانيف الشيعة ، ج ١٦ ، ص ٢٨٦.
٦ - آقابزرك الطهراني : نقباء البشر فى القرن الرابع عشر ، ج ١ ، ص ٤٢٥.
هوالشيخ حسين الفرطوسي. كان من فضلاء عصره ورجال اسرته الأعلام. هاجر الى سامراء وأقام فيها ما يقرب من عشر سنين. تلمذ فيها للشيخ باقر حيدر ، والسيد محمد الاصفهاني ، وغيرهما من تلاميذ المجدد الشيرازي. وبعد وفاة السيد المجدد عاد الى النجف وحضر بحث العلامة الشربياني ، والشيخ محمد طه نجف ، والشيخ محمد كاظم الخراساني « صاحب الكفاية(١) ».
قال عنه الشيخ الطهراني : « هو من الفقهاء الصلحاء والأتقياء الأخيار ، رأيته كثيراً وجالسته مراراً ، وكان يسافر الى قبيلته آل فرطوس في لواء العمارة كل عام للهداية والارشاد ونشر الاحكام(٢) ».
توفي سنة ١٣٤٨ ه ، ودفن في الصحن العلوي الشريف قرب مرقد السيد الداماد بالقرب من ايوان العلماء ، وأعقب خمسة أولاد.
أعقب الشيخ حسين - والد الشاعر - خمسة من البنين ، أشهرهم الشاعر عبد المنعم. أما أشقاء الشاعر فهم:
١ - الشيخ عبد الزهراء ، ولد سنة ١٣٢٢ ه ، وهو من أهل العلم والفضل. حضر دروس أعلام عصره ، وقد توفي سنة ١٣٧٢ ه(٣) . رثاه الشاعر بقصيدة يقول فيها :
__________________
١ - جعفر آل محبوبة : ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٣.
٢ - نقباء البشر في القرن الرابع عشر ، ج ٢ ، ص ٥٦٥.
٣ - جعفر آل محبوبة : ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٤.
رَمَتكَ فأردتكَ كالأجدلِ |
سهام المَنيَّةِ في المقتلِ |
|
وما كنت أحسب أنّ الكميَّ |
يروَّع من سطوة الأعزل |
|
وأن الرصينَ من الشاهقات |
يزلزل من نسمة الشمأل |
|
وأنّ الخضم من الزاخرات |
يجفف من لفحة تصطلي |
|
ولكنه القدر المستبدّ |
وصاعقة الأجل المنزل(١) |
٢ - مجيد ، وهو شقيق الشاعر الذي أصيب بعطل في جهازه الذهني فأصبح متخلفاً عقلياً. وقد أثّر ذلك في نفسية الشاعر وأثار في نفسه لواعج الحزن والأسى وزاده لوعة وكآبة(٢) .
٣ - جبار ، ولد سنة ١٣٤٣ ه ، وهو يصغر الشاعر بثماني سنين. توفي سنة ١٣٦١ ه وهو في ريعان شبابه. ولجبار قصة اليمة مع أخيه الشاعر ، فقد زاره وهو في « الكاظمية » عندما كان الفرطوسي مريضاً. وفي الليلة التي جاءه فيها أصيب بالزائدة الدودية فاضطر الشاعر الى ادخاله المستشفى واجريت له عمليه جراحية لم تكلل بالنجاح واذا به يموت وليس مع شاعرنا من يساعده مع ما به من المرض(٣) .
وقد صوّر الشاعر هذا الحادث المروّع بقطعة نثرية تقطر حزناً والماً ، يقول فيها : « صمت كئيب في مصرع رهيب ، عينان شاخصتان مغرورقتان بالدموع ، قد ارتسم عليهما شبح الموت ، وأطبقت ظلمة اليأس فغار فيهما شفق الأمل ، بلبل جريح أجهز عليه القدر فجمدت الحانه على شفتيه الذابلتين فأصبح جثة هامدة ، شمعه تلفظ آخر نفس من الحياة وتودع أحلامها بالزفرات والحسرات هبّت عليها
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٢٤٩.
٢ - علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٦.
٣ - المصدر السابق ، ج ٦ ، ص ٥.
عاصفة القضاء فطوت روعتها وأخمدت شعلتها. هذا هو مصرع أخي جبار على مجزرة الطب القاسية وهو في ريعان شبابه ولم يتجاوز العشرين من عمره ، أطبقت عينيه بيدي وطبعت على شفتيه آخر قبلة للأخوة(١) ».
وللشاعر قصيدة في رثاء أخيه جبار عنوانها « يا شقيقي » يقول في جملة من أبياتها:
تشاطر الحزن وجداً فيك والألما |
قلبي وطرفي ففاضا لوعة ودما |
|
وعبَّرت أدمعي مذ خانني قلمي |
عن الأسى فأبانت بعض ما كتما |
|
وربما فُلَّ من عظم المصاب |
فعاد منطقة بالحزن ملتجما |
|
وأفصحت بجليل الخطب معربة |
عن الأسى أدمع انسانها كُلما(٢) |
٤ - محمد حسين ، ولد في مدينة النجف سنة ١٣٤٤ ه من رجال القانون ، وأحد الادباء المبدعين. قال عنه المؤرخ جعفر آل محبوبة : « أديب لوذعي ، وشاعر مبدع يتفجر شعره حماساً وشعوراً ، متقد الذهن ذكي يحسن اللغة الفارسية والأنجليزية والفرنسية اضافة الى لغته العربية(٣) ».
قرأ في المدارس الحكومية ، وانتقل الى بغداد حيث اكمل دراسته في كلية الحقوق. غادر العراق أواخر سنة ١٩٥١ م الى « سويسرا » وحصل على الدكتوراه في القانون سنة ١٩٥٧ م. وقبيل ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ عاد الى العراق وعمل محامياً حتى سنة ١٩٦٦ م حيث غادر العراق نهائياً ولم تسنح له الفرصة بالعودة ثانية. عمل ضمن الوفد الدائم لجامعة الدول العربية في « جنيف » ، وارتبط من سنة ١٩٨١ م بعقود مؤقتة مع مؤسسات الأمم المتحدة.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٢٤٥.
٢ - المصدر السابق.
٣ - ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٨.
الّف في مجال تخصصه كتباً بالانجليزية ، وله ديوان شعر سبق ان نشر قسماً منه في الصحف والمجلات ، اضافة الى البحوث القانونية والأدبية(١) .
خلّف الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ستة من البنين :
١ - عبد الرزاق ، وهو ولده الأكبر ، توفي سنة ١٣٦٢ ه وقد رثاه بقصيدة عنوانها « وتر العواطف » يقول في مطلعها:
جريح ليس يصلحه ضماد |
وكيف به وقد رحل الفؤاد(٢) |
٢ - علي ، مات طفلاً إثر ضربة أصيب بها من أحد الأطفال عندما كان يمرح في ملعب الطفولة ، وقد رثاه الشاعر بقصيدة لامية ، يقول في جملة من أبياتها :
شفتاك في علٍ وفي نهل |
أشهى الى نفسي من العسل(٣) |
|
ياقوتتان على فم عذب |
يفترُّ عن سمطين من خضل(٤) |
|
قد ذابتا صهرا على كبدي |
وانبتَّ عقدهما من الغلل(٥) |
وقد صدّر الشاعر قصيدته هذه بكلمة حزينة صوّر فيها عمق لوعته وفادح المصيبة التي حلّت عليه ، يقول : « عينان هما مصباح الأمل ، شفتان هما منبع العسل ،
__________________
١ - محمد هادي الأميني : معجم رجال الفكر والأدب في النجف ، ج ٢ ، ص ٩٣٨. كوركيس عواد : معجم المؤلفين العراقيين ، ج ٣ ، ص ١٥٣. مجلة الموسم : العددان ٢٣ - ٢٤ ( ١٩٩٥ م ) ، ص ٣٥١.
٢ ديوان الفرطوسي ، ج ١ ص ٢٨.
٣ - العلّ : الشربة الثانية. ( لسان العرب ، ج ٩ ، ص ٣٦٥ ). النهل : أول الشرب. ( لسان العرب ، ج ١٤ ، ص ٣١٠ ).
٤ - افتر الأنسان : ضحك ضحكاً حسناً. ( لسان العرب ، ج ١٠ ، ص ٢١٨ ). الخَضْل : اللؤلؤ. ( لسان العرب ، ج ٤ ، ص ١٣٠ ).
٥ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٢٣٧.
خدّان هما مرآة الجذل ، طفل وديع يمرح ويرفرف كالفراشة في ملعب الطفولة ، شمعة متقدة تشرق كالنجم اللامع في الصبا ، طائر غريد ترقص أهازيجه على مسرح الاحلام ، هذا هو ولدي « علي » وقد صرع بغتة في ملعب الطفولة فأصبح جثة هامدة من جرّاء صدمة قاسيه أصابت قلبه من بعض لداته وها انا أرثي قلبي بهذا النشيد الحزين ، وهذه العواطف المحترقة وهذه القطعة الدامية التي صعدتها زفراتي فذرفتها دمعة حزينة وما هي الاّ رسول من القلب الى القلب(١) ».
٣ - الشيخ حسين ، ولد في مدينة النجف بمحلة « العمارة » سنة ١٩٤٩ م ، درس في المدارس الرسمية ثم دخل الحوزة العلمية سنة ١٩٦١ م. كان الساعد الأيمن لوالده ، وكان يرافقه دائماً وخاصة بعدما فقد بصره. كتب عن أبيه « ملحمة أهل البيتعليهمالسلام » كاملة وعمل على طبعها ونشرها(٢) .
أمّا باقي أولاد الشيخ عبدالمنعم فهم : حيدر ، والشيخ حسن ، والمهندس محمد(٣) .
احتفظ الشيخ الفرطوسي لنفسه من الخصال الحميدة والسجايا القويمة مالانجدها الاّ في سيرة السلف الصالح - رضوان الله عليهم. فقد تجسدت في شخصيته المثالية ، وسلوكه الاخلاقي الرفيع تعاليم الاسلام السمحاء وقيمه المثلى المستوحاة من روح التربية القرآنية.
__________________
١ - المصدر السابق.
٢ - مجلة الموسم : العددان ٢ - ٣ ( ١٩٨٩ م ) ، ص ٧٠٠.
٣ - محمد هادي الاميني : معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٩٣٨. عباس محمد الزبيدي الدجيلي : الدرر البهية في أنساب عشائر النجف العربية ، ج ١ ، ص ١٩٩.
لقد كان ؛ شديد التواضع مع سمو مكانته العلمية ، وكان « صاحب الخلق الرفيع في ابتسامته المشرقة ، وفي احتضانه الشعوري للناس الذين يلتقيهم ، وفي اقباله على محدثيه وفي الدقة الروحية في مراعاة شعورهم وعواطفهم وفي تواضعه الذي يخجل كل إخوانه وتلامذته وعارفيه »(١) .
وتواضع الشيخ لم يكن عن تكلف وتصنع ، فهو « مترسل إلى أبعد حد في سيره وجلسته وتواضعه وحسن خلقه وميوعته الاجتماعية ، الميوعة التي حدته على أن يساير نفراً تفوَّق عليه بجميع القوى والفضائل ، ولكنه لوداعته وعدم شعوره بشخصيته ، أو بتعبير أصح نكرانه لذاته نكراناً غريباً حداه على هذه المشايعة ، غير انه في الوقت نفسه احتفظ باتزان نفسي وعزة وإباء جعلته محترماً في نفوس الناس وبالأخص في نفس من اطلع على غرائزه »(٢) .
والى جانب التواضع الذي عرف به ، كان - رضوان الله تعالى عليه - شديد الإباء والانفة حتى انه كانت تهدى اليه الهدايا إعجاباً به وبشاعريته الاّ أنه لم يكن يقبلها مع احتياجه الشديد اليها(٣) .
اضافة إلى ما سبق فقد كانت تعلوه رحمه الله هالة من الصفاء والهيبة ، وتتجسد في سيماه البساطة المتناهية الى جانب الوقار والاتزان. وكان اذا حدّث تراه كالنسيم الهادئ يدفع شراع المركب دون أن يغرق السفينة. وهو الى ذلك سريع البديهة ، قوي الحافظة ، وافر العقل والنباهة ، حاد الفطنة والذكاء ، صادق في قوله وعمله.
كما وعرف الشيخ بحسن السيرة وطيب النفس ، والترفع عن الدنايا والزهد
__________________
١ - محمد حسين فضل الله من كلمة له في تقديم الجزء الثامن من ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ص ٣.
٢ - علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٤.
٣ - غالب الناهي : دراسات أدبية ، ج ١ ، ص ٧٤.
عما في أيدي الناس. أما عن ورعه وتقواه فقد كان مثالاً يحتذى به في الزهد والصلاح واُسوة طيبة في الهداية والاقتداء.
شغل السفر حيّزاً من حياة الشاعر ومنذ سنيه الأولى. فما ان بلغ الخامسة عشرة من عمره حتى أُلقي على كاهله مسؤولية ادارة عائلته وتنظيم حياته وحياة اسرته. فكان يقصد باستمرار منطقة ريفية من ناحية « المجر الكبير » بجنوب العراق لأستحصال نتاج الأرض التي كانت لهم في تلك المنطقة(١) . وبعد أن بلغ شأواً في العلم والمعرفة أخذ يتردد على تلك المناطق وخاصة أرياف « العمارة » و « الناصرية » للوعظ والارشاد وتسلم الحقوق الشرعية.
واضافة الى واجبه الديني وعمله التوجيهي الذي كان يحتم عليه السفر الى مناطق مختلفة من العراق ، وكذلك زياراته للعتبات المقدسة في كربلاء والكاظمية وسامراء ، فانّ المناسبات الدينية والمهرجانات الأدبية التي كانت تقام بين الحين والآخر في مدن مختلفة دفعته الى تحمل عبء السفر والمشاركة الفاعلة في إحياء تلك المناسبات.
فمن تلك المناسبات التي ساهم فيها الشاعر بابداع شعري رائع ، الحفل الذي أقامته الهيئة العلمية في كربلاء ليلة مولد الامام المهديعليهالسلام سنة ١٣٦٩ ه ( ١٩٥٠ م ). وقد انشد الفرطوسي في هذه المناسبة قصيدة هي غاية في الروعة والجمال ، يقول في جملة من أبياتها :
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٩.
عطّرتُ باسمك هذه الالحانا |
ونشرتُ ذكرك من فمي قرآنا |
|
وبعثت من شفتي حين لثمته |
قبساً ينير العقل والوجدانا |
|
ورأيته في النفس حين طويته |
بين الجوانح جنة وأمانا |
|
كحّلت جفني بالمنى في مولد |
بالنور كحل هذه الأجفانا(١) |
وتكثر رحلات الشيخ بمشاركته الفاعلة في المناسبات والحفلات. فمن تلك المناسبات ، الحفل الذي أقيم في مدينة « الحلّة » عند افتتاح مستشفى آل مرجان سنة ١٣٧٦ ه ( ١٩٥٧ م )(٢) . وكذلك الاحتفال البهيج الذي أقيم في « خان الخنيني » بمدينة « البصرة » يوم العاشر من شعبان سنة ١٣٨٣ ه ( ١٩٦٤ م ) بمناسبة مولد الامام الحسينعليهالسلام (٣) ، وأيضاً المهرجان الذي أقيم في مدينة « كربلاء » في مولد الامام عليعليهالسلام ، سنة ١٣٨٣ ه ( ١٩٦٣ م )(٤) ، وكذلك الحفلة التأبينية التي اقيمت في مسجد براثا ببغداد بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة الشيخ محمد رضا الشبيبي سنة ١٣٨٥ ه ( ١٩٦٦ م )(٥) . وغيرها من الحفلات والمناسبات.
ولم تقتصر رحلات الشيخ على البلدان العراقية فقط بل كانت له عدة رحلات الى خارج البلاد ، الاّ انّ طابع هذه الرحلات تختلف بعض الشيء عن رحلاته الداخلية. فقد كانت رحلاته الخارجية غالباً للعلاج والاستجمام اضافة الى زيارة العتبات المقدسة في تلك البلدان.
ففي سنة ١٣٧١ ه ( ١٩٥٢ م ) سافر الشيخ الى ايران لزيارة مرقد الامام
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٥٧.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٦٧.
٣ - مجلة الايمان : العددان ٣ - ٤ ( ١٩٦٣ م ) ، ص ٢٦٤.
٤ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١١.
٥ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٣١٠.
الرضاعليهالسلام ، في مدينة مشهد المقدسة. وقد أثاره منظر القبة الذهبية وما شاهده من مظاهر العظمة والجلال لذلك المرقد المطهر ، فجادت قريحته بقصيدة رائعة ، يقول في أبيات منها:
تفجّر أيّها الطرفُ القريحُ |
بما يوحي لك القلب الجريحُ |
|
وصغ من دمعك القاني وقلبي |
نشيداً كلُّ مافيه ينوح |
|
فما هذا الجمود وكل شيءٍ |
أراه للعواطف فيه روح |
|
فهذا مشهدٌ قد كنت شجواً |
على ذكراه بالنجوى تبوح |
|
وهذي القبةُ الحمراءُ تكسو |
بروعتها العواطفَ اذ تلوح |
|
وهذا مهبط الأملاك فاخشع |
على أعتابه - وهو الضريح |
|
وهذي تربةٌ في كلّ حِينٍ |
بطيب أبي الجواد لنا تفوح(١) |
وعندما حجّ الشيخ بيت الله الحرام سنة ١٣٧٦ ه ( ١٩٥٧ م ) عرّج على المدينة المنورة فزار مسجد الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ومراقد ائمة أهل البيتعليهمالسلام في البقيع. وقد أثاره منظر البقيع كثيراً حتى قال عنه : « سكون رهيب في مشهد حزين تستعرض منظره الكئيب بطرفك الباكي فيمد سحابة سوداء من الشجون على عينيك ويفرق بموجة الأسى شفتيك وتتغلغل في أعماق نفسك من سورة الالم زفرات تضيق بها الضلوع وتحترق الدموع. هذا هو مشهد البقيع التربة المقدسة التي غربت وراء صعيدها الطاهر من شمس الرسالة بضعته الصديقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام وأربعة نجوم من سلالتها الطاهرة هم أئمة البقيععليهمالسلام »(٢) .
وفي سنة ١٣٨٤ ه ( ١٩٦٥ م ) سافر الشيخ إلى « سويسرا » لعلاج بصره فمكث مدة في العاصمة « جنيف » ثم انتقل الى مدينة « لوزان » لتلقي العلاج في
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٠٤.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٥٠.
جامعتها الطبية. وبعد فترة قضاها في « سويسرا » قرر الذهاب الى لبنان(١) فبقي مدة هناك ثم توجه بعدها الى سوريا حيث كانت محطته الأخيرة في هذه الرحلة توجه بعدها الى العراق.
وفي أواخر السبعينات وإثر الأزمات السياسية التي شهدها العراق في تلك الفترة غادر الشيخ العراق نهائياً وأقام في لبنان. وبعد مدة توجه الى « جنيف » في « سويسرا » لمعالجة بصره حيث نزل عند أخيه الدكتور محمد حسين الفرطوسي وذلك في سنة ١٩٨٠ م. مكث الشيخ ستة أشهر في « جنيف » قضاها بين العلاج الطبي والانصراف الى التعبد وعقد المجالس العلمية. وبعد هذه الفترة انقطع أمله بالتوصل الى أعادة بصيص من بصره فعزم على الرحيل الى بيروت والاقامة هناك. وفي عام ١٩٨٢ م عاد الشيخ الى « جنيف » ثانية وبعدها قرر الانتقال الى الامارات العربية المتحدة فأقام في « أبو ظبي » حتى أيامه الأخيرة(٢) .
عرف الشيخ الفرطوسي في الأوساط العلمية والمحافل الأدبية عالماً فاضلاً وأديباً مبرزاً له اجتهاده المستدل ورأيه الصائب في المسائل العلمية والأدبية. وبالرغم من شهرته كشاعر مرموق وأديب مبدع فانّ ذلك لم يفقده مكانته العلمية ومنزلته الشامخة بين أساتذة الحوزة العلمية في النجف. فالشخصية العلمية التي تمتع بها الفرطوسي استهوت الكثير من طلبة العلم وروّاد المعرفة. وقد تظافرت
__________________
١ - مجلة العرفان : المجلد ٥٣ الجزء ٤ ( ١٩٦٥ م ) ، ص ٣٥٠.
٢ - محمد حسين الفرطوسي من مقال له نشره في مجلة الموسم : العددان ٢٣ - ٢٤ ( ١٩٩٥ م ) ، ص ٣٥٢.
على تكوين هذه الشخصية عدة عوامل ، هي :
أولاً : عامل البيئة
ولعامل البيئة الأثر الأعمق في تكوين شخصية الفرد وبلورة مواهبه الفطرية. وقد شاء الله أنْ ينمي غرس الفرطوسي الموهوب في مدينة النجف التي كانت ولا تزال جامعة علمية كبرى تخرّج منها غير واحد من عمالقة الفكر وأساطين العلم والأدب. والمعروف انّ النجف لم تكن مهداً للعلم والمعرفة فقط بل كانت أيضاً مؤسسة تربوية امتازت بأجوائها الروحية التي اقتبست أنوارها من الإشعاع المعنوي لمرقد الامام عليعليهالسلام .
وكان تأثر الفرطوسي بهذه الأجواء تأثراً واضحاً وعميقاً. فقد تجلّت في شخصيته الفذة ملامح الايمان ، ومعالم الرسوخ في العقيدة ، والثبات على خطى الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونهج الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام .
ثانياً : عامل الوراثة
ويأتي هذا العامل ضمن العوامل المحفّزة على اقتفاء آثار الآباء ، والسير في خطاهم ، والتأسي بمآثرهم ، والسعي على امتثال نهجهم الذي سلكوه في طلب العلم واقتباس المعرفة. وقد انعكس هذا العامل بكل ما يحمل من مؤثرات ومحفزات على شخصية الفرطوسي ، وهو الذي ينتمي الى عائلة انحدر منها علماء كثيرون عبر قرن من الزمن. فجد الشيخ الفرطوسي وهو الشيخ حسن كان من العلماء الأعلام ومراجع الدين العظام. وامّا ابنه الشيخ حسين - والد الشاعر -
فكان من أهل العلم والفضل تخرّج على كبار اساتذة عصره. وكذلك الشيخ علي - عمّ الشاعر - كان من فضلاء عصره وأعلام اسرته. وغير هؤلاء مما يضيق المجال بذكرهم هنا(١) .
ثالثاً : عامل الفطرة
لقد مَنَّ الله - سبحانه وتعالى - على الشيخ الفرطوسي بنعمة الذكاء المفرط ، والذاكرة القوية. فقد كان رحمه الله يستظهر الدواوين الشعرية والكتب الأدبية بمدة قصيرة. وفوق هذا انّه كان ينظم القصيدة الطويلة التي تتجاوز المئة بيت في ذهنه وعن ظهر قلب ثم يصلح أبياتها وينشدها على الحضور ، ثم يعيدها مرات دون ان يغفل عن بيت واحد منها(٢) .
والى ذلك أيضاً كان يناقش في مسائل تطرح عليه في الفقه والاصول والصرف والنحو والمعاني والبيان دون مطالعة مسبقة ، فكان يبسط الكلام في تلك المسائل ولا يترك شاردة ولا واردة في الموضوع إلاّ ويأتي بها كاملة.
أخذ الشيخ الفرطوسي مقدمات العلوم عن والده الشيخ حسين ، وكان قد أتقن القراءة والكتابة في سن التاسعة على معلمه « الشيخ عطية »(٣) . وبعد وفاة والده شمله عمه الشيخ علي بعنايته ورعايته الأبوية فحرص على تعليمه وتهذيبه.
__________________
١ - للتوسع ينظر جعفر آل محبوبة : ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٢ - ٦٨.
٢ - محمد هادي الاميني : معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٩٣٨.
٣ - ديوان الفرطوسي ج ١ ، ص ١٨.
وما ان بلغ الخامسة عشرة من عمره حتى انظمّ الى سلك التعليم في الحوزة العلمية بالنجف ، وأخذ يدرس علم النحو ، والصرف ، والعروض ، والمعاني والبيان ، والمنطق ، والأصول ، والفقه ، والكلام ، وقد تقدم في دراسة هذه العلوم حتى أتقنها ودرّس اكثرها ، وتخصص في تدريس علم المعاني والبيان.
وبعد ما أتم الشيخ دروسه في الآداب والعلوم العربية وغيرها من العلوم أخذ يدرس سطوح الفقه واصوله حتى برع فيها وتقدم على أقرانه. وما ان أتمّ هذه المرحلة حتى بدأ بالحضور في بحوث علمية خارجية في الفقه والاصول لكبار علماء عصره.
وقد درس الشيخ طوال هذه المدة على أساتذة أجلاّء كان لهم الدور الفاعل في إنماء مواهبه وتوجيهه توجيهاً صحيحاً نحو التقدم والكمال. ومن هؤلاء الأساتذة الذين أخذ عنهم العلم وتلمذ لهم وأفاد منهم :
١ - السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني ( ١٢٨٤ - ١٣٦٥ ه )
وهو من العلماء الاعلام والفقهاء العظام. استقل بالزعامة الدينية والمرجعية الكبرى وأصبح مفتي الشيعة في كافة الأقطار الاسلامية من غير منازع(١) .
تابع الشيخ الفرطوسي الحضور في بحوث استاذه الامام الذي كان يؤثره بمحبة خاصة ويخاطبه في رسائله اليه ب « ولدنا العلامة الشيخ عبد المنعم »(٢) .
٢ - السيد عبد الهادي الحسيني الشيرازي ( ١٣٠٥ - ١٣٨٢ ه )
من المجتهدين الأعلام. كان في عداد المراجع الذين انتهت اليهم أمور التقليد بعد وفاة السيد أبي الحسن الأصفهاني. وبعد وفاة السيد البروجردي انتقلت
__________________
١ - محمد هادي الأميني : معجم رجال الفكر والأدب في النجف ، ج ١ ، ص ١٢٩.
٢ - محمد حسين الفرطوسي من مقال نشره في مجلة الموسم : العددان ٢٣ - ٢٤ ( ١٩٩٥ م ) ، ص ٣٥٢.
اليه الزعامة الدينية والمرجعية الشيعية ، فكان من أعظم الفقهاء والمجتهدين في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري(١) .
٣ - السيد محسن الحكيم ( ١٣٠٦ - ١٣٩٠ ه )
زعيم الطائفة الشيعية في عصره ، وأحد أبرز مراجع التقليد والفتيا. « كانت له الزعامة الدينية العامة ، والمرجعية الروحية المطلقة ، والرئاسة العلمية. قام بمشاريع ومآثر خالدة ، وتصدى للتدريس والتأليف والامامة ازدهرت الحوزة النجفية ، ونشطت الحركة الفكرية في عهده »(٢) .
كان الشيخ الفرطوسي تربطه علاقة خاصة بالسيد محسن الحكيم ، فقد كان من مريديه وخاصة أتباعه. وقد مدحه في أكثر من مناسبة ، من ذلك قصيدته « ذكريات » التي يقول في بعض أبياتها :
أبا المهدي أنت لنا إمام |
ومجد العلم مجدك لا يُرام |
|
أتتك طلائع الأحكام تسعى |
لقائدها وفي يدك الزمام |
|
فقدها حلقة من بعد اخرى |
بغيرك لا يتم لها انتظام |
|
اذا ماروضة العرفان جفت |
منابعها فانت لها غمام |
|
وان رفعت أكاليل المعالي |
فأنت لكلّ اكليل وسام(٣) |
٤ - السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( ١٣١٧ - ١٤١٣ ه ).
من كبار مراجع التقليد ، وأساتذة الحوزة العلمية في النجف. توسّع في تدريس العلوم الاسلامية ، وألقى محاضرات قيمة في الفقه والاصول والتفسير.
__________________
١ - محسن الأمين : أعيان الشيعه ، ج ٨ ، ص ١٢٩.
٢ - محمد هادي الأميني : معجم رجال الفكر والأدب في النجف ، ج ١ ، ص ٤٢٣ ، ٤٢٤.
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٦٤.
ووفّقَ الى تأليف كتب كثيرة(١) .
حضر الشيخ الفرطوسي بحوث السيد الخوئي في الأصول ، وكان يتشوق كثيراً الى دروس استاذه ، وكان يذكره بأنه « منبع من العلم لا ينضب معينه ، يتحدر من ذهن متفجر بالحكمة. وهبه الله من المعارف ما شاء ان يهبه لمثله من أوليائه الأبرار »(٢) ..
٥ - الشيخ مهدي الظالمي ( ١٣١٠ - ١٣٥٩ ه ).
عالم فاضل من أساتذة الفقه والأصول ، وهو أيضاً شاعر جليل وأديب مرموق. « كان مظهراً من مظاهر التقى والورع لم تشبه شائبة من رياء ولا تدجيل كأنما هو على ثقة تامة من آخرته وما تفرضه عليه من طهر وصدق وايمان ، وكان نمطاً عالياً من أنماط العلم والادب. ما عرف العارفون ضعفاً في تفكيره ، ولا قصوراً في تعبيره ، ولا ثقلاً في روحه »(٣) .
درس الشيخ الفرطوسي على استاذه الشيخ الظالمي كتاب « كفاية الاصول » للمحقق الخراساني. كما وأنجز أبحاثاً قيمة بإشرافه. وعند وفاته رثاه الشيخ الفرطوسي بقصيدة لم يثبتها في ديوانه ، يقول في أبياتها الاولى :
أصاب ناعيك قلب المجد فانصدعا |
وأدرك الغرض المقصود حين نعى |
|
وأنفذ السهم في قلبي وحكمه |
في أضلعي فاستحالت أضلعي قطعا |
|
فصرت أجمع هاتي في يد ويد |
مسكت فيها فؤادي خوف أن يقعا |
|
وعدت كالطائر المذبوح قد علقت |
في حبل نفسي مدى الآلام فانقطعا(٤) |
_________________
١ - محمد هادي الاميني : معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٥٣٢ ، ٥٣٣.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٥.
٣ - علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ١٢ ، ص ٢٨١.
٤ - جعفر آل محبوبة : ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ١٠.
٦ - السيد محمد باقر الشخص الأحسائي ( ١٣١٦ - ١٣٨١ ه )
من المدرسين البارزين في الحوزة العلمية في النجف. كان على جانب من التواضع والورع والخلق الرفيع والسلوك المتين. حاز على مرتبة الاجتهاد والاستنباط ، وواصل التدريس حتى أصبح من أعلامه المبرزين(١) .
درس الشيخ الفرطوسي على أستاذه الأحسائي كتابي « الرسائل » و « المكاسب » للشيخ الأنصاري. وعند وفاة استاذه رثاه بقصيدة قال في جملة من أبياتها :
ايهاً حماة الشرع لاربع العلى |
ربعٌ ولا النجوى يرتلها فم |
|
خمدت مصابيح الدراية منكم |
شعلاً وغارت للهداية أنجم |
|
خلت الكنانة من بنيها بعدما |
غبتم وأنتم للكنانة أسهم |
|
واريقت الصهباء من قدح العلى |
فهوى وهاهو هيكل متحطم |
|
واُميتت الانغام فاستولى على |
أوتارها خرس وصمت ملجم |
|
ما قيمة الشبح المجرد انّه |
عرض بغير الروح لا يتقوم |
|
فالعود بالنفحات يعرف طيبه |
والعود بالنغمات اذ يترنم(٢) |
١١ - آثاره ومؤلفاته :
ساهم الشيخ الفرطوسي بالاضافة الى نشاطه الأدبي في حقول معرفية متنوعة جلّها في العلوم الدينية. فقد ألّف في مجال الفقه والأصول والمنطق والعلوم
__________________
١ - محمد هادي الأميني : معجم رجال الفكر والادب في النجف ، ج ٢ ، ص ٧٢٢. علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٧ ، ص ٣٠٤.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٣٠٨.
العربية كتباً قيمة لا تزال مخطوطة. والمطالع لهذه الآثار يتلمس بوضوح السيطرة التامة والمقدرة الفائقة التي امتاز بها الشيخ الفرطوسي في ابداعه العلمي ونتاجه الأدبي. وحسب المعلومات المتوفرة فان النتاج العلمي والأدبي للشيخ الفرطوسي ينحصر في المؤلفات التالية :
١ - ديوان الفرطوسي : وهو في جزئين ، طبع للمرة الاولى في مطبعة الغري الحديثة بالنجف سنة ١٩٥٧ م ، وأُعيد طبعه ثانية سنة ١٩٦٦ م(١) .
وقد عبّر الشاعر عن ديوانه بأنّه « إضمامة متناثرة من العواطف انسقها في هذه الألواح ، وجمرات ملتهبة من الشعور أنثرها على هذه الصفحات هي جهود نشاطي الأدبي وغرس خمسة وعشرين عاماً من حياة عواطفي. ولقد مرّ على هذه الحياة الأدبية ربيع من الشعر كان الطموح الأدبي فيه بمنتهى الفتوة والنشاط وثورة العاطفة كهجوم العاصفة. أتخيل شبح الزهرة فأصافحه واحلم بأغاريد البلبل فأطارحه. أهب مع النسمة وأذوب في النغمة. أطرب لمنظر الوتر وأهيم في بسمات القمر. يسحرني المنظر الرائع فلا اجتازه حتى اصفه واتحرى بنفسي بواعث النظم لأقول الشعر وفي هذا الفصل الخصيب تجمعت أكثر زهرات هذا الحقل وها انا اعرض قلبي وعقلي عليك حين اعرضها في هذه الألواح »(٢) .
ويبلغ عدد أبيات الديوان بجزئيه مع أبيات الإهداء ٧٣٨٥ بيتاً توزعت على أكثر من مئة وثمانين قصيدة ومقطوعة شعرية. والديوان هو ليس جميع منظوم الشاعر فقد اقتطف الشيخ الفرطوسي من نتاجه الشعري الضخم هذه القصائد المثبتة في الديوان بينما تناثرت قصائده الاخرى في الصحف والمجلات
__________________
١ - آقا بزرك الطهراني : الذريعة الى تصانيف الشيعة ، ج ٩ ، ص ٧٠٠. كوركيس عواد : معجم المؤلفين العراقيين ، ج ٢ ، ص ٣٥١.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٩.
واخذ بعضها طريقه الى الضياع والتلف(١) .
جمع الشاعر ديوانه بنفسه وكتب مقدمة له تناول فيها أدوار نشأته ومراحل دراسته ، واوليات نظمه الى جانب آثاره العلمية. وقد قدّم الديوان في طبعته الاولى محمد علي البلاغي صاحب مجلة « الاعتدال » النجفية. كما وقدمت جمعية الرابطة الأدبية في النجف الديوان في طبعته الثانية.
نسق الشاعر ديوانه في سبعة أبواب :
الباب الأول : « من وحي العقيدة » ويشتمل على قصائده الدينية وأشعاره الولائية لأهل البيتعليهمالسلام .
الباب الثاني : « صور من المجتمع »(٢) ويضم هذا الباب قصائد الشاعر الوطنية والسياسية والاجتماعية التي أنشدها في مناسبات مختلفة.
الباب الثالث : « دروس » وهي مجموعة قصائد في الاخلاق والتوجيه والآثار والعبر.
الباب الرابع : « في محراب الطبيعة » وهي قصائد وصفية صوّر فيها الشاعر مشاهد الطبيعة وحياة القرية ومافيها من صور رائعة ومناظر خلابة.
الباب الخامس : « طلائع الآمال » وهي قصائد ترحيبية أنشدها الشاعر في استقبال وفود العلم والادب ورجال الاصلاح والدين.
الباب السادس : « الحب والجمال » وهو حقل الشعر الوجداني الذي عبّر فيه
__________________
١ - ينظر الملحق رقم ( ٤ ).
٢ - ذكر الشيخ الطهراني في كتابه الذريعة الى تصانيف الشيعة ( ج ٩ ، ص ٧٠٠ وج ١٦ ، ص ٢٧٥ ) انّ للشاعر ديواناً في الشعر الاجتماعي عنوانه « معرض العواطف ». وقد تحريت عن هذا الديوان فلم أجد له ذكراً في المظان والمصادر المعنية. والجدير بالذكر ان الشيخ الطهراني لم يذكر هذا الديوان في حرف الميم. ويبدو ان القصائد المذكورة في هذا الباب هي التي قد عناها الشيخ الطهراني ، والله أعلم.
الشاعر عن خلجات نفسه وبعض ما أوحته عاطفته من قريض الشعر والغزل.
الباب السابع : « دموع وعواطف » وهي قصائد في رثاء رجال العلم والادب ومن ارتبط بهم روحياً وعاطفياً.
علّق الشاعر على معظم قصائده تعليقات موجزة ذكر فيها الغرض من انشادها ، وتاريخ نظمها ، والمناسبة التي القيت فيها. كما وشرح بعض المفردات اللغوية وترجم للاعلام الواردة فيها.
٢ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام (١) : وهي ملحمة شعرية تقع في ٢٨٢٠٤ بيتاً طبعت للمرة الاولى سنة ١٣٩٧ ه ( ١٩٧٧ م ) في ثلاثة أجزاء وقد قدّمها السيد محمد باقر الصدر. وفي سنة ١٤٠٧ ه ( ١٩٨٦ م ) أي بعد وفاة الشاعر بثلاث سنين طبعت الملحمة بكامل أجزائها الثمانية وقد قدم لجزئها الثامن السيد محمد حسين فضل الله.
٣ - الوجدانيات(٢) : مجموعة شعرية لا تزال مخطوطة تحتوي على ألوان وصفية وغزلية من شعر الفرطوسي.
٤ - الفضيلة(٣) : رواية شعرية من الأدب الحزين نظمها الفرطوسي في ثمانين صفحة وبلغ عدد أبياتها ستمئة بيت. وأصل الرواية للكاتب الفرنسي برناردين دي سان بيار ( ١٧٣٧ - ١٨١٤ م ) ونقلها الى العربية الأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي ( ١٨٧٦ - ١٩٢٤ م ). وقد فرغ الفرطوسي من نظمها سنة ١٣٦٦ ه(٤) .
__________________
١ - سيأتي الحديث عن الملحمة بالتفصيل.
٢ - حسن الأمين : مستدركات اعيان الشيعة ، ج ٤ ، ص ١٢٦. علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٤. جعفر آل محبوبه : ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ٦٦.
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٨.
٤ - آقا بزرك الطهراني : الذريعة الى تصانيف الشيعة ، ج ١٦ ، ص ٢٧٥.
٥ - أرجوزة شعرية في المنطق(١) :وهي منظومة في الاشكال والضابطة في علم المنطق من « الحاشية » التي وضعها المولى نجم الدين عبدالله اليزدي المتوفى سنة ٩٨١ ه على كتاب « تهذيب المنطق والكلام » لسعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩٢ ه. وتقع الأرجوزة في مئتي بيت تقريباً(٢) .
٦ - شرح موجز « لحاشية ملا عبد الله » في علم المنطق(٣) .
٧ - شرح شواهد « مختصر المعاني » للتفتازاني(٤) : وقد توسع الشيخ الفرطوسي في شرحه على طريقة كتاب « معاهد التنصيص » لعبد الرحيم بن احمد العباسي المتوفى سنة ٩٦٣ ه ويقع الشرح في خمسين صفحة بالقطع الكبير ، ويتضمن شرحاً للآيات الكريمة الواردة في المختصر مع اعرابها وتفسير الشاهد فيها.
٨ - شرح « كفاية الأصول »(٥) : وهو الشرح الذي كتبه الشيخ الفرطوسي على الجزء الاول من كتاب « كفاية الاصول » للشيخ محمد كاظم الخراساني المتوفى سنة ١٣٢٩ ه. ويقع هذا الشرح في ثمانمئة صفحة(٦) .
٩ - شرح « الرسائل الأصولية »(٧) للشيخ مرتضى الانصاري المتوفى سنة ١٢٨١ ه. وهذا الشرح هو نتيجة المدة التي قضاها الشيخ الفرطوسي تحت اشراف استاذه السيد محمد باقر الشخص.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٥.
٢ - علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٤.
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٥.
٤ - المصدر السابق.
٥ - المصدر السابق.
٦ - علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٤.
٧ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٥.
١٠ - شرح « رسالة الاستصحاب »(١) من رسائل الشيخ مرتضى الانصاري يقع في ١٠٠٠ صفحة.
١١ - شرح مقدمة البيع من كتاب « المكاسب » للشيخ مرتضى الانصاري وصل به الى كتاب المعاطاة(٢) .
١٢ - شرح « المطالب »(٣) .
اتسع نطاق العمل الأدبي للشاعر وأخذ يتجه الى التنشيط والتفاعل أكثر فأكثر منذ أن انتظم في « جمعية الرابطة الادبية ». وتعتبر الجمعية أول مؤسسة تأسست للأدب في النجف بصفة رسمية. فقد تشكلت سنة ١٣٥١ ه وضمت اكبر الأسماء الشعرية في العقد الثالث من القرن العشرين. ويُعد الشيخ الفرطوسي أحد أعمدتها وواضعي لبناتها الأولى(٤) .
تبلورت فكرة الرابطة في ذهن الشاعر ، وأخذت تلقي بظلالها على معظم نشاطاته وأعماله الأدبية ، حتى ان ديوانه الذي جاوز السبعة آلاف بيت يعد ثمرة
__________________
١ - علي الخاقاني : شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٤.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٦.
٣ - نسبه غالب الناهي ( دراسات أدبية ، ج ١ ، ص ٧٧ ) الى الفرطوسي. وقد بحثت عنه في المصادر الرئيسية والمظان المعنية فلم أجد له ذكراً.
٤ - ساهمت الجمعية مساهمة فعالة في بعث الحركة الادبية في النجف الاشرف ، فكانت رائدة النهضة الادبية الحديثة فيها. وقل أن يوجد أديب نجفي محدث - شاعر أو ناثر - الاّ وهو نتاج ندواتها ومجالسها الأدبية. قامت على نشر بعض الكتب الأدبية والسياسية ، مثل ديوان الشبيبي ، والفلسطينيات ، وجهاد المغرب العربي. ويأتي الشيخ محمد علي اليعقوبي ، والشيخ صالح الجعفري والسيد محمود الحبوبي في طليعة المؤسسين لهذه الجمعية ( دليل النجف الاشرف ، ص ١٠١ ).
من ثمار ذلك التفاعل الحي والعمل الدؤوب في هذه المؤسسة الأدبية.
وكان الشيخ ممن يعول عليه في جميع المناسبات التي كانت تقيمها الجمعية فكان شاعرها الذي يشدو باسمها ، والناطق بلسان أعضائها وخاصة في الحفلات التكريمية التي كانت تقيمها الجمعية احتفاءً بالهيئات العلمية والأدبية الوافدة على النجف كالحفل الذي أقامته الجمعية تكريماً للوفد العلمي الذي ترأسه الدكتور حامد زكي عميد كلية الحقوق في مصر ، وكذلك حفلة تكريم الدكتور زكي مبارك لدى زيارته للنجف ، وحفلات كثيرة اخرى(١) .
ومن النشاطات الثقافية التي اضطلع بها الشاعر وبلغ فيها شأواً بعيداً ، تدريسه العلوم الدينية والعربية ، وخاصة تخصصه في تدريس علم المعاني والبيان(٢) . فقد عرف الشيخ الفرطوسي اُستاذاً ماهراً ، ومدرساً بارعاً ضمّت حلقات درسه عدداً غفيراً من طلاب العلوم الدينية الذين أصبحوا فيما بعد من كبار العلماء وأعلام المجتهدين. وغالباً ما كانت تعقد مجالس بحثه ودرسه في المسجد الهندي(٣) ، بالاضافة الى دروسه الخاصة التي كان يشكّلها في داره.
ولمّا كان الشيخ الفرطوسي من الناشطين في حقل الثقافة والمعرفة ، والمهتمين بأمر التدريس ونشر العلوم الدينية ، فإنّنا نجده قد طرق باب التأليف والكتابة حتى برع فيه ، والّف كتباً قيمة انحصرت موضوعاتها في الفقه والاصول والأدب والبلاغة والمنطق.
__________________
١ - ينظر ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٧٦ ، ١٧٩ ، ١٨٠ ، ١٨٢ ، ١٨٥.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٥.
٣ - محمد رضا آل صادق من مقال له نشر في مجلة التوحيد : العدد ٣٢ ( ١٤٠٨ ه ) ، ص ١٠٣.
سجّل الفرطوسي مع الثائرين من أبناء أمته حضوراً فاعلاً وتواجداً حيّاً في ميادين النضال والكفاح الشعبي. ففي الوقت الذي حمل المجاهدون أسلحتهم للدفاع عن شعبهم ووطنهم راح الفرطوسي يؤجج لهيب الحماس في نفوس أبناء جلدته ويشعل جذوة الثورة في قلوبهم بقصائده الحماسية الرائعة وأشعاره الثورية الجياشة. وقد حدا بهذه الروح الحماسية العالية التي بثّها الفرطوسي في نفوس الناس أن راح الكثير منهم يطالبون في تظاهراتهم ومسيراتهم بقراءة قصائد الفرطوسي الثورية واعادتها مرات ومرات(١) .
لقد كان الفرطوسي ، المجاهد الذي حمل قلمه ولسانه ذوداً عن وطنه ومبادئه ، وكان « الثائر الذي يتحسس(٢) مشاكل الظلم في الأمة فيما يتمثل في واقعها من حكم ظالم ، واستعمار غاشم ، وانحراف في دائرة التحرك السياسي ، لدى المحاور السياسية التي تتحرك في خط الإنحراف وكان يعبر عن ذلك بشعره الثائر الذي ينتهز كل فرصة جماهيرية ليخاطب الجماهير بآلامها ومشاكلها وليحتج على كل القوى التي تتحدى طموحاتها ، وتأكل حريتها وعزتها واستقلالها »(٣) .
اهتم الفرطوسي بالأحداث السياسية التي كانت تحدث في العالم الاسلامي اهتماماً بليغاً. فكان يتابع عن كثب ما يجري في البلاد الاسلامية من تحولات
____________
١ - غالب الناهي : دراسات أدبية ، ج ١ ، ص ٧٣.
٢ - الصحيح : يحس بمشاكل الظلم وليس يتحسس لأن الأول بمعنى يشعر والثاني بمعنى يبحث.
٣ - محمد حسين فضل الله من كلمة له في تقديم الجزء الثامن من ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ص ٣ ، ٤.
وتغييرات ليشاطر أبناءها أحزانهم وآلامهم بشعره الحماسي وأدبه اليقظ. والشؤون السياسية التي تناولها الفرطوسي في شعره كثيرة ، منها : القضية الفلسطينية ، وقد انشد فيها قصائد كثيرة عبّر فيها عن مآسي الشعب الفلسطيني وما كابد من محن وويلات في صموده أمام المحتل الغاصب. وكذلك القضية الجزائرية ونضال الشعب الجزائري في مواجهته المستعمر الفرنسي(١) . ومنها ايضاً العدوان الثلاثي على مصر سنة ١٩٥٦ م وتأميم قناة السويس بالإضافة الى العديد من القضايا السياسية الأخرى.
كان الفرطوسي يتحرك سياسياً على صُعُدٍ مختلفة ، وكانت له علاقات وثيقة بشخصيات سياسية بارزة لعبت دوراً هاماً في الحياة السياسية في العراق. ومن تلك الشخصيات عبد الوهاب مرجان رئيس الوزراء الأسبق الذي أوصى بأن يكون الشيخ أحد زواره القلائل في مرضه الذي توفي فيه. وكذلك الشيخ محمد رضا الشبيبي وزير المعارف الذي كان يلتقيه بمنزله ومقره في مجلس الأعيان(٢) .
لقد حرص الفرطوسي من خلال نشاطه السياسي على تحقيق الحرية والاستقلال لأبناء وطنه ، فهو يرى « انّ مجد الاستقلال من أعزّ الأمجاد العالية التي تبذل في سبيل تحقيقها دماء أحرار البلاد الثمينة. والحرية عروس عذراء لا مهر لها الاّ الدم الحر والغرض من الاستقلال صيانة كيان الوطن وحفظ حقوقه وحرية التصرف بها وإنقاذه من براثن المستعمرين الطغاة فإن تحقق هذا الهدف السامي تحقق الاستقلال »(٣) .
والرؤية السياسية للفرطوسي تمنح الشعب حقه في تقرير مصيره ، والسيادة
__________________
١ - عثمان سعدي : الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ، ج ٢ ، ص ١٤٤.
٢ - مجلة الموسم : العددان ٢٣ - ٢٤ ( ١٩٩٥ م ) ، ص ٣٥٢.
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٣٠.
على أراضيه وحماية مصالحه ، لأنه « لا يضيع حق وراءه شعب ، ولا يقوم بناء على غير اساس العدل ، ولا يقرر مصير الشعب الاّ الشعب ، وإرادة الأمة من سطوة القضاء تمحو وتثبت ما تشاء »(١) .
أمّا المواقف الوطنية التي وقفها الفرطوسي ضد الاستعمار الغاشم وحركاته الهدامة فهي أكثر من أن تعد. فمن تلك المواقف تصديه مع ثلة من علماء الدين في النجف للفكرة الاشتراكية التي ظهرت في الستينات في العراق كما يتضح من الوثيقة التالية :(٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
بغداد
السيد رئيس الجمهورية
السيد رئيس الوزراء
السيد الحاكم العسكري العام
في هذا الوقت الذي تتطلع فيه الأمة الى أفضل وتنتظر من المسؤولين أن يقولوا كلمة الاسلام في حلّ المشاكل الاجتماعية ترى كارثة الانحراف عن الاسلام تشتد وتنمو ويطلع علينا وضع جديد تستقطب فيه مبادىء غريبة عن مباديء الاسلام تسمى بالاشتراكية.
والهيئة العلمية في النجف الأشرف إذ تستنكر هذا الوضع
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٩٧.
٢ - مجلة الموسم : العدد ١١ (١٩٩١ م) ، ص ٩٩٥.
الجديد تلفت نظر الحكومة الى الوضع غير المستقر الذي تمرّ به البلاد ، وتطالب بإلغاء ما أسمته بقوانين التأميم ، والله من وراء القصد.
عن الهيئة العلمية في النجف الاشرف
محمد الحسيني الحلي ، محمد علي اليعقوبي ، عبد المهدي الدجيلي ، محمد علي الخمايسي ، محمد صادق الصدر ، محسن علي خان ، جعفر آل بحر العلوم ،عبد المنعم الفرطوسي ، محمد الشيخ عبد الله القرشي ، كاظم الشيخ حبيب ، محمد علي الشيخ عبد المهدي مظفر ، علي البكّاء ، عبد الهادي الصافي ، جواد شبر ، علاء الدين بحر العلوم ، باقر الظالمي ، عبد الحميد الصغير ، عز الدين بحر العلوم ، محمد باقر الحكيم ، عبد المحسن زاير دهام ، محمد سعيد محمد علي الحكيم.
النجف الاشرف ١٩ / ٣ / ١٣٨٤ ه - ٢٩ / ٧ / ١٩٦٤ م
لقد وقف الفرطوسي مواقف جريئة في مواجهة حكام الجور وتحدى ظلمهم واضطهادهم. فكانت أشعاره الحماسية وقصائده الثورية توسعهم قرعاً وتجريحاً ، وتكيل لهم المثالب والهوان. وما أروع قول الشاعر جعفر الهلالي(١) حين عبر عن مواقف الفرطوسي السياسية قائلاً :
والساسة العملاء كنت عليهم |
سوطاً تزيد عذابها وهوانها |
|
ألمستهم من حرِّ قولك جمره |
مثل الصواعق أرسلت نيرانها |
|
أنكرت ما قد أحدثوا من منكر |
بفعالهم في كلِّ ما قد شانها |
|
وبذاك قد جاهدت شرّ عصابة |
ورميت بالسهم المصيب جنانها |
__________________
١ - جعفر الهلالي ولد في البصرة سنة ١٩٣٢ م. خطيب جليل وشاعر فاضل وكاتب متتبع من آثاره : « بحوث في تفسير القرآن » ، و « ديوان شعر ». ( معجم رجال الفكر والأدب في النجف ، ج ٣ ، ص ١٣٣٣ ).
ما أقعدتك لضعفها شيخوخة |
عن وقفة فرض الاله مكانها(١) |
ولعل كلمة الأديب ضياء موسى(٢) بحق الشيخ ومواقفه الوطنية والسياسية تكون مناسبة هنا حيث تصور وببيان أدبي رائع عمق الدور الذي لعبه الشيخ الفرطوسي في مجال العمل الوطني والنشاط السياسي في العراق : « الفرطوسي ينشد للشهداء ، يقول انهم سيورقون في الصباح ، سيتحولون إلى براعم تهتف للحياة ، تغرد عندها بلابل المستقبل ، كان يصنع من جليد الغربة لهيباً يتوقد ، يرمي ذرات السموم على حشرات الخريف ، الحشرات الملتصقة بأشجار النخيل ، الحشرات المتطفلة على سنابل قمح الرافدين ، الحشرات التي تعيش على امتصاص دم الشعوب ، على خيرات الشعوب »(٣) .
اتجه الفرطوسي في نشاطه الاصلاحي والاجتماعي الى تحديد مواطن الفساد في مجتمعه والوقوف على مشاكله ومعضلاته وذلك عبر قصائده المعبرة والانتقادية ومن خلال تواجده الفاعل والمستمر في الاجتماعات والأندية المختلفة.
ومن المشاكل الاجتماعية التي عالجها الشاعر في عديد من قصائده مشكلة الدراسة والتعليم وما كان يواجهه الطالب في مسيرة دراسته من هزّات وأزمات بسبب الفقر وانعدام الضمان المالي التي تقوم عليه حياته العلمية. ولم
__________________
١ - ديوان الهلالي ، مخطوط. والقصيدة بكاملها في الملحق رقم (٣).
٢ - كاتب وصحفي عراقي ، له مشاركات هامة في حقول السياسة والفكر والأدب.
٣ - قرنفلة الصباح ، ص ٨١.
يكن التعليم حينئذٍ عاماً ليشمل جميع شرائح المجتمع بل كان مقتصراً على أبناء الاقطاعيين ومن كانت له صلة بزعماء العشائر الذين انحسر عددهم وتقلص ظلهم بعد ان استبدلوا حياة القرية بالمدينة فأنستهم مغريات المدينة ومباهجها ، الاخلاق الكريمة والوشائج الاجتماعية القويمة التي كانوا عليها في القرية.
هذا ما كان عليه التعليم بشكل عام ، امّا التعليم الديني الذي انضمّ اليه الشاعر فكان ينوء تحت وطأة الانسياب والفوضى وانعدام النظم والمنهجية. وفي هذا الخصوص يشير علي الخاقاني الى موقف الفرطوسي من هذا الوضع قائلاً : « ولإرهاف حسه وقوة العقيدة الدينية فيه أصبح متألماً من الوضع الديني الحاضر وارتباك سير الدراسة والفوضوية الشاملة لها وتسيب الطلاب وعدم وجود زعيم ديني مسؤول عن معرفة الصحيح منهم لانعاشه والسقيم لاقصائه ، وشعر بقيده الاجتماعي فراح يناشد حرية الفكر المضاعة وأسلمه الزمان الى مصاحبة مجموعة من الاقطاعيين في لواء العمارة جرياً على عادة آبائه الذين كان لهم الأمر والنهي في تلك الربوع فأصبح وهو يشاهد الاستهتار والتبذل والاسراف والبذخ وامتصاص دماء الضعفاء واستغلال أقوات الفقراء من أبناء الريف ، وبهذا الحس أصبح لا يقوى على الجهر برأيه خوفاً من مغبة المصير الذي قد يصدمه به المتنفذون من زعماء الاقطاع هناك ، كما لا يقوى على السكوت وفي قلبه شعل ، وفي ضميره حياة(١) ».
ومن هذا المنطلق راح الفرطوسي وبلسانه الشاعري الفياض يهيب بمبرّات الخيّرين من أبناء جلدته ويستنهض هممهم العالية من أجل رفع مستوى الحياة في المجتمع ومعالجة مشاكله وقضاياه من خلال تأسيس المرافق الاجتماعية
__________________
١ - شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٦.
الضرورية وبناء المؤسسات الخيرية. فكانت لا تقوم لمؤسسة خيرية قائمة الاّ وللفرطوسي فيها موقف وكلمة. ومن هذه المواقف قصيدته الرائعة التي ألقاها في مدينة الحلة عند افتتاح مستشفى آل مرجان سنة ١٣٧٦ ه ( ١٩٥٧ م ) والتي قدمها بكلمة قال فيها : « الثروة كثيرة ولكن رجال الخير قليلون ، وتتكثر تلك القلة اذا وقع البر في مواقعه. وانّك اذا نظرت هذه المؤسسة الخيرية التي هي كلها اسعاف والطاف فهي تبني الحياة من رمق الحياة ، وتنقذ الصحة من براثن المرض وتستخلص السعادة من كدر الشقاء ، عرفت لمنشئها الفضل العميم على الانسانية المعذبة فان خير الناس من نفع الناس ، وان قيم الرجال توزن بالأعمال ، فسارعوا يا رجال الثروة على عمل الخير فان نقصانها في سبيل البر هي الثروة الكاملة(١) ».
عانى الشيخ في أواخر عمره داءً عضالاً في صدره وتدهوراً في جهازه التنفسي. وقد أُدخل المستشفى الأميري في « أبو ظبي » بالأمارات العربية المتحدة ومكث فيها عدة أشهر حتى وافته المنية وذلك فى الرابع عشر من شهر صفر سنة ١٤٠٤ ه المصادف الثامن عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٩٨٣ م عن عمر ناهز السبعين عاماً. وقد نقل جثمانه الى العراق ودفن في مدينة النجف الأشرف.
وكان لنبأ وفاته وقع اليم وأثر عميق في نفوس العلماء والادباء في العالم الاسلامي. فقد تقاطرت من كل حدب وصوب كلمات التأبين واشعار الرثاء التي
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٦٧.
راحت تردد مناقب الفقيد وتشيد بمآثره الخالدة وما قدّمه من أعمال جليلة في خدمة الدين الاسلامي ومذهب أهل البيتعليهمالسلام (١) .
ومن هذه الكلمات كلمة السيد حسين الصدر الذي قال في تأبينه : « لقد انطوت شخصيته الفذة على أبعاد شامخة من العلم والعبادة ، والخشوع والزهادة والذود عن العقيدة والرسالة ، بلآليء البيان ، وكنوز البلاغة ، وباهر الألوان ، ورائق الافكار والمفاهيم ، ونقي المشاعر والعواطف ومن هنا كانت وفاته خسارة فادحة ، التاعت لها القلوب ، واهتزت لها الاعماق ، فسلام عليه في الخالدين(٢) ».
كما ونعته المحطة العربية بالاذاعة البريطانية على لسان الأديب حسن سعيد الكرمي الذي قال راثياً : « كانت - وفاة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي - عندي بمقام الكارثة لما عهدت فيه من خلال اشعاره من ايمان وعقيدة ورسوخ قدم بالادب والشعر والبلاغة ، وكنت قبل مدّة عازماً على ذكره بمناسبة الكلام عن الشعر والشعراء واصحاب الملحمات ، وقد عاجلني القدر اليه ولا حول ولا قوة الاّ بالله ، وكنت ايضاً عازماً على زيارة الخليج وعقدت النية على زيارة المرحوم وهو ممن يزار وتشد اليه الرحال وعاجلني القدر اليه في هذا ايضاً(٣) ».
وقد أرّخ الشاعر الشيخ عبد الغفار الأنصاري وفاة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي بمقطوعتين شعريتين ، الأولى :
قد قلت ( عبد المنعم ) المتقي |
هو الزكي الزاهد الخيّرُ |
|
لقد جزاه الله خير الجزا |
مع النبي المصطفى يُحشر |
__________________
١ - ينظر الملحق رقم (٣).
٢ - مجلة الموسم : العددان ٢ - ٣ ( ١٩٨٩ م ) ، ص ٧٢٢.
٣ - المصدر السابق ، ص ٧٠٧.
وآله الأطهار أهل العبا |
مَن كان في مدحهم يشعر |
|
في جنة الخلد له أرخوا : |
( بها المنى شرابه الكوثر )(١) |
٨ + ١٣١ + ٥٠٨ + ٧٥٧
= ١٤٠٤ ه
والثانية :
لم يمض ( عبد المنعم ) المتقي |
وخِدْنُ علمِ اللهِ في رحمها |
|
وساد بالآداب في عصره |
من عجمها طُراً ومن عربها |
|
وأمة الخير له سجلت |
أعماله بالتبر في كتبها |
|
وفي ( الجهات الست ) تأريخه |
( تراثه العلمي باقٍ بها )(١) |
٦+ ١١٠٦ + ١٨١ + ١٠٣ + ٨
= ١٤٠٤ ه
رحم الله الفرطوسي الشاعر الولائي الذي ولد على الولاء ومات ولم يزل لسانه يلهج بذكر العترة الطاهرة ، وقلبه ينبض بحب اهل البيتعليهمالسلام . حشره الله معهم بشهادة قوله :
ولدت على الولاء وسوف اطوى |
واُنشر فهو بدئي والختام(٢) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ص ٧١٠.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٦٥.
الباب الثالث
الشعر
الفَصْلُ الأَوَّلُ
شعر الفرطوسي وشاعريته
الشعر عند الفرطوسي طبيعة وسجية لا تكلف وصنعة. فهو لا يمارس النظم بل يجري النظم على لسانه بصورة عفوية وتلقائية حين تنطلق قريحته الوقادة لتصور المشاعر والأحاسيس والأخيلة التي لا تلتقط الاّ بعدسة الشاعر الفنية. فالشاعر كما يراه الفرطوسي : « مصور الخواطر النفسية الذي يلتقط الصور المعنوية من حياة المجتمع بريشة ذهنه المتوقد وخياله العبقري وإنّ الاضمامات المتنوعة التي يعرضها في حقله الشعري ليست هي الاّ تلك الصور الاجتماعية التي انتزعها من صميم المجتمع عندما تغلغل في أعماقه فوقف على آماله وآلامه ونعيمه وشقائه وهواجسه وخواطره(١) ».
وإذا كان الشاعر يرى مالا يراه الناس أو بعبارة اخرى ينظر الى أسرار الأشياء لا الى الأشياء ذاتها ، فهذا يعني أنّ طبيعة الشاعر تختلف اختلافاً واضحاً عن طبائع الناس بسبب قدارته المتميزة ، وخياله الخصب ، واستعداده الفطري ، ومواهبه الشعورية الفذة.
ومن الطبيعي أن تكون هذه العوامل أساساً لبلورة الشاعرية الاّ انّها غير قادرة بحد ذاتها على ترجمة الصور والاخيلة الى ألفاظ شعرية مالم تتوفر لدى
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٦.
الشاعر آليّة بيانية تساعده على نقل الأفكار من عالم الذهن الى عالم اللفظ والكلمة. وإذا كانت العوامل السابقة حصيلة مواهب فطرية بحتة فانّ الآلية البيانية لا تحصل الاّ بصورة اكتسابية ومن خلال الثقافة الواعية والأحتكاك الدائم والمستمر بطبقات الأدباء والشعراء.
وقد تحققت هذه العوامل عند الفرطوسي بنبوغه الشعري المبكر ، ونشأته الأدبية في بيئة النجف الشعرية ، واتصاله الحثيث بمشاهير الشعراء وأعلام الفكر والأدب ، ومطالعاته ودراساته في حقول الشعر والأدب.
ولا يخفى ما لبيئة النجف الأدبية من أثر كبير في تكوين شاعرية الفرطوسي تلك البيئة التي خرّجت ولا تزال الفطاحل من الشعراء والنوابغ من الأدباء والمفكرين ممن تزخر العربية ببنات أفكارهم ونتاج عقولهم وآثارهم.
وفي ظل هذه الظروف ترعرعت شاعرية الفرطوسي ، وأخذت طريقها الى السمو والتألق ، وأخذ صوت الشاعر يجلجل في كل حفل ومناسبة ، يطرب الأسماع بروائع انشوداته ، ويملأ النفس بجلائل أفكاره وآرائه. حتى أصبح في المجتمع الأدبي « الشاعر المبدع الذي تهتز المنابر لموقفه وتنطلق الحناجر بالاستحسان والاستعادة ، في المحافل لروعة شعره الذي كان يتميز بالابداع ، في اللفتة واللمحة والكلمة ، والعمق والوضوح وكان إلقاؤه المميّز يدفع بالجماهير ألى أن تفهم معنى شعره ، من خلال نبرات صوته ، ونبضات ملامحه وتعابير وجهه وبذلك كانت هناك علاقة حبّ وتفاعل بينه وبين جمهوره(١) ».
وهكذا أخذ الشاعر مكانته في الأوساط الأدبية ، واحتل منزلة شامخة ومرموقة بين المشاهير من شعراء وادباء عصره. فكانت المحافل الأدبية.
__________________
١ - محمد حسين فضل الله ، من كلمة له في تقديم الجزء الثامن من ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ص ٣.
والمهرجانات الشعرية تعج بالوافدين لسماع قصائده والتزود من معين أدبه. ويكفيه منزلة أنّه أنشد ذات يوم قصيدة في محضر الامام محمد الحسين آل كاشف الغطاء(٢٢) فآلى الامام على نفسه أن لا يسمعها الاّ وهو واقف تكريماً لقوتها ومتانة اسلوبها ، والشيخ الامام أعرف الناس بالشعر وأخبرهم بقيمته(٢) .
وعن شاعرية الشيخ عبد المنعم يتحدث الأديب علي الخاقاني عن بعض جوانبها ويقول : « الفرطوسي في شعره لا يحتاج الى ثناء كثير فقد حاز على اعجاب كل من سمعه وما أكثر من سمعه ، فقد نحا فيه منا حي قربت الى الواقع ، وعالجت كثيراً من المشاكل الأجتماعية التي ينشدها كل مصلح تسرب حب وطنه له فشعر بضرورة الاصلاح ، وشاعريته ينبوعاً ثراً ومعيناً لم يعتره النضوب ولا أحس بعطل في الانتاج. قوي اللفظ جزله ، مليح المعنى رقيقة ، حسن السبك والايقاع ، قد تخللت عناصر الحياة فيه فأوجدت منه نغماً ملذاً ، ونبضاً حياً ، ومشاعر حساسة مشفوعة بحسن العرض والمران وقد طرق فيه كثيراً من الأنواع والفنون(٣) ».
والمطالع لديوان الفرطوسي يقف عند روائع وغرر تفصح عن شاعرية فذة ، ومنزلة أدبية رفيعة تدل على نضج في التفكير ، وسلامة في الرأي ، وقوة في الأداء ، وانتقاء مميز للّفظ ، وسمو للقصد رصين.
ولكي تظهر شاعرية الفرطوسي واضحة المعالم ناصعة الشكل والصورة كان لابد من دراسة الموارد التالية من شعره :
__________________
١ - محمد الحسين آل كاشف الغطاء ( ١٢٩٤ - ١٣٧٣ ه ). من أعلام علماء الامامية ، والمراجع التي كانت تدور عليهم رحى الفتيا والتقليد. وهو من أئمة القريض والنابغين في النظم له شعر رقيق حسن الديباجة ، سهل اللفظ ، عميق المعنى. ( ماضي النجف وحاضرها ، ج ٣ ، ص ١٨٣ ).
٢ - غالب الناهي : دراسات أدبية ، ج ١ ، ص ٧٤.
٣ - شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٧.
يقول الفرطوسي في هذا الخصوص : « أول نظمي قطعات من الشعر في الحب والروض موشحة وغير موشحة ، منها :
سلمى الى الشاطي معي |
فيه تروق لنا الحياة |
|
حيث الطبيعة أودعت |
أسرارها بين النبات |
لنعش ما بين الحقول
في رغدة العيش الجميل
* * *
شفّ قلبي الشغف |
إدركيه لقد تلف |
|
لك أشكو من الهوى |
فخذي منك لي النصف |
|
لك قلبي نصبته |
في سبيل الهوى هدف |
***
كل صبري لم يكن |
في بحر حبي غير قطره |
|
ويح قلبي من معنى |
قابل الطود بذره |
***
ها هي الشمس عن الكون توارت |
في الجبال |
|
من وراء الأفق الصافي تراءت |
كالخيال |
***
فانظري كيف استحالت لشحوب |
واصفرار |
|
وانظري كيف كساها الليل ثوب |
الاستتار |
|
وانظري كيف تلاشى بعدها ضوء |
ضوء النهار |
هكذا كالنور تفنى
كل أحلامك لبنى
فخذي حظك من دنياك قبل الارتحال(١)
وهكذا كانت بدايات الشاعر. أشعار عاطفية وأبيات في الوجد والحب تفصح عن شعور صادق ، أحاسيس جياشة تبثها نفس الشاعر الشاب في فترة هي من أجمل فترات العمر المفعمة بالحركة والنشاط والحيوية.
وبدأ الوعي الفكري ينمو في شعور الشاعر ، وأخذت الأفكار تستحوذ على أدبه ، فبدأ ينظم قصائد رصينة المعنى ، محكمة البناء ، قويمة المحتوى والمضمون وهو في سن التاسعة عشرة من عمره. وتستوقفنا أربع قصائد نظمها الشاعر في هذه السن ، الاولى : قصيدة « التقاليد » التي قال في مطلعها :
تقاليدٌ تجرّ لك الشجونا |
واوضاع تجرعك المنونا(٢) |
وقد نقد الشاعر في هذه القصيدة التقاليد السقيمة التي كانت تجور على نظم الاصلاح الدينية والاجتماعية وتحول دون تقدم المجتمع ورقيّه.
أمّا القصيدة الثانية فهي قصيدة « وادي السلام » ، وفيها وصف رائع ودقيق لمقبرة النجف الشهيرة. وتعد هذه القصيدة من أروع قصائد الشاعر التي قالها وهو في هذه السن لما تحمل من أوصاف رائعة وأفكار فلسفية تفصح عن نضج فكري مبكر تمتع به الشاعر ولما يزل في نضارة العمر. ومن أبيات هذه القصيدة :
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٩ ، ٢٠.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٢٨.
على الذكوت البيض من جانب الوادي |
قفا ساعةً واستنطقا الأثَر البادي |
|
فكم فيه معنىً لا يفي ببيانه |
لسان فصيح أو يراعةُ نُقّاد |
|
وكم عبرة خرسا بها نطق البلى |
فأفصح تبياناً على غير معتاد |
الى ان يقول :
فيا صفحة الوادي وأنت سجله |
أتدرين كم مرّت قرون على الوادي |
|
وكم قد تلاشت في ثراه مفارق |
وكم طويت فيه أكاليل أسياد |
|
وكم صولجان قد تداعى كيانه |
به وعروش دكها الزمن العادي |
|
ورب لسان مفصح عاد أخرساً |
وخانتهُ للتعبير قوّة ايجاد |
|
وكان محالاً عنده الصمت فاغتدى |
لسلطانه الجبار أطوع منقاد |
|
فهل طويت منه الفصاحة في الثرى |
وهل أخمدت في أثرها روعة النادي(١) |
والقصيدة الثالثة قصيدة « العقل » وهي كسابقتها من حيث متانة الأفكار ، وقوة المعاني والمضامين. يقول الشاعر في بعض أبياته :
وازِن بعقلك فالحجى ميزان |
وزنت به عرفانها الأذهان |
|
وانهج على منهاجه كيما ترى |
حججاً عليها ينهض الوجدان |
|
فيه فلاسفةُ الوجود تمكنوا |
من حد مالا يدركُ الأنسان |
|
عرفوا به كنه الأثير فحللوا |
ذّراته في ذاتها وأبانوا |
|
واستخرجوا روح النبات وماله |
من جوهر ينمو به الحيوان |
|
حتى أرونا للذوات حقائقاً |
كشف الغطا عن نورها البرهان(٢) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٩٧ ، ٢٩٨.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٨٤.
أمّا القصيدة الرابعة فهي بعنوان « بلبل الروض » وقد بث فيها الشاعر حسراته على أيام الطفولة التي كان ينعم بهنائها وصفائها مبتعداً عن الأحزان والآلام :
والهفتاهُ على عصر مضى هدراً |
عصر الطفولة أنت اليوم مفقود |
|
اذ كنت فيك عن الآلام مبتعداً |
واليوم قلبي من الآلام محشود |
|
فلا أرى سولة لي عنك تنعشنى |
وكيف يسلو معنّىً وهو معمود(١) |
وأول قصيدة بدأ يسطع نجم الشاعر من أفقها هي قصيدة « الحقيقة » التي نظمها عام ١٩٣٨ م ، وألقاها في الحفلة التي عقدها السيد محمد رضا الصافي(٢) في بيته احتفاءً بزفاف الأديب السيد محمد علي البلاغي صاحب مجلة الاعتدال. وقد نالت تشجيعاً أدبياً قيماً في حفل محتشد برجال العلم والادب. وفي القصيدة اشارة الى مواطن التخلف والجهل التي شقي بها الشرق ، ودعوة الى النهوض واليقظة لمسايرة ركب المدنية والحضارة :
أما آن عن وجه الحقيقة ينجاب |
سجاف عليها قد أذيل وجلباب |
|
ألا ينجلي هذا الظلامُ بمشعلٍ |
لتهدى عقول تائهاتٌ وألباب |
|
الى كم بهذا الجهل تشقى عقولنا |
ويخدعنا من خلّب الغي جذاب |
|
وحتامَ نبقى والقشور نصيبنا |
وقد اوصدت فوق الحقيقة أبواب |
|
لقد ضللت تلك العقول فلم تجد |
سناً تهتدي فيه اذا هي تنتاب |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٣٢٢.
٢ - السيد محمد رضا الصافي ( ١٢٩٨ - ١٣٦١ ه ). سياسي قدير ، وأديب رقيق الروح. كانت له مساهمات فعالة في العمل السياسي والوطني. ( شعراء الغري ، ج ٨ ، ص ٣٩٢ ).
وكيف ترى نهج الحقيقة والهدى |
وقد جللته للأضاليل أثواب |
|
وحتى متى تنجو من الجهل أمة |
بها علقت من آفة الجهل أنياب(١) |
أما عن طريقة النظم التي تَميّز بها الشاعر عن سائر شعراء عصره ، فيقول عنها : « نظمت الشعر في العقد الثاني من عمري ، وطريقتي في نظم الشعر نادرة إذ اني أنظم القصيدة الطويلة على لوحة خاطري وتبقى أياماً مرتسمة في حافظتي ثم اكبتها واصلح ما يلزم إصلاحه منها. وبسبب هذه المنحة التي منّ بها المنعم أصبح من السهل على إلقاء قصائدي في الاحتفالات بدون ورق شبه المرتجل وإعادة مواردها مراراً من أي موضع يطلبه المستعيد وإن كنت في آخر القصيدة كأنها مرسومة في ورقة أمام ناظري(٢) ».
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٢٦.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٨
لا يخفى أنّ الشاعر بحكم احساسه المرهف وروحه الرقيقة يتأثر بعوامل عديدة تنعكس على عواطفه وخواطره وتلقي بظلالها على شعره وأدبه. وتشكل هذه العوامل الحدر الاساس في بناء أدب الشاعر وتكوين هيكليته وأساسه. والشيخ الفرطوسي وهو الشاعر الذي حمل بين حنايا ضلوعه قلباً حساساً وروحاً شاعرة وعاطفة ثائرة كان لا بد ان يتأثر بالعوامل المحيطة به وأن يعكسها على مرآة شعره وأدبه. ومن هذه العوامل :
لا شك أنّ للمحيط الأثر الأكبر في بلورة شاعرية الشاعر وتحديد معالم أدبه وشعره. وكما قال الفرطوسي : « إنّ للمحيط الذي يتشبع ذهن الانسان بخواطره وتملأ عينه بمناظره. والحياة التي يعيش في رغد نعيمها أو نكد جحيمها. والنكبات التي تفاجئه بها الحوادت فيتلقاها بالثبات او يستسلم لسلطانها. والاتجاهات العاطفية التي تسير بالنفس الى شواطيء رغباتها. كل هذه العوامل لها أثر واقعي في توجيه أدب الشاعر وتكييفه لان الأدب موهبة من مواهب النفس ، والنفس تتأثر بهذه الدواعي فلابد وأن يظهر لونها على الأدب(١) ».
ولون الأدب عند الفرطوسي هو لون الحزن والألم بل قل لون العذاب
__________________
* - ليس المقصود من الميحط هنا البيئة التي عاشها الشاعر وتأثر بأجوائها. فهذا موضوع سبق أن بحث في الباب الأول من هذه الدراسة. وانما المقصود من المحيط هو العوامل غير البيئية التي حدقت بالشاعر وأثّرت عليه وشاركت في حوك نسيجه الشعري المتميز.
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٦.
والشقاء فقلما أحس الشاعر ساعة هناء أو استساغ فمه طعم نعيم خلال العقود السبعة التي عاشها وما أصعبها من عقود. وعن أسباب هذا الحزن يقول الشاعر : « أعيش في زوايا مظلمة من بيت قديم متداعي لا تجد الشمس فيه مدخلاً سهلاً لأشعتها ومتى ضاقت النفس من سجن هذا القفص وطلبت التمتع بالفضاء الرحب والنسيم الطلق ذهبت الى « وادي السلام » وماذا بالوادي غير قبور بالية ومناظر حزينة باكية تستعرضها فتمر في ذهنك ذكريات عشرات من القرون الغابرة طويت أجيالها في صفحاتها ويهيمن على نفسك وأنت تستطلع الطريق بين أرمالها سكون ذلك الوادي الرهيب وروعته وجلاله. كما أني أرتاد في كل عام بعض المناطق القروية وهي طافحة بصور الفقر والبأساء متحشدة بمناظر الحزن والألم فتطبع في القروية وهي طافحة بصور الفقر والبأساء محتشدة بمناظر الحزن والألم فتطبع في نفسي من هذه وتلك ألوان من الصور الكئيبة وتحز في قلبي مدى من آلامها(١) ».
ويستشف من شعر الفرطوسي الكثير الكثير من ضروب البؤس والشقاء التي تقاطرت على الشاعر من كل حدب وصوب وبحلقات متسلسلة ومتواصلة :
حياتُك واليأس صُنوٌ لها |
ومنها الرّدى فَرقاً يفزع |
|
حياة الجحيم على ما بها |
الى جنبها رغدٌ ممتع |
|
حياةٌ ترقُ لها الحادثات |
ويرثي لها الألم الموجع |
|
عجبت لقلبك يحيى بها |
وفي كلّ آن له مصرع |
|
حياتُك يا منبعَ العاطفات |
ضروبُ الشقاء بها تنبع |
|
له ألفُ مطلع حزن يُرى |
وما للسرور بها مطلع |
|
وأنت على ما بها من عناً |
يقض له الجنب والمضجع |
|
أراك ولوعاً بآلامها |
فرفقاً بنفسك يا مولع |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٦ ، ٢٧.
فهل عندك الألم الموجع |
هو الأملُ الباسم الممرع(١) |
وقصيدة « قلبي » التي نظمها الشاعر عام ١٩٥٢ م تصور وبكل وضوح وشفافية حياة البؤس والنكد التي واكبت مسيرة الشاعر في مختلف أدوار حياته :
قلبي لمستك جمرة في أضلعي |
صعّدتها لفمي فكانت مطلعي |
|
ولمحت نورك موجة في ناظري |
طفحت فسالت في شقائق أدمعي |
|
ولقد عهدتك بلبلاً يهفو على |
نغم بقيثار الشعور موقع |
|
يهتز للألم الحزين كأنه |
أملٌ يسامره بلحن ممتع |
|
ويطير من اُفق خصيب كيفما |
يهوى الى افق خصيب المرتع |
|
وأراك في افق الخيال وقد دجا |
شبحاً ضئيلاً هامداً في بلقع |
|
فعلمت انك من جمودك جثة |
اضحى لها قفص هامداً كمصرع(٢) |
واضافة الى القصيدة ذاتها فأنّ تعبير الشاعر في مقدمة القصيدة يفصح عن عمق الحزن الذي تخلل قلب الشاعر ولم يترك فيه فسحة للنعيم والهناء :
« غارس يزرع الأمل ويحصد الألم ، حقل ينبت الورد ويجتني الشوك. جدول يروي الظماء من معين الحياة ويموت ملتهباً ظامئاً. بلبل سجين في قفص مظلم يطرب السامع من الحانه الكئيبة وهو باك حزين. روح يوحي السعادة ويعيش بشقاء. هذا هو قلبي فأين السعادة والنعيم من هذا الشقي المعذب ».
ولم يحن لمسلسل البؤس ان ينتهي. فقد نكب الشاعر بحشد من النوائب وافواج من المصائب بددت أعز أفراد أسرته ، وأجهزت على خيرة أهله وأحبائه.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٢٣ ، ١٢٤.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٣٣ ، ١٣٤.
ففي عام ١٣٦١ ه نكب الشاعر بمصرع أخيه الشاب « جبار » إثر عملية جراحية فاشلة. ولم تمض سنة حتى نعي بوفاة ولده « عبدالرزاق » وذلك عام ١٣٦٢ ه وما هي الاّ سنوات ويفقد الشاعر طفله « علي » عندما كان يمرح مع أترابه في ملعب الطفولة. ثم يأتي عام ١٣٧٢ ه ليفجعه بأخيه الأكبر الشيخ عبدالزهراء.
وعلى الرغم من كل ما قاسى الشاعر من مصاعب وآلام ، وما تحمل من شقاء وعذاب ، فانه بقي صلب العود ، قوي الايمان ، راضياً بقضاء الله ، غير قانط من رحمته ، متحلياً بالصبر في كل حال من احواله :
لقد شهد الدهر المحددُ نابهُ |
علي بأني قد أبنت به الكسرا |
|
وما أنكرت مني الصروف صلابة |
تعودتها ما اقبلت زمراً تترى |
|
وكنت اذا جازت مساحة اصبع |
إلي صروف الدهر جاوزتها شبرا |
|
تتوق لانغام الخطوب صبابة |
وتهتز نفسي من تقاطيعها بشرا |
|
وتنعم عيني بالظلام كأنما |
سواد الدجى كحل لمقلتها العبرى |
|
تأملت في هذي الحياة فلم أجد |
بها لي الاّ مسلكاً موحشاً وعرا |
|
كأن خطوب الدهر آلت وأقسمت |
على نفسها أن ترغم الفطن الحرا |
|
رضيً بقضاء الله إن كان قد قضى |
علي بأن اشقى وطوعاً لما اجرى |
|
وصبراً يراعَ الحر انّك مثلُهُ |
غريب فلا تستعظم الخطب والأمرا |
|
تروم بأن تحيا من الدهر مطلقاً |
ويحكم إلاّ أن تموت به أسرا(١) |
ولا ننسى ونحن نستعرض ألوان الشقاء التي اصطبغت بها حياة الشاعر أن نذكر نكبته ببصره حيث حرم النور ولما يبلغ الخمسين من عمره. وقد كان وقع هذا الخطب على نفسه عظيماً حيث أثار لواعج احزانه وجدد قديم آلامه وأشجانه.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٥٦ ، ٢٥٧.
ومن أليم قوله في هذا الشأن : « أفق حزين أطبقت عليه ظلمة اليأس وهو منبع النور والأمل يقتات من بقايا الصور الخيالية المرتسمة على مرآة الذهن فهو مصباحه ، ويستاف من زفرات قلبه المحترقة عبيره ونفحاته ، فهو حقله ومجمره. ويستمد من وعي الروح المنطلق قوته ونشاطه فهو حياته يحدق في النجم فلا يرى غير الضئيل من شعاعه ويرمق الزهرة فلا يدرك سوى اللون الواضح من جمالها يرنو للوجه الحسن فلا يحس بغيرالروعة البارزة من قسماته. هذا هو بصري وهذه صور من الألم أرسمها على صفحات هذا اللوح الكئيب :
ربيعَ العمر والآمال تجلى |
وأنت الخصب قد أجدبت محلا |
|
ويا أفق الحياة ظلمت نجما |
أشاب اليأس من عينيه طفلا |
|
أهذا الجو للغربان ملك |
فحيث تحل منه لها أحلا |
|
وأقفاص البلابل وهي تشدو |
لها قد أصبحت سجناً وغلا |
|
أحدق بالنجوم دجى فتخفى |
على طرف بداج الاُفق ضلا |
|
كأن الليل مدّ عليه سجفاً |
وألقاه على عيني ظلا |
|
فلا نجم يلوح ولا شعاع |
لعين بافتقاد النور ثكلى |
|
أرى الوجه الجميل ولا أراه |
وأسلوه وكيف الحسن يُسلى |
|
وأمتع بالشذى الفياح شوقاً |
الى النفحات حين أرود حقلا |
|
وألمس ورده بيديّ لما |
حُرمت جماله لوناً وشكلا »(١) |
ومن هنا أصبح لون الحزن والألم مميزاً في شعر الفرطوسي يتجلى في معظم نظمه ويشيع في أغلب قصائده. ولا غرو في ذلك فمن يمّر بمثل ما مّر به الفرطوسي ، ويتجرع الغصص التي تجرعها لحقيق بأن تظهر عليه آثار الحزن ومظاهر الألم.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٣٠ ، ١٣١.
للعقيدة الدينية مكانتها الخاصة في شعر الفرطوسي. فقد اهتم الشاعر في منهجه الأدبي بالجانب العقائدي اهتماماً كبيراً هيمن على جلّ نتاجه الشعري. ويشكل هذا الأهتمام اتجاهاً واضحاً في مسيرة الشاعر. فقد دأب الشيخ في الألتزام وحرص على توظيف أدبه في خدمة الدين ونشر الثقافة الاسلامية المتمثلة بمبادىء الرسالة المحمدية ، ومعارف أهل البيتعليهمالسلام .
ومن المعروف أنّ التزام الشيخ الفرطوسي هو التزام ديني قبل ان يكون التزاماً أدبياً. فقد عرف الشيخ في الأوساط الدينية ب « الانسان التقي الذي تعيش التقوى في كل مواقع حياته وفي كل دوائر علاقاته وفي حسن العبادة وخشوعها وابتهالها ، وفي كل آفاق الالتزام الديني الذي يجعله يحتاط فيه ، ويحتاط له حتى يشتدد على نفسه ليتأكد انّه قد أدّى واجبه امام الله بشكل كامل غير منقوص(١) ».
ويبرز الالتزام العقائدي عند الشاعر اكثر فأكثر حين ينظم قصائد المديح والرثاء في النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - وأهل بيتهعليهمالسلام . وقد اكثر الشاعر النظم في هذا المجال حتى شمل ثلث ديوانه ، هذا بالاضافة الى موسوعته الشعرية الكبرى - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام - التي تجاوزت الأربعين ألف بيت.
ومرجع هذا التفاني في احياء الفكر الاسلامي ونشر معارف أهل البيتعليهمالسلام انما يعود الى التربية الاسلامية التي نشأ عليها الشاعر وتربى في احضانها وترعرع في ظلها الوارف.
وتتجسد العقيدة الدينية في شعر الفرطوسي من خلال رؤيته الواضحة
__________________
١ - محمد حسين فضل الله ، من كلمة له في تقديم الجزء الثامن من ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ص ٣.
ومعرفته الدقيقة للدين الاسلامي. فهو من هذا المنظار يعرف جيداً كيف يلقي الضوء على العقائد الاسلامية ، ويصورها في شعره من الزاوية التي يجب أن تصور وفي الاتجاه الصحيح والسليم.
ومن مميزات الصورة التي يرسمها الشاعر في شعره العقائدي انّه عندما يتناول موضوعاً في هذا المجال يمهد له في باديء الأمر بمقدمات تكون ضرورية في الغالب لبسط الموضوع ودرك فحواه. وبعد أن يستوفي الغرض في المقدمات يعرج على ذكر البراهين والحجج التي يمكن عن طريقها التوصل الى الحقيقة المنشودة ، والغاية التي من اجلها أنشد قصيده. وفي مثل هذه المواضع يكثر الشاعر من ايراد الشواهد والأمثلة التي من شأنها أن تساعد على استيعاب الموضوع بأسهل صورة ممكنة.
فمثلاً عندما يتناول الشاعر موضوع ولاية الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، يذكر في البداية مقدمات في مناقب الامام وفضله وكذلك مواقفهعليهالسلام التي حفظت للدين الاسلامي عزته وكرامته :
لك بالامامة واضحات دلائل |
بنهارها يُمحى ظلام الباطل |
|
كالسيف تشهر وهي أعظم سطوة |
في وجه كل معاند ومجادل |
|
يا واحدَ الدنيا المخّلدَ ذكرُه |
بخلائق قدسيَّةٍ وشمائل |
|
خلّدت للاسلام مجداً باذخاً |
يربو على افق السما المتطاول |
|
وأشدت للدين الحنيف منازلاً |
لولا حسامُك لم تكن بأواهل |
|
وبنور نهجك وهو منبع حكمة |
متدفق اوضحت ايَّ مشاكل |
|
أوردتنا فيه نميراً صافياً |
يمنى لخير موارد ومناهل |
|
أحكمته بقواعد حكمية |
كفلت بيان اصول كل مسائل |
تقف العقولُ أمامه مسحورة |
ببيانه وبنسقه المتواصل |
|
انت المحيطُ معارفاً لكنما |
لم تحوِ غيرَ جواهر وفضائل |
ومن ثم ينتقل الشاعر الى اثبات ولاية الامامعليهالسلام بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة مستشهداً بأحاديث الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الخصوص :
عيد الغدير وأنت أعظم شاهد |
بانت به للحق خيرُ دلائل |
|
يومٌ به قام النبيّ مبلغاً |
من ربّه نصّ البلاغ النازل |
|
والناس بعضهم غدا متواصلاً |
بالبعض في حشد عظيم حافل |
|
نادى بهم والحق يشهد انّه |
لولا الحقيقة لم يكن بالقائل |
|
من كنت مولاه فهذا حيدر |
مولاهُ بالنص الجليّ الكامل |
|
هذا اميرُ المؤمنينَ اميرُكم |
وخليفتي فيكم بقول شامل |
|
لكنما غشيت عميً وضلالة |
تلك البصائر بالضلال الحائل |
|
نبذوا الكتاب وراءهم وتنكبوا |
عن منهج الحق الصريح الفاصل |
|
عدلوا عن الحبل المتين غواية |
وتمسكوا من غيّهم بحبائل |
ويواصل الشعر ردّه على شبهات المعاندين بكثير من المناقب والفضائل التي خص بها الامام دون غيره من الصحابة والتابعين :
قل للمعاند قد ضللت جهالة |
سفهاً لعقلك من عنود جاهل |
|
أعماك غيك أن ترى نور الهدى |
فتسير في نهج البصير العاقل |
|
أمن العدالة أن يؤخرَ سابقٌ |
ويقدَم المفضولُ دون الفاضل |
|
هذي فضائله وذي آثاره |
سطعت بآفاق الهدى كمشاعل |
|
فتصفح التأريخ فهي بوجهه |
غرر صباح نظّمت كسلاسل |
ينبئك من واسى النبيّ محمداً |
بمواقف مشهورة وغوائل |
|
وفداه عند مبيته بفراشه |
في نفسه فوقاه شر الباطل |
|
ومن الذي اردى الوليد وشيبة |
في يوم بدر بالحمام العاجل |
|
وبيوم احد من طغت عزماته |
فرست جبالاً في الزحام الهائل |
|
من فرق الأحزاب حين تجمعت |
فرقاً وما في القوم غير الناكل |
|
ورمى على وجه الثرى اصنامها |
لما رقى من فوق أشرف كاهل |
|
وبكفه حصن اليهود قد اغتدى |
متلاطماً كالموج فوق الساحل |
|
ومن الذي ردت له شمس الضحى |
لما أشار لها ارجعي في بابل |
|
وفضائل ليست تعد و« هل اتى » |
و« النجم » و« النبأ العظيم » دلائلي |
|
عميت عيون لا ترى شمس الضحى |
عند استقامة كلِ ظل مائل |
|
عيد الغدير وأنت اكرم وافد |
وافى من البشرية بخير رسائل |
|
عيد به الاسلام اضحى حافلاً |
فرحاً بتتويج الامام العادل |
|
عيدٌ به شمس الحقيقة أشرقت |
والحق اطلق من شباك الباطل |
|
ما جادت الدنيا لنا في مثله |
أبداً ولا تأتي له بمماثل |
|
حقّاً يُخلَّد ذكرهُ وعلاؤهُ |
وبه يُخلَّد ما تخط أناملي(١) |
وعلى هذا النحو تتمثل العقيدة الاسلامية في شعر الفرطوسي بأوضح صورها وأتم معالمها ، مما لا تدع مجالاً للشك في اخلاص الشاعر تجاه دينه ومعتقده الذي حرص على أدائه بأكمل ما يمكن من وجوه الدقة والكمال.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١١٧ - ١١٩.
لم يغفل الشيخ الفرطوسي عن مكانة التاريخ في التعبير الشعري ومدى تأثيره في حياة الناس. فقد استخدم الشاعر هذا العامل المحفز للإشادة بأمجاد السلف وتذكار تراثهم العريق الحافل بالمفاخر والبطولات ليستنهض همم أبناء جلدته ، ويثير في نفوسهم الحماس والحمية من أجل الدفاع عن مبادئ الدين القويم ، والحفاظ على سيادة الوطن واستقلاله.
وكثيراً ما أشاد الشاعر بالماضي القديم ليستعيد من وهجه المضيء قبساً ينير درب المستقبل الذي اظلمته الحروب والويلات وعكّرت صفوه النوائب والأزمات :
عزائم العرب ثوري وانضي فينا |
الى الوغى وأعيدي مجد ماضينا |
|
ورفرفي يا بنودَ الحقِّ خافقةً |
بالنصر واستقبلي دنيا أمانينا |
|
قد آن أن تملأ الدنيا عزائمنا |
ناراً موقدة تُصلي أعادينا |
|
فتلك أوطاننا أضحت بها علناً |
بشائرُ النهضة الكبرى تحيّينا |
|
ثارت فلم يبق في دنيا الفخار فمٌ |
للعرب إلاّ ولبّاها تلاحينا |
|
وطاف في الشرق صوت الحق فابتهجت |
له النفوسُ ولبّته مواضينا |
|
واستنهض المجد من أبناء نجدته |
عزائماً بعثت روح الإبا فينا(١) |
ويلح الشاعر على تصفح التأريخ المجيد ليقرأ في صحائفه الوضّاءة أمجاد أمّته الخالدة التي حققت النصر والغلبة تحت راية الأسلام وبنصر من الله مؤزّر :
يا أمة خانها في الشرق طالعها |
فعاد في صفقة الخسران مغبونا |
|
سلي الحوادث عن تأريخ نهضتنا |
«واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا» |
____________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢١٧.
كم نهضة في سبيل المجد خالدةٍ |
جبارة قد أقامتها مواضينا |
|
هاتيك « أندلس » للآن ما برحت |
آثارنا في ضواحيها تنادينا |
|
غداة سرنا ونصر الله يصحبنا |
وراية الحق والاسلام تعلونا |
|
« فما انثنينا ولا فلت عزائُمنا » |
حتى فتحنا وأمست طوع أيدينا |
|
وكيف نثنى ولم يُرفع لنا علمٌ |
إلاّ وعاد بنصر الله مقرونا(١) |
ولم يكتف الشاعر بتذكار الماضي البعيد ، بل راح يشيد بأحداث قريبة العهد من مثل ثورة العشرين التي فجرها الشعب ضد المحتل الأنجليزي في مطلع هذا القرن :
يا ثورة العشرين يوُمكِ غُرةٌ |
في جبهة التاريخ لا تتغير |
|
ميلاد نجمك بين أحضان الضحى |
والشمس مولدها الصباح المسفر |
|
أفق الفرات ومهده قد أنجبا |
فية وها هو بالارومة يفخر |
|
حملته وهو المجد بين ضلوعها |
اُمٌ ولودٌ كالعفرنى تزأر(٢) |
|
حتى اذا وضعته في لجج الدِما |
كرها وعاصفة المنية تجأر |
|
حضنته جارتُها وأضحت تدعي |
فيه وهل تلد العقيمُ وتثمر |
|
وتفيأت منه الظلالَ وامّه |
تصلى برابعة الهجير وتُصهر |
|
واستثمرته كأنما هو غرسةٌ |
منها اجتناها الغارس المستثمر(٣) |
وهكذا ينفذ التاريخ إلى شعر الفرطوسي عبر أحداثه المتفاوتة وأزمانه المختلفة ليشكل منعطفاً هاماً وجزءاً كبيراً من نتاج الشاعر وخاصة نتاجه في حقل السياسة والعمل الوطني.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢١٩.
٢ - أسد عَفرنى ، أي شديد قوي. ( لسان العرب ، ج ٩ ، ص ٢٨٥ ).
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٧٣.
لعل من أهم الخصائص التي امتاز بها الشاعر الفرطوسي في منظوماته وأشعاره ، الهدفية والألتزام التي واكبت مسيرة شعره اكثر من خمسة عقود. ونعني بالألتزام هنا ، الألتزام بمعنييه العام والخاص. فالاول وهو أن يتناول الشاعر مشكلة اقتصادية أو سياسية تتصل بالهموم العامة للأنسان في محاولة منه لمعالجتها وايجاد سبل لحلها من خلال المعيار الاجتماعي والفردي(١) .
أمّا الألتزام بالمعنى الخاص فنقصد به الأدب الذي جسّد الاسلام في حقيقته وتناول في أغراضه المختلفة سيرة ومعارف أهل البيتعليهمالسلام (٢) .
وفي كلا المعنيين نجد الفرطوسي يوظف شعره في الاتجاهين المذكورين سواء الاتجاه الاجتماعي والسياسي أو الاتجاه الديني المتمثل بنشر حقيقة الاسلام ومعارف وعلوم أهل البيتعليهمالسلام .
ففي المعنى الاول يتجه الفرطوسي اتجاهاً واضحاً لا غبار عليه محاولاً من خلاله معالجة قضايا المجتمع والأخذ بعين الاعتبار سبل الأصلاح والتوعية. ولا تمضي سنة من عمر الشاعر إلاّ ونقرأ له شعراً في هذا الخصوص. ففي سن التاسعة عشرة مثلاً ينظم الشاعر قصيدة « التقاليد » التي دعا فيها أبناء جلدته الى اليقظة والنهوض من أجل الاصلاح والتعليم وخاصة تعليم الجنسين وتربيتهما ترتبية صالحة وسليمة :
__________________
١ - محمود البستاني : الاسلام والفن ، ص ٩.
٢ - محمود البستاني : تاريخ الأدب العربي ، ص ٤٤٢.
أفيقوا يابني وطني عجالا |
فما يجدي الرقادُ النائمينا |
|
وهبّوا فيه للاصلاح كيما |
نراكم للتمدن ناهضينا |
|
أليس ثقافة الجنسين فرضاً |
تقوم به الرجال المصلحونا |
|
وفي نور المعارف خير هادٍ |
طريق يقتفيه السالكونا |
|
جمال الشعب يوماً أن نراه |
يسير الى الثقافة مستبينا |
|
وان ثقافة الأحلام نورٌ |
به يُهدى الشبابُ الواثبونا(١) |
وفي سن العشرين ينشد قصيدة « غارس الورد » التي أشار فيها الى مآسي الفلاحين وما يعانون من شظف في العيش وضيق في الحياة :
يا غارس الورد حاول أن تنسّقه |
في خير سلك من التنظيم موزون |
|
ايّاك ايّاك أن تسعى بتفرقة |
بين الشقيقين من تلك الرياحين |
|
فضمّ ما عشت ورد الاقحوان الى |
ورد الشقيق خدود الخرد العين |
|
واشفق على النرجس الذاوي بجنبهما |
اني لأخشى عليه ساعة الهون |
|
هذي الازاهير وهي الحسن أجمعه |
فيها تمتع من حين الى حين |
|
وخلّ عنك أعاصير الهموم فقد |
أفنيت عمرك في تلك الميادين |
|
ما أنصفت أممٌ جبارةٌ غصبت |
منك الحياة بظلم غير مسنون |
|
هل العدالة تقضي أن تضام بها |
أم تلك حكمة هاتيك القوانين(٢) |
وهكذا دواليك في باقي قصائده الاجتماعية والسياسية الكثيرة من مثل « الحقيقة » و« فلسطين » ، و« الى الاغنياء » ، و« مآسي الحرب » ، و« اليتيم » ، و« السعادة ». وهذه الأخيرة تعد من خيرة قصائد الشاعر الاجتماعية التي تناول فيها الفوارق الكبيرة بين طبقتي الاغنياء والفقراء مصوراً فيها حياة البؤس والشقاء
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٢٩.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٣١٧ ، ٣١٨.
التي كان يحياها معظم الناس دون الاقلية من الاغنياء.
هذا على الصعيد الأجتماعي والسياسي ، أمّا على الصعيد الديني فقد اهتم الشاعر بهذا الجانب اهتماماً كبيراً بلغ فيه أن خصص قسماً كبيراً من نتاجه الأدبي لهذا الغرض. فثلث ديوانه المكوّن من جزئين يختص بذكر أهل البيتعليهمالسلام ، وموسوعته الشعرية الكبرى - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام - التي جاوزت الأربعين الف بيت تندرج في الإطار ذاته. ولهذا عرف الشيخ الفرطوسي في الأوساط الادبية والدينية بشاعر أهل البيت لغزارة شعره وكثرة نظمه فيهمعليهمالسلام .
ومنشأ هذا الألتزام بشعر وأدب أهل البيتعليهمالسلام انّما يعود الى التربية الاسلامية المبتنية على حب أهل البيتعليهمالسلام والتي ترعرع الشاعر في ظلها واستضاء بقبس نورها وضياء هدايتها. وقد عبر الشاعر عن هذا الحب المتأصل في ذاته في مواقع كثيرة ، منها قوله:
على حبّكم يا آل بيت محمدٍ |
ترعرعت في مهد الطُفولة ناشيا |
|
وعندي من وحي الولاء عواطف |
عرفت بها حبّي لكم وولائيا |
|
صهرت بها روحي هدى وعقيدة |
وأفعمت بالايمان منها فؤاديا |
|
فؤادٌ بكم غالى هوىً وصبابةً |
فأصبح فيكم مغرماً متفانيا |
|
أغذيه عذباً من غدير ولائكم |
يعب به عباً ويصدر ظاميا |
|
وأعجبُ من قلب يعب معينه |
ويصدر ريّاناً من الحب راويا(١) |
ومهما يكن من أمر فأن الشاعر من جهة حرص كل الحرص على أن يوظف شعره وأدبه في خدمة المجتمع ليعالج من خلاله شؤونه الاقتصادية والسياسية والثقافية. ومن جهة اخرى تبنى موقفاً دينياً واضحاً يهدف الى خدمة الدين الاسلامي ونشر معارف أهل البيتعليهمالسلام .
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٥٢.
سيطر الواقع الاجتماعي والسياسي على شعر الفرطوسي سيطرة بعثت فيه روح الاندفاع نحو الأصلاح والنهوض بوجه الأمر الواقع الذي يفرضه المستعمر الغاشم بشتى حيله الاقتصادية والسياسية والثقافية. فكان الشاعر يدرك هذا الواقع المر من خلال حسه الشعوري المرهف وتواجده الفاعل والمستمر في الساحة. وكان مواظباً في تصويره للواقع الاجتماعي والسياسي مبتعداً عن حالة الغموض والرمزية مستخدماً الطريقة المباشرة في التعبير ليتسنى لعامة الشعب فهم رسالته واستيعابها بسهولة.
وكان الشاعر يعيش مع الأحداث ويواكب مسيرتها خطوة بخطوة ، ويحاول الالتفات الى منعطفاتها الخطيرة التي تذهب بالأمة الى هاوية الانزلاق والسقوط. فنلحظه مثلاً عندما نشبت الحرب العالمية الثانية يصرخ مندداً بهذه الطامة العظمى التي أضرمتها نار الأحقاد والضغينة لتحيل نعمة الأرض وخيرها نقمة وشقاءً :
إنّها الحرب أضرمتها سعيراً |
بلظاها الأحقاد والبغضاء |
|
قد أشابت حتى الجمادات هولاً |
وهي بكرٌ فتيّةٌ عذراء |
|
تخذوها الى المطامع جسراً |
كونته الأغراض والأهواء |
|
ظلموا العالَم الوديعَ اغتصاباً |
ليفوزوا بها فخاب الرجاء |
|
ألقحوها وهم شقوا بلظاها |
ويظنّون أنّهم سعداء |
|
كم أساؤا الى الحضارة فيها |
ليتهم أحسنوا كما قد أساؤا(١) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٥٩.
وما ان وضعت الحرب أوزارها حتى بدأ التأزم الاقتصادي يتفاقم ، وبدأت المشاكل تتوالى الواحدة بعد الاُخرى ، وبدأ الفساد يدب في المجتمع دون رادع ومانع. فعزّ على الشاعر أن يرى أبناء شعبه وهم يتخبطون في البؤس والشقاء ، فأشاد بالاصلاح ودعا المصلحين إلى العمل من أجل خلاص الشعب من ربقة العناء والألم :
رُحماك يا مصلح الأخلاق بالبشر |
لم يبق فيه لقوس الصبر من وتر |
|
انّ الفضيلةَ لم نبصر لها وضحاً |
وهل تُحسُّ بلا عين ولا أثر(١) |
|
ومنبتُ الخير قد غاضت منابعهُ |
وموقد الشر يطغى من لظى الشرر |
|
والكون مجزرةٌ تبدو لناظرها |
من الضحايا بها آلاف محتضر |
|
ومعرض حاشد بالبؤس قد مثلت |
به الفضائعُ أشكالاً على صور |
|
ضاعت مقاييس إصلاح منظمة |
لكلّ وضعٍ من الإفساد منتثر |
|
فأختلّ منّا نظامُ الاجتماعِ لها |
حتى بدا فيه نقصٌ غيرُ مستتر |
|
وأُبعد النبلُ عن قوم به عرفوا |
وقرّبوا بعد عرف الحق للنكر |
|
وكل شيء على عكس المرام بدا |
مشوه الشكل بعد المنظر النضر |
|
ولا نحسّ لهذا النقص من سببٍ |
سوى اختلال نظام العالم البشري(٢) |
ولم تقتصر نداءات الشاعر ومناشداته الاصلاحية على عصر أو حكم. فكما طالب بالاصلاحات في العهد الملكي نراه يطالب بها وباندفاع أكبر في العهد الجمهوري. ومواقفه في هذا الخصوص كثيرة ، منها قصيدته اللاذعة التي ألقاها في المهرجان الكبير الذي اُقيم في مدينة النجف عام ١٩٦٣ م بمناسبة مولد الامام الحسينعليهالسلام والتي قال فيها :
__________________
١ - الوَضَح : الضَّوء. ( لسان العرب ، ج ١٥ ، ص ٣٢٣ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٤٤ ، ١٤٥.
ياساسة الوطن المفدى أصلحوا |
وضع البلاد فوضعها متأزم |
|
وطن هو الثكلى فكل مفوّه |
فيه ينوحُ وكل حفل مأتم |
إلى أن يقول :
ماذا أبث من الشجون وبعض ما |
في القلب من ألم يضيق به الفم |
|
ماذا أخط والف لونٍ للأسى |
في لوحة النفس الحزينة يُرسم |
|
فاستعرضوا وضع البلاد فوضعها |
من كل ناحية يسئ ويؤلم |
|
حرية الأفكار رهنُ رقابة |
سوداء يفرضها نظام مظلم |
|
والحكم بالارهاب يوصدُ بابه |
فاذا تنفسَ فهو صلٌّ أرقم |
|
وأماتت الفوضى النظام بمهده |
فالأمن للعنقاء فيها توأم |
|
وتقهقرت للاقتصاد زراعة |
وصناعة خططٌ بها يتقدم |
|
ورؤوس أموالِ البلاد تمَزّقت |
بيدِ الضرائبِ والجمودُ يخيمُ |
|
وجرت جروح الشعب حتى اغرقت |
جثث الضحايا والسيول هي الدم |
|
وخلاصة الأحداث لا وطنيةٌ |
فيها ولا وعي بها متقدم |
|
انّ المناصب غاية منشودة |
وطريقها هذا الصراع المؤلم |
|
وطن يباع وأمّة منكوبةٌ |
فيه تراعُ وفيئ شعب يقسم(١) |
هكذا كانت الواقعية والموضوعية تفرض ارادتها على أدب الشاعر ونتاجه دون أن ترهبه عواقب نقداته اللاذعة وآرائه الصريحة التي كانت بطبيعة الحال تضع الشاعر في مواقف خطيرة ومواقع لا يجني منها سوى المضايقة والاضطهاد. ولكن الشاعر وبغض النظر عن كل ما يعترض طريقه من شوك وقذى حرص على أن يكون لسان حال شعبه ومتنفسه الوحيد الذي منه يستنشق الحرية والاستقلال.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٩٤ ، ٩٥.
ونقصد بالتجديد ، التجديد في اللغة والفكرة لا في الوزن والقافية. فالشاعر كما تستوضحنا أشعاره شاعر مقلّد شديد المحافظة على أشكال الشعر الموروثة وقوالب النظم القديمة. وهو من هذا المنظار شاعر تقليدي أو كما يسمونه اليوم شاعر كلاسيكي يدرج في نظمه على أسلافه الماضين.
أمّا التجديد المنظور في شعر الفرطوسي فمنه التجديد في اللغة الشعرية والأُسلوب البياني. فقد وفق الشاعر وبالرجوع إلى منابع اللغة العربية الصافية إلى بيان شعري متميز يتصف بسلامة اللغة ونقائها ، ونصاعة العبارة ووضوحها ، وبالتخلص من الاستعمالات البديعية المسرفة سوى التي تأتي مرسلة وعن سبيل العفوية.
وقد حرص الشاعر على أن تكون لغته الشعرية قريبة المتناول ، يسيرة الفهم تأخذ طريقها إلى قلوب الناس عامة وخاصة على السواء. فكان ينتقي الألفاظ الأكثر شيوعاً في اللغة ذات الصلة باللغة الحوارية بين الناس ليتسنى للمتلقي استيعاب المضمون وفهم رسالة الشاعر.
فمثلاً يفضل الشاعر استخدام كلمة « الوضع » بدلاً من « الواقع العام » أو « العرف السائد » وغيرها من المصطلحات التي تشيع غالباً عند الطبقة المثقفة والمتعلمة من الناس(١) . فهو يؤثر كلمة « الوضع » على سائر مرادفاتها العصرية لتداولها بين العامة وتقبّلها من قبل الخاصة.
يقول الشيخ الفرطوسي عن موقع الشاعر الطموح من « الوضع »
__________________
١ - عبدالصاحب الموسوي : حركة الشعر في النجف ، ص ٦١٦.
الاجتماعي المتخلّف :
يريد لك « الوضعُ » أن تنزوي |
بحيث خيالك لا يطلع |
|
وأن تغتدي هيكلاً ما له |
شعورٌ يحس بما يفجع |
|
فما لك قلبٌ ولا مقولٌ |
وما لك طرفٌ ولا مسمع |
|
كأنك طبلٌ بأجوائه |
يدوي إلى كل من يقرع |
|
فإن قيل للخبِّ ذا ماجدٌ |
فقل إنّه الماجدُ الأروع |
|
وللظالم المعتدي عادلٌ |
فقل هو للعدل مستودع |
وفي السياق ذاته تتكرر مفردة « الوضع » في بيتين تاليين والخطاب لا يزال موجهاً للشاعر الطموح :
فكن خاملاً مثلما يرتضي |
لك « الوضع » والزمن الأفظع |
|
يروم لك « الوضع » ما يرتئي |
وان كان يصنع ما يصنع(١) |
ومن معالم التجديد في شعر الشيخ الفرطوسي ، التجديد في الأفكار والأغراض الشعرية. وتبرز هذه الظاهرة في جميع الأغراض التي طرقها الشاعر. ففي المديح مثلاً نجد الفرطوسي يجدد في شكل القصيدة ومضمونها. فهو لا يقلد القدامى في تقديم القصيدة بالغزل والنسيب وذكر الأطلال وغيرها ، بل يدخل إلى صلب الموضوع بدون مقدمات وممهدات.
امّا من ناحية المضمون فيتخذ الشاعر من المديح ذريعة لبث الأفكار السامية والمضامين القيمة التي تعود على المجتمع بالخير والمنفعة. فنراه مثلاً عندما ينظم قصيدة في المدح كالقصيدة التي مدح فيها الشيخ محمد الحسين الكاشف الغطاء عند عودته من المؤتمر الاسلامي في الباكستان عام ١٩٥١ م
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٢٦ ، ١٢٧.
يدخل في المدح مباشرة ومن البيت الأول :
للفتح آياتٌ بوجهك تُعرف |
هل أن طلعتك السعيدة مصحف |
|
شعّت على قسمات وجهك مثلما |
شعت بقلبي من ولائك أحرف |
|
هي أحرفٌ ذهبيةٌ خُطت على |
قلبي وريشتها فمٌ متلهف |
|
أبصرت قلبي ظلمة من يأسه |
ورأيتُها فجر المنى اذ يكشف |
|
أجللتها من أن تُمسَ قداسة |
واسم ( الحسين ) مقدس ومشرف |
|
فغرستُها في تربة أزكى ثرىً |
في الطهر من قلب الوليد وانظف(١) |
ويستمر الشاعر في ذكر أوصاف الممدوح وعدّ خصاله الحميدة مشيراً إلى مواقفه الاصلاحية وأعماله الجليلة التي قام بها خدمةً للاسلام والمسلمين ، لينتقل في النهاية إلى غرضه الأصلي وهو الاشادة بالمطالب الحقة التي توخاها الشاعر من مديحه وغالباً ما تكون مطالب اصلاحية وتربوية :
إنا لنبغي للجهاد قيادة |
يرتاع منها المستبد ويرجف |
|
ونريد افئدةً على اضلاعها |
تطغى عزائمُها وحيناً تعصف |
|
وأناملاً يهوي على تقبيلها |
في حين تلطمه فم متكلف |
|
ونريد اصلاحاً لأنظمة بها |
لعب الغريم وعاث فيها المجحف |
|
ونريد أفكاراً مثقفة بها |
نسمو ومن عرفانها نتثقف |
|
وعقائداً دينية ميمونة |
في النشء يغرسها أب متعطف |
|
إنا لننشد مصلحين نفوسهم |
عن حمل ما قد حُمِّلوا لا تضعف(٢) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٥٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٥٩.
وعلى هذا النحو تتبين معالم التجديد في سائر أغراض الشاعر كالرثاء والغزل والوصف والشعر الوطني والحماسي. وفي هذا الأخير نلحظ بوادر تجديدية للشاعر من خلال تناوله لشخصية البطل التي عليها مدار القصيدة الحماسية. فالفرطوسي يعمد إلى ذكر البطل من أجل الاشادة ببطولاته وبث روح الحماس في قلوب الناس والاهتمام برسالته التي تحمل في طيّاتها مُثلاً سامية ومبادئ قيمة مثل الدفاع عن الوطن والذود عن سيادته واستقلاله. فالهدف مبادئ البطل لا البطل ذاته(١) .
وللفرطوسي في هذا الشأن منظومات كثيرة ، منها ما قاله مخاطباً أبطال سوريا ولبنان إثر سقوط القدس القديمة بيد الجيوش العربية في حرب فلسطين عام ١٩٤٨ م :
أبطال ( سوريا ) و( لبنان ) ردوا |
حوض المنايا أو يُردُّ ما سلب |
|
فأنتم السراةُ في كلّ وغىً |
وأنتم الغزاة في كل لجب |
|
كم سبحت بكم خيول وهفت |
على رؤوسكم بنودٌ وعذب |
|
للآن في ( الروم ) لكم وقائع |
بمسمع الدهر لوقعها صخب |
|
فاجتهدوا وشيدوا من العلى |
« لآل حمدان » عروشاً وقبب |
|
تقدموا إلى الوغى لترجعوا |
أعداءكم ناكصةً على العقب |
|
وكيف تُثنون وألفُ قائدٍ |
مثل «أبي فراس» منكم في (حلب)(٢) |
ولم يكتف الشاعر بالتجديد في الموضوعات والأغراض فحسب بل دعا الشعراء إلى النهوض بالشعر والتجديد في مواضيعه ومضامينه حسب مقتضيات
__________________
١ - عبدالحسين المبارك : ثورة ١٩٢٠ في الشعر العراقي ، ص ١٦٤.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٤٦.
العصر ومتطلبات الحياة :
هبّو شباب القوافي إنها عُقدت |
على عواطفكم للشعر آمال |
|
واستنقذوه من البلوى فما بقيت |
في الكأس إلاّ صبابات وأوشال |
|
دعوا الأقاويلَ والأهواءَ ناحيةً |
فليس ينفعنا قيلٌ ولا قال |
|
خذوا اللّباب وخلّوا القشر واجتهدوا |
أن تقتفي منكم الأقوالَ أفعال |
|
وجددوها مياديناً تثور بها |
من العواطف أمواجٌ وأهوال |
|
فهاهنا حلباتُ الشعر رنّ لها |
صوت على مسمع التأريخ جوال |
|
وهاهنا الأدب العالي بكم رُفعت |
أعلامُهُ فغدت تزهو وتختال |
|
وهاهنا نمت الفصحى وقد زهرت |
فيها بكورٌ أنيقاتٌ وآصال |
|
فالخزيُ والعارُ أن يبنو لنا شرفاً |
ونحن نهدمُ ما شادته أجيال(١) |
تتجسد براعة التصوير عند الشيخ الفرطوسي من خلال قدرته الفائقة على تصوير الأشياء مفصلة سواء المرئية منها أم غير المرئية. فهو عندما يصف الطبيعة مثلاً يحلّق في أجوائها ويلتقط بعدسته الشعرية صوراً رائعة ودقيقة يستحيل التقاطها إلاّ عن طريق ارادة الشاعر الفنية.
ولا يخفى ما للطبيعة من تأثير خاص ووقع هام في ازدهار وتنمية القدرة التصويرية عند الشاعر. فالفرطوسي يرى أنّ الشاعر هو : « من عشاق الطبيعة. ويمتاز بادراكه أسرار جمالها وعظمة جلالها وتجسيم صورها الرائعة في
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٨٩.
تصاويره الشعرية كأنها ماثلة أمام عينيك ، يصف الزهرة فينشقك نفحتها ويلمسك رقتها ، والغصن فيميل بقده الأهيف عليك كأنك تهصره بيدك وتعطفه بأناملك. والبلبل فيجس أوتار قلبك بأغاريده الراقصة ويطلق نفسك في أفق من حياة الحرية. والجدول فيفرغ في سمعك عربدة أمواجه وخرير سواقيه. والعاصفة فيطلع عليك عملاقاً جباراً من مردة الجان يتطاير الشرر من مقلتيه ويجلجل الرعد في شفتيه ، والسحاب فيغشاك بظلمات من الاهوال تشق حجبها البروق وتصطرع بها الصواعق والرعود. والقمر فيملأ عينك باشراق هالته وجمال طلعته وجلال روعته. وهكذا يرسم لك مختلف صور الطبيعة على ألواحه ويعرضها عليك وأنت في زاوية مكتبك أو مجلس سمرك ما لو قدر لك أن تراها بعينك لما كنت تقدر على ادراك بعض ما قرأته من التصوير في صفحات ديوانه »(١) .
فللطبيعة دور هام في تصوير الواقع المعاش والحقائق الملموسة. وقد عرف الشاعر هذه الخصوصية الهامة فأحسن الاستفادة منها في تصوير الاحداث والوقائع التي عاصرها والتي لم يعاصرها. وكثيراً ما نجد مفردات الطبيعة تشغل حيّزاً واسعاً من شعر الشاعر وخاصة الوصفي منه حيث الرسم والتصوير قائم على قدم وساق. فنلحظ مثلاً عندما يصور لنا وقائع الحرب العالمية الثانية يستخدم مفردات مثل « التلول » ، و « الجبال » ، و « الهضب » ، و « الصحراء » ، ومفردات مماثلة اُخرى :
أسيولٌ موّارةٌ أم دماءُ |
سفكتها من مثلها الأبرياءُ |
|
وقلاع رصينةٌ أم تلولٌ |
كونتها من حولها الأشلاءُ |
|
غمرتها مدامع اليتم شجواً |
بنجيع ذابت به الأحشاءُ |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٥.
وتعالت من حولها للأيامى |
شهقات حزينةٌ وبكاءُ |
|
ودُخانٌ يغشى السماء فيمتدّ |
على صحوها الجميل غشاءُ |
|
أم قتام سدّ الفضا فتوارت |
بدجاه عن العيون ذكاءُ |
|
ودوي الرعد المجلجل يتلوه |
دويّ تعيده الأصداءُ |
|
وجبال الصحراء زعزعها القصف |
ومادت من حولها الصحراءُ |
|
فتهاوت على المفاوز منها |
قطعات ضاقت بها الحصباءُ |
|
أم حصونٌ سيارةٌ من حديد |
هي والهضب في الثبات سواءُ |
|
وجموع من الدَّبى أو من النمل |
على الارض أمطرتها السماءُ(١) |
|
أم جنود قد أمّت الارض غزواً |
حين ضاقت بعزمها الأجواءُ |
|
تتهاوى على سعير المنايا |
كلّما لاح للأماني ضياءُ |
|
لا تبالي ان افلحت في مناها |
أخلودٌ مصيرُها أم فناء(٢) |
وتتبلور خصوصية هامة أُخرى في صور الشاعر وهي الحركة والحيوية. فالشاعر لا يعرض صوره جامدة ثابتة تبعث الملل في نفس المتلقي ، بل ينفخ فيها الحركة التي تبعث في النفس الحيوية والنشاط. وهي لا شك تجعل المتلقي يعيش أجواء القصيدة ويساير أبياتها بيتاً بيتاً. ومن نماذج هذه الحركة قصيدته التي نظمها عند سفره من بغداد إلى سويسرا عام ١٩٦٥ م ، والتي وصف فيها الطائرة وصفاً دقيقاً وجميلاً :
طارت بنا مجلجله |
مدبرة ومقبله |
__________________
١ - الدَّبى : أصغر ما يكون من الجراد والنمل. ( لسان العرب ، ج ٤ ، ص ٢٨٨ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٥٨ ، ١٥٩.
تقطع أجواء الفضا |
مرحلة فمرحله |
|
وتسبق الريح اذا |
ما استبقت مهروله |
|
تشقه كلجة |
تعبرها في عجله |
|
صرح على قوائم |
من ذا أقام هيكله |
|
سفينة جاثمة |
على الهوا مشتمله |
ثم يتابع الشاعر في هذا الوصف تواصل الحركة بمزيد من التفصيل والدقة :
خفّت بنا شاهقة |
إلى الفضا محمله |
|
كريشةٍ طائرة |
ووزنها ما اثقله |
|
تطوى المسافاتُ بها |
كأنها متصله |
|
توصل في أطرافها |
وان تكن منفصله |
|
كأنما فواصل الأ |
بعاد فيها موصله |
|
فكل ناءٍ عندها |
دان كقيد سلسله |
|
نفّاثة كطلقة |
نارية مستعجله |
|
تطير في أجنحة |
خفيفة مُطوله |
|
توازن السير بها |
صانعها قد عدّله(١) |
وعلى هذا النحو من الوصف الدقيق والتصوير الأدق يمضي الشاعر في قصائده الوصفية والتصويرية معتمداً على حسه المرهف وذوقه السليم وقدراته الشعرية الهائلة.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٣٩ ، ١٤٠.
للشيخ الفرطوسي نفَسه الخاص واسلوبه المتميّز في لغته الشعرية. اللغة التي اتسمت بوضوح المعاني ، وشفافية المفاهيم ، وتسلسل الأفكار ، وانسجام الالفاظ ، ومتانة التركيب. وقد بات واضحاً على المهتمين بالشعر التمييز بين شعر الفرطوسي وشعر أقرانه ولداته من الشعراء النجفيين ، لما في اُسلوبه من مميزات اختص بها دون غيره من الشعراء.
ومن هذه الخصائص تعمّد الشاعر إلى ايراد المفاهيم والمضامين بصورة واضحة وشفافة وبشكل منتظم ومسلسل بحيث يسهل على المتلقي تجسيدها في مخيلته واستيعابها بسهولة ويسر. فلو أخذنا مثلاً قصيدة « مآسي الجسر » التي نظمها الشاعر في الانتفاضة الوطنية عام ١٩٤٨ م ، لتجسدت أمامنا أحداث تلك الواقعة بكل وضوح وشفافية :
سل الجسر عن بحر عبيط من الدم |
طغا فوقه لجاً بوجه جهنم |
|
وعن جثث القتلى وكيف تراكمت |
على جانبيه كالحطام المهشم |
|
وعن عدد الجرحى اذا كان عنده |
سجل إلى احصائها كالمترجم |
|
وعن فوهة الرشاش طبقت الفضا |
دوِّياً باطلاق الرصاص المخيم |
|
فكم طلقة نارية منه صُوّبت |
لقلب بريء من انامل مجرم |
***
فمن يافع غض الصبا مترعرع |
يحيّيه من آماله خير مبسم |
|
مشى نحوه كالسهم غير محايد |
وليس بهيّاب ولا متبرم |
|
يصافح تيار الرصاص بصدره |
ويرنو له في طرفه كالمسلِّم |
إلى أن غدا للقاذفات ضحية |
مبعثرة كالهيكل المتحطم |
***
وكم زهرة في ميعة العمر بضة |
إلى أُمّها العذراء بالطهر تنتمي |
|
تهاوت على نيرانه وهي جمرة |
مسعرة من عزمها المتضرم |
|
إلى أن قضت صبراً بحصد رصاصه |
فعطل منها خير جيد ومعصم |
***
وكم طفلة تبكي دموعاً وحسرة |
أباها من اليتم الفضيع المذَّمم |
|
وأم رؤوم القلب تنعى وحيدها |
بقلب حزين بالكآبة مضرم |
|
ترق لها حتى الجمادات رحمة |
وتأسى بقلب خاشع مترحم |
|
فما بالكم ياقادة الشر قسوة |
أهبتم بشعب بائس متظلم(١) |
وثمة خصوصية اُخرى تظهر بوضوح في اُسلوب الشاعر ، وهي حسن اختيار الوزن والموسيقى الشعرية في المناسبات المختلفة. فعندما يقتضي الموقف إلى تعظيم الصورة وتهويلها كتصوير مآسي الحرب مثلاً ، يعمد الشاعر إلى تبني أوزان وقوافي شديدة الوقع على السمع عظيمة الأثر في النفس تؤدي الغرض وتعطي الموضوع حقه من التعظيم.
فمثلاً عندما يتناول الشاعر حرباً هوجاء كالحرب العالمية الثانية يختار لها بحراً ثقيلاً وكلمات أكثر ثقلاً لتصور ويلات الحرب ومآسيه بأعظم ما يمكن من الشدة والقوة :
ثارت فطبَّق نقعها الأفاقا |
حرب بها قد أسسوا الارهاقا |
|
فوهاء تلتهم الفضا نيرانها |
عصفت فضاق بها الزمان خناقا |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٤٥ ، ١٤٦.
ألقى على القمرين نقع مغارها |
حجباً فغيّب منهما الاشراقا |
|
ومشت على كرة الوجود فأحرقت |
من كل ناحية بها احداقا |
|
قد أرخصوا فيها النفوس فعمروا |
للموت في ميدانها أسواقا |
|
واستخدموها للمطامع سُلَّما |
بلغت نفوسُهُم بها ما راقا(١) |
وعلى العكس من هذه الصورة المرعبة والمثيرة ، نجد الشاعر يحلق في سماء الكلمات الرقيقة والأوزان الراقصة الخفيفة عندما يتناول موضوعاً عاطفياً رقيقاً ، وغرضاً شعرياً جميلاً كالغزل والنسيب. من ذلك قوله في قصيدة « مليكة » التي نظمها عام ١٩٦٥ م ، وفيها يقول :
مليكةٌ مملكةُ الحسـ |
ـنِ بها معتد له |
|
وشعرُها أكليلُها |
في حين تُعلي خصله |
|
كأنها العروس من |
زينتها في حجله |
|
انسانها جار ولكـ |
ـن قدها ما أعدله |
|
واللؤلؤ المنثور من |
حديثها ما أفضله |
|
زنبقة بثغرها |
يرشفها من قبّله |
|
وخدها سجنجلٌ |
يرسم فيه قُبله |
|
كأنها أراكةٌ |
مثمرةٌ مذلّله(٢) |
ومن مميزات اسلوب الشيخ الفرطوسي استخدامه المكرر والمميز للنداء. وقد أكثر الشيخ من هذا الاسلوب لما فيه من مباشرة خطابية تؤثر في نفس المتلقي وتجعله مسايراً لأحداث القصيدة ، ومتتبعاً لحيثياتها المختلفة. ومن بديع
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٨٧.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢١١.
أمثلة النداء الباعث على القوة والتأثير قول الشاعر من قصيدة بعنوان « مصر والاستعمار » حيث يقول في أبياتها الأولى :
يا مصر يا أمَّ الصقورِ |
ثوري على الطغيان ثوري |
|
ثوري على الشرِّ المبيد |
وبددي شملَ الشرورِ |
|
ثوري على الغدر الفظيع |
وأنت طاهرةُ الضميرِ |
|
ثوري لحقّك قد تبلّج |
فهو كالصبح المنيرِ(١) |
فقد أورد الشاعر النداء مرتين في صدر البيت الاول ليسترعي انتباه المتلقي إلى أهمية الموضوع ثم عززه بست جمل انشائية أمرية خمس منها مكررة وهي « ثوري » وواحدة غير مكررة وهي « بددي ». ولا شك انّ في هذا الحشد من الجمل الانشائية ما يجلب انتباه المستمع إلى خطورة الموضوع ومدى أهميته.
ولم يكتف الشاعر بهذا القدر من النداء المؤكد بل راح يكثر منه في مواضع اُخرى من القصيدة :
يامصر ياغاب الأسود الشـ |
ـوس ياوكرَ النسور |
|
يامهد ناشئة الفخار |
تصان في أزكى الحجور |
|
يامشعل التحرير من |
رقية الظلم النكير |
|
ياراية الاصلاح للأجيـ |
ـال تنشر في العصور |
|
يانهضة الشرق المجيد |
طغت بميدان الشعور |
|
ياصرخة الايمان اسكتـ |
ـت المدافع بالزئير |
|
يا بنت فرعون بسوح البـ |
ـطش والفتك المبير(٢) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٩٥.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٩٦.
والتكرار ديدن الشاعر في معظم قصائده. ولا يخفى ما له من أثر كبير في تأكيد الموضوع وتعزيز أهميته. وقد تفنن الشاعر في هذا الأمر ، فتارة يكرر استخدام الجمل الفعلية ليؤكد على استمرارية الحدث وامتداده في الزمان ، كما يتضح من الأبيات التالية :
أغدق الأفق بالبشائر حتى |
أغرق الكون بالشعاع البهي |
|
وتجلّت عروسه وهي ترمي |
بنثار من نورها الذهبي |
|
وتمشّت على الربى نفحاتٌ |
عابقاتٌ بكل نشرٍ ذكي |
|
وتناغت بلابل راقصات |
فوق أعطاف كل غصن ندي |
|
وتعالت بين السما همسات |
هي أفراح عالم ملكي |
|
وأطلّت من أفقها قسماتٌ |
للعذارى تزهو بنور جلي |
|
وأفاقت من سكرها عاطفات |
تتلقى البشرى بوحي خفي(١) |
وتارة يتم التكرار بموالاة جمل اسمية تفصح عن الثبات والدوام والاستقرار. من ذلك الأبيات التالية من قصيدة « الحب » :
قطرةٌ في قرارة النفس منها |
تملأ النفس حين تهبط عطفا |
|
جمرةٌ تلذع القلوبَ بوقد |
من لظاها لكنها ليس تطفى |
|
قوةٌ تصرع العقول لديها |
فتخور العقول وهنا وضعفا |
|
أيكةٌ تثمرُ الحنانُ عليها |
بجناحيه طائر الحبّ رفّا |
|
خمرةٌ تسكر النفوس اذا ما |
خالطتها منها اللذاذة صرفا |
|
سنةٌ توقظ العواطف في النفـ |
ـس التهاباً وترهف الحس لطفا |
|
نغمةٌ تنطق القلوب وتحيي |
ميت الروح حين تعزف عزفا |
|
نفحةٌ من مواهب القدس تذكو |
في فضاء النفوس طيباً وعرفا(٢) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٥٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٠٩.
ومرة اُخرى يكون التكرار بحرف الجر احترازاً من توالي الأفعال ، وتنبيهاً لفطنة المتلقي في استيعاب الفعل الرئيسي للجملة. من ذلك قول الشاعر في قصيدة بعنوان « معاهد العلم » :
ياصاحبي أعيرا مهجتي جلدا |
ففي جناني من وقع الردى خور |
إلى أن يقول :
خِفا إلى مهبط الألطاف والتهما |
وحياً بليغاً به قد فاهت العبر |
|
واستنطقا صفحة الوادي فصفحته |
سِفر به خطت الأنباء والسير |
|
عن ألف جيل وجيل في قرارته |
ثووا وما طاف فينا منهم خبر |
|
وعن مصارع أبطال جبابرة |
كانت بهم جمرات العزم تستعر |
|
وعن مفارق أملاك غطارفة |
كانت بهم تفخر التيجان والسرر |
|
وعن شمائل أمجاد بها طويت |
من العلى صحف منشورة غرر |
|
وعن مواهب أفذاذ وأندية |
للفضل كانت بهم تزهو وتزدهر |
|
وعن عواطف آباء مرفرفة |
على غصون بكف الموت تهتصر |
|
وعن مواسيم أعياد بها احتفلت |
دنيا الأماني وماجت حولها صور |
|
وعن ثنايا ثغور ضاع لؤلؤها |
وكان يحرسه من صونها الخفر |
|
وعن أكاليل شعر حولها نثرت |
مدامع من جفون اليتم تُعتصر(١) |
ومهما يكن من أمر فأنّ التكرار اُسلوب بياني استخدمه الشاعر في كثير من قصائده. وقد تبيّن من خلال البحث الأغراض والأهداف التي اتضحت بواسطة التكرار ، وهي في طبيعة الحال أغراض تهدف إلى تأكيد المضامين وتعزيز المحتوى والمفاهيم.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٩٣ ، ٢٩٤.
سبقت الاشارة إلى انّ الشاعر كان يعنى بقصائده عناية خاصة ، ينسقها كيفما يقتضيه طبعه ويملي عليه ذوقه. وما ديوانه إلاّ لون من الوان ذلك التنسيق الجميل. وخلافاً لما جرت عليه العادة من تصنيف القصائد حسب أبجدية القوافي فانّ الشاعر فضّل أن ينظم قصائده حسب الموضوعات والأغراض. فوضع على سبيل المثال قصائده الولائية في الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وآل بيتهعليهمالسلام ، في باب سمّاه « من وحي العقيدة » ، ثم عرّج على قصائده الوطنية والسياسية والاجتماعية فضمّها إلى حقل دعاه « صور من المجتمع » ، وهكذا دواليك.
ومن موارد التنسيق والدقة التي امتاز بها الشاعر في إنشاد ديوانه ، التعليقات القيمة التي علقها على معظم قصائده والتي ذكر فيها الغرض من انشاد القصيدة ، والمناسبة التي القيت فيها ، وتاريخ الإلقاء بالسنة الهجرية والميلادية. ولهذا الأمر قيمة فنية لا تخفى من حيث دراسة قصائد الشاعر من الناحية التاريخية ، والأدوار والمراحل التي مرّ بها الشاعر وتأثر بأجوائها وظروفها المختلفة.
وبالاضافة إلى التعليقات المذكورة فقد شرح الشاعر قسماً من الألفاظ اللغوية الواردة في الديوان موضحاً بعض الأعلام والأشخاص ليسهل على المطالع استيعاب المعاني بلا تعب وتفكير.
ومن جميل صنعه في الديوان أنّه قدّم لبعض قصائده بعبارات نثرية جميلة تبين جدارته وطول باعه في حقل النثر الفني اضافة إلى شاعريته الفذة. من ذلك مقدمته النثرية الجميلة لقصيدة « الباب الذهبي » التي ألقاها في المهرجان الذي احتفلت به مدينة النجف عند افتتاح الباب الذهبي الذي اُهدي لمرقد الامام أمير المؤمنين عليعليهالسلام .
يقول في المقدمة : « عدل صارم لا تضام في ظلّه نملة في حبة من رزقها ، ولا تطمع رحم بسوى حقها. حياة مخصبة من المعارف مجدبة من المغريات. بيت بسيط ما فيه غير سرير وحصير ورحى وأقداح من الطين ومدرعة بالية. يشيد الحق على أساسه صروحاً من الذهب ، وشموعاً تنافس الشهب. هذا عليٌّ وتلك حياته وهذه عقباه وهي المثل الأعلى للأنسانية »(١) .
ويلحظ المتتبع لشعر الشيخ الفرطوسي من خلال ديوانه بعض القصائد المتجانسة من حيث الشكل والمضمون ، والمختلفة من حيث العنوان. وهذه القصائد في الحقيقة هي جزء من قصيدة واحدة سبق أن نشرها الشاعر في الصحف والمجلات ثم آثر تقطيعها على شكل قصائد متعددة لتنتظم في ديوانه. فقصيدة « مولد الأنوار » و « وطن يباع » و « قادة التعليم » هي جزء من قصيدة واحدة ، وكذلك قصيدة « آثار مجدك » ، و « بنت الفرات » ، و « راية الاسلام »(٢)
ومن الملاحظ أيضاً أنَّ الفرطوسي كان شديد العناية بشعره يدأب في تهذيبه وتنقيحه قبل أن ينشره في ديوانه. فمثلاً قصيدة « يا نجل مصر » التي نظمها ترحيباً بالدكتور زكي مبارك والتي يقول في مطلعها :
قومي اهتفي بحليف المزبر الخصب |
بملء فيك معي يا حلبةَ الأدبِ(٣) |
كانت في الأصل بعنوان « تحية الغري لزائره العزيز » وبالمطلع التالي :
قومي اهتفي باسم محيي العلم والأدب |
بملء فيك معي يا أمة العرب(٤) |
وعلى أي حال فانّ الشاعر اهتم بنتاجه الأدبي اهتماماً كبيراً ، وحرص على أن يكون ديوانه أثراً أدبياً قيماً ضمن الآثار الأدبية الراقية.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٣٣.
٢ - مجلة الايمان : العددان ٧ - ٨ ( ١٩٦٤ م ) ، ص ١٣٥ - ١٤٢.
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٨٥.
٤ - عبدالرزاق الهلالي : زكي مبارك في العراق ، ص ١٨٤.
على الرغم من تصاعد الدعوات التجديدية في أوائل هذا القرن والتي رمت إلى الخروج على نظام القصيدة العربية ، والتخلص من التزامات الوزن والقافية ، فقد ظل شعراء النجف - ومن بينهم الشيخ الفرطوسي - محافظين على بحور الشعر المعروفة ينظمون فيها قصائدهم غير آبهين بالأنماط الأدبية المستحدثة مثل الشعر الحر والشعر المنثور.
ولعل هذا يعود إلى الثقافة العربية الأصيلة التي نهل شعراء النجف من معينها ، ونموا قرائحهم برائع نتاجها وجليل آثارها حتى بات فرضاً على الشاعر النجفي أن يفي لهذه اللغة حقها ويحفظ لها صنعها الجميل.
ولا شك أنّ استخدام الأوزان العربية الموروثة تحكم نسيج القصيدة إحكاماً فنياً ، وتنسق جرس الألفاظ من حيث الموسيقى الخارجية والداخلية ، وتمد القصيدة بالقوة والحركة ، وهذا ما أكد الشيخ الفرطوسي على توفره في قصيده وشعره.
ومن الملاحظ أنّ الشاعر كان يكثر من استخدام البحور الأكثر شيوعاً واستحكاماً في العربية ك « الطويل » و « الكامل » و « البسيط » و « الوافر » و « الخفيف » ، بينما ترك البحور المضطربة كالمتدارك وهو « بالشكل الذي ذكره العروضيون ، وزن مضطرب ، لا يمكن أن تنظمه قاعدة ، ويغلب على ظن بعضهم أنّ الخليل لم يجهله ، وانما أهمله ، فاذا صح ذلك فهو لموضع الاضطراب فيه »(١) .
وهذا لا يعني أنّ الشاعر صبّ اهتمامه على الأوزان والبحور القديمة دون
__________________
١ مصطفى جمال الدين : الايقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة ، ص ١٣٩.
أن يفسح المجال لقريحته في أن تبدع وتجدد. فالفرطوسي لم ينظم الشعر لوجه الشعر ولم يتخذه صنعة ومهنة ، بل صيّره وسيلة تعبيرية تفصح عن خواطره وعواطفه :
وما الشعر إلاّ منبع من عواطف |
تقدّسه منّا عقولٌ وألباب |
|
وأجمله ما جاء عفواً سلاسلاً |
وأعذبه سلس الأساليب خلاب(١) |
وقوله أيضاً :
هبوا شباب المعالي انها عقدت |
على مساعيكمُ الآمال أوطانُ |
|
وجددوا نهضة الآداب في بلد |
مقدس هو للآداب عنوان |
|
ورددوا الشعر أنغاماً ملحنة |
فانما الشعر أنغامٌ وألحان |
|
إنّ القريض من الأحشاء مقتطع |
فلا تقولوا مقاطيع وأوزان(٢) |
وعلى هذا النحو أيضاً انصب اهتمام الشاعر في مجال القوافي وخاصة القوافي المتداولة والشائعة لدى السلف من الشعراء. ومن المعروف أنّ القدماء قسموا القوافي أقساماً ثلاثة « فالتي استحسنوها ليسرها وسهولتها وإجادة الشعراء فيها سموها القوافي « الذلل » كالباء ، والتاء ، والدال ، والراء ، والعين ، والميم ، والنون ، والياء حين تلحق بها ألف الاطلاق. وعلى العكس منها ما سموه بالقوافي « الحوش » وهي الخاء ، والذال ، والثاء ، والشين ، والظاء ، والغين ، وبين هذين الحدين من السهولة واليسر ، هناك القوافي : « النُفَّر » والقصائد الجياد التي بنيت عليها قواف قليلة ، كقوافي السين ، والصاد ، والضاد ، والطاء والواو »(٣) .
وقد انفرد الشيخ الفرطوسي عن شعراء النجف الآخرين في تعامله مع
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٢٨.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٨١.
٣ - عبدالصاحب الموسوي : حركة الشعر في النجف ، ص ٣٤٨.
القافية ، « ذلك أنّ أكثر من نصف قصائد ديوانه ، وبالتحديد ١٧ و٥٦% من القصائد يدور في فلك قواف أربع : قافية الراء وقد استأثرت بنسبة ٥ و٢٢% من مجموع القصائد ، وقافية الميم ونسبتها ٣٦ و١٣% ثم النون ونسبتها ٧٦ و١١% وقافية العين ونسبتها ٥٥ و٨% ونظم على اثنتي عشرة قافية ٨٣و٤٣% من قصائده أكثرها على قافيتي « اللام » و « الباء » وهجر باقي القوافي ومنها « الحوش » جميعاً »(١) .
وقد يرجع هذا الأمر إلى الحس الملحمي الذي اتصف به الشاعر من خلال اختياره القوافي التي تصلح لنظم الوقائع والأحداث التاريخية. وهذا مسلك سار عليه الفرطوسي دون غيره من شعراء النجف. وقد تبيّن لديه هذا المنحى حين نظم موسوعته الشعرية الكبرى - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام - والتي تجاوزت الأربعين ألف بيت.
ومهما يكن من أمر فانّ الشاعر باستخدامه الأوزان الشائعة والقوافي المستحسنة حرص على أن يكون شعره في درجة رفيعة من القوة والمتانة بعيداً عن الضعف والهلهلة. ومع ذلك فقد يجد الشاعر نفسه في بعض الأحيان مضطراً للوقوع في محذورات ومحظورات.
ومن هذه المحذورات تعدية الفعل بنفسه أو بالحرف. ففي بعض المواضع يضطر الشاعر إلى تعدية الفعل بالحرف ليستقيم الوزن ، كما في البيت التالي حيث عدى الفعل « يعرو » بالباء وهو يتعدى بنفسه إلى مفعوله :
صلب العقيدة لا يعرو به نزق |
ولا يخف به الإسفاف من بطر(٢) |
ومن المحذورات الاُخرى التي وقع فيها الشاعر والتي تعد من عيوب
__________________
١ - المصدر السابق ، ص ٦٥٠.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٥٠.
القافية ، السناد. والسناد « هو اختلاف ما يجب مراعاته قبل الروي من الحروف والحركات »(١) . ومن أمثلة السناد الواردة في شعر الفرطوسي قوله في فيضان « دجلة والفرات » :
فأصبحت تعجّ في ضجيجها |
وتستغيث بالصراخ واللجَبْ |
|
وكم بها من طفلة مذعورة |
تبكي وطفلٍ مستريب ينتَحِبْ |
إلى أن يقول :
وأرتسم الشقاء في طابعها |
وغُيرت منها السمات بالرُعُبْ(٢) |
فالروي حرف الباء الساكنة ، إلاّ انّ حركة ما قبل الروي تختلف في الأبيات الثلاثة. ففي البيت الأول حركة الفتحة ، وفي البيت الثاني حركة الكسرة ، وفي البيت الثالث حركة الضمة. ويسمى هذا النوع من السناد الذي يحصل في الروي المقيد ، سناد التوجيه(٣) .
ومثل هذه الموارد قليلة في شعر الفرطوسي. فالصفة الغالبة على شعره قوة البناء ومتانة الأسلوب ، بالإضافة إلى جودة البيان ونصاعة التعبير.
لم يمعن الشيخ الفرطوسي في السعي وراء المحسنات البديعية واستخدام قوالبها المصطنعة والمقيدة. بل كانت تأتي في سياق تعبيره عن أحاسيسه الحقيقية ومشاعره الصادقة مترسلةً من غير تعسف وتكلّف. وقد حرص الشيخ على أن
__________________
١ - نادر نظام طهراني : العروض العربي ، ص ١٥.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٣١٢.
٣ - نادر نظام : المصدر السابق.
يتبع ألفاظه إلى معانيه ، وأن ينظر إلى المضمون قبل صياغة الشكل.
ومع ذلك فانّ في الديوان محسنات جميلة وردت بصورة عفوية ومن خلال انسياب الكلمات المتناسقة في الشكل والحروف ، والمتناسبة من جهة اللحن والايقاع. ومن هذه المحسنات :
أ - الجناس : « وهو تشابه لفظين في النطق ، واختلافهما في المعنى »(١) . كالجناس بين كلمة « مطلع » بمعنى الابتداء ، و « مطلع » بمعنى طلوع الشمس في هذا البيت :
نشيدي وأنت له مطلع |
من الشمس يعنو له مطلع(٢) |
والجناس بين كلمة « نضير » بمعنى الحسن الناعم. و « نظير » بمعنى المثيل في البيت التالي :
حياة كلّ ما فيها نضير |
ولكن لا تضاهى في نظير(٣) |
والجناس بين كلمة « وردي » بمعنى شربي ، و « وردي » بمعنى دعائي في قوله :
فيا وطني العزيز وأنت وردي |
لدى ضمئي ووردي في دعائي(٤) |
ب - الطباق : « وهو الجمع بين لفظين مُقَابلين في المعنى »(٥) . كالطباق بين كلمتي « رجائي » و « يأسي » في قوله :
يا سماءَ الخيال أنتِ سمائي |
أنت دنيا يأسي ودنيا رجائي(٦) |
__________________
١ - أحمد الهاشمي : جواهر البلاغة ، ص ٣٤٣.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٣٣.
٣ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٧٥.
٤ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٧٩.
٥ - أحمد الهاشمي : جواهر البلاغة ، ص ٣١٣.
٦ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٣٠.
والطباق بين فعلي « تجود » و « يضنّ » في هذا البيت :
وتجود من كرم بما أوتيته |
ويضنُّ غيرك أن تعيش قنوعا(١) |
والطباق بين « قريباً » و « بعيداً » في البيت التالي :
ولا تنسوا أحبائي قريباً |
بعيداً عن حنوّ الأقرباء(٢) |
ج - التورية : وهي « أن يذكر المتكلم لفظاً مفرداً له معنيان ؛ أحدهما قريب غير مقصود ودلالة اللفظ عليه ظاهرة ، والآخر بعيد مقصود ودلالة اللفظ عليه خفيّة »(٣) . كالتورية في هذا البيت :
إذا ما علا بالسيف قرم رأيته |
هو الشفع مقسوماً وضربته وتر(٤) |
فالظاهر من الشفع والوتر هو المعنى القرآني الذي جاء في الآية الشريفة « والشفع والوتر »(٥) . إلاّ انّ الشاعر أراد معناه اللغوي وهو الشفع بمعنى الزوج ، والوتر بمعنى الفرد.
د - رد العجز على الصدر : وهو أن يجعل أحد اللفظين المكررين والمتجانسين في المصراع الأول ، والآخر في المصراع الثاني(٦) . كما جاء في البيت التالي :
ويصرعها العقل من بطشه |
كما هو من بطشها يصرع(٧) |
ه - التضمين : « وهو أن يضمّن الشاعر كلامه شيئاً من مشهور شعر الغير »(٨) . كقوله :
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٥٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٧٩.
٣ - أحمد الهاشمي : جواهر البلاغة ، ص ٣١٠ ، ٣١١.
٤ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٨٦.
٥ - الفجر : ٣.
٦ - أحمد الهاشمي : جواهر البلاغة ، ص ٣٥٤.
٧ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٢٤.
٨ - أحمد الهاشمي : جواهر البلاغة ، ص ٣٦٢.
سلي الحوادث عن تأريخ نهضتنا |
«واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا»(١) |
وفيه تضمين لشعر صفي الدين الحلي(٢) من بيت يقول فيه :
سلي الرماحَ العوالي عن معالينا |
واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا(٣) |
وكذلك التضمين في هذا البيت :
«لا خيل عندي اهديها» فاعقرها |
على ثراك سوى شعري وتأبيني(٤) |
وفيه اشارة إلى بيت مشهور من قول أبي الطيّب المتنبي(٥) :
لا خيل عندك تهديها ولا مال |
فليُسعد النطق إن لم تُسعد الحال(٦) |
ويمكن اعتبار البيت التالي نوعاً من التضمين :
فالسيلُ قد بلغ الزُّبى تياره |
متدافعاً وتجاوز الطغيان(٧) |
فقد أشار الشاعر إلى المثل المشهور « بلغ السيلُ الزُّبى » ، وهو مثل يضرب لما جاوز الحد(٨) .
هذه إضمامة لبعض المحسنات البديعية الواردة في شعر الفرطوسي. وهي قليلة لا يهتم الشاعر بها بقدر ما يهتم بسلامة المعاني ، ونصاعة الأفكار ، وشفافية المضامين ، ووضوح المفاهيم.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢١٩.
٢ - عبدالعزيز بن سرايا ( ٦٧٧ - ٧٥٠ ه ). شاعر عصره ، ولد ونشأ في الحلة واشتغل في التجارة. رحل إلى القاهرة سنة ٧٢٦ ه فمدح السلطان الملك الناصر. له ديوان شعر ورسالة بعنوان « العاطل الحالي ». ( الأعلام ، ج ٤ ، ص ١٤١ ).
٣ - ديوان صفي الدين الحلي ، ص ٢٠.
٤ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٦٦.
٥ - أحمد بن الحسين الكندي ( ٣٠٣ - ٣٥٤ ه ). الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي. له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة. شرح ديوانه شروحاً وافية وكثيرة. ( الأعلام ، ج ١ ، ص ١١٠ ).
٦ - ديوان المتنبي ، ص ٣٩٦.
٧ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٨٦.
٨ - أحمد بن محمّد الميداني : مجمع الأمثال ، ج ١ ، ص ١٣٢.
رابعاً : الأدوار
مرّ الشيخ الفرطوسي من خلال تجربته الشعرية الطويلة بأدوار ومراحل مختلفة تفاوتت من حيث العطاء الأدبي بتفاوت الظروف التي عاشها الشاعر في ظل أنظمة الحكم في العراق. ولا شك أنّ الشاعر وباعتباره لسان جيله المعبّر عن آماله وآلامه وأفراحه وأتراحه أوّل من يواجه الضغوط والاضطهاد من قبل الأنظمة الاستبدادية التي دأبت في فرض منطق العنف ، وخنق الحريات الفردية والاجتماعية.
وعلى ضوء هذا الواقع المرّ ، ومن خلال المتابعة التاريخية لنتاج الشاعر يمكن حصر الأدوار الزمنية لشعر الفرطوسي في المراحل التالية :
١ - مرحلة السمو والأزدهار ( ١٩٣٥ - ١٩٥٨ م )
تشكل هذه المرحلة من حياة الشاعر أعظم فترات الأخصاب الشعري التي شهدها الشيخ الفرطوسي طوال عمله الأدبي. فقد شملت أكثر من ثلثي قصائد ديوانه ، وبالتحديد ٤ و٦٧% من مجموع أشعار الديوان. وهذه الفترة التي تمتد في العهد الملكي وتنتهي بثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨ م تعد - وعلى الرغم من ممارسات المحتل التعسفية - من أفضل فترات النشاط الأدبي للشاعر لظروفها الباعثة على النظم والابداع.
وفي ظل تلك الظروف المساعدة والأجواء الباعثة على النشاط والتفاعل استطاع الشاعر أن ينظم معظم قصائده السياسية والاجتماعية ، وأن يطرق مختلف الأغراض الشعرية كالوصف والغزل والمديح والرثاء وغيرها.
٢ - مرحلة الفتور الأولى ( ١٩٥٨ - ١٩٦٣ م )
بعد أن أطيح بالحكم الملكي في العراق بالثورة التي قادها عبدالكريم قاسم عام ١٩٥٨ م ، تطلّع الشعب إلى هذه الثورة والأمل يراودهم في استقلال بلادهم من هيمنة المحتل الأنجليزي وانتهاء عهد مظلم تشبع بالظلم والاضطهاد. وقد راود هذا الأمل قلب الشاعر الذي استقبل الثورة بكل حفاوة وترحيب :
بغدادُ يادارَ السلام تحيةً |
للفاتحين تُحفُّ بالإكبار |
|
صوغي أهازيجَ الكرامة نغمة |
كالنار تَلهبُ من فمِ القيثار |
|
وتطلعي للاُفق ان نجومه |
رَجمت شياطينَ العمى بشرار |
|
لشعور هذا الشعب كيف تدافعت |
أفراحُه كتدافعِ التيار |
|
لطلائع الآمال وهي كتائبٌ |
زَحفت مع الثوار في مضمار |
|
طولي على هامِ المجرّة رفعةً |
وبطولةً في جيشكِ الجرار(١) |
وبالرغم من التفاؤل الذي تطلع اليه الشعب في اصلاح الوضع وتحسين المعيشة من خلال الثورة ، إلاّ انّ الوضع أخذ يتأزم شيئاً فشيئاً ، وأخذت الفوضى تعمّ البلاد ، وأخذت الحركات الهدامة ذات المبادئ المنحرفة تدسّ أفكارها المسمومة في الأوساط الثقافية والفكرية ، ممّا دعا الشاعر إلى مطالبة السلطة بإيفاء وعودها من تضمين الحريات ، واحترام القانون ، واستتباب الأمن والاستقرار في البلاد :
يا باعثَ الوعي حياً حين أرهقه |
ظلمٌ فلم يَبقَ من أنفاسه رمق |
|
نريدُ حريةً للشعب حيثُ بها |
من كل رقيّة سوداءَ ينعتق |
|
محدودةً بنظام لا يصيِّرُها |
فَوضى بها حرمةُ القانون تخترق |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٨٢.
نريد للحكم أفذاذاً عباقرةً |
من تربة الخير والاصلاح قد خلقوا |
|
يطبقون بهذا الشعب أنظمة |
للحكم حيثُ نظامُ العدل ينطبق |
|
فالحكم ميزانُ عدل لا تميل به |
عينٌ على اختها يطغى بها النزق |
|
والحكم كالرأس ان الرأس ليس به |
عينٌ تنامُ وعينٌ ملؤها أرق(١) |
وما لبثت أن تبدلت الآمال إلى آلام ، وراحت الحريات التي طالما حلم بها الشعب وتطلع إليها بعين الأمل تأخذ مسيرها إلى الكبت والخنق. وعادت ثانية ممارسات الظلم والتعسّف تنال المثقفين والمفكرين وتزري بالأدباء والشعراء.
وفي مثل هذه الظروف ، وإثر الاضطهادات والضغوط التي مارسها النظام آنذاك أخذ نتاج الشاعر يتضاءل ليصل إلى أدنى مستوى من عمله الأدبي حيث بلغ ٧ و٤% من مجموع القصائد التي أنشدها في هذه الفترة.
٣ - مرحلة النهوض ( ١٩٦٣ - ١٩٦٨ م )
بعد أن أخفقت ثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨ م في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق ، قام عدد من الضباط بقيادة عبدالسلام عارف بانقلاب عسكري في الثامن من شباط عام ١٩٦٣ م أطاح بحكومة عبدالكريم قاسم التي دامت خمس سنوات.
وفي هذه الفترة أي من عام ١٩٦٣ م وحتى عام ١٩٦٨ م نلحظ بعض مظاهر النهضة في نتاج الشاعر حيث وصل نظمه في هذه الفترة قرابة الثلث من قصائد الديوان وتحديداً ٩ و٢٧% من مجموع القصائد.
ومنشأ هذه النهضة لم يكن الوضع السياسي الجديد. فالاضطهادات لم تزل
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٨٩.
قائمة ، ولم يزل الأديب مغلول اليدين ، فاقد الحرية تمارس بحقه أنواع الضغوط والعنف من قبل السلطة :
ماذا يراد من الأديب وقلبُه |
للناس ملكٌ وهو حر ( منعمُ ) |
|
ليس الأديب بضاعةً في سوقها |
تشرى ويرفع مستواها الدرهم |
|
انّ الأديب لسان جيل ما له |
في الخطب إلاّ وعيه المتضرمُ |
|
ورسالة للعبقرية فذة |
توحي فيرسمها الخيال الملهم |
|
تهوى البساطةَ نفسه وحياته |
السوداءُ من تعقيدها تتجهم |
|
انّ الأديب بجسمه قيثارة |
وبروحه اغرودة تترنّم |
|
هو بلبل البشرى بأندية الهنا |
وهو الغراب إذا يقام المأتمُ |
|
الوضع يُرغمه بأن يغدو له |
عبداً وحر ضميره لا يرغم(١) |
ولكن النهضة الشعرية التي طرأت على نتاج الشاعر تعود إلى خروج الشاعر من العراق وذهابه إلى « سويسرا » و« لبنان » من أجل العلاج. وفي هذه الفترة القليلة التي ابتعد الشاعر عن جوّ العراق الخانق وذاق طعم الحرية في بلاد الغربة نظم الفرطوسي قصائد كثيرة من بينها جلّ أشعار الغزل التي حواها ديوانه.
ومن هنا تعتبر رحلة الشيخ إلى « سويسرا » و « لبنان » منعطفاً هاماً في مسيرة الشاعر حيث تعاطى فيها نظم الغزل والنسيب الذي لم يطرقه من ذي قبل بسبب القيود التي فرضت عليه من محيطه المقيد وبيئته المحافظة.
٤ - مرحلة الفتور الثانية ( ١٩٦٨ - ١٩٨٣ م )
شهدت هذه الفترة فتوراً ملحوظاً في نتاج الشاعر وخاصّةً في الشعر
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٩١.
السياسي والاجتماعي. ومن المؤكّد انّ الظروف القاسية التي مرّ بها الشاعر آنذاك والضغوط التي كانت تُمارَس بحقه بين الحين والآخر هي التي دعت الشاعر إلى إقلاعه عن نظم الشعر السياسي والاجتماعي.
وفي هذه الفترة بالذات وتحديداً في منتصف السبعينات خطرت ببال الشاعر فكرة نظم الملحمة فكانت عاملاً آخر في اقلاعه عن نظم الشعر في المناسبات وتكريس جلّ اهتمامه في تأليف موسوعته المذكورة. وقد استمر الشاعر في عمله هذا بعد مغادرته العراق عام ١٩٨٠ م وحتى وفاته بالأمارات العربية المتحدة عام ١٩٨٣ م.
الفَصْلُ الثُّانيْ
اتجاهات الفرطوسي الشعرية
اتجه الشيخ الفرطوسي إلى الشعر السياسي اتجاهاً واضحاً اثر المستجدات من الأحداث التي عاشها ولامس واقعها المرير وأحسّ بأثرها الأليم على شعبه وأبناء وطنه. ويعود اهتمام الشيخ بالشعر السياسي إلى بواعث كثيرة ، منها تواجده الفاعل والمستمر في ميادين العمل السياسي والوطني ، بالاضافة إلى النزعة الوجدانية والحبّ الفطري الذي تشبّع به قلب الشاعر تجاه وطنه وتجاه حرية شعبه واستقلاله وازدهاره.
ولم يقتصر اهتمام الشاعر على الأحداث السياسية في العراق فقط ، بل إهتمّ أيضاً بسائر الوقائع السياسية التي كانت تحدث في البلدان العربية الاُخرى ، ممّا يدلّ على توجه الشاعر إلى الشعر القومي وإهتمامه بشؤون وشجون أُمّته في شتّى الأقطار والبلاد العربية :
هذي بلاد العرب وهي مراجلٌ |
للعزم تغلي بالدم الفوار |
|
وطلائع الوعي المجلجل أنذرت |
جيش الغزاة بجيشها الجرار |
|
عصفت بها (مصر) وثارت (جلق ) |
وتدافعت ( بغداد ) كالإعصار |
|
ومشت بها ( عدن ) إلى أخواتها |
مشي العفرنى للعفرنى الضاري |
|
وطغت (عمان) مثل ( لبنان ) بها |
علقاً يفور على جحيم النار |
|
وتفجرت حمماً ( فلسطينٌ ) لها |
من كلّ بركان بها موار |
ومن ( الجزائر ) والجزائرُ مرجل |
يغلي على لهب السعير الواري |
|
ضجت قرابينُ الجهاد ونددت |
بفضائع المستعمر الجزار |
|
شعب يسير إلى الحياة وأُمة |
تهوى الممات بعزّة وفخار |
|
وبشعب ( عمان ) ستلهب جمرة |
منها العزائم تصطلي بشرار |
|
ومتى يصان حماية ثغرٌ بلا |
شعبٍ وسلطانٌ بلا أنصار(١) |
ويمكن تحديد الموضوعات السياسية التي تناولها الشاعر في ديوانه بالموارد التالية :
أ - القضية الفلسطينية (٢) :
اهتم الشيخ الفرطوسي بقضية فلسطين وشعبها المضطهد باعتبارها أهم قضية شغلت العالم العربي والإسلامي ، وهيمنت على باقي القضايا والأحداث.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٨٥.
٢ - أثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأُولى ، تسنّى لبريطانيا بسط نفوذها على أجزاء من البلاد العربية كانت فلسطين من ضمنها. وقد أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني أثر دخول بريطانيا إليها في تشرين الأوّل عام ١٩١٧ م لتتركها في آيار عام ١٩٤٨ م بعد أن مهّدت لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين. وقد أثار فعل الانجليز هذا حفيظة الفلسطنيين ، وردود فعل عنيفة ظهرت على شكل مؤتمرات وطنية ، وأحزاب استقلالية ، ومواجهات حادة مع المحتل الصهيوني. ومن هذه المواجهات اندلاع ثورة ١٩٣٦ م التي شكل الفلسطينيون حينها جهازاً شعبياً ليقود الحركة الوطنية ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية. وفي المقابل دأب الصهاينة في سياستهم التوسعية عن طريق الحروب التي شنّوها على العرب المسلمين ، منها حرب ١٩٤٨ م التي تمكّن الاسرائيليون من خلالها السيطرة على أربعة أخماس فلسطين ، وحرب ١٩٥٦ م التي انتزعت أراضي واسعة اُخرى من فلسطين ، وحرب ١٩٦٧ م التي احتلت اسرائيل فيها الضفة الغربية ، وشرقي الاُردن ، وغزة وسيناء ، وثلاثة أرباع الجولان. ومن خلال هذه الحروب انشأت اسرائيل مستوطنات عديدة لايواء اليهود الوافدين إليها من شتى أنحاء العالم. ولا يزال الاستيطان قائماً حتى اليوم ، ولا تزال القضية الفلسطينية عالقة من دون حل. ( موسوعة السياسة ، ج ٤ ، ص ٥٧٢ - ٥٨١ ).
وقد نظم الشاعر في هذا الشأن قصائد كثيرة اتّجه في بعضها اتجاهاً عربياً محضاً ، وفي البعض الآخر اتجه اتجاهاً إسلامياً محضاً ، بينما نجد الروح العربية والإسلامية منصهرة معاً في قصائده الاُخرى التي ظهر فيها الشاعر واضح المعالم باتجاهه العربي الإسلامي الموحّد(١) .
ونلحظ الإتجاه العربي للشاعر في قصيدته « فلسطين » التي نظمها عام ١٩٣٨ م ، والتي يقول في أبياتها الاُولى :
بالسيف اقسم لا بالطرس والقلم |
أنّ الأماني بحد الصارم الخذم |
|
والحقّ يشهد أنّ السيف صاحبه |
وصاحب السيف قدماً صاحب الهمم |
|
وليس تنهض بالأمر الخطير يدٌ |
وما لديها سوى القرطاس والقلم |
|
ولا تسود على أقرانها أممٌ |
بدون رعد الظبا أو خفقة العلم |
ومن ثم يتوجه إلى العرب ليثير نخوتهم ، ويستنهض عزائمهم من أجل تخليص فلسطين من وطأة المستعمر المحتل الذي أذاق الشعب الفلسطيني شتى ألوان الذل والهوان :
يانخوة العرب ثوري ياحميَّتها |
توقدي بسعير منك مضطرم |
|
ماذا القعود وقد ساد الهوان بنا |
وشيمة الحر تأبى الجبن ان تضم |
|
وكيف قد طأطأت للضيم أرؤسها |
وهي الاُباةُ عرانينٌ ذوو شمم |
|
وكيف لذّلها الورد الهنيَ وقد |
أديف ذلك من أبنائها بدم |
|
هبي فتلك فلسطين بها سفكت |
دماء يعرب حتى سلن كالديم |
|
جارت عليها يد جبّارة حكمت |
على فلسطين بالارهاق والعدم |
|
خانت ضمائرها فيها فما حفظت |
ولا رعت لذمام العدل من حرم |
__________________
١ - محمد حسين الصغير : فلسطين في الشعر النجفي المعاصر ، ص ٢٤٤.
ما ضرّها خصمها لما به احتدمت |
لكن جلَّ أذاها من يد الحكم |
|
صبراً فلسطين فالأحرار شيمتها |
ثباتُها واحتفاظاً ربّة الشيم |
|
فعن قريبٍ يبين الحقُّ متضحاً |
وتنجلي عنه أستارٌ من الظلم(١) |
ومن قصائد الشاعر التي انصهرت فيها الروح العربية والاسلامية قصيدته « تحية الجيوش العربية » التي نظمها اثر سقوط القدس القديمة بيد الجيوش العربية في حرب عام ١٩٤٨ م :
طلائعُ الفتح ونشوةُ الغَلبْ |
تهتف بالنصر لأمة العربْ |
|
بشائر تُوصَل في بشائر |
كأنها سلاسل من الذهبْ |
|
قد رقصت لها البلاد كلها |
وأصبحت تهتز بشراً وطربْ |
|
واحتفل الشرقُ بها محتضناً |
لمهدها من الحنو والحدبْ |
|
أما ترى (الأردن) و( القدس ) معاً |
تعجّ بالبشر ( كمصر) و(حلبْ) |
|
و(دجلة) (كالنيل) حيث ( بردى ) |
بموعد الفتح المبين المرتقبْ |
|
نحن بني العرب الكرام بيننا |
ساد الوئام وانجلت عنا الريبْ |
|
عناصر الوحدة في أوطاننا |
تألّفت وهي شعور ونسبْ |
|
فنظمت أوضاعنا وهي سدىً |
ووحدت شعوبنا وهي شعبْ |
|
حتى غدا الجدب إلى الخصب أخاً |
وأصبح السهل يعانق الحدبْ |
|
وليس ذا بدعاً فإنّا أُمّةٌ |
تربطنا الوحدة في خير سببْ |
|
وانّنا من عنصر متّحدٍ |
ولا فروق بيننا سوى اللقبْ |
|
لنا من الإسلام خيرُ جامع |
وحسبُنا أنّا بنو أمّ وأبْ |
ويواصل الشاعر تأكيده على الوحدة من خلال الاعتماد على النفس ونبذ
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٠٩ ، ٢١٠.
المواعيد السياسية الكاذبة والقرارات الدولية الجائرة التي تسلب الشعب حقّه وتنتهك سيادته وكرامته :
تحرقي ياعزماتِ يعرب |
وصيّري الواتر للنار حطب |
|
وأنزلي الطاغوت من سمائه |
إلى الحضيض جاثياً على الركب |
|
دعي قرار الأمن في ناحية |
وفنّدي كل اقتراح وطلب |
|
فقد ملكت الأمر أنت سطوة |
في بَدئهِ بعد جهود وتعب |
|
فقرري أنت المصيرَ كله |
وليكن الحكم لدولة القضب |
|
لا تغلبي اليوم على الأمر يداً |
( فإنّما الأمر غداً لمن غلب ) |
ومن ثم يعرج الشاعر في قصيدته على المحتل الغاصب ليكيل له الويل والثبور وليتوعده بسوء المنقلب والمصير :
أبناء صهيون وتلك نسبة |
يقرن بالخزي لها من انتسب |
|
قد ضُرب الذلُّ عليكم مثلما |
بؤتم من الله بسخط وغضب |
|
منّيتُم النفس عمىً في أمل |
مُنيتم بالويل منه والحرب |
|
فخيبت آمالكم وآذنت |
أوضاعكم لكم بسوء المنقلب |
|
وياعبيد العجل لا أفلحتُم |
وكيف يفلح امرؤ أغضب رب |
|
من علّم العبد بأن يسمو على |
سيده وهو بأرفع الرتب |
|
أيصبح الرأس مسوداً بيننا |
ويصبح السيُد عندنا الذنب |
|
مهازلٌ بها الحياة احتشدت |
فاحتشدت من المآسي والكرب |
|
وقد غدا مزمراً من سخف |
لطبله الأجوف كل من ضرب |
|
روايةٌ وهميةٌ قد مثّلت |
في مسرح من الخيال مقتضب |
|
أمة اسرائيل فيها حملت |
من بعد عقمها قروناً وحقب |
لكنّها من شؤمها قد وضعت |
جنينها ما بين أحضان العطب |
ويجدد الشاعر أمله بتحقيق النصر ، وتخليص فلسطين من أغلال الاحتلال والهيمنة الصهيونية بالصبر ، والمثابرة على مقاتلة المحتل واجباره على التراجع من الأراضي الفلسطينية :
صبراً فلسطين وان طال العنا |
وجلجلت بك الخطوب والنوب(١) |
|
قد آن تحريرك من رقيّة |
قد جلبت لك الشقاء والنصب |
|
بفوهة المدفع حين قصّرت |
أقلامنا فما وفت بما وجب |
|
بمنطق القوة حين ألجمت |
أفواه من قال بنا ومن كتب |
|
فهلهلي للبشريات والمنى |
واستقبلي الشرق بها فالشرق هب |
|
وهذه الصحراء منه احتشدت |
فيالقاً طبقت الدنيا لجب(٢) |
|
فالأرض وهي لجة من الدما |
والأفق وهو مرجل من اللهب(٣) |
|
هبّ لانقاذك وهو واهب |
بالنفس والفوز حليف من وهب(٤) |
ويختم الشاعر قصيدته بتحية المقاتلين والمجاهدين من أبناء مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق ممن شاركوا في الحرب التحررية ، ويشيد بمواقفهم البطولية التي حققت جزءاً من أماني وآمال الشعب الفلسطيني المسلم.
__________________
١ - جلجل من الجلجلة وهي شدّة الصوت وحدّته. ( لسان العرب ، ج ٢ ، ص ٣٣٨ ).
٢ - اللّجَب : الصوت والصياح والجَلَبة. ( لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ٢٣٧ ).
٣ - المرجل : القِدْر من الحجارة والنحاس. ( لسان العرب ، ج ٥ ، ص ١٦٠ ).
٤ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٤٢ - ٢٤٥.
ب - الثورة الجزائرية (١) :
حين قامت الثورة الجزائرية ، وارتفعت أعلامها ، كان الشعراء في كافة البلاد العربية يقفون إلى جانبها بقصائدهم المؤيدة وأشعارهم الحماسية. وفي العراق كان الشعر النجفي في طليعة الشعر العراقي المؤيد للثورة الجزائرية وشعبها الصامد. ولم يشأ الفرطوسي أن يتخلف عن ركب الشعراء الثائرين بل واكب الثورة وبكل حماس منذ انطلاقتها الاُولى. فقد أنشد قصيدة « الجزائر »(٢) عام ١٩٥٦ م وقبل أن يتحقق استقلالها :
ياأمة الشرف المجيد |
ذودي عن الأوطان ذودي |
|
هبّي إلى استقلالك الـ |
ـغالي مرفرفة البنود |
|
وخذيه مخضوب القو |
ادم من دم الشعب النجيد(٣) |
__________________
١ - وتعرف أيضاً ب « ثورة المليون شهيد » وهي حرب تحريرية وطنية ثورية ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي. انطلقت الرصاصة الأُولى للثورة في الثلاثين من تشرين الثاني عام ١٩٥٤ م معلنة قيام الثورة بعد قرن ونيّف من الاستعمار الفرنسي للجزائر. وقد بدأت هذه الثورة بقيام مجموعات صغيرة من الثوار المزودين بأسلحة قديمة ، وبنادق صيد ، وبعض الألغام بعمليات عسكرية استهدفت مراكز الجيش الفرنسي ومواقعه في أنحاء مختلفة من البلاد في وقت واحد. وكانت الثورة تهدف إلى استقلال الجزائر التام ، وسحب القوات الفرنسية ، وإقامة حكومة وطنية ، وإجراء اصلاحات واسعة بالنسبة لملكيات الأرض وتأميم المشروعات الصناعية. وقد تكللت الثورة بالنجاح بعد أن وافقت فرنسا على الاستفتاء العام الذي جرى في الأوّل من تموز عام ١٩٦٢ م ، وفيه اقترع الجزائريون لصالح الاستقلال وإنسحاب فرنسا من الجزائر بعد استعمار دام أكثر من مئة وثلاثين عاماً. ( موسوعة السياسة ، ج ٢ ، ص ١٨٨ - ١٩٢ ).
٢ - قدّم الشاعر قصيدته بمقدمة نثرية قال فيها : « مجازر عسف وانتقام تذبح الانسانية على صعيدها الوحشي وتقبر الفضيلة والنبل في لحدها المظلم وتنسخ الرحمة والعدالة بيدها الأثيمة. كل ذلك لاشباع نهمة استعمار فرنسي مجرم يفرضه بالنار والحديد على شعب عربي مجاهد يتطلّع لحريته واستقلاله وهو مؤمن بحقّه متفان بإيمانه. فأين ذهبت من العالم صرخة الإنسانية المجلجلة بهذا الوحش العقور ».
٣ النجيد : الشجاع. ( لسان العرب ، ج ١٤ ، ص ٤٩ ).
تعلوه أصوات اليـ |
ـتامى في أهازيج النشيد |
|
وترف تحت ظلاله |
مقلُ الأيامى كالورود |
|
مخضلةً بمدامع |
صُهرت على ذهب الخدود(١) |
|
في تربة ورث الجهاد |
بها البنون من الجدود |
|
تأريخ مجدك ناصعٌ |
عبقٌ من الذكر الحميد |
|
وجهادك الجبّار عنـ |
ـوانٌ لاسفار الخلود |
|
تهوي جباهُ الظالمين |
له وتعنو بالسجود |
|
وتطول فيه بطولة الـ |
ـشهداء في درج الصعود |
|
ضحيت فيه بما غلا |
من طارف لك أو تليد |
|
والمجد غرس التضحيات |
وصنوها جيداً لجيد(٢) |
|
والموت في سوح الجهاد |
ألذُّ من عيش العبيد |
ويحمل الشاعر على المستعمر الفرنسي ليذكره بمجازره التي ارتكبها بحقّ الإنسانية ، وبحقّ التأريخ وبحقّ الخُلق والفضيلة :
ياساسة الارهاق في الد |
نيا ويابُقيا ثمود |
|
شوهتم التاريخ في |
صحف من الارهاب سود |
|
وأبدتم الانصاف في |
نقم من الظلم المبيد |
|
وقتلتم نبلُ الضمائر |
بالضغائن والحقود |
|
وقبرتم الإنسان في |
أخلاقه بين اللحود |
|
ومحوتمُ رسم الفضيلة |
من سجلات الوجود |
__________________
١ - المخضل : الندي. ( لسان العرب ، ج ٤ ، ص ١٣٠ ).
٢ - الصنو : الأخ. ( لسان العرب ، ج ٧ ، ص ٤٢٥ ).
وذبحتمُ الرحمات فوق |
مجازر العسف الشديد |
|
ونسختمُ نُظمَ الحياة |
وكلَّ قانون سديد |
|
ما أنتم بفعالكم |
بشرٌ فردّوا للقرود |
وهنا يتساءل الشاعر عن الجريمة التي ارتكبها الشعب الجزائري لينال بسببها كل هذا الظلم والتنكيل! فالجزائريون لم يثوروا إلاّ لتحرير أرضهم وتطهيرها من دنس المستعمر الغاشم :
ماذا جنى بجهاده |
شعب يسير إلى الخلود |
|
شعب لحريّاته |
يسعى بتحطيم القيود |
|
شعب جريءٌ باسل |
يضرى على الخصم اللدود |
|
صلب العقيدة مؤمن |
بالحق إيمانَ الشهيد |
|
ثبت الجنان من الـ |
ـركانة لا يروّعُ بالوعيد |
|
متماسك الحلقات |
يهزأ بالبوارق والرعود |
|
لا النار تخمد عزمه الـ |
ـطاغي ولا زجل الحديد |
|
يسطو بصاعقة القضاء |
وفتك ضارية الاُسود |
|
وإذا اصطلت نارُ الوغى |
نادى بها هل من مزيد |
وبعد أن عرض الشاعر تأريخ الجزائر المشرق وإيمان شعبه الصلب راح يشيد ببطولات الجزائريين ومقاومتهم الفذّة ويبشرهم بالنصر والغلبة ، وبدعم البلدان العربية التي هبّت لنجدة الجزائر وشعبها الصامد الأبيّ :
شعب الجزائر ياأبا الـ |
ـسطوات والفتك العنيد |
|
رصعت إكليل المفاخر |
من جهادك في عقود |
|
وكسوت أمجاد الكرا |
مة من دمائك في برود |
وفتحت للأجيال مدرسة |
البطولة من جديد |
|
ونشرت درساً خالداً |
للتضحيات وللجهود |
|
ورفعت راية يعربٍ |
خفاقة فوق البنود |
|
حُييت ياشعبَ الجهاد |
وطاب مهدك من صعيد |
|
هذي طلائع يعربٍ |
وافتك تزخر بالجنود |
|
بفيالق ومعا معٍ |
هي كالصواعق والرعود |
|
ومراجلٍ تغلي دماً |
بعزائم هي كالوقود |
|
فبكل أُفقٍ راية |
منشورةُ الظلِ المديد |
|
وبكل ميدان عقيـ |
ـدٌ يقتفي إثر العقيد |
|
وبكلُ قُطر نهضةٌ |
كبرى من الوعي الجديد |
|
سطعت بمصر وسوف |
تسطع مثلَ نيران الوعيد |
|
بصعيد « سوريا » و« عمـ |
ـانٍ » وفي « بلد الرشيد » |
|
وبكل مهد للعروبة |
من شقيقات « الصعيد »(١) |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٠٥ - ٢٠٨.
ج - تأميم قناة السويس والغزو الثلاثي على مصر(١) :
عندما تمّ تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦ م نظم الشيخ الفرطوسي في هذه المناسبة قصيدة « قنال مصر » وفيها رحّب بالعزيمة المصرية وموقفها الشامخ الذي لم يهتز لتهديد الطامعين ووعيد الغزاة المعتدين :
ياموكبَ المجد الخطيرِ وللعلى |
والمجد في دنيا المفاخر موكب |
|
قف حيِّ مصرَ وحيِّ أبطالاً بها |
مجدُ البطولةِ مثلهم يتطلبُ |
|
صعدوا بمرقاةِ الكرامة للعلى |
وقنالُ مصر للكرامة مركبُ |
|
قالوا الجلاء فقال شعبٌ ناهضٌ |
انّ الجلاءَ لشعب مصر مذهبُ |
|
وإذا بوادي النيل وهو مراجلٌ |
تغلي دماً ومشاعلٌ تتلهب |
|
وبساحة (الفسطاط) وهي منابت |
للعز فسطاط المفاخر يضربُ |
|
وبمصر أعظمُ مهرجان رائع |
وفمُ القنال به لسان يخطب |
|
وإذا قوى المستعمرين يمينها |
مغلوبة ويسار مصر تغلب |
____________
١ - قناة السويس ممر مائي بمصر يصل البحر المتوسط شمالاً عند بور سعيد حتى بور توفيق جنوباً على البحر الأحمر عند السويس. وهي أهم شريان ملاحي في العالم ، تعود أهميتها الدولية إلى اختصارها طريق الملاحة البحرية بين الشرق والغرب. أنجز شقّ القناة على عهد الخديوي إسماعيل في عام ١٨٦٩ م. وقد استتبع شقّ القناة زيادة أطماع الدول الأوروبية فيها ممّا انتهى باحتلال الانجليز لمصر في عام ١٨٨٢ م. وقد استمر الصراع على هذه القناة الحيوية ردحاً من الزمن حتى تم تأميمها في السادس والعشرين من تموز عام ١٩٥٦ م من قبل جمال عبدالناصر وانتقلت من ذاك إلى المصريين. وقد تعرضت مصر بسبب ذلك للغزو الثلاثي ( البريطاني - الفرنسي - الاسرائيلي ) في تشرين الأول عام ١٩٥٦ م وأغلقت القناة حتى انسحب الغزاة وطهرت من آثار الحرب. وقد أغلقت ثانية بسبب العدوان الاسرائيلي على مصر في حرب الخامس من حزيران عام ١٩٦٧ م. وقد بدأ تطهير القناة عام ١٩٧٤ م واُعيدت للملاحة البحرية في حزيران عام ١٩٧٥ م. ( موسوعة السياسة ، ج ٤ ، ص ٨٠٧ - ٨٠٩ ).
فكأنّ ناصر مصر قسورة بها |
وكأنهم حمرٌ تفرُ وتهرب |
ويتابع الشاعر التأكيد على قوّة مصر وثبات قدمها في الملمات والحوادث الجسيمة ، داعياً الشعب المصري إلى الصبر وتحمّل الضغوط والأزمات من أجل الحرية والاستقلال :
يا مصر يادنيا الكرامة اُفقها |
مجدٌ وتربتُها اباءٌ معشب |
|
ياقوة الايمان قد عصفت فلا |
ترضى بغير البطش إذ هي تغضب |
|
يابثقة التحرير من أشراقها |
ينشق للرق المخيم غيهب |
|
ياصرخة الحق المقدس جلجلت |
بالظلم من فمك المحرق تصخب |
|
ثوري على الظلم الفظيع بعاصف |
يردي عروشَ الظالمين ويحطبُ |
|
وتدَّرعي بالصبر وليتدرّعوا |
بالغدر فهو سلاحهم اذ خُيبوا(١) |
ولم يرق للغزاة المستعمرين أداء مصر بتأميم قناة السويس فأججوا عليها حرباً شعواء في عام التأميم ذاته قاده الثلاثي المستعمر بريطانيا وفرنسا واسرائيل. وقد أثار هذا العدوان الغاشم غضب الجماهير في جميع البلاد العربية ، ومنها العراق الذي هبّ جماهيره إلى الشوارع معلنين سخطهم واستياءهم من سياسة المستعمرين الارهابية.
وكان لشعراء العراق عامة ، والنجف خاصة ، حماس منقطع النظير في التحامهم مع الشعب المصري وتأييدهم لمواقفه البطولية. ولم يكن الفرطوسي - كما عهدناه - بعيداً عن هذا الحدث الخطير ، بل كان في مقدمة الشعراء المتحمسين لنضال الشعب المصري وجهاده ضد المحتل الغاصب. فقد نظم قصيدة « مصر والاستعمار » حيث صوّر فيها جهاد الشعب المصري ونضاله من أجل الاستقلال و
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٠١ ، ١٠٢.
الذود عن سيادة بلده وكرامته :
يا مصر ياأمَّ الصقور |
ثوري على الطغيان ثوري |
|
ثوري على الشر المبيد |
وبددي شملَ الشرور |
|
ثوري على الغدر الفظيع |
وأنت طاهرة الضمير |
|
ثوري لحقك قد تبلج |
فهو كالصبح المنير |
|
لحماية استقلالك الـ |
ـغالي من الظلم المغير |
|
لكرامة تأبى الهوان |
تُسام بالضيم المرير |
|
لدمٍ تحدّر في ثرى الـ |
ـصحراء كالغيثِ المطير |
|
لمذابح خط الإِباء |
خطوطَها بدم النحور |
|
لمصارع الشهداء عا |
بقةً بأشذاء العبير |
|
ولنجدة الوطن المفدى |
وهو يهتف بالمجير |
|
يا مصر يااُمَّ الصقور |
ثوري على الطغيان ثوري |
وقد دأب الشاعر في قصيدته هذه - كشأنه في قصائده الوطنية والحماسية - في تصوير أحداث العدوان ووقائع الحرب تصويراً حيّاً ودقيقاً ليسجل فيه بعناية فائقة تفاصيل الحدث وحيثيات الواقعة. فمثلاً عندما يتناول الانزال الجوي الذي قام به العدو في « بور سعيد » تمهيداً للسيطرة على القناة ، يرسم صورة دقيقة للأحداث الدامية التي جرت في تلك المعركة. يقول الفرطوسي مخاطباً « بور سعيد » :
يافذة التأريخ في الـ |
ـبلوى وفي الشرف الكبير |
|
ياسطوة البطش العنيد |
تثور في وجه الغرور |
|
يالحد عاتيةِ الطغاة |
هوت بأعماق القبور |
ياساحة الموت الرهيب |
يطلُّ في اليوم العسير |
|||
حيث الفضاءُ هو الجحيم |
من الشرار المستطير |
|||
والأرض تسبحُ بالدماء |
من المناحر والصدور |
|||
وكأنها بحرٌ وأشلاءُ |
الضحايا كالجسور |
|||
والطائراتُ القاذفاتُ |
غدت كأسراب الطيور |
|||
ومدافع النيران تقـ |
ـذف بالسعير المستثير |
|||
والجو يملأ بالدَّبى |
حشداً كذرات الأثير(١) |
|||
رجمت شياطينَ الضلال |
به ملائكةُ السعير |
|||
تأريخُ مجدِكِ صفحةٌ |
بيضاء داميةُ السطور |
|||
والنجدةُ الحمراءُ هبّت |
فيك من جرحى النسور |
|||
والتضحيات الغاليات |
تهونُ للشرف الخطير |
|||
ويواصل الشاعر في تخليد هذا الحدث بالاشادة بموقف قائد مصر « جمال عبدالناصر » الذي وقف موقفاً بطولياً تحدّى فيه غزو المستعمرين بكل ما يملكون من عدّة وعدد ، وقاوم الضغوط التي كانت تتوجه إليه من كل حدب وصوب.
ومن ثم يتوجه الشاعر بالخطاب إلى الفرنسيين الغزاة الذين دأبوا في نهب خيرات الشعوب واستغلال ثرواته من خلال الحروب والاحتلال :
ياساسة الظلم الفظيع |
ويازبانيةَ السعير(٢) |
|
ياآكلي لحم الشعوب |
وشاربي دمها الطهور |
|
ياغاصبي بيت الضعيف |
وناهبي قوت الفقير |
__________________
١ - الدَّبى : أصغر ما يكون من الجراد والنمل. ( لسان العرب ، ج ٤ ، ص ٢٨٨ ).
٢ - الزبانية : الموكلون بالنار. ( لسان العرب ، ج ٦ ، ص ١٦ ).
أنتم دعاةُ الحرب في |
عهد السلام المستنير |
|
ردوا بحكمكم إلى الغـ |
ـابات أو عهد البعير |
|
ان الشعوب تحررت |
من رق داجية العصور |
|
وبوادر الوعي الرهيب |
بها لكم صوتُ النذير |
يعرج الشاعر بعد ذلك على اسرائيل بذرة الشؤم التي غرسها المستعمر في قلب العالم الإسلامي لتعيث فساداً ودماراً في تلك الأرض الطاهرة المقدسة :
ألقيطةَ الخزيِ التي |
وُلدت بأحضان الفجور |
|
وحثالة الغدر الملو |
ث بالمآثم والشرور |
|
يا تربةَ المستعمرين |
لغرس فاتكة الجذور |
|
يابنتَ صهيون ومثـ |
ـلك مهدهُ لحد القبور |
|
فمن الجرائم أن يعيش الأ |
ثم في مهد طهور |
ومن ثم ينتقل الشاعر إلى بريطانيا الشريك الثالث في العدوان ليذكرها بماضيها الأسود المليء بالحقد والضغينة تجاه الشعوب المستضعفة والفقيرة :
ياأمة تضرى على الضـ |
ـعفاء كالوحش العقور |
|
صبّي جحيمَ الانتقام |
بوابل الظلم المبير |
|
شقي الجراحَ وأجهزي |
حتى على الشيخ الكبير |
|
لا ترحمي العذراءَ دامية |
المعاصمِ والنحور |
|
لا تشفقي بالأمّ حا |
نيةً على الطفل الكسير |
|
لا ترفقي برضيعة |
ذبحت على المهد الوثير |
|
وبصبية صرعى بقا |
رعة الطريق من المرور |
|
ولتمليء الصحراء من |
جثث الضحايا بالقبور |
خوضي دماء الأبرياء |
كأنها لجج البحور |
|
وعلى القرى مكشوفةً |
والمدن بالعدوان غيري |
|
قري على ظلم الورى |
وعلى قرار العدل جوري |
|
ما شئت بغياً فاصنعي |
سترين عاقبة الشرور |
|
فالظلمُ والتدميرُ والا |
رهابُ من سوء المصير |
|
لم يبقَ في مصرٍ وفي |
أخواتها لكِ من نصير |
|
غيرُ الأجيرِ وسوف ينـ |
ـمو الوعيُ حتى في الأجير |
|
ياأمة إقبالها في الـ |
ـشرق آذن بالدبور |
|
مهلاً فقد أرداك طيـ |
ـشك في ميادين الغرور(١) |
ويختم الشاعر قصيدته بذكر النصر الذي وعده الله لعباده الصالحين ، يوم لا يعلو على لسان الحق لسان ، والغلبة يومئذٍ للمسلمين ، والذل والخسران لدعاة الكفر والمعتدين.
د - ثورة النفط في ايران :
في عام ١٩٥٢ م نهض الشعب الايراني المسلم بحكومة الدكتور مصدّق وبقيادة الزعيم الديني السيد أبي القاسم الكاشاني في وجه المستغلين الأجانب ليعلن تأميم نفطه وسيادته على خيراته وثرواته. وقد واكب هذا الحدث ردود فعل مؤيدة في العالم الاسلامي ومساندة لمساعي الشعب الايراني التحررية.
وفي العراق ارتفعت أصوات الشعراء تأييداً للثورة الايرانية وقيادتها
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٩٥ - ٢٠٣.
الحكيمة التي تحدت قوى الاستعمار الغاشمة من أجل احقاق حقها ، والدفاع عن منافعها ومصالحها القومية. وكان الشيخ الفرطوسي واحداً من اولئك الشعراء الذين دفعهم الحس الاسلامي إلى مناصرة اخوانهم في الدين من أبناء ايران المسلمة. فنظم في تلك الفترة قصيدة « ايران والجلاء »(١) التي أشاد فيها بمواقف الشعب الايراني البطولية تجاه انتهاكات المستعمر المستبد :
باسم الدم الحر باسم العدل منصور |
حقٌ صريح وفتح فيه تحرير |
|
قد طال أفق ايران فطالعها |
فجرٌ به مزّقت تلك الدياجير |
إلى أن يقول :
شعبٌ جريء على الأحداث مهجته |
تضرى وقادته صيدٌ مغاوير |
|
تساندت كل كف فيه واتسمت |
بطابع الوحدة العظمى الأسارير |
|
صف رصين إلى صف يسانده |
وكلّ صف إذا قابلته سور |
|
كأن داود من أحشائه نُسجت |
دروعُه وشظاياها المسامير |
|
قد هزّه لجهاد الكفر من طرب |
صوت من الدين أوحته المزامير |
وفي القصيدة تبجيل وتقدير لنواب المجلس الايراني الذين منحوا الحكومة الصلاحيات المطلقة في تأميم شركات النفط الأجنبية ، وكذلك تحية لرئيس الوزراء الدكتور مصدق لزعامته الحركة الوطنية ، وأيضاً تحية للشهداء الذين بذلوا أنفسهم من أجل انتصار الثورة وتحقق أهدافها السامية :
__________________
١ - للقصيدة مقدمة نثرية جاء فيها : « أمة تساند زعيمها وزعيم يخلص لأمته فتتكون من ضعيفين قوة جبارة من العقيدة والثبات تهيب بجبروت الاستعمار فتنزله من أوج العزّ إلى حضيض الهوان وتشتت بضربة الحق القاضية شمل جالية سوداء تغتصب حريتها وتمتلك خيراتها بما فرضته عليها من أغلال العبودية. نظمت في عهد حكومة الزعيم الوطني مصدق حين نهض الشعب الايراني بقيادة الزعيم الديني السيد الكاشاني لاسترداد حقه الصريح في الزيت من خصمه الغاشم ».
حُييتمُ شهداءَ الحق إنكم |
سفر من المجد للتأريخ مسطور |
|
ما قيمة الورد والأزهار تنثرها |
على جنانكم الولدانُ والحور |
|
هذي الدموع نثار فوقها خضل |
وكلّ قلب ضريح فيه محفور |
|
أرخصتم كلَّ غال ما له ثمن |
في مثله يتسامى المجد والخير |
|
فللرصاص صدور ملؤها أمل |
تفتحت من حناياها الأزاهير |
|
وللحمام ثغور ملؤها جذل |
تزهو واشباحه منها مذاعير |
|
وللحديد جسوم بعثرت قطعاً |
كأنها لؤلؤٌ في الترب منثور |
|
ماذا جنت هذه الأرواح يحصدها |
وهي البريئة باسم الأثم مغرور |
|
وكلُّ غايتها تحرير أمتها |
وإن غايته القصوى الدنانير |
|
ياساسة الغدر والتغرير حسبكم |
سياسة كلها غدر وتغرير |
|
يا آمرين بلا حق على أمم |
يسوسها لهمُ رقٌ ومأمور |
|
ماذا جنته شعوبٌ قد أهاب بها |
باسم العدالة ارهابٌ وتحذير |
|
وأيُّ حكمٍ وقانون يقرُّ لكم |
ظلم الضعيف وما في الظلم تبرير |
|
بوءوا بخزيكم غبناً فقد فضحت |
أسرارُكم وانجلى منهنَّ مستور(١) |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢١٢ - ٢١٦.
ه - مساندة الحركات الوطنية (١) :
عايش الشيخ الفرطوسي كثيراً من الحركات الشعبية والثورات الوطنية التي قامت في العهد الملكي ضد الاحتلال البريطاني. وقد شارك فيها مشاركة فعّالة كسائر شعراء النجف ممّن أسهموا في إضرام لهيبها وتأجيج نارها بأشعارهم الحماسية المجلجلة التي كانت كالصاعقة على قلوب الغزاة المحتلين.
ومن الحركات الوطنية التي شارك فيها الشعراء ومنهم الشيخ الفرطوسي حركة رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ م الذي أخذ زمام الحكم من يد البريطانيين وأقام حكومة وطنية لم تدم سوى أشهر قليلة.
وقد نظم الشيخ الفرطوسي في أحداث هذه الحركة قصيدة « نهضة العراق » التي قال فيها :
عزائم العرب ثوري وانهضي فينا |
إلى الوغى وأعيدي مجد ماضينا |
__________________
١ - ازدادت الحركات الوطنية في العهد الملكي إثر تصاعد النقمة الشعبية ضد المحتل البريطاني. وقد وقع أوّل انقلاب وطني قاده بكر صدقي عام ١٩٣٦ م لم يلغ النظام الملكي. وفي عام ١٩٣٩ م قتل الملك غازي في حادث سيارة غامض وباعتبار ان ابنه فيصل الثاني كان دون سنّ الرشد فقد عين خاله الأمير عبدالاله وصياً على العرش إلى أن بلغ الملك سنّ الرشد عام ١٩٥٣ م. وقد أدّى تعلّق عبدالاله ببريطانيا وخضوعه التام لها إلى زيادة النقمة الشعبية على البريطانيين وعلى الفرع الملكي الذي يمثّله الوصي على العرش ، ممّا دعا إلى قيام الثورة الوطنية بقيادة رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ م ، إلاّ انها أخفقت في النهاية وعاد الحكم الملكي إلى السلطة ثانية. وفي كانون الثاني عام ١٩٤٨ م ثارت انتفاضة اُخرى عرفت بوثبة « كانون » التي قضت على معاهدة « بورتسموث » التي وقعت بين العراق وبريطانيا في ١٥ / ١ / ١٩٤٨ م والتي كانت تقضي بارتباط العراق ببريطانيا مدة عشرين عاماً. وفي تشرين الأول عام ١٩٥٢ م نشبت انتفاضة شعبية طالبت بانتخابات مباشرة حرّة ، وجعل رئيس الدولة أي الملك على غرار النظام البريطاني « يحكم ولا يملك ». وقد توالت بعدها عدّة انتفاضات شعبية انتهت إلى قيام ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨ م التي ألغت النظام الملكي وأعلنت الجمهورية. ( موسوعة السياسة ، ج ٤ ، ص ٥٧ ، ٥٨ ).
ورفرفي يابنودَ الحق خافقة |
بالنصر واستقبلي دنيا أمانينا |
|
قد آن أن تملأ الدنيا عزائمنا |
ناراً موقدة تُصلي أعادينا |
إلى أن يقول :
ياصرخة من فم الاخلاص صادرة |
أضحى لها الوطن المحبوب يدعونا |
|
لبيك بالسيف والاخلاص يعضده |
وبالدما وهي تجري من عوالينا |
|
لبيك بالوحدة العظمى يلحنها |
باسم التفادي فم الاخلاص تلحينا |
|
لبيك بالنهضة الكبرى وقد جعلت |
لها الجزيرةُ والدنيا ميادينا |
|
حي العراق فقد أضحت عزائمه |
تغلي دماً شيدت فيه معالينا |
|
هاجت عواصفه في وجه طاغية |
بالعسف والجور ما زالت توافينا |
|
فزلزلت بظباها أيَّ قاعدة |
للظلم عاد بها الالحاد موهونا(١) |
وعلى الرغم من اخفاق ثورة الكيلاني وعودة الملكية ثانية إلى العراق ، فقد أخذت الانتفاضات الشعبية طريقها إلى التفاعل والتصاعد ، وأخذ الشعب يتحدى المحتل البريطاني بكل ما يملك من قدرة وقوة.
ومن أبرز هذه التحديات انتفاضة كانون الثاني عام ١٩٤٨ م التي وثب فيها الشعب لإحباط معاهدة « بورتسموث » المجحفة ، واستطاع القضاء عليها بعد أحداث دامية راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى. وقد نظم فيها الشيخ الفرطوسي قصيدة « دم الحرية » التي خلّد فيها غلبة الشعب الثائر على طغيان المستعمر المحتل :
دمٌ تحدر مصبوباً على النار |
فأخمد الظلم في تياره الجاري |
|
ومنبع من شعور ثار مندفعاً |
في فيلق من جنود الحق جرّار |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢١٧ ، ٢١٨.
ثم يقول :
فحق للوطن الغالي وقد سفكت |
به دماءٌ بريئاتٌ لأبرار |
|
أن يغتدي مأثماً من أدمع ودمٍ |
إنّ الضحايا به أرواحُ أحرار |
|
ياأيها الوطن الدامي على رهج |
من الرزايا به دوى كاعصار(١) |
|
نضالك المرّ تأريخ يصوره |
لك الخلود بأسفار وأسفار |
|
وتضحياتُك للأجيال مدرسةٌ |
تملي عليها دروساً عهد ذي قار |
|
شرفته بدم الأحرار متقداً |
إنّ الدمَ الحرّ بركانٌ من النار |
|
ورحت تمحو به نقضاً ( معاهدة ) |
قد أبرموها بارهاق واجبار(٢) |
ومن أشهر الأحداث التي تمخضت عن تلك الانتفاضة « وقعة الجسر »(٣) التي استشهد فيها عدد كبير من المجاهدين والثوار ، وفيها نظم الشاعر قصيدة « مآسي الجسر » حيث جسّد فيها مشاهد تلك الوقعة المريعة وأحداثها الدامية والأليمة :
سل الجسر عن بحر عبيط من الدم |
طغا فوقه لجاً بوجه جهنم |
|
وعن جثث القتلى وكيف تراكمت |
على جانبيه كالحطام المهشم |
|
وعن عدد الجرحى إذا كان عنده |
سجل إلى احصائها كالمترجم |
|
وعن فوهة الرشاش طبقت الفضا |
دويّاً باطلاق الرصاص المخيم |
__________________
١ - الرَّهَج : الشَّغَب. ( لسان العرب ، ج ٥ ، ص ٣٣٩ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٩٠ ، ١٩١.
٣ - معركة الجسر من أشدّ معارك الانتفاضة ضراوة وأكثرها عنفاً وقسوة. فقد وضع العسكر اسلحتهم الرشاشة على منائر المساجد المشرفة على الجسر الموصل بين « شارع الأمين » في الرصافة وشارع « الوصي » في الكرخ ، وصاروا يطلقون النار على المجاهدين والثوار أثناء عبور مظاهراتهم على الجسر الذي سمي بعد ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨ م « بجسر الشهداء ».
فكم طلقة نارية منه صوَّبت |
لقلب بريَ من أنامل مجرم |
|
فمن يافع غض الصبا مترعرع |
يحيّيه من آماله خير مبسم |
|
مشى نحوه كالسهم غير محايد |
وليس بهيَّاب ولا متبرم |
|
يصافح تيار الرصاص بصدره |
ويرنو له في طرفه كالمسلّم |
|
إلى أن غدا للقاذفات ضحية |
مبعثرة كالهيكل المتحطم(١) |
ومن جملة التحركات الشعبية التي شارك فيها الشاعر مشاركة فعّالة انتفاضة تشرين الأول عام ١٩٥٢ م والتي طالب فيها الشعب بحقوقه المشروعة من حق تعيين المصير واجراء الانتخابات الحرّة. وقد نظم الشاعر في هذه المناسبة قصيدة « الاستقلال » التي قال فيها :
ياقادة الاسلام في نهضاته |
والدهر يرعد بالخطوب ويبرق |
|
ومحرقي وعي النفوس وفالقي |
روح الجهاد وربّ روح يفلق |
|
ومحرري الأجيال من رقيةٍ |
من ليلها ينشق فجرٌ مشرق |
|
أسستم عرشاً وشدتم دولةً |
ورفعتم علماً يرفّ ويخفق |
|
أنتم بناةُ المجد في تأسيسه |
والمجدُ يُنسب للبناة ويلحق |
إلى أن يقول :
وبلادنا والشوك يدمي قلبها |
وحقولها في الغرب ورداً تعبق |
|
ماذا تؤمل بعدما قد عقّها |
أبناؤها وقسى بها من يرفق |
|
أحزابنا وهي البلاءُ وكلّها |
صورٌ لتفريق البلاد تلفّق |
|
أم للصحافة وهي سوق تُشترى |
فيها الضمائر بالنقود وتُنفق |
|
أم للرجال المصلحين وهم بها |
أصلُ البلاء وفرعه إذ يورق |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٤٥ ، ١٤٦.
قد أقحل الوادي فها هو بلقع |
يبسٌ وغاض نميرُهُ المترقرق |
|
ماذا وراءَك يا غمامُ أعارض |
هو ممطرٌ أم عاصفٌ هو محرق |
|
هذي البلاد إلى الوراء تقهقرت |
فمتى بصف لداتها هي تلحق |
|
وشبابُها الحيّ المثقف أُلحدوا |
وهمُ حياة للبلاد ورونق |
|
وفم الصحافيِّ المحرر ملجمٌ |
في ألف قيدٍ فهو بابٌ مغلق |
|
والشاعر الموهوبُ عود عطلت |
أوتارهُ وذُبالةٌ تتحرق |
|
والعاملُ المكدودُ من إجهاده |
خارت قواه وفُل منه المرفق |
|
والزارع المنكوب من انتاجه |
صفر الأنامل وهو ملك مطلق |
|
فبمن يُرجّى الخير من أبنائها |
في حين أنّ الشر فيها محدق |
|
لم يبق إلاّ معجزٌ يبدو بها |
والمعجزات لكل عاد تخرق |
|
ياليل بغداد وافقك كلّه |
بالنيرات مرصعٌ ومطوق |
|
هل في سمائك للعدالة كوكبٌ |
يبدو لهذا الشعب حين يحدّق |
|
ضاق الخناق فكل فجر ساطع |
غلس عليه وكل رحب مأزق |
|
وسياسة الارهاب حتى نفسها |
من قسوة الارهاب كادت تزهق |
|
أفلا يطلُّ على المدائن والقرى |
فجر من الاصلاح فيها يفلق |
|
أفلا تهب على العواصف نسمة |
للعدل تعبق في البلاد فتنشق |
|
إنا نروم العدل لا حرية |
فوضى ولا رقية لا تعتق(١) |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٣٠ - ٢٣٣.
و - مناهضة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة :
عرف الشيخ الفرطوسي من خلال نشاطه الأدبي المكثّف ، وتواجده الدائم والمستمر في الساحة السياسية بمناهضته للحكومات الاستبدادية وتحديه للسلطات الجائرة التي كانت تخضع الشعب تحت وطأة العنف والاضطهاد وتوسعه ظلماً دون رحمة وشفقة.
وعلى الرغم من أساليب التعسف والتنكيل التي كانت تمارس بحق الأدباء والشعراء من قبل الحكومات الطاغية ، فانّ الشيخ لم تكن ترهبه مثل تلك الأساليب الوضيعة ، أو تبعده عن ساحة الجهاد والنضال. فقد كان الشاعر واضح الرؤية صريح الموقف تجاه انتهاكات الأنظمة الاستبدادية التي حكمت العراق في عهده.
فها هو الشاعر يصور الوضع السياسي القائم في العهد الملكي بقصيدته « الغريب » التي نظمها عام ١٩٤٩ م دون أن يضفي عليها طلاءً مزيفاً من المداهنة أو الممالأة تخوفاً من بطش الحاكم أو تعسفه :
فيا أيها الحر الغريب بأرضه |
وإن يك في أحضان موطنه قرا |
|
حذارَك من وضع مسيئ محتم |
يجر لهذا الموطن اليأس والضرا |
|
تناقضت الأحوال فيه بكثرة |
فلم نحص للأضداد عداً ولا حصرا |
|
وأضحت مقاييس الأمور عقيمة |
فلم نرَ مقياساً بها منتجاً أمرا |
|
شذوذ على حرية الشعب حاكم |
ولم يعط هذا الشعب من حقه نزرا |
|
يميت نبوغ العبقري بنفسه |
ويقتل ما توحي مواهبه صبرا |
|
وينعى على الفذ الأديب شعوره |
فيكتب فيه كل عاطفة قسرا |
وينقم أن يسدي النصيحة مخلص |
وإن كان لا يبغي على نصحه أجرا |
|
يسر بأن ينعى على مصلح خيراً |
ويغضب أن تنعى على مفسد شرا |
|
ختمنا به أفواهنا وعيوننا |
ورحنا إلى الأسماع نحشدها وقرا |
|
فلم ينجنا من أسره واضطهاده |
ركود قتلنا العاطفات به أسرا |
|
وما عيشة الأحرار في ظل موطن |
هو السجن والمنفى لهم وهم الأسرى |
|
وماذا الذي نرجوه من مصلح به |
إذا هو لا يسطيع نهياً ولا أمرا(١) |
وكثيرة هي المواقف التي وقفها الشيخ الفرطوسي تجاه الأوضاع السياسية المتدهورة والأزمات الاقتصادية المتفاقمة في العهد الملكي. وقد كان في جميع مواقفه واضحاً وصريحاً - كما مر - لا تثني عزمه الضغوط والمضايقات :
ياساسةَ الشعب الهضيم بموطن |
في كل حين بالحوادث ينكب |
|||
نظُم العراق من الشذوذ غريبة |
والوضع فيه من التدهور أغرب |
|||
بلغ الفساد بحالة لا يُرتجى |
اصلاحُه فيها ولا يترقب |
|||
هذي البلاد جنوبها يبكي أسىً |
ممّا به وشمالها يتنحب |
|||
الجهل والفقر المخيم فيهما |
ولدا ومات العلم وهو لها أب |
|||
وكأن مشكلة الضرائب أصبحت |
مثلاً بها في كل حين يُضرب |
|||
ومنابع الخيرات فيها جمةٌ |
وصعيدها من خصبها هو مجدب |
|||
فكأن تلك سياسة مقصودة |
من واضعيها في البلاد ترتّب |
|||
فأعجب لهم من ساسة قد سيروا |
بسياسة من وضعهم هي أعجب |
|||
فكأنها كرةٌ بأيدي صبية |
تلهو بها وكأنّما هي ملعب |
|||
وسياسة الارهاب حتى نفسها |
من قسوة الارهاب كادت تذهب |
|||
كمت بها الأفواه حتى خُلتها |
خلقت وليس لها لسان يعرب |
|||
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٠٤.
لا بلبل يشدو بها مترّنماً |
في الرافدين ولا غرابٌ ينعب |
|
وفم الصحافة ملجم بقيوده |
فكأنما هو ناسكٌ مترهب |
|
وكنانة الأحزاب من أوتارها |
قطعت وحلَّ نظامها المتشعب(١) |
|
صونوا حقوق الشعب يا من حكموا |
في الشعب فاضطهدوا الحقوق وأرهبوا |
|
الشعب كالليث الجريح على الأذى |
يضرى ومن أجماته يتوثب |
|
وإرادة الشعب القوية كالقضا |
في الحكم تمحو ما تشاء وتكتب(٢) |
وما ان أطلّت ثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨ م حتى راح الشاعر يفصح عن شجونه وآلامه ، وما شهده شعبه من ظلم واستبداد في ظل الحكم الملكي وتحت هيمنة المحتل الانجليزي :
عهدٌ من الارهاب قام مدمراً |
فينا فآبَ لخيبةٍ ودمار |
|
قد كُمّت الأفواه فيه وأرتجت |
سحب على الأسماع والأبصار(٣) |
|
وطغا الشذوذ على النظام فما به |
لتوازن الأشياء من معيار |
|
وتناقضت فيه الأمور فرأسُه |
ذنبٌ وغاربُه على الأكوار(٤) |
وعلى الرغم من تطلعات الشعب إلى هذه الثورة وتفاؤله بانجازاتها ومعطياتها إلاّ انها لم تحقق بالشكل المطلوب طموحات الأمة وآمالها من حرية وثبات وأمن واستقرار. وقد أحس الشاعر بهذا الهاجس الخطير وحذر مراراً من عواقبه الوخيمة وأخطاره الجسيمة :
ياقادة الاسلام في نهضاته |
والأرض تلهب بالجحيم الواري |
|
الثورة الكبرى وقد القحتُم |
جمراتها بمعاقل الثوار |
__________________
١ - الكِنانة : جَعْبة السِّهام. ( لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ١٧٣ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٠٢ ، ١٠٣.
٣ - أرتجت : أغلقت. ( لسان العرب ، ج ٥ ، ص ١٣٠ ).
٤ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٨٠.
وقد حتم زند الجهاد فاضرمت |
والزند لا يجدي بغير اوار |
|
حتى أقمتم دولةً ورفعتم |
علماً يرفُّ على جبين الغار |
|
ها هم بقايا المجد من أبنائها |
وتراث آباءٍ لها أبرار |
|
حُرموا جنان مواطن كانوا بها |
يتهافتون على صعيد النار |
|
وتحلبت عرقَ الجهاد أناملٌ |
بدمائهم مخضوبة الأظفار |
|
لم يُمنحوا حق المواطن في ثرى |
هذي البلاد ولا حقوق الجار |
|
فكأنهم وهم البناة رواتها |
وكأنها خبرٌ من الأخبار(١) |
وبالفعل فقد أخفقت الثورة وسقطت بانقلاب عسكري قاده عبدالسلام عارف في الثامن من شباط عام ١٩٦٣ م. إلاّ انّ الوضع لم يستقر والأمن لم يستتب. فقد عمّت الفوضى واستبدّ الظلم والإرهاق بالشعب. وهاهو الشاعر لا يزال يحمل في فمه أشعار النهضة والثورة ضد سياسة الحكّام الارهابية :
... وعوامل الارهاب لا يُبنى بها |
إلاّ ويُهدم قائم البنيان |
|
ومتى تعيش سياسة نارية |
في ظلّ حكم عسكري جاني |
|
بليت بلاد الشرق بين لداتها |
بسياسة هي لعبة الصبيان |
إلى أن يقول :
ضاعت مقاييس بها كان الحجى |
يزن الرجال بكفتي ميزان |
|
وتقهقرت أوضاعنا وتبعثرت |
حتى غدت منثورة الأوزان |
|
واستعمرت حتى المها أخواتها |
فالضان يحكم في قطيع الضان |
|
وتفرعنت حتى النعاج فأصبحت |
منها تراع مخالب الذؤبان |
|
خلت المعاقل والثغور وهذه |
خيل الغزاة تغير في الأوطان(٢) |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٤٨.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١١٣.
ز - مجابهة الحركات الهدامة والأفكار المنحرفة :
بعد انهيار الحكم الملكي في العراق وقيام ثورة ١٩٥٨ م ، ظهرت موجة عارمة من التكتلات السياسية والتجمعات الطائفية ذات الأفكار المنحرفة والمبادئ الفاسدة مثل الحزب الشيوعي وأحزاب مماثلة اُخرى.
وقد تبنت معظم هذه الأحزاب موقفاً مشتركاً - على الرغم من تفاوتها المبدئي والايديولوجي - يقضي بانتزاع الهوية الدينية والاسلامية من الشعب وبثّ الطائفية والعداء المذهبي بين مختلف شرائحه وطبقاته.
وقد وقف الشاعر وبنباهة وفطنة أمام هذه التيارات المضللة وقاومها مقاومة شديدة بيّن اتجاهاتها المنحرفة وأفكارها الفاسدة. وله في هذا الشأن قصائد كثيرة ، منها قصيدة « الشعب حر » التي نظمها عام ١٩٥٩ م ابّان تصاعد تلك الحركات :
يا رائد الخير والاصلاح في وطن |
ينوءُ بالشر من أوزار من سبقوا |
|
هذي البلاد بها قد اطلعت ذنباً |
من كيدها سلحفاةٌ ما لها عنق(١) |
|
فوسعت شقة التفريق في وطن |
موحدٍ هو صفٌّ ليس يفترق |
|
وحمّلت هذه الأفكار ما اصطبغت |
من المبادئ فيها وهو مختلق |
|
فاغلق عليهم من الأبواب ما فتحوا |
وافتح علينا من الأبواب ما غلقوا |
|
الشعب يطلب شبعاً بعد مسغبة |
للكادحين وأمناً ما به فرق |
|
بحيث تُرعى بجنب الذئب آمنة |
شاةٌ ويحيا به من ساغب رمق |
|
قد أخرتنا خلافات يقوم بها |
مفرق عن صفوف الشعب مفترق |
__________________
١ - يشير بذلك إلى الحزب الشيوعي.
يدسّها فيه أفكاراً مسممةً |
النار تذكو بها والشعب يحترق |
|
ياخالقين بهذا الشعب بلبلةً |
بكل ما عملوا فيه وما نطقوا |
|
الشعبُ حرٌّ جريءٌ في إرادته |
صلبُ العقيدة في أقواله ذلق |
|
فلا يدين بأفكار مخربة |
حمراءَ يُهدَمُ منها الدينُ والخلق |
|
فاننا أمةٌ في الدين مسلمةٌ |
بكل ما جاءَ في قرآنها تثق |
|
واننا عربٌ والكرد اخوتنا |
جيداً لجيد بهذا المهد نعتنق |
ويضع الشاعر اصبعه على مواضع الفتن التي كانت تثار من قبل تلك الحركات ، ويحذر من تمزق الشعب وتفرقه إذا ما استمرت مثل هذه الأحزاب في العمل دون رادع ومانع :
يامصلح الوضع ان الوضع أفسده |
تشاحنٌ من دجى رأيين ينبثق |
|||
هما أقليةٌ في الشعب قد نجمت |
كيما تفرقه والشعب متفق |
|||
هذي المبادئ تنأى عن مكاسبها |
مكاسبُ الثورة الكبرى وتفترق |
|||
أجهز عليها ففي أهدافها خطرٌ |
على البلاد وفي تشريعها فرق |
|||
تقهقر الشعب من أهدافها خلقاً |
ووحدة واقتصاداً وهو منطلق |
|||
فأصبحت موبقات الأثم مدرجة |
إلى الفضائل فيها يرتقي الخلق |
|||
والسلم مجزرة حمراءُ مظلمةٌ |
إلى الحمام بها الأرواح تستبق |
|||
وأضحت الوحدة الكبرى بنا غرضاً |
للطامعين فشعب واحدٌ فرق |
|||
وعاد اصلاحنا حقلاً لمزرعة |
من المفاسدِ فيها يُزرع القلق |
|||
فالأرض قفراء والفلاح مفتقر |
للقرض والشعب قد أودى به الملق |
|||
وليس يعلم من سارت سفينته |
ان الشراع الذي يجري بها خلق |
|||
وقد دأب الشيخ الشاعر لدى تحذيره من خطر هذه الحركات في توجيه خطابه إلى قادة الأمة ، وحثهم على التمسك بمبادئ الدين السديدة ، والعمل بتعاليم الاسلام الرشيدة التي طالما تجسّدت من خلالها الوحدة والتآزر بين كافة شرائح المجتمع :
ياقادة الدين في الاسلام معذرة |
ان ضاق في نفثات الصدر ما رحبا |
|
الدين مجدكم ريعت معاقله |
من الغزاة وفي أخلاقه نُكبا |
|
لا فوضوية في الاسلام ينشدها |
مخربٌ ينشد التفريق والعطبا |
|
وغيرها من مبادي الكفر يتبعها |
في الكفر زندقةً يا من إليه صبا |
|
فانّنا أمّة في الدين مسلمةٌ |
لا ترتضي غير دين الله منقلبا |
|
نظامنا وهو القرآن نرفعه |
على الرؤوس شعاراً يَدرأ الريبا |
إلى أن يقول :
لا طائفية والاسلام يربطنا |
من الاخاء بقربىً تفضل النسبا |
|
فالطائفية نار من يؤججها |
لابدّ أن يغتدي يوماً لها حطبا |
|
وقوةٌ بيد المستعمرين بها |
تغزو البلاد وتستولي بها غلبا |
|
وحربةٌ في صميم الشعب يغرسها |
مفرقٌ ينشد التضليل والحربا |
|
لا طائفية والتوحيد جامعة |
أضحت بها الوحدة الكبرى لنا سببا |
|
الدين والدم والقرآن معجزنا |
بها نعانق اخواناً لنا عربا(١) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٣ ، ١٤.
انصرف الشيخ الفرطوسي في جانب كبير من شعره إلى الشؤون الاجتماعية وذلك لارتباطه الوثيق واحتكاكه الدائم والمستمر بشرائح المجتمع المختلفة من قبيل أصحاب الحرف والمهنيين ، والعمال والفلاحين بالاضافة إلى المثقفين والمفكرين والأدباء والشعراء.
وقد دفع هذا الارتباط بالشاعر إلى الخوض في ميادين الاجتماع من أجل التعرف على مشاكل الناس ومعالجة أوضاع المجتمع الذي طالما استفحلت فيه المشاكل والمعضلات. وقد ساعدت الظروف الاجتماعية العصيبة التي عصفت بالشاعر طوال حياته على تفهمه لهذا اللون من الشعر واقباله عليه في مناسبات مختلفة.
ولا غرو فان الشاعر الذي ذاق في بداية نشأته أنواع البؤس والشقاء وواكب الحرمان في شتى أدوار حياته لجدير بأن يكثر من الشعر الاجتماعي ويسهب في الحديث عن المآسي والأتراح التي حفّت بأبناء وطنه وأعاقت شعبه عن الرقي والتقدم.
وقد حاول الشاعر من خلال تناوله الموضوعات الاجتماعية البحث عن حلول إصلاحية تكفل لمواطنيه حياة طيّبة لا يشوبها الفقر والحرمان ولا تجد الرذيلة والمفسدة اليها طريقاً ومسلكاً.
وتتلخص محاولات الشيخ الاصلاحية التي قام بها من خلال أشعاره الاجتماعية في الموارد التالية :
قبيل الحكم الجمهوري وفي عهد الاحتلال البريطاني عاش الناس فقراً مدقعاً وحياة شظف ونكد لم يكن الفرد يجد لقمة الخبز التي تقيم أوده وتحفظ رمقه. ولم يكن الفقر آنذاك قاصراً على طبقة دون اخرى بل كان شائعاً بين أوسع طبقات المجتمع بلا استثناء.
وقد تناول الشاعر في كثير من قصائده مأساة الفقر وما كان يعانيه الشعب من بؤس وحرمان نتيجة العوز وضيق اليد. ومن هذه القصائد قصيدة « اليتيم » التي صور فيها جانباً من حياة الفقر والشقاء التي كان يعيشها الناس في تلك الآونة :
طفل يتيم أقضّ الجوعُ مضجعه |
ملوّع القلب قد أودى به الخور(١) |
|
قد مات والده فاظلمّ مكتئباً |
أفق الرجاء عليه مذخبا القمر |
إلى أن يقول :
والهفتاه له من ضارعٍ سغب |
قد طأطأ الرأس منه الفقر والصغر(٢) |
|
أودى به البؤس من جوع ومن شعث |
فاغبرّ منه المحيا الطلق والشعر |
|
يستعطف الناس ممّا قد ألمّ به |
وليس فيهم لصوت الحق منتصر |
|
ويسأل القوم إسعافاً وحاجتُه |
قرصٌ يكافح فيه الجوع أو كسر |
|
وليس في القوم من يصغي لندبته |
وهي الحزينة لولا أنهم صور |
|
يمدّ إحدى يديه سائلاً ويدٌ |
يصون فيها محيّاً شأنه الخفر(٣) |
|
معطل الجيد لولا أن جبهته |
تندى حياً فتحلي جيده الدرر |
__________________
١ - الخَوَر : الضعف. ( لسان العرب ، ج ٤ ، ص ٢٤٢ ).
٢ - الضارع : الضعيف الذليل. ( لسان العرب ، ج ٨ ، ص ٥٣ ).
٣ - الخَفَر : شِدَّةُ الحياء. ( لسان العرب ، ج ٤ ، ص ١٥٢ ).
لا يسأل الناس إلحافاً بحاجته |
ولس ينقم إن صدوا وإن بطروا(١) |
|
مطأطئ الرأس في رجليه قد جمدت |
دماه من طول ما يرجو وينتظر(٢) |
والشاعر نفسه لم يكن بمنأى عن هذه المأساة ، فطالما مرّ بظروف قاسية يوم كان طالباً دينياً لا يصله من الحقوق الشرعية إلاّ النزر القليل حيث لم يكن يكفيه لسد حاجاته وادارة شؤونه.
وقد حاول الشاعر مراراً معالجة هذه الظاهرة الخطيرة في قصائد عديدة من شعره ، منها قصيدة « قادة العلم » التي أرسلها صرخة مدوية يستنهض بها همم الولاة والقادة لدرء هذا الخطر المحدق بحياة الناس وخاصة حياة طلاب العلم :
يا قادة العلم والاصلاح مجدكم |
والدين مجدٌ عظيمٌ ثُلَّ وأنثلما |
|
...هذي الأزاهير وهي الغرس بعدكم |
وكنتُم قبلُ غرساً ناشئاً فنما |
|
تسد بالترب أفواها قد التقطت |
مسامع الفضل منها الدر منتظما |
|
وتستقي من سراب اليأس ظامئة |
لأنفس فجرت أحشاؤها حكما |
|
وترتدي الخشن البالي وتلحدها |
من البيوت سجون طبقت ظلما |
|
لا تبتغي رغداً في ظل ناعمة |
من الحياة تدر الخير والنعما |
|
ولا روىً من أباريق لطائشةٍ |
من اللذائذ اضحت تعبد النغما |
|
ولا قصوراً هي الفردوس غارقةً |
من النعيم تضم الحور والخدما |
|
لكنها تبتغي قوتاً الى رمقٍ |
على الجهاد به تقوى وقد عُدما(٣) |
وكان الشاعر في كثير من الأحيان يتوجه في محاولاته الاصلاحية لظاهرة الفقر ، الى الأغنياء والموسرين ليستدر عطفهم ويجلب اهتمامهم تجاه الفقراء
__________________
١ - البَطَر : الطُّغيان في النعمة. ( لسان العرب ، ج ١ ، ص ٤٢٩ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٦٩ - ١٧١.
٣ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٧٧ ، ٢٧٨.
والمعوزين ، على أمل أن يحيا الناس حياة يسيرة لا يشوبها الفقر والعوز :
تعطّف يا غنيّ على الفقير |
بما أُوتيتَ من خير كثير |
|
وجد فيما تجود به عليه |
ولو في قرص قمح أو شعير |
|
لقد أفناه بؤس ليس يفنى |
فأصبح في عداد ذوي القبور |
|
فخذ بيديه إسعافاً لتُحيي |
بقايا ذلك القلب الكسير |
|
ولو انصفته لفديت نفساً |
له تفديك بالنفس الأخير |
|
الا يدعوك نبلُ النفس يوماً |
الى إسعاف خير أخ غيور |
|
الا تدعوك نفسُك للمعالي |
كما تدعوه للشرف الخطير |
|
الا يدعوك للإنصاف صوت |
يناجيه باعماق الضمير |
|
فجد للبائس العافي بشيٍَ |
كثير من حطامك أو يسير(١) |
وقد هالت الشاعر مظاهر الفساد والترف التي خلفتها الطبقية الظالمة نتيجة انعدام العدالة الاجتماعية ، والفوضى الأقتصادية السائدة آنذاك. ففي الوقت الذي لم يكن عامة الشعب يجد قوت يومه كانت الأقلية من المتمولين والأقطاعيين تنعم في قصورها ومسارح لهوها غير آبهة بمعاناة البؤساء وشقاء المعوزين والفقراء.
وقد عزّ على الشاعر أن يرى هذه الصور الأليمة والمناظر المريعة دون أن يقف موقفاً حاسماً يسدد من خلاله نقداته اللاذعة تجاه الوضع الاجتماعي المتأزم ، والتدهور الاقتصادي المتفاقم :
يا موطناً عزّت عليه حماته |
وهم بنوه الذادة الأطهار |
|
وقضت عليه سياسة مسمومة |
هو جاء قد حفت بها الأخطار |
_________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٧٢.
بالرغم أن تهنى لديك موارد |
يحلوبها الايراد والاصدار |
|
وينعم المستعمرون بظلّها |
وبها لهم تستعذب الأوطار |
|
هاتيك دجلةُ وهي امٌ برّة |
ولها بنون مثلها أبرار |
|
تتدفق الخيرات من أخلافها |
حتى تضيق بدرها أقطار |
|
هي جنة طاف السلام مرفرفاً |
فيها وقرَّ من النعيم قرار |
|
لكن يسوؤك أن ترى أبناءها |
حرموا قليل الخير وهو كثار |
|
ولقد أثرن لي الشجون بواعث |
للشاعرين بها الشجون تثار |
|
دنياً من اللذات ما في عيشها |
نكد ولا في صفوها أكدار |
|
للمغريات بها دواع جمة |
وبها لرواد الهنا أوطار |
|
تتسابق الأحلام فيها والمنى |
والحب واللذات والأسمار |
|
والعزف تهبط بالنفوس وترتقي |
أنغامُه ان حُرّك المزمار |
|
أفهكذا بذخٌ الثراء بأهله |
يطغى فتعشو منهم الأبصار |
|
في حين أحرار البلاد قضوا بها |
سغباً وهم أبناؤها الأحرار |
|
بعداً لأنظمة مراض صححت |
ظلمَ الفقيرٍ وليتها تنهار |
|
وتهدمت اسس العدالة ان قضت |
أن لا تعيش بظلّها الأحرار(١) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٣٧ - ٢٤١.
حرص الشيخ الفرطوسي على معالجة ظاهرة الأمية التي كانت متفشية بين أصناف مختلفة من المجتمع من خلال دعوته الى بناء المدارس ونشر التعليم والنظر بعين الاعتبار الى تثقيف الناشئة وصيانتهم من عدوى الجهل والأمية :
ثقافة الجيل فرض أين عامله |
كيما يقوم ولو في بعض ما وجبا |
|
ضلت عقول فلم تبصر هدى وطغا |
ريب فما وجدت من يذهب الريبا |
|
وأجدبت من حقول الفضل ناشئة |
اذ لم تجد منهلاً تروى به عذبا |
|
واُرهقت عاطفات برة قتلت |
صبراً ولا راحم يحنو بها حدبا |
|
وحكم الجهل في الأوضاع وانقلبت |
منا الأمور فساء الوضع منقلبا |
|
فمن يسير بهذا الركب أخّره |
انّ المسيّر ألقى اللجم والقتبا |
|
وأين من يصلح الأوضاع أفسدها |
أنّ المربي لها لم يحسن الأدبا(١) |
وكثيراً ما كان الشيخ يضيق ذرعاً بالجهل المستشري بين عامة الناس ، والخمول المطبق على أبناء مجتمعه ممن كان يأمل بهم رقي البلاد واعتلاء الوطن من خلال اكتسابهم العلوم والفنون ، وسعيهم وراء الثقافة والمعرفة :
الى متى نبقى على خمولنا |
يغري بنا الجهلُ ويلهينا اللعب |
|
ونحن بين أمم راقية |
كيانُها العلم ودينها الأدب |
|
تعلم أنّ أمّها مدرسة |
الاداب حقّاً ولها العرفان أب |
|
قد حشدت أنديةً حافلةً |
بما لديها من قصيد وخطب |
|
قد طبّق الكونَ صدى عرفانها |
فكلّ سمع وبه منه لجب |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٧٤.
ومعشري على الجمود عاكف |
لم يتخذ الى رقيه سبب |
|
من شيبة المصاب قد سرت الى |
شبابه الخامل حكةُ الجرب |
|
وهل بدون العلم تُهدى أمة |
الى صوابها وتدرك الأرب(١) |
ولم يكن التعليم حينئذٍ بمستوى جيد ومناسب بحيث يعول عليه في تنشأة الجيل وتربية النشء. فالمناهج التعليمية كانت سقيمة وغير صالحة ، والمعلمون أنفسهم كانوا بحاجة الى تعليم وتثقيف.
وقد تناول الشاعر هذه المشكلة في مواضع مختلفة من شعره ، منها قصيدة « السعادة » حيث اشار الى هذا الموضوع قائلاً :
وقصدت المدارس اللاء فيها |
قد غرسنا قلوبنا للنّماء |
|
فاذا بي من الحنان أراها |
كضلوع تعطفت بانحناء |
|
واذا النشء كالأزاهير ينمو |
وهي تزهو كروضة غنّاء |
|
فتيقّنت من صميم اعتقادي |
أنّ فيها سعادةَ الأبناء |
|
واذا بي ارى خيالاً كثيفاً |
مطبقاً فوق أرضها والسماء |
فيقول الخيال :
أنا ظلّ الجهل المخيم فيها |
لم أزل عاكفاً وهذا خبائي |
|
كيف يوحي لها الكمال مرَبّ |
ناقص ليس فيه أيُّ غناء |
|
كيف ينمو النشء الوديع وفيها |
لقّنوه الدروسَ كالببّغاء |
|
كيف توحي سعادة العلم فيها |
لبنينا من أنفس الجهلاء(٢) |
ومن هنا تعيّن على الشاعر أن يتوجه بخطابه الى رجال التعليم ليذكرهم
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٣٢٤ ، ٣٢٥.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٣٤ ، ١٣٥.
بواجباتهم تجاه تعليم الجيل وتثقيفه تثقيفاً صحيحاً وسليماً يستطيع من خلاله بلوغ الكمال ونيل الرقي :
يا رجال التعليم في المنشئات |
أنتم للعقول خيرُ بناة |
|
هذه المنشئات وهي حقول |
زاهرات والنشء كالزهرات |
|
أنتم منبع الفضيلة فيها |
وعقول البنين شبه النبات |
|
أحسنوا الغرس في ثراها لكيما |
يجتنى منه أحسنُ الثمرات |
|
وأجيدوا رعاية النشء فيها |
يا رعاةَ العقول والعاطفات(١ |
وثمة موضوع هام وحساس في مجال التعليم تناوله الشاعر كثيراً في شعره وهو تعليم المرأة وتثقيفها. فبالرغم من ردود الفعل المتباينة التي صدرت من قبل علماء الدين في النجف بشأن تعليم المرأة فانّ موقف الشيخ كان موقفاً واضحاً وصريحاً في هذا الخصوص :
أَفيقوا يا بني وطني عجالا |
فما يجدي الرقادُ النائمينا |
|||
وهبّوا فيه للاصلاح كيما |
نراكم للتمدن ناهضينا |
|||
أليس ثقافة الجنسين فرضاً |
تقوم به الرجال المصلحونا |
|||
وفي نور المعارف خير هادٍ |
طريق يقتفيه السالكونا |
|||
جمال الشعب يوماً أن نراه |
يسير الى الثقافة مستبينا |
|||
وان ثقافة الأحلام نورٌ |
به يُهدى الشبابُ الواثبونا(٢) |
|||
وقد تركزت دعوة الشيخ الى تعليم المرأة على أساس العقيدة الاسلامية الأكيدة والتعاليم الدينية الصريحة. ففي الوقت الذي حث الشيخ الناس على
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٧٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٢٩.
ارسال فتياتهم الى دور التعليم ، دعا الى الفصل بين الجنسين في المدارس احترازاً من الفساد والانحطاط الخلقي الذي قد ينتجه الاختلاط :
يا قادة التعليم أخلاقُ الفتى |
مرآة ما في النفس من أسرار |
|||
صونوا المناهج بالعقائد تجتنوا |
من غرس هذا الحقل خير ثمار |
|||
هذا الشذوذ على العقيدة قد طغى |
فمضى بها في لُجة التيار |
|||
هذي الخلاعةُ حفرةٌ وئدت بها |
روحُ الكرامة في يد الاقبار |
|||
والبنت ام والفتى بعد أبٌ |
وهما الصعيد لهذه الانوار |
|||
وثقافة الجنسين فرض يلتقي |
بثقافة الاسلام في مضمار |
|||
والجمع بينهما بصف واحدٍ |
في المنشأت مضنة لشنار |
|||
انا لنأمل من مربي نشئنا |
وهم البناة لهذه الأفكار |
|||
أن يغرسوا حب الفضيلة والحيا |
بيد العقيدة في ثرى الأزهار |
|||
ليرف فوق سماء جيل مسلم |
للدين والاخلاق خيرُ شعار |
|||
فتصان عصمة ( يوسف ) في دينه |
وتصان عفةُ ( مريم ) بأزار(١) |
|||
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٧٧ ، ٧٨.
لم تكن الخدمات الصحية في عهد الاحتلال بأحسن حالاً من التعليم. فقد كانت هي الاخرى تتخبط في جهالة عمياء وتنوء تحت التخلف والانعدام. وقد شهد العراق في تلك الفترة شيوع الأوبئة والأمراض الخطيرة بسبب انعدام الخدمات الصحية المناسبة وعدم توفر الأطباء المعالجين وقلة الأدوية المكافحة للأمراض.
وموضوع الصحة من المواضيع الرئيسية التي تناولها الشاعر في شعره الاجتماعي لارتباطها الوثيق بسلامة المجتمع وسلامة أفراده. فكان يتأثر تأثراً شديداً لتدهور الوضع الصحي العام ، ويتفجر أسىً وألماً حين يرى أبناء وطنه يفقدون حياتهم نتيجة الجهل وانعدام العلاج الصحيح :
فيا عصر التقدم قد رجعنا |
فأصبحانا نسير الى الوراء |
|
أنخبط في ظلام الجهل خبطاً |
ونحن بظل عصر الكهرباء |
|
فأين الاكتشافُ وقد علمنا |
به أسرار ذرّاتِ الهباء(١) |
|
أيقصر عن مكافحة لداءٍ |
يسير بنا الى دنيا الفناء |
|
فقد ذهبت ملايين الضحايا |
قرابيناً لديه بلا فداء |
|
وكم شقيت نفوسٌ بائساتٌ |
به نُكبت فباتت في شقاء |
|
فمن طفل وديع كان ينمو |
بأحضان الطفولة بازدهاء |
|
ذوى فتساقطت منه ذبولاً |
رؤىً نثرت كمنثور الغُثاء(٢) |
|
وأم فيه قد فجعت فأضحت |
تودّعُه حنوّاً بالبكاء |
__________________
١ - الهباء : دقائق الغبار. ( لسان العرب ، ج ١٥ ، ص ٢٣ ).
٢ - الغُثاء : البالي من ورق الشجر. ( لسان العرب ، ج ١٠ ، ص ٢٠ ).
وكم من نابهٍ كانت تُرينا |
شمائله نبوغَ الأذكياء |
|
وموهوب على عينيه يبدو |
ذكاء العبقري لكل رائي |
|
فمن للبائسين وقد تلاشت |
نفوس البائسين من البلاء |
|
فسعياً يا ذوي الاصلاح سعياً |
لانقاذ الحياة من الفناء |
|
واشفاقاً على الجنسين منّا |
فقد عاثت بنا كفّ العَفاء(١) |
|
وأين مضت يد الاسعاف عنّا |
فقد غلب القنوط على الرجاء(٢) |
ومن أجل سلامة الناس واستتباب الخدمات الصحيه في البلاد طالب الشاعر في مواضع كثيرة من شعره برفع مستوى الطب والعلاج في البلاد من خلال تأسيس معاهد طبية حديثة ، وبناء مستشفيات صالحة للعلاج تضمن حياة المريض وسلامته :
يا اسرة الطب الكريمة قدّسي |
فن الطبابة تُرفعي اكراما |
|
ان الطبيب من القداسة راهب |
متبتل يستعظم الآثاما |
الى أن يقول :
إنّا نروم معاهداً طبيّةً |
يمسي لها العلم الحديث قواما |
|
تثرى بأجهزة تشق حقائقاً |
فتزيل هذا الفقر والأوهاما |
|
ونريد تثقيف الأُساة معارفاً |
وتجارباً لتنور الأفهاما(٣) |
|
لم تُبن هذي المنشئات قواعداً |
حربية حتى تُشاد ضخاما |
|
لكنها بُنيت لأهداف متى |
قد حُققت أضحت بها أعلاما(٤) |
__________________
١ - العَفاء : الهلاك. ( لسان العرب ، ج ٩ ، ص ٢٩٨ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٨٥ ، ١٨٦.
٣ - الأساة : جمع آسي ، الطبيب. ( لسان العرب ، ج ١ ، ص ١٤٧ ).
٤ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٦٩ ، ١٧٠.
عانى العراق في ظل الحكم الملكي مشكلة الأقطاع الزراعي التى تأصلت في هذا البلد منذ غابر الأزمان. وقد تجرع الفلاح من غصص الأقطاع ما تجرع. فالأرض التى يدأب في حرثها وزرعها وريّها وحصادها يسلب نتاجها عنوة من قبل الجباة ، فلا يصله منها إلاّ النزر القليل.
وقد أشار الشيخ الفرطوسي الى نظام الاقطاع الجائر في قصائد عديدة ، منها قصيدة « ابن القرية » التي خاطب فيها الفلاح قائلاً :
وافى الحصاد إليك فاعقد مأتماً |
للحزن واندب قلبك المفجوعا |
|
قد كان عندك قبل يوم حصادها |
أملٌ ترجيه بها فاضيعا |
|
وأتتك تزدحم الجباة ولا أرى |
لك ما يسد عتّوها المدفوعا |
|
الزرع والبقرات قوتك بعتها |
إثر الشياه ولم تف المجموعا |
|
وأراك اجلدَ من صفاة بينهم |
وأرى سواك على الرخاء جزوعا(١) |
|
ماذا بكوخك من حطام يرتجى |
من أجله تتجّشمُ التقريعا |
|
فاخرج من الكوخ الحقير الى العرا |
واخلع لديهم ثوبك المرقوعا |
|
فعسى يفي بقيا الضريبة منهما |
ثمن يصون جبينك المصفوعا |
|
أشبالك الغرثى بطوناً روّعوا |
قلب العفرنى بالبكاء فريعا |
|
ضجوا وقد فزعوا إليك من الطوى |
هل في عيابك ما يسد الجوعا |
|
أتراهُمُ يتهافتون على النوى |
شبه الفراش إذا أحس سطوعا |
|
واذا هوت كسر الرغيف تدافعوا |
وتسابقوا طرباً لها وولوعا |
|
سودُ الجسوم عراتها فكأنما |
نسجت لهم كف الهجير دروعا(٢) |
__________________
١ - الصَّفاة : صخرة ملساء. ( لسان العرب ، ج ٧ ، ص ٣٧١ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١٥٥ ، ١٥٦.
وقد صور الشاعر في كثير من قصائده حال الفلاح وهو يرزح تحت وطأة الاقطاعيين دون رحمة ، في محاولة منه لاصلاح النظام الزراعي ، وتحسين وضع الفلاح الذي طالما عانى من الاقطاع ونظامه التعسفي. ومن هذه القصائد قصيدة « بنت الريف » التي نظمها عام ١٩٤٥ م حيث صور فيها جانباً من معاناة الفلاح في الريف وهي صور منبثقة من واقع الحياة آنذاك :
وهناك شمرَّ كادح عن ساعد |
كحسامه ماضي الغرار رهيف |
|
يضرى على التعب الممض كأنه |
ليثٌ أُهيج وحقله كغريف(١) |
|
ويخف بالعبء الثقيل سنامه |
متجلداً والعبءُ غيرُ خفيف |
|
ويصارع الآلامَ منه بمهجة |
فتكت بها الآلام ذات قروف(٢) |
|
يروي الحقول بمقلة تُسقى بها |
عن مدمع شبه العهاد وكوف(٣) |
|
وبأختها يرعى فراخاً جوعا |
جرداً كأنهم غصون خريف |
|
يتضورون ويكتفون قناعةً |
ان اطعموا في كسرة ورغيف |
|
ويعللون نفوسهم في بارق |
من خلب شبه السراب خطوف |
|
أن سوف نشبع حين ينضج زرعنا |
وسنكتسي بنسيج هذا الصوف(٤) |
__________________
١ - الغريف : الأجمة. ( لسان العرب ، ج ١٠ ، ص ٥٤ ).
٢ - القروف : القشور. ( لسان العرب ، ج ١١ ، ص ١٢٧ ).
٣ - العِهاد : المطر. ( لسان العرب ، ج ٩ ، ص ٤٥ ). وكوف : سائل. ( لسان العرب ، ج ١٥ ، ص ٣٨٥ ).
٤ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٣٠٦.
يشكل شعر الولاء لأهل البيتعليهمالسلام محوراً هاماً في الابداع الأدبي للشيخ الفرطوسي. فقد عرف الشيخ بشاعر أهل البيت لكثرة ما نظم في مناقبهم وسجاياهم الكريمة. ومردّ هذا الحب والولاء انمّا يعود الى عمق تمسك الشاعر بالدين الاسلامي القويم ، وتفانيه في محبة أهل البيتعليهمالسلام باعتبار ذلك معلماً من معالم التقرب الى الله تعالى ، ومنجاةً في يوم الحشر العظيم.
لقد كان الشيخ الفرطوسي « الإنسان الذي عاش الإسلام ، فاكتشف عظمة أهل البيت من خلال الإسلام ورأى من خلال خطهم الفكري والروحي والعملي غنى الفكر الاسلامي وروحيته ومشاريع الإسلام للإنسان والحياة فالتزم بهم خط ولاءٍ ومحبة لا يقترب من الغلو ، بل يتوازن في القاعدة الإسلامية المثلى ، لما هو الحب للأشخاص على أساس أفكارهم وأعمالهم ، لا على أساس أشخاصهم ، والتزم بنهجهم لأنه رأى فيه النهج الذي يستمد كل ملامح الفكر والشريعة والأسلوب من كتاب الله وسنة نبيّة من أقرب طريق »(١)
ولشدة ولائه وفرط تعلقه بآل البيتعليهمالسلام دأب الشاعر في أن يفتتح ديوانه بقصائد في مدح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام . وقد اتخذ من قصيدة « الباب الذهبي » التي مدح فيها الأمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام مطلعاً لديوانه ، حيث قال في أبياتها الأولى :
نشيدي وأنت له مطلعٌ |
من الشمس يعنو له مطلعُ |
|
وقدرك أرفعُ إنّ الثناءَ |
وإن جلَّ قدراً به يرفع |
__________________
١ - محمد حسين فضل الله ، من كلمة له في تقديم الجزء الثامن من ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ص ٤.
ومجدك جاوز أفقَ الخلود |
سمواً ونفسك لا تقنع |
|
فقصّر عنه رفيفُ الطموح |
وكادت قوادمه تنزع |
|
وأرجع باليأس روّاده |
وفي مثل مجدك من يطمع |
|
وأنّى يطاول نجم علي |
ختامُ الخلود به يشرع |
|
ومجدُ الامامةِ وترٌ يضم |
لمجد النبوة إذ يشفع(١) |
وأبيات الأهداء التي قدّم بها الشاعر ديوانه الى الامام أمير المؤمنين عليعليهالسلام تفصح هي الاخرى عن مدى اهتمام الشيخ الفرطوسي بشعر الولاء لأهل البيتعليهمالسلام :
أمير اللّغى منك بَدءُ البيان |
وفي غير نهجك لم يختم |
|
ومهد العدالة حيث الحقوق |
بغير قضائكَ لم تحتم |
|
إلَه العواطف انّ الشعور |
تفجّر بركانه من فمي |
|
وبقيا فؤادي وبقيا الفؤاد |
جروح تُشقّ من البلسم |
|
شفعت بها أدمعي والزفير |
وما رفّ منها على مبسمي |
|
فكانت نشيد الهنا والأسى |
يوقّع في العُرس والمأتم |
|
وها أنا أرفع ألواحها |
إليك ملّونة من دمي(٢) |
ولم يترك الشيخ الفرطوسي مناسبة لتكريم أهل البيتعليهمالسلام إلاّ وشارك فيها مشاركة فعالة رغبة منه في إحياء ذكرهمعليهمالسلام والاشادة بفضلهم وعلمهم ، والإبانة عن مواقفهم الرسالية الخالدة.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٣٣ ، ٣٤.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٤.
وما يزال النجفيون يحفظون روائع الشيخ الولائية ، ويرددونها في مختلف المناسبات الدينية. ومن أشهر تلك الروائع قصيدة « مولد الأنوار » التي نظمها الفرطوسي عام ١٩٦٣ م ، في ذكرى مولد الامام الحسينعليهالسلام حيث قال في مطلعها :
قرآن فضلك فيه يفتتح الفمُ |
حمداً وبالاخلاص ذكرك يختم |
|
وبأفق مهدك من جهادك أشرقت |
للفتح آياتٌ بوجهك تُرسم |
|
أنت الحسينُ ودون مجدك في العلا |
مجد المسيح ودونَ امك مريم |
|
فلقد ولدت مطهراً في بردةٍ |
من طهر فاطمة تحاك وتُلحم |
|
ولقد قُتلت بمصرع يسمو به |
مجد الممات على الحياة ويعظم |
|
والحق من عينيك ينبع نوره |
والصدق في شفتيك جمرٌ مضرم |
|
وضحى جبينك وهو فرقان الهدى |
بدم الشهادةِ والسعادة يُوسَم |
الى أن يقول :
يا مولد الأنوار مهدك للهدى |
أفقٌ تموج بصفحتيه الأنجم |
|
مثلت شخصك صورة قدسية |
في القلب يطبعها الولاء فترسم |
|
وجلوت طلعتها وأنت خواطر |
في مهدها برؤى الامامة تحلم |
|
فتحرقت شفتاي وقداً من دم |
حر على شفتيك قبله الفم |
|
ولمحت في شفق الجبين غمامة |
منها على عينيك ظل معتم |
|
ولمست من روح البطولة والابى |
شمما يثور وعزة تتقحم |
|
وقرأت للفتح المبارك سورة |
بالسهم في صفحات قلبك ترقم |
|
فخضبت ناصيتي بمذبح جثة |
في نحرها الدامي يحزُّ المخذم |
وعلمت انك هديُ آل محمد |
وعريش مهدك يوم خلقك مأتم(١) |
ومن رائع شعر الفرطوسي في أهل البيتعليهمالسلام قصيدة « مولد الزكي » التي نظمها في مولد الامام الحسن المجتبىعليهالسلام وهي من أجمل قصائده الولائية وأروعها ديباجةً وبياناً. يقول في مطلعها :
سموت بفكري فالتقطت الدراريا |
ونسقتها في سلك شعري قوافيا |
|
وقطعت أوتار الفؤاد نوابضاً |
ولطفتها حتى استحالت أغانيا |
|
وأسرجت من روحي ذبال عواطف |
أطلّت على الدنيا شموعاً زواهيا |
|
هنالك بعثرت الدراري فتارةً |
أرصع ثغر الدهر فيها أمانيا |
|
وطوراً أزف العاطفات عرائساً |
وأجعلها باسم الولاء نثاريا |
|
ورحت لهاتيك الأغاريد من فمي |
وقد عطّرته من شذاها غواليا |
|
أوقعها لحناً من القلب خالصاً |
واسكبها خمراً من الحب صافيا |
|
وأنثرها في مولد السبط بهجةً |
لآلي أفراحٍ تنير اللياليا |
|
أزف بها للمرتضى خالص الولا |
وأحمل للزهراء فيها التهانيا |
ثم يحلّق الشاعر في عالم خياله وسماء فكره ليواصل تسجيل عواطفه الجياشية ، وتخليد أحاسيسه الفياضة في هذه المناسبة العطرة :
تفتحت الأكمام عن كل مبسم |
يعطّر بالأنفاس حتى الأقاحيا |
|
وأشرقت الأضواء من كل بسمة |
تلاطف بالبشرى الضحى المتهاديا |
|
ورفرفت الآمالُ فوق خمائل |
من النفس أضحت للأماني مراعيا |
|
وأسفرت الأستار عن كل جلوة |
لبكر من الأشعار تسبي الغوانيا |
|
وساد الهنا حتى اكتسى افق السما |
ووجه الثرى برداً من اللطف ضافيا |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٥ - ١٧.
وأزهرت الدنيا بنور مبارك |
أطلّ عليها بالبشائر زاهيا |
|
تلألأ في بيت النبوة مشرقاً |
من الحسن الزاكي ينير الدياجيا |
|
إمام الهدى من ذروة العرش نوره |
تنزّل كالقرآن بالحق هاديا(١) |
ولم يكتف الشيخ الفرطوسي بالمدح وذكر المناقب فقط ، بل كان يتحدى الجاحدين لفضل أهل البيتعليهمالسلام وينبري للرد عليهم بجلائل الأدلة والبراهين. من ذلك قصيدته « علي والأمامة » التي نظمها عام ١٩٣٧ م ، وفيها رد على المعاندين الذين أنكروا إمامة الامام عليعليهالسلام :
قل للمعاند قد ضللت جهالة |
سفهاً لعقلك من عنود جاهل |
|
أعماك غيك أنترى نور الهدى |
فتسير في نهج البصير العاقل |
|
أمن العدالة أن يؤخر سابطقٌ |
ويقدمَ المفضولُ دون الفاضل |
|
هذي فضائلُه وذي آثاره |
سطعت بآفاق الهدى كمشاعل |
|
فتصفح التأريخ فهي بوجه |
غرر صباح نُظّمت كسلاسل |
|
ينبئك من واسى النبي محمّداً |
بمواقف مشهودة وغوائل |
|
وفداه عند مبيته بفراشه |
في نفسه فوقاه شرّ الباطل |
|
ومن الذي أردى الوليد وشيبة |
في يوم بدر بالحمام العاجل |
|
وبيوم احد من طغت عزماته |
فرست جبالاً في الزحام الهائل |
|
من فرق الأحزاب حين تجمعت |
فرقاً وما في القوم غير الناكل |
|
ورمى على وجه الثرى أصنامها |
لما رقى من فوق أشرف كاهل |
|
وبكفه حصن اليهود قد اغتدى |
متلاطماً كالموج فوق الساحل |
|
ومن الذي ردت له شمس الضحى |
لما اشار لها ارجعي في ( بابل ) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٤٩ ، ٥٠.
وفضائل ليست تعد و( هل أتى ) |
و( النجم ) و( النبأ العظيم ) دلائلي |
|
عميت عيون لاترى شمس الضحى |
عند استقامة كل ظل مائل(١) |
وقد اشتهر الشيخ الفرطوسي - بالاضافة الى مديحه الولائي - برثاء أهل البيتعليهمالسلام وخاصة رثاء الامام الحسينعليهالسلام ومن استشهد معه في وقعة الطف بكربلاء. ولشعر الفرطوسي في هذا الحدث الأليم وقع مميز وجاذبية خاصة أقبل عليه خطباء المنابر الحسينية يرددونه في مجالسهم لما فيه من تأثير شديد ووقع عظيم في قلوب الناس والمستمعين :
أفدي حسيناً حين خفّ مودعاً |
قبراً به ثقلُ النبوة أودعا |
|
وافى الى توديعه وفؤادُه |
بمدى الفراق يكاد أن يتقطعا |
|
وغدا يبث له زفير شجونه |
بشكاته والطرف يذري الأدمعا |
|
يا جدّ حسبي ما أكابد من عناً |
في هذه الدنيا يُقضّ المضجعا |
|
فأجابه صبراً بنيَّ على الأذى |
حتى تنالَ بذا المقام الأرفعا |
|
ولقد حباك الله أمراً لم يكن |
بسوى الشهادة ظهره لك طيعا |
|
وكأنني بك يا بنيَّ بكربلا |
تمسي ذبيحاً بالسيوف مبضعا |
|
ولقد رآه بمشهد من زينب |
هو والوصي وأمهُ الزهرا معا |
|
ملقىً برمضاء الهجير على الثرى |
تطأ السنابك صدره والأضلعا |
|
في مصرع سفكت عليه دماؤه |
أفدي بنفسي منه ذاك المصرعا(٢) |
وهكذا يسير الشاعر في اشعاره الولائية بروح مفعمة بحب أهل البيتعليهمالسلام مشيراً بفضائلهم الكريمة ، وتضحياتهم الجسيمة من أجل اعلاء الاسلام والدفاع عنه والذود عن قيمه العالية وتعاليمه العظيمة.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١١٨ ، ١١٩.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٩٣.
الفَصْلُ الثَّالِثُ
الأَغراض الشعرية
عند الفرطوسي
لم يعد المديح في عصر الشيخ الفرطوسي أداة فخر وتفاضل ، أو وسيلة كسب ومنالة كما كان سائداً في العصورة السابقة. فقد طرأت عليه تغييرات حديثة - كما هو الحال في سائر أغراض الشعر - أخرجته من ماضيه المقيد والمحدود الى حاضره الفاعل والمتجدد.
فشعر المديح الذي كان يعج سابقاً بالصفات الشخصية الزائفة والألفاظ المتملقة الكاذبة أصبح اليوم متحلياً بصدق الشعور والعاطفة ، قريباً الى سمع المتلقي ، بعيداً عن الغلو والمبالغة ، حافلاً بمواهب الممدوح الكريمة ذات الصلة بماضي الأمة المجيد ، وتاريخها المشرق والعريق.
ومن هنا أصبح للمديح قيماً موضوعية جديدة ، اضافة الى قيمه الفنية الموروثة ، من خلال تناوله شؤوناً انسانية رفيعة ، وموضوعات اجتماعية هامة تتصل بواقع الانسان وبتراثه الحضاري الأصيل.
وقد دأب الشيخ الفرطوسي في ادخال العناصر الحضارية في شعر المديح رغبة منه في توظيف هذا اللون من الشعر لصالح الوضع العام والواقع المعاش. فهو يدخل في مديحه مواضيع اساسية ترتبط بواقع الأمة الحالي ليجعل منه ضرباً من الشعر الملتزم الذي يتوخى منه هدفاً واضحاً ومعيناً.
فها هو يشيد بالمشاعر القومية والأحاسيس الوطنية لدى ترحيبه بالدكتور
زكي مبارك الذي زار النجف عام ١٩٣٧ م ، في الوقت الذي أمست الأمة بحاجة ماسة الى رص الصفوف ولمّ الشمل تجاه غزو المعتدين وأطماع المستعمرين والمحتلين :
يا نجل مصر ومن في كل مفخرة |
اليه تنسب كأس السبق والغلب |
|||
هذا العراق الى مصر تحيتُه |
تُزفُ محفوفةً بالشوق والعتب |
|||
فقل لمصر بما يطوي العراق ثقي |
من صبوة بسوى الاخلاص لم تثب |
|||
ما فرقت بيننا للأجنبي يد |
لو كان قد جمعتنا وحدةُ العرب |
|||
إني ليحزنني والحر يحزنه |
أنّ العروبة ما لاقت سوى النصب |
|||
كل البلاد بها ساد الوئام سوى |
جزيرة العرب لم تهدأ بلا شغب |
|||
أخذت عليها سياساتٌ منوعةٌ |
قد جرعتها كؤوس الضيم والعطب |
|||
وعاقها عن مناها أنها مُنعت |
أن تقتفي أيّ مجرى سائغ عذب |
|||
يا أمة العرب هبي للوفاق معي |
واستقبلي زمر الآمال والأرب |
|||
لتصلحي كلَّ امرٍ منك منشعب |
بالاتفاق بلا جهد ولا تعب |
|||
قولي معي بفم الإخلاص هاتفة |
بوحدة الصف تحيا أمة العرب(١) |
|||
وكثيراً ما تتجلى الصور الحضارية والرسوم التراثية في مدائح الفرطوسي ، وخاصة المدائح العامة التي لا تقتصر على شخص معين. فنلاحظ ذلك مثلاً في قصيدة الشاعر التي نظمها تكريماً للوفد العلمي المصري الذي زار النجف في ٢١/٢/١٩٤٣ م ، حيث قال في مطلعها :
أقصر يراعيَ لست بالخل الوفي |
ان لم تعبر عن هواي بما يفي |
|
وجفوت حدك ان نبوت فلم تُجد |
تكريم من وافى وانت به حفي |
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٨٦.
هذا ربيع الفضل قد أهدى الى |
واديك من نفحاته ما يصطفي |
|
فانشق عبير الفضل منها واقتطف |
منه ثمار العلم حتى تكتفي |
|
وانشر لواءَ الفضل خفاقاً على هذي |
النفوس وبالحياة لها اهتفِ |
الى أن يقول مخاطباً الوفد :
يا سادة غمروا النفوس بروعة |
أضحت بها زمر العواطف تحتفي |
|
طوفوا على (وادي الحمى) وتصفحوا |
ما فيه من أثر يروق المقتفي |
|
فبهذه الربوات أو أخواتها |
قام ( الخورنق ) كاليفاع المشرف |
|
وهنا ( المناذرة ) المخلد ذكرهم |
بمآثر بسوى العلى لم توصف |
|
عقدوا بنود النصر فوق أجادل |
لسوى الفخار عيونها لم تطرف |
|
فغدت بهم دنيا المفاخر والعلى |
تختال بين محلق ومرفرف |
|
هذي بقايا مجدكم فتزودوا |
منها ومن وادي الغري الاشرف |
|
ومتى نفوسكم به قد آنست |
قبساً يضيء شعاعه للمسدف |
|
فقعوا هنالك خاشعين فقبلكم |
موسى الكليم هوى لهول الموقف |
|
فهنا الامام المرتضى فتزودوا |
منه ومن عرفانه المستطرف(١) |
ومن قصائد الشاعر التي سلك فيها المسلك ذاته قصيدة « وفد المعارف » التي ألقاها في جمعية الرابطة الأدبية في النجف إحتفاءً بوفد المعارف المؤلف من الأستاذ جوهر ورفقائه من الاساتذة المصريين وذلك عام ١٩٤٣ م :
حييت يا خير وفد آهل شرفا |
لولاه نادي المعالي غير مأهول |
|
وعشتم يا حماة الضاد من مضر |
ممنّعين بعز غير مفلول |
|
فأنتم المثل السامي لنهضتنا |
بما لكم من مقام غير مجهول |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٧٦ - ١٧٨.
وكم لكم في نوادي الفضل من أثر |
مخلد الذكر من جيل الى جيل |
|
أجللت فيكم مزاياً عزّ مفردها |
عن المثيل ولم تخضع لتمثيل |
|
من كل عاطرة غرّاء قد عُقدت |
على جبين المعالي خير اكليل |
|
طابت بنفحتها الافاق مذ عبقت |
منها شمائل هاتيك البهاليل(١) |
وفي مجال المديح خاض الشاعر ضرباً مميزاً منه وهو مديح علماء الدين لارتباطه بالعاطفة الدينية والأخلاق الاسلامية. وقد استأثر هذا اللون من الشعر باهتمام الشاعر فنظم قصائد عديدة مدح فيها علماء الدين العاملين الذين دأبوا في العمل الأسلامي ووقفوا مواقف مشرفة في الذود عن مهد الدين وكرامة المسلمين.
ومن العلماء المجاهدين الذين خصهم الشاعر بمدحه الحجة الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء. فقط نظم قصيدة في مدحه عند مجيئه من المؤتمر الاسلامي في الباكستان عام ١٩٥١ م ، قال في مطلعها :
للفتح آيات بوجهك تُعرف |
هل أن طلعتك السعيدة مصحف |
|
شعت على قسمات وجهك مثلما |
شعت بقلبي من ولائك أحرف |
|
هي أحرف ذهبية خُطت على |
قلبي وريشتها فم متلهف |
|
أبصرت قلبي ظلمة من يأسه |
ورأيتها فجر المنى اذ يكشف |
|
أجللتها من أن تمسَ قداسةً |
واسم ( الحسين ) مقدس ومشرف |
|
فغرستها في تربة ازكى ثرىً |
في الطهر من قلب الوليد وانظف |
الى أن يقول :
أأبا الفضائل والفضائل بعضها |
للبعض اُلاّف وأنت المألف |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٨٠ ، ١٨١.
لك كل يوم نهضة جبارة |
منها ميادين المفاخر ترجف |
|
ومواقف غراء في أجوائها |
للآن أصداء الثنا بك تعصف |
|
ما غاب منها موقف إلاّ بدا |
لك موقف هو للجهاد مشرف |
|
كسلاسل ذهبية موصولة |
بسلاسل أحداثها لا توصف |
|
المسجد الأقصى يردد ذكرها |
والجامع الاموي فيها يهتف(١) |
ويتابع الشاعر سرد أوصاف ممدوحه مبيناً خصائصه المميزة التي حقق من خلالها أهدافه السامية ومطالبه العالية والرفيعة :
إنّ الفصاحة دولةٌ جبارةٌ |
تهوي العروش ومجدها لا ينسف |
|
أنت المليك المستقل بعرشها |
والنصر اكليل عليك مرفرف |
|
ونوافذ الكلم البليغ اجلّها |
من أن يقال لها سهام تُرهف |
|
تخطي السهام كما تصيب وانها |
أبداً تسدد كل ما تستهدف |
|
ولسانك الجبار لولا انني |
ظلما أجور عليه قلت المرهف |
|
واذا استطلت على يراعك اعفني |
قصد اللسان فقلت فيه مثقف |
|
وعصاك ايتك الكريمة في يد |
بيضاء وهي لكل سحر تلقف |
ويختم الشاعر قصيدته بقوله :
إنّا لنبغي للجهاد قيادة |
يرتاعُ منها المستبد ويرجف |
|
ونريد افئدةً على أضلاعها |
تطغى عزائمُها وحيناً تعصف |
|
وأناملاً يهوي على تقبيلها |
في حين تلطمه فم متكلف |
|
ونروم اصلاحاً لانظمة بها |
لعب الغريم وعاث فيها المجحف |
|
ونريد أفكارا مثقفة بها |
نسمو ومن عرفانها نتثقف |
__________________
١ - اشارة الى موقف الشيخ في الجامع الاموي والمسجد الاقصى عند ذهابه للشام وفلسطين.
وعقائداً دينية ميمونة |
في النشء يغرسها أب متعطف |
|
إنا لننشد مصلحين نفوسهم |
عن حمل ما قد حُمّلوا لاتضعف(١) |
وعلى هذا النحو يسير الشاعر في مدائحه لعلماء الدين المجاهدين الذين تحمّلوا اشد أنواع الظلم والاضطهاد من أجل اعلاء كلمة الله في الأرض ، وصيانة الدين الاسلامي من كيد المنحرفين والمبغضين.
أكثر الشيخ الفرطوسي من تناول شعر الرثاء بسبب الظروف العصيبة التي مرّ بها ، والمصائب والنوائب التي حلّت عليه طيلة حياته. وفي ديوانه حقل خاص بأشعار الرثاء دعاه « دموع » ، قال عنه : « يضم هذا الحقل الحزين باقة من العواطف نظمت سلسلة نشائدها من نثارة الدموع وجمرات الضلوع. غرستُ على ألواحها شقائق من قطعات قلبي وسقيتها من جداول دموعي ولاطفت أزهارها بلفحات من زفرات صدري ، وطارحتها من قيثار فمي بأهازيج من الحنين والأنين تستعرض مسرحها الكئيب فلاترى الاّ عيناً باكية ومهجة دامية وعاطفة ذاكية فهي صورة صادقة من خواطري ولوحة منحوتة من قلبي ، طبعت على صفحاتها آلامي وعواطفي ونشرت صحائف مطوية من ذكر يأتي(٢) ».
ومن أبرز مرثيات الشيخ قصائده في الرثاء الخاص التي عبّر فيها عن معاناة شخصية مؤلمة تفاقمت إثر فقده لأعز افراد اسرته ، من ابنيه « علي وعبدالرزاق » ، وأخويه « جبار وعبدالزهراء » وعمه « الشيخ علي الفرطوسي ».
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ١٥٣ - ١٥٩.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٣٥.
وأول قصيدة تطالعنا في حقل المراثي قصيدة « قلب مظلم » التي نظمها الشاعر عام ١٣٦٩ ه في رثاء ولده « علي » الذي مات إثر صدمة قاسية أصابت قلبه من بعض أترابه حين كان يمرح في ملعب الطفولة. يقول الشاعر في مطلع القصيدة :
شفتاك في علٍّ وفي نهل |
أشهى الى نفسي من العسل |
|
ياقوتتان على فم عذب |
يفتر عن سمطين من خضل |
|
قد ذابتا صهراً على كبدي |
وانبتَّ عقدهما من الغلل |
|
جرحان قد حفّا بزنبقة |
بيضاء كالمراة في الصقل |
|
فتحا لرشف النور فانطبقا |
وعليهما طبق من الظلل |
|
قيثارتان وقد تحطمتا |
فتحطمت دنياً من الزجل |
|
قارورة السلوى هما لفمي |
وألذُّ منها عنده قُبلي |
|
ولطالما عاقرت مرشفها |
فتفجرت من شهدة الأمل |
|
سُكبت وما روّت سُلافتها |
شفتيّ من عذب من النهل |
وينتقل الشاعر الى تصوير عمق الفاجعة التي الّمت به بعد أن أسهب في الحديث عن أوصاف ولده الذي طالما آنسه في وحشته ، وأذهب عنه عناء الحياة وتعبها بابتساماته الجميلة وضحكاته الطفولية البريئة :
يا زفرة في النفس عاصفةً |
بزوابع الآلام في زجل |
|
يا صدمة للقلب قد هدمت |
أركانه من حادث جلل |
|
أنزلتِ صاعقة على كبدي |
ونفذت سهماً قط لم يمل |
|
قد كنت أحسب انه جلد |
صلد على الأحداث كالجبل... |
|
وارحمتاه لبائس نكدٍ |
لأب شريد اللّب منخذل |
فكأنه من سقمه قفص |
متحطم الأضلاع من خلل |
|
عينان مظلمتان فوقهما |
جفنان منطبقان كالظلل |
|
شفتان جامدتان فوق فم |
متلثم بالصمت مشتمل |
|
عقلٌ بلا رشد يسير به |
فقد الصواب فعاد بالزلل |
|
فكرٌ بلا وعي يحس به |
فقد السداد فآب بالخطل |
|
جسدٌ بلا قلب ينوء به |
كمحمّل ينزو على وحل |
|
يا منزل السلوى برحمته |
أنزل به السلوى على عجل(١) |
وسوى هذه القصيدة قصائد اخرى في الرثاء الخاص ، منها قصيدة « يا شقيقي » التي نظمها الشاعر عند مصرع أخيه « جبار » الذي توفي وهو شاب إثر عملية جراحية فاشلة. وقد جاء في جانب من هذه القصيدة :
شقيق نفسي وكم في النفس من حُرق |
موقودة عاد منها القلب مضطرما |
|
لو كان يجدي الفدا أو يرتضى بدلاً |
عنك الردى حينما في شخصك اصطدما |
|
لكنت افديك في نفسي وما ملكت |
كفي واحسب اني عدت مغتنما |
|
أبكي شبابك غضا مورقا قصفت |
كف الردى عوده الزاهي وما رُحما |
|
أرثيك في مدمع قان قد امتزجت |
سوداء قلبي به فانهل منسجما |
|
أفديك من مدنف والحزن يقلقه |
مروع القلب في أحشائه كلما |
|
واهي القوى عاد مرهوناً بعلته |
قد ضمدوا جرحه الدامي وما التئما |
|
مضنى معنىً من الآلام قد نسجت |
له الحوادث ثوباً شاحباً سقما |
|
على سرير المنايا السود مضطجع |
وهناً يصارع جباراً به اصطدما |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٣٧ - ٢٤٢.
حيران في سكرة للموت مرهبة |
وغمرة تستزل العزم والهمما(١) |
والى جانب الرثاء الخاص تناول الشيخ الفرطوسي رثاء علماء الدين وكبار المصلحين ممن حازوا رهان السبق في الاصلاح الاجتماعي والتوعية الدينية ، من أمثال الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء ، والشيخ محمد رضا الشبيبي ، وآخرين من اعلام الفكر والدين.
ومن روائع مرثيات الشيخ لعلماء الدين ، قصيدته التي ألقاها في الحفلة التأبينية التي اقيمت في مسجد براثا ببغداد بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة الشيخ محمد رضا الشبيبي عام ١٣٨٥ ه ، حيث قال في مطلعها :
طُويت وأنت المصلح المتحرر |
بك للبلاد رسالة ومحرر |
|
أفهكذا تئد الطلائع حفرةٌ |
منها فيُطوى للفتوح معسكر |
|
ويُلف في أفق الجهاد لواؤه |
والنصر يخفق حينما هو ينشر |
|
ويصاب قلب الشعب بين ضلوعه |
والوعي ينبض والعواطف تسعر |
|
ويحف من عين الرجاء معينها |
في حين قلب اليأس أو شك يثمر |
|
ويموت لحن المجد ساعة خلقه |
ألماً على شفة الخلود فيقبر |
|
وتحطم الكأس التي يروى بها |
ظمأ الحياة ونبعها يتفجر |
|
رزئت بفقدك في القيادة امة |
أنت اللسان لها وأنت المزبر |
|
وتلفعت باليتم من نهضاتها |
بكرٌ تدور بها وانت المحور |
والقصيدة طويلة احصى الشاعر من خلالها فضائل الشيخ الشبيبي ومآثره العظيمة التي انجزها طيلة عمله السياسي ونشاطه الوطني. وقد سلط الشاعر الضوء على جانب منها حين قال :
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٤٦ ، ٢٤٧.
عالجت أوضاع البلاد بخبرة |
وتجارب فيها يقاس المخبر |
|
وعرضت حلاّ للمشاكل نافعاً |
بمداه أبعاد السياسة تسبر |
|
أرشدت فيه الحاكمين لرشدهم |
نصحاً ومثلك بالنصيحة يجدر |
|
ونقدت بناءً بنقدك لافظمٌ |
يزري ولا قلم يشيد فيؤجر |
|
فعرضت مشكلة البلاد وحلها |
في حين لو بقيت تميت وتُفقر |
|
وأبنت أنّ من الضرائب ماغدا |
عبثاً تنوء به البلاد وتوقر |
|
وفساد اصلاح الزراعة آفةٌ |
منها يموت الاقتصاد ويقبر |
|
والبرلمان هو الضمان لامةٍ |
من سلطة فردية تتحرر |
|
حاولت تضميد الجروح ببلسم |
يوسى به قلب البلاد ويجبر |
|
وأردت تصحيحاً لأخطاء بها |
تزري وأنظمة بها تتقهقر |
|
وسياسة الاصلاح تجبر كلما |
بسياسة الارهاب أضحى يُكسر |
ثم يختم الشاعر قصيدته مشيداً بمواقف الشيخ الشبيبي البطولية التي قاوم بها قوى الاحتلال الغاشمة بكل حزم وصلابة :
لك في الجهاد مواقف جبارة |
بك تستطيل وكل مجد يقصر |
|
هدرت لتحرير البلاد شقاشق |
منها وأشداق البطولة تهدر |
|
والاحتلال وقد تزلزل بطشه |
بصواعق من بطشها تتفجر |
|
جبت القفار على متون عزائم |
هي كالبحار بها المخاطر تكثر |
|
لم يلو عزمك ما يريع وأنت في |
لجج المهالك والمفاوز تصحر...(١) |
ولم تقتصر مراثي الشيخ على علماء الدين فقط بل شملت ايضاً السياسيين والزعماء الوطنيين ممن دأبوا في تحقيق مصالح الشعب وتلبية مطالبه على قدر
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٣١٠ - ٣١٦.
استطاعتهم وفي مدار صلاحياتهم المحدودة.
ومن هؤلاء الزعيم الوطني سعد صالح(١) الذي عرف بمواقفه السياسية الجريئة ومطالباته الاستقلالية المتكررة في عهد الاحتلال البريطاني. وقد رثاه الشيخ الفرطوسي بقصيدة طويلة ، جاء في مطلعها :
أعرني جَنان الليث والمقول الحرا |
وخذ من رثائي جمرة تلهب الذكرى |
|
وماذا الذي يجدي الرثاء وان أكن |
نظمت الدراري في نشائده شعرا |
|
فلست كمن يُرثى فيفخر بالثنا |
وأنت الذي يسمو الثناء به فخرا |
|
ولكن مجد الرافدين «لسعده» |
تداعى فاذكى كل عاطفة جمرا(٢) |
من الأغراض الشعرية التي تناولها الشيخ الفرطوسي في شعره كثيراً الوصف. ولا يخفى ما للوصف من قيمة فنية في العمل الأدبي وخاصة في الشعر. فمن خلال الوصف يمكن تمثيل الحقيقة على هيئة صور ليلتقطها الحس بلا قطتيه الفاعلتين؛ السمع والبصر. ومن خلال الوصف يمكن تجسيد الواقع المستتر واللامرئي بحيث يسهل ادراكه عن طريق الحس الباطني ان لم يكن ميسراً عن طريق الحس الظاهري.
وقد حرص الشيخ على توظيف الوصف توظيفاً فاعلاً باعتباره أداة مؤثرة في نفس المتلقي ، تأخذه الى عالم من المناظر والمرئيات لا يدركها إلاّ من خلال
__________________
١ - سعد صالح ( ١٣١٤ - ١٣٦٨ ه ). سياسي محنك ، وزعيم مستقيم. شغل مناصب ادارية ووزارية وبرلمانية عدة. عرف بصرامة الرأي وجدية الموقف. ( شعراء الغري ، ج ٤ ، ص ١٢٤ ).
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ٢ ، ص ٣٢٣.
حس الشاعر المرهف الذي يستطيع بريشته الفنية أن يعبر عن غرضه الأسمى والأهم بواسطة الوصف والتصوير.
ومن هنا أصبح بإمكان المتلقي أن يرصد أهداف الشاعر وأغراضه الأساسية في نهاية قصائده الوصفية ، باعتبار انّ الوصف ليس غاية الشاعر المنشودة وانما وسيلة يصل بها الى المضامين الرفيعة التي توخاها الشاعر من قصيدته.
فنجد مثلاً قصيدة « بنت الريف » التي صور فيها الشاعر الطبيعة أجمل تصوير تبدأ بالتصاوير التقليدية والأوصاف المألوفة التي حرص الشعراء على تصويرها في أشعارهم الوصفية :
طف بالقرى واهبط بدنيا الريف |
واستجل سر جمالها المكشوف |
|
تجد الطبيعة عندها مجلوّةً |
حيث الطبيعة من بنات الريف |
|
والحسن سطرٌ والربوع صحائف |
خطت بها الألطاف خير حروف |
|
أنّى التفت وجدت في جنباتها |
مرأىً يروق لقلبك المشغوف |
|
في الروض وهو منسقٌ ومؤلف |
في أبدع التنسيق والتأليف |
|
في الشاطيء الزاهي وقد صفت على |
حافاته أزهاره كصفوف |
|
في النهر وهو يجيش في طغيانه |
متدفقاً يجري بغير وقوف |
|
في نغمة الشادي وقد مالت به |
نفحات أعطاف الغصون الهيف |
|
في كل شيءٍ منه أسفر ضاحكاً |
وجه الطبيعة من ربى وطفوف(١) |
ثم يواصل الشاعر وصف مظاهر الطبيعة في الريف ، مفصلاً جمالها الخلاّب وصفاءها الرائع لكي يصل في النهاية الى مقصوده الحقيقي من وصفه وهو تصوير
__________________
١ - الطفوف جمع طف : الشاطيء. ( لسان العرب ، ج ٨ ، ص ١٧٢ ).
حياة البؤس والشقاء التي كان يعانيها الفلاح آنذاك في ظل نظام الاقطاع الجائر :
وهناك شمَّر كادح عن ساعد |
كحسامه ماضي الغرار رهيف |
|
يروي الحقول بمقلة تُسقى بها |
عن مدمع شبه العهاد وكوف |
|
وبأختها يرعى فراخاً |
جوعاً جرداً كأنهم غصون خريف |
|
يتضورون ويكتفون قناعةً |
ان اطعموا في كسرة ورغيف |
إلى أن يقول :
حتى اذا وافى الحصاد وأقبلت |
معه الجباة السود شبه حتوف |
|
فاذا الزروع وغيرها ما سددت |
دين الغريم ولاوفت بطفيف |
|
واذا بهم يتضرعون لربهم |
عن كل قلب موجع ملهوف |
|
أفنعدم الستر البسيطَ لعورة |
منّا تصان به عن التكشيف |
|
أو برقعاً فيه العذارى تتقي |
نظر المريب اذا رنا لصليف |
|
وترى سوانا رافلاً متبختراً |
بمطارف براقة وشفوف |
|
أفهكذا الانصاف أصبح حاكماً |
ان يلهم الاجحاف كل ضعيف(١) |
والقصيدة مليئة بمثل هذه الصور الأليمة والمناظر المريعة والحزينة. وقد حرص الشاعر على تجسيدها في شعره رغبة منه في توظيف الوصف لصالح الأهداف والمطالب الاجتماعية.
ولم يكن هذا المسلك قاصراً على وصف الطبيعة فقط. فقد شمل أيضاً وصف الأماكن التي عاش فيها الشاعر أو مرّ بها من خلال أسفاره ورحلاته.
فها هو ينظم قصيدة في وصف « طاق كسرى » لا لمجرد الوصف فقط بل لنيل العبر والدروس :
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٣٠٣ - ٣٠٧.
قف بالمدائن واستنطق بها العبرا |
عن ألف جيل وجيل فوقها عبرا |
|
واستعرض الدهر أشكالاً مصورة |
فيها لتعرف من أحوالها صورا |
|
واستخبر الرسم عنها حين تقرأه |
فسوف يعطيك من تأريخها خبرا |
|
فالرسم سفرٌ بليغ فيه قد رسمت |
لنا الحوادث من أخبارها سيرا |
|
والعين ان تك قد فاتتك رؤيتها |
فلن يفوتك منها أن ترى الأثرا |
ثم يبدأ الشاعر وصف مشاهداته قائلاً :
وقفت فيها فلم أنظر بها أثراً |
الاّ وروعته تستوقف النظرا |
|
كأن روعة رب التاج قد خلعت |
حتى على الرسم منها مطرفاً نظرا(١) |
|
فاعجب لمرأى تهز النفسَ روعته |
ولم تجد منه إلاّ الرسم والعفرا(٢) |
|
فكيف لو شاهدته زاهياً ورأت |
« كسرى » وايوانه بالزهو قد عمرا |
|
وابصرت منه دنياً ملؤها صورٌ |
فتانةٌ تسحر الالباب والفكرا |
وتتقارن المعاني الشعرية مع الأوصاف دون انفصال وانقطاع مما يجعل الوصف جزءاً من المعاني التي توخاها الشاعر في قصيدته :
أنشودةٌ أنت للأجيال خالدة |
لذاك أضحى فم الدنيا لها وترا |
|
وآيةٌ طأطأ الدهر الخطير لها |
لما تسامت على عليائه خطرا |
|
وفكرةٌ في دماغ الفن زاولها |
قرناً فقرناً ليبديها فما اقتدرا |
|
حتى اذا نضجت أفكاره ولدت |
نتيجة ترهب الأجيال والعصرا |
|
فأنت معجزةٌ للفن خالدة |
بها وجدنا نتاجَ الفن مزدهرا |
|
وان للفنّ اعجازاً يصوره |
لنا الخلود وقد شمنابك الصورا(٣) |
__________________
١ - المُطْرَف : رداء من خز. ( لسان العرب ، ج ٨ ، ص ١٤٩ ).
٢ - العَفَر : ظاهر التراب. ( لسان العرب ، ج ٩ ، ص ٢٨٢ ).
٣ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٩١ ، ٢٩٢.
والجدير ذكره ان الشاعر نهج المسلك ذاته في وصف الأشياء أيضاً. فهو عندما يصف قلمه مثلاً يخاطبه وكأنه كائن ذو روح يتوخى منه الخير والصلاح ، ويضع على عاتقه مهمة البناء والاصلاح :
يا رسول البيان كم ذا أرتنا |
معجزات البيان منك رسولا |
|
تتلقى مواهبَ الروح وحيا |
فتعي كل لحظة انجيلا |
|
كم معان كشفت عنها غطاءً |
للخفا كان فوقها مسدولا |
|
ورموز حللتها بوضوح |
فأجدت الايضاح والتحليلا |
|
أنت سلك يمده العقل نوراً |
حين يُهدى فيذهبُ التضليلا |
|
أنت تبني دنياً وتهدم دنياً |
حين تُفني جيلاً وتخلق جيلا |
|
أنت أقوى من العفرنى جَناناً |
حين تسطو وان بدوت عليلا |
|
أنت أشجى من الحمامة لحناً |
حين يغدو منك الصرير هديلا |
|
أنت امضى من المهند حدّاً |
حين تنضو غرارك المصقولا(١) |
تناول الشيخ الفرطوسي الغزل باعتباره غرضاً من أغراض الشعر التقليدية وليس تعبيراً عن تجربة حب واقعية أو تبادل عاطفي حقيقي. ففي بيئة متشددة كالنجف حيث القيود الصارمة المفروضة على اختلاط الجنسين ، والأعراف التقليدية المتزمتة على المرأة ، لا مجال لبلورة مثل هذه الظواهر الاجتماعية على الاطلاق.
__________________
١ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ٢٦٠ ، ٢٦١.
ومن هنا أصبح التغزل الحسي شائعاً لدى الشعراء ، يكثرون من إبراز المحاسن الجسدية للمرأة في محاولة منهم لمحاكاة شعراء السلف ، والتعبير عن لواعج النفس التي طالما عانت كبت الغرائز الفطرية ، والحرمان النفسي والعاطفي.
ولم يكن الفرطوسي بمنأى عن أترابه الشعراء. فقد تطرق هو الآخر الى الغزل الحسي ، والتغني بمرئيات الجمال النسوي دون أن يظهر فيه مجون أو نزول الى حضيض الشهوات :
على خديك أجمل وردتين |
قطافهما الشهيُّ بقُبلتين |
|
وفي عينيك للعشاق سحرٌ |
ومبعثه سواد المقلتين |
|
وفي شفتيك للشفقين لون |
يخضب منه فجر المبسمين |
|
يموج الحسن بينهما شعاعاً |
فيجلى منه ليل الخصلتين(١) |
ولكن ظاهره الغزل الحسي ظهرت متأخرة في شعر الفرطوسي وتحديداً عند خروجه من العراق وإقامته مدة في « سويسرا » و « لبنان ». ففي مثل هذا المحيط المتحرر استطاع الشاعر أن يصف مشاهداته العينية بكل حرية وبدون قيد أو شرط :
جُرح قلب المشوق من مقلتيك |
قبلة وقّعت على شفتيك |
|
ورحيق الرضاب منك شهيّا |
هو خمري والكأس من مبسميك |
|
انا أهوى سود العيون لسحر |
هو معنى السواد في مقلتيك |
الى أن يقول :
أعشق الورد لون خديك فيه |
ورقيق الأديم من وجنتيك |
|
تعشق العين من جبينك شمساً |
حين تهوى الهلال من حاجبيك |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٠٣.
... أنت دنيا الهوى لقلب مشوق |
كلُّ آماله الحسان لديك |
|
رفرفت كلها على شفتيك |
كالفراشات وارتمت في يديك(١) |
أمّا غزل الشاعر قبل هذه الفترة فهو أقرب الى التعبير العاطفي الصادق تجاه مفهوم الحب لا الى لوازمه وعناصره. ويظهر هذا الاتجاه واضحاً في كثير من قصائد الفرطوسي كقصيدة « عواطف الحب » التي نظمها عام ١٩٤٣ م :
شعلةٌ أشرقت بظلمة نفس |
فأنارت منها فؤاداً دجيّا |
|
صقلته من الصداءة حتّى |
أظهرت منه معدناً ذهبيا |
|
لم يزل خامل العواطف حتّى |
خلق الحبُّ منه حسّاً ذكيا |
|
واضاءت شمس الصبابة فيه |
فأرتنا مهذّباً عبقريّا |
|
حين أمسى جَمّ المواهب فذّاً |
بعدما كان جامداً همجيا |
|
فتعالت عواطف الحب كم ذا |
أيقظت خاملاً وأدنت قصيا |
|
تنشر الروح حين تعلق فيها |
فتدب الحياةُ شيّا فشيا |
|
أتراهُ بعد الجمود زماناً |
كان ميتاً وكيف أصبح حيّا |
|
ليس تستطيع أن تشف شعوراً |
كلُّ نفس لم يكوها الحب كيا(٢) |
وعلى الرغم من توسع الشاعر في وصفه الحسي لمفاتن المرأة ومحاسنها الانثوية ، فقد التزم في نفس الوقت بمبادئ الشريعة الاسلامية التي تدعو المرأة الى الحجاب والتعفف ، والابتعاد عن التحلل والابتذال. وقد ذكّر الشاعر بهذه القيم في مواضع عدة ، منها هذه الرباعية :
الحب روح للنفوس |
ونشره أرج وطيب |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٠١ ، ٢٠٢.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢١٨.
قبس بأعماق الحشا الـ |
ـدامي يشب له لهيب |
|
سلك بأحداق الحسان |
به تكهربت القلوب |
|
الحب أن تذكو القلوب |
وأن تعفَّ به الجيوب(١) |
وكذلك في الثنائية التالية :
أفهكذا الحسناء اغراء لنا |
وهي المصونة بالحيا تتخلع |
|
حقّاً بأنك فتنةٌ يا حبذا |
لو كان عندك من عفافك برقع(٢) |
وحصيلة الكلام انّ الغزل عند الفرطوسي معظمه محكاة وتقليد ، وقليل منه شعور وعاطفة. وهو في الحالتين عفيف البيان ، نزيه الوصف ، بعيد عن الابتذال والانحطاط البذيء.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٢٩.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٢٢.
إن شعر التاريخ من الصناعات الأدبية التي أولع بها المتأخرون. وشاع استعمالها كثيراً عند شعراء النجف لارتباطها الوثيق بالمناسبات المختلفة التي يراد لتاريخها أن يذكر ويخلد.
ولا يخفى مالهذا الفن الشعري من تكلف شديد وصنعة ظاهرة ، فهو « يتطلب مهارتين ، مهارة اعداد الجمل التي يكون حاصل جمعها موافقاً للتاريخ المطلوب ، وهي مهارة حسابية لا شأن لفن الشعر فيها ، ومهارة انتقاء تلك الجمل بحيث تحمل
__________________
١ - ويسمى أيضاً التاريخ الشعري ، والتاريخ الحرفي. والغرض منه ضبط تاريخ واقعة بأحرف تتألف منها كلمة أو جملة يكون مجموع حروفها بحساب الجمل يساوي التاريخ الذي جرت فيه تلك الواقعة ، يأتي بها الشاعر بعد لفظ « تأريخ » أو ما يشتق منه. ولا يعرف بالتعيين أول من استعمله في الشعر. وقد قال جرجي زيدان في كتابه ( تاريخ آداب اللغة العربية ، ج ٣ ، ص ١٢٤ ) : « انّ هذا النوع من التاريخ شائع اليوم لكنه من محدثات العصور الأخيرة. لم نقف على شيء منه أقدم من أوائل القرن العاشر للهجرة على اثر فتح العثمانيين مصر. ويظهر أنه أقدم من ذلك عند العثمانيين.
ومن أقدم ما وقفنا عليه من ذلك تاريخ فتح القسطنطينية سنة ٨٥٨ ه. فقد أرخه العثمانيون بقولهم : « بلدة طيبة » ، وأرخ رجل آخر بناء سبيل سنة ٩٦٦ ه بقوله : « رحم الله من دنا وشرب ». واستخدموا ذلك نظماً قبل هذا التاريخ كقول بعضهم يؤرخ وفاة « ابن المؤيد » سنة ٩٢٢ ه بقوله :
قل للذي يبتغي تاريخ رحلته |
( نجل المؤيد مرحومٌ ومبروك ) |
وأرخ شاعر آخر وفاة « محمد باشا » المقتول والي مصر سنة ٩٧٥ ه بقوله :
قتله بالنار نورٌ |
وهو في التاريخ ( ظلمه ) ». |
وللشيخ جعفر النقدي رسالة خاصة بحث فيها هذا الفن وأسماه « ضبط التاريخ بالأحرف » ، وفيها « عالج الموضوع علاجاً متيناً واستقصى تأريخه حسب إمكان بحثه واستظهر أن يكون ظهوره أقدم مما ذكره جرجي زيدان ، واستشهد بتأريخ عمله بعض الادباء للأمير تيمورلنك المغولي وقد اثابه عليه الف دينار ذهباً وذلك عام ٨٠٥ ه وفيه تورية لطيفة ، والتأريخ هو ( الم ، غلبت الروم ، في أدنى الأرض ) « فأدنى » الأرض « ض » والغرض اسمها ضاد وهو ( ٨٠٥ ). واستشهد بتأريخ آخر أقدم منه وهو بالفارسية عند انقراض الدولة العباسية من العراق وقتل المستعصم العباسي ومادته ( خون ) ومعناه ( دم ) واعتقد ان هذا التاريخ من وضع الخواجة نصير الدين الطوسي ». ( شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٣٧٣ ، ٣٧٤ ).
خاصية العلوق في الذاكرة ، كأن تكون اقتباساً مناسباً من القرآن الكريم ، أو اسم الشخص أو الشيء المؤرخ له ، أو تكون في اختصارها وإصابتها المعنى كالتوقيعات المعروفة للملوك والأمراء المسلمين. وهي مهارة تعتمد على ذكاء الشاعر وسرعة بديهته وسعة اطلاعه »(١) .
والفرطوسي واحد من الشعراء الذين طرقوا هذا الفن الشعري إلاّ انه لم يتوسع في تناوله لشدة تكلفه وابتعاده عن الطبع.
ومن مؤرخاته الشعرية تأريخه لعمارة الروضة الحيدرية عام ١٣٧٠ ه التي قال فيها :
روضة قد أشرقت للمقل |
فسقتها من شعاع الأملِ |
|
جليت أعتابُها من غرر |
رصّعتها بدراري القُبَلِ |
|
أرخوها ( وهي عند الازلِ |
جنة المأوى أعدت لعلي)(٢) |
« ١٣٧٠ ه »
وله أيضاً قصيدة في تجديد ضريح أبي الفضل العباسعليهالسلام عام ١٣٨٣ ه ، جاء فيها :
ضريحك دون علاه الضراح |
وأنت به القمر الأعظم |
|
تصاغ شبابيكه باللجين |
وبالتبر جبهته تُرقم |
|
ومن عسجد خالص فوقها |
قناديل أركانه تنظم... |
|
( ضريحاً أبا الفضل ) أرخ ( به |
تشع على القمر الأنجم )(٣) |
« ١٩٦٤ م » « ١٣٨٣ ه »
__________________
١ - عبدالصاحب الموسوي : حركة الشعر في النجف ، ص ٢٦٦.
٢ - ديوان الفرطوسي ، ج ١ ، ص ١١٣.
٣ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٥٩.
الفَصْلُ الرّابِعُ
ملحمة أَهل البيتعليهمالسلام
الملحمة في اللغة بمعنى الحرب وانّما سُمّيت بذلك لأمرين : أحدهما تلاحم الناس أي تداخلهم بعضهم في بعض ، والآخر أنّ القتلى كاللحم الملقى(١) .
وذكر ابن منظور أنّ : « الملحمة : الوقعة العظيمة القتل ، وقيل موضع القتال. وألحَمْتُ القومَ إذا قتلتهم حتى صاروا لحماً. وألحِمَ الرجلُ إلحاماً واستُلِحمَ اسْتِلحاماً إذا نشِب في الحرب فلم يَجدْ مَخْلَصاً والجمع الملاحمُ مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطِهم فيها كاشْتِباك لُحْمةِ الثوب بالسَّدى ، وقيل هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها والملحمة : الحربُ ذات القتل الشديد والوقعة العظيمة في الفتنة »(٢) .
وقد وردت « الملحمة » ومشتقاتها في الشعر كثيراً ، من ذلك قول الأخطل(٣) :
حتّى يكونَ لهم بالطّفِ ملحمةٌ |
وبالثَّويّةِ لم يُنَبضْ بها وتَرُ(٤) |
__________________
١ - ابن فارس : معجم مقاييس اللغة ، ج ٥ ، ص ٢٣٨.
٢ - لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ٢٥٤.
٣ - غياث بن غوث ( ١٩ - ٩٠ ه ). شاعر مصقول الألفاظ ، حسن الديباجة ، اشتهر في عهد بني اُمية بالشام ، وأكثر من مدح ملوكهم. له ديوان شعر مطبوع. ( الأعلام ، ج ٥ ، ص ٣١٨ ).
٤ - ديوان الأخطل ، ص ١٠٥.
وقول عُجير السَّلُولي(١) :
ومُسْتَلْحَمٍ قد صكَّه القومُ صَكَّة |
بعيد المَوالي ، نيلَ ماكان يَجْمَعُ(٢) |
وقول القُطامي(٣) :
ولم يستخبر العلماءَ عَنّا |
ومَن شَهد الملاحمَ والوقاعا(٤) |
وكذلك ما ذكره أبو تمام عن لسان امرأة من بني الحارث(٥) :
فارسٌ ما غادَرُوهُ مُلْحَماً |
غيّرَ زُمَّيْلٍ ولا نِكْسٍ وَكَلْ(٦) |
أمّا الملحمة في المصطلح الأدبي فهي : « نوع خاص من الشعر القصصي البطولي ، الذي لم تعرف العربية شبيهاً له ، من حيث البناء القصصي المكتمل ، ومن حيث الحجم العددي للأبيات الشعرية التي تبلغ الآلاف ، ومن حيث الشخصيات التي تسمو فوق المستوى العادي للناس الأسوياء ، وتتصف بما هو من سمات الأبطال الاسطوريين ، ومن سمات الآلهة ، أو أنصاف الآلهة ، في المعتقدات الوثنية البدائية ، ومن حيث الأحداث والوقائع الخارقة التي تتخللها ، ومن حيث أنّ الوقائع الحربية التي يخوض الأبطال الملحميون غمارها ، والمآثر الخارقة التي يحققونها ، تدخل في صميم الصراع الوطني والقومي ، دفاعاً عن حقٍّ مغتصب ، وفي سبيل أن تحيا الأمة التي يمثّلونها بحرية وكرامة وهناء »(٧) .
__________________
١ - العجير بن عبدالله ( توفي نحو سنة ٩٠ ه ). من شعراء الدولة الأموية ، عدة ابن سلام في شعراء الطبقة الخامسة من الاسلاميين. ( الأعلام ، ج ٥ ، ص ٥ ).
٢ - ابن منظورة : لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ٢٥٤.
٣ - عُمير بن شييم ( توفي نحو سنة ١٣٠ ه ). شاعر غزل فحل ، كان من نصارى تغلب في العراق ، وأسلم. جعله ابن سلام في الطبقة الثانية من الاسلاميين. ( الأعلام ، ج ٥ ، ص ٢٦٤ ).
٤ - ديوان القطامي ، ص ٣٥.
٥ - ديوان الحماسة ، ص ٣١٩.
٦ - الزُّمَّيْلُ : الضعيف الجَبان الرَّذْل. ( لسان العرب ، ج ٦ ، ص ٨٣ ). النِكْس : الرجل الضعيف. ( لسان العرب ، ج ١٤ ، ص ٢٨٤ ). الوكل : العاجز الذي يكل أمره الى غيره. ( لسان العرب ، ج ١٥ ، ص ٣٨٧ ).
٧ - اميل بديع يعقوب وميشال عاصي : المعجم المفصل في اللغة والأدب ، ج ٢ ، ص ١١٩١.
قسّم الغربيّون الشعر منذ أقدم عصوره أربعة أقسام : شعر قصصي وتعليمي وغنائي وتمثيلي. وتدخل الملحمة بقصائدها القصصية الطويلة في الضرب الأول كما تبيّن من تعريفها. « والشاعر في هذا الضرب القصصي لا يتحدث عن عواطفه وأهوائه ، فهو شاعر موضوعي ينكر نفسه ، ويتحدث في قصته عن بطل معتمداً على خياله ، ومستمدّاً في أثناء ذلك من تاريخ قومه ، وكل ماله أنّه يخلق القصة ويرتب لها الأشخاص والأشياء ، ويجمع لها المعلومات ، ويكوّن من ذلك قصيدته ، وعادة ينظمها من وزن واحد لا يخرج عنه(١) ».
ويمكن حصر الشعر الملحمي تأريخياً في ثلاث مراحل : « مرحلة التعبير عن أزمة وجودية بالنسبة الى ما وراء الوجود ، حيث المزيج من روحانية ومادية ، من عقائد وخرافات ، ومن حقائق وأساطير. ومرحلة تعبير عن أزمة اجتماعية في تنازع وجودي ، ثم مرحلة تعبير عن أزمة قومية(٢) ».
ومن هنا تميّز نوعان من الملاحم : الملاحم الطبيعية والملاحم الأصطناعية. فالأولى وهي التي تظهر في المراحل البدائية من حياة الأمم وتاريخ الشعوب ، وتصاغ بصورة تلقائية وعضوية ، ويكون ناظموها ورواتها والذين يتداولونها ، مؤمنين بما تتضمنه من ذكر الخوارق ، وتدخّل الآلهة في حياة البشر ، ايماناً مطلقاً لا تشوبه شائبة من الريبة والشك. والثانية وهي التي يصنعها الشعراء في الأزمنة المتأخرة ، وينظمونها على نهج الملاحم الطبيعية ، ومحاكاة لمضامينها واسلوبها من غير أن يكونوا بالضرورة مؤمنين بما يصفون من حوادث ، وينسجون من خوارق ،
__________________
١ - شوقي ضعيف : العصر الجاهلي ، ص ١٨٩.
٢ - جورج غريب : الشعر الملحمي ، ص ٧.
ويصورون من بطولات(١) .
ومن النقّاد من قسّم الملحمة قسمين : ملحمة أدبية وملحمة شعبية. ففي الأولى يعلن الشاعر في مستهلّ قصيدته عن موضوعها ، ثم يبتهل لربة الشعر ويذكر القصة وأحداثها ، وتدخّل الآلهة في شؤون البشر ، مستخدماً التشبيهات الطويلة والمعقدة ، وأسماء الأبطال والأشياء الهامة لحياة الأبطال كالأسلحة والسفن وما الى ذلك أمّا الثانية فيتضح فيها النقل مشافهة والتكرار وتجرؤ السرد ، الأمر الذي يدل على أنّها لم تكن نتاج زمن واحد أو قريحة واحدة(٢) .
ومن أبرز الملاحم الشعرية التي عرفها التأريخ ملحمة « الألياذة » للشاعر الأغريقي هوميروس(٣) ، وقد نقلها الى العربية في مستهل هذا القرن سليمان البستاني. والألياذة قصة شعرية طويلة تدور أحداثها حول معارك طاحنة وحروب عظيمة وأساطير وأمور خارقة ، تنشب بين شعبين متصارعين دفاعاً عن مُثل ومبادىء انسانية. ويبرز من كل جانب جماعة من القادة والأَبطال الأسطوريين ، وتدخل الالهة في حوادثها ووقائعها الخارقة ، وقد ابدع هوميروس في صياغة ملحمته صياغة فنية رائعة من حيث التسلسل القصصي المتناسق ، والتوالي المنتظم للأحداث ، والتعبير المؤثر عن أغراضه ومراميه. وقد أشار أرسطو الى الميزة الرئيسية في الملحمة حيث قال(٤) : « ومن بين المناقب التي تجعل هوميروس خليقاً بالثناء أنّه كان الوحيد من بين الشعراء ، الذي لا يجهل
__________________
١ - أميل بديع يعقوب وميشال عاصي : المعجم المفصل في اللغة والأدب ، ج ٢ ، ص ١١٩٢.
٢ - مجدي وهبة وكامل المهندس : معجم المصطلحات العربية في اللغة والادب ، ص ٣٨٣.
٣ - هوميروس ، Homer ( النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد ). شاعر يوناني ، تنسب اليه ملحمتا « الألياذة » Iliad و « الاوذيسة » Odyssey ، وهما أعظم ملاحم الاغريق. ( موسوعة المورد ، ج ٥ ، ص ١١٧ ).
٤ - أرسطو طاليس : فن الشعر ، ص ٦٧.
متى يتدخل بنفسه في القصيدة. فالحق أنّ الشاعر يجب أنْ لا يتكلم بنفسه ما استطاع الى ذلك سبيلاً ، لانه لو فعل غير هذا لما كان محاكياً(١) ».
ولما كان الشعر الملحمي من الفنون الأدبية العريقة ذات الجذور التاريخية الطويلة ، فقد تداولته أمم وشعوب مختلفة غير اليونان ، أمثال الرومان في ملحمة « الأنياذة » لفرجيليوس ، والهنود في ملاحم « الأوبا نيشاد » و « الفيدا » و « الرمايانا » و « المهابهارتا » ، والفرس في ملحمة « الشاهنامه » للشاعر الكبير الفردوسي ، والترك في « شاهنامه » الشاعر الفردوسي الطويل ، واضافة الى الأمم القديمة فانّ الشعوب الحديثة قد تغنّت بهذا الفن الأدبي وانتجت شعراً ملحمياً على غرار الملاحم القديمة ، منها أُنشودة رولان الفرنسي ، وأشعار ملتون الأنجليزي ، ومنظومات هيلدبراند الألماني ، والكوميديا الالهية لدانتي الايطالي ، وغيرها من الملاحم الحديثة(٢) .
وبالرغم من انتشار أدب الملحمة بين مختلف الشعوب والأمم فإننا لانجد لهذا الفن أثراً في الشعر العربي سوى قصائد معدودة ومقطوعات قصيرة ذات نفس ملحمي لا يمكن ضمها الى الملاحم العالمية المعروفة. وقد شغل الباحثون في تعليل هذا الأمر وأوردوا أسباباً عدة. منها : قول من زعم « أنّ العرب نظموا فيه كثيراً وضاع مانظموه ، فلم يبق لعهد التدوين والرواية إلاّ القليل مما ذكرت فيه أخبار الحروب(٣) ؟ » وهو قول ترده الشواهد والدلائل التاريخية. ومنها : « أنّ خيال الجاهليين لم يتسع للملاحم والقصص الطويلة لانحصاره في بادية متشابهة الصور ، محدودة المناظر ، ثم لماديتهم وكثافة روحانيتهم ، ثم لفرديتهم وضعف
__________________
١ - يرى أرسطو أن الشعر محاكاة لأحياء وأشياء غير الشاعر نفسه ، فلذا ينبغي على الشاعر أن ينسى نفسه و يدمجها في أشخاصه.
٢ - سليمان البستاني : الياذة هوميروس ، ج ١ ، ص ١٦٦.
٣ مصطفى صادق الرافعي : تاريخ آداب العرب ، ج ٣ ، ص ١٤٤ ، ١٤٥.
الروح القومية والاجتماعية فيهم ، ثم لقلة خطر الدين في قلوبهم وقصر نظرهم عما بعد الطبيعة ، فلم يلتفتوا الى أبعد من ذاتهم ، ولا الى عالم غير العالم المنظور ، ولا تولدت عندهم الأساطير الخصيبة ، ولم يكن لأصنامهم من الفن والجمال ما يبعث الوحي في النفوس شأن أصنام اليونان والرومان ، فقلّ من ذكر منهم أوثانه واستوحاها في شعره. ولم يساعدهم مجتمعهم على التأمل الطويل وربط الأفكار وفسح آفاق الخيال ، لأضطراب حياتهم برحيل مستمر ، فجاء نفَسهم قصيراً كإقامتهم ، وخيالهم متقطعاً كحياتهم ، صافياً واضحاً كسمائهم ، داني التصور محدود الألوان كطبيعتهم. وكانت ثقافتهم الأدبية فطرية خالصة يتغذى بعضهم من بعض ، ولا يقبلون لقاح الآداب الأجنبية الراقية لجهالتهم واعتزال باديتهم وتمردها ، وكذلك كانت علومهم ساذجة لا تفتح نوافذ النور للنظر فيالنفس وما بعد عالم الهيولى(١) ».
وثمة تعليلات اخرى فسّرت انعدام الفن الملحمي في الشعر العربي ، منها : « أنّ القصة في الشعر الجاهلي ضعيفة الفن لأقتصارها على الخبر البسيط والسرد السريع ولا جرم ان الايجاز الذي درج عليه الجاهلي كان يحول بينه وبين الاسهاب في أخباره فلم يتوفر له عمل الملاحم والقصص الطويلة(٢) . ومنها « أنّ الوثنية العربية في الجاهلية لم تكن تلك الوثنية المكتملة ، المعقدة والمركبة بل كانت وثنية في أبسط أشكالها وكانت تتعايش مع مذاهب توحيدية ، كاليهودية والنصرانية(٣) …؟ ». ومنها « أنّ التقليد الشعري الأصولي السائد ، والمتمثل بسلطة القصيدة الغنائية ذات القافية الواحدة والوزن الواحد لم يكن يسمح بنظم
__________________
١ - بطرس البستاني : أًدباء العرب ، ج ١ ، ص ٤١ ، ٤٢.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٤٧ ، ٤٨.
٣ - اميل بديع وميشال عاصي : المعجم المفصل في الغة والأدب ، ج ٢ ، ص ١١٩٢.
المطولات القصصية الملحمية(١) ».
ومهما تكن العلل والأسباب فانّ الشعر العربي قد افتقر الى الشعر الملحمي بشكله المتكامل في الملاحم المطولة. ولكن هذا لا يعني أنّ الشاعر العربي لم يطرق المعاني التي تطرق اليها أصحاب الملاحم ، وخاصة ما يتعلق بذكر البطولة والشجاعة ، والفخر والحماسة. فالمعروف عن الشعر العربيغزارته بالمعاني المذكورة ، وشغف الشعراء بتداولها والاكثار من استعمالها. ومن أبرز القصائد الملحمية العربية التي جسدت معاني البطولة والاقدام أروع تجسيد المعلقات السبع ، وخاصة معلقة عمرو بن كلثوم(٢) الذي يقول في مطلعها :
ألا هُبّي بصَحْنِكِ فَاصْبَحينا |
ولا تُبْقي خُمورَ الأندرينا(٣) |
ومعلقة الحارث بن حلّزة(٤) الذي يستفتحها بقوله :
آذَنَتْنا بِبَيْنِهَا أسمَاءُ |
رُبَّ ثاوٍ يُمَلّ منه الثَّواء(٥) |
ومعلقة عنترة بن شداد(٦) الذي يستهلها قائلاً :
هَلْ غادَرَ الشعراءُ من مُتَردَّمِ |
أم هل عرفْتَ الدارَ بعدَ تَوَهّمِ(٧) |
وإذا ما انتقلنا إلى الشعراء في العصر الاسلامي فإننا نلمس بوضوح النفس الملحمي الصاعد من شعر تلك الفترة وخاصة ابّان الغزوات والفتوح الاسلامية.
__________________
١ - المصدر السابق.
٢ - عمرو بن كلثوم ( توفي نحو سنة ٤٠ قبل الهجرة ). من بني تغلب. شاعر جاهلي من الطبقة الاُولى. ساد قومه وهو فتى وعمر طويلاً. وعمر طويلاً. ( الأعلام ، ج ٥ ، ص ٢٥٦ ).
٣ - الزوزني : شرح المعلقات السبع ، ص ١١٨.
٤ - الحارث بن حلزة ( توفي نحو سنة ٥٠ قبل الهجرة ). شاعر جاهلي من أهل بادية العراق ، له ديوان شعر مطبوع. ( الأعلام ، ج ٢ ، ص ١٥٥ ).
٥ - الزوزني : المصدر السابق ، ص ١٥٥.
٦ - عنترة بن شداد ( توفي نحو سنة ٢٢ قبل الهجرة ). أشهر فرسان العرب في الجاهلية من أهل بادية العراق ، له ديوان شعر مطبوع. ( الأعلام ، ج ٥ ، ص ٢٦٩ ).
٧ - الزوزني : المصدر السابق ، ص ١٣٧.
وقد اشتهرت في هذه الفترة سبع قصائد طويلة عرفت بالملحمات(١) وهي من صنع : الفرزدق(٢) ، وجرير(٣) والأخطل ، وعُبيد الراعي(٤) وذي الرّمة(٥) والكُمَيت(٦) ، والطِّرمَّاح(٧) .
وبعد هذه الفترة شهد الشعر العربي وعبر أعصره المختلفة ألواناً من الشعر الحماسي والملحمي الّفت فيه دواوين خاصة عرفت بدواوين الحماسة. ومن أشهرها : حماسة أبي تمام ، وحماسة البحتري ، وحماسة ابن الشجري ، والحماسة المغربية والحماسة البصرية(٨) .
واستمرت محاولات الشعراء في طرق الشعر الملحمي حتى مستهل القرن العشرين حيث ظهرت الملحمة ظهوراً ملفتاً للنظر وبثوب جديد وبمواضيع قومية وعقائدية وتاريخية قلّما تطرّق إليها الشعراء في العصور السابقة. وقد ردّ بعض الاُدباء هذه الظاهرة إلى يقظة العرب القومية منذ بدء هذا القرن والتفاتهم إلى أمجادهم السالفة(٩) .
__________________
١ - أبو زيد القرشي : جمهرة أشعار العرب ، ص ٦٩٤.
٢ - همام بن غالب ( توفي سنة ١١٠ ه ). من أهل البصرة. شاعر عظيم الأثر في اللغة ، وهو من شعراء الطبقة الاُولى في الاسلاميين. ( الأعلام ، ج ٩ ، ص ٩٦ ).
٣ - جَرير بن عطيّة ( ٢٨ - ١١٠ ه ). أشعر أهل عصره ، ولد ومات في اليمامة. وكان هجّاءً مرّاً فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل. ( الأعلام ، ج ٢ ، ص ١١١ ).
٤ - عُبيد بن حصين ( توفي سنة ٩٠ ه ). شاعر من فحول المحدثين ، لقّب بالراعي لكثرة وصفه الابل ، عاصر جريراً والفرزدق. ( الأعلام ، ج ٤ ، ص ٣٤٠ ).
٥ - غيلان بن عقبة ( ٧٧ - ١١٧ ه ). شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره. أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال. ( الأعلام ، ج ٥ ، ص ٣١٩ ).
٦ - الكُميت بن زيد الأسدي ( ٦٠ - ١٢٦ ه ). شاعر الهاشميين ، من أهل الكوفة ، كان عالماً بآداب العرب ولغاتها وأخبارها ، أشهر شعره « الهاشميات ». ( الأعلام ، ج ٦ ، ص ٩٢ ).
٧ - الطِّرِمَّاح بن حكيم ( توفي نحو سنة ١٢٥ ه ). شاعر إسلامي فحل ، ولد ونشأ في الشام ، كان معاصراً للكميت صديقاً له. ( الأعلام ، ج ٣ ، ص ٣٢٥ ).
٨ - كارل بروكلمان : تاريخ الأدب العربي ، ج ١ ، ص ٧٧ - ٨٢.
٩ - أنيس المقدسي : الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث ، ص ٣٩٥.
ولعلّ أوّل محاولة ملحمية ظهرت في هذا العصر هي ملحمة الشاعر الشيخ كاظم الأُزري(١) المعروفة ب « الأُزرية ».
والازرية ملحمة في مدح الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وذكر مولده ومعجزاته ، ومدح الإمام عليعليهالسلام وذكر مناقبه والحروب التي شارك فيها والأحداث التي عاصرهاعليهالسلام .
وتبلغ الملحمة ألف بيت أكلت الأرضة جملة من أبياتها وبقي منها ٥٨٠ بيتاً ، ومطلعها :
لمَن الشمسُ في قِبابِ قِباها |
شَفَّ جسمُ الدُّجى بروحِ ضياها(٢) |
وقد تبارى غير واحد من الشعراء في محاكاة هذه القصيدة والسير على نهجها ، منهم الشاعر محمد جواد الكربلائي ، المتوفى سنة ١٢٨١ ه ، وقد بلغت أبيات قصيدته ١٢٦٥ بيتاً. يقول في مطلع قصيدته :
أهي الشمسُ في سماءِ عُلاها |
أخَذَتْ كُلَّ وجْهَةٍ بِسَناها(٣) |
وكذلك الشاعر عبد الحسين الحويزي ( ١٢٨٧ - ١٣٧٤ ه ) في ملحمته المعروفة ب « فريدة البيان » والتي تربو على الألف بيت ، ومطلعها :
لِمَنِ العيسُ في البطاح بَراها |
مِثلَ بَرْي القِداحِ جذبُ بُراها(٤) |
ومن الملاحم العربية المهمة التي ظهرت في مستهل القرن العشرين القصيدة
__________________
١ - كاظم بن محمد الأُزري ( ١١٤٣ - ١٢١١ ه ). شاعر فحل من أهل بغداد ، له ديوان شعر مطبوع. ( الأعلام ، ج ٦ ، ص ٦٧ ).
٢ - أحمد معتوق : شرح الأزرية ، ص ٣٣.
٣ - جعفر عباس الحائري من مقال له بعنوان « ملاحم على غرار ملحمة » نشر في مجلة تراثنا : العدد ٣ ( ١٤٠٨ ه ) ، ص ٢٣.
٤ - المصدر السابق ، ص ٢٦.
العلوية المباركة لعبد المسيح الأنطاكي(١) وقد قال عنها : « عنيت على نوع خاص أن أجعل القصيدة المباركة العلوية تاريخاً شعرياً لصدر الإسلام ، لا يتخلله نثر أبداً. ويعرف الشعراء ما في ذلك من الوصب ولكنّه وصب محبوب لقلب شغف بثاني الكاملين وأخي الرسول الأمين أحد سيدي الثقلين سيدنا علي بن أبي طالب أبي الحسنين عليهم وعلى المصطفى الصلاة والسلام ولقد دعوت هذه القصيدة المباركة باسم « ملحمة » اتباعاً للمغاربة الذين أطلقوا هذه الكلمة على ما وضعوه نثراً أو نظماً من وقائعهم الحربية وقصصهم التاريخية ونوادرهم الأدبية »(٢)
وقد بلغ عدد أبيات العلوية المباركة ٥٥٩٥ بيتاً انتهى الشاعر من نظمها سنة ١٣٣٨ ه. ومطلع القصيدة :
أزِينُ ملحمتي الغرّا وأحلِيها |
بحمد ربّي فليحَمْدهُ قاريها(٣) |
والملاحم في هذا الخصوص كثيرة جداً(٤) إلاّ أنّ الباحثين والمحققين اهتموا بملحمتين كبيرتين هما ملحمة الشاعر بولس سلامة(٥) المعروفة ب « عيد الغدير » وهي منظومة في ٣٠٨٥ بيتاً ، أوّلها :
يامليكَ الحياة أنزل عليَّا |
عزمة منك تبعث الصخر حيّا(٦) |
وملحمة أهل البيتعليهمالسلام للشاعر عبدالمنعم الفرطوسي حيث مدار البحث عليها يدور.
__________________
١ - عبد المسيح الانطاكي ( ١٢٩١ - ١٣٤١ ه ). صحافي ، له نظم كان يمدح به بعض أُمراء العرب وغيرهم ، وهو يوناني الأصل. من آثاره : ديوان « عرف الخزام » ، و « نيل الأماني في الدستور العثماني ». ( الأعلام ، ج ٤ ، ص ٢٩٧ ).
٢ - عبدالمسيح أنطاكي : القصيدة العلوية المباركة ، ص ٣.
٣ - المصدر السابق.
٤ - ينظر : الذريعة ، ج ١٧ ، ص ١٠٨ - ١٣٦ وج ٢٢ ، ص ٢٠٠ - ٢٠٢.
٥ - بولس سلامة ( ١٩٠٣ - ١٩٧٩ م ). أديب وشاعر مبدع ، اتسم فكره بالعمق وتعبيره بالسلاسة واُسلوبه بالسهولة. من آثاره : « علي والحسين » ، و « الصراع في الوجود » و « مذكرات جريح » و « حكاية عمر ». ( مصادر الدراسة الأدبية ، ج ٤ ، ص ٣٤٨ ).
٦ - بولس سلامة : عيد الغدير ، ص ١٣.
غُرست النواة الاُولى للملحمة في السبعينات يوم عقد الفرطوسي النية على نظم ألفية في مناقب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام . وحينها كان الفرطوسي قد فقد بصره بالكامل ولم يعد قادراً على المطالعة إلاّ عن طريق السماع وما يقرأ له من هنا وهناك. فكان يملي ملحمته على تلميذيه الدكتور محمد حسين الصغير(١) والشيخ محمد رضا آل صادق(٢) حتى أواخر السبعينات يوم عزم الخروج من العراق فأكملها في « جنيف » بين عامي ١٩٨٠ و ١٩٨٢ على يد ولده ومرافقه الشيخ حسين(٣) .
وعن قصة الملحمة والدوافع والأسباب التي دفعت الشيخ الفرطوسي إلى نظم ملحمته الخالدة يقول الشاعر الشيخ محمد رضا آل صادق : « كُنّا ذات ليلة صيفية جلوساً في الصحن « الحيدري » المطهّر ، أنا والفرطوسي ومحمّد حسين الشيخ علي الصغير ، فجرى ذكر الشعراء وغيرهم ، وعلّق الأخ الشاعر محمد حسين الصغير قائلاً إننا مدينون لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام وتعاليمهم وولايتهم ، فهلاّ كتبنا ألفية في شأنهم ليكون لنا ذكر في الدنيا وفخر في الآخرة ؟
__________________
١ - محمد حسين علي الصغير ، ولد في مدينة النجف سنة ١٩٤٠ م في بيت علمي وفيه تلقى دراساته العلمية. درس في بغداد والقاهرة وانجلترا. من آثاره : « الصورة الفنية في المثل القرآني » و « تاريخ القرآن ». ( موسوعة أعلام العراق ، ج ١ ، ص ١٨٨ ).
٢ - محمد رضا آل صادق ( ١٩٤٥ - ١٩٩٤ م ). شاعر وأديب ، من دواوينه : « أنفاس الشباب » ، و « الصوت والأصداء » ، و « الزورق والرياح » ، و « مدائن الظلال ».
٣ - محمد حسين الفرطوسي من مقال له نشر في مجلة الموسم : العددان ٢٣ - ٢٤ ( ١٩٩٥ م ) ، ص ٣٥٢.
فهذا ابن مالك كتب ألفية في النحو ، وهذا فلان كتب منظومة في الكلام ، وهذا فلان ، وهذا فلان فما بالنا لا نكتب في أهل البيت ونحن نروي : « انّ من قال فينا بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة ». فتعاهدنا على أن نبدأ من ليلتها ، وكانت في منتصف السبعينات ، وكأن الله سبحانه قد انتدب لذلك عبده الشيخ الفرطوسي ، فلم نوفّق لا أنا ولا الشيخ الصغير إلى كتابة الألفية ، أمّا الفرطوسي فقد جاءني في اليوم التالي وأملى عليّ أكثر من مئة وثمانين بيتاً موحدة الرويّ ، وهي من بحر الخفيف وقافيتها مكسورة الهمزة. ثم صار كل يوم يأتيني بمثل ما جاء به في اليوم السابق وزيادة. وكان المفروض أن تقع الملحمة في ألف بيت إلاّ أنّه تجاوز الألف وهو ما يزال في سيرة النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعاجزه ، فصمّم على أن يكتب في أهل البيت ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، حتى وُفق إلى ما لم أحصه من الشعر. وقد طبعت سبعة أجزاء من الملحمة في حياته ، وبقي جزء يحتوي على أكثر من خمسة آلاف بيت ، وكان لا يزال غير مطبوع في العراق فنقله أحد أقاربه من النجف إلى المغرب ، ومن المغرب إلى أبو ظبي حيث كان الفرطوسي ينتظر أن يصله هذا الشعر ليعيد النظر فيه ويكمل به الملحمة. إلاّ انه أطبق عينيه وهو شبه الآيس من وصوله ، فتولى ولده الشيخ حسين الفرطوسي نشره على ما هو عليه ، وتمت به الملحمة ثمانية أجزاء »(١) .
__________________
١ - مجلة التوحيد : العدد ٣٢ ( ١٤٠٨ ه ) ، ص ١٠٥.
تعد الملحمة بحد ذاتها موسوعة ضخمة ودائرة معارف كبرى تضمّ بين دفتيها ألواناً من المعارف الإسلامية الغنيّة بالمضامين العقائدية والتاريخية والفلسفية والتربوية. وقد تجلّت عبقرية الشيخ الفرطوسي في قدرته الفائقة على جمع وتنسيق عشرات المواضيع المختلفة وصبّها في قالب شعري جميل واُسلوب أدبي رائع يمكّن القارئ من استيعابها بسهولة ويسر دون كبير جهد وعناء.
وقد لخّص الشاعر مواضيع ملحمته في أبيات الإِهداء التي قدمها إلى النبي المختار وأهل بيته الأطهار مفتتحاً بالقول :
هاك قلبي مضرجاً بدمائي |
قطعاً في سلاسل من ولائي |
|
هي من منبع العقيدة وحيٌ |
لم يكدّر منه معين الصفاء |
|
وهي أغلى من كلّ عقد نفيس |
ذهبيٍ مهما ارتقى في الغلاء |
|
جوهر من معادن القدس باقٍ |
أين منه أعراض دار الفناء |
|
نفحات من الهداية تذكو |
عبَقاً من شمائل الأزكياء |
|
بدئت بالتوحيد وهو أساسٌ |
واستطالت بالعدل خير بناء |
|
وتجلّت فيها نبوة حقٍّ |
شُفعت في إمامة الأوصياء |
|
وتلاها المعاد فهي اُصولٌ |
خمسة في شريعة الحنفاء |
|
ودليل الإعجاز في ذكر طه |
يقتفيها وعصمة الأنبياء |
|
وبإثر التفويض والجبر أمر |
بين بينٍ يأتي ومعنى البداء |
|
وسواها من التوابع ممّا |
تقتفي نهجها بخير اقتفاء |
|
وجميع الأركان وهي فروع الـ |
ـدين فيها بانت بغير خفاء |
|
وتراءت كبائر الإثم فيها |
وسواها صغائر الأخطاء |
وعليها باليمن رفرف أمناً |
من حياة النبي خير لواء |
|
وحياة السبطين بعد عليّ |
والبتول الصديقة الزهراء |
|
وعليّ وباقر العلم والصا |
دق قولاً وكاظم الصلحاء |
|
والرضا والجواد ثم عليّ |
وابنه ثم قائم الأُمناء |
|
قد تبدّت منها النجوم اهتداءً |
وأماناً لنا بخير سماء |
|
أهل بيت الهدى أئمة حق |
ألسن الصدق خيرة الأولياء |
|
والأدلاّء لا يحيدون زيغاً |
بالبرايا عن منهج الإهتداء |
|
ومصابيح حكمة قد أضاءت |
بسناها مدارك الحكماء |
|
كل نجم للخلق منهم إمامٌ |
يقتدى فيه أحسن الإقتداء |
|
أذهب الله عنهم الرجس طهراً |
واصطفاهم بأكرم الإصطفاء |
|
أنا مولىً لهم محبٌ وهذي |
آية الحبّ من كتاب ولائي |
|
وهي تُهدى لفاطم وعليّ |
وبنيها وخاتم الأصفياء(١) |
ولكثرة المباحث وغزارة المطالب التي تطرق إليها الشيخ الفرطوسي في ملحمته ، يبدو للوهلة الاُولى تصنيف مواضيع الملحمة وتبويبها أمراً صعباً يستلزم الدقة والعناية الخاصة ، لأنّ الناظم قد طرق كثيراً من الموضوعات الفلسفية والبحوث الكلامية والجدلية ، والعلوم والمعارف الدينية من خلال حديثه عن سيرة النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الأطهارعليهمالسلام ، واذا ما أخذنا بعين الاعتبار التسلسل التاريخي لحياة الأئمةعليهمالسلام ، والأحداث والوقائع التي عاصروها ، بالإضافة إلى الترتيب الموضوعي الذي نهجه الشاعر في نظم ملحمته ، أصبح من غير الممكن عزل تلك المواضيع وفصلها عن مواضعها الأولية وتحديد أبواب جديدة خاصة
__________________
١ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ١ ، ص ١١ ، ١٢.
بها. وعلى كل حال فانّ مواضيع الملحمة وبالرغم من تعددها وتنوعها يمكن توزيعها على المواضيع الرئيسية التالية :
أ - العقائد
بدأ الشيخ الفرطوسي ملحمته بموضوع العقائد. وقد تطرّق في بادئ الأمر إلى خالق الكون - جلّ جلاله - وذكر صفاته وأسماءه الحسنى والآثار التي تدل عليه :
باسم ربّ العباد فضل ابتدائي |
وإلى الله في المعاد انتهائي |
|
فاطر الأرض والسموات فرد |
واجب في وجوده والبقاء |
|
كلّ آثاره تدلّ عليه |
فهو بادٍ بها بغير اختفاء(١) |
وقد تناول الشاعر في موضوع العقائد مسائل شتى يمكن حصرها في موضوعين أساسيين هما اُصول الدين وفروعه :
أولاً : اُصول الدين(٢) :
١ - التوحيد : تحدث الشاعر في بداية هذا الفصل عن أوّل أصل من أصول الدين وهو التوحيد. فبدأ بتعريفه وتبيين اُصوله ، ثم انتقل إلى أدلته العقلية والنقلية وذكر منها : حفظ النظام ، ووحدة الرسل ، واجتماع الأنبياء على التوحيد ، ودلائل اُخرى.
٢ - العدل : انتقل الشاعر بعد موضوع التوحيد إلى الأصل الثاني من اُصول الدين وهو العدل ، فذكر فيه أدلته العقلية بشكل مختصر ومفيد.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٧ - ٨٥.
٣ - النبوة : وفي هذا الموضوع ذكر الناظم ضرورة النبوة وإرسال الرسل من جانب الله - جلّ جلاله - لهداية الناس وإرشادهم الطريق الصحيح. وقد أثبت ذلك بأدلة عقلية من قبيل : وجوب اللطف الإلهي بالناس ، وضرورة الواسطة ، واحتياج الخلق للنبي ، وضرورة الشريعة كنظام للبشر. ثم انتقل الشاعر إلى ذكر الشرائط اللازمة في النبي كاحتياجه إلى المعجزة ، وتمتعه بالعصمة ، وامتناع النسيان والسهو منه.
٤ - الإمامة : أورد الشاعر أدلّة الإمامة موزّعة على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : الإمامة والعقل ، وفيه ذكر أدلة الإمامة العقلية وهي : احتياج الخلق للإمام ، وقاعدة اللطف الإلهي ، وانّ الإمام حفظ للنظام ، والإمامة سنة الله في خلقه ، وانّ الإهمال بعد إرسال الرسل محال على الله - جلّت قدرته.
وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى موضوعين آخرين هما كيفية اختيار الإمام ، والشروط التي يجب أن تتوفر فيه.
القسم الثاني : الإمامة والقرآن. وفي هذا القسم ذكر الشاعر الآيات القرآنية الواردة في موضوع الإمامة ، وكذلك الآيات النازلة في فضل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام وقد بلغ عدد الآيات في هذا الشأن إحدى وخمسين آية شريفة(١) .
القسم الثالث : الإمامة والحديث ، تناول الشاعر في هذا القسم طائفة
__________________
١ - والآيات هي : البقرة : ٤٣ ، ١٣٤ ، ٢٠٧ ، ٢٧٣. آل عمران : ٦١. النساء : ١١٥. المائدة : ٣ ، ٥٥ ، ٦٧. الأنعام : ٨٢ ، ١٥٣. الأنفال : ٢٤ ، ٦٢. التوبة : ٣. يونس : ٥٨. هود : ١٢ ، ١٧. الرعد : ٧ ، ٤٣. مريم : ٩٦. الشعراء : ٢١٤. القصص : ٦٨. لقمان : ٢٢. الأحزاب : ٢٥ ، ٣٣ ، ٧٢. فاطر : ٣٢. الصافات : ٢٤. الزمر : ٣٣ ، ٥٦. الشورى : ٢٣. الزخرف : ٥٧ ، النجم : ٢ ، ٣ ، ٤. الواقعة : ١٠ ، ١١ ، ١٢. الحديد : ١٩. التغابن : ٨. التحريم : ٤. المعارج : ١ ، ٢ ، ٣. الدهر : ٧. النبأ : ١ ، ٢ ، ٣. البينة : ٧ ، ٨.
كبيرة من الأحاديث النبوية المعنية بالإمامة وفضل الإمام عليعليهالسلام ، منها : حديث النور ، وحديث المؤاخاة ، وحديث الولاء ، وحديث المنزلة ، وحديث المباهلة ، وحديث الغدير ، وحديث الحوض ، وحديث الفردوس ، وحديث البساط ، وحديث النجوى ، وحديث البراءة ، وحديث السفينة ، وحديث الثقلين ، وأحاديث كثيرة اُخرى.
٥ - المعاد : خلص الشاعر في حديثه عن اُصول الدين إلى الأصل الخامس وهو المعاد. فذكر - كما فعل في الاُصول الأربعة السابقة - أدلة المعاد العقلية والنقلية ، كثبوت التكليف اللازم لثبوت المعاد ، وإجماع أهل الأديان على المعاد ، وأنّ عدم المعاد هو ظلم للعباد ، مضمناً ذلك بالآيات القرآنية والأخبار المتواترة في شأن المعاد.
وثمة مواضيع اُخرى تتعلق باُصول الدين تطرق إليها الشاعر عرضاً في نهاية بحث المعاد. منها : إعجاز القرآن وما يتعلّق به من مواضيع كاُسلوبه وأغراضه وخواصه وأخباره ، ومنها عصمة الأنبياء والأئمة وما جاء فيها من أدلة ، ومنها مواضيع عقائدية وكلامية مثل البداء ، والجبر والتفويض ، والمعراج الجسماني ، والولاية ، وعالم البرزخ والرجعة حيث ذكر فيها آراء المتكلمين على مختلف مذاهبهم ثم درسها وناقشها طبقاً لمذهب أهل البيتعليهمالسلام (١) .
وجلّ اعتماد الشيخ الفرطوسي في مبحث اُصول الدين كان على كتاب حقّ اليقين للسيد عبدالله شبّر ، بالإضافة إلى كتب اُخرى اقتبس منها مضامين ملحمته.
__________________
١ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ١ ، ص ٨٧ - ١١٧.
ثانياً : فروع الدين(١) :
تحدّث الشاعر في هذا الفصل وبشكل استعراضي عن فروع الدين وهي : الصلاة ، والصوم. والزكاة ، والخمس ، والحج ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والموالاة والبراءة. وقد تطرق في نهاية البحث إلى ذكر كبائر الذنوب وصغائرها مبيناً ما في بعض تلك الذنوب مثل قتل النفس ، وشرب الخمر ، والزنا ، والسرقة ، من آثام كبيرة ومفاسد اجتماعية تهدد المجتمع الإسلامي بالسقوط والانحطاط.
وقد استند الشاعر في مبحثه هذا على كتب مختلفة منها : كتاب العروة الوثقى للسيد كاظم اليزدي ، وكتاب وسيلة النجاة للسيد أبي الحسن الاصفهاني ، وكتاب وسائل الشيعة للحر العاملي ، وكتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي.
ب - السيرة
١ - حياة الرسول الأَعظم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أوّلاً : سيرتهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) : بدأ الشيخ الناظم هذا الفصل بذكر المولد النبوي الشريف ، والعلائم والآيات التي رافقت مولده كانطفاء نار فارس ، وجفاف بحيرة ساوه ، وانهدام ايوان كسرى وغيرها من الآيات الباهرة الاُخرى. وقال في جانب من شعره متيمناً(٣) :
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١١٨ - ١٣١.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٣٥ - ١٥٦ ، ٢٤٧ - ٣٥٤.
٣ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٣٦.
ولد المصطفى محمد يمناً |
ألف أهلاً بخاتم الأصفياء |
|
وتجلّى والنور يشرق منه |
بجبين كالكوكب الوضّاء |
|
بين كتفيه للنبوة ختمٌ |
وظهور للشامة السوداء |
|
قد رآه حبر اليهود فأفضى |
لقريش بأعظم الأنباء |
|
وبحيرا في الدير بشّر فيه |
حين وافاه سيّد البطحاء(١) |
ويتابع الشاعر ذكر السيرة النبوية الشريفة مستهلاً بنشأة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم طفلاً يتيماً فشاباً يافعاً في بيت عمّه أبي طالبعليهالسلام ، ثم زواجهصلىاللهعليهوآلهوسلم بخديجةعليهاالسلام بعد سفره للشام ، والظروف التي عاشتها الدعوة الاسلامية آنذاك ، وما بذله أبو طالب من جهود لنصرة الإسلام ونجاح الرسالة المحمدية. ومن خلال هذا البحث يتطرق الشاعر إلى إيمان أبي طالب الذي كثر فيه الجدل والكلام فيتوسع فيه معتمداً بذلك على قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بشأن أبي طالب ، وأقوال سبعة من أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، وهم : الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والإمام علي بن الحسين والإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم والإمام الرضا والإمام الحسن العسكري - عليهم أجمعين أفضل الصلاة والسلام.
وينتقل الشاعر من خلال حديثه عن سيرة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المبعث النبوي الشريف فيقول منشداً :
نفحات الاصلاح هبّت بأرض |
تصطلي بالفساد والشحناء |
|
وشعاع الرشاد ، والغيُّ ضافٍ |
شقّ بالنور بردة الظلماء |
|
واستفاضت من الهدى نبعات |
لنفوس من الضلال ظماء |
__________________
١ - سيد البطحاء هو أبو طالب عمّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبحيرا : راهب. بشّر أبا طالب بنبوة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فازدهى الخصب والرسالة غرس |
في ربوع الجزيرة الجرداء |
|
بعث الصادق الأمين رسولاً |
للبرايا من صفوة الأمناء |
|
حين وافى الروح الأمين إليه |
وهو لله خاشع في حراء |
|
وأتاه النداء بالوحي إقرأ |
باسم ربّ أوحى بهذا النداء |
|
فأتى والجبين ينضح منه |
عرقاً يستفيض فوق الرداء |
|
إنّما أنت منذر وصفيّ |
ولكلٍّ هادٍ من الأصفياء |
|
قد بعثناك شاهداً ورسولاً |
قم وأنذر وابدأ من الأقرباء(١) |
ومن ثمّ يتناول الشيخ الناظم معجزة النبي الخالدة - القرآن الكريم - فيستعرض في بادئ الأمر مآثرها العظيمة ، وآثارها على البرية ، منتهياً بالحديث عن ضلالة تفسير القرآن بالرأي ، وفساد تأويله من دون علم ووعي بظاهر القرآن وباطنه.
ومن خلال حديثه عن السيرة النبوية الشريفة يتطرق الشاعر إلى عدّة موضوعات في هذا الشأن ، منها : معجزات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيذكر منها ثلاثاً وعشرين معجزة - عدا القرآن الكريم - من مثل انشقاق القمر وحنين الجذع وكلام الذراع واقتلاع الشجر. ومن الموضوعات الاُخرى المعراج النبوي الشريف ، ونصرة اُم المؤمنين خديجةعليهاالسلام للإسلام ، وعام الحزن الذي فقد فيه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عمّه أبا طالبعليهالسلام وزوجته خديجةعليهاالسلام ، وهجرة الرسول إلى يثرب ، ومبيت عليعليهالسلام على فراش النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واحتجاجاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة على علماء الأديان والمذاهب كاحتجاجه على اليهود والنصارى وكذلك احتجاجه على الدهريين والثنويين والمشركين
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٥٢.
ومن ثمّ يعرج الشاعر على غزوات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيذكر منها : غزوة بدر ، وغزوة اُحد ، وغزوة الخندق ، وغزوة خيبر ، وفتح مكة ، وغزوة حنين. ثم يتناول بعد ذلك حجّة النبي الأخيرة المعروفة بحجّة الوداع فيقول فيها :
نفحات للقدس هبّت رويداً |
فرويداً في مشرق من بهاء |
|
وضجيج من التهاليل يعلو |
بدَويّ يميد بالأرجاء |
|
وزحام ضاقت به الأرض صدراً |
من سرايا الحجيج في البيداء |
|
أيّ ركب أطلّ بالنور والخصب |
مشعّاً في مجدب الغبراء |
|
هو ركب النبيّ وافى مُغذّاً |
بعد حج الوداع بالصحراء |
|
وإذا بالأمين جبريل يتلو |
بنداء للوحي بعد نداء |
|
أيها المصطفى المهيمن بلّغ |
كلّ أمر وافاك بالإيحاء |
|
فأناخ الركاب في يوم ( خمّ ) |
عند وقت الهجير من غير ماء |
|
وتلاها والمسلمون شهود |
من جميع الأقطار والأنحاء |
|
حين نادى من كنت مولاه حقّاً |
فعلي مولاه دون افتراء |
|
بايعوه بإمرة الحقّ مولىً |
حينما بخبخوا له بالولاء |
|
أيّ شيء بدا فحادوا ضلالاً |
عند يوم السقيفة السوداء |
|
وبيوم الشورى الذي ابتدعوه |
كيف أضحوا له من النظراء |
|
فتنة السامري في قوم موسى |
فتنة المسلمين بعد البلاء(١) |
ويفرد الشيخ الناظم بعد ذلك فصلاً طويلاً يتحدّث فيه عن أحاديث الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضل الإمام عليعليهالسلام فيذكر ستة وتسعين حديثاً ، منها : حديث إسلام علي ، وحديث الحوض ، وحديث الدوحة ، وحديث الوسيلة.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٧١.
ويختم الشاعر حديثه عن سيرة النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ذاكراً بعض خطبه الشريفة كخطبتهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجّة الوداع ، وخطبته يوم الغدير ، وخطبته في فضل شهر رمضان ، وخطبته في مسجد الخيف بمنى. ثم ينتهي به الكلام إلى ذكر وفاة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقول مؤبناً :
هذه جنّة الخلود تجلّت |
وهي تجلى بزينة وازدهاء |
|
هذه الحور بالجنان ابتهاجاً |
تتهادى بغبطة وهناء |
|
هذه زمرة الملائك تُكسى |
حُللاً من كرامة وبهاء |
|
تتهادى أفراحها بين نجوى |
صلوات وهينمات دعاء |
|
حيث يعلو فوجٌ ويهبط فوجٌ |
فوق وجه الثرى بأمر السماء |
|
وإذا بالأمين وهو يناجي |
ملك الموت في رحيب الفضاء |
|
هل قبضت الروح الزكية طهراً |
روح طه الأمين قبل اللقاء |
|
قال إني خيرته حين وافى |
أمر ربّي بين البقا والفناء |
|
فتوانى حتّى يراك فأهوى |
جبرئيل بآية الإعطاء |
|
سوف يعطيك مَن بَراك فترضى |
إنّ خير الدارين دار البقاء |
|
فدنا واضعاً بحجر عليّ |
رأسه راضياً بحكم القضاء |
|
حينما علّم الإمام عليّاً |
الف باب للعلم بالإيحاء |
|
فتوفاه ربّه وهو أزكى |
نبعة من سلالة الأزكياء |
|
فخبا للهدى سراج منير |
وانطوى للجهاد خير لواء |
|
وتداعى للحق حصن منيع |
وهوى للرشاد أسمى بناء |
|
وأصيب القرآن فهو المعزّى |
بالنبيّ الكريم أشجى عزاء |
|
أثكلَ المسلمون يُتماً وحزناً |
لمصاب الشريعة الثكلاء |
فإذا بالقلوب نارُ شجونٍ |
وإذا بالعيون ينبوع ماء(١) |
ثانياً : ما نزل من القرآن في فضل أهل البيت عليهمالسلام : ذكر الشاعر في هذا الفصل مئتين وإحدى عشرة آية شريفة نزلت في فضل أهل البيتعليهمالسلام . ومرجع اعتماد الشاعر في استخراج الآيات المذكورة كان في الغالب على كتب أهل السنّة وقليل من كتب الشيعة(٢) .
٢ - حياة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام :
أولاً : سيرتهعليهالسلام : تناول الشاعر في هذا الفصل عدّة مواضيع ، منها : مولدهعليهالسلام ، فضائله ومناقبه ، زهده وعبادته ، زواجه بالزهراءعليهاالسلام ، معجزاته وكراماته وهنا يذكر الشاعر أكثر من أربعين معجزة ومنقبة للإمامعليهالسلام من قبيل انقياد الحيوانات واستجابة الجمادات لهعليهالسلام ، ويخلص الشاعر في هذا الفصل إلى الحديث عن بيعة الإمام وما جرى لهعليهالسلام من أحداث وأخبار مع الناكثين والقاسطين والمارقين. ثم يختم هذا الفصل باحتجاج الإمام في توحيد الخالق والاستدلال عليه بمخلوقاته مشيراً إلى خلقة النملة والجراد والطاووس والخفاش(٣) .
ثانياً احتجاجه عليهالسلام في أمر الخلافة واثبات امامته :
توسع الشيخ الفرطوسي في هذا الفصل بالحديث عن نشأة الخلاف بين المسلمين في شأن الخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتطرق في البداية إلى أحداث السقيفة وما آلت إليه من نتائج وردود ، ثم استعرض النصوص النبوية في إمامة وخلافة
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٣٥٣ ، ٣٥٤.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٥٧ - ٢٤٦.
٣ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٧ - ٤٧.
الإمام عليعليهالسلام وما دار من نقاش ونزاع بين المهاجرين والأنصار انتهى إلى بيعة أبي بكر واحتجاج الإمام على ذلك ، وكذلك احتجاج اثني عشر صحابياً على أبي بكر وهم : خالد بن سعيد بن العاص ، وسلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي ، وبريدة الأسلمي ، وعمّار بن ياسر ، وأُبيّ بن كعب ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، وأبي الهيثم بن التّيهان ، وسهل بن حنيف ، وعثمان بن حنيف ، وأبي أيّوب الأنصاري.
ويواصل الناظم الحديث عن احتجاجات أمير المؤمنينعليهالسلام ، فيذكر منها احتجاجهعليهالسلام على أبي بكر عند منع الزهراءعليهاالسلام عن فدك ، واحتجاجه على أهل الشورى ، واحتجاجه في بيعة الغدير. وقد احتجّ الإمام بحديث الغدير كثيراً وفي مواضع عدّة منها يوم الجمل ويوم صفين. وقد أشار الشاعر في ختام هذا الفصل برواة حديث الغدير من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين عبر العصور منذ القرن الأوّل وحتى القرن الرابع عشر(١) .
ثالثاً : كلامه عليهالسلام :
نسق الشيخ الناظم في هذا الحقل إضمامة من كلام الإمامعليهالسلام المفعم بالتعاليم الإسلامية والاجتماعية والخلقية. فذكر في البداية عهد أمير المؤمنينعليهالسلام إلى مالك الأشتررحمهالله والتعاليم القيمة التي حملها هذا العهد من توصيات سياسية واجتماعية واقتصادية تتعلّق بالحاكم والرعية وحقوق وواجبات كل منهما تجاه الآخر. وأيضاً وصيتهعليهالسلام الغنية بالمواعظ والعبر لولده الحسنعليهالسلام ، وكذلك وصيته للحسنينعليهماالسلام قبيل رحيله ، وأيضاً كتابهعليهالسلام إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة ، ووصيته لكميل بن زياد النخعي بشأن العلم
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٥١ - ١٤١.
والعلماء ، وأخيراً كلامهعليهالسلام لهمّام في وصف المتقين(١) .
رابعاً : علمه عليهالسلام :
تناول الشاعر في هذا الفصل جانباً من علم الإمام وأورد أمثلة في معرفتهعليهالسلام لعلوم كثيرة كالنحو واللغة والأدب والرياضيات والطبّ والجغرافيا والصنعة والكيمياء والفلك. كما وخصص قسماً لقضائهعليهالسلام مع نقل أمثلة كثيرة في هذا الخصوص(٢) .
خامساً : شهادته عليهالسلام :
ختم الشاعر حديثه عن سيرة الإمام عليعليهالسلام بذكر شهادته فقال :
أي رزءٍ أراع شرعة طه |
فاريعت بصرخة وبكاءِ |
|
أثكل المسلمين يتماً وأدمى |
كل قلب بطعنة نجلاءِ |
|
حين أهوت شمس الهدى من علاها |
وتوارى للحق خير ضياءِ |
|
وأصاب ابن ملجم من |
عليٍّ في مصلاه مفرق العلياءِ |
|
فبكاه المحراب شجواً وحزناً |
وهو فيه مضرج بالدماء |
|
ونعاه الروح الأمين فأبكى |
كل عين من القذى رمداء |
|
قتل المرتضى عليٌ فأوهى |
عروة الدين أخبث الأشقياء |
|
وتداعى ركن الهدى وتهاوى |
من منار الإسلام أسمى بناء |
|
ونبا للجهاد خير حسام |
وانطوى للرشاد خير لواء |
|
وتعالى في ليلة القدر ذكر |
حين أهوى للأرض ذكر السماء(٣) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ١٤٥ - ٢٠٥.
٢ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٠٩ - ٢٣١.
٣ - المصدر السابق ، ج ٣ ، ص ٣٦١.
٣ - حياة الصدّيقة فاطمة الزهراء عليهاالسلام (١) :
تضمن هذا الفصل عدة مواضيع ، منها : مولدهاعليهاالسلام ، فضائلها ومناقبها ، زواجها من الإمام عليعليهالسلام ، ما جاء في الحديث الشريف بشأنها ، وما لها يوم القيامة من كرامة وفضل في شفاعة شيعتها ومواليها ، والآيات القرآنية التي نزلت بحقهاعليهاالسلام (٢) .
وفي جانب آخر من هذا الفصل تحدث الشاعر عن خطب الزهراءعليهاالسلام واحتجاجاتها بشأن خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام فذكر خطبتين لهاعليهاالسلام ، الاُولى خطبتها في مسجد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والتي تناولت فيها موضوع الخلافة وبيعة الإمام عليعليهالسلام ، والثانية خطبتها في نساء المهاجرين والأنصار واحتجاجها بحديث الغدير.
وينتهي الشاعر في ختام هذا الفصل إلى ذكر وفاتها ودفنها ليلاً ووقوف أمير المؤمنينعليهالسلام على قبرها باكياً :
قد بكاها حتى تفجر وجداً |
وحنيناً على نشيج البكاء |
|
ورثاها بالدمع من مقلتيه |
مستهلاً والدمع خير رثاء |
|
حين وارى في تربة الأرض شمساً |
عن علاها تنحط شمس السماء(٣) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٣ ، ص ٧ - ٧٤.
٢ - ذكر الناظم إحدى عشرة آية شريفة في هذا الخصوص ، والآيات هي : البقرة : ٣٧. آل عمران : ٤٣ ، ٦١ ، ١٩١ ، ١٩٥. النور : ٦٣. الزمر : ٦٥. الرحمن : ١٩. المزمل : ٩. التكوير : ٧. الليل : ٤.
٣ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٣ ، ص ٧٣.
٤ - حياة الإمام الحسن الزكيعليهالسلام (١) :
أولاً : سيرتهعليهالسلام :
تحدّث الشاعر في هذا الفصل عن مواضيع مختلفة ، منها : مولدهعليهالسلام ، فضله ومناقبه ، أخلاقه وسلوكه مع الناس ، سخاؤه وكرمه ، عبادته وتقواه ، وعلمه وقضاؤه. وقد أفاض الشاعر في المواضيع المذكورة وذكر لكل منها أمثلة كثيرة.
ثانياً : صلحه عليهالسلام :
تعرض الشيخ الفرطوسي بالتفصيل إلى صلح الإمام الحسنعليهالسلام مع معاوية سنة إحدى وأربعين للهجرة ، فبيّن عوامله وأسبابه ، وشروطه ومبرراته ، ثم ذكر خطبة الإمامعليهالسلام بعد الصلح واحتجاجه في الإمامة على معاوية ، وعمرو بن عثمان ، والوليد بن عقبة ، وعمرو بن العاص ، وعتبة بن أبي سفيان ، والمغيرة بن شعبة.
وفي نهاية هذا الفصل تطرق الشاعر إلى بعض كلام الإمام وخطبه فنقل شذرات وقبسات منها ثم انتهى به المطاف إلى ذكر شهادتهعليهالسلام وفضل زيارته.
٥ - حياة الإمام الحسين سيد الشهداءعليهالسلام (٢) :
أولاً : سيرتهعليهالسلام :
تناول الشاعر في هذا الفصل المواضيع التالية : مولدهعليهالسلام ، فضله ومنزلته عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، معاجزه ، كرمه وسخاؤه ، عبادته ، علمه ، شجاعته ، احتجاجه في الإمامة على عمر ، ومعاوية ، ومروان بن الحكم ، ومن ثم دواعي نهضتهعليهالسلام ضد بني أمية.
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٣ ، ص ٧٧ - ١٥٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ٣ ، ص ١٥٧ - ٣٩٠.
ثانياً : مقتله عليهالسلام (١) :
بدأ الشاعر هذا الفصل الموسع ببيتين خاطب بهما الإمام الحسينعليهالسلام قائلاً :
شاطرت جدّك في الرسالة إنها |
ثمر لغرس جهادك المتأخر |
|
ولدت بصدر محمد وتيتمت |
فحضنتها في صدرك المتكسر(٢) |
وقد صوّر الشيخ الفرطوسي في هذا الفصل وقعة الطف الأليمة أروع تصوير وبأسلوب قصصي منتظم تتسلسل فيه الأحداث والوقائع بشكل متناسق ومترابط. وتبدأ الأحداث بهلاك معاوية بن أبي سفيان وتسلّم يزيد مقاليد الحكم بعد أبيه ومطالبته البيعة من الإمام الحسينعليهالسلام ، ومن ثمّ امتناع الإمام عن البيعة.
وتتسلسل الأحداث بعد ذلك بخروج الإمام من المدينة المنورة وذهابه إلى مكة المكرمة ، وهناك يلتقي وجهاء مكة ، وفيها تصله من أهل الكوفة رسائل تدعوه إلى النهضة والجهاد. فيرسل الإمام مسلم بن عقيل سفيراً له إلى الكوفة ليطلع عن كثب على نوايا الكوفيين ومقاصدهم. وفي الكوفة يقتل مسلم ظلماً وغدراً. ويخرج الإمام من مكة متجهاً صوب العراق ، وفي الطريق يتلقى نبأ مقتل مسلم فيواصل الإمام مسيره حتى يصل إلى أرض كربلاء أرض الفتنة والبلاء :
هذه كربلاء دار البلايا |
وهي كرب مشفوعة ببلاء |
|
هاهنا ها هنا تحطّ رحالٌ |
للمنايا على صعيد الفناء |
|
هاهنا تذبح الذراري فتروى |
تربة الأرض من سيول الدماء |
__________________
١ - اعتمد الشيخ الفرطوسي في نظم هذا الفصل على كتاب مقتل الحسين للسيد عبدالرزاق المقرم.
٢ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٣ ، ص ٢٢١. والبيتان من قصيدة في ديوان الشاعر ، ج ٢ ، ص ٢٧.
هاهنا تقتل الرجال وتسبى |
بعد قتل الرجال خير نساء |
|
هاهنا تحرق الخيام فتأوي |
من خباءٍ مذعورة لخباء |
|
هاهنا تنهب الملاحف منها |
وتعرّى من الحُلى في العراء |
|
هاهنا يلهب الظما كلّ قلب |
يتلظّى وقدّاً لبرد الرواء |
|
فتموت الأطفال وهي عطاشى |
والأواني تجفّ من كل ماء |
|
ويُجرّ العليل من فوق نطع |
سحبوه بغلظة وجفاء |
|
وتشال الرؤوس فوق عوال |
وتعاف الأجسام في الرمضاء |
|
وصفايا الزهراء تحمل أسرى |
فوق نوق عجف بغير وطاء |
|
يوم عاشور أنت يوم أُريعوا |
بك آل الرسول في كربلاء(١) |
ويساير الشيخ الفرطوسي أحداث الطف حدثاً بحدث وليلة بليلة مضمناً ذلك خطب الإمام ومناشداته ومحاوراته مع الكوفيين ، حتى يصل إلى اليوم المشهود من وقعة الطف حيث مقتل خيرة أصحاب الإمام وشهادة صفوة أهل بيته ، ثم شهادتهعليهالسلام .
وتتواصل الأحداث بعد وقعة الطف بمسير السبايا إلى الكوفة ، ومن ثم خطبة زينب بنت الإمام عليعليهالسلام ، وفاطمة بنت الإمام الحسينعليهالسلام ، والإمام زين العابدينعليهالسلام في أهل الكوفة ، وبعد ذلك مسير السبايا إلى الشام ودخولهم على يزيد ، وخطبة الحوراء زينبعليهاالسلام ، والإمام زين العابدينعليهالسلام في مجلس يزيد.
وينهي الناظم هذا الفصل بحديثه عن زينب الكبرىعليهاالسلام ، وعن علمها وجهادها وقدسيّتها ، ومن ثم وفاتهاعليهاالسلام . ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن فضل زيارة الامام الحسينعليهالسلام ، والزيارات المأثورة كزيارة عاشوراء وزيارة عرفة وزيارة ليلة النصف من شعبان وزيارات مأثورة اُخرى.
__________________
١ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٣ ، ص ٢٧٤ ، ٢٧٥.
٦ - حياة الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام :
أوّلاً : سيرتهعليهالسلام :
بحث الشيخ الفرطوسي في هذا الفصل عدّة مواضيع ، منها : مولدهعليهالسلام ، امامته وفضله ، عبادته وزهده ، صدقاته وحلمه ، معجزاته وعلمه ، واحتجاجاته في شأن الخلافة والإمامة(١) .
ثانياً : رسالة الحقوق :
وهي رسالة دينية أخلاقية اجتماعية تناول فيها الإمامعليهالسلام الحقوق المتوجبة على الإنسان ، وهي : حق الله تعالى ، وحقّ النفس ، وحقّ اللسان ، وحقّ السمع ، وحقّ البصر ، وحق اليد ، وحق الرجل ، وحق البطن ، وحق الصلاة ، وحق الحج ، وحق الصوم ، وحق الصدقة ، وحق الهَدي ، وحق السلطان ، وحق الرعية بالسلطان ، وحق الرعية في العلم ، وحق المعلم ، وحق المالك ، وحق الزوجة ، وحق المملوك ، وحق الأم ، وحق الأب ، وحق الولد ، وحق الأخ ، وحق المنعم بالولاء ، وحق العبد بعد العتق ، وحق ذي المعروف ، وحق المؤذن ، وحق الإمام ، وحق الجليس ، وحق الجار ، وحق الصاحب ، وحق الشريك ، وحق المال ، وحق الغريم ، وحق الخليط ، وحق الخصم المدَّعي ، وحق الخصم المدّعى عليه ، وحق المستشير ، وحق المشير ، وحق الناصح ، وحق الكبير ، وحق الصغير ، وحق السائل ، وحق المسؤول ، وحق من سرّك ، وحق القضاء ، وحق أهل الملّة ، وحق أهل الذمّة(٢) .
ثالثاً : الصحيفة السجادية :
وهي مجموعة من الأدعية المأثورة عن الإمام زين العابدينعليهالسلام وهي في
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٤ ، ص ٧ - ٣٣ ، ص ٦٥ - ٨٧.
٢ - المصدر السابق ، ج ٤ ، ٣٧ - ٦١.
الحقيقة مجموعة من الدروس التربوية والأخلاقية ابتهلها الامام لتهذيب الناس وحثّهم على مكارم الأخلاق. وقد أبدع الشيخ الفرطوسي في نظم الصحيفة بالكامل منسقاً أدعيتها الأربعة والخمسين دعاءً في قالب شعري رائع ، وأسلوب أدبي متميّز(١) .
رابعاً : كلامه عليهالسلام :
ضم هذا الفصل مجموعة من حكم الإمام ونصائحه المأثورة. وقد ختمه الشاعر ب « زيارة أمين الله » ، وذكر وفاة الإمام السجادعليهالسلام (٢) .
٧ - حياة الإمام محمد الباقرعليهالسلام :
أولاً : سيرتهعليهالسلام :
يمكن حصر الموضوعات التي تطرق إليها الناظم في هذا الفصل في المواد التالية : مولد الإمامعليهالسلام ، نشأته وتربيته ، حلمه وعفوه ، عبادته وزهده ، معاجزه وكراماته ، وصاياه ونصائحه ، حكمه ومواعظه ، ثم شهادتهعليهالسلام (٣) .
ثانياً : أحاديثه عليهالسلام :
فتح الشيخ الفرطوسي في هذا الحقل باباً موسعاً لأصول وقواعد الحديث التي وضعها الإمام الباقرعليهالسلام . وقد بيّن فيه طريقة الإمام في تقييم الرواية والراوية وتحديد السليم منها والسقيم. وبعد ذلك تطرق الناظم إلى الأحاديث التي رواها الإمامعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعن ابن عبّاس ، وزيد بن أرقم ، والإمام
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٤ ، ص ٩١ - ٣٠٩.
٢ - المصدر السابق ، ج ٤ ، ص ٣١٢ - ٣٦٦.
٣ - المصدر السابق ، ج ٥ ، ص ٧ - ٢٨ ، ص ٣٢١ - ٣٩١.
عليعليهالسلام والإمام الحسينعليهالسلام ، والإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام (١) .
ثالثاً : علمه عليهالسلام :
خصص الشيخ الناظم فصلاً قائماً بذاته في موضوع علم الإمامعليهالسلام . وقد تطرق فيه إلى مساهمات الإمام الباقرعليهالسلام في الموضوعات العلمية المتنوعة كعلوم القرآن ، وعلم الكلام وعلم الفقه واُصوله. ومن ثم انتقل إلى احتجاجاتهعليهالسلام بشأن الامامة والخلافة ، ومسائل علمية اُخرى(٢) .
٨ - حياة الإمام جعفر الصادقعليهالسلام :
أولاً : سيرتهعليهالسلام :
تناول الشيخ الفرطوسي في هذا الحقل عدّة مواضيع ، منها : مولد الإمامعليهالسلام ، دلائل إمامته ، عبادته وزهده ، حلمه وصبره ، سخاؤه وكرمه ، إخباره بالمغيبات واستجابة دعائه ، معجزاته وكراماته ، مواعظه ووصاياه وحكمه ، ومن ثم شهادتهعليهالسلام (٣) .
ثانياً : علمه عليهالسلام (٤) :
أورد الشيخ الفرطوسي في هذا الفصل طائفة من أقوال العلماء في الإمام الصادقعليهالسلام منذ عصر الإمام وحتى يومنا هذا. وقد انبرى بعد ذلك يتحدّث عن رؤساء المذاهب الأربعة من تلامذة الإمام الصادقعليهالسلام ، وهم : أبو حنيفة النعمان بن ثابت رئيس المذهب الحنفي ، ومالك بن أنس رئيس المذهب المالكي ، ومحمّد
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٥ ، ص ٣١ - ٥٩.
٢ - المصدر السابق ، ج ٥ ، ص ٦٣ - ٣١٨.
٣ - المصدر السابق ، ج ٦ ، ص ٧ - ١٨٢. ج ٧ ، ص ٣٤٧.
٤ - المصدر السابق ، ج ٦ ، ص ١٨٨ - ٣١٣.
بن إدريس رئيس المذهب الشافعي ، وأحمد بن حنبل رئيس المذهب الحنبلي.
ويتابع الشاعر حديثه في هذا الحقل عن علم أهل البيتعليهمالسلام وخاصة علم الإمام الصادقعليهالسلام وآرائه في علم الحديث ، والفقه ، والجفر ، والنجوم ، والكيمياء ، والطب. وقد توسع الشاعر في الحديث عن طبّ الإمامعليهالسلام وذكر مناظرتهعليهالسلام مع الطبيب الهندي ، وآراءه في علاج بعض الأمراض ، وأقواله في خواص النباتات(١) .
ويختم الشاعر هذا الفصل بنقل أربع آيات قرآنية نزلت في أهل البيتعليهمالسلام يذكر من خلالها الأحاديث الشريفة المؤيدة لها والرواة الذين نقلوها. والآيات هي : آية التطهير(٢) وفيها خمسة وستون حديثاً ، وآية القربى(٣) وفيها تسعة وعشرون حديثاً ، وآية السؤال عن ولاية أهل البيتعليهمالسلام (٤) وفيها أربعة عشرة حديثاً ، وآية التصدق بالخاتم(٥) وفيها ثلاثة وعشرون حديثاً(٦) .
ثالثاً : توحيد المفضّل :
وهو ما أملاه الإمام الصادقعليهالسلام على تلميذه المفضّل بن عمر في إثبات التوحيد ، ومعرفة وجوه الحكمة من إنشاء العالم السفلي وإظهار أسراره ، وفيما خلقه الله - جلّ جلاله - من الآثار ، ورد الملحدين والجاحدين في إنكار الخالق بجلائل الأدلة والبراهين.
__________________
١ - استند الشاعر في حديثه عن طب الإمامعليهالسلام على كتاب طبّ الإمام الصادقعليهالسلام للشيخ محمد الخليلي.
٢ -( إنّما يُريدُ اللهُ ليذهبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّركُم تطهيراً ) الأحزاب : ٣٣.
٣ -( قل لا أسألُكم عليه أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربى ) الشورى : ٢٣.
٤ -( وقِفُوهُمْ إنَّهُم مَسئولون ) الصافات : ٢٤.
٥ -( إنّما ولِيّكُمُ اللهُ ورسولُهُ والذينَ آمَنُوا الذينَ يقيمونَ الصلاة ويُؤتونَ الزكاةَ وهم راكعون ) المائدة : ٥٥.
٦ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ج ٦ ، ص ٣١٦ - ٣٦٨.
وتوحيد المفضل كتاب في غاية الأهمية تبارى غير واحد من العلماء في شرحه وتفسيره. وقد نظمه الشيخ الفرطوسي في هذا الفصل نظماً متقناً وقويماً استوفى جميع معارفه الجليلة دون أن يفرط بصغيرة منها أو كبيرة(١) .
٩ - حياة الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام :
تطرق الشيخ الناظم في هذا الفصل إلى الموضوعات التالية : مولد الإمام الكاظمعليهالسلام وبعض مزاياه ، علمه ومعجزاته ، استجابة دعواته وإخباره بالمغيبات ، صدقاته ومجالسته للفقراء ، حكمه ومواعظه ، وصاياه لأولاده ، وصاياه لهشام بن الحكم ، أدعيته وكلماته القصار ، الإمام الكاظم وأبو حنيفة ، حديث الشيخ المفيد في مزايا الإمام الكاظمعليهالسلام ، الإمام في كتب : « ربيع الأبرار » للزمخشري ، و « تاريخ بغداد » للخطيب البغدادي ، و « عيون الأخبار » للصدوق ، و « الأمالي » للسيد المرتضى ، ومن ثم وفاتهعليهالسلام (٢) .
١٠ - حياة الإمام الرضا عليهالسلام :
من الموضوعات التي تناولها الشيخ في هذا الحقل : مولد الإمامعليهالسلام ، حديث السلسلة الذهبية ، مكارم أخلاقه ، احتجاجه في التوحيد ، احتجاجه في الإمامة ، احتجاجه على رؤساء الأديان ، احتجاجه على رأس الجالوت اليهودي ، احتجاجه على عمران الصابئي ، أجوبته على أسئلة المأمون ورده على شبهاته ، علمهعليهالسلام ، أجوبته في علل الشرائع ، كلامه في الجبر والتفويض ، إخباره بالمغيّبات ، معاجزه ، الرسالة الذهبية في الطبّ ، وفاتهعليهالسلام (٣) .
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٧ ، ص ٧ - ١٦٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ٨ ، ص ٧ - ٧٠.
٣ - المصدر السابق ، ج ٨ ، ص ٧٣ - ١٣٣.
١١ - حياة الإمام محمّد الجواد عليهالسلام :
في هذا الحقل تحدث الشيخ الفرطوسي عن : مولد الإمامعليهالسلام ، نص الإمام الرضاعليهالسلام على الإمام الجوادعليهالسلام ، علمهعليهالسلام ، تزويجه من إبنة المأمون ، معجزاته ، احتجاجاته ، احتجاجاته على يحيى بن أكثم ، شهادتهعليهالسلام (١) .
١٢ - حياة الإمام علي الهادي عليهالسلام :
تناول الشاعر في هذا الفصل : مولد الإمامعليهالسلام ، علمه ، أجوبته على مسائل ابن السكيت ويحيى بن أكثم ، كلامه في الجبر والتفويض ، جوابه عن متشابهات من القرآن ، معاجزه ، وشهادتهعليهالسلام (٢) .
١٣ - حياة الإمام الحسن العسكري عليهالسلام :
استعرض الشيخ الفرطوسي في هذا الحقل المواضيع التالية : مولد الإمامعليهالسلام ، علمه ، نماذج من تفسيره ، وقد أورد تفسير قوله تعالى : « بسم الله الرحمن الرحيم » وتفسير سبع آيات أُخر(٣) ، معاجزه ، وشهادتهعليهالسلام (٤) .
١٤ - حياة الإمام المنتظر - عجّل الله تعالى فرجه الشريف :
تطرق الشيخ الناظم في هذا الفصل إلى مواضيع عدّة ، منها : مولد الإمامعليهالسلام ، اسمه ونسبه وألقابه ، إمامته ، الآيات المؤولة في الإمام
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٨ ، ص ١٣٧ - ١٥٨.
٢ - المصدر السابق ، ج ٨ ، ص ١٦١ - ١٧٩.
٣ - والآيات هي : البقرة : ٧ ، ٢٢ ، ٩٨. النساء : ١١. التوبة : ١٦. الرعد : ٣٩. فاطر : ٣٢.
٤ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٨ ، ص ١٨٣ - ١٩٧.
المهديعليهمالسلام (١) ، الأحاديث النبوية في الإمام المنتظرعليهالسلام ، ما ورد عن أهل البيتعليهمالسلام في الإمام المهديعليهالسلام ، دلائل إمامته ، قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الأئمة اثنا عشر » من طرق أهل السنّة وبرواية ابن مسعود وابن عبّاس وعائشة والعباس بن عبدالمطلب عمّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي سعيد الخدري ، مصادر مئتين وثلاثة وسبعين حديثاً في أحوال الحجة المنتظرعليهالسلام ، معاجزهعليهالسلام ، خروجه في آخر الزمان ، وأربعون من ثقاة علماء السنّة يعترفون بالإمام المهديعليهالسلام وينقلون في ذلك أحاديث نبوية شريفة(٢) .
ج - علوم القرآن
في ثلاثة مواضع خصص الشيخ الفرطوسي مساحات كبيرة من ملحمته لموضوع القرآن وما يتعلق بتفسيره وعلومه. وقد تطرق الشيخ في تلك المواضع إلى معارف قرآنية جليلة وبحوث قيمة ومضامين هامة وخطيرة تستحق العناية والبحث المعمق. والمواضع هي :
أولاً : الموضع الذي تحدّث فيه الشيخ الناظم عن رسالة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام في علوم القرآن والتي شملت مواضيع قرآنية عدّة من قبيل : الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والعموم والخصوص ، والعزائم والرخص ، والجدال والاحتجاج ، والترغيب والترهيب ، والقصص
__________________
١ - أورد الناظم مئة وأربعة وثلاثين آية شريفة في هذا الخصوص استقاها من كتابي : « إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات » للحر العاملي ، و « المحجة فيما نزل بالقائم الحجة » للسيد هاشم البحراني.
٢ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٨ ، ص ٢٠١ - ٢٩٥.
والأمثال ، والتأويل والتفسير ، والاستدلال والقياس ، ومفاهيم قرآنية اُخرى(١) .
ثانياً : الموضع الذي خصه الناظم لتفسير الإمام الباقرعليهالسلام للقرآن الكريم. وقد بدأه بمقدمات ، منها : الترجيع بقراءة القرآن ، وتنزيه القرآن من الباطل ، وذمّ المحرِّفين للقرآن ، والاستعمالات المجازية في القرآن ، ومواضيع اُخرى. وقد تطرق الناظم في جانب آخر من هذا الموضع إلى نماذج من تفسير الإمامعليهالسلام معتمداً على كتاب « البرهان في تفسير القرآن » للسيد هاشم البحراني. وقد بلغ عدد الآيات المفسرة في هذا الموضع مئة وخمساً وتسعين آية شريفة(٢) .
ثالثاً : وهو فصل قائم بذاته ومستقل عن باقي موضوعات الملحمة وضعه الشيخ الفرطوسي خصيصاً لتفسير القرآن الكريم حيث بلغت الآيات المفسرة في هذا الفصل مئة وثلاثاً وستين آية شريفة(٣) .
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٣٥ - ٣٦٣.
٢ - المصدر السابق ، ج ٥ ، ص ٦٣ - ٢٣٠ ، ج ٧ ، ص ٣٥١ ، ٣٦٨.
٣ - المصدر السابق ، ج ٧ ، ص ١٦٧ - ٣٤٣.
للملحمة خصائص وقيم فنية كثيرة ، أشار إلى جملة منها السيد محمد باقر الصدر حين قدّم الملحمة قائلاً : « وجدت الملحمة فريدة في بابها ملأت فراغاً لم يكن قد ملئ حتى الآن في تراثنا الفكري والأدبي وقد استطاع الاستاذ المبدع الذي وضع هذه الملحمة أن يمزج فيها بين جلال العقيدة وقوة البرهان ونصاعة الاستدلال ونزاهة العرض ودقة التصوير من ناحية وبين قوّة الابداع وزخم الشعور وروعة الشعر وجمال التصوير من ناحية اُخرى ولئن كانت الملحمة تعبيراً عن أمجاد خير أمة اخرجت للناس ومفاهيمها العامة وتاريخها العظيم بكل ما يحمل من سمات الابداع والبطولة والايمان والتضحية والفداء فهي في نفس الوقت تعبير عن مدى القدرات الهائلة في لغة القرآن التي مكّنتها من أن تصور كل تلك الأمجاد وكل ذلك التاريخ الحافل بشعر ملتزم بكل ما يفرضه الشعر من التزامات الوزن والقافية ولم يفقد بسبب ذلك روعة الشعر وجماله وهي بالتالي تجسيد لألمعية هذا الشاعر الجليل الذي فجّر تلك القدرات بما أوتي من نبوغ في الشعر وتضلع في اللغة وعمق في الولاء وتفقه في الدين والتاريخ »(١) .
وللتوسع في الموضوع وتفصيل الكلام في خصوصيات وقيم الملحمة لابدّ من الحديث عن الميّزات التي انفردت بها الملحمة ، والجوانب المتعددة التي يمكن من خلالها تقييم الملحمة ونقدها. ومن الخصائص البارزة التي نقف عندها في هذا الفصل :
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٧ ، ٨.
على الرغم من طول الملحمة التي جاوزت الأربعين ألف بيت ، وتعدد مواضيعها وتنوع مضامينها ، فإننا نرى أنّ الشاعر يلتزم فيها بحراً واحداً وهو الخفيف ، وقافية واحدة وهي الهمزة المكسورة. وقد أجاد الشاعر في اختياره هذا. فكما هو معروف فانّ بحر الخفيف - كما يتضح من تسميته - خفيف يتصف بالهدوء والرزانة ، الرزانة الباعثة على الحركة والتواصل لا على السكون والانقطاع. « وأكثر ما استعمل الخفيف عند القدامى في أغراض قريبة من مواطن الأداء النفسي كالتأمل والحكمة والرثاء ، كما استعمل لإبراز الحوار الداخلي ما بين الشاعر وأعماقه »(١) .
وأمّا القافية وهي الهمزة المكسورة فانّها من أفضل القوافي التي يمكن استخدامها في القصائد المطولة ذات النفس الملحمي المديد ، لكثرة مفرداتها وتنوع اشتقاقاتها اللغوية. فلذا كان التنوع اللغوي مشهوداً وملحوظاً في تمام أبيات الملحمة. وكما مرّ سابقاً فانّ الشاعر قد استخدم قافية واحدة فقط لم يحد عنها طوال أجزاء الملحمة الثمانية. ولعل ذلك يعود إلى الإحكام الذي توخاه الشاعر في نسيج قصيدته ، والتناسب الحاصل عادة بين الموسيقى الداخلية والخارجية في مثل هذا النوع من القصائد الموحدة القافية.
وهذا دأب شعراء النجف فانّهم ينظرون « إلى وحدة القافية نظرة اعتزاز ، ويعدونها أصلاً من أُصول الإبداع في القصيدة ، ومظهراً من مظاهر اكتمالها الفني ، ولا يحيدون عن وحدة القافية رغبة في التخلص منها ، بل اتباعاً لنماذج من الشعر العربي وفنونه ، كالموشح والمزدوجات »(٢) .
__________________
١ - علي عباس علوان : تطور الشعر العربي الحديث في العراق ، ص ٢٣٧.
٢ - عبدالصاحب الموسوي : حركة الشعر في النجف ، ص ٣٤١.
حرص الشاعر منذ بداية ملحمته وحتى نهايتها على أن يدعم كلامه بالمصادر والمراجع المختلفة سواء مصادر أهل السنة أو المصادر الشيعية. وقلّما نجد موضوعاً أو بحثاً في الملحمة دون إسناد أو توثيق. فلذا امتازت الملحمة بقيمة علمية بالاضافة إلى قيمها الدينية والتاريخية والأدبية.
وتتنوع المصادر بتنوع الموضوعات التي طرقها الشيخ الفرطوسي في موسوعته الشعرية. فقد شملت مصادر في القرآن وتفسيره ، والحديث وروايته ، وكذلك مصادر في الفقه والاُصول ، والفلسفة والكلام ، والتاريخ والسيرة ، والعلوم والفنون ، والشعر والأدب ، وموضوعات كثيرة اُخرى.
ومن أبرز كتب أهل السنّة التي اعتمد عليها الشاعر في ملحمته يمكن الاشارة إلى المصادر التالية : في التفسير : تفسير الكشّاف للزمخشري ، وتفسير الفخر الرازي ، وتفسير الطبري ، وتفسير البيضاوي. وفي التاريخ : تاريخ الطبري ، وتاريخ ابن كثير ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي. وفي الحديث : صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، وصحيح الترمذي ، ومسند ابن حنبل ، والمستدرك للحاكم ، والمعجم الصغير للطبراني ، وكنز العمال للمتقي الهندي. وفي الرجال : تذكرة الحفاظ للذهبي ، وأُسد الغابة لابن الأثير ، والطبقات الكبرى للشعراني. وفي الكلام : رسالة الاعتقاد لأبي بكر الشيرازي ، وشرح تجريد الاعتقاد للسيوطي.
أما المصادر الشيعية فهي كثيرة ، ففي التفسير : مجمع البيان للطبرسي ، والبرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني ، والبيان للسيد الخوئي. وفي الحديث : الكافي للشيخ الكليني ، والتهذيب للشيخ الطوسي ، ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي. وفي الكلام والاعتقاد :
الاحتجاج للطبرسي ، وإحقاق الحق للسيد نور الله المرعشي التستري ، وحق اليقين للسيد عبدالله شبّر ، وعقائد الإمامية للسيد إبراهيم الزنجاني ، والمراجعات للسيد شرف الدين.
من جملة ما يلاحظ على معاني الشاعر في ملحمته أنّها معان واضحة ليس فيها تكلّف ولا تصنّع ، ولا إغراق في الخيال ولا مبالغة في التعبير ، ولعلّ ذلك يعود إلى الهدف الذي ارتسمه الشاعر في ملحمته وهو تأريخ حياة وفكر أهل البيتعليهمالسلام ، والأحداث التي عاصروها لتكون وثيقة تاريخية قبل أن تكون وثيقة شعرية خالصة أو أثراً أدبياً بحتاً.
ومن هذا المنطلق حرص الشاعر على نقل الأحداث والوقائع نقلاً أميناً دون أن يفرض إرادته الفنية وقبل أن يستجيب لأحاسيسه وعواطفه. ومن أجل ذلك كان شعره - عدا النزر القليل - وثيقة دقيقة لمن أراد أن يعرف التأريخ الإسلامي ويطلّع على حياة أهل البيتعليهمالسلام وعلى أفكارهم ومعارفهم القيمة.
ويواصل الشاعر تأدية معانيه بهذه الصورة الواضحة ومن غير تمويه وطلاء. فهو يهدف إلى سرد الحقائق سرداً واقعياً وحسيّاً دون إعمال الخيال والعاطفة. وإن شاب بعض أشعاره خيال فإمعاناً في الوضوح وزيادة في الجلاء. ومن هنا نرى الشاعر في كثير من المواضع يظهر ببزّة مؤرخ يروي الأحداث والوقائع كما جاءت في المصادر المعنية لا كما يراها هو. فمثلاً عندما يتناول غزوة من غزوات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كغزوة بدر مثلاً نراه يتابع أحداثها ، ويلقي الضوء على وقائعها بموضوعية وأمانة تامة :
إنّما المسلمون في يوم بدر |
أقوياء في عدّة الضعفاء |
|||
أقوياء الإيمان والدين أقوى |
شوكةٍ تستهين بالأقوياء |
|||
وقريش وقد تمادت لطه |
في عداها أطغى من الكبرياء |
|||
حين جاءت بعدّة وعديد |
تتبارى بالخيل والخيلاء |
|||
وأرادت عند البررجالاً |
من قريش همُ من الأكفاء |
|||
فتصدى عبيدة وعلي |
لهم بعد سيد الشهداء |
|||
والوليد الباغي وعتبة يتلو |
شيبة في الصمود عند اللقاء |
|||
فتلاقى الأقران من كلّ صفٍ |
والمنايا تضرى من الغلواء |
|||
وإذا بالطغاة بين صريع |
وقتيل مقطع الأعضاء |
|||
وعليّ هو المجلّي جهاداً |
وهو في الحرب فارس الهيجاء |
|||
قتل الله نوفلاً بيديه |
بعد دعوىً من خاتم الأنبياء(١) |
|||
وهكذا دواليك في سائر أحداث الملحمة وباقي موضوعاتها المختلفة. فالسمة البارزة في أشعار الملحمة وخاصة الأشعار التاريخية تكمن في وضوح المعاني وشفافية المضامين والموضوعات.
اتجه الشاعر في لغته التعبيرية واُسلوبه البياني إلى اختيار ألفاظ سهلة ومفردات متداولة يسهل فهمها وتتبادر إلى الذهن بيسر وسرعة. وقد سار الشاعر في هذا الاتجاه في جميع الموضوعات التي تطرق إليها سواء الموضوعات
__________________
١ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ١ ، ص ٢٦٦.
المعقدة والصعبة أو المسائل المبسطة واليسيرة. فنلحظ مثلاً عندما يتطرق الشاعر إلى موضوعات كلامية عويصة كالجبر والتفويض مثلاً نجده ينهج المنهج السابق ويتناول الموضوع بكل بساطة وسهولة. يقول في هذا الشأن :
هو أمرٌ ما بين أمرين حقٌ |
عن ضلال التفويض والجبر نائي |
|
قرّرته أئمة الحق منّا |
وهو يعزى لخيرة الأوصياء |
|
وهو عند التحقيق والحق يبدو |
لك بالعين عند كشف الغطاء |
|
انّ ربّ العباد أولى امتناناً |
كلّ عبد بمنّة وعطاء |
|
وحباه إرادةً واختياراً |
في جميع الأفعال عند الحباء |
|
وله قدرة بترك المعاصي |
وبفعل الطاعات وقت الأداء |
|
طبق أصل يصدّه بالنواهي |
عن إباحات سائر الأشياء |
|
ولربّ العباد أمرٌ ونهيٌ |
وحدودٌ موضوعةٌ للقضاء |
|
وأمور طبق المصالح تجري |
في القضايا من عالم بالخفاء |
|
بعد تبيين منهج الغي منها |
للبرايا ومنهج الإهتداء |
|
قد هداه النجدين إمّا شكوراً |
أو كفوراً بهذه النعماء |
|
ويجازى المطيع من كل عبد |
عند فعل الطاعات خير جزاء |
|
ويعاني العاصي بسوء اختيار |
عند عصيانه أشدّ البلاء |
|
وهو حكم يقرّه العقل جزماً |
وقضاء عدل بغير اعتداء |
|
وقضاء الإله وهو مطاعٌ |
نافذٌ حكمه بكلّ مُشاء |
|
في جميع الطاعات أمرٌ وأجرٌ |
ورضاه والعون للأولياء |
|
والتخلّي والنهي والسخط منه |
في المعاصي والذم للأشقياء(١) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٩٩ ، ١٠٠.
وعلى هذه الشاكلة يسير الشاعر في لغته الشعرية نحو الألفاظ القريبة إلى الذهن والتي يكثر استعمالها في لغة العرب. فهو حريص أشدّ الحرص على أن يكون بيانه أسرع تناولاً وأيسر فهماً للقارىَ والمستمع. وبالرغم من ذلك فإننا نجد بعض الألفاظ الغريبة والمفردات النادرة التي تحتاج إلى الايضاح والتبيين من مثل « شراسيف »(١) في قوله يصف النملة :
وشراسيف بطنها كيف صفت |
ومجاري طعامها والهواء(٢) |
و « تُطامن »(٣) و « الطِّماح »(٤) في هذا البيت :
لتُطامن منك الطِّماح ويدنُ |
لك عقل عن الهدى مُتنائي(٥) |
و « الطبين »(٦) في البيت التالي :
ورواسي الايمان والعدل منّا |
والطبين الخبير في كل داء(٧) |
و « الصالقات »(٨) في قوله :
ومن الصَّالقات للخلق نهشاً |
وهي حيّاتها بدون وقاء(٩) |
واستعمال مثل هذه المفردات في الملحمة نزر قليل ، لا يعمد الناظم إلى ذكرها وإنّما تأتي عرضاً في سياق الكلام. ومع ذلك فان الشاعر لا يتركها من غير توضيح بل يبيّن معانيها ويشرحها في الهامش.
__________________
١ - الشراسيف : أطرافُ أضلاع الصدر التي تُشرفُ على البطن. ( لسان العرب ، ج ٧ ، ص ٨٢ ).
٢ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٢ ، ص ٤٥.
٣ - تطامن : من طأمن الشيء أي سَكَّنه. ( لسان العرب ، ج ٨ ، ص ٢٠٤ ).
٤ - الطِّماح : الكبر والفخر. ( لسان العرب ، ج ٨ ، ص ١٩٨ ).
٥ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٢ ، ص ١٤٧.
٦ - الطبين : من الطَّبَن بمعنى الفِطْنَة. ورجل طَبِنٌ أي فَطِنٌ حاذقٌ عالم بكل شيء. ( لسان العرب ، ج ٨ ، ص ١٢٥ ).
٧ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٣ ، ص ٦٢.
٨ - الصَّلَق : صوت أنياب البعير إذا صَلَقَها وضرب بعضها ببعض. ( لسان العرب ، ج ٧ ، ص ٣٩١ ).
٩ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٤ ، ص ٢٠٨.
ثمة ميزة هامة تجلّت في شعر الملحمة بوضوح وساعدت على إطالتها وازدياد أبياتها ، وهي تصوير الشاعر الدقيق الحاصل من تعميق الفكرة وتوسيع المحتوى والمضمون للأحداث والوقائع التاريخية. وقد وفّق الشاعر في هذا الشأن أيّما توفيق ، فقد استطاع أن يتغلّب على الإطالة المملة الحاصلة من التلاعب اللفظي الذي يكثر غالباً في مثل هذه المواضع ، باختياره الألفاظ الرشيقة والعبارات الرقيقة التي تنم عن ذوق رفيع وحس مرهف ودقيق امتاز به الشاعر وأجاد استخدامه.
ولتبيين هذه الفكرة نضرب مثلاً قول الشاعر في « دخول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مدينة يثرب ». فقد استرسل في نقل هذا الحدث مصوراً الفرح الذي غمر الناس ، والبهجة التي عمّت الطيور والمروج والروابي احتفاءً بمقدم النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم :
هذه يثرب وهذا ثراها |
وهو مهد الشريعة الغرّاء |
|
والمروج الخضراء تزهو ابتهاجاً |
والروابي تضوع بالأشذاء |
|
وعذارى النخيل تهتزّ بشراً |
من رفيف الجدائل الزرقاء |
|
والصبايا وهي الأقاحي ثغوراً |
تتهادى بفرحة وازدهاء |
|
والأغاريد بالمسّرات تشدو |
فتعجّ الأجواء بالأصداء |
|
وبطاح الثرى تسيل احتشاداً |
وجموع الأنصار كالأنواء |
|
كلّ هذا بشراً بمقدم طه |
وابتهاجاً بخاتم الأنبياء |
|
والنبيّ الأُميّ خير سراج |
مستنير للأُمة العمياء |
|
منبع العلم ، والحضارة علماً |
ورشاداً من منبع العلماء |
|
مشرق النور والهداية أُفقٌ |
شقّ بالنور ظلمة الصحراء |
مهبط الوحي والأمين عليه |
معدنٌ للرسالة البيضاء |
|
هو فجر من الجهاد منير |
وانطلاق من ربقة الأدعياء |
|
ورسول بالحق يحكم عدلاً |
وحكيم يسمو على الحكماء |
|
أبصر الأُفق بالمدينة رحباً |
فتجلى من الهدى بضياء(١) |
لم يعمد الشاعر إلى وجوه التحسين اللفظي والمعنوي التي تأتي غالباً لتزيين الكلام وتنميقه. فكما تبيّن سابقاً ومن خلال القراءة الاُولى للملحمة أنَّ الشاعر أخذ على عاتقه رواية التأريخ الإسلامي وتسجيل أحداثه ووقائعه. وفي مثل هذا الموضع لا مجال للمحسنات البديعية ما لم تأت بصورة عفوية وتلقائية.
ومن هنا نجد في الملحمة بعض تلك المحسنات التي لم يتكلّف الشاعر فرضها على نظمه ، بل جاءت مواكبة لنظام القصيدة دون أن تحدث خرقاً في منهجيتها العامة. ومن هذه المحسنات يمكن الاشارة إلى ( الجناس )(٢) وأنواعه المختلفة كالجناس بين « ناظرات » بمعنى مبصرات و « ناضرات » بمعنى ناعمات في البيت التالي :
ووجوه لربّها ناظرات |
ناضراتٍ من نعمة وهناء(٣) |
والجناس بين « غدير » و « غزير » في هذا البيت :
وغدير من العلوم غزير |
فيه ريّ الظما من العلماء(٤) |
__________________
١ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٢٥٩ ، ٢٦٠.
٢ - الجناس : هو تشابه لفظين في النطق ، واختلافهما في المعنى. ( جواهر البلاغة ، ص ٣٤٣ ).
٣ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ١ ، ص ٣٢.
٤ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٥٣.
ومن المحسنات أيضاً ( الطباق )(١) . وقد استعمل كثيراً في الملحمة ، كالطباق ما بين « الليل » و « النهار » و « الموت » و « الحياة » و « النار » و « الجنان » و « عقاباً » و « ثواباً » في الأبيات التالية :
خلق الليل والنهار احتفاظاً |
بنظام الأشياء دون ازدراء |
|
خلق الموت والحياة لتُبلى |
كل نفس بما لها من بلاء |
|
خلق النار والجنان عقاباً |
وثواباً أعظم به من جزاء(٢) |
ومن المحسنات البديعية ( العكس )(٣) كما يظهر من هذا البيت :
وخروج الأحياء من كلّ ميتٍ |
وخروج الموتى من الأحياء(٤) |
وإلى هذه المحسنات البديعية يمكن ضمّ بعض الأساليب الأدبية التي طرقها الشاعر في مواضع عدّة من ملحمته ، كاقتباسه شيئاً من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف أو الكلام المأثور عن أهل البيتعليهمالسلام . ومثال ذلك ما اقتبسه الشاعر من القرآن الكريم في هذين البيتين :
هو يحيي الموتى ويكتب منهم |
في كتاب ما قدّموا للجزاء |
|
وهو يحيي العظام وهي رميم |
بعد خلق العظام في الابتداء(٥) |
وقد أراد في البيت الأول الآية الشريفة :( إنّا نَحنُ نحيي الموتى ونكتُبُ ما قدّموا وآثارَهُم ) (٦) . وفي البيت الثاني الآية الشريفة :( وضَرَبَ لنا مَثلاً ونسيَ
__________________
١ - الطباق : هو الجمع بين لفظين مُقَابلين في المعنى. ( جواهر البلاغة ، ص ٣١٣ ).
٢ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ١ ، ص ١٤.
٣ - العكس : هو أن تقدم في الكلام جزءاً ثم تعكس ، بأن تقدم ما أخرت ، وتؤخر ما قدمت. ( جواهر البلاغة ، ص ٣٣٨ ).
٤ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ١ ، ص ١٣.
٥ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ٨٤.
٦ - يس : ١٢.
خلقَه قال من يُحيي العظامَ وهي رميم ) (١) .
ومن الأساليب الأدبية أيضاً تكرار كلمة أو جملة في صدر أو عجز عدّة أبيات متتالية. وهو اُسلوب يتبعه الشعراء غالباً لجلب الانتباه حول موضوع معيّن يريد الشاعر التأكيد عليه والسبر فيه. كتكرار كلمة « مَن » في الأبيات التالية :
من له قال أحمد أنت مني |
مثل هارون خيرة الوزراء |
|
من بهم بأهل النبي النصارى |
في بنين وأنفس ونساء |
|
من بنص التطهير من كل رجس |
قد تزكّى وفي حديث الكساء |
|
من بهم « هل أتى » من الله جاءت |
عند وقت الإطعام للفقراء |
|
من له مِن مغيبها الشمس ردت |
بدعاء من خاتم الأنبياء |
|
من به جبرئيل في أُحد نادى |
« لا فتى » غير سيّد الأوصياء |
|
من حباه في يوم خيبر طه |
منكم خير راية ولواء |
|
من بيوم الأحزاب جندل عمراً |
فسقاه بالسيف مرّ الفناء |
|
من بحق للجن أرسل طه |
حين أضحى له من الأمناء(٢) |
__________________
١ - يس : ٧٨.
٢ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٢ ، ص ٩٢.
من جملة الملاحم الشعرية التي حظت بشهرة واسعة في الأوساط الأدبية - إضافة إلى ملحمة الشيخ الفرطوسي - ملحمة الشاعر اللبناني بولس سلامة الموسومة ب« عيد الغدير »(١) وتتناول هذه الملحمة أهم نواحي التاريخ الإسلامي من الجاهلية إلى آخر دولة بني أمية. ولهذه الملحمة نقاط اشتراك واختلاف مع ملحمة الشيخ الفرطوسي نذكرها للمناسبة.
من أهم المشتركات التي يمكن الاشارة إليها هنا هو موضوع الملحمتين. فقد تناول كلّ من الشاعرين بولس وعبدالمنعم التاريخ الاسلامي وما يدور في فلكه من شؤون وأحداث ، كلّ بطريقته الشعرية الخاصة واُسلوبه الأدبي المتميز. ويبقى الفارق في أمرين :
الأوّل : التوسع الموضوعي الذي اتبعه الشيخ الفرطوسي في ملحمته حيث تناول موضوعات كثيرة مثل العقائد والسيرة والتاريخ وتفسير القرآن لم يتطرق إليها الشاعر بولس سلامة وذلك لمقتضيات وضرورات منهاجه في ملحمته.
والثاني : هو تعميق الفكرة وتوسيعها من حيث المحتوى والمضمون وهو النهج الذي سار عليه الشيخ الفرطوسي في نظم ملحمته ، بينما ذهب الشاعر بولس إلى نبذ الاسهاب والتطويل متخذاً من الإيجاز والاختصار المفيد منهاجاً لملحمته.
ولتبيين هذه الفكرة نأخذ مثلاً حديث الشاعرين عن أبي طالبعليهالسلام عمّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . فالفرطوسي كدأبه في ملحمته يتجه نحو التوسيع فيبدأ كلامه بالحديث عن نصرة أبي طالب للإسلام :
__________________
١ - نظمها الشاعر باقتراح وإيعاز من السيد عبدالحسين شرف الدين. وقد صدرت في بيروت للمرة الاُولى سنة ١٩٤٧ م ، ثم تكرر طبعها سنة ١٩٦١ م وسنة ١٩٧٣ م.
يانصير الدين الحنيف بصدق |
والمحامي عن خاتم الأصفياء |
|
قد نصرت الإسلام في خير سيفٍ |
ولسانٍ من أبلغ الفصحاء |
|
وتحملت صابراً من قريش |
ودعاة الإلحاد كل عناء |
|
ولقد كنت جُنّةً من عداها |
وأذاها له وخير وقاء(١) |
ثم يتناول إيمان أبي طالب الذي كثر فيه الجدل والنقاش ، فيرد على المشككين بالحج والبراهين :
كيف ترمى بالكفر بعد جهادٍ |
مستميت عن ملّة الحنفاء |
|
ومقال أبديته بعد علمٍ |
واعتقاد أظهرته بجلاء |
|
إنّ دين النبي من خير دينٍ |
للبرايا أوحاهُ ربّ السماء |
|
وأبو بكر قد تجلّى علينا |
في أبي طالب بأبهى سناء |
|
قال أدّى الشهادتين بصدقٍ |
قبل يوم الممات خير أداء |
|
وأخوه العبّاس أوحى بهذا |
في صريح الكلام دون خفاء |
|
وابن عبّاس وهو حبرٌ جليل |
من عيون الأعلام والعلماء |
|
وأبو ذر من تزكّى عن الكذب |
بنصّ من خاتم الأنبياء(٢) |
ومن ثم ينتقل إلى ذكر قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأقوال الأئمةعليهمالسلام في أبي طالب. وقد تجاوزت أبيات الفرطوسي في هذا الموضوع المئة. بينما اكتفى الشاعر بولس بنظم سبعة وعشرين بيتاً تناول فيها نشأة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في ظل أبي طالب وسفره مع عمّه إلى الشام :
مَن لهذا اليتيم من للصغير |
من لفرخ النسور غير النسور |
__________________
١ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ١ ، ص ١٤٤.
٢ - المصدر السابق ، ج ١ ، ص ١٤٦.
(شيبة الحمد) بالحنان تولّى |
بُرعمَ الورد في النبات الطرير(١) |
|
فنما أحمد بظلّ كريم |
كانبلاج الضحى وسري العبير |
|
وقضى شيبة العظيم فمالت |
دولة الظل عن يتيم العطور |
|
ومضت بعد (شيبة) بنتُ وهبٍ |
فغدا الطفل زهرة في الهجير |
|
يا أبا طالب فدتك السجايا |
من مجير سمح الجنان نصور(٢) |
وثمة نقطة اشتراك اُخرى بين الملحمتين من حيث الشكل والوزن. فكلا الشاعرين التزما بحر الخفيف ولم يخرجا عنه ، إلاّ انّهما افترقا من جهة القافية. فالفرطوسي التزم قافية واحدة في تمام ملحمته وهي قافية الهمزة المكسورة ، بينما آثر الشاعر بولس تنوع القافية فبدأ ملحمته بقافية الياء المفتوحة :
يامليك الحياة أنزل عَلَيَّا |
عزمة منك تبعث الصخر حيّا(٣) |
ثم انتقل إلى قافية الميم الساكنة :
كان في ذلك الزمان القاتمْ |
في رمال الحجاز شعب عارم(٤) |
ومن ثم إلى الهمزة المكسورة :
قلت : يا رب يا اله السماء |
استجبني يامنقذ الضعفاء(٥) |
وهكذا دواليك حتى آخر الملحمة. ويعد هذا الفارق - وحدة القافية عند الفرطوسي وتنوعها عند بولس سلامة - من مميزات الشعر النجفي عن الشعر اللبناني. فقد سبقت الاشارة إلى أنّ شعراء النجف يؤثرون وحدة القافية بغية
__________________
١ - شيبة الحمد : هو عبدالمطلّب جدّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٢ - عيد الغدير ، ص ٣١.
٣ - عيد الغدير ، ص ١٣.
٤ - عيد الغدير ، ص ١٥.
٥ - عيد الغدير ، ص ٢٤.
استحكام القصيدة وانسجامها. بينما يتجه الشعراء اللبنانيون في الغالب إلى تنوع القافية وتعددها.
وما بين الملحمتين نقطة اشتراك اُخرى تستوقفنا وهي جمالية التعبير عند الفرطوسي وسلامة. وقبل الدخول في خصائص الجماليتين نضرب مثلاً على ذلك لتتبين معالم الجماليتين أكثر فأكثر. نأخذ على سبيل المثال قول الفرطوسي في مولد الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام :
قبسات من الهداية شقّت |
ظلمات العمى بصبح مُضاء |
|
ولواء التوحيد رفّ فلفّت |
عذبات الإلحاد والكبرياء |
|
ويقين أهاب بالشك حتّى |
أذهب الريب من ضمير الرياء |
|
نفحات من الامامة أوحت |
بشذاها شمائل الأنبياء |
|
حملتها أمانة ورعتها |
حين أدّت ما عندها بوفاء |
|
خير أُمّ عذراء قُدْساً وطهراً |
هي أسمى قدراً من العذراء |
|
وضعتها يمناً بأزكى مكان |
فتجلّت كالدرّة البيضاء |
|
حين شُقّ البيت الحرام جلالاً |
يوم ميلاد سيّد الأوصياء |
|
فأقامت به ثلاثاً بأمنٍ |
وثمار الجنان خير غذاء |
|
وقريش في حيرة تتقرّى |
غامض السر في ضمير الخفاء |
|
وإذا بالفضاء يزهو بهاء |
بهاء من مُحيّاً مباركٍ وضّاء |
|
وعلي كالبدر يشرق نوراً |
وهي بشراً تضيء كالجوزاء |
|
حملته كالذكر بين يديها |
حين وافت لسيّد البطحاء |
|
فتجلّى والحق فجرٌ مبينٌ |
دامغاً كل باطل وافتراء |
ويقيناً يمحو الظنون وتمحو |
آية النور آية الظلماء(١) |
ففي هذه الأبيات الجميلة تتجلّى بوضوح جمالية التعبير من خلال نصاعة البيان ، وصدق العاطفة ، وعفوية الشعور والاحساس إلى جانب تناسق النغم الشعري وتناسب موسيقاه. وهذه الخصائص تضفي على الشعر هالة من الحسن والبهاء يجد المتلقي فيها متعة ولذة كبيرة.
امّا عن جمالية التعبير عند الشاعر بولس سلامة فلنسمعه يقول في مولد الإمامعليهالسلام :
سمع الليل في الظلام المديد |
همسة مثل أنة المفؤود |
|
من خفي الآلام والكبت فيها |
ومن البشر والرجاء السعيد |
|
حُرَّةٌ ضامها المخاض فلاذت |
بستار البيت العتيق الوطيد |
|
كعبة الله في الشدائد ترجى |
فهي جسر العبيد للمعبود |
|
لا نساء ولا قوابلُ حفَّت |
بابنة المجد والعلى والجود |
|
صبرت فاطم على الضيم حتى |
لهث الليل لهثة المكدود |
|
وإذا نجمة من الاُفق خفّت |
تطعن الليل بالشعاع الجديد |
|
وتدانت من الحطيم وقرّت |
وتدلت تدلّيَ العنقود |
|
سَكب الضوء في الأثير دفيقاً |
فعلى الأرض وابل من سعود |
|
واستفاق الحمام يسجع سجعاً |
فتهش الأركان للتغريد |
|
بسم المسجد الحرام حبوراً |
وتنادت حجاره للنشيد |
|
ذرّ فجر ان ذلك اليوم فجرٌ |
لنهار وآخر للوليد(٢) |
_________________
١ - ملحمة أهل البيتعليهمالسلام ، ج ٢ ، ص ٧ ، ٨.
٢ - عيد الغدير ، ص ٣٦ ، ٣٧.
فالجمالية هنا تبرز من خلال موضوعية الشاعر وبراعة تصويره ، ووصفه الدقيق المزّين بالتشبيهات الرقيقة والاستعارات الجميلة بالاضافة إلى الايقاع الموسيقي المنسجم للأبيات.
ومهما يكن من أمر الخصائص فانّ جمالية التعبير تضفي على الملحمتين قيمة فنية اضافة إلى قيمها الاُخرى بحيث تجعلهما في عداد الآثار الأدبية الراقية التي تستحق الدراسة والعناية الفائقة من قبل الباحثين والمعنيين بشؤون الأدب العربي.
الخاتِمَةُ
تبيّن من خلال البحث انّ الشيخ الفرطوسي كان من أبرز شعراء عصره في تناوله لقضايا المجتمع ، ومستجدات الأحداث التي كانت تطرأ على الساحة سواء المحلية أو الاقليمية والعالمية. وقد كان في جميع مواقفه واضح الرؤية ، صريح الموقف ، بعيداً كل البعد عن التعصب والعنصرية ، متميزاً في تعامله الصادق والمحايد مع الوقائع والأحداث.
وقد تنوعت نشاطات الشيخ في عدة محاور وعلى صعد مختلفة ، منها الصعيد السياسي حيث تركزت مساهماته في محورين رئيسيين الأوّل محور النشاط الوطني حيث مواقف الشيخ المشهودة في مساندته للحركات الوطنية الداعية إلى استقلال البلاد من الاحتلال البريطاني ، وكذلك مواقفه المناهضة لأنظمة الحكم الاستبدادية ، ومحاربته للحركات الهدامة والأفكار المضللة. والمحور الثاني نشاطه السياسي العام الذي تناول فيه قضايا سياسية مختلفة من مثل القضية الفلسطينية والثورة الجزائرية ونحوها من القضايا السياسية الاُخرى.
وعلى الصعيد الاجتماعي فقد تجلّت مواقف الشيخ في مواضيع عدّة ، منها إصلاح النظم الزراعية واستئصال نظام الاقطاع الجائر ، مكافحة الجهل والاُمية وحلّ مشكلة الدراسة والتعليم ، تعليم المرأة وتثقيفها والحثّ على مشاركتها في مجالات الحياة ، توفير الخدمات الصحية والمطالبة بتعميم العلاج في كافّة أنحاء البلاد ، وغير ذلك من شؤون المجتمع وشجونه.
أمّا على الصعيد الثقافي فقد مارس الشيخ نشاطات عدّة ، منها دعوته الاصلاحية إلى تطوير المناهج الدراسية والتجديد في النظم التعليمية ، مشاركته الفاعلة والمستمرة في المحافل الأدبية والمهرجانات الشعرية وخاصة بعد انضمامه إلى « جمعية الرابطة الأدبية » ، تدريسه للعلوم الدينية والعربية في الحوزة العلمية ، ونشاطه الواسع في حقل التأليف والكتابة.
وخلاصة القول ان الشاعر استطاع بنتاجه الشعري الرائع الذي تميّز بقوة البناء ومتانة الاُسلوب وجودة البيان ونصاعة التعبير أن يحقّق أهدافه السامية ومراميه العليا المتمثلة بإحياء التراث الإسلامي والحفاظ على القيم الاجتماعية الرفيعة.
الملاحق
الملحق رقم (١)
شجرة آل الفرطوسي
الملحق رقم (٢)
من صور الفرطوسي
الملحق رقم (٣)
الفرطوسي في الشعر
أخي(١)
السيد محمد جمال الدين الهاشمي |
يرف إليك قلب مستهام |
كما رفت على الأيك الحمام |
|
وتلتفت العواطف وهي حسرى |
لعهد قد نما فيه الغرام |
|
ويندفع النشيد إليه شوقاً |
فللأنغام حشد وازدحام |
|
تحن إلى ليال قد توالت |
علينا ، والخطوب بها نيام |
|
تدور بها العواطف جائشات |
كما دارت على الشرب المدام |
|
بها نعم الشباب بما اشتهاه |
وحاشا لم يدنسه الحرام |
|
إلى أن شاخ عمر الدهر فينا |
ولفت عن مرابعنا الخيام |
|
هرمنا وانزوت عنا الأماني |
وجفّ الحقل وانطفأ الهيام |
|
وأمست تعبث الأحداث فينا |
وعدنا لا نسيم ولا نسام |
|
قنعنا بالحياد نلوذ فيه |
فليس لنا اصطراع واصطدام |
|
ولكن الزمان أبى علينا |
هدوء يستكن به السلام |
|
فشق على بقايا العزم حرباً |
من الأعصاب ليس لها نظام |
|
فاقعدني ، وأطفأ منك فجراً |
به قد كان ينجاب الظلام |
__________________
١ - أرسلها الشاعر من النجف إلى الشيخ الفرطوسي عندما كان يقيم في « سويسرا » للعلاج عام ١٣٨٥ ه. وكان الشيخ الفرطوسي قد بعث إليه قصيدة « ذكريات » على نفس الوزن والقافية.
وسرت إلى «السويس» وان قلبي |
على بلد حواك له حيام |
* * *
اخَيَّ أثرت احساسي بشعر |
يفوح هوى كما فاح البشام |
|
عواطف منك قد دمعت فادمت |
كلومي فهي من ألم كلام |
|
وقد يبري الكلام بشفرتيه |
أسى ما ليس يبريه الحسام |
|
ندبت به « أبا المهدي » كهفاً |
به للدين حرز واعتصام(١) |
|
إمام المؤمنين هدىً وعلماً |
وللإسلام حصن لا يرام |
|
أبو الغرر العظام تزل عنه |
إذا اصطدمت به النوب الجسام |
|
براه الله للإيمان ظلاً |
تلوذ به المجاهدة الكرام |
|
ودام على الهدى منه لواء |
به للنصر سعي واقتحام |
* * *
فزعت إلى أبي الحسنين حبّاً |
به ينجو المحبّ المستظام |
|
وصي المصطفى من فيه قامت |
شريعته وطال لها مقام |
|
يجلّ عن القياس بمن سواه |
ويعظم أن يقاس به الأنام |
|
إذا ذكر اسمه رفت عليه |
من الله التحية والسلام |
|
به تقضى الحوائج حين تعصي |
على أحد وتنكشف العظام |
|
ولايته لنا حرز وأرجو |
بها لك أن يفارقك السقام |
* * *
تبلغك التحايا الغر صحب |
على ما عاهدوك به أقاموا |
|
إليك هفت عواطفهم ظماء |
وفي النجوى يبل لهم أوام |
|
فطب نفساً فانّك في سماء |
من الذكرى يجللها احتشام(٢) |
__________________
١ - أبو المهدي هو المرجع الديني آية الله السيد محسن الحكيم.
٢ - ديوان الهاشمي ، مخطوط.
أخي منعم(١)
السيد محمد جمال الدين الهاشمي |
قفا واغمر الحفل آلاماً واشجانا |
وثُر على الوضع طوفاناً وبركانا |
|
وخاطب المربع المهجور أنّ به |
روحاً تقمّصها التاريخ جثمانا |
|
في ذمة الفن آيات يرددها |
فم الزمان على الأجيال قرآنا |
|
كانت بها حفلات الروح عامرة |
بالسحر ما يهتز منها الدهر نشوانا |
|
من أخرس الوتر المرنان فانبعث |
تمنه الأغاريد أعوالاً وارنانا |
|
أين الاُولى رفعوا للشعر أخبية |
يرتاح في ظلها الوجدان جذلانا |
|
صانت به لغة القرآن رافعة |
لها كياناً يهز الدهر عنوانا |
|
وأرهفت قابليات جرت فشأت |
مواهباً خطت التاريخ ميدانا |
|
كم في الغري رعاه الله محتفلاً |
في ذمة الذوق نرعاه ويرعانا |
|
مدارس الوحي كم ربّت عباقرة |
يعنو لها الفن اخلاصاً وإيمانا |
|
عجّت بها حلبات الشعر باكية |
حيناً وباسمة بالشدو أحيانا |
|
فان هوى علم للمجد ترفعه |
شعراً يرفرف تأبيناً وتحنانا |
|
تكرم الشعر في تكريم رفعته |
وترفع الشعر في ترفيعه شانا |
__________________
١ - في رثاء الشيخ علي الفرطوسي عم الشاعر عبدالمنعم. نظمت في الأول من جمادى الثانية عام ١٣٧١ ه.
حتى نما الوحي افناناً وذاق به |
وادي الغري من الامتاع افنانا |
|
أواه صوح ذاك الحقل وانتثرت |
أزهاره وذوى حسناً واحسانا |
* * *
اُخَيَّ منعم هاك الكأس فاض بها |
قلبي كما تشتهي حبّاً ووجدانا |
|
وقد يسوؤك أن أغفى النديم ولم |
يستقبل السمر السكران سكرانا |
|
فقد تغيّر لون الحبّ واختلفت |
قيثارة الروح أوتاراً والحانا |
|
لم يبق للحب كِنٌّ نستظل به |
فقد تبعثر أكناناً وأوكانا |
* * *
مني السلام على عهد ومجتمع |
عشنا به في ظلال الحب اخوانا |
|
وللقلوب صفاء لا يكدره |
تفاوت الجنس اقداراً واثمانا |
|
المجد ما شادت التقوى قواعده |
والنصر ما حازه الإيمان اذعانا |
* * *
على الفقيد سقى الغفران تربته |
نثرت دمعي مقاطيعاً وأوزانا |
|
شيخ أناف على السبعين ما انحرفت |
أيامه الغر عن نهج الهدى آنا |
|
جارى الحوادث حتى فاتها فهوت |
ترجوه لو ترتجى الأحداث غفرانا |
|
لم يشك من نوب الدنيا ولو عثرت |
بالبحر يوماً لهاج البحر طوفانا |
|
انّ الرضا بقضاء الله منزلة |
يسمو لها من سما بالله عرفانا |
|
يقضي النهار وذكر الله يعمره |
وبالمناجاة يقضي الليل سهرانا |
|
يهنيه عمر مضى والخير يصحبه |
والخلد سجله للمجد برهانا |
|
كالفجر زال وأبقى اللطف يعرضه |
للذوق ما شاء أوصافاً وألوانا |
|
عمر كما شاءه الإيمان ما تركت |
به الحوادث أو ضاراً وأدرانا |
في ذمة الفضل والإيمان سيرته |
تبقى لترشد أجيالاً وأزمانا |
|
صبراً ذويه على ما نابكم فبكم |
قد أنزل الصبر قبل اليوم فرقانا(١) |
__________________
١ - محمد جمال الدين الهاشمي : ديوان وحي الشعور ، مخطوط.
يافارس الحمى(١)
الشيخ محمد حيدر (٢)
ضاربَ العود أنت في كل نفس |
وترٌ غارقٌ بأحلام عُرس |
|
قد تعاليت في طباعك حتى |
قيل بعض الطباع من غير جنس |
|
عبرٌ قد عبرتها لاهثات |
وتقحمت نارها في دمقس |
|
نشوة العمر والشباب طريٌ - |
أنت غنيتها بآيات قدس |
|
وتعرفت - والمعارف شتى - |
( بالخليلين من يراع وطرس ) |
|
أنت في مطلع السعادة نجم |
كيف تشقى وما أغيم بنحس |
|
ألف درس من الحوادث يُتلى |
أنت أوجزت محتواها بدرس |
* * *
شعلةُ الفكر ما تزال تغذي |
فحمة الليل بين يومي وأمسي |
|
تتحدى الأبعاد - والنجم غاف - |
بسناها في كل تيه ولبس |
|
لست في ناظريك أنت مُدلٌ |
إنّما أنت بانطلاقة حسّ |
|
لست يافارس الحمى - والكفاح الـ |
ـمر يضري تجول من غير ترس |
__________________
١ - كان المرحوم الفرطوسي قد ضعف بصره أواخر عمره ونظم قصيدة رقيقة في ذلك ، مطلعها :
إن يومي الكئيب يبكي لأمسي * وكأني أرثي لنفسي نفسي
وقد أثارت القصيدة عواطف عدد من أصدقائه الشعراء ، فباروا القصيدة بوزنها وقافيتها اكباراً للشيخ الفرطوسي وتخفيفاً من آلامه ومنها هذه القصيدة والتي تليها.
٢ - محمد حيدر ولد سنة ١٣٤٦ ه. عالم متجدد في اُسلوبه ، وشاعر متفنن ، وكاتب جليل وخطيب متكلم. له « ديوان شعر ». ( معجم رجال الفكر والأدب في النجف ، ج ١ ، ص ٤٦١ ).
(فسلاح الإيمان أمضى سلاح) |
أنت فيه على سلامة نفس |
|||
حلمك العبقري يمتار فينا |
عاطفات ما بين عود وكأس |
|||
شاعر أنت أي بستان حب |
ليس فيه لديك أجمل غرس |
|||
بضّعت قلبك التجاربُ حتى |
أنهلت منه كل رطب ويبس |
|||
لا تقل - والضحى وليد أمانيـ |
ـك ودنياك في مطالع اُنس : |
|||
( ان ليلي البهيم من غير نجم |
ونهاري المغيم من غير شمس ) |
|||
لك يا فارس الحمى وثباتٌ |
وثباتٌ ما بين عرب وفرس |
|||
أنت الف الضمير عن كل الف |
وطليق الشعور من غير حبس |
|||
وكتاب الحياة أنت معانيه |
النشاوى وأنت أبلغ درس |
|||
أنت بالفكر - لا بعينيك - فذٌ |
تسبر الحادثات طرداً لعكس |
|||
كم على الدرب عبقري طموحٌ |
يتحدى الدُنا بقوة حدس |
|||
وعلى أيكة الهوى كم تغنّى |
عندليب بألسن لك خرس |
|||
ان تعريت من يراع وطرس |
لا عدمت الشعاع من امّ رأس |
|||
مكتب النفس ما يضمّ فؤادٌ |
من علوم - لا ما يُضم بطرس |
|||
قيم الورد بالعطور ومعنى اللفظ |
لا اللفظ - من بحوثي ودرسي |
|||
أنا أنكر الحقيقة فيما |
تدعيه ان كنت أعرفُ نفسي |
|||
انّ للعين في الحياة مجالاً |
غير ما للسماع في كل جنس |
|||
فهما ان صدقتُ - نبعا شعور |
وجناحاه في مجالات حس |
|||
غير انّ القضاءَ وهو حكيمٌ |
عادلٌ ، منصفٌ ، بكل مجسِّ |
|||
لستَ في محنةِ الظلامِ وحيداً |
يا مديرَ الكؤوس من غير كأس |
|||
ألف نفس لم تدرِ أينَ هداها |
وعلى الأُفق ألفُ شمس وشمس |
|||
* * *
ضارب العود أنت في كل دورٍ |
مرهفُ الحس حيثُ تغدو وتمسي |
|
القوافي اللطافُ منبت طهر |
لا اُصيبَ الرجاءُ منها بيأس |
|
لحظةٌ توقظ المشاعر فيها |
هي دنياك عند شيخ وقس |
|
واعتدادٌ في النفس أبلغ زادٍ |
في طريق الحياة للمتأسي |
|
انّ أضلاع كوخك المتداعي |
دونه القصر من حديد وكلس |
|
خل عنك العتاب فهو شجون |
كل فرد منا مصاب بمس |
|
وقليلٌ ما هم أخلاء صدق |
جُبل الناس من صخور وجبس |
|
وضحايا الوفاء تُرمى بعشرٍ |
حين ترمى ان كنت تُرمى بخمس |
|
زرعوا صبرهم وخاطوا ثياباً |
من حنانٍ وعاشرونا بأنس |
|
ياعريشاً قد اعتصرنا زمانا |
من عناقيده حُميّا التأسي |
|
تحت أغصانه تفيأ قلبٌ |
حائرٌ ينشدُ الرجاء بهمس |
|
لغة الروح كم تحدّر عنها |
(كلُ معنىً من العواطف سلس) |
|
في سماء الخيال لحظةُ فكرٍ |
يبحث السر بين سعد ونحس |
|
وكما قلتَ - فالسعادة وهمٌ - |
طالعته العيون من غير لمس |
|
كيف تُرجى سعادة لأُناس |
بين نابٍ من الشقاء وضرس |
|
وإذا كنت في خصوبة ذهن |
( وجَنان صلد القوى غير نكس ) |
|
وإذا قلت في لسان القوافي |
( ان يومي بالأجر يفضل أمسي ) |
|
فعلامَ البكاء والليل زاهٍ |
وعلامَ الرثاء من غير تعس |
|
انّ قلباً يعيش غرّ المعاني |
كيف تطوي علاهُ ظلمةُ رمس |
|
عش مع الفجر في جناح الأماني |
ومع الشهب بابتسامة عرس |
|
وإذا اظلم الفضاءُ بعين |
لك فالقلبُ مُستهلٌ بشمس(١) |
__________________
١ - مجلة الموسم : العددان ٢ - ٣ ( ١٩٨٩ م ) ، ص ٧٠٨ - ٧١٠.
البصر والبصيرة
د. حازم سليمان الحلي(١) |
صائغَ اللفظ انّ حبسك حبسي |
أنتَ ما بيننا ولست بمنسي |
|
أنت فينا فكرٌ يُنير الدياجي |
ويراعٌ يجري على كل طرس |
|
أنت فينا شعر يفيض حماساً |
هو خلوٌ من كل عيب ولبس |
|
كنت في أحلك الظروف جريئاً |
لم تكن خائفاً ولست بنكس |
|
يا سجيناً في المحبسين وقاك الله |
من كلِّ ما يجرُ ليأس |
|
ما عهدناك في الخطوب جزوعاً |
أنتَ في الحادثات صاحب بأس |
|
فتفاءل ولا تقولن : (عندي |
ألف بابٍ قد دقّ بالشؤم جرسي) |
|
وغريبٌ منكَ التشاؤم حتى |
لو تنقلت بين حزنٍ وبؤس |
|
و لست الذي تسلحت بالإيمان |
والصبر قلت درعي وترسي |
|
أين هذا من ذاك يا من تغنّى |
بالقوافي تزهو على كلِّ غرس |
|
فاجتماع الضدين ذاك محالٌ |
أثبتته الأحداث من غير درس |
|
أفتنسى بأن دنياك كانت |
وستبقى ما بين سعدٍ ونحس |
|
كن شكوراً إذا أصابك سعدٌ |
وصبوراً إذا ابتليت بتعس |
|
إنْ ليل الأحزان يفضي لصبحٍ |
وسفين الهموم لابُدّ ترسي |
__________________
١ - حازم سليمان الحلي ، أديب وشاعر واستاذ جامعي. من آثاره : « ديوان شعر » ، و« القراءات القرآنية بين المستشرقين والنحاة ».
إنّ هذا الذي تراهُ غريباً |
وجديداً من صابر متأسي |
|
سلبتك الأيام أثمن شيءٍ |
ثم أبقت لديك أرهف حسِّ |
|
كم بصير تراه أعمى ، وأعمى |
هو هادي سواه يضحي ويُمسي |
|
ربما عاش مبصرٌ بشقاءٍ |
ويبيت الأعمى براحة نفس |
|
أو ما تسمع المنادي يناديك |
بصوتٍ شقّ الدجى لا بهمس |
|
(أنت بالفكر لا بعينيك فذٌ |
تسبر الحادثات طرداً لعكس ) |
|
إنّما هذه الحياة استقامت |
لأناس لا يشترون بفلس |
|
أنت من معدنٍ ثمين كريم |
وسواك الذي يباع ببخس |
|
فعقيق هذا وذاك رخامٌ |
ولجينٌ هذا وذا محض كلس |
|
كثر الزيف ( والوفاء قليل |
في زمانٍ خالٍ من النبل جبس ) |
|
وحديث الوفاء فيه شؤون |
ان تخضها فقد تصاب بمسّ |
|
ان تحدث عنه يجبك حكيم |
( أنا جربت ما تقول بنفسي ) |
|
منذ عشر هذا مصاب بهجر |
ويعاني منه وذا منذ خمس |
* * *
صائغ اللفظ أنت تسكن بيتاً |
قد تسامى فخراً على كل رجس |
|
( فوق مهدٍ من الخشونة بالٍ |
وتراه أريكة من دمقس ) |
|
هذه منتهى السعادة عندي |
لا تقل انني أعيش ببؤس |
|
راهب الدار أنت فوق حصير |
هو عندي أجلّ من ألف كرسي |
|
وأعد قولك الجميل علينا |
فله في نفوسنا خير جرس |
|
إن ذهني خصبٌ وذوقي سليمٌ |
وجناني صلد القوى غير نكس(١) |
__________________
١ - مجلة الموسم : العددان ٢ - ٣ ( ١٩٨٩ م ) ، ص ٧٠٦ ، ٧٠٧.
الفرطوسي شاعر الفضي
الشيخ جعفر الهلالي |
نعت الفضيلة للورى انسانَها |
وغدت تقرِّح بالأَسى أجفانها |
|
وتجاوبت دنيا الصلاح بصولةٍ |
مذ غادرت كفُّ الردى عنوانَها |
|
ومرابع التقوى تكدّر صفوها |
لما تغيّبَ من يزين مكانها |
|
ومعاهد العلم اكتست حلل الأسى |
وعرى المصاب بهوله سكانها |
|
خطبٌ تصدَّعت القلوب لوقعه |
ألماً فأبدت عنده أشجانها |
|
في كلِّ آونةٍ نؤبنُ ماجداً |
حُرّاً أشاد من العلى أركانها |
|
وكذاك شأن الحادثات فإنها |
حربٌ تُصوِّب للكمي طعانها |
* * *
( أأبا الحسين ) لنا بذكرك لوعة |
تبقى توجِّج في الحشى نيرانها |
|
ما زلت حيّاً في علاك مخلّداً |
ستعيد فيك لنا الحياة جُمانها |
|
والمرءُ تحييه الخصالُ حميدةً |
وتشيد في العقبى له بنيانها |
|
قد كنت فيما بيننا حسنَ اللقا |
سهل الخليقة قد كسبت رهانها |
|
عشت الطهارة والعفاف سجية |
ما غيّرت مدد لها ألوانها |
|
متواضع وهي الحصيلة للأُولى |
علموا ولم يتطلبوا عنوانها |
|
ومهذب في القول تألف صدقه |
والنفس يظهر صِدقُها إيمانها |
__________________
١ - هذه القصيدة وما يليها هي في رثاء الشيخ الفرطوسي.
فختمت عمرك والصلاح قرينه |
وهناك في الاُخرى تحلّ جنانها |
* * *
يا شاعراً محضَ الولاء لأحمدٍ |
ولآله يرجو به رضوانَها |
|
كم قد نظمت فريدة يحدو بها |
حبٌّ لآل المصطفى قد زانها |
|
غرر تقطّعُ من فؤادك صغتها |
درراً تعيد على الورى ألحانها |
|
وخلاصة الأعمال (ملحمة) أتت |
في عدِّها نشأت به أقرانها |
|
ضمنتها سيراً لهم ومناقباً |
ومآثراً فيها جلوت بيانها |
|
ولتلك منك ( الباقيات ) ذخيرةً |
أعددتها توفي بها ميزانها |
|
لله دَرُّك باسمها أحرزته |
فخراً يطاول في العلى كيوانها |
* * *
والشعر يسمو عندما يسمو به |
قصد يحقّق للنفوس ضمانها |
|
وأراه ان فقد الولاء فإنّه |
زبد البحار رمت به شطآنها |
|
ما الشعر إلاّ في الألى سبقوا الورى |
بفضائل ألفت لها اذعانها |
|
(آل الرسول ) وخير من وطأ الثرى |
من صاغها ربُّ العباد وصانها |
|
تمضي السنون وذكرها متشعشع |
كالنيرات استوعبت أزمانها |
|
هتفت بفضلهم السماء وكبّرت |
عِظماً وفيهم أنزلت قرآنها |
|
سعد (الكميت) و (دعبل) في مدحهم |
فحبتهما الاُخرى بها رضوانها |
|
يا ربِّ زدنا في الولاء محبّة |
فيها ترينا عِزَّها وأمانها |
* * *
والساسة العملاء كنت عليهم |
سوطاً تزيد عذابها وهوانها |
|
ألمستهم من حرِّ قولك جمره |
مثل الصواعق أرسلت نيرانها |
أنكرت ما قد أحدثوا من منكرٍ |
بفعالهم في كلِّ ما قد شانها |
|
وبذاك قد جاهدت شرّ عصابة |
ورميت بالسهم المصيب جنانها |
|
ما أقعدتك لضعفها شيخوخة |
عن وقفة فرضَ الاله مكانها(١) |
__________________
١ - ديوان الهلالي ، مخطوط.
الغربة
السيد مدين الموسوي(١) |
على رؤاك خيالٌ صادقٌ عذبُ |
وفي خطاك لهاثٌ نازفٌ تعِبُ |
|||
وبين جنبيك صوتٌ رحت تحبسه |
ما استوعبته السطور الحمر والكتبُ |
|||
وفي ضلوعك أشياءً تضيق بها |
أرضٌ وأنت عليها الحملُ والطلبُ |
|||
فبين دنياً تراها وهي كاشفةٌ |
أمام عينيك ما يخفى ويحتجب |
|||
وبين ما كنت تصبو نحو وافره |
من الحياة بما تعطي وما تهبُ |
|||
لألف دُنياً تراها وهي عامرةٌ |
لفيض روحك ، تدعوها فتنجذبُ |
|||
حتى تلّمستَ وجه الحق ترسم من |
خُطاهُ وَثْبَتَهُ الكبرى وتحترب |
|||
ياشاغل الناس والدنيا تضيق به |
بحراً من الأدب الفوّار يضطرب |
|||
أنّى تلفّتُّ ألقى منك بارقة |
تخافُها الظُلمُ الخرقاءُ والحجبُ |
|||
وما تجلجل في سمعي صدى أدبٍ |
حرٍّ تردده الأجيال والحِقَبُ |
|||
إلاّ وكنت على أوتاره نغماً |
عذباً ومنك على أكوابه حَبَبُ |
|||
* * *
ياملتقى الرافدين الخصب منبتُهُ |
له على جدب مطلعٌ خصبُ |
|
نظمت عقد عيون الشعر فانطفأت |
عيناك إذ رفّ من إيحائها الهُدُبُ |
__________________
١ - مدين الموسوي : شاعر عراقي ولد سنة ١٩٥٧ م. من دواوينه الشعرية : « أوراق الزمن الغائب » ، و« الجرح يالغة القرآن » ، و« لهم الشعر » ، و« كان لي وطن ».
وعدت أبصرَ ممّا كنت يقدحُ في |
عيونك الشرر الأخّاذُ والشهُبُ |
|
حتى أذبْتَ من الأوزان معدنها |
وصغتها حليةً ما مسّها عطبُ |
|
وخضعتَ قعرَ بحار الشعر لا حذرٌ |
أودى بما كنت تأتيه ولا تَعَبُ |
|
لتصطفي من عيونِ الدُّرِّ أروعها |
حتى تُصاغ عليها الحليةُ العَجبُ |
|
لئن فقدتَ بريق الدرِّ في بصرٍ |
وأُسدلتْ دونَ ما تختارُهُ حُجُبُ |
|
ففي يراعك قد أوقدتها شُعلاً |
من كلّ حرف يفيض النور واللهبُ |
|
أغاضك الدهرُ فاستشرى بك الغضب |
أم ضاقَ ذرعاً بما تُعطي له الأدبُ |
|
أم الزمان الذي ما كنت تأمُنهُ |
سمّاً تقطّر منه الرأس والذَنَبُ |
|
إني عهدتُك لا تلوي على مضَضٍ |
جيداً وإن نَفَحَتْ أوداجُها النَوبُ |
|
ولا تلوذُ بظلّ العمر تحرص أنْ |
ترى سنينك لا يغتالُها النصبُ |
|
وبعد ما ضاقَ وجه الأرض واختنقت |
صدور قومٍ غزا أحشاءها النهبُ |
|
ولم تعد أنت من قيسٍ وقد برئتْ |
منه الذمام وحُلّ العقد والنسب |
|
أبيت يغرف من شطيك ما قصرت |
عنه الجداول سقياً حين تُحتَلبُ |
* * *
ما للغريب أراه ضاع في زمن |
فجّ يصول به مَنْ لونُه الوشب |
|
غامت بعينيه آفاق ففاض بها |
روحاً يلاحقا الاعصار والسُحُبُ |
|
نأى عن الوطن المأسور تمسكه |
يدُ الحنين فتدنيه ويقترب |
|
وان ترحّل عن أرضٍ يرفّ بها |
جُنحاه مُذ بان في أطرافه الزَغَبُ |
|
أو غاب عن أرضه في غربة بدناً |
فروحه كجذور النخل تنجذب |
|
إلى العراق إلى الأرض التي ولدت |
من بعد عسر مخاضٍ كلَّ من وهبوا |
* * *
ما كنت أعجبُ من كفٍّ تجود بها |
ودونها البحر إذ يُدعى ويُنتَدب |
وما أثار شجوني أنّ غائمةً |
مرّت بعينيك قد حلّت بها الكرَبُ |
|
لكنّ أغرب ما دوّنت من ألمٍ |
على القلوب وما غصّت به النُدُبُ |
|
بأنّ ما صغت من وحيٍ ومن أدبٍ |
جمٍّ تضجّ به من حُرقةٍ كتب |
|
ما عاد يكفيك من أوصاله كفناً |
إذ لامستك صفاحُ القبر والترُبُ |
|
ولا نعتك حروف الشعر أو صرخت |
لك القوافي ولا غنّى لك القصبُ |
|
فمتَّ وحدك لا الأرض التي وسعت |
خطاك ضمك منها صدرها الرحبُ |
|
ولا الذين وهبت النور أعينهم |
سعوا إليك ولا أندى لهم هدب |
|
يالوعة الأدب المفجوع في زمن |
أرقُّ ما في رؤاه أنها خشبُ |
|
إني تيقّنت لما عدتَ مغترباً |
أن كلُّ فادٍ بهذا العصر مغتربُ |
|
يا واهباً لعصارات الندى ألقاً |
يفيض من دمه القاني وينسكبُ |
|
ويا منيراً دروباً شُحَّ سالكها |
وقد تردّم فيها الحاذق الأربُ |
|
ويا خدين غبار الحرب تحسبه |
ليل الهوى حينما تزهو به شهب |
|
أرِح ركابك أنّى شئت من تعب |
أما يريحيك إلاّ الحزن والتعب |
|
ولا تروّيك إلاّ الكاس مترعةً |
من الأسى واللظى المهراق والنوبُ |
|
وما وجدت إلى جمر الهوى سبباً |
إلاّ وجرحك في اطفائه سببُ |
|
لمن بسطت يداً تكتال عن جدةٍ |
وما يزيد ففيه الكيل ينقلبُ |
|
الشُحُّ أكرم إذ يُعطى لمن جحدوا |
والترب أولى لمن لم يغنه الذهب |
|
والنخل إن عميتْ عينْ لمنبته |
فكيف يقطف منه العذق والرطبُ |
* * *
ما قيمة الأدب الهدّار يرفل في |
ثوبٍ حريرٍ زهت ألوانه القُشُبُ |
|
تُثيره من قيانِ الدلِّ راقصةٌ |
وفوق شدقيه كأس للهوى عذبُ |
أو قيمة الأدب الأخّاذ تُلقمه |
يد السلاطين لا يدنو له سغبُ |
|||
يُلقي عصا السحر كي تعشى بصائرها |
قوم فتصنع من أشكالها لعبُ |
|||
بل قيمة الأدب المعطاء تلفظه |
أسنةٌ في الوغى كالجمر تلتهبُ |
|||
وقيمة الأدب الهدار يحبسه |
ثقل القيود تثنّت تحتها الرُكَبُ |
|||
وقيمة الأدب الفادي يلاحقه |
سوط الحكومات وهو الجمر والغضبُ |
|||
عيونه كعيون الليث ساهرةٌ |
حتى وإن نام لا يغفو له هدب |
|||
وقيمة الأدب الأخّاذ ملبسه |
دماؤه كخضاب السيف تختضب |
|||
وحيثُ تنهالُ أصواتٌ مزورةٌ |
يشرّع الزيف من أصدائها صخبُ |
|||
نضا كرفةِ سيف بارق رعدتْ |
به قوائمه فانجابت الحجبُ |
|||
يأتي كما الوحي يُعطي من نبوئته |
نوراً فتنثر أضواء وتنسكبُ |
|||
وإن تردد وحيٌ في مهمته |
فما هنالك لا وحيٌ ولا أدب(١) |
|||
__________________
١ - مدين الموسوي : كان لي وطن ، ص ٩٩ - ١٠٦.
رثاء اُمّة
الاستاذ فرات الاسدي(١) ( ضياء الدين فرج الله ) |
كُتبتْ هذه القصيدة التي اُثبِتَ بعضُها - هنا - رثاءً لاُمّةٍ من الشعر كان الفرطوسي يختصرها ، وقد حاول شاعرها ابّان ذلك عام ١٤٠٤ ه ان يرسلها الى النجف الأشرف عزاءً لأحد أصفياء الفرطوسي المعدودين ممّن يعتبرونه ( ذخراً مذخوراً للنجف والتشيّع ) على حدّ ما سمعتُه منه كراراً عديدة ، ذلك هو خالهُ الفقيد العلاّمة الأديب الشيخ عبد الرحيم فرج الله ( غير عالمٍ حينها انّه سبقه إلى لقاء ربّه ) فإلى ذكراهما العطرة مجتمِعَين هذا الهديل الموجوع :
حلبةَ الشعرِ والمدى مستثيرُ |
كيف يكبو بكِ الجوادُ المُغيرُ |
|
كيف يُدمي خطاه شوطٌ ويهوي |
فإذا المجدُ والحفاظُ عفيرُ |
|
وهو ما زال - صاعداً - كرؤى |
النجم - مُغذّاً - كما يغذُّ النورُ |
|
قابساً من يد الضحى عنفواناً |
شدَّ جنحيهِ مشرقٌ مسحورُ |
|
ولقد أعجَبَ الميادينَ منهُ |
مطمحٌ ثائرُ العنان جسورُ |
|
فاتَ كلَّ الجيادِ في السبق حتى |
ملأ الأمسَ رَهْجُهُ المستطيرُ |
|
ومضى ينهبُ السنينَ أصيلاً |
والقوافي جناحُهُ المنشورُ |
|
ثمّ غالتْهُ - ويلَها - غربةُ |
العمرِ وألوى به المطافُ الأخيرُ |
__________________
١ - فرات الأسدي : شاعر عراقي وُلِدَ سنة ١٩٦٠ م. من دواوينه الشعرية : « ذاكرة الصمت والعطش » ، و« صدقت الغربة يا ابراهيم » ، و« النهر وجهك » ، وأعمال شعرية وأدبية اُخرى.
والمروءاتُ بعضُ ما حملتْها |
غايةٌ حرّةٌ وروحٌ كبيرُ |
|
واصطبارٌ على الهموم وقد أطبقَ |
يأسٌ وارتاعَ - ثَمَّ - مصيرُ |
|
غمرةٌ تنجلي واُخرى يكادُ |
النوءُ يُلقي - ما حُمّلتْ - ويثورُ |
|
وحكايا هي النهارُ وإن |
أطفأَ - خزياً - لألاءها شرّيرُ |
|
خطرتْ في فم المغيبِ وسالتْ |
فتندّى ضوءٌ وشعَّ عبيرُ |
* * *
يا أبا الفكرةِ الجريئة ، والصبوة |
، والحب ، والشجا إذ يمورُ.. |
|
طافَ في كلّ خاطرٍ منك لحنٌ |
عبقريٌّ واختالَ حرفٌ نضيرُ |
|
وهمى من مواسمِ الشعر |
شلاّلُ قوافٍ فَيْنانةٍ وغديرُ |
|
وتهادى السمّارُ يسترقونَ |
الكأسَ إذ كلُّ رشفةٍ إكسيرُ |
|
و( عليٌّ ) يمدُّ صوتك بالنُعمى |
ليلقاه وجهُك المحبورُ |
|
ويفيءَ النبوغُ تحت ظلالِ |
الخلد ِ ، والخلدُ حُلْمُهُ مأسورُ |
|
أطلقتْهُ عيناكَ إذ آنَس الطورَ |
جَنانٌ ، وتاهَ طرفٌ بصيرُ! |
* * *
نازحَ الدارِ هل تلَمَّستَ حزناً |
وجهَها إنَّ وجهَها مذعورُ |
|
والحمى المستباحُ أودعتَ فيه |
جمرةَ الشوق أم لظاها نثيرُ |
|
أمطرتْهُ على الفراتين كفٌّ |
لكَ شاءتْ ان تستقيها البحورُ |
|
وعلى كل نخلةٍ بَوْحُ لُقيا |
وطيوفٌ وسنى وهمسٌ كثيرُ |
|
والصدى خلف غابةِ الدمع ينأى |
وهو في القلب منك نبضٌ جهيرُ |
|
كم وعتْه الأسماع ذكرى حداءٍ |
بدويٍّ وكم رعتْه الصدورُ |
|
وفدتْهُ لو انَّ بالعمرِ يُفدى |
اُمّةٌ من نشيدهِ تستنيرُ |
|
ثم منّتْ به المحافلُ أهليها |
وقالت : علَّ الزمانَ يدور |
واستفاق الغريُّ يوماً وطرفُ |
الشعر عن (راحلِ الخليج) حسيرُ |
* * *
فإذا إلفُهُ يعود إليهِ |
ذاتَ يومٍ وتصطفيه القبورُ |
|
نَمْ هنيئاً كالنبعِ يا خِدْنَه |
الأوفى فقد طابَ مبدأٌ ومصيرُ |
|
وترشَّفْ فكوثرُ الحبّ أدنى |
لك أقداحَهُ الولاءُ الطهورُ |
|
أيَّ مأوى جوار ( حيدر ) |
يشتاقُ ثراه المبرَّح المهجورُ |
|
الغريبُ الذي أرابَتْهُ أرضٌ |
أنكرتْ نبتَها وطال النكيرُ! |
|
فبها كل مرتعٍ عادَ جدباً |
بعد ان غاله اللظى والهجيرُ |
|
وعزاءً يا (خالُ) في نجف الحزنِ |
فقد ماتَ (ذخرُكَ المذخورُ )!(١) |
__________________
١ - اُلقيت هذه القصيدة في حفل تأبيني ونُشرت حينها كاملةً في إحدى الصحف ، وزودني بصورتها الحالية الشاعر نفسه.
اذهب إلى عزّ الجنان
هاشم الموسوي (١) |
أشجى القلوب بحرقةٍ وتألّم |
وأسال دمع العين ( عبدالمنعمِ ) |
|
جبل هوى فأثار عاصفة الشجا |
لله من قلب ثوى في أعظُمِ |
|
لله من نبع تدفّق ساقياً |
جيلَ النهوض بسلسل بْردِ الظمي |
|
لله إيمان يعانقه العلا |
قد شيّعوه بحسرة وتضرّمِ |
|
حمل المصائب وهي جدُّ عظيمة |
في خير خافقة وصبر أعظمِ |
|
إيمانه الوضاء كان دليله |
نحو الصراط المنقذِ المتقدمِ |
|
قد سار في درب الهدى متبصّراً |
لم يلتفت يوماً لنهزَة مغنمِ |
|
ومقدِّماً بين اليدين ذخائراً |
للحشر يوم الامتحان المعلمِ |
|
ولقد أبى إلاّ الوقوف مع الإبا |
والحقِّ وقفةَ مستنير مُقدمِ |
|
وأنار إيمان التقاة بهمّةٍ |
متجاوزاً درب القتاد المؤلمِ |
|
وشدا لآلِ المصطفى متقلّداً |
آتي الولاء مُطوِّفاً كمتيمِ |
|
ان قال شعراً فالقلوب خواشعٌ |
نشوى لهذا المنشد المترنّم |
|
أو قال نثراً فالنفوس بواسم |
تهفو لهذا المؤمن المتكلّمِ |
|
وأطار فيهم نيّراتِ نجومه |
سحراً وما كلّ النجوم بأنجمِ |
|
آياته فيهم بملحمة الهدى |
مفتاح جنّات النعيم المُلهمِ |
|
هي من عيون الشعر ، صيغَ نسيجُها |
من ماء قلب بالمحبّة مُفعَمِ |
__________________
١ - هاشم الموسوي شاعر وأديب من الامارات العربية المتحدة.
كم قد حوت علماً وجاء دواؤها |
كرداء تقواه ، بعزم مصمِّمِ |
|
وجنت بلا شكٍّ رضاءَ محمّدٍ |
والآلِ إذ هي للأطايب تنتمي |
|
ياعينُ جودي بالبكاء لفقده |
جوداً ينهنه عن عظيم تألمي |
|
فلقد أُصبنا في الصميم بيومه |
والحزن واصل مأتماً في مأتم |
|
لم لا نصبّ الدمع حزناً بعده |
لم لا يفيض القلب من طفح الدمِ |
|
و (أبو الحسين) حبيب أطياب الورى |
في صمته ومقاله المتفهّمِ |
|
لم يبتعد عنه التواضع لحظةً |
كلاّ ولم يعرف خصال تبرّمِ |
|
خُلُق الكريم سلوكه ومبادئ |
للعلم والأدب النديِّ الأقَومِ |
|
قد جاءني نعي على بعد المدى |
ما خلته إلاّ التباس توهّمِ |
|
قد حزّ في نفسي رحيلك واغتدى |
كالطود ظل في الخواطر يرتمي |
|
وتبادرت صور حفرت جذورها |
في القلب ، تعثر بالخيال المؤلمِ |
|
ولأنت أكبر من رثائي إنّما |
حمل الرثاءُ تصدّعي وتضرّمي |
|
ماضيك أحلى ان ألم بوصفه |
في طهره وجلاله المتسنّمِ |
|
ولئن تنقّص جاهل من قدركم |
فالشمس ليست في يدي متهجّمِ |
|
أو إن تجاهلكم طغاة زمانكم |
فالحقد يودي بالحقود المجرمِ |
|
أنتم على رغم البغاة مكانكم |
شرف القلوب وقَبْسَةُ المتعلّمِ |
|
من عطركم فاضت محافل عزّة |
هي في الضمائر كالضحى المتبسّمِ |
|
تلك العهود مع الزمان مسيرها |
ضوءٌ بأحناءِ الطريق المُعتمِ |
|
ترنيمة بفم التقاة لأنها |
من صُنع قومٍ قائمين وصُوَّمِ |
|
لا الدهر يسلينا مواجع فقدكم |
كلاّ ولا آسٍ برقية بَلْسَمِ |
|
فاذهب إلى عزّ الجنان وسحرها |
حيث الخلود ويالعظم المغنمِ |
|
يلقاك بالبشر النبيّ وآلُه |
فيها ، جزاء ولائك المتقدّمِ |
وتقرّ عيناك اللتان تقرّحا |
فيهم ، بكل تلذّذ وتنعّمِ |
|
وترود فيها مجلساً لمحمّدٍ |
والمرتضى والآل نعم الأنجمِ |
|
وتكون فيها في جوار أحبّةٍ |
كانوا أماناً للمحبّ المُغرمِ |
|
هذا جزاء الصالحين ففز به |
ما فزت إلاّ بالنعيم الأعظمِ(١) |
__________________
١ - مجلة الموسم : العددان ٢ - ٣ ( ١٩٨٩ م ) ، ص ٧١٧ ، ٧١٨.
الملحق رقم (٤)
مستدرك أشعار الفرطوسي
الأديب(١)
بنت الضحى انتظمي بسلك نشيدي |
كي استطيل لاُفقه بقصيدي |
|
وتنفسي أرجاً أزاهير الربى |
متضوعاً عن خلقه المحمود |
|
وترقرقي ريح الصبا كي تنشري |
فينا لطافة طبعه وتعيدي |
|
وتألقي شهب السماء وذكري |
هذي الجموع بفضله المشهود |
|
حق على الأدب الرفيع وفاؤه |
تخليد ذكر أديبه المفقود |
|
العبقري وللعباقر عالم |
في معزل عن عالم الموجود |
|
والألمعيُّ الفذ في تفكيره |
وبفكره الموهوب بالتسديد |
|
والنابغ الفني في تصويره |
وخياله السامي عن التحديد |
|
يا دولة الأدب المجيد تطاولي |
بفناك واحتفلي بكل مجيد |
|
لك مجده الأدبي مهما قد سما |
فابني المفاخر باسمه واشيدي |
* * *
أمثقف الأجيال في تفكيره |
ومنور الأفكار بالتجديد |
|
تبني العقول وأنت تهدم عنوة |
منك الفؤاد بذلك التشييد |
|
رفقاً فقد حمّلت نفسك وسعها |
جهداً وما أبقيت من مجهود |
__________________
١ - في رثاء الشيخ محمد علي اليعقوبي.
أسرجت قلبك كالذبالة شمعة |
لسواك حتى آذنت بخمود |
|
وذوت ورود الروح منك وما اجتنت |
كفاك غير الشوك والتسهيد |
|
أعظم بشخصك من مرب للحجى |
والعقل قبل صلاحه كوليد |
|
إنّ الأديب الحرّ مجد وحده |
متطاول لا يرتقي بصعود |
|
انّ الأديب لسان جيل لم يجد |
في الخطب غير لسانه المحدود |
|
ورواية فيما حوته حزينة |
ولكم حوت صوراً من التنكيد |
|
تهوى الوداعة والبساطة نفسه |
وحياته ضرب من التعقيد |
|
لو أنصف التاريخ قلّد جيده |
فيه كعقد جمانة في جيد |
|
ولصاغ تمثالاً له من سؤدد |
سيزهو على ألق الضحى الممدود |
* * *
سقيا أبا موسى لأفضل تربة |
حضنتك أفضل بلبل غريد |
|||
عام وأعوام تمر جديدة |
والحزن في الأحشاء غير جديد |
|||
ذهب الوفاء فليس يرجى |
عوده في ظلّ اخوان له وعهود |
|||
لغة العواطف والعواطف جمرة |
مشبوبة في النفس ذات وقود |
|||
وجم البيان فما وفى برثائه |
لأبي الوفاء الحر عن مقصودي |
|||
فتكلمي فلأنت أفصح منطقاً |
من مقولي في مصدري وورودي |
|||
وأجل من قطع النشيد نشائد |
مقطوعة من مهجتي ووريدي |
|||
إنّ الأديب من الأديب بروحه |
وشعوره الفياض غير بعيد |
|||
أخوان في نسب به جمعتهما |
للفضل ( رابطة ) بلا تبديد |
|||
إنّ الأديب بجسمه قيثارة |
وبروحه الهامة من عود |
|||
وحياته وهي النبوغ مصيرها |
بعد الفناء إلى حياة خلود |
|||
إنّ الأديب رسالة مطوية |
بالموت ينشرها فم التمجيد |
|||
أأبا ( الذخائر ) والرثاء عواطف |
ممزوجة من أدمعي ونشيدي |
|||
أنعاك للأدب الرفيع لقد هوى |
من بيته العربي خير عمود |
|||
لخمائل ( الإيمان ) بعدك قد ذوت |
من روضها المزهو خير ورود |
|||
لخمائل هي للنبوغ وللذكا |
مخلوقة تجتاح كل جمود |
|||
لصناعة جليت في حلباتها |
ما بين طرف سابح وشرود |
|||
ليراعة جبارة حررتها |
من رق ارهاق وذلّ قيود |
|||
للخلق للفضل العميم مجلجلاً |
في طارف من مجده وتليد |
|||
للفن بعد ( ابن العميد ) أهاله |
فقدان خير أب له وعميد |
|||
أرثيك للقلم الذي أيتمته |
بأب له ولع بذا المولود |
|||
لعرائس الأفكار عطل جيدها |
من كل عقد للبيان فريد |
|||
لروائع الوصف البليغ تصوغها |
عربية من ذهنك المحشود |
|||
لمنابر كانت عليك عزيزة |
كرما فكنتَ لها أعزّ فقيد |
|||
لمحافل أدبية أوحشتها |
فقداً وكنت بها هلال العيد |
|||
ولثورة الفكر المجيدة أثكلت |
في خير مغوار لها ونجيد |
|||
لجهادك الديني وهو رسالة |
أديتها للواجب المنشود |
|||
أكبرت منك مواقفاً وطنية |
مشفوعة بالفوز والتسديد |
|||
ياأمة الحق المجيد إلى الهدى |
سيري مظللة بخير بنود |
|||
انّ الجهاد فريضة لا يكتفى |
بأداء واجبها بغير جهود |
|||
والدين غرس مثمر يزهو به |
من تربة الإيمان خير صعيد |
|||
ويد العقيدة خير ما يبنى بها |
جيل يغذيه فم التوحيد |
|||
هذا أبو المهدي مصباح الهدى |
في طارف من فضله وتليد |
|
سيري موفقة على منهاجه |
واسترشدي هدياً بخير رشيد |
|
وخذي تعاليم الحكيم رسالة |
مقرونة بالنصر والتأييد |
|
وتمسكي بالحق في مستمسك |
للعروة الوثقى لديه سديد(١) |
__________________
١ - مجلة الإيمان : العددان ١ - ٢ ( ١٩٦٧ م ) ، ص ٣٥ - ٣٧.
العلامة الخالد(١)
خلّد لنفسك مجداً فيه تُدّكرُ |
فالعين تفنى ويبقى بعدها الأثرُ |
|
والنفس ينشر بالأعمال جوهرها |
إذا انطوت هذه الأعراض والصورُ |
|
ولا تطيب بغير الخلق تربتها |
وهل تطيب بغير النفحة الزهرُ |
|
والعلم أطيب بذر أنت تغرسه |
بتربة النفس كيما يحسن الثمرُ |
|
ومورد كالنمير العذب منهله |
للنفس يعذب منه الورد والصدرُ |
|
العلم نور به تهدى النفوس إذا |
أضلها غلس للجهل معتكرُ |
|
وموجة في فضاء النفس ثائرة |
على العقول بفيض الحق تنفجرُ |
|
وقوّة في مجاري الروح مودعة |
بها تنورت الآراء والفكرُ |
|
العلم أفضل ما يسمو به رجل |
بحيث تنحط عنه الأنجم الزهرُ |
|
يثقف العقل في أدوار نشأته |
والعقل كالطفل للتثقيف مفتقرُ |
|
وينقذ النفس من جهل يهددها |
حتى يحيط بها من فتكه الخطرُ |
|
فأين غيّب قارون وزينته |
وأين منه كنوز ليس تنحصرُ |
|
وأين فرعون ذو الأوتاد من خضعت |
له الملوك وحيّا تاجه الظفرُ |
|
فها هما ذهبا طي الرياح هبا |
كلاهما حينما وافاهما القدرُ |
__________________
١ - في رثاء السيد ماجد العوامي أحد أعلام المجتهدين في «القطيف» بالمملكة العربية السعودية. توفي سنة ١٣٦٧ ه.
في حين خلد لقمان بحكمته |
وأظهرت فضله الآيات والسور |
|
فلتعتبر أيها الإنسان موعضة |
في كل شيء به الإنسان يعتبرُ |
|
فليس يخلد إلاّ « ماجد » ورع |
مهذب فيه يسمو المجد والخطرُ |
|
مفضّل كامل في كل مفخرة |
به عيون العلى والفضل تفتخرُ |
|
مقدّم سابق في الفضل ان قصرت |
بغيره قدم يعتاقها الخورُ |
|
مفوه ان يفه يوماً بمحتفلٍ |
تناثرت من لئالي ثغره الدررُ |
|
واسكرتك أحاديث مقدسة |
بخمرة من شعاع الروح تعتصرُ |
|
يوحي لروّاده من سحر منطقه |
بلاغة ما بها عي ولا حصرُ |
|
فرائد من بيان كلّها مُلَحٌ |
يسبيك منتظم منها ومنتثرُ |
|
لو أنَّ ( قساً ) وعاها لم يفه وعرا |
لسانه بعد طول في اللغى قصرُ |
|
ولو تناهت إلى لقمان حكمتها |
لقال سبحان من انشاك يا مضرُ |
|
منزّه لم تدنس قط في وضر |
منه شبيبته يوماً ولا الكبرُ |
|
بَرٌّ على البر والخيرات منطبع |
شهم عى عمل المعروف مفتطرُ |
|
قد روضت نفسه الطاعات من ورع |
فلا يطيش بها زهو ولا بطرُ |
|
مخلّد بجميل الذكر منتشر |
والمرء بالأثر المحمود ينتشرُ(١) |
__________________
١ - مجلّة الموسم : العددان ٩ - ١٠ ( ١٩٩١ م ) ، ص ٥٢١.
ميلاد الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم (١)
شع بالفتح فحيّاه فمي |
فجر ميلاد الرسول الأعظمِ |
|
وأطل النور من اُمّ القرى |
فمحا للشرك أدجى الظلمِ |
|
وانجلى من أحمد في مهده |
لضحى الإسلام أبهى مبسمِ |
|
مرسل بالمثل العليا إلى |
دعوة الدين الحنيف القيمِ |
|
والجهاد المر في نهضته |
والاخا والصدق رمز العلمِ |
|
وفم التوحيد فيها هاتف |
وحدة الصف شعار المسلمِ |
|
فيد تحمل قرآن الهدى |
ويد تحمل حد المخذمِ |
|
أيها الرافع في نهضته |
راية الحق لا على القممِ |
|
أيها الباعث في أخلاقه |
كل ما قد وأدوا من حرمِ |
|
أيها المرشد في أحكامه |
أمم الدنيا بخير الحكمِ |
|
يا رسول الله يا من بالهدى |
علم الإنسان ما لم يعلمِ |
|
التعاليم التي جئت بها |
عطلت منها عقود الكلمِ |
|
والرسالات التي أوحيتها |
ما تعدّى وحيها مجرى الفمِ |
|
محكم القرآن يشكو هجره |
لك والسنة لم تحتشمِ |
|
قد طوى الشر على الخير وقد |
عاثت الفوضى بكل النظمِ |
|
ومتى تدرك ما تنشده |
أمة تنبذ كل القيم |
__________________
١ - نظمت عام ١٣٨٧ ه.
لو تمسكنا بقرآن الهدى |
وتعاليم النبي الأكرمِ |
|
لبلغنا قمة النصر بها |
وانتقمنا من عبيد الصنمِ |
أمة العرب :
أمة العرب بيمناك ارسمي |
خطة الفتح بميدان الدمِ |
|
قلمي بالسيف أظفار العدى |
ودعي عنك حديث القلم |
|
ان كفاً تفرض الحق على |
خصمها الباغي بحكم القدمِ |
|
لا تضاهى بيد ضارعة |
تسأل الرحمة من منتقمِ ! |
|
ومتى تغرس أزهار المنى |
بيد تغرس شوك الألمِ |
|
وقرار الأمن في أوطاننا |
ليس يبنى بقرار الأممِ |
فلسطين :
يا فلسطين وهذي صرخة |
من فم الإسلام أوحاها فمي |
|
لك يا أرض البطولات وفي |
مهدك الثائر مهد الشممِ |
|
لوحة أنت من البلوى سوى |
أحرف النار بها لم ترقمِ |
|
للضحايا في ثراها هضبة |
وبناء شامخ لم يهدمِ |
|
للأهازيج على مسرحها |
من انين اليتم أشجى النغمِ |
|
للدم الحر على حصبائها |
لجج قد أغرقت بالضرمِ |
|
كل هاتيك القرابين فدىً |
لك من حجاج هذا الموسمِ |
|
يوم انقاذك عيد بدؤه |
بسوى التحرير لم يختتمِ |
أرض سيناء :
أرض سيناء وما أفظعها |
من خطوب عصفت بالهممِ |
|
يا شموخ المجد في عزّته |
كيف ذلّت كبرياء الهرمِ |
|
يا صمود الشعب في ثورته |
كيف زلّت بك أرسى قدمِ |
هذه التربة ما دنسها |
قبل هذا الغزو خزي المآثمِ |
|
وجيوش النصر لولا انّها |
فجئت في غدرهم لم تهزمِ |
|
ونسور الجو لو حامت به |
لاستكانت لفراخ الرخمِ |
|
والدم الفوار ما جفّ له |
وابل لولا انصباب الرجمِ |
|
لا تقولوا لف من نهضتنا |
علم المجد ومجد العلمِ |
|
إنّها ثورة شعب ناهضٍ |
يقحم الموت بقلب الضيغمِ |
|
انّها تجربة قاسية |
علمتنا كل درس مؤلمِ |
|
وليوث الغاب تضرى كلما |
خدشت في غابها من شممِ |
الأردن والقدس :
سائل الاردن والقدس معاً |
تربة العزّ ومهد العصمِ |
|
عن بطولات بها |
ليل بها رفعت أمجادنا للقممِ |
|
عن ضحايا الغدر حين انتصرت |
سطوة اللؤم بمهد الكرمِ |
|
وصبايا كالقطا قد ذعرت |
بالوغى واحترقت كالحممِ |
|
وعذارىً وهي في مأمنها |
روعت فاعتصمت في مريمِ |
|
وشيوخ لم يصن أرواحهم |
من دمار الموت سن الهرمِ |
|
ويتامى جلجل اليتم بها |
فذوت أفواهها كالبرعمِ |
|
وأيامىً أثكلت آمالها |
أيّمٌ تندب جنب الأيّمِ |
|
وهنا ألف قتيل هامدٍ |
وهنا ألف جريح مكلمِ |
|
ومآت من الوف نزحوا |
دون جرم من عذاب المجرمِ |
|
بنت صهيون وهذي نسبة |
دنست حتى خبيث المأثمِ |
|
نشوة النصر ذعاف قاتل |
لك من مستعمرٍ منهزمِ |
|
سوف يبدو الفجر في روعته |
سوف ينشق ستار العتمِ |
فيرى الظالم عقبى بغيه |
حينما يقرع سن الندمِ |
مهد سوريا :
مهد سوريا سلام عاطر |
لك من روح الابا والشيمِ |
|
من دم الأحرار يجري صببا |
في ميادين الوغى كالديمِ |
|
من أغاريد العلى راقصة |
فوق أشلاء ضحايا الشممِ |
|
من عرانين الابا قد ارغمت |
خصمها العاتي ولما ترغمِ |
|
يانضال الشعب في نهضته |
ثار في قلب الجحيم المضرمِ |
|
حيث أفواه الصواريخ على |
رأسه تنصب صب الغممِ |
|
والسما والأرض نار ودم |
ودخان مطبق بالنقمِ |
|
ودوي القصف يهمي بالبلا |
والمنايا كالسحاب المرزمِ |
|
وجناح النسر قد سد الفضا |
ويد العملاق فوق الأنجمِ |
|
يومك الخالد تأريخ على |
من مواضي عزمةٍ لم تثلمِ |
|
سيف حمدان سما في ضربة |
للضحايا والدماء الحرمِ |
جيوش الرافدين :
يا جيوش الرافدين اضطرمي |
في ميادين الوغى واحتدمي |
|
ثورة العشرين يا أبطالها |
تندب الأرقم اثر الأرقمِ |
|
نخوة العرب انهضي ضارية |
بعراك ثائر مضطرمِ |
|
حكمي الجرح على الجرح دماً |
وبأرواح بنيك احتكمي |
|
نظمي الصف إلى الصف وغىً |
وانثريها تحت ظلّ العلمِ |
|
نشوة الفتح بلا تضحية |
هي من دنيا الرؤى والحلمِ |
|
ليس يحسو شهدة النصر فم |
لم يذق في الحرب مرّ العلقمِ |
فيد تحرق من نار الوغى |
ويد تغرق من فيض الدمِ |
المستعمر :
يا دعاة الحرب لا أفلحتم |
من دعاة للفناء المبرمِ |
|||
أنتم الأعداء في أعمالكم |
للسلام الحر بين الأممِ |
|||
غدر « واشنطن » قد بانت له |
سور مفضوحة لم تكتمِ |
|||
وعدى « لندن » قد شقّ لنا |
فجره الصادق ليل التهمِ |
|||
ولقد بان « ببون » حقدها |
ومدى أبعاده لم تعلمِ |
|||
أيها المستعمر الضاري بلا |
رحمة في بطشه المنتقمِ |
|||
قد تحديت الفنا في رمية |
لم تدع في قوسها من أسهمِ |
|||
وقتلت العدل والنبل معاً |
منك في وحشية لم ترحمِ |
|||
وذبحت النوع في مجزرة |
تئد الحس بقبر العدمِ |
|||
ضجّت الدنيا لإنسانية |
منيت منكم بوحش مجرمِ |
|||
يشبع الموت وأطماعكم |
تنهش الموت بسن التهمِ |
|||
أمة الإسلام :
أمة الإسلام ما أبقت لنا |
أمة الكفر حمىً لم يقحمِ |
|
لعبيد العجل في أوطاننا |
أصبحت أحرارنا كالمغنمِ |
|
ملكوا من أرضنا مهد الهدى |
واستباحوا حرمات الحرمِ |
|
ليس في الميدان دنيا عرب |
ويهود في صراع مقتمِ |
|
إنّما الإسلام لاقى حملةً |
هي من جيش الصليب الأقدم |
|
فاستعدوا وأعدوا لهم |
قوّة البأس وبطش الهممِ |
|
واهزموا بالوحدة الكبرى وفي |
قوّة التوحيد جيش الصنمِ |
وسلاح النفط في ضربته |
لحياة الغرب أمضى مخذمِ |
|
وقنال النيل سد محكم |
قام في وجه العدو المجرمِ |
|
وحدوا الأوطان في جامعة |
للتآخي كالأساس المحكمِ |
|
وحدة الإسلام أقوى جبهة |
تجمع المسلم جنب المسلمِ |
|
أمة الضاد ارفعي ترتفعي |
راية القرآن بين الأممِ |
|
وخذي من قائد الدين يداً |
للهدى بيضاء فيها اعتصمي |
|
حجّة الإسلام مصباح النهى |
الحكيم الفذ مهد الحكمِ(١) |
__________________
١ - مجلّة الإيمان : العددان ٥ - ٦ ( ١٩٦٧ م ) ، ص ١٧ - ٢١.
المصادر والمراج ع
أ - المصادر المطبوعة
١ - آل محبوبة ، جعفر باقر : ماضي النجف وحاضرها ، الطبعة الثانية ، دار الأضواء ، بيروت ، ١٩٨٦ م.
٢ - ابن فارس ، أحمد بن فارس : معجم مقاييس اللغة. بتحقيق وضبط عبدالسلام محمد هارون. مكتب الإعلام الإسلامي ، قم ، ١٤٠٤ ه.
٣ - ابن منظور ، محمد بن مكرم : لسان العرب. نسقه وعلّق عليه ووضع فهارسه علي شيري. الطبعة الاُولى ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، ١٩٨٨ م.
٤ - أبو تمام ، حبيب بن أوس : ديوان الحماسة. تحقيق الدكتور عبدالمنعم أحمد صالح. دار الرشيد للنشر ، بغداد ، ١٩٨٠ م.
٥ - الأخطل ، غياث بن غوث : ديوان الأخطل. شرحه وصنّف قوافيه وقدّم له مهدي محمد ناصر الدين. الطبعة الاُولى ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ١٩٨٦ م.
٦ - ارسطو طاليس : فن الشعر. ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقّق نصوصه عبدالرحمن بدوي. الطبعة الثانية ، دار الثقافة ، بيروت ، ١٩٧٣ م.
٧ - أسود ، عبدالرزاق محمد : موسوعة العراق السياسية ، الطبعة الاُولى ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت ، ١٩٨٦ م.
٨ - الاصفهاني ، أبو الفرج : الأغاني. شرحه وكتب هوامشه عبدالأمير علي مهنّا وسمير جابر. الطبعة الثالثة ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، ١٩٩٥ م.
٩ - الأمين ، حسن : مستدركات أعيان الشيعة ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، ١٩٩٢ م.
١٠ - الأمين ، محسن : أعيان الشيعة. حقّقه وأخرجه حسن الأمين. دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، ١٩٨٣ م.
١١ - الأميني ، محمد هادي : معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ، الطبعة الثانية ، ١٩٩٢ م.
١٢ - انطاكي ، عبدالمسيح : القصيدة العلوية المباركة ، مطبعة رعمسيس ، مصر ، ١٩٢٠ م.
١٣ - بابان ، جمال : اُصول أسماء المدن والمواقع العراقية ، الطبعة الثانية ، بغداد ، ١٩٨٩ م.
١٤ - بحر العلوم ، محمد : حصاد الأيام ، الطبعة الاُولى ، دار الزهراء ، بيروت ، ١٩٩١ م.
١٥ - بروكلمان ، كارل : تاريخ الأدب العربي. نقله إلى العربية الدكتور عبدالحليم النجار. الطبعة الثانية ، دار الكتاب الإسلامي ، قم ، بدون تاريخ.
١٦ - البستاني ، بطرس : أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام ، دار نضير عبود ، بيروت ، ١٩٨٩ م.
١٧ - البستاني ، سليمان : الياذة هوميروس ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، بدون تاريخ.
١٨ - البستاني ، محمود : الاسلام والفن ، الطبعة الاُولى ، مجمع البحوث الإسلامية ، مشهد ، ١٤٠٩ ه.
١٩ - البستاني ، محمود : تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي ، الطبعة الاُولى ، مجمع البحوث الإسلامية ، مشهد ، ١٤١٣ ه.
٢٠ - البعلبكي ، منير : موسوعة المورد ، الطبعة الاُولى ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ١٩٨١ م.
٢١ - الجزائري ، محمد جواد : ديوان الجزائري ، مؤسسة خليفة للمطبوعات ، بيروت ، ١٩٧٠ م.
٢٢ - جمال الدين ، مصطفى : الايقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة ، مطبعة النعمان ، النجف ، ١٩٧٠ م.
٢٣ - جمال الدين ، مصطفى : الديوان ، الطبعة الاُولى ، دار المؤرخ العربي ، بيروت ، ١٩٩٥ م.
٢٤ - الجواهري ، محمد مهدي : ديوان الجواهري ، مطبعة الأديب ، بغداد ، ١٩٧٣ م.
٢٥ - حرز الدين ، محمّد : معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء. علّق عليه محمّد حسين حرز الدين. مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم ، ١٤٠٥ ه.
٢٦ - الحسني ، عبدالرزاق : الثورة العراقية الكبرى ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ١٩٩٢ م.
٢٧ - الحسني ، عبدالرزاق : العراق قديماً وحديثاً ، الطبعة السادسة ، دار الكتب ، بيروت ، ١٩٨٠ م.
٢٨ - الحلي ، صفي الدين : ديوان صفي الدين الحلي ، دار صادر ، بيروت ، بدون تاريخ.
٢٩ - الحموي ، ياقوت : معجم البلدان. تحقيق فريد عبدالعزيز الجندي. الطبعة الاُولى ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ١٩٩٠ م.
٣٠ - الخاقاني ، علي : شعراء الغري ، المطبعة الحيدرية ، النجف ، ١٩٥٤ م.
٣١ - الخليلي ، جعفر : موسوعة العتبات المقدسة ، الطبعة الثانية ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، ١٩٨٧ م.
٣٢ - الخليلي ، جعفر : هكذا عرفتهم ، انتشارات الشريف الرضي ، قم ، ١٤١٢ ه.
٣٣ - الخوانساري ، محمد باقر : روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات ، مكتبة اسماعيليان ، قم ، ١٣٩١ ه.
٣٤ - داغر ، يوسف أسعد : مصادر الدراسة الأدبية ، منشورات الجامعة اللبنانية ، بيروت ، ١٩٨٣ م.
٣٥ - الدجيلي ، جعفر : موسوعة النجف الأشرف ، الطبعة الاُولى ، دار الأضواء ، بيروت ، ١٩٩٣ م.
٣٦ - الرافعي ، مصطفى صادق : تاريخ آداب العرب ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، ١٩٧٤ م.
٣٧ - الزبيدي الدجيلي ، عبّاس محمد : الدرر البهيّة في أنساب عشائر النجف العربية ، الطبعة الاُولى ، ١٩٨٨ م.
٣٨ - الزركلي ، خير الدين : الأعلام ، الطبعة الثالثة ، بيروت ، ١٩٧٤ م.
٣٩ - الزوزني ، الحسين بن أحمد : شرح المعلّقات السبع ، منشورات ارومية ، قم ، ١٤٠٥ ه.
٤٠ - زيدان ، جرجي : تاريخ آداب اللغة العربية ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت ، ١٩٦٧ م.
٤١ - سعدي ، عثمان : الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ، الدار الوطنية ، بغداد ، ١٩٨١ م.
٤٢ - سلامة ، بولس : عيد الغدير ، الطبعة الثالثة ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، ١٩٧٣ م.
٤٣ - الشبيبي ، محمد رضا : ديوان الشبيبي ، مطبعة لجنة التأليف ، القاهرة ، ١٩٤٠ م.
٤٤ - الشرقي ، علي : موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية. جمع وتحقيق موسى الكرباسي. مطبعة العمال المركزية ، بغداد ، ١٩٨٩ م.
٤٥ - الصغير ، محمد حسين : فلسطين في الشعر النجفي المعاصر ، الطبعة الثانية ، مؤسسة الوفاء ، بيروت ، ١٩٨٤ م.
٤٦ - ضيف ، شوقي : العصر الجاهلي ، الطبعة الثامنة ، دار المعارف ، القاهرة ، ١٩٧٧ م.
٤٧ - الطاهر ، عبدالجليل : العشائر العراقية ، [ بغداد ] ، ١٩٧٢ م.
٤٨ - الطهراني ، آقا بزرك : الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، مؤسسة اسماعيليان ، قم ، ١٣٥٥ ه.
٤٩ - الطهراني ، آقا بزرك : نقباء البشر في القرن الرابع عشر ، الطبعة الثانية ، دار المرتضى للنشر ، مشهد ، ١٤٠٤ ه.
٥٠ - الطهراني ، آقا بزرك : هدية الرازي إلى الامام المجدد الشيرازي ، ١٣٨٦ ه.
٥١ - طهراني ، نادر نظام : العروض العربي ، الطبعة الاُولى ، جامعة العلامة الطباطبائي ، طهران ، ١٩٩٢ م.
٥٢ - العامري ، ثامر عبدالحسن : موسوعة العشائر العراقية ، الطبعة الاُولى ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ١٩٩٢ م.
٥٣ - العزاوي ، عباس : عشائر العراق ، شركة التجارة والطباعة المحدودة ، بغداد ، ١٩٥٥ م.
٥٤ - علوان ، علي عباس : تطور الشعر العربي الحديث في العراق ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، بدون تاريخ.
٥٥ - عواد ، كوركيس : معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين ، مطبعة الارشاد ، بغداد ، ١٩٦٩ م.
٥٦ - غريّب ، جورج : الشعر الملحمي تاريخه وأعلامه ، دار الثقافة ، بيروت ، بدون تاريخ.
٥٧ - فرج ، لطفي جعفر : الملك غازي ودوره في سياسة العراق في المجالين الداخلي والخارجي ( ١٩٣٣ - ١٩٣٩ م ) ، منشورات مكتبة اليقظة العربية ، بغداد ، ١٩٨٧ م.
ئ٥٨ - الفرطوسي ، عبدالمنعم : ديوان الفرطوسي ، الطبعة الثانية ، مطبعة الغري الحديثة ، النجف ، ١٩٦٦ م.
٥٩ - الفرطوسي ، عبدالمنعم : ملحمة أهل البيت : الطبعة الثانية ، مؤسسة أهل البيتعليهمالسلام بيروت ، ١٩٨٦ م.
٦٠ - الفضلي ، عبدالهادي : دليل النجف الأشرف ، منشورات مكتبة التربية ، النجف ، [ ١٣٨٥ ه ].
٦١ - القرشي ، أبو زيد محمد بن أبي الخطاب : جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والاسلام. حقّقه وزاد في شرحه علي محمد البجاوي. بدون تاريخ.
٦٢ - القطامي ، عمير بن شييم : ديوان القطامي. تحقيق الدكتور أحمد مطلوب والدكتور إبراهيم السامرائي. بيروت ، ١٩٦٠ م.
٦٣ - الكبيسي ، عناد إسماعيل : الأدب في صحافة العراق منذ بداية القرن العشرين ، مطبعة النعمان ، النجف ، ١٩٧٢ م.
٦٤ - الكيالي ، عبدالوهاب : موسوعة السياسة ، الطبعة الاُولى ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ١٩٨٦ م.
٦٥ - المبارك ، عبدالحسين : ثورة ١٩٢٠ في الشعر العراقي ، الطبعة الاُولى ، مطبعة دار البصري ، بغداد ، ١٩٧٠ م.
٦٦ - المتنبي ، أحمد بن الحسين : ديوان أبي الطيب المتنبي. تحقيق الدكتور عبدالوهاب عزام. دار الزهراء ، بيروت ، ١٩٧٨ م.
٦٧ - مردان ، جمال مصطفى : عبدالكريم قاسم البداية والسقوط ، المكتبة الشرقية ، [ بغداد ] ، بدون تاريخ.
٦٨ - المطبعي ، حميد : موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين ، الطبعة الاُولى ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ١٩٩٥ م.
٦٩ - معتوق ، أحمد : شرح الازرية ، الطبعة الاُولى ، دار السلام للتراث ، بيروت ، ١٩٩٦ م.
٧٠ - المقدسي ، أنيس : الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث ، الطبعة الخامسة ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ١٩٧٣ م.
٧١ - موسى ، ضياء : قرنفلة الصباح ، انتشارات المكتبة الحيدرية ، قم ، ١٩٩٨ م.
٧٢ - الموسوي ، عبدالصاحب : حركة الشعر في النجف الأشرف وأطواره خلال القرن الرابع عشر الهجري ، الطبعة الاُولى ، دار الزهراء ، بيروت ، ١٩٨٨ م.
٧٣ - الموسوي عبدالصاحب : الشيخ اليعقوبي دراسة نقدية في شعره ، منشورات مركز البحوث العربية الإسلامية ، كندا ، ١٩٩٥ م.
٧٤ - الموسوي ، مدين : كان لي وطن ، دار نداء الرافدين ، بيروت ، ١٩٩٢ م.
٧٥ - الميداني ، أحمد بن محمد : مجمع الأمثال. قدم له وعلّق عليه نعيم حسين زرزور. الطبعة الاُولى. دار الكتب العلمية ، بيروت ، ١٩٨٨ م.
٧٦ - الناهي ، غالب : دراسات أدبية ، مطبعة دار النشر والتأليف ، النجف ، ١٩٥٤ م.
٧٧ - الهاشمي ، أحمد : جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع. اشراف صدقي محمد جميل. دار الفكر ، بيروت ، ١٩٩٤ م.
٧٨ - الهلالي ، عبدالرزاق : زكي مبارك في العراق ، الطبعة الاُولى ، المكتبة العصرية ، صيدا - بيروت ، ١٩٦٩ م.
٧٩ - الوردي ، علي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، انتشارات الشريف الرضي ، قم ، ١٤١٣ ه.
٨٠ - وهبة ، مجدي وكامل المهندس : معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب ، الطبعة الثانية ، مكتبة لبنان ، بيروت ، ١٩٨٤ م.
٨١ - يعقوب ، اميل بديع وميشال عاصي : المعجم المفصل في اللغة والأدب ، الطبعة الاُولى ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ١٩٨٧ م.
ب - المصادر المخطوطة
١ - الهاشمي ، محمد جمال الدين : ديوان الهاشمي ، مخطوطة محفوظة عند نجل الشاعر السيد هاشم الهاشمي.
٢ - الهاشمي ، محمد جمال الدين : ديوان وحي الشعور ، مخطوطة محفوظة عند نجل الشاعر السيد هاشم الهاشمي.
٣ - الهلالي ، جعفر : ديوان الهلالي ، مخطوطة محفوظة عند الشاعر.
ج - المجلات
١ - الزين ، أحمد عارف : مجلة العرفان ، بيروت - لبنان ، سنة ١٩٦٥ م.
٢ - الطريحي ، محمد سعيد : مجلة الموسم ، بيروت - لبنان ، سنة ١٩٨٩ م وما بعدها.
٣ - منظمة الاعلام الاسلامي : مجلة التوحيد ، طهران - ايران ، سنة ١٤٠٨ ه.
٤ - مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لاحياء التراث : مجلة تراثنا ، قم - ايران ، سنة ١٤٠٨ ه.
٥ - اليعقوبي ، موسى : مجلة الايمان ، النجف - العراق ، سنة ١٩٦٣ م وما بعدها.
المحتويات
كلمة المكتبة الأدبيّة المختصّة ٥
المقدمة ٨
البَابُ الأَوَّلُ ١٣
البيئة ١٣
١ - النجف قديماً وحديثاً : ١٥
٢ - الحياة الاجتماعية : ١٨
٣ - الحياة السياسية : ٢٧
٤ - الحياة الثقافية : ٣٧
البَابُ الثَّاني ٥٣
السيرة ٥٣
١ اسمه ومولده ونشأته: ٥٥
٢ - أسرته وقبيلته : ٥٨
٣ - جدّه : ٦٠
٤ - والده: ٦١
٥ - إخوته : ٦١
٦ - أولاده : ٦٤
٧ - خلقه وسيرته : ٦٥
٨ - أسفاره ورحلاته : ٦٧
٩ - شخصيته العلمية : ٧٠
١٠ - دراسته وأساتذته : ٧٢
١١ - آثاره ومؤلفاته : ٧٦
١٢ - نشاطه الثقافي والأدبي : ٨١
١٣ - مواقفه الوطنية والسياسية : ٨٣
١٤ - دوره الاصلاحي والاجتماعي : ٨٧
١٥ - وفاته ومدفنه : ٨٩
الباب الثالث ٩٣
الشعر ٩٣
الفَصْلُ الأَوَّلُ ٩٥
شاعرية الفرطوسي : ٩٧
اولاً : البدايات ١٠٠
ثانياً : المؤثرات ١٠٥
ثالثاً : الخصائص ١١٦
الفَصْلُ الثُّانيْ ١٥١
اتجاهات الفرطوسي الشعرية ١٥١
١ - الشعر السياسي : ١٥٣
٢ - الشعر الاجتماعي : ١٨٣
أ - محاربة الفقر والفساد : ١٨٤
ب - مكافحة الجهل والأمية : ١٨٨
ج - تعميم العلاج والخدمات الصحية : ١٩٢
د - اصلاح النظام الزراعي : ١٩٤
٣ - الشعر الولائي : ١٩٦
الفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٠٣
الأَغراض الشعرية ٢٠٣
عند الفرطوسي ٢٠٣
١ - شعر المديح : ٢٠٥
٢ - شعر الرثاء : ٢١٠
٣ - شعر الوصف : ٢١٥
٤ - شعر الغزل : ٢١٩
٥ - شعر التأريخ ٢٢٣
الفَصْلُ الرّابِعُ ٢٢٥
ملحمة أَهل البيت عليهمالسلام ٢٢٥
أ - الملحمة لغةً ومصطلحاً : ٢٢٧
ب - الملحمة قديماً وحديثاً : ٢٢٩
ج - ملحمة أهل البيت عليهمالسلام : ٢٣٧
١ - البدايات : ٢٣٧
٢ - الموضوعات : ٢٣٩
٣ - الخصائص : ٢٦٤
٤ - مقارنة وتطبيق : ٢٧٥
الخاتِمَةُ ٢٨١
الملاحق ٢٨٣
الملحق رقم (١) ٢٨٥
شجرة آل الفرطوسي ٢٨٥
الملحق رقم (٢) ٢٨٩
من صور الفرطوسي ٢٨٩
الملحق رقم (٣) ٢٩٥
الفرطوسي في الشعر ٢٩٥
الملحق رقم (٤) ٣٢١
مستدرك أشعار الفرطوسي ٣٢١
المصادر والمراجع ٣٣٥