تقريرات ثلاثة
آية العظمى حسين البروجردي الطباطبائيقدسسره
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة
إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الانبياء والمرسلين ولاسيما نبينا وسيدنا وسيد المرسلين الذي ارسل وبعث لهداية الخلق اجمعين، وعلى ابن عمه وصهره ووصيه وخليفته وعلى أولاده المعصومين المظلومين صلوات الله عليهم اجمعين.
وبعد فان من اهم ما بعثه الله تعالى الانبياء بعد معرفة الاصول التي هي الاعمال الجوانحية هو تنظيم الاعمال الجوارحية الذي لا طريق له الا بمعرفة الفقه الاسلامي الذي صدر بطريق اهل بيت النبي الذين هم ادرى بما في البيت.
ولذا كان دأب سلفنا الصالح من بدو زمن الغيبة الكبرى، بل في زمن الصادقينعليهماالسلام ، بل من حين عرف المسلمون ان لهم وظائف مقررة من الشرع المقدس، الاهتمام ببيان هذه الوظيفة الثمينة فألفوا تآليف وصنفوا التصانيف فأودعوا لنا كتبا قيمة ثمينة.
ومن النعم التي وفقني الله لها حضور مجالس درس العلم العليم والطود العظيم الذي يليق ان يقال: انه خاتم المجتهدين في امثال زماننا مما قل فيه طلبة العلم اعني المرجع الديني العام آية الله الملك العلام سيدنا الاستاذ الاعظم نادرة الدوران في التتبع والتحقيق الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجرديقدسسره وكثر الله امثاله.
فانه رضوان الله عليه مع كبر سنه وكثرة مشاغله كان كالبحر المواج في التدقيق والتحقيق وقد وفقت بحضور دروسه الفقهية والاصولية وقررتها بقدر وسعي مع قلة دركي لبياناته الشافيةالوافية، فالحمد لله على تلك النعمة.
وقد وفقت بحمد الله ومنه من تقريرات بحثه:
(١) تقرير بحثه في صلاة الجمعة والمسافر ونبذة من احكام الصلاة.
(٢) تقرير بحثه في نبذة من احكام الوصية ومنجزات المريض.
(٣) تقرير بحثه في اسباب الضمان ونبذة من احكام الغصب.
(٤) تقرير بحثه من اول مشتقات الكفاية الى آخر بحث حجية الاجماع. والذي بين يديك هو التقريرات الثلاثة الوصية ومنجزات المريض ميراث الأزواج الغصب.
وأسأل الله من فضله ان يهيىء وسيلة لنشرها بحق الأئمة المعصومينعليهمالسلام الذين هم الوسائل أداء لبعض حقوقه على انه اكرم الأكرمين.
ولنتبرك بنقل حديث في فضل العالم:
فروى الكلينيرحمهالله ، عن محمد بن يحيى العطار، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال: سمعت ابا عبد اللهعليهالسلام يقول: اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم. ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم(١) .
____________________
(١) اصول الكافي باب صفة العلماء، حديث ١ ص ٣٦ ج١.
كتاب الوصية
يقال(١) : وصى يوصي توصية،وا وصى يوصي ا يصاء من وصى يصي وصاية كوقي يقي وقاية، ويقال: اوصاه، واوصى اليه، عهد اليه كما عن القاموس.
فالوصية لغة، العهد الى الغير بعمل، او مطلق العهد، ولو لم يكن الى الغير.
وقد استعملت هذه الكلمة في الكتاب والسنة كثيرا من باب التفعيل كقوله تعالى في آخر سورة الأنعام في الموارد الثلاثة: ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولعلكم تذكرون، ولعلكم تتقون(٢) ، وقوله تعالى: ام كنتم شهداء اذ وصاكم الله بهذا(٣) الآية، وقوله تعالى: ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب(٤) ، الآية. وكثيرا من باب الافعال كقوله تعالى: يوصيكم الله في اولادكم للذكر
____________________
(١) هذا تقرير بقدر فهمي القاصر لبحث سيدنا الاستاذ الأكبر المرجع الديني الآية الحاج آقا حسين البروجردي، المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ.ق قدس الله نفسه الزكية.
(٢) الأنعام ١٥١ ١٥٢ ١٥٣.
(٣) الأنعام ١٤٤.
(٤) البقرة ١٣٢.
مثل حظ الأنثيين(١) ، وقوله تعالى في سورة النساء في الموارد الأربعة: من بعد وصية توصون بها او دين(٢) ، ومن بعد وصية يوصين بها اودين، ومن بعد وصية يوصى بها او دين، ومن بعد وصية يوصي بها او دين، وغير ذلك(٣) الآيات.
وليست مختصة بان نستعمل في الامور التي يعمل بها بعد الموت، بل كل من عهد الى انسان بشيء فهو وصية مطلقا كقولهعليهالسلام في غير واحد من الخطب: اوصيكم بتقوى الله، وكالآيات المزبورة المشار اليها.
نعم غلب استعمالها، في المعنى المذكور واستعمل في القرآن المجيد ايضا كقوله تعالى: كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين(٤) ، وكقوله تعالى: حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم(٥) .
اذا عرفت هذا، فاعلم ان الوصية بالمعنى المعروف قد كانت في زمن الأئمةعليهمالسلام ، بل في زمن النبيصلىاللهعليهوآله ، بل قبل الاسلام كما دل عليه الرواية التي روتها العامة:
قدم رسول اللهصلىاللهعليهوآله المدينة فسأل عن براء بن معرور، فقيل: انه هلك واوصى لك بثلث ماله فقبل ورد على ورثته(٦) .
____________________
(١) النساء/ ١١.
(٢) النساء/ ١١ ١٢.
(٣) مثل قوله تعالى: واوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا، مريم ٣١.
(٤) البقرة/١٨٠.
(٥) المائدة/١٠٦.
(٦) الاصابة للعسقلاني ج١ ص ١٤٩، وطبقات ابن سعدج ٣ ص٦١ نحوه من غير نقل الردّ.
وآيات الوصية في سورة البقرة، وهي مدنية وكانت وصية براء بن معرور، قبل نزول سورة البقرة(١) ، لأنها كانت قبل هجرة النبيصلىاللهعليهوآله الى المدينة.
ثم انك قد عرفت ان الوصية عبارة عن القاء العهد الى الغير بأمر، بعد الموت فالقدر اللازم فيها الذي به قوامها هو وجود الموصي، والموصى به، اما الموصى اليه، وله فقد يكونان وقد لايكونان، ولاشك انها موجودة للاضافة بين الموصي والموصى اليه.
ثم اعلم ان الوصية اما ان تكون بالامور الاعتبارية او بالعمل، والاول اما ان يكون ولاية، او كون المال مثلا مضاربة بين الموصى اليه وبين اولاده، او كون شيء ملكا له او غير ذلك من اقسام الاعتباريات، والثاني اما متعلق ببدن الموصي كالوصية بتجهيزاته، او متعلق بماله كقوله: اعطوا فلانا كذا وكذا درهما مثلا او غيرهما كالوصية بالصلاة والصوم وغير ذلك من الأعمال.
ولا ريب في عدم احتياج بعض اقسامها الى القبول كما لا ريب في احتياج بعض اقسامها الآخر اليه ولو كان هو رضي به، بل ولو كان عدم الرد على وجه كالوصية بالتملك او التمليك.
وانما الكلام في انها هل هي عقد لايتحقق مفهومها المسببي الا بالقبول كالبيع المسببي ام لا تكون كذلك (وبعبارة اخرى) هل يصدق بعد العهد الى الغير انه اوصى بمعنى الاسمي حقيقة ام لا كما لايصدق قولنا (باع) بالمعنى المذكور الا بعد تحقق القبول؟ الأظهر عدم الاحتياج الى ذلك.
____________________
(١) او المائدة.
والدليل عليه امران (احدهما) ما دل على ان الموصى له لو مات قبل الموصي وقبل القبول ينتقل الحق الى ورثته كرواية محمد بن قيس، عن ابي جعفرعليهالسلام قال: قضى امير المؤمنينعليهالسلام في رجل اوصى لآخر والموصي له غائب فتوفي الموصى له الذي اوصى له قبل الموصي؟ قال الوصية لوارث الذي اوصى له، قال: ومن اوصى لاحد شاهدا كان او غائبا فتوفي الموصى له قبل الموصي فالوصية لوارث الذي اوصى له الا ان يرجع في وصيته قبل موته(١) .
واحتمال ان الانتقال الى الورثة لعله كان بعد قبول الموصى له في حياة الموصي فلا دلالة فيها على الانتقال حتى قبل قبوله اياها، يدفعه اطلاق الرواية بل ظهورها المستفاد من قوله: (وهو غائب) الظاهر في عدم اطلاعه حتى مات فحكمعليهالسلام بالانتقال، فلو كان تحقق مفهوم الوصية محتاجا الى القبول لم يكن وجه لهذا الحكم فيستكشف من حكمهعليهالسلام ان الوصية بنفسها اوجدت حقا للموصى له وهو حق التملك بعد موت الموصي، فاذا مات انتقل هذا الحق الى الورثة.
(الثاني) عدم صدق المعاقدة عقلا لو قبل بعد موت الموصى له. فانها بين الحي والميت غير متصورة لان العقد كما حقق في محله يوجد معنى واحدا بسيطا معلولا لفعلي المتعاقدين، واحد جزئي العلة اذا انتفى قبل تحقق الجزء الآخر لم يؤثرا شيئا فان تحقق المعلول متوقف على بقاء اجزاء العلة حتى يتحقق، ولذا قال جماعة بعدم تحقق البيع بقبول المشتري بعد موت الموجب.
والحاصل كما ان الوصية للجهات او العناوين كالمساجد
____________________
(١) الوسائل باب٣٠ حديث ١ من كتاب الوصايا ج١٣ ص ٤٠٩.
والمدارس او الفقراء والطلاب لاتحتاج الى القبول في كونها مصداقا ويصدق عليه انه اوصى بذلك ويحكم بعدم جواز التبديل وعدم جواز المزاحمة وغير ذلك من احكام الوصية، كذلك الوصية للأشخاص، بلا فرق بينهما فلا يحتاج في صدقها الى القبول.
ويؤيد عدم كونها عقدا حكمهم بوجوب القبول لو وصل اليه الخبر بعد الموت ولو كانت عقدا لما وجب، لانه اختياري بطرفيه الا ان يقال: هذا حكم تعبدي فحينئذ يقال ايضا: لا يصيره عقدا، بل يجعله في حكم العقد كما لايخفى.
ويؤيده ايضا ظاهر قوله تعالى: كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين ان الله سميع عليم(١) .
ويؤيده ايضا قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم(٢) الآية.
فان ما كتب على الناس هو فعل الموصي مجردا لا مع قبول الموصى له، والاّ فهو مختار في القبول وعدمه في بعض الصور، وكذا قوله (حين الوصية اثنان) ومعلوم انه حين ايصاء الموصي يلزم حضور شاهدين عدلين لا حين القبول كما لايخفى على من تدبر حق التدبر، هذا.
مضافا الى ان المناط في كون شيء عقدا هو ان الاضافة المتحققة بايجاب الموجب ان كانت في تحققها محتاجة الى التصرف في سلطنة الغير كالملكية، حيث انها توجب بتمليك وتملك بعوض، فهو عقد والا فهو
____________________
(١) البقرة/١٨٠ ١٨١.
(٢) المائدة/١٠٦.
ايقاع وحصول الوصية ليست مفتقرة في تحققها الى التصرف في سلطان الغير، نعم حصول الملكية يحتاج الى القبول وهو غير تحقق اصل الوصية كما لا يخفى.
ومضافا الى ان من المعلوم اتحاد مفهوم الوصية في جميع الموارد مع عدم احتياج بعض اقسامها اليه قطعا كالوصية المتعلقة بتجهيزاته، والوصية للجهات العامة كالمساجد والربط وغيرها.
(مسئلة ١) بناء على ما ثبت من عدم احتياج الوصية الى القبول، هل تحتاج اليه في كون الموصى به ملكا للموصى له في الوصية التمليكية ام لا، بل يكون ملكا له قهرا عليه؟ وجهان من ان ظاهر قوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه)(١) عدم الاحتياج حيث رتب احكامها اعني حرمة التبديل على مجرد الوصية للوالدين والأقربين فيستكشف به صيرورته ملكا له من غير احتياج الى شيء، (ومن) منافاته لتسلط الناس على اموالهم وانفسهم، الذي هو حكم عقلي جار في جميع الامور الا ما خرج بالدليل فيحتاج الى دخالة ما من الموصى له، وهذا اقرب.
وحينئذ، فهل يكفي عدم رده في ثبوت الملكية للموصى له كما نسب الى الشيخ الطوسي والعلامة واحد الاقوال الثلاثة للشافعية فلو رد مثلا يرجع الى ورثة الموصي حين الرد ام يحتاج الى الرضا؟ وجهان، ظاهر الآية الشريفة المذكورة هو الأول، لكن الثاني اقرب لعين ما ذكرنا على القبول بعدم احتياجه الى شيء، وهو منافاته التسلط.
وحينئذ فهل يحتاج الى انشاء القبول ام يكفي الرضا الباطني؟
____________________
(١) البقرة/١٨١.
الظاهر هو الثاني، وعلى التقدير الثاني هل يكون الرضا المنكشف بنحو الشرطي او الجزئية (وبعبارة اخرى) هل يكون بنحو الكشف ليكون شرطا او بنحو النقل ليكون جزءا؟ وجهان.
ويمكن ان يستكشف من حكمهم لزوم ارضاء الموصى له لو اتلف شخص العين الموصى بها بين الموت والقبول، ومن الحكم بكون الثمار الحاصلة من الشجرة بين الموت والقبول له ايضا كونه شرطا.
ثم لو قبل الموصى له لايكون ما اوجده بقبوله جزءا لما اوجده الموصى بايصائه، بل يكون قبوله موجدا للملكية الفعلية له وايصائه موجدا لحق التملك له كما لايخفى.
(مسئلة ٢) يعرف مما بينا لك من معنى القبول، عدم كون القبول حال حياة الموصى مجديا، لانه اما لاجل تأثيره في تحقق الوصية وقد بينا توضيح فساده، واما لأجل تأثيره في كونه ملكا والمفروض انه متوقف على الموت، مضافا الى ان ما اوجده ايصائه، هو كون المنال صالحا، لان يملك بعد الموت بسبب القبول، فلو قبل قبل الموت لكان منافيا لمقتضى الايصاء والقبول.
ومن هنا يعلم عدم تأثير رده حال حياة الموصي، لأن الذي كان عبارة عن حالة نفسانية باق في نفس الموصي فلا يؤثر رده في رفعها، بل لو رده ومات حال حياة الموصي انتقل الحق الى الورثة بمقتضى اطلاق الرواية المتقدمة، المستفاد من ذيلها حيث قال: قالعليهالسلام : من اوصى لأحد شاهدا كان او غائبا فتوفي الموصى له قبل الموصى فالوصية لوارث الذي اوصى له الا ان يرجع في وصيته قبل موته(١) .
____________________
(١) الوسائل باب٣٠ ذيل حديث ١من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٠٩ .
(ان قلت): لو كان القبول او الرد حال الحياة غير مفيد، لما اثار اجازة الورثة بالنسبة الى ما زاد على الثلث كما ذهب اليه الشيخرحمهالله وتبعه المتأخرون، بيان الملازمة ان الاجازة من الورثة بمنزلة القبول من الموصى له في كونها دخيلا في تحقق الوصية فاذا لم تجز الورثة لم تكن نافذة بالنسبة الى مازاد من الثلث، فكما ان الاجازة مؤثرة فليكن القبول او الرد ايضا كذلك.
(قلت): بالفرق بين المقامين، فان اجازتهم الزيادة موجبة لتحقق موضوع الوصية بحيث لو لم يجيزوا لم يتحقق الوصية التي يترتب عليها آثارها بخلاف قبول الموصى له، فانه لادخل له في تحققها اصلا كما لايخفى فحينئذ يرجع البحث الى ان الدليل الدال على نفوذ اجازة الورثة هل هو مختص بما بعد الموت او يعم قبل الموت؟ والمسئلة مختلفة فيها بين العامة والخاصة، وتفصيل القول يأتي ان شاء الله تعالى، لكن نشير هنا مختصرا ليتضح المقصود، فنقول:
ذهب جماعة من العامة الى عدم نفوذ الاجازة حال الحياة مستدلين بعدم كون الثلث لهم حينئذ، وآخرون منهم الى نفوذها مستندين الى ان انفاذها ليس باعتبار الملكية لهم، بل باعتبار انها تتمة لموضوع الوصية.
وذهب الشيخ ابو جعفر الطوسيرحمهالله ومن تبعه الى النفوذ مستدلاً برواية منصور بن حازم، قال: سألت ابا عبداللهعليهالسلام عن رجل اوصى بوصية اكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال: جائز(١) .
____________________
(١) الوسائل باب ١٣ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج ١٣ص٣٧٢
ورواية محمد بن مسلم، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في رجل اوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك فلما مات الرجل نقضوا الوصية، هل لهم ان يردوا ما اقروا به؟ فقال: ليس لهم ذلك والوصية جائزة عليهم اذا أقروا بها في حياتهم(١) .
(مسئلة ٣) لو اوصى بعين لشخص ولمنفعتها الى مدة لآخر فقبل الأول دون الثاني، فهل ترجع الى الورثة باعتبار ان المانع من كونها موروثة وصية الموصي، فاذا ردها يرجع الى مقتضى قاعدة الارث، او ترجع الى الموصى له تابعة العين لان المنفعة تباعة للعين والمانع عن تابعيتها قد ارتفع برده (وبعبارة اخرى) قد ذكرنا آنفا ان الملكية الفعلية مسببة عن القبول، والايصاء يوجب كون الموصى به صالحا لان يملك، ومجرد رده لا يوجب خروجه عن الصالحية المذكورة، فيمكن ان يقال حينئذ برجوعه الى الموصى له العين.
ولكن فيه ان نفس تفكيك الموصي بين العين والمنفعة يوجب رفع اقتضاء التابعية، فاذا رده رجع الى الورثة (وبعبارة اخرى) تفكيك الموصي يوجب كونهما مالين مستقلين في نظر العرف فأيهما رد الوصية يرجع الى الميت ثم الى الورثة، فكما اذا رد صاحب العين ترجع اليهم، فكذا اذا رد صاحب المنفعة، وكيف كان ففي المسئلة وجهان.
هذا كله في اصل موضوع الوصية.
____________________
(١) الوسائل باب١٣ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧١.
بقي الكلام في الاضافات الحاصلة بها
وهي اربعة (الأول) في الموصي، يشترط فيه امور (الأول) العقل وهو شرط قطعا ولايختص بها، بل هو معتبر في جميع العقود والايقاعات.
(الثاني) عدم الاغماء (الثالث) عدم الحجر (الرابع) البلوغ، والاختلاف واقع في غير الأولين سيما الاخير حيث ذهب جماعة من المتقدمين الى عدم اشتراط البلوغ، كالصدوق، والمفيد، والشيخ، وأبي الصلاح، ومن تبعهم استنادا الى روايات.
(منها) رواية زرارة، عن ابي جعفرعليهالسلام ، قال: اذا اتى على الغلام عشر سنين، فانه يجوز له في ماله ما اعتق او تصدق او اوصى على حد معروف وحق فهو جائز(١) .
(ومنها) رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله، عن ابي عبد اللهعليهالسلام (في حديث) قال: اذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته(٢) .
(ومنها) رواية ابي بصير يعني المرادي على(٣) ما في الوسائل عن ابي عبد اللهعليهالسلام انه قال: اذا بلغ الغلام عشر سنين واوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته، واذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته(٤) .
(ومنها) رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قال: اذا بلغ الصبي خمسة اشبار أكلت ذبيحته، واذا بلغ عشر سنين جازت وصيته(٥) .
____________________
(١) الوسائل باب ٤٤ حديث ٤ من كتاب الوصايا ج١٣ ص ٤٢٩.
(٢) المصدر حديث ٣ منه.
(٣) هذه الجملة مني لا من الاستاذ.
(٤) المصدر حديث ٢ منه ص ٤٢٨.
(٥) المصدر حديث ٥ منه ص ٤٢٩.
(ومنها) رواية ابي بصير وابي ايوب، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في الغلام ابن عشر سنين يوصي؟ قالعليهالسلام : اذا اصاب موضع الوصية جازت(١) ، وغيرها من الأخبار.
فالمستفاد منها ان الصبي البالغ عشر سنين تنفذ وصيته اذا كانت بحق معروف وفي موضعها، بأن لم تكن سفهية فيخصص بها عموم الآية الشريفة: وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم أموالهم(٢) الآية.
وتوهم ان الآية لا عموم فيها كي تخصص فوصية الصبي غير داخلة فيها من الأول فتخرج تخصصا (مدفوع) بأنه من المعلوم انه ليس المراد صرف التصرفات الراجعة الى الأكل والشرب، بل كل ما هو مناف لحفظ المال فتخصص بالروايات، مع ان هذا التخصيص ليس ببعيد بالنسبة الى مضمون الآية الشريفة، لأنها ناظرة الى لزوم حفظ مال اليتيم ووصية الصبي ليست مخالفة للحفظ لأنها راجعة الى ما بعد الموت.
ثم لا يخفى ان المخصص عام للسفيه ايضا اذا وضع الوصية في موضعها، فوصية السفيه الغير البالغ جائزة بحكم الروايات، فكذا السفيه البالغ لعدم الدليل على خروجه بعد بلوغه بعد اطلاق الروايات، واما المفلس فلا مانع من صحة وصيته، غاية الأمر ان انفاذها موقوف على عدم بقاء حق للغرماء.
____________________
(١) الوسائل باب ٤٤ حديث ٦ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٢٩.
(٢) النساء/٦.
ومن الشرائط
التي ذكروها الحرية عند الوصية، وينبغي ان نصور الصور التي يمكن ان يقع وصية العبد عليها فنقول: وصية العبد اما ان تكون بالمال الشخصي، واما ان تكون ثبتت ماله وكل واحد منهما اما مقرون باذن السيد واجازته، او لا، ثم اما ان يبقى رقا الى حين الموت او يصير رقا.
والقدر المسلم من عدم نفوذ وصيته هو ما اذا اوصى بعين شخصية او ثلث امواله مع عدم اذن السيد او اجازته باقيا على رقيته الى حين الموت، سواء قلنا بملكيته ام لا.
واما اذا اوصى وقلنا بعدم ملكيته، فعن الجواهر عدم لزوم انفاذ الوصية حتى لو اجازه السيد ايضا، لان غاية ما يفيد الاجازة، هي ان المولى اجاز كون شيء من امواله مثلا لزيد بعد موت عبده، وهو لا يكون وصية لانها عبارة عن كون شيء ملكا للموصى له بعد موت نفسه لابعد موت غيره.
وام اذا قلنا بملكيته كما هو ظاهر بعض الروايات حيث اضاف المال الى العبد حيث قال: فانه وما له لمولاه الخ(١) واجاز السيد جازت وصيته ونفذت، سواء مات على رقيته او عتق ثم مات، واما لو عتق بعد الوصية وقبل الاجازة، فهل هي نافذة ام لا؟ وجهان (من) انه حال الوصية لم يكن قابلا لها والمفروض عدم اجازة المولى (ومن) ان الوصية معنى قائم في نفس الموصي الى حين الموت والمفروض عتقه قبل الموت وليس مسلوب العبارة مطلقا كالمجنون والمغمى عليه بحيث لم يترتب عليه اثر، ولذا كان تصرفاته كالاستدانة والتجارة وسائر المعاملات منسوبة اولا اليه ثم اليه، غاية الامر حيث كان سلطنة المولى على ماله ونفسه، استلزم ذلك تقدم سلطنة العبد في صورة المخالفة مادام لم يعتق اذ لم
____________________
(١) راجع الوسائل باب ٧٨ حديث ١ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٦٦.
يصر حرا قبل الموت والا فيكون مستقلا في ارادته، فالأقرب القول بالنفوذ.
ثم لايخفى عدم اشتراط الاسلام بمقتضى الروايات الواردة كمكاتبة احمد بن هلال الى ابي الحسنعليهالسلام يسئله عن يهودي مات واوصى لديانهم فكتبعليهالسلام : اوصله الي وعرفني لانفذه فيما ينبغي ان شاء الله(١) .
ومكاتبة علي بن هلال الى ابي الحسن علي بن محمدعليهماالسلام : يهودي مات واوصى لديانه بشيء اقدر على اخذه هل يجوز ان آخذه فأدفعه الى مواليك او انفذه فيما وصى به لليهود؟ فكتبعليهالسلام : اوصله الي وعرفنيه لأنفذه فيما ينبغي ان شاء الله(٢) .
نعم لو اوصى للبيع والكنائس او ترويج الكتب الضالة كالتوراة والانجيل ونحوهما لم تنفذ وصيته كما لايصح ذلك لو كان الموصي مسلما ايضا.
(مسئلة ٤) من متفردات الامامية انه من اكل شيئا فيه هلاكه عمدا بقصد الهلاك لم تصح وصيته لو مات بذلك: لما رواه الشيخرحمهالله باسناده، عن احمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن ابي ولاد، قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: ن قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها، قيل له: أرأيت ان كان اوصى بوصية ثم قتل نفسه من ساعته تنفذ وصيته؟ قال: فقال: ان كان اوصى قبل ان يحدث حدثا في نفسه من جراحة او قتل اجيزت وصيته في ثلثه، وان كان اوصى بوصية
____________________
(١) الوسائل باب ٣٥ حديث ٢ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤١٦.
(٢) المصدر حديث ٣ منه.
بعد ما احدث في نفسه من جراحة او قتل لعله يموت لم تجز وصيته(١) .
وخالف في ذلك ابن ادريسرحمهالله بناء على اصله من عدم العمل بخبر الواحد.
ومن الشرائط ان لا يكون مكرها.
(الثاني) في الموصى به، وقد ذكرنا انه تارة يكون عملا واخرى غيره، اما الاول فاما ان يتعلق ببدن الميت كتجهيزاته او يتعلق بماله او يتعلق بعمل الغير فهنا مسائل:
الاولى: لو اوصى بتجهيزاته على نحو مخصوص كما اذا اوصى مثلا ان يغسله او يكفنه او يصلي عليه شخص خاص او يدفن في مكان مخصوص، فهل يجب العمل بهذه الوصية ام لا؟ الظاهر انه لادليل على وجوبه الا ما دل على حرمة تبديل الوصية بعمومه المستفاد من قوله تعالى: فمن بدله بعد ما سمعه فإنما اثمه علىالذين يبدلونه(٢) الآية بضميمة الغاء الخصوصية في المورد الذي هو الوصية بالخبر المفسر بالمال استنادا الى فهم العرف، نعم لا اشكال في استحباب ذلك نظرا الى ان هذا مقتضى كون المؤمنين اخوة.
(الثانية) على تقدير القبول فهل للوصي ان يزاحم اولوية اهل الميراث بذلك ام لا؟ (وبعبارة اخرى) هل يخصص ادلة اولوية اهل الميراث الدالة على انهم اولى بتجهيزاته؟.
وذلك مثل رواية غياث بن ابراهيم الرزامي، عن جعفر، عن أبيه،
____________________
(١) الوسائل باب٥٢ حديث١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٤١ نقله عن الكليني والصدوق.
(٢) البقرة/١٨١.
عن عليعليهمالسلام انه قال: يغسل الميت اولى الناس به(١) .
ومرسلة الصدوقرحمهالله قال: قال امير المؤمنينعليهالسلام : يغسل الميت اولى الناس به، أو من يأمره الولي بذلك(٢) .
ومرسلة ابن أبي عمير، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قال: يصلي على الجنازة اولى الناس بها او يأمر من يحب(٣) ، ومثله مرسلة احمد بن محمد بن أبي نصر عنهعليهالسلام (٤) .
ورواية طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: اذا حضر الامام الجنازة فهو احق الناس بالصلاة عليها(٥) .
ورواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائهعليهمالسلام قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : اذا حضر سلطان من سلطان الله فهو أحق بالصلاة عليها ان قدمه وليّ الميت، والاّ فهو غاصب(٦) .
ورواية ثعلبة بن ميمون، عن زرارة انه سأل ابا عبد اللهعليهالسلام عن القبر كم يدخله؟ قال: ذاك الى الولى ان شاء ادخل وترا وان شاء شفعا(٧) .
والأولى ان يقال: حيث لا معارضة بين ادلة العمل بالوصية وبين هذه الأدلة فالأرجح الاستيذان منهم فحينئذ يلزمون بمعنى انه يجب عليهم الاذن بعد الاستيذان جمعا بين الدليلين، نعم لو لم يأذن فهل له الاستقلال في العمل أم لا؟ فيه تأمل لم نجد دليلا عليه.
(ان قلت): تكفي الأدلة الدالة على عدم جواز الرد بعد الموت أو قبله
____________________
(١) و (٢) الوسائل باب ٢٦ حديث ١ ٢ من ابواب غسل الميت ج٢ ص ٧١٨.
(٣) و (٤) و (٥) و (٦) الوسائل باب ٢٣ حديث ١ ٢ ٣ ٤ من ابواب الصلاة على الميت ج٢ من ٨٠١.
(٧) الوسائل باب ٢٤ حديث ١ من ابواب الدفن، ج٢ ص٨٥٠.
ولكن لم يصل الى الموصى الخير على ما هو المتراءى من كلمات الاصحاب او وصل اليه الخبر، ولكن لم يقدر الموصي على تعيين وصي آخر، كما عن المسالك والرياض، مثل راوية ربعي بن عبد الله، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: ان اوصى رجل الى رجل وهو غائب فليس له ان يرد وصيته، وان اوصى اليه وهو بالبلد فهو بالخيار ان شاء قبل وان شاء لم يقبل(١) .
وروايته عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في رجل يوصى اليه؟ قال: اذا بعث بها اليه من بلد فليس له ردها وان كان في مصر يوجد فيه غيره فذاك اليه(٢) .
ورواية سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: اذا أوصى الرجل الى أخيه وهو غائب فليس له ان يرد عليه وصيته، لأنه لو كان شاهدا فأبى ان يقبلها طلب غيره(٣) .
ورواية ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يوصي الى رجل بوصية فيكره ان يقبلها، فقال ابو عبد اللهعليهالسلام : لا يخذله على هذه الحالة(٤) .
فهذه الروايات باطلاقها تدل على لزوم العمل بكل ما اوصى الا ما خرج بالدليل.
(قلت): نعم هذه الروايات تدل على وجوب القبول في الموارد المذكورة ان حملنا قولهعليهالسلام : (ليس له ان يرد عليه وصيته) على الحكم الوضعي بمعنى انه في تلك الموارد يصير وصيا، سواء قبل ذلك أم
____________________
(١) و (٢) و (٣) و (٤) الوسائل باب ٢٣ حديث ١ ٢ ٣ ٤ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٩٨ ٣٩٩.
لم يقبل كما هو ظاهر ذيل بعض تلك الروايات وهو قولهعليهالسلام : (وان اوصى اليه وهو في البلد فذاك اليه ان شاء قبل وان شاء لم يقبل).
لكنها واردة في مقام لزوم اصل الوصية وعدم لزومها، وساكتة من حيث سائر الموارد اللهم الا ان يقال: انها تشمل الامور المتعارفة وحينئذ يدخل التجهيزات ايضا ان كان متعارفا كالامور المذكورة.
واما مثل ان يوصي بأن يقرأ شخص القرآن في كل يوم كذا سورة او كذا آية مثلا، فشمولها لمثله مشكل.
وكيف كان فمن استظهر من هذه الروايات تعميم الحكم لكل وصية فله ان يفتي بذلك الا ما خرج بالدليل، ومن لم يستظهر ذلك يتوقف في الموارد المشكوكة والمتيقن ما ذكرناه، فتأمل.
ثم لايخفى ان تفصيل القوم بين الموت وغيره استنادا الى هذه الروايات التي لم يذكر فيها الموت، لا يستقيم الا بالغاء الخصوصية او بالفحوى بأن يقال: مثلا لو كانت الوصية ثابتة على الغائب مع كون الموصى حيا فعند موته اولى، او يقال: ان المناط عدم امكان تعيين الموصي وصيا آخر سواء كان بموت الموصي او بغيبة الوصي مع عدم وصول الرد اليه، او وصل اليه ولم يمكن له تجديد الوصية وتعيين وصي آخر، كما ربما يشعر قولهعليهالسلام غيره(١) ، وقوله في رواية الفضيل: وان كان في مصر يوجد فيه غيره وقولهعليهالسلام في رواية المنصور: (لأنه لو كان شاهدا فأبى ان يقبلها طلب غيره)(٢) فتدبر جيدا.
(الثالثة) لو اوصى بكون ماله مضاربة بينه وبين صغاره من الورثة، فهل يلزم على الموصى اليه القبول ام لا؟ لا دليل عليه الا اطلاق الروايات
____________________
(١) و (٢) الوسائل باب ٢٣ حديث ٢و٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٩٨.
السابقة، نعم ان قبل وضارب وتلف المال من غير تفريط لم يضمن.
كما يدل عليه رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن خالد: (ابن بكير خ ل الوسائل) الطويل، قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال اخوتك الصغار واعمل به وخذ نصف الربح واعطهم النصف وليس عليك ضمان فقد متني ام ولد ابي بعد وفاة ابي الى ابن ابي ليلى، فقالت: ان هذا يأكل اموال ولدي قال: فاقتصصت عليه ما امرني به ابي، فقال ابن ابي ليلى: ان كان ابوك امرك بالباطل لم أجزه، ثم اشهد علي ابن ابي ليلى ان انا حركته فأنا له ضامن فدخلت على ابي عبد اللهعليهالسلام فقصصت عليه قصتي ثم قلت له: ما ترى فقالعليهالسلام : اما قول ابن ابي ليلى فلا استطيع رده واما فيما بينك وبين الله عز وجل فليس عليك ضمان(١) .
____________________
(١) الوسائل باب ٩٢ حديث ٢ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٧٨.
يشترط في الموصى به امور
(الأول) سلطنة الموصي عليه اما بالملك او المنفعة او الحق، كحق التحجير ولا يشترط وجوده الفعلي، بل يصح الوصية بما سيوجد اذا كان له مولد (وبعبارة اخرى) اذا كان له اصل كالوصية بحمل الدابة والثمرة مدة معينة او دائما.
وهل يحكم بنفوذها اذا لم يكن للموصي مال اصلاً أيضا كالوصية بما سيملكه بالهبة او بالارث او غيرهما من اسباب حصول الملك ام لا؟ الظاهر انه لامانع لحكمهم من غير نكير بجواز الوصية بالثلث، وقالوا: ان المناط في الثلث حين الموت لا حين الوصية مع انه ربما لايكون له عند الوصية مال اصلا، ومع ذا يحكمون بصحتها ولزوم العمل بمقتضاها.
ولايشترط المعلومية ايضا، فلو اوصى بصبرة مجهولة جاز، ولا المقدورية على التسليم، فلو اوصى بالدابة الشاردة او العبد الآبق جاز ايضا.
الثاني هل يعتبر التعيين ام لا؟ وجهان بل قولان بين العامة والخاصة فلو اوصى باحد العبدين او الشيئين مثلا (فتارة) يوصي باعطاء احدهما، وحينئذ فلا مانع منها والتعيين بيد الوصي لا الموصى له، لان الموصى له هو احدهما وهو مستحق له فقط، واما خصوصية احدهما فهو بيد الوصى.
(واخرى) يوصي بكون احدهما ملكا له بعد موته حكى عن العلامة في التذكرة قولين (أحدهما) الصحة، لان الوصية تستلزم استحقاق الموصى له لما يوصى به، والمفروض انه اوصى بذلك فيستحق ما اوصى له (والثاني العدم) لان كل واحد من خصوصية احدهما ليس بموصى به على الفرض، والفرد المردد ليس له وجود في الخارج، والكلي ليس ملحوظا حين الوصية فلا يمكن تعلق حق الوصية بشيء.
واقرب الوجهين هو الأول، لما ذكرنا من استلزام الوصية استحقاق المطالبة من الوصي، غاية الأمر تعيينه بيده، وليس التشخص للخارجي شرطا في تحقق الوصية.
(الشرط الثالث) ان لايكون زائدا على الثلث، فلو كان زائدا عليه يحتاج الى اجازة الورثة فهنا مسائل ثلاث (الأولى) جواز الوصية بالثلث (الثانية) عدم نفوذ الزائد عليه (الثالثة) نفوذ اجازة الورثة في الزائد.
(اما الاولى) فيدل عليها روايات (منها) رواية شعيب بن يعقوب، عن ابي بصير، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يموت ما له من ماله؟ فقال: ثلث ماله، وللمرأة ايضا(١) .
(ومنها) مرسلة مرازم، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يعطي الشيء ماله في مرضه؟ قالعليهالسلام : ان ابان به فهو جائز وان اوصى به فهو من الثلث(٢) .
(ومنها) رواية ابن ابي عمير، عن ابن سنان(٣) عن ابي عبد اللهعليهالسلام قالعليهالسلام : للرجل عند موته ثلث ماله، وان لم يوص فليس على الورثة امضاؤه(٤) .
ورواية علي بن يقطين، قال: سألت ابا الحسنعليهالسلام : ما للرجل من ماله عند موته قالعليهالسلام : الثلث، والثلث كثير(٥) .
(ومنها) رواية عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابي عبد اللهعليهالسلام (في حديث): من اعتق وعليه دين، قال: قلت لهعليهالسلام : أليس للرجل ثلثه يصنع به ما شاء؟ قالعليهالسلام : بلى(٦) وغيرها مما يجده المتتبع.
(واما الثانية) اعني عدم نفوذ الزائد على الثلث فلا خلاف بينهم الا عند والد الصدوق فقال: بنفوذها في ماله كله استنادا الى رواية عمار الساباطي، عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: الرجل احق بماله مادام فيه
____________________
(١) و (٢) و (٤) و (٥) و (٦) الوسائل باب ١٠ حديث ٢ ٤ ٧ ٨ ٩ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٦٢ ٣٦٣.
(٣) يعني عبد الله الوسائل.
الروح اذا اوصى به كله فهو جائز(١) .
وهذه الرواية مضافا الى كونها شاذة رواية وفتوى، معارضة برواية عمار نفسه، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قالعليهالسلام : الميت احق بماله مادام فيه الروح يبين به، فان قال: بعدي فليس له الا الثلث(٢) .
وبمرسلة مرازم، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه؟ قالعليهالسلام : ان ابان به فهو جائز، وان اوصى به فهو من الثلث(٣) .
مع انها قابلة للحمل على كونه مديونا قبل موته وكانت وصيته لاداء الدين او الاقرار بأن ماله ماله او الوصية بهبة الورثة مالهم له، وان كان في هذه المحامل كلها نظر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وكيف كان، يدل على فتوى المشهور من عدم نفوذ اكثر من الثلث، روايات (منها) ما رواه محمد بن قيس عن ابي جعفرعليهالسلام قال: كان امير المؤمنينعليهالسلام يقول: لئن اوصي بخمس مالي احب الي من اوصي بالربع، ولئن اوصي بالربع احب الي من (أن) اوصي بالثلث ومن اوصى بالثلث فلم يترك وقد بالغ الحديث(٤) .
(ومنها) ما رواه حماد بن عثمان، عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال من اوصى بالثلث فقد ضر بالورثة والوصية بالربع والخمس افضل من الوصية بالثلث، ومن اوصى بالثلث فلم يترك(٥) .
____________________
(١) الوسائل باب ١١ حديث ١٩ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٧٠.
(٢) الوسائل باب ١١ حديث ١٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٠.
(٣) الوسائل باب ١٠’ حديث ٤ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٦٢.
(٤) و (٥) الوسائل باب ٩ حديث ١ ٢ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٦٠.
(ومنها) ما وراه مسعدة بن صدقة، عن جعفر، عن ابيهعليهماالسلام قال: لئن اوصي بالخمس احب الي من ان اوصي بالثلث، ومن اوصى بالثلث فلم يترك شيئا(١) .
وهذه الروايات وان أمكن ان يخدش فيها بانها لا تدل على حرمة الوصية بالزائد عن الثلث باحتمال ارادة الكراهة منها الا انه خلاف الظاهر ولا سيما بالنسبة الى بعضها حيث انهعليهالسلام سئل عن كمية ما اوصى الرجل فأجاب بالثلث.
(وبعبارة اخرى) قد يكون الخبر سؤالا وجوابا في مقام تحديد موضوع الوصية، مثل ما رواه سماعة، عن ابي بصير، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في الرجل، له الولد، يسعه ان يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء الى ان يأتيه الموت، قال: فان اوصى به فليس له الا الثلث(٢) فانه في مقام بيان ان مازاد عليه لايكون نافذا، بناء على ماتقدم من لفظة (ليس له الخ) حكم وضعي لاتكليفي وهذا واضح.
(واما الثالثة) وهي ان الورثة ان اجازوا في الزائد نفذت الوصية فيدل عليه روايات (منها) ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، قال: كتب احمد بن اسحاق الى ابي الحسنعليهالسلام ان درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة اشقاصا في مواضع واوصت لسيدنا في اشقاصها بما يبلغ اكثر من الثلث ونحن اوصياؤها واحببنا انهاء ذلك الى سيدنا، فان امرنا بامضاء الوصية على وجهها امضيناها، وان امرنا بغير ذلك انتهينا الى امره
في جميع ما
____________________
(١) الوسائل باب٩حديث ٣من كتاب الوصايا ج ١٣ص٣٦١.
(٢) الوسائل باب١٠ حديث ٦من كتاب الوصايا، ج ١٣ص٣٦٣.
يأمر به ان شاء الله؟ قال: فكتبعليهالسلام بخطه: ليس يجب لها في تركتها الا الثلث وان تفضلتم وكنت انتم الورثة كان جائزا لكم ان شاء الله(١) .
(ومنها) ما رواه علي بن عقبة، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا ليس له غيره فأبى الورثة ان يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه الا ثلثه وسائر ذلك، الورثة احق بذلك، ولهم ما بقي(٢) .
(ومنها) ما رواه حريز، عن محمد بن مسلم، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في رجل اوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك، فلما مات الرجل نقضوا الوصية، هل لهم ان يردوا ما اقروا به؟ فقال: ليس لهم ذلك، والوصية جائزة عليهم اذا اقروا بها في حياته(٣) .
بتقريب ان قول الراوي: (فأجازوا ذلك) بضميمة سكوت الامامعليهالسلام ما يدل على كون الوصية ازيد من الثلث، والا فالوصية بالثلث غير محتاجة الى اجازتهم كما لايخفى.
ويظهر هذا المعنى مما رواه منصور بن حازم، قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن رجل اوصى بوصية اكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال: جائز(٤) .
____________________
(١) و (٢) الوسائل باب ١١ حديث ١ ٤ من كتاب الوصايا، ص ٣٦٤ و٣٦٥.
(٣) و (٤) الوسائل باب ١٣ حديث ١ ٢ من كتاب الوصايا ج١٣ ص ٣٧١ و٣٧٢، وفي الوسائل بعد نقل الثاني قال: قال ابن رباط: وهذا عندي على انهم رضوا بذلك في حياته واقروا به (انتهى) يعني بابن رباط: علي بن الحسن بن رباط الراوي عن منصور بن حازم.
فرع
لو اوصى بجميع ماله، فهل يحمل على ان الميت كان مديونا للموصى له او كان ابتداء وصية للورثة بان يهبوا مالهم للموصى له فيحكم حينئذ بنفوذها ام لا، بل يحكم ببطلانها بالنسبة الى الزائد على الثلث مع عدم اجازة الورثة؟ وجهان.
ظاهر(١) الرياض بقرينة حمله كلام والد الصدوق القائل بنفوذ الوصية بجميع المال وكذا حمل ما عن الفقه الرضوي الآتي، على امكان ان لا يريد الموصي الوصية، ذلك.
قال في الرياض بعد نقل الفقه الرضوي: (فان اوصى بماله كله فهو اعلم بما فعله) ويلزم الوصي انفاذ وصيته على ما اوصى عليه ما هذا لفظه: (ويحتمل عبارة المخالف كالرضوي لما يلتئم مع فتوى العلماء بان يكون المراد به يجب على الوصي صرف المال الموصى به بجميعه على ما اوصى به من حيث وجوب العمل بالوصية وحرمة تبديلها بنص الكتاب والسنة، وانما جاز تغيرها اذا علم ان فيها جوازا ولو بالوصية بزيادة عن الثلث، وهو بمجرد احتماله غير كاف، فلعل الزيادة عنه وقعت الوصية بها من دون حيف اصلا كان وجبت عليه في ماله باحد الاسباب الموجبة له والموصى اعلم به، وهذا غير جواز الوصية بالزيادة تبرعا، وحاصله انه يجب على الوصي انفاذ الوصية مطلقا ولو زادت عن الثلث لاحتمال وجوبها في ماله الا ان يعلم بكون الوصية تبرعا فلا يمضي منها الا الثلث كما عليه العلماء، وهذا التوجيه ان لم نقل بكونه ظاهرا من عبارته فلا اقل من
____________________
(١) هذا مبتدأ خبره قوله: ذلك.
تساوي احتماله لما فهموه منها فنسبتهم المخالفة اليه ليس في محله (انتهى كلامه رفع مقامه).
ولكن يرد عليه انه خلاف اليد وخلاف الأصل، لان الاصل عدم كون الموصي مديونا والأصل عدم استحقاقه، والاصل عدم وجوب رد تمام المال على الوصي، فيشكل حينئذ الحكم بلزوم العمل على الورثة باعطاء جميع المال للموصى له، فتأمل.
(مسئلة ١) يقدم الكفن على الديون، وهي على الوصية، وهي على الارث، ويدل عليه ما رواه محمد بن يعقوبرحمهالله ، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قال: اول شيء يبدأ به من المال، الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث(١) .
وما رواه محمد بن قيس، عن ابي جعفرعليهالسلام ، قال: قال امير المؤمنينعليهالسلام : ان الدين قبل الوصية ثم الوصية على اثر الدين ثم الميراث بعد الوصية، فان اول (اولى خ ل) القضاء كتاب الله(٢) وغيرهما من الروايات كرواية الفضل بن الحسين الطبرسيرحمهالله في مجمع البيان عن امير المؤمنينعليهالسلام في تفسير قوله تعالى: (من بعد وصية توصون بها او دين): انكم لتقرأون في هذه الوصية قبل الدين وان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) الوسائل باب٢٨ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٠٦.
(٢) الوسائل باب ٢٨ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٠٦ وسنده هكذا: علي بن ابراهيم، عن ابيه، وعدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس.
قضى بالدين قبل الوصية(١) .
ثم اعلم ان التقديم انما هو حق الميت لا حق الغرماء في الدين، فحق الكفن او الدين يخرج من الأصل.
ثم الضابط في كون شيء دينا اعتباره في الأدلة نحو اعتبار الدين ولو كان من فرائض الله عز وجل كالحج، فان اعتباره في لسان الآية اعتبار الدين، قال الله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا(٢) وقال تعالى: انما الصدقات للفقراء والمساكين الآية(٣) وقال عز وجل: واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى(٤) ، هذا في الواجبات المالية.
واما الواجبات البدنية، كالصلاة والصوم والحج المندوب، فهل هي من الأصل او من الثلث؟ فيه خلاف.
وقد استدل على كونها من الاصول بوجوه (الأول) الاجماع المنقول والشهرة المحققة (ثانيها) ما رواه الخثعمية من أمر النبيصلىاللهعليهوآله اياها بالحج عن ابيه، وقال لها: فدين الله احق ان يقضى(٥) .
ورواية معاوية بن عمار، قال: أوصت الي امرأة من اهل بيتي
____________________
(١) الوسائل باب ٢٨حديث ٥ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٠٧، والآية في النساء ١٢.
(٢) آل عمران/ ٩٧.
(٣) التوبة/٦٠.
(٤) الأنفال/٤١.
(٥) المستدرك باب ١٨ حديث ٣ من ابواب وجوب الحج ج٢ط قديم ص٥ وليس فيه: (أن يقضى).
بثلث(١) مالها وامرت ان يعتق عنها ويحج ويتصدق فلم يبلغ ذلك فسألت أبا حنيفة فقال: يجعل ذلك اثلاثا، ثلثا في الحج، وثلثا في العتق، وثلثا في الصدقة، فدخلت على ابي عبد اللهعليهالسلام فقلت له: ان امرأة من اهل بيتي ماتت وأوصت الي بثلث مالها وأمرت أن يعتق عنها ويحج ويتصدق فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال: ابدأ بالحج فانه فريضة من فرائض الله عز وجل، واجعل ما بقي طائفة في العتق وطائفة في الصدقة فأخبرت أبا حنيفة قول أبي عبد اللهعليهالسلام فرجع عن قوله وقال بقول أبي عبد اللهعليهالسلام (٢) .
وبهذا المضمون عدة روايات اخر وفي بعضها: (ابدأ بالحج فانه مفروض)(٣) .
(الرابع) من أدلة تقديم الواجبات البدنية من الأصل الاعتبار، وهو ان كون الوارث وارثا للتركة لكونه كالميت وقائما مقامه، فهو ما دام الاحتياج (يعني احتياج الميت) ممنوع من التصرفات في التركة والمفروض ان الواجبات البدنية مما يحتاج اليه الميت، فبعد رفع الاحتياج ينتقل ما بقي من المال الى الورثة فتأمل، فكما يكون الواجب المالي مقدما على
____________________
(١) في بعض النسخ (بمالها) وما نقلناه هو أصح النسختين على ما أفاده سيدنا الأستاذ الأكبر (قده) استنادا الى انه هو الموجود في كتب المتقدمين التي هي المناط في ترجيح النسخ.
(٢) الوسائل باب ٦٥ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٥.
(٣) الوسائل باب ٦٥ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٦، أقول: وفي بعضها: ان كان عليها حجة مفروضة فان ينفق ما اوصت به في الحج احب الي من ان يقسم في غير ذلك، المصدر حديث٤.
الارث فكذا الواجب البدني لاشتراكهما في كونهما مما يحتاج اليه الميت.
هذا ملخص ومحصل ما استدل به للقول بأنها من الأصل.
(وفيه) ان الاجماع المنقول المدعى ممنوع فانه توهم من عبارة الغنية، وهي هذه: قال في الغنية: والواجب منها البداية بالاقرار على جهة الجملة بما أوجب الله (الى ان قال): ثم الوصية بقضاء ما عليه من حق واجب دين ديني او دنيوي ويخرج ذلك من اصل التركة ان اطلق ولم يقيد بالثلث (الى ان قال): والوصية المستحبة والمتبرع فيها محسوبة من الثلث (الى ان قال): ومن اوصى بوصايا من ثلثه وعين فيها الحج وكان عليه حجة الاسلام قدم الحجة، لأن الحج واجب الخ، ثم ادعى الاجامع في أواخر عبارته، ولا يعلم ان هذا الادعاء هل يرجع الى جميع ما ذكره من اول احكام الوصية او يرجع الى الحكم الأخير منها.
مضافا الى انه لم يعلم ان المراد من قولهرحمهالله : (دين ديني او دنيوي الخ) مطلق الواجبات البدنية والمالية أم خصوص المالية، فيحتمل ان يكون قولهرحمهالله : (ديني) اشارة الى الحج والزكاة والخمس التي امر بها الشارع، ومع ذلك هي دين على المكلفين كما مر من ان اعتبارها في ادلتها على نحو الدينية.
واما رواية الخثعمية ونحوها مما اطلق فيه الدين وانه بقول مطلق مقدم على الوصية والارث، فيمكن ان يقال: ان سؤال النبيصلىاللهعليهوآله منها بأنك هل تقضي عن ابيك ما يكون دينا عليه، مشعر بأن، الحج ليس دينا حقيقيا فاحتيج الى التنظير بالدين والا فلا وجه لتفريعهعليهالسلام لزوم الحج من الأصل بقولهصلىاللهعليهوآله : (فدين الله احق ان يقضى) كما لا يخفى على المتأمل.
ويؤيد عدم كون الحج دينا حقيقيا قولهعليهالسلام في بعض الأخبار: (ان الحج بمنزلة الدين)(١) سلمنا كونه دينا، لكن لايلزم منه ان يكون مطلق الواجبات كذلك.
واما راوية معاوية بن عمار، فموردها الثلث أولا، والوصية بالحج ثانيا(٢) والكلام انما هو في تقديم الواجب بما هو واجب لا بما هو وصية، والتعليل انما يفيد لعدم كون الغير الواجب مقدما على الواجب فيما اذا اوصى بأمور متعددة كما سيأتي ان شاء الله تعالى(٣) .
(مسئلة ٢) قد تقدم ان التقدم في بعض الامور حق للميت، واما الاجازة، فهل هي تنفيذ للوصية او انها هبة ابتدائية من الورثة كما ذهب اليه جماعة من العامة ويتفرع عليها على ما نقل عن العلامة ان الوارث ان كان محجورا ولو من الحاكم لم يكن له الاجازة على الثاني دون الأول.
وفيه انه قد مر ان تحقق الوصية في الفرض يحتاج الى أمرين (احدهما) انشاء الموصي (ثانيهما) اجازة الوارث فحينئذ يكون للوارث سلطان على هذا المال، والمفروض ان الحاكم قد حجره بالنسبة الى اعمال السلطنة في هذا المال، فيمكن ان يقال: ان ادلة الحجر تعم ذلك فلا يجوز له الاجازة مطلقا حتى على القول بأنها تنفيذ، وكيف كان ففي هذا الفرع مطلقا وجهان.
____________________
(١) راجع باب ٢٩ حديث ١ من أبواب وجوب الحج ج٨ ص٥٢ وفيه: (انما هو يعني الحج مثل دين عليه).
(٢) والتعبير بان الحج احب الي الخ الدال على عدم تعين الحج ايضا كما تقدم في بعض الأخبار ثالثا.
(٣) في المسئلة التالية اللاحقة.
(مسئلة ٣) لو اوصى بأمور متعددة (فاما) ان يكون كلها واجبة (أو) يكون كلها مندوبة (أو) يكون بعضها واجبا وبعضها مندوبا.
فان كانت واجبة (فاما) ان يكون واجبات مالية او بدنية او مختلفة، فان كانت مالية تخرج من الأصل، وان كانت بدنية تخرج من الثلث على الأقوى، كما مر بيانه، وان كانت مختلفة، فالمالية من الأصل، والبدنية من الثلث.
وان كانت مندوبة يقدم ما ذكره أولا ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع وهكذا، حتى يتم الثلث والنقص وارد على الأخير.
ويدل عليه ما رواه الصدوقرحمهالله باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة، عن حمران، عن أبي جعفرعليهالسلام في رجل أوصى عند موته، وقال: اعتق فلانا وفلانا وفلانا حتى ذكر خمسة فنظر في ثلثه فلم يبلغ ثلاثة أثمان قيمة المماليك الخمسة الذين أمر بعتقهم، قال: ينظر الى الذين سماهم وبدا بعتقهم فيقومون وينظر الى ثلثه فيعتق منه اول شيء ذكر ثم الثاني والثالث ثم الرابع ثم الخامس، فان عجز الثلث كان في الذين سمى أ’خيرا لانه اعتق بعد مبلغ الثلث مالايملك فلا يجوز له ذلك(١) .
وان كان بعضها واجبا وبعضها مندوبا يخرج الواجب من الأصل ان كان ماليا، والمندوب من الثلث.
ولو كان الواجب بدنيا ففي تقديم الواجب ولو كان متأخرا في الوصية
____________________
(١) الوسائل باب ٦٦ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٧، ورواه الكلينيرحمهالله أيضا بسندين، وكذا الشيخ بسندين كل واحد منهما ينتهي الى ابن محبوب فهو خبر مصحح.
أو يقدم ما بدأ في الموصى فيها ولو كان مندوبا؟ وجهان ينشآن (من) قولهعليهالسلام في رواية معاوية بن عمار: ابدأ بالحج فانه فريضة من فرائض الله(٢) وهو ظاهر في ان الواجب بما هو واجب مقدم على غيره مطلقا، وتقييد بالواجب المالي خلاف ظاهر التعليل (ومن) ظاهر قولهعليهالسلام في هذه الرواية، لانه اعتق بعد مبلغ الثلث مالايملك فلا يجوز له ذلك، فانه ظاهر في ان الواجب اذا كان متأخرا بحيث لايكفيه الثلث لايكون مشمولا لأدلة وجوب العمل بالوصية فلا تكون نافذة.
لكن تقديم الواجب هو المتعين، لانه هو المشهور كما نقل عن الشيخرحمهالله في المبسوط وابن ادريس في السرائر، والعلامة في القواعد، والتحرير، والارشاد، والمحقق في الشرايع والنافع، ثم نقل عن الشيخرحمهالله في النهاية، والمفيدرحمهالله في المقنعة، والصدوقرحمهالله في المقنع انهم عبروا عن هذه المسئلة بمورد رواية معاوية بن عمار، والمسئلة تحتاج الى استقراء تام فتأمل جيدا.
(مسئلة ٤) في ان منجزات المريض هل هي من الثلث او من الأصل قولان، لابد أولا من بيان محل النزاع ثم ذكر ادلة الطرفين واختيار احدهما ثانيا، فنقول:
(بعون الله الملك العلام): مقتضى الأصل في التصرفات الراجعة الى ما بعد الموت عدم النفوذ مطلقا الا ما خرج لانتقال التركة الى الورثة بمجرد زهوق الروح فلا يجوز تصرف شخص في ملك آخر الا بالدليل، فلذا عبر في بعض الأخبار بالتصدق حتى بالنسبة الى الثلث في قولهصلىاللهعليهوآله :
____________________
(١) الوسائل باب ٦٥ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٥.
ان الله تصدق عليكم بثلث اموالكم في آخر أعماركم الخبر(١) .
كما ان مقتضى الأصل في التصرفات قبل الموت، النفوذ، لأنه تصرف من اهله في محله فيمضي على القاعدة ما لم يقم دليل على عدم النفوذ.
نعم لو قيل: بأن الانسان يحدث لورثته في مرضه حق بالنسبة الى هذا المال مانع عن التصرف وهذا الحق يوجب حجب المالك عن التصرف يمكن ان يقال بعدم نفوذ تصرفاته الا من الثلث.
اذا عرفت هذا فنقول: لا اشكال في نفوذ تصرفاته من ثلثه بالنسبة الى ما بعد الموت، كما لااشكال في جوازها ايضا من الاصل بالنسبة الى التصرفات التي لايعقل ان تكون نافذة تارة وغير نافذة اخرى كالأكل والتداوي وامثال ذلك، ولا اشكال ايضا في التصرفات التي لها ما بحذاء في الخارج كالبيع بثمن المثل والاجارة بأجرة المثل والصلح بمثل مال المصالحة ونحو ذاك، ولا اشكال ايضا فيما اذا تصرف بالهبة والوقف والمحاباة مثلا في مرضه ثم برىء منه، وان امثال هذه التصرفات نافذة ايضا عوضها دون مثلها كالموقف والهبة والبيع المحاباتي بالنسبة الى المقدار الزائد مثلا، ولم يبرأ منه حتى اتصل موته به، نعم قد نقل عن العلامة في التذكرة قولان بالنسبة الى أصل المرض في انه هل يكون مطلق المرض المتصل بالموت، او المرض المخوف المتصل به؟ حكى عن الشافعي، التصريح بأن المراد، الثاني واختار العلامة في التذكرة الأول.
وكيف كان ففي أصل المسئلة خلاف بين العامة والخاصة فذهب
____________________
(١) المستدرك باب ٩ حديث ٤ من كتاب الوصايا، نقلا عن درر اللآلي عن معاذ بن جبل عن النبيصلىاللهعليهوآله ان الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم، ج٢ طبع قديم ص٥١٩.
العامة كلهم الا عن المسروق وهو ممن لا يعبأون بخلافه الى ان منجزات المريض بالمعنى الذي ذكرناه من الثلث ففي الخلاف بعد الحكم بأنه اذا لم يكن منجزا فمن الثلث قال: وان كان منجزا مثل العتاق والهبة والمحاباة فلأصحابنا فيه روايتان (احديهما) انه يصح، والأخرى انه لايصح وبه قال الشافعي وجميع الفقهاء(١) ولم يذكروا فيه خلافا دليلنا على الأول، الأخبار المروية من طرق اصحابنا ذكرناها في كتابنا الكبير(٢) (انتهى).
وفي الرياض نقلا من السرائر العتق في المرض المخوف يعتبر عند بعض أصحابنا في الأصل، وعند الباقين، في الثلث، وهو مذهب المخالفين (انتهى موضع الحاجة من كلامهرحمهالله .
واستدلوا عليه بما في سنن أبي داود والشافعي في كتابه الأم بما رواه ابو قلابة عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، ان رجلا أعتق ست أعبد عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلع ذلك النبيصلىاللهعليهوآله فدعاهم فجزءهم ثلاثة أجزاء فاعتق اثنين وأرق أربعة(٣) .
____________________
(١) يعني بهم فقهاء العامة.
(٢) الخلاف ج٢ ص٣٨ من الطبع الحجري، ومراده من الأول انه اذا لم يكن منجزا فلا تغفل، ومراده بالكتاب الكبير، التهذيب وهو احد الكتب الأربعة وليس فيه استثناء المسروق من العام، ولعل الوجه ما اشار اليه سيدنا الأستاذ (قده) من عدم الاعتناء بخلافه، والله العالم.
(٣) سنن أبي داود ج٤ باب فيمن اعتق عبيدا لهم لم يبلغهم الثلث تحت رقم ٣٩٦١ طبع مصر والام: ج٤ ص١١٩.
وهذه الرواية وان كانت واحدة لكنهم رووها بطرق متعددة، وفي بعضها بعد قوله: وارق اربعة: وقال له قولاً شديداً(١) ، وفي بعضها وقال يعني النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو شهدته قبل ان يدفن، لم يدفن في مقابر المسلمين(٢) ، ويمكن ان يراد بقول: (وقال له قولا شديدا) ما في النقل الأخير.
وكيف كان يدل الرواية بظاهرها على ان المنجز، يخرج من الثلث بعد الغاء خصوصية المورد وهو العتق فلا فرق بينه وبين غيره كالهبة او المحاباة وهو المطلوب.
وفيه مواقع للنظر كما لايخفى (اما أولا) فانه لم يعلم ان عمران بن حصين موثق أم لا؟(٣) ، بل نقل انه اسلم في اواخر عمر النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) سنن أبي داود ج٤ باب فيمن أعتق عبيدا لهم لم يبلغهم الثلث، تحت رقم ٣٩٥٩.
(٢) سنن أبي داود ج٤ باب فيمن أعِتق عبيدا لهم لم يبلغهم الثلث، تحت رقم ٣٩٥٨.
(٣) لكن تنقيح المقال للمحقق المتتبع ج١ ص ١٩٧قال الكشي: قال الفضل بن شاذان: ان من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنينعليهالسلام ابو الهيثم بن التيهان (الى ان قال): وعمران بن الحصين الخ وفي ج٢ منه ص٣٥٠ نقلا عن جامع الاصول انه كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم (الى ان قال): وعن الذهبي عمران بن حصين بن نحيد أسلم مع أبي هريرة، وكانت الملائكة تسلم عليه مات سنة اثنتين وخمسين (انتهى) فالرجل من الحسان بلا شبهة (انتهى ما في ج٢ من التنقيح) وفي معجم الرجال للسيد الآية الخوئي مدّ ظله ج١٣ ص١٣٩ ما يدل على كونه حسن الحال حسن العقيدة، فراجع.
وقد احتاط في اعانة الأميرعليهالسلام في حرب معاوية، ونقل ايضا ان ابا قلابة(١) فيه نصب يسير.
(واما ثانيا) فلم يعرف ولم يعلم كون عمران بن حصين في هذا النقل عارفا بخصوصية الواقعة كي يحكيها كما هي، ولم ينقلها عند معصومعليهالسلام كي يكون النقل عند المعصوم وسكوته تقريرا فتكون حجة لنا ولهم.
(واما ثالثا) فلأنه متفرد في نقله هذه الرواية ولم توجد في الصحاح الستة عن غيره فيكشف عن عدم اعتبارها.
(واما رابعا) كما يمكن ان تكون لفظة (عند) في قوله: (عند موته) قيداً لاعتاقه الانشائي بمعنى ان انشائه الاعتاق كان عند موته، غاية الأمر لما لم يكن ايجاد الانشاء قرب الموت حقيقة فلابد ان يحمل على القرب المجازي، كذا يمكن ان تكون قيدا للانعتاق بمعنى ان انشائه وان كان في حال الموت، فاذا احتمل الأمران لم يجز الاستدلال سيما ظهوره في الثاني بقرينة استعمال لفظة (عند الموت) في غير واحد من الموارد في الوصية:
مثل رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: ان اعتق رجل عند موته خادما له ثم اوصى بوصية اخرى اعتقت الخادم من ثلثه والغيت الوصية الا ان يفضل من الثلث ما يبلغ الوصية(٢) .
وصحيحة عبد الرحن بن الحجاج، قال: سئلني ابو عبد اللهعليهالسلام : هل يختلف ابن أبي ليلى وابن شبرمة؟ فقلت: بلغني انه مات
____________________
(١) الراوي عن أبي المهلب عن عمران.
(٢) الوسائل باب ٦٧ حديث ٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٨.
مولى لعيسى بن موسى فترك عليه دينا كثيرا وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم، فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمة: أرى ان تستسعيهم في قيمتهم فتدفعها الى الغرماء، فانه قد اعتقهم عند موته فقال ابن أبي ليلى: أرى أن أبيعهم وادفع اثمانهم الى الغرماء فانه ليس له ان يعتقهم عند موته وعليه دين يحيط بهم الخبر(١) .
الا ترى انه قد عبر في هذا الخبر بلفظة (عند موته) او (عند الموت) في ثلاثة مواضع مع ان الامامعليهالسلام قد عبر في آخر هذا الخبر بقولهعليهالسلام : اذا استوى مال الغرماء ومال الورثة او كان مال الورثة اكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصيته واجيزت وصيته على وجهها الخبر فيكشف ان استعماله لفظة (أعتق عند موته) في الوصية كان شايعا وتحقيق ذلك ان الانعتاق حيث يكون مسببا عن الانشاء، والقيد اذا ذكر في اللفظ يكون في الحقيقة قيدا للمسبب، لان القيودات في الكلام يكون دائما راجعا بحسب الحقيقة الى ما هو منشأ للآثار والأسباب بما لا تكون كذلك فيكون قوله: (عند موته في الحقيقة) قيدا لنفس العتق الخارجي، لكن حيث يكون حقيقة الاعتاق عند موته جيء هذا القيد على الظاهر للسبب وان كان في الواقع قيدا للمسبب وهذا نظير ما اذا رمى قبل طلوع الشمس فأصاب السهم عند طلوعها فقتله فيقال حينئذ قتل زيدا مثلا عند طلوع الشمس مع ان سببه قبل الطلوع، فتأمل.
(وأما خامسا) فلازم ذلك عدم جواز التصرفات مطلقا، سواء كانت باتلاف أو شراء أدوية او هبة او عتق وأمثال ذلك، لأن المفروض انه اذا مرض الشخص يوجد للورثة حق بالنسبة الى مال الميت مانع عن تصرفاته فلا فرق في انواع التصرف مع ان الاجماع قام على جواز التصرفات
____________________ــــ
(١) الوسائل باب ٣٩ حديث ٥ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٢٣ .
التي ليس لها نفوذ وعدم نفوذ وعلى جواز مداواته بشراء الأدوية وغيرها لمعالجته ولو كان مستغرقا لماله ولم يقل احد باعتبار اجازة الورثة.
بل اللازم على ما ذكروه عدم جواز التصرف في الأعيان حتى في مثل البيع بثمن المثل والاجازة باجرة المثل وذلك لانه قد يتعلق مصلحة الورثة بابقاء الأعيان مع انه باطل بالضرورة.
(وأما سادسا) فمثل هذه الرواية لا تدل على ما ذهبوا اليه من كفاية مطلق المرض في صيرورة المريض محجورا عن التصرف في الزائد عن الثلث، فلا يصدق فيمن اعتق عبدا حال مرضه ثم مات بعد سنة او سنتين من ذلك المرض او غيره انه اعتقه عند موته كما هو ظاهر فانقدح بذلك كله عدم دلالة هذه الرواية على مدعاهم.
(واما الخاصة) فقد اختلفوا قديما وحديثا، فذهب المفيد وابن ادريس في السرائر، والسيدان، والفاضل الآبي في كشف الرموز، الى انها من الأصل، وذهب المحقق والعلامة، والشهيد، الى انها من الثلث، وادعى السيد أبو المكارم ابن زهرةرحمهالله في الغنية، الاجماع على كونها من الأصل، وكأن المراد منه استكشاف رأي المعصومعليهالسلام
بالأخبار الواردة منهمعليهمالسلام ، وعليه يحمل الاجماعات المدعاة في المسائل الفقهية أو الاصولية حيث انهم استكشفوا رأيهعليهالسلام فكل يدعي الاجماع على مذهبه لا أنهم رأوا ان الفقهاء لا يختلفون في ذلك(١) .
____________________
(١) كأنه اشار الى ان ما أفاده شيخنا المحقق الانصاري (قده) في بحث اجماع الرسائل من ان الناقل قد ينقل ما استكشفه، وقد ينقل الكاشف.
واختلف كلام الشيخرحمهالله فالمحكي عن المبسوط موافقة القول الثاني، وعن النهاية موافقة الأول، وذهب الى الأول الرياض، والى الثاني تلميذ المحقق أعني الفاضل الآبي.
وكيف كان فقد استدل للأول بالأخبار الخاصة (منها) رواية علي بن عقبة بن خالد أو عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره فأبى الورثة ان يجيزوا ذلك كيف الفضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه الاّ ثلثه(١) .
ومعتبرة حسن بن جهم، قال: سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول في رجل أعتق مملوكا وقد حضره الموت واشهد له بذلك وقيمته ستمأة درهم وعليه دين ثلاثمأة درهم ولم يترك شيئاً غيره قال: يعتق منه سدسه، لأنه انما له ثلاثمأة درهم وله السدس من الجميع، ويقضي عنه ثلاثمأة درهم من الثلاثمأة ثلثها (خ كا)(٢) .
وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألني ابو عبد اللهعليهالسلام : هل يختلف ابن أبي ليلى وابن شبرمة؟ فقلت: بلغني انه مات مولى لعيسى موسى، فترك عليه دينا كثيرا وترك مماليك يحيط دنيه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمة: أرى ان تستسعيهم في قيمتهم فتدفعها الى الغرماء فانه قد أعتقهم عند موته فقال ابن أبي ليلى: أرى ان ابيعهم وادفع اثمانهم الى الغرماء فانه ليس له ان يعتقهم عند موته وعليه دين يحيط بهم، وهذا أهل الحجاز، اليوم يعتق الرجل عبده وعليه دين كثير فلا يجيزون عتقه اذا
____________________
(١) الوسائل باب ١٧ حديث ١٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٤.
(٢) الوسائل باب ٣٩ حديث ٤ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٢٣.
كان عليه دين كثير فرفع ابن شبرمة يده الى السماء وقال: سبحان الله يا ابن أبي ليلى متى قلت بهذا القول، والله ما قلته الا طلب خلافي، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : فعن رأي أيهما صدر؟ قال: قلت: بلعني انه اخذ برأي ابن أبي ليلى وكان له في ذلك هوى فباعهم وقضى دينه، فقال: فمع أيهما من قبلكم؟ قلت له: مع ابن شبرمة وقد رجع ابن أبي ليلى الى ابن شبرمة بعد ذلك، فقال: أما والله ان الحق لفي الذي قال ابن أبي ليلى وان كان قد رجع عنه الحديث(١) .
فهذه الروايات تدل بظاهرها سيما بقرينة قوله: (فأعتقهم وقد حضره الموت) حيث قدم الاعتاق على حضور الموت في مقام الحكاية فيكشف كون المحكي أيضا كذلك على ان الاعتاق وما هو نظيره كالوقف ونحوه من الثلث.
وهذا الاستدلال حسن لولا ورود الاشكال بامكان كون المراد من الاعتاق حين حضور الموت، الاعتاق بعد الموت، لما هو المتعارف بين الناس سيما بين المتدينين منهم، من اعمال الأمور الراجعة الى ما بعد موتهم فيكون المراد حينئذ الوصية، فافهم.
ومما استدل به على المدعى ما رواه الشيخرحمهالله باسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، قال: سئل أبو عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق او بعضه فتبرئه منه في مرضها؟ فقال: لا(٢) .
وعنه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته وذكر مثله.
____________________
(١) الوسائل باب ٣٩ حديث ٥ من كتاب الوصايا،ج١٣ ص٤٢٣.
(٢) الوسائل باب ١٧ حديث ٥١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٤.
وزاد: ولكنها ان وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها(١) .
وما رواه الشيخ باسناده، عن علي بن الحسن، عن محمد بن علي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين (دين ح) فتبرئه منه في مرضها؟ قال: بل تهبه له فتجوز هبتها له ويحسب ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئا(٢) . وفيه سؤال الفرق بين الابراء والهبة حيث حكمعليهالسلام بعدم جواز الاول وجواز الثاني، لأن المدعى ان للوارث حقا في التركة يمنع من تصرف المريض مطلقا، سواء كان بالابراء او غيره، فلا يمكن الاستدلال بهذه الروايات ايضا.
ومما استدل به على المدعى ما رواه الشيخ باسناده، عن يونس بن عبد الرحمن، عن زرعة، عن سماعة قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن عطية الوالد لولده؟ فقال: اما اذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء، واما في مرضه فلا يصلح(٣) .
وباسناده، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم عن جراح المدائني، قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن عطية الوالد لولده يبينه؟ قالعليهالسلام : اذا اعطاه في صحته جاز(٤) .
(وفيه) مضافا الى عدم دلالة قولهعليهالسلام : (لا يصلح) على المدعى لامكان ارادة الكراهة امكان ارادة الحكم التكليفي بمعنى ان
____________________
(١) الوسائل باب ١٧ حديث ١٦ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٤.
(٢) الوسائل باب ١١ حديث ١١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٦٧.
(٣) الوسائل باب ١٧ حديث ١١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٤.
(٤) الوسائل باب ١٧ حديث ١٤ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٤.
فعله ذلك يورث عداوة بين الأولاد بعضهم مع بعض بحيث قد ينجر الى عدم اقدامهم على تجهيزاته فافهم.
ومما استدل به ما رواه الشيخ باسناده، عن محمد بن علي بن محبوب، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ان أعتق رجل عند موته خادما له ثم أوصى بوصية اخرى الغيت الوصية واعتقت الجارية من ثلثه الا ان يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية(١) .
ورواه الكلينيرحمهالله أيضا، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام باختلاف يسير(٢) .
(وفيه) ان قولهعليهالسلام : (ثم أوصى بوصية) يمكن ان يكون قرينة على ان الأول كان باقيا ايضا بمعنى انه أضاف الى الأول وصية اخرى فيكون المعنى ان الوصية تعمل بها مادام الثلث وافيا فيعتق الجارية اما لكونه قد ذكر أولا، واما بناء على قول الشيخرحمهالله بتقديم العتق من بين الوصايا، على غيره مطلقا.
ومما يمكن الاستدلال به على هذا المدعى ما رواه الكلينيرحمهالله عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن العلاء بياع السابري قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن امرأة استودعت رجلا مالا، فلما حضرها الموت، قالت له: ان المال الذي دفعته اليك لفلانة، وماتت المرأة فأتى أوليائها الرجل،
____________________
(١) الوسائل باب ١١ حديث ٦ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٦٥.
(٢) الوسائل باب ٦٧ حديث ٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٨.
فقالوا: انه كان لصاحبتنا مال ولا نراه الا عندك فاحلف لنا ما لها من قبلك شيء أفيحلف لهم؟ فقالعليهالسلام : ان كانت مأمونة عنده فليحلف لهم وان كانت متهمة فلا يحلف ويضع الأمر على ما كان فانما لها من مالها ثلثه(١) .
وما رواه مسندا الى السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن عليعليهمالسلام انه كان يرد النحلة في الوصية وما أقر به عند موته بلا ثبت ولا بينة(٢) .
موضع الستدلال في الأول قولهعليهالسلام في ذيله: (فانما لها الخ) وفي الثاني قولهعليهالسلام : (انه يرد النحلة في الوصية) بناء على ان معناه انهعليهالسلام يرد العطية في الوصية ويجعلها منها ومن المنجزات، فتدل على ان الرجل لايجوز له العطاء منجزا، بل يعطى من ثلثه (وفيه) انه لا دلالة في شيء منهما على كونه مريضا وتصرف في الزائد من الثلث مضافا الى ان الأول وكذا ذيل الثاني انما هو في الاقرار ولا ملازمة بين عدم كون الاقرار من الأصل، وبين عدم كون المنجزات منه، فان الاقرار بما هو اقرار لايوجب تنقيص المال وخروجه من غير عوض، فانه ان كان ما أقر به ثابتا في الواقع فظاهرانه لم يتصرف في شيء، وان لم يكن ثابتا فالكلام في حجية هذا الاقرار وعدمها ولا دخل لها في المنجزات أيضا، وهذا بخلاف المنجزات فانها اخراج للمال وتنقيص لمال الورثة.
وبهذا يندفع ما عن الجواهر من جعله الأخبار الواردة في ان
____________________
(١) الوسائل باب ١٦ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٧.
(٢) الوسائل باب ١٦ حديث ١٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٠.
الاقرار يكون من الثلث مؤيدة بالأ’بار الدالة بظاهرها على المدعى فتأمل جيدا.
وأما الادلة الدالة على كون المنجزات من الأصل فيدل عليه مضافا الى عدم الاحتياج الى الدليل لكفاية عمومات جواز التصرف في الأموال والتسلط على أموالهم وكونه محجورا بالنسبة الى الزائدة عن الثلث روايات.
(منها) رواية عمار الساباطي المروية بطرق متعددة عن أبي عبد اللهعليهالسلام انه سمع أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: صاحب المال احق بماله ما دام فيه شيء من الروح يضعه حيث شاء كما في رواية ثعلبة بن ميمون، عن أبي الحسين الساباطي(١) .
او الرجل أحق بماله مادام فيه الروح ان أوصى به كله فهو جائز كما في رواية عمر بن شداد الأزدي والسري جميعا عن عمار عنهعليهالسلام (٢) .
وفي رواية ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت: الميت أحق بماله مادام فيه الروح يبين به؟ قال: نعم فان أوصى به فليس له الا الثلث(٣) .
وفي رواية صفوان، عن مرازم، عن بعض اصحابنا (المحتمل كون هذا البعض هو عمار) عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه؟ فقال: اذا أبان به فهو جائز وان أوصى به فهو
____________________
(١) و (٢) و (٣) الوسائل باب ١٧ حديث ٤ ٥ـ٧ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٢.
من الثلث(١) .
وفي رواية علي بن الحسن بن فضال، عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: الميت احق بماله مادام فيه الروح،فان قال: بعدي فليس له الا الثلث(٢) .
ورواه الصدوقرحمهالله باسناده، عن ابن أبي عمير الى آخر السند الا انه قال: فان تعدى.
وفي رواية يعقوب بن يزيد، عن ابن ابي عمير، عن مرازم، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ فقال: اذا ابانه فهو جائز(٣) .
والحاصل ان الروايات الواردة، عن عمار، يحتمل قويا كونها رواية واحدة الا انها رويت بطرق متعددة بعضها ظاهر وبعضها صريح في كون المنجزات من الأصل.
ويدل عليه بظاهره ما رواه الكلينيرحمهالله ، عن محمد بن يحيى وغيره، عن محمد بن احمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك عن عبد الله بن جبلة، عن سماعة، قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يكون له الولد أيسعه ان يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع ما شاء به الى ان يأتيه الموت(٤) .
بل يكون صريحا فيه على ما رواه الكليني ايضا، عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن سماعة، عن أبي بصير عن
____________________
(١) الوسائل باب ١٧ حديث ٦ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨٢.
(٢) الوسائل باب ١١ حديث ١٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٦٧.
(٣) و (٤) الوسائل باب ١٧ حديث ١٠ ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٨١.
أبي عبد اللهعليهالسلام مثله وزاد ان لصاحب المال ان يعمل بماله ماشاء مادام حيا ان شاء وهبه وان شاء تصدق به وان شاء تركه الى أن يأتيه الموت، فان أوصى به فليس له الا الثلث الا ان الفضل في ان لايضيع من يعوله ولا يضر بورثته(١) .
فبناء على هذه الزيادة تكون الرواية صريحة في المطلوب كما لا يخفى.
ومما استدل به على المدعى، ما رواه الصدوق باسناده، عن العلاء بن زرين، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصية فكان اكثر من الثلث قال: يمضى عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي، ورواه الكلينيرحمهالله عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن رزين الخ، ورواه الشيخرحمهالله باسناده، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن العلا الخ(٢) .
وما رواه أيضا، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابي أبي عمير، عن رجل كما في نسخة أو عن جميل كما في اخرى بل اكثر النسخ كما نقله صاحب الوسائل عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه، فقال: ان كان اكثر من الثلث رد الى الثلث وجاز العتق، وراه الشيخرحمهالله باسناده عن علي بن ابراهيم الخ(٣) .
____________________
(١) الوسائل باب ١٧ حديث ٢ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٨١.
(٢) الوسائل باب ٦٧ حديث ١ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٥٨.
(٣) الوسائل باب ٦٧ حديث ٤ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٥٩.
والحاصل ان هذه الرواية التي يحتمل ان تكون عين الرواية الأولى باعتبار ان محمد بن مسلم روى هذه الرواية مرة واحدة، غاية الأمر وقع الاشتباه في الذين يروونها عنه تارة عبر بقوله عن رجل واخرى عن جميل وكذا في المروي عنه تارة عبر بـ (ابي عبد الله) واخرى بـ (أبي جعفرعليهماالسلام ) ويحتمل التعدد والتكرر كما هو ظاهر تعدد المروي عنه.
وكيف كان فهذه الرواية اقوى ما يستدل سندا للقول بكون منجزات المريض من الأصل لأنه رواها جماعة كانوا فقهاء، بصراء متدينين، مثل(١) صفوان بن يحيى، وحسن بن محبوب، ومحمد بن خالد، وحسن بن علي بن فضال، وعلي بن اسباط، وعلي بن الحسن.
واما وجه الاستدلال فلأن ضمير (كان) في قوله: (وكان) أو (فكان اكثر من الثلث) اما ان يعود الى الايصاء المفهوم من قوله: (وأوصى) او الى (ما فعل) المفهوم من الكلام، وعلى التقديرين مضى العتق ونفوذه بقول مطلق دال على كون المنجز من الأصل.
(وفيه) انه ان كان مراد الراوي من هذا السؤال انه هل ينفذ خصوص هذا العتق ام لا؟ فضميمة الوصية اليه بل ذكرها مقدما بقوله: (رجل أوصى بأكثر من الثلث) الى قوله: (واعتق) كالحجر المنضم الى جنب الانسان، فيكشف من هذا الجمع والضم ان السؤال انما وقع عن انه اذا اجتمع منجز كالعتق ومؤخر كالوصية وكان كلاهما من الثلث فأيهما هو المقدم؟ وهل يدخل النقصان على الجميع كما عن أبي حنيفة أو على
____________________
(١) الروايات التي نقلناها بقولنا: وأما الأدلة الدالة على كون المنجزات من الأصل فلا تغفل فراجع حديث ٤ ٧ من باب ١٧ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٨٢ تجد هؤلاء الرواة التي عدها سيدنا الأستاذ الأكبر (قده).
المؤخر فقط، كما عن الشافعي وجماعة؟ فأجابعليهالسلام بأن النقصان يدخل على المؤخر لا المنجز.
(وتوهم) انه حينئذ يدل باطلاقه على كون المنجز من الأصل، لأنه شامل لهذه الصورة أيضا (مدفوع) بعدم كونهعليهالسلام في مقام بيان الحكم من هذه الجهة، بل أجابعليهالسلام عن الجهة التي بيناها.
والقرينة على ما ذكرنا قولهعليهالسلام : ويكون النقصان فيما بقي حيث انه يدل على ان هناك نقصانا ويكون اللام في قولهعليهالسلام (١) : (ويكون النقصان فيما بقي) اشارة الى النقصان المعهود المرتكز عند المخاطب.
بل يمكن دعوى العكس يعني انها دالة على ان المنجزات من الثلث لا من الأصل وذلك بعد التأمل فيما ذكره، فانه ان كان في ذهن الراوي كونها من الأصل وكان السؤال عن انه اذا كانت الوصية فقط زائدة عن الثلث فلا ينبغي ان
يجيبعليهالسلام بما أجاب، بما المناسب ان يقولعليهالسلام : ان الوصية بالنسبة الى الزائد عن الثلث غير نافذة، بل النافذ هو من الثلث فقط، فدلالة هذه الرواية على ان المنجزات من الثلث اظهر من دلالتها على المدعى.
ومما استدل له ايضا ما رواه محمد بن علي بن الحسين، باسناده، عن أحمد بن محمد بن عيسى(٢) ، عن أبي همام(٣) اسماعيل بن أبي همام(٤)
____________________
(١) في راوية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللهعليهالسلام لا عن أبي جعفرعليهالسلام فلا تغفل.
(٢) موثق.
(٣) كان شيعياً موثقا.
(٤) مجهول.
ابن عبد الرحمن بن ميمون(١) بن أبي عبد الله، عن أبي الحسن(٢) عليهالسلام في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكا وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيته؟ قالعليهالسلام : يبدأ بالعتق فينفذه(٣) .
وجه الاستدلال ان قوله: (اعتق مملوكا) اما ان يكون جزءا للوصية، أو لا، وعلى الثاني اما ان يكون المراد من قوله: (وكان جميع ما أوصى به اكثر من الثلث) خصوص الوصية او هي مع العتق.
(فعلى الأول)(٤) اما ان يكون وجه التعبير عن العتق المنجز بالوصية كون العتق الواقع قرب الموت بمنزلة الوصية في كونه واقعا بعد الموت، او من باب التغليب (وعلى الثاني)(٥) يكون قوله: (جميع ما أوصى به) مستعملا في معناه الحقيقي (وعلى الثالث)(٦) يكون مجازا باحدى العلاقتين المجاورة والتغليب.
فعلى تقدير كون قوله: (أعتق مملوكاً) أمرا منجزا غير الوصية كما هو ظاهر تفصيل الراوي في السؤال بين العتق وغيره، يكون نفوذ العتق بقول مطلق، سواء كان زائدا على الثلث أم لا، دليلا على كون المنجزات من الأصل.
____________________
(١) كان شيعيا موثقا.
(٢) الظاهر انه الرضاعليهالسلام .
(٣) الوسائل باب ٦٧ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٨.
(٤) يعني كون العتق جزءا للوصية.
(٥) يعني عدم كونه جزءا للوصية.
(٦) يعني كون العتق الواقع قرب الموت الخ.
(وفيه) انه من المحتمل قويا كون العتق ايضا من الوصايا فالحكم بتقدمه حينئذ يمكن ان يكون بناء على قول الشيخ أبي جعفر الطوسيرحمهالله من كون العتق مقدما على سائر الوصايا.
ويؤيد هذا الاحتمال قوله: (كيف يصنع به في وصيته) ؟ حيث اطلق على جميع ماله الوصية وكذا يؤيده جوابهعليهالسلام بقوله: (يبدأ بالعتق) فان التعبير بالابتداء انما يصح في مورد يكون المبتدأ والمؤخر في رتبة واحدة من حيث الحكم لا من حيث الطبع كما في صورة اجتماع المنجز والمعلق، فلا يقال: يبدأ بالمنجز فتأمل.
وعلى تقدير ان يكون المراد من العتق، العتق المنجز، فنقول: اما ان يكون الراوي عالما بحكم الوصية والمنجز معا أو لا يكون عالما بواحد منهما او يكون عالما بحكم احدهما دون الآخر، فالأقسام حينئذ اربعة فنحن نتكلم في مقام الثبوت على كل واحد من التقادير وتطبيق الرواية على أظهر الأقسام.
(الأول) ان الراوي كان عالما بأن المنجز يخرج من الأصل والوصية من الثلث فيكون حاصل السؤال حينئذ ان رجلا أعتق عبدا، منجزا، وأوصى بأكثر من الثلث كيف القضاء بالنسبة الى الوصية فبعد فرض كون حكم المملوك معلوما بأنه من الأصل، يصير حاصل السؤال راجعا الى الوصية.
فحينئذ يرد على هذا الفرض ان ضم العتق في السؤال الى الوصية غير مناسب، مضافا الى عدم ارتباط الجواب للسؤال، لأن حق الجواب حينئذ، هو ان الوصية بالنسبة الى الثلث نافذة دون الباقي فلا معنى لقوله: يبدأ بالعتق.
(الثاني) من الصور الأربعة ان يكون حكم المنجز كالصورة السابقة معلوما دون الوصية، فيرجع السؤال الى الوصية فقط.
ويرد عليه ايضا الاشكال على الأول، مضافا الى كون هذا الفرض في نفسه بعيدا بالنسبة الى الرواة السائلين الذين كانوا في أواخر القرن الثاني مثل اسماعيل بن همام مثلا.
(الثالث) ان يكون الراوي جاهلا بحكم المنجز، عالما بحكم الوصية بانها من الثلث فيصير حاصل السؤال: هل العتق المنجز من الأصل او الثلث.
ويرد عليه ان المناسب ان يجيب انه من احدهما المعين مثلا لا ان يجيب بقوله: (يبدأ بالعتق) فان الظاهر من لفظة (يبدأ) ان العتق والوصية مشتركان في كونهما موردين للثلث، غاية الأمر كان الترديد والسؤال في التقديم والتأخير.
(الرابع) ان يكون الراوي عالما بان المنجز من الثلث، والمعلق ايضا منه ولكن وقع له الاشتباه عند اجتماعهما فيصير حاصل السؤال بعد فرض كونهما من الثلث ان أيهما يقدم عند تزاحمهما عملا فجوابهعليهالسلام حينئذ بقوله: (يبدأ بالعتق) مناسب ويستقيم مع السؤال فحينئذ يستكشف من هذا ان المرتكز في اذهان الاصحاب كون المنجز من الثلث لا من الأصل، فيشكل العمل بالأخبار الدالة على كونه من الأصل وترجيحها على الأخبار الدالة على كونه من الثلث.
والحصل ان الروايتين من الطرفين متعارضتان، ولذا ترى الشيخ ابا جعفر الطوسيرحمهالله مترددا في المسئلة تارة في الخلاف واخرى في النهاية فراجع الوصايا والعتق والهبة منهما.
فلا محيص عن الرجوع الى المرجحات واولها الشهرة(١) .
وقد يتوهم عدم التعارض بينهما، فان الاعتاق الوارد في روايات متعددة مثل عمران بن حصين، وعقبة بن خالد، وعلي بن عقبة بن خالد وحسن بن جهم، وعبد الرحمن بن حجاج، وأبي بصير، ومحمد بن مسلم(٢) يراد به انشاء العتق عند الموت بحيث يكون القيد(٣) قيدا للهيئة لا المادة.
(وفيه) انا وان قلنا هذا عند توجيه رواية عمران بن حصين(٤) ردا على العامة، الا ان العمدة هو ضعف سندها او مجهوليته، وانفراده بهذا النقل والا فهو خلاف المتفاهم العرفي فانهم يفهمون من نحو قوله: (اعتق عند موته) ان الانعتاق كان عند موته لا انشاء العتق بعد الموت.
وكذا قولهعليهالسلام في رواية حماد عن الحلبي(٥) في مسئلة الابراء (لا ولكنها ان وهبت له جاز الخ) ظاهر في الهبة الفعلية لا الاستقبالية.
وكذلك في رواية سماعة وجراح المدائني(٦) حيث فصل بين الصحة والمرض وحكم بالجواز في الأول وعدمه في الثاني.
وكيف كان فلا جمع عرفيا بين قوله: (اعتق عند موته) في عدة روايات وقولهعليهالسلام (صاحب المال احق بماله مادام فيه شيء من الروح) من
____________________
(١) وقد عرفت عند نقل أقوال الخاصة انه ليس هناك شهرة على احد الطرفين بل كل يدعي الاجماع على مذهبه فراجع.
(٢) قد تقدم كل واحد منهما عند نقل الأخبار من الطرفين فلاحظ.
(٣) يعني قيد عند العتق.
(٤) المنقولة من سنن أبي داود كما تقدم.
(٥) و (٦) الوسائل باب ١٧ حديث ١٥ ١١ ١٤ من كتاب الوصايا، ج ١٣ ص٣٨٤.
حيث الدلالة فينحصر الجمع من حيث العدد والسند.
فالراويات الدالة على خروج المنجز من الأصل ترجع الى روايتين (احداهما) رواية عبد الله بن جبلة، عن سماعة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (١) ، تارة، وعنه(٢) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام بنقلين اخرى(٣) ، لكن بناء على نقل يحيى بن المبارك عن عبد الله بن جبلة كما تقدم لا صراحة فيها على كونه من الأصل، فان قولهعليهالسلام : (هو ماله يصنع به ما شاء الى أن يأتيه الموت) قابل لأن، يراد به انه اذا اتاه الموت فليس له الا الثلث ويصدق على تبرع المريض الذي مات في مرضه انه تبرع حين أتاه الموت.
بل يمكن ان يقال بعدم الدلالة حتى على نقل عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن جبلة عن سماعة عن أبي بصير عنهعليهالسلام فانه زاد فيه: (ان لصاحب المال ان يعمل بماله ما شاء ان شاء وهبه وان شاء تصدق وان شاء تركه الى ان يأتيه الموت الخبر) فتأمل.
(ثانيتهما) رواية عمار الساباطي وهي قد نقلت بطرق ومضامين عديدة حتى بلغت خمسة او ستة طرق(٤) كما مر.
واما رواية أبي شعيب المحاملي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ،
____________________
(١) راجع الوسائل باب ١٧ حديث ١ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٨١.
(٢) يعني عن عبد الله بن جبلة، راجع المصدر حديث ٣.
(٣) المصدر حديث ٢.
(٤) وقد ذكرنا مواضعها عند نقلها، فراجع.
قال: الانسان أحق بماله مادامت الروح في بدنه(١) .
فهي مرسلة، فان رواية أبي شعيب، عن الصادقعليهالسلام اما بواسطتين او بواسطة فان أبا شعيب كان من اصحاب الكاظم عليه وعلى آبائه السلام(٢) فينحصر الدليل على خروج المنجز من الأصل برواية عمار.
واما الروايات الدالة على اخراجه من الثلث فكثيرة بظاهرها، مثل رواية علي بن عقبة ورواية عقبة بن خالد، ورواية حسن بن جهم وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وصحيحة الحلبي، وصحيحة أبي ولاد، وموثقة سماعة، وخبر جراح المدائني وخبر أبي بصير وخبر العلاء بياع السابري وخبر السكوني، عن جعفر، عن أبيهعليهماالسلام ،
وصحيحة محمد بن مسلم التي رواها جملة من الأجلاء على احتمال قد ذكرناهم بأساميهم آنفا، ورواية اسماعيل ايضا كذلك، وقد نقلنا هذه الروايات كلها
____________________
(١) الوسائل باب ١٧ حديث ٨ بسند الشيخ واما بسند الكليني، فعن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن سعيد عن ابي المحامد عنهعليهالسلام .
(٢) لكن نقل في تقيح المقال ج٢ ص٩١ تحت عنوان صالح بن خالد أبو شعيب المحاملي عن النجاشي في باب الكنى من رجاله، وعن الشيخ أبي جعفر الطوسي في باب الكنى من رجاله، توثيقه فعن الاول أبو شعيب المحاملي كوفي ثقة من رجال أبي الحسن موسىعليهالسلام ، وعن الثاني: أبو شعيب المحاملي ثقة (الى أن قال): ثم لايخفى عليك ان الكلينيرحمهالله وصفه في سند بالمحاملي الرفاعي، ولعله نسبه الى جده المسمى برفاعة، وذكر رواية عنه عن الصادقعليهالسلام فيدل على انه لقي الصادقعليهالسلام أيضا (انتهى كلامه رفع مقامه).
فيها فراجع(١) .
وأضف اليها ما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه، عن عليعليهمالسلام ، قال: ان رجلا أعِتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة(٢) .
فحينئذ يشكل رفع اليد عن جميع هذه الروايات بسبب رواية عمار ولو كان نقلها عنه غير واحد، فان(٣) تمت الشهرة بهذه الأخبار أخذنا بها وقلنا بخروجها من الثلث والا فليعمل برواية عمار لمخالفتها لجميع العامة الا المسروق كما سمعت.
هذا غاية(٤) ما يقال في اصل هذه المسئلة ولعلك تسمع فيما يأتي ما يوجب قوة القول بخروجه من الثلث في الجملة.
____________________
(١) راجع باب ١٧ وباب ١١ وباب ٦٧ من كتاب الوصايا تجد اكثر هذه الأخبار وقد ذكرنا مواضعها كلها عند نقلها فلاحظ.
(٢) الوسائل باب ٦٤ حديث ٥ من كتاب العتق ج١٦ ص٦٤.
(٣) حاصل مفاد كلامهقدسسره : ان الشهرة اول المرجحات فيؤخذ بها ان تمت والا فمخالفة العامة ثاني المرجحات في التعرض فيؤخذ بها.
(٤) اقول: ولقد أجاد فيما أفاد وأتى بما هو فوق المراد حشره الله مع أجداده وكثر الله أمثاله.
بيان المراد من مرض الموت
هل المراد مطلق المرض المخوف كما عن الشيخرحمهالله أو المرض المتصل بالموت كما عن العلامة او المتاط صدق انه حضره الموت او صدق انه اوصى عند الموت أو أتاه الموت كما عن الجواهررحمهالله ؟ وجوه بل أقوال:
فنقول: الروايات الواردة على أقسام (منها) ما عبر فيه بقوله: (في مرضه) كرواية جراح المدائني، ومحمد بن مسلم وأبي ولاد، وسماعة، الحلبي، وعمار بنقل ابن أبي عمير، عن مرازم عنه.
(ومنها) ما عبر فيه بقوله: (عند الموت) او (عند موته) كرواية أبي بصير، وعبد الرحمن بن الحجاج، والسكوني.
(ومنها) ما عبر فيه بقوله: (حضره الموت) كرواية عقبة بن خالد، وبياع السابري والحسن بن الجهم.
(ومنها) ما عبر بقوله: (أتاه الموت) أو (يأتيه الموت) كرواية أبي بصير او سماعة بطرق ثلاثة كما سمعت كلها.
ظاهر ما عدا القسم الأول ينفي قول الشيخ والعلامة رحمهما الله لان مطلق المرض المخوف او المتصل بالموت لا يصدق عليه انه (عند الموت) او (حضره الموت) او (عند اتيان الموت) تبرع بكذا مثلا.
واما القسم الأول فلابد من تقييده، اذ لم يقل باطلاقه احد من المسلمين فيقيد بالأقسام الاخر، وتقييده بالمخوف او المتصل بالموت لا مقيد له، فلايبعد ان يقال: ان هذا القسم من المرض يشبه الوصية باعتبار ان المتبرع ان يقع هذا الفعل في حياته التي قد انقضت ايامها كي ينتفع به في الآخرة التي قد أقبلت.
ومن(١) هنا يمكن القول بكون المنجزات من الثلث بالنسبة الى
____________________
(١) هذا الذي وعدقدسسره في آخر المسئلة بقوله: ولعلك تسمع فيما يأتي ما يوجب قوة القول بخروج المنجز من الثلث، فتذكر.
هذا القسم من المرض مع قيود اربعة (احدها) كون التبرع في حال المرض (ثانيها) كون المرض متصلا بالموت (ثالثها) وقوع الموت عقيب هذا المرض بلا فصل طويل يخرجه عن صدق حضور الموت (رابعها) اعتقاد المريض كون التبرع عند موته فبانتفاء كل واحد من هذه القيود يشكل الحكم بكون المنجز من الثلث.
نعم لا يبعد ان يلحق بالمرض وقوعه في البحر أو عند مقابلته لصف الأعداء مع ظهور كونه مغلوبا، وكذا يلحق به ترديه من مكان عال بحيث يخاف هلاكه، وكذا تصادفه للسبع في حال كونه منفردا متوحدا، فانه في كل واحد من هذه الموارد يصدق انه حضره الموت فتبرع، فتأمل جيدا.
القول في الاقرار
اختلف العامة والخاصة في ان الاقرار بشيء حال المرض المتصل بالموت هل هو من الثلث او من الأصل؟.
اما العامة فقد اجمعوا على انه من الأصل الا شاذ منهم كابن منذر على ما هو ببالي(١) .
وقد يستكشف اتفاقهم من فرعين نقلهما الشيخرحمهالله في النهاية (احدهما) لو كان عليه دين ثابت بالبينة او غيرها من الحجج الشرعية ثم اقر بشيء عليه فالمحكي عنهم على ما هو ببالي انه ان كانت التركة وافيا
____________________
(١) انما عبرت بذلك لاني لم اتيقن حين تقرير هذا البحث ان دعوى الاجماع ايضا من سيدنا الاستاذ (قده) ام لا.
بهما معا فهو والا يقدم الدين على الاقرار حيث يظهر من هذا انه على تقدير كفاية التركة يمضي الاقرار من الأصل.
(ثانيهما) لو اقر لبعض الورثة بشيء فقد حكي عنهم انه يمضى من الثلث، وعلل بأنه ليس اقرارا على نفسه، بل على بقية الورثة كاقرار العبد بالجناية العمدية الموجبة للقصاص، او الخطائية الموجبة للدية، فانه لا يسمع فانه اقرار على المولى لا على العبد.
ويمكن ان يقال: ان هذا الاجماع منهم تهافت مع الاجماع بأن المنجزات من الثلث، لان المانع من نفوذ المنجزات من الاصل ثبوت حق متعلق بالتركة وهو بعينه موجود في الاقرار ايضا.
ويمكن ان يدفع بأن الكلام ثمة في المريض بمرض الموت وهنا في غيره والا ففي المريض قد اختلفت العامة ايضا في اقراره للورثة على اقوال (احدها) عدم النفوذ مطلقا، وهو قول شريح، واحمد بن حنبل، وأبي حنيفة واصحابه، وأمثالهم (الثاني) النفوذ مطلقا، وهو قول حسن البصري، وعمر بن عبد العزيز وأبي عبيدة، وهو أحسن قولي الشافعي عند اصحابه (والثالث) التفصيل بين الاتهام وعدمه بالنفوذ في الثاني دون الأول، وهو قول مالك، وقال: ان الحاكم يجتهد في كون المقر متهما أم لا؟.
استدل المانعون بقياسه على الوصية له، فكما لايجوز الوصية للوارث بقولهعليهالسلام : (لا وصية للورثة)(١) .
وأجاب المجوزون بعدم تمامية هذا القياس، فان الوصية ممحضة لما بعد الموت فيكون ضررا على الورثة محضا، بخلاف الاقرار، وكيف كان
____________________
(١) سنن أبي داود ج٣ باب ماجاء في نسخ الوصية ص ١١٤ وفيه لاوصية لوارث.
فحيث ان المقيس عليه غير صحيح عند الامامية، فالأمر سهل.
واما الخاصة فقد حكي عن الشيخرحمهالله في الخلاف والمبسوط، القول بكونه من الثلث واليه ذهب المفيدرحمهالله وابو الصلاح في الكافي، والفاضل الآبي في كشف الرموز، وقد حكي عن نهاية الشيخرحمهالله القول بكونه من الأصل، وفصل بعضهم بين كون الاقرار للورثة وكونه لغيرهم، وبعضهم بين كون المقر متهما وعدمه.
ومنشأ الاختلاف الأخبار الواردة عن الأئمة المعصومينعليهمالسلام فلننقلها مع قطع النظر عن الروايات العامة التي مفادها جواز اقرار العقلاء على انفسهم، ومع قطع النظر عن عموم قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم او الوالدين والأقربين(١) الآية، فنقول: انها على أربعة أقسام:
(أحدها) ما يدل على النفوذ مطلقا، مثل ما رواه الكلينيرحمهالله عن أبي علي الأشعري، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن أبي ولاد، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل مريض أقر عند الموت لوارث بدين له عليه، قال: يجوز ذلك، قلت: فان أوصى لوارث بشيء؟ قال: جائز(٢) .
والسؤال فيها وان كان عن مريض منطوقا لكنها دالة مفهوما على نفوذ الاقرار في غير المريض بطريق أولى، اذ لم يحتمل أحد من المسلمين كون المرض دخيلا في النفوذ، والظاهر عدم دخل كون المقر له وارثا ايضا بعد فرض عموم المقر للمريض وغيره، كما ان كون المقر به دينا لا دخل له في الحكم فهي دالة على نفوذ الاقرار مطلقا سواء كان المقر مريضا أم
____________________
(١) النساء /١٣٥.
(٢) الوسائل باب ١٦ حديث ٤ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٧.
لا، وسواء كان الاقرار للوارث او لغيره، وسواء كان المقر به دينا او غيره وفيها اشارة ايضا الى ان منشأ سؤال الراوي معروفية القول بعدم نفوذ الاقرار في الجملة قياسا على الوصية، ولذا حكمعليهالسلام بنفوذ المقيس عندهم ولما سئل عليه حكمعليهالسلام عن حكم المقيسعليهالسلام بصحته ايضا.
ويحتمل ان يقال: انه لااطلاق في هذه الرواية من حيث المقر والمقرله، والمقربه اصلا، بل غاية ماتدل عليه نفوذ الاقرار في مقابل من قال بعدم نفوذه من العامة (ثانيها) مايدل على النفوذ اذا كان المقر مرضيا، مثل ما رواه الكلينيرحمهالله عن ابي علي الاشعري عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن منصور بن حازم، قال: سألت ابا عبداللهعليهالسلام ، عن رجل اوصى لبعض ورثته ان له دينا فقال: ان كان الميت مرضيا فاعطه الذي اوصى له(١) .
وما رواه الشيخ ابو جعفر الطوسيرحمهالله ، باسناده، عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر، عن داود بن الحصين، عن ابي ايوب، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في رجل اوصى لبعض ورثته ان له عليه دينا، فقال: ان كان الميت مرضيا فاعطه الذي اوصى له(٢) .
وهاتان الروايتان مقيدتان لاطلاق صحيحة ابي ولاد المذكورة. (لايقال): ان بينهما وبينها عموما من وجه حيث ان الصحيحة سئل فيها عن المريض وهما سئل فيهما (عن رجل) الشامل للمريض وغيره
____________________
(١) الوسائل باب ١٦ حديث ١من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٦، وباب١حديث١ من كتاب الاقرار، ج١٦ ص١١٠.
(٢) الوسائل باب١٦ حديث٨ من كتاب الوصايا، ج١٣ص٣٧٨
فيتعارضان (فانه يقال): بعد فرض الغاء الخصوصية- كما ذكرنا- لاوجه لهذا الاحتمال، هذا.
ولكن التامل التام يقتضي ان يكون القيد في الروايتين - وهو قولهعليهالسلام : ان كان الميت مرضيا واردا مورد التقية فان مالك كان في زمن الصادقعليهالسلام قاضيا وكان مشهورا في ذلك الزمان، وقد حكم بالتفصيل بين كون المقرمتهما او غيره، والا فلا وجه لتقييد نفوذ الاقرار الذي كان من ضروريات الفقه، لاسيما عند الامامنة رضوان الله عليهم، بكون المقر مرضيا الا كونه مريضا، والمفروض ان المرض بما هو غيرمانع من نفوذه عند الشيعة للورثة، نعم ذهب جماعة من العامة الى عدم نفوذه لهم حال المرض، فاللازم رد علمهما الى اهلهما.
(وبعبارة اخرى) - بعد الغاء خصوصية المرض في صحيحة ابي ولاد- نقول: كما ان غير المريض اذا اقرب شيء لبعض الورثة يكون اقراره نافذا من غير تقيد بكونه مرضيا بالضرورة من فقهاء الاسلام، وبمقتضى عموم اقرار العقلاء على انفسهم جائز(١) ، وبمقتضى عموم الآية الشريفة المذكورة كذلك، المريض، لعدم الفرق كما هو المفروض.
(ثالثها) ما يدل على نفوذ الاقرار بالنسبة الى ثلثه، مثل ما رواه الكلينيرحمهالله باسناده، عن احمد بن محمد، ورواه
____________________
(١) الوسائل باب٤حديث نقلامن جماعة من العلماء في كتب الاستدلال حديث١ ج١٦ ص١١٠.
الصدوق، باسناده، عن الحسن بن محبوب(١) . وحيث قيدعليهالسلام بما اذا كان المقر به دون الثلث، يمكن ان يقال: ان للمرض دخلا في الحكم، فيمكن ان يقيد اطلاق رواية ابي ولاد بهذه الرواية ان كان لها اطلاق والا(٢) فل امعارضة بينهما. نعم يمكن ان يقال: بان المرض يقيدبمرض الموت لامطلقا، فكان الاقرارلبعض الورثة في مرض الموت، بمنزلة المنجزات، فكما قلنا هناك: انه لايبعدان يكون نافذا في الثلث اذا كان مريضا مرض الموت فحينئذ حكمهما واحد. واما التقييد بما دون الثلث، فلعله يعسر عادة تعيين مقدار الثلث من غيرزيادة ولانقصان.
(رابعها) الروا يات الدالة على نفوذه اذاكان مليا مثل ما رواه الحلبي، قال: سئل ابو عبذف اللهعليهالسلام عن رجل اقر لوارث بدين في مرضه ايجوز ذالك؟ قالعليهالسلام : نعم اذا كان مليا(٣) . اواذا كان قليلا، مثل ما رواه عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عمن اقر للورثة بدين عليه وهو مريض، قال: يجوزعليه ما اقر به اذا كان قليلا(٤) .
(وفيه) انه لاعامل بهما، نعم عن مفتاح الكرامة انه حكى عن
____________________
(١) الوسائل باب١٦ حديث٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٧.
(٢) كما اذا احتمل انها في مقام بيان جواز اصل الاقرار.
(٣) الوسائل باب١٦ حديث٥ من كتاب الوصايا ج١٣ وفيه اختلاف يسير.
(٤) الوسائل باب١٦ حديث٩ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٩.
الصحاح، (ملأ الرجل) اذا كان ثقة، فمعناه حينئذ اذا كان ثقة، وكيف كان فالاحسن ردهما الى اهلهما، نعم هنا رواية اخرى دالة على المطلوب في الجملة، هي ما رواه العلا بياع السابري قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن المراة استودعت رجلا مالا، فلما حضرها الموت قالت له: ان المال الذي دفعته اليك لفلانة، وماتت المراة فاتى اولياؤها شيء الرجل، فقالوا: انه كان لصاحبتنا مال ولا نراه الا عندك فاحلف لنا ما لها قبلك شي افيحلف لهم؟ فقال: ان كانت مأمونة فليحلف لهم وان كانت متهمة فلايحلف، ويضع الامر على ما كان، فانما لها من مالها ثلثها (ثلثه:خ)(١) لا شبهة في ظهور صدرها في الاقرار دون الوصية، وكذا قولهعليهالسلام : (وان كانت مامونة فليحلف لهم) ظاهر في ان اقرارها في هذه الصورة نافذ مطلقا، لان جواز الحلف لايكون الا في صورة كون الاقرار حجة بلحاظ ان الحلف، لابد له من مستند اما العلم او ما هو قائم مقامه، وهو هنا الاقرار. واما اذا كانت متهمة، فهل الحكم بعدم الحلف مستلزم لعدم نفوذ اقرارها ام لا؟ الـظاهر انه لا ملازمة بينهما، بل الظاهر ان السؤال كان في جواز الحلف فقط كما يظهر من قوله: (افيحلف لهم الخ) فيمكن ان يكون الاقرار نافذا في الواقع، لكنه لم يكن لان يحلف، لعدم مستند شرعي من العلم او العلمي.
واما قولهعليهالسلام في ذيل رواية السابري: (فانما لها من مالها ثلثها (وثلثه خ)، فان قلنا: ان المنجزات من الاصل فلا يناسب ذلك ما قبله بوجه، ولذا قد اشرنا سابقا انه يمكن ان يجعل من الادلة
____________________
(١) الوسائل باب ١٦حديث٢من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٧.
الدالة على كون المنجزات من الثلث، وان قلنا انها من الثلث كما نفينا البعد عن هذا القول، يكون المعنى ان لها من مالها الثلث، فينفذ الاقرار بالنسبة اليه وحينئذ فلا يفرق بين كونها مأمونة او متهمة فهذه الرواية ايضا من الروايات الدالة على ان المنجز من الثلث مطلقا، سواء كان للوارث او الاجنبي.
واما احتمال ان معنى قولهعليهالسلام : فانما لها الخ ان الافعال التي تصدر من المريض بمرض الموت بالنسبة الى امواله، سواء كان من الوصية او المنجز او الاقرار، كلها من الثلث فبعيد بالنسبة الى مورد الرواية.
فالاظهر هو القول بكون الاقرار من الثلث كالمنجزات والوصية.
ولا يخدش في سند هذه الرواية، لان العلا بياع السابري الأسدي، وان كان غير معلوم الحال الا ان وقوع مثل عبد الله بن مسكان الذي ذكر الكشي انه من اصحاب الاجماع الذين حكم بتصحيح ما يصح عنهم، وكذا رواية احمد بن محمد بن عيسى القمي الأشعري الذي لا يروي عن الضعفاء كما قيل، فالراوية اما صحيحة او موثقة.
ايقاظ
لابأس بنقل اقوال جملة من المحصلين والاشارة الى مستندهم.
فعن المفيدرحمهالله : اقرار العاقل في مرضه للأجنبي والوارث سواء، وهو ماض واجب، لمن اقر له به، واذا كان على الرجل دين معروف بشهادة قائمة فأقر قوم آخرين بدين مضافا الى ذلك كان اقراره ماضيا عليه، وللقوم ان تحاصو باقي الغرماء وفيما تركه بعد وفاته اذا كان عليه يحيط بما في يده فأقر بأنه وديعة لوارث او غيره قبل اقراره ان كان عدلا مأمونا وان كان متهما لم يقبل اقراره (انتهى).
والظاهر استنادا في نفوذه مطلقا الى رواية أبي ولاد بعد الغاء خصوصية المريض وكونه للوارث وفي عدم قبوله عند الاتهام رواية منصور بن حازم وأبي أيوب(١) .
وعن نهاية الشيخ انه يمضى من الأصل مع عدالة المقر وانتفاء التهمة في اقراره ومن الثلث وان كان متهما سواء الأجنبي والوارث.
والظاهر استناده في الأول الى رواية أبي ولاد(٢) ومع تقيدها برواية منصور وأبي ايوب الانصاري، والغاء خصوصية المريض والوارث، وفي الثاني الى رواية اسماعيل بن جابر(٣) مقيدة بروايتي منصور وأبي ايوب مفهوما.
وعن مراسم لسلار تلميذ المفيدرحمهالله : من كان عاقلا يملك امره فيما يأتي ويذر فاقراره في مرضه كاقراره في صحته (انتهى).
والظاهر استناده الى عموم اقرار العقلاء على انفسهم جائز(٤) ، وساير العمومات الدالة بعمومها، ونسب ذلك الى ابن ادريس ايضا كما في المختلف.
____________________
(١) راجع الوسائل باب ١٦ حديث ١و٨ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٧٦ و٣٧٧.
(٢) راجع الوسائل باب ١٦ حديث ٤ من كتاب الوصايا ج ١٣ ص ٣٧٧.
(٣) الوسائل باب ١٦ حديث ٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٣٧٧.
(٤) عوالي اللآلي ج١ ص٢٢٣ وج٢ ص ٢٥٧ وج٣ ص٤٤٢ طبع سيد الشهداء بـ (قم).
وعن وسيلة ابن حمزة: واقرار المريض اذا كان صحيح العقل، مثل اقرار الصحيح الا في حق بعض الورثة بشيء اذا كان متهما، فاذا اقر له ولم يكن للمقر له بينة على صحة ما اقر له كان الاقرار في حكم الوصية (انتهى).
والظاهر استناده في الاول الى العمومات وفي الثاني اعني الاقرار للوارث الى رواية أبي ولاد يقيده تارة برواية اسماعيل بن جابر(١) بالنسبة الى المتهم مع تقيدها بروايتي منصور وأبي ايوب وابقائها على اطلاقها بالنسبة الى غير المتهم، المفهوم من روايتي منصور وأبي أيوب مفهوما.
وعن المقنع: اذا اقر لوارث بدين جاز فيما دون الثلث (أنتهى).
والظاهر انه قيد رواية أبي ولاد برواية اسماعيل بن جابر ولم يعمل بالروايات الدالة على اشتراط العدالة في المقر.
وفي النافع للمحقق: واما الاقرار للأجنبي، فان كان متهما على الورثة فهو من الثلث والا فهو من الأصل، وللوارث من الثلث على التقديرين، ومنهم من سوى بين القسمين (انتهى).
والظاهر استناده في الاول الى راوية العلاء بياع السابري(٢) ، وفهم من قولهعليهالسلام كون المقر مرضيا او غير متهم أو مأمونا، الاتهام على الورثة لا كونه فاسقا على ما هو الظاهر من قولهعليهالسلام : ان كان مرضيا او غير متهم وفي رواية العلاء: (ان كانت مأمونة فليحلف لهم الخبر وفي الثاني الى تقييد المطلق الدال على نفوذه بقول مطلق برواية
____________________
(١) قد ذكرنا مواضع هذه الروايات.
(٢) راجع الوسائل باب ١٦ حديث ٢ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٣٧٧.
اسماعيل بن جابر الدال على نفوذه في الثلث، وبروايتي منصور وأبي ايوب الدالتين على نفوذه اذا كان مرضيا والمفروض ان مورد الثلاثة هو الاقرار للوارث بخلاف راية العلاء، فان موردها هو الأجنبي(١) .
(مسئلة ١) قد عرفت ان المنجزات من الثلث في الجملة كما لايبعد أو الأصل على القول الآخر ولكن يستفاد من تضاعيف كلمات الاصحاب ان هذا فيما اذا لم يكن عليه دين مستغرق للتركة والا لم يكن نافذا، لا من الاصل ولا من الثلث.
قال العلامةرحمهالله في التذكرة بعد ذكر عدة من فروع المنجزات لو ملك في مرض موته من يعتق عليه، فان كان بالارث احتمل عتقه من الثلث لانه حصل في ملكه ثم زال فاشبه ما اذا اعتق عبدا ورثه في مرضه وما اذا ورث مالا فاشترى به من يعتق عليه، وان يعتق من الاصل، لانه لم يقصد تملكا ولا ازالة ملك حصل بغير اختيار، ولم يبذل في مقابلته فتضرر به الورثة، وكلا الاحتمالين للشافعية، ويحكى الثاني، عن مالك، والاول عند الشافعية (الى ان قال): فان قلنا: انه يعتق من راًس المال يعتق وان لم يكن له سواه وكذا لو كان عليه دين مستغرق، وكذا المفلس المحجور عليه اذا قبل ولا سبيل للغرماء عليه، وان قلنا: انه يعتق من الثلث، فان لم يكن له سواه لم يعتق الا ثلثه، ولو كان عليه دين بيع في الدين وبطل العتق، وكذا المفلس المحجور عليه (انتهى).
ومع صحة الاستشهاد من قوله: (وان قلنا: انه يعتق من الثلث)
____________________
(١) وببالي ان سيدنا الأستاذ (قده) قد نبه في اثناء هذا البيان ان ما قلناه في أول مسئلة المنجز والاقرار الى آخره قد اشير اليه في عبارة النافع هذه وهو يدل على شدة دقة المحقق في الأخبار.
حيث حكمرحمهالله ببطلان العتق في تمام العبد لو كان عليه دين.
وقال أيضا: لو اشترى المريض من يعتق عليه، فان كان عليه دين احتمل صحة الشراء لاصالة الصحة ولا مانع من الشراء فثبت مقتضاه، وهو الملك، ولا يعتق عليه لئلا يضيع حق الغرماء، ولكن ان ترك مالا غيره عتق والا بيع في الدين، والبطلان(١) لانه صح تملكه، ولو ملكه يعتق عليه وفيه تضييع حق الغرماء (الى ان قال): وان لم يكن عليه دين اعتبر عتقه من الثلث لان ملكه باختياره وبذل في مقابلته المال، فان خرج كله من الثلث صح الشراء وعتق كله، والا ففي صحة الشراء فيما زاد على الثلث مثل الخلاف فيما اذا كان عليه دين، فان قلنا: لايصح ففي قدر الثلث، الخلاف الثابت في تفريق الصفقة، فان قلنا: يصح، عتق الثلث، ولم يعتق ما زاد (انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه).
وهذا الكلام كما ترى يدل على الفرق بين كون المشتري المريض مديونا وعدمه بالامضاء في غير قدر الدين في الأول والامضاء في الثاني.
(مسئلة ٢) بناء على ما سبق من كون المنجزات من المريض بمرض الموت الذي يصدق عليه انه حضره الموت من الثلث وقلنا: ان منها المعاملات المحاباتية فحينئذ لو كان ماله منحصرا بعبد قيمته ثلاثون دينارا فباعه بعشرة دراهم فذهب الظاهريون من العامة الى البطلان، وذهب اصحاب الرأي الى الصحة واختلفوا.
فقيل: ان المشتري يخير بين الفسخ وبين اداء عشرة دراهم اخر.
وقيل: يخير بين الفسخ. واخذ العشرة من الورثة وبين الابقاء
____________________
(١) عطف على قولهرحمهالله : (احتمل صحة الشراء يعني احتمل بطلان الشراء).
واعطائها من الورثة.
وقيل: يصح في ثلثي العبد ويبطل في الباقي.
وحكي(١) عن العلامة نسبة هذا القول الى اكثر الاصحاب واختار العلامةرحمهالله نفسه صحة البيع في نصف المبيع بالنسبة الى نصف الثمن.
والقول الأخير هو المختار وباقي الاقوال كلها غير صحيحة.
اما الاول(٢) فخلاف الأصل، لان العقد صدر من اهله ووقع في محله في الجملة فلا وجه للحكم بالبطلان رأسا.
واما الثاني(٣) فلأنه لاوجه له أصلا، لأن الكلام في تصحيح تلك المعاملة، وهذه معاملة اخرى، فان مقابلة المبيع بعشرة مباينة، لمقابلته بعشرين والمفروض ان تمام المبيع وقع مقابلا لتمام الثمن، وهو العشرة، فضم عشرة اخرى يصيرها مباينا لها.
واما الثالث(٤) فمشترك بالنسبة الى الشق الثاني، وهو الابقاء واعطاء عشرة اخرى من الورثة.
نعم في السابق يلزم التغير في طرف المثمن وهناك في طرف الثمن، واما الشق الاول اعني الفسخ واخذ العشرة، فليس هذا أيضا لتلك المعاملة والزام الوارث باعطاء العشرة لا دليل عليه بعد فسخ العقد.
____________________
(١) هكذا ببالي ان سيدنا الاستاذ الاكبر (قده) نسبه الى العلامة.
(٢) وهو قول الظاهريين من العامة.
(٣) وهو قوله: فقيل: ان المشترى الخ.
(٤) وهو القول بالتخيير بين الفسخ واخذ العشرة الخ والمراد من الشق الثاني، هو الابقاء واعطائها الخ.
ومن هنا يظهر الاشكال فيما نسب الى الاكثر، فان المفروض تمام الثمن مقابل لتمام المثمن، فامضائها بالنسبة الى ثلثها لاوجه له، فالأوجه هو الوجه الاخير، والقاعدة تصحح المعاملة بالنسبة الى ما يلزم تصرف البائع في الزائد عن الثلث، ففي الفرض يصح بيع نصف العبد الذي قيمته خمسة عشر دينارا بنصف الثمن الذي هو خمسة فيرد الى الورثة نصفه الآخر ويبقى من الثمن عندهم خمسة فيصير المجموع عشرين، ويبقى عند المشتري، النصف في مقابل خمسة التي اعطاها من البائع، والعشرة هي ثلث قيمته، وعلى هذا لو باعه بخمسة تصح المعاملة في ربع المثمن بالنسبة الى ربع الثمن، وعلى هذا القياس.
(مسئلة ٣ـ) لو مات الموصى له قبل القبول او بعده وقلنا: انه في حياة الموصي لا تأثير له، فهل تكون الوصية باطلة وتبقى على صحتها؟ المشهور خلافا لابن الجنيد هو الثاني، وينتقل حق القبول الى الورثة لموافقته للقاعدة، بناء على ما ذكر من انها بنفسها توجد بانشاء الموصي، وقلنا انها في صيرورتها وصية لا تحتاج الى القبول، نعم في كون الموصى به ملكا له تحتاج اليه هذا.
ومضافا الى صحيحة محمد بن قيس، عن ابي جعفرعليهالسلام قال: قضى امير المؤمنينعليهالسلام في رجل اوصى لآخر والموصى له غائب فتوفي الموصى له الذي اوصى له قبل الموصي، قال: الوصية لوارث الذي اوصى له، قال: ومن اوصى لأحد شاهدا كان او غائبا فتوفي الموصى له قبل الموصي فالوصية لوارث الذي أوصى له الا ان يرجع في وصيته قبل موته(١) .
____________________
(١) الوسائل باب ٣٠ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج ١٣ ص٤٠٩.
قال: سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي، قال: ليس بشيء(١) .
وقريب منها صحيحة منصور بن حازم(٢) .
لتقدمها(٣) عليها من وجوه (احدها) الأظهرية دلالة (ثانيها) الشهرة (ثالثها) مخالفة العامة.
نعم الاستدلال المشهور برواية عباس بن عامر، قال؛ سألته عن رجل اوصى له بوصية، فمات قبل ان يقبضها ولم يترك عقبا؟ قال: اطلب له وارثا او مولى فادفعها اليه، قلت: فإن لم اعلم له وليا؟ قال: اجهد على ان تقدر له على ولي، فان لم تجد وعلم الله منك الخير فتصدق بها(٤) .
لا دلالة فيها على المدعى لظهورها في خصوص القبول وعدم حصول القبض المستفاد من قولهعليهالسلام في الخبر الأخير: (ادفعها وتصدق بها).
وكذا لا دلالة في رواية محمد بن عمر الباهلي الساباطي، قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن رجل اوصى الي وامرني ان اعطي عما له في كل سنة شيئا فمات العم فكتبعليهالسلام : اعط ورثته(٥) .
لانها قضية في واقعة باعتبار ان الراوي لا يعد من الرواة للقضايا الفرضية، مضافا الى مخالفتها للقاعدة، لان الوصية للعم مادام العمر
____________________
(١) الوسائل باب ٣٠ حديث ٤ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤١٠.
(٢) الوسائل باب ٣٠ حديث ٥ من كتاب الوصايا، ج ١٣ ص ٤١٠.
(٣) تعليل لقوله: ولا يعارضها.
(٤) الوسائل باب ٣٠ حديث ٢ من كتاب الوصايا ج١٣ ص٤٠٩.
(٥) الوسائل باب ٣٠ حديث ٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤١٠.
مقصورة عليه لا تتجاوز الى غيره، وكيف كان فلا اشكال في اصل الحكم.
فحينئذ لو قبل الورثة جميعا او ردوها فلا كلام وان قبل البعض ورد الآخر، ففي نفوذ القبول مطلقا لخصوص القابل استنادا الى ان المال صالح لان يملك بقبول ما ولو كان بالبعض، (او) لجميع الورثة قهرا عليهم استنادا الى ان الموصى به يصير ملكا لهم بعد القبول بلحاظ قيامهم جميعا مقام الوارث لا كل واحد (أو) بطلانها اذا لم يقبل البقية استنادا الى ان الحق غير قابل للتجزئة كحق الخيار (او) صحتها بالنسبة الى سهم القابل؟ وجوه، اوجهها الأخير.
اما الاول فلا وجه له اصلا لان كل واحد منهم لم يكن مالكا لجميعه ليكون قبول واحد منهم موجبا لملكية الجميع.
واما الثاني فلمنافاته لسلطنة الانسان على نفسه.
واما الثالث فلمخالفته للقاعدة لان القبول وقع من اهله في محله وعدم تجزئة الحق فيما اذا كان متعلقه ايضا بسيطا كما في وارث الخيار المنتقل الى الورثة حيث ان متعلقه هو العقد، بخلاف المقام، فان متعلقه هو المال، وهو قابل للتجزئة.
(مسئلة ٤) اذا أوصى له لجارية مزوجة منه وحملها فمات الموصى له قبل موت الموصي، فان كان الوارث متحدا وقبل الوصية انعتق الولد عليه ان كان ممن ينعتق عليه كما لو كان ااوارث ذكرا والحمل انثى، وان كان متعددا فقبلوا يرث الحمل بعد انعتاقه عليهم من غير الام قطعا اما فيها ففيه وجهان (من) اطلاق ما دل على انه اذا انعتق يرث(١) .
____________________
(١) يستفاد ذلك من روايات باب ١٩ من ابواب موانع الارث ج١٧ ص٤٠٢.
(ومن) ان كونه وارثا لها لا يتصور لتأخير حريته عن مرتبة كونها موروثا، لانه في تلك المرتبة كان رقا لايرث ولان ارثه منها متوقف على كونها ملكا للموصى له والمفروض عدمه، وللزوم الدور، لان كونه وارثا منه متوقف على حريته، وهي متوقفة على اعمال الحق، وهو متوقف على كونه وارثا والا لم يجز له اعماله.
(مسئلة ٥) هل يتلقى الوارث القابل، الملك من الموصي او الموصى له؟ وجهان مبنيان على ان قولهعليهالسلام في صحيحة ابن قيس المتقدمة: (الوصية لوارثه الذي اوصى له)(١) معناه ان العمل الذي يصدر من الوارث بمنزلة عمل نفس الموصى له بمعنى انه كما انه لو قبل الموصى له بنفسه، يملك الموصى به، كذا يكون قبول الوارث علة لمالكيته اياها (او) ان معناه ان نفس هذا الحق الذي هو عبارة عن حق التملك، ينتقل الى الوارث دون التملك، فاذا قبل يصير مالكا دون الموصى له، الظاهر هو الثاني.
ويتفرع عليه امور (الأول) لو اوصى له بأرض فمات الموصى له فقبل الورثة يرث الزوجة ايضا على الثاني دون الأقل.
(الثاني) لو كان له دين مستغرق وأوصى له بشيء فمات فقبل الوارث، تعلق حق الغرماء بالموصى به على الاول دون الثاني.
(الثالث) لو كان الموصى به حبوة حرم باقي الورثة منها على الأول دون الثاني.
(مسئلة ٦) الظاهر ان المناط في الوارث حين موت الموصى له دون الموصي (وتوهم) ان ايصاء الموصي احدث حقا به يمكن ان يتملك
____________________ــ
(١) الوسائل باب ٣٠ قطعة من حديث ١ من كتاب الوصايا.
بعد موت الموصي فقبل موته لا يكون له اعمال ذلك فلا ينتقل منه شيء الى الورثة بمجرد موته بل يتوقف الى ان يموت الموصي ايضا (مدفوع) بالنقض بصورة حياة الموصى له، فكما انه يملك حقا به يتملك بعد موت الموصي، فكذا ورثته، لان المفروض ان ذاك الحق الذي كان الموصى به ينتقل الى الورثة.
ويتفرع عليه انه لو كان للموصى له ابنان فمات ثم مات احدهما، ثم مات الموصي، فبناء على الأول ينتقل حق القبول الى الابن الآخر الذي هو من ورثة الابن الميت، وعلى الثاني ينتقل الى الابن الحي فقط دون ورثته الابن الميت.
(مسئلة ٧) لو اوصى له بجزء من ماله ففيه روايات اربعة:
(احدها) ما يدل على حمله على عشر مال الموصي، مثل ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن حماد، عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : الجزء واحد من العشرة، لان الجبال عشرة، والطيور أربعة(١) .
ومثل ما رواه ايضا عنه، عن أبيه، وعن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن عبد الرحمن بن سيابة(٢) ، قال: ان امرأة اوصت الي، وقالت: ثلثي يقضى به ديني، وجزء (منه ئل) لفلانة، فسألت عن ذلك ابن أبي ليلى، فقال: ما
____________________
(١) الوسائل باب ٥٤ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٤٢.
(٢) هذه الرواية تدل على انه عشر الثلث كما سيأتي ان شاء الله تعالى ولكن يمكن تطبيقها على المدعى بارادة العشر من الثلث الذي للموصي ان يوصي به لا عشر التركة، والله العالم.
أرى لها شيئا ما ادري ما الجزء؟ فسألت بعد ذلك أبا عبد الله عليه السام عنه وخبرته كيف قالت المرأة وبما قال ابن أبي ليلى فقالعليهالسلام : كذب ابن أبي ليلى، لها عشر الثلث ان الله عز وجل امر ابراهيمعليهالسلام فقال: اجعل على كل جبل منهن جزءا، وكانت الجبال يومئذ عشرة فالجزء العشر من الشيء(١) .
ومثل ما رواه ايضا عنه، عن أبيه وعن عدة من اصحابنا، عن احمد بن محمد جميعا، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن معاوية، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل اوصى بجزء من مال، قال: جزء من عشرة، قال الله عز وجل: ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا وكانت الجبال عشرة اجبال(٢) .
ومثل ما رواه محمد بن علي بن الحسين في معاني الأخبار، عن محمد بن الحسن، عن احمد بن ادريس، عن محمد بن احمد بن يحيى عن علي بن السندي، عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن جميل، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفرعليهالسلام في الرجل يوصي بجزء من ماله؟ قالعليهالسلام : ان الجزء واحد من العشرة، لأن الله يقول: ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، وكانت الجبال عشرة، والطير أربعة، فجعل على كل جبل منهن جزءا(٣) .
ومثل ما رواه الشيخ، باسناده، عن علي بن الحسن بن فضال، عن السندي بن ربيع، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي ايوب الخزاز، عن
____________________
(١) المصدر حديث ٢ منه.
(٢) المصدر حديث ٣ منه.
(٣) المصدر حديث ٤ منه.
أبي بصير وحفض بن البختري، عن أبي بصير، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، في رجل اوصى بجزء من ماله، قال: جزء من عشرة، وقال: كانت الجبال عشرة(١) .
وغيرها من الروايات كرواية عبد الله بن سنان، وعبد الصمد بن بشير، وأبي جعفر بن سليمان الخراساني، وعلي بن اسباط(٢) .
(ثانيها) ما يدل على انه سبع، مثل ما رواه الشيخرحمهالله باسناده، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، قال: سألت ابا الحسنعليهالسلام ، عن رجل اوصى بجزء من ماله، قال: الجزء (واحد ئل) من سبعة، ان الله تعالى يقول: لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم(٣) .
ومثل ما رواه المفيدرحمهالله عن الارشاد كما في الوسائل عن امير المؤمنينعليهالسلام في رجل اوصى بجزء من ماله ولم يعينه فاختلف الوارث بعده في ذلك فقضىعليهالسلام عليهم باخراج السبع من ماله وتلاعليهالسلام قوله عز وجل: لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم(٤) ، وما رواه الصدوقرحمهالله مرسلا عقيب رواية معاني الأخبار المذكورة بقولهرحمهالله : وروي ان الجزء واحد من سبعة لقول الله عز وجل: لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم(٥) ومثل ما رواه الشيخ ايضا،
____________________
(١) المصدر حديث ١١ منه والآية في البقرة/ ٢٦٠.
(٢) المصدر راجع حديث ٦ ٨ ٩ ١٠ منه.
(٣) المصدر حديث ١٢ منه، والآية في سورة الحجر/ ٤٤.
(٤) المصدر حديث ٧ منه.
(٥) المصدر حديث ٥ منه.
باسناده، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن أبي همام، اسماعيل بن ابي همام الكندي، عن الرضاعليهالسلام في الرجل اوصى بجزء من ماله، قال: الجزء من سبعة ان الله تعالى يقول: لها سبعة ابواب، لكل باب منهم جزء مقسوم(١) .
(ثالثها) ما يدل على انه سبع الثلث، مثل ما رواه الشيخرحمهالله باسناده، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي عبد الله الرازي، عن احمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسين (الحسن خ ل ئل) بن خالد، عن أبي الحسنعليهالسلام ، قال: سألته عن رجل أوصى بجزء من ماله، قال: سبع ثلثه(٢) .
(رابعها) ما يدل على انه عشر الثلث كما مر في رواية عبد الرحمن بان سيابة عند سؤاله ابا عبد اللهعليهالسلام وجوابهعليهالسلام بقوله: لها عشر الثلث(٣) .
واما الجمع بينها فنقول: انه لاعامل بالأخيرين والقائلون بالثاني وان كانوا اكثر الا ان الأول اكثر رواية من حيث العدد فيمكن ان يقال كما عن الشيخرحمهالله بحمل الأول على التعين والثاني على الاستحباب، ولعل هذا الحكم يكون تعبديا، بل يكون كذلك قطعا، ولايصح حمل احدهما على التقية، وذلك لعدم عنوان العامة هذه المسئلة في زمن صدور الأخبار.
هذا كله في مقام الاثبات، واما مقام الثبوت فليس وظيفتنا
____________________
(١) المصدر حديث ١٣ منه.
(٢) المصدر حديث ١٤ نه.
(٣) المصدر حديث ٢ منه.
التعرض له وان كان يمكن ان يقال: ان التعيين لقطع التنازع اولى، او يقال: بأن لفظة (الجزء) او (السهم) او (الشيء) كما سيأتي موضوعة لمعان كشف الشارع عنه او لغير ذلك.
(مسئلة ٨) لو اوصى له بسهم من ماله، فقيل: له الثمن استنادا الى ما رواه الشيخرحمهالله ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن احمد بن محمد عن بن أبي نصر (في حديث) قال: سألت ابا الحسنعليهالسلام عن رجل اوصى بسهم من ماله، فقال: السهم واحد من ثمانية، ثم قرأ انما الصدقات للفقراء والمساكين الى آخر الآية(١) .
وما رواه ايضا باسناده، عن علي، عن أبيه، عن صفوان، واحمد بن محمد بن أبي نصر، قالا: سألنا الرضاعليهالسلام عن رجل اوصى لك بسهم من ماله ولا ندري السهم أي شيء هو؟ فقال: ليس عندكم فيما بلغكم، عن جعفرعليهالسلام ، ولا عن أبي جعفرعليهالسلام فيه شيء فقلنا له: ما سمعنا اصحابنا يذكرون شيئا من هذا، عن آبائكعليهمالسلام ، قال:عليهالسلام : فقال: السهم واحد من ثمانية (الى ان قال): قول الله عز وجل: انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، ثم عقد بيده ثمانية، قال: وكذلك قسمها رسول اللهصلىاللهعليهوآله على ثمانية اسهم فالسهم واحد من ثمانية(٢) .
____________________
(١) الوسائل باب ٥٥ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٤٨، والآية في سورة التوبة ٦٠.
(٢) الوسائل باب ٥٥ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٨٨، والآية في سورة التوبة.
وباسناده، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام انه سئل عن رجل يوصي بسهم من ماله، فقال: السهم واحد من ثمانية لقول الله تعالى: انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل(١) .
وقيل: له السدس عملا برواية روت العامة، عن عليعليهالسلام وعبد الله بن مسعود ان له السدس(٢) ، ولان العرف يقسمون الاشياء سهاما ستة يسمون كل قسم منه سهما.
والعمل على الأول والثاني موافق للعامة.
(مسئلة ٩) لو اوصى بشيء من ماله، يعمل بما رواه الكلينيرحمهالله ، عن عدة من اصحابنا، عن احمد بن ابي عبد الله عن محمد بن عمرو، عن جميل، عن ابان عن علي بن الحسينعليهماالسلام انه سئل عن رجل اوصى بشيء من ماله، فقال: الشيء في كتاب علي واحد من ستة(٣) .
(مسئلة ١٠) لو اوصى بدراهم كثيرة، فعن الشيخرحمهالله انه
____________________
(١) الوسائل باب ٥٥ حديث ٣ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٤٩.
(٢) هذا المضمون قد رواه في الوسائل في الباب حديث ٥ بقولهرحمهالله : وقد روي ان السهم واحد من ستة، ثم قال: قال مصنف هذا الكتابرحمهالله : متى اوصى بسهم من سهام الزكاة كان السهم واحدا من ثمانية، ومتى اوصى بسهم من سهام المواريث فالسهم واحد من ستة، وهذان الحديثان متفقان غير مختلفين فتمضى الوصية على ما يظهر نم مراد الموصي (الفقيه ج٤ ص٢٠٥) طبع الغفاري.
(٣) الوسائل باب ٥٦ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٠.
يحمل على ثمانين، استنادا الى قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين(١) وكانت المواطن ثمانين وفيه مالا يخفى.
والى ما رواه الكلينيرحمهالله ، عن علي بن ابراهيم، عن بعض اصحابه ذكره، قال: لما سمى المتوكل نذر ان عوفي، ان يتصدق بمال كثير، فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: مأة الف، وقال بعضهم عشرة آلاف، فقالوا فيه أقاويل مختلفة فاشتبه عليه الأمر، فقال رجل من ندمائه يقال له: صفوان: ألا تبعث الى هذا الأسود فتسأله عنه؟ فقال له المتوكل: من تعني ويحك، فقال: ابن الرضاعليهالسلام (٢) ، فقال له وهو يحسن من هذا شيئا؟ فقال: ان اخرجك من هذا فلي عليك كذا وكذا، والا فاضربني مأة مقرعة(٣) فقال (له خ) المتوكل: قد رضيت يا جعفر بن محمود، صر اليه وسله عن حد المال الكثير، (الى ان قال) فقال له: الكثير ثمانون، فقال جعفر: يا سيدي انه يسئلني عن العلة فيه، فقال ابو الحسنعليهالسلام : ان الله يقول: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين(٤) .
وغيرها من الروايات الواردة في باب ٣ من كتاب النذر، وقد اورد عليه ابن ادريس بأن استفادة حكم الوصية منه قياس لا نقول به، وقد أجاب
____________________
(١) التوبة: ٢٥.
(٢) يعني الهاديعليهالسلام .
(٣) قرعته بالمقرعة ضربته بها، والمقرعة بالكسر والسكون ما يقربه الدابة (مجمع البحرين).
(٤) الوسائل باب ٣ حديث ١ من كتاب النذر ج١٦ ص٢٣٣، ولاحظ باقي احاديث الباب.
العلامةرحمهالله بأن الشيخرحمهالله اعرف بمواقع الروايات.
وكيف كان لا دليل على هذا الحكم فيحكم بمقتضى القاعدة بلزوم اقل ما يصدق عليه ذلك العنوان، وكذا كل عنوان غير ما ذكرنا كالحصة والبعض والقسمة، فيعمل بمقتضى القواعد من الاكتفاء بأقل ما يسمى.
(مسئلة ١١) لو نسي الوصي مصارف الموصى به كلا او بعضا، ففي رجوعه الى الميراث، او كونه مختارا في صرفه في أي موضع شاء او صرفه في وجوه البر معينا؟ وجوه، بل جود القول في الأول والثالث فقد نسب الأول الى الشيخ.
ويمكن ان يقال انه مقتضى القاعدة، فان الوصي اذا لم يعلم المصرف، ففي كل موضع يريد ان يصرفه يحتمل ان يكون حراما ان كان المصرف غيره من باب حرمة التبديل المستفادة من قوله تعالى: فمن بدله بعد ما سمعه، فانما اثمه على الذين يبدلونه(١) الآية، ويحتمل ان يكون واجبا ان كان هو المصرف واقعا، فأمره دائما يدور بين المحذورين ومقتضى القاعدة البرائة.
كما ان في صورة الشك في تعيين التكليف ايضا المرجع البرائة، والجامع بينهما عدم تنجز التكليف، غاية الأمر ان في الأول احتمال التكليف غير منجز، وفي الثاني عدم القدرة على العمل على وفق التكليف قطعا، ولايمكن المخالفة القطعية ايضا.
(ان قلت): يمكن المخالفة القطعية هنا بان يرده الى الورثة (قلت): كون الرد الى الورثة مخالفة موقوف على صحة الوصية، والمفروض عدم احراز صحتها بعد.
____________________
(١) البقرة/١٨١.
(وفيه) انه يمكن العمل على طبق الوصية على احتمال ان يكون احد الاحتمالات هو المصرف، فالموافقة الاحتمالية ممكنة وهي مقدمة على المخالفة القطعية ومقتضى ذلك جواز صرفه في كل مورد يحتمل ان يكون هو المصرف، وهو الوجه في الاحتمال الثاني الذي اشرنا اليه.
وذهب المشهور الى الثلث استنادا الى رواية سهل بن زياد، عن محمد بن الريان، قال: كتبت الى أبي الحسنعليهالسلام أسأله عن انسان اوصى بوصية فلم يحفظ الوصي الا بابا واحدا منها كيف يصنع في الباقي؟ فوقععليهالسلام : الأبواب الباقية اجعلها في البر(١) .
وفي اعتبارها وان كان تأمل لوجود سهل بن زياد، وكون محمد بن الريان غير معلوم الحال عندنا، الا ان المشهور قد عملوا بها فتكون منجزة.
وقد أيده في الجواهر بالروايات الواردة في الوصية بالحج بمال لا يكفي له حتى من الميقات(٢) ، والواردة في اللقطة(٣) ، والواردة في المال المجهول مالكه(٤) ، والواردة في المبيع المنكشف كونه وقفا(٥) فانه قد حكم في غير الأخيرة منها بالتصدق بها وفي الأخيرة بالتصدق بغلتها، بلحكم في الجواهر بأن وجوه البر في هذا الخبر ايضا من افراد التصدق بناء على تعميمها لهذا المورد.
____________________
(١) الوسائل باب ٦١ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٥٣.
(٢) راجع الوسائل باب ٨٧ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٧٣.
(٣) راجع الوسائل باب ٧ من كتاب اللقطة ج١٧ ص٣٥٧.
(٤) راجع الوسائل باب ١٨ من كتاب اللقطة، ج١٧ ص٣٦٨.
(٥) راجع الوسائل باب ١٧ من كتاب التجارةج١٢ ص٢٧٠.
بيان ذلك ان جميع تلك الموارد مشتركة في كون مالكه غير ممكن الوصول الى ماله في الدنيا، فمع الغاء الخصوصيات، من كونه وصية بالحج أو غيره او نذرا أو وقفا او مجهول المالك ويمكن ان يقال بكون وجوه البر يكون معناه عاما لجميع المراد ويظهر ثمرته في قصد القربة. (مسئلة ١٢) اذا اوصى من له ابن لزيد بمثل نصيب ابنه، فعن المالك ان المال بتمامه يكون للموصى له وغيره من العامة والخاصة على ان له نصيب المال، وهذه المسئلة من المسائل التي يدخل فيها الدور ومرادهم من الدور، المعي لا المضمر المحال، وذلك لان تعيين نصيب الابن موقوف على تعيين نصيب الموصى له الذي يتعين مع تعينه فتعيينهما يقتضي المماثلة فينتصف. والدليل على ان الوصية تحمل على ما ذكره المشهور ان الظاهر منها كون الابن فعلا مالكا لشيء فيجب التقسيم على نحو يصدق عرفا بعده ان نصيب الموصى له نصيب ابنه. (مسئلة ١٣) لو اوصى بمحرومية بعض الورثة من الارث تبطل الوصية بالنسبة الى مقدار الثلثين قطعا، لان مراده منها ان ما حكم به الشارع من الميراث كأنه لم يكن فبطلانه حينئذ واضح، لان رفع الحكم ووضعه لم يكن بيده، وان كان المراد الايصاء بالمنع ولو كان مستحقا فهي وصية، ومن احكامها عدم وجوب بل جواز انفاذها فيما تخالف المشروع فلا تمضى، واما بالنسبة الى الثلث، فعن الجواهررحمهالله نقلا من العلامة ذهاب بعضهم الى الصحة مائلا بانه نظير ما لو اوصى بتمام ماله لزيد بالالتزام فيحتاج الى امضاء الورثة في حقه، ثم ردهرحمهالله بعدم احدى الدلالات الثلاث اما المطابقة والتضمن، فواضح، واما الالتزام فشرطه اللزوم الذهني المنتفي في المقام. (وفيه) ان الدلالة التصديقية لا يشترط فيها اللزوم، بل يثبت بثبوت الملزوم اللوازم الواقعية. نعم يمكن ان يقال: ان الدلالة الواقعية ايضا ممنوعة، لان لازم انشاء الوصية المذكورة انشاء الشارع يكون المال لباقي الورثة لان انشاء الموصي (وبعبارة اخرى) ليس هنا انشائين (احدهما) انشاء الملزوم (والآخر) انشاء اللازم، بل انشاء من الموصي اللازم منه انشاء الشارع. واستدل في الجواهر(١) بأن نفي هذه الوصية صحيح بالنسبة
____________________
(١) هكذا في بالي في مجلس البحث، ولننقل عبارة الجواهر بتمامها، وكأن سيدنا الاستاذ (قده) نقلها بالمعنى ملخصا، والعبارة هكذا: لكن قد يقال: ان الوصية بالاخراج وان لم تكن وصية بالباقي للباقي، لكنها نفسها وصية، ضرورة عدم الفرق بين الامر والنهي، والاعطاء وعدمه في نفوذ جميع ما اوصى به من الثلث، فانه لااشكال في اختصاص غيره من الورثة به لا للوصية به لهم، بل لاخراج الولد مثلا منه، فيبقى ارثا لغيره، ولا يعتبر في الوصية قصد الوصية، كما لا يعتبر فيها سوى العهد بما اراده الشارع (و ظ) لم يقطع سلطنته عن الثلث، بل ابقاها، فهو مسلط عليه دفعا ومنعا، فاذا اخرج بعض الورثة عن المال كله نفذ في مقدار الثلث الذي له تسلط عليه ولم ينفذ في غيره كما لو اعطى المال كله لبعضهم فانه ينفذ بمقدار الثلث دون غيره كما هو واضح ومن هنا يقوى ما سمعته من الفاضل (٢) وان لم يكن ما سمعته من الحكم بالوصية بالباقي كي يرد عليه ما عرفت، بل لان الاخراج نفسه وصية يمكن امتثالها فيستحق غير المخرج الثلث بالارث (انتهى كلامه رفع مقامه).
(٢) وهو انه يجري مجرى من اوصى بجميع ماله لمن عدى الولد (الى ان قال): وهو خيرة الفاضل في المختلف وعن الخراساني انه استظهره (انتهى). من الحكم بالوصية بالباقي كي يرد عليه ما عرفت، بل لان الاخراج نفسه وصية يمكن امتثالها فيستحق غير المخرج الثلث بالارث (انتهى كلامه رفع مقامه).
الى بعض الورثة فتمضى في الثلث (وبعبارة اخرى) كما ان متعلق الوصية يكون وجوديا فقد يكون عدميا.
(وفيه) ان ادلة الوصية لو لم نقل بعدم شمولها لهذه الصورة اطلاقا فلا اقل من انصرافها عنها، لان جعل الوصية من الشارع لايصال الخير بعد وفاته الى نفسه، ففي الارث ليس ايصالا له اليه، والرواية المتضمنة لحكم ابي الحسن الأولعليهالسلام ، بنفوذ الوصية التي اوصى علي بن السري الى وصيه باخراج ابنه جعفر بن علي بن السري من الميراث فأنفذهعليهالسلام وحكم باخراجه منه(١) غير معمولة عليها فلا يشمله ادلة حجية خبر الواحد التي عهدتها بناء العقلاء فافهم جيدا.
____________________
(١) الوسائل باب ٩٠ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٧٦ قال في الوسائل عقيب نقله: قال الصدوق: ومتى اوصى الرجل باخراج ابنه من الميراث ولم يكن احدث هذا الحدث لم يجز للوصي انفاذ وصيته في ذلك ثم استدل بالحديث الأول (يعني من الباب) وقال الشيخ: هذا الحكم مقصور على هذه القضية لا يتعدى الى غيرها، لانه لا يجوز ان يخرج الرجل من الميراث المستحق بنسب شائع بقول الموصي وامره ان يخرج من الميراث اذا كان نسبه ثابتا، واستدل بالحديث الأول (انتهى كلامهرحمهالله ).
الكلام في شروط الوصي
(مسئلة ١) قد تقدم ان حيثية اصل الوصية وكونها مشروعة في الاسلام كما ثبت بالادلة النقلية بضرورة فقه الاسلام من غير نكير من احد كذلك جواز تعيين الموصي الوصي بعد موته ثابت في الجملة بضرورة الفقه الاسلامي فيترتب عليه آثاره واحكامه كأداء واجباته واخذ ما يطلب من الناس، وجواز الترافع الى الحاكم وغيرها من الأحكام المترتبة على الوصي.
وانما الكلام في شرائط الوصي، وهي بين وفاقية وخلافية، وايضا يحتمل ان يكون اعتبار الشروط الآتية من حيث التكليف، او من حيث الوضع، ولكن الظاهر من تعبير الفقهاء قدس سرهم بقولهم: (ويعتبر فيه امور) اعتبارها من حيث الوضع لا التكليف بمعنى انه ان كان فاقدا لها او لأحدها لايصير وصيا ولا ينفذ تصرفاته.
فلو اوصى الى فاسق بناء على اعتبار العدالة لا يصير الفاسق وصيا له ويكون تصرفاته محرمة عليه غير نافذة لنا.
وعلى تقدير اعتبار العدالة يكون المعتبر العدالة الواقعية لا المحرزة بحيث لو علم بفسقه بنفسه وكان عند الموصي عادلا فلا يجوز له ان يتصرف، ولو تصرف كان تصرفه باطلا.
واما لو اوصى الى من كان فاسقا بنظر الموصي وكان عادلا يصير وصيا.
وبالجملة، على تقدير وجود الشروط، يترتب عليه آثار الوصي واحكامه ولو مع فرض عدم علم الموصي، وعلى تقدير عدمها يكون كالأجنبي ولو مع فرض كونه واجدا لها عند الموصي.
وهل الاصل عند الشك في اعتبار بعض ما قيل باعتباره، عدم صيرورته وصيا الا فيما هو المعلوم من اجتماع جميع الشروط المعلومة والمحتملة، او الاصل البرائة عن الشرط المشكوك؟ وجهان.
فان قلنا: ان الوصية كسائر المعاملات العقلائية الممضاة بعدم ردع الشارع، فالقدر المتيقن من اعتبارها ما علم من الشرع اعتباره، وان قلنا: ان الوصية من الامور التعبدية التي شروطها وقيودها بيده فاللازم هو العمل على ما علم اجتماعه لجميع ما يحتمل ان يكون شرطا.
والظاهر الأول، لانها كانت معمولة قبل الاسلام ولاتكون من مخترعات الشارع كما هو المعلوم الآن من معهوديتها بين اهل غير الاسلام ايضا.
وكيف كان فقد ذكر الفقهاء رضوان الله عليهم اجمعين، انه يعتبر فيها امور، البلوغ والعقل، والاسلام ان كان الوصي مسلما، والعدالة على قول.
اما البلوغ فلم نجد لاعتباره دليلا خاصا، لا تصريحا ولا تلويحا الا الرواية الآتية الواردة فيمن اوصى الى امرأة وصغير او الى ولدانه الكبار والصغار الدالة على عدم نفوذ تصرف الصبي حال صباوته الكاشف عن كونه وصيا شرعيا الا بعد بلوغه.
ولكن دلالتها التزامية لا مطابقية ولا تضمنية، لكونها واردة في بيان حكم آخر كما ستعرف، نعم الظاهر صحة التمسك بالعمومات الدالة على ان امر الصبي لا يجوز حتى يحتلم(١) وهو شامل للمورد.
واماالعقل فلأن الوصية من الأمور العقلانية التي عليها بناء العقلاء، وهم يقبحون من اوصى الى غير عاقل مضافا الى ما ورد في
____________________
(١) راجع الوسائل باب ٣ ص ٢٧ ج١ ويؤيده ما دل على اعتبار بلوغ الصبي فانه احد طرفي عقد الوصية كما ان الوصي طرف الآخر، لاحظ الوسائل باب ٤٤ من كتاب الوصاياج١٣ ص٤٢٨.
العقل من قولهعليهالسلام : إياك اعاقب واياك اثيب (أو) اياك آمر واياك اثيب ونحوهما فلا اشكال فيه أصلا، واما الاسلام، فيمكن ان يستدل له بالآيات الدالة على عدم جواز اتخاذ الكفار اولياء، مثل قوله تعالى: لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء(١) ، وقوله تعالى: لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء(٢) ، وقوله تعالى: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار اولياء(٣) وقوله تعالى: لاتتخذوا الكافرين أولياء(٤) .
والآيات الدالة على عدم جواز جعلهم بطانة(٥) .
والدالة على عدم جواز الركون الى الظالمين الموجب لمس النار اياهم(٦) .
فانه يستفاد من مجموعها وغيرها من الاخبار ان الكافر لا يليق ان يجعله المسلم وليا على امر ما من الامور ولا الركون اليه.
مضافا الى استلزامه للسبيل المنفي ان كان المولى عليه صغارا او كان غرماء الميت مسلمين او كان الجهة الموصى بها جهة عامة مثل ذوي العقول المسلمين كالعلماء والفقراء، والجيران وامثالهم بضميمة عدم الفرق بين هذه الموارد وغيرها من الموارد التي لاتكون كذلك.
____________________
(١) المائدة/٥١.
(٢) الممتحنة/١.
(٣) المائد/٥٧.
(٤) النساء/١٤٤.
(٥) مثل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم آل عمران/١١٨.
(٦) مثل قوله تعالى: ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار هود/١١٣.
نعم قد يشكل في بعض الموارد كما اذا اوصى بثلثه الى كافر يصرفه في تجهيزاته مثلا أو اوصى اليه بان يصرفه في مصرف خاص ونظائرهما.
وكيف كان فالمسئلة مضافا الى ما ذكر اجماعية ومضافا الى كونها مودعة في الكتب المعدة لنقل فتاوى الأئمةعليهمالسلام ، كالمفيد، والشيخ في المقنعة والنهاية الا ان الأول قيد بالذمي فكأن الحربي كان مفروغا منه عنده، والثاني اطلق(١) .
واما العدالة، فذهب الى اشتراطها الشيخرحمهالله في المبسوط، وابن حمزة في الوسيلة، وابن زهرة في الغنية، وقد حكي عن المفيدرحمهالله وسلار وابن البراج.
والى عدم اشتراطها ابن ادريس في السرائر، والعلامة في المختلف، وحكى القولين المحقق في الشرايع من غير ترجيح وصرح بالتردد في النافع، ونقل التردد ايضا عن الشهيد في غاية المراد.
والذي يمكن ان يستدل للأول امور (الأول) ارتكاز المسلمين بما هم مسلمون في عدم استيمانهم من لاخوف له من الله تعالى يمنعه من الخيانة في حقوق المسلمين، سيما اذا كان متجاهرا بفسقه غير مبال في دينه كما يشير اليه خبر اسماعيل بن الصادقعليهالسلام حيث قال له الصادقعليهالسلام زاجرا له عن استيمان الفاسق في اعطاء المال: اما بلغك انه يشرب الخمر(٢) .
(الثاني) ذيل آية النبأ الدالة على عدم جواز الاقدام على أمر يوجب الندامة بضميمة مقدمة خارجية، وهي ان الاقدام على فعل يوجب
____________________
(١) هكذا نقله سيدنا الاستاذ الاكبر (قده) عنهما.
(٢) الوسائل باب ٦ حديث ١ من كتاب الوديعة، ج١٣ ص٢٣٠.
ذلك، كالاقدام على قول في انه يوجب الندامة، وكلاهما مبغوضان للشارع.
(الثالث) استقلال العقل بقبح الاستيمان لمن لا أمانة له (وبعبارة اخرى) انشاء الوصاية والولاية لمن ليس أَهلا له، قبيح عقلا فيستكشف قبح تنفيذ الشارع ايضا، ويؤيده آية النبأ بالتقريب المتقدم، وهي وان كانت دالة على عدم الجواز من حيث التكليف الا انه يمكن ان يقال: منشأه عدم الاطمينان بوقوع ما أخبر به وضعا.
(الرابع) ما رواه الكلينيرحمهالله ، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، قال: سمعت ابا الحسنعليهالسلام يقول: كان أبو جعفرعليهالسلام يقول: لم يخنك الأمين، ولكن ائتمنت الخائن(١) .
فانهعليهالسلام وبخ من ائتمن الخائن سيما اذا لم يكن المستأمن حين عمل الأمين حاضرا عنده كما في المقام، حيث ان الولاية ثابتة للوصي بعد موت الموصي.
(الخامس) ان يقال: ان جعل الولاية للوصي على الصغار من تصرفات الموصي في حقهم وهي ان لم يكن مشروطة بالمصلحة فلا اقل من اشتراطها بعدم المفسدة واستيمان الفاسق يكون منشأ للمفسدة فلا ينفذ.
وقد يستأنس ايضا من الرواية الواردة فيمن لا وصي له، انه يعين الحاكم العدل وان كان متعذرا، قام به الثقة، بتقريب انه قائم مقام الوصي في اعتبار الوثاقة، فكذا يعتبر في هذ الوثاقة بالنص، فكذا الوصي.
____________________
(١) الوسائل باب ٩ حديث ٤ من كتاب الوديعة ج١٣ ص٢٣٤.
وان كان قد يخدش فيه بالفرق بينهما، بأن الوصي يعينه الموصي بنفسه، فله الخيار، بخلاف تعيين الحاكم المنوط بالمصلحة.
وقد يجاب عنه بأن جعل الوصي لا ينحصر في كونه للأمور الراجعة الى نفسه، بل قد يكون للولاية على الصغار وغيرهم من القصر الذين لايجوز لهم التصرف ولايصح منهم على خلاف مصلحتهم.
ولكنها كما قلنا مشعرة بذلك لا ان تكون دليلا، فغاية ما يمكن ان يستدل للقول باعتبار العدالة في الوصي.
واما الدليل على عدم اعتبارها فقد يقال: بأن المسلم أهل للأمانة وان الوصاية تابعة لجعل الموصي، وانه لم يرد ردع، من الشارع فيحكم بالصحة بمقتضى عمومات ادلة الوصية، هذا.
مضافا الى ان المسئلة مع كونها عامة البلوى وانها كثيرة الوقوع لم يرد بها نص بالخصوص مع بناء السائلين والمسئولين سؤالا وجوابا بيان الأحكام سيما المحتاج اليها، فيمكن دعوى القطع بعدم اعتبارها بمعنى وجود الملكة الرادعة عن مخالفة الله تبارك وتعالى.
نعم يمكن ان يقال: ان من كان غير مبال للدين معروفا بالفسق وتظاهره لايجوز جعله وصيا.
فتحصل من مجموع الأدلة من الطرفين، اعتبار الوثاقة، بل يمكن دعوى اعتبار العقلاء بما هم عقلاء كذلك، فلعل الى هذا اشار استدلال بعضهم بانها تابعة لجعل الموصي كما تقدم بمعنى انهم لايجعلون الفاسق المعلن نفسه وصيا وامينا على الأفعال والأموال فلو فعل شخص ذلك لذمه العقلاء على ذلك، فتأمل.
(مسئلة ٢) حكى في المختلف عن الشيخ في الخلاف والمبسوط، وعن ابن حمزة وابن ادريس وعمن هو قبلهم، الشيخ علي بن بابويه القمي، وعن معاصر الشيخ الطوسي، أبي الصلاح الحلبي، انه اذا اوصى الى شخصين مع شرط الاجتماع على التصرف وعدم تفرد احدهما به او اطلق، لم يكن لأحدهما، التفرد بشيء من العمل بالوصية وان شرط التفرد جاز.
وعن الشيخ في النهاية، جواز التصرف.
واختار هو، الأول مستدلا بانه شرك بينهما في النظر فلم يكن لأحدهما الانفراد وبما رواه الشيخرحمهالله وباسناده، عن محمد بن الحسن الصفار(١) ، قال: كتبت الى ابي محمدعليهالسلام رجل كان اوصى الى رجلين أيجوز لأحدهما ان ينفرد بنصف التركة والآخر بالنصف؟ فوقععليهالسلام : لا ينبغي لهما ان يخالفا الميت، وان يعملا على حسب ما امرهما به ان شاء الله، ورواه الصدوقرحمهالله باسناده عن الصفار مثله، وذكر ان التوقيع عندي بخط العسكريعليهالسلام (٢) .
(والتحقيق) ان يقال: ان هنا مقامين (احدهما) مقام الثبوت (ثانيهما) مقام الاثبات اما الأول، فهل يكون معنى الايصاء الى الغير هو جعل الوصي الواحد المتقوم بهما، او يكون معناه جعل الوصيين بحيث يصدق على كل واحد منهما انه وصي، فان كان الأول فالمتجه هو قول النهاية، وان كان الثاني فالمتجه هو المبسوط والخلاف وغيرهما ممن تقدم.
واما الثاني أعني مقام الاثبات فالظاهر من قول الموصي
____________________
(١) في الصحيح كما في المختلف.
(٢) الوسائل باب ٥١ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٤٠.
مثلا: أوصيت الى زيد وعمرو او جعلت زيدا وعمروا وصيين، او زيد وعمرو، وصياي، هو كونهما وصيين بحيث يكون نسبة الوصاية الى زيد وعمرو مستقلة، غاية الأمر تعدد الوصي لابد له من غرض هو اما تقوي الرأيين، او لسرعة تحقق العمل الموصى به.
فعلى الاول لا يجوز انفراد أحدهما بالتصرف، وعلى الثاني يجوز.
وحيث ان اللفظ غير دال على الغرض، ولو كان المتكلم في مقام البيان، فالقدر المتيقن، هو صورة الاجتماع.
هذا اذا كانا حيين باقيين على العدالة.
اما لو مات احدهما او فسق ففي الشرائع: لم يضم الى الحاكم وجاز له الانفراد وحكى في الجواهررحمهالله ، عن الشيخ مفلح الصيمري في شرح الشرائع انه نسب هذا القول الى الأكثر، وكذا عن المحقق السبزواري في الكفاية، وعلل فيه بأنه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي، ولكن قد تردد في آخر كلامه، مما سمعت، ومن ان ظاهر الشرطية عدم رضى الموصي برأي أحدهما منفردا او الوصي، بل انما هما معا لا احدهما منفردا فلابد ان ينضم اليه امين.
ونسب في الجواهررحمهالله هذا القول الى القواعد، ومحكي الارشاد والتحرير، والشهيدين وفاضل الرياض، وفخر الدين، وجماعة الا انه استشكل على الوجه الثاني المذكور، بأن لازم ذلك انتفاء وصاية الآخر ايضا ضرورة كونها مشروطة بشرط منتف، فيستقل الحاكم بالوصاية.
(وفيه) ان مقتضاه ذلك اذا كان معنى جعل الاثنين، كونهما معا وصيا واحدا مستقلا في مقام اعمال الوصاية ولا كلام فيه، انما الكلام في جواز الضميمة للحاكم ففيه تردد، اللهم الا ان يقال: ان جعل الوصيين يقتضي مزاحمة رأي كل واحد لرأي الآخر ماداما حيين عادلين، فاذا خرج احدهما من قابلية الوصاية بالموت او الفسق فلا مزاحمة فيستقل حينئذ في التصرف.
ولكن مقتضى ما ذكرنا من كون تصرف احدهما لم يكن منظورا في نـظر الموصي، هو العمل على المتيقن كما اذا شرط الاجتماع، فكما يجوز للحاكم ضم آخر اليه عند فقد الآخر، كذا في صورة الاطلاق، لأن المفروض انه مثله في الحمل على الاجتماع.
الى هنا افاد استاذنا الأعظم المرجع الديني العلامة الطباطبائي آية الله العظمى الحاج حسين البروجردي مد ظله العالي.
وانا الاقل علي بناه الاشتهاردي، اللهم اغفر لي ولوالدي ولاساتيذي بحق النبي وآله ١٣٦٧الهجري القمري.
ميراث الازواج
لا خلاف بين المسلمين مضافا الى الكتاب والسنة أيضا في ان الزوجة ترث من الزوج، بل هو من ضروريات الاسلام، وقد نطق به الكتاب اجمالا (تارة) مثل قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا(١) .
(واخرى) تفصيلا مثل قوله تعالى: ولكم نصف ما ترك أزواجكم ان لم يكن لهن ولد، فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم ان لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها او دين الآية(٢) .
وهذه الآيات الشريفة دالة على ارث النساء من ازواجهن في الجملة، بل دالة بظاهرها على ارث الزوجة من كل ما ترثه الزوج منها بلا استثناء، لان (ما) في قوله تعالى (مما تركتم) موصولة والموصولات حيث انها تفتقر الى الصلة، فان كانت الصلة معهودة فيما بين المتكلم والمخاطب فلا عموم فيها، بل تنصرف الى خصوص المعهود، والا فلا محالة تكون عامة لان تعيين بعض افراد ما يمكن ان تكون صلة، للصلة دون بعض ترجيح بلا مرجح، وعدم تعيين مخالف لوضع الموصولات التي ذكرنا
____________________
(١) النساء/٧.
(٢) النساء/١٢.
افتقارها الى الصلة لانها موضوعة لنفس الاشياء، بما هي لا لمفهومها، بل لايجادها، وهي من الامور الاضافية لابد لها من مشار اليه باعتبار انها هيئة امتدادية من المشير الى المشار اليه، فاذا لم يمكن كون بعض الافراد صلة تعين كونها تمام ما يصدق عليه الصلة.
فحينئذ كل ما يصدق هذا مما تركه الزوج فالآية الشريفة تعمه، فالآية بظاهرها تدل على ارثها من المنقولات وغيرها ارضا كان أو غيرها، كانت الزوجة ذات ولد أم لا؟.
الا ان مذهب الامامية قد استقر على حرمانها في الجملة من بعض متروكات الزوج بل هو من متفردات الامامية، بناء على اصولها كما هو الحق من حجية اقوال الأئمةعليهمالسلام وكونهمعليهمالسلام منصوبين للامامة من قبل الله تعالى ومن رسوله الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى وانهمعليهمالسلام مضافا الى كونهم سلاطين على الناس بالنسبة الى الامور الدنيوية ائمة لهم بالنسبة الى الامور الاخروية وانهم واجبو الاطاعة بالاعتبارين، فمن خالف هذه الطريقة، فيمكن ان يخدش في اصل مذهبه.
وكيف كان فلا مخالف بين الامامية الا ما يحكى عن ابن جنيد الذي لا يضر مخالفته.
نعم قد وقع الخلاف في موضعين (احدهما) ان ما تحرم منه الزوجة ما هو؟ (ثانيهما) ان الزوجة التي تحرم في الجملة من هي؟ هل هي ذات الولد فقط ام مطلقا.
والمخالف كما ذكرنا محمد بن احمد بن جنيد وهو من اصل اسكاف (من قرى بغداد) ولذا سمي بالاسكافي وكان مشتغلا بالتحصيل وكان من شيوخ المفيدرحمهالله وكان معاصرا للصدوقرحمهالله وصنف كتابين في الفقه (احدهما) يسمى بالتهذيب، وهذا الكتاب استدلالي مدحه الشيخ ابو جعفر الطوسيرحمهالله ولم يكن عند المحقق والعلامة (ثانيهما) المختصر الأحمدي في فقه المحمدي، وهذا الكتاب كان عند العلامة عليه الرحمة الذي كان في اوائل القرن الثامن.
وقد نقل الشيخ احمد بن علي بن نباش الملقب بـ (النجاشي)، وكذا الشيخ الطوسيرحمهالله ، ان ابن جنيد كان يعمل بالقياس، ولذا ترك كتبه ورواياته.
ويسمى هذا مع حسن بن ابي عقيل - الذي صنف كتابا سماه بالتمسك بحبل آل الرسولصلىاللهعليهوآله ويروي عنه الشيخ ابو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه - بالقديمين.
وكيف كان فقد ذهب المفيدرحمهالله الى ان ما تحرم منه الزوجة هو خصوص اراضي المساكن عينا وقيمة لاغير، ونسب ذلك الى ابن ادريس، وتبعه المحقق في المختصر النافع الذي صنفه بعد الشرائع، وتبعه الفاضل الآبي في كشف الرموز، وهو من تلامذة المحقق.
وقد حكى في المسئلة اقوال اربعة (احدها) ما ذهب اليه ابن الجنيد، من ارثها من كل شيء (ثانيها) ما نسب الى المفيدرحمهالله من انها ترث من كل شيء الا من الرباع والمساكن، قال: وهو اقتصار على المتيقن (ثالثها) ما نسب الى الشيخ من انها تمنع من مطلق الاراضي عينا قيمة وتبعه القاضي وابن حمزة، والتقى ابو الصلاح الحلبي قدس سرهم (رابعها) ما خرجه السيد علم الهدى وجمع به بين الأخبار من انها تمنع من الارض عينا لا قيمة جمعا بين الأخبار.
قال الشيخ في النهاية: والمرأة لا ترث من زوجها من الارضين والرباع من الدور، والمساكن، والمنازل، ويقوم الطوب والخشب وغير ذلك من الآلات وتعطى حصتها منها ولا تعطى منها، وقال بعض اصحابنا: ان هذا مخصوص بالدور والمنازل دون الارضين والبساتين والاول اكثر في الروايات واظهر في الامامية، وهذا انما هو اذا لم يكن لها منه ولد والا اعطيت من جميع ما ذكرنا من الضياع والدور والمساكن.
وقال في الاستبصار - بعد ذكر اخبار الفضلاء (كما سيأتي ان شاء الله تعالى) وبعد نقل رواية محمد بن مسلم وزرارة وطربال وغيرها مما هو دال على مذهبه -: وهذه الاخبار عامة في انه ليس للمرأة شيء من القرى والارضين والرباع، ولهن قيمته، وما يتضمن بعض هذه من انهن لا يرثن من هذه، معناه انهن لا يرثن من تراب، وكان شيخنا محمد بن محمد بن النعمان: يخصص حرمان الزوجة بالمنازل والدارات، والاخبار عامة.
وقال المحقق في المسئلة الخامسة من الشرائع من كتاب الفرائض: اذا كانت للزوجة من الميت ولد ورثت من جميع ما ترك، ولو لم يكن لها ولد لم ترث من الارض شيئا واعطيت من قيمة الآلات والابنية وقيل: لا تمنع الا من الدور والمساكن، وخرج المرتضىرحمهالله قولا ثالثا وهو تقويم الارض وتسليم حصتها من القيمة، والقول الاول اظهر.
وعن ابن ادريس انه نسب الى روايات اصحابنا واجماعهم: ان الزوجة التي... ولا ترث من المساكن ونسب الى بعض اصحابنا انه الحق بها جميع الارضين من البساتين وغيرها، وقال: هذا اختيار ابي جعفررحمهالله (١) والاول، المفيد، وهو الموافق للمذهب.
____________________
(١) اراد به الشيخ الطوسيرحمهالله .
وهذا الكلام يدل على اختياره قول المفيد.
وقال المحقق في النافع - الذي صنفه بعد الشرائع، وآخر ما صنفه المحقق، المعتبر وهو شرح النافع -: وترث الزوج من جميع تركة المرأة، وكذا المرئة عدا العقار وترث من قيمة الآلات والابنية، ومنهم من طرد الحكم في ارض المزارع والقرى، وعلم الهدى يمنعها من العين دون القيمة (انتهى) هذا في الاقوال.
واما الروايات فهي كثيرة واكثرها مروية عن ابي جعفر وابي عبد اللهعليهماالسلام ، نعم روى محمد بن سنان في علله انه روي هذا الحكم عن الرضاعليهالسلام ايضا، ومحمد بن سنان كان من الطبقة السادسة(١) ، وذكر العلماء (رهم) انه زعم انه سمعه عنهعليهالسلام .
والرواة الذين رووا في هذ المسئلة احد عشرة (١) زرارة(٢) محمد بن مسلم(٣) بكير بن اعين(٤) فضيل بن يسار البصري(٥) بريد بن معاوية(٦) عبد الملك بن اعين(٧) ميسر بن عبد العزيز بياع الزطي(٨) يزيد الصائغ(٩) محمد بن النعمان الأحول(١٠) محمد بن سنان(١١) عبد الله بن ابي يعفور.
وحين روي عن بعضهم ثلاث روايات او اكثر صارت الروايات بتعدد الرواة كما روي عن عبد الملك ويزيد الصائغ من كل واحد منهما اثنان،
____________________
(١) هذا اصطلاح خاص لسيدنا الاستاذ الاكبر (قده) حيث انه قد الف كتاب طبقات الرجال ورتبه على ثلاث طبقات كل طبقة مشتملة على اثنتي عشرة مرتبة، من زمن النبيصلىاللهعليهوآله الى زمن الباقرعليهالسلام اثنا عشر ومن زمانه الى محمد بن الحسن الطوسي اثنا عشر من زمانه الى زمان نفسه (قده) اثنا عشر.
وروى عن كل واحد من محمد بن مسلم وزرارة اربعة فصارت ثمانية روايات.
كما ان ما رواه حماد بن عثمان مرسلا يمكن انطباقه مع احدى الروايات المسندة.
ونحن ننقل هذه الروايات ونبتدىء بالروايات التي رواتها من الطبقة الرابعة او الخامسة او السادسة على حسب الترتيب الذي رتبناه.
فقبل نقلها ننقل كلمات الفقهاء الذين استفادوا من الاخبار ما استفادوه، فنقول بعون الله الملك العلام:
قال المفيد عليه الرحمة في المقنعة: لا ترث الزوجة ما تركه الزوج من الرباع وتعطى قيمة الخشب، والطوب، والآلات، والبناء، وهذا منصوص عنهصلىاللهعليهوآله وعن الائمة من عترتهصلىاللهعليهوآله ، والرباع هو الدور والمساكن.
وهذا يدل على انه وصل اليه رواية عن النبيصلىاللهعليهوآله وسلم دالة على ما ذهب اليه، ولكنا لم نعثر عليها.
وعن الفقيه - بعد نقل روايات الفضلاء الخمسة الآتية - قال: وهذا اذا كان لها منه ولد، فاذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الاصول الا قيمتها، ثم استشهد بخبر ابن اذينة الآتي.
وعن ابي الصلاح في الكافي: ولا ترث الزوجة من رقاب الرباع والارضين شيئا وترث من قيمة الرباع والارضين كسائر الآلات.
وعن الموصليات(١) الثانية في المسئلة الثالثة والتسعين: ان
____________________
(١) الموصل بلد معروف مشهور، وكان للسيد علم الهدىرحمهالله الموصليات الاولى والموصليات الثانية زمن مرجعيته للشيعة، وقد سئله اهل الموصل.
المرأة لا ترث شيئا، ولكن تعطى حصتها بالقيمة من البناء والآلات.
وعن الشيخ في المبسوط والخلاف، والقاضي في التهذيب: والمرأة لا ترث من زوجها من الارضين والرباع والقرى والمساكن والمنازل بل يقوم الطوب والخشب وغير ذلك من الالات وتعطى حصتها منها، وقال بعض اصحابنا: ان هذا اكثر في الاخبار واظهر في المذهب، وهذا انما هو اذا لم يكن لها منه ولد والا اعطيت من جميع ما ذكرنا من الديار وغيرها.
وعن الغنية - في مسئلة الحبوة بعد ذكر ما وجهه السيد المرتضى علم الهدىرحمهالله - قال: وكذا فيما رواه اصحابنا من ان الزوجة لا ترث من الرباع والارضين شيئا.
وعن ابن حمزة في الوسيلة - وهو كان من الطبقة الخامسة عشر - قال: فان كانت ذات ولد منه لزم ميراثها من جميع تركته والا لم يكن لها حق في الارضين والقرى والدور والرباع، وروى روايات مختلفات غير ذلك.
وعن الشيخرحمهالله في الاستبصار - بعد بيان ان الاخبار عامة والعمل بعمومها اولى - قال: واختصاص بعضها بها - أي ارض المساكن - لا يدل على نفيه الا بدليل الخطاب وذلك يترك لدليل، ثم نقل خبر ابن ابي يعفور والفضل وحملهما على التقية وهو مخصص ثم حكى ما حكينا، عن ابن بابويه في الفقيه وسكت - هذا كله في الأقوال.
واما الاخبار فنقول بعون الله الملك الوهاب: روى جعفر بن بشير - كان معاصرا للرضاعليهالسلام ، وكان من فقهاء الشيعة ذكر الشيخ والنجاشي انه كان قحطة(١) العلم - عن الحسين بن ابي مخلد، عن عبد الملك بن اعين - اخ زرارة - قال: دعا ابو جعفرعليهالسلام بكتاب عليعليهالسلام فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطويا، فاذا فيه: ان النساء ليس لهن من عقار الرجل اذا توفي عنهن شيء، فقال ابو جعفرعليهالسلام : هذا والله خط عليعليهالسلام واملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) .
وهذه الرواية تدل بظاهرها على حرمان الزوجة عن خصوص ارض المسكن.
وروى جعفر بن سماعة كان من الشيعة -عن المثنى عن عبد الملك بن اعين، عن احدهماعليهماالسلام ، قال: ليس للنساء من الدور والعقار شيء(٣) .
وروى حسن بن محبوب - وكان من الطبقة السادسة عن الأحول
____________________
(١) هكذا في النسخة التي ضبطتها في مجلس بحثهقدسسره ، ولكن يستفاد من تنقيح الرجال للعلامة المتتبع الحاج الشيخ عبد الله المامقاني: انه كان يلقب قفحة العلم ونهم ذكروه على انحاء (احدها) كونه فقحة العلم بالفاء والقاف والحاء بمعنى زهر العلم (ثانيها) نفحة العلم بالنون والحاء المهملة بمعنى ان العلم ينفح من فيه من نفح الطين اذا فاح (ثالثها) قفة العلم بالقاف المضمومة والفاء المشددة المفتوحة بمعنى الوعاء وكونه وعاء للعلم بكثرة العلم - فراجع تنقيح المقال ج١ ص٢١٤ الطبع الحجري.
(٢) الوسائل باب٦ حديث ١٧ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥٢٢.
(٣) المصدر حديث ١٠ منها.
وكان من الطبقة الرابعة - فلذا يحتمل كونها مرسلة، عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول: لا يرثن النساء من العقار شيئا ولهن قيمة البناء والشجر والنخل يعني من البناء، الدور، وانما عنى من النساء الزوجة(١) ، وهذه الرواية مبعدة لتخريج السيد المرتضىرحمهالله فانهعليهالسلام قابل بين عدم الارث من العقار والارث من قيمة البناء والشجر وغير ذلك، فلو كانت ترث من القيمة مطلقا لما كان للتقابل معنى.
وروى علي بن الحكم - وكان من الطبقة السادسة - عن ابان الاحمر، قال: لا اعلمه الا عن ميسر بياع الزطي، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قال: سألته عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال: لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأما الارض والعقارات فلا ميراث لهن فيه، قال: قلت: البنات؟ قال: النبات لهن نصيبهن منه، قال: قلت: كيف صار ذا؟ ولم صار لهن الثمن ولهن الربع مسمى؟(٢) قال: لان المرأة ليس لها نسب ترث به، وانما هي دخيل عليهم، انما صار هذا كذا لئلا تتزوج المرأة فتجيء زوجها او ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوما اخرين في عقارهم(٣) .
وهذه الرواية كما تحتمل ان يراد بها مطلق الارض بظاهر اللفظ، كذلك تحتمل ان يراد بها خصوص ارض المساكن بقرينة ذكر القيمة لاشياء محصوصة بارض المساكن والدور.
____________________
(١) المصدر حديث ١٦ منها.
(٢) في الكافي: كيف صار ذا ولهذه الربع ولهذه الربع مسمى؟.
(٣) الوسائل باب ٦ حديث ٣ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥١٨.
وروى محمد بن سنان فيما زعمه انه سمعه من الرضاعليهالسلام او كتبعليهالسلام اليه في جواب مسائله: علة المرأة انها لا ترث من العقار شيئا الا قيمة الطوب والنقض، لان العقار لايمكن تغييره وقلبه، والمرأة قد يجوز ان ينقطع ما بينها وبينه من العصمة ويجوز تغييرها وتبديلها، وليس الولد
والوالد كذلك لانه لايمكن التفصي منهما، والمرأة يمكن الاستبدال بها، فما يجوز ان يجيء ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تبديله وتغييره اذا اشبهه وكان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات والقيام(١) .
وروى ابن ابي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن ابي جعفرعليهالسلام ومحمد بن مسلم عن ابي جعفرعليهالسلام قال: لا ترث النساء من عقار الارض شيئا(٢) .
وروى ابن ابي عمير، عن حماد بن عثمان، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قال: لا ترث النساء من عقار الدور شيئا، ولكن تقوم البناء والطوب وتعطى ثمنها او ربعها، قال: وانما ذلك لئلا يتزوجن فيفسدن على اهل المواريث مواريثهم(٣) .
وروى عمر بن اذينة، عن زرارة، وبكير، وفضيل، وبريد، ومحمد بن مسلم عن ابي جعفرعليهالسلام وابي عبد اللهعليهالسلام ، منهم من رواه عن ابي جعفرعليهالسلام ومنهم من رواه عن ابي عبد اللهعليهالسلام ومنهم من رواه عن احدهماعليهماالسلام ان المرأة لا ترث من تركة
____________________
(١) الوسائل باب ٦ حديث ١٤ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥٢١.
(٢) الوسائل باب ٦ حديث ٦ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥١٩.
(٣) الوسائل باب ٦ حديث ٧ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥١٩.
زوجها من تربة دار او ارض الا ان يقوم الطوب والخشب قيمة فتعطى ربعها او ثمنها(١) .
قولهعليهالسلام : (او ارض) يحتمل ان تكون كلمة (او) من الراوي، أي اني لا ادري حال نقلي الحديث ان ما قاله الامامعليهالسلام هي كلمة (الدار) او الارض.
ويحتمل ان يكون الترديد من عمر بن اذينة الراوي عن الفضلاء الخمسة بمعنى انه لا يدري انهم نقلوا كلمة (دار) او (ارض).
ويحتمل ان يكون البيان من الامامعليهالسلام كذلك، فيحتمل حينئذ ان تكون عطفا على (دار) أي من تربة (ارض) ولكن هذا بعيد، لان اللازم من ذلك انها ترث من حجر الارض ومعادنها مثلا، ولكن لا ترث من تربتها، وهو كما ترى.
ويحتمل ان تكون عطفا على تربة أي تربة دار او ارض دار فيدل حينئذ على قول المفيدرحمهالله .
وقريب من رواية الفضلاء ما رواه علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن احمد بن الحسن، عن ابيه، عن عبد الله بن المغيرة (كان من الطبقة السادسة وكان من اصحاب الاجماع، وقيل: يحتمل انه كان واقفيا لكنه موثوق) عن موسى بن بكير، قال: قلت لزرارة: ان بكيرا حدثني عن ابي جعفرعليهالسلام : ان النساء لا ترث امرأة مما ترك زوجها من تربة دار ولا ارض الا ان يقوم البناء والجذوع والخشب فتعطى نصيبها من قيمة البناء فأما التربة فلا تعطى شيئا من الارض ولا تربة دار، قال زرارة:
____________________
(١) الوسائل باب ٦ حديث ٥ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥١٩.
هذا لا شك فيه(١) .
وهذه الرواية ظهورها في الدلالة على قول الشيخ الطوسيرحمهالله اوضح بناء على ان الرواية جاءت على ما نقلناه، واما على ما عن الاستبصار(٢) من قولهعليهالسلام : (وارض) مكان (ولا ارض) فلا دلالة فيها على قولهرحمهالله .
وروى حسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، عن ابي جعفرعليهالسلام : ان المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئا وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت مما ترك وتقوم النقض والابواب والجذوع والقصب تعطى حقها منه(٣) .
وهذه الرواية مشتملة على(٤) ما لا يعمل به احد من الاصحاب فلم تكن حجة بالنسبة اليه.
وقريب منها ما رواه ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام ، وخطاب ابي محمد الهمداني، عن طربال بن رجاء، عن ابي جعفرعليهالسلام (٥) (فخطاب وطربال مجهولان) الا ان فيه (والرقيق) بدل (والفرش) وروى محمد بن سنان ان الرضاعليهالسلام كتب اليه فيما كتب في جواب مسائله: علة المراة انها لا ترث من العقار
____________________
(١) الوسائل باب ٦ حديث ١٥ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥٢١.
(٢) في النسخة المطبوعة التي عندنا من الاستبصار كما في التهذيب والوسائل (ولا تربة).
(٣) الوسائل باب ٦ حديث ١ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٧.
(٤) وهو السلاح والدواب.
(٥) الوسائل باب ٦ حديث ١٢ من ابواب ميراث الازواج، ج١٧ ص٥٢٠.
شيئا الا قيمة الطوب والنقض لان العقار لايمكن تغيره وقلبه، والمرأة قد يجوز ان ينقطع ما بينها وبينه من العصمة ويجوز تغيرها وتبديلها وليس الولد والوالد كذلك، لانه لايمكن النقض منهما والمرأة يمكن الاستبدال بها فما يجوز ان يجيء ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تغيره وتبديله اذا اشبهه وكان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات والقيام(١) .
وهذه الرواية تنادي باعلى صوتها انها ليست بهذه الالفاظ من الامامعليهالسلام كما يعرف ذلك من كان له ادنى بصيرة في الفاظ الاحاديث المنقولة عنهمعليهمالسلام ، ولذا قلنا: في اول الحديث انه زعمه انه سمعه من الامامعليهالسلام .
مضافا الى ان الاعتماد براوية محمد بن سنان الذي قيل في حقه انه غال، ونقل عن صفوان(٢) قد يريد ا ن يطير - كناية عن الغلو -
____________________
(١) الوسائل باب ٦ حديث ١٤ من ابواب ميراث الازواج،ج ١٧ ص٥٢١.
(٢) لفظ الحديث - كما في رجال النجاشي طبع بمبئي ص ٢٣١ هكذا: وذكر ايضا (يعني الفضل بن شاذان) انه وجد بخط ابي عبد الله الشاذاني اني سمعت القاضي يقول: ان عبد الله بن محمد بن عيسى الملقب بـ (بنان) قال: كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفة بالمنزل اذ دخل علينا محمد بن سنان فقال صفوان: هذا ابن سنان لقد هم ان يطير غير مرة فقصصناه حتى ثبت معنا، وهدا يدل على اضطرار كان وزال (انتهى) وفي رجال الكشي ص٣١٥ طبع بمبئي عن احمد بن محمد بن عيسى قال: كنا عند صفوان بن يحيى فذكر محمد بن سنان فقال: ان محمد بن سنان كان من الطيارة فقصصناه (انتهى).
فمنعناه.
وروى شعيب العقرقوفي، عن يزيد الصائغ (وهما مجهولان)، عن ابي جعفرعليهالسلام (ابي عبد الله ئل) قال: سألته عن النساء هل يرثن من الارض؟ فقال: لا، ولكن يرثن قيمة البناء، قال: قلت: ان النساء لايرضون، قال: اذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فان لم يستقيموا ضربناهم بالسيف(١) .
وقريب منها ما رواه، عن مثنى بن عبد الملك، عن يزيد الصائغ الا انه قال: سمعت ابا جعفرعليهالسلام يقول: ان النساء لايرثن من رباع الارض شيئا، ولكن لهن قيمة الطوب والخشب الحديث(٢) .
وروى عبد الملك بن اعين، عن احدهماعليهماالسلام ، قال: ليس للنساء من الدور والعقار شيء(٣) .
وروى محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم وزرارة، عن ابي جعفرعليهالسلام ان النساء لايرثن من الدور، ولا من الضياع شيئا الا ان يكون قد احدث بناء فيرثن ذلك البناء(٤) .
وهذه الرواية وان كانت تتمل بظاهرها بل بصريحها على عدم ارث الزوجة من مطلق الارض، فان الضيعة هي الارض، قال في الصحاح: والضيعة عند الحاضرة النخل والكرم والارض، الا انها مرسلة(٥) .
____________________
(١) الوسائل باب ٦ حديث ٨ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٩.
(٢) المصدر حديث ١١ منها.
(٣) المصدر حديث ١٠ منها.
(٤) المصدر حديث ١٣ منها.
(٥) هكذا بينه الاستاذ الاكبرقدسسره على ما هو ببالي - وهو اعلم بما قال - فانه (قده) كان خريتا لهذا الفن والا فالظاهر كونها مسندة فراجع.
وروى الحسين بن سعيد (وهو واخوه الحسن بن سعيد الاهوازيان كان لهما كتاب مشترك معروف بالكتب الثلاثين وكان الحسين من رجال الطبقة السابعة وكان من كبارهم) عن فضالة بن ايوب الاهوازي، عن ابان بن عثمان، عن الفضل بن عبد الملك - الملقب بالبقباق - وابن ابي يعفور، عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته هل يرث الرجل من دار امرأته او ارضها من التربة شيئا او يكون في ذلك بمنزلة المرأة، فلا يرث من ذلك شيئا؟ فقال: يرثها وترث من كل شيء ترك وتركت(١) .
وصدر هذه الرواية - اعني سؤال الراوي - صريح في معروفية حرمان الزوجة بين الاصحاب من التربة، وان السؤال كان عن ارث الزوج وكونه مثلها وعدمه فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الروايات الواردة في المسئلة على اقسام:
(منها) ما عبر فيه بالعقار اما مطلقا كرواية محمد بن حمران، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن ابي جعفرعليهالسلام ، ورواية محمد بن سنان ورواية محمد بن علي بن النعمان الاحول، واما مقيدا كرواية
جميل، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن ابي عبد اللهعليهالسلام معتبرا فيها بـ (عقار الدور)، ورواية عبد الملك بن اعين عن ابي جعفرعليهالسلام معبرا فيها
____________________
(١) الوسائل باب ٧ حديث ١٦ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥٢٢، قال في الوسائل: اقول: حمله الشيخ على التقية، وحمله ايضا هو والصدوق وغيرهما على ما اذا كان للمرأة ولد لما يأتي ويمكن حمله على رضا الوارث واعطاء العين فيما عدا الارض، وباعطاء العين او القيمة من الارض (انتهى).
بـ (عقار الرجل)(١) .
و (منها) ما عبر فيها بالعقار وشيء آخر كرواية ميسر بياع الزطي عن ابي عبد اللهعليهالسلام من قولهعليهالسلام : فاما الارض والعقارات ورواية عبد الملك بن اعين، عن احدهماعليهماالسلام ، قال: ليس للنساء من الدور والعقار شيء(٢) .
(ومنها) ما عبر فيه بالتربة والارض كرواية الفضلاء الخمسة بقولهعليهالسلام : من تربة دار او ارض، وفي نسخة الاستبصار(٣) (وارض) مكان (او ارض) ورواية موسى بن بكير الواسطي، قال: قلت لزرارة: ان بكيرا حدثني ان النساء لايرثن مما ترك زوجها من دار ولا ارض، ويحتمل: (او ارض) ويحتمل: (وارض) (الى ان قالعليهالسلام ): فأما التربة فلا تعطى شيئا من الارض ولا تربة دار(٤) .
(ومنها) ما عبر فيه بالرباع اما مطلقا كرواية علا، عن محمد بن مسلم، عن ابي عبد اللهعليهالسلام بقولهعليهالسلام : ولا ترث من الرباع شيئا، ورواية مثنى، عن يزيد الصائغ بقولهعليهالسلام : لا يرثن من رباع الارض لكن لهن قيمة الطوب(٥) .
____________________
(١) راجع الوسائل باب ٦ حديث ١٣ - ١٤ - ١٦ - ٦ - ١٧، من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٩ - ٥٢٢.
(٢) راجع المصدر السابق حديث ٣ - ١٠ ص ٥١٩ - ٥٢٠.
(٣) هكذا نقله سيدنا الاستاذ الاكبر (قده) لكن في الاستبصار الذي عندي كما في التهذيب كما مر.
(٤) راجع الوسائل ب٦ ح٥ - ١٥ ج١٧ ص٥١٩ - ٥٢١.
(٥) المصدر السابق حديث ٢ - ١١ ص ٥١٨ - ٥٢٠.
(ومنها) ما عبر فيه بالدور والضياع كرواية محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: ان النساء لايرثن من الدور ولا من الضياع، ورواية الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام (الى ان قال): لايرثن من القرى والدور الحديث، ورواية زرارة ايضا وطربال بن رجاء عن ابي جعفرعليهالسلام : لاترث مما ترك زوجها من القرى والدور، الحديث(١) .
والروايات المشتملة على لفظة (العقار) على ما ذكرناه ثمانية فلابد من المراجعة الى معنى هذه اللفظة فان كان العقار استعمل في مطلق الارض لغة فيمكن ان يقال حينئذ بما قاله المشهور من حرمانها من مطلق الارض، ولعله يظهر من كلمات اهل اللغة(٢) فلو لم نقل بحجية رواية
____________________
(١) راجع المصدر السابق حديث ١ - ١٣ ص٥١٧ - ٥٢٠.
(٢) اعلم ان سيدنا الاستاذ الاكبرقدسسره اوكل التتبع في اللغة لاستحصال مفهوم هذه اللفظة الينا الحاضرين في مجلس بحثه ونحن ننقل ما رأيناه في عدة من كتب اللغة بعون الله تعالى:
ففي الصحاح: والعقار بالفتح مخففا، الارض والضياع، والنخل ويقال في البيت عقار حسن، اي: متاع (انتهى).
وفي الصراح: العقار كوشك - بناء بلند - نام جائي است به بابل - بنياد - داخل جيزي ومنه عقر الدار بالضم والفتح.
وفي القاموس: والعقر بالضم دية الفرج المغصوب وصداق المرأة ومحله القوم (الى ان قال): والمنزل كالعقار والقصر، ويضم او المنهدم منه (الى ان قال): والعقار الضيعة كالعقرى بالضم ورملة قريب الدهناء (الى ان قال): والنخل ومتاع البيت ونضده الذي لا يتبدل الا في الاعياد ونحوها.
وفي (المنجد) العقار متاع البيت - الضيعة - كل ما له اصل وقرار كالأرض والدار، الجمع عقارات (انتهى).
وفي مجمع البحرين: وعقر الدار اصلها وتضم العين وتفتح في الحجار، وعن ابن فارس: العقر اصل كل شيء، وفي الخبر: ما غزي قوم في عقر ديارهم الا وضلوا، وفي الحديث ذكر العقار كسلام وهو كل ملك ثابت للأصل كالدار والارض والنخل والضياع، ومنه قولهم: ما له دار ولا عقار وجمع العقار عقارات (انتهى).
وفي منتخب اللغة: عقار بالضم نوعي از جامه رنكين وبالفتح: آب وزمين ودرخت خرما ورخت واسباب خانه ونزادت (انتهى).
محمد بن علي بن النعمان الأحول(١) - باعتبار ان الراوي عنه الحسن بن محبوب، وهو مات في حال طفوليته، فروايته عنه تصير مرسلة، وكذا لو لم نقل بحجية رواية محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم وزرارة، عن ابي جعفرعليهالسلام (٢) المشتملة على ذكر الضياع باعتبار احتمال ارسالها ايضا -.
لأمكن ان يقال ايضا بعموم الحكم المستفاد من الروايات السبعة بل الثمانية المشتملة على ذكر العقار مضافا الى تأيدها برواية الفضلاء الخمسة(٣) ، ورواية موسى بن بكير الواسطي(٤) ، المعبر في الأولى بقولهعليهالسلام :
____________________
(١) راجع الوسائل ب٦ ح١٦ ج١٧ ص٥٢٢.
(٢) راجع المصدر السابق حديث ٤ ص ٥١٨.
(٣) راجع المصدر السابق حديث ٥ ص ٥١٩.
(٤) راجع المصدر السابق حديث ١٥ ص٥٢١.
لا ترث امرأة مما تركت زوجها من تربة دار ولا ارض.
وتأيدها باحدى روايتي يزيد الصائغ قال: سألته عن النساء هل يرثن من الارض؟ فقال: لا(١) .
وتأيدها برواية علي بن رئاب عن زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام قال: ان المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى - الحديث(٢) .
وان كان يحتمل عدم حجية هذه الرواية باعتبار اشتمالها على ما لم يقل به احد من عدم ارثها من السلاح والدواب، نعم لااشكال في كونها مؤيدة بالنسبة الى غير هذه الفقرة.
ومنشأ القول بالاختصاص يحتمل احد امور اربعة (الأول) كون معنى العقار مخصوصا بالدور والمساكن (وفيه) انه قد ظهر لك من نقل كلمات اللغويين(٣) .
(الثاني) الروايات المشتملة على لفظ (الرباع) و (اعقار الدور) وامثال ذلك (وفيه) ان دلالتها على عدم ارثها من مطلق الارض موقوف على حجية مفهوم اللقب، وهي ممنوعة جدا، مضافا الى ان الخاص لا يعارض العام مثل اكرم زيدا مع قوله اكرم العلماء مع فرض كون زيد من العلماء.
(الثالث) التعليلات الواردة الدالة على انها ليس لها ان يزاحم اهل المواريث في مواريثهم وهي تناسب خصوص اراضي الدور والمساكن
____________________
(١) راجع الوسائل باب ٦ حديث ٨ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٩.
(٢) الوسائل باب ٦ حديث ١ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٧.
(٣) يعني على نحو الاجمال، واما التفصيل فقد نقلنا عدة من اقوالهم بعنوان التعليق، فراجع.
(وفيه) ان عدم جواز المزاحمة اعم من كونها ارض المساكن او المزارع مثلا، هذا مضافا الى عدم كونها علة، بل هي حكمة، فلا يدور الحكم مدارها.
(الرابع) الاخذ بالقدر المتيقن بعد اختلاف الروايات والرجوع الى عموم الآيات في الموارد المشكوكة (وفيه) ان المخالف يدعي عدم الشك في ظهورها في عموم المنع.
فانقدح بذلك كله ان القول بعموم المنع لمطلق الارض اظهر في الروايات، مضافا الى شهرته بين من بعد الشيخرحمهالله عدا من ذكرناهم آنفا.
نعم لا اشكال في عدم حرمانها من المصالح التي قد اعملت في البناء ولا اشكال ايضا في كونها يقوم عليها في الجملة، كما دل عليه رواية علي بن رئاب، عن زرارة وحده تارة او عنه، عن طربال بن رجاء اخرى كلاهما، عن ابي جعفرعليهالسلام ، وميسر عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، ورواية الفضلاء عنهماعليهماالسلام على الاختلاف، ويزيد الصائغ في الموضعين، وحماد بن عثمان، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، ومحمد بن سنان، عن الرضاعليهالسلام ، ورواية موسى بن بكير الواسطي فيما حدثه بكير بن اعين، عن أبي جعفرعليهالسلام ، والاحول عن ابي عبد اللهعليهالسلام (١) .
وما في رواية زرارة ومحمد بن مسلم من انها ترث الطوب، وكذا ما في رواية محمد بن حمران عن محمد بن مسلم وزرارة من انهن يرثن ذلك
____________________
(١) راجع الوسائل باب ٦ حديث ١٢ - ٣ - ٥ - ٨ـ١١ - ٩ - ١٤ - ١٥ - ١٦ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٧ - ٥٢٢.
البناء(١) الظاهر في ارثها من عين الطوب والبناء دون قيمتها، يحمل على المقيدات فتأمل.
وانما الكلام في موارد (احدها) ان التقويم هل يعم كل ما هو ثابت في مطلق الاراضي من الشجر والنخل والزرع وسائر النباتات، ام يختص بما ورد في الروايات من الامور التي لها دخل في تحقق البناء دون غيرها من الطوب والخشب، والقصب، والنقض، والجذوع، والابواب؟ وما يمكن ان يستدل للعموم امور (الاول) رواية الأحول(٢) المشتملة على تقويم الشجر والنخل.
(الثاني) الغاء الخصوصية الواردة في الأخبار، ويقال: المناط في تقويم هذه الأشياء كونها ملكا ثابتا في الارض مطلقا أي شيء كان.
(الثالث) ما ورد في رواية علاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، قال: قال ابو عبد اللهعليهالسلام : ترث المرأة الطوب ولا ترث من الرباع شيئا الحديث(٣) .
(الرابع) التعليل الوارد في قولهعليهالسلام : وانما هي دخيل عليهم فترث من الفرع ولا ترث من الأصل(٤) ، فقولهعليهالسلام : (من الفرع) شامل لكل ما كان فرعا سواء كان زرعا او نخلا وغير ذلك، وكذا قولهعليهالسلام : (من الأصل) شامل لكل ما كان كذلك، سواء كان دارا او مسكنا او مزرعا ومنبتا، ويمكن ان يستدل للاختصاص بوجهين
____________________
(١) راجع الوسائل ب٦ حديث ٧ - ١٣ ج١٧ ص٥١٩ - ٥٢١.
(٢) المصدر السابق حديث ١٦ ص٥٢٢.
(٣) الوسائل باب ٦ حديث ٢ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٨.
(٤) المصدر حديث ٢ منها.
(الأول) خلو اكثر الروايات الدالة على التقويم عن ذكر ما يتعلق بالدور والمساكن، ورواية الأحول(١) قد قلنا انها غير حجة للارسال ولايكون قرينة في الأخبار دالة على عمومها للأشجار وامثالها، الا رواية علي بن رئاب عن زرارة عن ابي جعفرعليهالسلام ، وعنه عن طربال بن رجاء عنهعليهالسلام المشتملة على ذكرى القرى المنفية عنها ارثها اللتين اشتملتا على ما لم يقل به احد(٢) فلذا تسقط عن الحجية.
(الثاني) مفهوم التعليلات التي يستفاد الاكتفاء بحرمانها من عين الارض، فيدفع به المزاحمة، واما حرمانها من عين الاشجار والنخيل فلا دخل له في تحقق المزاحمة، بل لو لم تدل الروايات المستفيضة على حرمانها من عين البناء والجذوع والخشب وامثال ذلك، لقلنا بارثها منها.
مضافا الى التأيد برواية محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم وزرارة وفيها: (الا ان يكون قد احدث بناء فيرثن ذلك البناء)(٣) .
وكيف كان، فيمكن ان يقال بعدم الملازمة بين حرمانها من اعيان ما تعلق بالدور والمساكن من الآلات والمصالح، وبين حرمانها من اعيان ما تعلق بمطلق الارض من الاشجار والنباتات.
وكذا لا ملازمة بين القول بحرمانها من مطلق الأرض، وحرمانها من اعيان مطلق ملك ثابت فيها.
ولذا نسب الى العلامةرحمهالله القول بعموم المنع مع قولهرحمهالله بارثها
____________________
(١) وقد اشرت سابقا الى عدم فهم المراد من الارسال بحسب الظاهر.
(٢) المصدر حديث ١٢ المشتمل على ذكر السلاح والدواب.
(٣) الوسائل باب ٦ حديث ١٣ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥٢١.
من اعيان الأملاك الثابتة في غير الدور والمساكن والمنازل، وترجيح احد طرفي المسئلة يحتاج الى زيادة تعمق في ادلة الطرفين، فتأمل جيدا.
(الثاني)(١) هل القيمة اللازمة - سواء كانت عامة او اختصت بخصوص مصالح الدور والمساكن - هي قيمة المواد او الهيئة مع تقدير استحقاق البقاء دائما، او الهيئة مع قطع النظر عن استحقاق البقاء كذلك غاية الامر للورثة اجرة المثل على الابقاء؟ وجوه.
يدل على الاول ذكر الامور التي وردت في الروايات كالقصب والخشب والنقض والابواب والجذوع وغيرها من المواد الظاهرة في لزوم نفس هذه المواد دون هيئتها الا ان التعبير بالبناء ربما يؤيد الثاني، بل كونها وارثة قيمة هذه الامور معناه انها احد الوراث، لكن من قيمتها، فكما ان بقية الورثة يرثون من هذا البناء والخشب وغير ذلك باقية على هيئتها، فكذلك المرأة، لانها مساوية معهم في ذلك.
(ان قلت): التعبير بالبناء يدل على ان القيمة ملحوظة مع هيئتها اما بقاء هذه القيمة مجانا وبلا عوض، فلدلالة الروايات، فالقدر المتيقن قيمتها كذلك، لكن مع اجرة للورثة في صورة البقاء فتعين الثالث.
(قلنا): اطلاق البناء شامل لكل ما يصدق انه بناء وكون المرأة مثالا مالكة لايقتضي الا انها ليس لها ان تدخل غيرها من قوم آخرين فيزاحم اهل المواريث، وهذا يكفي فيه عدم ارثها من الارض مطلقا، ومن اعيان البناء والطوب والجذوع، والزائد عليه مشكوك.
____________________
(١) عطف على قوله (قده): انما الاشكال في موارد (احدها) ان التقويم الخ (الثاني) هل.
والحق ان يقال: ان الادلة المخصصة لعمومات الآيات عامة شاملة لكل ما يدخل في اسم الارض والدور والرباع على حرمانها منها عينا وقيمة مطلقا، سواء كانت عين الارض او البناء او غيرهما، والمخصص - ولو كان متصلا - دل على ارثها من قيمة الآلات والاخشاب مثلا، والقدر المتيقن منه قيمة المواد بلا هيئة والباقي مشكوك، والزائد على هذا مشكوك فيرجع الى عموم الروايات الدالة على الحرمان.
الا ان يقال: ان المخصص متصل فلا ظهور معه للعمومات فيصير العموم والخصوص كلاهما مجملين فيرجع الى العموم الفوق، وهو ارثها من كل شيء فحينئذ ليس لهم الالزام على اخذ قيمتها غير مستحقة للبقاء، بل لها الالزام على اداء القيمة مستحقة للبقاء، فتأمل جيدا فانه دقيق مفيد.
(الثالث)(١) هل الزوجة وارثة بنفسها للقيمة او وارثة للعين مع استحقاق الورثة استخلاص العين بدفع القيمة، او تكون القيمة في ذمة الورثة؟ وجوه توضيح الكلام ان يقال: ان الالفاظ الواردة في الروايات على قسمين:
(منها) ما اشتمل على لفظ الارث كرواية علاء بن رزين، عن محمد بن مسلم - وفيها -: ان المرأة ترث الطوب الخ، وفيها ايضا: قلت: كيف ترث الفرع - وفيها ايضا -: وانما هي دخيل عليهم فترث من الفرع - الحديث(٢) .
ورواية محمد بن سنان - وفيها -: علة المرأة انها لا ترث من
____________________
(١) عطف على قوله (قده): (الثاني) هل القيمة اللازمة الخ.
(٢) راجع الوسائل باب ٦ حديث ٢ من ابواب ميراث الازواج ج١٧ ص٥١٨.
العقار شيئا الا قيمة الطوب الحديث(١) - والظاهر كون الاستثناء متصلا.
ورواية محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم وزرارة - وفيها -: الا ان يكون احدث بناء فيرثن ذلك البناء - الحديث(٢) .
ورواية يحيى الحلبي، عن شعيب العقرقوفي عن يزيد الصائغ - وفيها -: لكن يرثن قيمة البناء، الحديث(٣) .
(ومنها) ما اشتملت تارة على قولهعليهالسلام : لهن قيمة كذا، واخرى على قولهعليهالسلام : لهن قيمة كذا، واخرى على قولهعليهالسلام : يقوم كذا، كرواية علي بن رئاب عن زرارة - وفيها -: ويقوم النقض، الحديث(٤) .
ورواية ميسر بياع الزطي - وفيها -: (ولهن قيمة الطوب الحديث)(٥) .
ورواية الفضلاء - وفيها -: ان المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار او ارض الا ان يقوم الطوب، الحديث(٦) .
ورواية حماد بن عثمان، عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قال: انما جعل للمرأة قيمة الخشب، الحديث(٧) .
____________________
(١) المصدر حديث ١٤ منها.
(٢) المصدر حديث ١٣ منها.
(٣) المصدر حديث ٨ منها.
(٤) المصدر حديث ١٢ منها.
(٥) المصدر حديث ٣ منها.
(٦) المصدر حديث ٥ منها.
(٧) المصدر حديث ٩ منها.
ورواية زرارة وطربال بن رجاء - وفيها -: يقوم النقض الحديث(١) .
ورواية موسى بن بكر الواسطي فيما حدث عن ابي جعفرعليهالسلام - وفيها -: ان النساء لايرثن مما ترك زوجها من تربة دار، ولا ارض الا ان يقوم البناء(٢) ورواية الأحول - وفيها -: ولهن قيمة البناء والشجر، الحديث(٣) .
اذا عرفت هذا فنقول: لا اشكال في ان الطائفة الأولى صريحة في كونها وارثة، وكذا الطائفة الثانية بعد كون هذه التعبيرات من قبيل ولهن الربع مما تركتم ان لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم(٤) .
فان المراد ارثهن قطعا، فحينئذ بمقتضى ظاهر الروايات تكون اقرب الوجوه الأول(٥) ، واضعف الوجوه الوجه الأخير(٦) فانه ليس في الروايات له اسم ولا اثر، نعم يمكن ان يستدل للثاني بأن قولهعليهالسلام : (لهن قيمة كذا او يقوم كذا، المراد به ان لهن ذلك، لا انهن يلزمن بأخذها، وكذا تدل على ان للوارث دفع القيمة لا انها يتعين
____________________
(١) المصدر حديث ١٢ منها.
(٢) المصدر حديث ١٥ منها.
(٣) المصدر حديث ١٦ منها.
(٤) النساء/١٢.
(٥) يعني ما تقدم في الثاني من الوجوه الثلاثة وهو كون المراد قيمة المواد.
(٦) وهو كون الهيئة مقومة مع فرض عدم استحقاق البقاء.
عليهم، فحينئذ يكون معنى الروايات ان الورثة والمرأة مخيرون في دفع القيمة او العين، لكن هذا خلاف ظاهر الروايات، كما ذكرنا.
(الرابع) هل يكون هذا الحكم مختصا بغير ذات الولد ام يكون عاما لها ولغيرها؟ ذهب الصدوق ابن بابويه الى الأول، ونسب هذا الى اكثر المتأخرين واختاره الشهيد في اللمعة والدروس واعترف به الشهيد الثانيرحمهالله في الروضة بعد المناقشة بأن الأخبار لم تفرق بين الزوجتين، وان التعليل الوارد شامل لهما - ثم تمسك للفرق - بقولهرحمهالله : بأن تقليل تخصيص الآية اولى من تقليل تخصيص الأخبار مضافا الى ذهاب الأكثر اليه (انتهى).
ومستند هذا الحكم ما رواه محمد بن احمد بن يحيى - له كتاب نوادر الحكمة يسمى بـ (دبة الشبيب) عن يعقوب بن يزيد، عن ابن ابي عمير، عن ابن اذينة في النساء اذا كان لهن ولد، اعطين من الرباع(١) .
وقد سبق نقل كلام الشيخ في الاستبصار من انه نقل وحكى كلام ابن بابويهرحمهالله وسكت عنه، فيحتمل اختياره لهذا القول واكتفى عنه بالحكاية، بل قيل: انه مقتضى الجمع بين الأخبار الدالة على الحرمان مطلقا، وبين خبر الفضل وابن ابي يعفور(٢) الدال على عدم الحرمان مطلقا، هذا.
ولكن في الرياض اختار الثاني ونسبه الى الكليني، والمفيد، والمرتضى، والشيخ في الاستبصار، والحلبي وابن زهرة ظاهرا وجماعة
____________________
(١) الوسائل باب ٧ حديث ٢ من ابواب ميراث الأزواج، ج١٧ ص٥٢٣.
(٢) راجع الوسائل باب ٧ حديث ١ من ابواب ميراث الأزواج ج١٧، ص٥٢٢ وقد تقدم نقله هنا، فراجع.
من المتأخرين صريحا، وعن الخلاف والسرائر، الاجماع عليه استنادا الى ان هذا مقتضى الأخبار المستفيضة حيث اطلق فيها الحكم، وفي بعضهما ترك الاستفصال، وفي بعضها كانعليهالسلام في مقام البيان حيث انه مسبوق بالسؤال عن كيفية الارث.
بل يدل عليه عموم التعليل، ورواية ابن اذينة مقطوعة لا حجية فيها، وتقليل تخصيص الآية لا وجه له اذا كان الدليل المخصص يخصص مطلقا، والمفروض اطلاق الأخبار الدالة على الحرمان، وحكاية(١) الشيخ ذات وجهين، والجمع بين الأخبار لا وجه له بعد كون رواية الفضل وابن ابي يعفور غير معمولة عليها، بل موافقة لمذهب العامة، وكيف كان فالمسئلة بعد تحتاج الى تأمل تام.
الى هنا وصل بيان سيدنا الاستاذ الأكبر المرجع الديني الحاج آقا حسين البروجردي (قده).
وانا الاقل الأحقر علي بناه الاشتهاردي، اللهم اغفر لأساتيذنا ولوالدينا خصوصا والدتي، ولجميع المؤمنين والمؤمنات بحق النبي وآلهعليهمالسلام في سنة ١٣٦٧ من الهجرة القمرية.
____________________
(١) يعني سكوته بعدها ذو وجهين.
كتاب الغصب.. (فصل في اسباب الضمان)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة، والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم أجمعين.
افوض أمري الى الله ان الله بصير بالعباد.
والكلام اما في اسباب الضمان، واما في المال الذي يضمن عند تحقق احد الأسباب، اما الأول فنقول: المشهور بين الفقهاء ان اسباب الضمان ثلاثة (احدها) اليد بمعنى استيلائها على مال الغير مطلقا، فاذا قيد بقيد العدوان صار غصبا، ولذا عرفوه: بأنه الاستيلاء على مال الغير عدوانا - كما عن جماعة - او الاستقلال كذلك - كما عن آخرين - او تبديل المال بـ (الحق) - كما عن بعض - او تبديل لفظة (عدوانا) بقولهم: (على وجه التعدي) - كما عن بعض آخر -.
وسببية اليد للضمان وان كان أمرا بديهيا بل يمكن ان تعد من ضروريات الفقه بحيث لو ادعى احد عدم السببية عد في نظر العرف مستنكرا.
الا ان الاستدلال بالدليل اللفظي لا يخلو من فائدة لمكان الاحتياج اليه في بعض الموارد ولو من حيث الاطلاق، فان البداهة في اصل الحكم لا في خصوصيات الحكم.
فنقول: روى بعض العامة مرسلا، وبعضهم مسندا كالسجستاني(١) والترمذي(٢) وغيره، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، عن النبيصلىاللهعليهوآله انه قال: على اليد ما اخذت حتى تؤدي - كما عن بعض - او قرضت - كما عن آخر - او تؤديه - كما عن ثالث -(٣) .
والمراد من قولهصلىاللهعليهوآله : التشريع لا التكوين كما لا يخفى.
كما ان المراد من لفظة (على) العهد، بأحد وجهين (احدهما) ان كلمة (على) اما ان يليها الأفعال كما في قولك عليك ان تفعل كذك فتفيد الالزام (الثاني) ان يليها الذوات وهو على وجوه ثلاثة (الأول) ان يليها الاشياء الخارجية نحو قولهصلىاللهعليهوآله : (على اليد ما اخذت الخ) (الثاني) ان يليها امر كلي نحو (على زيد الف درهم) (الثالث) ان يليها ما في ذمة الغير المعبر عنه بالضمان الذي فسره العامة بكونه ضم ذمة الى ذمة، يريدون به ان ذمة المضمون له تتقوى بضمان الضامن بحيث لو لم يؤده الى المضمون له فله المطالبة من الضامن، لا ان للمضمون له مطالبة كليهما وعند الامامية، هو انتقال المضمون به من ذمة المضمون عنه الى الضامن عند تعذر ادائه.
____________________
(١) هو سليمان بن الأشعث ابو داود السجستاني المتولد ٢٠٢ والمتوفى ٢٧٥.
(٢) هو محمد بن عيسى الترمذي ولد ٢٠٩ ومات ٢٧٩.
عوالى اللآلي ج١ ص٢٢٤ وص٣٨٩ وج٢ ص٣٤٥ وج٣ ص٢٤٦، وص٢٥١ ولاحظ ذيول هذه المواضيع.
وكيف كان اذا ولي لفظة (على) الذوات فتفيد التعهد في غير الصورة الثانية، فتفيد فيها اشتغال الذمة، وهو مستتبع لاستحقاق المطالبة لصاحب المال المستتبع للحكم التكليفي لصاحب اليد وهو وجوب رد عين المال مادامت باقية، مع التلف بصورتها النوعية وهو المثل ومع التعذر فبصورتها الجنسية وهو مقدار اصل المال فقاعدة اليد دالة على وجوب الرد بمراتبها الثلاثة العين والمثل واصل المال.
والمراد من اليد صاحب اليد والنكتة في التعبير بها، هي ان العهدة تثبت بها باعتبار مباشرتها غالبا للأخذ.
وحاصل الرواية حينئذ هو انه على عهدة الشخص الذي اخذ الشيء بيده المستولية ما اخذته او قبضته على اختلاف النقلين، حتى تؤدي ذلك المأخوذ بعينه او بنوعه او بماليته.
فليس المراد انه عليها عين المأخوذ مطلقا كما توهم، لمنافاته للغاية اعني قولهصلىاللهعليهوآله : (حتى تؤدي).
ويمكن ان يكون نكتة التعبير بها ان اليد لما كانت سببا غالبا لأخذ المنقولات عبر بها تنبيها على انها السبب للضمان.
ويمكن تقريب آخر للدلالة على ان مفادها العهدة، وهو ان للمالك بالنسبة الى المال اعتبارين (الأول) انه له عند وجوده (الثاني) انه عليه عند انعدامه فقولهصلىاللهعليهوآله : (على اليد ما اخذت الخ) عليهية المالك تنتقل الى الأخذ.
لكن هذا التقريب بعيد لاقتضائه ضمان الاخذ عند انعدامه.
فيمكن ان يقال: ان وضع كلمة (على) ابتداء كان كذلك، الا ان استعمالها وتبادر غير هذا المعنى الى الذهن في زمان صدوره من النبيصلىاللهعليهوآله من قولهصلىاللهعليهوآله صيرها حقيقة في الأعم من هذا المعنى وهو ضمان اليد مطلقا سواء كان انعدامه او عند وجوده.
شمول قاعدة اليد للغصب
ثم انها شاملة للأيدي العادية المعبر عنها بالغصب الذي فسروه وعرفوه بتفاسير وتعاريف (منها) انه الاستقلال باثبات اليد على مال الغير.
(منها) انه الاستقلال على حق الغير.
(منها) انه الاستيلاء كذلك عدوانا.
(منها) انه الاستيلاء كذلك على وجه التعدي.
(منها) ان كل ممسك مضمون فهو مغصوب - كما عن الشافعي -.
(منها) الاستقلال المذكور مع زيادة قيد التصرف بمعنى يعتبر فيه امران (احدهما) الاستقلال (ثانيهما) التصرف كما عن الميرزا الشيرازيرحمهالله .
اقول: لا دليل على اعتبار التصرف في تحقق مفهوم الغصب كما لا يخفى، فان ما هو السبب في انتزاع هذا المفهوم عند العرف هو صرف الاستيلاء مطلقا تصرف أم لا.
وهل هي شاملة للأيادي الأمينة ايضا كاليد المستأجرة والمستودعة والمستعارة بالنسبة الى غير الذهب والفضة وغير صورة اشتراط الضمان؟ وجهان من ان ظاهرها الاطلاق، ومن ان الأيادي الأمينة هي مثل يد المالك نفسه، فكما ان له مخازن جمادية مثلا يضع ماله فيها كيف شاء، كذلك الأيادي الأمينة كالمخازن المذكورة للمالك، ففي الحقيقة لايصدق الآخذية على مثل المستأجر بل الآخذ نفس المؤجر، غاية الأمر بواسطة يد المستأجر.
والظاهر هو الثاني، وتظهر الثمرة في الموارد المشكوكة في انها يد عادية أم أمينة، فعلى الأول، يحكم بالضمان الا لدليل، وعلى الثاني يحكم بعدم الضمان الا ان يدل دليل على خلافه.
[الاتلاف]
الثاني من اسباب الضمان الاتلاف
بالمباشرة كاتلاف مال الغير بنفسه.
الثالث الاتلاف
بالتسبيب كحفر البئر على طريق الغير فوقع الغير فيه.
هذا كله في اسباب الضمان.
واما المال المضمون فنقول: انه في كل واحد من هذه الموارد الثلاثة على قسمين (احدهما) الحيوانات (ثانيهما) الاموال الصامتة.
وقد قالوا: ان الاول مضمون بالمثل واما الثاني فبعضها مضمون بالمثل وبعضها مضمون بالقيمة.
فمثلية بعض الأموال وقيمية بعضها الآخر مما لاشك ولا ريب تعتريه، والشهرة العظيمة التي كادت تكون اجماعا، ومخالفة عبيد الله بن حسن عنبري فقيه البصرة من العامة، والشيخ ابو علي بن جنيد من الخاصة، غير قادحة بعد كونهما معدودين ومعلومي النسب، وهذا لا كلام فيه.
انما الكلام في تعيين كل منهما مفهوما لينطبق عليه المصاديق فقد عرفوه بتعاريف يمكن ارجاعها الى واحد (فمنها) ان المثلي ما يتساوى اجزائه وزاد آخر (بتقارب الصفات)، وقال آخر: هو ما كان مكيلا او موزونا، وقال آخر ما يجوز فيه السلم، وعن آخر انه ان كان بين شريكين لا يحتاج في تقسيمه الى غير الكيل او الوزن.
وحاصل الجميع يرجع الى شيء واحد فلا يحتاج الى ان يقال كما عن الشيخ الأنصاري (قده): نأخذ بالمتيقن منهما ونرجع في مورد الشك الى الأصل هذا.
وكيف كان فهل هناك دليل على ضمان المثل في المثليات والقيمة في القيميات ام لا؟ يمكن ان يدعى الاجماع دليلا عليه (وفيه) ان حجية الاجماع - كما قرر في الأصول - مشروطة باتصال هذا الاجماع الى زمن المتقدمين وفتواهم بذلك في كتبهم المعدة للفتاوى التي من شأنها ان تتلقى من المعصومعليهالسلام مع ان هذه المسئلة - أعني ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة - لم يتعرض لها كثير منهم.
نعم يمكن ان يتمسك بدليل آخر فنقول - وعلى الله التكلان -: ان قولهصلىاللهعليهوآله : على اليد ما اخذت(١) يقتضي ان عهدة المأخوذ، عليها بجميع خصوصياتها - أعني الشخصية،
____________________
(١) عوالي اللآلي ج١ ص٢٢٤ وص٣٨٩ وج٢ ص٣٤٥ وج٣ ص٢٤٦ وص٢٥١ ولاحظ ذيول هذه المواضع أيضا.
والنوعية، والمالية، فاذا تلفت العين تعذرت الشخصية فتبقى النوعية فالرواية دالة على ان كل ما اخذته اليد - سواء كان حيوانا - بقسميه او اموالا صامتا - مثله على عهدة الآخذ عند تلف العين.
(لا يقال): ان المالية، من الخصوصيات للمأخوذ.
(فانه يقال): لا نسلم ذلك، بل هي امر خارج عن حقيقة المأخوذ فانها اعتبار عقلائي عند العرف وحيث كان اللازم في المعاملة المعاوضية، اعطاء شيء في مقابل ما اخذه، جعلوا الأثمان لهذا الغرض، فلذا اذا عبروا اموال الغير، عبروه بالأثمان هذا.
ولكن قولهصلىاللهعليهوآله : من اعتق شقص عبد قوم عليه الخ(١) ، وكذا قولهعليهالسلام : نعم قيمة بغل يوم خالفته(٢) وسائر الموارد التي حكم فيها بضمان القيمة كانت مخصصة لهذا العموم المستفاد من قاعدة اليد ولو كان تخصيصها من باب لزوم العسر والحرج ان الزم بالمثل فيما يتعسر تعيين المثل فيعلم ان كل مال مأخوذ يكون افراده مختلفة الصفات والماهيات اذا تلف يكون ضمانه قيميا.
وقد يستدل للمطلوب بقوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم الآية(٣) .
حكي عن الشيخرحمهالله في الخلاف، وتبعه العلامةرحمهالله وكثير من المتأخرين عنه، والمراد بالاعتداء الثاني، المجازاة استعمل كذلك
____________________
(١) راجع سنن أبي داود ج٤ ص٢٣ باب فيمن أعتق نصيبا له من مملوك والبابين اللذين بعده من كتاب العتق.
(٢) الوسائل باب ١٧ قطعة من حديث ١ من كتاب الاجارة ج١٣ ص٢٥٦.
(٣) البقرة/١٩٤.
للمشاركة، نحو فبشرهم بعذاب أليم(١) ونحو قول الشاعر: (قلت: اطبخوا لنا جبة وقميصا) بعد قول القائل لرجل: ما تميل ان نطبخ لك؟.
وظاهر مثل ما اعتدى عليكم، العموم بقرينة قوله تعالى قبيل ذلك: والحرمات قصاص(٢) ، بعد الغاء خصوصية المورد - أعني حرمة مسجد الحرام، وحرمة الاشهر الحرم بقرينة قولهصلىاللهعليهوآله في حجة الوداع بعد السؤال عن المكان والزمان وجوابهم بانه الاشهر الحرم والمسجد الحرام: حرمة دمائكم واموالكم كحرمة شهركم هذا ومكانكم هذا(٣) .
فتدل الآية على ان كل ما كان له احترام شرعا فانتهك، يجوز للمسلمين، القصاص.
وهذا باطلاقه يعم استيلاء الغير على أموال المسلمين على وجه العدوان او الاتلاف بالمباشرة او بالتسبب.
ومحصل ما ذكرنا ان مقتضى الآية الشريفة التي استدل بها الشيخرحمهالله بضميمة قوله تعالى قبيله: (والحرمات قصاص) الضمان بالمثل في جميع الأموال المأخوذة.
ومقتضى رواية اعتاق شقص العبد، ورواية تلف البغل، ورواية عائشة في كسر القصعة التي فيها غذاء طبخه صفية للنبيصلىاللهعليهوآله انه قال: اناء مثل اناء وطعام مثل طعام(٤) .
____________________
(١) آل عمران /٢١.
(٢) البقرة/١٩٤.
(٣) سنن أبي داود ج٢ باب صفة حج النبي ص٨٥ قطعة من حديث١.
(٤) سنن ابي داود ج٣ باب فيمن افسد شيئا يغرم مثله ص٢٩٧ من كتاب البيوع طبع بمبئي رقم ٣٥٦٨ ومسند احمد بن حنبل، ج٦ ص١٤٨ فيما روت عايشة مع اختلاف في ألفاظه.
تخصص القاعدة المستفادة بالنسبة الى الأموال التي لها افراد متفاوتة صفة وماهية والحكم بلزوم القيمة.
ولازم ذلك، الرجوع في الموارد المشكوكة في انه مثلي او قيمي، الى اطلاق القاعدة.
واما احتمال لزوم القيمة حتى في المثليات وان قال به بعض منهم وبعض منا الا ان ذلك لايعتد به في مقابل المشهور.
كما ان احتمال لزوم المثل في تمام الأموال خلاف الاجماع محققا ولا قائل به.
فانقدح ان الأقوى لزوم ضمان المثل في المثليات عند العرف ولزوم القيمة في القيميات عندهم، هذا غاية تقريب التفصيل، والله الموفق.
(مسئلة - ١ -) قد عرفت ضمان القيمي بالقيمة، اعلم انهم اختلفوا في زمان ضمان القيمي وبلغت الأقوال خمسة:
(الأول) قيمة يوم الرد نسب الى جمع من متأخري المتأخرين.
(الثاني) قيمة يوم التلف، نسب الى المشهور، وهذان يجريان في المغصوبات وغيرها من المضمونات.
(الثالث) قيمة يوم الغصب.
(الرابع) أعلى القيم من يوم الغصب الى يوم الرد.
(الخامس) اعلى القيم من يوم الغصب الى يوم التلف.
وجه الأول ان مقتضى قاعدة على اليد ان عين المأخوذ على عهدة الآخذ الى حين الأداء، فحينه ينتقل الى القيمة ولا وجه لقيمة يوم التلف.
وجه الثاني اما بأن يقال بانتقاله الى القيمة يوم التلف وقبله كان يجب اداء العين فاذا تعذرت العين وجب قيمة يوم الانتقال، واما بأن يقال: ان العين الشخصية لا قيمة لها بما هي هي بعد تلفها، لعدم اعتبار العقلاء قيمة، للمنعدم، وعلى تقدير الاعتبار فهو لنظائره وامثاله لا لهما.
ويؤيده المشهور القائلون بلزوم قيمة يوم التلف في القيميات قالوا بلزوم قيمة يوم الرد في المثليات عند تعذرها، لامكان اعتبار القيمة في المثلي بما هو هو، لأنه كلي، فبانعدامه من حيث الافراد لا يعدم.
ووجه القول بلزوم قيمة يوم الغصب كما نسب الى أبي حنيفة، توهم ان قولهصلىاللهعليهوآله : على اليد ما اخذت الخ ناظر الى لزوم بدل المأخوذ على عهدته عند أخذه، فان كان مثليا فبالمثل وان قيميا فبالقيمة.
ووجه القول بلزوم اعلى القيم، لزوم قيمة كل واحد من ايام الأخذ الى زمان التلف على القول به او الى يوم الرد على القول الآخر، على الآخذ فاذا اتى اعلاها فقد اتى كلها والا لم يخرج عن العهدة، وعلى تقدير عدم دلالة (على اليد) فلا اقل من الشك في الخروج عن العهدة باداء الأدنى، فيرجع حينئذ الى قاعدة الاشتغال.
هذا مع قطع النظر عن الأدلة الخاصة.
واما بالنظر اليها فنقول: روى محمد بن يعقوب الكلينيرضياللهعنه ، عن عدة من اصابنا، عن احمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب عن حفص بن سليم - الملقب بأبي ولاد الحناط - قال: اكتريت بغلا الى قصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا، وخرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت ان صاحبي توجه الى النيل فتوجهت نحو النيل فلما أتيت النيل خبرت ان صاحبي توجه الى بغداد فاتبعته وظفرت به وفرغت بيني وبينه ورجعنا الى الكوفة وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما فأخبرت صاحب البغل بعذري واردت ان اتحلل منه مما صنعت وارضيه فبذلت له خمسة عشر درهما فأبى ان يقبل فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة واخبره الرجل فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته اليه سليما؟ قال: نعم بعد خمسة عشر يوما، قال: فما تريد من الرجل؟ فقال: اريد كراء بغلي فقد حبسه علي خمسة عشر يوما، فقال: ما ارى لك حقا، لانه اكتراه الى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه الى النيل، والى بغداد، فضمن قيمة البغل وسقط الكراء، فلما رد البغل سليما وقبضته لم يلزمه الكراء، قال: فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته مما افتى به ابو حنيفة، فأعطيته شيئا وتحللت منه وحججت تلك السنة فأخبرت ابا عبد اللهعليهالسلام فيما افتى به ابو حنيفة فقالعليهالسلام : في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الارض بركتها، قال: فقلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : فما ترى انت؟ فقال: ارى له عليك مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة الى النيل ومثل كراء بغل راكبا من النيل الى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد الى الكوفة توفيه اياه، قال: فقلت: جعلت فداك: قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟ فقالعليهالسلام : لا لأنك غاصب،
قال: فقلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق اليس كان يلزمني؟ فقالعليهالسلام : نعم قيمة بغل يوم خالفته، قلت: فان أصاب البغل كسر او دبر او غمز؟ فقالعليهالسلام : عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده، فقلت: من يعرف ذلك؟ قالعليهالسلام : أنت وهو اما ان يحلف هو على القيمة فيلزمك، فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك او يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون ان قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك، فقلت: اني كنت اعطيته دراهم ورضي بها وحللني؟ فقالعليهالسلام : ولكن ارجع اليه فأخبره بما افتيتك به، فان جعلك في حل بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك، قال ابو ولاد: فلما انصرفت من وجهي ذلك، لقيت المكاري فأخبرته بما افتاني به ابو عبد اللهعليهالسلام فقلت له: قل ما شئت حتى اعطيكه، فقال: قد حببت الي
جعفر بن محمد ووقع في قلبي له التفضيل وانت في حل وان احببت ان ارد عليك الذي اخذت منك، فعلت(١) .
وقد استدل القائلون بلزوم قيمة يوم الغصب بقولهعليهالسلام في هذه الرواية: نعم قيمة بغل يوم خالفته.
توضيحه ان (لفظة) (اليوم) اما ان يتعلق بـ (نعم) او بـ (يلزمك) مقدورا او بـ (كانت) مقدرا، وعلى التقادير اما ان يكون المراد من قولهعليهالسلام : (خالفته) حدوث المخالفة او وجودها.
فعلى الأول تدل على المدعى، واما على الثاني فلا.
واما احتمال كون (قيمة) مضافة الى (يوم) أيضا او اضافة مجموع المضاف والمضاف اليه اعني لفظة (قيمة بغل) الى (يوم) او القول بتتابع الاضافات، فكل هذه الاحتمالات خارجة عن مقتضى قواعد الأدبية والعربية.
اما الأولان فواضح، واما الاخيران فلأن اضافة اسم الذات الى
____________________
(١) فروع الكافي باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحد الخ حديث ٦ من كتاب المعيشة.
اسم الزمان غير جائز بل يشترط في مثل هذه الاضافة كون المضاف اسم المعنى فلا يقال: غلام يوم الجمعة او زيد يوم الجمعة، بخلاف ضرب يوم الجمعة او غسل يوم الجمعة.
ويؤيد عدم دلالة الفقرة على المدعى قولهعليهالسلام - في جواب السائل حين سئله أرأيت ان اصاب البغل كسر او دبر او غمز -: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده الخ فانه من البعيد ان يقال بلزوم الارش الذي هو من صفات التالف يوم الرد ولزوم نفس التالف بقيمة يوم الغصب، مع ان ضمان نفس التالف عبارة عن ضمان الاجزاء والصفات بخصوصيتها.
واما حكمهعليهالسلام بتوجه اليمين على صاحب البغل مع انه مدع ولايمين عليه بمقتضى قواعد القضاوة المستفادة من قولهمعليهمالسلام : البينة على المدعي واليمين على من ادعي عليه(١) ، فلابد من حمله على اختلاف الموارد - بعد القطع بتخصيص قواعد الفصل والقضاء عند الخصومة والترافع، هذا.
ونسب الى الشهيد الثاني رضوان الله عليه في الروضة - بعد نقل القول عن المحققرحمهالله انه نقل عن الاكثر، القول بقيمة يوم الغصب انه قال: وفي صحيح ابي ولاد عن ابي عبد اللهعليهالسلام والصلاة في اكتراء البغل ومخالفة الشرط ما يدل على هذا القول، ويمكن ان يستفاد منه اعتبار الاكثر منه الى يوم التلف وهو قوي عملا بالخبر الصحيح (انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه).
اقول: يمكن ان يكون نظره رضوان الله عليه من استفادة اعلى القيم
____________________
(١) راجع باب ٣ من كتاب القضاء من الوسائل ج١٨. ص١٧٠.
من الصحيحة الى ما ذكرنا في توجيه بعض الاقوال من امكان ارادة يوم وجود المخالفة من قولهعليهالسلام : (قيمة بغل يوم خالفته) وجودا استمراريا من اول زمان الغصب الى يوم التلف (وبعبارة اوضح) ان الغاصب ضامن في جميع آفات وجود المخالفة فإن رد اعلاها فقد رد جميع القيم بعد تداخل بعضها
مع بعض، واذا ادى غير اعلاها لم يصدق انه رد قيمة يوم وجود المخالفة على الاطلاق، بل رد قيمة بعض آنات وجود المخالفة.
(فان قلت): يوم المخالفة صادق على الأنقص والأعلى لصدق الطبيعة على كل فرد فرد (قلت): ان الأوامر المتعلقة بالطبائع مختلفة باعتبار اختلاف الموارد، فلو قال: أكرم العالم كان ظاهرا في وجوب اكرام جميع الافراد بخلاف مثل قوله تعالى: اقيموا الصلاة كما لايخفى، هذا.
ويمكن ان يقال بعدم دلالة الصحيحة على شيء من الأقوال، لانهعليهالسلام لايكون بصدد بيان كيفية ضمان القيمة، بل لما سئله الراوي واستفهم استفهاما انكاريا بقوله: ارأيت لو عطب البغل ونفق اليس كان يلزمني؟ فأجابعليهالسلام بقوله: (نعم يلزمك قيمة بغل، يوم المخالفة) لا قبلها ردا لتوهم السائل بكونه ضامنا قبل يوم المخالفة.
ويمكن ان يوجه سؤال الراوي عن الضمان مع علمه به وكونه ارتكازيا لكل احد، بأنه لما اجابعليهالسلام بلزوم تمام الكراء على الراوي بأحد وجهين اما عدم كونه ضامنا على تقدير التلف او عدم كون الضمان تابعا للانتفاع والمنفعة كما هو رأي أبي حنيفة استنادا الى ما رووه عن عائشة عن النبيصلىاللهعليهوآله : الخراج بالضمان(١) ، فلما كان الاحتمال
____________________
(١) عوالي الآلي ج١ ص٢١٩ ولاحظ ذيله.
الأول أقوى عند الراوي سئلهعليهالسلام بقوله: أرأيت لو عطب البغل ونفق اليس كان يلزمني؟.
وحاصل ما ذكرناه ان هذه الرواية محمولة على احد وجوه ثلاثة (احدها) دلالتها على قيمة يوم التلف بالتقريب الذي ذكرناه (ثانيها) دلالتها على اعلى القيم كما عن الروضة (ثالثها) عدم دلالتها على شيء من الاقوال لكونها في مقام بيان اصل الضمان.
لايبعد ارجحية الثالث، وعلى تقدير عدم صحة هذا التوجيه فدلالتها على قيمة يوم التلف كما نقل عن الأكثر ليس بأظهر من دلالتها على اعلى القيم كما نقلنا عن الروضة(١) .
وكيف كان فيشكل الاستدلال بها على تعيين كيفية الضمان.
اما الاستدلال بالروايات الواردة في باب الرهن الدالة على التراد بالنسبة الى الفضل عند تفاوت الدين مع العين، مثل رواية اسحاق بن عمار قال: سألت ابا ابراهيمعليهالسلام عن الرجل يرهن الرهن بمأة درهم وهو يساوي ثلاثمأة درهم فيهلك، اعلى الرجل ان يرد على صاحبه مأتي درهم؟ قالعليهالسلام : نعم لانه اخذ رهنا فيه فضل وضيعة، قلت: فهلك نصف الرهن، قالعليهالسلام : على حساب ذلك، قلت: فيترادان الفضل؟ قال: نعم(٢) ، وفي الوسائل: ورواه الشيخ باسناده، عن احمد بن محمد الى قوله: حساب ذلك، وغيرها من الروايات، من اراد فليراجع الى الوسائل فقد عقد فيه بابا لذلك.فلا دلالة فيها على شيء من الأقوال المشار اليها، لان الاصحاب
____________________
(١) الناقل هو الشهيد الثاني في الروضة.
(٢) الوسائل باب ٧ حديث ٢ من كتاب الرهن، ج١٣ ص١٢٩.
مجمعون على ان المرتهن لا يضمن الا مع التعدي او التفريط، فيمكن حملها على التقية، لموافقتها لجماعة من العامة.
مضافا الى انها ليست بصدد بيان كيفية الضمان كما ذكرنا في دلالة صحيحة ابي ولاد.
فاذا لم يثبت شيء من الأقوال بالأخبار الخاصة فلابد من الرجوع الى قاعدة اليد فلنبحث فيها وانها دالة على أي قول من الأقوال؟.
فنقول: ان القول بلزوم قيمة يوم الرد مستندا الى انها لازمة بعد تعذر ادائها بشخصها ونوعها مدفوع بما ذكرنا سابقا من عدم اعتبار القيمة عند العرف لها بعد انعدامها وتلفها.
وكذا(١) القول بلزوم اعلى القيم من حين الغصب الى يوم الرد استنادا الى انه قيمة ماضمنه لاستيلاء يده عليها عدوانا.
فان(٢) لزوم القيمة من يوم الغصب الى يوم التلف مسلم باعتبار ان العين موجودة فبعد انعدامها لاقيمة لها بما هي عين شخصية فهذان القولان اضعف الأقوال.
اما لزوم قيمة يوم التلف استنادا الى انه يوم انتقال قيمة العين الى الذمة (فمدفوع) ايضا بما مر من ان مقتضى القاعدة.
والمفهوم من قولهصلىاللهعليهوآله : (على اليد الخ) بقرينة ذكر الذات تلو كلمة (على) تعهد الغاصب والآخذ مال المغصوب منه من يوم الغصب الى يوم الرد، ولا فرق على هذا بين بقاء العين وتلفها في ذلك(٣) .
____________________
(١) يعني مدفوع.
(٢) بيان الدفع.
(٣) يعني في التعهد المذكور.
نعم بعد تلف العين لا يعقل قيمة للتالف فيستحق المغصوب مطالبة ماله فيجب على الغاصب، الخروج عن العهدة بالنسبة الى مالية العين من يوم الغصب الى يوم التلف، ولزوم الخروج عنها امر ممتد في جميع ازمنة بقاء العين وتعيين خصوص يوم التلف او خصوص يوم الغصب ترجيح بلا مرجح، فيمكن بلزوم اعلى القيم، لذلك(١) .
لا لما نقله الجواهر عن بعض من لزوم اداء قيمة العين بأجزائها وصفاتها ومن جملة تلك الصفات كون العين بحيث تقابل بكذا وكذا مثلا فيلزم أدائه.
فان(٢) الأوصاف التي يلزم على الغاصب قيمتها هي التي لها وجود في الخارج كالسمن والكتابة وغيرهما من الصنائع والحرف، وضمان هذه الأوصاف لا يختص بصورة تلف العين، بل الآخذ ضامن ولو بقيت العين وانعدمت الصفات عند ردها.
فانقدح من هذا كله ان اقوى الوجوه هو القول بأعلى القيم من حين الغصب الى آن قبل آن التلف.
ثم القول بقيمة يوم التلف قوي ان قلنا باشتغال الذمة حين تلف العين وظهر ضعف بقيمة الأقوال.
هذا كله في الاختلاف من حيث الاختلاف في الأزمنة، واما اختلاف قيمته حسب اختلاف الأمكنة فقد حكي عن التذكرة، القول بلزوم اعلى القيم من مكان الغصب الى مكان التلف.
ولا يبعد الالتزام به، لما ذكرنا من دلالة قولهصلىاللهعليهوآله :
____________________
(١) لأجل عدم لزوم الترجيح بلا مرجح.
(٢) تعليل للنفي.
(على اليد ما اخذت حتى تؤدي)(١) على كون المأخوذ في ذمة الآخذ حتى يؤدي بماليته، غاية الأمر قولهصلىاللهعليهوآله : على اليد الخ، مشتملة على القضية التعليقية، وهي انه اذا تلف وجب على الآخذ، الخروج عن عهدة الضمان، وهو يقتضي اداء جميع ماليته ولايتحقق اداء الجميع الا بأداء أعلى القيم.
ولو كان اختلاف القيمة باختلاف الأثمان من حيث الرواج في البلاد المختلفة فعن التذكرة لزوم قيمة يوم التلف، وفيه تأمل.
(مسئلة ٢) لو كان التالف مثليا يجب على الضامن أداء المثل عند تمكنه، وعند تعذر المثل يجب اداء القيمة، فهل يجب اداء قيمة يوم الغصب، او يوم اعواز المثل، او يوم التأدية، او أعلى القيم للأربعة منها او للثلاثة او الاثنين؟ وجوه واقوال لايهمنا ذكرها بتمامها.
انما المهم بيان ان الآخذ ضامن لأعلى القيم من يوم الغصب الى يوم التلف، او منه الى يوم الرد، او خصوص قيمة يوم الرد؟ المشهور على الأخير وان عبر كثير منهم بيوم المطالبة الا ان المالك يطالب بحسب العرف والعادة زمان تمكنه من الأداء فيكون يوم المطالبة ويوم التلف متحدا.
وكيف كان فالمهم بيان الوجه الذي استند المشهور اليه، فنقول: يمكن ان يستدل لهم بما مر سابقا من ان العين مادامت باقية يكون الغاصب ضامنا بمقتضى على اليد وعند تلفها ضامن لمثلها، وبعد تعذر المثل، يعتبر له قيمة ايضا عند العقلاء باعتبار انه كلي لا ينعدم كي لايكون له قيمة، فيقوم حين الاداء قيمة يوم الأداء.
____________________
(١) تقدم تعيين موضع الحديث، فراجع.
ووجه القول باعتبار قيمة يوم التلف ما ذكرنا سابقا من ان العين تنتقل بماليتها الى ذمة الغاصب مترتبا على تعذر اداء المثل، فاذا تعذر يجب ادائه بقيمة يوم الغصب.
ويمكن اعتبار اعلى القيم من يوم الغصب الى يوم التلف، بناء على دلالة على اليد على التعهد كما ذكرنا في القيمي، بل يمكن استفادة هذا من صحيحة ابي ولاد من قوله: أرأيت ان عطب البغل ونفق اليس كان يلزمني؟ بناء على ان يكون المراد من قوله: (يلزمني) لزوم المالية لا لزوم مثل التالف على الغاصب.
(مسئلة٣) هل مقتضى القاعدة اختصاص حق المطالبة بالمالك ام يعم غيره؟ الظاهر هو الثاني، لان ملاك جوازها هو ان من له الحق، له التسلط على المال وهو موجود في كل من له حق بالنسبة
الى العين، سواء كان مضافا الى كونه ذا حق مالكا ايضا لمالك الغير الممنوع شرعا من التصرف في ملكه ام لم يكن مالكا، بل له حق في العين كالمرتهن(١) والموقوف عليهم، بناء على عدم كونهم مالكين - كما ذهب اليه ابو الصلاح الحلبي(٢) - وان الملك غير باق على ملك الواقف - كما ذهب اليه المشهور - فان للموقوف عليهم مطالبة الغاصب على تقدير الغصب.
وكالغريم بالنسبة الى مديون استغرق الدين تركته، وكالوصي والموصى له بالنسبة الى الثلث الموصى به وغيرها من الموارد التي ثبت حق بالنسبة الى الملك فلذي الحق المطالبة بملاك تسلطه على المال.
(مسئلة - ٤ -) هل يمكن تعدد الضمانات بالنسبة الى مال
____________________
(١) هذه أمثلة لمن كان له حق مع عدم كونه مالكا فلا تغفل.
(٢) الكافي لأبي الصلاح.
واحد لمالك واحد في زمان واحد، ويدل عليه القاعدة أيضا أم لا؟ الظاهر عدم المانع عنه، بناء على ما قوينا سابقا من ان مدخول كلمة (على) معها اذا كانت خبرا للذوات يدل على التعهد كقول القائل: علي ما لك علي زيد بشرط ان يكون ما جعل مبتدءا للجار والمجرور غير متحصل مطلقا لا في الخارج ولا في الذمة وان كان الأظهر دلالتها على التعهد في صورة تحصله في الذمة كما مثلنا.
وعلى هذا، فكما يمكن تعدد الضمانات في باب الضمان الذي سبق انه ضم ذمة الى ذمة اخرى عند العامة، وتعهد الضامن ما في ذمة المضمون عندنا.
فكذا يمكن تعدده في باب الغصب كما اذا ترتب الأيادي على مال واحد، فان كل واحد من الغاصبين متعهد لما اخذه من الآخر حتى يؤديه اليه.
واما ان قلنا بدلالة (على اليد) على اشتغال الذمة كما هو متداول في ألسنة جمع من المتأخرين فيشكل شمول القاعدة لترتب الأيادي وتعدد الضمانات واشتغال ذممهم بالنسبة الى شيء واحد في زمان واحد.
مضافا الى ان هذا الاحتمال خلاف ظاهر القاعدة للاحتياج الى التقدير الكثير، فانه حينئذ يصير معناه، على آخذ المال مثل ما اخذت يده، ان كان مثليا وقيمته ان كان قيميا على تقدير التلف.
لكن يمكن شمولها له كما نسب هذا الى الميرزا الرشتي ويستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري (قده) بتقريب ان يقال: انه لا يكون المراد من الاشتغال كون الآخذين كلهم مشتغلين ذممهم بحيث يكون المغصوب منه مالكا للأشياء المتعددة بعدد الذمم ولا في كونه عليهم بنحو الاشاعة، ولا كون ذمة المطالب به مشغولا بعد المطالبة، بل المال الواحد لايكون له الا بدل واحد، لاعتبار الاتحاد من جميع الجهات بين المبدل والمبدل منه حتى في الصفات.
او بتقريب ان يقال(١) : ان ذممهم مشغولة بعنوان كلي اعني الطبيعة الغير المقيدة بكونها من شخص معين، فاذا تحققت سقطت عن الباقي لاتعبدا، بل لأن المتدارك لايتدارك عقلا ولايمكن تداركه ثانيا كما لايخفى.
اذا عرفت امكان تعدد الضمانات اما لما قلنا او لما قيل.
فاعلم ان كل من تعرض للمسئلة اعترف بأنه اذا ترتب الأيادي وتلف المال عند اللاحق، فان رجع المالك الى اللاحق، فلا رجوع له الى السابق، وان رجع الى السابق فله الرجوع الى اللاحق ان لم يكن السابق غارا للاحق، والا فيستقر الضمان على الغار.
والحاصل ان للمالك الرجوع الى كل الغاصبين، غاية الأمر، استقرار الضمان، على من تلف المال عنده وان لم يكن مغرورا من السابق.
اما وجه رجوع المالك الى كل واحد منهم فعموم على اليد، اذ لا يكون للأخذ من المالك، ولا لأداء الغاصب المالك في جواز رجوعه الى الغاصب وبرائة ذمته دخل، بل يحصل ويصدق الأخذ ولو من غير المالك كما يحصل الأداء بوصول المال الى المغصوب منه ولو بتوسط غير الغاصب، هذا كله لا اشكال فيه.
____________________
(١) هذا منسوب الى الشيخ المحقق شيخ المتأخرين الشيخ مرتضى الانصاريرحمهالله قربه.
وانما الاشكال في جواز رجوع السابق الى اللاحق وقد وجه بوجوه:
(منها) ما عن الجواهررحمهالله من ان قاعدة على اليد تدل على ان من تلف المال عنده ضامن للمالك ومشتغل ذمته لماله دون غيره وان وجب تكليفا على كل من استولى عليه ان يؤدي مال المالك مع مطالبته، لكن كان اداء غير من تلف المال بدلا عنه فيحصل المعاوضة الشرعية القهرية، فله الرجوع الى اللاحق بمطالبة بدل ما أداه عنه.
وقد يشكل(١) عليه (اولا) بأن ظاهر قاعدة على اليد عدم الفرق بين الأيدي المترتبة ودلالتها على ضمان الآخذ على حد سواء.
(وثانيا) بأن التفكيك بين اللاحق والسابق غير معقول على القول بانتزاع الأحكام التكليفية من الوضعية.
(وثالثا) يعامل مع هذا الغاصب معاملة المديون في الغرامات وتقسيم امواله بين الغرماء وتقديم هذا الضمان على الوصايا والورثة وغيرها من احكام المديون.
(ورابعا) حصول المعارضة القهرية الشرعية ممنوع.
(وخامسا) ان مقتضاه جواز رجوع السابق الى من تلف المال عنده ولو كان في المرتبة المتأخرة عنه بمراتب وهم يقولون بجواز رجوع السابق الى لاحقه وهو الى لاحقه وهكذا الى ان يصل الى من تلف المال عنده.
(منها) ما عن الشيخ الأنصاريرحمهالله من ان السابق ضامن لبدل العين فقط، واللاحق ضامن لعين لها البدل (وبعبارة اخرى) الغاصب الثاني ضامن لبدل بدل العين والسابق مشترك مع اللاحق في كونه
____________________
(١) المستشكل الشيخ الأنصاري (قده).
ضامنا لبدل العين الا ان اللاحق، في المتأخرة عن ضمان السابق، ضامن لما ضمنه السابق ايضا، فاذا ادى السابق ما ضمنه يرجع الى اللاحق، فان المفروض انه ضامن اما لبدل العين للمالك، واما بدل بدله للسابق على سبيل منع الخلو، غاية الامر، ضمانه لبدل العين غير مشروط بشيء غير تلف العين.
واما ضمانه لبدل بدل العين بأداء السابق، فاذا رجع اليه عمل بمقتضى البدلية، والا خرج البدل عن كونه بدلا وهو غير معقول.
وقد اشكل عليه (أولا) بأنا لا نسلم ضمان اللاحق، عينا لها البدل، بل هو ضامن لنفس العين مع قطع النظر عن هذا الوصف.
(وثانيا) لا دليل على هذا الضمان.
(وثالثا) كون السابق ضامنا للبدل قبل تلف العين، ممنوع، بل مادامت باقية لا ضمان اصلا، فاذا تلفت ضمن كلهم في عرض واحد شيئا واحدا من دون تفاوت أصلا.
(ورابعا) ان دليل الضمان قاعدة اليد، ولايد للاحق بالنسبة الى ما ضمنه السابق، بل يده ثابتة على نفي المبدل (فان قلت): ثبوت يده على المبدل ثبوت على البدل ايضا كالمنافع بالنسبة الى العين (قلنا): هذا ممنوع، فان المنافع مضمونة بتبع اخذ العين، بخلاف البدل، فانه مستقر في ذمة السابق لا مأخوذ بيد اللاحق كما لا يخفى.
(وخامسا) النقض بضمان الضامن في باب الضمانات، فانهم لا يقولون بأن الضامن عن الضامن الأول يرجع اليه عند تلف الضمون به او عند اداء الأول ما يضمنه للمضمون له.
(وسادسا) النقض برجوع العين من اللاحق الى السابق ثانيا وتلفها عنده فانه لا يقول احد برجوع اللاحق الى السابق في هذه الصورة مع ان مقتضى ما ذكر ذلك.
وقد يوجه(١) الحكم بأن بناء العقلاء على مطالبة المالك من كل من ترتب يده على مال الغير، وكذا مطالبة كل من اللاحق عند عدم كون مغرورا منه الى ان استقر الضمان على من تلف المال عنده، بضميمة عدم ردع الشارع يتم المطلوب.
وفيه ان مجرد ادعاء ان بناء العقلاء يكون كذلك ما لم يكن له منشأ، لا يثبت المدعى.
وتحقيق المسئلة في توجيه الحكم المذكور، يحتاج الى تمهيد مقدمات (الاولى) انهم متسالمون على اصل الحكم في الجملة وان لم يتعرضوا لخصوصياتها، لكون رجوع الأول الى خصوص اللاحق ولو كان غير من تلف المال عنده، او التخيير في الرجوع مطلقا.
(الثانية) ان قاعدة اليد تعم الحقوق الثابتة لذوي الحقوق كالمرتهن والوصي وغيرهم كما مر.
(الثالثة) انه لا فرق في شمولها للحقوق بين كونها قبل الغصب او بعده، كما اذا غصب المال من مالكه ثم رهنه مالكه عند زيد مثلا فللمرتهن المطالبة من الغاصب.
(الرابعة) لا اشكال في انه اذا طالب المالك، الغاصب الأول فعليه ان يرد العين اليه اذا كانت موجودة عنده وتحصيلها بأي وجه ممكن اذا كانت عند غيره، ذلك الغير أيضا يجب عليه أدائها اذا كان صاحب الارادة.
____________________
(١) نسب الى الخراسانيرحمهالله .
(الخامسة) لا اشكال ايضا في ضمان الغاصبين كلهم بمجرد الغصب للمالك، ولا اشكال ايضا في وجوب أداء من طالبه المالك، كما لا اشكال ايضا في عدم جواز رجوع اللاحق الى السابق.
(السادسة) لا اشكال في انه اذا تلف المال المغصوب بعد استيلاء الثاني او قبله فللغاصب الأول، الرجوع الى المتلف وشمول قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن لهذه الصورة.
اذا عرفت هذه المقدمات تعرف انه اذا غصب المال من مالكه ثم غصب الثاني من الأول فله الرجوع اليه بعد مطالبة المالك منه لأنه يصير ذا حق بعد مطالبة المالك، والمفروض ان من عليه الحق يجب عليه ادائه عند مطالبة ذي الحق وثبوت هذا الحق وان كان بعد الغصب ومطالبة المالك الا انه بعد ما عرفت من مقتضى المقدمة الثالثة علمت انه لا فرق بين ثبوت الحق بعده او قبله، وعموم قاعدة اليد لهذه الصورة ليس بأقصر من شمول قاعدة الاتلاف للصورة التي ذكرناها في المقدمة السادسة، بل هي أظهر.
فانه لا دلالة في قاعدة اليد على كون الضمان للمالك او غيره بخلاف قاعدة الاتلاف فانها تدل على ان المتلف ضامن للمالك.
وكذا لا دلالة فيها على كون المضمون عنه مالا او غيره، بخلاف قاعدة الاتلاف فانها تدل على ان المتلف ضامن للمال بقرينة قولهم من اتلف مال الغير الخ،واذ عمت قاعدة الاتلاف مع هذه الخصوصيات، فعموم قاعدة اليد بطريق أولى.
وبتقريب آخر اصل ضمان الغاصب الأول للمالك وان كان مسببا عن غصبه الا ان هذ الغرامة التي غرمها له، مسببة عن غصب الثاني، فانه لو لم يغصبها ادى المال الى مالكه من دون غرامة.
ولعل مراد الشيخقدسسره ايضا ذلك حيث ان الغاصب الاول اذا غصب المال يوجد لها نسبة بين الغاصب وبينه، وهي كونها مضمونة للمالك، واذا غصب الثاني يوجد لها نسبة بين الغاصب وبينه وبين الغاصب الثاني، فللمال نسبتان الاولى كونها مضمونة المالك، والثانية كونها بحيث لو تلفت كان الغاصب الاول ايضا ضامنا، فالغاصب الثاني اخذ مالا متصفا بوصف زائد على ما كان عند الغاصب الأول، واخذه عدوانا صار سببا لغرامة الغاصب، فله المطالبة بمقدار غرمه له.
كما ان الضامن باذن المضمون عنه يرجع اليه بمقدار اداه الى المضمون له، وكما ان المغرور يرجع الى الغار بمقدار ضمن للمالك، هذا.
وقد يوجه(١) كلام الشيخ المحقق الأنصاريقدسسره بعدة مقدمات:
(الاولى) جواز اعتبار اشتغال الذمة مع وجود العين، كما انا نتعقل ضمان العين الموجودة في الخارج مع الغاء خصوصيتها، فيمكن ان يعبر عند العقلاء اشتغال ذمة الضامن مع وجود العين، غاية الأمر بعد الغاء الخصوصية.
(الثانية) كون تعدد الضمانات في زمان واحد كوجود الجسم المعين في زمان واحد في أمكنة متعددة، فلابد ان يكون الضمان بالنسبة الى الأيادي مترتبة طوليا، والقول بانه كالواجب الكفائي يتعلق بجميع المكلفين ويسقط عنهم باتيان الواحد، ممنوع بالفرق بين الوضع
فروع متفرعة
على عموم الغصب للمنقول (الأول) لو اخذ متاع الغير بدون اذنه لا بعنوان العدوان، بل لأمر آخر مثل ان يكون غرضه رؤيته مثلا فتلف في يده بتلف سماوي او غيره من دون اتلاف، فهل يصدق مفهوم الغصب عليه ام لا؟ الظاهر الثاني لعدم صدق الاستيلاء على سبيل العدوان فلا يشمله (على اليد الخ) الا ان يقال: كونها أعم من مفهوم الغصب.
(الثاني) لو وقعت عين في يد الغير لكن لا تمامها، بل قدر منها مشاعا، فهل يضمن غير المالك تمامها اولا يضمن شيئا منها او بالنسبة كما نسب الأخير الى الميرزا الرشتي؟(٢) وجوه اوجهها الثاني لما ذكر من عدم الصدق.
____________________
(١) الموجه هو المحقق الميرزا حسين النائيني (قده) المتوفى ١٣٥٥ الهجري القمري، على ما نسبه سيدنا الاستاذقدسسره .
(٢) المراد: هو المحقق الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي، المتوفى سنة ١٣١٢ هـ. قدسسره .
(الثالث) لو استولى على دار فعليه ضمانها، ولو استولى على بعضها بحيث لم يكن للمالك التصرف في ذلك البعض الا باذن المستولي ضمن ذلك البعض.
ولو أخذها مسكنا له ولم يمنع المالك عن التصرف فيها بمعنى ان كل واحد منها مستول على تلك الدار، فهل يضمن جميعها او نصفها مثلا، او لا يضمن شيئا منها؟ وجوه ثلاثة.
من صدق المستولي ولو في الجملة عليه.
ومن عدم صدق المستولى بقول مطلق مع عدم صدق الأخذ على الاطلاق أيضا فلا يشمله عموم (على اليد ما اخذت الخ).
ومن انه يصدق عليه انه استولى بالنسبة ويعتبر عند العقلاء استيلائه عليه امارية اليدين للمالكية على مالك واحد كما نسب الى الميرزا الرشتيرحمهالله .
لكن (فيه) انه فرق بين المقام وبين ذلك باعتبار ان التصرف شرط في دلالة اليد وأماريتها للملك بخلاف المقام لكفاية مجرد الاستيلاء في صدق الغصب من دون اعتبار التصرف.
وهذا الفرع نظير الفرع الذي ذكروه وهو انه اذا غصب اثنان دارا، فهل يضمنها كل واحد بتمامها او مشاعا ولا يتصور هنا عدم الضمان رأسا، لصدق الأخذ.
نعم هنا وجه ثالث ايضا، وهو التفصيل بين كل واحد منهما بحيث لو افرد كان مستقلا في الاستيلاء وعدم كونه كذلك (وبعبارة اخرى) نسب الاستيلاء الى كليهما.
(مسئلة - ١ -) قد عرفت سابقا عموم على اليد للأملاك والحقوق، فهل يشمل الاوقاف ايضا ام لا؟ نقول: لو استولى على الوقف، فاما ان يستولي على المنفعة او على العين، وكل منهما اما ان يكون مختصا او عاما.
(وبعبارة اخرى) اما ان يكون الوقف عاما او خاصا.
وفي فرض الاستيلاء على المنفعة اما ان يكون المنفعة ملكا للموقوف عليهم أو لا يكون ملكا لهم، بل لهم الانتفاع بتلك العين من دون ان يكونوا مالكين.
والموقوف عليهم اما ان يكون شخصا أو أشخاصا داخلين تحت عنوان عام كالفقراء والعلماء، أو يكون جهة كالمساجد والمدارس الموقوفة على المسلمين والطلاب، والربط، والخانات على العابرين والنزال.
لا اشكال في ضمان الغاصب في جميع هذه الصور الا صورة واحدة(١) ، وذلك لعموم (على اليد ما اخذت حتى تؤدي) فان الأخذ - كما مر - يختلف باختلاف المورد.
والمعنى الجامع بين الكل ان كل ما كان له انتساب وارتباط الى شخص او كلي او جهة يمكن أن يتفق هذه الثلاثة بالانتفاع به، فانتزاع هذه النسبة والارتباط يكون أخذا ومقابله التأدية التي عبارة عن رفع هذا الانتزاع.
واما الصورة المستثناة التي اشرنا اليها آنفا فهي ان يكون الشيء وقفا على خاص او عام، او على حجة على نحو الانتفاع لاكون المنعفة ملكا للموقوف عليهم كالمساجد والمدارس ونحوهما مما ذكرنا، ففي كون الغاصب ضامنا للمنفعة الفائتة او ضامنا للعين في صورة تلفها؟ اشكال.
____________________
(١) تأتي عن قريب ان شاء الله تعالى.
فهنا مسئلتان (الاولى) وجه ضمان المنفعة وعدمه، (فمن) انه لا يكون آخذا لشيء، ولايمكن ان يؤدي ما غصبه، لان المغصوب هو الانتفاع، فهو اشبه شيء بمزاحمة المالك من التصرف في ملكه، فكما لايكون ضامنا هناك، فكذا هنا (ومن) ان ما ذكرناه من معنى الأخذ شامل للمقام ايضا، وكيف كان ففيه اشكال وان كان لايبعد عدم الضمان بالنسبة.
(الثانية) ضمانه للعين اذا اتلفت بآفة سماوية، قال الشهيدقدسسره في الدروس: ولو اثبت يده على رباط او مدرسة على وجه التغلب ومنع المستحق فالظاهر ضمان العين والمنفعة لتنزله منزلة المال (انتهى موضع من كلامه زيد في علو مقامه).
ويمكن ان يستدل لهذا، بحديث ابي الصباح الكناني - المروي في كتاب الديات من الوسائل - عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: من اضر بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن(١) ، على احد الوجوه الثلاثة المحتملة في هذا الخبر(٢) .
هذا كله في السبب الأول من الاسباب الثلاثة التي قلنا في اول بحث الغصب ان اسبابه ثلاثة.
واما السببان الآخران - اعني الاتلاف بالمباشرة والاتلاف بالتسبيب فنقول ان بينهما وان كان جامع مشترك - اعني الاتلاف - الا ان لكل واحد احكاما تخصه، فالمناسب ذكر كل واحد منهما منفردا فنقول بعون الله تعالى:
____________________
(١) الوسائل باب ٨ حديث ٢ من ابواب موجبات الضمان ج١٩ ص١٧٩.
(٢) كون الباء للتعدية - كونها للسببية - قرائة اضر مجهولا.
ان المراد من الاول ايجاد فعل يوجب انعدام مال الآخر سواء اوجده المتلف بنفسه او بتوسط آلات اخر كالالقاء في النار او المسبعة او غير ذلك.
وسببيته مما لااشكال فيه، بل يمكن ان يعد من ضروريات الفقه عند من كان له شامة لاستشمام الفقه، ولايحتاج الى ذكر ادلة دالة على ضمان المتلف.
ثم ان ما تداول في المحاورات، (من ان من اتلف مال الغير فهو له ضامن) ليس رواية، بل هو عموم ملتقط من الادلة الدالة على الضمان فهذا لا كلام فيه.
وانما الكلام في بيان المراد من القسم الثاني منها أعني التسبيب وان موضوع ضمان المال بالتسبيب للتلف ما هو؟.
فنقول: عرف تارة بأنه ما يقصد به وجود ما كان علة للتلف.
(واخرى) بأنه ايجاد ما لولاه لما تحقق التلف وان كان سبب التلف شيئا آخر.
والمراد بالقصد في قولهم: (ما يقصد) اما القصد الفعلي بمعنى انه اوجده قاصدا به وجود الخ او القصد الشأني بأن كان المعنى انه ايجاد علة التلف بأن أوجد ما يصلح ان يكون علة للتلف.
ولكن التأمل في اخبار المسئلة يعطي ان كل فعل كان موجبا لتلف المال كان فاعلة ضامنا، سواء كان موجده قاصدا ذلك ام لا، وسواء كان بواسطة قريبة او بعيدة.
فلابد من نقل الأخبار بعون الملك العلام كي يكشف الحال.
روى الشيخ ابو جعفر الطوسيرحمهالله باسناده عن احمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن عليعليهمالسلام ، قال: كان عليعليهمالسلام لا يضمن ما افسدت البهائم نهارا ويقول: على صاحب الزرع حفظ زرعه وكان يضمن ما افسدت البهائم ليلا(١) .
وروى محمد بن يعقوب الكلينيرحمهالله ، عن الحسين بن محمد، عن معلي بن محمد، عن علي بن محمد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سليمان، عن غثيم بن اسلم، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (في حديث) ان داودعليهالسلام ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم، فأوحى الله تعالى الى داود ان اجمع ولدك فمن قضى منهم بهذه القضية، فأصاب فهو وصيك من بعدك فجمع داود ولده، فلما ان قص الخصمان فقال سليمان: يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك؟ فقال: دخلته ليلا، قال: قد قضيت عليك ياصاحب الغنم بأولاد غنمك واصوافها في عامك هذا، فقال داود: كيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوم ذلك علماء بني اسرائيل؟! وكان ثمن الكرم قيمة الغنم، فقال سليمان: ان الكرم لم يجنث(٢) من اصله وانما اكل حمله وهو عائد في قابل، فأوحى الله الى داود: ان القضاء في هذه القضية ما قضى به سليمانعليهالسلام (٣) .
وروى الشيخرحمهالله باسناده، عن سهل بن زياد، عن ابن شمعون،
____________________
(١) الوسائل باب ٤٠ حديث ١ من أبواب موجبات الضمان ج١٩ ص٢٠٨.
(٢) الجنث بالكسر الأصل... وتجنث ادعى الى غير اصله (القاموس).
(٣) الوسائل باب ٤٠ حديث ٢ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص ٢٠٨.
عن الأصم، عن مسمع عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، عن امير المؤمنينعليهالسلام رفع اليه رجل قتل خنزيرا فضمنه، ورفع اليه رجل كسر بربطا(١) فأبطله(٢) .
وباسناده، عن احمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن غياث بن ابراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيهعليهماالسلام (في حديث) ان علياعليهالسلام ضمن رجلا اصاب خنزيرا لنصراني، ورواه الصدوقرحمهالله مرسلا وزاد: قيمته(٣) .
وروى الكلينيرحمهالله ، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : من تطبب او تبيطر فليأخذ البرائة من وليه، والا فهو له ضامن(٤) .
وعنه عن ابيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أخرج ميزابا أو كثيفا او اوتد وتدا او اوثق دابة او حفر شيئا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب فهو له ضامن(٥) .
____________________
(١) كجعفر، العود معرب بربط أي صدر الأوز (القاموس) البربط شيء من ملاهي العجم يشبه صدر البط معرب بربط أي صدر البط لان الصدر يقال له بالفارسية (بر) والضارب به يضعه على صدره (مجمع البحرين).
(٢) الوسائل باب ٢٦ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٩٦.
(٣) الوسائل باب ٢٦ حديث ٢ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٢٦.
(٤) الوسائل باب ٢٤ حديث ١ من أبواب ديات الأعضاء، ج١٩ ص١٩٤.
(٥) الوسائل باب ١١ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨٢.
وعنه، عن أبيه، عن ابن ابي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره؟ فقال: كل شيء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه(١) .
وروى الشيخرحمهالله باسناده، عن احمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أبي الصباح الكناني قال: قال ابو عبد اللهعليهالسلام : من اضر بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن(٢) .
وباسناده، عن ابن أبي نجران، عن مثنى، عن زرارة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: قلت له: رجل حفر بئرا في غير ملكه فمر عليها رجل فوقع فيها؟فقال: عليه الضمان لأن كل من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان(٣) .
وباسناده، عن احمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن الرجل يحفر البئر في داره او في أرضه؟ فقال: اما ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان، واما ما حفر في الطريق او في غير ما يملك فهو ضامن لما يسقط فيه(٤) .
وروى الكلينيرحمهالله ، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن ابي عمير، عن ابن مسكان، عن زرارة وأبي بصير، عن ابي عبد اللهعليهالسلام
____________________
(١) الوسائل باب ٩ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان ج١٩ص١٨١.
(٢) الوسائل باب ٨ حديث ٢ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص ١٧٩.
(٣) الوسائل باب ٨ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٧٩.
(٤) الوسائل باب ٨ حديث ٣ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨٠.
قال: قضى أمير المؤمنينعليهالسلام في رجل كان له غلام فاسـتأجره منه صائغ او غيره؟ قالعليهالسلام : ان كان ضيع شيئا او أبق منه فمواليه ضامنون(١) .
وعن عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في رجل حمل متاعا على رأسه فأصاب انسانا فمات او انكسر منه؟ فقال: هو ضامن(٢) .
وروى الشيخ باسناده، عن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب عن غياث، عن اسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيهعليهماالسلام ان علياعليهالسلام كان يضمن الراكب ما وطأت الدابة بيدها ورجليها (او رجلها - الوسائل) الا ان يعبث بها احد فيكون الضمان على الذي عبث بها(٣) .
وهذه الأخبار - كما ترى - يدل كل واحد منها على ضمان الاتلاف بالتسبيب بالخصوص، ويدل عليه أيضا عمومات شاملة للمقام وللاتلاف بالمباشرة، مثل الأخبار في تبديل الوصية، وان الوصي ضامن لما اوصي اليه ان لم يعمل على طبقها (منها) ما في الوسائل نقلا عن محمد بن علي بن الحسين باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن مارد، قال: سألت ابا عبد اللهعليهالسلام عن رجل أوصى الى رجل وأمره ان يعتق عنه نسمة بستمأة درهم من ثلثه فانطلق الوصي فأعطى الستمأة درهم رجلا يحج بها عنه فقال ابو عبد اللهعليهالسلام : أرى ان يغرم الوصي
____________________
(١) الوسائل باب ١٢ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨٣.
(٢) الوسائل باب ١٠ حديث١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨٢.
(٣) الوسائل باب ١٣ حديث ١٠ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨٦.
ستمأة درهم من ماله ويجعلها فيما اوصى الميت في نسمة.
ورواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن ابن محبوب الخ ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن مارد(١) .
وروى الشيخرحمهالله باسناده، عن محمد بن أبي عمير، عن زيد النرسي، عن علي بن مزيد صاحب السابري، قال: اوصى الي رجل بتركته فأمرني ان احج بها عنه فنظرت في ذلك فاذا هي شيء يسير لايكفي للحج فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة، فقالوا تصدق بها عنه (الى ان قال) فلقيت جعفر بن محمد في الحجر فقلت له: رجل مات واوصى الي بتركته ان احج بها عنه فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها، فقال: ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها، فقال: ضمنت الا ان لايكون يبلغ ما يحج به من مكة، فان كان لايبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان، وان كان يبلغ ما يحج به من مكة فأنت ضامن(٢) .
وروى الكلينيرحمهالله ، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن ابي سعيد عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: سئل عن رجل اوصى بحجة فجعلها وصيه في نسمة؟ فقال: يغرمها وصيه ويجعلها في حجة كما اوصى به فان الله تبارك وتعالى يقول: فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه(٣) .
وعن ابي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن
____________________
(١) الوسائل باب ٣٧ حديث ١ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤١٩.
(٢) الوسائل باب ٣٧ حديث ٢ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤١٩.
(٣) الوسائل باب ٣٧ حديث ٥ من كتاب الوصايا، ج١٣ ص٤٢٠.
العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن ابي عبداللهعليهالسلام في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله ان كان النصف او الثلث ان كان شهد هذا وآخر معه.
ورواه الصدوق في عقاب الاعمال عن ابيه عن سعد عن احمد بن ابي عبدالله عن أبيه عن صفوان مثله الا انه قال: ان كان شهد هو وآخر معه أدى النصف(١) .
وعن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبداللهعليهالسلام في شاهد الزور ان كان الشيء قائما بعينه رد عليه صاحبه وان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل(٢) .
وكالأخبار الواردة في ضمان الوديعة والعارية في صورة التلف من غير تفريط.
مثل ما رواه الكلينيرحمهالله عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن قال كتبت الى أبي محمدعليهالسلام في رجل دفع الى رجل وديعة (وأمره أن يضعها في منزله او لم يأمريه)، فوضعها في منزل جاره فضاعت هل يجب عليه اذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه فوقععليهالسلام : هو ضامن لها(٣) .
وروى الصدوق مرسلا، قال: قالعليهالسلام : اذا استعيرت
____________________
(١) الوسائل باب ١١ حديث ١ من كتاب الشهادات ج ١٨ ص ٢٣٨.
(٢) الوسائل باب ١١ حديث ٣ من كتاب الشهادات ج ١٨ ص ٢٣٩.
(٣) الوسائل باب ٥ حديث ١ من كتاب الوديعة ج ١٣ ص ٢٢٩.
عارية بغير آذن صاحبها فهلكت فالمستعير ضامن(١) .
وهذه الأخبار - كما ترى - تدل بعمومها على ضمان من كل سببا للإتلاف.
وعلى تقدير الإغماض وعدم الدلالة يكفينا الأخبار الأولى الدالة على ضمان التسبيب صريحا.
وبعد الغاء الخصوصية يستفاد منها ان كل من اتلف مال الغير مباشرا كان او سببا فهو له ضامن كما اشتهر في السنة الفقهاء.
ومحصل ما يمكن ان يقال في تقرير الاتلاف السببي - بعد ترك ذكر ما عرفوه وما أورد من النقض طردا وعكسا - ان من ينسب اليه التلف اما ان يوجد ما يكون علة لوجود المقتضي للتلف او سببا كما مثلوا له بحفر البئر كما ذكرناه آنفا او يرفع ما يكون مانعا.
(وبعبارة اخرى اوضح) ان التل اما ان يستند الى علة التلف او الى شرط التلف او الى رفع المانع واي منها كان.
فقد مثل الفقهاء له امثلة (منها) من حفر بئرا في طريق المسلمين فوقع فيها شيء فعطب فهو له ضامن.
ولنذكر اخبار هذه المسئلة وبيان ما يستفاد منها.
(منها) خبر ابي الصباح الكناني، قال: قال ابو عبد اللهعليهالسلام : كل من اضر بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن(٢) .
(ومنها) رواية الحلبي، عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته
____________________
(١) الوسائل باب ٤ حديث ١ من كتاب العارية، ج١٣ ص٢٤٠.
(٢) الوسائل باب ٩ حديث ٢ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨١.
عن الشيء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال: كل شيء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه(١) .
وهاتان الروايتان تدلان على ضمان خصوص من كان سببا لتلف المال في طريق المسلمين.
(ومنها) رواية السكوني المتقدمة عن الصادق عن النبيصلىاللهعليهوآله ، الدالة على ان من كان حفر بئرا في غير ملكه فهو له ضامن(٢) .
(ومنها) رواية زرارة المتقدمة الدالة على ان من حفر بئرا في غير ملكه فهو له ضامن سواء حفرها في ملك الغير او في الاراضي المباحة(٣) .
(ومنها) مضمرة سماعة المتقدمة الدالة على ان من حفر بئرا في الطريق أو في غير ملكه فهو ضامن لما يسقط فيه(٤) .
نعم مفهوم الروايتين الأولتين عدم الضمان في غير طريق المسلمين، سواء كان في ملكه او ملك الغير.
فمحصل مجموع الروايات، الضمان اذا حفر بئرا في طريق المسلمين مؤيدا بفتوى الفقهاء جميعا(٥) .
____________________-
(١) الوسائل باب ٩ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان ج١٩ ص١٨١.
(٢) الوسائل باب ١١ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨٢.
(٣) الوسائل باب ٨ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٧٩.
(٤) راجع الوسائل باب ٨ حديث ٣ من ابواب موجبات المضان ج١٩ ص١٨٠.
(٥) يعني ان فتوى الفقهاء بهذا المضمون مؤيدة لصدورها عن المعصومينعليهمالسلام ، والله العالم.
وعدم الضمان اذا حفر بئرا في الأراضي المباحة، والروايات المذكورة ايضا دالة عليه بعد رفع اليد عن مفهوم الأوليين بسب منطوق الاخرى، ولا كلام فيه، وانما الكلام فيما اذا حفر بئرا في الأراضي المباحة.
مقتضى بعض الروايات الضمان، وبعضها الآخر عدمه.
والأولى ان نتعرض لنقل الموارد المنصوصة من الأئمةعليهمالسلام والموارد المستنبطة من الفقهاء رضوان الله عليهم ثم نبين ان الاتلاف بالتسبيب ما هو؟ ان استفدناه من الأخبار.
فنقول: اما الموارد المنصوصة (احدها) لو حفر بئرا او كنيفا او ميزابا فمر عليه احد فزل قدمه فوقع فيه فالحافر ضامن(١) .
(ثانيها) لو شهد عند الحاكم فحكم للمدعي ثم رجع الشاهد ضمن شاهد الزور للمدعى عليه(٢) .
(ثالثها) لو خرجت دابة فأتلفت شيئا من اموال الغير، فان كان ليلا ضمن صاحب الدابة وان كان نهارا فلا(٣) .
(رابعها) لو اتلفت الدابة المركوبة فان كان التلف بيديها ضمن الراكب وان كان برجليها فلا يضمن(٤) .
____________________
(١) الوسائل باب ١١ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٨٢.
(٢) راجع الوسائل باب ١١ وباب ١٤ من كتاب الشهادات، ج١٨ ص٢٣٨ و٢٤٢.
(٣) راجع الوسائل باب ٤٠ من ابواب موجبات الضمان ج١٩ ص٢٠٨.
(٤) راجع الوسائل باب ١٣ من ابواب موجبات الضمان ج١٩ ص١٨٣.
وغيرها من الموارد المنصوصة(١) .
ويظهر من تتبع كلمات الفقهاء وموارد النصوص، ان الحكم بالضمان في بعض الموارد وعدم الضمان في بعضها الآخر ليس باعتبار استناد التلف الى شخص اوجد شيئا موجبا لاقتضاء المقتضى اثره بحيث لولا ذلك الشيء لما اثر كما عرفوا السبب بذلك.
(وبعبارة اخرى) ليس الحكم باعتبار صدق الاتلاف وعدم صدقه، والا لما فرق بين الموارد، مع ان النص والفتوى فرقا بينها.
مثلا قد حكم نصا وفتوى بضمان حافر البئر في ملك الغير، وبضمان الكلب بعقر كلبه انسانا بالليل، وبضمان صاحب الدابة ما اتلفته بيدها، سواء كان راكبا او قائدا، او بضمان حافر البئر في طريق المسلمين، بل يمكن ان يقال: في طريق غيرهم أيضا.
وحكم بعدم ضمان حافر البئر في ملكه اذا وقع فيه حيوان او عبد او مال آخر اتفاقا.
وبعدم الضمان ولو في غير ملكه اذا كان فيه مصلحة للمسلمين عموما كما ذهب اليه جماعة.
وبعدم ضمان دية الحر الذي وقع فيه وان كان قد حفرها في طريق المسلمين او ملك الغير.
____________________
(١) راجع الوسائل باب ١٠ ص١٨٢ وباب ١٢ ص١٨٣ وباب ١٤ ص١٨٦ وباب ١٥ ص١٨٨ وباب ١٦ ص١٨٨ وباب ١٧ ص١٨٩ وباب ١٨ ص١٩٠ وباب ١٩ ص١٩١ وباب ٢٤ ص١٩٤ وباب ٢٦ ص١٩٦ وباب ٢٩ ص١٩٩ وباب ٣٢ ص٢٠٢ وباب ٣٦ ص٢٠٦ وباب ٣٩ ص ٢٠٧ وباب ٤١ ص٢١٠ وباب ٤٣ ص٢١١ كل ذلك ج١٩.
وغير ذلك من الموارد التي حكم فيها بالضمان او حكم بعدم الضمان كعدم ضمان صاحب الدابة اذا اتلفت شيئا برجليها حال السير دون حال الوقوف لضمانه حينئذ ضامن مطلقا مع تساوي استناد التلف في اغلب هذه الموارد او جميعها فيمكن ان يقال حينئذ بدخول التعبد في باب الضمانات، لا لاجل صدق الاتلاف كما قد يؤيده تقسيم الفقهاء اسباب الضمان بكونها ثلاثة اليد، والاتلاف والتسبيب فانهم جعلوا التسبيب مقابلا للاتلاف لاقسيما كما لايخفى، فالأحسن التأمل في الأخبار الواردة في الموارد المخصوصة.
(منها) رواية زرارة عن ابي عبد اللهعليهالسلام ، قال: قلت له: رجل حفر بئرا في غير ملكه فمر عليها رجل فوقع فيها؟ فقالعليهالسلام : عليه الضمان لان كل من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان(١) وتنقيح هذا الحديث الشريف يتوقف على بيان اقسام حفر البئر في الأراضي على اختلافها وبيان كيفية وقوعه فيها.
فنقول بعون الله الملك العلام: الحافر اما ان يحفر بئرا في ملكه (تارة) مع جواز التصرف له فيه (واخرى) مع عدم جوازه كما اذا كان ملكه مرهونا أو مستأجرا او مشتركا مشاعا.
واما ان يحفر في غير ملكه.
وغير الملك اما ان يكون ملكا لغيره او لا.
والذي لايكون ملكا للغير، اما ان يكون من الأراضي المباحة او من طريق المسلمين او من الأراضي المفتوحة عنوة التي امرها بيد ولي امر المسلمين بحيث كان جريان امور المسلمين واجرائها بيده بمعنى ان
____________________
(١) الوسائل باب ٨ حديث ١ من ابواب موجبات الضمان، ج١٩ ص١٧٩.
له ان يصرف منافعها في اصلاح امر الاسلام والمسلمين.
واما ان تكون موقوفة، سواء كان الحافر هو احد الموقوف عليهم او كان هو الواقف او الأجنبي.
والحفر اما ان يكون عميقا بحيث لو وقع فيها حيوان او انسان يهلك عادة اولا.
او غير عميق جدا بحيث لايهلك عادة ما وقع فيه الا اتفاقا او يكون متوسطا.
والوقوع تارة يكون في الليل المظلم بحيث لو لم يكن مظلما لما وقع فيها (وبعبارة اخرى) لظلمة الليل دخل في هلاكه او يكون السقوط مستلزما لوقوعه فيه بحيث لولا البئر يسقط ايضا ولكن يترتب على وجود البئر سقوطه فيه لا اصل السقوط.
ونسئل الله التوفيق ان نبين احكامها في ضمن مسائل:
(المسئلة الاولى) لو حفر بئرا في ملكه الذي يجوز التصرف له فيه فليس بضامن نصا وفتوى جزما مطلقا.
(المسئلة الثانية) لو حفر بئرا في ملكه المشترك، فهل يضمن ما سقط فيه مطلقا او لا مطلقا او يضمن بالنسبة؟ وجوه:
وجه الأول انه تعدى وتصرف في ملك الغير بدون اذن (وبعبارة اخرى) المستفاد من الروايات الدالة على الضمان بالتسبيب، عدم جواز التعدي والمفروض انه تعبدي، فيضمن وخصوص المورد لايخصصه.
ووجه الثاني انه لا يصدق انه حفر بئرا في ملك الغير، فلا يوجب الضمان.
ووجه الثالث انه تعبدي بالنسبة الى ملك الغير لا بالنسبة الى ملك الغير لا بالنسبة الى ملكه، واقرب الوجوه هو الاول، واوسطها الوسط، واضعفها الأخير.
ومن هنا يتضح الحال في (المسئلة الثالثة) وهي انه اذا حفر بئرا في ملكه المرهون بدون اذن الراهن او الواقف بناء على بقاء الملك في ملكه الموقوف بالوقف الخاص او بدون اذن الموقوف عليه، بناء على انتقال الملك اليه بمجرد الوقف، فانه ضامن في تلك الموارد كلها فانه تعدى وتجاوز عن حقه بدون اذن ذي الحق كما لايخفى.
(المسئلة الرابعة) لو حفر بئرا في الأراضي المباحة، فبناء على ما قلنا من كون المناط التعدي والتصرف بغير اذن المالك، ففي المسئلة حيث ان الاراضي لمجموع المسلمين - كما هو المفروض - فليس له بما هو شخص ان يحدث بئرا لمنافعه الشخصية فمقتضى القاعدة ضمان الحافر الا انا خرجنا عنها للشهرة على عدم الضمان(١) .
(المسئلة الخامسة) لو حفر بئرا في الأراضي المفتوحة عنوة فهل هو ضامن لما يقع فيها مطلقا ام لا؟ وجهان.
والقدر الجامع لجميع المسائل المفروضة المتقدمة ان يقال: ان صدق التعدي بان كان بحيث يصدق ان يقال: ليس له ان يفعل كذا يمكن ان يقال بالضمان والا فلا.
____________________
(١) هكذا فهمنا من افادات سيدنا الاستاذ الاعظم دام ظله: ويمكن ان يقال: بان الاراضي المباحة حيث تصير ملكا بالحيازة فالحافر بمجرد الحفر يصير مالكا لها بالحيازة، ويمكن ان يكون نظر المشهور ايضا الى هذا، لا الى دليل لم يصل الينا، والله العالم.
فصل في الطوارىء
اذا تغير العين المغصوبة، فاما ان يكون تغيرها بالزيادة، او النقصان وكل واحد منهما اما بالقيمة او العين او الوصف، واما بالمزج بالأردى او الأجود، أو المساوي فهنا مسائل(١) :
(الاولى) لو نقص قيمته السوقية، فعن العلامةرحمهالله الاجماع على عدم ضمان هذا النقص الا عن أبي ثور (أو(٢) عن أبي حنيفة) من العامة، لأن(٣) ضمان القيمة متأخر من ضمان العين، فمادامت باقية لاتكون مضمونة بالقيمة ابدا، وقاعدة اليد لا تدل على ازيد من ضمان نفس العين، لان المأخوذ هو العين والمالية التالفة فرضية لم تكن موجودة قط للمالك، الا على تقدير بيعها.
نعم لو قلنا: ان الدليل على الضمان قاعدة الضرر، يمكن ان يقال بالضمان.
لكن فيه - مضافا الى عدم كونها دليلا انه ممنوع أيضا فانه ليس ضرر، الذي هو عبارة - كما تقدم - عن سلب المالية عن الغير، والقيمة السوقية المفروضة ليست مالا للمغصوب منه كما لايخفى على المتأمل.
(وتوهم) ان الدليل(٤) كما يدل على ضمان العين، يدل على
____________________
(١) لقد أفاده سيدنا الأستاذ الأكبرقدسسره الشريف تسع مسائل وفقنا الله لأداء بعض حقوقه، ولعل البواقي مندرجة فيها.
(٢) الترديد مني.
(٣) علة كونه مجمعا عليه.
(٤) وهو قاعدة اليد.
ضمان الأوصاف الحقيقية والاعتبارية، وكون العين قيمتها كذا مثلا، من الأوصاف الاعتبارية فيضمنها الغاصب - كما يظهر هذا التوهم من بعض(١) الأعاظمقدسسره .
(مدفوع) بأن رواج القيمة السوقية وزيادة رغبات الناس فيها باختلاف الأحوال والأزمان، ليس من الأوصاف كما لايخفى.
(واحتمال) ان النقص هنا كالنقص في صورة التلف، فكما هو مضمون على القول بلزوم اعلى القيم، فكذا هنا (مدفوع) بالفرق، فان ذلك في صورة التلف مع عدم كونها مثلية والمفروض بقائها على ما هي عليه.
وقياس المسئلة بالمنافع التالفة لكونها مضمونة مطلقا(٢) ، قياس مع الفارق فان المنافع عند اعتبار العقلاء من متعلقات العين فهي مضمونة بالتبع، بخلاف الفرض الذي هو عدم النقصان من العين.
(فان قلت): قد افتى بعضهم بضمان الدرهم المغصوب اذا اسقطه السلطان عن الرواج بالدرهم الرائج المتجدد وما هذا الا باعتبار نقصان القيمة، والا فالعين موجودة.
(قلت): نعم روى رواية في باب بيع الصرف من التجارة دالة على لزوم رد المستقرض ما هو الثابت في ذمة المقترض.
مثل ما رواه محمد بن يعقوب الكلينيرحمهالله ، عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، قال: كتبت الى الرضاعليهالسلام : لي على رجل ثلاثة آلاف درهم وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام وليست تنفق اليوم فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها او ما ينفق اليوم
____________________
(١) لم أذكر من المراد من هذا البعض.
(٢) سواء كانت مستوفاة أم غير مستوفاة منهقدسسره .
بين الناس؟ قال: فكتب الي: لك أن تأخذ منه ما ينفق ين الناس كما اعطيه ما ينفق بين الناس(١) .
الا انها - مضافا الى كونها معارضة - لما رواه الشيخ باسناده، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن يونس، قال: كتبت الى أبي الحسن الرضاعليهالسلام انه كان لي على رجل عشرة دراهم وان السلطان اسقط تلك الدراهم وجائت دراهم (بدراهم خ ل) أعلى من تلك الدراهم الاولى ولها اليوم وضيعة فأي شيء لي عليه، الاولى التي اسقطها السلطان ام الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: لك الدراهم الاولى(٢) .
وباسناده، عنه ايضا، عن محمد بن عبد الجبار، عن العباس بن صفوان، قال: سأله معاوية بن سعيد، عن رجل استقرض دراهم عن رجل وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت فلا يباع بها شيء ألصاحب الدراهم، الدراهم الاولى او الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال: لصاحب الدراهم، الدراهم الاولى(٣) غير(٤) ما نحن فيه فان المفروض فيها كون ما على الرجل كليا، وكون الداهم الاولى قد تلفت والمفروض في المقام بقائها بعينها.
وكيف كان فالأظهر(٥) عدم لزوم تفاوت القيمة السوقية على تقدير
____________________
(١) الوسائل باب ١٠ حديث ١ من ابواب الصرف، ج١٢ ص٤٨٧.
(٢) الوسائل باب ١٠ حديث ٢ من ابواب الصرف، ج١٢ ص٢٨٨.
(٣) الوسائل باب ٢٠ حديث ٤ من ابواب الصرف، ج١٢ ص٢٨٨.
(٤) خبر لقوله: الا انها الخ.
(٥) بل لا اشكال فيه اصلا منهقدسسره .
النقصان من قبلها (الثانية) لو نقص جزء من المغصوب، فاما ان يكون له في الشرع مقدار أو لا، وعلى التقديرين اما ان يكون بفعل الغاصب او غيره، فان كان له في الشرع مقدر ويكون نقصان الجزء بفعل الغاصب فعليه رد المقدر مع رد العين كما اذا جنى على العبد المغصوب وأخرج احد عينيه او كليهما يلزم على الغاصب رد نصف القيمة(١) او تمامها(٢) ، وكما اذا غصب عبدا فجعله خصيا فعليه رد العبد مع رد تمام القيمة الذي قدره الشرع لحناية الانثيين.
وان كان نقصان الجزء بفعل الغير، فربما يزيد قيمته على قيمة فاقدهما فالأظهر كونه كالأول في ضمانه تمام القيمة، لان المفهوم من ادلة الجنايات كون القيمة المقدرة شرعا قيمة لهما مطلقا (وبعبارة اخرى) جعل الشارع لهذه الأجزاء مثلا هذه المقدرات(٣) .
فعلى تقديره كذلك فلا يشكل بأن المتيقن من ضمان الغاصب فيما اذا كان التغير موجبا لنقصان المالية لا مطلقا فانه يدفع بأنه كذلك اذا لم يقدر له في الشرع مقدر كما اذا فرض انه غصب جارية سمينة على غير المتعارف فهزلت ووصلت الى حد المتعارف فانه ليس ضامنا لما فات منها من السمن.
(الثالثة) لو نقص وصفا فهو ضامن له فيقوم واجدا له وفاقدا فيؤخذ بالتفاوت مع رد العين.
____________________
(١) في الأول منه (قده).
(٢) في الثاني منه (قده).
(٣) يمكن ان يقال ان المقدرات بحذاء الجنايات حكم تعبدي لا انها قيمة لها مطلقا، كيفما تلفت.
وكذا لو مرضت العين عند الغاصب يضمن وصف الصحة على الظاهر لأن لها عند العرف قيمة، فلو عاد السمن أو وصف الصحة في الفرض، فهل يضمن ايضا ما فاته من السمن او الصحة اولا؟ فعن العلامة في التذكرة ضمانه في الأول دون الثاني لأن السمن الحادث قد حدث في ملك المغصوب منه وهو نماء متجدد هبة من الله تعالى شأنه وما فقد عند الغاصب فهو مضمون عليه بخلاف الثاني، فان وصف الصحة ليست تالفة بعد عودها بنظر العرف.
ويمكن ان يقال بعدم الفرق بينهما، بل اما ضامن مطلقا او ليس بضامن مطلقا، وكذا لو غصب حبا فزرعه فنمائه لمالك الحب قطعا وهل يجب عليه الأداء لقيمة الحب فيه ايضا؟ وجهان، وكذا لو غصب عبدا كاتبا فرده غير كاتب، فيه ايضا وجهان.
والأولى ان يقال في هذه الموارد: كل ما يصدق عليه التأدية للمغصوب بعينه ولو بالمسامحة العرفية، لايلزم عليه غرامة التالف كما في مسئلة تلف وصف الصحة ومسئلة الكتابة اذا نسيها وكلما لايصدق عليه ذلك يلزم عليه ذلك - كما في مسئلة زوال السمن ومسئلة زرع الحب، ومسئلة نسيان الكتابة رأسا ثم تعلمها ثانيا فانه لايصدق عليه انه ادى ما هو المأخوذ كما لايخفى على المتأمل.
ولا فرق في صورة عدم الصدق بين كون الصفة الثانية ممكنة الاجتماع مع الاولى الزائلة أم لا، ولا بين كونها موجبة لازدياد القيمة بالنسبة الى كونها فاقدة لها وواجدة للاولى او لنقصها، أم كانت مساوية، فان الغاصب في جميع ذلك ضامن للصفة المفقودة.
فتفصيل(١) الجواهر بينها - حيث انه بعد كلام المحققرحمهالله وحكمه بأن
____________________
(١) مبتدأ خبره قوله: في غير محله.
الصفة الحادثة ان كانت عين الاولى لم يضمن الفائتة لانها انجبرت بالثانية، وبعد حكمه بضمان تفاوت النقصان الحاصل بزوال الاولى قال: بل لعل الامر كذلك فيما اذا لم يكن العائد عين الأول كالسمن الذي تعقبه هزال ثم السمن على وجه عادت القيمة بالسمن الأول بحيث لو لوحظ الأول والحادث لم يبلغ القيمة المزبورة (انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه).
في غير محله فان الحادث انما حدث في ملكه المغصوب منه والتالف قد استقر عليه بزوال الاولى بمقتضى اليد فلا وجه للقول بكون الثانية جائزة للاولى.
(ان قلت): كيف يحكم بضمان الغاصب مثل الحنطة مع انها حين صيرورتها قابلة لان تصير زرعا، تكون ذا قيمة عند العرف (قلت): على هذا التقدير نحكم بلزوم تفاوت ما بين كونه حنطة وبين كونه كذلك فتأمل.
(الرابعة) لو غصب حبا فزرعه او بيضا فاستفرخه، فعن الشيخرحمهالله في كتاب الغصب من المبسوط والخلاف، الحكم بكون الزرع والفرخ ملكا للغاصب ويلزم عليه المثل في الأول، والقيمة ان قلنا انه قيمي، والا فالمثل في الثاني.
وعن السيد المرتضى (رضوان الله عليه) في الناصريات، بل عن المشهور، الحكم بكونهما للمغصوب منه، بل عن الشيخرحمهالله أيضا في كتاب العارية من المبسوط والغصب من النهاية ذلك.
ويمكن استكشاف نص من نهاية الشيخرحمهالله لكونها موضوعة - كما به صرح هو بنفسه في اول المبسوط - لوضع متون ما وصل اليه من اخبار الأئمةعليهمالسلام التي كانت مورد وثوق له بنظره، بخلاف المبسوط والخلاف فان الاول وضع - زائدا على المنصوص - لذكر التفريعات المستفادة من النصوص، والثاني لنقل المسائل الخلافية بيننا وبين العامة.
وكيف كان فالقول الثاني - كما قال في الشرايع - اشبه بأصول المذهب وقواعدهم لان كلا من الزرع والفرخ يكون نماء لملك المغصوب منه بنظر العرف (ودعوى) صيرورة الحب او البيض معدومة، والزرع والفرخ قد حدثا في ملك الغاصب (مجازفة) لا تسمع.
(الخامسة) لو غصب عصيرا فصار خمرا ثم صارت خلا، فعن المشهور كون الخل ملكا للمغصوب منه.
وفي الجواهر: ان تم اجماع على ذلك والا يمكن الخدشة فيه بأن العصير بعد صيرورته خمرا قد خرج عن ملكه شرعا ولا دليل على كون الخل ملكا له.
ويمكن ان يوجه المشهور من بقاء الملك على ملك المغصوب منه بأحد الأمرين (احدهما) الحكم ببقاء الأولوية(١) - كما اشار اليه في الجواهر أيضا - بعد زوال الملكية.
لكن يمكن ان يناقش فيه ايضا بأن الأولوية اما أن تكون في عرض الملكية بحيث يكون هناك شيئان (أحدهما) الملكية (ثانيهما) الأولوية، فاذا زالت الاولى بقيت الثانية، لكن لا دليل على ذلك، واما أن
____________________
(١) وهذا ايضا على وجهين (الأول) ان يقال بعد صيرورته خلا يرجع ملكا قهرا للمالك من دن تملك من المالك (الثاني) ذلك بعد قصد التملك كما في حق التحجير والأول أظهر.
تكون(١) حادثة بعد زوال الملكية لكن لا دليل على هذا الحدوث، والاصل عدمه اللهم الا ان يقال: يكفي فيه عدم ردع الشارع بعد فرض كونها باقية عند العرف.
(وثانيهما)(٢) ان يقال: ان المادة في الحالات الثلاثة باقية على ملك المغصوب منه غاية الامر حين كونها متصورة بصورة الخمرية لايمكن الانتفاع بها شرعا.
(السادسة) لو مزجت العين بأخرى، سواء كان المزج باختيار الغاصب او بغير اختياره، فهل يضمن رد المثل او القيمة - كما عن ابن ادريس في السرائر - لان العهدة على الغاصب فعليه ان يردها كما غصبها عينا ووصفا وشخصا، فلو لم يقبل المالك الشركة يكون اللازم عليه رد المثل او القيمة.
(وتوهم) حصول الشركة القهرية بالامتزاج كما هو القاعدة في الامتزاج في سائر الموارد (مدفوع) بأن هذا فيما اذا لم يكن الممتزجان او احدهما في عهدة شخص كما في المقام لا مطلقا فلا يبعد قوة قول ابن ادريسرحمهالله .
وان ابيت ان تقبله فلابد من بيان اقسام الشركة كي يتضح لك الحال.
فنقول - بعون الملك العلام - ان الشركة تحصل بأسباب (الأول) بالارث يدل عليه الآيات الدالة على تقسيم التركة بالكسر المشاع كالثلث والربع والسدس والثمن وغيرها، بل في بعض الآيات، التصريح
____________________
(١) عطف على قوله: اما أن تكون في عرض الملكية.
(٢) عطف على قوله: احدهما الحكم الخ.
بكونهم شركاء، مثل قوله تعالى: فان كانوا اكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث(١) الآية.
(الثاني) بالعقد يدل عليه الروايات المودعة في كتب الفريقين من زمن النبيصلىاللهعليهوآله والأئمةعليهمالسلام الدالة على مفروغية ذلك عند الاصحاب بحيث يسئلون عن بعض فروعهم وكذا العمومات الدالة على وجوب الوفاء بالعقد - مضافا الى الاجماع في الجملة على ذلك.
(الثالث) بالمزج والخلط بحيث لايتميز الاجزاء حقيقة وواقعا كمزج المائعات لامثل الحبوبات اذا حيزت.
ويدل عليه اجماع المسلمين من الفريقين في الجملة.
(الرابع) الاعطاء بمعنى انه يعطي ما في ذمته للاثنين اذا كان مديونا لاثنين وادى دينه لهما يحصل الشركة للدائنين بالنسبة الى هذا المعطي.
ومن جملة اسباب الشركة - وان كان لم يذكره الفقهاء - المضاربة فانها تجارة متقومة بشيئين، المال، والعمل بحيث يكون له وحدة حقيقية فيحصل الشركة في الربح لا انها معاوضة بنصف اجرة عمله مع نصف ربح ماله كما لايخفى بعد التأمل، وكذا المزارعة والمساقاة على الظاهر.
والمراد بكونها سببا للشركة ان سنخها لايكون من سنخ المعاوضات لا ان كل عقد متقوم بامور متعددة يكون بعضها من واحد وبعضها الآخر من الآخر يكون شركة، بل لأجل ان الدليل دل على صحة هذه المعاملات الموجبة للشركة كما ان النكاح الدائم ايضا مع كونه من العقود لا يكون من سنخ المعاوضات
____________________
(١) النساء ١١.
وكذا بعض افراد الصلح بل الظاهر كونهما اعني النكاح والصلح من سنخ ايجاد الزوجية والتسالم ولذا لا يعتبر في تحققهما العوض.
بقي هنا كلام
وهو انه ما الوجه في افراد الفقهاء ذكر العقد بكونه موجبا للشركة مع انه مشروط بالامتزاج عندهم - كما استشكله صاحب الحدائق - بأن الفقهاء يعتبرون في حصولها امتزاج المالين مع انه تحصل الشركة من دون عقد ايضا، فالعقد غير مؤثر في حصولها.
واجيب عنه - كما في الجواهررحمهالله - بأن الامتزاج موجب لحصول الشركة الظاهرية والعقد موجب للواقعية فتأثير العقد كون المال بتمام اجزائه مشتركا مشاعا.
والذي يقتضيه التدبر في كلماتهم من العامة والخاصة، المتقدمين منهم والمتأخرين ان افراد الخاصة ذكر عقد الشركة مستقلا انما هو في مقابل سائر العقود كان تبعا للعامة، وبيانه يحتاج الى نقل اقوال العامة في الجملة ثم الخاصة كذلك.
فنقول: ذهب ابو حنيفة الى حصول الشركة، بمجرد قول اشركني ونحوه مطلقا، سواء كان المالان حاضرين عند المشتركين ام لا، حصل الامتزاج ام لا، ما يعين كانا ام جامدين.
وذهب مالك الى اشتراط كون المال تحت يد المالكين فلو كانا غائبين لم يحصل الشركة.
ولكن ذهبت الامامية - وتبعهم الشافعي - الى اشتراط الامتزاج بحيث لايتميز ولما كانت العامة متقدمين في تصنيف كتبهم الفقهية الفرعية وان كانت الخاصة متقدمين في تأليف كتبهم الاصولية التي اخذوا متونها من الأئمة الاطهار
سيما من الصادقينعليهماالسلام ، وقد عقد العامة في كتبهم (كتاب الشركة) وجعلوه في عداد العقود، ووافقهم(١) الامامية في ترتيب التصنيف، والامامية ايضا عقدوا ذلك مستقلا وان لم تكن واقعا كذلك الا انهم ردا عليهم قد عدوها ليظهروا مذهبهم الحق ونبهوا على ان مجرد عقد الشركة بما هو لايكون سببا لحصولهم بل يشترط امتزاج المالين ايضا.
واما ما ذكره صاحب الجواهررحمهالله ، فجوابه ما اجابه هو بنفسه من كونه مخالفا لكلماتهم(٢) .
نعم يقع الاشكال المذكور في الحدائق على بعض المتأخرين فانه جعل عقد الشركة سببا او جزء سبب لحصولها فان الترديد بين جعلها سببا تاما او جزء السبب يدل على استقلال عقد الشركة في حصولها، ولا يرد هذا الاشكال على القدماء حيث لم يعبروا بذلك، وكيف كان فيدل على حصولها بالمزج او الامتزاج تسالم الفقهاء من الخاصة رضوان الله عليهم اجمعين، ان شاء الله تعالى، بل العامة على حصولها في الجملة وان احتمل بعض متأخري المتأخرين كصاحب الكفاية الاستشكال فيما اذا كان الممتزجان غير مائعين حيث انهما بحسب الواقع باقيان على ملك كل واحد من المالكين فحصولها يحتاج الى العقد.
____________________
(١) جواب لقوله: لما كانت العامة الخ.
(٢) كلمات اصحابنا الامامية.
لكن الدليل يعمه وغيره ويؤيده رواية اسحاق بن عمار الواردة في بيع الاثواب التي يكون بين مالكيتهما تنازع في تعيين ما لكل منهما فأمرعليهالسلام ببيعها وقسمة الثمن اخماسا ثلاثة اخماس لصاحب الثلاثين وخمسين لصاحب العشرين فروى محمد بن علي بن الحسين باسناده، عن الحسين بن ابي العلاء، عن اسحاق بن عمار قال: قال ابو عبد اللهعليهالسلام : في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما في ثوب وآخر عشرين درهما في ثوب فبعث الثوبين ولم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه؟ قال: يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة اخماس الثمن والآخر خمسي الثمن، قلت: فان صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين: اختر أيهما شئت قال: قد انصفه(١) وباسناده، عن عبد الله بن المغيرة، عن غير واحد من اصحابنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في رجلين كان معهما درهمان فقال احدهما: الدرهمان لي وقال الآخر: هما بيني وبينك؟ فقال: اما الذي قال: هما بيني وبينك فقد اقر بان احد الدرهمين ليس له وانه لصاحبه ويقسم الآخر بينهما(٢) وباسناده عن السكوني عن الصادق، عن ابيهعليهماالسلام في رجل استودع رجلا دينارين فاستودعه آخر دينارا فضاع دينار منهما قالعليهالسلام : يعطى صاحب الدينارين دينارا ويقسم الآخر بينهما نصفين(٣) .
فظهر بهذا كله ان الشركة تحصل بمطلق الامتزاج سواء كان المالان مائعين او جامدين.
____________________
(١) الوسائل باب ١١ حديث ١ من كتاب الصلح، ج١٣ ص١٧٠.
(٢) الوسائل باب ٩ حديث ١ من كتاب الصلح، ج١٣ ص١٦٩.
(٣) الوسائل باب ١٢ حديث ١ من كتاب الصلح، ج١٣ ص١٧١.
نعم يمكن ان يقال في الصورة الثانية: لا تحصل الشركة الحقيقية بمعنى كون المالين على نحو الاشاعة بينهما، بل تكون بحكم الشركة - كما نقلناه عن الجواهر،- والدليل لا يدل على ازيد من هذا.
وكيف كان فالمالان المختلطان اما ن يكونا من جنس واحد او لا، وكل منهما اما ان يكونا مائعين او لا، والاول اما ان يختلط بالمتساويين وصفا او بالمختلفين جودة وردائة.
والذي يناسب المقام هو التكلم في المائعين، فان كانا متساويين في الجنس والصفة والقيمة، فالشركة بحسب الكمية والمالية، وان كانا مختلفين فيها فهل يكون بحسب الكمية حيث ان كل واحد مالك المن من الخل مثلا، فلا وجه لانتقاله الى القيمة.
(وفيه) انه يلزم حينئذ ان يملك احد المالكين منا ونصفا والآخر نصف من، ولا وجه لنقل عين مال احدهما الى الآخر.
اللهم الا ان يقال: ان ما نحن فيه نظير مسئلة الثوب المبيع بالبيع الخياري ثم فسخ ذو الخيار فانهم يقولون بحصول الشركة المالية باعتبار اكتساب الثوب وصفا لم يكن لها قبل، ففي المقام ايضا حصل للردي نزع جودة بواسطة اختلاط الجيد معه، فالشركة تكون حينئذ مالية فتأمل، فالاظهر هو الثاني هذا بعض الكلام في الشركة.
فنلرجع الى ما نحن فيه فنقول: ان امتزج المغصوب فاما ان يمتزج بجنسه او بغير جنسه وان كان الامتزاج بجنسه، فاما بالمساوي او الأردي او الأجود.
يحتمل ان يقال بحصول الشركة بالامتزاج مطلقا كما عن المبسوط ثم استقرب لزوم اداء الغاصب من العين الممتزجة.
ويحتمل عدم حصول الشركة مطلقا.
ويحتمل التفصيل بين الامتزاج بالجنس وبينه بغيره، فالشركة في الأول دون الثاني.
ويحتمل التفصيل في الامتزاج بغير الجنس ايضا بأنه ان امتزج بالمساوي او الأجود فالشركة، وان امتزج بالأردى فلا.
وفي الشرائع نقل القولين ولم يرجح احدهما على الآخر.
وفي مقام اداء الغاصب حق المغصوب يحتمل كون الاختيار اليه لكونه مديونا وتعيين الدين بيده.
ويحتمل كونه بيد المغصوب منه لأن بعض امواله موجود بعينه فعلا فله المطالبة بعين ماله كما لو غصب صاعين من الزيت فتلف احدهما فليس للغاصب أدائهما من غير المبيع المفروض وجود بعضه، نعم في الصاع التالف له ان يؤدي مثله.
وحيتمل عدم اختيار لواحد منها وكون التعيين الى الحاكم لو تنازعا.
والاحسن في المسئلة ان يقال: انه اذا غصب صاعا من زيت من زيد، وصاعا منه من عمرو وكان قيمة كل واحد منهما درهما فخلطهما الغاصب او اختلطا، لا اشكال في حصول الشركة وكون التقسيم موكولا الى زيد وعمرو دون الغاصب.
وكذا لو كان قيمة احدهما درهما وقيمة الآخر درهمين.
وكذا لو غصب صاعا من دهن من احدهما وصاعا من الدبس من الآخر.
الا ان في الأخيرين يحتمل الشركة بنسبة المالية او بنسبة الكمية للوجه الذي تقدم(١) مع التأمل فيه(٢) .
فحينئذ لو طالب المغصوب منه من الغاصب العين المغصوبة فهل يكون له الامتناع الا من اخذ مثل ماله مطلقا، او لا يكون له ذلك مطلقا او التفصيل بين امتزاج مال كل واحد بجنسه وغيره بعدم الجواز في الاول دون الثاني، او التفصيل بين الامتزاج بالمساوي والأجود وبينه بالأردى؟ وجوه أربعة:
وجه الاول كون الشركة نقصا بالنسبة الى المالية، فله المطالبة بمثل ماله وهو العين المشخصة.
(واحتمال) ان كون المال على ذمته فرع تلفه والمفروض عدمه فيتوجه الثاني (مدفوع) بما مر من ان المستفاد من قولهعليهالسلام : (على اليد الخ) كون عهدة المال عليه، سواء كان حال وجوده ام حال تلفه.
كما ان احتمال الفرق باعتبار الاختلاف في الجنس حيث انه حينئذ مثل ماله بخلاف مالو كان المغصوب موافقا للمدفوع بخلافه (مدفوع) ايضا بما ذكرناه من الشركة بذاتها نقص، فله المطالبة بمثل ماله.
ومن هنا اندفع توهم الفرق في التفصيل الآخر فأقوى الوجوه هو الأول.
ولو غصب المال فخلطه او اختط بماله بأحد الوجوه الأربعة، لا يكون اداء الغاصب معينا، فلا يجب على المالك القبول.
(ان قلت) في فرض اختلاطه بالمساوي يلزم على المالك القبول، لان المدفوع مركب من ماله ومال الغاصب فهو أقرب الى صدق الأداء الذي
____________________
(١) بقولنا: وان كانا مختلفين فيها الخ.
(٢) بقولنا: وفيه انه يلزم الخ.
عبر به في حديث على اليد واقرب الى الخروج عن العهدة، من الاداء بما كان مثله.
(قلت): نعم ولكن حيث ان اداء المال المشترك بينه وبين الغاصب للتعويض ومتضمن له فلذا اشترط رضاهما معا.
واما احتمال ان المال يخرج عن ملكه بالاختلاط ويلزم على المالك قبول ما عينه الغاصب فمخدوش من وجوه تعلم بعد التأمل فيما ذكرناه.
(السابعة) لو زاد المغصوب بفعل الغاصب كانت الزيادة للمالك، فلو تلفت فعليه غرامتها.
وهل للمالك اجباره على ازالتها ولو كان موجبا للضرر على الغاصب؟ الظاهر الأول، لتسلط الناس على أموالهم، ولقاعدة اليد حيث انها تقتضي جواز المطالبة على ما كانت عليه من الهيئة.
نعم بعد الأمر بالازالة لم يكن الغاصب ضامنا لهذه الزيادة حينئذ، ولكن لو نقصت العين بذلك كان له المطالبة بالارش، والفرق بين نقص الصفة ونقص العين حيث ان الغاصب ضامن للأولى دون الثانية، هو ان الصفة المزالة عين متعلق أمره بالازالة بخلاف الثانية فانه لم يأمره بتنقيص العين، بل امره برد العين كما كانت.
(وتوهم) ان ازالة الصفة قد تلازم نقص العين، فلو طالب العين - كما كانت - لزم مطالبة غير المقدور (مدفوع) بأنه لاينافي الاختيار ولو بترك الغصب فعلم انه ضامن لنقص الصفة كما ذهب اليه الشيخ وتبعه المحقق في الشرائع والعلامة في التحرير والشهيد في الدروس على ما في الجواهر.
قال في القواعد - على ما حكى عنه في الجواهر-: ولو صاغ النقرة حليا ردها كذلك فلو كسر ضمن الصنعة وان كانت من جهته وللمالك اجباره على ردها نقرة ولايضمن ارش الصنعة ويضمن ما نقص من قيمة اصل النقرة
بالكسر ونحوه المحكي عن التحرير والدروس وغيرهما(١) (انتهى ما عن الجواهررحمهالله ).
فالتحقيق ان يقال: ان الزيادة اما ان تكون عرضا او عينا، والأول اما ان لايكون بحذائها في الخارج شيء كقصارة الثوب وخياطته او صياغة النقرة، واما يكون بحذائها شيء فيه.
لا اشكال في كون الهيئة الحاصلة فيه بفعل الغاصب يكون ملكا للمغصوب منه وله الزام الغاصب بازالتها، فلو نقصت العين بعد الازالة ضمن الغاصب الأرش.
فهل تكون الزيادة في الصورة الثانية ايضا ملكا له حيث ان الصبغ الذي صرفه في هذا العين قد تلف، وعمله لا احترام فيه، او لا يكون له ملكا له بل هو باق على ملك الغاصب باعتبار ان العرف يراه باقيا لا تالفا؟ وجهان.
وعلى الثاني تكون العين المغصوبة بنسبة كونها مشتركة بينه وبين الغاصب تالفة فعليه دركه.
وهل للغاصب انتزاع الصبغ ام لا؟ الظاهر لا، لانه تصرف في ملك الغير بدون اذنه.
واما القسم الثالث أعني الزيادة العينية كأن يجعله مغرسا او
____________________
(١) راجع ايضاح الفوائد في حل اشكالات القواعد لولده فخر المحققين ج٢ ص١٨٦ المطبوع سنة ١٣٨٨ هـ ق - طبع قم.
مزرعا او اساسا لبناء ونحوه، فالظاهر ان على الغاصب قلعه وله الزامه على الغاصب فلو نقص الأرض المغصوبة حينئذ يضمن النقص، ولو نقص المقلوع او المزروع او البناء، لايضمن المغصوب منه، كل ذلك لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (على اليد ما اخذت الخ(١) وقولهصلىاللهعليهوآله : ليس لعرق ظالم حق(٢) .
(الثامنة) لو غصب ارضا فحمل ترابها الى مكان آخر او حفر بئرا في الارض المغصوبة فللمالك الزامه برده اليها، لدلالة (على اليد) عليه.
وهل للغاصب رده او طمها بدون اذنه؟ فصل العلامة في التذكرة بين ان يكون له غرض فجوزه، وان لايكون له ذلك، فاستقرب عدم الجواز، والظاهر انه لا وجه لهذا التفصيل.
(وتوجيهه) بان قولهصلىاللهعليهوآله (على اليد الخ) يدل على لزوم اعادة العين على مالكه كذلك فيدل على لزوم اعادة الهيئة مقدمة لردها كما كانت فيتوقف ردها كذلك على جواز الاعادة، بل على وجوبها على وجه (مدفوع) بالفرق بين التصرف لرد العين والتصرف لرد التراب، فان الأول لوجوب الاستخلاص الذي هو عين حرمة الغصب بقاء بخلاف الثاني، فانه تصرف آخر في ملك الغير بغير اذنه فلا يجوز.
مضافا الى ان التوجيه لايتحقق معه التفصيل المذكور في التذكرة.
____________________
(١) عوالي اللآلي ج١ ص٢٢٤ وص٣٨٩ وج٢ص٣٤٥، وج٣ ص٢٤٦ وص٢٥١ ولاحظ ذيول هذه المواضع ايضا.
(٢) عوالي اللآلي ج٢ ص٢٥٧ ولاحظ ذيله والوسائل باب ٣ حديث ١ من كتاب الغصب ج١٧ ص٣١١، وقولهعليهالسلام لعرق ظالم بالاضافة أو بالتنوين.
قال في كتاب الغصب منها: اذا غصب ارضا او نقل التراب عن وجهها كان للمالك اجباره برده ومطالبته بنقله الى الارض كما كان مبسوطا على الارض ان كان التراب باقيا، فلو تلف او انمحق لهبوب الرياح او السيول الجارية اجبر على رد مثله اليه ويجب عليه اعادة وصفه وهيئته كما كانت في انبساط او ارتفاع، وان لم يطالبه المغصوب منه بالرد، نظر ان كان له فيه غرض بان دخل الارض نقص وكان ذلك النقص يرتفع بالرد ويندفع عنه الارش او كان قد نقل التراب الى ملكه فأراد تفريغه او الى ملك غيره او شارع يحذر من التعسير فيه الضمان، فله الاستقلال بالرد وان لم يكن شيء من ذلك بل نقله الى موات او من احد طرفي الأرض المغصوبة الى الآخر، فان منعه المالك من الرد لم يرده وان لم يمنعه، فالأقرب ان الغاصب يفتقر الى اذن المالك (انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه).
(التاسعة) لو غصب صاعين من زيت قيمتها اربعة دراهم فأغلاهما، فان نقص العين والقيمة ضمنهما وان نقص الأول دون الثاني ضمن بقدر نقصانه ورد الباقي ولو كان زاد قيمته لانه زيادة حصلت في ملك المغصوب منه، وان نقص الثاني دون الأول رد العين وضمن بقدر الناقص وان لم ينقص شيء منهما لم يكن عليه شيء.
ولو غصب عصيرا فأغلاها فبناء على مذهب العامة من عدم الحرمة بالغليان، قال الشيخ في المبسوط ما مضمونه ومحصله: لا يضمن لو نقص العصير كما دون قيمة فان الحلاوة التي باعتبارها تزيد القيمة وتنقض، باقية على حالها، وما نقص وذهب بالغليان هو المادة المائية التي لا قيمة لها.
وذهب العلامة الى عدم الفرق بينه وبين المسئلة السابقة في الضمان وكذا لو غصب عنبا فصار زبيبا يضمن ما نقص من العنب، نعم يحتمل هنا الضمان بالقيمة، فان الماء الذي قد ذهب ليس له مثل كما احتمله صاحب الجواهررحمهالله ، وهو احتمال حسن كما ان قول(١) العلامةرحمهالله ايضا حسن، نعم لو غصب لبنا فصيره جبنا يحتمل قويا ان يقال بعدم الضمان لو لم ينقص قيمته.
واما(٢) بناء على مذهب الخاصة من القول بالحرمة بالغليان قبل ذهاب الثلثين فنسب الى العلامةرحمهالله القول بوجوب رد ما بقي مع ضمان الثلثين للمغصوب منه، سواء زاد قيمة الباقي عن الأول ام لا، فان الزائد نماء ملك المالك.
____________________
(١) في التذكرة: لو غصب عصيرا فأغلاه فنقصت منه دون قيمته مثل ان كان صاعين قيمتهما اربعة دراهم فلما اغلاه عاد الى صاع قيمته اربعة دراهم، قال الشيخرحمهالله : لا يضمن الغاصب، الناقص من العين هنا لانه مجرد مائية رطوبة لاقيمة لها، وللشافعية وجهان (احدهما) انه يضمن ما نقص من العين كالزيت لانه مضمون بالمثل والثاني انه لايغرم شيئا لانه اذا اغلاه نقصت المائية التي فيه وصار ربا ولهذا يثخن ويزيد حلاوته فالذي نقص منه لاقيمة له، بخلاف الزيت فانه لامائية فيه فالذاهب منه زيت له قيمة بخلاف العصير فان حلاوته باقية والذاهب منه ليس الا المائي والرطوبة التي لا قيمة لها، والوجه عندي انه لا فرق في الضمان بين الزيت والعصير لان الذاهب في الزيت ايضا الرطوبة المائية خاصة، الا ان مائيته اقل قاله بعض الشافعية (انتهى).
(٢) عطف على قوله: فبناء على مذهب العامة (ولا تغفل).
قال العلامة عليه الرحمة في كتاب غصب التذكرة: ما هذا لفظه: لو غصب عصيرا فأغلاه حرم عندنا وصار نجسا لايحل ولا يطهر الا اذا ذهب ثلثاه بالغليان، فلو رده الغاصب قبل ذهاب ثلثيه وجب عليه غرامة الثلثين والوجه انه يضمن ايضا غرامة الخسارة على العمل فيه الى ان يذهب كمال الثلثين لانه رده معيبا ويحتاج مع زوال العيب الى خسارة والعين من فعله وكانت الخسارة عليه (انتهى كلامه زيد في علو مقامه).
(مسئلة - ١ -) فوائد المغصوب مضمونة مطلقا، سواء كانت مستوفاة ام لا.
اما المستوفاة فلصحيحة ابي ولاد(١) المتقدمة الدالة على ضمان المتعدي عن الحد المأذون فيه.
واما غير المستوفاة، فعن العلامةرحمهالله ، الضمان فيها ايضا قال في غصب التذكرة: منافع الأموال من العبيد والثياب والعقار وغيرها مضمونة بالتفويت والفوات (الى ان قال): عند علمائنا اجمع وبه قال الشافعي واحمد بن حنبل (الى ان قال): وقال مالك: لا تضمن بالفوات وانما تضمن بالتفويت والاستعمال(٢) (انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه).
واسشكله شيخنا المحقق الأنصاريرحمهالله في مسئلة ضمان منافع العين المبتاعة من كتاب البيع حيث قال: لكن يشكل الحكم بعد تسليم كون المنافع اموالا حقيقية، بأن مجرد ذلك لايكفي في تحقق الضمان الا ان يندرج في عموم (على اليد ما اخذت) ولا اشكال في عدم شمول
____________________
(١) راجع الوسائل باب ٧ حديث ١ من كتاب الغصب، ج١٧ ص٣١٣.
(٢) التذكرة ج٢ - البحث الثالث في المنافع.
الموصول للمنافع، وحصولها في اليد بقبض العين لايوجب صدق الأخذ (ودعوى) انه كناية عن مطلق الاستيلاء الحاصل في المنافع بقبض الاعيان مشكلة، واما احترام مال المسلم، فانما يقتضي عدم حل التصرف فيه واتلافه بلا عوض وانا يتحقق ذلك في الاستيفاء فالحكم بعدم الضمان مطلقا كما عن الايضاح او مع علم البايع بالفساد كما عن بعض آخر، موافق للأصل السليم (انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه).
لكن لايخفى انه لاشبهة في شمول اليد للمنافع والأعيان كليهما ولذا يضمن مال الاجارة للموجر اذا استأجر عينا فلم يستوف المنفعة حتى انقضى الاجل كما صرح به في التذكرة، قال: فلو غصب عبدا او جارية او ثوبا او عقارا او حيوانا مملوكا ضمن منافعه، سواء أتلفها بأن استعملها او فاتت تحت يده بان بقيت في يده مدة ولايستعملها عند علمائنا اجمع (انتهى) فتدبر جيدا.
كما ان قولهعليهالسلام : رفع عن امتي تسعة (الى ان قال): وما لا يعملون(١) دلالة على رفع جميع الآثار فافهم.
وحينئذ فلو كان للمغصوب منافع متعددة، فاما ان يمكن الانتفاع بجميعها في آن واحد او لا يمكن ذلك، وعلى الثاني اما لاتكون المنعفة الواحدة الممكنة الانتفاع متساوية اجرة مع سائر منافعه ام تكون كذلك.
اما الاولى - اعني صورة تعدد المنافع الممكنة الانتفاع - فيضمن الغاصب جميعها ولا اشكال في ذلك ولا كلام.
واما الثانية - أعني صورة تعدد المنافع الغير الممكنة الانتفاع -
____________________
(١) الوسائل باب ٣٧ حديث ٢ من ابواب قواطع الصلاة ج٤ ص١٢٨٤.
فهل يضمن ما هو اعلى اجرة ام أدنى أم أوسط أم يرجع الى العرف في استئجار العبد الموصوف بذلك كما احتمله صاحب الجواهر؟ وجوه، لكن الأخير يرجع الى الاول، لان العرف يستأجر العبد الموصوف بأن له منافع ثلاثة مثلا كالخياطة والحياكة والكتابة، اكثر مما يستأجره في فرض كونه فاقدا لأحدهما او لاثنين منهما.
والاحتمال الثاني ايضا لا دليل عليه الا اصالة البرائة بالنسبة الىالزائد وهي موقوفة على عدم دلالة على ازيد من ذلك.
والاحتمال الثالث لابد ان يقال: انه مقتضى العدل والانصاف وهو موقوف ايضا على عدم كون الاول مقتضى الدليل والا فلا يكون خلاف العدل.
فالأقوى حينئذ الأول بمقتضى قاعدة اليد الا ان يكون في نظر العرف في غاية الشذوذ فينزل على المتعارف من اجرة صنعة تكون أعلى.
واما الثالثة - اعني صورة وحدة المنفعة على سبيل البدل طولا - فلا اشكال ايضا في ضمان المنفعة الواحدة، وانما الكلام في انه اذا امكن استيفاء المنفعة في مدة بعشرة دراهم وفي مدة اخرى اكثر منها بعشرين درهما، وفي ثالثة اكثر منهما بثلاثين درهما مثلا فان استوفاها على النحو الثالث، يكون ضامنا بما استوفاه، وان لم يكن استوفى الثاني او الثالث مثلا بلاستوفى الأول او لم يستوف اصلا، فهل يكون ضامنا للأول او الثاني او الثالث؟ والأوسط اوسط ان كان متعارفا اجرته والا فبقدر المتعارف دون ما يمكن ان يستوفي منه.
(مسئلة - ٢ -) لو غصب عبدا فقتله او قتله الغير فالمالك مخير في الرجوع الى الغاصب او القاتل فان رجع الى الغاصب فعليه اداء الدية ويرجع الى القاتل، وان رجع الى القاتل فلا رجوع له على الغاصب ولا كلام فيه في الجملة.
وانما الكلام في ان ديته بمقدار قيمته الا ان تكون رائدا على ذية الحر أم لا؟ نسب الى الشيخ الطوسيقدسسره الأول وانه ادعى اجماع الفرقة واخبارهم ونسب الثاني الى ابن ادريس والعلامة رحمهما الله وجماعة من المتأخرين كالشهيدين والمحقق الثاني في جامع المقاصد.
ويمكن ان يحتج للأول بأمرين (احدهما) اطلاق الأخبار الواردة في تقدير دية العبد، مثل ما رواه في الكافي مسندا الى الحلبي - وهو عبيد الله بن علي الحلبي - عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: اذا قتل الحر العبد غرم قيمته وادب، قيل: فان كانت قيمته عشرين الف درهم؟ قال: لا يجاوز بقيمته دية الأحرار(١) .
وما في الكافي والتهذيب مسندا عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: دية العبد قيمته فان كان نفيسا فافصل قيمته عشرة آلاف درهم ولا تجاوز به دية الحر(٢) .
وما في الكافي مسندا عن الحسن بن صالح، عن ابي عبد اللهعليهالسلام في رجل حر قتل عبدا قيمته عشرون الف درهم؟ فقال: لايجوز ان يجاوز بقيمة عبد اكثر من دية حر(٣) .
(الثاني) دعوى الشيخرحمهالله اجماع الفرقة واخبارهم، ومراده من اجماع الفرقة دعوى الرواية عن الأئمةعليهمالسلام ايضا فيمكن ان لايصل
____________________
(١) الوسائل باب ٦ حديث ٣ من ابواب ديات النفس، ج١٩ ص١٥٢.
(٢) الوسائل باب ٦ حديث ٢ من ابواب ديات النفس، ج١٩ ص١٥٢.
(٣) الوسائل باب ٦ حديث ٥ من ابواب ديات النفس، ج١٩ ص١٥٣.
الينا ما وصل اليه من الجوامع الأولية حيث كان في زمنه مكتبة في بغداد جامعة، لأكثر ما صدر عنهمعليهمالسلام فوقع التشاجر والتنازع بينهم وبين الخاصة فخربوها واحرقوا بعض الكتب الموجودة فيها.
ولعل نظر المحقق في الشرائع الى ذلك حيث لم يجزم بالفتوى، بل قال: ولو قيل كان الزائد (أي دية الحر عليه) (اي الغاصب) كان حسنا، لكن المتأخرين عنه جزموا وحكموا - على طبق القاعدة - بضمانه بمقدار مالية العبد كائنا ما كان.
ويمكن ان يجاب عن الأول بأن الأخبار لا تدل الا على ان دية العبد لاتتجاوز عن دية الحر كي لا يلزم اشرفيته عليه ولم يكن له اطلاق يشمل فرض الغصب ايضا.
والحاصل ان الحكم بلزوم القيمة وتعينها بالقدر المعلوم من حيث القتل لاينافي لزوم اكثر من القدر المعلوم من حيث الغصب بقاعدة اليد فلا استبعاد في ذلك. واما دعوى الشيخرحمهالله اجماع الفرقة واخبارهم، فيمكن ان يكون نظره الى الأخبار التي قدمناها او نظيرها في الاطلاق لا ان هنا أخبارا في خصوص الغصب، فتحسين المحقق مع فتوى من تأخر عنه من المحققين من المتأخرين بلزوم قيمة العبد ولو كان زائدا عن الغصب، لا يخلو عن قوة، فتأمل جيدا.
ولو جنى على بعض اطراف العبد، فاما ان يكون له مقدر أم لا، فعلى الأول، على الجاني نسبة ما قدر في الشرع لاطراف الحد من قيمة العبد الا ان يزيد دية الحر فيرد اليها، وعلى الثاني ففيه الحكومة بمعنى ان يجعل العبد اصلا والحر فرعا، فيقدر مثلا هذا المجني عبدا واجدا لهذا العضو المفقود فعلا، وواجدا له تقديرا فيقدر بقدره.
هذا بعض الكلام في الغصب وأحكامه(١) .
نسأل الله تعالى ان لانكون من الغاصبين لأحكامه في ايامه تم بالخير والسعادة تقرير هذا البحث ليلة الأربعاء السابعة من رجب الأصب، سنة ستة وستين وثلاثمأة بعد الألف من الهجرة النبوية وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المظلومين، ولعنة الله على اعدائهم أجمعين
من الآن الى قيام يوم الدين والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، اللهم اغفر وأعل درجة سيدي الاستاذ قدس الله نفسه، واغفر لمقرري بحثه، واجعلني منهم، آمين يارب العالمين
علي بناه الاشتهاردي - قم المقدسة
____________________
(١) الى هنا افاد سيدنا الاستاذ الأكبر الآية العظمى المرجع الديني العام الحاج آقا حسين البروجرديقدسسره .
الفهرس
تقريرات ثلاثة آية العظمى حسين البروجردي الطباطبائي قدسسره ١
كتاب الوصية ٥
بقي الكلام في الاضافات الحاصلة بها ١٤
ومن الشرائط ١٦
يشترط في الموصى به امور ٢٣
فرع ٢٨
بيان المراد من مرض الموت ٥٨
القول في الاقرار ٥٩
ايقاظ ٦٦
الكلام في شروط الوصي ٨٧
ميراث الازواج ٩٥
كتاب الغصب.. (فصل في اسباب الضمان) ١٢١
شمول قاعدة اليد للغصب ١٢٣
[الاتلاف] ١٢٤
فروع متفرعة ١٤٣
فصل في الطوارىء ١٦١
بقي هنا كلام ١٧٠
الفهرس ١٨٦