فاسألوا اهل الذكر
التجميع الإمامة
الکاتب الدكتور محمد التيجاني السماوي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

فاسالوا أهل الذكر

الدكتور محمد التيجاني السماوي




بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمّة المركز

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين ، حبيب قلوبنا ، أبي القاسم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة الموبّدة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

نحمدك اللهمّ ونشكرك أن جعلتنا من أتباع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، والسائرين على نهجهم القويم ، والمتبرّئين من أعدائهم والناصبين لهم البغض والعداء.

لم يكن من ضمن برنامجنا العلمي في « مركز الأبحاث العقائدية » إعادة طبع الكتب التي تمّ طبعها ونشرها لعدّة مرّات ، خصوصاً كتب الدكتور التيجانى التي تتنافس في طبعها ونشرها مراكز علميّة كثيرة ومؤسسات ثقافية عديدة ، إذ طبعت طبعات متعدّدة وترجمت إلى عدّة لغات عالمية.

والذي جعلنا نُقدم على إعادة طباعتها ، وتصحيح الأخطاء المطبعية التي وجدت في الطبعات السابقة منها ، بل إصلاح بعض الهفوات العلميّة التي وقع فيها المؤلّف ، واستخراج كافة الأقوال الفقهية وغيرها والأحاديث الشريفة وبيان صفاتها التوثيقية ـ وإن كان هذا العمل بحدّ ذاته يستحقّ التقدير ـ هو الإجابة على الشبهات والردود التي أثارها بعض علماء السنّة حول كتب الدكتور التيجاني الذي وصفوه بشخصية خيالية اختلقها بعض علماء الشيعة


للتشنيع على المذهب السنّي ، فقد جمعنا كتبهم فكانت خمسة كتب هي :

(١) « كشف الجاني محمّد التيجاني » لعثمان بن محمّد الخميس ، والظاهر أنّه أوّل من تصدّى للردّ على الدكتور التيجاني ، إذ أنّ الطبعة الثانية لهذا ، الكتاب صدرت عن مؤسسة الفجر في لندن سنة ١٤١١ هـ ، والطبعة الثالثة صدرت عن دار الأمل في القاهرة وكتب عليها « طبعة مزيدة منقّحة ».

وبما أن الطبعتين الأُولى والثانية كانت عبارة عن كتيب صغير ، لذلك اضطرّ الخميس في طبعته الثالثة أن ينقل من كتاب « الانتصار » ـ الذي يأتي الحديث عنه برقم ٢ ـ ثلاث وأربعين صفحة ، وذلك من أجل زيادة صفحات كتابه ، علماً بأنّه في كتابه هذا الذي يقع في مائتين صفحة تقريباً يحاول الردّ على كتب الدكتور التيجاني الأربعة وهي : « ثم اهتديت » و « فاسألوا أهل الذكر » و « لأكون مع الصادقين » و « الشيعة هم أهل السنة ».

(٢) « الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماويّ الضالّ » للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي ، صدرت طبعته الأُولى سنة ١٤١٨ هـ عن مكتبة الغرباء الأثرية في المدينة المنوّرة ، وكان المؤلّف ينوي الردّ على كتب الدكتور التيجاني الأربعة التي ذكرناها سابقاً ، إلاّ أنّ الذي صدر هو القسم الأوّل منه فقط ، وهو ردّ على كتاب « ثم اهتديت ».

(٣) « منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية ، مع دراسة لبعض الكتب المذهبيّة وسبل التقريب » لأبي الحسن محيي الدين الحسني ، انتهى من تأليفه في الأوّل من رجب سنة ١٤١٧ هـ ، صدر عن مطبعة المدينة في بغداد ، وهو ردّ على كتاب الدكتور التيجاني « لأكون مع الصادقين » فقط.

(٤) « النشاط الشيعي الإمامي أو الاستنساخ العقدي ، التيجاني السماوي نموذجاً » ، للزبير دحان ـ صدرت سنة ١٤٢٣ هـ ضمن سلسلة نقد المعتقد


برقم ١ ، وهو ردّ على كتاب « المراجعات » للسيد عبد الحسين شرف الدين ، وكتب الدكتور التيجاني.

(٥) « بل ضللتَ » لخالد العسقلاني ، صدرت سنة ١٤٢٤ هـ عن دار المحدّثين للطباعة والنشر ، الطبعة الثانية ، وهو ردّ على كتاب الدكتور التيجاني « ثم اهتديت ».

عملنا في هذا الكتاب

(١) قراءة نصّ الكتاب بشكل دقيق ، ثمّ تقطيع عباراته إلى عدّة فقرات متناسقة ، واستعمال علامات الترقيم حسبما تقتضيه الطرق الفنيّة لتحقيق الكتب.

(٢) استخراج كلّ ما يحتاج إلى استخراج : من آيات قرآنيّة كريمة ، وأقوال فقهيّة وكلاميّة وتأريخيّة وغيرها ، وأحاديث شريفة ، وأشعار وغيرها ، كلّ ذلك من مصادرها الرئيسيّة.

(٣) بيان صفات الأحاديث الشريفة التي استدلّ بها المؤلّف ، وتمييز الصحيح عن غيره ، استناداً إلى آراء كبار علماء المسلمين من الفريقين ; ليقف القارئ على صحّة كلام المؤلّف وزيف ادّعاء المخالف له.

(٤) إبقاء تعليقات المؤلّف التي كانت في الطبعة السابقة كما كانت ، وتمييزها عن عملنا بإضافة كلمة « المؤلّف » في آخرها.

(٥) إذا ذكر المؤلّف مصدراً أو مصدرين لكلامه أو للقول أو الحديث الذي يستدلّ به ، فإننّا نضيف لها مصادر أُخرى معتبرة عند عامّة المسلمين ، ليقف القارئ على حقيقة الأمر.

(٦) قمنا بردّ الشبهات التي أثارها عثمان الخميس في كتابه « كشف


الجاني محمّد التيجاني » على هذا الكتاب الذي بين أيدينا ، وبيّنا زيف ادّعاء الخميس وقلّة اطّلاعه على التاريخ ، وكيفيّة محاولته لإضلال الرأي العامّ بإدّعاءات واهية لا أساس لها ، بل محاولته بتر حديث الدكتور التيجاني ، وهذه مغالطات يلجأ إليها الضعفاء.

كذلك قمنا بردّ الإشكالات التي وجهها أبو الحسن محيي الدين الحسني في كتابه « منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلاميّة » على خصوص هذا الكتاب ، وهي في الواقع إشكالات واهية تنمّ عن تعصبّ أعمى بعيداً عن روح النقاش والتفاهم الحرّ الذي يسعى صاحبه للوصول إلى الحقيقة.

وأشرنا أيضاً إلى المناظرة العقائدية التي جرت سنة ١٤٢٣ هـ في قناة « المستقلة » بين بعض الوهابيّة وبعض أتباع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ، والذي كان للدكتور التيجاني دور مهم فيها.

شكر وتقدير

ختاماً فإننا نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكافة الإخوة الأعزاء في « مركز الأبحاث العقائدية » الذين ساهموا في إحياء هذا الأثر وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة ، وأخص بالذكر السيّد هاشم الميلاني الذي ساهم في استخراج بعض المصادر ، والشيخ لؤي المنصوري الذي أخذ على عاتقه عملية الاستخراج كاملةً وردّ الشبهات والإشكالات التي وجّهت لهذا الكتاب ، فجزاهم الله جميعاً خير الجزاء ، وجعله في ميزان أعمالهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

محمّد الحسّون

مركز الأبحاث العقائدية


مقدمّة المؤلّف للطبعة المحقّقة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمّد ، وعلى آله الطيبيّن الطاهرين المعصومين.

أما بعد ، فإنّي أتقدّم لمركز الأبحاث العقائديّة في قم المقدسّة ـ تحت إشراف المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيّد علي السيستاني أطال الله عمره الشريف في صحة وعافية ليستفيد المسلمون من علومه وبركاته ـ بالشكر الجزيل ، كما وأشكر إدارة المركز وعلى رأسها سماحة السيّد جواد الشهرستاني ، وكذلك الشيخ الجليل فارس الحسّون(*) ، والعاملين معهم في مجال البحث والتحقيق ، والذين بذلوا وقتاً ثميناً وجهداً كبيراً في دارسة وتنقية كتبي الأربعة : ( ثمّ اهتديت ) و ( مع الصادقين ) كذلك ( فاسألوا أهل الذكر ) و ( الشيعة هم أهل السنّة ) ، وقد أوقفوني على بعض الهفوات والأغلاط التي لا يخلو منها إلاّ كتاب الله; ليصّح قوله سبحانه وتعالى :( وَلَوْ

____________

(*) كتبتُ هذه المقدّمة حينما كان الشيخ فارس الحسّون حيّاً ، إلاّ أنّه انتقل إلى رحمة الله تعالى قبل إكمال هذا العمل ، فأخذ أخوه الشيخ محمّد الحسّون على عاتقه إدارة المركز وإكمال أعماله ، فقام بمراجعة هذا الكتاب مراجعة علميّة وتهيئته للطبع ، فله من الله الأجر والثواب ومنّي جزيل الشكر والتقدير« المؤلّف ».


كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (١) ، وليتبيّن لكلّ كاتب ومؤلّف مهما بلغت عنايته أنّه بشرٌ محدود القدرات وفي حاجة إلى المراجعة ، فإنّي اُلفت انتباه القرّاء الكرام إلى تنقيح بعض المصادر التي وقع فيها الاشتباه ، إمّا لسهو أو لإهمال أو لأغلاط مطبعية ، لتكون هذه الكتب الأربعة المذكورة في حُلّة جديدة ومُنقّحة بدون تغيير المتون ولا تبديل الكلمات.

وهذه الخدمات الجليلة التي يعجز عنها الإنسان بمفرده قام بها مركز الأبحاث العقائديّة عبر مجموعة من أعضائه العاملين والمحقّقين ليكون دائماً عمل الجماعة محموداً أو مقدّماً على عمل الأفراد ، فإنّي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا جميعاً لخدمة دينه العظيم ، ويجعلنا من خَدَمة هذا المذهب الشريف مذهب الحقّ المتمثّل في اتّباع محمّد وأهل بيته الأطهار ، الذين جعلهم الله سبحانه أئمة الهدى ومصابيح الدجى وسفينة النجاة لمن ركبها ، وإنّي باسمي واسم جميع القراء وجميع المسلمين نشكر مرّة أخرى مركز الأبحاث العقائديّة على الجهود التي قام ويقوم بها لإنارة السبيل وهداية الباحثين.

الفقير لرحمة ربّه

الدكتور محمّد التيجاني السّماوي

٢ جمادى الأول / ١٤٢٤

____________

(١) النساء : ٨٢.


المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على سيّدنا ومولانا محمّد المبعوث رحمة للعالمين ، سيّد الأوّلين والآخرين ، والمُنزّه عن كلّ ما هو مُشين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، أعلام الهدى ، ومصابيح الدّجى ، وأئمة المسلمين.

أمّا بعد ، فهذه أسئلة أعددتها للمسلمين الباحثين خاصّة منهم أهل السنّة الذين يظنّون أنّهم هم وحدهم المتمسّكون بالسنّة النبويّة الصحيحة على صاحبها أفضل الصّلاة وأزكى التسليم وعلى آله الطاهرين ، بل ويشدّدون نكيرهم على غيرهم من المسلمين وينبزونهم بالألقاب.

وقد بُعثتْ في شتّى البلاد الإسلامية جمعيات جديدة باسم الدّفاع عن السنّة المحمّدية ، وباسم أنصار السنّة وأنصار الصحابة ، وكُتبت كتبٌ عديدة لشتم وتكفير الشيعة وأئمّتهم والاستهزاء بعلمائهم ، ورَوّجت وسائل الإعلام العالمية هذه الأفكار في كلّ أقطار العالم الإسلامي وغير الإسلامي ، وأصبح حديث النّاس اليوم هو « السنّة والشيعة ».

وكثيراً ما التقي في المناسبات مع بعض الشباب المثقّف من المسلمين


الصادقين الذين يتساءلون ويسألون عن حقيقة الشيعة وباطلهم ، وهم حائرون بين ما يشاهدونه ويعيشونه مع أصدقاء لهم من الشيعة ، وما يسمعونه ويقرؤونه عنهم ، ولا يعلمون أين يوجد الحقّ.

وقد تحدّثت مع البعض منهم ، وأهديت لهم كتابي « ثمّ اهتديت » ، والحمد لله أنّ الأغلبية من هؤلاء وبعد المناقشة والبحث يهتدون لمعرفة الحقّ فيتبعونه ، ولكن هذا يبقى مقصوراً على نخبة من الشباب الذين ألتقي بهم صدفةً ، أمّا البقية فقد لا يتاح لهم مثل هذا اللقاء ، فتبقى مشوّشة الفكر بين الآراء المتضاربة.

وبالرغم من وجود الأدلّة المقنعة ، والحجج الدّامغة في كتاب « ثمّ اهتديت » وكتاب « مع الصادقين » ، إلا أنّهما لا يكفيان لمواجهة تلك الحملات المسعورة ، والدعايات المكثفة التي تموّلها بعض الجهات الشريرة بالبترودولار في مختلف وسائل الإعلام.

وبالرغم من كلّ ذلك سيبقى صوت الحقّ مدويّاً وسط الضوضاء المزعجة ، ويبقى بصيص النور مضيئاً وسط الظلام الدّامس; لأنّ وعد الله حقّ ولا بدّ لوعده من نفاذ ، قال تعالى:( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَاللّهِ بِأفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ) (١) .

وقال تعالى مُبيّناً بأنّ أعمالهم هذه ستبوءُ بالفشل وتنقلب عليهم :( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) (٢) .

____________

(١) الصف : ٨.

(٢) الأنفال : ٣٦.


لأجل ذلك ، كان واجباً على العلماء والكُتّاب والمفكّرين ، أن يوضّحوا للنّاس ما أشكل عليهم ، ويهدوهم سواء السبيل ، قال تعالى :( إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزَلْنَا مِنْ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ اُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَاُوْلَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (١) .

فلماذا لا يتكلّم العلماء ويبحثون في هذا الموضوع بجدّ وإخلاص لوجه الله تعالى؟ وإذا كان سبحانه قد أنزل البيّنات والهدى ، وإذا كان قد أكمل الدّين وأتمّ النّعمة ، وإذا كان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح للأُمّة ، فلماذا هذه التفرقة والعداوة والبغضاء والتنابز بالألقاب ، وتكفير بعضنا البعض؟!

وأنا بدوري أقف وقفة صريحة هنا لأقول لكلّ المسلمين بأنّ لا خَلاص ، ولا نجاة ، ولا وحدة ، ولا سعادة ، ولا جنّة إلاّ بالرجوع إلى الأصلين الأساسيين : كتاب الله ، وعترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلاّ بالركوب في سفينة النجاة ، وهي مركب أهل البيتعليهم‌السلام .

وليس هذا القول كلاماً من اختراعي ، إنّما هو كلام الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القرآن الكريم ، والسنّة النبوية الشريفة.

إنّ المسلمين اليوم أمام اتجاهين اثنين في طريق الوحدة المنشودة.

الأول : هو أن يقبل أهل السنّة والجماعة بمذهب أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو ما يأخذ به الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ، ويصبح بذلك المذهب الخامس لديهم ، ويتعاملون مع نصوصه الفقهية بالنحو الذي يتعاملون به مع

____________

(١) البقرة : ١٥٩ ـ ١٦٠.


المذاهب الإسلامية الأربعة ، فلا ينقصونه ، ولا ينبزون معتنقيه بشيء ، ويتركون للطلبة والمثقفين حرية اختيار المذهب الذي يقتنعون به.

وضمن نفس السياق فإنّ على المسلمين ـ سنّة وشيعة ـ القبول بالمذاهب الإسلامية الأُخرى كالأباضية والزيدية ورغم أنّ هذا الاتجاه يمثّل حلاّ يوفّر على أُمتنا كثيراً من التنافر والتفرقة ، إلاّ أنّه لا ينهض إلى مستوى المعالجة الحاسمة للمعضل التاريخي الذي تعيشه منذ قرون.

الاتجاه الثاني : هو أن يتوحّد المسلمون كافّة على عقيدة واحدة رسمها كتاب الله ورسوله ، وذلك عن طريق واحد وصراط مستقيم ، وهو اتّباع أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

ولهذا السبب فالمسلمون كافّة سنّة وشيعة مُتّفقون على أعلميتهم وتقدُمهم في كلّ شيء : من تقوى ، وورع ، وزهد ، وأخلاق ، وعلم ، وعمل ، ويختلف المسلمون في الصحابة ، فليدع المسلمون ما اختلفوا فيه إلى ما اتفقوا عليه ، من باب قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك »(١) .

فتجتمع بذلك الأُمّة ، وتتوحّد على قاعدة أساسية هي مَدَارُ كلّ شيء أسّسَها صاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله :

« تركتُ فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً ، كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي » صحيح مسلم(٢) .

____________

(١) وسائل الشيعة ٢٧ : ١٧٣ ح ٣٣٥٢٦ ، سنن الترمذي ٤ : ٧٧ ح ٢٦٣٧.

(٢) حديث الثقلين حديث صحيح ومتواتر ورد في كثير من المصادر ، وبكثير من الطرق ، وبألفاظ مختلفة : كالثقلين والخليفتين ، إلاّ أنّ جميعها تعطي معنىً واحداً ، فقد ورد باللفظ الذي ذكره المؤلّف أو ما يقاربه في : مسند أحمد ٣ : ٢٦


____________

ومستدرك الحاكم ٣ : ١٠٩ وصححه ، وصرح الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك بصحته ، والهيثمي في مجمع الزوائد وصرّح بوثاقة رجاله ، والجامع الصغير للسيوطي ١ : ٥٣٣ ح ٢٧٤٨ وصرّح محقّق الكتاب الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني بصحته ، وكتاب السنّة لابن أبي عاصم ١ : ٦٤٣ ـ ٦٤٦ حيث نقله من حديث رقم ١٥٥٤ إلى ١٥٦٣ ، والطحاوي في مشكل الآثار ٢ : ٣٠٧ ، والترمذي في سننه ٢ : ٣٠٨ ، والسنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٥ ح ٨١٤٨ ، والبداية والنهاية لابن كثير ٥١ : ٢٢٨ وذكر تصحيح الذهبي له ، وأخرجه الألباني في صحيحته ٤ : ٣٥٥ ح ١٧٦١ وحقّق الحديث وأثبت صحته.

وورد الحديث في صحيح مسلم ٧ : ١٢٢ بلفظ : « أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، وأهل بيتي; أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ».

وقد تمسّك البعض بهذه الصيغة فقال : إنّ الحديث الوارد في صحيح مسلم أُمر فيه بمحبّة أهل البيت فقط ولم يؤمر بالتمسّك بهم ، وإنما أُمرنا بالتمسّك بالقرآن ، ولزوم مراعاة أهل البيتعليهم‌السلام لا غير.

هذا ما حاول البعض التمسّك به للردّ على المؤلّف وعلى عموم الشيعة الذين يؤمنون بلزوم التمسّك بأهل البيتعليهم‌السلام ، وفي الإجابة على ذلك نقول :

أولاً : إنّ الحديث ـ كما أسلفنا ـ ورد بألفاظ مختلفة وصحّ من طرق متعدّدة جدّاً أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعلهما ( القرآن والعترة ) خليفتين من بعده ، وجعلهما الهاديين من الضلال والانحراف ، وجعلهما ثقلين ، وأنّهما اللذان يهديان إلى دين الله الحقّ ، وعليه فيكون حديث مسلم بهذا المعنى أيضاً ، وبهذا المحتوى لا غير ، وهذا ما فهمه علماء السنّة :

فقد قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم بعد ذكره الحديث : « قال


____________

العلماء : سمّيا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما ، وقيل : لثقل العمل بهما ».

وقال الحافظ الزرندي المدني : « سمّاهما ثقلين; لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما والمحافظة على رعايتهما ثقيل » نظم درر السمطين : ٢٣١.

وقال ابن الأثير : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي. سمّاهما ثقلين; لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل ، ويقال لكلّ شيء خطير نفيس : ثقل ، فسمّاهما ثقلين اعظاماً لقدرهما وتفخيماً لشأنهما » النهاية في غريب الحديث ١ : ٢١١ مادة ( ثقل ).

وقال ابن حجر المكّي في الصواعق : « وقد جاءت الوصية الصريحة بهم في عدّة أحاديث ، منها حديث : إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : الثقلين ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، قال الترمذي : حسن غريب ولم يصب ابن الجوزي في إيراده في العلل المتناهية ، كيف! وفي صحيح مسلم ، وغيره » الصواعق المحرقة : ٩٠.

وقال القرطبي : « قوله : وأنا تارك فيكم ثقلين يعني كتاب الله وأهل بيته ، قال ثعلب : سمّاهما ثقلين لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل ، والعرب تقول لكلّ شيء خطير نفيس : ثقل » المفهم ٦ : ٣٠٣.

فإذاً ، علماء السنّة قبل غيرهم فهموا من حديث مسلم وغيره أنّه آمر بالتمسّك بالكتاب والعترة; للروايات الأُخرى ، ولأنّه سمّاهما ثقلين ، وليست المسألة مقتصرة على التذكير بأهل البيت فقط.

وثانياً : لو سلّمنا أنّ رواية مسلم ذكّرت بأهل البيتعليهم‌السلام فقط ولم تأمر بالتمسّك بهم ، ولكن بقية الروايات الواردة في غير صحيح مسلم تصرّح بلزوم التمسّك بأهل البيت وأنّهم عدل القرآن ، وهي صحيحة وثابتة ، فقد صحّحها كثير من أئمة الحديث كأحمد بن حنبل والهيثمي والحاكم والذهبي وابن كثير والترمذي


____________

والطحاوي والسيوطي والمناوي والألباني وغيرهم ، وعليه فلا يوجد تضارب بين الرواية الواردة في صحيح مسلم وبين بقية الروايات الصحيحة الآمرة بالتمسّك بأهل البيتعليهم‌السلام ; لأنّ رواية مسلم تذكّرنا بأهل البيت ولزوم محبتهم ، والرويات الأُخرى أمرتنا مضافاً على ذلك لزوم إتباع أهل البيتعليهم‌السلام والأخذ عنهم ، وهذا كما لو قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لشخص : أُحبّ علياً ، ثمّ قال له : اتبع علياً ، فهنا أيضاً لا تنافي بين القولين; لأنّ الأمر الثاني مشتمل على الأمر الأول وزيادة ، فالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا بحبّ أهل البيت ، وأمرنا باتباع أهل البيتعليهم‌السلام ، وعليه فيكون الأمر الثاني شاملاً للأمر الأوّل وزيادة ، ويجب العمل به عند العلماء ، وهذا يعرفه أصاغر الطلبة فضلاً عن العلماء.

وإن احتجّ أحدٌ بأننا نتمسّك برواية مسلم ونطرح بقية الروايات الواردة في غير صحيح مسلم.

قلنا : هذا خطأ كبير وطعن في بقية الروايات والمصادر المخرجة لها ، وهذا من الجهل الفظيع ، قال الشيخ الألباني في صحيحته ١ : ٨٥١ ح ٤٧٤ ردّاً على سعيد الأفغاني في تضعيفه لحديث « أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب » قال : « يظنّ الأستاذ الصديق أنّ إهمال أصحاب الصحاح لحديث ما إنّما هو لعلّة فيه ، وهذا خطأ بيّن عند كلّ من قرأ شيئاً من علم المصطلح وتراجم أصحاب الصحاح ، فإنّهم لم يتعمّدوا جمع كلّ ما صحّ عندهم في صحاحهم ، والإمام مسلم منهم قد صرّح بذلك في صحيحه كتاب الصلاة ، وما أكثر الأحاديث التي ينصّ الإمام البخاري على صحتها أو حسنها ممّا يذكره الترمذي عنه في سننه ، وهو لم يخرجها في صحيحه ».

فإذاً ، عدم ذكر مسلم للحديث بلفظ التمسّك بهما لا يعني عدم صحته ، كما أوضح الشيخ الألباني ذلك.

وثالثاً : هناك قاعدة معروفة في علم الحديث لا تخفى على طالب علم ابتدأ


وإذا كان هذا الحديث صحيحاً عند الطرفين ، بل عند كلّ المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، فما بال قسم من المسلمين لايعمل به؟ ولو عمل المسلمون كافة بهذا الحديث لنشأت بينهم وحدة إسلامية قوية لا تزعزعها الرّياح ، ولا تهدّها العواصف ، ولا يبطلها الإعلام ، ولا يفشلها أعداء الإسلام.

وحسب اعتقادي أنّ هذا هو الحلّ الوحيد لخلاص المسلمين ونجاتهم ، وما سواه باطل وزخرف من القول ، والمتتّبع للقرآن والسنّة النبوية ، والمطّلع على التاريخ والمتدبر فيه بعقله يوافقني بلا شكّ على هذا.

أمّا إذا فشل الاتجاه الأوّل ، وهو فاشل من أوّل يوم فارق فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحياة ، حيث اختلف الصحابة وتسبب ذلك في انقسام الأُمة وتمزيقها ، وحيث فشلت الأُمة عبر قرون في الرجوع إلى الاتجاه الثاني ، وهو الاعتصام بالكتاب والعترة ، لما بثّته وسائل الإعلام قديماً في العهدين الأموي والعباسي ، وحديثاً في عصرنا الحاضر من تشويه وتضليل وتكفير لأتباع أهل البيت النبوي ، فلم يبق أمامنا حينئذ إلاّ المواجهة بصراحة ،

____________

الدراسة في الأزهر أو غيرها ، وهي أنّ زيادة الثقة حجّة ويؤخذ بها ، والرواية التي في مسلم أمرتنا بالتمسّك بالكتاب فقط ـ على فرض تسليم ذلك ـ ، وذكرنا بأهل البيت ، ولكن الروايات الأُخرى التي رواها الثقات ـ وهي كثيرة جدّاً وصحيحة ـ ذكرت لزوم التمسّك بأهل البيتعليهم‌السلام مع الكتاب ، وهذه زيادة من ثقات فيجب الأخذ بها ، وبالتالي ينتج لزوم التمسّك بأهل البيتعليهم‌السلام إلى جنب القرآن الكريم.

ومن هذا يتضح أنّ ما ذكره صاحب كتاب كشف الجاني في ص١٢٧ ما هو إلاّ ترّهات فكرية مخالفة لأبسط قاعدة حديثية يعرفها صبية الأزهر الشريف فضلا عن علمائه الأجلاء ، وما حاوله في كتابه ناشئٌ من الجهل بما ذكرناه.


وإظهار الحقّ لكلّ من يرغب فيه ، متوخّين في ذلك أُسلوب القرآن الكريم; إذ يتحدّى فيقول :( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (١) .

والبرهان والحجّة لا يُفرضان بالقوّة ولا بالأموال ، ولا يطرحان بوسائل الترغيب والترهيب عند الأحرار الذين باعوا أنفسهم لله وحده ، ولم ولن يرضوا بديلا للحقّ ، ولو كلّفهم ذلك إزهاق النّفوس.

فيا ليت علماء الأُمّة اليوم يعقدون مؤتمراً ليبحثوا فيه هذه المسائل بقلوب متفتّحة ، وعقول واعية ، ونفوس صافية ، ويخدمون بذلك الأُمّة الإسلامية ، ويعملون على لَمِّ شتاتها ، وتضميد جراحاتها ، وتوحيد صفوفها ، وجمع كلمتها.

إنّ هذه الوحدة قادمة لا محالة أحبّوا أمْ كرهوا; لأنّ الله سبحانه رصد لها إمَاماً من ذريّة المصطفى سيملؤها قسطاً وعدلا كما ملئتْ ظلماً وجوراً ، وهذا الإمام هو من العترة الطاهرة ، وكأنّ الله سبحانه جلّت حكمته يمتحنُ هذه الأُمّة طيلة حياتها ، حتى إذا قرب أجلُها كشف لها عن خطأ اختيارها ، وأعطاها فرصة للرجوع إلى الحقِّ ، واتباع النهج الأصيل الذي دعا إليه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي كان يقول : « اللهمّ أهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون »(٢) .

وإلى أن يحين ذلك الوقت أقدّم كتابي هذا « فاسألوا أهل الذكر » ، وهو جملة من الأسئلة مع الإجابة عليها من خلال مواقف وتعاليم أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم ، عسى أن يستفيد منها المسلمون في كلّ البلاد

____________

(١) البقرة : ١١١.

(٢) الشفا للقاضي عياض ١ : ١٠٥ ، الدر المنثور ٢ : ٢٩٨ ، تفسير ابن كثير ٣ : ٥٧٥.


الإسلامية ، ويعملوا على تقريب وجهات النظر للإعداد للوحدة المنشودة.

وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلتُ وإليه أُنيب ، ربِّ اشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

أسأله سبحانه وتعالى أن يتقبّل عملي ، ويجعل فيه الخير والبركة ، فما هو إلاّ لبنةً واحدة لبناء رباط الوحدة.

أقول هذا لأنّ المسلمين اليوم ما زالوا بعيدين عن أبسط حقوق الإنسان ، والتعامل بالحسنى مع بعضهم البعض ، لمستُ ذلك بنفسي خلال رحلاتي وزياراتي الكثيرة في البلدان الإسلامية أو البلدان التي فيها مسلمون. وآخرها عهداً في القارة الهندية التي يسكنها أكثر من مائتي مليون مسلم ، ربعهم شيعة وثلاثة أرباعهم من السنّة ، وقد سمعتُ عنهم الكثير ، ولكن ما شاهدته يبعث فعلا على الدهشة والحيرة والخوف ، ولقد تأسّفتُ وبكيتُ على مصير هذه الأُمة ، وكاد اليأس يدبُّ إلى قلبي لولا الرّجاء والأمل والإيمان.

وفور رجوعي من الهند أرسلتُ رسالة مفتوحة إلى العالم الهندي الذي يرجع إليه أهل السنّة والجماعة في تلك القارّة ، وهو أبو الحسن الندوي ، ووعدته بنشرها مع الردّ عليها ، ولكن لم أتلقَّ الردّ عليها حتى الآن ، وإنّي أنشرها في مقدّمة هذا الكتاب كما هي لتكون وثيقة تاريخية تشهد لنا عند الله وعند النّاس بأنّنا من دعاة الوحدة.

الدكتور محمّد التيجاني السماوي


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله الطاهرين

رسالة مفتوحة إلى السيّد أبو الحسن الندوي العالم الهندي

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد :

أنا محمّد التيجاني السماوي التونسي الذي منّ الله عليه بالهداية والتوفيق ، فاعتنق مذهب أهل البيت النبوي بعد بحث طويل ، وبعدما كنتُ مالكياً ومن أتباع الطريقة الصوفية المشهورة في شمال إفريقيا وهي التيجانية ، وعرفتُ الحقّ من خلال رحلة موفّقة إلى علماء الشيعة ، وكتبتُ في ذلك كتاباً أسميته « ثمّ اهتديت » ، تمَّ طبعه عندكم في الهند من طرف المجمع العلمي الإسلامي بعدّة لغات ، وبالمناسبة دُعيتُ لزيارة الهند.

سيّدي العزيز ، قدمتُ إلى الهند في زيارة قصيرة ، وكان أملي أن ألتقي بحضرتكم لما أسمعه عنكم ، ولما أعلمه بأنّكم المشار إليه بين أهل السنّة والجماعة عندكم ، ولكن عاقني عن ذلك بعد المسافة وضيق الوقت ، واكتفيتُ بزيارة مدينة بومباي ، وبونة ، وجبل بور ، وبعض المدن الأُخرى في كوجراتي ، وتألّمت كثيراً لما شاهدته في الهند من عداوة وبغضاء بين أهل السنّة والجماعة وإخوانهم المسلمين من الشيعة.

وقد كنتُ أسمع بأنهم يتحاربون ويتقاتلون أحياناً ، وتُسفك دماء بريئة


من الطرفين باسم الإسلام.

ولم أكن أُصدّق ، معتقداً بأنّه مبالغة في التشويه ، ولكنّ ما شاهدته وما سمعته من خلال زيارتي يبعث حقّاً على الحيرة والاستغراب ، وأيقنتُ بأنّ هناك نوايا خسيسة ومؤامرات خطيرة تُحاك ضدّ الإسلام والمسلمين للقضاء عليهم جميعاً سنّة وشيعة.

وممّا زاد يقيني وضوحاً وعلمي رسوخاً تلك المقابلة التي دارت بيني وبين مجموعة من علماء أهل السنّة ، يتقدّمهم الشيخ عزيز الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية ، وكان اللقاء في مسجدهم ببومباي وبدعوة منهم.

وما أن حللتُ بينهم حتّى بدأ الأزدراء والتهكّم والسبُّ واللّعنُ لشيعة آل البيت ، وقد أرادوا بذلك استفزازي وإثارتي لعلمهم مسبقاً بأنّي قد ألّفتُ كتاباً يدعو للتّمسك بمذهب أهل البيت سلام الله عليهم.

ولكنّي فهمتُ قصدهم ، وتمالكتُ أعصابي ، وابتسمتُ لهم قائلا : أنا ضيف عندكم وأنتم الذين دعوتموني فجئتكم مُسرعاً مُلبياً ، فهل دعوتموني لتسبّوني وتشتموني؟ وهل هذه هي الأخلاق التي علّمكم إيّاها الإسلام؟ فأجابوني بكلّ صلافة بأنّي لم أكن يوماً في حياتي مسلماً; لأنني شيعي ، والشيعة ليسوا من الإسلام في شيء ، وأقسموا على ذلك.

قلتُ : اتّقوا الله يا إخوتي ، فربّنا واحد ، ونبيّنا واحد ، وكتابنا واحد ، وقبلتنا واحدة ، والشيعة يوحّدون الله ، ويعملون بالإسلام اقتداءً بالنبي وأهل بيته ، وهم يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ويحجّون بيت الله الحرام ، فكيف يجوز لكم تكفيرهم؟!

أجابوني : أنتم لا تؤمنون بالقرآن ، أنتم منافقون تعملون بالتقية ، وإمامكم


قال : « التقية ديني ودين آبائي » ، وأنتم فرقة يهودية أسّسها عبد الله بن سبأ اليهودي.

قلتُ لهم مبتسماً : دعونا من الشيعة ، وتكلّموا معي أنا شخصياً ، فقد كنتُ مالكياً مثلكم ، واقتنعتُ بعد بحث طويل بأنّ أهل البيت هم أحقّ وأولى بالاتّباع ، فهل عندكم حجّة تجادلوني بها ، أو تسألوني ما هو دليلي وحجّتي عسى أن نفهم بعضنا بعضاً؟

قالوا : أهل البيت هم نساء النبي وأنت لا تعرف من القرآن شيئاً.

قلت : فإنّ صحيح البخاري وصحيح مسلم يُفيدان غير ما ذكرتم!

قالوا : كلّ ما في البخاري ومسلم وكتب السنّة الأُخرى من حجج تحتجّون بها هي من وضع الشيعة دسّوها في كتبنا.

أجبتهم ضاحكاً : إذا كان الشيعة وصلوا للدّس في كتبكم وفي صحاحكم فلا عبرة ولا قيمة لها ، ولا لمذهبكم القائم عليها!! فسكتوا وأفحموا ، ولكنّ أحدهم عَمَدَ إلى التهريج والإثارة من جديد فقال : من لا يؤمن بخلافة الخلفاء الراشدين : سيّدنا أبي بكر ، وسيّدنا عمر ، وسيّدنا عثمان ، وسيّدنا علي ، وسيّدنا معاوية ، وسيّدنا يزيد رضي الله عنه وأرضاه ، فليس بمسلم!

ودهشت لهذا الكلام الذي ما سمعتُ مثله في حياتي ، وهو تكفير من لا يعتقد بخلافة معاوية وابنه يزيد ، وقلتُ في نفسي : معقول أن يترضّى المسلمون على أبي بكر وعمر وعثمان فهذا أمرٌ طبيعي ، أمّا على يزيد فلم أسمع ذلك إلاّ في الهند. والتفتُّ إليهم جميعاً أسألهم : أتوافقون هذا على رأيه! فأجابوا كلّهم : نعم.

وعند ذلك عرفتُ بأن لا فائدة في مواصلة الكلام ، وفهمتُ بأنّهم إنّما


يريدون إثارتي حتّى ينتقموا منّي ، وربّما يقتلوني بدعوى سبّ الصحابة فمن يدري؟

ورأيتُ في أعينهم شرّاً ، وطلبتُ من مرافقي الذي جاء بي إليهم أن يُخرجني فوراً ، فأخرجني وهو يتحسّر ويعتذر إلىَّ على ما وقع.

وهذا الشخص البريء الذي كان يرمي من وراء هذا اللقاء أن يتعرّف على الحقيقة هو الشاب المهذّب شرف الدين ، صاحب المكتبة والمطبعة الإسلامية في بومباي ، فهو شاهد على كلّ ما دار بيننا من هذه المحاورة المذكورة ، ولم يُخفِ استياءه من هؤلاء الذين كان يعتقد بأنّهم من أكبر العلماء.

وغادرتهم وأنا ساخط متأسّف على ما وصلت إليه حالة المسلمين ، وخصوصاً الذين يتزعّمون مراكز الصدارة ويتسمّون بالعلماء ، وقلتُ في نفسي : إذا كان العلماء بهذه الدرجة من التعصّب الأعمى ، فكيف يكون عامة النّاس وجهّالهم؟!

وعرفتُ عندئذ كيف كانت تقوم المعارك والحروب التي تسفك فيها الدماء المحرّمة ، وتُهتك فيها الأعراض والحُرمات باسم الدفاع عن الإسلام ، وبكيتُ على مصير هذه الأُمة التّعيسة المنكوبة التي حمّلها الله سبحانه مسؤولية الهداية ، وحمّلها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً مسؤولية إيصال النور إلى القلوب المظلمة ، فإذا بها تصبح بحاجة إلى بصيص من النّور.

وفي وقت يكون فيه في الهند وحدها سبعمائة مليون نسمة يعبدون غير الله تعالى ، ويقدّسون البقر والأصنام والأوثان ، وبدلا من أن تتوحّد جهود المسلمين لهدايتهم وإرشادهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى


يُسلموا لربّ العالمين ، نرى أنّ المسلمين اليوم وخصوصاً في الهند هم بحاجة إلى الهداية والتصحيح.

لهذا سيّدي أرفع كتابي إليكم داعياً إيّاكم باسم الله الرحمن الرحيم ، وباسم رسوله الكريم ، وباسم الإسلام العظيم ، ولقوله تعالى :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (١) أدعوكم أن تقفوا وقفة المسلم الشجاع الذي لا يخشى في الله لومة لائم ، ولا تأخذه العصبية ولا الطائفية إلى حيث يحبّ الشيطان وأولياءه.

أدعوكم لوقفة مخلصة وصريحة ، فأنتم من الذين حمّلهم الله المسؤولية مادمتم تتكلّمون باسم الإسلام في تلك الربوع ، فلا يرضى الله منكم أن تقفوا وقفة المتفرّج الراضي بما يقعُ هنا وهناك من مآس ، يدفع ثمنها الأبرياء من المسلمين سنّة وشيعة ، والله سائلكم يوم القيامة عن كلّ صغيرة وكبيرة ، ومحاسبكم عن كلّ شاردة وواردة; لأنّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

ومادمتم تتزعّمون علماء الهند ، فمسؤوليتكم عظمى لا شكّ فيها ، وكلمة منكم قد يكون فيها صلاح الأُمّة في الهند ، كما قد يكون فيها هلاك الحرث والنسل ، فاتقوا الله يا أُولي الألباب!

وبما أنّ الله سبحانه أعطى للعلماء المرتبة الأُولى بعد الملائكة ، فقال عزّ

____________

(١) آل عمران : ١٠٣.


من قائل :( شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَاُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ ) (١) .

وإذا كان سبحانه يأمرنا جميعاً بقوله :( وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ ) (٢) .

وإذا كان المفسّرون يذهبون إلى ضرورة إقامة العدل في الموازين المادّية ذات القيمة المحدودة ، فما بالكم بإقامة العدل في القضايا العقائدية التي تتأرجح بين الحقّ والباطل ، وتتوقّف عليها هداية البشرية ، ونجاة الإنسانية بأسرها؟!

قال الله تعالى :( وَإذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ ) (٣) .

وقال أيضاً :( يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ) (٤) .

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « قل الحقّ ولو على نفسك »(٥) ، « قل الحقّ ولو كان مُرّاً »(٦) .

سيّدي العزيز ، إلى كتاب الله أدعوكم ، وإلى سنّة رسوله أدعوكم ، فقولوها صريحة مُدوّية ولو كانت مرّة تكون لكم شهادة عند الله ، بربّك هل الشيعة عندكم غير مسلمين؟

____________

(١) آل عمران : ١٨.

(٢) الرحمن : ٩.

(٣) النساء : ٥٨.

(٤) ص : ٢٦.

(٥) البحار ٧٤ : ١٧١.

(٦) صحيح ابن حبان ٢ : ٧٩ ، الجامع الصغير للسيوطي ١ : ٤٢٨ ح ٢٧٩٣.


هل تعتقدون حقّاً أنّهم كفّار؟ هل أتباع أهل البيت النّبوي الذين يوحّدون الله ، ويعظّمونه أكثر من كلّ الفرق ـ لقولهم بتنزيهه عن المشابهة والمشاكلة والتجسيم ـ ويؤمنون برسوله محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعظّمونه أكثر من كلّ الفرق ـ لقولهم بعصمته المطلقة حتى قبل البعثة ـ هل هؤلاء تحكمون بكفرهم؟

هل الذين يتولّون الله ورسوله والذين آمنوا ، ويهوون هوى عترة النّبي ويوالونهم ، كما عرّفهم ابن منظور في « لسان العرب » في مادة « شيعة » ، فهل تقولون أنتم بأنّهم غير مسلمين؟

هل هؤلاء الشيعة الذين يُقيمون الصلاة كأفضل قيام ، ويؤتون الزكاة ، ويزيدون عليها خمس أموالهم طاعة لله ولرسوله ، ويصومون رمضان وغيره من الأيام ، ويحجّون البيت ، ويعظّمون شعائر الله ، ويحترمون أولياء الله ، ويتبرؤون من أعداء الله وأعداء الإسلام ، هل هؤلاء عندكم مشركون؟

هل الذين يقولون بإمامة اثني عشر إماماً من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وقد نصّ عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما من صحاح أهل السنّة(١) ، هل هؤلاء عندكم مارقين عن الإسلام؟

هل كان المسلمون يوماً يجهلون الإمامة ولا يقرّون بها ، سواء كان ذلك في حياة الرسول أو بعد وفاته ، حتى نلصق نظرية الإمامة ومبادئها بالفرس والمجوس؟

____________

(١) يقصد حديث « الخلفاء الاثني عشر » الوارد في صحيح البخاري ٨ : ١٢٧ ، كتاب الأحكام باب ٥٢ ، صحيح مسلم ٦ : ٣ كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.


وهل تقولون فعلا بكفر من لايعترف بإمامة يزيد بن معاوية الذي عرف فسقه الخاصّ والعامّ من المسلمين ، ويكفي يزيد خسّة وسقوطاً ما أجمع عليه المسلمون من إباحته المدينة المنوّرة لجيشه وجنده يفعلون فيها ما يشاؤون لأخذ البيعة له بالقهر على أنّهم له عبيد ، فقتلوا عشرة آلاف من خيرة الصحابة والتابعين ، وهتكوا فيها أعراض المحصنات من النساء والفتيات المسلمات حتّى ولدن من سفاح ما لا يُحصي عدده إلاّ الله.

ويكفيه عاراً وشناراً وخزياً مدى الدهر قتله سيّد شباب أهل الجنّة ، وسبيه بنات الرسول ، وضربه ثنايا الحسين بقضيبه ، وتمثله بالأبيات المعروفة :

« ليت أشياخي ببدر شهدوا » إلى قوله : « لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحي نزل ».

وهو صريح بأنّه لا يؤمن بنبوّة محمّد ولا بالقرآن الكريم ، فهل حقّاً توافقون على تكفير من تبرّأ من يزيد وأبيه معاوية الذي كان يلعن عليّاً ويأمر بلعنه ، بل ويقتلُ كلّ من امتنع عن ذلك من خيرة الصحابة كما فعل مع حجر بن عدي الكندي وأصحابه ، وسنّها سنّة متبعة دامت سبعون عاماً ، وهو يعلم قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله »(١) . كما أخرج ذلك صحاح أهل السنّة.

____________

(١) المستدرك للحاكم ٣ : ١٢١ ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك ، الجامع الصغير للسيوطي ٢ : ٦٠٨ ح ٨٧٣٦ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٥٣٣ ، وفي مسند أحمد ٦ : ٣٢٣ صدر الحديث فقط ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ : ١٣٠ : « رواه


إضافة إلى ما قام به من أعمال تتنافى مع الإسلام ، وقتله الأبرياء والصلحاء من أجل أخذ البيعة لابنه يزيد بالقهر والقوّة ، وقتله الحسن بن علي عن طريق جعدة بنت الأشعث ، إلى جرائم أُخرى كثيرة يذكرها له التاريخ عند أهل السنّة ، كما يشهد له بها شيعة علي.

فما أظنّكم سيّدي توافقون على كلّ ذلك ، وإلاّ فعلى الإسلام السّلام ، وعلى الدنيا العفا ، وعندها لا يبقى بعد ذلك مقاييس ولا عقل ، ولا شرع ، ولا منطق ، ولا دليل ، والله سبحانه وتعالى يقول :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١) .

ولقد صدق والله عالم الباكستان المغفور له أبو الأعلى المودودي ( رحمه الله )

____________

أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة ».

وقال الشيخ الألباني في صحيحته المجلد السابع القسم الثاني : ٩٩٦ ح ٣٣٣٢ : « ( كان يحب علياً ) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٦ : ٣٨٩ / ٥٨٢٨ ، والمعجم الصغير ١١٩ هندية : حدّثنا محمّد بن الحسن أبو حصين القاضي ، قال : حدّثنا عون بن سلام ، قال : حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن السدي عن أبي عبد الله الجدلي قال : قالت لي أُم سلمة : أيُسب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينكم على المنابر؟!

قلت : سبحان الله ، وأنى يسبّ رسول الله؟!

قالت : أليس يسب علي بن أبي طالب ومن يحبّهُ; وأشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحبّه » :

وقال الطبراني : لم يروه عن السدي إلاّ عيسى.

قلت : ومن طريقه أخرج أبو يعلى في مسنده ١٢ : ٤٤٤ / ٤٤٥ ، والطبراني أيضاً في المعجم الكبير ٢٣ : ٣٢٣ / ٧٣٨ من طرق أُخرى عن عيسى به.

قلت : وهذا إسناد جيّد رجاله كلّهم ثقات « انتهى كلام الألباني.

(١) التوبة : ١١٩.


عندما ذكر في كتابه المسمّى بـ « الخلافة والملك » في صفحة ١٠٦ نقلا عن الحسن البصري قوله :

أربع خصال كنّ في معاوية لو لم تكن له إلاّ واحدة لكانت موبقة له :

١ ـ أخذه الأمر من غير مشورة المسلمين ، وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.

٢ ـ استخلافه بعده ابنه السكير الخمير الذي يلبس الحرير ويضرب الطنابير.

٣ ـ إدّعاؤه زياداً ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الولد للفراش وللعاهر الحجر ».

٤ ـ قتله حجراً وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر وأصحاب حجر ( أعادها ثلاثاً )(١) .

فرحم الله أبا الأعلى المودودي الذي صدع بالحقّ ولو شاء لزاد فوق هذه الخصال الأربع أربعين ، ولكنّه رحمه الله رأى أنّ في ذلك كفاية لتكون موبقة لمعاوية ، والمعروف أنّ كلمة موبقة معناه ( توبق في النار ).

ولعلّ المودودي كان يراعي عواطف النّاس الذين تعلّموا من أسلافهم تقديس معاوية واحترامه والترضّي عليه ، بل وحتّى على ابنه يزيد أيضاً كما سمعت ذلك بنفسي من علمائكم في الهند ، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

____________

(١) وانظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ : ٢٦٣ عن الموفقيات للزبير بن بكار ، تاريخ الطبري ٤ : ٢٠٨.


ولكلّ ذلك راعيتُ أنا أيضاً عواطف أُولئك الذين دعوني ليستفزّوني ، فلم أذكر لهم شيئاً من ذلك خوفاً على نفسي.

فأنا أهيب بكم سيّدي أن تقفوا وقفة صريحة تبغون بها وجه الله تعالى ، فإنّ الله لا يستحيي من الحقّ ، ولا أطلب منكم الاعتراف بمساوئ هؤلاء ولا بنشر فضائحهم ، فالتاريخ كفانا وإياكم مؤونة ذلك ، ولكن المطلوب منكم أن تعترفوا وتُعلّموا أتباعكم بأنّ الذين لا يعترفون بإمامة هؤلاء ولا يوالونهم ، هم مسلمون حقيقيون جديرون بالاحترام وليس في ذلك شكّ ، أن تقولوا بأنّ الشيعة مظلومون على مرّ التاريخ; لأنّهم لم يتّبعوا ولم يعترفوا بإمامة الشجرة الملعونة التي ضربها الله مثلا في القرآن.

فما هو ذنب الشيعة بربّكم ، إذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر المسلمين باتّباع أهل بيته من بعده حتى جعلهم كسفينة نوح ينجو من يركب فيها ويهلك من يتخلّف عنها؟! وما ذنب الشيعة إذا امتثلوا لأمر الرسول بقوله : « تركت فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً » كما تشهد بذلك صحاح السنّة فضلا عن كتب الشيعة؟!

وبدلا من شكرهم وتقديمهم وتفضيلهم على غيرهم لامتثالهم أوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نشتمهم ونكفّرهم ونتبرّأ منهم ، فما هذا بإنصاف ولا هو معقول!!

دعونا سيّدي من أقوال التخريف والتزييف التي لم تعدّ تقوم على دليل وبرهان ، ولم تعدّ تنطلي على المثقّفين من أبناء أمّتنا ، من أنّ الشيعة لهم قرآن خاصّ بهم ، أو أنّهم يقولون بأنّ صاحب الرسالة هو علي ، أو أنّ عبد


الله بن سبأ اليهودي هو مؤسس التشيّع إلى غير ذلك من الأقوال السخيفة المغرضة التي يشهد الله أنّها من خيال أعداء الإسلام وأعداء أهل البيت وشيعتهم ، والتي ما أوجدها إلاّ التعصّب الأعمى والجهل المقيت.

وأنا أسأل سيّدي العزيز : أين علماء الهند من علماء الأزهر الشريف الذين أفتوا بجواز التعبّد بمذهب الشيعة الإمامية منذ ثلاثين عاماً؟ ومن علماء الأزهر الأعلام من يرى بأنّ الفقه الجعفري الذي تعمل به الشيعة هو أشمل وأثرى وأقرب إلى روح الإسلام من المذاهب الإسلامية الأُخرى التي هي عيالٌ عليه ، وعلى رأس هؤلاء فضيلة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله الذي ترأس الأزهر في حياته ، فهل أمثال هؤلاء العلماء لا يعرفون الإسلام والمسلمين؟ أم أنّ علماء الهند أعلم منهم وأعرف؟ فما أظنّكم تقولون بذلك ...!!

سيّدي الكريم أملي فيكم وطيد ، وقلبي إليكم مفتوح بالمحبّة والشفقة والحنان ، وقد كنتُ فيما مضى مثلكم محجوب عن الحقيقة وعن أهل البيت وشيعتهم ، فهداني الله سبحانه إلى الحقّ الذي ليس بعده إلاّ الضّلال ، وتحررتُ من قيود التعصّب والتقليد الأعمى ، وعرفتُ بأنّ أغلب المسلمين لا زالت تحجبهم الإشاعات والأباطيل ، وتصدّهم الدعايات عن الوصول إلى الحقيقة ليركبوا جميعاً في سفينة النجاة ، ويعتصموا بحبل الله المتين.

فليس هناك ـ كما تعلمون ـ بين السنّة والشيعة فرقٌ إلاّ فيما اختلفوا فيه بعد الرسول من أجل الخلافة ، وأساس الفرقة هو اعتقادهم في الصحابة ، والصحابة رضي الله عنهم اختلفوا فيما بينهم حتّى لعنوا بعضهم ، بل


وتحاربوا ، وقتل بعضهم بعضاً.

فإن يكن الاختلاف فيهم خروجاً عن الإسلام ، فالصحابة هم أولى بهذه التهمة والعياذ بالله ، ولا أعتقد بأنّكم ترضون بذلك. والإنصاف يدعوكم أن لا ترضوا بإخراج الشيعة عن الإسلام ، وكما دأب الشيعة على تقديس أهل البيت واحترامهم ، كذلك دأب السنّة على احترام الصحابة وتقديسهم أجمعين ، وشتّان بين الموقفين.

فإذا كان الشيعة في ذلك مُخطئين فأهل السنّة أولى بالخطأ; لأنّ الصحابة بأجمعهم يُقدّمون على أنفسهم أهل البيت ، ويصلّون عليهم كصلاتهم على النّبي ، ولم نعرف أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم قدّم نفسه أو فضّلها على أهل بيت المصطفى في علم أو في عمل.

فالوقتُ قد حان لرفع المظلمة التاريخية عن شيعة أهل البيت ، والتقارب معهم والتآخي والتعاون على البرّ والتقوى ، ويكفي هذه الأُمة إراقة الدِّماء وإثارة الفتن.

فعسى الله سبحانه يجمع بكم الكلمة ، ويلمّ بكم الشتّات ، ويرتق بكم الفتق ، ويُداوي بكم هذه الجراح ، ويُخمدَ بكم نار الفتنة ، ويُخزي بكم الشيطان وحزبه ، فتكونون عند الله من الفائزين ، خصوصاً وأنّكم من سلالة العترة الطاهرة على ما أسمع ، فاعملوا على أن تُحشروا معهم.

( إنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (١) ،( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ

____________

(١) الأنبياء : ٩٢.


عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ ) (١) .

وفّقكم الله وإيانا لما فيه خير البلاد والعباد ، وجعلكم الله وإيانا من العاملين المخلصين لوجهه الكريم.

أبعث لسيادتكم وبصحبة هذه الرسالة نسخة من كتاب« ثمّ اهتديت » الذي ألّفتُه بخصوص هذا الموضوع ، هدية منّي إليكم عسى أن يجدَ لديكم القبول.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

المخلص

محمّد التيجاني السماوي التونسي

____________

(١) التوبة : ١٠٥.


( فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (١)

إنّ هذه الآية الكريمة تأمر المسلمين بالرّجوع إلى أهل الذكر في كلّ ما أشكل عليهم حتّى يعرفوا وجه الصواب; لأنّ الله رشّحهم لذلك بعدما علّمهم ، فهم الرّاسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن.

وقد نزلت هذه الآية لتعرّف بأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم ، وهم : محمّد ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وذلك في عهد النُبوّة ، أمّا بعد النّبي وحتّى قيام السّاعة فهم هؤلاء الخمسة المذكورين أصحاب الكساء ، يضاف إليهم الأئمّة التسعة من ذرية الحسين الذين عيّنهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عدّة مناسبات ، وسمّاهم أئمّة الهدى ، ومصابيح الدّجى ، وأهل الذكر ، والراسخون في العلم الذين أورثهم الله سبحانه علم الكتاب.

وهذه الروايات ثابتة صحيحة ومتواترة عند الشيعة منذ عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أخرجها بعض علماء أهل السنّة ومفسّروهم ، معترفين بنزولها في أهل البيت عليهم الصّلاة والسّلام ، أذكر من هؤلاء على سبيل المثال :

١ ـ الإمام الثعلبي في تفسيره الكبير في معنى هذه الآية من سورة النّحل.

٢ ـ « تفسير القرآن « لابن كثير في جزئه الثاني الصفحة ٥٧٠.

____________

(١) الأنبياء : ٧.


٣ ـ « تفسير الطبري » في جزئه الرابع عشر الصفحة ١٠٩.

٤ ـ تفسير الآلوسي المسمّى « روح المعاني » في جزئه الرابع عشر الصفحة ١٣٤.

٥ ـ« تفسير القرطبي » في جزئه الحادي عشر الصفحة ٢٧٢.

٦ ـ تفسير الحاكم المسمّى « شواهد التنزيل » في جزئه الأوّل الصفحة ٣٣٤.

٧ ـ « إحقاق الحقّ » في جزئه الثالث الصفحة ٤٨٢. [ وقد أورد نزول الآية في أهل البيت عن مصادر أهل السنّة ].

٨ ـ « ينابيع المودّة » للقندوزي الحنفي الصفحة ٥١ و ١٤٠.

ولمّا كان أهل الذكر في ظاهر الآية هم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى ، كان لزاماً علينا أن نوضّح بأنّهم ليسوا المقصودين من الآية الكريمة.

أولاً : لأنّ القرآن الكريم ذكر في العديد من الآيات بأنّهم حرّفوا كلام الله ، وكتبوا الكتاب بأيديهم ، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا ، وشهد بكذبهم وتقليبهم الحقائق ، فلا يمكن والحال هذه أن يأمر المسلمين بأن يرجعوا إليهم في المسائل التي لا يعلمونها.

ثانياً : روى البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات باب لا يسألُ أهل الشرك من الجزء الثالث صفحة ١٦٣ :

عن أبي هريرة ، قال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تُصدّقوا أهلَ الكتاب ولا تكذّبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وما أُنزل الآية ».


وهو يفيد عدم الرجوع إليهم في المسألة وتركهم وإهمالهم; لأنّ عدم التصديق وعدم التكذيب ينفيان الغرض ، وهو السؤال الذي ينتظر الجواب الصحيح.

ثالثاً : روى البخاري في صحيحه من كتاب التوحيد باب قول الله تعالى :( كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأن ) من جزئه الثامن صفحة ٢٠٨ :

عن ابن عبّاس قال : « يا معشر المسلمين ، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحدث الأخبار بالله محضاً لم يُشبْ ، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيّروا ، فكتبوا بأيديهم وقالوا : هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمناً قليلا ، أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! فلا والله ما رأينا رجُلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم ».

رابعاً : لو سألنا أهل الكتاب من النّصارى اليوم ، فإنّهم يدّعون بأنّ عيسى هو إله ، واليهود يكذّبونهم ولا يعترفون به حتى نبيّاً ، وكلاهما يكذّب بالإسلام ونبيّ الإسلام ويقولون عنه : كذّاب ودجّال! لكلّ هذا لا يمكنُ أن يُفهم من الآية بأنّ الله أمرنا بمساءلتهم.

ولمّا كان أهل الذكر في ظاهر الآية هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فإنّ هذا لا ينفي أنّها نازلة في أهل بيت النبوّة كما ثبت عند الشيعة والسنّة من طرق صحيحة ، وبذلك يُفهم منها أنّ الله سبحانه وتعالى أورث علم الكتاب الذي ما فرّط فيه من شيء إلى هؤلاء الأئمة الذين اصطفاهم من عباده; ليرجع إليهم النّاس في التفسير والتأويل ، وبذلك تضمّن


هدايتهم إذا ما أطاعوا الله ورسوله.

ولأنّ الله سبحانه وجلّتْ حكمته أراد أن يُخضِع النّاس عامّة إلى نخبة منهم ، اصطفاهم وعلّمهم علم الكتاب ، لكي تسهل القيادة وتنتظم أحوال النّاس بذلك ، فلو غاب هؤلاء عن حياة النّاس لأصبح المجال مفتوحاً أمام المُدَّعين والجاهلين ، ولَرَكِبَ كلُّ واحد هَوَاهُ ، واضطربت أُمور النّاس ما دام كلّ واحد يمكنُه ادّعاء الأعلمية.

ولأُبَرْهِنَ على هذا الرأي ، بعد اقتناعي بأنّ أهل البيت هم أهل الذكر فسأوردُ بعض الأسئلة التي ليس لها جواب عند أهل السنّة والجماعة ، أو أنّ لها جواباً ولكن متكلّف لا يستند إلى حجّة يقبلها الباحث المحقّق ، أمّا جوابُها الحقيقي فهو عند هؤلاء الأئمة الأطهار الذين ملأوا الدنيا علماً ومعرفةً ، وعملا وصلاحاً.


الفصل الأوّل

في ما يتعلّق بالخَالِق جلّ جلاله

السّؤال الأوّل : حول رؤية الله سبحانه وتجسيمه :

يقول الله سبحانه في كتابه العزيز :( لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ ) (١) ،( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (٢) ، ويقول لموسى لمّا طلب رؤيته :( لَنْ تَرَانِي ) (٣) .

فكيف تقبلُون بالأحاديث المرويّة في« صحيح البخاري » و «صحيح مسلم » بأنّ الله سبحانه يتجلّى لخلقه ويَروْنَه كما يرون القمر ليلة البدر(٤) ، وأنّه ينزل إلى سماء الدنيا في كلّ ليلة(٥) ، ويضع قدمه في النار فتمتلئ(٦) ،

____________

(١) الأنعام : ١٠٣.

(٢) الشورى : ١١.

(٣) الأعراف : ١٤٣.

(٤) صحيح البخاري ٧ : ٢٠٥ كتاب مواقيت الصلاة ، باب فضل صلاة الفجر ، صحيح مسلم ١ : ١١٢ كتاب الإيمان ، باب معرفة طريق الرؤية.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٤٧ كتاب التهجّد ، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ، صحيح مسلم ٢ : ١٧٥ كتاب صلاة المسافر ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.

(٦) صحيح البخاري ٨ : ١٨٦ كتاب التفسير ، باب ( وتقول هل من مزيد ).


وأنّه يكشف عن ساقه لكي يعرفهُ المؤمنون(١) ، وأنّه يضحك ويتعجّب. وإلى غير ذلك من الرّوايات التي تجعل من الله جسماً متحرّكاً ومتحوّلا ، له يدان ورجلان ، وله أصابع خمسة يضع على الأوّل منها السماوات ، وعلى الإصبع الثاني الأرضين ، والشجر على الإصبع الثالث ، وعلى الرابع يضع الماء والثرى ، ويضع بقية الخلائق على الإصبع الخامس(٢) ، وله دار يسكُن فيها ، ومحمدٌصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستأذن للدخول عليه في داره ثلاث مرّات(٣) ، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً ، سبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون.

والجواب على هذا عند أئمة الهُدى ومصابيح الدّجى هو التنزيه الكامل لله سبحانه وتعالى عن المجانسة ، والمشاكلة ، والتصوير ، والتجسيم ، والتشبيه ، والتّحديد ، يقول الإمام عليعليه‌السلام في ذلك :

« الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يُحصي نعماءهُ العادّون ، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا ينالُه غوصُ الفطن ، الذي ليس لصفته حدّ محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقتٌ معدود ، ولا أجل ممدُودُ فمن وصف الله سبحانه فقد قرنَهُ ، ومن قرنَهُ فقدْ ثنّاهُ ، ومن ثنَّاهُ فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهلَه ، ومن جهلَهُ فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حَدَّهُ ، ومن حدّهُ فقد عَدَّهُ ، ومن قَال فِيمَ فقدْ ضمَّنه ، ومن قال علامَ فقد أخلَى

____________

(١) صحيح البخاري ٨ : ١٨٢ كتاب التفسير ، باب يوم يكشف عن ساق.

(٢) صحيح البخاري ٦ : ٣٣ كتاب التفسير ، باب قوله : ( وماقدروا الله حقّ قدره ).

(٣) صحيح البخاري ٨ : ١٨٣ كتاب التفسير ، باب قوله ( وعلّم آدم الأسماء كلها ) ، صحيح مسلم ١ : ١٢٤ كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنّة منزلة فيها.


منه ، كائنٌ لاَ عن حَدَث ، موجودٌ لا عن عَدَم ، مع كلّ شيء لا بمُقارنة ، وغيرُ كلّ شي لا بمزايلة ، فاعِلٌ لا بمعنى الحركات والآلةِ ، بصيرٌ إذْ لا منظور إليه من خلقِهِ »(١) .

وإنّي أُلفِتُ نظر الباحثين من الشباب المثقفين إلى الكنوز التي تركها الإمام عليعليه‌السلام ، والتي جُمعتْ في « نهج البلاغة » ، ذلك السفر القيّم الذي لا يتقدّمه إلاّ القرآن ، والذي بقي مع الأسف مجهولا لدى أغلبية النّاس ، نتيجة الإعلام والإرهاب والحصار المضروب من قبل الأمويين والعبّاسيين على كل ما يتّصل بعلي بن أبي طالبعليه‌السلام .

ولستُ مبالغاً إذا قلتُ بأنّ في « نهج البلاغة » كثيراً من العلوم والنصائح التي يحتاجها النّاس على مرّ العصور ، وفي « نهج البلاغة » علم الأخلاق ، وعلم الاجتماع ، وعلم الاقتصاد ، وإشارات قيّمة في علم الفضاء والتكنولوجيا ، إضافة إلى الفلسفة ، والسّلوك ، والسياسة ، والحكمة.

وقد أثبتُ ذلك شخصياً في الأطروحة التي قدّمتها إلى جامعة السوربون ، والتي نُوقِشتْ على مواضيع أربعة اخترتها من « نهج البلاغة » ، وحصلتُ من خلالها على شهادة الدكتوراه.

فيا ليتَ المسلمين يولون « نهج البلاغة » عناية خاصّة ، فيبحثون فيه كلّ الأطروحات وكل النّظريات ، فهو بحر عميق كلّما غاص فيه الباحث استخرج منه اللؤلؤ والمرجان.

____________

(١) نهج البلاغة : ١ : ١٥ ، الخطبة الأولى.


تعليق

هناك فرق واضح بين العقيدتين :

عقيدة أهل السنّة والجماعة التي تقول بالتجسيم ، وتجعل من الله سبحانه وتعالى جسماً وشكلا يُرى ، وتصوّره وكأنّه إنسان ، فهو يمشي وينزل ، ويحوي جسمه دارٌ ، إلى غير ذلك من الأشياء المنكرة ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وعقيدة الشيعة الذين ينزّهون الله عن المشاكلة والمجانسة والتجسيم ، ويقولون باستحالة رؤيته في الدنيا وفي الآخرة.

وأعتقد شخصيّاً بأنّ الروايات التي يحتجّ بها أهل السنّة والجماعة كلّها من دسّ اليهود في زمن الصحابة ; لأنّ كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم في عهد عمر بن الخطّاب هو الذي أدخل هذه المعتقدات التي يقول بها اليهود ، عن طريق بعض البسطاء من الصحابة أمثال أبي هريرة ، ووهب بن منبّه.

فأغلب هذه الروايات مروية في البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، وقد تقدّم في بحث سابق كيف أنّ أبا هريرة لا يفرّق بين أحاديث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحاديث كعب الأحبار حتّى ضربه عمر بن الخطّاب ، ومنعه من الرواية في قضية خلق الله السماوات والأرض في سبعة أيام.

وما دام أهل السنّة والجماعة يثقون في البخاري ومسلم ، ويجعلون منهما أصحّ الكتب ، وما دام هؤلاء يعتمدون على أبي هريرة حتى أصبح عمدة المحدّثين ، وأصبح عند أهل السنّة راوية الإسلام; فلا يمكن والحال هذه أن


يغيّر أهل السنّة والجماعة عقيدتهم إلاّ إذا تحرّروا من التقليد الأعمى ، ورجعوا إلى أئمة الهدى ، وعترة المصطفى ، وباب مدينة العلم الذي منه يُؤتى.

وهذه الدعوى لا تختصّ بالكبار والشيوخ بل الشباب المثقّف من أهل السنّة والجماعة كذلك ، ومن واجبه أن يتحرّر من التقليد الأعمى ، ويتّبع الحجّة والدليل والبرهان.

السؤال الثاني : حول العدل الإلهي والجبر :

يقول الله سبحانه في كتابه العزيز :( وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (١) .

( لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ) (٢) .

( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَه ) (٣) .

( إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر ) (٤) .

فكيف تقبلون بالأحاديث المروية في « صحيح البخاري » و « صحيح مسلم » بأنّ الله سبحانه قدّر على عباده أفعالهم قبل أنْ يخلقهم؟ فقد روى البخاري في صحيحه قال : أحتجَّ آدم وموسى ، فقال له موسى : يا آدم أنت أبونَا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة ، قال له آدمُ : يا موسى اصطفاك الله بكلامه ،

____________

(١) الكهف : ٢٩.

(٢) البقرة : ٢٥٦.

(٣) الزلزلة : ٧ ـ ٨.

(٤) الغاشية : ٢١ ـ ٢٢.


وخطّ لك بيده ، أتلومني على أمر قدّرَهُ الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة ، فحجَّ آدمُ موسى ثلاثاً »(١) .

كما روى مسلم في صحيحه قال : إنّ أحدكم يُجمَعُ خَلْقُهُ في بطن أُمّهِ أربعين يوماً ، ثمّ يكون في ذلك علقةً مثل ذلك ، ثمّ يكون في ذلك مُضغة مثل ذلك ، ثم يُرسل الملكُ فينفُخُ فيه الرّوح ، ويُؤْمَرُ بأربع كلمات بِكَتْبِ رِزِقِهِ وأجلهِ وعَملِهِ وشقىٌ أو سَعِيدٌ.

فوالذي لا إله غيرهُ إنّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينُه وبينها إلاّ ذراعٌ ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلها ، وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراعٌ ، فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعمل أهل الجنّة فيدخلُها »(٢) .

كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة أُمّ المؤمنين قالت : دُعي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جنازة صبىّ من الأنصار ، فقلتُ : يا رسول الله طوبى لهذا ، عصفورٌ من عصافير الجنّة لَمْ يعمل السّوء ولم يدركْهُ ، قال : « أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله خلق للجنّة أهلا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنّار أهلا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم »(٣) .

وروى البخاري في صحيحه قال رجلٌ : يا رسول الله أيُعرفُ أهلُ الجنة

____________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٢١٤ كتاب القدر ، باب تحاج آدم وموسى ، صحيح مسلم ٨ : ٤٩ كتاب القدر ، باب حجاج آدم وموسىعليهما‌السلام .

(٢) صحيح مسلم ٨ : ٤٤ كتاب القدر ، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمه ، صحيح البخاري ٧ : ٢١٠ كتاب القدر باب في القدر.

(٣) صحيح مسلم ٨ : ٥٥ كتاب القدر ، باب كلّ مولود يولد على الفطرة.


من أهل النّار؟ قال : « نعم » ، قال : فلم يعمَلُ العاملون؟ قال : « كلٌّ يعملُ لما خُلقَ له ، أو لما يُسِّرَ لَهُ »(١) .

سبحانك ربّنا وبحمدك تباركت وتعاليتَ عن هذا الظلم علوَّاً كبيراً ، فكيف نصدّق بهذه الأحاديث المناقضة لكتابك العزيز الذي قُلت فيه وقولك الحقّ :

( إنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٢) .

( إنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة ) (٣) .

( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً ) (٤) .

( وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٥) .

( فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٦) .

( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ) (٧) .

( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ وَأنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلام لِلْعَبِيدِ ) (٨) .

( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلام لِلْعَبِيدِ ) (٩) .

____________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٢١٠ كتاب القدر ، باب جفّ القلم على علمِ الله.

(٢) يونس : ٤٤.

(٣) النساء : ٤٠.

(٤) الكهف : ٤٩.

(٥) آل عمران : ١١٧.

(٦) التوبة : ٧٠ ، العنكبوت : ٤٠ ، الرّوم : ٩.

(٧) الزخرف : ٧٦.

(٨) الأنفال : ٥١.

(٩) فصلت : ٤٦.


وكما قال في حديث قدسي : « يا عبادي إني حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا »(١) ؟

فكيف يصدّق مسلم آمن بالله وبعدالته ورحمته أنّ الله سبحانه خلق الخلق ، وحكم على بعضهم بالجنّة وعلى الآخرين بالنار حسب اختياره هو ، وقدّر لهم أعمالهم فكلّ ميسّرٌ لما خُلِقَ له ، على حسب هذه الروايات المعارضة للقرآن الكريم ، وللفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وللعقل والوجدان ، ولأبسط حقوق الإنسان؟

كيف نؤمن بهذا الدّين الذي يحجّر العقول على أنّ هذا الإنسان هو دمية تُحرِّكُها أَيْدي القدر كيف شاءت ، لتُلقي بها بعد ذلك في التنّور؟ هذا الاعتقاد الذي يمنع العقول من الخلق والابتكار ، والإبداع والتطوّر ، والمنافسة التي تأتي بالأعاجيب ، ويبقى الإنسان جامداً راض بما هو فيه وبما عنده ، بدعوى أنّه ميسّر لما خُلقَ لَهُ.

كيف نقبلُ هذه الرّوايات التي تصادمُ العقول السليمة ، وتصوّر لنا بأنّ الله سبحانه هو خالقُ ، جبّارٌ ، قوىٌ ، قاهرٌ ، وله أن يخلق عباده الضعفاء ليزجّ بهم في نار جهنم لا لشيء إلاّ لأنّه يفعل ما يشاء ، وهل يسمّي العقلاء هذا الإله حكيماً أو رحيماً أو عادلا؟

كيف لو تَحدّثنا مع المثقّفين والعلماء من غير المسلمين ، وعَرفُوا بأنّ رَبّنا على هذه الصّفات ، وأنَّ دِيننا قد حكم على النّاس قبل ولادتهم بالشقاء ،

____________

(١) صحيح مسلم ٨ : ١٧ كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم ، السنن الكبرى للبيهقي ٦ : ٩٣ ، الجامع الصغير للسيوطي ٢ : ٢٣٧ ح ٦٠٢٠.


فهل سيقبلون الإسلام ويدخلون في دين الله أفواجاً؟

سبحانك! إنّ هذا زورٌ من القول ركَّزَهُ الأمويّون ، وروّجوا له لحاجة في نفوسهم ، والباحث يعرف سرّ ذلك ، وهو زورٌ من القول لأنّه يعارض كلامك ، وحاش رسولك أنّ يتقوّل عليك بما يُناقضُ وَحْيُك الذي أوحيتَ إليه ، وقد ثبت أنَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « إذا جاءكم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق الكتاب فخذوه ، وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار »(١) .

وكلّ هذه الأحاديث وأمثالها كثيرة تعارض كتاب الله وتعارض العقل ، فليضرب بها عرض الجدار ، ولا يُلتفتُ إليها وإن كان أخرجها البخاري ومسلم ، فما كان معصوميْن عن الخطأ.

ويكفينا دليلا واحداً للردّ على هذا الادّعاء الباطل هو بعثة الأنبياء والمرسلين من قبل الله إلى خلقه ، وعلى طول التاريخ البشري ليُصلحوا مفاسد العباد ، ويوضّحوا لهم الصراط المستقيم ، ويعلّموهم الكتاب والحكمة ، ويبشّروهم بالجنّة إن كانوا صالحين ، وينذروهم من عذاب الله في النّار إن كانوا مُفسدين.

ومن عدالة الله سبحانه في خلقه ورحمته بهم أنّه لا يعذّب إلاّ من بعث إليه رسولا ، وأقام عليه الحجّة ، قال تعالى :( مَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) (٢) .

____________

(١) تفسير أبي الفتوح الرازي ٣ : ٣٩٢ ، باختلاف يسير.

(٢) الإسراء : ١٥.


فإذا كانت هذه الروايات التي أخرجها البخاري ومسلم ، والتي تقول بانّ الله كتب على عباده أعمالهم قبل أن يخلُقهم ، وحكم على البعض منهم بالجنّة وعلى البعض بالنّار ـ كما قدّمنا سابقاً ـ وكما يؤمنُ بذلك أهل السنّة والجماعة ، أقول : إن كان هذا صحيح ، فإن إرسال الرّسل وانزال الكتب يصبح ضرباً من العبث! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، وما قدروا الله حق قدره ، فما يكون لنا أن نتكلّم بهذا ، سبحانك هذا بهتان عظيم.

( تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ) (١) . والجواب على هذا عند أئمة الهدى ، ومصابيح الدُّجى ، ومنار الأمّة ، هو تنزيه الله سبحانه عن الظلم والعبث ، فلنستمع إلى باب مدينة العلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وهو يشرح للنّاس هذا الاعتقاد الذي بقي لغزاً عند بعض المسلمين الذين تركوا الباب ، يقولعليه‌السلام لمّا سأله أحد أصحابه : أكان مسيرنا إلى الشّام بقضاء من الله وقدره؟

« ويحك لعلّك ظنَنْتَ قضاءً لازماً وقدراً حاتماً ، ولو كان كذلك لبطَلَ الثوابُ والعقابُ ، وسقط الوعْدُ والوعيدُ ، إنّ الله سبحانه أمَرَ عبادَهُ تخييراً ، ونهاهُم تحذيراً ، وكلَّف يسيراً ، ولم يُكلّف عسيراً ، وأعْطَى على القَليل كثيراً ، ولم يُعْصَ مغلوباً ، ولم يُطَعْ مُكْرِهاً ، ولم يُرسلِ الأنْبياءَ لَعِباً ، ولم يُنزلِ الكُتبَ للعباد عَبثاً ، ولا خَلَقَ السّماواتِ والأرضَ وما بينَهُما باطلا ، ذلك ظنُّ الذين كَفَروا فويل للّذين كَفروا من النّار »(٢) . صدق الإمامعليه‌السلام فويلٌ للذين يُنسبون

____________

(١) آل عمران : ١٠٨.

(٢) نهج البلاغة شرح محمّد عبده ٤ : ١٧ ، الخطبة : ٧٨.


العبث والظلم لله من عذاب أليم.

والجدير بالذكر والحقُّ يقال بأنّ أهل السنّة والجماعة ينزّهون الله عن العبثِ والظلم ، فإذا ما سألت أحدهم فسوف لن يُنسب الظّلم لجلال الله سبحانه ، ولكنّه سوف يَجِدُ نفسه متحرّجاً لرفض أحاديث أخرجها البخاري ومسلم ، ويعتقد ضمنيّاً أنّها صحيحة ، ولذلك تراه عندما تجادله بالمنطق المعقول ، يدّعي بأنّ ذلك لا يُسمّى ظلماً عنْد الله; إذ أنّه الخالق ، وللخالق أن يفعل في مخلوقاته ما يشاء! فهو لا يسأل عمّا يَفْعَلُ وهم يُسأَ لُون.

وعندما تسأله : كيف يحكم الله على عبد بالنّار قبل خَلقِه لأنّه كتب عليه الشقاء ، ويحكم على آخر بالجنّة قبل خلقه لأنّه كتب عليه السّعادة؟ أليس في ذلك ظُلم للاثنين؟ لأنّ الّذي يدخل الجنّة لا يدخلها بعمله وإنّما باختيار الله له ، وكذلك الّذي يدخل النار لا يدخلها بما اقترفه من ذنوبه وإنّما بما قدّره الله عليه ، أليس في ذلك ظلم ، وهو يناقضُ القرآن؟ فسيجيبك : بأنّ الله فعّالٌ لما يريد! فلا تفهم من موقفه المتناقض شيئاً.

وهذا بديهي إذ أنّه يُنزل البخاري ومسلم بمنزلة القرآن ، ويقول : أصحّ الكتب بعد كتاب الله البخاري ومسلم ، وفي البخاري ومسلم عجائب وغرائبٌ ومصائبٌ ابتُليَ بها المسلمون ، وقد نجح الأمويون ومن بعدهم العبّاسيون نجاحاً كبيراً في بثّ بِدَعهم وعقائدهم التي تتماشى وسياستهم العقيمة ، وبقيتْ آثارهم حتى اليوم إذ يعتبرها المسلمون أعزّ وأعظم تُراث; لأنّه جمع الأحاديث النبويّة الصحيحة على حدّ زعمهم ، ولو يعلم المسلمون مقدار ما كَذَبُوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل أغراضهم السّياسية لما صدّقوا


بتلك الأحاديث ، وخصوصاً منها المتناقض مع كتاب الله.

ولأنّ القرآن الكريم تكفّل الله بحفظه ، ولأنّه كان محفوظاً عند الصّحابة ، وكانوا يعرضونه على النّبي ، لذلك لم يتمكّنوا من تحريفه وتبديله ، فعمدوا إلى السنّة المطهّرة فوضعوا ما شاؤوا لمن شاؤوا.

وبما أنّهم كانوا أعداءً لأهل البيت حفظة القرآن والسنّة اختلقوا لكلّ حادثة حديث نسبوه للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وموّهوا على المسلمين بأنّ هذه الأحاديث هي أصحّ من غيرها ، فقبلها النّاس على حسن نيّة ، وهم يتداولونها بالوراثة جيلا بعد جيل.

وللإنصاف أقول بأنّ الشيعة هم الآخرون ضحية الدس والتمويه في كثير من الأحاديث التي تُنسب للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو لأحد الأئمة الأطهار سلام الله عليهم ، فهذا الدس والتمويه لم يسلم منه المسلمون سنّة وشيعة على مرّ التاريخ ، ولكن الشيعة يمتازون على أهل السنّة والجماعة بثلاثة أشياء ميّزتهم على غيرهم من الفرق الإسلامية الأُخرى ، وأبرزتْ عقائدهم سليمة ومتّفقة مع القرآن والسنّة والعقل ، وهذه الأشياء الثلاثة هي :

أوّلا : انقطاعهم لأهل البيت النّبوي ، فهم لا يقدّمون عليهم أحداً ، وكلّنا يعلم من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

ثانياً : عدد أئمة أهل البيت ، وهو اثني عشر إماماً ، امتدتْ حياتهم وآثارهم طوال ثلاثة قرون ، وقد وافق بعضهم بعضاً في كل الأحكام والأحاديث ، ولم يختلفوا في شيء ، ممّا جعل شيعتهم وأتباعهم متعلّمين في كلّ مجالات العلم والمعرفة بوضوح وبدون تناقض في العقائد أو في غيرها.


ثالثاً : اعترافهم وإقرارهم بأنّ ما لديهم من الكتب يحتملُ الخطأ والصّواب ، وليس عندهم كتاب صحيح إلاّ كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ويكفيك أن تعرف مثلا أن أعظم كتاب عندهم وهو « أُصول الكافي » يقولون بأنّ فيه آلاف الأحاديث المكذوبة(١) ، ولذلك تجد علماءهم ومجتهديهم دائبين على البحث والتنقيب ، فلا يأخذون منه إلاّ الثّابت بالمتن

____________

(١) بمعنى التي لم تصح ولا يمكن الاحتجاج بها لضعف سندها الناشئ : إمّا من عدم توثيق الراوي ، أو أنّه متهم بالكذب ، أو غير ذلك. ثمّ إنّ مراده من الكافي جميع روايات كتاب الكافي والتي هي مقسمة إلى أُصول وفروع وروضة ، ويبلغ مجموعها أكثر من ستة عشر ألف حديث ، وليس مقصوده فقط الاُصول من كتاب الكافي المقابلة للفروع ، وسرّ وجود هكذا روايات في المصادر الشيعية ـ وخصوصاً الكافي الذي هو من أهم الكتب المعتمدة عند اتباع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ـ هو أنّ المحدثين الشيعة لم يتعهدوا ولم يلتزموا بأن ينقلوا خصوص الروايات الصحيحة كما فعله غيرهم ـ حسب زعمه ـ ، وإنّما دوّنوا الروايات والآثار المنقولة والمنسوبة إلى الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام ، وعلى العالم الرجوع إلى سند أي رواية يريد التمسّك بها; ليراها هل هي صحيحة السند أم لا؟ وعلى فرض صحة سندها هل يكون متنها مقبولا ، أي خالياً من الشذوذ والعلّة كما يقول علماء الحديث ، إذ ليس كلّ ما صح سنده قُبل وعمل به ، ولأجل ذلك ترى أنّ العلماء يختلفون فيما بينهم في صحة رواية وضعفها; وهذا موجود أيضاً عند أهل السنّة فيما عدا ما يسمى بـ ( صحيح البخاري ) و ( صحيح مسلم ) إذ أنّهما ـ حسب زعمهم ـ صحيحان ، ولا يطعنون في رواية واحدة منهما.

ومن هذا يتضح أنّ ما ذكره عثمان الخميس في مناظرة قناة المستقلّة ، سنة ١٤٢٢ في شهر رمضان المبارك ، كلام بعيد عن المنهج العلمي والبحث بالتي هي أحسن ، وهو كلام تهريج أقرب من كلام باحث يتوخى الحقيقة والوصول إليها.


والسند ، وما لا يتعارض مع القرآن والعقل.

أمّا أهل السنّة والجماعة فقد ألزموا أنفسهم بكتب سمّوها الصحّاح الستّة باعتبار أنّ كلّ ما فيها صحيح ، وأغلبهم يتناقلون هذا الرأي بالوراثة بدون بحث ولا تمحيص ، وإلاّ فإنّ كثيراً من الأحاديث التي رُويتْ في هذه الكتب لا تقومُ على دليل علمي ، وفيها الكفرُ الصريح ، وبما يتناقض والقرآن ، وأخلاق الرسول وأفعاله والحطّ من كرامته.

ويكفي الباحث أن يقرأ كتاب الشيخ المصري محمود أبو رية « أضواء على السنّة المحمدية » ليعرف ما هي قيمة الصحاح الستّة.

والحمد لله فإنّ كثيراً من الشباب الباحث اليوم تحرّر من تلك القيود ، وأصبح يُفرّق بين الغث والثمين ، بل حتّى الشيوخ المتعصّبين للصحّاح أصبح الكثير منهم اليوم يُنكرها ، لا لأنّه ثبت لديه ضعف بعض الأحاديث فيها ، ولكن لأنّه وجد فيها حجّة الشيعة التي يقولون بها سواء في الأحكام الفقهية أو في العقائد الغيبيّة ، فما من حُكم أو عقيدة يقول بها الشيعة إلاّ ولها وجودٌ فعلي في أحد الصحاح الستّ لدى أهل السنّة والجماعة.

وبالمقابل قال لي بعض المتعصّبين : ما دُمتم تعتقدون بأنّ أحاديث البخاري ليست صحيحة ، فلماذا تحتجّون بها عليَنا؟

أجبت : ليس كلّ ما في البخاري صحيح ، وليس كلّ ما فيه مكذوب ، فالحقّ حقّ والباطل باطل ، وعلينا أن نُغربل ونصفّي(١) .

____________

(١) مضافاً إلى أن أُسلوب المناظرة والاحتجاج يقتضي الإتيان بالمشتركات ، وما


قال : هل عندك مِجْهرٌ خاصّ تعرف به الصحيح من المكذوب؟

قلت : ليس عندي أكثر ممّا عندك ، ولكن ما اتفق عليه السنّة والشيعة فهو صحيح; لأنّه ثبتت صحّته عند الطرفين ، ونُلزمهم به كما ألْزموا أنفسهم ، وما اختلفوا فيه حتّى لو كان صحيحاً عند أحدهم فلا يُلزمُ الطرف الثاني بقبوله ، كما لا يُلزمُ الباحث الحيادي قبوله والاحتجاج به لأنّه دورىٌ.

وأضربُ لذلك مثلا واحداً حتّى لا يبقى هناك إشكال في هذا الموضوع ، وحتّى لا يعاد نفس الانتقاد بأساليب متعدّدة :

يدّعي الشيعة بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصّب عليّاً خليفة للمسلمين في غدير خم يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة بعد حجّة الوداع وقال بالمناسبة :

« من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه »(١) . فهذه الحادثة وهذا الحديث نقله كثير من علماء أهل السنّة

____________

يؤمن الخصم به ، فإذا كان مؤمناً بصحيح البخاري ، وكان في البخاري ما يؤكّد عقيدة الشيعة ـ مثلا ـ ويدعمها فالاحتجاج به يكون أفضل وأكمل والزام للخصم بما ألزم به نفسه. وهذا الإشكال لا يورده إلاّ المبتدئ الذي لم يسمع بالحوار والاستدلال ، أو المتعصب الذي أعماه حب الهوى فأصم سمعه وبصره.

(١) حديث الغدير حديث ثابت صحيح متواتر ، نصّ على صحته وتواتره أعلام القوم ، وقد أخرجه أكثر المحدّثين وأرباب التصانيف ، راجع على سبيل المثال : مسند أحمد ١ : ١١٨ ، المستدرك للحاكم ٣ : ٣٧١ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٠٣ ، المصنف لابن أبي شيبة ٧ : ٤٩٩ ح ٢٨ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٣٢ ح ٨٤٧٣ ، صحيح ابن حبان ١٥ : ٣٧٦.

وأخرجه الشيخ الألباني في صحيحته ٤ : ٣٣٠ ح ١٧٥٠ ، وأثبت صحة الحديث وتواتره ، وردّ على شيخ السلفية ابن تيمية المتسرع في الطعن بأحاديث فضائل أهل البيت من دون نظر في طرق ورأي العلماء فيها.


والجماعة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم ، فيمكن للشيعة عندئذ أن يحتجّوا به على أهل السنّة والجماعة.

ويدّعي أهل السنّة والجماعة بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عيّن أبا بكر ليُصلّي بالنّاس في مرض موته ، وقال بالمناسبة : « ويأبى الله ورسولَه والمؤمنون إلاّ أبا بكر »(١) .

فهذه الحادثة وهذا الحديث لا وجود له في كتب الشيعة ، وإنّما يروون بأنّ رسول الله بعث إلى علىّ ، فبعثت عائشة إلى أبيها ولمّا عرف رسول الله ذلك قال لعائشة : « إنكنّ لصويحبات يوسف »(٢) وخرج هو ليصلّي بالنّاس وزحزح أبا بكر.

فلايمكن وليس من الإنصاف أن يحتجّ أهل السنّة والجماعة على الشيعة بما انفردوا هم به ، وخصوصاً إذا كانت الروايات متناقضة ويكذّبها الواقع والتاريخ; لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عيّنَ أبا بكر ليكون ضمن جيش أُسامة ، وتحت امرته وقيادته ، ومن المعلوم أنّ أمير الجيش في السّرية هو إمام الصّلاة.

وقد ثبت تاريخياً بأنّ أبا بكر لم يكن موجوداً في المدينة عند وفاة الرّسول ، وكان بالسّنح يتجهّز للخروج مع أميره وقائده أُسامة بن زيد الذي لم يبلغ من العمر إلاّ سبعة عشر عاماً ، فكيف والحال هذه يمكن لنا أن نصدّق بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عيّنه لإمامة الصّلاة؟ اللّهم إلاّ إذا صدّقْنا بقول

____________

(١) أورده ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٩ وقال : « إنّهم وضعوه في مقابل الحديث المروي عنه في مرضه : ائتوني بدواة وكتف ».

(٢) الصراط المستقيم للبياضي ٣ : ١٣٤.


عمر بن الخطاب بأنّ رسول الله يهجر ولا يدرِ ما يفعل ولا ما يقول ، وهذا أمرٌ لا سبيل إليه ، فهو مستحيلٌ ولا يقول به الشيعة.

فعلى الباحث هنا أن يتقي الله في بحثه ، ولا تأخذه العاطفة فيميل عن الحقّ ، ويتّبع الهوى فيضلّ عن سبيل الله ، إنّما واجبُه أن يخضع للحقّ ولو كان الحقّ مع غيره ، ويحرّر نفسه من الرّواسب والعواطف والأنانيّة ، فيكون من الذين امتدحهم الله عزّ وجلّ في قوله :( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ اُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَاُوْلَئِكَ هُمْ اُوْلُوا الألْبَابِ ) (١) .

فليس من المعقول إذاً أنْ يقول اليهود : إنّ الحقّ عندنا ، ويقول النّصارى : إنّ الحقّ عندنا ، ويقول المسلمون : إنّ الحقّ عندنا ، وهم مختلفون في العقائد والأحكام!

فلا بدّ للباحث أنْ يُمحّص أقوال الديانات الثلاثة ، ويقارن بعضها ببعض حتّى يتبيّن له الحقّ.

وليس من المعقول أيضاً أن يقول أهل السنّة بأنّ الحقّ معهم ، ويقول الشيعة بل الحقّ عندهم وحدهم ، وهم يختلفون في بعض المفاهيم والأحكام ، فالحقّ واحدٌ لا يتجزأ.

فلا بدّ للباحث أن يتجرّد ويُمحّص أيضاً أقوال الطّرفين ، ويقارن بعضها ببعض ، ويُحَكِّمَ عقلَهُ حتّى يتبيّن له الحقّ ، وذلك هو نداء الله سبحانه لكلّ فرقة تدّعي الحقّ; إذ يقول :( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (٢) .

____________

(١) الزمر : ١٧ ـ ١٨.

(٢) البقرة : ١١١.


فليست الأكثرية بدالّة على الحقّ ، بل العكس هو الصّحيح ، قال تعالى :( وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ) (١) .

وقال أيضاً :( وَمَا أكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (٢) .

مثلما أنّ التقدّم الحضاري والتكنولوجي والثّراء ليس دليلا على أنّ الغرب على حقّ والشرق على باطل قال تعالى :( فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) (٣) .

قول أهل الذكر في الله تعالى

يقول الإمام عليعليه‌السلام : « الحمد لله الّذي بطن خفيات الأُمور ، ودلّتْ عليه أعلام الظهور ، وامتنع على عين البصير ، فلا عينُ من لم يره تُنكرهُ ، ولا قلبُ من أثبتَهُ يبصره ، سبقَ في العلوِّ فلا شيء أعلى منه ، وقرُبَ في الدُنوِّ فلا شيء أقربُ منه ، فلا استعلاؤه بَاعدَهُ عن شيء من خلقِه ، ولا قُربُه سَاواهم في المكان بِهِ.

لم يُطلع العقولَ على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجِبِ معرفِتِه ، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرارِ قلب ذي الجحود ، تعالى الله عمّا يقول المشبّهونَ به والجاحدونَ له علوّاً كبيراً »(٤) .

« والحمد لله الذي لم تسبق له حالٌ حالا ، فيكون أوَّلا قبل أن يكون

____________

(١) الأنعام : ١١٦.

(٢) يوسف : ١٠٣.

(٣) التوبة : ٥٥.

(٤) نهج البلاغة ١ : ٩٩ ، الخطبة : ٤٩.


آخراً ، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً ، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل ، وكلُّ عزيز غيره ذليل ، وكل قوىّ غيره ضعيف ، وكلّ مالك غيره مملوك ، وكلّ عالم غيره متعلّمٌ ، وكلّ قادر غيره يقدر ويعجزُ ، وكلّ سميع غيره يصَمُّ عن لطيف الأصواتِ ويُصمُّهُ كبيرها ، ويذهبُ عنه ما بعدَ منها ، وكلّ بصير غيرُه يعمى عن خفىّ الألوانِ ولطيف الأجْسام ، وكلّ ظاهر غيره باطن ، وكلّ باطن غيره ظاهر.

لم يخلق ما خلقَه لتشديد سلطان ، ولا تخوّف من عواقب زمان ، ولا استعانة على ندّ مثاور ، ولا شريك مكاثر ولا ضدّ مُنافر ، ولكن خلائق مربوبون ، وعباد داخرون.

لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأَ عنها فيقالُ : هو منها بائنٌ ، لم يؤُدْهُ خلقُ ما ابتدأ ولا تدبير ما ذرأَ ، ولا وقفَ به عجزٌ عمّا خلق ، ولا ولجتْ عليه شبهة فيما قضى وقدّر ، بل قضاءٌ متقنٌ ، وعلمٌ محكمٌ ، وأمرٌ مبرمٌ ، المأمول مع النِّقم ، والمرهوبُ مع النِّعَم »(١) .

« ليس لأوليته ابتداءٌ ، ولا لأزليته انقضاء ، هو الأوّل ولم يزلْ ، والباقي بلا أجل ، خرّتْ له الجباه ، ووحّدتْهُ الشفاهُ ، حدّ الأشياء عند خلقه لها إبانَة له من شبهها لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات ، ولا بالجوارح والأدوات ، لا يقالُ له : متى ، ولا يضربُ له أمدٌ بحتّى. الظاهرُ لا يقالُ ممَّ ، والباطن لا يقالُ فيم ، لا شبحٌ فيتقصّى ، ولا محجوبٌ فيحوَى تعالى عمّا ينحلهُ المحدّدون من صفاتِ الأقدار ، ونهايات الأقطارِ ، وتأثّل المساكنِ ، وتمكّن الأماكن ،

____________

(١) نهج البلاغة ١ : ١١٤ ، الخطبة : ٦٥.


فالحدّ لخلقه مضروبٌ وإلى غيره منسوبٌ.

لم يخلق الأشياء من أُصول أزلية ، ولا من أوائل أبدية ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه ، وصوّر ما صوّر فأحسنَ صورتَهُ ، ليس لشيء منه امتناع ، ولا له بطاعة شيء انتفاعٌ ، علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين ، وعلمه بما في السماوات العُلَى كعلمِهِ بما في الأرضينَ السفْلى »(١) .

____________

(١) نهج البلاغة ٢ : ٦٦ ، الخطبة : ١٦٣.


الفصل الثاني

في ما يتعلّق بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

السؤال الثالث : حول عصمة الرَسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

يقول الله سبحانه وتعالى في حقّ نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) .

وقال أيضاً :( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ) (٢) .

وقال :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٣) .

وتدلّ هذه الآيات دلالة واضحة على عصمته المطلقة في كلّ شيء ، وتَقُولون بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوم فقط في تبليغ القرآن(٤) ، وما عدا ذلك

____________

(١) المائدة : ٦٧.

(٢) النجم : ٣ ـ ٤.

(٣) الحشر : ٧.

(٤) لا يقال : إنّ أهل السنّة يعتقدون بعصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في تبليغ السنّة والقرآن معاً ، فإنّه يقال : نعم ، هذا هو معتقدكم عند التنظير ، ولكن الواقع العملي وتبريركم ودفاعكم عن الخليفة الثاني عندما نسب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالهجر ـ كما أقرّه ابن تيمية في منهاج السنة ٦ : ٢٤ و ٣١٥ وغيره ـ يخالف ذلك التنظير ويردّه ، إذ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أراد أن يتحف الأُمة بشيء هام جداً يعصمهم من الضلالة ، ولكن اعتقاد الخليفة واعتقاد من يبرّر عمله بعدم عصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في تبليغ السنّة ،


فهو كسائر البشر يُخطِىءُ ويُصيب ، وتستدلّون على خطئه في عدّة مناسبات بأحداث تروونها في صحاحكم!

فإذا كان الأمر كذلك ، فما هي حجّتكم وما هو دليلكم في ادّعائكم التمسّك بكتاب الله وسنّة نبيّه ، ما دامت هذه السنّة عندكم غير معصومة ، ويمكن فيها الخطأ؟

وعلى هذا الأساس فالمتمسّك بالكتاب والسنّة على حسب معتقداتكم لا يأمن من الضلالة ، وخصوصاً إذا عرفنا بأنّ القرآن كُلّه مفسَّرٌ ومُبَيّنٌ بالسنّة النبويّة ، فما هي حجّتكم في أنّ تفسيره وتبيانه لم يكن مخالفاً لكتاب الله تعالى؟

قال لي أحَدهُم معبّراً عن هذا الرأي : لقد خالف الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القرآن في كثير من الأحكام حسب ما تقتضيه المصلحة.

قلتُ متعجّباً : أعطني مثلا واحداً على مخالفته.

أجاب : يقول القرآن :( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة ) (١) ، بينما حكم الرّسول على الزاني والزانية بالرّجم ، وهو غير موجود في القرآن.

قلت : إنّما الرّجم على المحصن إذا زنى ، ذكراً كان أم أنثى ، والجلد على الأعزب إذا زنى ، ذكراً كان أم أنثى.

____________

حرم الأُمة الإسلامية منها ، فكيف يجرأون بعد هذا التفوّه بعصمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في تبليغ الرسالة؟!

(١) النور : ٢.


قال : في القرآن ليس هناك أعزب أو مُحصن; لأنّ الله لم يخصّص بل أطلق لفظ الزانية والزاني بدون تخصيص.

قلت : إذاً على هذا الأساس فكلّ حكم مطلق في القرآن خصّصه الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو مخالفٌ للقرآن؟ فأنتَ تقول بأن الرّسول خالف القرآن في أكثر أحكامه؟

أجاب متحرّجاً : القرآن وحده معصوم; لأنّ الله تكفّل بحفظه ، أمّا الرّسول فهو بشر يخطىء ويصيب ، كما قال القرآن في حقّه :( قُلْ إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) (١) .

قلتُ : فلماذا تُصلّي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وقد أطلق القرآن لفظ الصّلاة بدون تخصيص لأوقاتها؟

أجاب : القرآن فيه :( إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) (٢) والرّسول هو الذي بيّن أوقات الصلاة.

قلت : فلماذا تُصدّقْه في أوقات الصّلاة ، وتردّ عليه في حكم رجم الزاني؟

وحاول جهده أن يُقنعني بفلسفات عقيمة متناقضة لا تقوم على دليل عقلي ولا منطقي كقوله : بأنّ الصّلاة لا يمكن الشكّ فيها; لأنّ رسول الله فعلها طيلة حياته ، وفي كلّ يوم خمس مرّات ، أمّا الرّجم فلا يمكن الاطمئنان إليه; لأنّه لم يفعله في حياته غير مرّة أو مرّتين.

وكقوله بأنّ الرّسول لا يُخطئ عندما يأمره الله بأمره ، أمّا عندما يحكمُ

____________

(١) الكهف : ١١٠.

(٢) النساء : ١٠٣.


بفكره فهو ليس معصوم ، ولذلك كان الصّحابة يسألونه في كلّ أمر : هل هو من عنده أم من عند الله؟ فإذا قال : هو من عند الله ، امتثلوا بدون نقاش ، وإذا قال : هو من عندي ، عند ذلك يُناقشونه ويجادلونه وينصحونه ، ويتقبّل نصائحهم وآراءهم ، وقد ينزل القرآن أحياناً موافقاً لآراء بعض الصّحابة ومُخالفاً لرأيه ، كما في قضيّة أسرى بدر ، وقضايا أُخرى مشهورة.

وحاولتُ بدوري إقناعهُ ولكن بدون جدوى; لأنّ علماء أهل السنّة والجماعة مقتنعون بذلك ، وصحاحُهم مشحونةٌ بمثل هذه الرّوايات التي تَخدِش في عصمة الرّسول ، وتجعل منه شخصاً أقلّ مستوى من الرّجل الذكي ، أو القائد العسكري ، أو حتى شيخ الطريقة عند الصوفية.

ولست مبالغاً إذا قلت : أقلَّ مستوى حتى من الرجل العادي ، فإذا ما قرأنا بعض الرّوايات في صحاح أهل السنّة والجماعة ، يتبينُ لنا بوضوح إلى أيّ مدى وصل التأثير الأموي في عقول المسلمين من عهدهم ، وبقيتْ آثاره حتى يوم الناس هذا.

وإذا ما بحثنا الغرض أو الهدف من ذلك ، فسوف نخرجُ بنتيجة حتمية ومُرّة ، ألا وهي : إنّ أُولئك الّذين حكموا المسلمين في عهد الدولة الأموية ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان ، لم يعتقدوا يوماً من الأيّام بأنّ محمّداً ابن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هو مبعوث برسالة من عند الله أو هو نبىّ الله حقّاً.

وأغلب الظن أنّهم كانوا يعتقدون بأنّه كان سَاحِراً(١) ، وقد تغلّب على

____________

(١) قال الدكتور الرحيلي في كتابه « الانتصار للصحب والآل » ص١٧٥ تعليقاً


____________

على كلام المؤلف : « فهذا حكم خطير على المسلمين الذين جاءوا بعد الخلفاء الراشدين واستغرق حكمهم جلّ قرن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو خير القرون ، والثلث الأوّل من القرن المفضل الثاني واشتهر من أخبارهم في العدل والتقوى والصلاح بين الأُمّة خصوصاً ما ثبت من ذلك في حق الصحابي الجليل معاوية ابن أبي سفيان!! ».

وهذا الكلام لا يتفّوه إلاّ من أُشرب حبّ البيت الأموي ، ورضع من بقاياه من أهل النصب ، فأيّ جلالة لمعاوية؟ وأيّ عدل قام به؟ وأيّ تقوى فعلها؟

فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه » ولهذا الحديث عدّة طرق :

(١) رواه جماعة من الثقات عن علي بن زيد بن جد عان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ( تاريخ ابن عساكر ٥٩ / ١٥٥ ـ ١٥٦ ).

(٢) روي عن ابن مسعود من أربعة طرق ( ابن حبان في المجروحين ٢ / ١٧٢ ، وابن عدي في الكامل ٢ / ٢٠٩ ، الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣ / ١٤٩ ).

وهناك طرق أُخرى للحديث وبعضها قوّي صحيح الإسناد.

وورد في حقّ معاوية أيضاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لعن الله الراكب والقائد والسائق » ولهذا الحديث طرق عديدة وهو صحيح ، وارجع إلى مسند البزار ٩ / ٢٨٦ ، أنساب الأشراف ١٢٩ ، المعجم الكبير للطبراني ٣ / ٧١ ، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٩ / ٢٠٤ ، وهناك طرق أخرى كثيرة.

وورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ معاوية قوله : « يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت على غير ملّتي » قال : وكنت تركت أبي قد وضع له وضوء ، فكنت كحابس البول ، مخافة أن يجي ، قال : فطلع معاوية! فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « هذا هو ».

كتاب البلاذري ٢ / ٤٤٩ ، وقعة صفين لنصر بن مزاحم : ٢١٧.

إلى غير ذلك من الروايات الواردة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ معاوية وبني أُمية ، مضافاً إلى وصفه بالباغي على لسان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث « عمّار تقتله الفئة


النّاس وشيّد ملكه على حساب المستضعفين من النّاس ، وبالخصوص العبيد الذين أيّدوا دعوته وناصروه.

وليس هذا مجرّد ظنّ فإنّ بعض الظنّ إثم ، ولكن عندما نقرأ في كتب التاريخ لنتعرف على شخصيّة معاوية وأحواله ، وما فعله طيلة حياته خصوصاً مدّة حُكمه فالظنّ يصبحُ حقيقة لا مفرَّ منها.

فكلّنا يعرفُ من هو معاوية ، ومن هو أبوه أبو سفيان ، ومن هي أمّهُ هند ، فهو الطّليق ابن الطّليق الذي قضى شبابه في رحاب أبيه ، وفي تعبئة الجيوش لمحاربة رسول الله والقضاء على دعوته بكلّ جهوده ، حتّى إذا ما فشلت جميع محاولاته ، وتغلّب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه وعلى أبيه استسلم للأمر الواقع في غير قناعة ، ولكن الرّسول لكرمه ولعظمة خُلقه عفى عنه وسمّاه الطّليق.

وبعد موت صاحب الرسالة حاول أبوه إثارة الفتنة والقضاء على الإسلام ، وذلك عندما جاء في اللّيل للإمام علىّ يحرّضه على الثورة ضد أبي بكر وعمر ، ويمنّيه بالمال والرجال ، ولكن الإمام علي سلام الله عليه عرف قصده

____________

الباغية يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار» والحديث أخرجه البخاري ٤ : ٢٧ في كتاب الصلح ، والترمذي في المناقب ٢٧٧٣ وقال عنه : « حسن صحيح ».

فمعاوية ملعون ، ومستحقّ للقتل ، وهو من البغاة الّذين يدعون إلى النار ، وممّن لم يسلم ويدخل الايمان قلبه كلّ هذه الأوصاف قالها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ معاوية بن أبي سفيان ، فكيف يتجرّأ الدكتور الرحيلي ويقول : انّه صحابي جليل عادل متقي؟!! أليس هذا ردّاً على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتحكيم الأهواء الأموية على الأحاديث النبوية؟!

وهذا يدلّل على أنّ عصر الطلقاء لم ينته بعد ، وإنّما هناك طلقاء في كل مكان وزمان يتقوّلون على الله ورسوله بما تمليه عليهم الأهواء وأصحاب المطامع.


فطرده ، وبقي يعيش حاقداً على الإسلام والمسلمين طيلة حياته حتى آلت الخلافة إلى ابن عمّه عثمان ، عند ذلك أظهر ما في نفسه من كفر ونفاق ، فقال : « تلقّفوها تلقّف الكرة يا بني أُمية ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ليس هناك جنّة ولا نار »(١) .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه من الجزء السادس في صفحة ٤٠٧ عن أنس : أنّ أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي فقال : هل هنا أحد؟ فقالوا : لا. فقال : اللّهم اجعل الأمر أمر جاهلية ، والملك ملك غاصبية ، واجعل أوتاد الأرض لبني أميّة(٢) .

وأما ابنهُ معاوية وما أدراك ما معاوية ، فحدّث ولا حرج ، وما فعله بأُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيلة ولايته في الشّام ، ثمّ بعد تسلّطه على الخلافة بالقهر والقوة ، وما ذكره المؤرّخون من هتكه للقرآن والسنّة ، وتعدّيه كلّ الحدود التي رسمتها الشريعة ، والأعمال التي يتنزّه القلم عن كتابتها ، واللّسان عن ذكرها لقُبحها وفحشها ، وقد ضربنا عنها صفحاً مُراعاةً لعواطف إخواننا من أهل السنّة والجماعة ، والذين أشربوا في قلوبهم حبّ معاوية والدفاع عنه.

ولكن لا يفوتنا أن نذكر هنا نفسيات الرجل ، وعقيدته في صاحب

____________

(١) تاريخ الطبري ٨ : ١٨٥ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩ : ٥٣.

(٢) تاريخ دمشق ٢٣ : ٤٧١ ، وفي كتاب النزاع والتخاصم للمقريزي : ٣١ قال : « إنّ أبا سفيان دخل على عثمان رضي الله عنه حين صارت الخلافة إليه فقال : قد صارت إليك بعد تيم وعدي فادرها كالكرة ، واجعل أوتادها بني أُمية ، فإنّما هو الملك ، ولا أدري ما جنّة ولا نار ».


الرسالة ، فهي لا تبعد عن عقيدة أبيه ، وقد رضعها من حليب أُمّه آكلة الأكباد ، والمشهورة بالعهر والفجور(١) ، كما ورثها عن أبيه شيخ المنافقين

____________

(١) قال الزمخشري في ربيع الأبرار ٣ : ٥٥١ باب القرابات والنسب : « وكان معاوية يُعزى إلى أربعة » ، وقال السبط ابن الجوزي في التذكرة : ٢٠٢ : « إنّ معاوية كان يقال : إنّه من أربعة من قريش » ، وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ : ١١١ : « كانت هند تُذكر في مكة بفجور وعهر ».

ومن هذا يتضح أنّ المؤلف لم يرمِ هند أُمّ معاوية زوراً وبهتاناً ، وإنمّا ذكر هذا الكلام ولديه دليله ، وهو ما ذكرته المصادر السنيّة المتقدّمة ، وسيرة هند معلومة لكلّ مسلم ، بل هي نارٌ على منار ، فهي التي لاكت كبد حمزة عمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعدما استشهد في معركة أُحد ، ولقّبت بآكلة الأكباد لأجل ذلك ، وبقي هذا اللقب يطاردها في كلّ مكان ، وهي التي ولدت معاوية الذي قاتل علياًعليه‌السلام وسبّه على منابر المسلمين ، وهو والد يزيد الذي قتل ريحانة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسين بن عليعليهما‌السلام ، فالمدافع عنهم ما هو إلاّ مكمل لذلك الخطّ الأموي المعروف بالنصب والعداء والمعلوم لكلّ أحد حتى عند ابن تيمية المتعصّب ، ومن هذا تعرف أنّ ما ذكره عثمان الخميس في كشف الجاني : ١٢٩ ناشي من الجهل وعدم المعرفة بحال المسلمين وما دوّنوه في مصادرهم ، أو من التعصب الأعمى!

وقد ذكر هناك عدّة افتراءات على الشيعة كذباً وزوراً ، وهي مأخوذة من المصادر السنيّة وإليك بيانها; فقد ذكر هناك عدة نقاط فقال :

(١) « يروون عن علي بن أبي طالب أنّه كان ينام مع عائشة في فراش واحد ».

وهذا افتراء وبهتان تبرّأ منه الشيعة ، ويعجز عثمان وغيره عن إثبات ذلك ، بل الشيعة تنزّه علي بن أبي طالب وتنزّه عائشة من ذلك ، وهم أكثر من غيرهم دفاعاً عن أعراض الأنبياءعليهم‌السلام ، وأنّ الذي رمى عائشة بالافك ما هم إلاّ الصحابة الذين يدافع عنهم عثمان وأمثاله ، ومن أُولئك الصحابة :

حسان بن ثابت فقد رمى عائشة بالافك وكانت تقرأ عليه قوله تعالى :( اُوْلَئِكَ


____________

لَهُمْ عَذَابٌ أليم ) ، وقوله تعالى :( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عظيم ) ، وتعني العمى الذي أصابه. راجع سير أعلام النبلاء ٢ : ٥١٢ ـ ٥١٧ ، ترجمة ١٠٦.

مسطح بن أثاثة ، حيث شارك في قصة الافك ، وكان أبو بكر ينفق عليه وقطع النفقة بعد الحادثة وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه ٣ : ١٥٧ كتاب الشهادات ، حديث الافك. راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء ١ : ١٨٧ ، ترجمة ٢٠. بل إنّ أهل السنّة هم الّذين رووا في كتبهم ما يدلّ على الطعن بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزوجاته ، فقد رووا عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : « أرسلني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غداة باردة ، فأتيته وهو مع بعض نسائه في لحافه ، فأدخلني في اللحاف ، فصرنا ثلاثة » مستدرك الحاكم ٣ : ٤١٠ ، وصحّحه ، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك ، السنة لابن أبي عاصم ٢ : ٥٩٧.

ومع ذلك يحكم عثمان وأمثاله بعدالة هؤلاء ، ويرمي الشيعة بتهم رخيصة تبرأ منها براءة أخي يوسف من السرقة.

(٢) « يروون أنّ عمر بن الخطاب كان مصاباً بداء في دبره » ونسب ذلك إلى كتاب « الأنوار النعمانية ».

وهذا جهل من عثمان الخميس وتدليس على القارئ; لأنّ صاحب « الأنوار النعمانية » نقل هذا الكلام عن مصدر سنّي إذ قال : ( وأمّا أفعاله ـ يعني عمر ـ الجميلة فقد نقل منها متابعوه ما لم ينقله أعداؤه ، منها ما نقله صاحب الاستيعاب ومنها : ما قاله المحقّق جلال الدين السيوطي في حواشي القاموس عند تصحيح لغة ( الأبْنَة ) ، وقال هناك : « وكانت في جماعة في الجاهلية ، أحدهم سيّدنا عمر ».

وأقبح منه ما قاله الفاضل وابن الأثير ، وهما من أجلاّء علمائهم قال : « زعمت الروافض أنّ سيّدنا عمر كان مخنّثاً ، ولكن كان به داء دواؤه ماء الرجال ».

وغير ذلك ممّا يستقبح نقله ، وقد قصّروا في إضاعة مثل هذا السرّ المكنون المخزون ، ولم أرَ في كتب الرافضة مثل هذا وقد نقلت أهل السنّة ها هنا عن


الذي ما عرف الإسلام يوماً إلى قلبه سبيلا.

وكما عرفنا نفسية الأب ، فها هو الابن يعبّر بنفس التعبير ، ولكن على طريقته في الدّهاء والنّفاق.

فقد روى الزبير بن بكار ، عن مطوف بن المغيرة بن شعبة الثقفي قال :

____________

إمامهم ما هو أقبح من هذا ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم » الأنوار النعمانية ١ : ٦٣.

(٣) « كان عثمان ممّن يلعب به » ، وهذا من خيانة النقل والتقول على الآخرين بما لم يذكروه ، فإنّ المؤلّف نقل هذا الكلام عن الكلبي في كتابه مثالب العرب ، فذكر فيه مثالب قريش ومنهم عثمان ( الصراط المستقيم ٢ : ٣٣٤ ).

ومسألة اللعب بعثمان لا كما فهمه عثمان الخميس حيث فسّر اللعب بما ذكره الطبرى في تاريخه : « قال علي : عياذ الله ياللمسلمين اني قعدت في بيتي قال لي عثمان : ( تركتني وقرابتي وحقي ) ، وأنّي إن تكلّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان ، فصار سيّقه له يسوقه حيث شاء بعد كبر سنه » تاريخ الطبري ٣ : ٣٩٠.

فاللعب به : يعني عليه فيما يصدره ويفعله في خلافته من أوامر وأحكام وتصرّفات. وأمّا لفظ ( المخنث ) فلم يذكر في مصدر شيعي أو سنّي وهو من افتراءات عثمان الخميس وتقولاته الفاسدة.

وهذه الأُمور التي ذكرها عثمان والأُمور الأُخرى كلّها لا تؤمن بها الشيعة ولا تعتقد ، بها ، بل هي تنزّه ألسنتها عن نسبة التهم بالفحشاء إلى الآخرين ، مضافاً إلى أنّ ما ذكره من أمثلة كلّها واردة في كتب لا تعتّد الشيعة بمؤلّفيها أو بالكتاب الذي نقل هذه المسائل عن مصادر أهل السنّة.

وأمّا هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان فقد ذكرنا المصادر السنّية التي ذكرت هذا الأمر في حقّها ، وأمّا كلامها التي ردّت فيه على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقولها : ( أو تزني الحرّة ) ، فهذا لا يدلّ على عدم ركوبها لهذا الفعل ، إذ كيف يستدلّ بكلامها على نفي الفعل عنها؟ إذ من الواضح أنّ الإنسان لا يفشي سرّه ولا يبيّنه للآخرين ، وهل يطلب عثمان الخميس من هند أن تقرّ بالزنا وتعترف به أمام الناس؟!.


دخلت مع أبي على معاوية ، فكان أبي يأتيه يتحدّث عنده ثمّ ينصرف إلىّ فيذكر معاوية وعقله ، ويعجب ممّا يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتمّاً ، فانتظرته ساعة وظننتُ أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا ، فقلتُ له : ما لي أراك مُغتمّاً منذ الليلة؟

قال : يا بني إنّي جئتُ من عند أخبث الناس ، قلتُ له : وما ذاك ، قال : قلتُ لمعاوية وقد خلوتُ به : إنّك قد بلغتَ مُناك يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلا ، وبسطت خيراً ، فإنّك قد كبرتَ ، ولو نظرتَ إلى إخوتك من بني هاشم فوصلتَ أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه ، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه.

فقال لي : هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر ، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين ، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : عمر ، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل ما عمل وعُمل به ، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فُعل به ، وإن أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فأيّ عمل وأي ذكر يبقى مع هذا لا أمّ لك؟ والله إلاّ دفناً دفناً(١) .

خسئتَ وَخبتَ وأخزاك الله يا من أردت دفنَ ذكر رسول الله بكلّ جهودك ، وأنفقت في سبيل ذلك كلّ ما تملكه ، ولكنّ جهودك كلّها باءتْ

____________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٥ : ١٣٠ ، مروج الذهب ٣ : ٤٥٤ في نداء المأمون بسب معاوية.


بالفشل،لأنّ الله سبحانه لك بالمرصاد ، وهو القائل لرسوله :( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (١) .

فلستَ أنت بقادر على دفن ذكره الذي رفعه ربّ العزّة والجلالة ، فكدْ كيدك ، واجمع جمعك ، فأنت غير قادر على إطفاء نور الله بفيك ، والله متمّ نوره رغم نفاقك ، فها قد مَلكْتَ الأرض شرقاً وغرباً ، وما إن هلكْتَ حتّى هلك ذكرك ، إلاّ أن يذكرك ذاكر بأفعالك الشنيعة التي أردْتَ بها هدم الإسلام ، كما جاء ذلك على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

وبقي ذكر محمّد بن عبد الله بن هاشم عبر القرون والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، كلّما ذكره ذاكر إلاّ صلّى عليه وعلى آله وسلّم رغم أنفك ، وأُنوف بني أُميّة الذين حاولوا بقيادتك وزعامتك القضاء عليهم وعلى فضائلهم ، فما زادهم ذلك إلاّ رفعة وسمّواً ، وسوف تلقون الله يوم القيامة غاضباً عليكم لما أحدثتموه في شريعته ، فيجزيكم بما تستحقّون.

وإذا ما أضفنا إلى هؤلاء فرخهم يزيد بن معاوية الماجن الفاسق ، شارب الخمور ، والمجاهر بالفسق والفجور ، فسوف نجده هو الآخر يحمل نفس العقيدة التي ورثها عن أبيه معاوية وجدّه أبي سفيان ، كما ورث عنهم الخسّة والدناءة ، وشرب الخمر ، ومعاقرة العاهرات ، ولعب القمار.

ولو لم يرث كلّ هذه الصفات البشعة لما أورثه أبوهُ معاوية الخلافة ، وسلّطه على رقاب المسلمين ، وكلّهم يعرفوه حقّ معرفته ، وفيهم فضلاء الصحابة كالحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة. ولا أشكّ في أنّ معاوية

____________

(١) الشرح : الآية ٤.

(٢) كتاب صفين : ٤٤.


قضى حياته ، وأنفق ماله الذي اكتسبه من حرام في سبيل القضاء على الإسلام والمسلمين الحقيقيين.

ولقد رأينا كيف كان يريد دفن ذكر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما قدر على ذلك ، فأشعلها حرباً على ابن عمّه علي وصىّ النّبي ، حتى إذا ما قضى عليه ووصل للخلافة بالقهر والغش والنفاق سنَّ سُنّته المشؤومة ، وأمر عمّاله في كلّ الأقطار بلعن علي وأهل البيت النّبوي على كلّ المنابر وفي كلّ صلاة ، وهو بذلك يريد سبّ ولعن رسول الله(١) ، ولما أعيته الحيل ، وأدركه الأجل ، ولم

____________

(١) أخرج ابن عبد ربّه في العقد الفريد ٥ : ١١٤ في أخبار معاوية ، قال : إن معاوية لعن علياً على المنبر وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا ، فكتبت أمّ سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى معاوية : إنّكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم. وذلك أنّكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبّه ، وأنا أشهد أنّ اللّه أحبّه ورسوله ، فلم يلتفت معاوية إلى كلامها. ( المؤلّف ).

وفي سنن ابن ماجة ١ : ٥٦ ، ح ١٢١ قال : « حدّثنا علي بن محمّد ، حدّثنا أبو معاوية ، حدّثنا موسى بن مسلم ، عن ابن سابط ـ وهو عبد الرحمن ـ عن سعد بن أبي وقّاص قال : لما قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه ، فذكروا علياً ، فنال منه ، فغضب سعد وقال : تقول هذا لرجل سمعت رسول اللّه ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : «من كنت مولاه فعلي مولاه » ، وسمعته يقول : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وسمعته يقول : « لأعطين الراية اليوم رجلا يحب اللّه ورسوله ». وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١ : ٧٢ ح ١٢٠ ، وعلّق عليه بقول : « قوله : فنال منه ، أي نال معاوية من علي وتكلّم فيه ».

وفي عون المعبود بشرح سنن أبي داود ١٢ : ٣١٢ ح ٤٦٣٦ : « حدّثنا ابن العلاء عن ابن ادريس ، أنبأنا حصين عن هلال بن يساف عن عبد اللّه بن ظالم


يصل إلى مأربه ، إنتدب ابنه وولاّه على الأُمة ليواصل ذلك المخطط الذي رسمه هو وأبوه أبو سفيان ، ألا وهو القضاء على الإسلام وإعادة الأمر إلى الجاهلية.

فاستلم ذلك الماجن الفاسق الخلافة ، وشمّر سواعده للقضاء على الإسلام حسب رغبة أبيه ، فبدأ باستباحة مدينة الرسُولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لجيشه الكافر ، ففعل فيها ما فعل طيلة ثلاثة أيّام ، وقتل فيها عشرة آلاف من خيرة الصحابة ، بعد أن قتل سيّد شباب أهل الجنة وريحانة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكلّ أهل البيت النّبوي ، وهم أقمار الأمّة ، حتّى أخذت حرائر أهل البيت سبايا ،

____________

المازني قال : ذكر سفيان رجلا فيما بينه وبين عبد اللّه بن ظالم المازني قال : سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال : لمّا قدم فلان إلى الكوفة أقام فلان خطيباً ، فأخذ بيدي سعيد بن زيد فقال : ألا ترى إلى هذا الظالم ، فاشهد على التسعة أنّهم في الجنّة» .

قال العظيم آبادي في شرح الحديث : ( لمّا قدم فلان إلى الكوفة أقام فلان خطيباً ) ، قال في فتح الودود : « ولقد أحسن أبو داوود في الكناية عن اسم معاوية والمغيرة بفلان ستراً عليهما في مثل هذا المحل قال بعض العلماء : كان في الخطبة تعريضاً بسبّ علي ( رضي الله عنه ) » ).

وقد صحّح الحديث الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣ : ١٣٠ ح ٤٦٤٨ ، وفي صحيحته ٢ : ٥٣١ ح ٨٧٥.

فمعاوية مؤسّس الدولة الأموية من أوّل يوم لدولته وتشكيلته الحكومية باشر هذا الفعل ، وهو سبّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وإخفاء فضائل أهل البيت عليهم‌السلام ، وإعطاء الأموال لإضفاء فضائل مزيفة له ، والتحديث بتنقيص علي وآل علي ، وهذا أمرٌ واضح من سيرة معاوية ، ومن سيرة ولاته الذين نصبهم على البلاد والعباد ، ومن يدافع عن بني أُمية ومعاوية ما هو إلاّ متبع لهوىً أو متعصب لدين الأجداد والآباء.


فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولو أنّ الله لم يقصف عمره لتمكّن ذلك الوغد اللئيم من القضاء على الإسلام والمسلمين. والذي يهمّنا في هذا البحث هو الكشف عن عقيدته هو الآخر ، كما كشفنا عن عقيدة أبيه وجدّه.

فقد حدّث المؤرخون أنّه بعد وقعة الحرّة المشؤومة ، وقتل عشرة آلاف من خيرة المسلمين سوى النساء والصبيان ، وأفتضّ فيها نحو ألف بكر ، وحبلتْ ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج ، ثمّ بايع من بقيَ من النّاس على أنّهم عبيد ليزيد ومن امتنع قتل ، ولمّا بلغ يزيد خبر تلك الجرائم والمآسي التي يندى لها الجبين ، ولم يشهد لها التاريخ مثيلا حتى عند المغول والتتار وحتى عند الإسرائيليين فرح بذلك وأظهر الشماتة بنبىّ الإسلام ، وتمثّل بقول ابن الزبعّرى الّذي أنشده بعد موقعة أحد قائلا :

ليتَ أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسلْ

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا : يا يزيد لا تشلْ

قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدلْ

لست من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعلْ

لعبت هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحىٌ نزلْ(١)

____________

(١) أنظر : تاريخ الطبري ٨ : ١٨٧ ، الأخبار الطوال للدينوري : ٢٦٧ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٥ : ١٧٨ ، وقال ابن كثير في البداية ٨ : ١٥٥ : « ثم أباح مسلم بن عقبة الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة ـ قبّحه الله من شيخ سوء ما أجهله ـ المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد ـ لا جزاه الله خيراً ـ ، وقتل خلقاً من


____________

أشرافها وقرّائها ، وانتهب أموالا كثيرة منها ، ووقع شرّ عظيم وفساد عريض ووقعوا على النساء ، حتى قيل : إنّه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج ».

وقال ابن حجر العسقلاني في الإصابة ٦ : ٢٣٢ رقم ٨٤٣٤ : « مسلم بن عقبة بن أسعد المري أبو عقبة ، الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرة ، ذكره ابن عساكر وقال : أدرك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشهد صفين مع معاوية وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة ، وأسرف في قتل الكبير والصغير حتى سمّوه مسرفاً ، وأباح المدينة ثلاثة أيام لذلك العسكر ، ينهبون ويقتلون ويفجرون ، ثمّ رفع القتل وبايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية ، وتوجّه بالعسكر إلى مكة ليحارب ابن الزبير لتخلّفه ».

وقال النووي في شرحه لحديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ولا يريد أحدٌ أهل المدينة بسوء إلاّ أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء ) ، « قال : لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطان ، بل يذهبه عن قرب ، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أُمية مثل مسلم بن عقبة ، فإنّه هلك في منصرفه عنها ، ثمّ هلك يزيد بن معاوية مرسلة على ذلك » شرح مسلم ، النووي ٩ : ١٣٨.

وراجع ذلك أيضاً في المصادر التالية : سير أعلام النبلاء للذهبي ٣ : ٣٢٢ ، المستدرك للحاكم النيسابوري ٣ : ٥٥٠ ، الثقات لابن حبان ٢ : ٣١٢ ، أُسد الغابة لابن الأثير ٤ : ٣٩٧ ، فتح الباري لابن حجر ٨ : ٢٤٥ و ٤٩٩ و ١٣ : ٦٠ ، الديباج على مسلم للسيوطي ٣ : ٤٠٧ ، فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ : ٥٧ ، الطبقات الكبرى لابن سعد ٥ : ٣٩ ، تاريخ خليفة بن الخياط ١٤٧ ، تهذيب التهذيب لابن حجر ١١ : ٣١٦.

وغيرها من المصادر الكثيرة المتعرضة لهذه الواقعة المفجعة التي قتل خلق كثير فيها من الصحابة والتابعين ، واستبيحت فيها نساؤهم وبناتهم وولدن الكثير من السفاح ، حتى أنّ من صار منهم يسمّون أولاد الحرّة لعدم معرفة آبائهم ، وأنّ


فإذا كان الجدّ أبو سفيان العدوّ الأوّل لله ورسوله يقول صراحة :

« تلقّفوها يا بني أُمية تلقّف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان فما من جنّة ولا نار ».

وإذا كان الأب معاوية العدوّ الثاني لله ورسوله يقول صراحة ، عندما يسمع المؤذن يشهد أنّ محمّداً رسول الله : « أيّ عمل وأيّ ذكر يبقى مع هذا لا أمَّ لك؟ والله إلاّ دفناً دفناً ».

وإذا كان الابن يزيد العدوّ الثالث لله ورسوله يقول صراحة :

لعبت هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحىٌ نزلْ

وإذا ما نحنُ عرفنا عقيدة هؤلاء في الله ورسوله وفي الإسلام ، وإذا ما نحن عرفنا أعمالهم الشنيعة التي أرادوا بها هدم أركان الإسلام ، والإساءة إلى نبي الإسلام ، والتي لم نذكر منها إلاّ النزر اليسير روماً للاختصار ، ولو أردنا التوسّع لملأنا مجلداً ضخماً في أعمال معاوية وحده التي بقيت عليه عاراً وشناراً وفضيحة مدى الدهر ، ولو تجنّد لتغطيتها وسترها بعض علماء السّوء الذين كان لبني أُمية عليهم أيادي وعطايا أعمت عيونهم ، فباعوا

____________

الرجل بعد وقعة الحرّة كان يزّوج ابنته من دون أن يضمن بكارتها.

والملفت للنظر في هذا الأمر أنّ قائد الجيش الذي فعل هذه الأفعال الشنيعة في المدينة ـ وهو مسلم بن عقبة المري ـ ذكره بعضهم كابن حجر العسقلاني وغيره أنّه صحابي كما تقدّم ، فعند ذلك يقع تضارب واضح بين من يؤمن بعدالة جميع الصحابة وأنّهم في الجنّة وبين الحديث المتقدّم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ولا يريد أحدٌ أهل المدنية » مع أفعال هذا الصحابي الشنيعة ، فهل هذا عادل؟! وهل هو في الجنّة ، لأنّه صحابي ولا يضّره ما فعل؟!


آخرتهم بدنياهم وألبسوا الحقّ بالباطل وهم يعلمون ، وبقي أغلب المسلمين ضحية هذا الدسّ والتزوير ، ولو علم هؤلاء الضحايا الحقيقة ، لما ذكروا أبا سفيان ومعاوية ويزيد إلاّ باللّعن والبراءة.

[ إذا ما عرفنا كلّ ذلك عرفنا منزلة هؤلاء ، وعرفنا أنّهم لا يستحقّون إلاّ الذمّ والتبرّي منهم ومن أعمالهم ، لا اتّباعهم وتبرير أفعالهم ](١) .

ولكن الذي يهمّنا في هذا البحث الوجيز هو التوصّل إلى مدى تأثير هؤلاء وأشياعهم وأتباعُهم الذين حكموا المسلمين طيلة مائة عام ، ولمّا يزل في خطواته الأولى.

ولا شكّ في أنّ تأثير هؤلاء المنافقين كان كبيراً على المسلمين ، فغيّر عقيدتهم ، وغيّر سلوكهم ، وأخلاقهم ، ومعاملاتهم ، وحتى عباداتهم ، وإلاّ كيف يمكن لنا تفسير قعود الأُمة عن نصرة الحقّ وخذلان أولياء الله والوقوف مع أعداء الله ، ورسوله؟!

وكيف يمكن لنا أن نفسِّر وصول معاوية الطّليق ابن الطّليق واللّعين ابن اللّعين إلى الخلافة التي تمثّل مرتبة وخلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وفي الوقت الذي يموّه علينا المؤرّخون بأنّ النّاس كانوا يقولون لعمر بن الخطاب : « لو رأينا فيك إعوجاجاً لقوّمناك بسيوفنا » نراهم يتحدّثون عن معاوية وهو يعتلي منصّة الخلافة بالقهر والقوة ، وأوّل خطبة يقولها في جميع الصّحابة : « إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولكن لأتأمّر عليكم ، وها أنا ذا أميرٌ

____________

(١) أضيفت لعدم استقامة الجملة بدونها.


عليكم »(١) فلا يحرّك منهم أحدٌ ساكناً ولا يعارضوه ، بل يَجْرُوا في ركابه حتى يسمّوا ذلك العام الذي استولى فيه معاوية على الخلافة بعام الجماعة ، في حين أنّه كان بحقّ عام الفرقة.

ثمّ نراهم بعد ذلك يقبلون منه أن يولّي عليهم ابنه الفاسق يزيد المعروف لديهم جميعاً ، فلا يثورون ولا يتحرّكون إلاّ ما كان من بعض الصلحاء الذين قتلهم يزيد في وقعة الحرّة ، وأخذ ممّن بقي منهم البيعة على أنّهم له عبيد ، فكيف لنا تفسير كلّ ذلك؟! على أننا نجدُ بعد ذلك أنّه وصل للخلافة باسم إمارة المؤمنين الفسّاق من بني أميّة كالوزغ مروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة وغيرهم.

ووصل الأمر بأمراء المؤمنين أن يستبيحوا مدينة رسول الله ، ويفعلوا فيها الأفاعيل ، وتُهتكُ فيها الحرمات ، بل ويحرقوا بيت الله الحرام ، ويقتلوا في الحرم خيار الصحابة!! ووصل الأمر بأمراء المؤمنين أن يسفكوا دماء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك بقتلهم ريحانة رسول الله وذريته ، ويستبيحوا سبي بناته ، فلا يحرّك أحدٌ من الأُمة ساكناً ، ولا يجد سيّد شباب أهل الجنة ناصراً!!

ووصل الأمر بأُمراء المؤمنين أن يمزّقوا كتاب الله ، ويقولون له :

إذا لقيت ربّك يوم حشر

فقل يا رب مزّقني الوليد

كما فعل الوليد الأموي.

ووصل الأمر بأمراء المؤمنين أن يلعنوا على المنابر علي بن أبي

____________

(١) راجع : تاريخ دمشق ٥٩ : ١٥٠ ، سير أعلام النبلاء ٣ : ١٤٧ ، البداية والنهاية ٨ : ١٤٠.


طالبعليه‌السلام ، ويأمروا الناس بلعنه في كلّ الأقطار(١) ، وهم لا يقصدون بذلك غير لعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) ، فلا يحرّك منهم أحدٌ ساكناً ، ومن امتنع قُتِلَ وصُلب ومُثّل به.

ووصل الأمر بأُمراء المؤمنين أن يتجاهروا بشرب الخمر ، والزنا ، واللهو بالطرب والغناء ، والرقص و و وحدّث ولا حرج!

فإذا كان أمرُ الأُمّة الإسلاميّة قد وصل إلى هذا الحدّ من الانحطاط في الأخلاق والذلّ والاستكانة ، فلا بدّ أنّ هناك عوامل أثّرتْ في عقيدتها ، وهذا ما يهمّنا في هذا البحث; لأنّه يتعلّق بموضوع العصمة وشخصية الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأوّل ما يُلفتُ انتباهنا هنا هو أنّ الخلفاء الثّلاثة أبو بكر وعمر وعثمان منعوا كتابة حديث النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل وحتى التحدّث به.

فهذا أبو بكر يجمع النّاس في خلافته ويقول لهم : « إنّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والنّاس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه »(٣) .

كما أنّ عمر بن الخطاب هو الآخر منع أن يتحدّثْ الناس بحديث الرسول ، قال قرظة بن كعب : لما سيّرنا عمر بن الخطاب إلى العراق مشى

____________

(١) سير أعلام النبلاء للذهبي ٣ : ٣١ ترجمة المغيرة بن شعبة الذي كان والياً لمعاوية على الكوفة ، وكان ينال في خطبته من علي ، وأقام خطباء ينالون منه.

(٢) راجع ما تقدّم من حديث أُم سلمة الذي نقلناه آنفاً.

(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي ١ : ٢ و ٣.


معنا وقال : أتدرون لما شيعتكم؟ قالوا : تكرمة لنا ، قال : ومع ذلك إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النّحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جوّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ، وأنا شريككم.

يقول هذا الراوي : فلم أنقل حديثاً قط بعد كلام عمر ، ولمّا قدم العراق هرع النّاس إليه يسألونه عن الحديث ، فقال لهم قرظة : نهانا عن ذلك عمر(١) .

كما أنّ عبد الرحمن بن عوف قال بأنّ عمر بن الخطّاب جمع الصّحابة من الآفاق لمنعهم من التحدّث بأحاديث رسول الله في النّاس وقال لهم : أقيموا عندي ولا تفارقوني ما عشتُ ، فما فارقوه حتى مات(٢) .

كما يذكر الخطيب البغدادي والذهبي في تذكرة الحفاظ بأنّ عمر بن الخطّاب حبس في المدينة ثلاثة من الصّحابة ، وهم أبو الدرداء ، وابن مسعود ، وأبو مسعود الأنصاري بذنب الإكثار من نقل الحديث(٣) . كما أنّ عمر أمر الصّحابة أن يحضروا ما في أيديهم من كتب الحديث ، فظنّوا أنّه يريد أن يُقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها كلّها في النّار(٤) .

ثمّ أتى بعده عثمان فواصل المشوار ، وأعلن للنّاس كافة أنّه « لا يحل

____________

(١) راجع : السنن لابن ماجة ١ : ١٢ ، المعجم الأوسط ٦ : ١٦٤ ، تذكرة الحفاظ للذهبي ١ : ٧ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٠٣ كتاب العلم ، بألفاظ مختلفة ، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك.

(٢) تاريخ دمشق ٤٠ : ٥٠٠ ، كنز العمال ١٠ : ٢٩٣ ح ٢٩٤٧٩.

(٣) تذكرة الحفاظ ١ : ١٢.

(٤) تقييد العلم : ٥٢ ، القسم الثاني ، باختلاف.


لأحد أن يروي حديثاً لم يسمع به على عهد أبي بكر ولا عهد عمر »(١) .

ثمّ بعد هؤلاء جاء دور معاوية بن أبي سفيان ، لمّا اعتلى منصّة الخلافة صعد على المنبر وقال : « أيّها الناس إيّاكم والحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ حديثاً يذكر على عهد عمر »(٢) .

فلا بدّ أنّ هناك سرّاً لمنع الأحاديث التي قالها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي لا تتماشى وما جرت عليه المقادير في ذلك العصر ، وإلاّ لماذا يبقى حديث الرّسول ممنوعاً طوال هذه المدّة الطويلة ، ولا يُسمح بكتابته إلاّ في زمن عمر بن عبد العزيز؟!!.

ولنا أن نستنتج طبقاً لما سبق من الأبحاث بخصوص النصوص الصريحة في الخلافة ، والّتي أعلنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على رؤوس الأشهاد بأنّ أبا بكر وعمر منعا من الرواية والحديث عن النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خوفاً أن تَسْرِيَ تلك النّصوص في الأقطار أو حتى في القرى المجاورة ، فتكشف للنّاس بأنّ خلافته وخلافة صاحبه ليست شرعية ، وإنّما هي اغتصاب من صاحبها الشرعي علي بن أبي طالب. وقد تكلّمنا في هذا الموضوع ، وكشفنا عن هذه الحقيقة في كتابنا « لأكون مع الصّادقين » فليراجع لمزيد الاطمئنان.

والعجيب في أمر عمر بن الخطاب هو مواقفه المتناقضة بالخصوص في كلّ ما يتعلّق بأمر الخلافة; ففي حين نجده هو الذي ثبّت بيعة أبي بكر ، وحملَ الناس عليها قهراً ، يحكم عليها بأنّها فلتةً وقى الله شرّها(٣) . وفي

____________

(١) الطبقات الكبرى ٢ : ٣٣٦ ، كنز العمال ١٠ : ٢٩٥ ح ٢٩٤٩٠.

(٢) المعجم الكبير للطبراني ١٩ : ٣٧٠.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ٢٦ كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى.


حين يختار هو ستّة للخلافة نراه يقول : لو ولّوها الأجلح ( يقصد علي بن أبي طالب ) لحملهم على الجادّة(١) . فما دام يعترف بأن علياً هو الشخص الوحيد الذي يحمل النّاس على الجادّة ، فلماذا لم يعيّنه وينتهي الأمر ، ويكون بذلك قد بذل النصح لأُمّة محمّد؟!.

ولكنّا نراه بعد ذلك يتناقض فيرجّح كفّة عبد الرحمن بن عوف ، ثمّ يتناقض مرّة أُخرى فيقول : لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته عليكم(٢) .

والأعجب من ذلك في أمر أبي حفص هو منعه الحديث عن النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحبسه الصّحابة في المدينة ومنعهم من الخروج منها ، ونهيَه المبعوثين من قِبله إلى الأقطار بأن لا يحدّثوا الناس عن السنّة النبويّة ، وحرقه للكتب التي كانت بأيدي الصّحابة ، وفيها أحاديث النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

ألم يفهم عمر بن الخطّاب بأنّ السنّة النبويّة هي تبيان للقرآن الكريم؟ أوَلم يقرأ قوله سبحانه وتعالى :( وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ

____________

(١) الطبقات الكبرى ٣ : ٣٤٢ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢ : ٢٦٠ ، كنز العمال ١٢ : ٦٧١ ح ٣٦٠٤٤. وقال : ( ابن سعد والحارث ، حل واللالكائي في السنّة وصحح ).

(٢) وهذا الحديث اتخذه أبو حنيفة حجّة على جواز الخلافة للموالي ، وخالف بذلك الصريح من حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ الخلافة لا تكون إلاّ في قريش ، ومن أجل ذلك اعتنق الأتراك مذهب أبي حنيفة عندما استولوا على الخلافة ، وسمّوا أبا حنيفة الإمام الأعظم ( المؤلف ).

والنصّ في : تاريخ ابن خلدون ١ : ١٩٤ ، أسد الغابة ٢ : ٢٤٦.


إلَيْهِمْ ) (١) ! أم أنّه فهم من القرآن ما لم يفهمه صاحب الرسالة الذي أُنزل عليه القرآن؟

وهذا ما يحاوله بعض المهوّسين الذين يقولون بأنّ القرآن كثيراً ما ينزل موافقاً لآراء عمر ، ومخالفاً لآراء النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . كبرت كلمة تخرج من أفواههم إنّهم لا يفقهون.

وكنت دائماً أتعجّب عندما أقرأُ في البخاري رفض عمر قبول رواية عمّار بن ياسر بخصوص تعليم النبي له كيفية التيمّم ، كما أتعجّبُ من قول عمّار : إن شئتَ لا أُحدّثُ به(٢) ، مخافة من عمر!! فيتبيّن بوضوح بأنّ عمر بن الخطّاب كان شديداً على كلّ من يروي أحاديث الرّسول فيلحقه الأذى.

وإذا كان الصحابة من قريش يخافون من الخليفة فلا يخرجون من المدينة ، وحتى الذين يخرجون منها يمتنعون عن نقل الأحاديث النبويّة ، ثمّ يحرق لهم كتبهم التي جمعوا فيها الأحاديث فلا يتكلّم منهم أحدٌ ، فما قيمة عمّار بن ياسر الغريب البعيد ، والبغيض لقريش لوقوفه مع علي بن أبي طالب وحبّه إيّاه؟

وإذا ما رجعنا قليلا بالبحث ، وبالضّبط يوم الخميس الذي سبق وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والذي سمّاه ابن عبّاس يوم الرّزية ، وذلك عندما أمر رسول

____________

(١) النحل : ٤٤.

(٢) النصّ في صحيح مسلم ١ : ١٩٤ ، كتاب الحيض باب التيمّم ، البخاري ١ : ٨٧ ، كتاب التيمّم باب التيمم للوجه والكفّين والوارد فيه : « الم تر عمر لم يقنع بقول عمّار ».


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحاضرين أن يأتوه بالكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً ، نرى في ذلك اليوم أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي اعترض على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واتّهمه بالهجر ـ أي الهذيان ـ والعياذ بالله ، وقال : « حسبُنا كتاب الله يكفينا »(١) ، وقد أخرج هذه الحادثة البخاري ، ومسلم ، وابن ماجة ، والنسائي ، وأبو داود ، و أحمد ، وغيرهم من المؤرّخين كثير.

فإذا كان عمر يمنعُ رسول الله من كتابة أحاديثه ، وبمحضر كثير من الصحابة وأهل البيت ، ويتّهمه بالهجر بتلك الجُرأة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا ، فليس غريباً ولا عجيباً أن يشمّر عن ساعديه بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليمنع النّاس من نقل أحاديث الرسول بكلّ جهوده ، وهو الخليفة القوي الذي يملك الحول والطول ، ولا شكّ أنّ له في الصّحابة أنصاراً كثيرين من سُراة قريش الذين لهم نفوذ في القبائل والعشائر ، والذين كانوا يصحبون النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إمّا طمعاً أو خوفاً أو نفاقاً.

وقد رأينا هؤلاء على كثرتهم يؤيّدون قولة عمر بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________

(١) راجع : صحيح البخاري ٥ : ١٣٨ ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ، وفي كتاب الجهاد والسير ، باب هل يستشفع إلى أهل الذمّة وغيرها ، صحيح مسلم ٥ : ٧٦ ، كتاب الوصيّة ، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ، مسند أحمد ١ : ٣٢٥ ، السنن الكبرى للنسائي ٣ : ٤٣٣ ح ٥٨٥٢ ، المصنّف لعبد الرزاق ٥ : ٤٣٩ ، صحيح ابن حبان ١٤ : ٥٦٢ ، وغيرها من المصادر.

أما عن اتهام عمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالهجر فراجع : سرّ العالمين للغزالي : ٤٠ ، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : ٦٥ ، النهاية لابن الأثير ٥ : ٢٤٥ ، السقيفة وفدك للجوهري كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٥١ ، منهاج السنة لابن تيمية ٦ : ٢٤ و ٣١٥.


يهجُر ، ويشاركونه في منع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الكتاب ، وأعتقد بأنّ ذلك كان هو السبب الرئيسي في سكوت النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الكتابة; لأنّه علم بوحي ربّه بأنّ المؤامرة قوية ، وقد تهدّدُ مسيرة الإسلام بكامله إذا ما كُتب ذلك الكتاب.

ذلك الكتاب الذي أراد به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحصين أُمّته من الدخول في الضّلالة ، فإذا بالمتآمرين يقلّبون الموقف ، ويصبح ذلك الكتاب ( إذا ما كُتبَ ) سبب الضلالة والانقلاب عن الإسلام.

فكيف لا يُغيّر رسول الله ـ بأبي هو وأُمّي ـ وهو على تلك الحال من المرض على فراش الموت رأيهُ ، وبوحي من ربّه الذي يرنّ في أُذنيه ، ويملأُ قلبه حسرة وأسى على أُمّته المنكوبة ، قوله :( أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ ) (١) .

ولم تنزل هذه الآية عفوية ، بل هي نتيجة حتمية لما علمه الله سبحانه من دسائسهم ومؤامراتهم ومكرهم ، فهو يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ، والذي يُعزّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ ربّه أعْلمه عن كلّ ذلك وسلاّه ، وأجزاه خير ما يجزي نبي عن أُمّته ، ولم يحمّله مسؤولية ارتداد الأُمة وانقلابها ، بل قال له مسبقاً :

( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلا * لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنسَانِ خَذُولا * وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً *

____________

(١) آل عمران : ١٤٤.


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ) (١) .

والذي لا مفرّ منه في هذا البحث هو النتيجة المؤلمة التي وصلنا إليها ، وهو أنّ أبا سفيان ومعاوية ما كانا ليتجرّآ على صاحب الرسالة لولا مواقف عمر السّابقة ، وجرأته على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبحضرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخصوصاً إذا بحثنا مواقفه طيلة حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعارضته إياه في كثير من المواقف.

والاستنتاج الذي لا بدّ منه هو أنّ هناك مؤامرة كبرى حيكت للنّيل من شخصية الرسول الأكرم ، وانتقاصه وتصويره للناس الذين لم يعرفوه بأنّه شخصٌ عادىٌ أو أقلّ من ذلك ، فقد تأخذه العاطفة ويميل مع هواه ويزيغ عن الحقّ ، كلّ ذلك ليموّهوا على الناس بأنّه ليس معصوماً ، والدليل أنّ عمر عارضه عدّة مرّات ، والقرآن ينزل بتأييد ابن الخطّاب ، حتّى وصل الأمر بأن يهدد الله نبيّه صلّى اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيبكي ويقول : لو أصابنا الله بمصيبة لم ينجُ منها إلاّ ابن الخطّاب(٢) في قضية أسرى بدر.

أو أنّ عمر كان يأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يحجُب نساءه ، ولم يكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل ذلك حتى نزل القرآن بتأييد عمر ، وأمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحجب نساءه(٣) .

أو أنّ الشيطان لا يخاف من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكنّه يخاف ويهرب من

____________

(١) الفرقان : ٢٧ ـ ٣١.

(٢) نحوه الرياض النضرة ١ : ٢٤٩ ح ٦٠٩ ، تفسير الدر المنثور للسيوطي ٣ : ٢٠٢ ، أسباب النزول للواحدي ٢٤٢ ، تفسير القرطبي ٨ : ٣١ ، روح المعاني للآلوسي ٥ : ٢٣١.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٤٦ ، باب خروج النساء إلى البراز.


عمر(١) ، إلى غير ذلك من الروايات المخزية التي تحطّ من قيمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وترفع من قيمة الصحابة.

ولكن عمر ضرب الرقم القياسي في هذا الصدّد حتى رووا ( أخزاهم الله ) بأنّ رسول الله كان يشكّ في نبوّته ، وذلك لحديث يروونه بأنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ما أبطأ عني جبرئيل إلاّ ظننت أنّه ينزل على عمر بن الخطّاب »!!

وأنا أعتقد بأنّ هذه الأحاديث وأمثالها وُضعتْ في زمن معاوية بن أبي سفيان ، لمّا أعيته الحيلة في طمس حقائق علي بن أبي طالب ، فلجأ إلى إطراء أبي بكر وعمر وعثمان ، واختلاق الفضائل لهم كي يرفعهم في نظر النّاس على مقام علي سلام الله عليه ، ويرمي من ذلك إلى هدفين :

الهدف الأوّل : تصغير شأن ابن أبي طالب ( أبو تراب ) ، كما يُسمّيه هو للتمويه على النّاس ، واعتبار الخلفاء الثّلاثة الذين سبقوه أفضل منه.

والهدف الثاني لوضعه الأحاديث هو : لكي يتقبّل الناس تجاوز أوامر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصاياه في أمر الخلافة في أهل بيته ، خصوصاً الحسنينعليهما‌السلام اللذين كانا يعاصران معاوية ، فإذا كان من الممكن أن يتجاوز الثلاثة أوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عليعليه‌السلام ، لِمَ لا يمكن أن يتجاوز معاوية ( الرابع ) أوامرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أولاد عليعليه‌السلام ؟!

وقد نجح ابن هند في مخطّطه نجاحاً كبيراً ، والدليل أنّنا اليوم عندما نتحدث عن علم علي وشجاعته وقرابته وأفضاله على الإسلام والمسلمين

____________

(١) البخاري ٤ : ٩٦ ، كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب عمر ، صحيح مسلم ٤ : ١٤٨٥ ، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر.


يقفُ في وجوهنا من يقول : قال رسول الله : لو وزن إيمانُ أُمّتي بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر.

ويقف في وجوهنا من يقول : عمر الفاروق هو الذي يفرقْ بين الحقّ والباطل.

ويقف في وجوهنا من يقول : عثمان ذو النورين الذي استحت منه ملائكة الرحمن.

والمتتّبع لهذه الأبحاث يجد أنّ عمر بن الخطّاب أخذ نصيب الأسد في باب الفضائل ، وليس ذلك من باب الصدفة ، كلاَّ ولكن لمواقفه المعارضة والمتعدّدة تجاه صاحب الرسالة أحبّتْهُ قريش ، وخصوصاً للدور الذي لعبه عمر في إقصاء أمير المؤمنين وسيّد الوصيين علي بن أبي طالب عن الخلافة ، وإرجاع الأمر إلى قريش تتحكّم فيه كيف شاءتْ ، ويطمع فيه الطلقاء والملعونون من بني أُميّة ، وقريش كلّها وعلى رأسهم أبو بكر يعرفُون بأنّ الفضل كلّه يرجع لعمر في تسلّطهم على رقاب المسلمين.

فعمر هو بطل المعارضة لرسول الله ، وعمر هو المانع لرسول الله بأن يكتب الخلافة لعلىّ ، وعمر هو الذي هدّد الناس وشكّكهم في موت نبيّهم حتّى لا يسبقوه بالبيعة لعلي ، وعمر هو بطل السّقيفة ، وهو الذي ثبّت بيعة أبي بكر ، وعمر هو الذي هدّد المتخلّفين في بيت علي بأن يحرق عليهم الدار بمنْ فيها إن لم يبايعوا أبا بكر.

وعمر هو الذي حمل الناس على بيعة أبي بكر بالقوّة والقهر ، وعمر هو الذي كان يعيّن الولاة ، ويعطي المناصب في خلافة أبي بكر ، بل لسنا


مبالغين إذا قلنا بأنّه هو الحاكم الفعلي حتّى في خلافة أبي بكر نفسه ، فقد حكى بعض المؤرّخين بأنّ المؤلّفة قلوبهم لما جاؤوا لأبي بكر لأخذ سهمهم الذي فرضه الله لهم جرياً على عادتهم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكتب لهم أبو بكر بذلك ، فذهبوا إلى عمر ليتسلّموا منه فمزّق الكتاب وقال : لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم ، فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم ، فرجعوا إلى أبي بكر ، فقالوا له : أنت الخليفة أم هو؟ فقال : بل هو إن شاء الله تعالى ، وأمضى ما فعله عمر(١) .

ومرّة أُخرى كتب أبو بكر لصحابيين قطعة من الأرض وأرسلها لعمر ليمضي فيه ، فتفل فيه عمر ومحاه ، فشتماه ورجعا لأبي بكر يتذمّران فقالا : ما ندري أأنت الخليفة أم عُمر؟! فقال : بل هو ، وجاء عمر مغضباً إلى أبي بكر وقال له : ليس من حقّك إعطاء الأرض إلى هذين ، فقال أبو بكر : لقد قلتُ لك بأنّك أقوى منّي على هذا الأمر ولكنّك غلبتني(٢) .

____________

(١) بدايع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ٢ : ٤٥ ، النصّ والاجتهاد لشرف الدين : ٤٣.

(٢) الإصابة ٤ : ٦٤٠ ، ترجمة عيينة بن حصن.

وجاء في السيرة الحلبية ٣ : ٥١٢ : « وفي كلام سبط ابن الجوزي أنّه [ أي أبو بكر ] كتب لها بفدك ، ودخل عليه عمر فقال : ما هذا؟ فقال : كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها ، فقال : مما تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ، ثمّ أخذ عمر الكتاب فشقه ».

وفي المصنّف لأبن أبي شيبة ٧ : ٦٤١ « اقطع أبو بكر طلحة أرضاً وكتب له بها كتاباً وأشهد به شهوداً منهم عمر ، فأتى طلحة عمر بالكتاب فقال : اختم على هذا ،


ومن هنا يتبيّن لنا سرّ المكانة التي حظي بها عمر بن الخطّاب لدى قريش عامة ولدى بني أُمية خاصّة حتّى سمّوه بالعبقري ، وبالملهم ، وبالفاروق ، وبالعدل المطلق ، إلى أن فضّلوه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد رأينا عقيدة عمر في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يوم صلح الحديبية إلى يوم الرّزية ، أضف إلى ذلك أنّه منع الصحابة من التبرّك بآثار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقطع شجرة بيعة الرضوان(١) ، كما توسّل بالعبّاس عمّ النبىّ ليُشعرَ الناس بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات وانتهى أمره ، فلا فائدة حتى في ذكراه ، فلا لوم على الوهابية الذين يقولون بهذه المقالات ، فهي ليستْ جديدة كما يتوهّم البعض.

ومن هنا فُتح الباب إلى أعْداء الإسلام والمستشرقين ليستخلصوا بأنّ محمّداً رجلٌ عبقري عرف أنّ قومه وثنيّين تربّوا على عبادة الأصنام فأزال الأصنام ، ولكنّه أبدلهم بذلك حجراً أسوداً.

ونرى بعد كلّ هذا عمر هو بطل المعارضة لكتابة الأحاديث النبويّة ، حتّى يحبس الصحابة في المدينة ، ويمنع آخَرين من الحديث ، ويحرق كتب الحديث حرصاً منه بأن لا تتفشّى السنّة النبوية بين النّاس.

ونفهم أيضاً من خلال ذلك لماذا بقي علي حَبيس الدّار لا يخرج إلاّ عندما يُدعى لحلّ معضلة عجز عنها الصّحابة ، ولم يُشركه عمر في منصب

____________

قال : لا أختم عليه ، هذا لك دون الناس؟ فانطلق طلحة وهو مغضب ، فأتى أبا بكر فقال : والله ما أدري أأنت الخليفة أو عمر ، قال : لا بل عمر لكنّه أبى» .

وفي كنز العمال ١٢ : ٥٨٣ : « إن عمر مزّق الكتاب ومحاه ».

(١) المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي ٢ : ٢٦٩ وسنده صحيح ، فتح الباري لابن حجر العسقلاني ٧ : ٣٤٥.


ولا في ولاية ولا في مسؤولية ولا في بعث ، وحُرم حتّى من ميراث فاطمة ، وليس عنده ما يُطمع الناس فيه.

ولذلك يذكر المؤرّخون بأنّه اضطرّ للبيعة بعد موت الزهراء سلام الله عليها لمّا رأى تحوّل وجوه الناس عنه.

لك الله يا أبا الحسن فكيف لا يبغضُك الناس ، وقد قتلتَ أبطالهم ، وفرّقتَ جموعهم ، وسفّهت أحلامهم ، وما تركتَ لهم في سوق الفضائل فضيلة ، ولا في ميدان الحسنات حسنةً ، ومع ذلك فأنت ابن عمّ المصطفى ، وأقربهم إليه ، وزوج فاطمة سيّدة نساء العالمين ، وأبو السبطين سيّدي شباب أهل الجنّة ، وأوّلهم إسلاماً ، وأكثرهم علماً.

وعمّك حمزة سيد الشهداء ، وجعفر الطيار ابن أُمّك وأبيك ، وأبو طالب سيّد البطحاء وكفيل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أبوك ، والأئمة الميامين كلّهم من صُلبك.

سبقت السَّابقين ونأيت عن اللاّحقين ، فكنت أسد الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكنت سيف الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكنت أمين الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما بعثكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببراءة ولم يأتمن عليها غيرك.

وكنت أنت الصّديقُ الأكبر لا يقولها بعدك إلاّ كذّابٌ ، وكنت الفاروق الأكبر الذي يسير الحقّ في ركابه ، فيُعرف الحقُ به من بين ركام الباطل ، وكنت العلم الظاهر ، والمنار الساطع ، يُعرفُ بحبّه إيمان المؤمن وببغضه نفاق المنافق. وكنتَ الباب لمدينة العلم ، من أتاك أتاها ، فقد كذب من زعم الدخول من غيرك ، والوصول بدونك.

فمن منهم له سهم كسهمك يا أبا الحسن؟ ومن منهم له فضلٌ كفضلك؟


فإن كان للشرف دليلا فأنت دليله ، وأنت مبتدأه ومنتهاه ، لقد حسدوك على ما أتاك الله من فضله ، ولقد أبعدوك لمّا خصّك الله من قُربه ، فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

لقد شطّ بنا القلم إلى مناجاة أمير المؤمنين المظلوم حيّاً وميّتاً ، وله في أخيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُسوة حسنة ، فهو أيضاً مظلوم حيّاً وميّتاً; لأنّه قضى حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجاهداً ناصحاً حريصاً على المؤمنين بهم رَؤوف رحيم.

وقابلوه في آخر لحظة بالكلام القبيح ، ورموه بالهجر ، وجابهوه بالعصيان والتمرّد في تأميره أُسامة ، وهرعوا للسقيفة من أجل الخلافة ، وتركوه جثة هامدة ، ولم يشتغلوا حتى بتجهيزه وغسله وتكفينه بأبي هو وأُمّي ، وبعد وفاته عملوا على انتقاصه في أعين الناس ، والحط من قيمته ، وتجريده من العصمة التي يشهد بها القرآن والوجدان ، كلّ ذلك من أجل حكم زائل ودنيا فانية.

وإذا عرفنا من خلال البحث ، موقف بعض الصحابة تجاه شخصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل الوصول للخلافة.

فإنّ حكام بني أُميّة ـ على رأسهم معاوية بن أبي سفيان ـ جاءتهم الخلافة بالوراثة واطمأنّوا لها ، ولم يكن يدور في خلدِ أحد منهم بأنّها في يوم من الأيام سوف تخرج منهم ، فلماذا استمرّ بنوا أُميّة في انتقاص شخصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتزوير الرّوايات للحطّ من قيمته؟

وأعتقد بأنّ هناك سببين رئيسيين ، وهما :

السبب الأوّل : إنّ في الحطّ من قيمة رسول الله هو إرغام أُنوف بني هاشم


الذين نالوا عزّاً وشرفاً بين كلّ القبائل العربية لوجود النبي منهم ، وخصوصاً إذا عرفنا أنّ أُمية كان ينافس أخاه هاشماً ويحسده ، ويعمل كلّ ما في وسعه للقضاء عليه.

زد على ذلك بأنّ عليّاً هو سيّد بني هاشم بعد الرسول من غير منازع ، وقد عرف الخاص والعام بغض معاوية لعلي ، والحروب التي شنّها ضدّه لانتزاع الخلافة منه ، وبعد مقتله أولغ في سبّه ولعنه على المنابر ، فالحطّ من شخصية الرسول بالنسبة لمعاوية هو تحطيم شخصية علي ، كما أن سبّ ولعن علي هو في الحقيقة موجّهٌ لرسول الله.

السبب الثاني : إنّ في الحطّ من قيمة رسول الله فيه تبرير لما يقوم به حكّام بني أُمية من أعمال مخزيّة ، وقبائح شنيعة سجّلها لهم التاريخ ، فإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما يصوّره بني أُمية ـ يميل مع هواه ويحبّ النّساء إلى درجة أنّه ينسى واجباته ، ويميل إلى إحداهن إلى درجة أنّه لا يعدل بينهن حتى يبعثن له يطالبنه بالعدل(١) ، فلا لوم بعد ذلك على البشر العاديين أمثال معاوية ويزيد وأضرابهم.

وتكمن الخطورة في السبب الثاني في أنّ الأمويين اختلقوا روايات وأحاديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصبحت أحكاماً يُعمل بها في الإسلام ، والمسلمون يأخذونها مُسلّمة على أنّها من أقوال وأفعال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتصبح عندهم سنّة نبويّة.

وأضرب لذلك بعض الأمثلة من الأحاديث المخزية التي وُضعت للنيل

____________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٥٠٧ كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عائشة.


من شخصية الرسول ، والحطّ من قيمته ، ولا أُريد أن أتوسّع في هذا الموضوع ، وسوف أقتصر فقط على ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ( روايات مخزية للطّعن في النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).

١ ـ أخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا جامع ثمّ عاد ، قال أنس : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدور على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار وهنّ إحدى عشرة ، قال : قلت لأنس : أو كان يُطيقهُ؟ قال : كنا نتحدّثُ أنّه أُعطِيَ قوّةَ ثلاثين.

أُنظر معي أيّها القارئ إلى هذه الرواية المخزية التي تصوّر لنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على هَذا النهم من الجماع ، فيجامع إحدى عشرة زوجة في ساعة واحدة ، ويجامعهنّ في الليل أو النهار وبهذه السرعة ، ومن غير أن يغتسل من الأُولى فيجامع الثانية بماء الأُولى.

وما عليك أيّها القارئ إلاّ أن تتصوّر وتتخيّل كيف يرتمي إنسان على زوجته كالحيوان بدون مقدّمات ولا تهيئة ، وقد شاهدنا أنّه حتّى عند الحيوانات تستغرق عملية الجماع مدة طويلة وتتطلّب مقدّمات وتهيأ ، فكيف بهذا الرسول العظيم يفعل مثل هذا؟ قاتلهم الله ولعنهم أنّي يؤفكون.

ولأنّ العرب في ذلك العهد والرجال حتى في هذا العهد ما زالوا يفتخرون بقوّة الجماع ، ويعتبرون ذلك علامة الرجولة ، فوضعوا هذه القصة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحاشاه وهو الذي كان يقول : « لا ترتموا على نسائكم كالبهائم واجعلوا بينكم وبينهنّ رسولا ».

فبمثل هذه الروايات يتحامل أعداء الإسلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويصفونه


بأنّه رجل يتهالك على الجنس والجماع وحبّ النساء إلى غير ذلك من التّهم.

وهل لنا أن نسأل أنس بن مالك راوي هذه القصّة ، مَن أخبره بها؟ من أعلمه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُجامع نساءه في ساعة واحدة وهنّ إحدى عشرة؟

هل النبي هو الذي حدّثه بذلك؟ فهل يليق بأحدنا أن يحدّث الناس على مجامعته لزوجته؟ أمْ أنّ زوجات النبي هنّ اللاتي حدّثنه بذلك؟ فهل يليق بالمرأة المسلمة أن تحكي للرجال عن جماع زوجها لها؟ أم أنّ أنس هو الذي تجسّس على النبي ، وتتبّع خلواته مع زوجاته ، وتفرّج عليه من ثقوب الأبواب؟ أستغفر الله من همزات الشياطين ولعن الله الكذّابين.

ولا أشكّ في أنّ الحكّام الأمويّين والعباسيين الذين اشتهروا بكثرة النساء والجواري ، هم الذين وضعوا مثل هذه القصّة لتبرير أعمالهم.

٢ ـ أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الثالث صفحة ١٣٢ ، وكذلك مسلم في صحيحه من الجزء السابع في صفحة ١٣٦ ، قالا : قالت عائشة : أرسل أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى رسول الله ، فاستأذنت عليه وهو مُضطجع معي في مِرطي ، فأذنَ لها ، فقالت : « يا رسول الله إنّ أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدْلَ في ابنةِ أبي قُحافة » ، وأنا ساكتة ، قالت : فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أي بُنيّة ألست تُحبّين ما أحبُّ »؟ فقالت : « بلى » ، قال : « فأحبّي هذه ».

ثمّ تمضي الرواية فتقول إلى أن يبعث أزواج النبي مرّة ثانية بزينب بنت جحش زوج النبي ينشدنّهُ العدل في بنت أبي قحافة ، فتدخل هي الأُخرى


على رسول الله وهو مضطجع مع عائشة ولابس مرطها على الحالة التي دخلت عليه فاطمة ، فتنشد الرسول العدل في بنت أبي قحافة على لسان أزواج النبىّ ، ثمّ تقع في عائشة وتسبّها ، فتنتصر عائشة لنفسها وتقع هي الأُخرى في زينب حتّى تسكتها ، فيبتسم عند ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول : « إنها ابنة أبي بكر »!!

فما عساني أن أقول في هذه الرواية المنكرة التي تجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يميل مع هواه ولا يعدل بين زوجاته ، وهو الذي جاء القرآن على لسانه :( فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ ) (١) ؟!

ثمّ كيف يأذن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابنته فاطمة سيّدة النساء لتدخل عليه وهو على تلك الحالة مضطجع مع زوجته ولابس مرطها ، فلا يجلس ولا يقوم ويبقى مضطجعاً حتى يقول ، « أي بنيّة ، ألست تحبّين ما أحبّ »؟ وكذلك عندما تدخل عليه زوجته زينب وتطالبه بالعدل ، يبتسم ويقول : « إنّها ابنة أبي بكر »؟!!

أُنظر أيّها القارئ الكريم إلى هذه المخازي التي يُلصقونها برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رمز العدالة والمساواة ، في حين أنّهم يقولون : مات العدل مع عمر ابن الخطّاب ، ويصوّرون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصاً مستهتراً بالقيم الأخلاقية ، فلا يعرف الحياءُ ولا المروءة.

ولهذه الرواية نظائر كثيرة في صحاح السنّة ، والتي يقصد الرّواة من ورائها إبراز فضيلة لصحابي أو لعائشة بالذات لأنّها ابنةُ أبي بكر ، فينتقصون رسول

____________

(١) النساء : ٣.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حيث يشعرون أو لا يشعرون ، وكما قدّمت في البحث بأنّ هذه الرّوايات موضوعة للنيل من شخصيّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإليك الرواية الثالثة وهي شبيهة بهذه.

٣ ـ أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عثمان بن عفّان ، عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعثمان حدّثا : أنّ أبا بكر استأذن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مضطجع على فراشِهِ لابسٌ مِرَط عائشة ، فأذن لأبي بكر وهو كذلك ، فقضى إليه حاجته ثمّ انصرف ، ثمّ استأذن عمر فأذنَ له وهو على تلك الحال ، فقضى إليه حاجته ثمّ انصرف.

قال عثمان : ثمّ استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة : « أجمعي عليك ثيابك » ، فقضيتُ إليه حاجتي ثمّ انصرفتُ ، فقالت عائشة : يا رسول الله مالي لم أرك فزعْتَ لأبي بكر وعُمر رضي الله عنهما كما فزعتَ لعثمان؟! قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ عثمان رجلٌ حَيىٌّ ، وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلُغ إلىّ في حاجته »!

وهذه الرواية أيضاً هي الأُخرى شبيهة بما أخرجه البخاري ومسلم في فضل عثمان بن عفّان ، ومفادها بأنّ رسول الله كان كاشفاً عن فخذيه ، فاستأذن أبو بكر فلم يغطّي رسول الله فخذيه ، وكذلك فعل مع عمر ، فلمّا استأذن عثمان غطّى رسول الله فخذيه وسوّى ثيابه ، ولمّا سألته عائشة عن ذلك قال لها : « ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة »(١) !

قاتل الله بني أُميّة الذين ينتقصون رسول الله لرفع مكانة سيّدهم.

____________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٤٨٦ ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عثمان.


٤ ـ أخرج مسلم في صحيحه في باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الرّجل يجامع أهله ثمّ يكسل هل عليهما الغسْلُ ـ وعائشة جالسة ـ؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّني لأفعل ذلك أنا وهذه ثمّ نغتسلُ »!!

وأترك لك أيّها القارئ أن تُعلّق بنفسك على هذه الرواية ، فقد بلغ من تدليل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لزوجته عائشة أن يحدّث بجماعها الخاصّ والعامّ من الناس ، وكم لعائشة بنت أبي بكر من أمثال هذه الروايات التي فيها مسّ من كرامة الرسول والحطّ من قيمته.

فمرة تروي بأنّه يضع خدّه على خدّها لتتفرّج على رقص السودان ، ومرّة يحملها على كتفه(١) ، ومرّة يتسابق معها فتغلبه وينتظر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تسمن فيسابقها ويقول هذه بتيك(٢) ، ومرّة يستلقي على ظهره والنساء يضربن بالدفوف ومزمارة الشيطان في بيته فينتهرها أبو بكر(٣) .

وكم في كتب الصحاح أمثال هذه الروايات المخزية التي لا يُقصَدُ منها إلاّ انتقاص نبي الإسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كالروايات التي تقول بأنّ الرسول سُحر حتّى

____________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٣ ، كتاب الجهاد ، باب الدرق.

(٢) مسند أحمد ٦ : ٣٩ وأشار محقّق الكتاب أحمد حمزة الزين إلى صحة الحديث. وقال الشيخ الألباني في صحيحته ١ : ٢٥٤ ح ١٣١ بعد أن ذكر الحديث : « أخرجه الحميدي في مسنده ق ٤٢ / ٢ ، وأبو داود : ٢٥٧٨ ، والنسائي في عشرة النساء ق ٧٤ / ١ والسياق له ، وابن ماجة : ١٩٧٩ مختصراً وأحمد ٦ : ٣٩ / ٢٦٤ » ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٣٠٣ ح ٨٩٤٢.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١١ كتاب مناقب الأنصار ، باب مقدم النبي وأصحابه المدينة.


لا يدري ما يفعل وما يقول ، وحتى يخيّل له أنّه يأتي نساءه ولا يأتيهنّ(١) ، وكالروايات التي تقول بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصبح في رمضان جنباً(٢) ، وأنّه ينام حتى يغطّ في نومه ثمّ يقوم فيصلّي بغير وضوء(٣) .

ويسهو في صلاته فلا يدري كم ركعة صلّى(٤) ، ولا يدري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما هو مصيره يوم القيامة وما يُفعل به(٥) ، وأنّه يبول قائماً والصحابي يبتعد عنه ، فيناديه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليقترب منه حتى يفرغ من بوله(٦) .

نعم ، لقد بلغ من تدليل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زوجته عائشة بنت أبي بكر أنّه يحبس نفسه ويحبس المسلمين معه ليبحثوا عن عقد ضاع من عائشة ، وليس معهم ماء حتّى أنّ الناس يشتكون من عائشة لأبي بكر ، فيأتي أبوها يوبّخها ويلومها ، كلّ ذلك ورسول الله مشغول بالنوم في حجر زوجته ، وإليك الرواية بالتفصيل!

أخرج البخاري في صحيحه في باب التيمّم ، ومسلم في صحيحه في باب التيمّم أيضاً عن عائشة أنّها قالت : خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بعض

____________

(١) البخاري ٤ : ٦٨ و ٧ : ٢٩ كتاب الطب ، باب هل يستخرج السحر.

(٢) البخاري ٢ : ٢٣٤ ، كتاب الصوم ، باب الصائم يصبح جنباً وما بعده.

(٣) البخاري ١ : ٤٤ و ١٧١ ، كتاب الوضوء ، باب التخفيف ، صحيح مسلم ١ : ٤٤٢ ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب الدعاء في صلاة الليل.

(٤) البخاري ١ : ١٢٣ ، ٢ : ٦٥ ، كتاب السهو.

(٥) البخاري ٢ : ٧١ كتاب الجنائز ، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا اُدرج في أكفانه.

(٦) صحيح مسلم ١ : ١٥٧ ، كتاب الطهارة ، باب المسح على الخفّين.


أسفاره حتّى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ، فأقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على التماسه وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء.

فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا : ألا ترى إلى ما صنعتْ عائشة ، أقامت برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟!

فجاء أبو بكر ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام ، فقال : حبستِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والناسَ ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، قالت : فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرّك إلاّ مكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على فخذي ، فنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أصبح على غير ماء ، فأنزل الله آية التيمّم فتيمّموا.

فقال أسيد بن الحُضير وهو أحد النقباء : ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر ، فقالت عائشة : فبعثنا البعير الذي كنتُ عليه ، فوجدنا العقد تحته(١) .

فهل يُصدّق مؤمن عرف الإسلام بأنّ رسول الله يتهاون في أمر الصلاة إلى هذه الدرجة ، ويحبس المسلمين وهم على غير ماء وليس عندهم ماء ، كلّ ذلك من أجل البحث على عقد زوجته الذي ضاع منها ، ثمّ يترك المسلمين يتحسّرون على الصلاة ويشتكون إلى أبي بكر ، وهو يذهب فينام على فخذ زوجته ، ثمّ يستغرق في نوم لا يشعر معه بدخول أبي بكر وتوبيخه عائشة وطعنها في خاصرتها؟!

____________

(١) صحيح البخاري ١ : ٨٦ ، كتاب التيمم ، باب التيمم ، وأيضاً في كتاب فضائل أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، باب فضل أبي بكر بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وصحيح مسلم ١ : ١٩١ كتاب الطهارة ، باب التيمّم.


وكيف يجوز لهذا الرسول أن يترك النّاس يموجون من أجل الماء ، واقتراب وقت الصلاة وينام هو في حجر زوجته.

ولا شكّ بأنّ هذه الرواية وضعت في زمن معاوية بن أبي سفيان ولا أساس لها ، وإلاّ كيف نفسّر حادثة مثل هذه حضرها كلّ الصحابة ، وتغيب عن عمر بن الخطّاب فلا يعرفها عندما يسئل عن التيمّم ، كما أخرج ذلك البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب التيمّم.

والمهم في كلّ هذه الأبحاث هو أن نعرف بأنّ المؤامرة ضدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت مؤامرة خسيسة ودنيئة ، تعمل على الانتقاص من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتحطّ من قيمته إلى درجة أنّ أحدنا اليوم ـ ورغم كلّ الفساد الذي عمّ البرّ والبحر ـ لا يرضى لنفسه مثل هذه المواقف والأفعال ، فما بالنا بأعظم شخصية عرفها تاريخ البشرية ، والذي يشهد له ربّ العزّة والجلالة بأنّه على خلق عظيم!!

وقد بدأت المؤامرة ـ حسب اعتقادي ـ بعد حجّة الوداع ، وبعد تنصيب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام علي خليفة له يوم غدير خم ، وبذلك عرف الطامعون في الرئاسة أن ليس أمامهم إلاّ المعارضة والتمرّد على هذا النصّ ، كلّفهم ذلك ما كلّفهم ، ولو أدّى إلى الانقلاب على الأعقاب.

وبذلك يستقيم تفسير الأحداث التي بدأت بمعارضة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في كلّ أوامره من كتابة الكتاب ، إلى تأمير أُسامة ، إلى عدم الذهاب في الجيش الذي عبّأه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه.

وكذلك الأحداث التي أعقبت وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حمل الناس على البيعة


بالقوّة ، وتهديد المتخلّفين بالحرق ، وفيهم علي وفاطمة والحسنين.

إلى منع الناس من نقل أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحرق الكتب التي فيها سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحبس الصحابة لئلاّ يتحدّثوا بأحاديث النبي.

إلى قتل الصحابة الذين امتنعوا عن أداء الزكاة لأبي بكر; لأنّه ليس هو الخليفة الذي بايعوه على عهد نبيّهم.

إلى اغتصاب حقّ فاطمة الزهراء من فدك والإرث وسهم الخمس وتكذيبها في دعواها.

إلى إبعاد الإمام عليعليه‌السلام عن كلّ مسؤولية ، وتولية الفسّاق والمنافقين من بني أُمية على رقاب المسلمين.

إلى منع الصحابة من التبرّك بآثار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومحاولة محو اسمه من الأذان.

إلى إباحة مدينته المنورة للجيش الكافر يفعل فيها ما يشاء.

إلى ضرب البيت الحرام بالمنجنيق وحرقه وقتل الصحابة في داخله.

إلى قتل عترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسبّهم ولعنهم وحمل الناس على ذلك.

إلى قتل وتشريد من يحبّ أهل البيت ويتشيّع لهم.

إلى أن أصبح دين الله لعباً وهزؤاً ، والقرآن يُمزّق ويُعبث به.

والمؤامرة ما زالت حتى اليوم ، وآثارُها ومفعولها يسري في الأُمة الإسلامية ، وما دام هناك في المسلمين من يترضّى عن معاوية ويزيد ، ويبّرر أفعالهم بأنّها اجتهاد ولهم بها أجرٌ عند الله ، وما دام هناك من يكتب الكتب والمقالات ضد شيعة أهل البيت ، ويرميهم بكلّ شتيمة وشنيعة ، وما دام هناك من يستبيح قتل شيعة أهل البيت في بيت الله الحرام وفي موسم الحجّ;


فالمؤامرة ما زالت متواصلة ، وستبقى متواصلة إلى أن يشاء الله.

وأنا لست بقادر على كشفها كلّها ، أو الإحاطة بكلّ تفاصيلها وجوانبها ، ولكنّي أُحاول بجهدي المتواضع أن أُنزّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الروايات المخزية التي أُلصقتْ بحضرته ، وأُدافع عنه وعن عصمته ، وأحاول إقناع المسلمين المثقّفين والمتحرّرين بأنّ هذا الرسول الذي أرسله الله لهداية البشرية جميعاً ، وجعله قمراً وسراجاً مُنيراً هو أجلّ وأعظم وأسمى وأظهر وأنقى وأكمل إنسان خلقه الله تعالى ، فـلا يمكن لنا أن نسْكُتَ على مثل هذه الروايات التي لم يقصد من ورائها إلاّ النّيل من كرامته ، والحطّ من قيمته.

فلا ولن نرضى بهذه الروايات ، ولو اتّفق عليها أهل السنّة والجماعة ، وأخرجوها في صحاحهم ومسانيدهم ، لا بل ولو اتفق عليها أهل الأرض كافّة ، فقوله سبحانه وتعالى :( وَإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم ) (١) هو القول الفصل والحكم الأصل ، وليس بعده إلاّ الأباطيل والأوهام.

وهذا هو قول الشيعة في سيّد الأنام ، ومنقذ البشرية من العمى والضلال ، وقائدها إلى الأمن والسّلام ، فاعتبروا يا أُولى الألباب!

قول أهل الذكر في الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

يقول الإمام عليعليه‌السلام : « حتّى أفضتْ كرامةُ الله سبحانه إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخرجه من أفضل المعادنِ منبتاً ، وأعزّ الأرومات مغرساً ، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه ، وانتخبَ منها أمناءَهُ.

____________

(١) القلم : ٤.


عترتهُ خير العتر ، وأسرتُه خير الأُسر ، وشجرته خير الشجر ، نبتت في حرم ، وبسقت في كرم ، لها فروع طوالٌ ، وثمرة لا تنال ، فهو إمامُ من أتّقى ، وبصيرةُ من اهتدى ، سراجٌ لمع ضَوءهُ وشهابٌ سطع نورُه ، وزندٌ برق لمعُه.

سيرته القصدُ ، وسنّتُهُ الرّشدُ ، وكلامه الفصْلُ ، وحكمهُ العدل ، أرسلَهُ على حين فْترة من الرسُلِ ، وهفوة عن العمل ، وغباوة من الأُمم »(١) .

« فبالغصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النّصيحة ، ومضى على الطريقة ، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة »(٢) .

« مستقرّه خير مستقرّ ، ومنبتُهُ أشرف منبت في معادن الكرامة ومماهد السلامة ، قد صُرفتْ نحوه أفئدة الأبرار ، وثنيتْ إليه أزمة الأبصار ، دفن به الضّغائن وأطفأ به الثّوائر ، ألّفَ به إخواناً ، وفرّق به أقراناً ، أعزّ به الذلّة ، وأذلّ به العزّة ، كلامهُ بيانُ ، وصمته لسان »(٣) .

« أرسله بحجّة كافية ، وموعظة شافية ، ودعوى متلافية ، أظهر به الشرائع المجهولة ، وقمع به البدع المدخولة ، وبيّن به الأحكام المفصولة »(٤) .

« أرسله بالضياء ، وقدّمه في الاصطفاء ، فرتق به المفاتقَ ، وساور به المُغَالبَ ، وذَلَّلَ به الصّعوبةَ ، وسهّل به الحُزُونةَ ، حتى سرّح الضّلال عن يمين وشمال »(٥) .

____________

(١) نهج البلاغة ١ : ١٨٥ ، الخطبة ٩٤.

(٢) المصدر نفسه ١ : ١٨٦ ، الخطبة ٩٥.

(٣) المصدر نفسه ١ : ١٨٧ ، الخطبة ٩٦.

(٤) المصدر نفسه ١ : ١٨٦ ، الخطبة ١٦١.

(٥) المصدر نفسه ٢ : ١٩٤ ، الخطبة ٢١٣.



الفصل الثالث

في ما يتعلّق بأهل البيتعليهم‌السلام

السؤال الرابع : من هم أهل البيت؟

يقول الله سبحانه وتعالى :( إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .

يقول أهل السنّة والجماعة بأنّ هذه الآية نزلتْ في نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويستدلّون على ذلك بسياق ما قبلها وما بعدها من الآيات ، وعلى حسب زعمهم فإنّ الله أذهب الرجس عن نساء النبي وطهّرهن تطهيراً.

ومنهم من يضيف إلى نساء النّبي علي وفاطمة والحسن والحسين ، ولكنّ الواقع النقلي والعقلي والتاريخي يأبى هذا التفسير; لأن أهل السنّة يروون في صحاحهم بأنّ الآية نزلت في خمسة وهم : محمّد ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي خصّهم ونفسه الشريفة بهذه الآية الكريمة عندما أدخل عليّاً وفاطمة والحسنين معه تحت الكساء. وقال : « اللهم هؤلاء أهلي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً »(٢) .

____________

(١) الأحزاب : ٣٣.

(٢) روي حديث الكساء ونزول آية التطهير في الخمسة من العترة الأبرار ، خمسة


وقد أخرج ذلك من علماء أهل السنّة جمع غفير أذكر منهم :

١ ـ مسلم في صحيحه في باب فضائل أهل بيت النبي ٧ : ١٣٠.

٢ ـ الترمذي في صحيحه ٥ : ٣٠.

٣ ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل ١ : ٣٣٠ ، ٦ : ٢٩٢.

٤ ـ مستدرك الحاكم ٢ : ٤١٦ ، ٣ : ١٣٣.

٥ ـ خصائص الإمام النسائي : ٤٩.

٦ ـ تلخيص الذهبي ٢ : ١٥٠.

٧ ـ معجم الطبراني ١ : ٥٢.

٨ ـ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ٢ : ١٨.

____________

عشر صحابياً ، ويوجد نصّ الحديث باختلاف ألفاظه في مصادر مختلفة ـ كما ستوافيك ـ وهذه الأحاديث توضّح وتشرح لنا معنى الآية الكريمة واختصاصها بالخمسة أصحاب الكساءعليهم‌السلام ، كما اعترف بذلك الطحاوي في مشكل الآثار ١ : ٣٣٢ ـ ٣٣٩. وتدلّ هذه النصوص أيضاً على نزول آية التطهير لوحدها غير منضمّة إلى غيرها ، ولم يرد حتى في رواية واحدة نزولها ضمن آيات نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا ذكره أحد ، فهي لم تكن بحسب النزول جزءاً من آيات نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا متصلة بها وإنّما وضعت بينها إمّا بأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو عند الجمع بعد رحلته. ( انظر : تفسير الميزان للطباطبائي ١٦ : ٣١١ ).

والإرادة هنا تكوينية من قبل قوله تعالى :( إنَّمَا أمْرُهُ إذَا أرَادَ شَيْئاً أنْ يَـقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) وليست تشريعية; لأنّ التشريعية تتنافى مع نصّ الآية بالحصر بقوله : « إنّما » وتتنافى مع الأحاديث إذ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله طبّق الآية عليهم دون غيرهم.

وممّا يدلّل على عظيم شرفهم ما في بعض ألفاظ الحديث من أنّ الآية نزلت عقيب دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لهم بالطهارة وإذهاب الرجس ، ولعلّه الأصح.


٩ ـ البخاري في التاريخ الكبير ٩ : ٢٥ رقم ٢٠٥.

١٠ ـ الإصابة لابن حجر العسقلاني ٤ : ٤٢٣ ، ٤٦٧ ، ٨ : ٢٦٥.

١١ ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي : ٢١١ ، الباب التاسع.

١٢ ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ١ : ٣١٩ ح ٢.

١٣ ـ مناقب الخوارزمي : ٦١.

١٤ ـ السيرة الحلبية ٣ : ٤٠٤.

١٥ ـ السيرة الدحلانية ٢ : ٤١٣.

١٦ ـ أُسد الغابة لابن الأثير ٢ : ١٢.

١٧ ـ تفسير الطبري ٢٢ : ٩.

١٨ ـ الدر المنثور للسيوطي ٥ : ١٩٨.

١٩ ـ تاريخ ابن عساكر ٤٢ : ١٠٠.

٢٠ ـ تفسير الكشّاف للزمخشري ١ : ٣٦٩ ، سورة آل عمران آية ٦١.

٢١ ـ أحكام القرآن لابن العربي ٣ : ١٥٣٨.

٢٢ ـ تفسير القرطبي ١٤ : ١٨٣.

٢٣ ـ الصواعق المحرقة لابن حجر ٢ : ٤٢٢ ، الآيات الواردة في أهل البيت.

٢٤ ـ الاستيعاب لابن عبد البر ٣ : ٣٧.

٢٥ ـ العقد الفريد لابن عبد ربه ٥ : ٦٢.

٢٦ ـ كنز العمال ١٣ : ٧١ ، ح ٣٦٤٩٢.

٢٧ ـ مصابيح السنّة للبغوي ٢ : ٢٧٨.

٢٨ ـ أسباب النزول للواحدي : ٢٣٩.


٢٩ ـ تفسير ابن كثير ٣ : ٤٩٢.

وغير هؤلاء من علماء أهل السنّة والجماعة كثيرون لم نذكرهم ، واكتفينا في هذه العجالة بهذا القدر.

وإذا كان كلّ هؤلاء يعترفون بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي بيّن المقصود من هذه الآية ، فما قيمة أقوال غيره من الصحابة ، أو التابعين ، أو المفسّرين الذين يريدون حمل معناها على غير ما يريده الله ورسوله ، ابتغاء مرضاة معاوية وطمعاً فيما عنده؟!

كما أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشار إليهم مرّة أُخرى ، وخصّهم بأنّهم هم أهل البيت لا غيرهم ، وذلك عندما نزل قوله سبحانه وتعالى :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ ) (١) ، فدعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً ، وقال : « هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا ، فهلمّوا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم »(٢) ، وفي رواية مسلم : « اللهم هؤلاء أهلي »(٣) .

وعلماء أهل السنّة والجماعة الذين ذكرتُهم في المصادر السّابقة كلُّهم يعترفون أيضاً بنزول هذه الآية في هؤلاء الخمسة المذكورين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

على أنّ أزواج النبي رضي الله تعالى عنهن عرفْن مقصود الآية الكريمة ،

____________

(١) آل عمران : ٦١.

(٢) شواهد التنزيل للحسكاني ١ : ١٦٠.

(٣) صحيح مسلم ٧ : ١٢١ ، كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي بن أبي طالب.


ولذلك لم تدّعي واحدة منهن أنّها من أهل البيت ، وعلى رأسهن أُمّ سلمة وعائشة ، وقد روت كلّ واحدة منهنّ أنّ الآية خاصة برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وقد أخرج اعترافهن كلّ من مسلم ، والترمذي ، والحاكم ، والطبري ، والسيوطي ، والذهبي ، وابن الأثير وغيرهم.

أضف إلى كلّ ذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قد رفع هذا اللبس وهذا الإشكال; لأنّه عَلم بأنّ المسلمين قد يقرؤون القرآن ، ويحملون أهل البيت على سياق الآيات السّابقة واللاّحقة ، والتي تحذّر نساء النبي ، فبادر إلى تعليم الأُمّة بمقصود آية إذهاب الرجس والتطهير عندما داوم طيلة ستّة أشهر ـ بعد نزول الآية ـ على المرور بباب علي وفاطمة والحسنين قبل الشروع في إقامة الصلاة فيقول :( إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) قوموا إلى الصّلاة يرحمكم الله.

وقد أخرج هذه المبادرة التي فعلها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الترمذي في صحيحه ٥ : ٣٠ ، والحاكم في المستدرك ٣ : ١٥٨ ، والذهبي في تلخيصه ، وأحمد بن حنبل في مسنده ٣ : ٢٥٩ ، وابن الأثير في أُسد الغابة ٥ : ٥٢١ ، والحسكاني في شواهد التنزيل ٢ : ١٨ ، والسيوطي في الدر المنثور ٥ : ١٩٩ ، والطبري في تفسيره ٢٢ : ٩ ، والبلاذري في أنساب الأشراف ٢ : ١٠٤ ، وابن كثير في تفسيره ٣ : ٤٩٢ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ : ١٦٨ ، وغيرهم.

وإذا أضفنا إلى كلّ هؤلاء أئمة أهل البيت ، وعلماء الشيعة الذين لا يشكّون في اختصاص محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين بهذه الآية الكريمة ، فلا تبقى بعد ذلك أية قيمة لمن خالفهم من أعداء أهل البيت


والمتشيعين لمعاوية وبني أُميّة الذين يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.

وقد كشف أُولئك الذين يفسّرون الآية على غير تفسير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها بأنّهم من المتزلّفين إلى الحكّام من الأمويين والعبّاسيين قديماً وحديثاً ، وبأنّهم من النواصب الذين يبغضون عليّاً ، وإن تستّروا بزي العلماء والفقهاء.

على أنّ العقل وحده يحكم بعدم شمول هذه الآية ، أعني ( إذهاب الرجس والتطهير ) لزوجات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

١ ـ فإذا ما أخذنا على سبيل المثال أُمّ المؤمنين عائشة التي تدّعي أنّها أحبّ أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه وأقربهم لديه ، حتّى إن باقي أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غِرنَ منها ، وبعثن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة كما قدّمنا; لم تتجرّأ ولم يتجرّأ أحد من أنصارها ومحبّيها ولا من السّابقين أو من اللاّحقين أن يقول بأنّ عائشة كانت تحت الكساء يوم نزول الآية.

فما أعظم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أقواله وأفعاله ، وما أعظم حكمته عندما حصر أهل بيته معه تحت الكساء ، حتى إنّ أُمّ المؤمنين أمّ سلمة زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرادت الدخول معهم تحت الكساء ، وطلبت ذلك من زوجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكنّه منعها من ذلك وقال لها : « أنت إلى خير »(١) .

____________

(١) تفسير الطبري ٢٢ : ١١ ، تاريخ دمشق ١٤ : ١٣٩ ، سير أعلام النبلاء ١٠ : ٣٤٧ وقال محقّق الكتاب : حديث صحيح. ورواه الترمذي في الجامع ٦ : ١٧٤ ، ح ٣٨٧١ وقال : « حديث حسن صحيح ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب » وكذلك حكم الشيخ الألباني في صحيح الترمذي ٣٠٣٨ بصحة الحديث وفي


٢ ـ ثمّ إنّ الآية بمفهومها الخاصّ والعام دالّ على العصمة ، فإنّ إذهاب الرّجس يشمل كلّ الذّنوب والمعاصي والرّذائل صغيرها وكبيرها ، وخصوصاً إذا أُضيف إليها تطهير من ربّ العزّة والجلالة ، وإذا كان المسلمون يتطهّرون بالماء والتراب طهارة جسدية لا تتعدّى ظاهر الجسم ، فأهل البيت طهّرهم الله طهارة روحية غسلت العقل والقلب والفؤاد ، فلم تترك لوساوس الشيطان ولا لارتكاب المعاصي مكاناً ، فأصبحت قلوبهم صافية نقية خالصة مخلصة لخالقها وبارئها في كلّ حركاتها وسكناتها.

٣ ـ ولكلّ ذلك كان هؤلاء المطهّرون مثالا للإنسانية جمعاء في الزهد ، والتقوى ، والإخلاص ، والعلم ، والحلم ، والشجاعة ، والمروءة ، والعفّة ، والنّزاهة ، والعُزوف عن الدنيا ، والقُرب منه جلّ وعلا ، ولم يسجّل التاريخ لواحد منهم معصية أو ذنباً طيلة حياته.

____________

مسند أبي يعلى الموصلي ١٢ : ٢٤٤ ، الطبراني في المعجم الكبير ٣ : ٥٢ ، أُسد الغابة ٣ : ٤١٣. وممّا يدلل على ذلك وأنّ الفهم السائد لدى الصحابة آنذاك من أنّ المراد بالآية ليس أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّما المراد بهم علي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام مضافاً إلى سيدهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أخرجه في الدر المنثور ٥ : ١٩٨ عن عكرمة من قوله في آية التطهير « ليس بالذي تذهبون إليه إنّما هو نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، بعد ملاحظة كون عكرمة البربري خارجياً وهو الذي نشر مذهب الخوارج في المغرب كما ذكر ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧ : ٢٣٧ والخوارج كانوا يكفّرون علياً ويتحاملون عليه ، فعكرمة كان يدعو إلى ذلك لأنّه يريد طمس فضائل أهل البيت; إذ لا يطيق أن يرى قرآناً يتلى في حقّ أهل البيتعليهم‌السلام ، وعلي رئيسهم ، وهو خارجي يبغضه ويقاتله كما فعل إخوانه الخوارج من قبل ، فلذلك كان ينادي في الأسواق إنكاراً لفضيلته ومنزلته المعلومة لدى المسلمين آنذاك.


وإذا كان الأمر كذلك ، فلنعد إلى المثال الأوّل لزوجات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي عائشة التي بلغت من المرتبة السّامية والمكانة العالية والشهرة الكبيرة ما لم تبلغه أيّة زوجة أُخرى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا ولا حتّى لو جمعنا فضائلهنّ بأجمعهنّ ما بلغنَ عشر معشار عائشة بنت أبي بكر ، هذا ما يقوله أهل السنّة فيها(١) ، والذين يعتبرون أنّ نصف الدّين يؤخذ عنها وحدها.

____________

(١) ذكر صاحب كتاب « كشف الجاني » : ١٣١ أنّ المؤلّف كذب في هذا الكلام; لأنّ أهل السنّة لايقولون بذلك ، بل هم مختلفون في تفضيل عائشة على خديجة أو بالعكس ، وبعضهم يفضّل فاطمة سلام الله عليها عليهما.

والذي يرجع إلى أقوال علماء أهل السنّة في هذا المضمار يلحظ أنّ المؤلّف لم يجانب الصواب ، ولم يفترِ عليهم ما لم يقولوه كما حاول عثمان الخميس في كتابه « كشف الجاني » إظهار المؤلّف بذلك ، مجازفاً في تحميل مذهب أهل السنّة المفضّل لعائشة على بقية زوجات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى فاطمة سلام الله عليها على بعض الأقوال ، وننقل هنا كلمات علماء أهل السنّة في المسألة ليطلع عليها القارئ وصاحب كتاب « كشف الجاني » إذ لعلّه لا يستطيع اقتناءها فلذلك زوّر الكلام جزافاً :

(١) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢ : ١٤٠ في ترجمة عائشة ١٩ : « ولم يتزوّج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكراً غيرها ، ولا أحبّ امرأة حبّها ، ولا أعلم من أُمّة محمّد بل ولا في النساء مطلقاً امرأة أعلم منها ، وذهب بعض العلماء إلى أنّها أفضل من أبيها ».

فهنا لم يفضّلوا عائشة على خديجة فحسب بل فضّلوها حتى على أبيها!!

(٢) وقال ابن تيمية في كتابه أُمّ المؤمنين عائشة : ٢٣ : « قد ذهب إلى ذلك [ أي تفضيل عائشة على غيرها من النساء ] كثير من أهل السنّة ».

(٣) عن الزهري أنّه قال : « لو جمع علم الناس كلّهم ثمّ علم أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


____________

لكانت عائشة أوسعهم علماً » المستدرك ٤ : ١١ ، وقال عطاء : « وكانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة » المستدرك ٤ : ١٤.

وذكروا لعائشة كثير من الخصائص التي لم يرد لواحدة من أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربع معشارها لا عشرها فقط ، وهنا نورد بعضها ومن شاء فليراجع :

(١) قال الحاكم : « نقل عن عائشة وحدها ربع الشريعة » الإجابة : ٦٢.

(٢) إنّ جبرائيلعليه‌السلام جاء بصورتها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون غيرها. الكامل في التاريخ ٦ : ٣٦٤ ، تاريخ بغداد ١١ : ٢٢١.

(٣) إنّ الوحي لا يأتي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ في بيتها دون سائر نسائه. صحيح البخاري ٧ : ٨٤.

(٤) إنّها أحبّ الناس إلى الرسول بعد أبيها. صحيح البخاري ٧ : ١٩.

(٥) جبرائيلعليه‌السلام يقرئها السلام دون غيرها من نسائه ، وأنّها الوحيدة من زوجات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي رأته. صحيح البخاري ٧ : ٨٤.

(٦) إنّها فضلت أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعشر خصال دون غيرها. سير أعلام النبلاء ، للذهبي ٥ : ١٤٧.

(٧) إنّه كان يقبّلها وهو صائم دون غيرها من نسائه. صحيح البخاري ١ : ٨٣.

(٨) كان آخر زاده من الدنيا ريقها. صحيح البخاري ٥ : ١٤٢.

(٩) إنّها زوجته في الدنيا والآخرة ولم يرد في حقّ غيرها ذلك. المعجم الأوسط للطبراني ١ : ١٦٩.

(١٠) إنّها كانت تصوم الدهر دون غيرها. السنن الكبرى للبيهقي ٤ : ٣٠١.

(١١) إنّ الملائكة كانت تحف بيتها دون غيرها. السمط الثمين ص٧١.

(١٢) إنّها كانت تغتسل مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إناء واحد دون غيرها. صحيح ابن حبان ٣ : ٣٩٢.

(١٣) إنّه كان لها يومان وليلتان وبقية نسائه يوم وليلة. صحيح مسلم ٤ : ١٧٤.

(١٤) أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعتذر منها دون غيرها. السمط الثمين لمحب الدين


وإذا ما تجرّدنا للحقيقة بدون تعصّب ولا انحياز ، فهل من المعقول أن يحكُمَ العقلُ بأنّها مطهّرة من الذنوب والمعاصي؟ أم أنّ الله سبحانه رفع عنها حصانته المنيعة بعد موت زوجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فلننظر معاً إلى الواقع.

____________

الطبري : ص٥٢.

إلى غير ذلك من الخصائص المزعومة التي ذكرت لها دون غيرها من نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي هي من الكثرة بحيث لم تكن لغيرها عشر معشار ما ذكر لها. وقد ذكر ابن تيمية كلاماً فيه طعن وتوهين للسيدة خديجة على حساب تفضيل عائشة واعطائها ذلك المنصب المصطنع من قبل الأمويين ، قال في كتابه أُم المؤمنين عائشة : ٢٥ : « وهؤلاء يقولون : قوله لخديجة : « ما أبدلني الله بخير منها » ـ إن صحّ ـ فمعناه : ما أبدلني بخير لي منها; لأنّ خديجة نفعته في أول الإسلام نفعاً لم يقم غيرها فيه مقامها ، فكانت خيراً له من هذا الوجه لكونها نفعته وقت الحاجة ، ولكن عائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلاّ أول زمن النبوة ، فكانت أفضل بهذه الزيادة ، وبلغت من العلم ما لم يبلغه غيرها ، فخديجة كان خيرها مقصوراً على نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

وهذا الاستدلال كان من الأحرى لابن تيمية أن يجعله دليلا على أفضليتها على عائشة; لأنّها نصرت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أول الرسالة حينما كان وحيداً ، بلا ناصر ولا معين ، وكان الطلقاء وأبناء الطلقاء يتربصون بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل منفذ وكل فج ، ولم يألوا جهداً في معارضته بكلّ الأساليب والطرق من أذى ، وجوع ، وعزل عن المجتمع ، واستهزاء وسخرية وغيرها ، ومع ذلك وقفت مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وناصرته وآزرته وثبت على إيمانها بينما عائشة تزوّجها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة بعد أن ارتفعت جميع الموانع ، وأصبح المسلمون في حرية كاملة والدين في سعة لا ضيق ومن الواضح أنّ المناصرة في الشدة أكمل وأحسن من المناصرة ـ على الفرض ـ في وقت الرخاء والسعة فما ذكره ابن تيمية عليه لا له أن تدبّر.


عائشة في حياة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وإذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجدنا الكثير من الذنوب والمعاصي ، فكانت كثيراً ما تتآمر مع حفصة على النبي حتّى اضطرّته إلى تحريم ما أحلّ الله له ، كما جاء ذلك في البخاري ومسلم(١) ، وتظاهرتا عليه أيضاً كما أثبت ذلك كلّ الصحاح وكتب التفسير(٢) ، وقد ذكر الله الحادثتين في كتابه العزيز.

كما كانت الغيرة تسيطر على قلبها وعقلها ، فتتصرّف بحضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تصرّفاً بغير احترام ولا أدب ، فمرّة قالت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما ذكر عندها خديجة : مالي ولخديجة إنّها عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها ، فغضب لذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى اهتزّ شعرهُ(٣) .

ومرّة اُخرى بعثت إحدى أُمهات المؤمنين للنبي ( وكان في بيتها ) بصحفة فيها طعام كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشتهيه ، فكسّرت الصحفة أمامه بطعامها(٤) وقالتْ

____________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٦٨ ، ١٦٧ كتاب التفسير باب قوله : ( يَا أيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ) ، صحيح مسلم ٤ : ١٨٤.

(٢) صحيح البخاري ٦ : ٧٠ ، كتاب التفسير باب قوله : ( إِنْ تَتُوبا ) ، صحيح مسلم ٤ : ١٩٢.

(٣) صحيح البخاري ٤ : ٢٣١ ، باب تزويج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة ، وكذلك صحيح مسلم ٧ : ١٣٤ ، مسند أحمد ٦ : ١٥٠ ، والمستدرك للحاكم ٤ : ٢٨٦ ، باختلاف في الألفاظ.

(٤) صحيح البخاري ٦ : ١٥٧ في باب الغيرة.


للنبي مرّة أُخرى : أنتَ الذي تزعم أنّك نبي الله(١) ، ومرّة غضبت عنده فقالت له : أعدل ، وكان أبوها حاضراً فضربها حتى سال دمها(٢) .

وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لمّا زُفّتْ عروساً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالت لها : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليعجبُه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له : أعوذ بالله منك ، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق تلك المرأة البريئة الساذجة ، والتي طلّقها النبي بسبب هذه المقالة(٣) .

وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه كان يصلّي وهي باسطة رجليها في قبلته ، فإذا سجدَ غمزها فقبضتْ رجليها ، وإذا قام أعادت بسطتها في قبلته(٤) .

وتآمرتْ هي وحفصة مرّة أُخرى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى اعتزل نساءه بسببها لمدّة شهر كامل ينامُ على حصير(٥) . ولمّا نزل قول الله تعالى :( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) (٦) قالت للنبي في غير حياء : ما

____________

(١) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ٢ : ٦٥ ، كتاب أدب النكاح ، الأدب الثاني ، السمط الثمين في مناقب أُمهات المؤمنين لمحب الدين الطبري : ٥٤ وقال : أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨ : ١٤٤ ، سير أعلام النبلاء ٢ : ٢٥٩ ، الإصابة ٨ : ١٩ ، مستدرك الحاكم ٤ : ٣٧ ، فتح الباري لابن حجر ٩ : ٢٩٥.

(٤) صحيح البخاري ١ : ١٠١ ، باب الصلاة على الفراش.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٠٥ ، في باب الغرفة والعلية المشرفة من كتاب المظالم.

(٦) الأحزاب : ٥١.


أرى ربّك إلاّ يسارع في هواكَ(١) .

وكانت عائشة إذا غضبتْ ( وكثيراً ما كانت تغضب ) تهجرُ اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا تذكر اسم محمّد وإنّما تقول : وربّ إبراهيم(٢) .

وقد أساءتْ عائشة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيراً وجرّعْتهُ الغصص ، ولكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رؤوف رحيم ، وأخلاقه عالية وصبره عميق ، فكان كثيراً ما يقول لها : « ألبسَكِ شيطانُكِ يا عائشة »(٣) وكثيراً ما كان يأسى لتهديد الله لها ولحفصة بنت عمر(٤) ، وكم من مرّة ينزل القرآنُ بسببها.

____________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢٤ و ١٢٨ باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد.

(٢) صحيح البخاري ٦ : ١٥٨ باب غيرة النساء ووجدهنّ.

(٣) المعجم الصغير للطبراني ١ : ١٧١ ، تلخيص الحبير ٢ : ٣٥ ، نيل الأوطار للشوكاني ١ : ٢٤٧ ، واستدلّ به في مسألة فقهية وقال : « والحديث يدلّ على أنّ اللمس غير موجب للنقض ( أي نقض الوضوء ) لأنّ عائشة لمست شعر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لتراه هل اغتسل أم لا »؟ وفي صحيح مسلم ٨ : ١٣٩ بلفظ « أقد جاءك شيطانك ».

(٤) وقد تجنّى عثمان الخميس في كتاب « كشف الجاني » : ١٣١ كعادته ، واتهم المؤلّف بالكذب والافتراء ، وأنّه يعتمّد المصادر الشيعية التي لا قيمة لها عند السنّة؟!

وهذا جناية في الكلام لا يقولها إلاّ من توسّم بالتقليد والتعصب; لأنّ كلّ الذي نقله المؤلّف كان من مصادر أهل السنّة المعتبرة ، والتي تبيّن أخلاقيات عائشة وسيرتها مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل أكثرها من صحيحي البخاري ومسلم اللذين هما أصحّ كتاب بعد كتاب الله!!

ولعلّ عثمان الخميس لا يرى في هذه المسألة المتقدّمة وغيرها الكثير ممّا لم يذكر ممّا يؤذي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع أنّ أيّ عاقل من المسلمين وغيرهم يرى أنّ هذه


فقد قال تعالى لها ولحفصة :( إنْ تَتُوبَا إلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) (١) ، أي أنّها زاغتْ وانحرفت عن الحقّ ، وقوله :( وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) (٢) هو تهديد صريح من

____________

الأفعال أقبح أنواع الإساءة نظراً لمقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ونضيف إلى صاحب « كشف الجاني » بأنّ عائشة لم تقتصر على إيذاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته ، بل آذته بعد وفاته ، وخالفت ربّها قبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبينما القرآن يخاطبها بقوله : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) ، وبينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لها : « أيتكنّ صاحبة الجمل الأدأب تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثير ». ( فتح الباري ١٣ : ٤٥ وصرّح بصحة السند ، مجمع الزوائد ٧ : ٢٣٤ وصرّح بوثاقة رجاله ) ، وبينما رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية » ( أخرجه مسلم ٦ : ٢١ ) بينما كان ذلك كلّه على مرأى ومسمع منها وإذا بها تخالفه ، فلا تقرّ في بيتها وتنبحها كلاب الحوأب وتفارق الجماعة ، وتشكّل حزباً مع طلحة والزبير وتقاتل علي بن أبي طالب عليه‌السلام ظلماً وبغياً كما ذكر المناوي في فيض القدير ٦ : ٤٧٤ ، وعلى غير هدىً ، بل في معصية الله تعالى كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري ١٣ : ٧٥ ، حتى إنّها قالت بعد وقعة الجمل ورجوعها إلى المدينة : « إنّي أحدثت بعد رسول حدثاً أدفنوني مع أزواجه » بينما كانت تريد أن تدفن إلى جواره ، كما أخرج ذلك ابن سعد ٨ : ٧٤ ، والحاكم في المستدرك ٤ : ٦ مقرّاً بصحته ووافقه الذهبي ، وبعد ذا وذاك يأتي عثمان الخميس متشدّقاً بروايات الدولة الأموية ليضفي على عائشة هالة من الأُبهة والقداسة ، والتي تصوّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصاً مشغوفاً بالدنيا ـ والعياذ بالله ـ ولا همّ له إلاّ عائشة بنت أبي بكر؟!! إلى غير ذلك من الترهات التي سودت بها صفحات الإسلام وسيرة رسوله النيرة المشرقة لكن خلفاء الطلقاء بين الفينة والاخرى تنبت لهم نابتة وتظهر قرنها المعوج!!

(١) التحريم : ٤.

(٢) التحريم : ٤.


ربّ العزّة لها ولحفصة ، التي كانت كثيراً ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها.

وقال الله لهما :( عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات ) (١) وهذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطّاب ، كما جاء في البخاري(٢) . فدلّت هذه الآية لوحدها على وجود نساء مؤمنات في المسلمين خير من عائشة.

ومرّة بعثها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أراد أن يخطب لنفسه شراف أُخت دحية الكلبي ، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها ، ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلتْ قلبها ، فسألها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما رأيت يا عائشة؟ فقالت : ما رأيت طائلا! فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لقد رأيت طائلا ، لقد رأيت خالا نجدها اقشعرّتْ منه ذوائبك ». فقالت : يا رسول الله ما دونك سرّ ، ومن يستطيع أن يكْتُمكَ(٣) .

وكلّ ما فعلته عائشة مع حضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجرّ معها حفصة بنت عمر ، والغريب أنّنا نجد تفاهماً وانسجاماً تامّاً بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر ، غير أنّه في النّساء كانت عائشة دائماً هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة ، وهي التي كانت تجرّ حفصة بنت عمر وراءها في كلّ شيء ، بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفاً أمام عمر الذي كان هو الجري والقوي ، وصاحب المبادرة في كلّ شي ولقد رأينا فيما مرّ من الأبحاث أنّه حتّى في خلافته

____________

(١) التحريم : ٥.

(٢) صحيح البخاري ٦ : ٧٠ ، باب وإذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه.

(٣) طبقات ابن سعد ٨ : ١٦١ ، تاريخ دمشق ٥١ : ٣٦ ، الإصابة ٨ : ٢٠٠.


كان ابن الخطّاب هو الحاكم الفعلي.

وقد حدّث بعض المؤرخين أنّ عائشة لما همّت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي فيما سُمّي بحرب الجمل ، أرسلت إلى أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُمهات المؤمنين تسألهن الخروج معها ، فلم يستجب لها منهن إلاّ حفصة بنت عمر التي تجهّزت وهمّت بالخروج معها ، لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطّت رحلها(١) ، ومن أجل ذلك كان الله سبحانه يتهدّد عائشة وحفصة معاً في قوله :( وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) ، وكذلك قوله :( إنْ تَتُوبَا إلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) .

ولقد ضرب الله لهما مثلا خطيراً في سورة التحريم ليُعلمهما وبقية المسلمين الذين يعتقدون بأنّ أُم المؤمنين تدخل الجنّة بلا حساب ولا عقاب لأنّها زوجة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلاّ ، فقد أعلم الله عباده ذكوراً وإناثاً بأنّ مجرّد الزوجية لاتضرّ ولاتنفعُ حتّى ولو كان الزوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّما الذي ينفع ويضرُّ عند الله هو فقط أعمالُ الإنسان ، قال تعالى :( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوح وَامْرَأةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَهَا

____________

(١) البداية والنهاية ٧ : ٢٥٨ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٢٠٨.


فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ ) (١) .

وبهذا يتبيّنُ لكلّ الناس بأنّ الزوجيّة والصّحبة ، وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلاّ أنّهما لا يغنيان من عذاب الله إلاّ إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة ، وإلاّ فإنّ العذاب يكون مضاعفاً; لأنّ عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذّب البعيد الذي لم يسمع الوحي كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته ، والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم يعرف الحقّ.

وإليك الآن أيّها القارئ بعض رواياتها بشيء من التفصيل; لكي تتعرّف على شخصية هذه المرأة التي لعبتْ أكبر الأدوار في إبعاد عليعليه‌السلام عن الخلافة ، وحاربته بكلّ ما أُوتيت من قوّة ودهاء.

ولكي تعرف أيضاً بأنّ آية إذهاب الرجس والتطهير بعيدة عنها بُعد السماء عن الأرض(٢) ، وأنّ أهل السنّة أكثرهم ضحايا الدسّ والتزوير ، فهم أتباع بني أُميّة من حيث لا يشعرون.

أُمّ المؤمنين عائشة تشهد على نفسها

ولنستمع إلى عائشة تروي عن نفسها وكيف تفقِدُهَا الغيرةُ صوابها ، فتتصرّفُ بحضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تصرّفاً لا أخلاقياً ، قالت : بعثت صفية زوج

____________

(١) التحريم : ١٠ ـ ١٢.

(٢) وقد تحامل عثمان الخميس في « كشف الجاني » : ١٣٢ على المؤلّف فاتّهم الشيعة بأقوال وروايات تبرأ منها براءة الذئب من دم يوسف ، ولا أثر لها في كتب الشيعة ، وإنّما هي مذكورة في كتب أهل السنّة ، كما أحال عثمان الخميس على : من الكتاب ، مع أنّ المؤلّف نقل الروايات عن كتب أهل السنّة لا الشيعة


النبي إلى رسول الله بطعام قد صنعته له ، وهو عندي ، فلما رأيتُ الجارية أخذتني رعدة حتّى أستقلّني أفكل ، فضربتُ القصعة ورميتُ بها ، قالت : فنظر إلىّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعرفت الغضب في وجهه ، فقلتُ : أعوذ برسول الله أن يلْعنني اليومَ ، قالت ، قال : « أَوِّلي » ، قلت : وما كفّارته يا رسول الله؟ قال : « طعام كطعامها ، وإناء كإنائها »(١) .

ومرّة أُخرى تروي عن نفسها ، قالت : قلتُ للنبي : حسبُك من صفيّة كذا وكذا ، فقال لي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لقد قُلتِ كلمة لو مُزجتْ بماء البَحْرِ لمزجته »(٢) .

سبحان الله! أين أُمّ المؤمنين من الأخلاق ، وأبسط الحقوق التي فرضَها الإسلام في تحريم الغيبة والنّميمة؟! ولا شكّ بأنّ قولها : « حسبك من صفية كذا وكذا » ، وقول الرسول بأنّها كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجتْهُ; بأنّ ما قالته عائشة في ضرّتها أُمّ المؤمنين صفية أمرٌ عظيم ، وخطبٌ جسيم.

وأعتقد بأنّ رواة الحديث استفضعوها واستعظموها ، فأبدلوها بعبارة ( كذا وكذا ) كما هي عادتهم في مثل هذه القضايا(٣) .

____________

(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٦ : ٢٧٧ ، فتح الباري ٥ : ٩٠ وقال : إسناده حسن ، فيض القدير ٤ : ٣٥٢ ، مجمع الزوائد للهيثمي ٤ : ٣٣١ وصرّح بوثاقة رجاله.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ٤٥٠ ح ٤٨٧٥ ، تفسير ابن كثير ٤ : ٢٢٩ ، أحكام القرآن للجصاص ٣ : ٥٤١ ، تحفة الأحوزي في شرح سنن الترمذي ٧ : ١٧٦ ونقل المنذري تصحيح الترمذي للحديث وأقرّه. قال النووي في الأذكار النووية : ٣٣٧ بعد إيراد الحديث : « وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها ، وما أعلم شيئاً من الأحاديث بلغ في ذمّها هذا المبلغ ».

(٣) ولا تستغرب من فعل المحدّثين هذا ، ولا تظنه تقولا من المؤلف; إذ إن لهم في


وها هي عائشة أُمّ المؤمنين تحكي مرّة أُخرى عن غيرتها من أُمهات المؤمنين ، قالت : ما غرتُ على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية ، وذلك أنّها كانتْ جميلة جعدة وأعجب بها رسول الله ، وكان أنزلها أوّل ما قدم بها في بيت حارثة بن النعمان ، وفزعنا لها فجزعتُ ، فحوّلها رسول الله إلى العالية ، فكان يختلف إليها هناك ، فكان ذلك أشدّ علينا ، ثمّ رزقه الله الولد منها وحرمناه(١) .

كما أنّ عائشة تعدتْ غيرتها دائرة مارية ضرّتها إلى إبراهيم المولود

____________

هذه المسألة باعاً طويلا ، وقدماً راسخة يقرون ويعترفون بذلك ، فقد أخرج أبو داود في سننه ٢ : ٤٠١ ح ٤٦٣٦ عن عبد الله بن ظالم المازني قال : « ذكر سفيان رجلا فيما بينه وبين عبد الله بن ظالم المازني ، قال : سمعت سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل قال : لما قدم فلان إلى الكوفة أقام فلان خطيباً ». فعلق العظيم آبادي في عون المعبود ١٢ : ٣١٣ قال : « قال في الفتح الودود : ولقد أحسن أبو داود في الكناية عن اسم معاوية ومغيرة بفلان ستراً عليهما في مثل هذا المحل ».

قال بعض العلماء : كان في الخطبة تعريضاً بسب علي « ، وكذلك فعل ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ١٩ : ١٤٩ في قضية نزول قوله تعالى ( وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) ودعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاقربائه على أن يؤازره في هذا الأمر ويكون وصيه وخليفته كما ورد في ذلك في تاريخه ٢ : ٦٣ ، إلاّ أن الطبري في تفسيره المشار إليه أبدل قوله : ( هذا أخي ووصيي وخليفتي ) بقوله : ( هذا أخي وكذا وكذا ) ، مع أنّه رواها في التفسير والتاريخ بنفس السند!!

وهناك شواهد كثيرة موجودة في كلمات المحدّثين ، تتكتّم على فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ، أو تتستر على فضائح القوم الذين يحبونهم ، فلا ينقلونها بأمانة وإنما يقوموم ببترها وقطعها. وهذا كثير في كتب المحدثين الأمناء!!

(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨ : ٢١٢ ، الإصابة في معرفة الصحابة للعسقلاني ٨ : ٣١١.


الرضيع البريء! قالتْ : لما وُلد إبراهيم جاء به رسول الله إلىَّ ، فقال : « أنظري إلى شبهه بي » ، فقلتُ : ما أرى شبهاً ، فقال رسول الله : « ألا ترين إلى بياضه ولحمه »؟ قالت : فقلت : من سُقِيَ ألبانُ الضّأن ابيضّ وسمن(١) .

وقد تعدّت غيرتها كلّ الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظّنون والوساوس إلى الشكّ في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانت كثيراً ما تتظاهر بالنّوم عندما يبات عندها رسول الله ، ولكنّها ترقبُ زوجها وتتحسّسُ مكانه في الظلام ، وتتعقّبه أين ما ذهب.

وإليك الرواية عن لسانها والتي أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم ، قالت : لمّا كانتْ ليلتي التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها عندي ، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه ، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع ، فلم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدتُ فأخذ رداءهُ رويداً ، وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافَهُ رويداً.

فجعلتُ درعي في رأسي ، واختمرتُ وتقنّعتُ إزاري ، ثمّ انطلقت على أثره حتّى جاء البقيع ، فقام فأطال القيام ، ثمّ رفع يديه ثلاث مرّات ، ثمّ انحرف فانحرفتُ ، فأسرَعَ فاسرعْتُ ، فهروَلَ فهرولتُ ، فأحضر فأحضرتُ ، فسبقته فدخلتُ فليس إلاّ أن اضطجعتُ فدخل فقال : « ما لك يا عائش حشْياً رابيةً؟ » قالتْ : فقلتُ : لا شيء ، قال : « لتخبريني أو ليخبرني اللّطيف الخبير » ، قالت : قلت : يا رسول الله بأبي أنت واُمّي فأخبرتُه ، قال : « فأنت

____________

(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ١ : ١٣٧ ترجمة إبراهيم بن النبي ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ٨٧.


السّوادُ الذي رأيت أمامي »؟ ، قلت : نعم ، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ، ثمّ قال : « أظننت أنْ يحيفَ اللّهُ عليك ورسولُهُ »(١) .

ومرّة أُخرى قالت : فقدتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فظننتُ أنّه أتى بعض جواريه ، فطلبته فإذا هو ساجد يقول : « ربّ اغفر لي »(٢) .

وأُخرى قالت : إنّ رسول الله خرج من عندي ليلا ، قالت : فغرتُ عليه ، قالت : فجاء فرأَى ما أصنع ، فقال : « ما لك يا عائشة ، أغرتِ »؟ فقلت : ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال رسول الله : « أفأخذكِ شيطانك »(٣) .

وهذه الرواية الأخيرة تدلُّ دلالة واضحة على أنّها عندما تغارُ تخرجُ عن أطوارها ، وتفعل أشياء غريبة كأنْ تكسّر الأواني ، أو تمزّق الملابس مثلا ، ولذلك تقول في هذه الرواية : فلمّا جاء ورأى ما أصنعُ قال : « أفأخذكِ شَيطانكِ »؟

ولا شكّ أنّ شيطان عائشة كان كثيراً ما يأخذها أو يلبسها ، وقد وجد لقلبها سبيلا من طريق الغيرة ، وقد روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « الغيرة للرّجل إيمان وللمرأة كفرٌ » باعتبار أن الرّجل يغار على زوجته لأنّه لا يجوز شرعاً أن يشاركه فيها أحد ، أمّا المرأة فليس من حقّها أن تغار على زوجها; لأنّ الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من واحدة.

____________

(١) صحيح مسلم ٣ : ٦٤ ، باب ما يقال عند دخول القبور ، مسند أحمد بن حنبل ٦ : ٢٢١.

(٢) مسند الإمام أحمد ٦ : ١٤٧ ، سنن النسائي ٢ : ٢٢٠ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٣٤ ، والسند صحيح.

(٣) مسند أحمد بن حنبل ٦ : ١١٥ ، صحيح مسلم ٨ : ١٣٩.


فالمرأة الصالحة المؤمنة التي أذعنتْ لأحكام الله سبحانه تتقبّل ضرّتها بنفس رياضية كما يقال اليوم ، وخصوصاً إذا كان زوجها عادلا مستقيماً يخاف الله ، فما بالك بسيّد الإنسانية ، ورمز الكمال والعدل ، والخلق العظيم؟

على أنّنا نجد تناقضاً واضحاً في خصوص حبّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعائشة ، وما يقوله أهل السنّة والجماعة من أنّها كانت أحبّ نسائه إليه وأعزّهم لديه ، حتّى إنّهم يروون أنّ بعض نسائه وهبْنَ نوبتهنّ لعائشة لمّا علمن بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّها ولا يصبر عليها ، فهل يمكن والحال هذه أن نجد مبرّراً وتفسيراً لغيرة عائشة المفرطة؟ والمفروض أنّ العكس هو الصحيح ، أي أن تغار بقية أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عائشة لشدّة حبّه إياها وميله معها ، كما يروون ويزعمون ، وإذا كانت هي المدلّلَة عند الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما هو مبرّر الغيرة؟

والتاريخ لم يحدّثْ إلاّ بأحاديثها ، وكتب السيرة طافحة إلاّ بتمجيدها ، وأنّها حبيبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدلّلة التي كان لا يطيق فراقها.

واعتقد بأنّ كلّ ذلك من الأمويين الذين أحبّوا عائشة ، وفضّلوها لمّا خدمت مصالحهم ، وروت لهم ما أحبّوا ، وحاربت عدُوّهم علي بن أبي طالب.

وكما أعتقدُ بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يحبّها لما فعلتهُ معه كما قدّمنا; وكيف يحبّ رسول الله من تكذبُ ، وتغتابُ ، وتمشي بالنميمة ، وتشكّ في الله ورسوله ، وتظنّ منهما الحيف؟!

كيف يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تتجسّس عليه ، وتخرج من بيتها بدون


إذنه لتعلم أين يذهبُ؟!

كيف يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تشتم زوجاته بحضرته ولو كنّ أمواتاً؟!

كيف يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبغض ابنه إبراهيم ، وترمي أُمّه مارية بالإفك(١) .

كيف يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تتدخّل بينه وبين زوجاته بالكذب مرّة ، وبإثارة الأحقاد أُخرى ، وتتسبب في طلاقهنّ؟!

كيف يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبغض ابنتهُ الزهراء ، وتبغض أخاه وابن عمّه علي بن أبي طالب إلى درجة أنّها لا تذكر اسمه ولا تطيب له نفساً بخير(٢) ؟!

كلّ هذا وأكثر في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أمّا بعد وفاته فحدّث ولا حرج.

وكلّ هذه الأفعال يمقُتها الله ورسولُهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يحبّان فاعلها; لأنّ الله هو الحقّ ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمثل الحقّ ، فلا يمكن له أن يُحبّ من كان على غير الحقّ.

وسوف نعرف خلال الأبحاث القادمة بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يُحبّها ،

____________

(١) يراجع في هذا الموضوع كتاب حديث الإفك للعلامة جعفر مرتضى العاملي. ( المؤلّف ).

(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٢ : ١٧٩ ، تاريخ الطبري ٣ : ١٨٩ ، والمصنّف لعبد الرزاق الصنعاني ٥ : ٤٣٠ بسند صحيح ، وفي إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني ١ : ١٧٨ ح ١٤٧ قال بعد ـ ذكر الحديث ـ : « ورواه أحمد ٦ : ٢٢٨ مختصراً وزاد في آخره » ولكن عائشة لا تطيب له نفساً « وسنده صحيح ».


بل إنّه حذّرَ الأُمّة من فتنتها(١) .

سألتُ بعض شيوخنا مرّة عن سبب حبّ النبي المفرط لعائشة بالذّات دون سواها؟ فأجابوني بأجوبة عديدة كلّها مزيّفة.

قال أحدهم : لأنّها جميلة وصغيرة ، وهي البكر الوحيدة التي دخل بها ، ولم يشاركه فيها أحدٌ سواه.

وقال آخر : لأنّها ابنة أبي بكر الصدّيق صاحبه في الغار.

وقال ثالث : لأنّها حفظت عن رسول الله نصف الدّين ، فهي العالمة الفقيهة.

وقال رابع : لأنّ جبرئيل جاءه بصورتها ، وكان لا يدخل على النبي إلاّ في بيتها.

وأنت كما ترى أيّها القارئ بأنّ كلّ هذه الدّعايات لا تَقومُ على دليل ، ولا يقبلها العقل والواقع ، وسوف نأتي على نقضها بالأدلّة ، فإذا كان الرسول يحبّها لأنّها جميلة ، وهي البكر والوحيدة التي دخل بها ، فما الذي يمنعه من الزواج بالأبكار الجميلات اللآتي كنّ بارعات في الحسن والجمال وكنّ مضرب الأمثال في القبائل العربية ، وكنّ رهن إشارته؟! على أنّ المؤرّخين يذكرون غيرة عائشة من زينب بنت جحش ، ومن صفية بنت حيي ، ومن مارية القبطية لأنهنّ كنّ أجمل منها.

روى ابن سعد في طبقاته ٨ : ١٤٨ ، وابن كثير في تاريخه ٥ : ٣٢٠ أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تزوّج مليكة بنت كعب ، وكانت تعرف بجمال بارع ، فدخلتْ

____________

(١) صحيح البخاري ٤ : ٤٦ ، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي من كتاب الجهاد والسير.


عليها عائشة ، فقالت لها : أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك ، فاستعاذتْ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فطلّقها ، فجاء قومها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا : يا رسول الله إنّها صغيرة ، وإنّها لا رأي لها ، وإنّها خُدِعتْ فارتجِعْهَا ، فأبى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان أبوها قد قُتِلَ في يوم فتح مكّة ، قتله خالد بن الوليد بالخندمة.

وهذه الرواية تَدُلّنا بوضوح بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان همّه من الزواج الصغر والجمال ، وإلاّ لما طلّق مُليكة بنت كعب ، وهي صغيرة وبارعة في الجمال ، كما تدلّنا هذه الرواية وأمثالها على الأساليب التي اتّبعتها عائشة في خداع المؤمنات البريئات ، وحرمانهن من الزواج برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد سبق لها أن طلّقت أسماء بنت النّعمان لمّا غارت من جمالها وقالت لها : إنّ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له : أعوذ بالله منك. وهذه مليكة ، تُثير فيها حساسية مقتل أبيها ، وأنّ قاتله هو رسول الله وتقول لها : أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك!

فما كان جواب هذه المسكينة إلاّ أنّها استعاذت من رسول الله! وما عساها أن تقول غير ذلك ، والناس لا يزالون حديثي عهد بالجاهلية الذين يأخذون بالثأر ويعيّرون من لا يثأر لأبيه؟

بقي أن نتساءل ويحقّ لنا أن نتساءل : لماذا يطلّق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هاتين المرأتين البريئتين ، واللّتين ذهبتا ضحية مكر وخداع عائشة لهنّ؟

وقبل كلّ شيء لابدّ لنا أن نضع في حسابنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوم ، ولا يظلم أحداً ، ولا يفعل إلاّ الحقّ ، فلا بدّ أن يكون في تطليقهنّ حكمة يعلمها الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما أنّ عدم تطليق عائشة رغم أفعالها فيه ـ أيضاً


ـ حكمة ، ولعلّنا نقفُ على شيء منها في الأبحاث المقبلة.

أمّا بالنسبة للمرأة الأُولى ، وهي أسماء بنت النعمان فقد ظهرت سذاجتها عندما انطلتْ عليها حيلة عائشة ، فأوّل كلمة قابلت بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما مدّ يده إليها هي : « أعوذُ بالله منك ». ورغم جمالها البارع فلم يبقها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبلاهتها.

يقول ابن سعد في طبقاته في ٨ : ١٤٥ وغيره عن ابن عبّاس : قال : « تزوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسماء بنت النعمان ، وكانت من أجمل أهل زمانها وأتمّه ».

ولعلّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يعلّمنا أنّ رجاحة العقل أولى من الجمال ، فكم من امرأة جميلة جرّها غباؤها للفاحشة.

أمّا بالنسبة للمرأة الثانية ، وهي مليكة بنت كعب ، والتي عيّرتها عائشة بأنّ زوجها هو قاتل أبيها ، فلم يرد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تعيش هذه المسكينة ، والتي هي صغيرة السنّ ، ولا رَايَ لها كما شهد بذلك قومُها على هواجس ومخاوف قد تُسبّب مصائب كبرى ، خصوصاً وأنّ عائشة سوف لن تتركها ترتاح مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولا شكّ أنّ هناك أسباباً أُخرى يعلمها رسول الله وغابت عنّا.

والمهم أن نعرف بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يجري وراء الجمال والشهوات الجسدية والجنسية كما يتوهّمه بعض الجاهلين ، وبعض المستشرقين الذين يقولون : كان همّ محمّد هو النساء الحسناوات!!

وقد رأينا كيف طلّق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هاتين المرأتين رغم صغرهما


وجمالهما ، فكانتا أجمل أهل زمانهما وأتمّه كما جاء في كتب التاريخ وكتب الحديث ، فقول من يدّعي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّ عائشة لصغرها وجمالها مردود ولا يقبل.

أمّا القائلين بأنّ حبّه إيّاها لأنّها ابنة أبي بكر فهذا غير صحيح ، ولكن يمكننا أن نقول بأنّه تزوّجها من أجل أبي بكر; لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تزوّج من عدّة قبائل زواجاً سياسياً لتأليف القلوب ، ولتسُود المودّة والرحمة في تلك القبائل بدلا من التنافر والتباغض.

فقد تزوّج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأُمّ حبيبة أخت معاوية ، وهي بنت أبي سفيان العدوّ الأوّل للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك لأنّه لا يحقد وهو رحمة للعالمين ، وقد تعدّى عطفه وحنانه القبائل العربية إلى مصاهرة اليهود والنصارى والأقباط; ليقرّب أهل الأديان بعضهم من بعض.

وبالخصوص إذا عرفنا من خلال ما نقرأه في كتب السّيرة بأنّ أبا بكر هو الذي طلب من النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يتزوّج من ابنته عائشة ، كما طلب عمر من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يتزوّج ابنته حفصة ، وقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّ قلبه يسعُ أهل الأرض كلّهم.

قال تعالى :( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (١) .

وإذا رجعنا إلى الرواية التي روتها عائشة ، وقالت فيها بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يلبث إلاّ ريثما ظنَّ أن قد رقدتُ ، فأخذ رداءه رويداً وفتح الباب

____________

(١) آل عمران : ١٥٩.


فخرج ثمّ أجافه ، عرفنا كذب الزعم بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يصبر عنها(١) .

وهذا الاستنتاج ليس استنتاجاً عفوياً ألّفه خيالي ، كلاّ فإنّ له أدلّة في صحاح السنّة ، فقد روى مسلم في صحيحه وغيره من صحاح أهل السُنّة أنّ عمر بن الخطاب قال : لمّا اعتزل نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساءَهُ ، قال : دخلت المسجد فإذا النّاسُ ينكُتون بالحصَى ويقولون : طلّق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساءه ، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب.

فقال عمر : فقلتُ : لأعلمنَّ ذلك اليوم ، قال : فدخلت على عائشة فقلتُ : يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تُؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فقالت : مالي ومالك يابن الخطّاب عليكَ بعيبتك! قال : فدخلتُ على حفصة بنت عمر فقلت لَها : يا حفصة أقد بلغ من شأنكِ أنْ تُؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! واللّهِ لقد علمت أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يُحِبّكِ ، ولولا أنَا لطلَّقكِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبكتْ أشدّ البكاءِ الحديث(٢) .

إنّ هذه الرواية تدلّنا بوضوح لا يقبلُ الشكّ في أنّ زواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حفصة بنت عمر لم يكن عن محبّة ، ولكنّه لمصلحة سياسية اقتضتها الظروف.

وممّا يزيدنا يقيناً بصحّة ما ذهبنا إليه في هذا الاستنتاج ، أنّ عمر بن الخطّاب يُقسمُ بالله بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يُحبُّ حفصة ، ويزيدنا عمر يقيناً

____________

(١) صحيح مسلم ٣ : ٦٤ ، ومسند أحمد ٦ : ٢٢١.

(٢) صحيح مسلم ٤ : ١٨٨ في باب الايلاء واعتزال النّساء وتخييرهنّ ، وقوله تعالى : ( وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) ، مسند أبي يعلى ١ : ١٥٠ ، صحيح ابن حبان ٩ : ٤٩٦.


جديداً بأنّ ابنتَهُ حفصة تعلمُ هي الأُخرى هذه الحقيقة المؤلمة ، إذ يقول لها : « والله لقد علمت بأنّ رسول الله لا يُحبُّكِ ».

ثمّ لا يبقي لنا أدنى شكّ في أنّ الزواج منها كان لمصلحة سياسيّة عندمَا قالَ : « ولولا أنَا لطلّقَكِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

فهذه الرّواية تعطينا أيضاً فكرة على زواج النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعائشة بنت أبي بكر ، وأنّه صبر وتحمّل كلّ أذاها من أجل أبي بكر أيضاً ، وإلاّ فإنّ حفصة أولى بحبّ الرسول وتقديره; لأنّه لم يصدر منها ما يُسيء للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشر معشار ما فعلته عائشة بنت أبي بكر.

وإذا بحثنا في الواقع العملي بقطع النّظر عن الروايات الموضوعة الّتي نمّقها بنو أُميّة في فضائل عائشة ، لوجدنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان كثيراً ما يتأذّى منها ، وكثيراً ما يغضب عليهَا ، وها نحن ننقُل رواية واحدة أخرجها البخاري وكثير من المحدّثين من أهل السنّة ، تعرب عن مدى النفور الذي كانت تشعُرُ به أُمّ المؤمنين عائشة من قبلِ زوجها رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أخرج البخاري في صحيحه في الجزء السابع في باب قول المريض : إنّي وجعٌ ، أَوْ وا رأسَاهُ ، قال : سمعتُ القاسم بن محمّد قال : قالت عائشة : وا رأسَاهُ! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ذاك لو كان وأنا حىٌّ فأستغفر لكِ وأدعو لَكِ » ، فقالت عائشة : وا ثكليَاهُ ، واللّهِ إنّي لأظنّكَ تحِبُّ موتي ، ولو كانَ ذاكَ لظَلِلْتَ آخر يومك مُعرِّساً ببعض أزواجِكَ(١) .

فهل تدلّك هذه الرّواية على حبّ النبىّ لعائشة؟

____________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٨ من كتاب المرضى والطبّ ، مسند أحمد ٦ : ٢٢٨.


ونخلص بالأخير إلى أنّ بني أُميّة ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان يبغضون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنذ أن آلتُ إليهم الخلافة عملوا على تقليب الحقائق ظهراً على عقب ، ورفعوا أقواماً إلى القمّة من المجد والعظمة ، بينما كانوا في حياة النبىّ أُناساً عاديّين وليس لهم شأن كبير ، ووضعوا آخرين كانوا في قمّة الشرف والعزّ أيام النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأعتقد أنّ ميزانهم الوحيد في الرفع والوضع هو فقط عداؤهم الشديد وبغضهم اللاّمحدود لمحمّد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين ، فكلّ شخص كان ضدّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وضدّ أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً رَفعوا من شأنه ، واختلقوا له روايات وفضائل ، وقرّبوه وأعطوه المناصب والعطايا ، فأصبح يحظى بتقدير النّاس واحترامهم.

وكلّ شخص كان يحبّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويدافع عنه عملوا على انتقاصه ، وخلق المعايب الكاذبة له ، واختلاق الروايات التي تنكر فضله وفضائله.

وهكذا أصبح عمر بن الخطّاب الذي كان يعارضه في كلّ أوامره ، حتّى رماه بالهجر في أواخر أيام حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; أصبح هذا الرجل هو قمّة الإسلام عند المسلمين زمن الدولة الأمويّة!

أمّا علي بن أبي طالب الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى ، والذي يحبّ الله ورسوله ويُحبُّه اللّهُ ورسولُهُ ، والذي هو وليّ كلّ مؤمن; أصبح يلعنُ على منابر المسلمين ثمانين عاماً!!

وهكذا أصبحتْ عائشة الّتي جرّعت رسول الله الغُصص ، وعصتْ أوامره كما عصتْ أمر ربّها ، وحاربتْ وصىّ رسول الله ، وتسبّبت في أكبر فتنة


عرفها المسلمون والتي قُتل فيها آلاف المسلمين; أصبحتْ هذه المرأة هي أشهر نساء الإسلام وعنها تُؤخذُ الأحكام ، أمّا فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين التي يغضبُ ربّ العزّة لغضبها ويرضى لرضاها ، أصبحت نسياً منسيّاً ، ودُفنتْ في الليل سرّاً بعدما هدّدوها بالحرق ، وعصروا على بطنها بالباب حتى أسقطتْ جنينها ، ولا أحد من المسلمين من أهل السنّة يعرف رواية واحدة تنقُلها عن أبيها!!

وهكذا أصبح يزيد بن معاوية ، وزياد بن أبيه ، وابن مرجانة ، وابن مروان ، والحجّاج ، وابن العاص وغيرهم من الفسّاق الملعونين بنصّ الكتاب على لسان نبي الله ، نعم أصبح هؤلاء أُمراء المؤمنين وولاة أُمورهم ، أمّا الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وريحانتا النبي من هذه الأُمّة ، والأئمة من عترة الرسول الذين هم أمانُ الأُمة ، أصبحوا مشرّدين مسجونين مقتولين مسمومين!!

وهكذا أصبح أبو سفيان المنافق الذي ما وقعت حربٌ ضدّ الرّسول إلاّ وكان هو قائدها ، أصبح محموداً مشكوراً حتّى قيل : من دخل داره كان آمناً ، أمّا أبو طالب حامي النبي وكفيله والمدافع عنه بكلّ ما يملك ، والذي قضى حياته مناوئاً لقومه وعشيرته من أجل دعوة ابن أخيه ، حتّى قضى ثلاث سنوات في الحصار مع النبىّ في شعب مكة ، وكتم إيمانه لمصلحة الإسلام ، أي لإبقاء بعض الجسور مفتوحة مع قريش ، فلا يؤذون المسلمين كما يريدون ، وذلك كمؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه ، أمّا هذا فكان جزاؤه ضحضاح من نار يضع فيها رجله فيغلي منها دماغه!!


وهكذا أصبح معاوية بن أبي سفيان ، الطليق بن الطليق ، واللعين بن اللعين ، ومن كان يتلاعب بأحكام الله ورسوله ولا يقيم لها وزناً ، ويقتل الصلحاء والأبرياء في سبيل الوصول إلى أهدافه الخسيسة ، ويسبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مرأى ومسمع من المسلمين(١) ، أصبح هذا الرّجل يسمّى كاتب الوحي ، ويقولون بأن الله ائتمنَ على وحيه جبرئيل ومحمّداً ومعاوية ، وأصبح يوصف بأنّه رجل الحكمة والسياسة والتدبير.

أمّا أبو ذر الغفاري الذي ما أقلّت الخضراء ولا أظلت الغبراء أصدق ذي لهجة منه ، فأصبح صاحب فتنة ، يضربُ ويشرّد ويُنفى إلى الربذة ، وأمّا

____________

(١) يقول الشاعر في هذا المعنى :

عاندوا « أحمد » وعادوا عليّاً

وتولّوا منافقاً وغويّاً

وأسرّوا سبّ النبي نفاقاً

حين سبّوا جهراً أخاهُ عليّاً

( المؤلف )

وقد ذكر الشيخ الألباني في صحيحته حديث رقم ٣٣٣٢ : « عن أبي عبد الله الجدلي قال : قالت لي أُم سلمة : أيُسبُ رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينكم على المنابر؟!

قلت : سبحانه الله! وأنّى يسب رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

قالت : أليس يُسبُّ علي بن أبي طالب ومن يحبّه ، وأشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُحبه

قلت : وهذا إسناد جيد ورجاله كلّهم ثقات ».

وهذا من الطامات الكبرى والرزايا العظمى أن يسب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والعهد منه قريب جداً ، وجسده الشريف لم يبرد بعد ، وكفنه لم يبل ، لكن الطلقاء وأبناء الطلقاء أرادوا حجب نور الشمس قبل بزوغها ، وإطفاء نورها قبل ظهورها ، فسعوا إلى ذلك بكلّ ما أُتوا من قوّة; إلاّ أَن الله كان لهم بالمرصاد ، فأخمدهم وأخمد فتنتهم قبل انتصاب الأمور وتحقيق غاياتهم الفاسدة.


سلمان ، والمقداد ، وعمّار ، وحُذيفة ، وكلّ الصحابة المخلصين الذين والوا عليّاً وتشيّعوا له ، فقد لاقوا التعذيب والتشريد والقتل.

وهكذا أصبح أتباع مدرسة الخلفاء ، وأتباع معاوية ، وأصحاب المذاهب الذين أوجدتهم السلطة الجائرة ، أصبحوا هم أهل السنّة والجماعة ، وهم الذين يمثّلون الإسلام ، ومن خالفهم كان من الكافرين ، ولو اقتدى بأئمة أهل البيت الطيبين الطاهرين.

أمّا أتباع مدرسة أهل البيت الذين اتّبعوا باب مدينة العلم ، وأوّل النّاس إسلاماً ، ومن كان الحقّ يدور معه حيث دار ، وتشيّعوا لأهل البيت واتّبعوا الأئمة المعصومين ، أصبحوا هم أهل البدعة والضلالة ، ومن خالفهم وحاربهم كان من المسلمين ، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم وصدق الله إذ يقول :

( وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * ألا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ألا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .

وإذا رجعنا إلى موضوع حبّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعائشة; لأنّها حفظت عنه نصف الدّين ، وكان يقول : « خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء » ، فهذا حديث باطل لا أساس له من الصّحة ، ولا يستقيم مع ما روي عن عائشة من أحكام مضحكة مبكية يتنزّه عن ذكرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ويكفينا مثلا على ذلك قضية رضاعة الكبير التي كانت ترويها عن

____________

(١) البقرة : ١١ ـ ١٣.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي أخرجها مسلم في صحيحه ، ومالك في موطّأه ، والتي وافينا البحث فيها في كتابنا « لأكون مع الصادقين » ، فمن أراد التفصيل والوقوف على جلية الأمر فليراجعه.

ويكفي في هذه الرواية الشنيعة أنّ زوجات النبي كلّهن رفضن العمل بها وأنكرنها ، وحتّى أنّ راويها بقي عاماً كاملا يتهيّب أن يذكرها لفظاعتها وقلّة حيائها.

وإذا ما رجعنا إلى « صحيح البخاري » في باب يقصر من الصّلاة إذا خرج من موضعه ، قال : عن الزهرىّ ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : الصّلاة أوّل ما فُرِضتْ ركعتان ، فأْقرّتْ صلاة السّفر وأُتِمَّتْ صلاة الحضَر ، قال الزهري : فقلتُ لعروة : فما بال عائشة تُتمُ؟ قال : تأَوَّلتْ ماتأَوَّلْ عثمان(١) .

وأخرجها مسلم في صحيحه في باب صلاة المسافرين وقصرها وبعبارة أوضح ممّا في البخاري ، قال : عن الزهريّ ، عن عروة ، عن عائشة أنّ الصلاة أوّل ما فُرضت ركعتين ، فأقرّت صلاة السفر وأتِمّتْ صلاة الحضر ، قال الزهريُّ : فقلْتُ لعروة : ما بال عائشة تُتم في السّفرِ؟ قال : إنّها تأولتْ كما تأوّل عثمان(٢) .

إنّه التناقُض الصريح ، فهي التي تروي بأنّ صلاة المسافر فُرضتْ ركعتين ، ولكنّها تخالف ما افترضه الله وعمل به رسولهُصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتتأوّل لتغيّر أحكام الله

____________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٣٦.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ١٤٢.


ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إحياء لسنّة عثمان ، ولهذه الأسباب نجد كثيراً من الأحكام في صحاح أهل السنّة والجماعة ولكن لا يعملون بها; لأنّهم في أغلب الأحيان يأخذون بتأوّل أبي بكر ، وتأوّل عمر ، وتأوّل عثمان ، وتأوّل عائشة ، وتأوّل معاوية بن أبي سفيان ، وغيرهم من الصحابة.

فإذا كانت الحميراء التي يؤخذ عنها نصف الدّين تتأوّل في أحكام الله كيف تشاء ، فلا أعتقدُ بأنّ زوجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرضى منها هذا ويأمر الناس بالاقتداء بها ، على أنّه ورد في « صحيح البخاري » وصحـاح أهل السنّة إشارة إلى أنّ في اتّباعها معصية لله ، وسنُوافيك بذلك في أوانه إن شاء الله.

وأمّا القائلون بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُحبّها; لأنّ جبرئيل أتاه بصورتها قبل الزواج ، وأنّه لا يدخل عليه إلاّ في بيتها ، فهذه روايات تُضحك المجانين.

ولستُ أدري أكانت الصورة التي جاء بها جبرئيل فوتوغرافية أم لوحة زيتية ، على أنّ صحاح أهل السنّة يروون بأنّ أبا بكر بعث بعائشة إلى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعها طبق من التمر لينظر إليها ، وهو الذي طلب من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتزوّج ابنته ، فهل هناك داع لينزل جبرئيل بصورتها ، وهي تسكن على بعد بضع أمتار من مسكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!! وأعتقد أنّ مارية القبطية التي كانت تسكنُ مصر ، وهي بعيدة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما كان أحد يتصوّر مجيئها ، هي أولى بأن ينزل جبرئيل بصورتها ، ويبشّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ الله سيرزقه منها إبراهيم.


ولكن هذه الروايات هي من وضع عائشة التي كانتْ لا تجدُ شيئاً تفتخر به على ضرّاتها إلاّ الأساطير التي يخلقها خيالها ، أو أنّها من وضع بني أُميّة على لسانها ليرفعوا من شأنها عند بسطاء العقول.

وأمّا أنّ جبرئيل كان لا يدخل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مضطجع إلاّ في بيت عائشة فهي أقبحُ من الأُولى ، والمعلوم من القرآن الكريم أنّ الله هدّدها عندما تظاهرت على رسوله ، هدّدها بجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيراً.

فما أقوال شيوخنا وعلمائنا إلاّ ضربٌ من الظنّ والخيال ، وإنّ الظنّ لا يُغني من الحق شيئاً( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلاّ الظَّنَّ وَإنْ أنْتُمْ إلاّ تَخْرُصُونَ ) (١) .

عائشة فيما بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أمّا إذا درسنا حياة أُمّ المؤمنين عائشة ابنة أبي بكر بعد لحوق زوجها بالرفيق الأعلى روحي له الفداء ، وبعد ما خلاَ لها الجوّ وأصبح أبوها هو الخليفة والرئيس على الأُمّة الإسلامية ، وأصبحت هي حينذاك المرأة الأُولى في الدولة الإسلامية; لأنّ زوجها رسول الله وأبوها هو خليفة رسول الله.

ولأنّها كما تعتقد هي أو توهمُ نفسها بأنها أفضلُ أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا لشيء إلاّ لأنّه تزوّجها بكراً وما تزوّج بكراً غيرها!! وقد توفّي عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي في عزّ شبابها وزهرة عمرها ، فكان عمرها يوم وفاة زوجها

____________

(١) الأنعام : ١٤٨.


ثمانية عشر عاماً على أكثر التقادير وأشهر الروايات ، ولم تعاشر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوى ستّ أو ثمان سنوات على اختلاف الرّواة ، قضتْ السنوات الأُولى منها تلعب ألعاب الأطفال وهي زوجة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي كما وصفتها بريرة جارية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما قالت في عائشة : « إنّها جارية حديثة السنّ تنام عن العجين فتأتي الدّاجنُ فتأكُله »(١) .

نعم ، ثمانية عشر عاماً لفتاة بلغت سنّ المراهقة كما يقال اليوم ، وقضت نصف عمرها مع صاحب الرسالة ، وبين ضرّات يبلغ عددهن عشر أو تسع زوجات ، وهناك امرأة أُخرى أغفلنا ذكرها في حياة عائشة ، وكانت أشدّ عليها من كلّ ضرّة ، لأنّ حبّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها فاق التصوّر ، وهذه المرأة هي فاطمة الزهراء ربيبة عائشة ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خديجة ، وما أدراك ما خديجة الصدّيقة الكبرى التي سلّم عليها جبرئيل ، وبشّرها ببيت لها في الجنّة لا صخَب فيه ولا نصب(٢) .

والتي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يدع مناسبة تفوته إلاّ ويذكر خديجة ، فيتفطر كبد عائشة ويحترق قلبها غيرة ، فتثور ثائرتها وتخرج عن أطوارها ، فتشتم بما يحلو لها ، ولا تبال بعواطف زوجها ومشاعره.

ولنستمع إليها تحدّث عن نفسها بخصوص خديجة ، كما روى البخاري ، وأحمد ، والترمذي ، وابن ماجة ، قالت : ما غرتُ على امرأة لرسول الله كما

____________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١٥٦ ، كتاب الشهادات ، باب تعديل النساء بعضهن بعضاً.

(٢) صحيح البخاري ٤ : ٢٣١ ، صحيح مسلم ٧ : ١٣٣ ، باب فضائل أم المؤمنين خديجة.


غرت على خديجة(١) لكثرة ذكر رسول الله إياها وثنائه عليها ، فقلتُ : ما تذكُر من عجوز من عجائز قريش ، حمراء الشّدقين ، هلكتْ في الدّهر ، قد أبدلك الله خيراً منها.

قالت : فتغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تغيّراً ما كنتُ أراه إلاّ عند نزول الوحي ، وقال : « لا ، ما أبدلني الله خيراً منها ، قد آمنتْ بي إذ كفر بي النّاس ، وصدّقتني إذْ كذّبني الناس ، وواستني بما لها إذ حرمني النّاس ، ورزقني الله عز وجلّ ولدها إذ حرمني أولاد النساء »(٢) .

____________

(١) قد مرّ بنا سابقاً قولها : ما غرت على امرأة كما غرت على صفية ، وقولها : ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية ، لكِ الله يا عائشة ، فهل سَلمتْ واحدة من أزواج النبي من غيرتك وأذيّتك؟ ( المؤلف ).

(٢) حديث غيرة عائشة على خديجة رضي الله عنها ورد في مصادر أهل السنّة بكثرة وبألفاظ مختلفة ، والمؤلف لفق بين هذه الأحاديث ، فقولها : « ما غرت على وثنائه عليها » يوجد في البخاري ٦ : ١٥٨ ، ونحوه بلفظ قريب منه في مسلم ٧ : ١٣٤ ، وسنن ابن ماجة ١ : ٦٤٣ ، وسنن الترمذي ٣ : ٢٤٩ وغيرها.

أمّا قولها : « ما تذكر من عجوز خيراً منها » يوجد بألفاظه المختلفة في كلّ من : صحيح البخاري ٤ : ٢٣١ ، صحيح مسلم ٧ : ١٣٤ ، مسند أحمد ٦ : ١٥٤ ، السنن الكبرى النسائي ٧ : ٣٠٧ وغيرها.

أمّا قولها : « فتغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أولاد النساء » يوجد بألفاظه المختلفة في : مسند أحمد ٦ : ١١٨ عنه مجمع الزوائد ٩ : ٢٢٤ وقال : « رواه أحمد وإسناده حسن » ، فتح الباري ٧ : ١٠٣ ، فيض القدير ٤ : ١٦٤ ، البداية والنهاية ٣ : ١٥٨ وقال : « تفرّد به أحمد واسناده لا بأس به ، ومجالد روى له مسلم متابعة وفيه كلام مشهور والله أعلم ».

وانظر أيضاً المعجم الكبير للطبراني ٢٣ : ١٣ ، تاريخ دمشق ٣ : ١٩٥ ، الاصابة


وليس هناك شكّ أنّ ردّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبطل دعوى من يقول بأنّ عائشة هي أحبّ وأفضل أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأكيد أيضاً أنّ عائشة ازدادت غيرة وكُـرهاً لخديجة عندما قرّعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا التوبيخ ، وأعلمها بأنّ ربّه لم يُبدلَهُ خيراً من خديجة.

ومرّة أخرى يعلّمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه لا يميل مع الهوى ، ولا يحبّ الجمال والبكارة; لأنّ خديجة سلام الله عليها تزوّجت قبله مرّتين ، وكانت تكبره بخمسة عشرة عاماً ، ومع ذلك فهو يحبّها ولا ينثني عن ذكرها ، وهذا

____________

٨ : ١٠٣.

أمّا مجالد بن سعيد فقد وثّقه غير واحد كما في مجمع الزوائد ١٠ : ٣٩٩ ، وهو حسن الحديث كما في مجمع الزوائد أيضاً ٩ : ٢٤٢.

وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢ : ١١٢ من طريق مروان بن معاوية ، عن وائل بن داود ، عن عبد الله البهي ، عن عائشة ، والسند حسن كما صرّح محقّق الكتاب بذلك.

وكذلك أخرجه الدولابي في كتابه الذرية الطاهرة : ٣١ عن محمّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن مروان بن معاوية الفزاري ، عن وائل بن داود ، عن عبد الله البهي ، عن عائشة. وهذا السند حسن كما ترى ، والحسن يحتج به; لأنّه من قسم الصحيح بالمعنى الأعم.

ومنه يتبيّن أن ما ذكره في « كشف الجاني » : ١٣٣ من تضعيف هذه الزيادة واتهام المؤلّف بالكذب ليس بصحيح ، وناشئ من عدم اطّلاع عثمان الخميس على رواياتهم ومباني علماء الحديث وذلك :

(١) إنّ مجالد بن سعيد مختلف فيه ، فحديثه يكون حسناً على أقل تقدير.

(٢) إنّ مجالد بن سعيد لم ينفرد بهذه الزيادة ، بل وردت عن عبد الله البهي ، وهو ثقة فيحتجّ بحديثه ، ويكون حديث مجالد بن سعيد صحيحاً; لأنّ له متابعاً صحيحاً وهو حديث عبد الله البهي ، فيكون مقوّياً له.


لعمري هو خُلق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يحبّ في الله ويبغض في الله.

وهناك فرق كبير بين هذه الرواية الحقيقية ، وتلك المزيّفة التي تدّعي بأنّ الرسول يميل إلى عائشة ، حتّى بعثن إليه نساؤُه ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة!!

وهل لنا أن نسأل أُمّ المؤمنين عائشة التي ما رأت يوماً في حياتها السيّدة خديجة رضوان الله عليها ولا التقت بها : كيف تقول عنها : عجوز حمراء الشّدقين؟ وهل هذه هي أخلاق المؤمنة العادية الّتي يحرمُ عليها أن تغتاب غيرها إذا كان حيّاً! فما بالك بالميّت الذي أفضى إلى ربِّه!! فما بالك إذا كان ضحية الغيبة زوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي ينزل جبرئيل في بيتها ويبشّرها ببيت في الجنّة لا صخب فه ولا نصب؟!

وبالتأكيد إنّ ذلك البغض ، وتلك الغيرة التي تأجّجت في قلب عائشة من أجل خديجة لابدّ لها من فورة ومتنفّس وإلاّ انفجرت ، فلم تجد عائشة أمامها إلاّ فاطمة ابنة خديجة ربيبتها ، والتي هي في سنّها أو تكبرها قليلا على اختلاف الرّواة.

وبالتأكيد ـ أيضاً ـ أنّ ذلك الحبّ العميق من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لخديجة تجسّد وقوِيَ في ابنته ووحيدته فاطمة الزهراء ، فهي الوحيدة التي عاشت مع أبيها ، تحمـل في جنباتها أجمل الذكريات التي كان يحبّها رسول الله في خديجة ، فكان يسمّيها أمّ أبيها.

وزاد في غيرة عائشة أن ترى رسول الله يمجّد ابنته ، ويسمّيها سيّدة نساء


العالمين وسيّدة نساء أهل الجنة(١) ، ثمّ يرزقُه الله منها سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين ، فترى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يذهب ويبات عند فاطمة ساهراً على تربية أحفاده ويقول : « ولداي هذان ريحانتي من هذه الأُمة »(٢) ويحملهما على كتفيه ، فتزداد بذلك عائشة غيرة لأنّها عقيم!!

ثمّ ازدادت الغيرة أكثر عندما شملت زوج فاطمة أبا الحسنين لا لشيء إلاّ لحبّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّاه ، وتقديمه على أبيها في كلّ المواقف ، فلا شكّ أنّها كانت تعيش الأحداث.

وترى ابن أبي طالب يفوز في كلّ مرّة على أبيها ، ويمضي بحبّ الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له ، وتفضيله وتقديمه على من سواه ، فقد عرفت أنّ أباها رجع مهزوماً في غزوة خيبر بمن معه من الجيوش ، وأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تألّم لذلك وقال : « لأعطين الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبُّهُ الله ورسوله كرّار غير فرار »(٣) ، وكان ذلك الرجل هو علي بن أبي طالب زوج فاطمة ، ثمّ رجع

____________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١٨٣ ، ٢٠٩ و ٧ : ١٤٢.

(٢) ورد في تاريخ دمشق ١٣ : ٢٠٢ ، وكنز العمال ١٣ : ٦٦٧ ح ٣٧٦٩٩ بلفظ : « إنّ ابني هذين » ، وفي مسند أحمد ٢ : ٨٥ ـ ١١٤ وصرّح محقّق الكتاب أحمد شاكر في كلا الموضعين بصحته ، والمصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٥١٤ ح ١٦ ، والسنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٩ ح ٨١٦٧ ، وصحيح ابن حبان ١٥ : ٤٢٦ بلفظ : « هما ريحانتي من الدنيا ».

(٣) بهذا اللفظ في تاريخ دمشق ٤١ : ٢١٩ ، وكنز العمال ١٣ : ١٢٣ ح ٣٦٣٩٣ ، ويوجد صدر الحديث في صحيح البخاري ٥ : ٧٦ ، صحيح مسلم ٥ : ١٩٥ ، ويوجد بلفظ : « ليس بفرار » في مسند أحمد ١ : ٩٩ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٥٢٢ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٠٩ ، المعجم الكبير للطبراني ٧ : ٣٥.


عليٌّ بعد ما فتح خيبر بصفية بنت حُيي التي تزوّجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونزلت على قلب عائشة كالصّاعقة.

وقد عرفت ـ أيضاً ـ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبوها بسورة براءة ليبلّغها إلى الحجيج ، ولكنّه أرسل خلفه علي بن أبي طالب فأخذها منه ، ورجع أبوها يبكي ويسأل عن السبب ، فيجيبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إن الله أمرني أن لا يبلّغ عني إلاّ أنا أو أحد من أهل بيتي »(١) .

وقد عرفتْ أيضاً بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصّب ابن عمّه علي خليفة على المسلمين من بعده ، وأمر أصحابه وزوجاته بتهنئته بإمرة المؤمنين ، فجاءه أبوها في مقدّمة النّاس يقول : بخ بخ لك يا بن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وقد عرفتْ بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أَمَّر على أبيها شابّاً صغيراً لا نبات بعارضيه ، عمره سبعة عشر عاماً ، وأمره بالسّير تحت قيادته والصلاة خلفه.

ولا شكّ بأنّ أُمّ المؤمنين عائشة كانت تتفاعل مع هذه الأحداث ، فكانت تحمل في جنباتها همَّ أبيها ، والمنافسة على الخلافة والمؤامرة التي تدور عند رؤساء القبائل في قريش ، فكانت تزداد بُغضاً وحنقاً على علي وفاطمة ، وتحاول بكلّ جهودها أنْ تتدخّل لتغيير الموقف لصالح أبيها بشتّى الوسائل ، كلّفها ذلك ما كلّفها.

____________

(١) انظر بألفاظه المختلفة : مسند أحمد ١ : ٣ وصرّح محقّق الكتاب أحمد شاكر بصحته ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : ٥٩٥ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٢٩ ، المعجم الأوسط ٣ : ١٦٥ ، الدر المنثور ٣ : ٢١٠.


وقد رأيناها كيف أرسلتْ إلى أبيها على لسان زوجها تأمره ليُصلّي بالنّاس ، عندما علمتْ بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرْسَلَ خلف علي ليكلّفَه بتلك المهمّة ، ولمّا علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتلك المؤامرة اضطرّ للخروج ، فأزاح أبا بكر عن موضعه وصلّى بالنّاس جالساً ، وغضب على عائشة وقال لها : « إنّكنّ أنتنّ صويحبات يوسف » ( يقصد أن كيدها عظيم )(١) .

والباحث في هذه القضية التي روتها عائشة بروايات مختلفة ومتضاربة يجدُ التناقض واضحاً ، وإلاّ فإنّ أباها عبّأه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جيش ، وأمره بالخروج تحتَ قيادة أُسَامة بن زيد قبل تلك الصّلاة بثلاثة أيام ، ومن المعلوم بالضرورة أنّ قائد الجيش هو إمام الصلاة ، فأُسامة هو إمام أبي بكر في تلك السرية.

فلمّا أحسّتْ عائشة بتلك الإهانة ، وفهمت مقصود النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها ، خصوصاً وأنّها تفطّنت بأنّ علي بن أبي طالب لم يعيّنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك الجيش الذي عبّأ فيه وجوه المهاجرين والأنصار ، والذين لهم في قريش زعامة ومكانة ، وقد علمتْ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كْما علم أكثر أصحابه بأنّ أيّامه أصبحتْ معدودة ، ولعلّها كانتْ على رأي عمر بن الخطّاب في أنّ رسول الله أصبح يهجرُ ولا يدري ما يفعَلُ; فدفعتها غيرتها القاتلة أن تتصرّف بما تراه يرفع من شأن أبيها وقدره مقابل منافسه علي.

ولكلّ ذلك أنكرت أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى لعلي ، ولذلك حاولت إقناع البسطاء من النّاس بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات في حجرها بين سحرها

____________

(١) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩ : ١٩٧.


ونحرها ، ولذلك حدّثت بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لها وهو مريض : ادع لي أباك وأخاكِ لأكتب لهم كتاباً ، عسى أن يدّع مُدّع ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلاّ أبا بكر!! فهل من سائل يسألُها : ما الذي منعها من دَعوتهم؟

موقف عائشة ضدّ علي أمير المؤمنينعليه‌السلام

والباحث في موقفها تجاه أبي الحسن يجد أمراً عجيباً وغريباً ، ولا يجد له تفسيراً إلاّ الغيرة والعداء لأهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد سجّل لها التاريخ كرهاً وبغضاً للإمام علي لَمْ يُعرف له مثيلٌ ، وصل بها إلى حدّ أنّها لا تطيق ذكر اسْمِهِ(١) ، ولا تطيق رؤيته ، وعندما تسمع بأنّ الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان ، تقول : وددت لو أنّ السّماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب(٢) . وتعمل كلّ جهودها للإطاحة به ، وتقود ضدّه عسكراً جرّاراً لمحاربته ، وعندما يأتيها خبر موته تسجد شكراً لله(٣) .

ألا تعجبون معي لأهل السنّة والجماعة الذين يروون في صحاحهم بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « يا علي لا يُحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافقٌ »(٤) ،

____________

(١) مضى تخريجه.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٢١٥.

(٣) قال أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين : ٥٥ « لمّا أن جاء عائشة قتل عليّعليه‌السلام سجدت ».

(٤) مسند أحمد ١ : ٩٥ وصرّح محقّق الكتاب أحمد شاكر بصحته ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٦ وقال : حسن صحيح ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٣٧ ح ٨٤٨٧ ، مسند أبي يعلى ١ : ٢٥١ ، تاريخ بغداد ١٤ : ٤٢٦ ح ٧٧٨٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٢٧١ ،


ثمّ يروون في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم بأنّ عائشة تبغض الإمام علي ولا تطيق ذكر اسمه ، أليس ذلك شهادة منهم على ماهية المرأة؟

كما يروي البخاري في صحيحه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « فاطمة بضعة منّي من أغضبها أغضبني ، ومن أغضبني فقد أغضب الله »(١) . ثمّ يروي البخاري نفسه بأنّ فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر فلم تكلّمه حتى ماتتْ(٢) .

أليس ذلك شهادة منهم بأنّ الله ورسوله غاضبان على أبي بكر؟ فهذا ما يفهمه كلّ العقلاء ، ولذلك أقول دائماً بأنّ الحقّ لا بدّ أن يظهر مهما ستره المُبطلون ، ومهما حاول أنصار الأمويين التمويه والتلفيق ، فإنّ حجّة الله قائمة على عباده من يوم نزول القرآن إلى قيام السّاعة ، والحمد لله ربّ العالمين.

حدّث الإمام أحمد بن حنبل أنّ أبا بكر جاء مرّة واستأذن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقبل الدّخول سمع صوت عائشة عالياً وهي تقول للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « والله لقد عرفتُ أنّ عليّاً أحبّ إليك منّي ومن أبي ، تعيدها مرّتين أو

____________

أُسد الغابة ٤ : ٢٦ ، سير أعلام النبلاء ٥ : ١٨٩.

وفي صحيح مسلم ١ : ٦١ باب الدليل على حبّ الأنصار وعلي من الإيمان عن عليّ عليه‌السلام بلفظ : « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة انّه لعهد النبي الأُمّي إليّ أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق ».

(١) البخاري ٤ : ٢١٠ ، كتاب فضائل أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، باب مناقب فاطمةعليها‌السلام ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٥٢٦ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٩٧ ح ٨٣٧١.

(٢) صحيح البخاري ٥ : ٨٢ ، كتاب المغازلي ، باب غزوة خيبر و ٨ : ٣ كتاب الفرائض ، باب قول النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا نورث ما تركنا صدقة ».


ثلاثاً » الحديث(١) .

وبلغ من أمر عائشة وبُغضِهَا للإمام علي أنّها كانت تحاول دائماً إبعاده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما استطاعتْ لذلك سبيلا.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في « شرح النهج » : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استدنى عليّاً ، فجاء حتّى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان ، فقالت له : أما وجدت مقعداً لكذا إلاّ فخذي(٢) .

وروي ـ أيضاً ـ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساير يوماً الإمام علي وأطال مناجاته ، فجاءت عائشة وهي سائرة خلفهما حتى دخلت بينهما ، وقالتْ لهُمَا : فيمَ أنتُما فقد أطلتما ، فغضب لذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) .

ويروي أيضاً أنّها دخلت مرّة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يناجي عليّاً ، فصرختْ وقالت : مالي ولك يا بن أبي طالب؟ إنّ لي نوبة واحدة من رسول الله ، فغضب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكم من مرّة أغضبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتصرّفاتها الناتجة عن الغيرة الشديدة ، وعن حدّة طبعها وكلامها اللاّذع.

وهل يرضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مؤمن أو مؤمنة ملأ قلبه كُرهاً وبغضاً

____________

(١) الإمام أحمد في مسنده ٤ : ٢٧٥ ، عنه مجمع الزوائد ٩ : ٢٠١ وقال : « رجاله رجال الصحيح ».

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩ : ١٩٥ ، وفي تاريخ دمشق ٤٢ : ٤٥ انّهعليه‌السلام ، جلس بينهما قالت له : « أما وجدت مكاناً أوسع لك من هذا » فزجرها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩ : ١٩٥.


لابن عمّه وسيّد عترته ، الذي قال فيه : « يحبّ الله ورسولَهُ ويحبّه الله ورسوله »(١) وقال فيه : « من أحبّ علياً فقد أحبّني ، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني »(٢) .

( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ )

أمر الله سبحانه نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالاستقرار في بيوتهنّ ، وأن لا يخرجن متبرّجات ، وأمرهنّ بقراءة القرآن ، وإقامة الصّلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإطاعة الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعمل نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكلّهن امتثلْنَ أمر الله وأمر رسوله الذي نهاهنّ هو الآخرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل وفاته وحذّرهن بقوله : « أيّتكن تركب الجمل وتنبحها كلاب الحوأب »(٣) ، كلّهن ما عدا عائشة ، فقد اخترقت كلّ الأوامر ،

____________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١٢ ، ٢٠ ، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب علي ابن أبي طالب ، صحيح مسلم ٧ : ١٢٠ ، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل علي ابن أبي طالب. سنن ابن ماجة ١ : ٤٤ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٢ ، المستدرك للحاكم ٣ : ١٠٩.

(٢) المستدرك للحاكم ٣ : ١٣٠ وقال : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه » ، المعجم الكبير للطبراني ٢٣ : ٣٨٠ ، عنه مجمع الزوائد ٩ : ١٣٢ وقال : إسناده حسن. الجامع الصغير للسيوطي ٢ : ٥٥٤ ح ٨٣١٩ ، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢ : ١٠٣٤ ح ٥٩٦٣.

(٣) نحوه مسند أحمد ٦ : ٩٧ وسنده صحيح ، المستدرك للحاكم ٣ : ١٢٠ وسقط تصحيح الحاكم من المطبوع لكن قال ابن حجر في فتح الباري ١٣ : ٤٥ : إنّه صححه ، مجمع الزوائد ٧ : ٢٣٤ وصرّح بوثاقة رجاله ، المصنّف لعبدالرزاق ١١ :


____________

٣٦٥ ح ٢٠٧٥٣ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٧٠٨ ، صحيح ابن حبان ١٥ : ١٢٦ ، فتح الباري ١٣ : ٤٥ وصرّح بوثاقة رجاله ، سير أعلام النبلاء للذهبي ٢ : ١٧٨ وصرّح بصحة الإسناد ، البداية والنهاية لابن كثير ٦ : ٢٣٦ وقال بعد أن ذكره من طريق أحمد : « وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه » ، الإصابة ٨ : ١٨٦.

وقال الشيخ الألباني في صحيحته ١ : ٨٤٨ ، ح ٤٧٤ : « والحديث من أصح الأحاديث ، ولذلك تتابع الأئمة على تصحيحه قديماً وحديثاً :

الأوّل : ابن حبان

الثاني : الحاكم

الثالث : الذهبي

الرابع : الحافظ ابن كثير

الخامس : الحافظ ابن حجر ».

ثمّ علق الشيخ الألباني على الحديث بقوله : « ولا نشكّ أنّ خروج أُمّ المؤمنين كان خطأً من أصله ، ولذلك همّت بالرجوع حين علمت بتحقّق نبوءة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الحوأب ، ولكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقول : عسى الله أن يصلح بك بين الناس. ولا نشكّ أنّه كان مخطئاً أيضاً ، والعقل يقطع بأنّه لا مناصّ من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى ، ولا نشكّ أنّ عائشة رضي الله عنها هي المخطئة; لأسباب كثيرة وأدلّة واضحة ».

وقد أجاد الشيخ الألباني في هذا الكلام إلاّ في أمرين :

الأوّل : إنّه التمس العذر لعائشة بمقولة الزبير ، مع أنّ عائشة لديها توصية من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديثه فلذلك أرادت الرجوع ، لكن الصحابي وهو الزبير ضرب كلام النبي وراء ظهره وبالتالي أقنع عائشة بذلك.

الثانية : قوله : « همّت بالرجوع حين علمت بتحقيق نبوءة النبي » ليس


وسخرت من كلّ التحذيرات.

ويذكر المؤرّخون أنّ حفصة بنت عمر أرادت الخروج معها ، ولكن أخاها عبد الله حذّرها وقرأ عليها الآية ، فرجعت عن عزمها ، أمّا عائشة فقد ركبت الجمل ، ونبحتها كلاب الحوأب.

يقول طه حسين في كتابه « الفتنة الكبرى » : مرّت عائشة في طريقها بماء فنبحتها كلابه ، وسألتْ عن هذا الماء فقيل لها : إنّه الحوْأب ، فجزعتْ جزعاً شديداً وقالتْ :

ردّوني ردّوني ، قد سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول وعنده نساؤه : « أيّتكنّ تنبحُها كِلابُ الحوأب »؟ وجاء عبد الله بن الزبير فتكلّف تهدئتها ، وجاءها بخمسين رجلا من بني عامر يحلفون لها كذباً أنّ هذا الماء ليس بماء الحوأب(١) .

وأنا أعتقد بأنّ هذه الرّواية وُضعتْ في زمن بني أُميّة; ليخفّفوا بها عن أُمّ المؤمنين ثقل معصيتها ، ظنّاً منهم بأنّ أُمّ المؤمنين أصبحتْ معذورة بعد أن خدعها ابن أُختها عبد الله بن الزّبير ، وجاءها بخمسين رجلا يحلفون بالله ويشهدون شهادة زوراً بأنّ الماء ليس هو ماء الحوأب.

إنّها سخافة هزيلةٌ يريدون أن يموّهوا بمثل هذه الروايات على بسطاء العقول ، ويُقنعونهم بأنّ عائشة خُدِعتْ; لأنّها عندما مرّتْ بالماء وسمعتْ

____________

صحيحاً ، بل الحقّ أنّ إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ، وتحقّق إخباره في الخارج دالٌ على معجزته ومدى معرفته ، وليس تنبأً كما حاول الشيخ إظهاره.

(١) المجموعة الكاملة لمؤلّفات طه حسين : ٤٦٩.


نباح الكلاب ، فسألت عن هذا الماء ، فقيل لها : إنّه الحوْأَبْ ، فجزعتْ وقالت : ردّوني ردّوني. فهل لهؤلاء الحمقى الذين وضعوا الرواية أن يلتمسوا لعائشة عذراً في معصيتها لأمر الله ، وما نزل من القرآن بوجوب الاستقرار في بيتها؟! أو يلتمسوا لها عذراً في معصيتها لأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوجوب لزوم الحصير وعدم ركوب الجمل ، قبل الوصول إلى نباح الكلاب في ماء الحوأب؟!!

وهل يجدون لأُمّ المؤمنين عذراً بعدما رفضت نصيحة أُمّ المؤمنين أمّ سلمة التي ذكرها المؤرّخون إذ قالت لها : أتذكرينَ يومَ أقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن معه حتى إذا هبَط من قديد ذات الشمال ، فخَلا بعلي يُناجيه فأطال ، فأردتِ أن تهجمي عليهما ، فنهيتُكِ فعصيتني وهجمتِ عليهما ، فما لبثت أن رجعتِ باكية ، فقلت : ما شأنك؟ فقلت : أتيتهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلي : ليس لي من رسول الله إلاّ يوم من تسعة أيام أفمَا تدعني يا بن أبي طالب ويومي ، فأقبل رسول الله علىَّ وهم محمّر الوجه غضباً فقال : « ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من النّاس إلاّ وهو خارج من الإيمان » ، فرجعت نادمةً ساخطة.

فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك.

قالت : وأُذَكّركِ ـ أيضاً ـ كنت أنا وأنتِ مع رسول الله ، فقال لنا : « أيتكنّ صاحبة الجمل الأدب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط »؟ فقلنا : نعوذ بالله وبرسوله من ذلك ، فضرب على ظهرك وقال : « إيّاك أن تكونيها يا حميراء »؟

قالت عائشة : أذكر ذلك.


فقالت أُمّ سلمة : أتذكرين يوم جاء أبوك ومعه عمر ، وقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحدّثانه فيما أرادا إلى أن قالا : يا رسول الله ، إنّا لا ندري أمَدُ ما تَصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً؟ فقال لهما : « أما أنّي قد أرى مكانه ، ولو فعلتُ لتفرّقتم عنه كما تفرّق بنو إسرائيل عن هارون » ، فسكتا ثمّ خرجَا ، فلمّا خرجا خرجنا إلى رسول الله ، فقلتِ له أنت وكنتِ أجرأ عليه منّا : يا رسول الله مَنْ كنت مستخلفاً عليهم؟ فقال : « خاصف النّعل » ، فنزلنا فرأيناه عليّاً. فقلتِ : يا رسول الله ، ما أرى إلاّ عليّاً. فقال : « هو ذاك »؟

قالت عائشة : نعم أذكر ذلك.

فقالت لها أُمّ سلمة : فأيّ خروج تخرجين بعد هذا يا عائشة؟

فقالت : إنّما أخرج للإصلاح بين الناس(١) .

فنهتها أُمّ سلمة عن الخروج بكلام شديد وقالت لها : إنّ عمود الإسلام لا يثأب بالنساء إن مال ، ولا يَرْأبُ بهن إن صُدِعَ ، حماديات النساء غضّ الأطراف ، وخفر الأعراض ، ما كنتِ قائلة لو أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عارضك في بعض هذه الفلوات ، ناصّة قلوصاً من منهل إلى آخر؟ والله لو سرتُ سيرك هذا ثمّ قيل لي : أدخلي الفردوس ، لاستحييت أن ألقى محمّداً هاتكةً حجاباً ضربه علىَّ(٢) .

____________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٢١٧ ونحوه المعيار والموازنة : ٢٨.

(٢) غريب الحديث لابن قتيبة ٢ : ١٨٢ ، الفائق للزمخشري ٢ : ١٣٢ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٢٢٠.


كما لم تقبل أُمّ المؤمنين عائشة نصائح كثير من الصحابة المخلصين ، روى الطبري في تاريخه أن جارية بن قدامة السعدي قال لها : يا أُمّ المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفّان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسّلاح ، إنّه قد كان لك من الله سترٌ وحرمة ، فهتكت سِتْرَكِ وأبحتِ حرمتك ، إنّه من يرى قتالك فإنّه يرى قتلك ، إن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلكِ ، وإن أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالنّاس(١) .

أُمّ المؤمنين هي القائدة

ذكر المؤرّخون بأنّها كانت هي القائدة العامة ، وهي التي تولّي وتعزل وتصدر الأوامر ، حتى إنّ طلحة والزبير اختلفا في إمامة الصلاة ، وأراد كلّ منهما أن يصلّي بالنّاس ، فتدخّلت عائشة وعزلتهما معاً ، وأمّرت عبد الله بن الزبير ابن أُختها أن يصلّي هو بالنّاس.

وهي التي كانتْ ترسل الرّسل بكتبها التي بعثتها في كثير من البلدان تستنصرهم على علي بن أبي طالب ، وتثير فيهم حميّة الجاهلية. حتّى عبّأتْ عشرين ألفاً أو أكثر من أوباش العرب وأهل الأطماع لقتال أمير المؤمنين والإطاحة به ، وأثارتها فتنة عمياء قُتل فيها خلق كثير باسم الدّفاع عن أُمّ المؤمنين ونصرتها.

ويقول المؤرّخون : إنّ أصحاب عائشة لمّا غدروا بعثمان بن حنيف والي البصرة ، وأسروه هو وسبعين من أصحابه الذين كانوا يحرسون بيت المال ،

____________

(١) تاريخ الطبري ٣ : ٤٨٢ ، البداية والنهاية لابن كثير ٧ : ٢٥٩ ، الإمامة والسياسة ١ : ٨٨.


جاؤوا بهم إلى عائشة فأمرتْ بقتلهم ، فذبحوهم كما يذبح الغنم ، وقيل : كانوا أربعمائة رجل يقال : إنّهم أوّل قوم من المسلمين ضربتْ أعناقهم صبراً(١) .

روى الشعبي ، عن مسلم بن أبي بكرة ، عن أبيه قال : لمّا قدم طلحة والزبير البصرة ، تقلّدتُ سيفي وأنا أُريد نصرهما ، فدخلتُ على عائشة فإذا هي تأمُرُ وتنهي وإذا الأمر أمرها ، فتذكّرت حديثاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنت سمعته يقول : « لن يفلح قوم تدبّر أمرهم امرأة » فانصرفت عنهم واعتزلتهم(٢) .

كما أخرج البخاري عن أبي بكرة قوله : لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل ، لمّا بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ فارساً ملّكوا ابنة كسرى قال : « لن يفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة »(٣) .

ومن المواقف المُضحكة والمبكية في آن واحد أنّ عائشة أُمّ المؤمنين تخرج من بيتها عاصية لله ولرسوله ، ثمّ تأمر الصّحابة بالاستقرار في بيوتهم ، إنّه حقّاً أمرٌ عجيب!!

فكيف وقع ذلك يا ترى؟

روى ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة وغيره من المؤرّخين : إنّ عائشة كَتبتْ ـ وهي في البصرة ـ إلى زيد بن صوحان العبدي رسالة تقول له فيها : من عائشة أُمّ المؤمنين بنت أبي بكر الصدّيق زوجة

____________

(١) راجع : أنساب الأشراف : ٢٢٧ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩ : ٣٢١.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٢٢٧.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ٩٧ كتاب الفتن ، سنن الترمذي ٣ : ٣٦ ، البداية والنهاية ٢ : ٢٦.


رسول الله ، إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان ، أمّا بعد فأقم في بيتك ، وخذّل الناس عن ابن أبي طالب ، وليبلغني عنك ما أحبّ ، إنّك أوثق أهلي عندي ، والسّلام.

فأجابها هذا الرجل الصالح بما يلي : من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر ، أمّا بعد; فإنّ الله أمركِ بأمر ، وأمرنَا بأمر ، أمركِ أن تقرّي في بيتكِ ، وأمرنا أن نجاهدَ ، وقد أتاني كتابك تأمريني أن أصنعَ خلاف ما أمرني الله به ، فأكون قد صنعتُ ما أمرك الله به ، وصنعتِ أنتِ ما به أمرني ، فأمْركِ عندي غير مطاع ، وكتابُك لا جواب له(١) .

وبهذا يتبيّن لنا بأنّ عائشة لم تكتفِ بقيادة جيش الجمل فقط ، وإنّما طمحتْ في إمرة المؤمنين كافّة في كلّ بقاع الأرض ، ولكلّ ذلك كانت هي التي تحكم طلحة والزبير اللذين كانا قد رشّحهما عمر للخلافة ، ولكلّ ذلك أباحتْ لنفسها أنْ تراسل رؤساء القبائل والولاة وتُطمِعُهم وتستنصِرُهم.

ولكلّ ذلك بلغتْ تلك المرتبة وتلك الشّهرة عند بني أُميّة ، فأصبحتْ هي المنظور إليها والمُهابة لديهم جميعاً ، والتي يُخشى سطوتها ومعارضتها ، فإذا كان الأبطال والمشاهير من الشجعان يتخاذلون ويهربون من الصفِّ إزاء علي ابن أبي طالب ولا يقفون أمامه ، فإنّها وقفتْ وألّبتْ واستصرختْ واستفزّت.

ومن أجل هذا حيّرتْ العقول ، وأدهشتْ المؤرّخين الذين عرفوا مواقفها في حرب الجمل الصغرى قبل قدوم الإمام علي ، وفي حرب الجمل الكبرى بعد مجي الإمام علي ودعوتها لكتاب الله ، فأبت وأصرّت على الحرب في

____________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٢٢٦ ، تاريخ الطبري ٣ : ٤٩٢.


عناد لا يمكنُ تفسيره إلاّ إذا عرفنا عمق وشدّة الغيرة والبغضاء التي تحملها أُمّ المؤمنين لأبنائها المخلصين لله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

تحذير النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عائشة وفتنتها

لقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدركُ عمق وخطورة المؤامرة التي تُدار حوله من جميع جوانبها ، ولا شكّ بأنّه عرف ما للنساء من تأثير وفتنة على الرّجال ، كما أدرك بأنّ كيدهن عظيم تكاد تزول منه الجبال.

وعرف بالخصوص بأنّ زوجته عائشة هي المؤهلة لذلك الدور الخطير ، لما تحمله في نفسها من غيرة وبغض لخليفته علي خاصة ، ولأهل بيته عامّة ، كيف وقد عاش بنفسه أدْواراً من مواقفها وعداوتها لهم ، فكان يغضب حيناً ، ويتغير وجهه أحياناً ، ويحاول اقناعهم في كلّ مرّة بأنّ حبيب علي هو حبيب الله ، والذي يبغض عليّاً هو منافق يبغضهُ الله.

ولكن هيهات لتلك الأحاديث أن تغوص في أعماق تلك النّفوس التي ما عرفتْ الحقّ حقّاً إلاّ لفائدتها ، وما عرفت الصّواب صواباً إلاّ إذا صدر عنها.

ولذلك وقف الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا عرف بأنّها هي الفتنةُ التي جعلها الله في هذه الأُمّة; ليبتليها بها كما ابتلى سائر الأُمم السّابقة ، قال تعالى :( ألم * أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (١) .

وقد حذّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُمّته منها في مرّات متعدّدة ، حتى قام في يوم من الأيام واتّجه إلى بيتها وقال : « ههنا الفتنة ، ههنا الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان » ، وقد أخرج البخاري في صحيحه في باب ما جاء في بيوت

____________

(١) العنكبوت : ١ ـ ٢.


أزواج النبي ، قال : عن نافع ، عن عبد الله ( رضي الله عنه ) ، قال : قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة فقال : « ههنا الفتنة ـ ثلاثاً ـ من حيث يطلع قرن الشيطان »(١) .

كما أخرج مسلم في صحيحه أيضاً عن عكرمة بن عمّار ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بيت عائشة ، فقال : « رأس الكفر من ههنا من حيث يطلعُ قرنُ الشيطان »(٢) .

ولا عبرة بالزّيادة التي أضافوها بقولهم : يعني المشرق ، فهي واضحة الوضع; ليخفّفوا بها عن أم المؤمنين ، ويبعدوا هذه التهمة عنها.

وقد جاء في « صحيح البخاري » أيضاً ، قال : لما سارَ طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة ، بعث علي عمّار بن ياسر وحسن بن علي ، فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر ، فكان الحسنُ بن علي فوق المنبر في أعلاه ، وقام عمّار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه ، فسمعتُ عمّاراً يقول : إن عائشة قد سارت إلى البصرة ، ووالله إنّها لزوجة نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الدنيا والآخرة ، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلَم إيّاه تطيعون أمْ هي(٣) .

الله أكبر ، فهذا الخبر يدلّ ـ أيضاً ـ أنّ طاعتها معصية لله ، وفي معصيتها هي والوقوف ضدّها طاعةً لله.

كما نلاحظ أيضاً في هذا الحديث أنّ الرواة من بني أُميّة أضافوا عبارة

____________

(١) صحيح البخاري ٤ : ٤٦ كتاب الخمس ، باب ما جاء في بيوت أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٤ : ٤٦.

(٢) صحيح مسلم ٨ : ١٨١ ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب الفتنة من المشرق.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ٩٧ كتاب الفتن.


« والآخرة » ، في : ( أنها لزوجة نبيّكم في الدنيا والآخرة ) ليموّهوا على العامّة بأنّ الله غفر لها كلّ ذنب اقترفتْهُ ، أدخلها جنّته ، وزوجها حبيبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلاّ من أين عَلِمَ عمَّار بأنّها زوجته في الآخرة؟

وهذه هي آخر الحيل التي تفطّن لها الوضّاعون من الروّاة في عهد بني أُميّة ، عندما يجدون حديثاً جرى على ألسنة النّاس فلا يمكنهم بعدُ نكرانه ولا تكذيبه ، فيعمدون إلى إضافة فقرة إليه أو كلمة أو تغيير بعض ألفاظه; ليخفّفوا من حدّته أو يُفْقدوه المعنى المخصوص له ، كما فعلوا ذلك بحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » الذي أضافوا إليه : وأبو بكر أساسها ، وعمر حيطانها ، وعثمان سقفها!!

وقد لا يخفى ذلك على الباحثين المنصفين ، فيبطلون تلك الزيادات التي تدلّ في أغلب الأحيان على سخافة عقول الوضّاعين ، وبُعدهم عن حكمة ونور الأحاديث النبويّة ، فيلاحظون أنّ القول بأنّ أبا بكر أساسها ، معناه أنّ علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّه من علم أبي بكر ، وهذا كفْرٌ. كما أنّ القول بأنّ عمر حيطانها ، فمعناه بأنّ عمر يمنع الناس من الدخول للمدينة ، أعني يمنعهم من الوصول للعلم ، والقول بأن عثمان سقفها ، فباطل بالضرورة; لأنه ليس هناك مدينة مسقوفة وهو مستحيل.

كما يلاحظون هنا بأنّ عمّاراً يقسم بالله على أنّ عائشة زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الدنيا والآخرة ، وهو رجم بالغيب ، فمن أين لعمّار أن يقسم على شيء يجهله؟ هل عنده آية من كتاب الله ، أم هو عهد عهده إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟


فيبقى الحديث الصحيح هو إنّ عائشة قد سارت إلى البصرة ، وإنّها لزوجة نبيّكم ، ولكنّ الله ابتلاكم بها ليعلم إيّاه تُطيعون أم هي.

والحمد لله ربّ العالمين على أن جعل لنا عقولا نُميّزُ بها الحقّ من الباطل ، وأوضح لنا السبيل ، ثمّ ابتلانا بأشياء عديدة لتكون علينا حجّةً يوم الحساب.

خاتمة البحث

والمهمّ في كلّ ما مرّ بنا من الأبحاث ـ وإن كانت مختصرة ـ أنّ عائشة بنت أبي بكر أُمّ المؤمنين وزوجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لم تكن معدودة من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، والذين عصمهم الله من كلّ الذّنوب ، وطَهّرهم من كلّ رجس ، فأصبحوا بعد ذلك معصومين.

ويكفي عائشة أنّها قضت آخر أيّام حياتها في بكاء ونحيب وحسرة وندامة ، تذكر أعمالها فتفيض عيناها ، ولعلّ الله سبحانه يغفر لها خطاياها ، فهو وحده المطّلع على أسرار عباده ، والذي يعلم صدق نواياها ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السّماء.

وليس لنا ولا لأيّ أحد من النّاس أن يَحكُم بالجنّة أو بالنّار على مخلوقاته ، فهذا تكلّفٌ وتطفّلٌ على الله ، قال تعالى :( لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) (١) .

____________

(١) البقرة : ٢٨٤.


وبهذا لا يمكن لنا أن نترضّى عليها ولا أن نلعنها ، ولكن لنا أن لا نقتدي بها ولا نُبارك أعمالها ، ونتحدّث بكلّ ذلك لتوضيح الحقيقة إلى النّاس ، عسى أن يهتدوا لطريق الحقّ.

قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : « لا تكونوا سبّابين ولا لعّانين ، ولكن قولوا : كان من فعلهم كذا وكذا لتكون أبلغ في الحجّة »(١) .

قول أهل الذكر بخصوص أهل البيتعليهم‌السلام

يقول الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو سيّد العترة :

« تا لله لقد عَلِمتُ تبليغ الرسالات ، وإتمام العدَاتِ ، وتمامَ الكلماتِ ، وعندنا أهلَ البيت أبوابُ الحِكَم وضياء الأمْرِ »(٢) .

« أين الذين زعموا أنهم الرّاسخون في العلم دوننا ، كذباً وبغياً علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطى الهُدى ، ويُستجلى العمى ، إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاّة من غيرهم »(٣) .

« نحنُ الشّعار والأصحابُ ، والخزنَة والأبوابُ ، لا تُؤْتَى البيوتُ إلاّ من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقاً » ، ثمّ يذكر أهل البيت فيقول : فيهم كرائمُ القرآن ، وهم كنوزِ الرحمن ، إن نطقوا صدقوا ، وإن صمتوا لم يُسبقُوا(٤) .

____________

(١) نهج البلاغة ٢ : ١٨٥ ، الخطبة : ٢٠٦ ، والمؤلّف نقله بالمضمون.

(٢) نهج البلاغة ١ : ٢٣٣ ، الخطبة : ١٢٠.

(٣) المصدر نفسه ٢ : ٢٧ ، الخطبة : ١٤٤.

(٤) المصدر نفسه ٢٢ : ٤٤ ، الخطبة : ١٥٤.


« هُم عَيشُ العِلْم ، وموتُ الجَهلِ ، يُخبرُكم حِلمهم عن علمهم وظاهرهم عن باطنهم ، وصَمتُهُم عن حِكَم منطقِهم ، لا يُخَالفونَ الحقُّ ولا يختلفونَ فيه ، هُمْ دعائمُ الإسلام ، وولائجُ الاعتصام ، بهم عَادَ الحقُّ في نِصابِهِ ، وانزاح الباطِلُ عن مُقامِهِ ، وانقطعَ لسانُه عن منبتهِ ، عَقلوا الدّينَ عقلَ وعاية ورعاية ، لا عقْلَ سمَاع ورواية ، فإنّ رواة العلم كثيرٌ ورُعاتُه قليلٌ »(١) .

« عِتْرتُه خيرُ العترْ ، وأُسرتُه خيرُ الأُسرْ ، وشجرتهُ خير الشّجر ، نبتت في حرم ، وبسقتْ في كرم ، لها فروع طوال ، وثمرة لا تُنال »(٢) .

« نحنُ شجرةُ النّبوة ، ومحطّ الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعادن العلم ، وينابيع الحكم ، ناصرنا ومُحبّنا ينتظر الرحمة ، وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السطوة »(٣) .

« نحن النجباء ، وأفراطنا أفراط الأنبياء ، وحزبنا حزب الله عزّ وجلّ ، والفئة الباغية حزب الشيطان ، ومن سوّى بيننا وبين عدوّنا فليس منّا »(٤) .

« فأين تذهبون وأنّى تؤفكون؟ والأعلام قائمةٌ ، والآياتُ واضحةٌ ، والمنارُ منصوبةٌ ، فأين يُتاهُ بكم ، بل كيف تعمهون وبينكم عترةُ نبيّكم ، وهم أزمّة الحقّ ، وأعلام الدّين ، وألْسنةُ الصّدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ، ورِدُوهم ورود الهيم العطاشِ.

____________

(١) المصدر نفسه ٢ : ٢٣٢ ، الخطبة : ٢٣٩.

(٢) المصدر نفسه ١ : ١٨٥ ، الخطبة : ٩٤.

(٣) المصدر نفسه ١ : ٢١٥ ، الخطبة : ١٠٩.

(٤) بشارة المصطفى : ٢٠٤ رقم ٢٨ ، البحار ٢٣ : ١٠٦ ، ينابيع المودة ، للحنفي ٢ : ٣٧٦ ، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٤٢ : ٤٥٩.


أيّها الناس خذوها من خاتم النبيينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه يموتُ من ماتَ منّا وليس بميّت ، ويبلى من بلي منّا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون ، واعذروا من لا حُجة لكم عليه ـ وأنا هو ـ ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر ، وأترك فيكم الثقل الأصغر ، وركزتُ فيكم راية الإيمان؟! »(١) .

« أنظروا أهل بيت نبيّكم فألزموا سمتهم ، وأتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى ، فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا »(٢) .

هذه أقوال الإمام عليعليه‌السلام بخصوص العترة الطاهرة الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.

ولو تتّبعنا أقوال الأئمة من بنيهعليهم‌السلام ، والذين خطوا في النّاس ، أمثال الإمام الحسن ، والإمام الحسين ، وزين العابدين وجعفر الصّادق ، والإمام الرضاعليهم‌السلام أجمعين ، لوجدناهم يقولون نفس الكلام ، ويرمون نفس المرمى ، ويرشدون الناس في كلّ عصر ومصر إلى كتاب الله وعترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لينقذوهم من الضّلالة ، ويدخلوهم في الهداية.

أضف إلى ذلك بأنّ التاريخ خير شاهد على عصمة أهل البيت ، فلم يسجّل لهم إلاّ العلم ، والتقوى ، والورع ، والزهد ، والجود ، والكرم ، والحلم ، والمغفرة ، وكلّ عمل يحبّه الله ورسولهُصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________

(١) نهج البلاغة ١ : ١٥٤ ، الخطبة : ٨٧.

(٢) المصدر نفسه ١ : ١٨٩ ، الخطبة : ٩٧.


كما أنّ التاريخ خير شاهد على أنّ الصالحين من هذه الأُمّة ، والزهّاد من رجال الصوفية ، ومشايخ الطرق ، وأئمة المذاهب ، والمصلحين من العلماء القُدامى ، والمعاصرين كلّ هؤلاء يُقرُّون بأفضليتهم ، وتقدّمهم علماً وعمَلا ، وأخصّهم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قربَى وشرفاً.

ولكلّ هذا فلا ينبغي لمسلم أن يخلط أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس ، وطهّرهم تطهيراً ، والذين أدخلهم الرسول معه تحت الكساء ، بنساء النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ألا ترى أنّ أئمة المحدّثين أمثال مسلم ، والبخاري ، والترمذي ، والإمام أحمد ، والنسائي ، وغيرهم عندما يخرجون أحاديث الفضائل في كتبهم وصحاحهم يفصلون فضائل أهل البيت عمّن سواهم من نساء النبىّ؟!

كما جاء في « صحيح مسلم » في باب فضائل علي بن أبي طالب قوله عن زيد بن أرقم : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « ألا وإنّي تاركٌ فيكم الثقلين : أحدهما كتابُ الله عزّ وجلّ هو حبلُ الله ، من اتّبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على ضلالة » ثمّ قال : « وأهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ».

فقلنا : من أهل بيته نساؤه؟ قال : « لا ، وأيمُ اللّهِ إنّ المرأة تكُونُ مع الرجُلِ العصْر من الدّهر ثمْ يطلّقها فترجِعُ إلى أبيها وقومِها ، أهل بيته أصْلُهُ وعَصَبَتُهُ الذينَ حُرِمُوا الصدقَةَ بعدَهَ »(١) .

كما جاءتْ شهادة البخاري ومسلم في أنّ عائشة من آل أبي بكر

____________

(١) صحيح مسلم ٧ : ١٢٣ ، باب فضائل علي بن أبي طالب.


وليستْ من آل النبي ، في حادثة نزول آية التيمّم(١) .

فلماذا هذا الإصرار من بعض المعاندين الذين يُحاولون بكلّ ثمن إحياء الفتنة ، وتقليب الحقائق التي لا شكّ فيها ، فيسبّون الشيعة لا لشيء إلاّ لأنّهم لا يعترفون لأُمّ المؤمنين بهذه الفضيلة؟! فلماذا لا يسبّون صحاحهم وعلماءهم الذين أخرجوا نساء النبي بأجمعهن من أهل البيت؟!

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) (٢) .

____________

(١) البخاري ١ : ٨٦ ، كتاب التيمّم ، باب التيمم. ومسلم ١ : ١٩١ ، كتاب التيمّم ، باب التيمّم.

(٢) الأحزاب : ٧٠ ـ ٧١.



الفصل الرابع

في ما يتعلّق بالصّحابة عامّة

إنّ كلّ الأحكام التشريعية والعقائد الإسلامية جاءتنا عن طريق الصحابة ، فليس هناك أحد يدّعي أنّه يعبدُ الله من خلال الكتاب والسنّة إلاّ وكان الصحابة هم الواسطة لإيصال هذين المصدرين الأساسيّين إلى كلّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

وبما أنّ الصّحابة اختلفوا بعد الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتفرّقوا ، وتسابّوا وتلاعنوا ، وتقاتلوا حتّى قتل بعضهم بعضاً(١) ، فلا يمكن والحال هذه أن نأخُذَ عنهم الأحكام بدون نقاش ولا نقد ولا تمحيص ولا اعتراض ، كما لا يمكن أن نحكم لهم أو عليهم بدون معرفة أحوالهم وقراءة تاريخهم ، وما فعلوه في حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد وفاته ، ونمحّص المُحقّ من المُبطل ، والمؤمن من الفاسق ، والمخلص من المنافق ، ونعرف المنقلبين من الشّاكرين.

وأهل السنّة عامّة ، وبكلّ أسف لا يسمحون بذلك ، ويمنعون بكلّ شدّة

____________

(١) بل تعدّى الأمر إلى أكثر من ذلك ولم يقف عنده ، فقد كفّر بعضهم البعض ، وهذا ما أقرّ به ابن تيمية الحراني إذ قال في مجموعة فتاويه الكبرى ٤ : ٢٦٧ : « وأمّا علي فأبغضه وسبّه أو كفّره الخوارج وكثير من بني أُمية وشيعتهم الّذين قاتلوه وسبّوه وأمّا شيعة علي الّذين شايعوه بعد التحكيم وشيعة معاوية التي شايعته بعد التحكيم فكان بينهما من التقابل وتلاعن بعضهم وتكافر بعضهم ما كان ».


نقد الصّحابة وتجريحهم ، ويترضّون عليهم جميعاً ، بل ويصلّون عليهم كما يصلّون على محمّد وآل محمّد ، ولا يستثنون منهم أحداً.

والسّؤال الذي يطرحُ على أهل السنّة والجماعة هو : هل في نقد الصّحابة وتجريحهم خروج عن الإسلام أو مخالفةً للكتاب والسنّة؟

وإجابةً على هذا السّؤال لا بدّ لي من استعراض أعمال وأقوال بعض الصحابة في حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد وفاته ، من خلال ما ذكره علماء أهل السنّة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم ، مقتصراً عليهم دون ذكر أيّ كتاب من كتب الشيعة; لأنّ هؤلاء موقفهم من بعض الصّحابة معروف ، ولا يتطلّب مزيداً من التوضيح.

وحتّى أرفع الالتباس لكي لا أترك للخصم حجّة يحتجّ بها عليَّ ، أقول : إنّه عندما نتكلّم في هذا الفصل عن الصّحابة فالمقصود هو البعض منهم وليس جميعهم ، وقد يكون هذا البعض أكثريّة أو أقلّية ، فهذا ما سنعرفه من خلال البحث إن شاء الله تعالى; لأنّ كثيراً من المشاغبين يتّهموننا بأنّنا ضدّ الصّحابة! وأنّنا نشتم الصّحابة ونسبّهم!! ليؤثّروا بذلك على السّامعين ، ويقطعوا بذلك الطريق على الباحثين.

في حين أنّنا نتنزّه عن سبّ الصّحابة وشتمهم ، بل ونترضّى على الصّحابة المخلصين الذين سمّاهم القرآن بـ ( الشاكرين ) ، ونتبرّأ من المنقلبين على الأعقاب الذين ارتدّوا على أدبارهم بعد النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتسبّبوا في ضلالة أغلب المسلمين ، وحتّى هؤلاء لا نسبّهم ولا نشتمهم ، وإنّما كلّ ما في الأمر أنّنا نكشف أفعالهم التي ذكرها المؤرّخون والمحدّثون ليتجلّى الحقّ


للباحثين ، وهذا ما لا يرتضيه إخواننا من أهل السنّة ، ويعتبرون ذلك سبّاً وشتماً.

وإذا كان القرآن الكريم ـ وهو كلام الله الذي لا يستحي من الحقّ ـ هو الذي فتح لنا هذا الباب ، وأعلمنا بأنّ من الصّحابة منافقين ، ومنهم الفاسقين ، ومنهم الظّالمين ، ومنهم المكذّبين ، ومنهم المشركين ، ومنهم المنقلبين ، ومنهم الذين يؤذون الله ورسوله.

وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، هو الذي فتح لنا هذا الباب ، وأعلمنا بأنّ من الصّحابة مرتدّين ، ومنهم المارقين ، والناكثين ، والقاسطين ، ومنهم من يدخل النّار ولا تنفعه الصُّحبة ، بل تكون عليه حجّة قد تضاعفُ عذابه يوم لا ينفع مال ولا بنون.

فكيف والحال هذه يشهد بها كتاب الله الحكيم ، وسنّة رسوله العظيم؟!! ومع ذلك يريد أهل السنّة منع المسلمين من التكلّم والنّقاش في الصّحابة; لئلاّ ينكشف الحقّ ، ويعرف المسلمون أولياء الله فيوالونهم ، كما يعرفون أعداء الله ورسوله فيعادونهم.

كنت يوماً في العاصمة التونسية داخل مسجد عظيم من مساجدها ، وبعد أداء فريضة الصّلاة جلس الإمامُ وسط حلقة من المصلّين ، وبدأ درسه بالتّنديد والتكفير لأولئك الذين يشتمون أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واسترسل في حديثه قائلا :

إيّاكم من الذين يتكلّمون في أعراض الصّحابة بدعوى البحث العلمي والوصول لمعرفة الحقّ ، فأُولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين ،


إنّهم يريدون تشكيك النّاس في دينهم ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا وصل بكم الحديث إلى أصحابي فامسكوا ، فوالله لو انفقتم مثل أحد ذهباً لما بلغتم معشار معشار أحدهم ».

وقاطعه أحدُ المستبصرين كان يصحبني قائلا : هذا الحديث غير صحيح ، وهو مكذوب على رسول الله!

وثارت ثائرة الإمام وبعض الحاضرين ، والتفتوا إلينا منكرين مشمئزّين ، فتداركتُ الموقف متلطّفاً مع الإمام وقلت له : يا سيّدي الشيخ الجليل ، ما هو ذنب المسلم الذي يقرأ في القرآن قوله :( وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) (١) ؟

وما هو ذنب المسلم الذي يقرأ في « صحيح البخاري » ، وفي « صحيح مسلم » قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : « سيؤخذ بكم يوم القيامة إلى ذات الشمال ، فأقول : إلى أين؟ فيقالُ : إلى النّار والله ، فأقول : يا ربّ هؤلاء أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما احدثوا من بعدك ، إنّهم لا يزالوا مرتدّين منذُ فارقتهم ، فأقولُ : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي ، ولا أرى يخلصُ منهم إلاّ مثل همل النّعم »(٢) .

وكان الجميع يستمعون إلىَّ في صمت رهيب ، وسألني بعضُهم إن كنت

____________

(١) آل عمران : ١٤٤.

(٢) صحيح البخاري ٧ : ٢٠٩ ، كتاب الرقاف ، باب الحوض ، وكتاب الفتن ، صحيح مسلم ٧ : ٦٦ ، كتاب الفضائل ، باب إثبات حوض نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


واثقاً من وجود هذا الحديث في « صحيح البخاري »؟ وأجبتهم : نعم كوثوقي بأن الله واحد لا شريك له ، ومحمّد عبده ورسوله.

ولمّا عرف الإمام تأثيري في الحاضرين من خلال حفظي للأحاديث التي رويتها ، قال في هدوء : نحن قرأنا على مشايخنا رحمهم الله تعالى بأنّ الفتنة نائمة ، فلعن الله من أيقظها.

فقلت : يا سيّدي الفتنة عمرها ما نامتْ ، ولكنّا نحنُ النّائمون ، والذي يستيقظ منّا ويفتح عينيه ليعرف الحقّ تتهمونه بأنّه أيقظ الفتنة!! وعلى كلّ حال فإنّ المسلمين مطالبون باتّباع كتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا بما يقوله مشايخنا الذين يترضّون على معاوية ويزيد وابن العاص.

وقاطعني الإمام قائـلا : وهل أنتَ لا تترضّى عن سـيّدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه ، كاتب الوحي؟

قلت : هذا موضوع يطول شرحه ، وإذا أردتَ معرفة رأيي في ذلك ، فأنا أهديك كتابي « ثم اهتديت » لعلّه يوقظك من نومك ، ويفتحُ عينيك على بعض الحقائق.

وتقبّل الإمام كلامي وهديّتي بشيء من التردّد ، ولكنّه وبعد شهر واحد كتب إلىَّ رسالة لطيفة يحمد الله فيها أن هداه إلى صراطه المستقيم ، وأظهر ولاءً وتعلّقاً بأهل البيتعليهم‌السلام ، وطلبتُ منه نشر رسالته في الطبعة الثالثة لما فيها من معاني الودّ وصفاء الروح التي متى ما عرفتْ الحقّ تعلّقتْ به ، وهي تعبّر عن حقيقة أكثر أهل السنّة الذين يميلون إلى الحقّ بمجرّد رفع السّتار.

ولكنّه طلب منّي كتم رسالته وعدم نشرها; لأنه لا بدّ له من الوقت


الكافي حتّى يُقنع المجموعة التي تصلّي خلفه ، وهو يحبّذ أن تكون دعوته سلمية بدون هرج ومرج حسب تعبيره.

ونعود إلى موضوع الكلام في الصّحابة ، لنكشف عن الحقيقة المُرّة التي سجّلها القرآن الحكيم ، والسنّة النبوية الشريفة.

ولنبدأ بكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو الحكم العدل ، وهو القول الفصل ، قال تعالى في بعض الصّحابة :

( وَمِنْ أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَاب عَظِيم ) (١) .

( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ) (٢) .

( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (٣) .

( الأعْرَابُ أشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (٤) .

( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللّهُ

____________

(١) التوبة : ١٠١.

(٢) التوبة : ٧٤.

(٣) التوبة : ٧٥ ـ ٧٧.

(٤) التوبة : ٩٧.


مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (١) .

( إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) (٢) .

( ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا اُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا اُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيداً * وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أنزَلَ اللّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إنْ أرَدْنَا إلا إحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ) (٣) .

( إنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللّهَ إلا قَلِيلا ) (٤) .

( وَإذَا رَأيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسَامُهُمْ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أنَّى يُؤْفَكُونَ ) (٥) .

( قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا وَلا يَأتُونَ البَأسَ إلا قَلِيلا * أشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ كَالَّذِي

____________

(١)البقرة : ٨ ـ ١٠.

(٢) المنافقون : ١ ـ ٣.

(٣) النساء : ٦٠ ـ ٦٢.

(٤) النساء : ١٤٢.

(٥) المنافقون : ٤.


يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِألْسِنَة حِدَاد أشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ اُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللّهُ أعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ) (١) .

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتَّى إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً اُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أهْوَاءَهُمْ ) (٢) .

( أمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللّهُ أضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لاَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أعْمَالَكُمْ ) (٣) .

( سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أمْوَالُنَا وَأهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) (٤) .

فهذه الآيات البيّنات من كتاب الله المجيد ، وما بيّنته من نفاق البعض منهم الذين اندسّوا في صفوف الصّحابة المخلصين ، حتّى غابت حقيقتهم عن صاحب الرسالة نفسه لولا وحي الله.

ولكن لنا دائماً من أهل السنّة اعتراضٌ على هذا ، فهم يقولون : ما لنَا والمنافقين لعنهم الله ، والصحابة ليسوا من هؤلاء! أو إنّ هؤلاء المنافقين ليسوا من الصحابة!! وإذا ما سألتهم مَنْ هؤلاء المنافقين الذين نزلت فيهم أكثر من مائة وخمسين آية في سورتي التوبة والمنافقون وغيرهما؟ فسيجيبون : هو عبد الله بن أُبي ، بن أبي سلّول والجد بن القيس ، وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسماً آخر!

____________

(١) الأحزاب : ١٨ ـ ١٩.

(٢) محمّد : ١٦.

(٣) محمّد : ٢٩ ـ ٣٠.

(٤) الفتح : ١١.


سبحانه الله! فإذا كان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو نفسه لا يعرف الكثير منهم ، فكيف يُحصر النّفاق بابن أُبي والجد بن القيس المعلومين لدى عامّة المسلمين؟

وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علم ببعضهم ، وعلّم أسماءهم إلى حُذيفة بن اليمان ـ كما تقولون ـ وأمره بكتمان أمرهم حتّى إنّ عمر بن الخطّاب أيام خلافته كان يسأل حذيفة عن نفسه ، هل هو من أهل النّفاق؟ وهل أخبر النّبي باسمه؟ كما تروون ذلك في كتبكم(١) .

وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أعطى للمنافقين علامةً يُعرفونَ بها ، وهي

____________

(١) إحياء علوم الدين للغزالي ١ : ١١٤ كتاب العلم ، ويشهد له ـ أيضاً ـ أنّ أُم سلمة رضوان الله عليها كانت تحدّث بحديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إنّ من أصحابي من لا يراني بعد موتي أن أفارقه » ، فلمّا سمع عمر بالحديث انطلق لاُمّ سلمة قائلاً : بالله منهم أنا ، فقالت : لا ، ولا أُبرئ أحداً بعدك.

مجمع الزوائد ٩ : ٧٢ وصحّح سنده ، مسند أحمد ٦ : ٢٩٠.

قال العلاّمة المقبلي في معرض كلامه عن الصحابة والأفعال السيئة التي صدرت من بعضهم : « إنّها أغلبية لا عامة وإنّه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو ، بل والهوي! ويؤيّدون رأيهم بأنّ الصحابة إن هم إلاّ بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، وممّا يرجع إلى الطبيعة البشرية ويعززون حكمهم بمن كان منهم في عهده ـ صلوات الله عليه ـ من المنافقين والكاذبين ، وبأنّ كثيراً منهم قد ارتدوا عن دينهم بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.

بله ما وقع منهم من الحروب والفتن التي أهلكت الحرث والنسل ولا تزال آثارها ، ولن تزال إلى اليوم وما بعد اليوم ، وكأن رسول الله ـ صلوات الله عليه ـ قد رأى بعيني بصيرته النافذة ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فقال في حجة الوداع : « لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » العلم الشامخ : ٩٢.


بغض علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، كماتروون ذلك في صحاحكم(١) ، فما أكثر هؤلاء من الصحابة الذين تترضّونَ عنهم وتضعونهم في القمّة ، وقد وصل بهم البغض لعلي أن حاربوه وقتلوه ، ولعنوه حيّاً وميّتاً هو وأهل بيته ومُحبّيه ، وكلّ هؤلاء من خيار الصّحابة عندكم.

واقتضت حكمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يُعلّم حذيفة أسماءهم تارةً ، ويُعطي للمسلمين علامتُهم تارة أُخرى ، ليُقيم على النّاسِ الحجّة ، فلا يقولوا بعدهَا : إنّا كنّا عن هذا غافلين.

ولا عبرة بما يقوله أهل السنّة اليوم : نحن نحبّ الإمام علي رضي الله عنه وكرّم الله وجهه ، فنقول لهم : إنّه لا يجتمع في قلب مؤمن حبّ ولي الله وحبّ عدوّه! وقد قال الإمامُ علي نفسه : « ليس منّا من سوّى بيننا وبين أعدائنا »(٢) .

ثمّ إنّ القرآن الكريم عندما تكلّم عن الصحابة ، تكلّم عنهم بعدّة أوصاف وعلاَمات ثابتة ، وإذا استثنينا منهم الصحابة المخلصين الشاكرين ، فإن البقيّة الباقية منهم وصفهم الذكر الحكيم بأنّهم : فاسقون ، أو خائنون ، أو متخاذلون ، أو ناكثون ، أو منقلبون ، أو شاكّون في الله وفي رسوله ، أو فارّون من الزحف ، أو معاندون للحقّ ، أو عاصون أوامر الله ورسوله ، أو مثبّطون غيرهم عن

____________

(١) صحيح مسلم ١ : ٦١ ، فضائل الصحابة ، باب مناقب علي بن أبي طالب ، مسند أحمد ١ : ٩٥ وصرّح محقق الكتاب العلاّمة أحمد شاكر بصحته ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٦ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٣٧ ح ٨٤٨٧ ، مسند أبي يعلى ١ : ٢٥١ وقد مرّ تخريجه سابقاً.

(٢) بشارة المصطفى : ٢٠٤ ح ٢٨ ، البحار ٢٣ : ١٠٦.


الجهاد ، أو منفضّون إلى اللّهو والتجارة وتاركون الصّلاة ، أو قائلون ما لا يفعلون ، أو ممنّون على رسول الله إسلامهم ، أو قاسية قلوبهم فلم تخشع لذكر الله وما نزل من الحقّ ، أوْ رافعون أصواتهم فوق صوت النبي ، أو مؤذون لرسول الله ، أو سمّاعون للمنافقين!!

ولنكتف بهذا القدر اليسير; لأنّ هناك آيات كثيرة لم نذكرها روماً للاختصار ، ولكن لتعميم الفائدة لابدّ من ذكر بعض الآيات التي جاءت في ذمّ الصّحابة الذين اتصفوا بتلك الصّفات ، ولكنّهم بفضل السّياسة أصبحوا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبعد انقطاع الوحي كلّهم عدول أبصعين أجمعين ، ولا يمكن لأحد من المسلمين أن يتكلّم في حقّهم بشيء من النقد والتجريح!!

القرآن الكريم يكشف حقائق بعض الصحابة

وحتّى لا يتوهّم معاندٌ في آيات المنافقين ، ويحاول فصْلَهم عن الصّحابة ، كما يقول بذلك أهل السنّة ، فقد تعمّدنا سرد الآيات التي تخصّ المؤمنين.

فقد جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى :

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ * إلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماًوَيَسْتَبْدِلْ قَوْماًغَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) (١) .

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّة عَلَى المُؤْمِنِينَ أعِزَّة عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلا يَخَافُونَ

____________

(١) التوبة : ٣٨ ـ ٣٩.


لَوْمَةَ لائِم ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أمَانَاتِكُمْ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أنَّمَا أمْوَالُكُمْ وَأوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأنَّ اللّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ) (٣) .

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيداً * وَإذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُوراً ) (٤) .

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) (٥) .

( ألَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ) (٦) .

( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلْ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ

____________

(١) المائدة : ٥٤.

(٢) الأنفال : ٢٧ ـ ٢٨.

(٣) الأنفال : ٢٤ ـ ٢٥.

(٤) الأحزاب : ٩ ـ ١٢.

(٥) الصف : ٢ ـ ٣.

(٦) الحديد : ١٦.


هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (١) .

( قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأتِيَ اللّهُ بِأمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ ) (٢) .

( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (٣) .

( إنَّمَا يَسْتَأذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) (٤) .

( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالا وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (٥) .

( فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أنْ يُجَاهِدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) (٦) .

( ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أسْخَطَ اللّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأحْبَطَ أعْمَالَهُمْ * أمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللّهُ أضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لاَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ

____________

(١) الحجرات : ١٧.

(٢) التوبة : ٢٤.

(٣) الحجرات : ١٤.

(٤) التوبة : ٤٥.

(٥) التوبة : ٤٧.

(٦) التوبة : ٨١.


بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أعْمَالَكُمْ ) (١) .

( وَإنَّ فَرِيقاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) (٢) .

( هَا أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللّهُ الغَنِيُّ وَأنْتُمُ الفُقَرَاءُ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثَالَكُمْ ) (٣) .

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإنْ اُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) (٤) .

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتَّى إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً اُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أهْوَاءَهُمْ ) (٥) .

( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ اُذُنٌ قُلْ اُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ ) (٦) .

إنّ هذا القدر من الآيات البيّنات كاف لإقناع الباحثين بأنّ الصّحابة ينقسمون إلى قسمين اثنين :

١ ـ قسمٌ آمن بالله وبرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأسلم أمره وقيادته لهما ، فأطاع الله

____________

(١) محمّد : ٣٠.

(٢) الأنفال : ٦.

(٣) محمّد : ٣٨.

(٤) التوبة : ٥٨.

(٥) محمّد : ١٦.

(٦) التوبة : ٦١.


ورسولَهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتفاني في حبّهما ، وضحّى في سبيلها ، وكان من الفائزين ، وهؤلاء يمثّلون الأقلية وقد سمّاهم القرآن :( الشَّاكِرِينَ ) .

٢ ـ قسمٌ آمن بالله وبرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ظاهرياً ولكنّ قلبه فيه مرض ، فلم يسلم أمره إلاّ لمصلحته الشخصيّة ومنافعه الدنيوية ، فهو يعارض الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أحكامه وأوامره ، ويقدّم بين يدي الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان من الخاسرين ، وهؤلاء يمثّلون الأكثرية ، وقد عبّر عنهم القرآن بأوجز تعبير ، إذ يقول عزّ وجل :( لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالحَقِّ وَلَكِنَّ أكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (١) .

فالباحث يكتشفُ أنّ هؤلاء ( الأكثرية ) كانوا في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يعيشون معه ، ويصلّون خلفه ، ويصحبونه في حلّه وترحاله ، ويتقرّبون إليه بكلّ وسيلة لئلاّ ينكشف أمرهم للمؤمنين المخلصين ، ويحاولون جهدهم أن يظهروا بمظهر يغبطهم عليه المؤمنون; لكثرة تعبّدهم وورعهم في أعين الناس(٢) .

فإذا كان هذا حالهم في حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف أصبحوا بعد وفاته؟ لا شكّ بأنّهم نشطوا وتكاثَروا ، وازداد تستّرهم وتمثيلهم ، فلم يعد هناك نبىٌّ يعرفهم ، ولا وحىٌ يفضحُهم ، وخصوصاً وقد ظهرت بموتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوادر

____________

(١) الزخرف : ٧٨.

(٢) أخرج أبو يعلى في مسنده ١ : ٩٠ ، وابن حجر في إصابته ٢ : ٣٤١ في ترجمة ذي الثدية عن أنس بن مالك ، قال : كان في عهد رسول الله رجلٌ يعجبنا تعبّده واجتهاده ، وقد ذكرنا ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باسمه فلم يعرفه ، فوصفناه بصفته فلم يعرفه ، فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجلُ ، قلنا : هو ذا! قال رسول الله : إنكم تخبروني عن رجل إنّ في وجهه لسعفةٌ من الشيطان ، إنّ هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدّين كما يمرق السهم من الرميّة ، أقتلُوهم فهم شرّ البريّة. ( المؤلف ).


الشقاق والافتراق من أهل المدينة الذين مردوا على النفاق ، وكذلك ارتداد العرب في شبه الجزيرة الذين هم أشـدّ كفـراً ونفاقاً ، ومنهم من ادّعى النبوّة كمسيلمة الكذاب ، وطليحة ، وسجاح بنت الحرث وأتباعهم ، وكلّ هؤلاء كانوا من الصّحابة(١) .

____________

(١) طليحة بن خويلد ، اتفق المترجمون للصحابة على أنّه صحابي أسلم سنة تسع للهجرة ، ثمّ ارتد ، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١ : ٣١٦ : « طليحة بن خويلد ابن نوفل الأسدي البطل الكرار صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسلم سنة تسع ثمّ ارتد وظلم نفسه ، وتنبأ بنجد ، وتمت له حروب مع المسلمين ثمّ انهزم وخذل ولحق بآل جفنة الغسانيين بالشام ثمّ ارعوى وأسلم وأحرم بالحج فلمّا رآه عمر قال : يا طليحة لا أحبك بعد قتلك عكاشة بن محض وثابت بن أقرم » ، وراجع أيضاً أُسد الغابة ٣ : ٩٥ ، العبر ١ : ٢٦ ، الإصابة ٥ : ٢٤٣ وغيرها.

فهذا صحابي ارتدّ بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنبأ ، وقتل الصحابة منهم عكاشة وثابت ، حتى إن عمر بن الخطاب يكره رؤيته لفعله الشنيع ، وعلى ذلك هناك سؤالان لصاحب كتاب « كشف الجاني » وغيره وهما :

(١) إنّكم تدّعون بأنّه لم يرتدّ صحابي بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عقيب ذكركم لحديث الحوض ، فهل هذا الشخص من الصحابة أم أنّه لم يرتد؟!

(٢) تقولون بأنّ الصحابة عدول وقد رضي الله عنهم جميعاً ، ثمّ تقولون : بأنّ رضى الله لا يتعقبه سخط ، فلا يمكن أن يرضى الله عن الصحابة ـ مثلا ـ ثمّ يغضب عليهم ، فهنا نسأل : هل هذا الصحابي ـ وهو طليحة ـ حينما ارتدّ وتنبأ وقتل بعض الصحابة ، هل أنّ الله كان راضياً عنه لأنّه صحابي ، أم أنّه كان غاضباً عليه لأفعاله الشنيعة؟!

وأمّا سجاح بنت الحارث ، فقد عدّها ابن حجر في الإصابة ٨ : ١٩٨ من الصحابة ، وهي أيضاً ارتدّت وتنبأت. وبهذا يبطل كلام صاحب « كشف الجاني » : ١٣٣ في نفيه لصحبتها وتكذيب المؤلّف ، دفعاً للحجة باللغو والكلام بغير علم ، وتقليداً


وإذا تركنا كلّ هؤلاء ، واعتمدنا فقط على سكّان المدينة من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّا نجزم بأنّ هؤلاء ـ أيضاً ـ ظهرتْ فيهم حسيكة النّفاق ، وحتّى المؤمنين منهم أغلبهم انقلب على عقبيه من أجل الخلافة.

وقد عرفنا فيما سبق من أبحاث أنّهم تآمروا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى وصيّه ، وعصوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أوامره التي أمرهم بها وهو على فراش الموت.

وهذه الحقيقة لا مفرَّ منها للباحثين عن الحقّ; إذ يصطدمون بها عند قراءة كتب التاريخ والسيرة النبويّة ، وقد سجّلها كتاب الله سبحانه بأجلى العبارة ، وأحكم الآيات بقوله تعالى :

( وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) (١) .

فالشّاكرون هم الأقلية من الصحابة الذين لم ينقلبوا ، وثبتوا على العهد الذي أبرموه مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يبدّلوا تبديلا.

وبهذه الآية الكريمة ومدلولها المحكم تسقطُ دعوى أهل السنّة : بأنّ الصحابة لا علاقة لهم بالمنافقين!!

ولو سلّمنا لهم جدَلا بذلك ، فإنّ هذه الآية الكريمة خاطبت الصحابة

____________

لمنهج ابن تيمية الذي ينكر الوقائع الصحيحة الثابتة نصرة لبني أُمية وأعداء آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ويوجّه السؤالين السابقين هنا ـ أيضاً ـ إلى عثمان الخميس وغيره لمعرفة موقفهم من هذين الصحابيين؟!.

(١) آل عمران : ١٤٤.


المخلصين الذين لم يكونوا منافقين في حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما انقلبوا على أعقابهم بعد وفاته مباشرة.

وسوف يتّضح أمر هؤلاء إذا ما بحثنا أحوالهم في حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد وفاته ، وما قاله فيهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وطفحتْ به كتب الحديث والسيرة والتاريخ.

السنّة النّبوية تكشف حقائق بعض الصحابة

وحتّى لا يتوهّم معاندٌ في الأحاديث النبويّة التي تناولت الصّحابة ، ويحاول الطعن فيها أو تضعيفها ، فقد اعتمدنا فقط أحاديث البخاري ، والذي هو أصحّ الكتب عند أهل السنّة ، ورغم أنّ البخاري كتم الكثير من هذه الأحاديث حفاظاً على كرامة الصحابة ، كما هو معروف عنه ، ولأنّ غيره من صحاح أهل السنّة أخرج أضعافها وبعبارات أكثر وضوحاً ، إلاّ أننا نكتفي بهذا الموجز الذي أخرجه البخاري لتكون حجّتنا أبلغ.

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الأوّل في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر من كتاب الإيمان :

قال إبراهيم التيمىُّ : ما عرضت قولي على عملي إلاّ خشيتُ أن أكون مكذّباً ، وقال ابن أبي مليكة : أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّهم يخاف النّفاقَ على نفسه ، ما منهم أحدٌ يقول : إنّه على إيمان جبريل وميكاييل ( صحيح البخاري : ١ : ١٧ ).

وإذا كان ابن أبي مليكة أدرك ثلاثين من أصحاب النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّهم يخاف النفاق على نفسه ، ولا يدّعي الإيمان الصحيح لنفسه ، فما بالُ أهل


السنّة يرفعونهم إلى منزلة الأنبياء ، ولا يقبلون النقد في أيّ واحد منهم؟!

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرابع في باب الجاسوس والتجسّس من كتاب الجهاد والسير :

أنّ حاطب بن أبي بلتعة ، وهو من صحابة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعث إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد جيء بكتابه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما هذا يا حاطب؟ فاعتذر للنبىّ بأنّه يريد حماية قرابته في مكّة ، وصدّقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عمرُ : يا رسول الله دعني أضربُ عُنقَ هذا المنافق! قالَ : إنّه شهد بدْراً ، وما يدريك لعلّ الله أن يكن قد اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم ( صحيح البخاري : ٤ : ١٩ ).

وإذا كان حاطب ، وهو من الرّعيل الأوّل من الصحابة الذين شهدوا بدراً يبعث بأسرار النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أعدائه من مشركي مكّة ، ويخون الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعذر حماية قرابته ، ويشهد عمر بن الخطّاب نفسه على نفاقه ، فكيف بالصحابة الذين أسلموا بعد الفتح أو بعد خيبر أو بعد حنين؟! وكيف بالطلقاء الذين استسلموا ولم يسلموا؟!

أمّا ما جاء في الفقرة الأخيرة من القول المنسوب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ الله قال لأهل بدر : « اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم ». فنترك التعليق عليه للقارئ اللّبيب.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه السادس في باب قوله :( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ


الْفاسِقِينَ) من كتاب فضائل القرآن سورة المنافقين :

أنّ رجلا من المهاجرين كسح رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاريُّ : يا للأنصار ، وقال المهاجرىُّ : يا للمهاجرين ، فسمع ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : « ما بال دعوى أهل الجاهلية »؟ قالوا : يا رسول الله كسح رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال : « دعوها فإنّها مُنِتنةٌ » ، فسمع بذلك عبد الله بن أُبي فقال : فعلوها! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزُّ منها الأذلّ ، فبلغ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنقَ هذا المنافق! فقال النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « دعْهُ لا يتحدّث النّاس أنّ محمّداً يقتُلُ أصحابَهُ ». ( صحيح البخاري : ٦ : ٦٥ ).

وهذا الحديث صريح في أنّ المنافقين كانوا من الصّحابة ، فقد أقرّ رسول الله قول عمر بأنّه منافق ، ولكن منعه من قتله حتّى لا يُقال بأنّ محمّداً يقتل أصحابَه ، ولعلّ الرّسول كان يعلم بأنّ أكثر أصحابه منافقون ، وإذا ما قتل كلّ المنافقين لم يبق من أصحابه عددٌ كثير ، فأين أهل السنّة من هذه الحقيقة المؤلمة التي تدحض مزاعمهم.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب حديث الإفك من كتاب الشهادات :

أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « من يعذرني من رجل بلغني أذاهُ في أهلي »؟ فقام سعدُ بن معاذ فقال : يا رسول الله أنا والله أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربنا عُنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ، فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحاً ولكن


احتملته الحميّة ، فقال : كذَبتَ لعمر الله لا تقتلنّه ولا تقدر على ذلك ، فقام أسيد بن الحضير فقال : كذَبتَ لعمر الله ، والله لنقتلنّه فإنّك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين ، فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر ، فلم يزل يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت ( صحيح البخاري ٣ : ١٥٦ وكذلك ٦ : ٨ ).

وإذا كان سعد بن عبادة سيّد الأنصار يتّهم بالنّفاق بعدما كان رَجُلا صالحاً كما تشهد بذلك الرّواية ، ويقال عنه « منافق » بحضرة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يدافع عنه ، وإذا كان الأنصار الذين امتدحهم الله في كتابه يثورون جميعاً بأوسهم وخزرجهم ، ويهمّوا بالاقتتال من أجل منافق آذى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أهله ، فيدافعون عنه ويرفعون أصواتهم بحضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يستغربُ النفاقُ من غيرهم الذين كرّسوا حياتهم في محاربة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعوته ، أو من الذين همّوا بحرق دار ابنته بعد وفاته من أجل الخلافة؟!!

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثامن من كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى :( تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ ) (١) .

أنّ علي بن أبي طالب بعث وهو باليمن إلى النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقطع من الذهب ، فقسّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بعض النّاس ، فتغضّبت قريش والأنصار ، فقالوا : يُعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا؟ قال النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّما أتألّفهم » ، فأقبل رجلٌ فقال : يا محمّد اتّق الله! فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فمن يطع الله إذا عَصَيْتُهُ؟ فيأمنّي على أهل الأرض ولا تأمنوني »؟

____________

(١) المعارج : ٤.


فسأل خالد بن الوليد قتله ، فمنعه النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذلك ، فلمّا ولَّى قال النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ من ضئضئي هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرُقونَ من الإسلام مروقَ السّهم من الرميّة ، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ، لئن أدركتهم لأقتلنّهُم قتل عاد ». ( صحيح البخاري ٨ : ١٧٨ ).

وهذا منافقٌ آخر من الصحابة يتّهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحيف في القسمة ، ويواجه النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير أدب بقوله : « يا محمّد اتّق الله »!! ورغم معرفة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنفاقه ، وأنّه يخرج من ضئضئه قومٌ يمرقُون من الإسلام مروق السّهم من الرميّة ، فيقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ، ورغم ذلك كلّه منع النبىُّ خالد من قتلهِ.

وفي هذا جواب لأهل السنّة الذين كانوا كثيراً ما يحتجّون علىَّ بقولهم : لو كان رسول الله يعلم أنّ من أصحابه منافقين سيكُونون سبباً في ضلالة المسلمين ، لوجب عليه قتلهم لحماية أُمّته وحماية دينه!!

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب إذا أشار الإمامُ بالصلح من كتاب الصلح :

أنّ الزبير كان يحدّثُ أنّه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدْراً إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شراج من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للزبير : اسقِ يا زبير ، ثمّ أرسل إلى جارك ، فغضب الأنصارىُّ فقال : يا رسول الله إن كان ابن عمّتك؟ فتلوَّنَ وجهُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ثمّ قال : « اسق ثمّ أحبس حتّى يبلغ الجدرَ » ( صحيح البخاري ٣ : ١٧١ ).

وهذا نمطٌ آخر من الصحابة المنافقين الذين يعتقدون بأنّ رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تأخذه العاطفة فيميل مع ابن عمّته ، ويقولها بكلّ وقاحة حتى يتغيّر وجه رسول الله ويتلوّن من شدّة الغضب.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرّابع في باب ما كان النبىّ يعطي المؤلّفة قلوبهم من كتاب الجهاد والسير : عن عبد الله قال : لمّا كان يوم حنين آثر النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُناساً في القسمةِ ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عيينة مثل ذلك ، وأعطى أناساً من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة ، فقال رجُلٌ : والله إنّ هذه القسمة ما عُدلَ فيها وما أُريدَ بها وجهُ اللّهِ ، فقلتُ : واللّهِ لأخُبرنَّ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأتيتُه فأخْبرتُه ، فقال : « فمن يعدِلُ إذا لم يعدل اللّهُ ورسولُهُ؟ رحم اللّهُ موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر » ( صحيح البخاري ٤ : ٦١ ).

وهذا منافقٌ آخر من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولعلّه من عظماء قريش ، ولذلك تحاشى الراوي ذكر اسمه خوفاً من الجهاز الحاكم في ذلك الوقت ، وترى هذا المنافق يعتقد جزماً ويُقسم على ذلك بأنّ محمّداً ما كان عادلا ولا أراد بقسمته وجه الله ، ورحم الله محمّداً فقد أوذىَ بأكثر من هذا فصبر.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرّابع في باب علامات النبوّة في الإسلام من كتاب بدء الخلق :

إنّ أبا سعيد الخدري ( رضي الله عنه ) قال : بينما نحن عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقسمُ قسماً ، إذ أتاهُ ذو الخويصرة وهو رجلٌ من بني تميم ، فقال : يا رسول الله أعدلْ! فقال : « ويلَك ومن يعدلْ إذا لم أعدل ، قد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل » ، فقال عمر : يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عُنقَهُ ، فقال : « دعْهُ فإنَّ


له أصحاباً يحقِرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم ، وصيامهُ مع صيامهم ، يقرأون القرآن لا يجاوزُ تراقيهم ، يمرقُون من الدّين كما يمرُقُ السّهم من الرميّة » ( صحيح البخاري ٤ : ١٧٩ ).

وهذا نمط آخر من الصحابة المنافقين الذين كانوا يظهرون أمام النّاس بمزيد من التقوى والخشوع ، حتّى إنّ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمر : إنّ أحدكم يحقر صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم ، ولا شكّ أنّهم كانوا يحفظون القرآن حفظاً متراكماً ولكن لا يتجاوز حناجرهم ، وقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « دعْهُ فإنّ له أصحاباً » يدلّ على وجود المنافقين بأعداد كبيرة ضمن الصّحابة.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه السابع في باب من لم يواجه الناس بالعتاب من كتاب الأدب :

قالت عائشة : صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً فرخّص فيه فتنزّه عنه قومٌ ، فبلغ ذلك النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فخطب فحمد الله ثمّ قال : « ما بال أقوام يتنزّهون عن الشي أصنعه ، فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشيةً ». ( صحيح البخاري ٧ : ٩٦ ).

وهذا نوع آخر من الصحابة الذين يتنزّهون عن سنّة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا شكّ أنّهم كانوا يسخرون من أفعاله ، ولذلك نراهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب فيهم ، ويقسم بالله أنّه لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب الاشتراك في الهدي والبدن من كتاب المظالم :

عن ابن عباس قال : قدم النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صُبح رابعة من ذي الحجّة مهلّين


بالحجّ لا يُخلطُهم شيٌ ، فلمّا قدمنا أمرنا فجعلناها عُمرة وأنّ نحلَّ إلى نسائنا ، ففشتْ في ذلك القَالَةُ ، قالَ عطاء : قال جابر : فيروحُ أحدُنا إلى منى وذكَرُهُ يقطُرُ منيّاً ، فقال جابر بكَفِّهِ ، فبلغ ذلك النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقام خطيباً فقال : « بلغني أنّ أقواماً يقولون كذا وكذا ، والله لأنّا أبرُّ وأتقَى للّهِ منهم » ( صحيح البخاري ٣ : ١١٤ ).

وهذا نمط آخر من الصحابة الذين يعصُونَ أوامر رسول الله في الأحكام الشرعية ، وقول الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « بلغني أنّ أقواماً يقولون كذا وكذا » يدلّ على أنّ الكثير منهم رفضُوا أن يتحلّلوا لنِسائهم; بدعوى أنّهم يتنزّهون أن يروحوا إلى منى وذُكرانهم تقطرُ منيّاً!! وغاب عن هؤلاء الجهلة أنّ الله أوجب عليهم الغُسلَ والطّهارة بعد كلّ عملية جنسية ، فكيف يروحون إلى منى والمنىّ يقطرُ من ذكورهم؟ وهل هم أعلم بأحكام الله من رسول الله نفسه؟ أم هم أبرُّ وأتقى لله منه؟

ولا شكّ أنّ زواج المتعة ، أو ( متعة النّساء ) وقع تحريمها بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من طرف عمر من هذا القبيل ، فإذا كانوا في حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرفضون أوامرهُ بنكاح نسائهم أيّام الحجّ ، فلا يُستَغربُ منهم أن يمنعوا نكاح المتعة بعد وفاته ، تنزيهاً منهم لأنفسهم عمّا كان يأمر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعتبرون نكاح المتعة من قبيل الزنا ، كما يقول اليوم أهل السنّة بهذه المقالة!!

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرّابع في باب ما كان النبي يُعطي المؤلّفة قلوبهم من كتاب الجهاد والسير :

عن أنس بن مالك : إنّ رسول الله حين أفاء الله عليه من أموال هوازن


فأعطى رجالا من قريش ، فقال الأنصار : يغفر الله لرسول الله يُعطِي قريشاً ويدعُنَا وسيوفنا تقطُر من دمائهم!

فجمعهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قبّة ، ولم يدع معهم أحـداً غيرهم وقال لهم : « ما كان حديثٌ بلغني عنكم؟ » ولمّا أعادوا عليه مقالتهم ، قال : « إنّي أعطي رجالا حديثٌ عهدهم بكفر ، أما ترضون أن يذهب النّاسُ بالأموالِ وترجعون إلى رحالكم برسول الله ، فوالله ما تنقلبون به خيرٌ ممّا ينقلبون به » قالوا : بلى يا رسول الله قد رضينا ، فقال لهم : « إنكم سترون بعدي أثرةٌ شديدة ، فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسوله على الحوض » قال أنس : فلم نصبر. ( صحيح البخاري ٤ : ٥٩ ).

ونتساءل : هل كان في الأنصار كلّهم رجلٌ واحدٌ رشيد اقتنع بما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واعتقد بأنَّه لا يميل مع الهوى والعاطفة ، وفهم قول الله سبحانه في هذا الصّدد :( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (١) ؟!

فهل كان فيهم مَنْ دافَعَ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما قالوا : يغفر الله لرسول الله؟

كلاَّ لم يكن فيهم واحداً بمستوى الإيمان الذي اقتضتْهُ الآية الكريمة!! وقولهم بعد ذلك : بلى يا رسول الله قد رضينا ، لم يكنْ عن قناعة ، ولذلك جاءت شهادة أنس بن مالك وهو منهم في محلّها ، عندما قال : أوصانا بالصبر فلم نصبر!!

____________

(١) النساء : ٦٥.


وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب غزوة الحديبية من كتاب المغازي :

عن أحمد بن إشكاب ، حدّثنا محمّد بن فضيل ، عن العلاء بن المسيّب ، عن أبيه قال : لقيتُ البراء بن عازب رضي الله عنهما ، فقلت : طوبى لك صحبت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبايعته تحت الشجرة!

فقال : يابن أخي إنّك لا تَدري ما أحدثنا بعدَهُ. ( صحيح البخاري ٥ : ٦٥ ).

لقد صدق البراء بن عازب ، فإنّ أغلب النّاس لا يدرون ما أحدث الصّحابة بعد وفاة نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; من ظلم وصيّه وابن عمّه وإبعاده عن الخلافة ، ومن ظلم ابنته الزّهراء وتهديدها بالحرق ، وغصب حقّها من النّحلة والإرث والخمس ، ومن مخالفة وصايا النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتبديل الأحكام التشريعية ، وحرق السنّة النبويّة ، وضرب الحصار عليها ، ومن أذيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في لعن وقتل أهل بيته وإبعادهم وتشريدهم ، وإعطاء السلطة إلى المنافقين والفاسقين من أعداء الله ورسوله!!

نعم ، كلّ ذلك وغيره كثير ممّا أحدثوه من بعده ، وبقي مجهولا عند عامّة النّاس الذين ما عرفوا من الحقائق إلاّ ما أملته عليهم مدرسة الخلفاء التي تفنّنتْ في تبديل أحكام الله ورسوله باجتهادات شخصية سمّيت البدع الحسنة!!

وبهذه المناسبة نقول لأهل السنّة : لا تغترّوا يا إخوتَنا بالصُّحبة والصّحابة ، فها هو البراء بن عازب من الرّعيل الأول ، الذين بايعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الشجرة ، يقول لابن أخيه بلسان الحال : لا تغرنّك صحبتي ولا بيعتي


تحت الشجرة ، فإنّك لا تدري ما أحدثتُ بعده ، وقد قال تعالى :( إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ) (١) .

وكم كان عدد الصحابة النّاكثين كبيراً حتّى عهد النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابن عمّه علي أن يُقاتلهم ، كما جاء ذلك في كتب التاريخ.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الأوّل والثالث في باب إذا نفر النّاسُ عن الإمام في صلاة الجمعة من كتاب الجمعة :

عن جابر بن عبد الله ( رضي الله عنه ) قال : أقبلتْ عيرٌ من الشّامِ تحمِلُ طعاماً ، ونحنُ نصلّي مع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجمعة ، فانفضّ النّاسُ إلاّ اثني عشَر رجُلا ، فنزلتْ هذه الآية :( وَإذَا رَأوْا تِجَارَةً أوْ لَهْواً انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً ) ( صحيح البخاري ١ : ٢٢٥ و ٣ : ٦ و ٧ ).

وهذا نمط آخر من الصحابة المنافقين الذين لا يتورّعون ولا يخشعون ، بل ويفرّون من صلاة الجمعة ليتفرّجوا على العير والتجارة ، ويتركون رسول الله قائماً بين يدي الله يؤدّي فريضته في خشوع ورهبة.

فهل هؤلاء مسلمون كَمُلَ إيمانهم؟ أم هل هم منافقون يهزؤونَ من الصّلاة ، وإذا قاموا إليها قاموا كُسَالى؟ ولا يُستثنى منهم إلاّ الذين ثبتُوا مع النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لإتمام صلاة الجمعة ، وعددهم اثنى عشر رجُلا.

ومن تتبّع أحوالهم واستقصى أخبارهم فسوف يندهش لأفعالهم ، ولا شكّ أن هروبهم من صلاة الجمعة تكرّر لمرّات متعدّدة ، ولذلك سجّله كتاب

____________

(١) الفتح : ١٠.


الله سبحانه بقوله :( قُلْ مَا عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ) .

وحتّى تعرف أيّها القارئ العزيز مدى احترامهم لهذه الصّلاة الّتي يحترمُها مسلموا العصر الحاضر أكثر منهم إليك هذه الرّواية :

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب ما جاء في الغرس من كتاب الوكالة :

عن سهل بن سعيد ( رضي الله عنه ) أنّه قال : إنّا كنّا نفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوزٌ تأخذ من أُصول سلق لنا كنّا نغرسُه في أربعائنا فتجعله في قدر لها ، فتجعل فيه حبّات من شعير لا أعلم إلاّ أنّه قال : ليس فيه شحمٌ ولا ودكٌ ، فإذا صلّينَا الجمعة زرناها فقرّبْتُه إلينا ، فكنَّا نَفْرَحُ بيوم الجمعة من أجل ذلك ، وما كنّا نتغذّى ولا نقيل إلاّ بعد الجمعة!! ( صحيح البخاري ٣ : ٧٣ ).

فهنيئاً مريئاً لهؤلاء الصّحابة الذين لا يفرحون بيوم الجمعة للقاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والاستماع لخُطبه ومواعظه ، والصّلاة بإمامته ، ولا بلقاء بعضهم البعض ، وما في ذلك اليوم من بركات ورحمات ، ولكنّهم يفرحونَ بيوم الجمعة من أجل طعام مخصوص أعدّته لهم عجوز ، ولو قال أحد المسلمين اليوم بأنّه يفرح بيوم الجمعة من أجل الطعام لأعتُبرَ من المسوّفين المهملين.

وإذا أردنا مزيداً من البحث والتنقيب ، فإنّنا سنجد الشّاكرين الذين مدحهم القرآن الكريم أقليّة لا يتجاوزُ عددهم الاثنى عشر رجلا ، وهؤلاء هم المخلصون الذين لم ينفضّوا إلى اللّهو والتجارة ويتركوا الصّلاة ، وهم أنفسهم الذين ثبتوا في الجهاد مع النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العديد من المواطن التي فرَّ منها بقيّة الصّحابة وولّوا مُدبرين.


فقد أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرابع في باب ما يكره من التّنازع والاختلاف في الحرب من كتاب الجهاد والسير :

عن البراء بن عازب قال : جعل النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الرجّالة يوم أُحد ـ وكانوا خمسين رجُلا ـ عبد الله بن جُبير ، فقال : إنّ رأيتمونا تخطّفُنا الطيرُ فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّى أرسلُ إليكم ، فهزموهم.

قال : فأنا والله رأيتُ النساء يشتدِدْنَ قد بدتْ خلاَخلُهنَّ وأسواقُهُنَّ رافعات ثيابهنَّ ، فقالَ أصحاب عبد الله بن جبير : الغنيمةَ أي قوم الغنيمةَ ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟

فقال عبدُ الله بن جُبير : أنسيتم ما قال لكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالوا : والله لنأتينّ النّاس فلنُصِيبنَّ من الغنيمةِ ، فلمّا أتوهم صرفت وُجوههم فأقبلُوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسولُ في آخراهم ، فلم يبق مع النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غيرُ اثني عَشَرَ رجُلا ، فأصابوا منّا سبعينَ ( صحيح البخاري ٤ : ٢٦ ).

وإذا عرفنا ممّا ذكره المؤرّخون لهذه الغزوة بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج بألف صحابي كلّهم يتشوّقون للجهاد في سبيل الله ، مغترّين بالنّصر الذي حصل في غزوة بدر ، ولكنّهم عَصُوا أمر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتسبّبوا في هزيمة نكراء شنيعة قُتِل فيها سبعون وعلى رأسهم حمزة عمّ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفرّ الباقون ، ولم يبق مع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ساحة المعركة غير اثنيْ عشر رجُلا على ما يقوله البخاري ، أمّا غيره من المؤرخين فينزلُ بهذا العدد إلى أربعة فقط ، وهم : علي بن أبي طالب الذي تصدّى للمشركين يحمي بذلك وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبو دجانة يحمي ظهره ، وطلحة ، والزبير ، وقيل سهل بن حنيف.


ومن هذه المواقف نفهم قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا أرى يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم » ( سيأتي البحث في هذا الحديث ).

وإذا كان اللّهُ سبحانه وتعالى قد توعّدهم بالنّار إذا فرّوا من الحرب فقال :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَال أوْ مُتَحَيِّزاً إلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللّهِ وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ) (١) .

فما هي قيمة هؤلاء الصّحابة الذين يفرّون من الصّلاة من أجل اللّهو والتجارة ، ويفرّون من الجهاد خوفاً من الموت ، تاركين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحده بين الأعداء ، وفي كلتا الحالتين ينفضّوا ويُولّوا الأدبار بأجمعهم ولا يبق معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير اثني عشر رجلا على أكثر التقديرات ، فأين الصّحابة يا أُولي الألباب؟!

ولعلّ بعض الباحثين عندما يقرؤون مثل هذه الأحداث والروايات يستصغرون شأنها ، ويظنّون بأنّها حادثة عرضية عفا الله عنها ، ولم يعُد الصحابة إلى مثلها بعد ذلك.

كلا ، فإنّ القرآن الكريم يوقفنّا على حقائق مذهلة ، فقد سجَّلَ الله سبحانه فرارَهم يوم غزوة أُحد بقوله :

( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْل عَلَى المُؤْمِنِينَ * إذْ تُصْعِدُونَ

____________

(١) الأنفال : ١٥ ـ ١٦.


وَلا تَلْوُونَ عَلَى أحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي اُخْرَاكُمْ فَأثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (١) .

فهذه الآيات نزلتْ بعد معركة أُحد ، والتي انهزم فيها المسلمون بسبب رغبتهم في متاع الدنيا عندما رأوْا النّساء رافعات ثيابهن ، قد بدت أسواقهنّ وخلاخلهنّ على ما حكاه البخاري ، فعصوا الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما حكاه القرآن; فهل اعتبر الصّحابة بتلك الحادثة وتابوا إلى الله واستغفروه ولم يعودوا لمثلها بعد ذلك؟

كلاّ فإنّهم لم يتوبوا وعادوا إلى أكبر منها في غزوة حُنين ، والتي وقعتْ في آخر حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان عددهم في تلك المعركة اثنى عشر ألفاً على ما ذكره المؤرّخون!!

ورغم كثرتهم فقد لاذوا بالفرار ، وولّوا مدبرين كالعادة; تاركين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسط أعداء الله من المشركين ، ومعه تسعة أو عشرة أنفار من بني هاشم على رأسهم الإمام علي بن أبي طالب ، كما نصّ عليه اليعقوبي في تاريخه وغيره(٢) .

وإذا كان فرارهم يوم أُحد شنيع ، فهو في حنين أشنعُ وأقبحُ; لأنّ الصّابرين الذين ثبتوا معه يوم أُحد كانوا أربعة من ألف صحابي ، وهي نسبة واحد من كلّ مائتين وخمسين ، أمّا في يوم حُنين فكان الصّابرون الثّابتون

____________

(١) آل عمران : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٢) ذكر اليعقوبي في تاريخه ٢ : ٣١ أنّه لم يبق مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ ثلاثة نفر : عليّ والزبير وطلحة. وفي تاريخ الإسلام للذهبي ١ : ١٧٣ : « لم يبق مع رسول الله إلاّ اثنا عشر رجلا ».


عشرة من اثني عشر ألف صحابي ، وهي نسبة واحد من كل ألف ومائتين!!

وإذا كانت معركة أحد في بداية الهجرة ، والنّاس لم يزالوا أقليّة وحديثي عهد بجاهلية ، فما هو عذرهم في معركة حُنين التي وقعت في آخر السنّة الثامنة للهجرة النبويّة ، ولم يبق من حياة النبىّ معهم إلاّ عامين؟! ورغم كثرة عددهم وعدّتهم فقد أطلقوا أرجلهم للرّيح ، وهربوا غير مُلتفتين إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

فالقرآن الكريم يُبيّنُ بوضوح مواقفهم المتخاذلة ، وهروبهم من الزّحف في تلك المعركة بقوله :

( وَيَوْمَ حُنَيْن إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ) (١) .

يبيّنُ سبحانه بأنّه قد ثبَتَ رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذين صبروا معه على القتال بإنزال السكينة عليهم ، ثمّ أمدّهم بجنود من الملائكة يحاربون معهم ، ونصرهم على الكافرين ، فلا حاجة للمرتدّين الذين يفرّون من العدوّ خوفاً من الموت ، ويعصون بذلك ربّهم ونبيّهم ، وكلّما امتحنهم الله وجدهم فاشـلين.

ولمزيد البيان لا بُدّ لنا من استعراض الرواية التي أخرجها البخاري بخصوص انهزام الصحابة يوم حُنين :

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب قول الله تعالى :

____________

(١) التوبة : ٢٥ ـ ٢٦.


( وَيَوْمَ حُنَيْن إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ) ، من كتاب المغازي.

إنّ أبا قتادة قال : لمّا كان يوم حُنين نظرتُ إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين ، وآخر من المشركين يختله من وراءه ليقتُلَهُ ، فأسرعتُ إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني ، فضربت يده فقطعتها ، ثمّ أخذني فضمّني ضمّاً شديداً حتّى تخوّفتُ ، ثمّ ترك فتحلّل ودفعته ثمّ قتلته ، وانهزم المسلمون وانهزمتُ معهم ، فإذا بعمر بن الخطّاب في النّاس ، فقُلت له : ما شأن النّاس؟ قال : أمرُ اللّهِ ( صحيح البخاري ٥ : ١٠١ ).

عجيبٌ والله أمر عمر بن الخطّاب الذي هو معدود عند أهل السنّة من أشجع الصّحابة إذا لم يكن أشجعهم على الإطلاق ، لأنّهم يروون بأنّ الله أعزّ به الإسلام ، وأنّ المسلمين لم يجهروا بالدعوة إلاّ بعد إسلامه!!

وقد أوقفنا التاريخ على الصحيح والواقع ، وكيف أنّه ولّى دبره وهرب من المعركة يوم أُحد ، كما ولّى دبره وفرّ هارباً يوم خيبر عندما أرسله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى مدينة خيبر ليفتحها ، وأرسل معه جيشاً فانهزم هو وأصحابه ورجعوا يجبّنونه ويجبّنهم(١) ، كما ولّى دبره وهرب يوم حنين مع الهاربين ، أو لعلّه كان أوّلَ الهاربين ، وتبعه النّاس إذ كان هو أشجعهم ، ولذلك نرى أبَا قتادة يلتفت من بين أُلوف المنهزمين إلى عمر بن الخطّاب ويسأله كالمستغرب : ما شأن النّاس؟ ولم يكتف عمر بن الخطّاب بهروبه من الجهاد ،

____________

(١) مستدرك الحاكم ٣ : ٣٧ ، كما أخرجه الذهبي في تلخيصه وقال عنه : صحيح ، كنز العمال للمتقي الهندي ١٠ : ٤٦٢ وقال : « ش البزار ، وسنده حسن » ، المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٥٢٥ وسنده حسن.


وترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسط الأعداء من المشركين ، حتّى يموّه على أبي قتادة بأنّه أمرُ الله!

فهل أمر اللّهُ عمر بن الخطّاب بالفرار من الزّحف؟ أم أنّه أمرهُ بالثّبات والصبر في الحروب وعدم الفرار؟ فقد قال له ولأصحابه :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ ) (١) .

كما أخذ اللّهُ عليه وعلى أصحابه عهداً بذلك ، فقد جاء في الذكر الحكيم :( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولا ) (٢) .

فكيف يُولّي أبو حفص الدّبر من الزّحف ويدّعي أنّ ذلك أمر الله؟؟

فأين هو من هذه الآيات البيّنات ، أم على قلوب أقفالها؟!

ولسنا هنا بصدد البحث عن شخصية عمر بن الخطّاب ، فسوف نُفرِدُ له باباً خاصّاً به ، ولكنّ حديث البخاري مثيرٌ لم يترك لنا مندوحة من هذه الملاحظة السّريعة.

والذي يهمّنا الآن هو شهادة البخاري بأنّ الصحابة على كثرة عددهم ولّوا مُدبرين يوم حنين ، والذي يقرأ كتب التاريخ في تلك الحروب والغزوات يظهر له العجب العجاب!!

وإذا كان أمرُ الله لا يطاع من أكثر الصحابة ـ كما عرفنا من خلال الأبحاث السّابقة ـ فلا يُستغرب منهم الإعراض عن أوامر الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو حىٌّ معهم ، أمّا أوامره بعد وفاته ـ بأبي هو وأمّي ـ ، وما لقيت منهم من

____________

(١) الأنفال : ١٥.

(٢) الأحزاب : ١٥.


اهمال وتبديل فحدّث ولا حرج.

الصحابة تجاه أوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته

ولنبدأ بالأوامر التي أمر بهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته ، والتي قُوبلتْ بالتمرّد والعصيان من قبل هؤلاء الصّحابة.

وسوف لن نتحدّثْ إلاّ بما أخرجه البخاري في صحيحه روماً للاختصار ، وضارباً على بقية صحاح أهل السنّة صفحاً ، وإلاّ فإنّ فيها أضعاف الأضعاف ، وبعبارات أكثر وضوحاً ، وأكثر تحدّياً.

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب من كتاب الشروط ، وبعد ما أورد البخاري قصة صلح الحديبية ، ومعارضة عمر بن الخطّاب لما وافق عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشكّه فيه حتّى قال له صراحة : أَلسْتَ نبيّ الله حقّاً؟ إلى آخر القضيّة. قال البخاري : فلمّا فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : « قوموا فانحروا ثمّ أحلقوا » ، قال : فوالله ما قام منهم رجلٌ حتّى قال ذلك ثلاث مرّات ، فلم يقم منهم أحدٌ ، فدخل على أُمّ سلمة فذكر لها ما لقي من النّاس. ( صحيح البخاري ٣ : ١٨٢ )!!

ألا تعجب أيّها القارئ من تمرّد الصّحابة وعصيانهم تجاه أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورغم تكرار الأمر ثلاث مرات فلم يستجب له منهم أحد؟!

ولا بدّ هنا من ذكر محاورة دارت بيني وبين بعض العلماء في تونس بعد صدور كتابي « ثمّ اهتديت » ، وأنّهم قرأوا فيه تعليقي على صلح الحديبية ، فعلّقوا بدورهم على هذه الفقرة بقولهم : إذا كان الصّحابة قد عصوا أمر


النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنحر والحلق فلم يمتثل لأمره أحد ، فإنّ عليّاً بن أبي طالب كان معهم ولم يمتثل هو الآخر لأمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

وأجبتهم بما يلي :

أولا : لم يكن علي بن أبي طالب معدوداً من الصّحابة ، فهو أخ رسول الله وابن عمّه وزوج ابنته وأبو ولده ، وقد كان علىّ مع رسول الله في جانب وبقية النّاس في جانب ، فإذا قال الرّاوي في صحيح البخاري بأنّ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرَ أصحابه بالنحر والحلق ، فإنّ أبا حسن سلام الله عليه لم يكن معدوداً ضمنهم ، فهو بمنزلة هارون من موسى ، ألا ترون أنّ الصلاة على محمّد لا تكون كاملة إلاّ إذا أُضيف إليها الصلاة على آله ، وعلي هو سيّد آل محمّد بدون منازع ، فأبو بكر وعمر وعثمان وكلّ الصّحابة لا تصحُّ صلاتهم إلاّ إذا كان فيها ذكر علي بن أبي طالب مع محمّد بن عبد الله.

ثانياً : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان دائماً يُشركُ عليّاً أخاه في هَدْيهِ ، كما وقع ذلك في حجّة الوداع عندما قدم علىٌّ من اليمن ، وسأله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « بماذا أهللتَ يا علي »؟ فقال : « بما أهلّ رسول الله » ، فأشركه النبي في هديه ، وقد ذكر هذه القضيّة كلّ المحدّثين والمؤرّخين ، فلا بدّ أن يكون شريكه يوم الحديبية ـ أيضاً ـ.

ثالثاً : إنّ عليّ بن أبي طالب هو الذي كتب الصُّلح يوم الحديبية بإملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يعترض عليه في شيء طيلة حياته ، لا بمناسبة الحديبية ولا في غيرها ، ولم يسجّل التاريخ بأنّهعليه‌السلام تأخّر عن أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو عصاه مرّة واحدة ـ حاشاه ـ ، ولا فرّ مرّة من الزحف وترك


أخَاه وابن عمّه بين الأعداء ، بل كان دائماً يفديه بنفسه ، والخلاصة أنّ عليّاً ابن أبي طالب هو كنفس النّبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولذلك كان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « لا يحلّ لأحد أن يجنُب في المسجد إلاّ أنا وعلي »(١) .

واقتنع أغلب المحاورين بما أوردْتُه ، واعترفوا بأنّ عليّ بن أبي طالب ما خالف في حياته أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثامن في الباب كراهية الخلاف من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة :

عن عبد الله بن عباس قال : لمّا احتضر النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب ، قال : « هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده » ، فقال عمر : إنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غَلبهُ الوجْع ، وعندكم القرآنُ فحسبُنا كتاب الله ، واختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عُمر.

فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف عند النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : « قوموا عنّي » ، فكان ابن عباس يقول : إنّ الرّزية كلّ الرزّية ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. ( صحيح البخاري ٨ : ١٦١ و ١ : ٣٧ و ٥ : ١٣٨ ).

____________

(١) سنن الترمذي ٥ : ٣٠٣ وقال : « حديث حسن » ، تفسير القرطبي ٥ : ٢٠٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ١٤٠ ، سير أعلام النبلاء ١٣ : ٢٧٢ ، السنن الكبرى للبيهقي ٧ : ٦٦ ، فتح الباري لابن حجر ٧ : ١٣ ، وفي أجوبة المصابيح قال ابن حجر : « وورد لحديث أبي سعيد شاهد نحوه من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه البزار من رواية خارجة بن سعد عن أبيه ، ورواته ثقات ».


وهذا أمرٌ آخر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقابله الصّحابة بالرفض والعصيان ، وبانتقاص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

مع الملاحظة بأنَّ عمر بن الخطاب قال بحضرة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لمّا طلب منهم إحضار الكتف والدّواة ليكتب لهم الكتاب الذي يمنعهم من الضّلالة قال : إنّ رسول الله يهجُرُ ، بمعنى يهذي ـ والعياذ بالله ـ.

ولكنّ البخاري هذّب تلك العبارة وأبدلها بـ « غلبه الوجع »; لأنّ قائلها عمر بن الخطّاب!! وتراه إذا أهمل اسم عمر في الرواية قال : فقالوا : هجر رسول الله ، وهذه أمانة البخاري في نقل الحديث ( وسوف نعقد له باباً خاصّاً ).

وعلى كلّ حال ، فإنّ أكثر المحدّثْين والمؤرّخين ذكروا بأنّ عمر بن الخطاب قال : إنّ رسول الله يهجرُ(١) ، وتبعه كثير من الصّحابة فقالوا مقالته

____________

(١) ذكر ذلك كلّ من الغزالي في سرّ العالمين : ٤٠ ، سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : ٦٥ ، ابن الأثير في النهاية ٥ : ٢٤٥ ، الجوهري في السقيفة وفدك ، كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٥١ ، ابن تيمية في منهاج السنة ٦ : ٢٤ ، ٣١٥ تحقيق محمّد رشاد سالم.

لكن صاحب كتاب كشف الجاني : ١٣٤ يضع رأسه في الرمل كالنعامة عند الوصول إلى هذ النقاط الخطرة ، والتي تقلب الصورة المصطنعة عنده وعند غيره لعمر بن الخطّاب ، فأخذ كعادته بالاستهزاء والسخرية ، والتهجّم على المؤلّف وعموم الشيعة ، ونسبته عدم العقل إليهم ، مع أنّ إمامه ابن تيمية يقرّ بذلك ويعترف بأنّ الذي قالها عمر بن الخطّاب!! فليس أمام عثمان الخميس إلاّ خيارين وأحلاهما مرٌّ وهو : إمّا القول بأنّ عمر بن الخطاب لم يقل ذلك ـ وهو غير صحيح ـ وفي ذلك ردّ على شيخه ابن تيمية!! وإمّا القول بأنّ عمر بن الخطّاب


بحضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولنا أن نتصوّر ذلك الموقف الرّهيب ، وتلك الأصوات المرتفعة ، وكثرة اللّغط والاختلاف بحضرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومهما تكن الرّواية معبّرة فلا تعبّر في الواقع إلاّ قليلا عن المشهد الحقيقي ، كما إذا قرأنا كتاباً تاريخياً يحكي حياة موسىعليه‌السلام ، فمهما يكن الكتاب معبّراً فلا يبلغ تعبير الفيلم السينمائي الذي نُشاهده عياناً.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه السّابع في باب ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله عزّ وجلّ من كتاب الأدب ، قال :

احتجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجيرة مُخصّفةً أو حصيراً ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُصلّي إليها ، فتبعه رجالٌ وجاؤوا يُصلّون بصلاته ، ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنهم فلم يخرج إليهم ، فرفعوا أصواتهم وحصبوا البابَ ، فخرج إليهم مغضباً فقال لهم : « ما زال بكم صنعكم حتى ظننتُ أنّه سيكتب عليكم ، فعليكم بالصّلاة في بيوتكم ، فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة ». ( صحيح البخاري ٧ : ٩٩ و ٢ : ٢٥٢ ).

ومع كلّ الأسف فإنّ عمر بن الخطّاب خالف أمر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجمع النّاس على صلاة النّافلة أيام خلافته ، وقال في ذلك : إنّها بدعة ونعم البدعة(١) ، وتبعه على بدعته أكثر الصّحابة الذين كانوا يرون رأيّه ، ويُؤيّدونه

____________

قال ذلك ، وفي ذلك تجريح بعبقريه العظيم واسطورته المصطنعة عمر بن الخطّاب!! فأيّهما اختاره كان مرّاً!

(١) صحيح البخاري ٢ : ٢٥٢ ، كتاب صلاة التراويح.


في كلّ ما يفعل ويقول ، وخالفه علي بن أبي طالب وأهل البيت الذي لا يعملون إلاّ بأوامر سيّدهم رسول الله صلّى الله عليه وعليهم ، ولا يبغون عنها بدلا ، وإذا كانت كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار ، فما بالك بالّتي جُعلتْ لتُخالف أحكام النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب غزوة زيد بن حارثة من كتاب المغازي ، عن ابن عمر قال :

أمَّرَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُسامة على قوم فطعنوا في إمارته ، فقال : « إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتُم في إمارة أبيه من قبله ، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة ، وإن كان من أحبّ النّاس إلَىَّ ، وإنّ هذا لمن أحبّ النّاس إلىَّ بعده » ( صحيح البخاري ٥ : ٨٤ ).

وهذه القصّة ذكرها المؤرّخون بشيء من التفصيل ، وكيف أنّهم أغضبوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى لعن المتخلّفين عن بعث أُسامة ، وهو القائد الصغير الذي لم يبلغ عمره سبعة عشر عاماً ، وقد أمّره النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على جيش فيه أبو بكر ، وعمر ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وكلّ وجوه قريش ، ولم يعيّن في ذلك الجيش علي بن أبي طالب ، ولا أحداً من الصّحابة الذين كانوا يتشيّعون له.

ولكن البخاري دائماً يقتصر الحوادث ويبتر الأحاديث حفاظاً على كرامة السّلف الصّالح من الصّحابة!! ، ومع ذلك ففيما أخرجه كفاية لمن أرادَ الوصول إلى الحقّ.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثّاني في باب التنكيل لمن أكثر


الوصال من كتاب الصوم ، عن أبي هريرة قال :

نهى رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الوصال في الصّوم ، فقال له رجلٌ من المسلمين : إنّك تواصل يا رسول الله! قال : « وأيّكم مثلي؟ إنّي أبيت يُطعمني ربّي ويسقين » ، فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال ، واصل بهم يوماً ثمّ يوماً ثمّ رأوا الهلال ، فقال : « لو تأخّر لزدْتكم » ، كتنكيل لهم حينَ أبوا أن ينتهوا. ( صحيح البخاري ٢ : ٢٤٣ ).

مرحى لهؤلاء الصّحابة الذين ينهاهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الشيء فلا ينتهوا ، ويكرّر لهم نهيه فلا يسمعوا! أفلم يقرأوا قول الله تعالى :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ) (١) .

ورغم تهديد الله سبحانه لمن خالف رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعقاب الشّديد فإنّ بعض الصّحابة لا يُقيمون لتهديده ووعيده وزناً.

وإذا كان حالهم على هذا الوصف فلا شكّ في نفاقهم ولو تظاهروا بكثرة الصّلاة والصّيام والتشدّد في الدّين ، إلى درجة أنّهم يحرّموا نكاح نسائهم لئلاّ يروحوا ومذاكيرهم تقطر منيّاً! ويتنزّهون عمّا يفعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !! كما تقدّم في الأبحاث السّابقة.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب بعث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كتاب المغازي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال :

بعث النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام ،

____________

(١) الحشر : ٧.


فلم يُحسنُوا أن يقولوا : أسلمنا ، فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا ، فجعل خالد يقتُل منهم ويأسر ، ودفع إلى كلّ رجل منّا أسره ، حتّى إذا كان يومٌ أمر خالدٌ أن يقتل كلّ رجل منّا أسيره ، فقلتُ : والله لا أقتل أسيري ، ولا يقتُلُ رجلٌ من أصحابي أسيره حتّى قدمنا على النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذكرناه له ، فرفع النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده فقال : « اللهمَّ إنّي أبرأُ إليك ممّا صنع خالد » مرّتين!! ( صحيح البخاري ٥ : ١٠٧ و ٨ : ١١٨ ).

ذكر المؤرّخون هذه الحادثة بشيء من التفصيل ، وكيف ارتكب خالد بن الوليد هذه المعصية الشنيعة ، هو وبعض الصحابة الذين أطاعوه ولم يمتثلوا أوامر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تحريم قتل من أسلم ، إنّها من أكبر المعاصي التي أراقت دماء بريئة ، ولأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره بدعوتهم للإسلام ولم يأمُره بقتالهم!!

ولكنّ خالد بن الوليد تغلّبتْ عليه دعوى الجاهلية ، وأخذته الحمية الشيطانية; لأنّ بني جذيمة قتلوا عمّه « الفاكه بن المغيرة » أيام الجاهلية ، فغدر بهم ، وقال لهم : ضعُوا أسلحتكم فإنّ الناس قد أسلموا ، ثمّ أمر بهم فكُتّفوا وقتل منهم خلقاً كثيراً.

ولمّا علم بعض الصّحابة المخلصين نوايا خالد هربوا من الجيش والتحقوا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأعادوا عليه الخبر ، فتبرّأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فعله ، وأرسل علي بن أبي طالب فودّى لهم الدّماء والأموال.

ولمعرفة هذه القضية بشيء من التفصيل لا بأس بقراءة ما كتبهُ عباس محمود العقاد في كتابه « عبقرية خالد » إذ قال العقّاد بالحرف في صفحه ٤٥ ما يلي :


فبعد فتح مكّة ، توجّهتْ عنايتهعليه‌السلام إلى تطهير البوادي المحيطة بها من عبادة الأصنام ، فأرسل السرايا إلى قبائلها لدعوتها والاستيثاق من نيّاتها ، ومنها سريّة خالد إلى بني جذيمة في نحو ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار وبني سليم ، أرسلها دعاة ولم يأمرهم بقتال ، وكان بنو جذيمة شرّ حىّ في الجاهلية يسمّون لعقة الدم ، ومن قتلاهم الفاكه بن المغيرة وأخوه عمّا خالد بن الوليد ووالد عبد الرحمن بن عوف ، ومالك بن الشريد وإخوته الثلاثة من بني سليم في موطن واحد ، وغير هؤلاء من قبائل شتّى.

فلمّا أقبل عليهم خالد وعلموا أنّ بني سليم معه ، لبسوا السّلاح وركبوا للحرب وأبوا النزول ، فسألهم خالد : أمسلمون أنتم؟ فقيل : إنّ بعضهم أجابه بنعم ، وبعضهم أجابه : صبأنا صبأنا! أي تركنا عبادة الأصنام ، ثمّ سألهم : فما بال السّلاح عليكم؟ قالوا : إنّ بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السّلاح! فناداهم : ضعوا السّلاح فإنّ الناس قد أسلموا.

فصاح بهم رجلٌ منهم يقال له جحدم : ويلكم يا بني جذيمة إنّه خالد ، والله ما بعد وضع السّلاح إلاّ الأسار ، وما بعد الأسار إلاّ ضرب الأعناق ، والله لا أضع سلاحي أبداً ، فما زالوا به حتّى نزع سلاحه في من نزع وتفرّق الآخرون.

فأمر خالد بهم فكتّفوا وعرضهم على السّيف ، فأطاعه في قتلهم بنو سليم ومن معه من الأعراب ، وأنكر عليه الأنصار والمهاجرون أن يقتل أحداً غير مأمور من النّبيعليه‌السلام بالقتال ، ثمّ انتهى الخبر إلى النّبي ، فرفع يديه إلى السّماء وقال ثلاثاً : « اللهمّ إنّي أبرأُ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد » وبعث بعلي بن


أبي طالب إلى بني جذيمة ، فودّى دماءهم وما أصيب من أموالهم

وقد عمّ النّكير على الحادث بين أجلاّء الصحابة ، من حضر منهم السَّرية ومن لم يحضرها ، واشتدّ عبد الرحمن بن عوف حتى رمى خالداً بقتل القوم عمداً ليدرك ثار عميّه « انتهى كلام العقّاد.

نعم ، هذا ما ذكره العقّاد بالحرف في كتابه عبقرية خالد ، والعقّاد كغيره من مفكّري أهل السنّة بعد ما يورد القصّة بكاملها يلتمسُ أعذاراً باردة ملفّقة لخالد بن الوليد ، لا تقوم على دليل ولا يقبلها عقل سليم ، وليس للعقّاد عُذرٌ سوى أنّه يكتب « عبقرية خالد » ، فكلّ ما جاء به من أعذار لخالد فهي واهية كبيت العنكبوت ، والذي يقرأها يشعر بسخافة الدفاع ووهنه.

فكيف وقد شهد هو بنفسه في كلامه بأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسلهم دعاة ولم يأمرهم بقتال؟! وأعترف بأنّ بني جذيمة نزعوا سلاحهم بعد ما لبسوه عندما خدعهم خالد بقوله لأصحابه : ضعوا السّلاح فإنّ الناس قد أسلموا؟! واعترف ـ أيضاً ـ بأنّ جحدم الذي رفض نزع السّلاح ، وحذّر قومه بأنّ خالداً سيغدر بهم بقوله : ويلكم يا بني جذيمة إنّه خالد ، والله ما بعد وضع السّلاح إلاّ الأسار ، وما بعد الأسار إلاّ ضرب الأعناق ، والله لا أضع سلاحي أبداً؟!! وقال العقّاد : بأنّ بني جذيمة ما زالوا به حتّى نزع سلاحه ، وهذا ما يدلُّ على إسلام القوم وحسن نيّتهم.

فإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسلهم دُعاة ولم يأمرهم بقتال ، كما شهدتَ يا عقّاد ، فما هو عذر خالد لمخالفة أوامر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ هذه عقدة لا أحسبك تحلّها يا عقّاد.


وإذا كان القوم قد نزعوا السّلاح ، وأعلنوا إسلامهم ، وغلبوا صاحبهم الذي أقسم أن لا يضع سلاحه حتّى أقنعوه كما اعترفت به يا عقّاد ، فما هو عذر خالد للغدر بهم وقتلهم صبراً وهم عُزّل من السلاح؟

وقد قلتَ بأنّ خالد أمر بهم فكُتّفوا وعرضهم على السّيف ، وهذه عقدة أُخرى ما أظنّك قادراً على حلّها يا عقّاد ، وهل الإسلام أمر المسلمين بقتل من لم يقاتلهم على فرض أنّهم لم يُعلنوا إسلامهم ، كلا فهذه حجّة المستشرقين أعداء الإسلام والتي يروّجونها اليوم.

ثمّ اعترفت مرّةً أُخرى بأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأمره بقتال القوم ، إذ قُلتَ : بأنّ المهاجرين والأنصار أنكروا على خالد أن يقتل أحداً غير مأمور من النّبيعليه‌السلام بالقتال ، فما هو عُذرك ـ يا عقّاد ـ في التماس العذر لخالد؟

ويكفينا ردّاً على العقّاد ، أنّه أبطل أعذاره بنفسه وناقضها بأكلمها حين اعترف بقوله :

« وقد عمّ النّكير على الحادث بين أجلاّء الصحابة ، من حضر منهم السرية ومن لم يحضرها » ، فإذا كان أجلاّء الصّحابة شدّدوا النّكير على خالد حتّى هربوا من جيشه ، واشتكوه للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا كان عبد الرحمن بن عوف قد اتّهم خالداً بقتل القوم عمداً ليدرك ثأر عمّيْه كما شهد بذلك العقّاد ، وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد رفع يديه إلى السماء ، وقال ثلاث مرّات : « اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد » ، وإذا كان النّبي بعث بعليّ ومعه أموالٌ ، فودّى لبني جذيمة دماءهم وما أُصيب من أموالهم حتى استرضاهم ـ كما شهد العقاد ـ ; فكلّ هذا يدلّ على أنّ القوم أسلموا ، ولكنّ خالد


ظلمهم واعتدى عليهم!!

فهل من سائل يسأل العقّاد الذي يحاول جهده تبرير فعل خالد : إن كان هو أعلم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي تبرّأ إلى الله ثلاثاً من فعله؟ أو من أجلاّء الصّحابة الذين أنكروا عليه؟ أو من الصّحابة الذين حضروا الواقعة ، وهربوا من السّرية لهول ما رأوه من صنيعه المُنكر؟ أو من عبد الرحمن بن عوف الذي كان معه في السّرية ، وهو لا شكّ أعرف بخالد من العقّاد ، والذي اتهمه بقتل القوم عمداً ليدرك ثأرَ عمَّيه؟

قاتل الله التعصّب الأعمى ، والحمية الجاهلية التي تقلب الحقائق!

ومهما اختصر البخاري القضية في أربعة سطور ، فإنّ فيما أورده كفاية لإدانة خالد ، وبقية الصّحابة الذي أطاعوه في قتل المسلمين الأبرياء ، والذين ذكرهم العقاد بقوله : فأطاعه في قتلهم بنو سليم ومن معه من الأعراب.

ولكنّ البخاري لا يستثني من الصحابة الذين أطاعوه إلاّ اثنين أو ثلاثة ، هربوا من الجيش ورجعوا للنبي يشتكون خالد ، فلا يمكن لك أن تقنعنا ـ يا عقّاد ـ بأنّ المهاجرين والأنصار ـ وعددهم ثلاثمائة وخمسون كما صرّحت أنت بذلك ـ لم يطيعوا خالداً في قتل القوم ، وهربوا كلّهم من الجيش!! فهذا لا يصدّقه أحدٌ من الباحثين.

ولكنّها محاولة منك للحافظ على كرامة السّلف الصّالح من الصّحابة ، وستر الحقائق بأىّ ثمن ، وجاء الوقت لإزاحة السّتار ومعرفة الحقّ.

وكم لخالد بن الوليد من مجازر شنيعة حدّثنا عنها التاريخ ، خصـوصاً يوم البـطاح عندما انتدبه أبو بكر على رأس جيش كبير مؤلّـف من


الصّـحابة الأولين ، فغدر ـ أيضاً ـ بمالك بن نويرة وقومه ، ولمّا وضعوا السّلاح أمر بهم فكُتّفوا وضرب أعناقهم صبراً ، ودخل بزوجة مالك ليلى أم تميم في نفـس الليلة التي قتل فيها بعلها ، ولمّا وقف عمر بن الخـطاب يقتص منه وقال له : قتلت امرئاً مسلماً ثمّ نزوتَ على زوجته!! والله لأرجُمنّك بأحجارك يا عدوّ الله! وقف أبو بكر إلى جانب خالد وقال لعمر : إرفع لسانك عن خالد فإنّه تأوّل فأخطأ(١) .

وهذه قضية أُخرى يطول شرحها ويقبحُ عرضُها ، فكم من مظلوم يهضم حقّه; لأنّ ظالمه قوىٌّ عزيز ، وكم من ظالم يُنصَرُ ظلمه وباطله; لأنّه غنىٌّ ومقرّبٌ للجهاز الحاكم!! فهذا البخاري عندما يستعرض قصّة بنو جذيمة يبترها بتراً ويقول : بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالداً إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام ، فلم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا.

فهل كان بنو جذيمة فرس أم أتراك أم هنود وألمان ، حتى لا يحسنوا أن يقولوا أسلمنا يا بخاري؟! أم هم من القبائل العربية التي نزل القرآن بلغتهم؟ ولكن التعصّب الأعمى والمؤامرة الكبرى التي حيكت للحفاظ على كرامة الصحابة هي التي جعلت البخاري يقول مثل هذا القول ليبرّر فعل خالد بن الوليد!!

وهذا العقّاد ـ أيضاً ـ يقول : فسألهم خالد أمسلمون أنتم؟ ثم يقول العقّاد :

____________

(١) راجع بألفاظه المختلفة : تاريخ الطبري ٢ : ٥٠٤ ، أُسد الغابة ٤ : ٢٩٥ ، البداية والنهاية ٦ : ٣٥٥ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٧ : ٢٠٦ ، تاريخ خليفة بن الخياط ٦٨ ، الإصابة لابن حجر ٥ : ٥٦٠.


فقيل : إنّ بعضهم أجابه بنعم ، وبعضهم أجابه صبأنا صبأنا وكلمة « فقيل » تدلّ دلالة واضحة على أنّ القوم يتمسكون بأيّ شيء قد يوهمون به النّاس ليعذروا خالد بن الوليد ، لأنّ خالد بن الوليد هو سيف الحاكم المسلول ، وهو المدافع عن الخلافة المغصوبة ، وهو وأتباعه يُمثلون القوّة الضّاربة لكلّ من تحدِّثه نفسه بالخروج والتمرّد عمّا أبرمه أبطال السقيفة يوم وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !! فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

معاملة الصحابة لأوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته

تضييعهم سنّة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج البخاري في جزئه الأوّل في باب تضييع الصّلاة عن غيلان قال أنس بن مالك : ما أعرفُ شيئاً ممّا كان على عهدِ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! قيل : الصّلاةُ ، قال : أليسَ ضيّعتُم ما ضيّعتُم فيها.

وقال : سمعت الزهري يقول : دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلتُ له : ما يُبكيك؟ قال : لا أعرف شيئاً ممّا أدركتُ إلاّ هذه الصّلاة ، وهذه الصّلاة قد ضُيّعَتْ. ( صحيح البخاري ١ : ١٣٤ ).

كما أخرج البخاري في جزئه الأوّل في باب فضل صلاة الفجر في جماعة قال : حدّثنا الأعمش قال : سمعت سالماً قال : سمعتُ أُمّ الدرداء تقولُ : دخل علىَّ أبو الدردَاء وهو مُغضَبٌ ، فقلت : ما أغضبك؟ فقال : واللّهِ ما أعرفُ من أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً إلاّ أنّهم يصلّون جميعاً. ( صحيح البخاري ١ : ١٥٩ ).

وأخرج البخاري في جزئه الثاني في باب الخروج إلى المصلّى بغير


منبر ، عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى ، فأوّل شيء يبدأ به الصّلاة ، ثمّ بعد ذلك يعظ النّاس ، فلم يزل النّاس على ذلك حتّى خرجتُ مع مروان ، وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر ، فأراد أن يرتقي المنبر قبل أن يُصلّي ، فجذبتُ بثوبه ، فجذبني فارتفع فخطب قبل الصّلاة ، فقلت له : غيّرتم والله ، فقال : أبا سعيد قد ذهب ماتعلم ، فقلت : ما أعلَمُ والله خيرٌ ممّا لا أعلم ، فقال : إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصّلاة ، فجعلتها قبل الصّلاة. ( صحيح البخاري ٢ : ٤ ).

إذا كان الصحابة في عهد أنس بن مالك ، وعلى عهد أبي الدرداء ، وفي حياة مروان بن الحكم ، وهو عهد قريب جدّاً بحياة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; يغيّرون سنن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويضيّعون كلّ شيء حتّى الصّلاة ـ كما سمعت ـ ، ويقلّبون سنن المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمصالحهم الخسيسة ، وهي أنّ بني أُمية اتخذوا سنّة سبّ ولعن علي وأهل البيت على المنابر بعد كلّ خطبة ، فكان أكثر النّاس في عيد الفطر والأضحى عندما تنتهي الصّلاة يتفرّقون ، ولا يحبّون الاستماع إلى الإمام يلعن عليّ بن أبي طالب وأهل البيت ، ولذلك عمد بنو أُميّة إلى تغيير سنّة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقدّموا الخطبة على الصّلاة في العيدين; ليتسنّى لهم سبّ ولعن علي بمحضر المسلمين كافّة ، ويُرغِمُون بذلك أُنوفَهم ، وعلى رأس هؤلاء معاوية بن أبي سفيان ، فهو الذي سنَّ لهم تلك السنّة التي أصبحتْ عندهم من أعظم السنن التي يتقرّبون بها إلى الله ، حتى إنّ بعض المؤرّخين حكى أنّ أحد أئمّتهم أتَمَّ خطبتَه في يوم الجمعة ، ونَسيَ لعن علي وهمّ بالنزول للصّلاة ، فإذا النّاس يتصايحون من كلّ جانب : تركت السُنّة! نسيت السُنّة! أين هي السنّة؟!


نعم ، وللأسف فهذه البدعة التي ابتدعها معاوية بن أبي سفيان بقيت ثمانين عاماً متداولة على منابر المسلمين ، وبقيت آثارها حتّى اليوم ، ومع ذلك فأهل السنّة والجماعة يترضّون على معاوية وأتباعه ، ولا يطيقون فيه نقداً ولا تجريحاً بدعوى احترام الصّحابة؟!!

والحمد لله فإنّ الباحثين المخلصين من أُمّة الإسلام بدأوا يعرفون الحقّ من الباطل ، وبدأ الكثير منهم يتخلّص من عقدة الصّحابة التي ما كوَّنها إلاّ معاوية وأشياعه وأتباعه ، وأهل السنّة والجماعة بدأوا يفيقون لِهذا التناقض الشنيع ، في الوقت الذي يُدافعُون فيه عن الصّحابة أجمعين حتّى يلعنوا من انتقص واحداً منهم. وإذا قُلتَ لهم : إنّ لعنكم هذا يشمل معاوية بن أبي سفيان ، لأنّه سبّ ولعن أفضلُ الصّحابة على الإطلاق ، وهو يقصد بالطبع سبّ رسول الله الذي قال : « من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله »(١) .

____________

(١) تاريخ دمشق ٤٢ : ٥٣٣ ، الجامع الصغير للسيوطي ٢ : ٦٠٨ ح ٨٧٣٦ ، نظم درر السمطين : ١٠٥ ، وروي صدره فقط في المستدرك ٣ : ١٢١ وصحّحه ووافقه الذهبي على تصحيحه ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٣٣ ، مسند أحمد ٦ : ٣٢٣ ، عنه مجمع الزوائد ٩ : ١٣٠ وقال : « رجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة ».

وكذلك الحديث الذي مرّ عليك آنفاً في هامش ص ١٣١.

وقد سب معاوية بن أبي سفيان ومن تبعه علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقد أخرج ابن ماجة في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال : قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد ، فذكروا علياً ، فنال منه ، فغضب سعد وقال : تقول هذا لرجل سمعت


____________

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول فيه : « من كنت مولاه فعلي مولاه » ، وسمعته يقول : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وسمعته يقول : « لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ».

وعلّق الشيخ الألباني عليه بقول : « فنال منه » ، أي نال معاوية من علي وتكلّم فيه «. راجع صحيح سنن ابن ماجة للألباني ١ : ٧٦ ح ١٢٠.

وقال الشيخ عبد الباقي في تعليقه على سنن ابن ماجه : « قوله ( فنال منه ) أي نال معاوية من علي ووقع فيه وسبّه » سنن ابن ماجه تحقيق الشيخ عبد الباقي ١ : ٨٢ ح ١٢١.

وقد مرّ عليك حديث أُم سلمة في ص ١٣١ عندما اعترضت عليهم بأنّ الرسول يسبّ فيهم لأنّهم يسبّون علياً ومن يحبه ، ورسول الله كان يحبه.

وأخرج مسلم في صحيحه ٤ : ١٤٩٠ كتاب الفضائل ، باب فضائل علي بن أبي طالب ، عن سعد بن أبي وقاص قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟

فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلن أسبّه سمعت رسول الله يقول له ، خلفه في بعض مغازيه فقال له علي : « يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان »؟ فقال له رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي » وسمعته يقول يوم خيبر : « لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويُحبُّه الله ورسوله ».

وعند ترتّب القضايا السابقة وهي : أن معاوية كان يسبّ علياً كما ذكر ذلك ابن ماجة بسند صحيح كما ذكر الألباني.

وأنّ سابّ علياً ، أو ساب من يحبّه يكون ساباً لله كما ذكر ذلك الألباني وصححه.

وأنّ الله يحبّ علياً كما هو واضح; لأنّ مسلماً أخرج ذلك في صحيحه.

فعند ترتيب هذه الأُمور يتّضح بلا أدنى شكّ أنّ معاوية بن أبي سفيان كان يسب الله سبحانه وتعالى ، وقد اتفق عموم المسلمين على أنّ ساب الله كافر سواء كان


عند ذلك يتلجلجون ويتلكّؤون في الجواب ، ويقولون أشياء إن دلّتْ على شيء فلا تدلّ إلاّ على سخافة العقول والتعصّب الأعمى المقيت ، يقول بعضهم مثلا : هذه أكاذيب من موضوعات الشيعة! والبعض الآخر يقول : هم صحابة رسول الله ، ولهم أن يقولوا في بعضهم ما شاؤوا ، أمّا نحنُ فلسنا في مُستَواهم لكي ننتقدهم!!

____________

سبه عن جد أو هزل. راجع المغني لابن قدامة ١٠ : ١١٣ ، المحلي لابن حزم ١١ : ٤١١ وغيرها.

إذن معاوية بن أبي سفيان يكون كافراً بنصّ أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقواله.

وهذا الحكم على معاوية بن أبي سفيان لابدّ أن يلتزم به الشيخ الألباني طبقاً لمبانيه; لأنّه لم يلتزم بعدالة عموم الصحابة ، بل حكم على بعضهم بأنّهم في النار تبعاً لأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد ذكر تحت حديث : « قاتل عمّار وسالبه في النار » ، أنّ أبا الغادية الجهني ( واسمه يسار بن سبع ) ، وهو صحابي ، وهو قاتل عمّار ، وبما أنّه صحّ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ قاتل عمار في النار ، فيكون أبو الغادية الجهني من أهل النار مع أنّه صحابي ، قال الشيخ الألباني في صحيحته ٥ : ١٨ ح ٢٠٠٨بعد تصحيحه حديث ( قاتل عمّار وسالبه في النار ، قال : « وأبو الغادية هو الجهني ، وهو صحابي كما أثبت ذلك جمع وجزم ابن معين أنّه قاتل عمار لا يمكن القول بأنّ أبا غادية القاتل لعمار مأجور لأنه قتله مجتهداً ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « قاتل عمّار في النار » ، فالصواب أن يقال : إنّ القاعدة صحيحة إلاّ ما دلّ الدليل القاطع على خلافها ، فيستثنى ذلك منها ، كما هو الشأن هنا ، وهذا خبر من ضرب الحديث الصحيح بها » ومراد من القاعدة هي : إنّ جميع الصحابة مجتهدون ، والله راض عنهم الخ.

فهنا على كلام الشيخ الألباني يلزم إخراج معاوية من القاعدة والحكم بكونه من أهل النار ، وإلاّ يلزم ضرب الأحاديث الصحيحة والتي صحح جميعها بالقاعدة ، وهو لا يقبل ذلك بل يقول : بلزوم تقديم الحديث الصحيح على القاعدة!!


سبحانك اللهمّ وبحمدك! لقد أوقفني كلامك في القرآن الكريم على حقائق كان من الصعب علىّ فهمها والاعتقاد بها ، وكنت كلّما قرأتُ :( وَلَقَدْ ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا اُوْلَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ اُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ ) (١) .

أتعجّبُ في نفسي وأقول : كيف يكون ذلك؟ أيمكن أن يكون الحيوان الأبكم أهدى من هذا الإنسان؟! أيمكن أن ينحتَ الإنسانُ حجراً ثمّ يعبدُهُ ويطلب منه الرزق والمعونة؟ ولكن والحمد لله زال عجبي عندما تفاعلتُ مع النّاس ، وسافرت إلى الهند ، ورأيتُ العجب العجاب ، رأيت دكاترة في علم التشريح يعرفون خلايا الإنسان ومكوّناته ، ولا يزالون يعبدون البقر ، ولو اقترف هذا الإثم الجاهلون من الهندوس لكان عذرهم مقبول ، ولكن أن ترى النخبة المثقّفة منهم يعبدون البقر والحجر والبحر والشمس والقمر فما عليك بعد ذلك إلاّ أن تسلّم وتفهم مدلول القرآن الكريم بخصوص البشر الذين هم أضلّ من الحيوان!!

شهادة أبي ذر الغفاري في بعض الصحابة

أخرج البخاري في جزئه الثاني في باب ما أُدّيت زكاتُه فليس بكنز ، عن الأحنف بن قيس قال : جلست إلى ملاً من قريش ، فجاء رجلٌ خشِنُ الشعر والثياب والهيئةِ حتّى قام عليهم فسلّم ثمّ قال : بشّر الكانزين برضْف يُحمى عليه في نار جهنم ، ثم يوضع على حلَمة ثديِ أحدهم يخرج من نُغضِ كتفِهِ ، ويوضَعُ على نُغضِ كتفِهِ حتى يخرجَ من حلمة ثديه يتزلزلُ ، ثُمّ

____________

(١) الأعراف : ١٧٩.


ولّى فجلس إلى سارية ، وتبعته وجلست إليه ، وأنَا لا أدري من هو.

فقلت له : لا أرى القومَ إلاّ قد كرهوا الذي قُلت ، قال : إنّهم لا يعقلون شيئاً ، قال لي خليلي ، قلت : من خليلك؟ قال : النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال لي : « يا أبا ذر أتبصر أحداً »؟ قال : فنظرتُ إلى الشمس ما بقي من النهار ، وأنَا أرى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُرسلني في حاجة لَه ، قلت : نعم ، قال : « ما أحبّ أن لي مثل أُحُد ذهباً أُنْفِقُه كُلَّهُ إلاّ ثلاثةَ دنانير. وإنّ هؤلاء لا يعقلون إنّما يجمعُون الدنيا ، لا والله لا أسألهم دنْيا ، ولا أستفتيهم عن دين حتّى ألقى الله عزّ وجلّ ». ( صحيح البخاري ٢ : ١١٢ )(١) .

وأخرج البخاري في جزئه السابع في باب الحوض وقول الله تعالى :( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « بينما أنا قائم فإذا زمرةٌ حتّى إذا عرفتهم خرج رجُلٌ من بيني وبينهم فقال : هَلُمَّ ، فقلتُ : أين؟ قال : إلى النّار والله ، قلت : وما شأنُهم؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهُم خرج رجُلٌ من بيني وبينهم فقال : هَلُمَّ ، قلتُ : أين؟ قال : إلى النّار والله ، قلتُ : ما شأنهم؟ قال : إنّهم ارتّدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراهُ يخلصُ منهم إلاّ مثل همل النَّعَمِ ».

____________

(١) ولعلّ قائلا يقول : من قال بأنّ هؤلاء كانوا من الصحابة؟

وللجواب عليه نذكر ما قاله ابن حجر العسقلاني في الإصابة ٢ : ٤٦٩ حيث قال : « إنّ من كان في عصر أبي بكر وعمر رجلا وهو من قريش فهو على شرط الصحبة ، لأنه لم يبق بعد حجة الوداع منهم أحد على الشرك ، وشهدوا حجة الوداع مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».


وعن أبي سعيد الخدري : « فيقال إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدَكَ ، فأقُولُ : سُحْقاً سُحْقاً لِمنْ غيَّرَ بعدي ». ( صحيح البخاري ٧ : ٢٠٨ ).

كما أخرج البخاري في جزئه الخامس من باب غزوة الحديبية وقول الله تعالى :( لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) :

عن العلاء بن المسيّب ، عن أبيه قال : لقيتُ البراء بن عازب رضي الله عنهما فقُلتُ : طوبى لك صَحِبتَ النبىَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبايعتَهُ تحت الشجرةِ ، فقال : يابن أخي ، إنّك لا تدري ما أحدثنَا بعده. ( صحيح البخاري ٥ : ٦٦ ).

وإنّها لشهادةٌ كبرى من صحابي كبير كان على الأقل صريح مع نفسه ومع النّاس ، وتأتي شهادته مؤكّدة لِمَا قاله اللّهُ تعالى فيهم :( أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ ) .

ومؤكّدة لما قاله النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فيقال لي ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ».

والبراء بن عازب وهو صحابي جليل من الأكابر ، ومن السّابقين الأوّلين الذين بايعوا النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الشجرة : يشهد على نفسه وغيره من الصحابة بأنّهم أحدثوا بعد وفاة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كي لا يغترّ بهم النّاس ، وأوضح بأنّ صحبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومبايعته تحت الشجرة ، والتي سمّيت بيعة الرضوان ، لا تمنعان من ضلالة الصحابي وارتداده بعد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأخرج البخاري في جزئه الثامن في باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لتتبعنّ سنن من كان قبلكم » عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « لتتّبعنَّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع ، حتّى لو دخلوا جُحْر ضبّ تبعتموهم » ، قلنا : يا رسول اللّهِ اليهود والنّصارى;


قال : « فمن »؟ ( صحيح البخاري ٨ : ١٥١ ).

شهادة التاريخ في الصحابة

ولنا بعد القرآن والسنّة شهادة أُخرى قد تكون أوضح وأصرح; لأنّها ملموسة ومحسوسة ، عاشها النّاس وشاهدوها وتفاعلوا معها ، فأصبحت تاريخاً يُدوّن ، وأحداثاً تحفظ وتكتب.

وإذا قرأنا كتب التاريخ عند أهل السنّة والجماعة كالطبري ، وابن الأثير ، وابن سعد ، وأبي الفداء ، وابن قتيبة ، وغيرهم لرأينا العجب العُجاب ، ولأدركنا أنّ ما يقوله أهل السنّة والجماعة في عدالة الصّحابة ، وعدم الطّعن في أىّ واحد منهم ، كلام لا يقوم على دليل ، ولا يقبله العقل السّليم ، ولا يوافق عليه إلاّ المتعصّبون الذين حجبت الظلمات عنهم النور ، ولم يعودوا يفرّقون بين محمّد النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله المعصوم ، الذي لا ينطق عن الهوى ولا يفعل إلاّ الحق وبين صحابته الذين شهد القرآن بنفاقهم وفسقهم وقلّة تقواهم ، فتراهم يدافعون عن الصّحابة أكثر ممّا يدافعون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأضرب لذلك مثلا :

عندما تقول لأحدهم بأنّ سورة عبسَ وتولَّى لمْ يكن المقصود بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما المقصود بها أحد كبار الصّحابة الذي عاتبه الله على تكبّره ، واشمئزازه عند رؤيته الأعمى الفقير ، فتراه لا يقبل بهذا التفسير ويقول : ما محمّد إلاّ بشرٌ ، وقد غلط مرات عديدة ، وعاتبه ربّه في أكثر من موقع ، وما هو بمعصوم إلاّ في تبليغ القرآن ، هذا رأيهُ في رسول الله!

ولكنّك عندما تقول بأنّ عمر بن الخطاب أخطأ في ابتداعه لصلاة التّراويح التي نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها ، وأمر النّاس بالصلاة في بيوتهم فُرادى إذا كانت الصلاة نافلة ( أي غير المكتوبة ) تراه يدافع عن عمر بن


الخطّاب دفاعاً لا يقبل النّقاش ويقول : إنّها بدعةٌ حسنة!! ويحاول بكلّ جهوده أن يلتمس له عذراً رغم وجود النّص من النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على النّهي!!

وإذا قلت له : إنّ عمر عطّل سهم المؤلّفة قلوبهم ، الذي حكم به الله تعالى في كتابه العزيز ، فتراه يقول : إنّ سيّدنا عمر عرف أنّ الإسلام قد قوِيَ فقال لهم : لا حاجة لنا فيكم ، وهو أعلَمُ بمفاهيم القرآن من كلّ النّاس! ألا تعجب من هذا؟!

ووصل الحدّ بأحدهم عندما قلتُ له : دعنا من البدعة الحسنة ومن المؤلّفة قلوبهم ، ما هو دفاعك عنه إذ أخذ يهدّد بحرق بيت فاطمة الزهراء بمن فيه إلاّ أن يخرجوا للبيعة(١) ؟

فأجابني بكلّ صراحة : معه الحقّ ، ولولا أنّه لم يفعل ذلك لتخلّف كثير من الصّحابة عند علي بن أبي طالب ، ولوقعت الفتنة!!

فكلامنا مع هذا النّمط من النّاس لا يجدي ولا ينفعُ ، ومع الأسف الشّديد فإنّ الأغلبية من أهل السنّة والجماعة يفكّرون بهذه العقلية; لأنّهم لا يعرفون الحقّ إلاّ من خلال عمر بن الخطاب وأفعاله ، فهم عكسوا القاعدة وعرفوا الحقّ بالرّجال ، والمفروض أن يعرفوا الرجالَ بالحقِّ « أعرف الحقّ تعرف أهلَهُ »(٢) ، كما قال الإمام علي.

ثمّ سَرَتْ هذه العقيدة فيهم ، وتعدّت عمر بن الخطاب إلى كلّ الصّحابة ،

____________

(١) ذكر ابن أبي شيبة في مصنّفه ٨ : ٥٧٢ التهديد بحرق دار الزهراء بأسانيد قوية ، وصحيحة.

(٢) أنساب الأشراف للبلاذري : ٢٧٤ ، تفسير القرطبي ١ : ٣٤٠ ، فيض القدير ١ : ٢٨ ، روضة الواعظين للفتال النيسابوري : ٣١.


فهم كلّهم عدول ولا يمكن لأحد خدشهم أو الطعن فيهم ، وبذلك ضربوا حاجزاً كثيفاً وسدّاً منيعاً على كلّ باحث يريد معرفة الحقّ ، فتراه لا يتخلّص من موجة حتى تعترضه أمواج ، ولا يتخلّص من خطر حتى تعترض سبيله أخطار ، ولا يكاد المسكين يصل إلى شاطئ السّلامة إلاّ إذا كان من أُولي العزم والصبر والشجاعة.

وإذا رجعنا إلى موضوع التاريخ فإنّ بعض الصّحابة قد كُشفتْ عوراتهم ، وسقطت أقنعتهم ، وظهروا على حقيقتهم التي حاولوا جُهدهم اخفاءها على النّاس ، أو حاول ذلك أنصارهم وأتباعهم ، أو قل : حكام السوء والمتزلّفين إليهم.

وأوّل ما يلفِتُ النّظر هو موقف هؤلاء تجاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غداة وفاته روحي له الفداء ، وكيف تركوه جثة ولم يشتغلوا بتجهيزه وتغسيله وتكفينه ودفنه ، بل أسرعوا إلى مؤتمرهم في سقيفة بني ساعدة يختصمون ويتنافسون على الخلافة ، والتي عرفوا صاحبها الشرعي ، وبايعوه في حياة النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ممّا يؤكّد لنا بأنّهم اغتنموا فرصة غياب علي وبني هاشم الذين أبتْ أخلاقُهم أن يتركوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُسجّى ويتسابقوا للسّقيفة ، فأراد هؤلاء أن يُبرمُوا الأمر بسرعة قبل فراغ أولئك من مهمّتهم الشريفة ، ويلزموهم بالأمر الواقع فلا يقدرون بعده على الكلام والاحتجاج; لأنّ أصحاب السّقيفة تعاقدوا على قتل كلّ من يحاول فسخ الأمر الذي أبرموه بدعوى مقاومة المخالفين واخماد الفتنة.


ويذكر المؤرخون أشياء عجيبة وغريبة وقعت في تلك الأيام من أُولئك الصّحابة الذين اصبحوا فيما بعد هم خلفاء الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمراء المؤمنين ، كحملهم النّاس على البيعة بالضّرب والتهديد بالقوة ، وكالهجوم على بيت فاطمة وكشفه ، وكعصر بطنها بالباب الذي كانت وَراءه حتى أسقطت جنينها ، واخراج علي مكتّفاً وتهديده بالقتل إن رفض البيعة ، وغصْب الزهراء حقوقها من النحلة والإرث وسهم ذي القربى حتّى ماتت غاضبة عليهم وهي تَدْعي عليهم في كلّ صلاة ، ودفنت في الليل سرّاً ولم يحضروا جنازتها ، وكقتلهم للصّحابة الذين أبوا أن يدفعوا الزّكاة لأبي بكر تريّثاً منهم حتّى يعرفوا سبب تأخّر علي عن الخلافة ، لأنّهم بايعوه في حياة النبىّ في غدير خم(١) .

وكهتكهم للمحارم ، وتعدّي حدود الله في قتل الأبرياء من المسلمين ، والدخول بنسائهم من غير احترام للعدّة(٢) ، وكتغييرهم أحكام الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المبيّنة في الكتاب والسنّة ، وإبدالها بأحكام اجتهادية تخدم مصالحهم الشخصية(٣) ، وكشرب بعضهم الخمر ، والمداومة على الزنا ، وهم ولاة المسلمين والحاكمون فيهم(٤) .

وكنَفْيِ أبي ذر الغفاري وطرده من مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى مات

____________

(١) قضية مالك بن نويرة مشهورة في كتب التاريخ ( المؤلّف ).

(٢) قضية خالد بن الوليد ودخوله بليلى بنت المنهال بعد قتل زوجها ( المؤلّف ).

(٣) كتعطيل إرث الزهراء ، وسهم ذي القربى ـ وسهم المؤلّفة قلوبهم ـ ومتعة الزواج ومتعة الحج وغيرها كثير ( المؤلّف ).

(٤) كقضية المغيرة بن شعبة وزناه بأُم جميل ، والقصة مشهورة في كتب التاريخ ( المؤلّف ).


وحيداً بدون ذنب اقترفه ، وضرب عمّار بن ياسر حتّى وقع له فتق ، وضرب عبد الله بن مسعود حتّى كُسرتْ أضلاعه ، وعزل الصحابة المُخلصين من المناصب ، وتوليّة الفاسقين والمنافقين من بني أُميّة أعداء الإسلام.

وكَسبِّ ولعن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً ، وقَتل من تشيّع لهم من الصّحابة الأبرار(١) .

وكاستيلائهم على الخلافة بالقهر والقوّة والقتل والإرهاب ، وتصفية من عارضهم بشتّى الوسائل كالاغتيال ودسّ السمّ وغير ذلك(٢) ، وكإباحتهم مدينة الرسول لجيش يزيد يفعل فيها ما يشاء رغم قول الرسول : « إنّ حرمي المدينة ، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين »(٣) .

وكرميهم بيت الله بالمنجنيق ، وحرقهم الحرم الشريف ، وقتلهم بعض الصّحابة بداخله.

وكحربهم لأمير المؤمنين ، وسيّد الوصيين ، سيّد العترة الطّاهرة الذي كان من رسول الله بمنزلة هارون من موسى في حرب الجمل ، وحرب صفين ،

____________

(١) كما قتل معاوية بن أبي سفيان حجر بن عدي الصحابي الجليل وأصحابه; لأنّه امتنع عن لعن علي بن أبي طالب ( المؤلّف ).

(٢) يقول المؤرّخون : كان معاوية يستدعي معارضيه ويسقيهم عسلا مسموماً فيخرجون من عنده ويموتون فيقول : إنّ لله جنداً من عسل ( المؤلّف ).

(٣) نحوه مسند أحمد ٣ : ٢٣٨ ، صحيح البخاري ١ : ٤٦٠ ، كتاب فضائل المدينة ، باب حرم المدينة ، ٤ : ٤٢٠ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب إثم من آوى محدثاً.


وحرب النهروان من أجل أطماع خَسيسة ، ودنيا فانية.

وكقتلهم سيّدىّ شباب أهل الجنّة الإمام الحسن بالسمّ والإمام الحسين بالذبح والتمثيل ، وقتل عترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأجمعهم ، فلم ينجُ منهم إلاّ علي ابن الحسين ، وكأفعال أُخرى يندى لها جبين الإنسانية ، وأُنزّه قلمي عن كتابتها ، وأهل السنّة والجماعة يعرفون الكثير منها ، ولذلك يحاولون جهدهم صدّ المسلمين عن قراءة التاريخ والبحث في حياة الصّحابة.

وما ذكرته الآن من كتب التاريخ من جرائم وموبقات هي من أعمال الصّحابة بلا شكّ ، فلا يمكنُ لعاقل بعد قراءة هذا؟! أن يبقى مُصرّاً على تنزيه الصّحابة والحكم بِعدَالَتِهْم وعدم الطّعن فيهم إلاّ إذا فقد عقله.

مع الملاحَظة الأكيدة بأنّنا واعون جدّاً إلى عدالة البعض منهم ، ونزَاهتهم وتَقْواهم ، وحبّهم لله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وثباتهم على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتّى قضوا نحبهم وما بدّلوا تبديلا ، فرضِي الله عنهم وأسكنهم بجوار حبيبهم ونبيّهم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهؤلاء هم أكبر وأعظم وأسْمَى من أن يَخْدِشَ في سمعتهم خادشٌ ، أو يتقوّل عليهم متقوّلٌ ، وقد مدحهم ربُّ العزّة والجلالة في عدّة مواضع من كتابه العزيز ، كما نوّه بصحبتهم وإخلاصهم نبىّ الرحمة أكثر من مرّة ، كما لم يسجّل لهم التاريخ إلاّ المواقف المشرّفة المليئة بالمروءة ، والنبل ، والشجاعة ، والتقوى ، والخشونة في ذات الله ، فهنيئاً لهم وحسن مآب ، جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ، ورضاءٌ من الله أكبر ذلك جزاء الشاكرين ، والشّاكرون ـ كما ذكر كتاب الله ـ هم أقلية قليلة ، فلا تَنْسَ!


أما الذين استسلموا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم ، وصاحبوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رغبة ورهبة ، أو لحاجة في نفس يعقوب ، ووبّخهم القرآن وهدَدهم وتوعّدهم ، وحذّرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحذّر منهم ، ولعنهم في عدّة مواطن ، وسجّل لهم التاريخ أعمال ومواقف شنيعة أمّا هؤلاء فليسوا جديرين بأيّ احترام ولا تقدير ، فضلا عن أن نترضّى عليهم وننزلهم منزلة النبيّين والشهداء والصالحين.

وهذا لعمري هو الموقف الحقّ الذي يزنُ الموازين بالقسط ، ولا يتعدّى حدود ما رسمه الله لعباده من موالاة المؤمنين ، ومعاداة الفاسقين ، والبراءة منهم.

قال تعالى في كتابه العزيز :( ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أعَدَّ اللّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً اُوْلَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أنَّهُمْ عَلَى شَيْء ألا إنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأنسَاهُمْ ذِكْرَ اللّهِ اُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ * إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ اُوْلَئِكَ فِي الأذَلِّينَ * كَتَبَ اللّهُ لاََغْلِبَنَّ أنَا وَرُسُلِي إنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أوْ أبْنَاءَهُمْ أوْ إخْوَانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ اُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ اُوْلَئِكَ


حِزْبُ اللّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ) (١) .

صدق الله العلي العظيم

ولا يفوتني في هذا الصّدد أن أُسجّل بأنّ الشيعة هم على حقّ لأنّهم لا يُلقون بالمودَة إلاّ لمحمّد وأهل بيته ، وللصحابة الذين ساروا على نهجهم ، وللمؤمنين الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدّين. وغير الشيعة من المسلمين يُلقون بالمودّة لكلّ الصّحابة أجمعين ، غير مبالين بمن حادّ الله ورسوله ، وعادةً هم يستدلُّون بقوله تعالى :( ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ربَّنَا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (٢) .

فتراهم يترضّون على علىّ ومعاوية ، غير مبالين بما ارتكبه هذا الأخير من أعمال أقلّ ما يقال فيها : إنّها كفرٌ وضلال ومحاربة لله ورسولَهُ ، وقد ذكرتُ فيما سبق تلك الطريفة التي لا بأس بتكرارها ، وهي أنّ أحَد الصالحين زار قبرَ الصّحابي الجليل حجر بن عدي الكندي ، فوجَدَ عنده رجُلا يبكي ويُكثر البكاء ، فظنّه من الشيعة فسأله : لماذا تبكي؟ أجاب : أبكي على سيّدنا حجر رضي اللّهُ تعالى عنه!

قال : ماذا أصابه؟

أجاب : قَتلَهُ سيّدنا معاوية رضي الله تعالى عنه!

قال : ولماذا قتَلَهُ؟

أَجاب : لأنّه امتنع عن لعن سيّدنا علي رضي الله تعالى عنه!

____________

(١) المجادلة : ١٤ ـ ٢٢.

(٢) الحشر : ١٠.


فقال له ذلك الصّالحُ : وأنا أبكي عليكَ أنتَ رضي الله تعالى عَنْكَ!!

فلماذا هذا الإصرار والعناد على مودَة كلّ الصّحابة أجمعين حتّى نراهم لا يصلّون على محمّد وآله إلاّ ويُضيفون وعلى أصحابه أجمعين ، فلا القرآن أمرَهم بذلك ، ولا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طلب منهم ذلك ، ولا أحدٌ من الصّحابة قال بذلك ، وإنّما كانت الصّلاة على محمّد وآل محمّد كما نزل بها القرآن ، وكما علّمها لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وإن شككْتُ في شيء فلا ولن أشكَّ في أنّ الله طلب من المؤمنين مودّة ذي القربى وهم أهل البيت ، وجعلها فرضاً عليهم كأجر على الرسالة المحمّدية ، فقال تعالى :

( قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) (١) .

وقد اتّفق المسلمون بلا خلاف على مودّة أهل البيت عليهم الصّلاة والسّلام واختلفوا في غيرهم ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « دع ما يريبُك إلى ما لا يُريبُكَ »(٢) .

وقولُ الشيعة في مودّة أهل البيت ومن تبعهم لا ريب فيه ، وقولُ أهل السنّة والجماعة في مودّة الصّحابة أجمعين فيه ريبٌ كبير ، وإلاّ كيف يُلقي المسلمُ بالمودّة إلى أعداء أهل البيتعليهم‌السلام وقاتليهم ويترضّى عنهم؟! أليس هذا هو التناقض المقيت؟

____________

(١) الشورى : ٢٣.

(٢) مسند أحمد ١ : ٢٠٠ وصرّح محقق المسند الشيخ أحمد شاكر بصحته ، صحيح البخاري ٣ : ٤ كتاب البيوع ، باب تفسير المشبهات نقلها بعنوان مقولة لحسان بن أبي سنان.


ودع عنك قول أهل الشطحات ، وبعض المتصوّفة الذين يزعمون أن الإنسان لا يصفى قلبه ، ولا يعرف الإيمان الحقيقي إلاّ عندما لا يبقى في قلبه مثقال ذرة من بُغض لعباد الله أجمعين; من يهود ونصارى وملحدين ومشركين ، ولهم في ذلك أقوال عجيبة وغريبة يلتقوا فيها مع المبشّرين من رجال الكنيسة المسيحيين ، الذين يُموّهوا على النّاس بأنّ اللّهَ محبّة والدّين محبّة ، فمن أحبّ مخلوقاته فليس له حاجة بالصّلاة والصّوم والحج وغير ذلك!!

إنّها لعمري خزعبلاتٌ لا يقرّها القرآن والسنّة ولا العقل ، فالقرآن الكريم يقول :( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ ) (١) .

ويقول :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (٢) .

وقال تعالى :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٣) .

وقال أيضاً :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ ) (٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يتمّ إيمان المؤمن حتّى يكون حبّه في الله وبغضه في الله ».

____________

(١) المجادلة : ٢٢.

(٢) المائدة : ٥١.

(٣) التوبة : ٢٣.

(٤) الممتحنة : ١.


وقال ـ أيضاً ـ : « لا يجتمع في قلب مؤمن حبّ الله وحبّ عدوّه ».

والأحاديث في هذا المجال كثيرة جدّاً ، ويكفي العقل وحده دليلا بأنّ الله سبحانه حبّبَ للمؤمنين الإيمان وزيّنه في قلوبهم ، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، فقد يكره الإنسان ابنَهُ أو أباه أو أخاه لمعاندة الحقّ والتمادي في طريق الشيطان ، وقد يحبّ ويوالي أجنبي لا تربطه به إلاّ إخوّة الإسلام.

ولكلّ هذا يجبُ أن يكون حُبّنا وودّنا وموالاتنا لمن أمر الله بمودّتهم ، كما يجبُ أن يكون بغضنا وكرهنا وبراءتنا لمن أمر الله سبحانه بالبراءة منهم.

ومن أجل ذلك كانت موالاتنا لعلي والأئمّة من بنيه من غير أن تكون لنا علاقة مسبقة بمودّتهم ، وذلك لأنّ القرآن والسنّة والتّاريخ والعقل لم يتركوا لنا فيهم أي ريب.

ومن أجل ذلك كانت ـ أيضاً ـ براءتنا من الصّحابة الذين اغتصبوا حقّه في الخلافة ، من غير أن تكون لنا علاقة مسبقة ببغضهم; وذلك لأنّ القرآن والسنّة والتاريخ والعقل تركوا لنا فيهم ريباً كبيراً.

وبما أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا بقوله : « دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك » فلا ينبغي لمسلم أنْ يتّبع أيّ أمر مريب ، ويترك الكتاب الذي لا ريب فيه.

كما يجبُ على كلّ مسلم أن يتحرّر من قيوده وتقاليده ، ويحكّم عقله بدون أفكار مسبقة ولا أحقاد دفينة; لأنّ النّفس والشيطان عدوّان خطيران يُزيّنان للإنسان سوء عمله فيراه حسناً ، ولنعم ما قاله الإمام البوصيري في البردة :


وخالف النّفس والشيطان واعصهما

وإن هما محّضاك النصح فاتّهم

وعلى المسلمين أن يتّقوا الله في عباده الصّالحين منهم ، أمّا الذين لم يكونوا من المتّقين فلا حرمة لهم ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا نميمة في فاسق » ليكشف المسلمون أمره ، فلا يغترّون به ولا يوالونَه.

وعلى المسلمين أنْ يكونوا اليوم صادقين مع أنفسهم ، وينظروا إلى واقعهم المؤلم الحزين المخزي ، ويكفيهم من التغنّي والتفاخر بأمجاد أسلافهم وكبرائهم ، فلو كان أسلافنا على حقّ كما نصوّرهم اليوم لما وصلنا نحن إلى هذه النتيجة التي هي حتماً حصيلة الانقلاب الذي وقع في الأُمّة بعد وفاة نبيّها ، روحي وأرواح العالمين له الفداء.

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ أوِ الوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيّاً أوْ فَقِيراً فَاللّهُ أوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أنْ تَعْدِلُوا وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) (١) .

قول أهل الذكر بخصوص بعض الصحابة

قال الإمام عليعليه‌السلام ، يصف هؤلاء الصّحابة المعدودين من السّابقين الأوّلين :

« فلمّا نهضت بالأمر ، نكثتْ طائفةٌ ، ومرقتْ أُخرى ، وقسط آخرون(٢) ،

____________

(١) النساء : ١٣٥.

(٢) يقول محمّد عبده في شرح نهج البلاغة من الخطبة الشقشقية في هذا : الناكثون أصحاب الجمل ، والمارقون أصحاب النهروان ، والقاسطون أي الجائرون وهم أصحاب صفين. ( المؤلّف ).


كأنّهم لم يسمعوا كلامَ الله حيث يقول :( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (١) !! بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حليت الدنيا في أعُينهم ، وراقهم زبْرجُها »(٢) .

وقال ـ أيضاً ـ سلام الله عليه فيهم : « اتّخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً ، واتّخذهم له أشراكاً ، فباض وفرّخ في صدورهم ، ودبّ ودرج في حجُورهم ، فنظر بأعينهم ، ونطق بألسنتهم ، فركب بهم الزّلل ، وزيّن لهم الخطل ، فعل من قد شرّكه الشيطان في سلطان ، ونطق بالباطل على لسانه »(٣) .

وقالعليه‌السلام في الصّحابي المشهور عمرو بن العاص : « عجباً لابن النّابغة لقد قال باطلا ، ونطق إثماً ، أما وشرُّ القول الكذبُ ، إنّه يقول فيكذب ، ويعد فيُخلِفُ ، ويُسْأَلُ فيُلحِفُ ، ويسأل فيْبَخلُ ، ويخونُ العهدَ ويقطَعُ الإلَّ »(٤) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذبَ ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان »(٥) .

وكلّ هذه الرّذائل وأكثر منها موجودة في عمرو بن العاص.

وقالعليه‌السلام في مدح أبي ذر الغفّاري ، وذمّ عثمان ومن معه الذين أخرجوه إلى الربذة ، ونفوه إلى أن مات وحيداً :

____________

(١) القصص : ٨٣.

(٢) نهج البلاغة ١ : ٣٦ ، الخطبة ٣.

(٣) نهج البلاغة ١ : ٤٢ ، الخطبة ٧.

(٤) نهج البلاغة ١ : ٤٧ ، الخطبة ٨٤.

(٥) تحف العقول : ١٠ ، صحيح البخاري ١ : ١٤ كتاب الإيمان ، باب علامة المنافق ، صحيح مسلم ١ : ٥٦ كتاب الإيمان ، باب بيان خصال المنافق.


« يا أبا ذر ، إنّك غضبت لله فارج من غضبتَ لهُ ، إنّ القومَ خافوك على دنياهم وخفتَهُم على دينك ، فاترك في أيديهم مَا خَافوك عليه ، واهرب منهم بما خِفتَهُم عليه ، فَما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عمّا منعوك ، وستعلم من الرابحُ غداً والأكثر حُسَّداً ، ولو أنّ السّماوات والأرضين كانت على عبد رتْقّاً ثم اتّقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً ، ولا يُؤْنِسَنَّك إلاّ الحقُّ ، ولا يُوحشَنَّكَ إلاّ الباطِلُ ، فلو قبِلتَ دنياهم لأَحبُّوك ، ولو قرضت منها لأَمنوك »(١) .

وقالعليه‌السلام في المغيرة بن الأخنس ، وهو ـ أيضاً ـ من أكابر الصّحابة : « يابن اللّعين الأبتر ، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع ، والله ما أعزّ الله من أنتَ ناصِرُهُ ، ولا قامَ منْ أنتَ مُنْهِضُهُ ، اخرج عنّا أبعد الله نواكَ ، ثمَّ أبلغْ جهدَكَ فلا أبقَى الله عليك إنْ أبقيت »(٢) .

وقالعليه‌السلام في طلحة والزّبير الصّحابيين الشهيرين اللذين حارباه بعدما بايعاه ونكثا بيعته :

« والله ما أنكروا عليّ مُنكراً ، ولا جعلوا بيني وبينهم نصَفاً ، وإنّهم ليطلبون حقّاً هُمْ تركوه ، ودَماً هُمْ سفكُوهُ »(٣) .

« وإنّها للفئة الباغية فيها الحِمَا والحُمَّةُ ، والشبْهةُ المُغْدِقَةُ ، وإنّ الأمر لواضحٌ ، وقد زاح الباطلُ عن نصابه ، واقطع لسانُه عن شغبهِ

____________

(١) نهج البلاغة ٢ : ١٣ ، الخطبة ١٣٠.

(٢) نهج البلاغة ٢ : ١٨ ، الخطبة ١٣٥.

(٣) نهج البلاغة ١ : ٥٩ ، الخطبة ٢٢.


فأقبلتُمْ إلي إقبال العوذِ المطافيل على أولادها ، تقولون : البيعةَ البيعةَ ، قبضْتُ كفِّي فبسطتُموها ، ونازعتكم يدي فجاذبتموها.

اللّهمّ إنّهما قطعاني وظلماني ، ونكثا بيعتي ، وأَلَّبَا النَّاسَ علىَّ ، فاحلُلْ ما عقَدَا ، ولا تُحكم لهما مَا أبرما ، وأرِهمَا المسَاءَة فيما أَمَّلاَ وعَمِلاَ ، ولقد استتبْتُهُمَا قبل القتال ، واستأنيتُ بهما أمَامَ الوقاعِ ، فغَمَطَا النّعمة ، وردَّا العَافيةَ »(١) .

وفي رسالة منه إليهما أيضاً :

« فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما ، فإن الآن أعظمُ أمركما العارُ من قبل أن يجتمع العارُ والنارُ ، والسلام »(٢) .

وقالعليه‌السلام في مروان بن الحكم ، وقد أسره في حرب الجمل ثمّ أطلق سراحه ، وهو من الذين بايعوا ونكثوا البيعة :

« لا حاجة لي في بيعتِهِ ; إنّها كـفٌّ يهوديّة ، لو بايعني بكفَّهِ لغَدَرَ بسبَّتِهِ ، أَمَا إنّ لَهُ إمْرَةٌ كلعقةِ الكلْبِ أَنْفَهُ ، وهو أبو الأكبش الأربعة. ، وستلقَى الأُمَّةُ منْهُ ومِنْ ولَدِهِ يوماً أحْمَرَ »(٣) .

وقالعليه‌السلام في الصّحابة الذين خرجوا مع عائشة إلى البصرة في حرب الجمل ، وفيهم طلحة والزبير :

« فخرجوا يجرّون حُرمَةَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما تُجرُّ الأمة عند شرائِهَا ،

____________

(١) نهج البلاغة ٢ : ٢١ ، الخطبة ١٣٧.

(٢) نهج البلاغة ٣ : ١١٢ ، الخطبة ٥٤.

(٣) نهج البلاغة ١ : ١٢٣ ، الخطبة ٧٣.


متوجّهين بها إلى البصرة ، فحبسَا نساءهُما في بُيوتهما وأبْرزَا حبيس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهُما ولغيرهما ، في جيش ما منهم رجلٌ إلاّ وقد أعطاني الطاعة ، وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكره.

فقدِمُوا على عاملي بها ، وخُزّان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها ، فقتلوا طائفة صبراً ، وطائفة غدْراً ، فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلاّ رجلا واحداً متعمدين لقتله بلا جُرم جرّهُ ، لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه إذْ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد ، دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة التي دخلوا بها عليهم »(١) .

وقالعليه‌السلام في عائشة وأتْباعها من الصّحابة في حرب الجمل :

« كنتُمْ جند المرأةِ ، وأتباعَ البهيمة ، رغا فأجبتُمْ ، وعَقَر فهربتُم ، أخلاقُكم دقاقٌ ، وعهدُكم شقاقّ ، ودينكم نفاقٌ »(٢) .

« أمّا فلانة فأدركها رأيُ النّساء ، وضغنٌ غَلا في صدرها كمرجَلِ القين ، ولو دُعيتْ لتَنال من غيري ما أتتْ إلىّ لم تفعَلْ ، ولها بعدُ حُرمتُها الأُولى ، والحسابُ على الله تعالى »(٣) .

وقالعليه‌السلام في قريش عامّة ، وهم صحابة بلا شكّ :

« أمّا الاستبدادُ علينا بهذا المقام ونحنُ الأعلونَ نسباً ، والأشدّونَ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نَوْطاً ، فإنّها كانت أَثَرَةٌ شَحّتْ عليها نفوس قوم ، وسخت عنها

____________

(١) نهج البلاغة ٢ : ٨٦ ، الخطبة ١٧٢.

(٢) نهج البلاغة ١ : ٤٥ ، الخطبة ١٣.

(٣) نهج البلاغة ٢ : ٤٨ ، الخطبة ١٥٦.


نفوسُ قوم آخرين ، والحكمُ الله ، والمَعودُ إليه القيامةُ.

ودع عنك نهباً صِيحَ في حُجَراته

ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

وهلّم الخطبَ في ابن أبي سفيان ، فلقد أضحكني الدّهرُ بعد إبكائه ، ولا غروَ والله فيا له خطباً يستفرغُ العَجَبَ ويُكثِرُ الأوَدَ ، حاول القومُ إطفاء نور الله من مصباحه ، وسدّ فوَّاره من يُنبوعِهِ ، وجَدَحوا بيني وبينهم شِرباً وبيئاً ، فإن ترتفعُ عنّا وعنهم مِحَنُ البلوى أحملهم من الحـقّ على محضِهِ ، وإنْ تكنِ الأخري( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) »(١) .

وقال في هذا المعنى عند دفنه سيدة النّساء فاطمة الزّهراء ، وهو يخاطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« وستُنْبئُكَ ابنتك بتضَافِرُ أُمّتِكَ على هضْمِهَا ، فأحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخلُ منك الذكر »(٢) .

وقالعليه‌السلام في رسالة إلى معاوية بعث بها إليه :

« فإنّك مُترفٌ قد أخذ الشيطانُ منك مأْخذَهُ ، وبَلَغَ فيكَ أَمَلَهُ ، وجَرى منْك مجرى الروح والدَّم.

ومتى كنتم ـ يا معاوية ـ ساسة الرعيّة ، وولاّة أمر الأُمّةِ بغير قدم سابق ولا شرف باسق ، ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشّقاء؟! وأُحذّرك أن تكون مُتمادياً في غِرَّة الأمنيةِ مُختلفِ العلانية والسريرة.

وقد دعوت إلى الحرب فدع النّاسَ جانباً ، وأخرج إلىَّ وأعفِ الفريقين

____________

(١) نهج البلاغة ٢ : ٦٤ ، الخطبة ١٦٢.

(٢) نهج البلاغة ٢ : ١٨٢ ، الخطبة ٢٠٢.


من القتالِ ، ليُعلمَ أيّنَا المَرينُ على قلبه ، والمُغَطَّى على بصره ، فأنا أبو الحسن قاتلُ جدّكَ وخالِكَ وأخيك شدخاً يوم بدر ، وذلك السيفُ معي ، وبذلك القلب أَلْقَى عدوّي ، ما استبدلتُ ديناً ، ولا استحدثتُ نبيّاً ، وإنّي لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعينَ ودخلتم فيه مُكْرهين »(١) .

« وأمّا قولُكَ إنّا بنو عبد مناف فكذلك نحنُ ، ولكن ليس أُميةَ كهاشم ، ولا حربٌ كعبد المُطّلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجرُ كالطليقُ ، ولا الصَّريحُ كاللّصيقِ ، ولا المحقُّ كالمُبطلِ ، ولا المؤمِنُ كالمُدْغِلِ ، ولبئْسَ الخَلَفُ خَلَفٌ يتتبعُ سلفاً هَوَى في نار جهنّم.

وفي أيدينا بعدُ فضل النبوّة التي أذلَلْنا بها العزيز ، ونعشنا بها الذّليل ، ولمّا أدخل الله العرَبَ في دينه أفواجاً ، وأسلمتْ له هذه الأُمّة طوعاً وكرهاً كنتم ممّن دخَلَ في الدِّين إمّا رغبةً وإمّا رهبةً ، على حين فازَ أهل السّبقِ بسبْقِهم ، وذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم »(٢) .

« وقد دعوتنا إلى حُكْمِ القرآن ولَسْتَ من أَهْلِهِ ، ولسنا إيّاكَ أَجبْنَا ، ولكِنَّا أجبنَا القرآن في حُكْمِهِ ، والسّلام »(٣) .

( وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ) (٤) .

____________

(١) نهج البلاغة ٣ : ١٢ ، الخطبة ١٠.

(٢) نهج البلاغة ٣ : ١٧ ، الخطبة ١٧.

(٣) نهج البلاغة ٣ : ٧٨ ، الخطبة ٤٨.

(٤) الإسراء : ٤٨.


الفصل الخامس

فيما يتعلّق بالخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان

إنّ أهل السنّة والجماعة ـ وكما قدّمنا ـ لا يسمحون بنقد وتجريح أىّ صحابي من صحابتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعتقدون بعدالتهم جميعاً ، وإذا كتب أيّ مفكر حرّ ، وتناول بالنقد أفعال بعض الصّحابة ، فهم يُشنّعون عليه بل ويكفّرونه ولو كان من علمائهم.

وذلك ما حصل لبعض العلماء المتحرّرين المصريين وغير المصريين أمثال الشيخ محمود أبو ريّة صاحب « أضواء على السنّة المحمدية » ، وكتاب « شيخ المضيرة » ، وكالقاضي الشيخ محمّد أمين الأنطاكي صاحب كتاب « لماذا اخترت مذهب أهل البيت » ، وكالسيّد محمّد بن عقيل الذي ألّف كتاب « النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية » ، بل ذهب بعض الكتّاب المصريين إلى تكفير الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر عندما أفتى بجواز التعبّد بالمذهب الجعفري.

وإذا كان شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية يُشنّع عليه لمجرّد اعترافَه بالمذهب الشيعي ، الذي ينتسِبُ لأُستاذ الأئمة ومعلّمهم جعفر الصادقعليه‌السلام ، فما بالك بمن اعتنق هذا المذهب بعد بحث وقناعة ، وتناول بالنقد المذهب الذي كان عليه وورثه من الآباء والأجداد؟! فهذا ما لا يسمح به أهل السنّة


والجماعة ، ويعتبرونه مروقاً عن الدّين وخروجاً عن الإسلام ، وكأنّ الإسلام على زعمهم هو المذاهب الأربعة ، وغيرها باطل!!

إنّها عقول متحجّرة وجامدة ، تُشبهُ تلك العقول التي يحدّثنا عنها القرآن ، والتي واجهت دعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعارضته معارضة شديدة; لأنّه دعاهم إلى التوحيد وترك الآلهة المتعدّدة ، قال تعالى :( وَعَجِبُوا أنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً وَاحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) (١) .

ولكلّ ذلك فأنا واثقُ من الهجمة الشرسة التي سوف تُواجهني من أُولئك المتعصّبين الذين جعلوا أنفسهم قوّامين على غيرهم ، فلا يحقّ لأحد أن يخرج عن المألوف لديهم ، ولو كان هذا المألوف لا يمتّ للإسلام بشيء!! وإلاّ كيف يحكم على من انتقد بعض الصّحابة في أعمالهم بالخروج عن الدّين والكفر ، والدّينُ بأُصوله وفروعه ليس فيه شيء من ذلك؟!

بعض المتعصّبين كان يروّج في أوساطه بأنّ كتابي « ثمّ اهتديت » يشبه كتاب سلمان رُشدي ، ليصدّ الناس عن قراءته بل ويحثّهم على لعن كاتبه!!

إنّه الدسّ والتزوير والبهتان العظيم الذي سوف يُحاسبه عليه ربّ العالمين ، وإلاّ كيف يُقارن كتاب « ثمّ اهتديت » الذي يدعو إلى القول بعصمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنزيهه ، والاقتداء بأئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً; بكتاب « الآيات الشيطانية » الذي يشتمُ فيه صاحبه الملعون الإسلام ونبي الإسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعتبر أنّ الدين الإسلامي هو نفثة الشياطين؟!

____________

(١) ص : ٥.


فالله يقول :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ ) (١) .

ومن أجل هذه الآية الكريمة فأنا لا أُبالي إلاّ برضاء الله سبحانه وتعالى ، ولا أخشى فيه لومة لائم ما دمتُ أُدافعُ عن الإسلام الصحيح ، وأُنزّه نبيَّهُ الكريم عن كلّ خطأ ، ولو كان ذلك على حساب نقد بعض الصّحابة المقرّبين ، ولو كانوا من « الخلفاء الراشدين »; لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أولى بالتنزيه من كلّ البشر.

والقارئ الحرُّ اللّبيب يفهمُ من كلّ مؤلّفاتي ما هو الهدف المنشود ، فليست القضية هي انتقاصُ الصّحابة والنيل منهم بقدر ما هو دفاع عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعصمته ، ودفع الشبهات التي ألصقها الأمويون والعباسيون بالإسلام وبنبىّ الإسلام ، خلال القرون الأُولى التي تحكّموا فيها على رقاب المسلمين بالقهر والقوّة ، وغيّروا دين الله بما أملته عليهم أغراضهم الدنيئة ، وسياستهم العقيمة ، وأهواؤهم الخسيسة.

وقد أثّرتْ مؤامرتهم الكبرى على كتلة كبيرة من المسلمين الذين اتبعوهم عن حسن نيّة فيهم ، وتقبّلوا كلّ ما رووه من تحريف وأكاذيب على أنّها حقائق ، وأنّها من الإسلام ، ويجب على المسلمين أن يتعبّدوا بها ولا يُناقشوها!!

ولو عرف المسلمون حقيقة الأمر لما أقاموا لهم ولا لمروياتهم وزناً.

ثمّ إنّه لو كان التاريخُ يروي لنا بأنّ الصّحابة كانوا يمتثلون أوامر رسول

____________

(١) النساء : ١٣٥.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونواهيه ، ولا يناقشونه ولا يعترضون على أحكامه ، وأنّهم لم يعصوه في أواخر أيام حياته في عدّة أحكام; لحكمنا بعدَالتِهم جميعاً ، ولما كان لنا في هذا المجال بحثٌ ولا كلام.

أمّا وإنّ منهم مكذّبون ، ومنهم منافقون ، ومنهم فاسقون بنصّ القرآن والسنّة الثابتة الصحيحة. أمّا وأنّهم اختلفوا بحضرته ، وعصوه في أمر الكتاب حتّى اتهموه بالهذيان ، ومنعوه من الكتابة ، ولم يمتثلوا أوامره عندما أمّر عليهم أُسامة أمّا وإنّهم اختلفوا في خلافتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أهملوا تغسيله وتجهيزه ودفنه ، واختصموا من أجل الخلافة ، فرضي بها بعضهم ورفضها بعضهم الآخر أمّا وإنّهم اختلفوا في كلّ شيء بعده حتّى كفّر بعضهم بعضاً ولعن بعضهم بعضاً ، وتحاربوا فقتل بعضهم بعضاً ، وتبرّأ بعضهم من بعض.

أمّا وإنّ دين الله الواحد أصبح مذاهب متعدّدة وآراء مختلفة; فلابدّ والحال هذه أنْ نبحث عن العلّة وعن الخللْ الذي أرجع خير أُمّة أُخرجت للنّاس ، وأهوى بها إلى الحضيض ، فأصبحتْ أذلّ وأجهل وأحقر أُمّة على وجه البسيطة ، تنتهكُ حُرماتها ، وتحتلُّ مقدساتْها ، وتستعمرُ شعوبُها ، وتشرّدُ وتطردُ من أراضيها ، فلا تقدر على دفع المعتدين ، ولا مسح العار عن جبينها؟!

والعلاج الوحيد فيما أعتقد لهذه المعضلة هو النقد الذّاتي ، فكفانا التغنّي بأسلافنا وبأمجادنا المزيّفة التي تبخَرتْ وأصبحت متاحف أثرية خالية حتى من الزوّار ، والواقع يدعونا أن نبحث عن أسباب أمراضنا وتخلّفنا ، وتفرّقنا وفشلنا حتى نكتشف الدّاء فنشخّص له الدواء الناجع لشفائنا ، قبل


أن يقضي علينا ويأتي على آخرنا.

هذا هو الهدف المنشود ، والله وحده هو المعبود ، وهو الهادي عباده إلى سواء الصراط.

وما دام هدفنا سليماً ، فما قيمة اعتراض المعترضين والمتعصّبين الذين لا يعرفون إلاّ السّباب والشتائم بحجّة الدفاع عن الصّحابة ، وهؤلاء لا نلومهم ولا نحقد عليهم بقدر ما نرثي لحالهم; لأنّهم مساكين منعهم حسنُ ظنّهم بالصّحابة وحجبَهم عن الوصول للحقيقة ، فما أشبههم بأولاد اليهود والنّصارى الذين أحسنوا الظنّ بآبائهم وأجدادهم ، ولم يكلّفوا أنفسهم جهد البحث في الإسلام ، معتقدين بمقالة أسلافهم بأنّ محمّداً كذّابٌ ، وليس هو بنبىّ ، قال تعالى :( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ ) (١) .

وبمرور القرون المتتالية أصبح من العسير اليوم على المسلم أن يُقنع يهوديّاً أو نصرانيّاً بعقيدة الإسلام ، فما بالك بمن يقول لهم بأنّ التوراة والانجيل اللذين يتدالونهما هما محرّفان ، ويستدلّ على ذلك بالقرآن ، فهل يجد هذا المسلم آذاناً صاغية لديهم؟

وكذلك المسلم البسيط الذي يعتقد بعدالة كلّ الصّحابة ، ويتعصّب لذلك بدون دليل ، فهل يمكن لأحد من النّاس أن يقنعه بعكس ذلك؟

وإذا كان هؤلاء لا يطيقون جرح ونقد معاوية وابنه يزيد ، وأمثالهم كثير الذين شوّهوا الإسلام بأعمالهم القبيحة; فما بالك إذا كلّمتهم عن أبي بكر وعمر وعثمان ( الصديق والفاروق ومن تستحي منه الملائكة ) ، أو عن عائشة

____________

(١) البينة : ٣.


أُمّ المؤمنين زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابنة أبي بكر ، والتي تكلّمنا عنها في فصل سابق بما رواه عنها أصحاب الصحاح المعتمدين عند أهل السنة؟!

وجاء الآن دور الخلفاء الثلاثة لنكشف عن بعض أفعالهم التي سجّلها عليهم صحاح السنّة ومسانيدُهم وكتب التاريخ المعتمدة لديهم ، لنبيّن ـ أوّلا ـ أنّ مقولة عدالة الصّحابة غير صحيحة ، وأنّ العدالة انتفتْ حتى عن بعض الصّحابة المقرّبين.

ولنكشف ـ ثانياً ـ لإخواننا من أهل السنّة والجماعة بأنّ هذه الانتقادات لا تدخل في السبّ والشتم والانتقاص بقدر ما هي إزالة للحجب للوصول إلى الحقّ ، كما أنّها ليست من مختلقات وأكاذيب الروافض كما يدّعي عامّة النّاس ، وإنّما هي من الكتب التي حكموا بصّحتها ، وألزمُوا أنفسهم بها.

أبو بكر الصدّيق في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء السادس صفحة ٤٦ في كتاب تفسير القرآن سورة الحجرات ، قال : حدّثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، قال : كاد الخيّران أن يهلكا; أبا بكر وعمر رضي الله عنهما; رفعا أصواتُهما عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قدمَ عليه ركبُ بني تميم ، فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع ، وأشار الآخرُ برجل آخر ، قال نافع : لا أحفظ اسمه ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردتَ إلاّ خلافي ، قال : ما أردتُ خلافك ، فارتفعتْ أصواتُهما في ذلك ، فأنزل الله :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ ) (١) الآية.

____________

(١) الحجرات : ٢.


قال ابن الزبير : فما كان عمر يُسمِعُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد هذه الآية حتّى يستفهمَه ، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر.

كما أخرج البخاري في صحيحه في الجزء الثامن صفحة ١٤٥ من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، باب ما يكره من التعمّق والتنازع ، قال : أخبرنا وكيع ، عن نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : كاد الخيّران أن يَهلكا أبو بكر وعمر; لما قدم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفْدُ بني تميم ، أشار أحدُهما بالأقرع ابن حابس التميمي الحنظلي أخي بني مُجَاشِع ، وأشارَ الآخرُ بغيره ، فقال أبو بكر لعمر : إنّما أردتَ خلافِي ، فقال عمر : ما أردتُ خلافكَ ، فارتفعت أصواتُهما عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزلت :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُمْ وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ اُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأجْرٌ عَظِيمٌ ) (١) .

قال ابن أبي مليكة : قال ابن الزبير : فكان عمر بعدُ ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر إذا حدّث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحديث حدّثه كأخي السرار لم يُسمعه حتّى يستفهمه.

كما أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الخامس صفحة ١١٦ من كتاب المغازي ـ وفد بني تميم قال : حدّثنا هشام بن يوسف ، أنّ ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة ، أنّ عبد الله بن الزبير أخبرهم أنّه قدم ركبٌ من بني تميم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال أبو بكر : أمرِّ القعقاع بن معبد بن زرارة ،

____________

(١) الحجرات : ٢ ـ ٣.


فقال عمر : بل أمِّر الأقرع بن حابس ، قال أبو بكر : ما أردتَ إلاّ خلافي ، قال عمر : ما أردتُ خلافك ، فتمارياً حتّى ارتفعتْ أصواتهما ، فنزلت في ذلك :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) (١) حتى انقضت.

والظاهر من خلال هذه الروايات أنّ أبا بكر وعمر لم يتأدّبا بحضرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالآداب الإسلامية ، وسمحا لأنفسهما بأن يُقدّمَا بين يدي الله ورسوله بغير إذن ولا طلب منهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبديا رأيهما في تأمير أحد من بني تميم ، ثمّ لم يكتفيا حتى تشاجرا بحضرته ، وارتفعتْ أصواتهما أمامه من غير احترام ولا مُبالاة بما تفرضه عليهما الأخلاق والآداب ، التي لا يمكن لأيّ أحد من الصّحابة أن يجهلها أو يتجاهلها ، بعد ما قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حياته في تعليمهم وتربيتهم.

ولو كانت هذه الحادثة قد وقعتْ في بداية الإسلام لالتمسنا للشيخين في ذلك عُذْراً ، ولحاولنا أن نجد لذلك بعض التأويلات.

ولكنّ الروايات تثبت بما لا يدع مجالا للشكّ بأنّ الحادثة وقعت في أواخر أيّام النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ أنّ وفد بني تميم قدم على رسول الله في السنة التاسعة للهجرة ، ولم يعش بعدها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ بضعة شهور ، كما يشهد بذلك كلّ المؤرخين والمحدّثين الذين ذكروا قدوم الوفود على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي تحدّث عنها القرآن الكريم في أواخر السور بقوله :( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً ) (٢) .

____________

(١) الحجرات : ١.

(٢) النصر : ١ ـ ٢.


وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يعتذر المعتذرون عن موقف أبي بكر وعمر بحضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! ولو اقتصرت الرواية على الموقف الذي مثله الصحابيّان فحسب لما وسعنا النقد ولا الاعتراض ، ولكنّ الله الذي لا يستحي من الحقّ سجّلها وأنزل فيها قرآناً يُتلى ، فيه التنديد والتهديد لأبي بكر وعمر بأن يحبط الله أعمالهما إنّ عادا لمثلها!! حتى إن راوي هذه الحادثة بدأ كلامه بقوله : « كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر »!!

ويحاول راوي الحادثة بعد ذلك ـ وهو عبد الله بن الزبير ـ أن يُقنعنا بأنّ عمر بعد نزول هذه الآية في شأنه إذا حدّث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يسمعه صوته حتى يستفهمه ، ورغم أنّه لم يذكر ذلك عن جدّه أبي بكر ، فالتاريخ والأحداث التي ذكرها المحدّثون تُثبتُ عكس ذلك ، ويكفي أن تذكر رزيّة يوم الخميس قبل وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثلاثة أيام ، حتّى نجد بأنّ عمر نفسه قال قولته المشؤومة : « إنّ رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله » ، فاختلف القوم ، فمنهم من يقول : قرّبوا إلى الرسول يكتب لكم ، ومنهم من يقول مثل قول عمر ، فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف(١) قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع »(٢) .

فالمفهوم من كثرة اللغو واللغط والاختلاف والتنازع أنّهم تجاوزوا كلّ الحدود التي رسمها الله لهم في سورة الحجرات كما مرّ. ولا يمكن اقناعنا بأنّ اختلافهم وتنازعهم ولغطهم كان هَمْساً في الآذان ، بل يُفهم من كلّ ذلك

____________

(١) صحيح البخاري ٥ : ١٣٨ كتاب المغازي ، باب مرض النبي ووفاته.

(٢) صحيح البخاري ١ : ٣٧ كتاب العلم ، باب كتابة العلم.


بأنّهم رفعوا أصواتهم حتى أن النّساء اللاتي كنّ وراء الستر والحجاب شاركن في النّزاع ، وقلنَ : قرّبوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكتب لكم ذلك الكتاب ، فقال لهنّ عمر : إنكنّ صويحبات يوسف ، إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه ، فقال له رسول الله : « دعوهن فإنّهن خير منكم »(١) .

والذي نفهمه من كلّ هذا بأنّهم لم يمتثلوا أمر الله في قوله :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) ( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) (٢) ولم يحترموا مقام الرسول ، ولا تأدّبوا عندما طعنوه بكلمة الهجر.

وقد سبق لأبي بكر أن تلفّظ بكلام بذيئ بحضرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك عندما قال لعروة بن مسعود أمصَصْ ببظر اللاّت(٣) . وقال القسطلاني شارح البخاري معلّقاً على هذه العبارة : والأمر بمصّ البظر من الشتائم الغليظة عند العرب(٤) ، فإذا كانت أمثال هذه الكلمات تُقال بحضرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما هو معنى قوله تعالى :( وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض ) (٥) ؟!

وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خلق عظيم كما وصفه ربُّه ، وإذا كان أشدَّ

____________

(١) الطبقات الكبرى ٢ : ٢٤٤ وسند الحديث حسن ، المعجم الأوسط ٥ : ٢٨٨ ، كنز العمال ٥ : ٦٤٤ ح ١٤١٣٣.

(٢) الحجرات : ١ ـ ٢.

(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٦٩.

(٤) إرشاد الساري ٦ : ٢٢٦ ، وفتح الباري ٥ : ٢٤٨ ، والشوكاني في نيل الأوطار ٨ : ١٩٧ واستدلّوا به على جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ!! ( والمؤلّف نقله بالمضمون ).

(٥) الحجرات : ٢.


حياءً من العذراء في خدرها ، كما أخرج ذلك البخاري ومسلم(١) ، وقد صرّح الشيخان البخاري ومسلم بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن فاحشاً ولا مُتفحّشاً ، وكان يقول : « إنّ من خياركُمْ أحسنكم أخلاقاً »(٢) فمابال صحابته المقرّبين لم يتأثّروا بهذا الخلق العظيم؟

أضف إلى كلّ ذلك بأنّ أبا بكر لم يمتثل أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما أمّر عليه أُسامة بن زيد ، وجعله من جملة عساكره ، وشدّد النكير على من تخلّف عنه ، حتى قال : « لعن الله من تخلّف عن جيش أُسامة »(٣) ، وذلك بعدما بلغهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طعن الطاعنين عليه في مسألة تأمير أُسامة ، التي ذكرها جلّ المؤرّخين وأصحاب السير.

كما أنّه سارع إلى السّقيفة وشارك في إبعاد علي بن أبي طالب عن الخلافة ، وترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُسجّى بأبي هو وأُمّي ، ولم يهتمّ بتغسيله وتكفينه وتجهيزه ودفنه ، متشاغلا عن كلّ ذلك بمنصب الخلافة والزعامة التي أشرأبّتْ لها عنقه ، فأين هي الصّحبة المقرّبة ، والخلّة المزعومة؟! وأين هو الخلق؟!

وأنا أستغرب موقف هؤلاء الصّحابة من نبيّهم الذي قضى حياته في هدايتهم وتربيّتهم والنصح لهم( عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ

____________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١٦٧ كتاب المناقب ، باب صفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صحيح مسلم ٧ : ٧٨ كتاب الفضائل باب كثرة حيائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٢) صحيح البخاري ٤ : ١٦٦ كتاب المناقب ، باب صفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صحيح مسلم ٧ : ٧٨ كتاب الفضائل باب كثرة حيائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٣) كتاب الملل والنحل للشهرستاني ١ : ٢٣ المقدّمة الرابعة.


رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (١) . فيتركونه جثّة هامدة ، ويسارعون للسّقيفة لتعيين أحدهم خليفة له!!

ونحن نعيش اليوم في القرن العشرين الذي نقول عنه بأنّه أتعس القرون ، وأنّ الأخلاق تدهورت ، والقيم تبخّرتْ ، ومع كلّ ذلك فإنّ المسلمين إذا ماتَ جارٌ لهم أسرعوا إليه ، وانشغلوا به حتّى يواروه في حفرته ، ممتثلين قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إكرام الميّت دفنه »(٢) .

وقد كشف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن تلك الوقائع بقوله : « أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة ، وإنّه ليعلَمُ أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا »(٣) .

ثمّ بعد ذلك استباح أبو بكر مهاجمة بيت فاطمة الزّهراء ، وتهديده بحرقه إن لم يخرج المتخلّفون فيه لبيعته ، وكان ما كان ممّا ذكره المؤرّخون في كتبهم ، وتناقله الرواةُ جيلا بعد جيل ، ونحن نضرب عن ذلك صفحاً ، وعلى من أراد المزيد أن يقرأ كتب التاريخ.

أبو بكر بعد حياة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

تكذيبه للصّديقة الطّاهرة فاطمة الزّهراء وغصبه حقّها

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الخامس صفحة ٨٢ في كتاب المغازي باب غزوة خيبر ، قال : عن عروة ، عن عائشة : أنّ فاطمةعليها‌السلام بنت

____________

(١) التوبة : ١٢٨.

(٢) كشف الخفاء للعجلوني ١ : ١٦٨.

(٣) نهج البلاغة ١ : ٣٠ ، الخطبة رقم ٣ المعروفة بالشقشقية.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسلتْ إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا نوّرثُ ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت ، وعاشتْ بعد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستّة أشهر ، فلمّا توفّيتْ دفنها زوجُها علي ليلا ، وصلّى عليها ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وكان لعلي من النّاس وجْهٌ في حياة فاطمة ، فلمّا توفيت استنكر علىٌّ وجوه النّاس ، فالتمس مصالحه أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر(١) .

وأخرج مسلم في صحيحه من الجزء الثاني كتاب الجهاد ، باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا نورّث ما تركنا فهو صدقة » :

عن عائشة أُمّ المؤمنين رضي الله عنها : أنّ فاطمةعليها‌السلام ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سألتْ أبا بكر الصديق ، بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقسمَ لها ميراثها ممّا ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وممّا أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « لا نوّرث ، ما تركنا صدقة ».

فغضبت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهجرتْ أبا بكر ، فلم تزل مهاجرتُه

____________

(١) صحيح مسلم ٥ : ١٥٣ أيضاً في كتاب الجهاد ، باب قول النبي : لا نورث ما تركنا فهو صدقة.


حتى توفيتْ ، وعاشت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستّة أشهر(١) .

قالتْ : وكانتْ فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خيبر وفدك ، وصَدَقتهُ بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال : لستُ تاركاً شيئاً كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعمل به إلاّ عملتُ به ، فإنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ ، فأمّا صدقتهُ بالمدينة فدفعها عُمر إلى علي والعبّاس ، فأمّا خيبر وفدك فأمسكها عُمرُ ، وقال : هما صدقة رسول الله كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهُما إلى من ولي الأمْرَ ، فهُما على ذلك إلى اليوم.

ورغم أنّ الشّيخين البخاري ومسلم اقتضبا هذه الروايات واختصراها لئلاّ تنكشف الحقيقة للباحثين ، وهذا فنٌّ معروف لديهما توخياه للحفاظ على كرامة الخلفاء الثلاثة ـ ولنا معهما بحث في هذا الموضوع إن شاء الله سنوافيك به عمّا قريب ـ إلاّ أن الروايات التي نمّقوها كافية للكشف عن حقيقة أبي بكر الذي ردّ دعوى فاطمة الزّهراء ، ممّا استوجب غضبها عليه وهجرانها له حتى ماتتعليها‌السلام ، ودفنها زوجها سرّاً في اللّيل بوصية منها دون أن يؤذن بها أبا بكر ، كما نستفيد من خلال هذه الروايات بأنّ علياً لم يبايع أبا بكر طيلة ستّة أشهر ، وهي حياة فاطمة الزّهراء بعد أبيها ، وأنّه أضطرّ لبيعته اضطراراً لمّا رأى وجوه النّاس قد تنكّرت له ، فالتمس مُصالحة أبي بكر.

والذي غيّره البخاري ومسلم من الحقيقة هو أدّعاء فاطمةعليها‌السلام بأنّ أباها

____________

(١) هذا المقطع لا يوجد في صحيح مسلم ، بل أخذه المؤلّف من صحيح البخاري ٤ : ٤٢ ، كتاب الخمس باب فرض الخمس.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطاها فدك نحلة في حياته ، فليس هي من الإرث ، وعلى فرض أنّ الأنبياء لا يورّثون ، كما روى أبو بكر ذلك عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; كذّبتْه فاطمة الزّهراءعليها‌السلام ، وعارضت روايته بنصوص القرآن الذي يقول :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) (١) فإنّ فدك لا يشملها هذا الحديث المزعوم; لأنّها نحلة وليست هي من الإرث في شيء.

ولذلك تجد كلّ المؤرّخين والمفسّرين والمحدّثين يذكرون بأن فاطمةعليها‌السلام ادّعت بأنّ فدك ملك لها ، فكذّبها أبو بكر وطلب منها شهوداً على دعواها ، فجاءت بعلي بن أبي طالب ، وأُمّ أيمن ، فلم يقبل أبو بكر شهادتهما واعتبرها غير كافية(٢) .

____________

(١) النمل : ١٦.

(٢) اعطاء فدك لفاطمةعليها‌السلام رواه كلّ من أبي يعلى في مسنده ٢ : ٣٣٤ ، والحسكاني في شواهد التنزيل ١ : ٤٣٨ بطرق متعدّدة ، والسيوطي في الدر المنثور عن البزار وأبي يعلى وابن أبي حاتم وابن مروديه ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣ : ٧٦٧ ح ٨٦٩٦ ، والقندوزي في ينابيع المودة ١ : ٣٥٩ وغيرهم.

ويدلّ على أنّ فدك كانت بيد فاطمةعليها‌السلام اُمور :

(١) قول عليعليه‌السلام في كتابه لعثمان بن حنيف : « بلى كانت في أيدينا فدك » ( نهج البلاغة ٣ : ٧١ ، الكتاب ٤٥ ).

(٢) الأحاديث التي وردت في إعطاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدكاً لفاطمةعليها‌السلام .

(٣) ما ورد في الأخبار من ردّ فدك لبني هاشم ممّا يدلّل على أنّها كانت بيدهم ثمّ أُخذت ثمّ رُدت.

(٤) ما ورد في الاختصاص للشيخ المفيد : ١٨٣ من أنّ ابا بكر بعث إلى وكيل فاطمةعليها‌السلام فأخرجه من فدك.


____________

(٥) شهادة بعض الصحابة بكون فدك لفاطمة ، وهم : عليّ بن أبي طالب والحسن والحسينعليهم‌السلام ، وأُم أيمن ، وغيرهم ، هذا مضافاً إلى ادّعاء فاطمة ذلك وهي معصومة لا تكذب ، وقد أقرّها عليّعليه‌السلام وابناها المعصومون على ذلك.

لا يقال : ليس من العدل أن يعطي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدك لفاطمة دون سائر بناته؟

لأنّنا نقول :

أولا : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوم ولا يفعل القبيح ولا يظلم أحداً.

ثانياً : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم امتثل أمر الله تعالى في إعطاء فدك لفاطمة ، ورد في الكافي ١ : ٥٤٣ ح ٥ عن موسى بن جعفرعليه‌السلام أنّه قال للمهدي العباسي بخصوص فدك لما كان يردّ المظالم : « فدعاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لها : يا فاطمة إنّ الله أمرني أن أدفع إليك فدك ، فقالت : قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك » ولا اعتراض على فعل الله تعالى.

ثالثاً : لا نسلّم أن يكون لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنات غير فاطمةعليها‌السلام والباقي ربائب ، كما حقّق في محلّه.

رابعاً : لو سلّمنا جدلا أنّهنّ بناته ، ولو سلّمنا أيضاً أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي أعطى فدك لفاطمة من تلقاء نفسه ، فنقول : كان ذلك لعلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ ذريته ستكون من فاطمة دون سائر بناته ، فكيف لا يهتم بشؤونهم ويدعهم عيال على الناس يتصدّقون متى شاؤوا؟ أفمن العدل تركهم هكذا؟! ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي منع سعد بن أبي وقاص أن يتصدّق بثلُثَي ماله وقال له : « إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » ( صحيح البخاري ٢ : ٨٢ ) والطريف أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبّر بقوله : « ورثتك » ولم يكن لسعد إلاّ ابنة واحدة ، ولذا قال الفاكهي شارح العمدة ـ كما في نيل الأوطار للشوكاني ٦ : ١٥٠ ـ : « إنّما عبّرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالورثة; لأنّه اطلع على أنّ سعداً سيعيش ويحصل له أولاد غير البنت المذكورة ».

خامساً : لقد نحل أبو بكر ابنته عائشة دون سائر ولده ، وكذلك فعل عمر حيث


____________

نحل ابنه عاصماً دون سائر ولده ( فتح الباري ٥ : ١٥٨ ) فلو قالوا : إنّما فعلا ذلك مع رضى سائر الأولاد ، قلنا : إنّما فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك مع رضى سائر البنات.

قد يقال : ألستم تقولون بأنّ فدك إرث ، والآن تقولون هبة؟

فنقول في الجواب : الثابت الصحيح انّ فدك لم تكن إلاّ نحلة وهبة لفاطمةعليها‌السلام ، والزهراء بدعواها الإرث قد طالبت بجميع متروكات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي قبضها أبو بكر بلا فرق بين فدك ومال بني النضير وسهمه من خمس خيبر وغيرها ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ترك أموالا كثيرة من صدقات وموقوفات وضياع وأملاك ، والقوم أطلقوا على كلّها اسم الصدقة لمصالح سياسية ، فأخذوها من أهلها ومن له ولاية التصرّف فيها ، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٥ : ١٤٧ « وقد مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وله ضياع كثيرة جليلة جداً بخيبر وفدك وبني النضير ، وكان له وادي نخلة وضياع أُخرى كثيرة بالطائف ، فصارت بعد موته صدقة بالخبر الذي رواه أبو بكر ».

وممّا يؤيّد أنّ الأمر تمّ لمصالح سياسية ما روي في المعجم الأوسط ٥ : ٢٨٨ عن عمر قال : لما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جئت أنا وأبو بكر إلى عليّ فقلنا : ما تقول فيما ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : « نحن أحقّ الناس برسول الله وبما ترك » ، قال : فقلت : والذي بخيبر؟ قال : « والذي بخيبر » ، قلت : والذي بفدك؟ فقال : « والذي بفدك » ، قلت : أما والله حتى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا.

فتلخّص : أنّ فاطمةعليها‌السلام حاكمت القوم بعدّة محاكمات في عرض واحد : نحلتها ، إرثها ، موقوفات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي لها عليها‌السلام ولاية التصرّف فيها ، خمس خيبر ، سهم ذوي القربى ، وذلك لأنّ القوم أرادوا اغتصابها جميعاً بعنوان أنّها صدقة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والوالي أحقّ بها والنبي لا يورّث ، وإلاّ كيف جاز لعمر أن يردّ صدقات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي بالمدينة إلى عليّ والعباس ـ كما في البخاري كتاب فرض الخمس ـ مع أنّه هو الذي شهد مع أبي بكر بأنّ النبي لا يورّث؟!! ، فتبيّن


وهذا ما اعترف به ابن حجر في الصواعق المحرقة ، حيث ذكر بأنّ فاطمة ادّعتْ أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نحلها فدكاً ، ولم تأتِ عليها بشهود إلاّ بعلي بن أبي طالب وأُمّ أيمن ، فلم يكمل نصاب البيّنة(١) .

كما قال الإمام الفخر الرّازي في تفسيره : فلمّا مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ادّعتْ فاطمةعليها‌السلام أنّه كان ينحلها فدكاً ، فقال لها أبو بكر : أنتِ أعزّ النّاس علىَّ وأحبّهم إلىَّ غِنى ، لكنّي لا أعرف صحة قولك ، فلا يجوز أن أحكم لك ، قال : فشهدت لها أُمّ أيمن ومولى لرسول الله ، فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع ، فلم يكن(٢) .

ودعوْى فاطمةعليها‌السلام بأنّ فدكاً أنحلها لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ أبا بكر ردّ دعوتها ، ولم يقبل شهادة عليعليه‌السلام وأُم أيمن; معلومة لدى المؤرّخين ، وقد ذكرها كلّ من ابن تيمية ، وصاحب السيرة الحلبية ، وابن القيم الجوزية وغيرهم.

ولكنّ البخاري ومسلم اختصراها ، ولم يذكرا إلاّ طلب الزهراء بخصوص الإرث ، حتّى يُوهما القارئ بأنّ غضب فاطمة على أبي بكر في غير محلّه ، ولم يعمل أبو بكر إلاّ بما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهي ظالمة وهو

____________

ممّا مضى أنّ الأمر كان ذا أبعاد متشعبة.

ومن هنا يعرف أنّ ما ذكره مؤلّف كتاب كشف الجاني في الصحفة ١٣٤ ما هو إلاّ ارتجال ناشئ عن الجهل الذي أطبق عليه.

(١) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي ١ : ٩٣ الشبهة السابعة.

(٢) تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي ١٠ : ٥٠٦ تفسير سورة الحشر الآية السادسة.


مظلوم!! كلّ ذلك حفاظاً منهما على كرامة أبي بكر ، فلا مراعاة للأمانة في النقل ، ولا لصدق الأحاديث التي كانت تكشف عن عورات الخلفاء ، وتزيل الأكاذيب والحجب التي نمّقها الأمويون وأنصار الخلافة الراشدة ، ولو كان ذلك على حساب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه أو بضعته الزّهراء سلام الله عليها!!

ومن أجل ذلك حاز البخاري ومسلم على زعامة المحدّثين عند أهل السنّة والجماعة ، واعتبروا كتبهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله ، وهذا تلفيق لا يقوم على دليل علمي ، وسنبحثه إن شاء الله في باب مستقل حتّى نكشف الحقيقة لمن يريد معرفتها.

ومع ذلك فإننا نُناقش البخاري ومسلم اللّذين أخرجا في فضائل فاطمة الزهراءعليها‌السلام الشيء اليسير ، ولكن فيه ما يكفي لإدانة أبي بكر الذي عرف الزهراء وقيمتها عند الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر ممّا عرفه البخاري ومسلم ، ومع ذلك كذّبها ولم يقبل شهادتها ، وشهادة بعلها الذي قال فيه رسول الله : « علىّ مع الحقّ والحقّ مع علىّ يدور معه حيث دار »(١) ولنكتفِ بشهادة البخاري وشهادة مسلم في ما أقرّه صاحب الرّسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في فضل بضعته الزهراء.

فاطمةعليها‌السلام معصومة بنصّ القرآن

أخرج مسلم في صحيحه الجزء السّابع باب فضائل أهل البيت ، قالت عائشة : خرج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فدخل معه ، ثمّ جاءت فاطمة

____________

(١) راجع باختلاف ألفاظه تاريخ بغداد ١٤ : ٣٢٢ ح ٧٦٤٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٤٤٩ ، الإمامة والسياسة ١ : ٩٨.


فأدخلها ، ثمّ جاء علي فأدخله ، ثم قال :( إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .

فإذا كانت فاطمة الزهراءعليها‌السلام هي المرأة الوحيدة التي أذهب الله عنها الرّجس ، وطهّرها من كلّ الذنوب والمعاصي في هذه الأُمّة ، فما بال أبي بكر يكذّبها ، يطلبُ منها الشهود يا تُرى؟

فاطمةعليها‌السلام سيّدة نساء المؤمنين وسيّدة نساء هذه الأُمّة

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء السّابع في كتاب الاستئذان في باب من ناجى بين يدي النّاس ومن لم يخبر بسرّ صاحبه فإذا مات أخبر به ، ومسلم في كتاب الفضائل ، عن عائشة أُم المؤمنين قالت : إنّا كنّا أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنده جميعاً لم تغادر منّا واحدة ، فأقبلت فاطمةعليها‌السلام تمشي لا والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا رآها رحّب بها ، قال : « مرحباً بابنتي » ، ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم سارّها فبكت بكاءً شديداً ، فلمّا رأى حُزْنها سارّها الثانية إذا هي تضحك ، فقلتُ لها أنا من بين نسائه : خصّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسرِّ من بيننا ثمّ أنتِ تبكين ، فلمّا قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سألتُها عمّا سارّكِ؟ قالت : « ما كنتُ لأفشي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سِرَّهُ » ، فلمّا توفي قلتُ لها : عزمتُ عليك بما لي عليك من الحقّ لما أخبرتني ، قالت : أمّا الآن فنعم ، فأخبرتني قالت : « أمّا حين سارّني في الأمر الأول ، فإنّه أخبرني أنّ جبرئيل كان يعارضُهُ بالقرآن كل سنة مرّة ، وأنّه قد

____________

(١) الأحزاب : ٣٣.


عارضني به العامَ مرّتين ، ولا أرى الأجَلَ إلاّ قد اقتربَ ، فاتّقي الله واصبري فإنّي نعم السّلف أنا لك ، قالت : فبكيتُ بكائي الذي رأيت ، فلمّا رأى جزعي سارني الثانية قال : يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين ، أو سيّدة نساء هذه الأُمّة ».

فإذا كانت فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وهي سيّدة نساء المؤمنين ، كما ثبت ذلك عن رسول الله يُكذّبها أبو بكر في أدّعائها فدك ولا يقبل شهادتها ، فأيّ شهادة تُقبل بعدها يا تُرى؟!

فاطمة الزهراءعليها‌السلام سيّدة نساء أهل الجنّة

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الرابع في كتاب بدء الخلق باب مناقب قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ».

فإذا كانت فاطمةعليها‌السلام سيّدة نساء أهل الجنّة ، ومعناه أنّها سيدة نساء العالمين; لأنّ أهل الجنة ليسوا أُمّة محمّد وحدهم كما لا يخفى ، فكيف يكذّبها أبو بكر الصديق؟

ألم يدّعوا بأنّ لقب الصديق أحرزه لأنّه كان يصدّق كلّ ما يقوله صاحبه محمّد! فلماذا لم يصدّقه فيما قاله بخصوص بضعته الزهراء؟! أم أنّ الأمر لم يكن يتعلّق بفدك وبالصّدقة والنّحلة بقدر ما يتعلّق بالخلافة التي هي من حقّ علي زوج فاطمة؟! فتكذيب فاطمة وزوجها الذي شهد معها في قضية النّحلة أيسر عليه ليَقطع بذلك عليهما الطريق للمطالبة بما وراء ذلك ، إنّه مكرٌ كبير تكاد تزول منه الجبال!!


فاطمة بضعة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والرّسول يغضب لغضبها

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الرّابع من كتاب بدء الخلق في باب منقبة فاطمةعليها‌السلام بنت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : حدّثنا أبو الوليد ، حدّثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني ».

وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغضب لغضب بضعته الزهراء ، ويتأذّى بأذاها ، فمعنى ذلك أنّها معصومة عن الخطأ ، وإلاّ لما جاز للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول مثل هذا ; لأنّ الذي يرتكب معصية يجوز ايذاؤه وإغضابه مهما علت منزلته; لأنّ الشرع الإسلامي لا يراعي قريباً ولا بعيداً ، شريفاً أو وضيعاً ، غنيّاً أو فقيراً.

وإذا كان الأمر كذلك ، فما بال أبي بكر يؤذي الزهراء ولا يبالي بغضبها ، بل يغضبها حتى تموت وهي واجدةٌ عليه ، بل ومهاجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ، وهي تدّعي عليه في كلّ صلاة تصلّيها ، كما جاء ذلك في تاريخ ابن قتيبة وغيره من المؤرّخين؟!

نعم ، إنّها الحقائق المرّة ، الحقائق المؤلمة التي تهزّ الأركان وتزعزع الإيمان; لأنّ الباحث المنصف المتجرّد للحقّ والحقيقة لا مناص له من الاعتراف بأنّ أبا بكر ظلم الزهراء واغتصب حقّها ، وكان بإمكانه وهو خليفة المسلمين أن يُرضيها ويعطيها ما ادّعت; لأنّها صادقة والله يشهد بصدقها ، والنّبي يشهد بصدقها ، والمسلمون كلّهم بما فيهم أبو بكر يشهدون بصدقها ، ولكنّ السيّاسة هي التي تقلّب كلّ شيء ، فيصبح الصّادق كاذباً ، والكاذب صادقاً.


نعم ، إنّه فصل من فصول المؤامرة التي حيكت لإبعاد أهل البيت عن المنصب الذي اختاره الله لهم ، وقد بدأت بإبعاد علي عن الخلافة ، واغتصاب نحلة الزّهراء وإرثها ، وتكذيبها واهانتها حتّى لا تبقى هيبتها في قلوب المسلمين ، وانتهت بعد ذلك بقتل علي والحسن والحسين وكلّ أولادهم ، وسُبيت نساؤهم ، وقُتل شيعتهم ومحبّوهم وأتباعهم ، ولعلّ المؤامرة متواصلة ولا زالت حتى اليوم ، تفعل فعلها وتأتي بثمارها.

نعم ، أيّ مسلم حرّ ومنصف سوف يعلم عندما يقرأ كتب التاريخ ، ويمحّص الحقّ من الباطل ، بأنّ أبا بكر هو أوّل من ظلم أهل البيت ، ويكفيه قراءة صحيح البخاري ومسلم فقط لتنكشف له الحقيقة إذا كان من الباحثين حقّاً.

فها هو البخاري وكذلك مسلم يعترفان عفواً بأنّ أبا بكر يصدّق أيّ واحد من الصّحابة العادّيين في ادّعائه ، ويكذّب فاطمة الزهراء سيّدة نساء أهل الجنّة ، ومن شهد لها الله بإذهاب الرّجس والطّهارة ، وكذلك يكذّب عليّاً وأم أيمن ، فاقرأ الآن ما يقوله البخاري ومسلم :

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الثالث من كتاب الشّهادات باب من أمر بإنجاز الوعد.

ومسلم في صحيحه من كتاب الفضائل باب ما سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً قط فقال لا ، وكثرة عطائه.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال : لمّا ماتَ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمىّ ، فقال أبو بكر : من كان له على


النّبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دينٌ أو كانتْ له قِبلَهُ عِدَةٌ فليأتنا ، قال جابر : فقلتُ : وعدني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا ، فبسط يديه ثلاث مرّات ، قال جابر : فعدّ في يدىّ خمسمائة ثمّ خمسمائة ثمّ خمسمائة.

فهل من سائل لأبي بكر يسأله : لماذا صدّق جابر بن عبد الله في ادّعائه بأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعده أن يعطيه هكذا وهكذا وهكذا ، فيملأ أبو بكر يديه ثلاثة مرّات بما قدره ألف وخمسمائة ، بدون أن يطلب منه شاهد واحد على ادّعائه؟

وهل كان جابر بن عبد الله أتقى لله وأبرّ من فاطمة سيّدة نساء العالمين؟ والأغْرب من كلّ ذلك هو ردّ شهادة زوجها علي بن أبي طالب الذي أذهب الله عنه الرّجس وطهّره تطهيراً ، وجعل الصّلاة عليه فرضٌ على كلّ المسلمين ، كما يُصلّى على النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والذي جعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حبّه إيمان وبغضه نفاق(١) .

أضف إلى ذلك بأنّ البخاري نفسه أخرج حادثة أُخرى تعطينا صورة حقيقية عن ظلم الزهراء وأهل البيت.

فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب لا يحلّ لأحد أن يرجع في هبته وصدقته من كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها ، قال : إنّ بني صهيب مولى ابن جدعان ادّعوا بيتين وحُجرة ، وأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطى ذلك

____________

(١) صحيح مسلم ١ : ٦١ ، سنن ابن ماجه ١ : ٤٣ ، سنن النسائي ٨ : ١١٧ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٤٩٤ ، السنة لعمرو بن أبي عاصم : ٥٨٤ ، مسند أبي يعلى ١ : ٣٤٧ ، صحيح ابن حبان ١٥ : ٣٦٧ وغيرها من المصادر.


صُهيباً ، فقال مروان : من يشهد لكُما على ذلك؟ قالوا : ابن عُمر! فدعاه ، فشهد لأعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صهيباً بيتين وحجرةً ، فقضى مروان بشهادته لهم(١) .

أنظر أيّها المسلم إلى هذه التصرّفات والأحكام التي تنطبق على البعض دون البعض الآخر ، أليس هذا من الظلم والحيف؟! وإذا كان خليفة المسلمين يحكم لفائدة المدّعين لمجرّد شهادة ابن عمر ، فهل لمسلم أن يتساءل لماذا رُدّتْ شهادة علي بن أبي طالب وشهادة أم أيمن معه؟ والحال أن الرجل والمرأة أقوى في الشهادة من الرجل وحده ، إذا ما أردنا بلوغ النّصاب الذي طلبه القرآن.

أم أنّ أبناء صُهيب أصدق في دعواهم من بنت المصطفىعليها‌السلام ؟ وأنّ عبد الله بن عمر موثوق عند الحكّام ، بينما عليّعليه‌السلام غير موثوق عندهم؟!

وأمّا دعوى أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يورّث ، وهو الحديث الذي جاء به أبو بكر ، وكذّبته فاطمة الزهراء وعارضته بكتاب الله ، وهي الحجّة التي لا تُدحضُ أبداً; فقد صحّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : « إذا جاءكم حديث عنّي فأعرضوه على كتاب الله ، فإن وافق كتاب الله فاعملوا به ، وإن خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار »(٢) .

ولا شكّ أنّ هذا الحديث تعارضه الآيات العديدة من القرآن الكريم ، فهل من سائل يسأل أبا بكر ، ويسأل المسلمين كافة : لماذا تُقبلُ شهادة أبي بكر

____________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١٤٣.

(٢) تفسير أبي الفتوح الرازي ٣ : ٣٩٢ نحوه ، والأخبار في ذلك كثيرة ، راجع الكافي ١ : ٦٩ باب الأخذ بالسنّة ، في أنّ ما خالف كتاب الله فهو مردود وزخرف.


وحده في رواية هذا الحديث الذي يُناقض النقلَ والعقلَ ، ويعارض كتاب الله ، ولا تقبلُ شهادة فاطمة وعليّعليهما‌السلام التي توافق النقل والعقل ، ولا تتعارض مع القرآن؟!

أضف إلى ذلك بأنّ أبا بكر مهما علتْ مرتبتُه ، ومهما انتحل له مؤيدوه والمدافعون عنه من فضائل ، فإنّه لا يبلغ مكانة الزّهراء سيدة نساء العالمين ، ولا مرتبة علي بن أبي طالب الذي فضّله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كلّ الصّحابة في المواطن كلّها ، أذكر منها على سبيل المثال يوم إعطاء الرّاية ، عندما أقرّ له النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه يحبّ الله ورسولَه ويحبّه الله ورسولُهُ ، وتطاول لها الصّحابة كلٌّ يُرجى أن يُعطاها ، فلم يدفعها إلاّ إليه. وقال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليُّ كلّ مؤمن بعدي »(١) .

ومهما شكّك المتعصّبون والنّواصب في صحة هذه الأحاديث ، فلن يشكّكوا في أنّ الصّلاة على علي وفاطمة هي جزء من الصّلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا تقبل صلاة أبي بكر وعمر وعثمان والمبشّرين بالجنّة ، وكلّ

____________

(١) المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٥٠٤ ، مسند الطيالسي : ١١١ ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : ٥٥٠ ح ١١٨٧ ، وقال محقّق الكتاب الشيخ محمّد الألباني : « إسناده صحيح ، رجاله ثقات على شرط مسلم. والحديث أخرجه الترمذي ٢ : ٢٩٧ ، وابن حبان : ٢٢٠٣ ، والحاكم ٣ : ١١٠ ـ ١١١ ، وأحمد ٤ : ٤٣٧ ، من طرق اُخرى وقال الترمذي : حديث حسن غريب ، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، وأقرّه الذهبي ، وله شاهد من حديث بريدة مرفوعاً به أخرجه أحمد ٥ : ٣٥٦ ، من طريق أجلح وإسناده جيّد رجاله ثقات رجال الشيخين غير أجلح وهو شيعي صدوق ».


الصّحابة ومعهم كلّ المسلمين ، إذا لم يُصلّوا على محمّد وآل محمّد ، الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم ، كما جاء ذلك في صحاح أهل السنّة من البخاري ومسلم(١) وبقية الصّحاح ، حتّى قال الإمام الشافعي في حقّهم « من لم يصلّ عليكم لا صلاة له »(٢) .

فإذا كان هؤلاء يجوز عليهم الكذب والادعاء بالباطل ، فعلى الإسلام السّلام وعلى الدنيا العفا ، أمّا إذا سألتَ : لماذا تقبل شهادة أبي بكر وتردّ شهادة أهل البيت؟ فالجواب : لأنّه هو الحاكم ، وللحاكم أن يحكم بما يشاء ، والحقّ معه في كلّ الحالات ، فدعوى القوىّ كدعوى السّباع من النّاب والظّفر بُرهانُهَا.

وليتبين لك أيها القارئ الكريم صدق القول ، فتعال معي لتقرأ ما أخرجه البخاري في صحيحه من تناقض بخصوص ورثة النّبي الذي قال حسبما رواه أبو بكر : « نحن معشر الأنبياء لا نورّث ما تركنا صدقة » والذي يصدّقه أهل السنّة جميعاً ، ويستدلّون به على عدم استجابة أبي بكر لطلب فاطمة الزّهراء سلام الله عليها.

وممّا يدلك على بطلان هذا الحديث وأنّه غير معروف ، أنّ فاطمةعليها‌السلام طالبت بإرثها ، وكذلك فعل أزواج النّبي أُمّهات المؤمنين ، فقد بعثن لأبي بكر

____________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢٧ باب إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي من سورة الأحزاب ، وصحيح مسلم ٢ : ١٦ كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي.

(٢) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي ٢ : ٤٣٥ ، الآية الثانية النازلة في أهل البيتعليهم‌السلام .


يُطالبنه بميراثهن(١) . فهذا ما أخرجه البخاري ، وما يُستدلُّ به على عدم توريث الأنبياء.

ولكنّ البخاري ناقض نفسه وأثبت بأنّ عمر بن الخطاب قسّم ميراث النّبي على زوجاته ، فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الحرث والمزارعة من باب المزارعة بالشطر ونحوه ، عن نافع : أنّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عَامَل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ، فكان يُعطي أزواجه مائة وسق ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير ، فقسّم عُمر خيبر ، فخيّر أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقطع لهنّ من الماء والأرض ، أو يُمضي لهنّ ، فمنهنّ من اختار الأرض ، ومنهنّ من اختار الوسْقَ ، وكانتْ عائشة قد اختارت الأرض.

وهذه الرواية تدلّ بوضوح بأنّ خيبر التي طالبت الزهراء بنصيبها منها كميراث لها من أبيها ، وردّ أبو بكر دعوتها بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يورّث ، وهذه الرواية تدلّ أيضاً بوضوح بأنّ عمر بن الخطّاب قسّم خيبر في أيّام خلافته على أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخيّرهن بين امتلاك الأرض أو الوسق ، وكانت عائشة ممّن اختار الأرض ، فإذا كان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يورّث ، فلماذا ترث عائشة الزوجة ، ولا ترث فاطمة البنت؟!(٢) .

____________

(١) صحيح البخاري ٥ : ٢٤ باب حديث بني النضير من كتاب المغازي ، وصحيح مسلم ٥ : ١٥٣ باب قول النبي : « لا نورّث » من كتاب الجهاد والسير.

(٢) قال ابن حجر في فتح الباري ٦ : ١٤١ : « وكان أبو بكر يقدّم نفقة نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيرها ممّا كان يصرفه ، فيصرفه من خيبر وفدك » ، فنقول لابن


أفتونا في ذلك يا أُولى الأبصار ولكم الأجر والثواب.

أضف إلى ذلك أنّ عائشة ابنة أبي بكر استولتْ على بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأكلمه ، ولم تحظ أيّ زوجة أُخرى بما حَظيتْ به عائشة ، وهي التي

____________

حجر ولغيره : كيف إذاً منع فاطمةعليها‌السلام حتى جاءت وسألته نصيبها ، كما روى ذلك البخاري في كتاب فرض الخمس عن عائشة حيث قالت : « وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ والعباس ». ولا أدري كيف اجتهد عمر أمام النصّ الثابت ـ بحسب زعمهم ـ الذي تمسّك به أبو بكر في منع الإرث ، فخالفه عمر ودفع صدقات المدينة إلى علي والعباس؟ وما معنى هذا التناقض من الخليفتين؟

ثمّ لا يقال : يشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة المرفوع بلفظ : « ما تركت نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة » ( فتح الباري ٦ : ١٤١ ) لأنّه

أولا : مرفوع كما صرّح به ابن حجر ، فكيف يعتمد عليه في مثل هذه الأمور الخطيرة وقد قال محمّد رشيد رضا : « ليس كلّ ما صح سنده من الأحاديث المرفوعة يصح متنه; لجواز أن يكون في بعض الرواة من أخطأ في الرواية عمداً أو سهواً » ( أضواء على السنّة المحمدية لأبي رية : ٢٩١ ).

ثانياً : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعدل من أن يفكّر بمستقبل أزواجه وعامله ويدع ذريته من دون أن يوصي لهم أو يترك لهم شيئاً بل ويمنعهم ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القائل لسعد بن أبي وقاص لما أراد أن يتصدّق بثلثي ماله لما ظنّ دنوّ أجله : « إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » ( البخاري ٢ : ٨٢ ) فكيف يصح أن يترك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذريّته وأحبّ الخلق إليه الذين أوصى بهم كثيراً ، عالة يتكفّفون الناس؟ نحن ننزه ساحة نبيّ الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذا الأمر ولا نسلم بحديث أبي هريرة ولا بحديث أبي بكر ، كيف وأوّل من رفض حديث أبي بكر وخالفه هو عمر بن الخطاب حيث سلّم صدقات المدينة إلى عليّ والعباس في حين أن أبا بكر منع فاطمة منها تمسكاً بحديث : « لا نورّث ».


دفنتْ أباها في ذلك البيت ، ودفنت عمر إلى جانب أبيها ، ومنعتْ الحسين أن يدفن أخاه الحسن بجانب جدّه ، ممّا حدى بابن عبّاس أن يقول فيها :

تجمَّلْت تبغّلتِ ولو عشت تفيَّلتِ

لك التسع من الثمن وفي الكلّ تصرّفت

وعلى كلّ حال فأنا لا أُريد الإطالة في هذا الموضوع ، فإنّه لا بدّ للباحثين من مراجعة التاريخ ، ولكن لا بأس بذكر مقطع من الخطبة التي ألقتها فاطمة الزهراءعليها‌السلام بمحضر أبي بكر وجلّ الصّحابة; ليهلك من هلك منهم عن بيّنة ، وينجو من نجا منهم عن بيّنة. قالت لهم :

« أعَلى عمد تركتُم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ، إذ يقول :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) (١) ، وقال فيما اقتصّ من خبر زكريّا :( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) (٢) ، وقال :( وَاُوْلُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللّهِ ) (٣) ، وقال :( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ ) (٤) ، وقال :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ ) (٥) .

أفخَصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن

____________

(١) النمل : ١٦.

(٢) مريم : ٥ ـ ٦.

(٣) الأنفال : ٧٥.

(٤) النساء : ١١.

(٥) البقرة : ١٨٠.


وعمومه من أبي وابن عمّي؟ أم تقولون : أهل ملّتين لا يتوارثان؟ فدونكهما مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون »(١) .

أبو بكر يقتل المسلمين الذين امتنعوا عن إعطائه الزّكاة

أخرج البخاري في صحيحه كتاب استتابة المرتدّين باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نُسبوا إلى الردّة ، ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس ، عن أبي هريرة قال : لمّا توفّي النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستُخِلفَ أبو بكر وكفر من كفر من العرب ، قال عمر : يا أبا بكر ، كيف تُقاتل النّاس وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أُمرتُ أن أُقاتل النّاس حتى يقولوا : لا إله إلاّ الله ، فمن قال لا إله إلاّ الله عَصَمَ منّي مَالَه ونفسَهُ إلاّ بحقِّهِ وحسابه على الله؟

قال أبو بكر : والله لأقاتلنَّ منْ فرّق بينَ الصلاة والزّكاةِ ، فإنّ الزّكاة حقّ المال ، والله لو منعوني عُناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقاتلتهم على منعها ، قال عُمر : فوالله ما هو إلاّ أن رأيتُ أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتالِ ، فعرفت أنّه الحقّ.

وليس هذا بغريب على أبي بكر وعمر اللّذَيْن هدّدا بحرق بيت الزّهراء

____________

(١) وردت خطبة الزهراءعليها‌السلام في عدّة مصادر وبألفاظ مختلفة ، انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦ : ٢١٠ ، كشف الغمة للإربلي ٢ : ١٠٨ ، مروج الذهب ٢ : ٣٠٤ ، الاحتجاج للطبرسي ١ : ٢٥٣ ح ٤٩ ، بلاغات النساء لأحمد بن أبي طاهر : ١٤ ، المقتل للخوارزمي ١ : ٧٧ ، أعلام النساء ٤ : ١١٦ ، شرح الأخبار ٣ : ٣٤ ، دلائل الإمامة : ١٠٩ ح ٣٦ ، وغيرها.


سيّدة النّساء بمن فيه من الصّحابة المتخلّفين عن البيعة(١) ، وإذا كان حرق علي وفاطمة والحسن والحسين ونخبة من خيرة الصّحابة الذين امتنعوا عن البيعة أمراً هيّناً عليهما ، فليس قتال مانعي الزّكاة إلاّ أمراً ميسوراً ، وما قيمة هؤلاء الأعراب الأباعد مقابل العترة الطّاهرة والصّحابة الأبرار!!

أضف إلى ذلك أنّ هؤلاء المتخلّفين عن البيعة يرون أنّ الخلافة هي حقّ لهم بنصّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحتّى على فرض عدم وجود النصّ عليهم فمن حقّهم الاعتراض والنقد والإدلاء بآرائهم إنْ كان هناك شورى كما يزعمون ، ومع ذلك فإنّ تهديدهم بالحرق أمرٌ ثابتٌ بالتّواتر ، ولولا استسلام عليّ وأمره للصّحابة بالخروج للبيعة حفاظاً على حقن دماء المسلمين ووحدة الإسلام لما تأخّر القائمون بالأمر عن إحراقهم.

أمّا وقد استتب الأمر لهم ، وقويت شوكتهم ، ولم يعدْ هناك معارضة تذكر بعد موت الزّهراء ومصالحة عليّ لهم ، فكيف يسـكتون عن بعض القبائل التي امتنعتْ عن دفع الزّكاة لهم بحجّة التريّث حتى يتبيّنوا أمر الخلافة ، وما وقع فيها بعد نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تلك الخلافة التي اعترف عمر نفسه بأنّها فلتة(٢) .

____________

(١) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١ : ٣٠ ، العقد الفريد ٥ : ١٣ في الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ، تاريخ أبي الفداء ١ : ٢١٩ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٥٧٢ بسند حسن ، كنز العمال ٥ : ٦٥١ ح ١٤١٣٨ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ : ٤٥ ، فقد ورد فيها تهديد عمر بإحراق الدار.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ٢٦ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة ، باب رجم الحبلى من الزنا.


إذاً ، ليس بالغريب أن يقوم أبو بكر وحكومته بقتل المسلمين الأبرياء ، وانتهاك حرماتهم ، وسبي نسائهم وذريتهم ، وقد ذكر المؤرّخون بأنّ أبا بكر بعث بخالد بن الوليد فأحرق قبيلة بني سليم(١) ، وبعثه إلى اليمامة ، وإلى بني تميم وقتلهم غدراً بعدما كتّفهم ، وضرب أعناقهم صبراً ، وقتل مالك بن نويرة الصّحابي الجليل الذي ولاّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على صدقات قومه ثقة به ، ودخل بزوجته في ليلة قتل زوجها(٢) ، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

وما ذنب مالك وقومه إلاّ أنّهم لمّا سمعوا بما حدث من أحداث بعد موت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما وقع من إبعاد عليّ وظلم الزّهراء حتى ماتت غاضبة عليهم ، وكذلك مخالفة سيّد الأنصار سعد بن عبادة وخروجه عن بيعتهم ، وما تناقله العرب من أخبار تُشكّك في صحّة البيعة لأبي بكر ، لكلّ ذلك تريّث مالك وقومه لإعطاء الزّكاة ، فكان الحكم الصّادر من الخليفة وأنصاره بقتلهم ، وسبي نسائهم وذريتهم ، وانتهاك حرماتهم ، وإخماد أنفاسهم ، حتّى لا يتفشّى في العرب رأي للمعارضة أو المناقشة في أمر الخلافة.

والمؤسف حقّاً أنّك تجد من يدافع عن أبي بكر وحكومته ، بل ويصحّح أخطاءه التي اعترف هُوَ بها(٣) ، ويقول كقول عمر : والله ما هو إلاّ أن رأيتُ أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال ، فعرفتُ أنّه الحقّ.

____________

(١) سير أعلام النبلاء للذهبي ١ : ٣٧٢ ، الرياض النضرة ١ : ١٢٩ ح ٣٠٢.

(٢) تاريخ الطبري ٢ : ٥٠٤ ، أُسد الغابة ٤ : ٢٩٦ ، البداية والنهاية ٦ : ٣٥٥.

(٣) عندما اعتذر لأخي مالك متمم وأعطاه ديّة مالك من بيت مال المسلمين وقال : إنّ خالداً تأوّل فأخطأ ( المؤلّف ).


وهل لنا أن نسأل عمر عن سرّ اقتناعه بقتال المسلمين ، الذين شهد هو نفسه بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرّم قتالهم بمجرّد قولهم : لا إله إلاّ الله ، وعارض هو نفسه أبا بكر بهذا الحديث ، فكيف انقلب فجأة واقتنع بقتالهم ، وعرف أنّه الحقّ بمجرّد أن رأى أن قد شرح الله صدر أبي بكر ، فكيف تمت عمليّة شرح الصّدر هذه ، وكيف رآها عمر دون سائر الناس؟

وإن كانت عملية الشرح هذه معنوية وليست حقيقيّة ، فكيف يشرح الله صدور قوم بمخالفتهم لأحكامه التي رسمها على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وكيف يقول الله لعباده على لسان نبيّه : من قال : لا إله إلاّ الله حرامٌ عليكم قتْله ، وحسابه علىَّ ، ثمّ يشرح صدر أبي بكر وعمر قتالهم؟ فهل نزل وحىٌّ عليهما بعد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ أم هو الاجتهاد الذي اقتضته المصالح السيّاسية ، والتي ضربت بأحكام الله عرض الجدار؟

أمّا دعوى المدافعين : بأنّ هؤلاء ارتدّوا عن الإسلام فوجب قتلهم ، فهذا غير صحيح ، ومن له أيّ اطّلاع على كتب التّاريخ يعلم علم اليقين أنّ مانعي الزكاة لم يرتدّوا عن الإسلام ، كيف وقد صلّوا مع خالد وجماعته عندما حلّوا بفنائهم.

ثمّ إنّ أبا بكر نفسه أبطل هذه الدعوى الكاذبة بدفعه ديّة مالك من بيت مال المسلمين واعتذر عن قتله ، والمرتدّ لا يُعتذر عن قتله ولا تُدفع ديّته من بيت المال ، ولم يقل أحدٌ من السّلف الصالح أنّ مانعي الزكاة ارتدّوا عن الإسلام إلاّ في زمن متأخّر عندما أصبحتْ هناك مذاهب وفرق ، فأهل السنّة حاولوا جهدهم وبدون جدوى أن يبرّروا أفعال أبي بكر فلم يجدوا


بدّاً من نسبة الارتداد إليهم; لأنهم عرفوا أن سبابُ المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ ، كما جاء في صحاح أهل السنّة(١) .

وحتّى إنّ البخاري عندما أخرج حديث أبي بكر وقوله : « والله لأقتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة »(٢) جعلَ له باباً بعنوان : من أبى قبول الفرائض وما نُسِبُوا إلى الردّة ، وهو دليل على أنّ البخاري نفسه لا يعتقد بردّتهم ( كما لا يخفى ).

وحاول البعض الآخر تأويل الحديث كما تأوّله أبو بكر : بأنّ الزكاة هي حقّ المال ، وهو تأويل في غير محلّه.

أوّلا : لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرّم قتل من قال : لا إله إلاّ الله فقط ، وفي ذلك أحاديث كثيرة أثبتتها الصّحاح سنُوافيك بها.

ثانياً : لو كانت الزكاة حقّ المال ، فإنّ الحديث يُبيح في هذه الحالة أن يأخذ الحاكم الشرعي الزكاة بالقوّة من مانعها بدون قتله وسفك دمه.

ثالثاً : لو كان هذا التأويل صحيحاً لقاتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثعلبة الذي امتنع عن أداء الزكاة له ( القصّة معروفة لا داعي لذكرها )(٣) .

رابعاً : إليك ما أثبتته الصّحاح في حرمة من قال : لا إله إلاّ الله ، وسأقتصر على البخاري ومسلم ، وعلى بعض الأحاديث روماً للاختصار.

____________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٧ كتاب الإيمان ، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ، وصحيح مسلم ١ : ٥٨ كتاب الإيمان ، باب قول النبي : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ٥٠ ، كتاب استتابة المرتدين.

(٣) راجع كتاب « ثمّ اهتديت » : ١٨٣ ، نشر مؤسسة الفجر لندن ( المؤلّف ).


( أ ) أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال : لا إله إلاّ الله.

والبخاري في صحيحه في كتاب المغازي ، باب حدّثني خليفة عن المقداد بن الأسود أنّه قال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أرأيتَ إن لقيتُ رجلا من الكفّار فاقتتلنا ، فضرب إحدى يدىَّ بالسّيف فقطعها؟ ثمّ لاذَ منّي بشجرة ، فقال : أسلمتُ لله ، أأقتلُهُ يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تقتُلْهُ » فقال : يا رسول الله إنّه قطع إحدى يدىَّ ، ثمّ قال ذلك بعدما قطعها ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تقْتلْهُ ، فإن قَتَلْتَهُ فإنَّهُ بمنزلتِكَ قبل أن تقتلَهُ ، وإنّك بمنزلتِهِ قبل أن يقول كلمتَهُ التي قال ».

هذا الحديث يفيد بأنّ الكافر الذي قال : لا إله إلاّ الله ولو بعد اعتدائه على مسلم بقطع يده فإنّه يحرمُ قتلُهُ ، وليس هناك اعتراف بمحمّد رسول الله ، ولا إقامة الصّلاة ، ولا إيتاء الزكاة ، ولا صوم رمضان ، ولا حجّ البيت ، فأينَ تذهبون وماذا تتأوّلون؟

( ب ) أخرج البخاري في صحيحه من كتاب المغازي ، باب بعْث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة ، وصحيح مسلم في كتاب الإيمان ، في باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال : لا إله إلاّ الله ، عن أُسامة بن زيد قال : بعثنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الحُرقة فصبحنا القوم فهزمناهُم ، ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رَجُلا منهم ، فلمَّا غشينَاه قال : لا إله إلاّ الله ، فكفّ الأنصاري عنه ، وطعنتُهُ برُمحي حتّى قتلتُهُ ، فلمَّا قدمنا بلغ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : « يا أُسامة أقتلتَهُ بعدما قال : لا إله إلاّ الله؟ » قلتُ : كان متعوّذاً ، فما زال


يُكرّرُهَا حتّى تمنّيتُ أني لم أكنْ أسلمتُ قبل ذلك اليوم.

وهذا الحديث يفيد قطعاً بأنّ من قال : لا إله إلاّ الله يحرمُ قتله ، ولذلك ترى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشدّد النّكير على أُسامة ، حتى يتمنّى أُسامة أنّه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم ليشمله حديث « الإسلام يجبَّ ما قبله » ، ويطمع في مغفرة الله له ذلك الذنب الكبير.

( ت ) أخرج البخاري في صحيحه من كتاب اللّباس ، باب الثياب البيض ، وكذلك مسلم في صحيحه كتاب الإيمان ، باب من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة :

عن أبي ذر الغفاري ( رضي الله عنه ) ، قال : أتيتُ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليه ثوبٌ أبيضٌ وهو نائم ، ثمّ أتيتُه وقد استيقظ ، فقال : « ما من عبد قال : لا إله إلاّ الله ثمّ ماتَ على ذلك إلاّ دخل الجنّة » ، قلتُ : وإن زنى وإن سرق؟ قال : « وإن زنى وإن سرق » ، قلتُ : وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال : « وإن زنى وإن سرقَ » ، قلتُ : وإن زنى وإن سرق؟ قال : « وإن زنى وإن سَرَقَ على رغم أنفِ أبي ذرّ ». وكان أبو ذرّ إذا حدّث بهذا الحديث قال : وإن رغم أنف أبي ذرّ.

وهذا الحديث هو الآخر يثبت دخول الجنّة لمن قال : لا إله إلاّ الله ، ومات على ذلك فلا يجوز قتلهم ، وذلك رغم أنف أبي بكر وعمر ، وكلّ أنصارهم الذين يتأوّلون الحقائق ويَقبلونها حفاظاً على كرامة أسلافهم وكبرائهم الذين غيّروا أحكام الله.

وبالتأكيد أنّ أبا بكر وعمر يعرفان كلّ هذه الأحكام ، فهما أقرب منّا لمعرفتها ، وألصق بصاحب الرسالة من غيرهما ، ولكنّهما ومن أجل الخلافة


تأوّلا جُلّ أحكام الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على علم وبيّنة.

ولعلّ أبا بكر لمّا عزم على قتال مانعي الزّكاة ، وعارضه عمر بحديث الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يحرمَ ذلك أقنع صاحبه بأنّه هو الذي حمل الحطب ليحرق بيت فاطمة بنفسه ، وأنّ فاطمة أقلّ ما يقال بحقها : إنّها كانت تشهد أن لا إله إلاّ الله ، ثمّ أقنعه بأنّ فاطمة وعلىّ لم يعد لهما كبير شأن في عاصمة الخلافة ، بينما هؤلاء القبائل الذين منعوا الزكاة لو تركوهم واستشرى أمرهم في داخل البلاد الإسلامية ، فسيكون لهم تأثير كبير على مركز الخلافة ، عند ذلك رأى عمر أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال ، فاعترف بأنّه الحقّ.

أبو بكر يمنع من كتابة السنّة النبويّة

وكذلك يفعل بعده عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان

إنّ الباحث إذا ما قرأ كتب التّاريخ ، وأحَاط ببعض الخلْفيّات التي توخّتها حكومة الخلفاء الثلاثة ، علم عِلم اليقين بأنّهم هم الذين منعوا من كتابة الحديث النّبوي الشريف وتدوينه ، بل منعوا حتى التحدّث به ونقله إلى النّاس; لأنّهم بلا شكّ علموا بأنّه لا يخدم مصالحهم ، أو على الأقل يتعارض ويتناقض مع الكثير من أحكامهم ، وما تأوّلوه حسب اجتهاداتهم ، وما اقتضته مصالحهم.

وبقي حديث النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والذي هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي ، بل هو المفسّر والمبيّن للمصدر الأوّل ألا وهو القرآن الكريم ، بقىّ ممنوعاً ومحرَّماً على عهدهم ، ولذلك اتفقت كلمة المحدّثين والمؤرّخين على بداية جمع الحديث والتدوين في عهد عمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنه ) أو بعده بقليل.


فقد نقل البخاري في صحيحه في كتاب العلم ، باب كيف يقبض العلم قال : وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم : أنظر ما كان من حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاكتبه ، فإنّي خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا يقبل إلاّ حديث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليفشوا العلم ، وليجلسوا حتّى يُعلَّمَ من لا يعلمُ ، فإنّ العلمَ لا يهلكُ حتّى يكون سرّاً.

فهذا أبو بكر يخطب في النّاس بعد وفاة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائلا لهم : إنّكم تحدّثون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث تختلفون فيها ، والنّاس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله وحرّمواحرامه(١) .

عجيبٌ والله أمر أبي بكر! ها هو وبعد أيام قلائل من ذلك اليوم المشـؤوم الذي سُمِّيَ برزيّة يوم الخميس ، يُوافق ما قاله صاحبه عمر بن الخطّاب بالضّـبط عندما قال : إنّ رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله يكفينا!!

وها هو يقول : لا تُحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.

والحمد لله على اعترافه صراحة بأنّهم نبذوا سنّة نبيّهم وراء ظهورهم ، وكانت عندهم نسياً منسياً!!

والسّؤال هنا إلى أهل السنّة والجماعة الذين يدافعون عن أبي بكر وعمر ، ويعتبرانهما أفضل الخلق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا كانت صحاحكم كما تعتقدون تروي بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « تركت فيكم خليفتين ما إن

____________

(١) تذكرة الحفاظ للذهبي ١ : ٣.


تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً : كتاب الله وسُنَّتي » ـ على فرض أنّنا سلّمنا بصحّة هذا الحديث ـ فما بال أفضل الخلق عندكم يرفضان السنّة ، ولا يقيمان لها وزناً ، بلْ ويمنعان النّاس من كتابتها والتحدّث بها؟! وهل من سائل يسأل أبا بكر في أيّ آية وجدَ قتال المسلمين الذين يمنعون الزكاة ، وسبي نسائهم وذراريهم؟!

فكتاب الله الذي بيننا وبين أبي بكر يقول في حقّ مانعي الزكاة :( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (١) .

وباتفاق جميع المفسّرين ، فإنّ هذه الآيات نزلت بخصوص ثعلبة الذي منع الزكاة على عهد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أضف إلى ذلك بأنّ ثعلبة منع الزكاة ، وامتنع من أدائها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّه أنكرها وقال هي جزية(٢) .

وقد شهد الله في هذه الآيات على نفاقه ، ومع ذلك فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقاتله ، ولم يأخذ أمواله بالقوة ، وكان قـادراً على كلّ ذلك ، أمّا مالك بن نويرة وقومه فلم ينكروا الزكاة كفرض من فروض الدّين ، وإنّما أنكروا الخليفة الذي استولى على الخلافة بعد الرسول بالقوة والقهر ، وانتهاز الفرصة.

ثمّ إنّ أمْر أبي بكر أغرب وأعجب عندما نبذ كتاب الله وراء ظهره ، وقد

____________

(١) التوبة : ٧٥ ـ ٧٧.

(٢) تفسير الطبري ١٠ : ٢٤٢ ، تفسير ابن كثير ٢ : ٣٨٨ ، زاد المسير لابن الجوزي ٣ : ٣٢١.


احتجّت به عليه فاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين ، وتلتْ على مسامعه آياتٌ بيّنات محكمات من كتاب الله الذي يُقرّ وراثة الأنبياء ، فلم يقبل بها ونسخها كلّها بحديث جاء به من عنده لحاجة في نفسه!! وإذا كان يقول : إنَّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والنّاس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. فلماذا لم يفعل هو بما يَقول عندما اختلف مع بضعة المصطفى الصدّيقة الطّاهرة ، في حديث النّبي « نحن معشر الانبياء لا نوّرث » ولم يحتكم معها إلى كتاب الله ، فيُحِلّ حلاله ويُحرّم حرامه؟

والجواب معروف ، في تلك الحالة سوف تجد كتاب الله ضدّه ، وسوف تنتصر عليه فاطمة في كلّ ما ادّعته ضدّه ، وإذا ما انتصرت عليه يومها فسوف تحاججه بنصوص الخلافة على ابن عمّها ، وأنّى له عندئذ دفعها وتكذيبها ، والله يقول بهذا الصدد :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) (١) .

نعم ، لكلّ ذلك ما كان أبو بكر ليرتاح إذا ما بقيت أحاديث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متداولة بين النّاس ، يكتبونها ويحفظونها ويتناقلونها من بلد لآخر ومن قرية لأُخرى ، وفيها ما فيها من نصوص صريحة تتعارض والسّياسة التي قامت عليها دولته ، فلم يكن أمامه حلاّ غير طمس الأحاديث وسترها بل ومحوها وحرقها.

____________

(١) الصف : ٢ ـ ٣.


فها هي عائشة ابنته تشهد عليه ، قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله ، فكانتْ خمسمائة حديث ، فبات يتقلّب ، فقلت : يتقلّب لشكوى أو لشيء بلغه ، فلما أصبح قال : أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك فجئته بها ، فأحرقها الحديث(١) .

عمر بن الخطاب يتشدّد أكثر من صاحبه في الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويمنع النّاس من نقله

لقد رأينا سياسة أبي بكر في منع الحديث ، حتّى وصل به الأمر أن أحرق المجموعة التي جُمعت على عهده ، وهي خمسمائة حديث ، لئلا تتفشّى عند الصّحابة وغيرهم من المسلمين الذين كانوا يتعطشون لمعرفة سنّة نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولما ولي عمر الخلافة بأمر من أبي بكر ، كان عليه أن يتوخّى نفس السّياسة ولكن بأُسلوبه المعروف بالشدّة والغلظة ، فلم يقتصر على حظر ومنع تدوين الحديث ونقله فحسب ، بل تهدّد وتوعّد وضرب أيضاً ، واستعمل فرض الحصار هو الآخر.

روى ابن ماجة في سننه من الجزء الأول ، باب التوقّي في الحديث. قال : عن قرظة بن كعب ، بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة ، وشيّعنا فمشى معنا إلى موضع صرار ، فقال : أتدرون لم مشيتُ معكم؟ قال : قلنا لحقّ صُحبة رسول الله ، ولحقِّ الأنصار ، قال : لكنّي مشيتُ معكم لحديث أردتُ أن

____________

(١) كنز العمال ١٠ : ٢٨٥ ح ٢٩٤٦٠ ، تذكرة الحفاظ ١ : ٥.


أحدّثكم به ، فأردتُ أن تحفظوه لممشاي معكم ، إنّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم ازيز كأزيز المرجل ، فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم ، وقالوا أصحاب محمّد! فأقلّوا الرواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ أنا شريككم. فلما قدم قرظة بن كعب قالوا : حدّثنا ، قال : نهانا عمر(١) .

كما روى مسلم في صحيحه في كتاب الآداب ، باب الاستئذان ، بأنّ عمر هدّد أبا موسى الأشعري بالضرب من أجل حديث رواه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال أبو سعيد الخدري : كنا في مجلس عند أُبي بن كعب ، فأتى أبو موسى الأشعري مُغضباً ، حتى وقفَ فقال : أنشدكم الله هل سمع أحدٌ منكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : الاستئذان ثلاث ، فإن أذن لك وإلاّ فارجع؟ قال أُبي : وما ذاك ، قال : استأذنتُ على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرّات ، فلم يؤذن لي فرجعتُ ، ثمّ جئته اليوم فدخلتُ عليه ، فأخبرته أنّي جئتُ بالأمس فسلمتُ ثلاثاً ثمّ انصرفت ، قال : قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل ، فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك ، قلتُ : استأذنت كما سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : فوالله لأوجعنّ ظهرك وبطنك أو لتأتينَّ بمنْ يشهد لك على هذا ، فقال أُبي بن كعب : فوالله لا يقوم معك إلاّ أحدثنا سنّاً ، قم يا أبا سعيد ، فقمت حتى أتيتُ عُمر ، فقلت : قد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول هذا.

وروى البخاري هذه الحادثة ، ولكنّه كعادته بترها وحذف منها تهديد

____________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٢٥ ح ٢٨ ، ط دار الفكر وصرّح البوصيري في حاشيته على السنن بصحته ، تذكرة الحفاظ للذهبي ١ : ٧.


عمر بضرب أبي موسى حفاظاً كعادته على كرامته(١) . مع أنّ مسلم في صحيحه زاد قول أُبي بن كعب لعمر : يابن الخطاب فلا تكوننَّ عذاباً على أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد روى الذهبي في تذكرة الحفاظ من جزئه الأول الصفحة السابعة عن أبي سلمة قال : قلت لأبي هريرة : أكنتَ تحدّث في زمان عمر هذا؟ فقال : لو كنتُ أُحدّث في زمان عمر مثل ما أُحدّثكم لضربني بمخفقته(٢) .

كما أنّ عمر بعد منع الحديث والتهديد بالضرب ، أقدم هو الآخر على حرق ما دوّنَهُ الصّحابة من الأحاديث ، فقد خطب النّاس يوماً قائلا : أيّها النّاس ، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتبٌ ، فأحبّها إلى الله أعدلها وأقومها ، فلا يبقيّن أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي ، فظنّوا أنّه يريد النّظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنّار(٣) .

كما أخرج ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله ، أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ، ثمّ بدا له أن لا يكتبها ، ثمّ كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء فليمحه(٤) .

____________

(١) صحيح البخاري ٦ : ١٧٨ في كتاب الاستئذان ، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً.

(٢) تذكرة الحفاظ ١ : ٧.

(٣) حجيّة السنّة لعبد الغني : ٣٩٥ ونحوه : الطبقات الكبرى لابن سعد ٥ : ١٨٨ ، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥ : ٥٩.

(٤) كنز العمال ١٠ : ٢٩٢ ح ٢٩٤٧٦ ، عن ابن عبد البر وأبي خثيمة ، جامع بيان العلم وفضله : ٧٧.


ولمّا أعيته الحيلة ورغم تهديده ووعيده ، ومنعه وتحريمه ، وحرقه كتب الأحاديث ، بقي بعض من الصّحابة يُحدّثون بما سمعوا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما يلتقون في أسفارهم خارج المدينة بالنّاس اللذين يسألونهم عن أحاديث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، رأى عمر أن يحبس هؤلاء النفر في المدينة ، ويضرب عليهم حصاراً وإقامة جبريّة.

فقد روى ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : والله ما مات عمر حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق : عبد الله بن حذيفة ، وأبي الدرداء ، وأبي ذر الغفاري ، وعقبة بن عامر. فقال : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله في الآفاق ، قالوا : تنهانا؟ قال: لا ، أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت(١) .

ثمّ جاء بعده ثالث الخلفاء عثمان الذي اتّبع نفس الطريق ، وسلك ما سطّره له صاحباه من قبل ، فصعد على المنبر وأعلن صراحة قوله :

لا يحلُّ لأحد أن يرويَ حديثاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم أسمع به في عهد أبي بكر وعمر(٢) .

وهكذا دَام الحصار طيلة حياة الخلفاء الثلاثة ، وهي خمسة وعشرون عاماً ، ويا ليته كان حصاراً في تلك المدّة فحسب ، ولكنّه تواصل بعد ذلك ، وعندما جاء معاوية للحكم صعد المنبر هو الآخر وقال : إيّاكم وأحاديث إلاّ

____________

(١) كنز العمال ١٠ : ٢٩٣ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٠ : ٥٠٠.

(٢) الطبقات لابن سعد ٢ : ٣٣٦ ، كنز العمال ١٠ : ٢٩٥ ح ٢٩٤٩٠ ، تاريخ مدينة دمشق ٣٩ : ١٨٠.


حديثاً كان في عهد عمر ، فإنّ عمر كان يخيفُ الناسَ في الله عز وجلَّ. الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ، في كتاب الزكاة باب النهي عن المسألة من جزئه الثالث.

ونهج الخلفاء الأمويون على هذا المنوال ، فمنعوا أحاديث الرسول الصحيحة ، وتفنّنوا في وضع الأحاديث المزوّرة والمكذوبة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتّى ابتُلي المسلمون في كلّ العصور بالمتناقضات ، وبالأساطير والمخاريق التي لا تمتُّ للإسلام بشيء.

وإليك ما نقله المدائني في كتابه « الأحداث » قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة : أن برئتْ الذمّة ممن رَوى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ( يقصد علي بن أبي طالب ) ، فقامَ الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته.

ثمّ كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.

ثمّ كتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه ، وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم ، وقرّبوهم وأكرموهم ، واكتبوا إلىّ بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته.

ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كلّ مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فلا يأتي أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو


منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه ، فلبثوا بذلك حيناً.

ثمّ كتب معاوية إلى عمّاله : إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية ، إذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصّحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصّحابة ، فإنّ هذا أحبّ إلىّ وأقرُّ لعيني ، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته ، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقُرأت كتبه على النّاس ، فرويت أخبارٌ كثيرة في مناقب الصّحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم ، حتى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن ، وحتّى علّموه بناتهم ونسائهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان :

أُنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته ، فامحوا اسمه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه.

ثمّ شفع ذلك بنسخة أُخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به ، واهدموا داره.

فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيّما بالكوفة ، حتّى إنّ الرّجل من شيعة علي ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه.


فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم النّاس بليّة القرّاء المراؤون والمستضعفون ، الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقرّبوا مجالسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ، ولا تديّنوا بها(١) .

وأقول : بأنّ المسؤولية في كلّ ذلك يتحمّلها أبو بكر وعمر وعثمان ، الذين منعوا من كتابة الأحاديث الصحيحة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بدعوى خوفهم بأن لا تختلط السنّة بالقرآن ، هذا ما يقوله أنصارهم والمدافعون عنهم.

وهذه الدّعوى تُضحك المجانين ، وهل القرآن والسنّة سُكّر وملح إذا ما اختلطا فلا يمكن فصل أحدهما عن الآخر ، وحتى السكّر والملح لا يختلطان; لأنّ كلّ واحد محفوظ في علبته الخاصّة به ، فهل غاب عن الخلفاء أن يكتبوا القرآن في مصحف خاصّ به ، والسنّة النّبوية في كتاب خاصّ بها ، كما هو الحال عندنا اليوم!! ومنذ دوّنت الأحاديث في عهد عمر ابن عبد العزيز ( رضي الله عنه ) ، فلماذا لم تختلط السنّة بالقرآن ، رغم أن كتب الحديث تُعدُّ بالمئات؟! فصحيح البخاري لا يختلط بصحيح مسلم ، وهذا لا يختلط بمسند أحمد ، ولا بموطأ الإمام مالك ، فضلا عن أن يختلط بالقرآن الكريم.

____________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١ : ٤٤.


فهذه حجّة واهية كبيت العنكبوت لا تقوم على دليل ، بل الدليل على عكسها أوضح ، فقد روى الزهري عن عروة أنّ عمر بن الخطاب أرادَ أن يكتب السنن ، فاستفْتى أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأشاروا عليه أن يكتُبها ، فطفقَ عمر يستخير الله فيها شهراً ، ثمّ أصبح يوماً فقال : إنّي كنت أُريد أن أكتب السُّنن ، وإنّي ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإنّي والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً(١) .

أنظر أيها القارئ إلى هذه الرواية ، كيف أشار أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عمر بأن يكتب السُّنن ، وخالفهم جميعاً واستبدّ برأيه ، بدعوى أنّ قوماً قبلهم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها ، وتركوا كتاب الله ، فأين هي دعوى الشورى التي يتشدّق بها أهل السنّة والجماعة؟! ثمّ أين هؤلاء القوم الذين أكبّوا على كتبهم وتركوا كتاب الله ، لم نسمع بهم إلاّ في خيال عمر بن الخطّاب؟! وعلى فرض وجود هؤلاء القوم فلا وجه للمقارنة ، إذ إنّهم كتبوا كتباً من عند أنفسهم لتحريف كتاب الله ، فقد جاء في القرآن الكريم :( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (٢) .

أمّا كتابة السنن فليستْ كذلك; لأنّها صادرة عن نبي معصوم لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلاّ وحىٌّ يُوحَى ، وهي مُبيّنة ومفسّرة لكتاب الله ، قال

____________

(١) كنز العمال ١٠ : ٢٩١ ح ٢٩٤٧٤ عن ابن عبدالبر ، المصنّف لعبد الرزاق ١١ : ٢٥٧ ح ٢٠٤٨٤ ، نحوه الطبقات لابن سعد ٣ : ٢٨٧ ، جامع بيان العلم وفضله : ٧٦.

(٢) البقرة : ٧٩.


تعالى :( وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ) (١) .

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أوتيتُ القرآن ومثله معه »(٢) ، وهذا أمرٌ بديهي لكلّ من عرف القرآن ، فليس هناك الصّلوات الخمس ، ولا الزكاة بمقاديرها ، ولا أحكام الصّوم ، ولا أحكام الحجّ ، إلى كثير من الأحكام التي بيّنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكلّ ذلك قال الله تعالى :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٣) .

وقال :( قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) (٤) .

وليتَ عُمر عرف كتاب الله وأكبّ عليه; ليتعلّمَ منه الامتثال إلى أوامر الرّسول ، ولا يُناقشها ولا يطعن فيها(٥) .

وليته عرف كتاب الله وأكبّ عليه ، ليتعلّم منه حكم الكلالة(٦) التي ما عرفها حتى مات ، وحكم فيها أيّام خلافته بأحكام متعدّدة ومتناقضة ، وليتَه عرف كتاب الله وأكبْ عليه; ليتعلّم منه حكم التيمّم الذي ما عرفه حتّى أيام خلافته ، وكان يفتي بترك الصّلاة لمن لم يجد الماء(٧) ، وليتَه عرف كتاب الله وأكبّ عليه ليتعلّم منه حكم الطّلاق مرّتان ، فإمساك بمعروف أو تسريح

____________

(١) النحل : ٤٤.

(٢) مسند أحمد ٤ : ١٣١ ، تفسير ابن كثير ١ : ٤.

(٣) الحشر : ٧.

(٤) آل عمران : ٣١.

(٥) صحيح البخاري١ : ٣٧ باب كتابة العلم ، و ٥ : ١٣٨ ، في رزية الخميس.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٨١ ، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً.

(٧) صحيح البخاري ١ : ٩٠ ، صحيح مسلم ١ : ١٩٣ باب التيمّم وفيه : « إنّ رجلا أتى عمر فقال : إنّي أجنبت فلم أجد ماء؟ فقال : لا تصلِّ ».


بإحسان ، والذي جعله هو طلقةٌ واحدة(١) ، وعارض برأيه واجتهاده أحكام الله ، وضرب بها عرض الحائط.

والحقيقة التي لا مجال لدفعها ، هي أنّ الخلفاء منعوا من انتشار الأحاديث ، وهدّدوا من يتحدّث بها ، وضربوا عليها الحصار; لأنّها تفضح مخطّطاتهم ، وتكشف مؤامراتهم ، ولا يجدون مجالا لتأويلها كما يتأولون القرآن; لأنّ كتاب الله صامتٌ وحمّالٌ أوجه ، أمّا السُّنن النبويّة فهي أقوال وأفعال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا يمكن لأحد من النّاس دفعها.

ولذلك قال أمير المؤمنين علي لابن عباس عندما بعثه للاحتجاج على الخوارج :« لا تُخاصمهم بالقرآن ، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول ويقُولون ، ولكن حاججهم بالسنّة ، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً »(٢) .

أبو بكر يسلّم الخلافة لصاحبه عمر ويخالف بذلك النصوص الصّريحة

يقول الإمام عليعليه‌السلام في هذا الموضوع بالذّات :

« أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة ، وإنّه ليعلمُ أنّ محلي منها محلّ القطب من الرّحى ، ينحدر عني السّيلُ ولا يرقى إلىَّ الطير ، فسدلتُ دونها ثوباً ، وطويتُ عنها كشحاً ، وطفقتُ أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ، فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين

____________

(١) صحيح مسلم٤ : ١٨٣ في كتاب الطلاق ، باب طلاق الثلاث من جزءه الأول.

(٢) نهج البلاغة ٣ : ١٣٦ ، الخطبة ٧٧.


قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهْباً ، حتّى مضى الأولُ لسبيله ، فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعدَهُ.

( شتان ما يومي على كورها

ويوم حيّان أخي جابر )

فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ، فصيّرها في حوزة خشناء ، يغْلظُ كلامُها ، ويخشنُ مسُّها ، ويكثُرُ العثَارُ فيها ، والاعتذار منها » الخطبة(١) .

يعرفُ كلّ محقّق وباحث بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصّ بالخلافة وعيّن علي ابن أبي طالب قبل وفاته ، كما يعرف ذلك أغلب الصّحابة ، وفي مقدّمتهم أبو بكر وعمر ، ولهذا كان الإمام علي يقول : « وإنه ليعلمُ أنَّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى ».

ولعلّ ذلك ما دعا أبو بكر وعمر أن يمنعا رواية الحديث عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما قدّمنا في الفصل السّابق ، وتمسّكا بالقرآن لأنّ القرآن وإن كان فيه آية الولاية ، غير أنّ اسم علي لم يذكر صراحة كما هو الحال في الأحاديث النّبوية ، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من كنت مولاه فهذا علىٌّ مولاه »(٢) ، و « علىّ مني

____________

(١) نهج البلاغة ١ : ٣٠ ، الخطبة ٣ ، المعروفة بالشقشقية.

(٢) مسند أحمد ١ : ٨٤ وصرّح محقّق الكتاب الشيخ أحمد شاكر بصحة متن الحديث وقال : ( ورد عن طرق كثيرة ، ذكر المناوي في شرح الجامع الصغير في الحديث ٩٠٠٠ عن السيوطي أنّه قال : « حديث متواتر » ) ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٥ ح ١٢١ ، سنن الترمذي ٥ : ٢٩٧ ح ٣٧٩٧ ، المستدرك للحاكم ٣ : ١١٠ ، كتاب السنة لابن أبي عاصم : ٥٩٠ ، وغيرها من المصادر الكثيرة. وهو حديث متواتر كما صرّح الشيخ الألباني في صحيحته ٤ : ٣٤٣.


بمنزلة هارون من موسى »(١) و « علي أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي »(٢) و « علىّ منّي وأنا منه وهو ولىّ كلّ مؤمن بعدي »(٣) .

____________

(١) صحيح مسلم ٧ : ١٢٠ كتاب الفضائل ، باب فضائل علي بن أبي طالب ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٢ ، ح ٣٨٠٨ ، المستدرك للحاكم ٣ : ١٠٩ ، السنن الكبرى للبيهقي ٩ : ٤٠ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٤٩٦ ، كتاب السنّة : ٥٨٦ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٤ ح ٨١٣٨ ، وغيرها.

(٢) قريب منه في تاريخ الطبري ٢ : ٦٣ ، الخصائص للنسائي : ٤٩ ح ٦٥ في حكاية يوم الدار ونزول قوله تعالى :( وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) .

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٦٣٢ ح ٣٧١٢ وقال : « هذا حديث حسن غريب » ، خصائص أمير المؤمنين ١٠٩ ح ٨٩ ـ ٩٠ ، مسند أحمد بن حنبل ٤ : ٤٣٧ ، فضائل الصحابة ٢ : ٦٠٥ ح ١٠٣٥ ، مسند أبي داود الطياسي : ١١١ح ٨٢٩ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٦ : ٣٧٥ ح ٣٢١١٢ ، صحيح ابن حبان ٥ : ٣٧٣ ح ٦٩٢٩ ، المستدرك ٣ : ١١٠ ، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ولم يتعقبه الذهبي بشيء ، حلية الأولياء ٦ : ٢٩٤ ، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥ : ٢٦١ ح ٢٢٢٣ ، البداية والنهاية ٧ : ٣٥١ ، مختصر إتحاف السادة المهرة ٩ : ١٧٠ح ٧٤١ وقال البوصيري : رواه أبو داود الطيالسي بسند صحيح.

ولأجل وضوح دلالة هذا الحديث على خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام أنكره ابن تيمية وطعن فيه ، قال في منهاج سنته ٤ : ١٠٤ : « قوله : ( وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي ) كَذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، بل هو في حياته وبعد مماته وليّ كلّ مؤمن ، وكلّ مؤمن وليّه في المحيا والممات. فالولاية التي هي ضدّ العداوة لا تختصّ بزمان ، أما الولاية التي هي الامارة فيقال فيها : والي كل مؤمن بعدي ».

ويكفي ردّاً على كلام ابن تيمية ما ذكره شيخ السلفية المحدّث محمّد ناصر الدين الألباني في سلسلته الصحيحة ٥ : ٢٦٣ إذ قال بعد تخريجه الحديث :


وبذلك نفهم مدى نجاح المخطّط الذي رسمه أبو بكر وعمر في منع وحرق الأحاديث النبويّة ، وجعل كمّامات على الأفواه حتى لا يتحدّث الصّحابة بها ، كما قدّمنا في رواية قرظة بن كعب ، واستمرّ ذلك الحصار ربع قرن ، وهي مدّة الخلفاء الثـلاثة ، حتى إذا جاء علي للخـلافة نرى أنّه استشهد الصّحابة يوم الرحبة على حديث الغدير ، فشهد له ثلاثون صحابيّاً(١) منهم سبعة عشر بدريّاً(٢) .

وهذا يدلّ دلالة واضحة بأنّ هؤلاء الصّحابة ، وعددهم ثلاثون ، ما كانوا ليتكلّموا لولا أن طلب منهم أمير المؤمنين ذلك ، فلو لم يكن علىّ خليفة وبيده القوّة لأقعدهم الخوف عن أداء الشّهادة ، كما وقع ذلك فعلا من بعض الصّحابة الذين أقعدهم الخوف أو الحسد عن الشهادة ، أمثال أنس بن مالك ، والبرّاء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وجرير بن عبد الله البجلي ، فأصابتهم دعوة علي بن أبي طالب(٣) .

ولم ينعم أبو ترابعليه‌السلام بالخلافة ، فكانت أيامه كلّها محن وفتن ، ومؤامرات وحروب شُنّتْ عليه من كلّ حدب وصوب ، وبرزت تلك الأحقاد

____________

« فمن العجب حقّاً أن يتجرّأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة ( ٤ / ١٠٤ ) كما فعل بالحديث المتقدّم هناك فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث إلاّ التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة ».

(١) مسند أحمد ٤ : ٣٧٠ وفيه أيضاً « وقال أبو نعيم : فقام ناس كثير فشهدوا ».

(٢) مسند أحمد ١ : ١١٩ وصرّح محقّق الكتاب أحمد شاكر بصحته ، وفيه أيضاً : « فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا ، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته ».

(٣) أنساب الأشراف ١٥٧ ح ١٦٩ ، ونحوه السيرة الحلبية ٣ : ٣٨٥ ، المعجم الكبير ٥ : ١٧٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٢٠٨ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٩ : ٢١٨.


والضغائن البدرية والحنينية والخيبرية حتى سقط شهيداً ، ولم تجد تلك السّنن النبويّة آذاناً صاغية لدى الناكثين والقاسطين والمارقين ، والانتهازيين الذين أَلِفُوا الفساد والرشوة وحبّ الدنيا أيام عثمان ، فلم يكن ابن أبي طالب ليصلح فساد وانحراف ربع قرن في ثلاث أو أربع سنوات إلاّ بفساد نفسه ، وهيهات منه ذلك وهو القائل : « والله إنّي لأعرف ماذا يُصلحكم ، ولكن لا أصلحكم بفساد نفسي »(١) .

ولم تطل المدّة حتى اعتلى سدّة الخلافة معاوية بن أبي سفيان ، فواصل المخطّط ، كما قدّمنا في منع الأحاديث إلاّ ما كان في زمن عمر ، وذهب شوطاً أبعد من ذلك ، فانتدب من الصّحابة والتّابعين زمرة لوضع الأحاديث ، فضاعت سنّة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خضمّ تلك الأكاذيب والأساطير والفضائل المختلقة.

واستمرّ المسلمون على ذلك قرناً كامِلا ، وأصبحتْ سنّة معاوية هي المتّبعة لدى عامّة المسلمين ، وإذا قلنَا سنّة معاوية فمعناه السنّة التي ارتضاها معاوية من أفعال الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان ، وما أضافه هو وأتباعه من وضع وتزوير ، ولعْن وسبّ لعلي وأهل بيته وشيعته من الصّحابة المخلصين.

ولذلك أعود وأكرر بأنّ أبا بكر وعمر نجحا في هذا المخطّط لطمس السّنن النبويّة بدعوى الرجوع إلى القرآن ، فإنّك ترى اليوم وبعد مرور أربعة عشر قرناً ، إذا ما حاججتَ بالنّصوص النّبوية المتواترة التي تُثبتُ بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عيّنَ عليّاً خليفةً لَهُ ، فسيُقال لك : دعنا من السنّة النبويّة التي أُختلِفَ فيها وحسبُنَا كتاب الله ، وكتاب الله لم يذكر بأنّ علياً هو خليفة النّبي ، بل

____________

(١) نحوه الكافي ٨ : ٣٦١ ، أنساب الأشراف : ٤٥٨.


قال : « وأمرهم شورى ».

وهذه هي حجّتُهم ، فما كلّمتُ أحداً من علماء أهل السنّة إلاّ وكانت الشورى هي شعارُهم وديدنهم.

وبقطع النّظر على أنّ خلافة أبي بكر كانت فلتةً وقى الله المسلمين شرّها(١) ، فلم تكن عن مشورة كما يدّعي البعض ، بل كانت بالغفلة وبالقوة والقهر والتهديد والضرب(٢) ، وتخلّف عنها وعارضها الكثير من خيرة الصّحابة ، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ، وسعد بن عبادة ، وعمّار ، وسلّمان ، والمقداد ، والزبير ، والعبّاس ، وغير هؤلاء كثيرون ، كما يعترف بذلك جلّ المؤرّخين لهذا الحدث.

ولنغضّ الطّرف عنها ونأتي إلى استخلاف أبي بكر لعمر بعده ، ونسأل أهل السنّة الذين يتشدّقون بمبدأ الشورى : لماذا عيّنَ أبو بكر خليفته ، وفرضه على المسلمين بدون أن يترك الأمر شورى بينهم كما تدّعون؟

ولمزيد من التّوضيح وكالعادة لا نستدل إلاّ بكتب أهل السنّة ، أُقدّم إلى القارئ كيفية استخلاف أبي بكر لصاحبه.

ينقل ابن قتيبة في كتابه تاريخ الخلفاء ، في باب مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما ، قال :

« ثمّ دعا عثمان بن عفّان فقال : أكتب عهدي ، فكتب عثمان وأملى

____________

(١) البخاري ٨ : ٢٦ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة ، باب رجم الحبلى من الزنا.

(٢) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١ : ٢٦ ، بيعة أبي بكر وكيفية أخذ البيعة من عليّعليه‌السلام .


عليه : « بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة ، آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها ، وأوّل عهده بالآخرة داخلا فيها ، إنّي استخلفْتُ عليكم عمر بن الخطاب ، فإن تروه عدلا فيكم فذلك ظنّي به ورجائي فيه ، وإن بدّل وغيّر فالخير أردت ، ولا أعلم الغيب ، وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون ».

ثمّ ختم الكتاب ودفعه ، فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنّه استخلف عمر ، فقالوا : نراك استخلفتَ علينَا عمر ، وقد عرفتَهُ ، وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا وليتَ عنّا ، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك ، فما أنت قائل؟ فقال أبو بكر : لئن سألني الله لأقولن : استخلفت عليهم خيرهم في نفسي »(١) .

ويذكر بعض المؤرّخين : أنّ أبا بكر لمّا استدعى عثمان ليكتب عهده ، أُغْمِيَ عليه أثناء الإملاء ، فكتب عثمان اسم عمر بن الخطّاب ، فلمّا أفاق قال : اقرأ ما كتبتَ ، فقرأ وذكر اسم عمر ، فقال : أنّى لك هذا؟ قال : ما كنتَ لتعدُوه ، فقال : أصبتَ.

فلمّا فرغ من الكتاب دخل عليه قوم من الصحابة منهم طلحة ، فقال له : ما أنت قائل لربّك غداً وقد وليّت علينا فظّاً غليظاً ، تفرق منه النّفوس وتنفضّ عنه القلوب؟

فقال أبو بكر : أسندوني وكان مستلقياً ، فأسندوه فقال لطلحة : أبالله

____________

(١) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة المعروف بالإمامة والسياسة ١ : ٣٧.


تخوّفني ، إذا قال لي ذلك غداً قلتُ له : ولّيتُ عليهم خير أهلك(١) .

وإذا كان المؤرّخون يتّفقون على استخلاف أبي بكر لعمر بدون استشارة الصّحابة ، فلنا أن نقول بأنّه استخلفه رغم أنف الصّحابة وهم له كارهون ، وسواء أقال ابن قتيبة : « دخل عليه المهاجرون والأنصار فقال : قد علمت بوائقه فينا » أم كما قال غيره : « دخل عليه قوم من الصّحابة منهم طلحة فقال له : ما أنت قائل لربِّك وقد ولّيت علينا فظّاً غليظاً تفرق منه النفوس وتنفضّ عنه القلوب » فالنتيجة واحدة ، وهي إنّ الصّحابة لم يكن أمرهم شورى ، ولم يكونوا راضين عن استخلاف عمر ، وقد فرضه عليهم أبو بكر فرضاً بدون استشارتهم ، والنتيجة هي التي تنبأ بها الإمام علي عندما شدّد عليه عمر بن الخطّاب ليبايع أبا بكر ، فقال له : « أحلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً »(٢) .

وهذا بالضبط ما قاله أحد الصّحابة لعمر بن الخطاب ، عندما خرج بالكتاب الذي فيه عهد الخلافة ، فقال له : ما في الكتاب يا أبا حفص؟ قال : لا أدري ، ولكنّي أوّل من سمع وأطاع ، فقال الرّجل : لكني والله أدري ما فيه ،

____________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ : ١٦٣ ، البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ١٦ : « وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطّاب ». تاريخ الطبري ٣ : ٤٣٣ ، ط روائع التراث ، الكامل في التاريخ ٢ : ٤٢٥ والذي قال عن تاريخه : « لم أنقل إلاّ من التواريخ المذكورة ، والكتب المشهورة ممّن يعلم بصدقهم فيما نقولوه وصحة ما دونوه ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي ، ولا كمن يجمع الحصباء واللآلي » الكامل في ١ : ٣ المقدّمة.

(٢) الإمامة والسياسة ١ : ٢٩.


أمّرته عام أوّل ، وأمّرك العام(١) .

وبهذا يتبيّن لنا بوضوح لا شكّ فيه بأنّ مبدأ الشورى الذي يطبّل له أهل السنّة لا أساس له عند أبي بكر وعمر ، أو بتعبير آخر : إنّ أبا بكر هو أوّل من هدم هذا المبدأ وألغاه ، وفتح الباب أمام الحكّام من بني أُميّة أن يُعيدوها ملكية قيصرية يتوارثها الأبناء عن الآباء ، وكذلك فعل بنوالعبّاس من بعدهم ، وبقيت نظرية الشورى حُلماً يراود أهل السنّة والجماعة لم ولن يتحقّق.

وهذا يذكّرني بمحاورة دارت بيني وبين عالم من علماء الوهّابية السعوديين في مسجد نيروبي بكينيا على مشكلة الخلافة ، وكنتُ من أنصار النصّ على الخليفة ، وأنّ الأمر كلّه لله يجعله حيث يشاء ، ولا دخل لاختيار الناس في ذلك.

وكان هو من أنصار الشورى ، ويدافع عنها دفاعاً مستميتاً ، وكان حوله مجموعة من الطلبة الذين يأخذون العلم عنه ، وهم يؤيّدونه في كلّ ما يقول ، بدعوى أنّ حجّته من القرآن الكريم ، إذ يقول تعالى لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ) (٢) ويقول :( وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (٣) .

ولمّا عرفْتُ أنّني مقهور مع هؤلاء لأنّهم تعلّموا من أستاذهم كلّ الأفكار الوهّابية ، كما عرفت أنّهم غير قابلين للاستماع إلى الأحاديث الصّحيحة ، وهم يتشبثون ببعض الأحاديث التي يحفظونها وأغلبها من الموضوعات ،

____________

(١) الإمامة والسياسة ١ : ٣٨.

(٢) آل عمران : ١٥٩.

(٣) الشورى : ٣٨.


عند ذلك استسلمتُ لمبدأ الشورى وقلت لهم ولأستاذهم :

هل لكم أن تقنعوا حكومة جلالة الملك عندكم بمبدأ الشورى حتّى يتنازل عن عرشه ، ويقتدي بسلفكم الصّالح ، ويترك للمسلمين في الجزيرة العربية حريّة اختيار رئيساً لهم ، وما أظنّه يفعل ذلك ، فآباؤه وأجداده لم يملكوا الخلافة فحسب ، بل والجزيرة العربية أيضاً أصبحت من ممتلكاتهم حتّى أطلقوا على أرض الحجاز كلّها اسم المملكة السعودية.

وعندئذ تكلّم سيّدهم العالم ليقول : نحن لا شغل لنا في السياسة ، ونحن في بيت الله الذي أمر أن يذكر فيه اسمه وأن تقام فيه الصّلوات.

قلت : وكذلك لطلب العلم.

قال : نعم وهو كذلك ، نحن نعلّم الشباب هنا.

قلتُ : كنّا في بحث علمي!

قال : لقد أفسدتَه بالسياسة.

خرجتُ مع مرافقي ، وأنا أتحسّر على شباب المسلمين الذين استولت الوهّابية على أفكارهم بكلّ الطّرق ، فأصبحوا حرباً على آبائهم ، وكلّهم من معتنقي المذهب الشافعي ، وهو أقرب المذاهب إلى أهل البيت على ما أعتقد.

وكان للشيوخ احترام ووقارٌ لدى المثقفين وغير المثقفين ، باعتبار أنّ أغلبهم من السّادة المنحدرين من السّلالة الطّاهرة ، فجاء الوهابيون للشباب واستغلّوا فقرهم ، فأغروهم بالأموال والإمكانيات الماديّة ، وقلبوا نظرتهم بأنّ ما يفعلونه من احترام للسّادة هو شرك بالله; لأنّه تقديس للبشر ، فأصبح


الأبناء نقمة على الآباء ، وهذا ما يحدثُ في كثير من البلدان الإسلاميّة في أفريقيا للأسف.

ونعود لوفاة أبي بكر لنجد أنّه وقبل موته ندم على ما اقترفت يداه ، فقد نقل ابن قتيبة في تاريخ الخلفاء قوله : « أجل والله ما آسى إلاّ على ثلاث فعلتهن ليتني كنتُ تركتهنَّ : فليتني تركتُ بيت علي ، وفي رواية لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد أعلنوا علىّ الحـرب ، وليتني يوم سـقيفة بني ساعدة كنتُ ضربتُ على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر ، فكان هو الأمير وكنتُ أنا الوزير ، وليتني حين أتيتُ ذي الفجاءة السلمي أسيراً أني قتلتُه ذبيحاً أو أطلقته نجيحاً ، ولم أكن أحرقُته بالنار »(١) .

ونحن نُضيف : ليتك يا أبا بكر لم تظلم الزهراء ، ولم تؤذها ، ولم تغضبها ، وليتك ندِمتَ قبل موتها وأرضيتها ، هذا بخصوص بيت علي الذي كشفتَهُ وأبحتَ حرقَهُ.

أما بخصوص الخلافة فليتك تركتَ صاحبيك وعضديك أبا عبيدة وعمر ، وضربت على يد صاحبها الشرعي الذي استخلفه صاحب الرسالة ، فكان هو الأمير ، إذن لكان العالم اليوم غير ما نشاهده ، ولكان دين الله هو الذي يسود الكرة الأرضية ، كما وعد الله ووعده حقّ.

وأمّا بخصوص الفجاءة السلمي الذي أحرقته بالنّار ، فيا ليتك لم تحرق السّنن النبويّة الّتي جمعتها ، ولكنت تعلّمت منها الأحكام التشريعية

____________

(١) تاريخ الطبري ٢ : ٦١٩ ، تاريخ دمشق ٣٠ : ٤٢٠ ، الإمامة والسياسة ١ : ٣٦ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٧ ، ط دار صادر ، باختلاف في الألفاظ.


الصحيحة ، وما التجأت إلى الاجتهاد بالرأي.

وأخيراً وأنت على فراش الموت ليتك إذا فكّرتَ في الاستخلاف ، أرجعت الحقّ إلى نصابه إلى من كان محلّه منها محلّ القطب من الرّحى ، فأنت أعلم النّاس بفضله وفضائله ، وزهده وعلمه وتقواه ، وأنّه كان كنفس النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخصوصاً أنّه سلّم لك الأمر ، ولم يناجزك حفاظاً على الإسلام ، فكان حريّاً بك أن تنصح لأُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتختار لها من يصلح شأنها ، ويلمّ شعثها ، ويوصلها إلى ذروة المجد.

وندعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر لك ذنوبك ، ويُرْضي عنك فاطمة وأباها ، وزوجها وبنيها ، فقد أغضبت بضعة المصطفى ، والله يغضبُ لغضبها ويرضى لرضاها ، كما وأنّ من من آذى فاطمة فقد آذى أباها بنصّ حديثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله تعالى يقول :( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ ) (١) .

ونعوذ بالله من غضب الله ، ونسأله أن يرضى عنّا وعن جميع المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات.

عمر بن الخطّاب يعارض كتاب الله باجتهاده

إنّ للخليفة الثاني عمر تاريخاً حافلا من اجتهاده مُقابل النّصوص الصريحة من القرآن الكريم ، والسنّة النبويّة الشريفة.

وأهل السنّة يجعلون ذلك من مفاخره ومناقبه التي يمدحونه لأجلها ، والمنصِفُون منهم يلتمسون لذلك أعذاراً وتأويلات باردة لا يقبلُها عقل ولا

____________

(١) التوبة : ٦١.


منطق ، وإلاّ كيف يكون من يعارض كتاب الله وسنّة نبيّه من المجتهدين ، والله يقول :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِيناً ) (١) .

وقال عزّ من قائل :( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) (٢) .

وأخرج البخاري في صحيحه كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، في باب ما يذكرُ من ذمِّ الرأي وتكلّف القياس ولا تقفُ ولا تقل ما ليس لك به علم ، قال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله لا ينزعُ العلم بعد أن أعطاهمُوه انتزاعاً ، ولكن ينتزعُه منهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناسٌ جُهّالٌ يُسْتَفتونَ فيُفتُون برأيهم فيُضِلُّون ويَضِلُّونَ(٣) .

كما أخرج البخاري في صحيحه من نفس الكتاب في الباب الذي يليه : « ما كان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُسْئَلُ ممّا لم يُنزَلُ عليه الوحيُ فيقول : لا أدري ، أو لم يُجب حتّى ينزلُ عليه الوحيُ ، ولم يقلْ برأي ولا قياس ، لقوله تعالى :( بِمَا أرَاكَ اللّهُ ) (٤) .

وقد قال العلماء قديماً وحديثاً قولا واحداً : إنّه من قال في كتاب الله

____________

(١) الأحزاب : ٣٦.

(٢) المائدة : ٤٤ ـ ٤٥ ـ ٤٧.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ١٤٨.

(٤) المصدر السابق.


برأيه فقد كفر ، وهذا بديهي من خلال الآيات المحكمات ، ومن خلال أقوال وأفعال الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فكيف تُنسَى هذه القاعدة إذا ما تعلّق الأمر بعمر بن الخطّاب أو بأحد الصّحابة أو أحد أئمة المذاهب الأربعة ، فيصبحُ القول بالرّأي في معارضة أحكام الله اجتهاداً ، يؤجر عليه صاحبه أجراً واحداً إن أخطأ ، وأجران إن أصاب؟!

ولقائل أن يقول : إنّ هذا ما اتّفقت عليه الأُمّة الإسلامية قاطبة سنّة وشيعة للحديث النّبوي الشريف الوارد عندهم.

أقول : هذا صحيح ولكن اختلفوا في موضوع الاجتهاد ، فالشيعة يوجبون الاجتهاد في ما لم يرد بشأنه حكم من الله أو من رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أمّا أهل السنّة فلا يتقيّدون بهذا ، واقتداءً بالخلفاء والسّلف الصالح عندهم لا يرون بأساً في الاجتهاد مقابل النّصوص.

وقد أورد العلاّمة السيّد شرف الدّين الموسوي في كتابه « النصّ والاجتهاد » أكثر من مائة مورد خالف فيه الصّحابة وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة النّصوص الصريحة من القرآن والسنّة ، فعلى الباحثين مطالعة ذلك الكتّاب.

وما دمنا في هذا الموضوع بالذّات ، فلا بدّ لنا من إيراد بعض النّصوص التي خالف فيها عمر صريح النصّ ، وذلك إمّا جهلا منه بالنّصوص ، وهذا أمرٌ عجيبٌ!! لأنّ الجاهل ليس لَه أنْ يحكمَ فيحلّل ويحرّم من عند نفسه ، قال تعالى :( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ


الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (١) .

وليسَ للجاهِلِ أن يتقلّدَ منصب الخلافة لقيادة أُمّة بأكملها ، قال تعالى :( أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) .

وإمّا أنّه لا يجهل النّصوص ويَعرفُها ، ولكنّه يتعمّد الاجتهاد لمصلحة اقتضاها الحال حسب رأيه الشخصي ، لا يعد أهل السنّة هذا كفراً ومروقاً ، كما لابدّ أن يكون جاهلا بوجود من يعرف الأحكام الصحيحة من معاصريه ، وهذا باطل لمعرفته بإلمام عليعليه‌السلام بالكتاب والسنّة إلماماً تاماً ، وإلاّ لما استفتاه في كثير من المعضلات حتى قال فيه : « لولا علي لهلك عمر »(٣) ، فلماذا يا تُرى لم يستفته في المسائل التي اجتهد فيها برأيه الذي يعرف قصوره؟

وأعتقد بأنّ المسلمين الأحرار يوافقون على هذا; لأنّ هذا النوع من الاجتهاد هو الذي أفسد العقيدة ، وأفسد الأحكام وعطّلها ، وتسبّب في اختلاف علماء الأُمّة ، وتفريقها إلى الفرق والمذاهب المتعدّدة ، ومن ثمّ النزاع والخصام ، فالفشل وذهاب الرّيح والتخلّف المادّي والروحي.

ولنا أن نتصوّر حتّى بوجود أبي بكر وعمر على منصّة الخلافة وإزاحة

____________

(١) النحل : ١١٦.

(٢) يونس : ٣٥.

(٣) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : ١٥٢ ، فيض القدير للمناوي ٤ : ٤٧٠ ، المناقب للخوارزمي : ٨١ ، ذخائر العقبى : ٨٢ ، نظم درر السمطين : ١٣٠ ، ينابيع المودة ١ : ٢١٦.


صاحبها الشرعي ، نتصوّر لو أن أبا بكر وعمر جمعَا السنن النبويّة ، وحفظاها في كتاب خاصّ بها ، لوفّرا على أنفسهما وعلى الأُمة الخير العميم ، ولما دخلت في السنّة النبويّة ما ليس منها ، ولكان الإسلام بكتابه وسنّته واحداً ، ملّة واحدة ، وأُمّة واحدة ، وعقيدة واحدة ، ولكان لنا اليوم كلامٌ غير هذا.

أمّا وأنّ السّنن قد جُمعتْ وأُحرقتْ ، ومنعت من التدوين ومن النّقل حتى شفوياً ، فهذه هي الطّامة الكبرى ، وهذه هي البائقة العُظمى ، فلا حول ولا قوى إلاّ بالله العلي العظيم.

وإليك بعض النّصوص الصريحة التي اجتهد فيها عمر بن الخطّاب في مقابل القرآن :

( أ ) يقول القرآن :( وَإنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أوْ عَلَى سَفَر أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (١) .

والمعروف في السنّة النبويّة بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علّم الصّحابة كيفية التيمّم ، وبحضور عمر نفسه.

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التيمّم ، في باب الصّعيد الطيّب وضوء المسلم يكفيه عن الماء. قال : عن عمران ، قال : كنّا في سفر مع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّا أسرينا حتّى إذا كنّا في آخر الليل وقعنا وقعةً ولا وقْعَةَ أَحْلَى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلاّ حرّ الشمس ، وكان أوّل من استيقظ فلانٌ ثمّ فلانٌ يسمّيهم أبو رجاء فنسي عوفٌ ثمّ عمر بن الخطّاب الرّابع.

وكان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا نامَ لم يُوقَظْ حتى يكون هو يستيقظ لأنّا لا ندري

____________

(١) المائدة : ٦.


ما يحدُثُ له في نومِهِ ، فلمّا استيقظ عُمرُ ورأى ما أصاب النّاسَ وكان رجُلا جليداً ، فكبّر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يُكبّر ويرفَعُ صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا استيقظ شكوا إليه الذي أصَابهم ، قال : لا خَيْرَ ولا يُضِيرُ ارتَحِلوا.

فارتحل فسار غير بعيد ، ثمّ نزلَ فدعَا بالوضوءِ فتوضَّأ ونودِيَ بالصّلاةِ فصَلَّى بالنّاس ، فلمّا انفَتل من صلاته إذا هو برجُل معتزل لم يصلّ مع القوم ، قال : ما منعك يا فلانٌ أنْ تُصَلِّيَ مع القوم؟ قال : أصابتني جنابةٌ ولا ماء! قال : عليك بالصّعيد فإنّه يكفيكَ(١) .

ولكنّ عمر يقول معارضة لكتاب الله وسنّة رسوله : من لم يجد الماء لا يُصلِّ وهذا مذهبه سجّله عليه أغلب المحدّثين. فقد أخرج مسلم في صحيحه ج١ من كتاب الطّهارة باب التيمّم : أنّ رجلا أتى عُمرَ فقالَ : إنّي أجنبت فلم أجد ماءً ، فقال : لا تُصَلِّ(٢) ، فقال عمّار : أما تذكرُ يا أميرَ المؤمنين إذْ أنا وأنتَ في سَريَّة ، فأجنَبنَا فلم نجدْ ماءً ، فأمَّا أنت فلم تُصَلِّ وأمَّا أنَا فتمعَّكتُ في التراب وصلّيتُ ، فقال النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما كان يكفيكَ أنْ تضربَ بيديك الأرضَ ، ثمّ تنفُخَ ثمّ تمسَحَ بهما وجْهَكَ وكفّيكَ ، فقال عمر :

____________

(١) صحيح البخاري ١ : ٨٨ كتاب التيمّم ، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء.

(٢) وفي جامع الأُصول ٧ : ٢٩٣ ذيل حديث ٥٢٩٠ عن أبي داود أنّ عمر قال : « أمّا أنا فلم أكن اُصلّي حتى أجد الماء »! ولا ندري كم من الصلاة فاتته في حياته لجهله بالأحكام.


اتّق الله يا عمّار! قال : إن شِئْتَ لمْ أُحدِّثْ به(١) .

____________

(١) وزاد في بعض الروايات إضافة قول عمر : « بل نوليك ما توليت » فكأنّ عمر جعل عماراً مصداقاً لقوله تعالى :( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) .

وقد حاول عثمان الخميس في كتابه كشف الجاني : ص١٣٦ إظهار المؤلّف بلباس المدلّس ، كما هي عادته دائماً مع أنّه يجهل فن الحديث والرواية; لأنّ الرواية قد انتهت إلى ما نقله المؤلّف ، ثمّ قال مسلم : قال الحكم وحدثنيه ابن عبد الرحمن فقال عمر : نوليك ما توليت. وهذه زيادة في الرواية أضافها الراوي.

وهذه الزيادة لا تصح; لأنّ الروايات التي وردت في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم نفسه تصرّح على لسان عبد الله بن مسعود أنّ عمر بن الخطّاب لم يقتنع بكلام عمّار بن ياسر ، ولم يرتضه ، فكيف بعد ذلك يوافق عمّار على التحدّث به وهو لم يقبله ، ومعلوم من عمر أنّه منع الحديث الذي لا يعرفه ، فما بالك بالحديث الذي رفضه! ، وأيضاً طلب من أبي موسى أن يشهد معه شاهداً عندما حدّثه حديثاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الاستئذان ، فلمّا أنكره عمر طالب أبا موسى بشاهد يشهد معه على أنّه سمع الحديث من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى إنّ أبا موسى ذهب يبحث عمّن يشهد معه ، وإلاّ ضربه عمر ، ولمّا شهد معه بعض الصحابة عند ذلك تخلّص من وطأة عمر ، ( البخاري ٤ : ٤٣٠ ، ح ٧٣٥٣ ).

وأمر تثبت عمر في الرواية معروف لديكم ومتسالم ، فكيف يقبل عمر أن يحدّث عماراً مع عدم قناعته بالحديث؟! بل إنّ ما يوافق سيرة عمر وعمله من الروايات أنّ عمر لم يقبل بقول عمّار ، وعدم قبوله يعني منعه من التحديث.

أضف إلى ذلك أنّ هذه الزيادة وإن كانت من ثقة ، إلاّ أنّها تخالف الروايات الكثيرة التي رواها الثقات من أنّ عمر لم يقتنع بقول عمّار ، ومعلوم أنّ عدم قناعة عمر تساوي رفضه للتحديث كما هو واضح.

وأنصح عثمان الخميس أن يطالع كتب علم الحديث البدائية كي يطّلع على هذا الفنّ ، حتى يصلح أخطاءه الفظيعة في كتابه كشف الجاني وغيره.


____________

وأمّا ما ذكره بقوله : « وهنا يجدر بنا أن نذكّر الشيعة العقلاء بموقف فاطمة عندما ذكّرها أبو بكر حديث رسول الله فعارضته وذلك في قصة فدك ، فهل يتهمون فاطمة بمثل ما يتهمون به عمر »؟!

وهذا من عجائب الأُمور وذلك :

أوّلاً : إنّ حديث « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث » رواه أبو بكر فقط دون غيره ، بخلاف التيمّم من الجنابة ، فقد رواه الكثير من الصحابة ، ومعنى ذلك أمّا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يبيّن هذا الأمر المهم لأهل بيته فضلا عن عامة المسلمين وخصّ به أبا بكر ، وهذا لا يمكن قبوله في حق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

وثانياً : إنّ حديث أبي بكر يخالف القرآن الكريم ، وما خالف القرآن الكريم لا يؤخذ به كما هو واضح لدى علماء السنّة ، بخلاف حديث عمّار فإنّه يوافق القرآن ، خصوصاً وأن عماراً ذكّر به عمر بعد أن تمّ جمع القرآن وفيه قوله تعالى :( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَر أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) المائدة : ٦.

فكيف تقيس مسألة عمر مع مسألة فاطمة سلام الله عليها ، مع أنّ الفارق يعرفه أقلّ طالب علم!!

لكن لا يبعد ذلك عن عمر بن الخطّاب ، فإنّه يجهل الكثير من أحكام القرآن والسنّة النبوية المطهّرة كما هو معلوم لديك.

وثالثاً : إنّ فاطمة سلام الله عليها سيّدة نساء العالمين ، وأنّها بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها ، فهل تطالب من هذه صفتها حقاً ليس لها؟!

وهل تغضب على أبي بكر ـ كما أخرج ذلك البخاري ومسلم ـ وتموت غاضبة عليهما لأجل حقّ منعه الله عنها ـ على فرض صدق أبي بكر ـ مع أنّ الله يغضب لغضبها؟! فما ذلك إلاّ تناقض في الحكمة الإلهية ـ والعياذ بالله ـ ومن ذلك يتضح أنّها طلبت حقّاً ، وغضبت صدقاً ، وأنّ اللذين منعاها إرثها ، وهدداها بإحراق بيتها


سبحان الله! لم يكتف عُمرُ بمعارضته للنّصوص الصريحة من الكتاب والسنّة ، حتى يحاول منع الصّحابة من معارضته في رأيه ، ويضطّر عمّار بن ياسر أن يعتذر للخليفة بقوله : « إن شئتَ لم أُحدثْ به ».

وكيف لا أعجب ولا تعجبون من هذا الاجتهاد ، وهذه المعارضة وهذا الإصرار على الرأي رغم شهادة الصّحابة بالنّصوص ، فإنّ عمر لم يقتنع إلى أن مات وهو مصرٌ على هذا الاعتقاد ، وقد أثر مذهبه هذا في كثير من الصحابة الذين كانوا يرون رأيه ، بل ربّما كانوا يقدّمونه على رأي رسول الله.

فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الطّهارة ، باب التيمّم من جزئه الأول صفحة ١٩٢ قال : عن شقيق : كنتُ جالساً مع عبد الله وأبي موسَى فقال أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أنّ رجُلا أجْنبَ فلم يجدْ الماء شَهْراً كيف يَصْنَعُ بالصّلاةِ؟ فقال عبد الله : لا يتيمَّمُ وإنْ لم يجد الماءَ شهراً!

____________

ما هما إلاّ من الذين غضب الله عليهم.

رابعاً : إنّ فاطمة سلام الله عليها ، قد أشهدت زوجها وابناها وأم أيمن على أنّ فدك هبة ، فرفض أبو بكر وردّ شهادتهم ، وهنا لا يمكن الاستدلال بحديث ( ما تركناه صدقة ) ، لأنّها طالبت بهبتها لا بتركة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ طالبت بتركة رسول الله ، فقرأ عليها هذا الحديث ، ثمّ بعد ذلك أعطى عمر صدقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المدينة إلى العباس وعلي!! وأعطى أرض فدك إلى عائشة باعتبار أنها لها!! وهذا كله تقدّم ، وتبقى المسألة مضطربة وشائكة ، وتبقى هذه المسألة وهي :

هل إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يورّث أم لا؟ وإذا كان نعم; فلماذا لم تورّث فاطمة؟ وإذا كان لا فلماذا أعطيت صدقات المدينة إلى العباس وعلي ، وأعطيت عائشة بعض أرض فدك؟! وغير ذلك من التناقضات الكثيرة التي يعجز عثمان الخميس وغيره من إيجاد حلاً لها ، دفاعاً عن سيّديهما أبي بكر وعمر!


فقال أبو موسى : فكيفَ بهذه الآية في سورة المائدة :( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) فقال عبد الله : لو رُخِّصَ لهم في هذه الآية لأوشك إذا بَردَ عليهم المَاءُ أنْ يتيمّموا بالصَّعيد.

فقال أبو موسى لعبدالله : ألم تسمع قول عمّار : بعثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حاجة ، فأجنبت فلم أجد الماء ، فتمرّغت في الصّعيد كما تمرَّغَ الدّابة ، ثمّ أتيتُ النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : إنّما يكفيك أن تقولَ بيديك هكذا ثمّ ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً ، ثمّ مَسَح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهَهُ. فقال عبد الله : أو لم تَرَ عُمَر لم يقنع بقول عمّار(١) .

ونحن إذا تأمّلنا في هذه الرواية التي أثبتها البخاري ومسلم وغيرهم من الصّحاح ، نفهم من خلالها مدى تأثير مذهب عمر بن الخطّاب على الكثير من كبار الصّحابة ، ومن هذا نفهمُ أيضاً مدى تناقض الأحكام ، وتهافت الروايات وتضاربها ، ولعلّ ذلك هو الذي يُفسِّرُ استخفاف الحكّام الأمويين والعبّاسيين بالأحكام الإسلامية ولا يُقيمون لها وزناً ، ويسمحُون بتعدّد المذاهب المتعارضة في الحكم الواحد ، ولسان حالهم يقول لأبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي : قولوا ما شئتم بآرائكم ، فإذا كان سيّدكم وإمامكم عمر يقول برأيه ما شاء(٢) مقابل القرآن والسنّة ، فلا لوم عليكم ، فما أنتم إلاّ

____________

(١) كما أخرجه البخاري في صحيحه ١ : ٩١ كتاب التيمّم ، باب التيمّم ضربَةً ، والمؤلّف لفّق بين ما ورد في المصدرين.

(٢) كما جاء ذلك في صحيح البخاري ٥ : ١٥٨ من كتاب تفسير القرآن ، باب قوله : وأنفقوا في سبيل الله ، عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله


تابعون وأتباع التابعين ولستم مبتدعين.

والأعجب من كلّ ذلك قول عبد الله بن مسعود لأبي موسى : لا يتيمّم وإن لم يجد الماء شهراً. وعبد الله بن مسعود من أكابر الصّحابة يرى أنّ المجنبَ إذا لم يجد الماء يترك الصّلاة شهراً كاملا ولا يتيمّم ، ويبدو أنّ أبا موسى حاول إقناعه بالآية الكريمة النّازلة بخصوص هذا الموضوع في سورة المائدة ، فأجابه بأنّه : لو رخّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا بردَ عليهم الماءُ أن يتيمّموا بالصّعيد!!

ومن هذا نفهم أيضاً كيف يجتهدون في النّصوص القرآنية على حسب ما يرونَه ، وما يرونَه مع الأسف هو الشدّة والتعسير على الأُمّة ، في حين يقول الله :( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ) (١) .

يقول هذا المسكين : لو رخّصَ لهم في هذه الآية لأوشك إذا بردَ الماءُ أنْ يتيمّمُوا ، فهل وضع نفسه مُبلّغاً عن الله ورسوله؟ وهل هو أحرص وأرأف على العباد من خالقهم ومربّيهم؟

وبعد ذلك يحاول أبو موسى أن يقنعه بالسنّة النبويّة التي رَواها عمّار ، وكيف علّمه رسول الله التيمّم ، فيردّ عبد الله هذه السنّة النبويّة المشهورة بأنّ عمر بن الخطّاب لم يقنع بقول عمّار!

ومن هنا نفهم أنّ قول عمر بن الخطّاب هو الحجّة المقنعة لدى بعض

____________

ففعلناها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه ، ولم ينه عنها حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء. قال محمّد : يقال : إنّه عمر.

(١) البقرة : ١٨٥.


الصحابة ، وأنّ قناعة عمر بالحديث أو الآية هي المقياس الوحيد لصحّة الحديث أو لمفهوم الآية ، وإن تعارض مع أقوال وأفعال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولذلك نجد أن كثيراً من أفعال الناس اليوم تتناقض مع القرآن والسنّة سواء في الحليّة والحرمة; لأنّ اجتهاد عمر في مقابل النصوص أصبح مذهباً مُتبعاً ، ولمَّا رأى بعض المتزلّفين ومن لهم دراية بأنّ الأحاديث التي مُنعتْ في عهد الخلفاء ، قد دُوّنتْ فيما بعد وسجّلها الرواة والحفاظ ، وهي تتعارض مع مذهب عمر بن الخطّاب ، اختلقوا روايات أُخرى من عندهم ونسبوهَا إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليُؤيّدوا بها مذهب أبي حفص ، كمسألة زواج المتعة ، وصلاة التراويح وغيرها.

فجاءت الروايات متناقضة ، وبقيت حتّى اليوم محلّ خلاف بين المسلمين ، وستبقى ما دام هناك من يدافع عن عمر لأنّه عمر ، ولا يريد البحث من أجل الحقّ ، وأن يقول لعمر : أخطأت يا عمر فإنّ الصّلاة لا تسقط بفقدان الماء ، وأنّ هناك آية التيمّم مذكورة في كتاب الله ، وهناك حديث التيمّم مذكور في كلّ كتب السنّة ، فجهلك بهما لا يسمحُ لك باعتلاء منصة الخلافة ولا قيادة أُمّة ، وعلمك بهما يكفّرك إذا عارضت أحكامهما ، فما كان لك إن كنت مؤمناً إذا قضى الله ورسُولُه أمراً أن يكون لك الخيرة ، فتحكم بما تشاء وتردّ ما تشاء ، وأنت أعلم منّي بأنّ من يعصي الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا مبيناً.

( ب ) قال الله تعالى :( إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ


وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١) .

وكان من السنّة النبويّة المعروفة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخصّ المؤلّفة قلوبهم بسهمهم الذي فرضه الله لهم ، كما أمرَهُ الله تعالى ، ولكنّ عمر بن الخطّاب أبطل هذا العطاء المفروض في خلافته ، واجتهد مقابل النصّ وقال لهم : « لا حاجة لنا بكم ، فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم ».

بل لقد عطّل هذا الحكم في خلافة أبي بكر ، إذ جاءَه المؤلّفة قلوبهم جرياً على عادتهم مع رسول الله ، فكتب لهم أبو بكر بذلك ، فذهبوا إلى عمر ليأخذوا نصيبهم ، فمزّق عمر الكتاب وقال لهم : لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم ، فإن أسلمتم وإلاّ فالسّيف بيننا وبينكم ، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا : أأنت الخليفة أم هُو؟ فقال : بل هو إن شاء الله ، وتراجع أبو بكر فيما كتب موافقاً لرأي صاحبه عمر(٢) .

والعجيبُ أيضاً أنّك تجد حتّى اليوم من يدافع عن عمر في هذه القضية ، ويعتبرها من مناقبه وعبقريّاته ، ومن هؤلاء الشيخ محمّد المعروف بالدواليبي ، إذ يقول في كتابه أُصول الفقه في : « ولعلّ اجتهاد عمر ( رضي الله عنه ) في قطع العطاء الذي جعله القرآن الكريم للمؤلّفة قلوبهم ، كان في مقدّمة الأحكام التي قال بها عمر تبعاً لتغيّر المصلحة بتغيّر الأزمان ، رغم أنّ النّص القرآني في ذلك لا يزال ثابتاً غير منسوخ ».

ثمّ أخذ بعد ذلك يعتذر لعمر بأنّه نظر إلى علّة النصّ لا إلى ظاهره إلى

____________

(١) التوبة : ٦٠.

(٢) بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ٢ : ٤٥ ، النصّ والاجتهاد : ٤٣.


آخر كلامه الذي لا تفهمه العقول السّليمة ، ونحن نقبل شهادته بأنّ عمر غيّر الأحكام القرآنية تبعاً لرأيه بأنّ المصلحة تتغيّر بحسب الأزمان. ونرفض تأويله بأنّ عمر نظر إلى علّة النّص ولم ينظر إلى ظاهره ، ونقول له ولغيره : بأنّ النّصوص القرآنية والنّصوص النبويّة لا تتغيّر بتغيّر الأزمان ، فالقرآن صريح بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه ليس من حقّه أن يبدّل ، قال تعالى :

( وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أنْ اُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إلَيَّ إنِّي أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم ) (١) .

والسنّة النبويّة الطّاهرة تقول : « حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة »(٢) .

ولكن على زعم الدواليبي ، ومن يرى رأيه من أنصار الاجتهاد فإنّ الأحكام تتغيّر بتغيّر الزمان ، ولا لوم إذن على بعض الحكّام الذين غيّروا أحكام الله بأحكام الشعب ، وبأحكام وضعيّة اقتضتها مصالحهم وهي مخالفة لأحكام الله ، فمنهم من قال : أفطروا لتقوُوا على عدوّكم ، ولا حاجة بالصّوم في الوقت الحاضر الذي نجاهد فيه التخلّف والفقر والجهل ، والصّومُ يُقعدنا عن الانتاج!!

ومنع تعدّد الزوجات لأنّه يرى في ذلك ظلماً وتعدّياً على حقوق المرأة ، وقال : بأن في زمن محمّد كانت المرأة تعتبر « شقفة بول » أمّا الآن فقد

____________

(١) يونس : ١٥.

(٢) الكافي ١ : ٥٨ ح ١٩.


حرّرناها وأعطيناها حقوقها كاملة!!

ونظر هذا الرئيس إلى النصّ من حيث العلّة ، ولم ينظر إلى ظاهره كما نظر عمر ، فقال : إنّ الميراث يجب أن يقسم الآن للذكر والأُنثى على حدّ سواء; لأنّ الله أعطى للرجل سهمين باعتبار أنّه هو الذي يُعول الأُسرة في حين كانت المرأة معطّلة ، أمّا اليوم وبفضل جهود فخامته أصبحتْ المرأة تشتغل وتعول أُسْرتَها ، وضربَ للشعب مثلا بزوجته التي أنفقتْ على أخيها وأصبح وزيراً بفضلها وعنايتها.

كما وأنّه أباح الزنا واعتبره حقّاً شخصياً لمن بلغ سنّ الرشد ما لم يكن غصْباً أو حرفةً للعيش ، وفتح دوراً لحضانة الأطفال الذين يولدون من الزنا ، معلّلا ذلك بأنّه رحيمٌ بأولاد الزنا الذين كانوا يدفنون أحياء خوف العار والفضيحة ، إلى غير ذلك من اجتهاداته المعروفة.

والغريب أنّ هذا الرئيس كان لحد ما معجباً بشخصية عمر ، فقد ذكره مرّة بإعجاب ، وذكره مرّة بأنّه لم يتحمّل المسؤولية حيّاً وميّتاً بينما هو ( الرئيس ) سيتحمّلها حيّاً وميتاً ، ومرّة أُخرى وكأنّه بلغه بأنّ المسلمين انتقدوا اجتهاداته فقال : إنّ عمر بن الخطّاب كان من أوّل وأكبر المجتهدين في عصره ، فلماذا لا أجتهد أنا في عصريَ الجديد ، فقد كان عمر رئيس دولة وأنا أيضاً رئيس دولة!

والأغرب أنّ هذا الرئيس كان عندما يذكر محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترى في كلامه سخرية واستهزاء ، فقد قال في خطابه بأنّ محمّداً كان لا يعرف حتّى الجغرافيا ، فقد قال : « أطلبوا العلم ولو كان في الصين » ظنّاً منه بأنّ


الصين هي آخر الدنيا ، فما كان محمّد يتصوّر بأنّ العلم سيصل إلى هذه الدرجة ، وأنّ أطناناً من الحديد ستطير في الهواء ، فما بالك لو قيل له أو حدّثوه عن الأورانيوم ، والبوتاسيوم ، والعلوم الذريّة ، والأسلحة النوويّة!!

هذا ولا ألوم شخصيّاً هذا المسكين الذي ما فهم من كتاب الله وسنّة رسوله شيئاً ، ووجدَ نفسه يوماً يحكم دولة باسم الإسلام ، وهو يسخر من الإسلام ، ويجري وراء الحضارة الغربية ، ويريد أن يصنع من بلاده دولة أوروبية متطوّرة بالمفهوم الذي يراه هو.

وقد حذا حذوه كثيرٌ من الرؤساء والملوك لما حصل عليه من تأييد الدول الغربية واللائكية ، ومدحهم وإطرائهم له ، حتى لقّبوه بالمجاهد الأكبر ، ثمّ لا ألومه فالشيء من مأتاه لا يُستغرب ، وكلّ إناء بالذي فيه ينضحُ.

وإذا كنت مُنصفاً فسألقي باللّوم على أبي بكر وعمر وعثمان ، الذين فتحوا هذا الباب من يوم وفاة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتسبّبوا في كلّ الاجتهادات التي دأبَ عليها الحكّام الأمويون والعبّاسيون وما أكثرهم ، سبع قرون خلتْ وكلّها طمس لحقائق الإسلام بنصوصه وأحكامه ، واستفحل الأمرُ في القرون التي أعقبتها ، حتّى وصل الأمرُ بأنْ يخطبُ الرئيس أمام شعبه المسلم مستهزئاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا ينكرُ عليه أحد لا في الداخل ولا في الخارج!!!

وهذا ما قلته وما أقوله لبعض الإخوة من الحركة الإسلامية : إن كنتُم تنكرون اليوم على الرئيس عدم اتّباع النّصوص القرآنية والسنّة النبويّة ، فواجبٌ عليكم أن تنكروا على من سنّ هذه البدعة في الاجتهاد مقابل


النّصوص ، إن كنتم منصفين وتريدون فعلا اتّباع الحقّ.

فلا يقبلون منّي هذا الكلام ، ويعيبون علىَّ كيف أقارن الرؤسَاء اليوم بالخلفاء الراشدين؟

وأجيبُهم : بأنّ الرؤساء اليوم وملوك اليوم هم النتيجة الحتمية لما وقع في التاريخ ، ومَتى كان المسلمون يوماً أحْراراً منذ وفاة الرسول وحتى اليوم؟

فيقولون : أنتم الشيعة تفترون وتشتمون الصحابة ، ولو وصلنا يوماً إلى الحكم فسنحرقكم بالنار!

فأقول : لا أراكم الله ذلك اليوم.

( ت ) قال الله تعالى :( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَأخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلا أنْ يَخَافَا ألا يُقِيَما حُدُودَ اللّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيَما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَاُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * فَإنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَتَرَاجَعَا إنْ ظَنَّا أنْ يُقِيَما حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُونَ ) (١) .

والسنّة النبويّة الشريفة فسّرتْ بغير لُبس بأنّ المرأة لا تحرم على زوجها إلاّ بعد ثلاثة تطليقات ، ولا يحقّ لزوجها أن يراجعها إلاّ بعد أن تنكِحَ زوجاً آخر ، فإذا طلّقها هذا الأخير عند ذلك يمكنُ لزوجها أن يتقدّم لخطبتها من جديد كبقية الرّجال ، وعليها أن تقبل أو ترفض فالخيرة لها.

ولكنّ عمر بن الخطّاب وكعادته تَخطّى حدود الله التي بيّنها لقوم يعلمون ،

____________

(١) البقرة : ٢٣٠.


فأبدل هذا الحكم بحكمه الذي يقول طلقةٌ واحدة فعلية بلفظ الثلاثة ، تحرم على الزوج زوجه ، وخالف بذلك القرآن الكريم والسنّة النبويّة.

فقد جاء في صحيح مسلم في كتاب الطّلاق باب طلاق الثّلاث عن ابن عبّاس قال : كان الطلاق على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عُمر طلاقُ الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطّاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانتْ لهم فيه أناةٌ ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم(١) .

عجباً! والله كيف يجرؤ الخليفة على تغيير أحكام الله بمحضر من الصحابة ، فيوافقون على كلّ ما يقول وما يفعل ولا من منكر ولا من مُعارض ، ويموّهون علينا نحن المساكين بأنّ أحد الصحابة قال لعمر : « والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناك بحدّ السّيف »!!

فهذا زور من القول وبُهتان ، ليتشدّقوا بأنّ الخُلفاء كانوا المثل الأعلى في الحريّة والديمقراطيّة ، والتاريخ يُكذّبهم بواقعه العملي ، ولا عبرة بالأقوال إذا كانت الأعمال على نقيضها.

أو لعلّهم كانوا يرون الاعوجاج في الكتاب والسنّة ، وأنّ عمر بن الخطاب هو الذي قوّمها وأصلحها ، نعوذ بالله من الهذيان ، وكنتُ في مدينة قفصة كثيراً ما أفتي للرجال الذين حرّموا نساءهم بكلمة : « أنتِ حرامٌ بالثلاث » ، ويفرحون عندما أعرّفهم بأحكام الله الصحيحة التي لم يتصرّف فيها الخلفاء

____________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٨٣ ، مسند أحمد ١ : ٣١٤ ، المستدرك للحاكم ٢ : ١٩٦.


باجتهاداتهم ، ولكنّ من يدّعون العلم يخوّفونهم بأنّ الشيعة عندهم كل شيء حلال.

وأتذكّر بأن أحدهم جادلني مرّة بالحُسنى وسألني : إذا كان سيّدنا عمر ابن الخطّاب ( رضي الله عنه ) بدّل حكم الله في هذه القضية وفي غيرها ، ووافق الصّحابة على ذلك ، فلماذا لم يعارض سيّدنا علي كرّم الله وجهه ورضي الله عنه ، ولم ينكر على سيّدنا عمر؟ وأجبته بجواب الإمام عليعليه‌السلام عندما قالت قريش : بأنّه رجلٌ شجاعٌ ، ولكن لا علم له بالحرب ، فقال :

« للّه أبوهم! وهل أحدٌ منهم أشدُّ لها مراساً ، وأقدم فيها مقاماً منّي! لقد نهضتُ فيها وما بلغتُ العشرين ، وها أنذا قد ذرفت على السّتين ، ولكن لا رَأْيَ لمن لا يُـطَـاع »(١) .

نعم ، وهل استمع المسلمون لرأي علي غير شيعته الذين آمنوا بإمامته ، فقد عارض تحريم المتعة ، وعارض بدعة التراويح ، وعارض كلّ الأحكام التي غيّرها أبو بكر وعمر وعثمان ، ولكن بقيت آراؤه محصورة في أتباعه وشيعته ، أمّا غيرهم من المسلمين فقد حاربوه ولعنوه ، وحاولوا جهدهم القضاء عليه ومحو ذكره.

ولا أدلَّ على معارضته من موقفه العظيم البطولي عندما دعاه عبد الرحمن بن عوف الذي رشّحوه لاختيار الخليفة بعد موت عمر فاشترط عليه ـ بعد أن اختاره ليكون هو الخليفة ـ أن يحكم فيها بسنّة الخليفتين أبو

____________

(١) نهج البلاغة ١ : ٧٠ ، الخطبة ٢٧.


بكر وعمر ، فرفض عليعليه‌السلام هذا الشرط وقال : أحكم بكتاب الله وسنّة رسوله. وعلى هذا تركوه ، واختاروا عثمان بن عفان الذي قبل شرط الحكم بسنّة الخليفتين ، فإذا كان عليعليه‌السلام لا يقدر على معارضة أبي بكر وعمر وهما ميّتان ، فكيف يعارضهما وهما على قيد الحياة؟!

ولذلك ترى اليوم بأنّ باب مدينة العلم الذي كان أعلم النّاس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأقضاهم وأحفظهم لكتاب الله وسنّة رسوله متروكاً عند أهل السنّة والجماعة ، فيقتدون بمالك وأبي حنيفة والشّافعي وابن حنبل ، ويقلّدونهم في كلّ أُمور الدّين من العبادات والمعاملات ، ولا يرجعون في شيء للإمام علي.

وكذلك فعل أئمّتهم في الحديث كالبخاري ومسلم ، فتراهم يروون عن أبي هريرة ، وعن ابن عمر ، وعن الأقرع والأعرج ، وعن كلّ قريب وبعيد مئات الأحاديث ، ولا يروون عن علي إلاّ بضعة أحاديث مكذوبة عليه ، وفيها مسُّ بكرامة أهل البيت.

ثمّ هم لا يكتفون بذلك ، فيستنكرون ويكفّرون من قلّده واقتدى به من شيعته المخلصين ، وينبزونهم بالرّوافض وبكلّ ما يُشين.

والحقيقة : إنّ هؤلاء ليس لهم ذنبٌ إلاّ أنّهم اقتدوا بعلي الذي كان منبوذاً ومبعداً في عهد الخلفاء الثلاثة ، ثمّ هو ملعون ومحارب في عهد الأموييّن والعبّاسيّين ، وكلّ من له إلمام ومعرفة بالتّاريخ ، سيُدركُ هذه الحقيقة واضحة جليّة ، وسيفهم الخلفيات والمؤامرات التي حيكتْ ضدّه ، وضدّ أهل بيته وشيعته.


عثمان بن عفان يتّبع سنّة صاحبيه في مخالفة النّصوص

لعلّ عثمان بن عفان عندما عاهد عبد الرحمن بن عوف غداة بيعته بالخلافة أن يحكم فيهم بسنّة الخليفتين أبي بكر وعمر كان يرمي بأنّه سيجتهدُ كما اجتهدا ، ويغيّر النّصوص القرآنية والنّصوص النبويّة كما كانا يفعلان.

ومن تتبّع سيرته أيام خلافته يجده قد ذهب أشواطاً بعيدة في الاجتهاد ، حتّى أنسى النّاس اجتهادات صاحبيه أبي بكر وعمر!!

وأنا لا أُريد الإطالة في هذا الموضوع الذي ملأ كتب التاريخ قديماً وحديثاً ، وما أحدثه عثمان من أُمور غريبة سبّبت الثورة عليه وأودت بحياته ، ولكنّي سأقتصر على بعض الأمثلة الوجيزة كالعادة; ليتبيّن للقارئ ولكلّ باحث ما أحدث أنصار الاجتهاد في دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( أ ) أخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين عن عائشة قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ، ثمّ أتمّها في الحضر ، فأُقرّت صلاة السّفر على الفريضة الأُولى.

كما أخرج مسلم في صحيحه في نفس الكتاب المذكور أعلاه ، عن يعلى ابن أُميّة قال : قلتُ لعمر بن الخطّاب : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، فقد أمن النّاس! فقال : عجبتُ ممّا عجبتَ منه ، فسألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك ، فقال : « صدقة تصدّق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقتُه ».

كما أخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها عن


ابن عبّاس ، قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحضر أربعاً ، وفي السّفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة.

كما أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلّى ركعتين.

وعنه أيضاً قال : خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المدينة إلى مكّة ، فصلّى ركعتين ركعتين حتّى رجع ، قلتُ : كم أقام بمكّة؟ قال : عشراً(١) .

ومن خلال هذه الأحاديث التي أخرجها مسلم في صحيحه ، يتبيّن لنا بأنّ الآية الكريمة التي نزلت بخصوص تقصير الصّلاة في السّفر ، فهم منها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفسّرها قولا وعملا بأنّها رخصة تصدّق الله بها على المسلمين ويجب قبولها.

وبهذا تبطل دعوى الدواليبي ومن كان على شاكلته في التماس العذر لعمر وتصحيح أخطائه ، بأنّه نظر إلى علّة الحكم ولم ينظر إلى ظاهره; لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علّمه بمناسبة نزول آية قصر الصّلاة عندما تعجّبَ عمر ، بأنّ النّصوص الثابتة لا تتوقّفُ على علّتها ، وبذلك تقصرُ الصّلاةُ في السّفر ، ولو أمِنَ النّاسُ ولم يخافوا أن يفتنهم الذين كفروا ، ولكن عمر له رأي آخر غير الذي يرتئيه الدواليبي وعلماء أهل السنّة بحسن ظنّهم.

ولننظر إلى عثمان بن عفّان ، فلا بدّ له هو الآخر أن يجتهدَ في النّصوص القرآنية والنبويّة حتّى يلحق بركب الخلفاء الرّاشدين ، فما أن استتبّ له الأمر حتّى أتمَّ الصّلاة في السّفر ، وأبدلها بأربع ركعات عوض ركعتين!!

____________

(١) صحيح مسلم ٢ : ١٤٢ ـ ١٤٥ كتاب صلاة المسافرين.


وكم بقيتُ أتساءل عن السّبب في تغيير هذه الفريضة والزّيادة فيها ، وما هي الدوافع لذلك ، ولم أرَ إلاّ أنّه أرادَ أن يوهم النّاس وبالخصوص بني أُميّة بأنّه أبرّ وأتقى لله من محمّد وأبي بكر وعمر.

فقد أخرج مسلم في صحيحه في باب صلاة المسافرين وقصر الصّلاة بمنى ، قال : عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه صلّى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين ، وأبو بكر وعمر وعثمانُ ركعتين صدْراً من خلافته ، ثمّ أتمّها أربعاً(١) .

كما جاء في صحيح مسلم أيضاً أنّ الزّهري قال : قلتُ لعروة : ما بالُ عائشة تُتمُّ في السّفر؟ قال : إنّها تأوّلتْ كما تأوّلَ عثمان(٢) .

وهكذا يصبح دين الله بأحكامه ونصوصه خاضعاً لتأوّل المتأولين وتفسير المفسّرين.

( ب ) كما أنّ عثمان اجتهد برأيه لتأييد ما ذهب إليه عمر من تحريم متعة الحجّ أيضاً كما حرّم متعة النساء ، فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الحجّ في باب التمتّع والإقران ، عن مروان بن الحكم قال : شهدْتُ عثمان وعليّاً رضي الله عنهما ، وعثمانُ ينهى عن المتعة وأن يجمَعُ بينهما ، فلمّا رأى علىٌّ أهلَّ بهما لبيكَ بعمرة وحجّة ، وقال : ما كنتُ لأدع سنّة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقول أَحَد.

____________

(١) صحيح مسلم ٢ : ١٤٦ كتاب صلاة المسافرين.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ١٤٣ كتاب صلاة المسافرين ، صحيح البخاري ٢ : ٣٦ كتاب تقصير الصلاة باب يقصر إذا خرج من موضعه.


وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب الحجّ باب جواز التمتّع عن سعيد ابن المسيّب ، قال : اجتمع علىٌّ وعثمان رضي الله عنهما بعُسْفَانَ ، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرةِ ، فقال علىٌّ : ما تريدُ إلى أمر فعلَهُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تنهى عنه؟ فقال عثمان : دعنا منك ، فقالَ : إنّي لا أستطيع أن أدعَكَ ، فلمّا رأَى علىٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعاً.

نعم ، هذا هو علىٌّ بن أبي طالب سلام الله عليه ، فما كان ليدع سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقول أحد من النّاس ، والرواية الثانية تفيدنا بأنّ شجاراً دار بين علي وعثمان ، وقول عثمان لعلي : « دعنا منك » فيه ما فيه من مخالفته في كلّ شيء ، وعدم اتباعه فيما يرويه عن ابن عمّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما أنّ الرواية مبتورة إذا تقول : فقال علي : « إنّي لا أستطيع أن أدعكَ ، فلمّا رأى علي ذلك » ما هو الذي رآه علي؟ لا شك أنّ الخليفة ورغم تذكير علي له بالسنّة النبويّة أصرّ على رأيه في مخالفتها ، ومنع النّاس من التمتّع ، عند ذلك خالفه علىّ وأهلّ بهما جميعاً ، يعني الحجّ والعمرة.

( ت ) كما أنّ عثمان بن عفّان اجتهد أيضاً في أجزاء الصّلاة ، فكان لا يكبّر في السّجود ولا في الرّفع منه.

فقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده الجزء الرابع عن عمران بن حصين قال :

« صلّيتُ خلف علىّ صلاةً ذكرتني بصلاة صلّيتُها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والخليفتين ، قال : فانطلقتُ فصلّيتُ معه ، فإذا هو يكبّر كلّما سجد ورفع رأسه من الركوع ، فقلت : يا أبا نجيد مَن أولّ من تركه؟ قال : عثمان ( رضي الله عنه ) حين كبّر


وضعف صوته تركه »(١) .

نعم ، هكذا تضيع السنن النبويّة ، وتتبدّل بسُنن خُلفائيّة ، وسنن ملوكيّة ، وسنن صحابيّة ، وسنن أمويّة ، وسنن عبّاسية ، وكلّها بُدع مبتدعة في الإسلام ، فكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار ، كما قال صاحب الرسالة عليه وآله أفضل الصّلاة وأزكى السّلام.

____________

(١) وراجع أيضاً فتح الباري ٢ : ٢٢٤ ، تحفة الأحوذي للمباركفوري ٢ : ٨٦ ، عون المعبود للعظيم آبادي ٣ : ٤٥. وفي فتح الباري أيضاً ٢ : ٢٢٤ قال : « روى أحمد والطحاوي باسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري قال : ذكرنا علي صلاة كنّا نصليّها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إما نسيناها وإما تركناها عمداً ».

فهذا الصحابي يصرّح بأنّهم قد نسوا سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّهم جديدوا عهد بموته!! ثمّ يصرّح بأنّه قد يكون تركنا لها عمداً لا نسياناً ، وهذا طامة كبرى سترها أفضل من إفشائها; لأنّها تهدم ركناً عظيم وتشكّك في أمر قام عليه المذهب السنِّي ، وهو عدالة الصحابة ، فاقرأ وأعجب!!

ولأجل هذه المسائل التي تفضحهم وتهدّ ركنهم تراهم يدعون إلى عدم إفشاء هذه الأُمور بين عموم المسلمين وجعلها مستورة مغمورة لا يطلع عليها إلاّ المتيقّن من نفسه أنّه ثابت على سنّة بني أُمية وأتباعهم ، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ : ٩٢ : « كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنّه بهوىً وعصبية لا يلتفت إليه ، بل يطوى ولا يروى كما تقرّر عن الكفّ عن كثير ممّا شجر بين الصحابة وقتالهم وكتمان ذلك متعيّن عن العامّة وآحاد العلماء ، وقد يرخّص في مطالعة ذلك للعالم المنصف بشرط أن يستغفر لهم ».

فلا يطلع عليه إلاّ من يحكم مسبقاً بأنّهم عدول خيرين؟!

وهذا من العجب العجاب فالمسلم يريد معرفة الحقّ بالبحث ، فإذا كان مسبقاً حاملا لقاعدة عدالة عموم الصحابة وكلّ ما صدر عنهم لا يضرّ فأىّ قيمة لبحثه؟! وأي فائدة من مطالعته؟! فما لكم كيف تحكمون؟!!


ولذلك فأنتَ ترى اليوم أشكالا وألواناً في صلاة المسلمين ، وتحسبهم جميعاً وقلوبُهم شتّى; لأنّهم يصطفّون للصلاة صفّاً واحداً ، فترى هذا سادلٌ يديه ، وذاك قابضٌ ، وآخر له شكلا خاصّاً في القبض ، فهو يضع يديه فوق السرّة ، وذاك يضعها قرب قلبه واحدٌ جامع بين قدميه وآخر مفرّق بينهما ، وكلّ واحد يعتقد بأنّه هو الحقّ ، وإذا ما تكلّمت في ذلك فسيقال لك : يا أخي إنها شكليات فلا تهتم بها وصلّ كما تريد ، فالمهم هو أن تُصلّي.

نعم ، هذا صحيح إلى حد ما ، فالمهم هي الصلاة ، ولكن يجب أن تكون صلاة مطابقة لصلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد قال : « صلّوا كما رأيتموني أُصلّي »(١) ، فعلينا أن نجتهد في البحث عن صلاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لأنّ الصلاة عمود الدين.

( ث ) عثمان الذي استحت منه ملائكة الرحمن.

قال البلاذري في أنساب الأشراف ٥ : ٥٤.

لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : رحمه الله. فقال عمّار بن ياسر : نعم ، فرحمه الله من كلّ أنفسنا ، فقال عثمان لعمّار : يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمتُ على تسييره ، وأمر فدفع في قفاه وقال : إلحق بمكانه.

فلما تهيّأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى علىّ ، فسألوه أن يكلّم عثمان فيه ، فقال له علي : يا عثمان اتّق الله فإنّك سيّرت رجلا صالحاً من المسلمين فهلك في تسييركَ ، ثمّ أنتَ الآن تريد أن تنفي نظيره؟

____________

(١) صحيح البخاري ٨ : ١٣٣ ، الأدب المفرد ٥٥ ، صحيح ابن خزيمة ٢٠٦ ، صحيح ابن حيان ٤ : ٥٤٢ ، السنن الكبرى للبيهقي ٢ : ٣٤٥ ، سنن الدارقطني ١ : ٢٨٠.


وجرى بينهما كلام حتّى قال عثمان لعلي : أنت أحقُّ بالنّفي منه ، فقال علي : رُم ذلك إن شئت.

واجتمع المهاجرون إلى عثمان فقالوا : إن كنتَ كلّما كلّمك رجلٌ سيّرتَه ونفيتَهُ فإنّ هذا شيء لا يسوغ ، فكفَّ عن عمّار.

وفي رواية اليعقوبي من تاريخه ٢ : ١٤٧ : أنّ عمار بن ياسر صلّى على المقداد ودفنَه ، ولم يؤذن بذلك عثمان بوصية من المقداد ، فاشتدّ غضب عثمان على عمّار وقال : ويلي على ابن السوداء ، أما لقد كنتُ به عليماً(١) .

أفيمكن للحيىّ الذي تستحي منه الملائكة أن يتفحّش في الأقوال ، ولخيرة المؤمنين؟

ولم يكتف عثمان بشتم عمّار وقوله له فحشاً من القول ، كقوله : يا عاضّ أير أبيه ، حتَّى أمرَ غلمانه فمسكوا عماراً ، ومدوا بيديه ورجليه ، ثمّ ضربه عثمان برجليه ، وهي في الخفّين على مذاكيره فأصابه الفتق ، وكان ضعيفاً كبيراً فغُشي عليه ، وهذه قصّة معروفة عند المؤرّخين(٢) ، عندما كتب جمع من الصحابة كتاباً وأمروا عمّار أن يوصله له.

وكذلك فعل عثمان مع عبد الله بن مسعود إذ أمر به أحد جلاوزته ، وهو عبد الله بن زمعة ، فاحتمله ابن زمعة حتّى جاء به باب المسجد ، وضرب به الأرض فكسّر ضلعاً من أضلاعه(٣) ، لا لشيء إلاّ أن عبد الله بن مسعود

____________

(١) راجع الغدير للأميني ٩ : ١٩ عن أنساب الأشراف وتاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٣.

(٢) راجع الغدير ٩ : ١٦ عن أنساب الأشراف ٦ : ٢٠٩ ، الاستيعاب ، رقم ١٨٦٣ ، الامامة والسياسة ١ : ٣٥.

(٣) الغدير ٩ : ٣ عن أنساب الأشراف ٦ : ١٤٦ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٠.


استنكر على عثمان أن يُعطيَ بني أُمية الفسقة أموال المسلمين بغير حساب.

وقامت الثورة على عثمان وكان ما كان حتّى ذُبحَ ، ومنعوا دفنه ثلاثة أيام ، وجاء من بني أُمية أربعة ليصلّوا عليه ، فمنعهم بعض الصّحابة من الصّلاة عليه ، فقال أحدهم : ادفنوه فقد صلّى الله عليه وملائكته ، فقالوا : لا والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً ، فدفنوه في حش كوكب ، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلمّا ملكت بنو أُمية أدخلوا ذلك الحش في البقيع(١) .

هذه نبذة يسيرة من تاريخ الخلفاء الثلاثة : أبي بكر وعمر وعثمان ، وهي وإن كانت يسيرة لأنّنا رُمنا الاختصار وإعطاء بعض الأمثلة فقط ، ولكنّها كافية لكشف السّتار عن تلكم الفضائل المزعومة ، والمناقب المخترعة التي لا يعرفها الخلفاء الثّلاثة ، ولا حلموا بها يوماً في حياتهم.

والسّؤال الذي يُطرح هو : ما يقول أهل السنّة والجماعة في هذه الحقائق؟

والجواب عند أهل الذكر هو : إن كنتمُ تعرفونها ولا تنكرونها لأنّ صحاحكم أثبتتها على حقيقتها رغم التعتيم ، فقد أسقطتم بذلك أُسطورة الخلافة الراشدة!! وإن كنتم تنكرونها ولا تثقون في صحّتها ، فقد أسقطتم صحاحكم وكتبكم المعتبرة التي أخرجتْها ، وبذلك أسقطتم كلّ معتقداتكم!!

____________

(١) ومن شاء فليرجع إلى كتاب الفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر ٨٤ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٥ : ٢٠٧ ، ١٠ : ٧ ، فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٣ : ٢٨٩ ، الطبقات الكبرى ٣ : ٧٨ ، الثقات لابن حبان ٥ : ٤٨٢ ، تاريخ مدينة دمشق ١٣ : ٢٨٨ ، ٣٠ ، ٢١٩ ، ٣٩ : ٥٢٦ ، ٤٨ : ٤٥٥ ، الإصابة ١ : ٢١٤ ، ٥٦٦ ، تاريخ المدينة لابن شيبة ١ : ١١٣.



الفصل السادس

في ما يتعلّق بالخلافة

الخلافة ، وما أدراك ما الخلافة! فهي التي جعلها الله فتنة الأُمة ، وهي التي قسمتْها وأَطمعت فيها الطّامعين ، وهي التي أهرقت في سبيلها الدّماء البريئة ، وهي التي كفر من أجلها مسلمون ، فأغرتهمُ وأبعدتهم عن الصراط المستقيم وأدخلتهم نار الجحيم ، ولا بُدَّ لنا من دراسة تكون على اختصارها محيطة بالخفايا والملابسات ، التي كانت الخلافة مسرحاً لها قبيل وبعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأوّل ما يتبادر للأذهان أنّ الزعامة عند العرب كانت من الأُمور الضرورية في كلّ العصور ، فتراهم يقدّمون رئيس القبيلة أو زعيم العشيرة على أنفسهم ، فلا يبرمون أمراً دونه ، ولا يتخذون قراراً إلاّ بمشورته ، ولا يسبقونه بالقول.

فزعيم العشيرة هذا عادة ما يكون أكبرهم سنّاً ، وأعلمهم بالأمور ، وأشرفهم حسباً ونسباً.

ويبدو أنّ هذا الرئيس يبرز من خلال الأحداث في عشيرته ، وممّا يظهر عليه من ذكاء وفطنة ، وشجاعة وعلم بالأُمور ، وسخاء وإكرام الضيف ، وغير ذلك من الخصال الحميدة ، ولكن في أغلب الأحيان هي


وراثة وليست اختيار.

ونجد بعد ذلك أنّ القبائل والعشائر رغم استقلاليتها ، فهي تخضع لزعامة القبيلة الواحدة التي قد تكون أكثر عدداً ومالا ، ولها أبطال يخوضون المعارك ، ويحملون بقية القبائل تحت رعايتها ، ومثال ذلك قريش التي كانت تتزعم بقية القبائل العربية الخاضعة لها بحكم الزّعامة والسيّادة التي فرضتها رعايتها لبيت الله الحرام.

ولمّا جاء الإسلام أقرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حدّ ما هذا الأسلوب في التعامل ، فكان يولّي على القبائل التي وفدت عليه وأقرّت بالإسلام سيّدهم وشريفهم ليكون والياً عليها ، فيُصلّي بهم ، ويجمع زكاتهم ، ويكون همزة الوصل بينهم وبينه.

ثمّ إنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنشأ بأمر الله سبحانه الدولة الإسلامية ، التي تخضع في كلّ أحكامها وقراراتها إلى ما ينزل به الوحي من الله ، فكان نظام المجتمع ونظام الفرد من عقود نكاح وطلاق ، وبيع وشراء ، وأخذ وعطاء ، وإرث وزكاة ، وكلّ ما يخصّ الفرد والمجتمع في الحرب والسلم من معاملات وعبادات ، كلّها خاضعة إلى أحكام الله ، ومهمّة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي التنفيذ ، والسّهر على تطبيق تلك الأحكام.

ومن الطبيعي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يفكّر في من سيخلفه في هذه المهمّة العظمى ، ألا وهي قيادة الأُمّة.

ومن الطبيعي أن يهتمّ كلّ رئيس دولة ـ إن كان يهمّه شعبه ـ بالشخص الذي يختاره; ليكون نائبه في كلّ المهمّات التي يكون هو غائبٌ عنها ،


فيكون وزيره الأول والمقرّب الذي يحضر إذا يغيبون ، ومن الطبيعي أيضاً أن يكون نائبه معلوماً لدى كلّ الوزراء وعند الشعب أيضاً.

فلا يمكن أن يصدّق العقل بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أغفل كلّ ذلك ولم يهتمّ به ، ولا شكّ بأنّه كان شغله الشاغل ، ولا شكّ بأنّ الأحاديث المتعلّقه بالموضوع خضعت للحصار الذي ضربه الخلفاء الذين كانوا يتزعّمون نظريّة الشورى والذين عملوا بكلّ جهودهم لمعارضة النّصوص التي عيّنت وشخّصت الخليفة.

وكان من هذه الجهود أيضاً الطعن بقداسة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واتهامه بالهجر ، ثمّ الطعن فيه وفي الأمير الذي ولاّه قيادة الجيش; بدعوى أنّه لا يصلح للإمارة والقيادة لصغر سنّه ، ثمّ التّشكيك في وفاة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تضطرب الأُمور ، ولا يسبق النّاسُ عامّة لبيعة الخليفة الذي عيّنَهُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبل.

ومن تلك الجهود اغتنامهم فرصة اشتغال علي وأنصاره بتجهيز النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعقد مؤتمر السّقيفة الطارئ ، واختيار من يرضونه وترتاح نفوسهم إليه وتُعقدُ آمالهم عليه ، ثمّ حمل النّاس عامّة على البيعة بالتّهديد والتنّديد ، والوعد والوعيد ، ثمّ إقصاء المعارضة كلّياً عن السّاحة السياسيّة ، ثمّ الوقوف بحزم وصرامة ضدّ كلّ من تحدّثه نفسه بشقّ عصا الطّاعة ، أو شكّك في شرعيّة الخلافة الجديدة ، ولو كانت فاطمة بنت النّبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمّ ضرب الحصار والمنع الباتّ على الأحاديث النّبوية الشريفة عامّة ، حتّى لا تتفشّى النّصوص بين النّاس وتضطرب الأُمور ، ولو أدّى ذلك


للاغتيال الفردي والقتال الجماعي; لإخماد المعارضة بدعوى القضاء على الفتنة مرّة والردّة أُخرى!!

كلّ ذلك عرفناه من خلال ما كتبه المؤرّخون ، وإن كان بعضهم يحاول تغطية الحقيقة بوضع بعض الروايات المتناقضة ، أو بعض التأويلات والاعتذارات التي كشفتْ خفاياها الأيام والأحداث والأبحاث.

وقد يكون بعضهم معذوراً; لأنّه أخذ معلوماته من المصادر الأُولى التي كُتبتْ تحت التأثير السيّاسي والاجتماعي الذي خلّفته الفتنة الكبرى ، وما أعقبها من أحداث عندما استولى بنو أُميّة على الخلافة ، وأغدقوا الأموال والمناصب على بعض الصّحابة والتابعين المأجورين ، فأخذ بعض المؤرّخين من هؤلاء لحسن ظنّه بهم ، وهو لا يعلم خائنة الأعينُ وما تُخفي الصّدور ، فاختلطت الروايات الصحيحة بالروايات المكذوبة ، وأصبح من العسير على الباحث الوصول إلى الحقيقة.

ولتقريب القارئ الباحث من هذه الحقيقة ، لابدّ من إثارة وطرح هذه الأسئلة ، حتّى يكتشف من خلالها أو من خلال الإجابة عليها بعض الحقائق ، أو بعض الإشارات التي توصله إلى الحقيقة.

أسئلة وأجوبة لا غِنى عنها لكلّ باحث

وردت علىّ رسائل عديدة من أقطار كثيرة ، تحمل في طيّها بعض التساؤلات المهمّة ، والتي تنبئُ عن حرص القرّاء الكرام لمزيد البحث والتنقيب عن الحقائق ، وقد أجبتُ على البعض منها ، وأعرضت عن البعض الآخر غير مستخفّ بها ، ولكن لأنّ الجواب عليها موجود في كتابي « ثمّ


اهتديت » ، و « لأكون مع الصادقين ».

وتعميماً للفائدة فأنا أنشرها في هذا الفصل مع الأجوبة ، ومع الملاحظة بأنّ القارئ سيجدُ بعض الأحاديث والأحداث مكرّرة في الكتاب الواحد أو في الكتب الثلاثة ، فقد تعمدّت ذلك اقتداءً بكتاب الله العزيز الذي يكرّر الحادثة في عدّة سور; لترسخ في ذهن المؤمن ، ولتكون في متناول الجميع.

س١ : إذا كان الرسول يعلم ما سيؤول إليه أمر الأُمة من النزاع والاختلاف بسبب الخلافة فلماذا لم يعيّن خليفة له؟

* ج : لقد عيّنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خليفة له بعد حجّة الوداع ، وهو علي بن أبي طالب ، وأشهد على ذلك صحابته الذين حجّوا معه ، وكان يعلم بأنّ الأُمة ستغدر به(١) وتنقلب على أعقابها.

س٢ : كيف لم يسأل الرسول أحدّ من أصحابه عن هذا الأمر وقد كانوا يسألونه عن كلّ شيء؟

* ج : لقد سألوه وأجاب : قال تعالى :( يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْء قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ ) (٢) .

وسألوه وقال :( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ

____________

(١) المستدرك للحاكم ٣ : ١٤٢ وصحّحه وصرّح الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك بصحته ، كنز العمال ١١ : ٦١٧ ح ٣٢٩٩٧ ، تاريخ بغداد ١١ : ٢١٦ رقم ٥٩٢٨ ، تذكرة الحفاظ للذهبي ٣ : ٩٩٥.

(٢) آل عمران : ١٥٤.


وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) .

وسألوه فقال : « إن هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي »(٢) .

س٣ : لماذا عارض بعض الصّحابة رسول الله حين أراد أن يكتب لهم كتاباً يعصمهم من الضلالة بعده وقالوا بأنّه يهجر؟

* ج : لقد عارض بعض الصحابة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أراد أن يكتب لهم ما يمنعهم من الضلالة واتهموه بالهجر; لمّا عرفوا بأنّه يريد تعيين علي بن أبي طالب كتابيّاً ، لأنّه سبقَ أن قال لهم في حجّة الوداع بأنّ المتمسّك بالكتاب والعترة لن يضلّ بعده أبداً ، ففهموا بأنّ مضمون الكتاب سيكون بنفس الألفاظ ، لأنّ علياً هو سيّد العترة ، وإنّما اتهموه بالهجر ليعدل عن الكتابة نهائياً ، ولأنّ النزاع والخلاف قام حول الكتاب قبل كتابته ، وإذا كان النبىّ يهجر ( حسب اعتقادهم ) فإنّ كتابه سيكون هذياناً ، فالحكمة تقتضي عدم الكتابة.

س٤ : لماذا لم يصرّ على كتابة الكتاب خصوصاً وأنّه يعصم الأُمّة الإسلاميّة من الضّلالة؟

* ج : لم يكن في وسع الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يُصرّ على الكتابة; لأنّ العصمة من الضلالة قد انتفتْ لموافقة الكثير من الصّحابة على أنّه يهجُر ، فأصبح الكتاب هو مصدر ضلالة بدلا أن يكون عاصماً منها ، ولو أصرّ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________

(١) المائدة : ٥٥.

(٢) تاريخ الطبري ٢ : ٦٣ ، الخصائص للنسائي : ٤٩ ح ٦٥ في حديث الدار حينما انذر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشيرته ، وسند الحديث صحيح.


على كتابته لقامتْ بعده دعاوى باطلة ، قد تُشكّك حتّى في كتاب الله ونصوص القرآن.

س٥ : لقد أوصى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل موته بثلاث وصايا شفويّة فلماذا وصلت إلينا وصيّتان وضاعت الوصية الثالثة؟

* ج : الأمرُ واضحٌ في أنّ الوصيّةُ الأُولى هي التي ضاعتْ لأنّها تخصّ استخلاف علي ، ولأنّ الخلافة التي قامتْ منعت الحديث عنها ، وإلاّ كيف يصدّق عاقل أن يوصي النّبي فتُنْسى وصيّتُه كما ذكره البخاري.

س٦ : هل كان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلم بموعد موته؟

* ج : لا شكّ بأنّه كان يعلم مسبقاً بموعد وفاته في الوقت المعلوم ، وقد علم بذلك قبل خروجه لحجّة الوداع ، ومن أجل ذلك سمّاها حجّة الوداع ، وبذلك علم أكثر الصّحابة دنوّ أجله.

س٧ : لماذا جهّز النّبي جيشاً عبّأ فيه وجوه المهاجرين والأنصار من كبار الصّحابة وأمرهم بالمسير إلى مؤتة بفلسطين قبل وفاته بيومين؟

* ج : عندما علم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمؤامرة التي دبّرتها قريش ، وأنّهم تعاقدوا على نبذ العهد بعده ، وإبعاد علي عن الخلافة ، عمد إلى تعبئة هؤلاء ليبعدهم عن المدينة وقت وفاته ، فلا يرجعون إلاّ وقد استتبّ الأمر لخليفته ، فلا يقدرون بعدها على تنفيذ مُخطّطهم ، وليس هناك تفسيراً مقبولا غير هذا لسريّة أُسامة; لأنّه ليس من الحكمة أن يُخلي النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاصمة الخلافة من الجيش والقوّة قبل وفاته بيومين فقط.


س٨ : لماذا لم يُعيّن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً في جيش أُسامة؟

* ج : لأنّه لا ينبغي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يذهبَ إلاّ ويترك خليفة ليدبّر الأُمور بعده ، وبما أنّه لم يُعبّئَ عليّاً ضمن ذلك الجيش الذي عبّأ فيه وجوه المهاجرين والأنصار ، بما فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ، فدلّ هذا التصرّف الحكيم بأنّ عليّاً هو الخليفة بعد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة ، ولأنّ الذين لم يُعبْئهم رسول الله في الجيش ليس فيهم من يطمع في الخلافة ، ولا من يبغضُ عليّاً ويريد الغدر به.

س٩ : لماذا أمَّرَ عليهم شابّاً صغيراً لا نبات بعارضيه؟

* ج : لمّا كان الحاسدون والغادرون لعلي يتذرّعون بصغر سنّه ، وأنّ عظماء قريش الذين بلغوا السّتين لا ينقادون لعلي ، وعمره لم يُجاوز الثلاثين إلاّ قليلا ، فأمّر عليهم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُسامة وعمره سبعة عشر ، لا نبات بعارضيه وهو من الموالي; ليّاً لأعناقهم وإرغاماً لأُنوفهم ، كي يُبيّن لهم أولا ولكلّ المسلمين ثانياً بأنّ المؤمن الصادق في إيمانه يجب عليه أن يسمع ويُطيع ، ولو وجد في نفسه حرجاً ممّا قضى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسلّم تسليماً.

وأين أُسامة بن زيد بن حارثة من علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، وسيّد الوصيّين ، باب علم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسد الله ، الغالب وهارون محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولذلك تفطّنوا إلى تدبيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تأميره أُسامة عليهم ، فطعنوا في إمارته ، ورفضوا الخروج معه والتخلّف عنه ، ولا ننسى أنّ فيهم الدّهاة الذين قال في حقّهم القرآن الكريم :( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإنْ كَانَ مَكْرُهُمْ


لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ) (١) .

س١٠ : لماذا اشتدّ غضب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المتخلّفين منهم حتّى لعنهم؟

* ج : لقد اشتدّ غضبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم لمّا علم أنّهم طعنوا في تأميره ، فالطّعن موجّه إليه لا إلى أُسامة ، وتحقّق بذلك عنده عدم إيمانهم وإخلاصهم لله ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّهم عازمون على تنفيذ مُخطّطهم كلّفهم ذلك ما كلّفهم ، عند ذلك أطلق لعنته الأخيرة على المتخلّفين; ليفهمهم وأتباعهم والمسلمين كافة بأنّ الأمر قد بلغ منتهاه; ليهلك من هلك عن بيّنة.

س١١ : هل يجوز لعن المسلم خصوصاً من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

* ج : إذا كان الإسلام هو التلفّظ بالشهادتين ، بأن يقول الإنسان : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ، ثمّ لا يمتثل إلى أوامرهما ، ولا يسمع ولا يطيع لله وللرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيجوز لعنه.

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة نذكر منها قوله تعالى :( إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزَلْنَا مِنْ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ اُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) (٢) . وإذا كان اللّه يلعن من كتم الحقّ ، فما بالك بمن عاند الحقّ وعمل على إبطاله؟!

س١٢ : هل عيّن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر ليصلّي بالنّاس؟

* ج : من خلال الروايات المتناقضة نفهم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعيّن أبا

____________

(١) ابراهيم : ٤٦.

(٢) البقرة : ١٥٩.


بكر ليصلّي بالناس ، اللّهم إلاّ إذا اعتقدنا ما قاله عمر بن الخطّاب في هجرانه ، ومن اعتقد بذلك فقد كفر ، وإلاّ كيف يصدّقُ عاقِلٌ بأنّه أمره ليُصلّيَ بالناس في حين أنّه عبّأه في جيش أُسامة ، وجعل هذا الأخير أميراً عليه وإماماً له؟! وكيف يُعيّنه لإمامة الصلاة في المدينة وهي خالية منه ، والتاريخ يشهد بأنّه لم يكن حاضراً في المدينة يوم وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

والثابت كما ذكر بعض المؤرّخين الذين روى عنهم ابن أبي الحديد بأنّ عليّاًعليه‌السلام اتّهم عائشة بأنّها هي التي أرسلت إلى أبيها ليصلّي بالناس ، ولمّا علم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك غضب وقال لها : « إنكن صواحب يوسف » وخرج إلى المسجد فأزاح أبا بكر وصلّى بهم صلاة المضطرّين; لئلا يترك لهم حجّة بعد ذلك.

س١٣ : لماذا أقسم عمر بن الخطّاب بأنّ رسول الله لم يمت ، وتهدّد كلّ من يقول بموته بالقتل ولم يهدأ إلاّ بوصول أبي بكر؟

* ج : لقد هدّد عمر بالقتل كلّ من حاول أن يقول بموت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; ليشكّكهم ويتركهم في حيص بيص حتى لا تتمّ بيعة لعلي ، وحتى يصل إلى المدينة أبطال المعارضة الذين تعاقدوا على الأخذ بزمام الأُمور والذين لم يَصِلُوا بعد ، فوجد نفسه قد سبقهم ، فلعب دور المصاب بالذّهول ، وسلّ سيفه فخوّف النّاس.

ولا شكّ بأنّه منع النّاس الدخول إلى الحجرة النبوية ليتثبّتوا الأمر ، وإلاّ لماذا لم يجرأ أحدٌ على الدخول إلاّ أبا بكر ، عندما وصل دخل وكشف عن وجهه وخرج ليقول لهم : « من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد ماتَ ، ومن


كان يعبد الله فإنّ الله حىّ لا يموت ».

ولا بدّ لنا هنا من تعليقة صغيرة على هذا القول ، فهل كان أبو بكر يعتقد بأنّ في المسلمين من يعبُدُ محمّداً؟ كلاّ وإنّما هو تعبير مجازي على شتم وانتقاص بني هاشم عامّة وعلي بن أبي طالب خاصّة ، الذين كانوا يفخرون على سائر العرب بأنّ محمّداً رسول الله منهم وهم أهله وعشيرته وأحقّ الناس به.

وهو أيضاً تعبير عمّا أفصح به عمر بن الخطّاب يوم رزيّة الخميس عندما قال : « حسبنا كتاب الله يكفينا » ولسان حاله يقول : لا حاجة لنا بمحمّد فقد انتهى أمره وولّى عهده ، وهذا بالضّبط ما أكّده أبو بكر بقوله : من كان يعبدُ محمّداً فإنّه قد مَاتَ ، ويعني بذلك : يا من تفتخروا علينا بمحمّد تأخّروا اليوم فإنّه انتهى أمره ، وحسبنا كتاب الله فإنّه حي لا يموت.

ومن الملاحظ أنّ علياً وبني هاشم كانوا يعرفون أكثر من غيرهم حقيقة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانوا يُبالغون في احترامه وتقديسه وتنفيذ أوامره ، واتّبعهم على ذلك الموالي من الصّحابة ، والذي كانوا غُرباء عن قريش ، وكانوا إذا بصق رسول الله بصقة تسارعوا إليها ليمسحوا بها وجوههم ، ويتخاصمون على فضل وضوئه أو على شعره ، وكلّ هؤلاء المساكين والمستضعفين كانوا شيعة لعلي من زمن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو الذي سمّاهم بهذا الاسم(١) .

أمّا عمر بن الخطّاب وبعض الصّحابة من سراة قريش ، فكانوا كثيراً ما

____________

(١) الدر المنثور ٦ : ٣٧٩ سورة البيّنة ، المعجم الكبير ١ : ٣١٩ ح ٩٤٨ ، فتح القدير للشوكاني ٥ : ٤٧٧.


يُعارضوا أحكام النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويُناقشوه ويعصوه ، بل ويُنزّهون أنفسهم عن أفعاله(١) .

وقد قطع عمر بن الخطّاب شجرة بيعة الرضوان; لأنّ بعض الصّحابة كانوا يتبرّكون بها ، كما فعل الوهابيون في هذا القرن ، فإنّهم محوا آثار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الوجود ، وحتّى البيت الذي ولد فيه لم يتركوه ، وهم يحاولون الآن بكلّ جهودهم وأموالهم أن يمنعوا المسلمين من الاحتفال بذكرى مولده الشريف ، ومن التبرّك به وبالصّلاة عليه ، حتّى أفشوا لدى المغفّلين بأنّ الصّلاة الكاملة هي شِرْكٌ(٢) .

____________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١١٤ كتاب المظالم ، باب الاشتراك في الهدي.

(٢) قال أحمد بن زيني دحلان مفتي الشافعية بمكّة ـ في كتابه فتنة الوهابية : « وكانوا يمنعون من قراءة دلائل الخيرات المشتملة على الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى ذكرها كثير من أوصافه الكاملة ، ويقولون : إنّ ذلك شرك ، ويمنعون من الصلاة عليه على المنابر بعد الأذان ، حتى إنّ رجلا صالحاً كان أعمى وكان مؤذناً وصلّى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم ، فأتوا به إلى ابن عبدالوهاب ، فأمر به أن يقتل فقتل ».

وقال أيضاً في الدرر السنيّة في الردّ على الوهابية الصفحة ٥٢ : « ومنع الناس من قراءة دلائل الخيرات ومن الرواتب والأذكار ومن قراءة مولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنائر بعد الأذان ، وقتل من فعل ذلك ».

قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم : ٣٦٦ « ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها ، وأمّا قصده دائماً للصلاة والسلام فما علمت أحداً رخّص فيه ».

وقال عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ في فتح المجيد : ٢٢٤ « وأمّا دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو الصلاة والدعاء فلم يشرعه ( أي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )


س١٤ : لماذا اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة سرّاً؟

* ج : لمّا عَلِمَ الأنصار بالمؤامرة التي دبّرتها قريش لإبعاد علي عن الخلافة ، اجتمعوا عند وفاة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأرادوا إبرام الأمر فيما بينهم على أن يكون الخليفة منهم ، فإذا كان زعماء قريش وهم المهاجرون من قرابة الرّسول وعشيرته يريدون نقض البيعة لعلي ، فالأنصار أولى بالخلافة من غيرهم; لاعتقادهم بأنّ الإسلام قام بحدّ سيوفهم ، وأنّ المهاجرين عيالٌ عليهم ، ولولا أنّهم فتحوا بلادهم ومنازلهم وكلّ ما يملكون لما كان للمهاجرين ذكر ولا فضل ، ولولا وجود الخلاف بين الأوس والخزرج الذين كانوا يتنافسون على الزّعامة وكلّ منهما يريدها لقبيلته ، لما وجد أبو بكر وعمر فرصة لأخذ الخلافة منهم ولاضطرّا لمتابعتهم.

س١٥ : لماذا أسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى السقيفة وفاجؤوا الأنصار؟

* ج : لمّا كان للمهاجرين ـ أعني زعماء قريش ـ أعين تراقب تحرّكات الأنصار وما يدور من تدبيرهم ، فقد أسرع أحدهم ـ وهو سالم مولى أبي حذيفة ـ وأعلم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بالاجتماع السرّي ، فأسرعوا إلى السّقيفة ليفسدوا على الأنصار تخطيطهم وما أبرموه ، وليفاجئوهم بأنّهم على

____________

لهم بل نهاهم عنه» .

ومنه تعرف أنّ ما ذكره في كشف الجاني ما هو إلاّ لجاج ، لقصر باعه عن الحجاج بالدليل الساتر لما يرتكبه أبناء مذهبه وما قام عليه من الاُسس الواهية.


علم بكلّ ما يحدث في غيابهم.

س١٦ : لماذا كان عمر بن الخطّاب طوال الطريق يُهيئ مقالة لإقناع الأنصار؟

* ج : لا شكَّ بأنّ عمر بن الخطّاب كان يخشى ردّة فعل الأنصار ، كما يخشى أن لا يوافق الأنصار على إبعاد علي بن أبي طالب ، فيُسبّب ذلك هدم كلّ ما خطّطوه ودبّروه ، وتذهب جهودهم أدراج الرّياح بعدما تجرّؤوا على النّبي نفسه ، وأفسدوا كلّ تدبيره من أجل الخلافة ، ولذلك كان عمر بن الخطّاب في طريقه للسّقيفة يزوّر ماذا سيقوله لهم ، حتى يكسب تأييدهم وموافقتهم على المخطّط.

س١٧ : لماذا انتصر المهاجرون على الأنصار وسلّموا الأمر لأبي بكر؟

* ج : هناك عدّة عوامل لعبتْ دورها في هزيمة الأنصار وفوز المهاجرين ، فقد كان الأنصار قبيلتين متنافستين على الزّعامة منذ عهد الجاهلية ، وسكنت فورتهم بوجود الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينهم ، أمّا والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد مات وقومُه يريدون اغتصاب الخلافة من صاحبها الشرعي ، فثار الخزرج يرشحّون لها زعيمهم سعد بن عبادة ، ولكن بشير بن سعد ـ وهو زعيم الأوس ـ حسد ابن عمّه ، وأيقن أنّه لا يصل إلى الخلافة وسعد بن عبادة موجود ، فنقض أمر الأنصار وأنضمَّ إلى صف المهاجرين ، ومثّل دور النّاصح الأمين.

كما أن أبا بكر أثار فيهم النّعرة الجاهلية ، وضرب على الوتر الحسّاس


بقوله : لو سلّمنا هذا الأمر للأوس فلن ترض الخزرج ، وإذا سلّمناه للخزرج فلن ترض الأوس ، ثمّ إنّه أطمعهم بأن يقاسمهم الحكومة بقوله : نحن الأُمراء وأنتم الوزراء ، ولا نستبدّ عليكم بالرأي أبداً.

ثمّ إنّه بذكاء لعب دور النّاصح الأمين للأُمّة ، إذ أخرج نفسه وأظهر زهده في الخلافة ، وأنّه لا يرغب فيها بقوله : اختاروا من شئتُم من هذين الرجلين ، يعني عمر بن الخطّاب أو أبا عبيدة عامر بن الجرّاح.

وكانت الخطّة محكمة والمسرحيّة ناجحة ، فقال عمر وأبو عبيدة : لا ينبغي لنا أن نتقدّم عليك ، وأنت أوّلنا إسلاماً ، وأنت صاحبه في الغار ، فابسط يدك نبايعك ، فبسط أبو بكر يده لهذه الكلمات ، فسبق إلى بيعته بشير بن سعد سيّد الأوس ، وتتابع الباقون إلاّ سعد بن عبادة.

س١٨ : لماذا امتنع سعد بن عبادة عن البيعة وهدّده عمر بالقتل؟

* ج : عندما بايع الأنصار وتسابقوا إلى أبي بكر; لينالوا بذلك الجاه والقُربى من الخليفة ، امتنع سعد بن عبادة عن البيعة ، وحاول جهده منع قومه عنها ، ولكنّه عجز عن ذلك لشدّة مرضه إذ كان طريح الفراش ولا يُسمع صوته ، عند ذلك قال عمر : اقتلوه إنّه صاحب فتنة; ليقلع بذلك دابر الخلاف ، ولئلاّ يتخلّف عن البيعة أحد; لأنّه سيشقّ عصا المسلمين ، ويتسبّب في انقسام الأُمّة وخلق الفتنة.

س١٩ : لماذا هدّدوا بيت فاطمة الزهراء بالحرق؟

* ج : لقد تخلّف عدد كبير من الصّحابة الذين لم يبايعوا أبا بكر في بيت علي بن أبي طالب ، ولو لم يُسارع عمر بن الخطّاب وطوّق الدّار بالحطب


وهدّدهم بالحرق ، لاستفحل الأمر وانشقّت الأُمّة إلى حزبين علوي وبكري ، ولكنّ عمر ومن أجل فرض الأمر الواقع ذهب شوطاً بعيداً عندما قال : « لتخرجنّ للبيعة أو لأحرِّقنّ الدّار بمن فيها »(١) ويقصد عليّاً وفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وبهذا القول لا يبقى في النّاس أحد تسوّل له نفسه شقّ عصا الطاعة وعدم الدخول في البيعة ، فأيّ حرمة له أكبر من حرمة سيّدة نساء العالمين ، وزوجها سيّد الوصيّين؟

س٢٠ : لماذا سكت أبو سفيان بعدما هدّدهم وتوعّدهم؟

* ج : لمّا رجع أبو سفيان للمدينة بعد وفاة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان أرسله لجمع الصّدقات ، فوجئ بخلافة أبي بكر ، وأسرع إلى دار علي بن أبي طالب وحرّضه على الثورة ، وعلى حرب الجماعة واعداً إيّاه بالمال والرّجال ، ولكنّ علياً طرده لعلمه بنواياه.

ولمّا علم أبو بكر وعمر بذلك ذهبا إليه واستمالاه ، ووعداه بإعطائه كلّ ما جمعه من الصدقات ، وباشراكه في الأمر بتعيين ابنه والياً على الشام ، فرضيَ أبو سفيان بذلك وسكت عنهم ، فعيّنوا يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام ، ولمّا مات عيّنوا أخاه معاوية بن أبي سفيان مكانه ، ومكّنوه من الوصول إلى الخلافة.

____________

(١) تاريخ الطبري ٢ : ٤٤٣. وورد تهديد فاطمةعليها‌السلام بإحراق دارها أيضاً في المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٥٧٢ بسند صحيح.


س٢١ : هل رضي الإمام علي بالأمر الواقع وبايع الجماعة؟

* ج : لا ، أبداً لم يرض الإمام علي بالأمر الواقع ولم يسكت ، بل احتجّ عليهم بكلّ شيء ، ولم يقبل أن يبايعهم رغم التهديد والوعيد ، وذكر ابن قتيبة في تاريخه بأنّ عليّاً قال لهم : والله لا أبُايعكم وأنتُم أولى بالبيعة لي ، وحمل زوجته فاطمة الزهراء يطوف بها على مجالس الأنصار ، فكانوا يعتذرون بأنّ أبا بكر سبق إليهم(١) .

وقد ذكر البخاري(٢) بأنه لم يُبايع مدّة حياة فاطمة ، فلما تُوفّيتْ واستنكر وجوه النّاس اضطرّ لمصالحة أبي بكر.

وقد عاشت فاطمة ستّة أشهر بعد أبيها ، فهل ماتت فاطمة وليس في عنقها بيعة ، وأبوها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « من مات وليست في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة »(٣) ؟!(٤)

____________

(١) الإمامة والسياسة ١ : ٢٩.

(٢) صحيح البخاري ٥ : ٨٢ كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، صحيح مسلم ٥ : ١٥٤ ، كتاب الجهاد ، باب قول النبي « لا نورث ».

(٣) صحيح مسلم ٦ : ٢٢ كتاب الامارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ، المعجم الكبير ١٩ : ٣٣٥ ، كتاب السنة : ٤٨٩ ح ١٠٥٧ وفيه : « من مات وليس عليه امام مات ميتة جاهلية ».

(٤) قال إبراهيم الرحيلي في كتابه الانتصار للصحب والآل : ١٧٢ إنّ هذا الكلام يتنافى مع ماذكره المؤلّف في كتابه الشيعة هم أهل السنة ، حيث قال هناك : « ولولا استسلام علي وتضحيته بحقّه في الخلافة ومسالمته لهم لقضي عليهم وانتهى أمر الإسلام » ، بينما هنا نراه ينقض كلامه ويقول بأنّ علياًعليه‌السلام لم يرض


وهل كان علي يعلم بأنّه سيعيش إلى ما بعد أبي بكر ، فيتأخر عن بيعته تلك الشهور الستّة؟ فعلىٌّ لم يسكتْ ، وبقي طيلة حياته كلّما وجد فرصة إلاّ وأثار مظلمته واغتصاب حقّه ، ويكفي دليلا على ذلك ما قاله في خطبته المعروفة بالشقشقيّة.

س٢٢ : لماذا أثاروا فاطمة وأغضبوها بينما هم في حاجة إلي المصالحة؟

* ج : لقد تعمّدوا إثارة فاطمة بانتزاع أرضها وممتلكاتها ، ومنعها ميراث أبيها ، وتكذيبها في كلّ دعواها ، حتّى يسقطوا بذلك هيبتها وعظمتها من نفوس النّاس ، وحتّى لا يُصدّقوها إذا ما أثارت نصوص الخلافة ، ولذلك اعتذر الأنصار إليها بأنّ بيعتهم سبقتْ لأبي بكر ولو سبق إليهم زوجها لما تخلّفوا عنه.

____________

بالأمر الواقع؟!

وفي الحقيقة لا يوجد تدافع في كلام المؤلّف هنا وهناك ، والتخالف المتصوّر هو في ذهن الرحيلي فقط ، وإلاّ فالكلام واضح حيث بيّن المؤلّف هناك أنّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام لم يشهر سيف المعارضة ، ولم يقم بالقوّة لأخذ حقّه الذي غصبوه منه ، وهذا هو الواقع الذي ينقله التاريخ.

أمّا هنا فالمؤلّف بيّن بأن علي بن أبي طالب شهر المعارضة ، لكن المعارضة القولية لا السيفية ، وأخذ يبيّن حقه كلما واتته الفرصة ، وكلماته في ذلك مشهورة معلومة في النهج وغيره ، بل البخاري نقل لنا معارضة الإمام علي الفعليّة وذلك برفضه بيعة الأوّل لمدّة ستّة أشهر ، وأضاف الزهري بأن علي بن أبي طالب لم يكن المعارض الوحيد للبيعة ، بل بنو هاشم عموماً كانوا معارضين أيضاً ، فلا تضارب بين الكلامين بل بينهما تمام المواءمة لمن نزع عن رأسه العصبيّة الأموية ونظر بعين الحقيقة الصافية.


ولذلك اشتدّ غضبها على أبي بكر وعمر حتّى صارت تدعو عليهما في كلّ صلاة تصلّيها ، وأوصت زوجها بأن لا يحضر جنازتها أحدٌ منهما ، وأنْ يجنّبها تلك الوجوه التي تكرهها.

وقد تعمّدوا إيذاءها ليشعروا عليّاً بأنّه أهون عليهم من ابنة النّبي التي هي سيدة نساء العالمين ، والتي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها ، فما عليه إلاّ السّكوت والرّضى.

س٢٣ : لماذا تخلّف عن سريّة أُسامة عظماء القوم؟

* ج : لمّا استتبّ الأمرُ لأبي بكر ، وأصبح خليفة المسلمين بجهود عمر رغم أُنوف المعارضين ، طلب من أُسامة أن يترك له عمر بن الخطّاب ليستعين به على أمر الخلافة ، لأنّه لا يقدر على إتمام المخطّط بمفرده ، ولا بدّ له من العناصر الفعّالة الذين لهم من القوّة والجُرأة ما عارضوا بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يبالوا بغضب الله ولا بلعن النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن تخلّف عن بعث أُسامة ممّن عبأهم بنفسه ، ولا شكّ بأنّ المخطّطين لهذا الأمر تخلّفوا عن السريّة ليبرموا أمرهم ، ويتعاونوا على تركيز قواعدهم.

س٢٤ : لماذا أُبعد الإمام علي عن كلّ مسؤولية ولم يشركوه في شيء؟

* ج : بالرّغم من أنّهم قرّبوا عدداً كبيراً من الطلقاء ، وأعطوهم المناصب في حكومتهم ، وأشركوهم في أمرهم ، وعيّنوا منهم أُمراء وولاة في كلّ الجزيرة العربية ، وفي كلّ الأقطار الإسلاميّة ، ومن هؤلاء الوليد بن عقبة ، ومروان بن الحكم ، ومعاوية ويزيد ابنا أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وأبو هريرة ، وكثيرون من الذين كانوا يجرّعون رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الغْصص ، إلاّ أنّهم أبعدوا علي بن أبي طالب فنبذوه وتركوه حبيس داره ، ولم يشركوه في شيء من أمرهم طيلة ربع قرن; ليذلّوه ويُحقّروه ويُبعدوا النّاس عنه; لأنّ الناس عبيد الدنيا يميلون مع صاحب السّلطة والجاه والمال ، وما دام علي لا يجد قوت يومه إلاّ بكسب يمينه وعرق جبينه ، فسيتفرق النّاس عنه ولا يميلون إليه.

وفعلا فقد بقي علىّ سلام الله عليه على تلك الحالة مدّة خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان رهين البيت ، يعملُ الجميع على تحقيره ، وإطفاء نوره ، وإخفاء فضائله ومناقبه ، وليس له من حطام الدّنيا وما يرغّب النّاس فيه.

س٢٥ : لماذا حاربوا مانعي الزّكاة رغم تحريم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك؟

* ج : لأنّ الصحابة الذين حضروا بيعة الإمام علي في غدير خم ، وهم راجعون من حجّة الوداع بصحبة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، امتنعوا عن أداء الزّكاة لأبي بكر ، لأنّهم لم يحضروا وفاة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا الأحداث التي أعقبتها في شأن تبديل الخلافة من علي لأبي بكر; لأنّهم لا يسكنون المدينة ، ولا شكّ بأنّ بعض الأخبار وصلت إليهم بأنّ فاطمة تخاصمتْ معهم وغضبتْ عليهم ، وبأنّ عليّاً امتنع عن بيعتهم ، لكلّ ذلك رفضوا إعطاء الزكاة لأبي بكر حتّى يتبيّنوا الأمر.

ومن هنا قرّر أبو بكر وعمر وجهاز الحكم أن يبعثوا إليهم جيشاً بقيادة خالد بن الوليد الذي كان سيفهم المسلول ، فأخمد ثورتهم ، وأسكت حسّهم ، وقتل رجالهم ، وسبى نساءهم وذراريهم ، ليكونوا عبرةً لمن تحدّثه نفسه


بعدم الطاعة أو بمسّ هيبة الدّولة.

س٢٦ : لماذا منعوا تدوين ونقل الأحاديث النّبوية؟

* ج : عملوا من الأيام الأُولى على منع الأحاديث النّبويّة جملة وتفصيلا ، ليس فقط لأنّها تتضمّن نصوص الخلافة وفضائل الإمام علي ، بل لأنّ الكثير منها يتعارض مع أقوالهم وأفعالهم التي يديرون بها شؤون الحياة ، ويركّزون على أسُسها معالم الدوّلة الجديدة التي ابتدعوها وفق اجتهاداتهم.

س٢٧ : هل كان أبو بكر قادراً على تحمّل أعباء الخلافة؟

* ج : لم يكن أبو بكر قادراً على تحمّل أعباء الخلافة لولا عمر بن الخطّاب ، وبعض الدّهاة من رؤوس بني أُميّة ، ولقد سجّل التاريخ بأنّ أبا بكر كان دائماً يخضع إلى أحكام وآراء عمر بن الخطّاب الحاكم الفعلي ، ودليل ذلك قصة المؤلَّفة قلوبهم الذين جاؤوا لأبي بكر في بداية خلافته ، وكتب لهم كتاباً وبعثهم إلى عمر الذي كان بيده أمر بيت المال ، فمزّق عمر الكتاب وطردهم ، فرجعوا إلى أبي بكر يسألونه : أأنت الخليفة أم هو؟ فأجابهم : هو إن شاء الله!

وكذلك عندما أقطع أبو بكر قطعة أرض إلى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، فرفض عمر عندما قرأ كتاب أبي بكر وتفل فيه ومحاه ، فرجعا إلى أبي بكر يتذمّران ممّا فعله عمر ، وقالا لأبي بكر : والله ما ندري أأنت الخليفة أم عمر؟ فقال : بل عمر هو الخليفة ، ولمّا أقبل عمر مغضباً وناقش أبا بكر على إعطائه الأرض بكلام غليظ ، قال له أبو بكر : ألم أقل لك : إنّك أقوى


منّي على هذا الأمر لكنّك غلبتني(١) .

وقد أخرج البخاري في صحيحه بأنّ عمر كان يحثّ النّاس على بيعة أبي بكر فيقول لهم : إنّ أبا بكر صاحب رسول الله ثاني اثنين ، وإنّه أولى المسلمين بأُموركم ، فقوموا فبايعوه ، قال أنس بن مالك : سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ : أصعد المنبر ، فلم يزل به حتّى صعد المنبر ، فبايعه النّاس عامّة(٢) .

س٢٨ : لماذا عقد أبو بكر الخلافة وعهد بها إلى عمر قبل وفاته؟

* ج : بما أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي لعب الدور البطولي في إقصاء علي عن الخلافة; بمعارضته العنيفة للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّلا ، وبحمل الأنصار على بيعة أبي بكر وفرضها على النّاس بكل حزم وشدّة ، حتّى وصل به الأمر إلى تهديد بيت فاطمة بالحرق.

وبما أنّه كان هو الخليفة الفعلي ـ كما قدّمنا ـ فكانت له الكلمة الأُولى والأخيرة ، ولا شكّ بأنّه كان من دُهاة العرب ، فعلم بأنّ المسلمين وخصوصاً الأنصار لا يُوافقُون على بيعته لطبعه الفظ الغليظ وسرعة غضبه ، فعمل على تقديم أبي بكر لهم لأنّ في طبعه ليناً ورقة ، وهو أسبقهم للإسلام ، وابنتُه

____________

(١) العسقلاني في كتابه الإصابة في معرفة الصّحابة ٤ : ٦٤ ، « ترجمة عيينة » ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٢ : ٥٩.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ١٢٦ كتاب الأحكام باب الاستخلاف ، المصنّف لعبد الرزاق ٥ : ٤٣٨ وفيه : « لقد رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر ازعاجاً » والسند صحيح.


عائشة هي المرأة الجريئة القادرة على ركوب الصّعاب وتغيير الأُمور ، وهو يعلَم علم اليقين بأنّ أبا بكر طوع يديه ورهن إشارته في كلّ ما يصبوا إليه.

ولم يكن عهد أبي بكر بالخلافة لعمر يخفى على كثير من الصّحابة من قبل كتابته ، فقد قال له الإمام علي منذ اليوم الأوّل : « أحلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم ليردّه عليك غداً »(١) ، كما قال آخر لعمر عندما خرج بالكتاب الذي عهد فيه أبو بكر قال له : « أنا أعرف ما فيه ، إنّك أمّرته عام أوّل وأمّرك هذا العام »(٢) .

فعهد أبي بكر لعمر بالخلافة أمرٌ معلوم لدى عامّة النّاس ، وإذا كان في حياته يعترف له أمام الجميع بأنّه أقوى منه على هذا الأمر ، فلا غرابة أن يسلّم له مقاليد الخلافة عند الموت.

وبهذا يتبيّن لنا مرّة أُخرى بأنّ ما يقوله أهل السنّة بأنّ الخلافة لا تكون إلاّ بالشورى أمرٌ ليس له وجود ، وليس له في خيال أبي بكر وعمر أيّ اعتبار ، وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفّي وترك الأمر شورى بين النّاس ـ كما يزعمون ـ فإنّ أبا بكر هو أوّل من هدّم هذا المبدأ ، وخالف سُنّة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعهده لعمر بن الخطّاب من بعده.

وأهل السنّة دائماً تراهم يتبجّحون بكلّ فخر واعتزاز على أنّهم يؤمنون بالشّورى ولا تصلح الخلافة إلاّ بها ، ويسخرون من قول الشيعة الذين يعتقدون بأنّها لا تكون إلاّ بالنصّ من الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتسمع أغلبهم ينتقِدُ

____________

(١) الإمامة والسياسة ١ : ٢٩.

(٢) المصدر نفسه ١ : ٣٨.


هذا الاعتقاد على أنّه دخيل على الإسلام من قبل الفرس الذين يقولون بوراثة السّلطة الإلهية.

وكثيراً ما يستدلّ أهل السنّة بآية :( وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (١) على أنّها نازلة بخصوص الخلافة ، وعلى هذا فيحقّ لنا بأن نقول : إنّ أبا بكر وعمر خالفا الكتاب والسنّة معاً ، ولم يُقيمَا لهما وزناً في شأن الخلافة.

س٢٩ : لماذا اشترط عبد الرحمن بن عوف على علي بن أبي طالب أن يحكم بسنّة الخليفتين؟

* ج : من هوان الدنيا على الله أن يصبح عبد الرحمن بن عوف هو الذين يتحكّم بمصير الأُمّة بعد عمر ، فيختار لهم من يشاء ، ويُقصي من يشاء ، كلّ ذلك من تدبير عمر الذي رجّح كفّتَه على بقيّة الصّحابة ، وعبد الرحمن بن عوف هو الآخر من دهاة العرب ، ولا شكّ بأنّه من أعضاء الحزب المخطط للخلافة وصرفها عن صاحبها الشرعي.

وإذا كان البخاري يعترف بأنّ عبد الرحمن بن عوف كان يخشى من علىّ شيئاً(٢) ، فمن الطبيعي أن يعمل هو الآخر على إبعاده عنها ما استطاع لذلك سبيلا. وعبد الرحمن بن عوف يعرف كغيره من الصّحابة بأنّ عليّاً لم يكن يُوافقُ على اجتهادات أبي بكر وعمر ، وما غيّراه من أحكام الكتاب والسنّة ، وكان يحاول جهده معارضتهما والإنكار عليهما ، لذلك اشترط عبد الرحمن على علي أن يحكم بسنّة أبي بكر وعمر ، وهو يعلمُ مسبقاً أكثر من

____________

(١) الشورى : ٣٨.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ١٢٣ كتاب الأحكام ، باب كيف يبايع الناس الإمام.


غيره بأنّ عليّاً لا يداهن ولا يكذب ولا يقبل بذلك الشرط أبداً ، كما كان يعلم بأنّ صهره عثمان هو الذي ترتاح إليه قريش وكلّ أعضاء المخطّط.

س٣٠ : حديث الأئمة الاثني عشر هل له وجود عند أهل السنّة؟

* ج : أخرج البخاري ومسلم وكلّ المحدّثين من أهل السنّة حديث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يزال الدين قائماً حتى تقوم السّاعة ، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش »(١) .

وبقي هذا الحديث من الألغاز العويصة التي لا جواب لها عند أهل السنّة والجماعة ، ولم يجرأ أحد من علمائهم أنْ يعدّ بعد الخلفاء الراشدين الأربعة سوى عمر بن عبد العزيز ، وهؤلاء خمسة ، ويبقي من العدد سبعة لا وجود لهم.

فإمّا أن يقولوا بإمامة علي وبنيه الذين تقول بهم الإمامية ، ويصبحوا شيعة لأهل البيت النّبوي ، وإمّا أن يكذّبوا الحديث وتصبح صحاحهم مجرّدة من الحقّ وليس فيها إلاّ الأكاذيب.

أضف إلى ذلك بأنّ هذا الحديث الذي يخصّص الخلافة في قريش وحدها يتنافى مع مبدأ الشورى الذي يقولون به; لأنّ الاختيار والديمقراطية تشمل كلّ أفراد الأُمة ، ولا تختصّ بقبيلة معيّنة دون سائر القبائل الأُخرى ، بل يتعدّى القبائل العربية إلى غيرها من القبائل الإسلامية غير العربية!!

هذه أجوبة سريعة ومختصرة لنوضّح للقارئ بعض المسائل التي قد

____________

(١) صحيح مسلم ٦ : ٣ كتاب الإمارة ، الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ، صحيح البخاري ٨ : ١٢٧.


تخامر ذهنه ، على أنّه قد يجد إجابة مفصّلة في كتب التاريخ ، وكذلك في كتابي « ثمّ اهتديت » ، و « لأكون مع الصادقين ».

فعلى الباحث أن يرجع إلى المصادر الموثوقة ، وأن يتجرّد للحقيقة ، فيمحّص الروايات والأحداث التاريخية; ليكتشف من خلالها الحقائق المكسوّة بثياب الباطل ، فيجرّدها وينظر إليها في ثوبها الأصلي.


الفصل السّابع

في ما يتعلّق بالحديث الشريف

سأُبيّن للقارئ بأنَ مشكلة الأحاديث هي من أكبر المشاكل التي يعيشها المسلمون اليوم ، وبالخصوص في الزّمن الحاضر ، إذ تخرّج من جامعات الوهّابية دكاترة متخصّصون في فنون الأحاديث ، فتراهم يحفظون من الأحاديث ما يتماشى مع مذهبهم وعقيدتهم ، وأغلب هذه الأحاديث هي من وضع الأموييّن أسلافهم ، الذين كان همّهم أيضاً إطفاء نور الرّسالة ، وتصوير النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك المخرّف المهرّج الذي لا يدري ما يقول ، ولا يتنبّه إلى أحاديثه وأفعاله المتناقضة التي تُضحك المجانين.

ورغم ما قام به المحقّقون والعلماء من أهل السنّة لتنقية الأحاديث وغربلتها ، فما زال هناك للأسف الشديد داخل الكتب الصّحيحة والمعتبرة الشيء الكثير ، وكذلك لم تسلم كتب الشّيعة من هذا الدسّ والوضع ، ولكن هؤلاء يعترفون بأنّ ليس عندهم كتاباً صحيحاً إلاّ كتاب الله ، وما سواه فيه الغث والسّمين.

أمّا أهل السنّة فإنهم متّفقون بأنّ الصّحيحين ( البخاري ومسلم ) أصحّ الكتب بعد كتاب الله ، بل يقولون بأنّ كلّ ما جاء فيهما هو صحيح ، ومن أجل ذلك فسأُحاول أن أضع بين يدي القارئ بعض النماذج من الأحاديث التي


أخرجها البخاري ومسلم ، والتي فيها ما فيها من الحطّ من قداسة الرّسول العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو من أهل بيتهعليهم‌السلام .

وسأُحاول هنا طرح بعض الأحاديث التي وُضعتْ لتبرير أعمال الحكّام الأمويين والعباسيين ، وهم في الحقيقة يريدون النيل من خلالها من عصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لتبرير جرائمهم وقتلهم الأبرياء إليك ما يلي :

النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يَختِلُ

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الاستئذان ، وفي كتاب الديّات ، باب من اطّلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا ديّة له ، وكذلك مسلم في صحيحه في كتاب الآداب ، باب تحريم النظر في بيت غيره.

عن أنس بن مالك : أنّ رجلا اطّلع من بعض حُجر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقام إليه النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمشقص أو بمشاقِصَ ، فكأني أنْظرُ إليه يَختِلُ الرَّجُلَ ليطْعنَهُ!

إنّ الخلق العظيم يأبَى هذا التصرّف من نبي الرّحمة الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ، والمفروض أن يقومَ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهذا الرّجل الذي اطّلع على حجرة النّبي ويعلّمهُ الآداب الإسلامية ، ويُفهمه بأنّ ما فعله حرامٌ ، لا أن يأخذَ مشقصاً ويختله ليطْعنه ويفقأ عينه. على أنّ الرجل قد يكون على حسن نيّة; لأنّ الحجرة لم تكن حجرة أزواجه ، والدّليل أنّ أنس بن مالك كان موجوداً فيها ، فأيّ تهمة هذه توجّه إلى رسول الله ، وتصوّره بالفظّ الغليظ الذي يختل أي يستغفلُ الرّجل ليفقأ عينَهُ؟!

وناهيك أنّ شارح البخاري استفظعها ، وقال ما نصّه : « يختِلَهُ أي يستغفِله ويأتيه من حيث لا يراهُ ـ كذا فسروه ـ والاستغفال مستبعدٌ منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».


النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعاقب عقاباً شنيعاً ويمثّل بالمسلمين

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الطبّ من جزئه السابع في باب الدّواء بألبان الإبل ، وفي باب الدَّواء بأبوال الإبل. قال : حدّثنا ثابتُ عن أنس : أنّ ناساً كان بهم سقمٌ قالوا : يا رسول الله آوِنا وأطعمنا ، فأمرهم النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلْحَقُوا براعيه ، يعني الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلحقوا براعيه فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلَحتْ أبدانُهُم ، فَقَتلُوا الرّاعِيَ وساقُوا الإبل ، فبلغ ذلك النّبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبعث في طلبهم فجيء بهم ، فقطع أيديَهُم وأرجلَهُم وسَمَرَ أعيُنَهُمْ ، فرأيت الرّجُلَ منهم يكدِمُ الأرض بلسانه حتى يموت ».

هل يصدّق مسلمٌ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي ينهى عن المثلةِ ، يقوم هو بنفسه فيمثّل بهؤلاء القوم ، فيقطع أيديهم وأرجلهم ويسمر أعينهم لأنهم قتلوا راعيه؟! ولو قال الراوي : بأنّ هؤلاء القوم مثّلوا بالرّاعي; لكان للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عذرٌ في المعاقبة بالمثل ، ولكن ذلك غير وارد ، وكيف يقتلهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويمثّل بهم هذه المثلة ، بدون بحث وتحرِّ منهم حتّى يتبين من القاتل منهم فيقتله به؟!

ولعلّ البعض يقول بأنّهم شاركوا جميعاً في قتله ، أفلم يكن في وسع الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعفوَ ويصفح عنهم لأنّهم مسلمون ، بدليل قولهم : يا رسول الله ، ألم يسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول الله تعالى له :( وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) (١) .

____________

(١) النحل : ١٢٦.


وإذا كانت هذه الآية نازلة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عندما احترق قلبُه على عمّه سيّد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ، الذي بقروا بطنه ، وأكلوا كبده ، وقطعوا مذاكيره ، اغتاظ رسول الله عندما رأى عمّه على تلك الحال وقال : « لئن مكّنني الله منهم لأمثلنّ بسبعين »(١) فنزلت عليه الآية فقال : « صبرتُ يا ربّ ». وعفى عن وحشي قاتل عمّه ، وهند التي مثلّت بجسده الطّاهر وأكلت كبده ، وهذا هو خُلق النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وممّا يدلّك على فظاعة الرواية ، وأن الرّاوي نفسه استفظعها فأردف يقول : قال قتادة : فحدّثني محمّد بن سيرين أنّ ذلك كان قبل أن تنزل الحدود(٢) ، ليبرّر فعل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ، فحاشى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحكم

____________

(١) المعجم الكبير للطبراني ٣ : ١٤٣ ، لباب النقول للسيوطي : ١٢١ ، زاد المسير لابن الجوزي ٤ : ٣٧٠.

(٢) وأضافوا : « انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك فأنزل :( إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ ) ( نيل الأوطار للشوكاني ٧ : ٣٣١ ).

واعترض في كشف الجاني : ١٣٧ على المؤلّف بأنّ مسلماً روى في صحيحه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعل ذلك لأنّهم فعلوا براعيه ذلك.

وهذا الاعتراض غير صحيح; لأن الله سبحانه وتعالى وصف نبيّه بأنّه على خلق عظيم ، وأنّه رؤوف رحيم وهو في مكة في بدايات البعثة ، فكيف يأتي ويعاقب هذه المعاقبة الشنيعة عدّة أشخاص; لأنّهم قتلوا شخصاً واحداً؟ فأين رأفته وأين رحمته؟!

وكذلك استدلّ بآية :( إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا ) على جواز فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


من عند نفسه قبل أن يبيّن له ربُّه ، وإذا كان في المسائل الصغيرة لا يحكم حتى ينزل عليه الوحي ، فما بالك في الدّماء والحدود؟

وأنّه لمن اليسير جدّاً على من يتأمّل في ذلك ليعرف أنّها روايات موضوعة من جهة الأموّيين وأتباعهم; ليرضوا بها الحكّام الذين لا يتورّعون عن قتل الأبرياء على الظنّ والتهمة ، ويمثّلون بهم أشنع التمثيل.

____________

وهذا الكلام لا يصدر إلاّ ممّن لم يقرأ كتب الحديث والتفسير ، ولم يطلع عليها مرّة واحدة; لأنّ المفسّرين والمحدّثين رووا أنّ هذه الآية وهي في سورة المائدة الآية ٣٣ نزلت بعد معاقبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهؤلاء ، وفيها عتاب من الله سبحانه وتعالى لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على هذا الفعل ، فكيف يستدلّ بها على صحة فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

حتى إنهم ذكروا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعد لهذا الفعل بعد نزول الآية ، وارجع إلى سنن أبي داود ح ٤٣٦٢ ، سنن النسائي ح ٣٥٠٥ ، تفسير القرطبي ٦ : ١٤٩.

فهذا الكلام يردّه كلام المحدّثين والمفسرين على السواء; لأنّهم يصرّحون بأنّ الآية نزلت بعد فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن تنزل الحدود ، فكيف يستدلّ بها صاحب كتاب كشف الجاني على صحة الرواية؟!

وثانياً : إنّ آية القصاص التي استدلّ بها صاحب كشف الجاني على تصحيح رواية البخاري ومسلم ليس فيها سمل الأعين ، فما هو المبرّر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يسمل عيونهم مع عدم ورود الترخيص به؟!

وثالثاً : إنّ هناك روايات تصرّح بأنّ هذه الآية نازلة في الكفّار ، والمفروض أنّ هؤلاء مسلمين لا يجوز أن يطبق عليهم ما على الكفار.

ولأجل استبشاع هذا الفعل ذهب بعضهم إلى أنّ هؤلاء ارتدوا وخرجوا عن الإسلام ( فتح الباري ١٠ : ١٧٥ ) ، لكن هذا أيضاً لا يدفع بشاعة الرواية; لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رحمة للعالمين فكيف يتصوّر صدور هذا الفعل منه حتى لو كان مع كفار مشركين!!


والدّليل على ذلك ما جاء في ذيل الرواية نفسها التي أخرجها البخاري يقول : « قال سلامٌ : فبلغني أنّ الحجّاجَ قال لأنس : حدّثني بأشدِّ عقوبة عاقَبَها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحدّثُه بهذا ، فبلغ الحسن فقالَ : وددتُ أنّه لم يحدّثْهُ بهذا »(١) .

ويُشَمُّ من الرواية رائحة الوضع لإرضاء الحجّاج الثّقفي الذي عاث في الأرض فساداً ، وقتل من شيعة أهل البيت آلاف الأبرياء ، ومثّل بهم ، فكان يقطع الأيدي والأرجل ، ويسمل الأعين ، ويخرج الألسن من القفا ، ويصلب الأحياء حتى يحترقوا بالشمس ، ومثل هذا الرواية تبرّر أعماله ، فهو إنّما يقتدي برسول الله ، ولكم في رسول الله أُسوة حسنة!! فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

ولذلك تفنّن معاوية في التّنكيل والتمثيل بالمسلمين الذين كانوا شيعة لعلي ، فكم أحرق بالنار ، وكم دفن أحياء ، وكم صلب على جذوع النخل ، ومن الفنون التي ابتكرها وزيره عمرو بن العاص أنّه مثل بمحمّد بن أبي بكر ، والبسه جلد حمار وقذف به في النار!!

ولتبرير مجونهم وكثرة شغفهم بالجواري والنّساء إليك ما يلي :

النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّ الجماع

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الغسل ، باب إذا جامع ثمّ عادَ ، ومنْ دارَ على نسائه في غُسل واحد.

قال : حدّثنا معاذ بن هشام ، قال : حدّثني أبي عن قتادة ، قال : حدّثنا أنس

____________

(١) صحيح البخاري ٧ : ١٣ كتاب الطب باب الدواء بالبان الابل.


ابن مالك ، قال : كان النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُدورُ على نسائه في السّاعة الواحدة من الليل والنّهار وهنّ إحْدَى عشرة ، قال : قلتُ لأنس : أو كَان يُطيقُه؟ قال : كنّا نتحدث أنَّهُ أعطِي قوَّةَ ثلاثين

إنّها رواية موضوعة للنيل من عظمة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يبرّروا بلاط الرّشيد ، وأفعال معاوية ويزيد الماجن! ومن أين لأنس بن مالك أن يعرف بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجامع إحدى عشرة زوجة في ساعة واحدة ، فهل أعلمه الرّسول بذلك ، أم أنّه كان حاضراً؟ ومن أين له أنّه أعطي قوّة ثلاثين؟ أعوذ بالله من قول الزّور(١) .

____________

(١) وذكر عثمان الخميس في كتابه كشف الجاني : ١٣٨ أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يطوف على نسائه بالحلال لا المتعة طعناً منه بالشيعة; لأنّهم يجوّزون المتعة ، وبما أنّها حرام ـ حسب زعمه ـ فالشيعة إذن يحلّلون الحرام.

وهذا من جهله وعدم اطّلاعه على الحكم الشرعي للمتعة ، إذ تقدّم منّا في كتاب « لأكون مع الصادقين » بيان حال المتعة ، وأنّها حلال وتوفّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة تفعلها ، وكذلك في زمن أبي بكر فعلتها الصحابة إلى أن جاء عمر ونهى عنها وعاقب على فعلها ، ولأجل الاختصار ننقل هنا كلام بعض علماء أهل السنّة ـ وأحدهم سلفي ـ يقرون بأنّ عمر هو المحرّم لها :

(١) قال ابن القيّم الجوزية في كتاب « زاد المعاد » ٣ : ٤٦٣ : « فإن قيل : فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر حتى نهانا عنها عمر في شأن عمرو بن حريث ، وفيما ثبت عن عمر أنّه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما; متعة النساء ، ومتعة الحج ».

فهذا تلميذ ابن تيميّة وحافظ مدرسته يصرّح بأنّ عمر هو المحرّم للمتعة ، وأنّ ذلك مروي في الصحيح ( صحيح مسلم ).


____________

(٢) قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ١٠٧ : « فصل : في أوليات عمر ( رضي الله عنه ) قال : قال العسكري : هو أوّل من سُمّي أمير المؤمنين وأوّل من حرّم المتعة ».

(٣) وقال السرخسي في المبسوط ٤ : ٢٧ : « قد صحّ أنّ عمر بن الخطّاب ـ رضي الله عنه ـ نهى الناس عن المتعة ، فقال : متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهما; متعة النساء ، ومتعة الحجّ ».

وذكر صاحب كتاب كشف الجاني بأنّ هذه الرواية موجودة في كتب الشيعة ـ أيضاً ـ وهو غفلة منه وجهل فظيع ، لأنّ الرواية أولاً ضعيفة السند عندنا ، وهو واضح عند مراجعة سند الرواية بأدنى تأمّل; لأنّ فيها جهالة ، بخلاف الرواية التي نقلها المؤلّف فهي من صحيح مسلم.

وثانياً : إنّ الوارد في الرواية التي عندنا أنّه كان يذهب إلى نسائه ويتفقدهن لا أنّه يجامعهن كما صرح الشهيد الثاني بذلك ، بخلاف رواية مسلم فإنّه يصرح بأنّه كان يجامعهن.

وذكر صاحب كشف الجاني أيضاً رواية تقبيل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لوجه فاطمة سلام الله عليها وقال : كيف يضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجهه بين ثدييها؟

وهو كلام باطل وذلك :

أولاً : الرواية مرسلة كما هو واضح نقلها صاحب البحار ناسباً لها إلى الإمام الصادقعليه‌السلام من دون ذكر سند ، وهذا لا يخفى على من يدّعي دارسة علم الحديث.

ثانياً : إنّه كان ينظر إلى فاطمة سلام الله عليها وفاطمة هي ابنته ، فهل رفع عثمان الخميس الحسّ الأبوي والعاطفة الأبوية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بحيث جعله أسوأ الآباء ـ والعياذ بالله ـ ، مصوراً للقارئ بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخص لا حياء له ـ والعياذ بالله ـ بحيث حتى النظر إلى ابنته نظر

وثالثاً : إنّ النظر إلى الوجه والتقبيل يلازم عادة أن تكون الابنة مواجهة لابيها بواجهة جسمها ، فعليه تكون المسألة طبيعية ناشئة من خلق الله سبحانه وتعالى


____________

للإنسان ، لكن أنّى لهؤلاء السلفية إدراك ذلك ، وإدخاله في عقولهم!!

وهذا من آثار القصور الخاطئ لشخص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذهن عثمان الخميس وأسلافه ، إذ تصوّروا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخص جنسي لا هم له إلاّ ذلك ، بحيث يركض وراء عائشة ، ويغتسل معها ، ويلطم على عروسه ، ويؤخّر الناس عن الصلاة لأجلها وغير ذلك من الروايات الخرافيّة التي دسّها اليهود والأمويّون.

وأمّا ما ذكره بشأن الرضيعة وأنّ الشيعة تجوّز نكاحها ، فهو افتراء وقذف للتهم على الغير ، سيراً على منهج سلفه ، وهذه كتب الشيعة قاطبة تصرّح بعدم جواز نكاح الرضيعة ، وعثمان الخميس يكتب أشياء وهو لا يعرف معناها ، وينقلها بصورة مشوهة.

وإذا رجعنا إلى كتب أهل السنّة وجدنا أنّ علماءهم يجوّزون نكاح الصبيّة ، وإليك بعض كلماتهم :

(١) قال الإمام النووي : « يجوز وقف العبد والجحش والصغيرين والزمن الذي يرجى زوال زمانته ، كما يجوز نكاح الرضيعة » روضة الطالبين ٥ : ٣١٤.

(٢) قال السرخسي : « عرضية الوجود بكون العين منتفعاً بها تكفي لانعقاد العقد ، كما لو تزوّج رضيعة صحّ النكاح باعتبار أنّ عرضية الوجود فيما هو المعقود عليه وهو ملك الحلّ يقام مقام الوجود » المبسوط ١٥ : ١٠٩.

(٣) قال ابن قدامة : « فأمّا الصغيرة التي لا يوطأ مثلها ، فظاهر كلام الخرقي تحريم قبلتها ومباشرتها لشهوة قبل استبرائها ، وهو ظاهر كلام أحمد ، وفي أكثر الروايات عنه تستبرأ وإن كانت في المهد.

وروي عنه أنّه قال : إن كانت صغيرة بأيّ شي تستبرأ وإذا كانت رضيعة؟

وقال في رواية أُخري تستبرأ بحيضة إذا كانت ممّن تحيض ، وإلاّ بثلاثة أشهر إن كانت ممّن توطأ وتحبل.

وظاهر هذا أنّه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها ، وهذا اختبار ابن أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح; لأنّ سبب الإباحة متحقق »المغني ٩ / ١٦٠.


إنّها جنايات بحقّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي قضى حياته جهاداً وعبادة ، وتدريساً وتعليماً لأُمّته.

وماذا يعتقد هؤلاء الجهلة عندما يروون مثل هذه الخزايات ، وكأنّهم وحسب عقلياتهم المتنجّسة بالشّهوات البهيمية ، أنّهم كانوا يفتخرون على أترابهم بكثرة الجماع وقوّة النكاح ، وفي الحقيقة فهي روايات وضعتْ للنّيل من قدسيّة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وثانياً لتبرير مُجون الحكّام والخلفاء الذين امتلأت قصورهم بالجواري والنّساء بلا حدود لأنّها ملك يمين!!

وماذا يقول أنس بن مالك راوي هذا الحديث إذا ما عارضته أُمّ المؤمنين عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي كانت تقول بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كغيره من الرّجال في شأن الجماع.

فقد أخرج مسلم في صحيحه من كتاب الطهارة في باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين. عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن أُمّ كلثوم ، عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت : إنّ رجلا سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الرجُل يُجامِعُ أَهْلَهُ ثُم يُكْسِلُ ، هل عليهما الغُسْلُ؟ وعائِشة جالسة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي لأفعل ذلِكَ أنَا وهذهِ ثُمَّ نَغْتَسِلَ.

ثمّ يضيف شارح الحديث على هامش صحيح مسلم قوله ثم يكسِلُ معناه في المصباح : « أكسل المجامع بالألف إذا نزع ولم ينزل ، ضعفاً كان أو غيره » ، فأين هذا من أنّه أُعطِي قوّة ثلاثين؟

____________

إلى غير ذلك من الكلمات الكثيرة التي طفحت بها كتب أهل السنّة ، فالأحرى بعثمان الخميس وغيره ملاحظة كتبهم قبل التهجم على غيرهم.


وهذه الرواية هي الأُخرى من وضع الوضّاعين ، قاتلهم الله وضاعف لهم العذاب الأليم ، وإلاّ كيف يقبل عاقل مثل هذه الروايات عن صاحب الرسالة الذي ذهب عنه الحياء ، فيقول للرجال بحضرة زوجته ما يَستحيي المؤمن العادي أن يقول مثله؟!!

ولتبرير الغناء والرّقص الذي اشتهر في عهد الأمويين إليك ما يلي :

الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتفرّج على الرقص ويستمع للغناء

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النكاح ، باب ضرب الدفّ في النكاح والوليمة ، قال :

حدّثنا بشر بن المفضّل ، حدّثنا خالد بن ذكوان ، قال : قالت الربيع بنتُ مُعوّذ بن عفراءَ : جاء النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخَلَ حينَ بُنيَ علىَّ ، فجلسَ على فراشِي كمجلسك مِنّي ، فجعلتْ جُويرياتٌ لنا يضربن بالدَّف ، ويندبن من قتل من آبائي يومَ بدْر ، إذ قالتْ إحْدَاهُنَّ : وفينا نبىٌّ يعلَمُ مَا في غَد ، فقال : دَعِي هذه وقولي بالذي كُنتِ تقولين.

كما روى البخاري في صحيحه من كتاب الجهاد باب الدرق ، وكذلك مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين ، باب الرخصة في اللّعب الذي لا معصية فيه ، عن عائشة قالتْ :

دخل عليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعندي جاريتان تُغنّيان بغناء بُعاثَ ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند رسول الله ، فأقبل عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : دعهما ، فلمّا غفل غمزتهما فخرجَتَا.


وقالت : كان يوم عيد يلعبُ السودان بالدّرق والحراب ، فإمّا سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإمّا قال : تشتهين تنظُرينَ؟ فقلت : نعم ، فأقامني وراءَهُ خدِّي على خدِّهِ ويقول : دُونكم يا بني أرفدة ، حتّى إذا مَلِلْتُ قال : حسْبُك؟ قلت : نعم. قال : اذهبي.

كما أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النّكاح ، باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة :

قالت عائشة : رأيت النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستُرني بردائهِ ، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبُونَ في المسجدِ ، حتّى أكون أنا الذي أسأَمُ فاقدروا قدْرَ الجارية الحديثةِ السنّ الحريصة على اللَّهوِ.

كما روى مسلم في صحيحه كتاب صلاة العيدين ، باب الرخصة في اللّعب عن عائشة قالت : جاء حبش يزفنون في يوم عيد ( أي يرقصون ) في المسجد فدعاني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فوضعت رأسي على منكبيه فجعلتُ أنظر إلى لعبهم ، حتّى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم.

كما أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النّكاح ، باب ذهاب النّساء والصبيان إلى العرس :

عن أنس بن مالك قال : أبصرَ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساءً وصبياناً مُقبلينَ من عُرْس ، فقام ممتنّاً فقال : اللّهم أنتُم من أحبّ النّاس إلىّ.

يقول شارح البخاري : ممتنّاً معناه قام مسْرعاً مشتدّاً في ذلك فرحاً بهم(١) .

____________

(١) فتح الباري ٩ : ٢٠٣.


ولتبرير معاقرة الخمر المسكرات إليك ما يلي :

النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشرب النّبيذ

روى البخاري في صحيحه كتاب النّكاح ، في باب قيام المرأة على الرّجال في العرس وخدمتهم بالنّفس ، وكذلك في باب النّقيع والشراب الذي لا يسكِرُ في العرس :

عن أبي حازم عن سهل ، قال : لمّا عرّسَ أبو أسيد الساعدي دعا النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابَهُ ، فما صنع لهم طعاماً ولا قرّبه إليهم إلاّ امرأتُهُ أمُّ أسيد ، بَلَّتْ تمرات في تور من حجارة من اللَّيل ، فلمَّا فرغ النّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الطَّعام أمَاثَتْهُ له فسقَتْهُ إيَّاهُ تُتْحِفُهُ بذلك.

وممّا يدلّك على أنّهم يقصدون بهذه الرواية أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شرب النبيذ ، إذ لعلّ المراد هو غير النبيذ المعروف ، وإنّما هي عادة كانت لدى العرب وهي وضع تمرات في الماء لتذهب رائحة الماء ، فهو ليس النبيذ الحقيقي ، وبعضهم يرى صحة استعماله; فقد أخرج مسلم هذه الرواية في صحيحه من كتاب الأشربة باب إباحة النّبيذ الذي لم يشدّد ولم يصر مُسكراً ، ومن هنا بدأ شرب النّبيذ ، وذهب الحكّام إلى إباحة الخمر بدعوة أنّها حلال ما لم تسكر.

ولتبرير الإباحية التي كان عليها الأمويون والعباسيون إليك ما يلي :

النبي والابتذال!

روى البخاري في صحيحه في كتاب الحجّ ، باب الزيارة يوم النّحر ، عن عائشة قالت : حججنَا مع النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأفضنا يوم النَّحرِ فحاضت صفِيَّةُ ،


فأرَادَ النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها ما يُريدُ الرّجل من أهْلِهِ ، فقُلتُ : يا رسول الله إنَّهَا حَائِضٌ.

عجباً لهذا النبي الذي يحبُّ مجامعة زوجة على مشهد وعلم من زوجته الأُخرى ، فتعلمه بأنّها حائض ، بينما لا تعلم المعنية بالأمر من ذلك شيئاً؟!

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستحي!

كما روى مسلم في صحيحه ، كتاب الفضائل،باب فضائل عثمان بن عفان قال :

عن عائشة زوج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعثمان ، حدّثاه أن أبا بكر استأذن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مضطجع على فراشه لابسٌ مِرْطَ عائشة ، فأذن لأبي بكر وهو على تلك الحال ، فقضى إليه حاجته ثمّ انصرف.

قال عثمان : ثمّ استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال ، فقضى إليه حاجته ثمّ انصرف ، قال عثمان : ثم استأذنتُ عليه ، فجلس وقال لعائشة : أجمعي عليك ثيابك ، فقضيتُ إليه حاجتي ثمّ انصرفتُ ، فقالت عائشة : يا رسول الله ما لي لم أرك فزعتَ لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعتَ لعثمان؟ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ عثمان رجلٌ حَييٌّ ، وإنّي خشيتُ إن أذنتُ له على تلك الحال أن لا يبلغَ إلىَّ في حاجته.

أيّ نبّي هذا الذي يستقبل أصحابه وهو مضطجع في مرط زوجته على فراشه ، وبجانبه زوجته في لباس مبتذل ، حتى إذا جاء عثمان جلس وأمر زوجته بان تجمع عليها ثيابها؟!!


النّبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكشف عورته!

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة ، باب كراهية التعرّي في الصّلاة ، وكذلك أخرج مسلم في كتاب الحيض ، باب الاعتناء بحفظ العورة :

عن جابر بن عبد الله : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ينقُل معهم الحجارة للكعبة ، وعليه إزارهُ ، فقال له العبّاس عمّه : يا بن أخي ، لو حللتَ إزارَكَ فجعلتَهُ على منكبيك دونَ الحجارةِ ، قالَ : فَحَلَّهُ فجعله على منكبيهِ ، فسقطَ مغْشِيّاً عليه ، فَمَا رُئيَ بعد ذلكَ عرياناًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أُنظر أيها القارئ إلى الاتّهامات المزوّرة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي جعل الحياء من دعائم الإيمان ، والذي كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها!! ولم يكتفوا برواية الابتذال وكشف فخذيه أمام أصحابه ، حتّى اتّهموه بكشف عورته بهذه الرّواية الموضوعة ، فهل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم أبله إلى هذه الدرجة ، فيسمع إلى كلام عمّه ويكشف عن سوأته أمام الناس؟!

استغفر الله العظيم من أقوال الشياطين الأبالسة الذين يتقوّلون على الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لم يرَ أزواجه وأقرب الناس إليه عورتَه ، والذي يبيحُ الشرع له أن يكشف عورته لهن ، ومع ذلك فإنّ أُمّ المؤمنين عائشة تقول : « ما نظرتُ وما رَأيتُ فرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قطٌّ »(١) .

فإذا كان هذا فعله مع زوجاته اللاتي كنّ يغتسلن معه في إناء واحد ،

____________

(١) سنن ابن ماجه ١ : ٢١٧ ح ٦٦٢ ، مسند أحمد ٦ : ١٩ ، المصنف لابن أبي شيبة ١ : ١٢٩.


فيستر عورته عنهن ، وما رأينه عرياناً أبداً ، فكيف مع أصحابه والنّاس عامّة؟!

نعم ، كلّ ذلك من وضع خنافس الأمويين الذين كانوا لا يتورّعون عن أيّ شيء ، وإذا كان الخليفة منهم ـ وهو أمير المؤمنين ـ يطربُ لقول شاعر من الشعراء الذي ينشده قصيدة في الغزل ، فيقوم إليه ويكشف عورته ويقبّل قضيبه!! فلا غرابة بعدها أن يكشفوا عورة النبىّ ، وقد تفشّى منهم هذا المرض النفسي ، وأصبح اليوم أمراً عاديّاً عند بعض المستهترين الذين لا يقيمون وزناً للأخلاق والحياء ، فأصبح هناك نوادي ومجاميع لِلْعُرَاة في كلّ مكان ، يجمع النساء والرجال تحت شعار : ( ربَّنا هَا نحنُ كما خلقتنَا ).

ولتبرير تلاعبهم بالدِّين وبالأحكام الشرعية إليك ما يلي :

النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسهو في صلاته

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأدب ، باب ما يجوز من ذكر النّاس ، وأخرج مسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصّلاة ، في باب السهو في الصلاة والسجود له :

عن أبي هريرة ، قال : صلّى بنا النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظّهْر ركعتين ، ثمّ سلّم ، ثمّ قامَ إلى خشبة في مقدّم المسجد ووضع يده عليها ، وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلّماه ، وخرج سرعانُ النَّاس فقالوا : قَصُرتِ الصّلاةُ ، وفي القوْمِ رَجُلٌ كان النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعوه ذا اليدين ، فقال : يا نبىَّ الله أنَسيتَ أم قَصُرَتْ؟ فقال : لم أنْسَ ولم تقصرْ ، قالُوا : بل نسيت يا رسول الله ، قال : صدق ذو اليدينِ ، فقام فصلَّى ركعتين ثمّ سلّم ، ثمّ كبّر فسجدَ مثلَ سجوده أو أطولَ ،


ثمّ رفع رأسَهُ وكبَّر ، ثمّ وضع مثل سجوده أو أطولَ ، ثمّ رفَع رأسه وكبَّر.

حاشا رسول الله أن يسهو في صلاته ولا يدري كم صلّى ، وعندما يقال له بأنّه قصّر من الصلاة يقول : « لم أنْسَ ولم تقصر »!! إنّه الكذب لتبرير فعل خلفائهم الذين كانوا كثيراً ما يأتون إلى الصّلاة وهم سكارى فلا يدرون كم يصلّون ، وقصّة أميرهم الذي صلّى بهم صلاة الصبح أربع ركعات ، ثمّ التفت إليهم وقال : أزيدكم أو يكفيكم؟ مشهورة في كتب التاريخ(١) .

كما أخرج البخاري في صحيحه كتاب الأذان ، في باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام ، قال عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال : نمتُ عند ميمونة والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندها تلك الليلة ، فتوضّأ ثمّ قامَ يُصلِّي ، فقُمتُ عن يسارهِ ، فأخذني فجعلني عن يمينه ، فصلّى ثلاث عشرة ركعة ، ثمّ نام حتّى نَفَخ ، وكان إذا نامَ نَفَخَ ، ثُمَّ أتاه المؤذّنُ فخرجَ فصلَّى ولم يتوضّأ.

قال عمرو : فحدّثت به بُكَيْراً ، فقال : حدَّثَني كُرِيبٌ بذلك.

وبمثل هذه الرّوايات المكذوبة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستخِفُّ الأُمراء والسّلاطين من بني أُمية وبني العبّاس وغيرهم بالصَّلاة وبالوضوء وبكلّ شيء ، حتى أصبح المثل شائعاً عندنا « صلاة القيَّادْ في الجمعة والأعيادْ ».

النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحلف ويحنث

روى البخاري في صحيحه في كتاب المغازي قصّة عمان والبحرين ،

____________

(١) السنن الكبرى للنسائي ٣ : ٢٤٨ ح ٥٢٦٩ ، أُسد الغابة ٥ : ٩١ ، تهذيب الكمال للمزي ٣١ : ٥٧ ، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣ : ٤١٤ ، ٦ : ٤١٤ ، وهو حديث صحيح.


باب قدوم الأشعريّين وأهل اليمن :

عن أبي قلابة عن زَهْدَم قال : لمّا قدم أبو موسى أكرم هذا الحىَّ من جَرْم ، وإنّا لجلوسٌ عنده وهو يتغدّى دجاجاً وفي القوم رجلٌ جالسٌ ، فدعَاهُ إلى الغَدَاءِ فقال : إنّي رأيتُهُ يأكل شيئاً فقذرتُهُ ، فقال : هَلُمَّ فإنّي رأيتُ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكُلُهُ ، فقال : إنّي حَلفْتُ لا آكُلُهُ.

فقال : هلمّ أخبرك عن يمينِكَ ، إنَّا أتينَا النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفَرٌ من الأشعريين ، فاستحملناهُ فأبَى أنْ يَحْمِلَنَا ، فاستحملناهُ فحلَفَ أنْ لا يحملنا ، ثمّ لم يلبثْ النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ أُتِيَ بنهب إبل فأمَر لنا بخمسِ ذود ، فلمّا قبضناها قلنَا : تغفَّلْنَا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمينَهُ لا نُفْلِح بعدها أبداً ، فأتيتُه فقلت : يا رسول الله إنّك حلفت أن لا تحمِلْنَا وقدْ حَملتَنا ، قالَ : أجَلْ ، ولكنْ لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلاّ أتيتُ الذي هو خيرٌ منها.

أُنظر إلى هذا النبىّ الذي بعثه الله سبحانه ليعلّمَ النّاس الحفاظ على الأيمان ولا ينقضوها إلاّ بكفّارة ، ولكنّه هو يأمر بالشيء ولا يأتيه ، قال تعالى :( لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ أوْ كِسْوَتُهُمْ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّام ذَلِكَ كَفَّارَةُ أيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (١) ، وقال أيضاً :( وَلا تَنقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) (٢) ، ولكنّ هؤلاء لم يتركوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضلا ولا فضيلة.

____________

(١) المائدة : ٨٩.

(٢) النحل : ٩١.


أعتقت عائشة أربعين رقبة لتكفّر عن يمينها

وأين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من زوجته عائشة التي كفّرتْ عن يمين نقضته بتحرير أربعين رقبة ، فهل هي أبرّ وأتقى لله من رسول الله؟

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأدب باب الهِجْرَةِ ، وقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث :

إنّ عائشة حدّثت أنّ عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة : والله لتنتهينَّ عائشةُ أو لأحجرنَّ عليها ، فقالتْ : أهو قال هذا؟ قالوا : نعم! قالت : هو لله علىّ نذرٌ أن لا أُكلّم ابن الزبير أبداً ، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالتْ الهجرة ، فقالت : لا والله لا أشفع فيه أبداً ولا أتحنَّثُ إلى نذري ، فلمّا طال ذلك على ابن الزبير كلَّمَ المِسْوَرَ بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يُغوثَ ، وهُمَا من بني زهرة ، وقال لهما : أنشُدُكُما بالله لمّا أدخلتماني على عائشة ، فإنّها لا يحلّ لها أن تنذِرَ قطيعتي ، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتّى استأذنا على عائشة ، فقالا : السّلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخُلُ؟ قالت عائشة : ادخلوا. قالوا : كلّنا؟ قالت : نعم ادخلوا كلّكم ولا تعلم أنّ معهما ابن الزبير ، فلمّا دخلوا ، دخل ابن الزبير الحجابَ ، فاعتنق عائشة وطفق يناشدُها ويبكي ، وطفق المسور وعبد الرحمن يُناشدانها إلاّ ما كلّمته وقبلتْ منه ، ويقولان : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عمّا قد علمت من الهجرة ، فإنّه لا يحلُّ لمسلم أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاث ليال ، فلمّا أكثـروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقتْ تذكّرهما وتبكي وتقـولُ : إنّي نذرتُ والنّذر شديد ، فلم يزالا بها حتّى كلّـمت ابن الزبير ،


وأعتقت في نذرها ذلك أربعـين رقبةً ، وكانت تذكـر نذرها بعد ذلك فتبكي حتّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا.

ورغم أنّ قسم عائشة لا يجوز; لأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرّم أن يهجر المسلم أخاه أكثر من ثلاثة أيام ، ولكنّها أبتْ إلاّ أن تكفّـر عن يمينها بتحرير أربعين رقبة ، وهذا أيضاً يدلّـنا دلالة أُخرى من أنّها كانتْ دولة بمفردها ، وإلاّ كيف تملك عائشـة أربعين رقبة أو ثمنها فليس ذلك بالشيء اليسير ، ولم يسـجّل التاريخ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعتق هذا العدد الهائل طيلة حياته!!

إنّهم لم يتركوا سيئة أو نقيصة إلاّ وألصقوها به ، كلّ ذلك ليبرّروا أفعال أُمرائهم ، قاتلهمُ الله أنّى يؤفكون.

ولتبرير استهتارهم بالأحكام الشرعية إليك ما يلي :

النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتنازل في أحكام الله حسبما يريد

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصّوم باب اغتسال الصائم ، وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب الصّيام باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ، ووجوب الكفّارة الكبرى فيه ، وأنّها تجب على الموسر والمعسر :

عن أبي هريرة قال : بينما نحن جلوس عند النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ جاءَهُ رجُلٌ فقال : يا رسول الله هلكت! قال : « مالك »؟ قال : وقعتُ على امرأتي وأنَا صائِمٌ. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « هلْ تجدْ رقبةً تُعْتِقُها »؟ قال : لا. قال : « فهل تستطيع أن تصومَ شهرين متتابعين »؟ قال : لا. فقال : « فهل تجد إطعَامَ ستّينَ مسكيناً »؟ قال : لا.


قال : فمكث عند النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبينمَا نَحْنُ على ذلك أُتِيَ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعرَق فيه تمرٌ ، والعَرَق المِكْتَلُ قال : « أينَ السَّائِلُ »؟ فقال : أنا ، قال : « خُذْهُ فتَصَدَّقْ به » ، فقال الرّجل : أَعْلَى أَفْقَرَ منِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها ( يريد الحرَّتينِ ) أهلُ بيت أفْقَرَ من أهْل بيتي ، فضحِكَ النّبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى بدت أنْيابُهُ ، ثم قَالَ : « أَطعمهُ أهْلَكَ ».

أنظر كيف تصبح أحكام الله وحدود الله التي رسمها لعباده ، من تحرير رقبة على الموسرين ، والذين لا يقدرون على تحرير رقبة فما عليهم إلاّ إطعام ستّين مسكيناً ، وإذا تعذّر وكان فقيراً فما عليه إلاّ بالصوم ، وهو كفّارة الفقراء الذين لا يجدون أموالا كافية لتحرير أو لإطعام المساكين ، ولكن هذه الرواية تتعدّى حدود الله التي رسمها لعباده ، ويكفي أن يقول هذا الجاني كلمة يضحك لها الرّسول حتّى تبدو أنيابه ، فيتساهل في حكم الله ، ويبيح له أن يأخذ الصدقة لأهل بيته!!

وهل هناك أكبر من هذه الفرية على الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيصبح الجاني مُجازاً على ذنبه الذي تعمّده بدلا من العقوبة؟! ، وهل هناك تشجيعاً أكبر من هذا لأهل المعاصي والفسقة ، الذين سيتشبّثون بمثل هذه الروايات المكذوبة ويرقصون لها؟!

وبمثل هذه الرّوايات أصبح دين الله وأحكامه لعباً وهزؤاً ، وأصبح الزاني يَفْتخر بارتكابه الفاحشة ، ويُتغنَّى باسم الزّاني في الأعراس والمحافل ، كما أصبح المفطر في شهر الصيام يتحدّى الصائمين؟!

كما أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأيمان والنذور ، باب إذا حنث ناسياً :


عن عطاء عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : قال رجلٌ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : زرتُ قبلَ أنْ أَرمي ( أي طفتّ بالبيت طواف الزيارة )؟ قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا حرج » ، قال آخر : حَلَقْتُ قبل أن أذْبحَ؟ قال : « لا حرج » ، قال آخر : ذبحتُ قبل أن أرْمي؟ قال : « لا حرج ».

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : أنّ النبىَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينما هو يخطبُ يوم النّحر إذ قام إليه رجُلٌ فقال : كنتُ أحسبُ يا رسول الله كذَا وكذَا قبلَ كذَا وكذَا ، ثمّ قام آخر : فقال : يا رسول الله كنتُ أَحسبُ كذَا وكذَا لهؤلاء الثلاث ( الحلق والنحر والرمي )؟ فقال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « افعلْ ولا حرج لَهُنَّ كُلَّهنَّ يومَئذ » ، فَما سُئِلَ يومئذ عن شيء إلاّ قالَ افعل افعل ولا حرج.

والغريب أنّك عندما تقرأ هذه الروايات مستنكراً لها يجابهك بعض المعاندين بأنّ دين الله يسر وليس عسراً ، وأنّ الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « يسّروا ولا تعسّروا »(١) .

وإنّها كلمة حقّ يراد بها باطلا ، لأنّه ليس هناك شكاً في أنّ الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر ، وما جعل علينا في الدِّين من حرج ، ولكن فيما سطره ورسمه لنا من أحكام وحدود عن طريق القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة ، وأعطانا الرخّص اللاّزمة عند اقتضاء الحال ، كالتيمّم عند فقدان الماء ، أو الخوف من الماء البارد ، وكالصّلاة جالساً عند الاقتضاء ، وكالافطار وتقصير الصّلاة في السّفر.

____________

(١) صحيح البخاري ١ : ٢٥ كتاب العلم ، باب من جعل لأهل العلم أياماً معلومة ، صحيح مسلم ٥ : ١٤١ كتاب الجهاد والسير ، باب في الأمر بالتسيير وترك التغير.


كلّ هذا صحيح ، ولكن أن نخالف أوامره سبحانه بأنّ نجعل مثلا ترتيب الوضوء أو التيمّم كما نريد ، فنغسل اليدين قبل الوجه مثلا ، أو نمسح الرجلين قبل الرأس ، فهذا لا يجوز.

ولكن الوضّاعين أرادوا أن يتنازل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كلّ شيء ليجدوا منفذاً ، وكما يقول كثير من النّاس اليوم عندما تجادلهم في الأُمور الفقهية : لا عليك يا أخي ، المهم صلّ فقط ، صلّ كما يحلو لك!

والغريب أنّ البخاري نفسه يخرج في نفس الصفحة التي بها قول الرسول « افعل افعل ولا حرج » ، واقعةً يظْهِرُ فيها النبي متشدّداً إلى أبعد الحدود ، قال عن أبي هريرة : إنّ رجلا دخل المسجد يصلّي ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ناحية المسجد ، فجاء فسلّم عليه فقال له : « ارجع فصلِّ فإنّك لم تُصلِّ » ، فرجع فصلّى ثمّ سلّم فقال : « وعليك ، ارجع فصلّ فإنك لم تُصَلِّ ».

وكرّر الرجل الصّلاة ثلاث مرّات ، وفي كلّ مرّة يقول له الرّسول « ارجع فصل فإنك لم تُصلّ » ، فقال الرجل للرسول : علّمني يا رسول الله ، فعلّمه الاطمئنان في الركوع ، والاطمئنان في السجود ، قال : ثمّ اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثمّ ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً ، ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجداً ، ثمّ ارفع حتّى تستوي وتطمئنّ جالساً ، ثمّ اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثمّ ارفع حتى تستوي قائماً ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها(١) .

كما أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد ، باب قول الله عز

____________

(١) صحيح البخاري ٧ : ١٣٢ كتاب الإيمان والنذور ، باب حنث ناسياً.


وجلّ( فَاقْرَأوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ) .

عن عمر بن الخطّاب يقول : سمعتُ هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاستمعتُ لقرائته فإذا هو يقرأُ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكدتُ أساورُهُ في الصلاة فتصبّرتُ حتّى سلّم ، فلبّبْتُه بردَائِهِ فقلتُ : من أقرأك هذه السُّورةَ التي سمعتُك تقرأ؟ قال : اقرأنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلتُ : كذبت أقرأنيها علىّ غير ما قرأت ، فانطلقْتُ به أقوده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقُلتُ : إنّي سمعتُ هذا يقرأُ سورة الفرقانِ على حروف لَمْ تُقرئْنيها ، فقال : « أَرْسِلْهُ ، إقرأ يا هشام » ، فقرأ القراءة التي سمعتُهُ ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « كذلك أُنزلتْ » ، ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اقرأ يا عُمَرُ » ، فقرأتُ التي أقراني فقال : « كذلك أُنزلتْ ، إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسّرَ منه ».

فهل يبق بعد هذه الرواية شكّ في أنّ الوضّاعين تطاولوا على قداسة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى من خلال القرآن الكريم ، وأنّه علّم الصحابة بقراءات مختلفة ، ويقول لكلّ منهم : « كذلك أُنزل » ، ولو لم تكن القراءة فيها اختلاف كبير ما كان عمر يكاد يقطع على هشام الصّلاة ويتهدّده.

وهذا يذكّرني بعلماء أهل السنّة الذين يتشبّثون بقراءة معيّنة ، فلا يجيزون لأحد أن يقرأ على غير ما يعرفون ، وكنتُ يوماً أقرأ :( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) (١) فانتهرني أحدُهم بشدّة وصرخ قائلا : لا تكسّر القرآن إن كنت تجهل القراءة.

____________

(١) البقرة : ٤٠.


قلت : كيف كسرت القرآن؟

قال : اذكُروا نِعْمَتِيَ ، وليسَ نعْمَتِي.

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الاستقراض وأداء الدّين ، في باب الخصومات من جزئه الثالث صفحة ٨٨ :

عن عبد الملك بن ميسرة أخبرني قال : سمعتُ النزّال ، سمعتُ عبد الله يقول : سمعت رجلا قرأ آيةً سمعتُ من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلافها ، فأخذتُ بيده فأتيتُ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : « كِلاكُما محسنٌ ».

قال شعبة أظنّه قال : لا تختلفوا ، فإنّ من كان قبلكم اختلفوا فهلكُوا.

سبحان الله وبحمده! كيف يُقرُّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اختلافهم بقوله : « كلاكُما محسنُ »؟ ولا يرجع بهم إلى قراءة موحّدة تقطع دابر الاختلاف.

ثمّ بعد ذلك يقول لهم : لا تختلفوا فتهلكوا ، أليس هذا هو التناقض؟ يا عباد الله افتونا يرحمكم الله ، وهل اختلفوا إلاّ بإقراره هو ومباركته وتشجيعه!! كلاّ وحاش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذا التناقض ، والاختلاف الذي تنفُر منه العقول.

أفلا يتدبّرون القرآن الذي يقول :( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (١) ؟! وهل وقع اختلاف أكبر وأخطر على الأمّة الإسلامية من القراءات المتعدّدة التي غيّرت معاني القرآن إلى تفاسير وآراء مختلفة ، فأصبحتْ آية الوضوء الواضحة مختلفاً فيها؟!!

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتصرّف كالصّبيان! ويعاقب من لا يستحقّ العقوبة!

____________

(١) النساء : ٨٢.


أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المغازي ، باب مرض النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووفاته.

ومسلم في صحيحه في كتاب السّلام ، باب كراهة التداوي باللّدود :

عن عائشة قالت : لددْنَا(١) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضِهِ ، فجعلَ يشيرُ إلينَا أن لا تلدّوني ، فقلنا : كراهية المريض للدّواء ، فلمّا أفاقَ قال : ألم أنهَكُمْ أنْ تُلُدُّوني؟ قلنا : كراهية المريض للدّواء ، فقال : لا يبْقَى أَحَدٌ في البيت إلاّ لُدَّ وأنَا أنظُرُ ، إلاّ العبّاس فإنَّهُ لم يشْهَدْكُمْ.

عجيب أمر هذا النبىّ المفترى عليه ، الذي جعله المفترون كالصبّي الذي يغرغروه الدّواء المرّ الذي لا يقبله ، فيشير إليهم أن لا يلدوه ، ولكنّهم يغصبونه على ذلك رغم أنفه!

ولمّا يفيق يقول لهم : « ألم أنهكم أن تلدّوني »؟ فيعتذرون له بأنهم ظنُّوا بأن النهي هو كراهية المريض للدّواء ، فيحكم عليهم جميعاً بأن يُلَدُّوا ، وهو ينظر ليشفي غليله منهم ، ولا يستثني منهم إلاّ عمّه العبّاس; لأنّه لم يكن حاضراً عملية اللّدود.

ولم تُكمل السيّدة عائشة نهاية القصة ، وهل نفّذ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حُكْمَهُ فيهم أمْ لا ، وعلى طريق مَن وكيف تمّت عملية اللّدود بين النّساء والرّجال الحاضرين.

____________

(١) يقول ابن منظور في لسان العرب ٣ : ٣٩٠ عن هذه العمليّة : « اللدُّ : هو أن يؤخذ بلسان الصّبي فيمدُّ إلى أحد شقّيه ويوجر في الآخر الدّواء في الصدف بين اللّسان والشدق » ( المؤلّف ).


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسقط بعض آيات من القرآن!

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب فضائل القرآن ، باب نسيانُ القرآن ، وكذلك في باب من لا يرى بأساً أن يقول سورة كذا وكذا.

وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، في باب الأمر بتعهّد القرآن وكراهة قول : نسيتُ آية كذا :

حدّثنا أبو أُسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رَجُلا يقرأُ في سُورة باللَّيل ، فقال : « يَرْحَمُهُ اللّهُ لقد أذكرني آية كذا وكذا كنتُ أُنسيتها من سورة كذا وكذا ».

كما أخرج البخاري رواية أُخرى عن علي بن مُسْهر ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمع النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قارئاً يقرأُ في اللّيل في المسجد ، فقال : « يَرْحَمُهُ الله لقد أذكرني كذا وكذا أيةً أسْقطتُهَا من سورة كذا وكذا ».

ها هو النّبي الذي أرسله الله سبحانه بالقرآن ، وهو معجزته الخالدة ، والذي كان يحفظه من يوم نزوله عليه جملة قبل نزوله أنجماً ، وقد قال له تعالى :( لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) (١) ، وقال أيضاً :( وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبِيٍّ مُبِين * وَإنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ ) (٢) .

ولكنّ الكذّابين والدجَالين والوضّاعين يأبونَ إلاّ أن يلصِقُوا به كلّ

____________

(١) القيامة : ١٦.

(٢) الشعراء : ١٩٢ ـ ١٩٦.


الأباطيل ، وكلّ السفاسف والمخاريق التي لا يقبلها عقل ولا ذوقٌ سليم ، ومن حقّ المسلمين الباحثين أن ينزّهوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أمثال هذه الروايات المزيفة التي ملأت كتب الأحاديث ، وخصوصاً منها المعدودة من الصّحاح.

فنحن لم نخرج إلاّ من كتاب البخاري ومسلم ، اللذين هما عند أهل السنّة أصحّ الكتب بعد كتاب الله ، وإذا كان هذا شأن الصّحاح بخصوص الطّعن بقداسة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعصمته ، فلا تسأل عن باقي الكتب الأُخرى.

كلّ ذلك من وضع أعداء الله وأعداء رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين تزلّفوا إلى حكّام بني أُميّة في عهد معاوية وما بعده ، حتّى ملأوا المطامير بالأحاديث المكذوبة ، والتي يريدون من خلالها الطّعن على صاحب الرّسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لأنّهم لم يؤمنوا بكلّ ما جاء به من عند الله.

هذا من جهة ومن جهة أُخرى ليبرّروا أفعال أسيادهم البشعة والشنيعة التي سجّلها تاريخ المسلمين ، وقد كشفهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بداية البعثة ، وحذّر منهم وطردهم من المدينة ولعنهم.

فقد أخرج الطبري في تاريخه ، قال : رأى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا سفيان مقبلا على حمار ومعاوية يقود به ، ويزيد ابنه يسوق به ، فقال : لعن الله القائد والراكب والسائق(١) .

وأخرج الإمام أحمد في مسنده من طريق أبي برزة الأسلمي ، قال : كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفر ، فسمع رجلين يتغنّيان وأحدهما يجيب الآخر

____________

(١) تاريخ الطبري ٨ : ١٨٥.


وهو يقول :

لا يزال حواري تلوح عظامه

زوى الحرب عنه أن يجنّ فيقبرا

فقال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أُنظروا من هما؟ فقالوا : فلان وفلان ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللّهم اركسهما ركساً ، ودّعهما إلى النار دعّاً »(١) .

وعن أبي ذر الغفاري قال لمعاوية : سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول وقد مررت به : « اللهمّ ألعنه ولا تشبعه إلاّ بالتراب »(٢) .

وقد قال الإمام عليعليه‌السلام في كتاب بعث به لأهل العراق :

« والله لو لقيتهم فرداً وهم ملء الأرض ما باليت ولا استوحشت ، وإنّي من ضلالتهم التي هم فيها ، والهدى الذي نحن عليه ، لعلى ثقة وبيّنة ويقين وبصيرة ، وإنّي إلى لقاء ربّي لمشتاق ، ولحسن ثوابه لمنتظر ، ولكن أسفاً يعتريني ، وحزناً يخامرني أنْ يلي أمر هذه الأُمة سفهاؤها وفجّارها ، فيتّخذوا مال الله دولا ، وعباد الله خولا ، والصالحين حرباً ، والقاسطين حزباً »(٣) .

وبما أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد لعنهم ـ كما مرّ عليك ـ ولم يجدوا لتلك الأحاديث دسّاً; لأنّ جلّ الصحابة كانوا يعرفونها ، فوضعوا في مقابلها أحاديث أُخرى تقلب الحقّ باطلا ، وتجعل من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصاً

____________

(١) مسند الإمام أحمد ٤ : ٤٢١ ولم يسمّ الرجلين والسند حسن ، وعن ابن عباس في المعجم الكبير ١١ : ٣٢ وقد ذكر اسم الرجلين فيكون متابعاً لرواية مسند أحمد.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨ : ٢٥٨.

(٣) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١ : ١٧٩.


عاديّاً تعتريه الحميّة الجاهليّة ، ويأخذه الغضب إلى أبعد الحدود ، فيسبّ ويلعن من لا يستحقّ ذلك ، ودفاعاً على أسيادهم الملاعين فقد وضعوا هذا الحديث.

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات ، باب قول النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من آذيتُه فاجعله له زكاة ورحمة.

وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب ، باب من لعنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة :

عن عائشة قالتْ : دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلان ، فكلّماه بشيء لا أدري ما هو ، فأغضباه فلعنُهما وسبّهُما ، فلمّا خرجَا قلتُ : يا رسول الله ما أصاب أحد من الخير شيئاً ما أصابه هذان ، قال : « وما ذاك »؟ قالت : قلت : لعنتهما وسببتهما ، قال : « أو ما علمت ما شارطْتُ عليه ربّي ، قلتُ : اللهمَّ إنّما أنا بشَرٌ فأىُّ المسلمين لعنتُه أو سببتهُ فاجعله له زكاة وأجراً ».

وعن أبي هريرة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « اللهمّ إنّي أتّخذُ عندك عهداً لن تُخلفنيه فإنّما أنا بشر ، فأىُّ المؤمنين آذيتُه; شتمتُه ، لعنتُه ، جلدتهُ فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبهُ بها إليك يوم القيامة »(١) .

وبمثل هذه الأحاديث الموضوعة يصبحُ النّبي يغضَبُ لغير الله ، ويسبّ ويشتمُ ، بل ويلعن ويجلد مَن لا يستحقّ ذلك!! أي نبىّ هذا الذي يعتريه الشيطان فيخرج عن دائرة المعقول ، وهل يسمحُ أيّ رجل دين عادي أن

____________

(١) صحيح مسلم ٨ : ٢٥ كتاب البرّ والصلة والآداب ، باب من لعنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .


يفعل ذلك؟ أم هل لا يُستقبحُ منه ذلك؟!

وبمثل هذه الأحاديث يصبح حكّام بني أُميّة الذين لعنهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعا عليهم ، وجلد البعض منهم لارتكابهم الفاحشة ، وافتضحوا أمام النّاس عامّة; يصبحون مظلومين بل يُصبحون مُزكّين ومرحومين ومقرّبين إلى الله.

وهذه الأحاديث الموضوعة تكشف عن نفسها بنفسها وتفضح الوضّاعين ، فلم يكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سّباباً ولا لعّاناً ، ولا فاحشاً ولا متفحّشاً ، حاشاه حاشاه ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً أليماً.

وتكفينا رواية واحدة أخرجها البخاري ومسلم عن عائشة نفسها لدحض هذه المزاعم الكاذبة.

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأدب ، باب لم يكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاحشاً ولا متفحشاً :

عن عائشة قالت : إن يهوداً أتوا النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا : السَّام عليكُم ، فقالت عائشة : فقلتُ : عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم ، قال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « مهلا يا عائشة ، عليك بالرّفق ، وإيّاك والعنف والفحش » ، قلتُ : أو لم تسمع ما قالوا؟ قال : « أو لم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم فيُستجابُ لي فيهم ، ولا يستجابُ لهم فىَّ ».

كما أخرج مسلم في صحيحه كتاب البرّ والصلة والآداب بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى أن يكون المسلم لعّاناً ، ونهاهم حتى عن لعن الحيوان والدّواب ، وقيل له : يا رسول الله ادعُ على المشركين ، فقال : « إنّي لم أُبعث لعّاناً ، وإنّما بعثتُ رحمة ».


وهذا هو الذي يتماشى مع الخلق العظيم ، والقلب الرحيم الذي اختصّ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يكن يلعنُ ويسبّ ويجلد من لا يستحقّ ، إنّما إذا غضب فإنّه يغضب لله ، وإذا لعن فإنّه يلعن من يستحقّ اللّعن ، وإذا جلد فإنّما يجلد لإقامة حدود الله ، لا أن يجلد الأبرياء الذين لم تقم عليهم البيّنة أو الشهود أو الاعتراف.

ولكن هؤلاء غاضهم وأحرق قلوبهم أن تتفشّى الرّوايات التي فيها لعن معاوية وبني أُميّة ، فاختلقوا هذه الرّوايات للتّمويه على النّاس ، وليرفعوا مكانة معاوية الوضيعة ، ولذلك تجد مسلم في صحيحه بعد إخراج هذه الرّوايات التي تجعل من لعن الرسول لمعاوية زكاة ورحمة وقربة من الله ، يخرج حديث عن ابن عباس قال : كنتُ ألعبُ مع الصبيان ، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتواريتُ خلف باب ، قال : فجاء فحطأني حَطْأَةً وقال : « اذهبْ وادع لي معاوية » ، قال : فجئتُ فقلتُ : هو يأكلُ ، قال : ثمّ قال لي : « اذهب فادعُ لي معاوية » ، قال : فجئتُ فقلت : هو يأكُلُ ، فقالَ : « لا أشبع الله بطنَهُ »(١) .

ونجد في كتب التاريخ بأنّ الإمام النّسائي بعدما كتب كتاب الخصائص التي اختصّ بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، دخل الشام فاعترضه أهل الشام ، وقالوا له : لماذا لم تذكر فضائل معاوية؟ فقال لهم : لا أعرف له فضيلة إلاّ « لا أشبع الله بطنَهُ » ، فضربُوه على مذاكيره حتى استشهد(٢) . والمؤرّخون يذكرون بأنّ دعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفذتْ ، فكان معاوية يأكل ويأكل

____________

(١) صحيح مسلم ٨ : ٢٧ كتاب البرّ والصلة والآداب ، باب من لعنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٢) البداية والنهاية ١١ : ١٤ حوادث سنة ٣٠٣ ، باختلاف.


حتى يتعب من الأكل ولا يشبع.

وفي الحقيقة لم أكن أعرف هذه الرّوايات التي تجعل اللّعنة رحمة وقربة من الله إلى أن عرّفني عليها أحد المشايخ في تونس ، وهو موصوف بالعلم والمعرفة ، وكنّا في مجمع نتجاذب أطرَاف الحديث حتّى جاء ذكر معاوية بن أبي سفيان ، وكان الشيخ يتحدّث عنه بكلّ إعجاب ، ويقول : هو داهية ومشهور بالذكاء وحسن التدبير.

وأخذ يتكلّم عنه وعن سياسته وانتصاره على سيّدنا علي كرّم الله وجهه في الحرب ، وصبرت عليه بمضض ، ولكنّه ذهب شوطاً بعيداً في إطراء معاوية والثناء عليه ، حتّى عيل صبري وقلتُ له : بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان يحبّهُ ، وقد دعا عليه ولعنَهُ.

فاستغرب الحاضرون ، ومنهم من غضب من قولي ، ولكنّ الشيخ بكلّ هدوء ردّ علىَّ يصدّقني ، ممّا زاد دهشة الحاضرين وقالوا له : نحن لم نفهم شيئاً! من ناحية أنت تمدحه وتترضّى عنه ، ومن ناحية أُخرى توافق على أنّ النبىّ لعنَه؟ فكيف يصحُّ هذا؟ وتساءلتُ أنا معهم : كيف يصحُّ ذلك؟

وأجابنا الشيخ بجواب بدا غريباً وصعب القبول قال : إنّ الذي يلعنه رسول الله أو يسبّه فهي له زكاة ورحمة وقربة عند الله سبحانه ، وتَسَاءل الجميع في دهشة : وكيف ذلك؟ قال : لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « أنا بشر كسائر البشر ، وقد سألت الله أن يجعل دعائي ولعنتي رحمة وزكاة » ، ثمّ أضاف قائلا : وحتّى الذي يقتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو من دنياه إلى الجنّة مباشرةً.

واختليتْ بالشيخ فيما بعد ، وسألته عن مصدر الحديث الذي ذكره ،


فأحالني على صحيح البخاري وصحيح مسلم ، واطّلعت على تلك الأحاديث ، ولم تزدني إلاّ يقيناً بالمؤامرة التي دبّرها الأمويّون لتغطية الحقائق ، ولستر فضائحهم من جهة ، ولضرب عصمة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جهة أُخرى.

ووجدت بعدها روايات كثيرة ترمي إلى نفس الهدف ، وحتّى يطمئن المتآمرون فقد اختلقوا أكثر من ذلك على لسان ربّ العالمين ، فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد ، باب قول الله تعالى يريدون أن يبدّلوا كلام الله :

عن أبي هريرة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « قال رجُلٌ لم يعملْ خيراً قطٌّ ، فإذا ماتَ فحرِّقُوهُ وأذرُوا نصفَهُ في البرِّ ونصْفَهُ في البحْرِ ، فوالله لئن قدَر الله عليه ليعذِّبنّهُ عذاباً لا يُعَذِّبُهُ أحداً من العالمين ، فأمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه ، وأمر البرَّ فَجَمَعَ ما فيهِ ، ثمّ قال : لم فعلتَ؟ قال : من خَشْيَتِكَ وأنتَ أَعلم! فغَفَرَ لَهُ ».

وعنه أيضاً في نفس الصفحة ، قال أبو هريرة : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : « إنّ عبداً أصاب ذْنباً ، وربّما قال أذنب ذنباً ، فقال : ربّ أذنْبتُ ذنباً ، وربّما قال : أصبتُ فاغفِرْ.

فقال ربُّهُ : أعَلِمَ عبدي أَنَّ له ربّاً يغفِرُ الذَّنبَ ويأخذُ به؟ غَفَرْتُ لعبدي ، ثمّ مَكثَ ما شاء الله ، ثمّ أصاب ذنباً أو أذنب ذنباً ، فقال : ربِّ أذنبتُ أو أصبتُ آخر فاغفرهُ ، فقال : أعلمَ عبدي أنّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي ، ثمّ مكثَ ما شاء الله ، ثمّ أذنب ذنباً وربّما قال أصاب ذنباً ، فقال : ربّ أصبتُ أو قالَ : أذنبتُ آخر فاغفر لي ، فقال : أعلمَ عبدي أنّ له ربّاً يغفِرُ


الذنبَ ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي ـ ثلاثاً ـ فليعمَلْ ما شاء ».

أي ربّ هذا يا عباد الله؟! ورغم أنّ العبد عَلم من الوهلة الأُولى بأنّ له ربّاً يغفرُ الذنب ، غير أنّ ربّه بقي جاهلا بهذه الحقيقة ، وفي كلّ مرّة يتساءلُ أعَلمّ عبدي بأن له ربّاً يغفر الذنب؟!

أىّ ربّ هذا الذي من كثرة الذنوب المتكرّرة ، وكثرة المغفرة المتكرّرة ، فقد كلَّ وملَّ وقال لعبده : اعمل ما شئت « وريّحني الله يخلّيك »!!

و( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِباً * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أسَفاً ) (١) .

نعم ، لقد زعموا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعثمان : « اعمل ما شئت فلن يضرّك ما فعلتَ بعد اليوم » ، وذلك عندما جهّز عثمان جيش العسرة حسبما يقولون! إنّها صكوك الغفران التي يُقَبِّضها رهبان الكنيسة مقابل دخول الجنّة!!

فليس من الغريب إذاً أن يفعل عثمان تلك الأعمال الشّنيعة التي سبّبتْ الثورة عليه ، وقتله ودفنه في غير مقابر المسلمين ، بغير تغسيل ولا تكفين.

( ..تِلْكَ أمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (٢) .

النّبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتناقض في حديثه

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفتن ، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، من جزئه الثامن صفحة ٩٢ :

____________

(١) الكهف : ٥.

(٢) البقرة : ١١١.


عن عبد الله بن عبد الوهاب ، حدّثنا حمّادُ ، عن رجل لم يُسمِّهِ ، عن الحسن قال : خرجتُ بسلاحي ليالي الفتنة ، فاستقبلني أبو بكرةَ فقال : أين تريد؟ قلتُ : أريدُ نُصْرةَ ابن عمِّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فقال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فكلاهُما من أهل النار ، قيل : فهذا القاتل فما بالُ المقتول؟ قال : إنّه أرَادَ قتل صاحبه ».

قال حمّاد بن زيد : فذكرتُ هذا الحديث لأيّوب ويونس بن عبيد ، وأنا أريدُ أن يحدّثاني به ، فقالا : إنّما روى هذا الحديث الحسنُ عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة.

كما أخرج مسلم في صحيحه من كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهيما ، حديث أبي بكرة عن الأحنف بن قيس ، قال : ذهبتُ لأنصر هذا الرّجُلَ ، فلقيني أبو بكرة ، فقال : أين تريدُ؟ قلت : أنصُرُ هذا الرجُل قال : ارجع فإنّي سمعتُ رسول الله يقول : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النّار » ، فقلتُ : يا رسول الله! هذا القاتِلُ ، فما بال المقتولُ؟ قال : « إنّه كان حريصاً على قتل صاحبه »(١) .

ومن خلال هذه الأحاديث الموضوعة ، يفهم القارئ بوضوح الأسباب التي دعت لوضعه ، ويتجلّى أبو بكرة بعداوته إلى ابن عمّ المصطفى ، وكيف عمل على خذلان أمير المؤمنين ، ولم يكتف بذلك حتّى أخذ يثبّط عزائم الصّحابة الذين أرادوا نصرة الحقّ ضدّ الباطل ، فيختلق لهم مثل هذا الحديث

____________

(١) أخرج هذا الحديث أيضاً البخاري في كتاب الإيمان باب قوله تعالى : ( وَإنْ طَائِفَتَانِ ) ( المؤلّف ).


الذي لا تقبله العقول ، ولا يقرّه القرآن الكريم ، ولا الصحيح من السنّة النبويّة ، فقول الله سبحانه وتعالى :( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أمْرِ اللّهِ ) (١) . أمرٌ صريح في قتال البغاة والظالمين ، ولذلك تلاحظ أن شارح البخاري نفسه كتب على هامش الحديث هذه العبارة : « أُنظر هل في هذا الحديث حجّة على مقاتلة البغاة مع قول الله تعالى فقاتلوا التي تبغي » وإذا تعارض الحديث مع كتاب الله فهو مكذوب ، وليضرب به عرض الجدار.

أمّا السنّة النبويّة الصحيحة فقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عليعليه‌السلام : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله وأدر الحقّ معه حيث دار »(٢) ، فموالاة علي هي موالاة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونُصرة أمير المؤمنين واجبة على كلّ مسلم ، وخذلانه هو خذلان للحقّ ، ونصرة للباطل.

ثمّ لو تأملتَ في حديث البخاري لوجدتَ هناك في سلسلة الرواة واحداً

____________

(١) الحجرات : ٩.

(٢) الملل والنحل للشهرستاني ١ : ١٦٣ ، السيرة الحلبية ٣ : ٣٨٤ ، وفي ملحقات إحقاق الحقّ ٦ : ٢٩٢ عن العقد الفريد واسعاف الراغبين.

وفي مجمع الزوائد للهيثمي ٩ : ١٠٤ : وعن عمرو بن ذي مرّ وسعيد بن وهب وعن زيد بن بثيع قالوا : سمعنا علياً يقول : « نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خم لما قام » ، فقام ثلاثة عشر رجلا ، فشهدوا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم »؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : فأخذ بيد علي فقال : « من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبه ، وابغض من يبغضه ، وانصر من نصره واخذل من خذله » رواه البزّار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.


مجهولا لم يذكروا اسمه ، إذ يقول : حدّثنا حماد عن رجل لم يُسَمِّهِ ، وهذه تدلّ دلالة جليّة بأن هذا المجهول هو من المنافقين الذين يبغضون عليّاً ، ويحاولون جهدهم طمس فضائله ، أو بالأحرى القضاء عليه وعلى ذكره ما استطاعوا لذلك سبيلا.

وقد قال سعد بن أبي وقّاص الذي امتنع هو الآخر عن نصرة الحقّ : « ائتوني بسيف يقول هذا على حقّ وهذا على باطل لأقاتل به »!! وبمثل هذا التمويه يلبس الحقّ بالباطل ، وتضيع السّبل الواضحة لتحل محلّها الظلمات!

على أنّنا نجد في كتب السنّة المعتمدة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشّر الكثير من أصحابه بالجنّة ، وخصوصاً العشرة الذين اشتهروا بين المسلمين بأنّهم المبشرين بالجنّة.

فقد أخرج أحمد ، والترمذي ، وأبو داود : أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « أبو بكر في الجنّة ، وعمر في الجنّة ، وعثمان في الجنّة ، وعلي في الجنّة ، وطلحة في الجنّة ، والزبير في الجنّة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنّة ، وسعد بن أبي وقاص في الجنّة ، وسعيد بن زيد في الجنّة ، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنّة »(١) .

وقد صحّ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : « ابشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنّة »(٢) ،

____________

(١) مسند أحمد ١ : ١٩٣ ، سنن الترمذي ٥ : ٣١١ ح ٣٨٣٠ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٥٦ ح ٨١٩٤.

(٢) المستدرك للحاكم ٣ : ٣٨٩ وصحّحه ، المعجم الأوسط ٢ : ١٤١.


وقوله : « اشتاقت الجنة إلى أربع : علي ، وعمّار ، وسلمان والمقداد »(١) .

وقد روى مسلم في صحيحه أنّ عبد الله بن سلام بشّره رسول الله بالجنة(٢) . وصحّ عنه قوله : « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة »(٣) وكذلك صحّ عنه أنّ جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة في الجنّة(٤) وأنّ فاطمة الزهراء سيّدة النساء في الجنّة(٥) ، وأنّ أُمّها خديجة بشّرها جبرئيل ببيت من قصب في الجنّة(٦) ، وصحّ عنه قوله : « صهيب سابق الروم إلى الجنّة ، وبلال سابق الحبشة إلى الجنّة ، وسلمان سابق الفرس إلى الجنّة »(٧) .

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تختصّ أحاديث البشارة بالجنّة إلاّ على هؤلاء العشرة ، فلا تجد مجمع ولا مجلس إذا ما تحدّثوا عن الجنة إلاّ وجاءوا بذكر العشرة المبشّرين بالجنّة؟!!

ونحنُ لا نحسدهم على ذلك ، ولا نضيّق رحمة الله الواسعة التي وسعت كلّ شيء ، ولكن نقول فقط بأنّ هذه الأحاديث تتناقض وتتعارض مع

____________

(١) المعجم الكبير للطبراني ٦ : ٢١٥ ، تاريخ دمشق ٦٠ : ١٧٦ ، وفي المستدرك للحاكم ٣ : ١٣٧ ذكر ثلاثة « عليّ وعمّار وسلمان » وصححه.

(٢) صحيح مسلم ٧ : ١٦٠ فضائل الصحابة ، باب من فضائل عبد الله بن سلام.

(٣) مسند أحمد ٣ : ٣ ، ٦٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٤ ، المستدرك ٣ : ١٦٧ وقال : « هذا حديث قد صحّ من أوجه كثيرة ، وأنا أتعجّب أنهما لم يخرّجاه ».

(٤) المعجم الكبير ٢ : ١٠٧ ، مجمع الزوائد ٩ : ٢٧٣ وحسّنه.

(٥) صحيح البخاري ٤ : ٢٠٩ كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب فاطمة.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٣ كتاب العمرة ، باب متى يحلّ المعتمر ، صحيح مسلم ٧ : ١٣٣ كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل خديجة أُمّ المؤمنين.

(٧) المعجم الكبير ٨ : ١١١ ، مجمع الزوائد ٩ : ٣٠٠ وحسّنه.


حديث : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار » لأنّنا لو صدّقنا به لتبخّر حديث البشارة بالجنّة ، إذ أنّ معظم هؤلاء تحاربوا وتقاتلوا وقتل بعضهم بعضاً ، فطلحة والزبير قُتِلاَ في حرب الجمل التي قادتها أُمّ المؤمنين عائشة ضدّ الإمام علي بن أبي طالب ، وسلّت سيوفهم بل وتسبّبوا في قتل الآلاف من المسلمين.

كما أنّ عمّار بن ياسر قُتِل في حرب صفين التي أشعل نارها معاوية بن أبي سفيان ، وكان عمّار متواجداً بسيفه مع علي بن أبي طالب ، فقتلته الفئة الباغية ، كما نصّ على ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما أنّ سيّد الشهداء سيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين ، تواجد بسيفه هو وأهل بيت المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقابل جيش يزيد بن معاوية ، وقد قتلوهم كلّهم ولم ينجُ منهم إلاّ علي بن الحسين.

فعلى رأي هؤلاء الكذّابين ، فإنّ كلّ هؤلاء في النّار القاتلين والمقتولين; لأنّهم التقوا بسيوفهم.

وواضحٌ أنّ الحديث لا يمكن أن تصح نسبته إلى من لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ، وهو كما قدّمنا يصطدم مع المنطق والعقل ، ويناقض كتاب الله وسنّة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والسؤال الذي يطرح هنا : كيف يغفل البخاري ومسلم عن مثل هذه الأكاذيب ، ولا يتنبهون لها؟ أمّ أنّ لهما في أمثال هذه الأحاديث مذهب وعقيدة؟

التّناقض في الفضائل

ومن الأحاديث المتناقضة التي تجدها في الصّحاح ، هو تفضيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كلّ الأنبياء والمرسلين ، وأحاديث أُخرى ترفع من شأن


موسى درجة أعلى من درجته.

وأعتقد بأنّ اليهود الذين أسلموا في عهد عمر وعثمان ، أمثال : كعب الأحبار ، وتميم الدّاري ، ووهب بن منبّه ، هم الذين وضعوا تلك الأحاديث على لسان بعض الصّحابة الذين كانوا معجبين بهم ، أمثال أبي هريرة ، وأنس ابن مالك وغيرهم.

فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد ، باب قوله تعالى :( وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) :

عن أنس بن مالك حكاية طويلة تحكي إسراء النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ عروجه إلى السماوات السّبع ، ثم إلى سدرة المنتهى ، وقصّة فرض الصّلوات الخمسين التي فرض على محمّد وأُمّته ، وبفضل موسى رُدتْ إلى خمس ، عمليّة وما فيها من الكذب الصريح ، والكفر الشنيع من أنّ الجبّار ربّ العزّة دنا فتدلّى حتّى كان من النّبي قاب قوسين أو أدنى ، وغيرها من التخريف ، ولكن ما يُهمّنا في هذه الرواية هو أنّ محمّداً لمّا استفتح السّماء السّابعة ، وكان فيها موسى ، وأنّ الله رفعه في السابعة بتفضيل كلام الله ، فقال موسى : ربِّ لم أَظُنَّ أنْ يُرْفع علىَّ أَحَدٌ(١) .

وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ، باب الإسراء برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأخرج البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة

____________

(١) صحيح البخاري ٨ : ٢٠٤ ، كتاب التوحيد ، باب قول الله تعالى :( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا ) .


صلوات الله عليهم قصّة أُخرى تشبه الأُولى ، وتحكي الإسراء والمعراج ، ولكن تقول بأنّ موسى كان في السّماء السادسة ، وإبراهيم في السابعة ، والذي يهمّنا منها هو هذا المقطع.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فأتينا على السّماء السّادسة ، قيل : من هذا؟ قيل : جبرئيل ، قيل : من معك؟ قال محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قيل : وقد أرسل إليه؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به ولنعم المجيءُ جاء.

فأتيتُ على موسى فسلّمتُ عليه ، فقال : مرحباً بكَ من أخ ونبىٍّ ، فلمّا جاوزتُ بَكَى ، فقيل : ما أَبْكَاكَ؟ فقال : يا رَبِّ هذا الغُلاَمُ الذي بُعِثَ بعْدِي يدخُلُ الجنّةَ من أُمّتِهِ أفْضلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتي ».

كما أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها : عن أبي هريرة قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنا سيّد الناس يوم القيامةِ ، وهل تدرون ممّ ذلك; يُجمع النَّاسُ الأولين والآخرين في صعيد واحد يُسمعهم الدّاعي ، وينفذُهم البصَرُ ، وتدنو الشمسُ فيبلغُ النّاسَ من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملونَ ، فيقولُ النّاسُ : ألا ترونَ ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم؟ فيقول بعض النّاس لبعض : عليكم بآدم.

فيأتونَ آدمعليه‌السلام ، فيقولون له : أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، اشفع لنا إلى ربّك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، ألا ترى إلى ما قد بَلغَنَا؟ فيقول آدم : إنّ ربّي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبلهُ مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنّه نهاني عن الشجرة فعَصَيتُهُ ،


نفسي ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح.

وتمضي الرواية وهي طويلة جدّاً ـ ونحن دائماً نريد الاختصار ـ إلى أن يطوف النّاس على نوح ، ثمّ على إبراهيم ، ثمّ على موسى ، ثمّ على عيسى ، وكلّهم يقول : نفسي ، نفسي ، نفسي ، ويذكر خطيئته أو ذنبه ، عدا عيسى لم يذكر ذنباً ، ولكنّه قال : نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمّد.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فيأتوني ، فأنطلق فآتي تحت العرش ، فأقعُ ساجداً لربّي عزّ وجلّ ، ثم يفتَحُ الله علىَّ من محامده وحسنِ الثّناء عليه شيئاً لم يفتحهُ على أحد قبلي ، ثمّ يقال : يا محمّد ، ارفع رأسَكَ ، سَلْ تُعْطَه ، واشفع تُشفع.

فأرفع رأسي ، فأقول : أُمّتي يا ربّ أُمتي ياربّ ، فيقال : يا محمّد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة ، وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثمّ قال : والذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكّة وحُمير ، أو كما بين مكّة وبُصرى ».

وفي هذه الأحاديث يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه سيّد النّاس يوم القيامة! ويقول بأنّ موسى قال : يا ربّ ما كنت أظنُّ أنْ يُرفَعَ عليَّ أحَدٌ ، ويقول بأنّ موسى بكى وقال : يا ربّ هذا الغلامُ الذي بُعثَ بعدي يدخُلُ الجنة من أُمته أفضلُ ممّا يدخُل من أُمتي.

ونفهم من خلال هذه الأحاديث بأنّ كلّ الأنبياء والمرسلين من آدم حتى


عيسى مروراً بنوح وإبراهيم وموسى ( عليهم وعلى نبينا أفضل الصّلاة وأزكى التسليم ) لن يشفعوا عند الله يوم القيامة ، وخصّ الله بها محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن نؤمن بكلّ ذلك ، ونقول بتفضيلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على سائر البشر ، ولكنّ الإسرائيليين وأعوانُهم من بني أُميَّة لم يتحمّلوا هذا الفضل والفضيلة لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى اختلقوا رواياتٌ تقول بتفضيل موسى عليه.

وقد مرّ بنا في خلال أبحاث سابقة قول موسى لمحمّد ليلة الإسراء والمعراج ، ولما فرض الله عليه خمسين صلاة ، قال له موسى : أنا أعلم بالنّاس منك.

وهذا لم يكف ، فاختلقوا روايات أُخرى تقول بتفضيله ( أي موسى على محمّد ) على لسان محمّد نفسه ، فإليك بعض هذه الروايات :

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب التوحيد ، باب في المشيئة والإرادة ( وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ) :

عن أبي هريرة قال : استبَّ رَجُلٌ من المسلمين ورَجُلٌ من اليهودِ ، فقالَ المسلمُ : والذي اصطفى محمّداً على العالمين في قسم يُقسِمُ به ، فقال اليهودي : والذي اصطفى موسَى على العالمين ، فرفع المسلم يدهُ عند ذلك فلطَمَ اليهودىُّ.

فذهب اليهودىُّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخبرَهُ بالذي كان من أمره وأمرِ المسلم ، فقال النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تُخيِّروني على موسى ، فإنّ النّاس يصعقونَ يومَ القيامةِ ، فأكون أوَّلَ من يفيقُ ، فإذا موسى باطِشٌ بجانب العَرْشِ ، فلا أدري أكان فيمن صَعِقَ فأفاقَ قبلي ، أو كان ممّن استثنى الله ».


وفي رواية أُخرى للبخاري قال : جاء رجلٌ من اليهود إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد لُطِمَ وجهَهُ وقالَ : يا محمّد إنّ رجلا من أصحابك من الأنصار لطَمَ في وجهي ، قال : « ادعوهُ » فدعوهُ ، قال : « لمَ لطمت وجْهَهُ »؟ قال : يا رسول الله إنّي مررتُ باليهود فسمعتُهُ يقول : والذي اصطفى موسَى على البشر ، فقلتُ : وعلى محمّد ، وأخذتني غضبةٌ فلطمتُه.

قال : « لا تُخيِّروني من بين الأنبياء ، فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أوّل من يفيقُ ، فإذا أنا بموسَى آخِذٌ بقائمة من قوائم العرشِ ، فلا أدري أفاق قبلي أمْ جُزِيَ بصعقةِ الطُّور »(١) .

كما أخرج البخاري في صحيحه في كتاب تفسير القرآن ، سورة يوسف عليه الصلاة والسلام ، باب قوله ( فلمّا جاءه الرسول ) :

عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يرحَمُ الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبْثت في السجن ما لبث يوسفُ لأجبتُ الدّاعي ، ونحنُ أحقُّ من إبراهيم إذ قال لَهُ : أو لم تؤمن؟ قال : بلى ، ولكن ليطمئنّ قلبي.

ولم يكفهم كلّ ذلك حتّى جعلوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الشاكين حتّى في مصيره عند ربّه ، فلا الشفاعة ، ولا المقام المحمود ، ولا تفضيله على الأنبياء والمرسلين ، ولا تبشير بالجنة لأصحابه; إذا كان هو نفسه لا يعرفُ مصيره يوم القيامة ، إقرأ معي هذه الرواية التي أخرجها البخاري ، وأعجب أو لا تعجب :

أخرج البخاري في صحيحه باب في الجنائز من كتاب الكسوف من

____________

(١) صحيح البخاري ٥ : ١٩٦ ، ٨ : ٤٨.


جزئه الثاني ٧١ :

عن خارجة بن زيد بن ثابت ، أنّ أُمّ العلاء أمرأةً من الأنصار بايعت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أخبرتْهُ أنّهُ اقتسم المهاجرونَ قرعةً ، فطارَ لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا ، فوجِعَ وجعَهُ الذي توفّيَ فيه ، فلمّا توفِّي وغُسِّل وكُفِّنَ في أثوابه دخَلَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلُتُ : رحمة الله عليك أبا السَّائِبِ ، فَشَهَادَتِي عليكَ لقدْ أكرمَكَ الله.

فقال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « وما يدريك أنّ الله أكرمه »؟ فقُلتُ : بأبي أنتَ يا رَسولَ الله ، فمن يكرِمُهُ الله ، فقالعليه‌السلام : « أمَّا هو فقد جاءه اليقينُ ، والله إنّي لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنَا رسول الله ما يُفْعَلُ بي ». قالت : فوالله لا أزكّي أحداً بعده أبداً.

إنّ هذا لشيء عجاب والله! فإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسم بالله أنّه لا يدري ما يفعَلُ به ، فماذا يبقى بعد هذا؟!

وإذا كان الله سبحانه يقول :( بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) (١) وإذا كان الله يقول لنبيّه :( إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزِيزاً ) (٢) .

وإذا كان دخول الجنة للمسلمين موقوفاً على اتباعه واطاعته والتصديق به ، فكيف نصدّق هذا الحديث الذي لا أقبح منه ، نعوذ بالله من عقيدة بني

____________

(١) القيامة : ١٤.

(٢) الفتح : ١ ـ ٣.


أُميّة الذين ما كانوا يؤمنون يوماً بأنّ محمّداً هو رسول الله حقّاً ، وإنّما كانوا يعتقدون بأنّه ملك ، تغلب على النّاس بذكائه ودهائه ، وهذا ما صرّح به أبو سفيان ومعاوية ويزيد ، وغيرهم من خلفائهم وحكّامهم.

النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتناقض مع العلم والطبّ

إنّ العلم يثبتُ بما لا شكّ فيه أنّ هناك بعض الأمراض التي تنقل بالعَدوى ، وهذا ما يعرفه أغلب النّاس حتّى غير المثقّفين ، أمّا طلبة العلوم الذين يدرسون علم الطّب في الجامعات ، فإنّهم إذا ما قيل لهم بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينكر ذلك ، فإنّهم سيسخرون ويجدون منفذاً للطّعن على نبي الإسلام ، خصوصاً منهم الأساتذة العِلمانيين الذين يبحثون عن ثغرات مثل هذه.

ومع الأسف الشّديد فإنّ من الأحاديث التي أخرجها البخاري ومسلم تؤكّد على عدم العدوى ، وفيها أيضاً ما يؤكّد أنّ هناك عدوى ، ونحن إذ نسجّل هنا هذه التناقضات تحت عنوان النّبي يتناقض ، لا نؤمن بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تناقض مرةً واحدة في أقواله أو في أفعاله ، ولكن جرياً على العادة ، لجلب مُهجة القارئ حتى يتنبّه إلى الأحاديث التي وضعت كذباً وبهتاناً على صاحب الرّسالة المعصوم ، ويعرف قصدنا من تخريج أمثال هذه الأحاديث لتنزيه النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإعطائه مكانته العلميّة التي سبقتْ كلّ العلوم الحديثة.

فليس هناك نظرية علمية صحيحة تتعارض مع حديث نبوىٌّ صحيح ، وإذا ما تعارضتْ أو تناقضت عرفنا بأنّ الحديث مكذوب عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هذا من ناحية.


ومن ناحية أُخرى فإنّ الحديث نفسه قد يعارضه حديث آخر يتماشى مع النظرية العلمية ، فيجبُ قبول الثّاني وطرح الأوّل كما لا يخفى.

ومثال على ذلك أسوق حديث العدوى لأنه مُهِمٌّ في البحث ، ويعطينا صورة حقيقة على تناقض الصّحابة والرّواة والوضّاعين ، لا على تناقض صاحب الرّسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذلك لا يمكن أبداً.

فالبخاري في صحيحه يذكر الحديثين ، وأنا أقتصر عليه لأنّه أصحّ الكتب عند أهل السنّة ، لئلا يذهب المتأوّلون عدّة مذاهب ، فيقول قائل بأنّه قد يثبت عند البخاري حديثاً ، ويثبت عكسه عند غيره من المحدّثين ، ويلاحظ القارئ بأنني في هذا الباب اقتصرت على البخاري وحده ، في تناقض الأحاديث.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الطّب ، في باب لا هامة :

عن أبي هريرة قال : قال النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا هامة » ، فقال أعرابي : يا رسول الله فما بال الإبل تكُونُ في الرمْلِ كأنّها الظّباءُ ، فيخالطها البعيرُ الأجربُ فيجْرِبُهَا؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فمن أعدى الأوّل »؟

انظر إلى هذا الأعرابيُّ كيف يهتدي بفطرته إلى طبيعة الأمراض المعدية ، من خلال البعير الأجرب الذي يجرب كلّ الإبل إذا خالطها ، بينما لا يجد الرّسول جواباً على سؤال الأعرابي يقنعهُ به ، فيقول : « فمن أعدى الأول »؟ ويصبح هو الذي يسأل.

وهذا أيضاً يذكّرني بالطبيب الذي سأل الأُمّ التي جاءتْ بولدها المصاب


بالحصبة : هل عندكم في البيت أو في الجيران من هو مصاب بهذا الداء؟ فقالتْ الأُمّ : كلاّ ، فقال الطّبيب لعلَّهُ التقطها من المدرسة؟ فأجابت الأُمّ على الفور : كلاّ إنّه لم يدخل بعد إلى المدرسة ، فعمره أقلّ من خمس سنين ، فقال : ففي الروضة إذن ، قالت : لا إنّه لا يذهب للروضة. فقال الطبيب : لعلّك ذهبت به إلى زيارة بعض أقاربِك ، أو زاركم بعض الأقارب الذي يحمل الجرثومة ، فأجابت بالنفي! وعند ذلك قال لها الطبيب : جاءتْ إليه الجرثومة في الهواء.

نعم ، فالهواء يحمل الجراثيم والأمراض المعدية ، وقد يصيب قرية كاملة أو مدينة بأكملها ، ولذلك وُجِدَ التلقيح والوقاية لما قد تحمله الرّياح من أمراض فتّاكة كالوباء والطّاعون وغير ذلك ، فكيف يخفى كلّ ذلك على من لا ينطق عن الهوى؟ إنّه رسول ربّ العالمين الذي لا يعزب عن علمه شيء ، إنّه لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

ولذلك نحن نرفض هذا الحديث ولا نقبله أبداً ، ونقبل الحديث الثاني الذين أخرجه البخاري نفسه ، وفي نفس الصفحة ونفس الباب ، وفي نفس الحديث إذ يقول : وعن أبي سلمة سَمِعَ أبَا هريرة بعدُ يقولُ : قال النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يوردَنَّ مُمرضٌ على مُصِحٍّ » ، وأنكر أبو هريرة حديثه الأوّل ، قلنا : ألم تحدّث أنّه لا عَدْوى ، فرطن بالحبشية ، قال أبو سلمة : فما رأيتهُ نَسِيَ حديثاً غَيرَهُ.

مع أنّ الحديثين المتناقضين « لا عدوى » ، « ولا يوردنّ مُمْرض على مُصحّ » رواهما أيضاً مسلم في صحيحه في كتاب السّلام ، باب لا عدوى ولا طيرة ، ولا هامة ولا صفر ، ولا نوء ولا غول ، ولا يوردنّ ممرض على مصحٍّ.


ومن خلال هذه الأحاديث نعلم أنّ حديث : « لا يوردن ممرض على مصح » هو الحديث الصحيح الذي قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لأنّه لا يتناقض مع العلم ، وأمّا حديث « لا عدوى » فهو مكذوب عليه; لأنّه حديث جاهل بالحقائق الطبيعية ، ولذلك فهم بعض الصّحابة تناقض الحديثين ، فعارضوا أبا هريرة واستغربوا منه حديثه الأوّل ، ولم يجد أبو هريرة مخرجاً من هذه الورطة فرطن بالحبشية ، يقول شارح البخاري : تكلّم غضباً بما لا يُفهمُ!(١) .

وممّا يزيدنا تأكيداً بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أسبق مما أثبته العلمُ حديثاً في خصوص الأمراض المعدية ، إنّه كان يحذّر المسلمين من الطّاعون ومن الجذام ومن الوباء وغير ذلك.

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء ، باب حدّثنا أبو اليمان ، وكذلك مسلم في صحيحه كتاب السّلام ، باب الطاعون والطيرة والكهانة وغيرها :

عن أُسامة بن زيد قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الطّاعُونُ رجْسٌ أرسل على طائفة من بني إسرائيل ، أو على من كان قبلكم ، فإذا سمعتُم به بأرض فَلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتُم بها فَلا تخرجوا فراراً منه » وفي رواية لا يخرجكم إلاّ فراراً منه.

وقد صحّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله في هذا المعنى : « فِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد »(٢) ، وقوله : « إذا شرب أحدكم فلا يتنفّس في الإناء »(٣) ، وقوله : « إذا

____________

(١) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ٢١ : ٤٢٨.

(٢) صحيح البخاري ٧ : ١٧ كتاب الطبّ ، باب الجذام.


ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات ، وعفّروه الثامنة في التراب »(٤) .

كلّ ذلك ليُعلّم أمّته النظافة وأسباب الصحة والوقاية ، لا أن يقول لهم : « إذا سقط الذباب في شراب أحدكم فليغمسه » وهذا سبق الحديث عنه فليراجع.

على أنّنا نجد التناقض ظاهراً حتى فيما يختصّ بالهامة التي كان يتشاءم العرب بها ، وهي الطائر المعروف من طير الليل ، وقيل هي البومة وهو تفسير مالك بن أنس ، فإذا كان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « لا هامة » ، فكيف يتناقض ويتعوّذ منها؟!

فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب يزفّون النسلان في المشي من جزئه الرابع صفحة ١١٩ :

عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : كان النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعوّذُ الحسنَ والحسينَ ، ويقول : « إنّ أباكما كان يعوّذُ بها إسماعيل وإسحاق ، أعوذ بكلمات الله التامّة من كلّ شيطان وهامّة ومن كلّ عين لامَّة ».

نعم ، أردنا في هذا الفصل أن نذكر بعض الأمثلة من الأحاديث المتناقضة التي تُنسبُ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو منها بريء.

وهناك مئات الأحاديث الأُخرى المتناقضة التي أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وقد ضربنا عليها صفحاً لما عوّدنا القارئ دائماً بالاختصار والإشارة ، وعلى الباحثين أن يكبّوا على دراسة ذلك عسى أنْ يُطّهر الله بهم سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويثيبهم الأجر العظيم ، ويكونوا سبباً في

____________

(٣) صحيح البخاري ١ : ٤٧ كتاب الوضوء ، باب النهي عن الاستنجاء باليمين.

(٤) صحيح مسلم ١ : ١٦٢ كتاب الطهارة ، بابا حكم ولوغ الكلب.


تنقية الحق من الأباطيل ، ويُقدِّموا إلى الرجل الجديد أبحاثاً قيّمة تكون في مستوى رسالة الإسلام.

( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأهُ اللّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً * يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) (١) .

____________

(١) الأحزاب : ٦٩ ـ ٧١.


الفصل الثامن

في ما يتعلّق بالصّحيحين البخاري ومسلم

لِما لهذين الكتابين من أهمّية بالغة لدى أهل السنّة والجماعة ، حتّى أصبحا عند عامّة المسلمين المرجعين الأساسيّين ، والمصدرين الأوّلين في كلّ المباحث الدينية ، وأصبح من العسير على بعض الباحثين أن يصرّحوا بما يجدوه من تهافت وتناقض ومنكرات ، فيتقبّلونها على مضض ولا يكاشفون بها قومهم خشيةً منهم أو خشيته عليهم ، لما في نفوسهم من احترام وتقديس لهذين الكتابين ، والحقيقة أنّ البخاري ومسلم ما كان يوماً يحلمان بما سيصل إليه شأنهما عند علماء النّاس وعامّتهم.

ونحن إذا قَدِمنا على نقدهما ، وتخريج بعض المطاعن عليهم ، ليس ذلك إلاّ لتنزيه نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدم الخدش في عصمته ، وإذا كان بعض الصّحابة لم يَسلم من هذا النقد والتجريح للغرض نفسه ، فما البخاري ومسلم بأفضل من أولئك المقرّبين لصاحب الرسالة.

وما دُمنا نهدفُ إلى تنزيه النّبي العربيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحاول جهدنا إثبات العصمة له ، وأنّه أعلم وأتقى البشر على الإطلاق ، ونعتقدُ أن الله سبحانه وتعالى اصطفاه ليكون رحمة للعالمين ، وأرسله للنّاس كافة من الإنس والجنّ ، فلا شكّ أنّ الله يطالبنا بتنزيهه وتقديسه وعدم قبول المطاعن فيه ،


ولذلك نحن وكلّ المسلمين مطالبون بطرح كلّ ما يتعارض والخلق العظيم الذي اختصّ به ، وطرح كلّ ما يتعارض مع عصمته ، أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد.

فالصّحابة والتّابعين ، والأئمة والمحدّثين ، وكلّ المسلمين ، وحتى النّاس أجمعين مدينون لفضله ومزيّته ، فالمنتقدون والمعارضون والمتعصّبون سوف تثور ثائرتُهم كالعادة على كلّ ما هو جديد عليهم ، ولكن رضى الله سبحانه هو الغاية ورضى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الأمل ، وهو الذُّخر والكنز والرّصيد ، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون ، إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

ولنا مع كل ذلك رضى وتعزيّة المؤمنين الصادقين الذين عرفوا قدر الله وقدر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قبل أن يعرفوا قدر الحكّام والخلفاء والسّلاطين.

أذكر أنّي لقيتُ معارضة شديدة حتّى أتهمتُ بالكفر والخروج عن الدّين ، عندما انتقدتُ البخاري في تخريجه حديث لطم موسى لملك الموت وفقأ عينه ، وقيل لي : من أنتَ حتى تنتقد البخاري؟ وأثاروا حولي ضجّة وضوضاء ، وكأنّي انتقدت آية من كتاب الله.

والحال أنّ الباحث إذا ما تحرّر من قيود التقليد الأعمى والتعصّب المقيت ، سوف يجد في البخاري ومسلم أشياء عجيبة وغريبة ، تعكس بالضّبط عقليّة العربي البدوي الذي ما زال فكره جامداً يؤمن ببعض الخرافات والأساطير ، ويميل فكره إلى كلّ ما هو غريب ، وليس هذا بعيب ولا نتّهمه بالتخلّف الذهني ، فليس عصره البدائي هو عصر الأقمار الصّناعية ، ولا التلفزيون والهاتف والصاروخ.


وإنّما لا نريد أن يلصقَ ذلك بصاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لأنّ الفرق كبير والبون شاسع ، فهو الذي بعثه الله في الأُميّين يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ، ويعلّمهم الكتاب والحكمة ، وبما أنّه خاتم الأنبياء والمرسلين ، فقد علّمه الله علم الأوّلين والآخرين.

كما نلفتُ القارئ الكريم بأنّ ليس كلّ ما في البخاري هو منسوب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد يخرج البخاري حديثاً للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ يعقّب عليه بآراء بعض الصّحابة ، فيصبح القارئ يعتقد بأنّ ذلك الرأي أو الحديث هو لرسول الله في حين أنّه ليس له ، أضربُ لذلك مثلا :

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الحِيَلْ ، باب في النكاح من جزء الثامن صفحة ٦٢ قال :

عن أبي هريرة ، عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « لا تُنكَحُ البكر حتى تُسْتَأذنَ ، ولا الثّيب حتى تُستأمَرَ. فقيل : يا رسول الله كيف إذْنُهَا؟ قال : إذا سَكَتَتْ ».

وقال بعض النّاس : إن لم تُستأذنِ البكرُ ولم تُزوّجْ ، فاحتالَ رَجلٌ فأقامَ شَاهِدَي زور أنَّه تزوّجَها برِضَاهَا ، فأثْبتَ القاضِي نِكاحَهَا ، والزوجُ يَعلَمُ أَنَّ الشهادة باطِلَةٌ ، فلا بأسْ أن يَطَأَهَا وهو تزويجٌ صحيح.

فانظر إلى قول البخاري ( بعد حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) وقال بعض النّاس! فلماذا يُصبح قول بعض النّاس ( وهم مجهولون ) بأنّ النكاح بشهادة الزور هو نكاح صحيح ، فيتوهّم القارئ بأنّ ذلك هو رأي الرّسول ، وهو غير صحيح؟!

مثال آخر : أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب مناقب المهاجرين وفضلهم من جزئه الرابع صفحة ٢٠٣ :


عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كنّا في زمن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانعدلُ بأبي بكر أحداً ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ نترك أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا نُفاضل بينهم.

إنّه رأي عبد الله بن عمر ولا يلزم به إلاّ نفسه ، وإلاّ كيف يُصبح علي بن أبي طالب ، وهو أفضل النّاس بعد رسول الله ، لا فضل له ، ويعدّه عبد الله بن عمر من سوقة النّاس؟!!

ولذلك تجد عبد الله بن عمر يمتنع عن بيعة أمير المؤمنين ومولاهم ، فمن لم يكن علىٌّ وليّه فليس بمؤمن(١) ، والذي قال النّبي في حقّه : « علىّ مع الحقّ والحقّ مع علىّ »(٢) ، وبايع عدوّ الله ورسوله وعدوّ المؤمنين الحجّاج

____________

(١) ذكر ذلك عمر حيث قال : « ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن » راجع الغدير ١ : ٦٦٦ ، عن الصواعق : ١٧٩ والمناقب للخوارزمي : ١٦٠ ح ١٩١ ، وذخائر العقبى : ٦٨.

(٢) تاريخ بغداد للخطيب ١٤ : ٣٢٢ ح ٧٦٤٣ ، تاريخ دمشق لابن عساكر ٤٢ :

٤٤٩ ، مجمع الزوائد ٧ : ٢٣٥ وقال : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ، وفي مجمع الزوائد ٧ : ٢٣٦ : « عن محمّد بن إبراهيم التميمي : أنّ فلاناً دخل المدينة حاجاً فأتاه الناس يسلّمون عليه ، فدخل سعد فسلم فقال : وهذا لم يعنا على حقّنا على باطل غيرنا أما إذ قلت ذاك فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : علي مع الحقّ أو الحق مع علي حيث كان. قال : من سمع ذلك؟ قال : قاله في بيت أُم سلمة ، فأرسل إلى أُم سلمة فسألها ، فقالت : قد قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيتي ، فقال الرجل لسعد : ماكنت عندي ألوم منك الآن فقال : ولم؟ قال : لو سمعت هذا من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم أزل خادماً لعلي حتى أموت » رواه البزار ، وفيه سعد بن شعيب ولم أعرفه ، وبقيّة رجاله رجال الصحيح.


ابن يوسف الفاسق الفاجر.

ونحن لا نريد العودة إلى مثل هذه المواضيع ، ولكن نريد فقط أن نُظهر للقارئ نفسيات البخاري ومن كان على شاكلته ، فهو يخرج هذا الحديث في باب مناقب المهاجرين ، وكأنّه يشعر من طرف خفىّ إلى القرّاء بأنّ هذا رأي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بينما هو رأي عبد الله بن عمر الذي ناصب العداء للإمام علي.

وسنُبيِّنُ للقارئ اللّبيب موقف البخاري في كلّ ما يتعلّق بعلي بن أبي طالب ، وكيف أنّه يحاول جهده كتمان فضائله ، وإظهار المثالب له.

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب حدّثنا الحميدي قال : حدّثنا محمّد بن كثير ، أخبرنا سفيانُ ، حدّثنا جامعُ بن أبي راشد ، حدّثنا أبو يعلى ، عن محمّد بن الحنفيّة ، قال : قلت لأبي : أيّ النّاس خيرُ بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : أبو بكر ، قلت : ثمّ من؟ قال : ثمّ عمرُ ، وخشيتُ أن يقول عثمانُ ، قلت : ثمّ أنتَ ، قال : ما أنا إلاَّ رجلٌ من المسلمين.

نعم ، هذا الحديث وضعوه على لسان محمّد بن الحنفيّة ، وهو ابن الإمام علي بن أبي طالب ، وهو كسابقه الذي رُوي عن لسان ابن عمر ، والنتيجة في الأخير هي واحدة ، ولو خشيَ ابن الحنفيّة أنْ يقول أبوه : عثمان في الثالثة ، ولكن ردُّ أبيه « ما أنا إلاّ رجلٌ من المسلمين » يُفيد بأنّ عثمان أفضل منه; لأنّه ليس هناك من أهل السنّة من يقول بأنّ عثمان ليس هو إلاّ رجلٌ من

____________

وقد وقع تصحيف في اسم الراوي حيث إنّه سعيد بن شعيب الحضرمي ، وليس سعد ، وقد صرّحوا بوثاقة سعيد بن شعيب ، راجع الغدير ٣ : ١٧٨.


المسلمين ، بل يقولون كما تقدّم بأنّ أفضل الناس أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ، ثمّ نترك أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا نفاضل بينهم ، والنّاس بعد ذلك سواسية.

ألا تعجبون من هذه الأحاديث التي يخرجها البخاري ، وكلُّها ترمي إلى هدف واحد ، وهو تجريد علي بن أبي طالب من كلّ فضيلة!!

ألا يفهمُ من ذلك بأنّ البخاري كان يكتبُ كلّ ما يُرضي بني أُميّة وبني العبّاس ، وكل الحكّام الذين قاموا على أنقاض أهل البيت!! إنّها حجج دامغة لمن أرَاد الوقوف على الحقيقة.

البخاري ومسلم يذكران أي شيء لتفضيل أبي بكر وعمر

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب حدّثنا أبو اليمان من جزئه الرابع صفحة ١٤٩ ، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي بكر الصديق ( رضي الله عنه ) :

عن أبي هريرة قال : صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة الصّبح ، ثمّ أقبل على النّاس فقال : « بينما رجُلٌ يَسُوقُ بقرةً إذْ رَكبَها فضربها فقالت : إنّا لم نخلق لهذا; إنّما خُلقنَا للحرثِ » ، فقال النّاسُ : سبحان الله! بقرةٌ تتكلّمُ؟ فقال : « فإنّي أؤمنُ بهذا أنا وأبو بكر وعُمرُ وما هُمَا ثُمَّ ، وبينما رجل في غنمه إذْ عَدَا الذئب فذهب منها بشاة ، فطلبه حتّى كأنّه استنقذها منه ، فقال له الذئبُ : ها إنّك استنقذتها منِّي ، فمن لها يومَ السّبع ، يوم لا رَاعي لها غيري؟ » فقال النّاس : سبحان الله! ذئب يتكلَّمُ؟ قال : « فإني أُومِنِ بهذا أنا وأبو بكر وعُمرُ » وما هما ثَمَّ.

وهذا الحديث ظاهر التكلّف ، وهو من الأحاديث الموضوعة في فضائل


الخليفتين ، وإلاّ لماذا يُكذَب النّاس وهم صَحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما يقولُه لهم ، حتّى يقول في المرّتين : أُومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر ، ثمّ أنظر كيف يؤكّد الرّاوي على عدم وجود أبي بكر وعمر في المرّتين!!

إنّها فضائل مضحكة ولا معنى لها ، ولكنّ القوم كالغرقى يتشبثون بالحشيش ، والوضّاعون عندما لم يجدوا مواقف أو أحداث هامة تُذكر لهما تتخيّلُ أوهامهم مثل هذه الفضائل ، فيجي أغلبها أحلاماً وأوهاماً وتأوّلات لا تقوم على دليل تاريخي أو منطقي أو علمي.

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كنت متخذاً خليلا ، ومسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة ، باب من فضائل أبي بكر الصديق.

عن عمرو بن العاص ، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعثَهُ على جيش ذات السلاسل ، فأتيتُه فقُلتُ : أيُّ النّاسِ أحبُّ إليكَ؟ قال : « عائشة » ، فقلتُ : من الرّجالِ؟ قال : « أبُوها » ، قلت : ثمّ من؟ قال : « عمر بن الخطّاب » ، فعدّ رجالا.

وهذه الرّواية وضعها الوضّاعون ، لمّا عرفوا أنّ التاريخ سجّل في سنة ثمان من الهجرة ( يعني سنتين قبل وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث جيشاً فيه أبو بكر وعمر بقيادة عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السّلاسل ، وحتى يقطعوا الطريق على من يريد القول بأنّ عمرو بن العاص كان مقدّماً في المنزلة على أبي بكر وعمر ، تراهم اختلقوا هذه الرواية على لسان عمرو نفسه للإشادة بفضل أبي بكر وعمر ، وأقْحمُوا عائشة حتّى يبعِدُوا الشكّ من ناحية ، وحتّى تحظى عائشة بأفضلية مطلقة من ناحية أُخرى.

ولذلك ترى الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم يقول : « هذا تصريح


بعظيم فضائل أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم ، وفيه دلالة بيّنة لأهل السنّة في تفضيل أبي بكر ثمّ عمر على جميع الصحابة »(١) .

وهذه كأمثالها من الروايات الهزيلة التي لم يتورّع الدجّالون لوضعها حتّى على لسان علي بن أبي طالب نفسه; ليقطعوا بذلك على زعمهم حجّة الشيعة الذين يقولون بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الأصحاب من ناحية ، وليوهموا المسلمين بأنّ عليّاً لم يكن يتظلّم ولا يتشكّى من أبي بكر وعمر من ناحية أُخرى ، فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص ، ومسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه :

عن علي ، عن ابن عبّاس قال : وضِعَ عمرُ على سريره ، فتكنّفَهُ النّاسُ ، يدعون ويصلّونَ قبل أن يرفع ، وأنا فيهم ، فلم يُرعني إلاّ رجُلٌ أَخذ مَنْكِبي ، فإذا عليٌّ ، فترحّم على عُمَرَ وقال : ما خَلَّفتَ أحداً أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمَلِهِ منكَ ، وأيُّمُ الله ، إن كنتُ لأظُنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك ، وحسبتُ أنّي كنتُ كثيراً ما أسمع النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر ، ودَخلتُ أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر.

نعم ، هذا وضعٌ ظاهر يشمُّ منه رائحة السّياسة التي لعبتْ دورها في إقصاء فاطمة الزهراء ، وعدم دفنها قرب أبيها رغم أنّها أوّل اللاحقين به ، وفات الرّاوي هنا أنْ يضيفَ بعد قوله : ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلتُ أنا

____________

(١) شرح مسلم للنووي ١٥ : ١٥٣.


وأبو بكر وعمر ، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر ، وسأُدفنُ أنا وأبو بكر وعمر!!

ألا يتورّع هؤلاء الذين يحتجّون بمثل هذه الروايات الموضوعة التي يكذّبها التاريخ والواقع ، وكتب المسلمين مشحونة بتظلّم علي وفاطمة الزهراء ممّا فعله أبو بكر وعمر طيلة حياتهما؟!

ثمّ تمعّن في الرواية لترى بأنّ الرّاوي يصوّر عليّاً وكأنّه رجُلٌ أجنبي ، جاء ليتفرّج على ميّت غريب ، فوجد النّاس يكتظون عليه يدعون ويصلّون ، فأخذ بمنكب ابن عباس ، وكأنّه همس في أذنه تلك الكلمات وانسحب ، والمفروض أن يكون علي في مقدمة النّاس وهو الذي يصلّي بهم ، ولا يفارق عمر حتى يواريه حفرته.

ولمّا كان النّاس في عهد بني أُميّة يتسابقون في وضع الحديث بأمر من « أمير المؤمنين » معاوية ، الذي أراد أن يرفع قدر أبي بكر وعمر مقابل فضائل علي بن أبي طالب ، فقد جاءت أحاديث الفضائل هزيلة مُضحكة ، ومتناقضة في بعض الأحوال حسب هوى الرّاوي ، فمنهم التيمي الذي كان لا يقدّم على أبي بكر أحداً ، ومنهم العدوي الذي لا يقدّم على عمر أحداً ، وبنو أُميّة الذين كانوا معجبين بشخصية ابن الخطّاب الجريء على النّبي ، والفظّ الغليظ الذي لا يتورّع من شيء ولا يهاب شيء ، فكانوا كثيراً ما يمدحونه ويضعون الأحاديث التي تُفضّله على أبي بكر.

وإليك أيها القارئ بعض الأمثلة.

أخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصّحابة ، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه ، وأخرج البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان


باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال :

عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بينما أنا نائمٌ رأيتُ النّاس يُعرَضُونَ عليَّ ، وعليهم قُمُصٌ ، منها ما يبلُغُ الثدِيَّ ، ومنها ما دونَ ذلك ، وعرِضَ عليَّ عُمَرُ بن الخطّاب وعليه قميص يجرُّهُ ، قالوا : فما أوّلتَ ذلك يا رسول الله؟ قال : الدِّين.

وإذا كان تأويل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهذه الرؤيا ، هو الدِّين ، فمعنى ذلك أنّ عمر بن الخطّاب أفضل من كل النّاس; لأنّ الدّين بالنسبة إليهم لم يبلغ إلى الثدي وما تجاوز الدّين قلوبَهم ، بينما عمر مليء بالدّين من رأسه إلى أخمص قدميه ، وأكثر من ذلك فهو يجرّ الدين وراءه جراً ، كما يُجرّ القميص ، فأين أبو بكر الصديق الذي يرجَحُ إيمانه إيمان الأُمّة بأكملها؟!

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب العلم باب فضل العلم ، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة باب فضائل عمر :

عن ابن عمر ، قال : سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : بينما أنا نائمٌ أتيتُ بقدحِ لبن ، فشربتُ حتّى إنّي لأرى الريَّ يخرجُ في أظفاري ، ثم أعطيتُ فضلي عمر بن الخطّاب ، قالوا : فما أوّلتَهُ يا رسول الله؟ قال : العلم.

أقول : فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ وإذا كان ابن الخطّاب قد فاق الأُمّة بأكملها أو النّاس بأجمعهم في الدّين بما فيهم أبو بكر ، ففي هذه الرواية صراحة بأنّه فاقهم أيضاً في العلم ، فهو أعلم النّاس بعد الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

بقيت هناك فضيلة أُخرى يتبارى النّاس في التحلّي بها والانتماء إليها ،


وهي من الصفات الحميدة التي يحبّها الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويحبّها جميع النّاس ويحاولون الوصول إليها ، ألا وهي الشجاعة فلا بدّ للرّواة أن يضعوا فيها حديثاً لفائدة أبي حفص وقد فعلوا.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، باب قول النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو كنت متخذاً خليلا ، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة ، باب من فضائل عمر :

عن أبي هريرة : قال : سمعتُ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : بينما أنا نائم رأيتُني على قليب ، عليها دَلْوٌ ، فنزعتُ منها ما شاء الله ، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعِهِ ضَعْفٌ ، والله يغفر له ضعفَهُ ، ثم استحالَتْ غرباً فأخذها ابن الخطّاب ، فلم أرَ عبقرياً من الناس ينزعُ نزعَ عُمَرَ ، حتى ضربَ النّاسَ بعطَن.

فإذا كان الدّين وهو مركز الإيمان والإسلام ، والتقوى والتقرّب إلى الله سبحانه قد حازه عمر بن الخطّاب حتّى جرّه وراءه ، بينما النّاس لم يكن نصيبهم منه إلاّ ما يبلغ الثدي وبقيت أجسامهم عارية ، وإذا كان العلم اختصّ به عمر بن الخطّاب ، فلم يترك للنّاس شيئاً من فضل الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذْ أعطاه إليه فشربه كلّه ، ولم يفكّر حتّى في صاحبه أبي بكر الصّديق ـ وهو لا شكّ العلم الذي خوّل عمر أن يغيّر أحكام الله بعد وفاة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، باجتهاده ولا شكّ أنّ اجتهاده من فضل ذلك العلم ـ وإذا كانت القوة والشجاعة قد اختصّ بها ابن الخطّاب أيضاً ، بعد الضعف الذي بدا على صاحبه أبي بكر ـ وهذا صحيح ، ألم يقل له أبو بكر مرّة ( لقد قلتُ لك : إنّك أقوى على هذا الأمر منّي


ولكنّك غلبتني ) فيغفر الله لأبي بكر لضعفه ولتقدّمه في الخلافة عليه ، لأنّ أنصار عمر من بني عدي وبني أُميّة ، ما رأوا رخاءً وانتفاعاً وغنائم وفتوحات مثل ما رأوه في زمانه نعم كل هذا فضل عمر بن الخطّاب في الحياة الدنيا; فلا بدّ أن يضمنوا له الجنّة في الآخرة ـ أيضاً ـ بمرتبة أكبر وأفضل من صاحبه أبي بكر ، وقد فعلوا.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في صفة الجنة وأنّها مخلوقة ، وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر :

عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : بينما نحن عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ قال : بينما أنا نائمٌ ، رأيتُنِي في الجنَّة ، فإذا امرأةٌ تتوضَّأُ إلى جانب قصر ، فقلت : لمن هذا القصْرُ؟ فقالوا : لعمر بن الخطّاب ، فذكرتُ غَيْرَتَهُ فولّيتُ مدبراً ، فبكى عُمرُ ، وقال : أعليكَ أغَارُ يا رسول الله؟!

أخي القارئ أظنّك فطنت إلى تنسيق هذه الروايات المكذوبة ، وقد سطّرتُ على كلّ منها تحت عبارة واحدة مشتركة في كلّ الروايات التي اختصّت بفضائل عمر بن الخطّاب ، ألا وهي قول الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وحاشاه طبعاً ) : بينما أنا نائم ، فتجدها دائماً في كلّ الرّوايات : بينما أنا نائم رأيت النّاس يعرضون علىَّ ، بينما أنا نائمٌ أُتيتُ بقدحِ لبن ، بينما أنا نائمٌ رأيتني على قليب ، وبينما أنا نائمٌ رأيتني في الجنّة.

ولعلّ راوي الحديث كان كثير الحلم والأضغاث ، فكان يتأوّل ويختلق الروايات على لسان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكم كُذِبَ عليه في حياته وهو موجود بين


ظهرانيهم ، فكيف بعد وفاته ، وقد انحرفت الأُمّة وتقاتلوا وأصبحوا مذاهب وأحزاباً كلّ حزب بما لديهم فرحون.

ولكن بقي شيء واحدٌ سجّلَهُ المؤرّخون ، والصّحابة الذين كانوا من أنصار عمر بن الخطاب نفسه ، ألا وهو الخلق الذي كان يمتاز به عُمرُ في الغلظة والفظاظة والشدّة على الناس وحدّة الطبع ، ومن كان هذا طبعه عادة لا يحبّه الناس ، قال تعالى :( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (١) .

ولكنّ المعجبين بعمر يقلّبون الموازين ، ويجعلون من النقيصة منقبة ومن الرذيلة فضيلة ، فقد عمدوا إلى اختلاق رواية في شدّة السخافة والبلاهة ، والمسّ بكرامة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يشهد الله سبحانه بأنّه ليس فظّاً ولا غليظاً ، وإنّما هو ليّن الطبع( فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) (٢) ،( وَإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم ) (٣) ،( بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (٤) ، و( رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (٥) ، فلنستمع إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون فيه :

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب صفة إبليس وجنوده ، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر :

عن سعد بن أبي وقّاص ، قال : استأذن عمر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعندَهُ

____________

(١) آل عمران : ١٥٩.

(٢) آل عمران : ١٥٩.

(٣) القلم : ٤.

(٤) التوبة : ١٢٨.

(٥) الأنبياء : ١٠٧.


نساءٌ من قريش يكلّمنَهُ ، ويستكثرنَهُ ، عالية أصواتُهنَّ ، فلما استأذن عمرُ قُمْنَ يبتدرنَ الحجابَ ، فأذنَ لَهُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضحَكُ ، فقال عمرُ : أضحك اللّهَ سِنَّك يا رسول اللّه؟ قال : « عجبتُ من هؤلاء اللاّتي كنَّ عندي ، فلمَّا سمعنَ صوتكَ ابتدرنَ الحجابَ ».

قالَ عُمرُ : فأنتَ يا رسول الله كنتَ أحقَّ أن يهبنَ ، ثمّ قال : أي عديّاتِ أنفسهنّ! أتهبنني ولا تهبن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قلن : نعم! أنتَ أفظُّ وأغلظُ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « والذي نفسي بيده ما لقيَكَ الشيطانُ قطٌّ سالِكاً فجّاً إلاّ سَلك فجّاً غير فجّكَ »!!

كَبُرَتْ كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذباً ، أُنظر إلى فظاعة الرّواية ، وكيف أنّ النّساء يهبنَ عمر ولا يهبنَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويرفعن أصواتهن فوق صوت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يحترمنه فلا يحتجبن بحضرته ، وبمجرّد سماع صوت عمر سكتنَ وابتدرن الحجاب؟!

عجبتُ والله من أمر هؤلاء الحمقَى الذين لا يكفيهم كلّ ذلك حتّى ينسبون إليه أنّه فظٌّ غليظ بكلّ صراحة ، لأنّ عمر أفظّ وأغلظ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهي من أفعال التفضيل ، فإن كانت هذه فضيلة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعمر أفضل منه ، وإن كانت رذيلة فكيف يقبل المسلمون وعلى رأسهم البخاري ومسلم مثل هذه الأحاديث؟!

ثمّ لم يكفهم كلّ ذلك حتّى جعلوا الشيطان يلعبُ ويمرحُ بحضرة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يخافه ، فلا شكّ أنّ الشيطان هو الذي استفزّ النسوة حتى يرفعن أصواتهنّ ويخلعن حجابهنّ ، ولكنّ الشيطان هربَ وسلك فجّاً آخر


بمجرّد دخول عمر بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

هل رأيتَ أيُّها المسلم الغيور ما هي قيمة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم ، وكيف أنّهم يقولون من حيث يشعرون أو لا يشعرون بأنّ عمر أفضل منه؟!

وهو بالضبط ما يقع اليوم عندما يتحدّثون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعدّدون أخطاءه المزعومة ، ويبرّرون ذلك بأنّه بشر غير معصوم ، وبأنّ عمر كثيراً ما كان يصلح أخطاءه ، وأنّ القرآن كان ينزل بتأييد عمر في العديد من المرّات ، ويستدلّون بعبسَ وتَولَّى ، وبتأبير النخل ، وبأسرى بدر وغيرها.

ولكنّك عندما تقول أمامهم بأنّ عمر أخطأ في تعطيل سهم المؤلّفة قلوبهم ، أو في تحريم المتعتين ، أو في التفضيل في العطاء; فإنّك ترى أوداجهم تنْتفخ ، وأعينهم تحمّر ، ويتّهمونك بالخروج عن الدّين ، ويقال لك : من أنت يا هذا حتى تنتقد سيّدنا عمر الفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل!! وما عليك إلاّ أن تُسَلّمَ ولا تحاول الكلام معهم ثانية ، وإلاّ قد يلحقك منهم الأذى.

البخاري يدلّس الحديث حفاظاً على كرامة عمر بن الخطّاب

نعم ، إنّ الباحث إذا ما تتّبع أحاديث البخاري لا يفهم الكثير منها ، وتبدوا كأنّها ناقصة أو مقطّعة ، وأنّه يخرج نفس الحديث بنفس الأسانيد ، ولكنّه في كلّ مرّة يعطيه ألفاظاً مختلفة في عدّة أبواب ، كلّ ذلك لشدّة حبه لعمر بن الخطاب.

ولعلّ ذلك هو الذي رغّب أهل السنّة فيه فقدّموه على سائر الكتب ، رغم أنّ مسلماً أضبط ، وكتابه مرتّب حسب أبواب ، إلاّ أنّ البخاري عندهم أصحّ


الكتب بعد كتاب الله لأجل هذا ، ولأجل انتقاصه فضائل علي بن أبي طالب ، فالبخاري عمل من جهة على تقطيع الحديث وبتره إذ كان فيه مسٌّ بشخصية عمر ، كما عمل نفس الأُسلوب مع الأحاديث التي تذكر فضائل علي ، وسنُوافيك ببعض الأمثلة على ذلك قريباً إن شاء الله.

بعض الأمثلة على تدليس الحديث التي فيها حقائق تكشف عن عمر ابن الخطاب :

١ ـ أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الحيض باب التيمّم ، قال : جاء رجل إلى عمر فقال : إنّي أجنبتُ فلم أجد مَاءً؟ فقال عمر : لا تُصلِّ ، فقال عمّار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنَا وأنتَ في سريّة ، فأجنبنا فلم نجد ماءً ، فأما أنتَ فلم تُصلِّ ، وأما أنَا فتمعّكتُ في التّراب وصلّيتُ ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّما كان يكفيكَ أنْ تضربَ بيديك الأرض ، ثمّ تنفُخ ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيكَ » ، فقال عمر : إتّق الله يا عمّار! قال : إن شئتَ لم أحدّثْ به.

وأخرج هذه الرّواية كلّ من أبي داود في سننه ، وأحمد بن حنبل في مسنده ، والنّسائي في سننه ، والبيهقي ، وابن ماجه أيضاً(١) .

ولكنّ البخاري خان الأمانة أمانة نقل الحديث ، كما هو ومن أجل الحفاظ على كرامة عمر دلّس الحديث; لأنّه لم يعجبهُ أن يعرف النّاس جهل الخليفة بأبسط قواعد الفقه الإسلامي ، وإليك الرواية التي تصرّف فيها البخاري.

____________

(١) مسند أحمد ٤ : ٢٦٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٨٨ ح ٥٦٩ ، سنن النسائي ١ : ١٦٦ ، السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٢٠٩ ، سنن أبي داود ١ : ٨١ ح ٣٢٢.


أخرج البخاري في صحيحه من كتاب التيمّم ، باب المتيمّم هل ينفخ فيهما :

قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب ، فقال : إنّي أجنبتُ فلم أصبِ الماءَ ، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب : أمَا تذكر أنّا كنَّا في سفر أنا وأنتَ الحديث.

وهو كما ترى حذف منه البخاري « فقال عمر : لا تُصلِّ » لأنّها أربكت ولا شكّ البخاري ، فحذفها وتخلّص منها لئلا يكشف للنّاس عن مذهب عمر الذي كان يرتئيه في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واجتهاده مقابل نصوص القرآن والسنّة ، وبقاءه على مذهبه هذا حتّى بعدما أصبح أميراً للمؤمنين ، وأخذ ينشر مذهبه في أوساط المسلمين ، وقد قال ابن حجر : « هذا مذهبٌ مشهور عن عمر »(١) ، والدّليل على أنّه كان يشدّد على ذلك قول عمّار له : إن شئت لم أحدّث به. فاقرأ وأعجب!!

٢ ـ أخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك من جزئه الثاني صفحة ٥١٤ ، وصحّحه الذهبي في تلخيصه.

عن أنس بن مالك قال : إنّ عمر بن الخطّاب قرأ على المنبر قوله :( فَأَنْبَتْنا فِيها حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبّاً ) قال : كلّ هذا عرفناه فما الأَبُّ؟ ثمّ قال : هذا لعمر الله هو التكلّف ، فما عليك أن لا تدري ما الأبُّ ، اتبعوا ما بيّنَ لكم هداه من الكتاب فاعملوا به ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه.

____________

(١) فتح الباري ١ : ٣٧٦.


وهذه الرّواية قد نقلها أغلب المفسّرين في كتبهم وتفاسيرهم لسورة عبس ، كالسّيوطي في الدر المنثور ، والزمخشري في الكشاف ، وابن كثير في تفسيره ، والرّازي في تفسيره ، والخازن في تفسيره(١) .

ولكنّ البخاري وكعادته حذف الحديث وأبتره; لئلا يعرف النّاس جهل الخليفة بمعنى الأبُّ ، فروى الحديث كالآتي :

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلّف ما لا يعنيه ، قول الله تعالى :( لا تَسْألُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (٢) :

عن أنس بن مالك قال : كنّا عند عُمر فقال : نهينا عن التكلّفِ.

نَعم ، هكذا يفعل البخاري بكلّ حديث يشمُّ منه انتقاصاً من عمر ، فكيف يفهم القارئ من هذا الحديث المبتور حقيقة الأشياء ، فهو يستُر جهل عمر بمعنى الأبّ ، ويقول فقط قال : نهينا عن التكلّف.

٣ ـ أخرج الحاكم في المستدرك ٢ : ٥٩ ، وأبو داود في سننه ٢ : ٣٣٩ ، والبيهقي في سننه ٨ : ٢٦٤ ، وابن حجر في فتح الباري ١٢ : ١٠٧ ، وأحمد في مسنده ١ : ٣٣٥ بسند صحيح ، وابن ماجة ١ : ٦٥٩ ، ح ٢٠٤٢ مختصراً وغيرهم ، عن ابن عباس أنّه قال : أُتي عمر بمجنونة قد زنتْ ، فاستشار فيها أُناساً فأمر بها أن تُرجم ، فمرّ بها علي بن أبي طالب فقال : « ما شأنها »؟

____________

(١) تفسير الطبري ٣٠ : ٧٧ ، تفسير القرطبي ١٩ : ٢٢٣ ، تفسير ابن كثير ١ : ٦ ، الدر المنثور ٦ : ٣١٧ ، وانظر الغدير للأميني ٦ : ٩٩.

(٢) المائدة : ١٠١.


قالوا : مجنونة بني فلان زنت ، فأمر بها عمر أن تُرجم ، قال : « ارجعوا بها » ، ثمّ أتاه فقال : « ألم تعلم أنّ القلَم رُفعَ عن المجنون حتّى يعْقل ، وعن النائم حتّى يستيقظ ، وعن الصبىّ حتّى يحتلم »؟ فخلّى عنها عمر وقال : « لولا علىّ لهلك عمر »(١) .

ولكن البخاري أربكته هذه الرواية ، فكيف يعرف النّاس جهل عمر بأُمور الحدود التي رسمها كتاب الله وبيّنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يترأس على منصّة الخلافة من كانت هذه حاله ، ثمّ كيف يذكر البخاري هذه الرواية وفيها فضيلة لعلىّ بن أبي طالب الذي كان يسهر على تعليمهم ما يجهلون ، واعتراف عمر بقوله أنّه « لولا علىّ لهلك عمر » ، فلننظر للبخاري كيف يحرّف الرواية ويدلّسها :

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة ، باب لا يرجَمُ المجنون والمجنونة ، قال البخاري بدون ذكر أي سند :

وقال عليٌّ لعمر : « أما علمت أنَّ القَلَمَ رفع عن المجنون حتّى يفيق ، وعن الصبىّ حتى يُدرِكَ ، وعن النائم حتى يستيقظ »؟.

نعم ، هذا مثالٌ حىٌّ لتصرّف البخاري في الأحاديث ، فهو يبتر الحديث إذا كان فيه فضيحة لعمر ، ويُـبترُ الحديث أيضاً إذا كان فيه فضيلة أو منقبة للإمام علي فلا يطيق تخريجه.

٤ ـ أخرج مسلم في صحيحه من كتاب الحدود ، باب حدّ شارب الخمر :

____________

(١) هذه الزيادة وردت في فيض القدير ٤ : ٤٧٠ ، المناقب للخوارزمي : ٨١ ح ٦٥ ، التذكرة للسبط : ٦٥.


عن أنس بن مالك : أنّ النبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُتِيَ برجل قد شرب الخمر ، فجلده بجريدتين نحو أربعين ، قال : وفعله أبو بكر ، فلمَّا كان عمر ، استشار النّاس ، فقال عبد الرحمن بن عوف : أخفّ الحدود ثمانين ، فأمر به عمر.

والبخاري كعادته لا يريد إظهار جهل عمر بالحكم في الحدود ، وكيف يستشير النّاس في حدٍّ معلوم فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ فعله بعده أبو بكر.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الحدود ، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر :

عن أنس بن مالك : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرب في الخمْر بالجريد والنّعال ، وجلدَ أبو بكر أربعين.

٥ ـ أخرج المحدّثون والمؤرّخون الذين أَرَّخوا مرض النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووفاته ، وكيف طلب منهم أن يكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً ، وهو ما سُمِّي برزيّة يوم الخميس ، وكيف أنّ عمر بن الخطّاب عارض وقال بأنّ رسول الله يهجرَ ـ والعياذ بالله ـ.

وقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الجهاد ، باب هل يستشفع إلى أهل الذمّة ومعاملتهم ، وأخرجه مسلم في صحيحه من كتاب الوصية ، باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه :

عن ابن عبّاس ( رضي الله عنه ) ، أنّه قال : يومُ الخَميس ، ومَا يوم الخميس ، ثمّ بكى حتّى خضبَ دمعه الحصْباء ، فقال : اشتدّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وَجعهُ يوم الخميس ، فقال : « ائتوني بكتاب ، أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً » فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازعٌ ، فقالوا : هَجَرَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه » وأوصى عند موته بثلاث :


« أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفْد بنحو ما كنت أجيزهم » ونسيتُ الثَّالثة.

نعم ، هذه هي رزيّة يوم الخميس التي لعب فيها عمر دور البطولة ، فعارض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنعه أنّ يكتب ، وبتلك الكلمة الفاحشة التي تعارض كتاب الله ، ألا وهي أنّ النّبي يهجر ، والبخاري ومسلم نقلاها هُنا بالعبارة الصحيحة التي نطق بها عمر ، ولم يُبدِّلاها ما دام اسم عمر غير وارد ، ونسبة هذا القول الشنيع للمجهول لا يضرّ.

ولكن عندما يأتي اسم عمر في الرواية التي تذكر بأنّه هو الذي تلفّظ بها ، يصعب ذلك على البخاري ومسلم أن يتركاها على حالها; لأنّها تفضَحُ الخليفة ، وتظهره على حقيقته العارية ، وتكشف عن مدى جُرأته على مقام الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والذي كان يعارضُه طيلة حياته في أغلب القضايا.

وعرف البخاري ومسلم ومن كان على شاكلتهم بأنّ هذه الكلمة وحدها كافية لإثارة عواطف كلّ المسلمين حتّى أهل السنّة ضدّ الخليفة ، فعمدوا إلى التّدليس ، فهي مهنتهم المعروفة لمثل هذه القضايا ، وأبدلوا كلمة « يهجُر » بكلمة « غلب عليه الوجع » ، ليبعدوا بذلك تلك العبارة الفاحشة ، وإليك ما أخرجه البخاري ومسلم في نفس موضوع الرزيّة :

عن ابن عباس ، قال : لما حُضر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب ، قال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده » ، فقال عمر : إنّ النبىّ قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله.

فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النّبي كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللّغو


والاختلاف عند النّبي قال لهم : قوموا. قال عبد الله بن مسعود : فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرّزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(١) .

وبما أنّ مسلماً أخذها عن أُستاذه البخاري ، فنحنُ نقول للبخاري : مهْما هذّبْتَ العبارة ، ومهما حاولت تغطية الحقائق ، فإنّ ما أخرجته كاف وهو حجةٌ عليك وعلى سيّدك عمر; لأنّ لفظ « يهجر » ومعناه يهذي ، أو « قد غلب عليه الوجع » ، تؤدّي إلى نفس النتيجة; لأنّ المتمعّن يجد أنّ النّاس حتّى اليوم يقولون : مسكين فلان تغلّبت عليه الحُمَّى حتى أصبح يهذي.

وخصوصاً إذا أضفنا إليها كلامه : « عندكم القرآن حسبنا كتاب الله » ومعنى ذلك أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انتهى أمره ، وأصبح وجوده كالعدم!!

وأنا أتحدّى كلّ عالم له ضمير أن يتمعّن فقط في هذه الواقعة بدون رواسب وبدون خلفيّات ، فسوف تثور ثائرته على الخليفة الذي حرم الأُمّة من الهداية ، وكان سبباً مباشراً في ضلالتها.

ولماذا نخشى من قول الحقّ ما دام فيه دفاعٌ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبالتالي عن القرآن وعن المفاهيم الإسلاميّة بأكملها ، قال تعالى :( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ) (٢) .

فلماذا يحاول بعض العلماء حتى اليوم في عصر العلم والنور جهدهم

____________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٩ كتاب المرضى ، باب قول المريض : قوموا عني ، صحيح مسلم ٥ : ٧٦ كتاب الوصية ، باب ترك الوصية.

(٢) المائدة : ٤٤.


تغطية الحقائق بما يختلقونه من تأويلات متكلّفة لا تُسْمِنُ ولا تُغْني من جوع؟!

فإليك ما ابتكره العالم محمّد فؤاد عبد الباقي في شرحه لكتاب « اللؤلؤُ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان » عند إيراده لحديث رزيّة يوم الخميس قال يشرح الواقعة : « ائتوني بكتاب » أي ائتوني بأدوات كتاب كالقلم والدواة ، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو الكاغد والكتف; والظاهر أنّ هذا الكتاب الذي أراده إنّما هو في النصّ على خلافة أبي بكر ، لكنّهم لمّا تنازعوا واشتدّ مرضهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدل عن ذلك ، معوّلا على ما أصَّلَهُ من استخلافه في الصّلاة.

ثمّ أخذ يشرح معنى هَجَر قال : هجر : ظنّ ابن بطّال أنّها بمعنى اختلط ، وابن التين أنّها بمعنى هَذَى; وهذا غير لائق بقدره الرفيع ، ويحتمل أن يكون المراد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هجركم ، من الهجر الذي هو ضدّ الوصل ، لما قد وردَ عليه من الواردات الإلهية ، ولذا قال : في الرفيق الأعلى ، وقال ابن الأثير : إنّه على سبيل الاستفهام وحذفتْ الهمزة ، أي هل تغيّرَ كلامه واخْتَلَطَ لأجل ما به من المرض ، وهذا أحسن ما يقالُ فيه ، ولا يجعل إخباراً فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان ، والقائل كان عمر ولا يُظنُّ به ذلك(١) . انتهى كلامه.

ونحن نردّ عليك يا سيادة العالم الجليل أنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً ، ويكفينا اعترافك بأنّ قائل هذا الفحش هو عُمر! ومن أنبأك بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يكتب خلافة أبي بكر؟ وهل كان عمر ليعترض على ذلك؟

____________

(١) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٢ : ١٦٦ ، كتاب الوصية.


وهو الذي شيّد أركان الخلافة لأبي بكر ، وحملَ النّاس عليها غصباً وقهراً حتّى هدَّد بحرق بيت الزّهراء ، وهل هناك من ادّعى هذا غيرك يا سيادة العالم الجليل؟

والمعروف عند العلماء قديماً وحديثاً(١) بأنّ علىَّ بن أبي طالب هو المرشّح للخلافة من قبل الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن لم يعترفوا بالنصّ عليه ، ويكفيك ما أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب الوصايا من جزئه الثالث صفحة ١٨٦ ، قال : ذكروا عند عائشة أنَّ عليّاً رضي الله عنهما كان وصيّاً ، فقالت : متى أوصى إليه وقد كنتُ مسندته إلى صدري فدعا بالطسَّتِ ، فلقد انخنث في حجري فما شعرتُ أنّه قد ماتَ ، فمَتى أوصى إليه؟(٢) .

والبخاري أخرج هذا الحديث لأنّ فيه إنكار الوصيّة من طرف عائشة ، وهذا ما يعجب البخاري ، ولكن نحن نقول : بأنّ الذين ذكروا عند عائشة أنّ

____________

(١) إنّ هذا الأمر كان معلوماً لدى الصحابة فضلا عن العلماء ويدلّ عليه أُمور :

منها : ما قاله عليّعليه‌السلام : « قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أرى أنّي أحق بهذا الأمر » ( اُسد الغابة ٤ : ٣١ ) ، ومنها : ما قاله العباس لعليّ بعد ما توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي قم حتى أبايعك ومن حضر فقال عليّ : وأحدٌ؟ يعني يطمع فيها غيرنا » ( الطبقات لابن سعد ٢ : ١٩٠ ط دار الكتب العلمية ). فالمسألة إذاً كانت معلومة واضحة لدى الصحابة ولذا تأخّر قوم عن البيعة وذهبوا إلى بيت فاطمةعليها‌السلام وليس ذلك إلاّ لاعتقادهم أحقية عليّعليه‌السلام بالأمر دون غيره.

(٢) لا بأس بذكر ما أورده الشوكاني في نيل الأوطار ٦ : ١٤٥ على القرطبي حينما استشهد بكلام عائشة على نفي الوصية ، فقال : « ولا يخفى أنّ نفي عائشة للوصية حال الموت لا يستلزم نفيها في جميع الأوقات ، فإذا أقام البرهان الصحيح من يدّعي الوصاية في شيء معين قبل ».


رسول الله أوصى لعلي صادقين; لأنّ عائشة لم تكذّبهم ولم تنْفِ هي نفسها الوصية ، ولكنّها سألت كالمستنكرة متى أوصى إليه؟

ونجيبها بأنّه أوصى إليه بحضور أُولئك الصحابة الكرام وفي غيابها هي ، ولا شكّ بأنّ أُولئك الصّحابة ذكروا لها متّى أوصى إليه ، ولكنّ الحكّام المتسلّطين منعوا ذكر مثل هذه المحاججات ، كما منعوا ذكر الوصيّة الثالثة ونسوها ، وقامتْ السياسة على طمس هذه الحقيقة.

على أنّ عمر نفسه صرّح بأنّه منع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الكتاب لعلمه بأنّه يختصّ بخلافة علي بن أبي طالب ، وقد أخرج ابن أبي الحديد الحوار الذي دار بين عمر بن الخطّاب وعبد الله بن عبّاس ، وفيه قال عمر وهو يسأل ابن عباس : هل بقي في نفس عليّ شيء من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس : نعم ، فقال عمر : ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرّح باسمه ، فمنعتُه من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام(١) .

فلماذا تتهرّب يا سيادة العالم من الواقع ، وبدلا من إظهار الحقّ ، بعدما ولّى عصر الظلمات مع بني أُميّة وبني العبّاس ، ها أنتم تزيدون تلك الظلمات غشاوة وأستاراً ، فتحجبوا غيركم عن إدراك الحقيقة والوصول إليها؟! وإن كنت قُلتَ الذي قُلتَ عن حسن نيّة ، فإني أسأل الله سبحانه أن يهديك ويفتح بصيرتك.

____________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ١٢ : ٢١ ، وذكر ابن أبي الحديد أنّ الخبر نقله أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسنداً. ( المؤلّف ).


٦ ـ كما أنّ البخاري فعل الكثير من أجل تبديل وتدليس وتخليط الأحاديث النّبوية; التي يشعر من خلالها أنّ هناكَ توهيناً وانتقاصاً لهيبة أبي بكر وعمر ، فها هو يعمدُ إلى حادثة تاريخية مشهورة قال فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديثاً لم يعجب الإمام البخاري ، فأعفاه تماماً وكمالا; لأنّه يرفع مكانة علي على حساب أبي بكر.

فقد روى علماء السنّة في صحاحهم ومسانيدهم ، كالترمذي في صحيحه ، والحاكم في مستدركه وأحمد بن حنبل في مسنده ، والإمام النسائي في خصائصه ، والطبري في تفسيره ، وجلال الدّين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور ، وابن الأثير في تاريخه ، وصاحب كنز العمّال ، والزمخشري في الكشّاف ، وغير هؤلاء كثيرون ، أخرجوا كلّهم :

إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبا بكر ( رضي الله عنه ) وأمره أن ينادي بهذه الكلمات ( وهي براءة من الله ورسوله ) ، ثمّ أتبعَهُ عليّاً ( رضي الله عنه ) وأمره أن ينادي بها هو ، فقام علىٌّ ( رضي الله عنه ) في أيام التشريق فنادى : « إنّ الله برىء من المشركين ورسولُه ، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يحجّنّ بعد العام مشرك ، ولا يطوفنّ بالبيت عريان » ، ورجع أبو بكر ( رضي الله عنه ) فقال : يا رسول الله نزل فىّ شيءٌ؟ قال : « لا ، ولكنّ جبرئيل جاءني فقال : لن يؤدّي عنك إلاّ أنتَ أو رجلٌ منك »(١) .

____________

(١) راجعه بألفاظه المختلفة : مسند أحمد ١ : ١٥١ وقال محقّق المسند أحمد شاكر : سنده حسن ، ذخائر العقبى : ٦٩ ، الدر المنثور ٣ : ٢٠٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٤٨ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٣٩ ، المستدرك ٣ : ٥١ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٥٠٦ ح ٧٢ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٢٨ والخصائص له أيضاً : ٩١ ، مسند أبي


لكنّ البخاري كعادته دائماً أخرج الحادثة بطريقته المعروفة والمألوفة ، قال في صحيحه من كتاب تفسير القرآن باب قوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر :

قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنّ أبا هريرة ( رضي الله عنه ) قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين ، بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنْى : أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ، ولا يطوف بالبيت عريان ، قال حميد بن عبد الرحمن : ثم أردف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعلي بن أبي طالب ، وأمره أن يؤذّنَ ببراءة ، قال أبو هريرة : فأذّن معنا علي يوم النحر في أهل منىً ببراءة ، وأنّ لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ(١) .

فانظر أيها القارئ كيف تتمُّ عملية التشويه للأحاديث والأحداث حسب الأغراض والأهواء المذهبية ، فهل هناك شبهٌ بين ما رواه البخاري في هذه القضية ، وما رواه غيره من المحدّثين والمفسّرين من علماء أهل السنة؟!

والبخاري هنا يجعل أبا بكر هو الذي بعث أبا هريرة ، ومؤذّنين يؤذّنون بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ ، ثمّ يدخلُ قول حميد بن عبد الرحمن بأنّ رسول الله أردف بعلي بن أبي طالب ، وأمره أنْ يؤذّن ببراءة.

ثمّ يأتي من جديد قول أبي هريرة بأنّ علي شاركهم في الأذان يوم

____________

يعلى ١ : ١٠٠ ح ١٠٤ ، صحيح ابن حبان ١٥ : ١٧ ، تفسير الطبري ١٠ : ٨٤ ، شواهد التنزيل ١ : ٣٠٥ ، أنساب الأشراف : ١٥٥ ، تاريخ الطبري ٢ : ٣٨٣ ، فتح القدير للشوكاني ٢ : ٣٣٤ ، كتاب السنة لابن أبي عاصم : ٥٩٥ ح ١٣٨٤.

(١) صحيح البخاري ٥ : ٢٠٢.


النحر ببراءة ، وأن لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان!!

وبهذا الأُسلوب قضى البخاري على فضيلة علي بن أبي طالب ، في أنّه هو الذي أَردفه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليبلّغ عنه براءة ، بعدما جاءهُ جبرئيل وأمره عن الله بعزل أبي بكر من تلك المهمة ، وقال له : « لن يؤدي عنك إلاّ أنتَ أو رجلٌ منك ».

فصعب على البخاري أن يعزل أبو بكر بوحي من الله تعالى ، ويُقدّم عليّ ابن أبي طالب عليه ، وهذا ما لا يرتضيه البخاري أبداً ، فعمد إلى الرواية فدَلّسها كغيرها من الرّوايات.

وكيف لا يتنبّه الباحث لهذا الدّس والتزوير ، وخيانة الأمانة العلمية ، خصوصاً وهو يقرأ أنّ أبا هريرة يقول : بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين بعثهم يوم النحر! فهل كان أبو بكر هو الذي يُسيّرُ الأُمورَ حتى في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وكيف أصبح المبعوث هو البَاعث الذي يختارُ مؤذّنينَ من بين الصحابة يا تُرى؟

وتمعّن في أُسلوب البخاري كيف قلَّب كلّ شيء ، فأصبح علي بن أبي طالب ـ المبعوث من قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأداء تلك المهمّة التي لا يصلح لها سِواهُ ـ شريكَ النّداء مع أبي هريرة وبقية المؤذّنين ، دون التعرّض لعزل أبي بكر ولا رجوعه يبكي ـ كما في بعض الروايات ـ ولا التعرّض إلى قول النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « جاءني جبرئيل فقال : لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجلٌ منك »؟!

لأنّ ذلك الحديث هو بمثابة وسام الشّرف الذي قلّده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابن عمِّه ووصيّه على أُمّته علي بن أبي طالب ، ثمّ هو صريح بأنّ ذلك


ماجاء به جبرئيل حسب الحديث النّبوي ، فلا يبقى بعده مجال للمتأوّلين أمثال البخاري في أنّه رأيُ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو كسائر البشر ، والذي يُخطئُ ، كغيره ، فالأولى للبخاري حينئذ أنْ يُبعدَ هذه الرواية ويطرحها كلّياً من حسابه كما طرح غيرها.

فتراه يخرج في صحيحه في كتاب الصلح ، باب كيف يكتب هذا ما صالحَ فلان بن فلان ، قول الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي بن أبي طالب : « أنتَ منِّي وأنا منك » في قضية اختصام علي وجعفر وزيد على ابنة حمزة ، في حين أنّ ابن ماجة ، والترمذي ، والنسائي ، والإمام أحمد ، وصاحب كنز العمّال ، كلّهم يخرجون قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « علي منّى وأنَا من علي ، ولا يؤدّي عنّي إلاَّ أنَا أو علي »(١) قالها في حجّة الوداع ، ولكن أنّى للبخاري أن يُخرجَ ذلك؟!

٧ ـ أضف إلى ذلك أنّ الإمام مسلم أخرج في صحيحه من كتاب الإيمان ، باب الدّليل على أنّ حبّ الأنصار وعلىّ من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النّفاق :

عن علىّ قال : « والذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، إنّه لعهْدُ النبىُّ الأُمّيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليَّ : أنْ لا يُحبّني إلاّ مؤمنٌ ، ولا يبغضُني إلاّ منافِقٌ ».

____________

(١) مسند أحمد ٤ : ١٦٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٤ ح ١١٩ ، سنن الترمذي ٥ : ٢٩٩ ح ٣٨٠٣ وصححه ، المصنف لابن أبي شيبة ٧ : ٤٩٥ ح ٨ ، كتاب السنة لابن أبي عاصم : ٥٨٤ ح ١٣٢٠ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٥ ح ٨١٤٧ ، المعجم الكبير للطبراني ٤ : ١٦ ، الجامع الصغير للسيوطي ٢ : ١٧٧ ح ٥٥٩٥ ، كنز العمال ١١ : ٦٠٣ ح ٣٢٩١٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٤٥ ، تهذيب الكمال للمزي ٥ : ٣٥ ، سير أعلام النبلاء ٨ : ٢١٢ وسنده صحيح.


وأكّد المحدّثون وأصحاب السنن قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعَلي : « ولا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافقٌ »(١) .

أخرجه الترمذي في صحيحه ، والنسائي في سننه ، ومسند أحمد بن حنبل ، والبيهقي في سننه ، والطبري في ذخائر العقبى ، وابن حجر في لسان الميزان ، ولكنّ البخاري رغم ثبوت هذا الحديث عنده ، والذي أخرجه مسلم ورجاله كلّهم ثقات لم يخرج هذا الحديث; لأنّه فكّر ثمّ قدّر ، بأنّ المسلمين سيعرفون نفاق كثير من الصّحابة ، ومن المقرّبين للرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

بهذه الإشارة التي رسمها من لا ينطق عن الهَوى إن هُو إلاّ وحيٌّ يُوحَى ، كما أن الحديث في حدّ ذاته فضيلة كبرى لعلي وحدَه دونَ سائر الناس ، إذ به يُفرقَ الحقّ من الباطل ، ويعرفُ الإيمان من النّفاق.

فهو آية الله العُظمى ، وحجّته الكبرى على هذه الأُمة ، وهو الفتنةُ التي يختبر الله بها أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد نبيّها ، ورغم أن النّفاق هو من الأسرار الباطنية التي لا يطّلعُ عليها إلاّ من يعلم خائنة الأعيُن وما تُخفي الصدور ، ولا يعرفها إلاّ علاّم الغيوب ، فإنّ الله سبحانه تفضّلا منه ورحمةً بهذه الأُمّة وضع لها علامةً ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، وينجو من نجا عن بينة.

____________

(١) مسند أحمد ١ : ٩٥ وقال الشيخ أحمد شاكر : « إسناده صحيح وهو مكرّر ٦٤٢ » ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٦ ح ٣٨١٩ وصحّحه ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٣٧ ح ٨٤٨٧ ، مسند أبي يعلى ١ : ٢٥١ ح ٢٩١ ، المعجم الأوسط ٢ : ٣٣٧ ، تاريخ بغداد ٨ : ٤١٦ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٢٧١ ، أُسد الغابة ٤ : ٢٦ ، تذكرة الحفاظ للذهبي ١ : ١٠ ، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥ : ١٨٩ ، الإصابة ٤ : ٤٦٨ ، البداية والنهاية ٧ : ٣٩١ وغيرها من المصادر.


وأضْربُ لذلك مثالا واحداً على ذكاء البخاري وفطنته من هذه النّاحية ، ولذلك أعتقد شخصيّاً بأنّ أهل السنّة من الأسلاف فضّلوه وقدّموه لهذه الخاصيّة التي يمتاز بها على غيره ، فهو يحاول جهده أن لا يتناقض بأحاديث تخالف مذهبه الذي اختاره وتبنّاه.

فقد أخرج في صحيحه من كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها ، باب هبة الرّجل لامرأته والمرأة لزوجها :

قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، قالت عائشةُ رضي الله عنها : لما ثَقُلَ النّبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاشتدّ وجعُهُ ، استأذن أزواجه أن يُمرضَ في بيتي فأذِنَّ لَهُ ، فخرجَ بينَ رجُلينِ تَخُطُّ رجلاَهُ الأرضَ ، وكانَ بينَ العبّاسِ وبين رجل آخَرَ ، فقال عبيد الله : فذكرتُ لابن عبّاس ما قالتْ عائشةُ ، فقال لي : وهلْ تدري من الرَّجُلُ الذي لم تُسَمِّ عائشة؟ قلتُ : لا! قال : هو علىّ بن أبي طالب.

وهذا الحديث بالضبط أخرجه ابن سعد في طبقاته بسند صحيح في جزئه الثاني في صفحة ٢٩ ، وكذلك صاحب السيرة الحلبية ، وغيرهم من أصحاب السنن وفيه : « إنّ عائشة لا تَطيبُ له نفساً بخير »(١) .

والبخاري أسقط هذه الجملة التي يستفاد منها أنّ عائشة تبغض عليّاً ولا تَطيق ذكر اسمه ، ولكن فيما أخرجه كفاية ودلالة واضحة لمن له دراية بمعارض الكلم; وهل يخفى على أىّ باحث قرأ التاريخ ومحّصة ، بغض أُمّ

____________

(١) مسند أحمد ٦ : ٢٢٨ ، عنه الألباني في إرواء الغليل ١ : ١٧٨ وصحّحه ، الطبقات الكبرى ٢ : ٢٣٣ ، السيرة الحلبية ٣ : ٤٨٦.


المؤمنين لسيّدها ومولاها علي بن أبي طالب(١) ، حتّى إنّها عندما وصلَ إليها خَبرُ قتلِه سجدتْ شكراً لله(٢) .

وعلى كلّ حال رحمَ الله أُمّ المؤمنين وغفرَ لهَا كرامةً لزوجها ، ونحنُ لا نضيّق رحمة الله التي وسعتْ كلّ شي ، وكان بودّنا لو لم تكن تلك الحروب والفتن والمآسي ، التي تسبّبتْ في تفريقنا وتشتيت شملنا وذهاب ريحنا ، حتى أصبحنا اليوم طعمة الآكلين ، وهدف المستعمرين ، وضحيّة الظّالمين ، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

انتقاصُ أهل البيت روايات تعجب البخاري

ومع الأسف الشديد فإنّ الإمام البخاري اختار طريقه ، وسلك سبيله ضمن مدرسة الخُلفاء التي شيّدتها السلطة الحاكمة ، أو أنّ تلك المدرسة هي التي اختارت البخاري وأمثاله ، وصنعتْ منهم ركائز وأركان ورموز لتدعيم سلطانهم ، وترويح مذهبهم ، وتصريف اجتهاداتهم التي أصبحتْ في عهد الأمويين والعباسيين سوقاً رائجة ، وسلعة رابحة لكلّ العلماء الذين تسابقوا وتَباروا لتأييد الخليفة ، بكلّ أساليب الوضع والتّدْليس الذي يتماشى

____________

(١) جاء في الغدير ١ : ٦٦٦ عن الحافظ ابن سمان كما في الرياض النضرة ٣ : ١١٥ ، وذخائر العقبى : ٦٨ ، ووسيلة المآل : ١١٩ ، والمناقب للخوارزمي : ١٦٠ ح ١٩١ ، والصواعق المحرقة : ١٧٩ عن الحافظ الدارقطني عن عمر وقد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعليّ : اقض بينهما ، فقال أحدهما : هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال : ويحك ما تدري من هذا ، هذا مولاي ومولى كلّ مؤمن ، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

(٢) مقاتل الطالبيين : ٥٥ وفيه : « لما أن جاء عائشة قتل عليّ سجدت ».


والسّياسة القائمة ، كلّ ذلك لينالوا عند الحاكم الجاه والمال ، فباعوا أُخراهم بدنياهم ، فما ربحت تجارتهم ، ويوم القيامة يندمون ويخسرون.

فالناس ناس ، والزمان زمان ، فأنتَ ترى اليوم نفس الأساليب ونفس السّياسة ، فكم من عالم جليل هو حبيس داره لا يعرفه النّاس ، وكم من جاهل تربّع على منبر الخطابة ، وإمامة الجماعة ، والتحكّم بمصير المسلمين; لأنّه من المقرّبين الذين نالوا رضَى النظام وتأييده ، وإلاّ قل لي بربّك كيف يفسّر عزوف البخاري عن أهل بيت النبي الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً؟

كيف يفسّر عداء البخاري لهدي الأئمة الذين عاصر وعايش البعض منهم زمن البخاري ، ولم يروِ عنهم إلاّ ما هو مكذوب عليهم; للحطّ من قدرهم السّامي ، والطعن في عصمتهم الثابتة بالقرآن والسنّة ، وسنوافيك ببعض الأمثلة على ذلك.

ثمّ إنّ البخاري ولّى وجهه شطر النّواصب والخوارج الذين حاربوا أهل البيت وقتلوهم ، فتراه يروي عن معاوية ، وعن عمرو بن العاص ، وعن أبي هريرة ، وعن مروان بن الحكم ، وعن مقاتل بن سليمان الذي عُرف بالدّجال(١) ، وعن عمران بن حطّان عدوّ أمير المؤمنين وعدوّ أهل البيت ،

____________

(١) قال ابن حبان في كتاب المجروحين ٣ : ١٤ « كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان شبيهاً يشبّه الرب بالمخلوقين » وعن أبي حنيفة قال : « أتانا من المشرق رأيان خبيثان : جهم معطل ، ومقاتل مشبه » سير أعلام النبلاء ٧ : ٢٠٢ ، ومقاتل هذا وقع في سند رواية رواها البخاري في تاريخه


____________

الكبير ٤ : ٢٩٢ ح ٢٨٦٦. وقال الذهبي في كتاب ميزان الاعتدال ١ : ١٦٠ رقم ٥٩٦٠ ترجمة علي بن هاشم : « ترك البخاري إخراج حديثه فإنّه يتجنّب الرافضة كثيراً ولا نراه يتجنّب القدريّة ولا الخوارج ولا الجهميّة ».

وقد ذكر صاحب كتاب كشف الجاني : ١٣٩ أنّ معاوية وعمرو بن العاص وأبا هريرة صحابة ، والصحبة كافية للحكم بالعدالة كما هو مبنى السنّة ، وقد قدّمنا فيما سبق بعض أحوال معاوية ، وبعض تصرّفات أبي هريرة وتدليساته؟.

وذكر صاحب كشف الجاني أنّ مروان بن الحكم غير متّهم في حديثه.

وهذا رميٌ للكلام بدون تثبت; إذ ذكره الذهبي في كتابه المغني في الضعفاء ٢ : ٣٩٧ ترجمة ٦١٦٦ ، وقد ذكر في مقدّمة كتابه أنّه خصّصه في : ( ذكر الكذابين الوضاعين ، ثمّ على ذكر المتروكين الهالكين ثمّ على الضعفاء من المحدّثين الناقلين ، ثمّ على الكثير الوهم من الصادقين ، ثمّ على الثقات الذين فيهم شيء من اللين ثمّ على خلق كثير من المجهولين «.

وفي صحيح ابن حبّان ٣ : ٣٩٦ : « قال أبو حاتم رضي الله عنه : عائذ بالله أن نحتجّ بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا ».

وقال عنه الشيخ الألباني في مختصر صحيح البخاري ١ : ١٩٠ : « فيه كلام معروف عند المحدّثين ».

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ١٠ : ٩٢ : « وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه وعدّ من موبقاته أنّه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل ».

وقال ابن حزم : « مروان بن الحكم أوّل من شقّ عصى المسلمين بلا شبهة ولا تأويل ، وإنه قتل النعمان بن بشير أوّل مولود في الإسلام للأنصار » المغني في معرفة رجال الصحيحين : ٢٣٥. هذا من جهة منزلة مروان بن الحكم عند المحدّثين.

وأمّا سيرته وأفعاله فهي كالنار على المنار ، مليئة بالخيانة والحقد على المسملين ، قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٤ : ٨٩ : « له أعمال موبقة ، نسأل


____________

الله السلامة ، رمى طلحة بسهم» .

وفي سير أعلام النبلاء ١ : ٣٥ : « عن قيس قال : رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في ركبته فما زال ينسح حتى مات ، رواه جماعة عنه.

ولفظ عبد الحميد بن صالح : هذا أعان على عثمان ولا أطلب بثأري بعد اليوم.

قلت : قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علياً ».

وقال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام ١ : ٢٣٤ : « كان يوم الحرّة مع مسلم بن عقبة ، وحرّضه على أهل المدينة » ، وارجع إلى حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صحيح مسلم ٤ : ١٢١ « من أراد أهلها بسوء ( يريد المدينة ) أذابه الله كما يذوب الملح في الماء » فهو ممّن شمله دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو من أصحاب النار.

وفي سير أعلام النبلاء ٣ : ٤٧٧ : « كان مروان أميراً علينا ، فكان يسبّ رجلا كلّ جمعة ، ثمّ عزل بسعيد بن العاص ، وكان سعيد لا يسبه ، ثمّ أُعيد مروان فكان يسبّ ، فقيل للحسن : ألا تسمع ما يقول؟ فجعل لا يردّ شيئاً » وقد ذكر في تاريخ الإسلام ١ : ٢٣٥ اسم ذلك الرجل الذي كان يسبه مروان وهو علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

وذكر في كشف الجاني أيضاً بأنّ المؤلّف كذب حينما قال : بأنّ البخاري يروي عن المجسّمة والمجاهيل!

وهذا ـ أيضاً ـ من جهل صاحب كتاب كشف الجاني إذ بمراجعة بسيطة لمقدّمة فتح الباري وغيرها يجد أنّ هنالك العديد من المجاهيل بل والمتهمين بالكذب ممّن روى البخاري عنهم ، نورد بعض الأسماء ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى مقدّمة فتح الباري :

فمن الرواة المجاهيل الذين روى عنهم البخاري :

(١) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة : قال القطان الفاسي : لا يعرف حاله. هدي الساري إلى فتح الباري ، ابن حجر ٥٤٨.

(٢) أسباط أبو اليسع : قال أبو حاتم : مجهول. المصدر السابق ٥٤٩.


____________

(٣) الحسين بن الحسن بن يسار : قال أبو حاتم : مجهول. المصدر السابق ص٥٦٠.

(٤) أُسامة بن حفص أو ابن جعفر المدني : قال اللالكائي : مجهول ، وقال الأزدي ضعيف. ميزان الاعتدال ١ : ١٧٤ ، رقم ٧٠٤ ، هدي الساري : ٣٨٦ ، المغني في معرفة الرجال الصحيحين : ٢٨ رقم ١٣١.

(٥) ثور بن زيد الديلي : قال اليبهقي : مجهول. ميزان الاعتدال ١ : ٣٧٣.

(٦) الحسن بن إسحاق بن زياد أبو علي الليثي المروزي : قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : هو مجهول ، وقال الذهبي : مجهول الجرح والتعديل ٣ : ٢ ، ميزان الاعتدال ٢ : ٢٢٧ ، المغني في الضعفاء ١ : ٢٤٤.

(٧) حصين بن محمّد الأنصاري السالمي : قال الذهبي : فيحتجّ به في الصحيحين ، ومع هذا فلا يكاد يعرف. ميزان الاعتدال ١ : ٥٥٤.

(٨) عبد الواحد بن عبد الله بن كعب النصري : قال ابن حزم : مجهول. تهذيب التهذيب ٦ : ٤٣٦ ، الضعفاء لابن الجوزي ٢ : ١٥٦.

(٩) محمّد بن يزيد الكوفي الحزامي : قال أبو حاتم : مجهول. هدي الساري : ٤٤٣.

ومن الرواة المتهمين بالكذب الذين روى عنهم البخاري :

(١) أسيد بن زيد الجمّال : قال النسائي : متروك ، وقال ابن معين : حدّث بأحاديث كذب ، وقال ابن خلفون : وذكر ابن الاعراتي عن عباس بن محمّد الدورقي عن يحيى بن معين قال : أسيد بن زيد الجمال : كذاب ، ذهب إليه في الكرخ ونزل دار الحذائين فأردت أن أقول : ياكذاب ، ففرقت من شفار الحذائين. المصدر السابق ٥٥٢ ، المعلم بشيوخ البخاري ومسلم : ١١٤ رقم ٨٨.

(٢) شجاع بن الوليد بن قيس السكوني : اتهمه يحيى بن معين بالكذب. المصدر السابق ص٥٧٥.

(٣) عكرمة أبو عبد الله مولى ابن عباس : متّهم بالكذب. المصدر السابق


____________

ص٥٩٦.

(٤) أحمد بن صالح أبو جعفر المصري : قال النسائي : ليس بثقة ولا مأمون. وقال أيضاً : تركه محمّد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب ، هدي الساري : ٣٨٣ وقال معاوية بن صالح عن ابن معين : أحمد بن صالح كذاب يتفلسف ، الضعفاء والمتروكين ٥٦ ، تهذيب التهذيب ١ : ٣٩.

(٥) إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس بن مالك بن أبي عامر المدني : قال يحيى ابن معين ، مخلط يكذب ليس بشيء.

وقال الدولابي : سمعت النظر بن سلمة المروزي يقول : كذّاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب. ميزان الاعتدال ١ : ٢٢٢ رقم ٨٥٤ تهذيب التهذيب ١ : ٣١٠ ، الضعفاء والمتروكين : ٥١ ، المغني في معرفة رجال الصحيحين : ٣٥ ، ١٩٢.

(٦) الحسن بن مدرك بن بشير أبو علي البصري الطحان : قال أبو داوود : الحسن ابن مدرك كذّاب ، كان يأخذ أحاديث فهد بن عوف فيقلبها على يحيى بن حمّاد. ميزان الاعتدال ١ : ٥٢٢ رقم ١٩٤٩.

(٧) كعب بن مانع المعروف بكعب الأحبار : كان يهودياً فأسلم ، وقد شكّك في إخلاصه للإسلام وتركه اليهودية ، كذّبه ابن عباس وابن مسعود وحذيفة في قولهم : كذب كعب ( البداية والنهاية ٣ : ٣١٦ ) ، وما ترك يهوديته ، أو ما تنكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه ( تفسير القرطبي ١٤ : ٢٢٧ ، تفسير ابن كثير ٣ : ٥٦٢ ).

وذكر السيّد رشيد رضا في كتابه بما جاء عنه في صحيح البخاري على لسان معاوية : كان كعب الأحبار من أصدق المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب. قال السيّد رشيد رضا : أدخل على المسلمين شيئاً كثيراً من الاسرائيليات الباطلة والمخترعة ، وخفي على كثير من المحدثين كذبه ودجله لتعبده. تفسير المنار ٨ : ٤٤٩.

الرواة المغموز فيهم وهم كثير نذكر بعضهم :


شاعر الخوارج وخطيبهم الذي كان يتغنّى بمدحه لابن ملجم المرادي على قتله علي بن أبي طالب.

كما كان البخاري يحتجّ بحديث الخوارج والمرجئة والمجسمة ، وبعض المجاهيل الذين لا يعرف الدّهرُ لهم وجوداً(١) .

____________

(١) أيوب بن عائذ الطائي الكوفي :

ممّن أخرج له البخاري وأورد اسمه في كتاب الضعفاء ( الضعفاء الصغير للبخاري : ٢٤ ) قال الذهبي : والعجب من البخاري يغمزه وقد احتجّ به. ميزان الاعتدال ١ : ٢٨٩.

(٢) ثابت بن محمّد الكوفي الشيباني : ذكره في الضعفاء وقال أبو زرعة العراقي : والعجب من البخاري من ذكره في الضعفاء مع احتجاجه به في الصحيح. الجرح والتعديل ٢ : ٤٥٧ ، المغني في معرفة رجال الصحيحين : ٤٨ ، ٣٠٤ ، ديوان الضعفاء والمتروكين ١ : ١٣٦.

إلى غير ذلك ، وهناك الكثير من الرواة المصرّح بضعفهم روى عنهم البخاري ، من شاء يرجع إلى مقدّمة ابن حجر لكتابه فتح الباري.

وأمّا المجسّمة الذين روى عنهم البخاري ، فقد قدّمنا ذكر مقاتل بن سليمان الذي روى عنه البخاري في التاريخ الكبير ، وكان مجسّماً كما ذكر ابن حبّان.

ونقول بعد هذا : إنّ صاحب كتاب كشف الجاني وغيره ممّن يحذو حذوه من المتعصّبين يسارعون في الطعن على غيرهم ، مع جهلهم الشديد بما هو مسطور ومدوّن في أُمهات مصادرهم ، فكان الأحرى بهم إصلاح عيوبهم قبل التفتيش عن عيوب الآخرين.

(١) كما روى عن حمّاد بن حميد في صحيحه ٨ : ١٥٨ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ١ : ٥٨٩ رقم : ٢٢٤٣ « محدّث لا يدرى من هو » ومنهم عطاء أبو الحسن السوائي قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧ : ١٩٥ « قرأت بخط الذهبي : لا يعرف ».


وقد جاء في صحيحه إضافة إلى الكذب والتدليس من الرّواة المشهورين بذلك ، بعض الرّوايات السّخيفة والبشعة ، مثال ذلك ما رواه في صحيحه من كتاب النكاح باب ما يحلّ من النّساء وما يحرُمُ وقوله تعالى :( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اُمَّهَاتُكُمْ ) إلى آخر الآية.

قال في آخر الباب : لقوله تعالى( وَاُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) ، وقال عكرمة عن ابن عبّاس : إذا زنى بأُخت أمرأتِهِ لم تحرم عليه أمرأتُهُ ، ويروى عن يحيى الكندي عن الشعبي وأبي جعفر فيمن يلعبُ بالصبىِّ إن أدخله فيه فلا يتزوّجنَّ أُمَّهُ.

وقد علّق على هذا الكلام شارح البخاري في الهامش بقوله : « اللاّئق بمنصب العلماء أن يجلّوا قدرهم عن كتب مثل هذا الكلام والتفوّه به ».

كما أخرج في صحيحه من كتاب تفسير القرآن ، باب « نساؤكم حرث لكم » عن نافع قال : كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرُغُ منه ، فأخذت عليه يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان ، قال : تدري فيما أُنزلتْ؟ قلت : لا ، قال : أُنزلت في كذا أو كذا ، ثمّ مضى.

وعن نافع عن ابن عمر « فأتوا حرثكم أنّى شِئتم » قال : يأتيها في(١) . وعلّق الشارح بقوله : قوله في بحذف المجرور وهو الظرف أي في الدّبر ، قيل : وأسقط المؤلّف ذلك لاستنكاره ، كذا في الشارح.

كنت يوماً في جامعة السربون بباريس أتحدّث عن أخلاق النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخُلقه العظيم الذي تحدّث عنه القرآن ، وعُرفَ به النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى قبل البعثة

____________

(١) صحيح البخاري ٥ : ١٦٠.


فسمّوه الصّادق الأمين ، ودامت المحاضرة ساعة تقريباً ، أوضحت خلالها بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكنْ محارباً ولا غاصباً لحقوق الإنسان في تقرير مصيره ، وفرض دينه بالقوّة والقهر كما يدّعي بعض المستشرقين.

وخلال المناقشة التي شارك فيها نخبةٌ من الأساتذة والدكاترة المختصّين بالإسلام وتاريخ المسلمين وجلّهم مستشرقون ، وانتصرتُ نوعاً ما على المناوئين الذين أثاروا بعض الشُبهات ، ولكنّ أحدَهُم وهو عربي مسيحي طاعنٌ في السنّ ( أعتقد أنّه لبناني ) اعترض علىَّ بأُسلوب فيه خبث ودهاء ، فكاد يقلب انتصاري إلى هزيمة نكراء.

قال هذا الدكتور بلسان عربي فصيح : بأنّ ما ذكرته في المحاضرة فيه كثير من المبالغة ، وبالخصوص فيما يتعلّق بعصمة النبي ، إذ أنّ المسلمين أنفسهم لا يوافقُونك على ذلك ، وحتّى محمّد نفسه لا يوافق على ذلك ، فقد قال عديد المرّات ، بأنّه بَشَرٌ يجوز عليه الخطأ ، وقد سجّل له المسلمون أخطاءً عديدة نحن في غِنىً عن التعريف بها ، وكُتب المسلمين الصحيحة والمعتمدة عندهم تشْهَدُ على ذلك.

ثمّ قال : وأما بخصوص الحروب فما على حضرة المحاضر إلاّ مراجعة التاريخ ، ويكفي أن يقرأ فقط كتب الغزوات التي قام بها محمّد في حياته ، ثم واصلها الخلفاء الراشدون بعد وفاته حتى وصلوا إلى ( poitier ) مدينة بواتييه بغرب فرنسا ، وفي كلّها كانوا يفرضون دينهم الجديد على الشعوب بالقهر وقوّة السّيف.

وقابل الحاضرون كلامه بالتصفيق مؤيدين مقالتَهُ ، وحاولتُ بدوري


إقناعهم بأنّ ما ذكرَهُ الدكتور المسيحي غير صحيح ، وإن أخرجه المسلمون في كُتُبهم ، وارتفعت ضجة من الضّحك في القاعة استهزاء وسخرية منّي.

وتدخّل الدكتور المسيحي من جديد ليقول لي بأنّ ما ذكره ليس من الكتب المطعون فيها ، وإنّما هو في صحيح البخاري ومسلم.

وقلت : بأنّ هذه الكتب صحيحة عند أهل السنّة ، أمّا عند الشيعة فلا يقيمون لها وزناً ، وأنا مع هؤلاء.

فقال : نحن لا يهمّنا رأي الشيعة الذين يكفّرهم أغلب المسلمين ، والمسلمون السنّة وهم أكثر من الشيعة عشر مرّات لا يقيمون لآراء الشيعة وزناً ، ثمّ أضاف قائلا : إذا تفاهمتم أنتم المسلمون مع بعضكم البعض ، وأقنعتم أنفسكم بعصمة نبيّكم ، عند ذلك يمكن أن تُقنعونا نحن ( قال ذلك ضاحكاً متهكماً ).

ثمّ التفت إلىَّ من جديد قائلا : وأمّا بخصوص الأخلاق الحميدة ، فأنا أسألك أن تقنع الحاضرين كيف تزوّج محمّد الذي بلغ من العمر أربعاً وخمسين بعائشة وعمرها ستّ سنين؟

وارتفعت من جديد ضجة الضّحك وأشرأبّت الأعناقُ تنتظر ردّي ، وحاولتُ جهدي إقناعهم بأنّ الزواج عند العرب يتمّ على مرحلتين ، المرحلة الأولى وهو العقد وكتب النّكاح ، والمرحلة الثانية وهو البناء والدخول ، وقد تزوّج النّبي عائشة وعمرها ستّ سنوات ، ولكن لم يدخل بها إلاّ بعد أن بلغت تسع سنوات.

واستطردت بأنّ هذا ما يقوله البخاري إن كان مُناقشي يحتجّ علىَّ بما فيه.


وأنا شخصياً أشكّ في صحة الرواية; لأنّ النّاس في ذلك الزمان لم يكن لهم حالة مدنية ، ولا تسجيل تاريخ الميلاد ولا تاريخ الوفاة ، وعلى فرض صحة الرواية فإنّ عائشة بلغتْ سنّ الرشد في التاسعة من عمرها ، فكم رأينا اليوم على شاشة التلفزيون بعض الفتيات الروسيات والرومانيات لاعبات « الجمباز » اللاّتي عندما تراهنّ وترى كمال أجسامهن تستغرب عندما يُعلنُون عن عمرها ، وأنّها لم تتجاوز إحدى عشر عاماً ، فلا شكّ بأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يدخل بها إلاّ بعدما رشدت وأصبحت تحيض ، والإسلام لا يقول بالرشد لمن بلغ ثمانية عشر عاماً كما هو معروف عندكم في فرنسا ، بل الإسلام يعتبر الرشد بالحيض للنّساء وبخروج المني للرّجال ، وكلّنا يعلم حتّى اليوم بأنّ من الذكور من يمنون في سنّ العاشرة ، ومن الإناث من يحضن في سنّ مبكرة قد لا تتجاوز العاشرة.

وهنا قامت سيدةٌ وتدّخلت لتقول : نعم وعلى فرض أنّ ما أوردتَه قد يكون صحيحاً وهو صحيح علميّاً ، ولكنْ كيف نقبل بزواج شيخ كبير أوشكّ عمره على نهايته بفتاة صغيرة ما زالت في العقد الأول من عمرها؟

قلتُ : إنّ محمّداً نبىّ الله ولا يفعل شيئاً إلاّ بوحي منه ، ولا شكّ أنّ لله في كلّ شيء حكمة ، وإن كنتُ شخصيّاً أجهل الحكمة في ذلك.

قال الدكتور المسيحي : لكنّ المسلمين اتّخذوا ذلك سنّة ، فكم من فتاة صغيرة زوّجها أبوها غصْباً عنها برجل يوازيه في السنّ ، ومع الأسف فإن هذه الظاهرة بقيت حتّى اليوم موجودة.

انتهزتُ هذه الفرصة لأقول : ولذلك أنا تركتُ المذهب السنّي واتّبعتُ


المذهب الشيعي ، لأنّه يعطي حقّ المرأة في أن تزوّج نفسها بمن شاءتْ هي لا بما يفرضه عليها الولي.

قال : دعنا من السنّة والشيعة ولنعد إلى زواج محمّد بعائشة ، والتفت إلى الحاضرين ليقول بكلّ سخرية : إن محمّداً النبىّ والبالغ من العمر أكثر من الخمسين يتزوج بُنيّةً صغيرة لا تفهم من الزواج قليلا ولا كثيراً ، والبخاري يحدّثنا بأنّها كانت في بيت زوجها تلعبُ بالدُّمَى ، وهذا يؤكّد على براءة الطفولة ، فهل هذه هي الأخلاق العالية التي يمتاز بها النّبي؟

وحاولت من جديد إقناع الحاضرين بأنّ البخاري ليس حجّة على النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن بدون جدوى ، فقد لعب هذا المسيحي اللّبناني بأفكارهم كما أرَادَ ، وما كان لي إلاّ أنْ أوقفْتُ النّقاشَ متذرّعاً بأنّنا لا نتكلّم نفس اللّغة; لأنّهم يحتجّون علىّ بالبخاري في حين أنّني لا أؤمن بكلّ ما ورد فيه.

وخرجتُ ناقماً على المسلمين الذين أعطوا لهؤلاء ولأعداء الإسلام وأعداء محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السّلاح النافذ الذي يحاربوننا به وعلى رأس هؤلاء البخاري ، ورجعت للبيت يومها مهموماً ، وأخذت أتصفّح صحيح البخاري وما ذكره في فضائل عائشة وأحوالها ، فإذا بي أقولُ : الحمد لله الذي فتح بصيرتي ، وإلاّ لبقيتُ متحيّراً في شخصية الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وربّما داخلني الشكّ فيه والعياذ بالله.

ولابدّ من إظهار بعض الروايات التي أُثيرتْ خلال المناقشة ، حتى يتبين للقارئ بأنّ هؤلاء المنتقدين لم يفتروا علينا ، وإنّما وجدوا بغيتهم في صحاحنا فاستعانوا بها علينا.


فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب تزويج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة وقدومه المدينة وبنائه بها :

عن عائشة رضي الله عنها قالت : تزوجني النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا بنتُ ستّ سنين ، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحرث بن خزرج ، فوعكت فتمرّقَ شعري فوفى جميمةٌ ، فأتتني أمّي أمّ رومان وإنّي لفي أرجوحة ومعي صواحبُ لي ، فصرختْ بي فأتيتها لا أدري ما تريدُ بي ، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدّار ، وإنّي لأنهجُ حتّى سكنَ بعض نفسي ، ثمّ أخذت شيئاً من مَاء فمسحت به وجهي ورأسي ، ثمّ أدخلتني الدار فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت ، فقلن : على الخير والبركة وعلى خير طائر ، فأسلمتني إليهنّ فأصلحن من شأني ، فلم يرعني إلاّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضُحىً فأسلمتني إليه ، وأنا يومئذ بنتُ تِسْعِ سنينَ.

وأترك لك أيها القارئ لتعلّق بنفسك على أمثال هذه الرّوايات!!

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأدب ، باب الانبساط إلى النّاس :

عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنتُ ألْعبُ بالبناتِ عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان لي صواحِبُ يلعبْنَ معي ، فكان رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل يتَقمَّعْنَ منه فيسرَّ بهنَّ إلىَّ فيلْعَبْنَ مَعِي.

يقول الشارح : ألعب بالبنات ، يعني التماثيل المسمّاة بلعب البنات ، ويسربهنّ إلىَّ : أي يبعثهن ويرسلهن إلىَّ.

وأنت تقرأ مثل هذه الروايات في صحيح البخاري ، أيبقى عندك


اعتراض بعدها على نقد بعض المستشرقين إن كنت منصفاً؟!

قل لي بربّك! عندما تقرأ قول عائشة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « ما أرى ربّك إلاّ يُسَارِعُ في هواكَ »(١) .

ماذا يبقى في نفسك من احترام وتقدير لامرأة كهذه التي تشكّك في نزاهتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وهل لا يبعثُ ذلك في نفسك أنّها تصرّفات مراهقة لم يكتمل عقلها؟!

وهل يلامُ بعد ذلك أعداء الإسلام الذين كثيراً ما يثيرون حبّ محمّد للنّساء وأنّه كان شهوانيّاً ، فإذا قرأوا في البخاري بأنّ الله يسارع في هواه ، ويقرأون في البخاري بأنّه كان يجامع إحدى عشرة زوجة في ساعة واحدة وقد أُعطِيَ قوّة ثلاثين ، فاللّوم على المسلمين الذين أقرّوا مثل هذه الأباطيل واعترفوا بصحّتها ، بل واعتبروها كالقرآن الذي لا يتطرّق إليه الشكّ ، ولكنّ هؤلاء مسيّرون في كلّ شيء حتّى في عقيدتهم ، وليس لهم خيارٌ في شيء ، لقد فرضتْ عليهم هذه الكتب من الحكّام الأوّلين ، وهلّم بنا الآن إلى الرّوايات التي أخرجها البخاري للطّعن على أهل البيت :

فقد أخرج في صحيحه من كتاب المغازي ، باب شهود الملائكة بدراً ٥ : ١٦ :

عن علي بن حسين ، أنّ حسين بن علي أخبره أنّ عليّاً قال : كانتْ لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطاني ممّا أفاء الله

____________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢٤ ، كتاب تفسير القرآن ، باب قوله تعالى :( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) .


من الخمس يومئذ ، فلّما أردتُ أن أبتني بفاطمةعليها‌السلام بنت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واعدتُ رجلا صوّاغاً في بني قينقاع أن ترتحل معي فنأتي بإذخر ، فأردت أن أبيعه من الصوّاغين فنستعين به في وليمة عُرسي.

فبينما أنا أجمعُ لشارفَىَّ من الأقتاب والغَرائرِ والحبالِ ، وشارفايَ مُناخانِ إلى جنبِ حجرة رجل من الأنصار حتى جمعتُ ما جمعته ، فإذا أنا بشارِفىَّ قد أُجبَّتْ أسنمتهُما ، وبُقرتْ خواصِرُهُما ، وأُخِذَ من أكبادهما ، فلم أملك عينىَّ حين رأيت المنظرَ ، قلتُ : من فعل هذا؟ قالوا : فعله حمزة بن عبد المطّلب ، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار عنده قينةٌ وأصحابُه ، فقالت في غنائها : ( ألا يا حمزُ للشّرفِ النّواءِ ) ، فوثب حمزةٌ إلى السّيف فأجبَّ أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.

قال علي : فانطلقت حتى أدخلَ على النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعنده زيدُ بن حارثة ، وعرف النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لقيتُ ، فقال : ما لك؟ قلتُ : يا رسول الله ما رأيتُ كاليوم ، عَدَا حمزةُ على ناقتىَّ فأجبَّ أسنمتهما وبقر خواصرهما ، وها هو ذا في بيت معه شرب ، فدعا النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بردائه ، فارتدى ثمّ انطلق يمشي واتبعتُه أنا وزيد بن حارثة حتّى جاء البيتَ الذي فيه حمزةُ ، فاستأذن عليه فأُذِنَ له ، فطفق النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلُومُ حمزةَ فيما فعل ، فإذا حمزةُ ثَمِلٌ محمرّةٌ عيناهُ ، فنظرَ حمزةُ إلى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم صعَّدَ النّظرَ فنظر إلى رُكبتيهِ ، ثمّ صعّد النظر فنظر إلى وجهه ، ثمّ قال حمزةُ : وهل أنتم إلاّ عبيد لأبي ، فعرف النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه ثمِلٌ ، فنكصَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عقبيه القهقرى ، فخرج وخرجنا معه.


تأمّل أيها القارئ في هذه الرّواية التي طفحت بالكذب والزور لشتم سيّد الشهداء; لأنّه مفخرة أهل البيت!! فكم كان الإمام علىّ سلام الله عليه يفتخر به في أشعاره بقوله : « وحمزةُ سيّد الشهداء عمّي »؟! وكم كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفتخر به ، حتّى إذا قُتِلَ حزنَ عليه حزناً كبيراً ، وبكى عليه بكاءً كثيراً ، وسمّاه سيّد الشهداء.

وحمزة عمّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أعزّ الله به الإسلام ، عندما كان المستضعفون من المسلمين يعبدون الله خفيةً ، وقف وقفته المشهورة في وجه قريش ، وانتصر لابن أخيه معلناً إسلامه على الملأ من قريش وما خاف أحداً.

حمزة الذي سبق هجرة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومهّد لدخول ابن أخيه في يوم مشهود ، حمزة الذي كان مع ابن أخيه علي أبطال بدر وأُحد.

أخرج البخاري في نفسه في صحيحه كتاب تفسير القرآن ، باب قوله( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) ٥ : ٢٤٢ :

عن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) قالَ : أنا أوّل من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومةِ يوم القيامة ، قال قيس : وفيهم نزلتْ « هذان خْصمان اختصموا في ربّهم » قال : هم الذين بارزوا يوم بدر ، علىٌّ ، وحمزة ، وعبيدةُ ، وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عُتبة.

نعم ، إنّ البخاري يعجبُه أن يروي مثل هذه المثالب في مفخرة أهل البيت ، وسلسلة الوضّاعين الذين وضعوا مثل هذه الرواية طويلة ، فقد قال البخاري :

حدثنا عبدانُ ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يونسُ ، وحدّثنا أحمد بن صالح ،


حدّثنا عَنْبَسَةُ ، حدّثنا يونس ، عن الزُّهْري ، أخبرنا علىّ بن حسين.

فهؤلاء سبعة أشخاص يروي عنهم البخاري ، قبل أن يصل السند إلى علي بن الحسين وهو زينُ العابدين وسيّد الساجدين ، فهل يليق بزين العابدين أن يروي أكاذيب مثل هذه ، فيكون سيّد الشهداء يشرب الخمر بعد إسلامه وبعد هجرته وقبل استشهاده بأيام قلائل ، إذ تقول الرواية بأنّ علي ابن أبي طالب كان يعدّ وليمة عرسه على فاطمةعليها‌السلام التي بنى بها في السنة الثانية للهجرة النبوية ، وأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطاه نصيبه من المغنم يوم بدر ، وهل يليق بسيّد الشهداء أن تكون له قينةٌ عاهرةٌ تُغنِّيهِ ، وتطلب منه أن يبقر النّاقتين ، فيفعل بدون مبالاة؟

وهل يليق بسيّد الشهداء أن يأكل لحم حرام بدون ذبح ، ويبقر الخواصر ، ويأخذ الأكباد؟

وهل يليق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يذهب ويستأذن على حمزة في ذلك المجلس الذي فيه الخمر والدّعارة؟ ويدخل في ذلك المكان؟

وهل يليق بسيّد الشهداء أن يكون ثملا محمرةٌ عيناه ، فيشتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : وهل أنتم إلاّ عبيد لأبي؟

وهل يليق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ينكّص على عقبيه القهقرى ، فيخرج دون تأنيب أو توبيخ ، فالمعروف عنه أنّه كان يغضب لله؟!

وأنا متيقّنٌ أنّ هذه الرواية لو كانت ( على سبيل الافتراض طبعاً ) تذكر أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية مكان حمزة ، لما أخرجها البخاري لفظاعتها ، ولو أخرجها لهذّبها على طريقته وابترها ، ولكن ما الحيلة والبُخاري لا يحبّ هؤلاء الذين رفضوا مدرسة الخلفاء ، حتى بعد وقعة


كربلاء وقتلهم عن بكرة أبيهم ، فلم يبق إلاّ علي بن الحسين الذي وضعوا الرواية على لسانه.

ولماذا لم يرو البخاري شيئاً من فقه أهل البيت ، ولا من علومهم ، ولا من خصالهم ، ولا من زهدهم ، ولا من فضائلهم التي ملأت الكتب ، وطفحت بها مجاميع أهل السنّة قبل مجاميع الشيعة؟

ولنستمع إليه يروي رواية أُخرى تطعن في أهل البيت ، وفي القمّة بالذات ، إذ أنّ الرّواة بما فيهم البخاري لم يجدوا في علي بن أبي طالب نقيصة واحدة ، ولا سجّلوا عليه طيلة حياته كذبة واحدة ، ولا عرفوا له خطيئة واحدة ، ولو كانتْ لملأوا الدنيا صياحاً وعويلا ، فعمدوا لوضع رواية تتّهمه بأنّه كان يستخفّ بالصّلاة.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الكسوف ، باب تحريض النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على صلاة اللّيل ، وطرق النبىُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة وعليّاًعليها‌السلام ليلةً للصّلاة ٢ : ٤٣ :

قال : حدّثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب عن الزهري ، قال : أخبرني علي بن حسينُ أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طرقَهُ وفاطمة بنت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلةً فقال : ألا تُصَلِّيَان؟

فقلت : يا رسول الله أنفُسُنَا بيد الله فإذا شَاءَ أنْ يبعثنا بعثَنا ، فانصرف حين قُلنا ذلك ولم يرجع إلىَّ شيئاً ، ثمّ سمعته وهو مولّ يضربُ فخذَهُ وهو يقول :( وَكَانَ الإنسَانُ أكْثَرَ شَيْء جَدَلا ) (١) .

____________

(١) الكهف : ٥٤.


لاهَا الله يا بخاري ، هذا علي بن أبي طالب الذي يحدّثنا عنه المؤرّخون أنّه كان يقوم بصلاة اللّيل في ليلة الهرير ( في حرب صفين ) ، فيفرش نطع ويصلّي بين الصفّين ، والنّبال والسّهام تسَّاقط على يمينه وشماله ، فلا يرتاع ولا يقطع صلاة اللّيل.

علي بن أبي طالب الذي أوضح للناس معالم القضاء والقدر ، وحمّل الإنسان مسؤولية أفعاله ، تصوّره أنت في هذه الرواية بأنّه جبرىٌّ يقول بالجبر ، ويجادل بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : « أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا » يعني ذلك لو شاء الله أن نصلّي لصلّينا.

علىّ بن أبي طالب الذي حبّه إيمان وبغضه نفاقٌ ، توصفه أنت بأنّه أكثر شيء جدلا؟! إنّه كذبٌ مفضوح لا يوافقك عليه حتّى ابن ملجم قاتل الإمام ، ولا مُعاوية الذي كان يأمر الناس بلعنه ، إنه كذبٌ رخيص ولكنّك جنيت من ورائه الكثير إذ أرضيتَ بذلك حكّام زمانك وأعداء أهل البيت ، فرفعوا قـدرك في هذه الدنيا الدنيئة ، ولكنّك أسـخطْتَ ربّك بهذا الموقـف من أمير المؤمنين ، وسيّد الوصيّين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، قسـيم الجنة والنار،الذي يقـف يوم القيامة على الأعـراف،فيعرف كلاّ بسيماهم(١)

____________

(١) شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ١ : ٢٦٣ ح ٢٥٦ ، في تفسير قوله تعالى :( وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ ) أخرج الحاكم عن علي قال : نقف يوم القيامة بين الجنّة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة ، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار. ( المؤلّف ).


فيقول للنّار هذا لي وهذا لك(١) .

ولا أدري إن كان كتابك يوم القيامة شبيه بكتابك اليوم الذي يُزوَّق ويُجلّد ويُنمّق ، ليخرج في أبهى حلّة عرفها الكتاب.

نعم ، كَبُرتْ على البخاري أن يظهر سيّدهُ عمر بن الخطاب تاركاً للصّلاة المفروضة عندما فقد الماء ، وبقي على مذهبه ذلك حتّى في خلافته ، فقال : « أمَّا أنا فلا أُصلّي »(٢) متحدّياً بذلك القرآن والسنّة.

ففتّش عند الدجّالين الوضّاعين فوضعوا له هذا الحديث الذي يتّهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنّه تثاقل فلم يصلّ صلاة الليل ، وعلى فرض واحتمال صحة روايته ، فلا ضير ولا إثم ولا ذنب على علي لأنّها تتعلّق بصلاة النّافلة التي يثاب على فعلها ولا يعاقبُ على تركها ، ولا يمكن أن يُقاسَ فعل عمر بتركه للصّلاة المفروضة على ترك علي لصلاة النّافلة إن صحّت الرّواية ، ولكنّ أنّى لهذه الرواية أن تكون صحيحة ، ولو أخرجها صحيح البخاري!!

فالبخاري صحيح عند أهل السنّة ، وأهل السنّة هم المؤيّدون لمدرسة الخلافة التي قامتْ على سياسة بني أُمية وبني العبّاس ، والمتتبّع يعرف هذه

____________

(١) ابن حجر الشافعي في الصواعق المحرقة ٣ : ٣٦٩ في فضائل عليعليه‌السلام روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : يا علي أنت قسيم الجنة والنار ، فيوم القيامة تقول للنار : هذا لي وهذا لك. وأضاف ابن حجر أنّ أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا يجوز أحد الصراط إلاّ من كتب له علي الجواز. ( المؤلّف ).

(٢) سنن أبي داود ، كتاب الطهارة ، باب التيمم ، حديث : ٣٢٢.


الحقيقة التي أصبحتْ اليوم غير خافية على أحد ، وأهل السنّة والجماعة تبعاً لسياسة الحكّام الذي دَأَبُوا على عداء ومحاربة أهل البيت ومن والاهم وتشيّع لهم ، أصبحوا من غير علمهم أعداءً لأهل البيت وشيعتهم; لأنهم والوا أعداءهم وعادوا أولياءهم ، ولذلك رفعوا من شأن البخاري إلى الدرجة الرفيعة التي أصبح عليها ، ولا تجد عندهم من تراث أهل البيت ، ولا من أقوال الأئمة الاثني عشر شيئاً يذكر ، ولا حتى عن باب مدينة العلم الذي كان من النّبي بمنزلة هارون من موسى ، وبمنزلة النّبي من ربّه.

والسؤال الذي يُطرح على أهل السنّة هو : ما الذي أحرز عليه البخاري زيادة على بقية المحدّثين لينال عندكم هذا التفضيل؟!

وأعتقد أن الجواب الوحيد على هذا السؤال هو أنّ البخاري :

١ ـ دلّس الأحاديث التي تمسّ كرامة الصّحابة خصوصاً ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية ، وهذا ما دعا إليه معاوية والحكّام بعده.

٢ ـ أبرز الأحاديث التي تطعن في عصمة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتصوّره بأنّه بشرٌ عادىٌّ يخطىء ، وهذا ما أراده الحكّام على طول الدهر.

٣ ـ أخرج أحاديث موضوعة في مدح الخلفاء الثّلاثة ، وفضّلهم على علي بن أبي طالب ، وهو بالضبط ما أراده معاوية للقضاء على ذكر علي حسب زعمه.

٤ ـ أخرج أحاديث مكذوبة تمسّ بكرامة أهل البيت.

٥ ـ أخرج أحاديث أُخرى تؤيّد مذهب الجبر والتجسيم ، والقضاء والقدر في الخلافة ، وهو ما أشاعه الأمويون والعباسيون ليتحكّموا بمصير الأُمّة.


٦ ـ أخرج أحاديث مكذوبة تُشبه الأساطير والخرافات لتخدير الأُمّة وإشاعة الفوضى ، وذلك ما يريده الحكّام في عصر البخاري.

وعلى سبيل المثال إليك أيها القارئ العزيز هذه الرواية :

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق ، باب أيام الجاهلية من جزئه الرابع الصفحة ٢٣٨:

قال البخاري : حدّثنا نُعيم بن حمّاد ، حدّثنا هُشيم ، عن حصين ، عن عمرو بن ميمون ، قال : رأيتُ في الجاهلية قردةً اجتمع عليها قردةٌ قد زنتْ ، فرجموها فرجمتُها معهم.

ونحن نقول للبخاري : لعلّ الله سبحانه ورحمةً بالقردة قد نسخ حكم الرّجم الذي فرضه عليهم بعد طردهم من الجنّة ، وأباح لهم الزنا في عهد الإسلام بعدما كان محرّماً عليهم في الجاهلية ، ولذلك لم يدّع أي مسلم أنّه حضر أو شارك في رجم قردةً ، منذ بُعِثَ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحتى يوم النّاس هذا!!


خاتمة البحث

وبعد هذه الخرافات وأمثالها كثير في البخاري ، فهل يبقى الباحثون والعلماء المتحرّرون ساكتون ولا يتكلّمون؟

وسيقول بعض النّاس : لماذا التحامل إلاّ على البخاري؟ وقد يوجد في غيره من كتب الأحاديث أضعاف ما فيه ، وهذا صحيح ولكنْ تناولنا البخاري بالتّحديد لما ناله هذا الكتاب من شهرة فاقت الخيال ، حتّى أصبح كالكتاب المقدّس عند علماء السنّة ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إذ كل ما فيه صحيح لا يتطرّق إليه الشك.

ومنبع هذه الهالة وهذا التّقديس نشأ من السّلاطين والملوك ، بالخصوص في العهد العبّاسي الذي وصل فيه الفرس إلى التحكّم في كل جهاز الدّولة ، وكان منهم الوزراء والمستشارون والأطبّاء والفلكيون ، يقول أبو فراس ذلك :

أبلغ لديك بني العبّاس مالكةً

لا يدّعوا ملكها ملاّكها العجم

أي المفاخر أمست في منازلكم

وغيركم آمرٌ فيها ومحتكم

وعمل الفرس كلّ جهودهم ، واستعملوا كلّ نفوذهم حتّى أصبح كتاب البخاري في المرتبة الأُولى بعد القرآن الكريم ، وأصبح أبو حنيفة الإمام الأعظم فوق الأئمة الثّلاثة الآخرين.

ولولا خوف الفرس من إثارة القومية العربية في عهد الدولة العبّاسية ،


لرفعوا البخاري فوق القرآن ، ولقدّموا أبا حنيفة على النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمن يدري؟

وقد قرأتُ لبعضهم محاولات من هذا القبيل ، إذ كان البعض منهم يقول صراحة : بأنّ الحديث قاض على القرآن ، ويقصد بالحديث البخاري طبعاً ، كما يقول : لو تعارض حديث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع رأي واجتهاد أبي حنيفة لوجب تقديم اجتهاد أبي حنيفة ، ويعلّل ذلك بأنّ الحديث يحتمل عدّة وجوه ، هذا إن كان صحيحاً ، أمّا إذا كان مشكوكاً في صحّته فلا إشكال.

وأخذت الأُمة الإسلامية تنموا وتكبر شيئاً فشيئاً ، وهي دائماً مغلوبة على أمرها ، يتحكّم في مصيرها الملوك والسّلاطين من الأعاجم ، والفرس ، والمماليك ، والموالي ، والمغول ، والأتراك ، والمستعمرين من الفرنسيين والإنكليز والإيطاليين والبرتغاليين ، وحدّث ولا حرج.

ودأب أغلب العلماء على الجري وراء الحكّام ، واستمالتهم بالفتاوى ، والتملّق طمعاً فيما عندهم من مال وجاه ، وعمل هؤلاء دائماً على سياسة « فرّق تسد » ، فلم يسمحوا لأحد بالاجتهاد ، وفتح ذلك الباب الذي أغلقه الحكّام في بداية القرن الثاني ، معتمدين على ما يثار هنا وهناك من فتن وحروب بين السنّة ، وهي الأغلبية السّاحقة ، والتي تمثّل الأنظمة الحاكمة ، والشيعة وهي الأقلية المنبوذة ، والتي تمثّل في نظرهم المعارضة الخطيرة التي يجب القضاء عليها.

وبقي علماء السنّة مشغولون بتلك اللّعبة السّياسية الماكرة في نقد وتكفير الشيعة ، والردّ على أدلّتهم بكل فنون النّقاش والمجادلة ، حتّى كُتِبتْ في ذلك


آلاف الكتب ، وقُتِلتْ آلاف النفوس البريئة ، وليس لها ذنب غير ولائها لعترة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورفْضِها للحكّام الذين ركبوا أعناق الأُمّة بالقوّة والقهر.

وها نحن اليوم في عهد الحريّات في عهد النور ـ كما يسمّونه ـ في عهد العلم وتسابق الدول لغزو الفضاء والسيطرة على الأرض ، إذا ما قامَ عالم وتحرّر من قيود التعصّب والتقليد ، وكتب أىّ شيء يُشمُّ منه رائحة التشيّع لأهل البيت ، فتثور ثائرتُهم ، وتُعبّأ طاقاتهم لسبّه وتكفيره والتشنيع عليه ، لا لشيء سوى أنّه خالف المألوف عندهم.

ولو أنّه كتب كتاباً في مدح البخاري وتقديسه لأصبح عالماً علاّمة ، ولانهالت عليه التهاني والمدائح من كلّ حدب وصوب ، ولتمسّح بأعتابه رجال لا تُلهيهم صلاةٌ ولا صوم عن التملّق وقول الزّور.

وأنت تفكّر في كلّ هذا والدّواعي التي توفّرتْ لانحراف أكثر العباد ، والأسباب التي تجمّعت لسيّاقه أغلب النّاس إلى الضلالة ، فإذا القرآن الكريم يُوقِفك على سرّها المكنون ، من خلال الحوار الذي دار بين ربّ العزّة والجلالة واللّعين إبليس :

( قَالَ مَا مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قَالَ أنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لاَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ


لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أجْمَعِينَ) (١) .

( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أخْرَجَ أبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّهُ أمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللّهَ لا يَأمُرُ بِالفَحْشَاءِ أتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) (٢) .

ولذلك أقول لكلّ إخواني من المسلمين عامّةً : إلعنوا الشيطان ولا تتركوا له سبيلا عليكم ، وتعالوا إلى البحث العلمي الذي يقرّه القرآن والسنّة الصحيحة ، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نحتج إلاّ بما هو صحيح ثابتٌ عندنا وعندكم ، وندع ما اختلفنا فيه جانباً.

ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تجتمع أُمّتي على خطأ »(٣) ، إذاً فالحقّ والصواب فيما اجتمعنا عليه سنَّة وشيعة ، والخطأ والباطل فيما اختلفنا فيه ، ولو أقمنا إلاّ هذا العمود لعمّ الصفاء والوفاق والهناء ، ولاجتمع الشمل ، ولجاء نصر الله والفتح ، ولعمّت البركة من السّماء والأرض.

____________

(١) الأعراف : ١٢ ـ ١٨.

(٢) الأعراف : ٢٧ ـ ٣٠.

(٣) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : ٢٥ ، المستصفى للغزالي : ١٣٨ ، وفي سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٠٣ ح ٣٩٥٠ بلفظ : « إنّ اُمتي لا تجتمع على ضلالة ».


فالوقت قد حان ، ولم يعد هناك مجالٌ للانتظار ، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ، ونحن كلّنا في انتظار إمامنا المهديعليه‌السلام شيعة وسنّة ، وقد طفحت ببشارته كتبنا ، أليس هذا دليل كاف على وحدة مصيرنا.

فليس الشيعة إلاّ إخوانكم ، وليس أهل البيت حكرة عليهم ، فمحمّد وأهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم أئمة المسلمين كافّة ، فلقد اتفقنا سنّة وشيعة على صحة حديث الثّقلين ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا أبداً كتاب الله وعترتي »(١) ، والمهدي من عترته ، أليس هذا دليل آخر؟

والآن وقد ولّى عصر الظلمات ، وعصر الظلم الذي لم يظلم أحداً بقدر ما ظلم أهل البيت عترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتّى لُعنوا على المنابر ، وقتلوا ، وسبيتْ نساؤهم وبناتهم على مرأى ومسمع من كلّ المسلمين.

فقد حان الوقت لرفع المظلمة عن أهل البيت النبوي ، ورجوع الأُمّة إلى أحضانهم الدّافئة التي مُلئتْ رأْفة ورحمة ، وإلى حضيرتهم المُترعة التي مُلئتْ علماً وعملا ، وإلى ظلّ شجرتهم الباسقة التي حازتْ فضلا وشرفاً ، فقد صلّى عليهم الله وملائكته ، وأمر المسلمين بذلك في كلّ صلواتهم ، كما أمرهم بمودّتهم وموالاتهم.

وإذا كان فضل أهل البيت لا ينكره مسلم ، وقد تغنّى به الشعراء على مرّ

____________

(١) وقد أوضحنا في بحث سابق بأنّ هذا الحديث لا يتعارض مع حديث كتاب الله وسنّتي; لأنّ كتاب الله وسنّة رسوله هو كلام صامت ولابدّ لهما من ترجمان ومن مبيّن ، فالرسول يرشدنا بأنّ المفسّر والمبيّن للقرآن والسنّة هم عترته من أئمة أهل البيت الذين يشهد المسلمون كافة أنّهم مقدّمون على غيرهم في العلم والعمل. ( المؤلّف ).


العصور ، قال الفرزدق فيهم :

إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هُمُ

من معشر حبهم دين وبغضهم

كفرٌ وقربهم ملجى ومعتصم

مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم

في كلّ برّ ومختوم به الكلم(١)

وقال فيهم أبو فراس الشاعر المعروف يمدح أهل البيت ، ويشنئ العبّاسيين في قصيدته المعروفة بالشافعية ، اخترنا منها :

يا باعة الخمر كفّوا عن مفاخركم

لمعشر بيعهم يوم الهياج دم

خلّوا الفخّار لعلاّمين إن سئلوا

يوم السؤال وعمّالين إن عملوا

تنشى التلاوة في أبياتهم سحراً

وفي بيوتكم الأوتار والنّغم

الركن والبيت والأستار منزلهم

وزمزم والصّفى والحجر والحرم

وليس من قسم في الذكر نعرفه

إلاّ وهم غير شكّ ذلك القسم(٢)

وقد نقل الزمخشري ، والبيهقي ، والقسطلاني أبياتاً عن الإمام أبي عبد الله محمّد بن علي الأنصاري الشاطبي لزبينا بن إسحاق النصراني يقول فيها :

عدىّ وتيم لا أحاول ذكرها

بسوء ولكنّي محبّ لهاشم

وما تعتريني في علىّ ورهطه

إذا ذكروا في الله لومة لائم

____________

(١) الفصول المختارة للشيخ المفيد : ٣٩ ، تاريخ دمشق ٤١ : ٤٠٢ ، تهذيب الكمال للمزي ٢٠ : ٤٠٢ ، البداية والنهاية ٩ : ١٢٧.

(٢) راجع الغدير ٣ : ٤٠١.


يقولون : ما بال النصارى تحبّهم

وأهل النّهى من أعرب وأعاجم

فقلت لهم : إنّي لأحسب حبّهم

سرى في قلوب الخلق حتّى البهائم(١)

وقد كتب بعض النّصارى عدّة كتب في مزايا وفضائل علي بن أبي طالب خاصّة ، وفي أهل البيت عامّة ، وهو ما أشار إليه الإمام الشاطبي بقوله : « يقولون ما بال النصارى تحبّهم » وهي من العجائب التي بقيت لغزاً ، وإلاّ كيف يعترف النّصراني بحقيقة أهل البيت ولا يسلم؟ اللهم إلاّ إذا قدّرنا أنّهم أسلموا ، ولم يعلنوا عن ذلك إمّا رهبةً أو رغبةً.

وقد نقل صاحب كتاب كشف الغمة في صفحة ٢٠ قول بعض النّصارى في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب :

علىٌ أمير المؤمنين صريمة

وما لسواه في الخلافة مطمعُ

له النّسب الأعلى وإسلامه الذي

تقدّم فيه والفضائل أجمُعوا

بأن عليّاً أفضل النّاس كلّهم

وأورعهم بعد النبىّ وأشجعُ

فلو كنتُ أهوى ملّةً غير ملّتي

لما كنت إلاّ مسلماً أتشيّع

فالمسلمون أولى بحبّ وموالاة أهل بيت النبوّة ، فأجر الرسالة كلّها موقوفاً على مودّتهم.

وعسى أن يلقى ندائي آذاناً صاغية ، وقلوباً واعية ، وعيوناً مبصرة ، فأكون بذلك سعيداً في الدّنيا والآخرة ، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل

____________

(١) المواهب اللدنية للقسطلاني ٢ : ٥٣٢ الفصل الثالث في ذكر محبة أصحابه وآله ، الغدير ٣ : ٨ عن ربيع الأبرار للزمخشري والمحاسن والمساوئ للبيهقي.


عملي خالصاً لوجهه الكريم ، ويتقبّل منّي ، ويعفو عنّي ، ويغفر لي ، ويجعلني خادماً لمحمّد وعترته ( صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) في الدنيا والآخرة ، فإنّ في خدمتهم فوزاً عظيماً ، إن ربّي على صراط مستقيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

محمّد التيجاني السماوي



مصادر التحقيق

١ ـ الاحتجاج ـ أحمد بن عليّ الطبرسي ، الطبعة الثانية ١٤١٦ ، دار الأُسوة.

٢ ـ إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل ـ القاضي نور الله التستري ، منشورات مكتبة آية الله المرعشي ، قم ـ ايران.

٣ ـ أحكام القرآن ـ أبو بكر محمّد بن عبد الله ( ابن العربي ) ، دار المعرفة.

٤ ـ أحكام القرآن ـ أحمد بن علي الجصاص ، الطبعة الأولى ١٤١٥ ، دار الكتب العلمية.

٥ ـ إحياء علوم الدين ـ أبو حامد الغزالي ، الطبعة الأُولى ١٤١٢ ، دار الهادي.

٦ ـ الأخبار الطوال ـ أبو حنيفة الدينوري ، الطبعة الاُولى ١٩٦٠ ، دار إحياء الكتب العربية.

٧ ـ الاختصاص ـ الشيخ المفيد ، مؤسسة النشر الإسلامي.

٨ ـ إرواء الغليل بتخريج أحاديث منار السبيل ـ محمّد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الثانية ١٤٠٥ ، المكتب الاسلامي.

٩ ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب ( بهامش الإصابة ) ـ ابن عبد البرّ القرطبي ، طبع عام ١٣٢٨ ، دار صادر.

١٠ ـ اُسد الغابة ـ ابن الأثير ، انتشارات اسماعيليان.

١١ ـ الإصابة في تمييز الصحابة ـ ابن حجر العسقلاني ، الطبعة الأُولى ١٤١٥ ، دار الكتب العلمية.

١٢ ـ أضواء على السنّة المحمديّة ـ محمود أبو رية ، نشر البطحاء.


١٣ ـ أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام ـ عمر رضا كحالة ، الطبعة الخامسة ١٤٠٤ ، مؤسسة الرسالة.

١٤ ـ اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ـ ابن تيميّة ، دار الفكر.

١٥ ـ الإمامة والسياسة ـ ابن قتيبة الدينوري ، تحقيق علي شيري ، الطبعة الأُولى ١٤١٣ ، منشورات الشريف الرضي.

١٦ ـ أنساب الأشراف ـ أحمد بن يحيى البلاذري ، الطبعة الأُولى ١٣٩٤ ، مؤسسة الأعلمي.

١٧ ـ بحار الأنوار ـ محمّد باقر المجلسي ، الطبعة الثانية المصحّحة عام ١٤٠٣ ، مؤسسة الوفاء ، ١٨ ـ بدائع الصنائع ـ أبو بكر بن مسعود الكاشاني ، الطبعة الأُولى ١٤٠٩ ، المكتبة الحبيبية.

١٩ ـ البداية والنهاية ـ إسماعيل بن كثير الدمشقي ، الطبعة الأُولى ١٤٠٨ ، دار إحياء التراث العربي.

٢٠ ـ بشارة المصطفى ـ عماد الدين الطبري ، الطبعة الأولى ١٤٢٠ ، مؤسسة النشر الإسلامي.

٢١ ـ بلاغات النساء ـ أحمد بن أبي طاهر ، مكتبة بصيرتي.

٢٢ ـ تاريخ ابن خلدون ـ ابن خلدون ، الطبعة الرابعة ، دار احياء التراث العربي.

٢٣ ـ تاريخ الإسلام ـ شمس الدين الذهبي ، الطبعة الثالثة ١٤١٩ ، دار الكتاب العربي.

٢٤ ـ تاريخ الأُمم والملوك ـ ابن جرير الطبري ، مؤسسة الأعلمي.

٢٥ ـ تاريخ بغداد ـ الخطيب البغدادي ، الطبعة الأُولى ١٤١٧ ، دار الكتب العلمية.

٢٦ ـ تاريخ الخلفاء ـ السيوطي ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ.


٢٧ ـ التاريخ الكبير ـ الإمام البخاري ، المكتبة الإسلامية ، ديار بكر.

٢٨ ـ تاريخ مدينة دمشق ـ ابن عساكر ، طبع عام ١٤١٥ ، دار الفكر.

٢٩ ـ تاريخ اليعقوبي ـ أحمد بن إسحاق اليعقوبي ، الطبعة الأُولى ١٤١٩ ، دار الكتب العلمية.

٣٠ ـ تأويل مختلف الحديث ـ ابن قتيبة ، دار الكتب العلمية.

٣١ ـ تحف العقول عن آل الرسول ـ ابن شعبة الحراني ، الطبعة الثانية ١٤٠٤ ، مؤسسة النشر الإسلامي.

٣٢ ـ تذكرة الحفاظ ـ شمس الدين الذهبي ، مكتبة الحرم المكي.

٣٣ ـ تذكرة الخواص ـ سبط ابن الجوزي ، طبع عام ١٤١٨ ، منشورات الشريف الرضي.

٣٤ ـ تفسير روض الجنان وروح الجنان ـ أبو الفتوح الرازي ، طبع عام ١٣٩٨ ، مكتبة اسلامية.

٣٥ ـ تفسير القرآن العظيم ـ إسماعيل بن كثير الدمشقي ، طبع عام ١٤١٢ ، دار المعرفة.

٣٦ ـ التفسير الكبير ـ الفخر الرازي ، الطبعة الأُولى ١٤١٥ ، دار إحياء التراث العربي.

٣٧ ـ تقييد العلم ـ الخطيب البغدادي ، الطبعة الثانية ١٩٧٤ ، دار إحياء السنّة النبوية.

٣٨ ـ تهذيب التهذيب ـ ابن حجر العسقلاني ، الطبعة الأُولى ١٤٠٤ ، دار الفكر.

٣٩ ـ تهذيب الكمال ـ يوسف المزي ، الطبعة الأُولى ١٤١٣ ، مؤسسة الرسالة.

٤٠ ـ جامع الأُصول في أحاديث الرسول ـ ابن الأثير الجزري ، الطبعة الأُولى ١٤١٨ ، دار الكتب العلمية.

٤١ ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ـ محمّد بن جرير الطبري ، طبع عام ١٤١٥ ،


دار الفكر.

٤٢ ـ الجامع الصغير ـ جلال الدين السيوطي ، الطبعة الأُولى ١٤٠١ ، دار الفكر.

٤٣ ـ الجامع لأحكام القرآن ـ محمّد بن أحمد القرطبي ، طبع عام ١٤٠٥ ، دار إحياء التراث العربي.

٤٤ ـ حجيّة السنّة ـ الشيخ عبد الغني عبد الخالق ، طبع عام ١٤٠٧ ، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

٤٥ ـ خصائص أمير المؤمنين ـ أحمد بن شعيب النسائي ، المكتبة القيّمة ، القاهرة.

٤٦ ـ الخلافة والملك ـ أبو الأعلى المودودي ، الطبعة الأولى ١٣٩٨ ، دار القلم.

٤٧ ـ الدرر السنيّة في الردّ على الوهابية ـ أحمد بن زيني دحلان ، طبع عام ١٤١٤ ، مكتبة الحقيقة ، تركيا.

٤٨ ـ الدر المنثور ـ جلال الدين السيوطي ، الطبعة الأولى ١٣٦٥ ، دار المعرفة.

٤٩ ـ دلائل الإمامة ـ محمّد بن جرير الطبري ، الطبعة الأولى ١٤١٣ ، مؤسسة البعثة.

٥٠ ـ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ـ أحمد بن عبد الله الطبري ، ١٣٥٦ ، مكتبة القدسي.

٥١ ـ الذرية الطاهرة النبويّة ـ محمّد بن أحمد الدولابي ، الطبعة الأُولى ١٤٠٧ ، الدار السلفية.

٥٢ ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ـ محمود بن عمر الزمخشري ، طبع عام ١٤٠٠ ، منشورات الشريف الرضي.

٥٣ ـ روضة الواعظين ـ محمّد بن الفتال النيسابوري ، منشورات الشريف الرضي.

٥٤ ـ الرياض النضرة في مناقب العشرة ـ أحمد بن عبد الله الطبري ، الطبعة الأُولى ١٤١٨ ، دار المعرفة.


٥٥ ـ زاد المسير في علم التفسير ـ ابن الجوزي ، الطبعة الأُولى ١٤٠٧ ، دار الفكر.

٥٦ ـ زاد المعاد ـ ابن القيّم الجوزية ، مؤسسة الرسالة ، الطابعة الثالثة ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م.

٥٧ ـ سرّ العالمين ـ أبو حامد الغزالي ، الطبعة الأُولى ١٤٢١ ، دار الآفاق العربية.

٥٨ ـ سنن ابن ماجة ـ القزويني ـ تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي ، الطبعة الأُولى ١٤١٩ هـ ـ ١٩٩٨ م.

٥٩ ـ سنن ابن ماجة ـ محمّد بن يزيد القزويني ، دار الفكر.

٦٠ ـ سنن ابن ماجة وبهامشه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة للبوصيري ـ تحقيق وتخريج الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الأُولى ١٤١٩ هـ ـ ١٩٩٨ م مكتبة المعارف.

٦١ ـ سنن أبي داود ـ سليمان بن الأشعث السجستاني ، الطبعة الأُولى ١٤١٠ ، دار الفكر.

٦٢ ـ السنن ـ أحمد بن شعيب النسائي ، الطبعة الأُولى ١٣٤٨ ، دار الفكر.

٦٣ ـ سنن الترمذي ـ محمّد بن عيسى الترمذي ، الطبعة الثانية ١٤٠٣ ، دار الفكر.

٦٤ ـ سنن الدارقطني ـ علي بن عمر الدارقطني ، الطبعة الأُولى ١٤١٧ ، دار الكتب العلمية.

٦٥ ـ السنن الكبرى ـ أحمد بن الحسين البيهقي ، دار الفكر.

٦٦ ـ السنن الكبرى ـ أحمد بن شعيب النسائي ، الطبعة الأُولى ١٤١١ ، دار الكتب العلمية.

٦٧ ـ سير أعلام النبلاء ـ الذهبي ، الطبعة التاسعة ١٤١٣ ، مؤسسة الرسالة.

٦٨ ـ السيرة الحلبية ـ علي بن إبراهيم الحلبي ، الطبعة الأُولى ١٤٢٢ ، دار الكتب


العلمية.

٦٩ ـ السيرة النبوية ـ أحمد بن زيني دحلان ، الطبعة الأُولى ١٤١٦ ، دار إحياء التراث العربي.

٧٠ ـ شرح الأخبار ـ القاضي أبو حنيفة النعمان المغربي ، الطبعة الأُولى ١٤١٤ ، دار الثقلين.

٧١ ـ شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ، دار إحياء الكتب العربية.

٧٢ ـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى ـ القاضي عياض اليحصبي ، طبع عام ١٤٠٩ ، دار الفكر.

٧٣ ـ شواهد التنزيل ـ الحاكم الحسكاني ، الطبعة الأُولى ١٤١١ ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.

٧٤ ـ صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ـ محمّد بن حبان بن أحمد ، الطبعة الثانية ١٤١٤ ، مؤسسة الرسالة.

٧٥ ـ صحيح الجامع الصغير ـ محمّد ناصرالدين الألباني ، الطبعة الثالثة ١٤٢١ ، المكتب الإسلامي.

٧٦ ـ صحيح سنن أبي داود ـ محمّد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الثانية ١٤٢٢ هـ ـ ٢٠٠٢ م مكتبة المعارف.

٧٧ ـ صحيح سنن الترمذي ـ محمّد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الثانية ١٤٢٢ هـ ـ ٢٠٠٢ م ، مكتبة المعارف للطباعة والنشر.

٧٨ ـ صحيح مسلم ـ مسلم بن الحجاج النيسابوري ، دار الفكر.

٧٩ ـ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ـ زين الدين البياضي ، الطبعة الأُولى ١٣٨٤ ، المكتبة المرتضوية.


٨٠ ـ الصواعق المحرقة ـ ابن حجر الهيتمي ، الطبعة الأُولى ١٤١٧ ، مؤسسة الرسالة.

٨١ ـ الطبقات الكبرى ـ ابن سعد ، دار صادر.

٨٢ ـ عبقرية خالد ـ عباس محمود العقّاد ، طبع عام ١٩٩٦ ، دار نهضة مصر.

٨٣ ـ العقد الفريد ـ أحمد بن محمّد بن عبد ربه ، طبع عام ١٤١٧ ، دار الكتب العلمية.

٨٤ ـ عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ـ بدر الدين العيني ، الطبعة الأُولى ١٤٢١ ، دار الكتب العلمية.

٨٥ ـ الغدير ـ عبد الحسين الأميني ، طبعة سنة ١٣٧٩ هـ ، دار الكتاب العربي ـ بيروت.

٨٦ ـ غريب الحديث ـ ابن قتيبة الدينوري ، الطبعة الأُولى ١٤٠٨ ، دار الكتب العلمية.

٨٧ ـ الفائق في غريب الحديث ـ محمود الزمخشري ، الطبعة الأولى ١٤١٧ ، دار الكتب العلمية.

٨٨ ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري ـ ابن حجر العسقلاني ، الطبعة الثانية ، دار المعرفة.

٨٩ ـ فتح القدير ـ محمّد بن عليّ الشوكاني ، نشر عالم الكتب.

٩٠ ـ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ـ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ، طبع عام ١٤١٩ ، جمعية الإسلام الخيرية.

٩١ ـ فتنة الوهابية ـ أحمد بن زيني دحلان ، طبع في مكتبة اشيق كتاب أوى ـ تركيا.

٩٢ ـ الفصول المختارة ـ الشيخ المفيد ، الطبعة الثانية ١٤١٤ ، دار المفيد.

٩٣ ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير ـ محمّد عبد الرؤوف المناوي ، الطبعة الأُولى ١٤١٥ ، دار الكتب العلمية.

٩٤ ـ الكافي ـ محمّد بن يعقوب الكليني ، الطبعة الثالثة ١٣٨٨ ، دار الكتب الإسلامية.


٩٥ ـ الكامل في التاريخ ـ ابن الأثير الشيباني ، دار صادر.

٩٦ ـ كتاب السنّة ـ عمرو بن أبي عاصم ، الطبعة الثالثة ١٤١٣ ، المكتب الإسلامي.

٩٧ ـ كتاب المجروحين ـ محمّد بن حبان البستي ، تحقيق محمود إبراهيم زايد.

٩٨ ـ الكشّاف ـ جار الله الزمخشري ، الطبعة الأُولى ١٤١٤ ، مكتبة الإعلام الإسلامي.

٩٩ ـ كشف الخفاء ومزيل الالباس ـ إسماعيل بن محمّد العجلوني ، الطبعة الثانية ١٤٠٨ ، دار الكتب العلمية.

١٠٠ ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمة ـ علي بن عيسى الإربلي ، دار الأضواء.

١٠١ ـ كنز العمال ـ المتقي الهندي ، مؤسسة الرسالة.

١٠٢ ـ لباب النقول في أسباب النزول ـ جلال الدين السيوطي ، دار الكتب العلمية.

١٠٣ ـ اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ـ محمّد فؤاد عبد الباقي ، دار الفكر.

١٠٤ ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ـ نورالدين الهيثمي ، طبعة سنة ١٤٠٨ ، دار الكتب العلمية.

١٠٥ ـ المجموعة الكاملة لمؤلّفات طه حسين ، الطبعة الخامسة ١٩٩٦ ، الشركة العالمية للكتاب.

١٠٦ ـ مختصر صحيح البخاري ـ الألباني ، المكتب الإسلامي ، الطبعة الخامسة ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦ م.

١٠٧ ـ المختصر في أخبار البشر ـ أبو الفداء إسماعيل بن علي ، الطبعة الأُولى ١٤١٧ ، دار الكتب العلمية.

١٠٨ ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر ـ علي بن الحسين المسعودي ، طبع عام ١٤٠٦ ، دار الهجرة.

١٠٩ ـ المبسوط ـ السرخسي ، تحقيق جمع من الأفاضل ، دار المعرفة ١٤٠٦ هـ.


١١٠ ـ المستدرك على الصحيحين ـ الحاكم النيسابوري ، طبع عام ١٤٠٦ ، دار المعرفة.

١١١ ـ المستصفى في علم الاُصول ـ أبو حامد الغزالي ، طبع عام ١٤١٧ ، دار الكتب العلمية.

١١٢ ـ المسند ـ أبو داود الطيالسي ، دار الحديث ـ بيروت.

١١٣ ـ مسند أبي يعلى ـ أحمد بن علي التميمي ، دار المأمون للتراث.

١١٤ ـ مسند أحمد بتحقيق أحمد حمزة الزين ، الطبعة الأُولى ١٤١٦ هـ ـ ١٩٩٥ م ، دار الحديث ـ القاهرة.

١١٥ ـ مسند أحمد بتحقيق العلاّمة أحمد شاكر ، نشر دار الجيل.

١١٦ ـ المسند ـ أحمد بن حنبل ، دار صادر.

١١٧ ـ المصنّف ـ ابن أبي شيبة الكوفي ، الطبعة الأُولى ١٤٠٩ ، دار الفكر.

١١٨ ـ المصنّف ـ عبد الرزاق الصنعاني ، الناشر : المجلس العلمي.

١١٩ ـ المعجم الأوسط ـ سليمان بن أحمد الطبراني ، دار الحرمين.

١٢٠ ـ المعجم الصغير ـ سليمان بن أحمد الطبراني ، دار الكتب العلمية.

١٢١ ـ المعجم الكبير ـ سليمان بن أحمد الطبراني ، مكتبة ابن تيمية.

١٢٢ ـ المعيار والموازنة ـ أبو جعفر الاسكافي ، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي.

١٢٣ ـ المغني في الضعفاء ـ الذهبي ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الاُولى ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٨م.

١٢٤ ـ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ـ القرطبي ، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ ـ ١٩٩٩ م دار ابن كثير.

١٢٥ ـ مقاتل الطالبيين ـ أبو الفرج الأصفهاني ، طبع عام ١٤١٤ ، منشورات الشريف الرضي.


دليل الكتاب

مقدمّة المركز ٤

مقدمّة المؤلّف للطبعة المحقّقة٨

المقدّمة١٠

بسم الله الرحمن الرحيم ١٠

رسالة مفتوحة إلى السيّد أبو الحسن الندوي العالم الهندي٢٠

( فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )(١) ٣٤

الفصل الأوّل ٣٨

في ما يتعلّق بالخَالِق جلّ جلاله٣٨

السّؤال الأوّل : حول رؤية الله سبحانه وتجسيمه :٣٨

تعليق ٤١

السؤال الثاني : حول العدل الإلهي والجبر :٤٢

قول أهل الذكر في الله تعالى ٥٥

الفصل الثاني ٥٨

في ما يتعلّق بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٥٨

السؤال الثالث : حول عصمة الرَسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟٥٨

قول أهل الذكر في الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ١٠١

الفصل الثالث ١٠٤

في ما يتعلّق بأهل البيت عليهم‌السلام ١٠٤

السؤال الرابع : من هم أهل البيت؟١٠٤

عائشة في حياة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ١١٤

أُمّ المؤمنين عائشة تشهد على نفسها١٢٠


عائشة فيما بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ١٣٩

موقف عائشة ضدّ علي أمير المؤمنين عليه‌السلام ١٤٧

( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ )١٥٠

أُمّ المؤمنين هي القائدة١٥٥

تحذير النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عائشة وفتنتها١٥٨

خاتمة البحث ١٦١

قول أهل الذكر بخصوص أهل البيت عليهم‌السلام ١٦٢

الفصل الرابع ١٦٨

في ما يتعلّق بالصّحابة عامّة١٦٨

القرآن الكريم يكشف حقائق بعض الصحابة١٧٨

السنّة النّبوية تكشف حقائق بعض الصحابة١٨٥

الصحابة تجاه أوامر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته٢٠٣

معاملة الصحابة لأوامر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته٢١٦

تضييعهم سنّة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٢١٦

شهادة أبي ذر الغفاري في بعض الصحابة٢٢١

شهادة التاريخ في الصحابة٢٢٤

قول أهل الذكر بخصوص بعض الصحابة٢٣٥

أبو بكر الصدّيق في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٢٤٧

أبو بكر بعد حياة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٢٥٣

تكذيبه للصّديقة الطّاهرة فاطمة الزّهراء وغصبه حقّها٢٥٣

فاطمة عليها‌السلام معصومة بنصّ القرآن ٢٦٠

فاطمة عليها‌السلام سيّدة نساء المؤمنين وسيّدة نساء هذه الأُمّة٢٦١

فاطمة الزهراء عليها‌السلام سيّدة نساء أهل الجنّة٢٦٢

فاطمة بضعة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والرّسول يغضب لغضبها٢٦٣


أبو بكر يقتل المسلمين الذين امتنعوا عن إعطائه الزّكاة٢٧٢

أبو بكر يمنع من كتابة السنّة النبويّة٢٧٩

وكذلك يفعل بعده عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان٢٧٩

عمر بن الخطاب يتشدّد أكثر من صاحبه في الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويمنع النّاس من نقله٢٨٣

أبو بكر يسلّم الخلافة لصاحبه عمر ويخالف بذلك النصوص الصّريحة٢٩٢

عمر بن الخطّاب يعارض كتاب الله باجتهاده٣٠٣

عثمان بن عفان يتّبع سنّة صاحبيه في مخالفة النّصوص٣٢٣

الفصل السادس ٣٣٢

في ما يتعلّق بالخلافة٣٣٢

أسئلة وأجوبة لا غِنى عنها لكلّ باحث ٣٣٥

الفصل السّابع ٣٥٨

في ما يتعلّق بالحديث الشريف ٣٥٨

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يَختِلُ ٣٥٩

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعاقب عقاباً شنيعاً ويمثّل بالمسلمين٣٦٠

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّ الجماع ٣٦٣

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتفرّج على الرقص ويستمع للغناء٣٦٨

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشرب النّبيذ ٣٧٠

النبي والابتذال!٣٧٠

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستحي!٣٧١

النّبّي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكشف عورته!٣٧٢

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسهو في صلاته٣٧٣

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحلف ويحنث ٣٧٤

أعتقت عائشة أربعين رقبة لتكفّر عن يمينها٣٧٦


النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسقط بعض آيات من القرآن!٣٨٤

النّبىُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتناقض في حديثه٣٩٢

التّناقض في الفضائل ٣٩٧

النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتناقض مع العلم والطبّ ٤٠٤

الفصل الثامن ٤١٠

في ما يتعلّق بالصّحيحين البخاري ومسلم ٤١٠

البخاري ومسلم يذكران أي شيء لتفضيل أبي بكر وعمر٤١٥

البخاري يدلّس الحديث حفاظاً على كرامة عمر بن الخطّاب٤٢٤

بعض الأمثلة على تدليس الحديث التي فيها حقائق تكشف عن عمر ابن الخطاب :٤٢٥

انتقاصُ أهل البيت روايات تعجب البخاري ٤٤١

خاتمة البحث ٤٦٣

مصادر التحقيق ٤٧٢

دليل الكتاب ٤٨١