رسالة المحقق الكركي- الجزء 1
التجميع فقه استدلالي
الکاتب الشيخ علي بن الحسين الكركي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

رسالة المحقق الكركي الجزء الأول

تأليف:

الشيخ علي بن الحسين الكركي

المتوفى سنة ٩٤٠ ه‍

المجموعه الاولى


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى

قريبة إنشاء الله تعالى.



في التتميم

الحمد لله والصلاة على رسوله محمد وآله الاطهار.يجب(١) على كل مكلف حر وعبد، ذكر وانثى، أن يعرف الاصول(٢) الخمسة التي هي أركان الايمان، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والامامة، والمعاد، بالدليل(٣) لا بالتقليد(٤) .ومن جهل(٥) شيئا من ذلك لم ينتظم في سلك المؤمنين،

____________________

(١) في هامش " س ": قوله: يجب، أراد به وجوبا عينيا لاعلى الكفاية، والمراد بالمكلف: هو العاقل البالغ.أى: يجب على كل واحد من المكلفين معرفة هذه الامور، ويكون جهله سببا لاستحقاق العقاب.

(٢) في هامش " س ": الاصول جمع أصل: وهو ما يبنى عليه غيره، وانما سميت هذه الخمسة أصولا، لانها مبنى الدين، واليه أشار بقوله: التى هى أركان الايمان.

(٣) في هامش " س ": متعلق بقوله: يعرف.والمراد من الدليل: ما يلزم من العلم به العلم بشئ آخر، عقليا كان أو نقليا.

(٤) في هامش " س ": قبول قول الغير من غير حجة ولا دليل يسمى تقليدا، لان المقلد بجهل ما يعتقده من قول الغير من حق أو باطل قلادة في عنق من قلده.

(٥) في هامش " س ": قوله: من جهل شيئا، أعم من أن يكون بسيطا بأن لا يتصور أصلا، أو مركبا بأن يعتقد خلافه.(*)


واستحق العقاب الدائم مع الكافرين.

فصل

فالتوحيد: هو العلم بوجود واجب الوجود لذاته، لانه أوجد جميع الممكنات بعد أن لم تكن موجودة، وبأنه قادر مختار، لان الممكنات محدثه، لملازمتها الحوادث كالحركة والسكون.وبأنه عالم، لانه فعل الافعال المحكمة المتقنة.وبأنه حي، لانه قادر عالم.وبأنه مريد للطاعات وكاره للمعاصي، لانه آمر وناه.وهما يستلزمان(١) الارادة والكراهة.وبأنه متكلم، بمعنى أنه خلق الكلام من جسم جامد، لان ذلك ممكن، وهو سبحانه قادر على الممكنات، ولقوله تعالى: " وكلم الله موسى تكليما "(٢) ، وبأنه صادق في خبره، لان الكذب قبيح.وبأنه سبحانه ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا مركب، لان ذلك من صفات الحادثات.وبأنه لا يرى بحاسة البصر والا لكان جسما، ولقوله تعالى: " لا تدركه الابصار"(٣) .

وبأنه واحد لا شريك له، لقوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا "(٤) ، وليس في جهة ولا محلا للحوادث، والا لكان ممكنا.

فصل

والعدل: هو العلم بكونه لا يفعل القبيح، ولا يرضى به، ولا يأمر بالقبائح

____________________

(١) في هامش " س ": اى: الامر والنهى.

(٢) النساء: ١٦٤.

(٣) الانعام: ١٠٣.

(٤) الانبياء: ٢٢.

(*)


ولا يخل بواجب تقتضيه حكمته، ولا يلكف بما ليس بمقدور، لان فاعل القبيح: اما جاهل بقبحه، أو محتاج اليه، والله سبحانه منزه عن الجهل والحاجة.وبأن الطاعات والمعاصي الصادرة عن العباد باختيارهم، ولهذا استحق المطيع الثواب والعاصي العقاب.

فصل

والنبوة: عبارة عن العلم بأن الله سبحانه بعث محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيا ورسولا إلى جميع الخلق، بشيرا للمؤمنين، ونذيرا للكافرين.وأظهر على يده المعجزات الدالة على صدقه كالقرآن العزيز، وانشقاق القمر، ونبوع الماء من بين الاصابع، وغير ذلك مما لا يحصى.وبأنه معصوم من أول عمره إلى آخره عن الصغائر والكبائر، والا لم يوثق بخبره.وبأنه خاتم الانبياء كما ورد في القرآن(١) ، وان شريعة ناسخة لجميع الشرائع.

فصل

والامامة: عبارة عن العلم بأن الله تعالى أمر رسوله أن يستخلف من بعده من يكون حافظا لدينه، ومنفذا لاحكامه، معصوما من كل ذنب(٢) .وأمره بأن ينص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام في يوم غدير خم وغيره، وكذا أولادة الائمة الاحد عشر صلوات الله عليهم أجمعين.وفي أدلة العقل والنقل من الكبات والسنة ما يدل على أن أمير المؤمنين

____________________

(١) الاحزاب: ٤٠.

(٢) في هامش " س ": صغيرا كان أو كبيرا.

(*)


هو الامام دون غيره من الارجاس ما يزيد على ألف دليل(١) : مثل آية الصدقة بالخاتم(٢) الناطقة بأنه امام.وآية المباهلة(٣) ، المنضمنة أنه نفس الرسول.وآية الطهارة(٤) ، الدالة على عصمته.إلى نحو من سبعين آية(٥) .ومن السنة مثل: الغدير(٦) ، وحديث الطائر المشوي(٧) ، وحديث الاخاء(٨) ، والمنزلة(٩) ، والنعل(١٠) ٠، وغير ذلك مما لا يحصى.وبأنه أقدم اسلاما، وأشجع، وأزهد، واعظم جهادا وغناء في الدين، ولاخباره بالمغيبات واظهار المعجزات مثل قلع باب خيبر، ودحو الصخرة عن فم القليب، ورد الشمس بعد غروبها في جملة أشياء تزيد عن عدد القطار.وأي عاقل يعتقد تقديم ابن أبي قحافة وابن الخطاب وابن عفان الادنياء في النسب، والصعاب، الذين لا يعرف لهم تقدم ولا سبق في علم ولا جهاد، وقد عبدوا

____________________

(١) انظر: كتاب الالفين للعلامة الحلى.

(٢) المائدة: ٥٥.

(٣) آل عمران: ٦١.

(٤) الاحزاب: ٣٣.

(٥) انظر: بحار الانوار ٣٥: ١٨٣، الغدير ٣: ٥٤٣.

(٦) انظر: ترجمة الامام على (ع) من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٥، بحار الانوار ٣٧: ١٠٨.

(٧) انظر، ترجمة الامام على (ع) من تاريخ مدينة دمشق ٢: ١٠٦، بحار الانوار ٣٨: ٣٤٨.

(٨) انظر: بحار الانوار ٣٨: ٣٢٠، الغدير ٣: ١٧٤ وغيرها.

(٩) انظر: بحار الانوار ٣٧: ٢٥٤، الغدير ٣: ١٩٨.

(١٠) في هامش " س ": كما قال النبى " ص ": " يا معشر قريش أو ليسلطن الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه للايمان "، سئل من هذا؟ قال: " خاصف النعل في الحجرة " وكان أمير المؤمنين " ع " في الحجرة.

(*)


الاصنام مدة طويلة، وفروا من الزحف في أحد وحنين، واحجموا يوم الاحزاب ونكست رؤوسهم الراية(١) وبراء‌ة، وظلموا الزهراء بمنع ارثها ونحلتها، والبسوا أشياء أقلها يوجب الكفر، فعليهم وعلى محبيهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ثم من بعد أمير المؤمنين ولده الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد باقر علوم الدين، ثم جعفر الصادق الامين، ثم موسى كاظم الغيظ سيد العارفين، ثم علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم علي الهادي، ثم الحسن العسكري، ثم الخلف الحجة القائم المنتظر محمد بن الحسن المهدي، المستر خوفا من الاعداء، الموعود بظهوره بعد اليأس، لتكشف به الغماء، فتملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.

فصل

والمعاد: هو العلم بان الله تعالى يعيد الخلق بعد فنائهم ويجعلهم في عرصة القيامة، فيجزي المطيع الثواب والعاصي العقاب، ويعوض كل ذي ألم من المكلفين وغيرهم، وقد نطق القرآن به في آيات كثيرة، وتواترت به الاخبار من الصادقين، وأجمع عليه أهل الاسلام، فيجب الاقرار به.وكذا ما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : من سؤال القبر، والحساب، والصراط، والميزان، وانطاق الجوارح، وتطاير الكتب، والجنة، والنار، والثواب، والعقاب، وتفاصيلها.ويجب على كل مكلف الامر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع العلم بما يأمر به، وتجويز التأثير، والامن من الضرر - باللسان ثم باليد وبالقلب، على جميع المكلفين.

____________________

(١) في هامش " س ": كما قال النبىصلى‌الله‌عليه‌وآله : " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار " (*).


فهذه جملة الاصول الخمسة التي بها يحصل أدنى مراتب الايمان والله اعلم ويجب على كل مكلف أن يعرف ما كلف به من العبادات، واعظمها الصلاة.والصلوات الواجبة سبع: اليومية، والجمعة، والعيدان والايات، والطواف والاموات، والملتزم بالنذر وشبهه.

فاليومية: هي الصلوات الخمس، أعني: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وهي سبع عشرة ركعة في الحضر: الصبح اثنان والمغرب ثلاث، والباقي أربع أربع.واحدى عشر ركعة في السفر بتنصيف الرباعيات.

والسفر الموجب للقصر: هو سير يوم، أعني: ثمانية فراسخ، اذا كان غير معصية، ويبقى على حكم القصر حتى يرجع إلى بلده، أو ينوي أقامة عشر أيام.

ومقدمات الصلاة سبع:

الاولى: الطهارة وهي: الوضوء والغسل والتيمم.

وموجبات الوضوء ستة أشياء: خروج البول والغائط والريح من الموضع المعتاد، والنوم الغالب على السمع والبصر، وكل ما أزال العقل من اغماء وجنون وسكر، والاستحاضة القليلة.

وواجباته خمسة:(١) الاول: النية: وصفتها: أتوضأ لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله تعالى.

ويجب أن يقارن بها أول غسل الوجه، ويبقى على حكمها إلى آخر الوضوء.

الثاني: غسل الوجه من الاعلا، فلو نكس بطل.وحده طولا من منابت

____________________

(١) المذكور ستة وليس خمسة.

(*)


الشعر من مقدم الرأس إلى محادر شعر الذقن(١) ، وعرضا ما حوى الابهام والوسطى كذلك من مستوي الخلقة، وغيره كالانزع(٢) ، والاغم(٣) ، وقصير الاصابع، وطويلها يغسل ما يغسله مستوي الخلقة.ويجب غسل ما بين الشعر، ويستحب غسل ما تحته، والخفيف آكد.

الثالث: غسل اليدين من المرفقين مبتدئا بهما إلى رؤوس الاصابع، ولو نكس بطل ويجب البدأة باليمين، وتخليل الشعر والظفر وكل حائل.

الرابع: مسح مقدم شعر الرأس، أو بشرته ببقية بلل الوضوء، فلا يجوز استئناف ماء جديد، ويكفي مسحاه، ويجوز النكس على كراهية.

الخامس: مسح الرجلين من رؤوس الاصابع إلى العظمين اللذين في وسط القدم بماء الوضوء، فلا يجوز الاستئناف، ولو غسل بدل المسح بطل الوضوء.ويكفي فيه المسمى، ويكره نكسه، ويجب تقديم اليسرى على اليمنى.

السادس: الترتيب كما ذكر، والموالات: بمعنى أن يغسل كل عضو قبل جفاف ما قبله، فيبطل لو جف.

ولا يجوز أن يؤضئه غيره اختيارا، وغسل الاذنين ومسحهما بدعة يعزر فاعله، كذا التطوق، فان تاب والا قتل في الرابعة.

وموجبات الغسل ستة أشياء: الجنابة، والحيض، والاستحاضة غير القليلة، والنفاس، ومس الميت من الناس بعد برده بالموت وقيل تطهيره بالغسل حيث يجب تغسيله، وموت الانسان المسلم.

وواجباته أربعة:

____________________

(١) محادر شعر الذقن، بالدال المهملة: أول انحدار الشعر عن الذقن، وهو طرفه.

مجمع البحرين ٣: ٢٦١ " حدر ".

(٢) رجل أنزع: وهو الذى انخسر الشعر عن جانبى جبهته.

الصحاح ٣: ١٢٨٩ " نزع ".

(٣) الغمم: أن يسيل الشعر حتى تضيق الجبهة أو القفا.

الصحاح ٥: ١٩٩٨ " غمم ".

(*)


الاول: النية وصفتها: اغتسل لاستباحة الصلاه لوجوبه قربة إلى الله تعالى، ويجب أن يقارن بها غسل رأسه ان كان مرتبا، وان كان مرتمسا كفى مقارنتها لجزء من بدنه واتباعه الباقي بغير تراخ، واستدامتها حكما إلى آخر الغسل.

الثاني: غسل الرأس والرقبة وما ظهر من صماخ الاذنين(١) ، وتخليل الشعر.

الثالث: غسل الجانب الايمن، وتخليل الشعر والمعاطف والسوار والدملج للمرأة، والخاتم والاظفار، وكل مانع.

الرابع: غسل الايسر كذلك، ويتخير في غسل العورتين والسرة مع أي جانب شاء.ويجب الترتيب كما ذكر، أو الارتماس على ما تقدم.والمباشرة بنفسه ولا تجب الموالاة.ويكفي غسل الجنابة عن الوضوء، أما غيرها فلابد معها من الوضوء.ويزيد في الاستحاضة الوضوء لكل صلاة، وتغيير القطنة، وغسل الفرج.

وموجبات التيمم جميع موجبات الوضوء والغسل، لانه بدل منهما، ويزيد عدم وجود الماء مع التمكن من استعماله، واجباته أربعة: الاول: النية وصفتها: أتيمم بدلا من الوضوء أو الغسل، لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله.ويجب مقارنتها للضرب على الارض، لا لمسح الجبهة، واستدامتها إلى الفراغ.

الثاني: مسح الجبهة مع الجبينين من قصاص الشعر إلى طرف الانف مما يلي آخر الجبهة، بادئا بالجبهة، فلو نكس بطل.

الثالث: مسح كفه اليمنى من الزائد مبتدئا به إلى رؤوس الاصابع، غير ناكس.

الرابع: مسح اليسرى كذلك.ويجب الترتيب كما ذكر، والموالاة بحيث يأتي بكل فعل بعد الفراغ مما

____________________

(١) الصماخ: خرق الاذن، ويقال هو الاذن نفسها.

الصحاح ١: ٤٢٦ " صمخ ".

(*)


قبله، والمباشرة بنفسه.ويجب الضرب بباطن اليد بغير حائل على تراب أو حجر طاهرين.ويكفي في الوضوء ضربة، وفي الغسل ضربتان.ويكفي في الجنابة تيمم واحد، ويجب في غيرها تيممات، وللميت ثلاث، ويراعى فعله آخر الوقت.

الثانية: تطهير النجاسات وهي عشرة: البول والغائط من كل حيوان غير مأكول اللحم اذا كان له نفس سائلة، والدم من ذي النفس وان كان مأكولا، والمني منه، والميتة، والكلب، والخنزير، والكافر، والمسكر المائع، والفقاع.ويجب غسل النجاسة بماء طهور، ويكفي في الاستنجاء من الغائط غير المتعدي ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر طاهر ونحوه.ولا بد في الغسل بالماء القليل - أعني دون الكر - من التعدد مرتين في الثوب والبدن مع العصر، الا في بول الرضيع فيكفي صب الماء عليه، ويتعين العصر، والتحفظ من الغسالة فانها نجسة.وفي الاناء يجب غسله ثلاث مرات، أولاهن بالتراب في ولوغ الكلب، وفي نجاسة الخنزير والخمر سبع مرات.ويعفى عن قدر سعة الدرهم البغلي من الدم المغلظ نجاسة مالا تتم الصلاة فيه وحده، كالخف ونحوه.

الثالثة: ستر العورة للمصلى وهى: القبل والانثيان والدبر وما بينهما للرجل، وجميع البدن والشعر عدا الوجه والكفين والقدمين للمرأة والخنثى.ولا يجب على الامة المحضة والصبية ستر رأسهما.ويعتبر في الساتر طهارته، وكونه غير ذهب ولا مموه به، ولا جلد غير مأكول اللحم، ولا صوفه أو شعره أو وبره أو عظمه، الا الخز والسنجاب.


الرابعة: الوقت ويجب ايقاع الظهر بعد زوال الشمس المعلوم بزيادة الظل بعد نقصه، والعصر بعدها.

ولو نسي الظهر وصلى العصر فان كان قد مضى من الوقت يكفي للظهر مخففة أجزأت وصلى الظهر، والا أعادها، ولو بقي من آخر الوقت مقدار اربع اختصت بالعصر.والمغرب بعد ذهاب الحمرة التي من جانب المشرق، والعشاء بعد الفراغ منها أو مضي مقدار فعلها.وينبغي تأخيرها إلى ذهاب الحمرة المغربية، ويخرج وقتها بانتصاف الليل، ولو بقي من آخر الوقت مقدار أربع اختصت بها العشاء.والصبح بعد طلوع الفجر الثاني، وهو الصادق، ويبقى إلى طلوع الشمس.

الخامسة: المكان ويشترط كونه غير مغصوب، وطهارته، ولو كان نجسا صح بشرط أن لا تتعدى إلى المصلى أو محموله، وذلك في ما عدا مسجد الجبهة، فلا يعفى عن نجاسته وان لم يتعد.

السادسة: ما يصح السجود عليه ويعتبر كونه أرضا، أو نباتا غير مأكول ولا ملبوس عادة، فلا يجوز على المعادن والقطن والكتان ونحوها.

السابعة: القبلة ويعتبر توجه المصلي إلى عين الكعبة ان كان قريبا يمكنه ذلك، وان بعد ففرضه


الجهة علما ان أمكن، والا ظنا، ومع الاشتباه يعول على الامارات، ومع فقدها يصلي إلى الاربع جهات والعامي يقلد العدل المخبر عن اجتهاد أو يقين.

وأفعال الصلاة ثمانية:

الاول: النية وهي ركن، وصفتها: أصلي فرض الظهر - مثلا - اداء‌ا لوجوبه قربة إلى الله.ولو كان يصليها في غير الوقت نوى القضاء.ويجب مقارنتها لتكبيرة الاحرام، فتبطل لو تخلل زمان وان قل، واستدامتها حكما إلى الفراغ.

الثانى: تكبيرة الاحرام وهي ركن، وصورتها، الله اكبر.ويعتبر كونها بالعربية مع الامكان بهذا اللفظ، مرتبة، مقطوع الهمزتين غير الممدودتين، ويجب في " أكبر " كونها بوزن أفعل من غير اشباع لفتحة الباء.

الثالث: القراء‌ة ويتعين الحمد وسورة كاملة الثنائية وأولى الثلاثية والرباعية ولا يجوز الاقتصار على الحمد، ولا التبعيض اختيارا.ويجب كونها بالعربية، فلا تجزئ الترجمة اختيارا ومراعات صفات الاعراب كلها، والمحافظة على التشديدات، والمحافظة في الوقت على عدم الاخلال بالنظم.والترتيب بين الحمد والسورة، وكلماتهما وآياتهما على المتواتر، والقراء‌ة بالسبع أو العشر دون ماعداها، والبسملة أول الحمد والسورة، والقصد بها إلى سورة معينة بعد الحمد، وكون السورة ليست واحدة من العزائم الاربع وهي: سجدة


الم تنزيل، وفصلت، والنجم، واقرأ باسم ربك ولا طويلة يفوت الوقت بقرائتها.والجهر بالقراء‌ة للرجل في الصبح وأولتي العشاء‌ين، والاخفات في البواقي، وعدم الانتقال من السورة إلى غيرها ان بلغ نصفها، الا التوحيد والحمد، فلا يجوز مطلقا، الا إلى الجمعة والمنافقين في الجمعة وظهرها.وتجب الموالاة في القراء‌ة بمعنى أن لا يفصل بين اجزائها بسكوت طويل ولا بقراء‌ة اجنبية، فلو فعل عمدا بطلت صلاته.

ويجزئ في غير الاولتين: سبحان الله والحمد الله ولا اله الا الله والله اكبر، مرة واحدة، يعتبر فيه الترتيب والموالاة، وكونه بالعربية مع الامكان، وعدم الجهرية.

الرابع: القيام من اول النية وهو ركن أيضا، ويجب فيه الانتصاب على المتعارف مستقلا غير معتمد على شئ، ويجب الاستقراء، ولو وقف على ما يضطرب كالثلج الذائب، والرمل المنهال، أو الراحلة ولو معقولة، أو ماشيا لم يجزئ الا مع الضرورة، ولو عجز عن الصلاة قائما صلى جالسا، فان عجز صلى مضطجعا، فان عجز صلى مستلقيا.

الخامس: الركوع وهو ركن، ويجب فيه الانحناء إلى أن تصل كفاه الركبتين.ويجب فيه الذكر وهو: سبحان ربي العظيم وبحمده، متواليا، مطمئنا، بالعربية.

السادس: السجود ويجب في كل ركعة سجدتان، وهما ركن معا، ويجب فيها السجود على سبعة أعظم: الجبهة، والكفين، والركنتين، وابهامي الرجلين.والذكر وهو:


سبحان ربى الاعلى وبحمده، ويجب الجلوس بينهما مطمئنا.

السابع: التشهد ويجب في كل ثنائية مرة، وفي كل ثلاثية ورباعية مرتان.ويجب الجلوس له، والطمأنينة فيه، وكونه بالعربية.

وصورته: بسم الله وبالله والحمد لله وخير الاسماء لله، أشهد أن لا اله الا الله، وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد.

الثامن: التسليم وهو واجب في كل فريضة مرة آخرها بعد التشهد، وصورته: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.ويحرم في الصلاه الفريضة الكلام بحرفين غير قرآن ولا دعاء، والاستدبار، والحدث، والفعل الكثير الخارج عن الصلاة، ووضع احدى اليدين على الاخرى ويسمى التكتف، ويعزر فاعله.

وكل من شك في عدد الاولتين من ركعات الصلاة بطلت صلاته، وكذا من شك بين الثنتين والثلاث قبل اكمال السجدتين، وان كان بعدهما بني على الثلاث وصلى ركعة اخرى وتشهد وسلم، وصلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس احتياطا.ومثله لو شك بين الثلاث والاربع.ولو شك بين الاثنين والاربع بعد اكمال السجدتين تشهد وسلم واحتاط بركعتين من قيام، ولو شك بين الاثنين والثلاث والاربع بعد الاكمال احتاط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس.

والنية: اصلي ركعة احتياطا، أو ركعتين من قيام أو من جلوس في فرض كذا


أداء لوجوبه قربة إلى الله.ولو تكلم ساهيا، أو زاد أو نقص ماليس بركن سجد للسهو سجدتين ونيتهما: اسجد سجدتي السهو في فرض كذا أداء لوجوبها قربة إلى الله، ويسجد ويقول في الاولى: بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وآل محمد، وفي الثانية: بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويتشهد خفيفا ويسلم.

والجمعة: ركعتان بدل الظهر قبلهما خطبتان، ونيتها: اصلي فرض الجمعة مأموما أداء لوجوبه قربة إلى الله.ويشترط كون الامام عدلا، والعدد سبعة فصاعدا.وكذا العيدان ركعتان يكبر بعد القراء‌ة في الاولى خمس تكبيرات، ويقنت بينهما وفي الثانية اربع.وانها يجبان مع وجود الامام المعصوم ونيتها: أصلي صلاة العيد أداء لندبها قربة إلى الله.

وصلاة الايات وهي: الكسوف، والخسوف، والزلزلة، وكل مخوف سماوي، ركعتان في كل ركعة خمس ركوعات وسجدتان، يقرأ في كل ركوع الحمد وسورة ويركع، ونيتها: اصلي فرض الكسوف أداء لوجوبه قربة إلى الله.وصلاة الطواف ركعتان كالصبح، لكن لا يتعين فيهما جهر، ولابد من كونهما قبل السعي حيث يجب.ونيتهما: اصلي صلاة الطواف لوجوبها قربة إلى الله.

وصلاة الاموات خمس تكبيرات احداها تكبيرة الاحرام، يتشهد عقيب الاولى، ويصلي على النبي وآله عقيب الثانية، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات عقيب الثالثة، وللميت المؤمن عقيب الرابعة.

ولا ركوغ فيها ولا تشهد ولا تسليم، ولا تشترط فيها الطهارة، لانها دعاء، ونيتها: اصلي على هذا الميت لوجوبه قربة إلى الله.

وصلاة النذر وشبهه بحسب الهيئة المنذورة وعدد الركعات، ويتعين الزمان وعدمه.والنية: اصلي ركعتين - مثلا - لوجوبها بالنذر قربة إلى الله.


وكل مكلف فاتته فريضة من الفرائض قضاها عند تذكرها، ويراعي الترتيب فيقضي الفائت أولا ثم ما بعده ونيتها: أصلي فرض كذا قضاء لوجوبه قربة إلى الله.فهذا أيسر ما يجب على المكلفين ومن أخل بشئ منه استحق العقاب في الدارين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله أجمعين.


(٢) الرسالة الجعفرية




الحمد لله الولي الحميد، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، الذي شرع لعباده الصلاة وسيلة إلى الفوز بجزيل الثواب، وفضلها على جميع الاعمال البدنية(١) ، فأمر بالمحافظة عليها في محكم الكتاب(٢) ، والصلاة والسلام على أفضل السابقين والمصلين(٣) من المرسلين والنبيين محمد وآله أمناء الدين وحفظة الشرع المبين.وبعد، فان التماس من اجابته من فضل الطاعات، واسعافه بقضاء حاجته من أفرب القربات، أن أكتب رسالة موجزة تشتمل على واجبات الصلوات المفروضات - وما عساه(٤) يسنح - من المندوبات، جدير بالمسارعة إلى اسعاده بتحقيق مراده، وبابراز سؤله وفعل مأموله.

فاستخرت الله تعالى وكتبت ما تيسر على حسب ضيق

____________________

(١) أى: الحج والجهاد والصوم.ع ل.

(٢) في قوله تعالى: " " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " البقرة: ٢٣٨.

(٣) السابقين: جمع وهو هاهنا: السابق بحسب الرتبة وان كان متأخرا بحسب الزمان.والمصلين: جمع مصلى وهاهنا: المتأخر بحسب الرتبة وان كان سابقا بالزمان ولا خفى ما بينهما من اللف والنشر المرتب.ع ل.

(٤) ما: موصولة، وعسى بمعنى لعل، أى الذى لعله سنح، أى العرض.ع ل.

(*)


المجال، وتشتت البال بمداومة الحل والترحال، وأرجو أن ينفع الله بها المستفيدين، ويثبت لي بها قدم صدق يوم الدين انه ولي ذلك والقادر عليه.وهي مرتبة على: مقدمة، وأبواب وخاتمة.

أما المقدمة: فالصلاة لغة: الدعاء.

وشرعا: قيل: هي أفعال مفتتحة بالتكبير، مشترطة بالقبلة للقربة.(١) .

أورد على طرده: الذكر المنذور على حال الاستقبال مفتتحا بالتكبير، وأبعاض الصلاة قزدنا فيه: مختتمة بالتسليم.وأورد على عكسه: صلاة المضطر في القبله، فحذفنا منه: مشترطة بالقبلة فاستقام.

وهي: واجبة، ومندوبة.فالواجبة أقسام: منها اليومية، ووجوبها ثابت بالنص(٢) والاجماع، بل هو من ضروريات الدين، حتى أن مستحل تركها كافر ان لم يدع شبهة محتملة.ولا ريب أنها أفضل الاعمال البدنية(٣) ، والاخبار مملوء‌ة بذلك، والاذان والاقامة صريحان في الدلالة(٤) .

____________________

(١) أى: تقربا إلى رضائه سبحانه وتعالى.ع ل.

(٢) انظر وسائل الشيعة ٣: ٥ باب: وجوب الصلوات الخمس وعدم وجوب صلاة سادسة في كل يوم.

(٣) احترز بها عن الفلبية، فان الايمان أفضل من الاعمال البدنية، وهو عمل القلب.ع ل.

(٤) وذلك لاشتمالهما على (حى على خير العمل)، معناه: هلم واقبل إلى خير العمل وهما انما يسرعان في اليومية، فتكون هى خير العمل.ع ل.

(*)


ولا استبعاد(١) بعد ورود النص، وخفاء الحكمة لا يقتضي نفيها، ويرشد اليه: أن الحج فيه شائبة مالية والزكاة مالية محضة، ومن ثم قبل النيابة حال الحياة مع الضرورة والزكاة اختيارا، والصوم ليس فعلا محضا، وما يوجد في بعض الاخبار من تفضيل غير الصلاة(٢) متأول.

وشرط وجوبها: البلوغ، والعقل، والطهارة من الحيض والنفاس على تفصيل(٣) ، لا الاسلام فتجب على الكافر وان لم تصح منه.

____________________

(١) هذا جواب عن سؤال مقدر تقريره: انه يبعد تفضيل صلاة الصبح مثلا ركعتين يصليهما المكلف في منزله على نحو الحج من الاعمال الشاقة مع اشتماله على عدة عبادات.وقد ورد في الحديث " أفضل الاعمال أحمزها " أى: اشقها.وتقرير الجواب: ان محصل هذا السؤال يرجع إلى الاستبعاد، ولا وجه له بعد ورود النص بتفضيل الصلاة على غيرها، فان مشقة العمل بمجردها لا يقتضى التفضيل، بل انما يقتضيه نص الشارع، رقد ورد يتفضيل الصلاة مطلقا فلا معنى للاستعباد.والحديث لا يدل على شئ ينافى ذلك، فقد فسر اهل اللغة أحمزها: بأمتنها وأقواها، على أن هذه الدلائل خاصة والعام لا يعارضها.فان قيل: أى حكمة في تفضيل العمل القليل الذى لا مشقه فيه على العمل الكثير المشقة؟ قلنا: خفاء الحكمة علينا لا يقتضى نفيها في نفس الامر، فان أكثر الشرعيات لا يعلم حكمتها، فان صلاة الظهر مثلا في السفر ركعتان وهى أفضل من أربع ركعات، حتى أنها لو صليت أربعا لم تقبل ولم تكن صحيحة وحكمة ذلك غير معلومة.والى هذا أشار بقوله: وخفاء الحكمة لا يقتضى نفيها.ع ل.

(٢) هذا اشارة إلى وقوع سؤال تقديره: قد وجد في بعض الاخبار تفضيل غير الصلاة مطلقا، كما في بعض الاخبا - ر الدالة على تفضيل الحج مطلقا، وكذا الجهاد، وكذا الصوم.فلا يتم القول بتفضيل الصلاة.وجوابه: الاخبار الدالة على تفضيل الصلاة اكثر واشهر، فاذا عارضها مالا يكون مثلها في القوة والشهرة وجب تاويله بما يوافقها دفعا للتنافى وعملا بالدليلين.

(٣) هو: الحيض والنفاس يتبعان الوجوب اذا اشتمل احداهما وقت الصلاة من أوله (*)


ويجب أمام فعلها معرفة الله تعالى، وصفات الثبوتية والسلبية، وعدله وحكمته ونبوة نبينا محمد صلوات الله عليه وآله، وامامة الائمةعليهم‌السلام ، والاقرار بكل ما جاء به النبي صلوات الله عليه وآله من أحوال المعاد بالدليل لا بالتقليد.وطريقة معرفة أحكامها لمن كان بعيدا عن الامامعليه‌السلام (١) : الاخذ بالادلة التفصيليه(٢) في أعيان المسائل(٣) ان كان مجتهدا والرجوع إلى المجتهد ولو بواسطة وان تعددت ان كان مقلدا.واشترط الاكثر كونه حيا، ومع التعدد يرجع إلى الاعلم ثم الاورع(٤) ، ثم يتخير ولو في آحاد المسائل، بل في المسألة الواحدة في واقعتين(٥) ، نعم يشترط عدالة الجميع.ويثبت الاجتهاد بالممارسة المطلقة على الحال للعالم بطريقه(٦) ، أو باذعان العلماء مطلقا.والعدالة بالمعاشرة الباطنة، أو بشهادة عدلين، أو الشياع.

____________________

(١) إلى آخره، فلو خلا اول الوقت عنهما بمقدار الصلاة تامة الافعال والشروط، أو آخره بمقدار ركعة تامة كذلك استقر الاداء، فان لم يفعل وجب القضاء.ع ل.(١) سواء كان في عصره أولا.ع ل.

(٢) خرجت الاجمالية.ع ل.

(٣) أى: في كل مسألة بخصوصها.ع ل.

(٤) أى: فان استويا رجع إلى الاورع، فان استويا في جميع المسائل ومن آحادها: فان شاء قلد أحدهما بعضا، والاخر بعضا آخر.ولو قلد أحدهما في مسألة فله أن يرجع إلى قول الاخر فيها اذا خالفه، بشرط أن يكون ذلك في واقعتين لا في واقعة واحدة، لامتناع تغير الحكم الذى تعلق به شرعا لمجرد الاختيار.

ع ل.

(٥) قوله: في واقعتين: أى: في زمانين، مثلا يقلد مجتهدا أن التسليم واجب ويصلى به ظهرا، ويقلد مجتهدا آخرا أن التسليم مستحب ويصلى عصرا.ع ل.

(٦) أى: العلم بالممارسة انما هو في حق من يعلم طريق الاجتهاد، بحيث يقدر أن يعلم المجتهد من غير العالم بطريقه فلا عبرة بممارسته ولا لقوله.ع ل.

(*)


وأما الابواب فاربعة:

الباب الاول: في الطهارة

وفيه فصول:

الاول: في اقسامها وأسبابها(١) : الطهارة:

هي الوضوء أو الغسل أو التيمم، على وجه له تأثير في استباحة الصلاة(٢) ، وكل منها: واجب، وندب.

فالواجب من الوضوء: ما كان لواجب الصلاة، والطواف، ومس كتابة القرآن، والمندوب ما عداه.

والواجب من الغسل: ما كان لاحد الامور الثلاثة، أو لدخول المساجد مع اللبث في المسجدين، أو قراء‌ة العزائم ان وجبا(٣) الا غسل المس(٤) ، ولصوم الجنب مع تضيق الليل الا لفعله، وكذا الحائض والنفساء اذا انقطع دمهما قبل الفجر بمقدار فعله، والمستحاضة الكثيرة الدم على تفصيل(٥) ، والمندوب ما عداه.

والواجب من التيمم: ما كان لاحد الامور المذكورة، ولخروج الجنب

____________________

(١) الاسباب جمع سبب، والسبب: هو الوصف الوجودى المعرف لحكم شرعى.ع ل.

(٢) انما قال: على وجه له تأثير في استباحة الصلاة، ليخرج نحو وضوء الحائض لذكرها، ع ل.

(٣) يعنى دخول المساجد وقراء‌ة العزائم.ع ل.

(٤) في " ش ": مس الميت.

(٥) حاصل التفصيل: ان المستحاضة الكثيرة الدم: اما أن يكون دمها بحيث يغمس القطنة ولا يسيل، أو يغمس ويسيل.وعلى التقديرين: فاما أن يكون قبل طلوع الفجر، أو بعده قبل الصلاة أو بعدها.ففى القسم الاول يجب الغسل للصوم قطعا، لكن هل يجب تقديمه على طلوع الفجر أم لا؟ وجهان، وأن التقديم أحوط، فحينئذ يراعى فعله آخر الليل علما أو ظنا وفى الثانى يجب الغسل اجماعا على كل من التقديرين، وفى الثالث انما يجب الغسل للصوم اذا كان الدم سائلا لا مطلقا، اذ لا يجب الغسل في من غمس دمها القطنة ولم يسل الا (*)


والحائض والنفساء من المسجدين، والمندوب ما عداه.وانما يجب الوضوء لما ذكر(١) بخروج البول والغائط منفصلا، والريح من الطبيعي وغيره اذا صار معتادا أو انسد الطبيعي، والنوم المبطل للحس ولو تقديرا، وكل مزيل للعقل، والاستحاضة على وجه، والغسل لجنابة، والحيض، والاستحاضة غير القليلة، والنفاس، ومس الميت نجسا، وموت المسلم ومن بحكمه، والتيمم بموجباتهما والتمكن من فعل مبدله، وقد يجب الثلاثة بالنذر وشبهه.ومتى اجتمعت أسباب كفى في رفعها قصد الاستباحة، أو الرفع مطلقا، أو مضافا إلى أحدها.وفي اجزاء غير الجنابة عنها قولان، والاجزاء قوئ.ويجب على المتخلي ستر العورة عن ناظر محترم(٢) ، وتجنب استقبال القبلة واستدبارها ولو في الابنية، ولاستنجاء عن البول بالماء خاصة، والمشهور اعتبار المثلين فيعتبر الفصل، وكذا في غائط المتعدي والمعتبر فيه الانقاء، ويتخير في غيره بينه وبين مسحات ثلاثة بطاهر جاف قالع ولو بأطراف حجر، أو محترما وان حرم، فأن لم ينق بها وجبت الزيادة، ولو نقى بما دونها اعتبر الاكمال، ولا فرق في ذلك بين الطبيعى وغيره مع اعتياده.

الفصل الثانى: في المياه:

وهي: مطلق، ومضاف، وأسآر:

____________________

(١) الغداة خاصة.ع ل.

(١) أى: من الغايات السابقة، وذلك لانها جزء وعلة في ايجاب الوضوء، اذ لا يجب بها وحدها من دون ضميمة شئ من الاسباب التى هى الاحداث.ع ل.

(٢) قوله: عن ناظر محترم، احترز عن الطفل الصغير المراهق، والمجنون، والزوجة والبهائم، والمملوكة الذى يحل وطؤها.ع ل.

(*)


فالمطلق: هو ما يستحق(١) اطلاق اسم الماء عليه من غير قيد ولا يصح سلبه عنه(٢) ، وهو في أصل خلقته طهور، فان لاقاه طاهر فهو على حكمه وان تغير به مالم يفتقر اطلاق اسم الماء عليه إلى قيد، وان لاقته النجاسة فان كان جاريا - وهو النابع - لم ينجس بها وان نقص عن الكر، مالم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه فينجس المتغير، وما بعده ان نقص عن الكر واستوعب(٣) التغير عمود الماء، ويطهر بزوال التغيير ولو من نفسه.وماء الحمام بالمادة المشتملة على الكثرة، وماء الغيث متقاطرا كالجاري، وأن كان راكدا ينجس بها ان نقص عن الكر، وفي طهره بالاتمام قولان.وان كان كرا فصاعدا، وهو ما بلغ تكسيره(٤) بأشبار مستوي الخلقة اثنين واربعين وسبعة أثمان، أو كان وزنه ألفا ومائتي رطل بالعراقي لم ينجس الا بالتغير.

____________________

(١) والمراد بما يستحق: ثبوت ذلك عند أهل العرف، ولا ينافى جواز تقييده مع ذلك كما يقال: ماء الفرات وماء البحر، فالاستحقاق ثابت وان جاز مثل هذا التقييد، بخلاف المضاف فان تقييده لازم ولا يستحق الاطلاق المذكور ع ل.

(٢) والمراد بامتناع سلبه عنه: عدم صحته عند أهل الاستعمال، بحيث يخطئون من سلب اسم الماء عن المستحق باطلاقه عليه.ع ل.

(٣) المراد باستيعاب التغير عمود الماء: استيعاب التغير عرض العمود وعمقه.

(٤) حساب ضرب الكر: أن تضرب ثلاثه الطول في ثلاثة العرض تبلغ تسعة، ثم تضرب ثلاثة الطول في نصف العرض يبلغ واحدا ونصفا فيصير عشرة ونصفا، ثم تضرب نصف الطول في ثلاثة العرض يبلغ واحدا ونصفا يصير اثنى عشر، ثم نضرب نصف الطول في نصف العرض يبلغ ربعا فيصير المجموع اثنى عشر وربعا، ثم تضرب اثنى عشر في ثلاثة العمق يبلغ ستة وثلاثين، ثم تضرب الاثنى عشر في نصف العمق يبلغ ستة يصير اثنين وأربعين، ثم تضرب الربع في ثلاثة العمق يصير ثلاثة ارباع، ثم تضرب الربع في نصف العمق يبلغ ثمنا، فيصر المجموع اثنين واربعين وسبعة اثمان ع ل.

(*)


ويطهران(١) بالقاء كر دفعة واحدة، فان لم يزل التغير فآخر حتى يزول التغير.وان كان بئرا نجست بالتغير اجماعا لا بالملاقاة على الاصح، ويطهر بالنزح حتى يزول التغير، وعلى القول بالنجاسة بالملاقات ينزح للتغير بها عند جماعة(٢) .ولموت البعير والثور، ووقوع المسكر المائع والفقاع والمني وأحد الدماء الثلاثة جميع الماء.ولموت الحمار، والبغل، والدابة، والبقره كر.ولموت الانسان وان كان كافرا(٣) عند الاكثر سبعون دلوا معتادة.

وخمسون: للعذرة الذائبة.

واربعون: لموت الكلب، ونحوه، والدم الكثير كدم الشاة(٤) ، ولبول الرجل.

وثلاثون: لماء المطر الذي فيه البول والعذرة، وخرء الكلاب.

وعشرة: للعذرة اليابسة، والدم القليل كدم ذبح الطير.

وسبع: لموته، ولخروج الكلب حيا، وللفأرة مع التفسخ والانتفاخ، ولبول الصبي، واغتسال الجنب على اشكال(٥) .

____________________

(١) وكذا يطهر باتصالهما بالجارى، أو بالمادة، أو نزول المطر عليهما.ع ل.

(٢) وعند بعض آخر يجب النزح حتى يزول التغير، وعند بعض يستوفى المقدر هذا بعد النزح وزوال التغير ان كانت النجاسة مقدرا، والا فالجميع، وعند بعض يجب أكثر الامرين من زوال التغير والمقدر.ع ل.

(٣) سواء الذكر والانثى، والصغير والكبير، والمسلم والكافر.خلافا لابن ادريس حيث أوجب نزح الجميع للكافر، لانه لو وقع حيا لوجب نزح الجميع، بناء‌ا على أن مالا نص فيه ينزح له ذلك فميتا بطريق أولى.والمعتمد الاول، نعم لو وقع حيا ثم مات اتجه وجوب نزح الجميع.ع ل.

(٤)قوله:والدم الكثير كدم ذبح الشاة: المشهور بين الاصحاب وجوب نزح خمسين في الدم الكثير.ع ل.

(٥) أى على اشكال في وجوب النزح، ومنشأ الاشكال من النزح هاهنا: اما أن يكون نجاسة (*)


وخمس: لذرق جلال الدجاج.

وثلاث: لموت الحية، والفأرة مع عدم الامرين.

ودلو: لبول الرضيع، وموت العصفور، وشبهه.وعلى ما اخترناه فكل ذلك مستحب، ويستحب تباعد البئر والبالوعة بخمس أذرع ان كانت الارض صلبة، او كانت البئر أعلا(١) ولو بالجهة، والا فسبع.

والمضاف: ما لا يتناوله الاسم ويصح سلبه عنه كماء الورد، والممتزج بما يسلبه الاطلاق.وهو في الاصل طاهر لكن لا يرفع حدثا(٢) ولا يزيل خبثا، وان اضطر إلى الطهارة معه تيمم، وينجس بالملاقات وان كثر، ويطهر بصيرورة مطلقا وان بقى التغير، لا باختلاطه بالكثير مع بقاء الاضافة.

ولو مرج طاهره مسلوب الاوصاف بالمطلق قدر مخالفا وسطا، والشيخ بحكم

____________________

البشرة بملاقاة الجنب فبالنزح تعود الطهارة، أو لصيرورته مستعملا على القول بأن المستعمل في الطهارة الكبرى ليس طهورا كما هو مذهب التحقيق وجماعة فبالنزح تعود الطهورية وكل من الامرين غير مستقيم، أما الاول، فلان نجاسة الماء الطاهر بملاقاته لبدن الجنب الخالى من نجاسة عينية، لانه الفرض ظاهر البطلان.وأما الثانى، لان الماء انما يتحقق مستعملا في صورة النزاع على القول به اذا استعمله الجنب في رفع الحدث وحكم شرعا بارتفاع حدثه.وكل من الامرين منتف أما الاول، فلان الحكم بالنزح مما لا نص فيه، وأما الثانى، فلان حدثه لا يرتفع، لثبوت النهى عنه في الخبر، والنهى في العبادات يدل على الفساد فمن اشكل القولين النزح هنا أصلا وراسا.

(١) في بعض الاخبار: أن مجرى العيون كلها من جهة الشمال أعلى من غيرها من الجهات.ع ل.

(٢) الحدث: نجاسة حكمية يشترط في رفعها النية، والخبث: نجاسة عينية يشار اليها وتتعدى مع الرطوبة، ولا يشترط في رفعها النية.ع ل.

(*)


بالاكثر(١) .ولو اشتبه المطلق بالمضاف تطهر بكل منهما مع فقد ما ليس بمشتبه أما المشتبه بالنجس والمغصوب فيجب اجتنابه، ولو قصر المطلق عن الطهارة وأمكن مزجه بالمضاف مع بقاء الاطلاق وجب المزج على الاصح ان لم يجد غيره، والاتخير.

والسؤر: ما باشره جسم حيوان، وهو تابع له في الطهارة والنجاسة والكراهة.ويكره سؤر الدجاج، والدواب، والبغال، والحيمر، والحائض المتهمة، وما لا يؤكل لحمه كالجلال وآكل الجيف مع الخلو عن النجاسة، والفأرة، والوزغة والحية، والثعلب، والارنب، والمسوخ.وفي سؤر والد الزنا قول بالنجاسة ضعيف.ولا يستعمل النجس في الطهارة مطلقا، فان فعل فالحدث بحاله فيعيد مطلقا(٢) ، وكذا الخبث على تفصيل يأتي، ولا في الاكل والشرب الا عند الضرورة فيقتصر على القدر الضرورى.والمنفصل عن الاعضاء في الطهارتين طاهر اجماعا، ومطهر على الاصح في مستعمل الكبرى، وان كره، وعن محل الخبث نجس، تغير أولا على الاشهر اذا كان له مدخل(٣) في التطهير، عدا ماء الاستنجاء من الحدثين خاصة فانه طاهر مالم يتغير بالنجاسة أو تلاقه نجاسة غير المحل، ولو زاد الوزن فوجهان.

ويكره استعمال المتشمس في الاناء وان لم ينطبع(٤) ، والمسخن بالنار في غسل الاموات.

____________________

(١) المبسوط ١: ٨.

(٢) في الوقت وخارجه، مع العلم وبدونه.ع ل.

(٣) كماء الغسلتين، لا كماء الغسلة الثالثة فانها طاهرة.ع ل.

(٤) الاوانى المنطبعة: وهى الاوانى المصنوعة من الفلزات كالحديد والرصاص والنحاس (*)


الفصل الثالث: الوضوء:

ويجب فيه: النية مقارنة لغسل الوجه، ويجوز تقديمها عند غسل الكفين اذا كان مستحبا.واستدامتها(١) حكما إلى آخره: أتوضأ لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله، ولو ضم الرفع أو اكتفى به صح ان لم يكن دائم الحدث، ولا اقتصر على نية الاستباحة أو مع الضميمة، الا أن يقصد رفع ما سبق على زمان النية فيكتفي به، ولو ضم منافيا أو لازما أجنبيا لم يصح.وغسل الوجه من قصاص شعر الرأس ولو حكما بادئا به إلى محادر شعر الذقن طولا، وما حواه الابهام والوسطى عرضا ولو حكما، وغسل ظاهر الشعر لا ما تحته وان خف، ولا مسترسل اللحية وان استحبا.وغسل اليدين مع المرفقين، والابتداء بهما، وتقديم اليمنى، وغسل الشعور وما تحتها، والزائد من لحم واصبع وظفر وان طال، ويدان(٢) لم يتميز عن الاصلية ولم يكن فوق المرفق.ومسح مقدم شعر الرأس المختص به، أو بشرته ببقية البلل بمسماه ولو منكوسا.ومسح بشرة الرجلين من رؤوس الاصابع إلى العظمين الناتئين في وسط

____________________

وغيرها عدا الذهب والفضة، وغير المنطبعة: وهى الاوانى المصنوعة من الخزف أو الخشب وغيرهما.

(١) المراد من الاستدامة حكما: أى لا ينوى مخالفا، فان نوى مخالفا للاول صح في ما مضى وبطل في ما بقى.ع ل.

(٢) اليد الزائد ان كانت في محل الفرض يجب غسلها وان كانت متميزة عن الاصلية، وان كانت فوق محل الفرض ان تميزت عن الاصلية لا يجب غسلها والا فيجب.ع ل.

(*)


القدم بمسماه بالبلل ولو من شعور الوجه، ويكره منكوسا، ويجب البدأة باليمنى.والترتيب كما ذكر.

والموالات: وهي أن يكمل طهارته قبل جفاف ما تقدم(١) ، ومع التعذر، لافراط الحر وقلة الماء قيل بالسقوط(٢) ، وليس ببعيد.والمباشرة بنفسه اختيارا.وطهارة الماء، وطهوريته فيه وفي الغسل، واباحة المكان ولو ظاهرا، وطهارة المحل خاصة فيهما ولو تدريجا، وفي التيمم تفصيل.ومتى شك في شئ من أفعاله قبل الفراغ أعاده وما بعده، الا مع الجفاف فيستأنف، وبعده لا يلتفت.ولو تيقن الاخلال بواجب أتى به على الحالين، ويسقط اعتبار الشك ببلوغ الكثرة.ومن تيقن الحدث أو الطهارة وشك في الضد عمل بيقينه، وان تيقنهما والشك في السابق: فان جهل حاله قبل زمانهما تطهر، والا أخذ بضد ما قبلهما على الاصح، ولو أفاد التعاقب(٣) يقينا بنى عليه.والجبائر في موضع الغسل تنزع، أو تخلل حتى يصل الماء البشرة مع الطهارة، فان تعذر مسح ظاهرها طاهرا، وفي موضع المسح تنزع مطلقا، فان

____________________

(١) المراد بالجفاف المتقدم هل هو جفاف الجميع، أو جفاف العضو الاخير أم مطلق جفاف العضو؟ احتمالات، أمنعها الاخير، وأوضحها الاول: ع ل.

(٢) أى: ما قبل الطهارة والحدث المشكوك فيهما بالتقديم والتأخير الواقعين بعد الزوال، فان كان قبل ذلك محدثا بنى على الطهارة، لانه تيقن بعد الزوال انتقاله عن تلك الحالة إلى الطهارة، ولم يعلم تجدد الانتقاض، فصار متيقنا للطهارة وشاكا في الحدث فيبنى على الطهارة، وان كان قبل الزوال متطهرا بنى على الحدث لان تلك الطهارة بطلت بالحدث الذى وجد بعد الزوال، والطهارة الموجودة بعده يحتمل تقديمها على الحدث.وما اختاره المصنف مبنى على القول الاصح، اذ المسألة فيها قول آخر.شرح.

(٣) والمراد بالتعاقب: كون الطهارة عقيب الحدث لا عقيب طهارة، وكون الحدث عقيب طهارة لا عقيب حدث شرح.

(*)


تعذر فالمسح، وكذا الطلاء واللصوق.

الفصل الرابع: الغسل: وهو انواع: فغسل الجنابة: يجب بانزال المني على كل حال ولو بوجدانه في الثوب المنفرد، ويحكم بالبلوغ به مع امكانه لا في المشترك فيسقط عنهما.وبالجماع حتى تغيب الحشفة أو قدرها، في قبل أو دبر، لذكر أو انثى، حيا أو ميتا، والقابل كالفاعل، وفي البهيمة قول والوجوب أولى، وغير البالغ يتعلق به حكم الحدث لا الوجوب والحرمة.فيحرم قبل الغسل الصلاة، والطواف، والصوم، ومس خط المصحف، واسم الله، وانبيائة، وأئمتهعليهم‌السلام (١) ، ودخول المسجدين خاصة، واللبث مطلقا، ووضع شئ فيها، وقراء‌ة العزائم الاربع وأبعاضها ولو بعضا مشتركا بنية احداهما.ويجب في الغسل النية مقارنة لتقدم الافعال المسنونة(٢) ، أو لغسل جزء من الرأس مستدامة الحكم إلى آخره: اغتسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله، ولو ضم الرفع أو اكتفى به صح على ما سبق تفصيله.وغسل الرأس والرقبة والاذنين وما ظهر من الصماخ(٣) ، ثم الميامن ثم المياسر، وتخليل ما يمنع وصول الماء وان كان كثيفا، لا غسل الشعر الا أن يتوقف غسل

____________________

(١) وكذا فاطمةعليها‌السلام ، وكذا اسم الملائكة المقربين.ع ل.

(٢) كغسل اليدين والمضمضة والاستنشاق اذا كان الغسل ترتيب.ع ل.

(٣) الصماخ: خرق الاذن، ويقال هو الاذن نفسها.الصحاح ١: ٤٢٦ " صمخ ".

(*)


البشرة عليه، ويتخير في غسل العورتين والسرة مع أي جانب شاء.والترتيب كما ذكر لا الموالاة، ويسقط بالارتماس، فيقارن بالنية اصابة الماء لجزء من البدن ويتبعه بالباقي من غير تخلف، ولو وجد بعده لمعة لم تنغسل أعاد ان طال الزمان بحيث تنتفي الوحدة عرفا، وفي الترتيب يغسلها وما بعدها.

وينبغي الاستبراء بالبول للمنزل ويجتهد بعده، ولا أثر للبلل المشتبه، وبدونهما أو الاول خاصة مع امكانه يعيد الغسل، وبدون الثاني يعيد الوضوء.ولو أحدث في أثنائه كفاه الاتمام على الاصح، ولو قام على مكان نجس طهر المتنجس ثم أفاض عليه الماء للغسل.وغسل الحيض، والاستحاضة، والنفاس، ومس الميت كغسل الجنابة الا انه لابد من الوضوء قبله أو بعده، ولو تخلله الحدث كفى اتمامه مع الوضوء.

فالحيض: هو الدم المتعلق بالعدة أسودا حارا عبيطا غالبا، ومحله: البالغة تسعا غير يائسة ببلوغ ستين ان كانت قرشية أو نبطية(١) ، وخمسين في غيرهما، ويتميز عن العذرة بانتفاء التطوق، وعن القرح بخروجه من الايسر، ويجامع الحمل على الافوى.وأقله ثلاثة أيام متوالية بلياليها، وأكثره عشرة أيام وهي أقل الطهر، ولاحد لاكثره، واذا انقطع الدم على العشرة فالكل حيض وان تخلله النقاء بعد ثلاثة وان عبر.

فالمعتادة: وهي التي اتفق حيضها وقتا وعددا أخذا وانقطاعا ترجع إلى عادتها، ولو اتفق في أحدهما خاصة استقرت في المتفق دون الاخر(٢) ولهذه بعد

____________________

(١) قوم يسكنون البطائح بين الكوفة والبصرة.ع ل.

(٢) فلو اتفق العدد دون الوقت رجعت في المرة الثالثة إلى ذلك العدد دون الوقت ولو تجاوز الدم العشرة، ولو لم تعلم ابتداء عروض الدم كما في المرة الثالثة كالمجنونة تفيق (*)


أيام العادة أن تستظهر بيوم أو يومين إلى العشرة، فبالتجاوز تقضي ما تركته زمان الاستظهار من صوم وصلاة وصوم العادة خاصة، ويحكم لهذه بالحيض برؤية الدم.

والمضطربة: ترجع إلى التميز، ثم الروايات ان نسيت العدد والوقت معا، وان نسيت أحدهما عملت بما تعلم فتخير في تخصيص العدد ان ذكرته، وان ذكرت الوقت خاصة تحيضت في المتيقن واحتاطت بالجمع بين تكليفي الحائض والمستحاضة في المحتمل، ويرجع ردها إلى الروايات فتضم إلى ما عملته بقية أحدهما.والمبتدأة بعد التميز ترجع إلى عادة نسائها، ثم اقرانها من بلدها، ثم الروايات وهي: ستة أو سبعة من كل شهر، أو ثلاثة من شهر وعشرة من آخر مخيرة في التخصيص.

والاستحاضة: دم أصفر بارد رقيق غالبا، ويجب اعتباره فان لطخ الكرسف ولم يثقبه وجب ابداله، وتطهير ما ظهر من المحل، والوضوء لكل صلاة.وان ثقبه ولم يسل فمع ذلك تغير الخرقة، وغسل للغداة.وان سال فمع ذلك غسل للظهرين وتجمع بينهما، وآخر للعشاء‌ين كذلك.ومع الافعال هي بحكم الطاهر، فان أخلت بشئ منها لم تصح صلاتها، أو بشئ من غسلي النهار لم يصح صومها، واذا انقطع للبرء وجب ما اقتضاه الدم سابقا من غسل ووضوء.

____________________

والدم مستمر لا تعلم متى ابتدأ، فالظاهر منها تخصيص ذلك العدد بوقت، مخيرة في ذلك مع استواء الزمان.ولو انعكس الفرض لا المستقرة انما هو الوقت خاصة، فمتى انقطع الدم على العشرة فالجميع حيض، فاذا عبرها فلا عدد لها وترجع بل يعتبر التميز، فان طابق الوقت الذى اعادته مع احتمال رجوعها إلى عادة النساء والاقران في العدد، لانها مبتدأة بالنسبة اليه.ع ل.

(*)


والنفاس: دم الولادة معها أو بعدها، فلا نفاس بدونه ولا ما يكون قبلها، وأكثره عشرة في الاشهر، فان عبرها الدم عملت المعتادة في الحيض بعادتها، والمبتدأة والمضطربة بالعشرة.وللتوأمان(١) نفاسان، وتفارق الحائض في، الاقل، والدلالة على البلوغ، وقضاء العدة الا في الحامل من زنى(٢) .

ويشتركان في: تحريم ما سبق مما يشترط فيه الطهارة، والوطء قبلا فيعزر ويكفران استحله مع العلم بالتحريم ويستحب التكفير بدينار قيمته عشرة دراهم في أوله، ونصف في وسطه، وربع في آخره، وكذا الطلاق مع الدخول وانتفاء الحمل وحضور الزوج أو حكمه، ويكره الوطء قبل الغسل على الاصح.

ومس الميت: انما يوجب الغسل بعد برده بالموت وقبل تطهيرة بالغسل على الوجه المنقول، وكذا القطعة ذات العظم وان ابينت من حي، فلو مس معصوما، أو شهيدا، أو من لم يبرد، أو المغسل صحيحا، أو عضوا ثم غسله على قول قوي، أو المغتسل ليقتل بسيب وقتل به فلا غسل.ولو مس من لم يطهر بعد البرد، أو غسل فاسدا ولو بفعل الكافر لضرورة فقد المماثل والمحرم من المسلمين، أو سبق موته قتله، أو قتل بغير ما اغتسل له، أو كان ميمما ولو عن بعض الغسلات، أو فقد في غسله أحد الخليطين، أو كان كافرا

____________________

(١) لكن الدم الذى بعد وضع الاول نفاس غير معدود، فيحرم عليها ما يحرم على النفساء ولا تحتسب هذه الايام من العادة، وبعد وضع الثانى معدود، ولا فرق بين تخلل طهر بينهما وعدمه.ع ل.

(٢) لكن يحسب بحيضه واحدة كما لو طلق وهى حامل من الزنى، ثم رأت الدم مرتين، ثم وضعت الحمل، ثم رأت دم النفاس فانه يقتضى العدة به، وكذا لو وضعته ولم ترد ما قضت العدة ايضا.ع ل.

(*)


وان غسل وجب الغسل، وانما ينجس الملاقي مع الرطوبة على الاقوى.ويجب على كل مكلف على الكفاية توجيه المحتضر المسلم ومن بحكمه إلى القبلة، بأن يلقى على ظهره وتجعل رجلاه اليها بحيث لو جلس لكان مستقبلا، ثم ازالة النجاسة عن بدنه، ثم تغسيله بماء طرح فيه مسمى السدر، ثم بماء طرح فيه كافور كذلك، ثم بماء خلا منهما وهو القراح مرتبا كالجنابة.ويسقط الترتيب بغمسه في الكثير مقارنا بالنية أول كل غسلة، وتجزئه نية واحداة لها موجها الي القبلة كالمحتضر، ولو تعذر الخليط غسل ثلاثا بالقراح، ولو وجد ماء غسلة قدم السدر ويممه عن المفقود، ولو لم يجد شيئا يممه ثلاثا، على الاقوى.وأولى الناس يتغسيل الرجل الزوجة(١) ، ثم الرجال المحارم، ثم الاجانب، ثم النساء المحارم.ومثله المرأة.وتكفينه في مئزر وقميض وازار اخنيارا، من جنس ما يصلي فيه الرجل من أصل تركته مقدما على الديون والوصايا، ومع فقدها فمن بيت المال أو من الزكاة وكفن الزوجة الدائمة غير الناشزة على زوجها وان كانت ذات مال.وتحنط مساجده السبعة بمسمى الكافور، ويكتب بتربة الحسينعليه‌السلام على القميص والازار: انه يشهد الشهادتين ويقر بالائمة، ويجعل معه جريدتان من النخل ثم السدر ثم الخلاف ثم شجر رطب استحبابا فيهما.ويجب كفاية أن يصلى على المسلم ومن بحكمه ممن بلغ ست سنين، وأولى الناس بها أولاهم بالارث، فالاب أولى، ثم الولد، ثم الجد، ثم الاخ الابوين، ثم للاب، ثم الام، ثم العم، ثم الخال، ثم ابن العم، ثم ابن الخال.ومع صغر

____________________

(١) المعتمد بغسل الزوج زوجته، وبالعكس، وكذا المحارم انما يكون من وراء الثياب ما ستر البدن عادة، فلا يجب كونه ساتر الوجه واليدين والقدمين مع احتمال الوجوب.ع ل.

(*)


الاولى فالحكم للكبير، ومع فقده فالحاكم، وامام الاصل أولى مطلقا ولا عبرة باذن الولي، ومع تساوي الاولياء والتشاح يقدم الافرأ فالافقه فالاسن ويستنيب الولي مع انتفاء الاهلية، ويجوز معها، ولا تنعقد جماعة بدون اذنه فتصح فرادى.ويعتبر فيها الاستقبال وستر العورة، دون الطهارة، وجعل رأس الميت عن يمين المصلي مسنلقيا، وعدم التباعد كثيرا، والقيام، والنية، وتكبيرات خمس، والتشهد عقيب الاولى، والصلاة على النبي وآله عقيب الثانية، والدعاء للمؤمنين عقيب الثالثة، وللميت عقيب الرابعة، والانصراف بالخامسة، وعن المنافقين بالرابعة، ويدعو للمستضعف والطفل بنحو ما نقل.ثم يجب دفنه في حفرة تكتم ريحه وتصوفه، موجها إلى القبلة، بأن يضجع على جانبه الايمن، الا في ذمية الحامل من مسلم فيستدبر بها القبلة.ومع تعذر البر يثقل، أو يجعل في وعاء ويسترسل مستقبلا.ويحرم نبش القبر الا في مواضع، ونقل الميت بعد دفنه الا إلى المشاهد المشرفة مع عدم المثلة، ولو لم يصل على الميت صلي على قبره، ولا تحديد.

الفصل الخامس: التيمم بالصعيد: وهو التراب بأي لون اتفق، أو المدر أو الحجر أو الرمل، وأرض النورة والجص قبل الاحراق، دون المعدن والنبات والمشوب بغيره مع سلب الاسم، ولو بشراء أو اسنئجار أو عارية أو شاهد حال.ويجب قبلو هبته وهبة الماء، لا الثمن، ومع فقده فبغبار الثوب واللبد وعرف الدابة، ثم الوحل، لا بالثلج، ولو أمكن الغسل بنداوته قدم على التيمم.ويجب طلب الماء في الجهات الاربع غلوة في الحزنة، وغلوتين في السهلة ولو بوكليه، وشراؤه وان زاد عن ثمن المثل مع القدرة، وعدم الضرر وخوف


استعماله ولو في بعض الاعضاء كفقده، ومنه الشين، وكذا لخوف على نفس أو مال أو بضع.ولا اعادة على من صلى بتيمم وان كان متعمدا الجنابة، أو الممنوع بزحام الجمعة ويقدم الجنب على الميت والمحدث بالماء المبذول للاحوج، وكذا على باقي المحدثين، وذو النجاسة على الجميع.ويجب فيه النية مقارنة للضرب على الارض مستدامة الحكم: أتيمم بدلا من الوضوء أو الغسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله، ولا مدخل للرفع هنا.ويجب الضرب بكلتا يديه معا ببطونهما اختيارا، وطهارتهما، وطهارة المضروب عليه، ومحل التيمم.ولو تعذر ازالة النجاسة عن الاعضاء صح ان لم تكن حائلة(١) ولا متعدية.ومسح الجبهة ببطن الكفين من قصاص الشعر إلى طرف الانف الاعلى بادئا بأعلاها، والاولى مسح الجبينين، والحاجبين وبلوغ طرف الانف الاسفل، ثم مسح ظهر كفه اليمنى ببطن اليسرى من الزند إلى اطراف الاصابع، ثم مسح اليسرى كذلك والموالاة ولو بدلا من الغسل، ولا يقدح الفصل بما لا يعد تفريقا، والمباشرة بنفسه الا مع التعذر كما ذكر.ولا يشترط علوق الغبار، بل يستحب النفض، ويجب للوضوء ضربة وللغسل اثنان.ولغير الجنابة تيممان، لوجوب الطهارتين.وينتقض بالتمكن من مبدله قبل التحريم لا بعده ولو لم يكن قد ركع، ويجوز مع السعة ان لم يكن العذر مرجو الزوال، ويستباح به كل ما يستباح بمبدله حتى الطواف.

____________________

(١) ولو كانت حائلة أو متعدية ولا يمكن رفعه سقط الاداء والقضاء وهو كعادم المطهر.ع ل.

(*)


الفصل السادس: تجب ازالة النجاسات عن الثوب والبدن للصلاه والطواف ودخول المساجد مع التعدى وهي عشرة: البول والغائط من غير المأكول اذا كان له نفس سائلة وان عرض تحريمه(١) .والمني والدم من ذي النفس مطلقا ولو علقه في البيضة وغيرها، وأما المتخلف من الدم في اللحم بعد الذبح والقذف فطاهر.والميتة منه، وجزء من ذي النفس المبان ولو من حي ميتة الا الانفحة وما لا تحله الحياة.والكلب والخنزير واجزائهما وفرعهما.والكافر بأنواعه، ومنه الخوارج والغلاة والنواصب(٢) والمجسمة.والمسكر المائع، وفي حكمه الفقاع والعصير العنبي اذا غلا واشتد.والمعتبر في الازالة زوال العين بالماء الطهور، ولا عبرة بالرائحة واللون اذا شق زواله، والعصر في غير الكثير ان أمكن نزع الماء المغسول به، والا اشترط الكثير، لا في الحشايا والجلود فيكفي التغميز فيها، وفي بول الرضيع الذي يغتذ بالطعام كثيرا صب الماء عليه دون الرضعة، وفي باقي النجاسات عن الثوب والبدن مرتان، وفي انا ولوغ الكلب ثلاثا أولاهن بالتراب الطاهر وان لم يمزج بالماء لا في باقي اعضائه، وفي الكثير يكفي المرة بعد التراب، وفي

____________________

(١) كالجلال، وموطوء‌ة الانسان من الحيوان، وكذلك النتائج فيهما.ع ل.

(٢) الخارجى: من خرج على الامام وحارب ضده، والغالى: من يقول في حق على أو واحد من الائمة ما جاوز مرتبتهم بحيث يجعله الاها أو نبيا، والناصب: من يظاهر بعداوة أهل البيتعليهم‌السلام ومواليهم لاجل متابعته.ع ل.

(*)


اناء الخنزير سبع بغير تراب، وكذا نجاسة الفأرة والخمر وان كان اناء قرعا ونحوه ومن غير ذلك ثلاثا.وتطهر الارض والبواري والحصير، وما لا ينقل عادة بتجفيف الشمس مع زوال العين.واسفل القدم، والنعل ولو من خشب بزوال عين النجاسة بالارض والحجر الطاهرين مع الجفاف، وليس المشي شرطا.وما احالته النار رمادا أو دخانا أو فحما، لا خزفا.والنطفة والعلقة بالاستحالة حيوانا، ونحو الخنزير ملحا، والعذرة ترابا، والكافر باسلامه، والجلال باستبرائه، والعصير بنقصه أو انقلابه، وكذا الخمر بالاناء، والدم بانتقاله إلى البعوض ونحوه، والبواطن وغير الادمي بزوال العين وان لم يغب.

وعفي عما نقص عن سعة درهم بغلي من الدم، والمتنجس به غير الثلاثة ونجس العين مجتمعا ومتفرقا لا الدرهم، وقدر بمنخفض الكف.وعن دم القروح والجروح إلى أن يبرأ، ولا يجب العصب فيهما.

وعن نجاسة ما لا يتم الصلاة فيه وحده وان كانت مغلظة، واشترط بعضهم كونها في محالها، وآخرون كونها ملابس، ولا ريب انه أحوط وان كان عموم الخبر يدفعه.وعن نجاسة ثوب المربية للصبيي حيث لا غيره اذا غسلته كل يوم وليلة مرة، والحق به الصبية والولد المتعدد، وبها المربي والخصي الذي يتواتر بوله، وليس ببعيد.وعن النجاسة مطلقا مع تعذر الازالة، ولو اختص بها الثوب لم يجب نزعه، بل الصلاة فيه افضل، وعلى التقديرين فلا قضاء.واذا امكن تخفيفها وجب مع


الفائدة، كما اذا اختلف النوع، أو انتهت بالتخفيف إلى حد العفو.

تتمة: يحرم اتخاذ الانية من النقدين ولو لمحض القنية على الاقوى، سواء الرجل والمرأة.

ويكره المفضض، ويجب عزل الفم عن موضع الفضة، ويجوز نحو الحلقة للقصعة، والضبة(١) للاناء، والقبيعة(٢) والنعل للسيف، والتحلية للمرأة بالفضة وكذا الميل منها لا المكحلة، وتخلية المصحف بها وبالذهب.ولا يحرم الاناء من غيرهما وان كان نفيسا، نعم يشترط طهارة أصله والتذكية في الجلد، وفي غير المأكول الدبغ على قول.

الباب الثانى: في باقى مقدمات الصلاة وفيه فصول:

الاول: في اعدادها:

والواجبة سبع: اليومية، والجمعة، والعيدان، والايات، والطواف، والاموات، وما يلتزم بنذر وشبهه.

فاليومية خمس: الظهر والعصر، والعشاء، - كل واحدة اربع ركعات - والمغرب ثلاث، والصبح ركعتان.والوسطى منهن هي العصر على الاقوى، وتنتصف الرباعيات في السفر والخوف.ونوافلها لكل من الظهرين ثمان قبل الفرض، وللمغرب أربع بعدها، وللعشاء ركعتان من جلوس بعدها تعدان بركعة، ولليل ثمان وركعتان للشفع وركعة للوتر وللصبح ركعتان قبلها.ويسقط في السفر نوافل الظهرين، والوتيرة على المشهور وباقي الصلوات الواجبة تأتي انشاء الله تعالى.

____________________

(١) الضبة: حديدة عريضه يضبب بها الباب وغيره.الصحاح ١: ١٦٨ " ضبب ".

(٢) قبيعة السيف: ما على طرف مقبضه من فضه أو حديد.الصحاح ٣: ١٢٦٠ " قبع ".

(*)


الثانى: الوقت: فللظهر زوال الشمس، ويعلم بزيادة الظل بعد نقصه، أو حدوثه بعد عدمه في أطول أيام السنة بمكة وصنعاء، وبظهور الظل في جانب المشرق، ويختص بمقدار أدائها تامة الافعال.والمشروط أقل الواجب، ويختلف باختلاف لزوم القصر والاتمام، ومصادفة أول الوقت متطهرا ومحدثا ونحوه، ولو نسي بعض الافعال كالقراء‌ة لم يجب تأخير العصر بمقدار ادائه، ولو كان مما يتلافى أو يسجد له اعتبر تقديمه، ثم يشترك الوقت بينها وبين العصر والظهر مقدمة، فلو نسي الظهر وأتى بالعصر في المشترك عدل ان تذكر في الاثناء، والاصحة العصر وأتي بالظهر أداء‌ا.ووقت الفضيلة إلى أن يصير الفئ الزائد مثل الشخص لا مثل المتخلف قبل الزوال.وللعصر إلى أن يصبر مثليه، ووقت الاجزاء إلى أن يبقى للغروب مقدار العصر فيختص بها.ولو ادرك قبل الغروب مقدار خمس تامة الافعال والشروط ولم يكن صلى وجب الفرضان أو مقدار ركعة وجبت العصر أداء‌ا.وللمغرب غروب الشمس، ويعلم بذهاب الحمرة المشرقية، لا باستتار القرص.ويختض بمقدار أدائها ثم يدخل وقت العشاء على معنى الاشتراك إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار العشاء فيختص بها.ووقت الفضيلة إلى ذهاب المغربية.

وللعشاء إلى ربع الليل، ووقت الاجزاء إلى أن يبقى للانتصاف مقدار العشاء ويدرك الفرضين لو لم يكن صلى بادراك خمس والعشاء بادراك ركعة.وللصبح طلوع الفجر الثاني وهو المعترض، ففضيلته إلى الاسفار والتنوير، واجزاؤه إلى طلوع الشمس.ووقت نافلة الزوال إلى أن يزيد الفئ قدمين، والعصر إلى أربعة اقدام،


وقيل: يمتدان بامتداد وقت الفضيلة، وهو قوي.ويوم الجمعة يزيد أربعا ويصلي ستا عند انبساط الشمس، وستا عند ارتفاعها، وستا عند قيامها، وركعتين عند الزوال، ويجوز تأخيرها عن العصر.وصلاة ست بين الفرضين، ولو خرج وقت النافلة قود تلبس بركعة أتمها، الا يوم الجمعة.ووقت نافلة المغرب عند فراغها إلى ذهاب الحمرة المغربية، ولا يزاحم بها، ووقت الوتيرة بعد العشاء ويمتد كوقتها.وصلاة الليل والشفع والوتر بعد انتصافه، وقربها من الفجر أفضل، ويجوز تقديمها لعذر كما في الشاب والمسافر وقضاؤها افضل، ولو طلع الفجر وقد تلبس بأربع أتمها مخففة بالحمد.

ووقت نافلة الصبح بعد الفراغ من الليلية، وتأخيرها إلى طلوع الفجر الاول أفضل، ويمتد وقتها إلى الاسفار.ويجب معرفة الوقت باليقين، ومع تعذره يكفي الظن المستفاد من الامارات كالاوراد والاحزاب، فان طابق أو دخل الوقت عليه متلبسا أجزأت، والا أعاد.والمكفوف يقلد العدل العارف بالوقت، وكذا المحبوس والعامي.

الثالث: ستر العورة: وهو شرط في الصلاة مع القدرة، وفي غيرها الطواف انما يجب مع ناظر يحرم التكشف له.وعورة الرجل هي القضيب والانثيان والدبر، والمرأة جميع رأسها مع الشعر والاذنين والعنق وبدنها، وعدا الوجه والكفين من الزند والقدمين من مفصل الساق، ظاهرهما وباطنهما، نعم يجب ستر جزء من الكف والقدم من باب المقدمة، كادخال جزء من غير محل الفرض في الطهارات.

والامة المحضة والصبية لا يجب ستر رأسها، والخنثى كالمرأة، ولو تحرر


بعض الامة فكالحرة، ولو عرض في أثناء الصلاة وعلمت به استوت، فان استلزم المنافي بطلت مع سعة الوقت.ولو انكشفت عورة المصلي بغير فعله فلا ابطال ووجب المبادرة إلى الستر، ولو صلي اريا نسيانا أعاد على الاصح وان خرج الوقت.وواجد ساتر احدى العورتين يؤثر به القبل، واحدى قبلي الخنثى، قيل، يؤثر الذكر، ويحتمل مخالف العورة المطلع.ولو حاذى خرق الثوب العورة فجمعه أجزأ، لان ان وضع يده عليه، ويجب الستر من الجوانب لا من تحت، الا أن يصلي على مرتفع.

وضابط الستر: ما يخفي به اللون والحجم ولو حشيشا ونحوه، ومع فقده فالطين، ثم الماء الكدر، ثم الحفيرة، ثم الجب ونحوه.ومع فقد الجميع ولو بشراء أو استئجار يصلي عاريا قائما مع أمن المطلع، وجالسا لامعه، مؤمئا في الحالين، ويجعل السجود اخفض.ويعتبر في الساتر أن لا يكون جلد ميتة ولو دبغ أو كان شعسا، وفي حكمه ما يوجد مطروحا، أو في يد كافر، أو في سوق الكفر، أو في يد مسلم مستحل الميت بالدباغ على قول، الا أن يخبر بالتذكية فيقبل بخلاف ما يوجد في سوق الاسلام، أو مع مسلم غير مستحل أو مجهول الحال ولا جلد غير المأكول وان ذكي ودبغ، أو كان مالا يتم الصلاة منفردا، ولا شعره ولا صوفه ووبره، الا الخز وبرا وجلدا على الاصح، والسنجاب على كراهية، ولا حريرا محضا للرجل والخنثى، كما لا يجوز لبسه لهما أصلا في غير الحرب والضرورة.ويجوز الكف به إلى أربع اصابع، واللبنة منه، والتكة ونحوها على كراهية، وافتراشه والصلاة عليه.ويجوز للمرأة لبسه والصلاة فيه، والممتزج للجميع ولو قل الخليط، الا مع صدق الحرير عليه لاضمحلاله، لا الحشوبه.ولو لم يجد الا الحرير صلى عاريا بخلاف النجس فيقدم عليه، ولا ذهبا للرجل والخنثى ولو


خاتما أو مموها به، ولا مغصوبا وان لم يكن ساترا، ولو جهل الغصب أو نسيه فلا اعادة، لا ان جهل الحكم.ولو أذن المالك لمعين اختص الجواز به، أو مطلقا جاز لغير الغاصب.وما يستر ظهر القدم ولا ساق له تكره الصلاة فيه، ولو منع الثوب بعض الواجبات لثقله أو اللثام لم يجز الصلاة فيه، الا مع الضرورة.

الرابع: المكان: ويشترط اباحته اما بكونه مملوك العين، أو المنفعة بعوض وبدونه، أو للاذن فيه اما صريحا، أو ضمنا، أو فحوى، أو بشاهد الحال حيث لا مانع.فلا يصح في المغصوب ولو صحراء، سواء فيه غصب العين وهو ظاهر، أو المنفعة كادعاء الاستئجار كذبا.ولو أذن المالك لمعين أو مطلقا فكما سبق، ولو رجع عن الاذن قبل الشروع لم يجز الفعل، ولو ضاق الوقت صلى خارجا، وبعده(١) فيه أوجه(٢) .ويشترط طهارة موضع الجبهة من كل نجاسة اذا كان محصورا، أما مساقط باقي الاعضاء فلا، الا أن تتعدى نجاسته التي لم يعف عنها إلى المصلى أو محموله.وفي جواز محاذاة الرجل للمرأة، أو تقدمها عليه في الصلاة قولان، أصحهما الكراهية، سواء المحرم والاجنبية والزوجة، ولو فسدت احدى الصلاتين فلا حرج، ويزول المنع بالحائل أو التأخر، أو بعد عشر اذرع.

____________________

(١) أى: بعد الشروع في الصلاة.

(٢) نعنى للاصحاب فيه اقوال خمسة: الاول: القطع والصلاة بعد الخروج، والثانى: اتمام الصلاة في المكان، الثالث: اتمام الصلاة خارجا جمعا بين الحقين، الرابع: التفصيل لضيق الوقت فيصلى خارجا مع السعة فيقطع ويصلى بعد خروجه، الخامس: التفصيل بأن يكون الاذن في الصلاة صريحا فيتم ما لم يتجدد على المالك ضررا، وكونه ضمنا أو فحوى أو شاهد الحال، فيقطع ويصلى بعد خروجه وهو قريب الا أن يضيق الوقت فيصلى خارجا.ع ل.

(*)


ويجب وضع الجبهة في السجود على الارض واجزائها، ما لم يخرج عنها بالاستحالة كالنورة والمعدن، وكذا النبات الا أن يكون مأكولا ملبوسا عادة كالقطن والكتان ولو قبل أن يعملا ويزول المنع مع التقية، أو خوف الاذى من نحو حية في المظلمة، وفقد غير الثوب، ولو لم يجد شيئا مع الخوف أومأ.ولو كان لشئ حالتان يؤكل في احداهما دون الاخرى كقشر اللوز اختص التحريم محال الاكل، ولو اكل شي، في قطر دون آخر فالظاهر شمول التحريم.ويجوز السجود على القرطاس ان أتخذ من جنس ما يجوز السجوذ عليه، ويكره المكتوب منه للقارئ المبصر دون غيره عند الشيخ(١) ، وهو متجه في غير المبصر.والواجب في المساجد المسمى، واستواء مساقطها، أو التفاوت بمقدار أربع أصابع مضمونة علوا وانخفاضا، فلو وقعت الجبهة على مالا يسجد عليه رفعها ان كان أعلى بأزيد من أربع أصابع، والا جرها حذرا من تعدد السجود ويستحب السجود على الارض وأفضل منه على التربة الحسينية ولو شويت بالنار.

الخامس: القبلة: وهي عين الكعبة لمن تمكن من المشاهدة، والجهة للناسي على الاصح، وهي السمت التي يظن فيه الكعبة، فان علمها يقينا بمحراب معصوم فلا اجتهاد أصلا، أو بقبلة المسلمين وقبورهم حيث لا يعلم الغلط، مع جواز الاجتهاد للحاذق يمنة ويسره لا مطلقا كفاه، والاعول على أماراتها.

ومن صلى فوقها أو داخل بابها أبرز بين يديه منها قليلا، ولا يحتاج إلى شاخص.ولاهل كل اقليم علامات يتوجهون بها إلى ركنهم، فلاهل العراق جعل الجدي - وهو نجم مضئ، بينه وبين الفرقدين انجم صفار من الجانبين كصورة بطن الحوت

____________________

(١) المبسوط ١: ٩٠ (*)


الجدي رأسه والفرقدان الذنب، يدور في كل يوم وليلة دورة كاملة حول القطب - خلف المنكب الايمن اذا كان مستقيما بأن يكون في غاية الانحطاط والفرقدان في غاية العلو.أو بالعكس، ومغرب الاعتدال على يمينه، ومشرقه على يساره وعكسه لمقابله.ولاهل الشام جعل الجدي على المنكب الايسر، وسهيل وقت طلوع بين العينين، وعند مغيبه على العين اليمنى، وبنات نعش حال غيبوبتها - وهو غاية انحطاطها - خلف الاذن اليمنى، وعكسه لاهل اليمنى.ولاهل المغرب جعل الثريا والعيوق على اليمين واليسار، والجدي على الخد الايسر، وعكسه لاهل المشرق.وما بين هذه البلدان له علامات مذكورة في بعض كتب الاصحاب، وقد يستفاد من العلامات المذكورة بضرب من الاجتهاد.والمشهور استحباب التياسر لاهل العراق يسيرا.ولو غمت العلامات فلا تقليد بل يصلي إلى أربع جهات، ولو ضاق الوقت صلى المحتمل وو إلى جهة، فان طابق والا أعاد مطلقا ان تبين الاستدبار، وفي الوقت ان كان إلى محض اليمين أو اليسار، ولو كان منحرفا يسيرا فلا اعادة وان علم في الاثناء، بل يستقيم، وكذا المصلي باجتهاد، والناسي كالظان في قول قوي.ولو جهل العلامات لكونه عاميا وتعذر عليه التعلم أو كان مكفوفا قلد العدل العارف بالعلامات المخبر عن الاجتهاد، أما المخبر عن يقين فانه شاهد يجوز الرجوع اليه بطريق أولى.وربما قيل يجواز رجوع القادر على الاجتهاد اليه مع منعه من التقليد، فان طابق القبلة، والا فكما سبق، ويجب تعلم العلامات عند الحاجة اليها وبدونها على احتمال.ويسقط الاستقبال عند الضرورة وان علم القبلة، كصلاة المطاردة، والمصلوب


والمريض الذي لا يجد من يوجهه اليها.ولا تصح الفريضة على الراحلة اختيارا وان أمكن استيفاء أفعالها وشروطها ولو كانت بعيرا معقولا، وكذا الارجوحة، بخلاف الرف بين حائطين أو نخلتين حيث لايضطرب كثيرا، وكذا الزورق المشدود على الساحل وان تحرك سفلا وصعدا كحركة السرير مالم يؤد إلى الاضطراب، أما السفينة السائرة ففي جواز الصلاة فيها اختيارا مع التمكن من الافعال والهيئات خلاف، والجواز قريب، فاذا صلى مختارا على القول بالجواز أو اضطر تحرى القبلة، فلو انحرفت انحرف حتى لا يخرج عن الاستقبال، ومع التعذر والضرورة يستقبل ما أمكن، فان تعذر فبالتحريمة، فان تعذر سقط، وكذا الراحلة.

تتمة:

يستحب مؤكدا الاذان والاقامة في اليومية والجمعة دون غيرها، ولايجبان.وكيفية الاذان أن يكبر أربع مرات، ويشهد الشهادتين مثنى، وكذا الحيعلات الثلاث، ثم يكبر ويهلل مثنى.والاقامة كالاذان الا أن الكتبير أولها مرتين والتهليل آخرها مرة، ويزيد قبل التكبير آخرها قد قامت الصلاة مرتين.

الباب الثالث: في افعال الصلاة وهي ثمانية:

الاول: النية: وهي معتبرة في الصلاة تبطل بتركها عمدا وسهوا، وشبهها بالشرط اكثر، ويعتبر فيها: القصد إلى فعل الصلاة المعينة أداء وقضاء لوجوبه أو ندبه قربة إلى الله تعالى، وتجب مقارنتها لاول التكبير، فلو تخلل بينهما زمان وان قل بطلت، واستدامتها حكما إلى الفراغ.ولا يشترط تعيين الافعال مفصلة، ولا القصر ولا التمام، الا في مواضع التخيير واشتباه القصر بالتمام اذا أراد قصاؤه.


وصفتها: أصلي فرض الظهر أداء لوجوبه قربة إلى الله، ولو نوى القطع في الاثناء أو فعل المنافي، أو تردد فيه، أو نوى فعله في الثانية، أو علقه بأمر ممكن، أو نوى ببعض الصلاة غيرها، أو بواجبها الندب، أو بأدائها القضاء، أو بأفعال الظهر العصر، أو الرياء ولو بالذكر المندوب بطلت على الاصح.

أما لو نوى بالفعل الغير الواجب الوجوب، أو الرياء، أو غير الصلاة بطلت مع الكثرة لابدونها، ولو ذكر سابقة عدل اليها، ولو كانت قضاء نواه.

الثانى: تكبيرة الاحرام: وهي ركن تبطل الصلاة بتركها ولو سهوا، وصورتها: الله اكبر، فلو عكس الترتيب، أو أبدلها بمرادفها، أو زاد كلمة ونحوها وان كانت مقصودة معنى كأكبر من كل شئ لم يصح.ويجب فيها الموالاة، والاعراب، واسماع نفسه كسائر الاذكار الواجبة، والعربية الا مع العجز وضيق الوقت، فيحرم بالترجمة من غير تفاوت بين الالسنة، وقطع الهمزتين، وعدم المد بحيث يصيرا استفهاما وان لم يقصده، وكذا لو مد اكبر بحيث يصير جمعا.ويكره مد الالف المتخلل بين اللام والهاء.

ويعتبر فيها جميع ما يعتبر في الصلاة من الطهارة، والاستقبال، والقيام، وغيرها فلو كبر وهو آخذ في القيام أو منحنيا، أو كبر المأموم وهو آخذ في الهوي لم يصح ولو كبر ثانيا للافتتاح ولم ينو بطلان الاولى بطلت وصحت الثالثة، ولو نواه صحت الثانية.

الثالث: القيام: وهو ركن في الصلاة في موضعين لا مطلقا، وكذا بدله.وحده الانتصاب، ويحصل بنصب الفقار واقامة الصلب، ولا يضر اطراق الرأس، ويجب الاقلال بحيث لا يستند إلى ما يعتمد عليه.والاعتماد على الرجلين معا، وعدم تباعدهما بما يخرجه عن حد القيام، والاستقرار بحيث لا يضطرب فلو صلى ماشيا، أو على


ما يستقر عليه قدماه كالثلج الذائب مختارا لم يصح.ولو عجز عن الانتصاب ولو بمعونة صلى منحنيا، ولو بلغ إلى حد الراكع فينحني يسيرا للركوع زيادة ليحصل الفرق.ولو عجز عن الافلال استند ولو بأجرة مع المقدرة، فان عجز قعد.ومن العجز خوف العدو، وزيادة المرض، وحصول المشقة الشديدة، أو قصر السقف لغير المتمكن من الخروج.ويجب أن يرفع فخديه في الركوع، وينحني قدر ما يحاذي وجهه ما قدام ركبتيه ولو عجز عن القعود ولو مستندا اضطجع على جانبه الايمن كالملحود، فان عجز فعلى الايسر، فان عجز اسنلقى كالمحتضر ويومئ بالرأس ثم بتغميض العينين في الركوع، والسجود أخفض، ويأتي بالاذكار، فان عجز كفاه تصورها ويقصد الافعال عند الايماء ويجوز الاستلقاء للقادر على القيام لعلاج العين، ومتى تجدد عجز القادر أو قدرة العاجز انتقل تاركا للقراء‌ة فيهما على الاصح لو صادفها.ولو خف بعد القراء‌ة قام للركوع، والاحوط الطمأنينة حينئذ قبله، ولو خف في الركوع قاعدا قبل الطمأنينة والذكر قام راكعا ثم يذكر، أو بعدهما قام للاعتدال في الركوع، أو بعد الاعتدال قام للطمأنينة فيه، أو بعدها قام للهوي إلى السجود.ويستحب القنوت في كل ثانية بعد القراء‌ة قبل الركوع، وفي مفردة الوتر كذلك، وفي أولي الجمعة، وفي ثانيتها بعد الركوع - وقيل يجب - والتكبير له، ورفع اليدين تلقاء وجهه وبطونهما إلى السماء مبسوطتين، وتفريق الابهامين والجهر فيه مطلقا، ويقضيه الناسي بعد الركوع، ثم بعد الصلاة وهو جالس، ولو انصرف قضاه في الطريق مستقبلا وأقله: سبحان الله ثلاثا.ويجوز الدعاء فيه وفي جميع أحوال الصلاة بالمباح للدين والدنيا، لنفسه ولغيره، والدعاء على الكفرة والمنافقين، ومنه اللعن لمستحقيه، وأفضله كلمات الفرج وهي، لا اله الا الله الحليم الكريم لا اله الا الله العلي العظيم، سبحان الله


رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، وهو رب العرش العظيم وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

ويزيد: اللهم اليك شخصت الابصار، ونقلت الاقدام، ورفعت الايدي، ومدت الاعناق، وأنت دعيت بالالسن واليك سرهم ونجواهم في الاعمال، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.

اللهم انا نشكوا اليك غيبة نبينا، وقلة عددنا وكثرة عدونا، وتظاهر الاعداء علينا، ووقوع الفتن بنا، ففرج ذلك اللهم بعدل تظهرة، وامام حق نعرفه، اله الحق رب العالمين.

الرابع: القراء‌ة: وهي واجبة غير ركن، ويتعين الحمد في الثنائية وفي الاوليين من غيرها، والبسملة آية منها ومن كل سورة.ويجب سورة كاملة معها في مواضع تعيينها، ومراعات الاعراب، والتشديد، والمد المتصل، وترتيب الكلمات والاي على الوجه المنقول تواترا.وتجوز القراء‌ة بالسبع والعشر على قول قوي، واخراج حروفها من مخارجها كباقي الاذكار الواجبة، وموالاتها.فلو قرأ خلالها غيرها عمدا أعاد الصلاة، وناسيا أعاد القراء‌ة، ولو سكت في أثنأئها لا بنية القطع أعاد الصلاة ان طال فخرج عن كونه مصليا، والقراء‌ة خاصة ان خرج عن كونه قارئا لا مصليا.ولو نوى القطع مع السكوت بناء‌ا على تأثير نية المنافي وقد سبق أنه مبطل، ولو نواه ولم يسكت فقولان أصحهما البطلان بطريق أولى.

ولا يقدح تكرار كلمة أو آية للاصلاح، ويراعى اعادة ما يسمى قرآنا، ولا سؤال الرحمة والاستعاذة من النقمة(١) عند آيتيهما، وكذا الحمد عند العطسة

____________________

(١) في هامش نسخة " ض ": النقمة بكسر النون وسكون القاف، أو بفتح النون وكسر القاف.ع ل.

(*)


والتسميت، فان ذلك يستحب، ورد جواب التسليم بمثله فانه واجب.ويجب تقديم الحمد على السورة، فلو خالف عمدا بطلت صلاته، وناسيا يعيد السورة.والقراء‌ة بالعربية، فلا تجزي غيرها ولو مع العجز، ورعاية النظم فلا تجزئ القراء‌ة مقطعة كأسماء العدد.ويجب كونها عن ظهر القلب على الاصح، ومع العجز وضيق الوقت عن التعلم يجزئ من المصحف.ولو لم يحسن الفاتحة قرأ ما يحسن منها مع الضيق، وعوض عن الفائت من غيرها مراعيا للترتيب، فلو علم أولها أخر العوض وبالعكس.

ولو لم يحسن شيئا منها قرأ ما يحسن من غيرها بقدرها متتاليا، فان تعذر جاز متفرقا، فان لم يحس شيئا عوض بالتسبيح المجزئ في الركعتين الاخيرتين، والاول أن يكرره ليساوي حروفها.

ولو أحسن الذكر بالعجمية أتى به كذلك بخلاف القراء‌ة ولو لم يحسن قرآنا ولا ذكرا وجب الوقوف بقدرها على قول، وفي بعض الاخبار ايماء اليه، ولو أمكن الائتمام حينئذ وجب، ولا يجزئ مع امكان التعلم، وفي السورة يقرأ ما تيسر عند العجز عن الكاملة، فان تعذر أجزأت الفاتحة عند الضيق.

والاخرس يحرك لسانه ويعقد قلبه بمعناها ان أمكن فهمه، والاكفت الحركة ويشير باصبعه في رواية.

وكذا تكبيره وتشهده، وسائر الاذكار.والالثغ وشبهه يجتهد في اصلاح اللسان، فان عجز أجزأ مقدوره.

ويجب الجهر للرجل اختيارا، والخنثى ان لم بسمعه أجنبي في الصبح وأوليي العشاء‌ين، وأقله اسماع الصحيح القريب ولو تقديرا.والاخفات في البواقي مطلقا، وأقله اسماع نفسه ولو تقديرا.ولا جهر على المرأة، ويشترط لجوازه أن لا يسمع أجنبي.ولا يقرأ في الفريضة عزيمة، ولا ما يفوت الوقت بقراء‌تها.ويكره القران بين سورتين على الاصح، الا في الضحى وألم نشرح، والفيل ولا يلاف، فان كل اثنتين منها كسورة واحدة، وتجب البسملة بينهما وترتيب المصحف.


ويجوز العدول عن سورة إلى أخرى ما لم يبلغ النصف على الاشهر، الا في التوحيد فيحرم مطلقا، الا إلى الجمعتين في الجمعة وظهرها بشرط عدم التعمد وأن لا يبلغ النصف، واذا عدل أعاد البسملة وجوبا.وهكذا لو بسمل بغير قصد سورة أعاد مع القصد، ولو جرى لسانه على بسملة وسورة فالاقرب الاجزاء، ولو لزمته سورة بعينها لم يجب القصد.ولا سورة في الاخيرتين، بل يتخير ببن الحمد وتسبيحات الاربع وصورتها: سبحان الله والحمد الله ولا اله الا الله والله اكبر.وتجب فيها الموالات، والاخفات وكونها بالعربية، ومراعات ما ذكر، ولو كررها ثلاثا على قصد الوجوب أجزأ ولا يعدل عنها إلى القراء‌ة بعد الشروع، ولو قصد احداهما فسبق اللسان إلى الاخرى فالتخيير باق.ويحرم قول آمين ولو في غير آخر الحمد سرا وجهرا، وتبطل به الصلاة على الاصح الا للتقية.

الخامس: الركوع: وهو ركن في كل ركعة مرة، ويجب فيه الانحناء حتى تصل كفاه ركبتيه، سواء الرجل والمرأة، وفاقد اليدين وقصيرهما وطويلهما ينحني كمستوي الخلقة.ويجب أن لا يقصد بهويه غير الركوع، فلو قصد غيره كقتل الحية لم يعتد به، ووجب الانتصاب ثم الركوع، ولو افتقر إلى ما يعتمد عليه في الانحناء وجب بحسب الممكن.وتجب الطمأنينة فيه بمعنى السكون، والاستقرار بقدر الذكر الواجب وان لم يحسنه، والذكر فيه وأفضله: سبحان ربي العظيم وبحمده، وأكمله تكرارها ثلاثا، ويتخير في تعيين الواجبة منها، ولو أطلق أجزأ وحمل على الاولى، ويجزئ سبحان الله ونحوه مما يعد ذكرا.


وتجب فيه الموالاة، وكونه بالعربية مع الامكان، وترتيبه، وفعله راكعا مطمئنا.فلو شرع فيه قبل انتهائه، أو أكمله بعد رفعه عامدا بطلت صلاته، وناسيا يستأنف ان تذكر مالم يخرج عن حد الراكع.

ولو سقط قبل الركوع أعاده أو بعده وبعد الطمأنينة أجزأ، وكذا قبلها على قول، ويجب رفع الرأس منه معتدلا ومطمئنا، بحيث يسكن ولو يسيرا، وليس ركنا.ويستحب الدعاء أمام الذكر، وقول: سمع الله لمن حمده بعد الرفع، والتكبير للهوي إلى الركوع قائما، ولو شك بعد الانتصاب في اكمال الانحناء بحيث يصل إلى حد الراكع لم يلتفت.

السادس: السجود: ويجب في كل ركعة سجدتان هما معا ركن في المشهور، فلا تبطل الاخلال بالواحدة سهوا، ويجب الانحناء فيه إلى أن يساوي مسجد الجبهة الموقف، أو يكون التفاوت بمقدار أربع أصابع فقط، فان تعذر الانحناء أتى بما يمكن ويرفع ما يسجد عليه، فان تعذر أوما.ويجب السجود على الجبهةواليدين والركبتين وابهامي الرجلين، والواجب في كل منها مسماه، ويجب الاعتماد على الاعضاء بالقاء ثقله عليها، فلا يتحامل عنها، ولا تجب المبالغة.ولو منعه قرح بالجبهة احتفر حفيرة ليقع السليم على الارض، فان تعذر سجد على أحد الجبينين، فان تعذر فعلى الذقن.ويجب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه كما مر، والذكر فيه وأفضله: سبحان ربي الاعلى وبحمده، ويجزي ء سبحان الله، وكل ما يعد ذكرا ويجب عربيته مع الامكان، وموالاته، وترتيبه، والطمأنية فيه ساجدا بقدره، فلو شرع فيه قبل بلوغ حد الساجد، أو أكمله بعد رفعه عامدا بطلت صلاتة، وناسيا تداركه ان تذكر في محله، ولو جهل الذكر لم يسقط وجوب الطمأنينة.ويجب الرفع بين السجدتين


والاعتدال فيه مطمأنا، ولا نجب الطمأنينه في الرفع من السجدة الثانية ولا الجلوس، نعم يستحب.ويجب أن لا يقصد بهويه غير السجود، فلو هوى لاخذ شئ عاد إلى القيام وهوى، ولو صار بسورة الساجد حينئذ أمكن البطلان للزيادة.ويستحب التكبير قبل الهوي وبعد الرفع من الاولى، ثم للهوي إلى الثانية، ثم للرفع منها معتدلا، والدعاء أمام التسبيح وتثليثه، وارغام الانف، والدعاء بين السجدتين، وعند القيام بعد الثانية، والاعتماد فيه على اليدين مبسوطتين سابقا برفع ركبتيه.

السابع: التشهد: ويجب في الثنائية مرة، وفي الثلاثية والرباعية مرتين، وليس ركنا.ويجب الجلوس له مطمئنا الا مع التقية والضرورة، وعربيته الا مع العجز وضيق الوقت، وموالاته، ومراعات المنقول وهو أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صلى على محمد وآل محمد.فلو أبد له بمرادفه، أو أسقط واو العطف، أو اكتفى به، أو أضاف الال والرسول إلى المضمر مع ترك عبده لم يجز، ولو ترك وحده لا شريك له أو لفظ عبده واظهر المضمر في رسوله أجزأ، ولو لم يحسن التشهد وضاق الوقت يجزئ بالحمد لله بقدره.ويستحب التورك بأن يجلس على وركه الايسر ويخرج رجليه من تحته، جاعلا رجله اليمنى علي اليسرى واليسرى على الارض، ووضع اليدين على الفخذين مبسوطتين مضمومتي الاصابع، وسبق بسم الله وبالله والحمد لله وخير الاسماء لله، وزيادة الثناء والتحيات في التشهد الذي يسلم فيه دون الاول، والزيادة في الصلاة على النبي وآله واسماع الامام من خلفه، ويكره مغلظا الاقعاء.

الثامن.التسليم: وفي وجوبه خلاف ولا ريب أن الوجوب أحوط، والاولى تعيين السلام عليكم


ورحمة الله وبركاته للخروج، لا التخيير بينها وبين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لان في بعض الاخبار وكلام جمع من الاصحاب أنها لا تعد تسليما.ويجب الجلوس له والطمأنينة بقدره مع الاختيار، وعربيته مع الامكان أو سعة الوقت، لانية الخروج على الاقوى، ويجب مراعات ماذكر، فلو أبدله بمرادفه، أو نكر السلام، أو جمع الرحمة، أو وحد البركات، أو أضمر مظهرا، أو عكسه لم يصح.ثم ان كان المصلى منفردا يسلم تسليمة واحدة بصيغة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مستقبلا يومئ بمؤخر عينيه عن يمينه استحبابا، قاصدا بها الانبياء، والائمة والحفظة، وان قصد الملائكة أجمعين كان حسنا، والامام كذلك الا انه يومئ بصفحة وجهه ويقصد المأمومين أيضا، والامام يسلم مرتين ان كان على يساره أحد - قيل: ولو حايط - يمينا وشمالا، يقصد باولاهما الرد على الامام استحبابا وبالثانية الانبياء والائمة والحفظة والملائكة والمأمومين، والا اقتصر على الواحدة.

تتمة في التعقيب:

وهو مستحب استحبابا مؤكدا، وفضله عظيم، ولا يتعين لفظه غير أن المأثور أفضل، وأفضله تسبيج الزهراءعليها‌السلام : وهو أربع وثلاثون تكبيرة، ثم ثلاث وثلاثون تحميدة، ثم ثلاث وثلاثون تسبيحة.

وليبدأ في التعقيب بالتكبير ثلاثا رافعا يديه في كل منها إلى أذنيه ويقول: لا اله الا الله الاها واحدا ونحن له مسلمون، إلى أن يقول: اللهم أهدني من عندك، حتى يأتي على آخر تسبيح الزهراءعليها‌السلام ، ويدعو رافعا يديه لنفسه ولوالديه ولاخوانه وللمؤمنين ويسأل الجنة ويستعيذ من النار، ويمسح بهما وجهه وصدره عند الفراغ.ويستحب مؤكدا سجدتي الشكر بعد التعقيب بحيث يجعلان خاتمته، وعند تجدد نعمة ودفع نقمة ويستحب أن يفترش ذراعيه ويلصق صدره وبطنه بالارض


ويعفر بينهما خديه وجبينيه، وأفضله الوضع على التراب، والمبالغة في الدعاء وطلب الحوائج، ويقول: شكرا مائة مرة وأقله ثلاثين.فاذا رفع رأسه مسح يده على موضع سجوده، وأمرها على وجهه من جانب خده الايسر وعلى جبهته إلى جانب خده الايمن ويقول: بسم الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم، اللهم أذهب عني الغم والحزن، ثلاثا والانصراف عن يمينه.ويلحق بذلك سجدة التلاوة، وهي في خمسة عشر موضعا: في الاعراف، والرعد، والنخل، وبني اسرائيل، ومريم، والحج في موضعين، والفرقان، والنمل، وص، وانشقت، والم تنزيل، وحم فصلت، والنجم، واقرأ فالاربع الاخيرة منها يجب فيه السجود وهي التي يقال لها العزائم، وفيما عداها يستحب.ويجب السجود على القارئ والمستمع وهو المنصت، وفي الوجوب على السامع قولان، والوجوب قوى عند التلفظ به والفراغ من الاية، سواء سجدة حم وغيرها.ولا يشترط فيها الطهارة على الاصح، وهل يشترط الستر، والاستقبال، والخلو عن النجاسة، والسجود على الاعضاء السبعة، ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه؟ وجهان، ووجوبه قوي، وظاهر بعضهم وجوب نية الاداء عند المبادرة إلى فعله، ونية القضاء بالتأخير.وتجب مقارنة النية لوضع الجبهة، لانه السجود، ولا ريب في تعدده ويتعدد السبب وان لم يتخلل السجود، ولا يجب فيها ذكر بل يستحب، وكذا التكبير للرفع منها.

الباب الرابع: في التوابع:

وفيه فصوله:

الاول: في المنافيات:

يقطع الصلاة كل ناقض للطهارة وان كان سهوا، سواء المائية والترابية، وكذا موانع صحتها كالطهارة بالماء النجس، والمضاف مطلقا، والمغصوب مع العالم


بالغصب والتعمد، والردة، والالتفات دبرا ولو بوجهه وان لم يتعمد، أو يمينا وشمالا بكله لا بوجهه خاصة، ويعيد في الوقت خاصة اذا كان ساهيا.والفعل الكثير عادة اذا لم يكن من الصلاة بشرط التوالي، وقد سبق السكوت الطويل بحيث لا يعد مصليا، وايقاعها في مكان مغصوب مع العلم والعمد والاختيار، وكذا في ثوب مغصوب فيعيد مطلقا.ولو كان المكان نجسا تتعدى نجاسته، أو عمت مسجد الجبهة أعاده مطلقا مع سبق العلم، وفي الوقت خاصة اذا تجدد وكذا الثوب والبدن.وزيادة ركن ونقصانه مع تجاوز محله ولو سهوا، ونقصان ركعة أو أكثر سهوا ولم يذكر حتى أتى بالمنافي مطلقا، دون المنافي عمدا خاصة على الاصح والكلام بحرفين فصاعدا غير قرآن ولا دعاء ولا ذكر عمدا، ولو جوابا لمعصوم أو لاحد الابوين أو مع الاكراه، ومنه التسليم.وكذا الحرف المفهم، والحرف بعده مدة، وفي اشارة الاخرس المفهمة نظر.وتعمد القهقهة وان لم يكن دفعها، لا التبسم، وكذا البكاء لامور الدنيا دون الاخرة، وتعمد الكتف الا للتقية، وتعمد الاكل والشرب المؤديين بالاعراض عن الصلاة، لا نحو ازدراد ما بين أسنانه، أو ابتلاع ذوب سكرة، واستثني الشرب في الوتر لمريد الصيام وهو عطشان اذا خشى فجأة الفجر بشرط عدم مناف غير الشرب.وكذا تعمد الانحراف عن القبلة يسيرا، وتعمد ترك الواجب فعلا، أو كيفية، وزيادته ولو جاهلا بالحكم أو نسيانا له، الا الجهر والاخفات فيعذر الجاهل فيهما، وكذا جاهل وجوب القصر والاتمام.ولو جهل كون الجلد والشعر والعظم من جنس مالا يصلى فيه فقد صرح الاصحاب بوجوب الاعادة لو صلى في شئ منها، وخرج بعض المتأخرين وجوب الاعادة بالمنافيات لحق آدمي مضيق، وفيه ضعف.


ويكره عقص الشعر على الاقوى للرجل خاصة، وكذا التطبيق مطلقا.

الثانى: في احكام السهو:

من سهى عن واجب في الصلاة ولم يتجاوز محله أتى به ركنا كان أولا، كمن سهى عن القراء‌ة أو أبعاضعا أو صفاتها وذكر قبل الركوع، الا الجهر والاخفات على قول قوي، أو عن الركوع أو الرفع منه أو الطمأنينة فيه ولما يسجد أو عن الذكر فيه أو شئ من واجباته ولما يرفع رأسه، أو عن السجدتين أو احداهما، أو التشهد أو أبعاضه، أو شئ من واجباته ولما يركع، أو بعده، أو الطمأنينة في احدى السجدتين أو الذكر فيهما، أو شئ من واجباته ولما تزايل جبهته مسجده، أو عن رفع الرأس من الاولى أو الطمأنينة فيه ولما يسجد ثانيا.ولو تجاوز محله بأن دخل في ركن آخر بطلت صلاته ان كان المتروك ركعا، والا استمر وجوبا، فان عادله عمدا بطلت صلاته لا سهوا.ثم ان كان المتروك سجدة أو أكثر كل واحدة من ركعة ولو من الركعتين الاوليين، أو تشهد، أو صلوات على النبي وآله، أو أبعاضها به بعد التسليم ناويا: أسجد السجدة المنسية، أو اتشهد التشهد المنسي، أو أصلي الصلاة المنسية في فرض كذا أداء‌ا أو قضاء‌ا لوجوبه قربة إلى الله.ويجب فيه ما يجب في أجزاء الصلاة، وفي بعض التشهد مع ذلك اعادته، وكذا في بعض الصلاة اعادتها، ويسجد للسهو مع الجزء المقضي بعده.ولو تعددت الاجزاء تعدد السجود ما لم يبلغ الكثرة، وانما يأتي به بعد الفراغ منها مرتبا بترتيبها.وتجبان أيضا لزيادة سجدة، وللقيام في موضع القعود، وبالعكس، وللتسليم في غير محله نسيانا، وللكلام الممنوع منه كذلك، وللشك بين الاربع والخمس والارجح وجوبهما مع ذلك لكل زيادة ولو نقلا، ولنقيصة الواجب خاصة كبعض


القراء‌ة اذا لم تكونا مبطلتين ولو تعدد السبب فلا تداخل ويراعى فيهما ترتيب الاسباب وتأخيرهما عن الاجزاء المنسية، وان تقدم السبب وهما بعد التسليم مطلقا.ويجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة، وفعلهما بعدها يغير فصل، وهما تابعان في الاداء والقضاء كالاجزاء، ونيتهما: اسجد سجدتي السهو في فرض كذا أداء‌ا أو قضاء‌ا لوجوبهما قربة إلى الله وذكرهما: بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد، ويتشهد بعدهما خفيفا ويسلم.ولو تخلل المنافي بينهما وبين الصلاة لم تبطل، ولا حكم لسهو الامام مع حفظ المأموم وان اتحد، وبالعكس، الا أن يعلما شيئا فيلزمهما حكمه، ولا للسهو في موجب السهو أو في حصوله، ولا مع غلبة ظن أحد الطرفين بل يعمل عليه، ولا مع بلوغ الكثرة ويتحقق بتواليه ثلاثا في ثلاث فرائض أو فريضة واحدة، فيبني على فعل الواجب وعدم لحوق المبطل، ولو ترك جزء‌ا يقضى مرارا اثرت الكثرت سقوط السجدتين لا سقوط تداركه.ولو شك في واجب أتى به ان لم يتجاوز محله، فان تذكر أنه كان قد فعله بطلت صلاته ان كان ركا، والا فهو زيادة سهوا.ولو تجاوز محله لم يلتفت، كمن شك في النية وقد كبر، أو التكبير وقد قرأ، أو في القراء‌ة بعد الركوع، ولو كان قبله فقولان.والاولى عدم الالتفات لو شك قانتا، أو فيه، أو في رفع الرأس منه بعد السجود لا قبله، أو في شئ من واجباته بعد الرفع منه، أو في شئ من واجبات السجود بعد الرفع منه، أو فيه، أو في الطمأنينة وقد سجد ثانيا، أو في السجود وقد ركع بعده، وكذا التشهد وأبعاضه، ولو شك فيهما قبل الركوع وبعد استيفاء القيام فعدم الالتفات قوي.ولو تعلق الشك بالركعات: فان كان في الثنائية أو الثلاثية، أو لم يدركم


صلى، أو شك في الاوليين من الرباعية، أو في ما زاد قبل اكمالهما ولم يتذكر حتى أتى بالمنافي بطلت.ولو كان بعده: فان شك بين الاثنين والثلاث، أو بين الاثنين والاربع، أو بين الثلاث والاربع مطلقا، أو بين الاثنين والثلاث والاربع بعد السجود بنى على الاكثر، وأتم في الاولى ما بقي بعد البناء، واحتاط فيها وفي الثالثة بركعة قائما أو ركعتين جالسا، وفي الثانية بركعتين قائما، وفي الرابعة بركعتين قائما وركعتين جالسا، أو ثلاث قائما بتسليمتين مخيرا في التقديم.ولو تعلق الشك بالخامسة: فان شك بين الاثنين والخمس مطلقا، أو بين الثلاث والخمس الا قبل الركوع فانه شك بين الاثنين والاربع فيحتاط له ويسجد للزيادة أو بين الاثنين والثلاث والخمس مطلقا بطلت على الاقرب، لتعذر البناء على أحد طرفي الكثرة والقلة.وان شك بين الاربع والخمس بعد السجود بنى على الاربع وأتم ما بقي وسجد للسهو، وقبل الركوع يكون شكا بين الثلاث والاربع، وبعد الركوع فيه قولان أصحهما البطلان.أو بين الاثنين والاربع والخمس بعد السجود بنى على الاربع واحتاط بركعتين من قيام وسجد للسهو.أو بين الثلاث والاربع والخمس: فان كان قبل الركوع فهو شك بين الاثنين والثلاث والاربع، أو بعد الركوع وقبل اتمام السجود فالاصح البطلان، لتعذر البناء، أو بعد السجود بنى على الاربع واحتاط بركعة قائما أو بركعتين جالسا، وسجد لاحتمال الزيادة.وان شك بين الاثنين والثلاث والاربع والخمس بعد السجود بنى على الاربع، وأتى بالاحتياطين وسجد للزيادة المحتملة.ولو تعلق الشك بالسادسة فثالث الاوجه(١) الحاقه بالشك في الخامسة فكل

____________________

(١) في هامش نسخة " ض " الاول: الابطال مطلقا والرد، الثانى: الصحة مطلقا والبناء على الاقل، والوجه الثالث بالتفصيل وهو الحكم ما في المتن.ع ل.

(*)


موضع أمكن فيه البناء على أحد طرفي الشك أو اطرافه لم تبطل الصلاة، وما عداه تبطل والصور خمس عشرة.

أربع ثنائية: الشك بين الاثنين والست، بين الثلاث والست، بين الاربع والست، بين الخمس والست.

وما عدا الثالثة بعد السجود، والرابعة قبل الركوع مبطل.

وست ثلاثية: الشك بين الاثنين والثلاث والست، بين الاثنين والاربع والست، بين الاثنين والخمس والست، بين الثلاث والاربع والست، بين الثلاث والخمس والست، بين الاربع والخمس والست، ففي الثانية لا تبطل اذا كان الشك بعد السجود، ويحتاط بركعتين قائما ويسجد للريادة، وفي الرابعة ان كان الشك بعد السجود احتاط بركعة قائما وسجد، وان كان قبله بطلت في جميع صورة، وفي الخامسة والسادسة يصح اذا كان الشك قبل الركوع فيهما أو بعد السجود في الثانية، وما عدا ذلك فمبطل، وكذا الصورتان الباقيتان.

واربع رباعية: الشك بين الاثنين والثلاث والثلاث والاربع والست، بين الاثنين والثلاث والخمس والست، الشك بين الاثنين والاربع والخمس والست، بين الثلاث والاربع والخمس والست.ففي الاولى ان وقع الشك بعد السجود واحتاط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس وسجد للسهو، وفي الثالثة كذلك لكن يقتصر على الركعتين من قيام، وان كان قبله بطلت فيهما، وفي الرابعة ان كان الشك قبل الركوع فهو الشك بين الاثنين والثلاث والاربع والخمس، وان كان بعد السجود احتاط بركعتين من جلوس وسجدة الزيادة المحتملة وبعد الركوع وقبل السجود مبطل وفي الثانية الابطال مطلقا.

وصورة واحدة خماسية وهي: الشك بين الاثنين والثلاث والاربع والخمس والست، وحكمها معلوم مما سبق.


ولو تعلق الشك بالسابعة فما زاد أمكن انسحاب الاحكام فيها.

ويجب في الاحتياط النية: أصلي ركعة احتياط أو ركعتين قائما أو جالسا في فرض كذا أداء أو قضاء لوجوبها قربة إلى الله، والتحريم، والتسليم، وجميع ما يعتبر في الصلوات ويتعين الحمد وحدها اخفاتا، ولا يجزئ التسبيح.ولو تخلل المنافي بينه وبين الصلاة ففي الابطال قولان أقواهما العدم، وفي اجزاء المنسية تردد، ولو ذكر قبله النقصان تداركه، أو بعده لم يلتفت، وكذا في أثنائه ويشكل في صورة تخلل المنافي، وفي ذات الاحتياطين اذا لم يكن المبدوء به مطابقا.ولو ذكر التمام تخير في القطع والاتمام، ولو خرج الوقت نوى القضاء، ولو أعاد الفريضة من وجب عليه الاحتياط لم يجزء عنه، وكذا من وجب عليه الجزء، فان قلنا بالبطلان بتخلل المنافي أعادها حينئذ، والا أتى بالجبران.

الثالث: في القضاء:

وهو واجب مع البلوغ حين الفوات والعقل والاسلام والسلامة من الاغماء المستوعب للوقت، وكذا الحيض والنفاس، لا النوم والسكر والردة وان كانت فطرية.ولو شرب المرقد فاستوعب: فان جهل كونه مرقدا أو شرب لحاجة فلا قضاء.، والا وجب ولو فقد المطهر لم يجب على الاقرب، ولو استبصر المخالف أجزأه ما كان صلاه، ويسقط عن الكافر بالاسلام وكذا غير الصلاة من الواجبات، لا حكم الحدث السابق ونحوه.ووقته حين يذكر، والاصح عدم وجوب الفورية وان اتحدت الفائة أو كانت من يومه، ولا ريب أنه أحوط، فيصح الاداء والنقل ممن عليه قضاء، وكذا القضاء عن الغير ولو تبرعا.ويجب الترتيب في الفوائت والجبران كما فاتت، ولو نسيه أمكن وجوب


نحصيله بالتكرار، والاصح السقوط.ومراعات العدد تماما وقصرا، وجميع الشروط والواجبات من الهيئة وغيرها غيرها المعتبرة في الصلاة وان لم تكن مقدورة حين الفوات، ولو تعذرت قضى بحسب مقدوره ولو مومئا، ولا ينتظر التمكن وان فاتت حال الكمال الا الطهارة.ولو ذكر سابقة في أثناء لاحقة عدل ان لم يتجاوز محله وجوبا ان كانتا أداء وقضاء، والا فاستحبابا ان لم تتضيق الحاضرة، وهو أن يقصد تلك الصلاة ولا يشترط التماثل في الجهر والاخفات.ولو لم يحص قدر الفوائت أو الفائتة كرر حتى يغلب على الظن الوفاء، ولو جهل عين الفائتة صلى الصبح والمغرب ورباعية مطلقة ثلاثيا، ولو كان الفوات سفرا فثنائية مطلقة ورباعيا ومغربا، ومع الاشتباه فثنائية كذلك ورباعية مطلقة ثلاثيا ومغربا، ولو كانت اثنين من يوم قضى الحاضر صبحا ورباعيتين يطلق فيهما ثنائيا والمغرب بينهما، والمسافر ثنائيتين كذلك واطلاقه ثلاثي، والمشتبه(١) ، يزيد على الحاضر ثنائية بعد المغرب.ولو كانتا من يومين، أو جهل الجمع والتفريق قضى الحاضر عن كل يوم ثلاثا، والمسافر اثنين.ولو كان الاشتباه بيوم التخيير.فان اختار التمام فمقيم والا فمسافر.ولا تقضى الجمعة ولا العيدان وان كانتا واجبتين، ولو ارتد أو سكر ثم جن، أو حاضت فالقضاء لزمان الارتداد والسكر خاصة.

تتمة:

يمرن الصبي على الصلاة لسبع، ويضرب لعشر، ويقهر بعد بلوغه بالاحتلام أو الانبات أو اكمال خمس عشرة في الذكر، وتسع في الانثى، وبتخير بين

____________________

(١) في هامش نسخة " ض ": فيصلى خمس صلوات ثنائية يطلق بين الصبح والظهر والعصر ورباعية يطلق بين الظهر والعصر، ثم يصلى المغرب، ثم رباعية يطلق بين العصر والعشاء، ثم ثنائية بين الظهر والعصر والعشاء فيحصل ترتيبه.ع ل.

(*)


الوجوب والندب.ويجب على الولي وهو الولد الذكر الاكبر في المشهور، قضاء ما فات أباه من صلاة وصيام لعذر، لا ما تركه عمدا على الاظهر، ومع الوصية لاقضاء على الولي.ولو عين لها مالا فالمتجه انه من الثلث، وقيل: من الاصل، فلو لم يوص ولم يكن له ولي وجب الاخراج.

الرابع: في القصر:

وهو حذف الاخيرتين من الرباعية وله سببان:

الاول: السفر: وشروطه ثمانية:

الاول: ربط القصد بمعلوم، فلا يقصر الصائم وطالب الابق ونحوه وان تجاوز مسافة، الا في عوده.

وقصد المتبوع كاف ولو في الصديق اذا كان تابعا، ومنتظر الرفقة على حد مسافة مسافر يقصر إلى ثلاثين يوما مالم يعزم العشرة، ثم يتم ولو فريضة واحدة، وكذا كل مسافر تردد عزمه في غير بلده ثلاثين يوما، وفي حدود بلده مقيم.وكذا في محل الترخص قبلها اذا علق السفر على الرفقة، والمكره يعول على ظنه.

الثاني: كون المقصود مسافة ولو بشهادة عدلين.وهي ثمانية فراسخ من منتهى عمارة البلد المتوسط - والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع - أو أربعة اذا أراد الرجوع ليومه أو لليلته لا أقل، ويكفي مع الشك مسير يوم في النهار والسير المعتدلين، ولو سلك أبعد الطريقين ميلا إلى الترخص قصر وان لم يبلغ الاخر مسافة.

الثالث: الضرب في الارض بحيث يخفى أذان البلد وجدرانه، لا السور والاعلام والبساتين، ويقدر في المرتفع والمنختفض الاستواء، والحلة للبدوي والمحلة في المصر العظيم كالبلد، وفي العود يتم بادراكه أحدهما.


الرابع: كون السفر سائغا، فالابق، والناشز، وتارك وقوف عرفه، أو الجمعة مع الوجوب، وسالك ما يظن فيه العطب، والمتصيد لهوا، وتابع الجائر وذو الغاية المحرمة لا يترخصون.

الخامس: بقاء القصد، فلو رجع عنه قبل بلوغ مسافة، أو عزم على اقامة عشرة مطلقا، أو عزم عليها من أول السفر خلال المسافة لم يقصر.ولو تغير عزم الاقامة بعد بلوغها قصران لم يكن صلى تماما ولو بالركوع في الثالثة، وفي الاكتفاء بخروج وقت الرباعية، أو الشروع في صوم واجب، أو بالاتمام في مواضع التخيير تردد(١) .

السادس: عدم بلوغه حدود بلد له فيه ملك ولو نخلة ونحوها، قد استوطنه زمان الملك ستة أشهر مقيما ولو متفرقة، أو اتخذه وطنا على الدوام بشرط الاستيطان، فلا يترخص حينئذ، ولو قصد ذلك من أول السفر لم يقصر ان لم يبلغ ما بينهما مسافة.

السابع: أن لا يكثر السفر، فالبدوي والملاح والمكاري والتاجر والبريد ونحوهم يتمون اذا صدق الاسم، بأن يسافر أحدهم إلى مسافة مرتين، فبالثالثة تصدق الكثرة بشرط عدم اقامة عشرة مطلقا في بلده، ومع النية في غيره بينها.ولو أقام العشرة بعدها ثم سافر وجب القصر، ويكفي في العشرة كونها ملفقه بحيث لا يتخللها السفر إلى مسافة.

الثامن: استيعاب السفر لوقت الاداء، فلو أدرك من أول الوقت قدر الطهارة والصلاة حاضرا ولو دون محل الترخص، أو من أخره قدرها مع ركعة أتم.وكذا يتم فوائت الحضر وان قضت سفرا، بخلاف فوائت السفروان قضت حضرا.وانما يتحتم القصر في غير مسجد مكة والمدينة وجامع الكوفة وحائر الحسينعليه‌السلام ،

____________________

(١) في هامش نسخة " ش ": المعتمد الاتمام فيه، وفى الثالث قوى، وفى الثانى ان كان التغيير بعد الزوال فكذلك وقبله التردد باق.ع ل.

(*)


أما فيها فان اتمام الصلاة مع سعة الوقت أفضل، ويجوز القصر.ولو فاتت في احداهما فالظاهر أن التخيير بحاله، وان قضت في غيرها فالظاهر اشتراط نية التمام وضده في النية وعدم الخروج بها عن التخيير، نعم يترتب حكم الشك على ما نواه فيبطل في المنوية قصرا، ويحتاط في الاخرى.ولو أتم المسافر مع علم المسافة أعاد مطلقا، ولو تجدد العلم بها في الوقت وقد صلى فكذلك، لا ان خرج وان قصر.ولو أتم جاهلا بالحكم فلا اعاده في الصلاة والصوم، ولو نسيه فالمشهور الاعادة في الوقت خاصة.ولو خرج ناوي المقام عشر إلى ما دون المسافة وبلغ حد الترخص: فان عزم على العود والاقامة عشرة مستأنفة أتم مطلقا، فانعزم على المفارقة قصر ببلوغ محل الترخص، أو على العود خاصة فالاقوى الاتمام في الذهاب والبلد، والقصر في العود.ولو لم يقصد شيئا ذاهلا أو مترددا فوجهان، ولو خرج كذلك بعزم التردد مرارا والاقامة آخرا فالاتمام كما سبق.ويستحب الجمع بين الفريضتين للمسافر كالفرق للحاضر، وجبر المقصورة بالتسبيحات الاربع بعدها ثلاثين مرة.

الثاني: الخوف:

وهو موجب للقصر أيضا حضرا وسفرا، جماعة وفرادى.فان كان العدو في غير جهة القبلة، ويخاف هجومه على المسلمين، وفيهم قوة الافتراق فريقين مع عدم الاحتياج إلى الزيادة صلى الامام بالاولى ركعة، فاذا قام انفردوا وأتموا، ثم تأتي الاخرى فتدخل معه في الثانية، ويفارقونه في التشهد فيتمون ويطول ليسلم بهم.وفي المغرب يصلي بالاولى ركعة وبالثانية ركعتين، أو بالعكس، وهذه الصلاة ذات الرقاع.وان أكملت الصلاة بكل فرقة صح، والثانية نفل له، وهي صلاة بطن النخل.


وان كان العدو في جهة القبلة مرئيا يخاف هجومه، وأمكن الافتراق صفهم صفين وأحرم بهم جميعا وركع، فاذا سجد تابعه الاول وحرس الثاني، فاذا قام سجد الحارسون وحرس الساجدون، والاولى انتقال كل صف إلى موضع آخر.ولو تعاكست الحراسة والسجود، أو اختص كل صف بها في ركعة واحدة، أو اختص بها أحد الصفين في الركعتين، أو تكثرت الصفوف فترتبوا في السجود والحراسة أمكن الجواز، وهي صلاة عسفان.وان التحم القتال وانتهى إلى المسافة، وتعذرت الهيئات السالفة، صلوا بحسب الامكان رجالا وركبانا إلى القبلة وغيرها مع عدم امكانها، ويسجد الراكب على قربوس سرجه أو عرف دابته، فان تعذر أومأ، وكذا الماشي، والسجود أخفض.ويغتفر الفعل الكثير مع الحاجة اليه، وتشرع الجماعة وان اختلف الجهة، ومع تعذر الافعال والاذكار بجتزئ عن الركعة بالتسبيحات الاربع مع النية والتكبير والتشهد والتسليم، ولا يجب الاعادة وان أمن، ولو كان عاديا بقتاله أو فارا من الزحف أمكن الوجوب.وفائتة الخوف تقضى بحسب الامكان قصرا، وكل أسبابه سواء في قصر الكم والكيف حتى السيل والسبع، ولو انكشف خطأ ظنه وقد صلى بحسبه اجزأ.والموتحل والغريق يتحريان الممكن من الكيفية، ولا يقصران الا مع السفر أو الخوف.

الخامس: في الجماعة: وهي مستحبة في الفرائض، وتتأكد في الخمس، وتجب في الجمعة والعيد الواجبة وبالنذر، ويحرم في النافلة الا الاستسقاء والعيد نديا والغدير.وفضلها عظيم لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : " صلاة الجماعة تعدل صلاة الفذ بسبع وعشرين


درجة "(١) ، والفذ بالذال المعجمة هو الواحد.وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : " ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيهم الصلاة الا استحوذ عليهم الشيطان.فعليك بالجماعة فان الذنب يأخذ القاصية ".

وعن ابن بابويه: من ترك ثلاث جمع متواليات من غير علة فهو منافق(٢) .وقد رود عن الرضاعليه‌السلام : " ان صلاة الجماعة أفضل من صلاة الانفراد في مسجد الكوفة "(٣) ، إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة، وما كثرة جمعه أفضل، الا أن يتعطل مسجد قريب بغيبته، ويجوز في الصحراء، ولا ريب أن المسجد أفضل.

وشروطها ستة:

أحدها: بلوغ الامام، وعقله، وايمانه، وعدالته، وطهارة مولده، وصحة صلاته ظاهرا، وقيامه بالنسبة إلى من فرضه القيام، واتقان القراء‌ة الا مع المماثلة، وذكوريته ان أم ذكرا أو خنثى، وكونه غير مؤتم.فلا تصح امامة الصبي وان بلغ عشرا الا لمثله في النفل في بعض كلام الاصحاب، ولا المجنون وان كان أدوارا الاحال الافاقة فيكره، ولا الكافر والفاسق، ومنه المخالف، وكذا ولد الزنا وان أموا امثالهم.وطريق معرفة العدالة كما مر، وصلاة عدلين خلفه.ولا يكفي الاسلام، ولا التعويل على حسن الظاهر على الاصح، والخلاف في الفروع مانع ان أبطل عند المأموم.وتوم المرأة النساء.

ولو تشاح الائمة قدم مختار المأومومين، ومع الاختلاف فالافقه، فالهاشمي، فالاقدم هجرة، فالاسن في الاسلام، فالاصبح وجها، فالقرعة.والامير في امارته، والراتب، وذو المنزل يقدمون مطلقا.

____________________

(١) انظر الوسائل ٥: ٣٧ باب ١ من أبواب صلاة الجماعة.

(٢) و(٣) من لا يحضره الفقيه ١: ٢٤٥.

(*)


الثاني: العود: وأقله اثنان، الا في الجمعة والعيد مع وجوبها.

الثالث: عدم تقدم المأموم على الامام في الموقف، والعبرة بالعقب لا بالمسجد، الا في الجماعة في حول الكعبة، لئلا يكون المأموم أقرب اليها.وكذا يشترط عدم علو الامام بما يعتد به، وهو ما لا يتخطى في العادة، ويجوز العكس مالم يصر في حد العبد المفرط، وفي المنحدرة يغتفر العلو من الجانبين.

ويشترط القرب عادة ولا ينقدر بثلاث مائة ذراع على الاصح، ومع اتصال الصفوف لا يضر البعد وان أفرط اذا كان بين كل صفين القرب العرفي.

الرابع: نية الائتمام، فلو تابع بغير نية بطلت ان أخل بما يلزم المنفرد، ويجب تأخيرها عن نية الامام، فلا يجرئ المساومة، ولا تجب نية الامامة الا في الجمعة الواجبة، لكن يتوقف حصول الثواب عليها.

ويجب وحدة الامام وتعينه فلو نوى الاقتداء باثنين، أو باحدهما لا بعينه لم يصح، ولو انتقل إلى آخر عند عروض مانع للاول جاز.

الخامس: مشاهدة المأموم للامام، او لمن يشاهده من المأمومين ولو بوسائط فيعتبر عدم العلم بفساد صلاتهم، الا أن تقتدي المرأة بالرجل فيغتفر الحائل.وليس النهر، والطريق، والقصر الحائل وقت الجلوس خاصة، والمخرم، والظلمة موانع.ولو صلى الامام في محراب داخل، أو مقصورة غير محرمة فصلاة الجانبين باطلة ان لم يشاهدوا من يشاهده.

السادس: توافق نظم الصلاتين، فلا يقتدى في اليومية بنحو الكسوف والعيد وبالعكس.

ويجوز في ركعتي الطواف باليومية، وعكسه، وكذا الفرض بالنفل النفل بالنفل في مواضع، وبعض اليومية ببعض، ومع نقص صلاة المأموم يتخير بين التسليم وانتظار تسليم الامام وهو أفضل، ولو زادت فله الاقتداء في التتمة بمسبوق من المأمومين.


ويجب متابعة الامام في الافوال والافعال، فيأثم بالتقدم عمدا، ولا تبطل الا أن يركع قبل فراغه من القراء‌ة، ونسيانا يرجع فيتابع.وان زاد ركوعا: فان لم يرجع فهو متعمد.والظان كالناسي، ولو تخلف بركن فأكثر لم تنقطع القدوة ويحتمل الامام القراء‌ة في الجهرية والسرية، فيكره للمأموم القراء‌ة فيهما على الاشهر.ولو لم يسمع في الجهرية ولا همهمة استحب أن يقرأ، ويبقئ آية ان نقصت قراء‌ته عن قراء‌ة الامام ليركع عنها، ويدرك الركعة بادراكه راكعا ولو بعد الذكر الواجب علي الاصح، لا ان شك هل أدرك راكعا أم رافعا ولو أدركه بعد الركوع أو بعد سجود الاولى وسجد معه واستأنف النية عند قيامه إلى الركعة اللاحقة، ولو كانت الاخيرة استأنف بعد التسليم، ولو كان بعد السجود كبر مقتديا، وتابعه في التشهد ان شاء، فان كان الاخير قام بعد تسليمه بغير استئناف، والظاهر انه يدرك فضل القدوة ولو كان التشهد هو الاول تابعه بعد القيام أيضا.ويراعى المسبوق نظم صلاته، فيجعل ما يدركه معه أولها، ويتخير في الاخيرتين بين التسبيح والفاتحة وان سبح أمامه على الاصح، ولو كان غير مرضي فلا قدوة، بل يقرأ لنفسه ولو سرا في الجهرية، أو مثل حديث النفس، ويتشهد قائما ويسلم ان اضطر.ويستحب تسوية الصفوف باستواء المناكب، واختصاص الفضلاء بالاول، ويمينه أفضل، ويكره تمكين نحو العبيد والصبيان منه.واذا اتحد المأموم وكان ذكرا وقف عن يمين الامام، وان تعدد فخلفه كالمرأة الواحدة والخنثى.ولو أمة النساء لم تتقدمهن كجماعة العراة، ولو أحرم الامام قطع المنتفل نفله ودخل معه، ولو كان فرضا نقل النية إلى النفل وأتم الركعتين، ومع فوت الفوات يقطعها استحبابا، كما لو كان امام الاصل.


ويكره النفل بعد الاقامة، ووقت القيام عند قد قامت الصلاة، وخائف فوات الركوع بالالحاق يكبر مكانه، ويسجد ان شاء ويلحق بالصف، وان شاء مشى في ركوعه بشرط عدم فعل كثير، وأن يكون مكان التكبير صالحا للاقتداء، ويعيد المنفرد صلاته مع الجماعة استحبابا، وكذا الجامع اماما ومؤتما، ويتخير بين نية الوجوب والندب.ويكره وقوف المأموم وحده اختيارا، وتخصيص الامام نفسه بالدعاء.ويجوز التسليم قبل الامام لعذر فينوي الانفراد، ولو نواه لا لعذر جاز، حيث لا تجب الجماعة، فيبني على ما مضى من صلاته، فان كان قبل القراء‌ة قرأ لنفسه، أو بعدها اجتزأ بقراء‌ة الامام، أو في اثنائها احتمل البناء ووجوب الاعادة.وفي جواز الاقتداء بمن علم نجاسة في ثوبه أو بدنه تردد، أوجهه المنع.ولو علمت عتق من تصلى مكشوفة الرأس أمكن جواز الاقتداء بها.ولا ينبغي ترك الجماعة الا لعذر عام أو خاص كالمطر والمرض، فيصلي في منزله جماعة.ويستحب التأخير ان رجا زوال العذر وادراك الجماعة، ولو عرض للامام قاطع كالحدث استناب، فان لم يفعل أو عرض جنون أو موت استناب المأمون، فيبني النائب على فعل الامام ولو في أثناء القراء‌ة.واما الخاتمة ففى باقى الصلوات: أما الجمعة: فهي ركعتان يسقط معها الظهر بشروط زائدة على اليومية: الامام العادل: أو من نصبه، ولا ريب في اعتبار شرائط الامامة السالفة.وفي الغيبة يجتمعون مع الامن، ووجود نائب الغيبة وهو الجامع للشرائط، فينوون الوجوب وان لم يتحتم، ويجزئ عن الظهر.ولو مات بعد التلبس لم تبطل القدوة، فيقدمون من


يتم مع وجود باقي الشرائط، ولو أحدث قدم من يتم به، ولا يشرع انشاء الجمعة حينئذ الا أن يستنيب امام الاصل.

والوقت: وهو وقت الفضيلة للظهر، فاذا خرج ولم يأت بها صلى الظهر، ولو كان متلبسا صحت ان ادرك ركعة قبله، ان شرع عالما أو ظانا ادراكها بشروطها على المشهور، ولو صلى الظهر وهو مخاطب بها لم تصح فان أدركها، والا أعاد ظهرا.

والعدد: وهو خمسة أحدهم الامام، ويشترط ابتداء‌ا لا دواما، فلو انفضوا بعد التكبير لم تبطل، وان لم يبق الا واحدا، أما قبله فتسقط، ولو عادوا أعاد الخطبة ان لم يسمعوا الواجب منها.وانما تنعقد بالمكلف الذكر المسلم وفي العبد وان تحرر بعضه اذا أذن مولاه، والمسافر الذي لا يلزم الاتمام تردد أقربه الانعقاد، ولو لزمته وجب عليه كالعاصي بالسفر.أما الاعمى، والاعرج البالغ حد الاقعاد، والمريض المتضرر بالحضور أو يشق عليه كثيرا، ومن بعد عن موضع اقامتها بازيد عن فرسخين، والمشتغل بتجهيز ميت، أو رعايت مريض، والخائف على نفس أو مال ولو حبسا أو غصبا بباطل أو بحق هو عاجز عنه، والممنوع بمطر أو وحل شديد ونحوهما: فان حضروا قبل صلاة الظهر وجب عليهم وانعقدت بهم، الا المريض اذا تضرر بالصبر.

والخطبتان: بعد الزوال قبل الصلاة، ويجب القيام فيهما مطمئنا مع القدرة، واشتمال كل واحدة على لفظ الحمد لله، والصلاة على النبي وآله، والوعظ ولا يتعين له لفظ، وقراء‌ة سورة خفيفة، أو آية تامة الفائدة، والصلاة على أئمة المسلمين، والفصل


بينهما بجلسة، ورفع الصوت بحيث يسمعه العدد.والاحوط اشتراط الطهارة، ووجوب الاصغاء، وتحريم الكلام في اثنائهما وان لم تبطل.ويجوز كون الخطيب غير الامام، وفي اشتراط عدالته نظر.ويستحب بلاغته، وكونه منصفا بما يأمر به، والارتداء ببرد يمنية، والاعتماد على شئ ولو عصا، والتسليم أولا، فيجب عليهم الرد، والجلوس قبل الخطبة حتى يفرغ المؤذنون.

والجماعة: فلا تصح فرادى، ويشترط نية الامام والمأموم بها، ولو ادرك المسبوق الامام راكعا في الثانية ادرك الجمعة فيتم بعد فراغه، ولو شك في ادراكه راكعا فلا جماعة له.

والوحدة: وتحقق بأن تكون بين الجمعتين فرسخ، فلو قصر بطلت ان اقترنتا بألتحريم، ويعيدون جمعة، واللاحقة خاصة ان سبقت احداهما ولوبها، ومع السابقة يصلون جميعا الظهر فيتجه اعتبار فعلها فرادى أو بامام من خارج ومع اشتباه السبق قيل: يصلون الجمعة والظهر، وهو متجه، فيعتبر في الظهر ما سبق.ويستحب الجهر بالقراء‌ة، واختيار الجمعة في الاولى والمنافقين في الثانية، ويحرم الاذان الثاني زمانا، والسفر قبلها بعد وجوبها، والبيع وشبهه بعد الاذان وان سقطت عن أحد المتعاقدين وينعقد.

ويستحب مؤكدا الغسل أداء من فجر الجمعة إلى الزوال، وقضاء إلى آخر السبت، وتقديما من أول الخميس لخائف الاعواز.ومن زوحم عن سجود الاولى ان لم يتمكن من اللحاق بعد قيام الامام يسجد معه في ثانية ناويا بهما الاولى لا الثانية فتبطل صلانه، ولو أهمل فقولان اظهرهما الصحة، ولو تمكن من السجدتين بعد قيام الامام فأتى بهما ثم قام فوجده قد ركع في الثانية جلس حتى يفرغ، وله أن ينفرد ويتمها جمعة على القديرين.


تتمة:

السنن الحنيفية(١) خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الشعر، وقص الشارب.وخمس في البدن: قص الاظفار، وحلق العانة، والابطين، والختان، والاستنجاء.ويجوز الوفرة في الشعر بأن يبلغ شحمة الاذن.ويستحب السواك مؤكدا عند كل صلاة عرضا - ويكره في الخلاء والحمام والادهان غبا(٢) والاكتحال وترا، وقلم الاظافر يوم الجمعة فمن فاته فيه ففي يوم الثلاثا، ويجوز مطلقا، ويكره بالاسنان.ويستحب مؤكدا الخضاب، ويتأكد للنساء، وقد ورد انه يقلل وسوسة الشيطان، وتفرح به الملائكة، ويستحي منه منكر ونكير، وهو براء‌ة له في القبر.والاستحمام غبا، ويستحب يوم الاربعاء والجمعة، والاكنحال بالاثمد عند النوم وترا، والاطلاء بالنورة كل خمسة عشر يوما.وأما صلاة عيد الفطر والاضحى فيجب بشورط الجمعة على من تجب عليه، وتسقط عمن تسقط عنه، ومع اختلالها تصلى ندبا جماعة وفرادي، وقيل: لا تشرع الجماعة حينئذ والخطبتان بعدها، ويستحب ذكر أحكام الفطرة في الفطر، والاضحية في الاضحى، والاحوط القيام فيهما، ويعتبر الاتحاد كالجمعة الا مع ندبينهما لاحد الفريقين، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال فيحرم السفر بعد وجوبها.

وهي ركعتان كغيرها من الصلوات، لكن يزيد خمس تكبيرات بعد القراء‌ة في الاولى، وأربعا كذلك في الثانية، ويقنت بعد كل تكبيرة وجوبا، ولا يتعين

____________________

(١) في هامش نسخة " ض ": السنن الحنيفية: هى التى كانت في ملة ابراهيمعليه‌السلام .السنة أعم من المستحب، ويشتمل الواجب، ولم ينسخ في شريعة بل بقيت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة، واصل الحنيف الاستقامة.شرح.

(٢) الغب: أن تدهن يوما وتدعه يوما.

انظر الصحاح ١: ١٩٠ " غبب ".

(*)


له لفظ غير أن المأثور أفضل، ويقول المؤذن فيها وفي كل ما يجمع فيه غير ما سبق: الصلاة ثلاثا بالنصب والرفع.ويستحب الاصحار بها الا بمكة، وخروج الامام ماشيا حافيا بالسكينة والوقار، وذكر الله تعال، وقراء‌ة الاعلى في الاولى والشمس في الثانية، والغسل والتنظيف، والتطيب، ولبس الفاخر، وان يطعم قبل خروجه في الفطر حلو، وبعد عوده في الاضحى من اضحيته.والتكبير في الفطر عقيب أربع صلوات أوله المغرب ليلة الفطر وهو: الله أكبر ثلاثا، لا اله الا الله والله أكبر، الحمد لله على ما هدانا، وله الشكر على ما أولانا.وفي الاضحى عقيب خمس عشرة لمن كان بمنى ناسكا على قول، وعقيب عشر لغيره أولها ظهر ويزيد: ورزقنا من بهيمة الانعام: ويتخير حاضر العيد في حضور الجمعة لو اتفقا، سواء القروي وغيره، وعلى الامام الحضور، ولو نسي التكبير أو بعضه وتجاوز محله سجد للسهو.

وأما صلاة الايات: فهي ركعتان كاليومية، الا أن في كل ركعة خمس ركوعات، يقرأ الحمد وسورة أو بعضها ثم يركع، فاذا قام قرأ الحمد وسورة، أو بعضها ان كان أتم السورة، والا قرأ من حيث قطع ان شاء، وان قرأ الحمد وسورة أو بعضها بحيث يتم له في الركعة سورة صح على قول قوي، وهكذا خمسا، ثم يسجد، ويجب في النية تعيين السبب.وتستحب الجماعة، والاطالة بقدره، وقراء‌ة السور الطوال مع السعة، والجهر بها ليلا أو نهارا، والقنوت على كل مزدوج أو على الخامس والعاشر، وأقله على العاشر بعد القراء‌ة ومساواة الركوع والسجود والقنوت للقراء‌ة، والتكبير عند كل رفع، وفي الخامس والعاشر سمع الله لمن حمده، والبروز تحت السماء، والاعادة لو فرغ قبل الانجلاء.


وموجبها كسوف الشمس، وخسوف القمر وكل مخوف سماوي كالزلزلة والظلمة الشديدة والريح السوداء والصفراء، لا نحو كسوف الكواكب.ووقتها في الكسوف من ابتدائه إلى تتمام الانجلاء على الاقرب، وفي غيره مدت السبب، فان قصر لم يجب الا الزلزلة ومن ثم يكون اداء مدة العمر، مع أن الوجوب فوري جمعا بين التأقيت واعتبار سعة الفعل، وتقضى حيث يجب الاداء مع الفوات عمدا أو نسيانا لا جهلا، الا أن يستوعب الاحتراق، ويقدم المضيق منها ومن الحاضرة وجوبا، فان تضيقا قدمت الحاضرة، ولو كان في اثناء الكسوف قطعها واشتغل بالحاضرة على قول، ومع سعتهما يتخير، وتقديم الحاضرة أفضل.

اما صلاة الطواف: فركعتان كاليومية، لكن يجب فلعهما عند مقام ابراهيمعليه‌السلام في المكان المعروف المعد لذلك الان، فلو منعه زحام صلى خلفه أو إلى جانبيه، ولو نسيهما رجع إلى المقام، ثم إلى الحرم، ثم حيث يذكر، ولو مات قضاهما الولي.ويجب كونهما بعد الطواف الواجب وقبل السعي ان وجب، ويستحب المبادرة بهما، ولا اداء في نيتها ولا قضاء.وقد تقدم في الغسل صلاة الاموات.وأما الملتزم من الصلاة بنذر وشبهه: ويعتبر فيه ما يعتبر في اليومية، ويزيد الصفات المعينه فيه اذا كانت مشروعة، فلو قيد بزمان شخصي - كيوم الجمعة - معين وأخل به عمدا قضى وكفر، والا اتى به موسعا إلى أن يغلب ظن الموت.وتعتبر نية الاداء والقضاء في الاول خاصة، ولو عين مكانا انعقد مع المزية لا بدونها على قول.وفي الفرق بينه وبين الزمان عندي نظر، فلو أتى به فيما هو أزيد مزية قبل: يجزئ، وللنظر فيه مجال، ولو عين عددا تعين، فيسلم بعد كل ركعتين، ولو قيد


أربعا بتسليمة صح لاخمسا، الا أن يطلق فينزل على المشروع.ولو اطلق الصلاة وجب ركعتان على الاقوى، ولو نذر نحو الكسوف والعيد وقت شرعيتهما انعقد.والا فلا.وشبه النذر العهد واليمين، والتحمل عن الغير باجارة ونحوها، ولا ريب في اشتراط العدالة في الاجير، وعدم نقصان صلاته بنقصان صفة، كالعاجز عن، القيام، أو عن بعض القراء‌ة.ولو تجدد العجز احتمل الانفساخ، والفسخ والرجوع بالتفاوت، واضعفها الاجتزاء بمقدوره، وهل هو على الفور(١) أم على التراخي؟ لا أعلم فيه تصريحا، ويحتمل وجوب ما يعد به متشاغلا.

تتمة: من الصلاة المندوبة الاستسقاء عند انقطاع الامطار وغور الانهار، وهي كالعيد، الا القنوت فانه بالاستغفار، وسؤال الرحمة وتوفير المياه ومأثوره أفضل.ويستحب في خطبة الجمعة أمر الناس بالتوبة، والخروج عن المظالم، وصوم ثلاثة أولها السبت أو الاربعاء، والخروج في الثالث حفاة بالسكينة والوقار مع أهل لصلاح والشيوخ والاطفال.وتستحب الجماعة والجهر بالقراء‌ة، ويحول الامام رداء‌ه من اليمين إلى اليسار، ولو تأخرت الاجابة كرر الخروج، ولو سقوا في الخطبة صلوا شكرا، ولو كثرت الغيث وخيف منه استحب الدعاء بازالته.ويكره نسبة المطر إلى الانواء ويحرم اعتقاده.ومنها صلاة يوم الغدير قبل الزوال بنصف ساعة، وهي ركعتان يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وكلا من القدر والتوحيد وآية الكرسي إلى قوله: " فيها خالدون " عشرا جماعة في الصحراء بعد أن يخطب الامام بهم، ويعرفهم فضل اليوم، فاذا انقضت تصافحوا وتهانوا، وثوابها مائة ألف حجة وعمرة، ويعطى ما يسأل.

____________________

(١) الظاهر أن الوجوب على الولى فورى.ع ل.

(*)


وباقي الصلوات المندوبات مذكورة في كتب الاصحاب من أراد فيطلب من هناك.وكل النوافل ركعتان بتشهد وتسليم، الا الوتر فانها ركعة، وصلاة الاعرابي فانها أربع ركعات.وليكن هذا آخر ما أوردناه في هذه الرسالة، والحمد لله الذي وفق لاتمامها وختم الحسنى في افتتاحها واختتامها، وأنا أتضرع اليه بخاصته وخالصته محمد وأطائب عترته، مع ما أنا عليه من الاعتراف بالعجز والتقصير، والافتقار إلى وجوده المطلق في الجليل والحقير، أن يجعل ما بقى من أيام هذه المهلة مقصورا على مافيه رضاه، مصروفا فيما يحبه ويرضاه.وفرغ من تسويدها مؤلفهما العبد المذنب الجاني علي بن عبد العالي، وسط نهار الخميس تقربا إلى الله، عاشر شهر جمادي الاولى سنة سبع عشر وتسعمائة من الهجرة النبوية المصطفوية عليه أفضل الصلاة واكمل التحية بمشهد سيدي ومولاي ثامن الائمة الاطهار أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه وأولاده المعصومين أفضل الصلاة والسلام حامدا ومصليا.


(٣) رسالة صلاة الجمعة



بعد حمد الله على سوابغ نعمة الغامرة(١) ، والصلاة والسلام على حبيبه محمد وعترته الطاهرة، فقد طال تكرار سؤال المترددين الي عن حال شرعية صلاة الجمعة في هذه الازمان، التي مني أهلها بغيبة الامام عليه صلوات الله الحي القيوم، وانها على تقدير الشرعية ما الذي يعتبر لصحتها واجزائها عن صلاة الظهر، وأظهروا عندي في مرات(٢) كثيرة أن الناس في ذلك كالمتحيرين لا يدرون ما يصنعون، ولا يعلمون أي طريق يسلكون.فلما رأيت أن الامر قد تفاقم، والخلف والخلاف قد تراكم سألت الله الخيرة في املاء جملة من القول لتحقيق الحق في هذه المسالة، على وجه أرجو من التوفيقات الالهية أن ينكشف بها القناع ويزول بها اللبس، متضرعا اليه سبحانه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وموجبة لثوابه الجسيم، وحين أجلت الرؤية في ما لابد منه لايضاح لاصواب خطر لي أن أضعها على ثلاثة أبواب:

____________________

(١) الغمر: الماء الكثير، الصحاح ٢: ٧٧٢ " غمر ".

(٢) في " ش ": مراتب.

(*)


الباب الاول في المقدمات، وهى ثلاثة:

الاولى:

اختلف علماء الاصول في أن الوجوب اذا رفع هل يبقى الجواز أم لا؟ وتحرير محل النزاع: أنه اذا ثبت الوجوب بدليل شرعي في محل، ثم رفع بدليل آخر عن ذلك المحل هل يبقى الجواز ثابتا فيه، حيث أن الدليل الدال على الوجوب دل على شيئين: الوجوب، والجواز، والدليل الرافع له انما يرفع الوجوب خاصة؟ بكل من القولين قال جمع من العلماء: أما القائلون ببقاء الجواز(١) فاحتجوا بأن المقتضي للجواز موجود، والمانع منه منتف فوجب القول بتحققه.

أما الاول: فلان الامر الدال على الوجوب متحقق، لانه المفروض، والوجوب ماهية مركبة من الاذن في الفعل والمنع من الترك، فيكون مقتضيا لهما ضرورة كون المقتضي للمركب مقتضيا لكل جزء من أجزائه، لامتناع تحقق المركب من دون تحقق الاجزاء.

وأما الثاني: فلان الموانع كلها منتفية بحكم الاصل، ما عدا رفع الوجوب وهو غير صالح للمانعية، لانه انما يقتضي رفع الوجوب الذي قد علمت تركبه من الجزأين، ورفع المركب قد يكون برفع جميع الاجزاء، وقد يكون برفع أحدها، فهو أعم من كل منها، والعام لا يدل على خاص معين، فاذا لا دلالة لرفع الوجوب

____________________

(١) ذهب اليه جمع من الاصوليين منهم: محب الله بن عبد الشكور في فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ١: ١٠٣، والقاضى البيضاوى في منهاج الاصول المطبوع بمتن الابهاج في شرح المنهاج ١: ١٢٦.ولمزيد الاطلاع أنظر: القوانين للميرزا أبو القاسم القمى ١: ١٢٧.

(*)


على رفع الجواز.قيل عليه: بعد رفح المركب لا يعلم بقاء الجواز، لان رفع المركب قد يكون برفع الجزأين معا، والمقتضى منسوخ فلا يقطع ببقاء مقتضاه.

ورد: بأن بقاء الجواز متحقق لتحقق مقتضيه أولا، والاصل استمراره فلا يرفع بالاحتمال، والمنسوخ انما هو الوجوب لا نفس الامر المقتضي للجواز، فلا نقطع بعدم بقائه، للاكتفاء في رفع الوجوب برفع المنع من الترك، وعدم القطع ببقاء مقتضي الامر غير قادح، لان المدعى ظهور بقائه لا القطع به.

والتحقيق: أن جواز المدلول عليه بالامر الدال على الوجوب هو الجنس - أعني: الاذن في الفعل - لا الجواز الذي معناه استواء الطرفين، وذلك أمر كلي لا تحقيق له الا في ضمن فرد من أفراده الاربعة، أعني: الوجوب والندب والكراهة والاباحة.وبعد رفع الوجوب يمتنع بقاء الجواز المدلول عليه بالامر تضمنا، لامتناع تحقق الكلي لا في ضمن فرد من أفراده.والجواز الذي معناه استواء الطرفين لم يدل عليه دليل أصلا، اذ لا يلزم من ثبوت الوجوب ثبوته، كما لا يلزم من رفعه رفعه ولا ثبوته فينتفي بحكم الاصل، وحينئذ فيقطع بانتفاء ذلك الجواز.اذا عرفت ذلك فقوله في الجواب: (بقاء الجواز متحقق لتحقق مقتضيه) ان أراد به: الجواز الذي هو الامر الكلي فهو فاسد، لان بقاء‌ه بعد انتفاء الوجوب ممتنع، لان تحققه انما كان ضمنا، وذلك يقتضي بقاء‌ه بعد انتفاء الجزء الاخر، بل انتفاء ذلك الجزء يقتضي انتفاء‌ه ان لم يدل دليل على تقييده بجزء آخر، والفرض أن لا دليل يدل على ذلك أصلا.وان أراد الجواز بالمعنى الاخر فظاهر بطلانه.وأما القائلون بعدم بقاء الجواز(١) فاحتجوا بأن الجواز الذي هو جزء من

____________________

(١) منهم: الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثانى في معالم العلماء وملاذ المجتهدين: (*)


مفهوم الوجوب هو الجواز بالمعنى الاعم كما عرفت، لامتناع ذلك في الاخص، وتقومه بالفصل الذي هو المنع من الترك، فاذا ارتفع ارتفع لاستحالة بقائه منفكا عن فصل.قيل عليه: نمنع استلزام ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس لتقومه بفصل عدم المنع من الترك، لان ارتفاع المنع من الترك - الذي هو فصل الوجوب - يقتضي ثبوت عدم المنع منه، فيقوم به الجنس لاحتياجه إلى فصل ما، لا إلى فصل معين.وجوابه: ان ارتفاع المنع من الترك قد يكون برفع كل من الجزأين، وقد يكون برفع الحرج بالترك خاصة.فارتفاعه أعم من كل منهما، ولا دلالة للعام على الخاص، فلم يتحقق فصل عدم الحرج بالترك، وحكم الاصل يقتضي نفيه فينتفي الجواز، وهذا هو الحق.

المقدمة الثانية:

اتفق أصحابنا رضوان الله عليهم على أن الفقيه العدل الامامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه بالمجتهد في الاحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل - وربما استثنى الاصحاب القتل والحدود مطلقا - فيجب التحاكم اليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن ييع مال المتنع من أداء الحق ان احتيج اليه، ويلي أموال الغياب والاطفال والسفهاء والمفلسين، ويتصرف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الامامعليه‌السلام .

____________________

٩٠، وأبوحامد محمد بن محمد الغزالى في المستصفى من علم الاصول ١: ٧٣، ومحمد بن نظام الدين محمد الانصارى في فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ١: ١٠٣، والعلامة الحلى في نهاية الاصول (مخطوط) البحث الرابع أحكام الوجوب ورقة ٩١، وعلى بن عبد الكافى السبكى في الابهاج في شرح المنهاج ١: ١٢٦، ولمزيد الاطلاع أنظر: القوانين للميرزا أبوالقاسم القمى ١: ١٢٧.

(*)


والاصل فيه ما رواه الشيخ في التهذيب باسناد إلى عمر بن حنظلة، عن مولانا الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام أنه قال: " أنظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد، وهو راد على الله، وهو على حد الشرك بالله، واذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما "(١) ، وفى معناه أحاديث كثيره(٢) .وقد استخرج الاصحاب الاوصاف المعتبرة في الفقيه المجتهد من هذا الحديث ونحوه، وضبطوها في ثلاثة عشر شيئا (سيأتي بيانها انشاء الله تعالى في آخر الرسالة)(٣) .والمقصود من هذا الحديث هنا: أن الفقيه الموصوف بالاوصاف المعينة، منصوب من قبل أئمتناعليهم‌السلام ، ناتب عنهم في جميع ما للنيابة فيه مدخل بمقتضى قوله: " فاني قد جعلته عليكم حاكما "، وهذه استنابة على وجه كلي.ولا يقدح كون ذلك في زمن الصادقعليه‌السلام ، لان حكمهم وأمرهمعليهم‌السلام واحد كما دلت عليه أخبار أخرى، ولا كون الخطاب لاهل ذلك العصر، لان حكم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والامامعليه‌السلام على الواحد حكم على الجماعة بغير تفاوت كما ورد في حديث آخر(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٦: ٣٠١ حديث ٨٤٥.

(٢) انطر: الفقيه ٣: ٢ حديث ١، التهذيب ٦: ٢١٩ حديث ٥١٦.

(٣) في نسخة " ض ": من أراد معرفتها فليرجع إلى مضانها من كتب الاصحاب.

(٤) عوالى اللالى ١: ٤٥٦ حديث ١٩٧ و ٢: ٩٨ حديث ٢٧٠ وفيه: قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : " حكمى على الواحد حكمى على الجوامع ".وروى الترمذى في سنه ٤: ١٥١ كتاب السير(٢)(٢) باب ما جاء في بيعة النساء(٣)(٧) حديث ١٥٩٧ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال: " انما قولى لمائة امرأة كقولى لامرأة واحدة "، ورواه الدارقطنى (*)


المقدمة الثالثة:

يشترط لصلاة الجمعة وجود الامام المعصوم أو نائبه، وعلى ذلك اجماع علمائنا قاطبة، وممن نقل الاجماع على ذلك من متأخري أصحابنا: المحقق نجم الدين بن سعيد في المعتبر(١) ، والعلامة المتبحر جمال الدين ابن المطهر في كنبه كالتذكرة(٢) وغيرها(٣) ، وشيخنا الشهيد في الذكرى(٤) ، وبعد التتبع الصادق تظهر حقية ما نقلوه، والاصل في ذلك قبل الاجماع الاتفاق على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعين لامامة الجمعة - وكذا الخلفاء بعده - كما يعين للقضاء(٥) ، وكما لا يصح أن ينصب الانسان نفسه قاضيا من دون اذن الامام فكذا امام الجمعة، وليس هذا قياسا بل استدلال بالعمل المستمر في الاعصار، فمخالفته خرق للاجماع.وينبه على ذلك ما روي عن أهل البيتعليهم‌السلام من عدة طرق، منها رواية محمد بن مسلم قال: " لا تجب الجمعة على أقل من سبعة: الامام، وقاضيه ومدع حقا، ومدعى عليه، وشاهدان، ومن يضرب الحدود بين يدي الامام "(٦) ، وفي

____________________

في سننه ٤: ١٤٧ حديث ١٦ كتاب المكاتب (النوادر)، والشوكانى في نيل الاوطار ١: ٣٠، والشهيد في الاربعون حديثا: ٢٣.

(١) المعتبر ٢: ٢٧٩.

(٢) التذكرة ١: ١٤٤.

(٣) تحرير الاحكام ١: ٤٣، منتهى المطلب ١: ٣١٧، نهاية الاحكام ٢: ١٣.

(٤) الذكرى: ٢٣٠.

(٥) انظر: السنن الكبرى للبيهقى ٣: ١٢٣، مصنف ابن شيبة ٢: ٢١٣، كنز العمال ٧: ٦٠٠ حديث ٢٠٤٥٣.

(٦) روى الشيخ الصدوقرحمه‌الله في الفقيه ١: ٢٦٧ حديث ١٢٢٢ عن محمد بن مسلم عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: " تجب الجمعة على سبعة نفر من المؤمنين، ولا تجب على أقل منهم: الامام، وقاضيه، ومدعيا حق، وشاهدان، والذى يضرب الحدود بين يدى الامام ".وروى الشيخ الطوسىرحمه‌الله في التهذيب ٣: ٢٠ حديث ٧٥، والاستبصار ١: ٤١٨ (*)


هذا دلالة على اشتراط الامام.

قال في التذكرة: ولانه اجماع أهل الاعصار، فانه لا يقيم الجمعة في كل عصر الا الائمة(١) .

اذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا كلام بين الاصحاب في اشتراط الجمعة بالامام أو نائيه، انما الكلام في اشتراط كون النائب منصوبا بخصوصه أو يكفي نصبه ولو علي وجه كلي حيث يتعذر غيره، وأكثر الاصحاب على الثاني، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق انشاء الله.

الباب الثانى: اختلف أصحابنا في حكم صلاة الجمعة

حال غيبة الامامعليه‌السلام على قولين بعد انعقاد الاجماع منهم، ومن كافة أهل الاسلام على وجوبها بشرائطها حال ظهوره(٢) :

الاول: القول بجواز فعلها اذا اجتمعت باقي الشرائط، وهو المشهور بين الاصحاب، وبه قال الشيخرحمه‌الله في النهاية والخلاف(٣) ، وأبوالصلاح(٤) ، والمحقق في المعتبر وغيره(٥) ، والعلامة في المختلف وغيره(٦) ، وشيخنا الشهيد(٧)

____________________

حديث ١٦٠٨ عن محمد بن مسلم عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: " تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، ولا تجب على أقل منهم: الامام، وقاضيه، والمدعى حقا، والمدعى عليه والشاهدان، والذى يضرب الحدود بين يدى الامام ".

(١) التذكرة ١: ١٤٤.

(٢) في " ش " وجوده.

(٣) النهاية: ١٠٧، الخلاف ١: ٦٧٦ مسألة ٣٩٧ كتاب الصلاة.

(٤) الكافى في الفقه: ١٥١.

(٥) المعتبر ٢: ٢٩٧، شرائع الاسلام ١: ٩٨، المختصر النافع: ٣٦.

(٦) المختلف: ١٠٨، نهاية الاحكام ٢: ١٤.

(٧) الذكرى: ٢٣١.

(*)


وجمع من المتأخرين(١) ، وهو الاقوى، وتدل عليه وجوه: الاول: قوله تعالى: " اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع "(٢) ، ووجه الدلالة: انه علق الامر بالسعي إلى الذكر المخصوص، وهو الجمعة أو الخطبة اتفاقا بالنداء للصلاة وهو الاذان لها، وليس النداء شرطا اتفاقا، والامر للوجوب كما تقرر في موضعه، فيجب السعي لها حينئذ، ووجوبه يقتضي وجوبها، ولا ريب أن الامر بالسعي انما هو حال اجتماع الشرائط من العدد والخطبتين وغيرهما.

فان قيل: المدعى هو شرعية الجمعة حال الغيبة، والاية انما تدل عليها في الجملة فلا يثبت المدعى.

قلنا: لا ريب أن المراد بالامر هنا التكرار وان لم يكن مستفادا من لفظ الامر فانه لا يدل بنفسه على وحدة ولا تكرار، اذ هو مستفاد بدليل من خارج، للاجماع على أنه لا يكفي للامتثال في الجمعة فعلها مرة أو مرات بل دائما، وذلك يتناول زمان الغيبة.

فان قيل: المدعى جواز فعل الجمعة زمان الغيبة، والذي دل عليه دليلكم هو الوجوب مطلقا المقتضي لوجوبهما حينئذ.

____________________

(١) قال السيد محمد جواد الحسينى العاملى في مفتاح الكرامة ٣: ٦٢: وأما القول الرابع وهو الوجوب تخييرا من دون اشتراط الفقيه، ويعبر عنه بالجواز تارة، وبالاستحباب أخرى فهو المشهور كما في التذكرة وغاية المراد، ومذهب المعظم كما في الذكرى، والاكثر كما في الروض والمقاصد العلية والماحوزية ورياض المسائل، وهو خيرة النهاية والمبسوط والمصباح وجامع الشرائع والشرائع والنافع والمعتبر والتخليص وحواشى الشهيد والبيان وغاية المراد كما سمعت، والموجز الحاوى والمقتصر وتعليق الارشاد والميسية والروض والروضة.

(٢) الجمعة: ٩.

(*)


قلنا: ليس المراد بالجواز هنا معناه الاخص وهو ما استوى طرفا فعله وتركه لامتناع ذلك في العبادات، فان العبادة تستدعي رجحانا لتفعل كونها قربة، وكون الاخلاص معتبرا في نيتها والثواب مترتبا على فعلها، وانما المراد به معناه الاعم - أعني مطلق الاذان في الفعل شرعا - وذلك جنس للوجوب والندب وقسميهما.

فان قيل: أي الاقسام الاربعة مراد؟ قلنا: معلوم انتفاء الاباحة والكراهة وكذا الندب، للاجماع على أن الجمعة حيث تشرع تجزئ عن الظهر، ويمتنع التعبد بهما معا، لامتناع الجمع بين البدل ومبدله، فلم يبق الا الوجوب التخييري بينها وبين الجمعة، فالجواز المدعى في معنى الوجوب.

فان قيل: لم آثرتم التعبير بالجواز على الوجوب؟ قلنا: لوجهين: أحدهما: ان التعبير بالوجوب يوهم اراده الحتم.

والثاني: ان مناط الخلاف هو الشرعية حالنئذ وعدمها ومعنى الشرعية: الاذن في الفعل شرعا، فاذا مناط الخلاف هو الجواز وعدمه، فلو عبر بغيره لم يقع الموقع.فان قيل: قد عبر بعض الفقهاء باستحباب الجمعة حال الغيبة.قلنا: هو صحيح وان كان التعبير بالجواز أولى، لما نبهنا عليه، ووجه الصحة: ان الوجوب التخييري لا ينافيه الاستحباب العيني، لان أحد فردي الواجب قد يكون أفضل من الفرد الاخر، فيكون مستحبا بالنسبة اليه، فيستحب اختياره.فان قيل: دليلكم يقتضي الوجوب العيني الحتمي، والمدعى هو الوجوب التخييري فلم يتلاقيا.قلنا: أجمع علماؤنا الامامية رضوان الله عليهم طبقة بعد طبقة، من عصر أئمتناعليهم‌السلام


إلى عصرنا هذا على انتفاء الوجوب العيني عن الجمعة حال غيبة الامامعليه‌السلام وعدم تصرفه ونفوذ أحكامه، ولعل السر فيه أن اجتماع الناس كافة في مكان واحد لفعل الجمعة - كما هو الواجب في كل بلد - مناط التنازع والتجاذب، فمع عدم ظهور الامام ونفوذ أحكامه ربما كان مثار الشر والفساد فلم يحسن الامر به مطلقا.ويومئ إلى ذلك ما رواه طلحة بن زيد، عن أبيه، عن عليعليه‌السلام قال: " لا جمعة الا في مصر تقام فيه الحدود "(١) وان كان في الحديث ضعف، وحيث كان كذلك لم يكن عموم الاية بالوجوب الحتمي في الازمان الشامل لزمان الغيبة المستفاد من التكرار، الذي دل الاجماع على كونه مرادا بالامر ثابتا، بل الثابت عمومها مطلق الوجوب الصادق بالوجوب الحتمي حالنئذ وهو المدعى.واعترض شيخنا في شرح الارشاد على الاحتجاج بالاية على جواز الجمعة حال الغيبة أو استحبابها: بأنه يحتمل أن يرد ب‍ " نودي ": نداء خاص، وقرينته الامر بالسعي(٢) .

يعني: يحتمل ارادة النداء حال وجود الامامعليه‌السلام بقرينة الامر بالسعي الدال على الوجوب في زمان الغيبة.وجوابه: ان الوجوب ثابت في زمان الغيبة وغيره كما قررناه، لان الوجوب التخييري وجوب فلا اشكال.

الثاني: الاخبار: فمنها صحيحة زرارة، قال: حدثنا أبوعبداللهعليه‌السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدوا عليك، فقال: " لا، انما عنيت عندكم "(٣) .

____________________

(١) التهذيب ٣: ٢٣٩ حديث ٦٣٩، الاستبصار ١: ٤٢٠ حديث ١٦١٧.

(٢) غاية المراد: ٢٦.

(٣) التهذيب ٣: ٢٣٩ حديث ٦٣٥، الاستبصار ١: ٤٢٠ حديث ١٦١٤.

(*)


ومنها موثقة زرارة، عن عبدالملك، عن الباقر عليه السام قال: " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله "، قال: قلت: كيف أصنع، قال، قال: " صلوا جماعة "(١) يعني الجمعة.ومنها صحيحة عمر بن يزيد، عن الصادقعليه‌السلام قال: " اذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة "(٢) .ومنها صحيحة منصور، عن الصادقعليه‌السلام قال: " يجمع القوم يوم الجمعة اذا كانوا خمسة فما زاد، فان كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم، والجمعة واجبة على كل أحد، لا يعذر الناس فيها الا خمسة "(٣) الحديث.واعترض شيخنا في شرح الارشاد على الحديثين الاولين: بأنه يجوز استناد الجواز فيهما إلى اذن الامام وهو يستلزم نصب نائب، لانه من باب المقدمة.قال: ونبه عليه العلامة في نهايته بقوله: لما أذنا لزرارة وعبد الملك جاز لوجود المقتضى وهو اذن الامام(٤) .

وجوابه: ان تجويز فعل أو ايجابه من الامامعليه‌السلام لاهل عصره لا يكون مقصورا عليهم، لان حكمهعليه‌السلام على الواحد حكمه على الجماعة، كما في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد سئل عن القصر: " انما هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته "، فان ذلك غير مقصور على السائل، ولا على أهل عصره قلعا، فتجويز الامامعليه‌السلام فعل الجمعة لاهل عصره مع عدم نفوذ أحكامه وتصرفاته يكون أذنا لهم ولغيرهم، ولا يلزم إلى نصب نائب من باب المقدمة كما ذكره،

____________________

(١) التهذيب ٣: ٢٣٩ حديث ٦٣٨، الاستبصار ١: ٤٢٠ حديث ١٦١٦.

(٢) التهذيب ٣: ٢٤٥ حديث ٦٦٤، الاستبصار ١: ٤١٨ حديث ١٦٠٧.

(٣) التهذيب ٣: ٢٣٩ حديث ٦٣٦، الاستبصار ١: ٤١٩ حديث ١٦١٠.

(٤) النهاية ٢: ١٤، غاية المراد: ٢٦.

(*)


لانه حينئذ لا يكون خاصا، والعام غير متوقف على نصبهم، لما عرفت من أن الامام قد نصب نائبا على وجه العموم بقولهعليه‌السلام : " فانه قد جعلته عليكم حاكما "، وهذا لا يختلف فيه عصره وعصرنا.ويظهر من قول زرارةرحمه‌الله : حدثنا أبوعبداللهعليه‌السلام ، ومن قول الباقرعليه‌السلام لعبد الملك: " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله تعالى ! " أن ذلك ليس على طريق الوجوب الحتمي العيني، وان كان قولهعليه‌السلام : " فريضة فرضها الله تعالى " يدل على الوجوب في الجملة، وما ذاك الا لان زمانه وزمان الغيبة لا يختلفان، لاشتراكهما في المنع من التصرف وتنفيذ الاحكام الذي هو المطلوب الاقصى من الامام، ولو لا ذلك لم يكن نصبه للحاكم حينئذ متناولا لعصرنا وما قبله وما بعده، وأي فرق بين الحكمين حتى يجعل أحدهما مقصورا على عصرهعليه‌السلام والاخر عاما في كل زمان؟ وعند التأمل الصادق لهذين الحديثين تتضح دلالتهما على مشروعية فعل الجمعة وان لم تجب حتما، اذ لو كان الوجوب حتما لكان حقه أن يأمر ويزجر وينكر على التاركين كمال الانكار.والعجب أن الاصحاب لم يقصروا نصب الحاكم على الوجه الذي عرفته على من سمع ذلك في زمنهمعليهم‌السلام ، واعترضوا بعمومه لكل زمان، وهنا اختلفوا وصار بعضهم إلى تجويز قصر الاذن على أهل عصرهمعليهم‌السلام ! واعترضرحمه‌الله على الحديثين الاخرين بأنهما مطلقان، والمطلق محول على المقيد(١) .وجوابه: القول بالموجب، فانهما مقيدان بوجود الامام أو من يقوم مقامه، فيدلان حينئذ على مطلق وجوب الجمعة مع الشرائط المذكورة وان تحتمت مع ظهورهعليه‌السلام ، لما عرفت سابقا من انتفاء الوجوب الحتمي حال الغيبة باجماعنا.

____________________

(١) غاية المراد: ٢٦.

(*)


الثالث: استصحاب الحال، فان الاجماع من جميع أهل الاسلام على وجوب الجمعة(١) حال ظهور الامامعليه‌السلام بشرط حضوره أو نائبه ثابت، فيستصحب إلى زمان الغيبة إلى أن يحصل الدليل الناقل وهو منتف.فان قيل: شرط ظهور الامام فينتفي.قلنا: ممنوع، ولم لا يجوز أن يكون شرطا لتحتم الوجوب، فيختص بالانتفاء بانتفائه.فان قيل: يلزم بحكم الاستصحاب القول بالوجوب العيني.

قلنا: هناك أمران، أحدهما:

أصل الوجوب في الجملة،

والثاني: تحتمه وتعين الفعل، والذي يلزم استصحابه هو الاول دون الثاني، لما عرفت من أن تحتم الوجوب مشروط بظهور الامام اجماعا منا، فاذا انتفى شرط كيف يستصحب.فان قيل: فيلزم بمقتضى الاستصحاب شرعية الجمعة حال الغيبة وان لم يكن من له النيابة حاضرا.قلنا: لم ينعقد الاجماع على وجوبها حال ظهورهعليه‌السلام مطلقا، بل يشترط حضوره أو نائبه اجماعا منا، فهذا هو الذي يلزم استصحابه دون ما عداه، ويزيده بيانا أن اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه اجماعي كما عرفت، فان كان شرط الصحة فظاهر، وان كان شرط الوجوب فاذا انتفي لم يلزم بقاء الجواز كما عرفته، على أن بقاء الجواز هنا لم يعقل وان جوزناه في مواضع أخرى، لان الجواز الثابت هو الجواز بالمعنى الاخص، لان الفصل المقيد للجنس - وهو عدم الحرج الذي يقتضي فصل الوجوب - لا يستلزم رجحانا ليصدق الاستحباب، لعدم استلزام الاعم الاخص، ولانتفائه بالاصل وبانتفاء ما يقتضيه، والجواز بالمعنى الاخص لا ينتظم مع العبارة.

____________________

(١) في نسخة " ش ": وجوپ الجمعة في الجملة.

(*)


واعلم أن شيخنا الشهيد قال في شرح الارشاد بعد أن اعترض على دلائل المجوزين بما حكيناه سابقا: والمعتمد في ذلك أصالة الجواز، وعموم الاية، وعدم دليل مانع(١) .هذا كلامه، وهو استدلال عجيب، فان أصالة الجواز لا يستدل بها على فعل شئ من العبادات، اذ كون الفعل قربة وراجحا بحيث يتعبد به توقيفي يحتاج إلى اذن الشارع، وبدونه يكون بدعة، واما الاية فلا عموم لها، واطلاقها مقيد بحصول الشرائط باتفاق أهل الاسلام، ومن الشرائط حضور الامام أو نائبه اجماعا منا، وأما عدم الدليل المانع فلا يقتضي الجواز، اذ لابد من كون المجوز موجود.القول الثانى: المنع من صلاة الجمعة حال الغيبة ونفي شرعيتها، وهو المنقول عن المرتضى في المسائل الميافارقيات ظاهرا(٢) وعن سلار(٣) وابن ادريس صريحا(٤) ، واختاره العلامة في المنتهى(٥) وقال في الذكرى: انه متوجه بعد أن أفتى بالجواز(٦) ، وذلك يقتضي اضطراب كلامه في حكمها، واحتجوا على ذلك بوجوه: الاول: شرط انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه لذلك اتفاقا، وفي حال الغيبة الشرط منتف فينتفي الانعقاد، لامتناع ثبوت المشروط مع انتفاء الشرط.وأجاب في المختلف بمنع الاجماع على خلاف صور النزاع، وبالقول

____________________

(١) غاية المراد: ٢٦،.

(٢) جواب المسائل الميافارقيات (ضمن رسائل الشريف المرتضى) المجموعة الاولى: ٢٧٢.

(٣) المراسم: ٧٧.

(٤) السرائر: ٦٣.

(٥) منتهى المطلب ١: ٣٣٦.

(٦) الذكرى: ٢٣١.

(*)


بالموجب، فان الفقيه المأمون منصوب من قبل الامام، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على اقامة الحدود والقضاء بين الناس(١) .لا يقال: الفقيه منصوب للحكم والافتاء، والصلاة أمر خارج عنهما.

لانا نقول: هذا في غاية السقط، لان الفقيه منصوب من قبلهمعليهم‌السلام حاكما في جميع الامور الشرعية، كما علمته في المقدمة.

الثاني: ان الظهر ثابتة في الذمة بيقين، فلا يبرأ الملكف الا بفعلها.وأجاب أيضا بأن اليقين منتف بما ذكرناه، يعني من الدلائل الدالة على مشروعية الجمعة(٢) .وأجاب في شرح الارشاد بأنه يكفي في البراء‌ة الظن الشرعي، والا لزم التكليف بما لا يطاق(٣) .وفي هذا الجواب اعتارف بوجوب الظهر، والاولى في الجواب منع تيقن وجوب الظهر في محل النزاع، وكيف وهو المتنازع.! فيكون الاحتجاج به مصادرة.

الثالث: ذكره شيخنا في الذكرى فقال - بعد أن حكى القول بالمنع ودليل القائلين به - وهذا القول متوجه، والالزم وجوب العيني، وأصحاب القول الاول - يعنى المجوزين - لا يقولون به(٤) .

وحاصله: انه لو جاز فعل الجمعة حال الغيبة - كما قال المجوزون - لزم وجوبها عينا فلا يجوز فعل الظهر، والثاني باطل باتفاقنا.وبيان الملازمة: ان الدلائل الدالة على الجواز دالة على الوجوب عينا، فان

____________________

(١) المختلف: ١٠٩.

(٢) المختلف: ١٠٩.

(٣) غاية المراد: ٢٦.

(٤) الذكرى: ٢٣١.

(*)


اعتبرت ادلالتها لزم القول بالوجوب، ولان الجمعة لم تشرع الا واجبة عينا، فمتى ساغ فعلها لزم وجوبها كذلك.هذا اقصى ما يقال في توجيهه، وضعف هذا الاستدلال أظهر من أن يحتاج إلى البيان، فان الدلائل الدالة على الجواز دالة على الوجوب في الجملة لا على الوجوب عينا، ونحن نقول بموجبه، وكون الجمعة لم تشرع الا واجبة عينا ليس أمرا زائد على محل النزاع فالمطالبة بالبيان بحالها.فان قيل: المتبادر من الوجوب هو العيني لا التخييري.قلنا: ان اريد كونه لا يستعمل فيه حقيقة فمعلوم بطلانه، واذا اريد كون العيني أكثر في الاستعمال فمسلم، لكن ذلك لا يمنع من الحمل عليه، على أنا نحمله على الوجوب في الجملة أعم من كل منهما، وهو الموضوع الحقيقي وحينئذ فيتم المراد، لاسيما وقد أجمعنا على امتناع ارادة العيني، للاجماع على نفيه حال الغيبة، وصحيحة زرارة(١) وموثقة عبد الملك(٢) تنبهان على ذلك.واعلم أن من الاصحاب من بنى القولين في السمألة على أن الامام هل هو شرط الصحة أو شرط الوجوب؟ فان أصل الاشتراط لاخلاف فيه، فان كان شرط الصحة امتنع فعل الجمعة حال الغيبة كما يقول ابن ادريس(٣) والجماعة(٤) ، وان شرط الوجوب لم يمتنع، اذ اللازم انتفاؤه حينئذ هو الوجوب خاصة، وأول من أشار إلى هذا البناء شيخنا الشهيد في الذكرى، فانه قال - بعد حكاية القول بالمنع عن ابن ادريس والجماعة -: وهو القول الثاني من القولين، بناء‌ا على أن اذن

____________________

(١) التهذيب ٣: ٢٣٩ حديث ٦٣٥، الاستبصار ١: ٤٢٠ حديث ١٦١٤.

(٢) التهذيب ٣: ٢٣٩ حديث ٦٣٨، الاستبصار ١: ٤٢٠ حديث ١٦١٦.

(٣) السرائر: ٦٣.

(٤) السيد المرتضى في جواب المسائل الميافارقيات (ضمن رسائل الشريف المرتضى) المجموعة الاولى: ٢٧٢، وسلار في المراسم: ٧٧، والعلامة في المنتهى ١: ٣٣٦.

(*)


الامام شرط الصحة وهو مفقود(١) .وتبعه تلميذه المقداد في شرح النافع قال فيه: ومبنى الخلاف أن حضور الامام هل يشترط في ماهية الجمعة ومشروعيتها أم في وجوبها؟ فابن ادريس على الاول، وباقي الاصحاب على الثاني وهو أولى، لان الفقيه المأمون كما تنفذ أحكامه حال الغيبة كذا يجوز الاقتداء به في الجمعة(٢) ، هذا كلامه.وما أشار اليه شيخنا من البناء لا يخلو: اما أن يراد بالاذن فيه: الاذن مطلقا، أو الاذن الخاص وهو الصادر من الامامعليه‌السلام لشخص معين، والاول منظور فيه، فان اذن الاما في الجملة متى ثبت كونه شرطا للجمعة لزم عدم مشروعيتها بانتفائه، سواء كان شرطا لصحتها أو لوجوبها، أما اذا كان شرط الصحة فظاهر، وأما اذا كان شرط الوجوب، فلان انتفاء الوجوب لانتفاء الشرط لا يلزم منه ثبوت الجواز لوجوه: الاول: ما سبق بيانه في المقدمة من أن الوجوب اذا رفع لا يبقى الجواز.

الثاني: ان الجواز(٣) بمعنى الاباحة لا يتصور في العبادة، واثبات الاستحباب بغير مثبت باطل، ومع ذلك لا قائل بواحد منها من أهل الاسلام.

الثالث: ان وجوب الجمعة اذا اختص بحال الاذن اقتضى كون الدلائل الدالة على فعلها مختصة بحال الاذن، لبطلان ما خالفها، وحينئذ فحال عدم الاذن لا يدل عليه بوجوب ولا اباحة، فلا يقال فيه ارتفع الوجوب فيبقى الجواز، لان متعلق الوجوب والجواز يعتبر اتحاده ليتأتى فيه ذلك، وهو منتف هنا.

وأيضا فان بناء الجواز حال الغيبة على الاذن في الجملة شرط الوجوب لا يستقيم، لان ذلك يقتضى الوجوب حال الغيبة، لتحقق الشرط بوجود الفقيه، ولا قائل به.

____________________

(١) الذكرى: ٢٣١.

(٢) التنقيح الرائح لمخنصر الشرائع ١: ٢٣١.

(٣) في " ش ": الوجوب.

(*)


فان قيل: جاز ان يكون المراد بالوجوب المشروط بالامام هو العيني، فاذا انتفى لانتفاء الشرط لم يلزم انتفاء الوجوب التخييري.قلنا: لا يلزم انتفاؤه اذا ثبت الا انه لا مثبت له حينئذ، لان الوجوب العيني اذا جعلت دلائل وجوب الجمعة من الاية والحديث مقصورة عليه لم يكن على ماسواه دليل.فان قيل: يمكن أن يراد بالاية والحديث الوجوب العيني في حال ظهور الامام، والتخييري في حال غيبته.قلنا: يمتنع فهم ذلك من اللفظ وبقبح ارادته منه، ومع ذلك فمجرد امكان ارادته عقلا لا يقتضى ارادته.واقصى ما يقال في تفسير الاية: ان الامر اما أن يكون الوجوب العيني، أو الوجوب في الجملة أعم منه ومن التخييرى، ولما دل الاجماع على نفي العيني زمان الغيبة امتنع حمل الاية عليه، وتعين الحمل على الوجوب في الجملة.وأيضا فان بناء القول بالمنع من الجمعة حال الغيبة على كون الاذن مطلقا - وان لم يكن على وجه خاص - شرط الصحة لا يستقيم، لان هذا البناء يقتضي الجواز حال الغيبة، وقد عرفت أن الفيه المأمون الجامع للشرائط مأذون له بوجه كلي، وكيف يبني الشئ على ما ينافيه؟ هذا اذا اريد المعنى الاول.وان اريد الثاني - أعني الاذن الخاص - صح البناء، لانه اذا ثبت كونه شرطا للصحة لزم نفيها حال الغيبة لامحالة، وان كان شرط الوجوب لا يلزم نفيها حالئذ، لان الوجوب المشروط بالاذن الخاص انما هو العيني اتفاقا، وشرط الصحة في تلك الحالة وهو الاذن في الجملة متحقق، والظاهر أن هذا هو المراد، بل كاد يكون قطعيا، لان بناء الشئ على ما ينافيه في كلام شيخنا الشهيد مع كمال تحققه ودقة نظره من أبعد الاشياء.


وانما أوردنا الكلام كما ترى ليتضح أن المراد ما ذكرناه، وما ذكره المقدادرحمه‌الله من البناء غير مستقيم، لان حضور الامامعليه‌السلام اذا اريد به ظهوره توسعا، وتجوزا اذا اريد حضوره أو حضور نائبه الخاص اكتفاء لوضوحه، واريد بالوجوب المشروط على الشق الثاني الوجوب الحتمي لم يخرج عن كلام الشهيد.الا أن قوله: وهو اولى، لان الفقيه إلى آخره خال من الربط، اذا لا يلزم من نفوذ الاحكام الفقهية إلى آخره كون الاولى اشتراط الوجوب بحضور الامام دون صحة الجمعة.ولو قيل في البناء: شرط الجمعة: اما اذن الامامعليه‌السلام على وجه خاص، أو مطلقا، فعلى الاول يتخرج المنع، وعلى الثاني الجواز، وكما دل الدليل على اعتبار الاذن في الجملة حيث يتعذر الاذن الخاص، كان الاصح من القولين الجواز فكان أجود.وانما قلنا ذلك، لان اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه اجماعي كما عرفت، ومع ظهورهعليه‌السلام وتمكنه لابد من الاستنابة صريح الاجماع.

تنبيه:

قد علم مما قدمناه أنه ليس المراد بجواز الجمعة حال الغيبة أو استحبابها ايقاعها كذلك، لامتناعه من وجوه، فان الاباحة لا تنتظم مع العبادة، وارادتها مع ذلك ارادة الاستحباب باطل، لعدم دليل يدل على واحد منهما، والبدلية على كلا(١) التقديرين متعذرة، والجمع بين الجمعة والظهر استقلال غير مشروع اتفاقا، فلم يبق الا ارادة الجواز بمعنى السائغ، وهو جنس للوجوب كما عرفت، أو الاستحباب العينى فانه يجامع الوجوب التخييري كما سبق.اذا عرفت ذلك فقد قال شيخنا في الذكرى في تحقيق ما يراد بالاستحباب هنا:

____________________

(١) في نسخة " ض ": أحد.

(*)


فالاستحباب انما هو في الاجتماع، أو بمعنى أنه أفضل الامرين الواجبين على التخيير(١) .هذا كلامه، والمعنى الثاني هو الصواب فان استحباب الاجتماع مع وجوب الفعل ليس بجيد.

الباب الثالث: في أن الجمعة لا تشرع حال الغيبة

الا مع حضور الفقيه الجامع للشرائط،

وكونه اماما.قد علم مما مضى أن اجماع الامامية في كل عصر على اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه واقع، وأشرنا إلى أن كبراء الاصحاب قد نقلو ذلك صريحا، فممن نقله المحقق نجم الدين بن سعيد في المعتبر، قال في بيان سياق شروط الجمعة - وقد عد منها السلطان العادل أو نائبه -: وهو قول علمائنا(٢) .ومن الناقلين له العلامة في كتبه، قال في التذكرة مسألة: يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه عند علمائنا أجمع.

ثم قال: مسألة: أجمع علماؤنا كافة على اشتراط عدالة السلطان، وهو الامام المعصوم أو من يأمره بذلك(٣) .ومنهم شيخنا المدقق الشهيد، قال في الذكرى: وشروطها - يعني الجمعة -: السلطان وهو الامام المعصوم أو نائبه اجماعا منا(٤) .والتصريح بذلك في باقي عبارات الاصحاب أمر ظاهر لا حاجة إلى التطويل بنقل جميعها، وأنت تعلم أن ثبوت الاجماع يكفي فيه شهادة الواحد فما ظنك بهؤلاء الاثبات.

____________________

(١) الذكرى: ٢٣١.

(٢) المعتبر ٢: ٢٧٩.

(٣) التذكرة ١: ١٤٤.

(٤) الذكرى: ٢٣٠.

(*)


وحينئذ نقول: اذا ثبت كون الاجماع واقعا على اشتراط الامام أو نائبه في وجوب الجمعة امتنع وجوبها بدون الشرط، فاذا أمكن النائب الخاص تعين، لان النيابة على الوجه الخاص مقدمة على النيابة العامة، وانما يصار إلى الثانية مع تعذر الاولى، ولا ريب أن مشروعية الجمعة حال الغيبة انما هو بطريق الوجوب تخيرا، كما عرفته غير مرة فيتناوله الاشتراط المذكور.فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد كون المشروط بالامام أو نائبه هو وجوبها عينا حتما، بل هو المتبادر إلى الافهام من معنى الوجوب؟ قلنا: الوجوب مفهوم كلي يصدق على الحتمي والتخييري، والمضيق والموسع، والعيني والكفائي.وكل من عرف اصطلاح الفقهاء والاصوليين علم ذلك قطعا على وجه لا يرتاب فيه، ويؤيده أنه يقبل القسمة إلى الاقسام كلها، ومورد القسمة يجب اشتراكه بين الاقسام، فاذا علق حكم بالوجوب وجبت أجزاؤه على الماهية الكلية، أعني مفهوم الوجوب المضاف إلى الجمعة مطلقا، ولا يجوز حمله بعض الافراد دون بعض الابدليل يدل عليه، وبدون ذلك يمتنع شرعا، فمن عمد إلى ما نقله الاصحاب من الاجماع الذي حكيناه موحمله على فرد مخصوص من أفراد الوجوب - والحال ما قدمناه - كان كمن حمل قولهعليه‌السلام : " مفتاح الصلاة الطهور "(١) على الصلاة الواجبة أو اليومية مثلا، لانها أشيع وأكثر دورانا على لسان أهل الشرع، وكفاه بذلك عارا وافتراء.ويزيد ذلك بيانا أن أجلة الاصحاب صرحوا في كتبهم بكون الفقيه الجامع

____________________

(١) الفقيه ١: ٢٣ حديث ٦٨، سنن أبى داود ١: ١٦ حديث ٦١ باب: فرض الوضوء، سنن الترمذى ١: ٨ حديث ٣ باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، سنن ابن ماجة ١: ١٠١ حديث ٢٧٥ ٢٧٦ باب: مفتاح الصلاة الطهور، سنن الدارمى ١: ١٧٥ باب: مفتاح الصلاة الطهور، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٢٩.

(*)


للشرائط معتبرا حال الغيبة، وهم الذين نقلوا الينا الاجماع في هذه المسألة وغيرها ومعتمدنا في الادلة النقلية انما هو نقلهم، ولا ريب أنهم أعرف بموقع الاجماع وأعلم بما نقلوه، فلو كان الاجماع واقعا على خلاف المدعى لكانوا أحق بمتابعته وأبعد عن مخالفته.ويحقق ما قلناه ما ذكره علم المتقدمين وعلامة المتأخرين في المختلف لما ذكر احتجاج المخالف بوجهين: أحدهما: ان من شرط انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه، وباننفاء الشرط ينتفي المشروط قطعا إلى آخر احتجاجهم قال: والجواب عن الاول بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع، وأيضا فانا نقول بموجبه، لان الفقيه المأمون منصوب من قبل الامام، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على اقامة الحدود والقضاء بين الناس(١) .هذا كلامه، وحاصله: انه أجاب عن دليل الخصم - ان الاشتراط المذكور ثابت اجماعا، وهو يقتضي عدم المشروعية في الغيبة - بجوابين:

أحدهما: انا نمنع ثبوت الاجماع على عدم مشروعيه الجمعة حال الغيبة.وقد بينا الدليل الدال على المشروعية حينئذ فيجب العمل به، لعدم المنافي، والاشتراط المذكور ان أدعي على وجه ينافي فعلها حال الغيبة منعناه، والا لم يضرنا.

الثاني: القول بالموجب، وهو بفتح الجيم معناه: تسليم الدليل مع بقاء، النزاع، وحاصله: الاعتراف بصحة الدليل على وجه لا يلزم منه تسليم المتنازع فيه.

وتقريره: ان اشتراط الجمعة بالامام أو من نصبه حق، ولا يلزم عدم صحتها حال الغيبة، لان الشرط حينئذ حاصل، فان الفقيه المأمون منصوب من قبل الامام ولهذا تمضي أحكامه، ويقيم الحدود، ويقضي بين الناس، وهذه الاحكام مشروطة بالامام أو من نصبه قطعا بغير خلاف، فلو لا أن الفقيه المذكور منصوب من قبل

____________________

(١) المختلف: ١٠٩.

(*)


الامام لجميع المناصب الشرعية لما صحت منه الاحكام المذكورة قطعا، وقد علمت بجميع ذلك في المقدمة الثانية.

والمراد بالفقيه: هو الجامع لشرائط الفتوى المعبر عنه بالمجتهد، عبارة يتوهم سامعها لقلة لفظها سهولة معناها، وانما أوقعه في هذا الغلط شدة الانحطاط عن مرتبتها(١) ، وسنذكر تلك الشرائط عما قريب انشاء الله تعالى.ولا ريب أن من تأمل هذا الكلام وفهم معناه علم من سوقه أن اشتراط الجمعة حال الغيبة أمر محقق مفروغ منه، كاشتراطها بالامام أو منصوبه الخاص حال ظهوره على وجه لا يتخالج خواطر ذوي الالباب فيه الشك.وقريب مما ذكره في المختلف كلام شيخنا في شرح الارشاد، فانه قال في حكاية دليل المخالف على عدم الشرعية: لان الشرط الامام أو نائبه، والمشروط عدم عند عدم الشرط.أما الصغرى فلرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام : " تجب الجمعة على سبعة نفر، ولا تجب على أقل منهم: الامام، وقاضيه "(٢) ثم.ساق الحديث إلى آخره، قال: وأما الكبرى فلما تقرر في الاصول.ويشكل بأنه نفي الوجوب، ولا يلزم منه نفي الجواز المتنازع، ثم نقول: الفقيه منصوب من قبل الامام لوجوب الترافع اليه(٣) .هذا كلامه.أما الاشكال الذي أبداه فغير متجه، لان نفي الوجوب وان لم يستلزم نفي الجواز بنفسه الا أنه يلزم بوجه آخر وهو انتفاء مثبته، نعم جوابه الثاني - أعني القول بالموجب - صحيح في موضعه، فان الشرط حاصل، لان الشرط هو الامام أو منصوبه اتفاقا.

____________________

(١) في " ش ": مرتقاها.

(٢) الفقيه ١: ٢٦٧ حديث ١٢٢٢، التهذيب ٣: ٢٠ حديث ٧٥، الاستبصار ١: ٤١٨ حديث ١٦٠٧.

(٣) غاية المراد: ٢٦.

(*)


وبمعنى ما في المختلف أجاب المقداد في شرح النافع(١) ، وكذا ابن فهد في شرحه له(٢) .فأما المقداد فقال في مبنى الخلاف: ان حضور الامام هل هو شرط في ماهية الجمعة ومشروعيتها، أم في وجوبها؟ فابن ادريس على الاول(٣) ، وباقي الاصحاب على الثاني وهو أولى، لان الفقيه المأمون كما تنفذ أحكامه حال الغيبة كذا يجوز الاقتداء به في الجمعة(٤) ، هذا كلامه.وقد عرفت ما فيه سابقا، لكن الغرض منه هنا بيان تصريحه باشتراط الفقيه المأمون في الجمعة، ومن سياق عبارته يعلم أن اشتراط الفقيه أمر محقق لا شك فيه.وأما ابن فهد فان عبارته في شرح النافع هي عبارة المختلف بعينها من غير زيادة ولا نقصان(٥) ، وقد حكينا عبارة المختلف فلا حاجة إلى التكرار بغير فائدة، فهذه العبارة المذكورة مصرحة بالاشتراط.ومما هو في حكم الصريح عبارة التذكرة فانه قال فيها: مسألة: وهل للفقهاء المؤمنين حال الغيبة والتمكن من الاجتماع والخطبتين صلاة الجمعة؟ أطبق علمائنا على عدم الوجوب، لانتقاء الشرط وهو ظهور الاذن من الامامعليه‌السلام ، واختلفوا في استحباب اقامة الجمعة فالمشهور ذلك(٦) .هذا كلامه.ومراده بعدم الوجوب هو الحتمي، لان الاستحباب لا يراد به ايقاع الجمعة

____________________

(١) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع ١: ٢٣١.

(٢) المهذب البارع في شرح مختصر النافع ١: ٤١٤.

(٣) السرائر: ٦٣.

(٤) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع ١: ٢٣١.

(٥) المختلف ١٠٩، المهذب البارع في شرح مختصر النافع ١: ٤١٤.

(٦) التذكرة ١: ١٤٥.

(*)


مستحبة كما عرفته، فلابد من حمل الوجوب المنفي على ما ذكرناه.

وقوله: لانتفاء الشرط وهو ظهور الاذن من الامامعليه‌السلام مراده به: الاذن الخاص، لان الفقيه مأذون له على وجه العموم، وهو قد فرض المسألة من أرلها في أنه هل للفقهاء فعلها أم لا، فلو لم يرد بالاذن ما قلناه لتدافع كلامه.ومراده بالفقهاء أن كل واحد منهم هل له أن يجمع بجماعة استقلالا أم لا؟ كما هو ظاهر، ومن نظر إلى تصويره المسألة بعين التحقيق علم أن اعتبار الفقيه في الجمعة ليس موضع كلام، انما الكلام في أنها هل تشرع معه أم لا.وقريب من هذه العبارة عبارة شيخنا في الدروس فانه قال فيها: تجب صلاة الجمعة ركعتين بدلا عن الظهر بشرط الامام أو نائبه، وفي الغيبة يجمع الفقهاء مع الامن وتجزئ عن الظهر على الاصح(١) .اذا عرفت ذلك فاعلم أنه لو كان اشتراط الجمعة بالفقيه حال الغيبة موضع خلاف الاصحاب، مع ما تلوناه من الدلائل، وما حكيناه من عبارات كبراء الاصحاب المصرحة بالاشتراط، لكان اللازم بحكم الدليل الانقياد إلى ما قالوه والمصير إلى ما نقلوه، فكيف ولا نعلم أن أحدا من العلماء الامامية في عصر من الاعصار صرح بكون الجمعة في حال الغيبة واجبة حتما مطلقا أو تخييرا بدون حضور الفقيه، فالاجتراء على المخالفة في واحد من الامرين عنوان الجرأة على الله سبحانه، وعدم التحرج من القول عليه، وآية الجهل الصرف في سلوك مناهج الشريعة المصطفوية المطهرة أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه.وقديما آنست من بعض الفضلاء أن عبارة الذكرى تدل على أن الفقيه المذكور ليس شرطا لمشروعية الجمعة الغيبة، فرددت ذلك وأعلمته أنه خلاف الاجماع، والعبارة لا تقتضي ما ذكره، ونحن نذكر العبارة ونحقق ما فيها بعون الله تعالى.

____________________

(١) الدروس: ٤١.

(*)


قال في سياق شروط النائب:

التاسع: اذن الامام، كما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يأذن لائمة الجمعات، وأمير المؤمنينعليه‌السلام بعده، وعليه اطباق الامامية، هذا مع حضور الامامعليه‌السلام ، وأما مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان، أصحهما - وبه[ قال ] معظم الاصحاب - الجواز اذا أمكن الاجتماع والخطبتان، ويعلل بأمرين:

أحدهما: ان الاذن حاصل من الائمة الماضين فهو كالاذن من امام الوقت، وساق الكلام إلى أن قال: ولان الفقهاء حال الغيبة يباشرون ما هو أعظم من ذلك بالاذن كالحكم والافتاء، فهذا اولى.

والثاني: أن الاذن انما يعتبر مع امكانه، أما مع عدمه فيسقط اعتباره ويبقى عموم القرآن والاخبار خاليا عن المعارض.ثم أورد صحيحتي عمر بن يزيد(١) ومنصور(٢) السالفتين واحتج باطلاقهما واطلاق غيرهما من الاخبار، ثم قال: والتعليلان حسنان والاعتماد على الثاني(٣) .هذا آخر كلامه والمقتضي لحصول الوهم فيه ثلاثة أشياء:

الاول: انه جعل بناء التعليل الثاني على سقوط اعتبار اذن الامام في الجمعة حيث لا يمكن، وجعل الاعتماد على هذا التعليل، واذا سقط اعتباره لم يحتج إلى وجود الفقيه المأمون، لان الباعث على اعتبار وجوده هو كون الاذن من الامام شرطا للصلاة.

الثاني: انه اعتبر في أحد التعليلين ضرورة الجمعة عن الفقهاء حال الغيبة ولم يعتبره في الثاني، فلولا أن المراد عدم اعتبار الفقيه لمشروعيته لكان التعليلان شيئا

____________________

(١) التهذيب ٣: ٢٤٥ حديث ٦٦٤، الاستبصار ١: ٤١٨ حديث ١٦٠٧.

(٢) التهذيب ٣: ٢٣٩ حديث ٦٣٦، الاستبصار ١: ٤١٩ حديث ١٦١٠.

(٣) الذكرى: ٢٣١.

(*)


واحدا لا شيئين.

الثالث: انه احتج بعموم القرآن - يعني اطلاقه واطلاق الاخبار - وذلك يقتضي عدم الاشتراط المذكور، لمنافاة الاطلاق الاشتراط.ولا يخفى على ذوي الطباع السليمة ضعف هذه الخيالات، وفساد هذه الاوهام: أما الاول، فلان المراد بالاذن الذي بنى التعليل الثاني على سقوط اعتباره مع عدم امكانه: هو الاذن الخاص دون الاذن مطلقا، ولا يلزم من سقوط اعتبار الاذن الخاص سقوط اعتبار الاذن مطلقا.ويدل على أن المراد الاذن الخاص ما سبق من كلامه قبل هذا، وما ذكره بعده.فأما سبق فقوله: ان اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه اجماعي، وحينئذ فلا يعقل سقوط الاذن مطلقا، لمنافاة الاجماع له(١) .

وقوله: ويعلل بأمرين:

أحدهما: ان الاذن حاصل من الائمة الماضبن فهو كالاذن من امام الوقت، فان مقتضاه ان الاذن من الائمة الماضين قائم مقام الاذن من امام العصر حيث أنه معتبر وشرط، فاذا قوبل التعليل الثاني بهذا التعليل، وبني على عدم اعتبار الاذن تبادر إلى الفهم بغير شك الاذن الخاص.وأما ذكره بعده فقوله عند ما حكى قول المانعين من الجمعة في حال الغيبة - وهو القول الثاني من القولين - بناء‌ا على أن اذن الامام شرط الصحة وهو مفقود(٢) ، فان المراد بالاذن، هو الاذن الخاص كما حققناه فيما مضى، واذا جعل بناء قول المانعين على كون الاذن شرطا فالمناسب أن يبني قول المجوزين على أن ذلك الاذن غير شرط، ولو سلم فيكفي لعدم تحقق المخالفة احتمال ارادته.فان قيل: ما ذكرتم من أن سقوط اعتبار الاذن الخاص لا يستلزم سقوط اعتبار

____________________

(١) الذكرى: ٢٣٠.

(٢) الذكرى: ٢٣١.

(*)


الاذن مطلقا حق، لكن كما لا يستلزم سقوطه مطلقا لا يستلزم ثبوته في الجملة، فمن أين يستفاد اشتراط الفقيه في محل النزاع؟ قلنا: قد علم أنه أسلف في أول كلامه أن اشتراط وجوب الجمعة بالامام أو نائبه اجماعي فيلزم منه اشتراط الفقيه في الغيبة، لما ثبت من كونه نائبا.فان قيل: فما الذي يكون حاصل التعليل الثاني حينئذ؟ قلنا: حاصله أن اذن الامام الذي ادعى المانع كونه شرطا للجمعة انما نقول بشرطيته الامكان لا مطلقا اذ لا دليل يدل على الاطلاق، فاذا تعذر سقط وبقى وجوب الاذن في الجملة مستفادا من الاجماع.فان قيل: فما الفرق بين التعليلين حينئذ؟ قلنا: الفرق بينهما أن التعليل الاول فيه اعتراف باشتراط اذن الامام مطلقا على كل حال، وفي حال الغيبة يكتفى عنه بما يقوم يقوم مقامه، وهو الاذن في الجملة.والتعليل الثاني حاصله نفي اشتراط اذن الامام مع عدم الامكان، واشتراط الفقيه ان لم يكن لازما عن هذا لكنه يثبت بمقتضي الاجماع السابق.وكيف قدر فلا يلزم أن يكون ما في الذكرى خلافا لما عليه الاصحاب لامرين: أحدهما: انه قد اضطرب رأيه في الفتوى، حيث انه عند حكاية قول المانعين قال: وهذا القول متجه..إلى آخره(١) ، وظاهره رجحان هذا القول الثاني.

الثاني: ان عبارة الدروس(٢) على خلاف ذلك وهي بعد الذكرى، وسمعنا كثيرا من بعض أشياخنارحمهم‌الله : انهرحمه‌الله كان يقول: خذوا عني ما في الدروس، فلا مجال لمتعنت أن يجعل ذلك قولا يخالف ما عليه الاصحاب.وبما ذكرناه من البيان اتضح بطلان الوهم الثاني ايضا.

____________________

(١) الذكرى: ٢٣١.

(٢) الدروس: ٤١.

(*)


وأما الثالث، فلان عموم القرآن والاخبار انما يريد به في مقابل ما يدعيه الخصم من اشتراط الجمعة بالاذن الخاص في زمان الغيبة، فهو عموم اضافي، لامتناع ارادة العموم مطلقا، للاتفاق على اشتراط العدد والخطبتين والجماعة، وذلك مقيد للاطلاق وان لم يكن مذكورا فانه مراد كما في قوله تعالى: " اذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا "(١) ، فان التقدير، اذا قمتم محدثين، لثبوت أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلى الخمس بطهارة واحدة وقال: " انما أردت أن اعلمكم "(٢) ، وحيث اجريت الاية على الاطلاق بالاضافة إلى المتنازع فيه، لعدم ما يوجب التقييد لا يلزم أن لا يكون مقيده بما دل الدليل على التقييد به من اعتبار النائب في الغيبة.وينبه على أن مراده ما قلناه: انه في شرح الارشاد بعد أن رد استدلال المانعين بالقول بموجب دليلهم من حيث أن الفقيه منصوب من قبل الامام، احتج في آخر البحث على الجواز بعموم الاية(٣) ، فلولا أن مراده بالعموم ما قلناه لتنافي أول كلامه وآخره.

خاتمة وارشاد

هذا أو ان بيان أوصاف الفقيه النائب في زمان الغيبة، الموعود بذكرها في المقدمة الثانية، وقد سبق أنها ثلاثة عشر:

الاول: الايمان، لان العدالة شرط كما سنبين، وغير المؤمن لا يكون عدلا،

____________________

(١) المائدة: ٦.

(٢) صحيح مسلم ١: ٢٣٢ حديث ٢٧٧، سنن أبى داود: ٤٤ حديث ١٧١ و ١٧٢، سنن الترمذى ١: ٨٩ حديث ٦١، سنن ابن ماجة ١: ٧٠ حديث ٥١٠ و ٥١١، سنن النسائى ١: ٨٥ باب الوضوء لكل صلاة، مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٣٢ و ١٣٣ وغيرها و ٥: ٣٥٠ و ٣٥٨.

(٣) غاية المراد: ٢٦.

(*)


واليه الاشارة بقولهعليه‌السلام في حديث عمر بن حنظلة السابق: " منكم "(١) .

الثاني: العدالة، لوجوب التثبت عند خبر الفاسق، واليه الاشارة بقولهعليه‌السلام : " اعدلهما "(٢) .

الثالث: العلم بالكتاب.

الرابع: العلم بالسنة.لا على معنى أن يعلم الجميع، بل لابد منه في درك الاحكام، ولا يشترط حفظ ذلك، بل أهلية التصرف، بحيث اذا راجع أصلا معتمدا أمكنه الوقوف على ما هو بصدده.

الخامس: العلم بالاجماع، لانه أحد المدارك، وللتحرز من الفتوى بخلافه.

السادس: العلم بالقواعد الكلامية التي تستمد منها الاصول والاحكام.

السابع: العلم بشرائط الحد والبرهان، لامتناع الاستدلال من دونه.

الثامن: العلم باللغة والنحو والصرف، لا بالجميع بل المحتاج اليه على وجه يقتدر على التصرف اذا راجع.

التاسع: العلم بالناسخ والمنسوخ وأحكامهما، وكذا أحكام الاوامر والنواهي والعموم والخصوص، والاطلاق والتقييد، والاجمال والبيان، والعلم بمقتضى اللفظ شرعا وعرفا ولغة، ونحو ذلك مما يتوقف عليه فهم الخطاب، ككون المراد مقتضى اللفظ ان تجرد عن القرينة، وما دلت عليه على تقدير وجودها.

العاشر: أن يعلم أحوال التعارض والترجيح.

الحادي عشر: العلم بالجرح والتعديل وأحوال الرواة، وتكفي فيه شهادة من يعتمد عليه من الاولين، وقد اشتمل على ذلك الكتب المعتمدة في الحديث والرجال، ونقح الفقهاء جملة من ذلك في الكتب الفقهية.

____________________

(١) الكافى ١: ٦٧ حديث ١٠ باب اختلاف الحديث و ٧: ٤١٢ حديث ٥ باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور، التهذيب ٦: ٣٠١ حديث ٨٤٥.

(٢) المصادر السابقة.

(*)


الثاني عشر: أن له نفسا قدسية وملكة نفسانية يقتدر معها على اقتناص الفروع من الاصول، ورد الجزئيات إلى قواعدها، وتقوية القوي، وتضعيف الضعيف، والترجيع في موضع التعارض، فلا يكفي العلم بالامور السالفة بدون الملكة المذكورة، وكذا لا يكفي الاطلاع على استدلال الفقهاء وفهم كلامهم من دون أن يكون موصوفا بما ذكرنا، بحيث ينفق مما اتاه الله ولا يكون كلا على من سواه.ولابد في ذلك من ممارسة أهل الصنعة، واقتباس التدرب في ذلك منهم، وظهور الاستقامة على فحات أحواله بينهم على وجه لا يكاد يدفع، فلا يجوز لمن يخاف عذاب الاخرة وتتلون وجنتاه بالحياء أن يقدم على القول على الله ورسوله وأئمته صلوات الله عليه وعليهم لمجرد اعتقاده في نفسه فهم المراد، وظنه سلوك تهج السداد، ومطالعة عبارات الاولين، فان خياطة ثوب واصلاح طعام مع كونه من الامور الحسية لا يتم بدون التوفيق، فما ظنك بالشريعة المطهرة التي قرع نبينا وامامنا صلوات الله عليهما وآلهما لاجلها رؤوس جماجم قريش، وأضرب عن كونهم واسطة قلادة الرحم، والمتحرمين بحرمة ذلك الحرم.ومن خفي عليه ما قلناه فليستمع إلى قولهعليه‌السلام : " خذ العلم من أفواه الرجال "(١) ، وقولهعليه‌السلام : " لا يغرنكم الصحفيون "(٢) أي: الذين يأخذون علمهم من الصحف والدفاتر.

____________________

(١) ذكره العلامة في البحث الثالث من المقدمة من كتاب تحرير الاحكام ١: ٣، ورواه الاحسائى في عوالى اللالى ٤: ٨٧ حديث ٦٨، وعنه في بحار الانوار ٢: ١٠٥ حديث ٦٤ باب: من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز، وسفينة البحار ٢: ١٧.

(٢) ذكره العلامة في البحث الثالث من المقدمة من كتاب تحرير الاحكام ١: ٣، ورواه الاحسائى في عوالى اللالى ٢: ٨٧ حديث ٦٩، وعنه في بحار الانوار ٢: ٥ ١٠ حديث ٦٥ باب: من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز، وسفينة البحار ٢: ١٧.

(*)


وليتنبه المقتحم لجة الهلكة بالتوثب على هذه المنزلة أنه قائل على الله، فاما مع كمال البصيرة واليقين، واما من الافتراء عليه سبحانه[ فهو ] في خسران مبين بدليل قوله تعالى: " قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون "(١) .وتعلل ذوي الاوهام الفاسدة بقول أكثر العلماء بجواز تجزؤ الاجتهاد كتعلل العليل بما لا يشفيه، فان المراد بتجزؤ الاجتهاد: القدرة على الاستنباط بالملكة المذكورة في بعض أبواب الفقه ومسائله دون بعض، بعد العلم بالامور المذكورة كلها على الوجه المعتبر - ان أمكن وقوع هذا الفرض - إلى أن يسمع أو يرى من يفهم كلام العلماء دليل مسألة فيحسن من نفسه رجحانه والاذعان إلى قبوله، فان ذلك مشترك بين هؤلاء وبين كثير من صلحاء عجائز أهل الاسلام مع تحاشهن عن الثلوث بالجرأة على الله إلى هذا المقام والى هذه الامور المذكورة كلها وقعت الاشارة بقولهعليه‌السلام : " وروى حديثنا وعرف أحكامنا "، فان معرفة الاحكام بدون ذلك ممتنع، ويستفاد منه أن وصف النيابة لا يثبت للمتجزئ فان الاضافة في الجميع تفيد الععوم، والمراد معرفتها باعتبار التهيؤ والاستعداد القريب.

الثالث عشر: أن يكون حافظا، بحيث لا يغلب عليه النسيان فيختل تصرفه في الصناعة لتعذر درك الاحكام حينئذ، وليس المراد عدم عرض النسيان كما هو ظاهر فان السهو كالطبيعة الثابتة للانسان، وما أحسن ما قيل: أول ناس أول الناس.وها هنا نجس عنان اليراعة حامدين الله سبحانه، مصلين على حبيبه وصفوته محمد وأطايب عترته، ومن وقف على ما أفدناه في هذه المسألة المهمة، فليتنبه إلى ما أودعناه في مطاوي عبارتها من الفوائد العلمية والنصائح الدينية، وليجعل محط نظره في مطالعتها وملاحظتها، بل في جميع حالاته هو قصد وجه الله العظيم،

____________________

(١) يونس: ٦٠.

(*)


وليعلم أن أيام هذه المهلة عما قليل ينصرم، فاما نعيم لا يفنى، واما إلى سوء الحميم.وفرغ من تسويدها مؤلفها العبد المعترف بذنوبه وعيوبه علي بن عبد العالي تجاوز الله عن اساء‌ته، وحشره في زمرة مواليه وساداته، سادس شهر محرم الحرام افتتاح سنة احدى وعشرين وتسعمائة حامدا مصليا عودا على بدء.


(٤) رسالة صيغ العقود والايقاعات



الحمد لله حمدا كثيرا كما هو أهله، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله.أما بعد، فهذه جملة كافلة ببيان، صيغ العقود والايقاعات، اذ كان لابد من معرفتها لمن احتاج إلى شئ منها من المكلفين، لتوقف حصول الامور المطلوبة منها شرعا على الاتيان بها على الوجه المعتبر، الذي ثبت كونه مثمرا لحصولها دون غيره من الوجوه.فان نقل الملك من عين أو منفعة، واباحة الفرج، وقطع سلطنة النكاح، والتزام الذمة البريئة بشئ من الحقوق، واسقاط ما في الذمة انما يكون بالطريق المعين لذلك شرعا، دون مجرد القصد والتراضي من المتعاملين والمتناكحين.ألا ترى أن المرأة لو رضيت بالوطء لم يحل ذلك وان كانت خلية من موانع النكاح، وصاحب المال لو قصد نقله إلى غيره لم يكف ذلك ولم ينتقل المال عن ملك المالك، وكذا لو أتى كل منهما بغير اللفظ المعين لذلك شرعا " تلك حدود الله فلا تعتدوها "(١) .واعلم أن العقد صيغة شرعية لابد لها من متخاطبين ولو بالقوة، يترتب عليها

____________________

(١) البقرة: ٢٢٩.

(*)


نقل ملك، أو سقوط حق، أو حل فرج، أو تسلط على تصرف.

والعقود: عقد البيع، والقرض، والرهن، والصلح، والضمان، والحوالة، والكفالة، والوديعة، والعارية، والوكالة، والسبق والرمي، والجعالة، والشركة، والمضاربة والاجارة، والمزارعة، والمساقاة، والهبة، والصدقة، والعمرى، والتحبيس، والوقف، والوصية، والنكاح، والكتابة، وفي حكم ذلك الخلع والمبارات.

والعقد على ثلاثة أصناف: لازم من الطرفين باعتبار أصله: وهو الذي لا يتسلط على فسخه الا بسبب أجنبي وذلك: البيع، والصلح، والضمان، والحوالة، والكفالة، والاجارة، والمزارعة والمساقاة، والصدقة، والعمرى، والتحبيس، والوقف، والنكاح.

لازم من أحدهما خاصة: وهو الذي لا يتسلط على فسخه من طرف اللزوم الا بسبب أجنبي، وذلك: الرهن، فانه لازم من طرف الراهن جائز من طرف المرتهن، ويلامحه الخلع والمبارات، فان الزوجة لما كان لها الرجوع في البدل، وكان للزوج الرجوع معه فهو في قوة الفسخ، فهو لازم من طرفه جائز من طرفها.وغير لازم من أحدهما: وهو الجائز في أصله، وحكمه تسلط كل منهما على الفسخ، وقد يعرض له اللزوم بنذر وما جرى مجراه، وهو باقي العقود.والايقاع: صيغة شرعية يكفي فيها الواحد، يترتب عليها قطع وصلة، أو نقل ملك، أو استحقاق حق أو عقوبة، أو سقوط ذلك.

والايقاعات: الطلاق، والرجعة، والظهار، والايلاء، واللعان، والعتق، والتدبير،


والايمان، والنذور، والعهود، والحجر، والشفعة، والحكم.ومعلوم أن الحجر للسفه والفلس وغيرهما ضرب من الحكم، وليس الاقرار من الايقاعات، لانه، أخبار، والمفهوم من الايقاعات كونها انشاآت.

اما البيع: فاقسامه باعتبار القد والنسيئة في الثمن والمثمن أربعة، وباعتبار وجوب مساواة الثمن للمثمن وعدمه قسمان، فهذه عشرة أقسام، بعد التأمل لها يعلم أن فيها تداخلا.وهذه هي النقد، والنسيئة، والسلف، وبيع الكالئ، وبيع المرابحة، والمواضعة والتولية، والمساومة، وبيع الربوي، وغيره، ومن ذلك الصرف.وينقسم البيع باعتبارات أخر إلى أقسام منها: بيع الغرر، ومنه بيع الملاقيح والمضامين، وبيع الحصاة، والمنابذة، والملامسة، وغير ذلك.والبيع المعلق على شرط أو صفة، وبيع الشرط، ومنه بيع خيار الشرط الذي منه: بيع المؤامرة، والبيع المشتمل على اشتراط رد الثمن أو مثله في مدة معلومة واسترجاع المبيع.وبيع البراء‌ة من عيب معين، أو عيوب معينة، أو سائر العيوب.وبيع الثمرة قبل ظهورها عاما أو أزيد مع الضميمة وبدونها، وبيعها بعد الظهور قبل بدو الصلاح، وبيع المزابنة، والمحاقلة، وبيع العربة، وبيع الرطبة، والتقبيل للشريك.واعلم أنه لابد في كل عقد لازم ولو من أحد الطرفين من وقوعه باللفظ الصحيح الشرعي العربي، فلا يقع بغيره، الا اذا لم يعلم المتعاقدان أو أحدهما ذلك، ويشق تعلمه عادة.ولابد من وقوع الايجاب والقول بلفظ الماضى، وتقديم الايجاب على أصح القولين، وفورية القبول بحيث لا يتخلل كلام أجنبي، ولا سكوت طويل في العادة.


ولا يضر التنفس والسعال، ونحو ذلك، بخلاف العقود الجائزة.ويشترط ايقاعها بالالفاظ الصريحة في بابها، فلا يقع البيع بلفظ الاجاره، والنكاح، وبالعكس، فان صراحة كل من هذه الالفاظ في غير بابها منتفية.ويشترط في الايقاعات أيضا وقوعها باللفظ الصحيح العربي مع الامكان، ويشترط صراحته في بابه أيضا، فلو أوقع البيع بغير ما قلناه وعلم التراضي منهما كان معاطاة، لا يلزم الا بذهاب أحد العينين، وكذا القول في الاجارة ونحوها، بخلاف النكاح والطلاق ونحوهما فلا تقع أصلا.

فائدة:

تكفي اشارة الاخرس الدالة على ارادة صيغ العقود والايقاعات، ويترتب، عليها أثرها، وكذا العاجز عن النطق لمرض أو نحوه.

فصل النقد:

هو بيع الحال بالحال، سواء كان معه شرط أم لا، وسواء كان الشرط خيارا أو سقوط خيار.

وصيغته: بعتك، أو اشترينك، أو ملكنك هذا المتاع المعين الموصوف الفلاني بعشرة دراهم، أو بهذه العشرة الدراهم، أو بهذا الثوب، أو بثوب صفته كذا.فيقول: قبلت، أو ابتعت، أو شريت، أو اشتريت، أو تملكت، ونحو ذلك.ولابد في الموصوف ثمنا أو مثمنا من وصفه بصفات السلم، ولو كان عينا غائبة كالدابة الفلانية ولم يكن رآها الاخر، فلابد من ذكر أوصافها الموجبة لرفع الجهالة عنها.ومتى كان أحد المتعاقدين وكيلا جاز التصريح في الايجاب والقبول بذلك فيقول: بعتك بالوكالة عن فلان، ويقول الاخر في القبول لموكله: قبلت لموكلي فلان ولو لم يصرح أحدهما بالوكاله كفى القصد، لكن لا يعلم ظاهرا وقوعه


عن الموكل أوله الا باخبار القاصد، ولا يفيد ذلك تحمل الشاهد الاعلى اقرار المقر.ولو أراد شرط شئ كتأجيل دين حال، أو رهن بدين، أو ضمين قال: بعتك هذا بكذا وشرطت عليك تأجيل دينك الفلاني إلى سنة، أو شرطت رهن كذا بدين كذا، أو تضمين فلان كذا، أو شرطت سقوط خيار الغبن، أو خيار الرؤية كذلك، أو شرطت لنفسي الخيار مدة سنة، أو لك، أولي ولك، أو بعتك بشرط استئمان زيد إلى سنة مثلا، أو بشرط اني متى رددت الثمن أو مثله إلى سنة استرجع المبيع، ونحو ذلك.أو بشرط البراء‌ة من عيب كذا وكذا، أو بالبراء‌ة من جميع العيوب على أصح القولين، أو بعتك ثمرة البستان الفلاني، الموجودة بكذا، أو منضمة إلى ثمرة سنتين مثلا أو منضمة إلى الشئ الفلاني، أو بعتك بهذه الاشجار وثمرتها، فانه يصح في هذه وأن لم يكن قد ظهرت، كما لو باع حاملا وضم اليها الحمل.ولو خرص العرية بتغار مثلا قال: بعتك ثمرة هذه النخلة بتغار تمر موصوف بصفات كذا، وذكر صفات السلم وان كان الثمن مضموما، والا أشار إلى معين.

فصل بيع النسيئة:

هو بيع عين أو مضمون في الذمة حالا بثمن مؤجل، وصيغته: بعتك هذا المبيع بعشرة دراهم وأجلتك في الثمن إلى شهر وكل ما سبق من الشروط والاصالة والوكالة آت هنا، ولا ريب انه يشترط في الاجل هنا وفي كل موضع يذكر كونه محروسا عن احتمال الزيادة والنقصان، لكونه معين في حد ذاته.فلا يصح التأجيل بادراك الغلات، وقدوم المسافرين، ونحو ذلك.

فصل بيع السلف:

هو بيع موصوف في الذمة إلى أجل بثمن حال معين أو مضمون، وهو مقابل النسيئة ويشرط ذكر الصفات التي لها دخل في تفاوت القيمة بسبب تفاوت


الرغبات، وقد ذكر الفقهاء لكل نوع من الانواع التي يكثر دورانها ويجوز فيها السلم صفاتا مخصوصة على طريق التدريب للمكلف، ليستعلم منها ما يجب ذكره في العقد من صفات مالم يتعرضوا اليه.ويجب أيضا أن يذكر موضع التسليم ان كان المتعاقدان بصدد مفارقة موضوع العقد قبل الحلول كما لو كانا غريبين مجتازين، وكذا أحدهما، والاحوط ذكره مطلقا. ويعتبر في أجل السلم ما سبق من كونه محروسا عن الزيادة والنقصان، وتسليم الثمن قبل التفرق.والايجاب للسلم: سلفتك، أو أسلمت اليك من المشتري، وبعتك، وملكتك وما جرى مجراه من البائع، فلو كان المسلم فيه حنطة قال: أسلمت اليك كذا في تغار حنطة يوسفية عراقية حمراء كبيرة الحب جديدة جيدة ضربية إلى شهرين، مسلمة في موضع كذا، فيقول البائع: قبلت.ولو ابتدأ البائع بايجاب وقال: بعتك تغار ضطة يوسفية إلى آخرها، بكذا مؤجلة إلى كذا مسلمة في موضع كذا، قال المشتري: قبلت، صح.والمرجع في ذكر الاوصاف إلى العرف، فكل وصف تختلف الاغراض بسببه، وتزيد القيمة وتنقص باعتباره زيادة يعتد بها يجب التعرض اليه، وغيره لا يجب ذكره، وجميع ما سبق ذكره من الشروط والخيارات هنا. والظاهر أنه لا يجئ في المسلم فيه اشتراط البراء‌ة من العيوب، لانه لابد من اشتراط ذكر الاوصاف التي لها دخل في تفاوت القيمة والسلامة من العيوب في المسلم فيه، أو كونه معيبا مما تتفاوت به القيمة تفاوتا ظاهرا.

فصل بيع الكالئ بالكالئ:

هو بيع الدين بالدين - يجوز بهمزة وترك الهمزة -، وقد ثبت في السنة


المطهرة النهي عنه، وكونه محرما.

وصيغته أن يقول: بعتك ديني الفلاني بدينك الفلاني، أو بعتك ديني الفلاني بعشرة دراهم مؤجلة إلى شهر.فيقول: قبلت.ومنه أن يسفله دينا له عليه في شئ مما يجوز السلم فيه على أصح القولين، كما لو أسلفه العشرة التي في ذمنه في تغار حنطة موصوف بصفاته، مؤجل إلى كذا، مسلم في موضع كذا.

ولو ادعت الحاجة إلى مثل ذلك أسلفه عشرة مضمومة غير مقيدة بكونها دينه، بعد تمام العقد، وثبوت العشرة في ذمة المشتري تقاصه بها ولو باع الدين بمضمون حال جاز، اذ لا يعد دينا، والظاهر انه يصح ذلك وان كان الدين مؤجلا لم يحل فصل: المرابحة، هي البيع برأس المال مع زيادة، فلابد فيه من الاخبار برأس المال ان لم يكن ثم المشتري عالما به.وتحقيقه: ان جرى على ما وقع به الشراء للبائع فصيغته أن يقول بعد الاخبار بالثمن: يعتك كذا بما اشتريته به وربح عشرة، أو بعتك كذا بما بذلت من الثمن فيه، إلى آخر صبغ البيع السالفة، وهي: شريتك، وملكتك.وللمرابحة صيغتان اخريان: أحدهما: أن يقول: بعتك بما قام علي وربح كذا.الثانية: بعتك برأس المال وربح كذا.والفرق بين هذه الصيغ الثلاث:

أن الاولى لا تتناول الا الثمن خاصة، فلو بذل مالا في عمل فيه، أو عمل بنفسه فيه ما يبذل في مقابله مال، أو لحقه مؤنة دلالة ونحوها لم يتناول شيئا من ذلك اللفظة وان اخبر به قبل الصيغة وكذا الثالثة على اظهر القولين.

وأما الثانية فانه يندرج فيها جميع ما لحق من المؤن التي يقصد بالتزامها


الاسترباح، مثل اجرة الدلال والكيال والحمال والحارس والقصار والخياط، وقيمة الصيغ، واجرة ختان للمملوك وتطيين الدار، ونحو ذلك، اذا بذل اجرة ذلك كله.ولابد أن يكون تطيين الدار لا لكونها قد تجدد فيها عندما يقتضي التطيين، وكذا اجرة الرفاء لو بدلها لو كان القماش مقطوعا ولم يتجدد عنده، ومن ذلك اجرة البيت الذي يحفظ فيه المتاع فانه من المؤن اللازمة للاسترباح، بخلاف المؤن التي بها بقاء الملك كنفقة العبد التي بها بقاؤه عادة، ومن جملتها اجرة مسكنه الذي لابد منه، وكذا كسوته الضرورية، ومثل علف الدابة واجرة الاصطبل وجل الدابة، ونحو ذلك.والفرق بين اجرة البيت الذي يحفظ فيه المتاع واجرة مسكن العبد واصطبل الدابة لا يكاد يتحقق، خصوصا اذا كان استيفاء العبد والدابة ليس الا للتجارة.ولو زاد في العلف على المعتاد للتسمين فهو مما يدخل، وكذا اجرة الطبيب اذا زال المرض ولم يكن حادثا في يده.ولو عمل شيئا من هذه الاعمال بنفسه، أو تبرع له بها متبرع، فأراد ادخالها في البيع قال: اشتريته بكذا وعملت فيه ما يساوي كذا، ثم يبيعه بذلك وربح كذا.واعلم أن بين الصبغ الثلاث السالفة فرقا آخرا وهو:

ان الاولى لا تصح الا حيث يكون المتاع قد انتقل اليه بالصلح، أو بالهبة المشروطة بالعوض، ونحو ذلك، فلا يصح البيع مرابحة بالصيغة الاولى، بخلاف الثانية.وينبه على ذلك أن المبذول عوض العمل أجرة مع ا نه يندرج في قوله: تقوم علي، ولا يبعد في الثالثة الجواز لو انتقل بالصلح، وفي القرض والهبة مشروطة بالعوض نظر.ولا يخفى انه لا يصدق رأس المال والثمن وما تقوم به المتاع الا فيما تقوبل به استقلالا فما أصاب المتاع بالتقسيط - اذا جرى البيع على عدة امتعة - لا يعد


واحدا منهما.والمعاطاة كالعقد في ذلك كله.

فصل التولية:

هي البيع برأس المال من غير زيادة ولا نقصان، فلابد من الاخبار برأس المال، الا مع العلم به.

والصيغة: بعتك بما اشتريت، أو وليتك.واذا اشترى شيئا ثم قال: وليتك هذا العقد جاز.قال في الدروس: وليتك السلعة احتمل الجواز(١) .والقبول: أن يقول: قبلت، أو توليت.ويلزمه مثل الثمن الاول جنسا وقدرا ووصفا.ويشترط في التولية كون الثمن مثليا، ليأخذ المولى مثل ما يدل، فلو اشتراه بعوض لم تجر التولية، واستثني من ذلك قبض ما انتقل العرض من البائع إلى انسان، فولاه المشتري العقد، وحكاه في التذكرة عن بعض الشافعية.وحكى أيضا ما لو اشترى بعرض وقال: قام علي بكذا، أو قد وليتك العقد بما قام علي، أو أرادة المرأة عقد التولية على صداقها بلفظ القيام، أو أراد الرجل التولية على ما أخذ عن عوض الخلع، ثم قال: ان في ذلك وجهين للشافعية، وعندنا تجوز التولية في مثل هذه الاشياء(٢) .ويجوز البيع لبعض المبيع تولية بلفظ: بعت ووليت، بشرط تعيين البعض، ويلزم قسطه في الثمن.

فصل المواضعة:

وهي المحاطاة، مأخوذة من الوضع، والمراد هنا: أن يبيع برأس المال

____________________

(١) الدروس: ٣٤٥.

(٢) التذكرة ١: ٥٤٥.

(*)


ووضعية معلومة.وهي كالمرابحة في الاحكام والصيغة، الا أنه يضيف: وضيعة كذا، فيقول: بعتك هذا بما اشتريته ووضيعة كذا.ويكره في المرابحة والمواضعة نسبة الربح والوضيعه إلى المال، بان يقول: بعتك برأس المال وربح كل عشرة درهما، أو وضيعة درهم من كل عشرة.

فرع:

لو قال: الثمن مائة، بعتك برأس المال ووضيعة درهم من كل عشرة فالثمن تسعون ولو قال: ووضيعة درهم لكل عشرة، فالحط دراهم وجزء من أحد عشر جزء‌ا من درهم، (فيكون الثمن تسعين وعشرة اجزاء من أحد عشر جزء من درهم)(١) ولو قال: بوضيعة العشرة درهما، احتمل كلا من الامرين، لاحتمال أن تكون الاضافة بمعنى من أو بمعنى اللام، على أن يكون المراد: بوضيعة من العشرة درهما، أو للعشرة درهما.وتخيل أن الاحتمال الثاني لا يأتي، لان العباره لا تحتمله حيث أن وضيعة العشرة درهما لا يكون الا في العشرة الدراهم دون ما سواها من أجزاء الدرهم، مدفوع بأن اللفظ لابد فيه من تقدير هو: اما بوضيعة كل عشرة درهما، أو بقياس وضيعة العشرة درهما، أو ما جرى هذا المجرى، وكل من التقديرين محتمل، ولا ارجحية لاحدهما على الاخر.

فصل: بيع المساومة:

هو البيع من غير تعرض إلى ذكر رأس المال، وصيغته معلومة مما سبق، وهو أجود من باقي الاقسام، لما فيه من السلامة من وقوع الكذب تعمدا أو غلطا.وأما بيع الربوا فلا ينفرد بصيغة، انما يجب فيه التحرز من الزيادة مع اتحاد الجنس، وانتفاء ما تجوز معه الزيادة كالابوة والزوجية.وكذا القول في الصرف فانه لا يختص بصيغة عن باقي أقسام البيع، نعم يشترط

____________________

(١) ما بين القوسين لم يرد في نسخة " ش ".

(*)


التقابض قبل التفرق، والسلامة من الربوا أن اتحد الجنس من الجانبين.وكذا بيع الثمار والحيوان.

وبيع المزابنة: وهو بيع ثمرة النخل بعد خرصها بقدر خرصها تمرا، وان لم يشترط كون الثمن منها، ويلحق بها في ذلك ثمرة باقي الاشجار المثمرة.

وبيع المحافظة: بيع الزرع بحب من جنسه وان خرص وبيع بقدر خرصه، سواء شرط الثمن من الزرع، أو باع بحب آخر على الاصح.

فصل:

تصح القبالة بين الشريكين في الثمرة والزروع، بأن يخرص حصة أحدهما خاصة ثم يقبلها شريكه بخرصها فتقبل، وهي عقد صحيح، لورود النص عليها، ولازم، لان الاصل في العقود اللزوم الا ما اخرجه دليل، وذلك قضية كلام الاصحاب.وصيغتها: قبلتك نصيبي في هذه الثمرة بكذا، فيقول: قبلت أو تقبلت.وحكمها وجوب العوض مع سلامتها من الافة، ولو تلفت فلا شئ، ولو تلف البعض: فان وفي الباقي بمال القبالة، والا سقط عنه قدر ما نقص.ومتى زاد المخروص عن قدر مال القبالة فالزائد للمتقبل اباحة ولو نقص أكلمه.وهل هذه عقد برأسه، أم ضرب من الصلح؟ قال في الدروس بالثاني، فيصح بلفظ الصلح(١) .وللنظر في ذلك مجال، لان الربوا يعم الصلح على الاصح، ولانه لا يبطل بتلف المعوض بعد القبض، وليس بعيد أن يكون ذلك عقدا برأسه.

فصل: بيع الغرر فاسد كبيع الملاقحة:

وهو بيع ما في بطون الامهات.

وبيع المضامين: وهو بيع ما في أصلاب الفحول.

____________________

(١) الدروس: ٣٨٠.

(*)


وبيع الحصاة: وهو أن يقول، ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهي لك بكذا.

وبيع الملامسة: وهو أن يبيع غير مشاهد على انه متى لمسه وقع البيع.

وبيع المنايذة: وهو أن يقول: ان نبذته الي فقد اشتريته بكذا.والبيع المعلق على شرط وهو ممكن الحصول عادة، مثل: بعتك ان دخل زيد الدار.وعلى صفته وهو معلوم الحصول عادة، مثل: بعتك ان طلعت الشمس.

تنبيهات:

الاول: المقبوض بالبيع الفاسد لا يجوز التصرف فيه للقابض، وهو مضمون عليه، بمعنى أنه لو تلف أو نقص بحال من الاحوال كان عليه ضمانه.ولا يضمن القيمي بقيمته حين التلف، وكذا زوائده.

الثاني: الشرط الواقع في العقد اللازم يجب أن يكون لازما، فلو امتنع المشترط من فعل الشرط كان للاخر رفع الامر إلى الحاكم ليجبره عليه بعموم قوله تعالى: " أوفوا بالعقود "(١) ، والشرط من جملة المعقود عليه، ولقولهعليه‌السلام : " المؤمنون عند شروطهم، الا من عصى الله "(٢) ، والاكثر على العدم، وفائدة الشرط عندهم تسلط الاخر على الفسخ.

الثالث: لا يصح اشتراط شئ من الثمن على غير المشتري، فلو قال: بع عبدك من فلان على أن علي خمسمائة مثلا، فباعه على ذلك لم يصح، لانه خلاف مقتضى البيع، بخلاف مالو قال: اعتق عبدك وعلي كذا، وطلق زوجتك وعلي كذا، فانه اذا اعتق وطلق لزمه العوض، فان ذلك لما كان فكا ولم يكن معاوضة كان المبذول ضربا من الجعالة.

____________________

(١) المائدة: ١.

(٢) عوالى اللالى ١: ٢١٨ حديث ٨٤.

(*)


ولو قال في الصورة الاولى ما قاله على طريق الضمان، فباع البائع العبد لزيد بشرط أن يضمن عمرو المقدر المذكور من ثمنه صح البيع والشرط، وكان بيعا بشرط.

فصل:

الافالة فسخ وليست بيعا في حق المتبايعين وغيرهما، فلا يثبت بها خيار المجلس، ولا شفعة لو كان المبيع شخصا مشفوعا، ويصح في المبيع والبعض مع بقاء السلعة وتلفها، فيجب المثل أو القيمة، ولا تصح بزيادة، بالثمن ولا المثمن ولا نقص في أحدهما.وصيغتها أن يقول: تقايلنا في بيع كذا، أو تفاسخنا، أو أقلتك.فيقبل الاخر.ولو التمس أحدهما الاقالة، فقال الاخر: أقلتك، ففي الاكتفاء بالاستدعاء عن قبول الملتمس تردد، ولا ريب أن القبول أولى.

القرض:

عقد جائز من الطرفين، ثمرته تمليك العين مع رد العوض، ففي المثلي المثل، وفي القيمي القيمة، ولابد فيه من ايجاب وقبول.

فأما الايجاب: فلابد أن يكون بالقول، فلا يكفي الدفع على وجه القرض من غير لفظ في حصول الملك، نعم يكون ذلك في القرض كالمعاطاة في البيع فيثمر اباحة التصرف، فاذا تلف العين وجب العوض.

والذي ينساق اليه النظر أن المعاطاة في البيع تثمر ملكا متزلزلا، ويستقر بذهاب أحد العينين أو بعضها.ومقتضى هذا أن النماء الحاصل من المبيع قبل التلف شئ من العينين يجب أن يكون للمشتري، بخلاف الرفع للقرض هنا فانه لا يثمر الامحض الاذن في التصرف واباحة الاتلاف، فيجب أن يكرن نماء العين للمقرض، لبقائها على الملك، اذ لا معاوضة هنا ولا تمليك، بخلاف الاول.


وصيغة الايجاب: أقرضتك كذا، او ملتك كذا وعليك رد عوضه.ولابد من هذا القيد في الثاني دون الاول، لان رد العوض جزء ومفهوم القرض، بخلاف التمليك.

ومثله: اسلفتك كذا، أو خذه واصرفه ورد عوضه، أو تصرف فيه ورد عوضه، أو انتفع به ورد عوضه، ونحو ذلك.ولابد من قبول: اما قولا كقبلت، أو اقترضت، ونحوهما.أو فعلا كالاخذ.على وجه الرضى ولو بوكيله.ويصح في عقد القرض اشتراط ما لا ينافي مقتضاه، كما لو شرط رهنا، أو ضمينا به، أو بمال آخر على الاصح في الثاني، بخلاف ما لو شرط زيادة في العين أو الصفة.وزيادة الصفة مثل ما لو شرط الدراهم الصحيحة عوض المكسرة ولو عكس فشرط المكسرة عوض الصحيحة لغا الشرط وصح القرض.

أما الاول، فلان الزيادة في القرض والنقيصة على حد سواء.

وأما الثاني، فلان الرضى بالمكسرة يقتضي الرضى بالصحيح بطريق أولى.ويصح اشتراط قرض آخر في عقد القرض للمقرض أو للمقترض، ولا يعد ذلك زيادة، لانحصار الزيادة في زيادة العين والصفة.

ويصح اشتراط ايفاء القرض في بلد آخر، واذا طالب المقرض في غير بلد الشرط، أو في غير بلد القرض مع عدم الشرط وجب على المقترض الوفاء مع عدم الضرر، بأن تكون قيمة المثلي في موضع المطالبة أزيد.وصيغة الشرط مع ما سبق من صيغة القرض ظاهرة.

الرهن:

عقد لازم من طرف الراهن خاصة، فائدته التوتق للدين ليستوفى منه.

والايجاب فيه: رهنتك هذا على الدين الفلاني وعلى كل جزء منه، وشرطت لك أن ما يتجدد من نمائه يكون رهنا، وأن يوضع على يد العدل الفلاني أو يكون


بيدك، وأن يكون وكيلا في بيعه بعد شهر ونحو ذلك.والقبول: قبلت، وأرهنت، وما جرى مجراه.

ويجزئ في الايجاب: هذا وثيقة عندك، أو هذا رهن عندك، وكل ما ادى هذا المعنى.ويشترط وقوعه باللفظ العربي الصحيح الصريح مع القدرة، والتطابق بين الايجاب والقبول، وعدم تأخر القبول بما يعتد به في العادة، وكونهما بلفظ الماضي الذي هو صريح في الانشاء ولا يقدح في ذلك صحته بهذا وثقية عندك، لان اسم الاشارة مع ما بعده مفيد لهذا المعنى، وقد اطبقوا على الاكتفاء به هنا.ولا يكفي شرط الرهن في عقد البيع عن القبول لو أوجب الراهن الرهن عقيبه بغير فصل، ولو شرط فيه أن لا يباع الا باذن فلان مثلا، أو أن لا يباع الا بكذا ففيه تردد، وفي البطلان قوة.ولو شرط عليه الرهن في بيع فاسد فظن لزومه فرهن فله الفسخ، ومثله ما لو أبرئت ذمة الزوج فظن صحة الطلاق فتبين الفساد، أو وهب من واهبه بظن صحة الهبة الاولى ونحو ذلك.وعقد الرهن قابل للشرط اذا لم تكن منافية لمقصود العقد، ولم يثبت في الكتاب والسنة ما يقتضي معها، فلو شرط أن لا يباع أصلا لم يصح، لمنافاته مقصود الرهن، وكذا لو شرط بيع العبد المسلم من كافر.ولو شرط دخول النماء المتجدد في الرهن، صح، ولا يدخل بدونه على الاصح، كما لا يدخل الموجود.ولو رهنه إلى مدة معينة على أنه ان لم يقضه في الاجل كان مبيعا، فكل من الرهن والبيع فاسد، وليس مضمونا في المدة، لانه رهن فاسد فيها، بخلاف ما بعدها فانه حينئذ مبيع فاسد.ومن الاصول المقررة أن كل عقد يترتب على صححيه ضمان العين المقبوضة


به على القابض، على معنى أنها لو تلفت كان تلفها منه يضمن بفاسده، وكل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده وينبغي اذا رهن على الدين أن يرهن على كل جزء منه، حذرا من تطرق احتمال الانفكاك بأداء شئ منه، ولا يشترط لصحة الرهن قبض المرتهن العين المرهونة على أصح القولين.

الصلح:

عقد لازم من الطرفين، شرع لقطع تنازع المختلفين، وهو على أنواع: صلح بين المسلمين وأهل الحرب على ترك الحرب إلى أمد تقتضيه المصلحة، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين اذا خيف الشقاق بينهما يتولاه الحكمان من أهلهما، وصلح بين المختلفين في المال وقد يجري بين المتعاملين لنقل عين أو منفعة، من غير أن تسبق خصومة.والصيغة في الجميع متقاربة، فالايجاب: صالحتك على ما استحقه في ذمتك من جميع الحقوق الشرعية بكذا، ولو قال الاخر: صالحتك على ما تستحقه في ذمتي من جميع الحقوق الشرعية بكذا صح.ولو أراد الصلح لقطع المنازعة ظاهرا خاصة قال: صالحتك على قطع المنازعة بيني وبينك من جهة كذا بكذا.ويجوز الصلح على الاقرار والانكار.

والصلح أصل في نفسه، وليس فرعا على شئ من العقود على الاصح، الا انه يفيد فائدة عقود خمسة: الاول: البيع: وذلك فيما اذا كان بيد الانسان عين فادعاها آخر، أو ادعى دينا في ذمته فأقر فصالحه على العين أو الدين بما يتفقان عليه، فان الصلح هنا بمنزلة البيع في نقل الملك.ومثله ما اذا صالحه على عين أو دين ابتداء، من غير سبق خصومة بما يتفقان عليه عندنا.


الثانى: الاجارة: وذلك في ما اذا كان المصالح عليه منفعة، كما لو كان لاحدهما عند الاخر دين أو عين أو منفعة فصالحه على منفعة، فان الصلح هنا يفيد فائدة الاجارة.

الثالث: الابراء والحطيطة: وذلك في ما اذا كان له في ذمته دين فيقربه ثم يصالحه على اسقاط بعضه واعطاء بعض، وهو هنا يفيد فائدة الابراء.

الرابع: الهبة: وذلك في ما اذا ادعى عليه عبدين أو دارين مثلا، فأقر له بهما وصالحه منهما على أحدهما، فانه هنا يفيد فائدة الهبة.

الخامس: العارية: وذلك في ما اذا ادعى عليه دارا مثلا، فأقر له بها فصالحة على سكناها سنة، فان الصلح هنا يفيد فائدة العارية، وأصح القولين اللزوم، فليس لصاحب الدار الرجوع خلافا للشيخ.

ويجب في الصلح التخلص من الربوا، كما يجب التخلص منه في البيع على الاصح فلو أتلف ثوبا قيمته دينار، ثم صالح مالكه على دينارين لم يصح ان كان النقد الغالب هو جنس ما صالح به، بخلاف ما اذا تعدد الجنس واستويا بان كان دراهم ودنانير.ويصح الصلح على مثل حق الشفعة لاسقاطه، وعلى حق التحجر، وأولية سكن المدرسة، ونحوها، وعلى اسقاط اليمين، والخيار، وعلى اجراء الماء المعين على سطوح الغير مدة معلومة ويجوز الاشتراط في عقد الصلح كما يجوز في البيع.

الضمان: عقد ثمرته نقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن.


وصيغته: ضمنت لك ما تستحقه في ذمة زيد، أو تحملت لك، أو تكفلت، أو التزمت، أو أنا ضامن، أو ضمين، أو زعيم، وما أدى هذا المعنى.والقبول: قبلت، أو ضمنت، أو كفلت، ونحو ذلك.ولو قال: أؤدي، أو أحضر لم يكن ضامنا.ولا؟ كفي الكتابة، ولا الاشارة مع القدرة على النطق، ولا التلفظ بالصيغة بغير العربية مع القدرة عليها، إلى آخر ما سبق بيانه مما يعتبر في العقود اللازمة.ويجوز الضمان حالا ومؤجلا، فان شرط أجلا وجب كونه مضبوطا لا كنحو ادراك الغلات وقدوم الحاج ولو شرط ما لا ينافي مقتضى العقل ولم يمنع منه شرعا صح ولزم، كاشتراط الخيار مع تعيين المدة، وكاشتراط الاداء من مال بعينه، فيبطل لو تلف بغير تفريط في وجه.وصيغة الضمان المؤجل والمشروط فيه الخيار ما سبق، مع اضافة التأجيل واشتراط الخيار، كقوله: ضمنت لك إلى كذا وشرطت لنفسي الخيار شهرا مثلا، أو لك وشرطت الاداء من المال الفلاني، ونحو ذلك.وضمان عهدته قد يكون للبائع عن المشتري، بأن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، وضمان عهدته ان ظهر عيب بالنسبة إلى الارش، أو استحق، أو نقص الصنجة فيه.وقد يكون للمشتري عن البائع، بأن يضمن الثمن بعد قبضه متى خرج المبيع مستحقا، وكذا أرش بيع المبيع ونقص الصنجة فيه.

الحوالة: عقد ثمرته تحويل المال من ذمة إلى اخرى.وصيغة العقد: كل لفظ يدل على النقل والتحويل، مثل أحلتك على فلان بكذا، فيقول: قبلت واحتلت، ومثله: قبلتك وذكر في التذكرة: اتبعتك إلى آخر


الصيغة(١) .ويشترط فيها كل ما يشترط في العقود اللازمة من الايجاب والقبول، وكونهما بالعربية، وغير ذلك مما يشترط في باقي العقود.

الكفالة: عقد ثمرته التعهد بنفس من عليه حق وان كان ذلك الحق الحضور إلى مجلس الحكم.

وصيغته قريبة من صيغة الضمان، فانه تعهد بالمال، والكفالة بالنفس فيقول: ضمنت لك احضاره، اما مطلقا، أو إلى شهر، أو في الوقت الفلاني.أو تكفلت أو التزمت باحضاره، أو أنا كفيل حالا، أو مؤجلا لكن مع ضبط الاجل.واطبق الاصحاب على أنه اذا قال: أنا كفيل به على اني ان لم احضره كان علي كذا لزمه الاحضار خاصة، ولو قال: أنا كفيل به على أن علي كذا إلى كذا ان لم احضره لزمه المال خاصة ولا يخفى انه لابد من القبول، والشروط الواقعة في هذا العقد تلزم اذا كانت جائزة كغيره من العقود اللازمة.

الوديعة: من العقود الجائزة من الطرفين، ثمهرته: الاستنابة في الحفظ.

ويكفي في الايجاب كل لفظ دل على الاستنابة في ذلك، ولا يتعين له لفظ ولا عبارة مخصوصة ويكفي في القبول ما دل على الرضى من قول وفعل.ولا يشترط فوريته، ومتى شرط الحفظ على وجه مخصوص فقبل لم يكن له الحفظ الا على ذلك الوجه.

العارية: عقد جائز من الطرفين، ثمرته تسويغ الانتفاع بالعين مع بقائها، اما مطلقا، أو مدة معينة.

ولا يتعين له لفظ، بل كل لفظ ما دل على هذا المعنى كاف في ذلك.

____________________

(١) التذكرة ٢: ١٠٥.

(*)


ويكفي القبول الفعلي به، وكل ما يشترط فيها من الشروط الجائزة نافذ، ومنها اشتراط الزمان على المستعير.

الجعالة: عقد جائز من الطرفين، ثمرته استحقاق المال المجعول أو المقدر شرعا أو عرفا في مقابل عمل مقصود محلل، ولابد من صيغة، ويكفي في ايجابها مادل على العمل المخصوص بعوض، مثل: من رد عبدي، أو دخل داري، أو بنى جداري، أو من رد عبدي من بلد كذا وفي يوم كذا فله كذا، أو فله عوض.والقبول يكفي فيه الفعل، ولكل منهما الفسخ قبل الشروع في العمل، وكذا بعده، الا بالنسبة إلى ما مضى من العمل فان فسخ الجاعل لا يسقط استحقاقه من الجعل.

الاجارة: عقد ثمرته نقل المنفعة خاصة بعوض معلوم متمول، والايجاب: آجرتك، أو اكريتك الدار الفلانية شهرا بكذا، أو ملكتك سكنى هذا الدار شهرا بكذا.ولا ينعقد بلفظ العارية ولا البيع، بل يكون اجارة فاسدة.ولابد من القبول، وهو اللفظ الدال على الرضى، كفبلت واستأجرت ونحوه.ولما كان هذا من العقود اللازمة من الطرفين اعتبر فيه ما اشتركت فيه العقود اللازمة، مثل فورية القبول، وكونهما بالعربية.ويصلع اشتراط مالا ينافي مقتضى العقد من الشروط السائغة المعلومة حتى الخيار، ويلزم الشرط.

المزارعة: معاملة على الارض بحصة من نماء زرعها.

والايجاب: زارعتك وعاملتك على هذه الارض، أو سلمتها اليك للزرع، وما اشبه ذلك، مدة نصف سنة، على أن لكل منا نصف حاصلها مثلا.


والقبول: قبلت، ونحوه.وهو عقد لازم من الطرفين، يبطل بالتقايل، ويعتبر فيه ما يعتبر في العقود اللازمة.ويصح اشتراط السائغ الذي لا ينافي مقتضي العقد، ولا يقتضي جهالة، ولو شرط مع الحصة شيئا من ذهب أو فضة جاز على كراهة.

المساقاة: معاملة على أصول أشجار نابتة بحصة من ثمرها، وما جرى مجرى الثمر.

وهي عقد لازم من الطرفين، تبطل بالتقايل.

والايجاب: ساقيتك أو عاملتك، أو سلمت اليك هذا البستان لتعمل فيه مدة كذا، على أن لك نصف ثمرته مثلا، وما جرى هذا المجرى، ولابد من القبول لفظا، ويصح الاشتراط فيه كما سبق.

الشركة: عقد جائز من الطرفين، ثمرته جواز الاذن في التصرف لمن امتزج مالهما بحيث لا يتميز.

والصيغة: قولهما: اشتركنا، وما جرى مجراه.

فيجوز لكل منهما التصرف بما فيه الغبطة، ولو اختض أحدهما بالاذن جاز له التصرف خاصة، ومع طلاق الاذن يتصرف مع الغبطة كيف شاء متى شاء، ولو قيد بوقت، أو موضع، أو وجه لم يجز تجاوزه، ويجوز اشتراط السائغ، ولو شرطا التفاوت في الربح مع تساوي المالين أو التساوي فيه مع تفاوتهما فالاصح البطلان، الا أن تختص ذو الزيادة بالعمل أو بالزيادة فيه.

القراض: عقد جائز من الطرفين، ثمرته جواز التجارة بالنقد بحصة من ربحه.

والايجاب: قارضتك، أو ضاربتك، أو عاملتك على هذا المال، أو المال


الفلاني على أن الربح بيننا نصفين مثلا.

والقبول: ما دل على الرضى منهما.ولو شرط فيه من الشروط الجائزة من البيع على وجه مخصوص، أو في جهة معينة، أو على شخص معبن، أو إلى أمد معين لم يجز للعامل تجاوزه.الوكالة: عقد جائز من الطرفين، ثمرته الاستنابة في التصرف.

والايجاب: كل لفظ دل على الاستنابة، مثل: استنبتك، أو وكلتك، أو فوضت اليك، أوبع، أو اشتر كذا بكذا مثلا، أو اعتق عبدي، أو زوجني من فلانة، أو طلقها، ونحو ذلك.

ولو قال الوكيل: وكلتني أن أفعل كذا؟ فقال: نعم، أو أشار بما يدل على ذلك كفى في الايجاب، والظاهر أن سائر العقود الجائزة كذلك.ويكفي في القبول كل ما يدل على الرضى من قول أو فعل، ولا تشترط فوريته وينفسخ بفسخ كل منهما، فاذا فسخ الموكل اشترط على الوكيل، وكذا يشترط علم الموكل لو رد الوكيل، وبدونه يبقى جواز التصرف بالاذن بحاله وان لم يكن وكيلا.ويجب اتباع ما يشترط الموكل من الشروط الجائزة دون غيرها، ويلزم الجعل لو شرطه، فانه وكيل بالعمل الذي بذل الجعل في مقابله.

السبق والرمى: عقد لازم من الطرفين على أصح القولين، ويشترط فيه ما اشتركت فيه، العقود اللازمة.

والايجاب: آملتك على المسابقة على هذين الفرسين، ويعين ما يركبه كل منهما في مسافة كذا - فيعين ابتداؤها وانتهاؤها - على أن من سبق منا كان له هذه


العشرة المبذولة من بيت المال أو من أجنبي، أو العشرة التي بذلها اذا كان كل منهما قد أخرج عشرة.

ولو كان بينهما محال قال: على أن من سبق منا ومن المحلل كان له ذلك.

والقبول: مادل على الرضى لفظا.ولو كان رميا قال: عاملتك على المرامات من موضع كذا إلى الفرض الفلاني عشرين رمية عن قوس كذا، ويعين جنسه بحيث يتناوبان فيه، وكذا السهم، على أن من بادر مثلا إلى اصابة خمس من عشرين كان له كذا، فيقول: قبلت.

الوقف: عقد يفيد تحبيس الاصل واطلاق المنفعة، ولفظه الصريح: وقفت.وفي حبست وسبلت قول، والاولى اعتبار ما يدل على الوقف اليهما مثل: لا يباع ولا يوهب ولا يورث.وأما حرمت وتصدقت وأبدت فلابد من اقترانها بما يدل صريحا على الواقف.ويشترط القبول اذا تشخص الموقوف عليه، أما اذا وقف على جهة علة ففي اعتبار القبول ممن له أمرها قول، واعتباره أو في.ولابد من القبض ممن يعتبر قبوله في صحة الوقف باذن الواقف، ولا يشترط فوريته، انما يشترط فورية القبول كما يشترط في العقد ما تشترك فيه العقود اللازمة.ويكفي في المسجد أن يقول: جعلت هذه البقيعة مسجدا اذا صلى فيه شخص صلاة صحيحة على قصد القبض باذن الواقف.وتكفي صلاة الواقف بهذا القصد أو قبضه الحاكم بالتخلية المعتبرة في قبض امثاله.ويصح اشتراط ما لا ينافي مقتضى العقد اذا كان سابقا، واذا تم الوقف بشرائطه لم تبطل بالتقايل والتفاسخ بحال من الاحوال.


السكنى والرقبى والعمرى: عقد لازم ثمرته تسليط الساكن على استيفاء المنفعة المدة المشروطة، فان كانت مقرونة بالعمر فهي عمرى، أو بالاسكان فهي سكنى، أو بمدة معينة فهي رقبى.عبارات شتى والمقصود واحد.

ولابد من الايجاب: اسكنتك، أو اعمرتك، أو رقبتك هذا الدار مثلا مدة عمرك، أو عمري، أو شهرا.

وقبول: وهو ما دل على الرضى من الالفاظ التي سبقت غير مرة، وتعتبر فوريته، وكونهما بالعربية، إلى غير ذلك من الشروط.

وصيغة الصدقة: تصدقت عليك، أو على موكلك بكذا، فيقول: قبلت.وهما لازمات من الطرفين، فيشترط فيهما ما سبق.

الهبة: عقد يفيد انتقال الملك، ويقع على بعض الوجوه لازما أو آئلا إلى اللزوم.

والايجاب: وهبتك وملكتك واهديت اليك هذا، وكذا اعطيتك، وهذا لك.

والقبول: قبلت، ونحوه.

الوصية: عقد ثمرته تمليك العين أو المنفعة بعد الموت، فالايجاب: أوصيت بكذا، أو افعلوا كذا، أو اعطوا فلانا بعد وفاتي، أو لفلان كذا بعد وفاتي، أو جعلت له كذا.وعينت له كذا فهو كناية انما ينفذ مع البينة.والقبول انما يكون بعد الموت ولا يشترط القبول لفظا بل يكفي الفعل الدال عليه.

النكاح: عقد لازم من الطرفين، وهو دائم ومتعة.

الدائم: زوجتك، أو أنكحتك، أو متعتك نفسي بألف درهم مثلا.


ولو كان العاقد وكيلا قال: زوجتك موكلتي إلى آخر ما ذكر.

ولو كان العقد مع وكيل الزوج قالت: زوجت نفسي من موكلك، ولا تقول: زوجتك نفسي، بخلاف غير النكاح من العقود فانه يصح أن يقال للوكيل: بعتك.

والفرق: أن الامر في النكاح مبني على الاحتياط التام، وحل الفروج لا يقبل القل.ولو كان العاقد الوكيلين قال وكيلها: زوجت موكلتي من موكلك.والقبول: قبلت التزويج، ويصح قبلت وحده، وكذا كل لفظ يدل على الرضى بالايجاب.ولو كان العقد مع وكيل الزوج قال: قبلت لموكلي، ومتى كان وكيل أحد الزوجين أو وليه فلابد من تعينه بما يرفع الجهالة: اما بالاشارة، أو بالاسم المميز، أو بالوصف الرافع للاشتراك.

وصيغة المتعة: زوجتك: أو انكحتك، أو متعتك نفسي، أو موكلتي فلانة بقيت هذا اليوم، أو هذا الشهر مثلا بعشرة دراهم فيقول: قبلت إلى آخر ما سبق.ولو قيل للولي: زوجت بنتك من فلان بكذا؟ فقال الولي: نعم على قصد الانشاء ايجابا، فقال الزوج: قبلت، فالاصح عدم الانعقاد ولو قدم القبول على الايجاب فالاكثر على جوازه.ولابد من ايقاعه بالعربية، الا مع التعذر، وكونه بلفظ الماضي كسائر العقود اللازمة، ولو لم يذكر المهر في العقد صح في غير المتعة، ولا ينعقد النكاح بغير الالفاظ الثلاثة.

وصيغة التحليل: أحللت لك وطء فلانة، أو هذه، أو جعلتك في حل من وطئها ولو أراد تحليل مقدمات الوطء خاصة كالنظر واللمس والتقبيل قال: أحللت


لك النظر إلى بدن فلانة، أو لمسها، أو تقبيلها والاصح الاقتصار على لفظ التحليل، فلا يتعدى إلى الاباحة.ولو كانت لشريكين وكلا في التحليل واحدا، أو قال كل واحد منهما: أحللت لك وطأها، ولا يكفي أن يقول: أحللت لك وطء حصتي.ولابد من قبول، ولفظه مثل ما سبق، ويعتبر مع احلال الشريكين قبولان لتحليل كل قبول، ولا يشترط تعيين مدة، بل يكفي الاطلاق ويستصحب حكمه الا أن يمنع واذا احل الوطء حلت المقدمات دون العكس.ويجوز أن يجعل عتق أمة صداقها فيعتقها، ويزوجها ويجعل العتق مهرا لها، ولا فرق بين تقديم العتق والتزويج.

وصيغته: اعتقتك وتزوجتك وجعلت عتقك مهرك، وفي اشتراط قبولها تردد، واشتراطه أحوط.

وفي قول قوي انه يكفي في الايجاب: تزوجتك وجعلت مهرك عتقك، من دون أن يقول: واعتقتك.

وصيغة الفسخ في النكاح بالعيب وبالعتق ونحوهما: فسخت النكاح الذي بيني وبين فلان أو فلانة، وما أدى هذا المعنى.وفي نكاح العبد لامة مولاه: فسخت عقد كما، أو آمر كل واحد منهما باعتزال الاخر.

وعقد النكاح بأقسامه قابل للشروط السائغه التي لا تنافي مقتضى العقد، وانما يجب الوفاء منها بما وقع في متن العقد.ومتى أراد اشتراط شئ من الاجناس غير النقود وصف ما يشترط بصفات السلم، وهي ما بها ترفع الجهالة، ولو اعتبر قدر قيمته من النقد فاشترط في العقد فهو حسن.

الطلاق: لابد فيه من اللفظ الصريح فهو: أنت، أو هذه، أو فلانة، أو زوجتي طالق.ولا يقع بغير هذا اللفظ مثل: أنت طلاق، أو الطلاق، أو من المطلقات، أو طلقت


فلانة. ولو قيل للزوج: طلقت فلانة؟ فقال: نعم، لم يقع وان قصد الانشاء. وكذا لا يقع بالكنايات وان قارنتها النية مثل: انت خلية، أو برية، أو حرام، أو اعتدي. ولا يقع بالاشارة الا مع العجز عن النطق كالاخرس، ولا بالكناية مع القدرة على النطق، نعم لو كتب العاجز مع النية وقع. ولو قال: أنت طالق لرضى فلان، فان قصد الغرض صح، لاقتضائه التعليل، وان قصد التعليق بطل. ولو قال: أنت طالق ان كان الطلاق يقع بك، فان جهل حالها لم يقع وان كانت طاهرا، لان الشك في الشرط يقتضي بالشك في المشروط فكان تعليقا، بخلاف ما اذا علم طهرها فانه يقع. ولو عقب الصيغة بالمبطل، كأن قال للطاهر المدخول بها: أنت طالق للبدعة لم يقع. وتصح الرجعة في الرجعي باللفظ مثل: راجعتك، ورجعتك، وارتجعتك. ولو قال: رددتك إلى النكاح، أو أمسكنك كان رجعة مع النية. ولابد من تجريد الصيغة عن الشرط. وبالفعل كالوطء، والتقبيل، واللمس بشهوة اذا وقع عن قصد، لا من نحو النايم والساهي. ورجعت الاخرس بالاشارة، وكذا العاجز عن النطق. الخلع: ولابد فيه من سؤال الخلع، أو الطلاق بعوض يصح تملكه من الزوجة أو وكيلها أو وليها لا الاجنبي، مثل: طلقني على ألف مثلا، واخلعني على كذا، وعلى مالي في ذمتك اذا كان معلوما متمولا، وكذا يشترط في كل فدية. ولابد من كون الجواب على الفور، وصورته: خلعتك على كذا، أو أنت مختلعه على ذلك، أو أنت طالق على ذلك. ويشترط سماع شاهدين عدلين لفظة الطلاق، وتجريده من شرط لا يقتضيه


الخلع بخلاف ما يقتضيه، مثل: ان رجعت في البدل رجعت في الطلاق. ولو كان السؤال من وكيلها أو وليها قال: بذلت لك كذا على أن تطلق فلانة به، أو طلق فلانة على كذا، فيقول الزوج: هي طالق على ما بذلت عنها، أو على ذلك. ولو طلبت طلاقا بعوض فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع، وبالعكس يقع، ويلزم البذل ان قلنا: ان الخلع طلاقا، وهو الاصح.

المباراة: مثل الخلع في الصيغة والشرط، ويزيد كون الكراهية من كل من الزوجين لصاحبه، وفي الخلع تعتبر كراهيتها اياه، وكون الفديه بقدر المهر أو أقل لا أزيد، بخلاف الخلع، الا انه لا يقع لمجرده، بل لابد من اتباعه بلفظ الطلاق. وصورة السؤال: بارئني على كذا، فيقول: بارئتك على ذلك فأنت طالق.

الظهار: صيغته: أنت علي كظهر أمي، أو زوجتي، أو هذه، أو فلانة. ولا ينحصر في هذه العبارات، بل كل لفظ واشارة تدل عليها. ولو قال: أنت مني، أو عندي، أو معي كظهر أمي وقع. وكذا لو اقتصر على قوله: أنت كظهر أمي. ولو قال: أنت علي كامي لم يقع وان قصد الظهار في قوله، وكذا قوله: أنت أمي، أو زوجتي أمي. ولو قال: جملتك، أو ذاتك، أو بدنك، أو جسمك علي كظهر أمي وقع، بخلاف ما لو قال: امي امرأتي، أو مثل امرأتي. وكذا لو قال: يدك علي كظهر امي، أو فرجك، أو بطنك، أو رأسك، أو جلدك وكذا لو عكس فقال: أنت علي كيد امي أو شعرها، أو بطنها، أو فرجها. وكذا لو قال: أنت كزوج امي أو نفسها، فان الزوج ليست محل الاستمتاع. ولو قال: أنت علي حرام لم يقع وان نوى به الظهار. وفي أنت علي حرام


كظهر امي تردد، بخلاف ما لو قال: أنت علي كظهر امي حرام، أو أنت حرام أنت علي كظهر امي أو أنت كظهر امي طالق. ولو قال: أنت طالق كظهر امي قيل: وقع الطلاق خاصة وان قصدهما وكان الطلاق رجعيا. ولو قال: على الظهار أو الظهار يلزمني لم يقع.

الايلاء: هو الحلف على ترك وطء الزوجة بلفظة الوطء، أو تغيب الحشفة في الفرج وكذا الايلاج والنيك. أما الجماع، والمباضعة، والملامسة، والمباشرة، فيقع بها مع النية لا بدونها، ولا ينعقد الا بأسماء الله تعالى الخاصة. وصيغته: والله لا وطأتك أبدا، أو خمسة أشهر، أو حتى أذهب إلى الصين وأعود وهو بالعراق. والضابط في المدة أن تزيد على أربعة اشهر علما أو ظنا، بخلاف ما لو حلف على الامتناع أربعة فما دون، أو قال: حتى أعود من الموصل وهو ببغداد مثلا، فانه لايعد ايلاء‌ا. وضابط هذا ما يحصل في الاربعة علما أو ظنا، أو احتمل الحصول وعدمه على السواء. ولو كرر اليمين كذلك، كما لو حلف على الامتناع أربعة أشهر، وقبل خروجها حلف كذلك لم يكن موليا. ولو حلف بغير الله تعالى وأسمائه كالعتاق والظهار، والصدقة، والكعبة، والنبي، والائمةعليهم‌السلام ، أو التزام صوم أو صلاة أو غير ذلك لم ينعقد. وكذا لو قال: ان وطأتك فلله علي صلاة أو صوم. ويشترط تجريده عن الشروط، ولو قال لاربع: لاوطأتكن لم يكن موليا في الحال، وله وطء ثلاث، فاذا فعل كان حكم الايلاء ثابتا في الاربعة. ولو قال: لا وطأت واحدة منكن، فان أراد تعلق اليمين بكل واحدة فالايلاء من الجميع، فان وطأ واحدة حنث وانحلت، وان أراد واحدة معينة قبل قوله، ولو أراد مبهمة


ففي وقوع الايلاء وتعلقه بواحدة منهن يتعين يتعينه نظر. وان اطلق اللفظ ولم يرد واحدا من الامور الثلاثة لم يبعد كونه موليا من الجميع.

اللعان: وصيغته - بعد القذف بالزنا قبلا أو دبرا للزوجة المحصنة، الدائمة، البالغة، الرشيدة، السليمة من الصمم والخرس، وان لم يكن مدخولا بها، الا أن يكون بسبب اللعان ففي الولد فيشترط كونه لاحقا به ظاهرا وذلك يستلزم الدخول - أن يقول الزوج أربعة مرات بتلقين الحاكم: أشهد بالله أني لمن الصادقين فميا رميت فلانة، أو هذه زوجتي بحيث يتميز، ثم يعظه الحاكم ويخوفه، فان رجع أو نكل عن اكمال اليمين صده وسقط اللعان. وان أصر أمره أن يقول: ان لعنة الله علي ان كنت من الكاذبين، فاذا قال ذلك ترتب على المرأة الحد. ولها أن تسقطه بأن تقول أربع مرات: اشهد بالله انه لمن الكاذبين فيما رماني به، فاذا قالت ذلك وعظها الحاكم وخوفها وقال لها: ان عذاب الدنيا اهون من عذاب الاخرة، فان رجعت أو نكلت عن اكمال اليمين رجمها، وأن أصرت أمرها أن تقول: ان غضب الله علي ان كان من الصادقين. ويشترط أن يكون ذلك عند الحاكم أو منصوبه، ولابد من النطق بالعربية مع الامكان، واعتماد هذا الترتيب، ورعاية لفظ الشهادة على الوجه المذكور، وكذا لفظ الجلالة، ولفظ اللعن والغضب، ولفظ الصدق والكذب مع لام الابتداء والموالات بين الكلمات، وسبق لعان الرجل، وقيامه عند لعان كل منهما.

العتق: وصيغته من جائز التصرف: أنت، أو هذا، أو عبدي فلان حر، أو عتيق، أو معتق. ولابد من وقوع اللفظ على قصد الاتشاء، فلو قال لمن اسمها حرة: أنت حرة على قصد الاخبار لم تعتق، بخلاف ما لو قصد الانشاء للعتق، ولو جهل


قصده وأمكن استعلامه رجع اليه وقيل قوله، وان تعذر لم يحكم بالعتق بمجرد الاحتمال. ولو قال: يا حرة، أو يا معتق لم يقع وان قصد الانشاء. ولابد من كونه على وجه القربة وان صرح بها في الصيغة كأن أكمل. ولا يقع بغير التحرير والاعتاق، سواء كان صريحا نحو: فك الرقبة، وازالة قيد الملك، أو كناية نحو: أنت سائبة، أو لا سبيل عليك. وكذا لا يقع بالاشارة والكتابة الا مع العجز عن النطق، ولا بغير العربية مع القدرة عليها. ويجب فيها مراعاة مادة اللفظ وصورته. ويشترط تنجيزه، فلا يقع معلقا على شرط أو صفة، مثل: ان دخلت الدار، أو اذا طلعت الشمس. ولو قرنه بشرط لم يضر مثل: أنت حر على أن عليك خدمة سنة مثلا، أو مائة درهم. ويشترط قبول العبد في الثاني، فيبطل العتق ان لم يقبل، بخلاف الاول. ولابد من ايقاع العتق على الجملة، أو على جزء شايع مثل نصفك أو ثلثك بخلاف مالو قال: يدك ورجلك. ولو قال: بدنك أو جسدك فالوقوع قوي.

التدبير: صيغة تقتضي عتق المملوك بعد وفاة مولاه ومن جرى مجراه، كمن جعلت له الخدمة.

وصيغة: أنت حر بعد وفاتي، أو اذا مت فأنت حر أو معتق، أو عتيق. ولو قال: أنت مدبر، ففي وقوعه نظر، ولو عقبه بقوله فاذا مت فأنت حر صح اجماعا. ولا يفرق في أدوات الشرط بين أن يقول: ان مت، أو اذا مت، أو أي وقت مت. وكذا ألفاظ التدبير مثل: أنت حر أو فلان وتميزه، أو هذا. والتدبير ينقسم إلى مطلق كما سبق، ومقيد مثل: اذا مت في سفري هذا، أو سنتي هذه، أو في مرضى، أو شهري، أو بلدي فأنت حر ولا يقع معلقا بشرط


أو صفة مثل: ان قدم زيد، أو اذا أهل شوال فأنت حر بعد وفاتي.وقد يسأل عن الفرق بين هذا وبين المقيد.ولو قال الشريكان: اذا متنا فأنت حر، انصرف قول كل منهما إلى نصيبه وصح التدبير، ولم يكن ذلك تعليقا على شرط.ولو ثبت في أحدهما بنصيبه خاصة اختص بالانعتاق، بخلاف ما لو قصد عتقه بعد موتهما فانه يبطل التدبير.

الكتابة: وهي معاملة مستقلة غير البيع، وهي عقد لازم من الطرفين، سواء كانت مطلقة أو مشروطة على الاصح، فانه يجب على العبد السعي فيها أيضا، ويجير عليه لو امتنع. وتبطل بالتقايل، والابراء من مال الكتابة فينعتق وبالاعتاف بالعجز في المشروطة. فالايجاب أن يقول: كاتبتك على ألف مثلا واجلتك فيها إلى شهر على أن تؤدي جميعها عند آخر الشهر، أو في نجمين مثلا، أو ثلاثة. ولابد من تعيين النجوم كرأس عشرة أيام أو خمسة عشر. والقبول: قبلت، وكل ما جرى مجراه من الالفاظ الدالة على الرضى، هذا اذا كانت مطلقة، ولو كانت مشروطة أضاف إلى ذلك قوله: فأن عجزت فأنت رد في الرق. ومهما اشترط المولى على المكاتب في العقد لزم اذا لم يخالف المشروع. وهل يجب في كل من الصيغتين إلى قوله: فان أديت فأنت حر؟ فيه احتمال، فان لم توجبه فلابد من نيته.

اليمين: وانما ينعقد باللفظ الدال على الذات المقدسة مع النية مثل: والله، وبالله، وتالله، وهالله، وأيمن الله، وأيم الله، وم الله، ومن الله، والذي نفسي بيده، ومقلب القلوب والابصار، والاول الذي ليس كمثله شي ء، والذي فتق الحبة وبرأ النسمة.


أو باسمائه المختصة به مثل، الرحمن، والقديم، والازلي. أو بأسمائه التي ينصرف اطلاقها اليه، وان اطلقت على غيره مجازا مثل: الرب، والخالق، والرازق، بشرط القصد في الجميع لا بدونه، ولا ينعقد بما لا ينصرف اطلاقه اليه كالموجود، والحي، والسميع، والبصير، وان نوى بها الحلف، ولا بقدرة الله وعلمه اذا قصد المعاني، بخلاف ما اذا قصد كونه ذا قدرة وذا علم. ولو قال: وجلال الله وعظمته وكبرياء الله، ولعمر الله وأقسم بالله وأحلف بالله، واقسمت بالله، وحلفت بالله أن قصد به الله الحق أو المستحق للالاهيه في قول، لا ان قصد به ما يجب لله على عباده. وكذا لا تنعقد لو حلف بالطلاق والعتاق، أو المخلوقات المشرفة كالنبي والائمة عليه وعليهم‌السلام على قول، ونحو ذلك. والاستثناء بمشيئة الله تعالى يوقف اليمين مع الاتصال عادة. فلا يضر التنفس والسعال ونحوهما والنطق به فلا أثر لنية بدون نطق.

النذر: التزام المكلف المسلم القاصد طاعة مقدورة ناويا القربة بقوله: ان عافاني الله مثلا فلله علي صدقة، أو صوم، أو غيرهما مما يعد طاعة. ومثله: ان وفقني الله للحج، أو أعطاني مالا مثلا، أو أعانني على منع النفس بالمعصية فلله علي صدقة، وهذا نذر البر والطاعة. ولو قال: ان عصيت الله فلله علي صلاة على قصد منع النفس انعقد وهو: نذر اللجاج والغضب، ومنه مالو قال: ان لم أحج مثلا فلله علي صلاة قصد الحث على الفعل. ويصح النذر بغير شرط على أصح القولين، وهو التبرع ولابد من التلفظ بالصيغة، فلو نواها لم ينعقد على الاصح، نعم يستحب الوفاء.


ويشترط في المنذور أن يكون طاعة مقدورا، بخلاف اليمين فانها تنعقد على المباح اذا تساوى فعله وتركه في الدين والدنيا.

العهد: كالنذر في ذلك، وصيغته: عاهدت الله، أو على عهد الله انه متى كان كذا فعلي كذا. ولو جرده عن الشرط، مثل: على عهد الله أن أفعل كذا. ويشترط فيه ما يشترط في النذر، والخلاف في انعقاده بالنية كالنذر.

الاخذ بالشفعة: وقد يكون فعلا بأن يأخذه الشفيع ويدفع الثمن، أو يرضى المشتري بالصبر فيملكه حينئذ. وقد يكون لفظأ كقولك: أخذته، أو تملكته، أو أخذت بالشفعة، وما أشبه ذلك. ويشترط علم الشفيع بالثمن والمثمن معا، ويجب تسليم الثمن أولا، فلا يجب على المشتري الرفع قبله.

عقد تضمن الجريرة: أن يقول أحد المتعاقدين: عاقدتك على أن تنصرني وانصرك، وتدفع عني وادفع عنك، وتعقل عني واعقل عنك، وترثني وارثك. فيقول: قبلته، وهو من العقود اللازمة، فيلزم فيه ما يلزم فيها. صورة حكم الحاكم الذى لا ينقض: أن يقول الحاكم بعد استيفاء المقدمات: حكمت بكذا، أو أنفذت، أو أمضيت، أو ألزمت، أو ادفع اليه ماله، أو اخرج من حقه، أو يأمره بالبيع، ونحو ذلك. ولو قال: ثبت عندي حقك، أو أنت قد أقمت بالحجة، أو دعواك ثابته شرعا لم يعد ذلك حكما. والفرق بينه وبين الفتوى: أن متعلقه لا يكون الا شخصا، ومتعلق الفتوى كليات. والحكم بالحجر والسفه والفلس قسم من الحكم، وأخذ المال في الدين


ونحوه مقاصة في موضع الجواز لا يشترط فيه اللفظ، بل يكفي الفعل المقترن بما يدل على ارادة ذلك، وان أتى بصيغة على ذلك كان أولى، وكذا التمليك للعبد الجاني عمدا أو خطا. واما الاقرار: فليس من العقود والايقاعات في شئ، لانه ليس بانشاء، وانما هو اخبار جازم عن حق لازم للمخبر.

وضابطه: كل لفظ دال على اشتغال ذمة المقر بحق كقوله له: علي، أو عندي، أو في ذمتي، أو قبلي كذا. بالعربية وغيرها، بشرط علمه بمدلول ما تلفظ به. ولو قال: نعم، أو أجل عقب قول المدعى: لي عليك كذا، فهو اقرار. ومثله قوله عقيبه: صدقت، أو برئت، أو أنا مقر لك به، أو بدعواك. وكذا لو قال: قبضتك اياه، أو بعتنيه، أو وهبتنيه، أو بعته، ففي كونه اقرارا قولان، أصحهما المساوات، بخلاف ما لو قال، اتزنه، أو زنه، أو خذه، أو عده، أو علق الاقرار بشرط، مثل: له علي كذا ان دخل الدار واذا طلعت الشمس، وان كانه التعليق بمشيئة الله تعالى على الاصح، الا أن يصرح بانه قصد التبرك.

وكذا لو قال: اذا جاء رأس الشهر، الا أن يعتبر ارادة التأجيل. ومثله ما لو قال: ان شهد فلان فهو صادق، وان شهد فانه لا يكون مقرا في شئ من ذلك. ولو قال له في داري، أو في ميراثي من أبي كذا، فان قال: بحق واجب، أو بسبب صحيح ونحوه لزم، وان أطلق ففي كونه اقرارا قولان أصحهما نعم. ولو أبهم الاقرار في شيئين طولب بالبيان، ولو أقر بلفظ فيهم فهو أنواع، ولو استثنى من المقر به فله أقسام، وأحكام جميع ذلك مذكورة في معادنه من كتب الاصحابرحمهم‌الله فليطلب هناك. وليكن هذا آخر الرسالة، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسوله محمد وآله الطاهرين المعصومين.


(٥) الرسالة الرضاعية



الحمد لله كما هو أهله، والصلاة على محمد وآله.

اعلم وفقك الله أنه قد أشتهر على ألسنة الطلبة في هذا العصر تحريم المرأة على بعلها بارضاع بعض ما سنذكره، ولا نعرف لهم في ذلك أصلا يرجعون اليه من كتاب الله، أو سنة، أو اجماع، أو قول لاحد من المعتبرين، أو عبارة يعتد بها تشعر بذلك، أو دليل مستنبط في الجملة يعول على مثله بين الفقهاء.

فان الذين شاهدناهم من الطلبة وجدناهم يزعمون أنه من فتاوى شيخنا الشهيد قدس الله روحه، ونحن لاجل مباينة هذه الفتوى لاصول المذهب استبعدن كونها مقالة لمثل شيخنا على غزارة علمه وثقوب فهمه، لاسيما ولا نجد لهؤلاء المدعين لذلك اسنادا يتصل بشيخنا في هذه الفتوى يعتد به، ولا مرجعا يركن اليه ولسنا نافين لهذه النسبة عنهرحمه‌الله استعانة على القول بفساد هذه الفتوى، فان الادلة على ما هو الحق اليقين واختيارنا المبين بحمد الله كثيرة جدا، لا يستوحش معها من قلة الرفيق. نعم اختلف اصحابنا في ثلاث مسائل، قد يتوهم منها القاصر عن درجة


الاستنباط أن يكون دليلا لشئ من هذه المسائل، أو شاهدا عليها، وسنبين المسائل التي نحن بصددها ممالم يتعرض له الاصحاب، والثلاث التي ذكرنا للاصحاب فيها اختلافا، معطين البحث حقه في المقامين، سالكين محجة الانصاف في المقصدين، غير تاركين لاحد في ذلك تعللا مادام على جادة العدل متحليا بحلية التحقيق. وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الله تعالى، فنقول: المسائل المتصورة في هذا الباب كثيرة لا تكاد تنحصر، والذي سنح لها ذكره الان خارجا عن المسائل الثلاث المشار اليها:

أ: أن ترضع المرأة بلبن فحلها الذي هي في نكاحه حين الارضاع أخاها أو أختها لابويها أو لاحدهما.

ب: أن ترضع ولد أخيها.

ج: أن ترضع ولد اختها.

د: أن ترضع ولد ولدها ابنا أو بنتا، ومثله ما لو ارضعت احدى زوجتيه ولد ولد الاخرى.

ه‍: أن ترضع عمها أو عمتها.

و: أن ترضع خالها أو خالتها.

ز: أن ترضع ولد عمتها.

ح: أن ترضع ولد خالها أو ولد خالتها.

ط: أن ترضع أخا الزوج أو اخته.

ي: أن ترضع ولد ولد الزوج.

يا: أن ترضع ولد أخ الزوج أو ولد اخته.

يب: أن ترضع عم الزوج أو عمته.


يج: أن ترضع خال الزوج أو خالته.

فهذه ثلاث عشرة صوره يتبين بها حكم مالم نذكره، أما المسائل الثلاث التي اختلف فيها الاصحاب: فالاولى: جدات المرتضع بالنسبة إلى صاحب اللبن هل تحل له أم لا؟ قولان للاصحاب.وقريب منه ام المرضعة وجداتها بالنسبة إلى أب المرتضع.

الثانية: أخوات المرتضع نسبا أو رضاعا بشرط اتحاد الفحل هل يحللن له أم لا؟ قولان أيضا.

الثالثة: أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا، وكذا أولاد المرضعة ولادة وكذا رضاعا مع اتحاد الفحل بالنسبة إلى اخوة المرضع هل يحللن لهم أم لا؟ قولان أيضا.اذا عرفت ذلك فالذي يدل على عدم التحريم في المسائل الاول وجوه: الاول: التمسك بالبراء‌ة الاصلية، فان التحريم حكم شرعي، فيتوقف على مستند شرعي.فان قيل: كما أن التحريم حكم شرعي فكذا الاباحة أيضا حكم شرعي، فالمطالبة بالمستند أيضا قائمة.

أجبنا بوجهين:

أحدهما: انه قد تقرر في الاصول أن الاصل في المنافع الاباحة، والمتنازع منفعة، لانه الفرض، فيكون مباحا.

الثاني: ان القائل بالتحريم مثبت، والقائل بالاباحة ناف، وقد تقرر أيضا أن النافي لا دليل عليه، فيختص مدعي التحريم بالمطالبة بالدليل. فان قيل: القائل باحدى المقالتين ناف للاخرى، فلم خصصت القائل بالاباحة بكونه نافيا؟


قلنا: معلوم أن التحريم أمر زائد على أصل الذات، والمانع له يكتفي في المنع برده وان لم يصرح بدعوى الاباحة، وحينئذ فالاباحة ثابتة بطريق اللزوم. والتحقيق أن يقال: ان أردت بالاباحة: الاذن الصريح المسوغ لذلك، فمسلم توجه المطالبة عليه، ونحن لا ندعيه، فان مطلوبنا غير متوقف عليه.

وان أردت الاباحة المستفادة من الاصل المقرر المذكور سابقا، فهو مدعانا، ولا نسلم توجه المطالبة حينئذ. فان قيل: الاصل حجة مع عدم الدليل الناقل وقد وجد هاهنا، فان الروايات التي سنذكرها تدل على التحريم. قلنا: أما الروايات فسيأتي الكلام عليها في الموضع اللائق بها، ونبين أن لا حجة فيها، ولا دلالة بوجه من الوجوه، وتتبع ذلك بها وجدناه من كلام الفقهاء الدال على المراد.

الثاني: عموم آيات الكتاب العزيز الدالة على الاباحة مطلقا، مثل قوله تعالى: " فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "(١) ، فانها بعمومها تتناول محل النزاع، فان ما من ادوات العموم.

وكذا قوله تعالى: " وأنكحوا الايامى منكم "(٢) والايامى جمع أيم، وهي التي لا زوج لها، بكرا كانت أو ثيبا، والجمع المعرف باللام للعموم، فيشمل محل النزاع. وغير ذلك من عمومات الكتاب والسنة الدالة على التزويج من غير تعيين، فانها بعمومها تتناول محل النزاع، وهي كثيرة جدا، بل لا تحصى، وظاهر

____________________

(١) النساء: ٣.

(٢) النور: ٣٢.

(*)


العموم حجة كما تقرر في الاصول.

فان قيل: العموم في ما ادعيته غير مراد قطعا، لتناول ظاهره ما ثبت تحريمه، فتنتفي دلالته.

قلنا: ما ثبت فيه التحريم يخص من العموم ويبقى ما عداه على حكمه، فان العام المخصوص حجة في الباقي.

فان قيل: يخص العموم في المتنازع فيه أيضا.

قلنا: التخصيص بغير دليل باطل، ولا دليل سوى القياس على ما ثبت فيه التحريم من المحرمات بالرضاع، ولا يجوز التمسك به فضلا عن أن يخص به عموم الكتاب.

الثالث: قوله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلك "(١) بعد تعداد المحرمات المذكورة في الاية، وذلك نص في الباب، ودلالته على المطلوب أظهر، فان المعنى والله أعلم: وأحل لكم ماعدا تلك المحرمات المذكورة قبل هذه.

ومعلوم أن شيئا من المتنازع فيهن ليس عين شئ من المحرمات المذكورة في الاية، ولا داخلا في مفهومه، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه المعتبرة في الدلالة، فاذا عدد الحكم أنواعا وخصها بالتحريم، ثم أحل ما سواها امتنع عدم الحل في غير المذكورات والا لكان من مغريا بالقبيح.

فان قلت: قد ثبت التحريم في البعض من غير المذكورات، كالمطلقة تسعا للعدة، والمعقود عليها في العدة مع العلم والدخول، وغير ذلك.

قلنا: انما يثبت المنع ويلزم المحذور لو لم يكن هناك معارض ينتهض مخصصا لكتاب الله، أما معه فلا محذور، ولا شئ مما ادعى تحريمه خارجا عن المذكور في الاية بثابت فية التحريم الا وله شاهد يتمسك بمثله ويصلح لتخصيص الكتاب.

____________________

(١) النساء: ٢٤.

(*)


والفرض أن المتنازع لاشاهد له أصلا ورأسا، فمن ادعى شيئا فعليه البيان.

الرابع: الاجماع، فان جميع العلماء ممن نقلت أقوالهم واشتهرت مصنفاتهم عدو المحرمات في النكاح وأباحوا نكاح ما سواها، ولم يعد أحد منهم شيئا من المتنازع في جملة المحرمات، بل ولا ينقل عن أحد من الاثبات الذين يرجع إلى اقوالهم ويعول على أمثالهم، بل في عبارة بعضهم ما يدل على المدعى، وسنشير اليه في موضعه.

فمن ادعى التحريم في شئ من ذلك احتاج مع اقامة الدليل إلى سلف يوافقه، حذرا من أن يكون خارقا للاجماع.

فان قيل: هذا الاجماع الذي ادعيته لو ثبت لكان اجماعا سكوتيا، وهو غير حجة عند المحققين كما تقرر في الاصول.

قلنا: الاجماع السكوتي حقيقته أن يفتي واحد من أهل العصر بحضرة الباقين فلا يصرحون بوفاته ولا يردون فتواه.

ولا كذلك محل النزاع، لان الفقهاء لما عقدوا للمحرمات في النكاح بابا واستوفوا أقسامهن فيه، وتحرزوا أن لا يدعوا من أقسام المحرمات شيئا الا ذكروه، كان ذلك جاريا مجرى التصريح بحل ما سواهن، وهذا حقيقي لا سكوتي.

فان قيل: قد ذكرت في ما سبق نسبة القول بذلك إلى الشهيدرحمه‌الله ، فقد ثبت القائل بالتحريم، فحصل السلف واندفع المحذور.

قلنا: هذه النسبة غير ثابتة عندنا، فانا لم نجدها في مصنف منسوب اليهرحمه‌الله ، ولا سمعناها ممن يركن إلى قوله سماعا يوثق بمثله ويستند اليه، وانما كنا نجدها مكتبة في ظهر بعض كتب الفقه مستندة اليه، وفي خلال المحاورة كنا نسمعها من بعض الطلبة الذين عاصرناهم، وهؤلاء أيضا لو طولبوا باسناد في ذلك تسكن النفس إلى مثله لم يجدوا اليه سبيلا.ومثل هذا لا يشفي غلة، ولا يقطع علة.

وقد رأيت في عصري كثيرا من الحواشي والقيود منسوبة اليهرحمه‌الله وأنا


أجزم بفساد تلك النسبة.

والسر في ذلك تصرف الطلبة الذي تعز سلامته من الزيادة والنقصان، أو الخطأ وسوء الفهم.

وما هذا شأنه كيف يجوز أن يجعل قولا لاحد من المعتبرين، أو يجترأ به على مخالفة الاجماع، أو ما يكاد يكون اجماعا ومخالفة ظاهر الكتاب والسنة والادلة الجلية الصريحة، ويجزم لاجله بتحريم ما هو معلوم الحل، ويقطع به عقد النكاح، وتحل زوجة الرجل بسببه لمن سواه، ويحكم بسقوط أحكام الزوجية الثانية شرعا بغير شبهة، ان هذا أمر عظيم وبلاء مبين.

الخامس: الاستصحاب، وهو من وجوه:

أ: استصحاب الحال، فان الزوجة حل قبل الرضاع المذكور، والاصل بقاء ما كان على ما كان إلى أن يثبت الناقل عن حكم الاصل الثابت، ولم يوجد.

ومن ادعى شيئا فعليه البيان، وما يمكن أن يتعلق به الخصم من الاخبار بأضعف سبب سنبين ما فيه مستوفا انشاء الله تعالى.

ب: استصحاب الاجماع إلى موضع النزاع، فان المرأة قبل الرضاع المذكور حلال اجماعا، فكذا بعده، عملا بالاستصحاب، وهذان النوعان من الاستصحاب حجة كما بين في موضعه.

ج: ان حقوق الزوجية ثابتة قبل الرضاع المذكور من الطرفين فكذا بعده، لما تقدم من الاستصحاب، فنفيها يحتاج إلى دليل.

السادس: الاحتياط، فان الفروج مبينة على الاحتياط التام، ولا ريب أن حل المرأة لغير من هي زوجة له بمجرد الرضاع المذكور قول مجانب للاحتياط، بل للتدين، وفيه من الاجتراء على الله، ومخالفة لارشاد السنة المطهرة ما هو بين جلي.

فان قيل: بقاء المرأة المذكورة على حكم النكاح مع بعلها أيضا مخالفا للاحتياط فيعارض الاحتياط بمثله.


قلنا، لا نسلم، فان ذلك انما يخالف الاحتياط لو كان الدليل من الكتاب أو السنة أو الاجماع على خلافه، أو كان ثم اختلاف الفقهاء ظاهر شهير، على انه لو ثبت ذلك لم يستويا، فان الحكم بحل ما يثبت تحريمه ليس كالحكم بحل ما كان حلالا، واين هذا من ذلك !؟ السابع: انتفاء المقتضي للتحريم في المسائل المذكورة من حيث المراد بالمعنى، والمراد بالمعنى: ما يصلح كونه علة للحل في العلة المستنبطة.

أما في الاولى، فلان المرتضع - أعني أخا المرضعة - صار ولدا لها وللفحل وأخت الولد انما تحرم بالبنوة أو بالدخول بامها.

ولهذا اذا انتفى الامران جاز النكاح، كما في أخت أخ الولد مع اختلاف العلاقة.

ومعلوم انتفاء الامرين هنا، على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انما قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "(١) ، واخت الولد انما تحرم من جهة النسب اذا كانت بنتا، والا فتحريمها بالمصاهرة، أعني كونها ربيبة مدخولا بأمها، والرضاع كالنسب لا المصاهرة.

وأما الثانية، فلان أقصى ما يقال: ان الزوجة - أعني المرضعة - صارت أما للولد وهي عمته، ولا يلزم من ذلك تحريم، لان عمة الولد انما تحرم على من هي أخته، اذ ليس في الكتاب والسنة ما يدل على تحريم عمة الولد بوجه من الوجوه، الا اذا كانت اختا.

وحينئذ فالتحريم بسبب آخر لا بسبب عمومة الولد، ولا أخوة بين المذكورة وبين أبي المرتضع - أعني زوجها - بنسب ولا رضاع.

والحكم في المسألة الثالثة اظهر، لان خالة الولد لا تحرم الا للجمع بينها وبين اختها، وذلك منتف هنا.

وأما الرابعة، فلان أقصى ما يقال: ان المرضعة صارت جدة ولد الولد من

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٣: ٢٠٥ حديث ١٤٦٧.

(*)


الرضاعة، وانتفاء تحريم جدة الولد من الرضاعة سيأتي بيانه في المسائل الثلاث التي هي موضع خلاف للاصحاب، على أنه لو ادعى انتفاء التحريم فيها بغير خلاف أمكن، نظرا إلى لحوق الرضاع المشكوك في كونه محرما للنكاح المعلوم حله وان بعد، لان الظاهر عدم الفرق.

وأما الخامسة، فلان المرضعة - أعني الزوجة - قد صارت بنت أخ ولد صاحب اللبن، وبنت أخ الولد انما تحرم بأحد السببين السابقين، أعني: كونها بنت الابن، أو كونها بنت ابن الزوجة المدخول بها، وكلاهما منتف هنا.

وأما في السادسة فلان المرضعة صارت بنت اخت ولده، والتقريب ما تقدم.

ومن ذلك يعلم الوجه في السابعه والثامنة، لان المرضعة صارت بنت ابن عم ولده، أو عمته، أو بنت ابن خال ولده، أو خالته.

وأما في التاسعة، فلان الزوجة قد صارت ام أخ الزوج، وام الاخ انما تحرم بالامومة، أو بكونها مدخولة الاب.

وأما في العاشرة، فلانها وان صارت أما لحافده الا أنها لا تحرم الا بكونها زوجة ولده.

وأما في الحادية عشرة فأظهر، لان أم ولد الاخ لا تحرم.

وأما الثانية عشرة، فلانها وان صارت أم عمه أو عمته لا تحرم، اذ المحرم في ذلك اما أمومة الاب، أو كونها مدخولة الجد.

وقريب منه الحكم في الثالثة عشرة.

ومما يشهد لذلك من عبارات الفقهاء قول الشيخ في المبسوط بعد أن ذكر أحكام الرضاع: فاذا ثبت هذا فانما يحرم من الرضاع من الاعيان السبع التي مضت حرفا بحرف(١) .

وأراد بالاعيان السبع: الامهات، والبنات، والاخوات،

____________________

(١) المبسوط ٥: ٢٩١.

(*)


والعمات، والخالات وبنات الاخ، وبنات الاخت.

وهذا صريح في المراد.

وقال أيضا: يجوز للفحل أن يتزوج بأم المرتضع وبنته واخنه وجدته.

ويجوز لوالد هذا المرتضع أن يتزوج بالتي ارضعته، لانه لما جاز أن يتزوج ام ولده من النسب، فبأن يجوز أن يتزوج بام ولده من الرضاع أولى.

قالوا: أليس لا يجوز أن يتزوج النسب، ويجوز أن يتزوج بام ام ولده من الرضاع، فكيف جاز ذلك وقد قلتم انه يحرم من الرضاع مايحرم من النسب؟ قلنا: ام ام ولده من النسب، ما حرمت بالنسب، بل بالمصاهرة قبل وجود النسب، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انما قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(١) لا فانظر إلى ما أرشد اليه رحمة الله من التعليل والتوجيه، وأن التحريم في الرضاع فرع التحريم في النسب في مالم يثبت نظير لحمة النسب حقيقة للتحريم وحكى العلامة في المختلف عبارة ابن حمزة، وهي لا تخلو من اضطراب، ولكن ذكر في آخرها ما صورته: ويجوز للفحل التزوج بأم الصبي وجداته ولوالد الصبي التزويج بالمرضعة وبأمها وبجدتها(٢) .

وقال ابن البراج في المهذب: ويجوز أن يتزوج الرجل بالمرأة التي ارضعت ابنه، وكذلك بزوجها من بنيه غير الذي ارضعته، لانها ليست أما لهم وانما هي ام اخيهم الذي ارضعته، فلا تحرم عليهم، لانها ليست بزوجة لابيهم، وانما حرم الله سبحانه نساء الاباء، وهذه المرأة ليست من الاب بسبيل.

وهكذا يجوز أن يتزوجوا ابنتها التي هي رضيع أخيهم وولدها وولد ولدها،

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٣: ٣٠٥ حديث ١٤٦٧، المبسوط ٥: ٣٠٥.

(٢) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ٣٠٢، المختلف: ٥٢٠.

(*)


وكذلك يتزوج الرجل بنات المرأة التي ارضعت ولده وبناتهن أيضا، لانهن لم يرضعن من لبنه، ولا بينهن وبينه قرابة من رضاع ولا غيره وانما يحرم نكاحهن على المرتضع(١) .

فانظر إلى وجه تخلصه من التحريم في المذكورات بنفي المقتضي له، حيث أن المقتضي له اما القرابة بالنسب أو الرضاع، أو المصاهرة، وجميع ذلك منتف في المذكورات، وهذا بعينه آت في المسائل المذكورة.

والحاصل من ذلك: ان تحريم الرضاع مقصور على نظير المحرمات بالنسب دون المحرمات بالمصاهرة، والحديث النبويصلى‌الله‌عليه‌وآله يرشد إلى ذلك.

وقال العلامة في التذكرة ما صورته: يحرم في النسب أربع نسوة وقد يحرمن بالرضاع وقد لا يحرمن:

أ: أم الاخ في النسب حرام، لانها اما ام أو زوجة أب، واما في الرضاع، فان كانت كذلك حرمت أيضا، وان لم تكن كذلك لم تحرم، كما لو ارضعت اجنبية أخاك أو اختك لم تحرم.

ب: أم ولد الولد حرام، لانها اما بنته أو زوجة ابنه، وفي الرضاع قد لا تكون احداهما، مثل أن ترضع الاجنبية ابن الابن، فانها ام ولد الولد وليست حراما.

ج: جدة الولد في النسب حرام لانها اما امك أو أم زوجتك، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك، اذا ارضعت اجنبية ولدك فان امها جدته، وليست بأمك ولا ام زوجتك.

____________________

(١) المذهب ٢: ١٧٠.

(*)


د: اخت ولدك في النسب حرام عليك، لانها اما بنتك أو ربيبتك، واذا ارضعت اجنبية ولدك فبنتها أخت ولدك، وليست بنت ولا ربيبة.

ولا تحرم أخت الاخ في النسب ولا في الرضاع اذا لم تكن اختا له، بأن يكون له أخ من الاب والاخت من الام، فانه يجوز للاخ من الاب نكاح الاخت من الام وفي الرضاع لو ارضعتك امرأة وارضعت صغيرة اجنبية منك يجوز لاخيك نكاحها، وهي اختك من الرضاع(١) .

فهذا تصريح منه بالمراد، وتنبيه على علة التحريم هي صيرورة المرأة بسبب الرضاع احدى المحرمات بالنسب لا بالمصاهرة.

فان قلت: ستأتي حكاية خلاف للاصحاب في بعض المسائل المذكورة.

قلنا: لا نسلم، لكن ذلك لا يضرنا، مع كون الدليل دالا على المراد ونافيا لمقالة الخصم.

وقال في التحرير: وللابن أن ينكح ام البنت التي لم ترضعه(٢) .

قلت: مراده لو ارتضع صبي وصيبة اجنييتان من امرأة بلبن فحل واحد، كان له أن ينكح ام البنت التي لم ترضعه، لانها وان كانت ام اخته الا انه لا نسب بينه وبينها ولا مصاهرة.

وأم اخيه من النسب انما حرمت اما لانها امه، أو لانها موطوء‌ة أبيه.

قال ايضا: لو ارضعت امرأة صبيين صارا أخوين، ولكل منهما أن ينكح أم اخيه من النسب.

بخلاف الاخوين من النسب، لان ام الاخ من النسب انما حرمت لانها منكوحة الاب، بخلاف ام الاخ من الرضاع.وكذا لو كان لاخيه من النسب أم من الرضاع جاز له أن يتزوج بها.كذا لو أرضعت أمه من النسب

____________________

(١) التذكرة ٢: ٦١٤.

(٢) التحرير ٢: ١١.

(*)


صبيا صار أخاه، وكان له أن يتزوج امه(١) .

هذا كلامه، فانظر إلى جملة هذه المسائل التي نفى عنها التحريم، والى استدلاله كيف يقتضي على محل النزاع في كلامنا بانتفاء التحريم، اذ لو ثبت التحريم في شئ من المسائل السابقة يلزمه مثله هنا، اذ ام الاخ والاخت من الرضاع قد صارت بمنزلة ام الاخ من النسب.

وقال المقداد في كنز العرفان ما صورته: قال الزمخشري: قالوا: تحريم الرضاع كنحريم النسب الا في مسألتين:

احداهما: انه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب، والعلة وطء أمها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.

وثانيتها: لا يجوز أن يتزوج ام أخته من النسب، ويجوز في الرضاع، لان المانع في النسب وطء الاب اياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.

وكذا استثنى مسألتان اخريان: احداهما: ام الحفيدة.

وثانيتها: جدة الولد، فانهما محرمتان من النسب دون الرضاع: أما ام الحفيدة فانها بنتك أو زوجة ابنك، ولو ارضعت أجنبية ولدك لم تحرم.

وأما جدة الولد فانها امك أو ام زوجتك، ولو ارضعت أجنبية ولدك كانت امها جدة ولدك ولم تحرم عليك(٢) .

قال المقداد: وفي استثناء هذه الصورة نظر، لان النص انما دل على أن جهة الحرمة في النسب جهة الحرمة في الرضاع، والجهات التي في هذه الصور ليست جهات الحرمة في النسب، فان جهة اختية الابن مثلا لم تعتبر من جهات

____________________

(٢) التحرير ٢: ١١.

(١) الكشاف ١: ٥١٦.

(*)


الحرمة، بل المعتبر فيها اما كونها ربيبة، واما كونها بنتا، وأي جهة من هاتين الجهتين لو وجدت كانت محرمة.

وتوضيحه: ان أخت الابن اذا كانت بنتا يكون لها جهتان: جهة الاختية للابن، وجهة البنتية لك، ولا شك في تغايرهما، والنص دل على الحرمة من جهة البنتية لا من جهة الاختية للابن.

وكذا اذا كانت ربيبة كان لها جهتان: الاختية للابن، وكونها ربيبة.

وجهة الحرمة منها ليست الا كونها ربيبة، على أن جهة الحرمة بحسب المصاهرة لا بحسب النسب، فلا يصح الاستثناء من جهة حرمة النسب(١) .

هذا كلامه، وأنت اذا تأملت هذا الكلام وجدته شارحا للمراد، وافيا ببيان ما نحن بصدد بيانه.

وقد وقع الي تحقيق كتبته قديما على بعض هذه المسائل، وهي: امرأة الرجل اذا رضعت ابن أخيها هل تحرم عليه، لانها صارت عمة ولده، فهي بمنزلة اخته أم لا؟ وحاصل ما كتبته في الجواب: ان العمومة من طرف الاخ في النسب، لامن طرف الفحل، أعني صاحب اللبن، فان صاحب اللبن لا قرابة بينها وبينه بنسب، وهو ظاهر، ولا رضاع، لعدم ارتضاعهما بلبن فحل واحد، والمقتضي للتحريم في عمة الوالد القرابة بينها وبين أبيه، أعني اخوتها اما بالنسب أو بالرضاع، فان ثبوت العمومة المذكورة تابع لاخوة الاب، وهي منتفية من طرف الفحل أصلا ورأسا، وثبوتها من طرف الاب لا يقتضي ثبوتها من طرف الاخر قطعا، فينتفي التحريم بينهما، اذ هو فرع القرابة المنتفية.

والذي أوقع في الغلط صدق اسم العمومة للولد على المذكورة، مع عدم ملاحظة اختلاف جهتي الفحل والاب النسيب.

____________________

(١) كنز العرفان ٢: ١٨٢.

(*)


فان قيل: قد روى الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: سأل عيسى ابن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني عن امرأة ارضعت لي صبيا، فهل يحل لي أن اتزوج ابنة زوجها؟ فقال لي: " ما أجود ما سألت، من هاهنا يؤتي أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره ".

فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة التي ارضعت لي، هي ابنة غيرها.

فقال: " لو كن عشرا متفرقات ما حل لك منهن شئ وكن في موضع بناتك "(١) .

وروى ابن يعقوب في الصحيح عن عبدالله بن جعفر قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام : ان امرأة ارضعت ولدا لرجل، هل يحل لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرأة أم لا؟ فوقع: " لا يحل له "(٢) .

وروى أيوب بن نوح قال: كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسنعليه‌السلام : امرأة أرضعت بعض ولدي هل يجوز لي أن اتزوج بعض ولدها؟ فكتب: " لا يجوز ذلك، لان ولدها صارت بمنزلة ولدك "(٣) .

فهذه الروايات الثلاث دالة على أن من صار بالرضاع في موضع المحرم حرم نكاحه، وذلك دال على التحريم في المسائل المتنازع فيها.

قلنا: الجواب عن ذلك من وجوه: الاول: ان الروايات الثلاث تضمنت واقعة معينة فلا عموم لها، وما هذا شأنه لا يكون حجة على محل النزاع.

فان قيل: أليس قد تضمنت تعليل التحريم، بأنهن في موضع بنات أبي المرتضع،

____________________

(١) التهذيب ٧: ٣٢٠ حديث ١٣٢٠.

(٢) الكافى ٥: ٤٤٧ حديث ١٨ باب: انه لا رضاع بعد فطام، من لا يحضره الفقيه ٣: ٣٠٦ حديث ١٤٧١.

(٣) التهذيب ٧: ٣٢١ حديث ١٣٢٤.

(*)


فاذا انتفت الدلالة الصريحة كفى الاستدلال بجهة نصوص العلة.

أجبنا: بأن الثانية منهن لا تعليل فيها، فلا دلالة لها بوجه، وأما الاولى والثانية فانهما وان تضمنت التعليل كما ذكر في السؤال، الا أن ذلك لا يفيد ما ادعاه الخصم، لان التعليل في النصوص انما يقتضي ثبوت الحكم حيث تثبت تلك العلة بعينها، لا حيث ثبت ما اشبهها، فان ذلك عين القياس الممنوع منه.

ونحن نقول بالموجب، فانا بعد تسليم الدلالة المذكورة وانتفاء القوادح يحكم بالتحريم، حيث صارت بمنزلة الولد، وهو المنصوص والمتنازع فيه ما اذا صارت بمنزلة المحرم مطلقا.

وأين هذا من ذاك، فمن حاول تعدية الحكم المستند إلى العلة المنصوص عليها إلى موضع انتفت فيه تلك العلة، لكن شبيه فيه ما هو شبهها، فقد ارتكب العمل بالقياس وخرج عن الاصول المقررة وذلك باطل قطعا، وقول في الدين بغير علم.

الثاني: ان في التعليل المذكور اجمالا ولبسا، لان موضع البنات الحقيقي ومنزلتهن في قوله: " وكن في موضع بناتك "، وقوله: " وصارت بمنزلة ولدك " غير مراد قطعا، اذ لا معنى له، والمجاز غير متعين، لاحتمال ارادة المساواة في الوصف المقتضي للتحريم، وارادة غير ذلك كالاحترام أو استحقاق الشفقة مثلا.

ومع الاجمال المذكور كيف يمكن الحمل على ذلك المعنى ليحصل تعدية الحكم إلى محل آخر.

سلمنا الحمل على المساواة لتعينه فما المراد من هذه المساواة أم من بعض الوجود أم من جميعها.

لا جائز أن يراد البعض ولا يثبت التحريم بالمساواة في أمرها، عملا بمقتضي التعليل المذكور، ولا جائز أن يراد المساواة من جميع الوجوه، لامتناع تحققه، ولا من وجه معين بخصوصه، لعدم اشعار اللفظ له بشئ.

الثالث: انا اذا سلمنا دلالة الروايات المذكورة على المراد بغير مانع مما


ذكر أمكن القدح بوجه آخر، وذلك لان حكاية الحال في السؤال أعني قوله: أمرأة ارضعت لي صببا فهل يحل لي أن اتزوج ابنة زوجها، تحتمل كون زوجها هو صاحب اللبن وغيره، ومع ذلك فتحمل كون البنت المذكورة منها ومن غيرها وترك الاستفصال في نحو ذلك دليل العموم، فيقتضي تحريم بنت الزوج من غيرها وان لم يكن الزوج هو صاحب اللبن، وهو باطل بالاجماع.ومثل هذا بعينه آت من الثانية والثالثة، لان قوله في السؤال: هل يحل لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرأة، وقوله: هل يجوز لي أن اتزوج بعض ولدها، كما يحتمل أن تكون ابنة المرأة ابنة لصاحب اللبن يحتمل أن تكون ابنة لغيره أيضا.وكما يحتمل كونها ابنة لها من النسب يحتمل كونها ابنة لها من الرضاع، فيقتضي ترك الاستفصال تحريم بنت المرضعة من الرضاع بلبن فحل آخر على أب الصبي، وهو باطل قطعا، ومع ذلك فهما مكاتبتان، وما هذا شأنه كيف يتمسك به، بل كيف يتعدى حكمه إلى غيره قياسا ! وأما المسائل الثلاث التي تكلم فيها الاصحاب:

فالاولى: أم أم المرتضع نسبا أو رضاعا هل تحرم على صاحب اللبن - أعني الفحل - أم لا؟ قولان للاصحاب:

أحدهما:[ عدم التحريم ]، وبه قال الشيخ في المبسوط(١) ، وابن حمزة(٢) وابن البراج(٣) ، والعلامة في التحرير والقواعد والتلخيص(٤) ، وظاهر عبارته في الارشاد عدم التحريم، لعدم المقتضي له، فانه ليس الا كونها جدة ابنه.وذلك لا يصلح دليلا على التحريم، لان جدة الولد انما حرمت بالمصاهرة، أعني الدخول

____________________

(١) المبسوط ٥: ٣٠٥.

(٢) الوسيلة: ٣٠٢٢.

(٣) المهذب ٢: ١٩٠.

(٤) التحرير ٢: ٥، القواعد ٢: ١١.

(*)


بابنتها، وذلك منتف هنا، فيتمسك بأصالة الحل إلى أن يثبت الدليل المحرم.والثاني: التحريم، وبه أفتى الشيخ في الخلاف(١) ، ونصره ابن ادريس(٢) ، واختاره العلامة في المختلف مع اعترافه بقوة المذهب الاول(٣) ، وفي التذكرة لم يصرح بشئ لكن الظاهر منه الميل إلى التحريم(٤) .وحجتهم ما تقدم من الاخبار الصحيحة، ووجه الاستدلال بها حكمهمعليهم‌السلام بتحريم أخت الابن من الرضاع وجعلها في موضع البنت، واخت الابن تحريمها بالنسب اذا كانت بنتا، وبالسبب اذا كانت بنت الزوجة.والتحريم هنا بالمصاهرة، وقد جعل الرضاع كالنسب في ذلك، فيكون في أم الام كذلك، وليس قياسا لانه نبه بجزئي من كلي على حكم الكلي، كذا احتج شيخنا في شرح الارشاد، وفيه نظر.أما أولا فلان المشار اليه بقوله: في ذلك، هو تحريم بنت الزوجة، أي جعل الرضاع كالنسب في تحريم بنت الزوجة، أي كما تحرم بالنسب تحرم بالرضاع، ومعلوم أن تحريمها اذا لم تكن بنتا ليس بالنسب، انما هو بالمصاهرة، فلا يستقيم قوله: جعل الرضاع كالنسب في ذلك.وأما ثانيا فلانه لا يلزم من ثبوت التحريم في هذا الفرد المعين مع خروجه عن حكم الاصل، وظاهر القواعد المقررة - ورود النص عليه بخصوصه - تعدية الحكم إلى ما اشبهه من المسائل، فان ذلك عين القياس.وادعاؤه نفي القياس عنه، واعتذاره بانه نبه بجزئي من كلي على حكم الكلي لا يفيد شيئا، لان تعريق

____________________

(١) الخلاف ٢: ٢١٦.

(٢) السرائر: ٢٩٤.

(٣) المختلف: ٥٢٠.

(٤) التذكرة ٢: ٦١٤.

(*)


القياس صادق عليه، عرف بأنه تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع بعلة متحدة فيهما.والاصل في ماذكره هو اخت الولد من الرضاع، والفرع هو جدة الولد من الرضاع، والحكم المطلوب تعديته هو التحريم الثابت في الاصول بالنص، وما يظن كونه علة التحريم هو كون اخت الولد من الرضاع في موضع من يحرم من النسب، أعني البنت النسبية.وهذا بعينه قائم في جدة الولد من الرضاع فانها في موضع جدته من النسب بل ما ذكره أسوء حالا من القياس، لانك قد عرفت أن القياس تعدية الحكم من جزئي إلى آخر، لاشتراكهما في ما يظن كونه علة للحكم، وهورحمه‌الله قد حاول تعدية الحكم من الجزئي إلى الكلي، ونبه على العلة وثبوتها في الفرع أول كلامه واغرب في عبارته فسمى ذلك تنبيها على الحكم ونفى عنه اسم القياس، وذلك لا يحصنه من الايراد والاعتراض، ولا يلتبس على الناظر المتأمل كونه قياسا.

الثانية: أولاد الفحل ولادة ورضاعا هل يحرم على أب المرتضع أم لا؟ الخلاف هنا كالخلاف في ما سبق، غير أن التحريم هنا راجع عملا بظاهر دلالة النصوص السالفة، ولا محذر في استثناء هذه المسألة من قاعدة عدم التحريم في الرضاع بالمصاهرة لاختصاصها بالنص.فان قيل: النصوص السالفة دلت على تحريم اولاد المرضعة، وهو يقتضي شيئين: أحدهما: عدم الاشعار بتحريم أولاد الفحل من غيرها فكيف عممتم التحريم؟ والثاني: تحريم أولادها من الرضاعة وان كان بلبن فحل آخر، لعموم صدق أولادها عليهم وانتم لا تقولون به.قلنا: أما الامر الاول فصحيح بالنسبة إلى الروايتين الاخيرتين، وأما بالنسبة إلى الاول فلا، لانها مصرحة بتحريم أولاد الفحل، فان أول السؤال معنون به، ولا يضر التعبير بالزوج، فانه وان كان أعم من الفحل الا أن الاصحاب مطبقون على


ارادة صاحب اللبن، ولعلهم فهموه من لفظ واهتدوا اليه باقتضاء الاجماع له.وأما الامر الثاني فالعموم بحسب الظاهر ثابت، لكن الاجماع منعقد على اعتبار اتحاد الفحل في ثبوت التحريم.فان قيل: هذا شأن أولاد الفحل بالنسبة إلى أب المرتضع، فما تقول في أولاد أب المرتضع ولادة ورضاعا، واخواته هل تحرم على الفحل أم لا؟ قلنا: الخلاف السابق جار هنا، وقد صرح العلامة بعدم التحريم، قال في التحرير في البحث السادس من اللواحق ما صورته: قال الشيخ في الخلاف: اذا حصل الرضاع المحرم لم يحل للفحل نكاح أحت المرتضع بلبنه، ولا لاحد من أولاده من غير المرضعة ومنها، لان اخوته واخواته صاروا بمنزلة أولاده(١) وليس بمعتمد(٢) .وفي القواعد يعد أن قوى عدم تحريم الرضاع بالمصاهرة فرع عليه عدم التحريم في المسائل المذكورة، وصرح بعدم التحريم في هذه المسألة قال: فللفحل نكاح أم المرتضع واخته وجدته.والظاهر عدم الفرق بين بنات الفحل بالنسبة إلى أب المرتضع وأخوات المرتضع بالنسبة إلى الفحل، نظرا إلى العلة المذكورة في الحديثين السابقين.فان كانا حجة وجب التمسك بمقتضى العلة المنصوصة، والا انتفى التحريم في المقامين، وعلى كل حال فالعمل بالاحتياط فيهما أولى وأحرى.

الثالثة: هل لاولاد ابي المرتضع الذين لم يرتضعوا من هذا اللبن أن ينكحوا في أولاد المرضعة ولادة، وفي أولاد فحلها ولادة ورضاعا، أم لا؟ قولان أيضا

____________________

(١) الخلاف ٢: ٢١٦.

(٢) التحرير ٢: ١٢.

(٣) القواعد: ٢: ١٢.

(*)


للاصحاب كنحوما سبق، لكن القائل بالتحريم هنا هو الشيخ في الخلاف والنهاية(١) .وقال ابن ادريس: قول شيخنا في ذلك غير واضح، وأي تحريم حصل بين اخت هذا المولود المرتضع وبين أولاد الفحل، وليست اختهم لامن أمهم ولا من أبيهم، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل النسب أصلا للرضاع في التحريم فقال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "، وفي النسب لا تحرم على الانسان أخت أخيه التي لامن أمه ولا من أبيه(٢) .وفي المبسوط حكم بعدم التحريم في ذلك، والتجأ إلى ما أصله من أن التحريم بالمرتضع وحده، ومن كان من نسله دون من كان من طبقته، وهذه من طبقته، لانه لا نسب بينه وبين أخت أخيه ولا رضاع، وهو واضح(٣) .فان قيل: النص السابق يدل على التحريم هنا التزاما، لانه لما تضمن تحريم الاولاد على أب المرتضع، معللا بأنهم بمنزلة أولاده في التحريم، لزم من ذلك أن يكونوا لاولاده كالاخوة، فيحرم بعضهم على بعض، لان البنوة لصاحب اللبن والاخوة لاولاده متلازمان، فيمتنع ثبوت احداهما مع انتفاء الاخرى، وقد ثبتت البنوه بالنصوص السالفة فتثبت الاخوة، فيلزم التحريم.قلنا: نمنع الدلالة الالتزامية هنا، لان من شرطها اللزوم الذهني، بالمعنى الاخص، وليس بثابت، بل يمتنع التلازم أصلا، فان ثبوت بنوة شخص لاخر تقتضي ثبوت الاخوة لاولاده، لا ثبوت الاخوة لاخوة أولاده، وذلك غير مقتضى للتحريم بوجه من الوجوه، والله اعلم بالصواب.

____________________

(١) الخلاف ٢: ٢١٦، النهاية: ٤٦٢.

(٢) السرائر: ٢٩٥.

(٣) المبسوط ٥: ٢٩٢.

(*)


(٦) رسالة قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أيد كلمة الحق بالبراهين القاطعة، وأعلا كلمة الصدق بالحجج اللامعة، ودرج أباطيل المغترين بالدلائل الدامغة، وأذل أعناق المغالبين بالبينات القامعة.والصلاة والسلام على المبعوث بخير الاديان، محمد المختار من شجرة بني عدنان، وعلى آله الاطهار المهتدين، وعترته الاخيار الحفظة للدين.وبعد، فاني لما توالى على سمعي تصدي جماعة من المتسمين بسمة الصلاح، وثلة من غوغاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر، واستولى عليهم الشيطان، فحل منهم في سويداء الخاطر، لتقريض العرض وتمزين الاديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء المنهج القويم.حيث انا لما ألزمنا الاقامة ببلاد العراق، وتعذر علينا الانتشار في الافاق، لاسباب ليس هذا محل ذكرها، لم نجد بدا من التعلق بالغربة لدفع الامور الضرورية من لوازم متممات المعيشة، مقتفين في ذلك أثر جمع كثير من العلماء، وجم غفير من الكبراء الاتقياء، اعتمادا على ما ثبت بطريق أهل البيتعليهم‌السلام :


من أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص بل للمسلمين قاطبة، يؤخذ منها الخراج أو المقاسمة، ويصرف في مصارفه التي بها رواج الدين بأمر امام الحق من أهل البيتعليهم‌السلام ، كما وقع في أيام أمير المؤمنينعليه‌السلام .وفي حال غيبتهعليهم‌السلام قد أذن أئمتناعليهم‌السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطبن الجور - كما سنذكره مفصلا - فلهذا تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون، غير مستنكر ولا مستهجن.وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، واندرس بينهم معظم الاحكام، وخفيت مواقع الحلال والحرام، هدرت شقاشق الجاهلين، وكثرت چرأتهم على أهل الدين، استخرت الله تعالى وكتبت في تحقيق هذه المسألة رسالة ضمنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الاخبار عن الائمة الاطهارعليهم‌السلام ، واودعتها ما صرحوا به في كتبهم من الفتوى بأن ذلك حلال لا شك فيه، وطلق لا شبهة تعتريه، على وجه بديع، تذعن له قلوب العلماء، ولا تمجه اسماع الفضلاء.واعتمدت في ذلك أن ابين عن هذه المسألة التي قل بذرها، وجهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، ولا تفاديا من تعويض جاهل، فان لنا بموالينا أهل البيتعليهم‌السلام أعظم اسوة واكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الاقاويل ونسبوا اليهم الاباطيل، وبملاحظة لو كان المؤمن في حجر ضب يبر كل عليل.مع اني لما اقتصر في ما اشرت اليه على مجرد ما نبهنا عليه، بل اضفت إلى ذلك من الاسباب التى تثمر الملك ونفيد الحل، ما لا يشوبه شك ولا يلحقه لبس من شراء حصة في الاشجار، والاختصاص بمقدار معين من البذر، فقد ذكر اصحابنا طرقا للتخلص من الربا واسقاط الشفعة، ونحوها مما هو مشهور متداول


بل لا ينفك عنها الا القليل النادر، وقد استقر في النفوس قبوله وعدم النفر منه، مع أن ما اعتمدته في ذلك أولى بالبعد عن الشبهة واحرى بسلوك جادة الشريعة.ولم اودع في هذه الرسالة من الفتوى الا ما اعتقدت صحته، واقدمت على لقاء الله به، مع علمي بأن من خلا قلبه من الهوى وبصر بصيرته من الغوى، وراقب الله تعالى في سريرته وعلانيتة، لا يجد بدا من الاعتراف به والحكم بصحته، وسميتها ب‍ " قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج " ورتبتها على مقدمات خمس، ومقالة، وخاتمة، وسألت الله أن يلهمني اصابة الحق ويجنبني القول بالهوى، انه ولي ذلك والقادر عليه.

المقدمة الاولى: في أقسام الارضين

وهي في الاصل على قسمين:

احدهما: أرض بلاد الاسلام، وهي على قسمين أيضا: عامر، وموات.

فالعامر ملك لاهله، لا يجوز التصرف فيه الا باذن ملاكه والموات ان لم يجر عليه ملك مسلم فهو لامام المسلمين يفعل به مايشاء، وليس هذا القسم من محل البحث المقصود القسم الثانى: ما ليس كذلك وهو أربعة أقسام: أحدها: ما يملك بالاستغنام ويؤخذ بالسيف، وهو المسمى بالمفتوح عنوة.وهذه الارض للمسلمين قاطبة، لا يختص بها المقاتلة عند اصحابنا كافة، خلافا لبعض العامة.ولا يفضلون فيها على غيرهم، ولا يتخير الامام بين قسمتها ووقفها وتقرير أهلها عليها بالخراج، بل يقبلها الامام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف،


أو الثلث، أو غير ذلك.وعلى المتقبل اخراج مال القبالة التي هي حق الرقبة، وفيما يفضل في يده اذا كان نصابا العشر أو نصف العشر.ولا يصح التصرف في هذه الارض بالبيع والشراء والوقف، وغير ذلك وللامام أن ينقلها من متقبل إلى آخر اذا انقضت هذه القبالة: أو اقتضت المصلحة ذلك، وله التصرف فيها بحسب مايراه الامام من مصلحة المسلمين واننفاع الارض يصرف إلى المسلمين والى مصالحهم، وليس للمقاتلة فيه الا مثل ما لغيرهم من النصيب في الارتفاع.

وثانيها: أرض من اسلم اهلها عليها طوعا من غير قتال، وحكمها أن تترك في ايديهم ملكا لهم يتصرفون فيها بالبيع والشراء والوقف، وسائر انواع التصرف، اذا اقاموا بعمارتها، ويؤخذ منهم العشر أو نصفه بالشرائط.فان تركوا عمارتها وتركوها خرابا كانت للمسلمين قاطبة، وجاز للامام أن يقبلها ممن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع، ونحو ذلك.وعلى المتقبل بعد اخراج حق القبالة ومؤنة الارض مع وجود النصاب العشر أو نصفه.وعلى الامام أن يعطي اربابها حق الرقبة من القبالة على المشهور، افتى به الشيخرحمه‌الله في المبسوط والنهاية(١) ، وأبوالصلاح(٢) ، وهو الظاهر من عبارة المحقق نجم الدين في الشرائع(٣) ، واختاره العلامة في المنتهى والتذكرة والتحرير(٤) ، وابن حمزة، وابن البراج ذهبا إلى انها تصير للمسلمين قاطبة وأمرها

____________________

(١) المبسوط ١: ٢٣٥ النهاية: ١٩٤.

(٢) الكافى في الفقيه: ٢٦٠.

(٣) الشرائع ١: ٣٢٣.

(٤) المنتهى ٢: ٩٣٥، التذكرة ١: ٤٢٧، التحرير ١: ١٤٢.

(*)


إلى الامام(١) ، وكلام شيخنا في الدروس قريب من كلامهما فانه قال: يقبلها الامام بما يراه ويصرفه في مصالح المسلمين(٢) .وابن ادريس منع من ذلك كله وقال: انها باقية على ملك الاول، ولا يجوز التصرف فيها الا باذنه(٣) ، وهو متروك.احتج الشيخ بما رواه صفوان بن يحيى واحمد بن محمد بن أبي نصر قال: ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج، وما سار فيها أهل بيته فقال: " من اسلم طوعا تركت ارضه في يده، وأخذ منه العشر مما سقت السماء والانهار، ونصف العشر مما كان بالرشا في ما عمروه منها، وما لم يعمروه منها أخذه الامام فقبله ممن يعمره، وكان للمسلمين، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر "(٤) .وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: ذكرت لابي الحسن الرضاعليه‌السلام الخراج وما سار به أهل بيته فقال: " العشر ونصف العشر على من اسلم تطوعا تركت ارضه في يده، وأخذ منه العشر ونصف العشر في ما عمر منها، وما لم يعمر أخذها الوالي فقبله ممن يعمره وكان للمسلمين، وليس في ما كان أقل من خمسة أو ساق شئ، وما أخذ بالسيف فذلك للامام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخيبر"(٥) .واعترض في المختلف بأن السؤال انما وقع عن أرض الخراج، ولا نزاع

____________________

(١) الوسيلة: ١٣٢، المهذب ١: ١٨١.

(٢) الدروس: ١٦٣.

(٣) السرائر: ١١٠.

(٤) التهذيب ٤: ١١٨ حديث ٣٤١.

(٥) التهذيب ٤: ١١٩ حديث ٣٤٢.

(*)


فيه، بل النزاع في أرض من أسلم أهلها عليها.ثم أجاب بأن الجواب أولا عن أرض من أسلم أهلها عليها، ثم انهعليه‌السلام أجاب عن أرض العنوة(١) .اذا عرفت ذلك فاعلم أن العلامة في المختلف أجاب بهاتين الروايتين على مختار الشيخ والجماعة، وهما في الدلالة على مختار ابن حمزة وابن البراج أظهر.ثم احتج لهما برواية لا تدل على مطلوبهما، بل ولا تلتئم على مقالتهما، وليس لنا في بيان ذلك كثير فائدة، نعم بمقتضى الروايتين المتجه ما ذهب اليه.

وثالثها: أرض الصلح، وهي كل أرض صالح أهلها عليها، وهي أرض الجزية فيلزمهم ما يصالحهم الامام عليه من نصف أو ثلث أو ربع، أو غير ذلك.وليس عليهم شئ سواه، فاذا أسلم أربابها كان حكم أرضهم حكم أرض من اسلم طوعا ابتداء‌ا، ويسقط عنهم الصلح لانه جزية.

ويصح لاربابها التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة، وغير ذلك: وللامام أن يزيد وينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها، ولو باعها المالك من مسلم صح وانتقل ما عليها إلى رقبة البائع.وهذا اذا صولحوا على أن الارض لهم، أما لو صولحوا على أن الارض للمسلمين وعلى اعناقهم الجزية كان حكمها حكم الارض المفتوحة عنوة، عامرها للمسلمين ومواتها للامامعليه‌السلام .

ورابعها: أرض الانفال: وهي كل ارض انجلى اهلها عنها وتركوها أو كانت مواتا لغير ذلك فأحييت، أو كانت آجاما وغيرها مما لا يزرع فاستحدثت مزارع فانها كلها للامام خاصة، لا نصيب لاحد معه فيها، وله التصرف فيهما بالبيع والشراء والهبة والقبض حسب ما يراه.وكان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع.

____________________

(١) المختلف.٣٣٢.

(*)


ويجوز له نزعها من يد متقبلها اذا انقضت مدة الزمان، الا ما أحييت بعد موتها، فان من أحياها أولى بالتصرف فيها اذا تقبلها بما يتقبلها غيره، فان أبى كان للامام نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه، وعلى المتقبل بعد اخراج مال القبالة في ما يحصل العشر أو نصفه.

مسائل:

الاولى: تقسيم الارض إلى هذا الاقسام الاربعة بعينه موجود في كلام الشيخرحمه‌الله في المبسوط والنهاية(١) ، بل تكاد عبارته تطابق العبارة المذكورة هنا.والظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ذلك، فقد ذكره كذلك جماعة المتأخرين كابن ادريس(٢) ، والمحقق ابن سعيد(٣) ، والعلامة في مطولاته كالمنتهى والتذكرة(٤) ، ومتوسطانه كالتحرير(٥) ومختصراته كالقواعد والارشاد(٦) ، وكذا لشيخنا الشهيد في دروسة(٧) .

الثانية: قال الشيخ: كل موضع أوجبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الارضين، اذا اخرج الانسان مؤنته ومؤنة عياله لسنة وجب عليه في الذي يبقى بعد ذلك الخمس لاهله(٨) ، وهو متجه.

____________________

(١) المبسوط ٢: ٢٩، النهاية: ١٩٤.

(٢) السرائر: ١١٠.

(٣) الشرائع ١: ٣٢٣.

(٤) المنتهى ٢: ٩٣٥، التذكرة ١: ٤٢٧.

(٥) التحرير ١: ١٤٢.

(٦) القواعد ١: ١٠٦.

(٧) الدروس: ١٦٣.

(٨) المبسوط ١: ٢٣٦.

(*)


الثالثة: ما يؤخذ من هذه الاراضي اما مقاسمة بالحصة، أو ضريبة تسمى الخراج، يصرف لمن له رقبة تلك الارض، فما كان من المفتوح عنوة فمصرفه للمسلمين قاطبة.وكذا ما يؤخذ من أرض الصلح - اعني الجزية - وما يؤخذ مما اسلم اهلها عليها اذا تركوا عمارتها على ما سبق، وما كان من أرض الانفال فهو للامامعليه‌السلام ، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه انشاء الله تعالى.المقدمة الثانية في حكم المفتوح عنوة أعني المأخوذة بالسيف قهرا، لان فيه معنى الاذلال، ومنه قوله تعالى " وعنت الوجوه للحي القيوم "(١) أي ذلت، وفيه مسائل: الاولى: قد قدمنا أن هذه الارض للمسلمين قاطبة، لا يختص بها المقاتلة، لكن اذا كانت محياة وقت الفتح فلا يصح بيعها والحالة هذه، ولا وقفها ولا هبتها، بل يصرف الامام حاصلها في مصالح المسلمين، مثل سد الثغور، ومعوتة الغزاة وبناء القناطر.ويخرج منها ارزاق القضاة والولاة وصاحب الديوان، وغير ذلك من مصالح المسلمين، ذهب إلى ذلك اصحابنا كافة.قال الشيخ في المبسوط عندما ذكر هذا القسم من الارضين: ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما ينوبهم من سد الثغور، ومعونة المجاهدين، وبناء القناطر، وغير ذلك من المصالح.وليس للغانمين في هذه الارض شئ خصوصا، بل هم والمسلمين فيه سواء ولا يصح بيع شئ من هذه الارض، ولا هبته، ولا معاوضته، ولا تمليكه، ولا وقفه

____________________

(١) طه: ١١١.

(*)


ولا رهنه، ولا اجارته، ولا ارثه.ولا يصح أن ينشأ دورا، ولا منازل، ولا مساجد وسقايات، ولا غير ذلك من انواع النصرف الذي يتبع الملك.ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا، وهو باق على الاصل(١) .هذا كلامهرحمه‌الله بحروفه، وكلامه في النهاية قريب من ذلك(٢) ، وكذا كلام ابن ادريس في السرائر(٣) ، والذي وقفنا عليه من كلام المتأخرين عن زمان الشيخ غير مخالف لشئ من ذلك.وهذا العلامة في كتاب منتهى المطلب، وتذكرة الفقهاء، والتحرير مصرح بذلك.قال في المنتهى: قد بينا أن الارض المأخوذة عنوة لا يختص بها الغانمون بل هي للمسلمين قاطبة ان كانت محياة وقت الفتح، ولا يصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها، بل يصرف الامام حاصلها في المصالح مثل: سد الثغور، ومعونة الغزاة وبناء القناطر.ويخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الديوان، وغير ذلك من مصالح المسلمين(٤) .وقد تكرر ذلك في كلامه نحو هذا قبل وبعد(٥) .وكذا قال في التذكرة والتحرير(٦) ، فلا حاجة إلى التطويل بايراد عبارته فيهما.وقد روى الشيخ في التهذيب عن حماد بن عيسى قال: رواه لي بعض اصحابنا ذكره عن العبد الصالح أبي الحسن الاولعليه‌السلام في حديث طويل أخذنا منه

____________________

(١) المبسوط ٢: ٣٤.

(٢) النهاية: ١٩٤.

(٣) السرائر: ١١٠.

(٤) المنتهى ٢: ٩٣٦.

(٥) المنتهى ٢: ٩٣٤، ٩٣٥.

(٦) التذكرة ١: ٤٢٧، التحرير ١: ١٤٢.

(*)


موضع الحاجة قال: " وليس لمن قاتل شئ من الارضين وما غلبوا عليه الا ما احتوى العسكر - إلى أن قال -: والارض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في ايدي من يعمرها ويحييها، ويقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلثأو الثلثان.وعلى قدر ما يكون لهم صالحا ولا يضر بهم.فاذا خرج منها نماء بدأ فأخرج منها العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحا، ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح فأخذه الوالي فوجهه في الوجه الذي وجهه الله تعالى له - إلى أن قال -: ويؤخذ بعد ما يبقى من العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الارض واكرتها، فيدفع اليهم انصبائهم على قدر ماصالحهم عليه، ويأخذ الباقي فيكون ذلك ارزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينويه من تقوية الاسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد، وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير وله بعد الخمس الانفال.والانفال كل أرض خربة قد باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولكن صولحوا عليها واعطوا بأيديهم على غير فتال.وله رؤوس الجبال، وبطون الاودية، والاجام، وكل أرض ميتة لارب لها، وله صوافي المملوك مما كان بأيديهم من غير وجه الغصب، لان المغصوب كله مردود وهو وارث من لا وارث له "(١) .الحديث بتمامه.وهذا الحديث وان كان من المراسيل، الا أن الاصحاب تلقوه بالقبول، ولم تجد له راد، وقد عملوا بمضمونه، واحتج به على ما تضمن من مسائل هذا الباب

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٢٨ حديث ٣٦٦.

(*)


العلامة في المنتهى(١) ، وما هذا شأنه فهو حجة بين الاصحاب، فان ما فيه من الضعف ينجبر بهذا القدر من الشهرة.بقي شئ، وهو انه تضمن وجوب الزكاة قبل حق الارض، وبعد ذلك يؤخذ حق الارض، والمشهور بين الاصحاب أن الزكاة بعد المؤن.نعم هو قول الشيخرحمه‌الله (٢) .وروى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: " ما أخذ بالسيف فذلك للامامعليه‌السلام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخيبر، قبل أرضها ونخلها، والناس يقولون: لا تصح قبالة الارض والنخل اذا كان البياض أكثر من السواد، وقد قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيبر.وعليهم في حصصهم العشر ونصف العشر "(٣) .وفي معناه ما رواه أيضا مقطوعا عن صفوان بن يحيى واحمد بن أبي نصر(٤) .

الثانية: موات هذه الارض - أعني المفتوحة عنوة، وهو ما كان في وقت الفتح مواتا - للامامعليه‌السلام خاصة، لا يجوز لاحد احياؤه الا باذنه ان كان ظاهرا.ولو تصرف فيها متصرف بغير اذنه كان عليه طسقها.وحال الغيبة يملكها المحيي بغير اذن.ويرشد إلى بعض هذه الاحكام ما اوردناه في الحديث السابق عن أبي الحسن الاولعليه‌السلام .وأدل منه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد: انه سمع

____________________

(١) المنتهى ٢: ٩٣٤.

(٢) المبسوط ١: ٢٣٦.

(٣) التهذيب ٤: ١١٩ حديث ٣٤٢.

(٤) التهذيب ٤: ١١٨ حديث ٣٤١.

(*)


رجلا يسئل الصادقعليه‌السلام عن رجل أخذ ارضا مواتا تركها أهلها فعمرها، واكرى انهارا، وبنى فيها بيوتا، وغرس فيها نخلا وشجرا قال: فقال أبوعبداللهعليه‌السلام : " كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: من أحيى أرضا من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها يؤديه إلى الامام في حال الهدنة، فاذا ظهر القائمعليه‌السلام فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه "(١) .وروى الشيخ عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى، فقال: " ليس به بأس - إلى أن قال -: وأيما قوم أحيوا شيئا من الارض وعملوا فهم أحق بها وهي لهم "(٢) .

الثالثة: قال الشيخرحمه‌الله في النهاية والمبسوط(٣) ، وكا؟ ة الاصحاب: لا يجوز بيع هذه، ولا هبتها، ولا وقفها، كما حكيناه سابقا عنهم، لانها ارض المسلمين قاطبة، فلا يختص بها أحد على وجه التملك لرقبة الارض، انما يجوز له التصرف فيها، ويؤدي حق القبالة إلى الامام، ويخرج الزكاة مع اجتماع الشرائط.واذا تصرف فيها أحد بالبناء والغرس صح له بيعها على معنى انه يبيع ماله فيها من الاثار وحق الاختصاص بالتصرف لا الرقبة، لانها ملك للمسلمين قاطبة.روى الشيخ عن صفوان بن يحيى، عن أبي بردة بن رجاء قال: قلت لابي عبداللهعليه‌السلام : كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: " ومن يبيع ذلك وهي أرض للمسلمين ! " قال: قلت: يبيعه الذي في يديه، قال: " ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ! " ثم قال: " لا بأس اشترى حقه منها ويحول حق المسلمين عليه، ولعله يكون أقوى عليها واملا بخراجها منه "(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٤٥ حديث ٤٠٤.

(٢) التهذيب ٤: ١٤٦ حديث ٤٠٧.

(٣) المبسوط ١: ٢٣٥، النهاية: ١٩٦.

(٤) التهذيب ٤: ١٤٦ حديث ٤٠٦.

(*)


وهذا صريح في جواز بيع حقه - أعني آثار التصرف - ومنع بيع الارض، ولا نعرف أحدا من الاصحاب يخالف ما في مضمون الحديث.وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى فقال: " ليس به بأس، قد ظهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الارض بأيديهم يعملونها ويعمرونها، فلا أرى بأسا لو انك اشتريت منها "(١) الحديث.وهذا يراد به ما اريد بالاول من بيع حقه منها، اذ قد صرح أولا بأنها ليست ملكا لهم وانما خارجهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكيف يتصور منهم بيع الرقبة والحالة هذه.وقريب من ذلك ما روي حسنا عن جرير، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سمعته يقول: " رفع إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام رجل مسلم اشترى ارضا من اراضي الخراج، فقالعليه‌السلام : له ما علينا وعليه مالنا مسلما كان أو كافرا، له ما لاهل الله وعليه ما عليهم "(٢) .وهذا في الدلالة كالاول.وعن جرير عن محمد بن مسلم وعمر بن حنظلة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن ذلك فقال: " لا بأس بشرائها، فانها اذا كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدي عنها كما يؤدي عنها "(٣) .وأدل من ذلك مارواه محمد بن الحلبي في الصحيح عن أبي عبداللهعليه‌السلام وقد سأله عن السواد ما منزلته فقال: " هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم،

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٤٦ حديث ٤٠٧.

(٢) التهذيب ٤: ١٤٧ حديث ٤١١.

(٣) التهذيب ٤: ١٤٧ حديث ٤٠٨.

(*)


ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم، ولمن يخلق بعد " فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: " لا يصلح، الا أن يشتري منها على أن يصيرها للمسلمين، فان شاء ولي الامر أن يأخذها أخذها " قلنا: فان أخذها منه؟ قال: " يرد اليه رأس ماله وله ما أكل من غلتها بما عمل "(١) .وفي التذكرة رواه هكذا: قال: " يود "(٢) بالواو بدل الراء من الاداء، مجزوما بأنه أمر للغائب محذوف اللام.وما اوردناه أولى.فان قلت: اذا جوزتم البيع ونحوه تبعا لاثار التصرف فكيف يجوز لولي الامر أخذها من المشتري؟ وكيف يسترد رأس ماله مع انه قد أخذ عوضه، أعني تلك الاثار؟ قلت: لا ريب ان ولي الامر له أن ينتزع أرض الخراج من يد متقبلها اذا انقضت مدة القبالة، وان كان له بها شئ من الاثار فانتزاعها من يد المشتري أولى بالجواز وحينئذ فله الرجوع برأس ماله لئلا يفوت الثمن والمثمن، ولكن الذي يرد الثمن يحتمل أن يكون هو الامامعليه‌السلام ، لانتزاعه ذلك، ويحتمل أن يكون البائع، لما في الرد من الاشعار بسبق الاخذ.وقوله: " وله ما أكل.." الظاهر انه يريد به المشتري، وفي معنى هذه الاخبار اخبار أخر كثيرة اعرضنا عنها ايثارا للاختصار.

تنبيهات:

الاول: قد عرفت أن المفتوحة عنوة لا يصح بيع شئ منها، ولا وقفه ولا هبته قال في المبسوط: ولا أن تبنى دورا، ولا منازل، ولا مساجد وسقايات، ولا غير

____________________

(١) التهذيب ٧: ١٤٧ حديث ٦٥٢.

(٢) التذكرة ١: ٤٢٨.

(*)


ذلك من انواع التصرفات الذي يتبع الملك.ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا، وهو باق على الاصل(١) .وقد حكينا عبارته قبل ذلك.وقال ابن ادريس: فان قيل: نراكم تبيعون وتشترون وتقفون أرض العراق وقد أخذت عنوة قلنا: انما نبيع ونقف تصرفنا فيها وتحجيرنا وبناؤنا، فأما نفس الارض فلا يجوز ذلك فيها(٢) .قال العلامة في المختلف بعد حكاية كلام ابن ادريس هذا: وهو يشعر بجواز البناء والتصرف، وهو أقرب(٣) .قلنا: هذا واضح لاغبار عليه، يدل عليه ما تقدم في قول الصادقعليه‌السلام : " اشتر حقه منها "(٤) ، وانه أثر محترم مملوك لم يخرج عن ملك مالكه بشئ من الاسباب الناقلة، فيكون قابلا لتعلق التصرفات به.ونحو ذلك قال في كتاب التذكرة في كناب البيع فانه قال: لا يصح بيع الارض الخراجية، لانها ملك المسلمين قاطبة لا يختص بها أحد، نعم يصح بيعها تبعا لاثار التصرف(٥) .وكذا قال في القواعد والتحرير(٦) .ثم نعود إلى كلامه في المختلف فانه قال فيه في آخر المسألة في كتاب البيع ويحمل قول الشيخ على الارض المحياة دون الموات.قلت: هذا مشكل، لان المحياة هي التي تتعلق بها هذه الاحكام المذكورة،

____________________

(١) المبسوط ٢: ٣٤.

(٢) السرائر: ١١١.

(٣) المختلف: ٣٣٣.

(٤) التهذيب ٤: ١٤٦ حديث ٤٠٦.

(٥) التذكرة ١: ٤٦٥.

(٦) القواعد: ١: ١٢٦، التحرير ١: ١٦٥.

(*)


وأما الموات فانها في حال الغيبة مملوكة للمحيي، ومع وجود الامام لا يجوز التصرف فيها الا باذنه، مع أن الحمل لا ينافي ما قررته من مختار ابن ادريس، لان مراده بأرض العراق المعمورة المحياة التي فيها لا يجوز بيعها ولا هبتها، لانها أرض الخراج.نعم يمكن حمل كلام الشيخرحمه‌الله على حال وجود الامام وظهوره، لا مطلقا.

الثاني: نفوذ هذه التصرفات التي ذكرناها انما هو في غيبة الامام، أما في حال ظهوره فلا، لانه انما يجوز التصرف فيها باذنه.وعلى هذا فلا ينفذ شئ من تصرفات المتصرف فيها استقلالا.وقد أرشد إلى هذا الحكم كلام الشيخ في التهذيب، فانه أورد على نفسه سؤالا وجوابا، محصلها مع رعاية الفاظه بحسب الامكان: انه ان قال قائل: اذا كان الامر في أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها، وكذا الغنائم وكان حكام الارضين ما بينهم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالائمةعليهم‌السلام ، اما لاختصاصهم بها كالانفال، أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل والنضمين لهم مثل أرض الخراج، فيجب أن لا يحل لكم منكح، ولا يخلص لكم متجر، ولا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه.قيل له: الامر وان كان كما ذكرت من اختصاص الائمةعليهم‌السلام بالتصرف في هذه الاشياء فان لنا طريقا إلى الخلاص.ثم أورد الاحاديث التي وردت بالاذن للشيعة، لاختصاصهم في حقوقهمعليهم‌السلام حال الغيبة.ثم قال: ان قال قائل: ان ما ذكرتموه انما يدل على اباحه التصرف في هذه الارضين، ولا يدل على صحة تملكها بالشراء والبيع، ومع عدم صحتها لا يصح ما يتفرع عليها.


قيل له: قد قسمنا الارض على ثلاثة أقسام: أرض يسلم أهلها عليها، فهي ملك لهم يتصرفون فيها.وأرض تؤخذ عنوة أو يصالح أهلها عليها فقد ابحنا شراء‌ها وبيعها، لان لنافي ذلك قسما، لانها اراضي المسلمين، وهذا القسم أيضا يصح الشراء والبيع فيه على هذا الوجه.وأما الانفال وما يجري مجراها فليس يصح تملكها بالشراء، وانما ابيح لنا التصرف حسب.ثم استدل على حكم اراضي الخراج برواية أبي بردة بن رجا السالفة الدالة على جواز بيع آثار التصرف دون رقبة الارض(١) .وهذا كلام واضح السبيل، ووجهه من حيث المعنى: ان التصرف في المفتوحة عنوة انما يكون باذن الامام، وقد حصل منهم الاذن لشيعتهم حال الغيبة فيكون آثار تصرفهم محترم بحيث يمكن ترتب البيع ونحوه عليها.

وعبارة شيخنا في الدروس ايضا ترشد إلى ذلك، حيث قال: ولا يجوز التصرف في المفتوحة عنوة الا باذن الامامعليه‌السلام ، سواء كان بالبيع أو بالوقف أو غيرهما، نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك.واطلق في المبسوط أن التصرف فيها لا ينفذ(٢) ، أي لم يقيده بحال ظهور الامام أو عدمه.ثم قال: وقال ابن ادريس: انما يباع ويوقف تحجيرنا وبناؤنا وتصرفنا لانفس الارض(٣) . ومراده بذلك ان ابن ادريس أيضا اطلق جواز التصرف في مقابل اطلاق الشيخرحمه‌الله عدم جوازه.والصواب التقييد بحال الغيبة لينفذ، وعدمه لعدمه، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى.

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٤٦ حديث ٤٠٦.

(٢) المبسوط ١: ٢٣٥.

(٣) السرائر: ١١١، الدروس: ١٦٣.

(*)


المقدمة الثالثة: في بيان أرض الانفال وحكمها الانفال:

جمع نفل، بسكون الفاء وفتحها، وهو الزيادة، ومنه النافلة.

والمراد به هنا: كل ما يخص الامامعليه‌السلام .وقد كانت الانفال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته، وهي بعده للامام القائم مقامهعليه‌السلام .

وضابطها: كل أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب، والارضون الموات، وتركات من لا وارث له من الاهل والقرابات، والاجام، والمفاوز وبطون الاودية، ورؤس الجبال، وقطائع الملوك.وقد تقدم في الحديث الطويل عن أبي الحسن الاولعليه‌السلام ذكر ذلك كله(١) .وقد روى الشيخ عن زرارة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: قلت له: ما تقول في قول الله: " يسئلونك عن الانفال قل الانفال لله "(٢) ؟ قال: " الانفال لله ولرسوله وهي كل أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب فهي نفل لله وللرسول "(٣) .وعن سماعة بن مهران قال: سألته عن الانفال فقال: " كل أرض جزية أو شئ كان للملوك فهو خالص للامام ليس للناس فيها سهم، قال: ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب "(٤) .وفي مرسلة العباس الوراق، عن رجل سماه، عن أبي عبداللهعليه‌السلام

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٢٨ حديث ٣٦٦.

(٢) الانفال: ١.

(٣) التهذيب ٤: ١٣٢ حديث ٣٦٨.

(٤) التهذيب ٤: ٣٣ حديث ٣٧٣.

(*)


قال: " اذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام، واذا غزو بأمر الامام فغنموا كان للامام الخمس "(١) .ومضمون هذه الرواية مشهور بين الاصحاب مع كونها مرسلة، وجهالة بعض رجال اسنادها وعدم امكان التمسك بظاهرها، اذ من غزا باذن الامام لا يكون خمس غنيمته كلها للامامعليه‌السلام .اذا عرفت فاعلم أن الارض المعدودة من الانفال: اما أن تكون محياة، أو مواتا.وعلى التقديرين: فاما أن يكون الواضع يده عليها من الشيعة، أولا.فهذه أقسام أربعة.وحكمها أن كل ما كان بيد الشيعة من ذلك فهو حلال عليهم، مع اختصاص كل من المحياة والموات بحكمه، لان الائمةعليهم‌السلام أحلو ذلك لشيعتهم حال الغيبة.وأما غيرهم فانه عليهم حرام وان كان لا ينتزع عنهم في الحال على الظاهر، حيث أن المستحق لانتزاعه هو الامامعليه‌السلام فيوقف على أمره.وروى الشيخرحمه‌الله عن عمر بن يزيد قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبدالملك بالمدينة، وقد كان حمل إلى أبي عبداللهعليه‌السلام مالا في تلك السنة فرده عليه، فقلت: لم رد عليك أبوعبداللهعليه‌السلام المال الذي حملته اليه؟ فقال: اني قلت له حين حملة اليه المال: اني كنت وليت الغوص فأصبت منه أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم - إلى أن قال -: " يا أبا سيار قد طيبناه لك فضم اليك مالك وكل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون، محلل لهم ذلك إلى أن قام قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فان كسبهم

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٣٥ حديث ٣٧٨.

(*)


حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الارض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة "(١) .قال في الصحاح " الطسق: الوظيفة من خراج الارض فارسي معرب(٢) .وعن الحرث بن المغيرة النضري قال: دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام فجلست عنده، فاذا نجية قد استأذن عليه فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك اني أريد أن اسألك عن مسألة والله ما أريد بها الا فكاك رقبتي من النار فكأنه رق له فاستوى جالسا فقال: " يا نجية سلني فلا تسألني اليوم عن شئ ألا اخبرتك به " قال: جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان؟ قال: " يا نجية لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الانفال، ولنا صفو الاموال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله، وأول من حمل الناس على رقابنا، ودماؤنا في اعناقهم إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، وأن الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت " فقال نجية: انا لله وانا اليه راجعون، ثلاث مرات، هلكنا ورب الكعبة.قال: فرفع فخده عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا، الا انا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول: " اللهم انا قد احللنا ذلك لشيعتنا"، قال: ثم أقبل الينا بوجه وقال يا نجية ما على فطرة ابراهيمعليه‌السلام غيرنا وغير شيعتنا"(٣) .وهذان الحديثان ونحوهما من الاحاديث الكثيرة مما لا خلاف في مضمونها بين الاصحاب بلا شك ولا فربة، فلا حاجة إلى البحت عن اسنادهما والفحص عن رجاله، فان أخبار الاحاد بين محققي الاصحاب والمحصلين منهم انما يكون حجة اذا انضم اليها من التابعات والشواهد وقرائن الاحوال ما يدل على صدقها، فما ظنك باجماع الفرقة.

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٤٤ حديث ٤٠٣.

(٢) الصحاح ٤: ١٥١٧ " طسق ".

(٣) التهذيب ٤: ١٤٥ حديث ٤٠٥.

(*)


فان قيل: ما معنى جعل هذه الاشياء في حال الغيبة للشيعة، أهي على العموم أو على جهة مخصوصة؟ وعلى التقدير الثاني فما هذه الجهة؟ قلنا: ليس المراد حلها على جهة العموم، والالزم سقوط حقهمعليهم‌السلام من الخمس حال الغيبة، وهو خلاف ما عليه اكثر الاصحاب، بل القول به منسوب إلى الشذوذ، بل يلزم منه جواز تناول حقهمعليهم‌السلام والصرف فيه، إلى غير ذلك مما هو معلوم البطلان وانما المراد: احلال مالابد منه من المناكح والمساكن والمتاجر لتطيب ولادتهم ويخرجوا عن الغصب في المسكن والمطعم ونحوهما.وقد عين الاصحاب لذلك مواضع بخصوصها في باب الخمس، فلا حاجة بنا إلى ذكرها هاهنا، فاذا كان بيد أحدنا من أرض الانفال شئ اما بالاحياء أو بالشراء من بعض المتغلبين ونحو ذلك، كانت عليه حلالا باحلال الائمةعليهم‌السلام .فان قيل: ليس على الشيعة في هذا النوع من الارض خراج، فهل على غيرهم فيه شئ من ذلك؟ قلنا: لا نعرف في ذلك تصريحا للاصحاب، ولكن قد وقع في الحديث السابق تصريحا به، ووجهه من حيث المعني انه تصرف في مال الغير بغير اذنه، فلا يكون مجانا.فان قيل: فهل يجوز لمن استجمع صفات النيابة حال الغيبة جباية شئ من ذلك؟ قلنا: ان ثبت أن جهة نيابته عامة احتمل ذلك، والى الان لم نظفر بشئ فيه وكلام الاصحاب قد يشعر بالعدم، لان هذا خاصة الامام، وليس هو كخراج الارض المأخوذة عنوة، فان هذا القسم كغيرة كما سيأتي انشاء الله.فان قيل: فلو استولى سلطان الجور على جباية شئ من خراج هذه الارضين اعتمادا منه انه يستحقه لزعمه أنه الامام، فهل يحل تناوله؟


قلنا: الاحاديث التي تأتي تحل تناول الخراج الذي يأخذه الجائر، وكلام الاصحاب يتناول هذا القسم وان كان السابق إلى الافهام في الخراج ما يؤخذ من المفتوح عنوة فلا يبعد الحاقه به.ولم أقف على شئ صريح في ذلك سوى اطلاق ما ورد عنهمعليهم‌السلام .

فائدة:

لا فرق بين غيبة الامام وحضوره في زمان التقية، لاستوائهما في كونه موجودا ممنوعا من التصرف.

والاخبار وكلام الاصحاب يومئ إلى ذلك، واباحتهمعليهم‌السلام لشيعتهم انما وقع في زمانهم وكذا الامر بالجمعة.وقد احتج الاصحاب بذلك بثبوتهما في زمان الغيبة، وفي الواقع لا فرق بينهما.

المقدمة الرابعة: في تعيين ما فتح عنوة من الارضين

اعلم أن الذي ذكره الاصحاب في ذلك: مكة زادها الله شرفا، والعراق، والشام، وخراسان، وبعض الاقطار ببلاد العجم وقد تقدم في بعض الاخبار السابقة أن البحرين من الانفال.فأما مكة فان للاصحاب في كونها فتحت عنوة أو صلحا خلافا، اشهره أنها فتحت عنوة.قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط: ظاهر المذهب أن النبي صلى وآله وسلم فتح مكة عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد ذلك، وانما لم يقسم الارضين والدور، لانها لجميع المسلمين كما نقول في كل ما فتح عنوة اذا لم يكن نقله إلى بلد الاسلام فانه يكون للمسلمين قاطبة.ومن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على رجال من المشركين فأطلقهم، وعندنا أن للامام أن يفعل ذلك، وكذلك أموالهم


من عليهم بها(١) .وقال العلامة في التذكرة: وأما أرض مكة فالظاهر من المذهب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فتحها بالسيف، ثم أمنهم بعد ذلك(٢) .وكذا قال في النهاية، ونحوه في التحرير(٣) وشيخنا في الدروس لم يصرح بشئ.احتج العلامة على ذلك بما رواه الجمهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال لاهل مكة: " ما تروني صانعا بكم؟ " فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.فقال: " اقول لكم كما قال أخي يوسف لاخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)، أنتم الطلقاء "(٤) .ومن طريق الخاصة بما رواه الشيخ عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد ابن أبي نصر قال: ذكرنا له الكوفة، إلى أن قال: " ان أهل الطائف اسلموا وجعلوا عليهم العشر، وان أهل مكة دخلها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عنوة، وكانوا أسراء في يده فأعتقهم فقال: اذهبوا انتم الطلقاء "(٥) .وأجاب عن حجة القائلين بأنها فتحت صلحا، حيث أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخلها بأمان، كما ورد في قصة العباس وأبي سفيان وقولهعليه‌السلام : " من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن اغلق بابه فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " الا جماعة معينين، وانهعليه‌السلام لم يقسم اموالهم ولا أراضيهم.

____________________

(١) المبسوط ٢: ٣٣.

(٢) التذكرة ١: ٤٢٨.

(٣) التحرير ١: ١٤٢.

(٤) يوسف: ٩٢.

(٥) التهذيب ٤: ١١٨ حديث ٣٤١.

(*)


بأنه على تقدير تسليم ذلك، انما لم يقسم الارضين والدور، لانها لجميع المسلمين، لا يختص بها الغانمون على ما تقرر من الارض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة، والاموال والانفس يجوز أن يمن عليهم بها مراعاة للمصلحة، لان للامام أن يفعل مثل ذلك(١) .وهذا قريب من كلام المبسوط(٢) .وأما أرض العراق التي تسمى بأرض السواد فهي المفتوحة من أرض الفرس في أيام الثاني، فلا خلاف فيه أنها فتحت عنوة.وانما سميت سوادا، لان الجيش لما خرجوا من البادية ورأوا هذه الارض والتفاف شجرها سموها السواد لذلك، كذا ذكر العلامة في المنتهى والتذكرة(٣) .قال في المبسوط - وهذه عبارته -: وأما أرض السواد فهي المغنومة من الفرس التي فتحها عمر وهي سواد العراق.فلما فتحت بعث عمر عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف ماسحا.فمسح عثمان الارض واختلفوا في مبلغها فقال الساجي: اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وهي ما بين عبادان والموصل طولا، وبين القادسية وحلوان عرضا.ثم ضرب على كل جريب نخل ثمانية دراهم، والرطبة ستة، والشجر والحنطة اربعة، والشعير درهمين، وكتب إلى عمر فأمضاه.وروي أن ارتفاعها كانت في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان في زمن الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولي عمر بن عبدالعزيز

____________________

(١) التذكرة ١: ٤٢٨.

(٢) المبسوط ٢: ٣٣.

(٣) المنتهى ٢: ٩٣٧، التذكرة ١: ٤٢٨.

(*)


رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول[ سنة، وفي ](١) والثانية بلغ ستين ألف ألف، فقال: لو عشت سنة اخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر، فمات في تلك السنة.وكذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام لما أفضي الامر اليه أمضى ذلك، لانه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما عنده.والذي يقتضيه المذهب أن هذه الاراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة يكون خمسها لاهل الخمس، وأربعة اخماسها يكون للمسلمين قاطبة، الغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء، ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء(٢) .هذه عبارته بحروفها.وقال في المنتهى وهذه عبارته أيضا: أرض السواد: هي الارض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطاب، وهي سواد العراق، وحده في العرض من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية المتصل بعذيب من أرض العرب.ومن تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة.فأما الغربي الذي تليه البصرة فانما هو اسلامي مثل شط عثمان بن أبي العاص.إلى أن قال: هذه الارض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطاب، ثم بعث اليها بعد فتحه ثلاثة انفس: عمار بن ياسر على صلانهم أميرا، وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الارض وفرض لهم في كل يوم شاة شطرها مع السواقط لعمار، وشطرها للاخرين.وقال: ما ارى قربة يؤخذ منها كل يوم شاة الا سريع خرابها.ومسح عثمان أرض الخراج، واختلفوا في مبلغها، فقال الساجي: اثنان

____________________

(١) لم ترد في النسخة الخطية، اثبتناها من المصدر.

(٢) المبسوط ٢: ٣٤.

(*)


وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبوعبيدة: ستة وثلاثون ألف ألف ثم ضرب على كل جريب نخل عشرة دراهم، وعلى الكرم ثمانية دراهم، وعلى جريب الشجر والرطبة ستة دراهم، وعلى الحنطة له تسعة دراهم، وعلى الشعير درهمين.ثم كتب في ذلك إلى عمر فأمضاه.وروي أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان زمان الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولي عمر بن عبدالعزيز، ثم ساق باقي كلام الشيخ السابق بحروفه، مازاد ولا نقص(١) .وكذا صنع في التذكرة في باب الجهاد بحروفه(٢) ، وأعاد القول بفتح السواد عنوة في باب احياء الموات(٣) ومثل ذلك صنع في كتاب الجهاد من التحرير(٤) .ولم يحضرني وقت كتابة هذه الرسالة هذا الموضوع من كتاب السرائر لابن ادريسرحمه‌الله لاحكي ما فيه، لكنه في باب أحكام الارضين من كتاب الزكاة ذكر أن أرض العراق مفتوحة عنوة، وذكر من أحكامها قريبا من كلام الاصحاب الذي حكيناه(٥) .

وروى الشيخ باسناده عن مصعب بن يزيد الانصاري - وأورده ابن ادريس في السرائر(٦) ، والعلامة في المنتهى(٧) - قال: استعملني أمير المؤمنين علي بن ابي طالبعليه‌السلام على أربعة رساتيق: المدائن البهقباذات، ونهر سير، ونهر

____________________

(١) المنتهى ٢: ٩٣٧.

(٢) التذكرة ١: ٤٢٨.

(٣) التذكرة ٢: ٤٠٢.

(٤) التحرير ١: ١٤٢.

(٥) السرائر: ١١١.

(٦) السرائر: ١١٢.

(٧) المنتهى ٢: ٩٣٥.

(*)


جوير، ونهر الملك، وأمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهما ونصفا، وعلى كل جريب وسط درهما، وعلى كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم، وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم.وأمرني أن ألقي كل نخل شاذ عن القرى لمارة الطريق وابن السبيل ولا آخذ منه شيئا، وأمرني أن اضع الدهاقين الذين يركبون البراذ؟ ن ويتختمون بالذهب على كل رجل ثمانية واربعين درهما، وعلى أوساطهم والتجار منهم على كل رجل اربعة وعشرين درهما، وعلى سفلتهم وفقرائهم اثني عشر درهما على كل انسان منهم، قال: وجبتها ثمانية ألف ألف درهم في سنة(١) .قال الشيخ توظيف الجزية في هذا الخبر لا ينافي ماذكرناه من أن ذلك منوط بما يراه الامام من المصلحة، فلا يمتنع أن يكون أمير المؤمنينعليه‌السلام رأى المصلحة في ذلك الوقت ووضع هذا المقدار، واذا تغيرت المصلحة إلى زيادة ونقصان غيره، وانما يكون منافيا لو وضع ذلك عليهم، ونفى الزيادة عليهم والنقصان عنه في جميع الاحوال، وليس ذلك في الخبر(٢) .قلت: ومثله القول في الخراج منوط بالمصلحة وعرف الزمان كما سيأتي انشاء الله تعالى، وهذا التقدير ليس على سبيل التوظيف بل بحسب مصلحة الوقت.واعلم أن الذي اوردته من لفظ الحديث هو ما أورده الشيخ في التهذيب، لكن وجدت نسخه مختلفة العبارة في ايراد اسماء الرساتيق المذكورة ففي بعضها: نهر سيريا ونهر جوير.وفي بعضها: نهر سبر بالباء الموحدة والسين المهملة المكسروة، ونهر جوبن بالنون والجيم المفتوحة والياء المثناة من تحت بعد الواو والمسكورة، وفي بعضها: جوير بالجيم والياء الموحدة بعد الواو.وقال ابن ادريس بعد أن أورد الحديث في السرائر بعطف البهقباذات على

____________________

(١) التهذيب ٤: ١١٩ حديث ٣٤٣.

(٢) التهذيب ٤: ١٢٠.

(*)


المدائن بالواو، ونهر سبر بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحده والسين غير المعجمة هي المدائن، والدليل على ذلك ان الراوي قال: استعملني على أربعة رساتيق ثم عدد خمسة، فذكر المدائن ثم ذكر من جملة الخمسة نهر سبر فعطف على اللفظ دون المعنى، ثم شرع في بيان جواز مثل هذا العطف، إلى أن قال: فأما البهقباذات: البهقباذ الاعلى وهو ستة طساسيج ثم ذكر اسماء‌ها، والبهقباذ الاوسط أربعة طساسيج وذكر اسماء‌ها، والبهقباذ الاسفل خمسة طساسيج وصنع مثل ذلك(١) .والذي وجدته في نسخ التهذيب المدائن البهقباذات بغير واو، كما وجدته في المنتهى حيث أورد الحديث بلفظ وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: سألته عن سيرة الامام في الارض التي فتحت عنوة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: " ان أمير المؤمنينعليه‌السلام قد سار في أهل العراق بسيرة فهم امام لسائر الارضين "(٢) .فان قلت: أليس قد قال الشيخ في المبسوط ما صورته - وعلى الروايه التى رواها اصحابنا: ان كل عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الامام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصة - تكون هذه الارضون وغيرها مما فتحت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الا ما فتح في أيام أمير المؤمنينعليه‌السلام ان صح شئ من ذلك، تكون للامام خاصة، وتكون من جملة الانفال التي لا يشترك فيها غيره(٣) .وهذا الكلام يقتضي أن لا تكون أرض العراق من المفتوح نوه.قلت: الجواب عن ذلك من وجوه:

____________________

(١) السرائر: ١١٢.

(٢) المنتهى ٢: ٩٣٥.

(٣) المبسوط ٢: ٣٤.

(*)


الاول: ان الشيخرحمه‌الله قال هذه على صوره الحكاية، وفتواه متقدم في أول الكلام، مع أن جميع اصحابنا مصرحون في هذا الباب على ما قاله الشيخ في أوله كلامه.والعلامة في المنتعى والتذكرة أورد كلام الشيخ هذا حكاية وايرادا بعد أن افتى بمثل كلامه الاول، حيث قال في أول كلامه: وهذه الارض فتحت عنوة ولم يتعرض إلى ما ذكره آخرا بشئ.

الثاني: ان الروايه التي أشار اليها الشيخ ضعيفة الاسناد مرسلة، ومثل هذه كيف يحتج به أو يسكن اليه، مع أن الظاهر من كلام العلامة في المنتهى ضعف العمل بها(١) .

الثالث: انا لو سلمنا صحة الرواية المذكورة لم يكن فبها دلالة على أن أرض العراق فتحت بغير أمر الامام، فقد سمعنا أن عمر استشار أمير المؤمنينعليه‌السلام في ذالك.ومما يدل عليه فعل عمار، فانه من خلصاء أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولولا أمره لما ساغ له الدخول في أمرها.ومما يقطع مادة النزاع ويدفع السؤال ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي قال: سئل أبوعبداللهعليه‌السلام ما منزلته؟ فقال: " هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم، ولمن يخلق بعد " فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: " لا يصلح الا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين " الحديث(٢) .وروى أيضا عبدالرحمن بن حجاج قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عما اختلف فيه ابن ابي ليلى وابن شبرمة في السواد وارضه فقلت: ان ابن أبي ليلى قال: اتهم اذا اسلموا احرار وما في ايديهم من ارضهم لهم.وأما ابن شبرمة فزعم أنهم

____________________

(١) المنتهى ٢: ٩٣٥.

(٢) التهذيب ٧: ١٤٧ حديث ٦٥٢.

(*)


عبيد وأن ارضهم التي بأيديهم ليست لهم فقال في الارض ما قال ابن شبرمة، وقال في الرجال ما قال ابن بي ليلى: انهم اذا اسلموا فهم احرار(١) .وهذا قاطع في الدلالة على ما قلناه، لاسيما وفتوى الاصحاب وتصريحهم موافق لذلك، فلا مجال للتردد.وأما أرض الشام فقد ذكر كونها مفتوحة عنوة بعض الاصحاب، وممن ذكر ذلك العلامة في كتاب احياء الموات من التذكرة(٢) ، لكن لم يذكر أحد حدودها.وأما البواقي فذكر حكمها القطب الرواندي في شرح نهاية الشيخ واسنده إلى مبسوطه وعبارته هذه: والظاهر على ما في مبسوطه أن الارضين التي هي من اقصى خراسان إلى كرمان وخوزستان وهمدان وقزوين وما حواليها اخذت بالسيف.هذا ما وجدته في ما حضرين من كتب الاصحاب، والله اعلم بالصواب.

المقدمة الخامسة: في تحقيق معنى الخراج، وانه هل يقدر أم لا؟

اعلم أن الخراج هو ما يضرب على الارض كالاجرة لها، وفي معناه المقاسمة، غير أن المقاسمة تكون جزء‌ا من حاصل الزرع، والخراج مقدار من النقد يضرب عليها.وهذا هو المراد بالقبالة والطسق في كلام الفقهاء.ومرجع ذلك إلى نظر الامام على حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين عرفا، وليس له في نظر الشرع مقدار معين لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان عنه، ويدل على ذلك وجوه:

الاول: ان الخراج والمقاسمة كالاجرة، وهي منوطة بالعرف متفاوتة بتفاوت

____________________

(١) التهذيب ٧: ١٥٥ حديث ٦٨٤.

(٢) التذكرة ٢: ٤٠٢.

(*)


الرغبات.

أما الاولى فلانهما في مقابل منافع الارض ولا نريد بمشابهتهما للاجرة الا ذلك.

وأما الثانية فظاهرة، قال العلامة في النهاية في باب قتال البغاة في توجيه كلام الشيخرحمه‌الله حيث قال: لو ادعى من بيده أرض الخراج عنه المطالبة به بعد زوال يد أهل البغي، أداء‌ه إلى أهل البغي لم يقبل قوله.

وجهه: ان الخراج معاوضة، لانه ثمن أو اجرة، فلم يقبل قولهم في ادائه كغيره من المعاوضات.

الثاني: قد سبق في الحديث المروي عن أبي الحسن الاولعليه‌السلام - وهو الحديث الطويل الذي أخذنا منه موضع الحاجة - ما يدل على ذلك، قال: " والارض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في أيدي من يعمرها ويحييها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلث أو الثلثان، وعلى قدر ما يكون لهم صالحا ولا يضر بهم " الحديث(١) .وهذا صريح في ما قلناه، فان تسويغه الخراج إلى النصف أو الثلث والثلثين واناطنه اياه بالمصلحة بعد ذلك صريح في عدم انحصار الامر في شئ بخصوصه ولا اعرف لهذا رادا من الاصحاب.

الثالث: الاجماع المستفاد من تنبع كلام من وصل الينا كلامه من الاصحاب وعدم الفتوى على مخالف، ولا محكيا لكلام المتصدين لحكاية الخلاف مشهورا ونادرا في مطولات كتب المحققين ومختصراتهم.

قال الشيخ في النهاية في حكم الارض المفتوحة عنوة: وكان على الامام أن يقبلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع(٢) .وقال في المبسوط في باب حكم الارضين من كتاب الزكاة في حكم المفتوحة

____________________

(١) التهذيب ٤: ١٢٨ حديث ٣٦٦.

(٢) النهاية: ١٩٤.

(*)


عنوة: وعلى الامام تقبيلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث(١) .وقال في كتاب الجهاد منه عند ذكر سواد العراق وغيره مما فتحت عنوة: يكون للامام النظر فيها وتقبيلها بما شاء، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين(٢) .وقال ابن ادريس في السرائر في حكم المفتوحة عنوة: على الامام أن يقبلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك(٣) .وقال العلامة في المنتهى: وهذه الارض المأخوذة بالسيف عنوة يقبلها الامام لمن يقوم بعمارتها بمايراه من النصف أو الثلث(٤) .وقال في التذكرة: الارض المأخوذة بالسيف عنوة يقبلها الامام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف وغيره(٥) .وقال في التحرير في المفتوحة عنوة: ويقبلها الامام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث(٦) .وقال في القواعد في هذا الباب أيضا: وبقبلها الامام لمن يراه بما يراه حظا للمسلمين، ويصرف حاصلها في مصالحهم(٧) .وقال في الارشاد: ويقبلها الامام لمن يراه بما يراه.

وقال المقدادرحمه‌الله في التنقيح ولم يحضرني عند كتابة هذا الرسالة لاحكي

____________________

(١) المبسوط ١: ٢٣٥.

(٢) المبسوط ٢: ٣٤.

(٣) السرائر: ١١٠.

(٤) المنتهى ٢: ٩٣٥.

(٥) التذكرة ٤٢٧٠١.

(٦) التحرير ١: ١٤٢.

(٧) القواعد: ١: ١٠٦.

(*)


عبارته ولكن حاصل كلامه فيه على ما اظن أن مرجع تعيين الخراج إلى العرف فكل ما يليق بالارض عرفا جاز ضربه عليها(١) .فان قلت: قد صرحتم بأن هذا منوط ينظر الامامعليه‌السلام ورأيه، فكيف يحل بدون ذلك؟ قلنا: قد نص أئمتناعليهم‌السلام في غير حديث وصرح اصحابنا كافة وسنحكي الاحاديث الواردة في ذلك وعبارات الاصحاب عن قريب انشاء الله تعالى بحل تناول ما يأخذه الجائر من ذلك باسم الخراج والمقاسمة.ووجهه من حيث المعنى واضح: لان الخراج حق شرعي منوط تقديره بالمصلحة عرفا وارتباطه بنظر الامام، فاذا تعدى الجائر في ذلك إلى ما لايجوز له وعمل ما هو منوط بنظر الامام استقلالا لابنفسه، كان الوزر عليه في ارتكاب ما لا يجوز له ولم يكن المأخوذ حراما، لانه حق شرعي على الزارع خارج عن ملكه، يستحقه قوم ملعومون.وقد رفع أئمتناعليهم‌السلام المنع من طرفهم بالنسبة الينا فكيف يحرم.

قال في التذكرة في كتاب البيع: ما يأخذه الجائر من الغلات باسم المقاسمة، ومن الاموال باسم الخراج عن حق الارض ومن الانعام باسم الزكاة يجوز شراؤه واتهابة ولا يجب اعادته على اصحابه وان عرفوا، لان هذا مال لا يملكه الزارع وصاحب الانعام والارض، فانه حق الله تعالى آخذه غير مستحقه فبرئت ذمته وجاز شراؤه(٢) .والحاصل أن هذا مما وردت النصوص واجمع عليه الاصحاب، بل المسلمون.فالمنكر له والمنازع فيه مدافع للنص منازع للاجماع، فاذا بلغ معه الكلام إلى

____________________

(١) التنقيح الرائع ١: ٥٨٩.

(٢) التذكرة ١: ٥٨٣.

(*)


هذا المقام فالاولى الاقتصار معه على قول سلام.فان قلت: فهل يجوز أن يتولى من له النيابة حال الغيبة ذلك، أعني الفقيه الجامع للشرائط؟ قلنا: لا نعرف للاصحاب في ذلك تصريحا، ولكن من جوز للفقهاء في حال الغيبة تولي استيفاء الحدود وغير ذلك من توابع منصب الامامة ينبغي تجويزة لهذا بالطريق الاولى، لان هذا أقل منه خطرا، لاسيما والمستحقون لذلك موجودون في كل عصر، اذ ليس هذا الحق مقصورا على الغزاة والمجاهدين كما يأتي.ومن تأمل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين مثل السيد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحققين من المتقدمين والمتأخرين نصير الحق والدين الطوسي وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر، وغيرهم رضوان الله عليهم، نظر متأمل منصف لم يعترضه الشك في انهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويقيمون هذا السبيل، وما كانوا ليودعوا بطون كنبهم الا ما يعتقدون صحته.

المقالة في حل الخراج في حال حضور الامام وغيبته

أما حال حضورهعليه‌السلام فلا شك فيه، وليس للنظر فيه مجال، وقد ذكر اصحابنا في مصرف الخراج أن الارض جعل منه ارزاق الغزاة والولاة والحكام وسائر وجوه الولايات.قال الشيخ في المبسوط في فصل أقسام الغزاة: ما يحتاج اليه للكراع وآلات الحرب كان ذلك من بيت المال من اموال المصالح.وكذلك رزق الحكام، وولاية الاحداث، والصلات، وغير ذلك من وجوه الولايات، فانهم يعطون من


المصالح، والمصالح تخرج من ارتفاع الاراضي المفتوحة عنوة(١) .وكذا قال العلامة حاكيا عن الشيخ كلامه(٢) ، فلا حاجة إلى التطويل به.وهذا واضح جلي، وليس المقوص بالنظر.وأما في حال الغيبة فهو موضع الكلام ومطمح النظر: ولو تأمل المنصف لوجد الامر فيه أيضا بينا جليا.فان هذا النوع من المال مصرفه ما ذكر، وليس للامامعليه‌السلام قليل ولا كثير.وهذه المصارف التي عددناها لم تتعطل كلها في حال الغيبة، وان تعطل بعضها.وكون ضرب الخراج وتقبيل الارضين وأخذه وصرفه موكولا إلى نظرهعليه‌السلام لا يقتضي تحريمه حال الغيبة، لبقاء الحق ووجود المستحق مع تظافر الاخبار عن الائمة الاطهار، وتطابق كلام أجلة الاصحاب ومتقدمي السلف ومتأخريهم بالترخيص لشيعة أهل البيتعليهم‌السلام في تناول ذلك حال الغيبة بأمر الجائر.فاذا انضم إلى هذا كله أمر من له النيابة حال الغيبة كان حقيقا باندفاع الاوهام واضمحلال الشكوك، ولنا في الدلالة على ما قلناه مسلكان:

الاول: في الاخبار الواردة عن أهل البيتعليهم‌السلام في ذلك، وهي كثيرة: فمنها ما رواه الشيخ عن أبي بكر الحضرمي قال: دخلت على أبي عبداللهعليه‌السلام وعنده اسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس، ويعطهم ما يعطي الناس، ثم قال لي: لم تركت عطاء‌ك؟ قال: قلت: مخافة على ديني، قال: ما منع ابن أبي سماك أن يبعث اليك

____________________

(١) المبسوط ٢: ٧٥.

(٢) المنتهى ٢: ٩٥٩.

(*)


بعطائك، أماعلم أن لك في بيت المال نصيب(١) .قلت: هذا نص في الباب، فانهعليه‌السلام بين للسائل حيث قال: انه ترك أخذ العطاء للخوف على دينه بأنه لا خوف عليه، فانه انما يأخذ حقه حيث انه يستحق في بيت المال نصيبا، وقد تقرر في الاصول تعدي الحكم بالعلة المنصوصة.ومنها مارواه أيضا في الصحيح عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبوالحسنعليه‌السلام : " مالك لا تدخل مع علي في شراء الطعام اني اظنك ضيقا " قال: قلت: نعم فان شئت وسعت علي، قال: " اشتره "(٢) .وقد احتج بها العلامة في التذكرة على تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة(٣) .ومنها مارواه أيضا في الصحيح عن أبي المعزا قال: سأل رجل أبا عبداللهعليه‌السلام وأنا عنده، فقال: أصلحك الله أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم، آخذها؟ قال: " نعم "، قلت: " واحج بها؟ "، قال: " نعم "(٤) .ومثل هذا من عدة طرق اخرى كذا.ومنها ما رواه أيضا في الصحيح عن جميل بن صالح قال: أرادوا بيع تمر عين أبي زياد، فأردت أن اشتريه، ثم قلت: حتى أستأذن أبا عبداللهعليه‌السلام فأمرت مصادفا فسأله، قال: فقال: " قل له يشتريه فان لم يشتره اشتراه غيره "(٥) .قلت: قد احتج بهذا الحديث لحل ذلك العلامة في المنتهى وصححه، لكن

____________________

(١) التهذيب ٦: ٣٣٦ حديث ٩٣٣.

(٢) التهذيب ٦: ٣٣٦ حديث ٩٣٢.

(٣) التذكرة ١: ٥٨٣.

(٤) التهذيب ٦: ٣٣٨ حديث ٩٤٢.

(٥) التهذيب ٦: ٣٧٥ حديث ١٠٩٢.

(*)


قد يسأل عن قوله: " فان لم يشتره اشتراه غيره " فان شراء الناس للشئ لا مدخل له في صيرورته حلالا، على تقدير أن يكون حراما، فأي مناسبة له ليعلل به، ولا أبعد أن يكون ذلك اشارة منهعليه‌السلام إلى معنى لطيف، وهو أن كل من له دخل في قيام دولة الجور ونفوذ أوامراها وقوة شوكتها وضعف دولة العدل يحرم عليه هذا النوع ونحوه بشراء وغيره بخلاف من لم يكن كذلك، فان عدم دخوله في شراء هذا كدخوله في انه لا يتعطل أمر دولة الجور ولا يتناقص، بل رواجها بحلاله.فأشارعليه‌السلام بقوله: " ان لم يشتره اشتراه غيره "، الا انه لا مانع له من الشراء، اذ لا دخل له في دولة الجور بتقوية ولا غيرها.فان لم يشتره لم يتفاوت الحال بل يشتريه غيره.ومنها ما رواه أيضا اسحاق بن عمار قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم قال: " يشتري منه ما لم يعلم انه ظلم فيه أحد "(١) .وهذا الحديث نقلته من المنتهى هكذا، وظني انه نقله من التهذيب(٢) ، وبمعناه أحاديث كثيرة: منها ما رواه أيضا في الصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من ابل الصدقة وغنمها وهو يعلم انهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال: " ما الابل والغنم الا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه ".

____________________

(١) المنتهى ٢: ٩٣٥.

(٢) التهذيب ٦: ٣٧٥ حديث ١٠٩٣.

(٣) المنتهى ٢: ٩٣٥.

(*)


قيل له: فما ترى من اغنامنا في متصدق يجيئنا فيأخذ صدقات اغنامنا نقول: بعناها فيبعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: " ان كان أخذها وعزلها فلا بأس ".قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا فيأخذ حظه فيعزل بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: " ان كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل "(١) .ومنها ما رواه الشيخ أيضا باسناده عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبداللهعليه‌السلام عن أبيه: " ان الحسن والحسين كانا يقبلان جوائز معاوية "(٢) .قلت: قد علم أن موضع الشبهة حقيق بالاجتناب، والامامعليه‌السلام لا يواقعها، وما كان قبولهماعليهما‌السلام لجوائز الا لما لهما من الحق في بيت المال.مع أن تصرفه كان يغير رضى منهمعليهم‌السلام ، فتناولهما حقهماعليهما‌السلام المرتب على تصرفه دليل على جواز ذلك لذوي الحقوق في بيت المال من المؤمنين نظرا إلى التأسي.وقد نبه شيخنا في الدروس على المعنى، وفرق بين الجائزه من الظالم وبين أخذ الحق الثابت في بيت المال أصالة، فان ترك قبول الاول أفضل، بخلاف الثاني(٣) .ومثل هذه الاخبار كثيرة لمن تتبع وحصره ولسنا بصدد ذلك، فان في هذه غنية في الدلائل على المطلوب عن السعي في تتبع ما سواها، وكون بعضها قد يعتري بعض رجال اسناده طعن أو جهالة غير قادح في شئ منها بوجه من الوجوه على أن أسانيد كثير منها صحيحة كما قدمناه.

____________________

(١) التهذيب ٦: ٣٧٥ حديث ١٠٩٤.

(٢) التهذيب ٦: ٣٣٧ حديث حديث ٩٣٥.

(٣) الدروس: ٣٢٩.

(*)


ومع ذلك فان الاصحاب كلهم أوجلهم قد افتوا بمضمونها في كتبهم، وعملوا به فيما بلغنا عنهم، والخبر الضعيف الاسنا اذا انجبر بقول الاصحاب وعملهم ارتقى إلى مرتبة الصحيح وانتظم في سلك الحجج والحق بالمشهور.فان قيل: هاهنا سؤالان:

الاول: هذه الاخبار انما تضمنت حل الشراء خاصة، فمن أين ثبت حل التناول مطلقا؟.

الثاني: هذه الاخبار انما دلت على جواز التناول من الجائر بعد استيلائه وأخذه، فمن أين ثبوت حل الاستيلاء والاخذ كما يفعل الجائر؟ قلنا:

الجواب عن الاول: ان حل الشراء كاف في ثبوت المطلوب، لان حل الشراء يستلزم حل جميع اسباب النقل كالصلح والهبة، لعدم الفرق، بل الحكم بجواز غير الشراء على ذلك التقدير بطريق أولى، لان شروط صحة الشراء أكثر، وقد صرح الاصحاب بذلك، بل يستلزم قبول جواز هبته وهو في يد ذي المال الحوالة به، لما عرفت من أن ذلك غير مملوك له، بل انما هو حق تسلط على تصرف الغير فيه، وقد سوغ أئمتناعليهم‌السلام ابتناء تملكنا على ذلك التصرف الغير السائغ، لان تحريمه انما كان من جهتهمعليهم‌السلام ، فاغتفروا لشيعتهم ذلك طلبا لزوال المشقة، فعليهم من الله التحية والسلام، وقد صرح بذلك بعض الاصحاب، وسندكره فيما بعد انشاء الله تعالى.

وأما الجواب عن الثاني فلان الاخذ من الجائر والاخذ بأمره سواء، على انه اذا لوحظ أن المأخوذ حق ثبت شرعا ليس فيه وجه تحريم ولا جهة غصب ولا قبح، حيث أن هذا حق مفروض على هذه الاراضي المحدث عنها، وكونه منوطا بنظر الامام انتفى الحظر اللازم بسببه ترخيص الامام في تناوله من الجائر سقط السؤال بالكلية أصلا ورأسا.


المسلك الثانى: اتفاق الاصحاب على ذلك، وهذه عباراتهم نحكيها شيئا فشيئا من كلامهم بعينه من غير تغيير على حسب ما وقع الينا من مصنفاتهم في وقت كتابة هذه الرسالة.فمن ذلك كلام شيخ الطائفة ورئيسها وفقيهها ومعتمدها محمد بن الحسن الطوسي في كتاب المكاسب من كتاب النهاية وهذا لفظه: ولا بأس بشراء الاطعمة وسائر الحبوب والغلات على اختلاف اجناسها من سلاطين الجور وان علم من أحوالهم أنهم يأخذون مالا يستحقون ويغصبون ما ليس لهم، مالم يعلم شيئا من ذلك بعينه غصبا، فان علم كذلك فلا يتعرض لذلك، فأما ما يأخذونه من الخراج والصدقات وان كانوا غير مستحقين لها جاز شراؤها منهم(١) .هذا كلامه.وقال المحقق نجم الدين في الشرائع ما هذا لفظه: ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة، والاموال باسم الخراج من حق الارض، ومن الانعام باسم الزكاة يجوز ابتياعه وقبول هبته، ولا يجب اعادته على أربابه وان عرف بعينه(٢) .وقال العلامة في المنتهى: يجوز للانسان أن يبتاع ما يأخذه سلطان الجور بشبهة الزكوات من الابل والبقر والغنم، وما يأخذه عن حق الارض من الخراج وما يأخذه بشبهة المقاسمة من الغلات وان كان غير مستحق لاخذ شئ من ذلك، الا ان يتعين له شئ بانفراده انه غصب فلا يجوز له أن يبتاعه.ثم احتج له برواية جميل بن صالح واسحاق بن عمار وأبي عبيدة السالفات إلى أن قال: اذا ثبت هذا فانه يجوز ابتياع ما يأخذه من الغلات باسم المقاسمة، أو الاموال بأسم الخراج عن حق الارض، ومن الانعام باسم الزكاة.وقبول هبته.

____________________

(١) النهاية: ٣٥٨.

(٢) شرائع الاسلام ٢: ١٣.

(*)


ولا تجب اعادته على اربابه وان عرف بعينه دفعا للضرر(١) .قلت: هذا بعينه هو ما اسلفناه سابقا.

وقال في التذكرة ما هذا لفظه: ما يأخذه الجائر من الغلات باسم المقاسمة، ومن الاموال باسم الخراج عن حق الارض، ومن الانعام باسم الزكاه يجوز شراؤه واتهابه، ولا تجب اعادته على اصحابه وان عرفوا، لان هذا مال لا يملكه الزراع وصاحب الانعام والارض، فانه حق الله أخذه غير مستحق فبرئت ذمته وجاز شراؤه(٢) .ثم احتج لذلك بخبر أبي عبيدة و عبدالرحمن السالفين.

وقال في التحرير: ما يأخذه ظالم بشبهة الزكاة من الابل والبقر والغنم، وما يأخذه عن حق الارض بشبهة الخراج، وما يأخذه من الغلات باسم المقاسمة حلال وان لم يستحق أخذ ذلك، ولا تجب اعادته على اربابه وان عرفهم، الا أن يعلمه بعينه في شئ منه انه غصب، فلا يجوز تناوله ولا شراؤه(٣) .

وقال في القواعد: والذي يأخذه الجائر من الغلات باسم المقاسمة، ومن الاموال، باسم الخراج عن حق الارض، ومن الانعام باسم الزكاة يجوز شراؤه واتهابه: ولا تجب اعادته على اصحابه وان عرفوا(٤) وفي حواشي شيخنا الشهيدقدس‌سره على القواعد ما صورته: وان لم يقبضها الجائر، وكذا ثمرة الكرم والبستان.وقال في الارشاد عطفا أشياء مما يصح بيعها وتناولها: وما يأخذه الجائر باسم المقاسمة من الغلات والخراج عن الارض والزكاة من الانعام وان عرف

____________________

(١) المنتهى ٢: ١٠٢٧.

(٢) التذكرة ١: ٥٨٣.

(٣) التحرير ١: ١٦٣.

(٤) القواعد ١: ١٢٢.

(*)


المالك.وقال شيخنا في الدروس كلاما في هذا الباب من أجود كلام المحققين اذا تأمله المنصف الفطن علم انه يعتقد في الخراج من جملة الاموال الخالية من الشبهة البعيدة عن الاوهام، حيث ذكر الجوائز وجعل ترك قبولها أفضل، وبالغ في أحكام الخراج بما سنحكيه مفصلا، وصورة كلامه: يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج والزكاة والمقاسمة وان لم يكن مستحقا له، ثم قال: ولا يجب رد المقاسمة وشبهها على المالك، ولا يعتبر رضاه ولا يمنع تظلمه مع الشراء.وكذا لو علم انه يظلم، الا أن يعلم الظلم بعينه.نعم تكره معاملة الظلمة ولا يحرم، لقول الصادقعليه‌السلام : " كل شئ فيه حرام وحلال فهو حلال حتى تعرف الحرام بعينه ".ولا فرق بين قبض الجائر اياها ووكيله وبين عدم القبض، فلو أحاله بها وقبل الثلاثة، أو وكله في قبضها، أو باعها وهي في يد المالك أو في ذمته جاز التناول، ويحرم على المالك المنع وكما يجوز الشراء تجوز سائر المعاوضات والهبة والصدقة والوقف، ولا يحل تناولها بغير ذلك(١) .والمقدادرحمه‌الله في التنقيح شرح النافع أخذ حاصل هذا الكلام وأورده بصورة الشرح مطولا(٢) ، ولم يحضرني في وقت نقل كلام الاصحاب سوى هذا المقدار من الكتب فما نقل كلام الباقين لكن فيما أوردناه غنية وبلاغ لاولي الالباب.فان كلام الباقين لا يخرج عن كلام من حكينا كلامهم اذ لو كان فيهم مخالف لحكاه من عثرنا عن مصنفاتهم واطلعنا من مذاهبهم لما علمنا من شدة حرصهم على ايراد خلاف الفقهاء وان كان ضعيفا، والاشارة إلى القول الشاذ وان كان واهيا فيكون الحكم ذلك اجماعيا.

____________________

(١) الدروس: ٣٢٩.

(٢) التنقيح الرائع ٢: ١٨.

(*)


على انه لو كان فيهم مخالف مع وجود فتوى كبراء المتقدمين والمتأخرين واستقاضة الاخبار عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وصحة طرق كثير منها واشتهار مضمونها، لم يكن خلافه قادحا، فكيف والحال كما قد علمت.فها نحن قد قررنا لك في هذه المسألة واوضحنا لك من مشكلها ما يجلي صدى القلوب، ويزيل اذى الصدور، ويرغم انوف ذوي الجهل، ويشوه وجوه اولي الحسد، الذين يعضون الانامل غيظا وحنقا، ويلتجئون في تنفيس كربتهم إلى التفكر في الاعتراض والتنبيه على ما يعدونهم بزعمهم من العورات، ويطعنون بما لا يعد طعنا في الدين، يمهدون بذلك في انفسهم في قلوب وهماء العامة وضعفاء العقول وسفهاء الاحلام محلا، ولا يعلمون أنهم قد هدموا من دينهم، واسخطوا الله مولاهم، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا.فان ما أوردناه من الاخبار عن الائمة الاطهار، وحكيناه عن فقهاء العترة النبوية المبرئين من الزيغ والزلل ان كان حقا يجب اتباعه والانقياد اليه فناهيك وكانوا أحق بها واهلها، وأي ملامة على من اتبع الهدى والحق وتمسك بهدى قادة الخلق لولا العمه عن صوب الصواب، والغشاء عن نور اليقين.وان كان باطلا مع ما اثبتناه من الاخبار الكثيرة والاقوال الشهيرة، فلا سبيل لنا إلى مخالفتهم وسلوك غير جادتهم، والحال أنهم قدوتنا في اصول ديننا وعمدتنا في أركان مذهبنا، وكيف نتبعهم حينا ونفارقهم حينا " يحلونه عاما ويحرمونه عاما "(١) .

وما أنا من غزيت ان غوت

غويت وان ترشد غزبة أرشد

على أن الحاسد لا يرضى وان قرعت سمعه الايات، والمغمض لا يقصر وان أتي بالحجج البينات.

ولو راجع عقله وتفكر لم يجد فرقا بين حل الغنائم وحل ما نحن فيه، بل هذا انما هو شعبة من ذلك، فانه اذا كان المبيح له والاذن في تناوله

____________________

(١) التوبة: ٣٧.

(*)


واحدا، فأي مجال للشك، وأي موضع للطعن، لولا عين البغضاء وطوية الشحناء.وجدير بمن علم كيف كان طعن الحاسدين وانكار المغمضين عن سيد الكونين وامام الثقلين، ونسبتهم اليه الاباطيل وبدأتهم عليه في الاندية بالافاعيل، مما يذيب المرارة ويفتت قلوب ذي البصائر، أن يهون عليه مثل هذه الاقوال السخيفة والانكارات الفاسدة.فما في حريم بعدها من تحرج * ولا هتك ستر بعدها بمحرم وما زلنا نسمع في خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين وسلفنا الصالحين، ما من هو جملة الشواهد على ما ندعيه، والدلائل الدالة على حقيقة ما منتجيه.فمن ذلك ما تكرار سماعنا من أحوال الشريف المرتضى علم الهدى ذي المجدين، أعظم العلماء في زمانه، الفائر بعد المرتبة في أوانه، علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه، فانه مع ما أشتهر من جلالة قدرة في العلوم، وانه في المرتبة التي تنقطع انفاس العلماء على أثرها، وقد اقتدى به كل من تأخر عنه من علماء اصحابنا، بلغنا أنه كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة وثروة جسيمة وصورة معجبة، وانه قد كان له ثمانون قرية، وقد وجدنا في بعض كتب الاثار ذكر بعضها.وهذا أخوة ذو الفضل الشهير والعلم الغزير والعفة الهاشمية والنخوة القرشية السيد الشريف الرضي روح الله روحه كان له ثلاث ولايات، ولم يبلغنا عن أحد من صلحاء ذلك العصر الانكار عليهما، ولا النص منهما ولا نسبتهما إلى فعل حرام أو مكروه أو خلاف الاولى، مع أن الذين في هذا العصر ممن يزاحم بدعواه الصلحاء لا يبلغون درجات اتباع أولئك والمتقدمين بهم.ومتى خفى شئ فلا يخفى حال استاد العلماء والمحققين والسابق في الفضل


على المتقدمين والمتأخرين، العلامة نصير الملة والحق والدين محمد بن محمد ابن الطوسي قدس الله نفسه وطيب رمسه وانه كان المتولي لاحوال الملك والقائم باعباء السلطنة، وهذا وامثاله انما يصدر عن أوامره ونواهيه.ثم انظر إلى ما اشتهر من احوال آية الله في المتأخرين بحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين أبي منصور الحسن المطهر قدس الله لطيفه، وكيف كان ملازمته للسلطان المقدس المبرور محمد خدابنده، وانه كان له عدة قرى وكانت شفقات السلطان وجوائزه واصلة اليه، وغير ذلك مما لو عدد لطال.ولو شئت أن أحكي من أحوال عبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر، وكيف كانت احوالهما في دول زمانهما لحكيت شيئا عظيما، بل لو تأمل المتأمل الخالي من المرض قلبه لوجد المربي من العلماء والمروج لاحوالهم انما هم الملوك واركان دولهم.ولهذا لما قلت العناية بهم وانقطع توجههم بالتربية اليهم ضعفت احوالهم، وتضعفت أركانهم وخلت اندية العلم ومحافله في جميع الارض.

وليس لاحد من المتقدمين أن يقول: ان هؤلاء احيوا هذه البلاد وكانت قبل مواتا.هذا معلوم البطلان ببديهة العقل: أما أولا فلان بلاد العراق على ما حكيناه كانت بتمامها معمورة، لم يكن لاحد مجال أن يعمر في وسط البلاد قرى متعددة وما كان بين القريتين والبلدين في البعد قدر فرسخ الا نادرا، كيف ومجموع معمورها من الموصل إلى عبادان ستة وثلاثون ألف ألف جريب.وأما ثانيا، فلان عمارة القرى أمر عظيم يحتاج إلى زمان طويل وصرف مال جزيل، وهم كانوا بعيدين عن هذا الاستعداد مع هدا التمحلات بعدما تلوناه عن كلامهم في أحكام هذه الارضين واحوال خراجها وحل ذلك من التكلفات الباردة


والامور السامجة نعوذ بالله من القول بالهوى ومجانية سبيل الهدى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الخاتمة

في التوابع واللواحق، وفيها مسائل:

الاولى: في أن الخراج ليس من جملة مواضع الشبهات، لما قررنا فيما قبل أنه من جملة الغنائم، اذ هو حق الارض المفتوحة، فحلها تابع لحلها بغير تفاوت، واقمنا الدلائل على ذلك وحكينا ما صدر عن الاصحابرحمهم‌الله فيه، وليس له ما ينافي ذلك الا أخذه بأمر سلطان الجور، وهو موقوف على أمر الامام ونظره.وهذا لا يصلح للمنافاة، لان الائمةعليهم‌السلام أباحوا لشيعتهم ذلك في حال الغيبة وازالوا المانع من جهتهم، فلم يكن فيه شئ يقتضي التنفر، ولا يبعد من رضى الله سبحانه ورضاهم، لاسيما اذا انضم إلى ذلك نظر نائب الغيبة.وأي فارق بينه وبين ما أحلوه لشيعتهم حال الغيبة مما فيه حقوقهم.وهؤلاء الذين يزوون على هذا النوع لا يتجنبون ما فيه حقهمعليهم‌السلام بل ولا يستطيعون فان هذه الجواري والعبيد، ومتفرقات الغنائم، وما يحصل من البحر بالغوص وغيره لا يستطيع أحد الانفكاك منه، وهم لا يتحرجون من هذا القسم ولا ينفرون منه ويبالغون في التشنيع على القسم الاول لما يلحقه من المحرمات ومواقع الشبهات ويجعلون انفسهم في ذلك مقتدى للعامة يقتفون آثارهم، ولو يخافون الله سبحانه حيث انهم قد حرموا بعض ما أحله الله، وانكروا بعض ما علم ثبوته من الدين، وينالون من الاعراض المحترمة بما هو حرام عليهم.ولا فرق في استحقاق المقت من الله سبحانه بين استحلال الحرام وبين تحريم الحلال.فان عمر لما أنكر حل المتعة ما زال الائمةعليهم‌السلام ينكرون عليه،


ويتوجعون من فعله وافترائه، وحثوا على فعلها ووعدوا عليها بمضاعفة الثواب، فطما للنفوس عن متابعته على ضلاله.والشبهة انما سميت شبهة، لانها موضع للاشتباه، وليس هذا النوع موضعا للاشتباه، كما نقول في اموال الظلمة والقمارين فانها مواقع الشبهة ومظان المحرمات، فان الحل والحرمة حكمان شرعيان انما يثبتان وينتفيان بقول الشارع، فما كان أمر الشارع فيه الحل فهو الحلال، وما كان أمره فيه الحرمة فهو الحرام، والشبهة هو الحلال بحسب الظاهر ولكنه مظنة الحرام في نفس الامر، كما مثلناه في أموال الظلمة.

الثانية: قد عرفت أن الخراج والمقاسمة والزكاة المأخوذة بأمر الجائر أو نائبه حلال تناولها، فهل تكون حلالا للاخذ مطلقا، حتى لو لم يكن مستحقا للزكاة، ولاذا نصيب في بيت المال حين وجود الامامعليه‌السلام ، أو انما يكون حلالا بشرط الاستحقاق، حتى أن غير المستحق يجب عليه صرف ذلك إلى مستحقيه؟ اطلاق الاخبار وكلام الاصحاب يقتضي الاول، وتعليلهم للاخذ نصيبا في بيت المال، وأن هذا حق لله يشعر بالثاني.وللتوقف فيه مجال، وان كان ظاهر كلامهم هو الاول، لان دفع الضرورة لا يكون الا بالحل مطلقا.

الثالثة: قال في التحرير روي عن الصادقعليه‌السلام أنه سئل عن النزول على أهل الخراج فقال: " ثلاثة أيام "، وعن الشجرة في القرى وما يؤخذ من العلوج والاكراد اذا نزلوا في القرى قال: " ويشترط عليهم في ما شرطت عليهم من الدراهم والشجرة وما سوى ذلك، وليس لك أن تأخذ منهم شيئا حتى تشارطهم.وان كان كالمتيقن أن من نزل ذلك الارض أو القرية اخذ منه ذلك.قلت: الرواية في التهذيب وفيها بدل الاكراد: والاكرة(١) ، كأنه جمع اكار.

____________________

(١) التهذيب ٧: ١٥٣ حديث ٦٧٨.

(*)


وفي معناها ما رواه عن اسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج، إلى أن قال: اناسا من أهل الذمة نزلوها أله أن يأخذ منها اجرة البيوت اذا ادوا جزية رؤوسهم؟ قال، " تشارطهم فما اخذ بعد الشرط فهو حلال "(١) .ولكن روي عن علي الازرق قال: سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول: " أوصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليا عند موته فقال: يا علي لا يظلم الفلاحون بحضرتك، ولا يزاد على ارض وضعت عليها ولا سجزة على مسلم"(٢) .وفي معنى ذلك مارواه أيضا عن الحلبي عن أبي عبداللهعليه‌السلام (٣) .

الرابعة: روى الشيخرحمه‌الله في التهذيب عن علي بن يقطين قال: قلت لابي الحسن الاولعليه‌السلام : ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: " ان كنت لابد فاعلا فاتق أموال الشيعة "، قال: فأخبرني على انه كان - يجبيها من الشيعة علانية ويردها عليهم في السر(٤) .وفي معناها مارواه الحسن بن الحسن الانباري عن الرضاعليه‌السلام قال: كتبت اليه أربعة عشر سنة استأذنه في عمل السلطان، فلما كان في آخر، كتبت اليه اذكر انني أخاف على خيط عنقي وأن السلطان، يقول: رافضي ولست انك تركت عمل السلطان للرفض، فكتب اليه أبوالحسنعليه‌السلام : " فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك، فان كنت تعلم انك اذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم تصير اعوانك وكتابك أهل ملتك، واذا

____________________

(١) التهذيب ٧: ١٥٤ حديث ٦٧٩.

(٢) التهذيب ٧: ١٥٤ حديث ٦٨٠.

(٣) التهذيب ٧: ١٥٤ حديث ٦٨١.

(٤) التهذيب ٦: ٣٣٥ حديث ٩٢٧.

(*)


صار اليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين كان ذا بذا، والا فلا "(١) .قلت: في معنى هذين الحديثين أحاديث أخرى، وليس هذا مما نحن فيه بشئ، لان موضوع هذا تولي أعمال سلطان الجور وأخذ الجائزة على ذلك، وهذا خارج من بحثنا بالكلية.وما ورد في الحديث الاول انه كان يجبي أموال الشيعة علانية ويردها عليهم سرا يمكن أن يكون المراد به: ما يجعل عليهم من وجوه الظلم المحرمة، ويمكن أن يراد به: وجوه الخراج والزكوات والمقاسمات، لانها وان كانت حقا عليهم فليست حقا للجائر، فلا يجوز جمعها لاجله الا عند الضرورة.وما زلنا نسمع من كثير ممن عاصرناهم لا سيما شيخنا الاعظم علي بن هلال قدس الله روحه غالب ظني أنه بغير واسطة بل بالمشافهة: انه لا يجوز لمن عليه الخراج والمقاسمة سرقته ولا جحوده ولا منعه ولا شيئا منه، لان ذلك حق عليه والله اعلم بحقائق الامور.وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام فلنحمد الله الذي وفقنا للتمسك بعروة عترة النبي المصطفى، وخلاصة خاصته الوصي المرتضى، أحد السببين وثاني الثقلين وضياء الكونين وعصمة الخلف في الدارين، وسلوك محجتهم، والاستضاء‌ة بأنوار محبتهم.ونسأل الله اسمه أن يصلي ويسلم عليهم اجمعين، صلاة يظهر بها شرف مقامهم يوم الدين، وأن يحشرنا في زمرتهم وتحت ألويتهم، ويتوفانا على جهتهم(٢) مقتفين هديهم في صدورهم ووردهم وأن يصفح عن ذنوبنا ويتجاوز عن سيئائنا،

____________________

(١) التهذيب ٦: ٣٣٥ حديث ٩٢٨.

(٢) محبتهم ظ.

(*)


ولله الحمد والمنة أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.فرغ من تاليفها العبد المعترف بذنوبه علي بن عبد العالي وسط نهار الاثنين تقريبا حادي عشر شهر ربيع الثاني سنة ست عشر وتسعمائة، حامدا مصليا على محمد وآله الطيبن الطاهرين.


الفهرس

رسالة المحقق الكركي الجزء الأول تأليف: الشيخ علي بن الحسين الكركي المتوفى سنة ٩٤٠ ه‍ المجموعه الاولى ١

في التتميم ٤

فصل فصل ٥

فصل فصل ٦

فصل ٨

(٢) الرسالة الجعفرية ١٩

وأما الابواب فاربعة: الباب الاول: في الطهارة الاول: في اقسامها وأسبابها(١) : الطهارة: ٢٦

الفصل الثانى: في المياه: ٢٧

الفصل الثالث: الوضوء: ٣٢

الباب الثانى: في باقى مقدمات الصلاة وفيه فصول: ٤٣

الاول: في اعدادها: ٤٣

الباب الثالث: في افعال الصلاة وهي ثمانية: ٥٠

الباب الرابع: في التوابع: ٥٩

(٣) رسالة صلاة الجمعة ٨٢

الباب الاول في المقدمات، وهى ثلاثة: الاولى: ٨٥

المقدمة الثانية: ٨٧

المقدمة الثالثة: ٨٩

الباب الثانى: اختلف أصحابنا في حكم صلاة الجمعة ٩٠

الباب الثالث: في أن الجمعة لا تشرع حال الغيبة ١٠٣

خاتمة وارشاد ١١٢


(٤) رسالة صيغ العقود والايقاعات ١١٧

فصل النقد: ١٢٢

فصل بيع النسيئة: فصل بيع السلف: ١٢٣

فصل بيع الكالئ بالكالئ: ١٢٤

فصل التولية: فصل المواضعة: ١٢٧

فرع: فصل: بيع المساومة: ١٢٨

فصل: فصل: بيع الغرر فاسد كبيع الملاقحة: ١٢٩

فصل: القرض: ١٣١

الرهن: ١٣٢

الصلح: ١٣٤

(٥) الرسالة الرضاعية ١٥٤

(٦) رسالة قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج ١٧٧

المقدمة الاولى: في أقسام الارضين ١٨١

المقدمة الثالثة: في بيان أرض الانفال وحكمها الانفال: ١٩٦

المقدمة الرابعة: في تعيين ما فتح عنوة من الارضين ٢٠٠

المقدمة الخامسة: في تحقيق معنى الخراج، وانه هل يقدر أم لا؟ ٢٠٨

المقالة في حل الخراج في حال حضور الامام وغيبته ٢١٢

الخاتمة ٢٢٤

الفهرس ٢٢٩