أبو هريرة
بقلم الإمام السيّد عبدالحسين شرف الدّين الموسويّ
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه دراسة لحياة صحابي روى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فأكثر حتى أفرط وروت عنه صحاح الجمهور وسائر مسانيدهم فأكثرت حتى أفرطت أيضاً، ولا يسعنا ازاء هذه الكثرة المزدوجة إلا أن نبحث عن مصدرها لاتصالها بحياتنا الدينية والعقلية اتصالا مباشراً ولولا ذلك لتجاوزناها وتجاوزنا مصدرها الى مايغنينا عن تجشم النظر فيها وفيه.
ولكن اسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدّين واصوله فاحتج بها فقهاء الجمهور ومتكلموهم في كثير من أحكام الله عزوجل وشرائعه ملقين اليها سلاح النظر والتفكير.
ولا عجب منهم في ذلك بعد بنائهم على اصالة العدالة في الصحابة أجمعين.
وحيث لادليل على هذا الاصل (كما هو مبين في محله بايضاح) لم يكن لنا بد من البحث عن هذا المكثر نفسه وعن حديثه كماً وكيفاً لنكون على بصيرة فيما يتعلق من حديثه بأحكام الله فروعا واصولا وهذا ما اضطرنا الى هذه الدراسة الممعنة في حياة هذا الصحابي (وهو أبو هريرة) وفي نواحى حديثه وقد بالغت في الفحص وأغرقت في التنقيب حتى أسفر وجه الحق في كتابي هذا وظهر فيه صبح اليقين والحمد لله رب العالمين.
وأما أبو هريرة نفسه فنحيلك الآن في تاريخ حياته وتحليل نفسيته على ما ستقف عليه في الكتاب؛ إذ مثلناه بكنهه وحقيقته من جميع نواحيه تمثيلا تاماً تدركه بحواسك كلها والحمد لله على التوفيق.
وأما حديثه فقد أمعنا النظر فيه كمأ وكيفاً فلم يسعنا - شهد الله - إلا
الانكار عليه في كل منهما، وقد سبقنا الى ذلك معاصروه كما ستقف عليه في محله
ان شاء الله مفصلا.
وأى ذى روية متجرد متحرر يطمئن الى هذه الكثرة لا يعدلها المجموع من كل ما حدث به الخلفاء الاربعة وأمهات المؤمنين التسع والهاشميون والهاشميات كافة كما فصلناه في الأصل
.
وكيف تسنى لأمى (تأخر اسلامه فقلّت صحبته) أن يعى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
مالم يعه السابقون الأولون من الخاصة وأولى القربى.
ونحن حين نحكم الذوق الفنى والمقياس العلمى نجدهما لا يقران كثيراً مما رواه هذا المفرط في اكثاره وعجائبه.
فان للسنة في حكمتها وأساليبها وخصائصها ميزاب يعرفها أولوا الألباب والاذواق الفنية وأهل الاختصاص من علماء البلاغة.
فما يسمعوه أو يقرؤوه منها يجدوه متميزاً في أذواقهم ومقاييسهم بوضوح واعلان ويجدوا سماته وشاراته متميزة في غير شك ولا شبهة.
فالسنة أرفع من أن تحتضن اعشابا شائكة وخز بها أبو هريرة ضمائر الأذواق الفنية: وأدمى بها تفكير المقاييس العلمية قبل أن يشوه بها السنة المنزهة ويسئ الى النبي وأمتهصلىاللهعليهوآله
.
وبالجملة: قال السنة منهاج الاسلام، ودستور الحياة اللاحب في كل ما يجب أن تصاغ الحياة على مثاله في الاخلاق والعقائد والاجتماع والعلم والآداب، فلا يصح في منطق أن نسكت عن هذا الدخل الشائن لجوهر الإسلام وروحه الرفيعة المنادية بالتحرر والانعتاق من كبول العقائد السخيفة والخرافات التي يسبق الى الذهن استنكارها.
________________________
واذن فالواجب تطهير الصحاح والمسانيد من كل ما لا يحتمله العقل من حديث هذا المكثار.
أقول هذا وأنا أرى وجوها تنقبض دوني، ونفوساً تتقبض مزورة عني. وقد يكون لها بسبب الوراثة والتربية والبيئة أن تنقبض وتتقبض أمام حقيقة وضعها البحث على غير ما الفت من احترام الصحابة واعتقاد عدالتهم أجمعين اكتعين أبصعين من غير أن تزن أعمالهم وأقوالهم بالموازين التي اخذ النبيصلىاللهعليهوآله
بها أمته، لأن الصحبة عندهم بمجردها حرم لاتنال من اعتصم به معرة ولا يمس بجرح وان فعل ما فعل وهذا شطط على المنطق؛ وتمرد على الادلة وبعد عن الصواب.
والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة، لكنها غير عاصمة، والصحابة فيهم العدول وفيهم الاولياء والأصفياء والصديقون وهم علماؤهم وعظماؤهم وفيهم مجهول الحال، وفيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم؛ والكتاب الحكيم يعلن ذلك بصراحة (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لاتعلمهم نحن نعلمهم) فعدولهم حجة ومجهول الحال نتبين أمره وأهل الجرائم لا وزن لهم ولا لحديثهم.
هذا رأينا في جملة الحديث من الصحابة وغيرهم والكتاب والسنة بينتنا على هذا الرأي
فالوضاعون لا نعفيهم من الجرح وان اطلق عليهم لفظ الصحابة، لأن في اعفائهم خيانة لله عز وجل ولرسوله ولعباده، ونحن في غنى
________________________
بالعلماء. والعظماء والصديقين والصالحين، من أصحابهصلىاللهعليهوآله
ومن عترته التي أنزلها منزلة الكتاب وجعلها قدوة لأولى الألباب.
وعلى هذا فقد اتفقنا في النتيجة وان قضى الالتواء في المقدمات شيئاً من الخلاف، فان الجمهور إنما يعفون أبا هريرة، وسمرة بن جندب، والمغيرة، ومعاوية؛ وابن العاص، ومروان، وأمثالهم تقديساُ لرسول الله لكونهم في زمرة من صحبهصلىاللهعليهوآله
ونحن إنما ننتقدهم تقديساً لرسول الله ولسنتهصلىاللهعليهوآله
شأن الأحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم.
وبديهي - بعدُ - أن تكذيب كل من يروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
شيئاً خارجا عن طاقة التصديق أولى بتعظيم النبي وتنزيهه وأجرى مع المنطق العلمي الذي يريدهصلىاللهعليهوآله
لرواد الشريعة ورواد العلم من أمته. وقد أنذرصلىاللهعليهوآله
بكثرة الكذابة عليه وتوعدهم بتبوء مقاعدهم من النار فاطلق القول بالوعيد.
وإنى انشر هذه الدراسة في كتابى هذا - أبو هريرة - مخلصاً للحق في تمحيص السنة وتنزيهها في ذاتها المقدسة وفي نسبتها لقدسى النبي الحكيم العظيم (وما ينطق عن الهوى).
وللحق في سلامة التفكير وصدق النظر.
وللحق في قواعد العلم والعقل التي تأبى احترام كذاب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فتعفيه من الجرح لأنه صحب رسول الله!! وتأبى كل الاباء ان نخضع لروايته (مغلولين مفلوين) فيما يمس السنة النبوية وهي أولى بالتنزية والتقديس لأنها رسالته الى العالمين وبقيته الباقية الى يوم الدين.
وليس لأحد أن يتقبض أو تنقبض نفسه بعد أن نقدم له كتابنا هذا وفيه صفايا ما عندنا من هذه الدارسة، ونحن نكرم الفكر نفسه ونرفعه عن ان يهون فيسف الى حياطة الخرافة واحاطتها بسور من قدس موهوم (له باب ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب).
ولا نريد لوجه أن يتقبض ولا لنفس أن تنقبض، بل نريد لمن تمربه هذه السحابة المركومة من التقاليد أن يتحرر منها ثم يمعن في الكتاب امعان أُولى الألباب(
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب
)
.
لانقصد بهذا الكتاب - شهد الله - أن نصدع هذه الوحدة المتواكبة المتراكمة في هذه اللحظة المستيقظة، بل نقصد تعزيز هذه الوحدة واقامتها على حرية الرأى والمعتقد، لتكون الوحدة على هذا الضوء للغاية وادل على القصد، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
والكرامة العقلية أسمى الكرامات التي يسعى اليها أُولوا الألباب باغلى مالديهم من أموال وأنفس ودماء، لأنها السلم إلى المجد والجسر الى الاتحاد.
أما إذا شاء بعض اخواننا في الدين الإسلامي أن يصّعر خده محمراً أو مصفراً فليصغ الى هذه الملاحظات المتواضعة، وليفتنا بعدها يجدنا إن شاء الله تعالى أقرب الى تأليف الكلمة وتوحيد الصفوف بالرغم عن هذا الشوك الذي يقض المضجع؛ ويخز الفكر، ويدمي الضمير، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.
بين ايدينا الآن من هذه الملاحظات ألوان: بعضها يمس العقل في اُفقه وطاقته، وبعضها يمس العقيدة في صورتها ومعناها، وبعضها يمس الطبائع في نواميسها وفطرتها، وبعضها متناقض متداحض؛ وبعضها خارج على قواعد العلم المشتقة من صلب الدين، وكثير منها تزلف الى بني أمية أو الى الرأي العام في تلك الأيام؛ وبعضها خيال أو خبال، وهي بجملتها خروج على أصول الصحة في كل معانيها.
فمن بلاياه أن ملك الموت كان قبل موسى يأتي الناس عياناً حتى أتى موسى فلطمه موسى ففقاً عينه! وأرجعه على حافرته إلى ربه أعور! فكان بعد هذه الحادثة يأتي الناس خفياً!.
ومنها: تلك المسابقة الطريفة بين الحجر وموسى، أو بين موسى والحجر إذ وضع موسى ثيابه عليه ليغتسل في ناحية عن الناس ففر الحجر بثياب موسى ليستدرجه الى لحاقه عارياً! كي ينفي الشائعة عن فتق موسى بمروره على الملأ من بني اسرائيل مكشوفاً كما خلق يشتد خلف الحجر يناديه بأعلى صوته ثوبى حجر ثوبى حجر حتى وقف الحجر إذ انتهت مهمته فطفق موسى يضربه بعصاه ضرباً أثر فيه ندوبا أي جروحا قال أبو هريرة: ان في الجحر ندباً ستة أو سبعاً.
وأطرف مافي هذه الاسطورة هذا التردد من أبي هريرة في ندوب الحجر فان ورعه في الحديث كان يفرض عليه أن لايحدث عن شئ حتى يكون منه على مثل ضوء الشمس.
ومنها: ذلك الجراد الذهبي المتراكم يتساقط على أيوبعليهالسلام
وهو يغتسل فجعل يحثى منه في ثوبه.
ومنها: ان مولودين تكلما برشد وعقل وعلم بالعواقب الغيبية حيث لا مقتضى لخرق العادة ونواميس الطبيعة.
ومنها: ان بقرة وذئباً يتكلمان بلسان عربي مبين، يدل على عقل وحكمة وعلم بالغيب، حيث لامقتصى للتحدى والاعجاز. في حديث حدث به في فضل الخليفتين.
ومنها: مجئ الشيطان اليه في صورة رجل في ثلاث ليالي متوالية ليسرق لعياله وأطفاله الجوعى من طعام كان أبو هريرة موكولا إليه حفظه في خرافة عجيبة.
ومنها: ان أمة من بني اسرائيل فقدت، وبعد البحث عنها تبين أنها الفأر بدليل أن الفأر اذا وضع لها البان الابل لم تشرب! واذا وضع لها البان الشاة شربت ومنها: حديثه إذ كان - فيما زعم - مع العلاء في أربعة آلاف فأتوا خليجاً من البحر ما خاضه أحد قبلهم! ولا يخوضه أحد بعدهم! فأخذ
العلاء بعنان فرسه فسار على وجه الماء وجه الماء! وسار الجيش وراءه (قال أبو هريرة) فو الله ما ابتل قدم ولا خف ولا حافر!
ومنها: حديثه عن مزودة المبارك اذ كان فيه تميرات طعم منها الجيش كله حتى شبع والنميرات على حالها فكانت معاشه مدة أيامه على عهد النبيصلىاللهعليهوآله
وابي بكر وعمر وعثمان، حتى كانت مأساة هذا المزود الكريم في طى مأساة عثمان، اذا انتهب مع ما انتهب في تلك المحنة.
ومنها: حديثه عن داود إذ خفف القرآن عليه فكان يقرؤه كله في وقت لايسع قراءته كان - فيما زعم أبو هريرة - يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج، فهل هذا إلا كقول القائل: كان يضع الدنيا على سعتها في البيضة على ضيقها؟
* * *
ومنها: أحاديث تناول فيها الحق تبارك وتعالى فصوره في اشكال تعالى الله عز وجل عنها علواً كبيرا.
كحديثه في ان الله خلق آدم على صورته؛ طوله ستون ذراعاً في سبعة أذرع عرضاً. وقد تطور فيه، فتارة رواه كما سمعت. وتارة بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته. ومرّة بلفظ اذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فان الله خلق آدم على صورته، ومرة رواه بلفظ: خلق آدم على صورة الرحمان.
وهذا افتتان في خيال طريف في تصوير الله تعالى وآدم ضمنه أدباً بارعاً وتعاليم إن ننسبها الى الدين الاسلامي نجد فيها إغراباً يثير فينا الضحك والبكاء في آن واحد.
وحديثه في أن الله تعالى يأتي هذه الأمة يوم القيامة في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا
فاذا أتانا عرفنا فيأتيهم في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم! فيقولون أنت ربنا فيتبعونه، في قصة طويلة مظلمة باردة ذات خيال شرود آبد يعرض الله في اشكال يتنكر في بعضها! ويغدو على عباده! ويروح في ملابسات فيها النكتة وفيها الحوار وفيها المخادعة! وفيها الضحك من الله في غير عجب! على نحو لا يقتصر الاصطدام فيه بالعقائد الاسلامية والمستقلات العقلية فحسب. بل يصطدم الى ذلك باللياقات الملكية إذا ما شينا - والعياذ بالله - فكرة التجسيم حاشا لله وتعالى الله وتقدست أسماؤه.
وحديثه في أن جنهم لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها! في خراقة فيها افتخار النار بالمتكبرين واستكانة الجنة بدخول سقطة الناس اليها.
وحديثه في أن ربه - تعالى الله ربنا - ينزل كل ليلة الى السماء الدنيا يقول من يدعوني فاستجيب له.
الى غير ذلك من الأحاديث التي كانت مصدراً لمذهب التجسيم في الاسلام كما ظهر في عصر التعقيد الفكري، فظهر بسببها أنواع من البدع والأضاليل.
* * *
وله أحاديث عنى فيها بالانبياءعليهمالسلام
، فوصفهم بما تجب عصمتهم منه. وحسبك منها حديثه اذ وصف أهوال القيامة فصور الناس يفزعون الى آدم ثم إلى نوح ثم الى ابراهيم ثم الى موسى ثم الى عيسىعليهمالسلام
في لجلجة لم تعد عليهم بطائل لأن هؤلاء الأنبياءعليهمالسلام
حجبت - على زعم أبي هريرة - شفاعتهم بما فرض لهم هذا الرجل من الذنوب التي غضب الله بها عليهم غضباً بكراً فذاَ ما غضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده وأخيراً كانت الشفاعة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
وي كأن أبا هريرة لم يجد سبيلا الى تفضيل النبيصلىاللهعليهوآله
إلا بالغض من سلفه أولى العزمعليهمالسلام
.
وحديثه المتضمن نسبة الشك الى خليل الله ابراهيمعليهالسلام
إذ قال: رب
أرني كيف تحي الموتى في كلام جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله
أحق بالشك من ابراهيم وجعل يوسف أفضل من النبي بالصبر والاناة فيه لوط من التفنيد إذ قال: أو آوى الى ركن شديد.
وحديثه المشتمل على نقض سليمان حكم أبيه! في اسطورة مثلت متداعيتين على ولد قضى به داود للكبرى فقال سليمان: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لاتفعل هو ابنها فقضى به للصغرى والتناقض بين نبيين في حكم خاص من احكام الله تعالى لايتفق ومباني العقائد الاسلامية الصحيحة واطرف مافي هذه الأسطورة حلف أبي هريرة انه لم يكن سمع في حياته بالسكين إلا يومئذ وانهم ما كانوا يقولون الاّ المدية.
وحديثه عن سليمان إذ قال: لأ طوفنّ الليلة بمائة امراة تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله فقال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل فأطاف بهن! فلم تلد منهن إلا امرأة نصف انسان.
وحديثه في نملة قرصت موسى فامر بقرية النمل فاحرقت فاوحى الله اليه قرصتك نملة فاحرقت أمة من الامم تسبح لله تعالى.
وحديثه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
انه كان يؤذي ويسب ويلعن ويجلد على الغضب من لا يستحق ذلك فيكون ايذاؤه وجلده وسبّه ولعنه كفارة لذنوب من يتعرض منه لهذا الشر.
ولو نسب هذا الى فرعون لأساء الى أخلاقه، على أن ناساً علنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لا يستحقّون المغفرة فهل يلزمنا أبو هريرة بحبهم واحترامهم ورفعهم كما ترفع البررة الصالحون؟ وما هي المقاييس الصحيحة بعد هذا المقياس الهريرى الطريق؟
وحديثه في عروض الشيطان لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
ليقطع عليه صلاته فذعته - أي خنقه - وهمّ ان يوثقه الى سارية لينظر الناس اليه مكتوفاً لكنهصلىاللهعليهوآله
ذكر قول سليمان رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي. فخلى سبيله. وحديثه في نوم النبيصلىاللهعليهوآله
عن صلاة الصبح.
الى غير ذلك من احاديثه التي فتحت الباب للقول بعدم عصمة الانبياء وتعريضهم للخطأ والزلل في رأى معوج لايستقيم عليه معنى النبوة في حقيقته وواقعه.
* * *
وهنالك لون آخر في حديثه يريك التناقض بأجلى مظاهره فانظر الى حديثي أبي سلمة منه في العدوى إذ نفاها في الأول منهما. وائبتها في الثاني فناقشه أبو سلمة قائلا له: يا أباهريرة ألم تحدث انه لا عدوى؟ فانكر حديثه الأول ورطن بالحبشية. وانظر إلى حديثه عن طواف سليمان - على زعمه - بنسائه تجده متعارضاً متناقضة فتارة روى انهن مائة، وأخرى روى انهن تسعون. ومرة روى انهن سبعون وأخرى انهن ستون! وكل ذلك ثابت عنه في الصحاح.
وانظر إلى أحاديثه في هجرته تجدها صريحة بأنه انما هاجر مسكيناً حافياً طاويا خادماً يخدم هذا وهذه بشبع بطنه فمن اين له الغلام الذي حدث عنه في الشام؟ إذ قال (على عهد معاوية): لما قدمت على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ابق غلام لي في الطريق، فبينا أنا عند رسول الله أبايعه إذ طلع الغلام فقال لي النبي: يا أبا هريرة هذا غلامك؟ قلت: هو لوجه فاعتقته.
وأنظر الى احاديثه عن نفسه وهو في الصفة تجدها صريحة بانه أنما كان من مساكينها المعدمين وقد استوطنها طليلة عمر النبيصلىاللهعليهوآله
فكانت مثواه ليلا ونهاراً إذ لم يكن له في المدينة عشيرة ولا منزل سواها ولم يكن عليه إلا نمرة يدب القمل عليها كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو عورته. وكان يصرعه الجوع فيخر مغشياً عليه بين المنير والحجرة فمن اين له
الدار التي ادعاها اواخر حياته؟ في حديث حدث به في الشام عن نفسه وعن أمه اذ أسلمت بدعاء النبي صلى الله عليه قاله لها وله - فيما زعم -.
وانظر إلى احتجاجه على مستنكرى حديثه تجده متعارضأ متساقطأ كما فصلناه في الأصل على انه في نفسه مما تنبو عنه الاسماع لسخافته وتفيه العقول لسقمه - كما بيناه ثمة - وقد جاء فيه: ان أبا هريرة بسط نمرته لرسول الله فطفقصلىاللهعليهوآله
يغرف العلم بيديه فيكيله في النمرة ثم يقول ضمه يا أبا هريرة فيضمه الى صدره فيعصم بذلك من النسيان ويكون به احفظ الصحابة واعلمهم بالسنة.
هذه حجته على مستنكرى حديثه سخره الله بها حجة لخصومه عليه وبرهاناً قاطعاً على صحة ما نسبوه اليه وشوارد احاديثه التي كان يكيلها جزافاً ويحدث بها متنافرة متنا كرة كثيرة الى الغاية لكن هذا القدر كاف لما اردناه ولا حول ولاقوة إلا بالله.
وحسبك في أبي هريرة انه كان يحدث بما لم يره ولم يسمعه ويدعي مع ذلك الرؤية والسماع كما ستسمعه في فصله الخاص به من الكتاب، واليك الآن نمودجا من ذلك تقيس عليه ما سواه.
قال أبو هريرة فيما صح عنه بالاجماع: دخلت على رقية بنت رسول الله زوجة عثمان وبيدها مشط فقالت: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من عندي آنفاً رجلت شعره الحديث.
ومن المعلوم اجماعا وقولا واحداً أن رقية انما ماتت سنة ثلاث بعد فتح بدر، وأبو هريرة انما أسلم سنة سبع بعد فتح خيبر فأين كان عن رقية ومشطها يا أولي الألباب؟.
* * *
واليك نموذجا من حديثه الخارج على قواعد العلم المشتقة من صلب الدين ألا وهو قوله: بعثنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في بعث فقال: ان وجد تم فلاناً وفلاناً
فاحرقوهما بالنار (قال) ثم قال لنا حين أردنا الخروج: انى أمرتكم أن تحرقوها وان النار لا يعذب بها إلا الله تعالى فان وجدتموهما فاقتلوهما أهـ.
وهذا من النسخ قبل حضور وقت العمل، وهو محال على الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآله
.
ورب حديث له خارج على العقل كحديثه عن داود وقراءته القرآن بأجمعه في لحظة لا تسع اسراج الدابة كما سمعت.
وله أحاديث خيالية أوردنا منها ستة في ختام الأربعين من حديثه في الفصل ١١ لتكون نموذجا لسائر ما كان من نوعها.
أما ما تزلف به الى بني أمية وأعوانهم أو الى الرأي العام في تلك الأيام فكثير أوردنا منه طائفة في الفصل ٥ والفصل ٧ والفصل ٩ وستجدها على أنواعها مختلفة، فأمعن متحرراً متجرداً تجده جائعاً يريد أن يشبع من الحديث، ويريد أن يشبع خياله من الحياة كما يراها الرجل الجائع وهو - بعدئذ - يعترف انه موطئ الأقدام في عصر حقره وأجاعه، ثم قذفه الى عصر أشبعه من أجل صناعة الأحاديث، أفيجوز ان نجعله بعد كل هذا جحة؟ نلقى اليه بازمة عقولنا وعقائدنا من غير نظر نختاره لهذه العقول والعقائد؟
فان صح هذا عقلاً وشرعاً فليمض أبو هريرة ومن اليه في حرمهم الذي بنته السياسة ووضعته بين التقاليد والمواريث.
وان صح عماية التقاليد والمواريث منشأ لفرقة؛ أو مثاراً لخلاف فلتبق حتى يأذن الصبح، إن أريد إلاّ الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
بسم الله الرحمن الرحيم
أبو هريرة
حدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فأكثر، وروت عنه الصحاح الستة وسائر مسانيد الجمهور فأكثرت. فلم يسعنا ازاء هذه الكثرة المزدوجة إلى أن نبحث عن مصدرها، لإتصالها بحياتنا الدينية والعقلية اتصالاً مباشراً. ولولا ذلك لتجاوزناها وتجاوزنا مصدرها الى ما يغنينا عن تجشم النظر فيها وفيه.
لكن آسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدين وأصوله فاحتج بها أهل المذاهب الأربعة ومتكلموهم من الأشاعرة وغيرهم كثير من أحكام الله وشرائعه عز وجل ملقين اليها سلاح النظر والتفكير لذلك لم يكن بد من البحث عن هذا المكثر نفسه. وعن حديثه كماً وكيفا لنكون على بصيرة فيما يتعلق من حديثه باحكام الله عز وجل.
١ - إسمه ونسبه (*
)
كان أبو هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، فاختلف الناس في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً. ولا يضبط في الجاهلية والإسلام
وانما يعرف بكنيته. وينسب الى دوس. وهي قبيلة يمانية تفرعت عن دوس ابن عدنان بن عبد الله بن زهران كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن النضر بن الأزد بن الغوث.
أما أبوه فقد قيل
ان اسمه عمير وانه ابن عامر بن عبد ذي الشرى
________________________
ابن طريف بن غياث بن أبي صعب بن هنية بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس.
وأمه أميمة ابنة صفيح بن الحارث بن شابي بن أبي صعب بن هنية بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس
.
وكنى أبا هريرة بهرة صغيرة كان مغرماً بها
ولعل من غرامه بها حدث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ان امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض
وردت عليه عائشة إذبلغها حديثه ان شاء الله تعالى من هذا الكتاب -.
________________________
٢ - نشأته وإسلامه وصحبته
نشأ في مسقط رأسه (اليمن) وشب ثمة حتى أناف على الثلاثين
جاهلياً لا يستضئ بنور بصيرة ولا يقدح بزناد فهم، صعلوكاً قد أخمله الدهر ويتيماً أزرى به الفقر. يخدم هذا وذاك وتى وتلك مؤجراً نفسه بطعام بطنه
حافياً عارياً. راضياً بهذا الهوان، مطمئناً اليه كل الاطمئنان.
لكن لما أظهر الله أمر نبيهصلىاللهعليهوآله
في المدينة الطيبة بعد بدر وأحد والأحزاب وبعد اللتيا والتي. لم يكن لهذا البائس المسكين حينئذ مذهب عن باب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فهاجر اليه بعد فتح خيبر فبايعه على الاسلام وكان سنة سبع للهجرة بانفاق أهل الاخبار.
أما صحبته فقد صريح أبو هريرة - في حديث أخرجه البخاري
- بأنها كانت ثلاث سنين.
________________________
٣ - على عهد النبيصلىاللهعليهوآله
لما أسلم أبو هريرة انضوى باسلامه الى مساكين الصفة
وهم - كما قال أبو الفداء في تاريخه المختصر -: أناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ينامون على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في المسجد ويظلون فيه. وكانت صفة المسجد مثواهم فنسبوا اليها. وكان اذا تعشى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يدعو منهم طائفة يتعشون معه، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم. قال: ومن مشاهيرهم أبو هريرة الى آخر كلامه
.
وكان أبو هريرة - كما نص عليه أبو نعيم الاصفهاني في حلية الأولياء
اشهر من سكن الصفة واستوطنها طول عمر النبيصلىاللهعليهوآله
ولم ينتقل عنها. وكان عزيف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين الى آخر كلامه.
وصف أبو هريرة نفسه فقال - كما في أول البيوع من صحيح البخاري -: وكنت امراً مسكيناً من مساكين الصفة، الحديث وهو طويل
.
قال - كما في باب نوم الرجال في المسجد من كتاب الصلاة من صحيح
________________________
البخاري
-: رأيت سبعين من أصحاب الصفة
ما منهم رجل عليه رداء وانما عليه أما ازار واما كساء بطوه في اعناقهم فمنها ما بيلغ نصف الساقين. ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته أهـ.
وفي صحيح البخاري من حديث طويل
عن أبي هريرة قال فيه: وإن أبا هريرة كان يلزم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بشبع بطنه.
وفيه أيضاً من طريق ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة من حديث
قال فيه: وكنت ألزم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
على ملء بطني.
وحدّث عن نفسه في مقام آخر فقال
: كنت من أصحاب الصفة فظللت صائماً فامسيت وأنا أشتكي بطني فانطلقت لأقضى حاجتي فجئت وقد أوكل الطعام. وكان أغنياء قريش يبعثون بالطعام لأهل الصفة فقلت: إلى من أذهب؟ فقيل لي: الى عمر بن الخطاب فاتيته وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه؛ فقلت: أقرئني وما أريد إلا الطعام، قال: فاقرأنى
________________________
أيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب فأبطأ؛ فقلت: ينزع ثيابه؛ ثم يأمر لي بطعام؛ فلم أر شيئاً، فلما طال علي قمت فاستقبلني رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء
فقال: آتينا بتلك القصعة، قال: فأتتنا بقصعة فيها وضر
من طعام أراه شعيراً قد اكل وبقى في جوانبها بعضه وهو يسير فأكلت حتى شبعت أهـ.
وكثيراً ما كان يصف نفسه فيقول
: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدى على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه - من المسجد - فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر عمر بي فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل. ثم مر بي أبو القاسمصلىاللهعليهوآله
فتبسم حينٍ رآني وعرف مافي نفسي وما في وجهي. ثم قال: أبا هر قلت: لبيك يارسول الله؛ قال: إلحق ومضى فتبعته فدخل فأذن لي فدخلت فوجدنا لبناً في قدح، فقالصلىاللهعليهوآله
: من اين هذا اللبن؟ قالوا أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك؛ قال: إلحق الى أهل الصفة فادعهم لي؛ قال: وأهل الصفة اضياف الإسلام لا يأوون الى أهل ولا على أحد؛ وكانصلىاللهعليهوآله
اذا أتته صدقة بعث بها اليهم ولم يتناول منها شيئاً، واذا أتته هدية أشركهم فيها، قال فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أنا أحق ان أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها؛ فاذا جاءوا أمرني ان
________________________
أعطيهم، وما عسى ان يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله ورسوله بد فأتيتهم فدعوتهم فاقبلوا فاستأذنوا فاذن لهم واخذوا مجالسهم فقالصلىاللهعليهوآله
يا أبا هر خذ فاعطهم؛ فاخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح فاعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرده عليّ فاعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ولم ازل حتى انتهيت الى النبيصلىاللهعليهوآله
وقد روى القوم كلهم فاخذ القدح وتبسم اليَّ فقال: أبا هر بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يارسول الله قال: اقعد فاشرب؛ فقعدت فشربت، قال، اشرب فشربت، فما زال يقول: أشرب؛ حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما اجد له مسلكاً قال: فأرنيه. فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة
.
وفي صحيح البخاري
عن أبي هريرة قال: رأيتني واني لا خر فيهما بين منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
الى حجرة عائشة مغشياً على فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى اني مجنون وما بى من جنون مابى إلا الجوع أهـ.
وكان ذو الجناحين جعفر بن أبي طالبعليهماالسلام
كثير البر والاحسان والصدقة والعطف على البائسين. فكان يطعم أبا هريرة من جوع فوالاه
________________________
أبو هريرة وفضله - كما في ترجمة جعفر من الاصابة - على الناس بعد النبي كافة.
وقد روى البخاري
بالأسناد الى أبي هريرة قال: إن الناس يقولون اكثر أبو هريرة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
واني كنت ألزمه بشبع بطني حتى لا أكل الخمير ولا ألبس ولا يخدمني فلان وفلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وكنت استقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان اخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته الحديث
.
وأخرج البغوي من طريق المقبري - كما في ترجمة جعفر من الاصابة - قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس اليهم ويخدمهم ويخدمونه ويحدثهم ويحدثونه فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يكنيه أبا المساكين
.
وأخرج الترمذي والنسائي بالسند الصحيح - كما في ترجمة جعفر من الاصابة ايضاً - عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولاركب المطايا ولا وطأ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه أفضل من جعفر بن أبي طالب
.
________________________
وما زالت الصفة موطن أبي هريرة الذي يطمئن اليه ليلا ونهاراً، لا يأوي إلى ما سواها حتى ارتحل النبيصلىاللهعليهوآله
من هذه الدار الفانية ولحق بالرفيق الأعلى وقبل ذلك لم يقم أبو هريرة بشئ يعود عليه بشبع بطنه سوى القعود في طريق المارة ينزع اليهم بجوعه. لا تحفزه مهمة. ولا يذكر في حرب ولا في سلم، بلى ذكروا أنه فر من الزحف يوم مؤتة
.
وزعم أنه كان في البعث الذي بعثه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
مع على ببراءة الى مكة وأنه نادى يوم الحج الأكبر حتى صحل صوته، وله في ذلك حديثان متناقضان متساقطان كما ستقف عليه في محله إن شاء الله تعالى.
وزعم أن النبيصلىاللهعليهوآله
وكله بحفظ زكاة رمضان في حديث طويل
سنورده في الأباطيل.
٤ - على عهد الخليفتين
ألممنا بأخبار الخليفتين، واستقرأنا ما كان على عهدهما؛ فلم نجد لأبي هريرة ثمة أثراً يذكر؛ سوى ان عمر بعثه والياً على البحرين سنة إحدى وعشرين
. فلما كانت سنة ثلاث وعشرين عزله وولى عثمان بن أبي العاص
________________________
الثقفي
، ولم يكتف بعزله حتى استنقذ منه لبيت المال عشرة آلاف زعم انه سرقها من مال الله في قضية مستفيضة، وحسبك منها ما ذكره عبد ربه المالكي(فيما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم من أوائل الجزء الأول من عقده الفريد) إذ قال - وقد ذكر عمر-: ثمّ دعا أبا هريرة. فقال له: علمت اني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين. ثم بلغني انك ابتعت افراساً بالف دينار وستمائة دينار. قال: كانت له أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت. قال: حسبت لك رزقك ومؤنتك وهذا فضل فأده قال: ليس لك ذلك. قال: بلا والله وأوجع ظهرك ثم قال اليه بالدرة فضربه حتى أدماه ثم قال: ائت بها؛ قال: احتسبها عند الله قال: ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعاً؛ أجئت من أقصى حجر البحرين يجي الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ مارجّعت
بك اميمة إلا لرعية الحمر.
قال ابن عبدربه: وفي حديث أبي هريرة: لما عزلني عمر عن البحرين قال لي: ياعدو الله وعدو كتابه سرقت مال الله؟ قال فقلت: ما أنا عدو الله وعدو كتابه ولكني عدو من عاداك وما سرقت مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قال فقلت: خيل تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت قال: فقبضها مني فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين الحديث؛ وقد أورده ابن أبي الحديد إذ ألم بشئ من سيرة عمر في المجلد الثالث من شرح النهج
________________________
وأخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته الكبرى
من طريق محمد ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال لي عمر: يا عدو الله وعدو كتابه أسرقت مال الله إلى آخر الحديث. وأورده ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبي هريرة من أصابته فجؤره عطفاً على أبي هريرة تحويراً خالف فيه الحقيقة الثابتة باتفاق أهل العلم، وذهل عما يستلزمه ذلك التحوير من الطعن بمن ضرب ظهره فادماه وأخذ ماله وعزله.
٥ - على عهد عثمان
أخلص أبو هريرة لآل أبي العاص وسائر بني أمية على عهد عثمان واتصل بمروان وتزلف الى آل أبي معيط، فكان له بسبب ذلك شأن، ولاسيما بعد يوم الدار إذ حوصر عثمان فكان أبوهريرة معه. وبهذا نال نضارة بعد الذبول ونباهة بعد الخمول.
سنحت في تلك الفتنة فرصة الانضواء الى الدار فأسدى بها الى آل أبي العاص وغيرهم من الأمويين يداً كان لها أثرها عندهم وعند أعوانهم ومقوية سلطانهم؛ فنضوا عنه دثار الخمول واشادوا بذكره؛ على أنه لم يخف عليهم كونه ما استسلم الى الحصار ولا دخل الدار إلا بعد أن كف الخليفة أيدي أوليائه عن القتال وأمرهم بالسكينة. كما قال بعض معاصريه في رثائه:
فكيف يديه ثم أغلق بابه
|
|
وأيقن أن الله ليس بغافل
|
وقال لأهل الدار لاتقتلوهم
|
|
عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل
|
وانما فعل ذلك احتياطاً على نفسه واحتفاظاً بأصحابه. وكان أبو هريرة
________________________
على علم بأن الثائرين لا يطلبون إلا عثمان ومروان. وهذا ما شجعه على أن يكون في المحصورين.
ومهما يكن فقد اختلس الرجل هذه الفرصة فربحت صفقته وراجت سلعته، وأكب بعدها بنو أمية وأولياؤهم على السماع منه. فلم يألوا جهداً في نشر حديثه؛ والاحتجاج به. وكان ينزل فيه على ما يرغبون.
وكان مما حدثهم به عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
إن لكل نبي خليلا من أمته وان خليلي عثمان
.
وقال
: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: عثمان حي تستحي منه الملائكة.
ورووا عنه ورفوعاً: لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان
.
ورووا عنه مرفوعاً أيضاً: أتاني جرئيل فقال لي: إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية الحديث
.
________________________
وقال: دخلت على رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
امرأة عثمان وبيدها مشط فقالت: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من عندي آنفا رجلت شعره، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله (عثمان)؟ قلت: بخير. قال اكرميه، فانه من اشبه أصجابي بي خلقاً
.
: ربما حرف الكلم عن مواضعه، كما فعل في الصحيح الثابت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من قوله: ستكون بعدي فتنة واختلاف. قالوا فما تأمرنا عند ذلك يا رسول الله؟ قالصلىاللهعليهوآله
- وقد أشارة الى علي -: عليكم بالامير وأصحابه.
لكن أبا هريرة آثر التزلف الى آل أبي العاص وآل معيط وآل أبي سفيان فروى لهم ان النبيصلىاللهعليهوآله
أشار في هذا الحديث الى عثمان
وقد حفظوا له هذا الصنع. كما ستقف عليه في الفصل ٨ من هذا الاملاء ان شاء الله تعالى.
٦ - على عهد علي
خفت صوت أبي هريرة على عهد أمير المؤمنين. واحتبى برد الخمول وكاد أن يرجع الى سيرته الاولى. حيث كان هيان بن بيان وصلعمة بن قلعمة قعد
________________________
عن نصرة أمير المؤمنين فلم ينضوا الى لوائه، بل كان وجهه ونصيحته الى أعدائه.
________________________
وقد أرسله معاوية مع النعمان بن بشير - وكانا عنده في الشام - الى عليعليهالسلام
يسألانه أن يدفع قتله عثمان الى معاوية ليقيدهم بعثمان، وقد أراد معاوية بهذا أن يرجعا من عند علي الى الشام وهما لمعاوية عاذران ولعلي لائمان؛ علماً من معاوية أن علياً لا يدفع قتلة عثمان اليه، فاراد أن يكون النعمان وأبو هريرة شاهدين له عند أهل الشام بذلك، وان يظهرا للناس عذر معاوية في قتال علي.
فقال لهما ائتيا علياً فانشداه الله لما دفع الينا قتلة عثمان، فانه قد آواهم، ثم لاحرب بيننا وبينه، فان ابي فكونوا شهداء الله عليه، واقبلا على الناس فاعلماهم بذلك. فأتيا علياً فدخلا عليه، فقال له أبو هريرة: يا أبا حسن ان الله قد جعل لك في الاسلام فضلا وشرفاً، فأنت ابن عم محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وقد بعثنا اليك ابن عمك يسألك امراً تسكن به هذه الحرب، ويصلح الله به ذات البين ان تدفع اليه قتلة ابن عمه عثمان فيقتلهم به ويجمع الله تعالى امرك وامره ويصلح بينكم وتسلم هذه الامة من الفتنتة والفرقة، ثم تكلم النعمان بنحو من هذا فقال لهما: دعا الكلام في هذا، حدثني عنك يا نعمان، هل أنت أهدى قومك سبيلا؟ - يعني الانصار - قال: لا. قال فكل قومك قد اتبعني الا شذاذ منهم ثلاثة أو أربعة افتكون أنت من الشذاذ؟ قال النعمان: اصلحك الله انما جئت لأكون معك والزمك، وقد كان معاوية سألني ان اؤدى هذا الكلام، ورجوت ان يكون لي موقف اجتمع فيه معك. وطمعت ان يجري الله تعالى بينكما صلحا فاذا كان رايك غير ذلك فانا ملازمك وكائن معك.
قال حفظة الآثار: اما أبو هريرة فلم يكلمه أمير المؤمنين فانصرف الى الشام فاخبر معاوية بالخبر فامره معاوية ان يعلم الناس ففعل ذلك وعمل اعمالا ترضي معاوية.
واقام النعمان بعده عند علي ثم خرج فاراً الى الشام فأخبر أهلها بما لقى
الى آخر ما كان من هذه الواقعة
.
وحين جد الجد، وحمى وطيس الحرب، ورد على أبي هريرة من الهول ما هزم فؤاده وزلزل اقدامه، وكان في أول تلك الفتنة لا يشك بأن العاقبة ستكون لعلي. فضرب الأرض بذقنه، قابعاً في زاويا الخمول يثبط الناس عن نصرة أمير المؤمنين بما يحدثهم به سراً وكان مما قاله يومئذ: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي ومن وجد ملجاً أو معاذاً فليعذبه
.
ولم يزل كذلك حتى خرجت الخوارج على أمير المؤمنين واختلف الناس عليه في العراق واستفحل أمر معاوية باستيلائه على مصر وقتله محمد بن أبي بكر وعيثه في بلاد أمير المؤمنين، وشنه الغارات عليها، وبعثه بسراً في ثلاثة آلاف الى الحجاز واليمن عيثاً في الأرض وفساداً، وتنكيلا بعباد الله وتقتيلا ، وتحريقاً لهم وتمزيقاً، وانتهاكا لحرمات الله، وهتكا لامائه وسبياً لذراري المؤمنين من عباده؛ وعبرة للناظرين، ومثلا واحدوثة في الغابرين.
________________________
وفي ختام هذه الفظائع أخذ البيعة لمعاوية من أهل الحجاز واليمن عامة
فعندها باح أبو هريرة بما في صدره، واستراح الى بسر بن أرطاة بمكنون سره فوجد بسرمنه اخلاصاً لمعاوية. ونصحاً في أخد البيعة له من الناس، فولاه على المدينة
حين انصرف عنها وامر أهلها بطاعته ولم يزل بعدها يصلي بهم ويرى لنفسه الولاية عليهم حتى جاءهم جارية بن قدامة السعدي من قبل أمير المؤمنين في الفي فارس وأبو هريرة يصلي في الناس، فهرب من وجهه، فقال جارية
لو وجدت أبا سنور لقتلته.
وبلغ جارية - وهو في الحجاز - استشهاد أمير المؤمنين في الكوفة فأخذ البيعة من أهل المدينة للامام السبط أبي محمد الحسن الزكي المجتبىعليهالسلام
ثم عاد الى الكوفة فرجع أبو هريرة يصلي بالناس
واستفحل بعدها امره حيث انتهى الامر الى معاوية.
٧ - على عهد معاوية
نزل أبو هريرة أيام معاوية الى جناب مريع، وانزل آماله منه منزل صدق
________________________
لذلك نزل في كثير من الحديث على رغائبه، فحدث الناس في فضل معاوية وغيره أحاديث عجيبة.
وقد كثر وضع الحديث في تلك الدولة حسبما اقتضته دعايتها، وأوجبته سياستها في نكاية الهاشميين، وكثرت الكذابة يومئذ على رسول الله كما أنذر بهصلىاللهعليهوآله
وتطوروا فيما اختلفوه من الحديث حسبما أوحى اليهم وكان أبو هريرة في الرعيل الأول من هؤلاء، فحدث الناس في الفضائل احاديث منكرة، فمنها ما أخرجه ابن عساكر بطريقين وابن عدى بطريقين ومحمد بن عائذ بطريق خامس ومحمد بن عبد السمرقندي بطريق سادس ومحمد بن مبارك الصوري بطريق سابع والخطيب البغدادي بطريق ثامن كلهم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول ان الله ائتمن على وحيه ثلاثة أنا وجبرئيل ومعاوية؟!
ومنها: ما أخرجه الخطيب بالاسناد الى أبي هريرة قال: ناول النبيصلىاللهعليهوآله
معاوية سهما فقال: خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة!
ومنها: ما أخرجه أبو العباس الوليد بن أحمد الزوزني في كتابه - شجرة العقل - من طريقين الى أبي هريرة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول ان لأبي بكر قبة من درة بيضاء لها أربعة أبواب تخترقها رياح الرحمة ظاهرها عفو الله وباطنها رضوان الله كلما اشتاق الى الله انفتح له مصراع ينظر منه الى الله عز وجل.
ومنها: ما أخرجه ابن حيان بالاسناد الى أبي هريرة قال: لما قدم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
من الغار يريد المدينة أخذ أبو بكر بغرزه فقال: ألا أبشرك يا أبا بكر؟ ان الله تعالى يتجلي للخلائق يوم القيامة عامة ويتجلى لك خاصة!.
ومنها: ما أخرجه ابن حبان أيضاً بالاسناد الى أبي هريرة قال: بينا جبرئيل مع النبيصلىاللهعليهوآله
إذ مربهما أبو بكر فقال جبرئيل: هذا أبو بكر الصديق قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
: أتعرفه ياجبرئيل؟ قال: نعم انه في السماء لأشهر منه
في الأرض؛ وان الملائكة لتسميه حليم قريش وانه وزيرك في حياتك وخليفتك بعد مماتك.
ومنها: ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
تباشرت الملائكة يوم ولد أبو بكر الصديق واطلع الله الى جنة عدن فقال وعزتي وجلالي لا أدخلها إلا من أحب هذا المولود.
ومنها: ما أخرجه ابن عدي بالاسناد إلى أبي هريرة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: عرج بي السماء فما مررت بسماء إلا وجدت مكتوباً فيها محمد رسول الله أبو بكر الصديق الحديث
.
ومنها: ما أخرجه ابو الفرج ابن الجوزي بالاسناد الى أبي هريرة قال: حدثني رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بان الجنة والنار تفاخرتا فقالت النار للجنة أنا أعظم منك قدراً، لأن فيّ الفراعنة والجبابرة والملوك وابناؤهم، فاوحى الله الى الجنة أن قولي: بل لي الفضل إذ زينني الله لأبي بكر.
ومنها: ما أخرجه الخطيب بالاسناد الى أبي هريرة قال: خرج النبيصلىاللهعليهوآله
متكئاً على علي بن أبي طالب فاستقبله أبو بكر وعمر فقال يا علي أتحب هذين الشيخين؟ قال: نعم؛ قال: احببهما تدخل الجنة!!.
ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً في تاريخ بغداد وابن شاهين في سننه من طريقين الى أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: ان في السماء الدنيا ثمانين الف ملك يستغفرون لمن أحب أبا بكر وعمر، وفي السماء الثانية ثمانين الف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر.
ومنها: ما أخرجه الخطيب بالاسناد الى أبي هريرة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: ان الله تعالى في السماء سبعين الف ملك يلعنون من شتم أبا بكر وعمر.
________________________
وهذه الأحاديث كلها باطلة اجماعاً وقولاً واحداً صرح بذلك كل من اخرجها ممن ذكرناهم.
والسيوطي نظمها باسانيدها ومتونها في سلك الأحاديث الموضوعة من لآليه المصنوعة غير أنهم لم يجعلوا الآفة فيها من أبي هريرة نفسه وانما جعلوها ممن نقلها عنه عملا برأيهم في كل من رأى النبيصلىاللهعليهوآله
وروى عنه من المسلمين.
وكذلك فعلوا في سائر ما صنعته يداً أبي هريرة مما ضاق به ذرعهم نحو قوله: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
: يقول: هذا جبرئيل يخبرني عن الله ما أحب أبا بكر وعمر الا مؤمن تقى ولا ابغضهما إلا منافق شقي
.
وقوله: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق أمتي من نور عمر وعمر سراج أهل الجنة
.
وقوله: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين
.
وقوله: ان النبيصلىاللهعليهوآله
كان يقول: أصحابي كالنجوم من اقتدى بشئ
________________________
منها أهتدى
.
وقوله: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
: انزل في الانجيل نعتي ونعت أصحابي أبي بكر وعمر وعثمان وعلى كرزع أخرج شطأه الآية
.
إلى آخر ما كان يسترسل به من هذه المختلفات، وله في صحيحي البخاري ومسلم احاديث افرغها على هذا القالب. وحاكها على هذا المنوال فراجعها في الفصل ١١ من هذا الاملاء.
٨ - أيادي بني امية عليه
تتمثل لك نعمهم عليه إذا امعنت النظر في حاليه، حاله قبل دولتهم حيث كان ذليلا مهيناً ينظر الى القمل يدب على نمرته
وحاله على عهدهم حيث اخذوا بضبعيه واطلقوا عنه ربقة الخمول فكسوه الخز
والساج وجعلوه
________________________
يزر ازراره بالديباج
والبسوه الكتان المشيق
وبنوا القصر في العقيق
وطوقوه ببرهم، وناطوا نعمهم قلائد في عنقه واذاعوا ذكره، ونوهوا باسمه، وولوه على المدينة الطيبة مدينة النبي
وانكحوه ايام ولايته عليها بسرة بنت غزوان بن جابر بن وهب المازنية اخت الأمير عتبة بن غزوان
وما كان ليحلم بذلك، ولا ليسنح في امانيه، وقد كان يخدمها بطعام بطنه ويكدح في خدمتها حافياً:
________________________
قال مضارب بن جزء
: كنت اسير في الليل فاذا رجل يكبر فلحقته فاذا هو أبو هريرة، فقلت: ماهذا؟. قال: اشكر الله على ان كنت اجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني؛ فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوجتها فأنا الأن اركب، فاذا نزلت خدمتني «قال» وكانت اذا اتت على مكان سهل نزلت فقالت: لا اريم حتى تجعل لي عصيدة، فها اناذا إذا اتيت على نحو من مكانها قلت لها: لا اريم حتى تجعلي لي عصيدة
.
وكان كثيراً ما يقول - وهو أمير المدينة -: نشأت يتيما، وهاجرت مسكيناً، وكنت اجيراً لبسرة بن غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي، فكنت اخدم اذا نزلوا، واحدوا اذا ركبوا فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة اماما
.
وقال مرة: اكريت نفسي من ابنة غزوان على الطعام بطني وعقبة رجلي قال: فكانت تكلفني ان اركب قائماً؛ واورد حافياً، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله فكلفتها ان تركب قائمة وان تورد حافية
!!!
وصلى بالناس يوماً فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة اماما، بعد ان كان اجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله
.
________________________
وقام مرة على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وهو أمير المدينة فقال: الحمد لله الذي اطعمني الخمير، وألبسني الحرير؛ وزوجني بنت غزوان بعد ما كنت اجيراً لها بطعام بطني، فأرحلتني فأرحلتها كما أرحلتني الحديث.
.
٩ - تطوره في شكر أياديهم
استعبد بنو أمية أبا هريرة ببرهم، فملكوا قيادة. واحتلوا سمعه وبصره وفؤاده، فاذا هو لسان دعايتهم في سياستهم؛ يتطور فيها على ما تقتضيه اهواؤهم.
فتارة يفتئت الأحاديث في فضائلهم، كما سمعته في الفصل الخامس والفصل السابع
من هذا الاملاء.
وتارة يلفق احاديث في فضائل الخليفتين نزولا على رغائب معاوية وفئته الباغية. اذ كانت لهم مقاصد سياسية ضد الوصي وآل النبي لا تتسق لهم - فيما كانوا يظنون - إلا بالاشادة بتفضيل الخليفتين، فاقأت في ذلك احاديث اوردنا بعضها في الفصل السابع من املائنا هذا.
وحسبك مما لم نورده ثمة حديثه في تأمير أبي بكر على الحج سنة براءة - وهي سنة تسع للهجرة - وحديثه في أن عمر كان محدثاً تكلمه الملائكة.
وقد اقتضت سياسة الأمويين في نكاية الهاشميين تثبيت هذين الحديثين واذاعتهما بكل مالمعاوية وأعوانه. ومقوية سلطانه من وسيلة أو حلية، فبلغوا
________________________
في ذلك ماشاء حولهم ولحولهم حتى أخرجتهما الصحاح؛ وستسمعهما في الفصل ١١ حيث نوردهما ونبسط القول فيهما على ما يوجبه العلم، وتقتضيه قواعده ان شاء الله تعالى.
وتارة يقتضب أحاديث ضد أمير المؤمنين جرياً على مقتضى تلك السياسة كقوله: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: لم تحبس الشمس أو ترد لأحد إلا ليوشع ابن نون ليالي سار الى بيت المقدس أهـ
.
وقوله: قام رسول اللهصلىاللهعليهوآله
حين أنزل الله عليه:(
وأنذر عشيرتك الأقربين
)
فقال: يا معشر قريش الحديث، بتره ابو هريرة فلم يعج على نصه الصريح تحريفاً للكلم عن مواضعه جريا على مقتضيات السياسة الأموية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقوله: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قال: لايقتسم ورثني ماتركت. الحديث
وقوله: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا الله الحديث وآخره فأنزل الله تعالى: ( انك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)
الى كثير من المختلقات التي أريد بها نكاية الوصي وأهل بيت النبي.
قال الامام أبو جعفر الاسكافي
: إن معاوية حمل قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في على تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزيبر إلى آخر كلامه.
________________________
وقال
: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً!! وقال يا أهل العراق اتزعمون اني كذب على الله ورسوله واحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: ان لكل نبي حرماً وان المدينة حرمي فمن احدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين «قال» واشهد بالله ان علياً احدث فيها!! فلما بلغ معاوية قوله أجازه واكرمه وولاه امارة المدينة أهـ
.
وتارة يرتجل أحاديث يدافع بها عن منافق بني أمية الذين لعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في كثير من مواقفه ليسجل عليهم بذلك خزياً يأمن به على الدين من نفاقهم وعلى الأمة من عيثهم:(
وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى
)
.
لكن أبا هريرة تزلف الى مروان ومعاوية وأوليائهما فأنشأ يقول:
سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة.
وقد عمل مروان وبنوه في تعداد أسانيده وتكثير طرقه اعمالا جبارة لم يألوا فيها جهداً، ولم يدخروا وسعاً؛ حتى أخرجه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.
________________________
ولمروان وبنيه في رفع مستوى أبي هريرة وتفضيله على من سواه في الحفظ والضبط والاتقان والورع أعمال كان لها أثرها الى يومنا هذا.
فمنها: أن مروان كان يزعم انه أجلس كاتبه في مكان لايراه فيه أحد؛ ثم دعا أبا هريرة فجعل يسأله عن أشياء وأكثر في سؤاله وأبو هريرة يحدثه في الجواب عن رسول الله وكاتب مروان - واسمه زعيزعة
- يكتب من حيث لا يشعر به أحد أبداً فكتب أحاديث جمة ثم أمهله مروان حولا كاملا فسأله تلك المسائل كلها، فأجابه أبو هريرة تلك الأجوبة بألفاظها لم ينقص ولم يزد وأذاع مروان وكاتبه هذه الأكذوبة بين طغام أهل الشام فسارت كل مسير حتى أخرجها الحاكم في أحوال أبي هريرة من مستدركه
.
ومنها: أن مروان لما أراد أن يجلب على بني هاشم بخيله ورجله ليمنعهم من دفن الإمام أبي محمد الحسن المجتبى - عند جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله
أوعز إلى أبي هريرة - من تدجيله - أن يعارضه ويغلظ له القول في ذلك علانية؛ تمويهاً على العامة وسواد الناس بأن له منزلة الصديقين لا تأخذه في الله ورسوله سطوة ولا تمنعه عن الانتصار لهما قوة.
وحين قام أبو هريرة بهذه المعارضة، أظهر مروان الغضب منه، مكان بينهما صحب رياء، وغيظ تصنع؛ اشتد أبو هريرة فيهما احتجاجا على مروان بمنزلته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
التي لم تكن لخاصة أصحابه وذويه وبوعيه عنهصلىاللهعليهوآله
وحفظه الذي فاق به السابقين الأولين كعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير
________________________
وأمثالهم. واسترسل في خصائصه التي توجب له أسمى منازل المقربين؛ فانتهت الخصومة بينهما ببخوع مروان لمنزلة أبي هريرة في الإسلام، ومكانته في العالم بالسنن، برأئى الناس ببخوعه لفضل أبي هريرة ترويجاً لسلعته التي كان مروان ومعاوية وبنوهما يحاربون بها الحسن والحسين وأباهما وبنيهما. وكانت من أنجع الدعايات في تلك السياسات:(
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون
)
.
١٠ - كمية حديثه
أجمع أهل الحديث - كما في ترجمتة من (الإصابة)
وغيرها - علىانه اكثر الصحابة حديثاً، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الاثبات حديثه؛ فكان خمسة آلاف وثلاثمائة وسبعين مسنداً. وله في البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثاً
.
وقد نظرنا في مجموع ما روى من الحديث عن الخلفاء الأربعة فوجدناه
________________________
بالنسبة إلى حديث أبي هريرة وحده أقل من السبعة والعشرين في المائة؛ لأن جميع ما روى عن أبي بكر انما هو مائة واثنان واربعون حديثاً
وكل ما اسند الى عمر انما هو خمسائة وسبعة وثلاثين حديثاً
وكل ما لعثمان مائة وستة واربعين حديثاً
وكلما رووه عن على خمسمائة وستة وثمانين مسنداً
فهذه الف واربعمائة واحد عشر حديثاً، فاذا نسبتها إلى الحديث أبي هريرة وحده - وقد عرفت انه: ٥٣٧٤ - تجد الأمر كما قلناه.
فلينظر ناظر بعقله في ابي هريرة، وتأخره في اسلامه، وخموله في حسبه وأميته، وما إلى ذلك مما يوجب اقلاله. ثم لينظر إلى الخلفاء الأربعة وسبقهم واختصاصهم، وحضورهم تشريع الاحكام، وحسن بلائهم في اثنتين وخمسين سنة، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وتسعة وعشرين من بعده ساسوا فيها الأمة وسادوا الامم، وفتح الله لهم ملك كسرى وقيصر؛ فمدنوا المدن؛ ومصروا الأمصار، ونشروا دعوة الإسلام وصدعوا بأحكامه،
________________________
وأذاعوا السنن، ينحدر عنهم السيل، ولا يرقى اليهم الطير؛ فكيف يمكن والحال هذه أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعاً افتونا يا اولي الالباب؟!.
وليس ابو هريرة كعائشة وان اكثرت أيضاً؛ فقد تزوجها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين
فكانت في مهبط الوحي والتنزيل ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عاماً، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير
.
وشتان بين الصحبتين ويبن الفطنتين، اما امر الصحبتين فمعلوم، واما الفطنتان فقد كان فهم عائشة يبارى سمعها. وقلبها يسبق اذنها؛ فلا أرشح منها فؤاداً، ولا أسرع تناولا، ما نزل بها شئ إلا انشدت فيه شعراً، وعن عروة ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وعن مسروق رأيت مشيخة من أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض.
على انها اضطرب إلى نشر حديثها إذ بثت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر الجرار. ومع هذا فان جميع ما روى عنها انما هو عشرة
________________________
مسانيد ومائتا مسند والفا مسند
فحديثها أقل من نصف حديث أبي هريرة.
ولو ضمت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها الى ما بعد وقعة الطف، وجمعت ذلك كله إلى حديث البقية من أمهات المؤمنين؛ وحديث سيدى شباب أهل الجنة وسيدة نساء العالمين وحديث الأربعة من خلفاء المسلمين ما كان كله إلا دون حديث أبي هريرة وحده! وهذا أمر مهول الفت اليه ارباب العقول.
* * *
على انه كان مع ذلك يزعم ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أفضى اليه بأحاديث لن يميط حجابها لأحد ولا ينالها منه متسقط
فهي دخلة ضميره ودفينة صدره وابو هريرة حصين الصدر: بعيد غور الضمير! كما تعلمون: ولذا قال: حفظت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وعاءين فأما أحدهما فبثثته، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم
.
وقال: لو أنباتكم بكل ما أعلم الرماني الناس بالخزف، وقالوا: أبو هريرة مجنون.
وقال: لو حدثتكم بكل مافي جوفي لرميتوني بالبعر.
وقال: يقولون اكثرت يا أبا هريرة والذي نفسي بيده لوحدثتكم بكل
________________________
شئ سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لرميتموني بالقشع - يعني المزابل - ثم ما ناظرتموني
.
وقال: حفظت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أحاديث ما حدثتكم بها ولو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالأحجار
.
قال: حفظت من رسول الله خمسة جرب فأخرجت منها جرابين ولو أخرجت الثالث لرجمتموني بالحجارة
.
قلت: إن أبا هريرة لم يكن من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولي عهده، ولاخليفته من بعده، ليؤثره باسراره، ويفضي اليه من العلوم مالم يفض بها إلى أحد من خاصته.
وما الفائدة بافضاء تلك الأسرار اليه؟! وهو رجل ضعيف ذو مهانة تمنعه عن أن ينبس في شئ منها ببنت شفة. فاذا نبس رجم بالحجارة ورمى بالبعر وبالمزابل. واذا حدث بشئ من تلك العلوم قطعوا منه البلعوم.
وهلا أفضى بها إلى الخلفاء من بعده؛ الغزاة الفاتحين الذين عنت لهم وجوه الأمم، وخضعت لأقوالهم رقاب العرب والعجم، وساقوا الناس الى ما أرادوا بعضاً واحدة، فانهم أولى بما يدعيه أبو هريرة إذ لو كانت عندهم تلك الاسرار لانتشرت انتشار الشمس في الاقطار، وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أن يفعل عبثاً
________________________
فيودعها حيث تضيع سدى لاينتفع بها أحد أبداً، ومن هو أبو هريرة؟!.. ليختص بهذه الحبوة دون السابقين الأولين (والسابقون السابقون أولئك المقربون).
على أن أبا هريرة كان كثيراً مايقول: إن ابا هريرة لايكتم ولايكتب
فكيف يجتمع هذا القول منه مع قوله: حفظت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وعاءين: فاما أحدهما فبثثته، وأما الآخر قطع هذا البلعوم. إلى آخر أقواله في هذا المعنى الصريحة بأنه كان يكتم!؟.
ولنسأل أولى البحث عن الاسرار الالهية التي أفضاهاصلىاللهعليهوآلهوسلم
الى أبي هريرة فكان يكتمها خوفاً على حياته، أو اشفاقاً على كرامته، فهل كانت من سنخ الأسرار التي عهد بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
الى وليه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أموراً تتعلق بالخلافة وتختص بالخلفاء من بعده؟! أم كانت من سنخ آخر؟. فان كانت من السنخ الأول فلماذا كان منصرفاً عنها كل الانصراف مخالفاً لمقتضياتها كل الخلاف؟؟ وكان رأيه فيما هنالك رأى الجمهور، مسترسلاً معهم في كل الأمور، وإن كانت النسخ الثاني فلا خوف عليه وان حدث بالطامات أو جاء بالمخزيات!.
ألم يحدث بنوم النبي عن صلاة الصبح؟ وعروض الشيطان لهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهو في الصلاة ليقطعها عليه؟!.
ألم يروانه سهى فصلى الرباعية ثنائية! فقيل له: انسيت أم قصرت الصلاة فقال: لم أنس ولم نقصر؟.
ألم يخبر أنه كانصلىاللهعليهوآلهوسلم
يؤدي ويسب ويلعن ويجلد على الغضب من لا يستحق ذلك؟.
________________________
ألم يصم الأنبياء بما لا يجوّزه عليهم شرع ولا عقل؟ حتى روى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
انه قال: نحن احق بالشك من ابراهيم، وروى عن لوط ما يستلزم ضعف ثقته بالله تعالى.
ألم يتسور على آدم؛ ونوح؛ وابراهيم؛وموسى؛ وعيسى بما يجب تنزيههم عنه؟.
ألم ينسب الى كليم الله ونجيه موسىعليهالسلام
: انه لطم ملك الموت ففقأ عينه وانه اشتد يركض مرة وهو عريان فمر على بني اسرائيل فنظروا إلى سواته؟
ألم يحدث عن سليمان بن داود انه نقض حكم أبيه؟ وانه أبى أن يعلق امره على مشيئة الله تعالى ففشل في أمره.
ألم يحدث عن الله عز وجل بما لايجوز عليه شرعاً ولاعقلا؟ كقوله؟ لا تمتلئ جهنم حتى يضع الله رجله فيها؟ وكقوله في حديث أهل المحشر: فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعود بالله منك ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفون: فيقولون: أنت ربنا؟ وكقوله: خلق آدم على صورة الرحمن! وقوله: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً في سبعة اذرع عرضاَ؟
الى كثير مما ستسمعه في الفصل الآتي من هذه الفظائع التي تقطع البلعوم فما باله يحدث بها مطمئناً كل الاطمئنان؟. بل ممتناً بها على الأمة كل الامتنان وقد حدث بالخرافات، فلم يرجم بحجر، ولم يرم بقشع ولا بعر كما يعلمه من ألمّ بأحواله، ولكن منينا بقوم لا ينصفون، فانا لله وانا اليه راجعون.
* * *
ومما نلفت اليه أولى النظر من كل بحاثة: ان أبا هريرة كان يقول
:
________________________
ما من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
احد اكثر حديثاً عنه مني الا ما كان من عبد الله بن عمرو (بن العاص) فانه كان يكتب ولا اكتب أهـ.
يعترف ان عبد الله هذا كان اكثر منه حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كما ترى؛ وقد بحثنا عن حديث عبد الله بن عمرو فوجدناه سبعمائة مسند لايزيد على هذا العدد شيئاً
.
فهو دون السبع من حديث أبي هريرة كما لايخفى.
وقد أرتج على العلماء الاعلام باب الاعتذار عن أبي هريرة في هذا التهافت، لكن ابن حجر القسطلاني والشيخ زكريا الانصاري قد اعتذرا عند انتهائهما الى هذا الحديث في شرحيهما
بأن عبد الله بن عمرو بن العاص سكن مصر؛ وكان الواردون اليها قليلا فقلت روايته، بخلاف أبي هريرة، فانه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة؛ فكثرت روايته.
وأنت تعلم ان كلام أبي هريرة بظاهره، بل بصريحه يحبط هذا الاعتذار الاتراه يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً عنه مني الا ما كان من عبد الله بن عمرو، فان معناه - كما في ارشاد الساري وفي تحفة الباري كليهما - ما أحد من أصحاب النبي حديثه أكثر من حديثي الا أحاديث حصلت من عبد الله فانها اكثر من حديثي. واذا كان رجل يعترف بأن الاحاديث التي حصلت من عبد الله اكثر من حديثه فأي وجه لما اعتذر به الشارحان؟.
على أن مقام عبد الله في مصر كان ادعى لكثرة روايته اذ كان له ثمة
________________________
المكانة العالمية السامية. حيث لم يكن هناك سواه ممن تعرفهم الناس من الصحابة إلانزر يسير؛ أو عابر سبيل لذلك تبوأ مقام المرجع الوحيد في شرائع الإسلام وعلوم الكتاب والسنة، وشتان بين مقامه في مصر، ومقام أبي هريرة في المدينة، اذ كان لعبد الله في نفوس أهل مصر منزلة العالم المرشد الصدوق وعز ابن الحاكم الفاتح عنوة، أما أبو هريرة في المدينة، فقد كان كواحد من الوف الصحابة الذين كانوا على عهده، وكانت وفود المدينة انما تأتي مشاهير الصحابة وأبو هريرة لم يكن منهم، على انه كان متهما عندهم وكثيراً ماكانوا ينقمون عليه اكثاره على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فيقولون: ان أبا هريرة يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والانصار لايحدثون مثل أحاديثه
فمقامه في المدينة والحال هذه كان أدعي لقلة روايته، فمن الغريب أن يكون حديثه اكثر من حديث عبد الله، وخصوصاً بعد اعترافه له. وبعد العلم بأن عبد الله عمّر بعد أبي هريرة زمناً ليس بالقصير
.
والحق ان أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في اوائل امره بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
حين لم يكن مفرطاً هذا الافراط الفاحش؛ فانه انما تفاقم افراطه، وطغى فيه على عهد معاوية، حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين كان يخشاهم أبو هريرة كما اشرنا اليه وسنوضحه في محله من هذا الاملاء ان شاء الله تعالى.
________________________
١١ - كيفية حديثه
الأذواق الفنية لا تسيغ كثيراً من أساليب أبي هريرة في حديثه والمقاييس العلمية عقلية لاتقرها. وحسبك عنواناً لهذه الحقيقة اربعون حديثاً صحت عنه، اتلوها الآن عليك لتمعن فيها وفيما علقناه عليها متحرراً متجرداً ولك بعد ذلك رأيك:
١- خلق الله آدم على صورته
أخرج الشيخان البخاري ومسلم
من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً. وزاد أحمد
من طريق سعد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً: في سبعة أذرع عرضاً، قال: فلما خلقه قال: اذهب فسلم على اولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك. قال: فذهب فقال: السلام عليكم. فقالوا السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن أهـ.
________________________
وهذا مما لا يجوز على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ولا على غيره من الأنبياء ولا على أوصيائهمعليهمالسلام
. ولعل أبا هريرة أنما أخذه عن اليهود
بواسطة صديقه كعب الأحبار أو غيره، فان مضمون هذا الحديث إنما هو عين الفقرة السابعة والعشرين من الاصحاح الأول من أصحاحات التكوين من كتاب اليهود - العهد القديم - واليك نصها بعين لفظه قال: فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وانثى خلقهم أ هـ.
تقدس الله عن الصورة والكيفية والشبيه. وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وربما تاولوا الحديث فارجعوا ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى الله تبارك وتعالى فيكون المعنى ان الله عز وجل وعلا خلقه في الجنة على صورته التي كان عليها بعد هبوطه منها إذ نشأه تامأ مستوياً طوله ستون ذراعاً وعرضه سبعه اذرع لم يتغير من حال الى حال. ولم يتطور أطواراً مختلفه كذريته فلم يكن نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً كسيت لحماً ثم جنيناً ثم رضيعاً ثم فطيما ثم مراهقاً ثم رجلاً حتى تم طوله وعرضه. بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآه عليها بنوه في الأرض.
هذا غاية ما يمكن أن يقوله أهل التنزيه في تأويل هذا الحديث لولا وروده عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: خلق آدم صورة الرحمن
ومجيؤه من
________________________
طريق الجمهور بسند آخر مرفوعاً أيضاً بلفظ: ان موسىعليهالسلام
ضرب الحجر لبني اسرائيل فتفجر وقال: اشربوا يا حمير فاوحى الله تعالى اليه عمدت الى خلق خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير الحديث.
.
وهذا ما اخرج الجمهور ولم يبق لمدافعتهم عن أبي هريرة بالتأويل الذي قلناه محلا، ولذا أسلموا باعادة الضمير في صورته الى الله تعالى متأولين تاولا آخر.
وحاصله ان المراد من قوله: خلق الله آدم على صورته؛ وقوله؛ خلق آدم على صورة الرحمن، وقوله في الحديث الأخير: خلقتهم على صورتي: أنه تعالى خلق آدم وبنيه على صفة الله. فان الله عز وجل حيٌّ سميع بصير متكلم عالم مريد كاره وكذلك آدم وبنوه.
وأنت تعلم انهم وقعوا فيما فروا منه لأن صفة الله عز وجل تنزهت عن التشبيه باجماع أهل التنزيه. ولا سيما على قولنا بأن صفاته عين ذاته، وهو الحق بحكم العقل والنقل كما هو مقرر في محله من اصولنا.
على أن أبا هريرة قد تطور في هذا الحديث كما هي عادته فتارة رواه كما سمعت، وتارة رواه بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته
، ومرة رواه بلفظ: إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من اشبه وجهك فان الله خلق أدم على صورته أ هـ
.
________________________
ولا يخفي انه قطع بهذا على اوليائه خط الرجعة الى كل من التأويل فانك تعلم انه لايصح ارجاع الضمير في صورته الى آدم في كل من الروايتين بل لابد من ارجاعه الى الله عز وجل ليستقيم الكلام، ويصح تعليل النهي عن ضرب الوجه وتقبيحه
وتعلم ايضاً ان خلق آدم حياً سميعاً بصيراً متكلما عالماً مريداً كارها لا يوجب اختصاص الوجه بالصون دون باقي الجوارح، فحمل تينك الروايتين على واحد من ذينك التأويلين مما لا وجه له بل لا يكون للروايتين معنى إلا اذا اريد بهما صون وجه الانسان، لكونه يشبه وجه الله. تعالى الله وتقدست ذاته وصفاته وأسماؤه.
ولذلك تحير المحققون من أهل التنزيه من الجمهور، وتوقفوا في معاني هذه الأحاديث كلها، واحالوا العلم بالمراد منها الى الله تعالى الذي أحاط بكل شئ علما، كما صرح به شارحوا الصحيحين عند انتهائهم الى هذا الحديث من شروحهم فراجع
.
تنبيهان
(أحدهما): انه إذا كان طول أدم ستين ذراعاً يجب مع تناسب اعضائه
________________________
أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعاً وسبع الذراع، واذا كان عرضه سبعة اذرع يجب ان يكون طوله اربعة وعشرين ذراعا ونصف الذراع لأن عرض الانسان مع استواء خلقه بقدر سبعي طوله فما بال أبي هريرة يقول طوله ستون ذراعاً في سبعة اذرع عرضا؟ فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوهاً في تركيبه؟ كلا! بل قال الله تعالى وهو اصدق القائلين (لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم).
(ثانيهما): ان تحية السلام انما شرعت في دين الاسلام، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ما حسدكم اليهود على شئ كما حسدوكم على السلام، فلولا اختصاصه بهذه الأمة ما اختصوهم بالحسد عليه فما بال أبي هريرة يقول في هذا الحديث: فلما خلق الله آدم قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك؟ وما رأى أولى النظر في هذا الخبر!؟ وماذا يقولون في قول أبي هريرة: فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن؟!.
٢- رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة في صور مختلفة
أخرج الشيخان
بالاسناد الى أبي هريرة قال: قال أناس: يارسول الله
________________________
هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله؛ قال، فانكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه؛ فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت. وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون! فيقول انا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فاذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون!! فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا فيتبعونه! ويضرب جسر جهنم (قال): قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: فأكون أول من يجيز
ودعاء الرسل يومئذ: أللهم سلم سلم؛ وبه كلا ليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمتها إلا الله فتخطف الناس باعمالهم منهم الموبق بعمله؛ ومنهم المخردل ثم ينجو حتى اذا فرغ الله من الفضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله الا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل؛ ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا ربي قشبني ويحها وأحرقني ذكاؤها فاصرف وجهي عن النار فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن اعطيتك أن تسألني غيره فيقول: لا وعزتك لا اسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: ياربي قربني الجنة، فيقول: أليس قد زعمت ان لا تسألني غيره؟ ويلك يابن آدم ما أغدرك، فلا
________________________
يزال يدعو فيقول: لعلي ان أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا اسألك غيره فيعطي الله من عهود ومواثيق ان لا يسأله غيره فيقربه الى باب الجنة فاذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله ان يسكت ثم يقول: ربي ادخلني الجنة فيقول له: أدريس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك يا بن آدم ما اغدرك فيقول: ياربي لا تجعلني اشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك (الله) !؟ فاذا ضحك منه اذن له بالدخول فيها فإذا دخل قيل تمن من كذا فيتمنى. ثم يقال له: تمن من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الأماني فيقول له هذا لك ومثله معه. الحديث.
وقد أخرجه مسلم بسند آخر
ومما جاء فيه عنده: ان الله عز وجل يأتي يوم القيامة هذه الأمة وفيها البر والفاجر وهو في ادنى صورة من التي رأوه فيها فيقول لهم: انا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك! فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق! فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاه نفسه الا إذن الله له بالسجود ولا يبقى من يسجد اتقاء ورثاء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما اراد ان يسجد خر على قفاء ثم يرفعون رؤوسهم فيرون الله وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال: انا ربكم! فيقولون: أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم الحديث، وهو طويل وقد اختصره البخاري في تفسير سورة نون من صحيحه
ولفظه ثمة: سمعت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يقول: يكشف ربنا عن ساق! فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً أ هـ.
وهذا حديث مهول الفت اليه ارباب العقول فهل يجوز عندهم ان تكون
________________________
لله صور مختلفة ينكرون بعضها ويعرفون البعض الآخر؟ وهل يرون ان لله ساقاً تكون آية وعلامة عليه؟ وبأي شئ كانت ساقه علامة دون غيرها من الاعضاء؟ وهل تجوز عليه الحركة والانتقال فيأتيهم اولا وثانياً وهل يجوز عليه الضحك؟ واي وزن لهذا الكلام؟ وهل يشبه كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله
؟ لا والذي بعثه بالحق(
رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين
)
.
كلمة في الرؤية
أما رؤية الله عز وجل بالعين الباصرة فقد أجمع الجمهور على امكانها في الدنيا والآخرة، وأجمعوا أيضاً على وقوعها في الآخرة؛ وان المؤمنين والمؤمنات سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، وان الكافرين والكافرات لا يرونه أبداً، واكثر هؤلاء على أن الرؤية لاتقع في الدنيا، وربما قال بعضهم بوقوعها أيضاً، ثم ان المجسمة من هؤلاء زعموا أنهم سيرونه يوم القيامة باتصال الأشعة من أبصارهم بجسمه ماثلا أمامهم فينظرون اليه كما ينظر بعضهم إلى بعض لا يمارون فيه كما لا يمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب على ما يقتضيه حديث أبي هريرة وقد خالف هؤلاء حكم العقل والنقل؛ وخرقوا اجماع الامة بأسرها، وخرجوا عليها. ومرقوا من الدين، وخالفوا ما علم منه بحكم الضرورة الاسلامية. فلا كلام لنا معهم.
وأما غيرهم من الجمهور وهم المنزهون من الأشعرية فقد قالوا بأن الرؤية قوة سيجعلها الله تعالى يوم القيامة بابصار المؤمنين والمؤمنات خاصة لا تكون باتصال الأشعة، ولا بمقابلة المرئي ولا بتخبزه ولا بتكيفه، ولا، ولافهي على غير الرؤية المعهودة للناس، بل هي رؤية خاصة تقع من أبصار المؤمنين والمؤمنات على الله عز وجل لا كيف فيها ولا جهة من الجهات الست.
وهذا محال لا يعقل، ولا يمكن أن يتصور متصور إلا اذا اختص الله المؤمنين في الدار الآخرة ببصر آخر لاتكون فيه خواص الأبصار المعهودة في الحياة الدنيا على وجه تكون فيه الرؤية البصرية كالرؤية القلبية وهذا خروج عن محل النزاع في ظاهر الحال، ولعل النزاع بيننا وبينهم في الواقع ونفس الأمر لفظي.
٣ - لا تمتلئ النار حتى يضع الله تعالى رجله فيها
وأخرج الشيخان من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أو ثرت بالمتكبرين والمتجبرين!. وقالت الجنة: مالي لايدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطتهم قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار إنما أنت عذاب اعذب بك من أشاء من عبادي. ولكل واحدة منهما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله قط قط فهناك تمتلئ ويزوي بعضها الى بعض الحديث
.
إن أبا هريرة كلما أزداد مثاله زاده الله رعالة
رأى ان جهنم أوسع من أن تمتلئ بالعصاة وان الله عز وجل أخبر بامتلائها إذ قال (فالحق والحق أقول لاملأن جهنم) فوقف أبو هريرة أمام هذين الأمرين وقفة الحائر يفكر في الجمع بينهما حتى انتهى به الفكر الى حل المشكلة بادخال رجل الله في جهنم لأن رجل الله تعالى - على رأي أبي هريرة - لابد أن تكون أفخم وأعظم من جهنم
________________________
مهما كانت جهنم متسعة الاكناف، ومهما كانت متباعدة الأطراف، وأبو هريرة كيس ثقف لقف، فلا غرو ان جمع بين المتناقضات؛ لكن فاته تدبر قوله تعالى اذ(
قال فالحقّ
والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين
)
ولو تدبر الآية لاعتقل لسانه وانصرف يتعثر بنمرته، فانها نص في أن امتلاءها لايكون الا منه، أي من جنسه وهم الشياطين وممن تبعه من الناس كافة.
وعلى كل: فان هذا الحديث محال ممتنع بحكم العقل والشرع، وهل يؤمن مسلم ينزه الله تعالى بأن لله رجلا؟. وهل يصدق عاقل بأنه يضعها في جهنم لتمتلئ بها؟! وما الحكمة بذلك؟! وأي وزن لهذا الكلام البارد!؟ وبأي لسان تتحاج النار والجنة!؟ وبأي حواسهما ادركتا ما ادركتاه وعرفتا من دخلهما وأي فضل للمتجبرين والمتكبرين لتفخربهم النار وهم يومئذ في اسفل سافلين؟ وكيف تظن الجنة ان الفائزين بها من سقطة الناس وهم من الذين انعم الله عليهم بين نبي وصديق وشهيد وصالح ما أظن الجنة والنار قد بلغ بهما الجهل والحمق والخرف الى هذه الغاية؟.
٤ - نزول ربه كل ليلة إلى سماء الدنيا تعالى الله
ـ أخرج الشيخان من طريق ابن شهاب عن أبي عبد الله الأغرو أبي سلمة ابن عبد الرحمان عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا حين تبقى الثلث الاخير يقول: من يدعوني فأستجيب له الحديث
.
تعالى الله عن النزول والصعود والمجئ والذهاب والحركة والانتقال
________________________
وسائر العوارض والحوادث، وقد كان هذا الحديث والثلاثة التي قبله مصدراً للتجسيم في الاسلام، كما ظهر في عصر التعقيد الفكري. وكان من الحنابلة بسببها انواع من البدع والاضاليل، ولا سيما ابن تيمية الذي قام على منبر الجامع الاموي في دمشق يوم الجمعة خطيباً، فقال اثناء اضاليله: ان الله ينزل الى سماء الدنيا كنز ولي هذا ونزل درجة من درج المنبر يريهم نزول الله تعالى نزولا حقيقاً بكل ما للنزول من لوازم كالحركة والانتقال من العالي الى السافل، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وانكر عليه ما قال؛ فقامت العامة الى هذا الفقيه وضربوه بالايدي والنعال ضرباً كثيراً فسقطت عمامته واحتملوه الى قاضي الحنابلة يومئذ في دمشق واسمه عز الدين ابن مسلم فأمر بسجنه، وعزره بعد ذلك، الى آخر ما كان في هذه الواقعة
.
٥ - نقض سليمان حكم أبيه داود
أخرج الشيخان
بالاسناد الى أبي هريرة مرفوعاً قال: كانت امرأتان
________________________
معهما ابناهما جاء فذهب بابن احداهما فقالت صاحبتها: انما ذهب بابنك وقالت الاخرى: انما ذهب بابنك، فتحا كمتا الى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داودعليهالسلام
فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين اشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى؛ قال أبو هريرة والله ان سمعت بالسكين الا يومئذ وما كنا نقول الا المدية أ هـ في هذا الحديث نظر من وجوه:
(أحدها): ان داودعليهالسلام
خليفة الله في ارضه، ونبيه المرسل الى عباده وقد أمره الله ان يحكم بين الناس بالحق فقال عز من قائل:(
يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق
)
وقد أثنى عليه في الذكر الحكيم والفرقان العظيم فقال عز من قائل: (واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة كل له اواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) الى ان قال عز سلطانه:(
وان له عندنا لزلفى وحسن مآب
)
وقال عز وعلا:(
ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا
)
فداود ممن فضله الله بزبوره فهو معصوم من الخطأ ولا سيما في القضاء والحكم بما أنزل الله تعالى:(
ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون
)
وولده سليمان وارث علمه وحكمه؛ وهو نبي معصوم أيضاً فكيف ينقض حكم ابيه وهو أعرف الناس بعصمته؟ ولو ان حاكماً في هذه الايام من قضاة الشرع جامعاً لشرائط الحكومة الشرعية حكم بين اثنين ترافعا اليه لوجب على سائر حكام الشرع اعتبار حكمه بدون توقف الا مع العلم بخطئه والخطأ هنا مأمون لوجوب عصمة الأنبياء، فلا يجوز على سليمان وهو من أنبياء الله ان ينقض حكم أبيه الذي ارتضاه الله ورسولا لعباده وحاكما بينهم لان نقضه رد على الله تعالى وسوء ادب مع أبيه بل عقوق له.
(ثانيها): ان هذا الحديث صريح بتناقض الحكمين الصادرين من هذين
النبيين وذلك مما يوجب القطع بخطأ أحدهما لو كان الحديث صحيحاً والخطأ ممتنع على الأنبياء ولا سيما في مقام الحكم بما أنزل الله تعالى:(
ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون
)
.
(ثالثها): ظاهر هذا الحديث ان داودعليهالسلام
حكم بالولد للكبرى بدون بينة ولا مستند غير أنّها كبرى وهذا لا يصدر إلا من جاهل بالموازين الشرعية بعيد عن قوانين المحاكمات تعالى الله وتنزهت انبياؤه عن ذلك.
(رابعها): ان هذا الحديث صريح في ان سليمان انما حكم به للصغرى بمجرد اشفاقها عليه من الشق بالسكين وهذا بمجرده لا يكون ميزاناً لحكمه، ولا سيما بعد اقرارها به للكبرى؛ وبعد حكم أبيه بذلك.
(خامسها): لا ينقضي والله عجبي ممن يسعه تصديق أبي هريرة في قوله: والله ان سمعت بالسكين الا يومئذ وما كنا نقول الا المدية، وى أن السكين اكثر دوراناً في كلام العرب من المدية بكثير! وما اظن أحداً منهم يجهل معنى السكين بخلاف المدية؛ فان اكثر العامة لا يعرفونها وى كأن أبا هريرة لم يقرأ ولم يسمع قوله تعالى في سورة يوسف وهي مكية:(
وآتت كل واحدة منهن سكيناً
)
.
وكأنه لم يرو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قوله: من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين
.
________________________
تنبيه
ظن أبو هريرة أن داود وسليمان (إذ يحكمان في الحرث) كانا متناقضين في الحكم فهان عليه تزوير تلك القصة الخيالية ولم يدر أنهما انما كانا على الصواب وان حكم كل منهما وعلمه انما كان من لدن ربّ الارباب.
ومجمل قضيتهما أن غنماً أصابت في الليل حرثاً وكان كرماً قد بدت عناقيده
فاكلته فترافع صاحب الحرث وأصحاب الغنم الى داودعليهالسلام
فكان بمقتضى شرعه الموحي اليه من الله تعالى أن يحكم بالغنم لصاحب الحرث لأن قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث، فلما أراد أن يحكم بذلك نسخه الله تعالى على لسان سليمان وكان شريكه في النبوة فأفهمه الله أن الحكم أصبح في مثل تلك الواقعة أن تدفع الغنم الى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأُصوافها ويدفع الحرث الى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود كهيئته قبل عيث الغنم فيه ثم يترادان.
جعل الله في هذا الحكم انتفاع صاحب الحرث بالغنم بازاء ما فاته من الانتفاع بحرثه من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم واوجب على أصحاب الغنم أن يعملوا في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان؛ فلما أفهم الله عز وجل سليمان ذلك رفعه الى أبيه فعزم أبوه عليه ليحكمن بما أنزل الله عليه فحكم به.
هذا ملخص ما كان يومئذ بينهما لا تناقص فيه ولا اختلاف شأن كل حكمين عن الله تعالى نسخ ثانيهما الاول.
وأنا أتلو عليك من محكمات الفرقان ما يلمسك هذه الحقيقة قال تبارك وتعالى:(
وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث اذ نفشت
فيه غنم القوم وكنا
________________________
لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان
وكلا آتينا حكماً وعلماً وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين
)
فانظر الى قوله عز اسمه وكلا آتينا حكماً وعلماً تجده نصاً في انهما جميعاً على الصواب، وان حكم كل منهما وعلمه انما هو من لدن رب الارباب.
لكن من رأي أبي هريرة ان أنبياء الله يجوز عليهم الحكم بمجرد الاجتهاد لذلك جوز عليهم الخطأ فيما يحكمون به كسائر المجتهدين.
(ما قدروا الله حق قدره) إذ جوزوا الاجتهاد والعمل بالظن على مهابط وحي الله، ومختلف ملائكته، وجوزوا الخطأ عليهم حتى في القضاء الشرعي والحكم عن الله عز وجل:(
ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون
)
.
ولو ثابت اليهم أحلامهم لعلموا أن العمل بالاجتهاد واستفراغ الوسع محال على الأنبياء لانه لا يوصل غالباً إلا الى الظن، والأنبياء لا يعولون عليه لنمكنهم من العلم بسبب الوحي، وانما يحوز ذلك لمجتدي الأمة لأنه أقصى ما يتمكنون منه.
ولو جاز الاجتهاد على الأنبياء لجاز لغيرهم من المجتهدين أن يعارضوهم فيما يصدعون به من أحكام الله وحينئذ لاتبقى للنبوة منزلتها؛ ولا للنبيين الشأن لا يلحقه لاحق ولا يطمع من غيرهم فيه طائع، وهل يجرأ مؤمن من المجتهدين أن يعارض النبي وينقض حكمهصلىاللهعليهوآله
كلا! انه الكفر بالاجماع.
على أن القرآن العظيم والذكر الحكيم صريح بأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
إنما يعمل بالوحي:(
وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
)
وهكذا سائر الانبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
________________________
٦ - طواف سليمان بمائة امرأة في ليلة
أخرج الشيخان بالاسناد الى أبي هريرة مرفوعاً قال: سليمان ابن داود لأطوفنّ الليلة بمائة أمرأة! تلد كل غلاماً! يقاتل في سبيل الله! فقال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل!! فأطاف بهن! فلم تلد إلا امرأة نصف انسان! (قال أبو هريرة): قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لو قال ان شاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته.
(قلت): وفي هذا أيضاً نظر من وجوه:
(أحدها): ان القوة البشرية لتضعف عن الطواف بهن في ليلة واحدة مهما كان الانسان قوياً، فما ذكره أبو هريرة من طواف سليمانعليهالسلام
بهن مخالف لنواميس الطبيعة لايمكن عادة وقوعه أبداً.
(ثانيها): انه لا يجوز على نبي الله تعالى سليمانعليهالسلام
أن يترك التعليق على المشيئة، ولا سيما بعد تنبيه الملك إياه إلى ذلك. وما يمنعه من قول ان شاء الله؟ وهو من الدعاة إلى الله والأدلاء عليه، وانما يتركها الغافلون عن الله عز وجل، الجاهلون بأن الأمور كلها بيده فما شاء منها كان وما لم يشأ لم يكن، وحاشا أنبياء الله عن غفلة الجاهلين إنهمعليهمالسلام
لفوق مايظن المخرّفون.
(ثالثها): أن أبي هريرة قد اضطرب في عدة نساء سليمان، فتارة روى انهن مائة امرأة كما سمعت
، وتارة روى انهن تسعون
، وتارة روى انهن
________________________
سبعون
، وتارة روى انهن ستون
وهذه الروايات كلها في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد فما أدري مايقوله فيها المعتذرون عن هذا الرجل؟ أيقولون ان هذه الحادثة تكررت من سليمان مع زوجاته؟ وكن مرة مائة ومرة كن تسعين ومرة سبعين وأخرى ستين: وفي كل مرة ينبهه الملك فلا يقول: ما اظنهم يقولون بهذا ولو قالوا: قد اتسع الخرق على الراقع؛ لكان اولى بهم وفي المثل السائر: ليس لكذوب حافظة.
٧ - لطم موسى عين ملك الموت
أخرج الشيخان صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة قال: جاء ملك الموت الى موسىعليهماالسلام
فقال له: أحب ربك. قال فلطم موسى عين ملك الموت فقفأها: قال: فرجع الملك الى الله تعالى فقال: أنك ارسلتني الى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني. قال فرد الله اليه عينه وقال ارجع الى عبدي فقل: الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور: فما توارت بيدك من شعرة فانك تعيش بها سنة الحديث.
.
________________________
وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده
وفيه: أن ملك الموت كان يأتى الناس عياناً: قال: فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه الحديث، وأخرجه ابن جرير الطبري في الجزء الأول من تاريخه
عن أبي هريرة ولفظه عنه: أن ملك الموت كان ياتي الناس عياناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه وفي آخره ان ملك الموت جاء إلى الناس خفياً بعد موت موسى
.
وأنت ترى ما فيه مما لا يجوز على الله تعالى، ولا على انبيائه. ولا على ملائكته، أبليق بالحق تبارك وتعالى ان يصطفي من عباده من يبطش على الغضب بطش الجبارين؟؟، ويوقع بأسه حتى في ملائكة الله المقربين ويعمل عمل المتمردين؟: ويكره الموت كراهة الجاهلين؟: وكيف يجوز ذلك على موسى؟ وقد اختاره الله لرسالته، وائتمنه على وحيه، وآثره بمناجانه، وجعله من سادة رسله، وكيف يكره الموت هذا الكره مع شرف مقامه؟ ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه؟ وما ذنب ملك الموتعليهالسلام
؟ وانما هو رسول الله اليه. وبما استحق الضرب والمثلة فيه بقلع عينه؟ وما جاء إلا عن الله وما قال له: سوى أجب ربك أيجوز على أولي العزم من الرسل اهانة الكروبيين من الملائكة؟ وضربهم حين يبلغونهم رسالات الله وأوامره عز وجل!؟. تعالى الله وتعالت أنبياؤه وملائكته عن ذلك علواً كبيراً.
ونحن لم برئنا من أصحاب الرس، وفرعون موسى، وأبي جهل، وأمثالهم ولعناهم بكرة وأصيلا؟. أليس ذلك لأنهم آذوا رسل الله حين جاؤوهم بأوامره
________________________
فكيف نجوز مثل فعلهم على انبياء الله وصفوته من عباده؟ حاشا لله ان هذا لبهتان عظيم.
ثم إن من المعلوم أن قوة البشر بأسرهم، بل قوة جميع الحيوانات منذ خلقها الله تعالى إلى يوم القيامة لا تثبت امام قوة ملك الموت فكيف - والحال هذه - تمكن موسىعليهالسلام
من الوقيعة فيه؟ وهلا دفعه الملك عن نفسه؟ مع قدرته على ازهاق روحه، وكونه مأموراً عن الله تعالى بذلك.
ومتى كان للملك عين يجوز أن تففقأ؟!.
ولا تنس تضييع حق الملك وذهاب عينه. ولطمته هدراً، وإذ لم يؤمر الملك من الله بأن يقتص من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها (ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص)
ولم يعاتب الله موسى على فعله هذا بل اكرمه إذ خيره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور.
وما ادري والله ما الحكمة في ذكره شعر الثور بالخصوص؟!.
أما وعزة الحق، وشرف الصدق وعلوهما على الباطل والافك لقد حمّل هذا الرجل اولياءه ما لا طاقة لهم به. وكلفهم باحاديثه هذه بما لا تحتمله عقولهم ابداً ولا سيما قوله في هذا الحديث: إن ملك الموت قبل وفاة موسى كان يأتي الناس عياناً وانما جاءهم خفياً بعد موت موسى نعوذ بالله من سبات العقل وخطل القول والفعل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
________________________
٨ - فرار الحجر بثياب موسى وعدو موسى خلفه ونظر بني اسرائيل اليه مكشوفاً
أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة قال: كان بنو اسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم الى سوأة بعض، وكان موسىعليهالسلام
يغتسل وحده فقالوا: والله ما يمنع موسى ان يغتسل معنا إلا أنه آدر (أي ذو فتق) قال فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه! فجمع موسى بأثره يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظر بنو اسرائيل الى سوأة موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس فقام الحجر بعد حتى نظر إليه فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضرباً؟ فوالله ان بالحجر ندباً
ستة أو سبعة الحديث
.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن هذه الواقعة هي التي أشار الله اليها بقوله عز من قائل:(
يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً
)
أ هـ.
وأنت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلا فانه لايجوز تشهير كليم اللهعليهالسلام
بابداء سوأته على رؤوس الأشهاد من قومه لأن ذلك ينقصه ويسقط من مقامه، ولاسيما اذا رأوه يشتد عارياً ينادي الحجر وهو لا يسمع ولا يبصر: ثوبي حجر ثوبي حجر ثم يقف عليه وهو عاري أمام الناس فيضربه
________________________
والناس تنظر اليه مكشوف العورة كالمجنون!
وهذه الحركة لو صحت فانما هي من فعل الله تعالى فكيف يغضب منها كليم الله فيعاقب الحجر عليها؟! وما هو إلا مقسور على الحركة وأي أثر لعقوبة الحجر؟؟.
ثم ان هربه بثياب موسىعليهالسلام
لا يبيح له ابداء عورته، وهتك نفسه بذلك وقد كان في امكانه أن بيقى في مكان حتى يؤتى بثيابه أو بساتر غيرها كما يفعله كل ذي لب اذا ابتلى بمثل هذه القصة.
على أن هرب الحجر من المعجزات وخوارق العادات التي لا تكون الا في مقام التحدي كمقام انتقال الشجرة من مكة المعظمة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
حين اقترح عليه المشركون ذلك فنقلها الله عز وجل من مكانها تصديقاً لدعوته وتثيبيتاً لنبوتهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ومن المعلوم أن مقام موسىعليهالسلام
وهو يغتسل لم يكن مقام تحد وتعجيز فلا تقع فيه المعجزات وخوارق العادات ولا سيما اذا ترتب عليها فضيحة نبي الله بابداء سوأته للملأ من قومه على وجه يستخف به كل من رآه وكل من سمع بخبره هذا واما براءته من الادرة فليست من الامور التي يباح في سبيلها هتكه وتشهيره ولاهي من المهمات التي تصدر بسببها الآيات اذ يمكن العلم ببراءته منها بسبب اطلاع نسائه عليه؛ واخبارهن بحقيقة حاله.
ولو فرض ابتلاؤه بالادرة فأي بأس عليه بذلك؟. وقد اصيب شعيبعليهالسلام
ببصره وايوبعليهمالسلام
بجسمه وانبياء الله كافة تمرضوا وماتوا، ولا يجب انتفاء مثل هذه العوارض عن انبياء الله ورسله، ولاسيما اذا كانت مستورة عن الناس كالادرة، نعم لايجوز عليهم ما يوجب نقصاً في مداركهم أو في مروءتهم أو يوجب نفرة الناس عنهم واستخفافهم بهم والادرة ليست في شئ من ذلك.
على ان القول بأن بني اسرائيل كانوا يظنون ان في موسى ادرة لم ينقل الا عن أبي هريرة.
أما الواقعة التي أشار الله اليها بقوله عز من قائل:(
يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله قالوا
)
فالمروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام
وابن عباس أنها قضية إتهامهم إياه بقتل هارون. وهو الذي اختاره الجبائي وقيل هي قضية المومسة التي اغراها قارون بقذف موسىعليهالسلام
بنفسها فبرأه الله تعالى اذ انطقها بالحق؛ وقيل آذوه من حيث نسبوه الى السحر والكذب والجنون بعدما رأوا الايات.
واني لأعجب من الشيخين يخرجان هذا الحديث والذي قبله في فضائل موسى وما أدري أي فضيلة بضرب ملائكة الله المقربين وفقء عيونهم عند أرادتهم تنفيذ أوامر الله عز وجل؟ وأي منقبة بابداء العورة للناظرين وأي وزن لهذه السخافات؟ ان كليم الله ونجيه ونبيه لأكبر من هذا، وحسبه ماصدع به الذكر الحكيم والفرقان العظيم؛ من خصائصه الحسنىعليهالسلام
.
٩ - فزع الناس يوم القيامة الى آدم فنوح فابراهيم فموسى فعيسى رجاء شفاعتهم فاذا هم في أمرهم مبلسون
اخرج الشيخان بالاسناد الى أبي هريرة حديثاً (من أحاديثه الطويلة) مرفوعاً جاء فيه ما هذا نصه: يجمع الله الناس الأولين منهم والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟. فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فيأتون آدمعليهالسلام
فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى الى ما نحن فيه؟ ألا ترى الى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: ان ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله! ولن يغضب بعده مثله! وانه نهاني عن الشجرة
فعصيته نفسي نفسي نفسي!!! اذهبوا الى غيري إذهبوا الى نوح (قال) فيأتون نوحاًعليهالسلام
فيقولون: يانوح انك أنت أول الرسل الى أهل الأرض وقد سماك الله عبداً شكوراً اشفع لنا إلى ربك ألا ترى الى مانحن فيه؟ فيقول: ان ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله! وانه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي! نفسي نفسي نفسي!!! اذهبوا الى غيري اذهبوا الى ابراهيم (قال): فيأتون ابراهيمعليهالسلام
فيقولون: ياابراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الارض اشفع لنا الى ربك؛ ألا ترى الى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: ان ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله: ولن يغضب بعده مثله! واني قد كنت كذبت ثلاث كذبات! نفسي نفسي نفسي،،، اذهبوا الى غيري اذهبوا الى موسىعليهالسلام
(قال) فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا الى ربك أترى الى ما نحن فيه؟ فيقول ان ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، واني قد قتلت نفساً لم اؤمر بقتلها؛ نفسي نفسي نفسي،،، اذهبوا الى غيري اذهبوا الى عيسىعليهالسلام
(قال): فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته التي القاها الى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبياً اشفع لنا الى ربك ألا ترى الى ما نحن فيه؟ (قال): فيقول عيسىعليهالسلام
ان ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله! ولن يغضب بعده مثله، - ولم يذكر ذنباً - نفسي نفسي نفسي،؛، اذهبوا الى محمد، قال فيأتون محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم
فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر اشفع لنا الى ربك، ألا ترى الى ما نحن فيه؟ قال أبو هريرة قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: فانطلق فأتى تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل ثم يفتح الله على من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفّع تشفع فأرفع رأسي فأقول: امتي يارب امتي يارب فيقال
يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب الحديث.
.
وفيه من التسور على مقام أولي العزم من أنبياء الله وأصفيائه ما تبرأ منه السنن وتتنزه عن خطله فان للسنن المقدمة (سنن نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم
) في تعظيم الأنبياء غاية تملأ الصدور هيبة واجلالا وتعنو لها الجباه بخوعاً وقد ملأت مسامع الدهر بحمدهم ونظمت حاشيتي البرو والبحر بمجدهم؛ فكل ماعرفته الأمم لهم من جلالة تخشع امامها العيون ومهابة تتطا من لديها المفارق وعظمة تتصاغر عندها الهمم ويخفض لها جناح الضعة فانما هو من آثارهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولولا فرقانه العظيم، وقرآنه الحكيم، وسنته المعصومة ما عرفهم ممن تأخر عنهم احد اذ ليس (غير الكتاب والسنة) في ايدي الناس برهان قاطع ولا حجة بالغة، بل لا خبر مسند ولا رواية تليق بالعقول، فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
حفظ بسنته وكتاب ربه عز وجل خصائص الأنبياء وسننهم؛ وخلد مجدهم وحمدهم، ومثل اخلاصهم لله بالعبادة... واخلاصهم للعباد بالنصح والارشاد والافادة، كما حفظ بهما تاريخ الأمم الماضية، والقرون الخالية، وتمم بهما مكارم الأخلاق، ومحامد الصفات والآداب، وشرع بهما عن الله تعالى تلك الأنظمة الحكيمة، والقوانين القويمة، شرائع تضمن للبشر كافة سعادة الدنيا والآخرة وجمع فيهما العلم والحكمة والسياسة وشرف المعاش والمعاد، وحفظ بهما لغة الضاد الى يوم التناد.
________________________
فحديث أبي هريرة هذا - بهرائه وهذره
- اجنبي عن كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
مباين اسننه كل المباينة. ومعاذ الله ان ينسب إلى انبياء الله ما اشتمل عليه هذا الحديث الغث التفه
وحاشا آدم من المعصية بارتكاب المحرم الذي يوجب غضب الله، وانما كان منهياً عن الشجرة نهي تنزيه وارشاد، وتقدس نوح من الدعاء إلا على اعداء الله تقرباً اليه عز سلطانه؟ وتنزه ابراهيم عن الكذب وعن كل قول أو فعل يغضب الله عز وجل أو يخالف الحكمة ومعاذ الله أن يقتل موسى نفساً يغضب الله لقتلها وإنما يقتل من لا حرمة له عند الله تعالى ولا وزن له عند أولي الالباب؛ وتعالى الله أن يعاملهم إلا بالحسنى كما قال عز من قائل:(
هل جزاء الاحسان إلا الاحسان
)
وأنبياء الله اجل من ان يتوهموا بربهم تبارك وتعالى انه قد غضب عليهم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويمتنع على رسول الله ان يذكرهم إلا بماهم أهله.
ثم كيف يتسنى لأهل المحشران يشتوروا ويأتمروا؟ وهم بحيث:(
تذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد
)
،(
يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه
)
.
وأني لهم بالوصول الى الأنبياء في ذلك الموقف والانبياء يومئذ على الأعراف، وهل يصل أهل الارض الى السماء؟ وما الذي منعهم من التوسل توّاً برسول الله؟ فانهصلىاللهعليهوآلهوسلم
صاحب المقام المحمود والجاه العظيم والشفاعة المقبولة لا يجهله يومئذ احد من الناس؛ ولم لم يرجعهم اليه آدم ولا نوح ولا ابراهيم ولا موسى؟ وهلا اراحوا اولئك المساكين بدلالتهم من أول الامر على ولى الامر في ذلك الحشر؟! أكانوا يجهلون مقامه المحمود في اليوم الموعود
________________________
أم كانوا يؤثرون عناء اولئك المؤمنين المستغيثين.
ولنا ان نسأل أبا هريرة عن هؤلاء المساكين أمن أمة محمد هم؟ أم من أمة غيره؟ فان كانوا من أمته فما الذي صرفهم عنه الى غيره؟ وان كانوا من امة غيره فمن الطبيعي له ان لا يحبط مساعيهم، ولا يخيب آمالهم فكيف اختص أمته بالشفاعة دونهم؟ مع ما فطر عليه من الرحمة الواسعة ومع ما آتاه الله يومئذ من الشفاعة والوسيلة معاذ الله ان يخيبهم وهو أمل الراغب الراجي وامن الخائف اللاجى يجيب لسان العافي بلسان نداه ويروي صدى اللهيف قبل رجع صداهصلىاللهعليهوآله
:
١٠ - شك الانبياء والتنديد بلوط وتفضيل يوسف على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بصبره
أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً قال: نحن احق بالشك من ابراهيم إذ قال: ربي ارني كيف تحي الموتى؛ قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي، ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي الى ركن شديد ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي أهـ. - وهذا الحديث
ممتنع من وجوه: -
(احدها): انه اثبت الشك لخليل الله ابرهيمعليهالسلام
؛ وقد قال الله عز من قائل:(
ولقد أتينا ابراهيم رشدة من قبل
)
وقال جل سلطانه:(
وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين
)
والايقان اسمى مراتب العلم والموقن بالشئ لا يمكن ان يكون شاكا فيه ، والعقل بمجرده
________________________
يحيل وقوع الشك من الانبياءعليهمالسلام
كافة، وهذا من الامور المسلمة.
اما قوله تعالى:(
وإذ قال ابراهيم ربي ارني كيف تحي الموتى
)
فظاهر في ان ابراهيمعليهالسلام
انما سأل ربه عن كيفية الاحياء لا عن الاحياء نفسه؛ وهذا لا يتأتى الا اذا كان نفس الاحياء محققاً معلوماً لدى ابراهيم.
وبعبارة اوضح الاستفهام بكيف انما هو سؤال عن حال شئ موجود معلوم الوجود لدى السائل والمسؤول نحو: كيف زيد، يعني اصحيح هو مثلا أم مريض؟ وكيف فعل زيد أي احسناً فعل مثلا أم قبيحاً؟ وكيف وقعت القضية أو كيف تقع يعني اعلى ما نريد مثلا أم على خلاف ما نريد؟ وعلى هذا فقوله: ارني كيف تحي الموتى، انما هو طلب لأن يريه كيفية ما قد علمه وتقرر لديه من احياء الموتى.
لكن لما كان مثل هذا الطلب قد يكون ناشئا عن الشك في القدرة على الاحياء، وربما يتوهم من يبلغه هذا الطلب ممن لايعرف مقام ابراهيم انهعليهالسلام
قد شك في القدرة اراد الله تعالى بسبب ذلك ان يرفع هذا التوهم ببيان منشأ طلبه فقال له: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، أي: أنا مؤمن بالقدرة ولكني انما طلبت ذلك ليطمئن قلبي بسبب رؤية الكيفية التي نجى بها الموتى بعد تفرق اجزائها في مضامين القبور وأوجار الطيور وبطون السباع، ومطارح المهالك من البر والبحر، وكأن قلبهعليهالسلام
قد ولع برؤية الكيفية فقال: ليطمئن قلبي؛ أي لتبرد غلة شوقه برؤيتها.
هذا هو المراد من الآية الكريمة، ومن نسب الشك اليه صلوات الله وسلامه عليه فقد ضل ضلالاً مبيناً.
(ثانيها) ان الظاهر من قوله: نحن أولي بالشك من ابراهيم تبوت الشك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولسائر الأنبياء، وانهم جميعاً اولى به من ابراهيم.
ولو فرض عدم ارادة الأنبياء جميعاً فارادة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
مما لابد
منها، والحديث نص صريح في أنه أولى بالشك (سبحانك هذا بهتان عظيم) قد انعقد الاجماع على بطلانه، وتصافق العقل والنقل على امتناعه.
وما ندرى والله لم كانصلىاللهعليهوآلهوسلم
أولى بالشك من ابراهيم مع ما آتاه الله مما لم يؤت ابراهيم وغيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين.
ووصيّه أمير المؤمنينعليهالسلام
انما كان الباب من مدينة علمه وانما هو منه بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بنبي، وقد قالعليهالسلام
لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً
فما الظن بسيد المرسلين، وخاتم النبيينصلىاللهعليهوآلهوسلم
وعليهم أجمعين.
(ثالثها): ان قوله: ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد تنديد بلوط ورد عليه؛ وتهمة له بما لا يليق بمنزلة من الله عز وجل وحاشاه أن يكون قليل الثقة بالله وانما أراد أن يستفز عشيريه وذويه ويستظهر بفصيلته التي تؤويه نصحاً منه لله عز وجل في أمر عباده بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ان يندد بلوط أو يفند قوله ومعاذ الله أن يظن به إلا ما هو أهله ولكنهصلىاللهعليهوآلهوسلم
انذر بكثرة الكذابة عليه.
(رابعها): ان قوله: ولو لبثت في السجن طول مالبث يوسف لأجبت الداعي ظاهر في تفضيل يوسف على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهذا خلاف مااجمعت عليه الأمة وتواترت به الصحاح الصريحة وثبت بحكم الضرورة بين المسلمين.
فان قلت: انما كان هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
تواضعاً ليوسف واعجاباً بحزمه وصبره وحكمته في اثبات براءته حتى حصحص الحق قبل خروجه من السجن.
________________________
(قلنا) لا يجوز مثل هذا الكلام على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولو كان على سبيل التواضع؛ لاشتماله على خبر غير مطابق للواقع، لأنه لو ابتلي بما ابتلى به يوسف لكان اصبر من يوسف وأولى منه بالحزم والحكمة؛ وبكل ما يتحصحص به الحق، وهيهات أن يجيب الداعي بمجرد أن يدعوه الى الخروج فتفوته الحكمة التي آثرها يوسف إذ قال لرسول الملك حين أخلى سبيله: ارجع إلى ربك - أي صاحبك - فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن أن ربي بكيدهن عليم، قال - يعني الملك -: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين.
فما خرج من السجن حتى تجلت براءته كالشمس الضاحية ليس دونها سحاب.
ولئن اخذ يوسف بالحزم فلم يسرع بالخروج من السجن حتى تمّ له ما أراد، فان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قد مثل الصبر والاناة والحلم والحزم والعزم والحكمة والعصمة في كل أفعاله وأقواله وهو الذي لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في شماله على ان يترك الأمر ما تركه.
وكان الأولى أن يقول أبو هريرة في هذا المقام: ولو لبث رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في السجن اضعاف اضعاف ما لبث فيه يوسف ماتوسل إلى خروجه منه بما توسل اليه يوسف إذ قال للذي ظن انه ناج من صاحبي السجن - اذكرني عند ربك - أي صفني عند الملك بصفاتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويتداركني من هذه الورطة (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي ان الشيطان أنسى الرجل ان يذكر يوسف لربه - أعني الملك - (فلبث في السجن بضع سنين) وكان نسيان الرجل ولبث يوسف في السجن يضع سنين انما كانا تنبيهاً له إلى انه قد فعل غير الاولى إذ كان الاولى به أن لا يتوسل الى رحمة الله بغير الله عز وجل كما هو المأثور عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقد منيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بما هو أعظم محنة من سجن يوسف
وابتلى بما هو اكثر ضرراً واكبر خطراً من كل ما قاساه آل يعقوبعليهالسلام
فما وهن ولا استكان ولا استعان إلا بالله وقد حوصر وجميع عشيرته في الشعب سنين؛ فكانوا في منتهى الضائقة واوذي في نفسه وعشيرته والمؤمنين به بما لم يؤذ به نبي قبله واجلبوا عليه بما لديهم من حول وطول، فاتل ان شئت:(
وإذ يمكر بك الذين كفروا ليقتلوك أو يثبتوك أو يخرجوك
)
واقرأ:(
ان لا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذهما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها
)
وأمعن في قوله عز أسمه:(
ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة
)
وتدبر قوله عز سلطانه:(
إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في اخراكم فاثابكم غماً بغم
)
وانعم النظر في قوله عن الأحزاب:(
إذ جاؤوكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنا لك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً
)
واوغل في البحث عن وقعة هوازن وحسبك منها:(
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
)
الى كثير من مواقفة الكريمة التي خاض فيها الأهوال فكان فيها أرسى من الجبال يتلقى شدائدها برحب صدره وثبات جنانه فتنزل منه في بال واسع وخلق وادع لم يتوسل في الخروج من عسر إلى يسر إلا بالله وحده ولم يتذرع إلى شئ ما من شوؤنه إلا بالصبر والتوكل على الله تعالى فأين من عزائمه في صبره وحلمه وحكمه عزائم يوسف ويعقوب؟ واسحاق وابراهيم وسائر النبيين والمرسلينصلىاللهعليهوآله
وعليهم أجمعين.
١١ - جراد الذهب المتساقط على أيوب وهو يغتسل ومعاتبة الله إياه على ماحشاه في ثوبه
أخرج الشيخان بطرق متعددة
عن أبي هريرة مرفوعاً قال: بينا أيوب يغتسل عرياناً فخر عليه
جراد من ذهب فجعل أيوب يحتثى في ثوبه فناداه ربه ألم أكن أغنيك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك.
(قلت): لا يركن إلى هذا الحديث إلا أعشى البصيرة، مظلم الحس، فان خلق الجراد من ذهب آية من الآيات؛ وخوارق العادات وسنة الله عز وجل في خلقه ان لا يخلق مثلها إلا عند الضرورة كما لو توقف ثبوت النبوة عليها فتأتي حينئذ برهاناً على النبوة دليلا على الرسالة وما كان الله ليخلقها عبثاً وجزافاً فتخر على أيوبعليهالسلام
وهو منفرد بنفسه يغتسل عرياناً كما يزعم أبو هريرة.
ولو خرت عليه فجعل يحتثي في ثوبه لكان ذلك في محله لانها نعمة من الله خارقة لم يحتسبها فيقتضي شكرها بتعظيم شأنها وتلقيها بكل قبول ولا يحسن منه الاعراض عنها والاستخفاف بها وقد اختصه الله فيها لأن فيه من كفران النعمة ما يجب تنزيه الانبياء عنه.
والانبياء إذا جمعوا المال فانما يجمعونه لينفقوه في سبيل الله وابتغاء مرضاته وليستعينوا به على مشاريعهم الاصلاحية والله عز وجل خبير بهم عليم بنواياهم فلا يعاتبهم على جمعه ابداً.
________________________
١٢ - التنديد بموسى اذ قرصته نملة فاحرق قريتها!!!
أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعاً قال: قرصت نملة نبياً من الانبياء - هو موسى بن عمران فيما نص عليه الترمذي
فأمر بقرية النمل فأحرقت الله اليه ان قرصتك نملة احرقت أمة من الامم تسبح الله!؟
.
إن أبا هريرة مولع بالانبياءعليهمالسلام
هائم بكل مصيبة غريبة تقذى بها الابصار وتصتك منها المسامع وان انبياء الله لا عظم صبراً وأوسع صدراً، وأعلى قدراً، مما يحدث عنهم المخرفون.
وهذا وصي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
علي بن أبي طالبعليهالسلام
يقول في خطبة له
: والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت وان دنياكم لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى.
وعليعليهالسلام
ما كان نبياً وانما هو وصي وصديق وهذه حاله تمثل عصمة الأنبياء عما ينسبه الجاهلون اليهم، وما كان الله ليصطفي لرسالاته ويختص بمناجاته من لا يتنزه عن ذلك؛ تعالى الله وتعالت رسله عما يقوله المخرفون علواً كبيرأ.
________________________
وما أدري واالله ماذا يقول مصححوا هذا الحديث فيما فعله هذا النبي من تعذيب النمل بالنار؟ مع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لا يعذب بالنار إلا الله وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الاحراق بالنار للحيوان مطلقاً إلا إذا حرق انسان انساناً فمات بالاحراق فلوليه الاقتصاص باحراق الجاني وسواء في منع الاحراق بالنار النمل وغيره من سائر الحيوانات للحديث المشهور (لا يعذب بالنار إلا الله)
.
وأخرج أبو داود باسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم عن ابن عباس ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد.
١٣ - سهو النبي عن ركعتين
أخرج الشيخان فيما جاء في السهو في صحيحيهما عن أبي هريرة قال صلى النبي إحدى صلاتي العشى واكثر ظني العصر
ركعتين ثم سلم ثم قام الى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها
وفيهم أبو بكر وعمر فهابا ان يكلماه وخرج سرعان الناس فقالوا: اقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ذو اليدين
فقال: انسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر: قال: بلى
________________________
نسيت! فصلى ركعتين! ثم سلم ثم كبر! افسجد الحديث.
. وفيه كيفية سجود السهو؛ وأنت ترى ما فيه من الوجوه الحاكمة بامتناعه.
احدها: ان مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممن فرّغ للصلاة شيئاً من قلبه، أو أقبل عليها بشئ من لبه، وانما يكون من الساهين عن صلاتهم، اللاهين عن مناجاتهم، وحاشا انبياء الله من احوال الغافلين، وتقدسوا عن اقوال الجاهلين، فان انبياء الله عز وجل ولاسيما سيدهم وخاتمهم أفضل مما يظنون على أنه لم يبلغنا مثل هذا السهو عن أحد ولا أظن وقوعه الا ممن يمثل حال القائل:
أصلي فما أدري اذا ما ذكرتها
|
|
أثينتن صليت الضحى أم ثمانيا؟
|
وأما وسيد النبيين. وتقلبه في الساجدين، ان مثل السهو لو صدر مني لاستولى على الحياة واخذني الخجل واستخف المؤتمون بي وبعبادتي ومثل هذا لايجوز على انبياء الله ابداً.
الثاني ان الحديث قد اشتمل على ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال لم أنس ولم تقصر فكيف يمكن أن يكون قد نسى بعد هذا؟ ولو فرضنا عدم وجوب عصمته عن مثل هذا السهو، فان عصمته عن المكابرة والتسرع بالاقوال المخالفة للواقع مما لا بد منه عند جميع المسلمين.
الثالث: ان أبا هريرة قد اضطرب في هذا الحديث، وتعارضت أقواله
________________________
فتارة يقول: صلى بنا احدى صلاتي العشى اما الظهر واما العصر - على سبيل الشك - واخرى يقول: صلى بنا صلاة العصر - على سبيل القطع بأنها العصر - وثالثة يقول: بينا أنا اُصلي مع رسول الله صلاة الظهر - على سبيل القطع بأنها الظهر - وهذه الروايات كلها ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم كليهما؛ وقد ارتبك فيها شارحو الصحيحين ارتباكا دعاهم الى التعسف والتكلف كما تكلفوا وتعسفوا في الرد على الزهري إذ جزم بان ذا اليدين الشمالين واحد لا اثنان، وقد أو ضحنا ذلك في كتابنا (تحقة المحدثين).
الرابع: ان ما اشتمل هذا الحديث عليه من قيام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
عن مصلاه ووضع يده على الخشبة وخروج سرعان الناس من المسجد وقولهم أقصرت الصلاة؟. وقول ذي اليدين أنسيت أن قصرت؟. وقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لم أنس ولم تقصر. فقال له: قد نسيت؛ وقول النبي لأصحابه: أحق ما يقول قالوا: بلى نعم وغير ذلك مما نقله أبو هريرة
لمما يمحو صورة الصلاة بتاتاً، والمعلوم من الشريعة المقدسة يقيناً بطلان الصلاة بكل ماح لصورتها فلا يمكن بعد هذا بناؤهصلىاللهعليهوآلهوسلم
على الركعتين الأوليتين لأنه يناقض الحكم المقطوع بثبوته عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فتأمل.
الخامس: أن ذا اليدين المذكور في الحديث انما هو ذو الشمالين
ابن عبد عمرو حليف بني زهرة، وقد استشهد في بدر، نص على ذلك امام بني زهرة وأعرف الناس بحلفائهم محمد بن مسلم الزهري كما في الاستيعاب والاصابة وشروح الصحيحين كافة وهذا هو الذي صرح به الثوري في أصح الروايتين عنه وأبو حنيفة حين تركوا العمل بهذا الحديث، وافتوا بخلاف مفاده - كما في
________________________
أواخر باب السهو والسجود له من شرح النووي لصحيح مسلم
- وحسبك حديث النسائي - مما يدل على ان ذا اليدين وذا الشمالين واحد - واليك لفظه: قال
فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو: انقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
: ما يقول ذو اليدين فصرح بان ذا الشمالين هو ذو اليدين، ومثله بل اصرح منه ما أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان ابن أبي خيثمة كليهما عن أبي هريرة، قال: صلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
الظهر أو العصر فسلم في ركعتين، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو (قال): وكان حليفاً لبني زهرة أخففت الصلاة أم نسيت؟. فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ما يقول ذو اليدين؟ قالوا صدق، الحديث.
وأخرج أبو موسى من طريق جعفر المستغفرى كما ترجمة عبد عمرو بن نضلة من الاصابة بالاسناد إلى محمد بن كثير عن الاوزاعي عن الزهرى عن كل من سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: سلم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
في الركعتين فقام عبد عمرو
ابن نضلة رجل من خزاعة حليف لبني زهرة فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟. الحديث؛ وفيه قول النبيصلىاللهعليهوآله
: اصدق ذو الشمالين؟.
فهذه الاحاديث كلها صريحة في أن اليدين المذكور في حديث أبي هريرة انما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو وحليف بني زهرة، ولا ريب في ان ذا الشمالين المذكور قتل يوم بدر قبل يسلم أبو هريرة باكثر من خمس سنين، وان
________________________
قاتله اسامة الجشمى، نص على ذلك ابن عبد البر وسائر أهل الأخبار فكيف يمكن أن يجتمع مع أبي هريرة في الصلاة خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يا أولي الألباب؟؟.
وقد اعتذر بعضهم بأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أو من صحابي آخر؛ وعلى هذا لا يكون موت ذي اليدين قبل اسلام أبي هريرة مانعاً من رواية أبي هريرة لهذا الحديث.
لكن هذا الاعتذار غلط محض، لأن دعوى الحضور من ابي هريرة محفوظة ثابتة برواية الثقات الحفظة الاثبات، وحسبك في اثباتها ما أخرجه البخاري فيما جاء في السهو من صحيحه
عن آدم بن شعبة عن سعد بن ابراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: صلى بنا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
الظهر أو العصر وساق حديث ذي اليدين.
وأخرج مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه
عن محمد بن سيرين قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
احدى صلاتي العشاء إما الظهر وإما العصر وساق الحديث.
وقد ارتبك الامام الطحاوي في هذه الاحاديث لبنائه على صحتها مع جزمه بما جزم به الامام الزهري من أن ذا اليدين انما هو ذو الشمالين حليف بني زهرة المستشهد في بدر قبل إسلام أبي هريرة باكثر من خمس سنين، فلا يمكن اجتماعهما في الصلاة ابداً، لذلك اضطر الى التأويل فحمل - كما في: ٣/٢٦٦ من ارشاد الساري في شرح البخاري للقسطلاني - قول أبي هريرة
________________________
في هذه الاحاديث: صلى بنا على المجاز وأن المراد صلى بالمسلمين.
والجواب أنه قد ثبت عن أبي هريرة النص الصريح بحضوره على وجه لايقبل التأويل ابداً. وحسبك ما أخرجه مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه
عن أبي هريرة قال: بينا انا اُصلى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
صلاة الظهر سلم في الركعتين وساق الحديث، فهل يتأتى التجوز فيه؟. كلا ! بل منينا بقوم لا يتأملون ؟؟ فانا لله وإنا اليه راجعون.
١٤ - كان النبي يؤذي ويجلد ويسب ويلعن من لا يستحق !!
أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً: أللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وانى قد اتخذت عندك عهداً لم تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته او سببته أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها اليك، الحديث
.
وفيه ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وسائر الآنبياء لا يجوز عليهم أن يؤذوا أو يجلدوا أو يسبوا أو يلعنوا من لا يستحق؛ سواء أكان ذلك في حال الرضا أم في حال الغضب، بل لا يمكن ان يغضبوا بغير حق، وتعالى الله عن ارسال رسل يستفزهم الغضب إلى جلد من لا يستحق أو لعنه أو سبه أو اذيته، وتنزهت انبياء الله عن كل قول أو فعل ينافي عصمتهم وتقدسوا عن كل ما لا يليق بالحكماء.
________________________
وقد علم البر والفاجر والمؤمن والكافر ان ايذاء من لا يستحق من المؤمنين أو جلدهم أو سبهم أو لعنهم على الغضب ظلم قبيح وفسق صريح، يربأ عنه عدول المؤمنين، فكيف يجوز على سيد النبيين؛ وخاتم المرسلين؟ وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: سباب المسلم فسوق، وعن أبي هريرة
قال قيل يا رسول الله ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث اماناً وانما بعثت رحمة، هذه حاله مع المشركين فكيف به مع من لا يستحق من المؤمنين؟. وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لايكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة، وعن عبد الله بن عمرو
لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً؛ وكان يقول: ان خياركم أحاسنكم اخلاقاً وعن أنس
قال: لم يكن رسول الله فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، وقال أبو ذر (٦) لأخيه حين بلغه مبعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
إركب الى هذا الوادي فاسمع من قوله، فرجع فقال: رأيته يأمر بمكارم الاخلاق، وعن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شئ اسمعه من رسول الله اريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: اتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله يتكلم في الرضا والغضب فامسكت عن الكتاب؛ وذكرت ذلك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فأومأ باصبعه إلى فيه وقال اكتب
________________________
فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق أ هـ. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله اكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت في الرضا والغضب؟ قال: نعم فاني لا أقول في ذلك كله إلا حقاً أهـ
.
وسئلت عائشة عن خلق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقالت: هل قرأت القرآن قال: نعم قالت: خلقه القرآن قلت: يا لها كلمة تدل على بلاغتها ومعرفتها بكنه اخلاقهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولا غرو فقد رأتهصلىاللهعليهوآلهوسلم
والقرآن نصب عينيه يهتدي بهديه، ويستضئ بنور علمه، متعبداً بأوامره وزواجره، متأدبأ بآدابه، مطبوعاً على حكمته، يتبع أثره؛ ويقتفي سوره، فاقرأ خلقه - ان شئت - في قوله تعالى
(
والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً واثماً مبيناه والذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
خذ العفو و أمر بالمعروف واعرض عن الجاهلين
ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
وقولوا للناس حسناً
واجتنبوا قول الزور
ولا تعتدوا ان الله لايحب
________________________
المعتدين
ومالنا ان لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون
ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا اذى كثيراً وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور
وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين
فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله
)
.
هذا خلق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهذه حاله مع المؤمنين وغيرهم وهو القائل
الرجل من ملك نفسه عند الغضب، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
من يحرم الرفق يحرم الخير وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
الرفق لا يكون في شئ إلا زانه؛ ولا ينزع من شئ إلا شانه وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، وحسبك قوله تعالى وهو أصدق القائلين:(
وإنك لعلى خلق عظيم
)
فكيف يجوز عليه - بعد هذا - ان يلعن أو يسب أو يجلد أو يؤذي على
________________________
مجرد الغضب نعوذ بالله وبه نستجير؟! ما قدروا الله حق قدرة فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
انما وضع هذا الحديث على عهد معاوية تزلفاً اليه، وتقرباً إلى آل أبي العاص، وسائر بني أمية وتداركا لما ثبت عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
: من لعن جماعة من منافقيهم وفراعنتهم إذ كانوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا فسجل عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بلعنه إياهم في كثير من مواقفه المشهودة خزياً مؤبداً؛ ليعلم الناس أنهم ليسوا من الله ورسوله في شئ، فيأمن على الدين من نفاقهم، وعلى الامة من عيثهم، وما كان ذلك منه إلا نصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين من بعده ولعامتهم.
وقد كانصلىاللهعليهوآلهوسلم
رأى في منامه كأن بني الحكم ابن أبي العاص ينزون على منبره كما تنزو القردة فيردون الناس على اعقابهم القهقري؛ فما رؤي بعدها مستجمعاً ضاحكاً حتى توفى
وقد انزل الله تعالى في ذلك عليه قرأنا يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار:(
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً وكفراً
)
والشجرة الملعونة هي الاسرة الاموية اخبره الله تعالى بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريته، وعيثهم في أمته فلم ير بعدها ضاحكا حتى لحق بالرفيق الأعلى، وهذا من اعلام النبوة وآيات الاسلام والصحاح فيه متواترة ولاسيما من طريق العترة الطاهرة.
أعلن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أمر هؤلاء المتغلبين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى
________________________
من حي عن بينة وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
وحسبك من اعلانه أن الحكم بن أبي العاص استأذن عليه مرة فعرفصلىاللهعليهوآلهوسلم
صوته وكلامه فقال
: إئذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم
وقليل ما هم يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: إذ١ بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولا؛ ودين الله دغلا.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
مرة اُخرى
: إذا بلغ بنو أمية أربعين اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله نحلا؛ وكتاب الله دغلا.
وكان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فدعا فادخل عليه مروان بن الحكم، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون.
________________________
وعن عائشة من حديث
قالت فيه: ولكن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لعن أبا مروان ومروان في صلبه - قالت -: فمروان قصص من لعنة الله.
وعن الشعبي عن عبد الله بن الزبير قال
: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لعن الحكم وولده.
والصحاح في هذا ونحوه متواترة، وحسبك منها ما أخرجه الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من صحيحه المستدرك، إذ أخرج منها ما فيه بلاغ لأولي الألباب، وختم الباب بقوله
: ليعلم طالب العلم أن هذا باب لم اذكر فيه ثلث ما روى وان أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم - قال -: ولم يسعني فيما بيني وبين الله ان اُخلي الكتاب من ذكرهم أ هـ.
(قلت): وهذا القدر كاف لاثبات ما قلناه من أنهم انما اختلقوا هذا الحديث وامثاله تداركا لتلك اللعناب؛ ومما يوجب الأسف ان العامة آثرت أولئك اللعناء المنافقين على نبيهاصلىاللهعليهوآلهوسلم
من حيث لاتشعر إذ صححوا هذه الخرافة صوناً للملعونين؛ ولم يأبهوا بما يلزم ذلك من اللوازم التي لا تليق برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
وما كان للأمة أن نختفظ بكرامة من لعنهم نبيهاً لنفاقهم، ونفاهم لفسادهم فتضيع على أنفسها المصلحة التي توخاهاصلىاللهعليهوآلهوسلم
لها في لعنهم واقصائهم،
________________________
وهم الذين دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول الله فيطرحوه؛ وكان إذ ذاك قافلا من غزوة تبوك في حديث ثابت مستفيض
وهو طويل، وقد جاء آخره فلعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يومئذ.
والعجب من المسلم ينتصر لهم وقد جرعوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
كل غصة وقعدوا له في كل مرصد؛ ووثبوا عليه وعلى أهل بيته من بعده كل وثبة
وما لعنهم
________________________
إلا ليطردهم الله من رحمته، ويجتنبهم المؤمنون من أمته جزاء وفاقاً، لاليقربهم الى الله زلفي كما يخرفون.
١٥ - عروض الشيطان لرسول الله وهو في الصلاة
أخرجه الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة قال: صلى رسول الله صلاة فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: ان الشيطان عرض لي فشد علي يقطع على فامكنني الله منه فذعته - أي فخنقته - ولقد هممت ان اوثقه الى سارية حتى تصبحوا فتنظروا اليه فذكرت قول سليمانعليهالسلام
: ربي هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي الحديث.
.
وفيه ان انبياء الله وخيرته من خلفه صلوات الله وسلامه عليهم يجب أن يكونوا في نجوه
من هذا وفي منتزح عنه
فانه ينافي عصمتهم، ويضع من قدرهم؛ ومعاذ الله يشد الشيطان عليهم، أو يعرض لهم، أو تسول له نفسه الطمع فيهم، وقد قال الله عز وجل له: «ان عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين».
وعلم المسلمون على اختلافهم في المذاهب والمشارب ان الشيطان قد عقر
بمولد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ودهش بمبعثه، وبرق بهجرته وخرق
________________________
بظهوره، ونصرته، وانماث كالملح في الماء بهديه وقوانينه ونظمه، وطار شعاعاً من صلاته، وذهب بما اودعه الله فيها من الحكم والاسرار فاذا هي تنهي عن الفحشاء والمنكر.
وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم
إذا قام الى الصلاة تخلى بنفسه المطمئنة. وتجرد بروحه الروحيه عن كل شئ سوى الله وحده يتمحض اقبالا على الله، وعبودية خالصة لوحدانيته عز سلطانه فإذا أحرم لها بالتكبير تعوذ بالله قبل الشروع في القراءة عملاً بقوله تعالى: «فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرحيم» .
من البديهي أنه اذا استعاذ بالله يعوذه، والشيطان لا يجهل هذه الحقيقة إن جهلها المخرفون.
وقد روى ابو هريرة
ان الشيطان إذا سمع الأذان للصلاة من أي مسلم كان أدبر هارباً وولى فرقا، وله ضراط هلع وجزع، فكيف يجرأ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فيتسور على مقامه الرفيع؛ وهو في ذلك الحرم المنيع، بين يدي الله، عائذاً بعزته، لائذاً بعصمته، منقطعاً اليه عن كل شئ؛ هيهات هيهات:(
أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه وهم به مشركون
)
.
فان قلت: ما تقولون في الآية ٣٧ من حم السجدة وهي قوله عز من قائل:(
واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه هو السميع العليم
)
.
قلنا: ان الله جلت آلاؤه أدب حبيبه محمداً بآداب اختصه بها ففضله على العالمين حتى لم يبق نبي مرسل، ولا ملك مقرب؛ ولا شيطان مريد؛ ولا خلق فيما بين ذلك شهيد؛ الا بخع لآدابه، وخشع لأخلاقه، فما من أمر في الذكر
________________________
الحكيم الا ائتمر به، وما من زجر في القرآن العظيم الا انزجر به، وما من حكمة الا اخذبها، كان القرآن نصب عينيه، يقتفي أثره؛ ويتبع سوره، وهذه الآية مما جاء في سياق آدابه واخلاقه، فانظر الى ما قبلها من الآيات الينات تجد الحكمة، وفصل الخطاب، فان ما قبلها بلا فصل:(
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
)
.
هذه هي الغاية في الأخلاق طبع الله عليها عبده، وخاتم رسوله، فكانصلىاللهعليهوآلهوسلم
يمثلها في هديه منذ قال في مبدأ أمره (ودم جبهته يسيل على وجهه ولحيته) أللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون الى ان نادى مناديه يوم الفتح وكان في منتهى عمره من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
أرهف الله عزائمه: وشحذ هممه للأخذ بهذه التعاليم وحمله على هذه الاخلاق بكل اسلوب يأخذ اليها بالأعناق، ألا تراه جل وعلا كيف لم يكتف ببعثه عليها حتى شوقه اليها، وبلغ الغاية في تحطيضه عليها؛ فقال وهو أصدق القائلين:(
وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم
)
ثم لم يقف على هذا الحد في ارهاف عزيمته حتى حذره مما طبع البشر عليه من فورة تكون في النفس، ونزغة - أي نخسه - تكون في القلب عند هجوم الاذى، الممض من العدو الملح؛ وسمى تلك النخسة البشرية نزغاً من الشيطان على سبيل المجاز تنفيراً منها وتنزيهاً عنها فقال:(
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله
)
أي وإما ينخسنك من الغضب الذي طبع عليه البشر نخس يشبه نزغ الشيطان في تضييق الصدر وتوهين عرى الصبر(
فاستعذ بالله
)
ونظير هذه الآية قوله عز من قائل - في سورة الأعراف -:(
خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين ، واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه سميع عليم
)
فان الله عز وجل اراد صيانة حبيبه عن مقابلة الجاهلين الذين قامت عليهم
الحجة فجحدوها وتمادوا بالكفر عناداً لله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فأمره بالاعراض عنهم، ولمزيد عنايته في تهذيبه وتفضيله على البشر حذره بما طبع البشر عليه من التأثر القلبي، والتزفر النفسي عند هجوم الجاهلين بسفههم وبذاءتهم؛ وسمى ذلك التأثر الطبيعي نزغاً من الشيطان على سبيل التجوز تنزيها لنبيه عنه، وتنفيراً له منه إذا كانصلىاللهعليهوآله
لا ينفر من شيء نفوره من الشيطان ومما يشبه عمله فقال عز من قائل:(
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ
)
يوهن صبرك عن احتمال سفه الجاهلين ويدعوك الى إظهار الغضب منهم (فاستعذ بالله).
فاين هذا المعنى عما جاء في حديث أبي هريرة من شذّ الشيطان على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ليقطع عليه صلاته؟ الأمر الذي لا يجوز بحكم العقل والنقل.
(فان قلت): ما تقول في الآية ٥٢ من سورة الحج:(
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّـهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّـهُ آيَاتِهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ
)
الآية.
(قلنا): ان من المعلوم بحكم الضرورة من دين الاسلام ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وسائر الرسل والأنبياءعليهمالسلام
لا يجوز عليهم أن يتمنوا ما لا يرضي الله به وحاشاهم ان يتمنوا من الأمور كلها إلا ما كان لله فيه رضاً ولعباده صلاح.
وقد كانصلىاللهعليهوآلهوسلم
يتمنى لأهل الأرض كافة ولكل واحد منهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ولاسيما الأقرب اليه منهم فالأقرب والشيطان كان يلقي في هذه الأمنية
بغروره وحيله ما يشوهها في نظر من كان كأبي لهب وأبي جهل ممن استحوذ عليهم بفتنته فصدهم عما تمناه الرسول لهم من خير الدنيا والآخرة حتى أغراهم بقتاله واستئصاله.
________________________
وكان (صلىاللهعليهوآلهوسلم
) يتمنى لمن دخل في الاسلام كافة ولكل واحد منهم أن يخلصوا الله تعالى ولكتابه ولرسول ولسائر عباده اخلاصاً تستوي فيه ظواهرهم وبواطنهم وعلانياتهم وسرائرهم لكن الشيطان كان يلقي في هذه الأمنية المبرورة من تسويله وتضليله ما يقتضي تشويس كثير من الناس ويوجب نفاقهم.
وكان (صلىاللهعليهوآلهوسلم
) يتمنى لكل فرد من أمته ان ينهج منهاجه القويم، وصراطه المستقيم، لا يحيد قيد شعرة فما دونها عن سنته المقدسة وكانت قصاري أمانيه أن تتفق الأمة على هديه وتكون باجمعها نصب أمره ونهيه فلا يختلف منها اثنان لكن الشيطان ألقي في هذه الأمنية المشكورة من وسوسته في صدور كثير من الناس ما خدعهم عن السنن فتفرقت بهم السبل وكانوا طرائق قددا. هكذا كان الغرور الرجيم يرصد ما يتمناه الرسول من خير عام أوخاص فيلقي فيه من التشويه في نظر المغترين بزخارفه ما يصرفهم عنه.
والمنخدعون بأباطيل الشيطان وأضاليله كثيرون، قد أعدلهم خيله ورجله، ونصب لهم حبائله وأشراكه، ووقف لهم على ساق يريهم الحق بغروره باطلاً، والباطل بزخارفه حقاً، لايألو جهداً في تشويه ما يتمناه الرسول لهم، ولا يدخر وسعاً في صدهم عنه بكل حيلة.
وهذا ما أقض مضجع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
اشفاقاً على الناس من هذا الوسواس الخناس، وفرقاً من أضاليله وأباطيله أن تظهر على الحق المبين فكانصلىاللهعليهوآلهوسلم
بسبب ذلك مستوجباً للتعزية من الله عز وجل فعزاه وخفض عليه بهذه الآية:(
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ
إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ
)
مثل ما تمنيت من الخير خاصاً أو عاماً (القى الشيطان في أمنيته) ما القاه في
________________________
أمنيتك من التشويه بالتمويه على كثير من الناس فصدهم عنها بغروره وفتنته فان الرسل والأنبياء كانوا باجمعهم يتمنون لأهل الأرض عامة أن يكونوا على هدى من ربهم، كانوا بأسرهم يتمنون لمن آمنوا بهم أن يخلصوا لله اخلاصاً حقيقياً لا تشوبه شائبة؛ وكانت قصارى امانيهم أن تتفق اممهم على هديهم فلا يختلف في ذلك منهم اثنان، لكن الشيطان كان يلقي في هذه الأماني الشريفة من وسوسته مايخدعهم عنها فلم تتحقق أمانيهم إلا قليلا حتى افترقت امة موسى احدى وسبعين فرقة، وافترقت أمة عيسى اثنين وسبعين فرقة، وهكذا امم الأنبياء كافة لم تتحقق فيهم أماني رسلهم بسبب مايلقيه الشيطان فيها من التشوية بالتموية، فلا يكبرن عليك(يامحمد) ما منيت به في أمانيك المقدسة حيث لم تتحقق في كثير من الأوقات بسبب ما يلقيه الشيطان فيها من التشويه الموجب لصرف كثير من الناس عنها ولك أسوة حسنة في هذا بجميع من كان قبلك من الرسل والأنبياء فانك وإياهم هذا الأمر شرع سواء، سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولاتجد لسنتنا نجويل.
وحيث كانصلىاللهعليهوآلهوسلم
مشفقاً من أباطيل الشيطان أن تظهر على الحق أمنه عز وجل من هذه الناحية إذ قال: (فينسخ الله) أي فيزيل الله (ما يلقي الشيطان) في أمانيك وأماني الرسل والانبياء من تشويهها بتمويهه الذي لا يثبت امام الحق الساطع والبرهان القاطع أبداً ثم بشره بظهور الحق الذي جاء به عن ربه. وجاءت به الرسل والأنبياء من قبله وبقائه محكما فقال قوله الحق ووعده الصدق (ثم يحكم الله آياته) اين يتقنها كما قال مقام آخر (ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون).
و أولوا الالباب يعلمون أن ليس المراد من النسخ والإحكام هنا معناهما المصطح عليه في عرف المفسرين، وإنما المراد من النسخ والإحكام في هذه الآية معناهما اللغوي، فالنسخ بمعنى الازالة والاحكام بمعنى الإتقان
وهذه الآية في نسخها وإحكامها ليست إلا كقوله تعالى:(
فأما الزبد فيذهب جفاء و أماما ينفع الناس فيمكث في الأرض يضرب الله الامثال
)
.
ثم لمزيد عنايته عز وعلا بنبيه الفته الى ما يوجب له مزيد الطمأنينة بفوز الأنبياء وخزى الشيطان فقال (والله عليم حكيم) وسع كل شئ علماً وحكمة يعلم اخلاص الرسل والأنبياء في أمانيهم فيعمدهم بروح القدس من عنده ويبوئهم مبوأ صدق من كرامته ويعلم عداوة الشيطان لله ولرسوله ولعباده بما يلقيه من التشويه في أماني الرسل والأنبياء فيخزيه بخبث سريرته و لؤم علانيته على ما تقتضيه الحكمة من كرامة من يستحق الكرامة وخزي من يستحق الخزي فان الحكمة وضع الأمور مواضعها.
وقد شاءت حكمته تعالى ان يميز الخبيث من الطيب من عبادة فابتلاهم بالغرور الرجيم يلقي التشويه في أماني الرسل والأنبياء:(
ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة
)
أي اختياراً وتمحيصاً:(
للذين في قلوبهم مرض
)
من النفاق:(
والقاسية قلوبهم
)
لا تلين لذكر الله وما نزل من الحق إذ ران عليها ما سول الشيطان لهم من الكفر فحجبها عن نور الايمان والهدى:(
وان الظالمين
)
من المنافقين والكفار:(
لفي شقاق بعيد
)
أي في عداوة لله ولرسوله لا أجل لها قد اعمت عن الحق ابصارهم واصمت اسماعهم ورانت على قلوبهم، ونعقوا بسببها مع كل ناعق من الشيطان:(
وليعلم الذين اوتوا العلم
)
بوحدانية الله وحكمته وبعثة الرسل والانبياء:(
انه الحق من ربك ليؤمنوا به
)
غير آبهين بالشيطان ولا بشئ من تهويله وتضليله.
وبا لجملة: فان الله سبحانه شاءت حكمته ان يميز الخبيث من الطيب فامتحن الناس بما قلناه فازاداد الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم مرضاً وقسوة وازداد المؤمنين ايماناً ويقيناً، فقوله عز وجل:(
ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة
)
إلى أن قال:(
وليعلم الذين اوتوا العلم
)
جاري مجرى قوله تعالى:(
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله
الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)
وقوله تعالى:(
ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب
)
وقوله عز اسمه:(
وليمحص الذين آمنوا ويمحق الكافرين
)
.
:(
ولا عزو فان الله عز وجل ان يمتحن عباده من صنوف المحن وانواع الفتن له الحجة في الثواب والعقاب كما هو مبرهن عليه في محله من كتب الاصحاب فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين
)
:(
ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة
)
.
ولنرجع إلى اصل الآية:(
وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى القى الشيطان في أمنيته
)
، فانه لايراد بها ان الشيطان يلقي في نفس الرسول او النبي شيئاً (والعياذ با لله) ليشكل الامر فنحتاج الى تخريج الآية على خلاف ظاهرها وإنما المراد ما نصت الآية عليه من ان الشيطان يلقى في الامنية نفسها أي يلقى فيما يتمناه الرسول او النبي - من الخير والسعادة - شيئاً من التشويه في نظر رعاع الشيطان والناعقين معه ليصدهم بسبب ذلك عما تمناه الرسول لهم ويحول بين الامنية وتحققها في الخارج فتكون الآية الحكيمة على حد قول القائل: وكل ما يتمنى المرء يدركه.
هذا هو المراد من الآية قطعاً وهو المتبادر منها الى الأذهان وان لم يذكره - فيما اعلمه - احد من المفسرين أو غيرهم، والعجب من غفلتهم عنه على وضوحه وكونه هو اللائق بالذكر الحكيم والنبي العظيم، وسائر الرسل والانبياء
________________________
عليهمالسلام
فلا يجوز حمل الآية ماسواه أبداً
.
أما حديث الغرانقة فانه من مختلفات الزنادقة كما أو ضحناه على سبيل التفصيل في رسالة افردناها لهذا الحديث ولكل ما كان حوله متناً وسنداً اسميناها خرافة الزنادقة أو سخافة الغرانقة
والله المسؤول ان يوفقنا لنشرها فانها في بابها مما لا نظيرله، والحمد لله على هدايته وعظيم عنايته.
ولنرجع إلى ماكنا فيه من حديث أبي هريرة إذ قال: صلى رسول الله صلاة فقال: ان الشيطان عرض لي فشذَّ على يقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه الى سارية حتى تصبحوا فتنظروا اليه فذكرت قول سليمان:(
رب لي ملكاً لاينبغي من بعدي الحديث.
فليسمح لي الشيخان وغيرهما ممن يعتبرون حديث أبي هريرة لأسألهم هل للشيطان جسم يشد وثاقه ويربط بالسارية حتى يصبح وتراه الناس باعينها أسيراً مكبلا؟ ما أظن ان احداً يقول بأن الشيطان ذو جسم كثيف يقع عليه ذلك.
ولعل الذي جرأ أبا هريرة على هذا الحديث قصور مداركه عن معاني الذكر الحكيم والفرقان العظيم، فظن آياته تثبت وقوع مثل ذلك إذ قال الله عز وجل فيما اقتص من خبر سليمان:(
فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين بالاصفاد.
________________________
فظن الرجل انهم كانوا كسائر المقرنين بالاصفاد من البشر ولم يدر أنهم كانوا مقرنين في عالمهم الشيطان با صفاد تتفق مع طبائعهم الشيطانية تمنعهم عما يحاولونه من العيث من حيث لا يراهم من الآدميين أحد أبداً.
ذكر أبو هريرة في هذا الحديث: ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
إنما أطلق سراح الشيطان كراهة أن يكون له ملك سليمان، ولولا ذلك لأوثقة إلى سارية حتى يصبحوا فينظروا اليه.
وقد اشتبه أبو هريرة فان الله عز سلطانه وهب لسليمان ملكاً سخر له الريح غدوها ورواحها شهر، وأسال له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمره يذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كا لجواب وقدور راسيات فوهب له بهذا ملكاً لم يهبه لرسول الله في ظاهر الحال فلو أوثقصلىاللهعليهوآلهوسلم
شيطان أبي هريرة لا يكون بمجرد ذلك مساوياً في الملك لسليمان إذ تبقى الميزة لملك سليمان بتسخير الريح وإسالة عين القطر وعمل الجن والشياطين من كل بناء وغواص، فالتعليل الذي ذكره أبو هريرة عليل وحديثه من الأباطيل وحاشا رسول الله ان يحير الحواس، ويدهش مشاعر الناس وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم
الذي نص على اختصاص العقل با لخطاب وحاكم اليه الخطأ والصواب فجعل صحة الدليل آية الحق وأمرنا أن لا نسير إلا على ضوئه:(
أفمن يمشي مكباً عى وجهه أهدى أمّن يمشي سوياً على صراط مستقيم
)
.
١٦ - نوم النبي عن صلاة الصبح!!
أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة واللفظ لمسلم
قال: عرسنا مع نبي الله فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ليأخذ كل رجل
________________________
منكم برأس راحلته فان هذا منزل حضره الشيطان، قال أبو هريرة: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم اقيمت فصلى صلاة الغداة.
وهذا حديث يبرأ منه هدى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فان الله عز وجل يقول:(
يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه أو نقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا
)
الى أن قال وهو اصدق القائلين:(
ان ربك يعلم أنك تقوم ادنى من ثلثي الليل ونصفه
)
ويقول مخاطباً له في مقام آخر:(
اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا
ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً
)
أي ومن الليل فصل بالقرآن زيادة لك على الفرائض الخمس التي اوجبتها الآية الاولى، وبينت أوقاتها وذلك ان الفرائض الخمس واجبة على جميع المكلفين، اما صلاة الليل فانما كانت فريضة عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم
خاسة لم تكتب على غيره، وقال مخاطباً له في مقام ثالث:(
وتوكل علىالعزيز الرحيم الذي يراك حين لا يطلع يقوم وتقلبك في الساجدين
)
أي يراك إذ تقوم لعبادته في الليل حين لا يطلع عليك أحد ويرى تصرفك في المصلين بالقيام والقعود والركوع والسجود والذكر والقراءة والدعاء والابتهال اذا صليت في جماعة، وقال مخاطباً له في مقام رابع:(
وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبح وادبارالسجود
)
.
وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم
يصلي الليل كله ويعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم
.
________________________
فيظل قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً حتى اسمغدت - أي تورمت قدماه
- فقال له جبرائيل عن الله عز وجل: ابق على نفسك فان لها عليك حقاً وأوحى اليه: طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكره لمن يخشى، والشقاء هو الاستمرار فيما يشق على النفس نقيض السعادة، والمعنى ما انزلنا عليك القرآن لتستمر فيما يشق عليك فتهلك نفسك بالعبادة وتحملها المشقة الفادحة. وانما انزلنا عليك القرآن تذكرة لمن يخشى، فرفقاً بنفسك.
وقد عقد البخاري في صحيحه باباً لتهجده في الليل وباباً لطول سجوده في صلاة الليل. وباباً لطول قيامه فيها وباباً لقيامه حتى تورمت ساقاه وتفطرت قدماه.
هذا دأبه في قيام الليل؛ فما ظنك به اقامة في الفرائض الخمس وهي أحد الأركان التي بنى الاسلام عليها أيجوز أن ينام عنها؟ معاذ الله وحاشا لله وهو الذي أهاب بأهل الأرض يتلو عليهم عن ربهم جل وعلا:(
حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين
)
ونادى في الناس:(
قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون
)
إلى أن قال في وصفهم:(
والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
)
وصاح في بني آدم:(
فأقيموا الصلاة أن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً
)
وأذن فاسمع العالم:(
قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى
)
.
والقرآن الحكيم مشحون بمثل هذه الآيات البينات التي كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يحوط الناس بحكمتها وموعظتها الحسنة، وكم وخز الساهين عن عبارة ربهم بقوله:(
ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون
)
وفضح المنافقين بما أوحى الله اليه من صفاتهم بقوله تعالى:(
ولا ياتون الصلاة
________________________
إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون
)
وندّد برجل نام عن صلاة الليل حتى أصبح فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: بال الشيطان في أذنه.
يالها كناية عن سوء حال من يستمر في عادته على النوم عن صلاة الليل وما أبلغها من رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين.
كلمة تقّض مضاجع المؤمنين وتقلقهم فلا ينامون بعدها عن نافلة الليل لو انصفوا أنفسهم وقد علم البر و الفاجر وشهد المسلم والكافر بأن محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم
كان أول المبادرين إلى العمل بتعالميه وأعظم المتعبدين بها المستقيمين المستمرين عليها وأنه كان يهذب أمته بافعاله، ويحملهم بها على البخوع لتعاليمه أكثر مما يهذبهم بأقواله وما كان وهو سيد الحكماء ليندد بمن نام عن صلاة الليل هذا النتنديد ثم ينام هو بمنظر من أصحابه عن صلاة الصبح سبحانك هذه هذا بهتان عظيم.
وقد ورى أبو هريرة نفسه
ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: يعقد الشيطان على قافية رأس احدكم إذا هو نام ثلاث عقد فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فان توضأ انحلت عقدة فان صلى انحلت عقدة فاصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلاناً.
وهذا الحديث فيه من الكناية البليغة ما في الحديث السابق وهما يمثلان نصح النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم
لأمته في تحذيرها من الشيطان وتنشيطها إلى عبادة الرحمن ولئن صدق فيه ابو هريرة في هذا الحديث فقد كذب في نوم النبي صلاة الصبح
________________________
وروى أبو هريرة أيضاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال
: ليس صلاة اثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً لقد هممت ان آمر المؤذن فيقيم ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم آخذ شعلا من نار فاحرق على من لا يخرج الى الصلاة بعد أ هـ.
اتراهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يحض الناس على الصلاة هذا الحض، ويهتم بصلاة الفجر هذا الاهتمام، ويهدد بالتحريق على من لا يخرج اليها ثم ينام عنها، حاشا لله ومعاذ الله أن يكون كذلك.
ورحم الله عبد الله بن رواحة الصحابي الشهيد إذ يقول
:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
|
|
اذا انشق معروف من الفجر ساطع
|
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
|
|
به موقنات ان ما قال واقع
|
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
|
|
إذا استثقلت بالعابدين المضاجع
|
نرجع الى الحديث وما بقى من قرائن بطلانه وهي امور:
(أحدها): أنهم ذكروا في خصائص النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أنه كان لا ينام قلبه اذا نامت عيناه، وصحاحهم صريحة بذلك
.
وهذا من أعلام النبوة؛ وآيات الاسلام، فلا يمكن والحال هذه ان تفوته صلاة الصبح بنومه عنها، إذ لو نامت عيناه فقلبه في مأمن من الغفلة. ولا سيما عن ربه، لا تأخذه عن واجباته سنة ولا نوم، وقد صلى مرة صلاة الليل فنام قبل ان يوتر فقالت له احدى زوجاته يارسول الله تنام قبل ان توثر؟
________________________
فقال لها
تنام عيني ولا ينام قلبي، أرادصلىاللهعليهوآلهوسلم
أنه في مأمن من فوات الوتر بسبب ولوعه فيها، ويقضة قلبه تجاهها فهو هاجع في عينه، يقظان في قلبه؛ منتبه الى وتره؛ واذا كانت هذه حاله في نومه قبل صلاة الوتر فما ظنك به اذا نام قبل صلاة الصبح.
(ثانيها) ان أبا هريرة صرح كما في صحيح مسلم
بأن هذه الواقعة قد اتفقت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهو قافل من غزوة خيبر فكيف يدعي أبو هريرة حضورة فيها؟ واين كان أبو هريرة عن غزوة خيبر؟ وانما اسلم بعد خروج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
اليها باتفاق اهل العلم، واجماع أهل الأخبار
.
(ثالثها) ان أبا هريرة يقول في هذا الحديث: ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته فان هذا منزل حضره الشيطان قال: ففعلنا.
وقد علمت مما اسلفناه ان الشيطان لا يدنو من النبي ابداً، وعلم الناس كافة
________________________
ان أبا هريرة كان في تلك الاوقات لا يملك شبع بطنه فمن أين له الراحلة ليأخذ برأسها كما زعم إذ قال: ففعلنا؟.
(رابعها) أنه قال في هذا الحديث: ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم صلى صلاة الغداة.
أما صلاة الغداة فانها قضاء عما فات لكن السجدتين لم نعرف لهما وجهاً ولا محلا من الاعراب: والفاضل النووي طفر عنهما في شرحه.
(خامسها) ان من عادة الجيش وقواده ان يكون لهم حرس يقوم عليهم اذا ناموا، ولا سيما اذا كان فيها الملك أو نحوه وكان له من الأعداء الالداء الموتورين من لا تؤمن معرتهم؛ وكان في جيشه من المنافقين من يتربص به الدوائر، ويقلب له الأمور، ويعضون الانامل من الغيظ وقد مردوا على النقاق، فرسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم
) لا يخالف عادة القواد والأمراء في المحافظة على نفسه وعلى جيشه، ولا ينام بأصحابه في تلك الفلاة المحاطة يذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب من اعدائه الذين وترهم وسفك دماءهم الا والحرس قائم بوظيفته من مراقبة العدو الخارجي والمنافق الداخلي، وحاشا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم
) أن يغفل عن هذه المهمة وهو سيد الحكماء قبل ان يكون سيد الأنبياء فهل نام الحرس ايضاً كما نام المؤذنون؟ كلا! بل انذر (صلىاللهعليهوآلهوسلم
) بكثرة الكذابة عليه.
(سادسها) ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
كان يومئذ في جيش مؤلف من الف وستمائة رجل فيهم مائتا فارس، فالعادة أن تأبى يناموا باجمعهم فلا ينتبه احد منهم اصلا، وعلى فرض عدم انتباههم من انفسهم فلا بد بحكم العادة المألوفة ان ينتبهوا بصهيل مائنى فرس وضربها الأرض بحوافرها في طلب علفها عند حضور وقته من الصبح فما هذا السبات العميق الشامل لجميع من كان ثمة من انسان وحيوان؟ ولعل هذا من خوارق أبي هريرة
١٧ - بقرة وذئب يتكلمان بلسان عربي مبين
أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: صلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
صلاة الصبح ثم اقبل على الناس؛ فقال بينا رجل يسوق بقرة أذ ركبها فضربها فقالت انا لم نخلق لهذا انما خلقنا للحرث! فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم: قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
فاني أؤمن بهذا انا وأبو بكر وعمر! وماهما ثم وبينا رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلبها حتى استنقذها منه، فقال له الذئب: استنقذتها مني! فمن لها يوم السبع؟! يوم لا راعي لها غيري! فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم: قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
فاني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر: وماهما ثم أ هـ
.
ان أبا هريرة نزوع إلى الغرائب تواق الى العجائب قد استخفته إلى خوارق العادات نزية من الشوق والهيام
فتراه طروباً الى التحدث بما هو فوق النواميس الطبيعية، كفرار الحجر بثياب موسى، وكضرب موسى ملك الموت حتى فقأ عينه، ونزول جراد الذهب على أيوب، وأمثال ذلك من المستحيلات عادة.
وها هو الآن يحدث بأن بقرة وذئباً يتكلمان بلسان عربي مبين فيفصحان عن عقل وعلم وحكمة، الأمر الذي لم يقع أصلا؛ ولا هو واقع قطعاً، ولن
________________________
يقع ابداً، وسنة الله في خلقه نحيل وقوعه إلا في مقام التحدي والتعجيز حيث يكون آية للنبوة، وبرهاناً على الاتصال بالله عز سلطانه، ومقام الرجل حيث ساق بقرته الى الحقل فركبها في الطريق لم يكن مقام تحدي واعجاز لتصدر فيه الآيات وخوارق العادات. وكذلك مقام راعي الغنم حين عدا الذئب عليه فلا سبيل إلى القول بامكان صحة هذا الحديث عقلا فان المعجزات وخوارق العادات لا تقع عبثاً باجماع العقلاء.
وما أغنى أبا بكر وعمر عن هذه الفضيلة، وليتهما سمعا أبا هريرة يحدث بها ولو فعل على عهدهما لأعذر الى الله تعالى فيه، ولكنه تذرع بهما إلى اشباع شهوة الإغراب والتخريف في نفسه، ومشى ظلهما إلى ذلك، وهو يعلم ان مكذّبه يمنى بسخط الرأي العام، ويرمي بالخروج على الخليفتين.
١٨ - تأمير ابي بكر على الحج سنة تسع ونداء أبي هريرة ببراءة سنئذ
أخرج الشيخان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: ان أبا هريرة أخبره ان ابا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قبل حجة الوداع بسنة يوم النحر في رهط يؤذنون في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان
.
وأخرج البخاري عن حميد عن أبي هريرة أيضاً قال: بعثني ابو بكر الصديق في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى ان لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (قال): ثم اردف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بعلي
________________________
فأمره ان يؤذن ببراءة فأذن معنا علي في اهل منى يوم النحر الحديث
.
لا عجب من سياسة الشام إذا فرضت هذا الباطل على أبي هريرة وحيمد ولا عجب منهما إذا تطوعا لها فتواطآ عليه.
فان ابا هريرة إنما أتى الشام متجراً بما يروج فيها من سلعته والدنيا يومئذ متسقة مستوسقة لسلطان بني امية والدعايات ضد الوصي وآل النبي أربح تجارات الدجالين في ذلك العهد.
وحميد كان ممن صنعوا على عين معاوية لحمل امثال هذا الحديث وللرثاء بالعبادة والتقشف؛ وللولوع بالسماع من اعداء علي
وكان في بني امية كألدّهم خصومة واشدهم لهجة، وقد وشجت به عروقهم وولدته العبشميات من امهاتهم؛ فان امه ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بن ذكوان بن امية بن عبد شمس فهي اخت الوليد بن عقبة لأبيه وأمه، وام امه ام عثمان بن عفان
واسمها اروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس «شنشنة نعرفها» على ان اباه عبد الرحمن كان منحرفاً عن علي وقد آثر يوم الشورى عثمان لصهره
مع هن وهن، فلا غروان تواطأ أبو هريرة وحميد على هذا الباطل في تلك الظروف فأذاعته الدعايات الجبارة حتى استطار.
________________________
ومما نحتج به على بطلانه ان ابا هريرة (قبل ان يتصل باسباب بني امية) كان يقول
: كنت في البعث الذين بعثهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
مع علي ببراءة فقال له ولده المحرر: فيم كنتم تنادون؟ قال: كنا نقول: لا يدخل الجنة إلا مؤمن؛ ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
عهده فأجله الى اربعة اشهر
فناديت حتى صحل صوتي أ هـ.
هذا حديثه الثابت منه من طريق الثقات الاثبات لم يذكر فيه ابا بكر بالمرة، و'إنما نص فيه على ان البعث الذين بعثهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
تلك السنة إلى مكة - وهم الحجاج - إنما بعثهم مع علي - وفي ركابه - وهذه هي الامرة التي اسندها ابو هريرة في ذلك الحديث الى أبي بكر.
واذا كان مبعوثاً مع علي بأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
كما يزعم في هذا الحديث، فما معنى قوله في ذلك الحديث: بعثني ابو بكر الصديق في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر؟! وما الوجه في قوله: ثم أردف النبي بعلى فأذن معنا؟ وهل هذا إلا تهافت
؟! يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا ان يتم نوره.
________________________
واني بعون الله تعالى ممحص لك الحقيقة في هذه العجالة مجلوة في مباحث:
(المبحث الأول): في بيان الواقع من هذه المهمة على سبيل الاختصار.
ومجمل القول هنا انه لما نزلت (براءة) على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بعث بها أبا بكر ليتلوها يوم الحج الأكبر على رؤوس الاشهاد إذاناً ببراءة الله ورسوله من المشركين، ونبذاً لعهودهم، ومنعاً لهم عن مكة، واعلاناً لتحريم الجنة عليهم، وان لا يطوف بالبيت عريان.
فلما سار غير بعيد أوحى الله إلى نبيه أن لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك فاستدعى علياً وأمره بلحاق أبي بكر وأخذ براءة منه والمضي بها الى مكة لاداء المهمة عن الله ورسول وعهد اليه بالولاية العامة على الموسم
وأمره بأن يخبر أبا بكر بين أن يسير مع ركابه او يرجع الى المدينة، فركب على ناقة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
العضباء ولحق أبا بكر فقال له فيم جئت يا أبا الحسن؟ قال أمرني رسول الله ان آخذ منك الآيات فانبذ عهد المشركين
ولك الخيار
________________________
في الذهاب معى أو الرجوع اليه، قال بل ارجع اليه، فمضى علي بمن معه من حجاج المدينة وما حولها الى مكة، ورجع أبو بكر الى المدينة فقال يا رسول الله أهلتنى لأمر طالت الأعناق إلي فيه فلما توجهت له رددتني عنه مالى؟ أنزل في قرآن؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لا ولكن الأمين جبرئيلعليهالسلام
هبط الي عن الله عز وجل بأنه: لا يؤدي عنك الا أنت أو رجل منك وعلى منى ولا يؤدي عني إلا علي أ هـ، والأخبار في هذا المعنى متواترة من طريق العترة الطاهرة
.
(المبحث الثاني): في يسير مما جاء من طريق الجمهور مؤيداً لما ذكرناه وحسبك نص أبي بكر الصحيح الصريح حجة بالغة؛ قال: ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بعثى ببراءة لأهل مكة لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله الى مدته والله برئ من المشركين ورسول «قال» فسرت بها ثلاثاً ثم قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم
) لعلي: الحق أبي بكر فرده على وبلغها انت (قال) ففعل علي ذلك ورجعت الى المدينة فلما قدمت على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بكيت اليه وقلت يا رسول الله
________________________
حدث في شئ؟ قال ماحدث فيك الا خير ولكني امرت أن لا يبلغها الا انا أو رجل منى، هذا حديث أبي بكر بلفظه
فهل ترى بكاءه واشفاقه يجتمعان مع تأميره؟ كلا!! وانما يكونان بتنحيته.
ومثله حديث علي إذ قال
: لما نزلت عشر آيات من سورة براءة دعا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال لي: ادرك أبا بكر فحيثما لحقته خذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم فلحقته فأخذت الكتاب منه فرجع إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقال يا رسول الله نزل في شئ؟ قال: لا ولكن جبرائيل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك أ هـ.
وحدثعليهالسلام
في مقام فقال
: ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بعث ببراءة الى أهل مكة مع أبي بكر ثم أتبعه بي فقال لي: خذ الكتاب منه فامض به الى أهل مكة قال: فلحقت أبا بكر فأخذت الكتاب منه فانصرف الى المدينة وهو كئيب فقال: يا رسول الله أنزل في شئ؟ قال: لا إلا اني أمرت ان ابلغه أنا او رجل من أهل بيتي.
ونحوه حديث ابن عباس وقد احتج يوماً على خصوم أمير المؤمنينعليهالسلام
فأفاض في خصائصه وموجبات تفضيله على الأمة بعد نبيهاصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقال: من حديث طويل
: ثم بعث رسول الله أبا بكر بسورة التوبة فبعث علياً خلفه
________________________
فأخذها منه وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لا يذهب بها الا رجل هو مني وأنا منه الحديث.
فبخع لابن عباس بهذا حسدة علي ولو كان أبو بكر أميراً في ذلك الموسم مانخعوا ولا ارعووا ولكن رأوا الحجة قاطعة فاستكانوا لها.
وكم لحبر الامة وذي حجتها البالغة ومقولها الصارم وابن عم نبيها - عبد الله ابن العباس - من امثال هذا.
قال مرة: اني لأماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة إذ قال لي: يا ابن عباس ما أرى صاحبك الا مظلوماً قال: فقلت في نفسي والله لا يسبقني بها، فقلت له يا أمير المؤمنين: فاردد اليه ظلامته، فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة وقف فلحقته؛ قال: يا ابن عباس ما أظنهم منعهم عنه الا أنهم استصغروه، فقلت: والله ما استصغروه الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك فأعرض عني واسرع. الحديث،
.
________________________
فلله أبوه كيف استظهر على الخليفة بهذه الحجة البالغة فأخذه من بين يديه ومن خلفه ومن جميع نواحيه حتى لم يبق في وسعه أن يثبت فأعرض واسرع ولو ان صاحبه كان هو الأمير في ذلك الموسم - كما يزعم أبو هريرة - ما لاذ الى الاسراع بل كانت له الحجة على ابن عباس وعمر كان مع أبى بكر إذ توجه ببراءة وإذ رجع من الطريق فهو من اعرف الناس بحقائق تلك الأحوال.
وسئل الحسن البصري عن عليعليهالسلام
فقال: ما أقول فيمن جمع الخصال الأربع: ائنمابه على براءة، وما قاله له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
في غزوة تبوك فلو كان يفوته شئ غير النبوة لاستثناه، وقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
الثقلان كتاب الله وعترتي وأنه لم يؤمر عليه أمير قط؛ وقد أمرت الأمراء على غيره، هذا كلامه بعين لفظه
.
وأنت تعلم اخلاصه لأبي بكر وحرصه على بيان فضله فلو كان أبو بكر هو الأمير على الحج عام براءة دون علي ماكتم امارته، ولا بخسه حقه، ولا شهد لعلي بأنه لم يؤمر عليه احد قط، ولا عرض بأبى بكر إذ يقول وقد أمرت الامراء على غيره، ومن تدبر كلامه هذا علم أنه يقدر الائتمان على براءة حق قدره، وانه يراه خصيصة مقصورة على علي ليس لها كفؤ سواه.
________________________
وكان الصحابة اذا أشادوا بذكر علي في المدينة الطيبة على عهد الخليفتين يحدثون بهذه الخصيصة من مناقبه فلا يناقشهم فيها احد.
هذا سعد يقول
: بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أبا بكر ببراءة حتى اذا كان ببعض الطريق ارسل علياً فاخذها منه ثم سار بها فوجد أبو بكر في نفسه، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لا يؤدي عني إلا انا أو رجل مني أ هـ.
وهذا أنس يقول
: بعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
براءة مع أبى بكر ثم دعاه فقال لا ينبغي ان يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً فاعطاه إياها.
وهذا عبد الله بن عمر يساله جميع بن عمير الليثي عن علي فينتهره ابن عمر ثم يقول له
: الا احدثك عن علي هذا بيت رسول الله في المسجد وهذا بيت علي ان رسول الله بعث أبا بكر وعمر
ببراءة الى أهل مكة فانطلقا فاذا هما براكب فقالا من هذا؟ قال: أنا علي يا أبا بكر هات الكتاب الذي معك قال مالي؟ قال والله ما علمت إلا خيراً فأخذ علي الكتاب فذهب به ورجع أبو بكر وعمر الى المدينة فقالا: مالنا يا رسول الله؟ قال: مالكما إلا خير ولكن قيل لي انه لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك.
والسنن المأثور في هذا متضافرة وكلها صريح برجوع أبى بكر إلى
________________________
المدينة كئيباً مشفقاً من نزول الوحي فيه وهذا ما لا يجتمع مع تأميره في ذلك الموسم ابداً، لكن الدعاية ضد الوصي كانت في منتهى القوة فكان لها اثرها في فجر الاسلام.
(المبحث الثالث): فيما ترتب من الآثار الشريفة على نبذ عهد المشركين وما كان لأمير المؤمنين بسبب قيامه بهذه المهمة من علو المقام عند العرب كافة وما بوأه الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من المجد والعلاء باختيارهما إياه لهذه المهمة ولا سيما بعد أرجاع أبى بكر عنها، الى خصائص أُخر تتصل بذلك وتوجب كونه أفضل الأمة واولاها برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
حياً وميتاً.
كان بنبذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
عهد المشركين ومنعه أياهم عن الحج وعن مكة واعلانه تحريم الجنة عليهم واذانه بالبراءة منهم كمال الدين وصلاح امر المسلمين وقوة الحق وأهله ووهن الباطل وأهله.
أدرك المسلمون به منتهى العزة ونالوا به غاية المجد فهدأت فورة الشرك وذلت نواصى المشركين فكان الدين كله لله عز سلطانه.
وقد شاء الله سبحانه أن يجري كله على يد عبده ووصي نبيه علي بن أبي طالب تنويهاً باسمه، وتنبيهاً الى فضله، واعلاه لذكره، واعلاناً لعظيم قدره، وتمهيداً للعهد بالخلافة اليه، ومقدمةً للنص في العام المقبل عليه
فنشرصلىاللهعليهوآلهوسلم
ذكره (بارساله إياه لأداء هذه المهمة عنه) انتشار الصبح واطار صيته في العرب استطارة البرق؛ وذلك ان نبذ العهد كان مختصاً عندهم بالزعيم الذي عقده ولا يتجاوزه إلا الى من كان يمثله في زعامته ويخلفه في مكانته؛ ويأمن وهنه، ولا يخشى سقطته، ولا يرتاب في احكامه ولا يعتريه شك في نقضه وابرامه.
________________________
يرشدك إلى هذا كله قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لعلي حين بعثه ليأخذ براءة من أبى بكر ويذهب بها هو الى مكة: لابد أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت قال علي: فان كان ولابد فسأذهب بها أنا، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: فأنطلق فان الله يثبت لسانك، ويهدي قلبك؛ الحديث
.
وأنت تعلم ان المهمة التي لا يقوم بها إلا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
او من كان جارياً مجرى نفسه لهي الغاية القصوى في المهمات لا يتعلق بها درك قد احرز بها علي قصب السبق وأستولى على الأمد فأنئ يسبقه سابق او يلحقه لاحق أو يطمع في ادراكه طامع.
ومن انعم النظر في ارجاع أبى بكر عن المهمة وارسال علي فيها ظهرت له الحقيقة بأجلى مظاهرها.
ويجدر بنا أن نمعن في قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
اذ بين السبب فقال
جاءني جبرائيل فقال: لن يؤدي عنك الا أنت أو رجل منك لمكانة «لن» من النفي مؤكداً ومؤبداً ومكانة المفعول المحذوف من العموم أعنى مفعول الفعل المنفي بلن، اذ تقدير الحديث: لن يؤدي عنك شيئاً من الأشياء الا انت أو رجل منك ولو لا قصد العموم ما حذف المفعول.
«فان قلت»: مورد هذا الحديث يفرض علينا تخصيصه به؛ فيكون معناه لن يؤدي عنك هذه المهمة الا انت أو رجل منك، فلا عموم هنا.
«قلنا»: ان المورد لا يخصص الوارد؛ على ان هذا الحديث ليس بالوحيد في بابه؛ فان في الصحاح من نظائره نصوصاً تعنولها الجباه بخوعاً لم ترد في مورد خاص لتختص به، بل جاءت عامة لفظاً ومورداً.
________________________
وحسبك منها عهده يوم عرفة من حجة الوداع وقد أهاب بأهل الموقف يدلهم على مفزعهم في أداء رسالته وهو اذ ذاك على ناقته يناديهم باعلى صوته فأشخص أبصارهم وأسماعهم وافئدتهم اليه فاذا به يقول: علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني الا أنا أو علي
.
ياله عهداً ما أخفه على اللسان وما أثقله في الميزان جعل لعلي من صلاحية الأداء عنه (صلىاللهعليهوآلهوسلم
) عين الصلاحية الثابتة للنبي في الأداء عن نفسه فأشركه في أمره وأئتمنه على سره كما كان هارون من موسى الا ان علياً لم يكن بنبي وانما هو وزير ووصي يطبع على غرار نبيه ويبين عنه للناس ما اختلفوا فيه.
وتلك ذروة ما جعل الله تعالى ورسوله لغير علي أن يتبوأها أبداً:(
فارجع البصر هل من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئاً وهو حسير
)
ولقد رفع رسول الله علياً الى مستوى هو أعلى من مستوى الأمة اذ مزج لحمه بلحمه ودمه بدمه وسمعه وبصره وفؤاده وروحه بسمعه وبصره وفؤاده وروحه فقال: علي مني وأنا من علي ثم لم يكتف حتى قال: ولا يؤدي عني الا انا أو على فجمع فأوعى فاستقصى ولا غرو فان الله تعالى يقول وهو أصدق القائلين:(
ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين
)
.
________________________
فأين اولو النظر يمعنون في هذا العهد ليعلموا أنه - على اختصاره - لا يقل وزناً عن نصوص يوم الغدير فان الأداء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
المختص به وبعلي المنفي في هذا الحديث عمن سواهما انما هو الأداء التشريعي الكاشف عن حكم الله في الواقع ونفس الأمر المعصوم عن الخطأ عصمة القرآن عنه فيكون بمجرده حجة قاطعة يجب على الاُمة التعبد به كما يجب عليهم التعبد بأ حكام القرآن العظيم والذكر الحكيم.
يدلك على أن هذا هو المراد اجماع الأمة على اباحة الأداء عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
- على غير هذا الوجه - لكل عالم بقوله سماعا منه أو استنباطاً صحيحاً من سنته فان الصحابة كانوا يؤدون عنه ما سمعوه من اقواله وما رأوه من أفعاله وكان المجتهدون بعدهم يؤدون عنه ما أستنبطوه من الأدلة الشرعية فلو لم يحمل الحديث على ما قلناه لم يبق له معنى يصح حمله عليه.
ويؤيد هذا قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: رحم الله علياً اللهم أدر الحق حيث دار
إلى كثير من أمثال هذه النصوص التي ترمي إلى عصمته، (ربنا آمنا بما انزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين).
(المبحث الرابع): فيما كان من أعداء علي من المكربه، والبغي عليه وما كان من دجاجيلهم في صرف خصائصه عنه، وما تزلف به أبو هريرة اليهم من تحريف هذا الحديث.
إن اعداء علي من المنافقين، وحسدة فضله ومنافسيه من الناكثين والقاسطين، والمارقين ولا سيما أهل الحول والطول منهم كمعاوية وأعوانه
________________________
فسخروا دجاجيلهم في تشويهها ومسخها ومعارضتها بما استطاعوا أو ان الدجاجيل تزلفوا اليهم بذلك ولا ذنب لعلي. ولا عذرلهم إلا ما اختصه الله تعالى من فضله اذ بلغ بسوابقه - في أيمانه وجهاده - منزلة عند الله ورسوله تقاصرت لم يطيقوا الخصائص العليا التي كانت لعلي. فلم يصبروا عن تحويرها وتحريفها عنها الأقران ونال (بعلمه وعمله مخلصاً لله ولرسوله وللامة) رتبة تراجعت عنها الأكفاء وأدرك (بذاته وصفاته وسماته ونسبه وصهره وأهله ونسله) غاية تطاولت اليها أعناق الأماني وشأواً تقطعت دونه المطامع.
فدبّت بذلك له عقارب الحسد في قلوب المنافقين
.
وسادت في منافسيه آكله الاكباد
فكشفوا لمناصبته وجوههم وقعدوا له في كل مرصد مرهفين للمكر به كل حيلة ناصبين للبغي عليه كل احبولة (والحاسد مغتاظ على من لا ذنب له)
.
تطوروا في كيده اطواراً مختلفة، نزعوا أيديهم من يده، قطعوا رحمه سلبوه سلطان ابن امه
هجروا السبب الذي أمروا بمودته، نقلوا البناء عن رص اساسه فبنوه في غير موضعه
تصغيراً منهم لعظيم منزلته واجماعاً على
________________________
منازعته أمراً هوله
.
ثم كان من الناكثين والقاسطين والمارقين ما ملأ الاجواء، وطبق الأرض والسماء وما اكتفوا حتى:
لعنوا أمير المومنين
|
|
كمثل اعلان الاقامة
|
وليتهم لم يتناولوا السنن المقدسة بتمزيق ما جاء منها تفصيله حيث حكموا - بغير دليل - على صيححها بالوضع، وعلى صريحها بالتأويل، وعلى رواتها بالرفض، وعلى اثباتها بالتضعيف، فشوهوا كثيراً من خصائصها الحسي؛ ومسخوا كيراً من أمثالها العليا. وحرفوا كثيراً منها عن مواضعه وصرفوا الكثير منها إلى غير اهله كما فصلناه في كتابنا «تحفة المحدثين» وكما يمثله أبو هريرة في حديثه هذا إذ يقول بعثني أبو بكر اذ يقول: بعثني أبو بكر في الحجة التي أمره عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قبل حجة الوداع بسنة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ان لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ثم أردف رسول الله بعلي بن أبي طالب فأذّن معنا يوم النحر الحديث.
كأن لم يكن لعلي بن أبي طالب في ذلك الموسم سوى انه اذن في معية أبى هريرة، ولا عجب من أبى هريرة في هذه الجرأة فانه كان يفتئت الأحاديث فيقتها ويرتجلها
مزخرفة مزوقة على ريق لم يبلعه ونفس لم يقطعه فيخرجها لرعاع الناس بالوشي الذي يحبه السواد الاعظم من العامة وتقتضيه السياسة الغاشمة وتوجبه دعايتها الكاذبة.
ألا تراه كيف حرف الحديث عن موضعه، وصرف الفضل فيه عن أهله متقرباً فيما حرف الى اولياء الأمور، ومتحبباً فيما صحف إلى سواد الجمهور
________________________
اختلق لهم ما يروقهم من تأمير أبى بكر الصديق.
وما أدرك ما فعل؟؟ انه اخرس بذلك ألسنة الثقات الاثبات عن معارضته. وألجم أفواههم ان تنبس في بيان الحقيقة ببنت شفة خوفاً من تألب العامة ورعاع الناس. واشفاقاً من نكال أولي الامر ووبالهم يومئذ؟ وما أدراك ما يومئذ؟!.
اراد أبو هريرة بحديثه هذا أن يجتاح المقام المحمود الذي رفع الله ورسوله يومئذ سمكه مقام أمير المؤمنين في ذلك الموسم إذ كان يرمي الى امرين.
(أحدها) ان المهمة التي جاء بها علي انما كان امرها بيد أبى بكر الصديق بسبب امارته على الحج وولايته العامة تلك السنة على الموسم وان أبا بكر لم يكتف بعلي في اداء المهمة حتى بعث أبا هريرة في رهط من امثاله الا قوياء الاشداء!! اهتماماً بأدائها.
(ثانيهما) أنه لم يكن لعلي في تلك المهمة اكثر مما كان لابى هريرة وسائر الرهط الذين بعثهم أبو بكر لانهم قاموا بأدائها كما قام علي معهم بذلك.
وحسبك في تزييف هذا ان الله تعالى لم ير أبا بكر نفسه أهلا لاداء هذه المهمة فارجعه عنها واوكلها الى احد كفئيها اللذين لا ثالث لهما اذ لم يكن لها ثمة سوى النبي والوصي كما سمعت النص عليه اذ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لابد ان اذهب بها أنا أو تذهب بها أنت قال علي فان كان ولابد فسأذهب بها أنا.
وقد روت الامة احاديث صحيحه صريحة في ذلك لا تزال تدوي فتملأ الخافقين.
على ان أبا هريرة كان قبل ان يتسخر لدعاية بني أمية يحدث عن هذه المهمة فلا يؤمر أبا بكر ولا يأتى على ذكره، وكان يضيف نفسه وسائر البعث الى علي، فيزعم انه انما كان في البعث الذي كان في ركابهعليهالسلام
؛ وقد مر عليك حديثه في هذا فراجع.
والنفس لاتطمئن شهد الله بكلا حديثيه ولا بكونه ممن نادى يوم النحر ولا بكونه ممن حضر الموسم، ولا بشئ مما يرويه مطلقاً والله على ما أقول وكيل.
(المبحث الخامس): في الاشارة الى ما جنته الدعاية السياسية على الآثار النبوية وما اختلفته دجاجيلها تزلفا اليها وما زوقوه ليشتروا به ثمناً قليلا وما افتأتوه من الاسانيد تثبيتاً لحديث حيمد عن أبى هريرة.
كان وضع الحديث على عهد معاوية حرفة منمقة يتجربها كل متزلف الى تلك الدولة وعمالها؛ وكان لأولئك المتزلفين المتجرين لباقة في تزويق تجاربهم وترويجها لا يشعرنها (على عهدهم) الا أولو البصائر النافذة، والاحلام الراسخة - وقليل ما هم - وكان من ورائهم من يرفع ذكرهم من الخاصة ويروج حديثهم من حفظة السنن المسأجرين، وحملة العلم المتزلفين ومن المرائين بالعبادة والتقشف كحميد بن عبد الرحمان ومحمد بن كعب القرظي وأمثالهما، ومن زعماء القبائل في الحواضر؛ وشيوخ العشائر في البوادي، وكان هؤلاء كلهم اذا سمعوا ما يحدث به اولئك الدجالون روجوه عند العامة، واذاعوه في رعاع الناس (من مسلمي الفتوحات بعد النبي) وخطبوا به على المنابر؛ واتخذوه حجة، واعتدوه أصلا من الأصول المتبعة، وكان الثقات الاثبات من سدنة الآثار النبوية لا يسعهم في ذلك العهد الا السكوت عن معارضة اولئك المتزلفين المؤيدين برعاية اولي الأمر وعناية أهل الحول والطول، فكان المساكين اذا سئلوا عما يحدث به اولئك الدجالون يخافون - من مبادهة العامة بغيرها عندهم - ان تقع فتنة عمياء بكماء صماء، ولاسيما اذا كان الحديث موضوعاً في فضل الصديق والفاروق، فكانوا يضطرون في الجواب الى اللواذ بالمعاريض من القول خوفاً من تألب اولئك المتزلفين ومروجيهم من الخاصة، وتألب من ينعق معهم من العامة ورعاع الناس، فضاعت بذلك حقائق؛ وحفظت أباطيل وكان هذا الباطل - أعني حديث حميد عن أبى هريرة - أوفرها حظاً من كل
عدو لأهل البيت، اختلفوا في سبيل تأيبده احاديث ترادفه في معناه فركبوها على اسانيد رفعوا أحدها إلى علي نفسه، ورفعوا الثاني الى ابن عمه وخريج حوزته عبد الله بن العباس، والثالث الى وليه وخصيصه جابر بن عبد الله الأنصاري، والرابع الى حفيده ووارث علمه الامام أبى جعفر الباقر، وهذه مكيدة اعتادها خصوم علي فاستمرت عليها سيرتهم في مكابرة أهل البيت، ونكاية اوليائهم من حيث لا تشعر عامة الناس، وجاء بعدهم قوم ممن جمعوا الاخبار على علاتها فاغتروا بهم، فاثبتوها فيما جمعوه وهم غافلون.
والآفة فيما أسندوه من هذا الباطل الى علي أبو زرعة وهب بن راشد، وكان مفرطأ في النصب، أخذ عداوة بني هاشم وبغض علي بالخصوص عن شيخه أبى يزيد يونس بن يزيد بن النجاد الأ بلى مولى معاوية ين أبى سفيان
.
وآفة فيما اسندوه الى ابن عباس أبو القاسم مقسم بن مجزاة كان لا يكتم عداوة أمير المؤمنين، وقد اغتر الحاكم به لظنه أنه من رجال البخاري فاخرج في: ٣/٥١ من مستدركه ما لفقه هذا الناصب (من امرة أبى بكر)عن ابن عباس مع ان مقسما احد الضعفاء الذين نص البخاري على ضعفهم في كتابه الذي افرده لهم، وقد ترجمه الذهبي في الميزان فنقل تضعيفه عن البخاري وعن ابن حزم» وترجمه ابن سعد في: ٥/٣٤٦ من طبقاته فقال: وكان كثير الحديث ضعيفاً.
(قلت): ولضعفه أعرض عنه الشيخان، فلم يرويا له شيئاً نعم روى
________________________
البخاري عن عبد الكريم بن مالك الجزري أنه سمع مقسما يقول: قال ابن عباس لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون الى بدر.
وقد اورد البخاري هذا التفسير عن ابن عباس بواسطة مقسم في موضعين من صحيحه احدهما في غزوة بدر
والثاني في تفسير سورة النساء
ولم يرو عن مقسم في جميع صحيحه سوى هذا التفسير، وانما رواه عنه مع جزمه بضعفه لاجماع الأمة على التسامح في امثال هذا التفسير إذ لم يشتمل على حكم شرعي، على انه لم يرفع الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
ليكون من السنن التي اشترط صحتها كما لا يخفى.
وآفة ما رفعوه الى جابر بن عبد الله الانصاري أبو صالح اسحاق بن نجيح الملطى، فانه رجل سوء خبيث مفرط في الكذب؛ جرئ على وضع الحديث ساقط باجماع أهل الجرح والتعديل، وقد ترجمه الذهبي في ميزانه: فأورد ما قاله الأئمة في خبثه وكذبه ودجله.
وآفة ما أسندوه من هذا الباطل الى الإمام أبى جعفر الباقرعليهالسلام
محمد بن اسحاق، اذ أورده في سيرته التي شحنها بأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان.
وعلى كلٍ: فالأمر سهل في هذه الأضاليل، لا نحطاطها بانحطاط طرقها عن درجة الاعتبار، ولركة متونها ومناقضتها للصحيح الثابت عمن اسندت اليهم بل لمناقضتها لما أوردناه في المبحث الثاني من حديث أبى بكر وعلي وابن عباس وابن عمر وسعد وأنس ولاتتفق مع سيرة النبي في بعوثهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فانه ما أمر على علي احداً مدة حياته بل كانت له الامرة، وكان حامل لوائه في كل زحف بخلاف غيره، فان أبا بكر وعمر ومن دونهما كانوا - حين لحق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالرفيق الاعلى - في بعث اسامة باجماع اهل الاخبار، وكانا في غزوة
________________________
ذات السلاسل في بعث عمرو بن العاص بالاتفاق، ولهما قضية في تلك الغزوة مع أميرها ابن العاص
.
اما علي فلم يكن طيلة حياة النبي تابعاً لغيرهصلىاللهعليهوآلهوسلم
الا ترى أنه لم يرسله في جيش اُسامة ولا في جيش ابن العاص، ولا في جيش أبى بكر وعمر حين بعثهما الى خيبر فلما رجعا وبعث علياً كانا كلاهما تحت لوائه حتى فتح الله عليه، ولما بعث خالد بن الوليد الى اليمن بجيش وبعث علياً اليها بجيش آخر عهد اليهما بأنه اذا التقيتما فعلي على الجيشين وان افترقتما فكل منكما على جيشه الحديث
.
وقد قال ابن عباس : ان لعلي اربعة خصال ليست لاحد.
هو اول عربي وعجمي صلى لله تعالى مع رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف الحديث
.
وقد مر عليك آنفاً قول الحسن البصري ما أقول فيمن خمع الخصال الاربع ائمتانه على ببراءة وما قال له رسول الله في غزوة تبوك الى ان قال وانه لم يؤمر عليه أمير قط وقد أمرت الاُمراء على غيره، وهذا القدرلا كاف لما اردناه في هذه العجالة، والحمد لله على الهداية والتوفيق.
١٩ - الملائكة تكلم عمر
أخرج البخاري
عن ابى هريرة مرفوعاً لقد كان فيمن كان قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلمون من غير ان يكونوا أنبياء فان يكن من أمتي منهم
________________________
أحمد فعمر أ هـ
.
وأخرج البخاري
عن أبى هريرة مرفوعاً أيضاً قال: انه كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وانه كان في أمتي هذه منهم فانه عمر بن الخطاب أ هـ.
حديث مفترى صاغه أبو هريرة من زخرف القول - بعد وفاة عمر بأعوام - فجاء مزوقاً منمقاً على ما تقتضيه سياسة الخاصة يومئذ مما تصفق له العامة طربا، فقد كان للخاصة من ساسة البغي الأموي مآرب ضد الوصي وآل النبي لا تتم على زعمهم إلا برفع أبى بكر وعمر إلى مستوى الأنبياء والمعصومين وكان غوغاء الأمة وسوادها مندفعين إلى ذلك كل الاندفاع بما فتح الله على المسلمين في أيام الخليفتين، فكان أبو هريرة يتزلف بهذا الحديث وأمثاله إلى كل من سائس الأمة ومسوسها، وبهذا نال الحظوة من الخاصة والمنزلة في نفوس العامة. ولو حدث بهذه الاحاديث على عهد عمر لأخذت درة الخليفة من ظهره مأخذها. لكن خلاله الجو على عهد معاوية فجاء بمرمات الاخبار.
وقد علم اولو الألباب أن من كان من الأمم الماضية مكلما أو محدثاً على سبيل الحقيقة او على سبيل المجاز فإنما هم المعصومون كانوا جميعاً بين نبي ووصي
________________________
نبي فا لنبي تحدثه الملائكة وتكلمه على سبيل الحقيقة. والوصي يلهمه الله الحق فيتجلى له كفلق الصبح لا يختلج فيه ريب حتى كأن ملكاً حدثه به عن الله عز وجل ولا محدث ولا مكلم في الحقيقة وإنما هو ما يلقيه الله تعالى في روعه من الصواب.
ولا كلام في أن عمر قد توغل الدرجات الرفيعة في الإسلام. وبلغ الأقدار الخطيرة في هذه الامة، لكنه لم يكن بنبي ولا بوصي ولا بمعصوم اجماعاً وقولا واحداً؛ فلا تكلمه الملائكة على سبيل الحقيقة، ولا تحدثه على سبيل المجاز، وإنما تحدث من كان في هذه الأمة بمنزلة هارون أو كان في أقل المراتب كيوشع أو شمعون.
على ان بوادر عمر - على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وبعده - لا تجتمع مع كونه محدثاً مطلقاً.
٢٠ - تركة النبي صدقة
أخرج الشيخان
با لاسناد الى أبى هريرة أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: لا يقتسم ورثني ديناراً ما تركت بعد نفقة نسائي؛ ومؤنة عاملي؛ فهو صدقة!.
هذا مضمون الحديث الذي انفرد ابو بكر بروايته عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
محتجاً به على عدم توريت الزهراء، أخرجه الشيخان وغيرهما بالاسناد الى عائشة اذ قالت
ان فاطمة بنت النبي ارسلت الى أبى بكر تسأله ميراثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقال أبو بكر: ان رسول الله قال: لا نورث ما تركنا
________________________
صدقة
قالت عائشة: فأبى أبو بكر أن يدفع منه شيئاً فوجدت فاطمة على أبى بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبيصلىاللهعليهوآله
ستة اشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا (بوصية منها)
ولم يؤذن بها أبا بكر الحديث وتراه صريحاً بوجدها وغضبها وهجرها حتى توفيتعليهاالسلام
.
نعم غضبت على أثاره
واستقلت غضباً
فلاثت خمارها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة في حفدتها ونساء قومها؛ تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة
ثم أنت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتج المجلس فأمهلتهم حتى سكن نشيجهم وهدأت فررتهم افتتحت الكلام بحمد الله عز وجل ثم انحدرت في خطبتها:
________________________
تعظ القوم في أتم خطاب
|
|
حكت المصطفى به وحكاها
|
فخشعت الأبصار، وبخعت النفوس، ولولا السياسة ضاربة يومئذ بحرانها لردت شوارد الأهواء، وقادت حرون الشهوات، لكنها السياسة توغل في غاياتها لا تلوى على شئ.
ومن وقف على خطبتها في ذلك اليوم
عرف ما كان بينها وبين القوم
حيث أقامت على ارثها آيات محكمات هن (من) ام الكتاب حججاً
________________________
لا ترد ولا تكابر.
فكان مما أدلت به يومئذ أن قالت: أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول (وورث سليمان داود) وقال فيما اقتص من خبر
________________________
زكريا:(
فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربى رضياً
)
وقال:(
واولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله
)
وقال:(
يوصيكم الله في أولادكم الذكر مثل حظ الانثيين
)
وقال:(
كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين
)
.
ثم قالت: أخصكم الله بآية أخرج بها أبي؟: أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! أم يقولون: أهل ملتين لا يتوارثان؟ الخطبة...
فانظر كيف اجتجت أولا على توريث الأنبياء بآيتي داود وزكريا الصريحتين بتوريثهما ولعمرى انهاعليهاالسلام
اعلم بمفاد القرآن ممن جاؤوا متأخرين عن تنزيله فصرفوا الارث هاهنا الى وراثة الحكمة والنبوة دون الأموال تقديماً للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي المتبادر منه بمجرد الاطلاق وهذا مما لايجوز؛ ولو صح هذا التكلف لعارضها به أبو بكر يومئذ أو غيره ممن كان في ذلك الحشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم
على ان هناك قرائن تعين وراثة الأموال كما أفاده سيدنا علم الهدى
________________________
في كتابه الشافي
.
واحتجت ثانياً على استحقافها الارث من أبيهاصلىاللهعليهوآلهوسلم
بعموم آيات المواريث وعموم آية الوصية منكرة عليهم تخصيص تلك العمومات بلا مخصص شرعي من كتاب أوسنة، وما اشد انكارها على وجود المخصص في الكتاب إذ قالت: اخصكم الله بآية أخرج بها أبي ثم قالت. ام أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فنفت بهذا الاستفهام التوبيخي وجود المخصص في السنة بل نفت وجوده مطلقاً، إذ لو كان ثمة مخصص لبينه لها النبي والوصي ويستحيل عليهما الجهل به لو كان في الواقع موجوداً ولا يجوز عليهما أن يهملا تبيينه لها لما في ذلك من التفريط في البلاغ والتسويف في الانذار والكتمان للحق والاغراء بالجهل والتعريض لطلب الباطل والتغرير بكرامتها والتهاون في صونها عن المجادلة والمجابهة والبغضاء والعداوة بغير حق وكل ذلك محال ممتنع على الانبياء واوصيائهمعليهمالسلام
.
وبالجملة: كان كلف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ببضعته الزهراء واشفاقه عليها فوق كلف
________________________
الآباء الرحيمة واشفاقهم على ابنائهم البررة يؤويها الى الوارف من ظلال رحمته ويفديها بنفسه
مسترسلا اليها بأنه، وكان يحرص بكل مالديه على تأديبها وتهذيبها وتعليمها وتكريمها حتى بلغ في ذلك كل غاية يزفها المعرفة بالله والعلم بشرائعه زقاً لا يألوا في ذلك جهداً ولا يدخر وسعاً حتى عرج بها إلى اوج كل فضل، ومستوى كل مكرمة فهل يمكن أن يكتم عليها أمراً يرجع إلى تكليفها الشرعي؟ حاشا لله وكيف يمكن أن يعرضها (بسبب الكتمان) لكل ما أصابها من بعده في سبيل الميراث بل يعرض الأمة للفتنة التي ترتبت على منع ارثها؟.
وما بال خليل النبوة، والمخصوص بالاخوة، يجهل حديث: نحن لا نورث (مع ما آتاه الله من العلم؛ والحكم، والسبق، والصهر؛ والقرابة والكرامة، والمنزلة، والخصيصة؛ والولاية، والوصاية، والنجوى) وما بال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يكتم ذلك عنه، وهو حافظ سره، وكاشف ضره، وباب مدينة علمه؛ وباب دار حكمته، واقضى أمته، وباب حطتها، وسفينة نجاتها وامانها من الاختلاف؟.. وما بال أبي الفضل العباس وهو صنو أبيه، وبقية السلف من أهليه، لم يسمع بذلك الحديث؟ وما بال الهاشميين كافة وهم عيبته وبيضته التي تفقأت عنه لم يبلغهم الحديث حتى فوجئوا به بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
؟. وما بال أمهات المؤمنين يجهلنه فيرسلن عثمان يسأل لهن ميراثهن من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
؟
وكيف يجوز على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أن يبين هذا الحكم لغير الوارث
________________________
ويدع بيانه للوارث؟ ما هكذا كانت سيرتهصلىاللهعليهوآلهوسلم
إذ يصدع بالأحكام فيبلغها عن الله عز وجل ولا هذا هو المعروف عنه في انذار عشيرته الاقربين، ولا مشبه لما كان يعاملهم به جميل الرعاية وجليل العناية.
بقى للطاهرة البتول كلمة استفزت بها حمية القوم؛ واستثارت حفائظهم بلغت بها ابعد الغايات، ألا وهي قولها: أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان تريد بهذا ان عمومات المواريث لا تتخصص بمثل ما زعمتم وإنما تتخصص بمثل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لا توارث بين أهل ملتين واذن فهل تقولون (إذ تمنعونني الارث من أبي): انى لست على ملته فتكونون (لو اثبتم خروجي من الملة) على حجة شرعية فيما تفعلون؟ فانا لله وانا اليه راجعون.
وبالجملة: أخفقت الزهراء يومئذ في طلبها بسبب هذا الحديث وقد انفرد الخليفة به فلم يروه على عهده احد سواه، وربما قيل بأنه قد رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان
.
نعم ذكروا أنه ترافع علي والعباس الى عمر أيام خلافته وكان عنده حينئذ عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد فقال لهم
هل تعلمون ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: لا نورث ما تركنا صدقة، فاضطر الرهط إلى التصديق، ولم يسعهم في تلك الظروف سوى الاذعان للخليفتين.
اما أبو هريرة فلم يكن تلك الايام في غيرها ولا نفيرها، ولا كان ممن يصغي اليهم أو يؤبه بهم وكان متهما في لهجته لا يجرأ مع وجود اولئك الاعلام على الحديث، ولا يرى في نفسه أهلية الانضواء الى من ينتصر الخليفة بروايته
________________________
لذلك لم ينبس في هذا الموضوع يومئذ ببنت شفة حتى ذهب معظم الصحابة وفتحت الامصار كالشام ومصر وافريقيا والعراق وفارس والهند وغيرها، واسلم اهلوها جميعاً، فدخل المسلمون في دور جديد قد نوه بنو أمية فيه باسم أبي هريرة، واشادوا بذكره، فاطلقوا عنه ربقة الخمول؛ وكسوه نضره بعد الذبول؛ فتسنى له حينئذ أن يقول ما شاء أن يقول، فكان هذا الحديث مما تزلف به إلى ساسة الامة وسوقتها، لما فيه من تأييد الخليفة المحبوب، تأييده لدى الرأي العام وجمهور المسلمين.
٢١ - أبو طالب أبى الشهادتين
قال أبو هريرة: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأفررت بها عينيك، فأنزل الله تعالى:(
إنك لا تهدي من احببت ولكن يهدي من يشاء
)
أ هـ.
وقال في مقام آخر: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لعمه عند الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى، قال: فانزل الله تعالى الحديث
.
ان أبا طالب رضوان الله وبركاته ورحمته عليه قضى في مكة سنة عشر للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين؛ وقيل بل قضى سنة تسع؛ وقيل سنة ثمان قبل قدوم أبى هريرة إلى الحجاز بعشر سنين في أقل ما يفرض فأين كان أبو هريرة عن النبي وعمهعليهالسلام
؟ وهما يتبادلان الكلام الذي ارسله عنهما كأنه رآهما بعينيه وسمع كلامهما بأذنيه؟ نعوذ بالله ممن لم يكن لدينه ولا لعقله على لسانه رقيب
________________________
ان هذا الحديث مما ارتجله المبطلون تزلفاً لأعداء آل أبى طالب، وعلمت الدولة الأموية في نشره أعمالها، وقد كفانا السلف الصالح من أعلامنا مؤنة الاهتمام بتزييفه وتلك مؤلفاتهم تثبت إيمانه بادلة لا تجحد، وحجج لا تكابر نحيل عليها من أراد الوقوف على الحقيقة
من شأن عم رسول اللة ومربيه وكافله وحاميه المنادي:
________________________
يا شاهد الله علي فاشهد
|
|
أني على دين النبي أحمد
|
ذي الأيادي التي هي من المسلمين طوق الهوادي، شيخ الأباطح وبيضة البلد:
لولاه ما شد أزر المسلمين ولا
|
|
عين الحنيفة سالت في مجاريها
|
آوي وحامي وساوي قيد طاقته
|
|
عن خير حاضرها طراً وباديها
|
ما كان ذاك الحفاظ المرأطة أر
|
|
حام وضرب عروق فارغاليها
|
بل للإله كما فاهت روائعه الـ
|
|
عصماء في كل شطر من قوافيها
|
ضاقت بما رحبت أم القرى برسو
|
|
ل الله من بعده واسود ضاحيها
|
فانصاع يدعو له بالخيرمبتهلا
|
|
بدعوة ليس بالمجبوه داعيها
|
لو لم تكن نفس عم المصطفى طهرت
|
|
ما فاه فوه بما فيه ينجيها
|
عاماً قضى عمه فيه وزوجته
|
|
قضاه بالحزن يبكيه ويبكيها
|
اعظم بايمان مبكي المصطفى سنة
|
|
أيامها البيض أدجى من لياليها
|
من صلبه انبثت الانوار قاطبة
|
|
فالمرتضى بدؤها والذخر تاليها
|
٢٢ - الانذار يوم الدار
أخرج الشيخان عن أبي هريرة
قال: قام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
حين
________________________
أنزل الله عليه:(
وانذر عشيرتك الأقربين
)
فقال: يا معشر قريش لا أغنى عنكم من الله شيئاً، يا بني عبدمناف لا أغنى من الله شيئاً، يا عباس لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية لا أغنى عنك من الله شيئاً، يافاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً.
(قلت): هذه الآية إنما نزلت في مبدأ البعثة قبل الاسلام بمكة حيث كان أبو هريرة في اليمن، وإنما كان قدومه إلى الحجاز، واسلامه بعد نزولها بعشرين سنة تقريباً، وقد بتر أبو هريرة هذا الحديث وحرفه عن مواضعه جرياً على مقتضيات السياسة السفيانية وموجبات دعايتها ضد الوصي وسائر آل النبي فانهصلىاللهعليهوآلهوسلم
جمع عشيرته الأقربين يوم نزول الآية وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباسرضياللهعنهم
، وأبو لهب تبت يداه. فدعاهم الى الله عز وجل وكان مما قاله يومئذ لهم: فأيكم يوازرني على أمري هذا على ان يكون أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي؟ فقال عليّ وهو إذ ذاك أصغرهم: أنا يانبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
حينئذ برقبته فقال: ان هذا اخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا الحديث
.
________________________
٢٣ - لعب الحبشة في المسجد عند النبيصلىاللهعليهوآله
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: بنا الحبشة يلعبون في المسجد عند النبيصلىاللهعليهوآله
بحرابهم دخل عمر فأهوى الى الحصى فحصبهم بها فقال النبيصلىاللهعليهوآله
دعهم يا عمر الحديث
.
«قلت»: ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله
أبعد عن اللعب، وأرفع عن العبث وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالا إلى اللهو في المسجد بمحضر منه، وأن أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الأخروية والدنيوية لا تتسع للهو منها شيء، وحاشا لله أن يشغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا».
٢٤ - النسخ قبل حضور وقت العمل
أخرج البخاري
عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله في بعث فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار (قال): ثم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لنا حين أردنا الخروج أني امرتكم ان تحرقوا فلاناً وفلاناً وان النار لا يعذب بها إلا الله تعالى فان وجدتموهما فاقتلوهما أ هـ.
(قلت): هذا الحديث باطل، لاشتماله على النسخ قبل حضور وقت العمل وذلك محال على الله تعالى وعلى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كما هو مقرر في محله فان رسول الله حين قال: احرقوا فلاناً وفلاناً فانما قال ذلك عن الله عز وجل:(
وما
________________________
ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى
)
فكيف يمكن نسخ هذا القول قبل حضور وقت العمل به أليس نسخه والحال هذه مستلزماً للجهل؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
٢٥ - ايقاع الفعل في وقت لا يسعه
أخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال: خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج، الحديث
.
(قلت): هذا محال من وجهين:
أحدهما: ان القرآن انما انزل على خاتم الانبياء والمرسلين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقبله لم يكن، فكيف يقرؤه داودعليهالسلام
.
أجابوا بأن المراد بالقرآن هنا إنما هو الزبور والتوراة وانه إنما سماه قرآنا لوقوع المعجزة بهما كوقوعها بالقرآن فيكون المراد به مصدر القراءة لا القرآن المنزل على محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
قلت: في هذه الجواب نظر، إذ حملوا فيه كلام أبي هريرة على ما لم يقصده والله أعلم.
ثانيهما: ان مدة اسراج الدابة لتضيق عن قراءة القرآن، سواء أريد به المنزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أم أريد به الزبور والتوارة، ومن المقرر بحكم الضرورة العقلية امتناع وقوع الفعل في وقت لا يسعه، وهذا مما لا سبيل الى التشكيك فيه أبداً.
________________________
واذن لا يؤبه بما ذكره العلامة القسطلاني في هذا المقام من ارشاد ساري إذ قال
وقد دل هذا الحديث على ان الله تعالى يطوي الزمان لمن شاء من عباده كما يطوي المكان لهم (قال): قال النووي إن بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل واربعاً بالنهار، ولقد رأيت أبا الطاهر بالقدس الشريف سنة سبع وستين وثمان مائة وسمعت عنه إذ ذاك أنه كان يقرأ فيهما أكثر من عشر ختمات بل قال لي شيخ الاسلام البرهان ين أبي الشريف أدام الله النفع بعلومه عنه أنه كان يقرأ خمس عشرة ختمة في اليوم والليلة (قال): وهذا باب لا سبيل إلى ادراكه إلاّ بالفيض الرباني انتهى بلفظه.
(قلت): بل لا سبيل إلى امكانه إلا اذا امكن وضع الدنيا على سعتها في البيضة على ضيقها.
وأولو الألباب يعلمون ان طي الزمان وطي المكان كليهما مما لا حقيقة له، ولو فرض وقوعهما فلا وجه لطي الزمان هنا اذ بطيه يزداد الاشكال.
نعم لو قال بطي الكلام في هذا المقام لكان أنسب لمراده وان كان باطلا.
ولا يمكن أن يكون ما نقله في هذا الحديث عن داود معجزة لهعليهالسلام
لأن معجزات الانبياء خوارق للعادة وهذا خارق للعقل كما لا يخفي.
٢٦ - امة مسخت فأراً
أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً
قال: فقدت امة من بني
________________________
اسرائيل لا تدري ما فعلت وإني لا أراها الا الفأر إذا وضع لها البان الابل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاة شربت
الحديث.
(قلت): هذا من السخافة بمثابة ترباً عنها الامة الوكعاء إلا أن تكون مدخولة العقل؛ لكن الشيخين يلبسان هذا المخرف على غثيثته
ويحتجان به على سخافته ولو أن هذا لا يعود على الاسلام بوصمة لقلدناه حبله لكنها السنة المعصومة يجب الذود عن حياضها بكل ما أوتي المسلم من قوة علمية وعملية، فان هذه الخرافات من اعظم ما مني به الاسلام من الآفات فانا لله وانا اليه راجعون.
٢٧ - المكروه عليه فاعتذر بسماعه من الفضل
أخرج مسلم من طريق عبد الملك بن ابي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر قال: سمعت ابا هريرة يقص في قصصه
: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحرث لأبيه
فأنكر ذلك فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة فسأله عبد الرحمن عن ذلك قال: فكلتاهما قالت كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يصبح جنباً غير حلم
ثم
________________________
يصوم قال فانطلقنا حتى دخلنا على مروان وهو والي المدينة من قبل معاوية فذكر ذلك له عبد الرحمن فقال مروان: عزمت عليك الا ما ذهبت الى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول
قال فجئنا أبا هريرة فذكر عبد الرحمن له ذلك فقال أبو هريرة أهما قالتا لك؟ قال: نعم، قال هما اعلم؛ ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك الى الفضل بن العباس فقال: سمعت ذلك من الفضل ولم اسمعه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول الحديث.
.
قلت: من المعلوم ان الفضل بن العباس قد توفي على عهد أبي بكر
وهذه القضية انما كانت على عهد معاوية
وبهذا تسنى لأبي هريرة أن يقول سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولو كان الفضل حياً ما اجترأ عليه.
٢٨ - حديثان متناقضان
أخرج البخاري
من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً لا
________________________
عدوى ولا صفر
ولا هامة
قال فقال اعرابي يا رسول الله فما بال الابل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فمن اعدى الأول؟.
أورد البخاري هذا الحديث ثم روى بعده بلا فصل عن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة فيما بعد يحدث فيقول قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لا يوردن ممرض على مصح فقال أبو سلمة يا أبا هريرة ألم تحدث أنه لا عدوى قال فانكر حديثه الأول
ورطن بالحبشية
.
(قلت): هذا شأن من لا تتسابر خيلاه
وكفى بهذا بلاغاً للناس:(
ولينذروا به وليذكّر اولو الألباب
)
.
٢٩ - مولودان يتكلمان بالمغيبات
أخرج الشيخان
عن أبي هريرة مرفوعاً من حديث قال فيه: وكان
________________________
في بني اسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال أجيبها أو أصلي؟ فقالت امه أللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات (قال وكان جريج في صومعته) فتعرضت له امرأة فأبى فأتت راعياً فأمكنته من نفسها فولدت غلاماً فقالت من جريج فاتوه فكسروا صومعته وانزلوه وسبوه فتوضأ!
وصلى ثم اتى الغلام فقال من أبوك يا غلام؟ فقال (الغلام ان أبى لهو) الراعي! قالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا إلا من طين (قال أبو هريرة) وكانت امرأة ترضع ابنا لها من بني اسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة. فقالت: أللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها واقبل على الراكب فقال: أللهم لا تجعلني مثله! ثم اقبل على ثديها يمصه قال (أبو هريرة) كأني انظر الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يمص اصبعه! ثم مرت أم الغلام بأمة فقالت أللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك الغلام ثدي أمه فقال أللهم اجعلني مثلها! فقالت له أمه لم ذاك؟ فقال لها: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمة يقول لها الناس سرقت زينب ولم تفعل! أ هـ.
(قلت): لم يكن جريج من الأنبياء، وكذلك هذان الطفلان، فلا يمكن أن تصدر على ايديهم خوارق العادات، فان الخوارق انما تكون من النبيين في مقام تعجيز البشر اثباتاً لنبوتهم كما هو مقرر في محله وكلام هذين المولودين واخبارهما بالمغيبات مما تأباه فطرة الله:(
التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون
)
.
٣٠ - توكيله بحفظ زكاة الفطرة ومجئ الشيطان في ثلاث ليالي ليسرق منها
أخرج البخاري بسنده
الى ابي هريرة قال: وكلني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
________________________
بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك الى رسول الله قال أني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة؛ قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يا أبا هريرة ما فعل اسيرك البارحة؟ فقلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته قخليت سبيله؛ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
اما انه قد كذبك وسيعود قال فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك الى رسول الله قال: دعني فاني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله؛ فأصبحث فقال لي رسول الله: يا أبا هريرة ما فعل اسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله شكاً حاجة شديدة وعيالا فرحمته! فخليت سبيله! قال:صلىاللهعليهوآله
اما أنه قد كذبك وسيعود، قال: فرصدته الثلاثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك الى رسول الله قال: دعني اعلمك كلمات ينفعك الله بها اذا آويت الى فراشك فاقرأ آية الكرسي فانك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح! فخليت سبيله فلما أصبحت قال لي رسول الله ما فعل أسيرك البارحة؟ فحكيت له القصة فقال أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت لا قالصلىاللهعليهوآله
ذلك شيطان! أ هـ.
(أقول): هذه خرافة لا يصغى اليها الا من رك عقله، وطفئت شعلة ذهنه، تدهور أبو هريرة بها في مهواة سحيقة فان رحمة هذا السارق فرع تصديقه وفي تصديقه تكذيب لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: أما انه قد كذبك، يكرر ذلك ثلاث مرات.
وكبا أبو هريرة في هذا الحديث ليديه وفمه من جهة أخرى: اذ حلف بالله ليرفعنه الى رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
فحنث ولم يرفعه بل خلى عنه ورحمه أولا وثانياً وثالثاً، فهل كان الحنث بالإيمان على رأي أبي هريرة مباحاً؟.
وهناك سقطة ثالثة وعثرة لا تقال اذ لم يكن أبو هريرة وكيلا بالعطاء
وانما كان - فيما زعم - وكيلا يحفظ الزكاة
فكيف ترك هذا االسارق يأخذ منها؟! وهل يجوز للوكيل بحفظ الشئ أن يتسامح في حفظه أولا وثانياً وثالثاُ؟ وهل هذا التسامح من الأمانة في شئ؟!.
وما أغرب ما يحدثنا به أبو هريرة عن شياطينه - وكل ما انفرد به أبو هريرة غريب - تارة يزعم أنهم يسرقون الطعام لعيالهم وأخرى ان لهم ضراطاً اذا سمعوا الأذان، وثالثة أنهم يربطون بسارية المسجد فتراهم الناس موثوقين؛ الى غير ذلك من القصص التي يربأ أولو العقول الوافرة، والأذهان النيرة عن سماعها، نعوذ بالله من سبات العقل، وضعف التميز.
٣١ - اسلام امه بدعاء النبي، ودعاؤهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بأن يحببهما إلى المؤمنين ويحبب المؤمنين اليهما
أخرج مسلم
بسنده إلى أبي هريرة قال: كنت ادعو أمي إلى الاسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فاسمعتني في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ما أكره فأتيت رسول الله وانا ابكي قلت يا رسول الله اسمعتني امي فيك ما اكره فادع الله أن يهديها
________________________
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
أللهم اهد ام أبي هريرة فخرجت مستبشراً فلما بلغت الباب فاذا هو مجاف
فسمعت ام وطء قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال فرجعت الى رسول الله وأنا أبكي من الفرح فقلت يا رسول الله ابشر قد استجاب الله دعوتك فهدى أم أبي هريرة فحمد الله واثنى عليه وقال خيراً قال قلت يا رسول الله ادع الله ان يحببني انا وأمي الى عباده المؤمنين ويحببهم الينا قال: فقال ررسول الله أللهم حبب عبيدك هذا وامه الى عبادك المؤمنين وحبب اليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولايراني الا احبني أ هـ.
(قلت): في هذا الحديث نظر من وجوه:
أحدها أنه لم يروه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
سوى أبي هريرة فهو اذن معطوف على سائر ما انفرد به.
ثانيها: أنه اذا كانت امه على الحال التي ذكرها من الاصرار على الشرك والامعان في الكفرتأبى الاسلام وتنال من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
اذا دعيت اليه فبأي أمل هاجرت من اليمن وهي مسقط رأسها ومحل انسها الى المدينة الطيبة وهي دار هجرة النبي ومحل نصرتهصلىاللهعليهوآلهوسلم
؟ وهلا بقيت - وحالها هذه - في أوطانها عاكفة على أوثانها؟ اسوة بأهل اليمن في ذلك الزمن فماذا يقول اولياء أبي هريرة في الجواب عن هذا؟ وليخيروني هل لديهم عن أم أبي هرير شئ يسند الى غير ابي هريرة من هجرتها واسلامها وسائر شؤونها فان كان لديهم شئ من ذلك فليرشدونا اليه فاني كما يشهد الله لم اجد فيمن كانت له صحبة أحداً ذكر أم أبي هريرة بشئ ما سوى الخليفة الثاني حين عزل ابا هريرة عن البحرين فقال له ما رجعت بك أميمة الا لرعية الحمر وهذا لا يدل على اكثر من معرفة اسمها
________________________
اما أصحاب المعاجم والتراجم فقد يذكرونها معتمدين فيما ينقلونه من احولها على أبي هريرة لا غير كما لا يخفى.
ثالثها: ان أبا هريرة كان من اشد مساكين الصفة فاقة وفقراً يلتمس في الطريق صدقة تمسك رمقه كما مر عليك في أحواله على عهد النبوة وقد سمعت ثمة قوله رأيتني واني لأخر فيما بين منبر رسول الله الى حجرة عائشة مغشياً علي فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى اني مجنون وما بي من جنون ما بي الا الجوع، وسمعت اعترافه بأنه وسائر أهل الصفة كانوا ضيوف الاسلام لا يأوون الى احد ولا على أحد اذ لم تكن لهم منازل يأوون اليها فكانوا ينامون في المسجد ويظلون فيه وكانت صفة المسجد مثواهم ليلا ونهاراً وأبو هريرة كان اشهر من سكن الصفة واستوطنها طول عمر النبي ولم ينقل عنها حتى مضىصلىاللهعليهوآلهوسلم
لسبيله كما سمعت مفصلا بل كان عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين، فمن أين له البيت الذي ذكره في حديثه هذا يا أولي الألباب؟.
رابعها: لو صح ما قاله ابو هريرة في هذا الحديث لكان من اعلام النبوة وآيات الاسلام وادلة أهل الحق حيث استجاب الله دعاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
على سبيل الفور فهدى الله به أم أبي هريرة وقلب حقيقتها فانها بينا كانت تمعن في الكفر وتسترسل في الضلال اذا هي من المؤمنات القانتات المؤدبات بالآداب الشرعية
واعلام النبوة كلها متواترة يحدث بها كبار الصحابة وصغارهم فما بالهم يعرضون عن هذه الآية فلم يروها منهم سوى أبي هريرة لو كانت صحيحة.
خامسها: لو صح ما زعمه أبو هريرة من دعاء النبي له ولأمه بأن يحببهما إلى المؤمنين ويحبب المؤمنين اليهما لأحبه أهل بيت النبوة وموضع الرسالة فانهم سادة المؤمنين وقادة أهل الملة والدين فما بال أئمتهم الاثنى عشر وسائر علمائهم
________________________
يرذلونه ويسقطون حديثه؟ ولا يأبهون بشئ مما انفرد به حتى قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ألا إن أكذب الناس أو قال: أكذب الاحياء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لأبو هريرة الدوسي.
ولو كان أبو هريرة في حبّ المؤمنين اياه وحبه اياهم كما زعم لما قال له عمر حين عزله عن البحرين
: يا عدو الله وعدو كتابه سرقت مال الله الخ. فكيف يكون عدو الله كتابه محباً للمؤمنين كافة ومحبوبا منهم جميعاً؟ وقد ضربه عمر على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بين ثدييه
ضربة خر بها لأسته ، وضربه بالدرة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
حتى أدمى ظهره وانتزع منه عشرة آلاف سرقها من مال المسلمين فأرجعها إلى بيت المال، وضربه مرة ثالثة حين قال له
: أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقال له مرة متغيظاً لتتركن الحديث أولألحقنك بأرض دوس أو بأرض القردة
.
وهناك نوادر كانت بينه وبين كل من عبد الله بن عباس وعائشة وغيرهما لا تجتمع مع تبادل المحبة بينه وبينهم أبداً.
نعم كانت المحبة متبادلة في آخر أمره بينه وبين آل أبي العاص وآل أبي معيط وآل أبي سفيان؛ حببه اليهم حديثه إذ وجدوا فيه ضالتهم المنشودة
________________________
لدعايتهم الكاذبة وحببهم اليه سوابغ نعمهم عليه إذ أنعشوه بعد الخمول وأنالوه النضرة بعد الذبول، كان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة
كلما غاب عنها، وهو الذي زوجه بسرة بنت غزوان
وما كان ليرمقها بطرفه لولا آل بي العاص وآل أبي سفيان، لما مرض مرض الموت كان مروان يبره ويصله وكان مشفقاً عليه فكان يدعو له بالشفاء حين يعوده وقد عاده في آخر أيام حياته فلما انصرف عنه أدركه إنسان فقال له
: قضى أبو هريرة، وحين حمل نعشه كان مروان أمام الجنازة
وكان أبناء عثمان يحملون النعش حتى بلغوا به البقيع فصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ونعاه إلى عمه معاوية فأمره أن يدفع إلى ورثته عشرة آلاف وان يحسن جوارهم، وهذه صورة تريك عطفهم عليه، ومزيد إحسانهم اليه، وتلمسك انقطاعه اليهم وعكوفه عليهم فهل كانوا في اصطلاح أبي هرير هم المؤمنين؟ الذين حببهم الله اليه، وحببه اليهم؟.
٣٢ - غلام أبي هريرة في هجرته !!!
أخرج البخاري
بسنده إلى أبي هريرة، قال: لما قدمت على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
قلت في الطريق:
ياليلة من طولها وعنائها
|
|
على أنها من دارة الكفر نجت
|
قال: وابق غلام لي في الطريق فلما قدمت على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فبايعته فبينا
________________________
أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي: يا أبا هريرة هذا غلامك قلت هو لوجه الله فاعتقته أ هـ.
ان أبا هريرة ليحير الحواس، ويدهش مشاعر الناس بينا يقول نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لفلان وفلانة بطعام بطني أسوق بهم إذا ركبوا وأخدمهم اذا نزلوا؛ اذا هو يدعي انه يوم هجرته كان يملك غلاما فاعتقه لوجه الله؛ والظاهر أنه انما حدث بهذا في اواخر حياته حين كان مغموراً بنعمة مروان وآل أبي سفيان، فنسي حاله يوم الهجرة وقبلها وبعدها، حيث كان طاوياً خاوياً كاسفاً خاسفاً تئط امعاؤه وتنق أحشاؤه، مطروحاً عالى الطريق يعتمد على كبده من الجوع، ملتمساً صدقة من المارة تمسك رمقه، كما أفصح عنه اذ قال: والله الذي لا اله الاهو ان كنت لأعتمد على كبدي من الجوع وان كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع - الحديث - وقد مر عليك وفيه قعوده على الطريق يلتمس الصدقة، وقد قال في حديث آخر: رأيتني وأني لأخر فيما بين منبر رسول الله الة حجرة عائشة مغشياً علي، فيجيئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويري أني مجنون ومابي من جنون مابي الا الجوع الى كثير من كلماته الصريحة بأنه كان ممن لا يمضه الهوان ، ولا يؤلمه الامتهان، وان غاية ما يرجوه شبعة من طعام فمن أين له الغلام؟ وحاله هذه يا اولي الألباب؟:.
ولو قلنا لأبي هريرة: كيف عرفه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بمجرد أن طلع لأحرجنا مقامه إذ لم تكن لهصلىاللهعليهوآلهوسلم
معرفة به سابقة، ولعل لأبي هريرة جلالة تستوجب الوحي إلى النبي في شأنه وشأن غلامه ؟!.
٣٣ - قصة خيالية ترمي الى حسن عواقب الصدقة
أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً، قال بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه كله
في تلك الحديقة واذا رجل قائم في الحديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمعه في الصحابة فقال له: لم تسألني عن اسمي؛ قال: اني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول له: اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال: أما اذا قلب هذا فاني انظر الى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، الحديث
.
وهذا مما تحكم العادة بامتناع وقوعه وتأباه نواميس الفطرة التي فطرت الأكوان عليها، لكن أبا هريرة أفتأته كرواية خيالية ترمي الى حسن عواقب الصدقة، وتقوله على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كما هي عادته في قصصه الخيالية وغيرها فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
٣٤ - خيالية اخرى ترمي الى حسن عواقب الوفاء بالشرط
أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: أنه ذكر رجلا من بني اسرائيل سأل بعض بني اسرائيل أن يسلفه الف دينار فقال: ائتني بالشهداء اشهدهم فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فأتني بالكفيل. قال: كفى باللة كفيلا، قال: صدقت. فدفعها اليه الى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم النمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً فأخذ خشبة فنقرها فادخل فيها الف دينار وصحيفة منه الى صاحبه، ثم زجج موضعها ثم أتى بها الى البحر، فقال: اللهم انك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً الف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت كفى بالله شهيداً فرضي بك؛ وأني اجهد أن أجهد مركباً ابعث اليه الذي له فلم اقدر واني استودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم أنصرف فخرج الرجل الذي
________________________
كان اسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله؛ فاذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحيفة - الحديث
- وهو في البعد الى حد السقوط عن درجة الاعتبار.
على ان القاء الف دينار في البحر مما لا يبيحه شرع ولا عقل ولا يستوجب براءة ذمة المدين لو لم يصل المال اليه والعقلاء يعدون هذا العمل منه سفهاً او جنوناً يستوجبان التحجير عليه، ولو فرض وقوع هذا الأمر في بني اسرائيل او غيرهم فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لا يحدث به حتى يعلق عليه كلمة تستوجب عدم العمل على مقتضاه؛ اذ لو حدث به من غير تعليق عليه - كما في الحديث - لأغرى به المؤمنين من امته وذلك محال عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لكن أبا هريرة صاغه كما تصاغ الروايات الخيالية؛ ومرماه الارتباط بالشرط، والوفاء بالعقد، ثم تقوله على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ترويجا لبضاعته.
٣٥ - خيالية ثالثة ترمي الى عواقب شكر النعم وعواقب كفرها
اخرج البخاري
عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ان ثلاثة من بني اسرائيل ابرص واقرع واعمى بدا لله عز وجل ان يبتليهم
فبعث اليهم ملكا
________________________
فأتى الأبرص فقال: أي شئ أحب اليك؟ قال: لون حسن وجلد قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه فاعطى لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال احب اليك؟ قال: الابل، فاعطى ناقة عشراء فقال: يبارك لك فيها.
وأتى الأفرع فقال: أي شئ احب اليك؟ قال: شعر حسن وقد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب واعطى شعراً حسناً، قال: فأي المال احب اليك؟ قال: البقر فاعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها.
وأتى الأعمى فقال: أي شئ احب اليك؟ قال: يرد الله إلي بصري قال: فمسحه فرد الله اليه بصره، قال: فاي المال احب اليك؟ قال الغنم، فاعطاه الله شاة والداً فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من ابل ولهذا واد من بقر ولهذا واد من الغنم.
ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته - التي كان الابرص أولا عليها - فقال له: رجل مسكين تقطعت بي الجبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، اسألك بالذي اعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً اتبلغ عليه في سفري، فقال له: ان الحقوق كثيرة؛ فقال له: كأني اعرفك الم تكن ابرص يقذرك الناس فقيراً؟ فاعطاك الله. فقال: ورثت كابراً عن كابر، فقال: ان كنت كاذباً فصيرك الله الى ما كنت.
واتى الاقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا؛ فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: ان كنت كاذباً فصيرك الله الى ما كنت.
واتى الاعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل تقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك، اسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة اتبلغ بها في سفري؛ فقال: كنت اعمى فرد الله بصري وفقيراً فاغناني فخذ ما شئت فو الله لا اجهدك اليوم بشئ اخذته لله فقال أمسك مالك فانما ابتليتهم فيد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.
(قلت): هذا الحديث من منسوجات أبي هريرة وقد رقشه ووشاه فكان كأحدث رواية خيالية يمثلها المزخرفون على مسارحهم في عصرنا الحاضر يرمي بها الى عاقبتي شكر النعمة والكفر بها.
٣٦ - خيالية رابعة ترمي الى سوء عاقبة الظلم
أخرج الشيخان بسندهما إلى أبي هريرة
مرفوعاً قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض أ هـ.
وهذا الحديث مما انكرته عائشة على أبي هريرة فكان مما قالت له إذ بلغها: إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة فاذا حدثت عن رسول الله فانظر كيف تحدث
.
(قلت): وهذا من رواياته الخيالية يرمي فيه الى سوء عواقب الظلم والعدوان.
٣٧ - خيالية خامسة ترمي الى حسن عواقب الرحمة
أخرج البخاري عن أبي هريرة
يرفعه قال: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث (قال) وكاد يقتله العطش فنزعت خفها واوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فشرب ففغر لها بذلك.
________________________
٣٨ - رواية خيالية هدفها هدف سابقتها
وأخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال: بينما رجل يمشي في طريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فاذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش! قال فنزل الرجل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له وغفر له بذلك - الحديث
-.
وقد تعلم أن هذا الحديث والذي قبله إنما هما من مخيلة أبي هريرة يمثل بهما حسن عواقب العطف والحنان ويحض بهما على البر والاحسان.
٣٩ - مسرف كافر غفر له
أخرج مسلم عن معمر قال: قال لي الزهري: ألا أحدثك بحديثين عجيبين
؟! اخبرني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي قال: أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت اوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فو الله لئن قدر عليّ ربي
ليعذبني عذابا ما عذب به أحداً ففعلوا ذلك به فقال الله للارض أدي ما اخذت فاذا هو قائم فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: مخافتك يارب ففغر له بذلك، قال الزهري: وحدثني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي اطعمتها
________________________
ولا هي ارسلتها تأكل من خشاش الأرض - الحديث -
.
(قلت): أما المرأة ذات الهرة فان كانت مؤمنة كانت - كما قالت عائشة. اكرم على الله من يعذبها في النار بهرة، وان كانت كافرة فانما تعذب بكفرها.
وأما ذلك المسرف فانه - على ما يقتضيه الحديث - لم يكن أهلا للمغفرة إذ لم يكتف بتمرده على الله تعالى طيلة حياته وتجاوزه الحد في موبقاته حتى مات مصراً على تمرده يائساً من روح الله فاراً من سلطانه الى حيث لا تناله - على زعمه - قدرة الله عز سلطانه التي احاطت بكل شئ ولذلك اوصى تلك الوصية البربرية فهو كافر بيأسه من رحمة الله وانكاره لقدرة الله عز وجل والكافر لا يستحق المغفرة، ولا هو لها اجماعا وقولا واحداً.
على أن اسلوب هذا الحديث انما هو اسلوب حكاية خيالية ترمي إلى عدم اليأس من رحمة الله ولو مع الاسراف وإلى عدم الأمن من عذاب الله ولو مع الايمان، وهاتان الحقيقتان في غنى عن روايات أبي هريرة وخيالاته لثبوتهما بنص الذكر الحكيم والفرقان العظيم:(
ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون
)
فالسنن المقدسة تبرأ أنوار اساليبها من هذا الحديث واسلوبه كما لا يخفى.
وايضاً لو فرض وقوع تلك الوصية من ذلك المسرف وفرض انها بمجردها كانت سبباً لمغفرة ذنوبه فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لا يمكن أن يحدث بها حتى يعلق عليها كلمة تحضرها إذ لو حدث بها من غير تعليق - كما نقله أبو هريرة - لأغرى بها المسرفين من امته وهذا محال كما لا يخفى.
________________________
٤٠ - مذنب يتوب إلى الله ثم يؤوب الى ذنوبه يكرر ذلك فيقول الله له: إعمل ماشئت فقد غفرت لك
قال أبو هريرة: أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال الله تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنباً فعلم ان له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قال: ثم عاد فأذنب؛ فقال: أي رب غفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي اذنب ذنباً فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فاذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنباً فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك! الحديث
.
(قلت): وهذا كسابقه معناً ومرمىً واسلوباً نسجته يدا أبي هريرة من غزل مخيلته كحكاية العجائز والقصاصين يرمي به الى سعة مغفرة الله عز وجل وسعة مغفرة الله ورحمته في غنى عن الروايات الخيالية لثبوتها يحكم العقل والنقل كتابا وسنة ولاجماع الأمة عليها بل اجماع أهل الاديان كافة بل هي من ضروريات الاسلام وغيره من سائر الاديان.
وأنت تعلم ان ليس بين الله عز وجل وبين احد من خلقه هوادة في حمى حرّمه على العالمين، ألا تراه كيف يقول عز من قائل:(
لو تقول علينا بعض الأقاويل لاخذنا منه بالميين ثم لقطعناه منه الوتين وما منكم من أحدعنه حاجزين
)
فكيف يمكن بعدها ان يحابي هذا المذنب الراجع عن توبته مراراً فيقول له: اعمل ما شئت فقد غفرت لك، وبأي شئ استحق هذا الضعيف في ذات الله ان ينال هذه الهوادة التي ما نالها الصديقون والأنبياء والمرسلون.
________________________
وكم لأبي هريرة من هذه القصص الخيالية يحدث بها الطغاة يهويناً لجرائمهم وتعزية لهم عن موبقاتهم كقوله سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يقول: حضر ملك الموت رجلا يموت فلم يجد فيه خيراً وشق عن قلبه فلم يجد فيه شيئاً ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقاً بفكه بقول لا إله إلا الله فغفر الله له - الحديث
.
ومن سخافات هذا الرجل قوله: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف فلما قام رسول الله صلى عليه واله وسلم في مصلاه ذكر انه جنب الحديث
.
نبرأ الى الله منه وممن يجيزه على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
الذي كان في جميع اوقاته على طهور وكان الوضوء على الوضوء عنده نوراً على نور وانبياء الله كافة منزهون عن مضمونه معصومون عما هو دونه مما لا يليق بالصديقين وصالحي المؤمنين.
ومنها: حديثه
في النهي عن تفضيل النبي على موسى وحديثه
في أن من قال ان رسول الله خير من يونس بن متى فقد كذب.
وقد اجمعت الامة على تفضيله، وثبت ذلك بالنصوص الصريحة الصحيحة وقامت عليه الضرورة من دين الاسلام.
________________________
وحديثه
بأنه لن يدخل احداً عمله الجنة «قال» قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؟.
يضرب بهذا الحديث عرض الحائط لمخالفته كتاب الله عز وجل في كثير من آياته، وحسبك منها:(
ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا
)
.
وحديثه
في أنه ما بعث نبي الا ورعى الغنم وهذا في البعد الى حد السقوط.
ومثله حديثه
في ان براهيمعليهالسلام
قد اختتن بالقدوم
بعد ثمانين سنة من عمره.
وحديثه
في ان عيسى بن مريمعليهماالسلام
رأى رجلا يسرق فقال له: أسرقت؟ فقال: كلا؟ والذي لا آله الا هو، فصدقه وكذب عينيه.
وحديثه: اذ خلق الله آدم فمسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة امثال الذر ثم جعل بين عيني كلّ انسان منهم وبيعاً «أي بريقاً» من نور ثم عرضهم على آدم فقال آدم من هؤلاء يارب؟ قال: ذريتك فرأى آدم رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا؟ قال هذا ابنك داود، قال آدم: كم جعلت له من العمر؟ قال ستين سنة، قال: يارب
________________________
زده من عمري اربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة، فقال الله عز وجل اذن يكتب ويختم فلا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت لقبض روحه قال آدم: أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال له ملك الموت أو لم تجعلها لابنك داود؟ قال: فجحد فجحدت ذريته! - الحديث -
.
ومثله حديثه
عن آدم وموسى حيث مثلهما يتحاجان على كيفية تدل على انهما كانا من القدرية الجبرية، وقد ظهر فيها آدم على موسى فحجه الى كثير مما لايليق بالأنبياء، ويجب تنزيههم عنه.
وما اكثر حديثه في خوارق النواميس الطبيعية، وحسبك منها (مضافا الى ما سمعته آنفاً) حدثيان نجعلهما خاتمة هذا الفصل.
(أحدهما): حديثه اذ كان - فيما زعم - مع العلاء بن الحضرمي لما بعث في اربعة آلاف الى البحرين فانطلقوا حتى اتوا على خليج من البحر ما خاضه قبلهم أحد ولا يخوضه بعدهم احد!.
(قال أبو هريرة): أخذ العلاء بعنان فرسه فسار على وجه الماء وسار الجيش وراءه قال: فو الله ما ابتل لنا قدم ولاخف ولا حافر؟؟ الحديث
.
________________________
وهذا لو كان حقاً لرواه كل واحد من ذلك الجيش المؤلف من أربعة آلاف صحابي فكان في طليعة الأحاديث المتواترة فما باله لايسند إلا الى أبي هريرة يا أولي الألباب؟؟.
(ثانيهما): حديث المزود إذ قال: اصبت بثلاث مصيبات في الاسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وكنت صويحبه، وقتل عثمان، والمزود قالوا: وما المزود يا أبا هريرة؟ قال: كنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
في سفر فقال: يا أبا هريرة أمعك شئ؟ قال قلت تمر في مزود، قال جئ به، فاخرجت تمراً فأتيته به، قال: فمسه ودعا فيه ثم قال: ادع عشرة، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى اكل الجيش كله وبقي من تمر معي في المزود فقال: يا ابا هريرة إذا اردت ان تأخذ منه شيئاً فادخل يدك فيه ولا تكفه قال: فأكلت منه حياة النبي واكلت منه حياة أبي بكر كلّها وأكلت من حياة عمر كلها وأكلت من حياة عثمان كلها؟؟ فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي وانتهب المزود، ألا أخبركم كم أكلت منه؟ أكلت منه اكثر من مائتي وسق!!!.
(قلت): لا ريب في ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كان يطعم الجم الغفير من الزاد اليسير في كثير من ايامه المباركة، وذلك من اعلام نبوته وآيات رسالته، لكن هذا الحديث بالخصوص مما صنعته يدا أبي هريرة مدلا على السواد من احزاب بني امية والغوغاء من اشياعهم العاكفين على قميص عثمان واصابع زوجته بالبكاء والعويل ليستنهض معروفهم ويجتدي برهم، وهذا من اساليبه المدهشة في تزلفه الى بني امية وامتياح فضلهم.
و مما يدلك على وضعه ان أبا هريرة كان يتلون فيه تلون الحرباء ويتطور في نقله على انحاء كما يعلمه متتبعوا طرق المزود في مسانيد السنة وكتبها
.
________________________
ولأبي هريرة كيس وسع هذا المزود وغيره كان عيبة علمه يتناول منه ما يشاء متى شاء وكيف شاء وربما سئل عما يحدث فيقال له ابا هريرة سمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فيقول: لا هذا من كيس أبي هريرة
.
وعجائب أبي هريرة يضيق عنها املاؤنا هذا وحسبنا منها ما اوردناه حجة على ما اردناه والحمد لله.
١٢ - مسنده في حكم المرسل
كان من دأب أبي هريرة في حديثه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أن يسند اليه ما بلغه عنه بالواسطة لا يقيم عليها قرينة كما يسند اليه ما سمعه منه مشافهة لا يفرق بين هذا وذاك في شئ ما، وهذا ما جعل حديثه كله في حكم المرسل لايصلح حجة ولايقوم دليلا.
وإن كنت في ريب مما قلناه في دأبه فاني احيلك على قوله: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لعمه ابي طالب: قال لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة قال : لولا أن تعيرني قريش الحديث
.
وقد علم الناس أن أبا طالبعليهالسلام
إنما توفي قبل قدوم أبي هريرة الى الحجاز
________________________
بعشر سنين في أقل الروايات، فاين كان عن النبي وعمهعليهماالسلام
وهما يتبادلان الكلام الذي اسنده اليهما كأنه رآهما بعينيه وسمعهما بأذنيه؟!.
وقال: قام رسول الله حين انزل الله عليه:(
وانذر عشيرتك الأقربين
)
فقال يا معشر قريش لا اغني عنكم من الله شيئاً الحديث
.
واولو العلم باسرهم مجمعون على ان هذه الآية انما نزلت في مبدأ الدعوة الاسلامية قبل ظهورها في مكة، وأبو هريرة اذ ذاك في اليمن جاهلياً وانما اني الحجاز بعد نزول هذه الآية بنحو عشرين سنة، فاين كان عند نزولها ليقول: قام رسول الله حين نزول فقال: يا معشر قريش الى آخر حديثه الذي اسنده الى النبي، كأنه رآه قائماً بعينيه، وسمعه يبنذر عشيرته بأذنيه؟!.
وقال: كان النبي يدعو في القنوت فيقول: أللهم انج سلمة بن هشام، أللهم انج الوليد بن الوليد، أللهم انج عياش بن أبي ربيعة، أللهم انج المستضعفين من المؤمنين (الذين حبسهم المشركون عن الهجرة في حديث صحيح
).
ومن المعلوم بحكم الضرورة من اخبار السلف انه انما حبس هؤلاء عن الهجرة فقنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالدعاء لهم قبل اسلام أبي هريرة بنحو سبع سنين، فاين كان عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ليسند هذا الحديث كأنه بعينيه قانتاً وسمعه بأذنيه داعياً؟!.
قال: وقال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين اظهركم؟ فقيل: نعم، الحديث
.
________________________
فان كان هذا القول واقعاً من أبي جهل فانه انما يكون قبل اسلام أبي هريرة وقبل قدومه من اليمن بنحو عشرين سنة فأين كان عن أبي جهل ليسنده اليه كأنه سمعه بأذنيه؟!.
واين كان عن وقعة الرجيع وعن أميرها عاصم بن ثابت الأنصاري المستشهد فيها ليحدث عنها وعنه حديث المشاهد لهما ؟؟
وقد كانت تلك الوقعة في صفر سنة اربع للهجرة قبل اسلامه بثلاث سنين تقريباً.
ومن وقف علىسيرة أبي هريرة المستمرة في حديثه علم ان دأبه ما قلناه وحسبك هذا القدر دليلا على ما ادعيناه.
وقد انتبه اليه أحمد أمين المصري البحاثة المعاصر اذ قال في كلام له
حول أبي هريرة: ويظهر انه لم يكن يقتصر على ما سمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بل يحدث عن رسول الله بما أخبره به غيره .
(قلت): واعترف بهذا أبو هريرة نفسه إذ حدث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
بأن من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، فلما انكرت عائشة وأم سلمة عليه ذلك جعل الجناح فيه على الفضل بن العباس (وكان الفضل يومئذ ميتاً
فقال
________________________
سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي وهذا (سواء كان حقاً أم باطلا) اعتراف منعه صريح بانه كان يسند الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ما لا يسمعه منه كما ترى.
(فان قلت): أي مانع للعدل ان يسند الى النبي الحديث يسمعه من غيره مرفوعاً اليهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
(قلنا): لا مانع من ذلك غير ان الحديث في هذا الفرض لا يكون حجة ولا يوصف بالصحة (وان رواه العدل) وانما يكون مرسلا حتى تعزف الواسطة وتحرز عدالتها.
وبعبارة أخرى عدالة الراوي شرط في صحة حديثه، فلا بد من احرازها ولايمكن ذلك في الواسطة المجهولة.
ومجمل القول في هذا الفصل أن في حديث أبي هريرة مراسيل كثيرة لا يمكن الاحتجاج بها، وقد اشتبهت بمسانيده، اذ لم يفرق بينهما في شئ وهذا ما أوجب سقوط الجميع عملا بالقاعدة المقررة في الشبهات المحصورة.
١٣ - دعواه الحضور في وقائع لم يحضرها
وقد اضطرنا هذا الرجل الى الريب فيه بدعواه الحضور في وقائع لم يحضرها قطعاً.
وحسبك منها قوله: دخلت على رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
امرأة عثمان وبيدها مشط، فقالت: خرج رسول الله من عندي آنفارٌ جلت شعره فقال لي: كيف تجدين أبا عبدالله؟ - يعني عثمان - قلت بخير قال: اكرميه فانه من اشبه أصحابي بي خلقاً، أخرجه الحاكم
ثم قال: حديث صحيح
________________________
الاسناد واهي المتن فان رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر وأبو هريرة انما اسلم بعد فتح خيبر.
(قلت): واورده الذهبي في تلخيص المستدرك ثم قال: صحيح منكر المتن فان رقية ماتت وقت بدر وأبو هريرة اسلم وقت خيبر.
وقال في سهو النبي: صلى بنا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
الظهر أو العصر فسلم في ركعتين فقال له ذو اليدين: انقصت الصلاة أم نسيت؟ الحديث.
وذو اليدين هذا استشهد ببدر قبل ان يسلم أبو هريرة بزمان كما بينا في الفصل: ١١ من هذا الاملاء
.
وكم كان يتبجح فيقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة انما غنمنا البقر والابل والمتاع والحوائط الحديث
.
مع أنه لم يحضر الفتح إجماعاً وقولا واحداً، وإنما جاء بعد الفتح ولذا ارتبك شارحوا الصحيحين عند انتهائهم الى قوله: افتتحنا خيبر، فحملوا كلمته هذه على التجوز وان المراد جنسه من المسلمين
.
وكم كان يحدث فيقول: شهدنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
خيبر فقال لرجل معه ممن يدعي الاسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل اشد القتال حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس ان يرتاب فوجد الرجل ألم
________________________
الجراحة فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه الحديث
.
(قلت): هذا محل النظر من وجهين: احدهما دعواه انه شهد الوقعة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقد عرفت انه لم يشهدها، ولذلك ارتبك شارحوا هذا الحديث فقالوا: اما قول أبي هريرة شهدنا مع رسول الله خيبر فمحمول على المجاز والمراد جنسه من المسلمين لأن الثابت انه جاء بعد أن فتحت خيبر انتهى بلفظ الشارح القسطلاني
.
ثانيهما: ان الرجل الذي قتل نفسه انما هو قزمان بن الحرث حليف ظفر المنافق. كان يقاتل على الاحساب؛ وقضيته التي ذكرها أبو هريرة في حديثه هذا معروفة
وقد قتل بأحد قبل اسلام أبي هريرة بدهر لكن أبا هريرة قد راب في أمره فخلط الحابل بالنابل.
________________________
وقد قال: رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم عليه رداء؛ الحديث -
.
(قلت): استشهد هؤلاء السبعون باجمعهم يوم بئر معونة فحزن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
عليهم وقنت شهراً يدعو في الصلاة على قاتليهم وكانت هذه الوقعة في صفر سنة أربع من الهجرة قبل اسلام أبي هريرة وقبل قدومه من اليمن فكيف يدعي رؤيتهم؟! وقال القسطلاني
: ان السبعين الذين رآهم أبو هريرة غير اولئك السبعين والله تعالى أعلم.
وبالجملة: علمنا من تعقب أبي هريرة واستقراء حديثه انه كان كثيراً ما يحدث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بما لم يسمعه منه. وكثيراً ما يحدث عن الوقائع التي لم يحضرها، وربما اجعى حضورها وربما سمع شيئاً من كعب الأخبار أو غيره فراقه فحدث به عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كما فعل في حديث (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً في عرض سبعة اذرع)
وهذا ما يضطر المؤمن الى اتقاء حديث هذا الرجل.
والعجب من أصحاب الصحاج يشحنون به مسانيدهم لا يلتفتون إلى لوازمه الباطلة ولا يأبهون بما يكتنفه من دلائل الوضع والاختلاف، ومن تتبع حديث الصحيحين عجب من بساطة الشيخين، واليك مثلا يلمسك هذه الحقيقة.
أخرج مسلم في باب فضائل أبي سفيان من طريق عكرمة بن عمار العجلي اليمامي: ان المسلمين كانوا لا ينظرون الى ابي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي
________________________
صلىاللهعليهوآلهوسلم
: يانبي الله ثلاث اعطنيهن، قال: نعم؛ قال: عندي احسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان ازوجكها. قال: نعم، قال ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتأمرني ان اقاتل الكفار كما كنت اقاتل المسلمين، قال: نعم؛ الحديث
. اقتصر عليه مسلم في باب فضائل أبي سفيان إذ لم يجد والحمد لله سواه وهو باطل بالاجماع؛ لأن أبا سفيان انما دخل في عداد المسلمين يوم فتح مكة اجماعاً وقولا واحداً، وقبل الفتح كان عدو لله ولرسوله ومحارباً لهما.
اما بنته أم حبيبة واسمها رملة فقد اسلمت قبل الهجرة وحسن اسلامها فكانت ممن هاجر الى الحبشة هرباً من أبيها وقومها، وقد تزوجها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأبوها ممعن في الكفر مسترسل في محاربته للنبي فلما بلغه ان النبي قد تزوجها قال: ذلك الفحل لا يقدع انفه؛ وقدم بعد ذلك على المدينة يريد أن يزيد في الهدنة فدخل على بنته أم حبيبة فلما اراد الجلوس على فراشها طوته دونه فقال لها: رغبت به عني فقالت: نعم هذا فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأنت امرؤ نجس مشرك، نص على هذا كله اعلام الامة واثباتها وهو مما لا ريب فيه، ومن راجع كتب السير والاخبار ووقف على احوال أم حبيبة في كتب المعاجم والتراجم على التفضيل.
________________________
وحسبك ما اورده النووي عند بلوغه الى هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم
والحمد لله على الهداية للصواب، والشكر له إذ جعلنا من أولي الألباب وصلى الله على محمد وآله وسلم.
١٤ - انكار السلف عليه
أنكر الناس على أبي هريرة واستفظعوا حديثه على عهده إذ أفرط في الاكثار وانفرد باسلوب خاص يوجب الشك فيه فلهذا وذاك كاشفه الناس وانكروا عليه من حيث كمية حديثه ومن حيث كيفيته.
يدلك على هذا قوله متألماً متظلماً: يقولون ان أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل حديثه؟
فيصرح بأن كمية حديثه وكيفيته كانتا كلتاهما مدار الانكار وقد تهددهم بالله وبالدار الآخرة على ذلك إذ قال: والله الموعد متفجعاً متوجعاً منهم حتى زعم انه لولا تكليفه الشرعي ما حدثهم بشئ ابداً لسوء ظنهم به فقال في آخر الحديث: والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئاً ابداً،:(
ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون
)
الحديث
وهو كما ترى صحيح صريح بما قلناه.
________________________
واصرح منه ما حدث به أبو رزين اذ قال
: خرج الينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال: الا انكم تحدثون اني أكذب على رسول الله لتهتدوا واضل الحديث.
ولما أتى العراق مع معاوية عام الجماعة ورأى كثرة مستقبليه من الناس جثا على ركبتيه في مسجد الكوفة وجعل يضرب صلعته مراراً يلفت الناس بذلك اليه وحين اجتمعوا عليه أهاب بهم: يا أهل العراق اتزعمون أني اكذب على الله وعلى رسوله فاحرق نفسي بالنار الى آخر ما استرسل فيه يومئذ من التحامل على الوصي تزلفاً الى اعدائه في كلام باطل
.
وحسبك ان في مكذبيه عظماء الصحابة قال المعاصر البحاثة أحمد أمين المصري من كلام له
حول أبي هريرة: وقد أكثر بعض الصحابة من نقده على الاكثار من الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وشكوا فيه كما يدل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه. ثم اورد حديثين اخرجهما مسلم صريحين في نقده والشك فيه.
وقال الفاضل المعاصر مصطفى صادق الرافعي المصري من كلام له في هذا الموضوع: وكان اكثر الصحابة رواية أبو هريرة (قال): وقد صحب ثلاث سنين ولهذا كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه وهو أول
________________________
رواية اتهم في الاسلام وكانت عائشة اشدهم انكاراً عليه الى آخر كلامه
.
وقال النظام
: أكذب أبا هريرة كل من عمر وعثمان وعلي وعائشة أ هـ.
وحين حاول ابن قتيبة الدفاع عن أبي هريرة والرد على النظام لم يستطع إلا الاعتراف بما نقله النظام في هذا المقام، واليك رده بعين لفظه:
قال
: وأما طعن النظام على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة له فان أبا هريرة صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله
نحواً من ثلاث سنين وقد اكثر الرواية عنه فلما اتى من الرواية عنه ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة الصحابة والسابقين الاولين اليه اتهموه وانكروا عليه
وقالوا كيف سمعت هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ قال: وكانت عائشة اشدهم انكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه وكان عمر ايضا شديداً على من اكثر الرواية أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه. الى آخر كلامه الذي اجراه الحق على لسانه فكان (بالرغم عنه) مصدقاً للنظام فيما نقله عن اولئك الاعلام ولا غرو فالحق ينطق منصفاً وعنيداً.
اما ما زعمه ابن قتيبة
(من امساك الصحابة عن أبي هريرة لما أخبرهم
________________________
يمنزلته الخاصة من رسول الله، فجزاف لا يصغى اليه؛ فان عظماء الصحابة يعرفون منزلته بكنهها فلا حاجة بهم الى من يعرّفهم بها فلو كانت له في نفوسهم منزلة الصادقين ما كذبوه ولا اتهموه، وقد مر عليك حديثه
اذ يخربين المنبر والحجرة مغشياً عليه (في العهد النبوي) فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقه يرى انه مجنون، وهذا ما لا يجتمع مع احترامه فضلا عن سمو مقامه.
وبالجملة: فان انكار الاجلاء (من الصحابة والتابعين) عليه واتهامهم اياه مما لا ريب فيه ما تورع منهم عن ذلك احد حتى مضوا لسبيلهم وانما تورع الجمهور ممن جاء بعدهم اذ قرورا القول بعدالة الصحابة اجمعين اكتعين ابصعين، ومنعوا من النظر في شؤونهم، وجعلوا ذلك من الاصول المتتبعة وجوباً، فاعتقلوا العقول بهذا، وسملوا العيون؛ وجعلوا على القلوب اكنة وعلى الاسماع وقراً فاذاهم:(
صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون
)
.
حاشا ائمة أهل البيتعليهمالسلام
فانهم انزلوا الصحابة حيث انزل الصحابة انفسهم
فرأيهم في أبي هريرة لم يعد رأي علي وعمر وعثمان وعائشة وتبعهم في هذا شيعتهم كافة القدماء منهم والمتأخرون من عهد أمير المؤمنين الى يومنا هذا.
________________________
ولعل جل المعتزلة على هذا الرأي. قال الامام ابو جعفر الاسكافي
ما هذا نصه: وأبو هريرة مدخول
عند شيوخنا غير مرضي الرواية؛ (قال) ضربه عمر بالدرة، وقال: قد اكثرت من الرواية ولحربك أن تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
(قال) وروى سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم التيمي قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار (قال) وروى أبو اسامة عن الأعمش قال: كان ابراهيم صحيح الحديث فكنت إذا سمعت الحديث اتيته فعرضته عليه فأتيته يوماً بأحاديث ابي صالح عن أبي هريرة فقال: دعني من أبي هريرة أنهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه (قال): وقد روي عن علي انه قال: ان اكذب الناس أو قال اكذب الأحياء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لأبو هريرة الدوسي (قال): وروى أبو يوسف أنه قال قلت لأبي حنيفة يجئ الخبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يخالف قياساً فما نصنع به؟ قال: اذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي، فقلت: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: ناهيك بهما، قلت: وعلي وعثمان، قال: كذلك فلما رآني اعد الصحابة قال: والصحابةكلهم عدول ما عدا رجالا ثم عدّ منهم أبا هريرة وانس بن مالك.
(قلت): وقد علمنا ان الامام ابا حنيفة واصحابه كانوا يتركون حديث أبي هريرة اذا عارض قياسهم كما فعلوا في حديثه عن المصراة (وهي البقرة او الشاة أوالناقة يجمع اللبن في ضرعها ويحبس اياماً لا تحلب فيها لايهام المشتري انها غزيرة اللبن) إذ روى ان رسول الله صلى اله عليه واله وسلم قال: لا تصروا الابل والغنم من ابتاعها بعد ذلك فهو يخبر النظرين من بعد أن يحلبها. فان رضيها امسكها وان سخطها ردها وصاعاً من تمرفلم يأبهوا بحديثه هذا وقالوا: أبو هريرة غير
________________________
فقيه وحديثه هذا مخالف للأقيسة بأسرها فان حلب اللبن من التعدي، وضمان التعدي يكون بالمثل او القيمة، والصاع من النمر ليس واحداً منهما، إلى آخر كلامهم
.
وعلمنا أيضاً ان من رأي أبي حنيفة وأصحابه كافة بطلان الصلاة بالكلام مطلقاً ولو عن نسيان او جهل او ظن المصلي بأنه خرج من الصلاة، والفقه الحنفي صريح بهذا الرأي وعليه سفيان الثوري في اصح الروايتين عنه وهذا مما يدل على ان لا قيمة عندهم لحديث ابي هريرة؛ اذ حدث بأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
سها فسلم في الرباعية عن ركعتين ثم قام من مصلاه ودخل حجرته ثم رجع فقيل له: اقصرت الصلاة ام نسيت؟ فقال: لم تقصر ولم أنس، فقالوا: بلى صليت بنا ركعتين. وبعد حوار كان بينه وبينهم أيقن بما يقولون فبنى على الركعتين وأتم الصلاة ثم سجد للسهو
وبهذا اخذ مالك والشافعي واحمد والاوزاعي وغيرهم فأفتوا بأن كلام الناسي للصلاة والذي يظن انه ليس فيها لا يبطلها. لكن ابا حنيفة حيث لم يأبه بحديث أبي هريرة افتى بالبطلان
.
ولنختم الفصل بنوادر كانت بين أبي هريرة وبعض الصحابة تلمسك منزلته في نفوسهم.
(فنمها): ما ذكره أبو هريرة إذ قال: لما بلغ عمر حديثي استدعاني فقال لي: أكنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ فقلت: نعم وان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال
________________________
يومئذ: من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار الحديث
.
وهذا من الأدلة على انه لم يكن ممن يحدث بحضرة عمر ولا ممن كان عمر يراهم او يسمعهم يحدثون، وإنما بلغه حديثه من افواه الناس فاتهمه به لغرابته فاستدعاه لينذره بالنار اذا كذب.
(ومنها): انه زجره مرة فقال له
: لنتركن الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أو لأ لحقنك بأرض دوس او بأرض القردة.
(ومنها): انه غضب عليه باكثارة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فضربه بالدرة ردعا له وهو يوبخه بقوله
: اكثرت يا ابا هريرة وأحر بك ان تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
(ومنها): انه عزله عن البحرين بعد ان ضربه فأدمى ظهره وانتزع منه عشرة آلاف لبيت المال ووبخه بكلام فظيع كما فصلناه آنفاً
.
(ومنها): انه ضربه على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ضربة خرّ بها لاسته
.
(ومنها): ان علياً لما بلغه حديث أبي هريرة قال
: ألا ان اكذب الناس أو قال: اكذب الأحياء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أبو هريرة الدوسي.
(ومنها): أنه بلغ علياً إن أبا هريرة يبتدئ بميامينه فقال
: لأخالفن أبا هريرة.
________________________
(ومنها): ان أبا هريرة كان يقول: حدثني خليلي؛ ورأيت خليلي وقال لي خليلي رسول الله، فبلغ علياً ذلك فقال له: متى كان النبي خليلك يا ابا هريرة؟ ينكر عليه قوله هذا، إذ كان سئ الرأي فيه
وعلي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
، وعلي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار
.
(ومنها): ان عائشة دعت أبا هريرة إذ بلغها حديثه فقالت له: ما هده الأحاديث التي تبلغنا انك تحدث بها عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
هل سمعت إلا ما سمعنا؟ ورأيت إلا ما رأينا؟ قال: يا أماه انه كان يشغلك عن رسول الله المرآة والمكحلة الحديث
.
(ومنها): انه روي ان الكلب والمرأة والحمار تقطع الصلاة، فكذبته عائشة وقالت: رأيت رسول الله يصلي وسط السرير وأنا على السرير معترضة بينه وبين القبلة.
(ومنها): انه روي حديثاً في النهي عن المشي بالخف الواحد فبلغ عائشة ذلك فمشت بخف واحد وقالت لأخالفن أبا هريرة.
(ومنها): انه روي من اصبح جنباً قلا صيام له، فردت عليه عائشة وحفصة وكذبتا حديثه فاعترف أبو هريرة لهما ورجع عن قوله معتذراً بأنه
________________________
لم يكن سمع ذلك من رسول الله وإنما سمعه من الفضل بن العباس وكان الفضل (حين اعتذر بهذا) ميتاً
.
(ومنها): ان رجلين دخلا على عائشة فقالا: ان ابا هريرة يحدث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أنه قال: إنما الطيرة في المرأة والدابة فطارت عائشة شغفاً ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدث بهذا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
؟ الحديث
.
(ومنها): انه جلس مرة الى جنب حجرة عائشة يحدث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهي مشغولة في سبحتها فقالت بعد فراغها: ألا يعجبك أبو هريرة يجلس الى جنب حجرتي يحدث عن النبي يسمعني ذلك؟ وكنت اسبح فقام قبل ان أقضى سبحتي ولو ادركته لرددت عليه الحديث
.
(ومنها): انه روى عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
انه قال: متى استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الاناء فان احدكم لا يدري اين باتت يده؟ فانكرت عائشة عليه
فلم تأخذ به وقالت: كيف نصنع بالمهراس
.
________________________
(ومنها): ان أبا هريرة روى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أن من حمل جنازة فليتوضأ، فلم يأخذ ابن عباس بخبره وردّه صريحاً قال: لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة
.
(ومنها): ان ابن عمر كان يروي ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية فقيل لابن عمر: ان أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فلم يأبه بذلك ابن عمر وقال في رده: ان لأبي هريرة زرعاً يتهمه بزيادة كلب الزرع في حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
احتفاظاً بكلبه واحتياطاً على زرعه والحديث في صحيح مسلم
.
ومثله ما في صحيح مسلم ايضاً
عن أبي هريرة مرفوعاً: من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أوصيد أو زرع انتقص من اجره كل يوم قيراط، فذكر لأبن عمر قول أبي هريرة هذا فقال: يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع - يتهمه بزيادة كلب الزرع ايثاراً لمصلحته - وقد اتهمه بهذا ايضا سالم بن عبد الله ان عمر في حديث أخرجه مسلم ايضاً
.
(ومنها): ان ابن عمر لم يصدق أبا هريرة في حديثه في القنفذ وبقى شاكا فيه.
(ومنها): ان ابن عمر سمعه يحدث بأن من اتبع جنازة فله قيراط من الاجر فقال اكثر علينا أبو هريرة ولم يصدقه حتى بعث الى عائشة يسألها عن
________________________
ذلك فروته له فصدق جينئذ والحديث في هذا ثابت
.
وكذلك فعل عامر بن شريح بن هاني إذ سمع أبا هريرة يحدث بأن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فلم يصدق أبا هريرة بذلك حتى سأل عائشة فروته له وأفهمته المراد منه، والحديث في ذلك ثابت ايضاً
.
ولو أردنا استقصاء الموارد التي ردّ فيها السلف حديث أبي هريرة وانكروا فيها عليه لطال بنا الكلام، وهذا القدر كاف لما أردناه والحمد لله.
وناهيك تكذيب كل من عمر وعثمان وعلي وعائشة له، وقد تقرر بالاجماع تقديم الجرح على التعديل في مقام التعارض على انه لا تعارض هنا قطعاً فان العاطفة بمجردها لا تعارض تكذيب من كذبه من الأئمة.
أما اصالة في الصحابة فلا دليل عليها والصحابة لا يعرفونها ولو فرض صحتها فانما يعمل على مقتضاها في مجهول الحال لا فيمن يكذبه عمر وعثمان وعلي وعائشة ولا فيمن قامت على جرحه ادلة الوجدان فاذا نحن من جرحه على يقين جازم.
١٤ - سبوح لها منها عليها شواهد
ونحن الإمامية لنا في الصحابة رأي هو أوسط الآراء عقدنا لبيانه في أجوبة موسى جار الله فصلا مخصوصا
وعقدنا لتأييده فصلا آخر
________________________
فليراجعها من اراد التحقيق من أولي الألباب والحمد لله على الهداية للصواب.
١٥ - إحتجاته على متهميه
كان أبو هريرة يحتج على مكذبيه ومتهميه فيقول
: يقولون ان أبا هريرة يكثر الحديث! والله الموعد! ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل احاديثه؟ وان اخوتى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق وان اخوتى من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم! وكنت امرءاً مسكيناً الزم رسول الله على ملء بطني فأحضر حين يغيبون! وأعي حين ينسون!!. وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يوماً! لن يبسط احد منكم ثوبه حتى اقضي مقالتي هذه ثم يجمعه الى صدره فينسى من مقالتي شيئاً ابداً فبسطت نمرة ليس عليّ ثوب غيرها حتى قضى النبي صلى اله عليه واله وسلم مقالته ثم جمعتها الى صدري فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك شيئاً الى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئاً ابداً: ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى، الى قوله: وأنا التواب الرحيم.
(قلت): ان أبا هريرة كلما ازداد مثالة زاده الله رعالة
يريد ان يقنع المنكرين عليه في كمية احاديثه وكيفيتها فجاءهم بهذا تزكية لنفسه
________________________
واحتجاجا عليهم فاذا حجته جفاء أو ثأطة مدت بماء
كأن الله عز وجل سخره بهذا الحديث حجة للمنكرين عليه ودليلا على صحة ما نسبوه اليه فاني (وشرف الصدق) وعلو مقام الصادقين ما رأيت في كل ما صنعته ايدي المخرفين ابرد من هذا الحديث ولا ابعد منه عن الصدق وما كنت لأ لم به ولا لاعرج عليه لولا ان الشيخين وامثالهما قد نظموه في سلك الصحاح بكل ارتياح وانما فعلوا ذلك تعبداً برأيهم في كل صحابي وقد خالفوا في ذلك الأدلة عقلية ونقلية وخالفوا السلف الصالح من أولي الألباب كما أو ضحناه في كتابنا - تحفة المحدثين - ولنا على بطلان هذا الحديث وجوه: -.
(الأول): زعم ان المهاجرين كان يشغلهم عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
الصفق بالأسواق
والأنصار كان يشغلهم عمل اموالهم
فساق السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كافة بعصاً واحدة - لقد هزلت - - وحن قدح ليس منها - واي قيمة للقول بأن جميع المهاجرين كان يلهيهم الصفق بالأسواق؟ بعد قوله عز من قائل:(
رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ..
)
الآية وهل لمعارض كتاب الله إلا الضرب بعرض الجدار؟ ومن هو أبو هريرة؟ ليحضر حين يغيب الخصيصون برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ويحفظ حين ينسون يقول هذا القول بملء فيه غير متئد ولا خجل ولا وجل إذ قاله على عهد معاوية حيث لا عمر ولا عثمان ولا علي ولا طلحة ولا الزبير ولا سلمان ولا عمار ولا المقداد ولا أبو ذر ولا أمثالهم كبرت كلمة تخرج من فيه ما أبعدها عن الصدق وقد علم
________________________
الناس موضع علي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالقرابة والمنزلة الخصيصة وضعه في حجره وهو ولد يضمه الى صدره ويكنفه إلى فراشه ويمسه جسده ويشمه عرفه وكان يمضغ الشئ ثم يلقمه إياه وما وجد له كذبة في قول ولا خطلة في عمل ولقد قرن الله بهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من لدن ان كان فطيما اعظم ملك من ملائكته يسلك به طرق المكارم ومحاسن أخلاق العالم فكان علي يتبع رسول الله اتباع الفصيل أثر أمه يرفع له في كل يوم من اخلاقه علما ويأمره بالاقتداء به ولقد كان معه (هو والصديقة الكبرى خديجة أم المؤمنين) بحراء فيرى نور الوحي والرسالة ويشم ريح النبوة وكان بعد ذلك باب مدينته وأقضى أمته، وعيبة سره وولي أمره، ووارث حكمه؛ وفارج همه، وصاحب الأذن الواعية - ومن عنده علم الكتاب - فهل يمكن ان ينسى من سننه ما حفظه أبو هريرة أو يكتم منها ما بينه أبو هريرة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
على انه لم يكن من المهاجرين من يصفق في الأسواق إلا القليل؛ وحسبك أبو ذر والمقداد وعمار ورفقاء أبي هريرة في الصفة وهم سبعون كانوا كما وصفهم أبو هريرة مامنهم رجل عليه رداء وإنما عليه إما ازار وإما كساء قد ربطوه في أعناقهم إلى آخر كلامه في وصفهم
فما بالهم لم يحدثوا بمثل احاديثه؛ ولم يكثروا كما أكثر بل لم يكن المجموع منحديثهم كافة إلاّ دون حديثه خاصة.
وكذا الأنصار لم يكونوا باجمعهم من أهل الأموال والأشغال كما زعم وحسبك (ممن لا مال له منهم) سلمان الفارسي الذي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فيه: سلمان منا أهل البيت، وقال: - كما في ترجمة سلمان من الاستيعاب - لو كان الدين عند الثريا لناله سلمان؛ وقالت عائشة - كما في ترجمته من الاستيعاب ايضا - كان لسلمان مجلس من رسول الله ينفرد به في الليل حتى كاد يغلبنا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وفي الاستيعاب ايضاً قال علي: ان سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم علم
________________________
علم الاؤل والآخر بحر علم لا ينزف، وقال كعب الاحبار - كما في الاستيعاب وغيره -: سلمان حشي علماً وحكمة إلى آخر ما هو مأثور عنه من امثال هذه الخصائص، وقد علم الناس ان أبا أيوب الأنصاري لم يكن له من العيش إلا بلغه لا تشغله عن علم ولا عن عمل، وكذلك ابو سعيد الخدري وأبو فضالة الأنصاري وغيرهم من نظرائهم من علماء الأنصار وعظمائهم رضي الله تعالى عنهم.
على ان سيد الحكماء وخاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم
لم تكن اوقاته فوضى وإنما كانت في الليل والنهار مرتبة للمهمات على ما تقتضيه الحكمة في تلك الأوقات، وقد خصص منها لا لقاء العلم وقتاً لا يعارض اوقات الصفق في الأسواق ولا اوقات العمل في الأموال، وكان المهاجرون والانصار لايغيبون في ذلك الوقت ابداً وهم احرص على العلم مما يخرفه المخرفون.
(الثاني): لو صح ما زعمه ابو هريرة (من قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لأصحابه: لن يبسط أحد منكم ثوبه أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً أبداً) لتسابقوا اليه، واجتمعوا بقضهم وقضيضهم عليه، فانه الفضل لا يبلغه الطالب بشد الرجال، والعلم لا يناله ببذل الاموال، وما الذي ثبطهم عن نيله؟ ومنعهم عن بسط اثوابهم في سبيله؟ وكيف زهدوا في هذه الغنيمة وضيعوا على انفسهم تلك الفوائد العظيمة؟ أترى انهم كانوا بهذه المثابة من الزهد في العلم والرغبة عما يدعوهم الرسول اليه؟ كلا! ما هكذا الظن بهم ولا هذا بمشبه لما كانوا عليه من التعبد بأوامره؛ والمبادرة الى ما يدعوهم اليه.
(الثالث): لو صح ما زعمه أبو هريرة لعظم ندم الصحابة، واسفهم على ما ضيعوه من ذلك الفضل الكبير، والعلم الغزير، ولتواتر لهفهم على ما اهملوه من بسط اثوابهم لرسول الله حين انه لا كلفة فيه ولامشقة عليهم، ولندّد بعضهم ببعض، وتلاوموا على تركهم ذلك بسوء اختيارهم ولتواترت منهم
الغبطة لأبي هريرة بالفوز به دونهم على حين انه لم يكن إلا ثوب واحد وما منهم من احد إلا وعليه ثوبان او اكثر فلما لم يكن شئ من ذلك علمنا ان هذا من كيس أبي هريرة.
(الرابع): لو كان الأمر كما قصه أبو هريرة لحدث به غيره ممن دعاهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يومئذ الى بسط اثوابهم، بل لو كان لعده الصحابة والتابعون من اعلام النبوة، وآيات الاسلام وادلة الدين؛ ولتواترت به الأخبار، واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار، فلما لم نجده إلا في حديث أبي هريرة عطفناه على واهياته.
(الخامس): انه قد تناقض كلام أبي هريرة في هذه القصة، فتارة حدث بها كما سمعت إذ قال - فيما رواه الاعرج عنه -
: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال يوماً لأصحابه لن يبسط احد منكم ثوبه حتى اقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً ابداً (قال): فبسطت نمرة ليس على ثوب غيرها حتى قضى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
مقالته ثم جمعتها إلى صدري فو الذي بعثه بالحق مانسيت من مقالته تلك شيئاً الى يومي هذا أ هـ بلفظه.
وتارة حدث بها فقال - فيما رواه عنه المقبري -
: قلت يا رسول الله
________________________
اني اسمع منك حديثاً انساه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: ابسط رداءك فغرف بيديه
ثم قال ضمه!! فضممته فما نسيت شيئاً بعده أ هـ بنصه.
وانت ترى أن القصة على مقتضى الحديث الاول - حديث الاعرج - انها كانت بين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
واصحابه والمبتدئ فيها إنما كان رسول الله إذ دعاهم إلى بسط اثوابهم اشفاقاً عليهم من النسيان وانها على مقتضى الحديث الثاني - حديث المقبري - انما كانت بين أبي هريرة خاصة ورسول الله والمبتدئ فيها إنما هو أبو هريرة حيث شكا نسيانه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
.
وأيضاً فان الحديث الاول - حديث الاعرج - يقتضي تخصيص عدم النسيان بتلك المقالة فقط
لقوله فيه: مانسيت من مقالته تلك شيئاً والحديث الثاني - حديث المقبري - يقتضي العموم في عدم النسيان لكل شئ من الاشياء حديثاً كان ام غير مطلقاً لقوله فيه مانسيت شيئاً بعده ، فان النكرة في سياق النفي حقيقة في العموم، وقد ارتبك هنا شارحوا البخاري وارتجت عليهم أبواب الاعتذار عنه حتى قرر ابن حجر في فتح الباري وقوع هذه القضية مرتين
________________________
مرة كان عدم النسيان فيها مختصاً بتلك المقالة، وأخرى كان عدم النسيان فيها عاماً لكل شئ من الأشياء سواءأ كان حديثاً أم كان غيره مطلقاً وهذا كما ترى
..
على ان مسلماً اخرجه
من طريق يونس عن ابن المسيب على وجه ثالث إذ قال فيه أبو هريرة: فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني بهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهذا يقتضي كون عدم النسيان اعم مما اقتضاه حديث الاعرج وأخص مما اقتضاه حديث المقبري
.
ونحوه حديث ابن سعد
بسنده الى عمرو بن مرداس بن عبد الرحمن الجندي عن أبي هريرة قال: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ابسط ثوبك فبسطته فحدثني النهار ثم ضممت ثوبي إلى بطني فما نسيت شيئاً مما حدثني أهـ لكن قوله فيه: فحدّثني النهار، لا يوجد في هذا الحديث إلا من هذا الطريق طريق الجندي
________________________
فقط وبه كان مخالفاً لكل ما جاء في هذا الموضوع من سائر الطرق إلى أبي هريرة.
وقد أخرجه أبو يعلى من طريق أبي سلمة على وجه يخالف سائر الوجوه في سائر الطرق، إذ روى ان أبا هريرة جاء يعود النبي في شكواه فسلم عليه وهو قائم والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
متساند الى صدر علي ويد علي على صدر النبي يضمه اليه والنبي باسط رجليه فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: أدن يا ابا هريرة فدنا، ثم قال: أدن يا أبا هريرة فدنا، ثم قال أدن يا أبا هريرة فدنا حتى مست اصابع أبي هريرة اصابع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ثم قال له اجلس فجلس فقال له: ادن مني طرف ثوبك فمد أبو هريرة ثوبه ففتحه وادماه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقال له النبي اُوصيك يا ابا هريرة بخصال لا تدعهن ما بقيت، قال أوصني ما شئت فقال له: عليك بالغسل يوم الجمعة والبكور اليها ولا تلغ ولا تله وأوصيك بصيام ثلاثة ايام من كل شهر فانه صوم الدهر واوصيك بركعتي الفجر لا تدعهما وان صليت الليل كله فان فيهما الرغائب قالها ثلاثاً ثم ضم اليك ثوبك فضم ثوبه الى صدره الحديث
...
وأخرج أبو يعلي - كما في ترجمة أبي هريرة من الاصابة - من طريق الوليد ابن جميع عن أبي هريرة قال: شكوت الى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
سوء الحفظ فقال: افتح كساءك ففتحه ثم قال: ضمه الى صدرك فضممته فما نسيت حديثاً بعد.
أخرج أبو يعلي - كما في الاصابة ايضاً - من طريق يونس بن عبيد عن الحسن البصري عن أبي هريرة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال: من يأخذ مني كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً فيصرّهنّ في ثوبه فيتعلمنّ ويعلمهن فيتعلمهن قال: فنشرت ثوبي بين يديه وهو يحدث ثم ضممته فأرجو ان لا أكون نسيت حديثاً مما قاله أ هـ.
(قلت): وأخرج أحمد - كما في الاصابة ايضا - من طريق المبارك بن
________________________
فضالة عن الحسن نحوه.
وأخرج أبو نعيم
من طريق عبدالله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال يا ابا هريرة: ألا تسألني عن هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ فقلت أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزعت نمرة على ظهري فبسطتها بيني وبينه حتى كأني انظر الى القمل يدب عليها فحدثني حتى استوعبت حديثه قال: اجمعها فصرها اليك فاصبحت لا اسقط حرفا مما حدثني اهـ.
ومن ألم بهذا الحديث مع جميع الطرق وجده مختلف الالفاظ والمعاني باختلاف طرقه لا تتجارى معانيه ولا ألفاظه إلى غاية، ولا تتساير في حلبة يصدم كل منها الآخر فاذا هو زاهق والحمد لله رب العالمين.
«السادس»: انه قال: فبسطت نمرة ليس عليّ ثوب غيرها، فيقتضي على الظاهر ان تبدوا سوأته، لكن القسطلاني وزكريا الانصاري تأولا كلامه إذ بلغا اليه في آخر المزارعة من شرحيهما فجعلاه على أنه بسط بعض النمرة لئلا تنكشف عورته.
(السابع): ان هذه الحكاية في ذاتها تشبه قصص المخرفين، ولا تكاد تمتاز عن خلط الدجالين، وحاشا لله ان تمتزج بمعجزات الرسول أو يصدق بنسبتها اليه أصحاب العقول فان معجزاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بهرت الى النهى بانوار حقيقتها وقهرت جبابرة الارض بحسن اسلوبها واعتدال طريقتها فظلت اعناقهم لها خاضعين.
ضرب بيدهصلىاللهعليهوآلهوسلم
على صدر علي لما بعثه قاضياً الى اليمن فقال
أللهم
________________________
اهد قلبه وسدد لسانه قال عليعليهالسلام
: فوالله، ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين.
ولما أنزل الله عز سلطانه(
وتعيها اذن واعية
)
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
مخاطباً لعلي: سألت الله ان يجعلها اذنك، قال علي: فما نسيت شيئاً بعدها وما كان لي أن أنسى.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
يوم خيبر حين اخذ الراية عليعليهالسلام
: أللهم اكفه الحر والبرد قال علي
فما آذاني بعدها حر ولا برد، وكان بعد ذلك يخرج في الشتاء في ازار ورداء وثوبين خفيفين، وفي الصيف يخرج في القباء المحشو والثوب الثقيل اظهاراً لمعجزة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
والفاتا اليها على الدوام.
ولما شكا جابراليهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ديناً كان على أبيه انطلق معه الى بيدر تمره فمشى حوله ودعا بالبركة فيه ثم جلس عليه وحضر الغرماء فأوفاهم الذي لهم وبقى لجابر وذويه مثل ما كانوا يستغلون، وهكذا كانصلىاللهعليهوآلهوسلم
اذا اراد بأحد خيراً دعا له، وإذا أراد به غير ذلك دعا عليه كما فعل بمعاوية إذ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لا اشبع الله له بطناً، وكما فعل مع الحكم بن أبي العاص وما عهدناهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يفعل شيئاً يشبه الذي حكاه أبو هريرة حاشا حكمته التي تستصبح بها البصائر الضالة، وتنكشف بها معالم الهدى، فتحل عقد الاشكال وتمزق ظلمات الغي والضلال.
________________________
١٦ - نظرة في فضائله
تتبعنا الأسانيد فيما يرسله الناس في فضائل أبي هريرة، فلم نجد لها مصدراً في الأغلب سواه، واليك مثلا يلمسك هذه الحقيقة:
قال صاحب الاستيعاب في أحواله: أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم، راضياً بشبع بطنه، فكانت يده في يد رسول الله، وكان يدور معه حيث دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله، كان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لاشتغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بأنه حريص على العلم والحديث، وقال له يا رسول الله أنى سمعت منك حديثاً كثيراً وأنا أخشى ان أنسى؛ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
ابسط رداءك؛ قال: فبسطته فغرف فيه! ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت شيئاً بعد! اهـ.
(قلت): هذه الفضائل ونحوها ليست إلا مضامين أحاديث كان أبو هريرة يحدث بها عن نفسه، ولم نجد لها مستنداً سواه، وهكذا سائر خصائصه انما أخذت عنه كما يعلمه المتتبعون.
ولنوضح هذه الجملة فنقول: أما اسلامه عام خيبر فمسلم، لثبوته من حديث غيره.
وأما كونه شهدها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فلم يرو إلا عنه، وأهل العلم يتأولون دعواه الحضور كما أوضحناه سابقاً. وأما لزومه لرسول الله ومواظبته عليه، رغبة في العلم؛ ورضا بشبع بطنه وان يده كانت في يده يدور معه حيث دار، فأمور كان أبو هريرة يدعيها،
فالعهدة فيها عليه،إذ قال
: قدمت المدينة ورسول الله بخيبر وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، وأدور معه في بيوت نسائه!
وأخدمه وأغزو معه واحج؟؟
وكنت أعلم الناس بحديثه؟؟ وقدوا لله سبقني قوم بصحبته فكانوا يعرفون لزومي له فيسألونني عن حديثه: منهم عمر؛ وعثمان؛ وعلي؛ وطلحة؛ والزبير؛ الى آخر كلامه؛ (قلت): لعل أولى الالباب يعجبون من جرأة أبي هريرة على التحديث بمثل هذا، لمخالفته الواقع، وبعده عن الصدق، لكن من عرف الحقيقة علم انه ما كان ليحدث به على عهد الشيوخ والعلماء والعظماء منهم، وانما اجترأ على التحديث به وبأمثاله بعد موت اكثر الصحابة وفتح الشام والعراق ومصر وافريقيا وفارس وغيرها من الأمصار، حيث قلت الصحابة وكثر مسلموا الفتوحات الذين لا إلمام لهم بشيء مما كان على عهد النبوة فكأنه حينئذ وسائر الكذابة وجدوا انفسهم في عالم آخر لا يعرف شيئاً مما كان في الصدر الأول، ورأوا عالمهم الجديد يصدقهم ويتعبد بما سمعه منهم لكونهم في نظره من البقية الباقية من اصحاب رسول الله الأمناء على سننه والموكول اليهم تبليغها، وكانت السلطة الاموية بذلت في تأييدهم جهدها فتسنى لهم بهذه الاسباب كلها ان يحدثوا بما حدثوا به من الواهيات والمنكرات، وبما لا يجوز شرعا، وبما لا يمكن عقلا، وبكل سخافة وبكل باطل حسبما اقتضته اغراضهم أو أوجبته دعاية الظالمين الذين اتخذوا دين الله
________________________
دغلاح وعباد الله خولا، وما الله دولا؛ وكانت هذه الكذابة قد اتصلت بأسباب أولئك الغاشمين فتوسلت اليهم بالطامات فأرضعوها اخلاف برهم، واولوها فوق ذلك انهم انفقوا في تأييدها قواهم الجبارة إذ كانت (ولا سيما على عهد معاوية) اداة من ادواتهم بل كانت لسان دعايتهم، وعين تجسسهم (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله).
وأني وايم الله لا ينقضي عجبي من البخاري ومسلم وأحمد وأمثالهم ممن يرجعون الى عقل اصيل ورأى جميع ثم ينقادون انقياد الاكمه الابله الى ما يشاء أبو هريرة وأمثاله؛ فهل في امكانهم ان يعلموا متى سأله علي وعمر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم من أهل السوابق؛ وهل كان سؤالهم إياه في اليقظة أو في النوم أو في عالم الخيال؟ وأي حديث سألوه عنه؟ ومن روى هذا عنهم غير أبي هريرة؟ وأي رجل من أهل المعاجم والتراجم أو من غيرهم عد واحداً من هؤلاء في زمرة من روى عن أبي هريرة؟ ولو حديثاً واحداً
ومتى كان هؤلاء يأبهون بحديثه؟ فانا ما عهدناه يحدث في مجالسهم وما كان ليجرأ على الحديث بحضورهم؛ وكانوا يرذلونه ويكذبونه كما سمعته مفصلا. ولنرجع الآن الى ما ذكره ابن عبدالبر في ترجمة أبي هريرة فيقول:
وأما قوله: وكان من احفظ اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فانه مأخوذ من قول أبي هريرة في الحديث السابق وكنت اعلم الناس بحديثه.
وأما قوله: كان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار، فانه مأخوذ من حديثه الذي ذكره فيه بسط النمرة، وقد بيناه سابقاص وعلقنا عليه ما نفلت كل بحاثة اليه.
________________________
وأما قوله: بأنه قد شهد له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بأنه حريص على العلم والحديث فانما هو مأخوذ من قول أبي هريرة: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لقد ظننت ان لا يسألني عن هذا الحديث احد اولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث
.
ومن خصائصه التي تداولتها اقلام مترجميه المزود الذي اكل منه اكثر من مائتي وسق تمراً! وغلامه الآبق الذي اعتقه لوجه الله! وحفظه وعاءين من العلم بث احدهما وكتم الآخر؟ ودعاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
له ولأمه! ومشيه على وجه الماء حتى عبر خليجاً من البحر فما ابتل!! له قدم الى غير ذلك من المضحكات المبكيات في آن واحد فانا لله وإنا اليه راجعون.
١٧ - نوادره
أخرج الامام أحمد بن حديث أبي هريرة
عن محمد بن زياد قال: كان مروان - أيام ولايته على المدينة في خلافة معاوية - يستخلف أبا هريرة على المدينة فيضرب برجليه فيقول: خلوا الطريق خلوا الطريق قد جاء الأمير قد جاء الامير - يعني نفسه.
وأخرج ابن قتيبة الدينوري في ترجمة أبي هريرة من معارفه
عن
________________________
أبي رافع قال: كان مروان يستحلف أبا هريرة على المدينة فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعة وفي رأسه خلبة من ليف فيسير فيلقى الرجال فيقول: الطريق! قد جاء الأمير! (قال): وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون بشيء حتى يلقى نفسه بينهم، ويضرب برجليه الحديث
.
واخرج ابو نعيم
بسنده الى ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: اقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال: اوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك؛ فقلت له: يكفي هذا. فقال: اوسع الطريق للأمير والحزمة عليه؟ اهـ.
وأخرج ابو نعيم ايضاً
من طريق احمد بن حنبل عن عثمان الشحام عن فرقد السبخي، قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت (اعزه الله تعالى) وهو يقول: ويل لي بطني إذا اشبعته كظني، وان أجعته سبني.
وعن ربيع الأبرار للزمخشري قال: كان ابو هريرة يقول: اللهم ارزقني ضرساً طحوناً ومعدة هضوماً
ودبراً نثوراً.
وعن ربيع الابرار أيضاً
قال: وكان يعجبه - يعني أبا هريرة - المضيرة جداً فيأكلها مع معاوية وإذا حضرت الصلاة صلى خلف علي فاذا قيل له قال: مضيرة معاية ادسم والصلاة خلف علي افضل، فكان يقال له شيخ
________________________
وعن أبي عثمان النهدي ان ابا هريرة كان في سفر فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا اليه وهو يصلي، فقال: اني صائم فلما كادوا يفرغون جاء فجعل يأكل الطعام فنظر القوم الى رسولهم فقال: ما تنظرون؟ قد والله أخبرني أنه صائم: فقال ابو هريرة صدق اني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يقول: صوم رمضان وصوم ثلاثة ايام من كل شهر صوم الدهر وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر فانا مفطر في تخفيف الله صائم في تضعيف الله، اخرجه ابو نعيم
.
واخرج البخاري
عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان فتمخط بهما فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان لقد رأيتني وأنى لأخر فيما بين منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
إلى حجرة عائشة مغشياً علي فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون ما بي الا الجوع.
ومن نوادره انه كان يلعب السدر قال ابن الأثير في مادة السدر من نهايته
________________________
ما هذا لفظه: وفي حديث بعضهم قال: رأيت أبا هريرة يلعب السدر، ثم قال: السدر لعبة يقامر بها - وتكسر سينها وتضم وهي فارسية معربة عن ثلاثة أبواب
أهـ.
وفي هذه المادة من لسان العرب عين ما في النهاية وزاد عليه فقال ومنه حديث يحيى بن أبي كثير: السدر هي الشيطانة الصغرى (قال) يعني انها من أمر الشيطان انتهى بلفظه
.
وذكر الدميري في مادة عقرب من حياة الحيوان لعب الشطرنج فقال: وروى الصعلوكي تجويزه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبي البسر وأبي هريرة ثم قال: والمروي عن أبي هريرة من اللعب به مشهور في كتب الفقه، قال: وروى الآجري عن أبي هريرة انه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالازلام الشطرنج والنرد فلا تسلموا عليهم
.
________________________
١٨ - وفاته وعقبه
كانت وفاته في قصره بالعقيق
فحمل الى المدينة فكان ولد عثمان بن عفان يحملون سريره حتى بلغوا به البقيع حفظاً بما كان من رأيه في ابيهم
وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان يومئذ أميراًعلى المدينة وكان مروان معزولاً
وانما صلى عليه الوليد تكريماً له تقدم للصلاة عليه بعد ان صلى بالناس فريضة العصر وفي القوم ابن عمر وابو سعيد الخدري واضرابهما
.
وكتب الوليد إلى عمه معاوية ينعى اليه أبا هريرة فكتب اليه معاوية
انظر من ترك وادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم واحسن جوارهم وافعل اليهم معروفاً فانه ممن نصر عثمان وكان معه في الدار.
________________________
وكانت وفاته سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
أما عقبة فانما نعرف منه ولده المحرر ابن ابي هريرة وبنته التي كان يقول لها: قولي أبى أبى أن يحليني الذهب يخشى على حر اللهب، ونعرف لمحرر ولداً اسمه نعيم وهو الذي روى عن جده أبي هريرة انه كان له خيط فيه الفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به
.
وروى عنه ايضاً: ان رجلا سأل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بما تأمروني ان اتجر قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
: عليك بالبز فان صاحب البز يعجبه ان يكون الناس بخير وفي جدة.
اما المحرر فقد ترجمه ابن سعد في طبقاته
وذكر سلسلة نسبه المتصلة بدوس، وانه توفى في خلافة عمر بن عبدالعزيز، وأنه كان قليل الرواية
.
________________________
خاتمة الكتاب
ولنختم إملاءنا هذا بكلمتين لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
تتعلقان بابي هريرة ضربهما النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
على غرار فذ من أغرته الحكيمة في التدليل على زيغ الزائغين والتحذير منهم.
الكلمة الأولى يشترك فيها أبو هريرة والرحال بن عنفوه والفرات ابن حبان؛ وذلك أنهم خرجوا ذات يوم من مجلسه الشريف، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم
مشيراً اليهم
: لضرس احدكم في النار أعظم من أحد، وان معه لقفا غادر أهـ.
فكان ابو هريرة والفرات يقولان بعدها
فما أمنا بعد هذا حتى ارتد الرحال وقتل مع مسيلمة الكذاب.
(قلت): كأنهما كانا يحاولان تأويل الحديث فيجعلان المراد منه واحداً منهم بعينه وهو الرحال بقرينة التحاقه بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
بمسيلمة وقتله مرتداً.
وهذا تضليل عن الحقيقة المتبادرة من الحديث عند اطلاقه، فانه على حد قوله تعالى:(
يود احدكم ان تكون له جنة
)
(
يود أحدهم لو يعمر الف سنة
)
(
وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا
)
(
واذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم
)
الى كثير من امثال ذلك في الكتاب والسنة، وكلام
________________________
العرب تقول في المدح: كف احدهم تمطر ذهباً؛ وقلب احدهم يفيض حناناً، وفي الذم: وجه أحدهم عنوان الوقاحة؛ وقلب أحدهم أقسى من الصلد، فلا ترتد واحداً منهم بعينه وانما تريد الجميع؛ وهذا هو المراد من الحديث وهو المتبادر منه إلى الأذهان.
ولو أرادصلىاللهعليهوآلهوسلم
واحداً منهم بعينه لأبانه بقرينة تعينه. فان تأخير البيان في مثل هذا المقام مما لا يجوز على الأنبياء لقبحه عقلاٍ بسبب استلزامه ظلم البريئين منهم، لأنه متى علم ان أحدهم من أهل النار وانه غدار؛ ولم يعرف بعينه تفصيلاً سقط الثلاثة عن درجة الاعتبار، إذ لا يركن بعدها اليهم، ولا يعتمد عليهم، ولا يؤبه بما يقولون في اصول أو فروع ولا يحتج بحديثهم، ولا تقبل لهم شهادة في مرافعة او غيرها، ولا يولون امراً من أمور المسلمين، ولا يوكل اليهم شأن تشترط الوثاقة فيمن يوكل اليه؛ فيحرمون بأجمعهم من الحقوق المدنية في الاسلام، ويجب علىالامة اجتنابهم في كل شيء تشترط فيه العدالة نزولاً على حكم القاعدة العقلية في الشبهة المحصورة مع العلم الاجمالي كما هو مقرر في محله من الأصول.
وحسبك بهذا سقوطاً لكل من الثلاثة على السواء.
وإذا كان احدهم بعينه هو الجهنمي الغادر المستوجب للحرمان فما ذنب الآخرين؟ أيجوز على سيد الحكماء، وخاتم الأنبياء أن يسقط بريئين فيجعلهما طيلةحياتهما بحكم الغدار من أهل النار؟ ثم يلقى الله تعالى عن غير بيان حاشا لله وما الذي منعه ان يقول مشيراً اليه نفسه؛ لضرس هذا في النار أعظم من احد لو لم يكونوا جميعاً في الأمر على السواء.
(فان قلت). لعلهصلىاللهعليهوآلهوسلم
عين الرحال حينئذ بقرينة لفظية أو حالية كالايماء اليه بالخصوص مثلا ثم خفيت علينا.
(قلنا): لو كان ثمة قرينة ما خفيت على أبي هريرة وفرات، وقد
استفرغا الوسع فلم يتشبثا بشيء سوى ردّة الرحال وحينئذٍ سجدا لله شكرا وكانا بعد ذلك يقولان: فما أمنا بعد قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ما قال حتى صنع الرحال ما صنع
.
على انه لا فرق في هذه المشكلة بين عدم البيان وخفائه بعد صدوره لاتحاد النتيجة فيهما، إذ لا مندوحة لنا - على كلا الفرضين - عن العمل بما يقتضيه العلم الاجمالي في الشبهة المحصورة كما لا يخفى.
(فان قلت): إنما كان المنصوص عليه بهذا الذم مجملا قبل التحاق الرحال بمسيلمة وموته مرتداً وبمجرد صنعه ما صنع تعينأنه هو للراد دون صاحبيه، وحينئذٍ لا اجمال ولا اشكال.
(قلنا): أولا ان المتبادر من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
: لضرس احدكم في النار انما هو الجميع على حد المتبادر من قوله تعالى(
واذا بشر احدهم بالانثى
)
واذن فلا اجمالا في المنصوص عليه بالذم هنا ولا أثر لردة الرحال للعلم بسوءحاله وحال صاحبيه منذ باؤوا بالضرس والقفا.
(وثانياً): الأنبياءعليهمالسلام
كما يمتنع عليهم ترك البيان مع الحاجة اليه يستحيل عليهم تأخيره عن وقت الحاجة، ولعلك تعلم أن وقت الحاجة هنا متصل بصدور هذه الكلمة في حقهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
(لو كان لأحدهم شيء من الاعتبار) لأنهم منذ اسلموا كانوا محل الابتلاء في حديثهم وشهاداتهم والائتمام بهم، والوصاية اليهم، والتولية لهم؛ وما الى ذلك من حقوق المدنية (في الدين) فلو لا وجوب اقصائهم عنها لما تركصلىاللهعليهوآلهوسلم
البيان حتى لحق بالرفيق الأعلى، وما كان ليتكل في ذلك على ما صنع الرحال من الردة بعد وفاته.
(وثالثاً): ان الفرات بن حيان كان جاسوساً للمشركين، وعيناً لأبي
________________________
سفيان على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
والمسلمين، فلما أرادوا قتله بأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
كما في ترجمته من الاستيعاب والاصابة وغيرهما اسلم حقناً لدمه، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
: ان منكم من اتألفه على الاسلام منهم الفرات بن حيان، فالرجل في سوء الحال معطوف على الرحال، فكيف مع ذلك يكون صنع الرحال قرينة على تخصيصه بالجرح والقدح دون الفرات الذي ما اسلم الا حقناً لدمه؟ ودون أبي هريرة الذي تبوأ مقعده.
(الكلمة الثانية): يشترك فيها ابو هريرة وسمرة بن جندب الفزاري وابو محذورة الجمحي إذ أنذرهمصلىاللهعليهوآلهوسلم
فقال لهم ذات يوم
آخركم موتاً في النار.
وهذا أسلوب حكيم من أساليبه في اقصاء المنافقين عن التصرف في شؤون الاسلام والمسلمين، فانهصلىاللهعليهوآلهوسلم
لما كان عالماً بسوء بواطن هؤلاء الثلاثة اراد ان يشرب في قلوب أمته الريب فيهم والنفرة منهم اشفاقاً عليها ان تركن الى واحد منهم في شيء مما يناط بعدول المؤمنين وثقاتهم، فنص بالنار على واحد منهم وهو آخرهم موتاً، لكنه اجمل القول فيه على وجه جعله دائراً بين الثلاثة على السواء ثم لم يتبع هذا الاجمال بشيء من البيان وتمضي الايام والليالي على ذلك ويلحقصلىاللهعليهوآلهوسلم
بالرفيق الأعلى ولا بيان، فيضطر أولى الألباب من أمته الى اقصائهم جميعاً عن كل امر يناط بالعدول والثقات من الحقوق المدينة
________________________
في دين الاسلام لاقتضاء العلم الاجمالي ذلك بحكم القاعدة العقلية في الشبهات المحصورة، فلولا انهم في وجوب الاقصاء على السواء لاستحال عليه - وهو سيد الحكماء - عدم البيان في مثل هذا المقام.
فان قلت: لعله بين هذا الاجمال بقرينة خفيت علينا بتطاول المدة.
(قلنا): لو كان ثمة قرينة ما كان كل من هؤلاء في الوجل من هذا الانذار على السواء
.
على انك قد عرفت مما سبق انه لا فرق في هذه المشكلة بين عدم البيان واختفائه بعد صدوره لاتحاد النتيجة فيهما بالنسبة الينا اذا لا مندوحة لنا عن العمل بما يقتضيه العلم الاجمالي من تنجيز التكليف في الشبهة المحصورة على كلا الفرضين كما بيناه آنفاً.
(فان قلت): انما كان المنصوص عليه بالنار مجملا قبل موت الاول والثاني منهم وبسبقهما الى الموت تبين وتعين انه انما هو الباقي بعدهما بعينه دون سابقيه، وحينئذ لا اجمال ولا اشكال.
(قلنا) اولاً علمت مما ذكرناه آنفاً ان الأنبياءعليهمالسلام
كما يمتنع عليهم ترك البيان مع الحاجة اليه يستحيل عليهم تأخيره عن وقت الحاجة، وعلمت أيضاً أن وقت الحاجة هنا متصل بصدور هذا الانذار لو كان لأحد الثلاثة شيء من الاعتبار، لانهم منذ اسلموا كانوا محل ابتلاء المسلمين في الحقوق المدنية الدينية كما بيناه آنفاً فلولا وجوب اقصائهم عنها لما أخر البيان اتكالا على صروف الزمان، وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
أن يقصى أحداً عن حقه طرفة عين، ومعاذ الله ان يخزي من لا يستحق الخزي ثم يبقيه على خزيه حتى يموت مخزياً إذ لا تعرف براءته - بناء على هذا الفرض الفاسد - إلا بموته.
________________________
(وثانياً):إنا - شهد الله - بذلنا الطاقة بحثاً وتنقيباً، فلم يكن في الوسع أن نعلم ايهم المتأخر موتاً لأن الأقوال في تاريخ وفياتهم بين متناقض متساقط
وبين مجمل متشابه لا يركن اليها كما يعلمه متتبعوها.
(وثالثاً): لم يكن من خلق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهو «العزيز عليه عنت المؤمين الحريص عليهم الرؤوف بهم الرحيم لهم» أن يجابه بهذا القول - آخركم موتاً من النار - من يحترمه وما كان(
وانه لعلى خُلق عظيم
)
ليفاجئ به (أو بقوله: لضرس احدكم في النار) غير مستحقيه، ولو أن في واحد من هؤلاء الثلاثة (أو من أولئك) خيراً ما أشركه في هذه المفاجأة القاسية والمجابهة الغليظة، لكن اضطره الوحي الى ذلك نصحاً لله تعالى وللأمة (وما ينطق عن الهوى).
على أن أحوال هؤلاء الثلاثة كلها قرائن قطعية على ما قلناه حول انذارهم هذا كما ان احوال اولئك أدلة ما قلناه فيهم.
وحسبك من أبي هريرة ما تبوأه من مقعده، ويكفيك من سمرة اسرافه الفظيع في دماء المسلمين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة
وبيعه الخمر
________________________
علانية
ومضارته للأنصاري؛ وتمرده على ما دعاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يومئذ اليه من الصلح وزهده في الجنة على وجه يستفاد منه عدم ايمانه
وشجه راس ناقة النبي
استخفافاً وامتهاناً إلى غير ذلك من بوائقه.
وناهيك من ابي محذورة أنه من الطلقاء وللمؤلفة قلوبهم، دخل في الاسلام بعد فتح مكة، وبعد ان قفل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
من حنين منتصراً على هوازن، ولم يكن شيء اكره إلى أبي محذورة يومئذ من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولا مما يأمره به، وكان يسخر بمؤذَّن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
فيحكيه رافعاً صوته استهزاء لكن صرة الفضة التي اختصه بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وغنائم حنين التي اسبغها على الطلقاء من اعدائه ومحاربيه واخلاقه العظيمة التي وسعت كل من اعتصم باول لشهادتين من اولئك المنافقين مع شدة وطأته على من لم يعتصم بها ودخل العرب في دين الله أفواجاً، كل ذلك ألجأ أبا محذورة وأمثاله الى الدخول فيما دخل فيه الناس ولم يهاجر حتى مات في مكة
والله يعلم بواطنه.
________________________
بقيت كلمة لابن عبد البر حول هذا الانذار إذ قال في ترجمة سمرة من الاستيعاب: وكانت وفاته بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين سقط في قدر مملوءة ماء حاراً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد اصابه فسقط في القدر الحارة فمات «قال»: كان ذلك تصديقاً لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
له ولأبي هريرة ولثالث معهما: آخركم موتاً في النار اهـ.
(قلت): هذا تأويل غريب لا يدل على اللفظ ولا يفهمه منه احد والثلاثة المخاطبون به لم يرتابوا في مفاده المتبادر منه، ولذا كان كل منهم يتمنى سبق صاحبيه الى الموت كما هو ثابت عنهم، على ان تأخر سمرة في الموت عن صاحبيه كليهما غير معلوم، ولا سيما على ما جزم به ابن عبدالبر من موته سنة ثمان وخمسين، لأن أبا هريرة قد مات في قول الواقدي وابن نمير وابن عبيد وابن الأثير وابن جرير وغيرهم سنة تسع وخمسين وفيها مات ابو محذورة، وقيل: بل مات أبو محذورة سنة تسع وسبعين، ونص ابن الكلبي على ان أبا محذورة مات بعد موت سمرة، فتأويل ابن عبدالبر لهذه الكلمة - آخركم موتاً في النار - مما لا يصغى اليه.
وهذا آخر ما اردناه من تمحيص السنة المقدسة وتنزيهها عن الدخل الشائن لجوهر الاسلام وروحه الرفيعة؛ والحمد لله على التوفيق لذلك واليه نبتهل في أن ينفع به المؤمنين، ويجعله ذخيرة ليوم الدين، وصلى الله على سيد النبيين وخاتم المرسلين؛ وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الهداة الميامين.
وكان الفراغ منه في مدينة صور يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٦٢ هـ الموافق ٢٣ أيلول سنة ١٩٤٣ م بقلم مؤلفه اضعف المؤمنين عملا واقواهم بعفو الله أملا عبدالحسين بن الشريف يوسف ابن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل بن محمد بن محمد بن شرف الدين واسمه إبراهيم بن زين العابدين بن علي نور الدين بن نور الدين علي بن عز الدين
الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن تاج الدين المعروف بأبي الحسن ابن محمد ولقبه شمس الدين بن عبدالله ولقبه جلال الدين بن احمد بن حمزة بن سعد الله بن حمزة بن أبي السعادات محمد بن أبي محمد عبدالله نقيب النقباء الطالبيين في بغداد ابن أبي الحرث محمد بن أبي الحسن على المعروف بابن الديلمية ابن أبي طاهر عبدالله بن أبي الحسن محمد المحدث بن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى أبي سبحة بن ابراهيم المرتضى بن الامام الكاظم بن الإمام الصادق بن الامام الباقر بن الامام زين العابدين بن الامام ابي عبدالله الحسين سيد الشهداء، وخامس أصحاب الكساء، وسبط خاتم النبيين والمرسلين، وابن أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، علي بن أبي طالب، صلى الله على رسوله وعليهم أجمعين...
«تم طبع الكتاب في يوم ٢ / ٤ / ١٩٦٥ م»
الفهرست
أبو هريرة ١٧
١ - إسمه ونسبه ١٨
٢ - نشأته وإسلامه وصحبته ٢٠
٣ - على عهد النبي صلىاللهعليهوآله.... ٢١
٤ - على عهد الخليفتين. ٢٦
٥ - على عهد عثمان. ٢٨
٦ - على عهد علي. ٣٠
٧ - على عهد معاوية ٣٤
٨ - أيادي بني امية عليه ٣٨
٩ - تطوره في شكر أياديهم. ٤١
١٠ - كمية حديثه ٤٥
١١ - كيفية حديثه ٥٤
١- خلق الله آدم على صورته ٥٤
تنبيهان. ٥٧
٢- رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة في صور مختلفة ٥٨
كلمة في الرؤية ٦١
٣ - لا تمتلئ النار حتى يضع الله تعالى رجله فيها ٦٢
٤ - نزول ربه كل ليلة إلى سماء الدنيا تعالى الله. ٦٣
٥ - نقض سليمان حكم أبيه داود ٦٤
تنبيه ٦٧
٦ - طواف سليمان بمائة امرأة في ليلة ٦٩
٧ - لطم موسى عين ملك الموت.. ٧٠
٨ - فرار الحجر بثياب موسى وعدو موسى خلفه ونظر بني اسرائيل اليه مكشوفاً ٧٣
٩ - فزع الناس يوم القيامة الى آدم فنوح فابراهيم فموسى فعيسى رجاء شفاعتهم فاذا هم في أمرهم مبلسون ٧٥
١٠ - شك الانبياء والتنديد بلوط وتفضيل يوسف على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بصبره ٧٩
١١ - جراد الذهب المتساقط على أيوب وهو يغتسل ومعاتبة الله إياه على ماحشاه في ثوبه ٨٤
١٢ - التنديد بموسى اذ قرصته نملة فاحرق قريتها!!! ٨٥
١٣ - سهو النبي عن ركعتين. ٨٦
١٤ - كان النبي يؤذي ويجلد ويسب ويلعن من لا يستحق !! ٩١
١٥ - عروض الشيطان لرسول الله وهو في الصلاة ٩٩
١٦ - نوم النبي عن صلاة الصبح!! ١٠٨
١٧ - بقرة وذئب يتكلمان بلسان عربي مبين. ١١٥
١٨ - تأمير ابي بكر على الحج سنة تسع ونداء أبي هريرة ببراءة سنئذ. ١١٦
١٩ - الملائكة تكلم عمر ١٣٥
٢٠ - تركة النبي صدقة ١٣٧
٢١ - أبو طالب أبى الشهادتين. ١٤٥
٢٢ - الانذار يوم الدار ١٤٧
٢٣ - لعب الحبشة في المسجد عند النبي صلىاللهعليهوآله.... ١٤٩
٢٤ - النسخ قبل حضور وقت العمل. ١٤٩
٢٥ - ايقاع الفعل في وقت لا يسعه ١٥٠
٢٦ - امة مسخت فأراً ١٥١
٢٧ - المكروه عليه فاعتذر بسماعه من الفضل. ١٥٢
٢٨ - حديثان متناقضان. ١٥٣
٢٩ - مولودان يتكلمان بالمغيبات.. ١٥٤
٣٠ - توكيله بحفظ زكاة الفطرة ومجئ الشيطان في ثلاث ليالي ليسرق منها ١٥٥
٣١ - اسلام امه بدعاء النبي، ودعاؤه صلىاللهعليهوآلهوسلم بأن يحببهما إلى المؤمنين ويحبب المؤمنين اليهما ١٥٧
٣٢ - غلام أبي هريرة في هجرته !!! ١٦١
٣٣ - قصة خيالية ترمي الى حسن عواقب الصدقة ١٦٢
٣٤ - خيالية اخرى ترمي الى حسن عواقب الوفاء بالشرط. ١٦٣
٣٥ - خيالية ثالثة ترمي الى عواقب شكر النعم وعواقب كفرها ١٦٤
٣٦ - خيالية رابعة ترمي الى سوء عاقبة الظلم. ١٦٦
٣٧ - خيالية خامسة ترمي الى حسن عواقب الرحمة ١٦٦
٣٨ - رواية خيالية هدفها هدف سابقتها ١٦٧
٣٩ - مسرف كافر غفر له ١٦٧
٤٠ - مذنب يتوب إلى الله ثم يؤوب الى ذنوبه يكرر ذلك فيقول الله له: إعمل ماشئت فقد غفرت لك ١٦٩
١٢ - مسنده في حكم المرسل. ١٧٤
١٣ - دعواه الحضور في وقائع لم يحضرها ١٧٧
١٤ - انكار السلف عليه ١٨٢
١٤ - سبوح لها منها عليها شواهد. ١٩٢
١٥ - إحتجاته على متهميه ١٩٣
١٦ - نظرة في فضائله ٢٠٣
١٧ - نوادره ٢٠٦
١٨ - وفاته وعقبه ٢١٠
خاتمة الكتاب.. ٢١٢
|