الإمام عليعليهالسلام
في آراء الخلفاء
مهدي فقيه إيماني
ترجمة: الشيخ يحيى كمالي البحراني
مؤسسة المعارف الإسلامية
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
الإمام عليعليهالسلام في آراء الخلفاء
تأليف مهدي فقيه إيماني:
ترجمه يحيى كمالي
قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، ١٤٢٠ ق - ١٣٧٨.
٢٢٤ ص - ( بنياد معارف إسلامي: ٩٣ )
٩ - ٥٠ - ٦٢٨٩ - ٩٦٤: ISBN
فهرستنويسى بر أساس اطلاعات فيپا.
عنوان أصلي: إمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام از ديدگاه خلفا - عربي.
كتابنامه به صورت زير نويس.
١- علي بن أبي طالبعليهالسلام ، إمام أَوّل، ٣٢ قبل از هجرت - ٤٠ ق - خلفا - ٢ - خلفاى راشيدن.
ألف.كمالي بحراني يحيى، ١٣٤٢ - مترجم.
ب. بنياد معارف إسلامي ج عنوان.٨٠٤٣ ألف ٧ ف / ٣٥ / BP ٣٧ ٩٥١ / ٢٩٧ ١٣٧٨ ع ت / ألف ٧٩٤ ف كتابخانه ملي إيران ع ت / ألف ٧٩٤ ف ٦٩٩٧ - ٧٨ م
هوية الكتاب: اسم الكتاب: الإمام عليعليهالسلام في آراء الخلفاء.
تأليف: مهدي الفقيه إيماني.
ترجمة: يحيى كمالي البحراني.
نشر: مؤسسة المعارف الإسلامية.
الطبعة: الأولى ١٤٢٠ ه. ق. المطبعة: پاسدار إسلام.
العدد: ٢٠٠٠ نسخة.
شابك ٩ - ٥٠ - ٦٢٨٩ - ٩٦٤ ISBN ٩ - ٥٠ - ٦٢٨٩ - ٩٦٤
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الناشر
بسم الله الرحمن الرحيم
لا شك أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام شخصية فذة نادرة، وحياته مليئة بما يعجب الإنسان ويستوقفه، ومن غريب خصائصه اعتراف أعدائه بفضله، مع إصرارهم على استمرار العداء له.
وقد قيل في حقه: إنّ محبيه أَخفوا فضائله خوفاً، ومبغضيه أَخفوها بغضاً، ومع ذلك فقد ملأت الخافقينِ، وليس السبب الوحيد فيه بعض النوافذ التي افتتحت في طول تاريخ السلطنة الغاشمة؛ بل إنّ السبب الأهم، هو علو شأن الإمام، وكمال عظمته ورِفعته في سماء المجد والكرامة، وتنمّره في ذات الله، والتفاته حول الحق، والتفاف الحق حوله يدور حيثما دار - كما قال الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله - والحق يعلو ولا يُعلى عليه، وللحق دولة وللباطل جولة، فالشمس لا تبقى مغيّبة تحت الغيوم وإن كانت كثيفةً سوداء، فلابدّ لليل أن ينجلي، ولابدّ للحق أن يبدو للتاريخ رغم كل المحاولات البغيضة الحاقدة، والإمام نور الله في الأرض، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.
وهذا هو الأمر الذي اضطر مناوئيه ومنافسيه أن يعترفوا بفضله القاهر ومقامه المنيع، فالإنسان مهما كان مستسلماً لأهوائه، غامراً في طغيانه، ووقوفه بوجه الحق الناصع، فإنّ له مواقف يضطر فيها إلى العودة إلى فطرته، والرجوع إلى رشده، والخضوع أمام الحق، وهذا هو الذي اضطر بعض المشركين المتعصبين الغالينَ في عدائهم للرسولصلىاللهعليهوآله وللكتاب العزيز، الذي أذلّ كبرياءهم، وأرغم أنوفهم، إلى الاعتراف بأنّ أعلاه لمُغدق وأسفله لمُورق، وأنّه يعلو ولا يعلى عليه، وهذا هو شأن كل حق يحاول الإنسان الطاغي أمام ربّه وآيات ربّه أن ينكره ويستكبره بوجهه، والكتاب الذي بين يديك محاولة لاستخراج اعترافات المناوئين والمنافسين
للإمامعليهالسلام ، وكذلك اعترافات مَن تبعوا ذلك الخط، واستمروا في السلطة الجابرة والجائرة باسم الخلافة، ولا شك أنّ ما لم يسجّله التاريخ من اعترافات الخلفاء بهذا الشأن أكثر بكثير، ولكنّه غيض من فيض.
عملنا في الكتاب:
١ - كان المعتمد عند المؤلّف استخراج الأحاديث من المخطوطات والكتب المطبوعة قديماً، وهذا ممّا يصعب على القارئ مراجعتها أو عدم توفّرها لديه، فقمنا باستخراجها من المصادر نفسها، ومن طبعاتها الحديثة المتناولة بين الأيدي.
٢ - تكثير المصادر قدر المستطاع.
٣ - رأينا في بعض الموارد أنّ المؤلّف قد اكتفى بذكر قسم من الحديث ممّا هو بيت القصيد فيه، ولمّا كان الحديث بكامله يتضمن مناقب وفضائل أخرى لأمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام ، أوردناه كاملاً تتميماً للفائدة وتكميلاً للحجّة.
٤ - أثبتنا تعليقات موجزة على بعض المواضيع والأحاديث، التي رأينا فيها الحاجة إلى التوضيح والتفسير، ورمزنا إلى ذلك بكلمة المعرب.
ومؤسسة المعارف الإسلامية إذ تشكر الجهود التي بذلها سماحة العلاّمة الحجة الشيخ محمد مهدي الفقيه إيماني الأصفهاني ( حفظه الله تعالى )، وفضيلة الشيخ الفاضل يحيى الكمالي البحراني حيث أرجعه إلى العربية، وكذلك تشكر الفاضلينِ محمود البدري وفارس حسّون كريم؛ لجهودهما المشكورة في مراجعة وإخراج هذا الكتاب، تبتهل إلى الله تعالى أن يوفّق الجميع للاستمرار على خط الولاء لأهل البيتعليهمالسلام ، وخدمة الدين الحنيف على ضوء مذهب الإمام وأهل بيته، والإشادة بفضائلهم ومكارمهم، إنّه قريب مجيب.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ هذا المشروع قد أُنجز بمساهمة مباركة، من ثُلث المرحوم الحاج عباس غلوم شرف، وعقيلته غفر الله لهما وتغمّدهما برحمته الواسعة.
المقدمة
قال أبو بكر: أيّها الناس، عليكم بعلي بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( علي خير مَن طلعت عليه الشمس وغربت بعدي ).
قال عمر بن الخطاب: والله لولا سيف علي لَما قدم عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمّة، ذو سابقتها وذو شرفها.
قال عثمان بن عفان: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( النظر إلى علي عبادة ).
قال معاوية بن أبي سفيان: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب.
ما أقول - أنا الضعيف - فيمَن أنزل الله تعالى فيه( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (١) .
تلاحظ في هذه الآية الكريمة أنّ الله عزّ وجل جعل نفسه، وكذا الذي عنده علم الكتاب - يعنى الإمام عليعليهالسلام العالم بأسرار القرآن وعلومه - شاهدَينِ على نبوة
____________________
(١) الرعد: ٣٤.
رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله (١) .
وصرّح تعالى عزه بأنّه وعلياًعليهالسلام شاهدان، على صدق رسول اللهصلىاللهعليهوآله في دعوته ورسالته.
وما أقول فيمَن قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ الله جعل لأخي علي فضائل لا تُحصى كثرةً، فمَن ذكر فضيلةً من فضائله مقرّاً بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومَن كتب فضيلةً من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومَن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومَن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر، ثمّ قالصلىاللهعليهوآله : النظر إلى أخي علي عبادة، وذِكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه )(٢) .
وعندما نلقي نظرةً على ما ورد من الدلائل الباهرة، والبراهين الواضحة الغنية، في القرآن والسنة، والتاريخ والمصادر السنية والشيعية، وكذا في كتب الخوارج، التي تضمنت موضوع الإمامة والخلافة بشكل عام، وإمامة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وولايته بشكل خاص، بكونه الخليفة والوصي لرسول اللهصلىاللهعليهوآله لم نرَ في شيء منها أي إيهام أو إجمال، حتى يتذرع به المنحرفون عن عليعليهالسلام ، ويجعلونه وسيلةً وتبريراً لانحرافهم عنه وعدائهم له ومناوئتهم إيّاهعليهالسلام .
____________________
(١) شواهد التنزيل ١: ٤٠٠ - ٤٠٥ ح ٤٢٢ - ٤٢٧ وقد أخرج الحديث من سبعة طرق، النور المشتعل ( من كتاب ما نزل من القرآن في علي ): ١٢٥، المناقب لابن المغازلي: ٣١٣ ح ٣٥٨، الجامع لأحكام القرآن ٩: ٣٣٦، ينابيع المودة: ١٠٢، تفسير الكشف والبيان ١: ٢٥٨ النسخة الخطية، توضيح الدلائل لشهاب الدين: ١٦٣ ( انظر ملحقات إحقاق الحق ٢٠: ٧٧ )، المناقب المرتضوية للكشفي: ٤٩، روضة الأحباب: وقائع سَنة ٩، مفتاح النجاة: ٤٠ النسخة الخطية، أرجح المطالب: ٨٦ أخره عن الثعلبي وابن المغازلي.
(٢) المناقب للخوارزمي: ٣٢ ح ٢، كفاية الطالب للكنجي: ٢٥٢ باب ٦٢، فرائد السمطين ١: ١٩، أرجح المطالب: ١١، وجميعهم نقلوا عن المناقب لحسن بن أحمد العطّار الهمداني شيخ القرطبي، المتوفى ٥٦٩ ه-.
وهكذا حينما ننصت إلى قوله تعالى:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (١) نشاهد أنّ الله عزّ وجل يحذّر نبيه الكريمصلىاللهعليهوآله ، ويخبره بأنّ الهادي هو الله عزّ وجل.وإذا استمعنا إلى مقالة الإمام عليعليهالسلام الذي قال: ( لو ضربتُ خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني، وذلك أنّه قضي فانقضى على لسان النبي الأمّيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: يا علي، لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق )(٢) ؛ لعلمنا بأنّ تغيير باطن المنحرفين عن أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وتبديل أعدائه إلى شيعة له، ومخالفيه إلى موافقين له، يبدو من المحالات، ولعرفنا أنّ جميع الطرق والسبل والذرائع، حتى الكتب التي أُلّفت خصّيصاً بهذا الموضوع لعاجزة عن هدايتهم، ولكنّا اعتماداً على المَثل المشهور ( الفضل ما شهدت به الأعداء )، وانطلاقاً من مبدأ ( أَلزموهم بما التزم به الخصم )، وإتماماً للحجّة على الخصم المخالف من شتى الجهات العقائدية والعملية، اضطررنا إلى تأليف هذا الكتاب، والذي يتضمن في ثناياه روايات وأحاديث خلفاء أهل السنة، تروي لنا اعترافاتهم بأفضلية الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، واختصاصه بالفضائل والمناقب التي امتاز بها.
وكلنا أمل في أن يصبح هذا الكتاب باباً مفتوحاً أمام المثقّفين الواعين، الذين وضعوا عن أنفسهم إصر العصبية الجلفاء والتبعية العمياء لأسلافهم المقتدين بالخلفاء المختلقَين، ومن ثمَّ يتداركوا مسئوليتهم الحقيقية، ووظيفتهم المصيرية في المجالات العقائدية والعملية، ويعلموا أخيراً أنّ عاقبة التعصّب واتخاذ موقف الحياد في العمل بالوظائف الدينية، لم تكن إلاّ الهزيمة والقهقراء الديني والموت الجاهلي، ومن بعده الانزلاق في نار جهنم.
____________________
(١) القصص: ٥٦.
(٢) نهج البلاغة: الحكمة رقم ٤٥.
تحذير من الله ورسولهصلىاللهعليهوآله بظهور خلفاء مختلقَين قال تعالى:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (١) .
تشير هاتان الآيتان إلى ظهور أئمة عديدين، منهم مَن يقود فئةً يأتون يوم القيامة وصحائف أعمالهم بأيمانهم، ومنهم مَن يسوق طائفةً من الناس يحشرون يوم الدين عُمياً وضالين، كما كانوا في حياتهم الدنيوية منحرفين وعَمِين، ولا ريب أنّ هذه الطائفة يحشرون وكتبهم بشمالهم.
وفي قوله تعالى:( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ ) (٢) حيث يأمر الله عزّ وجل بجهاد ومحاربة قادة الكفر، الذين لا عهد لهم ولا أيمان.
وفي قوله تعالى:( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٣) .يحذّرنا الله ويبيّن فيها بأنّ الإمامة والخلافة منصب إلهي ومقام ربوبي، جعله لنبيه إبراهيم الخليلعليهالسلام ، وحظره على الظالمين المعتدين.
وقال عزّ من قائل:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) (٤) ترشدنا هذه الآية أيضاً إلى ظهور أئمة وخلفاء جائرين، يجرّون العباد
____________________
(١) الإسراء: ٧١ - ٧٢.
(٢) التوبة: ١٢.
(٣) البقرة: ١٢٤.
(٤) القصص: ٤١.
إلى النار ولا ينصرونهم، وهم في الآخرة مصيرهم إلى جهنم(١) .
هذه آيات تحذّر من ظهور خلفاء مختلقين، وثمّة أيضاً أحاديث نبوية مروية عن النبيصلىاللهعليهوآله تنبأ فيها ذلك:
١ - منها قولهصلىاللهعليهوآله : ( إنّه سيكون عليكم أمراء يغشاهم غواشٍ من الناس، فمَن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فأنا بريء منه، وهو بريء مني )(٢) .
٢ - ومنها قولهصلىاللهعليهوآله : ( إنّه سيكون بعدي أئمة فَسَقة يصلّون الصلاةَ لغير وقتها )(٣) .
٣ - ومنها قولهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ بعدي أئمةً إن أطعتموهم أكفروكم، وإن عصيتموهم
____________________
(١) وفي بيان الخلفاء الداعين إلى النار، نذكر ما أشار إليه السيد شرف الدين في كتابه النص والاجتهاد ص ٣٣١، ممّا أخرجه البخاري في صحيحه الجزء الرابع ص ٢٥، كتاب الجهاد والسير، باب مسح الغبار عن الناس في السبيل، وفي الجزء الأوّل ص ١٢٢، كتاب الصلاة باب التعاون في بناء المساجد، وأخرج غيره نحو ثلاثين مصدراً تاريخياً وحديثياً من أهل السنة.بإسنادهم عن عثمان بن عفان ومعاوية وابن العاص وآخرون، يتجاوز عددهم اثنان وعشرون صحابياً، إنّهم رووا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: ( ويحَ عمّار، تقتله الفئة الباغية، عمّار يدعوهم إلى الله تعالى ( إلى الجنة ) ويدعوه إلى النار ).وناهيك من هذا الحديث - أنّه عندما استشهد عمّار بسيف البغي وأيدي جلاوزة معاوية - أن يكون معاوية مصداقاً بارزاً للدعاة إلى النار، كما أنّ عمّار خير مصداق لمّن يدعو إلى الجنة وهو من أهلها.
(٢) مسند أبي يعلى ٢: ٤٠٤ ح ١١٨٧ وص ٤٦٥ ح ١٢٨٦، مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٤ و٩٢، وج ٣: ٤٠٥ ح ١٠٨٠٨، وص ٥١٨ ح ١١٤٦٣، من الطبعة الحديثة، مجمع الزوائد ٥: ٢٤٦ باب فيمَن يصدّق الأمراء بكذبهم.
(٣) مسند أبي يعلى ٧: ٢٩٣ ح ٤٣٢٣، المعجم الكبير ٣: ١٦٠ ح ١٦٣٣، وج ٩: ٣٤٥ ح ٩٤٩٥ بسند ثان، وفيه: يميتون الصلاة، مجمع الزوائد ١: ٣٢٥ باب فيمَن يؤخّر الصلاة عن الوقت، أخرجه عن الطبراني وأبي يعلى، التاريخ الكبير ٣: ٢٣٥ ترجمة رقم ٧٩٨، وج ٦: ١٥٣ ترجمة رقم ٢٠٠٣.
قتلوكم، أئمة الكفر ورؤوس الضلالة )(١) .
٤ - ومنها قولهصلىاللهعليهوآله : ( سيكون أمراء بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون)(٢) .
٥ - ومنها قولهصلىاللهعليهوآله : ( أَلا إنّه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمَن صدّقهم بكذبهم، ومالاهم على ظلمهم، فليس مني ولا أنا منه، ومَن لم يصدّقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه )(٣) .
٦ - ومنها قولهصلىاللهعليهوآله : ( اسمعوا، هل سمعتم، أنّه سيكون بعدي أمراء، فمَن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد عليّ الحوض، ومَن لم يدخل عليهم ولم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض ؟ )(٤) .
٧ - ومنها قولهصلىاللهعليهوآله : ( مَن تقدّم على قوم من المسلمين، وهو يرى أنّ فيهم مَن هو أفضل منه، فقد خان الله ورسوله والمسلمين )(٥) .
٨ - ومنها قولهصلىاللهعليهوآله لكعب بن عجرة: ( أعاذك الله يا كعب من إمارة السفهاء ).
____________________
(١) مجمع الزوائد ٥: ٢٣٨ باب في أئمة الظلم والجور وأئمة الضلالة، مسند أبي يعلى ١٣: ٤٣٦ ح ٧٤٤٠ م ٢، كنز العمال ١١: ١١٨ ح ٣٠٨٤٩ أخرجه عن الطبراني.
(٢) مسند أحمد ١: ٤٥٦، وج ٢: ٤١ ح ٤٣٥٠ ( الحديثة ).
(٣) مسند أحمد ٤: ٢٦٧، وج ٥: ٣٣٣ ح ١٧٨٨٩ ( الحديثة )، المعجم الكبير ٣: ١٨٦ ح ٣٠١٩، وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد باختلاف في لفظه ٥: ٣٦٢ ترجمة محمد بن صالح أبي جعفر الصائغ رقم ٢٨٨٦، مجمع الزوائد ٥: ٢٤٨ باب فيمَن يصدّق الأمراء بكذبهم
(٤) راجع: تاريخ بغداد ٢: ١٠٧ ترجمة محمد بن بنان الخلال رقم ٥٠٠، وج ٥: ٣٦٢ ترجمة محمد بن صالح أبي جعفر الصائغ رقم ٢٨٨٦، المعجم الكبير ١٩: ١٥٦ ح ٣٤٥.
(٥) التمهيد للباقلاني: ١٩٠.
قال: وما إمارة السفهاء، يا رسول الله ؟ قالصلىاللهعليهوآله : ( أمراء يكونون بعدي، لا يهدون بهديي، ولا يستنّون بسُنتي، فمَن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون عليّ حوضي، ومَن لم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، ويردون علي حوضي )(١) .
وملخّص القول: أنّ هذه الآيات والروايات التي قرأتها، تخبرنا عن ظهور أئمة فَسَقة، وأمراء كذّابين وحُكّام دجّالين، يحكمون بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، فهم سادة الكفر وقادة الضلالة والانحراف، وإنّهم خَوَنة خانوا الله ورسوله والمؤمنين، يسوقون أولياءهم وأتباعهم نحو الكفر، ويقتلون مخالفيهم على مخالفتهم لهم، وهم يتخذون الصلاة وأحكام الدين لعباً، فمَن والاهم على ذلك وصدّقهم وأعانهم في ذلك، فلا يمتّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بشيء، وإنّهصلىاللهعليهوآله بريء منهم، وهم في يوم القيامة مزحزَحون عن الحوض.وأمّا الذين يضادّون الخلفاء المزوّرين، والأمراء المختلقين، الذين تبرأ منهم النبيصلىاللهعليهوآله ، وكذا الذين يمتنعون عن تأييد هؤلاء ويأبون تصديقهم، فهؤلاء لا ريب أنّهم يكونون على دين النبيصلىاللهعليهوآله ، وتؤول عاقبتهم إلى الخير، ويردون حوض الكوثر في يوم الدين، ولا يخفى عليك أنّ طائفةً كبيرةً من الأمراء، الذين تصدوا إمارة المسلمين بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، لم يتحلّوا بالمواصفات والمعايير الدينية والعلمية، التي يجب تواجدها في إمام المسلمين وزعيمهم وخليفتهم؛ حتى تكون إطاعتهم واتّباعهم واجبةً وضرورة
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٤: ٤٢٢، كتاب الفتن والملاحم، باب الترهيب عن إمارة السفهاء، المعجم الكبير ١٩: ١٥٩ - ١٦٠ ح ٣٥٤ - ٣٥٦ و ٣٥٨ رواه مختصراً.
من ضروريات الدين، ومن جانب آخر فإنّه لم تنطبق عليهم الأحاديث المروية في صحاح القوم ومسانيدهم، التي تبيّن وتقصر عدد الأئمة بعد النبيصلىاللهعليهوآله على أنّهم اثنا عشر إماماً(١) ؛ ولذلك ترى أنّ طائفةً كبيرةً من المسلمين أعلنوا برأتهم من أولئك
____________________
(١) حديث الأئمة من قريش وإنّ عددهم كعدّة نقباء بني إسرائيل، وإنّهم اثنا عشر خليفةً وأميراً، حديث متواتر رواه عدّة من الصحابة، وأخرجه الكثير من أرباب الصحاح والسُنن والمسانيد والتواريخ، خاصةً الصحيحان اللذان هما أصح الكتب عند أهل السُنة بعد القرآن، وهذا الحديث حيث إنّه ثابت الصدور والصحة لقي من العناية أعلاها، وأجمع الحفّاظ على تواتره، واهتم العلماء سُنةً وشيعةً بتخريجه وتحريره، إلاّ أنّه أصبح معضلةً ومأساةً لعلماء السُنة سلفاً وخلفاً؛ ولذلك ترى الاضطراب واضح في تفسيرهم للحديث، وحالة الحيرة والتذبذب بيّنة فيهم؛ لعدم توفيقهم لبيان المعنى المراد من الحديث، والأئمة القرشيين الاثني عشر المعنيين في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حتى أنّ بعض مَن لم يحط علماً بالأخبار والأحاديث نفى صدوره عن النبي، وتخرّص بأنّ هذا الحديث من موضوعات الشيعة.
ولكي تستلهم علماً بالخبر، وتحط بالحديث فهماً، نذكر لك المصادر المعتبرة عند القوم، ومن ثمَّ نشير إلى الاضطرابات التي حصلت عندهم في تفسير هذه الأحاديث، وتعريفهم للخلفاء المعنيين.
وقبل كل ذلك نشير إلى بعض نصوص هذه الأحاديث: قالصلىاللهعليهوآله : ( يكون بعدي اثنا عشر أميراً ..كلهم من قريش ).وقالصلىاللهعليهوآله : ( لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفةً كلهم من قريش ).وقالصلىاللهعليهوآله : ( لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر أميراً من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ).وغير ذلك من النصوص.
وأمّا الذين أخرجوا هذه الأحاديث فكثيرون، نشير إلى أسماء أهمهم فقط: البخاري في صحيحه ٩: ١٠١ كتاب الأحكام باب الاستخلاف.مسلم في صحيحه ٣: ١٤٥٢ كتاب الإمارة باب (١) باب الناس تبع لقريشح ١٨٢١ - ١٨٢٢ وفيه ٨ أحاديث.
الترمذي في سننه ٤: ٤٣٤ باب ( ٤٦ ) ح ٢٢٢٣. أبو داود في سُننه ٤: ١٠٦ ح ٤٢٧٩ - ٤٢٨٠.أحمد بن حنبل في مسنده ٥: ٩٠ عن جابر بن سمرة ضمن ٣٣ حديث.أبو نعيم في حلية الأولياء ٤: ٣٣٣.
____________________
( * ) الطيالسي في مسنده: ١٠٥ ح ٧٦٧.السيوطي في تاريخ الخلفاء: ١٠ - ١١. وفحوى هذه النصوص يدل على أنّ هؤلاء الأئمة والخلفاء يأتون على التوالي، وأنّهم باقون ما بقيت الدنيا، وببقائهم استقرت الدنيا ولولاهم لماجت بأهلها ولقد حار علماء السُنة، واضطربت أقوالهم في بيان وتفسير معنى هذه الأحاديث، التي أخرجها أئمة الحديث والحفّاظ، حتى أنّك لو سألت أحدهم عن أسماء هؤلاء الاثني عشر المعنيين لرأيت العجاب، وسمعت الصعاب؛ لِما تسمع وترى في كلامه ممّا يضحك الثكلى.
قال الحافظ أبو العباس القرطبي: وقد اختُلف فيهم على ثلاثة أقوال:
أحدها : إنّهم خلفاء العدل كالخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز، ولا بدّ من ظهور مَن يتنزّل منزلتهم في إظهار الحق والعدل حتى يكمل ذلك العدد - ١٢ - وهو أَولى الأقوال.
ثانيها : إشارةً إلى مدة ولاية بني أميّة، وعدّد القائل ملوكهم فقال: أَوّلهم يزيد بن معاوية، ثمّ أتبعه معاوية بن يزيد، وقال: ولم يذكر ابن الزبير؛ لأنّه صحابي، ولا مروان؛ لأنّه غاصب لابن الزبير، ثمّ عبد الملك، ثمّ الوليد، ثمّ سليمان، ثمّ عمر بن عبد العزيز، ثمّ يزيد بن عبد الملك، ثمّ هشام بن عبد الملك، ثمّ الوليد بن يزيد، ثمّ يزيد بن الوليد، ثمّ إبراهيم، ثمّ مروان بن محمد، فهؤلاء اثنا عشر، ثمّ خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس.
ثالثها : إنّ هذا خبر عن اثني عشر خليفةً من قريش، يجتمعون في زمان واحد في آفاق مختلفة كما وقع، فقد كان بالأندلس منهم - في عصر واحد بعد أربعمِئة وثلاثين - ستة كلهم يدّعيها ويلقّب بها، ومعهم صاحب مصر وخليفة بغداد، ثمّ قال القرطبي: والأَوّل أَولاها؛ لبُعده عن الاعتراض.( المفهم لِما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤: ٨ و ٩ شرح ح ١٣٩٨ ).
وقال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود شرح سُنن أبي داود: وأمّا الخلفاء الاثنا عشر فقد قال جماعة منهم أبو حاتم بن حبان وغيره: إنّ آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكر الخلفاء الأربعة، ثمّ معاوية، ثمّ يزيد ابنه، ثمّ معاوية بن يزيد، ثمّ مروان بن الحكم، ثمّ عبد الملك بن مروان ابنه، ثمّ الوليد بن عبد الملك، ثمّ سليمان بن عبد الملك، ثمّ عمر بن عبد العزيز.وقال أيضاً: فالتحقيق في هذه المسالة أن يعتبروا بمعاوية وعبد الملك وبنيه الأربعة، وعمر بن عبد العزيز والوليد بن يزيد بن عبد الملك بعد الخلفاء الأربعة الراشدين.وقال: قد مضى منهم الخلفاء الأربعة ولابدّ من تمام هذا العدد قبل الساعة.( عون
____________________
المعبود ١١: ٣٦٢ - ٣٦٦، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥: ٣٦ ح ٦٦٥٧ ).
وقال مفسّر القوم ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى:( وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) ( المائدة: ١٢ ) بعد إيراد حديث جابر بن سمرة من رواية الشيخين: ومعنى الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفةً صالحاً، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وُجد منهم أربعة على نسق واحد، وهم الخلفاء الأربعة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند بعض الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أنّ منهم المهدي المبشّر به في الأحاديث الواردة بذكره.
ثمّ قال: وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر، الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض؛ لجهلهم وقلة عقلهم.( تفسير ابن كثير ٢: ٣٤ ).
وقال السيوطي: فقد وُجد من الاثني عشر خليفةً، الخلفاء الأربعة، والحسن ومعاوية، وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، ويُحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين؛ لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أميّة، وكذلك الظاهر لِما أُوتي من العدل، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي؛ لأنّه من آل بيت محمدصلىاللهعليهوآله ( تاريخ الخلفاء: ١٢ ).أقول: أين الثاني عشر يا جلال الدين، لابدّ أنّك لو كنت حياً في القرن الثاني عشر، لعيّنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنّه المنتظر الثاني عشر حتى يتم العدد.
وهناك علماء وحفّاظ قاموا بتوجيه هذه الأحاديث وتبريرها، وحاولوا تفسير وتطبيق الأحاديث لمعتقداتهم، وليس العكس كما هو الصحيح والمفروض، في الأخذ بما يوافق القرآن والسنة الصحيحة وترك ما خالفهما، وهذا ابن حجر تذرّع إلى أصل اجتماع الأمّة، واختلق حسب ذاك الأصل أئمةً، وجعلهم خلفاء النبيصلىاللهعليهوآله .فقال: المراد بالاجتماع انقياد بيعته، والذي وقع أنّ الناس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي، إلى أن وقع أمر الحكمينِ في صفين، فسمّى معاوية يومئذ بالخلافة، ثمّ اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسنعليهالسلام ، ثمّ اجتمعوا على وَلده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر، بل لقبل ذلك، ثمّ لمّا مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثمّ سليمان، ثمّ يزيد، ثمّ هشام، وتخلّل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز.فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر الوليد بن يزيد عبد الملك.
____________________
وقال في موضع آخر: فالأَولى أن يُحمل قوله: يكون بعدي اثنا عشر خليفةً على حقيقة البعدية، فإنّ جميع مَن ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لا تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما، وهما: معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفساً على الولاء.( فتح الباري ١٣: ١٨٢ وص ١٣ ).
أقول: لو تأمل الإنسان المنصف البصير إلى أقوال علماء السُنة في تفسير هذا الحديث، وتحديد المعنيين الاثني عشر المشار إليهم في الحديث، سواء الأقوال التي تطرّقنا إليها، أَم التي لم نشر إليها، لعرف الحيرة والاضطراب، وكذا التغريب والتشريق والتزلزل عندهم، بحيث إنّهم لم يتحدوا ولم يتفقوا على رأي واحد، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الضعف والإيراد، وإنّ التطرّق إلى كل ذلك يخرجنا عن الإيجاز المطلوب؛ ولذلك ندعو القارئ اللبيب إلى مراجعة ما كُتب في هذا الموضوع، ولكن أهم تلك النقاط المأخوذة على علماء الجمهور:
١ - إنّنا لو جمعنا بين الأقوال المذكورة التي ذُكرت فيها أسماء الخلفاء لرأيناها تزيد عن الاثني عشر.
٢ - تلاحظ أنّ بعض علماء السُنة يختلق خلفاء حسب هواه ورأيه، فينفي صحة خلافة أحدهم والآخرون يثبتونها، كما مرّ عليك في أمر خليفتهم مروان بن الحكم حيث عدّه بعضهم من الخلفاء، ونفاه البعض؛ لكونه غاصباً، فلو كان هكذا فأمر الخلفاء الذين جاءوا بعده واضح.
٣ - قيّد بعضهم شرط العدالة في الخليفة، فلو راجع القرّاء تاريخ حياة الخلفاء المذكورين، لعُرف أنّ أكثر هؤلاء الخلفاء يخرجون عن دائرة العدالة والخلافة، حتى لم يبقَ منهم إلا القليل الواحد أو الاثنين.
٤ - وآخر ما نورده من ملاحظاتنا أنّ التفسير الواقعي والمعنى الصحيح لحديث الأئمة الاثني عشر، هو معتقد الشيعة التي تذهب إلى إمامة اثني عشر خليفةً كلهم من قريش، ومن بطن هاشم، ومن العترة الطاهرة، من آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ثمّ اتهم الشيعة - كعادته - بالجهل فقال: وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر، الأئمة الذين يعتقدون فيهم الاثنا عشرية من الروافض؛ لجهلهم وقلة عقلهم ( تفسير ابن كثير ٢: ٣٤ ).
وهذه الأحاديث لمّا كانت إحدى أدلة أحقية الشيعة لإثبات صحة مذهبهم، استشكل بعض علماء السُنة في الحديث كالشيخ ولي الله المحدّث في كتابه قوة العينين في تفضيل الشيخين حيث قال: وقد استُشكل في حديث ( لا يزال ) ووجه الإشكال، إنّ هذا الحديث ناظر إلى مذهب الاثني عشرية الذين اثبتوا اثني عشر إماماً ( عون المعبود ١١: ٣٦٤).
____________________
وقال أبو الطيب شمس الحق: قلت: زعمت الشيعة - خصوصاً الإمامية منهم - أنّ الإمام الحق بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله علي، ثمّ ابنه الحسن، ثمّ أخوه الحسين، ثمّ ابنه علي زين العابدين، ثمّ ابنه محمد الباقر، ثمّ ابنه جعفر الصادق، ثمّ ابنه موسى الكاظم، ثمّ ابنه علي الرضا، ثمّ ابنه محمد التقي، ثمّ ابنه علي النقي، ثمّ ابنه الحسن العسكري، ثمّ ابنه محمد القائمعليهالسلام ( عون المعبود ١١: ٢٦٧ ).وبقي أن ألفت أنظار القرّاء الكرام، أنّ دأب ابن كثير وأشباهه من المتعصبين والمتطرفين، هو الافتراء والاتهام وإلصاق الأكاذيب على مخالفيهم، خاصةً الشيعة الإمامية الاثني عشرية.
والجدير بالذكر أنّ الشيعة يعتقدون بإمامة اثني عشر إماماً وخليفةً للنبيصلىاللهعليهوآله كلهم من قريش، ومن البيت الهاشمي، ومن عترة النبيصلىاللهعليهوآله ، وتظهر أحقية هذا المعتقد لو جمعنا هذا الحديث إلى أحاديث أخرى، مثل حديث الثقلين والكساء، وآية التطهير والمباهلة، وغيرها من النصوص الدالة، على إمامة أهل البيتعليهمالسلام .روى الحافظ القندوزي عن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي عند النبيصلىاللهعليهوآله فسمعته يقول: ( بعدي اثنا عشر خليفةً، ثمّ أخفى صوته.فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته ؟ قال: قال: كلهم من بني هاشم ).( ينابيع المودة: ٤٤٥ ).
ويؤيّد هذا الحديث قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام : ( إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم ).( نهج البلاغة: خطبة ١٤٤ صبحي الصالح ).
وإنّي لأعجب من بعض الرواة والحفّاظ الراوين لهذه الأخبار، لمّا شاهدوا فيها ما يخالف هواهم ويباين مسلكهم حرّفوها أو تغافلوها؛ ولذلك تراهم يقولون: خفي عليّ، أو نسيت، أو لم أفهم، أو أخفى صوته، أو عبارات أخرى ممّا تدل على تعتيم الحقائق وتحريف الوقائع.
والدليل الآخر على اختصاص هذا الحديث بأئمة أهل البيتعليهمالسلام دون غيرهم، هو أنّ بعض الأحاديث يشير أنّ الخلافة ممتدة إلى قيام الساعة، فإذا راجعنا حديث الثقلين الذي يومئ إلى عدم افتراق الكتاب والعترة إلى قيام يوم الدين، وإنّهما الوديعتان اللتان جعلهما النبيصلىاللهعليهوآله في أمّته، وقالصلىاللهعليهوآله : ( إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ).ومن جهة أخرى، فلو سلّمنا بأنّ أحاديث العامة التي تروي بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أكّد على اتّباع
____________________
سُنة الخلفاء من بعده صحيحة وسليمة عن النقد والأخذ، وهذه الأحاديث التي نقلناها لك تؤكّد بأنّ خلفاءه هم اثنا عشر بالعدد، وفي طائفة أخرى أفصح النبيصلىاللهعليهوآله قائلاً: ( من بني هاشم، أو عترتي ) فهل يبقى حينئذ شك أو ريب في موالاة واتّباع الأئمة من آل الرسولصلىاللهعليهوآله والانقياد لهم، أو في عدم تبعية غيرهم؛ لأنّهم ليسوا من بني هاشم ولا من العترة ؟ وقد قلنا آنفاً: إنّ التفسير المجسّد في الواقع الخارجي لهذه الروايات الناطقة بالوصف - من بني هاشم - وبالعدد - اثنا عشر - لا يتأتى إلاّ في أئمة أهل البيت الاثني عشر، الذين تقتدي بهم الشيعة في فقهها وتفسيرها وعقائدها وأحكامها، كما أشار إلى ذلك الحافظ القندوزي الحنفي روايةً عن عباية بن ربعي، عن جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( أنا سيد النبيين، وعلي سيد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر: أَوّلهم علي، وآخرهم القائم المهدي ).وأضاف الحافظ قائلاً: قال بعض المحقّقين: إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعدهصلىاللهعليهوآله اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، عُلم أنّ مراد رسول اللهصلىاللهعليهوآله من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته؛ إذ لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه؛ لقلتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية؛ فإنّ سلطانهم ملك وليس بخلافة كما في بعض الروايات، ولزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: ( كلهم من بني هاشم ) في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته في هذا القول يرجّح هذه الرواية، ولا يمكن حمله على الملوك العباسيين؛ لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم الآية( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ( الشورى: ٢٣ ) وحديث الكساء، فلابدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترتهعليهمالسلام ؛ لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلّهم، وأورعهم، وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم من آبائهم عن جدهمصلىاللهعليهوآله وبالوراثة اللدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق.ويؤيّد هذا المعنى - أي أنّ مراد النبيصلىاللهعليهوآله الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته، ويشهد به ويرجّحه - حديث الثقلين والأحاديث الكثيرة المذكورة في هذا الكتاب وغيره، وأمّا قولهصلىاللهعليهوآله : ( كلهم تجتمع عليه الأمّة ) في رواية جابر بن سمرة فمرادهصلىاللهعليهوآله أنّ الأمّة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم ( ينابيع المودة: ٤٤٦ ).
الأمراء، وكشفوا عن مخالفتهم لهم بأنّها وظيفة دينية وتكليف شرعي، وعلى هذا الأصل قاوموا خلفاء الزور وحاربوهم حتى الموت والشهادة.
وملخّص الكلام: أنّ الله عزّ وجل وكذا رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله حذّرانا - نحن المسلمين - بأنّه سيظهر بعد النبيصلىاللهعليهوآله خلفاء جور وزور لا إيمان لهم، يبطنون الكفر، ويترقّبون بالإسلام والمسلمين الدوائر، وهم دعاة الباطل والضلال تماماً كما كان في العصور قبل ظهور الإسلام وحتى بعده، حيث ظهرت آلهة مصطنعة ونبوءات مزوّرة، ضلوا وأضلوا الناس السذّج، وساقوهم إلى الكفر والشرك والانحراف والفساد، فعلى هذا فلا ينبغي أن يكتفى بالبراءة منهم وعدم إطاعتهم واتّباعهم فحسب، بل يجب جهادهم وقتالهم ومحاربتهم، ومن هنا عرفنا أنّ في مقابل الأئمة الهداة الصادقين، والخلفاء الذين توفرت فيهم شرائط الإمامة الصحيحة ومواصفات الخلافة القويمة، ثَمَّة أئمة مختلقَون وخلفاء مزوّرون، ظهروا في المجتمع، وفرضوا على الناس شتى أنواع الظلم والجور، وألزموهم بالانقياد إلى العقائد المبتدعة والمنحرفة في المجالات العقائدية والعملية، وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدل على أنّه ليس كل مَن ادّعى الخلافة والإمامة، فهو مُحق في دعواه وصادق في ذلك.
____________________
وخلاصة القول: أنّ الأخبار الواردة في هذا الموضوع، هي من الأدلة القاطعة والنصوص الجليّة الواضحة على أحقية مذهب الشيعة الاثني عشرية وبطلان غيرهم؛ وذلك لأنّ هذه الأحاديث لا تنطبق أصلاً وعقلاً على ما تعتقده العامة، وسائر المذاهب الأخرى؛ لأنّهم إمّا يعتقدون بأقل من اثني عشر إماماً أو أكثر.
ويؤيّد أحقية الشيعة أيضاً حسب هذه الأحاديث، ما ورد من الأحاديث الأخرى المتواترة والمتضافرة من أنّ الأمّة تفترق على سبعين ونيف فرقة كلها في جهنم عدا واحدة، وقد رأينا أنّ جميع المذاهب تخالف الشيعة في أصولها وفروعها، فهل يعقل أنّ الشيعة وحدها تكون في جهنم وسائر المذاهب هي الناجية ؟ وهذا مناقض لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتدبر.( المعرّب ).
والجدير بالذكر أنّ كل ما حذّرنا الله عزّ وجل منه، ونبّأنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأنّه سوف يقع، قد وقع وتحقّق ظهوره واحداً تلو الآخر عقيب وفاتهصلىاللهعليهوآله مباشرةً، ولو راجعنا التاريخ الإسلامي لرأينا أنّه يسرد لنا أسماء أكثر من مِئة شخص، ظهروا في المجتمع وادّعوا الخلافة والإمامة الإسلامية(١) ، وأنّ هناك أكثر من سبعة وعشرين شخصاً، ظهروا في المجتمع الإسلامي منذ وفاة النبي الكريمصلىاللهعليهوآله حتى القرن الثالث، وفي مختلف نقاط العالم الإسلامي وغيره تسمّوا بالمهدي، ومع أنّنا قد خلّفنا وراءنا
____________________
(١) أ - الذين تقلّدوا الخلافة بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله في سنة ١١ ه- حتى ٣٦ ه- ثلاثة خلفاء حيث وصلت الخلافة إلى صاحبها الأَولى بها.
ب - ١٥ خليفةً من بني أميّة وبني مروان حكموا الشام ٩٧ عاماً: بدواً من معاوية وانتهاءً بمروان الحمار.
ج - ١٧ خليفةً من بني أميّة حكموا الأندلس ٢٩ عاماً: بدواً من عبد الرحمن بن معاوية إلى هشام بن عبد الملك.د - ٣٧ خليفةًَ من بني العباس حكموا العراق وخراسان ٥١٩ عاماً: بدواً من السفاح وانتهاءً بالمعتصم العباسي.
ه- - ١٥ خليفةً من بني العباس حكموا مصر ٢٢٨ عاماً: بدواً من المستنصر بالله حتى المتوكل على الله.
و - ١٤ خليفةً من الفاطميين ( العبيديين ) حكموا مصر ٢٧١ عاماً: بدواً من عبيد الله المهدي حتى زمن العاضد لدين الله، ومن ثمَّ اقتُلعت جذور حكومتهم.ز - خلفاء وسلاطين العثمانية الذين حكموا في تركيا، وقد عدّ مؤلّف كتاب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية عشر خلفاء منهم فقط، ومنذ ذلك التاريخ حتى عام ١٩٢٣ من الميلاد، حيث ثار عليهم العميل البريطاني أتاتورك، فأباد خلافتهم وأقام حكومةً علمانيةً.ح - خلفاء وأئمة المذهب الزيدي في اليمن، وهؤلاء يعتقدون بإمامة الإمام أمير المؤمنين علي وابنيه، والإمام علي بن الحسين زين العابدين، ومن بعده يوالون مَن ينهض ضد خلفاء الجور والسلاطين حاملاً سيفه مُعلناً الجهاد ضدهم، ويعتقدون فيه بأنّ هذا هو الإمام الحق، وإن كان هذا المذهب قد تفرّع من الشيعة، إلاّ أنّ آدابهم وعقائدهم لا تمتّ إلى الشيعة الإمامية الاثني عشرية بشيء.وأمّا في الأحكام والفقه فإنّهم يتّبعون أبا حنيفة إمام أهل السُنة.
النصف الأَوّل من القرن الخامس عشر، فما زلنا نرى البعض يدّعون المهدوية(١) ، وقد تبعهم في ذلك فئات كثيرة من مختلف المذاهب الإسلامية، ولمّا كانت قلوبهم قد ملئت بالعصبيات والأحقاد ضد آل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشيعتهم، ما عساهم أن يفتحوا أبصارهم على ما هم عليه من التيه والزيغ، ويقوموا بالبحث والتحقيق في موضوع الإمامة ومعرفة الإمام، وسار على هذا النمط أيضاً بعض الفِرق المنتسبة إلى الشيعة مثل، الإسماعيلية، والزيدية، والمتصوّفة من الشيعة - أتباع محيي الدين بن العربي وأحمد الغزالي - وسائر أقطاب الصوفية - من أتباع الخلفاء المختلقين - المتحرّين عن معرفة الإمام المهدي الحق ؟ الذي إنكاره وعدم معرفته مساوق للميتة الجاهلية، كما ورد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: ( مَن مات ولم يعرف إمامَ زمانهِ ماتَ ميتةً جاهليةً )(٢) .
____________________
(١) ظهر في أطراف البلاد الإسلامية منذ القرن الثاني حتى القرن الرابع عشر الهجري، سبعة وعشرون رجلاً كلٌّ منهم يدّعي أنّه المهدي المنتظر والإمام الموعود، وآخرهم هو محمد القادياني المعاصر لعلي محمد الباب الشيرازي، حيث ادّعى الأَوّل بأنّه المهدي الموعود في أرض الهند، وادّعى الثاني هذه الدعوة في إيران، ولا يخفى أنّ كلا هذين الرجلين هما من مرتزقة بريطانيا وعملائها، وما زال فئات من الناس يتّبعونهما، ويوالونهما على انحرافهما وخروجهما عن الدين، وظلّوا يواصلون دربهما، مع أنّه قد انكشف بعد هلاكهما ودفنهما في مزابل التاريخ، ما كانا يبطنان من نوايا خيانية، وخطط جنائية ماكرة، وعقيدة هؤلاء لا تمتّ إلى الإسلام بشيء، بل إنّ عداءهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين يبدو جلياً وأظهر من الشمس.
(٢) هذا الحديث من المتواترات التي صحّحها علماء الفريقين، رواه بعض الصحابة وأخرجه أكثر من سبعين محدّث ومفسّر ومتكلّم من أهل السنة، وإليك أيّها القارئ الكريم والمسلم المنصف طرفاً من طرق هذه الرواية: روي هذا الحديث بألفاظ أخرى عاضدة للفظ المشهور مثل ( مَن مات وليس في عنقه بيعة ماتَ ميتةً جاهلية )، ( مَن مات وليس عليه طاعة مات ميتةً جاهلية )، ( مَن ماتَ ولا إمام له مات ميتةً جاهلية )، ( مَن ماتَ وليس لإمام جماعة عليه طاعة ماتَ ميتةً جاهلية )، وألفاظ أخرى أخرجها أحمد بن حنبل في المسند ٣: ٤٤٦ و ٤: ٩٦، ومسلم في الجامع
____________________
الصحيح ٣: ١٤٧٨ ح ٥٨، وابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد ٥: ٢١٨ وما بعده، وأبو داود طيالسي في مسنده: ٢٥٩، والبيهقي في السُنن الكبرى ٨: ١٥٦، وابن كثير في تفسيره ١: ٥١٧ وغيرهم، أخرجوه عن معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عمر وغيرهما من الصحابة والتابعين.
هذا ما أثبته أرباب الصحاح والمسانيد، وهو حقيقة ساطعة وواضحة فلا نَدحة إلاّ البخوع لمفادها، ولا يتم إسلام مسلم إلاّ بالنزول لمؤدّاها، ولم يختلف في هذا الأمر اثنان، ولا أحد من أتباع المذاهب الإسلامية يخالجه الشك في صدوره عن النبيصلىاللهعليهوآله ، والترديد بمفاده والأخذ به، سوى بعض فقهاء الوهابية، الذين دأبهم إنكار الضروريات، والتشكيك في البديهيات، وتعتيم الواقعيات، كالجبهان في تبديد الظلام ص ٧٢.
وفي مفاد هذا الحديث نقاط هامة ودقيقة عديدة، نشير إلى بعضها؛ لكي يُعلم السبب والعلة التي من أجلها أنكر عملاء الوهابية المتحجّرة صحة الحديث، بل صدوره عن النبي وثبوته في الكتب.
١ - ما المراد من ميتة الجاهلية ؟ لا يخفى أنّ الجاهلية شر مرحلة مرّ بها الإنسان؛ حيث كانت الأوثان فيها تُعبد من دون الله، والناس في ذاك العهد على شر دين، والكفر يومذاك قد أَطبق وبسط ظله على الناس؛ ولذلك عبّر الدين بالارتداد والتعرّب بعد الهجرة رجوعاً وبخوعاً إلى اللاقيم الجاهلية.
فعلى هذا فمَن مات ولم يكن في عنقه عهد من الخليفة المنصوص، والإمام المعيّن الذي أشار القرآن الكريم ورسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى اسمه وخصاله في أحاديث السُنة، فقد خرج عن الدين وموتته شر ميتة، وهي ميتة كفر وإلحاد وشرك.
٢ - تساؤلات بحاجة إلى إجابات دقيقة، وهنا نسأل: ما هي الموتة التي مات عليها معاوية بن أبي سفيان ؟ وعن أي إمام مات ؟ وبيعة أي إمام حي كانت في عنقه ؟ وهل كان هناك إمام مفروض الطاعة والواجب بيعته نصاً وإجماعاً غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟ فالتاريخ يشهد أنّه لم يبايع الخليفة المنصوص والمجمع عليه، وإلاّ فما تأويل محاربته للإمام ومناوئته له ومنازعته في أمر الخلافة ؟ فهل كان معاوية ناسياً لهذه الرواية وهو من رواتها ؟ أَليس أنّه طوى تلكم السنين وليس في عنقه بيعة لإمام ؟ وقد ورد أنّه لا يحلّ لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه بيعة لإمام.فعلى هذا فإن مات معاوية والحالة هذه مات ميتةً جاهلية، أو أنّه - كما يزعم البعض - كان
تلاحظ أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قد بيّن وشيّد قولاً وعملاً في تعريف الإمام الحق، المتكاملة فيه شروط الإمامية، والتجنّب عن اتّباع وإطاعة الأئمة الكذّابين وأدعياء الإمامة، والتورّع عن حمل الأوزار والتبعات، وقد حذّر النبيصلىاللهعليهوآله أمّته عن الولوج في الضلالات والانحرافات بحيث إن
____________________
يرى ويجتهد أنّ هذه الكلية في كلام النبيصلىاللهعليهوآله لم تشمله، وأنّه مستثنى من هذه الكلية، بينما الرواية صريحة في التعميم، وليس فيها استثناء فتدبّر وتأمل.
ونسأل ثانيةً: وردت أحاديث عديدة وروايات متواترة تصرّح، بأنّ الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراءعليهاالسلام قضت نحبها، وليس في عنقها بيعة لمَن تقمّص الخلافة بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، بل ماتت وهي واجدة وغاضبة عليه، فيا ترى هل ماتت فاطمة ميتةً جاهلية ؟ بينما تقرأ في القرآن أنّ الله طهّرها من الأرجاس، وإنّها كانت ممّن باهلَ بهم النبيصلىاللهعليهوآله النصارى، وقد قال النبيصلىاللهعليهوآله : إنّها بضعة منه، وإنّ الله يغضب لغضبها، ويرضى لرضاها، ويؤذيه تعالى ورسوله ما يؤذيها، وهكذا بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، الذي لم يبايع خليفة السقيفة طيلة حياة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ؟.فعلى هذا، فهل أنّ الصدّيقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ماتت على غير دين أبيها، وكانت موتتها موتةً جاهلية؛ لأنّها ما بايعت الخليفة أبا بكر، ولم تعترف له بالخلافة، أم أنّها ماتت على دين أبيها ؟! فلا يمكن أن يُتصور الشق الأَوّل وأنّ فاطمة ماتت ميتةً جاهلية، وهي قد نزل في شأنها ما يدلّ على عصمتها ونزاهتها عن كل ذنب ورجس، حتى ولو كان صغير، فعلى هذا يبقى الشق الثاني، وهو أنّها ماتت على دين أبيها.
وهنا يرد سؤال آخر: هل أنّ فاطمةعليهاالسلام - التي لم تبايع الخليفة المزعوم، وليس له في عنقها بيعة - كانت مخطئةً وغير مصيبة أم أنّها كانت مصيبةً، وأنّ خلافة أبي بكر لم تكن صحيحةً ؟ فإن قلنا بالأَوّل وإنّ فاطمةعليهاالسلام كانت مخطئةً فهذا يعني مخالفة النص القرآني الصريح وتخطئته؛ حيث إنّه نصّ على طهارتها في آية التطهير.
نعم يا أخي القارئ، فإنّ في هذا الموجز نكات ودقائق يجب الالتفات إليها بدقة وتأمل، ولا يفوتنّك بعدها الإذعان إلى الحق والصواب.والجدير بالذكر أنّ فاطمة ماتت وفي عنقها بيعة للإمام المنصوص بالنص القرآني والنبوي - يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام -.( المعرّب ).
داهمتهم المنية، وماتوا وهم يجهلون إمامهم الحق ولم يعرفوه، فإنّهم يموتون على دين الجاهلية، ويحشرون مع الكفار والمشركين الوثنيين وهنا يُطرح سؤال: مَن هو الإمام المنشود الذي يخلف النبيصلىاللهعليهوآله ، والمنزّه عن جميع المعايب والنواقص والانحرافات، والذي عدم معرفته مساوٍ للميتة الجاهلية؟.
وفي الجواب على هذا السؤال نقول
أَوّلاً : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب؛ فإنّه أَوّل مَن آمن بي، وأَوّل مَن يصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو فاروق هذه الأمّة يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب الدين)(١) .يستفاد من قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنّ ذاك الإمام المنشود هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، الذي دلّت على طهارته وتنزيهه من النقائص والضعف والانحرافات، أحاديث متواترة ومتضافرة، وتصريحات تاريخية وردت في كتب أهل السنة.
____________________
(١) الاستيعاب ٤: ١٧٤٤ ترجمة أبي ليلى الغفاري رقم ٣١٥٧، أسد الغابة ٥: ٢٨٧ ترجمة أبي ليلى الغفاري، الإصابة ٧: ٢٩٣ باب الكنى ترجمة أبي ليلى الغفاري رقم ١٠٤٨٤، كنز العمال ١١: ٦١٢ ح ٣٢٩٦٤ أخرجه عن أبي نعيم، لسان الميزان ٢: ٤١٤ ترجمة داهر بن يحيى الرازي رقم ١٧٠٤ وفيه: ( فمَن أدركها فعليه بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب )، إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون ٢: ٩٤، المناقب للخوارزمي: ١٠٤ باب (٨) ح ١٠٨، مناقب سيدنا علي: ٥٩، ميزان الاعتدال ٢: ٣ ترجمة داهر بن يحيى الرازي رقم ٢٥٨٧.
وروى السيوطي في اللآلئ المصنوعة ص ٣٢٤ من الجزء الأَوّل عن ابن عباس أنّه قال: ( ستكون فتنة فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول وهو آخذ بيد عليعليهالسلام : هذا أَوّل مَن آمن بيوهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي أُوتى منه، وهو خليفتي من بعدي ).( المعرّب ).
ويستفاد منه أيضاً، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمر أُمّته بمشايعة عليعليهالسلام واتّباعه.
ثانياً : مع غض الطرف عن الاختلافات الموجودة في مسالة الإمامة والخلافة بين أهل السنة والشيعة، حيث إنّ الشيعة تعتقد في الخليفة الحق بعد النبيصلىاللهعليهوآله النص، وقد ثبت ذلك لعليعليهالسلام وأبنائه الأحد عشر، واحد بعد واحد حتى آخرهم الإمام المهدي الحجّة الغائب عن الأنظار، ويستدلون على إثبات عقيدتهم هذه بالآيات الباهرة، والأحاديث الزاهرة - المروية في كتب الحديث والتاريخ والأخلاق والكلام المعتبرة عند أهل السنة -.
وأمّا أهل السُنة فيذهبون إلى أنّ كل مَن ادّعى الخلافة فهو الخليفة والإمام الحق الواجب الإطاعة، بدواً من أبي بكر حتى المعتصم العباسي آخر حكّام بني العباس، وعلى هذا قالوا بأنّ علياًعليهالسلام هو رابع خلفائهم.
ولو درست التاريخ بدقة لرأيت أنّ كل مَن تقلّد الخلافة، وتقمّص الإمامة، سواء الذين تقدّموا علياًعليهالسلام ، أو تأخروا عنه، قد أذعنوا واعترفوا بأفضلية عليعليهالسلام التامة، وبأنّهعليهالسلام هو صاحب الحق في خلافة النبيصلىاللهعليهوآله ، وأنّه هو الإمام والخليفة بعده، ولو نفرض أنّ الشيعة أغمضت الطرف عن تلك الأدلة الواضحة في إثبات أحقية الخلافة لعليعليهالسلام ولم تتمسّك بها، واستغنت عنها في احتجاجاتهم واستدلالاتهم على أولوية الإمام عليعليهالسلام ، وأنّه هو الخليفة الحق بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، لكفتهم في إثبات معتقدهم في موضوع إمامة الإمام عليعليهالسلام تلك الاعترافات والتصريحات، التي أدلى بها خلفاء أهل السنة والمناوئين لعليعليهالسلام ، التي رواها علماؤهم في كتبهم.
وبتعبير آخر: إذا تغاضينا لإثبات إمامة الإمام عليعليهالسلام ، وخلافته بعد النبي عن تلك الثلاثمِئة آية، التي نزلت بشان عليعليهالسلام كما قال الصحابي عبد الله بن عباس ،
ورواها المفسّرون من الفريقين(١) ، ولم نحتج بالأحاديث الصحيحة المروية في سُنن أهل السنة ومجاميعهم، التي رووها بشان الإمام عليعليهالسلام ، والتي تبيّن فضائله ومناقبه، والتي هي أضعاف أضعاف تلك الآيات، ولم نتمسّك بالروايات التي تربو على المئات، والتي تروي لنا مناشدات الإمام عليعليهالسلام واحتجاجاته على خصومه، ممّا رواه حفّاظ أهل السُنة.
وكذا لو أغمضنا الطرف عن تاريخ حياة الإمام المهتضم حقه، الذي كتبه وسطّره مفكرو أهل السُنة، والحافل بالقيم الإسلامية، بل واعتبرنا تلك الكتب مثل سائر الكتب القصصية والروائية التي تلفت ونسيت.
وأخيراً فإذا لم نلتزم بتلك الاعترافات والتصريحات، التي صرّح بها كبار صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، في شأن عليعليهالسلام وأفضليته وخلافته الحقة بعد النبيصلىاللهعليهوآله .وكذا لو تركنا تلك الكتب والرسائل القيمة، التي كتبها علماء أهل السُنة ومحققوهم الأعاظم بشتى اللغات والأساليب العلمية والحديثية والأدبية والتاريخية، في بيان شخصية الإمام عليعليهالسلام وفضائله، والتي تتجاوز هذه الكتب والرسائل حدّ الإحصاء، سواء ما أُلّف مستقلاً أو ضمنياً(٢) ، وجعلنا كل ذلك في أرشيف التاريخ، وبعد كل هذا، توجهنا إلى ما نُقل من اعترافات مخالفي عليعليهالسلام وأعدائه وتصريحاتهم - كما تكفّل هذا الكتاب ببيانها، والاحتجاج بها على الخصم - لكفانا ذلك في إثبات أولوية الإمام عليعليهالسلام وأحقيته للإمامة، وإنّه الوصي والخليفة
____________________
(١) تاريخ الخلفاء: ١٧٢.
(٢) لقد صنّف العلاّمة المحقّق السيد عبد العزيز الطباطبائي في هذا المضمار كتاباً أسماه ( أهل البيت في المكتبة العربية )، ونشرته مؤسسة آل البيت، وذكر فيه أسماء ما يربو على ٨٥٦ كتاباً مطبوعاً ومخطوطاً يتعلق بالموضوع، وكذلك كتاب ( أصالة المهدوية في الإسلام ) لمؤلّف هذا الكتاب حيث يذكر أسماء ١٥٢ ذكر السيد الطباطبائي ٦٦ كتاباً منها في كتابه الآنف الذكر، فيكون مجموع ما ذُكر في الكتابين هو ٩٤٢ كتاب.
المفترض الطاعة بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، ويتلوه أولاده الأئمة الحق، والخلفاء بالنص الواجب اتّباعهم والتشيع لهم، وهكذا فلو التزم السُني بهذه الاعترافات التي نُقلت في كتب علمائه، والمروية عن خلفائه - الذين يعتقد بصحة خلافتهم - لعرف أنّها أثبت حجة عليه، وأذعن للحق، وآمن بأنّ علياًعليهالسلام هو الإمام الحق والخليفة الأَوّل، وأمّا إذا ترك الإذعان والالتزام بهذه التصريحات والاعترافات، فلا شك أنّه ليس تابعاً للخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان، وليس هو من شيعة عليعليهالسلام كذلك، وسوف تشمله الرواية المتواترة عن النبيصلىاللهعليهوآله : ( مَن ماتَ ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية ).
وعلى هذا سنوافيك أيّها القارئ ببعض تلك الأحاديث والاعترافات، التي رويت عن خلفاء أهل السُنة في المجالات العلمية وغيرها، قد استخرجناها من مصادرهم ومراجعهم المعتمد عليها عندهم، راجين من الله عزّ وجل وقرّائنا قبولها.
مهدي الفقيه الإيماني ١٥ / ٢ / ١٤١٦ ه-.ق
محتويات الكتاب
١ - التطرّق إلى الأحاديث التي رواها خلفاء أهل السُنة الراشدون، وبعض حكّام بني أميّة وبني العباس، عن النبيصلىاللهعليهوآله ، فيما يختص بشان الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، والتمسّك بها للاحتجاج على غيرهم.
٢ - سرد اعترافاتهم بما امتاز به الإمام عليعليهالسلام من الفضل والخصائص التي لا تُحصى كثرةً، خاصةً الاعترافات التي تمّت بأمر خلافته وولايته بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، مثل الفضائل العلمية والتقوائية والأخلاقية، والمناقب السياسية والحماسية والأدبية، واعترافهم بدوره في مؤازرته للنبيصلىاللهعليهوآله في دعوته، وتقويم جذور الإسلام.
٣ - نقل إرجاعات الخلفاء الراشدين إلى الإمام عليعليهالسلام ، واستفسارهم منه في شتى المسائل العلمية والدينية، ومشورتهم إيّاه في الأمور السياسية، والتماسهم منه الحلّ والجواب في معضلاتهم، وأجوبة الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، التي حيّرت العقول على أسئلة علماء اليهود والنصارى - وكذا المسلمين - التي كانت تُطرح على الخلفاء الراشدين والحكام، وهم على أريكة الاقتدار فيعجزون عن جوابها، ويرجعون فيها إلى الإمام عليعليهالسلام .
الإمام عليعليهالسلام في رأي الخليفة أبي بكر
أخرج الإمام أحمد بن حنبل وغيره، من المحدّثين والمؤرّخين من أهل السُنة بإسنادهم عن أبي بكر: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله بعثه بالبراءة لأهل مكّة، وإبلاغهم ببعض الآيات من سورة التوبة، وفيها - أيضاً - لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلاّ نفس مسلمة، ومَن كان بينه وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآله مدة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله، فسار بها ثلاثاً متوجهاً نحو مكّة، ثمّ قالصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : ( الحقه فردّ عليّ أبا بكر وبلّغها أنت.قال: ففعل - عليعليهالسلام - ما أمر، فلمّا قَدم أبو بكر على النبيصلىاللهعليهوآله بكى فقال: يا رسول الله، حدث فيّ شيء ؟ قالصلىاللهعليهوآله : ما حدث فيك إلاّ خير، ولكن أُمرت أن لا يبلّغه إلاّ أنا أو رجل مني )(١) .
قال العلاّمة الأميني: هذه الإثارة أخرجها كثير من أئمة الحديث وحفّاظه، وعدّد منهم ٧٣ نسمةً(٢) .
____________________
(١) مسند أحمد بن حنبل ١: ٣ و ١: ٧ ح ٤ من الطبعة الحديثة، كفاية الطالب: ٢٥٤ باب ( ٦٢ ).
أخرجه عن أحمد بن حنبل، والحافظ أبي نعيم، وابن عساكر، البداية والنهاية ٧: ٣٥٧ - ٣٥٨ وفيه: أو ( رجل من أهل بيتي )، البيان والتعريف ١: ٣٧٨ ح ٤٤١ أخرجه عن أحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وأبي عوانة، أنساب الأشراف ٢: ٨٨٦.
(٢) الغدير ٦: ٣٣٨ - ٣٥٠.
وقد زاد العلاّمة المرعشي التستري على هذا العدد آخرين من مؤلفي أهل السُنة(١) ، يمكن لمَن يراجع كتابه إحقاق الحق أن يستزيد معرفةً وعلماً إلى علمه.
ذِكراً: أنّ رواة هذه القصة أكثر من اثني عشر صحابياً، غير أبي بكر ممّن رووا حديث البراءة، ولكن اعتراف وإقرار أبي بكر بنفسه، بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله عزله عن القيام بهذه المهمة الدينية، ذات أهمية كبرى وكرامة عظمى للإمام عليعليهالسلام ، وأنّ هذا العزل لم يكن إلاّ بأمر إلهي، أوحي إلى النبيصلىاللهعليهوآله بأن يعزل أبا بكر وينصّب علياًعليهالسلام مكانه؛ للقيام بهذه المهمة وإبلاغ البراءة لأهل مكة، وأنّ علياًعليهالسلام قد أدى هذا الأمر بأبلغ وجه وأتمه - كما مرّ في الحديث -.
روى مِئة وعشر من كبار صحابة النبيصلىاللهعليهوآله ، وثمانون وأربع راوٍ من التابعين، وكذا أخرج ما يربو عن أربعمِئة عالم ومحدّث ومفسّر ومؤرّخ ورجالي، وكثير من رجال العلم والأدب المعتمد عليهم عند أهل السُنة(٢) .
وكذا صنّف أكثر من مِئة وأربع وثمانين كتاباً ورسالةً، بلغات مختلفة عربية وفارسية وهندية وأجنبية، فيما يخص مسالة الغدير، وقد طُبعت أكثرها، وبعضها تكرّر طبعه حتى وصل إلى
____________________
(١) إحقاق الحق ٣: ٣٩٩ سورة التوبة.
(٢) ومَن أراد الاستزادة من التفصيل، ومعرفة أسماء رواة حديث الغدير، وأسماء الحفّاظ والمصادر التي أخرجت هذا الحديث، فليراجع موسوعة الغدير للعلاّمة الأميني المجلد الأَوّل ص ١٤ - ١٥٨، حيث إنّه روى عن ثلاثمِئة وستين عالماً، وستة وعشرين كتاباً، من علماء أهل السُنة وكتبهم، واستقصى العلاّمة التستري في كتابه القيم إحقاق الحق المجلد الثاني ص ٤١٥ - ٥٠١ رواة هذا الحديث حتى أوصل ذلك العدد إلى أربعمِئة راوٍ.
خمس مرات أو أكثر(١) .
وحديث الغدير هو:
لمّا كان النبيصلىاللهعليهوآله راجعاً من حجّته - حجّة الوداع - وذلك في السنة العاشرة الهجرية، نزل عليه الوحي يأمره بإكمال الدين، يعني تبليغ تلك المسألة المصيرية، أي تعيين الإمام والخليفة من بعده، فأمر الناس بتجهيز مقدمات ذاك الأمر، مثل الإعلان بتريّث المسلمين الحجاج، وتوقّفهم في محل يُعرف بغدير خم، وهو مفترق الطرق المؤدّية إلى مكة والمدينة وغيرها، وأمرصلىاللهعليهوآله بإرجاع الذين سبقوا الآخرين بالذهاب وإيقاف القادمين، حتى تجمّع آنذاك في ذاك المحل مِئة وعشرون ألف حاجّاً من شتى أقطار البلاد الإسلامية.
وكان ذلك اليوم يوماً حاراً هاجراً شديد الرمضاء، والشمس ساطعة حرارتها على رؤوسهم، وقد اشتعلت أرض الحجاز، فأمرهم النبيصلىاللهعليهوآله ، بأن يصنعوا له من جهاز الجمال والمراكب مكاناً مرتفعاً كالمنبر، حيث يراه الحاضرون جميعاً ويسمعون كلامه، فوقف النبيصلىاللهعليهوآله على ذاك الموضع المنبري، وخطب الناس خطبةً غرّاء، وقال فيما قالهصلىاللهعليهوآله :
( أيّها الناس.مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله)، وغير ذلك من العبارات الباهرة، حيث شبّه النبيصلىاللهعليهوآله علياًعليهالسلام بنفسه، وبأنّه ولي الناس والقائم بأمرهم، وطاعته فرض واجب، وأنّه الخليفة من بعده، ولكي يصدّ أمام ملابسات المنافقين، وشبهات المخالفين، لمولوية الإمام عليعليهالسلام وخلافته، أخذ بيد عليعليهالسلام ورفعه عالياً، حيث يراه جميع الحضّار والمجتمعين في هذا المؤتمر العالمي، ثمّ دعاصلىاللهعليهوآله لمَن يتولى علياً وينصره، ولعن مَن عاداه وخذله، وبعد ذلك أمر
____________________
(١) الغدير للعلاّمة المحقّق السيد عبد العزيز الطباطبائي: ٢٣ - ٢٣٣.
الناس الذين اجتمعوا في هذا المؤتمر، بأن يقوموا فرداً فرداً ويبايعوا علياً، ويسلّموا عليه بالإمرة والخلافة طوعاً.وقد طالت هذه البيعة من ضحى ذاك اليوم حتى غروبه، وحتى نساء النبيصلىاللهعليهوآله وسائر المؤمنات جِئنَ فوضعنَ أيديهنّ في الطشت - الذي وضع أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام يده فيه - وهو خلف الخيمة فبايعنَه على الخلافة والولاية، وبهذه الطريقة أعلن المسلمون آنذاك بأجمعهم التزامهم، بالانقياد والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
هذه خلاصة حديث الغدير.أبو بكر يروي حديث الغدير: ولمّا كان موضوع كتابنا هذا، هو نقل روايات الخلفاء واعترافاتهم، التي أقرّوا بها بأولوية الإمام عليعليهالسلام ، يجدر بنا أن نلفت أبصار القرّاء الكرام إلى حقيقتين مهمتين، بلغتا من الأهمية حدّها الأقصى، حتى يذهب الزَبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس:
الأُولى : قال أكثر الحفّاظ والمؤرّخين السنيين، الذين رووا حديث الغدير في كتبهم ورسائلهم، أو صنّفوا كتاباً مستقلاً وخاصاً بموضوع الغدير: إنّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا في مقدمة الرواة لحديث الغدير، الذين نقلوا قول النبيصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : ( مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه ).
الثانية : روى أكثر من ستين عالماً وحافظا ومؤرّخاً، بأنّ أبا بكر وعمر هما أَوّل مَن بارك وهنّأ علياً بالخلافة والولاية، وقالا له: بخ بخ لك يا علي، أو قالا له: أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن، وذلك عندما انتهت مراسيم حفل الغدير، وإعلان النبيصلىاللهعليهوآله بأنّ علياً هو مولى المؤمنين، وبعد ما أمر الناس بالبيعة لعليعليهالسلام .
وممّن روى حديث الغدير - حديث ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه ) - عن أبي بكر:
١ - الحافظ ابن عقدة - ٣٣٣ ه- قد روى عن مِئة وخمس صحابياً رووا حديث الغدير، ويذكر في كتابه ( حديث الولاية ) أسماء الرواة وقبائلهم، ثمّ يخص بالذكر ثمانية عشر راوٍ دون أن يذكر خصائصهم، ثمّ يقول: إنّ أَوّل مَن روى حديث الغدير هو أبو بكر بن أبي قحافة التيمي - ١٣ ه-(١) .
٢ - القاضي أبو بكر الجعابي - ٣٥٦ ه- روى حديث الغدير عن مِئة وخمس وعشرين طريقاً من الصحابة، منهم أبي بكر(٢) .
٣ - واستخرج العلاّمة منصور اللاتي الرازي - من أعلام القرن الخامس - في كتابه ( حديث الغدير ) أسماء مَن روى حديث الغدير مرتّباً على حروف المعجم، وذكر منهم أبا بكر(٣) .
٤ - قال العلاّمة ابن المغازلي الشافعي - ٤٨٤ ه-: وقد روى حديث غدير خم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نحو من مِئة نفس، منهم العشرة المبشّرة، وهم: أبو بكر وعثمان وطلحة والزبير وهو حديث ثابت لا أعرف له علة(٤) ، تفرّد عليعليهالسلام بهذه
____________________
(١) أسد الغابة ٣: ٢٧٤ ترجمة عبد الله بن ياميل، الإصابة ٤: ٢٢٦ ترجمة عبد الله بن ياميل رقم ٥٠٤٧، الطرائف للسيد ابن طاووس: ١٤٠.
(٢) المناقب للسروي ٣: ٢٥، بحار الأنوار ٣٧: ١٥٧. وقال رواه صاحب بن عباد وثمانية وسبعون صحابياً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، منهم: أبو بكر، عمر، عثمان، الإمام عليعليهالسلام ، طلحة، والزبير.
(٣) المناقب للسروي ٣: ٢٥، الغدير للعلاّمة الأميني ١: ١٧ و ١٥٥. ولمزيد من الاطلاع على هذه المصادر الثلاثة المذكورة راجع: الغدير للعلاّمة الطباطبائي: ٤١ - ٨١ ترجمة رقم ٦ و ١٠ و ١٩.
(٤) لا أعرف له علة، أي أنّي لم أعرف مخالفاً لهذه الرواية؛ وذلك لأنّ هذا الحديث المتواتر فاقد لأي عيب ونقيصة، سنداً ومتناً، إلاّ أنّ هناك بعض المغرضين والمنحرفين عن عليعليهالسلام .
الفضيلة ليس يشركه فيها أحد(١) .
٥ - وأخرجه أيضا العلاّمة الجزري الشافعي في كتابيه ( أسنى المطالب ) و ( أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب )(٢) .
٦ - وروى المؤرّخ العلاّمة زيني دحلان، عن أبي بكر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال: ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وأحب مَن أحبه، وأبغض مَن أبغضه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأدر الحق معه حيث دار )(٣) .
وأمّا حديث التهنئة فسوف نوافيك به ضمن الأحاديث المروية عن عمر بن الخطاب(٤) .
روى العلاّمة الخطيب الخوارزمي بإسناده عن عثمان بن عفان قال: سمعت عمر بن الخطاب قال: سمعت أبا بكر بن أبي قحافة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( إنّ الله خلق من نور وجه علي بن أبي طالب ملائكةً، يسبّحون ويقدّسون ويكتبون ثواب ذلك لمحبيه ومحبي وُلده )(٥) .
وأخرج أيضاً بسند آخر عن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب أنّه قال:
حرّفوا بعض ألفاظه، أو أسقطوا منها شيئاً، وقد ذكرنا ذلك في كتاب أضواء على الصحيحين.( المعرّب ).
____________________
(١) المناقب لابن المغازلي: ٢٧ ذيل ح ٣٩.
(٢) أسنى المطالب: ٣٥ تحقيق المحمودي، وص ١٢ تحقيق الطنطاوي.
(٣) فتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين، بهامش السيرة النبوية لزيني دحلان ٢: ١٦١.
(٤) راجع ص: ٧٤ - ٨١ (٥) مقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي: ٩٧.
( إنّ الله تعالى خلق ملائكةً من نور وجه علي بن أبي طالبعليهالسلام )(١) .
أقول: ولعلّ هاتين الروايتين حديث واحد، وإنّما وقع الاختلاف والنقيصة فيه حين التخريج عمداً أو سهواً.
أخرج العلاّمة العيني الحنفي بسنده عن أبي بكر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وذلك لمّا سمع صوت خرج من النخلة، قالصلىاللهعليهوآله : ( أتدرون ما قالت النخلة ؟ قال أبو بكر: قلنا: الله ورسوله أعلم.
قالصلىاللهعليهوآله : صاحت: هذا محمد رسول الله، ووصيه علي بن أبي طالب )(٢) .
أخرج الحافظ ابن حجر العسقلاني بإسناده عن أبي الأسود الدؤلي قال: سمعت أبا بكر يقول: أيّها الناس، عليكم بعلي بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( علي خير مَن طلعت عليه الشمس وغربت بعدي )(٣) .
روى المحب الطبري وغيره بإسنادهم عن ابن عباس قال:قال أبو بكر: يا علي، ما كنت لأتقدّم رجلاً سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( علي مني كمنزلتي -
____________________
(١) المناقب للخوارزمي: ٣٢٩ فصل ( ١٩ ) ح ٣٤٨.
(٢) مناقب سيدنا عليعليهالسلام للعيني: ١٥ ح ٤ طبعة أعظم بريس حيدر آباد.
(٣) لسان الميزان ٦: ٧٨ ترجمة المغيرة بن سعيد البجلي رقم ٢٨١.
بمنزلتي، خ - من ربّي ).أخرجه ابن السمان في كتاب الموافقة(١) .
يعني أنّ منزلة عليعليهالسلام وكرامته عندي كمنزلتي، وبقدر مالي من المنزلة والكرامة عند الله عزّ وجل.
ورواه أيضاً العلاّمة الحريفيش بلفظ آخر: قال أبو بكر: أنا لا أتقدّم على رجل قال في حقه رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ علياً يجيء يوم القيامة، ومعه أولاده وزوجته على مراكب من البُدن، فيقول أهل القيامة: أيُّ نبي هذا ؟ فينادي منادٍ: هذا حبيب الله، هذا علي بن أبي طالب )(٢) .
روى العلاّمة الحافظ المحب الطبري، وآخرون بإسنادهم عن قيس بن أبي حازم قال: التقى أبو بكر وعلي بن أبي طالبعليهالسلام ، فتبسّم أبو بكر في وجه عليعليهالسلام ، فقالعليهالسلام له: مالك تبسّمت ؟ قال: سمعت رسول اللهعليهالسلام يقول: ( لا يجوز أحد الصراط إلاّ مَن كتب له علي الجواز ).أخرجه ابن السمان في كتاب الموافقة(٣) .
____________________
(١) ذخائر العقبى: ٦٤، الرياض النضرة ٣: ١١٨ و ٢٣٢، الصواعق المحرقة: ١٧٧، توضيح الدلائل: ٢٣٩ مخطوط، الروض الأزهر: ٩٧، إحقاق الحق ١٧: ١٩٤ خرّجه عن وسيلة النجاة: ١٣٤، ووسيلة المال: ١١٣، ومناقب العشرة: ١٢. مناقب سيدنا علي: ٣٩، أرجح المطالب: ٤٦٨.
(٢) إحقاق الحق ١٥: ٤٣٩ أخرجه عن الروض الفائق في المواعظ والدقائق، لشعيب بن عبد الله المعروف بالحريفيش: ٢٦٧.
(٣) ذخائر العقبى: ٧١، الرياض النضرة ٣: ١٣٧، الصواعق المحرقة: ١٢٦ أخرجه عن ابن السمان والعسقلاني في المطالب العالية، ينابيع المودة: ٤١٩ باب ( ٧٠ ) المناقب
وأخرج العلاّمة الخطيب البغدادي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال أبو بكر عند موته:
سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( إنّ على الصراط لعقبة لا يجوزها أحد، إلاّ بجواز من علي بن أبي طالب )(١) .
وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: هل ترى أنّ مَن تقلّد الخلافة زوراً وظلماً وغصباً، وأخذ البيعة من عليعليهالسلام قهراً وكرهاً، ويعترف قائلاً: ليتني لم أكشف بيت فاطمة، ولو أعلن علي الحرب(٢) ،
____________________
المرتضوية للكشفي الترمذي: ٩١، إسعاف الراغبين: ١٧٦، الروض الأزهر للسيد شاه تقي: ٩٧، وسيلة النجاة: ١٣٥، وسيلة المال: ١٢٢ مخطوط، فتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين ٢: ١٦١، أرجح المطالب: ٥٥٠، المناقب لابن المغازلي: ١١٩، مناقب سيدنا علي: ٤٥.
(١) تاريخ بغداد ١٠: ٣٥٧.أقول: أخرجه الخطيب وفيه من الزوائد والإضافات ما يدل على كون هذه الزوائد من المدسوسات والتحريفات، ثمّ يعقّب الخطيب على الرواية وزوائدها ويقول: هذا من حكاية القصّاصين، ولكن لمّا تنظر وتتمعّن في النص، الذي أخرجه الحفّاظ والمحدّثون، وكما جاء في المصادر المتكثرة، والتي هي خالية من الزوائد البغدادية وتحريفاته للحديث، لعرفت أنّ الخطيب زوّر الحديث وزيّفه حسب ما تهواه نفسه.
(٢) فلو أردت أيّها القارئ أن تطّلع على اعتراف أبي بكر، بأنّه هو الذي أمر بإحراق باب بيت الزهراءعليهاالسلام فراجع مضّانه في المصادر التالية:
الأموال لأبي عبيد: ١٩٤، الإمامة والسياسة: ١٨، الكامل للمبرد: روى عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢: ٤٦، وج ٦: ٥١ و ٢٠: ٢٤، السقيفة وفدك للجوهري: ٤٠، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٧، تاريخ الطبري ٣: ٤٣ حوادث سنة ١٣ ه-، العقد الفريد ٤: ٢٦٨، مروج الذهب ٢: ٣٠١، المعجم الكبير ١: ١٩ ح ٤٣، تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٤٢٢، كنز العمال ٥: ٦٣١ ح ١٤١٣٣، أخرجه عن الأموال، والضعفاء للعقيلي، وفضائل الصحابة للطرابلسي والطبراني وابن عساكر ومسند سعيد بن منصور، ميزان الاعتدال ٣: ١٠٩ ترجمة علوان بن داود رقم ٥٧٦٣، تاريخ الإسلام للذهبي ٣: ١١٧ - ١٨٨، لسان الميزان ٤: ١٨٩ ترجمة علوان بن داود رقم ٥٠٢، منتخب كنز العمال ٢: ١٧١، الضعفاء للعقيلي ٣: ٤٢٠ ترجمة علوان بن داود البجلي رقم ١٤٦١.
حتى آلَ الأمر به وبأصحابه أن يحرقوا باب دار علي وفاطمة بالنار، ويضربوا بنت المصطفى وزوجة المرتضى فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، حتى أسقطت ما في بطنها، ويأمر أتباعه وملازميه بملاحقة عليعليهالسلام ، وأباح لهم التعدي عليه، حتى أن وصل الأمر بهم أن قام الإمام عليعليهالسلام يشكو ويئن من قسوتهم وظلمهم وتعديهمفهل ترى مثل هذا يجوز الصراط، في حين أنّ جواز العبور بيد عليعليهالسلام كما اعترف هو بنفسه ؟.
أخرج العلاّمة الحافظ ابن المغازلي الشافعي وغيره من الحفّاظ، بإسنادهم عن عائشة قالت: رأيت أبا بكر يكثر النظر إلى وجه عليعليهالسلام ، فقلت: يا أبة، أراك تكثر النظر إلى وجه عليعليهالسلام ؟ فقال: يا بُنية، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( النظر إلى وجه علي عبادة )(١) .
____________________
(١) المناقب لابن المغازلي: ٢١٠ ح ٢٥٢ أخرجه بسندين، المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر الدينوري: ٥١٤، المناقب للخوارزمي: ٣٦٢ فصل ( ٢٣ ) ح ٣٧٥، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٥٠، الرياض النضرة ٣: ١٢٠، مسلسلات ابن الجوزي: ١٧ ح ١٣ مخطوط، نهاية العقول للرازي: ١٧، إحقاق الحق ٧: ١١٠، ذخائر العقبى: ٩٥ عن تاريخ مدينة دمشق، كفاية الطالب: ١٦١ باب ( ٣٤ )، سير أعلام النبلاء ١٥: ٥٤٢، البداية والنهاية ٧: ٣٥٧، تاريخ الخلفاء: ١٧٢، الصواعق المحرقة: ١٧٧، اللآلئ المصنوعة ١: ٣٤٥ أخرجه عن تاريخ ابن النجّار وصحّحه، التعقّبات للسيوطي: ٥٧، المناقب المرتضوية: ٨٣، مناقب العشرة: ٣٤ و ٣٦، أخرج عنهم إحقاق الحق ٧: ١٠٩ وج ١٧: ١٥٢، مناقب سيدنا علي: ١٩ ح ٥٦ أخرجه عن الحاكم وابن عساكر، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد ٥: ٣١، وسيلة المال: ١٣٤، الروض الأزهر: ٩٧.
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر الدمشقي وغيره من الحفّاظ، عن الحبشي بن جنادة قال: كنت جالساً عند أبي بكر الصدّيق، فقال: مَن كانت له عند رسول الله عِدة، فليقم، فقام رجل فقال: إنّه قد وعدني ثلاث حَثَيات من تمر، فقال أبو بكر: أرسلوا إلى عليعليهالسلام ، فجاء فقال أبو بكر: يا أبا الحسن، إنّ هذا يزعم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعده أن يحثي له ثلاث حَثَيات من تمر، فاحثِها له، فحثاها.
فقال أبو بكر: عدّوها، فوجدوا في كل حَثية ستين تمرةً، لا تزيد واحدة على الأخرى.فقال أبو بكر: صدق الله ورسولهصلىاللهعليهوآله ، قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليلة الهجرة - ونحن خارجون من الغار نريد المدينة -: ( يا أبا بكر، كفي وكف علي في العدل سواء ).
وورد أيضاً ( في العدد ) بدلاً عن ( في العدل )(١) .
وروى العلاّمة الخطيب البغدادي بسنده عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، قال: حدثني أبو بكر، قال: سمعت أبا هريرة يقول: جئت إلى النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) تاريخ بغداد ٥: ٣٧ و ٨: ٧٦، المناقب للخوارزمي: ٢٩٦ فصل ( ١٩ ) ح ٢٩٠، المناقب لابن المغازلي: ١٢٩ ح ١٧٠، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٦٩، تاريخ الخلفاء: ٩٣ ح ٩٨، الرياض النضرة ٣: ١٢٠، منتخب كنز العمال ٥: ٣١، ينابيع المودة: ٢٣٣ و ٢٥٢، سعد الشموس والأقمار: ٢١١، أرجح المطالب، ٢٥٦، الكوكب الدري لمحمد صالح الحنفي: ١٢٢، فرائد السمطين ١: ٥٠ ح ١٥.
وبين يديه تمر، فسلّمت عليه، فردّ علي وناولني من التمر مِلء كفه، فعددته ثلاثاً وسبعين تمرة، ثمّ مضيت من عنده إلى عند علي بن أبي طالبعليهالسلام وبين يديه تمر، فسلّمت عليه، فردّ عليّ وضحك إلي وناولني من التمر مِلء كفه، فعددته فإذا هو ثلاث وسبعون تمرة، فكثر تعجّبي من ذلك، فرجعت إلى النبي فقلت: يا رسول الله، جئتك وبين يديك تمر، فناولتني مِلء كفك، فعددته ثلاثاً وسبعين تمرة، ثمّ مضيت إلى عند علي بن أبي طالب وبين يديه تمر، فناولني مِلء كفه، فعددته ثلاثاً وسبعين، فتعجّبت من ذلك.فتبسّم النبيصلىاللهعليهوآله وقال: ( يا أبا هريرة، أَما علمت أنّ يدي ويد علي في العدل سواء )(١) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر عن الدار قطني بسنده عن أبي رافع، قال: كنت قاعداً بعد ما بايع الناس أبا بكر، فسمعت أبا بكر يقول للعباس: أنشدك الله، هل أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله جمع بني عبد المطلب وأولادهم وأنت فيهم، وجمعكم دون قريش، فقالصلىاللهعليهوآله : ( يا بني عبد المطلب، إنّه لم يبعث الله نبياً، إلاّ جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووصياً وخليفةً في أهله، فمَن منكم - يقوم و - يبايعني، على أن يكون أخي ووزيري، ووصيي وخليفتي في أهلي ؟ فلم يقم منكم أحد.فقالصلىاللهعليهوآله : يا بني عبد المطلب، كونوا في الإسلام رؤساء ولا تكونوا أذناباً، والله ليقومنّ قائمكم أو لتكوننّ في غيركم ثمّ لتندُمنّ )، فقام علي من بينكم، فبايعه على ما شرط له ودعا إليه، أتعلم هذا له من
____________________
(١) تاريخ بغداد ٨: ٧٦، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٦٨، كفاية الطالب: ٢٥٦ فصل ( ٦٢ )، فرائد السمطين ١: ٥٠ ح ١٥.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال العباس: نعم(١) .
وأخرج العلاّمة الحافظ محمد بن جرير الطبري، بإسناده عن أبي رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أنّه كان عند أبي بكر إذ جاء علي والعباس، فقال العباس: أنا عم رسول الله ووارثه وقد حال علي بيني وبين تركته، فقال أبو بكر: فأين كنت يا عباس حين جمع النبيصلىاللهعليهوآله بني عبد المطلب وأنت أحدهم فقال: ( أيّكم يؤازرني، ويكون وصيي، وخليفتي في أهلي، وينجز عدتي، ويقضي دَيني ؟ ) فقال له العباس: بمجلسك تقدّمته وتأمّرت عليه، أي إن كان هكذا كما تقول: لماذا تقدّمت عليه وغصبت أمره ؟.
فقال أبو بكر: أغدراً يا بني عبد المطلب(٢) ؟ أي أنّكما - يا علي ويا عباس - أردتما بدعواكما هذه المصطنعة على إرث النبيصلىاللهعليهوآله وتركته، أن تأخذا مني الإقرار والاعتراف بحق عليعليهالسلام وأولويته للخلافة، وتحكموا عليّ بما أَتفوه به، وأقوله بنفسي ولساني، يعني: تديناني وتلزماني من فمي.
وأمّا ابن عساكر الدمشقي فعندما نقل الحديث أسقط منه صدره - أي مجيء العباس وعلي إلى أبي بكر، وهما يتحاكمان إليه مسالة إرث رسول اللهصلىاللهعليهوآله - وهكذا أسقط ذيله، أي كلمة العباس لأبي بكر، حيث يدينه على تقدّمه وتأمّره على
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٥٠، تأويل مختلف الحديث: ٣٥.
(٢) المسترشد: ٥٧٧ ح ٢٤٩، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٨ ذكره ضمن الحوار الذي دار بين عمر بن الخطاب وبين ابن عباس.وأشار إلى هذا الحديث ابن عبد ربّه في العقد الفريد ٢: ٤١٢ ولكنّه حرّف وشوّه المتن منه.
الإمام عليعليهالسلام ، ممّا يدل على مخالفة أبي بكر لأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وعلى الرغم من أنّ الحديث الذي رواه ابن عساكر مبتور الصدر والذيل، لكنّه يكشف عن حقيقة في غاية الأهمية وهي: إثبات الخلافة لعليعليهالسلام بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، وأنّه متقدم في إيمانه وإسلامه على غيره.
وملخّص القول: أنّ أبا بكر حين يروي هذا الحديث، يعترف ويقر بأفضلية الإمام عليعليهالسلام ، وهذا الاعتراف خير دليل، وأفضل شاهد، على أنّ علياًعليهالسلام أقدم الناس إسلاماً، وأنّه أَوّل مَن آمن وأعلن حمايته للنبي ومناصرته إيّاه في بدء الدعوة، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قلّده في مقابل هذه الأمور، وسام الأخوة والوزارة والوصاية والخلافة من بعده.فتأمل.
أخرج العلاّمة الحافظ المحب الطبري، وآخرون من حفّاظ أهل السُنة ومحدثيهم، بإسنادهم عن أبي بكر قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله خيّم خيمةً، وهو متكئ عل قوس عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، فقال: ( يا معشر المسلمين، أنا سِلم لمَن سالم أهل الخيمة، وحَرب لمَن حاربهم، لا يحبهم إلاّ سعيد الجد، طيب الولادة، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجد، رديء الولادة )، وزاد العلاّمة الخطيب الخوارزمي فيما أخرجه: فقال رجل لزيد - راوي الحديث -: يا زيد، أأنت سمعت هذا منه - أي من أبي بكر - ؟ قال زيد: إي وربِّ الكعبة(١) .
____________________
(١) الرياض النضرة ٣: ١٥٤، المناقب للخوارزمي: ٢٩٦ فصل ( ١٩ ) ح ٢٩١، أهل البيت
أخرج العلاّمة جلال الدين السيوطي، عن البخاري بإسناده، عن أبي بكر في تفسير قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) .أنّه قال: ارقبوا محمداًصلىاللهعليهوآله في أهل بيته(٢) .
أقول: لا يخفى على الخبير أنّ علياًعليهالسلام ، هو أَوّل الناس وأقربهم مصداقيةً لأهل البيت والعترةعليهمالسلام ، بعد فاطمة سيدة النساءعليهاالسلام ، وكان النبيصلىاللهعليهوآله يوصي الناس دائماً بعليعليهالسلام ، ولكن لو راجعت التاريخ لرأيت، أنّ أبا بكر هو أَوّل مَن رعى حقه ومداراته، وأثبت رعايته ومراقبته للعترة الطاهرة، كما قال: ليتني لم أكشف.(٣) .
أخرج حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، وابن روزبهان الشيرازي - وهو من متكلمي أهل السُنة - عن أبي بكر أنّه قال وهو على المنبر: ( أقيلوني ولست بخيّركم وعلي فيكم )، ولا ريب أنّ هذه الإقالة هي الإقالة من الخلافة، وبعبارة أخرى: إنّ الخليفة - أبا بكر - نوّه بقوله هذا للمسلمين: فإن كنتم قد بايعتموني على أنّي أفضلكم وخيّركم فأقيلوا البيعة؛ وذلك لأنّي لست كذلك، ولست بخيّركم وأفضلكم، وهذا
____________________
لتوفيق أبو علم: ٨ و ٢٢٧، الإمام عليعليهالسلام لتوفيق أبو علم: ٦٦. مرآة المؤمنين لولي الله اللكهنوي: ٨٤، أرجح المطالب: ٣٠٩.
(١) الشورى: ٢٣.
(٢) الدر المنثور ٦: ٧، تاريخ الخلفاء: ٩٨، الصواعق المحرقة: ١٧٦.
(٣) راجع ص ٤١ عند البحث عن قول أبي بكر ليتني لم أكشف بيت فاطمة؛ لتزداد خبراً إلى خبر، على حقيقة قول أبي بكر بالمراقبة والمداراة بأهل البيتعليهمالسلام .
عليعليهالسلام فيكم(١) .
وأخرج السبط ابن الجوزي(٢) ، هذا الحديث عن أبي حامد الغزالي، في كتابه سرّ العالمين بزيادة في الشرح والبيان فقال: قول أبي بكر على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أقيلوني فلست بخيّركم.قال: أَفقال - أي أبو بكر - ذلك هزلاً أو جِداً أو امتحاناً ؟ فإن كان هزلاً فالخلفاء منزّهون عن الهزل، وإن كان جِداً فهذا نقض للخلافة، وإن كان امتحاناً فالصحابة لا يليق بهم الامتحان لقوله تعالى:( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) (٣) .
ولتوضيح المراد أنقل للقارئ ما ذكره متكلّم أهل السُنة العلاّمة القوشجي، في بيان إقرار أبي بكر فإنّه قال: وليتكم ولست بخيّركم وعلي فيكم، فهذه العبارة صريحة في مسالة الخلافة كما ترى(٤) .
وعلى أي حال، فإنّ كلا العبارتين ( أقيلوني ) أو ( وليتكم ) صريحتان في اعتراف أبي بكر، بأنّ الإمام عليعليهالسلام أولى بالخلافة والولاية بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، وأنّ طلبه الاستقالة يمكن أن يحتج به على أبي بكر، ويلزمه باعترافه هذا، وزد على ذلك أيضاً أنّ مقولة أبي بكر حجة قاطعة وبالغة، على كل مَن يريد التخرّص بلفه ونشره الفاسد، أن يقول بأولوية أبي بكر، وأفضليته على عليعليهالسلام ، وهو يريد بزعمه هذا الإغماض والتغافل عن كل الشواهد القرآنية والحديثية والتاريخية، الدالة على أولوية الإمام عليعليهالسلام وأحقيته للخلافة.
____________________
(١) سرّ العالمين لأبي حامد الغزالي: إبطال الباطل لابن روزبهان، أورده في الجواب على الطعن السابع على أبي بكر، في مسالة إحراق بيت الزهراءعليهاالسلام ، تشييد المطاعن ١: ١٤٩، بحار الأنوار ٢٨: ٢٠١.
(٢) تذكرة الخواص: ٦٢.
(٣) الأعراف: ٤٣.
(٤) شرح تجريد الاعتقاد: ٣٧١ المقصد الخامس من مبحث الإمامة.
أخرج العلاّمة الحافظ ابن حجر العسقلاني بسنده عن أبي بكر قال: إنّ على الصراط لعقبة لا يجوزها أحد، إلاّ بجواز من علي بن أبي طالبعليهالسلام (١) .
أخرج الحافظ الخطيب الخوارزمي بإسناده عن الحارث الأعور - صاحب راية علي بن أبي طالبعليهالسلام - قال: بلغنا أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان في جمع من أصحابه فقال: ( أيّكم آدم في علمه، ونوح في فهمه، وإبراهيم في حكمته ؟ ) فلم يكن بأسرع من أن طلع عليعليهالسلام ، فقال أبو بكر: يا رسول الله أَقِست رجلاً بثلاثة من الرسل، بخ بخ لهذا الرجل، مَن هو، يا رسول الله ؟ قال النبيصلىاللهعليهوآله : ( أَوَ لا تعرفه يا أبا بكر ؟ قال: الله ورسوله أعلم.قالصلىاللهعليهوآله : هو أبو الحسن علي بن أبي طالب )، قال أبو بكر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، وأين مثلك يا أبا الحسن(٢) ؟.
أخرج الحافظ الشيخ عبيد الله الأمر تسري الحنفي، عن طريق الحافظ ابن مردويه الأصفهاني، بإسناده عن سالم مولى أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام قال: كنت مع عليعليهالسلام في أرض نعمل، إذ جاء أبو بكر وعمر إلى عليعليهالسلام وقالا: السلام
____________________
(١) لسان الميزان ٤: ١١١ ترجمة عبيد الله بن لؤلؤ بن جعفر بن حمويه رقم ٢٢٥.
(٢) المناقب: ٨٨ ح ٧٩، أرجح المطالب: ٤٥٤ أخرجه عن ابن مردويه.
عليك يا أمير المؤمنين، فقيل لهما: أكنتما تسلّمان عليه في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله بإمرة المؤمنين ؟ قال عمر: هكذا أمرنا النبيصلىاللهعليهوآله (١) .
أخرج العلاّمة ابن أبي الحديد روايةً عن الشعبي قال: قال الحسن بن عليعليهالسلام إلى أبي بكر، وهو يخطب على المنبر فقال له: ( انزل عن منبر أبي )، فقال أبو بكر: صدقت، والله، إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي(٢) ، أخرجه أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة(٣) .
أخرج العلاّمة المناوي في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير، في بيان الحديث النبوي ( مَن كنت وليه فعلي وليه )، وقال: ورواه الديلمي بلفظ: ( مَن كنت نبيه فعلي وليه )؛ ولهذا قال أبو بكر فيما أخرجه الدار قطني: علي عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أي أنّ علياً هو من الذين حثّ النبيصلىاللهعليهوآله على التمسّك بهم، والاقتداء بهديهم؛ لأنّهم النجوم التي يهتدي بهم المقتدي والمتمسك(٤) .
وقال ابن كثير: أخرج الدار قطني في كتابه الفضائل، بسنده عن معقل بن
____________________-
(١) أرجح المطالب: ١٥، مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ٢٠ ح ٦١.
(٢) شرح نهج البلاغة ٦: ٤٢ - ٤٣، الرياض النضرة ١: ١٨٧، الصواعق المحرقة: ١٧٧، السيرة الحلبية ١: ٤٤٢، تاريخ الخلفاء: ٨٠، كنز العمال ٥: ٦١٦ ح ١٤٠٨٥ أخرجه عن أبي نعيم والجابري، ينابيع المودة: ٣٠٦ باب ( ٥٩ ) فصل في الآيات النازلة بشان أهل البيتعليهمالسلام رواه عن الدار قطني، الإتحاف بحب الأشراف: ٢٣.
(٣) السقيفة وفدك: ٦٦ - ٦٧.
(٤) فيض القدير ٦: ٢١٨.
يسار قال: سمعت أبا بكر يقول: علي بن أبي طالب عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله (١) .
وبناءً على هذا، فمَن تمعّن ودقّق في مفاد حديث الثقلين، الذي تواتر تخريجه عند السنة والشيعة، وثبت صدوره وقطعيته عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيث قال: ( إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا أبداً )(٢) ، عرف وتيقّن بأنّ الرسول اللهصلىاللهعليهوآله قرن العترة بالقرآن، وجعلها عدلاً له، وأنّها هي التي تفسّر القرآن، وتكشف رموزه؛ ولهذا كان التمسّك بالقرآن والعترة والانقياد إليهما واتّباعهما، هو السبيل الوحيد في الاهتداء إلى الصواب، والنجاة من الضلالة والغواية، اللذَينِ يتبعهما الخزي والعار في الدار الآخرة.وبناءً على ما اعترف به أبو بكر اعترافاً صريحاً، بأنّ الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام هو العترة، فبأي مستمسك شرعي ودليل ديني، أزاح أبو بكر علياًعليهالسلام عن الخلافة، التي هي محط إجراء الأحكام القرآنية، والمرجع في تبليغ تعاليم القرآن وبيان حقائقه، حتى أنّ أبا بكر لم يكتفِ بهذا فقط، بل فرض على عليعليهالسلام الإقامة القهرية في داره، منذ أن غصب الخلافة حتى نهاية خلافة عثمان، والتي دامت مدة ربع قرن، بل إنّه لم يرضَ بذلك حتى أن أمر بإحراق دار عليعليهالسلام ، وسحبوا علياً
____________________
(١) وسيلة المال لابن كثير نقل عنه الغدير ١: ٣٠٣ و ٣٩٨.
(٢) أَلّف العلاّمة المحقّق آية الله مير حامد حسين النيسابوري اللكهنوي موسوعةً كبيرة، في إثبات ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأولاده الأئمة الأطهارعليهمالسلام ، عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والاستدلال على أَحقية خلافتهم، وأسماها بعبقات الأنوار، وخصّ المؤلّف المحقّق مجلدينِ من هذه الموسوعة، في إثبات صحة طرق حديث الثقلين من كتب أهل السُنة وصحاحهم، ودلالته على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام .
وقد أبدع المؤلّف في هذا الكتاب بحثاً عميقاً وأنيقاًَ وعلمياً، في إثبات حديث الثقلين سنداً ومتناً، وقد قمنا بتحقيق هذين المجلدينِ تحقيقاً علمياً، وخرج بعد ذلك في ستة أجزاء، وطُبع في مدينة أصفهان، وشرحنا ترجمة المؤلّف وخصائص كتابه في مقدمة تحقيقنا فليراجع.
مقيّداً إلى المسجد النبوي؛ لمبايعة الخليفة السقيفي كرهاً وزوراً.
أخرج العلاّمة المحب الطبري بطريقه عن الشعبي قال: إنّ أبا بكر نظر إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام فقال: مَن سرّه أن ينظر إلى أقرب الناس قرابةً من رسول الله، وأعظمهم عنه غنىً، وأحظّهم عنده منزلةً فلينظر - وأشار - إلى علي بن أبي طالب.خرّجه ابن السمان(١) .وأخرج المحدّث الدار قطني - بإسناده عن الشعبي - الحديث بلفظ آخر عن أبي بكر: مَن سرّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلةً، عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلينظر إلى هذا الطالع(٢) - أي أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام -.
أخرج العلاّمة الشيخ أبو المكارم علاء الدين السمناني - ٧٣٦ ه- - في كتابه ( العروة الوثقى ) بعد أن روى حديث المنزلة، وحديث الغدير، ودعاء النبيصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : ( اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه )، ثمّ قال: وهذا حديث متفق على
____________________
(١) الرياض النضرة ٣: ١١٩، المناقب للخوارزمي: ١٦١ فصل ( ١٤ ) ح ١٩٣، نظم درر السمطين: ١٢٩، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٧٣، وفيه: وأفضلهم دالةً - أي دلالة -، كنز العمال ١٣: ١١٥ ح ٣٦٣٧٥ خرّجه عن الأثرات لابن أبي الدنيا وابن مردويه والحاكم، الصواعق المحرقة: ١٧٧، فتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين بهامش السيرة النبوية ٢: ١٦.
(٢) أرجح المطالب: ٤٦٧ أخرجه عن ابن السمان، مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ٤٩ خرّجه عن الدار قطني وابن السمان، مفتاح النجاة: ٢٩، الروض الأزهر: ٣٦٢.
صحته، فصارعليهالسلام سيد الأولياء، وكان قلبه على قلب محمدصلىاللهعليهوآله .
وأضاف قائلاً: وإلى هذا السر أشار سيد الصدّيقين، صاحب غار النبيصلىاللهعليهوآله ، أبو بكر، حين بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إلى عليعليهالسلام ؛ لاستحضاره فقال: يا أبا عبيدة، أنت أمين هذه الأمّة، أبعثك إلى مَن هو في مرتبة مَن فقدناه بالأمس - يعني النبيصلىاللهعليهوآله - ينبغي أن تتكلم عنده بحسن الأدب(١) .
أقول: ولعلّني أمكنني أن أتفهّم معنى هذا الإحضار، وأمر أبي بكر أبا عبيدة بمراعاة المرونة والأدب وحسن المعاملة، مع عليعليهالسلام ، وأتفهّم وأعقل متى كان هذا الأمر من أبي بكر ولِمَ أمر بذلك ؟ وليته قد أمر بذلك لمّا أرسل عمر بن الخطاب لإحضار علي إلى سقيفة بني ساعدةوما جرى عليهعليهالسلام - بعد ذلك -.
تأمل أيّها القارئ الخبير في هذا المختصر، فإنّ الحر تكفيه الإشارة.
أخرج العلاّمة محب الدين الطبري بسنده عن ابن عمر قال: إنّ اليهود جاءوا إلى أبي بكر فقالوا له: صف لنا صاحبك - أي النبيصلىاللهعليهوآله -.فقال: معشر اليهود، لقد كنت معه في الغار كإصبعي هاتينِ، ولقد صعدت معه جبل حراء وإن خنصري لفي خنصره، ولكنّ الحديث عنهصلىاللهعليهوآله شديد، وهذا علي بن أبي طالب، فأتوا علياًعليهالسلام فقالوا: يا أبا الحسن، صف لنا ابن عمك، فقالعليهالسلام : ( لم يكن رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالطويلِ الذاهب طولاً، ولا بالقصيرِ المتردّد، كان فوقَ الربعة، أبيضَ اللونِ، مشرباً حمرة، جعدَ الشعرِ، ليس بالقطط، يضرب
____________________
(١) الغدير ١: ٢٩٧.
شعره إلى أرنبته، صلت الجبينِ، أدعجَ العينين، دقيقَ المسربةِ، برّاقَ الثنايا، أقنى الأنفِ، كان عنقه إبريقَ فضةٍ، له شعرات من لبتهِ إلى سرتهِ، كأنّهنّ قضيب مسك أسود، ليس في جسده ولا في صدره شعرات غيرهنّ، وكان شئن الكف والقدم، وإذا مشى كأنّما يتقلّع من صخرٍ، وإذا التفتَ التفتَ بمجامعِ بدنهِ، وإذا قام غمر الناسَ، وإذا قعد علا الناسَ، وإذا تكلم أنصت الناس، وإذا خطب أبكى الناسَ، وكان أرحمَ الناس بالناس، لليتيمِ كالأبِ الرحيم، وللأرملةِ كالكريمِ الكريم، أشجعَ الناس، وأبذلَهم كفاً، وأصبحَهم وجهاً، لباسه العباء، وطعامه خبز الشعير، وإدامه اللبن، ووساده الأُدم محشو بليف النخل، سريره أمّ غيلان مرمّل بالشريف، كان له عمامتان إحداهما تدعى السحاب، والأخرى العقاب، وكان سيفه ذا الفقار، ورايته الغرّاء، وناقته العضباء، وبغلته دلدل، وحماره يعفور، وفرسه مرتجز، وشاته بركة، وقضيبه الممشوق، ولواؤه الحمد، وكان يعقلُ البعيرَ، ويعلف الناضحَ، ويرقّعُ الثوبَ، ويخصفُ النعلَ )(١) .
هكذا وصف لهم عليعليهالسلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأوصاف حميدة، وخصال تامة من الناحية الجسمية والنفسية والخلقية.وكيف كانصلىاللهعليهوآله يتعامل مع الناس، حتى ذكرعليهالسلام لهم مركب النبيصلىاللهعليهوآله وعمامته وسيفه وغيره.
وتجدر الإشارة إلى ما يضحك الثكلى، كيف يعجز مَن يعتقد أبناء السُنة وأتباع الخلافة فيه، بأنّه أَوّل المسلمين إيماناً، وأنّه لم يفارق النبيصلىاللهعليهوآله خلال ثلاث وعشرين سنة، من بدء الدعوة حتى وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، ولو للحظة قصيرة ؟ وكيف يتصور أنّ مَن يدعي الخلافة والإمامة، وأنّه القائم مقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يعجز عن توصيف مستخلفه النبيصلىاللهعليهوآله - كما يدعي هو - ويبيّن خصاله الخَلقية والخُلقية، وتراه عندما
____________________
(١) الرياض النضرة ٣: ١٦٢ - ١٦٣، ذخائر العقبى: ٨٠.أوردنا الحديث بكامله؛ لِما فيه بيان شمائل النبيصلىاللهعليهوآله وخصائصه.( المعرّب ).
يعجز عن ذلك، يضطر أن يبعث السائل اليهودي إلى الإمام عليعليهالسلام ليأخذ الجواب ؟فعلى هذا، فهل يمكن التوقّع من أبي بكر أن يصف لنا النبيصلىاللهعليهوآله من الناحية العلمية والدينية والأخلاقية، بينما هو عاجز عن توصيفه من الناحية الجسمية ؟ وهل يعقل أن نلتمس من أبي بكر أن يخطو خُطى النبيصلىاللهعليهوآله ، ويسير على نهجه، ويواصل سبيله؛ لكي يشدّ عزم المسلمين في دينهم، ويهدي الكافرين إلى الصراط المستقيم، ويسوقهم نحو معرفة شخصية الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، وهو يعجز عن توصيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟.
قال العلاّمة الشيخ محمد مخلوف المالكي - وهو من علماء مصر المعاصرين -:
كان أبو بكر كثيراً ما يحرص على آراء أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ؛ ولذلك كان يدأب في إبقاء الإمام عليعليهالسلام بجواره في المدينة، ولم يرضَ له الخروج من المدينة والحجاز، أو الاشتراك في الحروب مع المجاهدين(١) .
روى العلاّمة الأديب ابن دريد البصري في كتابه المجتنى، بسنده عن أنس بن مالك قال: أقبل يهودي بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله حتى دخل المسجد فقال: أين وصي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ فأشار القوم إلى أبى بكر، فوقف عليه فقال: أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبي أو وصي نبي، قال أبو بكر: سل عمّا بدا لك قال اليهودي: أخبرني عمّا ليس لله، وعمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله ؟
____________________
(١) طبقات المالكية ٢: ٤١.
فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة، يا يهودي، وَهمّ أبو بكر والمسلمون رضي الله عنهم باليهودي
فقال ابن عباس رضي الله عنهم ا: ما أنصفتم الرجل، فقال أبو بكر: أَما سمعت ما تكلم به ؟ فقال ابن عباس: إن كان عندكم جوابه وإلاّ فاذهبوا به إلى عليعليهالسلام يجيبه، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعلي بن أبي طالبعليهالسلام : ( اللهم اهدِ قلبه، وثبّت لسانه ).
قال أنس: فقام أبو بكر ومَن حضره حتى أتوا علي بن أبي طالبعليهالسلام فاستأذنوا عليه، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن، إنّ هذا اليهودي سألني مسائل للزنادقة، فقال عليعليهالسلام : ( ما تقول، يا يهودي ؟ قال: أسالك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبي، أو وصي نبي، فقالعليهالسلام له: قل.فردّ اليهودي المسائل.فقال عليعليهالسلام : أمّا ما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود: إنّ عزيراً ابن الله، والله لا يعلم أنّ له ولداً، وأمّا قولك: أخبرني بما ليس عند الله، فليس عنده ظلم للعباد، وأمّا قولك: أخبرني بما ليس لله، فليس لله شريك )، فقال اليهودي: أشهد أن لا إله الله، وأنّ محمد رسول الله، وأنّك وصي رسول اللهصلىاللهعليهوآله .فقال أبو بكر والمسلمون لعليعليهالسلام : يا مفرّج الكرب.
وجاء في رواية العلاّمة المحدّث الشهير بابن حسنويه الحنفي في كتابه ( در بحر المناقب ) - بعد ما شهد اليهودي الشهادتين فضجّ الناس عند ذلك - فقال أبو بكر: يا كاشف الكربات، أنت يا علي فارج الهم(١) .
قال أنس: فعند ذلك خرج أبو بكر ورقى المنبر وقال: أقيلوني فلست بخيّركم وعلي فيكم، قال أنس: فخرج عليه عمر وقال: يا أبا بكر، ما هذا الكلام، فقد ارتضيناك لأنفسنا ؟! ثمّ أنزله عن المنبر(٢) .
أخرج الحافظ جلال الدين السيوطي، وآخرون من أعلام الحديث عند السُنة عن ثلاث طرق قالوا: إنّ خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر، أنّه وُجد في بعض نواحي العرب رجلاً يُنكح كما تُنكح المرأة.فاستشار أبو بكر أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، وفيهم أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه، وكان أشدهم قولاً، فقالعليهالسلام : ( إنّ هذا الذنب لم تعصِ به أمّة من الأمم إلاّ واحدة، فصنع الله بها ما قد علمتم، أرى أن تحرقه بالنار ).فأجمع رأي أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله على أن يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر الصدّيق إلى خالد بن الوليد بأن يحرقه، فحرقه، ثمّ حرقهم ابن الزبير في إمارته، ثمّ حرقهم هشام بن عبد الملك(٣) .
____________________
(١) علي بن أبي طالب إمام العارفين لأحمد بن صدّيق الغماري: ٩٩، المجتنى: ٣٥ نقل عنه الغدير ٧: ١٧٩ وإحقاق الحق ٧: ٧٣.
(٢) در بحر المناقب: ٧٦ نقل عنه إحقاق الحق ٨: ٢٤٠.
(٣) راجع: الدر المنثور ٣: ٣٤٦ قال: وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن المنذر والبيهقي في شُعب الإيمان، مسند علي بن أبي طالب للسيوطي: ٢٥٦ ح ٧٩٩، أعلام
أخرج المؤرّخ المشهور العلاّمة ابن واضح اليعقوبي: أراد أبو بكر أن يغزو الروم، فشاور جماعةً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقدّموا وأخّروا، فاستشار علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فأشار عليه أن يفعل، فقال: ( إن فعلت ظفرت ).فقال أبو بكر: بشّرت بخير، فغزا المسلمون الروم، وفتحوا بيت المقدس، التي كانت تحت وطأة اليهود يوم ذاك، وانهزم اليهود، ووقع ما أخبر به أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وكان ذلك في عام ثلاث عشر من الهجرة(١) .
وأخرج ابن عساكر هذا الحديث بزيادات وإضافات في ألفاظه ومتنه، حيث إنّه نقل سؤال أبي بكر لعلي بن أبي طالبعليهالسلام ، عن منبع علمه بالظفر والانتصار في غزوة الروم، وجواب عليعليهالسلام عن ذلك(٢) .
____________________
الموقعين ٤: ٣٧٨، كنز العمال ٥: ٤٦٩ ح ١٣٦٤٣، الطرق الحكمية: ١٥، إحقاق الحق ٨: ٢٢٩ أخرجه عن الداء والدواء: ٢٤٨ والجواب الكافي لمَن سأل الدواء الشافي: ١٤٦، الكبائر للذهبي: ٥٨، السُنن الكبرى ٨: ٢٣٢ أخرجه باختصار، المدخل للحاج الفاسي ٣: ١١٩ نقل عنه إحقاق الحق ١٧: ٤٤٦.انظر الهامش.أقول: ولكنّي لم أجد هذا الحديث في كتاب ذم الملاهي لابن أبي الدنيا، طبعة مؤسسة الكتب الثقافية، وتحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ويسرى عبد الغني عبد الله.ولعلّ المحقّقينِ حذفاه؛ تكريماً لخليفتهم وتعتيماً على جهله، وأنّ الخليفة أخذ برأي الإمام عليعليهالسلام ( المعرّب ).
(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٢.
(٢) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٢: ٦٤، إحقاق الحق ٨: ٢٣٧ خرّجه عن تاريخ دمشق.
الإمام عليعليهالسلام في رأي الخليفة عمر بن الخطاب
أخرج الحافظ العلاّمة جمال الدين الموصلي الحنفي المشهور بابن حسنويه - ٦٨٠ ه- بسنده عن أنس بن مالك، قال: لمّا كان يوم المؤاخاة، وآخى النبيصلىاللهعليهوآله بين المهاجرين والأنصار، وعليعليهالسلام واقف يراه ويعلم مكانه، لم يؤاخِ بينه وبين أحد، فانصرف عليعليهالسلام باكي العين.
قالصلىاللهعليهوآله : ( يا بلال، اذهب فائتني به.فمضى بلال وأتى علياً، وقد دخل منزله فرأته فاطمةعليهاالسلام فقالت: ما يبكيك لا أبكى الله عينيك ؟ قالعليهالسلام : يا فاطمة، آخى النبيصلىاللهعليهوآله بين المهاجرين والأنصار، وأنا واقف يراني ويعلم مكاني، لم يؤاخِ بيني وبين أحد.قالتعليهاالسلام : لا يحزنك، لعلّك إنّما أخّرك لنفسه، فطرق بلال الباب وقال: يا علي، أجب رسول اللهصلىاللهعليهوآله .فأتى علي إلى النبيصلىاللهعليهوآله .فقال النبيصلىاللهعليهوآله : ما يبكيك، يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليعليهالسلام : آخيت بين المهاجرين والأنصار، وأنا واقف تعرف مكاني لم تؤاخِ بيني وبين أحد، فقالصلىاللهعليهوآله : يا علي، إنّما أخّرتك لنفسي كما أمرني ربّي، قم، يا أبا الحسن، فأخذ بيده ورقى المنبر وقال: اللهم إنّ هذا مني وأنا منه، أَلا إنّه بمنزلة هارون من موسى، أيّها الناس، أَلست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى.قالصلىاللهعليهوآله : مَن كنت مولاه فعلي مولاه، ومَن كنت وليه فعلي وليه، اللهم، إنّي
قد بلّغت ما أمرتني به )، ثمّ نزل، وقد سُرّ عليعليهالسلام ، فجعل الناس يبايعونه، وعمر بن الخطاب يقول: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة، امرأة مَن يعاديك طالق طلقةً(١) .
أقول: هلاّ أخرج عمر رأسه من تحت الثرى، ورأى أنواع العداء والبغضاء والتنكيل، التي حيكت على الإمام عليعليهالسلام ، منذ وفاة النبيصلىاللهعليهوآله حتى شهادته، وبعد شهادته إلى يومنا هذا، حيث مرّ على ذلك ألف وأربعمِئة عام من الزمن، وكلّما سبر عليه الدهر ازداد وضوحاً، ثمّ يجيب عن هذه التساؤلات: مَن هو المسبّب الأوّل الذي قام بهذه الأعمال الشنيعة بحق عليعليهالسلام ؟ مَن هو أوّل مَن أنكر مولوية الإمام عليعليهالسلام وأولويته، وتعدى على حدود المولوية العلوية، حتى أن صيّر علياًعليهالسلام جليس الدار فترة تربو على خمس وعشرين سنة ؟
روى العلاّمة الخطيب الخوارزمي بسنده عن عثمان بن عفان قال: سمعت عمر بن الخطاب قال: سمعت أبا بكر بن أبي قحافة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( إنّ الله تعالى خلق من نور وجه علي بن أبي طالب ملائكةً يسبّحون الله، ويقدّسون الله، ويكتبون ثواب ذلك لمحبيه ومحبي وُلده )(٢) .
____________________
(١) إحقاق الحق ٦: ٤٦٨ نقلاً عن ابن حسنويه في در بحر المناقب: ٤٣، أرجح المطالب: ٤٢٥، الرياض النضرة ٣: ١٢٦.
(٢) مقتل الحسينعليهالسلام : ٩٧، المناقب للخوارزمي: ٣٢٩ فصل ( ١٩ ) ح ٣٤٨ ولكنّه أسقط من الحديث جملة: يسبّحون ويقدّسون.
روى محدّث أهل السُنة الإمام أحمد بن حنبل، بسنده عن عمر بن الخطاب قال: إنّ النبي آخى بين الناس وترك علياً، حتى بقي آخرهم لا يرى له أخاً، فقالعليهالسلام : ( آخيت بين الناس وتركتني ؟ قالصلىاللهعليهوآله : ولِمَ تراني تركتك ؟ إنّي تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، فإن ذاكرك - ناقشك - أحد فقل: أنا عبد الله، وأخو رسوله، لا يدّعيها بعدي إلاّ كذّاب )(١) .
روى العلاّمة الخطيب الخوارزمي وغيره، بإسنادهم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ علياً وفاطمة والحسن والحسين في حظيرة القدس، في قبة بيضاء، سقفها عرش الرحمن عزّ وجلّ )(٢) .
روى العلاّمة الحافظ المتقي الهندي، بسنده عن الخليفة العباسي المأمون عن
____________________
(١) فضائل الصحابة ٢: ٦١٧ ح ١٠٥٥، الرياض النضرة ٣: ١٢٥، المناقب لأحمد بن حنبل: ١٢٠ ح ١٧٧.
أقول: ومَن يراجع التاريخ، يلاحظ بأنّ عمر بن الخطاب هو أَوّل مَن أنكر أخوة النبيصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام ؛ وذلك عندما أراد القوم أخذ البيعة زوراً وقهراً من عليعليهالسلام .راجع الإمامة والسياسة: ١٩ - ٢٢ ( المعرّب )
(٢) المناقب للخوارزمي: ٣٠٢ فصل ( ١٩ ) ح ٢٩٨، فرائد السمطين ١: ٤٩ ح ١٤، وفيه: أنا وعلي وفاطمة.، كنز العمال ١٢: ١٠٠ ح ٣٤١٧٧، تاريخ مدينة دمشق ١٣: ٢٢٩، خرّجه عن الدار قطني، مناقب سيدنا علي: ٢٠ ح ٦٥، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٥: ٩٢، القول الفصل: ٢٩ عن ابن عساكر والدار قطني والطبراني، أهل البيت لتوفيق أبو علم: ١٢٥ ح ٨، أرجع المطالب: ٣١١.
الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور، حدثني أبي، حدثني عبد الله بن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقد رأيت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيه خصالاً، لأن تكون لي واحدة منهنّ في آل الخطاب، أحب إلي ممّا طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة في نفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فانتهيت إلى باب أمّ سلمة وعلي قائم على الباب فقلنا: أردنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقالعليهالسلام : ( يخرج إليكم، فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فسرنا إليه فاتكأ على علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ثمّ ضرب بيده منكبه ثمّ قال: إنّك مخاصَم تخاصم، أنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأعلمهم بأيام الله، وأوفاهم بعهده، وأقسمهم بالسوية، وأرأفهم بالرعية، وأعظمهم رزيةً، وأنت عاضدي وغاسلي ودافني، والمتقدّم إلى كل شديدة وكريهة، ولن ترجع بعدي كافراً، وأنت تتقدّمني بلواء الحمد، وتذود عن حوضي )(١) .
ورواه غير واحد من أعلام الحديث والتاريخ، كالإسكافي(٢) وابن عساكر،(٣) وابن أبي الحديد(٤) ، والسيوطي(٥) ، وزادوا: أبشر - يا علي بن أبي طالب - إنّك مخاصم، وإنك تخصم الناس بسبع لا يجاريك أحد في واحدة منهنّ.
وزاد خطيب خوارزم(٦) ومحب الدين الطبري(٧) ما لفظه: ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ).
____________________
(١) كنز العمال ١٣: ١١٧ ح ٣٦٣٧٨.
(٢) نقض العثمانية: ٢٩٢.
(٣) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٥٨ ترجمة الإمام عليعليهالسلام .
(٤) شرح نهج البلاغة ١٣: ٢٣٠ أخرجه عن نقض العثمانية.
(٥) اللآلئ المصنوعة ١: ٣٢٣.
(٦) المناقب للخوارزمي: ٥٤ فصل (٤) ح ١٩.
(٧) الرياض النضرة ٣: ١٠٩ و ١١٨ وقال: أخرجه ابن السمان في الموافقة.
وزاد الأمر تسري(١) ما لفظه: ( يا علي، مَن أحبك فقد أحبني، ومَن أحبني فقد أحب الله، ومَن أحب الله تعالى أدخله الجنة، ومَن أبغضك فقد أبغضني، ومَن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى وأدخله النار ).
أخرج الحفّاظ والمؤرّخون منهم العلاّمة الخطيب البغدادي، بسندهم عن سويد بن غفلة، عن عمر بن الخطاب: أنّه رأى رجلاً يسب علياًعليهالسلام فقال عمر: إنّي أظنّك منافقاً، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( إنّما علي مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي )(٢) .
روى العلاّمة الشيخ بهاء الدين أبو القاسم القفطي الشافعي، بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت أجفو علياًعليهالسلام ، فلقيني النبيصلىاللهعليهوآله فقال: ( آذيتني يا عمر ! فقلت: بأي شيء ؟ قالصلىاللهعليهوآله : تجفو علياً ! من آذى علياً فقد آذاني ).
____________________
(١) أرجح المطالب: ٥١٨.
(٢) تاريخ بغداد ٧: ٤٥٣، الرياض النضرة ٣: ١١٨، وقال: أخرجه ابن السمان في الموافقة، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ١٦٦ - ١٦٧ ترجمة الإمام علي بثلاث طرق، الكامل في الجرح والتعديل ١: ٣٠١، فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧: ٦٠ رواه عن عمر، وتابعه عن ثلاثة عشر طريقاً آخر، كنز العمال ١١: ٦٠٧ ح ٣٢٩٣٤، فرائد السمطين ١: ٣٦٠ - ٣٦١ أخرجه بثلاث طرق عن عمر بن الخطاب، إحقاق الحق ١٦: ٢٤ أخرجه عن مفتاح النجاة للبدخشي - ١١٢٦ ه- ومناقب العشرة للاسكواري النقشبندي، الروض الأزهر: ٩٨.
فقلت: والله لا أجفو علياً أبداً(١) .
نعم، فإنّ إحراق باب دار علي من قِبل الخليفة عمر، الذي عاهد النبي وحلف قسماً بالله عزّ وجل، وأعطى النبيصلىاللهعليهوآله عهداً بأن لا يجفو علياً أبداً، ليس من الجفاء ! وإن كان عمر قد أشعله ! إلاّ أنّه لم يحرق علياً نفسه، وذلك وفاءً لعهده ويمينه بأن لا يجفو علياً !!(٢) .
أخرج العلاّمة المحدّث ابن شيرويه الديلمي الهمداني، بسنده عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( حب عليعليهالسلام براءة من النار )(٣) .
روى أهل الحديث والسير وأرباب الصحاح والسُنن، بإسنادهم عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( كلّ سبب ونسب يوم القيامة منقطع إلاّ سببي ونسبي )(٤) .
____________________
(١) الأنباء المستطابة: ٦٤، التدوين في أخبار قزوين للرافعي القزويني ٣: ٣٩٠، ملحقات إحقاق الحق ١٦: ٥٩٢ و ٢١: ٥٤٢.
أقول: طبقاً لهذه الرواية فإنّ أذى علي أذى النبيصلىاللهعليهوآله ، وجفاءه جفاء النبيصلىاللهعليهوآله .وقال الألباني في معنى الجفاء: إنّ جفاء النبيصلىاللهعليهوآله من الذنوب الكبائر إن لم يكن كفراً.الأحاديث الضعيفة ١: ٦١. ( المعرّب ).
(٢) راجع مصادر هذا الأمر في ص ٤١ - ٤٢.
(٣) فردوس الأخبار ٢: ١٤٢ ح ٢٧٢٣، كنز الحقائق للمناوي: ٦٧، مودة القربى: ١٨٠، إحقاق الحق ٧: ١٤٨ أخرجه عن نُزل السائرين للتفريشي.
(٤) فضائل الصحابة ٢: ٦٢٥ ح ١٠٦٩ - ١٠٧٠، مناقب أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل: ١٢٩ ح ١٩١ و ١٩٢، المعجم الكبير ٣: ٣٧ ح ٢٦٣٤، المصنّف للصنعاني ٦: ١٦٣ ح ١٠٣٥٤ ،
ومن الواضح أنّ دوام سبب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعدم انقطاع نسبه إلى هذا الزمان - بل إلى يوم القيامة - حيث يمر على ذلك أربع عشرة قرناً ونيف، إنّما يكون بفضل مصاهرة الإمام عليعليهالسلام إيّاه، وتزوّجه بفاطمة بنت النبيصلىاللهعليهوآله لا غير، بينما نرى أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قد تزوج عِدة نساء، ورُزق من بعضهنّ بنين وبنات - في حين بعض زوجاته كنّ عقيمات - إلاّ أنّه لم يبقَ له منهنّ ولد، وانقطع نسب النبيصلىاللهعليهوآله عن طريقهم، إلاّ عن طريق ابنته فاطمة الزهراءعليهاالسلام وصهره عليعليهالسلام ؛ حيث إنّ الله عزّ وجل رزقه عن طريقها أولاداً وبناتاً وأحفاداً، يُعدّون اليوم بالملايين، ومنهم الأئمة الأحد عشر من وُلديهماعليهمالسلام .
أخرج العلاّمة الخطيب الخوارزمي وغيره من المحدّثين والمؤرّخين، بسندهم عن عمر بن الخطاب، قال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم خيبر: ( لأعطينّ الراية غداً رجلاً، يحب اللهَ ورسوله، ويحبه اللهُ ورسوله، كرّاراً غير فرّار، يفتح الله عليه، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فبات المسلمون كلهم يستشرفون لذلك، فلمّا أصبح قالصلىاللهعليهوآله : أين علي بن أبي طالب ؟
____________________
تاريخ أصفهان ١: ١٩٩، ذخائر العقبى: ١٦٨ رواه عن مناقب أحمد، تاريخ بغداد ٦: ١٨٢ رواه محرّفاً ومزوّراً، حلية الأولياء ٢٦: ٣٤، و ٧: ٣١٤، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٢، الطبقات الكبرى ٨: ٤٦٣ ترجمة أمّ كلثوم، فيض القدير ٥: ٢٠ شرح ح ٦٣٠٩، المناقب لابن المغازلي: ١٠٨ رواه بثلاث طرق ح ١٥٠ - ١٥٢ - ١٥٣، الجامع الصغير ٢: ٢٨٠ ح ٦٣٠٩ وص ٢٨٨ ح ٦٣٦١، السُنن الكبرى ٧: ٦٣ كتاب النكاح باب الأنساب كلها منقطعة.، تاريخ اليعقوبي ٢: ٤٩، السراج المنير شرح الجامع الصغير للعزيزي ٣: ٨٩، شرح نهج البلاغة ١٢: ١٠٦، تذكرة الحفّاظ ٣: ٩١٠ ترجمة أبي إسحاق بن حمزة رقم ٨٧٣، إزالة الخفاء ٢: ٦٨، مجمع الزوائد ٤: ٢٧١ - و ٩: ١٧٣، تلخيص المستدرك ٣: ١٤٢.
قالوا: أَرمد العين، قالصلىاللهعليهوآله : آتوني به.فلمّا أتاه، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ادن مني )، فدنا منه، فتفل في عينيه ومسحهما بيده، فقام علي بن أبي طالبعليهالسلام بين يديه، وكأنّه لم يرمد وأعطاه الراية، فقتل مرحب وأخذ مدينة خيبر(١) .
أخرج العلاّمة السيد علي بن شهاب الدين الهمداني، بسنده عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( لو اجتمع الناس على حب علي بن أبي طالب لَما خلق الله النار )(٢) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر الدمشقي عن طريقين، وروى غيره بطرق
____________________
(١) المناقب للخوارزمي: ١٧٠ فصل ( ١٦ ) ح ٢٠٣، كنز العمال ١٣: ١٢٣ ح ٣٦٣٩٣ أخرجه عن الدار قطني والخطيب البغدادي وابن عساكر، وفي ص ١١٦ ح ٣٦٣٧٧ خرّجه مختصراً عن تاريخ إصبهان لابن مندة، بريقة المحمودية لأبي سعيد الخادمي ١: ٣١١.
أقول: وقد ورد حديث الراية في خيبر، ودور الإمام عليعليهالسلام في قتل مرحب زعيم اليهود، وفتح قلاع خيبر، في كثير من المصادر الحديثية والتاريخية المعتبرة عند الفريقين السُنة والشيعة، بأسانيد مختلفة ومتون متواترة.وقد خصّ العلاّمة مير حامد حسين، أحد أجزاء كتابه عبقات الأنوار - الجزء التاسع - للبحث والتحقيق في هذا الحديث، وأثبت أسانيده ودلالته على خلافة الإمام عليعليهالسلام للنبيصلىاللهعليهوآله ، وجمع في كتابه ما بلغه من الحديث المستخرج في مجاميع أهل السنة فيما يمت بهذه الواقعة التاريخية.
وكذلك جمع العلاّمة المحقّق القاضي التستري في موسوعته إحقاق الحق وملحقاته طرق هذا الحديث، فعدّدها فكانت العشرات من الصحابة وأكثر من مِئة مصدر حديثي وتاريخي.فليراجعهما من أراد الإيقان.
(٢) ينابيع المودة: ٢٥١، الكوكب الدري للكشفي الترمذي: ١٢٢.
مختلفة: أتى عمر بن الخطاب - في عهده - رجلان سألاه عن طلاق الأَمَة - كم عدده للبينونة - ؟ فقام معهما فمشى حتى أتى حلقةً في المسجد فيها رجل أصلع، فقال عمر: أيّها الأصلع ما ترى في طلاق الأَمَة، فرفع رأسه إليه ثمّ أومأ إليه بالسبابة والوسطى، فقال له عمر: تطليقان، فقال أحدهما: سبحان الله، جئناك وأنت أمير المؤمنين، فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته، فرضيت منه أن أومأ إليك !! فقال لهما عمر: ما تدريان مَن هذا ؟ قالا: لا، قال عمر: هذا علي بن أبي طالب، أشهد على رسول اللهصلىاللهعليهوآله لسمعته وهو يقول: ( لو أنّ السموات السبع والأرضين السبع وضعنَ في كفة ميزان، ووضع إيمان علي في كفة ميزان، لرجح إيمان عليعليهالسلام )(١) .
وقد أسقط بعض المحدّثين وحفّاظ أهل السنة، الحوار الذي دار بين عمر وبين الأعرابيين، وجواب أمير المؤمنينعليهالسلام ، واكتفى برواية حديث النبيصلىاللهعليهوآله عن عمر بن الخطاب: لو أنّ السماوات.(٢) .
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق: ٤٢: ٣٤٠ - ٣٤١ ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، المناقب للخوارزمي: ١٣٠ - ١٣١ ح ١٤٥ - ١٤٦ عن ابن السمان والدار قطني، المناقب لابن المغازلي: ٢٨٩ ح ٣٣٠، كفاية الطالب: ٢٥٨ باب ( ٦٢ ) نقله عن الدار قطني، ينابيع المودة: ٢٥٤ باب ( ٥٦ )، سعد الشموس والأقمار: ٢١١، شرح وصايا أبي حنيفة لأبي سعيد الخادمي: ١٧٧، أرجح المطالب: ٤٧٦ أخرجه، عن ابن السمان والسلفي والفضائلي والديلمي والخوارزمي، جامع الأحاديث لعباس أحمد صقر، وأحمد عبد الجواد ٥: ٤١١.
(٢) الفردوس الأعلى: ٣: ٣٦٣ ح ٥١، شرح نهج البلاغة ١٢: ٢٥٩، ميزان الاعتدال ٣: ٤٩٤ ترجمة محمد بن تسنيم الورّاق رقم ٧٢٨٨ رواه عن الدار قطني، ذخائر العقبى: ١٠٠.
أخرج العلاّمة الحافظ السيد علي بن شهاب الدين الهمداني - ٧٨٦ ه- - بسنده عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعلي: ( لو كان البحر مداداً، والرياض أقلاماً، والإنس كتّاباً، والجن حسّاباً، ما أحصوا فضائلك، يا أبا الحسن )(١) .
روى العلاّمة محب الدين الطبري وغيره من أرباب الحديث والسُنن، عن العلاّمة الطبراني - صاحب المعاجم الثلاثة - بسنده عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: (ما اكتسب مكتسب مثل فضل علي، يهدي صاحبه إلى الهدى، ويردّه عن الردى )(٢) .
____________________
الرياض النضرة ٣: ٢٠٦ رواه عن أرجح المطالب، كنز العمال ١١: ٦١٧ ح ٣٢٩٩٣، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٥: ٣٤، لسان الميزان ٥: ٩٧ ترجمة محمد بن تسنيم الورّاق رقم ٣٢٨ أخرجه عن الدار قطني، المناقب المرتضوية: ١١٨، فتح المبين بهامش السيرة النبوية لزيني دحلان ٢: ١٦٦ رواه عن الحافظ السلفي وابن السمان، مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ٤٦ أخرجه عن الديلمي والخوارزمي وابن السمان، بريقة المحمودية ١: ٢١١.
ومَن أراد الاطلاع أكثر على مصادر الحديث، فليراجع مضانّه في موسوعة ملحقات إحقاق الحق ٢١: ٥٧٥.
(١) ينابيع المودة: ٢٤٩.
(٢) ينابيع المودة: ٢٠٣، أرجح المطالب: ٩٨، مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ٤٠ و ٤٧، ذخائر العقبى: ٦١، الرياض النضرة ٣: ١٨٩.
أقول: وما يجدر ذكره أنّ محقّق كتاب المعجم الصغير للطبراني حرّف كلمة علي إلى علم، وذلك حسب ما أورده ابن حجر في مجمعه، خلافاً لِما أجمع عليه أهل العلم والفضل عندهم.المعجم الصغير: ٢٤١ ترجمة عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مجمع الزوائد ١: ١٢١ باب فضل العلم.
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر الدمشقي، بسنده عن ابن عباس، قال: مشيت وعمر بن الخطاب في بعض أزقة المدينة فقال لي: يا بن عباس، أظن أنّ القوم استصغروا صاحبكم؛ إذ لم يولّوه أموركم !!
فقلت: والله، ما استصغره الله إذ اختاره لسورة براءة - مع عزل أبي بكر - يبلغها أهل مكة.فقال لي: الصواب تقول !! والله لسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعلي بن أبي طالب: (مَن أحبك أحبني، ومَن أحبني أحب الله، ومَن أحب الله أدخله الجنة مدلاًّ )(١) .
وأخرج بعض الحفّاظ - منهم ابن عساكر الدمشقي - هذا الحديث في موضع آخر مسقطاً منه قولهصلىاللهعليهوآله لعلي بن أبي طالب: مَن أحبك.وقد سمّى العلاّمة المحقّق المحمودي، في تعليقه على ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، من تاريخ مدينة دمشق، بعض الحفّاظ الباترين للحديث، فراجع(٢) .
أخرج العلاّمة الحافظ السيد محمد صالح الكشفي الترمذي، بسنده عن عمر
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق ١٤: ٤ ترجمة عيسى بن أزهر، راجع النسخة المصوّرة على نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، ترجمة الإمام عليعليهالسلام لابن عساكر ٢: ٣٨٨ في الهامش، كنز العمال ١٣: ١٠٩ ح ٣٦٣٥٧.
(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٨، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني: ٣٤، المحاضرات للراغب الأصفهاني ٤: ٤٧٨، فرائد السمطين ١: ٣٣٤ باب ( ٦٢ ) ح ٢٥٨، شرح نهج البلاغة ٦: ٤٥ وقريب منه ص ٥٠، الرياض النضرة ٢: ٣٢٩، اليقين لابن طاووس: ٥٢٣، غاية المرام للبحراني: ٤٦٢ باب (٧) ح ١٥، الغدير للأميني ١: ٣٨٩، ترجمة الإمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٢: ٣٨٧ ح ٨٩٣ لاحظ الهامش لمعرفة أسماء الذين بتروا الحديث.
بن الخطاب، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعلي بن أبي طالبعليهالسلام : ( مَن أحبك يا علي، كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة، ومَن مات يبغضك، فلا يبالي مات يهودياً أو نصرانياً )(١) .
أشرنا فيما سبق في الفصل الأوّل من مرويات أبي بكر حول حديث الغدير وروايته، لقول النبيصلىاللهعليهوآله : ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه )، ممّا أخرجه حفّاظ أهل السُنة في مجاميعهم، التي ذكرناها في الهامش هناك، ولمّا كان عمر بن الخطاب ممّن حضر المؤتمر العالمي ذلك اليوم، فلا جَرم أنّه قد سمع خطبة النبيصلىاللهعليهوآله بكاملها.
ونشير هنا أيضاً إلى بعض المصادر التي أخرجت حديث الغدير برواية عمر(٢) .
____________________
(١) الكوكب الدري: ١٢٥، المناقب المرتضوية: ١١٧.
(٢) فضائل الصحابة ٢: ٦١٠ ح ١٠٤٢، مناقب أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل: ١٤٤ ح ١٦٤، الولاية لابن جرير روى عن ٧٥ صحابياً منهم عمر بن الخطاب روى عنه ابن كثير.
الولاية لابن عقدة روى عن ١٠٥ صحابياً منهم عمر بن الخطاب، وذكره ثاني الرواة، روى عنه السيد ابن طاووس في الطرائف: ١٤٠، نخب المناقب لأبي بكر الجعابي روى عن ١٢٥ صحابياً رووا حديث الغدير منهم عمر بن الخطاب.
الغدير لمنصور آبي الرازي - أو اللائي الرازي - نقل عنه في الغدير ١: ١٥٥، فضائل الصحابة للسمعاني نقل عنه الأميني في الغدير ١: ٦٥ وإحقاق الحق ٦: ٢٥٠، مقتل الحسين للخوارزمي: ٤٧ روى عن ٣٠ صحابياً أولهم عمر.
المناقب للخوارزمي: ١٦٢، الرياض النضرة ٣: ١٢٨ رواه عن ابن السمان وأحمد، ذخائر العقبى: ٦٧، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٢٣٤، البداية والنهاية ٥: ٢١٣، و ٧: ٣٤٩، ينابيع المودة: ٢٤٩، فصل الخطاب روى عنه الأميني في الغدير ١: ٥٦، أسنى المطالب: ٤٣ في ذيل ح ٥، المناقب المرتضوية: ١٢٥، أرجح المطالب: ٤٢٥ و ٥٦٥، اللآلئ المنتثرة في الأحاديث المنتشرة للغماري: ٧٧ روى عن ٥٤ راوٍ لحديث الغدير وعدّد منهم عمر بن الخطاب.
أخرج العلاّمة السيد علي بن شهاب الدين الهمداني، والعلاّمة الحافظ محمد صالح الكشفي الترمذي، حديث الغدير بعدة طرق وإضافات عن عمر بن الخطاب قال: نصّب رسول اللهصلىاللهعليهوآله علياًعليهالسلام عَلَماً فقال: ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، واخذل مَن خذله، وانصر مَن نصره، اللهم أنت شهيدي عليهم ).قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، وكان في جنبي شاب حسن الوجه طيب الريح، قال لي: يا عمر، لقد عقد رسول اللهصلىاللهعليهوآله عقداً لا يحلّه إلاّ منافق، فأخذ رسول الله بيدي فقال: ( يا عمر، إنّه ليس من وُلد آدم، لكنّه جبرائيل يؤكّد عليكم ما قلته في علي )(١) .
أقول: لمّا انتهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من مراسم الغدير - الخطبة الغرّاء، ونصب عليعليهالسلام عَلَماً للخلافة والإمامة من بعده، وقولهصلىاللهعليهوآله : مَن كنت مولاه فعلي مولاه، وسائر فقرات الخطبة، ودعائه لعليعليهالسلام - أمر الحاضرين رجالاً ونساءً، أن يبايعوا علي بن أبي طالبعليهالسلام بالإمرة والخلافة من بعده، فكان الحاضرون يتهافتون على الإمام عليعليهالسلام ويبايعونه على ذلك، حسب ما أمرهم النبيصلىاللهعليهوآله ، حتى النساء بايعنَه؛ حيث وُضع لهنّ طست فيه ماء - كما أمر بذلك النبيصلىاللهعليهوآله فكنّ يدخلنَ أيديهنّ فيه، وكان عليعليهالسلام واضعاً يده أيضاً في الطست، وهو جالس في الخيمة - احترازاً من ملامسة الأجنبيات، والتسليم عليهنّ مصافحةً.
وهكذا تمّت البيعة لعليعليهالسلام ، وأذعن الجميع بأنّهعليهالسلام مولاهم، وأقرّوا له بالاتّباع والطاعة، والتزام أوامره ونواهيه.
____________________
(١) ينابيع المودة: ٢٤٩، الكوكب الدري للكشفي: ١٣١ المنقبة رقم ١٥٤.
والجدير بالذكر - أيّها القارئ الخبير - أنّ هذا الحديث المتواتر رواه أكثر من أربعين حافظاً ومؤرّخاً، بسندهم عن أبي بكر وعمر، وأنّهما قالا لعليعليهالسلام بعد خطبة النبيصلىاللهعليهوآله ، وأمره بالبيعة لعليعليهالسلام : بخ بخ.أو هنيئاً لكوأمثال هذه العبارات الدالة على التهنئة والتبريك، وتعظيم منصب الولاية العظمى، والخلافة الكبرى لعليعليهالسلام .
وإليك - أيّها القارئ الممجّد - بعض النماذج من تلكم العبارات التهنوية، التي رويت عن أبي بكر وعمر معاً، أو انفرد به أحدهما، ممّا روي في مصادر أهل السُنة المعتمد عليها عندهم:
١ - ما اشترك فيه أبو بكر وعمر:
١ - أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة.أخرجه: ١ - الحافظ أحمد بن عقدة الكوفي - ٣٣٣ ه- - في كتابه الولاية، وذكر إقرارهما عن مِئة وخمس طرق كلهم من الصحابة(١) .
٢ - الحافظ علي بن عمر الدار قطني البغدادي - ٣٨٥ ه- -(٢) .
٣ - الحافظ أبو عبد الله الگنجي الشافعي - ٦٥٨ ه- في كتابه كفاية الطالب: ٦٢ الباب الأوّل.
٤ - الحافظ ابن حجر الهيثمي - ٩٣٢ ه- - في كتابه الصواعق المحرقة: ٤٤ أخرجه عن الدار قطني.
٥ - العلاّمة الحافظ شمس الدين المناوي الشافعي - ١٠٣١ ه- - في كتابه
____________________
(١) تهذيب التهذيب ٧: ٢٨٨ ترجمة الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام رقم ٤٩٢٥، الغدير ١: ١٥٣ وذكر مصادر عديدة أُخرجت عن ابن عقدة.
(٢) الصواعق المحرقة: ٤٤.
فيض الغدير ٦: ٢١٨ شرح ح ٩٠٠٠ أخرجه عن الدار قطني.
٦ - العلاّمة أبو عبد الله الزرقاني المالكي - ١١٢٢ ه- في كتابه شرح المواهب ٧: ١٣ أخرجه عن الدار قطني.٧ - العلاّمة السيد أحمد زيني دحلان المالكي الشافعي - ١٣٠٤ ه- في كتابه الفتوحات الإسلامية ٢: ٣٠٦.
٢ - العبارات التي قالها عمر لعليعليهالسلام منفرداً
١ - أصبحت مولى كل مؤمن.
٢ - بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
٣ - بخ بخ لك يا علي، أصبحت وأمسيت.
٤ - بخ بخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
٥ - بخ بخ يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ومسلمة.
٦ - بخ بخ يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
٧ - طوبى لك يا أبا الحسن، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
٨ - طوبى لك يا علي، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
٩ - هنيئاً لك أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
١٠ - هنيئاً لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
١١ - هنيئاً لك يا أبا الحسن، أصبحت مولى كل مسلم.
١٢ - هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
١٣ - هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى جميع المؤمنين والمؤمنات.
١٤ - هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
١٥ - هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت اليوم ولي كل مؤمن.
١٦ - هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت اليوم ولي كل مؤمن ومؤمنة.
١٧ - يا بن أبي طالب، أصبحت اليوم ولي كل مؤمن.
٣ - وأمّا المصادر والمراجع التي أُخرجت فيها هذه الاعترافات، على لسان عمر بن الخطاب فهي كما يلي:
١ - المصنّف، للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة - ٢٣٥ ه- - أخرج التعبير رقم ١٢(١) .
٢ - المعيار والموازنة، لأبي جعفر الاسكافي - ٢٤٠ ه- - أخرج التعبير رقم ٦(٢) .
٣ - مسند الإمام أحمد بن حنبل - ٢٤١ ه- أخرج التعبير رقم ١٢(٣) .
٤ - المسند الكبير، للحافظ أبي يعلى أحمد بن علي الموصلي - ٣٠٧ ه- أخرج الحديث من طريق السيد محمود الشيخاني القادري المدني، في كتابه الصراط السوي في مناقب آل النبي.أخرج التعبير رقم ١٠.
٥ - تفسير محمد بن جرير الطبري -٣١٠ ه- أخرج التعبير رقم ١٤(٤) .
٦ - شرف المصطفى، للحافظ أبي سعيد الخرگوشي البغدادي - ٤٠٧ ه- أخرج التعبير رقم ٧(٥) .
٧ - تفسير الكشف والبيان، لأبي إسحاق الثعلبي - ٤٢٧ ه- - أخرج التعبير
____________________
(١) المصنّف ١٢: ٧٨ ح ١٢١٦٧ عن البراء، وفيه: هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
(٢) المعيار والموازنة: ٢١٢.
(٣) مسند أحمد ٤: ٢٨١، وج ٥: ٣٥٥ ح ١٨٠١١ من الطبعة الحديثة.وفيه: هنيئاً يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
(٤) تفسير الطبري ٣: ٤٢٨.
(٥) شرف المصطفى روى عنه الغدير ١: ٢٧٤.
رقم ١٢(١)
٨ - تاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - ٤٦٣ ه- أخرج التعبير رقم ٥(٢) .
٩ - مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام ، لأبي الحسن علي بن محمد الجلابي، المعروف بابن المغازلي الشافعي - ٤٨٣ ه- أخرج التعبير رقم ٥(٣) .
١٠ - شواهد التنزيل، للحافظ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني الحنفي - ٤٩٠ ه- أخرج التعبير رقم ٢(٤) .
١١ - زين الفتى في شرح سورة هل أتى، للحافظ أبي محمد العاصمي - ٣٧٨ ه- أخرج التعبير رقم ٥(٥) .
١٢ - سرّ العالمين، لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي - ٥٠٥ ه- أخرج التعبير رقم ٤(٦) .١٣ - الملل والنحل، للعلاّمة أبي الفتح الأشعري الشهرستاني - ٥٤٨ ه- أخرج التعبير رقم ٨(٧) .
١٤ - المناقب، لأخطب الخطباء الموفّق بن أحمد بن محمد المكي
____________________
(١) الكشف والبيان ( مخطوط ) الورقة: ١٨١ آية ٦٧ من سورة المائدة، نقل عنه الغدير ١: ٢٧٤.
(٢) تاريخ بغداد ٨: ٢٩٠.
(٣) مناقب ابن المغازلي: ١٨ ح ٢٤، وفيه: بخ بخ لك يا علي بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن.
(٤) شواهد التنزيل ١: ٢٠٠ ح ٢١٠ وص ٢٠٣ ح ٢١٣، وفيه: بخ بخ لك يا بن أبي طالب.
(٥) زين الفتى في شرح سورة هل أتى ٢: ٢٦٥ ح ٤٧٤، وفيه: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم.
(٦) سرّ العالمين: ٢١.
(٧) الملل والنحل ١: ١٤٥.
الخوارزمي - ٥٦٨ ه- أخرج التعبير رقم ٥ و ١٢(١) .
١٥ - تاريخ مدينة دمشق، للحافظ أبي القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الدمشقي الشهير بابن عساكر - ١٥٧ ه- أخرج التعبير رقم ٥(٢) .
١٦ - مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، للإمام أبي عبد الله فخر الدين الرازي الشافعي - ٦٠٦ ه- أخرج التعبير رقم ١٤(٣) .
١٧ - النهاية، لأبي السعادات مجد الدين بن الأثير الشيباني - ٦٠٦ ه- أخرج التعبير رقم ١٧(٤) .
١٨ - أسد الغابة، لأبي الحسن عز الدين بن الأثير الشيباني - ٦٣٠ ه- - أخرج التعبير قم ١٧(٥) .
١٩ - تذكرة الخواص، للحافظ أبي المظفر شمس الدين سبط بن الجوزي الحنفي - ٦٥٤ ه- أخرج التعبير رقم ٦ و ١٣(٦) .
٢٠ - الرياض النضرة، للحافظ أبي جعفر محب الدين الطبري الشافعي - ٦٩٤ ه- - أخرج التعبير رقم ١٠(٧) .
٢١ - ذخائر العقبى، له أيضاً أخرج التعبير ١٢(٨) .
٢٢ - فرائد السمطين، لشيخ الإسلام أبي إسحاق إبراهيم بن سعد الدين
____________________-
(١) المناقب للخوارزمي: ١٥٥ و ١٥٦ باب ( ١٤ ) ح ١٨٣ و ١٨٤.
(٢) ترجمة الإمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٧٦ - ٧٨ ح ٥٧٧ و ٥٧٩ و ٥٨٠.
(٣) التفسير الكبير ١٢: ٤٩ تفسير آية( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) .
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٥: ٢٢٨ مادة ( ولّى ).
(٥) أسد الغابة ٤: ٢٨ ترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى.
(٦) تذكرة الخواص: ٢٩.
(٧) الرياض النضرة ٣: ١٢٧.
(٨) ذخائر العقبى: ٦٧.
محمد بن المؤيّد الحموئي الجويني - ٧٢٢ ه- أخرج التعبير رقم ٥(١) .
٢٣ - تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، للإمام نظام الدين القمي النيسابوري - ٧٢٨ ه- أخرج التعبير رقم ١٤(٢) .
٢٤ - مشكاة المصابيح، للحافظ ولي الله الخطيب - ٧٣٧ ه- أخرج التعبير رقم ٦ و ١٣(٣) .
٢٥ - نظر درر السمطين، للحافظ جمال الدين الزرندي المدني - ٧٥٠ ه- أخرج التعبير رقم ٣(٤) .
٢٦ - البداية والنهاية، للمؤرّخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير الشامي الشافعي - ٧٤٤ ه- أخرج التعبير رقم ٤(٥)
٢٧ - مودة القربى، للحافظ السيد علي بن شهاب بن محمد الهمداني - ٧٨٦ ه- أخرج التعبير رقم ٥(٦) .
٢٨ - بديع المعاني، للقاضي نجم الدين الأذرعي المعروف بابن عجلون الشافعي - ٨٧٦ ه- - أخرج التعبير رقم ٩(٧) .
٢٩ - جامع الأحاديث، للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي - ٩١١ ه- أخرج التعبير رقم ١٢(٨) .
____________________
(١) فرائد السمطين ١: ٧٧ ح ٤٤.
(٢) غرائب القرآن ورغائب الفرقان، أو تفسير النيسابوري ٢: ٦١٦.
(٣) مشكاة المصابيح: ١٧٢٣ ح ٦٠٩٤.
(٤) نظم درر السمطين: ١٠٩، البداية والنهاية ٥: ٢١٠ حوادث سنة ١٠ ه-، مودة القربى: المودة الخامسة المطبوع في ذيل ينابيع المودة: ٢٤٩.
(٥) البداية والنهاية ٥: ٢١٠ حوادث سنة ١٠ ه-.
(٦) ينابيع المودة: ٢٤٩.
(٧) بديع المعاني: ٧٥.
(٨) جامع الأحاديث ٤: ٣٩٧ ح ٧٨٤٤ وروى عنه المتقي في كنز العمال ١٣: ١٣٣ ح ٣٦٤٢٠.
٣٠ - وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، للحافظ نور الدين السمهودي المدني الشافعي - ٩١١ ه- أخرج التعبير رقم ١(١) .
٣١ - المواهب اللدنية، للحافظ أبي العباس شهاب الدين ابن حجر القسطلاني - ٩٢٣ ه- أخرج التعبير رقم ١(٢) .
٣٢ - ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام ، أو تفسير الحافظ السيد عبد الوهاب البخاري - ٩٣٢ ه- ذيل تفسير قوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٣) أخرج التعبير رقم ١٢(٤) .
٣٣ - كنز العمال، للحافظ علاء الدين علي المتقي الهندي - ٩٧٥ ه- أخرج التعبير رقم ١٢(٥) .
٣٤ - روضة الصفاء، للعلاّمة ابن خاوند شاه - ٩٠٣ ه- -(٦) .
٣٥ - حبيب السير، للعلاّمة غياث الدين خاندمير - ٩٤٢ ه- - أخرج التعبير رقم ٦(٧) .
٣٦ - الصراط السوي في مناقب آل النبيصلىاللهعليهوآله ، للعلاّمة السيد محمود الشيخاني القادري المدني - القرن ١١ ه- - أخرج التعبير رقم ١٠(٨) .
٣٧ - مرافض الروافض، للعلاّمة حسام الدين بن محمد بايزيد السهارنپوري -
____________________
(١) وفاء الوفاء ٣: ١٠١٨.
(٢) المواهب اللدنية ٣: ٣٦٥.
(٣) الشورى: ٢٣.
(٤) ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام : ٨٦.
(٥) كنز العمال ١٣: ١٣٤ ح ٣٦٤٢٠.
(٦) روضة الصفاء ٢: ٥٤١ بلفظ: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي ومولى جميع المؤمنين والمؤمنات.
(٧) حبيب السير المجلد الأوّل ٣: ٤١١.
(٨) عنه العلاّمة الأميني في كتابه الغدير ١: ٢٨١.
القرن ١٢ ه- - أخرج التعبير رقم ١٢(١) .
٣٨ - مرآة المؤمنين في مناقب سيد المرسلين، للمولوي ولي الله اللكهنوي - القرن ١٣ ه- أخرج التعبير رقم ٣(٢) .
٣٩ - مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل، لمحمد طاهر الفتني الهندي - ٩٨٦ ه- أخرج التعبير رقم ٤(٣) .
٤٠ - ذخائر المواريث، لعبد الغني النابلسي - ١١٤٣ ه- أخرج التعبير رقم ٢ و ٥(٤) .
فلو تمعّنت - أيّها الباحث عن الحق - فيما بيّناه بالاختصار في موضوع الخلافة، وتأسيسها في ( غدير خم )، وما ورد من تفصيل ذلك، في مئات الكتب الحديثية والتفسيرية، والتاريخية والعقائدية والأدبية، ممّا ألّفه علماء أهل السنة، والتي جمعها المحقّق العلاّمة السيد مير حامد حسين اللكهنوي، في كتابه ( عبقات الأنوار ) قسم الغدير، الذي بلغ عشر مجلدات، وكذا في الأحد عشر مجلداً من ( كتاب الغدير ) تأليف العلاّمة المحقّق الشيخ الأميني، وسائر الكتب المختصة بموضوع الغدير البالغة ١٨٤ كتاباً بمختلف اللغات والأحجام، والتي ذكر أسماءها العلاّمة السيد عبد العزيز الطباطبائي في كتابه ( الغدير في التراث الإسلامي )، لابدّ أنّه يتبادر إلى ذهنك هذا السؤال الهام: فلو لم تكن كلمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله في غدير خم ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه ) - مع كل ما احتوته من الميزات الظرفية والوقائع، مثل الظروف المحلية
____________________
(١) عنه الأميني في الغدير ١: ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) مرآة المؤمنين: ٤١، عنه الغدير ١: ٢٨٢.
(٣) مجمع بحار الأنوار ٣: ٤٦٥.
(٤) ذخائر المواريث ١: ٥٧.
والتاريخية، واجتماع الحجاج وإبلاغهم أمر الخلافة، وأخذ البيعة منهم رجالاً ونساءً - دالةً على أهمية مسألة الإمامة والخلافة، المتصلة بالنبوة المحمدية، وأهميتها في مصير الأمّة الإسلامية، وقلنا إنّها موضوع عادي مثل أكثر المسائل التي تفقد الأهمية الدينية، فكيف تفسّر تهنئة الشيخين أبي بكر وعمر علياًعليهالسلام بتلك العبارات مثل قولهما له: بخ بخ لك يا علي، أو: طوبى لك يا أبا الحسن، أو: هنيئاً لك يا بن أبي طالب ؟ هذا هو السؤال المطروح، الذي يحتاج إلى جواب صريح من دون اللف والنشر والتزوير والتهرب والتخرّص، بأنّ المسالة ليست ذات أهمية.
وممّا يؤيّد ويرجّح الغاية السامية في تشكيل ذلك الاجتماع الكبير في غدير خم، هي بيان خلافة الإمام عليعليهالسلام ، وإبلاغها إلى الناس فقط لا شيء سواه، ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني عن ابن الجوزي فقال: إنّه حضر مجلسه بالكوفة فقال: لمّا قال النبيصلىاللهعليهوآله : ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه )، تغيّر وجه أبي بكر وعمر فنزلت( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (١) ،(٢) .
وذكر العلاّمة المناوي في فيض القدير في شرح الحديث ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه )، كلاماً لابن حجر في تغيير وجهي أبي بكر وعمر، ثمّ تطرّق إلى سرد مصادر وإسناد حديث الغدير فقال: ذكره الحافظ في اللسان بنصه، ولم أذكره إلاّ للتعجب من هذا الضلال واستغفر الله.ثمّ قال: خرّجه الدار قطني عن سعد بن أبي وقاص عنهما قالا: ( أمسيت يا بن أبي طالب، مولى كل مؤمن ومؤمنة )(٣) .
وعندئذ يختلج السؤال في الذهن: إنّه لو كانت الغاية من قول النبيصلىاللهعليهوآله : ( مَن
____________________
(١) الملك: ٢٧.
(٢) لسان الميزان ١: ٣٨٧ ترجمة اسفنديار بن موفّق رقم ١٢١٥.
(٣) فيض القدير ٦: ٢١٧ - ٢١٨ شرح حديث ٩٠٠٠.
كنت مولاه)، هي مجرد إبلاغ الناس، وأمرهم بالمودة والمحبة لعليعليهالسلام فقط، ولم تكن تتعلّق بما هو أهم من ذلك مسألة الخلافة والإمامة، فلماذا تغيّر وجه أبي بكر وعمر، بمجرد سماعهما ذلك من النبيصلىاللهعليهوآله ؟!!
روى العلاّمة محب الدين الطبري، بإسناده عن عمر بن الخطاب، وقد ذُكر عنده عليعليهالسلام قال: ذلك صهر رسول اللهصلىاللهعليهوآله نزل جبرئيل فقال: ( يا محمد، إنّ الله يأمرك أن تزوّج فاطمة ابنتك من علي ).أخرجه ابن السمان في الموافقة(١) .
أقول: لا يخفى أنّ قول عمر بن الخطاب: ( نزل جبرئيل ) هو قال النبيصلىاللهعليهوآله ، ولكنّك ترى إرسال عمر في الكلام من دون أن ينسبه إلى النبيصلىاللهعليهوآله .
أخرج العلاّمة المؤرّخ أبو الفداء ابن كثير، بسنده عن عدة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، منهم عمر بن الخطاب أنّه قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( النظر إلى وجه علي عبادة )(٢) .
أخرج الإمام أحمد بن حنبل بإسناده، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لوفد ثقيف حين جاءوا: (والله لَتسلُمُنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً مني - أو قال مثل نفسي -
____________________
(١) الرياض النضرة ٣: ١٤٦، ذخائر العقبى: ٣١.
(٢) البداية والنهاية ٧: ٣٥٧، كفاية الطالب ١٦١ باب ( ٣٤ )، أخرجه عن ابن عساكر، لسان الميزان ١: ٢٤٣ وفيه: عن عائشة أنّها قالت: النظر إلى عليعليهالسلام عبادة.ترجمة أحمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن عشامة بن فرج أبو العباس الكندي الليثي الصوفي، المعروف بابن الوشاء التنيسي رقم ٧٦٠.
فليضربَنّ أعناقكم، ولَيسبيَنّ ذراريكم، وليأخذَنّ أموالكم ).قال عمر: فوالله ما اشتهيت - تمنيت - الإمارة إلاّ يومئذ، جعلت انصب صدري له رجاء أن يقول: هذا.فالتفتصلىاللهعليهوآله إلى عليعليهالسلام فأخذ بيده ثمّ قال: ( هو هذا، هو هذا ) - مرتين - يعني أنّ الذي يقاتلكم ويسبي ذراريكم هو عليعليهالسلام (١) .
وقد روى ابن أبي الحديد هذه القصة، ونسبها إلى قبيلة بني وليعة اليمانية بدلاً عن بني ثقيف(٢) .
ولعلّه القصة وقعت مرتين، وفيها أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: ( والله لَتسلُمُنّ ) لكلا الوفدينِ.
أخرج العلاّمة الحافظ محمد صالح الكشفي الترمذي الحنفي، بسنده عن عمر بن الخطاب، عن سلمان قال: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله في غمرات الموت فقلت: يا رسول الله، هل أوصيت ؟ قال: ( يا سلمان، أتدري من الأوصياء ؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
____________________
(١) فضائل الصحابة ٢: ٥٩٣ ح ١٠٠٨، المصنّف، لعبد الرزاق الصنعاني ١١: ٢٢٦ ح ٢٠٣٨٩، مناقب علي بن أبي طالب، لابن أخي تبوك، ذيل مناقب ابن المغازلي الشافعي: ٤٢٨ ح ٤، المناقب للخوارزمي: ١٣٦ باب ( ١٤ ) ح ١٥٣، شرح نهج البلاغة ٩: ١٦٧، مجمع الزوائد ٩: ١٣٤ أخرجه عن أبي يعلى، ذخائر العقبى: ٦٤ أخرجه عن عبد الرزاق وأبي عمر الثمري وابن السمان، الرياض النضرة ٣: ٢٣٣ أخرجه عن عبد الرزاق وأبي عمر وابن عبد البر وابن إسحاق، المطالب العالية ٤: ٥٧ عن ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن عوف، أنساب الأشراف ٢: ٨٦٦، الاستيعاب ٣: ١١١٠ ترجمة الإمام عليعليهالسلام رقم ١٨٥٥.
(٢) شرح نهج البلاغة ١: ٢٩٤.
قالصلىاللهعليهوآله : آدمعليهالسلام وكان وصية شيث، وكان أفضل مَن تركه بعده، وكان من وُلده، وكان وصي نوحعليهالسلام سام، وكان أفضل مَن تركه بعده، وكان وصي موسىعليهالسلام يوشع، وكان أفضل مَن تركه بعده، وكان وصي سليمانعليهالسلام آصف بن برخيا، وكان أفضل مَن تركه بعده، وكان وصي عيسىعليهالسلام شمعون بن نرخيا، وكان أفضل مَن تركه بعده، وإنّي أوصيت إلى عليعليهالسلام ، وهو أفضل مَن أتركه بعدي )(١) .
ويستفاد من هذه الرواية: أنّ المراد بالوصي مَن يكون خليفةً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو الذي طاعته واجبة، وشخصيته مرموقة، والذي به تقام الشريعة، ويدوم الدين - الذي جاء به النبيصلىاللهعليهوآله من عند الله عزّ وجل - به.
ويستفاد منها أيضاً: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي يعيّن الوصي والخليفة من بعده، بأمر من الله جلّ شأنه، وليس تعيينه منوطاً باختيار غيره.
أخرج العلاّمة السيد علي بن شهاب الدين الهمداني، وغيره من الحفّاظ والمحدّثين، بإسنادهم عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمّا عقد المؤاخاة بين أصحابه: ( هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي، ووصيي في أمّتي، ووارث علمي، وقاضي دَيني، له مني ما لي منه، نفعه نفعي، وضره ضري، مَن أحبه فقد أحبني، ومَن أبغضه فقد أبغضني )(٢) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر الدمشقي، وآخرون من أعلام الحديث
____________________-
(١) الكوكب الدري: ١٣٣ المنقبة ١٥٨، المناقب المرتضوية: ١٢٨، ينابيع المودة: ٢٥٣ أخرجه عن ابن عمر، عن سلمان.
(٢) المناقب المرتضوية: ١٢٩، الكوكب الدري: ١٣٤.
والتاريخ، بإسنادهم عن إبراهيم بن سعيد الجوهري وصي المأمون قال: حدثني أمير المؤمنين المأمون - الخليفة العباسي السابع ٢١٨ ه- قال: حدثني أمير المؤمنين الرشيد - خامس الخلفاء العباسيين ١٩٥ ه- قال: حدثني أمير المؤمنين المهدي - ثالث الخلفاء العباسيين ١٧٣ ه- - قال: حدثني أمير المؤمنين المنصور - ثاني الخلفاء العباسيين ١٦٦ ه- -، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن العباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب وعنده جماعة، فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر: أمّا علي فسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول فيه ثلاث خصال، لوددت(١) أنّ لي واحدة منهنّ فكان أحب إلي ممّا طلعت عليه الشمس: كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة، إذ ضرب النبيصلىاللهعليهوآله بيده على منكب علي فقال له: ( يا علي، أنت أَوّل المؤمنين إيماناً، وأَوّل المسلمين إسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى )(٢) .
وزاد ابن الصبّاغ المالكي، بعد أن نقل الحديث عن الخصائص العلوية على سائر البرية لأبي الفتح محمد النطنزي، أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال لعليعليهالسلام : ( كذب مَن زعم أنّه يحبني وهو مبغضك، يا علي مَن أحبك فقد أحبني، ومَن أحبني أحبه الله، -
____________________
(١) جملة لوددت وما بعدها من الكلمات هي من تمنيات عمر بن الخطاب، وليس من كلام النبيصلىاللهعليهوآله كما توهمه البعض.( المعرّب ).
(٢) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ١٦٧ ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، الفردوس الأعلى ٥: ٣١٥ باب الياء ح ٨٢٩٩ أخرجه من دون أن يذكر السند وهم خلفاء بني العباس، المناقب للخوارزمي: ٥٤ فصل (٤) ح ١٩، الرياض النضرة ٣: ١٠٩ أخرجه عن الحافظ ابن السمان، ذخائر العقبى: ٥٨، كنز العمال ١٣: ١٢٤ ح ٣٦٣٩٥ أخرجه عن تاريخ بغداد، وص ١٢٢ ح ٣٦٣٩٢ أخرجه عن الحسن بن بدر والحاكم والشيرازي وابن النجّار، وفيه إضافة، إنّه قالصلىاللهعليهوآله : ( وكذب عليّ مَن زعم أنّه يحبني ويبغضك ) كما في ذيل تاريخ بغداد لابن النجّار، سمط النجوم العوالي ٢: ٢٧٦ ح ٦ عن ابن السمان، المناقب الثلاثة ليوسف حسين عبد الله المصري: ١٠٧.
ومَن أحبه الله أدخله الجنة، ومَن أبغضك فقد أبغضني، ومَن أبغضني أبغضه الله تعالى وأدخله النار)(١) .
الخلاصة: إنّ حب علي هو حب الله ورسوله، وعداء علي وبغضه هو عداء الله ورسوله وبغضهما، وإنّ المحبين لعليعليهالسلام مأواهم الجنة، ومصير مبغضيه النار.
أخرج العلاّمة السيد محمد بن محمد الدرگزيني في كتابه، نُزل السائرين في أحاديث سيد المرسلين(٢) ، بإسناده عن عمر بن الخطاب قال: كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه، إذ ضرب بيده على منكب عليعليهالسلام فقال: ( يا علي، أنت أَوّل المؤمنين إيماناً، وأَوّل المسلمين إسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، يا علي، إنما أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي، فإذا أتاك هؤلاء القوم فسلّموا إليك هذا الأمر فاقبله منهم، فإن لم يأتوك فلا تأتِهم )(٣) .
أخرج العلاّمة العيني بسنده عن عمر بن الخطاب، قال: قال النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) الفصول المهمة: ١٢٦.
(٢) ذكر الزركلي في أعلامه ٧: ١٨٣ في ترجمة العلاّمة السيد محمود بن محمد بن محمود الدرگزيني - المتوفى عام ٧٤٣ ه- - في درگزين في همدان ونسب هذا الكتاب إليه، ونسخته الخطية موجودة في مكتبة البلدية بمصر رقم ( ن ٢٧٧١ ج ).وقد نقلنا هذا الحديث عنه من كتاب إحقاق الحق ١٧: ٧٩.
وقد روي هذا الحديث عن طريق الصحابة - غير عمر - في مصادر أخرى، وللاستزادة على معرفة ذلك راجع إحقاق الحق وملحقاته ٤: ١٦٤، و ١٧: ٧٩.
(٣) إحقاق الحق ١٧: ٧٩، وج ٤: ١٦٤ أخرجه عن رواية درر المناقب.
لعليعليهالسلام : ( أنا خاتم الأنبياء، وأنت خاتم الأولياء ).أخرجه عن ابن عساكر(١) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر الدمشقي، وغيره من الحفّاظ والمحدّثين، بإسنادهم عن ابن عمر قال: لمّا طُعن عمر وأمر بالشورى فقال: ما عسى أن يقولوا في عليعليهالسلام ؟ سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( يا علي، يدك في يدي تدخل معي الجنة يوم القيامة حيث أدخل )(٢) .
وقال الگنجي في ذيل الحديث: هذا حديث حسن عالٍ، وفيه فضيلة سامية، ورتبة عالية لعلي(٣) .
____________________
(١) مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ٢٦ ح ١٢٦.
(٢) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٢٨ ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، الرياض النضرة: ٣: ١٨٢، ذخائر العقبى: ٨٩، المطالب العالية ٤: ٨٢، كنز العمال ١١: ٦٢٧ ح ٣٣٠٥٦، منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد ٥: ٣٥ أخرجه عن الغيلانيات لأبي بكر الشافعي، وفضائل الصحابة لأبي نعيم وابن عساكر، إحقاق الحق ١٧: ٤٠ أخرجه عن وسيلة المال: ١٣١، القول الفصل ٢: ٣٠، الروض الأزهر: ٩٨، مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ٦٠.
(٣) كفاية الطالب: ١٨٢ باب ٤٢.
اعترافات عمر العلمية وغير العلمية، بشأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
روى العلاّمة ابن أبي الحديد حواراً دار بين ابن عباس وبين عمر بن الخطاب، بما يمت بأمر الخلافة والإمامة بعد النبي.
وملخّص الحوار: إنّه قال ابن عباس: دخلت على عمر في أوّل خلافتهفقال عمر: من أين جئت، يا عبد الله ؟
قلت: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمكإنّما عنيت عظيمكم أهل البيت علياً ؟قلت : خلّفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن.
قال : يا عبد الله، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها !! هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟.
قلت : نعم.قال: أَيزعم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نصّ عليه ؟.قلت: نعم، وأزيدك: سألت أبي عمّا يدعيه.فقال: صدق.
قال عمر : لقد كان من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذرو من قول - في إعلان خلافة عليعليهالسلام - لا يثبت حجة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان النبيصلىاللهعليهوآله يربع في أمره وقتاً ما - أي كان يترقّب الفرصة لذلك - ولقد أراد أن يصرّح باسمه - عليعليهالسلام - فمنعته من
ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام - وذلك بقوله: إنّ الرجل ليهجر - لا وربِّ هذه البنية - أي خلافة علي - لا تجتمع عليه قريش أبداً، ولو وليها - علي - لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله أنّي علمت ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم(١) .
وأضاف ابن أبي الحديد: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر طيفور الخراساني - ٢٨٠ ه- في كتابه تاريخ بغداد مسنداً(٢) .
وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر: وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ - وهو قول عمر -: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أراد أن يذكره للأمر - الخلافة - في مرضه فصددته عنه؛ خوفاً من الفتنة، وانتشار أمر الإسلام، فعلم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما في نفسي وأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم(٣) .
أقول: مع غض النظر عن الدلائل والبراهين الحديثية والتاريخية، التي فيها الدلالة الواضحة على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله ، نصّب علياًعليهالسلام عَلَماً للخلافة والإمامة من بعده، كما مرّ علينا نماذج منها في موضوع حديث غدير خم، فإنّنا لو تمسّكنا فقط بما اعترف به عمر بن الخطاب هنا، لكفى في إثبات خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أراد التصريح باسمه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدل على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله ، كان على علم بأفضلية أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وأولويته لمقام الخلافة.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٢: ٢٠ - ٢١.
(٢) أحمد بن أبي طاهر، هو من أعاظم العلماء، وكبار أعلام التاريخ، وله ٥٠ مصنّفاً، أهمها: تاريخ بغداد.راجع: الأعلام للزركلي ١: ١٤١، شرح نهج البلاغة ١٢: ٧٩.
(٣) شرح نهج البلاغة ١٢: ٧٩.
ولكن عمر بن الخطاب وتقوّله بكلمته الخالدة: إنّ الرجل ليهجر(١) ، أو قوله: إنّ نبيكم يهجر(٢) ، أو: غلبه الوجع(٣) ، خالف النص القرآني الذي يصف رسول الله بأنّه( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (٤) .
والمقولة العمرية هذه، أوجدت الاختلاف والانشقاق بين صفوف المسلمين، وخاصةً الحاضرين عند النبيصلىاللهعليهوآله ، فمنهم مَن كان مؤيّداً لقول عمر، ونعته النبيصلىاللهعليهوآله بالهذيان والهجران، ويمنع من إتيان وإحضار الكتف والدواة إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، ومنهم مَن كان يصر على تحضير ما أراده النبيصلىاللهعليهوآله من الكتف والدواة، وعندئذ علم النبيصلىاللهعليهوآله أنّه لو أصرّ على تحضير الكتف، وكتب ما كان يريد أن يكتبه، لَما تورّع عمر وأتباعه من التأكيد والإصرار على كون النبي يهذي ويهجر؛ لأنّ قولهم هذا في حياتهصلىاللهعليهوآله ، وفي مجلسه هو بداية تلصيق الافتراءات عليه، وإنّها فرية تتلوها تُهم وافتراءات أخرى؛ ولذلك رأى أنّ من الصلاح أن يدع كتابة ذلك، ولكنّه زجرهم وأمرهم بالخروج من الدار، وقال لهم: ( قوموا عني )(٥) .
روى العديد من الحفّاظ والفقهاء والمتكلمين والأدباء من العامة، في كتبهم وجوامعهم التي يعتمدون عليها: أنّ الخلفاء الثلاثة: أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يراجعون أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ؛ ليحلّ لهم المعضلات والشدائد، التي
____________________
(١-٣) صحيح البخاري ١: ٣٨ - ٣٩ كتاب العلم باب كتابة العلم، و ٦: ١١ كتاب المغازي باب مرض النبي، و ٧: ١٥٥ كتاب المرض باب قول المريض: قوموا عني، و ٩: ١٣٧ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب كراهية الخلاف، صحيح مسلم ٣: ١٢٥٧ كتاب الوصية باب ترك الوصية ح ٢٠.
(٤) النجم: ٣ - ٤.
(٥) تقدمت تخريجاته.
كانوا يواجهونها، في أبواب الفقه والقضاء، والتفسير والأمور السياسية، وغيرها من المسائل التي ترتبط بالدين ارتباطاً وثيقاً، وكان أكثرهم رجوعاً عمر بن الخطاب، وكانوا يأتون إليه بأنفسهم ويراجعونه، أو يرسلون إليه مَن يسأله، أو يبعثون إليه نفس السائل الذي تورّط في مشكلة، فكان الإمام عليعليهالسلام يجيب على مسائلهم من دون مقدمة، وكانت أجوبته في غاية الدقة، بحيث كانوا يتعجبون منها، ويحسون بعدها بالطمأنينة والارتياح، بل كانوا يدركون خطأ أنفسهم وأجوبتهم، التي كانت مخالفةً للواقع، ويقرون بعدها بأنّ أمير المؤمنين عليعليهالسلام هو الحلاّل للمعضلات، والكاشف للكربات، وما عساهم أن يكتموا الحقائق إلاّ أن يعترفوا بالحق فيقولون: لولا علي لهلك أبو بكر، لولا علي لهلك عمر، لولا علي لهلك عثمان، أو عبارات وجملات أخرى يبدونها، ممّا تدل على إقرارهم وإذعانهم بسمو رتبة الإمام عليعليهالسلام العلمية، وكونهعليهالسلام سنداً وملجأً لحل المعضلات.
وليس بخفي على القارئ اللبيب أنّ قول عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر، لم يرد مرةً واحدة فحسب، بل كرّره عمر عشرات المرات؛ وذلك لمّا كان تواجهه الشدائد كثيراً على مختلف الأصعدة، ولم يكن هذا الاعتراف العمري في الخفاء، بل إنّ عمر كان يعترف ويقر بذلك علانيةً وصراحةً، وبحضور الناس والأشهاد.
ورعايةً للإيجاز والاقتصار على الخلاصة، ارتأينا أن نكتفي فقط بذكر التصريحات، التي أدلى بها عمر بن الخطاب من دون أن نذكر القصة والخبر بتمامه - ويمكن للقارئ مراجعة المصادر المذكورة ذيل الاعترافات إن أراد تيقّناً -.
ومن ثمَّ نستدرك هذه الاعترافات بنبذة من تلك الموارد؛ ليطلع القارئ على الحقائق.
وإليك تلك التصريحات والاعترافات نوردها حسب حروف الهجاء:
١ - قال عمر: أبا حسن، لا أبقاني الله لشدة لست لها، ولا في بلد لست فيه.
أخرجه: ١ - المتقي الهندي في كنز العمال ٥: ٨٣٢ ح ١٤٥٠٨(١) .
٢ - الجرداني في مصباح الظلام ٢: ٥٦ نقل عنه الأميني في الغدير ٦: ١٧٣.
٢ - قال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم، يا أبا حسن.
أخرجه: ١ - الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ١: ٤٥٧ عن أبي سعيد الخدري.
٢ - الأزرقي في أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ١: ٣٢٣ عن أبي سعيد.
٣ - محب الدين الطبري في القِرى لقاصد أمّ القُرى: ٢٤٦.
٤ - له في ذخائر العقبى: ٨٢.
____________________
(١) عن ابن عباس قال: وردت على عمر بن الخطاب واردة قام منها وقعد وتغيّر وتربّد، وجمع لها أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله فعرضها عليهم وقال: أشيروا علي.
فقالوا جميعاً: يا أمير المؤمنين، أنت المفزع وأنت المنزع.فغضب عمر وقال: اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم.فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما عندنا ممّا تسأل عنه شيء.
فقال: أَما والله، إنّي لأعرف أبا بَجدَتها، وابن بَجدَتها، وأين مفزعها، وأين منزعها.
فقالوا: كأنّك تعني ابن أبي طالب ؟ فقال عمر: لله هو، وهل طفحت حرة بمثله وأبرعته، انهضوا بنا إليه.
فقالوا: يا أمير المؤمنين، أتصير إليه يأتيك ؟ فقال: هيهات هناك شجنة من بني هاشم، وشجنة من الرسول، وأثرة من علم يؤتى لها ولا تأتي، في بيته يؤتي الحكمفسألوهفأخذ علي تبنةً من الأرض فرفعها، فقال: ( إنّ القضاء في هذا - ممّا تعسر على عمر وغيره كل العسر - أيسر من هذه ) - أي رفع التبنة -.
٥ - له في الرياض النضرة ٣: ١٦٦ عن أبي سعيد.
٦ - ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٠٥ عن أبي سعيد، بلفظ: نعوذ بالله.
٧ - الذهبي في تلخيص المستدرك ١: ٤٥٧ عن أبي سعيد.
٨ - الزيلعي في تبيين الحقائق ٢: ١٦ عن عمر.
٩ - المتقي الهندي في كنز العمال ٥: ١٧٧ ح ١٢٥٢١ عن أبي سعيد.
١٠ - المناوي في فيض القدير ٤: ٣٥٧ عن أبي سعيد ذيل ح ٥٥٩٤ ( علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن ( يفترقا ) حتى يردا علي الحوض ).عن طريق الدار قطني.
١١ - القلندر الهندي في الروض الأزهر: ٢٦٦.
١٢ - الأمر تسري في أرجح المطالب: ١٢٢ رواه عن خمس طرق.
٣ - قال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن.
أخرجه: المناوي في فيض القدير ٤: ٣٥٧ ح ٥٥٩٤ ذيل قولهصلىاللهعليهوآله : ( علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )، عن طريق الدار قطني.
٤ - قال عمر: أعوذ بالله من معضلة لا علي لها.
أخرجه: ١ - الخوارزمي في المناقب: ٩٦ فصل (٧) ح ٩٧ عن ابن عباس.
٢ - الشبلنجي في نور الأبصار: ١٦١.
٣ - ابن الصبّاغ في الفصول المهمة: ٣٥، وفيه: أعوذ من معضلة لا علي لها.
٥ - قال عمر: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن.
أخرجه: ١ - أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ٢: ٦٤٧ ح ١١٠٠.
٢ - أحمد بن حنبل في فضائل أمير المؤمنين: ١٥٥ ح ٢٢٢.
٣ - ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ١٤٤.
٤ - ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٠٦ عن سعيد بن مسيب، وفيه بلفظ:ليس لها أبو الحسن علي بن أبي طالب.
٦ - قال عمر: أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها.
أخرجه: ١ - ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية ٧: ٣٥٩.
٢ - زيني دحلان في الفتوحات الإسلامية ٢: ٤٥٣.
٣ - الگنجي الشافعي في كفاية الطالب: ٢١٧ باب ( ٥٧ ) ح ٧٢٦.
٧ - قال عمر: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
أخرجه: ١ - ابن قيم الجوزية في الطرق الحكمية: ٤٦.
٢ - الأميني في الغدير ٦: ١٠٥.
٨ - قال عمر: اللهم، لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب حياً.
أخرجه: ١ - أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ٢: ٦٤٧ ح ١١٠٠.
٢ - الخوارزمي في مقتل الحسينعليهالسلام : ٤٥.
٣ - وأخرجه في المناقب: ٩٧ فصل (٧) ح ٩٨.
٤ - سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ١٤٨، وليس فيه ( حياً ).
٥ - الشيخ أبو طالب المكي في قوت القلوب ٢: ٢٤٦.
٦ - القندوزي في ينابيع المودة: ٧٥.
٧ - التستري في إحقاق الحق ٨: ٢١١ أخرجه عن البلخي والگنجي ،
والحمويني والزرندي، وابن الصبّاغ والمتقي الهندي والشبلنجي(١) .
٩ - قال عمر: اللهم، لا تنزل بي شديدةً إلاّ وأبو الحسن إلى جنبي.
أخرجه: ١ - محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ٨٢ عن محمد بن الزبير.
٢ - وأخرجه أيضاً في الرياض النضرة ٣: ١٦٢.
٣ - المتقي الهندي في كنز العمال ٥: ٢٥٧ ح ١٢٨٠٥.
٤ - الجويني في فرائد السمطين ١: ٣٤٣ ح ٢٦٤.
٥ - الزرندي في نظم درر السمطين: ١٣٠، وفيه بلفظ: اللهم لا تراني شدة.
٦ - الشنقيطي في الكفاية: ٥٧.
١٠ - قال عمر: أنت - يا علي - خيرهم فتوى.
أخرجه: ١ - الدار قطني في السُنن ٢: ١٨١ كتاب الصيام باب القبلة للصائم ح ٤ عن سعيد بن المسيب.
٢ - ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٩.
١١ - قال عمر لعليعليهالسلام : بأبي أنتم، بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور.
أخرجه: ١ - الزمخشري في ربيع الأبرار ٣: ٥٩٥.
٢ - الخوارزمي في المناقب: ٩ ٧ (٧) ح ٩٩.
٣ - الجويني في فرائد السمطين ١: ٣٤٩ ح ٢٧٣.
____________________
(١) وروى ابن الصبّاغ في الفصول المهمة: ٣٥ والشبلنجي في نور الأبصار: ٨٩ أنّ عمر قال: اللهم، لا تبقني لمعضلة ليس لها أبو الحسن.( المعرّب ).
٤ - ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٧: ٦٥.
٥ - الأبشيهي في المستطرف ١: ٢٢٠. ٦ - الصفوري في نزهة المجالس ٢: ٢١١. ٧ - محمد مبين الهندي في وسيلة النجاة: ١٣٩. ٨ - ولي الله اللكهنوي في مرآة المؤمنين: ٨٧.
١٢ - قال عمر: ثلاث كنت في طلبهنّ، فالحمد لله الذي أصبتهنّ قبل الموت - وذلك بفضل عليعليهالسلام -.
أخرجه: ١ - المتقي الهندي في كنز العمال ١٣: ١٦٩ ح ٣٦٥١٢ عن الديلمي والطبراني.
٢ - المتقي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل ٥: ٤٥.
١٣ - قال عمر: ردّوا الجهالات إلى السُنة، وردّوا قول عمر إلى علي.
أخرجه: ١ - الجصّاص في أحكام القرآن ١: ٥٠٤.
٢ - البيهقي في السُنن الكبرى ٧: ٤٤١ - ٤٤٢.
٣ - الخوارزمي في المناقب: ٩٥ فصل (٧) ح ٩٥.
٤ - ابن عبد البر الأندلسي في جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٨٧.
٥ - السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٧٨.
٦ - محب الدين الطبري في الرياض النضرة ٣: ١٦٤.
١٤ - قال عمر: ردّوا قول عمر إلى علي، لولا علي لهلك عمر.
أخرجه: ١ - السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ١٤٧.
٢ - الجويني في فرائد السمطين ١: ٣٤٧ ح ٢٧٠.
١٥ - قال عمر لعليعليهالسلام : صدقت أطال الله بقائك.
أخرجه: السلامي البغدادي في جامع العلم والحكم ١: ١٠٦.
١٦ - قال عمر: عجزت النساء أن تلدنَ مثل علي بن أبي طالب، ولولا علي لهلك عمر.
أخرجه: ١ - فخر الدين الرازي في الأربعين: ٤٦٦.
٢ - الخوارزمي في المناقب: ٨٠ فص ل (٧) ح ٦٥.
٣ - الجويني في فرائد السمطين ١: ٣٥١ ح ٢٧٦.
٤ - ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: ١٣٠.
٥ - القندوزي في ينابيع المودة: ٧٥ و ٣٧٣ عن كتاب فصل الخطاب للخواجة بارساي.
١٧ - قال عمر: علي أعلم الناس بما أنزل الله على محمدصلىاللهعليهوآله .
أخرجه: الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١: ٣٩ ح ٢٩.
١٨ - قال عمر لعليعليهالسلام : فرّج الله عنك، لقد كدت أهلك في جلدها.
أخرجه: ابن شهر آشوب في المناقب ٢: ٣٦٦ رواه عن ستة من أعلام أهل السُنة والجماعة.
١٩ - قال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب.
أخرجه: ١ - ابن قيم الجوزية في الطرق الحكمية: ٤٦.
٢ - الگنجي الشافعي في كفاية الطالب: ٢١٩ باب ( ٥٧ ).
٢٠ - كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو الحسن.
أخرجه: ١ - القرطبي في الاستيعاب ٣: ١١٠٢ - ١١٠٣ ترجمة الإمام عليعليهالسلام رقم ١٨٥٥.
٢ - ابن الأثير في أسد الغابة ٤: ٢٢.
٣ - ابن حجر في الإصابة ٤: ٤٦٧ ترجمة علي بن أبي طالبعليهالسلام رقم ٥٦٠٨.
٤ - ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين ١: ١٦.
٥ - الذهبي في تاريخ الإسلام ٣: ٦٣٨.
٦ - السيوطي في تاريخ الخلفاء: ١٧١.
٧ - ابن قتيبة الدينوري في تأويل مختلف الحديث: ١٦٢.
٨ - السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ١٤٤.
٩ - العسقلاني في تهذيب التهذيب ٧: ٢٨٧ ترجمة الإمام عليعليهالسلام رقم ٤٩٢٥.
١٠ - محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ٨٢.
١١ - وأخرجه أيضاً في الرياض النضرة ٣: ١٦١ عن أحمد والاستيعاب.
١٢ - ابن الجوزي في صفة الصفوة ١: ٣١٤.
١٣ - ابن حجر في الصواعق المحرقة: ١٢٧.
١٤ - ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٩.
١٥ - أبو زرعة العراقي في طرح التثريب ١: ٨٦.
١٦ - الغماري في علي بن أبي طالب إمام العارفين: ٧٠.
١٧ - ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣: ٣٤٣.
١٨ - الجويني في فرائد السمطين ١: ٣٤٥ ح ٢٦٧.
١٩ - أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ٢: ٦٤٧ ح ١١٠٠.
٢٠ - المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤: ٣٥٧ ذيل حديث ( علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) ح ٥٥٩٤.
٢١ - المالقي في قضاة الأندلس: ٢٣.
٢٢ - الگنجي الشافعي في كفاية الطالب: ٢١٧ باب ٥٧.
٢٣ - الصدّيقي الفتوني في مجمع بحار الأنوار ٢: ٣٩٦.
٢٤ - الشبلنجي في نور الأبصار: ١٦٤.
٢٥ - ابن عساكر الدمشقي في تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٠٦.
٢١ - قال عمر: لا أبقاني الله إلى أن أدرك قوماً ليس فيهم أبو الحسن.
أخرجه: ١ - العزيزي في حاشية الحفني على شرح الجامع الصغير ٢: ٤٥٨.
٢ - الجرداني في مصباح الظلام ٢: ١٣٦.
٣ - الأميني في الغدير ٣: ٩٨ عن المصدرين المذكورين.
٢٢ - قال عمر: لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبا الحسن.
أخرجه: القسطلاني في إرشاد الساري ٣: ١٩٥.
٢٣ - قال عمر: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب.
أخرجه: ١ - ابن الجوزي في أخبار الظِّراف: ١٩.
٢ - وأخرجه أيضاً في الأذكياء: ١٨.
٣ - السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ١٤٨.
٤ - الخوارزمي في المناقب: ١٠١ فصل (٧) ح ١٠٤
٥ - ابن قيم الجوزية في الطرق الحكمية: ٣٦.
٦ - محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ٨٢.
٧ - وأخرجه أيضاً في الرياض النضرة ٣: ١٦٦.
٨ - اللكهنوي في وسيلة النجاة: ١٥٠.
٩ - الأميني في الغدير ٦: ١٢٦ أخرجه عن ابن الجوزي.
٢٤ - قال عمر: لا أبقاني الله بعدك، يا علي.
أخرجه: ١ - الخوارزمي في المناقب: ١٠١ فصل (٧) ح ١٠٤
٢ - الجويني في فرائد السمطين ١: ٣٤٩ ح ٢٧٤.
٣ - المناوي في فيض القدير ٤: ٣٥٧ شرح ح ٥٥٩٤.
٤ - محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ٨٢.
٥ - وأخرجه أيضاً في الرياض النضرة ٣: ١٦٦.
٦ - الأمر تسري في أرجح المطالب: ١٢٢.
٢٥ - قال عمر: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن.
أخرجه: البلاذري في أنساب الأشراف ٢: ٨٥٣.
٢٦ - قال عمر: لا أحياني الله لمعضلة لا يكون فيها ابن أبي طالب حياً.
أخرجه: محمد جار الله القرشي في الجامع اللطيف: ٢٣.
٢٧ - قال عمر: لا بقيت في قوم لست فيهم، يا أبا الحسن.
أخرجه: ١ - ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٠٧.
٢ - الفخر الرازي في التفسير الكبير ٣٢: ١٠ ذيل تفسير سورة التين.
٢٨ - قال عمر: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن.
أخرجه: ١ - الأميني في الغدير ٣: ٩٨ عن ترجمة علي بن أبي طالبعليهالسلام : ٧٩.
٢٩ - قال عمر: لا خير في عيش قوم لست فيهم، يا أبا الحسن.
أخرجه: محمد جار الله القرشي في الجامع اللطيف: ٢٣.
٣٠ - قال عمر: لا عشت في قوم لست فيهم، يا أبا الحسن.
أخرجه: ابن عساكر في تاريخ مدينة عشق ٤٢: ٤٠٧.
٣١ - قال عمر: لولا علي لضلّ عمر.
أخرجه: ١ - الباقلاني في التمهيد: ١٩٩.
٢ - الأميني في الغدير ٦: ٣٢٧ عن الباقلاني.
٣٢ - قال عمر: لولا علي لهلك عمر.
أشرنا فيما سبق أنّ الخليفة عمر بن الخطاب ردّد وكرّر قوله: ( لولا علي لهلك عمر ) في الكثير من الأحيان، التي كانت تتعسّر عليه المعضلات، ويلتمس حلّها من أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
وقلنا أيضاً: إنّنا نحترز عن سرد القضايا والأحاديث؛ تجنّباً عن الإطالة، ورعايةً للإيجاز، نذكر المراجع التي أخرجت تلك الأحاديث، وهي كما يلي: ١ - ابن الجوزي في أخبار الظِّراف: ١٩.
٢ - وأخرجه أيضاً في الأذكياء: ١٨.
٣ - فخر الدين الرازي في الأربعين: ٤٦٦.
٤ - الأمر تسري في أرجح المطالب: ١٢٣.
٥ - القرطبي في الاستيعاب ٣: ١١٠٣ ترجمة الإمام عليعليهالسلام .
٦ - القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ١٠: ٩ عن البغوي وأبي داود والنسائي وابن حبان، رواه بدون التصريح.
٧ - ابن حجر في الإصابة ٨: ١٥٧.
٨ - توفيق أبو علم في أهل البيت: ٢٠٧.
٩ - الخادمي في بريقة المحمودية ١: ٢١١.
١٠ - محمد بهجت أفندي في تاريخ آل محمد: ١٢٥.
١١ - ابن قتيبة الدينوري في تأويل مختلف الحديث: ٢٠٢.
١٢ - السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ١٤٧ أخرجه عن أحمد في مسنده، وفضائل الصحابة، ضمن قصتين وقعتا لعمر.
١٣ - العزيزي في حاشية الحفني على شرح الجامع الصغير ٢: ٤٥٩. ١٤
- القرشي في تفريح الأحباب في مناقب الآل والأصحاب: ٣٢٥.
١٥ - أحمد بن حنبل في مسنده ١: ١٥٤ - ١٥٨، والطبعة الحديثة ١: ٢٤٩ ح ١٣٣٠ و ١٣٦٤ - ١٣٦٦.
١٦ - فخر الدين الرازي في التفسير الكبير ٧: ٤٨٤.
١٧ - النيسابوري في تفسيره ٦: ١٢٠ تفسير سورة الاحقاف آية ١٥.
١٨ - ابن حسنويه الحنفي في در بحر المناقب: ٢٣.
١٩ - محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: ٨٢.
٢٠ - وأخرجه أيضاً في الرياض النضرة ٣: ١٦١ عن العقيلي وابن السمان.
٢١ - أبو داود في سُننه ٤: ١٣٩ ح ٤٣٩٩ - ٤٤٠٢.
٢٢ - القاضي الفرغاني في شرح تائية ابن فارض نقل عنه إحقاق الحق ٨: ١٨٤.
٢٣ - القوشجي في شرح تجريد الاعتقاد: ٣٧٣.
٢٤ - الحفني في شرح الجامع الصغير المطبوع بهامش السراج المنير ٢: ٤٥٨.
٢٥ - ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١: ١٨، و ١٢: ٢٠٥.
٢٦ - العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١١: ١٥١.
٢٧ - الغماري في علي بن أبي طالب إمام العارفين: ٧١.
٢٨ - العظيم آبادي في عون المعبود شرح سُنن أبي داود ١٢: ٧٦.
٢٩ - العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٢: ١٠١.
٣٠ - الغماري في فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي: ٤٢.
٣١ - الجويني في فرائد السمطين ١: ٣٥١ ح ٢٧٦.
٣٢ - ابن الصبّاغ في الفصول المهمة: ٣٥.
٣٣ - أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ٢: ٧٠٧ ح ١٢٠٩.
٣٤ - المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤: ٣٥٧ شرح ح ٥٥٩٤ ( علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ).
٣٥ - ولي الله الدهلوي في قرة العينين في تفضيل الشيخين: ١٨٢.
٣٦ - المالقي في قضاة الأندلس: ٧٣.
٣٧ - الگنجي في كفاية الطالب: ٢٢٧ باب ( ٥٩ ).
٣٨ - الطوسي سراج الشافعي في اللُّمع في التصوّف: ١٨١.
٣٩ - المنذري في مختصر سُنن أبي داود ٦: ٢٣٠ ح ٤٢٣٧.
٤٠ - اللكهنوي في مرآة المؤمنين: ٦٧.
٤١ - الجرداني في مصباح الظلام ٢: ٥٦.
٤٢ - ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: ١٣.
٤٣ - التفتازاني في المطوّل: ١٣٦ مبحث ( لو ).
٤٤ - الجشتي الحنفي الهندي في الملفوظات والأمالي العرفانية، نقل عنه إحقاق الحق ٨: ١٥٨.
٤٥ - الخوارزمي في المناقب: ٨١ فصل (٧) ح ٦٥.
٤٦ - العيني الحنفي في مناقب سيدنا علي: ٤٦.
٤٧ - الأيجي الشيرازي في المواقف ٨: ٣٧٠ مع شرح الجرجاني: مبحث الإمامة.
٤٨ - الزرندي في نظم درر السمطين: ١٢٩ و ١٣٢.
٤٩ - باكثير الحضرمي في وسيلة المال: ١٢٧.
٥٠ - محمد مبين الهندي في وسيلة النجاة: ١٣٩.
٥١ - القندوزي في ينابيع المودة: ٧٠ و ٧٥ و ٤٤٨ عن فصل الخطاب لخواجة بارساي.
٥٢ - الأميني في الغدير ٦: ١٠٢ عن العزيزي والجرداني.
٥٣ - التستري المرعشي في إحقاق الحق ٨: ١٥٨ و ١٨٤ و ١٩٨ و ١٧: ٤٤٤ عن الجشتي الحنفي، والفرغاني، وابن حسنويه، وباكثير الحضرمي.
٣٣ - قال عمر لعليعليهالسلام : لولاك لافتضحنا.
أخرجه: ١ - البلاذري في فتوح البلدان: ٥٥.
٢ - الزمخشري في ربيع الأبرار ٤: ٢٦.
٣ - ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٩: ١٥٨.
٤ - محب الدين الطبري في الرياض النضرة ٢: ٣٣٩.
٥ - المتقي في كنز العمال ١٤: ١٠٠ ح ٣٨٠٥٢ عن أبي بن كتب وص ١٠٨ ح ٣٨٠٨٢.
٦ - الأزرقي في أخبار مكّة ١: ٢٤٥ - ٢٤٧.
٣٤ - قال عمر لرجل: ما أجد لك إلاّ ما قال ابن أبي طالب(١) .
أخرجه: ١ - ابن حزم في المحلّى ٧: ٧٦ - ٧٧.
٢ - القرطبي في الاستيعاب ٣: ١١٠٦ ترجمة الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام رقم ١٨٥٥.
٣ - محب الدين الطبري في الرياض النضرة ٣: ١٦٢.
٣٥ - قال عمر لعليعليهالسلام : ما زلت كاشفَ كل كرب، وموضحَ كل حكم.
أخرجه: المتقي الهندي في كنز العمال ٥: ٨٣٤ ح ١٤٥٠٩.
٣٦ - قال عمر: نعوذ بالله من أن أعيش في قوم لست فيهم، يا أبا حسن.
أخرجه: ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٠٥.
٣٧ - قال عمر مشيراً إلى عليعليهالسلام : هذا أعلم بنبينا وبكتاب نبينا.
أخرجه: العاصمي في زين الفتى في تفسير سورة هل أتى ١: ٣٠٤ ح ٢١٨.
٣٨ - قال عمر: هيهات، هناك شجنة من بني هاشم، وشجنة من الرسول، وأثرة من
____________________
(١) الظاهر أنّ السائل بعد ما عرف جواب الإمام عليعليهالسلام رجع إلى عمر وقال له: أريد جوابك، فعندئذ قال له عمر: ما أجد لك - جواباً - إلاّ ما قال لك علي بن أبي طالب.( المعرّب ).
علم يؤتى لها، ولا يأتي، في بيته يؤتي الحكم.
أخرجه: المتقي الهندي في كنز العمال ٥: ٨٣٠ ح ١٤٥٠٨ عن علي بن كاتب.
٣٩ - قال عمر: يا أبا الحسن، أنت لكل معضلة وشدة تدعى.
أخرجه: ١ - الثعالبي في قصص الأنبياء: ٢٣٢ في ذيل قوله تعالى:( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ) (١) .
٢ - الفيروز آبادي في فضائل الخمسة ٢١: ٣٢٦.
٣ - الأميني في الغدير ٦: ١٤٨ - ١٥٥.
٤٠ - قال عمر: يا بن أبي طالب، فما زلت كاشف كل شبهة، وموضح كل حكم ( علم ).
أخرجه: المتقي الهندي في كنز العمال ٥: ٨٣٤ ح ١٤٥٠٩.
أشرنا في مقدمة الكتاب بأنّنا لو أغمضنا الطرف، عن جميع الأدلة والبراهين القرآنية والحديثية والتاريخية، التي فيها الدلالة التامة على أولوية الإمام عليعليهالسلام للخلافة، وولاية الأمر بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، أو أنّنا افترضنا عدم صلاحية تلك الأدلة للاستدلال بها على ذلك، لكانت هذه الاعترافات والتصريحات، ومرويات الخلفاء - سواءً الذين تقدّموا على الإمام عليعليهالسلام ، أو أولئك الذين حكموا بعد أن استشهد
____________________
(١) الكهف: ١٠.
عليعليهالسلام - التي رووها بحق عليعليهالسلام ، وأقرّوا بها، كافيةً في إثبات الخلافة لعليعليهالسلام دون غيره، وأنّه الخليفة الحق، والجامع لجميع المواصفات الضرورية واللازمة، لخلافة النبي ورسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ وذلك لأنّ هذه الأخبار، التي تروي لنا اعترافات أبي بكر وعمر وعثمان وتصريحاتهم - سواء كانوا أصحاباً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أو خلفاء لأتباعهم - فإنّها حجة قاطعة ودليل قوي وبرهان جلي، يمكن لأي مسلم ومؤمن أن يستدل بها على معرفة الإمام الحق، والخليفة الواقعي لرسول اللهصلىاللهعليهوآله - يعني أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام -.
وأضف على ما مرّ عليك - أيّها الطالب للحق - أنّ هذه التصريحات والاعترافات - التي وردت على لسان عمر بن الخطاب، بما تتناسب وموضوع أفضلية الإمام عليعليهالسلام ، وأولويته لأمر الخلافة - كاشفة عن نقاط الضعف، والحالة السلبية التي كانت موجودة في سائر أعضاء الشورى العمري.
ونذكر لك - أيّها الخبير - نماذج من ذلك، وندع الحكم والقضاء إليك:روى العلاّمة ابن أبي الحديد: أنّ عمر قال لأصحاب الشورى - الذين عيّنهم هو بنفسه لانتخاب الخليفة من بعده-: روحوا إلي، فلمّا نظر إليهم: قد جاءني كل واحد منهم يهزّ عفريته، يرجو أن يكون الخليفة - ثمّ خاطبهم واحداً واحداً كاشفاً عن سلبياتهم -.
فقال: أمّا أنت - يا طلحة -، أفلست القائل إن قُبض النبيصلىاللهعليهوآله أنكح أزواجه من بعده، فما جعل الله محمداًصلىاللهعليهوآله أحق ببنات أعمامنا منا، فأنزل الله تعالى فيك:( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا. ) (١) .
____________________
(١) الأحزاب: ٥٣.
وأمّا أنت - يا زبير - فوالله، ما لانَ قلبك يوماً ولا ليلة، وما زلت جِلفاً جافياً !!.
وأمّا أنت - يا عثمان - فوالله لروثة خير منك(١) !!!.وأمّا أنت - يا عبد الرحمن - فإنّك رجل عاجز تحب قومك جميعاً !!.وأمّا أنت - يا سعد - فصاحب عصبية وفتنة !!.وأمّا أنت - يا علي - فوالله لو وُزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم !!!.فقام الإمام عليعليهالسلام مولّياً يخرج - وذلك اعتراضاً واستنكاراً على عمر - لأنّه قُرنعليهالسلام ، وهو الجامع للإيمان كله، بأناس ليس فيهم من الفضيلة شيء يذكر، ولكن عمر رسم مخطّطاً لاستخلاف مَن هو أخس وأردأ من الروثة رتبةً كما وصفه عمر؛ حتى لا تصل الخلافة إلى صاحبها الأحق بها.فقال عمر: والله، إنّي لأعلم مكان رجل لو وليتموه أمركم، لحملكم على المحجّة البيضاء.
قالوا: مَن هو ؟ قال: هذا المولّي من بينكم.
قالوا: فما يمنعك من ذلك ؟.قال: ليس إلى ذلك من سبيل.وفي خبر ثانٍ رواه البلاذري في تاريخه: أنّ عمر لمّا خرج أهل الشورى من عنده.قال: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق.قال عبد الله بن عمر: فما يمنعك منه، يا أمير المؤمنين ؟
____________________
(١) الروثة واحدة الروث، وهو سرجين الفرس.
قال: أكره أن أتحمّلها حياً وميتاً(١) .
وروى هذا الخبر أيضاً ابن حجر عن البخاري(٢) .
وفي خبر آخر رواه ابن أبي الحديد وقع حوار بين ابن عباس وبين عمر بن الخطاب: فوصف عمر علياًعليهالسلام بأنّ فيه دعابة، ووصف طلحة بالتكبّر والتفاخر، وعبد الرحمن بأنّه ضعيف، لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته، والزبير بأنّه شَكِس لَقِس - أي سيّئ الخلق - وسعداً بأنّه صاحب سلاح ومِقنَب.
وعندما سأل ابن عباس عمراً عن عثمان أوّه عمر - ثلاثاً - ثمّ قال: والله لئن وليها ليحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس، ثمّ لتنهض العرب إليه، ثمّ بعد أن سكت هنيئة قال: أجرؤهم والله إن وليها، أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنة نبيهم لصاحبك - يعني عليعليهالسلام - أَما إن ولي أمرهم حملهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم(٣) .
روى ابن أبي الحديد عن العلاّمة أبي العباس أحمد بن يحيى الثعلب في أماليه، حوار عمر بن الخطاب وابن عباس فقال: وبعد أن ذكر عمر، المثالب والمطاعن، والسلبيات الخُلقية، والاجتماعية والقيادية، لكل واحد من أعضاء الشورى، الذي رتّبه هو بنفسه، ولمّا وصل عمر إلى ذكر عليعليهالسلام قال: إنّ أحراهم أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنة نبيهم لصاحبك - يعني علي بن أبي طالبعليهالسلام - والله لئن وليها
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٢: ٢٥٩ - ٢٦٠، الفتح المبين ٢: ١٨٠، الاستيعاب ٣: ١١٥٤ ترجمة عمر بن الخطاب، الطبقات الكبرى ٣: ٣٤٢ ترجمة عمر بن الخطاب.
(٢) المطالب العالية ٤: ٤٦.
(٣) شرح نهج البلاغة ١٢: ٥١ - ٥٢.
ليحملنهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم(١) .
وحقيق بنا في هذا المقام أن نتساءل: ما هو السبب الباعث إلى أن يشكّل الخليفة عمر بن الخطاب تلك الشورى السداسية، بينما هو بنفسه يسطّر مثالب وسلبيات كل واحد منهم، عدا عليعليهالسلام ، فإنّه قد أطراه وذكره مادحاً إيّاه بالخير والهداية ؟ ومن ثمَّ ما هو الدافع الذي دفع عمر إلى رسم ذلك المخطّط، حتى يؤول أمر الخلافة بعده إلى عثمان، وقد وصفه بتلك الأوصاف التي قرأتها ؟
قال عبد الله: ولمّا طعن قال عمر لأهل الشورى: لله دَرّهم، إنّ ولّوها الأصيلع !! كيف يحملهم على الحق ولو كان السيف على عنقه.فقلت: أتعلم ذلك منه ولا تولّيه ؟ قال: إن لم أستخلف فأتركهم، فقد تركهم مَن هو خير مني(٢) .
وهكذا روى ابن عبد البر عن ابن عباس قال: بينا أنا أمشي مع عمر يوماً، إذ تنفّس نفساً، فظننت أنّه قد قُضبت أضلاعه - تقطّعت - فقلت: سبحان الله ! والله ما أخرج منك هذا إلا أمر عظيم.
فقال: ويحك - يا بن عباس - ما أدري ما أصنع بأمّة محمدصلىاللهعليهوآله .
قلت: ولِمَ وأنت بحمد الله قادر على أن تصنع ذلك مكان الثقة ؟
قال: إنّي أراك تقول: إنّ صاحبك أولى الناس بها - يعني علياًعليهالسلام -.
قلت: أجل، والله إنّي لأقول ذلك في سابقته وعلمه وقرابته وصهره.
قال: إنّه كما ذكرت، ولكنّه كثير الدعابة(٣) .
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ٦: ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) الاستيعاب ٣: ١١٣٠ ترجمة الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام رقم ١٨٥٥.
(٣) الاستيعاب ٣: ١١١٩ ترجمة الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام رقم ١٨٥٥.
لاحظ - أيّها الخبير - إنّ قول عمر: إنّه كما ذكرت، يعني أنّ علياً حائز على جميع المواصفات التي تُقدّمه على الآخرين، وتبيّن أولويته عليهم في مسالة الخلافة، وعمر بقوله هذا يعترف ويقر لعليعليهالسلام بذلك.وأمّا قوله: ( كثير الدعابة ) هذه فرية ألصقها عمر بعليعليهالسلام ، ولا أصل لها ولا أساس، وهي في الوقت نفسه لم تكن مانعةً للخلافة، فترى أنّ عمر بفريته هذه ينوّه عن الصدّ عن استخلاف الإمام عليعليهالسلام ، ولو سلّمنا بأنّهعليهالسلام كثير الدعابة، فهل هذه الصفة - فرضاً - تكون سبباً لصدّه عن الخلافة ؟(١) ، هذا سؤال بحاجة إلى جواب من عمر وأتباعه.
____________________
(١) أقول: فرية عمر واتّهامه الإمام عليعليهالسلام ، بأنّه كان كثير الدعابة صارت ذريعةً في أيدي أتباعه الطلقاء وأبنائهم، أولئك الذين لعنوا على لسان النبيصلىاللهعليهوآله أمثال عمر وبن العاص.
وقد ردّ عليه الإمام في خطبة بليغة، ذكر فيها أنّ هذه الصفة وغيرها تنطبق على ابن النابغة وغيره - ممّن يتهمون الإمام عليعليهالسلام - أكثر من انطباقها على عليعليهالسلام .ومَن راجع التاريخ الصحيح، الذي لم تُمد إليه الأيدي الغاشمة، والبواعث السياسية والاعتقادية، ويراجع أيضاً فتوة الإمام علي، شجاعته، زهده، ورعه، علمه، حكمته، وسائر أوصافه النبيلة، عرف أنّ تلك الفرية هي من مصاديق المَثَل السائر ( كل يرى الناس بعين طبعه )، و ( رمتني بدائها وانسلت ).
وإليك النص العلوي في ردّ زعم المفترين عليه بكثرة الدعابة:
( عَجَباً لابْنِ النَّابِغَةِ، يَزْعُمُ لأَهْلِ الشَّامِ - والمسلمين - أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً، وَأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ أُعَافِسُ وَأُمَارِسُ - والله - لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً، وَنَطَقَ آثِماً، أَمَا وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ، إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الإِلَّ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وَآمِرٍ هُوَ، مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَرْمَ سَبَّتَهُ، أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَةَ - وغيره غيره - حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً - واحلب حلبك -، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً )، فتأمل يا خبير.( المعرّب ).
روى العلاّمة الراغب الأصفهاني عن ابن عباس قال: كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة، وعمر على بغلة وأنا على فرس، فقرأ آيةً فيها ذكر علي بن أبي طالبعليهالسلام .
فقال: أَما والله يا بني عبد المطلب، لقد كان علي فيكم أَولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر !!
فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته.
فقلت: أنت تقول ذلك، وأنت وصاحبك وثبتما وانتزعتما الأمر منا دون الناس ؟
فقال: إليكم يا بني عبد المطلب - أي هوّن عليك - أَما إنّكم أصحاب عمر بن الخطاب ؟ فتأخّرت وتقدّم هنيهة.
فقال: سر لا سرت !
وقال: أعد عليّ كلامك.
فقلت: إنّما ذكرت شيئاً فرددت عليك جوابه، ولو سكت - أنت يا عمر - سكتنا.
فقال: إنّا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة !! ولكن استصغرناه !! وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب وقريش لمّا قد وترها(١) .
قال ابن عباس: فأردت أن أقول: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره، أفتستصغره أنت وصاحبك(٢) ؟!.
____________________
(١) في هذه العبارة حقيقة لابدّ من كشفها وهي: أنّ الإمام عليعليهالسلام هو الذي أخضع جبابرة العرب وشيوخ قريش للتسليم، وأنّ سيفه كان أسن السيوف وأَحدها وأقواها على الكفّار والضالين.فكيف يُسمّى غيره بسيف الله، أو يروون حديثاً مختلقاً ويقولون: أعز الله الدين بإسلام فلان وفلان ؟ فتدبّر.( المعرّب ).
(٢) أقول: كما وقع ذلك في كثير من مواقف النبيصلىاللهعليهوآله ، حيث نرى أنّ النبيصلىاللهعليهوآله بعثه ونصّبه أميراً ولم يستصغره قط، بل إنّه استصغر غير علي فلم يبعثه، وإذا بعثه عزله، أو إذا بعثه لم يكن في بعثهصلىاللهعليهوآله إيّاهم خيراً وفتحاً للدين، كما وقع في واقعة خيبر، وقراءة براءة على أهل مكّة، ولم يأمر عليه شاباً كأسامة قط، فهل ترى - يا طالب الحق - في هذه الأمور تصغيراً
فقال: لا جرم، فكيف ترى والله ما نقطع أمراً دونه ولا نعمل شيئاً حتى نستأذنه ؟(١) .
علي أقضانا، أو: أقضانا علي، وغيرها من الكلمات، التي كان عمر بن الخطاب يصرّح بها دائماً بشأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وخاصةً عندما كانت المعضلات والمسائل تخيّم على عمر، ولم يدرِ حلّها وكشفها، فكان يلوذ في ذلك بعلي بن أبي طالبعليهالسلام ، فيكشف عنه ما تعسّر عليه بأسلوب دقيق ومثير للإعجاب والحيرة.وهذه الكلمات ومثيلاتها تكرّرت على لسان عمر، ولمّا كان نقل هذه الاعترافات العمرية بأعلمية الإمام عليعليهالسلام ، يخرجنا عن الإيجاز والاختصار اكتفينا بذكر مصادرها، فليراجعها القارئ في مظانّها:
١ - صحيح البخاري ٦: ٢٣ كتاب التفسير في تفسير( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ) (٢) ، بلفظ: أقضانا علي.
٢ - مسند أحمد بن حنبل ٥: ١١٣، وفي الطبعة الحديثة ٦: ١٣١ ح ٢٠٥٨٢ - ٢٠٥٨٣، بلفظ: علي أقضانا.
٣ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢: ٣٣٩ - ٣٤٠، بلفظي: علي أقضانا، وأقضانا علي.
٤ - الاستيعاب ٣: ١١٠٢ ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام رقم ١٨٥٥.
____________________
لعليعليهالسلام أم لغيره ؟ فلو راجعت التاريخ الصحيح والسليم من الدس والأهواء لازددت إيماناً ويقيناً.( المعرّب )
(١) محاضرات الأدباء ٢: ٤٧٨.
(٢) البقرة: ١٠.
٥ - أنساب الأشراف ٢: ٨٥٢، بلفظ: علي أقضانا.
٦ - أخبار القضاة ١: ٨٨. ٧ - حلية الأولياء ١: ٦٥.
٨ - الفتوحات الإسلامية ٢: ٤٥٤.
٩ - المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٠٥.
١٠ - المناقب للخوارزمي: ٩٢فصل (٧) ح ٨٦.
١١ - تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٠٢.
١٢ - تلخيص المستدرك ٣: ٣٠٥.
١٣ - شرح نهج البلاغة ١٢: ٨٢، بلفظ: أقضى الأمّة.
١٤ - ذخائر العقبى: ٨٣.
١٥ - الرياض النضرة ٣: ١٦٧، بلفظ: أقضانا علي بن أبي طالب.
١٦ - كفاية الطالب: ٢٥٩، فيه: أخذت ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلا أتركه أبداً.
١٧ - تاريخ الإسلام، عهد الخلفاء الراشدين ٣: ٦٣٨.
١٨ - فتح الباري شرح صحيح البخاري ٧: ٦٠.
١٩ - البداية والنهاية ٧: ٣٥٩.
٢٠ - أسنى المطالب: ٨ ح ٢٧.
٢١ - تاريخ الخلفاء: ١٧٠ و ٢٣٣، بلفظي: علي أقضانا، وأقضانا عليعليهالسلام .
٢٢ - مطالب السؤول: ٨٥.
٢٣ - الدر المنثور ١: ١٠٤ ذيل( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) رواه عن البخاري والنسائي، وابن الأنباري والحاكم والبيهقي، بلفظ: أقضانا علي.
٢٤ - الصواعق المحرقة: ١٢٧، بلفظ: علي أقضانا، وأفرض أهل المدينة وأقضاها علي.
٢٥ - ينابيع المودة: ٢٨٦ باب ( ٥٩ ).
أخرج محب الدين الطبري، بإسناده عن عمر بن الخطاب أنّه قال للزبير بن العوام: هل لك في أن نعود الحسن بن عليعليهالسلام ، فإنّه مريض ؟ فكان الزبير تلكّأ عليه - أي توقف وتبطّأ - فقال له عمر: أَما علمت أنّ عيادة بني هاشم فريضة، وزيارتهم نافلة ؟ وفى رواية: أنّ عيادة بني هاشم سُنة، وزيارتهم نافلة ؟ أخرجه ابن السمان في الموافقة(١) .
لا يخفى أنّ كلام عمر هذا سواء كان قد أخذه عن النبيصلىاللهعليهوآله ، أو قاله على قناعة واعتقاد، فإنّ المصداق البارز لبني هاشم بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، هو مَن يكون كنفس النبيصلىاللهعليهوآله يعني - الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام - ولهذه المصداقية ذكرنا هذا الحديث هنا، وإن لم يصرّح فيه اسم عليعليهالسلام .
روى المؤرّخ الشهير العلاّمة ابن سعد، بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: خرج عمر بن الخطاب على أصحابه يوماً
فقال: أفتوني في شيء صنعته اليوم ؟
فقالوا: ما هو، يا أمير المؤمنين ؟
قال: مرّت بي جارية لي فأعجبتني فوقعت عليها وأنا صائم !!
فعظّم عليه القوم، وعليعليهالسلام ساكتفقال: ما تقول، يا بن أبي طالب ؟
فقالعليهالسلام : ( جئت حلالاً ويوماً مكان يوم ) ( بناءً على كون الصوم غير واجب ).
____________________
(١) ذخائر العقبى: ١٤ أخرجه عن ابن السمان في الموافقة، علل الحديث للرازي ٢: ٣٦٨ ح ٣٦١٨، غالية المواعظ ومصباح المتعظ والواعظ ٢: ٩٥، ملحقات إحقاق الحق ١٧: ٤٧٤ أخرجه عن الإشراف على فضل الأشراف.
فقال عمر: أنت خيرهم فتوىً(١) .
أخرج العلاّمة الخوارزمي وغيره من أعلام الحديث، عن الحافظ الدار قطني أنّه قيل لعمر بن الخطاب: إنّك تصنعه بعلي شيئاً لا تصنع مع أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: إنّه مولاي(٢) .ولا يخفى أنّنا لو تمعّنا في قول النبيصلىاللهعليهوآله : ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه ) عرفنا أنّه لم يكن لكلمة المولى معنى ومفهوم، سوى صاحب الخيار والأَولى بالتصرّف.
أخرج ابن حزم الأندلسي وغيره، بإسنادهم عن ابن أذينة العبدي قال: أتيت عمر بن الخطاب بمكة فقلت له: إنّي ركبت الإبل والخيل حتى أتيتك فمن أين أعتمر ؟ قال: ائتِ علي بن أبي طالب فسله، فأتيت فسألته فقال لي عليعليهالسلام : ( من حيث أبدأت ) - يعني من ميقات أرضك -.قال: فأتيت عمر فذكرت له ذلك.
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٩، أنساب الأشراف ١: ١٦٧، سُنن الدار قطني ٢: ١٨١ كتاب الصيام باب القبلة للصائم ح ٤.
(٢) المناقب للخوارزمي: ١٦٠ باب ( ١٤ ) ح ١٩٠، الرياض النضرة ٣: ١٢٨، الصواعق المحرقة: ٤٤، شرح المواهب اللدنية: ١٣، الروض الأزهر: ٣٦٦، فتح المبين هامش السيرة النبوية لزيني دحلان ١: ١٧١ - ١٧٨ و ٢: ١٦٢.
فقال لي: ما أجد لك - قولاً - إلاّ ما قال ابن أبي طالب(١) .
أخرج العلاّمة الزمخشري وآخرون من حفّاظ أهل السنة ومحدثيهم، بإسنادهم عن ابن عباس قال: استعدى رجل عمر على عليعليهالسلام ، وعلي جالس فالتفت عمر إليه فقال: يا أبا الحسن، قم فاجلس مع خصمك، فقام فجلس مع خصمه فتناظرا، وانصرف الرجل فرجع عليعليهالسلام إلى مجلسه، فتبيّن عمر التغيّر في وجهه، فقال: يا أبا الحسن، مالي أراك متغيراً ؟
قالعليهالسلام : ( كنّيتني بحضرة خصمي فأَلا قلت: يا علي، قم فاجلس مع خصمك ؟ )، فأخذ عمر برأس عليعليهالسلام فقبّل بين عينيه، ثمّ قال: بأبي أنتم وأمّي، بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا الله من الظلمات إلى النور(٢) .
أخرج العلاّمة المحدّث ابن حجر الهيثمي عن الدار قطني بسنده عن ابن المسيب قال: قال عمررضياللهعنه : تحبّبوا إلى الأشراف وتودّدوا، واتقوا على أعراضكم من السَفلة، واعلموا أنّه لا يتم شرف إلاّ بولاية عليعليهالسلام (٣) .
أخرج شيخ أهل السُنة البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب قال: توفي
____________________
(١) المحلّى ٧: ٧٥، الاستيعاب ٣: ١١٠٣ و ١١٠٦ ترجمة الإمام علي بن أبي طالب رقم ١٨٥٥، الرياض النضرة ٣: ١٦٢ خرّجه ناقصاً ومبتوراً، ذخائر العقبى: ٧٩، تاج العروس ٧: ١٢٥ مادة خَرِك كعلم، أرجح المطالب: ١٢١.
(٢) ربيع الأبرار ٣: ٥٩٥، المناقب للخوارزمي: ٩٧ فصل (٧) ح ٩٩، شرح نهج البلاغة ١٧: ٦٥، فرائد السمطين ١: ٣٤٩ ح ٢٧٣، المستطرف ١: ٩٧.
(٣) الصواعق المحرقة: ١٧٨.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو عنه - أي عن عليعليهالسلام - راضٍ(١) .
روى العلاّمة الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد السلامي البغدادي، بسنده عن رفاعة بن رافع قال: جلس إلى عمر، علي والزبير وسعد، ونفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فتذاكروا العزل فقالوا: لا بأس به.فقال رجل: إنّهم يزعمون أنّها الموعودة الصغرى، فقال عليعليهالسلام : ( لا تكون موعودةً حتى تمر على النارات السبع، تكون سلالة من طين، ثمّ تكون نطفةً، ثمّ تكون علقةً، ثمّ تكون مضغةً، ثمّ تكون عظاماً، ثمّ تكون لحماً، ثمّ تكون خَلقاً آخر ).
فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك(٢) .
أقول: جواب الإمام عليعليهالسلام حول المراحل السبعة في خلق الإنسان، مستلهَم من القرآن الكريم في قوله تعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (٣) تشير الآية إلى تطور الإنسان، وتكامله في رحم الأمّ حتى الولادة.
____________________
(١) صحيح البخاري ٥: ٢٢ كتاب فضائل الصحابة باب مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ٧: ٥٧.
(٢) إحقاق الحق وملحقاته ١٧: ٤٣٤ رواه عن جامع العلوم والحكم ١: ٤٦ ح ٤، مشكل الآثار ٢: ٣٧٣، وفيه: أنّ اليهود تزعم أنّها الموءودة الصغرى - بدلاً عن الموعودة الصغرى - وبعد جواب الإمام علي تعجب عمر من قوله: وقال: جزاك الله خيراً.وجاء في محاضرات الأدباء ١: ٩٦: أَوّل مَن خاطب ب- ( أطال الله بقاءك ) عمر بن الخطاب، قاله لعلي بن أبي طالبعليهالسلام .
(٣) المؤمنون: ١١ - ١٤.
أخرج العلاّمة الحافظ الحسكاني، بسنده عن عمر بن الخطاب قال: عليعليهالسلام أعلم الناس بما أنزل الله على محمدصلىاللهعليهوآله (١) .
روى العلاّمة الحافظ المحب الطبري، بسنده عن عمر بن الخطاب قال: عليعليهالسلام مولى مَن كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله مولاه(٢) .
أخرج العلاّمة الحافظ الگنجي الشافعي، بسنده عن حذيفة بن اليمان، أنّه لقى عمر بن الخطاب.
فقال له عمر: كيف أصبحت يا بن اليمان ؟فقال: كيف تريدني أصبح ؟ أصبحت والله أكره الحق، وأحب الفتنة، وأشهد بما لم أرَه، وأحفظ غير المخلوق، وأصلّي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.فغضب عمر لقوله وانصرف من فوره، وقد أعجله أمر وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك، فبينا هو في الطريق إذ مرّ علي بن أبي طالبعليهالسلام فرأى الغضب في وجهه.
فقال: ( ما أغضبك يا عمر ؟فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته، كيف أصبحت ؟ فقال: أصحبت أكره الحق.
____________________
(١) شواهد التنزيل ١: ٣٩ ح ٢٩، وفي نسخة أخرى عن ابن عمر.
(٢) الرياض النضرة ٣: ١٢٨ و ٢٣٣.
فقال عليعليهالسلام : صدق، يكره الموت وهو حق.
فقال عمر: يقول: وأحب الفتنة.
قال عليعليهالسلام : صدق، يحب المال والولد، وقد قال الله تعالى:( أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) (١) .
فقال عمر: يا علي، يقول: وأشهد بما لم أرّه.
فقالعليهالسلام : صدق، يشهد بالوحدانية، والموت والبعث، والقيامة والجنة، والنار والصراط، ولم يرَ ذلك كله.فقال عمر: يا علي، وقد قال: إنّني أحفظ غير المخلوق.
قالعليهالسلام : صدق، يحفظ كتاب الله تعالى القرآن، وهو غير مخلوق.
قال عمر: ويقول: أصلي على غير وضوء.
فقالعليهالسلام : صدق، يصلي على ابن عمي رسول اللهصلىاللهعليهوآله على غير وضوء، والصلاة عليه جائزة.
فقال: يا أبا الحسن، قد قال أكبر من ذلك.
فقالعليهالسلام : وما هو ؟
قال عمر: قال: إنّ لي في الأرض ما ليس لله في السماء.
قالعليهالسلام : صدق، له زوجة، وتعالى الله عن الزوجة والولد ).
فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب.
قال الگنجي: هذا ثابت عند أهل النقل، ذكره غير واحد من أهل السير(٢) .
____________________
(١) الأنفال: ٢٨.
(٢) كفاية الطالب: ٢١٨ باب ٥٧، نظم درر السمطين: ١٢٩ - ١٣٠، نور الأبصار: ١٦١، فرائد السمطين ١: ٣٣٧ ح ٢٥٩، وفيه: لولا علي لهلك عمر، الفصول المهمة لابن الصباغ: ٣٥
أخرج العلاّمة الخطيب الخوارزمي وغيره من أعلام السُنة، بإسنادهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال عمر بن الخطاب: كانت في أصحاب محمدصلىاللهعليهوآله ثماني عشرة سابقة، خصّ منها علي بن أبي طالبعليهالسلام بثلاث عشرة، وشاركنا في خمس(١) .
أقول: وقد أخرج السيوطي وغيره من أعلام أهل السُنة، هذا الحديث بلفظ آخر، قال الطبراني: عن ابن عباس، قال: كانت لعليعليهالسلام ثماني عشرة منقبة، ما كانت لأحد من هذه الأمّة(٢) .فعلى هذا فلا تستحيل أن تكون جملة ( فخصّ علي منها بثلاث عشرة، وشركنا في خمس ) في رواية عمر موضوعة وزائدة، وكذلك جملة ( كانت لأصحاب محمدصلىاللهعليهوآله )؛ فإنّها وُضعت بديلاً عن جملة ( كانت لعليعليهالسلام )، التي وردت في رواية السيوطي.
أخرج الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن عروة بن الزبير قال: إنّ رجلاً وقع
____________________
فصل في ذكر شيء من علومه، ولم يذكر اسم حذيفة بن اليمان.
وفيه أيضاً: قال عمر: إنّه يصدّق اليهود والنصارى قال الله تعالى:( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ) .
وفي آخر الحديث فقال عمر: أعوذ بالله من معضلة لا علي لها.
أقول: ولعلّ هذه القصة قد تكرّرت أكثر من مرة.( المعرّب ).
(١) المناقب للخوارزمي: ٩٩ فصل (٧) ح ١٠١ وص ٣٣١ فصل ( ١٩ ) ح ٣٥٢، مقتل الحسينعليهالسلام : ٤٥ فصل (٤) ، فرائد السمطين ١: ٣٤٤ ح ٢٦٥، نظم درر السمطين: ١٢٩.
(٢) الصواعق المحرقة: ٧٦، تاريخ الخلفاء: ١٧٢، ينابيع المودة: ٢٨٦ عن الطبراني، تفريح الأحباب: ٣٥١.
في علي بن أبي طالبعليهالسلام .
فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر ؟ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب، فلا تذكر علياً إلاّ بخير فإنّك إن نقصته آذيت صاحب هذا القبر.
وأخرج المناوي بسنده أنّ عمر بن الخطاب قال: ويحك أتعرف علياً ؟ هذا ابن عمه - وأشار إلى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله -، والله ما آذيت إلاّ هذا في قبره(١) .
روى العلاّمة العيني بسنده عن عمر بن الخطاب قال: إذا آذيت عليا آذيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) .
أخرج الحافظ الحاكم النيسابوري وغيره، من الحفّاظ والمؤرّخين، من أهل السنة والجماعة، بإسنادهم عن أبي هريرة، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أعطي علي بن أبي طالبعليهالسلام ثلاث خصال، لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أُعطى حُمر النِعم.
____________________
(١) فضائل الصحابة ٢: ٦٤١ ح ١٠٨٩، فضائل أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل: ١٤٥ ح ٢١١، الصواعق المحرقة: ١٧٧، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٥١٩ ترجمة علي بن أبي طالب، الرياض النضرة ٣: ١٢٣ خرّجه أحمد في المناقب وابن السمان في الموافقة، تذكرة الخواص: ٤٤، كنز العمال ١٣: ١٢٣ ح ٣٦٣٩٤ خرّجه عن تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، فيض القدير ٦: ١٨ ح ٨٢٦٦ خرّجه عن الدار قطني، الجامع الصغير ٣: ٥٤٧ ح ٨٢٦٦، أرجح المطالب: ٥١٥، شفاء السقام: ٢٠٧، مرقاة المفاتيح ١٠: ٤٧٤ ح ٦١٠١ خرّجه عن أحمد، التدوين في أخبار قزوين ١: ٢٩٣ ترجمة محمد بن زيد الجعفري.
(٢) مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ١٦ ح ١٧.
قيل: وما هنّ، يا أمير المؤمنين ؟
قال: تزوّجه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسكناه المسجد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يحل له فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر، ففتح الله عليه وهزم اليهود، فكان ذلك نصراً عزيزاً منح به الإسلام والمسلمون.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه(١) (٢) .
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٥، فضائل الصحابة ٢: ٦٥٩ ح ١١٢٣، وفيه: والثالثة نسيها سهيل، فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام لأحمد: ١٧٣ ح ٢٤٥، وفيه: أنّ سهيل نسي الثالثة - أي تزويجه الزهراءعليهاالسلام -، البداية والنهاية ٧: ٣٤١، المناقب للخوارزمي: ٢٣٢ باب ( ١٩ ) ح ٣٥٤، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ١٢٠، الرياض النضرة ٣: ٢٣٢، مجمع الزوائد ٩: ١٢٠ باب جامع في مناقبه، خرّجه عن مسند أبي يعلى، فرائد السمطين ١: ٣٥٤ ح ٢٦٨، نظم درر السمطين: ١٢٩، أسنى المطالب: ٦٨ ح ٢٢، تاريخ الخلفاء: ١٧٣ خرّجه عن أبي يعلى، الخصائص الكبرى ٣: ٢٩٣ باب اختصاصهصلىاللهعليهوآله بجواز المكث في المسجد جُنباً...، الصواعق المحرقة: ١٢٧، كنز العمال ١٣: ١١٠ ح ٣٦٣٥٩ وص ١١٦ ح ٣٦٣٧٦ خرّجه عن مسند ابن أبي شيبة، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٥: ٤٤، ينابيع المودة ٢٨٦ باب ٥٩، مرآة المؤمنين: ٨٦، تفريح الأحباب: ٣٥١، إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء ١: ٢٨٩، الروض الأزهر: ٩٧ و ١٠٠، جواهر البحار ١: ٣٦٥، أرجح المطالب: ٤١١ وسيلة النجاة: ١٠٦.فإذا أردت الاطّلاع على الأحاديث المروية في هذا الباب، وتعرف أسانيدها ونصوصها، راجع موسوعة الغدير للعلاّمة الأميني ٣: ٢٠٢ - ٣١٢.
(٢) وجملة عمر بن الخطاب: ( وسكناه المسجد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يحل له فيه ما يحل له ) إشارة إلى الحديث المشهور بسد الأبواب، وخلاصة الحديث: أنّه كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، كانوا يدخلون دورهم منها، ومنهم الإمام عليعليهالسلام حيث كان باب داره في المسجد، فكان دخوله وخروجه من هذا الباب، وكانت بيوت أزواج النبيصلىاللهعليهوآله كذلك حول المسجدفنزل الأمر الإلهي على النبيصلىاللهعليهوآله ، بأن يعلن لأولئك النفر أن يسدوا أبوابهم الشارعة على المسجد، عدا باب عليعليهالسلام يجعله مفتوحاً.حتى العباس عم النبي كان يرجو أن يكون بابه شارعةً على المسجد، فمنعه النبيصلىاللهعليهوآله ، فكان الباب الوحيد المشرع على المسجد هو باب عليعليهالسلام ، فكان يدخل ويخرج منه حتى ولو كان جُنباً.
أخرج المؤرّخون والحفّاظ وآخرون غيرهم في كتبهم، أنّه ورد على عمر بن الخطاب كتاب فيه، إنّ الفرس قد قصدوا الهجوم على مركز الحكومة الإسلامية، فجمع عمر بعض أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله منهم الإمام علي يستشيرهم في هذا الأمر، فأبدى كل واحد منهم رأيه في قتال الفرس، ورأى عمر أنّ آراء ونظريات هؤلاء وخططهم التي أبدوها لا تنفع وليست بصائبة، بل أنّ ضررها أكثر من نفعها.فالتفت عمر إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكان ساكتاً لا يتكلم.
فقال له عمر: يا أبا الحسن لِمَ لا تشير بشيء كما أشار غيرك ؟
فقال عليعليهالسلام : كلاماً نقّص فيه آراء الحاضرين وفنّدها، ثمّ أبدى رأياً وخطة كان فيها نفع كبير، وكان في ضمن ما أبداه: إرسال ابنه الإمام الحسنعليهالسلام مع الجند إلى أصفهان، بأن يحوّل إليه إجراء جزئيات الخطة الإستراتيجية، فكان من نتائج رأي الإمام عليعليهالسلام وخطته، انتصار جيوش المسلمين على يهود إيران والزرادشتيين، وفرار يزدجرد عظيم الفرس، وبزوغ شمس الإسلام في نصف بقاع الفرس وخاصةً في أصفهان.
ولكن قبل أن نتطرّق إلى قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، تجدر الإشارة هنا إلى واحد من أهل الرأي أبدى رأيه، واستنكره عمر بن الخطاب، أَلا وهو خليفة عمر عثمان بن عفان فقال: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، وإلى أهل البصرة فيسيروا من
____________________
وقد روى هذه القصة العشرات من الصحابة، ونقلها عشرات المحدّثين والمؤرّخين، وهذه فضيلة عظيمة اختص بها أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام .
بصرتهم، وسر أنت بأهل هذا الحرم حتى توافي الكوفة، وقد وافاك المسلمون من أقطار أرضهم وآفاق بلادهم، فإنّك إذا فعلت ذلك كنت أكثر منهم جمعاً وأعز نفراً.
وقال الطبري: قال عليعليهالسلام في بادئ الأمر: ( أقم، واكتب إلى أهل الكوفة أن يبعثوا ثلثي جندهم، وليقم ثلث منهم، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدّوهم ببعض من عندهم، ولم يعبّئ من الشام جيشاً؛ لئلا يفتر جبهة الروم ).
وإليك الآن رأي الإمام عليعليهالسلام ، الذي استصوبه عمر لمّا استشاره، فقال فيما قالعليهالسلام : ( إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةٍ وَلا بِقِلَّةٍ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ، وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ، وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ، يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ، فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ، وَذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً، وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً، فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالإِسْلامِ، عَزِيزُونَ بِالاجْتِمَاعِ، فَكُنْ قُطْباً وَاسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، إِنَّ الأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا، هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ، وَطَمَعِهِمْ فِيكَ، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ )(١) .
____________________
(١) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح خطبة رقم ١٤٦، الأخبار الطوال: ١٣٤، تاريخ الطبري ٤: ١١٤ - ١٢٦ حوادث سنة ٢١، الفتوح ٢: ٢٨٦ - ٢٩٧، وفيه: قال: فلمّا سمع عمر مقالة عليعليهالسلام ، ومشورته أقبل على الناس وقال: ويحكم ! أَعجزتم كلكم عن آخركم
أخرج السيوطي وغيره من الحفّاظ: أنّ أناساً من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله شربوا الخمر بالشام ،
فقال لهم يزيد بن أبي سفيان - أخو معاوية ووالي الشام من قِبل عمر بن الخطاب -: شربتم الخمر ؟فقالوا: نعم، لقول الله:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ) (١) حتى فرغوافكتب يزيد فيهم إلى عمر فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تنتظر بهم الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تنتظر بهم النهار حتى تبعث بهم إليّ، لا يفتنوا عباد الله، فبعث بهم إلى عمر فلمّا قدموا على عمر
قال: شربتم الخمر ؟
قالوا: نعم ،فتلا عليهم:( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) (٢) إلى آخر الآية.قالوا: اقرأ التي بعدها( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ) .
قال: فشاور فيهم الناس، فقال لعليعليهالسلام - وكان صامتاً -: ما ترى ؟
قالعليهالسلام : ( أرى أنّهم شرّعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنّها حلال فاقتلهم؛ فقد أحلوا ما حرّم الله، وإن زعموا أنّها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين؛ فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحدِّ ما يفتري به بعضنا على بعض )
____________________
أن تقولوا كما قال أبو الحسن، والله لقد كان رأيه رأيي الذي أريته في نفسي( المعرّب )
(١) المائدة: ٩٣.
(٢) المائدة: ٩٠ - ٩١.
قال: فجلدهم عمر ثمانين ثمانين(١) .
وأخرجه أبو الفرج الأصفهاني بتفاوت يسير(٢) .
ذكر أعاظم العامة منهم أئمتهم الأربعة: أبو حنفية، مالك، أحمد بن حنبل، والشافعي - أنّ أبا بكر وعمر لم يكونا يرون الحد الكامل - ثمانين جلدة - لشارب الخمر، وإذا واجها هذه المسألة يوماً ما، فكانا يكتفيان بإجراء أربعين جلدةً فقط.روي أنّ خالد بن الوليد كان عاملاً لعمر على بعض المدن، أبلغ عمر بأنّ الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة.فقال عمر لعليعليهالسلام : ما ترى ؟ قالعليهالسلام : ( نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدةً )(٣) .واستنّ عمر بما قاله عليعليهالسلام ، وبعد ذلك أصبح حدّ الخمر ثمانين جلدةً، كما أفتى به الإمام عليعليهالسلام .
____________________
(١) شرح معاني الآثار ٣: ١٥٤ كتاب الحدود، تفسير الدر المنثور ٢: ٣٢ - ٣٢٢ أخرجه عن ابن أبي شيبة وابن منذر، فتح الباري ٢١: ٥٧ أخرجه عن ابن شيبة.
(٢) الأغاني ١٨: ١٩٨.
(٣) الموطأ ٢: ٨٤٢ كتاب الأشربة باب (١) ح ١، سنن البيهقي ٨: ٣٢٠ كتاب الأطعمة والأشربة باب ما جاء في عدد حدّ الخمر، مسند الشافعي: ٢٨٦ كتاب الأشربة، شرح معاني الآثار ٣: ١٥٣، سُنن الدار قطني ٣: ١٥٧ كتاب الحدود ح ٢٢٣، فتح الباري ١٢: ٥٧ أخرجه عن الطبراني والطحاوي والبيهقي وص ٥٨ عن عبد الرزاق، تفسير الدر المنثور ٢: ٣١٦ ذيل آية ٩٣ من سورة المائدة، أخرجه عن أبي الشيخ وابن مردويه والحاكم صحّحه، كنز العمال ٥: ٤٧٤ ح ١٣٦٦٠ وص ٤٧٨ ح ١٣٦٧٦ وص ٤٧٩ ح ١٣٦٨٠ المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٥.
قال ابن أبي الحديد: روى أبو بكر الأنباري في أماليه: أنّ علياًعليهالسلام جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلمّا قامعليهالسلام عرض واحد بذكره ونسبه إلى التيه والعجب.
فقال عمر: حق لمثله أن يتيه !! والله لولا سيفه لَما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمّة وذو سابقتها وذو شرفها.فقال له ذاك القائل: فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه ؟
قال: كرهناه على حداثة السن، وحبه لبني عبد المطلب(١) .
وقد روي كره عمر بن الخطاب لعليعليهالسلام في موارد عديدة ومواقف كثيرة.
خاصةً في قوله: لو ولّوها - يعني الخلافة - علياً لسلك بهم الطريق وحملهم على الحق(٢) .
أخرج محب الدين الطبري بسنده: كان عمر يطوف بالبيت وعليعليهالسلام يطوف أمامه، إذ عرض رجل لعمر فقال: يا أمير المؤمنين، خذ حقي من علي بن أبي طالبعليهالسلام .قال: وما باله ؟قال: لطم عيني، فوقف عمر حتى لحق به عليعليهالسلام ، فقال: أَلطمت عين هذا، يا أبا الحسن ؟
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٢: ٨٢.
(٢) ترجمة الإمام علي من تاريخ مدينة دمشق ٣: ١٠٦ - ١٠٨ ح ١١٣٦ - ١١٣٧ أخرجه عن طريقين، أنساب الأشراف ٢: ٨٥٥، الاستيعاب ٣: ١١٣٠.
قالعليهالسلام : نعم.قال عمر: ولِمَ ؟قالعليهالسلام : لأنّي رأيته يتأمل حرم المؤمنين في الطواف.فقال عمر: أحسنت، يا أبا الحسن.ثمّ أقبل على الرجل فقال: وقعت عليك عين من عيون الله عزّ وجل(١)
روى العلاّمة الخطيب الخوارزمي وغيره من الحفّاظ بإسنادهم: أنّ رجلاً نازع عمر في مسألة.فقال عمر: بيني وبينك هذا الجالس - وأشار إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكان جالساً في المسجد -.فقال الرجل: هذا الأبطن !! - الظاهر أنّه لم يكن يعرف علياًعليهالسلام -.فنهض عمر عن مجلسه وأخذ بتلبيبه حتى شاله من الأرض، ثمّ قال: ويلك أتدري مَن صغّرت ؟! هذا علي بن أبي طالب مولاي ومولى كل مسلم(٢) .
وجاء في رواية الحسكاني: أمر عمر علياًعليهالسلام أن يقضي بين رجلين، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: هذا الذي يقضي بيننا ؟! وكأنّه ازدرى علياًعليهالسلام ، فأخذ عمر بتلبيبه فقال: ويلك وما تدري مَن هذا ؟ هذا علي بن أبي طالبعليهالسلام ، هذا مولاي ومولى كل مؤمن، فمَن لم يكن مولاه فليس بمؤمن(٣) .
____________________
(١) الرياض النضرة ٣: ١٦٥.
(٢) المناقب للخوارزمي: ١٦١ فصل ( ١٤ ) ح ١٩٢، الرياض النضرة ٣: ١٢٨.
(٣) شواهد التنزيل ١: ٣٤٨ ح ٣٦٢ ذيل آية( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدَى. ) يونس: ٣٥ وبهامشه خمسة أحاديث ممّا يتعلق بالباب، الفتوحات الإسلامية: ٤١٧ - ٤١٨.
أقول: ولعلّ هذه القصة غير الأُولى، وإنّ القصتين قد وقعتا في زمانين مختلفين.
أخرج العلاّمة محب الدين الطبري وغيره من المحدّثين، بإسنادهم عن عمر وقد جاءه أعرابيان يختصمان، فقال لعليعليهالسلام : اقضِ بينهما، يا أبا الحسن، فقضى عليعليهالسلام بينهما.فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا ؟! فوثب عليه عمر وأخذ بتلبيبه، وقال: ويحك ما تدري مَن هذا ؟ هذا مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، ومَن لم يكن مولاه فليس بمؤمن(١) .
أخرج المحقّق العلاّمة العاصمي وغيره، بإسنادهم عن أبي الطفيل - الصحابي العظيم -
قال: شهدت الصلاة على أبي بكر الصدّيق، ثمّ اجتمعنا إلى عمر بن الخطاب فبايعناه، وأقمنا أياماً نختلف إلى المسجد إليه، حتى أَسموه ( أمير المؤمنين ) ،
____________________
(١) الرياض النضرة ٣: ١٢٨ وقال: خرّجه ابن السمان، المناقب للخوارزمي: ١٦٠ فصل ( ١٤ ) ح ١٩١، ذخائر العقبى: ٦٨، الصواعق المحرقة: ١٧٩ خرّجه عن الدار قطني، شواهد التنزيل ١: ٣٤٨ ح ٣٦٢ ذيل آية( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) يونس ٣٥، الفتوحات الإسلامية: ٤١٧ - ٤١٨، وسيلة المال ( مخطوط ).
(٢) أورد المؤلّف حفظه الله هذه الرواية بشكل موجز ومختصر، واكتفى بذكر اعتراف عمر بن الخطاب، بكون الإمام عليعليهالسلام أعلم الناس طراً بالنبيصلىاللهعليهوآله والقرآن العظيم، ولمّا كانت الرواية حاويةً لبعض النقاط الكاشفة عن المناقب الجسمية للإمام عليعليهالسلام ، وكذا تكشف عن جهل عمر بن الخطاب، وعدم معرفته بالقرآن والنبيصلىاللهعليهوآله ، رأيت أنّ نقل الحديث بتمامه أحجى وأتم للحجة، لمَن أراد معرفة الحق وأتباعه.( المعرّب )
فبينما نحن عنده جلوس، إذ أتاه يهودي من يهود المدينة، وهم يزعمون أنّه من وُلد هارون أخي موسى بن عمرانعليهالسلام ، حتى وقف على عمر فقال له: يا أمير المؤمنين، أيّكم أعلم بنبيكم وبكتاب نبيكم حتى أساله عمّا أريد ؟- قال أبو الطفيل - فطأطأ عمر رأسه.
فقال له اليهودي: إيّاك أعني، وأعاد عليه القول.
فقال له عمر: وما ذاك ؟
قال: إنّي جئتك مرتاداً لنفسي شاكّاً في ديني.
فقال عمر: دونك هذا الشاب.
قال: ومَن هو هذا الشاب ؟.
قال عمر: هذا علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو أبو الحسن والحسين، وزوج فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ثمّ قال: هذا أعلم بنبينا وبكتاب نبينا.قال اليهودي: أكذلك أنت يا علي ؟قالعليهالسلام : نعم، سلْ عمّا تريد.
قال: إنّي مسائلك عن ثلاث وثلاث وواحدة.
فتبسّم عليعليهالسلام ثمّ قال له: يا هاروني، ولِمَ لا تقول: إنّي سائلك عن سبع ؟فقال اليهودي: أسألك عن ثلاث فإن أصبت فيهنّ، أسألك(١) عن الواحدة، وإن أخطأت في الثلاث الأُوَل لم أسألك عن شيء.وقال له عليعليهالسلام : وما يدرك إذا سألتني فأجبتك أخطأت أم أصبت ؟
____________________
(١) كذا في زين الفتى، والصحيح: أسألك عن ثلاث فإن أصبت فيهنّ سألت عمّا بعدهنّ، فإن أصبت أسألك.
قال: فضرب بيده على كمه فاستخرج كتاباً عتيقاًفقال: هذا كتاب ورثته عن آبائي وأجدادي، بإملاء موسىعليهالسلام وخط هارونعليهالسلام ، وفيه هذه الخصال التي أريد أن أسالك عنها.فقال عليعليهالسلام : والله عليك إن أجبتك فيهنّ بالصواب أن تسلم -لتدعنّ دينك ولتدخلنّ في ديني -
قال له: والله - ما جئت إلاّ لذلك - لئن أجبتني فيهنّ بالصواب لأسلمنّ الساعة على يديك.
قال له عليعليهالسلام : سلْ.
قال: أخبرني.عن محمدصلىاللهعليهوآله كم بعده من إمام عادل، وفي أي جنة يكون، ومَن يساكنه في الجنة ؟ قال عليعليهالسلام : يا هاروني، إنّ لمحمدصلىاللهعليهوآله من الخلفاء اثنا عشر إماماً عادلاً لا يضرهم مَن خذلهم، ولا يستوحشون لخلاف مَن خالفهم، وإنّهم أرسب في الدين من الجبال الرواسي في الأرض، ويسكن محمدصلىاللهعليهوآله في جنته مع أولئك الاثني عشر إماماً العدل.
قال: صدقت، والله الذي لا إله إلاّ هو، إنّي لأجده في كتب أبي هارون، كتبه بيده وإملاء موسى عميعليهالسلام قال: فأخبرني عن الواحدة، أخبرني عن وصي محمد كم يعيش من بعده ؟ وهل يموت أو يقتل ؟قالعليهالسلام : يا هاروني، يعيش بعده ثلاثين سُنة ثمّ يضرب هاهنا - يعني قَرنه - فتُخضب هذه من هذا.
قال أبو الطفيل: فصاح الهاروني وقطع تسبيحه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمد رسول الله(١) .
____________________
(١) زين الفتى ١: ٣٠٤ ح ٢١٨، فرائد السمطين ١: ٣٥٤ ح ٢٨٠، الغدير ٦: ٢٦٨ - ٢٦٩.
روى العلاّمة ابن أبي الحديد المعتزلي - نقلاّ عن كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري - بإسناده عن ابن عباس، قال: مرّ عمر بعليعليهالسلام وأنا معه بفناء داره، فسلّم عليه
فقال له عليعليهالسلام : أين تريد ؟
قال: البقيع.
قالعليهالسلام : أَفلا تصل صاحبك ويقوم معك ؟قال عمر: بلى.
فقال لي عليعليهالسلام : قم معه.
فقمت فمشيت إلى جانبه فشبك أصابعه في أصابعي، ومشينا قليلاً حتى إذا خلّفنا البقيع قال لي عمر: يا بن عباس، أَما والله، إنّ صاحبك هذا - يعني علياًعليهالسلام - لأَولى الناس بالأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إلاّ أنّا خفناه على اثنين.
قال ابن عباس: فجاء بكلام لم أجد بدّاً من مساءلته عنه، فقلت: ما هما ؟ قال عمر: خفناه على حداثة سِنه، وحبه بني عبد المطلب(١) .
أخرج العلاّمة الخطيب البغدادي وغيره: أنّ الحسينعليهالسلام جاء لعمر وهو على المنبر فقال: ( انزل عن منبر أبي ).فقال له: منبر أبيك ولا منبر أبي.وزاد ابن سعد: أنّه أخذه فأقعده على جنبه، وقال: وهل أنبت الشعر على
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ٦: ٥٠ - ٥١، السقيفة وفدك: ٧٣.
رؤوسنا إلاّ أبوك، أي أنّ الرفعة ما نلناها إلاّ به(١) .
أخرج العلاّمة ابن حجر عن الدار قطني: أنّ عمر سأل عن عليعليهالسلام فقيل له: اذهب إلى أرضه.
فقال: اذهبوا بنا إليه، فوجدوه يعمل فعملوا معه ساعةً، ثمّ جلسوا يتحدثونفقال له عليعليهالسلام : أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل فقال لك أحدهم: أنا ابن عم موسىعليهالسلام ، أكانت له عندك أثرة على أصحابه ؟قال عمر: نعم.قال عليعليهالسلام : فأنا والله، أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله وابن عمه.قال: فنزع عمر رداءه فبسطه، فقال: والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نفترق(٢) .
____________________
(١) تاريخ بغداد ١: ١٤١، الطبقات الكبرى ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ٣١ ح ٢١٩، مقتل الحسينعليهالسلام : ١٤٥، تاريخ مدينة دمشق ١٤: ١٧٥، تاريخ الإسلام ٣: ٥، كفاية الطالب: ٤٢٤ ح ١١١٦، كنز العمال ١٣: ٦٥٤ ح ٣٧٦٦٢، الإصابة ٢: ٦٩ ترجمة الإمام الحسين بن عليعليهالسلام رقم ١٧٢٩، الصواعق المحرقة: ١٧٧، ينابيع المودة: ٢٠٦ باب ٥٩، وسيلة النجاة خرّجه عن ابن عساكر الدمشقي، والسيوطي وابن حجر، تاريخ الخلفاء: السيرة الحلبية ١: ٤٤٣.وفيه تحريف بأنّ الإمام عليعليهالسلام هدّد الحسين وشجب فعله، سير أعلام النبلاء ٣: ٢٨٥، الرياض النضرة ٢: ٣٤١.
(٢) الصواعق المحرقة: ١٧٩.
الإمام عليعليهالسلام في رأي الخليفة عثمان بن عفان
أخرج العلاّمة سيد علي بن شهاب الدين الهمداني، بإسناده عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( خُلفت أنا وعلي من نور واحد، قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام(١) ، فلمّا خلق الله آدم ركّب فيه ذلك النور في صلبه، فلم يزل شيئاً واحداً، حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففيَّ النبوة وفي علي الوصية )(٢) .
أخرج العلاّمة الخطيب الخوارزمي، بإسناده عن عثمان بن عفان قال: سمعت عمر بن الخطاب، قال: سمعت أبا بكر بن أبي قحافة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( إنّ الله خلق من نور وجه علي بن أبي طالب ملائكةً، يسبّحون ويقدّسون، ويكتبون ثواب ذلك لمحبيه ومحبي وُلده )(٣) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر الدمشقي، بإسناده عن يونس مولى الرشيد، قال: كنت واقفاً على رأس المأمون، وعنده يحيى بن أكثم القاضي، فذكروا علياًعليهالسلام وفضله، فقال المأمون: سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول: سمعت
____________________
(١) ورد في أحاديث أخرى عن طرق غير عثمان، إنّ العدد هو أربعة عشر ألف عام، ولعلّ هذا هو الصحيح، ولكن أسقطت كلمة عشر في هذا الحديث حين الاستنساخ أو الطبع.
(٢) ينابيع المودة: ٢٥٦.
(٣) مقتل الحسينعليهالسلام : ٩٧، المناقب للخوارزمي: ٣٢٩ ح ٣٤٨.
المنصور يقول: سمعت أبي يقول: سمعت جدي يقول: سمعت ابن عباس يقول: رجع عثمان إلى عليعليهالسلام فسأله المصير إليه، فصار إليه فجعل يحدّ النظر إليه، فقال له عليعليهالسلام : -يا عثمان - مالك تحدّ النظر إليّ ؟ قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ( النظر إلى وجه علي عبادة )(١) .
وذكر الزمخشري عن ابن العربي: أنّ علياً كان إذا برز قال الناس: لا إله إلاّ الله، ما أشرف هذا الفتى، لا إله إلاّ الله، ما أشجع هذا الفتى، لا إله إلاّ الله، ما أعلم هذا الفتى، لا إله إلاّ الله، ما أكرم هذا الفتى، وإنّ النظر إلى عليعليهالسلام يدعو إلى ذكر الله(٢) .
مرّ علينا آنفاً في فصلي اعترافات أبي بكر وعمر في قصة الغدير، بأنّ رواة حديث الغدير - الذين رووا ما سمعوا عن النبيصلىاللهعليهوآله وهو يقول: ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه ) - كثيرون، وأخرج ابن عقدة في كتابه ( الولاية )(٣) ، ومنصور الآبي الرازي في
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٥٠، البداية والنهاية ٧: ٣٥٨، تاريخ الخلفاء: ١٧٢، اللآلئ المصنوعة ١: ٣٤٣، مناقب سيدنا عليعليهالسلام : ١٩ ح ٥٧ خرّجه عن الخطيب والديلمي وابن عساكر والطبري والحاكم، التعقّبات للسيوطي: ٥٧ نقلاً عن إحقاق الحق ٧: ١٠٩.
(٢) فيض القدير ٦: ٢٩٩ ذيل ح ٩٣١٩، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٥٦ ترجمة الإمام علي بن أبي طالب.
(٣) الغدير ١: ٥٣، المناقب للسروي ٣: ٢٥.
كتابه الغدير(١) ، والعلاّمة ابن المغازلي في كتابه المناقب(٢) ، أنّ عثمان بن عفان الذي كان حاضراً وشاهداً لتلك الواقعة والمفخرة العلوية في غدير خم، هو أحد رواة حديث الغدير ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه ).
أخرج الإمام مالك في الموطأ، وغيره في كتبهم التفسيرية والحديثية، بإسنادهم عن بعجة بن عبد الله الجهني، قال: تزوج رجل منا امرأةً من جهينة، فولدت له تماماً لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان، فأخبره القصة، فأمر برجمها، فبلغ ذلك علياًعليهالسلام ، فأتاه فقالعليهالسلام : ما تصنع ؟ قال عثمان: ولدت تماماً لستة أشهر، وهل يكون ذلك ؟ فقال عليعليهالسلام : أَما سمعت الله تعالى يقول:( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) (٣) ، وقال:( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) (٤) فكم تجده بقي إلاّ ستة أشهر ؟ فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، عليّ بالمرأة، فوجدوها قد مُرغ منها - يعني أنّها رُجمت -.
____________________
(١) الغدير ١: ٥٣، المناقب للسروي ٣: ٢٥.
(٢) المناقب لابن المغازلي: ٢٧ ح ٣٩.لو اعتمدنا الأحاديث المروية في العشرة المبشّرة - وثالثهم عثمان بن عفان - وكذا لو اعتمدنا ما رواه ابن المغازلي عن مسند نيسابور لأبي القاسم فضل بن محمد الأبيوردي - المتوفى ٥١٨ ه- حول حديث الغدير وقوله: إنّ هذا الحديث روي عن أكثر من مائة طريق منهم العشرة المبشّرة، الذين سمعوا النبيصلىاللهعليهوآله يقول: ( مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه ).لا يشك أحد أنّ عثمان يُعد أحد رواة هذه المنقبة الجليّة لعلي بن أبي طالبعليهالسلام .
(٣) الاحقاف: ١٥.
(٤) البقرة: ٢٣٣.
وكان من قولها لأختها: يا أخية، لا تحزني، فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره - أي غير زوجي -.
قال الراوي: فشبّ الغلام بعد، فاعترف الرجل به، وكان أشبه الناس به، وقال: فرأيت الرجل بعد يتساقط عضواً عضواً على فراشه(١) .
أخرج الإمام أحمد وغيره من الحفّاظ بإسنادهم، أنّ يحنس وصفية كانا من سبي الخمس - أي أسيرين - فزنت صفية برجل من الخمس - أي أسير آخر - فولدت غلاماً، فادّعاه الزاني ويحنس فاختصما إلى عثمان، فرفعهما إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال عليعليهالسلام : ( أقضي فيهما بقضاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله - الولد للفراش وللعاهر الحجر - فأعطى يحنس الولد وجلدهما - أي صفية والزاني - خمسين خمسين )؛ لأنّهما كان عبدينِ فعليهما نصف ما على الحر من الحد، وأمّا صفية لأنّها كانت أَمَة فلا رجم عليها.
وتشاهد في هذه القصة: أنّ عثمان بن عفان، الذي تقلّد أريكة الخلافة، وارتقى عرش الإمارة، عاجز عن فهم حكم الولد، أنّه للفراش وللعاهر الحجر، وجاهل عن أحكام الحر والعبد والفرق بينهما(٢) .
____________________
(١) الموطأ ٢: ٨٢٥ كتاب الحدود باب (١) ح ١١، تأويل مختلف الحديث: ١٠٧، سُنن البيهقي ٧: ٤٤٢، جامع بيان العلم وفضله: ١٥٠، تفسير ابن كثير ٤: ١٦٩، تيسير الوصول ٢: ١١ الفصل الثاني ح ٥، الدر المنثور ٦: ٤٠ أخرجه عن ابن المنذر وابن أبي حاتم، عمدة القارئ ٩: ٦٤٢.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ١: ١٠٤ و ١: ١٦٧ ح ٨٢٢ ( الحديثة )، تفسير ابن كثير ١: ٤٨٩، كنز العمال ٦: ١٩٨ ح ١٥٣٤٠.
روى فقهاء العامة ومحدّثوهم، أنّ حبان بن منقذ كانت عنده جاريتان هاشمية وأنصارية، فطلّق الأنصارية وهي ترضع، فمرّت بها سَنة، ثمّ هلك عنها ولم تحض، فقالت: أنا أرثه، لم أحض.فاختصمتا إلى عثمان بن عفان، وكعادته أرجعهما إلى عليعليهالسلام ، فقال لها عليعليهالسلام : ( أتحلفين عند قبر النبيصلىاللهعليهوآله إنّك لم تحضي حتى تحصلين على إرثك ) ؟، فحلفت وأعطاها سهمها من الإرث.
أقول: وأخرجه الإمامان مالك والشافعي وقالا فيما روياه: إنّ الهاشمية وجدت على عثمان ولامته؛ حيث أعطى الأنصارية سهماً من الإرث، فقال عثمان: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا - يعني علي بن أبي طالبعليهالسلام -(١) .
أخرج الإمام أحمد بن حنبل وغيره، بإسنادهم: كان أبي الحارث على أمر من مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمانرضياللهعنه إلى مكة، فقال عبد الله بن الحارث: فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد، اصطاد أهل الماء حجلاً فطبخناه بماء وملح، فجعلنا عراقاً للثريد، فقدّمناه إلى عثمان وأصحابه، فأمسكوا.
____________________
(١) الموطأ ٢: ٥٧٢ كتاب الطلاق: باب طلاق المريض ح ٤٣، مسند الشافعي: ٢٩٦ كتاب العدد، السنن الكبرى ٧: ٤١٩٠ .، الاستيعاب ٢: ٧٦٤، ذخائر العقبى: ٨٠، الرياض النضرة ٣: ١٦٦، الإصابة ٨: ٢٠٤ القسم الأَوّل، كنز العمال ٥: ٨٢٩ ح ١٤٥٠٥ و ١٤٥٠٦، أرجح المطالب: ١٢٦، وسيلة المال: ١٢٦، إحقاق الحق ١٧: ٥١٦.
فقال عثمان: صيد لم نصطده ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حِل فأطعمونا فما بأس، فقال للقوم: كلوا فإنّما أصيبت لأجلي.فقال القوم: هذا عليعليهالسلام نهانا عن أكله، فبعث إلى عليعليهالسلام فجاءه وإنّه ليمسح الخبط عن يديه.فقال عثمان: لم نصطده ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حِل فأطعمونا فما بأس.قال الراوي: فغضب عليعليهالسلام وقال: ( أنشد الله رجلاً شهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أتى ببيض نعامة، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّا قوم حُرم فأطعموه أهل الحِل ).
فقال الراوي: فشهد دونهم في العدة من الاثني عشر.
قال الراوي: فثنى عثمان وركه عن الطعام فدخل، وأكل ذلك الطعام أهل الماء(١) .
أخرج الحافظ أحمد بن محمد بن علي بن أحمد العاصمي، عن الأستاذ أبي بكر محمد بن إسحاق بن محمشاد يرفعه: أنّ رجلاً أتى عثمان بن عفان وهو أمير المؤمنين، وبيده جمجمة إنسان ميت، فقال: إنّكم تزعمون أنّ النار تعرض على هذا، وإنّه يُعذب في القبر، وأنا قد وضعت عليها يدي فلم أحس منها حرارة
____________________
(١) مسند أحمد ١: ١٠٠ و ١: ١٦١ ح ٧٨٥ و ٧٨٦، مسند أبي يعلى ١: ٢٩٤ ح ٣٥٦ مسند عليعليهالسلام ، مسند البزار ح ١١٠٠، مجمع الزوائد ٣: ٢٢٩ أخرجه عن أبي يعلى وأحمد والبزار، شرح معاني الآثار ٢: ١٦٨، السُنن الكبرى ٥: ١٩٤، سُنن أبي داود ٢: ١٧٠ كتاب المناسك باب لحم الصيد للمحرم ح ١٨٤٩، المناقب للسروي ٢: ٣٧٣ عن مسند أحمد وأبي يعلى.
النار ! فسكت عثمان وأرسل إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام يستحضره، فلما أتاه وهو في ملأ من أصحابه قال عثمان للرجل: أعد المسألة.فأعادها.ثمّ قال عثمان لعليعليهالسلام : أجب الرجل عنها، يا أبا الحسن، فقال عليعليهالسلام : ( ائتوني بزند وحجر - والرجل السائل والناس ينظرون إليه - فأُتي بهما فأخذهما، وقدح منهما النار، ثمّ قال للرجل: ضع يدك على الحجر، فوضعها عليه، ثمّ قالعليهالسلام : ضع يدك على الزند، فوضعها عليه، فقالعليهالسلام : هل أحسست منهما حرارة النار ؟ ) فبهت الرجل - لأنّه رأى النار ولم يحس بالحرارة - فقال عثمان: ( لولا علي لهلك عثمان)(١) .
____________________
(١) زين الفتى في تفسير سورة هل أتى ١: ٣١٨ ح ٢٢٥، الغدير ٨: ٢١٤ عن روائح القرآن في فضائل أمناء الرحمن حيث يروي فيه ١٣١ آية نزلت في علي، علي والخلفاء لنجم الدين العسكري: ٣١٥ - ٣١٦.
الإمام عليعليهالسلام في رأي معاوية بن أبي سفيان
قال العلاّمة الحافظ المناوي الشافعي: إنّ معاوية كان يرسل أناساً يسأل علياًعليهالسلام عن المشكلات - سواء معضلاته أو معضلات غيره - فكان عليعليهالسلام يجيبه، فقال أحد بنيه: تجيب عدوك ! ؟ قالعليهالسلام : ( أَما يكفينا أن احتاجنا وسألنا ؟ )(١) .
أخرج الإمام أحمد بن حنبل، وآخرون من حفّاظ أهل السُنة ومفسّريهم، بإسنادهم عن قيس بن أبي حازم - وهو من ثقات الرواة عند أهل السنة - أنّه قال: إنّ رجلاً سأل معاوية عن مسالة.فقال: اسأل عنها علياً فهو أعلم، فقال: يا أمير المؤمنين، جوابك فيها أحب إليّ من جواب علي، قال معاوية: بئس ما قلت، لقد كرهت رجلاً كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يغره بالعلم غراً، ولقد قال له: ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي )، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه - ويلجأ إلى علي في حل مسائله - ثمّ قال معاوية للرجل: قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان(٢) .
____________________
(١) فيض القدير ٤: ٣٥٦ ح ٥٥٩٣ ( علي عيبة علمي ) عن شرح الحمزية.
(٢) فضائل الصحابة ٢: ٦٧٥ ح ١١٥٣، مناقب أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل: ١٩٧ ح ٢٧٥، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي: ٣٤ ح ٥٢، ذخائر العقبى: ٧٩، الرياض النضرة ٣
وروى عنه ابن حجر: ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه، ولقد شهدته إذا أشكل عليه شيء قال: هاهنا علي، قم لا أقام الله رجليك(١) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر، وآخرون من أعلام الحديث والتاريخ من أهل السُنة، بإسنادهم قالوا: حجّ معاوية بن أبي سفيان فمرّ بالمدينة، فجلس في مجلس فيه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فالتفت إلى عبد الله بن عباس فقال: يا بن عباس، إنّك لم تعرف حقنا من باطل غيرناوقرعه ابن عباس بجواب فحار منه معاوية، فتركه وأقبل على سعد فقال: يا أبا إسحاق، أنت الذي لم تعرف حقنا، وجلس فلم يكن معنا ولا علينا، فقال سعد: فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعلي: ( أنت مع الحق والحق معك حيثما دار ).فقال معاوية: لتأتيني على هذا ببيّنة، فقال: سعد: هذه أمّ سلمة تشهد على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقاموا جميعاً فدخلوا على أمّ سلمة فقالوا: يا أمّ المؤمنين، إنّ الأكاذيب قد كثرت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهذا سعد يذكر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما لم نسمعه، إنّه قال - لعلي -: ( أنت مع الحق والحق معك حيثما دار ).
____________________
١٦٢، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ١٧٠ - ١٧١، فرائد السمطين ١: ٣٧١ باب ( ٦٨ ) ح ٣٠٢، جواهر العقدين: القسم الثاني: ٢٠٥، الصواعق المحرقة: ١٧٩ واكتفى ابن حجر في كتابه هذا بذكر حديث المنزلة فقط، نظم درر السمطين: ١٣٤، فيض القدير ٣: ٤٦ ح ٢٧٠٥ ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ).
(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧: ٧٠.
فقالت أمّ سلمة: في بيتي هذا، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام .
فقال معاوية لسعد: يا أبا إسحاق، ما كان ألوم الآن - أي أنّك يا سعد ألوم الناس عندي - إذ سمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وجلست عن عليعليهالسلام ، لو سمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله لكنت خادماً لعليعليهالسلام حتى أموت(١) .وروى المسعودي عن محمد بن جرير الطبري، عن ابن أبي نجيح، قال: لمّا حجّ معاوية وطاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة، فأجلسه معه على سريره، ووقع معاوية في عليعليهالسلام ، وشرع في سبه(٢) .فزحف سعد، ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك، ثمّ شرعت في سب عليعليهالسلام ، والله، لأن يكون فيَّ خصلة واحدة من خصال كانت لعليعليهالسلام ، أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، والله، لأن أكون صهراً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنّ لي من الوُلد ما لعلي، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، والله، لأن يكون رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لي ما قال له يوم خيبر: ( لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبه اللهُ ورسوله، ويحب اللهَ ورسوله، ليس بفرّار، يفتح الله على يديه )، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، والله، لأن يكون رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لي ما قال له في غزوة تبوك: ( أَلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي ؟ ) أحب إلي من أن يكون لي
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق ٢٠: ٣٦٠ ترجمة سعد بن أبي وقاص، المناقب للسروي ٣: ٦٢ أخرجه عن كتاب اعتقاد أهل السنة لعبد العزيز الأشهي الشافعي، مجمع الزوائد ٧: ٢٣٥ عن مسند البزار، أرجح المطالب: ٦٠٠ عن ابن مردويه، إحقاق الحق ٥: ٦٣١ أخرجه عن مفتاح النجاة للبدخشي: ٦٦.
(٢) روى ابن حجر في فتح الباري ٧: ٦٠ لمّا طلب معاوية من سعد أن يسب علياً قال سعد: لو وضع المنشار على مفرقي على أن أسب علياً ما سببته أبداً.( المعرّب )
ما طلعت عليه الشمس، وأيم الله، لا دخلت لك داراً ما بقيت، ثمّ نهض.
وزاد المسعودي فقال: وجدت في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي في الأخبار: أنّ سعداً لمّا قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية وقال له: اقعد حتى تسمع جواب ما قلت، ما كنت عندي قط أَلأم منك الآن، فهلاّ نصرته ؟ ولِمَ قعدت عن بيعته ؟ فإنّي لو سمعت من النبيصلىاللهعليهوآله مثل الذي سمعت فيه، لكنت خادماً لعليعليهالسلام ما عشت(١) .
أقول: وقد استجاب الله دعاء المؤمنين: اللهم اشغل الظالمين بالظالمين، ليأمن الناس من شرهم، واستنادهم إلى الحكمة القائلة: الفضل ما شهدت به الأعداء، التي تكشف عن بيان حقيقة علو رتبة صاحبها، فترى أنّ معاوية بن أبي سفيان وسعد بن أبي وقاص - كلاهما ظَلم علياًعليهالسلام حقه - يتنازعان في عليعليهالسلام ، وكل منهما يحتج على الآخر، ويخطّئه بذكر فضائل الإمام عليعليهالسلام .
وأمّا معاوية وإن كان هو الآخر قد سمع هذه المناقب العلوية، مثل حديث المنزلة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما روي في أكثر من عشر مصادر عن معاوية، إلاّ أنّه أنكر في هذه الرواية؛ تقريعاً لسعد بن أبي وقاص حيث قال له: فإنّي لو سمعت من النبيصلىاللهعليهوآله مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعلي ما عشت.
ويجدر بنا أن نبارك لمعاوية، هذا الاعتراف بأهمية حديث المنزلة، وحديث أنت مع الحق، وتحقيره لسعد بن أبي وقاص، بأنّه أحقر وأشأم إنسان؛ ذلك بسبب تخلّفه عن بيعة عليعليهالسلام ونصرته.
____________________
(١) مروج الذهب ٣: ١٤ في ذكر خلافة معاوية بن أبي سفيان، تذكرة الخواص ١٨ - ١٩ رواه بالإجمال.
ولا يخفى أنّ معاوية هو أحقر وأشأم من سعد؛ لأنّه لو لم يكن قد سمع بحديث أنت مع الحق وحديث المنزلة، قبل سماعه من أمّ المؤمنين أمّ سلمة زوج الرسول، التي يعتمد على روايتها الشيعة والسنة، لكانت المسالة هيّنةً، ولكنّه قد سمع وتغاضى عنه، وهو في الحين نفسه سنّ سُنته السيئة ( لعن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وسبه على المنابر وفي صلاة الجمع ) التي دامت سبعين سنة، بحيث لمّا أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، بالكف عن شتم عليعليهالسلام على المنابر فقط، صاح به الناس الذين تأسّوا بمعاوية وقالوا: تركت السُنة وغيّرتها(١) .
فعلى هذا، فلو كان لحديث ( أنت مع الحق ) و ( المنزلة ) هذه الدرجة من الأهمية، بحيث يتمنّى معاوية أنّه لو كان قد سمعه من النبيصلىاللهعليهوآله ، أن يخدم علياًعليهالسلام مدى حياته، إذن، فلا ريب أنّ مخالفة عليعليهالسلام والانحراف عنه تعتبر إنكاراً للحق، فكيف إذاً آلت هذه المخالفة إلى، محاربته، وقتال أصحابه وسبه، والأمر بلعنهعليهالسلام ، الذي سنّه معاوية، فهل هو شيء غير الكفر ومخالفة الإسلام والنبيصلىاللهعليهوآله ؟
أخرج العلاّمة الجويني بسنده قال: اجتمع الطرماح الطائي، وهشام المرادي، ومحمد بن عبد الله الحميري - وهم من أشهر شعراء العرب - عند معاوية، فأخرج - معاوية - بدرة ووضعها بين يديه فقال: يا شعراء العرب، قولوا قولكم في علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ولا تقولوا إلاّ الحق، فأنا نفي عن صخر بن حرب - أي أنّي لست ابن صخر - إن أعطيت هذه البدرة إلاّ مَن قال الحق في عليعليهالسلام : فقام الطرماح فتكلم في عليعليهالسلام ووقع فيه !! فقال له معاوية: اجلس فقد علم الله نيتك ورأى مكانك.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٣: ٢٢٠ - ٢٢٢.
ثمّ قام هشام المرادي فقال ووقع فيه.فقال له معاوية: اجلس مع صاحبك قد علم الله نيتكما ورأى مكانكما.ثمّ قال عمرو بن العاص لمحمد بن عبد الله الحميري - وكان خاصاً به، وهذا الحميري هو جد السيد المرتضى لأمّه -: تكلم ولا تقل إلاّ الحق في عليعليهالسلام .ثمّ قال: يا معاوية، قد آليت أن لا تعطي هذه البدرة، إلاّ قائل الحق في عليعليهالسلام ؟ قال معاوية: نعم، أنا نفي من صخر بن حرب، إن أعطيت هذه البدرة إلاّ مَن قال الحق في عليعليهالسلام .فقام محمد بن عبد الله فتكلم فقال:
بحق محمّد قولوا بحقٍ |
فإنّ الإفك من شِيمِ اللئامِ |
|
أبعدَ محمّد بأبي وأمّي |
رسول الله ذي الشرفِ التهامي |
|
أَليس علي أفضلَ خَلقِ ربّي |
وأشرفَ عندَ تحصيلِ |
|
الأنامِولايته هي الإيمان حقاً |
فذَرني من أباطيل الكلامِ |
|
وطاعةُ ربِّنا فيها وفيها |
شفاءٌ للقلوبِ من |
|
السقامِعلي إمامنا بأبي وأمّي |
أبو الحسن المطهّر من حرامِ |
|
إمام هدىً أتاه اللهُ علماً |
به عرفَ الحلالَ من الحرامِ |
|
ولو أنّي قتلتُ النفسَ حباً |
له ما كان فيها من أثامِ |
|
يحلّ النارَ قومٌ أبغضوه |
وإن صلّوا وصاموا ألفَ عام |
|
ولا واللهِ لا تزكوا صلاةٌ |
بغير ولايةِ العدلِ الإمامِ |
|
أمير المؤمنينَ بكَ اعتمادي |
وبالغُر الميامينَ اعتصامي |
فهذا القول لي دين وهذا |
إلى لُقياك يا ربّي كلام |
|
يبَرأتُ من الذي عادى عل |
ياً وحاربه من أولادِ الطغامِ |
|
تَناسوا نصبَه في يوم خمٍ |
من الباري ومن خيرِ الأنامِب |
|
رغمِ الأنفِ مَن يشنأ كلامي |
عليٌ فضلُه كالبحرِ طامي |
|
وأبرأ من أناسٍ أخّروه |
وكان هو المقدّم بالمقامِ |
|
عليٌ هزمَ الأبطالَ لمّا |
رأوا في كفهِ برقَ الحُسامِ |
فقال معاوية: أنت أصدقهم قولاً فخذ البدرة(١) .
أقول: الأبيات الخمس الأخيرة، قد حذفت من كتاب فرائد السمطين، الذي طبع في الآونة الأخيرة، وهي موجودة في النسخة الخطية، التي اعتمدها العلاّمة الأميني في غديره، والقصيدة بكاملها ١٧ بيتاً، نقلها الجويني من الخصائص العلوية على سائر البرية للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد النطنزي.
أخرج العلاّمة المحدّث البيهقي وقال: قال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم: أخبروني بخير الناس، أباً وأُمّاً، وعماً وعمةً، وخالاً وخالةً، وجداً وجدةً، فقام مالك بن عجلان فأومأ إلى الحسنعليهالسلام فقال: ها هو ذا، أبوه علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأمّه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعمه جعفر الطيّار في الجنات، وعمته أمّ هانئ بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وخالته زينب بنت
____________________
(١) فرائد السمطين ١: ٣٧٥ باب ( ٦٨ ) ح ٣٠٥، الغدير ٢: ١٧٧، بحار الأنوار ٣٣: ٢٥٨ ح ٥٣١، بشارة المصطفى: ١١ وقد زيد فيه بيتاً آخر، وهو:
على آلِ الرسولِ صلاةُ |
ربّي صلاة بالكمالِ وبالتمامِ |
رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجده رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجدته خديجة بنت خويلدعليهاالسلام .فسكت القوم، ونهض الحسنعليهالسلام ، فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال: حب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل ؟ فقال ابن عجلان: ما قلت إلاّ حقاً، وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق، إلا لم يعطَ أمنيته في دنياه، وخُتم له بالشقاء في آخرته، بنو هاشم أنضركم عوداً، وأوراكم زنداً، أليس كذلك، يا معاوية ؟ قال - معاوية -: نعم(١) .
وأخرج ابن عساكر الدمشقي في تاريخه حديثاً قريباً لهذا الحديث(٢) .
وروى العلاّمة ابن عبد ربّه الأندلسي حديثاً آخر، ولعلّه غير المذكور آنفاً قال فيه: سأل معاوية يوماً جلساءه: مَن أكرم الناس، أباً وأُمّاً، وجداً وجدةً، وعماً وعمةً، وخالاً وخالةً ؟ فقالوا: أنت أعلم.فأخذ - معاوية - بيد الحسن بن عليعليهالسلام وقال: هذا !! أبوه علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأُمّه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجده رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجدته خديجة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعمه جعفر، وعمته هالة بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وخالته زينب بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٣) .
أقول: هذا الحديث وإن كان يتعلّق بذكر الإمام الحسنعليهالسلام ، ولكن لمّا كان فيه
____________________
(١) المحاسن والمساوئ: ٨٢ - ٨٣.
(٢) تاريخ مدينة دمشق ١٣: ٢٤٠، ترجمة الإمام عليعليهالسلام لابن عساكر ٣: ١٢١ في الهامش، ترجمة الإمام الحسنعليهالسلام لابن عساكر: ١٣٨ ح ٢٢٩.
(٣) العقد الفريد ٥: ٨٧.
روى السيد الشريف الرضي في نهج البلاغة، وغيره من أعلام الحديث وأرباب السير والتاريخ في مؤلّفاتهم: أنّ ضرار بن حمزة - أو ضمرة وهو من أصحاب الإمام عليعليهالسلام وشيعته - دخل ذات يوم على معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك بعد شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام .فقال معاوية لضرار بن ضمرة: صِف لي علياً ؟
فقال ضرار: أَوَ تعفيني ؟
قال: بلْ صِفه.
قال: أَوَ تعفيني ؟قال: لا أعفيك.
فبدأ ضرار بذكر فضائل الإمام وخُلقه وأدبه.ثمّ قال: وأشهد باللهِ لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سُدوله وغارت نجومه، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يَتململُ تململَ السليم، ويبكي بكاءَ الحزين، وكأنّي أسمعه وهو يقول: ( يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ، أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ، لا حَانَ حِينُكِ، هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي، لا حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لا رَجْعَةَ فِيهَا، فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ، آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ )(١) .فذرفت دموع معاوية حتى خرّت على لحيته، فما يملكها وهو ينشّفها بكمه ،
____________________
(١) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: ٤٨٠ قصار الحكم ( ٧٧ ).
وقد اختنق القوم بالبكاء، ثمّ قال معاوية: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟قال: حزن من ذُبح وَلدُها في حجرها، فلا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها(١) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر، بإسناده عن أبي إسحاق قال: قَدم ابن أجور التميمي إلى معاوية بن أبي سفيان، وقال: يا أمير المؤمنين، جئتك من عند ألأم الناس، وأبخل الناس، وأعيى الناس، وأجبن الناس - يقصد بذلك عليعليهالسلام -.فقال له معاوية: ويلك وأنّى أتاه اللؤم ؟ ولكنّا نتحدث أن لو كان لعليعليهالسلام بيت من تبن وآخر من تبر، لأنفد التبر قبل بيت التبن.
وأنّى له العي ؟ وإن كنّا نتحدث أنّه ما جرت المواسي على رأس رجل من قريش أفصح من عليعليهالسلام .
ويلك وأنّى أتاه الجبن ؟ وما برز له رجل قط إلاّ صرعه، والله يا بن أجور لولا الحرب خدعة لضربت عنقك، اخرج فلا تُقيمَنّ في بلدي(٢) .
____________________
(١) مروج الذهب ٣: ١٦، الاستيعاب ٣: ١١٠٧ ترجمة الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام رقم ١٨٥٥، الفتوحات الإسلامية ٢: ٤٥٣ - ٤٥٨، ربيع الأبرار ١: ٩٧، شرح نهج البلاغة ١٨: ٢٢٤ - ٢٢٦، صفة الصفوة ١: ٣١٥، الرياض النضرة ٣: ١٨٧، حلية الأولياء ١: ٨٤ - ٨٥، ذخائر العقبى: ١٠٠، الصواعق المحرقة: ١٣١ - ١٣٢، الإتحاف بحب الأشراف: ٢٥، المستطرف للأبشيهي ١: ١٣٧، نظر درر السمطين: ١٣٤ - ١٣٥، الأمالي للصدوق: ٧٢٤ ح ٩٩٠، كنز الفوائد ٢: ١٦٠.
(٢) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤١٤ ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، شرح نهج البلاغة ١: ٢٤ - ٢٥ و ٦: ٢٧٩.
أخرج العلاّمة ابن أبي الحديد: لمّا قال محفن بن أبي محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيى الناس، والظاهر أنّ معاوية سأله: من أين أتيت ؟ قال ذلك في جوابه - ويقصد بأعيى الناس الإمام عليعليهالسلام -: قال له معاوية: ويحك !! كيف يكون أعيى الناس ؟! يا بن اللخناء، العلي تقول هذا ؟! فوالله، ما سنّ الفصاحة لقريش غيره، وقال لمحفن بن أبي محفن - لمّا قال له: جئتك من عند أبخل الناس -: ويحك ! كيف تقول إنّه أبخل الناس ؟! لو ملك بيتاً من تبر وبيتاً من تبن لأنفد تبره قبل تبنه(١) .
وقال ابن قتيبة: ذكروا أنّ عبد الله بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب.
فقال معاوية: لله أنت !! أتدري ما قلت ؟.
أمّا قولك ( الغبي )، فوالله، لو أنّ أَلسن الناس جُمعت فجعلت لساناً واحداً لكفاها لسان عليعليهالسلام .وأَمّا قولك ( إنّه جبان ): ثكلتك أمّك هل رأيت أحداً قط بارزه إلاّ قتله ؟وأمّا قولك ( إنّه بخيل )، فوالله، لو كان له بيتان، أحدهما من تبر والآخر من تبن لأنفد تبره قبل تبنه.فقال ابن أبي محجن الثقفي: فعَلامَ تقاتله إذاً ؟
قال: على دم عثمان، وعلى هذا الخاتم الذي مّن جعله في يده جادت طينته
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١: ٢٢.
وأطعم عياله، وادّخر لأهله.
فضحك الثقفي ثمّ لحق بعليعليهالسلام (١) .
أخرج العلاّمة الحافظ ابن عساكر بسنده عن جابر قال: كنّا عند معاوية فذكر عليعليهالسلام فأحسن ذكره، وذكر أبيه وأمّه ثمّ قال: وكيف لا أقول هذا لهم وهم خيار خلق الله وعترة نبيه، أخيار أبنا أخيار، ( وفي النسخة الخطية ) وعنده بنيه أخيار أبناء أخيار(٢) .
روى العلاّمة السروي: كتب ملك الروم إلى معاوية يسأله عن خصال، فكان فيما سأله: أخبرني عن لا شيء، فتحيّر معاوية وعجز عن الجواب، وكان آنذاك في صفين، فقال عمرو بن العاص: وجّه فرساً إلى معسكر عليعليهالسلام ليباع - أي يبيع الفرس - فإذا قيل للذي هو معه بكم ؟ يقول: بلا شيء، فعسى أن تخرج المسألة.فجاء الرجل - المرسَل بالمسألة - إلى عسكر عليعليهالسلام ، إذ مرّ به عليعليهالسلام ومعه قنبر فقال: ( يا قنبر، ساومه.فقال قنبر: بكم الفرس ؟ قال: بلا شيء.قال عليعليهالسلام : يا قنبر، خذ منه.
____________________
(١) الإمامة والسياسة: ١٠١، محاضرات الأدباء ٢: ٣٨٧.
(٢) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤١٥ ترجمة الإمام عليعليهالسلام .
قال الرجل: أعطني لا شيء.فأخرجه إلى الصحراء وأراه السراب، فقالعليهالسلام : ذلك لا شيء، ثمّ قالعليهالسلام : اذهب فخبّره، قال الرجل: وكيف ؟ قالعليهالسلام : أَما سمعت بقول الله تعالى:( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) (١) (٢) .
أخرج العلاّمة الحافظ المتقي الهندي، بإسناده عن أبي الوضين قال: إنّ رجلاً تزوّج إلى رجل من أهل الشام ابنةً له ابنة مهيرة، فزوّجه وزّف إليه ابنةً له أخرى بنت فتاة، فسألها الرجل بعد ما دخل بها: ابنة مَن أنت ؟ فقالت: ابنة فلانة تعني الفتاة، فقال: إنّما تزوجت إلى أبيك ابنة المهيرة.فارتفعوا إلى معاوية بن أبي سفيان فقال: امرأة بامرأة، وسأل مَن حوله من أهل الشام.فقالوا: امرأة بامرأة.فقال الرجل لمعاوية: ارفعنا إلى علي بن أبي طالب، فقال: اذهبوا إليه، فأتوا علياً، فرفع عليعليهالسلام شيئاً من الأرض وقال: ( القضاء في هذا أيسر من هذا، لهذه ما سقتَ إليها بما استحللتَ من فرجها، وعلى أبيها أن يجهّز الأخرى بما سقتَ إلى هذه، ولا تقربها حتى تنقضي عدة هذه الأخرى )، قال أبو الوضين: وأحسب أنّهعليهالسلام جلد أباها أو أراد أن يجلده(٣) .
____________________
(١) النور: ٣٩.
(٢) مناقب ابن شهر آشوب السروي ٢: ٣٨٢.
(٣) كنز العمال ٥: ٨٣٦ ح ١٤٥١٣ خرّجه عن ابن أبي شيبة، المناقب للسروي ٢: ٣٧٦.
أخرج الإمام مالك والشافعي، وسعيد بن منصور بن شعبة المروزي، وعبد الرزاق والبيهقي، بإسنادهم جميعاً عن سعيد بن المسيب قال: إنّ رجلاً من أهل الشام يقال له ابن خيبري، وجدَ مع امرأته رجلاً فقتله أو قتلهما معاً، فأشكل على معاوية بن أبي سفيان القضاء فيه، فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي بن أبي طالبعليهالسلام عن ذلك، فسأل أبو موسى عن ذلك علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال له عليعليهالسلام : ( إنّ هذا الشيء ما هو بأرضي، عزمت عليك لتُخبرني، فقال له أبو موسى: كتب إليّ معاوية بن أبي سفيان أن أسألك عن ذلك، فقال عليعليهالسلام : أنا أبو الحسن القَرم(١) ، إن لم يأتِ بأربعة شهداء فليعط برمته )(٢) .
قال ابن شهر آشوب: إن كان الزاني مُحصناً فلا شيء على قاتله؛ لأنّه قتل مَن يجب عليه القتل(٣) .
بعث جواسيس معاوية إليه نبأ انتصاب مالك الأشتر والياً على مصر من قبل
____________________
(١) القَرم: قال ابن الأثير في النهاية ٤: ٤٩ مادة قرم: القَرم أي المقدّم في الرأي.
(٢) الموطأ ٢: ٧٣٨ كتاب الأقضية باب ( ١٩ ) باب القضاء فيمَن وَجد مع امرأته رجلاً ح ١٨، مسند الشافعي ٢: ٣٦٢ - ٣٦٣، كتاب الجنائز والحدود، السُنن الكبرى ٨: ٢٣٠، وج ١٠: ١٤٧، كنز العمال ١٥: ٨٣ - ٨٤ ح ٤٠١٩٨ أخرجه عن الشافعي، وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي، تيسير الوصول ٤: ٨٦ باب من قتل زانياً بغير بيّنة ح ١، السيرة الحلبية ٣: ١٤٩.
(٣) المناقب لابن شهر آشوب ٢: ٤١.
أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام ، فبعث معاوية إلى رجل من أهل الخراج في القلزم يثق به وقال له: إنّ الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه - وقضيت عليه - لم آخذ منك خراجاً ما بقيتُ وبقيتَ، فاحتل في هلاكه ما قدرت عليه، فاحتالَ هذا القلزمي في أن تظاهر له بحب عليعليهالسلام ، وأتاه بطعام حتى إذا طعم سقاه شربة عسل قد جعل فيها سُماً، فلمّا شربها مات، فسلبوا منه كتاب أمير المؤمنين عليعليهالسلام إليه - الذي يُعد دستوراً وقانوناً، في الإدارة والحكومة والسياسة الإسلامية، المعروف بعهد مالك الأشتر - وأرسلوه إلى معاوية، فجعل معاوية ينظر فيه بدقة وتمعّن، فتعجب من احتوائه على شتى الأصول الإدارية، وشموله أرفع القيم وأتقنها، فتحيّر معجباً بما رآه في ذلك العهد، وعزم على أن يحتفظ به، فقال الوليد بن عقبة - وهو عند معاوية آنذاك وقد رأى إعجابه به -: مر بهذه الأحاديث أن تُحرق، فقال له معاوية: مه، لا رأي لك.فقال الوليد: أَفمن الرأي أن يعلم الناس أنّ أحاديث أبي تراب عندك تتعلّم منها ؟ قال معاوية: ويحك !! أتأمرني أن أحرق علماً مثل هذا ! والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم.فقال الوليد: إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعَلامَ تقاتله ؟ فقال: لولا أنّ أبا تراب قتل عثمان، ثمّ أفتانا لأخذنا عنه، ثمّ سكت هنيهة، ثمّ نظر إلى جلسائه فقال: دعوني أنظر فيه؛ لأنّي ما سمعت أحكم منه وأتقن، وفيه آداب
الحكم والقضاء والسياسة(١) .
أقول: لقد حان الأوان لشيعة آل أبي سفيان، أن يتأملوا قليلاً في اعتراف خليفتهم ورأيه، في أصول القوانين في الحكم الإسلامي، الذي كتبه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام إلى واليه على مصر مالك الأشتر، الذي كُلّف بتطبيق هذه المنشور القويم في تلك الولاية، وكذا يتدبر هؤلاء في كيفية تخطيط معاوية لقتل مالك الأشتر، حتى يعرفوا علياًعليهالسلام وخصائصه العلمية، ومؤهلاته الجامعة في أولويته على غيره في مسألة الخلافة، ويطّلعوا أكثر على جرائم معاوية، وانحرافاته الاعتقادية والعلمية.
أخرج المؤرّخ ابن عبد البر القرطبي: كان معاوية يكتب فيما ينزل به؛ ليسأل له علي بن أبي طالبعليهالسلام عن ذلك، فلمّا بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام.فقال له: دعني عنك(٢) .
قال ابن أبي الحديد: لمّا دعا الإمام عليعليهالسلام معاوية في صفين إلى المبارزة؛ ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال له عمرو: لقد أنصفك.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ٦: ٧٤ - ٧٥.
(٢) الاستيعاب ٣: ١١٠٨، الفتوحات الإسلامية ٢: ٤٥٣، فتح الملك العلي للغماري: ٤٤، الشرف المؤبّد: ٩٥.
فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلاّ اليوم !! أتأمرني بمبارزة أبي الحسن، وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرِق ؟! أراك طمعت في أمارة الشام بعدي ؟!(١) .
أخرج العلاّمة المتقي الهندي، عن الحافظ سعيد بن منصور، بإسناده عن الشعبي قال: قال أمير المؤمنين عليعليهالسلام : ( الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عمّا نزل به من أمر دينه، إنّ معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى، فكتبتُ إليه: أن ورّثه من قِبل مباله )(٢) .
أخرج العلاّمة ابن عساكر الدمشقي بطرق ثلاثة، وكذا روى غيره بطرق أخرى: أنّه لمّا جاء نعي عليعليهالسلام إلى معاوية، استرجع، وكان قائلاً مع امرأته فاختة بنت قرظة نصف النهار في يوم صائف، فقعد باكياً وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم ؟ فقالت له امرأته: تسترجع عليه اليوم وتبكي، وأنت تطعن عليه بالأمس ! فقال: ويحكِ، لا تدرين ما ذهب من علمه وفضله وسوابقه ؟ وما فقد الناس من حلمه وعلمه(٣) .
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١: ٢٠ و ٥: ٢١٧، محاضرات الأدباء للجاحظ ١: ١٣١.
(٢) كنز العمال ١١: ٨٣ ح ٣٠٧٠١.
(٣) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٥٨٣، المناقب للخوارزمي: ٣٩١ فصل ( ٢٦ ) ح ٤٠٨، فرائد السمطين ١: ٣٧٢ - ٣٧٣ باب ( ٦٨ ) ح ٣٠٣ - ٣٠٤، نظم درر السمطين: ١٣٤.
وقال المحمودي معلّقاً على هذه الرواية: وغير خفي على ذوي الدراية والفَطانة، أنّ ما تضمّنه الحديث وما بسياقه مخالف لجِبلة معاوية، مباين لِما كان استقر عليه عمل ابن هند من محادّة أولياء الله، وسعيه في استئصالهم بكل حيلة ومكر وغدر.نعم الملائم لسيرة
روى العلاّمة الزمخشري: سأل معاوية عقيلاً عن قصة الحديدة المحماة.فبكى عقيل وقال: أنا أحدّثك - يا معاوية - عنه، ثمّ أحدّثك عمّا سألت، نزل بالحسينعليهالسلام ابنه ضيف فاستسلف درهماً اشترى به خبزاً، واحتاج إلى الإدام، فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقاً من زقاق العسل، جاءتهم من اليمن، فأخذ منه رطلاً، فلمّا طلبها عليعليهالسلام ليقسّمها قال: ( يا قنبر، أظن أنّه حدث بهذا الزق حدث، فأخبره، فغضبعليهالسلام وقال: عليّ بالحسين، فرفع عليه الدرة.فقال الحسينعليهالسلام : بحق عمي جعفر - وكان عليعليهالسلام إذا سئل بحق جعفر سكن - فقال له: فداك أبوك، وإن كان لك فيه حق، فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم ! أَما لولا أنّي رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقبّل ثنيتك لأوجعتك ضرباً.
____________________
معاوية وما انعقد عليه ضميره، هو ما ذكره الخوئي في منهاج البراعة ٩: ١٢٧: ولمّا بلغ إلى معاوية نعي أمير المؤمنين فرح فرحاً شديداً وقال: إنّ الأسد الذي كان يفترش ذراعيه في الحرب قد قضى نحبه.ثمّ قال:
قلْ للأرانب ترعى أينما سرحت |
وللضباء بلا خوفٍ ولا وجلٍ |
وقال الراغب في المحاضرات عن شريك: والله لقد أتاه قتل أمير المؤمنين، وكان متكئاً فاستوى جالساً ثمّ قال: يا جارية، غنيني فاليوم قرّت عيني ! فأنشأت تقول:
أَلا أبلغ معاويةَ بن حربٍ |
فلا قرّت عيونُ الشامتينا |
|
أفي شهرِ الصيامِ فجعتمونا |
بخيرِ الناس طُراً أجمعينا |
|
قتلتم خيرَ مَن ركب المطايا |
وأفضلهم ومَن ركب السفينا |
( المعرّب )
ثمّ دفع إلى قنبر درهماً كان مصروراً في ردائه وقال: ( اشترِ به خير عسل تقدر عليه.قال عقيل: والله لكأنّي أنظر إلى يدي عليعليهالسلام وهي على فم الزق، وقنبر يقلب العسل فيه، ثمّ شدّه وجعل يبكي ويقول: اللهم اغفر لحسين فإنّه لم يعلم !! ).فقال معاوية: ذكرت مَن لا ينكر فضله، رحم الله أبا حسن، فلقد سبق مَن كان قبله، وأعجز مَن يأتي بعده ! هلمَّ حديث الحديدة.
قال عقيل: نعم، أقويت وأصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تند صفاته، فجمعت صبياني وجئته بهم، والبؤس والضر ظاهران عليهم.
فقالعليهالسلام : ( ائتني عشيةً لأدفع إليك شيئاً، فجئته يقودني أحد وُلدي، فأمره بالتنحّي، ثمّ قال: أَلا فدونك، فأهويت - حريصاً قد غلبني الجشع - أظنها صرةً، فوضعت يدي على حديدة تلتهب، فلمّا قبضتها نبذتها، وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره.
فقالعليهالسلام : ثكلتك أمّك ! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبهِ - بنار هذه الدنيا - وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ! أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ؟
ثمّ قرأ:( إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ) (١) .
ثم قال: ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلاّ ما ترى، فانصرف إلى أهلك).فجعل معاوية يتعجب من هذه الحكاية ويقول: هيهات هيهات !!! عقمت الأمّهات أن يلدنَ مثله(٢) .
____________________
(١) غافر: ٧١.
(٢) شرح نهج البلاغة ١١: ٢٥٣ - ٢٥٤، ربيع الأبرار ٣: ٨٠ باب ٥٢.
الإمام عليعليهالسلام في رأي عمر بن عبد العزيز
روى العلاّمة الحافظ ابن عساكر الدمشقي، بسنده عن عمر بن عبد العزيز - الخليفة الأموي وحفيد مروان بن الحكم - عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعليعليهالسلام : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى )(١) .
أخرج العلاّمة الخطيب الخوارزمي، بسنده عن الحافظ ابن مردويه قال: لمّا بلغ عمر بن عبد العزيز أنّ قوماً تنقّصوا علي بن أبي طالبعليهالسلام صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبيصلىاللهعليهوآله ، وذكر علياًعليهالسلام وفضله وسابقته ثمّ قال: حدثني عراك بن مالك الغفاري، عن أمّ سلمة قالت: بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله عندي إذ أتاه جبرئيل فناداه، فتبسّم رسول الله ضاحكاً، فلمّا سرى عنه قلت: بأبي أنت وأمّي - يا رسول الله - ما أضحكك ؟ فقال: ( أخبرني جبرئيل، أنّه مرّ بعلي وهو يرعى ذوداً له، وهو نائم قد أبدى بعض جسده قال: فرددت عليه ثوبه، فوجدت برد إيمانه قد وصل إلى قلبي )(٢) .
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٧: ١٤٥.
(٢) المناقب للخوارزمي: ١٢٩ - ١٣٠ ح ١٤٤.
أخرج العلاّمة ابن أبي الحديد عن أبي غسان النهدي، قال: قال عمر بن عبد العزيز: كان أبي يخطب فلا يزال مستمراً في خطبته، حتى إذا صار إلى ذكر عليعليهالسلام وسبه تقطّع لسانه، واصفرّ وجهه، وتغيّرت حاله، فقلت له في ذلك.فقال: أَوَ قد فطنت لذلك ؟ إنّ هؤلاء لو يعلمون من عليعليهالسلام ما يعلمه أبوك، ما تبعنا منهم رجل(١) .
أخرج العلاّمة أبو نعيم الأصفهاني، وغيره من الحفّاظ والمؤرّخين، بسندهم عن يزيد بن عمر بن مورق ،قال: كنت بالشام وعمر بن عبد العزيز يعطي الناس، فتقدّمت إليهفقال لي: ممّن أنت ؟
قلت: من قريش.
قال: من أي قريش ؟
قلت: من بني هاشم.
قال: فسكت.
فقال: من أي بني هاشم ؟قلت: مولى علي.
قال: من علي ؟ فسكت.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٣: ٢٢١ رواه عن نقض العثمانية للإسكافي.
قال ابن مورق: فوضع - عمر بن عبد العزيز - يده على صدريوقال: وأنا والله مولى علي بن أبي طالبعليهالسلام .ثمّ قال: حدثني عدة أنّهم سمعوا النبيصلىاللهعليهوآله يقول: ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه).ثمّ قال: يا مزاحم، كم تعطي أمثاله ؟
قال: مِئة أو مِئتي درهم.
قال: أعطِه خمسين ديناراً.
وقال ابن أبي داود: - أعطِه - ستين ديناراً؛ لولايته علي بن أبي طالبعليهالسلام .
ثم قال: الحق ببلدك فسيأتيك مثل ما يأتي نظراءك(١) .
أخرج العلاّمة الخطيب الخوارزمي عن الحافظ ابن مردويه، بإسناده عن عمر بن عبد العزيز قال: ما علمنا أنّ أحداً كان في هذه الأمّة بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، أزهد من علي بن أبي طالبعليهالسلام (٢) .
____________________
(١) حلية الأولياء ٥: ٣٦٤، أسد الغابة: ٥: ٣٨٣ ترجمة عمر بن عبد العزيز، تاريخ مدينة دمشق ٥: ٣٢٠ رواية زريق القرشي المدني، فرائد السمطين ١: ٦٦ باب ( ١٠ ) ح ٣٢، نظم درر السمطين: ١١٢.
(٢) المناقب للخوارزمي: ١١٧ فصل ( ١٠ ) ح ١٢٨.
الإمام عليعليهالسلام في رأي بعض خلفاء بني العباس
أخرج الحافظ ابن مندة الأصفهاني، في كتاب مناقب العباس في مسانيد المأمون، قال: حدثني أمير المؤمنين الرشيد، حدثني أمير المؤمنين المهدي، حدثني أمير المؤمنين المنصور، حدثني أبي - السفاح - عن عبد الله بن العباس - حبر الأمّة - قال: قال النبيصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : ( أنت وارثي، وقالصلىاللهعليهوآله : إنّ موسى سأل الله تعالى أن يطهّر مسجده - لا يسكنه إلاّ موسى وهارون وابنا هارون - وإنّي سألت الله تعالى أن يطهّر مسجدي لك، ولذريتك من بعدك، ثمّ أرسل إلى أبي بكر: أن سدّ بابك، فاسترجع أبو بكر وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقال: فُعل هذا بغيري ؟ فقيل: لا.فقال: سمعاً وطاعةً، فسدّ بابه.ثمّ أرسل إلى عمر فقالصلىاللهعليهوآله : سدّ بابك، فاسترجع - عمر - وقال: فُعل هذا بغيري ؟ فقيل: بأبي بكر.فقال - عمر -: إنّ في أبي بكر أسوة حسنة، فسدّ بابه.ثمّ أرسلصلىاللهعليهوآله إلى رجل آخر فسدّ بابه.ولمّا خاض الناس في ذلك - بأنّه لم يأمر علياًعليهالسلام بسدّ بابه - صعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله المنبر فقال: ما أنا سددت أبوابكم، ولا أنا فتحت باب عليعليهالسلام ، ولكن الله
سدّ أبوابكم، وفتح باب عليعليهالسلام )(١) .
أقول: أخرج العلاّمة الأميني حديث سدّ الأبواب، عن ثمان وثلاثين طريقاً ومصدراً حديثياً، وغيره من مسانيد وجوامع أهل السُنة، عن أربعة عشر صحابياً وثلاث وعشرين نصاً(٢) .
ومَن يراجع كتاب إحقاق الحق للعلاّمة التستري المرعشي وملحقاته، يرى أنّ هذا الحديث قد روي في أكثر من ستين مصدراً من كتب أهل السُنة فقط(٣) .ولا يخفى أنّ هذا الحديث كاشف عن منقبة عالية وسامية لعلي بن أبي طالبعليهالسلام ، ويثبت تقدّمه وأولويته على غيره للخلافة عن النبيصلىاللهعليهوآله ، كما نرى أنّ علياًعليهالسلام ناشد عدلاءه وقرناءه، الذين قرنهم به عمر في الشورى، واحتجّعليهالسلام بهذا الحديث عليهم، ولم يردّ عليه أحد من أعضاء الشورى العمرية، أو يكذّبه في ذلك.وأخرجه أيضاً العلاّمة المجلسي في بحاره بأربعة عشر لفظاً مختلفاً، رواه عن طرق شيعية وسنية عديدة(٤) .
____________________
(١) الطرائف لابن طاووس: ٦٠ - ٦١ أخرجه عن ابن مندة، العمدة لابن يطرق: ١٧٦ ح ٢٧٣ الفصل العشرون، وفيه: العباس، أخرجه عن ابن مندة: ٢٢٦ ح ٢٨٨، غاية المرام للبحراني: ٦٤٠ أخرجه عن ابن مندة، الغدير ٣: ٢٠٥. أخرجه عن السيوطي عن النسائي، جامع الأحاديث للمسانيد والمراسيل للسيوطي ٤: ٣١٢ ح ١٢٩٦٣ وفيه: سدوا هذه الأبواب.
(٢) الغدير ٣: ٢٠٢ - ٢٠٩.
(٣) انظر إحقاق الحق ٤: ١٢٩، ٤٠٨، ٤١٠، ٤٣٣، ٤٣٥، ٥٠٢، وج ٥: ٦٠، ٧٦، ٨٧، ٤٥٠، ٤٨٦، وج ١٥: ٦٣٠، وج ١٦: ٣٣٢ - ٣٧٥، وج ١٨: ١٥، وج ٢١: ٢٤٣ - ٢٥٥.
(٤) بحار الأنوار ٣٩: ١٩ - ٣٥ كتاب تاريخ أمير المؤمنينعليهالسلام باب ( ٧٢٠ ) باب أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمر بسدّ الأبواب.إلاّ بابهعليهالسلام ح ١ - ١٤.
أخرج العلاّمة الحافظ أبو بكر أحمد بن علي المشهور بالخطيب البغدادي، وآخرون من حفّاظ أهل السُنة ومؤرّخيهم، بإسنادهم عن المأمون العباسي، عن أبيه هارون العباسي، عن أبيه المهدي العباسي:قال: دخل عليّ سفيان الثوري فقلت: حدثني بأفضل فضيلة عندك لعليعليهالسلام !.
فقال - سفيان -: حدثني سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن عليعليهالسلام قال: (قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي )(١) .
أخرج الحافظ القندوزي وغيره من الحفّاظ والمؤرّخين من السنة والشيعة حديثاً، ذكره ابن مسكويه صاحب التاريخ بحوادث الإسلام، في كتاب سمّاه نديم الفريد، أو نديم الأحباب يقول فيه: لمّا ولّى المأمون العباسي الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام ولاية العهد، بعد ما دعاه من المدينة إلى خراسان - وبايعه الإمامعليهالسلام في ذلك، بشرط أن لا يتدخّل في شؤون الحكومة، من عزل أو نصب أحد وغيره من الأمور - وضرب المأمون النقود باسم الرضاعليهالسلام ، احتجّ بنو العباس على المأمون، وكتبوا إليه كتاباً شجبوا فعله، وطلبوا منه الجواب.فكتب المأمون إليهم كتاباً شرح فيه مواقف الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ومناقبه وفضائله، وأحقيته في الخلافة عن غيره، ودوره في ديمومة الدين، ودفاعه
____________________
(١) تاريخ بغداد ٤: ٧٠ - ٧١ ترجمة أبي الحسن أحمد بن جعفر الصيدلاني رقم ١٦٩٣، موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي ١: ٣٩٧ عن طريقين ترجمة إبراهيم بن سعيد الجوهري رقم ١٦، الرياض النضرة ٣: ١١٧ عن الحافظ السلفي في النسخة البغدادية، جامع الأحاديث للسيوطي ٤: ٤١١ ح ٧٨٨٧، كنز العمال ١٣: ١٥٠ ح ٣٦٤٧٠، الروضة الندية في شرح التحفة العلوية للكحلاني اليمني: ١٠٢ عن السيوطي.
عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وملكاته النفسية وخصائصه العائلية، وكان ممّا كتب: فلم يقم مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فإنّه آزره ووقاه بنفسه، ونام في مضجعه، ثمّ لم يزل بعد متمسكاً بأطراف الثغور، وينازل الأبطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولّي عن جيش، منيع القلب، يأمر على الجميع، ولا يُؤمّر عليه أحد، أشد الناس وطأةً على المشركين، وأعظمهم جهاداً في الله، وأفقههم في دين الله، وأقرأهم لكتاب الله، وأعرفهم بالحلال والحرام، وهو صاحب الولاية في حديث خم، وصاحب قوله: ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي)(١) .
أقول: ومَن يرد الاطلاع أكثر فليراجع مصادره في الذيل.
قبل الخوض في بيان الحديث المتعلّق بهذا الموضوع، لابدّ من الإشارة إلى مسألتين ولو بالاختصار:
١ - ذكر أكثر من مِئة وواحد وثلاثين عالماً وحافظاً من علماء أهل السُنة والجماعة، أنّه أهدت إحدى النساء المسلمات طائراً مشوياً إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مع أنّ إحدى زوجاته وغلامه أنس بن مالك كانا حاضرينِ في الدار، ولكنّهصلىاللهعليهوآله دعا ربّه أن يأتيه بعلي بن أبي طالبعليهالسلام ؛ لِما كان له عند الله شأناً كبيراً، ليأكل معه ذلك الطير المشوي، أو أنّه أراد بدعائه: ( اللهم ائتني بأحب خلقك يأكل معي هذا الطعام ) أن يُري مقام الإمام عليعليهالسلام للآخرين.
____________________
(١) ينابيع المودة: ٤٨٤ باب ( ٩٢ ) باختصار، الطرائف للسيد ابن طاووس: ٢٧٥ - ٢٨٢، عبقات الأنوار ١: ١٤٧، بحار الأنوار ٤٩: ٢٠٨ - ٢١٤.
وما برح أن جاء عليعليهالسلام يسأل عن النبيصلىاللهعليهوآله ، فلم يُدخله أنس وعذره، فرجع علي ثانيةً وثالثةً، وأنس يمنعه، والنبيصلىاللهعليهوآله ما زال ينتظر دخول أحب الخلق إلى الله؛ ليأكل معه الطير، ويرى أنّ الله قد استجاب دعاءه في عليعليهالسلام (١) .
٢ - روى العلاّمة الأديب والمؤرّخ ابن عبد ربّه الأندلسي - المتوفى ٣٢٨ - وكذلك روى المحدّث الكبير الشيخ الصدوق - المتوفى ٣٨١ ه- أنّ المأمون أمر رئيس وزرائه، وقاضي القضاة يحيى بن أكثم، أن يجمع له أربعين عالماً من علماء أهل السُنة في بلاط الخلافة العباسية؛ ليناظرهم في موضوع الخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، وأحقية أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام للخلافة.
فغدا ابن أكثم والعلماء على المأمون في صبيحة الغد، وناظرهم المأمون في ذلك الموضوع محتجّاً ومستنداً، على أفضلية أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، بالآيات والأحاديث النبوية - الصحيحة التي نقلها واعترف بها أئمة الحديث عند أهل السنة - بشأن الإمام عليعليهالسلام .
وبعد الحوار والمناظرة التي دامت ساعات، واحتجّ عليهم المأمون في بيان أفضلية الإمام عليعليهالسلام وأحقيته وأولويته للخلافة، على غيره خاصةً الخليفتين الأَوّليين، أذعن جميع العلماء الأربعون بذلك، واعترفوا بعدم صحة خلافة غير عليعليهالسلام ، وأنّ خلافتهم باطلة.وإليك نص الاحتجاج نقلناه من العقد الفريد فاقرأه وتأمله(٢) .
____________________
(١) ومَن أراد زيادة الاطلاع والإلمام، بالأسانيد والمصادر الحديثية والتاريخية، لحديث الطير المشوي، فليراجع المجلدات الثمان من موسوعة عبقات الأنوار، تأليف العلاّمة مير حامد حسين اللكهنوي، ومقدمتنا المفصّلة على الطبعة التي طبعتها مؤسسة الإمام المهديعليهالسلام .
(٢) أخي القارئ، لا يخفى عليك أنّ المؤلّف العلاّمة الشيخ مهدي فقيه الإيماني حفظه الله، قد اكتفى في هذا الكتاب بنقل حديث الطائر، واحتجاج المأمون به من أصل الحوار، ولكنّنا لمّا شاهدنا أنّ هذا الحوار يكتنز في ثناياه حقائق أخرى واعترافات، ارتأينا أن ننقله برمته؛ لتكون الفائدة اشمل.
احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليعليهالسلام
إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن زيد قال:
بعث إليّ يحيى بن أكثم وإلى عدة من أصحابي، وهو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن أُحضر معي غداً - مع الفجر - أربعين رجلاً، كلهم فقيه يفقه ما يقال له ويحسن الجواب، فسمّوا مَن تظنونه يصلح لِما يطلب أمير المؤمنين.فسمّينا له عدة، وذكر هو عدة، حتى تمّ العدد الذي أراد، وكتب تسمية القوم، وأمر بالبكور في السحر، وبعث إلى مَن لم يحضر فأمره بذلك.فغدونا عليه قبل طلوع الفجر، فوجدناه قد لبس ثيابه وهو جالس ينتظرنا، فركب وركبنا معه، حتى صرنا إلى الباب، فإذا بخادم واقف، فلمّا نظر إلينا قال: يا أبا محمد، أمير المؤمنين ينتظرك، فأدخلنا، فأمرنا بالصلاة، فأخذنا فيها، فلم نستتمّها حتى خرج الرسول فقال: ادخلوا، فدخلنا، فإذا أمير المؤمنين جالس على فراشه، وعليه سواده وطيلسانه والطويلة وعمامته.فوقفنا وسلّمنا، فردّ السلام، وأمرنا بالجلوس.فلمّا استقر بنا المجلس تحدّر عن فراشه، ونزع عمامته وطيلسانه، ووضع قلنسوته، ثمّ أقبل علينا فقال: إنّما فعلت ما رأيتم لتفعلوا مثل ذلك، وأمّا الخُف فمنع من خلعه علة، مَن قد عرفها منكم فقد عرفها، ومَن لم يعرفها فسأعرّفه بها، ومدّ رجله.ثمّ قال انزعوا قلانسكم وخفافكم وطيالسكم.
قال - إسحاق -: فأمسكنا، فقال لنا يحيى: انتهوا إلى ما أمركم به أمير المؤمنين، فتعجبنا فنزعنا أخفافنا
____________________
وإنّنا قد بدأنا في بحث مستقل، في شرح وبيان هذا الخبر المأموني، والاستدراك عليه، وأرجو من العلي القدير أن ينجز لنا مقدمات طبعه؛ وذلك لِما فيه الكثير من الحقائق العلوية، التي دأب بعض المتعصبين والناصبين العداء لأمير المؤمنين عليعليهالسلام على إخفائها والتعتيم عليها.ومنه التوفيق وعليه التكلان.( المعرّب ).
وطيالسنا وقلانسنا ورجعنا، فلمّا استقر بنا المجلس قال - المأمون -: إنّما بعثت إليكم معشر القوم في المناظرة، فمَن كان به شيء من الأخبثين(١) ، لم ينتفع بنفسه ولم يفقه ما يقول: فمَن أراد منكم الخلاء فهناك، وأشار بيده، فدعونا له.ثمّ ألقى مسألة من الفقه، فقال: يا أبا محمد، قل وليقل القوم من بعدك، فأجابه يحيى، ثمّ الذي يلي يحيى، ثمّ الذي يليه، حتى أجاب آخرنا في العلة وعلة العلة، وهو مطرق لا يتكلم.حتى إذا انقطع الكلام التفت إلى يحيى فقال: يا أبا محمد، أصبت الجواب وتركت الصواب في العلة، ثمّ لم يزل يرد على كل واحد منا مقالته، ويخطّئ بعضنا ويصوّب بعضنا، حتى أتى على آخرنا.ثمّ قال: إنّي لم أبعث فيكم لهذا، ولكنّني أحببت أن أنبئكم، أنّ أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه، ودينه الذي يدين الله به.قلنا: فليفعل أمير المؤمنين وفّقه الله.
فقال: إنّ أمير المؤمنين يدين الله على أنّ علي بن أبي طالب خير خلق الله بعد رسولهصلىاللهعليهوآله ، وأولى الناس بالخلافة.
قال إسحاق: قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ فينا مَن لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في علي، وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة.
فقال - المأمون -: يا إسحاق، اختر إن شئت أن أسالك، وإن شئت أن تسأل.
قال إسحاق: فاغتنمتها منه، فقلت: بل أسألك يا أمير المؤمنين.قال: سلْ.
____________________
(١) الأخبثان: البول والغائط.وفي بعض الأصول: ( الخبيثين ).وفي ن: ( الحقنتين ).
قلت: من أين قال أمير المؤمنين إنّ علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله، وأحقهم بالخلافة بعده ؟قال: يا إسحاق، خبّرني عن الناس بِمَ يتفاضلون، حتى يقال فلان أفضل من فلان؟
قلت: بالأعمال الصالحة.
قال: صدقت.قال: فأخبرني عمّن صاحبه على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ إنّ المفضول عمل بعد وفاة رسول الله، بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله، أيلحق به ؟
قال - إسحاق -: فأطرقت.
فقال لي: يا إسحاق، لا تقل نعم، فإنّك إن قلت نعم، أوجدتك في دهرنا هذا، مَن هو أكثر منه جهاداً وحجاً وصياماً وصلاةً وصدقةً.
قلت: أجل يا أمير المؤمنين، لا يلحق المفضول على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله الفاضل أبداً.
قال: يا إسحاق، فانظر ما رواه لك أصحابك، ومَن أخذت عنهم دينك، وجعلتهم قدوتك، من فضائل علي بن أبي طالب.فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل علي فقل إنّه أفضل منه، لا والله، ولكن قس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر وعمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعلي وحده فقل إنّهما أفضل منه، لا والله، ولكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، فإن وجدتها مثل فضائل علي فقل إنّهم أفضل منه، لا والله، ولكن قس إلى فضائله العشرة - الذين شهد لهم رسول الله (صلىاللهعليهوآله بالجنة) - فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنّهم أفضل منه.
ثمّ قال: يا إسحاق، أي الأعمال كانت أفضل يوم بعث الله رسوله ؟
قلت: الإخلاص بالشهادة.
قال: أليس السبق إلى الإسلام ؟قلت: نعم.
قال: اقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (١) إنّما عنى مَن سبق إلى الإسلام، فهل علمت أحداً سبق علياً إلى الإسلام ؟قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ علياً أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم.
قال: أخبرني أيّهما أسلم قبل ؟ ثمّ أناظرك من بعده في الحداثة والكمال.
قلت: علي أسلم قبل أبي بكر على هذا الشريطة.
فقال: نعم، فأخبرني عن إسلام علي حين أسلم لا يخلو من، أن يكون رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعاه إلى الإسلام، أو يكون إلهاماً من الله ؟
قال - إسحاق -: فأطرقت.
فقال لي: يا إسحاق، لا تقل إلهاماً فتقدّمه على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يعرف الإسلام، حتى أتاه جبريل عن الله تعالى.
قلت: أجل، بل دعاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى الإسلام.قال: يا إسحاق، فهل يخلو رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين دعاه إلى الإسلام، من أن يكون دعاه بأمر الله، أو تكلّف ذلك من نفسه ؟
قال - إسحاق -: فأطرقت.
فقال: يا إسحاق، لا تنسب رسول الله إلى التكلّف، فإنّ الله يقول:( وَمَا أَنَا
____________________
(١) الواقعة: ١٠.
مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) (١) .قلت: أجل يا أمير المؤمنين، بل دعاه بأمر الله.
قال: فهل من صفة الجبّار جلّ ذكره أن يكلّف رُسله دعاء مَن لا يجوز عليه حكم ؟
قلت: أعوذ بالله !فقال: أفتراه في قياس قولك - يا إسحاق - إنّ علياً أسلم صبياً لا يجوز عليه الحكم، وقد كلّف رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعاء الصبيان إلى ما لا يطيقونه، فهو يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة، فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء، ولا يجوز عليهم حكم الرسولصلىاللهعليهوآله ، أترى هذا جائزاً عندك أن تنسبه إلى الله عزّ وجلّ(٢) ؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: يا إسحاق، فأراك إنّما قصدت لفضيلة فضّل بها رسول اللهصلىاللهعليهوآله علياً على هذا الخلق، أبانه بها منهم؛ ليُعرف(٣) مكانه وفضله، ولو كان الله تبارك وتعالى أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا علياً ؟قلت: بلى.
قال: فهل بلغك أنّ الرسولصلىاللهعليهوآله دعا أحداً من الصبيان من أهله وقرابته؛ لئلا تقول إنّ علياً ابن عمه ؟ قلت: لا أعلم، ولا أدري فعل أو لم يفعل.
قال: يا إسحاق، أرأيت ما لم تدرِه ولم تعلمه هل تسأل عنه ؟
____________________
(١) ص: ٨٦.
(٢) والذي في سائر النسخ: ( رسول اللهصلىاللهعليهوآله ).
(٣) في بعض النسخ: ( ليعرفوا فضله ).
قلت: لا.
قال: فدع ما قد وضعه الله عنا وعنك.ثمّ قال: أي الأعمال كانت أفضل بعد السبق إلى الإسلام ؟
قلت: الجهاد في سبيل الله.
قال صدقت، فهل تجد لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما تجد لعلي في الجهاد ؟قلت: في أي وقت ؟قال: في أي الأوقات شئت ؟قلت: بدر.
قال: لا أريد غيرها، فهل تجد لأحد إلاّ دون ما تجد لعلي يوم بدر، أخبرني كم قتلى بدر ؟قلت: نيّف وستون رجلاً من المشركين.
قال: فكم قتل علي وحده ؟قلت: لا أدري.
قال: ثلاثة وعشرين أو اثنين وعشرين، والأربعون لسائر الناس.قلت: يا أمير المؤمنين، كان أبو بكر مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عريشه.
قال: يصنع ماذا ؟
قلت: يدبّر.قال: ويحك ! يدبّر دون رسول الله، أو معه شريكاً، أم افتقاراً من رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى رأيه ؟ أي الثلاث أحب إليك ؟قلت: أعوذ بالله أن يدبّر أبو بكر دون رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أو أن يكون معه شريكاً، أو أن يكون برسول اللهصلىاللهعليهوآله افتقار إلى رأيه.
قال: فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك ؟ أليس مَن ضرب بسيفه بين يدي رسول الله أفضل ممّن هو جالس ؟قلت: يا أمير المؤمنين، كل الجيش كان مجاهداً.
قال: صدقت، كلٌّ مجاهد، ولكن الضارب بالسيف المحامي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعن الجالس أفضل من الجالس، أَما قرأت في كتاب الله:( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) (١) .قلت: وكان أبو بكر وعمر مجاهدينِ.
قال: فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على مَن لم يشهد ذلك المشهد ؟قلت: نعم.
قال: فكذلك سبق الباذل نفسه فضل أبي بكر وعمر.قلت: أجل.
قال: يا إسحاق، هل تقرأ القرآن ؟
قلت: نعم.قال: اقرأ عليّ:( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) (٢) .فقرأت منها حتى بلغت:( يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ) إلى قوله:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) (٣) .قال: على رسلك، فيمَن أُنزلت هذه الآيات ؟
____________________
(١) النساء: ٩٥.
(٢) الإنسان: ١.
(٣) الإنسان: ٥ - ٨.
قلت: في علي.
قال: فهل بلغك أنّ علياً حين أطعم المسكين واليتيم والأسير.قال: إنّما نطعمكم لوجه الله ؟
قلت: أجل.
قال: وهل سمعت الله وصف في كتابه أحداً بمثل ما وصف به علياً ؟قلت: لا.
قال: صدقت؛ لأنّ الله جلّ ثناؤه عرف سيرته.يا إسحاق، ألست تشهد أنّ العشرة في الجنة ؟قلت: بلى، يا أمير المؤمنين.
قال: أرأيت لو أنّ رجلاً قال: والله ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا، ولا أدري إن كان رسول الله قاله أم لم يقله، أكان عندك كافراً ؟قلت: أعوذ بالله.
قال: أرأيت لو أنّه قال: ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا، أكان كافراً ؟
قلت: نعم.قال: يا إسحاق، أرى بينهما فرقاً، يا إسحاق، أتروي الحديث ؟قلت: نعم.
قال: فهل تعرف حديث الطير ؟قلت: نعم.
قال: فحدّثني به.
قال - اسحاق -: فحدّثته الحديث.
فقال: يا إسحاق، إنّي كنت أكلمك وأنا أظنك غير معاند للحق، فأمّا الآن فقد
بان لي عنادك، إنّك توافق أنّ هذا الحديث صحيح ؟قلت: نعم، رواه مَن لا يمكنني ردّه.قال: أفرأيت أنّ مَن أيقن أنّ هذا الحديث صحيح، ثمّ زعم أنّ أحداً أفضل من علي، لا يخلو من إحدى ثلاثة:
١ - من أن تكون دعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآله عنده مردودة عليه.
٢ - أو أن يقول: إنّ الله عزّ وجلّ عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحب إليه.
٣ - أو أن يقال: إنّ الله عزّ وجلّ لم يعرف الفاضل من المفضول.
فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول ؟قال - اسحاق -: فأطرقت.
ثمّ قال: يا إسحاق، لا تقل منها شيئاً، فإنّك إن قلت منها شيئاً استتبتك، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله.
قلت: لا أعلم، وإنّ لأبي بكر فضلاً.قال: أجل، لولا أنّ له فضلاً لَما قيل إنّ علياً أفضل منه، فما فضله الذي قصدت إليه الساعة ؟قلت: قول الله عزّ وجلّ:( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (١) ، فنسبه إلى صحبته.
قال: يا إسحاق، أَما إنّي لا أحملك على الوعر من طريقك، إنّي وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة مَن رضيه، ورضي عنه كافراً، وهو قوله:( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي
____________________
(١) التوبة: ٤٠.
وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ) (١) .
قلت: إنّ ذلك صاحب كان كافراً، وأبو بكر مؤمن.
قال: فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة مَن رضيه كافراً، جاز أن ينسب إلى صحبة نبيّه مؤمناً، وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث.قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ قدر الآية عظيم، إنّ الله يقول:( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) .
قال: يا إسحاق، تأبى الآن إلاّ أن أخرجك إلى الاستقصاء عليك، أخبرني عن حزن أبي بكر، أكان رضاً أم سخطاً ؟قلت: إنّ أبا بكر إنّما حزن من؛ أجل رسول اللهصلىاللهعليهوآله خوفاً عليه، وغماً أن يصل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله شيء من المكروه.
قال: ليس هذا جوابي، إنّما كان جوابي أن تقول: رضا أم سخط ؟قلت: بل رضا لله.قال: فكان الله جلّ ذكره بعث إلينا رسولاً ينهى عن رضا الله عزّ وجلّ وعن طاعته.قلت: أعوذ بالله.
قال: أَوَ ليس قد زعمت أنّ حزن أبي بكررضياللهعنه رضا الله ؟قلت: بلى.
قال: أَوَ لم تجد أنّ القرآن يشهد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال له:( لا تَحْزَنْ ) نهياً له عن الحزن.
قلت: أعوذ بالله.
____________________
(١) الكهف: ٣٧ - ٣٨.
قال: يا إسحاق، إنّ مذهبي الرفق بك، لعلّ الله يردك إلى الحق، ويعدل بك عن الباطل لكثرة ما تستعيذ به.
وحدثني عن قول الله:( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) مَن عنى بذلك رسول الله أم أبا بكر ؟
قلت: بل رسول الله.قال: صدقت.
قال: فحدثني عن قول الله عزّ وجلّ:( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) إلى قوله:( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) أتعلم من المؤمنون الذين أراد الله في هذا الموضع ؟قلت: لا أدري، يا أمير المؤمنين.
قال: الناس جميعاً انهزموا يوم حنين، فلم يبقَ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ سبعة نفر من بني هاشم: علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله، والخمسة محدِقون به خوفاً من أن يناله من جراح القوم شيء، حتى أعطى الله لرسوله الظفر، فالمؤمنون في هذا الموضع علي خاصة، ثمّ مَن حضره من بني هاشم.قال: فمَن أفضل: مَن كان مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ذلك الوقت، أم مَن انهزم عنه ولم يرَه الله موضعاً لينزلها عليه ؟قلت: بل مَن أُنزلت عليه السكينة ؟قال: يا إسحاق، مَن أفضل: مَن كان معه في الغار أم مَن نام على فراشه ووقاه بنفسه، حتى تمّ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ما أراد من الهجرة ؟ إنّ الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر علياً بالنوم على فراشه، وأن يقي رسول اللهصلىاللهعليهوآله بنفسه، فأمره رسول اللهصلىاللهعليهوآله بذلك، فبكى عليرضياللهعنه ، فقال له رسول الله: ( ما يبكيك يا علي أَجزعاً من الموت ؟ )
قال - عليعليهالسلام -: لا والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ولكن خوفاً عليك، أَفتسلم يا رسول الله ؟ قال: نعم.قال: سمعاً وطاعةً وطيبة نفسي بالفداء لك يا رسول الله، ثمّ أتى مضجعه واضطجع، وتسجّى بثوبه.وجاء المشركون من قريش فحفّوا به، لا يشكون أنّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل ضربةً بالسيف؛ لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطناً بدمه، وعلي يسمع ما القوم فيه من تلف نفسه، ولم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار، ولم يزل علي صابراً محتسباً.فبعث الله ملائكته فمنعته من مشركي قريش حتى أصبح، فلمّا أصبح قام، فنظر القوم إليه فقالوا: أين محمد ؟ قال: وما علمي بمحمد أين هو ؟ قالوا: فلا نراك إلاّ كنت مغرّراً بنفسك منذ ليلتنا، فلم يزل علي أفضل ما بدأ به يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله إليه.يا إسحاق: هل تروي حديث الولاية ؟قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.قال: أروِه.قال - إسحاق -: ففعلت.قال: يا إسحاق، أرأيت هذا الحديث، هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه ؟قلت: إنّ الناس ذكروا، أنّ الحديث إنّما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين علي، وأنكر ولاء علي، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه ).
قال: وفي أي موضع قال هذا ؟ أليس بعد منصرفه من حجة الوداع ؟
قلت: أجل.
قال: فإنّ قتل زيد بن حارثة قبل الغدير(١) ، كيف رضيت لنفسك بهذا ؟ أخبرني لو رأيت ابناً لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي أيّها الناس، فاعلموا ذلك.أكنت منكراً عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون ؟
فقلت: اللهم نعم.قال: يا إسحاق، أفتنزّه ابنك عمّا لا تنزّه عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ ويحكم !- يا إسحاق -: لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم، إنّ الله جلّ ذكره قال في كتابه:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (٢) ، ولم يصلّوا لهم ولا صاموا، ولا زعموا أنّهم أرباب، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم.
يا إسحاق، أتروي حديث: ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ) ؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قد سمعته وسمعت مَن صحّحه وجحده.قال: فمَن أوثق عندك: مَن سمعت منه فصحّحه، أو مَن جحده ؟قلت: مَن صحّحه.
قال: فهل يمكن أن يكون الرسولصلىاللهعليهوآله مزح بهذا القول ؟قلت: أعوذ بالله.قال: فقال قولاً لا معنى له، فلا يوقف عليه ؟قلت: أعوذ بالله.
____________________
(١) يريد: غدير خم، وهو بين مكة والمدينة، وبينه وبين الجُحفة ميلان، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة، وكان مقتل زيد بن حارثة في غزوة مؤتة في السنة السابعة من الهجرة.
(٢) التوبة: ٣١.
قال: أَفلا تعلم أنّ هارون كان أخا موسى لأبيه وأمّه ؟قلت: بلى.
قال: فعليّ أخو رسول الله لأبيه وأمّه ؟
قلت: لا.
قال: أَوَ ليس هارون كان نبياً وعلي غير نبي ؟قلت: بلى.
قال: فهذان الحالان معدومان في علي، وقد كانا في هارون.يا إسحاق، فما معنى قوله: ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ) ؟قلت له: إنّما أراد أن يطيّب بذلك نفس علي لمّا قال المنافقون إنّه خلّفه استثقالاً له.
قال: فأراد أن يطيّب نفسه بقول لا معنى له ؟قال إسحاق: فأطرقت.
قال: يا إسحاق، له معنى في كتاب الله بيّن.
قلت: وما هو يا أمير المؤمنين ؟
قال: قوله عزّ وجلّ حكايةً عن موسى إنّه قال لأخيه هارون:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) .
قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ موسىعليهالسلام خلّف هارونعليهالسلام في قومه وهو حي، ومضى إلى ربّه، وإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خلّف علياً كذلك حين خرج إلى غزاته.قال: كلا ليس كما قلت.أخبرني عن موسى حين خلّف هارونعليهالسلام ، هل
____________________
(١) الأعراف: ١٤٢.
كان معه حين ذهب إلى ربّه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل ؟قلت: لا.
قال: أَوَ ليس استخلفه على جماعتهم ؟قلت: نعم.
قال: فأخبرني عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين خرج إلى غزاته، هل خلّف إلاّ الضعفاء والنساء، والصبيان ؟ فأنّى يكون مثل ذلك ؟ وله عندي تأويل آخر من كتاب الله، يدل على استخلافه إيّاه لا يقدر أحد أن يحتج فيه، ولا أعلم أحداً احتج به، وأرجو أن يكون توفيقاً من الله.قلت: وما هو يا أمير المؤمنين ؟
قال: قوله عزّ وجلّ حين حكى عن موسىعليهالسلام قوله:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ) (١) : فأنت مني يا علي بمنزلة هارون من موسى، وزيري من أهلي، وأخي أشد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبح الله كثيراً، ونذكره كثيراً، فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئاً غير هذا ؟ ولم يكن ليبطل قول النبيصلىاللهعليهوآله ، وأن يكون لا معنى له.
قال - إسحاق -: فطال المجلس وارتفع النهار.
فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين، قد أوضحت الحق لمَن أراد الله به بالخير، وأثبتَ ما لا يقدر أحد أن يدفعه.
قال إسحاق: فأقبل علينا وقال: ما تقولون ؟
فقلنا: كلنا نقول أمير المؤمنين أعزّه الله.
____________________
(١) طه: ٢٩ - ٣٥.
فقال: والله لولا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ( اقبلوا القول من الناس ) ما كنت لأقبل منكم القول.اللهم، قد نصحت لهم القول، اللهم، إنّي قد أخرجت الأمر من عنقي، اللهم، إنّي أدينك بالتقرّب إليك بحب علي وولايته(١) .
وأخيراً، نود أن نشير في خاتمة الكتاب، إلى أنّ هناك العديد من المرويات والاعترافات الصريحة المنقولة، عن لسان الخلفاء بحق أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولكنّا - نظراً لضيق الوقت وخوفاً من الإطالة - اكتفينا بالمهم منها، وما غايتنا إلاّ إتمام الحجة والبرهان( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) (٢) .
والحمد لله رب العالمين.
____________________
(١) العقد الفريد ٥: ٩٢ - ١٠١، عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق ٢: ١٨٥ - ٢٠٠ باختلاف يسير.
(٢) الأنعام: ١٤٩.
الفهرس
المقدمة ٨
الإمام علي عليهالسلام في رأي الخليفة أبي بكر٣٢
١ - أبو بكر يعترف: أنّ النبي صلىاللهعليهوآله عزله، ونصّب علياً عليهالسلام ٣٣
٢ - أبو بكر يعترف: بقصة الغدير ومولوية علي عليهالسلام ، لمَن كان النبي صلىاللهعليهوآله مولاه ٣٤
٣ - أبو بكر يقول: ملائكة خُلقوا من نور وجه علي عليهالسلام ٣٨
٤ - أبو بكر يعترف: النخلة تشهد لعلي عليهالسلام بالوصية ٣٩
٥ - أبو بكر يعترف: علي عليهالسلام خير مَن طلعت عليه الشمس وغربت ٣٩
٦ - أبو بكر يعترف: علي عليهالسلام من النبي صلىاللهعليهوآله كالنبي من الله عزّ وجلّ ٣٩
٧ - أبو بكر يعترف: جواز العبور على الصراط بيد علي عليهالسلام ٤٠
٨ - أبو بكر يعترف: النظر إلى وجه علي عليهالسلام عبادة ٤٢
٩ - أبو بكر يعترف: عدل علي عليهالسلام مساوٍ لعدل النبي صلىاللهعليهوآله ٤٣
سواسية النبي صلىاللهعليهوآله وعلي في العدل ٤٣
١٠ - أبو بكر يعترف: علي عليهالسلام أسبق الناس بيعةً للنبي صلىاللهعليهوآله ٤٤
١١ - أبو بكر يعترف: حرب علي وسلمه، هو حرب النبي صلىاللهعليهوآله وسلمه ٤٦
١٢ - أبو بكر يأمر بمداراة أهل البيت عليهمالسلام ٤٧
١٣ - أبو بكر يستقيل الناس، ويعترف بأولوية علي عليهالسلام بالخلافة ٤٧
١٤ - أبو بكر يعترف: جواز عبور الصراط بيد علي عليهالسلام ٤٩
١٥ - أبو بكر يعترف: علي شبيه آدم ونوح وإبراهيم عليهمالسلام ٤٩
١٦ - أبو بكر وعمر يعترفان: علي أمير المؤمنين ٤٩
١٧ - أبو بكر يعترف: المنبر حق علي عليهالسلام ٥٠
١٨ - أبو بكر يعترف: علي عليهالسلام عترة النبي صلىاللهعليهوآله ٥٠
١٩ - أبو بكر يعترف: علي أقرب الناس لرسول الله صلىاللهعليهوآله ٥٢
٢٠ - أبو بكر يعترف: علي عليهالسلام كالنبي صلىاللهعليهوآله في الرتبة ٥٢
٢١ - أبو بكر يعترف: إنّه عاجز عن وصف النبي صلىاللهعليهوآله ٥٣
٢٢ - أبو بكر يستشير علياً عليهالسلام ويمنعه من الجهاد ٥٥
٢٣ - أبو بكر يرجع إلى علي عليهالسلام في حلّ مسائل اليهودي ٥٥
٢٤ - أبو بكر يرجع إلى علي عليهالسلام في القضاء ٥٧
٢٥ - أبو بكر يستشير علياً في غزو الروم ٥٨
الإمام علي عليهالسلام في رأي الخليفة عمر بن الخطاب ٥٩
١ - عمر يعترف: علي هو الولي وأخو النبي صلىاللهعليهوآله ٦٠
٢ - عمر يعترف: خلق الله ملائكةً من نور وجه علي عليهالسلام ٦١
٣ - عمر يعترف: علي أخو النبي صلىاللهعليهوآله ٦٢
٤ - عمر يعترف: علي وآله في ظل العرش الإلهي ٦٢
٥ - عمر يعترف: لعلي خصال انفرد بها ٦٢
٦ - عمر يعترف بحديث المنزلة ٦٤
٧ - عمر يؤذي النبي صلىاللهعليهوآله وعلي عليهالسلام ٦٤
٨ - عمر يعترف: حب علي عليهالسلام براءة من النار ٦٥
٩ - عمر يعترف: كلّ الأنساب مقطوعة في القيامة إلاّ نسب علي عليهالسلام ٦٥
١٠ - عمر يعترف: علي عليهالسلام قاتل مرحب وفاتح خيبر ٦٦
١١ - عمر يعترف: لو أحب الناس علياً عليهالسلام لَما خلق الله النار ٦٧
١٢ - عمر يعترف: إيمان علي عليهالسلام أرجح من السماوات والأرض ٦٧
١٣ - عمر يعترف: فضائل علي عليهالسلام لا تعد ٦٩
١٤ - عمر يعترف: علي عليهالسلام صاحب الفضائل الهادية ٦٩
١٥ - عمر يعترف: ثمرة حب علي عليهالسلام الجنة ٧٠
١٦ - عمر يعترف: مَن مات وهو يبغض علياً مات يهودياً ٧٠
١٧ - عمر يعترف بحديث الغدير ٧١
١٨ - عمر يعترف: لا يحلّ عقد ولاية علي إلاّ منافق ٧٢
تهنئة أبي بكر وعمر لعلي عليهالسلام ٧٣
لفتة نظر:٨٠
١٩ - عمر يعترف: تزويج علي بفاطمة عليهاالسلام كان أمراً إلهياً ٨٢
٢٠ - عمر يعترف: النظر إلى وجه علي عليهالسلام عبادة ٨٢
٢١ - عمر يعترف: علي عليهالسلام سيف النبي صلىاللهعليهوآله على الكفار ٨٢
٢٢ - عمر يعترف: علي عليهالسلام هو وصي النبي صلىاللهعليهوآله ٨٣
٢٣ - عمر يعترف: الخلافة والوصية كانت لعلي عليهالسلام ٨٤
٢٤ - عمر يعترف: علي عليهالسلام أوّل مَن آمن ٨٤
٢٥ - عمر يعترف: علي عليهالسلام كالكعبة يُزار ولا يزور ٨٦
٢٦ - عمر يعترف: علي خاتم الأولياء ٨٦
٢٧ - عمر يعترف: النبي صلىاللهعليهوآله وعلي عليهالسلام يداً بيد يدخلان الجنة ٨٧
اعترافات عمر العلمية وغير العلمية، بشأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام ٨٨
٢٨ - عمر يعترف: النبي صلىاللهعليهوآله نصّ بالخلافة لعلي عليهالسلام ٨٩
٢٩ - عمر يعترف: علي عليهالسلام حلاّل المشكلات والمعضلات ٩١
٣٠ - التصريحات العمرية دالة على أولوية الإمام علي عليهالسلام للخلافة ١٠٧
٣١ - عمر يعترف: علي عليهالسلام يهدي إلى الكتاب والسنة ١١٠
٣٢ - عمر يعترف: علي عليهالسلام أَولى مني ومن أبي بكر ١١٣
٣٣ - عمر يعترف: علي عليهالسلام أقضى الناس ١١٤
٣٤ - عمر يعترف: عيادة أهل البيت عليهمالسلام فريضة ١١٦
٣٥ - عمر يعترف: علي عليهالسلام خير الناس فتوىً ١١٦
٣٦ - عمر يعترف: علي عليهالسلام مولاي ١١٧
٣٧ - عمر يعترف: القول ما قال علي عليهالسلام ١١٧
٣٨ - عمر يعترف: بفضل علي عليهالسلام أخرجنا الله من الظلمات ١١٨
٣٩ - عمر يعترف: لا يتم الشرف إلاّ بولاية علي عليهالسلام ١١٨
٤٠ - عمر يعترف: مات النبي صلىاللهعليهوآله ، وهو راضٍ عن علي عليهالسلام ١١٨
٤١ - عمر يعترف: علي عليهالسلام أعلم بالواقع ١١٩
٤٢ - عمر يعترف: علي أعلم الناس بالقرآن ١٢٠
٤٣ - عمر يعترف: علي مولى مَن كان النبي صلىاللهعليهوآله مولاه ١٢٠
٤٤ - عمر يعترف: لولا علي لهلك عمر ١٢٠
٤٥ - عمر يعترف: اختصاص علي عليهالسلام بثلاث عشرة منقبة ١٢٢
٤٦ - عمر يعترف: مَن أهان علياً عليهالسلام ، فقد أهان النبي صلىاللهعليهوآله ١٢٢
٤٧ - عمر يعترف: مَن آذى علياً فقد آذى النبي صلىاللهعليهوآله ١٢٣
٤٨ - عمر يتمنّى إحدى فضائل علي عليهالسلام ١٢٣
٤٩ - عمر يستشير علياً عليهالسلام في حرب الفرس ١٢٥
٥٠ - عمر يستفتي علياً عليهالسلام عن حكم شارب الخمر ١٢٧
٥١ - مراجعة أخرى لعمر في حد الخمر ١٢٨
٥٢ - عمر يعترف: لولا سيف علي عليهالسلام لَما قام عمود الإسلام ١٢٩
٥٣ - عمر يعترف: عين علي عليهالسلام عين الله عزّ وجل ١٢٩
٥٤ - عمر يعترف: علي عليهالسلام مولاي ومولى كل مسلم ١٣٠
٥٥ - عمر يعترف: علي عليهالسلام مولى كل مؤمن ومؤمنة ١٣١
٥٦ - عمر يعترف: علي عليهالسلام أعلم الناس بالقرآن، وبالنبي صلىاللهعليهوآله(٢) ١٣١
٥٧ - عمر يعترف: علي عليهالسلام أولى الناس بالخلافة ١٣٤
٥٨ - عمر يعترف: المنبر حق علي عليهالسلام ١٣٤
٥٩ - عمر يعترف: علي عليهالسلام أخو النبي صلىاللهعليهوآله ١٣٥
الإمام علي عليهالسلام في رأي الخليفة عثمان بن عفان ١٣٦
١ - عثمان يعترف: خُلق النبي صلىاللهعليهوآله ، وعلي عليهالسلام من نور واحد ١٣٨
٢ - عثمان يعترف: خلق الله ملائكةً من نور وجه علي عليهالسلام ١٣٨
٣ - عثمان يعترف: النظر إلى وجه علي عليهالسلام عبادة ١٣٨
٤ - عثمان يعترف بحديث الغدير، وأنّ علياً عليهالسلام مولى المؤمنين ١٣٩
٥ - مراجعة عثمان إلى علي عليهالسلام في رجم امرأة ١٤٠
٦ - مراجعة عثمان إلى علي عليهالسلام في مسالة الأب ١٤١
٧ - مراجعة عثمان إلى علي عليهالسلام في حكم المطلقة التي مات زوجها ١٤٢
٨ - مراجعة عثمان إلى علي عليهالسلام في مسالة لحم الصيد للمُحرِم ١٤٢
٩ - عثمان يعترف: لولا علي لهلك عثمان ١٤٣
الإمام علي عليهالسلام في رأي معاوية بن أبي سفيان ١٤٥
١ - معاوية يعترف: علي حلاّل المشكلات ١٤٧
٢ - معاوية يعترف: كان النبي صلىاللهعليهوآله يغر علياً عليهالسلام بالعلم غراً ١٤٧
٣ - معاوية يعترف: علي مع الحق ١٤٨
٥ - معاوية يعترف: علي عليهالسلام أكرم الناس أباً وأُمّاً ١٥٣
اعتراف معاوية بأنّ الإمام علي عليهالسلام - أبو الإمام الحسن عليهالسلام - هو أكرم الناس طُراً، وهو ممّا يتناسب بموضوع هذا الكتاب أدرجناه هنا ١٥٥
٦ - معاوية يعترف: بفضل علي عليهالسلام ويترحّم عليه ١٥٥
٧ - معاوية يعترف: علي عليهالسلام أفصح وأشجع وأسخى الناس طُراً ١٥٦
٨ - معاوية يعترف: علي عليهالسلام سنّ الفصاحة للعرب ١٥٧
٩ - معاوية يعترف: علي وبنيه خير خلق الله وعترة نبيه ١٥٨
١٠ - معاوية يعترف: علي عليهالسلام يجيب مسائل ملك الروم ١٥٨
١١ - معاوية يعترف: بأعلمية علي عليهالسلام ، ويرجع إليه في حلّ مسالة ١٥٩
١٢ - معاوية يسأل علياً عليهالسلام عن حكم مسألة في النكاح ١٦٠
١٣ - معاوية يعترف: علم علي عليهالسلام أجمع العلوم وأحكمها ١٦٠
١٤ - معاوية يعترف: ذهب الفقه والعلم بموت علي عليهالسلام ١٦٢
١٥ - معاوية يعترف: علي عليهالسلام هو الشجاع المطرِق ١٦٢
١٦ - معاوية يسأل علياً عليهالسلام في مسألة الخنثى ١٦٣
١٧ - معاوية يعترف: ماتت الفضائل بموت علي عليهالسلام ١٦٣
١٨ - معاوية يترحّم على علي عليهالسلام ويعترف: عقمت الأمّهات أن يلدنَ مثله ١٦٤
الإمام علي عليهالسلام في رأي عمر بن عبد العزيز١٦٧
١ - عمر بن عبد العزيز يروي حديث المنزلة ١٦٩
٢ - عمر بن عبد العزيز يروي حديث، تأثير إيمان علي عليهالسلام على قلب جبرئيل عليهالسلام ١٦٩
٣ - عمر بن عبد العزيز يروي جزاء مَن سبّ علياً عليهالسلام ١٧٠
٤ - عمر بن عبد العزيز يروي حديث ( مَن كنت مولاه فعلي مولاه ) ١٧٠
٥ - عمر بن عبد العزيز يعترف: علي عليهالسلام أزهد الناس ١٧١
الإمام علي عليهالسلام في رأي بعض خلفاء بني العباس ١٧٣
١ - خمس خلفاء يروون حديث سدّ الأبواب ١٧٥
٢ - ثلاث خلفاء عباسيين يروون حديث المنزلة ١٧٧
٣ - المأمون يعترف بحديث الغدير والمنزلة ١٧٧
٤ - المأمون يعترف بحديث الطائر المشوي، ويستدل به على أحقية علي للخلافة ١٧٨
احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي عليهالسلام ١٨٠
الفهرس ١٩٨