رسالة ماجستير
الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين
الشيخ كاظم مزعل جابر الأسدي
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى
قريبة إنشاء الله تعالى.
رسالة ماجستير
الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين
الشيخ كاظم مزعل جابر الأسدي
المركز العالمي للدراسات الاسلامية
جامعة آل البيت (ع) العالمية
رسالة ماجستير
الإعتقادُ بمنجي العالم في القرآن والعهدين
الأستاذُ المشرف
حُجَّةُ الإسلام والمسلمين
الشيخ الدكتور محمد علي أسدي نسب
الأستاذ المشاور
حُجَّةُ الإسلام والمسلمين الشيخ علي الشيخ
إعداد: كاظم مزعل جابر الأسدي
تاريخ الدفاع: صيف ٢٠٠٥
بسم الله الرحمن الرحيم
اليك يا نورَ الله !
الذي يهتدي به المهتدونَ ويفرّجُ به عن المؤمنين
اليك! يا أملَ المحروميَن والمظلومينَ والمضطهدينَ في العالم
اليك! يا حُلُمَ الانبياء والصدّقين والصالحيناليك! أيُّها القائم المنجي والمخلِّص
اتقدّمُ الى ساحة قُدسك المطهّرة
لأهديَكَ بضاعتي التي أحملها بين يديَّ المقصّرتين
ولساني يردّدُ ويقولُ :(يا أيّها العزيزُ مسّنا وأهلنا الضّرُّ وجئنا ببضاعةٍ ٍ مزجاةٍفأوفِ لنا الكيل وتصدّق علينا انّ الله يجزي المتصدّقين )
سيّدي! يا بقيّة الله في أرضهاشفع لنا عند الله، ليغفر لنا ويرحمنا ويقبلنا ،ويكشف عنا وعن أهلنا الضّرَّ والبلاءَ ،ويأخذ بأيدينا الى عالم الحقّ والحقيقةبلطفه ورحمته التي وَسعت كُلَّ شيء ٍ فهو ارحم الراحمين.
أتقدم بالشكر الجزيل وخالص الإمتنان إلى الأساتذة الأعزّاء والمسؤولين الكرام في المركز العالمي للدراسات الإسلامية وفي جامعة آل البيت (ع) العالميّة، لجهودهم الكبيرة التي يبذلونها في سبيل نشر الثقافة الإسلامية الأصيلة المتمثلة بعلوم أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام) والبحث العلميّ الدقيق عن الحقّ والحقيقة أينما كانت وحيثما وجدت.
وكذلك اتقدم بالشكر الجزيل وعظيم التقدير إلى أساتذتي الأفاضل الذين أعانوني في كتابة هذا البحث، وبذلوا قصارى جُهدَهم في سبيل إنجاح هذا العمل وأخص بالذكر الأستاذ المشرف: سماحة الشيخ حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد علي أسدي نسب، وكذلك سماحة الشيخ حجة الإسلام والمسلمين: الأستاذ علي الشيخ، والذين أبدوا سعةَ صدرٍ كبيرةٍ، وأخذوا بيدي في كل صغيرة وكبيرة، لينتهي هذا البحث الى ما انتهى اليه بحلّتِهِ الأخيرة. وكذلك شكراً خاصّاً الى سماحة الأُستاذ الشيخ حجة الإسلام والمسلمين كاظم النصيري، أُستاذ اللغة العبريَّة في جامعة بغداد سابقاً، لجهودهِ الخيِّرةِ في ترجمة النصوص من أصلها العبري الى اللغة العربية، ووقوفه على العديد من المعاني الدقيقة والمهمّة، والتي مرَّت على بعضِ المترجمين مَرَّ الكرام.
كما لا يفوتني أن أقدم شكري للأخوة الذين ساهموا بأي شكل كان، من قريب أو بعيد، في اكمال هذا البحث وانجاحه. سائلا المولى تبارك وتعالى للجميع العافية والموفقيّة والعمر المديد، لخدمة دين الله الحنيف وعموم الانسانيّة، انّه قريب مجيب.
أُحاولُ في هذا البحث بإذنه تباركَ وتعالى الاجابةَ على السؤال المهم المرتبط بالاعتقاد بمنجي ومخلص العالم وضرورة وجود هكذا شخصية مقدسة مباركة، وقد قسمت البحث إلى خمسة فصول:
الأول: في الكليات (حول القرآن والعهدين)، ويتناول نظرة في القرآن الكريم وكذلك العهدين،إذ كان لابُدَّ قبل الدخول في البحث من أن أقدم مقدمة حولهما لأنّهما أعظمُ المصادرالمقدّسة في هذا العالم لإثبات تلك الحقيقة الإلهيّة الدامغة والعقيدة الراسخة ل- ( منجي العالم ) والتي تهمُّ جميعَ البشر. فقد تطرّقتُ في المبحث الأوّل وهو: نظرةٌ في القرآن الكريم الى مواضيع مهمةٍ تشملُ، أولاً: التعريفَ بالقرآن الكريم ومن ذلكَ :نزولَ القرآن، واعجاز القرآن وبلاغته، وثانياً: في خصائصه وامتيازاته عمَّن سواه من الكتب السماوية، ومن ذلك، كون بلاغته معجزة الهية، والقرآن والمعارف، والقرآن والاتقان في المعاني، والقرآن والاخبار بالغيب، والقرآن وأسرار الخليقة؛ ثم بيَّنتُ باختصار مقام القرآن الكريم وأهميّتهُ وخصائصه.وأما في المبحث الثاني وهو: نظرة في العهدين ( الكتاب المقدّس )، فقد وضعتُ بحثأً مختصراً ومناسباً ل- ( العهد القديم والعهد الجديد )، ثمّ وضعتُ بعد ذلك كلمةُ إنصافٍ في العهدين، وذكرت شيئاً عن آفات الترجمة وما يرتبطُ بها، والفرق بين مترجمي العهدين.
وفي الفصل الثاني بحثتُ فيه عن: قدسيّة ومقام منجي العالم وضرورة وجود منجٍ ومخلّصٍ لهذا العالم. فقد تطرّقتُ في المبحث ألأول: الى ضرورة وجود المنجي وبيّنتُ شيئاً من العقائد العامة لجميع البشر بمنجي العالم وحتميّة مجيء يومه الموعود اولاً، ثم ذكرتُ لذلكَ آياتٍ من القرآن الكريم والروايات الشريفة ثانياً، ونصوصٍ وفقراتٍ من العهدين ثالثاً. وتطرّقتُ في المبحث الثاني: الى موضوع قدسيّةِ ومقام منجي العالم بلسان الأنبياءعليهمالسلام في القرآن الكريم اولاً، وفي العهدين ثانياً.
وخصصت الفصل الثالث للبحث في: حوادث ماقبل ظهور منجي العالم. فقدتطرّقتُ في المبحث الأول الى: حالة العالم قبل ظهور المنجي. وتطرّقتُ فيه الى الفتنة الكونية الكبرى قبل الظهور اولاً، ثم ذكرتُ دعاء الأنبياء الملحّ لمنجي العالم اثرَ ذلك واستجابته من قبل الله تبارك وتعالى ثانياً.وبيّنتُ كلَّ ذلك في القرآن والحديث وفي العهدين.وأما المبحث الثاني فقد بحثتُ فيه عن :آيات وعلامات ما قبل ظهور منجي العالم في القرآن والعهدين.
وخصّصتُ الفصل الرابع للبحث في: أحداث ظهور منجي العالم ومابعد الظهور.فقد تطرّقتُ في المبحث الأول الى: حالة العالم قُبَيلَ الظهور وعند الظهور وبعدَهُ وكيفية الظهور. وبيّنت كيفيّة طلب الشعوب وإنتظارهم للقائم وحالة الضيق والحرج والعسر وتضرُّر المؤمنين. وأماالمبحث الثاني فقد خصّصتهُ للبحث في: أوصاف القائم المنجي وذكرتُ شيئاً من علمه وشدَّته وقوّته الربانية التي يتمتّعُ بها بفضل الله تعالى في القرآن الكريم والروايات الشريفة وفي العهدين.وذكرتُ في المبحث الثالث: أوصاف حكومة منجي العالم وبيّنتُ كيف يكون حكمهُ بالعدل والإنصاف وكيف سينتقمُ من كلّ الظالمين وكيفية حلول السلام في عهده وسموّ المعارف والعلوم في عهده المبارك في القرآن الكريم والروايات الشريفة، وفي العهدين كذلك.
وقد خصّصتُ الفصل الخامس للبحث في: قواعد ومتبنّيات ثورة المنجي في القرآن والعهدين وعلامَ ترتكزُ هذه الثورة الإلهية الكبرى.وقد تطرّقتُ في المبحث الأول الى: الأُسس الشرعيّة والتأريخيّة لثورة المصلح العالميّة وبيّنت في المبحث الثاني كون المنتقم من الظالمين صنيعةٌ لربّ العالمين تقدّست أسماؤهُ.وفي الختام: ذكرتُ نتيجةَ البحث، وما توصَّلتُ إليه من نقاطٍ مشتركةٍ بين القرآن الكريم والعهدين (الكتاب المقدَّس)، وأنَّهُ لابُدَّ من إنصافِ العهدين والنظر اليهما بعينِ العدلِ والدقّةِ، لكونهما إرثاً دينيّاً وأخلاقيّاً وتأريخيّاً وحضاريّاً كبيراً ؛وأنَّ بعضَ ما وردَ فيهما هو بلا شكٍّ ولاريبٍ ترجمةٌ أو نقلٌ شفاهيٌّ أو تواترٌ لوحيٍ موحى. وأنَّ للترجمة آفاتٌ خطيرةٌ قد صبَّتها وطَلَت بها الكتاب المقدّس ( العهدين ) ؛ وقد لعبت الترجمات دوراً مهماً في التشويش وإخفاءِ الحقائقِ والأعم الأغلب منها جاءت عن غير قصدٍ ولا عمدٍ.وأنَّ القرآن الكريم والعهدين كلاهما يصدِّقُ الآخر في هذا المجال، وأنَّ الكتب السماوية أجمعت على مجيء منجي العالم وقد ذكرهُ الأنبياء بكلِّ جميلٍ وحَلُموا بهِ وذابوا اليه شوقاً وحنّوا الى يومه المبارك وهو يوم الله الموعود والأكبر، وأنَّ الأملَ الرباني لجميع الإنسانية لم ينقطع وهو سارٍ ومُثبتٍ ويجري بدقّةٍ.وأنَّ منجي العالم ليس ملكاً لشعبٍ من الشعوب أو أُمةٍ من الأُمم بل هو أملُ الإنسانية وملكٌ لعموم البشرية.وأنَّ عالم الإنسان سينتصرُ إنتصاراً إلهيَّاً ساحقاً لاهزيمة بعدَهُ بمجيء المصلح الأعظم روحي فداه.
إنّ من لطف الله تبارك وتعالى بعموم البشر، والعناية التربويّة الالهيّة بالانسان، للأخذ بيده الى أعلى مراتب الكمال والرقيّ؛ حتّمت عدم انقطاع الأمل عنه ولو للحظة واحدة، وأن يكون للبشر في كلّ زمان أملاً حقيقيّاً منشوداً، وحلماً ورجاءاً واقعيّاً منتظراً على مدى تعاقب العصور ومرّ الدهور.ومعنى هذا: أن تكون هناك بشارة إلهية كبرى في كلّ عصر وزمان محتّمَةَ التَّحقُّق والوقوع لكونها وعداً ربّانيّاً محضاً، قد قطعه الله تبارك وتعالى على نفسه المقدّسة، كما في قوله تعالى بخصوص ظهور المنجي الموعود:
(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّنّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعدِ خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً.).(١)
وقول رسوله الأكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« لو لم يبق من الدنيا الاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل مناهل بيتي يواطيء اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملا الارض عدلاً وقسطا كماملئت جوراً وظلما».(٢)
____________________
(١) سورة النور: آية ٥٥.
(٢) الرسائل العشرة: ص ٩٩. الطوسي، الغيبة :ص٤٦. الامامة والتبصرة: ص١٥٣.عيون أخبار الرضا (ع): ص٢٩٧. كمال الدين وتمام النعمة: ص٢٨٠، وص ٣٧٢، وص ٣٧٧. كفاية الأثر: ص٢٦٦، وص٢٨١. روضة الواعظين: ص٢٦١. دلائل الامامة: ص٤٦٩. شرح الأخبار: ص٣٥٢, وص ٣٥٦، وص ٣٩١. النكت الاعتقادية: ص٤٣.الارشاد: ص٣٤٠. العمدة ،ص٤٣٣. ذخائر العقبى: ص ١٣٦.بحار الأنوار: ج ١٤، ص٣٣، وج ٢٨ ص٤٦. الغدير: ج٧ ص١٢٥. التفسيرالكبير، ج٢، ص٢٧. وهو حديثٌ نبويٌّ شريفٌ صحيحٌ ومتواترٌ ومشهورٌ عند المسلمين.
ولهذا الوعد الربّاني الصادقُ دورٌ كبيرٌ في حفظ وصون الخطّ الالهيّ المقدّس وامتداده وبقائه غضَّاً طريّاً، وهو بحدّ ذاته علاجاً روحيّاً ناجعاً لعموم البشر(١) ، فضلاً عن العطاء والأجر والثواب الجزيل من الله عزّ وجلّ لكون المُنتظر قد صدّقَ فعلاً بغيب الله تبارك وتعالى والذي هو من أشرف العبادات العالية القدر عند الباريء سبحانه وتعالى حيث قدّمها على الصلاة والزكاة في قوله تبارك وتعالى :
(الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتّقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون).(٢) وقد ثبت يقينا أنّ العالم بأسره، وما توصّلت اليه جهود البشر من خلال فترات حياتها الطويلة من علوم واسعة، وأبعاد فكر شاسعة، وتكنلوجيا محيّرة، وصناعات متطوّرة ؛ لكننا نجد أنّ هذا العالم الكبير بأسره يعاني الظلم والجور، ومصادرة أبسط حقوق الانسان، ويحنّ الى السعادة التي يجهلها الكثير !ٍحنين الطفل الى محالب أمّه، ويحلم أن يعيش يوماً ما الطمأنينةَ الحقّةَ ببعديها المادّي والمعنوي، وأصبحت فكرة (المجتمع السعيد ) مستحيلة التحقق إلاّ بتدخّل الهي كبير وتغيير ربّانيّ جذري.(٣) وما نراه من انهيار وانهزام كبير على المستوى الديني و الأخلاقي والإجتماعي، بل وحتّى على مستوى بديهيّات الفطرة الانسانيّة ؛ الاّ دليلاً دامغاً وبرهاناً ساطعاً لامحيص عنه لحتميّة التدخّل الالهيّ المؤمّل بواسطة المنقذ والمنجي للعالم وشعوب الأرض كافّة (قرّب الله يومه المقدّس) واحقاق الحقّ على يديه وازهاق الباطل الذي ملأ الدنيا، وربط الانسان بالسماء ربطا وثيقاً بعد الخلود الى الأرض.(٤)
____________________
(١) انظر: سيكلوجية الأنتظار، موضوع الأبعاد النفسية والإيجابية في عقيدة المهدي المنتظر، ص١٨٨ - ٢٦٠.
(٢) سورة البقرة :الآيات ١ - ٣.
(٣) انظر: نهاية صراع الأديان بظهور المهدي في آخر الزمان، ص ٢٥٦ وما بعدها، تحت عنوان: الإمام المنتظر لحدوث التغيير العالمي.
(٤) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ١٩٣وما بعدها تحت عنوان: عقائد الأمم في المهدي، في موضوع: عند المسيحيين، أن عموم المسيحيين الغربيين يعتقدون ب- ( FOTORISM ): وتعني الإعتقاد بمرحلة آخر الزمان، وترقب ظهور منقذ. الخ، و انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص٥١. ومجلة مجموعة الحكمة، السنة الثالثة، العدد ١ - ٢، مقال السيد هادي الخسروشاهي.
لذا نجد أنّ الأنبياءعليهمالسلام ومن عهد آدمعليهالسلام الى روح الله عيسى بن مريمعليهماالسلام قد بلّغوا وبشّروا أممهم مراراً وتكراراً وبشتّى الوسائل والسبل بحتميّة تشرّف الأرض وتتويج الخلافة الالهية العظمى ب- ( محمد وآل محمد ) صلوات الله عليهم أجمعين؛ كمرحلة اولى على طريق سعادة جميع البشر، كما وقد بشّروا أيضا بتشرّف الأرض بالمصلح الأعظم والمنجي والمخلّص والصاحب والقائم (ع ) كمرحلة ثانية على ذات الطريق وبها يكون الحكم لله وحده بواسطة خليفته المدّخر وعندها يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
وبعد تحقق المرحلة الأولى على وجه الأرض بمجيء محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين نجد أنّ القرآن الكريم والرسول الخاتم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين يبشّرون العالم أجمع بحتميّة مجيء المنقذ المهدي ( عج) وهي المرحلة الثانية التي أشرنا اليها ؛ وبشّروا بمرحلة ثالثة أيضا وهي ( مرحلة الرجعة ) التي لها قوانينها الغير طبيعيّة وخصائصها المختصّة بها ووقتها وظرفها وأسبابها.
وهكذا نجد أنّ ألأمل لم ينقطع من حياة البشر ولو لفترة قصيرة، ولكلّ عصر وزمان بشائره وآماله وأحلامه الخاصة به.
ولقد عاش جميع الانبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) في كلّ العصور والأزمنة واتباعهم من المؤمنين والصالحين و الذين لازالوا يعيشون أملاً عظيماً وشوقاً كبيراً وانتظاراً جميلاً، آملين تحقّق البشارة الالهيّة المقدّسة، وذلك بتتويج الخلافة الالهية على الأرض بالقائم المهدي (عج) من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم طاووس اهلالجنة.
ومن نعم المولى عزّ وجلّ علينا والطافه بنا، ان نشاركهم نحن هذا الأمل والانتظار ونعيشه معهم، بل تشاركهمجميع الاديان والملل والنحل والعوالم، وكلّ يحمل علوماً وقصصاً وحكاياتٍتخصّ المصلح الاعظم وما يكون من أمره، وصلاح الكون على يديه المباركتين، وتأسيسه لدولة العدل الالهي، التي حَلُمَ بها البشر جميعاً. لذا فقد ضمّت بشارات الانبياء وأوصيائهم وأتباعهم الربانيين عشقاً ابديّاً وذوباناً كلّياً بهذا الرجلالالهي المقدس على مدى العصور.
ونحن في بحثنا هذا نحاول الوصول إن شاء الله تعالى الى أعماق العقائد الحقّة لموضوع (منجي العالم) سواء فيما ينسب الى الأنبياء السابقين وما يرتبط بهم من آثار مهمة، أوفي القرآن الكريم وبعضِ ما جاء على لسان النبي ّالصادق الأمين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله الطيبيين (ع) وصحبه المنتجبين (رض).
واما ضرورة وأهمية مثل هكذا بحث فهي تكمنُ في أنَّ هذا الموضوع هو (موضوعٌ عالميٌّ ) وغير مختص بشعبٍ من الشعوب أو أُمّةٍ من الأُمم، ولهُ جذورهُ العميقة الممتدّدة بقدمِ الإنسانية، وله أثرهُ النفسي والتربوي على الأعم الأغلب من البشر، ولهُ تراثهُ الدّينيّ والعلمي والتأريخيّ والأخلاقيّ، ويملكُ حظّاً وفيراً من القدسيّةِ والإهتمام لدى كلِّ الديانات والفلسفات - لاسيما السماوية منها بشكلٍ خاصّ - والشعوب والأُمم، فيُعدُّ البحث فيه واثبات حقائقه واجباً علميّاً مهماً يخدمُ الجميع.واما أهداف البحث فهي اظهار العقائد الحقّة لموضوع (منجي العالم) بثَوبِها الجميل البهيّ في القرآن الكريم وفي الكتب السماوية المقدّسة الأُخرى، وفي غيرها ان وجد ولكن على نحو الإشارة والإجمال، لإثبات أّنَّ تلك العقائد لها من الحقِّ والصدقِ والعمق والأثر البالغ الشيءَ الكثير وإلاّ لما تواترت في جميع الكتب السماوية وصحفِ الأنبياء (ع) وأقوالهم وما تخلَّفَ عنهم من تراثٍ مقدَّس.واما في مجال سابقة هكذا بحث، فقد تطرّقَ اليه العديد من الأعلام والفضلاء والباحثين، ولكن على نحوٍ جزئيٍّ، وليسَ بمعمَّقٍ في أغلب الأحيان، بل وسطحيٍّ في بعضها، ويفتقرُ الى الإبتكار والتجديد في بعض آخر، وعلى سبيل المثال، فانَّ من بين من أجاد في هذا المجال هو صاحب كتاب ( أهلُ البيت في الكتاب المقدّس ) حيث عقد بحثاً هناك بعنوان: الإمام المهدي(عج) في بشارات العهدين. وصاحب كتاب ( البحث عن الحقيقة) باللغة الإنكليزية، عقد بحثاً خاصاً ب- (منقذ العالم المنتقم) على ضوء ما جاءَ في التوراة. وكذلك صاحب كتاب ( الكتاب المقدس تحت المجهر) فيه بحثٌ عن المنقذ العالمي، وصاحب كتاب (الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين)، وصاحب كتاب(المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري)، وصاحب كتاب(المسيح الموعود والمهدي المنتظر)، وصاحب كتاب (سيكلوجية الانتظار)، وصاحب كتاب (المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة) وصاحب كتاب (الامام المهدي (عج) المصلح العالمي المنتظر) وصاحب كتاب (المسيح المنتظر ونهاية العالم).الخ، وكلُّ تلك المصادر وغيرها قد اعتمدناها في بحثنا، لأنَّ فيها عظيم الفائدة وللهِ درُّ مؤلِّفيها.
واما بشأن الهيكليّة التي اعتمدناها في هذا البحث، فقد راعينا فيها الإختصار و السهولة والسلاسة، مبتعدين بذلك عن التطويل والتعقيد، لذا وضعنا هذه الدراسةِ في خمسة فصول تحتوي على مجموعةٍ من المباحث، آملين المنفعة، واللهُ وليُّ التوفيق.
المبحث الأوّل: نظرة في القرآن الكريمأوَّلاً: تعريفٌ بالقرآن الكريم
ثانياً: خصائصُ القرآن وامتيازاته عَمَّن سواه من الكتب السماويَّة
- مقام القرآن الكريم وأهميَّته وخصائصهُ
المبحث الثاني: نظرة في الكتاب المقدّس (العهدين)
أوَّلاً: التعريفُ بالكتاب المقدّس (العهدين)
١ - العهدُ القديمُ.
٢ - العهدُ الجديدُ.
ثانياً :التقييم العلميّ الحديث للعهدين
- كلمةُ إنصاف في العهدين.
- آفات الترجمة وما يرتبط بها.
- الفروقات بين مترجمي العهدين.
لقد تجلّى الله سبحانهُ وتعالى في كتابه العزيز (القرآن الكريم )، فهو بحقٍّ معجزةُ المعاجز، والمصدِّقُ والمهيمن على كُلِّ ماسبقهُ من كتبٍ سماويَّةٍ مقدسةٍ، فهو كما قالَ فيه النبيُّ الأكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم : (. كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به اجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.)(١) . ولابدَّ لنا هنا من وقفةٍ للتعريفِ بهِ أوَّلاً، ومعرفةُ خصائصهِ وامتيازاته عَمَّن سواه ثانياً.
____________________
(١) البيان في تفسير القرآن، ص ١٨ - ١٩.وهكذا في سنن الدارمي ج ٢ ص ٤٣٥، كتاب فضائل القرآن ومع اختلاف يسير في ألفاظه في صحيح الترمذي ج ١١ ص ٣٠ أبواب فضائل القرآن. وفي بحار الأنوار ج ٩ ص ٧ عن تفسير العياشي. من حديث أخذنا منه موضع الحاجة: روى الحارث الهمداني،قال: (دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أن أناساً يخوضون في الأحاديث في المسجد ؟ فقال: قد فعلوها ؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: ستكون فتن، قلت: وما المخرج منها ؟ قال: كتاب الله، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم.).
قال تعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان )(١) . وشهر رمضان هو الشهر التاسع من الشهور القمرية العربية بين شعبان وشوال ولم يذكر اسم شئ من الشهور في القرآن الا شهر رمضان. والن-زول هو الورود على المحلّ من العلوّ، والفرق بين الانزال والتن-زيل أن الانزال دفعي والتن-زيل تدريجي(٢) ، والقرآن اسم للكتاب المنزل على نبيه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم باعتبار كونه مقرؤاً كما قال تعالى:( انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)(٣) . ويطلق على مجموع الكتاب وعلى ابعاضه.والآية تدل على نزول القرآن في شهر رمضان.
وأمّا قوله تعالى: ( والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين)(٤) ، وقوله: ( إنا أنزلناه في ليلة القدر )(٥) ، فإن ظاهر هذه الآيات لا يلائم كون المراد من إنزال القرآن أوّل إنزاله أو إنزال أول بعض من أبعاضه ولا قرينة في الكلام تدل على ذلك كما أدّعى البعض. والذي يعطيه التدبر في آيات الكتاب أمر آخر فإن الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة منه إنما عبرت عن ذلك بلفظ الانزال الدال على الدفعة دون التنزيل كقوله تعالى :( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن )(٦) ، وقوله تعالى: ( حم. والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة)(٧) ، وقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)(٨) ، واعتبار الدفعة أما بلحاظ اعتبار المجموع في الكتاب أو البعض النازل منه كقوله تعالى: ( كماء انزلناه من السماء )(٩) ، فإن المطر إنما ين-زل تدريجاً لكن النظر هيهنا معطوف إلى اخذه مجموعاً واحداً،ولذلك عبر عنه بالانزال دون التن-زيل، وكقوله تعالى: ( كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته )(١٠) ، وإما لكون الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي الذي يقضى فيه بالتفرق والتفصيل والانبساط والتدريج هو المصحح لكونه واحدا غير تدريجي ونازلاً بالانزال دون التن-زيل. وهذا الاحتمال الثاني هو اللائح من الآيات الكريمة كقوله تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)(١١) .
وأمّا قوله تعالى: ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) ضمير( أنزلناه ) للقرآن وظاهره جملة الكتاب العزيز لا بعض آياته ويؤيده التعبير بالانزال الظاهر في اعتبار الدفعة دون التن-زيل الظاهر في التدريج. وفي معنى الآية قوله تعالى:( والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة)(١٢) .
____________________
(١) سورة لالبقرة: آية ١٨٥.
(٢) الميزان في تفسير القرآن، ج ٢ ص١٥. انظر :تاج العروس، ج ١٥ ص ٧٢٩. تفسير الأمثل، ج ١٤ ص ١٥.
(٣) سورة الزخرف: آية ٣.
(٤) سورة الدخان: آية ٣.
(٥) سورة القدر: آية ١.
(٦) سورة البقرة: آية ١٨٥.
(٧) سورة الدخان: آية ٣.
(٨) سورة القدر: آية ١.
(٩) سورة يونس: آية ٢٤.
(١٠) سورة ص: آية ٢٩.
(١١) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج٢، ص١٤ - ١٧، بإيجاز وتصرف.
(١٢) سورة الدخان: آية ٣.
وظاهره الاقسام بجملة الكتاب المبين ثم الاخبار عن إنزال ما اقسم به جملة. فمدلول الآيات أن للقرآن نزولاً جمليّاً على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم غير نزوله التدريجي الذي تم في مدة ثلاث وعشرين سنة كما يشير إليه قوله: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)(١) ، وقوله: ( وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا )(٢) . فلا يعبأ بما قيل: إن معنى قوله: (أنزلناه ) ابتدأنا بإنزاله والمراد إنزال بعض القرآن.وليس في كلامه تعالى ما يبين ان الليلة أية ليلة هي غير ما في قوله تعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)(٣) فإن الآية بانضمامها إلى آية القدر تدل على أن الليلة من ليالي شهر رمضان. وأما تعيينها أزيد من ذلك فمستفاد من الاخبار.وقد سماها الله تعالى ليلة القدر، والظاهر أن المراد بالقدر التقدير فهي ليلة التقدير يقدر الله فيها حوادث السنة من الليلة إلى مثلها من قابل من حياة وموت ورزق وسعادة وشقاء وغير ذلك كما يدل عليه قوله في سورة الدخان في صفة الليلة: ( فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك )(٤) ، فليس فرق الامر الحكيم إلا إحكام الحادثة الواقعة بخصوصياتها بالتقدير.(٥)
____________________
(١) سورة الإسراء: آية ١٠٦.
(٢) سورة الفرقان: آية ٣٢.
(٣) سورة البقرة: آية ١٨٥.
(٤) سورة الدخان: آية ٦.
(٥) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج ٢٠، ص٣٣٠ - ٣٣١بإيجاز وتصرف.
قد ذكر للاعجاز في اللغة عدة معان: الفوت. وجدان العجز. إحدائه كالتعجيز. فيقال: أعجزه الامر الفلاني أي فاته، ويقال: أعجزت زيداً أي وجدته عاجزاً، أو جعلته عاجزاً. وهو في الاصطلاح أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الالهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهدا على صدق دعواه(١) . وإنما يكون المعجز شاهداً على صدق ذلك المدعي إذا أمكن أن يكون صادقا في تلك الدعوى. وأما إذا امتنع صدقه في دعواه بحكم العقل، أو بحكم النقل الثابت عن نبي، أو إمام معلوم العصمة، فلا يكون ذلك شاهدا على الصدق، ولا يسمى معجزا في الاصطلاح وإن عجز البشر عن أمثاله: مثال الاول: ما إذا ادعى أحد أنه إله، فإن هذه الدعوى يستحيل أن تكون صادقة بحكم العقل، للبراهين الصحيحة الدالة على استحالة ذلك.
ومثال الثاني: ما إذا ادعى أحد النبوة بعد نبي الاسلام، فإن هذه الدعوى كاذبة قطعاً بحكم النقل المقطوع بثبوته الوارد عن نبي الاسلام، وعن خلفائه المعصومين بأن نبوته خاتمة النبوات، وإذا كانت الدعوى باطلة قطعاً، فماذا يفيد الشاهد إذا أقامه المدعي ؟ ولا يجب على الله جل شأنه أن يبطل ذلك بعدحكم العقل باستحالة دعواه،أو شهادة النقل ببطلانها.(٢)
ولذلك اقتضت الحكمة أن يُخَصّ نبي الاسلام بمعجزة البيان، وبلاغة القرآن، فعلم كل عربي أن هذا من كلام الله، وأنه خارج ببلاغته عن طوق البشر، واعترف بذلك كل عربي غير معاند. ويدل على هذه الحقيقة ما روي عن ابن السكيت أنه قال لابي الحسن الرضاعليهالسلام : (لماذا بعث الله موسى بن عمرانعليهالسلام بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب ؟ وبعث محمداً -صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى جميع الانبياء - بالكلام والخطب؟. فقال أبو الحسنعليهالسلام : إن الله لما بعث موسىعليهالسلام كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به`الحجة عليهم. وإن الله بعث عيسىعليهالسلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الاكمه والابرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم.وإن الله بعث محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: الشعر - فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم )(٣) .
____________________
(١) البيان في تفسير القرآن، ص٣٣.انظر: لسان العرب، ج٥ ص ٣٧. مجمع البحرين، ج٣ ص ١٢٤.
(٢) البيان في تفسير القرآن، ص ٣٣.
(٣) اصول الكافي، كتاب العقل والجهل، الرواية ٢٠.
وقد كانت للنبي معجزات اخرى غير القرآن، كشق القمر، وتكلم الثعبان، وتسبيح الحصى، ولكن القرآن أعظم هذه المعجزات شأناً، وأقومها بالحجة، لان العربي الجاهل بعلوم الطبيعة وأسرار التكوين، قد يشك في هذه المعجزات، وينسبها إلى أسباب علمية يجهلها. وأقرب هذه الاسباب إلى ذهنه هو السحر فهو ينسبها إليه، ولكنه لا يشك في بلاغة القرآن وإعجازه، لانه يحيط بفنون البلاغة، ويدرك أسرارها. على أن تلك المعجزات الاخرى موقتة لا يمكن لها البقاء فسرعان ما تعود خبراً من الاخبار ينقله السابق للاحق، وينفتح فيه باب التشكيك. أما القرآن فهو باقٍ إلى الابد، وإعجازه مستمر مع الاجيال.
قد علم كلُّ عاقل بلغة الدعوة الاسلامية،أن محمداً (ص ) بشَّرَ جميع الامم بدعوتهم إلى الاسلام، وأقام الحجة عليهم بالقرآن، وتحدّاهم بإعجازه، وطلب منهم أن يأتوا بمثله وإن كان بعضهم لبعض ظهيراً(١) ، ثم تنزّل عن ذلك فطلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مُفتريات(٢) ، ثم تحدّاهم إلى الاتيان بسورة واحدة. وكان من الجدير بالعرب - وفيهم الفصحاء النابغون في الفصاحة - أن يجيبوه إلى ما يريد، ويسقطوا حجته بالمعارضة، لو كان ذلك ممكناً غير مستحيل.
____________________
(١) فقال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) سورة الإسراء: آية ٨٨.
(٢) فقال تعالى: ( أم يقولون افتراهُ قُل فأتوا بعشر سورٍ مثلهِ مفتريت وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين ) سورة هود: آية ١٣.
نعم كان من الجدير بهم أن يعارضوا سورة واحدة من سور القرآن، ويأتوا بنظيرها في البلاغة، فيسقطوا حجة هذا المدعي الذي تحدّاهم في أبرع كمالاتهم، وأظهر ميزاتهم، ويسجلوا لانفسهم ظهور الغلبة وخلود الذكر. ولكن العرب فكرت في بلاغة القرآن فأذعنت لإعجازه، وعلمت أنها مهزومة إذا أرادت المعارضة، فخضعوا لدعوة القرآن، وفازوا بشرف الاسلام، وركب آخرون جادة العناد، فاختاروا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجة على أن القرآن وحي إلهي خارج عن طوق البشر. ولو ادَّعى مدَّعٍ: أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجة، وقد اختفت علينا هذه المعارضة لطول الزمان ؛ وجواب ذلك :
أن هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها، وشهرتها في مواسمها وأسواقها. ولاخذ منه أعداء الاسلام نشيداً يوقعونه في كل مجلس، وذكراً يردّدونه في كلّ مناسبة، وللقنه السلف للخلف، وتحفظوا عليه تحفظ المدعي على حجته، وكان ذلك أقرّ لعيونهم من الاحتفاظ بتاريخ السلف، وأشعار الجاهلية التي ملأت كتب التاريخ، وجوامع الادب، مع أنّا لا نرى أثراً لهذه المعارضة، ولا نسمع لها بذكر. على أن القرآن الكريم قد تحدى جميع البشر بذلك، بل جميع الانس والجن، ولم يحصر ذلك بجماعة خاصة. فقال عزّ من قائل :(قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)(١) . ونحن نرى أعداء الاسلام، يبذلون الاموال الطائلة في الحط من كرامة هذا الدين، والنيل من نبيه الاعظم، وكتابه المقدس، ويتكرر هذا العمل منهم مراراً. فلو كان من الميسور لهم أن يعارضوا القرآن، ولو بمقدار سورةٍ منه، لكانَ هذا أعظم لهم في الحجة، وأقرب لحصول الامنية، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الاموال، وإتعاب النفوس.
____________________
(١) سورة الإسراء: آية ٨٨.
قد عرفنا أن طريق التصديق بالنبوة والايمان بها، ينحصر بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهداً لدعواه، ولما كانت نبوءات الانبياء السابقين مختصة بأزمانهم وأجيالهم، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الأمد، ومحدودة، لانها شواهد على نبوءات محدودة، فكان البعض من أهل تلك الازمنة يشاهد تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة، والبعض الاخر تنقل إليه أخبارها من المشاهدين على وجه التواتر، فتقوم عليه الحجة أيضاً. أما الشريعة الخالدة، فيجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضاً، لان المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد لم يشاهدها البعيد، وقد تنقطع أخبارها المتواترة، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة،فإذا كلفه الله بالايمان بها كان من التكليف بالممتنع، والتكليف بالممتنع مستحيل على الله تعالى، فلا بد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة دائمة.وهكذا أنزل الله القرآن معجزة خالدة ليكون برهاناً على صدق الرسالة الخالدة، وليكون حجةً على الخلف كما كان حجة على السلف. وقد نتج لنا عما قدمناه أمران :الاول: تفوق القرآن على جميع المعجزات التي ثبتت للانبياء السابقين، وعلى المعجزات الاخرى التي ثبتت لنبينا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم لكون القرآن باقياً خالداً، وكون إعجازه مستمراً يُسمِعُ الاجيال ويحتجُّ على القرون.الثاني: إن الشرائع السابقة منتهية منقطعة، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها، لأنقطاع زمان المعجزة التى شهدت بصدقها.ثم ان القرآن يختص بخاصيّة اخرى، وبها يتفوّق على جميع المعجزات التي جاء بها الانبياء السابقون، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر، وسوقهم إلى غاية كمالهم. فإن القرآن هو المرشد الذي أرشد العرب المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الاصنام، والمشتغلين بالحروب الداخلية، والمفاخرات الجاهلية، فتكونت منهم أمةٌ ذات عظمةٍ في تاريخها، وذات سموٍ في معارفها وعاداتها. ومن نظر في تاريخ الاسلام وسبر تراجم أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المستشهدين بين يديه، ظهرت له عظمة القرآن في بليغ هدايته، وكبير أثره، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين وإحياء الشريعة.ولمّا عرفنا أن القرآن معجزة إلهية، في بلاغته وأسلوبه، لذا يجب علينا أن نعلم أيضاً أن اعجازه لا ينحصر في ذلك، بل هو معجزة ربّانيّة، وبرهان صدق على نبوة من انزل إليه من جهات شتى، فيحسن بنا أن نتعرض إلى شيء منها على نحو الاختصار :
صرح الكتاب في كثير من آياته الكريمة بأن محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم أميٌّ، وقد جهر النبي بهذه الدعوى بين ملأ من قومه وعشيرته الذين نشأ بين أظهرهم، وتربى في أوساطهم، فلم ينكر أحد عليه هذه الدعوى، وفي ذلك دلالة قطعية على صدقه فيما يدعيه. ومع أُميَّته فقد أتى في كتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفة، وأدهش مفكري الشرق والغرب منذ ظهور الاسلام إلى هذا اليوم، وسيبقى موضعاً لدهشة المفكرين، وحيرتهم إلى اليوم الأخير، وهذا من أعظم نواحي الاعجاز. ولنتنازل للخصوم عن هذه الدعوى، ولنفرض أن محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن أميّاً، ولنتصوره قد تلقن المعارف، وأخذ الفنون والتاريخ بالتعليم، أفليس لازم هذا أنه اكتسب معارفه وفنونه من مثقفي عصره الذين نشأ بين أظهرهم ؟ ونحن نرى هؤلاء الذين نشأ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم بينهم، منهم وثنيون يعتقدون بالاوهام، ويؤمنون بالخرافات ،ومنهم كتابيون يأخذون معارفهم وتأريخهم، وأحكامهم من كتب( العهدين) التى ينسبونها إلى الوحي، ويعزونها إلى الانبياء. وإذ فرضنا أن محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ تعاليمه من أهل عصره، أفليس لازم هذا أن ينعكس على أقواله ومعارفه ظلال هذه العقائد التي اكتسبها من معلميه ومرشديه ومن هذه الكتب التي كانت مصدر ثقافته وعلومه ؟ ونحن نرى مخالفة القرآن لكتب العهدين في جميع النواحي، وتن-زيهه لحقائق المعارف عن الموهومات الخرافية التي ملأت مصادر التعلم في ذلك العصر.وقد تعرض القرآن الكريم الى صفات الله جل شأنه في آيات كثيرة، فوصفه بما يليق بشأنه من صفات الكمال،ونزهه عن لوازم النقص والحدوث.وهذه نماذج منها :
-( وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والارض كل له قانتون. بديع السماوات والارض، وإذا قضى أمرا فإنما يقولُ له كن فيكون. - وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
-ألله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الارض ).(١)
- (إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء. هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ).(٢) - (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل. لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير).(٣) - (قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ).(٤)
- (ألله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون).(٥)
- (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الاولى والاخرة وله الحكم وإليه ترجعون).(٦)
____________________
(١) سورة البقرة: الآيات ١١٦، ١١٧، ١٦٣، ٢٥٥.
(٢) سورة آل عمران: الآيات ٥، ٦.
(٣) سورة الأنعام: الآيات ١٠٢، ١٠٣.
(٤) سورة يونس: الآية ٣٤.
(٥) سورة الرعد: الآية ٢.
(٦) سورة القصص: آية ٧٠.
هكذا يصف القرآنُ الله َ إلى العالمين، ويأتي بالمعارف التي تتمشّى مع البرهان الصريح، ويسير مع العقل الصحيح، وهل يمكن لبشر أميّ نشأ في محيط جاهل أن يأتي بمثل هذه المعارف العالية؟ كما ويتعرض القرآن لذكر الانبياء فيصفهم بكل جميل ينبغي أن يوصفوا به، وينسب إليهم كل مأثرة كريمة تلازم قداسة النبوة، ونزاهة السفارة الالهية، وإليك نماذج منها(١) :- ( الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوارة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).(٢)
- ( هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ).(٣)
- ( وإن لك لاجرا غير ممنون ). وإنك لعلى خلق عظيم ).(٤)
- ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ).(٥)
- ( وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين).(٦)
- ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين).(٧)
- ( ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين )(٨) .
____________________
(١) البيان في تفسير القرآن، ص٤٨، بإيجاز وتصرّف.
(٢) سورة العراف: الآية ١٥٧.
(٣) سورة الجمعة: ألآية ٢.
(٤) سورة القلم: الآيات ٣، ٤.
(٥) سورة آل عمران: الآية ٢٣.
(٦) سورة الزخرف: الآيات ٢٦، ٢٧.
(٧) سورة الأنعام: ألآية ٧٥.
(٨) سورة الأنعام: ألآيات ٨٤، ٨٥، ٨٦.
تعرض القرآن الكريم لمواضيع كثيرة العدد، متباعدة الاغراض من الآلهيات والمعارف، وبدء الخلق والمعاد، وما وراء الطبيعة من الروح والملك وإبليس والجن، والفلكيات، والارض، والتاريخ، وشؤون فريق من الانبياء الماضين، وما جرى بينهم وبين أممهم، وللامثال والاحتجاجات والاخلاقيات، والحقوق العائلية، والسياسات المدنية، والنظم الاجتماعية والحربية، والقضاء والقدر، والكسب والاختيار، والعبادات والمعاملات، والنكاح والطلاق، والفرائض، والحدود والقصاص وغير ذلك. وقد أتى في جميع ذلك بالحقائق الراهنة، التي لا يتطرق إليها الفساد والنقد في أية جهة من جهاتها، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهذا شئ يمتنع وقوعه عادة من البشر - ولا سيما ممن نشأ بين أمة جاهلة لا نصيب لها من المعارف، ولا غيرها من العلوم - ولذلك نجد كل من ألف في علم من العلوم النظرية، لا تمضي على مؤلفه مدة حتى يتضح بطلان كثير من آرائه. فإن العلوم النظرية كلما ازداد البحث فيها وكثر، ازدادت الحقائق فيها وضوحاً، وظهر للمتأخر خلاف ما أثبته المتقدم، والحقيقة - كما يقولون - بنت البحث، وكم ترك الاول للآخر، ولهذا نرى كتب الفلاسفة الاقدمين، ومن تأخر عنهم من أهل التحقيق والنظر قد صارت عرضة لسهام النقد ممن تأخر، حتى أن بعض ما اعتقده السابقون برهاناً يقينيّاً، أصبح بعد نقده وهماً من الاوهام، وخيالاً من الاخيلة.والقرآن مع تطاول الزمان عليه، وكثرة أغراضه، وسمو معانيه،لم يوجد فيه ما يكون معرضاً للنقد والاعتراض، اللّهمّ إلاّ أوهام من بعض المكابرين، حسبوها من النقد!.
أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن امور مهمة، تتعلق بما يأتي من الانباء والحوادث، وقد كان في جميع ما أخبر به صادقاً، لم يخالف الواقع في شئ منها. ولا شك في أن هذا من الاخبار بالغيب، ولا سبيل إليه غير طريق الوحي والنبوة. فمن الايات التي أنبأت عن الغيب قوله تعالى :( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين).(١) وهذه الاية نزلت في وقعة بدر، وقد وعد الله فيها المؤمنين بالنصر على عدوهم وبقطع دابر الكافرين، والمؤمنون على ما هم عليه من قلة العدد والعدة، حتى أن الفارس فيهم كان هو المقداد، أو هو والزبير بن العوام والكافرون هم الكثيرون الشديدون في القوة، وقد وصفتهم الاية بأنهم ذووا شوكة، وأن المؤمنين أشفقوا من قتالهم، ولكن الله يريد أن يحق الحق بكلماته. وقد وفى للمؤمنين بوعده، ونصرهم على أعدائهم، وقطع دابر الكافرين.
____________________
(١) سورة الأنفال: الآية ٧.
ومنها قوله تعالى :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ).(١) فإن هذه الاية الكريمة نزلت بمكة في بدء الدعوة الاسلامية، وقد أخرج البزار والطبراني في سبب نزولها عن أنس بن مالك: أنها نزلت عند مرور النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: ( هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبرئيل ).(٢)
فأخبرت الاية عن ظهور دعوة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ونصرة الله له، وخذلانه للمشركين الذين ناوأوه واستهزأوا بنبوته، واستخفوا بأمره. وكان هذا الاخبار في زمان لم يخطر فيه على بال أحد من الناس انحطاط شوكة قريش، وانكسار سلطانهم، وظهور النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليهم. ونظير هذه الاية قوله تعالى :
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).(٣) ومن هذه الانباء قوله تعالى:(غلبت الروم. في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون)(٤) . وقد وقع ما أخبرت به الاية بأقل من عشر سنين، فغلب ملك الروم، ودخل جيشه مملكة الفرس. ومنها قوله تعالى :(أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر).(٥)
فأخبر عن انهزام جمع الكفار وتفرقهم وقمع شوكتهم، وقد وقع هذا في يوم بدر أيضا حين ضرب أبو جهل فرسه، وتقدم نحو الصف الاول قائلا: ( نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه ) فأباده الله وجمعه(٦) ، وأنار الحق ورفع مناره، وأعلى كلمته، فانهزم الكافرون، وظفر المسلمون عليهم حينما لم يكن يتوهم أحد بأن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا - ليس لهم عدة، ولا يصحبون غير فرس أو فرسين وسبعين بعيرا يتعاقبون عليها - يظفرون بجمع كبير تام العدة وافر العدد، وكيف يستفحل أمر اولئك النفر القليل على هذا العدد الكثير، حتى تذهب شوكته كرماد اشتدت به الريح، لولا أمر الله وإحكام النبوة وصدق النيات ؟ !.
____________________
(١) سورة الحجر: ألآيات ٩٤، ٩٥، ٩٦.
(٢) لباب النقول، ص ١٣٣.
(٣) سورة الصف: ألآية ٩.
(٤) سورة الروم: ألآيات ٢، ٣.
(٥) سورة القمر: ألآيات ٤٤، ٤٥.
(٦) الكشاف، ج٤ ص ٤١. تفسير القرطبي، ج ١٧ ص ١٤٦. تفسير جوامع الجامع، ج ٣ ص ٤٧. البيان في تفسير القرآن، ص ٧٠.
ومنها قوله تعالى: ( تَبَّت يَدا أبي لهبٍ وتبّ. سيصلى ناراً ذاتَ لهب. وامرأته حماّلة الحطب )(١) . وقد تضمنت هذه السورة نبأ دخول أبي لهب، ودخول زوجته النار. ومعنى ذلك هو الاخبار عن عدم تشرفهما بقبول الاسلام إلى آخر حياتهما، وقد وقع ذلك(٢) .
أخبر القرآن الكريم في غير واحدة من آياته عما يتعلق بسنن الكون، ونواميس الطبيعة، والافلاك، وغيرها مما لا سبيل إلى العلم به في بدء الاسلام إلا من ناحية الوحي الالهي. وبعض هذه القوانين وإن علم بها اليونانيون في تلك العصور أو غيرهم ممن لهم سابق معرفة بالعلوم، إلا أن الجزيرة العربية كانت بعيدة عن العلم بذلك. وإن فريقا مما أخبر به القرآن لم يتضح إلا بعد توفر العلوم، وكثرة الاكتشافات. وهذه الانباء في القرآن كثيرة.وقد أخذ القرآن بالحزم في إخباره عن هذه الامور، فصرح ببعضها حيث يحسن التصريح، وأشار إلى بعضها حيث تحمد الاشارة، لان بعض هذه الاشياء مما يستعصي على عقول أهل ذلك العصر، فكان من الرشد أن يشير إليها إشارة تتضح لاهل العصور المقبلة حين يتقدم العلم، وتكثر الاكتشافات. ومن هذه الاسرار التي كشف عنها الوحي السماوي، وتنبه إليها المتأخرون ما في قوله تعالى: ( وأنبتنا فيها من كل شئ موزون )(٣) . فقد دلت هذه الاية الكريمة على أن كل ما ينبت في الارض له وزن خاص، وقد ثبت أخيراً أن كل نوع من أنواع النبات مركب من أجزاء خاصة على وزن مخصوص، بحيث لو زيد في بعض أجزائه أو نقص لكان ذلك مركبا آخر. وان نسبة بعض الاجزاء إلى بعض من الدقة بحيث لا يمكن ضبطها تحقيقا بأدق الموازين المعروفة للبشر.ومن الاسرار الغريبة - التي أشار إليها الوحي الالهي - حاجة إنتاج قسم من الاشجار والنبات إلى لقاح الرياح. فقال سبحانه: (وأرسلنا الرياح لواقح)(٤) . فإن المفسرين الاقدمين وإن حملوا اللّقاح في الاية الكريمة على معنى الحمل، باعتبار أنه أحد معانيه، وفسروا الاية المباركة بحمل الرياح للسحاب، أو المطر الذي يحمله السحاب، ولكن التنبيه على هذا المعنى ليس فيه كبير اهتمام، ولا سيما بعد ملاحظة أن الرياح لا تحمل السحاب، وإنما تدفعه من مكان إلى مكان آخر.
____________________
(١) سورة المسد: ألآيات ١، ٣، ٤.
(٢) البيان في تفسير القرآن، ص ٤٠ - ٤٩، بإيجاز وتصرّف.
(٣) سورة الحجر: ألآية ١٩.
(٤) سورة الحجر: ألآية ٢٢.
والنظرة الصحيحة في معنى الاية - بعد ملاحظة ما اكتشفه علماء النبات - تفيدنا سراً دقيقا لم تدركه أفكار السابقين، وهو الاشارة إلى حاجة إنتاج الشجر والنبات إلى اللّقاح. وأن اللّقاح قد يكون بسبب الرياح، وهذا كما في المشمش والصنوبر والرمان والبرتقال والقطن، ونباتات الحبوب وغيرها، فإذا نضجت حبوب الطلع انفتحت الاكياس، وانتثرت خارجها محمولة على أجنحة الرياح فتسقط على مياسم الازهار الاخرى عفواً. وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن سنة الزواج لا تختص بالحيوان، بل تعم النبات بجميع أقسامه بقوله :- ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين )(١) .- (سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون)(٢) .(٣) .ومن الاسرار التي كشف عنها القرآن هي حركة الارض. فقد قال عز من قائل:
( الذي جعل لكم الارض مهداً )(٤) .
تأمل كيف تشير الاية إلى حركة الارض إشارة جميلة لم تتضح إلا بعد قرون، وكيف تستعير للارض لفظ المهد الذي يعمل للرضيع، يهتز بنعومة لينام فيه مستريحا هادئا ؟ وكذلك الارض مهد للبشر وملائمة لهم من جهة حركتها الوضعية والانتقالية، وكما أن تحرك المهد لغاية تربية الطفل واستراحته، فكذلك الارض، فإن حركتها اليومية والسنوية لغاية تربية الانسان بل وجميع ما عليها من الحيوان والجماد والنبات. تشير الاية المباركة إلى حركة الارض إشارة جميلة، ولم تصرح بها لانها نزلت في زمان أجمعت عقول البشر فيه على سكونها، حتى أنه كان يعد من الضروريات التي لا تقبل التشكيك. ومن الاسرار التي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرنا: وجود قارة اخرى. فقد قال سبحانه وتعالى: (رب المشرقين ورب المغربين)(٥) . وهذه الاية الكريمة قد شغلت أذهان المفسرين قرونا عديدة، وذهبوا في تفسيرها مذاهب شتى. فقال بعضهم: المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغرباهما، وحمله بعضهم على مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. ولكن الظاهر أن المراد بها الاشارة إلى وجود قارة اخرى تكون على السطح الاخر للارض يلازم شروق الشمس عليها غروبها عنا. وذلك بدليل قوله تعالى :(يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين).(٦)
____________________
(١) سورة الرعد: ألآية ٣.
(٢) سورة يس: ألآية ٣٦.
(٣) البيان في تفسير القرآن، ص ٧٢، بايجاز.
(٤) سورة طه: ألآية ٥٣.
(٥) سورة الرحمن: ألآية ١٧.
(٦) سورة الزخرف: ألآية ٣٨.
فإن الظاهر من هذه الاية أن البعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن حملها على مشرقي الشمس والقمر ولا على مشرقي الصيف والشتاء، لان المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة فلا بد من أن يراد بها المسافة التي ما بين المشرق والمغرب. ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقا لجزء آخر من الكرة الارضية ليصح هذا التعبير، فالاية تدل على وجود هذا الجزء الذي لم يكتشف إلا بعد مئات من السنين من نزول القرآن. فالايات التي ذكرت المشرق والمغرب بلفظ المفرد يراد منها النوع كقوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)(١) .
والايات التي ذكرت ذلك بلفظ التثنية يراد منها الاشارة إلى القارة الموجودة على السطح الاخر من الارض. والايات التي ذكرت ذلك بلفظ الجمع يراد منها المشارق والمغارب باعتبار أجزاء الكرة الارضية كما نشير إليه. ومن الاسرار التي أشار إليها القرآن الكريم كروية الارض فقال تعالى :
- ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها )(٢) .
- ( رب السماوات والارض وما بينهما ورب المشارق )(٣) .
- ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون )(٤) .
ففي هذه الايات الكريمة دلالة على تعدد مطالع الشمس ومغاربها، وفيها إشارة إلى كروية الارض، فإن طلوع الشمس على أي جزء من أجزاء الكرة الارضية يلازم غروبها عن جزء آخر، فيكون تعدد المشارق والمغارب واضحا لا تكلف فيه ولا تعسف. وقد حمل القرطبي وغيره المشارق والمغارب على مطالع الشمس ومغاربها باختلاف أيام السنة، لكنه تكلّف لا ينبغي أن يصار إليه، لان الشمس لم تكن لها مطالع معينة ليقع الحلف بها، بل تختلف تلك باختلاف الاراضي. فلا بد من أن يراد بها المشارق والمغارب التي تتجدد شيئا فشيئا باعتبار كروية الارض وحركتها. وفي أخبار أئمة الهدى من أهل البيتعليهمالسلام وأدعيتهم وخطبهم ما يدل على كروية الارض.(٥)
____________________
(١) سورة البقرة: ألآية ١١٥.
(٢) سورة الأعراف: ألآية ١٣٧.
(٣) سورة الصافات: ألآية ٥.
(٤) سورة المعارج: ألآية ٤٠.
(٥) البيان في تفسير القرآن، ص٦٧ - ٧٥، بإيجاز وتصرّف. انظر: الوسائل ج ١ ص ٢٣٧ باب ١١٦ ان أول وقت المغرب غروب الشمس، وبحار الأنوار، ج٥٧ ص٩٥.
والحديثُ عن القرآن لاينتهي لعظمتهِ وعمقهِ، ولكن لعلَّ مما تقدَّم يتَّضِحُ مقامُ القرآن الكريم وأهميَّتهِ العظمى في حياة البشر، وخصائصهِ، وما امتاز بهِ عن الكتب السماويةِ السابقةِ، ونجملُ بعضاً منها مراعين الإختصار في ماهو جديد بمايلي :١: جامعيَّتهِ وهيمنتهِ :
فهو جامعٌ لكلِّ ما ورد في الكتب المقدسة - كما أُنزلت(١) - من حقٍّ وصدقٍ، بل وزيادة(٢) ، ومهيمنٌ عليها، قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لما بين يديهِ من الكتاب ومُهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق.)(٣) .فما بالُكَ ب- (العهدين) اليوم! حيثُ ليسَ فيها إلاّ القليلِ من بقايا الوحي(٤) ؟.
٢: حفظهِ الإلهي من التحريفِ وغيرهِ :
فقد تكفَّلَ اللهُ بحفظِهِ من ألفهِ الى ياءِهِ من كُلِّ زيادةٍ أو نقصانٍ أو تغييرٍ وتبديلٍ، وأنزلَ في ذلكَ قولاً فصلاً، فقالَ تعالى :
(إنّا نحنُ نزَّلنا الذكرَ وإنّا لهُ لحافظون).(٥)
وقال الله عزَّ وجلَّ هذا ردَّاً لإنكارهم واستهزائهم في قولهم: ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) ولذلك قال: ( إنا نحن ) فأكد عليهم أنه هو المنُ-زِّل للقرآن على القطع والثبات، وأنه حافظهُ من كل زيادة ونقصان وتغيير وتحريف، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين ولم يكل القرآن إلى غير حفظه. )(٦) .
هذا وقد دُوِّنَ القرآن الكريم بخطِّ الإمامِ عليّ بن أبي طالب (ع) وإملاء رسول الله محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم تدويناً كاملاً ومن غير نقصٍ، كما أشارت الى ذلك الروايات الشريفة الكثيرة وكتب التأريخ العديدة.(٧)
____________________
(١) كما أُنزلت كاملة غير ناقصة، وقبل أن تُمَدُّ لها أيادي العبث والتخريب.
(٢) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج١، ص٢٢.
(٣) سورة المائدة: آية ٤٨.
(٤) وسنقفُ على ذلك في محلّه. لكن لايُتَوهَّمُ أنَّ هذا القليل من بقايا الوحي يستطيعُ انسانٌ مثلنا الوقوف عليه وإحصائه والتمكُّن منهُ، كلاّ وألف كلاّ، لأنّه علمٌ شاسعٌ واسعٌ، دقيقٌ عميقٌ، وربما حيَّرت العلماء والباحثين فقرةٌ واحدةٌ من بقايا الوحي في العهدين فجعلتهم في بالغ الحيرة والدهشة وأُسقطَ ما في أيديهم، وذلك من خلال ربط هذه الفقرة بغيرها وعدم التمكن من تفسيرها على الوجه الصحيح كما في الفقرات الدالة على يوم الله العظيم في آخر الزمان، وخلطها خطئاً بالفقرات الدالة على يوم القيامة والفقرات والدالة على نزول عيسى بن مريم (ع)، وهذه مشكلةٌ لم يواجهها أصحاب الكتاب المقدس فحسب، بل انما وقعت عند العلماء والمفسرين والباحثين المسلمين، فقد خلط الكثير منهم بين يوم القيامة وبين يوم الله الأعظم (يوم منجي العالم) وذلك واضحٌ في كتبهم.
(٥) سورة الحجر: آية ٩.
(٦) تفسير جوامع الجامع، ج ٢، ص ٢٩٦. تفسير الأصفى، ج١ ص ٦٢٦.
(٧) انظر: مقدمة موسوعة الفقه الاسلامية ص٣٥-٤٠. الكافي، ج١ ص٦٤، ح١، وص ٦٣. رجال النجاشي، ص٣٦٠. امالي الصدوق، ص٥١٨. نهج البلاغة، الخطبة رقم ٢١٠، ص٣٢٥ - ٣٢٨.
أنَّهُ كلامُ الله تباركَ وتعالى الملقى والمن-زل على قلبِ رسولهِ الصادق الأمين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم من غيرِ واسطةٍ، ولاترجمةٍ، ولانقلٍ بالمعنى ،.الخ، وقد تكفَّلَ الله بإنزالهِ بنفسهِ فقال سبحانهُ تعالى: (إنّا أنزلناهُ في ليلة مباركة إنا كنا منذرين)(١) . (إنّا أنزلناهُ في ليلة القدر)(٢) .
ولَمّا كان القرآنُ كلامَ الله تعالى - والله هو اسمُ للذات الأحديَّةِ الصمديَّة القدسيَّة التي حارَ وهامَ في خضَمِّ بحرها اللجيِّ جميعُ الأنبياء والرسل ( عليهم الصلاةُ والسلام ) والملائكة، بل وكلّ مخلوقٍ سوى الله عزَّ وجلَّ، وذلكَ بسببِ استتارها خَلفَ حُجُبِ الغيب(٣) التي لم يرشحُ منها اسمٌ للوجود ظاهراً مطلقاً(٤) - لذا فقد تجلّى سبحانهُ وتعالى في كتابهِ العزيز لجميعِ خلقِهِ، فهوَ بحقٍّ بيانُ الله ونوره وعلمهُ وحكمهُ وصراطهُ وهُداهُ ومعاجزهُ.الخ، وفيه صبغة الله وعظمتهُ وخُلُقهُ ورحمتهُ وغضبهُ وجمالهُ وجلالهُ.الخ، وقد خاطبَ فيهِ الناسَ على قَدَرِ عقولهم، فالكُلُّ ينتهِلُ من معينِهِ، وهو جديدٌ غضٌ طريٌّ لايَبلى ولاينتهي فهو كلّ يومٍ في شأنٍ كصاحبهِ الناطقِ بهِ سبحانهُ وتعالى.
لذافإنَّ أغراض القرآن الكريم وفوائدهُ لا تنحصر بمرحلةٍ معينة أبداً، والنبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو المعلم الالهي للقرآن يقولُ بحقِّهِ: (ظاهرٌ انيقٌ وباطنٌ عميقٌ)(٥) ، ويقول أيضاً: «للقرآن بطنٌ وظهرٌ، ولبطنهِ بطنٌ، الى سبعةِ بطونٍ»(٦) .
وبعد فان استيعاب الناس للقرآن متفاوتٌ، وقدرتهم على اكتساب المعارفالسماوية التي تنير النفوس وتمنحها الحياة فهي متفاوتة، كماقال تعالى': (فسالت اوديةٌ بقدرها)(٧) .
____________________
(١) سورة الدخان: آية ٣.
(٢) سورة القدر: آية ١.
(٣) وهي الأسماء المستأثرة، وهيَ مفاتيحُ الغيب، واليها أشارَ النبيُّ الأكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم في دعائه بقوله: ( أو استأثرتَ بهِ في علمِ غيبك ). بحا ر الأنوار، ج٨٥، ص ٢٣٤، ح١. انظر: شرح فصوص الحكم للقيصري، ج١، ص ٧٠.
(٤) أما باطناً فانَّ تأثير تلك الأسماء المستأثرة حاصلٌ وفعّالٌ في هذه النشأةِ وغيرها.
(٥) تفسير الصافى: ص٤.
(٦) نفس المصدر، ص١٥.
(٧) انظر: الشيعه فى الاسلام: ص١٠٤ - ١٠٥.
للوقوف على حقيقةِ الكتابِ المقدّس، وما يستحقُّهُ من قيمةٍ دينيَّةٍ وعلميةٍ وأخلاقيَّةٍ وتأريخيةٍ، لابدَّ لنا من التعريفِ بهِ أوَّلاً، وتقييمهِ تقييماً علميَّاً حديثاً ثانياً :
إنّ الكتاب المقدّس - كما يعتقد المسيحيون - هو مجموع الكتب الموحاة من الله، والمتعلّقة بخلق العالم وتاريخ معاملة الله لشعبه، وكذلك مجموع النبوءات عمّا سيكون حتّى المنتهى، والنصائح الدينية والأدبية التي تناسب جميع بني البشر في كلّ الأزمنة. وفي الكتاب المقدّس جميع أنواع الكتابة من نثر وشعر، وتاريخ وقصص، وحكم وأدب، وتعليم وفلسفة وأمثال وإنذار(١) .
ويبلغ عدد الكتّاب ( الملهمين ) الذين كتبوا الكتاب المقدّس أربعين كاتباً. وهم من جميع الطبقات، فبينهم الرّاعي والصيّاد وجابي الضرائب والقائد والنبي والسياسي والملك و. وقد إستغرقت مدة كتابة الكتاب المقدّس ألفاً وستمائة سنة، وكان جميع هؤلاء الكتّاب من الامّة اليهودية ماعدا لوقا كاتب الإنجيل الذي دعي باسمه إذ يظن أنه كان أممياً من أنطاكيا، والنسخ الأصليّة للكتاب المقدس ليست موجودة الآن، بل كل ما هو موجود هو نسخ مأخوذة عن ذلك الأصل.ويعتقد المسيحيّون كذلك أنّ الكتاب المقدّس - باعتباره أصل الإيمان المسيحي ومصدره - خال من الأخطاء والزلل وفيه كل ما يختص بالإيمان والحياة الروحية، وأنه كلمة الله وقاعدة الإيمان والحياة العمليّة لجميع البشر(٢) . وينقسم الكتاب المقدس الى عهدين:١: العهد القديم.٢: العهد الجديد.وسوف نعطي نبذة مختصرة عن كلّ واحد من هذين العهدين بشكل مستقل، ولأنّ المسيحيين يعتقدون أنّ العهد القديم كان تمهيداّ للعهد الجديد، وأنّ العهد الجديد هو المتمِّم لهُ، فهو أكثر أهميّة من العهد القديم، لذا فإننا سنعطيه مجالاً أوسع من صاحبه بقليل.(٣)
____________________
(١) قاموس الكتاب المقدّس، ص ٧٦٢.
(٢) مقدّمة الكتاب المقدّس، بايجاز.
(٣) هبة السماء (رحلتي من المسيحية الى الإسلام)، ص ١٩ - ٢٠. بتصرّف.
١: العهد القديمكتب أكثر العهد القديم باللغة العبرانيّة، وقد وجدت بعض الفصول بالاراميّة وهي لغة شبيهة بالعبرانيّة، والعهد القديم الموجود بين أيدينا مأخوذ من النسخة الماسورية التي أعدتها جماعة من علماء اليهوديّة في طبرية من القرن السادس الى الثاني عشر للميلاد(١) . ويتألّف العهد القديم من ( ٣٩ ) سفراً أو ( ٤٣ - ٤٤ ) سفراً حسب الكنيسة بإضافة أسفار أو أجزاء أسفار وصفت ( بالقانونيّة - اللاحقة ). وقد قسّم اليهود أسفار العهد القديم إلى ثلاثة أقسام وهي :١: التوراة أو الناموس.٢: ألأنبياء، وهم الأولون والمتأخّرون.٣: الكتب.وذلك في إجتماع لمعلّمي الشريعة من مختلف البلدان في فلسطين سنة ٩٠ (ب. م).(٢) وأما ترتيبها فهي كالآتي :أ: التوراة أو الناموس: وهي أسفار موسىعليهالسلام الخمسة وهي :
١: تك: لسفر التكوين: وهو الأول من التوراة ويسمّى أيضاً بسفر ( الخليفة ) بمقتضى تسمية الترجمة السبعينيّة، ويسمّى بالعبرانية ( جرنشيت ).
٢: خر: لسفر الخروج وهو الثاني بتسمية السبعينية، وفي العبرانيّة يسمى(واله شموت).
٣: لا: لسفر اللاويين، وهو الثالث بتسمية السبعينية، وفي العبرانية يسمّى (ويقرا).
٤: عد :لسفر العدد ،وهو الرابع بتسمية السبعينية، وفي العبرانية يسمّى (ويدبر ).
٥: تث: لسفر التثنية: وهو الخامس بتسمية السبعينية، وفي العبرانية يسمّى (اله) ويسمّى أيضاً دباريم.وأمّا بقيّة الأسفار فهي :
٦: يش: لسفر يشوع النبي.٧: قض: لسفر القضاة.٨: ( را ): لكتاب راعوث.٩: ١، اصم: لسفر صموئيل الأول.١٠: ٢، اصم: لسفر صموئيل الثاني.١١: ١، امل: لتاريخ الملوك الأول.١٢: ٢، مل: لتاريخ الملوك الثاني.١٣: ( ١ أي ): لتاريخ الأيام الأولى.١٤: ( ٢ أي ): لتاريخ الأيام الثاني.١٥: ( عز ): لكتاب عزرا.
____________________
(١) قاموس الكتاب المقدّس، ص ٧٦٣.
(٢) مقدّمة الكتاب المقدّس، بايجاز.
١٦: ( نح ): لكتاب نحيا.
١٧: ( اس ): لكتاب استير.
١٨: ( أي ): لكتاب أيوب.
١٩: ( مز ): لمزامير داود أي الزبور.
٢٠: ( ام ): لأمثال سليمان.
٢١: ( جا ): لكتاب الجامعة المنسوب لسليمان.
٢٢: ( نش ): لنشيد الانشاد.
٢٣: ( اش ): لكتاب أشعيا.
٢٤: ( ار ): لكتاب أرميا.٢٥: ( حرا ): لمرائي أرميا.٢٦: ( حز ): لكتاب حزقيال.٢٧: ( دا ): لكتاب دانيال.٢٨: ( هو ): لكتاب هوشع.
٢٩: ( يوء ): لكتاب يوئيل.
٣٠: ( عا ): لكتاب عاموس.
٣١: ( عو ): لكتاب عوبديا.٣٢: ( يون ): لكتاب يونان أي يونس بن متى.
٣٣: ( مي ): لكتاب ميخا.٣٤: ( نا ): لكتاب ناحوم.٣٥: ( حب ): لكتاب حبقوق.
٣٦: ( صف ): لكتاب صنفينا.
٣٧: ( حج ): لكتاب حجي.
٣٨: ( زك ): لكتاب زكريا.
٣٩: ( مل ): لكتاب ملاخي.
ولهذه الكتب في النسخ العبرانيّة ترتيب آخر من حيث التقديم والتأخير(١) . وأمّا الأسفار ( القانونية - اللاحقة ) فهي:١: سفر طوبيا.٢: سفر يهوديت.٣: سفر نبوءة باروك.٤: سفر المكابين.(٢)
____________________
(١) الهدى الى دين المصطفى: ص ٧.
(٢) كتاب ( المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ) ص ١١١.
والكنيسة تعتبر أسفار العهد القديم أسفار قد دوّنت بإلهام روح القدس، وعلى هذا فهي تقبله في عداد الكتب المقدسة، مع إنّ هناك إختلافاً بين العهد القديم عند اليهود والذي قبلته الكنيسة، ويعود هذا الإختلاف، الى إختلاف اللاهوتيين اليهود أنفسهم، فالبعض يصرّحون في الواقع أنّ الروح ( أي روح الله الذي يوحي ) لم ين-زل على أحد منذ غياب الأنبياء المتأخرين مثل: حجي وزكريا وملاخي، وبعض الفئات الأخرى من اليهود ( الأسانيين في قمران، واليهود المتشتتين في المعمورة ) تمسكوا بإستمرارية الوحي. والكنيسة تمسكت بدورها بهذه الإستمرارية مستندة في ذلك الى شهادة المسيحعليهالسلام والرسل. وأيضا تتمسك بالترجمة ( السبعينيّة )(١) وهي (ترجمة يهودالإسكندرية للعهد القديم الى اللغة اليونانية ويعتبرونها كتابهم الخاص ) لنفس السبب(٢) . واعتقاد أرباب الكنيسة بأنّ العهد القديم كتاب سماوي وموحى يستندون فيه الى إستشهاد المسيحعليهالسلام والرسل بالعهد القديم فهم كانوا يعتبرونه كتابا ملهماً، روحياً، الهياً والإستشهاد به دليل على ذلك(٣) .
ويتّضح من هذه المقدمة أنّ أسفار العهد القديم قد ظهرت للوجود تدريجيّاً ولمدة حوالي خمسة عشر قرناً لتؤلّف لنا العهد القديم، وأنّ المسيحيين يرون أنّ هذا العهد كلّه كان تمهيداً وبشارة بمجيء يسوع المسيحعليهالسلام ويستشهدون بنبوءات كثيرة جاءت فيه وتحققت هذه النبوءات في المسيحعليهالسلام .
وفي الحقيقة فإنّي لست في صدد البحث في العهد القديم وتأريخه بشكل مفصّل هنا، ولكن لابدّ من الإشارة الى بعض النقاط المهمّة التي أوقفتني من خلال الدراسة والتمعّنِ والتحقيق فيه، ومنها :
____________________
(١) ( الترجمة السبعينيّة ) :( التي بدأت سنة ٢٥٠ وانتهت حوالي ١٥٠ ق. م وقد بدأت هذه الترجمة بأمر بطليموس فيلادلفوس الذي حكم مصر عام ٢٨٠ ق. م وقيل إنّ عدد هؤلاء المترجمين كان إثنين وسبعين ولهذا دعيت بالسبعينيّة. وكان اليهود يزعمون أنّ الله أوحى للعلماء الذين قاموا بالترجمة البعينية بكلمات هذه الترجمة، ولكن عندما أخذ المسيحيون يستشهدون بآياتها ضد العادات والتعاليم اليهودية التي كانت سائدة في عصرهم عاد اليهود الى الأصل العبراني وأهملوا هذه الترجمة ) قاموس الكتاب المقدس: ٧٦٨.
(٢) المسيح في الفكر الإسلامي: ص ١١٠.
(٣) نفس المصدر.
١: انّ هذه الأسفار ( المقدسة )، قد كتبت خلال فترة خمسة عشر قرناً تقريباً أو أكثر، ومعظم النصوص الأصلية أو كلها مفقودة الآن، إضافة الى هذا فإنّ الكثير منها لايعرف مؤلفوها فهي مجهولة ولامن هو ناسخها ومتى كتبت، والنسخ المتوفرة مأخوذة عن نسخ أصلية كما يعتقد في أحسن الأحوال، فهل يمكن القول بأنّ الناسخ لهذه الكتب الجديدة لم يخطيء ،ولاسيما عندالقول بأن هذه الكتب مترجمة من اللغة العبرية الى اللغات الاخرى ؟ !
وهل هذه الترجمة - كما يعتقد اليهود في الترجمة السبعينية - أنما تمّت بوحي من الله تعالى ؟ ولهذا أعتقد أنّ هذه الكتب والأسفار التي بين أيدينا الآن من العهد القديم لايمكن الإعتماد عليها بشكل قاطع ويقيني ولايمكن الإطمئنان من إنها لم تتسرب اليها الأخطاء اذ ينقل في قاموس الكتاب المقدس مانصّه :( وكلّ ما وصل الينا هو نسخ مأخوذة عن ذلك الأصل. ومع أن النساخ قد اعتنوا بهذه النسخ إعتناءاً عظيماً فقد كان لابدّ من تسرّب بعض السهوات الإملائية الطفيفة جدّاً اليها )(١) .
فعلى أقلّ تقدير هناك شكّ في أن هذد النسخ الموجودة هي نفس النسخ الأصلية، ولذا نرى الإختلافات القائمة بين علماء الكتاب المقدس حول هذه الأسفار.
٢: نحن بإعتبارنا مؤمنون بالله ورسالاته وعلى إختلاف المذاهب والأديان نعتقد بأنّ الأنبياء الإلهيين هم من أفضل البشرية ولهذا نستطيع القول بأنّهم صالحون وعلى الأقل معصومون من الذنوب والخطايا التشريعية، ولكننا للأسف نجد في هذه الأسفار، وفي مواضع كثيرة نسبة هذه المعاصي والخطايا الكبيرة لهؤلاء الأنبياء العظام، كشربهم للخمر والزنا بالمحارم وغير ذلك من الأمور التي يأبى كل مؤمن شريف التفكير بها فضلاً عن مزاولتها،. ومن أراد التوسّع فليطالع العهد القديم.(٢)
٣: من المسائل التي يمكن ذكرها أيضاً كثرة التناقضات الموجودة فيها، ففي القصة الواحدة مثلاً نرى أنّ بعض الأسفار تخالف الأسفار الاخرى، بل نجد في السفر الواحد بعض التناقضات.(٣) وكلّ ما تقدّم، يقودنا الى القول بأن هناك تدخّلاً كبيراً للبشر في هذه الأسفار، ويستحيل قبولها على أنّها وحي الهيّ.(٤)
____________________
(١) قاموس الكتاب المقدس: ص ٧٦٣.
(٢) انظر :سفر التكوين ١٩: ١ - ٣٨،و( ١ ملوك: ١١: ١ - ٢٥ )، و ( التكوين: ٩: ١ - ٢٩ )، و ( اصم: ١٩: ٢٠ - ٢٤ )، وأيضاً أشعيا ( ٢٠: ١ - ٦ ).
(٣) ففي سفر التكوين ينقل عن قصة نوح والسفينة بأنه أمر أن يأخذ معه من كلّ ذي جسد اثنين ذكراً وانثى. انظر: ( تك ٦: ١٩ - ٢٠ )، وفي نفس السفر يأتيه الأمر ( أن تأخذ سبعة سبعة ذكراً وانثى ) انظر: ( تك ٧: ٢ - ٣ ) وأمثال هذا كثير في أسفار العهد القديم.
(٤) هبة السماء ( رحلتي من المسيحية الى الإسلام )، ص ٢١ - ٣٠. بإيجاز وتصرّف.
٢: العهد الجديد
العهد الجديد هو القسم الثاني من الكتاب المقدّس ،ويحتوي على كتابات تعود الى النصف الثاني من القرن الأوّل المسيحي، ودوّنت هذه الكتابات باللغة اليونانية التي كانت شائعة آنذاك في حوض البحر البيض المتوسّط(١) . ويوجد هناك قسمان من النسخ للعهد الجديد(٢) :
أولا: النسخ الأسفينية: وهي المدوّنة بحروف كبيرة، فحروفها مفردة لاتقطّع فيها تقريبا، وفي أعمدة متساوية العرض، وفي كلّ صحيفة يوجد من عامود الى اربعة عواميد، وهذه نسخ مكتوبة في رقوق على هيئة كتب،وإنّ أحدث النسخ اللأسفينيّة كتبت في القرن العاشرالميلادي،وأقدم النسخ من بعض أسفار العهد الجديد وجدت مكتوبة على البردي وترجع الى القرنين الثاني والثالث الميلاديين مثل بردي بودمر وغيره. أما أمّ النسخ الكاملة من العهد الجديد بجملته فهي النسخة السينائية والنسخة الفاتيكانية وقد كتبتا في القرن الرابع الميلادي، وهناك أيضا النسخة الإسكندرانية التي كتبت في القرن الخامس الميلادي.ثانيا: النسخ الجرارة: وهي التي كتبت بالخط الإعتيادي، اذ أخذ النسّاخ منذ القرن الحادي عشر يكتبون على ورق مصنوع من القطن والكتان.ولقد حاول علماء الكتاب المقدّس وضع نص موحّد للعهد الجديد تتفق عليه كلّ الكنائس المسيحيّة ويكون الأقرب الى النصّ الأصلي، ولكن لايزال يدور الى اليوم جدل حول صحّة بعض القراءات للعهد الجديد والتشكيك قائم الى يومنا هذا لبعض أسفار العهد الجديد وقانونيّتها.
والظاهر أنّ العهد الجديد هو الآخر إستقى كتّابه معلوماتهم من التعاليم الشفاهيّة، وكتب كلّ واحد منهم ماوصل اليه من هذه التقاليد الشفهوية في كتب، وكانت هذه الكتب في بداية القرن الثاني الميلادي تتجاوز المائة، وقد حاولت الكنيسة جمع ماتراه مناسبا لتعاليمها ووضعته في كتاب واحد هو العهد الجديد. ورفضت الكثير من الكتب الأخرى التي كان البعض منها يحتوي على جزئيّات أكثر عن حياة السيد المسيحعليهالسلام مما ذكره كتّاب الأناجيل الأربعة ولكنها رفضته واعتبرت تلك الكتب أناجيل منحولة لااعتبار لها. وقد عقدت مجامع كنسيّة كثيرة لوضع لائحةللأسفار المقدّسة للعهد الجديد، فقد أمر مجمع لادوكية (٣٦٣ ب. م) ومجمع هيبون (٣٩٣ ب. م) ومجمع قرطاجة (٣٩٧ ب. م) بوضع لائحة لأسفار العهد الجديد مماثلة الى حدّ كبير للعهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم.
____________________
(١) يعتقد بعض علماء الكنيسة أنّ اللغة اليونانية مناسبة جدّا للفلسفة واللاهوت ولذلك إختارها الله لإعطاء وصاياه بواسطتها من جهة التعاليم المسيحيّة، ويونانيّة العهد الجديد هي ما تسمّى ( بالكوني ) وهي اللغة العاميّة ممزوجة ببعض الإصطلاحات العبرانيّة، ويظهر هذا الإمتزاج بنوع خاص في في إنجيلي متى ومرقس وسفر الرؤيا.
(٢) قاموس الكتاب المقدّس، ص ٧٦٤.
وأما السؤال عن الدلائل على كيفية جمع هذه الكتب فقط لتكون كتاباً واحداً دون غيرها؟، فيجيب آباء الكنيسة على ذلك: «أن بشائر الاربعة كانت وحدها قيد الاستعمال الرسمي، ويؤكد ذلك ما ذكره ايريناوس عن «الاناجيل الاربعة» وهو من آباء الكنيسة الاولين، وأيدترتوليان وآباء آخرون في زمانه صحة هذا الأمر ففي نهاية القرن الثاني كانت البشائر الاربعة (الاناجيل) واعمال الرسل (كتباً مقبولة) بلا جدل، كذلك لقيت رسائل بولس في هذا الوقت مالاقَتهُ الاناجيل الاربعة من اعتبار، وهناك دلائل اخرى على قبول رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الاُولى، اما باقي كتب العهد الجديد فالدلائل على قبولها قليلة، وفي الواقع أن تاريخ جمع كتب العهد الجديد في كتاب واحد قانوني في القرنين الثالث والرابع الميلادي يدور حول مقام هذه الكتب الباقية، فأن اختيار الكتب «المصادق عليها» تأثر إلى حد كبير بملائمة هذه الكتب للقراءة الجهارية في الكنائس»(١) .وهنا أيضاً نكتة يجب الالتفات إليها وهي أن اسفار العهد الجديد وحتى نهاية القرن الثاني لم يكن أحد يتكلم بجلاء وصراحة عن الالهام فيها، حتى آباء الكنيسة، بل الكنيسة كانت في القرن الثاني تعتبر العهد القديم فقط كتاباً مقدساً بالدرجة الاُولى، وكانت تسمية العهد الجديد ذاتها لم تكن قد ولدت بعد، بل كان لا بد من انتظار عدة قرون قبل أن نسمع عبارة «الكتاب المقدس الملهم» التي نعت بها العهد الجديد(٢) .
وأما لماذا اختارت الكنيسة هذ الكتب دون غيرها، فالجواب هو «أن هذه الكتب تعطينا بشكل أفضل ما كانت تؤمن به الكنيسة الاُولى، فانها توضح الايمان الرسولي، أي ان اعتقاد الكنيسة هو أن هذه الكتب تمثل العصر الرسولي، فالواضح أن الكنيسة في القرن الرابع هي التي فتحت ميزة الالهام لهذه الكتب، ولكن علماء المسيحية يرفضون هذا القول ويؤكدون: «أن الكنيسة لم تمنح صفة الالهام لهذه الاسفار (العهد الجديد) بل أن محتوى هذه الاسفار ذاته هو الذي دفع بالكنيسة لتميزها عن الكتب الاخرى»(٣) وقبل الخوض في البحث عن اسفار العهد الجديد أود الإشارة إلى مسألة الاخرى وهي أن المسيحعليهالسلام لم يكتب شيئاً ابداً حسب ما تدعيه الكنيسة، بل ولم يأمر أحداً من تلاميذه بتدوين اقواله واعماله، ولكن بعد رفعه إلى السماء ولأسباب عديدة تذكرها الكنيسة(٤) بدء المسيحيون الاوائل بكتابة مستندات وكتب ورسائل تشير إلى حياة المسيح وتعاليمه، وكان ذلك بعد منتصف القرن الاول للميلاد.
____________________
(١) المرشد إلى الكتاب المقدس ص ٧٣.
(٢) المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ص ١١٧.
(٣) نفس المصدر ص ١١٨.
(٤) ومن تلك الاسباب: رغبة المسيحيين بالحصول على معلومات أوسع عن حياة وتعاليم المسيحعليهالسلام ، وأيضاً تقدم السن بالرسل الاولين والاضطهادات التي كانت تحيطهم وتهدد حياتهم، وكذلك ظهور الافكار العقائدية الباطلة تحت تأثير الوثنية والعنصرية اليهودية، واخيراً البعد الزمني،لظهور المسيحعليهالسلام وتعاليمه وكذلك الابتعاد عن مركز المسيحية أي مدينة أورشليم وغيرها من الاسباب: المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ص ١١٣.
وهي بهذا الادعاء تريد التأكيد على أنه لم يكن هناك في زمن المسيحعليهالسلام أو حتى بعد رفعه كتاب خاص به يسمى بالانجيل، بل كانت تعاليمهعليهالسلام كلها شفاهية ولم تدون ابداً، خلاف ما يدعيه الإسلام والقرآن.
وهناك مقولة للمسيحيين تقول أن الانجيل موجود في الاناجيل، أي أن انجيل يسوع له أربع روايات، وسمي كل واحد من كتّاب هذه الروايات إنجيلياً وبالعربية البشير أي مدون الانجيل أو البشارة.وأما كلمة انجيل فقد استعمل المسيحيون منذ ظهور الدين المسيحي كلمة «انجيل» وهي كلمة يونانية تلفظ «ايوانجيليون» وهي اسم جنس واستعملت بمعنى البشرى أو البشارة أي الخبر السار المفرح، وأما عند استعمالها في المسيحية والعهد الجديد تعني بشارة الخلاص التي حملها يسوع المسيح إلى الناس أجمعين(١) .
والظاهر أن الأناجيل الاربعة قد رأت النور في القرن الاول للميلاد، وقد كتبت في فترات مختلفة، فمثلا المشهور أن مرقس دون انجيله نحو سنة ٦٧، ومتى ولوقا بين ٨٠ - ٩٠ وربما قبل ذلك، ويوحنا قبل نهاية القرن الاول، وأما رسائل بولس فهي أقدم من الأناجيل كما هو معروف في التقليد المسيحي، وسفر اعمال الرسل والرسائل العامة الاخرى التي تشكل أسفار العهد الجديد كتبت جميعها قبل نهاية القرن الاول الميلادي، وأسماءها حسب الترتيب الموجود بين ايدينا في جميع نسخ العهد الجديد وهي تشكل:
(٢٧) سفراً، هي كالتالي :١: انجيل متى.٢: انجيل مرقس.٣: انجيل لوقا.٤: انجيل يوحنا.٥: اعمال الرسل.٦: رسائل بولس، وهي ثلاث عشر رسالة :
(رومة،كورنيشوس الاُولى، كورنيشوس الثانية، غلاطية، أفسس،فيليبي،كولوسي، نسالونيكي الاُولى، تسالونيكي الثانية، تيموثاوس الاُولى، تيموثاوس الثانية، تيطس، فيلمون)، الرسالة إلى العبرانيين، الرسائل العامة وهي سبعة: (رسالة يعقوب، رسالة بطرس الاُولى، رسالة بطرس الثانية، رسالة يوحنا الاُولى، رسالة يوحنا الثانية، رسالة يوحنا الثالثة، رسالة يهوذا)، رؤيا يوحنا.(٢)
____________________
(١) المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ص ١٢٠.
(٢) حقيقة المسيح، ص١٣ - ١٧. بتصرّف.
وقد سميت الأناجيل الثلاثة الاُولى ب-«الأناجيل المتشابهة»، والعلاقة بين الأناجيل المتشابهة النظرة مسألة حيَّرت العلماء لأجيال عديدة، فقد اعتبر الكثير من العلماء أن المصدر لهذه الأناجيل الثلاثة هو مستند واحد، وهذه الأناجيل تختلف كثيراً عن الانجيل الرابع (انجيل يوحنا)، وليس من السهل مقارنة انجيل يوحنا مع الأناجيل المتشابهة النظرة، وقد قال بعضهم أن يسوع في يوحنا يختلف كثيراً عن يسوع في الأناجيل الاخرى(١) .
وهنا لابدَّ لنا من قولِ كلمةِ حقٍّ وإنصافٍ في العهدين، وبيان واحدةٍ من أهمِّ المسبِّبات التي أدَّت الى الضرَرِ بهما، ألا وهي آفاتُ الترجمة وما يرتبطُ بها، وشيءٍ من الفروقات بين مترجمي العهدين :كلمة إنصاف في العهدينبعد أن تعرّفنا على الكتاب المقدّس، واطّلعنا عن قربٍ على عهديه ( القديم والجديد) وأحطنا بما طَرَأَ عليهما خلال هذه المدّة الطويلة من الزّمن، وعدم توثيقهما علميّاً على إطلاقهما(٢) لدى العلماء والباحثين، وكثرة الجدل الدائر حولهما. وما الى ذلك، ولكن يبقى هناك سؤالٌ مهمٌّ يطرحُ نفسه ولابدَّ من الإجابة عليه وهو :مامعنى أن نَجدَ - من خلال البحث والتدقيق بل وحتى في المطالعة العابرة - مايوافقُ القرآن الكريم والسّنة النبويّة المطهّرة، كما في: ( بعض النصوص، أو بعض الفقرات في النصوص ) الواردة في أسفار الكتاب المقدس، سواء في العهد القديم أو الجديد ؟.
ألا يَدلُّ ذلك على أنّ هناكَ بعضَ النصوص، أوبعضَ الفقرات في تلك النصوص(٣) على أقلّ التقديرات، قد وردت بالتواتر مثلاً، وإن نقلت شفاهاً أوبالمعنى أو تُرجمت. وما الى ذلك ؟
ألا يدلّ ذلك على أنّ من بين من قاموا بحفظها وكتابتها كانوا رجالاً صالحين مؤمنين، حفظوا الأمانة الدينيَّة والعلمية ورعوها في عهدهم ولو لفترات معيّنة ليست بطويلة نسبيّاً، ولكن حفظت لنا بعض الحقّ والصّدق الذي ما زالَ يلمعُ نيّراً مشرقاً في العهدين، بل وما أكثر ذلك الحقّ والصدق، لو أمعنّا النظر ؟.
____________________
(١) المرشد إلى الكتاب المقدس ص ٥٣٢.
(٢) ليس بمقدور أحد أن يوثّق كل ما جاء في العهدين القديم والجديد، ويثبت أنّ كل ماجاء فيهما هو كلام موحى، والعكسُ بالعكس.
(٣) يطلقُ عليها ويسميها بعض العلماء والباحثين: ( الآيات ) أُسوةً بآيات القرآن الكريم، لأنهم يعتقدون أن بعضها من بقايا الوحي !، انظر: الإسلام في الكتب السماوية، ص ٢٣٧ - ٢٣٨. المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ٥٣ - ٥٤. المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص٢٤٥. الخ، وستأتي الإشارة الى بعض ذلك في بحثنا هذا انشاء الله تعالى.
ثُمَّ ما معنى أن يحكُمَ علماءُ الإسلام الربانييّنَ، بوجوب أخذ الكتب السماوية من يد الكافر، لأنها تشتملُ على أسماء الله، وأسماء الانبياء (ع)، وعلى أحكامه سبحانه، وقالوا بعدم كونها مفتعلةً بأسرها.، وهذا ما أشارَ اليه أحدُهم بقوله: (أن المصحفَ لو وجب أخذه من يد الكافر بهذا المناط، لوجب أن يؤخذ منهُ غيرهُ من الكتب السماوية كالتوراة وغيرها، لاشتمالها على أسماء الله وأسماء الانبياء بل وعلى أحكامه سبحانه، لعدم كونها مفتعلةً بأسرها فلو بقيت عنده لمسَّها ونجسها وهو حرامٌ).(١)
أَوَ هَل يُعقَلُ أنَّ الصَّرحَ الإلهيَّ المقدَّس، الذي بناهُ قاهرُ الجبّارين وعَلاّمُ الغيوب في التوراة والإنجيل والزبور وصُحُف الأنبياء، قد هَدَّهُ الأشرارُ من خَلقه، واندَثَرَ ولم يبقَ منهُ ما يَبُلُّ الغليلَ ؟، وأنَّ من العيبِ المخزي أن يَظُنَّ أحدٌ من الخلقِ ذلك، بل انَّ الذي انهدمَ وتلاشى هو صرحُ فرعونَ وهامان ونمرود وأشباهمم وأمثالهم ومن خلفهم ابليس لعنهُ الله تعالى وأخزاه.
ثُمّ ما معنى أَن يحتجَّ النبيُّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة من أهل البيت (ع) على أهل الكتاب بنصوصٍ من التوراة والإنجيل والزَّبور وصحف الأنبياء، فيُفحمونهم ويُبطلوا حُجَجَهم ويُثبتوا لهم صدقَ ما جاءت به تلكَ الكتب السماوية، بل والأعجبُ من ذلك كُلّه أنَّهم (عليهم الصلاةُ والسلامُ) كانوا يحفظونها عن ظهر قلبٍ! ،(٢) ولم تَصدُرَ عنهم أيّةَ كلمة إهانةٍ أو استهزاءٍ كلاّ وحاشاهم، بل أثبتوا فيها الحقَّ حقّاً والباطلَ باطلاً.وكثيراً ما احتجَّ علماءُ المسلمين أيضاً بذلك على طول التأريخ، وهي عند الكثير منهم ذات قيمةٍ كبيرةٍ، إذ لايُعقَلُ أن نحتجَّ بها ثُمَّ نشتمها !.
____________________
(١) فقه السيد الخوئي، كتاب الطهارة - ج ٢ص ٣١٧، و ج ٣ ص ٣١٦، هل يحرم إعطاء المصحف بيد الكافر.. :( ثالثاً) :. الخ.
(٢) الكلامُ على مستوى الحد الوسط بين معتقدات الجميع، وأمّا عقيدتنا في الأنبياء والأوصياء(عليهم الصلاة والسلام) فهي تفوق ذلك بالكثير الكثير، وهم فوق ذلك بكثير.
ولو تدبَّرنا في بعض آيات القرآن الكريم، لحلَّت لنا الكثيرَ من العُقَد ولأَزالت عنا الكثيرَ من العناء فقد قال الله تبارك وتعالى :- ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون. وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ).(١) - ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا باياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون. ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين. أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ).(٢) - ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ).(٣) - ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا).(٤) - (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب).(٥) - ( قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ).(٦)
____________________
(١) سورة المائدة: آية ٤٤ - ٤٨.
(٢) البقرة: ٤٠- ٤٤.
(٣) البقرة: ١٠١.
(٤) النساء: ٤٧.
(٥) آل عمران: ١٩٩.
(٦) المائدة: ٦٨.
- ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ).(١) - ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين)(٢) .
ويجدُ العلماءُ والباحثُون في ( العهدين ) أنّ هناكَ نصوصاً صريحةً ودقيقةً وتحملُ نوعاً من الإعجاز الذي لايخفى(٣) على كُلّ طالب حقيقةٍ، وعلى سبيل الثال لا الحصر: ما نلاحظُهُ في ذكر الحوادث المستقبليّة كبعض ( النبوءات، وعلامات ظهور المصلح الأعظم في آخر الزمان، وذكر حادثة مهمّة - لها ثقلها في السموات والأرض في قضيّة إمتداد الخطّ الإلهيّ المقدس وتبتني عليها الثورة الإصلاحية الكبرى لمنقذ العالم في آخر الزمان - أعني واقعةكربلاء الأليمة، التي ورد ذكرها على لسان جميع الأنبياء والرّسل(ع) وبكوا لأجلها بحرقةٍ وألم ٍ بالغ ٍ).ثُمّ أنّ الأعمّ الأغلب من هذه النصوص الواردة في ( العهدين ) ليس لها دخلٌ بالتشريع الإلهيّ الذي قد يَمقُتُهُ البعضُ، ويحاول الفرارَ أو النيلَ منه ،أو إخفاءهُ وطمسهُ، لذا فهي لاتزاحم سياسات الظالمين والمنحرفين على مرّ الدهور لأنّها تتعلّقُ بزمنٍ غير زمنهم وبشعوبٍ وأممٍ غير شعوبهم وأممهم، فعلامَ يتمُّ تحريفَها أو إخفاءَها، ولعلَّ هذا أحد الأسباب المهمّة التي أدّت الى حفظها وعدم ضياعها حتى وصلت الينا بثوبها الجميل البهيّ، وإن شابَها شيءٌ ليسَ من سنخها، بسبب القدَم والنسخ والترجمة. ؟ومع هذا فإننا لانقول مطلقاً بعدم وصول يَد التحريف والتخريب اليها عمداً أو من غير قصد العمد، بسبب الترجمة، أوالنقل بالمعنى، أو تعاقب الترجمات في بعضها.الخ، ولكنّ التمعّن في بعض النصوص يورث الإطمئنان بأنّها ترجمةٌ لنصٍّ مُوحى(٤) وإن سَقَطَ منه شيء أو أ’ضيف اليه شيءٌ أو حُذفَ منهُ شيءٌ، وذلك لأنّ فيها نفحةٌ من الغيب واضحةٌ، وسُمُوٌّ في نقل الصورة المستقبلية للحدث المنتظر، يصعب جدّاً، بل يستحيلُ على أيّ إنسان مهما كانت درجتُهُ العلميّة الإلمامُ بها والإحاطة بجزئيّاتها، ومن ثمّ تقديمها الى العالم على انّها بشارةٌ سماويّةٌ حتميّة الوقوع، ماخلا الأنبياء وأوصيائهم ( عليهم الصلاة والسلام ) فهم يُوحى اليهم ويُحدّثون.
____________________
(١) يونس: ٩٤.
(٢) سورة آل عمران: ١١٣- ١١٥.
(٣) وسنمرّ بشيء منها في بحثنا هذا كلٌّ حسب موضوعه و موقعه مع شيء من التحليل للوقوف على جمال ودقّة النص.
(٤) وخير ما عبّرَ به العلماء قولهم هي: من بقايا الوحي، انظر على سبيل المثال لاالحصر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص٢٤٥. والنص في سفر إشعياء النبيّ (ع) ١١: ١ - ١٠. وحواشي الكتاب المقدس، على المجلد الأول، ص ٥.
إننا إذا قمنا بترجمة القرآن الكريم الى اللغة الإنكليزية مثلاً، فالكتاب الحاصل بعد الترجمة ليس من حقّنا أن نسميه ( قرآناً ) ولا حتى (ترجمة القرآن )، بل الحقّ أن يسمّى (ترجمةٌ للقرآن ) ،لأنّهُ سيكون ليس كلام الله تعالى قطعاً، بل كلامنا نحن، نحن الذين قمنا بترجمته الى تلك اللغة ؛ ومعنى ذلك: وهذا ما نراه بالوجدان، أنّ القرآن الكريم إذا تُرجمَ الى اللّغات الاخرى فإنه يفقد الكثير من ( المعاني المحتملة، والصور المنقولة، والعمق، والبيان، والبلاغة، وبعض نواحي الإعجاز،. الخ ). وكذلك ترجمات الكتب المقدّسة الاخرى، مع مابها من علاّتٍ أُخَر. لذلك فقد لعبت الترجمات دوراً كبيراً في التشويش والتشويه، وذلك يرجع الى التفاوت الكبير بين المترجمين أنفسهم علميّاً وعقائديّاً، ومن الجدير بالإهتمام أن نذكر شيئاً من ذلك. علماً إننا سنشير الى بعض الشواهد على هذا المدّعى كلٌّ حسبَ موقعه من هذا البحث.
عند دراسة العهدين نجد هناك فروقاً واضحةً بين مُعظَم الترجمات التي قاربت الألف ترجمة للكتاب المقدّس بكلا عهديه لحدّ الآن، ومن الطبيعي لايمكننا الأحاطة بها في بحثنا هذا، ولكن لوقمنا بدراسة إستقرائية لبعضها يتجلّى ذلك بوضوح ؛ وفي البدء لو أننا نظرنا الى المترجمين أنفسهم، على سبيل المثال لاالحصر، ولاحظنا بعض الفروق بين: المترجم ( العالم المتخصّص، ذي العقائد الحقّة والمعارف الهيّة )، وبين المترجم (اللّغوي - الأديب - )، في العهدين. مع عظيم إحترمنا لكافة الجهود العلمية التي بُذلت لترجمة الكتاب المقدس والإعتناء به ولازالت تبذل ؛ ولنُجمل شيئاً من تلك الفروقات بمايلي :
١: إنّا نجد فرقاً ومميّزاً واضحاً بين المترجم العالم باللغة ( الأديب )، وبين المترجم العالم باللغة والعقائد الحقّة والمعارف الإلهية من أتباع مذهب أهل البيت (ع).فالمترجم اللغوي يحاول قدر الإمكان أن يُبرزَ معاني الألفاظ بصورة جيدة فقط ؛ فهو مثلاً يُثبتُ معنىً واحداً فقط يراهُ مناسباً إذا كانت الكلمة محتملة لعدّة معاني وهكذا.وهذا يُحدثُ إرباكاًكبيراً في معنى وجوهر النصّ إذا نظر اليه بمجموعه، فقد تُغيّرُ عدّةَ معانٍ ٍ في نصّ واحد.! لذا يجد المتتبع والقاريء لنصوص الأسفارالمقدّسة في بعض الأحيان كلاماً يُشبهُ كلام ( الطلاسم ) !، وربما في كثير منها لايستطيعُ الوقوفَ على المعنى المراد أو الصورة التي يحاول النصّ ُ رَسمها للقاريء والمستمع على حدٍّ سواءٍ.
٢: يتمكّنُ المترجمُ ( ذو العقائد الحقّة والمعرفة بالعلوم الإلهية ) من إثبات الصورة المرادة من النصّ بجدارة، بعكس المترجم اللّغوي الذي قد يَتيهُ ويتخبّطُ في أكثر الأحيان بين الكلمات التي قد يراها غير منسجمة فيما بينها بحسب أفقه الضيّق، ولكونه من غير أهل ألاختصاص.! ولو سئلَ عمّا ترجم في بعض النصوص المهمّة مثلاً، فإنّه لايستطيع نقل الصورة المرادة حينما يُعملُ عقلَهُ وفكرَهُ، بخلاف الأول، الذي له القدرة واللّياقة أن يُثبتَ المراد من النصّ الوارد في أسفار التوراة مثلاً ويثبته نفسه في الإنجيل وإن إختلفت العبارات والألفاظ.، وهكذا ثمّ يستخرجه من القرآن الكريم والسنّة الشريفة وعقائد أهل بيت النبّوة (ع)، فعندئذٍ ٍ يكون مثل هكذا نصّ قد أثبتَ عقيدةً حقّةً واضحةً لاغبارَ عليها في الكتب المقدّسة، لها بعدٌ وعمقٌ شرعيٌّ وتأريخيٌّ وعلميٌّ مهمٌّ ؛ والبشريّة بأسرها بحاجةٍ ماسة اليها، إذ رُبَّما أَخرَجت ولو آدميّاً واحداً من الظلمات الى النور، ومن التيه والضلالة الى سراط الله المستقيم، وتلكَ غايةُ الربّانيينَ على مدى التأريخ.
المبحث ألأول :ضرورة وجود المنجي.
اولاً: العقائدُ العامة لجميع البشر بمنجي العالم وحتميّة مجيء يومه الموعود
ثانياً: في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
ثالثاً: في العهدين.
المبحث الثاني:قدسية ومقام منجي العالم بلسان الأنبياء (ع)
اولاً: في القرآن الكريمثانياً: في العهدين
١: يوم الصاحب (المنجي) يومٌ عظيمٌ مهولٌ
٢: العشقُ والإنتظارُ لحبيبهم المنجي
٣: أَنَّهُ المقيمُ لمملكةِ العدل والسلام الإلهيّة الكبرى
٤: أَنَّهُ القائمُ المنتظرُ المطلوبُ بالضرورة
٥: أنَّهُ هو المدعو لهُ في صلاةِ الأنبياء (ع)
إنَّ لمنجي العالم قدسيّةٌ خاصّةٌ ومقامٌ شامخٌ عند الله تباركَ وتعالى وعند جميع الأنبياء والأوصياء والصالحين صلواتُ الله عليهم أجمعين، وأُوضحَ ذلك في جميع الكتب السماويّة المقدّسة وبلسان جميع الأنبياء، ولهُ درجةُ قربٍ من ربّه ليسَ بمقدور الأعمّ الأغلب من البشر الوقوف على كُنهها والإشارة اليها.
ومن ذلك ما أوحى اللهُ عزَّ وجلَّ حسب ما في الكتب المقدسة وما ورد على لسان أنبياءه العظام، أنّ الله سيبدأُ حكمَهُ في الأرض بمجيء المنجي الذي إدّخَرَهُ ليومه الموعود، ويُظهرُ دينهُ على الدين كلّه، وإنّهُ هو الذي يُطهّرُ الأرضَ من الظلم والجور ويملأُها قسطاً وعدلاً، ويُحقّقُ حُلُمَ الأنبياء، ويسخّرُ الله لهُ الكون، ويعطيه كلَّ العلم الخاص بهذه النشأة فيكتملُ بذلك العلم فيصلُ الناسَ ببركة وجوده الى مرحلة من الكمال فائقةٌ في كُلّ أبعادها.ولقد ذكرهُ الأنبياءُ والأولياءُ بكلّ جميلٍ(١) وتمنّوا أن يخدموهُ بأنفسهم والحضور في دولته في آخر الزمان وسَلَّوا أنفسهم بذكره، وفدَّوهُ بأرواحهم وأهليهم، وأظهروا بذلك حبَّهم وعشقهم الأبديّ لوريثهم الشرعي، ومكمل مسيرتهم الطويلة الشاقة، ومدرك ثأرهم.(٢) وأما الإشارة الى ضرورة وجوده(٣) فتكمن في أنَّ الحكيم المطلق لمّا خَلَقَ الإنسان بأحسن تقويمٍ لحكمةٍ بالغةٍ وأمرٍ عظيمٍ وهدفٍ كبيرٍ وليسَ لأمرٍ عاديٍّ عابرٍ، أو للَهوٍ أولعبٍ كان منه سبحانه وتعالى، وأرادَ لَهُ الكمال، وجب عليه بلطفه أن يُرسلَ الرسل مبشّرين ومنذرين، وين-زّلَ الكتب لإخراج الناس من الظلمات الى النور، في كلّ فترات الحيرة والضلالة والبعد عنهُ، وأن يُسعفهم ويُخلّصهم إذا اشتبكت عليهم أغلالُ الظالمين، واشتملت عليهم أصفادُ الكافرين، وأُحكمت عليهم قبضةُ إبليس وجنده المارقين ؛ وكلُّ ذلك حادثٌ في آخر الزمان كما ورد بالتواتر في جميع الأديان، لذا وجبَ عليه بلطفه ومنّه وكرمه وكما وَعَدَ هوَ بنفسه تقدّست أسماؤهُ أن يظهرَ المخلّصَ الأعظم، ولعلَّ في المبحث التالي إثباتٌ لتلك الحقيقة.
____________________
(١) عن أبي جعفر (ع): يكون هذا الأمر في أصغرنا سنَّاً، وأجملنا ذكراً، يورثهُ اللهُ علماً، لايكلهُ الى نفسه). عقد الدرر: ص٤٢.
(٢) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ٣٤٧ وما بعدها في موضوع: يجب أن يكون امام العصر موجود، وفيه أيضاً استدلالاً لطيفاً لأحد العلماء، عن قصص العلماء، ص١٠٠.
(٣) انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ٢٠، في موضوع ضرورة الإمام واستدلاله اللطيف في ذلك.
إنّ من أعظم منن الله تبارك وتعالى على خلقه هو الأخذ بأيديهم الى درجات الكمال التي رسمها لهم فاطرُ السموات والأرض ومدبّرها، فهو لا ولن يترك خلقه سداً ولو ليوم واحد أو للحظة واحدة، وهذا واضح لايخفى على كلّ ذي عقل ؛ فقد إبتدأ سبحانه وتعالى بلطفه مسيرةً طويلةً، ورسم خطّاً مقدّساً منيراً يستطيع أن يلمسه ويتفحّصه جميع البشر بشكل مباشر ويسيرون عليه وتثبت عليه أقدامهم، وذلك من خلال إرسال الأنبياء والرسل والكتب السماويّة المقدّسة ونصب أعلام الهدى الرّبّانيين منذ الفجر الأول للإنسانية وعلى كرّ الدهور والأيام والى يومنا هذا.
وبفيضه ورأفته ورحمته سدّد أحباءه وأولياءه وأهل الكرامة عليه بالأدلّة الدامغة والبراهين الساطعة والمعجزات الباهرة ،ووقف معهم بمقامه الشامخ المنيف في خندق واحد يدافعُ عنهم ويذبُّ عنهم الأعداء، وشدّ أزرهم بقوّته القاهرة وملائكته المسوّمين والمردفين، وأخبرهم بأنّه معهم يسمع ويرى، فهزم بجنده القليلين المستضعفين جيوش الشرّ والمستكبرين الذين كانوا يفوقونهم بالعدّة والعدد وبحشودهم المليونيّة لأنّهم لم يزالوا ملوك الأرض وأسباب الدنيا بأيديهم، فقد هاجم فرعون بكليمه موسى (ع) فانتصر عليه وأكذب ربوبيّته وقتله، وهاجم نمرود بخليله إبراهيم (ع) وفضحه وأخزاه ودمّره، وزحف على جالوت وطواغيته بقائد جيشه الظافر طالوت (ع) فأراح البلاد والعباد من جبروته وغطرسته.الخ.
وهكذا دواليك فهذا ديدنُهُ وخُلُقه، وهكذا هي سنَنُهُ الربانيّه عزّ وجلّ التي ليس لها تبديل وليس لها تحويل وهي جارية في كلّ عصر وزمان. وقد أثبت ذلك بشكل قاطع في القرآن الكريم حيث قال عزّ من قائل :
- (فلم يكُ ينفعُهُم إيمنهُمُ لما رأوا بأسنا سنَّتَ الله التي قد خَلَت
في عباده وخَسرَ هنالكَ الكفرون ).(١)
- ( سنّة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنّة الله يبديلا ً)(٢) .
- ( سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا ً)(٣) .
- ( فلن تجد لسنّت الله تبديلا ًولن تجد لسنّت الله تحويلا ً)(٤) .
ثمّ إنّه تبارك وتعالى في كلّ تلك الأحداث الكبيرة وغيرها من الأحداث المروّعة والمريرة والمنعطفات الخطيرة، نراه يوطّد هذا الخطّ المبارك بشكل يدهش الألباب ويحيّر الأفكار ويلفت الأنظار على طول مسير الحياة الإنسانية بالتسديد الغيبي والنصرة والإنارة والتبيين.، حتى صار هذا السراط الإلهيّ المستقيم صلباً منيعاً وذا جذور عميقة ثابتة يصعب على كلّ الظالمين محوه ودثره أو إزالته أوتجاهله، ولكنّهم وبحسب سجايا الإنحطاط والدّناءة التي تغمرهم يحاولون في كلّ عصرٍ وزمانٍ الإلتفاف عليه لتمويه أفعالهم القبيحة لفترة من الزمن وذلك لنيل مآربهم الخسيسة.
هذا وقد آلى الله سبحانه وتعالى على نفسه المقدّسة ووعد المؤمنين من عباده وعداً حتميّاً، وعهد اليهم عهداً قطعيّاً، وكتب ذلك على نفسه المقدّسه، وبيّنه لعموم البشريّة عندما أثبته في كتبه المقدّسة وبشّر به على لسان أنبياءه ورسله (ع) ؛بأنّه لابدّ من أن يظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون، وينصرَ أولياءه وعباده المستضعفين ويجعلهم أئمّة ويجعلهم الوارثين(٥) ، وأنّه يدّخر لذلك خليفته الأعظم وهو المصلح في آخر الزمان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً وينتقم به لدماء الأنبياء والرسل والشهداء والمظلومين، ويدرك به ثأرَهُ المقدَّس، ويقيم به أحكامه وشرائعه، ويغدق به نعماءه، ولكي يُريَ جميع البشر وغيرهم من عوالم خلقه الأُخرى فَرَجَهُ الأعظم وكيف يكون حكمه تبارك وتعالى(٦) بواسطة وليّه وممثله الشرعي وقوانينه الربوبيّة الرائعة التي مارآها البشر ولاغيرهم يوماً ما قطُّ على وجه هذا الكوكب الذي مرَّ بكلّ أنواع الجور والظلم وسفك الدماء والمحن والمآسي.الخ.
____________________
(١) غافر: ٨٥.
(٢) الفتح :٢٣.
(٣) الأحزاب: ٦٢.
(٤) فاطر: ٤٣.
(٥) انظر: الطُّورُ المهدوي، ص٩٤ - ٩٦ في موضوع: قاعدة النصر الحتمي للمؤمنين.
(٦) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص١١٩- ١٢٧، في موضوع: ملكوت الله عند السيد المسيح، يعني حكم الله في آخر الزمان وحتميته ووقت حدوثه وشرحه ومصاديقه.الخ.
هذا وقد أخبر عزّ وجلّ أنبياءه ورسله مراراً وتكراراً، وأثبت ذلك في كتبه المن-زلة بأنّه سيستفحل الشر في آخر الزمان(١) حتى يورق ويثمر القتله والجزّارين والسفاحين والمتشيطنيين العفنيين والجاحدين والمشركين والكافرين ،حتى يظهرالتغيُّرُ الفساد في البرّ والبحر وفي كلّ مكان(٢) ، وأنَّهُ سيكون هناكَ تصادماً عنيفاً مع الشريعة الإسلامية المقدَّسة والأُمة المؤمنة من جانب وقوى الكفر والإستكبار العالمي(٣) ؛ فيستغيث الأنبياء والرسل والأولياء والقديسون والشهداء إستغاثةَ الغريق ببارئهم(٤) ليُدرِكَ ثأرهم ويأخُذَ بحقّهم ولينقذ أتباعهم المؤمنين المستضعفين الذين لازالوا يبادون ويُطهّرَ الأرض التي ملئوها ظلماً وجوراً بواسطة رجل الله المقدس الموعود فيملأها عدلاً وقسطاً.(٥)
ووعد أنّه سينتقم من اولئك المجرمين جمياً إنتقاماً مرعباً مخيفاً ليس له مثيل ولم يكن له نظير بواسطة وليّه وخليفته المنتقم من الظالمين ومصلح الكون ومنجي المستضعفين ومنقذ المنكوبين وأمل المحرومين، فمن تشرَّفَ برُؤيةِ وجهه المبارك كان كمن رأى وجوه جميع الأنبياء والأوصياء لأنّه وريثهم الشرعي ومكمل بنيانهم الذي أسّسوا، ومن سمعه كان كمن سمع جميع الرسل والمقدّسين فهو لسانهم الصادق في الآخرين، ومن صلىّ خلفَهُ، يكون قد صلى خلف ( رسول الله )صلىاللهعليهوآلهوسلم لأنه خليفتهُ.(٦)
ويحكم بحكم داود (ع ) ولايحتاجُ الى بيّنةٍٍٍ أو شهود، بل يلهمهُ اللهُ تعالى فيحكم بعلمهِ(٧) .الخ.
ويجدرُ بنا أن نبيِّنَ هنا شيئاً من العقائد التي يؤمنُ بها البشر في هذا الصدد :
____________________
(١) انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص١٠٨ وما بعدها في موضوع: نموذج الإنحراف البشري قبل الظهور.
(٢) للمزيد، انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص ٣٧ - ٥١.
(٣) انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص ١٥٣، وما بعدها في موضوع: التصادم مع الشريعة الإسلامية والأمة المؤمنة من قبل النظام العالمي.
(٤) كما سيمرُّ بنا في الفصل الثالث في موضوع: دعاء الأنبياء لمنجي العالم.
(٥) للمزيد انظر: الطُّورُ المهدوي، ص ٢٥ ومابعدها في موضوع: البعد الكوني للمهدوية، وص ١٧٩، ومابعدها في موضوع: حتمية الطور المهدوي.الخ.
(٦) الهداية، ص ٤٢ - ٤٥. الغيبة للنعماني: ٧٥ ضمن ح ٩ عن سليم بن قيس: ٢ / ٧٠٧ عن شيخ من نسل حواري عيسى بن مريم، والاعتقادات: ٩٥، وكمال الدين: ١ / ٢٥١ ضمن ح ١، وص ٢٨٠ ح ٢٧ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وص ٣٣١ ضمن ح ١٦ عن الباقرعليهالسلام ، وص ٣٤٥ ضمن ج ٣١ عن الصادقعليهالسلام ، والغيبة للطوسي: ١١٦، وكفاية الأثر: ٨٠، وص ٩٩ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثله. كمال الدين: ١ / ٢٨٤ ح ٣٦ عن رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وص ٥٢٧ ضمن ح ١ عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وص ٣٣٢ ح ١٧ عن الباقرعليهالسلام ، وكفاية الأثر: ٢٢٥ عن الحسن بن عليعليهالسلام نحوه. البيان في أخبار صاحب الزمان :ص١٠٩، ص١١٠، وص١١٢، وص ١١٣، وص ١١٧، وص ١٢٤، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي:ص ١٩١، وص٢٩٢، وص ٢٩٣، والعرف الوردي في أخبار المهدي: ٦٤، وص ٧٨، وص ٨١، وص ٨٦. والبرهان في علامات مهدي آخر الزمانعليهالسلام : ١٥٨ ح ١، وص ١٦٠ ح ٧ وح٨ و ح ٩ نحوه، وص ١٧٦ مثله. انظر صحيح مسلم: ١ / ٩٤، وص ٩٥، وشرح سنن ابن ماجة: ٢ / ٥١٤، ومسند ابن حنبل: ٣ / ٣٤٥، وص ٣٦٧، وص ٣٨٤، و ج ٤ / ٢١٧.
(٧) قال الصادقُ (ع): ( إذا قامَ قائمُ آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم حكمَ بين الناسِ بحكم داود، ولايحتاجُ الى بيّنةٍ، يلهمهُ الله تعالى فيحكم بعلمه ). روضة الواعظين، ص ٢٦٦. بصائر الدرجات، ج٥، ص ٢٥٩.
إنّ امرَ منجي العالم المنتَظر، وقوة ظهوره، وشدّة نوره، قد إخترق جميع العوالم عبر الدهور ولم يقف عند حدٍّ وأمدٍٍ أبدا ً! لذا نجد ان جميع البشر(١) على وجه الارض سواء كانوا من اهل الديانات السماوية او من اهل المذاهب والفلسفات بما فيها الوثنية والالحادية وغيرهم، يلهجون بذكر المصلح والمنقذ لسكان العالم.(٢)
وقد كان للفطرة الإنسانية دورٌ كبيرٌ في ترسيخ هذه العقيدة وغرسها في النفوس، وأنَّ الله تباركَ وتعالى لم يقطع أملَ الإنسانية في كلّ عصرٍ من العصور، وهو نوعٌ من التربية الرَّبّانيَّة لعموم البشر ولطفٌ محضٌ، وقد عبَّر عن هذه الحقيقة أَحدُ أعاظم العلماء يقوله:
(. ليسَ المهدي(٣) تجسيداً لعقيدةٍ إسلاميةٍ ذات طابعٍ دينيٍّ فحسب، بل هو عنوانٌ لطموح ٍ اتَّجهت اليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغةٍ لإلهامٍ فطري. ) الخ.(٤)
وعلى سبيل المثال لاالحصر، فإنّ أصحاب الديانة (البرهمية) يعتقدون بمخلص الانسان(٥) ، ويعتقد البوذيّون ب- (المولود الوحيد ومخلّص العالم)(٦) ، وهو: المنتظر عندهم وهو ( بوذا الخامس )(٧) ، واما العقيدة (المانويّة) فانها ترى' ان المسيح اختفى وسيعود في المستقبل(٨) . وما الى ذلك.
____________________
(١) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة ،ص ١٩٢ وما بعدها في موضوع: عقائد الأمم في المهدي (ع). و: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ٢٠، تحت عنوان: فكرة المخلص المنتظر.
(٢) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ١٩١ وما بعدها في موضوع: عقائد الأمم في المهدي (ع).
(٣) الإمام المهدي (ع): هو منجي العالم في عقائد المسلمين.
(٤) كتاب: بحثٌ حول المهدي، ص ٧، وما بعدها. وانظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ٢٠، تحت عنوان: فكرة المخلص المنتظر: سادت هذه الفكرة ومازالت لدى كلّ الأديان المعروفة، وبشكلٍ خاص الأديان السماوية نتيجةً لإخبار أَصحاب الرسالات السماوية بها.الخ.
(٥) د: على عبد الواحد، ألأسفار المقدسه: ص١٢٨ - ١٣٠.
(٦) د: على عبد الواحد، ألأسفار المقدسه: ص ١٣٠.
(٧) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ١٩١، في موضوع: عقائد الأمم في المهدي (ع).
(٨) الفرق الاسلاميه: ص٣٠.
وأما الزرادشتية: فانَّهم ( يترقبون موعوداً في كتبهم، ككتاب أوستا و زند و رسالة جاماسب و دينيك و زرادشت، وهو الموعود الثالث عندهم ويلقّبونهُ ب- ( سوشيانت المنتصر ) حيث قالوا:
( إن سوشيانت المزدية بمثابة كريشناي البراهمة، وبوذا الخامس لدى البوذية، والمسيح لدى اليهود، وفارقليط عند العيسوية، وبمنزلة المهدي لدى المسلمين ).(١)
وأما الهنود: فقد ( ذكروا منقذاً موعوداً في كتبهم، ككتاب ( مهابهاراتا ) وكتاب (بورانهها)، وقالوا: ( تذهب الأديان جميعاً الى أنه في نهاية كلّ مرحلةٍ ٍمن مراحل التأريخ يتجهُ البشرُ صوبَ الإنحطاط المعنوي والأخلاقي وحيث يكونون في هبوط فطري وابتعاد عن المبدأ، ويمضون في حركتهم مضيَّ الأحجار الهابطة نحو الأسفل، فلا يمكنهم أنفسهم أن يضعوا نهايةً لهذه الحركة التنازلية والهبوط المعنوي والأخلاقي، إذاً فلا بدَّ من يومٍ تظهرُ فيه شخصيةٌ معنويةٌ على مستوىً رفيع تستلهمُ مبدأ الوحي وتنتشلُ العالمَ من ظلمات الجهل والضياع والظلم والجور ).(٢)
ويعتقدُ اليهود بان المصلح المنتظر في آخر الزمان هو «ايليَّا»، واما المسيحيون فيعتقدون بانه «عيسي بن مريم»(٣) . وأنّ ( إيليَّا ) هذا، وكما يعتقد اليهود هو: نبيٌّ يأتي في آخر الزمان فينصره الله تعالى وينتقم من الظالمين، هذا وتضجُّ أسفارُ توراتهم وآثارهم بانتظار موعود مخلّصٍ، كما في كتاب: ( نبوءة هيلد ) و ( بشارات العهدين) ص٧ وما بعدها، و ( دانيال النبيّ ) و ( النبيّ حجّي ) و ( النبيّ صفينا ) و ( النبيّ إشعيا)، وكلّها مطبوعةٌ ضمن الكتاب المقدّس ( التوراة ).(٤) فأمّا قولهم بأنّه نبيٌّ فهو باطلٌ بسبب ختم النبوّات والرسالات بالنبيّ والرسول الخاتم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ولانبيّ بعده قطعاً ؛ ومادامت هذه البشارة صحيحةٌ وثابةٌ فيبقى لها وجهٌ واحدٌ للحقّ والصدق بعد دراسة هذه العبارة والتمعّن فيها.
____________________
(١) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ١٩١.عن دائرة المعارف الفارسية، الجزء الأول، ص١٣٧٣. انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص٥٢.
(٢) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ١٩١.عن شمس المغرب، للحكيمي، ص٥٣. انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص٥٣ - ٥٤.
(٣) انظر اصول الدين: ص٣٦٧.
(٤) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ١٩١. انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص٥٥ - ٥٧.
فلو قارنّا بين اسمي (ايليَّا ) و (عليّا ) لفُتحَ لنا عالمٌ آخر، فلعلَّ المراد هو البشارة بمجيء عليّ (ع) سواءٌ بمجيئه الأوّل مع النبيّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أوالثاني وذلك في زمن الرجعة فقد جاءت بذلك الأخبارالشريفة وليس هنا مجال بحثه، ولكن لو رجعنا الى الإنجيل لسهل الأمر أكثر، حيث جاء في الانجيل قوله :
( وهذه شهادةُ يوحنا، حين َ أرسَلَ اليهودُ من أورشليم كهنةً ولاويّينَ ؛ليسألوه: من انت ؟ فاعترف، ولم ينكر، وأقرَّ: أني لستُ أنا المسيح.فسألوه: إذن ماذا ؟ إيليَّا ؟ فقال: لستُ أنا. النبي ُّ أنت ؟ فأجاب: لا ).(١) فانَّ المراد بايليَّا ليسَ الياساً - كما ربّما يُدّعى - وذلك لانه قد كان قبل عيسى بقرون ،فلا بد أن يكون المقصود به رجلاً يأتي بعد عيسى. وكذلك الحال بالنسبة الىالنبي الذي سألوه عنه.
ومن المعلوم انه لم يأت بعد عيسى غير نبينا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ،واوصيائهعليهمالسلام فلعل المقصود بالنبي هو محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وبايليَّا وصيّهُ عليّعليهالسلام .(٢)
ويعتقد النصاري: أن المسيح (ع) قُتلَ وصُلبَ ودٌفنَ ثم قام في اليوم الثالث وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء.)(٣) .
____________________
(١) انجيل يوحنا :الاصحاح الأول، الفقرات (١٩ - ٢١ ) الأصل العبري.سفر يوحنا، ١: ١٩ - ٢١، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ١٢٥.العهد الجديد، سفر يوحنا، الإصحاح ١، الفقرات ١٩ - ٢١، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر.
(٢) الصحيح من سيرة النبى ألأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم : ج٢ ص٢٢٠.
(٣) الملل والنحل: ج١ ص٢٢٧ باختصار شديد من ملخص عقيدة النصارى. و أُنظر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص ١٥٨ في موضوع عودة المسيح (ع)، وكذلك تواتر الأحاديث في نزوله، ص ٢٠٦، والرجاء المبارك لدى النصارى بنزول عيسى (ع) في ص ٢٥٠، وأنَّ رجوعهُ ونزولهُ حقٌّ يقينٌ حتميٌّ لاشبهةَ فيه كما في: دانيال: ٧/ ١٣، وإنجيل يوحنا: ٤/٢٨، وسفر ألأعمال: ١ / ١٠ - ١١، ورؤيا يوحنا: ١ / ٧ , ورؤيا يوحنا: ٢٢/ ٧، ورؤيا يوحنا: ٢٢ / ١٢.
وأما بشأن عقيدة المسيحيين بكون المنجي هو عيسى (ع): فمن المعلوم عند جميع فرق المسلمين وهو حقٌّ لاريبَ فيه: اقتران ظهور المهدي المنتظر (عج) مع نزول عيسى(ع) من السماء، وقد تواترت(١) روايات المسلمين في ذلك، ومن مضامينها:
( ان عيسى ين-زل وقد صلى الامام وهو المهدىُّ بالناس، العصر، وقيل: الصبح، فيتأخر فيقدمه عيسى، ويصلى عيسى خلفه. وما نزل عيسى على مقتضى هذه الأخبار الا بعد نفوذ دعوة الامام واجتماع الناس عليه فيكون مصدقا لدعوة الامام في دعواه، وقوة له وعونا. )(٢)
من هنا فقد وقع أتباع معظم الديانات التي سبقت الإسلام ،وخاصةً المسيحية منها، في إرباكٍ كبير وخلط واسع بين البشارات الخاصة ب- (منجي العالم ) والبشارات الخاصة ب- (نزول عيسى -ع - من السماء ورجوعه الى الأرض مرةً ثانية )،وذلك لكون مجيئهما وحضورهما في عصر واحد، وبسبب التشابه الكبير بين نصوص البشارات الخاصة بكلّ واحدٍ منهما، وعدم إطّلاعهم على بشارات القرآن والنبيّ الأكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأتباعه الصالحين (رض) بخصوص هذا الأمر، وإعتمادهم كليّاً ووقوفهم على ماقاله السلف والآباء حول تفسير هذه البشارات الواردة في كتبهم المقدسة - وهذا موضوعٌ خصبٌ يطول بحثه وليس هنا محلّه - لذا فقد غابت عنهم حقيقةٌ إلهيّة ٌمهمةٌ لطالما نادى بها الدين الإسلاميّ الحنيف عبرَ القرآن الكريم والرسول محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمَّة الأطهار من أهل بيته (ع) وصحبه أجمعين ؛ إذ يملكُ الأسلامُ في هذا الموضوع صورةً ربّانيّةً مشرقةً وواضحةً لها عمقُها وبعدُها التأريخيّ والعقيديّ، فقد قال الله تباركَ وتعالى في كتابه العزيز :
____________________
(١) وكونها متواترةٌ تواتراً معنويّاً في نزول المسيح (ع)، أُنظر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص٢٠٦.
(٢) العمدة، ص٤٣٨.
( إذ قالَ اللهُ يعيسى إنّي مُتوفيّكَ ورافعُكَ إليَّ ومطهّرُكَ من الذين كفروا وجاعلُ الذينَ اتَّبعوكَ فوقَ الذينَ كفروا الى يوم القيامة ثُمَّ إليَّ مرجعكم لإَأَحكُمُ بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ).(١)
وجاء في الخبر أيضاً: (. قال تعالى لعيسى: أَرفعُكَ إليَّ ثمَّ أُهبطكَ في آخر الزمان لترى من أُمَّة ذلك النبيّ العجائب، ولتعينهم على اللعين الدَّجال، أُهبطُكَ في وقت الصلاة لتصلّي معهم، إنَّهم أُمَّةٌ مرحومةٌ ).(٢)
____________________
(١) سورة آل عمران: آية ٥٥، و( متوفيك) هنا: ليس بمعنى، توفّى الله فلاناً: قبض روحه، انظر القاموس الفقهي، د. سعدي أبو حبيب، ص ٣٨٤، حرف الواو. ولكن هنا بمعنى إني آخذك إليَّ تاماً وافياً لابعيب ولانقص ورافعك الى سمائي أو الى كرامتي.، أو كما قيل بالتقديم والتأخير وأن المعنى: رافعك ومتوفيك. الخ، وسمى رفعه إلى السماء رفعا إليه: تفخيما لأمر السماء يعني: رافعك لموضع لا يكون عليك إلا أمري. كما قال حكاية عن إبراهيمعليهالسلام : ( اني ذاهب إلى ربي سيهدين ) أي إلى حيث أمرني ربي، سمى ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه. الخ. وللمزيد انظر: كمال الدين وتمام النعمة، ص٢٢٥. بحار الأنوار، ج١٤ ص ٢٥٠, و ص ٣٣٥، و ص ٣٣٦، و ص ٣٣٨ ,و ص ٣٤٤، و ص ٥١٦.الخ. تفسير القمي، ج١ ص ١٠٣. الكشاف، ج١ ص٣٤٢. تفسير جوامع الجامع، ج١ ص٢٩١. ففي بحار الأنوار :ج ١٤، ص ٣٤٣ - ٣٤٤ :
( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) قيل في معناه أقوال: أحدها أن المراد به أني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت عن الحسن وكعب وابن جريح وابن زيد والكلبي وغيرهم، وعلى هذا القول يكون للمتوفي تأويلان: أحدهما: إني رافعك إلي وافياً لم ينالوا منك شيئاً، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته، أي أخذته تاماً. والآخر: إني متسلمك، من قولهم: توفيت منك كذا أي تسلمته. وثانيها: إني متوفيك وفاة نوم، ورافعك إليَّ في النوم، عن الربيع، قال: رفعه نائماً، ويدل عليه قوله: ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) أي ينيمكم، إن النوم أخو الموت، وقوله: ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ). وثالثها: إني متوفيك وفاة موت، عن ابن عباس ووهب، قالا: أماته الله ثلاث ساعات. وأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير، أي إني رافعك ومتوفيك، لان الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله: ( فكيف كان عذابي ونذر) والنذر قبل العذاب وهذا مروي عن الضحاك. ويدل عليه ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: عيسىعليهالسلام لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة. وقد صح عنهصلىاللهعليهوآله أنه قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ؟ رواه البخاري ومسلم في الصحيحين، فعلى هذا يكون تقديره: إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء. وقوله: ( ورافعك إلي) فيه قولان: أحدهما: أني رافعك إلى سمائي والآخر أن معناه: رافعك إلى كرامتي، ومطهرك من الذين كفروا، بإخراجك من بينهم فإنهم أرجاس، وقيل: تطهيره منعه من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به لان ذلك رجس طهره الله منه. الخ.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة، ص ١٦٠. الجواهر السنية، ص ١١٣. حلية الأبرار، ج ١، ص ١٦٩. آمالي الصدوق، ص ١٦٠. بحار الأنوار، ج ١٤ ص ٢٨٦، وج ١٦ ،ص ١٤٥ ب ٨ ح١، وج ٥٢ ص ١٨١ ب ٢٥ ح ١ آخره. الزام الناصبب، ج ١، ص ١٦٠، عن العوالم. اعلام الورى، ج١ ص ٦٠. الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، ص ٣٠٠. الإيمان والكفر، ص ١٣٧،. الخ.
هذا وقد صرَّحَ عيسى (ع) بأنّه ليسَ هو المنجي للعالم في آخر الزمان، بل هناك من يأتي ويطلبُ بحقّ الجميع بما فيهم عيسى (ع) نفسه، كما في قوله: ( أنا لا أطلُبُ مجداً لي. هناكَ من يطلُبُهُ لي ويحكم ).(١) وأمثالُ هذا كثير ٌ لمن تمعَّنَ وتدبَّرَ في الكتب المقدَّسة.
ثمّ (أنَّ المفسّرينَ الإنجيليّين َيقولون: المبشَّر به في هذه الآيات(٢) ، لم يولد حتى الآن، ولانعرفُ لها تفسيراً واضحاً، حتى يُولد فنعرف كيف هو وأنّى).(٣)
بل إنَّ الكثير من سنخ هذه الآيات كما عبَّروا تعتبرُ ألغازاً بالنسبة لهم، ولم يستطيعوا الوقوفَ على تفسيرها لما بيَّنّا ومرَّ آنفاً.
واعتقاد اهل السنة: انه سيظهر في آخر الزمان مهدي يقوم بالسيف وانه: (قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم . بخروجه، وانهمن اهل بيته، وانه يملك سبع سنين، وانه يملا الارض عدلاً، وانه يخرج مع عيسى علي نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام. وانه يؤمُّ هذه الامة ويصلي عيسى خلفه ).(٤)
____________________
(١) انجيل يوحنا ٨: ٥٠، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس ،ص ١٦٩. المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ٦٠ - ٦٨. انجيل يوحنا٨: ٥٠،الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر.
(٢) والآيات التي عَنَوها هي في: رؤيا يوحنا ٢: ٢٦ - ٢٩. رؤيا يوحنا ١٢: ١ - ١٧. إنجيل متى: ٢٤. انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص١٠٣ - ١٠٧.
(٣) المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص١٠٣ - ١٠٨.
(٤) الصواعق المحرقه :٩٩. أصول الدين: ص٣٨٣ - ٣٨٤
ويعتقدون أيضاً:
ان المهدي: «من اشراط الساعة وانه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من اهلالبيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الاسلامية، ويسمى - المهدي - ).(١) وانهم ليرون في ذلك ما يراه الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الاسلامية فيالمدينة المنورة اذ يقول: ان «امر المهدي امر معلوم والاحاديث فيه مستفيضة بلمتواترة متعاضدة. فهي بحق تدل على ان هذا الشخص الموعود؛ امره ثابت وخروجه حق ».(٢) ولقد لخَّص هذه الحقيقة العالم العراقي السني الشيخ صفاء الدين آل شيخ الحلقة فقال: «واما المهدي المنتظر فقد بلغت الاحاديث الواردة فيه حداً من الكثرة يورثالطمأنينة بان هذا كائن في آخر الزمان، فيعيد للاسلام سلامته وللايمان قوتهوللدين نضارته. وهي متواترة بلا شك ولا شبهه، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها، علىجميع الاصطلاحات المحررة في الاصول».(٣)
وهكذا فان نور الامام المنتظر (عج) قد إخترق افهام العلماء واستقرّ في جوانحهم منذ احقاببعيدة جداً، فجعلهم يسارعون في تأليف الكتب والرسائل الخاصة به(عج)، انطلاقاً من ايمانهم به وتصحيحاً للاخبار الواردة فيه، لتعرف الاجيال من بعدهمجلية الامر وواقعه كما ورد في التشريع على لسان النبي الاعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان من جملة اولئك على سبيل التمثيل لا الحصر:
____________________
(١) المهدى والمهدويه :ص١١٠. أصول الدين: ص٣٦٨.
(٢) مجلة الجامعه الاسلاميه: العدد ٣ ص ١٦١- ١٦٢، أصول الدين: ص٣٦٨.
(٣) أصول الدين: ص٣٧١.
١ - عباد بن يعقوب الرواجني المتوفي سنة ٢٥٠ ه-: له كتاب «اخبار المهدي».
٢ - ابو نعيم الاصبهاني المتوفي سنة ٤٣٠ ه-: له كتاب( اربعين حديثاً في امرالمهدي»(١) ، وكتاب «مناقب المهدي»، وكتاب «نعت المهدي».(٢) ٣ - محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفي سنة ٦٥٨ ه-: له كتاب «البيان فياخبار صاحب الزمان» - مطبوع.
٤ - يوسف بن يحيي السلمي الشافعي المتوفي سنة ٦٥٨ ه-: له كتاب «عقد الدررفي اخبار المهدي المنتظر».(٣)
٥ - ابن قيم الجوزية المتوفي سنة ٧٥١ ه-: له كتاب (المهدي).٦ - ابن حجر الهيتمي الشافعي المتوفي سنة ٨٥٢ ه-: له كتاب «القول المختصر فيعلامات المهدي المنتظر».(٤)
٧ - جلال الدين السيوطي المتوفي سنة ٩١١ ه-: له كتاب «العرف الوردي فياخبار المهدي» - مبطوع - وكتاب «علامات المهدي». ٨ - ابن كمال باشا الحنفي المتوفي سنة ٩٤٠ ه-: له كتاب «تلخيص البيان فيعلامات مهدي آخر الزمان».(٥)
٩ - محمد بن طولون الدمشقي المتوفي سنة ٩٥٣ ه-: له كتاب «المهدي الى ما ورد في المهدي».(٦)
١٠ - علي بن حسام الدين المتقي الهندي المتوفي سنة ٩٧٥ ه-: له كتاب «البرهانفي علامات مهدي آخر الزمان»، وكتاب «تلخيص البيان في اخبار مهدي آخرالزمان».(٧)
١١ - علي القاري الحنفي المتوفي سنة ١٠١٤ ه-: له كتاب: «الرد على من حكم وقضى ان المهدي جاء ومضى»، وكتاب: «المشرب الوردي في اخبار المهدي».(٨) ١٢ - القاضي محمد بن علي الشوكاني المتوفي سنة ١٢٥٠ ه-: له كتاب «التوضيح من تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح».(٩)
١٣ - مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي المتوفي سنة ١٠٣١ ه-: له كتاب «فرائدفوائد الفكر في الامام المهدي المنتظر».(١٠)
١٤ - رشيد الراشد التاذفي الحلبي المعاصر: له «تنوير الرجال في ظهور المهدي والدجال »(١١) مطبوع.(١٢)
____________________
(١) روى عنه ابن الصباغ المالكى فى الفصول المهمه :٢٧٥.
(٢) روى عنه الحافظ الكنجى الشافعى كثيرا فى كتابه (البيان ).
(٣) توجد منه نسخه مصوّره بمعهد المخطوطات العربيه بالقاهره.
(٤) وردت نصوص منه فى اسعاف الراغبين: ١٣٩، وتوجد نسخ مخطوطه منه فى حلب واستانبول. الخ.
(٥) توجد منه نسخ خطيه فى استانبول.
(٦) ذكره مؤلفه فى كتابه ( ألأئمه ألأثنى عشر ): ص١١٨.
(٧) من الكتابين نسخ مخطوطه فى استانبول،. وغيرها.
(٨) من ألأول نسخه مخطوطه فى الهند، ومن الثاني باستانبول.
(٩) مجلة الجامعه الاسلاميه: العدد ٣ ص١٣١.
(١٠) توجد منه نسخه خطيّه باستانبول.
(١١) انظر ( أصول الدين ): ص٣٧٢ - ٣٧٥.
(١٢) وذكر الشيخ يوسف محمد عمرو ،في كتابه: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ١٤٠ - ١٥٨، ثمانية وستين عالماً من أهل السنة: وافقوا الشيعة على تطهير الأرض بواسطة المهدي (ع) ويذكر أسمائهم، ص١٥٢ - ١٥٨.
ومايعتقده أتباع أهل البيت (ع) :
أنّ الأرضَ لم تخلو من حجة لله تعالى وهو إمامٌ معصومٌ(١) ،
____________________
(١) انظر: الهداية، ص ٤٥. ٣٨ - وفي قول الله تعالى: ( إنا أرسلناك بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) فاطر: ٢٤. و في سورة الرعد: ٧. تفسير القمي: ١ / ٣٥٩، والاعتقادات: ٩٤، وكمال الدين: ٢٩١. ونهج البلاغة: ٤ / ٣٧ مثله. بصائر الدرجات: ٤٨٦ ح ١٥، والغيبة للنعماني: ١٣٦ ح ١، وص ١٣٧ ح ٢، وعلل الشرائع: ١٩٥ ح ٢. عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ٢ / ١٢٠ ح ١ مثل صدره. راجع بصائر الدرجات: ٤٨٤ باب الأرض لا يخلو من الحجة وهم الأئمةعليهمالسلام ، وص ٤٨٧ باب في الأئمة إن الأرض لا تخلو منهم ولو كان في الأرض اثنان لكان أحدهما الحجة، وص ٤٨٨ إن الأرض لا تبقى بغير أمام، لو بقيت لساخت، والكافي: ١ / ١٦٨ باب الاضطرار إلى الحجة، وص ١٧٨ باب إن الأرض لا تخلو من حجة، والغيبة للنعماني: ١٣٦ باب ما روي في أن الله لا يخلي أرضه بغير حجة، وكمال الدين: ١ / ٢١١ باب اتصال الوصية من لدن آدمعليهالسلام وإن الأرض لا تخلو من حجة لله عز وجل على خلقه إلى يوم القيامة، وعلل الشرائع: ١٩٥ باب العلة التي من أجلها لا تخلو الأرض من حجة الله عز وجل على خلقه، والبحار ٢٣ / ٢ باب الاضطرار إلى الحجة وإن الأرض لا تخلوا من حجة. الخ. والمعنى الأعلى المراد من ذلك كلّه هو: انَّ عالم الإمكان لايخلوا من حجة الله تعالى بحالٍٍ من الأحوال قط، وللمزيد من التفصيل: مراجعة دروس سماحة السيد كمال الحيدري، شرح فصوص الحكم للقيصري، ص٥٦ وما قبلها وما بعدها، وهو مايسمى بالخلافة الأسمائية عند العرفاء والخلافة في القرآن تشير الى هذا المعنى وهو يختلف عن المعنى الكلامي والفقهي، وقد وقف السيد الحيدري على هذا المعنى في كتابه التوحيد، الجزء الثاني.
وانه الآن غائبٌ مستور(١) وسيظهَرُ بإذن الله في آخر الزمان ليقيم الحقَّ والعدل واسمه المهدي (عج )(٢) .
____________________
(١) مستورأو مغمور. انظر النهاية: ٣ / ٣٨٤.
(٢) الهداية، ص ٣٨ -٤٥: وفيه أيضاً:.وأنه هو الذي أخبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم به عن الله عز وجل باسمه ونسبه، وأنه هو الذي يملأ الأض قسطا وعدلا كما ملئت ( جورا وظلما ). الاعتقادات: ٩٥، وكمال الدين: ١ / ٢٥٢ ح ٢، وكفاية الأثر: ٥٤ مثله.وفي قول الله تبارك وتعالى: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن. ) النور: ٥٥. تفسير العياشي: ١ / ٢٥٤ ذيل ح ١٧٧، وتفسير القمي: ٢ / ٣٦٥، والغيبة للنعماني: ٦٠ ح ٢. والاعتقادات: ٩٥. والغيبة للطوسي: ١٠٤، وص ١١١. الغيبة للنعماني: ١٨٦ ح ٣٨. مسند أحمد بن حنبل: ٣ / ٣٧. والبيان في أخبار صاحب الزمانعليهالسلام للكنجي الشافعي :ص ١٠٠. والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان لعلاء الدين علي بن حسام الدين الشهير بالمتقي الهندي: ٧٨ ح٢٠. والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٢٧٧، وص ٢٨٨ - ص ٢٩٠، وص ٢٩٣، والعرف الوردي في أخبار المهدي لجلال الدين السيوطي المطبوع ضمن الحاوي للفتاوي: ص٥٨ - ص٦٠ وص ٦٣ - ص ٦٥ وص ٨٠ مثله. مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٩٩، و ج ٣ / ١٧.وشرح سنن ابن ماجة: ٢ / ٥١٨. وقال السيوطي في العرف الوردي: ٨٥: قال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم عاصم السجزي: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم بمجئ المهديعليهالسلام وإنه من أهل بيته، وإنه سيملك سبع سنين، وإنه يملأ الأرض عدلا.الخ. إحقاق الحق: ١٣ / ١٣٢ - ١٥٦، الأحاديث المروية بأن المهدي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا عن أبي سعيد الخدري، وص ١٥٦ - ص ١٦٠ حديث قيس بن جابر عن أبيه عن جده عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :. يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وص ١٦١ - ص ١٦٥ حديث حذيفة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : المهدي رجل من ولدي. يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وهكذا ص ١٦٦ - ص ١٦٨ أحاديث ابن عمر، وص ١٦٩ حديث قرة المزني، وص ١٧١ - ص ١٧٧ أحاديث عليعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفيه إنه من ولد الحسين ( ع )، وص ١٧٨، وص ١٧٩ أحاديث أبي هريرة، وص ١٨٠، وص ١٨١ حديث عبد الرحمن بن عوف، وص ١٨٢ - ص ١٩٤ أحاديث ابن مسعود.
وهو التاسعُ من وُلد الحسين (ع)المقتول بكربلاء ويرجعُ نَسَبَهُ الى النبيّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم عن طريق ابنته فاطمة الزهراء (ع)(١) .
____________________
(١) الاعتقادات: ٩٥، والغيبة للطوسي: ١٦٤، والصراط المستقيم: ٢ / ٢٣٣، ومنتخب الأنوار المضيئة: ١٤٣، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٢٨٨ من محمد بن الحسنعليهالسلام إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام مثله. وفي كفاية الأثر: ٢٦١ عن أبي عبد اللهعليهالسلام :. إن قائمنا يخرج من صلب الحسن والحسن يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب محمد، ومحمد يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب ابني هذا - وأشار إلى موسى بن جعفرعليهالسلام - وهذا خرج من صلبي نحن اثنا عشر كلنا معصومون مطهرون. وفي كمال الدين: ٢٥٣ ح ٣ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :. أئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، والحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد ابن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للأيمان، وهكذا في كفاية الأثر: ٥٤. وقال الشعراني في كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر: ٢ / ١٢٨ عبارة الشيخ محي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات: واعلموا أنه لا بد من خروج المهديعليهالسلام ، لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا،. وهو من عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من ولد فاطمة رضي الله عنه ا، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الإمام حسن العسكري ابن الإمام علي النقي بالنون ابن الإمام محمد التقي بالتاء ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، يواطئ اسمه اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يبايعه المسلمون بين الركن والمقام، يشبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الخلق بفتح الخاء، وينزل عنه في الخلق بضمها، إذ لا يكون أحد مثل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أخلاقه. وكذا في إحقاق الحق: ١٩ / ٦٩٧ عن الفتوحات.
وأنه هو الذي يظهر الله عز وجل به دينه على الدين كله ولو كره المشركون(١) .
وأنه هو الذي يفتح الله عز وجل على يديه(٢) مشارق الأرض ومغاربها حتى لا يبقى في الأرض مكانٌ إلا ينُادى فيه بالأذان، ويكون الدين كلُّهُ لله.
____________________
(١) قال الله تبارك وتعالى: ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) التوبة: ٣٣، والصف: ٩. الاعتقادات: ٩٥ مثله، كمال الدين: ١ / ٣١٧ ح ٣، وص ٣٣١ ح ١٦، و ج ٢ / ٦٧٠ ح ١٦، وكفاية الأثر: ٢٣٢، والفصول المهمة: ٢٩٦، وص ٢٩٩، والبيان في أخبار صاحب الزمان: ١٥٦ بمعناه. انظر الكافي ١ / ٤٣٢ ح ٩١.
(٢) ( يَدَهُ ) ب. قال الله تبارك وتعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) الأنفال: ٣٩. و في سورة البقرة: ١٩٣. الاعتقادات: ٩٥ مثله. الغيبة للطوسي: ٢٨٣ نحوه. تفسير العياشي: ١ / ١٨٣ ح ٨١ و ح ٨٢، وكمال الدين ١ / ٢٥٦ ذيل ح ٤ بمعناه. كمال الدين: ١ / ٢٥٣ ح ٣، وص ٢٨٢ ح ٣٥، كفاية الأثر: ٥٤، وص ١٩٦، والغيبة للطوسي: ٢٧٩، ومناقب آل أبي طالب: ١ / ٢٨٢، وإحقاق الحق: ١٣ / ٢٥٩ مثل صدره. الغيبة للنعماني: ٢٣٤ ح ٢٢، وكمال الدين: ١ / ٢٨٠ ح ٢٧ نحو صدره. تفسير القمي: ٢ / ٣٦٥، والبيان في أخبار صاحب الزمان: ١٢٧ - ١٢٨ نحو ذيله. انظر الفصول المهمة: ٢٩٩. راجع تفسير العياشي: ٢ / ٥٦ ح ٤٨ و ح ٤٩ ذيل الآية، وص ٥٠ ح ٢٤.
وأنه هو المهدي الذي (أخبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه ) إذا خرج نزل عيسى بن مريمعليهالسلام فصلى خلفه(١) .ويكون إذا صلى خلفه مصلياً خلفَ (رسول الله )صلىاللهعليهوآلهوسلم لأنهُ خليفته.(٢)
وأنّه قد وُلد بالفعل، ووافقهم على ذلك عدد غير قليل من المسلمين وعلمائهم الكبار؛ وبذلك جاءت الأخبار عن النبيّ وأئمّة أهل البيت (ع) وسنمرُّ على شيء منها بعد ذكر الآيات الكريمة الآتية في هذا المبحث.
____________________
(١) قال الله تبارك وتعالى: ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته. ) النساء: ١٥٩. الغيبة للنعماني: ٧٥ ضمن ح ٩ عن سليم بن قيس: ٢ / ٧٠٧ عن شيخ من نسل حواري عيسى بن مريم، والاعتقادات: ٩٥، وكمال الدين: ١ / ٢٥١ ضمن ح ١، وص ٢٨٠ ح ٢٧ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وص ٣٣١ ضمن ح ١٦ عن الباقرعليهالسلام ، وص ٣٤٥ ضمن ج ٣١ عن الصادقعليهالسلام ، والغيبة للطوسي: ١١٦، وكفاية الأثر: ٨٠، وص ٩٩ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثله. كمال الدين: ١ / ٢٨٤ ح ٣٦ عن رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وص ٥٢٧ ضمن ح ١ عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وص ٣٣٢ ح ١٧ عن الباقرعليهالسلام ، وكفاية الأثر: ٢٢٥ عن الحسن بن عليعليهالسلام نحوه. البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي الشافعي: ص١١٠، ص١١٣، وص ١١٧، وص ١٢٤، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٢٩٣، والعرف الوردي في أخبار المهدي: ٦٤، وص ٧٨، وص ٨١، وص ٨٦، والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ١٦٠ ح ٨، وص ١٧٦ مثله. والبرهان في علامات مهدي آخر الزمانعليهالسلام : ١٥٨ ح ١. انظر صحيح مسلم: ١ / ٩٤، وص ٩٥، وشرح سنن ابن ماجة: ٢ / ٥١٤، ومسند ابن حنبل: ٣ / ٣٤٥، وص ٣٦٧.
(٢) الهداية: ص ٤٢ - ٤٥.
وان الامام المهدي (عج): وُلدَ في سامراء عند الفجر من يوم الخامس عشرمن شهر شعبان سنة ٢٥٥ ه-(١) وسماه ابوه محمداً، فكان ذلك مصداقاً للحديثالنبوي المعروف: « يواطيء اسمه اسمي »(٢) وكنّاهُ ابو القاسم.(٣) وقد تسالم على هذه الحقيقة رواةُ الشيعة الامامية وكثيرون غيرهم من طوائف الاسلام الاخرى.(٤)
والمسلمون - جيلاً بعد جيل - يروون ذلك ويشهدون بصحته، وكان ممن روى خبر هذه الولادة، بالاضافة الى اجماع الشيعة الامامية عليها - من علماء المسلمين عدد غير قليل من المؤرخين والمؤلفين، ومنهم على سبيل التمثيل:
١ - محمد بن طلحة الشافعي المتوفي سنة ٦٥٢ ه-(٥) ٢ - سبط ابن الجوزي المتوفي سنة٥٥٤ ه-.(٦)
٣ - الكنجي الشافعي المتوفي سنة ٦٥٨ ه-.(٧) ٤ - ابن خلكان الشافعي المتوفي سنة ٦٨١ ه-.(٨)
٥ - صلاح الدين الصفدي المتوفي سنة ٧٦٤ ه-.(٩)
٦ - ابن حجر الهيتمي الشافعي: المتوفي سنه٢٨٥ ه-.(١٠)
٧ - ابن الصباغ المالكي المتوفي سنة ٨٥٥ ه-.(١١) ٨ - ابن طولون الدمشقي المتوفي سنة ٩٥٣ ه-.(١٢)
٩ - الحسين بن عبد الله السمرقندي المتوفي سنة ١٠٤٣ ه- تقريبا.(١٣)
١٠ - محمد الصبان الشافعي المتوفي سنة ١٢٠٦ ه-.(١٤) ١١ - سليمان القندوزي الحنفي المتوفي سنة ١٢٩٤ ه-.(١٥)
١٢ - محمد أمين السويدي المتوفي ١٢٤٦ ه-.(١٦) ١٣ - مؤمن الشبلنجي الشافعي المتوفي ق ١٤ ه-.(١٧)
____________________
(١) الارشاد: ج٢ ص٣٢٣ ،ينابيع الموده :٤٥١ - ٤٥٢.
(٢) صحيح الترمذى :٢ /٢٧٠. الصواعق المحرقه :٩٧.
(٣) تذكرة الخواص :٣٧٧. ومطالب السؤول :٢/٧٩.والصواعق المحرقه:١٢٤.ونور الأبصار :١٥٤.
(٤) اصول الدين: ص٣٩٩.
(٥) مطالب السؤول: ٢/ ٧٩.
(٦) تذكرة الخواص: ٣٧٧.
(٧) البيان: ١٠٢- ١١٢.
(٨) وفياة الأعيان: ٣/٣١٦.
(٩) الوفى بالوفيات: ٢/٣٣٦.
(١٠) الصواعق المحرقه :١٢٤.
(١١) الفصول المهمه :٢٧٤.
(١٢) ألأئمه الأثنى عشر :١١٧.
(١٣) تحفة الطالب: ١٧/أ (مخطوط بمكتبة الحرم المكى تحت رقم ٣٣/تاريخ /الدهلوى ).
(١٤) اسعاف الراغبين: ١٤٠.
(١٥) ينابيع الموده: ٤٥٠ - ٤٥١.
(١٦) سبائك الذهب: ٧٨.
(١٧) نور الأبصار: ١٥٤.
١٤- محيي الدين ابيعبد الله محمد بن علي بن محمد بن عربي، فيالفتوحاتالمكية، وذكر نسب الامام المهدي (عج) من والده الى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في البابالسادس والستين وثلثمائة واطال في ذكره وذكر وقائعه.
١٥ - نور الدين عبد الرحمن بن احمد بن قوام الدين الدشتي الجامي الحنفيوقيل الشافعي، صاحب شرح كافية ابن الحاجب المشهور. روى في كتابه (شواهدالنّبوة) اخباراً جليلة في ولادة المهدي(ع) وبعض معجزاته.
١٦ - عبد الوهاب بن احمد بن علي الشعراني المصري العارف المشهور في:اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الاكابر في الجزء الثاني، المبحث الخامس والستون.
١٧ - السيد جمال الدين عطاء الله بن السيد غياث الدين فضل الله ابن السيد عبدالرحمن المحدّث المعروف في روضة الاحباب في سيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والا´لوالاصحاب.
١٨ - الحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري المعروف بخواجه بارسا الحنفي في فصل الخطاب.
١٩ - العارف عبد الرحمن من مشايخ الصوفيّة في: مرآة الاسرار.
٢٠ - ابو محمد احمد بن ابراهيم البلاذري في الحديث المسلسل.
٢١ - ابو محمد عبد الله بن احمد محمد بن الخشاب، المعروف بابن الخشاب في:كتاب تواريخ مواليد الائمة ووفياتهم. وغيرهم.(١)
____________________
(١) راجع المجالس السنيه: للمجتهد الأكبر السيد محسن الأمين: ج٥ ص٧١٣ - ٧٤٢.
أ: في القرآن الكريم
يمكن أن نقسم آيات القرآن الكريم في هذا الموضوع الى أربعةِ أقسام:
١: آيات وجوب الخلافة والإمامة في كلّ عصر :- (وإذْ قال ربُّكَ للملائكةِ إنّي جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسدفيها ويسفك الدماء ونحن نسبّحُ بحمدك ونقدّس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون).(١) - (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض ).(٢) - (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّنّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعدخوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً.).(٣) ومن الملاحظ أن هذه الايات الثلاثه قد استدل بها القرطبي وغيره من المفسرين على وجوب الخلافة والامامة(٤) في كلّ عصر، وقالوا أنّ هذه الآيات نصٌّ بوجوب وجود خليفة وإمام في كلّ زمان. كما أنّ الآية الثالثة تشيرأيضاً الى وعده الحتمي الذي بشّر به كلّ المؤمنين وعهده الذي قطعه على نفسه المقدّسة بنصرتهم النصر المؤزّر النهائيّ، وهي واضحة الدلالة والمعنى.
____________________
(١) البقرة: ٣٠.
(٢) ص: ٢٦.
(٣) النور: ٥٥.
(٤) الجامع لأحكام القرآن: ج١ ص٢٦٤.
- ( انما انت منذرٌ ولكل قومٍ هاد ).(١)
والآيةُ صريحةٌ بوجوب وجود إمام هاد منصوب ومعيّن من قبل الله تعالى لكلّ قوم ولكلّ زمان.
وقال العلاّمة الطباطبائي :
ومن هنا نصل الى نتيجة: ان ليس هناك ضرورة ان يكون نبيٌّ بين الناس بصورة مستمرة، لكن يستلزم ان يكون امام بينهم، ويستحيل على مجتمع بشري ان يخلو من وجود امام سواء عرفوهام لم يعرفوه، وقد اشار الحكيم في كتابه:( فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلّنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ).(٢)
- ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ).(٣)
والآيةُ صريحةٌ أيضاً بأنّ الله تبارك وتعالى أوصل رسالته المباركة بما فيها من حقّ وصدق وشرع وخُلُق وعظة الى كلّ البشر، وهذا يستدعي وجود إمام معصوم لكلّ عصر وزمان لكي يوصل القول لكلّ الناس.
وكذلك في آيات أُخرى نذكرها على نحو الإختصار :
- (وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات).(٤)
- (وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لمّا صبروا)(٥) .
- (واذ ابتلى ابراهيم ربّه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس
- اماماً قال ومنذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)(٦) .
- ( واجعلنا للمتقين اماماً ).(٧)
- ( يوم ندعو كل اناس بامامهم ).(٨)
____________________
(١) الرعد: ٧.
(٢) الشيعه فى الاسلام: ص٢٣٦ - ٢٣٧، والآيه: ٨٩ من الأنعام.
(٣) القصص: ٥١.
(٤) الأنبياء: ٧٣.
(٥) السجدة: ٢٤.
(٦) البقرة: ١٢٤
(٧) الفرقان: ٧٤.
(٨) الإسراء: ٧١.
٢: آيات الوعد الإلهيّ بتطهير الأرض وتوريثها للمؤمنين :وبالإضافة للآيات المباركة التي تُثبتُ وجوب وضرورة وجودِ إمام هادٍ يأمر بأمر الله وينهى بنهيه لكلّ زمان وكذا في آخر الزمان، فإنّ هناك آيات أُخر وهي آيات العهد والوعد الإلهيّ بتطهير الأرض وتوريثها للمؤمنين، وعلى سبيل المثل قولهُ تعالى :
-(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنَّ الأرضَ يرثها عباديَ الصالحون. إنَّ في هذا لَبَلغاً لقومٍ عبدين. وما أرسلنكَ إلاّ رحمةً للعلمين ) .(١)
-(ونريدُ أن نَمُنَّ على الذين استُضِعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين ) .(٢)
- ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّنّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعدخوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً.).(٣)
٣: آيات نصرة الدين الحقّ وأهلهُ:
- ( يُريدونَ ليُطفؤا نورَ الله بأفوههم واللهُ مُتمُّ نوره ولو كرهَ الكفرون. هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدى ودين الحقّ ليُظهرَهُ على الدين كله ولو كَرهَ المشركون )(٤) .
- ( هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدى ودين الحقّ ليُظهرَهُ على الدين كله وكفى بالله شهيداً )(٥) .
- ( وكان حقّاً علينا نصرُ المؤمنين ).(٦)
____________________
(١) سورةُ الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٧.
(٢) سورةُ القصص: ٥.
(٣) سورة النور: آية ٥٥.
(٤) سورة الصف:٨ - ٩. سورة التوبة: ٣٣.
(٥) سورة الفتح: آية ٢٨.
(٦) سورة الروم: آية ٤٧.
٤: آيات ٌ، في هزيمة الظالمين :
-( قل يوم الفتح لاينفعُ الذين كفروا إيمانهم ولاهم ينظرون ) (١) .
-( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأُخذوا من مكانٍ قريبٍ ) (٢) .
- ( فلما أحسّوا بأسنا إذا هم منها يركضون لاتركضوا وارجعوا الى ما أُترفتُم فيه ومساكنكم لعلَّكم تسألون )(٣) .
ولنكتفي بهذا القدر من الآيات الكريمة، ولإماطة اللثام أكثر نذكرُ باقة من الأحاديث الشريفة في عدم خلوِّ الارض من حجة الله تعالى' قطعاً.
ب: في الروايات الشريفة
قال النبيُّ الأكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم :( من مات ولم يعرف امام زمانهِ مات ميتةً جاهليّةً ).(٤) وقال امير المؤمنين علي (ع) :
«اللّهمَّ بلى لا تخلو الارض من قائم لله بحجّةٍ اما ظاهراً مشهوراً او خائفاً مغموراًلئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته.»(٥) .
____________________
(١) سورة السجدة: آية ٢٩.
(٢) سورة سبأ: آية ٥١.
(٣) سورة الأنبياء: آية ١٢ و ١٣.
(٤) بحار الأنوار ،ج٨ ص ٣٦٨. وراجع شرح ذلك في كتاب الإمامة من بحار الأنوار ج ٢٣ ص ٧٦ - ٩٥ والحديث متواتر عند الفريقين. انظر: مسلم في صحيحه ٦ / ٢٢ باسناده عن عبد الله بن عمر. ابن حنبل في المسند ٤ / ٩٦ باسناده عن معاوية قال: قال رسول الله من مات بغير امام مات ميتة جاهلية، وأخرجه في مجمع الزوائد ٥ / ٢٢٥ و ٥ / ٢١٨ عن الطبراني.صحيح البخاري، كتاب الفتن الباب ٢ ج ٩ ص ٥٩. كتاب الأحكام الباب ٤ ( ٩ / ٧٨ )، صحيح مسلم كتاب الامارة الحديث ٥٣ و ٥٤ و ٥٥ ( ٦ / ٢١ ) سنن النسائي كتاب التحريم الباب ٢٨ سنن الدارمي كتاب السير الباب ٧٦، مجمع الزوائد ج ٥ ص ٢١٨ و ٢٢٣ و ٢٢٤ و ٢٢٥، منتخب كنز العمال ٢ / ١٤٧ مسند الإمام ابن حنبل ج ١ / ٢٧٥ و ١٨٤ و ٢٩٧ و ٣١٠ ج ٢ / ٧٠ و ٨٣ و ٩٣ و ١١١ و ٢٩٦ و ٣٠٦ و ٤٨٨ ج ٣ ص ٤٤٥ و ٤٤٦ ج ٤ / ٩٦ ج ٥ / ١٨٠ و ٣٨٧.
(٥) ينابيع الموده: فى الباب المائه، ص٥٢٣ ،وراجع احياء علوم الدين: ١/ ٥٤، وفى حلية الأولياء ١/ ٨٠ بايجاز.
وفي معالم الزلفى عن ابي عبد اللهعليهالسلام :
« لو كان الناسُ رجلين لكانَ احدهما الامام ».
وقالعليهالسلام : «آخر من يموت الامام لئلاّ يحتج أحد على الله عزوجل انه تركه بغيرحجة الله عليه ».(١)
وفي الاربعين عن ابي جعفر (ع) :
«لو بقيت الارض يوماً بلا امام منا لساخت بأهلها ولعذبهم الله بأشد عذابه، ان الله تبارك وتعالى' جعلنا حجة في ارضه واماناً في الارض لاهل الارض لن يزالوا فيامان من ان تسيخ بهم الارض ما دمنا بين اظهرهم فاذا اراد الله ان يهلكهم ولاينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا الله ثم يفعل ما يشاء واحب ».(٢)
وفي الكافي عن ابي عبد الله (ع) :
«ان الحجة لا يقوم لله على خلقه إلاّ بامامٍ ٍٍ حيٍّ حتى' يعرف».
وفيه عن ابي الحسن (ع) :
« ان الارض لا تخلوا من حجة وانا والله ذلك الحجة ».
وفيه عن ابي عبد الله (ع) :
« لو بقيت الارض بغير امام لساخت ».
وفيه عن ابي جعفر (ع) :
«لو ان الامام رُفعَ من الارض ساعةً لماجت بأهلها كما يموجُ البحرُ بأهله »(٣) .
وفيه(البحار) عن الاعمش عن الصادقعليهالسلام قال:« لم تخلُ الارض منذ خلق الله آدم منحجةٍ لله فيها ظاهر مشهور او غائب مستور ولا تخلو الى ان تقوم الساعة من حجة ٍلله فيها ولولا ذلك لم يُعبد الله.».(٤)
____________________
(١) الزام الناصب: ج١، ص٥.
(٢) نفس المصدر.
(٣) نفس المصدر: ج١ ص٦- ٧.
(٤) نفس المصدر: ج١ ص٤٢٨.
جاء في سفر ملاخي في باب مجيء يوم الربّ الموعود :
( ١٩ وقال الربّ القدير: سيأتي يومٌ يحترق فيه جميع المتجبّرين وفاعلي الشرّ كالقشّ في التنور المتّقد.في ذلك اليوم يحترقون ،حتى لايبقى لهم أصلٌ ولا فرع ٢٠ وتشرق لكم أيّها المتّقون لاسمي شمس البرّ والشفاء في أجنحتها، فتسرحون وتمرحون كالعجول المعلوفة، وتدوسون الأشرار وهم رمادٌ تحت أخامص أقدامكم، يوم أعمل عملي، أنا الربّ القدير ).(١)
هذا وقد بشَّرَ بطرس الرسول ووعد بمجيء يوم الربّ الموعود والحتميّ في رسالته الثانية حيث جاء فيها :
( ١ هذه اكتبها الان اليكم رسالة ثانية ايها الاحباء فيهما انهض بالتذكرة ذهنكم النقي* ٢ لتذكروا الاقوال التي قالها سابقا الانبياء القديسون و وصيتنا نحن الرسل وصية الرب و المخلص* ٣ عالمين هذا اولا انه سياتي في اخر الايام قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات انفسهم* ٤ و قائلين اين هو موعد مجيئه لانه من حين رقد الاباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة* ٥ لان هذا يخفى عليهم بارادتهم ان السماوات كانت منذ القديم و الارض بكلمة الله قائمة من الماء و بالماء* ٦ اللواتي بهن العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك* ٧ و اما السماوات و الارض الكائنة الان فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها محفوظة للنار الى يوم الدين و هلاك الناس الفجار* ٨ و لكن لا يخف عليكم هذا الشيء الواحد ايها الاحباء ان يوما واحدا عند الرب كالف سنة و الف سنة كيوم واحد* ٩ لا يتباطا الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ لكنه يتانى علينا و هو لا يشاء ان يهلك اناس بل ان يقبل الجميع الى التوبة* ١٠ و لكن سياتي كلص في الليل يوم الرب. * ١١ فبما ان هذه كلها تنحل اي اناس يجب ان تكونوا انتم في سيرة مقدسة و تقوى* ١٢ منتظرين و طالبين سرعة مجيء يوم الرب الذي به تنحل السماوات ملتهبة و العناصر محترقة تذوب* ١٣ و لكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة و ارضا جديدة يسكن فيها البر* ١٤ لذلك ايها الاحباء اذ انتم منتظرون هذه اجتهدوا لتوجدوا عنده بلا دنس و لا عيب في سلام* ١٥ و احسبوا اناة ربنا خلاصا كما كتب اليكم اخونا الحبيب بولس ايضا بحسب الحكمة المعطاة له* ١٦ كما في الرسائل كلها ايضا متكلما فيها عن هذه الامور التي فيها اشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء و غير الثابتين كباقي الكتب ايضا لهلاك انفسهم* ١٧ فانتم ايها الاحباء اذ قد سبقتم فعرفتم احترسوا من ان تنقادوا بضلال الاردياء فتسقطوا من ثباتكم* ١٨ و لكن انموا في النعمة و في معرفة ربنا و مخلصنا. * ).(٢)
____________________
(١) سفر ملاخي ٣: ١٩ - ٢١ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص١٢٤٨. انظر: العهد القديم، سفر ملاخي، الإصحاح ٣، الفقرات، ١٩ - ٢١، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. مع إختلاف بسيط في الترجمة.
(٢) العهد الجديد، سفر بطرس الرسول، الإصحاح ٣، الفقرات، ١ - ١٨، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. مع إختلاف يسير في عبارات الترجمة في:سفر بطرس، الرسالة الثانية ٣: ١ - ١٨، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٣٨٣.
لقد كان مخلّصُ العالم ومنقذُ البشريّة ويومهِ الإلهيِّ الموعود أنشودةَ الأنبياء المقدّسة بحقٍّ والتي لم يكلّوا ولم يملّوا يوماً من ذكرها والتصريح بها والتسلّي بها عمّا كانوا يعانونه من ظلم واضطهاد، وقد سطّروا بذلك أحرفاً من نور في وصفه وذكره تدهشُ العقول وتحيّرُ ألألباب وهي نابعة من أعماق قلوبهم الطاهرة وتحمل في طيّاتها الشوق الكبير والألم المبرّح جرّاء الإنتظار الطويل والحبّ والعشق العارم لهذا الرجل الإلهيّ الموعود(١) . وفيما يلي نماذج على صدق ماندّعي في القرآن أولاً، وفي العهدين ثانياً:
أنَّهُ صاحبُ (يوم الوقت المعلوم)، في قولهِ تعالى: (قالَ ربِّ فأنظرني الى يوم يبعثون.قالَ فإنَّكَ منَ المنظرين. الى يوم الوقت المعلوم )(٢) .
فقد ذكر ذلكَ السيد ابن طاووس، في كتاب سعد السعود:حيث قال: ( اني وجدت فيصحف ادريس النبي(ع)، عند ذكر سؤال ابليس، وجواب الله له، قال :رب فانظرني الى يوم يبعثون، قال: لا ولكنك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم،فانه يوم قضيت وحتمت أن اطهّر الارض ذلك اليوم من الكفر والشركوالمعاصي، وانتخب لذلك الوقت عباداً لي امتحنتُ قلوبهم للايمان وحشوتها بالورع والاخلاص واليقين والخشوع والصدق والحلم والصبر والوقار والتقى والزهد في الدنيا والرغبة فيما عندي، وأجعلهم دعاة الشمس والقمر، واستخلفهمفي الارض وامكن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم، ثم يعبدونني لا يشركون بيشيئاً، يقيمون الصلاة لوقتها، ويؤتون الزكاة لحينها، ويأمرون بالمعروف وينهونعن المنكر، وألقي في ذلك الزمان الامان على الارض، فلا يضرّ شيء شيئاً، ولايخاف شيء من شيء، ثم تكون الهوام والمواشي بين الناس فلا يؤذي بعضهمبعضاً، وانزع حمة كل ذي حمة من الهوام وغيرها، واذهب سم كلّ ما يلدغ، وانزلبركات من السماء والارض، وتزهر الارض بحسن نباتها، ويخرج كل ثمارهاوانواع طيبها.
والقي الرأفة والرحمة بينهم فيتواسون ويقتسمون بالسويّة، فيستغني الفقير، ولايعلو بعضهم بعضاً، ويرحم الكبير الصغير، ويوقّر الصغير الكبير، ويدينون بالحقوبه يعدلون، ويحكمون أولئك اوليائي اخترت لهم نبيّاً مصطفى وامنياً مرتضى، فجعلته لهم نبيّاً ورسولاً وجعلتهم له اولياء وانصاراً، تلك امة اخترتها للنبيالمصطفى وامنية المرتضى، ذلك وقت حجبته في علم غيبي ولا بدّ انه واقع بيدكيومئذ وخيلك ورجلك وجنودك اجمعين، فاذهب فانك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم.(٣)
____________________
(١) وسيكون جلُّ اهتمامنا ومانأخذه في هذا الباب هو من العهدين، لاعتبار، ان ماجاء فيهما من عقائد حقّةٍِ اما هو من بقايا الوحي كتبهُ الأنبياء(ع)، أو هو تفسيرٌ لنصٍّ موحى أثبتهُ الأنبياء وأوصيائهم (ع).
(٢) سورة الحجر: الآيات: ٣٦ - ٣٨.
(٣) سعد السعود، ص٣٤. بحار الأنوار، ج ١١، ص١٥٢، وج٥٢، ص٣٨٥. الزام الناصب، ج٢، ص ٢٦٠. معجم أحاديث الأمام المهدي، ج٥، ص ٢٠٠. نور الأبصار: ص٤٤٦ - ٤٤٧.
١: يوم الصاحب (المنجي) يومٌ عظيمٌ مهولٌ:
حيث جاء في سفر يوئيل النبي (ع) :
( ١. صوتوا في جبلي المقدَّس ليرتعد جميع سكان الارض لأنَّ يوم الرب قادمٌ لانه قريب* ٢ يوم ظلام و قتام يوم غيم و ضباب مثل الفجر ممتداً على الجبال شعب كثير و قوي لم يكن نظيره منذ الازل و لا يكون ايضاً بعده الى سني دور فدور* ٣ قدامه نار تاكل و خلفه لهيب يحرق الارض قدامه كجنة عدن و خلفه قفر خرب و لا تكون منه نجاة* ٤ كمنظر الخيل منظره و مثل الافراس يركضون* ٥ كصريف المركبات على رؤوس الجبال يثبون كزفير لهيب نار تاكل قشاً كقوم اقوياء مصطفين للقتال* ٦ منه ترتعد الشعوب كل الوجوه تجمع حمرة* ٧ يجرون كابطال يصعدون السور كرجال الحرب و يمشون كل واحد في طريقه و لا يغيرون سبلهم* ٨ و لا يزاحم بعضهم بعضاً يمشون كل واحد في سبيله و بين الاسلحة يقعون و لا ينكسرون* ٩ يتراكضون في المدينة يجرون على السور يصعدون الى البيوت يدخلون من الكوى كاللص* ١٠ قدامه ترتعد الارض و ترجف السماء الشمس و القمر يظلمان و النجوم تحجز لمعانها* ١١ و الرب يعطي صوته امام جيشه ان عسكره كثير جداً فان صانع قوله قوي لان يوم الرب عظيم و مخوف جداً فمن يطيقه* ١٢ و لكن الان يقول الرب ارجعوا الي بكل قلوبكم و بالصوم و البكاء و النوح* ١٣ و مزقوا قلوبكم، لا ثيابكم، و ارجعوا الى الرب الهكم لانه رؤوف رحيم بطيء الغضب و كثير الرافة. *
٢١ لا تخافي ايتها الارض ابتهجي و افرحي لان الرب يعظم عمله* ٢٢ لا تخافي يا بهائم الصحراء فان مراعي البرية تنبت لان الاشجار تحمل ثمرها التينة و الكرمة تعطيان قوتهما* ٢٣. ابتهجوا و افرحوا بالرب الهكم لانه يعطيكم المطر المبكر على حقه و ين-زل عليكم مطراً مبكراً و متأخراً في اول الوقت* ٢٤ فتملأُ البيادر حنطة و تفيض حياض المعاصر خمراً و زيتاً * ٢٥ و اعوض لكم عن السنين التي اكلها الجراد الغوغاء و الطيار و القمص جيشي العظيم الذي ارسلته عليكم* ٢٦ فتاكلون اكلاً و تشبعون و تسبحون اسم الرب الهكم الذي صنع معكم عجباً.
و يكون بعد ذلك اني اسكب روحي على كل بشر فيتنبأُ بنوكم و بناتكم و يحلم شيوخكم احلاماً و يرى شبابكم رؤى* ٢٩ و على العبيد ايضاً و على الاماء اسكب روحي في تلك الايام* ٣٠ و اعطي عجائب في السماء و الارض دماً و ناراً و اعمدة دخان* ٣١ تتحول الشمس الى ظلمة و القمر الى دم قبل ان يجيء يوم الرب العظيم المخوف* ٣٢ و يكون ان كل من يدعو باسم الرب ينجو.*).(١)
____________________
(١) العهد القديم، سفر يوئيل، الإصحاح ٢، الفقرات كما مبيَّنة في النص، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. سفر يوئيل ٢: الفقرات كما مبيَّنة في النص، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص١١٩٣ - ١١٩٤. مع إختلاف يسيرٍ في الترجمة.
ومن المؤسف حقَّاً أنَّ الترجمات قد شوَّهت هذا النصَّ كغيرهِ الى حدٍّ كبيرٍ، وقد تسامحَ المترجمون في إطلاقِ بعضِ العبارات في غير محلِّها ومن دون مناسبةٍ فغَدت تعني شيئاً آخرَ، فلو أَنا نظرنا الى فقرةٍ واحدة وتأمَّلنا فيها لشعرنا بمظلوميّة الكتاب المقدس، فلنأخذ على سبيل المثال، الفقرة السادسة من هذا الإصحاح، فقد جاءت في ترجمة الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، الإصدار الثاني، فبراير ٢٠٠٢ م، في مصر، كالآتي: (٦ منهُ تَرتَعِدُ الشعوبُ كلّ الوجوه تجمع حمرة *)، بينما جاء في ترجمة الكتاب المقدّس الإصدار الثاني ١٩٩٥، الطبعة الأولى، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، كالآتي: ( ٦ أمامهم تجبُنُ الشعوب، ومن الخوفِ تصفرُّ جميعُ الوجوهِ )! ولعلَّ المطَّلع يسأَل ألهذا الحدُّ يُغيَّرُ المعنى ؟
وفي معرض الجواب نقول: كلاّ، بل الى أبعد من ذلك بكثير !، بل صُرِفَ النصُّ كاملاً عن شكلِهِ الجميلِ الجذّابِ، فماذا لو أنَّنا استعنّا بمترجمين من ذوي الإختصاص والعقائدِ الحقَّةِ ولاندَّعي لهمُ العصمةَ في ذلكَ أَيضاً ،لكنَّهم راعوا الدِّقَّة والإختصار قَدَرَ الإمكان، فبدا النصُّ المقدَّس كما يلي :( ان ارفعوا اصواتكم في جبلي المقدس، لانه الى يوم الصاحب وقرب يوم الظلمة، ويوم تموج الهواء ويومالعجاج والمطر، وفيه تنتشر كثير من الامة والشجعان، لم يكن مثلهم في الاولين ولايأتي كمثلهم في الا´خرين، ينتشرون في الجبال، وتكون بين اعينهم نار محرقة، من ورائهم نار موقدة ذات شفير وشهيق، وتكون بين عينيه الارض كالبساتينالمخضرة، ومن وراءه الفقراء ولا يقدر احد على الانهزام منه، ويتراكض جنده كالخيل القوي المسرع، واصواتهم يرى كصوت الجنود العظيمة المرتفعة في قللالجبال، وهم كالنار المحرقة للقشاش، وهم مستعدون للحرب بين يديه كالامة القوية والشجعان العلية، وتبتلي الامم بغضبه، وتسود به الوجوه، وامة الصاحبيركضون كالشجعان ويعلون الحيطان ،آخذون طريقهم نصب اعينهم غير تاركيه، يوم يفر المرأ من اخيه ولا ينجيه، وتتزلزل به الاراضي وتترك به السموات وتظلم الشمس والقمر. الى ان يقول:
فيصيح الصاحب قبالة جنده ،لانهم كثيرون وهم الشجعان وهم مطيعوه، فيوم الصاحب يوم عظيم مهول، ومن يطيق على ذلك اليوم).(١)
واشارة (الصاحب) في هذه الترجمة، هي غايةٌ في الروعة والدقة، لانها من الألقاب المخصوصة لمنجي العالم والمصلح الأعظم في آخر الزمان كما تواترت بذلك الأخبار الشريفة: فهو الصاحب، وصاحب الكرة البيضاء، وصاحب الدار، وصاحب الرجعة، وصاحب الغيبة، وصاحب الناحية: وهذا يطلق عليه وعلى جده وابيه، وصاحبالزمان، وصاحب الامر، وصاحب العصر، وصاحب الدولة البيضاء، وصاحب الدولة الزهراء.(٢) وما دمنا في ذكر المنجي بلسان الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام )، دعونا نستمعُ الى انشودة العشاق الوالهين، التيكتبها احد أعاظم أنبياء الله السابقين، حيث يُسلّي نفسه المقدسة بذكر حبيبه الموعود،ويبثّ إليه الشكوى والالم، ويخبره بأنّ عشاقه يلهجون بذكره في الشدّة والرخاء، ويتفحصون عنه في كل مكان وزمان، ذلك لانّ المحب الواله لا تهدأ ثورته إلاّ بلقاء محبوبة الاوحد، لتنكشف همومه وغمومه باشراقةِ نور وجه المبارك.
____________________
(١) الزام الناصب في إثبات الحجة الغائب :ج١ ص١٤٨- ١٤٩، البشاره الثانيه والعشرون، حيث جاء في الفصل الثاني من كتاب حورل النبي (ع):.الخ.وقد وُضعت كلمة (حورل ) بدل( يوئيل) ولعلَّهُ تصحيفٌ أوسهوٌ. والأمر واضح.
(٢) انظر: الزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: ج١ ص٤٨٢ و ص٤٨٦.
٢: العشقُ والإنتظارُ لحبيبهم المنجي
حيث قال شعيا(١) النبي (ع) في كتابه:( ٢ افتحوا الابواب لتدخل الامة البارة الحافظة الامانة* ٣ ذو الراي الممكن تحفظه سالماً سالماً لانه عليك متوكل* ٤ توكلوا على الرب الى الابد.* ٥ لانه يخفض سكان العلاء يضع القرية المرتفعة يضعها الى الارض يلصقها بالتراب* ٦ تدوسها. اقدام المساكين*.٨ ففي طريق احكامك يا رب انتظرناك الى اسمك و الى ذكرك شهوة النفس* ٩ بنفسي اشتهيتك في الليل ايضاً بروحي في داخلي اليك ابتكر لانه حينما تكون احكامك في الارض يتعلم سكان المسكونة العدل* ١٠ يرحم المنافق و لا يتعلم العدل في ارض الاستقامة يصنع شراً و لا يرى جلال الرب* ١١ يا رب ارتفعت يدك و لا يرون يرون و يخزون من الغيرة على الشعب و تاكلهم نار اعدائك* ١٢ يا رب تجعل لنا سلاماً. * ١٣ ايها الرب الهنا قد استولى علينا سادةٌ سواك بك وحدك نذكر اسمك* ١٤ هم اموات لا يحيون اخيلة لا تقوم لذلك عاقبت و اهلكتهم و ابدت كل ذكرهم* ١٥ زدت الامة يا رب زدت الامة تمجدت وسعت كل اطراف الارض* ١٦ يا رب في الضيق طلبوك سكبوا مخافتة عند تاديبك اياهم* ١٧ كما ان الحبلى التي تقارب الولادة تتلوى و تصرخ في مخاضها هكذا كنا قدامك يا رب* ١٨ حبلنا تلوينا كاننا ولدنا ريحا لم نصنع خلاصاً في الارض و لم يسقط سكان المسكونة* ١٩ تحيا امواتك تقوم الجثث استيقظوا ترنموا يا سكان التراب لان طلك طل اعشاب و الارض تسقط الاخيلة* ٢٠ هلم يا شعبي ادخل مخادعك و اغلق ابوابك خلفك اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب* ٢١ لانه هُوَ ذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب إثم َسُكان الارض فيهم فتكشف الارض دماءها و لا تغطي قتلاها في ما بعد* ).(٢)
____________________
(١) شعيا: أشعيا: أشعياء: إشعيا: وإشعياء، النبّى ّ(ع): من أعاظم أنبياء بنى اسرائيل.
(٢) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٢٦، الفقرة ٢ - ٢١، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. سفر أشعيا ٢٦: ٢ - ٢١ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٣٨ - ٩٣٩.والنصُّ كصاحبه المتقدّم إذ يلاحظ الفرق الواضح في عبارت الترجمة التي قد تشوّش النص، ولكن بالرجوع الى ترجمة أهل الخبرة والعقائد الحقة يظهر جمال ودقة النص، فانظر: الزام الناصب: ج١ ص١٥٣ - ١٥٦: عن شعيا النبى (ع): فى السيمان السادس والعشرون ( الإصحاح ٢٦ )، فى بيان اخباره بالمهدى (عج)، حيث جاء فيه: « يا نور الله! ان ذكرك واسمك اقصى مقاصدنا، وظهورك لنا في الليالي أسنى مرامنا، ولاجله استيقظت في طلوع الصبح أرواحنا. يا نور الله! اذ قلعت من على الارض المجانين، تعلم العدل منك ساكنيها، ولذلك لم ترحم المنافق، لانه حينئذٍ لا يتعلم العدل منك، مع ذلك لمعصية في ارض تسكنها المقدسون. فيانور الله! تعلوا يدك القاهرة انشاء الله، فلا يرون ويرون، وتندم حسادك وتحرق اعاديك نار غضبك. فيانور الله! كنا في غيبتك، وعدم حضورك، واستتارك مأسوراً متصرفاً، ومع ذلك كنا نسلّي قلوبنا بذكرك، فلا ترجع اهل النار، فتنكسر وتنعدم، من كنا في تصرفه واذاه حيث يمحي عن الارض ذكره واسمه. يا نور الله! ليست جلالتك بديعة ،بل انما هي قديمة، وتابعوك تفحصوا عنك فيضيقهم، وحديثك دينهم وطريقتهم في الشدة ،وسيقولون في رخائهم: انا كنا في غيبتك كالمرأة الحامل، المتحملة لضيق المخاض ووجع الارتياض، ونقر بسوء اعمالنا، وان بسببه وادبارنا عن العدل أصابنا ما أصابنا، ولم ينقطع اثار الجبارين عنا، فلو أنا سمعنا ما اقرعت اسماعنا من كلام ربنا ووعينا، لقطعت عنا اذى الجبارينمن قبل، ولأدركنا زمان الفرج والراحة، فما جرعناها من أذاهم ليست إلاّ بما كسبت ايدينا، فانا لم نخلص اعمالنا، فأخّرنا ظهورك فنحن السبب في استتارك.الى قوله (ع ) في السيمان السادس والعشرين (إصحاح ٢٦ ) من خطاب شعيا لقومه : « يا قوم ادخلوا مساكنكم، واغلقوا عليكم ابوابكم مدة انقضاء الغضب ،فان هذا نور الله، سيظهر لديوان العاصين، وقلعهم من الارض، راداً عصيانهم اليهم، وستظهرالارض حينئذٍ دمائها وقتلاها، وسينتقم يومئذٍ نور الله عنهم، اي الجبابرة والقتلة بسيفه القوي الشديد.». فلننظر الى هذا الرجل الالهي العظيم عن قرب ولنتأمّل في عشقه المقدس، فهو ينظربنور الله ويسمع بسمعه ،لذا فهو يشير الى منجي العالم عن قرب اذ يقول: (.هذا نور الله سيظهر.)، وكأنه يعيش في عصرنا هذا ويتكلم بلغتنا اليوم، بلوكأنه يلقي علينا قصيدة في الحبّ العذري، منظومة كنظم الدرر. ورغم الزمنوالترجمات المتعاقبة ورغم كل شيء وصلت الينا غضة طريّة. وهذا ليس بعجيب، لان الله بالغ امره، ولان انبياءه واهل كرامته قد كُشفت لهمالحجب ونظروا الى عالم الملكوت الاعلى كنظرهم الى هذا العالم الأدنى!. ألا ترى' انه يخاطب معشوقه وهو في عالم الاشباح، ويتلذذ بمناجاته، ويعرفهالمعرفة الحقّة؟.
فلونظرنا الى هذا الرجل الالهي العظيم عن قربٍ وتأمّلنا في عشقه المقدس، ولنرمي وراءَنا ماصنعتهُ آفات الترجمة وأيادي العبث، لأنَّهُ ينظربنور الله ويسمع بسمعه ،لذا فهو يشير الى منجي العالم في أكثر من مكانٍ في هذا الإصحاح، فهو يأمرُ في البدء ِباستقبال (الأُمَّة البارَّة حافظة الأمانة) والإذن لها بالدخول، فمن يعني بهذه العبارات(١) ؟، ثمَّ يشرعُ بذكرِ وقائع في آخر الزمان، وقد توهَّم المفسِرون من أهل الكتاب، وكذلك المترجمون بوضع كلمة (الربّ ) أو مايشاكلها بدلَ الأوصاف الخاصة بمنجي العالم أو لأمرٍ آخر والله العالم.
٣: أَنَّهُ المقيمُ لمملكةِ العدل والسلام الإلهيّة الكبرى
قال شعيا النبيُّ (ع) أيضاً مبشراً بأمل الإنسانيّة:
« ان نور الله يقوم لديوان المساكين، وينتقم للمظلومين ،متحزّمٌ بالايمان، ومستظهربالعدل، يرعى في زمانه الذئب والشاة على المرعى، والنمر والمعز يتراكضان معا ً، والاسد والبقر يأكلان معاً، ويدخل الرضيع يده في جحر الحشرات والحيات».(٢) وقال (ع) أيضا ً:
« ألا انبئكم بحديث الاخبار، واعلمكم بها قبل وقوعها ،ستقرّون وتثنون لنور الله ثناء جديداً، ومنتهى الارض في البحر والجزائر عند سكنة تلك الجزائر ».(٣)
____________________
(١) وسنقفُ عندها في موضوع: النواةُ الأُولى للدولة العالمية. وللمزيد انظر: سفر أشعيا٢٦: ٢ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص٩٣٨. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٢٦، الفقرة، ٢، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. مع إختلاف في الألفاظ. وانظر في: مزمور ١٠١: ٦ (أُمناء الأرض ). ومزمور ٤٧: ٩ - ١٠ ( شعبُ إله إبراهيم ). ومزمور ١١١: ٦ ( شعبُ الله ). الخ. وأشعيا ٣٠: ١٨(منتظروا الربّ ). انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) سفر إشعيا ١١: ٤، ٦، ٨، الأصل العبري، العهد القديم، ص ٦٢٥. انظر: سفر أشعيا ١١:٤، ٦، ٨، تحت عنوان مملكة السلام ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢٤. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرات، ٤، ٦، ٨ ،الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. أهل البيت في الكتاب المقدس ،ص١٢٣ - ١٢٦. مع فروقات في عبارات المترجين. والنصُّ أعلاه كما في ترجمة: الزام الناصب :ج١ ص١٥٦، عن كتاب شعيا النبى (ع) :آخر السيمان الحادى عشر.
(٣) سفر إشعيا ٤٢: ٩، ١٠، الأصل العبري، العهد القديم. سفر أشعيا ٤٢: ٩، ١٠، تحت عنوان مملكة السلام ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٦١. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٤٢، الفقرات، ٩، ١٠، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. مع فروقات في عبارات المترجين. والنصُّ أعلاه كما في ترجمة: الزام الناصب: ج١، عن كتاب شعيا النبى (ع) :فى السيمان الثانى والأربعين (إصحاح ٤٢)، الفقرات ٩، ١٠.
٤: أَنَّهُ القائمُ المنتظرُ المطلوبُ بالضرورة
وقد ذكرهُ أشعيا النبيّ (ع) بأحد أهمّ القابه المخصوصة وهو ( القائم) وأنهُ هو المنتظرُ والمطلوبُ من قبل الشعوب والأُمم بالضرورة حيث قال :( وفي ذلك اليوم سيرفع «القائم» رايةً للشعوب والامم التي تطلبه وتنتظرهويكون محله مجداً).(١) وسيأتي تفصيل ذلك في محلّه إنشاء الله تعالى.
٥: أنَّهُ هو المدعو لهُ في صلاةِ الأنبياء (ع)
وجاء في سفر حبقوق النبيّ ( ع ) :
١ وأنشدَ حبقوقُ النبي ّ هذه الصلاةَ ٢ يا ربُّ، سمعتُ بما عملتَ فَخفتُ، أعدهُ في أيامنا وعرّف به، وفي غضَبكَ أذكر رَحمتكَ ٣ الله يَجيءُ من تيمان، القدوس من جبل فاران. غطّى جلالُهُ السماوات و امتلات الارضُ من التهلّلُ لهُ ٤ يجيءُ كلمعان البرق ومن يده يسطعُ النورُ وفيها تستترُ عزَّتُهُ ٥ قدام وجهه يسيرُ الوباء ووراء قدميه الموت ٦ يقفُ فتهتزُّ الأرضُ، وينظرُ فترتعدُ الاممُ.تَتَحطَّمُ جبال الدهر و تنخسفُ تلالُ الأزَل، حيثٌ سارَ في قديم الزمن ٧ رايتُ البلاءَ في خيام كوش َ ولإضطرابَ في مساكن مديان ٨ أعَلى الانهار يتَّحدُ غَضَبُك ؟ أعلى البحار غيظُك ياربُّ ؟ حينَ ركبتَ خيلكَ ياربُّ ومركباتكَ المنتصرةَ ٩ وشَدَدتَ قوسَكَ شَدّاً، وسدَّدتَ سهامكَ، شّقَّت بُروقُكَ الأرضَ ياربُّ ١٠ وانحلَّت الجبالُ لرؤياكَ، المياهُ انهمرت وطَمَت والغمرُ أطلَقَ صوتَهُ وارتفعت أمواجُهُ الى العلاء ١١ الشمسُ والقمرُ في بُرجيهما وَقَفا لتَطاير سهامكَ وضياء بريق رمحكَ ١٢ وَطئتَ الأرضَ بسُخطٍ، وبغضبٍ دَعَستَ الأُمم ١٣ خَرَجتَ لخلاص شعبكَ، لخلاص الملك مسيحكَ، فَهَدَمتَ دَعامةَ بيت الشّرّير وعَرَّيتَ أساسهُ الى الصّخر ١٤ طَعَنتَ برماحكَ رُؤُوسَ قادَته حينَ جاؤُوا كالزَّوبعَة لتَشتيتنا كَمن يغدُرُ بالمسكين في الخفيَة ١٥ دُستَ البحرَ ياربُّ بخَيلكَ ورُكامَ المياه الغزيرة ١٦ سَمعتُ هذا فَخَفَقَت أحشائي وَرَجَفَت شَفَتايَ عندَ سماعه. عظامي دخلها النخرُ، ورَجَفت قدمايَ تحتي. بهُدوءٍ أنتظرُ يومَ الضيق ليحلَّ بالمعتدينَ علينا.(٢)
____________________
(١) سفر أشعيا ١١: ١٠، ألأصل العبرى ،العهد القديم ص٦٢٥. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرة، ١٠، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر: فقد أردف كلمة (يسّي ) بالقائم، فقال: يسّي القائم.الخ.سفر أشعيا ١١: ١٠ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢٤. وقد تُركت كلمة ( يسَّي ) على حالها دون ترجمة. ولاحظ النصيين العبري والعربي وترجمة أُستاذ اللغة العبرية المتخصّص في جامعة بغداد ( الشيخ كاظم النصيري الواسطي) في: ( أهل البيت فى الكتاب المقدس ) ص١٢٣ - ١٢٧، وكيفيّة حلّه العلمي لهذه المشكلة.
(٢) سفر حبقوق، ٣: ١ - ١٦ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ١٢٢٤. انظر: العهد القديم، سفر حبقوق النبيّ، الإصحاح ٣، الفقرات، ١ - ١٦، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. وانظر الى آثار الترجمة كيفَ تلعبُ دورها حيث جاء فيه مايلي وعلى نحو الإختصار :
( ٣ الله جاء من تيمان و القدوس من جبل فاران. جلاله غطى السماوات و الارض امتلات من تسبيحه ٤ و كان لمعان كالنور له من يده شعاع و هناك استتار قدرته ٥ قدامه ذهب الوبا و عند رجليه خرجت الحمى ٦ وقف و قاس الارض نظر فرجف الامم و دكت الجبال الدهرية و خسفت اكام القدم مسالك الازل له.مركباتك مركبات الخلاص ٩ عريت قوسك تعرية سباعيات سهام كلمتك.شققت الارض انهارا ١٠ ابصرتك ففزعت الجبال سيل المياه طما اعطت اللجة صوتها رفعت يديها الى العلاء١١ الشمس و القمر وقفا في بروجهما لنور سهامك الطائرة للمعان برق مجدك ١٢ بغضب خطرت في الارض بسخط دست الامم ١٣ خرجت لخلاص شعبك لخلاص مسيحك سحقت راس بيت الشرير معريا الاساس حتى العنق. ١٦ سمعت فارتعدت احشائي من الصوت رجفت شفتاي دخل النخر في عظامي و ارتعدت في مكاني لاستريح في يوم الضيق عند صعود الشعب الذي يزحمنا ١٧ فمع انه لا يزهر التين و لا يكون حمل في الكروم يكذب عمل الزيتونة و الحقول لا تصنع طعاما ينقطع الغنم من الحظيرة و لا بقر في المذاود ١٨ فاني ابتهج بالرب و افرح باله خلاصي ١٩ الرب السيد قُوتي.).
فإنَّ الذي جاء من جبل فاران ليسَ إلاّ النبيُّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم لاغيرهُ كما سنُبيّن ذلك، لذا يكون هذا النصُّ دلالةً واضحةً على إنتصار دين الله في آخر الزّمان وكما هوَ واضحٌ من عبارات النصّ لكلّ متأملٍ، حيثُ أنَّ النصَّ بعدَ كلمة (فاران ) يبدأ برسم صورةٍ مستقبليَّةٍ غاية في الروعة(١) ، ولعلَّ نظير هذا النصّ قوله تعالى في القرآن الكريم:
( هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدى ودين الحقّ ليُظهرَهُ على الدين كله ولو كَرهَ المشركون )(٢) .فإنَّ الله تباركَ وتعالى لم يظهر دينهُ على الدين كلّه ويُرغمَ المشركين والمستكبرين في العالم منذُ أن بعث نبيّهُ الخاتم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وحتى هذه اللحظة، لذا فهي دالةٌ على أنَّ هذا الأمر يكون في آخر الزمان ،كما تواترت بذلكَ الأخبار الشريفة.
فقدجاء في التوراة المتداولة:
« وهذه هي البركةُ التي باركَ بها موسي رجلُ الله بني اسرائيل قبل موته، فقال: جاءالربُّ من سيناء، واشرف لهم من ساعير، وتلألأَ من جبل فاران ».(٣)
فالمجيء من سيناء كناية عن تكليم الله لموسى(ع) في سيناء، وساعير هي جبالفلسطين، وهو اشارة لعيسى(ع) وفاران اسم قديم لارض مكة(٤) ، التي لم يظهر فيها إلا نَبيُّنا الاعظم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي انزل عليه القرآن.(٥)
____________________
(١) ومنها ما أشار النصُّ اليه من تدمير إبليس وجنده بقوله: فَهَدَمتَ دَعامةَ بيت الشّرّير وعَرَّيتَ أساسهُ الى الصّخر. وسنشير الى بعض ماعناهُ هذا النص حسبَ موقعه من البحث.
(٢) سورة الصف: آية ٩.
(٣) سفر التثنيه: الاصحاح ٣٣، الفقره ١- ٤، الأصل العبري، العهد القديم. سفر التثنية ٣٣: ١ - ٤، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٢٨٩. مع فرقٍ يسيرٍ في بعض عبارات المترجمين. وفي سفر التثنية ٣٣: ١ - ٤، العهد القديم، الإصدار الثاني، ٢٠٠٣ م، مصر.
(٤) معجم البلدان: ج٤ ص٢٢٥.
وقال العلامة العسكري: وجاء هذا النص في طبعة(١) جامعة اكسفورد بلندن، دون تاريخ، ص ١٨٤:
{ CHAPTER ٣٣}
and this is theblessing, where with moese the man of god
blessed the children of Israel before his death
And he said, The Loro from sinai, and rose up from seir unto them, he shined forth from mount paran, and he came with ten thousands of saints:from his right hand went a fiery law for them. ٣ yea , he loved the people: all his saints are in they hand: and they sat down at they feet, every one shall receive of the words moses commanded us a law, even the inheritanceof the congregation of Jacob .وترجمة النصيّن(٢) : الى العربية كالا´تي :
( وهذا دعاءُ الخير الذي تلاهُ موسى رجلُ الله، قبلَ موته على بني اسرائيل وقال: انّ اللهَ استعلى من سيناءَ، وظَهَرَ من ساعير ونَشَرَ النورَ من فاران، وجاءَ مع عشرة آلاف من المقرّبين، وجاءهم من يمينه شريعة ناريّه.
أحبَّ القبائلَ، وجميع مقدساته في يمينك ومقرّبون الى رجليك وتيقبّلون تعاليمك. موسى أَمَرنا بشريعةٍ ٍٍٍ هي ميراثٌ لجماعة بني يعقوب).
في هذا النص:
(وجاء مع عشرة آلاف من المقرّبين) مع تعيين عدد الالوف وفي النصّ الاول(٣) (ومعه الوف الاطهار) مع عدم تعيين عدد الالوف لانَّ الذي ظهر من غار حراء بفاران ثم جاء الى ارض فاران مكّة مع عشرة آلاف هو خاتم الانبياء محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فبادروا الى تحريف هذا النص في عصرنا الحاضر كي يكتموا ما جاء فيه من بشارات ببعثة خاتم الانبياء.(٤) ، وهناك المزيد من هكذا أدلَّة ٍلكنا نكتفي بهذا القدر رعايةً للإختصار.
____________________
(١) امتازت بطبع اللون الأحمر مع الأسودللكلمات - فى العهدالجديد فقط - وسميت ب-. ( REDLETTEREDITION )
(٢) قَصَدَ العلامة العسكري: النص الانكليزى ،والنص الفارسى فى ط: رجارد واطس، بلندن١٨٣٩م.
(٣) الذى ذكره العلامه السيد العسكرى، فى كتابه: عقائد الاسلام: الكتاب الأول ص٣٠٨ عن الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنيه: ط ،رجارد واطس بلندن ١٨٣١م. سفر التثنية ٣٣: ١ - ٤، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٢٨٩. مع فرقٍ يسيرٍ في بعض عبارات المترجمين. وفي سفر التثنية ٣٣: ١ - ٤، العهد القديم، مصر، مانصُّهُ :
( ١ و هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني اسرائيل قبل موته ٢ فقال جاء الرب من سيناء و اشرق لهم من سعير و تلالا من جبل فاران و اتى من ربوات القدس و عن يمينه نار شريعة لهم ٣ فاحب الشعب جميع قديسيه في يدك و هم جالسون عند قدمك يتقبلون من اقوالك ٤ بناموس اوصانا موسى ميراثا لجماعة يعقوب ٥).
(٤) عقائد الاسلام من القرآن الكريم: الكتاب الأول، ص٣٠٩.
المبحث الأول: حالة العالم قبل ظهور المنجي
اولاً:الفتنة الكونيّة الكبرى قبل ظهور مدرك الثأر الإلهي
١: في القرآن والحديث٢: في سفر الرؤيا
ثانياً: دعاء الأنبياء الملحّ لمنجي العالم واستجابته
١: في القرآن والحديث٢: في سفر الرؤيا
المبحث الثاني :آيات وعلامات ما قبل ظهور منجي العالم
أوّلاً: نداء السماء باتّباع منقذ البشريّة
١: في القرآن الكريم
٢: في العهدين
ثانياً: الدجّال والخسف وسفك الدماء
١: في القرآن الكريم
٢: في العهدين
ثالثاً: اليأس الذي يعمُّ العالم
اولاً :الفتنة الكونيّة الكبرى قبل ظهور مدرك الثأر الإلهي
لقد تواترت النّبوءآت والأخبار في القرآن الكريم وفي الكتاب المقدّس (العهدين)، وأثبتت بشكل قاطع حتميّة نضوج فتنة عالميّة كبرى تسود كلّ المجتمعات في العالم، ويكون في الأرض اضطراب كبير وفساد شامل وإستهتار بكلّ القيم والمثل والأخلاق والأعراف والقوانين(١) ، حتى يجعل الظالمون من الحقِّ باطلاً ومن الباطلِ حقاً، ومن المعروف منكراً ومن المنكرِ معروفاً، لذا فحريٌّ بنا أن نقف على شيءٍ منها في القرآن والعهدين.
١: في القرآن والحديث
قوله تعالى: (ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الاموال والانفس والثمرات وبشّر الصابرين ).(٢) في كتاب كمال الدين وتمام النعمة:باسناده الى محمد بن سالم قال: سمعتُ ابا عبد الله (ع) يقول: ان لقيام القائم(ع) علامات تكون من الله عز وجل للمؤمنين. قلت: وما هي جعلني الله فداك؟ قال: ذلك قول الله عزوجل «ولنبلونّكم» يعني المؤمنين قبل خروج القائم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الاموالوالانفس والثمرات وبشر الصابرين.
قال نبلونكم بشيء من الخوف من ملوك بنيفلان في آخر سلطانهم، والجوع بغلاء اسعارهم، «ونقصٍ من الاموال» قال: كساد التجارات وقلة الفضل، «ونقصٍ من الانفس» قال: موتٌ ذريع، «ونقصٍ منالثمرات» لقلة ريع ما يزرع، «وبشر الصابرين» عند ذلك بتعجيل الفرج، ثم قال لي،يا محمد هذا تأويله، ان الله عزّوجل يقول: (وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون فيالعلم).(٣)
وفي تفسير العياشي:
عن الثمالي قال: سألت أبا جعفر( ع) عن قول الله (لنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) قال ؛ ذلك جوع خاص وجوع عام، فاما بالشام فانه عام، واما الخاص بالكوفة يخصُّ ولا يعم، ولكنه يخصُّ بالكوفة اعداء آل محمدعليهمالسلام فيهلكهم الله بالجوع، واما الخوف فانه عام بالشام، وذلك الخوف اذا قام القائم (ع)، واما الجوع فقبل قيام القائم (ع) وذلك قوله: «لنبلونكم بشيءُ منالخوفِ والجوع»(٤) .
____________________
(١) انظر: المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي، ص١٣٤ - ١٣٥، تحت عنوان: الفتنة العالمية.
(٢) البقره: ١٥٥.
(٣) تفسير نور الثقلين: ج١ ص١٤٢.
(٤) تفسير نور الثقلين: ج١ ص١٤٢ - ١٤٣.
٢: في العهدين جاء في سفر الرؤيا :
( ٨ فنظرت وإذا فرس أخضر، والجالس عليه اسمه الموت، والهاوية تتبعه، واعطيا سلطاناً على ربع الأرض،أن يقتلا بالسيف والجوع والموت وبوحوش الأرض).(١)
وأوضح يوحنا المعمدان في كتابه المقدّس كيفيةإنتقام الله عزّ وجلّ من قتلة الأنبياء والقديسين (ع) كمايلي :( ١ و سمعت صوتاً عظيماً من الهيكل قائلاً للسبعة الملائكة امضوا و اسكبوا جامات غضب الله على الارض ٢ فمضى الاول و سكب جامه على الارض فحدثت دمامل خبيثة و ردية على الناس الذين بهم سمة الوحش و الذين يسجدون لصورته ٣ ثم سكب الملاك الثاني جامه على البحر فصار دما كدم ميت و كل نفس حية ماتت في البحر ٤ ثم سكب الملاك الثالث جامه على الانهار و على ينابيع المياه فصارت دماً ٥ و سمعت ملاك المياه يقول عادل انت ايها الكائن و الذي كان و الذي يكون لانك حكمت هكذا ٦ لانهم سفكوا دم قديسين و انبياء فاعطيتهم دما ليشربوا لانهم مستحقون ٧ و سمعت اخر من المذبح قائلا نعم ايها الرب الاله القادر على كل شيء حق و عادلة هي احكامك ٨ ثم سكب الملاك الرابع جامه على الشمس فاعطيت ان تحرق الناس بنار ٩ فاحترق الناس احتراقاً عظيماً و جدفوا على اسم الله الذي له سلطان على هذه الضربات و لم يتوبوا ليعطوه مجداً ١٠ ثم سكب الملاك الخامس جامه على عرش الوحش فصارت مملكته مظلمة و كانوا يعضون على السنتهم من الوجع ١١ و جدفوا على اله السماء من اوجاعهم و من قروحهم و لم يتوبوا عن اعمالهم ١٢ ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات فنشف ماؤه لكي يعد طريق الملوك الذين من مشرق الشمس ١٣و رايت من فم التنين و من فم الوحش و من فم النبي الكذاب(٢) ثلاثة ارواح نجسة شبه ضفادع ١٤ فانهم ارواح شياطين صانعة ايات تخرج على ملوك العالم و كل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء ١٥ ها انا اتي كلص طوبى لمن يسهر و يحفظ ثيابه لئلا يمشي عريانا فيروا عريته ١٦ فجمعهم الى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون ١٧ ثم سكب الملاك السابع جامه على الهواء فخرج صوت عظيم من هيكل السماء من العرش قائلا قد تم ١٨ فحدثت اصوات و رعود و بروق و حدثت زلزلة عظيمة لم يحدث مثلها منذ صار الناس على الارض زلزلة بمقدارها عظيمة هكذا ١٩و صارت المدينة العظيمة ثلاثة اقسام و مدن الامم سقطت و بابل العظيمة ذكرت امام الله ليعطيها كاس خمر سخط غضبه ٢٠ و كل جزيرة هربت و جبال لم توجد ٢١ و برد عظيم نحو ثقل وزنة نزل من السماء على الناس فجدف الناس على الله من ضربة البرد لان ضربته عظيمة جدا ).(٣)
____________________
(١) سفر الرؤيا ٦: ٨، العهد الجديد، الأصل العبري. رؤيا يوحنا اللاهوتي تحت رقم (٢٧): الإصحاح ٦: الفقرة: ٨، العهد الجديد، الكتاب المقدس باللغة العربية، مصر. والقول بأنَّ النص يدل على الفترة الزمنية المستقبلية المشار اليها، مثلهُ قد تقدَّم دليلهُ في آخر موضوع: دعاء الأنبياء الملحّ لمنجي العالم واستجابته، من هذا البحث. وهو جلّيُّ المعنى خاصَّةً إذا قورِنَ مع الآيات التي ذكرناها الخاصة بهذا الموضوع.
(٢) وهو إشارة الى المسيح الدجال في عصر ظهور المنجي،والنصُّ واضح المعنى من حيث تعلّقه بآخر الزمان.
(٣) سفر الرؤيا: الأصحاح رقم ١٦: ١ - ٢١، العهد الجديد، الأصل العبري. العهد الجديد، سفر الرؤيا ( رؤيا يوحنا اللاهوتي )، الإصحاح ١٦، الفقرات ١ - ٢١، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر.رؤيا يوحنا، ١٦: ١ - ٢١، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان،الكتاب المقدس،ص ٤١٠ - ٤١١.
هذا وقد أشار يوحنا (ع) الى دمار العراق قبل ظهور منجي العالم وكيفية إحتلاله وإحراقه وهذا يعَدُّ بدايةَ الفتنة العالمية، وأثبت ذلك في سفره المقدّس بقوله:
( ١ ثم بعد هذا رايت ملاكاً اخر نازلا ً من السماء له سلطان عظيم و استنارت الارض من بهائه ٢ و صرخ بشدة بصوت عظيم قائلا ًسقطت سقطت بابل العظيمة وصارت مسكناً لشياطين و محرساً لكل روح نجس و محرساً لكل طائر نجس وممقوت.، ٨من اجل ذلك في يوم واحد ستاتي ضرباتها موت و حزن و جوع و تحترق بالنار لان الرب الاله الذي يدينها قوي ٩و سيبكي و ينوح عليها ملوك الارض الذين زنوا و تنعموا معها حينما ينظرون دخان حريقها ١٠ واقفين من بعيد لاجل خوف عذابها قائلين ويل ويل المدينة العظيمة بابل المدينة القوية لانه في ساعة واحدة جاءت دينونتك ١١ و يبكي تجار الارض و ينوحون عليها لان بضائعهم لا يشتريها احد في ما بعد ١٢ بضائع من الذهب و الفضة و الحجر الكريم و اللؤلؤ والبز و الارجوان و الحرير و القرمز و كل عود ثيني و كل اناء من العاج و كل اناء من اثمن الخشب و النحاس و الحديد و المرمر ١٣ و قرفة و بخورا و طيبا و لبانا وخمرا و زيتا و سميذا و حنطة و بهائم و غنما و خيلا و مركبات و اجسادا و نفوس الناس ١٤ و ذهب عنك جنى شهوة نفسك و ذهب عنك كل ما هو مشحم و بهي ولن تجديه في ما بعد ١٥تجار هذه الاشياء الذين استغنوا منها سيقفون من بعيد من اجل خوف عذابها يبكون و ينوحون ١٦ و يقولون ويل ويل المدينة العظيمة المتسربلة ببز و ارجوان و قرمز و المتحلية بذهب و حجر كريم و لؤلؤ ١٧ لانه في ساعة واحدة خرب غنى مثل هذا و كل ربان و كل الجماعة في السفن و الملاحون و جميع عمال البحر وقفوا من بعيد ١٧ و صرخوا اذ نظروا دخان حريقها قائلين اية مدينة مثل المدينة العظيمة ١٩و القوا ترابا على رؤوسهم و صرخوا باكين و نائحين قائلين ويل ويل المدينة العظيمة التي فيها استغنى جميع الذين لهم سفن في البحر من نفائسها لانها في ساعة واحدة خربت.
الى أن يقول :
٢٤ و فيها وجد دم انبياء و قديسين و جميع من قتل على الارض ).(١)
____________________
(١) سفر الرؤيا، الأصحاح رقم ١٨: ١ - ١٩ ،و ٢٤ العهد الجديد، الأصل العبري. العهد الجديد، سفر الرؤيا، الإصحاح ١٨، الفقرات ١ - ١٩، و ٢٤، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر.سفر الرؤيا، ١٨: ١ - ١٩، و ٢٤،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص ٤١٣ - ٤١٤. مع فرقٍ في عبارات الترجمة.ولعلَّ الإشارة واضحة لاسيما في الفقرة الأخيرة الى إدراك ثأر جميع المظلومين الذين سُفك دمهم ظلماً وعدواناً بواسطة منجي العالم الذي تكون عاصمته الكوفة، وهذا ماجاءت به الأخبار الشريفة عند المسلمين.
هذا وقد أخبر أشعياء ( ع) في باب سقوط بابل، بما يصيبها من خرابٍ ونهبٍ ودمارٍ ومايقعُ على أهلها من ظلمٍ وجورٍ:( ١ وحيٌ على بابل: كالزَّوابع تجتاحُ الصحراء َ يجيءُ الخرابُ من أرضٍ مخيفةٍ! ٢ رأيتُ رؤياً قاسيةً: الناهبُ ينهبُ والمدمّرُ يدمّرُ.الى أن يقول:
٩. ثمّ عادَ الحارسُ وصاحَ: ( سقطت، سقطت بابلُ وتحطَّمت الى الأرض جميعُ أصنام آلهتها ١٠ فياشعبيَ المُداسَ كالحنطة على البيادر! ما سمعتُهُ من الربّ القدير إله إسرائيل َ أخبرتكم به ).(١) وكما هو معلومٌ فإنَّ ( بابل) تطلَقُ في النبؤآت القديمة ويُرادُ بها (العراق) في العصر الحديث، لأن بابل معقلُ حضارته الكبرى وهي معروفةٌ لدى جميعُ البشر آنذاك بهذا الإسم.
وروى المفيد:
عن الحسين بن سعيد عن المنذر الجوزي عن ابي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول:
يزجر الناس قبل قيام القائمعليهالسلام عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تجلّلالسماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة ودماء تسفك بها وخراب دورها وفناء يقع في اهلها وشمول أهل العراق خوفاً لا يكون لهم معه قرار.(٢)
ثانياً: دعاء الأنبياء الملحّ لمنجي العالم واستجابتهويحدث ذلك اثرَ الأحداث المريرة التي تقع في الفتنة الكونية الكبرى والتي تسود العالم بأسره، وإن كان هذا يحدث دوماً من الأنبياء (ع) كما سيتبيَّن، ولكن هناك وقتٌ محدَّد ويوم معلوم وساعة معيَّنة يكون فيها الدعاء منهم على أشُدّه واستجابتهُ محتَّمة، كما في القرآن والحديث والعهدين.
____________________
(١) سفر أشعيا ٢١ :١، ٢، ٩، ١٠ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٣٣. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٢١، الفقرات، ١، ٢، ٩، ١٠، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر.
(٢) الارشاد: ص٣٦٠ - ٣٦١.
١: في القرآن والحديث
ومن ذلك المطالبة بتحقّقِ وَعد الله تعالى في الآية الشريفة :
( وَعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّنّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً.)(١) .
فقد رويَ عن يونس بن ظبيان عن ابي عبد الله (ع) قال:
( اذا كان ليلةُ الجمعة لأهبط الربُّ تبارك وتعالى' ملائكته الى السماء الدنيا، فاذا طلع الفجر نصب لمحمد وعليّ والحسن والحسين منابر من نور عند البيتالمعمور، فيصعدون عليها ويجمع الله لهم الملائكة والنبيين والمؤمنين، ويفتحأبواب السماء، فاذا زالت الشمس قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا رب ميعادك الذي وعدت في كتابك وهو هذه الا´ية: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحاتليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم) الاية ويقول الملائكة والنبيّون مثل ذلك، ثم يخرُّ محمد وعلي والحسن والحسين سجّداً ويقولون:
يا ربّ اغضب فانه قد هُتِكَ حريمك، وقُتِلَ اصفياؤك، واذلّ عبادك الصالحون، فيفعل ما يشاء وذلك وقت معلوم، وهذا شأنهم ودعاؤهم في كل يوم جمعة الىان ينجز وعده ويظهر وليّه، فاذا خرج وليّ الله وظهر حجّة الله. )(٢) .
٢: في العهدين
حيث جاء في سفر الرؤيا:(٩ ولما فتح الختم الخامس، رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله، ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم ١٠ وصرخوا بصوت عظيم قائلين: حتّى متى أيّها السيد القدّوس والحق! لاتقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض. ١١فاعطوا كلّ واحد ثياباً بيضاً، وقيل لهم أن يستريحوا زماناً يسيراً أيضاً. الى أن يقول :١٥وملوك الأرض، والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء، وكلّ عبد وكلّ حرّ، أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال١٦ وهم يقولون للجبال والصخور: اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف ١٧ لأنّه قد جاء يوم غضبه العظيم، ومن يستطيع الوقوف ).(٣)
ولو أمعنّا النظر في النصّين(٤) لوجدنا أنّ كلٌ منهما يصدّق الآخر، ويحكي تلك الصورة الجميلة ليوم الفرج الأعظم الموعود والذي جاءَ دعاءُ الأنبياءِ والمقدّسين كأحد الأسباب المهمّة لتعجيل ذلك اليوم.
____________________
(١) سورة النور: آية ٥٥.
(٢) بحار الأنوار، ج ٥٢، ص ٢٩٧ بإيجاز. نور الأبصار: ٤٣٠ - ٤٣١. الغيبة للنعماني، ص٢٨٤. تفسير البرهان، ج٣ ص١٤٦ ح ٥. معجم أحاديث المهدي، ج٥ ص ٢٨٣ ح١٧١٠. مستدركات علم رجال الحديث، ص ٣٠٤. مكيال المكارم، ج١ص٣٦٢.الخ، والحديث طويل أخذنا من موضع الحاجة.
(٣) سفر الرؤيا ٦: ٩ ،١٠، ١١ ،١٥، ١٦، ١٧ ،العهد الجديد، الأصل العبري. رؤيا يوحنا اللاهوتي تحت رقم (٢٧ ): الإصحاح ٦: الفقرات ٩، ١٠ ،١١ ،١٥، ١٦، ١٧، العهد الجديد، الكتاب المقدس باللغة العربية، مصر.
(٤) الأوّل في القرآن الكريم والرواية الشريفة، والثاني في سفر الرؤيا.
وربما قد يقال إنَّ هذا النص من سفر الرؤيا قد لايتعلَّق أو لايدلُّ على أنَّهُ بخصوصِ بيان حالةٍ مهمَّةٍ تقعُ قبل ظهور ومجيء منجي العالم! ؟. وفي معرض الجواب على مثل هكذا طرح يجب أن نؤكِّد على مايلي : ١: إنَّ كُلَّ ماوردَ في سفر الرؤيا لايتعلَّق بزمن صدوره قطعاً، وإنَّما هو: (بشاراتٌ وتحذيراتٌ وعلومٌ وأحداثٌ مستقبليَّةٍ ) وهي تخصُّ جميعَ البشر، وهذا واضحٌ لكلِّ مُطَّلع، ويكفي إلقاء نظرةٍ على أولِّ السفر المقدّس لإثبات ذلك، حيث جاء فيه :( ١ إعلانُ يسوع المسيح الذي اعطاه اياه الله ليُرِيَ عَبيدَهُ ما لا بد ان يكون عن قريبٍ و بَيَّنهُ مُرسلاً بيدِ مَلاكِهِ لعبدِهِ يوحنا* ٢ الذي شهد بكلمة الله و بشهادة يسوع المسيح بكل ما راه* ٣ طوبى للذي يقرا و للذين يسمعون اقوال النبوة و يحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب*. الى أن يقول : ٧ هوذا ياتي مع السحاب(١) و ستنظرهُ كل عين و الذين طعنوه و ينوح عليه جميع قبائل الارض نعم امين* ٨ انا هو الالف و الياء البداية و النهاية يقول الرب الكائن و الذي كان و الذي ياتي القادر على كل شيء* ٩ انا يوحنا اخوكم و شريككم في الضيقة و في ملكوت(٢) يسوع المسيح و صبره كنت في الجزيرة التي تدعى بطمس من اجل كلمة الله و من اجل شهادة يسوع المسيح* ١٠ كنت في الروح في يوم الرب و سمعت ورائي صوتاً عظيماًكصوت بوق* ١١ قائلا انا هو الالف و الياء الاول و الاخر و الذي تراه اكتب في كتاب و ارسل الى. الى أن يقول: ١٢ التفتُّ لانظرَ الصوت الذي تكلَّمَ معي و لما التفت رايتُ سبعَ مناير من ذهب* ١٣ و في وسط السبع المناير شبهُ ابن انسان(٣) متسربلاً بثوبٍ الى الرجلين ومتمنطقاً عند ثدييه بمنطقةٍ من ذهب* ١٤ و اما راسه و شعره فابيضان كالصوف الابيض كالثلج و عيناه كلهيب نار* ١٥ و رجلاه شبه النحاس النقي كانهما محميتان في اتون و صوته كصوت مياه كثيرة* ١٦ و معه في يده اليمنى سبعةُ كواكبٍ و سيفٌ ماضٍ ذو حدين(٤) يخرج من فمه و وجهه كالشمس و هي تضيء في قوتها* ١٧ فلما رايته سقطت عند رجليه كميتٍ فوضع يده اليمنى علي قائلاً لي: لا تخف انا هو الاول و الاخر* ١٨ و الحي و كنت ميتاً و ها انا حي الى ابد الابدين امين و لي مفاتيح الهاوية و الموت* ١٩ فاكتب ما رايت و ما هو كائن و ما هو عتيدٌ ان يكون بعد هذا*. ).(٥) ٢: أنّهُ رأى - حسب الإطلاق - نفوسَ جميع الشهداء وعلى رأسهم الأنبياء (ع)، وليس النص خاص بشهداء فترة معيَّنةٍ، بل حتى آخر شهيد يسقطُ قبل مجيء منجي العالم.
____________________
(١) إشارة الى رجوع عيسى بن مريم (ع) ونزوله الى الأرض من السماء بأمرِ الله تعالى.
(٢) وقد أشرنا الى موضوع الملكوت عند عيسى (ع) والذي يعني حكمُ الله في هذا العالم في بحثنا هذا، وهنا أيضاً إشارة واضحة لرجوع يحيى ابن زكريا (ع) حيّاً من قبره في ذلك الزمن وهو مايُسمّى بزمن الرجعة عند المسلمين.
(٣) لقب ( ابن الإنسان ) يطلقُ على عيسى (ع) للردِّ على الذين إدَّعوا أنه إله وهو كثيرٌ في الكتاب المقدس، ولعلَّ المعنى: إن هذا الرجلُ المُشار اليه شبيهٌ بعيسى بن مريم (ع) الى حدٍّ كبير، ولعلَّ هذا ما تواترت به الأخبار من كون منجي العالم من حيث الشكل والهيئة كأنَُّه إسرائيلي. الخ.
(٤) يشيرُ بعضُ الباحثين أنَّ هذا إشارةٌ واضحة الى منجي العالم الذي يأتي بمواريث الأنبياء (ع) ومن بينها سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذو الفقار، والذي هو ذو حدّين، الذي أعطاهُ ل- (عليّ بن أبي طالب -ع -) ليدافع به عن دين الله الحنيف، وهو مذخورٌ عندهم، وهذا ماجاءت به الروايات الشريفة، وأثبتهُ عدد غير قليلٍ من أهل العلم والتحقيق.
(٥) العهد الجديد، سفر الرؤيا ( رؤيا يوحنا اللاهوتي )، الإصحاح ١، الفقرات كما مشار اليها في ترقيم النص، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. سفر الرؤيا، ١: الفقرات كما مشار اليها في ترقيم النص،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس ،ص ٣٩٥ - ٣٩٦، مع إختلاف يسير في عبارات الترجمة.
٣: ثمَّ أنَّ خوف جميع ملوك الأرض، والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء، وكلّ عبد وكلّ حرّ، الذين أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال وهم يتمنَّونَ الموت بدلَ أنَّهم يشهدون يوم الله الموعود، كُلُّ ذلكَ لم ولن يحدث على وجهِ الأرض إلاّ عندَ مجيء منجي العالم في يومه الموعود، حيث عبِّرَ عنهُ بيومِ الغضبِ العظيم.
أوّلاً: نداء السماء باتّباع منقذ البشريّة
١: في القرآن الكريم
٢: في العهدين
ثانياً: الدجّال والخسف وسفك الدماء
١: في القرآن الكريم
٢: في العهدين
ثالثاً: اليأس الذي يعمُّ العالم
لقد بيَّنَ اللهُ سبحانهُ وتعالى في الكتب السماوية المقدّسة آياتٍ وعلاماتٍ مهمّةٍ تقعُ قبل مجيء يومِهِ المبارك الموعود، وسنذكرُ منها على التوالي نزراً يسيراً مراعاةً للإختصار(١) :
النداء السماوي: هو من العلامات الحتميّة(٢) التي بشّر بها القرآن الكريم والنبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله الطيبين الطاهرين ( ع ) وصحبه المنتجبين( رض ) بالتّبع(٣) ؛ الذي يتزامن مع ظهور أمل الانسانية ومُغيثها ؛ ويكون مبشّراً وحاثّاً على إتّباعه، ويكون بواسطة أعظم الملائكة المقرَّبين ألا وهو أمين الوحي جبرئيل (ع) وهو دلالةٌ على عظَم ومكانة المهمَّةِ المرسل بها عند الله تباركَ وتعالى. وكذا فقد بشّرت بذلك الكتب المقدسّة والأنبياء والرسل (ع) منذ قديم الزمان كما سيأتي لاحقاً بإذنه تعالى.
حدثني الفضل بن شاذان عمن رواه عن ابي حمزة الثمالي قال :قلت لابي جعفر (ع) خروج السفياني من المحتوم ؟ قال: نعم والنداء من المحتوم وطلوع الشمسمن مغربها من المحتوم، واختلاف بني العباس في الدولة من المحتوم، وقتل النفس الزكيّة محتوم، وخروج القائم من آل محمدصلىاللهعليهوآله محتوم.
قلت: وكيف يكون النداء ؟قال: ينادي من السماء أول النهار: ألا أنّ الحقّ مع عليّ وشيعته ثم ينادي ابليس فيآخر النهار من الارض: الا ان الحقّ مع عثمان وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون.(٤)
____________________
(١) لأنّ ما ورد في الكتب المقدسة في هذا المجال يدعو الى تأليف كتب ورسائل مطوَّلة، وليس رسالة مقيَّدة بالوقت المحدد والصفحات المحددة.
(٢) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ١٨٥ - ١٩٠ في موضوع: النداء من السماء باسم المهدي بواسطة جبرئيل.
(٣) انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص ١٦٥، وما بعدها في موضوع: النداء السماوي باسم المهدي (عج). الإمام المهدي المصلح العالمي المنتظر، ص ٨٥ - ٨٦.
(٤) ألارشاد: ص٣٥٨.
١: في القرآن الكريم
فقد جاء في القرآن الكريم، قوله تعالى:
( إن نشأ ننزّل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين )(١) .
وقوله ( عزوجل ) :
( فاستمع يومَ ينادِ المنادِ من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحةبالحقّذلكيوم الخروج ).(٢) في ينابيع المودة لذوي القربى:عن الحسن بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا ( رض ) :لا دين لمن لا ورع له، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم: أي أعملكم بالتقوى. ثم قال: إن الرابع من ولدي ابن سيدة يطهر الله به الارض من كل جور وظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة، فإذا خرج أشرقت الارض بنور ربها، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحدا، وهو الذي تطوى له الارض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الارض: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فان الحق فيه ومعه، وهو قول الله (عزوجل ) :
( إن نشأ ننزّل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين )(٣) . وقول الله ( عزوجل ) :
( يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج)(٤) ، أي خروج ولدي القائم المهدي ( ع ).(٥)
وفي قولهُ تعالى في سورة ( ق ) أيضاً: ( واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ).مكان قريب. عن الصادق (رض) قال: ينادي المنادي باسم القائم واسم أبيه (ع)، والصيحة في هذه الآية صيحة من السماء، وذلك يوم خروج القائم (ع).(٦)
وأيضاً في تفسير القمّي: ( ينادي المنادي باسم القائمعليهالسلام واسم أبيهعليهالسلام . قوله: يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج، قال: صيحة القائم من السماء ذلك يوم الخروج، قال: هي الرجعة ).(٧)
____________________
(١) سورة الشعراء: آية ٤.
(٢) سورة ق: ٤١- ٤٢.
(٣) سورة الشعراء: آية ٤.
(٤) سورة: ق: آية ٤١ - ٤٢.
(٥) ينابيع المودة لذوي القربى، ج ٣ص ٢٩٧.
(٦) ينابيع المودة لذوي القربى: ج ٣ص ٢٥١ - ٢٥٢.
(٧) تفسير القمي، ج ٢، ص ٣٢٧، قوله ( واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ) قال:.الخ. معجم أحاديث الامام المهدي (ع)، ج ٥، ص ٤٢٥، حديث ١٨٦١.
وقولهُ تعالى في سورة الشعراء :( إن نشأ نن-زل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين )(١) عن عمر بن حنظلة قال: سألت جعفر الصادق ( رض ) عن علامات قيام القائم. قال: خمس علامات قبل قيام القائم ( ع ): الصيحة، وخروج السفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني. قال: فتلوت هذه الآية، فقلت له: أهي الصيحة ؟ قال: نعم، لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله (عزوجل).
وعن أبي بصير وأبي الورد، هما، عن الباقر ( ض ) قال: هذه الآية نزلت في القائم وينادي مناد باسمه واسم أبيه من السماء.(٢)
قال عمرو بن حنظلة: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول:
قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني وقتل النفس الزكية بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن، ليس بين قيام قائم آل محمد وبين قتلالنفس الزكيّة إلا خمس عشرة ليله، والصيحة تكون في شهر رمضان ليلة الجمعةلثلاث وعشرين مضين منه، وهو صوت جبرئيل من السماء ينادي في اول النهار: إنّ فلان بن فلان، أعني الحجة بن الحسن هو الامام، ألا إنّ الحقّ في علي وشيعته، وهو نداءٌ عام يسمع كلّ قوم بلسانهم. قال الراوي: قلت فمن يخالف الامام فقد نودي باسمه ؟ قال: لا يدعهم ابليس حتى ينادي في آخر النهار: ألا ان الحقّ في السفياني وشيعته، فيرتاب المبطلون عند ذلك.(٣)
____________________
(١) سورة الشعراء: آية ٤.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى: ج ٣، ص ٢٤٥- ٢٤٦.
(٣) نور الأبصار: ص٤١٦.
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة، فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه).(١)
وعن عبد الله بن عمر أيضاً قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: هذا المهدي فاتبعوه ».(٢)
٢: في العهدين
نلاحظ ذلك أيضاً وهو غاية في الوضوح والدقّة، من خلال البشارة الخالدة ل- «يوحنا-ع-»في موضوع النداءِ السماويّ الخاصّ بمنجي العالم، فقد جاء في «سفر يوحنا» :
( ثم رأيت ملاكاً طائراً في وسط السماء
معه بشارة ابديّة ليبشّر الساكنين على الارض
وكلّ امةٍ وقبيلةٍ ولسانٍ وشعبٍ
منادياً بصوتٍ عظيم:
خافوا الله واعطوه مجداً لانه قد جاءت ساعة حكمه
واسجدوا لصانع السماء والارض والبحر وينابيع المياه )(٣) .
ومن خلال التمعّن في هذا النصّ تتّضح امور عديدة منها :أوّلا: إنّ كلمة ( رأيت ) من الفعل وتاء الفاعل تفيد أنّ هذه الرؤية الربانيّة هي بحكم الواقعة والمتحقّقة لامحالة، وإن تأخّر وقت حدوثها بالحسابات الماديّة. وأنّ الملك في وضع الطيران وأنّه قد توسّط السماء، يوحي أنّ الملك مرسل من قبل الله عزّ وجلّ وقد بعث لتبليغ أمر مهم جدّاً ماحدث ولن يحدث على وجه الأرض الاّ مرّة واحدة! لذلك فهو يتوسّط السماء لكي يكون بمسمع ومرأى من الجميع !.ثانيا: إنّ البشارة التي يبشّر بها هذا الملك ( أبديّة ) بمعنى: أنّها ليست وليدة ساعتها ويومها وعصرها، وليست كشيءٍ سهل يأتي ثمّ يعبر ويمرّ وكأنّه لم يكن في يوم من الأيّام ،كلاّ والف كلاّ، بل هي: بشارة مقدّسة وأصيلة حتميّة الوقوع والتحقّق لأنّ المبشّر الأوّل بها هو الله تبارك وتعالى لسكّان السموات والأرض، وأنّ هذه البشارة المباركة كانت موجودة ومعروفة لدى سكّان السموات ولدى شعوب وأمم الأرض منذ الأبد: أي منذ بدء الخليقة أو منذ مجيء الانسان الى الأرض.
ثالثا: إنّ هذا الملك يبشّرُ كلّ الساكنين على وجه الأرض ويتكلّم بلغة كلّ أمة وكلّ شعب وكلّ قبيلة وبكلّ لسان في آن واحد وهذا غاية في الإعجاز والرّوعة.
____________________
(١) كشف الغمة، ج٢ ص٩٧٠ - ٩٧١.
(٢) نفس المصدر.
(٣) سفر يوحنا ١٤: ٦ - ٧، العهد الجديد، ألأصل العبرى، ص ٤٧٤. العهد الجديد، سفر الرؤيا ( رؤيا يوحنا اللاهوتي )، الإصحاح ١٤، الفقرات ٦ - ٧، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر يوحنا ١٤: ٦ - ٧ ،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس ،ص ٤٠٩.والنص كما في ترجمة: أهل البيت فى الكتاب لمقدس: ص١٢٩ - ١٣٠.مع فرقٍ يسير في عبارات الترجمات لاتضرُّ بالمعنى.
رابعا: يكون نداء الملك ( بصوت عظيم ) غير مألوف لدى سكّان الأرض ولم يسمعوا بمثله من قبل، ويوجّب على الناس المخافة من الله تعالى وأن يعطوه مجده وقدره لأنّه قد جاءت لتوّها ساعة حكمه في الأرض بواسطة المنجي الدّخر لهذا الغرض! وكأنّ الله عزّ وجلّ لم يحكم في الأرض قط(١) ، وهذا حقّ وصدق لأنّ الله عزّ وجلّ بريء من جميع الأحكام الوضعيّة الجائرة التي حكمت الأرض بأيدي الجبابرة والطغات المجرمين الذين أهانوا وقتلوا ومثّلوا بأنبياءه وأولياءه وأحبّاءه.
وهذا مايُسمى ب- ( ملكوت الله عند السيد المسيح -ع- )، ويعني حكم الله في آخر الزمان(٢) ، وأنَّ الكتاب المقدس وخاصةً العهد الجديد منهُ مليءٌ بالبشارةِ بملكوت الله تبارك وتعالى على لسان السيد المسيح (ع) حتى ورد ذكر ذلك في الصلوات المسيحية التي تقرأُ كُلَّ يوم.وأنَّ هذا الملكوت حتميٌّ قطعيٌّ(٣) ، كما جاء في البشارة التي دوَّنها ( متى ) في الإنجيل :( ١٧ لا تظنوا اني جئت لانقض الناموس او الانبياء ما جئت لانقض بل لاكمل ١٨ فاني الحق اقول لكم الى ان تزول السماء و الارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ١٩ فمن نقض احدى هذه الوصايا الصغرى و علم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السماوات و اما من عمل و علم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات ).(٤)
وأما وقتُ حدوث هذا الملكوت المنتظر، فقد جاء في إنجيل متى :
( ١٢ ويعمُّ الفساد، فتبردُ المحبَّةُ في أكثرِ القلوب ١٣ ومَن يثبُت الى النهاية يخلص ١٤ وتجيءُ النهايةُ بعدما تُعلنُ بشارةُ ملكوت الله هذه في العالم كُلِّه، شهادةً لي عند الأُمم كلّها ).(٥)
وتفسير هذه النبؤة: ( أي نهاية التدبير الإلهي الحاضر، وإقامة ملكوت الله على وجهٍ نهائيّ. ).(٦)
وأخبر إنجيل لوقا أنَّ ملكوت الله يأتي نتيجةً لإستضعاف المؤمنين والظلم الذي يقع عليهم(٧) :( ٢٠ و رفع عينيه الى تلاميذه و قال: طوباكم ايها المساكين لان لكم ملكوت الله ٢١ طوباكم ايها الجياع الان لانكم تشبعون، طوباكم ايها الباكون الان لانكم ستضحكون ٢٢ طوباكم اذا ابغضكم الناس و اذا افرزوكم و عيروكم و اخرجوا اسمكم كشرير من اجل ابن الانسان ٢٣ افرحوا في ذلك اليوم و تهللوا فهوذا اجركم عظيم في السماء لان اباءهم هكذا كانوا يفعلون بالانبياء ).
____________________
(١) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ١١٩- ١٢٤. في موضوع: ملكوت الله عند السيد المسيح، يعني حكم الله في آخر الزمان وحتميته ووقت حدوثه.
(٢) للمزيد انظر: المهدي والمسيح، في موضوع: ملكوت الله عند السيد المسيح (ع). المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ١١٩ وما بعدها، وشرح ملكوت الله في ص ١٢٦.
(٣) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ١١٩ - ١٢٠.
(٤) العهد الجديد، متى، الإصحاح ٥، الفقرات ١٧ - ١٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. متى، ٥: ١٧ - ١٩ ،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٨. مع فرقٍ في عبارات الترجمة.
(٥) متى، ٢٤: ١٢ - ١٤ ،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس ،ص ٤٥. العهد الجديد، متى، الإصحاح ٥، الفقرات ١٧ - ١٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. مع فرق يسير في العبارات.
(٦) المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ١٢١ وما بعدها، عن: العهد الجديد، ص ١٠٣. الرهبانية اليسوعية، طبعة ١٩٨٩ م.
(٧) للمزيد انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص ١٢٥ وما بعدها.
ويُفصحُ النصُّ المقدَّس عمّا يكونُ من عاقبةُ أهلِ الباطل بقوله:
( ٢٤ و لكن ويل لكم ايها الاغنياء لانكم قد نلتم عزاءكم ٢٥ ويل لكم ايها الشباعى لانكم ستجوعون ويل لكم ايها الضاحكون الان لانكم ستحزنون و تبكون ٢٦ ويل لكم اذا قال فيكم جميع الناس. ).(١) هذا وقد جاء في الصلاة المسيحية :
(ليَتَقَدَّس اسمكَ ١٠ ليأتِ مَلَكوتُكَ لتكُن مشيئتُكَ في الأرض كما في السماء.).(٢)
خامسا: ثمّ يأمر سكّان الأرض بأشرف عبادة ألا وهي السجود ( حيث أقرب ما يكون العبد لربّه عند أشتغاله بهذه العبادة ) ؛ ولكن السجود لمن ؟، لصانع السموات والأرض والبحر وينابيع المياه، فقد وردت كلمة ( صانع ) في غاية الدّقة والبلاغة والإعجاز، لأنّها ملائمة لروح العصرالحديث وما ستصل اليه البشريّة من مستوى علمي الى حين حصول هذا النداء السماويّ، حيث التقدّم الصناعي الهائل لدى البشريّة حتّى يخيّل للبعض أنّهم قادرون على صنع كلّ شيء! ولكنّ هذا الملك المنادي من السماء يوقفهم عند حدّهم ويوقظهم من غفوتهم ويقرّهم بالعجز التّام، ذلك لأنّهم مهما بلغ بهم التطوّر والتقدّم الصناعاتي والتّقنيات والتكنلوجيا. لم ولن يستطيعوا صنع سماء مبنيّة بهذه السعة وبهذه القوانين الكونيّة المرعبة الخارقة لكلّ القوانين الطبيعيّة، بل وحتّى لخيال الانسان وإدراكاته ؛ وأرض مدحيّة بهذا الحجم وماتحتويه من مستلزمات العيش على سطحها بكلّ رفاهيّة ؛ وبحارا بهذه المساحات الشاسعة والتّنوّع العجيب ؛ وينابيع المياه العذبه التي فجّرها الجواد الكريم بهذه الكثرة والإنتشار والسقي المتواصل للحرث والنسل.
سادسا: تعدّ هذه البشارة الإلهيّة بمثابة شرحٍ وافٍ للنداء السماويّ المحتوم الذي يتزامن مع ظهور بقيّة الله في أرضه وأمل الانسانية، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا النداء ب- ( الصيحة بالحق ) كما جاء في قوله عزّ وجلّ:
( فاستمع يومَ ينادِ المنادِ من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحقّذلك يوم الخروج ).(٣)
لذا فكُلُّ ماتقدَّمَ في هذه البشارة، ثابتٌ في القرآن والسنَّة المطهَّرة، وهو حقٌّ وصدقٌ، لأنَّ منقذَ البشريّة ( عجّل الله تعالى فرجه المبارك ) يُنادى باسمه واسم ابيه ونسبه الشريف وينوّه عن مقامه الكريم حين ظهوره المبارك بواسطة وحي الله الأمين جبرَئيلعليهالسلام .(٤)
____________________
(١) العهد الجديد، لوقا، الإصحاح ٦، الفقرات ٢٠ - ٢٦، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. إنجيل لوقا ،٦ :٢٠ - ٢٦،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ١٠٦، مع إختلاف في عبارات الترجمة.
(٢) متى، ٦ :نهاية الفقرة: ٩ - ١٠، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص١٠. العهد الجديد، متى، الإصحاح ٦، الفقرات ٩ - ١٠ الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. والفرق في بعض العبارات واضح.
(٣) سورة ق: ٤١- ٤٢.
(٤) للإطلاع انظر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص ١٨٥ - ١٩٠.
١: في القرآن الكريمقوله تعالى :
( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاب-اً من فوقكم أومن تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون )(١) .
عن القمّي: عن أبي جعفرعليهالسلام : في قوله: هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم هو الدّجال والصّيحة، او من تحت أرجلكم وهو الخسف، او يلبسكم شيعا وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض، ويذيق بعضكم بأس بعض وهو أن يقتل بعضكم بعضا وكلّ هذا في أهل القبلة بقول الله أنظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون.(٢)
عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( ليأتيّنَّ على هذه الأُمة يومٌ يُمسون يتساءَلون، بمن خُسِفَ الليلة كما يتساءَلون بمن بقيَ من آل فلان، وهل بقيَ من آل فلان فلان ).(٣)
وعن أمير الؤمنين (ع): (. بين يدي القائم موتٌ أحمر، وموتٌ أبيض. فالموت الأحمر السيف، وأما الموت الأبيض فالطاعون ).(٤)
وعن الصادق (ع): ( قدام القائم موتان، موتٌ أحمر وموتٌ أبيض حتى يذهب من كلِّ سبعةٍ خمسة ).(٥)
٢: في العهدين
جاء في رسالة يوحنا الأولى في باب ( المُسَحاء الدجالون ) :
( ياأبنائي الصغار، جاءت الساعة الأخيرة. سمعتم أنَّ مسيحاً دجّالاً سيجيءُ.) (٦) .
____________________
(١) سورة الأنعام: آية ٦٥.
(٢) تفسير القمي، ج ٢ ،ص ٢٠٤. بحار الأنوار، ج ٩ ص ٢٠٥ , و ج ٥٢ ص ١٨١. الزام الناصب: ج٢ ص١١٣ - ١١٤، وج٢ ص٩٨.
(٣) الملاحم والفتن، ص ١٣٢، نقلاً عن فتن السليلي.
(٤) الغيبة للنعماني، ص ٢٧٧. الإرشاد، ص ٣٥٩. الغيبة للطوسي، ص ٢٦٧. بحار الأنوار، ج ٥٢، ص ٢١١. السراط المستقيم، ج ٢، ص ٢٤٩.
(٥) كمال الدين، ج٢ ص٦٥. بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٠٧. العدد القوية، ص٦٦.
(٦) يوحنا، الرسالة الثانية ٢: ١٨، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص ٣٨٦. العهد الجديد، يوحنا، الرسالة الثانية ٢: ١٨، الإصحاح ٢، الفقرة ١٨، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر.
وجاء في سفر الرؤيا:
( ١٣) ثم بوق الملاك السادس فسمعت صوتاً واحداً من اربعة قرون مذبح الذهب الذي امام الله( ١٤ ) قائلا للملاك السادس الذي معه البوق فك الاربعة الملائكة المقيدين عند النهر العظيم الفرات ( ١٥ ) فانفك الاربعة الملائكة المعدون للساعة و اليوم و الشهر و السنة لكي يقتلوا ثلث الناس( ١٦ ) و عدد جيوش الفرسان مئتا الف الف و انا سمعت عددهم( ١٧ ) و هكذا رايت الخيل في الرؤيا و الجالسين عليها لهم دروع نارية و اسمانجونية و كبريتية و رؤوس الخيل كرؤوس الاسود و من افواهها يخرج نار و دخان و كبريت ( ١٨ ) من هذه الثلاثة قتل ثلث الناس من النار و الدخان و الكبريت الخارجة من افواهها ( ١٩ ) فان سلطانها هو في افواهها و في اذنابها لان اذنابها شبه الحيات و لها رؤوس و بها تضر.(١)
١: في القرآن الكريم والروايات الشريفة
في قوله تبارك وتعالى:
- ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين )(٢) .
- ( فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً )(٣) .جاء في الاحكام: باب القول فيما ذكر عن المهديعليهالسلام قال يحيى بن الحسين.: نرجو أن يكون الله قد قرب ذلك وأدناه، وذلك أنا نرى المنكر قد ظهر والحق قد درس وغير وقد قال الله سبحانه: ( فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً)، وقال: ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين )، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (اشتدي أزمة تنفرجي)، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( لان أكون في شدة انتظر رخاء أحب إلى من أن أكون في رخاء أنتظر شدة)(٤) .
____________________
(١) العهد الجديد، سفر الرؤيا ( رؤيا يوحنا اللاهوتي )، الإصحاح ٩، الفقرات ١٣- ١٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر الرؤيا ،٩: ١٣- ١٩ ،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس ،ص ٤٠٤، مع إختلاف في عبارات الترجمة.
(٢) سورة يوسف: آية ١١٠.
(٣) سورة الإنشراح: آية ٥.
(٤) الاحكام: ج ٢، ص ٤٦٨.
وفي عيون أخبار الرضا (ع):
(. فقال المأمون: لله درك أبا الحسنعليهالسلام فأخبرني عن قول الله عز وجل: ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جائهم نصرنا )، قال الرضاعليهالسلام يقول الله عز وجل: ( حتى إذا استيأس الرسل ) من قومهم وظن قومهم ان الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن.)(١) .
وفي كمال الدين وتمام النعمة :
(. قال المفضل: فقلت: يا ابن رسول الله فإن ( هذه ) النواصب تزعم أن هذه الآية(٢) نزلت في أبي بكر وعمر، وعثمان، وعليعليهالسلام فقال: لا يهدي الله قلوب الناصبة. متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكنا بانتشار الامن في الأمة، وذهاب الخوف من قلوبها، وارتفاع الشك من صدورها في عهد واحد من هؤلاء، وفي عهد عليعليهالسلام مع ارتداد المسلمين والفتن التي تثور في أيامهم، والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم. ثم تلا الصادقعليهالسلام : (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا )(٣) .
ولعلَّ في قوله سبحانه وتعالى: ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )(٤) ، ما يوحي الى ذلك النصر، إذ أنَّهُ عزَّ وجلَّ يتحدَّثُ عن نصرين كبيرين،الأول هو النصر الجماعي للرُّسُلِ(ع) بواسطة المنجي، وذلك بعد الانتظار الطويل ويأس الشعوب، والثاني هو نصرُ الآخرة، واللهُ العالم.وفي صحيح البخاري(٥) :( حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة انه سال عائشةرضياللهعنه ا زوج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أرأيت قوله: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا) أو كذبوا ؟قالت بل كذبهم قومهم، فقلت: والله لقد استيقنوا ان قومهم كذبوهم وما هو بالظن فقالت: يا عروة لقد استيقنوا بذلك قلت فلعلها أو كذبوا، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها واما هذه الآية قالت: هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم وظنوا ان اتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله )، انتهى.
____________________
(١) عيون أخبار الرضا (ع)، ج ٢، ص ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) (وعد الله الذين آمنوا منكم وعمل الصالحات ليستخلفنهم. )، الآية٥٥ سورة النور.
(٣) كمال الدين وتمام النعمة، ص ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٤) سورة غافر: آية ٥١.
(٥) صحيح البخاري، ج ٤، ص ١٢٣.
وعليهِ، واثرَ تلك الأحداث المروِّعة - التي قد بيَّنّا شيئاً منها في الموضوع السابق: الدجال والخسف وسفك الدماء - يُفقَدُ الأملُ من الشعوب والأُمم ويستشري اليأسُ وسوءُ الظنِّ بعدم الفرج، وينقطعُ الرجاء(١) :- فقد وردَ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( ياعليّ. وذلك الحين تغيّرت البلاد وضعفَ العباد واليأس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم المهدي من ولدي. ).(٢) - وعن عليٍّ (ع): ( وليكونن من يخلفني في أهلِ بيتي، وذلك بعدَ زمانٍ كلِحٍ مصفح يشتدُّ فيهِ البلاءِ، وينقطعُ فيه الرجاء ُ ).(٣)
- وعن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثم ذكر الملاحم، وقال في آخرها :( ويباع الأحرار للجهد الذي يحل بهم، يقرون بالعبودية الرجال والنساء، ويستخدم المشركون المسلمين، ويبيعونهم في الأمصار، لا يتحاشى لذلك برّ ولا فاجر، يا حذيفة لا يزال ذلك البلاء على أهل ذلك الزمان حتى إذا أيسوا وقنطوا وأساؤا الظن أن لا يفرَّج عنهم إذ بعث الله رجلاً من أطائبِ عترتي وأبرارِ ذرّيَّتي عدلاً مباركاً زكياً لا يغادر مثال ذرة، يعز الله به الدين والقرآن والإسلام وأهله، ويذل به الشرك وأهله، يكون من الله على حذرٍ، لا يغتر بقرابته، لا يضع حجراً على حجرٍ، ولا يقرع أحداً في ولايته بسوط إلا في حد، يمحو الله به البدع كلها، ويميت به الفتن كلها، يفتح الله به كل باب حق، ويغلق به كل باب باطل، يرد الله به سَبي المسلمين حيث كانوا قلت: فسمِّ لنا هذا العبد الذي قد اختاره الله لامتك وذريتك، فقال: (اسمه كاسمي، واسم أبيه كاسم أبي، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لجعل الله مقدار ما يكون فيه جميع ما ذكرت ).(٤)
____________________
(١) وهذا الحال لايدومُ طويلاً، بل هي فترةٌ مرحلية وليست طويلة الأمد، كما يظهر من الأخبار الشريفة.
(٢) ينابيع المودة، ص٤٤. إحقاق الحق، ج١٣ ص ١٢٥.
(٣) إبن المنادي، الملاحم، ص٦٤. كنز العمال، ج١٤ ص ٥٩٢. إبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج١ ص ٢٧٦. احقاق الحق، ج١٣ ص ٣١٤. الإرشاد، ص١٢٨. بحار الأنوار، ج ٣٢ ص ٩. المسترشد، ص ٧٥. غاية المرام، ص ٢٠٨. منتخب كنز العمال، ج١٦ ص ٣٥.
(٤) الملاحم والفتن، ص ٢٦٤ - ٢٦٥. الأمالي للشجري، ج٢ ص٢٧٧.
٢: في العهدينحيث أخبر يوحنا(ع) في سفر الرؤيا، أنّ الأنبياء والمقدّسين والمظلومين ينفذُ صبرهم في آخر الزمان ويطلبون من الله عزَّ وجلَّ الإنتقام والنصر :
(١٠ وصرخوا بصوتٍ عظيمٍ قائلين: حتّى متى أيّها السيد القدّوس والحق! لاتقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض.الى أن يقول حيث يستجيبُ الله لهم: قد جاء يوم غضبه العظيم، ومن يستطيع الوقوف ).(١) وفي بشرى الخلاص: بشَّر اشعياء النبي (ع) في سفره المقدّس، جميع المساكين والبائسين واليائسين :
(١ روحُ السيد الرب عليَّ، لان الرب مسحني لأُبشّرَ المساكين ارسلني لاعصب منكسري القلب لأُنادي للمسبيّين بالعتق و للماسورين بالاطلاق* ٢ لأُنادي بسنة مقبولة للرب و بيوم انتقام لالهنا لأُعزّي كل النائحين* ٣. لأَعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد، و دهن فرح عوضاً عن النوح، و رداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة فيدعون اشجار البر غرس الرب للتمجيد* ٤ و يبنون الخرب القديمة يقيمون الموحشات الاول و يجددون المدن الخربة موحشات دور فدور*.، ٧ عوضاً عن خزيكم ضعفان و عوضاً عن الخجل يبتهجون بنصيبهم لذلك يرثون في ارضهم ضعفين بهجة ابدية تكون لهم* ٨ لاني انا الرب محب العدل مبغض المختلس بالظلم و اجعل اجرتهم امينة و اقطع لهم عهدا ابدياً * ٩ و يعرف بين الامم نسلهم و ذريتهم في وسط الشعوب كل الذين يرونهم يعرفونهم انهم نسل باركهُ الرب* ١٠ فرحاً افرح بالرب تبتهج نفسي بالهي لانه قد البسني ثياب الخلاص كساني رداء البر مثل عريس يتزين بعمامة و مثل عروس تتزين بحليها* ١١ لانه كما ان الارض تخرج نباتها و كما ان الجنة تنبت مزروعاتها هكذا السيد الرب ينبت براً و تسبيحاً امام كل الامم* )(٢) .
____________________
(١) سفر الرؤيا ٦: ١٠، ١٧ ،العهد الجديد، الأصل العبري.رؤيا يوحنا اللاهوتي تحت رقم (٢٧ ): الإصحاح ٦: الفقرات ١٠، ١٧، العهد الجديد، الكتاب المقدس باللغة العربية، مصر.
(٢) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٦١، الفقرات كما مبيَّنة في النص، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر أشعيا ٦١: الفقرات كما مبيَّنة في النص ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٨٦ - ٩٨٧.
المبحث الأول :حالة العالم عند الظهور وكيفية الظهور
أولاً: طلب الشعوب وإنتظارهم للقائم
ثانياً: الضيقُ والحرجُ والعسرُ وتضرُّر المؤمنين
المبحث الثاني: أوصاف القائم المنجي
أولاً: أوصاف القائم المنجي في القرآن والروايات
ثانياً: أوصاف القائم المنجي في العهدين١: العلم الرَّباني لمنجي العالم
٢: شدة المنجي وقوّته الربانيّة
٣: جمالُ منجي العالم ظاهراً وباطناً
٤: عبدُ الله المختار والمسدَّد بروحه
المبحث الثالث: أوصاف حكومة منجي العالم ودولته
أولاً: حكم منجي العالم بالعدل والإنصاف
ثانياً: إنتقام المصلح من الظالمين
ثالثاً :حلول السلام في عهد منجي العالم
رابعاً: سموّ المعارف في عهد منجي العالم
خامساً: الحكومة العالمية الواحدة
بما أنَّ ظهور منجي العالم حدثٌ إلهيٌّ عظيمٌ، وآيةٌ من آياته الكبرى، وشأنا ًمن شؤونه المقدّسة، ويوماً عارماً من أيامه التي لاتُنسى أبداً سواء قبل مجيئه أو بعدهُ ؛ لذا فقد أجمعت الكتبُ المقدّسة وعمومُ الأنبياء والرسل ( عليهمُ الصلاةُ السلامُ ) على أنَّ هناكَ أحداثاً كبيرةً وعجائباً وغرائبأً ومعاجزاً تكونُ عندَ ظهوره وترافقهُ في دولته العالمية الكبرى. ومن المناسب هنا أن نذكُرَ شيئاً عن أحوال العالم قُبيلَ ظهورالمنجي الموعود وعندَ ظهوره وبعدهُ وكيفية ذلك الظهور المبارك.
المبحث الأول:حالة العالم قُبَيلَ الظهور وعندالظهور وبعدَهُ وكيفية الظهور
ويتضحُ ذلك كله عبر الآيات الكريمة والروايات الشريفة، والنصوص المقدّسة في العهدين، الدالة على مواضيعها الخاصة المتعلّقة بتلك الفترة النيِّرة والمباركة من تاريخ البشرية على سطح هذا الكوكب، ونذكرُ شيئاً منها على نحو الإختصار :
أولاً: إنتظار القائم وطلب الشعوب لهُ :
١: في القرآن الكريم والروايات الشريفة
أ: في قوله تعالى: ( انتظروا إنّي معكم من المنتظرين )(١) .
- ( عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألتهُ عن شيءٍ في الفرج فقال: أوليس تعلمُ أنَّ انتظار الفرج من الفرج، انَّ الله يقول: انتظروا إنّي معكم من المنتظرين ).(٢)
ب: في قوله تعالى: ( وارتقبوا انّي معكم رقيب ُ )(٣) .- ( عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سمعتهُ يقول: ما أحسنَ الصبر وانتظار الفرج، أما سمعتَ قولَ العبد الصالح: ف- انتظروا إنّي معكم من المنتظرين. أوليس تعلمُ أنَّ انتظار الفرج من الفرج ؟ ثم قال: انَّ الله تبارك وتعالى يقول: واتقبوا انّي معكم رقيبُ ).(٤)
____________________
(١) سورة يونس: آية ٢٠.
(٢) تفسير العياشي، ج٢ ص ١٣٨. كمال الدين، ج٢ص٦٤٥ ز بحار الأنوار، ج ٥٢ ص ١٢٨.
(٣) سورة هود: آية ٩٣.
(٤) تفسير العياشي، ج٢ص٢٠ و ج٢ ص ١٥٩. وعنهُ البرهان ج٣ ص ٢٣٢. والبحار، ج١٢ص ٣٧٩.
ج: في قوله تعالى :(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكةُ أو يأتي بعضُ آيات ربِّك)(١) .
- (عن الإمام الباقر (ع): وقولهُ: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكةُ أو يأتي بعضُ آيات ربِّك: من العذاب والموت والقائم ،. ).(٢)
هذا وقد حثَّ الدين الإسلامي الحنيف على الإنتظار الإيجابي لفرج الله الأعظم بظهور منجي العالم وعدم الياس من روح الله تعالى(٣) ، وأنَّ المنتظر المحتسب كالمجاهد مع الإمام منجي العالم(٤) ، وأنَّ المنتظر المخلص في ولائه من أهل الجنَّة(٥) ، وأنَّ الإيمان في دولة الباطل أفضل منهُ في دولة الحقّ.(٦)
د: وفي قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون )(٧) . وجوب الثبات على الاعتقاد بإمامة المهديعليهالسلام وانتظاره وتوقّع ظهوره، فقد ورد عن الإمام الباقرعليهالسلام : اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوكم، ورابطوا إمامكم المنتظر)(٨) .
____________________
(١) سورة الأنعام: آية ١٥٨.
(٢) تفسير القمي، ج١ص ٣٨٤. وعنه الإيقاظ، ص٢٥٣.
(٣) انظر: الخصال، ج٢ ص ٦١٠. كمال الدين، ج٢ ص ٦٤٥. تحف العقول، ١٠٦.
(٤) انظر: مجمع البيان ج ٩ ص ٢٣٨. الكافي، ج ٢ص ٢١. المحاسن، ص ١٧٣.
(٥) انظر: الكافي ج ٨ ص ٧٦. البحا ج٤٦ ص ٣٦١.
(٦) انظر: الكافي، ج١ ص ٣٣٣. الإختصاص، ص٢٠. كمال الدين، ج٢ ص ٦٤٥.
(٧) سورة آل عمران: آية ٢٠٠.
(٨) انظر: معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج ٥، ص ٦٦ - ٦٧. الزام الناصب: ج ١ ص٥٣.
٢: في العهدين
«أشعيا» يبشّر الجميع بالقائم المنجي :
في جانب آخر من (سفر اشعيا -ع -) نجد اشارات صريحة بظهور مُنقذ العالم وكيفية حكمه وارتباطه بالله تعالى'، التي لها دلالات لما ورد عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والائمة(ع) وعموم المسلمين بخصوص الامام المهدي (عج)، وقد جاءت الاشارة الى الامام (عج) بأحد القابه المهمّة وهو «القائم»:
(١٠ وفي ذلك اليوم سَيرفَعُ « القائمُ » رايةً للشعوب والامم التي تَطلبُهُ وتَنتظرُهُ ويكونُ محلُّهُ مَجداً ).(١)
وكما هو واضح فانّ هذه الفقرة باطلاقها تؤكّدعلى: أنّ كلّ الشعوب والامم تطلبه وتنتظره قبل مجيئه، وليس قسماً من هذه الشعوب والأمم، وهذا يدلّ على معرفة هذه الشعوب والامم بهذا الرجل الالهيّ المقدس، فهي تعرفه بكلّ أبعاد المعرفة: معرفة فطريّة ومعرفة عقلية ومعرفة سماويّة.
حيث زرع الله عزّ وجلّ في فطرتهم معرفة خليفته الأعظم المدّخر، وأوحى اليهم ذلك عبرَ مختلف العصور، وأدركوا ذلك أيضاً بعقولهم من خلال الأدلّة الهائلة التي لاتحدّ ولاتحصى :ومنها انّ الخالق القادر الحكيم الذي أتقن صنع كلّ شيء في الوجود بدءً بالفيروس الصغير الذي لايُرى بالعين المجرّدة وانتهاءً بأعظم مجرّةٍ ٍ تمّ أكتشافها لحدّ الآن ؛ فمن دواعي حكمته وربوبيّته أن يُمضي حكمَهُ في الأرض، ويُرينا عدلَهُ وقسطَهُ بواسطة ممثّله الشرعي الدّال عليه والحاكم بأسمه، ولايترك الدنيا هكذا على علاّتها، والشعوبَ لقمةً سائغةً لازال يمضغها بفكّيه فرعون وهامان وجنودهما وبقوانين وضعيّة قد تبرّأَ منها كلّ شريف.فهذه الشعوب والأمم: تطلبُهُ ناصراً ومعيناً ومغيثاً ومنقذاً لما أصابها من حيفٍٍ وظلم على مدى تعاقب العصور !.
وهي تنتظرُهُ: إنتظارَ الحبيب لحبيبه، انتظاراً فيه الأملُ والرجاءُ، كشوق الأرض الجدباء لقطر السماء ؛ وتحنّ اليه حنيناً منقطع النظير.
وبعدما بيّنت الفقرة العاشرة انتظار الشعوب والأمم وطلبهم للقائم، ذكرت نتيجة هذا الطلب والانتظار المقدّس عندما يحلّ بينهم حيث قالت: (ويكونُ محلهُ مجداً ): أي يكون وجودُهُ بين شعوب الأرض وأممها مفخرةً كبرى، وبركةً ونعمةً، وأرتقاءً بمستوى الانسانيّة الى أعلى ذُرى المجد والعزّة والكرامة ومباركة الربّ جلّ وعلا.وبسبب أهميّة هذا النص ّوهذه الفقرة منه خاصّة فقد عمد ( أعداء الحقّ والصّدق) الى طمس الحقيقة الالهية الدامغة وتشويشها لقلب معناها أو لصرفه عن الأذهان قدَرَ الامكان وقد نجحوا في ذلك الى أمد غير بعيد. ولإماطَة اللّثام عن هذه المحاولة البائسة وكشفها، نشير الى أمرين :
____________________
(١) سفر أشعيا ١١: ١٠ :ألأصل العبرى ،العهد القديم، ص٦٢٥. انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرة، ١٠، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر أشعيا ١١: ١٠، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢٤.وسنقف على ترك كلمة (يسَّى ) دون ترجمة على التوالي.( أهل البيت فى الكتاب المقدس )، ص١٢٣ - ١٢٧.
الأول: إنّ اللفظة المخصوصة ( يسّسي )(١) التي وردت في الفقرة (١٠) من النصّ العبري، تعني: ( سيرفع )، وقد جاءت بصيغة الاستقبال لدخول حرف ( الياء ) عليها(٢) . والماضي منه (ناسا ) بمعنى: ( رفع )(٣) ، ومترجم ( العهد القديم ) في النسخة العربيّة(٤) لم يترجم لفظة ( يسّسي ) العبريّة والتي تعني: (سيرفع )، بل أبقاها على حالها من غير ترجمة الى اللّغة العربيّة محاولةً منه لبس المعنى واثارة الغموض حول مفهوم - القائم - ( عج ).
____________________
(١) (اهل البيت (ع) فيالكتاب المقدس) ص ١٢٧ - ١٢٨، عن سفر أشعيا ١١: ١٠، ص ١٠٠٥، النسخة العربية. وجاءت في المصادر كلمة (يسَّي ) بسينٍ واحدةٍ مشدَّدةٍ ومفتوحةٍ، ولعلّ صاحب (أهل البيت في الكتاب المقدس ) أثبتها بسينيين للتوضيح فأُضيفت الشدَّة إشتباهاً. وانظر: سفر إشعياء ١١: ١ - ١٠ وشرحهُ وجوابهُ في انجيل برنابا، ففي الفصل الثامن والثمانون: ١٥ - ١٨، برنابا: من تلاميذ المسيح(ع)، ونسخة الإنجيل المنسوبة اليه، ترجمها العلامة المسيحي اللبناني الدكتور خليل سعادة من الإنكليزية الى العربية - وهي من خزائن الفاتيكان باللغة الإيطالية. و في: كتاب، نظرات في انجيل برنابا، محمد علي قطب، ص٩٢ وفيهما: انهُ أثبت انجيل برنابا القائم المنقذ في آخر الزمان باسم ( مسّيا ).الخ، انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص٣١ - ٥٢.
(٢) قواعد اللغة العربية، ص٩٨.
(٣) المعجم الحديث، عبري - عربي، ص ٣١٥.
(٤) سفر أشعيا ١١: ١٠، ص ١٠٠٥. سفر أشعيا ١١: ١٠، ألأصل العبرى، العهد القديم ص٦٢٥. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرة، ١٠، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر: فقد أردف كلمة (يسّي ) بالقائم، فقال: يسّي القائم.الخ. سفر أشعيا ١١: ١٠ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢٤. وقد تُركت كلمة ( يسَّي ) على حالها دون ترجمة.
وأمّا الأمر الثاني: انّ لفظة ( عوميد ) جاءت ( كاسم فاعل )(١) وتعني (القائم)(٢) . الخ.(٣)
وأما ما جاء في الكتاب المقدس، طبعة أُولى، بيروت ،دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، الإصدار الثاني ١٩٩٥، في سفر إشعيا ١١: ( ١ و ١٠ ) فهو من الروعة بمكان، ويستحقُّ التأمُّل، وهو كالآتي :
(١ يخرُجُ فرعٌ من جذع يَسَّى(٤) وينمو غُصنٌ من أُصوله ).ثمّ يبيّن عبر ثمانية فقرات صفات ومؤهلات وخيرات هذا الموعود المبارك، ويخلص في القول الى :
( في ذلك اليوم يرتفعُ أصلُ يسَّى رايةً للشعوب. تطلُبُهُ الأُمم ويكونُ موطنهُ مجيداً، ١١ وفي ذلك اليوم يعودُ الربُّ فيمُدُّ يدَهُ لافتداء بَقيَّة شعبه في أشُّورَ ومصرَ وفتروسَ وكوشَ وعيلامَ وشنعارَ وحماةَ وفي جُزُر البحر، ١٢ويرفعُ الربُّ رايةً في الأُمم.).(٥)
____________________
(١) قواعد اللغة العربية، ص٣٨.
(٢) المعجم الحديث: ص ٣٤٩.
(٣) (اهل البيت (ع) فيالكتاب المقدس): ص ١٢٧ - ١٢٨ بتصرّف.
(٤) يسّي: هو والدُ داود (ع)، وقد بشّرت التوراة بأن المنجي ومخلص العالم هو من نسل داود (ع) حيناً، وحينأً آخر من نسل يوسف (ع). الخ، غير ان مفسري التوراة يصرون على القول أنَّ هذه الشخصيات تمثّلُ المسيح (ع).، فهل الحقّ كذلك ؟ لكن لو رجعنا على سبيل التمثيل لا الحصر: الى المزمور ٧٢، في الكتاب المقدّس، مصر: حيث جاء فيه :( ١اللهم اعط احكامك للملك و برك لابن الملك* ٢ يدين شعبك بالعدل و مساكينك بالحق* ٣ تحمل الجبال سلاما للشعب و الاكام بالبر* ٤ يقضي لمساكين الشعب يخلص بني البائسين و يسحق الظالم* ٥ يخشونك ما دامت الشمس و قدام القمر الى دور فدور* ٦ ينزل مثل المطر على الجزاز و مثل الغيوث الذارفة على الارض* ٧ يشرق في ايامه الصديق و كثرة السلام الى ان يضمحل القمر* ٨ و يملك من البحر الى البحر و من النهر الى اقاصي الارض* ٩ امامه تجثو اهل البرية و اعداؤه يلحسون التراب* ١٠ ملوك ترشيش و الجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا و سبا يقدمون هدية* ١١ و يسجد له كل الملوك كل الامم تتعبد له* ١٢ لانه ينجي الفقير المستغيث و المسكين اذ لا معين له* ١٣ يشفق على المسكين و البائس و يخلص انفس الفقراء* ١٤ من الظلم و الخطف يفدي انفسهم و يكرم دمهم في عينيه* ١٥ و يعيش و يعطيه من ذهب شبا و يصلي لاجله دائما اليوم كله يباركه* ١٦ تكون حفنة بر في الارض في رؤوس الجبال تتمايل مثل لبنان ثمرتها و يزهرون من المدينة مثل عشب الارض* ١٧ يكون اسمه الى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه و يتباركون به كل امم الارض يطوبونه* ١٨ مبارك الرب الله اله اسرائيل الصانع العجائب وحده* ١٩ و مبارك اسم مجده الى الدهر و لتمتلئ الارض كلها من مجده امين ثم امين تمت صلوات داود بن يسى*).مع ملاحظة الإختلاف في ألفاظ الترجمة ( وكلا المعنيين واحد ) في: الكتاب المقدس، طبعة أُولى، بيروت ،دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، العهد القديم، الإصدار الثاني ١٩٩٥م،ص ٧٨٧، المزمور ٧٢. ونضيرُ هذا كثير.فهل يمكن أن يكون هذا المسيح (ع) وهو لم يقم بشيءٍ من هذا ؟ انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ٥٧ وما بعدها، تحت عنوان: المخلّص في التوراة.
(٥) الكتاب المقدس، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، ص ٩٢٤، سفر إشعيا ١١: ( ١ ،١٠، ١١، ١٢ ).
وهنا سؤالٌ يطرحُ نفسهُ وهو:من هو القضيب المبارك الذي يخرجُ في آخر الزمان كمنقذٍ لكلّ الشعوب والأُمم وهو من ذريّة الأنبياءعليهمالسلام ، ومن جذع ( يَسَّى ) كما في هذا النصّ وغيره في الكتاب المقدّس، وتارةً في نصوص أُخر قال إنَّه من نسل يوسف (ع)(١) ، و(يَسَّى) هذا، هل هُوَ ( يس ) في قوله تعالى :( يس. والقرآن الحكيم. إنَّكَ لَمنَ المرسلين )(٢) ؟و (ياسين )(٣) في قوله تعالى: (سلامٌ على ال ياسين)(٤) ؟
____________________
(١) وفي نصوص أُخرى، أنه من نسل يوسف (ع)، انظر: طَي، د. محمد، المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ٥٧.
(٢) سورةُ يس: ١- ٣.
(٣) أحدُ أسماء النبيّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد وردَ في القرآن.
(٤) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص٤٨، وما بعدها.
وفي إنجيل برنابا سُمّيَ ب- ( مسّيا ) ؟(١) .
ولو أنا تمعنّا في سفر إشعياء النبيّ (ع)(٢) ، الإصحاح ٦٥: ١١ - ٢٥، وقارنّاها مع الآيات المباركة ٤ - ٨ من سورة الإسراء(٣) ، لخلصنا الى نتيجةٍ مهمّةٍ كما أثبتها العلاّمة محمد الصادقي في كتابه ( الإسلام في الكتب السماوية ) مفسّراً أقوال إشعياء اللنبيّ (ع) الآنفة الذكر على الشكل التالي: هذه الآياتُ البيّناتُ تُبشّرُ عن زمنٍ منيرٍ تبدَّلت شريعة إسرائيل الى أُخرى، وكذلك خيرةُ الله عن إسرائيل لمختارين آخرين، فلا اسمَ إلاّ اسم القائد الديني ألأخير.(٤)
____________________
(١) وشرحهُ ُ في انجيل برنابا، في الفصل الثامن والثمانون: ١٥ - ١٨، برنابا: من تلاميذ المسيح (ع)، ونسخة الإنجيل المنسوبة اليه، ترجمها العلامة المسيحي اللبناني الدكتور خليل سعادة من الإنكليزية الى العربية، وهي من خزائن الفاتيكان باللغة الإيطالية. و في: كتاب، نظرات في انجيل برنابا، محمد علي قطب، ص٩٢ وفيهما: انهُ أثبت انجيل برنابا القائم المنقذ في آخر الزمان باسم ( مسّيا ). الخ، انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص٣١ - ٥٢.
(٢) انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٦٥، الفقرة: ١١ - ٢٥، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. فقد جاءت كما يلي :( ١١ اما انتم الذين تركوا الرب و نسوا جبل قدسي و رتبوا للسعد الاكبر مائدة و ملاوا للسعد الاصغر خمرا ممزوجة* ١٢ فاني اعينكم للسيف و تجثون كلكم للذبح لاني دعوت فلم تجيبوا تكلمت فلم تسمعوا بل عملتم الشر في عيني و اخترتم ما لم اسر به* ١٣ لذلك هكذا قال السيد الرب هوذا عبيدي ياكلون و انتم تجوعون هوذا عبيدي يشربون و انتم تعطشون هوذا عبيدي يفرحون و انتم تخزون* ١٤ هوذا عبيدي يترنمون من طيبة القلب و انتم تصرخون من كابة القلب و من انكسار الروح تولولون* ١٥ و تخلفون اسمكم لعنة لمختاري فيميتك السيد الرب و يسمي عبيده اسما اخر* ١٦ فالذي يتبرك في الارض يتبرك باله الحق و الذي يحلف في الارض يحلف باله الحق لان الضيقات الاولى قد نسيت و لانها استترت عن عيني* ١٧ لاني هانذا خالق سماوات جديدة و ارضا جديدة فلا تذكر الاولى و لا تخطر على بال* ١٨ بل افرحوا و ابتهجوا الى الابد في ما انا خالق لاني هانذا خالق اورشليم بهجة و شعبها فرحا* ١٩ فابتهج باورشليم و افرح بشعبي و لا يسمع بعد فيها صوت بكاء و لا صوت صراخ* ٢٠ لا يكون بعد هناك طفل ايام و لا شيخ لم يكمل ايامه لان الصبي يموت ابن مئة سنة و الخاطئ يلعن ابن مئة سنة* ٢١ و يبنون بيوتا و يسكنون فيها و يغرسون كروما و ياكلون اثمارها* ٢٢ لا يبنون و اخر يسكن و لا يغرسون و اخر ياكل لانه كايام شجرة ايام شعبي و يستعمل مختاري عمل ايديهم* ٢٣ لا يتعبون باطلا و لا يلدون للرعب لانهم نسل مباركي الرب و ذريتهم معهم* ٢٤ و يكون اني قبلما يدعون انا اجيب و فيما هم يتكلمون بعد انا اسمع* ٢٥ الذئب و الحمل يرعيان معا و الاسد ياكل التبن كالبقر اما الحية فالتراب طعامها لا يؤذون و لا يهلكون في كل جبل قدسي قال الرب ). وللوقوف على النص بجماله وروعته، انظر: سفر أشعيا ٦٥: ١١ - ٢٥، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٩٠. والفرقُ في الترجمة واضحٌ !
(٣) سورة الإسراء: الآيات، ٤ - ٨: (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوّاكبيرا. فاذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شدشد فجاسوا خلالالديار وكان وعدا مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم بأموال وبنينوجعلناكم اكثر نفيرا. إنْ أحسنتم أحسنتم لانفسكم وان أسأتم فلها فاذا جاء وعدُ الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرّة وليتبِّروا ما علوا تتبيرا. عسى ربكم أن يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا. انهذا القرآن يهدي للتي هي أقوام ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهماجرا كبيرا. وان الذين لا يؤمنون بالا´خرة اعتدنا لهم عذاباً أليما ). ومفاد هذه الآيات المباركة في: الصحيح من سيرة النبى الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم : ج٣ ص٣٥ - ٣٦.
(٤) انظر: الإسلام في الكتب السماوية، ص ٢٣٧ - ٢٣٨. المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص٥٣ وما بعدها.
مضافاً الى ذلكَ أنَّ العهد الجديد يذكرُ الى جانب المسيح شخصيةً أُخرى وهي شخصية الأمين الصادق، فقد ورد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي :( ثم رأيتُ السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يُدعى أميناً وصادقاً بالعدل يحكم ويحارب، وعيناهُ كلهيب نارٍ، وعلى رأسه تيجانٌ كثيرةٌ ولهُ اسمٌ مكتوبُ ليسَ أحدٌ يعرفهُ إلاّ هو(١) ، وهو متسربلٌ بثوبٍ مغموس بدمٍ ويدعى أسمهُ كلمةُ الله، والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونهُ على خيلٍ بيضٍ لابسينَ بزاً أبيض ونقيّاً ).(٢)
فمن هو الصادقُ الأمين الراكب على الفرس الأبيض ؟، هل هو يسوع المسيح ؟، إنّ الكلامَ عن المسيح يسبقُ هذا المقطع، ثم إنَّ يسوع (ع) يُسمّى أحياناً باسمه وأحياناً بابن الإنسان، فيبقى أن يكون النبيُّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أو المهدي (ع).
ولما كانت الآثار الإسلامية لاتتحدَّث عن قدوم للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وبهذا الشكل، لاعندما جاء أولاً ولا في آخر الزمان، فيبقى أنهُ المهدي (ع) لتطابق هذه الأوصاف مع بعض مايرد في المصادر الإسلامية.(٣)
____________________
(١) هذا الاسم: هل هو اسمُ الله الأعظم ؟، والذي يحمله هل هو صاحبُ الخلافة ألأسمائية ( الخلافة والإمامة التي قال بها القرآن الكريم ) عند أهل الله. الخ، للمزيد: دروس سماحة السيد كمال الحيدري، شرح فصوص الحكم للقيصري، تحقيق آية الله حسن زادة آملي، ص٥٦ وما قبلها وما بعدها.
(٢) العهد الجديد، سفر الرؤيا ( رؤيا يوحنا اللاهوتي )، الإصحاح ١٩، الفقرة ١١، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر الرؤيا ،١٩:١١،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص ٤١٥. مع فرقٍ يسيرٍ في بعض الألفاظ.
(٣) المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ٦١ - ٦٢، بإيجاز وتصرّثف.
١: في القرآن الكريم والروايات الشريفة
ويكون كلُّ ذلك قبيل الظهور المبارك ويعمُّ جميعَ الموحدين في العالم(١) ، بسبب تسلّط مؤسسات الكفر والجور والظلم العالمية، وطول مدّة الإنتظار المؤلم لمنجي العالم التي يملُّهاُ الكثيرون بسبب ضعف إيمانهم ووهن عقيدتهم.ولكنَّ الله سبحانه وتعالى تكفَّلَ بلطفهِ وكرمه بتسديد المؤمنين وتثبيتهم على على طريق الحقّ الذي رسمهُ لهم، وذلك في قوله تبارك وتعالى:( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء )(٢) .
فقدجاء في كمال الدين وتمام النعمة: قال حمّاد بن زياد: سألت موسى بن جعفر: يابن رسول الله! أويكون في الائمة من يغيب ؟ قال: نعم، يغيب عن ابصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر، يسهّل الله له كل عسير. الى ان يقولعليهالسلام :وله غيبةٌ يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتدُّ فيها أقوام ويثبت آخرون،فطوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين علىموالاتنا والبرائة من اعدائنا، أولئك منا و نحن منهم، فقد رضوا بنا أئمةورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثم طوبى لهم، هم والله معنا في درجتنا »(٣) .
أقول: ومن اكبر الامتحانات غبيبة الحجة، ليميز الخببيث من الطيّب، والمؤمن منالمنافق، والمخلص من المرتاب، فعلى هذا لا يظهر حتى يتميّزوا كما في الخبر :لا والله لا يأتيكم إلاّ بعد اليأس، ولا والله لا يأتيكم حتى تتميّزوا ولا والله لا يأتيكمحتى تمحّصوا، ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد.(٤) وقوله: (لايأتيكم إلاّ بعد اليأس)، يعني بعد أن ينتظره المنتظر حتى ييأس. )(٥) .
____________________
(١) انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ١٤١ - ١٤٣.
(٢) سورة ابراهيم: آية ٢٧.
(٣) كمال الدين وتمام النعمة، ص ٣٦٨. كفاية الأثر، ص٢٧. بحار الأنوار، ج ٥١ ص ١٥٠.
(٤) الغيبة للنعماني، ص٢٠٨ - ٢٠٩. الكافي، ج ١، ص ٣٣٠ و ٣٣١.
(٥) نور الأبصار: ص٣٥٠- ٣٥٤.
وفي هذه الايام، فان الامتحان يعسرُ شيئاً فشيئاً، وتضيق الحلقة على المؤمنين والموحدين في كل الدنيا، جرّاءَ الهجمة الشرسة لاقطاب الاستكبار والكفر العالمي، وما زالوا يحشّدونَ العُدَّةِ والعدد، ويرصّونَ الصفوفَ، ويبذلون الأموال الطائلة، ويخطِّطونَ ليلَ نهار، لإحكام القبضةِ على العالم كما يزعمون، لذا فانّ الاختبارات القادمة والفتن الا´تية ستكون أشدّ وطئةً واقوى من سابقتها، وستكون النجاة لمن إتّقى، وتمسّك بالعروة الوثقى وحبلَ الله المتين، وسيكون المدُّ والتسديد الإلهي بأروع صوره.
٢: في العهدين
في سفر إشعياء (ع): أنَّ المؤمنين يتضرَّرون قبل مجيء يوم الله الأعظم، ويكونون جرّاء الضيق والشدَّة كالمرأة الحامل التي تتلوّى من ألم المخاض :
( ١٦ يا رب في الضيق طلبوك سكبوا مخافتة عند تاديبك اياهم* ١٧ كما ان الحبلى التي تقارب الولادة تتلوى و تصرخ في مخاضها هكذا كنا قدامك يا رب* ١٨ حبلنا تلوينا كاننا ولدنا ريحا لم نصنع خلاصاً في الارض.٢٠ هلم يا شعبي ادخل مخادعك و اغلق ابوابك خلفك اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب* ٢١ لانه هُوَ ذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب إثم َسُكان الارض فيهم فتكشف الارض دماءها و لا تغطي قتلاها في ما بعد* ).(١)
____________________
(١) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٢٦، الفقرات ٢ - ١٨ و ٢٠ - ٢١، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر أشعيا ٢٦: ٢ - ١٨ و ٢٠ - ٢١ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٣٨ - ٩٣٩.
اولاً: أوصاف القائم المنجي في القرآن والروايات
ثانياً: أوصاف القائم المنجي في العهدين
١: علم منجي العالم
٢: شدة المنجي وقوّته الربانية
٣: جمالُ منجي العالم ظاهراً وباطناً
٤: عبدُ الله المختار والمسدَّد بروحه
المبحث الثاني :
أوصاف القائم المنجي
لقد أثنى الله تباركَ وتعالى على وليِّهِ وخليفتهِ ( منجي العالم ) وذكرهُ بأسماءٍ وصفاتٍ ونعوتٍ تبيِّنُ مقامَهُ ومَنزلتهُ عندَ ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وتحكي تلكَ المهمَّة العظمى الملقات على عاتقهِ ( عليه الصلاةُ والسلام) والمدَّخر أساساً لأجلها، وجاء ذلكَ في الكتب السماوية المقدَّسة وصحف الأنبياء والروايات الشريفة المباركة على حدٍّ سواء، وبلغَ ذلكَ من الكثرة والسعةِ مالا نستطيع الوقوف عليهِ هنا ولكن نذكرُ شيئاً منها على نحو الإختصارِ والإجمال، حيث نبدأُ اولاً: بأوصافهِ في القرآن والروايات، وثانياً: بأوصافهِ في العهدين.
١: أنه الكوكب الدري :
في قوله تعالى: ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم )(١) . أن المهديعليهالسلام هو الكوكب الدري في الآية. فعن ( أمير المؤمنينعليهالسلام ): النور: القرآن، والنور اسم من أسماء الله تعالى، والنور النورية، والنور ضوء القمر، والنور ضوء المؤمن وهو الموالاة التي يلبس لها نورا يوم القيامة والنور في مواضع من التوراة والإنجيل والقرآن حجة الله على عباده، وهو المعصوم. فقال تعالى: ( واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) فالنور في هذا الموضع هو القرآن، ومثله في سورة التغابن قوله تعالى: ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ) يعني سبحانه القرآن وجميع الأوصياء المعصومين، من حملة كتاب الله تعالى، وخزانه، وتراجمته، الذين نعتهم الله في كتابه فقال: ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) فهم المنعوتون الذين أنار الله بهم البلاد، وهدى بهم العباد، قال الله تعالى في سورة النور: ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة كأنها كوكب دري.. ) إلى آخر الآية، فالمشكاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله والمصباح الوصي، والأوصياءعليهمالسلام والزجاجة فاطمة، والشجرة المباركة رسول اللهصلىاللهعليهوآله والكوكب الدري القائم المنتظرعليهالسلام الذي يملأ الأرض عدلا ).(٢)
____________________
(١) سورة النور: آية ٣٥.
(٢) المحكم والمتشابه، ص ١١٢، عن تفسير النعماني.وعنه البحار، ج ٩٣ ص ٣. معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج ٥، ص ٢٧٤ - ٢٧٥. بحار الأنوار، ج٩٠ ص ٢١.
٢: أنَّهُ القوَّة وأصحابهُ الركن الشديد :في قوله تعالى: ( قالَ لو أنَّ لي بكم قوَّةً أو آوي الى ركنٍ شديد )(١) .- ( عن الإمام الصادق (ع) في قوله الله: قالَ لو أنَّ لي بكم قوَّةً أو آوي الى ركنٍ شديد: قال قوَّة القائم والركن الشديد: الثلاث مئة وثلاثة عشر أصحابه ).(٢)
٣: أنَّهُ بقيَّةُ الله :في قوله تعالى: ( بقية الله خير لكم كنتم مؤمنين )(٣) .
روى محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الدينوري عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ؟ قال: لا ذاك اسم سمى الله به أمير المؤمنينعليهالسلام ، لم يسم به أحد قبله ولا يتسمى به بعده إلا كافر، قلت جعلت فداك كيف يسلم عليه ؟ قال: يقولون: السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ: ( بقية الله خير لكم كنتم مؤمنين)(٤) .
٤: أنَّهُ السراط السوي :
في قوله تعالى: ( فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى )(٥) .
روى ( محمد بن العباس عن محمد بن همام عن محمد بن إسماعيل العلوي عن عيسى بن داود عن موسى بن جعفر عن أبيهعليهالسلام في قول الله عز وجل: ( فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ) قال: الصراط السوي هو القائمعليهالسلام ، والهدى من اهتدى إلى طاعته، ومثلها في كتاب الله عز وجل: ( و إني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى )(٦) قال: إلى ولايتنا )(٧) .
____________________
(١) سورة هود: آية ٨٠.
(٢) تفسير العياشي، ج٢ ص ١٥٦. تفسير القمي، ج١ص ٣٣٥. البحار ،ج ١٢ص١٥٨ وص١٧٠. اثبات الهداة، ج٣ ص ٥٥١.
(٣) سورة هود: آية ٨٧.
(٤) الكافي، ج١ ص ٤١١. تفسير فرات الكوفي، ص ١٩٣.
(٥) سورة طه :آية ٨٢.
(٦) سورة طه: آية ١٣٥.
(٧) كنز الفوائد: ١٦٢. بحار الأنوار، ج ٢٤، ص ١٥٠.
٥: وأنَّهُ يُسلِمُ لهُ من في السماوات والأرض :
في قولهِ تعالى: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرهاً )(١) .
(عن ابن بكير قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام عن قوله: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ) قال: أنزلت في القائمعليهالسلام إذا خرج ( أمرَ) باليهود و النصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الأرض وغربها، فعرض عليهم الاسلام فمن أسلم طوعا أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد الا وحد الله، قلت له: جعلت فداك ان الخلق أكثر من ذلك ؟ فقال: ان الله إذا أراد امرا قلل الكثير وكثر القليل )(٢) .٦: وأنهُ هو ( الغيب والآية )(٣) :
في قوله تعالى :(ال-م. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتّقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ).(٤)
في كمال الدين: (حدثنا علي بن أحمد بن موسي -رحمهالله - قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن أبي حمزة عن يحيى بن أبي القاسم قال: سألت الصادق جعفر بن محمدعليهماالسلام عن قول الله عزو جل: ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) فقال: المتقون شيعة عليعليهالسلام والغيب فهو الحجة الغائب. وشاهد ذلك قول الله عزو جل: ( ويقولون لولا انزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين )(٥) فأخبر عزو جل أن الآية هي الغيب، والغيب هو الحجة، وتصديق ذلك قول الله عزو جل: ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية )(٦) يعني حجة )(٧) .
____________________
(١) سورة آل عمران: آية ٨٣.
(٢) تفسير العياشي، ج ١، ص ١٨٣ - ١٨٤. البحار ج ١٣ ص١٨٨. اثبات الهداة ج ٧ ص ٩٦. البرهان ج ١ ص ٢٩٦. الصافي ج١ ص٢٧٦.
(٣) أي هو المصداق الأكمل للغيب، وآية من آيات الله الكبرى.
(٤) سورة البقرة: ١ - ٣.
(٥) سورة يونس: آية ٢٠.
(٦) سورة المؤمنون: آية ٥٠.
(٧) كمال الدين وتمام النعمة، ص ١٧ - ١٨.
وفي كمال الدين وتمام النعمة أيضاً:
( حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل -رحمهالله - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن غير واحد، عن داود ابن كثير الرقي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل: ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) قال: من أقر بقيام القائمعليهالسلام أنه حق )(١) .
٧: ومن بقيَّةِ أسمائهِ وأوصافه ونعوتهِ الشريفة :
أ: في جمالهِ وعدلهِ والرِّضى بخلافته :
- ( عن حذيفة بن اليمان، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: المهدي من ولدي وجهه كالقمر الدري اللون لون عربي الجسم جسم إسرائيلي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يرضى بخلافته أهل السماوات وأهل الأرض والطير في الجو يملك عشرين سنة )(٢) .
ب: في عددٍ من أوصافهِ وأسمائهِ وكراماتهِ :- ( عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جدهعليهمالسلام قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام - وهو على المنبر -: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون، مشرب بالحمرة، مبدح البطن(٣) عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين(٤) بظهره شامتان: شامة على لون جلده(٥) وشامة على شبه شامة النبيصلىاللهعليهوآله ، له اسمان: اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد وأما الذي يعلن فمحمد، إذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، و وضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، و أعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلا، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه الفرحة ( في قلبه ) وهو في قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم صلوات الله عليه )(٦) .
ج: في إشياق الجنَّة وحبِّ الله ورسولهُ للقائم المنجي:- (عن جابر بن عبد الله، عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم : الجنَّةُ تشتاقُ الى أربعةٍ من أهلي، قد أحبَّهم اللهُ وأمرني بحبّهم :عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي الذي يصلّي خلفهُ عيسى بن مريم )(٧) .
____________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة، ص ١٧.
(٢) بحار الأنوار، ج ٥١، ص ٩١.
(٣) مبدح البطن أي واسعه وعريضه - والبداح: المتسع من الأرض. والبدح - بالكسر -: الفضاء الواسع وامرأة بيدح أي بادن. والأبدح: الرجل الطويل ( السمين والعريض الجنين من الدواب ( القاموس).
(٤) مشاش: جمع المشاشة - بالضم - وهي رأس العظم الممكن المضغ.
(٥) الشامة علامة تخالف البدن الذي هي فيه اما باللون أو التورم، وهي الخال.
(٦) كمال الدين وتمام النعمة، ص ٦٥٣.
(٧) كشف اليقين، ص١١٧. كشف الغمة، ج١ص٥٢. المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي، ص٢٧٤.
د: في شجاعتهِ الإلهية وكرمهِ وعلمهِ وخُلُقِهِ:
- ( عن سليمان بن هلال قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن الحسين بن عليعليهمالسلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال له: يا أمير المؤمنين نبئنا بمهديكم هذا ؟ فقال: إذا درج الدارجون، وقل المؤمنون، وذهب المجلبون، فهناك، فقال: يا أمير المؤمنين عليك السلام ممن الرجل ؟ فقال: من بني هاشم من ذروة طود العرب وبحر مغيضها إذا وردت، ومجفو أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت لا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يحور إذا المؤمنون اكتنفت ولا ينكل إذا الكماة اصطرعت مشمر مغلولب طفر ضرغامة حصد مخدش ذكر سيف من سيوف الله رأس قثم نشق رأسه في باذخ السؤدد، وغارز مجده في أكرم المحتد، فلا يصرفنك عن تبعته صارف عارض ينوص إلى الفتنة كل مناص إن قال فشر قائل وإن سكت فذو دعاير.ثم رجع إلى صفة المهديعليهالسلام فقال: أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً وأوصلكم رحماً اللهم فاجعل بيعته خروجاً من الغمة واجمع به شمل الأمة فأنى جاز لك فاعزم ولا تنثن عنه إن وفقت له ولا تجيزن عنه إن هديت إليه هاه وأومأ بيده إلى صدره شوقاً إلى رؤيته )(١) .
ه-: أنَّه محبوب في عموم الخلائق :
- ( عن الإمام الصادق (ع) قال: المهدي محبوبٌ في الخلائق يُطفيء الله بهِ الفتنة الصمّاء )(٢) .
____________________
(١) الغيبة للنعماني، ص ٢١٢. اثبات الهداة، ج٣ ص ٥٣٧. بحار الأنوار، ج ٥١، ص ١١٥.
(٢) بشارة الإسلام، ص١٨٥.
ذكرت الكتب المقدّسة أوصافاً تدلُّ دلالةً مباشرة على رجل الله الموعود المنجي للعالم وفيا يلي نذكرُ جانباً منها، فيما يتعلَّقُ بعلمهِ و شدتهِ في الله وقوّته الربانية وجمالُ منجي العالم ظاهراً وباطناً، وكونه عبدُ الله المختار والمسدَّد بروحه. مراعين في ذلك الإختصار :
١: العلم الرباني لمنجي العالم
إنَّ ( معرفة منجي البشرية بجميع العلوم والقوانين والمصالح الإنسانية )(١) أمرٌ لابّدَّ منهُ، لكي يتمكَّن من إدارة العالم إدارةً ربانيةً بأكمل وأحسن صورة، لذا فقد طفحت الكتب المقدسة بذلك.في سفر أشعيا:
(٢) ويحل عليه روح الرب، وروح الحكمة والفهم، وروح المشورةوالقوة، روحالمعرفة ومخافة الرب.(٣) ولذته في مخافة الرب، لا يقضي بحسب مرأى عينيه، ولا بحسب مسمع اذنيه ).(٢)
____________________
(١) المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ص ٣٠ - ٣١.
(٢) سفر أشعيا ١١: ٢، ٣: ألأصل العبرى ،العهد القديم، ص٦٢٥.انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرات، ٢ ،٣، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. ( أهل البيت فى الكتاب المقدس ) ص١٢٣ - ١٢٧.
٢: شدة المنجي وقوّته الربانيّة
إنَّ ( وجوب قدرة المصلح العالمي )(١) نستطيع إدراكهُ بالوجدان، لكي يتسنّى له أن يحقَّ الحقَّ ويحييه ويميت الباطل ويدحضهُ، لذلكَ يُعزِّزهُ الله تبارك وتعالى بالإمداد الغيبي والخوف والرعب والملائكة والجن والمؤمنين.(٢) ويقوّي بذلك سلطانه ودولته الإلهية الكبرى :
في سفر أشعيا :( ٤ ويحكم بالانصاف لبائسي الارض، ويضرب الارض بقضيب فمه ،ويميت المنافق بنفخة شفتيه ).(٣)
وفي سفر الرؤيا :
( ١٢) و عيناهُ كلهيب نارٍ و على راسه تيجانٌ كثيرةٌ و لهُ اسمٌ مكتوبٌ ليسَ احد يعرفه الا هو (١٣) و هو متسربل بثوب مغموس بدم و يدعى اسمه كلمة الله. (١٤) والاجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزا ابيض ونقيا (١٥) و من فمه يخرجُ سيفٌ ماضٍ لكي يضرب به الامم و هو سيرعاهم بعصَاً من حديد و هو يدوس معصرة خمر سخط و غضب الله القادر على كل شيء. (١٦) وله على ثوبه و على فخذه اسم مكتوب ملك الملوك و رب الارباب. ( ١٧ ) و رايتُ ملاكاً واحداً واقفاً في الشمس فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلم اجتمعي الى عشاء الاله العظيم. (١٨) لكي تاكلي لحومَ ملوكٍ و لحومَ قوادٍ و لحومَ اقوياءٍ و لحومَ خيلٍ و الجالسين عليها و لحوم الكل حراً و عبداً صغيراً و كبيراً. (١٩) و رايت الوحش و ملوك الارض و اجنادهم مجتمعين ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس و مع جنده.
(٢٠) فقب ض على الوحش و النبي الكذاب معه الصانع قدامه الايات التي بها اضل الذين قبلوا سمة الوحش و الذين سجدوا لصورته و طرح الاثنان حيين الى بحيرة النار المتقدة بالكبريت. ( ٢١) و الباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه و جميع الطيور شبعت من لحومهم(٤) .
____________________
(١) المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ص ٣٢ - ٣٣.
(٢) انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص ٢٠١ وما بعدها.
(٣) سفر أشعيا ١١: ٤ :ألأصل العبرى ،العهد القديم، ص٦٢٥.انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرة: ٤، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. ( أهل البيت فى الكتاب المقدس ) ص١٢٣ - ١٢٧.
(٤) سفر الرؤيا ،١٩: ١٢ - ٢١ ،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٤١٥.
وفي سفر حبقوق النبيّ (ع ) :(٥) قدام وجهه يسيرُ الوباء ووراء قدميه الموت (٦) يقفُ فتهتزُّ الأرضُ، وينظرُ فترتعدُ الاممُ.تَتَحطَّمُ جبال الدهر و تنخسفُ تلالُ الأزَل، حيثٌ سارَ في قديم الزمن ( ٧ ) رايتُ البلاءَ في خيام كوش َ ولإضطرابَ في مساكن مديان ( ٨ ) أعَلى الانهار يتَّحدُ غَضَبُك ؟.(١) ٣: جمالُ منجي العالم ظاهراً وباطناً. فأما جمالهُ الظاهري فهو أكملُ الناس خَلقاً وخُلُقاً ومنطقاً فيتجلّى فيه نورُ الله للخلق كافةً، وأما الباطني فهو معصومٌ(٢) لايتسرَّبُ اليه الرجسُ بكلّ أبعاده ولو حتى يسير الشكّ منهُ، لذا فهو ورقةٌ بيضاء لم يُكتب فيها سوى اسم الله تباركَ وتعالى. في سفر حبقوق النبيّ : (٤ يجيءُ كلمعان البرق ومن يده يسطعُ النورُ وفيها تستترُ عزَّتُهُ. )(٣) .٤: عبدُ الله المختار والمسدَّد بروحه فقد جاءَ هذا، وجملةٌ من أوصافه الشريفة المهمة في سفر أشعيا النبيّ (ع) : (١)هوَ ذا عبدي الذي أَعضدهُ، مختاري الذي سُرَّت به نفسي! وَضَعتُ روحي عليه، فيخرج الحق للامم(٢) لا يَصيحُ و لا يَرفعُ(٤) و لا يُسمَعُ في الشارع صوتَهُ (٣) قصبة مرضوضة لا يقصف و فتيلة خامدة لا يطفئ الى الامان يخرج الحق (٤) لا يكل و لا ينكسر حتى يضع الحق في الارض و تنتظر الجزائر شريعته (٥) هكذا يقول الله الرب خالق السماوات و ناشرها باسط الارض و نتائجها معطي الشعب عليها نسمة و الساكنين فيها روحا (٦) انا الرب قد دعوتك بالبر فامسك بيدك واحفظك و اجعلك عهدا للشعب و نورا للامم (٧) لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس الماسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة (٨) انا الرب هذا اسمي و مجدي لا اعطيه لاخر و لا تسبيحي للمنحوتات (٩) هوذا الاوليات قد اتت و الحديثات انا مخبر بها قبل ان تنبت اعلمكم بها (١٠) غنوا للرب اغنية جديدة تسبيحه من اقصى الارض ايها المنحدرون في البحر و ملؤه و الجزائر و سكانها (١١) لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا(١٢) ليعطوا الرب مجدا و يخبروا بتسبيحه في الجزائر (١٣) الرب كالجبار يخرج كرجل حروب ينهض غيرته يهتف و يصرخ و يقوى على اعدائه (١٤) قد صمت منذ الدهر سكت تجلدت كالوالدة اصيح انفخ و انخر معا (١٥) اخرب الجبال و الاكام و اجفف كل عشبها و اجعل الانهار يبسا و انشف الاجام (١٦) واسير العمي في طريق لم يعرفوها في مسالك لم يدروها امشيهم اجعل الظلمة امامهم نورا و المعوجات مستقيمة هذه الامور افعلها و لا اتركهم (١٧) قد ارتدوا الى الوراء يخزى خزيا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات انتن الهتنا (١٨) اي ها الصم اسمعوا ايها العمي انظروا لتبصروا (١٩) من هو اعمى الا عبدي و اصم كرسولي الذي ارسله من هو اعمى كالكامل و اعمى كعبد الرب (٢٠) ناظر كثيرا و لا تلاحظ مفتوح الاذنين و لا يسمع( ٢١) الرب قد سر من اجل بره يعظم الشريعة و يكرمها (٢٢) و لكنه شعب منهوب و مسلوب قد اصطيد في الحفر كله و في بيوت الحبوس اختباوا صاروا نهبا و لا منقذ و سلبا و ليس من يقول رد (٢٣) من من كم يسمع هذا يصغى و يسمع لما بعد (٢٤ ) من دفع يعقوب الى السلب و اسرائيل الى الناهبين اليس الرب الذي اخطانا اليه و لم يشاءوا ان يسلكوا في طرقه و لم يسمعوا لشريعته (٢٥) فسكب عليه حمو غضبه و شدة الحرب فاوقدته من كل ناحية و لم يعرف و احرقته و لم يضع في قلبه.(٥)
____________________
(١) سفر حبقوق، ٣: ٥ - ٨،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص ١٢٢٤. انظر: العهد القديم، سفر حبقوق النبيّ، الإصحاح ٣، الفقرات، ٥، ٨، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. مع بعض الفروقات في الترجمة. (٢) المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ترجمة السيد هادي السليماني، ص ٣٤-٣٥، موضوع: عصمة منقذ البشرية. (٣) سفر حبقوق، ٣: ٤ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس ،ص ١٢٢٤. انظر: العهد القديم، سفر حبقوق النبيّ، الإصحاح ٣، الفقرة، ٤، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. (٤) كلمة (صوتهُ ) سقطت من هذا المصدر، وهي مثبةٌ في غيره.
(٥) سفر إشعياء، الإصحاح ٤٢، الفقرة :١ - ٢٥، العهد القديم، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر أشعيا ٤٢: ١ - ٢٥ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٦١. مع فرقٍ يسير بين الترجمات.
أولاً :حكم منجي العالم بالعدل والإنصاف
ثانياً: إنتقام المصلح الأعظم من الظالمين
ثالثاً :حلول السلام في عهد منجي العالم
رابعاً:سموّ المعارف في عهد منجي العالم
خامساً: الحكومة العالمية الواحدة :
- النواةُ الأُولى للدولة العالمية
- جمعُ الإرث الإلهي في الدولة العالمية وتوحيده
- الدولةُ العالمية والإرث الإلهي في القرآن والعهدين
إنَّ للحكومة الالهيَّة المقدَّسة ودولة العدل الإلهي المباركة المنتظرة في آخر الزمان ذكراً جميلاً واسعاً ووصفاً مميَّزاً يليق بها وبما ادَّخرهُ الله لها باعتبارها واحدة من غايات الكمال المنشودة التي يصلُ اليها البشر بلطفهِ ومنِّهِ وفضله تعالى وببركة وليّهِ وحبيبهِ الموعود والمعهود، ونذكرُ منها على نحو الإختصار :
١: في القرآن الكريمعن الباقر (ع):
في قوله تعالى: ( اعلموا أنَّ اللهَ يُحي الأرضَ بعدَ موتها )(١) ، قال: يحييها اللهُ بالقائم فيعدل فيها، فيحيي الأرض بالعدل بعدَ موتها بالظلم.(٢)
وعن الإمام الباقر (ع): في قوله تعالى: ( الذين إن مكَّنّاهم في الأرض.)(٣) ، قال: نزلت في المهدي وأصحابه. ويظهر الله بهم الدين حتى لايرى أثر من الظلم والبدع.).(٤)
وعن الإمام الرضا (ع): ( فإذا خرجَ (ع). ووضعَ ميزان العدلِ بين الناسِ فلا يظلمُ أحدٌ أحداً ).(٥)
وروى علي بن عقبة عن ابي عبد الله(ع) قال:
« اذا قام القائم(ع) حكم بالعدل وارتفع في ايامه الجور، وأمنت به السبل،واخرجت الارض بركاتها، ورد كل حق الى اهله، ولم يبق اهل دين حتى يظهروا الاسلام ويعترفوا بالايمان، اما سمعت الله عزوجل يقول: (وله اسلم من فيالسموات والارض طوعاً وكرها واليه يرجعون)(٦) ، وحكم في الناس بحكم داودوحكم محمد صلّى الله عليهما فيحنئذٍ تظهر الارض كنوزها وتبدي بركاتها، فلايجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا لبرّة، لشمول الغنى جميع المؤمنين.
ثم قال: إن دولتنا آخر الدول، ولم يبق اهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا اذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزوجل:( والعاقبة للمتقين).(٧)
____________________
(١) سورة الحديد: ١٧.
(٢) كمال الدين، ص ٦٦٨. المحجة، ص ٤٢٩. نور الثقلين، ج٥ ص ٢٤٢. ينابيع المودة، ص ٤٢٩. بحار الأنوار، ج ٥١، ص ٥٤. للمزيد انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي(ع)، ص ٢٠٢ وما بعدها.
(٣) سورة الحج: آية ٤١.
(٤) تفسير القمي: ج٢ ص ٨٧. المحجة، ص ١٤٣. إحقاق الحق، ج١٣، ص ٣٤١.
(٥) كمال الدين، ص ٣٧٢. كفاية الأثر، ص٢٧٠. اعلام الورى، ص ٤٠٨. بحار الأنوار، ج ٥٢ ص٣٢١. غاية المرام، ص ٦٩٦.
(٦) آل عمران: ٨٣.
(٧) كشف الغمه: ج٢ص٩٦٦. الإرشاد، ص ٣٦٤. روضة الواعظين، ج٢ ص٢٦٥. إعلام الورى، ص٤٣٢.
٢: في العهدين :ورد التأكيد على هذا المعنى في (سفر زكريا):
( ابتهجي كثيراً يا بنت صهيون هو ذا ملك سيأتي اليك عادل ومنصور ).(١)
وجاء في سفر اشعيا :( ٣ ولذته في مخافة الرب، لا يقضي بحسب مرأى عينيه، ولا بحسب مسمعاذنيه. ٤ ويحكم بالانصاف لبائسي الارض، ويضرب الارض بقضيب فمه ،
ويميتالمنافق بنفخة شفتيه ).(٢)
وقد بشّر إشعيا (ع) بعدله وملكه وكذلك بعموم الرجعة التي تبدأ به وبمن يأتي خلفه من أولياء الله عزّ وجلّ وكما يلي :( ١ سيأتي ملكٌ يملك بالحقّ، وحكّامٌ يحكمون بالعدل ٢ ويكون كلّ واحد كمخبأ من الريح وكسدٍّ يقي من السيل، كسواقي ماءٍ في أرض قاحلة وكظلّ صخر عظيم في قفر ٣ فلا تنكسف عيون الناظرين، وآذان السامعين تصغي ٤ قلوب المتسرّعين تلزم الرّصانة، وألسنة المتلعثمين تنطلق بفصاحة.(٣)
وجاء في سفر الرؤيا :
( ١١ثم رايتُ السماءَ مفتوحةٌ و اذا فرسٌ ابيضٌ و الجالسُ عليه يُدعى اميناً و صادقاً و بالعدل يحكم و يحارب ).(٤)
____________________
(١) سفر زكريا ٩: ٩، ألأصل العبرى، العهد القديم، ص١٣٤. العهد القديم، سفر زكريا، الإصحاح ٩، الفقرة ٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر: حيث جاء النص كالآتي:
( ٩ ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت اورشليم هوذا ملكك ياتي اليك هو عادل و منصور وديع. ) الخ..للإطلاع على النصين العبري والعربي، انظر: (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص١٢٢- ١٢٣. وللوقوف على جمال النص وتمامه، انظر: سفر زكريا٩:٩، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص١٢٣٩. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
(٢) سفر أشعيا ١١ :٣، ٤ :ألأصل العبرى ،العهد القديم، ص٦٢٥.انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرات، ٣، ٤، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. ( أهل البيت فى الكتاب المقدس ) ص١٢٣ - ١٢٧. سفر أشعيا ١١: ٣، ٤ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢٤. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
(٣) سفر أشعيا ٣٢ :١ - ٤، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٤٦.انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٣٢، الفقرات، ١ - ٤، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر.
(٤) سفر الرؤيا ،١٩: ١١،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٤١٥.
١: في القرآن الكريم والروايات الشريفة
هو المنتصر من الظالمين، في قوله تعالى: ( ولَمَن انتصرَ بعدَ ظُلمهِ )(١) .
أ: (عن جابر، عن أبي جعفر (ع) في قولهِ: ولَمَن انتصرَ بعدَ ظُلمهِ: قال: القائم وأصحابه، قال الله: فأُولئكَ ما عليهم من سبيل: القائم إذا قامَ انتصرَ من بني أُميَّة والمكذبين والنصاب وهو قولهُ: إنَّما السبيل على الَّذين يظلمون الناسَ ويبغونَ في الأرض بغير الحقِّ )(٢) .
ب: وهو وعدُ الآخرة لليهود ،في قوله تعالى: ( إنْ أحسنتم أحسنتم لانفسكم وان أسأتم فلها فاذا جاء وعدُ الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرّة )(٣) .حيث جاء في تفسير القمي: ( إنْ أحسنتم أحسنتم لانفسكم وان أسأتم فلها فاذا جاء وعدُ الآخرة: يعني القائم صلوات الله عليه وأصحابه )(٤) .ج: وهو وأصحابهُ المظلومون الذين ينصرهم الله تعالى النصرَ الموعود على الظالمين، وذلك في قوله تعالى: ( أُ ذنَ للذين يُقاتلونَ بِأنَّهم ظُلِموا وإنَّ الله على نصرهم لقديرٌ)(٥) .
- ( عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عزَّ وجلَّ: أُ ذنَ للذين يُقاتلونَ بِأنَّهم ظُلِموا وإنَّ الله على نصرهم لقديرٌ: قال: هي في القائم (ع) وأصحابه)(٦) .
____________________
(١) سورة الشورى: آية ٤١.
(٢) تفسير فرات الكوفي، ص ١٥٠. ومثله في تفسير القمي ،ج٢ ص٢٧٨، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر(ع). تأويل الآيات، ج٢ ص ٥٤٩.
(٣) سورة الإسراء: آية ٧.
(٤) تفسير القمي، ج٢ ص١٤.وعنهُ البرهان، ج٢ص٤٠٩. والبحار، ج٥١ ص٤٥.
(٥) سورة الحج: آية ٣٩.
(٦) الغيبة للنعماني، ٢٤١. وعنه البحار، ج٥١ ص ٥٨. والمحجة، ١٤٢.
٢: في العهدين
ارميا يبشّر بانتقام المصلح من أعداء الله :
فقد جاء في (سفر ارميا): ان التوراة قد اخبرت بانتقام صاحب الزمان (عج) من قتلة الحسين سيد الشهداءعليهالسلام ، حيث قالت :
«. يقول الرب.
٦ الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. م-ن هذا الصاعد كالنيل، كانهار تتلاطم امواجه-ا. »الى ان تقول :
« ١٠ فهذا اليوم للسيد ربّ الجنود يوم نقمة، للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم ».
ثم تذكر التوراة ان السبب في هذا الانتقام من الاعداء هو ما يلي: «ان للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في ارض الشمال عند نهر الفرات»(١)
وممن ذكر هذا النص أيضاً كأحد ادلّة التوراة على خروج صاحب الزمان، وقتل اعداء الله صاحب كتاب (البحث عن الحقيقة) ص ٤٩ باللغة الانجليزية(٢) ، ولأهمية هذا النص لذا سنورد فقراته مع شيء من التحليل في موضوع ( قواعد و متبنّيات ثورة المنجي في العهدين ).
وجاء في سفر زكريا :في باب الملك العتيد، في بشارته بالمخلّص الوديع والعادل عن طريق الوحي وكيفيّة نُصرة الله لهُ :
(.سأقضي على مركبات الحرب في أفرايم َ، والخيل وأقواس القتال في أورشليم،. ).(٣)
____________________
(١) سفر ارميا ٤٦: ٦، ١٠، العهد القديم.الكتاب المقدس باللغة العربية، العهد القديم، سفر ارميا تحت رقم ٢٨، الإصحاح ٤٦: الفقرات ٦، ١٠، مصر. الكتاب المقدس تحت المجهر: ص١٥٥. سفر إرميا ٤٦: ٦، ١٠، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ١٠٦٠. مع فرقٍ يسير بين عبارات المترجمين.
(٢) الكتاب المقدس تحت المجهر: ص١٥٥ بإيجاز وتصرف.
(٣) سفر زكريا ٩: ٩، ألأصل العبرى، العهد القديم، ص١٣٤. العهد القديم، سفر زكريا، الإصحاح ٩، الفقرة ٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. وللوقوف على جمال النص وتمامه، انظر: سفر زكريا٩:٩،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ١٢٣٩. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
١: في القرآن الكريم والروايات الشريفة
أ: اتمام النور وإنتهاء الظلم بالقائم :في قوله تعالى: ( يريدونَ ليطفئوا نورَ اللهِ بأفواههم والله متمُّ نورهِ )(١) ؟ قال: بالقائم من آل محمدعليهمالسلام حتى إذا خرج يظهره الله على الدين كله حتى لآيُعبَدُ غيرُ الله، وهو قولهُصلىاللهعليهوآلهوسلم : يملأُ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٢) .ب: بخروجه تضع الحرب أوزارها:في قوله تعالى: ( حتى تضع الحرب أوزارها )(٣) .
جاء في كتاب الكافي :( علي، عن أبيه والقاساني جميعاً، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن فضيل بن عياض، عن أبي عبد الله، عن أبيهعليهماالسلام قال: بعث الله محمداًصلىاللهعليهوآله بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها، ولن تضيع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها(٤) ، فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم، فيؤمئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً )(٥) .وفي سنن البيهقي :( أخبرنا ) أبو عبد الله الحافظ، أخبرني عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله عز وجل: حتى تضع الحرب أوزارها: وذلك في زمن ظهور المهدي(ع)(٦) .
____________________
(١) سورة الصف: آية ٨.
(٢) تفسير القمي، ج٢ ص ٣٦٥. البحا، ج ٥١ ص ٤٩.ونحو ذلك في الكافي، ج١ص ٤٣٢.
(٣) سورة محمد: آية ٤.
(٤) كنايةٌ عن ظهور منجي العالم.
(٥) بحار الأنوار، ج ٦، ص ٣١٢ - ٣١٣، عن الكافي.
(٦) سنن البيهقي، ج ٩ ص ١٨٠. بايجاز وتصرف. معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج ٥، ص١٤٩.
ج: وفي عصره يعمُّ السلام والإسلام :وذلك في قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ).(١) وفي الدر المنثور، وقال: وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن جابررضياللهعنه في قوله: ليظهره على الدين كله: قال: لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ( ولا ) صاحب ملة إلا الاسلام، حتى تأمن الشاة الذئب، والبقرة الأسد، والانسان الحية، وحتى لا تقرض فأرة جرابا وحتى توضع الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير وذلك إذا نزل عيسى بن مريمعليهالسلام )(٢) .
٢: في العهدينجاء في سفر أشعيا :
( ٦ ويسكن الذئب والخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل الشبلمعاً، وصبي صغير يسوقها.
٨ ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على جحر الافعوان.
٩ لا يسيئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي، لان الارض تمتليء من معرفة الرب، كما تغطي المياه البحر ).(٣)
وجاء في سفر زكريا، في باب الملك العتيد، في بشارته بالمخلّص العادل والمنصور:
ها مَلكُك يأتيك عدلاً ومخلّصاً وديعاً.الى أن يقول :فيتكلّم مَلكُك بالسَّلام للأُمم، ويكون سلطانهُ من البحر الى البحرومنَ النهر الى أقاصي الأرض.(٤)
____________________
(١) سورة الصف: ألآية ٩.
(٢) الدر المنثور، ج ٣ ص ٢٣١. معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج ٥، ص ١٤٩.
(٣) سفر أشعيا ١١ :٦، ٨، ٩ :ألأصل العبرى، العهد القديم، ص٦٢٥.العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرات، ٦، ٨، ٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. ( أهل البيت فى الكتاب المقدس ): ص١٢٣ - ١٢٧. سفر أشعيا ١١: ٦، ٨، ٩، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢٤. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
(٤) سفر زكريا ٩: ٩، ألأصل العبرى، العهد القديم، ص١٣٤. العهد القديم، سفر زكريا، الإصحاح ٩، الفقرة ٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. للإطلاع على النصين العبري والعربي، انظر: (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص١٢٢- ١٢٣. وللوقوف على جمال النص وتمامه، انظر: سفر زكريا٩:٩،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص١٢٣٩. مع فرقٍ يسير بين الترجمات.
١: في القرآن الكريم والروايات الشريفة
إنَّ في القرآن الكريم والروايات الشريفة المباركة مايقطعُ الشكَّ باليقين في مجال علم النبيّ الأكرم والأئمَّةِ من آلهِ الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) وبضمنهم خاتم الأوصياء والأئمة (منجي العالم ) وأن عندهم جميع علوم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله، وأنَّهُ لا تبقى الأرض بغير عالم منهم، وأن عندهم كتب الأنبياء يقرؤونها على اختلاف لغاتها، وأنهم أعلم من الأنبياء السابقين (ع)، وأنَّهم يفيضون ذلك العلم الربَّاني على جميع العباد، وخاصَّةً في آخر الزمان فيكملون بهِ علوم وحلوم البشر.الخ(١) ، وقد عقدَ الكثيرُ من العلماء أبواباً مهمَّةً بهذا الصدد. وفي مايلي بعض الأدلَّةِ والشواهدٌ على صدقِ هذا المدّعى :أ: في قوله تعالى: ( ورحمتي وسعت كل شئ)(٢) .
(.عن أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام . قلت: قوله: ( إلا من رحم ربك ) ؟ قال: هم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله: ( ولذلك خلقهم ) يقول: لطاعة الامام، الرحمة التي يقول :( ورحمتي وسعت كل شئ ) يقول: علم الإمام ووسع علمه الذي هو من علمه كل شئ هم شيعتنا، ثم قال: ( فسأكتبها للذين يتقون )(٣) يعني ولاية غير الامام وطاعته، ثم قال: ( يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل) يعني النبيصلىاللهعليهوآله والوصي والقائم ( يأمرهم بالمعروف) - إذا قام - (وينهاهم عن المنكر.)(٤) .
____________________
(١) مستدرك سفينة البحار، ج ٦، ص ١٩٩ - ٢٠٠. بحار الأنوار، ج ٢٦ - ص ١٥٩.
(٢) سورة الأعراف: آية ١٥٦.
(٣) سورة الأعراف: آية ١٥٥.
(٤) الكافي، ج ١، ص ٤٢٩.
ب: في قوله تعالى: ( تُؤتي اكلها كلَّ حين ٍبإذن ربها )(١) .
في بصائر الدرجات: إبراهيم بن هاشم عن عمرو بن عثمان الخزاز عن عبد الرحمان بن حماد عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله تعالى: ( أصلها ثابت وفرعها في السماء )(٢) فقال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله جذرها وأمير المؤمنينعليهالسلام ذروها وفاطمةعليهاالسلام فرعها، والأئمة من ذريتها أغصانها، وعلم الأئمة ثمرها، وشيعتهم ورقها، فهل ترى فيهم فضلاً ؟ فقلت: لا، فقال: والله إن المؤمن ليموت فتسقط ورقة من تلك الشجرة، وإنه ليولد فتورق ورقة فيها، فقلت: قوله: ( تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها ) فقال: ما يخرج إلى الناس من علم الإمام في كل حين يسأل عنه(٣) .ج: في قوله تعالى: ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(٤) .
في معاني الأخبار: أحمد بن يحيى المكتب عن أحمد بن محمد الوراق عن علي بن هارون الحميري عن علي بن محمد بن سليمان عن أبيه عن علي بن يقطين عن موسى بن جعفرعليهالسلام قال: والله أوتينا ما أوتي سليمان وما يؤت سليمان وما لم يؤت أحد من العالمين قال الله عز وجل في قصة سليمان: ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)(٥) ، وقال في قصة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).(٦)
بيان: أي كما أنه تعالى فوض إلى سليمان العطاء من المال والمنع منه وأمر الخلق بتسليم ذلك له أعطى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل من ذلك فقال: ما آتاكم الرسول من المال والعلم والحكم والامر فخذوا به وارضوا، وما نهاكم عنه من جميع ذلك فانتهوا فهذا أعظم من ذلك، وقد صرح بذلك في كثير من الاخبار.(٧)
____________________
(١) سورة ابراهيم: آية ٢٥.
(٢) سورة ابراهيم: آية ٢٤.
(٣) بصائر الدرجات: ص١٨. بحار الأنوار، ج ٢٤، ص ١٤٠ - ١٤١.تفسير فرات: ٧٩ و ٨٠، فيه: النبيصلىاللهعليهوآله جذرها، وأمير المؤمنين فرعها، والأئمةعليهمالسلام من ذريتهما أغصانها.كمال الدين: ١٩٧ و ١٩٨، وفي كمال الدين وتمام النعمة، ص٣٤٥: (. قلت: قوله عز وجل: ( تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ) قال: ما يخرج من علم الإمام إليكم في كل سنة من حج وعمرة ). تفسير العياشي، ج ٢، ص٢٢٤.
(٤) سورة الحشر: آية ٧.
(٥) سورة ص: آية ٣٩.
(٦) معاني الأخبار، ص٣٥٣.
(٧) بحار الأنوار، ج ٢٦ - ص ١٥٩.
د: في قول أمير المؤمنين (ع): (أُوتينا فصلَ الخطاب).
وهو في علم الإمام باللغات: أبو الصلت الهروي: كان الرضاعليهالسلام يكلم الناس بلغاتهم، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة، فقلت له يوما: يا بن رسول الله، إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها ؟ فقال: يا أبا الصلت، أنا حجة الله على خلقه، وما كان الله ليتخذ حجة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم، أوما بلغك قول أمير المؤمنينعليهالسلام : (أوتينا فصل الخطاب)، فهل فصل الخطاب إلا معرفة اللغات ؟.(١)
ه-: أنَّ فيهم روح القدس:( الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره، فقال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبيصلىاللهعليهوآله خمسة أرواح: روح الحياة فبه دب ودرج، وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة، فإذا قبض النبيصلىاللهعليهوآله انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به )(٢) .
____________________
(١) بحار الأنوار، ج٦٠، ص١٨٦،ح ١٧. عيون أخبار الرضا (ع): ج٢، ص ٢٢٨، ح ٣. ميزان الحكمة، ج ١، ص ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) شرح أصول الكافي، ج ٦، ص ٧٢ - ٧٣.
وعلى ماتقدَّم وهو غيضٌ من فيض، فانَّ التطوّر الثقافي والأخلاقي والعلمي والصناعي وفي مختلف الميادين سيكون هو السمةَ البارزةَ في عصرمنجي العالم الموعود(١) وهو أمرٌ ضروري لمن يستطيع أن يديرَ العالم بأسرهِ إدارةً الهيَّةً حَقَّةً لاظلمَ ولاجورَ فيها وذلك بتسديد ومباركة الله عزَّ وجلَّ، لذلكَ ففي عصره تكتملُ العلومُ والحلوم وذلك لأنَّ منجي العالم هو مصدرُ إفاضتها على الخلق، وكثيراً ماوردَ ذلك في الكتب المقدسة وبذلك جاءت الأخبار الشريفة المباركة وفيها ملا نستطيع الوقوف عليه في هذا البحث، ولكن نشيرُ اليها بالإجمال والإختصار :
فقد وردَ عن موسى بن عمر عن ابن محبوب عن صالح بن حمزة عن أبان عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: ( العلمُ سبعةٌ وعشرون حرفاص فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أهل البيت أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثَّها في الناس وضَمَّ اليها الحرفين حتى يبثُّها سبعةٌ وعشرين حرفاً ).(٢)
وعن أبي جعفر (ع): ( إذا قام قائمنا وضعَ يَدَهُ على رؤوس العباد فَجَمَعَ بهِ عقولهم وأكملَ به أحلامَهُم ).(٣)
____________________
(١) للمزيد انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص٢١٥ - ٢٢٧.
(٢) مختصر بصائر الدرجات، ص ١١٧. الخرائج والجرائح، ج ٢ ص ٨٤١. بحار الأنوار، ج ٥٢، ص٣٣٦. وانظر: الطُّورُ المهدوي، ص٣٢٩. جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص٢١٥ - ٢٢٧.
(٣) الكافي، ج ١، ص ٢٥. الخرائج والجرائح، ج ٢، ص ٨٤٠. كمال الدين وتمام النعمة، ج ٢، ص ٦٧٥.
٢: في العهدين
في سفر أشعيا (ع):
( ٩ لا يسيئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي، لانَّ الارضَ تمتليءُ من معرفةِ الرب، كما تغطي المياه البحر ).(١)
وعدمُ الإساءة والإفساد، والإمتلاء من معرفة الربِّ سبحانهُ وتعالى كُلُّها إشاراتٌ واضحةٌ لذلكَ التطوّر العلمي والأخلاقي المشار اليه.
وهو مشروعٌ إنسانيٌّ ذو جذورٍ عميقة وموغلة في القدم(٢) ، ولطالما حَلمَ به العلماءُ والفلاسفةُ والمفكرون على مدى مسيرة الحياة الطويلة، وقبل ذلك كلّه فهو مشروعٌ ربّانيٌّ حتميٌّ قد بشَّرَ به جميعُ الأنبياءعليهمالسلام وكلُّ الكتب السماوية المقدَّسة ويطلقُ عليه عند الربانيين ب- (دولة العدل الإلهي ) في آخر الزمان. والمصدر الأول والأخير لهذه الفكرة هو الله عزَّ وجلَّ، وهو مُشَرّع الحكومة العالمية الواحدة.(٣) ومن بين العلماء والفلاسفة الغربيين الذين نادوا وبشّروا ب- (الحكومة العالمية الواحدة ): الفيلسوف اليونانيّ زيو (٣٥٠) قبل الميلاد، والمؤرّخ اليونانيّ بلوتاك (٤٦ - ١٢٠ ) ميلادية، وولتر ليمبيس في كتابه: ( الفلسفة الإجتماعية )، ص٢١٣.ويقول الفيلسوف الكبير ( برتراند رسل ) في كتابه ( الآمال الجديدة ): (. وربما يستطيع المجتمع الإنساني - بما لديه من تجاربٍ مرة - أن يتعلَّم شيئاً جديداً من كلّ تلك الأحزان، إذا لم يُصَب بلوثة عقليّة وجنون، ولكن هناك الكثيرين الذين يحتفظون بعقولهم سليمةً وآمالهم إيجابيةً. وعلى هذا فطالما كان هناك مفكرون وقادة سياسيون وعسكريون ؛ فانَّ الأمل في حكومة عالمية واحدة،يبقى يراودُ تلك العقول والقلوب).(٤)
____________________
(١) سفر أشعيا ١١ :٩ :ألأصل العبرى، العهد القديم، ص٦٢٥.العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ١١، الفقرة ٩، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. ( أهل البيت فى الكتاب المقدس ): ص١٢٣ - ١٢٧. سفر أشعيا ١١: ٩، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢٤. مع فرقٍ يسير بين الترجمات.
(٢) للمزيد من الإطلاع، انظر: الطُّورُ المهدوي، ص١٥٦ - ١٧٣، تحت عنوان: الحكومة العالمية والقائد الموعود.
(٣) انظر: المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ص ٢٠ - ٢٣، بايجاز وتصرف.
(٤) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ٢١٣ - ٢١٤، بايجاز وتصرف يسير.
ومن البديهي أنَّ الحكومة العالمية الواحدة العادلة المرجوَّة والتي أشاروا اليها؛ إنّما تستلزمُ مجيء قائد رباني عظيم، للقيام بهذه المهمة الكبرى، وهذا ما صرَّح به وأشار اليه مبشّراً، الفيلسوف ( نيتشه ) إذ يقول: ( من الممكن أن يستطيع أُولئك الذين يحسنون الإدراك أن يكونوا مبشّرين لفردٍ - ونحنُ لسنا سبيلاً للوصول الى حلقة سُلَّمه - ويمهّدون الطريق لظهوره ).(١)
وتسمى هذه الدولة العالمية الكبرى الناتجة عن ذلك في الأخبار الشريفة الواردة عن النبيّ الأعظم محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليه أجمعين ب- ( دولة الدول، والدولة البيضاء، والدولة الزهراء. ).(٢) ويوجد هناك عدد غير قليلٍ من العلماء والكتّاب الغربيين الذين تعرَّضوا لذكر وسيرة الإمام الغائب(٣) ، ومن بينهم نوستر اداموس في تنبُّؤاته(٤) ، وللوقوف على أسماء ومؤلفات عددٍ منهم يراجع كتاب: موسوعة العتبات المقدَّسة(٥) ، حيث جاء فيه أيضاً: الإمام المهدي المنتظر: لقد كتب عن الإمام المهدي أبي القاسم (ع) عدد غير يسير من كتّاب الغرب، لاسيما عند البحث عن المهدي والمهدوية بوجهٍ عام.الخ )، ويورد الكتاب أسماء عدد من كتاب الغرب الذين تطرَّقوا لسيرة الإمام الغائب (ع).(٦)
النواةُ الأُولى للدولة العالمية:تعتبرُ النواة الأُولى لدولة منجي العالم هي: ( الأُمَّةُ البارَّةُ حافظةُ الأمانة )، وهذا ماركّزت عليه ( التوراة )، وحثَّت وأمرت باستقبال تلك الأُمة والإذن لها بالدخول ؛ حيث قالت: ( إفتحوا الأبواب لتدخلَ الأُمَّةُ البارَّةُ حافظةُ الأمانة ).(٧)
____________________
(١) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ٢١٤، بايجاز وتصرف.
(٢) انظر: الزام الناصب :ج١ ص٤٨٢ و ص٤٨٦. ط أُخرى ج ١ ص ٤٣٠. والحاشية على أُصول الكافي، رفيع الدين محمد بن حيدر، ص٥٩٠. والبحار، ج٥٢ ص٣٥٥، وج ٢٦ ص ١٤٨. للمزيد انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص ٢٠١ - ٢٠٣.
(٣) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ٢٥٢، بايجاز وتصرف. والغائب: هو الإمام المهديعليهالسلام عند المسلمين وهو المنجي والمخلّص عندهم.
(٤) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ٢٢٨ - ٢٤٧، في موضوع المهدي المنتظر في تنبّؤات نوستر اداموس.
(٥) موسوعة العتبات المقدَّسة، الجزء الثاني عشر، قسم سامراء ص٦، ( بحثٌ حول سامرا قديماً )، كتبهُ الدكتور مصطفى جواد: سامرّا اسمٌ آراميّ. الخ.
(٦) نفس المصدر، ص٢٧٦. انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خرافة،ص ٢٥٢ وما بعدها. بايجاز.
(٧) سفر أشعيا٢٦: ٢ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٣٨.العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٢٦، الفقرة، ٢، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. مع إختلاف في الألفاظ. وانظر في: مزمور ١٠١: ٦ (أُمناء الأرض ). وأشعيا ٣٠: ١٨ (منتظروا الربّ ). ومزمور ٤٧: ٩ - ١٠ ( شعبُ إله إبراهيم ). ومزمور ١١١: ٦ ( شعبُ الله ). الخ. انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ١٤٢ - ١٤٣.
وهذه الأمة المبشّر بها، همُ القلّةُ المظلومة بجميع أنواع الظلم !، كما وصفتهم التوراة بقولها: ( شعبٌ منهوبٌ مسلوبٌ، أُوقعَ بهمَ في الحفر، وخُبّئوا كُلُّهم في الحبوس، يُنهبون وما من مُنقذٍ، ويُسلبونَ ولا يُرَدُّ سَلبُهُم ).(١) أو قُل بحسب المصطلحات الحديثة: أُمَّةٌ مستعمرةٌ لازالَ يمتصُّ خيراتها المستكبرون العالميون، وقد خطَّطوا لها خُطَطاً ومكائدَ غادرةً فَأَوقعوها في فخِّهم، وزُجُّوا كلُّهم في السجون حتى ربما غَدى بلداً بأكمله سجناً كبيراً لأهلهِ وهم يعذَّبونَ فيه آناءَ الليلِ والنهار، ويجري كُلُّ ذلك بمرءً ومسمعٍ من كُلِّ الدنيا ولاأحدَ يقول لِمَ وعلامَ؟، فضلاً عن أن يُحقَّ حقّاً أو يُبطلَ باطلاً.(٢) وعلى ما مرَّ من بيان، فمن تكونُ هذه الأُمةُ التي وُصفت بالبرِّ وحفظ الأمانة الإلهية المقدَّسة ؟. ولقد بشَّرت الكتب المقدَّسة أعداء هذه الأُمة المذكورة بالقصاص منهم في الدنيا والآخرة وهدَّدتهم تهديداً مرعباً.(٣)
أنَّ منجي العلم باعتباره الوارث الشرعي والقانوني، لكلِّ الأنبياء والرسل عليهم الصلاةُ السلام، لذا فهو وعبرَ المعونةِ الالهية سيأتي بكُلِّ مواريث الأنبياء بما فيها التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء والقرآن الكريم بخطِّ الأنبياء وأوصيائهم الصدّيقين وتواقيعهم وتفاسيرهم لكلام الله تعالى فيها، وأن ليسَ هناك إختلاف ولو يسير بين الأنبياء عموماً ولا بين كتبهم المقدَّسة، وعندها يتيقَّن البشر عموماً أنَّهم لو أجمعواَ مائة وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ في مكانٍ واحدٍ لما إختلفوا على مسألةٍ واحدةٍ أبداً ولما وجدَوا بيهم تهافتاً في شيءٍ أبداً ؛ ومنها أيضاً مايخصُّ الأنبياء (ع) مثل درعِ وسيفِ وعمامةِ النبيِّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعصا موسى وخاتم سليمانعليهمالسلام . الخ!.(٤)
ولكلّ ما تقدّم في موضوع الدولة العالميّة الواحدة وجمعُ الإرث الإلهيّ فيها، يمكن أن نقول: أنَّ الآيات المباركةِ المشيرةِ الى توريث المؤمنين الأرضَ في آخر الزمان، هي بذاتها أدلَّةٌ قرآنيَّة على ذلك وعلى رأسها قولهُ عزَّ وجلَّ :- ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنَّ الأرضَ يرثها عباديَ الصالحون. إنَّ في هذا لَبَلغاً لقومٍ عبدين. وما أرسلنكَ إلاّ رحمةً للعلمين ).(٥)
(ونريدُ أن نَمُنَّ على الذين استُضِعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين).(٦) وغيرها من الآيات المباركة، وقد مرَّ الكلامُ فيها فلا نُطيل.
____________________
(١) سفر أشعيا٤٢: ٢٢ ،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص٩٦١.العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٤٢، الفقرة، ٢٢، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. مع إختلاف في الألفاظ. انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ١٤٣.
(٢) للمزيد انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص١٦٥ وما بعدها في موضوع: الظلم الذي يصيب المسلمين جراء الإنحراف العالمي.
(٣) للمزيد انظر: نهاية صراع الأديان بظهور المهدي في آخر الزمان، ص ٢٦٩ وما بعدها.
(٤) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص ٧٥٤ وما بعدها تحت عنوان: إستخراج الكتب السماوية.
(٥) سورةُ الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٧.
(٦) سورةُ القصص: ٥.
وأما في الكتاب المقدس (العهدين):فهذا المعنى كثيراً ما وردَ في الأسفار المقدسة، ولو أردنا الوقوف عليها لتطلَّلبَ ذلك رسالةً مستقلَّةً، ولكن على نحو الإشارة والإجمال نقول: وردت تلك المعاني في سفر اشعياء النبي (ع) في الإصحاح (٦٥) في باب (خليقةٌ جديدة)؛ وفي سفر يوئيل في الإصحاح الأول والثاني والثالث والرابع؛ وفي سفر ميخا، الإصحاح الخامس؛ وفي سفر زكريا، الإصحاح العاشر والحادي عشر؛ وفي سفر ملاخي، الإصحاح الثالث في باب (مجيء يوم الربّ)؛ وغير ذلك كثير؛ ولمن أراد المزيد، مراجعةُ الكتاب المقدس، طبعة اولى، بيروت ،دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، الإصدار الثاني ١٩٩٥.والعهد الجديد، طبعة اولى، الإصدار الرابع ١٩٩٣ م، فهو مبوَّبٌ ومرتَّبٌ بطريقةٍ حضارية جيّدة.
المبحث الأول :
الأسس الشرعيّة والتأريخيّة لثورة المصلح العالميّةالمبحث الثاني :المنتقم من الظالمين صنيعةُ ربّ العالمين
إنَّ للثورةِ الإلهيَّةِ العالميةِ التي سيقودها رجلُ الله المقدَّس الموعود في آخر الزمان وفي يوم الله الأعظم قواعِدَ متينةٍ وأُسُسٍ رصينةٍ ممتدَّةٍ عبر التأريخ الطويل لعموم البشريَّة، ثابتة في أعماق قلوب الأنبياء والرسلِ وأتباعهم من المؤمنين، مسطَّرة بأحرفٍ من نور في كتبِ الله المقدَّسةِ ؛ وتبتني تلكَ الثورةِ المباركةِ الكبرى على لَبِناتٍ مبنيَّةٍ سَلَفاً وهيَ غاية في الصلابةِ والأصالة والأحقيَّةِ والمشروعيَّة والقانونيَّة الواضحةِ التي ليسَ عليها أَيّ غبار ولا يلحقها شكٌّ ولاريبٌ، ولعلَّنا في هذين المبحثين التاليين نقفُ على شيءٍ من ذلك.
إنّ الثورة الالهية العظمى التي سيقودها المنقذ الموعود (قرّب الله يومه الشريف) لم تكن ثورة إبتدائيّة إجتهاديّة تأتي ردّاً على واقع فاسد معاصر لها لتغيّر تغييراً محدوداً في أمّة من الأمم أو شعب من الشعوب فحسب(١) ، بل لها جذور شرعيّة وتاريخيّة عميقة جدّاً، ولها إرثٌ حقوقيّ وقانونيّ مميّز !فهي امتداد طبيعيّ شرعيّ لثورة الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهمالسلام ومكملة لها والجانية لثمارها.فكانت ثورة سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّد شباب أهل الجنّة ألإلهيّة الكبرى ضدّ الشياطين المتفرعنين ثورة مُؤَسِّسة !، وجاءت ضمن تخطيط وتقدير ربّانيّ عجيب، وكان بتقدير الله سبحانه وتعالى أن تبقى جذوتها مستعرة في الأرض لاتطفأ ولاتهدأ أبداً برغم الإبادة الجماعيّة لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وثقله وعائلته الشريفة المقدّسة ورحله المبارك وأتباعهم الأبرار.ومن خلال الإطّلاع على خصائص ومزايا الثورتين المباركتين يبدو واضحاً أنّ ثورة السبط المستشهد والمصلح الأعظم في آخر الزمان هما كالشيء الواحد، وهما امتداد للخطّ الإلهيّ المقدّس في هذا العالم.و يتّضح من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عندّ المسلمين، والنصوص المقدسة في العهدين، ان الذين ذبحوا الحسين واهل بيته الأطهارعليهمالسلام وصحبه الميامين (رض) وأتباعهم، والذين اصرّوا على عِدائهم واستمروا في ظلمهم واجتهدوا في ايذائهم الى حين ظهور وقيام منجي العالمين المنتقم من الظالمين المهدي (عج)، هم اعداء الله تبارك وتعالى، وسينتقمُ الله منهم بصورة مرعبة.
____________________
(١) انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص ٣١، تحت عنوان: ضروب الثورة العالمية: ان الثورة العالمية ضد الظلم هي ثورةٌ لم تدعُ اليها الأديان فقط، بل توصَّل اليها الفكر الإنساني عن طريق معاينة أطوار التأريخ ودراسة سننه. و: ماريا لويزا برنيري، Jourmey theough Utopia ،ترجمة عطيات أبو السعود في عالم المعرفة، وقد لخَّص الكتاب آراء الطوباويات منذ العصر اليوناني القديم حتى يومنا الحاضر، رقم ٢٢٥ عدد أيلول / سبتمبر ١٩٩٧ م.
اولاً: في القرآن الكريم
١: قوله تعالى: ( وقاتلوهم حتى لاتكون فتنةٌ ويكونُ الدينُ لله فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين ).(١)
- عن الحسن بياع الهروي يرفعه عن أحدهماعليهماالسلام في قوله: ( لا عدوان إلا على الظالمين ) قال: إلا على ذرية قتلة الحسينعليهالسلام .(٢)
- وعن إبراهيم، عمن رواه، عن أحدهماعليهماالسلام قال: قلت: ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) قال: لا يعتدي الله على أحد إلا على نسل ولد قتلة الحسينعليهالسلام .(٣) - حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيرضياللهعنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليهالسلام : يا بن رسول الله ما تقول في حديث روى عن الصادقعليهالسلام : أنه قال: إذا خرج القائمعليهالسلام قتل ذراري قتلة الحسينعليهالسلام بفعال آبائهم ؟ فقالعليهالسلام : هو كذلك فقلت: وقول الله عز وجل: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ما معناه ؟ قال: صدق الله في جميع أقواله ولكن ذراري قتله الحسينعليهالسلام يرضون بأفعال آبائهم ويفتخرون بها ومن رضى شيئاً كان كمن اتاه ولو أن رجلاً قتل بالمشرق فرضى بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريكُ القاتل وإنما يقتلهم القائمعليهالسلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم قال: فقلت له: بأي شئ يبدأ القائمعليهالسلام منكم إذا قام ؟ قال: يبدأ ببني شيبه فيقطع أيديهم لأنهم سراق بيت الله عز وجل.(٤)
- وعن محمد بن الأرقط، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : قال: قال لي: تن-زل الكوفة ؟ فقلت: نعم، فقال: ترون قتلة الحسينعليهالسلام بين أظهركم ؟ قال: قلت: جعلت فداك ما بقي منهم أحد، قال: فأنت إذا لا ترى القاتل إلا من قتل، أو من ولى القتل ؟! ألم تسمع إلى قول الله: ( قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ) فأي رسول قتل الذين كان محمدصلىاللهعليهوآله بين أظهرهم، ولم يكن بينه وبين عيسى رسول، وإنما رضوا قتل أولئك فسموا قاتلين.
____________________
(١) سورة البقرة: آية ١٩٣.
(٢) العياشي، ١/٨٦، ح ٢١٤. وسائل الشيعة، ج١٦، ص ١٤٢. البحار، ٤٥ /٢٩٨ ح ٨. تفسير الصافي، ١ / ٢١٠. البرهان، ١ / ١٩١ ح٣. العوالم (الامام الحسين ع )، ص ٦٠٩.
(٣) العياشي، ١/٨٧، ح ٢١٦. البحار، ٤٥ /٢٩٨ ح ٩. تفسير الصافي، ١ / ٢١٠. البرهان، ١ / ١٩١ح٤.
(٤) عيون أخبار الرضا (ع)، ج ٢، ص ٢٤٧. علل الشرائع، ٢٢٩. وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٤١٠. بحار الأنوار، ج٤٥ ص ٢٩٥ ح١، وج٥٢ ص ٣١٣ ح٦.
- وعن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل: ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ) قال: إن الله بعث إلى بني إسرائيل نبياً يقالُ له: إرميا ( إلى أن قال ) فأوحى الله إليه أن قل لهم ان البيت بيت المقدس، والغرس بنو إسرائيل، عملوا بالمعاصي فلأسلطن عليهم في بلدهم من يسفك دماءهم ويأخذ أموالهم، فان بكوا إلي لم أرحم بكاءهم وإن دعوني لم أستجب دعاءهم ثم لأخربنها مأة عام، ثم لأعمرنها، فلما حدثهم اجتمع العلماء فقالوا: يا رسول الله ما ذنبنا نحن ولم نكن نعمل بعملهم ؟ فعاود لنا ربك ( إلى أن قال ) ثم أوحى الله قل لهم: لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه، فسلط الله عليهم بخت نصر فصنع بهم ما قد بلغك الحديث(١) .
- في عقاب الأعمال: ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن محمد ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول: القائم والله يقتل ذراري قتلة الحسينعليهالسلام بفعال آبائها.(٢) - روي عن الصادق(ع) قال:
«لما كان من امر الحسين ما كان، ضجّت الملائكةوقالوا: يا ربّنا هذا الحسين صفيّك وابن بنت نبيّك قال: فأقام الله ظل القائم(ع) وقال: بهذا أنتقم لهذا».(٣)
كما ان روح الله المسيح(ع) كان يخبر بقتل الحسين(ع) مراراً وتكراراً وفي مناسبات عديدة، ويلعن قاتليه ويأمر بني اسرائيل بلعنهم ويقول: (من ادرك ايامه فليقاتل معه، فانه كالشهيد مع الانبياء مقبلاً غير مدبر وكأني انظر الى بقعته، وما مننبي ّالا وزارها، وقال: إنّكِ لبقعةٌ كثيرة الخير، فيك يدفن القمر الزاهر)(٤) .
وذكر الصدوق (رض):
ان عيسي (ع) مرّ بأرض كربلاء، وتوقف فوق مطارح الطف ولعن قاتلي الحسين ومهدري دمه الطاهر فوق الثري(٥) .
____________________
(١) وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) العوالم، الإمام الحسين (ع)، ص٦٠٩.وروى المفيد في الإرشاد، ص٣٦١- ٣٦٢: الفضل بن شاذان عن محمد بن عليّ الكوفي عن وهب بن حفص عن ابي بصيرقال: قال ابو عبد اللهعليهالسلام : (ينادى باسم القائمعليهالسلام في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم في يوم عاشوراء، وهواليوم الذي قتل فيه الحسين بن عليّعليهماالسلام ، لكأني في يوم السبت العاشرمن المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبرئيلعليهالسلام عن يمينه ينادي البيعة لله،فتصير إليه شيعته من اطراف الارض تطوى لهم طيّاً حتى يبايعوه فيملا الله به الارض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً).
(٣) الملهوف على قتلى الطفوف، ص١٧٦ - ١٧٧.
(٤) كامل الزيارات: ص٦٧.
(٥) كمال الدين وتمام النعمة، ص٢٩٥.
٢: قوله تعالى: ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ).(١) - حدثنا أحمد بن محمد الهيثم العجلي -رضياللهعنه - قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نظر إلى علي والحسن والحسينعليهمالسلام فبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدي. قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال: معناه أنكم الأئمة بعدي، إن الله عز وجل يقول: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة.(٢)
ثانياً: في العهدينفقد جاء في (سفر ارميا): ان التوراة قد اخبرت بانتقام صاحب الزمان (عج) من قتلة الحسين سيد الشهداءعليهالسلام ، حيث قالت :
« اعدّوا المج-ن والترسوتقدمواللحرب اسرجوا الخيل، واصعدوا ايها الفرسان وانتضبوا بالخوذ اصقلوا الرماح البسوا الدروع، لماذا أراهم مرتعبين ومدبرين الى الوراء، وقد تحطمت ابطالهم وفرّوا هاربين ولم يلتفتوا. الخوف حواليهم يقول الرب. الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. من هذا الصاعد كالنيل كانهار تتلاطم امواجها. »الى ان تقول :
«. اصعدي ايتها الخيل وهيجي المركبات ولتخرج الابطال، كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون القوس. فهذا اليوم للسيد ربّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم ».
ثم تذكر التوراة ان السبب في هذا الانتقام من الاعداء هو ما يلي:
«ان للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في ارض الشمال عند نهر الفرات»(٣) وقد اورد صاحب كتاب (البحث عن الحقيقة) ص ٤٩ بالانجليزية هذا النص أيضاً كأحد ادلّة التوراة على خروج صاحب الزمان، وقتل اعداء الله فراجع(٤) .
____________________
(١) سورةُ القصص :آية ٥.
(٢) معاني الأخبار، ص٧٩. كنز الدقائق، ١٠ ح ٣. بحار الأنوار، ج٢٤، ص١٦٨ ح١. الميزان في تفسير القرآن، ج١٦ ص ١٤. البرهان، ج ٣، ص ٢١٧ ح٢. نور الثقلين، ج ٤، ص ١١٠.
(٣) سفر ارميا ٤٦: ٣ - ١٠، العهد القديم. الكتاب المقدس باللغة العربية، العهد القديم، سفر ارميا تحت رقم ٢٨، الإصحاح ٤٦: الفقرات ٣ - ١٠، مصر. الكتاب المقدس تحت المجهر: ص١٥٥. سفر إرميا ٤٦: ٣ - ١٠،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ١٠٦٠. مع فرقٍ يسير بين عبارات المترجمين.
(٤) الكتاب المقدس تحت المجهر: ص١٥٥.
وأما في مجال الاخبار بالملحمة الالهية العظمى في كربلاء وما يرافقها من فواجع وأنّ المذبوح فيها له شأنٌ عظيم وأنّه استشهد من أجل إنقاذ الشعوب وألأمم.
فقد اخبر (يوحنا): بان الحسين(ع) قدم دمه الطاهر قرباناً لله تبارك وتعالى' وانه جسدالبطولة والتضيحة باعلى مراتبها. فقد جاء في سفر يوحنا :
( انك الذي ذُبحت، وقدمت دمك الطاهر قرباناً للرب ،من اجل انقاذ الشعوب والامم، وسينال هذا الذبيح المجد والعزة والكرامة والى الابد لأنَّهُ جسّد البطولة والتضحية بأعلي' مراتبها )(١) .وأخبر (ارميا): بمعركة كربلاء الدامية قرب نهر الفرات، فقد جاء في سفر (ارميا):
( في ذلك اليوم يسقط القتلي' في المعركة، قرب نهر الفرات ،وتشبع الحرب والسيوف وترتوي من الدماء التي تسيل في ساحة المعركة، بسبب مذبحة رب الجنود في الارض تقع شمال نهر الفرات )(٢) .
ولابدَّ أن نشير هنا الى مسئلةٍ مهمَّةٍ وتستحقُّ الوقوف عندها ولكننا نذكرها بالإشارة خوف الإطالة وهي: أنَّهُ قد أجمعت الأسفار المقدَّسة في العهدين على حقيقةٍ مهمَّةٍ وهي من القضايا المحوريَّةِ، وقد وردَ ذكرها كثيراً بطرقِ ومناسباتٍ متعدِّدةٍ، ويَبدو أنَّ لها شأناً ومنزلةً عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ألا وهي قضيَّةُ: ( الكبشِ المذبوح ) !.
____________________
(١) يوحنا - ٥: ٩ - ١٢، ص٤٦٣ ( ألأصل العبرى )، العهد الجديد. للوقوف على النصيين العبرى والعربى ومعاينة الترجمه، انظر: ( أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص١١٣ - ١١٥. رؤيا يوحنا، ٥: ٩ - ١٢،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٤٠٠. مع تقديم ٍ وتأخيرٍ في كلمات المترجمين لاتضر بالمعنى.
(٢) سفر ( ارميا ): ٤٦: ٦ -١٠ ص٧٨٢ (الأصل العبرى )، العهد القديم. وللوقوف على النصيين بالعبريه والعربية، انظر: ( أهل البيت في الكتاب المقدس ) ص١١٦ - ١١٨. سفر إرميا ٤٦: ١٠، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ١٠٦٠. مع فرقٍ يسير في عبارات الترجمة.
وهذا الكبشِ المذبوح بحسب الأسفار المقدَّسة: هو من قدَّمَ دمهُ الطاهر الزكي قرباناً للربِّ تبارك وتعالى من أجلِ انقاذ الشعوب والأُمم، وأنَّهُ هو الذي أُريقَ دمُهُ من أجلِ كلمةِ الربِّ وشهادتهِ للحقِّ سبحانهُ وتعالى، وأنَّهُ هو الوحيد الذي فكَّ السفر الإلهي المقدَّس وحلَّ رموزَهُ ونظرَ الى مافيهِ(١) وذلكَ حسب استعداده المدهش العجيب لفداء الله ودينهِ وشرائعهِ بكُلِّ مايملك بما في ذلك نفسهُ المقدَّسة العزيزة، وأنَّهُ نالَ بذلكَ الذبحِ المجد والعزَّة والكرامة الى أبد الآبدين، لأنَّه ضَحّى للربِّ بأعلى وأعظم تضحيةٍ والتي ليسَ فوقها تضحيةٌ قط، وأنه يجلس عن يمين العرش.الخ.
وقد فسَّر أهلُ الكتاب أنَّ المعنيّ بذلك كلِّهِ هو (النبيُّ إسحاق -ع-) لاغير، ووافقهم على ذلك بعضُ المسلمين لاستنادهم الى بعض الروايات في هذا المجال(٢) ، فيما فسَّرَ الأعمُّ الأغلب من علماء المسلمين ذلكَ بكونهِ ( النبيُّ إسماعيل بن إبراهيم -عليهماالسلام -) بحسبِ ماعندهم(٣) . ولكنَّنا لو أمعنّا النظر وتحقَّقنا من الأمر، لوجدنا أنَّ كلا النَّبيَّينِ الكريمين المشار اليهما، لم يُذبحا حقيقةً، ولم يراق دمهما، ولم يذوقا أَلَمَ السكينِ أو الخنجرِ.الخ.
وكذلك ما جاء في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ( وفديناهُ بذبحٍ عظيمٍ )(٤) ، فهو يدعو للوقوف عنده والتأمُّل فيهُ!فأيَّةُ عظمةٍ ومقامٍ لذلك الكبش المقصود، جعلتهُ يذكرُ في الأسفار المقدّسةِ أكثرَ من ذكرِ خاتمِ النبيين وسيّد المرسلين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟، فقد ورد ذكر هذا (الكبش المذبوح) في سفر الرؤيا ليوحنا (ع) لوحدهِ فقط، في أكثر من أربعةٍ وعسرين موضعاً!. فهل يُعقَلُ ذلكَ كلَّه في (خروفٍ ) كما سمَّتهُ بعضُ الترجمات، وإذا كان رمزاً، فمن عنت تلكَ البشارات في الكتاب المقدّس(٥) ؟. لذا فإنَّ هذا الموضوع جديرٌ بالبحثِ ويستحقُّ أن تُكتبَ فيهِ رسائلَ علميّة.
____________________
(١) انظر: رؤيا يوحنا، الإصحاح الخامس،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص ٣٣٩ - ٤٠٠.
(٢) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج٧ ص ٢٣٢ وماقبلها ومابعدها: أنَّ روايات أهل السنة انقسمت الى قسمين، فنصفٌ قال: أنه اسحاق (ع) ونصفٌ قال: أنه اسماعيل (ع).
(٣) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج٧ ص٢٣٢ وماقبلها ومابعدها، اجماع مذهب أهل البيت (ع) وكثير من اهل السنة.
(٤) سورة الصافات: آية ١٠٧.وتفسير ذلك في :تفسير مجمع البيان،ج٨ص٣٢٤.تفسير الميزان ،ج١٧ص١٥٣.ولمَ سمّيَ عظيماً في: تفسير الثعلبي، ج٨ ص١٥٧.وانظر:تأويل الآية والأخذ والردِّ في ذلك، في الإنتصار، العاملي، ج٢ص٣٢٦-٣٢٨.
(٥) للمزيد انظر: الخصال ص٥٩. عيون أخبار الرضا (ع)، ج٢ص١٨٧- ١٩٠. مسند الإمام الرضا(ع) ،ج١ص٥٦.وروايات أهل البيت (ع) في ذلك وعلاقته بشهادة الامام الحسين (ع).
المبحث الثاني :
المنتقم من الظالمين صنيعةُ ربّ العالمين
يبدو واضحاً أن الله تبارك وتعالى قد كتب على نفسه المقدّسة ان ينتقم من اعداءه المجرمين بواسطة القائم المنتصر في آخر الزمان، وبشّر انبياءه ورسله واهل الكرامة عليه منذُ أمدٍ بعيدٍ جداً وفي مناسباتٍ مختلفةٍ بهذا الامر، وثبّت ذلك في كتبه المن-زلة المباركة وأوضحَ ذلك لعموم البشرية على مدى مسيرة حياتها الطويلة.
لذا فان هذا الموضوع، هو عهدٌ ووعدٌ الهيّ حتميّ وقطعيّ، لا يختلف ولا يتخلّفطرفةَ عين ٍ أبداً، فان تَخَلَّفَ كان الاحكامُ ناقصا ً، والوجود عبثاً، والقضاءُ والحكمُ الالهيّ غير تامٍّ، وذلك لخلوِّ الارضِ من خليفتهِ، وهو ممتنعٌ على ساحةِ قُدسِهِ عزَّ وجلَّ. وقد أوجَبَ ذلكَ الامرَ على نفسهِ القُدسيَّةِ المباركةِ بلطفهِ وفيضهِ ومنِّهِ بقوله عزَّ من قائل :( وإذْ قالَ ربُّكَ للملائكةِ إنّي جاعِلٌ في الارضِِ خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويَسفِكُ الدماء ونحن نسبّحُ بحمدك ونقدّس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون ).(١)
وسنبين ذلك: في القرآن الكريم والروايات الشريفة اولاً، وفي العهدين ثانياً.
____________________
(١) البقرة: ٣٠، وقد أحضر جميع ملائكته وأخبرهم بهذا الأمر الإلهيّ الكبيروالخطير، وذلك واضحٌ في تفاسير المسلمين، انظر مثلاً: التفسيرألكبير :ج٢ ص١٥٢.
في قوله تعالى: ( ومن قُتلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنَّهُ كان منصورً )(١) .- (عن الحجال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (ع) قال: سألتهُ عن قول الله عزَّ وجلَّ: ومن قُتلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنَّهُ كان منصورً: قال: نزلت في الحسين (ع)، لو قتلَ وليُّهُ أهلَ الأرض بهِ ما كان سرفاً)(٢) .- روي عن الصادق (ع) قال:
( لماّ كان من أمرِ الحسين ما كان، ضجّت الملائكة وقالوا: يا ربّنا هذا الحسين صفيّك وابن بنت نبيّك قال: فأقام الله ظل القائم (ع) وقال: بهذا أنتقم لهذا ).(٣) - وروى هلال بن نافع، قال:
( اني لواقف مع اصحاب عمر بن سعد اذ صرخ صارخ: أبشر أيها الامير، فهذا شمرقد قتل الحسين(ع). قال: فخرجت بين الصفّين، فوقفت عليه، فانه ليجود بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلاًمضمّخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيأته عنالفكر في قتله. فاستسقىِ في تلك الحال ماء، فسمعت رجلاً يقول له: والله لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها!!فقال له الحسين (ع): « لا، بل ارد على جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واسكن معه فيداره في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر، واشرب من ماء غير آسن، واشكو اليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي».قال: فغضبوا باجمعهم، حتى كأن الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئاً، فاحتزوا رأسه وانه ليكلمهم، فعجبت من قلّة رحمتهم وقلتُ: والله لااجامعكم على امر ابداً)(٤) .ومن حقّ كلّ شريف وغيور في العالم أن ينظر بحيرةٍ ودهشةٍ وحزنٍ عميق الى هذه الواقعة المأساوية المروّعة التي يحكيها لنا هذا الفرد الضّال من أعداء الإنسانيّة، وكم يبدو متأثرا ً!رغم ما به من عوامل النقص والخلود الى الارض ،وهذا غيض من فيض.لهذا ورد في شدّة المنتقم من الظالمين ومنجي المستضعفين، كما في سفر أشعيا :( ويحكم بالانصاف لبائسي الارض، ويضرب الارض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه ).(٥) وقد ورد هذا أيضاً عن لسان النبيّ الأكرم محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم في وصف القائم المنتقم انه قال: « اسنانه كالمنشار وسيفه كحريق النار ».(٦)
____________________
(١) سورة الإسراء: آية ٣٣.
(٢) الكافي، ج٨ ص٢٥٥. ومثله: تأويل الآيات، ج١ص ٢٨٠.
(٣) الملهوف على قتلى الطفوف، ص١٧٦ - ١٧٧.
(٤) الملهوف على قتلى الطفوف، ص ١٧٧.
(٥) سفر أشعيا ١١: ٤، ألأصل العبرى، العهد القديم ص٦٢٥. وللوقوف على النص العبرى والعربى انظر: ( أهل البيت فى الكتاب المقدس ) ص١٢٣ - ١٢٧.
(٦) الزام الناصب: ج١، ص٤٧٥. الغيبة للنعماني، ص٢٤٧. بحار الأنوار، ج ٥١، ص ٧٧. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
ورغم الازمان المتباعدة، وايادي التحريف الا´ثمة، وما أُخفيَ من الشريعةِ الموسويَّةِ والعيسويةِ (على صاحبيهما آلافُ التحيَّةِ والسلام) طمعاً في الدنيا الدنيئةِ وزخرفها وزبرجها، اخفاءً لأمرِ الله تعالى' ونورهِ، وما عَلِموا أنَّهم ( يمكرون ويمكر الله والله خيرالماكرين )(١) ، وأنَّهم (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)(٢) .رغم ذلك كلِّهِ، فهناك ما يثبتُ الحقيقةَ الدامغةَ التّي لامفرَّ منها، واللهُ بالغُ أمرهِ وهوَفعّاَلٌ لما يُريدُ.فلو انّنا نظرنا بإمعان الى بعض النصوص، لرأينا جمالالصورة التي يرسمها علاّمُ الغيوبِ سبحانه وتعالى عن الملحمة الالهية الماضية(٣) ( ثورة الحسين الشهيد(ع) والا´تية ( ثورة المصلح والمنجي ) لبدا ذلك رائعاً، ولنبدأ بالفقرات الواردة في (سفرارميا) :« أَعِدّوا المجن والترس وتقدموا للحرب اسرجوا الخيل، واصعدوا ايها الفرسان وانتصبوا بالخوذ اصقلوا الرماح. البسوا الدروع. ».
____________________
(١) سورة الأنفال، آية ٣٠.
(٢) سورة الصف، آية ٨.
(٣) ماضية بالنسبة لعصرنا، وأما لعصر هذه النصوص فهي قادمة ( مستقبلية ).
وهي اوامر(١) من الرب المتعال الى جنوده الابطال الذين يأتمرون بامره وينتهون بنهيه لخوضِ الحرب المشروعة الكبرى والأخيرة بحسب ارادةِ ربِّهم واعدادهِ وامدادهِ لهم والذي يتم عبر مراحلمتعددة منها:
١ - الاعداد (اعدوا المجن والترس.)
٢ - اعطائهم زمام المبادرة (وتقدموا للحرب.).
٣ - التهيؤ للحرب (اسرجوا الخيل، واصعدوا.)
٤ - الاستعداد التام والاقتراب من ساعة الصفر وهي ساعة الحسم المبشّر بها ( اصقلوا الرماح. البسوا الدروع.).ثم يطرح الربُّ المتعال ما كان ويكون بسابق علمه الذي احاط بكل شيء، وعلى شكلتساؤل واستفسار عن عاقبه المستكبرين والكافرين بقوله:«لماذا اراهم مرتعبين ومدبرين الى الوراء، وقد تحطمت ابطالهم وفروا هاربينولم يلتفتوا. الخوف حواليهم.»وهي اشارةٌ بليغة الى مسيرةِ الرُّعبِ والخوفِ الذي يسير بين يدي منجي العالم المنتظر(عج) مسيرة شهر، وما الى ذلك من الادبارِ، والفرارِ، وعدمِ التفاتِ ومواجهة المصلح الإلهيّ (عج) وجنودهِ البواسلِ، لانهم مذعورين وأخذهم الخوف من كل جانب ومكان، جرّاء تحطم ابطالهم وفشل خططهم.الخ.ويتحدث الربّ تعالى بعد ذلك عن سبب هذا الانتقام حسب الاوامر والتخطيط الالهيالمسبق بقوله:«في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. من هذا الصاعد كالنيل كانهارتتلاطم امواجها.».
____________________
(١) أوامر تكوينيّة وتشريعيّة، فأمّا كونها تكوينيّة: لأنّها أوامر مستقبليّة ،يخاطب الله بها جنوده الميامين ( جند وأصحاب القائم المنجي ) وهم بعدُ في الأصلاب ليجبلهم على الشجاعة والإقدام المنقطع النظير. وأمّا كونها تشريعيّة: فلأنّ شرع الله واحد قديماً وحاضراً ومستقبلاً، فهو يشرّع لجنده الأبطال تفاصيل تطبيق هذه الأوامر لنيل الإنتصار المحتّم.
وذلك لأنّ أحبّاءَهُ وأولياءَهُ عَثَروا وسَقطوا بجنب نهر الفرات، وكانت عثرتهم وسقوطهم بعينهِ وبمسمعٍ منه وهو عزيزٌ عليهِ تباركَ وتعالى، وهذا بمثابة مجلسِ عزاءٍ من الربّ جلّ وعلا الى كل الاجيال لرثاء اولئك الابطال الذين سطّروا أحرف الملحمة الالهية الخالدة بدمائهم الزكية الطاهرة من أجلِ الربِّ وإنقاذ الشعوبِ والأُمم.وأنّ من المحزن المشجي لكلِّ غيورِ وشريفِ عبر َ الدُّهور، ان يَعثُرَ الفارسُ الأبيّ الشريف المدافع عن حقّه ومبادئه السامية في الميدان ويكون عثوره مسقطاً له!،فكيف اذا عثر وسقط خليفةَ الله ووصي خاتمِ رُسُلِهِ، وأحبَّ الخلقِ إليهِ، الذي سمّاهُ الجليلُ باجملِ اسماءهِ المباركة (الحسين - ع - )، وهوَ مصغّر حسن ويعني مُنتهى الحسن والجمال، وغاية الاحسان واللطف والكرم، وأَقوى اضداد القبح والشّحّ. ؟ ؛ ولم يكن آنذاك سالماً، بل كانت جراحهُ لا تعدّ ولا تُحصي' من كثرةِ الضربِ والطعن، وفي اقصى حالاتِ الظمأ والجُهدِ والغربةِ.ويُعطي الرب اوامره الى جنده الابطال بطريقة أُخرى بعد تلك الفقرات بقليلٍ كماجاء في (سفر أرميا):«اصعدي ايتها الخيل وهيجي المركبات ولتخرج الابطال.
الى ان يقول:
« فهذا اليوم للسيد ربّ الجنود يوم نقمةٍ للانتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم ».
فأن (مبغضيه) هم مبغضي احباءَهُ واولياءَهُ، فببغضهم لهم أبغضوا المولى تعالى'،وبحربهم لهم حاربوهُ ووبإنتهاكِ حرمتهم إنتهكوا حرمته، والامر واضحٌ.
ثم تذكر التوراة كما اسلفنا أن سبب هذا الانتقام العجيب من الاعداء هو:
« لانّ للسيد ربّ الجنود ذبيحة في ارضِ الشمالِ عند نهر الفرات ».(١) بلي' والله ذبيحة وأيّة ذبيحة! في كربلاء، وما ادراك ما كربلاء! ان لهذه الارض ولهذه الذبيحة عند الله وأنبياءه واولياءه الف قصّةٍ وقصّة !.
____________________
(١) هذه الفقره والفقرات التى سبقتها فى: سفر أرميا ٤٦ :٣ - ١٠، الكتاب المقدس تحت المجهر: ص١٥٥.
وبعده الفقرة التي تحمل في طيّاتها رثاءَ الاحبّةِ والاولياءِ، جاءت مباشرةً فقرةٌ تقول:
(من هذا الصاعد كالنيل كانهار تتلاطم امواجها.)ولعمري إنّ هذا لمن ابلغ التعابير التي وجدناها وأدقّها، ويحمل اسراراً مهمّة ولا نستطيعُ الإلمام إلاّ ببعضها :فبعد سقوطهم المؤلم مباشرةً عَرَجت ارواحُهُم إليه تبارك وتعالى' يقدمهم امامهم الحسين(ع) بروحه الجبارة العظيمة، حيث يزرع الربّ في نفوسنا وعلى مدى العصور تساؤلاً وتعجباً ودهشةً تفوق الخيال، من هذا الامام الذي تعجّبت منصبره ملائكة السماء، ولطمت عليه الحور العين، واقرح قلوب الانبياء والاوصياء ،وبكت له الارض والسماء.فها هو يصعد الى السماء بكلّ ثبات وفي أعلى درجات الانتصار، بشوق كبير ومرأى ومسمع من ربّه الحنان المنان، وبحشود ذلك العالم العلوي ،ليتم إستقباله في عالم الملكوت إستقبالاً يليق بمقامه المقدّس. وتشبيه الإمام الحسين ( ع ) بنهر النيل، كان تشبيها غيبيّاً عجيباً ،لأنّ من خواص هذا النهر:
١: انّه أطول نهر في العالم(١) ، وكلّما كان النهر طويلاً زادت بركته وعمّ كرمُهُ وفيضه، لانه سوف يسقي ويروي كل ما يمرّ به من حجرٍ وشجرٍ ومدرٍ، ويغسلدرن الاعداد الكبيرة من البشر وغير البشر، فتنموا الحياة وتزدهر ببركة جريانه، ثمان فيه علاجاً نفسيّاً لكل البشر بلونه الأخّاذ وخرير مياهه العذبة. الخ.
____________________
(١) لايخفى ؛ أن النيل كان مشهوراً ومعروفاً فى كل البلدان منذ الحظارات الموغله فى القدم، ولطالما قدمت له النذور والقرابين.، وكان يحمل نوعاً من القدسيّة الكبيرة لدى المصريين القدماء خاصّة، وعدد كبير من شعوب العالم عامة.الخ. وكان معروفاً بأنه الأطول فى العالم الى العصر الحديث، حيث تم اكتشاف نهر الأمازون في البرازيل، فكان ألأخير يفوقه بالطول قليلاً. فجاء التشبيه بالأول لشهرته منذ القدم، ولمعرفته بين الشعوب والأمم، بخلاف الأمازون حيث لم يكن معروفاً، فتأمّل !!
وهذا كلّه ثابت لسيد الشهداء (ع)، بل واكثر من ذلك بكثير، مما لا نستطيع الوقوف عليه بحال من الاحوال، فتأمّل!
٢: وان هذا النهر هو النهر الوحيد في العالم الذي ينبع من الجنوب ويصبُّ فيالشمال! حيث يخترق الاراضي السودانية والمصريّة ويصبُّ في البحر الابيضالمتوسط. ولعمري فانّ الامام الحسين (ع) كذلك، فانّه نبع من مكة والمدينة،وجرى باتجاه الشمال، حتى صبّ جوده وكرمه الاعظم في كربلاء، هذا وقد عبّرت الكتبالسماوية السابقة وصحف الانبياء (ع) عن كربلاء بأنّها (أرض الشمال)، وقد مرتّ علينا بعض النصوص بهذا الشأن.
٣: وبعدُ فانَّ هذا النهر على كبره وعظمته، ليس بمقدوره تحمّل جود وكرمالحسين(ع)، لذا فانّ هذا التشبيه يكون ناقصاً وغير تام إن بقي كما هو فقال الربُّ :
(.كانهارٍ تتلاطم امواجها.)
أجل، فان صعوده كان كصعود النيل، ولكن كالانهار المتلاطمة الامواج بقوتهواقتداره، فانّ النيل وفي مسافات شاسعة يكون ماءهُ فاتراً، والحسين ليس كذلك،فتأمّل!
والانهار المتلاطمة ديدنها الجريان والفيضان والسقي المتواصل بمائها العذبالدّفاق، بخلاف البحار فهي شديدة الملوحة شرسة الطباع.فكان الوصف بالانهارأبلغ.
وكما أنّ الديانة اليهودية بشرت بالمصلح المنقذ للبشرية ،حيث نجد الاشارة في (سفر أشعيا) الى كون المبشّر به هو صنيعة الغيرة والشرفوالثأر الالهي، فقد تضمنت احدى الفقرات هذا المعنى بقولها:
(ستخرج من القدس، بقية من «جبل صهيون»، غيرةُ ربِّ الجنودِ ستصنع هذا).(١)
____________________
(١) سفر اشعيا ٣٧: ٣٢، الأصل العبرى، العهد القديم، ص٦١٢. انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٣٧، الفقرة، ٣٢، الكتاب المقدّس باللغة العربية٧٣ سفراً، مصر. وربما اكتفى المترجمون بوضع ( سين المستقبل ) في بداية الفقرة في كلمة( ستخرج ) ورفعت من كلمة (ستصنع) كما في المصدر الذي نحن بصدده ولاضير في ذلك فكلّ الترجمات تفيد المعنى المستقبلي. وانظر النص العبري والعربي في: (أهل البيت فى الكتاب المقدس)، ص١٢٢ - ١٢٣.سفر اشعيا ٣٧: ٣٢،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٥٤. مع فرقٍ يسير في عبارات الترجمة.
وفي سفر إشعياء (ع) أيضاً :(٦ لانَّهُ يُولَدُ لنا ولدٌ، و نُعطى إبناً(١) ، و تكون الرياسةُ على كتفهِ و يدعى اسمه عجيباً مشيراً الهاً قديراً أَباً أَبدياً رئيس السلام ٧ لنمو رياسته و للسلام لا نهاية على كرسي داود و على مملكته ليثبتها و يعضدها بالحقِّ و البِّر من الان الى الابد، غيرة رب الجنود تصنع هذا ).(٢)
أجل! فهو غيرة الله، وفي هذا وردت أحاديثٌ جليلةٌ عن أهل بيت النبوة (ع) نتركها للإختصار، هذا وقد تحدَّثَ شاعرُ اهل البيت بمنطقِ التوراة حينما كان يندبُ منجي العالم بقوله :
يا غيرةَ اللهِ اهتفي |
بحميّة الدين المنيعة(٣) |
|
وضُبا انتقامكِ جرِّدي |
لطلا ذوي البغي التليعة |
|
ودعي جنود الله تملأُ |
هذه الأرض الوسيعة |
____________________
(١) لماذا تفسَّر هذه العبارات ببني إسرائيل دوماً! ماذا لو فُسِّرَ مراد إشعياء النبي (ع) وغيره من الأنبياء بأنَّهُ نحنُ معاشرَ الأنبياء سيولدُ لنا ولدٌ من صُلبنا في آخر الزمان.، وأنهُ يحكمُ بحكم داود(ع) كما جاء ذلك متواتراً عند المسلمين ؟.
(٢) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح ٩، الفقرة، ٦ - ٧، الكتاب المقدّس باللغة العربية ٧٣ سفراً، مصر. سفر اشعيا ٩: ٥ - ٧، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٩٢١. مع فرقٍ لايخفى في عبارات الترجمة.
(٣) أعيان الشيعة، ج ٦، ص ٢٦٨. عصر الظهور، ص ٣٨١. رياض المدح والرثاء، ص ٣٢. ديوان السيد حيدر الحلى، ج ١، ص ٣٧: من قصيدته المعروفه فى ندبة الامام منقذ العالم (عج) والتي مطلعها :
الله يا حامي الشريعة |
أتقرّ وهي كذا مروعة |
وورد في (سفر يوحنا)، انه (عجل الله فرجه) في ظهوره يُنادى بصوتٍ عظيمٍ يسمعُهُكلُّ البشر:
« خافوا الله واعطوه مجداً، لانه قد جاءت ساعة حكمه»(١)
والاشارة واضحة في كون حكم الرب بواسطة دولة منجي العالم (عج)، باعتباره الخليفةالاعظم المنتظر المؤمّل لتجديد الفرائض والسنن وما ضيع من حقٍّ.
والفقرة تشير الى مسألة مهمةٍ أيضاً وهي: كأن الرب تبارك وتعالى' لم يحكم قبل ظهور المهدي (عج) بل يبدأ حكمه بمجيئه وبسط يده على الارض! وهذا حقٌّ وصدق لان الله تبارك وتعالى' بريءٌ من جميع الاحكام الوضعية والقوانين المادية التي حكمت ولا زالت تحكم الامم بايدي الجبابرة والظالمين وتجّار الدنيا الذينملؤا الدنيا رجساً وفساداً، قال تعالى':
«ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحرِ بما كسبت ايدي الناس ليُذيقهم بعضَ الذي عمِلوا لعلَّهم يرجعون».(٢)
وفي مستدرك الصحيحين ومسند احمد وغيرهما، عن ابي سعيد الخدري قال:قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«لا تقوم الساعة حتى تملا الارض ظلماً وجوراً وعدواناً، ثم يخرج من اهل بيتيمن يملاها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً».(٣)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
«ويح هذه الامة من ملوك جبابرة، كيف يقتلون ويخيفون المطيعين الاّ من اظهرطاعتهم، فالمؤمن المتقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فاذا اراد الله عزوجلان يعيد الاسلام عزيزاً قصم كل جبار، وهو القادر على ما يشاء ان يصلح امة بعدفسادها».
فقالعليهالسلام : «يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتىيملك رجلٌ من اهل بيتي يجري الملاحم على يديه، ويظهر الاسلام، لا يخلفوعده وهو سريع الحساب».(٤)
____________________
(١) سفر يوحنا ١٤: ٦ - ٧ ألأصل العبرى ،ص٤٧٤. أهل البيت فى الكتاب المقدس: ص١٢٩- ١٣٠. رؤيا يوحنا، ١٤: ٦ - ٧ ،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص ٤٠٩.
(٢) سورة الروم: آية ٤١.
(٣) مستدرك الصحيحين ٤: ٥٥٧ ورواه ابونعيم فى حليته ٣ :١٠١ باختلاف يسير فى اللفظ، وأحمد بن حنبل في مسنده ٣: ٣٦ وغيرهم، والسيوطى فى تفسير الآيه (فهل ينظرون الا الساعه.) من سورة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ٦: ٥٨.
(٤) غاية المرام: ص٧٠٠، ب ١٤١، ح ٩٩. ينابيع الموده: ص٤٤٨، ب ٧٨. برهان المتقى :ص٩٢، ب٢، ح١٢. عقد الدرر: ص٦٢، ب ٤، ف ١.
نتيجةُ البحث :في ختام هذا البحث، نشير بعون الله تعالى إلى أهم النتتائج التي توصَّلنا إليها من خلال هذه الدراسة، وبضمنها أهمُّ المشتركات بين القرآن الكريم والكتاب المقدس (العهدين ) حول عقيدة منجي العالمعليهالسلام ، ونجملُ النتائج بما يلي :١: لابُدَّ من إنصافِ العهدين والنظر اليهما بعينِ العدلِ والدقّةِ، لكونهما إرثاً دينيَّاً وأخلاقيَّاً وتأريخيّاً وحضاريّاً كبيراً ؛ وأنَّ القول بأنّها أسفارٌ محرّفةٌ ولايمكنُ الإعتماد عليها سلاحُ العاجِزِ، وأنَّ بعضَ ما وردَ فيهما هو بلا شكٍّ ولاريبٍ ترجمةٌ أو نقلٌ شفاهيٌّ أو تواترٌ لوحيٍ موحى، نعم وصلت اليها يدُ التحريف و.الخ، ولكنّ التمعّن في بعض النصوص يورث الإطمئنان بأنّها ترجمةٌ لنصٍّ مُوحى وإن سَقَطَ منه شيء أو أ’ضيف اليه شيءٌ أو حُذفَ منهُ شيءٌ، وذلك لأنّ فيها نفحةٌ من الغيب واضحةٌ، وسُمُوٌّ في نقل الصورة المستقبلية للحدث المنتظر، يصعب جدّاً، بل يستحيلُ على أيّ إنسانٍ مهما كانت درجتُهُ العلميّة الإلمامُ بها والإحاطة بجزئيّاتها.
وهذا ما أُطلقَ عليه عندَ العلماء والباحثين ب- ( من بقايا الوحي في العهدين ) وهو وإن كان قليلٌ كما يُعبَّر عنهُ، لكنَّهُ كثيرٌ وكثيرٌ جدَّاً، ولايتوهمُ أحدٌ أنَّ هذا القليل من بقايا الوحي يستطيعُ انسانٌ مثلنا الوقوف عليه وإحصائه والتمكُّن منهُ، كلاّ وألف كلاّ، لأنّه علمٌ شاسعٌ واسعٌ، دقيقٌ عميقٌ، ورُبما حيَّرت العلماء والباحثين فقرةٌ واحدةٌ من بقايا الوحي في العهدين فجعلتهم في بالغ الحيرة والدهشة، وأُسقطَ ما في أيديهم، وذلك من خلال ربطِ أو إضافةِ أو مقارنةِ هذه الفقرة بغيرها، وعدم التمكن من تفسيرها على الوجه الصحيح كما في الفقرات الدالة على ( يوم الله العظيم ) في آخر الزمان، وخلطها خطئاً بالفقرات الدالة على يوم القيامة والفقرات والدالة على نزول عيسى بن مريم (ع)، وهذه مشكلةٌ لم يواجهها أصحاب الكتاب المقدس فحسب، بل انما وقعت عند العلماء والمفسرين والباحثين المسلمين، فقد خلط الكثير منهم بين يوم القيامة وبين يوم الله الأعظم ( يوم منجي العالم ) وذلك واضحٌ في تفاسيرهم وكتبهم الأُخرى.٢: أنَّ للترجمة آفاتٌ خطيرةٌ قد صبَّتها وطَلَت بها الكتاب المقدّس ( العهدين ) ؛ يجبُ الإلتفات اليها والوقوف عليها قبل كيل الشتائم الى ( العهدين ) بغير علمٍ. فقد لعبت الترجمات دوراً مهماً في التشويش وإخفاءِ الحقائقِ والأعم الأغلب منها جاءت عن غير قصدٍ ولا عمدٍ، بل قصورٌ عند المترجمين أنفسهم ؛ وسواء كان هذا الأمر في نطاقه السلبي أوالإيجابي فهو لاينطلي ولا يخفى على الباحثين المنصفين والمدقّقين والعلماء في كُلّ العالم.
هذا وقد شمَّر علماءٌ ربّانيّون عن سواعدهم الشريفة لمحاولة ترجمة العهدين الترجمة المنصفةَ الحقَّةَ، وقد برعوا في ذلك الى حدٍّ كبيرٍ، ولكنهُ جهدٌ فرديٌّ يشكرون عليه، ولكنا نطمحُ الى جهدٍ جماعيٍّ لذلك رسميّاً أو غير رسميٍّ، ومن ثم محاولة عرض تلك الجهود الكبيرةِ على ذوي الشأنِ من الديانات، والتوصُّلِ الى حلٍّ عالميٍّ لذلك، نصرةً لبقايا الوحي في الكتاب المقدَّس، وتتويجاً للعقائد الربانيَّةِ الحقّةِ والمباركةِ في القرآن الكريم من حيث وجود أُصولها وروحها ومعانيها في الكتب السماوية الأُخرى.
٣: أنَّ القرآن الكريم والعهدين ( الكتاب المقدّس ) كلاهما يصدّقُ الآخرَ في موضوع الإعتقاد بمنجي العالم، وهذه حقيقةٌ ثابةٌ لاغبارَ عليها، وهي واحدة من الحقائق التي قد بيَّنها الله تبارك َوتعالى وأشارَ اليها في القرآن الكريم في آياتٍ عديدةٍ ومنها قوله تَقَدَّست أَسماؤهُ :
- (الله لا إلهَ إلاّ هو الحيُّ القيُّومُ. نَ-زَّلَ عليكَ الكتبَ بالحقّ مصدّقاَ لما بينَ يديه وأَنزلَ التوراةَ والإنجيلَ.من قبلُ هُدىً للنّاس وأنزلَ الفرقانَ إنَّ الَّذينَ كفروا بآيت الله لهم عذابٌ شديدُ واللهُ عزيزٌ ذو إنتقامٍ )(١) .
- ( يا أيها الذين أُوتوا الكتابَ آمنوا بما نزَّلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نَطمسَ وجوهاً فنَرُدُّها على أدبارها أو نَلعَنَهم كما لَعنّا أصحابَ السبتِ وكانَ أمرُ اللهِ مفعولاً)(٢) .
____________________
(١) سورة آل عمران :الآيات ٢ - ٤.
(٢) سورة النساء: آية ٤٧.
وأنَّ القرآن الكريم هو: كن-زُ اللهِ الذي لايُقدَّرُ بثمنٍ في هذا العالم أبداً، وسرُّهُ المكنون، وقولهُ الحقّ، ووعدهُ الصدق، وهو يرتكزُ على قواعدَ صُلبَةٍ ومتينةٍ وغايةٍ في الأهميَّة في هذا المجال(١) ، ألا وهي الكتب الإلهيةِ المقدسةِ: التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياءعليهمالسلام ، وإن وَصَلَنا الن-زرُ اليسير منها، الاّ أنَّهُ ذا قيمةٍ دينيَّةٍ وعلميَّةٍ وعقائديةٍ وأخلاقيَّةٍ وتأريخيَّةٍ. عاليةٍ جدّاً، لايمكن تجاهلها بحالٍ من الأحوالِ أبداً.٤: أنَّ الكتب السماوية قد أجمعت على مجيء منجي العالم، وإن إختلفت في بعض الشكليّات، وليس هذا بدليلٍ سلبيٍّ بل إيجابي لإثبات هذه الحقيقة الدامغة، وإنّا لنعطي العذرَ للقدماء في بعض التشويش الحاصل حول هذه العقيدة، بسبب عدم وجود مثل ما نمتلكهُ اليوم نحنُ من أجهزة ألإتصال والكتابة والإعلام وغيرها لتثبيت تلك الحقائق كما هي. وأنَّ المنجي قد ذكرهُ جميعُ الأنبياء والرسل بما هو أهلُهُ وحلموا بيومه الموعود وذابوا اليه شوقاً.
٥: أنَّ الأملَ الربّانيَّ موجودٌ ومحققٌ لجميع الإنسانية وعلى مدى جميعِ العصور، والمخطّطَ الإلهيَّ الذي رَسَمَهُ عالمُ الغيب والشهادة سارٍ ومُثبَتٍ، ويجري بدقَّةٍ فائقةٍ واللهُ بالغُ أمرهِ، وأنَّ ذلكَ واقعٌ لامحالةَ، لأنَّهُ وعدٌ وعهدٌ الهيّ حتميّ، ويلكُ من الأدلّة والبراهين العقليةِ والنقليةِ(٢) ما لايحصى.٦: أنَّ منجي العالم ليسَ مُلكاً لطائفةٍ من المسلمين أو طائفةٍ من المسيحيين أو طائفةٍ من اليهود.، وليسَ ملكاً لشعبٍ من الشعوب أو أُمَّةٍ من الأُمم.، بل هو أملُ الإنسانيّة جمعاء، ومنقذُ البشريّة، وهو الذي يصلُ بها الى أعلى مقامِ كمالٍ بمقدورها الوصول اليه في هذه النشأة. وأنَّ كُلَّ الشعوب والأُمم تنتظرهُ ك- ( منقذٍ ومخلّصٍ ولكونهِ رجل الله المقدَّس.)، وإن اختلفوا في بعض الشكليّات والإشارات اليه.
____________________
(١) أي في موضوع الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين.
(٢) الواردة في الكتب السماوية المقدسة وصحف الأنبياء والروايات الشريفة.
٧: أنَّ منجي العالم سيأتي بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء والقرآن الكريم بخطّ الأنبياء وأوصيائهم المعصومين وتواقيعهم وتفاسيرهم لكلام الله تعالى فيها، وأن ليسَ هناك إختلاف ولو يسير بين الأنبياء عموماً وبين كتبهم، وأنَّكَ لو أجمعتَ مائة وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ في مكانٍ واحدٍ لما اختلفوا على مسألةٍ واحدةٍ أبداً !، ويأتي بما اختصَّ بهِ الأنبياءِ (ع) من آياتٍ وعلاماتٍ، مثل درعِ وسيفِ وعمامة النبيّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعصا موسى وخاتم سليمان عليه الصلاةُ والسلام،.الخ.
٨: أنَّ عالمَ الإنسان سينتصرُ إنتصاراً إلهيّاً ساحقاً لاهزيمةَ بعدَهُ أبداً بمجيء المصلح الأعظم في يوم الله الموعود وهو: ( المنجي والمخلّص والأملُ والرجاء )، وحلول المعاجز الكبيرةَ في عهده، وذلك عندما يرى ألإنسان رأيَ العين أنَّ الله تعالى يقفُ معهُ وفي صفّه وفي خندقه، ويأخذ بيده الى عالم الحقّ والحقيقة والملكوت ويلمسُ ذلك لمسَ اليد. ولعلَّ القرآن الكريم يشيرُ الى ذلك النصر، بحسب مجرى الآيات في وقائع كثيرة فضلاً عن واقعةٍ معيَّنةٍ أو سببٍ للنزول، وكذلك التأويل وبطون التفسير، ومن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ:
- ( وكان حقّاً علينا نصرُ المؤمنين).(١) .
- ( يُريدونَ ليُطفؤا نورَ الله بأفوههم واللهُ مُتمُّ نوره ولو كرهَ الكفرون. هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدى ودين الحقّ ليُظهرَهُ على الدين كله ولو كَرهَ المشركون)(٢) .
- ( هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدى ودين الحقّ ليُظهرَهُ على الدين كله وكفى بالله شهيداً )(٣) .
____________________
(١) سورة الروم: آية ٤٧.
(٢) سورة الصف: ٨ - ٩. سورة التوبة :٣٣.
(٣) سورة الفتح: آية ٢٨.
- ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنَّ الأرضَ يرثها عباديَ الصالحون. إنَّ في هذا لَبَل-غاً لقومٍ ع-بدين. وما أرسلن-كَ إلاّ رحمةً للع-لمين ).(١)
- ( ونريدُ أن نَمُنَّ على الذين استُضِعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين ).(٢)
- (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّنّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعدخوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً.).(٣)
- ( كتبَ اللهُ لأغلبَنَّ أنا ورُسُلي انَّ اللهَ قويٌّ عزيزٌ)(٤) .
٩: وأنّ منجي العالم يملكُ قواعدَ ومتبنياتٍ عظيمةٍ، ويستندُ الى أُسُسٍ شرعيّةٍ وقانونيَّةٍ وتأريخيةٍ وأخلاقيَّةٍ مقدَّسةٍ لثورته الإلهيّة العظمى، وأنّهُ صنيعةُ ربّ العالمين الذي ادّخَرَهُ الى مرحلةٍ رائعةٍ من تأريخ الحياة البشرية ؛ أَرانا اللهُ وإيّاكم وجميع البشريةِ يومهُ المبارك ووجههُ الشريف، انهُ سميعٌ مجيبٌ.١٠: انَّ التَّتبع العلمي التحقيقي في موضوع الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن الكريم والروايات الشريفة وفي الكتب السماوية المقدَّسة ( العهدين) يقودنا الى حقيقةٍ مهمَّةٍ ناصعة لاغبارَ عليها ولابُدَّ من تثبيتها، وإن قد يعتبرها البعض قاسيةً وليس بمقدوره استساغتها أويصعُبُ عليه الأَخذ بها لضيق أُفقهِ الدّيني والعلمي والنفسي. ولكنَّ الواجب الديني والعلمي والأخلاقي يفرضُ علينا جميعاً تثبيتها سواء كنّا مسلمين أو مسيحيين أو يهود.الخ؛ وهي كون أقرب الناس أو قل الطوائف والمذاهب الدينيَّة الى منجي العالم وأكثرهم معرفةً بهِ هم أتباع أهل البيت (ع) الذين يسمَّونَ ب- ( الشيعة) لأنهم رَوَوا عن منجي العالم نفسه - أي الإمام المهدي (ع) عند المسلمين - حيث روى عنهُ (٥٢) راوياً ، ومعنى ذلك أنَّ رواتهُ (ع) أكثر من روات الإمام الثاني لأتباع أهل البيت(ع) وهو الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) حيث بلغ عدد الروات عنه (٤١) راوياً فقط(٥) ؛ فضلاً عمّا رووهُ عن أئمَّتهم الباقين (ع) عن رسول الله محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم . والعجيبُ في أمرهم أن ليسَ هناك سؤالٌ في هذا الموضوع يوقفهم او لايجدوا لهُ جواباً على عكس الآخرين، بل كلّ ما يخصُّ هذا الموضوع جوابهُ حاضرٌ ومسندٌ الى رسول الله محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله الطاهرين(ع) ومفسَّرٌ بآيات القرآن الكريم.ويأتي من بعهدهم في الدرجة الثانيه اخوانهم (السنَّة) لأنّهم رووا في صحاحهم وكتبهم الأُخرى بأسانيدهم عن رسول الله محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم الكثير الكثير مما جعل علمائهم يقطعون باليقين الغير قابل للشك بظهور منجي العالم في آخر الزمان وهو المهدي (ع)، وكذلك مافسّروا به الكثير من آيات القرآن الكريم بهِعليهالسلام وبعلائم ظهوره المبارك، وما اتصلَ به من بشاراتٍ وأوصافٍ.الخ.
____________________
(١) سورةُ الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٧.
(٢) سورةُ القصص: ٥.
(٣) سورة النور: آية ٥٥.
(٤) سورة المجادلة: آية ٢١.
(٥) انظر: مقدمة موسوعة الفقه الاسلامية ص ٤٣. الشيعة في مسارهم التاريخي،ص٤٢٢.وسائل الشيعة،ج٣٠ص١٦٥.
ثمَّ يأتي المسيحيُّون من بعدهم بالدرجةِ الثالثةِعلى التوالي، وذلك لأنَّ عقيدتهم ثابتَةٌ قطعيَّةٌ في الإنجيل لغزارة ماورد فيه من نزول عيسى بن مريمعليهماالسلام في آخر الزمان وحلول ملكوت الله - أي حكمهُ تبارك وتعالى وتطهير الأرض من الظلمِ والفساد - كما نادى وبشَّر بهِ المسيح(ع) نفسهُ، وكلُّ ذلك حقٌّ وصدقٌ؛ الاّ أنَّهُ ليس هو القائم المنجي للعالم كما جاء في الإنجيل وصرَّح به المسيحُ (ع) جهاراً وعلانيةً، بل وزيرهُ ومساعدهُ وهو الحقُّ اليقينُ المتواترُ عند المسلمين.
ثمَّ يأتي اليهودُ من بعدهم بالدرجة الرابعةِ، لكثرةِ ماورد في أسفارهم المقدَّسة (التوراة) بحتميَّةِ مجيء يوم المنجي والمخلِّص وانتصاره الكبير في يوم الله الأعظم وتطهيرهِ للأرضِ من الرجسِ والفساد.
وهكذا على التوالي تأتي بقيَّةُ الأديان والفلسفات الأُخرى تباعاً وعلى التوالي من حيث الرصيد الديني والعلمي والتأريخي والأخلاقي.وليس معنى كلُّ ما تقدَّم وجودُ عيبٍ او نقصٍ في الأديان السماوية، او تفاوتٍ وخللٍ في ثبوت هذه العقيدةِ الربانيَّة الجليلة - عقيدة منجي العالم- وانما هي حالةٌ طبيعيَّةٌ وترجعُ الى أسبابٍ موضوعيَّةٍ منها:أ: البعدُ الزمني الكبير ومؤثّراتهِ السلبيّةِ وما طرأَ على الكتبِ المقدّسةِ، وضياعِ كتبِ الأديان الأصليَّة، وعدم وصول الكثير من تراث الرسلِ والأنبياءِعليهمالسلام الينا.ب: كما لايخفى على الجميع حالة التكامل التدريجي للأديان - والمقصود على المستوى البشري وليس التشريعي لأنَّ المشرَّع واحدٌ فردٌ صمدٌ تقدَّست أسماؤهُ - وذلك بتطوّر الإنسان ومدى قربهِ من حلول يوم الله الأعظم وحكمهِ الأتمّ؛ وذلك واضحٌ بيّنٌ اذ أنَّ ما جاءَ به المسيحُ (ع) أشمل وأعظم مما جاء به الكليمُ موسى(ع)، والشريعة الخاتمة التي جاءَ بها الرسول الأكرم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أشمل وأكمل وأعظم من الجميع، وهذه سنَّةٌ الهيَّةٌ ثابتةٌ منذُ فجر الإنسانيةِ الأول والى ظهور منجي العالم حيث يعطيعه الله تبارك وتعالى ما لم يُعطهِ أيَّ أحدٍ قبلهُ من الخلقِ أبداً :من حيث تمام العلم، وتمامُ السلطةِ الربانيّةِ على الكون، ومظهر الخلافةِ الإلهية الأعظم، وحكمهُ اللدُنيّ المباشر من غير بيّنةٍ يحتاجها، وتجلّي حكمُ الله وملكوتُهُ وجمالهُ وجلالُه بخليفته ووليّه في الأرض (منجي العالم).
وفي الختام :
أُقدّمُ اعتذاراً قلبيّاً وروحيّاً عميقاً وحارّاً الى مولانا منجي العالم عليه الصلاةُ والسلام، لأنَّ ما بذلتُهُ كانَ قليلاً بحقِّهِ، ولايليقُ الاّ بشيءٍ يسيرٍ من مقامهِ الربانيِّ الشامخِ المنيف، ولكنّهُ كانَ بمثابةِ لَبِناتٍ أعتقدُ أني وضعتها في مكانها المناسبِ والصحيح، لكي يستفيد منها من يُحسِنُ البناء ؛ والله وليُّ التوفيق.
وآخرُ دعوانا أَنِ الحمدُ للهِ ربّ العالمين، والصلآةُ والسلامُ على محمدٍ وآلهِ الطيبيين الطاهرين وصحبهِ المنتجبين، وعلى معاشرِ الأنبياءِ والمرسلين وأوصيائهم أجمعين والشهداء والصالحين، ورحمةُ الله وبركاته.
فَهْرَسُ مَصادِرِ البَحْثِ
مصادر البحث
١ - القرآن الكريم، كتاب الله تبارك وتعالى.
٢ - الأبطحي، السيد حسن، المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ترجمة السيد هادي السليماني، مؤسسة البلاغ، ط ١، ١٤١٤ هق - ١٩٩٤ م، بيروت، لبنان.٣ - الخليلي، جعفر الخليلي، موسوعة العتبات المقدَّسة ،الجزء الثاني عشر، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هق - الأعلمي، بيروت، لبنان.
٤ - إبن كثير، اسماعيل، البداية والنهاية، ط ١، بيروت، دار احياء التراث العربي، ١٩٩٧ م.
٥ - آل ياسين، الشيخ محمد حسن، أصول الدين، ط ١، مؤسسة قائم آل محمد (عج).
٦ - الآلوسي، محمود، تفسير روح المعاني، ط ١،بيروت،دار الكتب العلمية،
١٩٩٤ م.
٧ - آملي، جوادي، التوحيد في القرآن، ط ١، بيروت، دار الصفوة، ١٩٩٤ م.
٨ - أمين، د: أحمد، المهدى والمهدويه
٩ - الأميني، الشيخ عبد الحسين أحمد، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة ١٣٩٧ ه - ١٩٧٧ م.
١١ - ابن الاثير، لأبى الحسن على بن أبى الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الاثير، اسد الغابة في معرفة الصحابة، انتشارات اسماعيليان طهران، ايران.
١٢ - ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الإصابة في تميز الصحابة، دراسة وتحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود و الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة الاولى ١٤١٥ ه - ١٩٩٥ م.
١٣ - ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن المعروف (بالملاحم والفتن )، ط الأولى، ١٥ شعبان ١٤١٦، نشاط، اصفهان، مؤسسة صاحب الأمر عجل الله فرجه.
١٤ - ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد، سعد السعود، منشورات الرضي، طبعة أمير، قم.
١٥ - ابن عربي ،الشيخ محيي الدين ،شرح فصوص الحكم ل- ( داوود القيصري)، تحقيق آية الله حسن زادة آملي، بوستان كتاب قم، ط ١، ١٤٢٤ ق - ١٣٨٢ ش، قم، ايران.
١٦ - ابن ماجة - الحافظ ابي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
١٧ - اسكندر، عماد كامل عبده، الكتاب المقدّس باللغة العربية، ٧٣ سفراً، الإصدار الثاني، ٢٦ فبراير ٢٠٠٢ م، مصر.
١٨ - البحراني، السيد هاشم، غاية المرام.
١٩ - برنيري،ماريا لويزا برنيري، Jourmey theough Utopi ،ترجمة عطيات أبو السعود في عالم المعرفة، رقم ٢٢٥ عدد أيلول / سبتمبر ١٩٩٧ م.
٢٠ - البلاغي، محمد جواد، الرحلة المدرسية، نشر توحيد، ١٩٩٣ م.
١. ابن كثير، اسماعيل، قصص الانبياء، ط ١، بيروت، دار ابن كثير، ١٩٩٢ م.
٢١ - بنتلي، جيمس اكتشاف الكتاب المقدس، ترجمة آسيا محمد الطريحي، ط ١، مصر، سينا للنشر، ١٩٩٥ م.
٢٢ - الترمذي، الامام الحافظ أبى عيسى محمد بن سورة الترمذي، سنن الترمذي وهو الجامع الصحيح ،حققه وصححه عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر للطباعة والنشر.
٢٣ - الصدوق، أبى جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمى، الخصال، تصحيح وتعليق على اكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم المقدسة، ١٨ ذى القعدة الحرام ١٤٠٣، ٥ شهريور ١٣٦٢.
٢٤ - تفسير العهد الجديد، ط ٢، القاهرة، دار الثقافة، ١٩٨٨ م.
٢٥ - تفسير العياشي، محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي، كتاب التفسير،تصحيح وتحقيق وتعليق الفاضل السيد هاشم الرسولي المحلاتي ،المكتبة العلمية الاسلامية ،تهران.
٢٦ - الحداد، يوسف درّة، الانجيل في القرآن، ط٣، بيروت، المكتبة البوليسية، ١٩٩٣ م.
٢٧ - الحر العاملي , المحدث الشيخ محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق مؤسسة آل بيت (ع) لإحياء التراث ١٤١٤ ق- ١٣٧. قم، ايران.
٢٨ - الحرانى، أبو محمد الحسن بن على بن الحسين بن شعبة الحرانى، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم، تصحيح وتعليق على اكبر الغفاري، الطبعة الثانية ١٣٦٣ - ش ١٤٠٤ - ق مؤسسة النشر الاسلامي ( التابعه ) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران).
٢٩ - الحسكاني، الحافظ الكبير عبيد الله بن احمد المعروف بالحاكم الحسكاني الحنفي النسابوري، شواهد التن-زيل، تحقيق وتعليق الشيخ محمد باقر المحمودي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي مجمع أحياء الثقافة الاسلامية، الطبعة الاولى ١٤١١ ه - ١٩٩٠ م طهران، ايران.
٣٠ - حكيمي، محمد رضا، الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، الدار الإسلامية، ط ١، ١٤٢٣ هق - ٢٠٠٣ م، لبنان.
٣١ - الحيدري، كمال، التوحيد بحوث في مراتبه ومعطياته، ط ٢، دار فراقد، ٢٠٠٢ م.
٣٢ - خرازي، محسن، بداية المعارف الإلهية، ط ١، قم، الحوزة العلمية، ١٤١١ ه-.
٣٣ - الخزاز، ابى القاسم على بن محمد بن على الخزاز القمى الرازي، كفاية الأثر في النص على الائمة الاثني عشر، تحقيق السيد عبد اللطيف الحسينى الكوه كمرى الخوئى، انتشارات بيدار، مطعة الخيام - قم ( ١٤٠١ ه ).
٣٤ - الخضري، د. حنّا، تأريخ الفكر المسيحي، ط ١، القاهرة، دار الثقافة، ١٩٨١ م.
٣٥ - الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، فقه السيد الخوئي، كتاب الطهارة.
٣٦ - الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، البيان في تفسير القرآن ،دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة، ١٣٩٥ - ١٩٧٥ م.
٣٧ - خوّام الأب، د.منير، المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية، ط١، بيروت، ١٩٨٣ م.
٣٨ - الخونساري، أحمد، العقائد الحقة، ط ١، قم، منشورات الدليل، ١٤٢١ ه-.
٣٩ - الراغب الاصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٧ م.
٤٠ - الزين، محمد فاروق، المسيحية والإسلام والاستشراق، ط ٢، دمشق، دار الفكر، ٢٠٠٢ م.
٤١ - السبحاني، جعفر،مفاهيم القرآن،ط٢،قم،انتشارات توحيد،١٤٠٢ ه-.
٤٢ - السيوطي، أبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي الشافعي، لباب النقول في أسباب الن-زول ،ضبط وتصحيح الأستاذ احمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
٤٣ - السيوطي، الامامين الجليلين العلامة جلال الدين محمد بن أحمد المحلي والعلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تفسير الجلالين- المحلي، دار المعرفة، بيروت. لبنان.
٤٤ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن أبى بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر بيروت - لبنان.
٤٥ - الشهرستاني، أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد ،الملل والنحل، تحقيق محمد سيد گيلاني ماچستر من كلية آداب جامعة القاهرة، دار المعرفة ،بيروت - لبنان.
٤٦ - الشيخ، علي الشيخ، هبة السماء ( رحلتي من المسيحية الى الإسلام )، دار الصادقين، المركز الدولي في ايران، ط ١، ٢٠٠٠ م.
٤٧ - الشيخ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، ط الأولى ،١٤٢٠هق، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة، ايران.
٤٨ - الصادقي، العلامة الدكتور محمد، الإسلام في الكتب السماوية.
٤٩ - الصادقي، د.محمد، عقائدنا، ط ٢، بيروت، مؤسسة النور للمطبوعات، ١٩٩٤ م.
٥٠ - الصدوق، أبى جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمى، الخصال،
٥١ - الصدوق، أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى ،كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الاسلامي ( التابعة ) لجماعة المدرسين بقم المشرفة ( ايران )، محرم الحرام ١٤٠٥ - الموافق ل: مهر ١٣٦٣.
٥٢ - الصدوق، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، معاني الأخبار ،تصحيح علي أكبر الغفاري، انتشارات اسلامي، جامعة المدرسين، قم ١٣٦١ ه- ش.
٥٣ - الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.
٥٤ - طباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ط ١٩، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤٢٣ ه-.
٥٥ - الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان، ط ١، بيروت، دار احياء التراث العربي، ١٩٨٢ م.
٥٦ - الطبري، محمدبن جرير، تاريخ الطبري، ط١، بيروت، مؤسسة الاعلمي، ١٩٩٨م.
٥٧ - الطبسي، الشيخ محمد جواد، الإمام المهدي المصلح العالمي المنتظر، دار الهدى ،ط ١، ١٤٢٦ هق - ١٣٨٤ هش، نقله الى العربية عبد السلام الترابي، قم، ايران.
٥٨ - الطبسي، الشيخ نجم الدين، جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)،ط ١، ١٤٢٥هق - ٢٠٠٤م، دار اللواء، بيروت، لبنان.
٥٩ - الطهطاوي، محمد عزت، النصرانية في الميزان، ط ١، دمشق، دار القلم، ١٩٩٥ م.
٦٠ - طويله، عبد الوهاب عبد السلام، المسيح المنتظر ونهاية العالم، دار السلام، ط ١ ،١٩٩٩ م - ١٤١٩ ه-، القاهرة، مصر.
٦١ - طَي، د. محمد، المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، الغدير للدراسات والنشر، ط ١، ١٤٢٠ هق - ١٩٩٩م، بيروت، لبنان.
٦٢ - العاملي، الشيخ محمد بن الحسن الحر، وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة ،تحقيق مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث، قم المشرفة ،١٤١٤ ق = ١٣٧٢ه- ش، الطبعة الثانية، المطبعة: مهر.
٦٣ - عبد الواحد، د. علي عبد الواحد، الأسفار المقدسة في الأديان السابقة، دار الكتب، القاهرة، مصر.
٦٤ - عتريسي، الشيخ جعفر، ماقبل نهاية التأريخ، دار المحجة البيضاء - دار الرسول الأكرم، ط ١، ١٤٢٣ هش - ٢٠٠٣ م، بيروت لبنان.
٦٥ - عرب ،الأستاذ أمير، المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، دار الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، دار المجة البيضاء، ط ١، ١٤١٨ هق - ١٩٩٨ م، بيروت، لبنان.
٦٦ - العلمي، عبد الله، سلاسل المناظرة الإسلامية النصرانية، ط ١، ١٩٧٠ م.
٦٧ - عمرو، الشيخ يوسف محمد ،المسيح الموعود والمهدي النتظر، دار المؤرّخ العربي، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٢٣ ه- - ٢٠٠٢ م.
٦٨ - الغزالي، أبي حامد، الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل، تركيا، دار الشفقة، ١٩٩٤ م.
٦٩ - الفخر الرازي، التفسير الكبير، ط ١، بيروت، دار احياء التراث العربي، ١٩٩٥ م.
٧٠ - فرانس، ر.ت، التفسير الحديث للكتاب المقدس، ط ١، القاهرة، دار الثقافة، ١٩٩٠ م.
٧١ - الفغالي، الخوري بولس، المدخل إلى الكتاب المقدس، ط ١، بيروت، المكتبة البوليسية، ١٩٩٤ م.
٧٢ - القرطبي، لابي عبد الله محمد بن أحمد الانصاري القرطبي، الجامع لاحكام القرآن،طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان ١٤٠٥ ه - ١٩٨٥ م.
٧٣ - الكتاب المقدس، ط ١، بيروت ،دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، الإصدار الثاني ١٩٩٥.العهد الجديد، ط ١، الإصدار الرابع ١٩٩٣ م.
٧٤ - الكليني، ثقة الاسلام الشيخ أبى جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني الرازيرحمهالله المتوفى سنة ٣٢٨ / ٣٢٩ ه ،الكافي، تعليق: على اكبر الغفاري، دار الكتب الاسلامية، طهران، الطبعة الثالثة.
٧٥ - الكليني، محمد بن يعقوب، الاصول في الكافي، ط ٣، طهران، دار الكتب الاسلامية، ١٣٧٥ ه- ش.
٧٦ - الكوراني، الشيخ علي العاملي، معجم أحاديث الأمام المهدي.
٧٧ - الكوفي، فرات بن إبراهيم الكوفي، تفسير فرات الكوفي، الطبعة الاولى ١٤١٠ ه - ١٩٩٠ م طهران.
٧٨ - الأصفهاني، ميرزا محمد تقي، مكيال المكارم، قم، ايران.
٧٩ - لوقا، ابراهيم، المسيحية في الإسلام، ط ٥، ١٩٩٥ م.
٨٠ - ماكدويل، جوش، نجار وأعظم، ترجمة سمير الشوملي، حياة المحبة في الشرق الاوسط.
٨١ - المالكي، أحمد بن ادريس، الاجوبة الفاخرة، ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٨٦ م.
٨٢ - مجلة الجامعه الاسلاميه: العدد ٣.
٨٣ - المجلسي، محمد باقر المجلسيى، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية المصححة ١٤٠٣ ه - ١٩٨٣ م.
٨٤ - المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ط ٣، بيروت، دار إحياء التراث العربي،١٩٨٣م.
٨٥ - مجموعة علماء، معجم اللاهوت الكتابي، ترجمة المطران انطونيوس نجيب، بيروت، لبنان.
٨٦ - مجموعة علماء، التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، القاهرة، ١٩٩٧ م.
٨٧ - مجموعة علماء، قاموس الكتاب المقدس، ط١٠، القاهرة، دار الثقافة، ١٩٩٥م.
٨٨ - مدن، يوسف مدن، سيكلوجية الأنتظار،دار الهادي،ط ١، ١٤٢٢ ه- - ٢٠٠٢ م، بيروت - لبنان.
٨٩ - مصباح، محمد تقي، معارف القرآن، تعريب عبد المنعم الخاقاني، ط ٢، بيروت، ١٩٩٠ م.
٩٠ - المظفر، محمد رضا، عقائد الإمامية، ط ١، قم، مؤسسة الإمام علي، ١٤١٧ ه-.
٩١ - مفرج، طوني، موسوعة المجتمعات الدينية في الشرق الاوسط، ط ١، بيروت، ١٩٩٥ م.
٩٢ - المفيد، ألشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي محمد بن النعمان، الإرشاد، ط ٣، ١٣٩٩ه- - ١٩٧٩م، ونفس الطبعة لسنة ١٤١٠ه- - ١٩٨٩م، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.
٩٣ - مكدونالد، وليم، تفسير الكتاب المقدس، بيروت، ١٩٩٨ م.
٩٤ - المندلاوي ،محمد محمود، نهاية صراع الأديان بظهور المهدي في آخر الزمان، دار المحجة البيضاء - دار الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ط ١، ١٤٢٢ ه- ٢٠٠١ م.
٩٥ - مهاوش، الاستاذ عوده مهاوش الأردنى، الكتاب المقدس تحت المجهر، ط أولى، إستان رضوي مقدَّس، مشهد المقدّسة، إيران. ونفس الطبعة الأولى، أنصاريان، قم، ايران.
٩٦ - موسوعة الاديان في العالم (المسيحية)، دار كريبس انترناشيونال،٢٠٠١ م.
٩٧ - الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، تحقيق دار الحديث، ط١، قم، دارالحديث، ١٤١٦ ه-.
٩٨ - النصيري الواسطي، الأستاذ الشيخ كاظم ،أهلُ البيت (ع) في الكتاب المقدس، ط ١، ١٩٩٧ م.
٩٩ - النمازي، الشيخ علي النمازي الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث.
١٠٠ - نور الأبصار: للعلامه المازندرانى، قم المقدَّسة، ايران.
١٠١ - الهيتمي، احمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري، الصواعق المحرقه على أهل البدع والضلال والزندقة، دار الكتب العلمية، ١٤٠٣ ه- - بيروت - لبنان.
١٠٢ - ابو حبيب، د. سعدي، القاموس الفقهي.
١٠٣ - زين العابدين، د. محمود، قواعد اللغة العربية.
١٠٤ - المازندراني، ملة صالح، شرح اصول الكافي.
١٠٥ - كمال، د. ربحي كمال، المعجم الحديث، عبري - عربي
١٠٦ - النيسابوري، محمد بن الفتال الشهيد، روضة الواعظين، منشورات الرضي قم - إيران.
١٠٧ - النّيلي، عالم سبيط، الطُّورُ المهدوي، دار المحجة البيضاء، ط ١، ١٤٢٤ هق - ٢٠٠٣ م ،بيروت لبنان.
١٠٨ - الهاشمي، العلامة السيد باسم، المهدي والمسيح، دار المحجة البيضاء - دار الرسول الأكرم، ١٩٩٤ م - ١٤١٤ه-، بيروت، لبنان.
١٠٩ - الهندي، رحمة الله بن خليل الرحمن، اظهار الحق، دار الجيل، بيروت، لبنان.
١١٠ - مجلة مجموعة الحكمة، السنة الثالثة، العدد ١ - ٢.
الفهرس
رسالة ماجستير الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين الشيخ كاظم مزعل جابر الأسدي ٣
الاهداء: ٥
كلمةُ شكرٍ وتقدير ٦
خُلاصةُ البحث: ٧
المقدّمة ٩
الفصل الأوّل: الكليّات (حول القرآن والعهدين) ١٣
المبحث الأوّل: نظرة في القرآن الكريم ١٤
أوَّلاً: تعريفٌ بالقرآن الكريم نزول القرآن الكريم : ١٥
إعجاز القرآن وبلاغته: ١٧
ثانياً: خصائصُ القرآن وامتيازاته عَمَّن سواه من الكتب السماويَّة بلاغة القرآن معجزة إلهية : ١٨
القرآن معجزة خالدة : ٢٠
القرآن والمعارف : ٢١
القرآن والاتقان في المعاني : القرآن والاخبار بالغيب : ٢٣
القرآن وأسرار الخليقة : ٢٥
مقام القرآن الكريم وأهميَّته وخصائصهُ : ٢٨
٣: تقييمهُ العلمي مقارنتةً بالكتب الأُخرى : ٢٩
المبحث الثاني: نظرةٌ في الكتاب المقدّس (العهدين) أوَّلاً: التعريفُ بالكتاب المقدّس (العهدين) ٣٠
ثانياً :التَّقييم العلميّ الحديث للعهدين ٣٨
آفاتُ الترجمة وما يرتبطُ بها : الفروقات بين مترجمي العهدين : ٤٢
الفصل الثاني: قدسيّةُ ومقامُ منجي العالم وضرورة وجوده ٤٤
تمهيد: قدسيّةُ ومقامُ منجي العالم وضرورة وجوده ٤٥
المبحث ألأول: ضرورة وجود المنجي ٤٦
اولاً :العقائدُ العامّةُ لجميع البشر بمنجي العالم وحتميّة مجيء يومه الموعود ٤٩
ثانياً: في القرآن الكريم والروايات الشريفة ٦٤
ثالثاً: في العهدين ٦٩
المبحث الثاني: قُدسيَّةُ ومقامُ مُنجي العالم بلسان الأنبياء (ع) اولاً: في القرآن الكريم ٧٠
ثانياً: في العهدين ٧١
الفصل الثالث: حوادث ماقبل ظهور منجي العالم ٧٨
المبحث الأول: حالة العالم قبل ظهور المنجي ٧٩
المبحث الثاني: آيات وعلامات ما قبل ظهور منجي العالم ٨٥
المبحث الثاني: آيات وعلامات ما قبل ظهور منجي العالم أوّلاً: نداء السماء باتّباع منقذ البشريّة ٨٦
ثانياً: الدجّالُ والخسفُ وسفكُ الدماءِ ٩٢
ثالثاً: اليأس الذي يعمُّ العالم ٩٣
الفصل الرابع: أحداث ظهور منجي العالم ومابعد الظهور ٩٧
تمهيد: أحداث ظهور منجي العالم ومابعد الظهور ٩٨
ثانياً: الضيقُ والحرجُ والعسرُ وتضرُّر المؤمنين ١٠٦
المبحث الثاني: أوصافُ القائم المنجي ١٠٨
اولاً: أوصاف القائم المنجي في القرآن والروايات ١٠٩
ثانياً: أوصاف القائم المنجي في العهدين ١١٤
المبحث الثالث: أوصاف حكومة منجي العالم ودولته المبحث الثالث: أوصاف حكومة منجي العالم ودولته ١١٧
أوّلاً: حكم منجي العالم بالعدل والإنصاف ١١٨
ثانياً: إنتقام المصلح الأعظم من الظالمين ١٢٠
ثالثاً: حلول السلام في عهد المنجي ١٢٢
رابعاً: سموّ المعارف في عهد منجي العالم ١٢٤
خامساً: الحكومة الإلهية العالمية الواحدة ١٢٨
جمعُ الإرث الإلهي في الدولة العالمية وتوحيده : الدولةُ العالمية والإرث الإلهيّ في القرآن والعهدين ١٣٠
الفصل الخامس: قواعِدُ ومُتَبنّياتُ ثورة المنجي في القرآن والعهدين ١٣٢
تمهيد: قواعد ومتبنّيات ثورة المنجي في القرآن والعهدين المبحث الأول: «الأسس الشرعيّة والتأريخيّة لثورة المصلح العالميّة» ١٣٣
اولاً: في القرآن والروايات الشريفة ١٤٠
ثانياً: في العهدين ١٤١
فَهْرَسُ مَصادِرِ البَحْثِ ١٥٤
الفهرس ١٦٢